عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - كاظم حبيب

صفحات: [1] 2 3
1
كاظم حبيب
ما القديم الجديد في الدولة العجائبية والغرائبية العراقية؟
من يتابع تصريحات الأحزاب والقوى والسياسيين، بمن فيهم، وأكثرهم، من أصحاب النعمة الحديثة المنهوبة وسياسيي الصدفة، يجد أنها تدور عن رفضهم للمحاصصة الطائفية والدعوة للدولة المدنية، حتى المرجعية الشيعية التي يفترض ألَّا تتدخل بالسياسة، تتدخل من أوسع أبوابها وتؤذي سمعتها ودورها الديني والاجتماعي ومكانتها في المجتمع العراقي. ولكن هل حقاً هناك تحول إلى الدولة المدنية العابرة للطائفية والأثنية، أم لا تزال المحاصصة الطائفية والدولة الطائفية بسلطاتها الثلاث هي السمة والسياسة الفعلية للقوى الحاكمة ومن معها من الأحزاب والقوى السياسية العراقية؟ هل أعاد القديم القائم إنتاج نفسه باسمٍ دعائي كاذبٍ وفاشلٍ جديد؟ 
لقد أُبعدت هوية المواطنة والوطن وكُرّست الهوية الفرعية القاتلة، لقد انتخب رئيس مجلس النواب على أساس هوية فرعية هي المذهب السني في الإسلام المستباح، وانتخب على ذمة المعلومات السائدة بدفع مبلغ طائل يصل إل 30 مليون دولار لكي يصبح رئيساً للمجلس، ونائب الرئيس الأول شيعي المذهب في الإسلام المستباح أيضاً، والنائب الثاني كردي الهوية، ولا أدري ما هي المبالغ التي دفعت لهذين المنصبين، على وفق ما جاءت به النائبة ماجدة التميمي حول رئيس المجلس وطريقة انتخابه ودور أبو أحمد الجبوري في المسألة!! فما هو الجديد في المؤسسة التشريعية العراقية؟ هل تحولت إلى مؤسسة مدنية حقاً ومواطنة عراقية حقاً أم لا تزال كما كانت طائفية وأثنية حتى النخاع؟ في هذه السلطة التشريعية لا يجوز لمسيحي أو مندائي أو إيزيدي أو تركماني مخلص وأمين ومثقف عالي المستوى أن ينتخب لهذه المواقع الثلاثة، بل لا بد أن يكون سنياً وشيعياً وكردياً على التوالي!! فهل هذا يتناغم مع حقوق الإنسان، بل حتى مع الدستور العراقي الراهن؟
والآن يأتي دور رئيس الجمهورية، إذ لا بد أن يكون كردياً، بل وأكثر من ذلك، لا بد أن يكون من حصة الاتحاد الوطني الكردستاني؟ وهنا استبيحت هوية المواطنة العراقية لصالح الهوية الفرعية أيضاً، سواء أكانت قومية أم دينية أم مذهبية. والسؤال لماذا لا يحق للمسيحي والمندائي والإيزيدي والتركماني أن يرشح وينتخب لهذا الموقع المهم في الدولة العراقية، وهم، على وفق الدستور العراقي، مواطنون من الدرجة الأولى؟ هل هذه الدولة التي تنتخب رئيس البلاد، ولو شكلياً، على أساس محاصصة وليس على وفق مبدأ المواطنة، هي دولة مدنية وديمقراطية؟ ليس هناك عاقلاً واحداً بالبلاد يصدق هذه الفرية أو الكذبة التي ترددها الأحزاب الإسلامية السياسية، ولاسيما ميليشياتها الطائفية المسلحة؟ الوحيدون الذين يمكن أن يصدقوا كذبتهم هم المدعون كذباً أنهم يبنون دولة ديمقراطية ومجتمعاً مدنياً!!! هذا ما سيحصل يوم 25/09/2018 في انتخاب أحد مرشحي الكتل الكردية. ليس هناك اعتراض على انتخاب كردي لهذا المنصب ولأي منصب آخر في الدولة العراقية، بل الاعتراض أنه ينتخب على أساس المحاصصة الأثنية والطائفية في دولة طائفية بامتياز وبعيدة كل البعد عن مبدأ المواطنة والهوية الوطنية! هنا تحدثنا عن الذكور في الانتخابات في حين أن المرأة محرومة كلية من كل هذه المناصب، وهو امر بالغ الخطورة في دولة أكثر من نصف سكانها من النساء، إنه المصادرة الحقيقية لحقوق المرأة ومساواتها في المجتمع!
وسيأتي بعد ذلك إيجاد مرشح من الأحزاب والقوى الشيعية لينتخب رئيساً لوزراء العراق حصراً! هنا يأتي السؤال العادل والمشروع: لماذا هذا الحصر بالشيعة لو كانت الأحزاب والقوى السياسية العراقية تريد بناء دولة مدنية وديمقراطية، وتريد الخروج من عنق الزجاجة الطائفية التي حُشر العراق فيها حشر وهو يختنق فيها ومنها يومياً، وتجد تعبيرها في واقع العراق الدامي والمرير؟ لماذا لا يكون مواطناً أو مواطنة من أي دين أو مذهب أو قومية أو من أي حزب يحدده الناخب الحر والديمقراطي والذي يحترم ضميره وذمته؟
سيأتي مجلس الوزراء على شاكلة سلفه البائس والمحنط والذي عجز عن محاربة الفساد والفاسدين المتربعين على مواقع الدولة العراقية بكل سلطاتها ومؤسساتها المدنية والعسكرية والميليشياوية المسلحة وهم يحتلون كل الوظائف الأساسية بل حتى الكثير من الثانوية في البلاد وعلى أساس طائفي أو أثني وحزبي، كما عجز عن تحسين ولو جزئياً من الخدمات التي يفترض أن تقدم للشعب، بل زاد في الطين بِلة. والمكسب الوحيد الذي لعب دوره فيه هو تحرير العراق من داعش، وأن لم ينتهِ بعد! وهو مكسب كبير.
أما الحديث عن التغيير فأقرأ أيها المواطن العراقي، واقرأي أيتها المواطنة العراقية، السلام لا على التغيير فحسب، بل وعلى الإصلاح الذي تبخر فعلاً، بعد هذه الطريقة في انتخاب رئيس المجلس ونائبيه، وما سيلحقه من انتخاب رئيس الجمهورية ومن ثم اختيار رئيس الوزراء، فنقرأ جميعاً على الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي في العراق السلام، إلى حين أن ينهض الشعب ليكنس الرثاثة السائدة في البلاد.
إن من واجب القوى الديمقراطية والتقدمية واليسارية العراقية أن تكون صريحة وجريئة وواضحة حول ما يجري في العراق، عليها فضح ما يجري وليس السكوت عنه وابتلاع اللغم الذي سيتفجر بصيغة ما في داخلها وفي المجتمع.
العراق أمام وضع صعب ومعقد للغاية، لاسيما وهناك محاولات جادة لمساومة قذرة في غير صالح العراق تبدو متحركة في سماء السياسة العراقية الملبدة بالغيوم الكثيفة، حيث إيران تمارس ضغوطاً بصورة مرعبة ومدمرة لاستقلال وسيادة العراق ولطموح الناس في دولة ديمقراطية ومجتمع مدني حديث. إننا أمام وضع شبيه بما جاء في تلخيص صائب وصادق لندوة نقاشية جرت في مجلة الثقافة الجديدة العراقية والتي أشار الملخص السيد عادل عبد الزهرة فيها إلى الحقيقة التالية:     
"هناك أزمة هيكلية ولا يمكن الحديث عن اصلاح في ظل ادارة دولة مهدمة ،أصبحت السياسة في العراق عبارة عن توزيع المغانم، يحتاج الإصلاح الى مصلحين كما تحتاج الديمقراطية الى ديمقراطيين، ليس لدينا مصلحين في العراق بسبب وجود معوقات وسيطرة عقول فاشلة على الدولة، إضافة إلى سيطرة الفساد وعملية النهب المنظمة، أذا أردنا الإصلاح فنحتاج إلى مصلح محاط بقاعدة اجتماعية مساندة، الإصلاح منظومة اجراءات تحتاج إلى أدوات ومؤسسات قانونية والى ادارة عملية الإصلاح ،البيئة الاقليمية والدولية هي بيئة طاردة لعملية إصلاح العراق، العراق فضل المكوناتية على المواطنة، لدى العراق رقم قياسي في التوافقية وليس الدستورية، الاستجوابات في البرلمان العراقي هي لأغراض الاسقاط السياسي وليس كما في البرلمانات في العالم، الفساد في العراق ظاهرة وليس حالة وهو ليس عفويا وعشوائيا وانما هو ممنهج وهو من أخطر الأمراض ربما يتجاوز الإرهاب، ننظر إلى العراق من ثقب المكونات وليس من البوابة الوطنية العراقية، هناك سوء فهم للفيدرالية في العراق وعلينا أن ننظر إليها نظرة صحيحة، ينبغي أن تقوم المؤسسة العسكرية على أساس المواطنة، قضية بيع المناصب تعكس درجة الاستخفاف بالمؤسسات، .." إلخ. (راجع: مجلة "الثقافة الجديدة" تقيم حوله طاولة مستديرة: اصلاح النظام السياسي في العراق – الواقع والرهانات، مركز الاتصالات الإعلامية (ماتع)، الحزب الشيوعي العراقي). والمقصود بالمكوناتية، الطائفية والأثنية، والتوافقية تعني هنا عملياً المساومة المخلة بالدستور! (ك. حبيب).
       

2


كاظم حبيب
حوار موضوعي وهادف حول طبيعة ومهمات منظمات ونشطاء حقوق الإنسان
بعد نشر مقالي الموسوم "خلوة مع النفس بصوت مسموع حول الموقف من حقوق الإنسان" وصلتني مجموعة من الرسائل التي تؤيد الأفكار الأساسية الواردة في المقال المذكور، وتدعو إلى مناقشة تلك الأفكار والملاحظات في منظمات حقوق الإنسان العراقية في الداخل والخارج. ومن بينها كانت رسالة الأخ الأستاذ المهندس الاستشاري نهاد القاضي، أمين عام هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق، والأخ صبحي حجو والدكتور خليل عبد العزيز وأخوات وأخوة آخرين. كما وصلتني رسالة مهمة من الصحفي العراقي المميز والكاتب الأستاذ صلاح النصراوي يناقش فيها المقال ويطرح أفكاراً تستحق وتستوجب المناقشة. يجد القراء رسالته الكريمة في نهاية مقالي ومناقشتي المكثفة لما ورد فيها من أفكار وملاحظات، لكي يتسنى للقارئات والقراء الاطلاع على أفكاره بشكل مباشر.
أود أن أقدم شكري الجزيل وامتناني للزميل العزيز والصديق الأستاذ صلاح النصراوي على خوض النقاش الهادف والهادئ مع الأفكار التي وردت في مقالي سالف الذكر، بغض النظر عن اتفاقي أو اختلافي مع بعض ملاحظاته والتي سأبينها في مناقشتي في هذا المقال والتي وافق على نشر رسالته الشخصية، إضافة إلى تقديره الذي اعتز به حول مقالاتي التي تصله مني مباشرة.
ابتداءً أشير إلى أن هذا المقال هو ليس المقال الأول الذي أنشره عن المشاكل التي تواجهها منظمات حقوق الإنسان والنشطاء فيها، بل نشرت قبل ذاك عشرات المقالات حول هذا الموضوع وعموم الشرعة الدولية لحقوق الإنسان في موقع الحوار المتمدن وصوت العراق والناس وفي جريدة العالم البغدادية وغيرها. وآخر مقال نشرته في هذا الصدد جاء بعنوان "مادة للمناقشة: سبل وأدوات تنشيط وتجديد حركة حقوق الإنسان بالعراق"، في موقع الحوار المتمدن بالعدد 5717 في 04/12/2017، ولهذا اتفق تماماً مع الزميل صلاح النصراوي على الفقرات أولاً وثانياً الواردة في رسالته، في حين اختلف معه جزئياً أو أكثر في ثالثاً ورابعاً وخامساً. وعليه سأركز نقاشي على النقاط الثلاث الأخير والتي تدور النقطة ثالثاً حول موقف منظمات حقوق الإنسان من حقوق الفرد وحقوق القوميات أو الأثنيات في بلد متعدد القوميات أو الأثنيات، ثم النقطة رابعاً حول الموقف من حق الشعوب من تقرير مصيرها بنفسها، بما في ذلك حقها في الانفصال وتشكيل دولها المستقلة، والنقطة خامساً حول مسألة الفصل بين ما هو فردي في حقوق الإنسان، وما هو جماعي كحق القوميات في تقرير مصيرها بنفسها.
1. من المعروف أن منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان لا تلتزم من حيث المبدأ، وبسبب طبيعة عملها الطوعي، باللائحة الدولية لحقوق الإنسان الصادرة في العاشر من شهر كانون الأول/ديسمبر 1948 فحسب، بل وبالشرعة الدولية لحقوق الإنسان والتي تتضمن خمس وثائق دولية مهمة هي: 1- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، 2- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، 3- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، 4- البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بشأن تقديم شكاوي من قبل الأفراد، 5- البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بهدف العمل على إلغاء عقوبة الإعدام. كما صدرت وثائق كثيرة أخرى ضمن هذه المجموعة من الوثائق منها مثلاً: حقوق المرأة وحقوق الطفل وضد التعذيب وحقوق الشعوب الأصلية والحق في بيئة نظيفة...الخ. هذه كلها تقع ضمن حقوق الإنسان الفرد وضمن حقوق الجماعات البشرية من قوميات أو أتباع ديانات ... إلخ. والفرد الذي ينتمي لمنظمات حقوق الإنسان لا يمكنه أن ينتقي من هذه الوثائق ما يعجبه ويترك الوثائق الأخرى التي تشكل جزءاً أساسياً من حقوق الفرد في إطار الجماعة التي ينتمي إليها، فاغتصاب حقوق الفرد لا يختلف عن اغتصاب حقوق جماعة بعينها لأي سبب كان، وسواء أكان بسبب التمييز الشوفيني، أم العنصري، أم بسبب التباين الديني، أم المذهبي، أم الفلسفي والفكري، أم بسبب الجنس، أي التمييز بين الذكر والمرأة لصالح الذكر، كما هو جارٍ في مجتمعاتنا والمجتمعات ذات الأكثرية المسلمة.
2. في النقطة ثالثاً يطرح الزميل النصراوي فكرتين مهمتين، وبقدر صواب الفكرة الأولى التي يؤكد فيها شمولية مبادئ حقوق الإنسان وأهمية الالتزام بها، وسواء أكانت هذه الحقوق فردية أم جماعية لأنها تقع ضمن إطار الشرعة الدولية لحقق الإنسان، أجد خطأ الفكرة الثانية الواردة في هذه النقطة والتي تميز بين حقوق الفرد، التي يفترض أن تهتم بها منظمات حقوق الإنسان، وحقوق الجماعات التي لا تعتبر ضمن اختصاص منظمات حقوق الإنسان، على حد رأي زيد بن رعد بن الحسين، المفوض السامي الأممي السابق لحقوق الإنسان، والذي أختلف معه أيضاً وتماماً.
منظمات حقوق الإنسان تميز بين اغتصاب حق الفرد واغتصاب حق شعب بكامله، ولكنها لا تدافع عن الأول وتهمل الثاني، بل من واجبها الكامل الالتزام بالمسألتين، أي الدفاع عن حق الفرد وحق الشعب أو الجماعة التي تتعرض حقوقها للاغتصاب والمصادرة. سأورد أمثلة تتعلق بنشاط المنظمة العربية لحقوق الإنسان، التي أنا عضو فيها، ومركزها القاهرة، وتأسست عام 1982 بليماسول في قبرص، حيث تمارس الدفاع عن حقوق الأفراد في فلسطين المحتلة من جهة، وحقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس من جهة أخرى. وهو موقف سليم ولم يعترض عليه أحد من نشطاء حقوق الإنسان ولا الزميل النصراوي. لأن الموقف سليم وعادل ومشروع. وهنا ينطبق بيت الشعر الذي كتبه الشاعر السوري أديب إسحاق الذي أراد نقد الموقف الخاطئ الذي يميز بين قتل شخص واحد وقتل شعب أو اغتصاب حقوق فرد وحقوق جماعة حين قال:
قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر... وقتل شعب آمن مسالة فيها نظر
إن الخصوصية في الدفاع عن حقوق الإنسان الفردية حين تنتهك، لا تعني بأي حال تمييزها عن حقوق الجماعة حين تنتهك، فالفرد هو جزء من جماعة بشرية، إنهم مجموعة أفراد تنتهك حقوقهم بصورة مشتركة ولا بد لمن يدافع عن حقوق الفرد أن يدافع عن حقوق الجماعة المنتهكة حقوقها في بلد ما من جانب حكومة ذلك البلد أو الدولة بكل سلطاتها. حين تجاوز النظام السوري على حقوق الفرد في سوريا، تصدَّت له منظمات حقوق الإنسان وطالبت بالكف عن ذلك، وحين نهضت الحركة المدنية الديمقراطية مطالبة بحقوق الشعب في الديمقراطية والحريات العامة واضطهدها النظام السوري وزج بالمناضلين بالسجن وعرضهم للتعذيب، تصدَّت منظمات حقوق الإنسان منددة بالنظام الذي ينتهك حقوق الشعب ومدافعة عن حقق الشعب السوري بالحرية والديمقراطية والمجتمع المدني. وحين اضطهد صدام حسين الشعب الكردي واستخدم السلاح الكيمياوي, تصدت له منظمات حقوق الإنسان، بما فيها لجنة حقق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، المنظمة العربية لحقوق الإنسان ومنظمات عراقية حقوقية ... إلخ. الخصوصية هنا لا تعني التمييز بين حقوق الفرد وحقوق الجماعة، فهي كلها حقوق، بل لأن هناك تمييز وانتهاك يشمل حقوق جماعة أكبر، يمكن أن يشارك في الدفاع عنها المجتمع الدولي، الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إضافة إلى الرأي العام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان.           
3. كما يشير الزميل صلاح النصراوي بصواب، فأن موقفي من القضية الكردية ليس جديداً، بل هو يستند إلى المبادئ التي أحملها وقناعتي التامة بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان بكل وثائقها، وهي المبادئ التي رفع رايتها الحزب الشيوعي في العراق ودافع عنها وتعرض بسببها للاضطهاد والقمع حزباً وأعضاءً ومؤيدين، كما اقتنعت بها لاحقاً الحركة الاشتراكية العربية ورئيسها عبد الإله النصراوي. المسألة تعود إلى الثلاثينيات من القرن العشرين، أي منذ تأسيس الحزب الشيوعي العراقي الأمين لمبادئه وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها ولا وصاية لأحد عليها. يشكل العرب في العراق جزء من الأمة العربية الموزعة على الكثير من الدول، كما يشكل الكرد في إقليم كردستان العراق جزء من الأمة الكردستانية الموزعة على أربع دول في المنطقة. وهذه الأمة الكردية تقيم على أرض اسمها كردستان موزعة على الدول الأربع ذاتها. وكما كان من حق الشعوب العربية إقامة دولها من حق الكرد ايضاً، وليس في هذا أي غرابة أو مجافاة للمبادئ والحقائق على أرض الواقع. ولكن شعوب الأمة الكردية تعاني من اضطهاد قومي شوفيني وعنصري من الدول الأربع، ولاسيما في تركيا وإيران وموضوع الجنسية والإدارة في سوريا. وقد حقق الكرد في العراق بنضالهم المرير وبدعم من المناضلين العرب بعض النجاح في التمتع ببعض حقوقهم المهمة كالحكم الذاتي ومن ثم الفيدرالية. وليس في هذا أي فضل من أحد على الكرد، ومن حقهم أن يناضلوا في سبيل إقامة دولتهم الوطنية المستقلة في كل تلك الأقاليم الكردستانية. ومن واجب الناشط في مجال حقوق الإنسان أن يتبنى ممارسة هذا المبدأ الذي هو جزء أصيل من مبادئ الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. إن ما يمارسه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من الاضطهاد وقمع وسجن وتعذيب للمناضلين الكرد، إضافة إلى حرب يخوضها ضدهم وكذلك اضطهاد وتمييز ضد العلويين، كأفراد وجماعات أثنية ودينية، لا يمكن سكوت منظمات حقوق الإنسان عن كل ذلك، بل لا بد من إدانة الحرب والاضطهاد والتمييز بكل قوة ومن جانب منظمات حقوق الإنسان، وهذا ليس تدخلاً في السياسية، بل تدخلاً ضد انتهاك حقوق الأفراد وحقوق الجماعات التي هي جزء عضوي من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. إن القادة الترك يمارسون سياسية قومية شوفينية متطرفة لا يجوز القبول بها، بل لا بد من شجبها وإدانتها والمطالبة بموقف سليم وواضح إزاء حقوق الأفراد والجماعات البشرية في الدولة التركية. وهكذا حال الكرد في كردستان إيران حيث يتعرض الكرد هناك إلى اضطهاد وقمع ومحاربة لمن يطالب بحقوقه العادلة المشروعة كأفراد وكشعب كردي. 
حين تعرض الفرد المسيحي والإيزيدي والمندائي والتركماني، كأفراد إلى الاضطهاد دافعنا عنهم كناشطين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، وحين تعرضت هذه الجماعات، وليس كأفراد فقط، دافعت منظمات حقوق الإنسان العراقية في الداخل والخارج عن هذه الجماعات التي سلبت حقوقها وشردت وانتهكت أعراضها وبيع النسوة في "سوق النخاسة الإسلامي!"، أي حين تعرضت للإبادة الجماعة، ولم يظهر أي تمييز بين الفرد وخصوصية الجماعة، بل اتفق الجميع على صواب الدفاع عن الفرد والجماعة من جانب منظمات حقوق الإنسان ونشطائها. ليس هناك من مشكلة في اختلاف وجهات نظرنا الشخصية إزاء المسألة الكردية، ولكن يفترض ألَّا نختلف فيما يمس اضطهاد الفرد أو الجماعة في أي من حقوقها المشروعة والعادلة والتي تقرها اللوائح الدولية لحقوق الإنسان.
وحين تعرض العرب المسلمين إلى انتهاك بحقوقهم المشروعة كأفراد، أو حين تعرضت الجماعات المذهبية الشيعية أو السنية إلى اضطهاد من جانب نظام صدام حسين، ومن ثم من جانب النظام السياسي الطائفي الجديد، وحين بدأ القتل على الهوية وشمل جميع المسلمين شيعة وسنة، تصدَّت منظمات حقوق الإنسان ذات المبادئ السليمة والواعية لمهماتها لهذا النهج العدواني، سواء أكان من جانب الأحزاب الشيعية الحاكمة وميليشياتها الطائفية المسلحة، أم من جانب قوى الإرهاب السنية المتطرفة أو التكفيرية.                 
4. لا شك في وجود أحزاب ومنظمات سياسية ومنظمات مجتمع مدني تدافع عن مصالح جماعات بشرية معينة منها على سبيل المثال أحزاب كردستانية أو منظمات مجتمع مدني للكرد أو للشبك أو للتركمان أو للمندائيين أو للإيزيديين أو للمسيحيين، والتي يمكن أن تحمل أهدافاً محددة، وتتضمن مهمات تندرج ضمن مبادئ حقوق الإنسان. ولكن هذه المنظمات هي ليست تلك المنظمات التي أسست على أساس الدفاع عن حقوق الإنسان بغض النظر عن قومية أو دين أو جنس أو لون أو لغة هذا الإنسان أو ذاك، وهذه الجماعة أو تلك. إنها تدافع عن الجميع وأينما حصل اضطهاد للإنسان أو الجماعة أو أي شعب أيضاً. كيف نستطيع الدفاع عن إنسان مغاربي من الأمازيغ حين تنتهك حقوقه الفردية المشروعة والعادلة، ونسكت حين تنتهك حقوق الجماعة الأمازيغية وبضمنها الفرد الأمازيغي ذاته مثلاً في دول شمال افريقيا المغاربية؟ هذا التمييز غير منطقي لمن يعمل ويناضل كناشط في مجال الدفاع عن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها اللائحة العالمية لحقوق الإنسان. إن الفصل والتمييز موقف غير مقبول ويتنافى مع مهمات الناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. من هنا جاء في مقالي السالف الذكر الذي هو محور نقاشنا، بأن مبادئ شرعة حقوق الإنسان، بما فيها اللائحة الدولية، هي سلة واحدة لا يمكن انتقاء مبادئ وحقوق منها، ورفض مبادئ وحقوق أخرى، بذريعة أن حقوق الجماعة لها خصوصية تختلف عن حقوق الفرد، وأن الأخيرة هي من واجبات منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان. هناك خصوصية حين يكون الاضطهاد والتمييز جماعي لشعب كامل، ولكن هذه الخصوصية لا يعني بأي حال فصل الدفاع عن حقوق الأفراد حين تتعرض حقوقهم إلى الانتهاك عن حقوق الجماعة أو شعب ما في نضال منظمات حقوق الإنسان.       
14/09/2018


الاخ العزيز الدكتور كاظم حبيب المحترم
تحية طيبة، وبعد
استمتعت، كما هي العادة دائما مع كتاباتكم القيمة والغنية والمتنوعة، بموضوعكم الاخير عن حقوق الانسان في العراق والذي وصفتموه بانه "خلوة مع النفس بصوت مسموع". ولي، ان سمحتم، بعض الملاحظات التي هي حصيلة تجربتي وعملي في هذا المجال منذ سنوات اود ان اطرحها عليكم.
اولا: ان (حركة) حقوق الانسان في العراق حديثة النشأة وهي تعود الى فترة ما بعد الغزو الامريكي في للعراق عام 2003.لم يشهد العراق من قبل حركة حقوقية بالمعنى المتعارف عليه بسبب الانظمة القمعية والدكتاتورية التي توالت عليه، اما النشاطات الحقوقية المدافعة عن حقوق الانسان فقد كانت تجري في إطار عمل الاحزاب والجماعات السياسية باعتبارها مطالب عامة. ما شهدته حركات واحزاب المعارضة لصدام حسين في الخارج من تأسيس لمنظمات حقوقية، خاصة في اوربا، كانت بالتأكيد منظمات مسيسة انشأت لتخدم اغراضا سياسية وحزبية ودعائية في سياق العمل المضاد للنظام حتى لو انها كانت تساهم فعلا في فضح جرائم النظام وانتهاكاته لدى المجتمع الدولي.
ان الامراض العديدة التي تعاني منها (حركة) حقوق الانسان الان، او بعضها على اقل تقدير، تأتي من الارث الذي وصلها عبر منظمات الماضي وشخصياته التي كانت ولا زالت مسيسة اما بسبب ارتباطاتها او بسبب العادات والمنهج الذي تمرست عليه بالإضافة الى علاقاتها الحالية السياسية وارتباطاتها الايدولوجية، وما اضيف اليها الان من ارتباطات طائفية وإثنية (قومية).فالمتابع يعرف جيدا ان التجربة المحدودة للنشطاء السياسيين القدماء او السابقين في مجال  حقوق الانسان العراقية محدودة ولا يمكنها ان تفي باشتراطات عمل الحركات الحقوقية العالمية، وخاصة وفق المعايير العالمية لحركة حقوق الانسان الدولية.
هذا نقص او عيب اساسي يجب تشخيصه ومعالجته.
ثانيا: ان (حركة) حقوق الانسان في العراق تعاني من واستقطابات طائفية ومذهبية وإثنية ودينية شديدة حولت المنظمات (بعضها او الكثير منها) التي تعمل في هذا الاتجاه الى واجهات لطوائفها واديانها وإثنياتها وهذه مشكلة حقيقية ينبغي مواجهتها وحلها ومن دون مواجهة هذا التحدي لن تنجح الحركة الحقوقية العراقية في بناء نفسها وفي مواجهة الانتهاكات والتجاوزات الفظيعة. ان نشطاء حقوقيين يدافعون عن حقوق ابناء ملتهم وطائفتهم ودينهم فقط لا يمكن ان يدافعوا عن حقوق (الإنسان) بل لا يمكن ان يتمتعوا بالمصداقية المطلوبة لاكتساب شرف الدفاع عن حقوق الانسان.
المطلوب مواجهة هذا التحدي بكل قوة وجسارة وعلى كل الاصعدة كي تحصل الحركة الحقوقية العراقية على المصداقية والموثوقية وعلى بطاقة الدخول الى رحاب حركة الانسان العالمية. هذا الموضوع بالذات هو موضع اهتمامي وسأناقشه في ورقة في مؤتمر دولي في شهر تشرين الثاني القادم واتمنى ان تنعقد حوله ندوة عراقية خاصة للدفع بالمزيد من الافكار والرؤى بهذا الاتجاه، خاصة وان الصراعات الطائفية في العراق مستمرة، ولربما تتأجج مرة اخرى في اي وقت.
ثالثا: ان (فكرة) حقوق الانسان والتي اصبحت الان ميدانا من ميادين العمل الفكري والثقافي والفلسفي، اضافة طبعا للميادين الحقوقية والقانونية والسياسية، تدور جوهريا حول اساسيات وهي كل ما يتعلق بالحريات والحقوق والعدالة التي جاءت بها الثقافات والشرائع والاديان ولكنها اضحت مقننة باتفاقيات ومعاهدات دولية اصبحت هي الإطار القانوني الكوني الشامل الذي يتم الالتزام به ليس فقط لتأكيد شمولية حقوق الانسان وانما ايضا بربطها بالقانون الدولي وبالعلاقات الدولية متعددة الاوجه. ان الجميع يعترف بان الشمولية لا تعني عدم وجود خصوصية، ولكن هناك اصرار انه لا ينبغي ان تستخدم الخصوصيات بهدف التملص من الالتزامات الاساسية التي تعتبر الانسان انسانا مهما كان لونه او دينه او ..... إلخ.
من هذا المنطلق فان فكرة حقوق الانسان لابد ان تعني اولا بالفرد، اي الانسان، اما الجماعات او الاقليات او الاثنيات فان حقوقهم تأتي في إطار "الحقوق الجماعية" وليس الفردية وفي سياق القانون الدولي والاتفاقيات الخاصة بالأقليات والاثنيات. ان اخر من اهتم بالتأكيد والتركيز على هذه الفكرة هو المفوض السامي الاممي لحقوق الانسان السابق زيد بن رعد الحسين بقوله ان "مهمة المدافعين عن حقوق الانسان هي "الدفاع عن حقوق الافراد، اما الدفاع عن جماعات معينة ضد جماعات اخرى فانه يرتقي الى خلق لصراعات الغد." وانا اجدا ان هذه قضية مهمة جدا في السياق العراقي ينبغي مراعاتها لتجنب الخلط بين القضيتين.
رابعا: ان قضية حق تقرير المصير هي حق للشعوب وليس للأفراد ولا ينبغي الخلط بينهما. وفي السياق العراقي هذا موضوع في غاية الاهمية من الناحيتين السياسية والحقوقية ويجب ان يكون واضحا لدى العاملين في كلا النشاطين. ان حق تقرير المصير منذ ظهوره في اوربا في عهد تصاعد قضايا القوميات وتطوره بعد ذلك كمبدأ سياسي وحتى تبنيه في ميثاق الامم المتحدة وبعض وثائقها الاخرى هو حق خاص للشعوب للتخلص من هيمنة امة اخرى او من الاستعمار الاجنبي وليس حقا للأفراد وهو امر ضروري لإعطاء الامر بعدا سياسا بكل ما يتعلق الامر بقضايا الدولة والاستقلال والسيادة.
ان دفاع المدافعين عن حق الشعوب في تقرير المصير يأتي من ايمانهم بالحق وبالحريات والعدالة ولكن عدم تبنيهم او دفاعهم عن حق تقرير مصير يؤدي الى انفصال جزء من بلادهم لا ينزع عنهم هويتهم في كونهم نشطاء حقوقيين لأنهم يتخذون هنا موقفا سياسيا باعتبارهم مواطنين في دولة وليس باعتبارهم نشطاء حقوقيين. وفي الحالة العراقية فان نشطاء حقوق الانسان قد يدافعون عن حق الانسان الكردي كما يدافعون عن حق الشيعي والسني والمسيحي وغيرهم ولكنهم لا يرون بالضرورة انهم يشاركون الكردي حقه (الجماعي) في تقرير المصير. تلك قضيتان منفصلتان والربط بينهما لا ينفع بل يضر العمل الحقوقي.
من الطبيعي ان هناك كلام كثير بخصوص هذا الموضوع ولكني اشير اليه هنا باختصار لتركيزكم عليه في مقالتكم ولمعرفتي ايضا باهتمامكم الشخصي تاريخيا به ولكني مع كل الاحترام والود الذي أكنه لكم ولمسيرتكم الشخصية والنضالية والسياسية ارى من واجبي ان اطرح رأيا قد يكون مخالفا له مع اصراري على ضرورة ان تلتزم الحركة الحقوقية العراقية بالتفريق في عملها بين النشاطات المتعلقة بحقوق الانسان وبين الدعوة الى تأييد حق تقرير المصير للكرد. ان هذا الخلط يؤدي الى خلاف بشأن قضية ليست في صميم عمل الحقوقيين والى شق وحدة الحركة الحقوقية وبعثرة جهودها.
خامسا: هناك ملاحظات ايضا تتعلق بالمنظمات التي تعمل في مجال الدفاع عن حقوق الاقليات والإثنيات في العراق وهي تحتاج الى تفصيل كثير بشأن الفصل بين ما هو حق انسان (فردي) وحق جماعي للأقلية او الجماعة الدينية او الإثنية. ان نظرة عابرة على تسميات ونشاطات الكثير من المنظمات تكشف انها تندرج في إطار الدفاع عن حق الجماعة، وهو بطبيعة الحال حق مكفول وطبيعي ومشروع ومطلوب وخصص له القانون الدولي والاتفاقات الدولية حيزا كبيرا من التشريعات والمبادئ، ولكن لا ينبغي هنا ايضا الخلط بين ذلك وبين العمل في مجال حقوق الانسان على الرغم من ان الحركة الحقوقية ستظل تحمل دائما شعلة الدفاع عن هذه الجماعات ضد الانتهاكات التي تتعرض لها ضمن المعايير التي اختطتها حركة حقوق الانسان العالمية.
اشكرك جدا على اتاحة هذه الفرصة وايضا على رحابة صدرك (وهو أمر انا متأكد منه تماما) وارجو ان تتاح للإخوان في منظمات حقوق الانسان في العراق فرصة فتح باب النقاش بشأن هذه الافكار وغيرها بهدف تطوير عملها وادائها.
مع كل المحبة.
صلاح النصراوي


3
كاظم حبيب
الضغوط الإيرانية على قوى الإسلام السياسي العراقية.. إلى أين؟
تمارس الدولة الإيرانية بقضها وقضيضها، بكل سلطاتها ومؤسساتها المدنية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والدينية، ضغوطاً متفاقمة ومتصاعدة يوماً بعد آخر على العراق حكومة وأحزاباً سياسية إسلامية وقومية، عربية وكردية، وميليشيات طائفية مسلحة و"منظمات مجتمع مدني!" إسلامية شيعية، من أجل إعادة إنتاج الوضع الطائفي المحاصصي القائم في العراق منذ العام 2003 حتى الوقت الحاضر، ولاسيما منذ أن تسلم المدعو إبراهيم الجعفري رئاسة الحكومة أثناء الاستفتاء على الدستور العراقي الجاري حالياً، حتى الوقت الحاضر. فلم تكتف بالهجوم الصاعق بكامل أسلحتها الإعلامية والدعائية الدينية وغير الدينية ضد رئيس الوزراء الحالي، حيدر العبادي، بسبب موقفه من العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران، بل جندت كل ما تملكه من نفوذ سياسي واقتصادي واجتماعي-ديني مذهبي وعسكري للضغط على مقتدى الصدر وسائرون للموافقة على التنسيق والتعاون  وتشكيل الكتلة الأكبر مع قائد ميليشيا بدر الإيرانية النزعة والتكوين والمهمات، هادي العامري، والمسؤول الأول عن قائمة "فتح" التي تضم جزءاً من قادة الحشد الشعبي، بمن فيهم قيس الخزعلي، ومن لف لفه، من أتباع إيران في العراق. وهم بالتالي، يسعون إلى نسف ما طرحته قائمة "سائرون" من أهداف ومهمات، ولاسيما الابتعاد عن المحاصصة الطائفية ومحاربة الفساد والفاسدين، وأغلبهم في الأحزاب الإسلامية السياسية وفي قوائمهم الانتخابية ومن أتباع إيران، إضافة إلى رفض النفوذ والتأثير الأجنبي على القرار العراقي، ولاسيما إيران وتركيا ودول الخليج والسعودية والولايات المتحدة الأمريكية. إن لهذه الدول كلها دون استثناء علاقات وامتداد في جميع المنظمات الإرهابية العاملة في المنطقة والخارج، ولاسيما تنظيم القاعدة وفروعه المحلية، ولهذا يفترض ألَّا نستغرب من احتمال التنسيق في التخريبات والحرائق التي أشعلت في البصرة لتشوه التظاهرات السلمية والمطالب الديمقراطية المشروعة لأهلنا في البصرة المستباحة.
إن تصريحات مقتدى الصدر اليومية المتباينة تجعل المتحالفين في "سائرون" في حيرة من أمرهم، فهم لا يستطيعون نشر تصريحات معارضة لتصريحات الصدر التي تنتقل من تحالف إلى آخر حسب مستوى الضغوط المسلطة عليه من إيران وحزب الله في لبنان وقوى داخلية ايضاً، ولاسيما من قاسم سليماني ومن معه من القوى الإيرانية المقيمة في العراق لفرض النهج الإيراني السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري على العراق، أو لهوى في نفسه!
كما إن القوى السياسية الكردية في كردستان العراق تتعرض هي الأخرى إلى ضغوط مماثلة سياسية واقتصادية واجتماعية، إضافة إلى ضغوط أمنية وعسكرية، وذلك بقصف مواقع في إقليم كردستان بذريعة قصف مواقع للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (حدكا). وقد أدى القصف الصاروخي الإيراني العدواني الأخير إلى استشهاد عدد غير قليل من المواطنات والمواطنين العراقيين والإيرانيين. ويهدف هذا الضغط إلى إقناع الكرد بكل السبل بضرورة تحالفهم مع فتح ومواصلة تأييد وجود نظام طائفي سياسي في البلاد، الذي كان، ولا يزال، السبب وراء الكوارث والمآسي التي عانى منها العرب والكرد والكلدان والآشوريين والسريان والإيزيديين والتركمان في محافظة نينوى وبقية العراقيات والعراقيين في أنحاء البلاد الأخرى، ومنهم المندائيين في جنوب ووسط العراق.       
إن إعادة إنتاج نظام المحاصصة الطائفي في العراق يعني دون أدنى ريب استمرار الفساد والإرهاب والتخلف والعجز عن التنمية وتوفير الخدمات وتغيير الواقع البائس والرث الراهن والبطالة المتفشية، يعني استمرار الدمج السلبي المدمر بين الدين (المذهب) والدولة، وهي مخالفة صريحة للدستور العراقي الراهن، رغم كل سلبياته ونواقصه. كما إنها ستجعل من العراق ساحة حقيقية للصراع الديني والمذهبي والموت المتجدد للمواطنات والمواطنين بصيغ مختلفة.
لقد طرح الحزب الشيوعي العراق، في مقال مهم في جريدة طريق الشعب لهذا اليوم (13/09/2018) تحت عنوان "البرنامج الاصلاحي الحقيقي هو المخرج"، رأيه في الأهداف التي يفترض أن تحققها الحكومة العراقية القادمة، وإذ أتفق مع تلك الأسس والأهداف، يبقى السؤال المشروع الذي يطرحه واقع العراق الراهن هو: هل في مقدور تحالف بين "سائرون" و"الفتح"، ومن معه، تحقيق مثل هذه الأهداف المهمة، علماً بأن الأخير، ومن معه، خاضع من قمة رأسه إلى أخمص قدميه في الدفاع عن هيمنة إيران على القرار السياسي والاقتصادي والدولي العراقي، والذي لا يأتمر إلا بأوامر الذي يقلده مذهبياً، المرشد الإيراني، على خامنئي، على حد تصريحاته بالذات والمنشورة في كل مكان. يقول الحزب الشيوعي العراقي بوضوح ما يلي:     
"ويتوجب القول ايضا في هذا السياق، ان من اهم حلقات الاصلاح تعزيز البناء المؤسسي للدولة بسلطاتها الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتجاوز حالة التشظي التي كرسها نهج المحاصصة، ومعالجة مسألة السلاح خارج إطار الدولة، والتوجه الجدي نحو مكافحة الفساد وتجفيف منابعه وعوامل اعادة انتاجه، كذلك محاربة الفاسدين، واتخاذ التدابير القانونية والادارية الضرورية لتحقيق ذلك كله، واعادة هيكلة المؤسسات المعنية وذات الصلة." ثم يؤكد المقال ما يلي:
"ومن الضروري بجانب ذلك التشديد على استقلالية القرار الوطني العراقي، وقطع طريق التدخلات الخارجية، وتأمين تمتع المواطنين بحقوقهم وحرياتهم الدستورية، من دون قمع او ملاحقة او تضييق". ولا ينسى المقال تأكيد أهمية الاستجابة لمطالب الشعب في الخدمات ولاسيما الماء والكهرباء وفرص العمل.. وتخفيف معاناة الناس في كل أنحاء العراق.
أؤكد سلفاً، إن تشكلت حكومة بهذه البنية أو التحالفات، ستكون وبالاً على الشعب، لأنها تعيد إنتاج ما هو قائم الآن، ولن تكون قادرة على محاربة الفساد بالفاسدين، ولا التصدي للطائفية بالطائفيين الذين مرغوا جباه الشعب بالتراب والبؤس والفاقة والخراب، ولن تتخذ قرارات مستقلة، لأن إيران ستكون المصدرة لتلك القرارات، ولن تحل الميليشيات المسلحة لأن قادة المليشيات سيكونون في الحكم مباشرة. إنها المأساة والمهزلة المتوقعة!!!
 



4
كاظم حبيب
خلوة مع النفس بصوت مسموع حول الموقف من حقوق الإنسان
الدول التي عشنا فيها، نحن أبناء وبنات الدول العربية من قوميات عديدة وديانات ومذاهب واتجاهات فلسفية وفكرية متنوعة، كانت ومازالت، دول غير ديمقراطية، استبدادية، سواء أكانت ملكية أم جمهورية، وسواء أكانت النظم السياسية فيها تحكم عبر هذا الحزب أم ذاك، أم عبر هذه العائلة والعشيرة أم تلك، أم عبر العسكر أم شيوخ الدين، أم تحالف بين بعضها والبعض الآخر. فكل هذه النظم السياسية لم تعرف يوماً الديمقراطية حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق القوميات ولم تكف عن التمييز بين البشر، وهي نظم لم تكن من حضارة القرن العشرين ولا هي الآن من حضارة وثقافة القرن الحادي والعشرين. إنها نظم سياسية بالية تعود إلى ماضٍ سحيق ومرير.
ولدنا وترعرعنا وتربينا وعشنا في مجتمعات لم تعرف المعنى الحقيقي للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وحقوق أتباع الديانات والمذاهب والفلسفات، لم تعرف سوى عنف الدولة وسلطاتها الثلاث، وعنف العائلة وعنف الشارع والمدرسة بشكل عام. لم يعرف آباؤنا ذلك ولا أجدادنا المساواة في التعامل بين الرجل والمرأة أو بين العائلات أو بين البشر عموماً. فالتمييز كان حاضراً سواء أكان ضد الجنس الآخر، ضد المرأة، أم ضد الشخص الآخر من العشيرة الأخرى، أم من القومية الأخرى، أم من دين أو مذهب آخر. كان هذا في البيت والمدرسة والدوائر الحكومية وفي الشارع وعموم المجتمع. كان هذا في إطار الدولة العثمانية الثيوقراطية التي حكمت العراق ما يقرب من أربعة قرون عجاف وما بعدها.
كان العنف المنزلي والعنف في المدرسة من قبل المعلمين والمعلمات أو مدير ومديرة المدرسة، وكان في الشارع، وقبل هذا وذاك كانت الدولة بسلطاتها ومؤسساتها المختلفة، ولاسيما الأمنية، تمارس العنف ضد مواطنيها، وبالتالي ينعكس ذلك في سلوك الرعية أو المواطنين والمواطنات.
من يقرأ الكتب المدرسية في درس التاريخ مثلاً، سيجد العجب العجاب، سيتعلم، وهو في لا يزال صفحة بيضاء، تاريخنا العربي والإسلامي مقلوباً، سيجده ضد حقائق التاريخ. مليء بالكذب والادعاء والافتراء. يكرس العداوة والبغضاء ضد الآخر، سواء أكانت من قوميات أم شعوب أخرى أم من ديانات ومذاهب أخرى. نحن الأفضل والآخرون هم الأسوأ، إنها الرؤية النمطية الخاطئة والمضرة وذات المضمون الشوفيني والعنصري.   
من هذا الواقع المرير، وتحت وطأة هذه الظروف وفي فترات مختلفة، التحق البعض أو الكثير من المواطنين على نحو خاص، أي من أبناء وبنات هذه الدول، بمنظمات حقوق الإنسان، لأننا عانينا من مرارة الاستبداد وظلم الحكام وقسوة النظم السياسية. ولكن ونحن ندعي أننا نناضل من أجل حقوق الإنسان، وندعي فهمنا لها، ولا أعمم هذه الظاهرة على الجميع، أن بعضنا أو الكثير منا، ولا استثني نفسي، لم نعِ حتى الآن مضامين ومعاني مبادئ حقوق الإنسان وشرعتها وعياً كافياً، لم نستوعبها استيعاباً مناسباً، وبالتالي لم نتصرف في كل الأحوال تصرفاً يتناغم ويتفاعل مع تلك المبادئ. إن هذا الواقع ناجم عن الواقع الذي عشنا فيه ولم نتخلص من عواقبه في خلفيات تفكيرنا وسلوكنا، وتطفح على سطح الأحداث في الملمات وفي الحالات الحرجة التي تمسنا أو تمس مصالح من ننتمي أو ننتسب لهم.
الكثير من الديمقراطيين والتقدميين فقدوا البصر والبصيرة الواقعيين السليمين حين برزت الصراعات الطائفية، فقدوا بوصلة حقوق الإنسان وراحوا يتحزبون لهذه الطائفة أو تلك ويلتحقون بهذا الحزب الطائفي أو ذاك، أو يؤيدون طروحاته ويساندون سلوكياته التي تتعارض كلية مع مبادئ حقوق الإنسان، في حين أنهم لا زالوا أعضاء في منظمات تقول بأنها مع حقوق الإنسان، أو أنها في النشر مع حقوق الإنسان. هناك منظمات أسست على اساس الدفاع عن حقوق الإنسان، ولكنها تقف مع هذا الشعب أو ذاك حين يتعرض للتجاوز على حقوق الإنسان، ولكنها تنسى شعباً أخر حين يتعرض لانتهاك حقوقه، رغم معرفتها بما يجري في هذه الدولة أو تلك من الدول العربية، ولا تجد إلا القليل من الناشطين يعترضون على هذا النهج المتعارض مع حقوق الإنسان.
مبادئ حقوق الإنسان سلة متكاملة لا يمكن ولا يجوز الأخذ ببعضها وإهمال بعضها الآخر، لا يمكن ولا يجوز أن تسود الانتقائية في ممارسات من يعمل ويناضل في مجال حقوق الإنسان. هذا الموقف أعيشه يومياً حين أتابع نشاط بعض أو أغلب منظمات حقوق الإنسان في الدول العربية، ومنها العراق، وتلك التي في خارج دولها، سواء أكان في مجال العلاقات الإنسانية والاجتماعية، أم في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان أو في التعامل العائلي. إن بعض هؤلاء يعتبر عبئاً حقيقياً على عمل حقوق الإنسان، لأنهم لا يقدمون النموذج المطلوب لنشطاء حقوق الإنسان، بل يساهمون في الإساءة لحقوق الإنسان.
تجد عضواً في منظمات حقوق الإنسان يتبنى الدفاع عن حقوق الإنسان ينتقد هذا الحزب أو ذاك حين يرتكب تجاوزاً على حقوق الإنسان، ولكنه ينسى انتقاد الحزب الذي ينتمي إليه حين يرتكب تجاوزاً على حقوق الإنسان وانتهاكاً لها. إن مثل هذا الشخص لم يعِ بعمق ومسؤولية مبادئ حقوق الإنسان التي تستوجب خلع الحزبي عباءته الحزبية حين يحتكم لحقوق الإنسان، وإلا أصبح كـ "من يعلم على الصلاة ولا يصلي!"، أو كما جاء في "مسرحية الكاتب الفرنسى الكبير موليير "تارتوف" في العام 1664 رسم فيها شخصية رجل دين فاسد يسمى تارتوف، يسعى إلى إشباع شهواته الإنسانية الرخيصة وهو يتظاهر بالتقوى..."، (موقع حروفي، علاء الأسواني، الدين الشكلي، 12/05/2018). ووقد أصبحت شخصية تارتوف نموذجاً سيئاً لمن يتناقض سلوكه مع ادعاءه بالتدين، ونجد هذا في واقع الحال في عدد هائل من حكام العراق الحاليين من أعضاء الأحزاب الإسلامية السياسية ومن المساندين لهم.   
كان أغلب الديمقراطيين والتقدميين إلى جانب حق الشعب الكردي في تقرير مصيره التزاماً منهم بالمبادئ التي آمنوا بها، ومنها حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. ولكن حين مورست سياسات خاطئة من الحكومتين الاتحادية وإقليم كردستان العراق، وتطور الوضع سلبياً، انقلب البعض لا ضد السياسات الخاطئة التي مارستها الحكومة الكردستانية أو قيادة الإقليم السياسية فحسب، بل وضد حق تقرير المصير الذي هو جزء ثابت وأصيل من مبادئ حقوق الإنسان وحقوق الشعوب. وهكذا نجد هذا الموقف السلبي والخاطئ لدى بعض النشطاء ممن يعمل في منظمات حقوق الإنسان والأعذار التي تقدم كثيرة ولكنها غير مبررة وغير صحيحة.                           
الإنسان كيان قابل للتعلم، وليس فينا من ولد ورضع مبادئ حقوق الإنسان مع حليب أمه، بل حاولنا أن نتعلمها ولا زلنا نحتاج إلى الإمعان في تعلمها واستيعاب مضامينها وسبل الالتزام بها والدفاع عنها، وهو واجب أساسي ورئيسي من واجبات من يعمل كناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. من واجبنا أن نتخلص مما علق فينا من رواسب العلاقات في مجتمعاتنا التي تتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان، سواء اكان في الوطن أم خارجه، ومهمة من هم في الداخل أصعب بكثير ممن هم في الخارج.

5
كاظم حبيب
مأساة البصرة ومهزلة جلسة التشريعي-التنفيذي المشتركة
من شاهد جلسة مجلس النواب العراقي الاستثنائية بحضور مجلس الوزراء ومحافظ البصرة، مع غياب 149 نائباً عن الجلسة، رغم الادعاء باستثنائيتها وأهميتها وعجالتها، يتيقن بأن المأساة التي يعيش تحت وطأتها  الشعب العراقي عموماً وأهل البصرة خصوصاً خلال هذا العام والأعوام السابقة، يقابلها مهزلة مروعة لا مثيل لها أبطالها السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، مهزلة الصراع على السلطة بين قوى وأحزاب سياسية إسلامية طائفية مقيتة حكمت العراق طيلة الفترة المنصرمة وشعارها الأول الاحتفاظ بالسلطة على وفق النهج القديم ومواصلة نهب الموارد المالية وتجويع الشعب وتركيعه لإرادتها ومصالحها غير المشروعة. من تتبع كلمات رئيس الوزراء والوزراء والوزيرات من جهة، ومحافظ البصرة ومن معه ونواب البصرة أدرك عظم الكارثة التي يعاني منها الشعب العراقي، فكل من هؤلاء لم يجد ما يعترف به أمام الشعب ويدين الأخطاء الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الخاطئة والخطيرة التي ارتكبها رئيس ومجلس الوزراء والوزراء من جهة، ومحافظ البصرة وبقية المسؤولين فيها من جهة أخرى، ومجلس النواب العراقي طيلة الأعوام المنصرمة من جهة ثالثة، بل كانت هناك اتهامات ومزايدات وادعاءات بأنهم عملوا كل شيء لكي لا تخرب البصرة ولا يتسمم أهلها ولا يجدون ماءً نقياً وتيار كهربائي مستمر و...إلخ، وأن أهل البصرة هم الذين خربوا كل شيء، كما يبدو من طريقة طرحهم وتحميل كل طرف الطرف الآخر المسؤولية عما حصل في البصرة وبقية أنحاء العراق. انكم تجسدون بسلوككم المثل الشعبي النابت والمناسب لأوضاعكم "غراب يگلة لغراب وجهك أبگع". لقد تسببتم وارتكبتم، وأنتم وأحزابكم جميعاً في الحكم، الكثير والكثير جداً من الكوارث والمآسي ومارستم أبشع الأساليب للحفاظ بهذه السلطة الطائفية المحاصصية المقيته، ولم تتورعوا عن استخدام الحديد والنار، سواء في العام 2011 أم هذا العام، بحق المتظاهرين السلميين الذين لم يطالبوا إلا بالماء والكهرباء والخبز والعمل الذي سرقتموه من أفواه وحياة الأطفال والنساء والشيوخ وبقية بنات وأبناء الشعب العراقي المستباح بكم.
كم كنتم أغبياء في أسلوب طرحكم لما قمتم به خلال مسيرة الـ 15 سنة المنصرمة: وعود عسلية كاذبة وخداع وضحك على ذقون الناس الطيبين والبسطاء والمخدوعين بكم وبأغلب شيوخ الدين والأدعياء منهم وكل المتحالفين مع هذا الحكم البائس والرث. كم أبديتم حمية في الدفاع عن أنفسكم في مواجهة الاتهامات المتبادلة وبأساليب سيئة متوترة وفارغة من أي معنى، في حين لم تظهر هذه الحمية المطلوبة في الدفاع عن مصالح الشعب وسيادة البلاد واستقلاله المشروخ بسلوك وتدخل دول الجوار. الوزيرات والوزراء الذين تحدثوا لم يجدوا نقصاً في عمل وزاراتهم، وبالتالي فالنواقص والأخطاء التي كانت ضمن الأسباب لما حصل ويحصل في البصرة، كان سببها الناس وليس الوزارات والوزراء والوزيرات وبقية المسؤولين الفاسدين دون استثناء.
هل تابعتم ما طرحه محافظ البصرة حين قال له رئيس الوزراء، لماذا تركت الموقع في هذا الظرف الحرج، فقال له: لقد طلبني "زعيم الشعب!" ولو كان قد طلبك لذهبت أيضاً.. هكذا يفهم هذا المحافظ العلاقة بين الحزب الذي ينتمي إليه والدولة التي هو موظف فيها، لا يستطيع أن يميز بين كونه موظفاً ومسؤولاً عن محافظته ويتبع رئيس الوزراء أولاً وقبل كل شيء، وليس لحزبه أو المسؤول الديني الذي يقلده، إلا في المبادئ التي يحملها، إن كان يحمل مبادئ تخدم الشعب والوطن، وحين يكون خارج الوظيفة يمكنه أن يخضع ويركع لمن يراه قائداً له. إنه الدمج السيء والخطير بين الدين والدولة!!!
تحدثتم عن المندسين الذين أشعلوا الحرائق! ولكن من هم المندسون، ألم تسمعوا ما قاله محافظ البصرة، بأن قوى من الحشد، وأخر يشير إلى قوى من داعش، وثالث يؤكد على دور المليشيات الطائفية المسلحة. ولا استبعد أن يكون هؤلاء جميعاً مشاركين في الحرائق التي وقعت في البصرة وليس المتظاهرين السلميين والديمقراطيين والذين يميزون بين المسؤول عن الجرائم التي ارتكبت وترتكب بحق الشعب العراقي خلال الأعوام المنصرمة، وبين المباني العام والخاصة التي لا يجوز حرقها أو تدميرها فهي ملك الشعب والناس الأفراد. يتحدث محافظ البصرة عن مدير الأمن أو الشرطة بكونه "حرامي"، لماذا لم تبادروا إلى التحقيق في هذه التهمة، رغم أن الكثير والكثير جداً ممن هم متهمون بسرقة المال العام بطرق شتى!
لقد تحدثتم عن إجراءات سريعة لمعالجة وضع البصرة، وعلى طريقتكم المعروفة سوف لن تنفذ هذه الإجراءات كما ينبغي، لأن الفساد قد دخل إلى كل مسامات أدمغة واجسام غالبية المسؤولين في العراق، ومع ذلك اليس حال ذي قار مشابه لحالة البصرة والعمارة والديوانية وكربلاء والحلة والكوت وغيرها، فكيف ستعالجون حالات كل العراق قبل أن تتفجر الأوضاع كما تفجرت في البصرة ولم تنته حتى الآن.
ليس هناك من يثق بكم، لأنكم لستم أهلاً للثقة، وقد خبركم الشعب 15 عاماً وتعملون اليوم لتستمروا في الحكم سنوات أخرى مميتة. لم يأتي شعار "باگونة الحرامية وهتكونة الشيلاتية" من فراغ، بل جاء معبراً عن أوضاع الدولة الهشة والحكام والبلاد والشعب.
باختصار شديد الشعب لا يريدكم، عليكم أن تنزاحوا من الساحة السياسية، عليكم أن تتركوا الشعب يدير أموره بيديه، قبل أن تتفجر في كل مكان، وستستغل من أيدي خبيثة كأياديكم لتمعن في قتل الناس الأبرياء وحرق المزيد من البنايات العامة والخاصة.
من شاهدكم يوم أمس أدرك بأنكم غير أهل للحكم، وكم كان صادقاً رئيس السن الدكتور محمد علي زيني حين قال تريدون إعمار البصرة بعد خراب البصرة، وأقول تريدون الآن إصلاح العراق بعد خراب العراق أيضاً، وأنتم غير آهلين لذلك!!!
لم تكن الانتفاضة الشعبية في البصرة بعد طول عذاب واستباحة للحقوق والمصالح من قوى أجنبية، سوى الشرارة الأولى التي اعلنت عن قرب اندلاع شرارات أقوى وأشد سوف تنتشر في سائر أنحاء العراق، ما لم تدرك تلك الأحزاب والقوى والأطراف المشاركة في الحكم حتى الوقت الحاضر، بأن نهجهم الإيديولوجي وسياساتهم الداخلية الفعلية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وعلاقاتهم وسياساتهم الخارجية، كلها لم تعد مقبولة من الشعب العراقي بل مرفوضة، وأن الشعب مستعد لتقديم المزيد من التضحيات الغالية، عبر نضاله السلمي المسؤول، للخلاص من هذا النظام السياسي الطائفي والمحاصصي الذي أذل الشعب وافقره وجوعه وسرق لقمة عيش العائلات العراقية، ولاسيما الفقيرة والمسلوبة، والتي إذا انتفضت عندها تعرفونها وتعرفون النتائج والعواقب في آن!!!
         


6
كاظم حبيب
أهل البصرة ينزفون دماً.. من المسؤول؟
يتحدث حكام العراق والانتهازيون ووعاظ السلاطين والفاسدون بلغة واحدة، يتحدثون عن العنف في المظاهرات، وكلهم يعرفون بأن العنف حكومي المصدر، وتشارك معه كل المليشيات الطائفية المسلحة والقوى العدوانية القادمة من إيران وأتباعها في البصرة، كلهم يعرفون بأن العنف ليس مصدره الشعب والمتظاهرين الذين يرفعون راية السلام بيد، ومطالب الشعب العادلة والمشروعة والملحة باليد الأخرى. إنهم يتحدثون عن حق الشعب في التظاهر السلمي ومثبت دستورياً بصوت مسموع ومن على منابر الخطابة وفي المؤتمرات الصحفية، كما فعل رئيس الحكومة الحالية باستمرار، ولكنهم في الوقت ذاته يصدرون الأوامر لقوات الأمن والجيش بتوجيه نيران رشاشاتهم إلى صدور وظهور المتظاهرين، والغاز المسيل للدموع، وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين السلميين. وقد أدت تلك الأوامر إلى استشهاد المزيد من المتظاهرين الشجعان وإلى سقوط المزيد من الجرحى والمعوقين. لا يمكن لأي شرطي أو رجل أمن أو جندي إن يطلق رصاصة واحدة إلى جموع المتظاهرين ما لم يكن يمتلك القرار الصادر عن الجهات المسؤولة عنه وعن إصدار مثل هذه القرارات. ويبقى المصدر الأول والرئيسي في إصدار تلك القرارات هو القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الحكومة، حيدر العبادي. والمسؤولة تتوجه إليه أياً كان المسؤول الأقل منه في المسؤولية الذي أصدر مثل تلك القرارات. إن تشكيل لجان تحقيقية لا تعني هنا سوى إماتة القضية وكسب الوقت لنسيان الحدث الجلل، حدث سقوط قتلى وجرحى ومعوقين بين المتظاهرين السلميين الذيم لم يرفعوا السلاح بوجه الحكومة الاتحادية الفاسدة والحكومة المحلة الأكثر فساداً وسوءاّ، بل رفعوا رايات كتب عليها مطالب الشعب: الماء النقي للشرب، كهرباء يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء، عمل للشبيبة العاطلة عن العمل، مستشفيات ومستوصفات نظيفة ومعالجات طبية للمرضى والمصابين بإمراض سرطانية وأوبئة كثيرة، مدارس آدمية للتلاميذ والطلبة، أدوية غير فاسدة، حل الميليشيات الطائفية المسلحة وجعل السلاح حكراً بيد الدولة، محاربة الفساد والفاسدين وتقديمهم للمحاكمة أياً كان موقعهم في الدولة، حكومة وطنية غير طائفية وبعيداً عن المحاصصات الطائفية المذلة، منع دول الجوار من التدخل في الشؤون العراقية، ومن أجل أصار قرارات عراقية سيادية مستقلة...الخ.
إن إدانة استخدام العنف والسلاح والرصاص الحي في مواجهة التظاهرات السلمية وقمعها لم يعد كافياً بأي حال، بل لا بد من المطالبة الملحة والفورية بتقديم كل المسؤولين عن الدولة العراقية الذين قصروا في واجباتهم ومنها توفير مستلزمات استتباب الأمن والاستقرار، ومنها توفير الماء والكهرباء ...الخ، وحماية حياة المتظاهرين وتظاهراتهم السلمية من أيدي العابثين بحياة الناس الأبرياء، إلى القضاء العراقي لينالوا الجزاء العادل.
لا يكفي أن نطالب بإيقاف استخدام العنف والسلاح في مواجهة مطالب المتظاهرين، بل يجب أن نطالب بالتحقيق الفوري والسريع والخروج بنتائج تقود إلى تقديم جميع الذين شاركوا في عمليات القمع والقتل مباشرة، إلى القضاء العراقي.
لن يركن الشعب إلى الهدوء ولن يكف عن التظاهر السلمي والديمقراطي ما لم تلبى مطالبه العادلة والمشروعة والملحة. إنه لم ينتفض لكي تسفك دماء الأبرياء من قبل القتلة الأوباش ولا لتحرق ممتلكات الدولة التي هي ممتلكاته، بل لكي يطالب باسم الشعب كله عن الزامية تحقيق مصالح الشعب الحيوية والأساسية التي أهملتها الحكومة الاتحادية والحكومة المحلية في البصرة وبقية الحكومات الملحية في جميع أنحاء العراق، ومنها محافظة ذي قار التي يمكن أن تنشأ فيها ذات الأوضاع الجارية في البصرة ما لم تبادر الحكومة إلى اتخاذ الإجراءات الضرورية لمعالجة هناك وفي كل المحافظات. 
أدعو جميع مواطنات ومواطني العراق، وأينما وجدوا، إلى حمل راية التضامن الصادق والمستمر والتفاعل الإيجابي المؤثر مع أهل البصرة والمتظاهرين السلميين، مع أهل ذي قار وكل المحافظات العراقية الأخرى والمطالبة بتحقيق مصالح الشعب العراقي التي أهملت بإصرار متعمد وكريه من جانب المسؤولين في الدولة العراقية والأحزاب الحاكمة على مدى 15 سنة المنصرمة. إنه الطريق المضمون لانتزاع المطالب المشروعة والعادلة من أيدي أولئك الحكام الذين فقدوا الذمة والضمير، ولم يعد يؤنبهم لما فعلوه من بؤس وفاقة وحرمان ومصادرة لحقوق الشعب وتخلي عن الواجبات لصالح الشعب. وها هم الذين حكموا العراق بالفساد والغش والخديعة، وبالحديد والنار، يتكالبون على الحكم من أجل إعادة إنتاج ما حصل من اجتياح وغزو وقتل وتشريد وتدمير وتهجير لنسبة عالية من سكان العراق خلال الفترة الواقعة بين 2006 -2014، فهل سيتمكن الشعب من كبحهم وصدهم عن الحكم وإرسالهم إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، أو إلى اسيادهم في إيران أو غيرها من دول الجوار. فتشوا عن المندسين الذين يحرقون الدوائر الرسمي والأملاك العامة والخاصة في صفوف القوى المناهضة للمظاهرات السلمية، عن أولئك الذين يريدون الإساءة للشعب ومطالبه السلمية العادلة، عن أولئك الذين يريدون إشاعة الفوضى في البلاد ليفرضوا سياساتهم المناهضة للشعب ومصالحه!       
إن انتصار الشعب في معركته ضد الطائفية والمحاصصة الطائفية المذلة ومن اجل تحقيق التنمية والخدمات السريع للشعب تتحقق عبر أصرار الشعب على التظاهر السلمي والديمقراطي ورفض العنف الحكومة ومن أي جهة أخرى، ولاسيما هناك من يرغب في إشاعة الحرائق وبث الرعب والفوضى في البلاد. إن شبيبة العراق الغاضبة والمنتفضة لن تلجأ إلى حرق الدوائر الحكومية ومؤسسات الدولة والمال العام، ولا بد للمسؤولين من التحري عن تلك الأيدي الخبيثة التي تحاول ممارسة إشعال الحرائق لإجهاض الانتفاضة الشعبية والمطالبة العادلة والمروعة بالحقوق المغتصبة والمصادرة، ومنها الخدمات العامة كالماء والكهرباء وفرص العمل. لقد ربط المتظاهرون في البصرة وحيثما تظاهر الشعب بوعي ومسؤولية بين المطالب الآنية والملحة للشعب وبين المطالب الوطنية العامة، وفي مقدمتها الخلاص من الحكم الطائفي والمحاصصي ومن الهويات الفرعية القاتلة والعمل على أساس المواطنة وإقامة دولة ديمقراطية علمانية ومجتمع مدني ديمقراطي.. إلخ..                       

7
كاظم حبيب
نقاش معرفي مع الكاتب حسن العاصي حول التنوير العربي
نشر الكاتب والشاعر والصحفي الأستاذ حسن العاصي مقالاً في موضوع مهم على موقع القنطرة بتاريخ 31/08/2018 يتساءل فيه "هل فشل التنوير العربي أم تعثر؟". والمقال محاولة جادة للإجابة عن هذا السؤال، بما احتواه من معلومات وأفكار تستحق القراءة والمناقشة. إن قراءتي للمقال ولدَّت لدي مجموعة من الملاحظات التي أحاول التركيز على بعضها لتنشيط النقاش حولها وحول الموضوع الحيوي ذاته، الذي يحتمل طرح السؤال التالي أيضاً: هل بدأ التنوير أصلاً في العالمين العربي والإسلامي، أم لا يزال بعيد المنال، رغم الإرهاصات الأولية التي حصلت في القرن التاسع أو بداية القرن العشرين، ثم أجهضت؟
سأحاول تناول تلك الملاحظات فيما يلي:
الملاحظة الأولى: يقول الكاتب ف مطلع مقاله: "وأنت تطالع كتب التاريخ تنبهر بصفحات مشرقة من تاريخ العرب والمسلمين، تجد مراحل عاشها أجدادنا وكانت منارات في مختلف العلوم التطبيقية والإنسانية والرياضيات والموسيقى والفلك والترجمة."
هذا الرأي يمثل نصف الحقيقة أو جانب واحد منها، في حين يتجنب الكاتب هنا الإشارة إلى النصف الثاني من الحقيقة المرةّ جانبها المعتم، لاسيما وهو يبحث في موضوع علمي يشمل جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تمس تاريخ العالمين العربي والإسلامي، على حد تعبيره. الجانب المشرق اقترن بما أشار إليه من منجزات كثيرة عبر التاريخ، ولكنه أهمل الجانب المظلم في تاريخ العرب والمسلمين على امتداد القرون المنصرمة، وسواء أكان ذلك في الإمبراطوريات العربية، كالدولة الأموية والدولة العباسية، أو الدولة العثمانية، وفي الدول الأخرى ذات الأكثرية المسلمة، كالدولة الفارسية، حيث تميز هذا التاريخ بالكثير من المظالم والتخلف والتمييز والاستغلال والبؤس والفاقة، التمييز الفاحش إزاء أتباع الديانات والمذاهب، وإزاء القوميات الأخرى، تاريخ تميز بالفتوحات الاستعمارية والحروب والهيمنة على مصائر الشعوب واستغلالها. ويمكن أن نورد ما تعرض له العرب أنفسهم على أيدي السلاطين العثمانيين على امتداد تاريخ هذه الدولة التي تبنت الإسلام وحكمت باسمه ما يقرب من 400 سنة أغلب شعوب منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما الشعوب العربية والشعب الكردي وشعوب أخرى في وسط أوروبا. ومن يقرأ بعلمية وحيادية تاريخ العرب والمسلمين، عليه أن يقرأ الجانبان المشرق والمعتم، والذي لم يقترن بالعرب بالأساس، بل بالعرب وغير العرب من المسلمين. ويمكن للسيد حسن العاصي أن يقرأ كتاب "موسوعة العذاب" بسبعة أجزاء للكاتب العراقي الأستاذ عبود الشالجي ليدرك ما كان يجري في هذا العالم الذي لم يجد فيه سوى "منارات في مختلف العلوم.." الخ. كما يمكن أن يعود لكتابي الموسوم "الاستبداد والقسوة في العراق" ليطلع على ممارسات الإمبراطوريات العربية وكذلك الإسلامية (الترك والفرس) من مظالم وجرائم بشعة تقشعر لها الأبدان، وكلها باسم الإسلام!
الملاحظة الثانية: في فقرة أخرى يكتب السيد حسن العاصي ما يلي: "إنتاج معرفي علمي استعان به الغرب ونقل عنه المعارف وقطف ثمار العصر الذهبي للعرب والمسلمين، مما مكنه من شق طريقه نحو التطور والحداثة، بينما نحن أهدرنا هذه الإنجازات في غمرة الصراعات السياسية والاحتقان المذهبي والتعصب الديني والاقتتال الطائفي."
لا شك في أن الغرب قد استعان، للخلاص من ظلمات القرون الوسطى، بما تحقق للعرب والمسلمين من منجزات في مجالات كثيرة. ولكن هذه الرؤية هي الأخرى ذات جانب واحد، إذ إن العرب والمسلمين أنفسهم قد استعانوا، لبناء الدولة الأموية والدولة العباسية، بمنجزات اليونان وفارس في العلوم والفلسفة والمنطق والتنظيم والإدارة، من خلال تكثيف ترجمة المنجزات اليونانية في العلم والفلسفة والرياضيات وغيرها، والتي لعب المسيحيون العرب والكلدان والآشوريين والسريان، على نحو خاص، دورهم المميز والأساسي في ترجمتها إلى اللغة العربية، إضافة إلى اللغة السريانية. أشير إلى هذا لأوكد بأن الشعوب تتعلم من بعضها في مختلف مجالات العلم والفلسفة والأدب والثقافة. حصل هذا في السابق ويحصل اليوم وسيحصل في المستقبل أيضاً، وهو أمر ضروري ولا يمكن بناء الحضارة الحديثة دون الدمج العملي بين التراث الإيجابي لشعوبنا من جهة، وما تحقق للغرب الأوروبي والعام من منجزات في جميع مجالات العلوم المختلفة والفلسفة، ولاسيما في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء والطب، والتقنيات الأكثر حداثة، في ثورتهم العلمية التقنية ومنجزاتها الكبيرة. أما وأن العرب قد دخلوا في صراعات سياسية واحتقان مذهبي.. الخ، فهي مسألة سأعود إليها في ملاحظة أخرى.   
الملاحظة الثالثة: في فقرة أخرى يعيد الأستاذ حسن العاصي ما يؤكده تاريخنا العربي الرسمي ويردده الكثير من الكتاب العرب والمسلمين واحداً بعد الآخر، حيث يكتب: "الأمة العربية والإسلامية دخلت العصر الظلامي حين دمّر المغول بيت الحكمة في بغداد عام 1258 ورموا أمهات المخطوطات العربية ونفائس كتب الطب والفلك والرياضيات في نهر دجلة."
ولكن إلى ماذا تشير الحقائق التاريخية، كما أرى، بهذا الصدد. الحقيقة التاريخية العلمية تقول غير ذلك. لقد كان القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، قمة ما وصل إليه العصر العباسي، رغم وجود جوانب سلبية كثيرة وكبيرة فيه. (يمكن الاطلاع في هذا الصدد على الكتاب المهم للدكتور عبد العزيز الدوري الموسوم " تاريخ العراق الاقتصاد في القرن الرابع الهجري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة ثالثة 1995). ولكن، ومنذ منتصف القرن الحادي عشر والثاني عشر حتى منتصف القرن الثالث عشر كانت الدولة العباسية في تدهور شديد من حيث الفكر والسياسة، وفي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وفي ارتكاب المظالم بحق الناس من جانب الخلفاء والولاة والحكام وشيوخ الدين والفقهاء المسلمين. لقد انتعشت الدولة العباسية في فترات مختلفة، ولكنها لم تخل من مالم وتمييز. وعهد الخليفة عبد الله المأمون (786-833م) تميز بالانفتاح على الثقافات والأفكار واهتم بالترجمة والتأليف. وقد برز الكثير من العلماء الممتازين في عهده. كما كان للمعتزلة دورهم الكبير في الحكم وشؤون الدين والمجتمع، لتبني المأمون رؤيتهم في هذه الأمور، ولاسيما في الموقف المعروف من خلق القرآن والصراع العنيف مع الحنابلة في هذا الصدد وممارسة الاستبداد الفكري ضد أتباع الرأي الآخر، ولاسيما ضد الحنابلة، تماماً كما مارس الحنابلة ذات الأساليب القهرية إزاء من كان يحمل راياً في تفسير القرآن أو السنة المحمدية أو عموم الفقه الحنبلي.
وفي القرن الحادي عشر، حيث أقيمت دولة السلاجقة في إطار الإمبراطورية العباسية، لعب الفقيه الكبير أبو حامد محمد الغزّالي الطوسي النيسابوري الصوفي الشافعي الأشعري (1058-1111م) دوراً تخريبياً ضد ما تحقق قبل ذاك من تطور في علوم الفلسفة والرياضيات والفيزياء وغيرها. إذ ناهض أي إعمال فعلي للعقل، ووقف ضد الفلسفة والمنطق والرياضيات والفيزياء وترجمة الفكر اليوناني، وضد كل ما هو عقلي وعقلاني واستقر جامداً على النقل وليس العقل، كما ناهض فكر أخوان الصفا والمعتزلة. وشاركه في هذه العمل التخريبي في الفكر العربي وفي عقول المسلمين الوزير نظام الملك، قوام الدين أبو علي الحسين بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي (1018-1092م)، الذي أأقام مدارس المدارس النظامية التي اختصت بتدريس فقد الغزالي على نحو خاص. وكان أبو حامد الغزالي أبرز المدرسين في هذه المدارس.
لقد بدأ عصر العتمة وخراب الدولة العباسية ودخول العصر الظلامي قبل الغزو المغولي بعقود كثيرة، إذ لولا الخراب والانهيار الداخلي في الدولة العباسية والصراعات على السلطة والمال والنفوذ الذي تفاقم في تلك الفترة وفي عهد عبد الله المستعصم بالله (أبو عبد المجيد "المستعصم بالله" عبد الله بن منصور المستنصر بالله( 1213-1258م) لما استطاع هولاكو غزو بغداد والإجهاز عليها، لقد كان غزو هولاكو بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير! إن ما حصل أثناء غزو هولاكو كان نتيجة وليس السبب في تدهور الأمة العربية والمسلمين.
الملاحظة الرابعة: لقد شهدت بلاد الشام (راجع: د. ماهر الشريف، رواد الحداثة المجتمعية والدعوة الوطنية في بلاد الشام، الحوار المتمدن-العدد: 2678 - 2009 / 6 / 15)، ومصر حركة تنويرية بطيئة ووجلة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ولكنها توقفت منذ الربع الأول القرن العشرين تقريباً ودفنت على عجل ولم تنتعش حتى الوقت الحاضر، رغم وجود بعض المظاهر المدنية التي تشكل جزءاً من مفهوم وعناصر عملية التنوير المجتمعية. في المجتمعات العربية توجد نسبة مناسبة من المثقفين المتنورين الذين يسعون إلى نشر التنوير، ولكنهم حتى الآن عاجزون عن إنجاز ذلك. وهذا العجز لم ينشأ عن عجز الأشخاص أنفسهم، أي ليس لعجز شخصي في المواطن المثقف في الدول العربية، بل في طبيعة علاقات الإنتاج السائدة في الدول العربية والدول ذات الأكثرية المسلمة، في تخلف بنية الاقتصاد الوطني في كل منها، وفي البنية الطبقية المشوهة للمجتمع الناجمة عن الواقع الاقتصادي، والتي تتجلى بشكل واضح في وعي الإنسان وقدرته على إعمال العقل لفهم واقعه وما يحيط به وما يفترض تغييره. فالفكر الديني الجامد والمُجمِد لعقل الإنسان ورفض الرؤية الفلسفية للحياة والمجتمع والعلم، الرؤية غير النقدية للواقع والفكر الديني ... كلها وغيرها تساهم في إنتاج الأرضية الرافضة للتنوير، إنتاج وإعادة إنتاج الإنسان غير الحر، العاجز عن التفكير المستقل، وغير العقلاني والرافض للتغيير. إنها الحالة الراهنة التي تعيش تحت وطأتها الغالبية العظمة من شعوب الأمة العربية والمسلمين في أنحاء العالم.
أي توجه صوب التنوير في الدول العربية يستوجب خوض النضال بلا هوادة من أجل تغيير علاقات الإنتاج السائدة فيها وتغيير بنية الاقتصاد الوطني، والتي ستساهم بدورها في تغيير البنية الطبقية للمجتمع ووعي الإنسان. إنها عملية صيرورة وسيرورة معقدة ومتلازمة أو متشابكة، ولكن لا بديل عنها. وإذا كان الغرب المتنور قد وقف طيلة العقود المنصرمة لا ضد التنوير فحسب، بل بالأساس ضد التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول العربي والدول الأخرى ذات الأكثرية المسلمة، ضد تغيير بنية الاقتصاد، ضد التصنيع وتحديث الزراعة، لأنه يدرك بأن هذا التغيير هو الذي يقترن تماماً ويسهل عملية التنوير، التي يمكنها أن تخلق إنساناً حر التفكير وقادراً على إعمال عقله باستقلالية عالية. ورغم هذا الموقف من قبل العالم الغربي الرأسمالي الاستغلالي، لا يمكن لشعوب الدول العربية أن تنعزل عن الغرب، عن الحضارة الحديثة بكل منجزاتها العلمية والتقنية، عن عملية التنوير التي أصبح عمرها في الغرب الرأسمالي عدة مئات من السنين. لا يمكن للشعوب العربية أن تنعزل عن حضارة القرن الحادي والعشرين ولا عن المستوى الذي بلغته عملية التنوير فيها، ولا عن التأثر بهما. إن هذا التماس والتفاعل الضروريين لا يعني بأي حال عدم الاستفادة من التراث الحضاري الإيجابي للشرق العربي، مع بلورة تلك النقاط التي يراد الاستفادة منها والتخلص من سلبيات فترة الجهل والأمية وهيمنة الفكر الغيبي الخرافي على عقل وممارسات الإنسان في الدول العربية من جهة، والسعي لتجاوز ما يريد الغرب فرضه في الاقتصاد على استهلاك المنتج عندهم، دون تطوير القدرة على المبادرة والإبداع والتقدم، والي لا يمكن أن تحصل دون تغيير في طبيعة علاقات الإنتاج والتدني الراهن ف مستوى تطور القوى المنتجة، في غياب واسع للتصنيع والتحديث المناسب للزراعة وتغيير بنية المجتمع الطبقية، بما يخلق تلك القوى الحاملة للمجتمع المدني، الطبقة البرجوازية الوطنية والطبقة العاملة والفئات المثقفة المتنورة.           
إن المثقفين المتنورين من العرب وغير العرب في الدول العربية يمكنهم أن يساهموا بدور فعال في عملية التنوير في مجتمعاتهم، إذا ما ربطوا العملية الثقافية التنويرية بالنضال المشترك مع بقية فئات المجتمع من أجل إزالة المعوقات الكبيرة التي تقف بوجه التنوير، وهي كثيرة، بما فيها النظم الاستبدادية والرجعية القاهرة لإرادة ومصالح وطموحات الشعوب في المنطقة والمصادرة لحقوقهم العادلة والمشروعة، وكذلك سياسات هذه النظم التي تعتمد الريع النفطي والدولة الاستهلاكية بدلاً من الدولة ذات التنوع في إنتاج الدخل القومي، حيث يشارك القطاع الصناعي والزراعة الحديثة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية (البشرية) والتخلص من البطالة والفاقة والبؤس وغياب العدالة الاجتماعية.
الملاحظة الخامسة: منذ ما يزيد عن أربعة عقود والعالمين العربي والإسلامي يعيشان في وضع ردَّة فكرية وسياسية واجتماعية عميقة تشتد من حيث العمق والشمولية سنة بعد أخرى، حتى وصل الوضع إلى ما هو عليه واقع هذين العالمين في الوقت الحاضر، رغم المحاولات الجادة للمثقفين المتنورين وحركة شعبية متباينة في عمق مضامينها تفرض نفسها على هذا الواقع بين الحين والآخر، كما حصل فيما أطلق عليه بالربيع العربي والذي اختطف، في الغالب الأعم، بسرعة من قوى الردّة ذاتها، وبضمنها قوى الإسلام السياسي الرجعية والمتطرفة والعسكر.
لا شك في أن هذا الواقع المرير لا يشكل كل المشهد السياسي والاجتماعي في هذين العالمين، ولكنه ما يزال المهيمن على الساحة السياسية وبيده السلطات الثلاث في كل الدول العربية الشرق أوسطية والدول الأفريقية ذات الأكثرية المسلمة، إضافة إلى كل من إيران وتركيا وباكستان على نحو خاص. إلا إن المقاومة لهذه القوى المتطرفة وهذه النظم السياسية الدكتاتورية والثيوقراطية من جانب القوى الديمقراطية، وبضمنها الفئات المثقفة المتنورة وفئات البرجوازية الوطنية الصناعية وجمهرة من كادحي المدن والريف، ما تزال ضعيفة ولم ترتق إلى المستوى الذي تشكل فيه تهديداً لتك النظم، وبالتالي فالحديث عن عملية تنوير واسعة تشمل شعوب هذه الدول ما تزال بعيدة المنال وتستوجب توفير مستلزمات كثيرة ووقت غير قصير لبلورة جديدة لأساليب النضال التي يفترض أن تخوضها قوى التقدم والديمقراطية والعلمانية والتنوير في المجتمع ومع البشر مباشرة. ولا شك في أن هذه العملية قابلة للتحقيق، سواء اطال الزمن أم قصر. ولا يمكن أن يمنع دين المسلمين تحقيق عملية تنوير هذه المجتمعات، كما عجزت الديانات الأخرى منع ذلك. فالديانات كلها متماثلة من حيث الجوهر وتلتقي عند نقطة مركزية واحدة، موقفها المناهض للعلم وإعمال العقل والتفكير الفلسفي الحر.. سواء أكان هذا الدين يهودي أم مسيحي أم إسلامي، أم غيرها. وهي، رغم جوهرها المشترك، يحاول بعضها نفي البعض الآخر على مدى القرون المنصرمة. ورغم ذلك استطاعت البشرية أن تفرض عملية تنوير عميقة وواسعة في المجتمعات الأوروبية والغرب عموماً، وأن تباين مستوى التنوير، بمفرداته الكثيرة، في المجتمعات ذات الأكثرية المسيحية أو اليهودية، وعجزت البشرية حتى الآن عن تحقيق ذلك في المجتمعات ذات الأكثرية المسلمة، ولكن هذا لا يعني إنها غير قادرة على تحقيق ذلك في المستقبل شريطة أن يرتبط، كما ارتبط في الغرب المسيحي، بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية وفي الوعي الفردي والجمعي، التي سهلت عملية الانتقال من العتمة إلى النور، ومن الظلمات إلى مجتمع الأنوار أو التنوير. الغالبية المسلمة لا تزال تعاني من هيمنة الرؤية الدينية الجامدة المتكلسة التي عمرها أكثر من 1400 سنة حتى الوقت الحاضر، رغم حركة الزمن، أو ما أطلق عليه الدكتور فالح مهدي بصواب "العقل الدائري" في كتابه الموسوم "نقد العقل الدائري"، (الدكتور فالح مهدي، الخضوع السني والإحباط الشيعي، نقد العقل الدائري، بيت الياسمين للنشر والتوزيع، القاهرة – جمهورية مصر العربية، الطبعة الأولى 2015)، حيث وضع اصبعه على الخلل في الفكر والتفكير، والذي حاولت الإشارة إليه في متن هذا المقال.                     
وأخيراً، فقد وفَّر لنا الأستاذ حسن العاصي مشكوراً فرصة المشاركة في النقاش حول موضوع حيوي وأساسي في منطقة الشرق الأوسط، والذي أمل أن يتسع النقاش ليساهم في نشر الفكر التنويري في مجتمعاتنا الراهنة.
05/09/2018         










8
كاظم حبيب
البصرة الشجاعة والغاضبة ... البصرة المنتفضة...!
بتاريخ 30/09/2005 نشرت مقالاً بثلاث حلقات تحت عنوان "البصرة الحزينة... البصرة المستباحة!" في موقع (الحوار المتمدن-العدد: 1333 - 2005 / 9 / 30)، حيث تطرقت فيه إلى أوضاع أهالي البصرة وعيشهم النكد تحت وطأة نظام سياسي طائفي مقيت، حيث تتحكم فيهم ميليشيات طائفية مسلحة ودولة جارة هي إيران تتدخل في مجرى الحياة اليومية لأهل البصرة وتحصي أنفاسهم وحركاتهم ليلاً ونهارا، وتخطف من تشاء وتنقله إلى إيران ليلقى نهايته في سجن إيفين (زندان اِوین) في شمال غرب طهران، كما تغتال من تشاء، وتعتقل من تشاء بغير حساب بواسطة جواسيسها وعملائها وعيونها وميليشياتها الطائفية المسلحة التي شكلتها في إيران والعراق قبل وبعد إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة. وأوردت وقائع كثيرة عن دور الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية في التنسيق والتبعية الفعلية لإيران، والعواقب المترتبة عن ذلك وعليه. وكنت أتوقع أن أهل البصرة، وعموم سكان جنوب العراق، لطبيعتهم السمحة والمرحة، الذين كانوا يعانون أوضاعاً مذلة تبدأ بالبطالة الواسعة للشبيبة وتدهور الخدمات الأساسية وفقر مدقع ومطاردة من جانب قوى الأمن والأحزاب الإسلامية وميليشياتها، لا يمكنهم أن يرتضوا هذا الواقع المرير، وأن لصبرهم حدود.
وفي 30/05/2006 نشرت مقالاً تحت عنوان: "هل ما تزال البصرة حزينة.. هل ما تزال مستباحة؟" في موقع (الحوار المتمدن-العدد: 1566 - 2006 / 5 / 30)، أكدت فيه استمرار وضعها السابق، بل تفاقم الوضع. وبعد هذا كتبت الكثير من المقالات عن أوضاع الجنوب عموماً. ودوماً كنت أتوقع نهوض أهل البصرة وكل الجنوب والوسط ضد الأوضاع المزرية والرثة وضد الحكام السيئين!
وفي المقابل كان الحكام في المركز وفي المحافظات الجنوبية والوسط عموما، ولاسيما في البصرة، ثغر العراق الحزين!، يوغلون بسياساتهم التي تميزت بالتمييز المفرط إزاء المواطنات والمواطنين من أتباع ديانات أو مذاهب أخرى، وبالفساد الذي كان يلتهم ما يصل إلى المحافظات من موارد مالية، إضافة إلى سرقة نفط البصرة بمختلف السبل الممكنة، وعدم الاستجابة لمطالب الناس في الحصول على العمل أو الخدمات الأساسية، ولاسيما الكهرباء والماء والنقل والصحة (وكلنا يعرف حجم الأمراض السرطانية المنتشرة في البصرة وأنواعها الجديدة)، والتعليم المتدهور وعدم تعمير المدارس المخربة أو بناء مدارس جديدة للتلاميذ والطلبة ...الخ، إضافة إلى استمرار الإرهاب والاختطاف والتغييب والقتل والاعتقال والتعذيب وابتزاز العائلات. مما أدى إلى نزوح عائلات كثيرة من البصرة أو مدن جنوبية إلى بغداد وإقليم كردستان العراق، أو الخارج، ولاسيما أتباع الديانة المسيحية والديانة المندائية، وكذلك عائلات سنية تعرضت للمضايقة من جانب الميليشيات الطائفية الشيعية المسلحة. واليوم أكتب وأنشر مقالاً آخر عن البصرة ذاتها، عن بصرة الفيحاء، ولكن تحت عنوان أخر هو: "البصرة الشجاعة، الغاضبة ... البصرة المنتفضة!!!". 
لقد أدى تراكم مفردات هذه الحالة إلى انفجارات عدة في فترات مختلفة قوبلت بالحديد والنار من جانب رئيس الوزراء السابق وأدى إلى استشهاد وجرح وتعويق الكثير من المواطنين. ولكن الانفجار المدوي في البصرة وبقية مدن جنوب العراق ووسطه وبغداد العاصمة، انطلق في أوائل الشهر السابع، شهر تموز من هذا العام (2018) بعد حراك مدني اجتماعي شعبي بدأ منذ العام 2015 في بغداد وغيرها، الذي هزَّ سكان المنطقة الخضراء من المسؤولين عن السلطات الثلاث، هزّ العروش الخربة المناهضة لمطالب الشعب والمعادية فعلياً لمصالحه ومستقبل أبنائهم، هزّ مقرات قادة الأحزاب الإسلامية السياسية وقادة ميليشياتها الطائفية المسلحة في مختلف مدن الوسط والجنوب. وقد امتدت تلك الأيدي الخبيثة، أيدي المليشيات الطائفية المسلحة، لتوجه نيرانها وضرباتها ضد المتظاهرين بدعوى ممارستهم العنف ووجود مندسين في صفوف المتظاهرين!!! ونسوا أنهم هم المندسون وليس غيرهم!
الجماهير الكادحة التي هدَّتها البطالة والفقر ونقص الخدمات الأساسية، ولاسيما الكهرباء والماء، وأوجعها الفساد السائد في كل جزيئة من مكونات حياة الشعب العراقي، إضافة إلى عمليات الاغتيال والاختطاف والتفجيرات هنا وهناك وموت الناس أو إصابتهم بجروح وتعويق، وشراسة الميليشيات الشيعية المسلحة في التعامل مع الناس في مدنهم المختلفة واستئساد أحزابهم الإسلامية السياسية على البشر باعتبارهم مالكي الحكم والمال والنفوذ في هذا العراق المستباح بالطائفية والمحاصصة المقيتة والظالمة والناكرة لمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية لكل العراقيات والعراقيين بغض النظر عن القومية أو الدين أو المذهب أو الجنس.
لقد أصبحت البصرة مدينة خربة، رثة بكل معنى الكلمة، بسبب رثاثة حكامها ورثاثة سياساتهم ومواقفهم وجهلهم ورفضهم الاستجابة لمطالب أهل البصرة وأهل بقية محافظات الجنوب والوسط. لذا فأن ما حصل في البصرة من انتفاضة الحزن والغضب، قد حصل أيضاً في ذي قار وميسان وواسط والقادسية وبابل والنجف وكربلاء وغيرها من مدن الوسط والجنوب، لأن المشكلات واحدة والقوى والأحزاب الحاكمة المستهترة بالحكم والمقدمة مصالحها على مصالح الشعب واحدة والعواقب واحدة.
رغم استمرار أشكال مختلفة من صيغ الاحتجاج والانتفاضة الشعبية الجارية، ورغم إصرار الناس على التظاهر وعدم السكوت ورفض الحلول العرجاء التي لا ترتقي إلى تغيير النظام الطائفي المحاصصي القائم، رغم كل ذلك نلاحظ إن ممثلي إيران في العراق يبذلون المستحيل من أجل إعادة إنتاج ما هو قائم حالياً من نظام سياسي طائفي محاصصي مقيت ويتمادون في تعاونهم وتنسيقهم مع أتباعهم في العراق. فقاسم سليماني يتجاوز كل القواعد الدبلوماسية والسياسية، يتجاوز على شرعية الدستور العراقي، يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في البلاد، لا يتوقف عن السفر بين مدن العراق المختلفة ليلتقي بالقوى والأحزاب السياسية وبعناصر قيادية في هذه الأحزاب، بما في ذلك سفراته إلى إقليم كردستان العراق، في محاولة وقحة للوصول إلي تشكيل تحالف شيعي -شيعي ليكون منه الكتلة الأكبر لتكون أساس الحكم الطائفي الذي يراد إعادة إنتاجه في العراق، ليكون حكماً لصالح إيران وليس لصالح الشعب العراقي وتقدمه الاقتصادي والاجتماعي بواء المجتمع المدني الديمقراطي الحديث.
ومن الغريب ألّا تواجه هذه الجولات المكوكية بالاحتجاج والرفض من جانب الأحزاب الإسلامية السياسية، ولا من جانب رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، وكأن الرجل يعمل في بيته بالعراق، باعتبار العراق محمية إيرانية أو شبه مستعمرة!!! إنها المأساة التي لا يمكن القبول بها أو السكوت عنها وعليها. ليس سليماني وحده المتحرك، بل هناك بيادق إيرانية عراقية تتحرك هي الأخرى لنفس الهدف، في محاولة لتبييض وجه من اختزن السوءات طوال تسع سنوات من الحكم الجائر والفاسد والأجرب بين 2006-2014 ثم يرفع عقيرته ليطالب بعدم الإساءة له في حين إنه الأول الذي أساء إلى نفسه وقبل غيره من العراقيات والعراقيين، إنه يريد أن يعود بدعم من سيده ومرشده الإيراني خامنئي إلى الحكم، لأنه "سيف الإسلام" المتطرف والبغيض الذي سُلط على رقاب الشعب العراقي لما يقرب من عقد من السنين ولا يزال يرغب في استمرار ذلك. إنها المحنة الراهنة التي لا بد للشعب من تجاوزها ورفض هؤلاء العتاة الذين هم في أمور كثيرة لا يختلفون عن سلفهم في حكم العراق.
المياه الآسنة والملوثة هي حصة أهل البصرة من مياه دجلة والفرات، من شط العرب، إنها الكوليرا التي أصابت الآلاف من بنات وأبناء البصرة، دون أن يعمل المسؤولون على معالجة الوضع المتدهور بمسؤولية وحرص على الإنسان. ووزيرة الصحة ذهبت لتشارك في الفساد والخديعة حين أنكرت وجود ألاف المصابين بالكوليرا وادَّعت وجود 1500 شخص لا غير والمسألة غير خطيرة!، كما لم تتخذ أيبة إجراءات فعلية ضرورية لمساعدة الأهالي، بل عادت إدراجها كما ذهبتـ، هاربة مع من معها خشية الإصابة بنفس المرض، رغم العناية الاستثنائية التي وفرت لها ولوفدها. إن على العراق تحريك الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لدعم مطالب أهل البصرة وعموم الجنوب في معالجة الواقع الرث والفاسد والاحتجاج ضد سياسة الحكومة إزاء مطالب الناس.
البصرة الشجاعة، البصرة الغاضبة، البصرة المنتفضة ستنتصر على الحكام السيئين لا محالة، وأن طال الزمن، لأنها سنة الحياة، لأن الشعب صاحب المصلحة قد أدرك وبحدود مناسبة، وأن لم يكن تماماً، الأخطاء التي ارتكبها لجهله وسقوطه فعلياً في خديعة الدين والمذهب، في منح هذه القوى والأحزاب الطائفية المقيتة تأييده وتزكيته لها ومساندتها في الحكم. لقد سرقته ونهبت اللقمة من أفواه أطفال البصرة وعموم شعبها وعموم الجنوب والوسط والعراق كله.
 ليس العيب في أهل البصرة أو أهل الجنوب والوسط، رغم التأثير المباشر لشيوخ العشائر وشيوخ الدين الذين تحالفوا مع الحكم والأحزاب السياسية لفترة طويلة جداً ولا زالوا، كما يبدو حتى الآن، بل العيب في جميع المسؤولين الذين تولوا الحكم في العراق عموماً وفي المحافظات الوسطى والجنوبية، دع عنك الموصل والمحافظات الغربية وإقليم كردستان العراق، الذين تجاهلوا مصالح سكان محافظاتهم وتناغموا كلية مع مصالحهم الذاتية وأحزابهم السياسية، وكانت العواقب التي يعيش الشعب تحت وطأتها منذ 15 عاماً بالتمام والكمال، وبعد أن خرج من تلك المرحلة التي حكم فيها الفاشيون البعثيون وقادتهم الأوباش العراق ما يقرب من 35 عاماً مليئة بالحزب والكآبة والحروب والجوع والحرمان والموت والهجرة.               
البصرة لا تزال مليئة بقوى ومنظمات وعناصر الحرس الثوري والبسيج والأمن الإيراني، ولهم بيوت خاصة ومعروفة لأهل البصرة، وحسينيات يعمل فيها مرتزقة عراقيون، وهناك إذاعات وقنوات تلفزة "عراقية!" تعمل بأموال إيرانية تبث ليل نهار الدعاية ضد الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي وتعبئ القوى لصالح أولئك الذين يخدمونها وهم في الحكم أو خارجه. على أهل الجنوب والوسط تقع مسؤولية فتح أبصارهم وبصائرهم أمام هؤلاء الدخلاء سواء أكانوا من إيران أم من السعودية ودول الخليج، فنحن نريد أن يبقى العراق للعراقيات والعراقيين وان تكون قراراته مستقلة وغير خاضعة لأي أجنبي دخيل يحاول الإساءة للوطن والمواطن كما يفعل قاسم سليماني ورهطه!!!   

9
كاظم حبيب
هل العراق على حافة حرب إيرانية-ميليشياوية ضد الشعب العراقي؟
الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في صراع مستديم منذ سنوات على أرض العراق. الولايات المتحدة تعلن الحصار على إيران بسبب رفضها للاتفاقية النووية المعقودة بين الدول الكبرى الخمس الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي من جهة، وإيران من جهة أخرى. والمعركة لا يراد خوضها في إيران وحدها، بل في الكثير من دول العالم، ولاسيما بالعراق. الولايات المتحدة تطالب الدول بإيقاف تعاملاتها التجارية والمصرفية والتقنية وغيرها مع إيران. العراق، في وضعه الحالي، مجبر على إيقاف تلك التعاملات مع إيران، على وفق اتفاقيات ومصالح كبيرة جداً له مع الولايات المتحدة في المرحلة الراهنة، كما صرح بذلك رئيس الوزراء العراقي قبل شن الحملة السياسية والدبلوماسية والإعلامية ضده من جانب إيران وأتباعها في العراق. ورغم تخفيف رئيس الوزراء العراقي موقفه من العقوبات الأمريكية لم ينفعه ذلك، بل استمر الهجوم الإيراني بتشديد أكبر وعلى الأرض العراقية مباشرة.
إيران من جانبها تطالب العراق، المشدود إليها بألف خيط وخيط مرئي وغير مرئي عسكري وسياسي ومذهبي وميليشياوي وأحزاب إسلامية سياسية وحرس ثوري وقواد عسكريين وأجهزة أمنية إيرانية وجواسيس، على رأسهم الجنرال الإيراني قاسم سليماني بالعراق، بأن برفض الشروط الأمريكية كلها دون استثناء، وأن يضع مصالحه كلها جانباً ويدافع عن إيران ومصالحها لا في إيران فحسب، بل وفي العراق أيضاً، وأن يواصل تعاملاته كافة مع إيران على وفق الأوضاع السابقة.
هذا التوصيف الأولي لما يراد للعراق بالعراق يحصل في فترة تم حسم نتائج الانتخابات البرلمانية بانتظار الدعوة لعقد الجلسة الأولى للمجلس النيابي العراقي، أياً كان الموقف منه، لانتخاب رئيس المجلس ورئيس الجمهورية وتكليف رئيس الجمهورية للشخصية التي تمثل الكتلة البرلمانية الأكبر في البرلمان الجديد لتشكيل الحكومة العراقية. هذا الصراع لا يتم في بلد ديمقراطي حر وشعب يمتلك كامل حريته وإرادته ومقدراته ووعيه، بل تسوده الصراعات على المصالح الإقليمية والدولية في العراق والمغطاة بصراعات مذهبية محمولة إلى مواقع القاعدة الاجتماعية من قبل أغلب، أن لم نقل كل، الأحزاب والقوى والشخصيات، الإسلامية السياسية وميليشياتها الطائفية الإرهابية المسلحة. وهي تدور في داخل ما يطلق عليه بالمكونات المذهبية وفيما بينها.
هذا الواقع قد سمح بصدور تهديدات صارخة من إيران بشكل مباشر ودون لف أو دوران، تهديدات بثلاثة اتجاهات خطرة:
أولاً: توجيه الشتائم البذيئة للشعب العراقي ولكل القوى والأحزاب والشخصيات التي ترفض قبول التضحية بمصالح العراق لصالح إيران في الصراع الإيراني الأمريكي. وهي لا تنطلق من أفواه الناس العاديين في إيران، بل من أعلى سلطة إيرانية، من المرشد الإيراني الأعلى ومن ممثله في النجف وبكل صفاقة، ومن هم حوله من الأجهزة العسكرية والمدنية والإعلامية في إيران والعراق.
ثانياً: مطالبة إيران بدفع العراق تعويضات مالية عن الحرب التي اشتعلت بين البلدين في العام 1980، والتي يفترض أن يطالب العراق بها، بسبب رفض الخميني إيقاف هذه الحرب المجنونة بعد انفجارها بفترة قصيرة، أي في العام 1982، وبعد انكسار الجيش العراقي في الأهواز، بل حتى حين أَجبره العالم وكثرة الخسائر في الأرواح والممتلكات على إيقافها، قال الخميني بملء فمه في العام 1988(شرب السم الزُعاف اهون من إنهاء الحرب!) مع العراق. أي بعد مرور سنتين على بدء الحرب وست سنوات على انتهائها!، فمن الذي ينبغي عليه أن يدفع التعويضات فعلياً؟ 
ثالثاً: الاستعدادات الكبيرة التي تمارسها القوى الإيرانية المعسكرة في العراق، وهي في الغالب الأعم، من قوات جيش القدس والحرس الثوري والبسيج، التابعة للمرشد الإيراني الأعلى مباشرة، وأجهزة أمنية إيرانية كثيرة في العراق، بما في ذلك تلك الحسينيات والجوامع و"جمعيات المجتمع المدني!" التابعة لإيران والتي تدار كلها من قبل قاسم سليماني ونوابه من إيرانيين وعراقيين أولاً، والاستعدادات السياسية والإعلامية والعسكرية والمجتمعية والمذهبية التي تقوم بها الأحزاب والقوى والميليشيات العراقية المؤيدة لإيران أو التابعة لها أو المشكلة أصلاً منها في العراق، وما تحمله من تهديدات مباشرة أو مبطنة بخوض معركة كبيرة في العراق لصالح المصالح الإيرانية، ثانياً.
إن هذه التهديدات المتزايدة لبلد لم ينته بعد من حربه ضد الدواعش وبدعم من تحالف دولي واسع من جانب، ومن أوضاع معاشية وحياتية تزداد يوماً بعد يوم تعقيداً وصعوبة وتدجد تعبيرها في مظاهرات الجماهير الواسعة والعادلة في جنوب العراق ووسطه، ومنها ثغر العراق الحزين، البصرة الفيحاء، من جانب أخر، والضغوط الأمريكية السياسية والمالية والوجود العسكري الأمريكي ذاته في العراق ثالثاً، كلها عوامل يمكنها أن تُفجرَ حرباً إقليمية دولية على الأرض العراقية، وهو ما ينبغي التصدي له وإفشاله في كل الأحوال.
ليس عفوياً ولا عبثياً حصول حرائق متزايدة في العراق، ولاسيما في بغداد، إضافة إلى الاغتيالات والاختطافات وإشاعة الفوضى التي تمارس يومياً، لأن قوى بعينها تريد أن تجبر العراق على اتخاذ موقف إلى جانب إيران، كمن يقول للعراقيات والعراقيين: "تريد أرنب أخذ أرنب، تريد غزال أخذ أرنب"، لا بد لك أن تكون إلى جانب إيران ولو تمت التضحية بكامل مصالح العراق وشعبه. إنها اللعبة التي يمارسها من يملك القوة في العراق، رغم ضعف إيران في بلدها واهتزازها الشديد أمام القرارات والمواقف الأمريكية، التي هي إجراءات لا تلحق الضرر بالفئة الحاكمة في إيران، بل كلها تلحق أبشع الأضرار بالشعب الإيراني، وهي سياسة خاطئة وخطرة من جانب الولايات المتحدة، ولكن ليس في مقدور العراق مقاومتها والتضحية بمصالحه بأي حال وكان العراق أحد ضحايا مثل هذه السياسة. إن إيران تعتبر العراق "محمية إيرانية!" عليه أن يلتزم بقرارات "حاميه الإيراني!"، وإلا فلعنة المرشد الأعلى ستنزل على رأس الشعب العراقي، ولو تم ذلك بتفجير حرب أهلية شيعية-شيعية، ثم لتشتعل في العراق كله، كما هو حاصل في سوريا منذ ما يزيد عن سبع سنوات، وفي اليمن منذ ما يقرب من ثلاث سنوات.
إن في هذه المعركة السياسية التي ينبغي لها أن تتخلى عن استخدام السلاح كلية، وعن الاحتماء بالأجنبي، سواء أكان من دول الجوار أم من غيرها، وأن تلعب القوى القومية والديمقراطية، ولاسيما القوى الكردية، التي عاشت السنوات المنصرمة منذ إسقاط الدكتاتورية تجارب مريرة، بما لها وما عليها، أن تحسم أمرها في غير صالح من يريد جرَّ العراق لحرب أهلية مدمرة بسبب سياساته التدميرية وتصدير الثورة الإسلامية إلى المنطقة العربية وغيرها.
لقد مرّغت إيران وأنصارها في العراق، ولاسيما من حكم العراق مباشرة لتسع سنواته، مع رهطه المستبد، بأساليب الخديعة والفساد والطائفية المقيتة والنار والحديد والسماح باجتياح داعش للموصل وعموم نينوى وغيرها من المحافظات الغربية، وكذلك أغلب دول الجوار، كرامة العراقيات والعراقيين بالتراب خلال السنوات المنصرمة، وعليهم جميعاً تقع مسؤولية مقاومة هؤلاء الذين لا يريدون الخير للعراق بل لملء جيوبهم وحساباتهم المصرفية بالسحت الحرام وبالخنوع للجار الأجنبي. إنها معركة ربما غير متكافئة، ولكن سينتصر الشعب العراقي على قوى الظلام والشر والفساد والباطل، وهو اليوم بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يرتفع إلى مستوى المعركة التي يراد فرضها على العراق وعدم السماح بزج القوات العراقية والشعب في معارك دامية عراقية-عراقية لا يراد منها سوى فرض إرادة إيرانية ظالمة ومتجبرة ومهددة على العراق.   
26/08/2018
     
   


10
كاظم حبيب
تركيا تعيش بدء تفاقم أزمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية!
منذ سنوات برزت على سطح الأحداث في تركيا بدايات تشير إلى مجموعة من العوامل التي تسببت في بدء دخول تركيا في أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية جديدة بعد تلك التي عاشتها في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، واقترنت هذه المرة بممارسة رجب طيب أردوغان وحزبه السياسي، حزب العدالة والتنمية، نهجاً إيديولوجياً إسلامياً سلفياً وسياسات استبدادية أخذت تتسع بسرعة وتهدد بوقوع عواقب وخيمة على الاقتصاد ومستوى حياة ومعيشة شعوب الدولة التركية.
في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين حققت تركيا نجاحات ملموسة في حقول السياسة الداخلية والخارجية وفي الحياة الاقتصادية، مما أدى إلى انتعاش كبير في حجم التوظيفات الرأسمالية في القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتقلص حجم البطالة، وارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، إضافة إلى زيادة حجم الصادرات والاستيرادات، وتحسن في الميزان التجاري وميزان المدفوعات. لم تأت هذه النجاحات من فراغ، بل بسبب اتجاه اردوغان صوب تحسين علاقاته بالمجتمع والانفتاح على الأجواء الديمقراطية، والدعوة لحل المسألة الكردية بالطرق السلمية والمبادرة إلى إيقاف القتال مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني، وبروز حزب الشعوب الديمقراطي الكردي بصورة علنية، الذي حقق نجاحات كبيرة في الانتخابات العامة لعام 2015، إذ دخل البرلمان بـ 80 نائباً من مجموع 550 نائب. كما إن العلاقات الدولية لتركيا قد تحسنت بفعل مواقف إيجابية مع الكثير من دول العالم، مما ساعد على زيادة الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد التركي، ولاسيما علاقات تركيا بالدول الأوروبية، ومنها ألمانيا، حيث يعيش ما يقرب من 3 ملايين تركي في المانيا.
ألا إن هذه النجاحات بدأت تنحسر مع بدء محاولات تركيا التحول صوب التخلص من المظاهر العلمانية في نهج الدولة التركية، والبدء بفرض قيود "إسلامية" سياسية على الحياة العامة وفي نهج الدولة. وبرز هذا بوضوح مع نهوض شعوب بعض الدول العربية ضد أنظمتها المستبدة ولاسيما في تونس ومصر وحراك قوي مدنية في العراق ضد النظام الطائفي المحاصصي وفساده والإرهاب الذي عمَّ البلاد، وقلق متزايد لدى الحكام العرب وحكام منطقة الشرق الأوسط، ومنها تركيا. فبدأ أردوغان، على الصعيد الدولي، يتدخل بشؤون الدول العربية ويحاول فرض نموذجه الإسلامي ويتفاعل مع القوى والأحزاب الإسلامية السياسية في الدول العربية، كما حصل مع حزب النهضة في تونس أو مع الإخوان المسلمين في مصر أو تدخله المباشر في أوضاع سورية وتحالفاته الرجعية الجديدة مع السعودية وقطر ...الخ. ثم تحول من العملية السلمية مع الكرد إلى محاولة فرض الحل التركي العنصري على الكرد بقوة السلاح والحرب والمطاردة، واعتقال نواب من حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، إضافة إلى دعمه اللامحدود لقوى القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وفتح الحدود أمامها للولوج إلى سوريا والعراق وتأمين ظهيراً لها في الأراضي التركية وتموينها بالسلع والخدمات وتوفير السلاح والعتاد ومعالجة المرضى. وقاد كل ذلك إلى اجتياح الموصل ونينوى في العام 2014. وكانت تركيا في القلب من كل ذلك، بأمل تدمير مقاتلي ومواقع حزب العمال الكردستاني والحصول على مواقع لها في العراق ولاسيما في إقليم كردستان العراق وخاصة كركوك.
لقد قاد كل ذلك إلى تحمل تركيا ثلاث عواقب وخيمة:
1.   خسائر مالية كبيرة بسبب الحروب والتدخل في شؤون الدول الأخرى ودعمها للإرهابيين وقوى المعارضة السورية الإسلامية، مما سبّب لها وهناً مالياً كبيراً، كما كان يحصل لتركيا في حربها ضد الكرد في الثمانيات من القرن الماضي.
2.   إن غياب الاستقرار السياسي وبروز عمليات عسكرية إرهابية ومعارضة في داخل تركيا قاد إلى ثلاث عواقب أثرت وتؤثر بشكل مباشر على الحياة الاقتصادية والمعيشية للسكان:
أ‌.   تراجع شديد جداً في حجم السياحة السنوية وتراجع في حجم التشغيل وخسارة مورد مالي كبير من العملة الصعبة.
ب‌.   تراجع الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد التركي والذي أثر ويؤثر بشكل واضح على التشغيل ويزيد من حجم البطالة.
ت‌.   تراجع في معدلات النمو الاقتصادي وفي مشاركة القطاع الإنتاجي والخدمي في تكوين الدخل القومي، إضافة إلى تراجع ملموس في مستوى دخل وحياة ومعيشة المزيد من المشتغلين، ولاسيما العمال والكسبة والحرفيين والفلاحين أيضاً.
3.   تدهور العلاقات السياسية مع بلدان كثيرة في منطقة الشرق الأوسط والعالم، ولاسيما مع أوروبا لأسباب كثيرة بما فيها مصادرة حقوق الإنسان واعتقال بعض الألمان من الصحفيين من حاملي الجنسيتين بتهمة التعاون مع الإرهابيين، وكذلك اعتقال القس الأمريكي بذات التهمة، والمقصود هنا التعاون مع، أو تأييد، حزب العمال الكردستاني. كما تميزت سياسة أردوغان لا بالتدخل السياسي في شؤون دول الجوار فحسب، بل والتدخل العسكري المباشر، كما هو حاصل في سوريا والعراق، إضافة إلى أرسال قوات إلى قطر وبناء قاعدة عسكرية للقوات التركية فيها.
إن النجاحات السابقة التي تحققت في تركيا أصبحت عبئاً ثقيلاً على عاتق الحكام الترك، لأنها تحولت في الممارسة العملية إلى غرور لا حدود له وإلى شعور بالعظمة وإلى رغبة جارفة وصادمة في استعادة "مجد!" الدولة العثمانية والسلاطين والتوسع على حساب الجيران وباعتبارها دولة إقليمية عظمى تنافس إيران في هذا الصدد. وقد قاد هذا الغرور الأجوف رجب طيب أردوغان إلى خمسة إجراءات معقدة وخطيرة، بهدف تعزيز دوره ونهجه الإسلامي السلفي والاستبدادي في آن واحد، ولكنها تزيد من عزلته على الصعيد الدولي، ولاسيما بعد فشل محاولة الانقلاب العسكري ضده والذي اتهم فيه غريمه الإسلامي السلفي المماثل له فتح الله غولن الذي يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية:
1.   فرض نظام الرئاسة على تركيا بدلاً من النظام البرلماني، وهو أقرب ما يكون إلى النظام العسكري، نظام الرجل القوي الواحد الذي يهيمن على السلطات الثلاث ويتحكم بها.
2.   تعديل الدستور التركي بما يمنحه كل الصلاحيات التي كانت لرئيس الوزراء ومجلس النواب، والكثير من صلاحيات تعيين القضاة.. إلخ.
3.   مصادرة الحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتصرف الكيفي بأحوال البلاد ومن خلال أجهزة الأمن وأجهزة الحزب الحاكم والقوات الخاصة.
4.   تفاقم النهج العنصري والتمييز في نهج الدولة التركية من خلال سلطاتها الثلاث إزاء أتباع القوميات الأخرى وأتباع الديانات والمذاهب الأخرى وتعزيز سياسة الإخوان المسلمين التي يمثلها حزبه وشخص رجب طيب أردوغان في حياة البلاد.
5.   مطاردة المعارضين للنظام التركي لا في البلاد فحسب، بل وفي الخارج أيضاً وإصدار أوامر إلقاء القبض إلى المتروبول ضد شخصيات تركية أو كردية أو غيرهما سياسية وكتاب وصحفيين معارضين لإردوغان ونظامه السياسي. لقد اعتقل الحكم أكثر من 100000 إنسان في تركيا من عسكريين ومدنيين في اعاقب محاولة الانقلاب وطرد أكثر من هذا العدد من الوظائف العامة في الجيش والشرطة والقضاء والتعليم وبقية الوزارات.         
إن العراك السياسي الشخصي الأخير بين أردوغان وترامب، الذي يحمل معه أسباب وصراعات عميقة أخرى، قد بدأ باعتقال القس الأمريكي وصدور عقوبات أمريكية ضد تركيا التي قادت كقشة، مع قشوش أخرى، لا إلى قصم ظهر البعير بتراجع الليرة التركية إلى ما يقرب من نصف سعر تصريفها الرسمي مقابل الدولار وكذلك مقابل بقية العملات كاليورو والفرنك السويسري فحسب، بل يمكن أن تكون البداية الفعلية لانفجار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في تركيا وما يمكن ان تنشأ عنها من عواقب وخيمة على الاقتصاد التركي وعلى اقتصادات أخرى ترتبط معها بعلاقات واسعة ومتشابكة، ولاسيما الاقتصاد الأوروبي، ولاسيما الألماني، حيث تأثرت حالياً أكثر من 6500 شركة المانية تعمل في السوق التركي.
غالباً ما يتحدث الخبراء والمختصون بالشأن التركي عن العوامل الاقتصادية التي تقود إلى هذه الأزمة القادمة بكل قواتها في الاقتصاد التركي، ومنها ضعف القوة الاستثمارية والتوظيفات الأجنبية والديون الكبيرة المتراكمة على الشركات التركية والتي تتجاوز الـ 200 مليار دولار أمريكي، وتوجه السياسة الاقتصادية التركية صوب صرف مبالغ طائلة على الجسور والطرق والسدود والتي رفعت من مصروفات الدولة دون أن يكون لذلك مردودات اقتصادية مباشرة على الأمد القصير، كما لم تول اهتماماً ضروريا بسعر الفائدة على القروض والادخار انطلاقا من الموقف من الربا، إضافة إلى السياسة التجارية لأروغان التي تشير إلى عجز كبير في الميزان التجاري التركي بسبب ارتفاع حجم الاستيرادات في مقابل الصادرات، وتأثير ذلك على ميزان المدفوعات التركي، إذ بلغ العجز لعام 2018 حوالي 17 مليار دولار أمريكي. (راجع، عجز ميزانية تركيا عام 2018 يتجاوز 17 مليار دولار، تاريخ النشر، 23/12/2018، قناة روسيا العربية RT). 
ولا بد من الإشارة إلى حصول تراجع كبير جداً في السنوات الأخيرة للسياحة في تركيا والتي كانت تدر على تركيا مبالغ طائلة سنوياً وتغطي جزءاً من العجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات.
ولكن هؤلاء الخبراء والمختصين كانوا ولا زالوا في الغالب الأعم يتجنبون الحديث عن مسالتين مهمتين هما:
أ‌.   عسكرة الاقتصاد التركي وتوجيه مبالغ طائلة صوب الإنتاج العسكري من جهة وصوب الاستيراد العسكري من جهة أخرى، إضافة إلى توسيع حجم القوات العسكرية التركية العاملة في داخل تركيا وتلك التي تعمل خارج حدود تركيا، كما في العراق وسوريا وقطر. فالصحيفة الألمانية في زوريخ (تسوريشة تسايتونغ) نشرت تقريراً جاء فيه بهذا الصدد ما يلي:
"منذ أن تولى حزب العدالة والتنمية الحكم لأول مرة في عام 2002، زادت نسبة إنتاج الأسلحة من 18 إلى 70 بالمئة. في الأثناء، توسعت قائمة المنتجات العسكرية التركية لتشمل المسدسات والمدرعات، علاوة على مدافع الهاون والصواريخ. وفي سنة 2030، ستحتفل تركيا بمئوية تأسيس الجمهورية. وبحلول ذلك الوقت، يُنتظر أن يكون الجيش التركي قادرا على تحقيق اكتفائه الذاتي من الأسلحة." (راجع: صحيفة ألمانية: كيف تحولت تركيا إلى مركز لصناعة الأسلحة؟ نشر بتاريخ 21 مارس 2018، موقع ترك برس).
وتشير تقارير "سپري" إلى ارتفاع مستمر في ميزانية الدفاع التركية حيث جاء فيه ما يلي: قدرت ميزانية الدفاع التركية في عام 2016 بنحو 14.8 مليار دولار، وفقا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام (SIPRI)"، كما إن عام 2018 يشهد ارتفاعاً كبيراً في ميزانية وزارة الدفاع والداخلية والدرك في آن واحد" (راجع: لماذا قررت تركيا زيادة ميزانيتها الدفاعية بنسبة 30% العام المقبل، نشر بتاريخ 21 أكتوبر 2017، موقع ترك بريس).
ب‌.   المشكلات السياسية التي تواجه تركيا ولاسيما الموقف من الكرد وحقوقهم المشروعة وما ينجم عن ذلك من قتال ودمار وخراب وموت وتعويق مستمر وخسائر مالية ضخمة وتعطيل عملية التنمية في عموم تركيا ولاسيما المنطقة الكردية. 
 إن السياسة التي يمارسها ترامپ باستخدام سلاح العقوبات الاقتصادية للأغراض السياسية، كما هو حاصل حتى الآن إزاء روسيا وإيران وتركيا أو الصين، ليست سياسة خاطئة فقط، بل وتلحق ضرراً كبيراً في العلاقات الدولية والاقتصاد الدولي،  ولكنها لا تشكل بالنسبة إلى تركيا إلَّا جزءاً من المشكلات التي تواجه تركيا، بسبب مجمل سياساتها الداخلية والخارجية، وإن هذا النهج الذي يمارسه أروغان سيتسبب بعواقب وخيمة على تركيا وعلى جيرانها وعلى دول المنطقة عموماً، وربما يمتد الضرر إلى أوربا، هو ما يفترض النضال ضد هذه السياسة والتي يتحمل مسؤولية هذا النضال الشعب التركي والقوميات الأخرى فيه، وما على الشعوب الأخرى إلَّا التضامن مع القوميات العديدة في تركيا التي تناضل من أجل السلام وغدٍ أفضل لها وللشعوب التركية.   
20/08/2018 

11
كاظم حبيب
مرة أخيرة مع السيد علي الشرع بشأن واقع العراق الراهن
الحلقة الرابعة (4-4)
هل العراق بحاجة إلى عملة تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة ومستدامة؟
جاء في مقال السيد علي الشرع "العبادي ومستشاره الاقتصادي" المقطع التالي:" بسبب رؤيته الشمولية وربما بسبب تأثره بنظرية النمو المتوازن فإن د. كاظم حبيب يتبنى نفس رؤية وزارة التخطيط في خططها الخمسية التي تسعى من خلالها الى تنمية القطاعات الاقتصادية المختلفة في آن واحد، على الرغم من فشل كل الخطط المبنية على هذا الرأي. ولم يفكر الدكتور كاظم حبيب لحظة واحدة ان الموارد المالية غير كافية في سبيل تحقيق هذا الهدف. وان تبديد هذه الموارد النادرة على رقعة واسعة من القطاعات، سيجعل من الاقتصاد العراقي هيكلاً سقيماً مطروحاً بشكل دائم على فراش العلاج يتلقى جرعاً غير نافعة لن تنعشه ولو على المدى الطويل. لكن -بخلاف ذلك- ان وجهنا التخصيصات المالية نحو قطاع حيوي وهو قطاع الكهرباء، فسوف نخلق منه قطاعاً قائداً تنطلق من خلاله التنمية الاقتصادية. ولا يخفى على المتخصصين ان عدم نهوض هذا القطاع كان ولا يزال يشكل مصدر قلق للحكومة والناس؛ فالأولى ان يتم التركيز عليه. والمشكلة تكمن فيه وليس في غيره، ولقد ازهقت أرواح كثيرة في المظاهرات بسبب الكهرباء، ام ان هذه الأرواح لا قيمة لها عندك يا سيد كاظم!".
أترك روح الاستفزاز السقيمة التي تتجلى في مقالة السيد علي الشرع حين يقول في خاتمة المقطع ".. أم ان هذه الأرواح لا قيمة لها عندك سيد كاظم!" جانباً، فالرجل لا يعبر هنا عن جهل بالاقتصاد فحسب، بل وجهل مضاعف بمعرفة الناس أيضاً، وبالتالي يلجأ إلى الإساءة في نقاش يفترض أن يتسم بالهدوء والموضوعية.
الاقتصاد العراقي اقتصاد ريعي استهلاكي متخلف. ومثل هذا الاقتصاد بحاجة إلى شروط للنهوض به من تشوهه البنيوي ومن تخلف علاقاته الإنتاجية السائدة فيه منذ عقود، بل منذ قرون، إنها علاقات إنتاج ما قبل الرأسمالية ورأسمالية طفيلية وقطاع نفطي رأسمالي متطور إلى حدود معينة في قواه المنتجة. هذا الاقتصاد لا تعالجه حكومة طائفية من النوع القائم منذ 15 سنة ولا قبل ذاك كحكومة البعث المستبدة والمحكومة بقرارات الفرد المطلق والشرير.
ليس لهذه الحكومة رؤية سليمة في سبل وأسس تنمية الاقتصاد الوطني والمجتمع، وليست لها أهدافاً اقتصادية واضحة تساهم في إصلاح الاقتصاد العراقي وتلبي حاجات المجتمع الأساسية بما في ذلك الطاقة الكهربائية والماء.. الخ. ولهذا فهي تتخبط فعلياً، إضافة إلى ما نشأ في العراق من احتلال وإرهاب ثم اجتياح وحروب وفساد شامل في البلاد.
ليست الحكومة الحالية وحدها مسؤولة عن هذا الواقع المرير، بل هي تركة ثقيلة منذ عقود، فاقمتها الحروب الصدامية نحو الداخل والخارج ومن سياسات النظام الطائفي الطفيلية والفاسدة والتي ألحقت أفدح الأضرار بالاقتصاد والمجتمع وعمقت التخلف والتشوه في الاقتصاد وفي بنية المجتمع.
كل الاقتصادات الوطنية في العالم بحاجة إلى تخطيط أو برمجة، سواء أكانت رأسمالية متقدمة، أم لا تزال في مرحلة التحول صوب الرأسمالية، أم بلدان النامية لا تزال تعاني من العلاقات البالية، سواء أكانت شبه إقطاعية أم في بدايات نمو الرأسمالية، ولاسيما القطاع التجاري والعقاري. الخطط الاقتصادية التي وضعا في العراق لم تكن كلها فاشلة، بل كان الفشل حكومي بامتياز، فشل الإدارة الاقتصادية والمالية، فشل الأجهزة والعناصر غير الجيدة التي وضعت على رأسها بسبب حزبيتها أو قرابتها أو مذهبها. التخطيط أداة وليس هدفاً، وبالتالي يفترض فيمن يستخدم الأداة أن يعيها وأني يعي سبل التنفيذ. التخطيط الاقتصادي يتطلب معرفة تفصيلية بواقع الاقتصاد الراهن وإمكانيات البلد المادية والبشرية والموارد الأولية والمالية المتوفرة وحاجات الاقتصاد الوطني والمجتمع، ليخرج منها بخطة تحدد الأوليات التي لا بد من العمل عليها من جهة، والتي لا تعني بأي حال إهمال التوازن المنشود في بنية الاقتصاد الوطني وعلى مدى عدة خطط خمسية ووفق رؤية بعيدة المدى وآفاقية. التنمية المستدامة والمتوازنة لا تعني عدم التركيز على قطاع الطاقة لأهميته الكبرى في عملية التنمية الاقتصادية والبشرية وإشباع حاجات السكان منها في الصيف والشتاء، بل تعني تطوير الفروع والقطاعات الاقتصادية الإنتاجية منها والخدمية على وفق الحاجة الفعلية لها ودورها ومكانتها في عملية التنمية بالارتباط مع الإمكانيات المالية والطاقات البشرية المتوفرة والتطويع المناسب للتقنيات الحديثة لصالح تنمية الاقتصاد الوطني والمجتمع، إضافة إلى التنسيق فيما بين الفروع واقطاعات الاقتصادية. كما لا بد من دور مهم وملموس لمنظمات المجتمع المدني والشعب عموماً في تبني مثل هذه التنمية والخطط الاقتصادية ومتابعة ومراقبة التنفيذ.
إن تحقيق التوزان في بنية الاقتصاد الوطني ليست فقط ضرورية بل وأساسية، إذ تعني بالضبط عدم نسيان القطاعات الإنتاجية ذات الأهمية الفائقة لعملية التنمية والقاعدة المادية لتطور الاقتصاد والمجتمع وتقدمهما، وقطاع الطاقة الكهربائية هو القطاع الأكثر أهمية ضمن القطاعات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية، الذي يفترض أن يولى الاهتمام، دون نسيان التطوير المرافق له في القطاعات الأخرى لكيلا نقع في اختلالات أخرى في عملية التنمية الشاملة. فالاختلال والتخلف الراهنين في الاقتصاد العراقي يزال فقط عبر التنمية الاملة والمستدامة والاستفادة الفعلية من النفط الخام وموارد النفط المالية، المتأتية من تصدير النفط الخام للخلاص من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي المتخلف. أما السياسة الراهنة وحتى الآن فهي تعمق التشوه ووحدانية الجانب في بنية الاقتصاد العراقي وتشوه وتخلف بنية المجتمع الطبقية، وتزيد من دور ومكانة الريع النفطي في الاقتصاد العراقي، وما تنشأ عنه من عواقب الفساد والاستبداد والاستغلال.
النظرة الشمولية للاقتصاد والمجتمع ضرورية وحتمية، وليست عيباً، لمن يريد تنمية الاقتصاد الوطني على وفق ما هو متاح ومتوفر من موارد مالية وطاقات بشرية، بل العيب يكمن في غياب الرؤية الشمولية للاقتصاد الوطني وعدم رؤية مجمل الاقتصاد الوطني في مشكلاته وسبل معالجته وأسبقيات التنمية للوصول إلى التوازن المنشود في الاقتصاد والخلاص من الأزمات التي يعاني منها الاقتصاد والمجتمع.
إن سياسة الحكم الراهن أسوأ بكثير جداً من سياسة صدام حسين ونظامه الشوفيني في العقد الثامن، فهو على الأقل طور بعض الصناعات الكيمياوية والنسيجية والغذائية ومصافي النفط، إضافة إلى مشاريع الطاقة الكهربائية والماء والصحة ... الخ، ولكن المقتل الأساسي لهذا النظام برز في سياسة التنمية الانفجارية التي اتخذها نظام البعث ضمن قرارات المؤتمر الثامن للقيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي في العام 1974 من جهة، والموارد المالية الهائلة التي تساقطت على رأس النظام وأعمت بصيرته وبصره من جهة ثانية، وسمحت بنشوء أهداف توسيعية للنظام على حساب دول الجوار وتفاقم روح العسكرة والعنف التي ميزت سياساته من جهة ثالثة، والتوسع في الإنتاج الحربي وصرف المليارات لإقامة ترسانة من أحدث الأسلحة التقليدية والتهيئة لحروب دموية، من جهة رابعة، والاستبداد والقهر للمجتمع والتمييز الشوفيني والطائفي في الداخل من جهة خامسة. والتي كلها ساهمت في المحصلة النهائية إلى تدمير المؤسسات الاقتصادية وخراب المشاريع الخدمية وعودة العراق إلى ما قبل التصنيع في البلاد.
أما النظام السياسي الطائفي الحالي، وعبر الأعوام الخمسة عشر المنصرمة، فقد برهن على هدفه الصارخ: إملاء الجيوب وتكوين الحسابات في الخارج وبناء القصور وسرقة أموال الدولة على أوسع وأبشع نطاق ممكن وبلا ذمة أو ضمير. ومثل هذا النظام لا يبني العراق، ولا يحقق التنمية، ولا يقيم مشاريع الطاقة الكهربائية، ولا يلبي حاجة الناس لكل الخدمات الأساسية/ بل يمارس العكس من كل ذلك.
إن انتفاضة الشعب ضد سياسات النظام وطائفيته ليست صراخاً في وادٍ، صراخاً غير نافع، وليست فوضوية تقلق النظام أكثر مما تدفعه إلى الإصلاح، بل ما سميته صراخاً عبثياً هو النضال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الشجاع وبمختلف أشكاله السلمية والديمقراطية، وهو المطلوب تماماً والمرتجى أيضاً، إذ بدون هذا الحراك المدني المتواصل والانتفاضة الشعبية، لما تحرك صوب المحافظات التي تعاني من الرثاثة وشظف العيش والتخلف في كل مجالات الحياة، إضافة إلى الفساد والإرهاب. وهي سياسة لا تزال بعيدة عن رغبة وحاجة المجتمع، فالمجتمع يريد تغيير النظام الطائفي والخلاص منه وإقامة النظام الديمقراطي العلماني. والهمس بالأذن من قبل مستشار مالي، مهما كانت فائدته، لا تعادل جزءاً من تأثير حركة الشعب ونضاله من أجل التغيير، رغم أننا لا نعرف مدى علاقة الحاكم بالمستشار ومدى استعداده لسماع رأيه في خضم هذا الجهل السائد بين كثرة من المستشارين والخبراء الذين اختضنهم نوري المالكي ولا زالوا يواصلون دورهم حول الحاكم الجديد، حيدر العبادي.
من حقك أن تخوض في موضوعات السياسة والاقتصاد، كما من حق كل مواطنة ومواطن عراقي ذلك، ولكن لا بد من معرفة المجال الذي تخوض فيه وتتحدث عنه، لكيلا ترتكب أخطاءً غير مبررة تفسح في المجال لنقدك. لم اتحدث عن المرجعية الدينية الشيعية إلا عن علم بتفاصيل عمل المرجعية، ولاسيما مرجعية السيد السيستاني، والأموال الكثيرة التي يصرفها مما يأتيه من مقلديه في العالم، في إيران وغيرها، ولكن لم يصرف فلساً واحدا في الأعمال الخيرية في العراق، إن لم تصدق ذلك فأذهب إلى الموقع الإلكتروني للسيد السيستاني لتتيقن بنفسك من ذلك. وحين انتقدت الأفعال المضرة بأتباع المذهب الشيعي من أمثال التطبير والضرب بالسلاسل والسكاكين الصغيرة (الزناجيل) على الظهر والتمرغ بالتراب والطين (التمرغل بهما) من قمة الرأس إلى أخمص القدمين، كنت على علم تام بمواقف علماء الدين الشيعة والمسلمين العقلاء منهم، وعلى علم بموقف السيد السيستاني وطالبته باتخاذ موقف شجاع سيذكر له ضد هذه البدع التي جاءتنا من بعيد وعبر إيران وفي القرن التاسع عشر على نحو خاص، في حين إن إيران لا تمارس ذلك.                       
في المقطع الأخير من مقال السيد علي الشرع جاء ما يلي: "وأتمنى ان تكون انتفاضة الأستاذ كاظم حبيب هذه خالصة نظيفة خالية من اية شائبة من قبيل مصلحة يرتجيها من نصرته ودفاعه هذا. لكون المقال يشرح مظلومية الشعب العراقي ومحنته ومع ذلك لم يقف السيد حبيب مع المقال ولو بكلمة واحدة، وتبين لي ان ما ينشره من مشاعر الأسى والحزن على وضع الشعب العراقي المزرى هو مجرد كلام ليل يمحوه النهار."
كم كنت أتمنى أن يحترم هذا الرجل نفسه ويبتعد عن الإساءة، ولو جاءت عبر التمني، فمن قضى عمره في النضال من أجل " وطن حر وشعب سعيد"، من أجل الشعب ودخل السجون والمعتقلات وناضل مع الأنصار الشيوعيين ضد نظام البعث ورفض الاستمرار في التعليم الجامعي المجزي في العراق والجزائر ليناضل في إقليم كردستان مع الكرد والعرب وغيرهم من أجل الحرية والديمقراطية والخلاص من سجن البعث وصدام حسين الكبير ورفض المغريات لنظام البعث، لا يمكن أن يعتمد المصالح الشخصية والانتهازية في طرح أفكاره أو مناقشة اراء الآخرين. فليس هناك ما ارتجيه من دفاعي عن أستاذ اقتصادي شريف اعتقل لعدة شهور وأسيء له عمداً وقسراً من قبل المستبد بأمره نوري لمالكي، ثم جاء مقال للسيد علي الشرع ليربط بينه وبين سياسة رئيس الحكومة الدكتور العبادي، والتي شعرت بوجود خطأ في المنهج والأسلوب وعدم التمييز بين المسؤول والمستشار.
يقول الشرع في هذا المقطع الأخير "... لكون المقال يشرح مظلومية الشعب العراقي ومحنته ومع ذلك لم يقف السيد حبيب مع المقال ولو بكلمة واحدة"، ثم يواصل فيقول: "وتبين لي ان ما ينشره من مشاعر الأسى والحزن على وضع الشعب العراقي المزري هو مجرد كلام ليل يمحوه النهار". 
لقد كان هدف مقالي هو تبيان الخلل في وجهة السيد الشرع في معالجة العلاقة بين الحاكم والمستشارين ومدى التزام الحاكم بأفكار وملاحظات وآراء المستشارين أو بعضهم، وليس الكتابة عن مظلومية الشعب العراقي الذي يقول هو نفسه بأن كاظم حبيب كتب الكثير عن المآسي والتي يمر بها الشعب العراقي. يمكن للشرع أن يتصفح موقع الحوار المتمدن ففيه ما يقرب من 2000 مقال ودراسة، وكذلك جريدة "العالم" العراقية، منذ أن بدأت الكتابة فيها قبل عدة أعوام وبدون مقابل مادي، ليدرك بأني لم أكن بحاجة لكي أؤكد وأعلق وأؤيد بوجود مظلومية على الشعب العراقي في المقال الذي كتبه بعنوان "العبادي ومستشاره الاقتصادي". ولم أكن انوي مناقشته لولا شعوري بوجود خلل في هذا المقال يستوجب الإشارة إليه. ولو كان السيد الشرع قد فكر قليلاً بالواقع الذي يعيشه النزهاء والمخلصين العاملين ضمن هذا النظام الطائفي المقيت، لابتعد عن تلك المقارنة وبالطريقة التي عالج فيها الموضوع ولشكرني على ملاحظتي. من الممكن أن يطلب من السيد الدكتور مظهر محمد صالح أن يستقيل من مركزه لأن المستشارية لا تنفع مع مثل هذه الحكومة، أو أن ينتقده في موضوع التصريحات بشأن القروض والعلاقة مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مثلاً، لما كان لي أن أناقشه في هذا الصدد، فهو نقاش في مجال حيوي وفيه وجهات نظر عديدة. كما أني لم أنتقده بهذا الشأن، بل توجه نقدي لموضوع العلاقة بين الحاكم والمستشار.   
وأخيراً إن محاولة الإساءة لي في المقطع الأخير من مقال السيد علي الشرع تجعلني أكف عن مناقشته بعد هذا المقال، إذ يمكن أن ينحدر النقاش إلى مستوى إساءات جديدة لا يمكن القبول بها وكان المفروض أن ترفضها هيئة تحرير الجريدة.     
انتهت الحلقات الأربع والأخيرة.
14/08/2018

12
كاظم حبيب
نقاش هادئ مع السيد علي الشرع بشأن واقع العراق الراهن (3-4)
السياسة الاقتصادية للحكومة العراقية ودور المستشارين
كتب السيد علي الشرع في مقاله الموسوم "العبادي ومستشاره الاقتصادي" ما يلي: “أما مقال العبادي ومستشاره الاقتصادي، فلم يفطن الدكتور كاظم حبيب الى ان الهدف الأساس منه ليس تثقيفياً كي يستفيد منه طلبة العلوم الاقتصادية، كما هو حال مقالات زميله مظهر محمد صالح، بل الغرض منه تقويم أداء العبادي ومستشاره الاقتصادي. وان كان قد تضمن مقترحات لسياسة اقتصادية تتعلق بكيفية توزيع شواغر حركة الملاك وخطأ استيراد الكهرباء، لكن كاظم حبيب أغمض عينيه عنها، ليقفز الى اتهامي بعدم الموضوعية التي تعني أني كنت متحيزاً في وصف انجازات الرجل وحاقد عليه بل وضده."
في هذا النص خلط غير مبرر ومقصود بين المسؤول عن السياسة الاقتصادية للدولة العراقية، وهو رئيس الوزراء العراقي، وبين مستشارٍ مالي يعمل لدى رئيس الوزراء. وكلنا يعلم بأن السياسة الاقتصادية والمالية، وكذلك السياسة الاجتماعية لا يرسمها الخبراء والمستشارون، بل ترسمها الحكومة العراقية بمختلف وزاراتها ومؤسساتها، وعلى مسؤولية مباشرة لرئيس الوزراء، ومن ثم مجلس النواب العراقي الذي يفترض أن يصادق على هذه السياسة. وبهذا المعنى الدقيق فالسياسة الاقتصادية والمالية لا يحددها الخبراء والمستشارون، بل تتحدد استراتيجيتها وأهدافها البعيدة والمتوسطة المدى وذات الأمد القصير، ومعها السياسة الاجتماعية، في مجلس الوزراء، ولاسيما في وزارة التخطيط وبالتعاون مع الوزارات الإنتاجية والخدمية، ولاسيما وزارة المالية، والتي تقر في مجلس الوزراء. وعلى امتداد السنوات الـ 15 المنصرمة لم تكن للحكومة العراقية سياسة اقتصادية اجتماعية واعية وهادفة وموضوعية ونابعة من مصالح الاقتصاد الوطني ومعبرة عن مصالح الشعب بمختلف طبقاته وفئاته الاجتماعية، بل سارت سياسات الحكومات المتعاقبة على هدى المخطط الذي وضعه بول بريمر، معبراً في ذلك عن إرادة اللبرالية الجديدة وما اقترحه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من شروط تلتزم بها الحكومة العراقية. وكان هدف هذه السياسة الواضح إبعاد الدولة كلية عن الشؤون الاقتصادية وتصفية قطاع الدولة دون أن يتوجه العمل الجاد لتطوير القطاع الخاص وتوفير مستلزمات نهوضه وتطوره وزيادة حجم استثماراته في القطاعات الإنتاجية والخدمية الضرورية. بل ما يزال الجهد متوجهاً صوب تصفية ما هو موجود من منشآت عامة عائدة للدولة كقطاع الكهرباء أو قطاع النفط الاستخراجي ومشتقاته لصالح القطاع الخاص غير القادر حقاً على النهوض الفعلي حالياً بمهماته الصغيرة في مجال التوظيف في القطاعات الإنتاجية. إذ إنه ما يزال يسعى للحصول على أقصى الأرباح بسرعة وبعيداً عن المخاطر، ولاسيما في النشاط التجاري والمضاربات العقارية ودور السكن وفي بعض الخدمات المربحة. ولم يكن إهمال الكهرباء عفوياً بل كان سياسة متفقة مع رغبات إيران في استيراد الطاقة منها وبأسعار خيالية. كما إنها اقترنت بنهب حقيقي للأموال التي قدرت بأربعين مليار دولار أمريكي دون ان يحصل الناس على تيار كهربائي في حرّ الصيف وبرد الشتاء. إنها سياسة حكومات تابعة وليست مستقلة!   
يعاني الاقتصاد العراقي من تشوه في بنيته وتخلف في مستوى تطور قواه المنتجة، فهو اقتصاد ريعي نفطي واستهلاكي وحيد الجانب. وينعكس هذا الواقع على البنية الطبقية للمجتمع العراقي، في تراجع شديد في حجم الطبقة العاملة ودورها الاقتصادي والاجتماعي، وفي حجم ودور البرجوازية المتوسطة الصناعية على نحو خاص في الاقتصاد والمجتمع وفي الحياة السياسية، وتعاظم دور الفئات أشباه البروليتاريا والفئات غير المنتجة والطفيلية والمستهلكة للدخل القومي دون أن تساهم في إغنائه. وقد أثر كل ذلك وغيره على الوعي الفردي والجمعي في المجتمع بشكل عام. وإذا كانت هذه السمات قديمة في الاقتصاد العراقي والمجتمع، فأن ما حصل في الفترة التي أعقبت إسقاط الدكتاتورية الغاشمة، وفي ظل نظام المحاصصة الطائفي المقيت، برز في تفاقم هذه السمات السلبية، وزاد في الطين بلة، سيادة الفساد والإداري وتحولهما من ظاهر هنا وهناك إلى نظامٍ (System) متكاملٍ، تمارسه سلطات الدولة الثلاث ومؤسساتها والعاملين فيها، مع وجود من هم يتسمون بالنزاهة والإخلاص، ويمارسه المجتمع لتمشية معاملاته اليومية تحت واقع " أخاك مجبر لا بطل"، إضافة إلى تفاقم البطالة المكشوفة والمقنعة وارتفاع نسبة الفقراء الذين يعيشون تحت خط الفقر, ونسبة أخرى تتحرك على الخط أو فوقه بقليل. إن هذا الواقع المرير لا تعالجه حكومة طائفية قائمة على المحاصصة والفساد والسكوت المتبادل على النهب والسلب، ولا يمارسه رئيس وزراء يخشى من حزبه ورئيس حزبه في اتخاذ الإجراءات الضرورية لمواجهة الواقع الاقتصادي العراقي، بل يستوجب حكومة وطنية غير طائفية وديمقراطية، حكومة تحترم إرادة الشعب وتلتزم بمبدأ المواطنة وتعمل لتحقيق مصالحه. ومثل هذه الحكومة غير قائمة في العراق منذ سقوط الدكتاتورية البعثية، وبالتالي فأن خيرة المستشارين، وليس كلهم خيرّ وفاهم، لا يستطيع عمل شيء يستحق الذكر، حتى لو قدم ملاحظات قيمة على سياسات الحكومة الاقتصادية والمالية والنقدية والاجتماعية. وفي هذه الحالة على المستشار أن يقرر مدى صواب استمراره في العمل، أو إحالة نفسه على التقاعد. وهي مسألة لا أقررها أنا ولا غيري، بل يقررها الشخص المعني ذاته، أي كيف يرى سير الأمور، وما مرّ به من عسف في وزارة سلف العبادي، المستبد بأمره والطائفي حتى النخاع نوري المالكي.
حين كنت عضواً في المجلس الزراعي الأعلى كتبت مقالات في مجلة وزارة الزراعة كشفت فيها عن طبيعة السياسة الزراعية السيئة لحزب البعث والحكومة العراقية التي كان يرأسها فعلياً صدام حسين، ثم كشفت عن سياسة البعث الاقتصادية المؤذية للاقتصاد والمجتمع والمتعارضة مع القوانين الاقتصادية الموضوعية في مقال نشرته في طريق الشعب في تموز عام 1978 وعلى صفحة كاملة. أوعز صدام حسين في اليوم الثاني باعتقالي في مديرية الأمن العامة وتعذيبي ثم إطلاق سراحي بعد أسبوعين وإنزالي درجتين وظيفيتين ثم إحالتي على التقاعد بدون راتب تقاعدي وأثناء وجودي في المعتقل. وفي نقاش مع مدير الأمن العامة فاضل البراك بين الزنزانة وغرفته أثناء اعتقالي، أخرج من جيبه ورقة سلمها لي لأقرأها، سجل فيها صدام حسين بخط يده 11 فقرة في كيفية التعامل معي أثناء الاعتقال والتي تضمنت الإهانة والإساءة ثم التحقيق، وممارسة التعذيب.. الخ. ثم تقديمي للمحاكمة بتهمة إهانة مجلس قيادة الثورة والثورة. وقد نشرت تقريراً كاملاً عما جرى معي في الاعتقال في لقاء مع مجلة المرأة التي تصدر في الإمارات العربية قبل عدة سنوات. مثل هذا الموقف أو غيره إزاء سياسات الدولة يفترض أن يتخذها كل شخص على وفق ما يراه مناسباً له ولعائلته والوضع العام الذي هو فيه. وعلينا ألَّا نحاول فرض رأينا عليه، ونحن لسنا في موقعه وظروفه! من هذا المنطلق وجدت مقالة السيد علي الشرع غير منصفة بحق المستشار المالي لرئيس الوزراء الدكتور مظهر محمد صالح، الذي اعتقل قبل ذاك وعانى الكثير قبل إطلاق سراحه بعد التغيير الوزاري وإزاحة نوري المالكي عن قيادة السلطة. لقد وقفت مع كثيرين، إلى جانب د. سنان الشبيبي ود. مظهر محمد صالح والمجموعة البنكية المعتقلة، دون أن تكون لي صداقات بهم أو معرفة مباشرة بشخوصهم، فيما عدا السيد الدكتور سنان الشبيبي، إذ حصل لقاء لي معه أثناء انعقاد لقاء اقتصادي في فيينا حين دعا له الفقيد الدكتور مهدي الحافظ والسيد أديب الجادر في النصف الثاني من العقد الأخير من القرن الماضي، لأني أدركت بأنهم مظلومون ويراد الانتقام منهم لأنهم لم يستجيبوا لإرادة المستبد بأمره في التصرف بالاحتياطي الموجود في البنك المركزي لصالح إيران ولصالح أهدافه السيئة والبقاء في الحكم. 
لو كان السيد على الشرع مطلعاً على دراساتي وكتبي ومقالاتي الاقتصادية لأدرك بأني من مدرسة فكرية واقتصادية غير التي فيها زميلي الفاضل الدكتور مظهر محمد صالح، وربما نلتقي في رؤية مشتركة لواقع الاقتصاد العراقي وسماته الأساسية، ولكن ربما نختلف في الحلول التي يفترض أن تقدم لهذا الواقع الاقتصادي السيء. ولكن هذا لا يمنعني بأي حال من احترام لآراء الدكتور مظهر محمد صالح والدفاع عنه حين أشعر باحتمال تعرضه للظلم أو الاضطهاد أو عدم الإنصاف. وسيكون موقفي هذا إزاء كل من يواجه مثل هذا الأمر، ومنهم السيد علي الشرع.
إن النظام السياسي الطائفي القائم، يشكل مخالفة صريحة للدستور العراقي المشوه في الكثير من بنوده، وهو المولد للفساد والإرهاب والخراب الاقتصادي والاجتماعي والرثاثة والبؤس والفاقة ولا يرتجى إصلاحه، وهو ما ينبغي السعي لتغييره. وأتفق مع السيد الشرع في فضح سياسة الحكومة العراقية فيما يمس السياسة الاقتصادية والخدمية، ولاسيما الكهرباء والماء والصحة والتعليم والنقل والبناء...الخ، ولكن أهم من كل ذلك ابتعاد النظام عن التثمير الإنتاجي في القطاعات الاقتصادية الإنتاجية. ولكن هذا لا يرتبط بالمستشار المالي مباشرة بل برئيس الحكومة ووزاراتها المسؤولة ومؤسساتها. ولهذا قلت بأن هناك خلطاً بالأوراق ولا بد من تصحيح الموقف.
أدرك تماماً مخاطر تفاقم المديونية الخارجية للعراق، ولاسيما زيادة ديون صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وشروطهما في الإصلاح الاقتصادي للدول النامية التي تتلخص في "سياسات التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي" التي تلحق أضراراً فادحة بالفئات الكادحة والفقيرة والمعوزة في المجتمع، وهو ما لا اتفق مع من يتبع هذا النهج أو يدافع عنه. وقد نشرت الكثير من المقالات في هذا الصدد ولا أجد مبرراً للتوسع بهذا الصدد.
انتهت الحلقة الثالثة وتليها الحلقة الرابعة.
13/08/2018   


13
كاظم حبيب
نقاش هادئ مع السيد علي الشرع بشأن واقع العراق الراهن (2-4)
هل في مقدور المجتمع العراقي بناء الدولة الديمقراطية العلمانية؟

جاء في رد السيد علي الشرع قوله " وكأنه (أي كاظم حبيب) يصور للناس ان المرجعية عامة والسيد السيستاني خاصة هو حجر عثرة في طريق قيام دولة علمانية مدنية ديمقراطية يروّج لها السيد حبيب ظناً منه ان دولته هذه ستنجح في تجاوز محنة المحاصصة الطائفية التي قادت الى الفساد والضياع الاقتصادي والانقسام الاجتماعي. ولكن يغيب عن نظره ان دولته هذه لا يمكن ان تقوم في بيئة اجتماعية متناقضة معها، وحتى تنجح لا بد اولاً ان يسلخها تماماً من تراثها وعقائدها، وانّى له ذلك!" التشوش والتعارض في هذا الطرح واضح. فهو من جانب يقول وكأن كاظم حبيب يصور للناس بأن المرجعية والسيد السيستاني هما حجر عثرة في طريق قيام دولة علمانية مدنية ديمقراطية، ومن جانب آخر يرى بأن المجتمع العراقي غير مؤهل لمثل هذه الدولة لتجاوز محنة المحاصصة الطائفية وما نجم وينجم عنها، وإن الذي يريده لا يقوم في بيئة اجتماعية متناقضة معه. بهذا الطرح يفهم الإنسان بأن الكاتب علي الشرع لا يرى إمكانية بناء الدولة الديمقراطية العلمانية، وهو بهذا من مؤيدي ما هو قائم حالياً في العراق لأنه ينسجم مع البيئة الاجتماعية السائدة في العراق، أي استمرار وجود الطائفية الدينية ومحاصصاتها المذلة. اختلف مع الشرع في هذا الرأي، ولدي ثقة بأن العراق سيبني الدولة الديمقراطية العلمانية، ولكن هذا يستوجب نضالاً دؤوباً ومن قوى وأحزاب تعتقد بذلك وليس من أحزاب إسلامية سياسية لا تسعى إلَّا إلى ملء جيوبها بالسحت الحرام وسرقة لقمة العيش من افواه الشعب وكادحيه.
لقد بدأ النظام الملكي بوضع الدستور الأول لعام 1925 بالخطوات الأولى صوبَ بناء المجتمع المدني الديمقراطي في العراق بجملة من السياسات المهمة التي كرسها الدستور، مع حقيقة أن العراق كان قد خرج لتوه من براثن الهيمنة الاستعمارية الطويلة الأمد وما يقرب من أربعة قرون من التخلف والبؤس والفاقة والاستغلال. وبالتالي كان المجتمع ما يزال في بداية وعيه التنويري، الذي لم يستمر، إذ بدأت الانقلابات العسكرية 1936 و1941 من جهة، وخشية الاستعمار البريطاني من خسارة مواقعه في العراق من جهة ثانية، والمستوى الضعيف للوعي الاجتماعي والسياسي الجمعي، قد ساعدت الحكومة العراقية الملكية على النكوص عن خط التطور المتصاعد للمجتمع المدني والدولة الديمقراطية. فبدأت عمليات تشويه بنود الدستور وتزوير الانتخابات وتزييف إرادة المجتمع والدفاع عن مصالح الإقطاعيين وكبار الملاكين وتفاقم البطالة والفقر وهجرة الفلاحين إلى المدن وامتلاء السجون بمعارضي الحكم.  مما أدى إلى قيام ثورة تموز 1958 التي انتهجت خطاً ديمقراطيا ومدنياً في البداية، ولكنها جوبهت بمشكلات كثيرة وعجزت عن دفع البلاد باتجاه وضع دستور ديمقراطي دائم وإقرار جملة من القوانين المهمة بما فيها القانون رقم 80 وقانون الإصلاح الزراعي وقانون العمل والعمال، وكذلك قانون الأحوال الشخصية الذي عبأ ضده كل القوى المناهضة للديمقراطية والتقدم الاجتماعي وحقوق المرأة ولاسيما قوى الإسلام السياسي الشيعية والسنية وبالتعاون الوثيق مع الإقطاعيين والرجعيين والبعثيين، إضافة إلى الكرد بسبب خلافهم مع عبد الكريم قاسم، وبدعم مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، فتم الانقضاض على هذه الثورة الديمقراطية التي اقترنت بجملة من الأخطاء التي ارتكبتها قيادة الثورة وزعيمها عبد الكريم قاسم، ولاسيما تأخير إقرار دستور مدني دائم واجراء انتخابات عامة حرة وأطلاق حرية التنظيم والحياة الحزبية الحرة وتسليم الحكم لحكومة مدنية في ضوء الانتخابات والابتعاد والمطالبة بالكويت ..الخ. ومن ذلك الحين بدأت سلسلة الانقلابات والتدهور المستمر في أوضاع الشعب والتي تجلت في حروب النظام البعثي الدموية نحو الخارج ودكتاتوريته الشرسة نحو الداخل. ولم يتعلم من جاء بعد الدكتاتورية الصدامية من تجارب العراق خلال القرن العشرين. لقد سلمت السلطة بعد 2003 تسليماً بيد الأحزاب الإسلامية الشيعية وبتعاون هزيل مع أحزاب سنية وقوى كردية، وبمساومة معادية للتطور الديمقراطي في العراق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وبدعم من المرجعيات الشيعية في العراق. ولكن هل يمكن لهذا الوضع أن يستمر؟   
لا يمكن للعراق أن يستمر دون فوضى وصراع وقتال دموي وموت وخراب إن أصر حكامه الحاليون على الأستمرار بنهجهم السياسي الطائفي المدمر للبلاد. فالعراق بلد التعدد الديني والمذهبي والقومي والفكري، ولا بد لنظام الدولة أن يكون ديمقراطياً وعلمانياً، أي دولة حيادية بسلطاتها الثلاث إزاء الديانات والمذاهب العديدة والقوميات، ترفض ربط الدين بالدولة والسياسة، وتتعامل مع الإنسان العراقي، رجلاً كان أم امرأة، على أساس المواطنة لا على أساس الدين والمذهب والقومية. فالدولة الدينية الطائفية تمارس التمييز بين الديانات والمذاهب وأتباعها، ومن هنا تخلق شروخاً كبيرة في المجتمع وفي كيان الوطن.
لقد مر حتى الآن عقد ونصف العقد وبرزت اختلالات شديدة ومدمرة في كيان الدولة العراقية. فدستورها الراهن يصر على أن الإسلام هو دين الدولة باعتبار المسلمين يشكلون الأكثرية، وسلطات الدول الثلاث موزعة على أساس المحاصصة الطائفية المذلة لمبدأ المواطنة المتساوية والكفاءة في العمل واحتلال المراكز. المآسي التي نجمت عن هذا النظام السياسي الطائفي المتخلف لا حصر لها، ابتداءً من الفساد المالي والإداري إلى التمييز بين المواطنين، وإلى تشكيل المليشيات الطائفية المسلحة، سنية وشيعية وخوض صراع دموي على اساس الهوية وهجرة مئات الألوف من المسيحيين والإيزيديين والصابئة وإلى الإبادة الجماعية، إضافة إلى الشبك والتركمان في نينوى، بعد اجتياح داعش للموصل ونينوى وقبل ذاك المحافظات الغربية وديالى والحويجة.. الخ بفضل السياسة الوحشية لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي ورهطه.   
لقد تيقن  الكثير من بنات وأبناء العراق بأن النظام الطائفي غير مناسب للعراق ولا بد من تجاوزه وتغييره. وأن النظام المناسب هو النظام الديمقراطي العلماني الذي يأخذ على عاتقه بناء المجتمع المدني الديمقراطي الحديث. حتى أولئك الذين رفضوا الدولة المدنية والديمقراطية بدأوا قبل الانتخابات الأخيرة (2018) يتمسحون بالمدنية ويدعون لها، ولاسيما من هم في بعض الأحزاب الإسلامية السياسية وفي سلطات ومؤسسات الدولة. بل إن الشيخ عبد المهدي الكربلائي، ممثل السيد السيستاني، تحدث عن الدولة المدنية وطالب بالإصلاح، ولكن إلى حد ما بعد "خراب البصرة!"
إن المجتمع العراقي مجتمع متدين، ولكنه متحرر أيضاً. وهذا التدين لا يمنعه أبداً من العمل لبناء الدولة الحديثة على أساس المواطنة واحترام الحريات الشخصية ومحاربة الطائفية التي شطرت الشعب إلى قوى متصارعة ومتقاتلة، ولاسيما بين السنة والشيعة، في حين أصبح أتباع الديانات الأخرى عرضة للنهب والسلب والقتل والتشريد والتهجير على ايدي الميليشيات المسلحة والإرهابية الشيعية منها والسنية، وسكتت الحكومات المتعاقبة على هذا الأمر، مما كان يعني تأييدها لمثل هذا النهج التدميري.
فالدولة الديمقراطية العلمانية لا ترفض الديانات والمذاهب ولا تعاديها، بل تعترف بوجودها وتحترمها وتحترم طقوسها الإنسانية، وترفض أي إساءة تلحق بأتباعها. وهي في الوقت ذاته ترفض تدخل الدين في السياسة وشؤون الدولة، فالدين له حقوله واختصاصه الاجتماعي ويتحمل مسؤولية التنوير الديني والتفاعل مع اتباع الديانات الأخرى والاعتراف المتبادل والتسامح. الدولة الديمقراطية العلمانية تسعى لبناء مجتمع مدني ديمقراطي حديث على أسس دستورية ديمقراطية ومجلس نيابي وانتخابات حرة ونزيهة, وتلتزم بالتداول السلمي والديمقراطي للسلطة، وترفض إقامة أحزاب سياسية على أساس ديني أو مذهبي، بل يتوجب بناء الأحزاب السياسية على أساس المواطنة بغض النظر عن الدين أو المذهب أو القومية.
الدولة الديمقراطية العلمانية تفسح في المجال للشعب أن يمارس دوره ومشاركته في رسم سياساتها وفي الرقابة عليها ومنع التجاوز على الحقوق والحريات العامة للأفراد. وعبر الرقابة على سياسات الحكومة ومجلس النواب والقضاء العراقي يمكن أن تكتشف حالات الفساد والتزوير والتزييف للإرادة وتحارب، وتنشأ عوامل إيجابية تسمح بمحاربة الإرهاب والانتصار عليه. نعم، إن الدولة الديمقراطية العلمانية إن وجدت ستتمكن من تجاوز محنة الطائفية ومحاصصاتها وكذلك الفساد والإرهاب والتدخل الخارجي. في حين أن الدولة الطائفية تفتح أبواباً واسعة أمام الفساد والإرهاب، وهما صنوان، أو وجهان لعملة واحدة ، وأمام التدخل الخارجي الإقليمي والدولي في الشأن العراقي. ودور إيران وأدوار السعودية ودول الخليج وتركيا لا تغيب عن بال العراقيات والعراقيين ودور الأولى المشؤوم في كل شاردة وواردة في العراق. المجتمع العراقي لا يختلف عن باقي مجتمعات العالم في إمكانيته على التطور وقبول التنوير والتجديد والتغيير، شريطة أن تكون هناك حكومة ومجلس نواب وقضاء قادرة كلها بعملها المستقل والمشترك على توجيه هذه العملية والسير فيها وأخذ المجتمع معها. خمسة عشر عاماً هيمنت الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية، وبتحالف مهزوز مع الأحزاب الإسلامية السنية المستفيدة، على حكم البلاد وعلى الاقتصاد والمال، وبسبب سياساتها حلّت المآسي والكوارث التي عاشها العراق ولا يزال يعاني منها وسيبقى كذلك، إن استمرت هذه الأحزاب في السلطة ومارست الطائفية والمحاصصة المذلة للشعب. وبالتالي لا خيار للعراق في المحصلة النهائية غير الدولة الديمقراطية والعلمانية والمجتمع المدني الديمقراطي الحديث.           
يشير بول بريمر في كتابه عن ذكرياته في العراق
أنه تباحث كثيراً مع السيد السيستاني عبر وسطاء عديدين ونسق معه كل الخطوات بما في ذلك الدستور المشوه في الكثير من مواده، وتحديد موعد مبكر للانتخابات الأولى، (راجع: السفر باول بريمر، عام قضيته في العراق، النضال لبناءِ غدٍ مرجو، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان 2006، ص 364/365)، وتسليم السلطة بيد القوى الإسلامية وبالتنسيق بين الولايات المتحدة وإيران وبعلم وموافقة المرجعية الشيعية. من غير المعقول أن نسكت على كل ذلك دون أن نشير إلى انه لم يكن من واجب المرجعية التدخل في هذه الشؤون وكان عليها أن تنأى بنفسها عن التدخل في دعم قوى الإسلام السياسية التي خربت البلاد وأساءت للعباد ومرَّغت كرامة الإنسان العراقي بالتراب وجوعت المجتمع وحرمته من ثروته عبر النهب والسلب والسرقة من الباطن، ثم أساءت بدورها للمرجعية التي زكتها ودعمتها ومنحتها الثقة ودعت الجماهير لانتخابها.     
نعم أنا من مدينة كربلاء ومن مواليد 1935 ومتابع جيد لوقت مبكر لعدد غير قليل من شيوخ الدين المسؤولين عن المرجعية الشيعية في حوزة النجف، وأعرف تماماً دورها وواجباتها الدينية والاجتماعية وخلافاتها مع إيران وموقفها من ولاية الفقيه وعدم تدخلها في السياسة لسنوات طويلة. وهذا الموقف لا يمنع حين يواجه الشعب أو الدولة مخاطر معينة لا يدعو الناس إلى الدفاع عن الوطن أو الدعوة ضد المستبد بأمره مثلاً. إن هذا ليس سياسة بالمعنى التقليدي بل في جانبه الاجتماعي والوطني العام. كما كان حرياً بالسيد علي الشرع أن يبتعد عن تقديم النصح للسيد الدكتور مظهر محمد صالح بالابتعاد عن الكتابة الاقتصادية التثقيفية المهمة، ولي بالكف عن الكتابة السياسية وعن المرجعية، في حين أنهما أمران ضمن الشأن العام يمسان الجميع ويتطلبان من الجميع المشاركة فيهما.
12/08/2018
انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة.


14
كاظم حبيب
نقاش هادئ مع السيد علي الشرع بشأن واقع العراق الراهن (1-4)
جاء ردّ السيد علي الشرع على مقالي حول موقفه من المستشار الاقتصادي السيد الدكتور مظهر محمد صالح متوتراً وفيه الكثير من الشخصنة التي لا تنفع النقاش، بل يفترض أن نركز على المسائل المركزية، وهو في ردّه اتبع نفس الأسلوب في الهجوم والنصيحة بعودتي إلى الاقتصاد وترك السياسة ونقد المرجعية والاهتمام بقضايا الشعب لأني أعيش في ألمانيا خارج العراق ولأن الناس لا تهتم بمقالاتي ورسائلي. أدرك إن الجهل بالشخص ليس عيباً، ولكن العيب حين يتوجه كاتب ما بالنقد لشخص دون أن يحاول معرفة هذا الشخص وكتاباته وتاريخه السياسي مثلاً. إذ لا يكفي أن يعرف أن كاظم حبيب من مواليد كربلاء، وهو ليس سراً، ولا يكفي ان يعرف أنه يعيش في ألمانيا، أو يكتب مقالات سياسية ورسائل للمرجعية لا يقرأها أو يهتم بها أحد. هذا غير كافي أخي السيد علي الشرع. سأحاول توزيع مناقشتي على وفق النقاط التي وردت في مقاله الموسوم "مع كاظم حبيب في دفاعه عن المستشار الاقتصادي للعبادي".
1.   كاظم حبيب والكتابة السياسية ونقد المرجعية
الكتابة السياسية ليست حكراً على أحد، بل يفترض أن يشارك فيها جميع أبناء الشعب، ويبقى السؤال مستوى المشاركة والاحتراف وتأثيرها. وبالتالي من حقي ومن حق كل إنسان أن يكتب في السياسة لأنها تؤثر على حياة الشعب ووجوده ومستوى معيشته ودوره ومستقبل العراق. ورغم ذلك فأنا من سياسي الخمسينيات من القرن الماضي وعضو في الحزب الشيوعي منذ العام 1952 وسجين ومُبعد سياسي في العهد الملكي لسنوات أربع، ومعتقل ومعذب في العهد البعثي في العام 1978، ونصير في حركة أنصار الحزب الشيوعي العراقي لسنوات خمس في النضال ضد نظام البعث. كما كنت لسنوات كثيرة عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ولسنوات عدة عضواً في المكتب السياسي للحزب. وبعدي عن العراق لم يمنعني من زيارة العراق باستمرار والتعرف على أوضاع الشعب، ومنهم أهلي، وأعرف بعمق معاناة الشعب والجوع والحرمان والموت المستمر بسبب سياسات الأحزاب الإسلامية السياسية وميليشياتها المسلحة ومن يدافع عنها وعن تدخل المرجعية في السياسة، التي نتج عنها الوضع المأساوي الذي يعيش تحت وطأته الشعب العراقي طيلة السنوات الـ 15 المنصرمة. فأنا سياسي ولست طارئاً عليها ولا من سياسيي الصدفة. أما في مجال الاقتصاد، حيث كنت أستاذاً في الجامعة المستنصرية وفي جامعة الجزائر، وصدر لي الكثير من الكتب في هذا المجال، ولي مقالات بالمئات حول الاقتصاد العراقي واقتصاديات البلدان العربية والنامية وعن الوضع الاقتصادي الخرب في فترة حكم البعث الإجرامي والفترة المظلمة الراهنة ومنشورة في الحوار المتمدن وفي الكثير من المجلات والمواقع والكتب. والجهل بها ليس عيباً، ولكن العيب في أن يُعيَّر الشخص لأنه يكتب بالسياسة ولا يكتب بالاختصاص. لقد طرحت مشروعاً متكاملاً حول تطوير الاقتصاد العراقي وحول اقتصاد كردستان العراق قبل الغزو والاجتياح الداعشي، ونشرته على نطاق واسع. وكم كنت أتمنى لو قرأت مناقشاتي مع الأستاذ الدكتور سيار الجميل أو الدكتور محمد علي زيني أو الدكتور بارق شبر أو غيرهم والتي هي منشورة في المواقع، وربما ينفع أن تقرأ الكتاب الموسوم الرثاثة في العراق: أطلال دولة ... رماد مجتمع، نصوص تشريحية للوظيفة الهدمية للإسلام السياسي"، الذي صدر في العام 2015 عن دار ميزوبوتاميا لمجموعة من الكتاب وتحرير الدكتور فارس نظمي، يتصدر الكتاب مقالي الموسوم: "الاقتصاد السياسي للفئات الرثة الحاكمة في العراق" بقلم أ. د. كاظم حبيب.
أما نقدي للمرجعية، فهو حق مشروع لمن يعي دور الدين ودور المرجعية في المجتمع. وليس غريباً رفضك لموقف، إذ أن هناك فريقين، فريق يريد ربط الدين بالسياسة والدولة وفريق يرفض ذلك وأنا من الفريق الثاني، لأن مجتمعا مثل المجتمع العراقي حيث تتعدد فيه الديانات والمذاهب لا يمكن أن يربط أحد الديانات بالدولة حتى لو كان دين الأكثرية. فالدولة لا دين لها لأنها شخصية معنوية، ويتوجب على الدولة أن تكون حيادية إزاء جميع الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية غير العنصرية والشوفينية والطائفية، وأن تعامل كافة المواطنات والمواطنين على أساس المساواة في المواطنة الحرة والمشتركة وليس على أساس الدين والمذهب أو القومية. بغير ذلك يبدأ التمييز بين الديانات والمذاهب وأتباعها وهو ما يعيش المجتمع العراق الآن بسبب القول بأن الإسلام دين الدولة وأن المرجعيات الشيعية والمؤسسات الدينية السنية تتدخل بالسياسة من أوسع أبوابها، وكانت أحد أبرز الأسباب فيما يعاني منه الشعب من حكم الأحزاب السياسية الإسلامية، وهو خروج عن المعروف عن دور المرجعية الشيعية في زمن السيد أبو الحسن الموسوي وقبله وبعده بفترة.
المرجعية الشيعية يفترض فيها أن تتخذ موقفاً اجتماعياً إزاء ما يحصل في البلاد ولها الحق في نقد النواقص التي تؤذي الشعب، ولكن لا أن تتدخل في دعم هذا الحزب أو ذاك، أو في دعم الأحزاب الإسلامية السياسية التي خربت البلاد وساهمت في موت مئات الآلاف من البشر.
انتقادي للمرجعية يأتي من باب آخر أيضاً في كونها لا تتخذ الموقف المناسب من البدع التي يمارسها حشد من الشيعة في مناسبات العزاء على الشهيد الحسين بن علي بن ابي طالب وصحبه، والذي هو إساءة كبرى للإسلام والمذهب الشيعي معاً. كما إن هذه البدع ليس فيها أي احترام للشهداء الأبرار، وقد رفضها علماء أخيار في العراق ولبنان وإيران، ولكن لا يتصدى لها السيد علي السيستاني أو المراجع الشيعية الأخرى، وهو أمر غير مقبول. وإليك أراء بعض المراجع الشيعية بشان طقوس عاشوراء: 
1.   آية الله العظمى السيد محسن الحكيم "إن هذه الممارسات (التطبير) ليست فقط مجرد ممارسات... هي ليست من الدين وليست من الأمور المستحبة بل هذه الممارسات أيضا مضرة بالمسلمين وفي فهم الإسلام الأصيل وفي فهم أهل البيت عليهم السلام ولم أرَ أيا من العلماء عندما راجعت النصوص والفتاوى يقول بان هذا العمل مستحب يمكن إن تقترب به إلى الله سبحانه وتعالى إن قضية التطبير هي غصة في حلقومنا".
2.   آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي: في رده على سؤال حول إدماء الرأس وما شاكل يقول "لم يرد نص بشرعيته فلا طريق إلى الحكم باستحبابه)) راجع: المسائل الشرعية ج2 ص 337ط دار الزهراء بيروت.
3.   آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر في جوابه لسؤال الدكتور التيجاني حين زاره في النجف الاشرف " ان ما تراه من ضرب الأجسام وإسالة الدماء هو من فعل عوام الناس وجُهّالهم ولا يفعل ذلك أي واحد من العلماء بل هم دائبون على منعه وتحريمه" راجع: كل الحلول عند آل الرسول ص 150 الطبعة الأولى 1997 م للتيجاني.
4.   آية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني "ان استعمال السيوف والسلاسل والطبول والأبواق وما يجري اليوم من أمثالها في مواكب العزاء بيوم عاشوراء باسم الحزن على الحسين (عليه السلام) انما هو محرم وغير شرعي". راجع: كتاب هكذا عرفتهم. الجزء الأول لجعفر الخليلي.
5.   آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي "على المؤمنين الأخوة والأخوات السعي إلى إقامة مراسم العزاء بإخلاص واجتناب الأمور المخالفة للشريعة الإسلامية وأوامر الأئمة (عليهم السلام) ويتركوا جميع الأعمال التي تكون وسيلة بيد الأعداء ضد الإسلام، إذ عليهم اجتناب التطبير وشد القفل وأمثال ذلك..."
6.   آية الله العظمى السيد كاظم الحائري "ان تضمين الشعائر الحسينية لبعض الخرافات من أمثال التطبير يوجب وصم الإسلام والتشيع بالذات بوصمة الخرافات خاصة في هذه الأيام التي أصبح إعلام الكفر العالمي مسخرا لذلك ولهذا فممارسة أمثال هذه الخرافات باسم شعائر الحسين (عليه السلام) من أعظم المحرمات".
7.   آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله "... كضرب الرأس بالسيف أو جرح الجسد أو حرقه حزنا على الإمام الحسين (عليه السلام) فانه يحرم إيقاع النفس في أمثال ذلك الضرر حتى لو صار مألوفا أو مغلفا ببعض التقاليد الدينية التي لم يأمر بها الشرع ولم يرغب بها." راجع: إحكام الشريعة ص 247.
8.   آية الله الشيخ محمد مهدي الاصفهي "لقد دخلت في الشعائر الحسينية بعض الأعمال والطقوس فكان له دور سلبي في عطاء الثورة الحسينية وأصبحت مبعثا للاستخفاف بهذه الشعائر مثل ضرب القامات.". راجع: عن كيهان العربي 3 محرم 1410 هـ.
9.   آيه الله العظمى السيد محسن الأمين ".... كما ان ما يفعله جملة من الناس من جرح أنفسهم بالسيوف أو اللطم المؤدي إلى إيذاء البدن إنما هو من تسويلات الشيطان وتزيينه سوء الأعمال." راجع: كتاب المجالس السنية. الطبعة الثالثة ص 7.
10.   آيه الله محمد جواد مغنية ".... ما يفعله بعض عوام الشيعة في لبنان والعراق وإيران كلبس الأكفان وضرب الرؤوس والجباه بالسيوف في العاشر من المحرم ان هذه العادات المشينة بدعة في الدين والمذهب وقد أحدثها لأنفسهم أهل الجهالة دون ان يأذن بها إمام أو عالم كبير كما هو الشأن في كل دين ومذهب حيث توجد فيه عادات لا تقرها العقيدة التي ينتسبون إليها ويسكت عنها من يسكت خوف الاهانة والضرر." راجع: كتاب تجارب محمد جواد مغنية.
11.   آية الله الدكتور مرتضى المطهري "ان التطبير والطبل عادات ومراسيم جاءتنا من ارثودوكس القفقاز وسرت في مجتمعنا كالنار في الهشيم." راجع: كتاب الجذب والدفع في شخصية الإمام علي (عليه السلام). "
وهناك أسماء كثيرة ضد ظاهرة التطبير وغيرها ومنهم آية الله العظمى الشيخ محمد علي الأراكي  (1312هـ - 1415هـ)، السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، وآية الله الشيخ محمد باقر الناصري، والعديد من كبار المراجع الدينية الشيعية.
وقولك بأن مقالاتي لا يهتم بها أحد، فهو ما لا استطيع تقديره ولك الحق في قول ذلك، وكان الأجدر بهيئة تحرير جريدة العالم أن تخبرني، إن كان حقاً عدم وجود اهتمام بمقالاتي، لكي أكف عن الكتابة لها.
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية. 
12/08/2018               


15
كاظم حبيب
نتائج العدّْ اليدوي وتشكيل الحكومة العراقية الجديدة
انتهى العدّْ اليدوي للتدقيق في نتائج الفرز الإلكتروني وتبين عن وجود تباينات طفيفة جداً لم تغير من نتائج الفرز الإلكتروني. وهذه الحقيقة لا تغير من واقع ما أجمع عليه المراقبون في العراق من أن الانتخابات في العراق شابها الكثير من عمليات تزييف إرادة الجماهير من خلال شراء أصوات الناخبين، ولاسيما الفقراء منهم والمعوزين والبسطاء والمخدوعين، أو مشاركة جمهرة من شيوخ الدين في التأثير على مسيرة التعبئة للانتخابات لصالح هذا الحزب الإسلامي أو لهذه المليشيا الطائفية الشيعية المسلحة أو تلك، ولاسيما في المناطق التي تعرضت للدمار، إضافة إلى قانون الانتخابات السيء الصيت والتدخل الإقليمي في هذه الانتخابات لصالح قوى بعينها عبر الأموال والدعاية التلفزيونية الأفراد. وبالتالي فالعدّْ اليدوي لا يغير من تلك الحقيقة، ولكن يؤكد إمكانية استخدام الفرز الإلكتروني في استخراج نتائج الانتخابات حين تكون الانتخابات نظيفة وعادلة.
تفتح نتائج العدّْ اليدوي لنتائج الانتخابات الباب على مصراعيه لتشكيل التحالف الأكبر الذي يمكن تكليف أحد مرشحيه لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة. ومنذ بدء الإعلان عن نتائج الفرز الإلكتروني بدأت الحوارات حول تشكيل الكتلة الأكبر، وبدأ الصراع الحقيقي والتدخل الخارجي، ولاسيما الإقليمي في التأثير على مجرى تشكيل الكتلة الأكبر. وإذا كانت قائمة سائرون قد أكدت في برنامجها الانتخابي وفي حديث مقتدى الصدر، أو أعضاء في قيادة سائرون، إلى أنهم يرفضون تشكيل حكومة على أساس المحاصصة الطائفية ويسعون إلى تشكيل حكومة عابرة للطوائف وعلى ضوء برنامج مدني يحمل معه موم الناس، فأن قائمتي فتح ودولة القانون أكدتا بما لا يقبل الشك أنهما يسعيان إلى تشكيل الكتلة الأكبر اعتماداً على ذات الأسس الطائفية ومحاصصاتها في تشكيل الحكومة الجديدة وأن مرشحهما واحداً من اثنين: إما المالكي وإما هادي العامري، وكلاهما مسؤولان بشكل مباشر أو غير مباشر عن الحشد الشعبي والميليشيات الطائفية المسلحة وما جرى في العراق خلال السنوات المنصرمة من مآسي وكوارث ودماء ودموع وفساد لا حصر لها. في حين بقي مركز رئيس الوزراء لقائمة سائرون يتراوح بين اسمين أو ثلاثة أكثرهم حظاً في الحصول عليه ولدورة ثانية، كما يبدو، هو حيدر العبادي.
كان هناك أكثر من احتمال لتشكيل القائمة الكبرى، ولاسيما في ضوء الحوارات والتقلبات في الرؤية أو الرغبة أو الاحتمال، ولكن التحالف الذي بدا أكثر حظاً في تشكيل الكتلة الأكبر في الانتخابات هو الذي يستند إل القوائم الانتخابية التالية:
سائرون 54 مقعداً نيابياً، النصر 42 مقعداً نيابياً، الوطنية 21 مقعداً نيابياً، والحكمة 19 مقعداً نيابياً، إذ مجموع القوة التصويتية له هي 136 صوتاً من مجموع 329 صوتاً. يبقى هنا أصوات الأحزاب والقوى الكردية في كردستان العراق. فإذا أضيف لمجموع مقاعدة التحالف المشار إليه في أعلاه عدد أصوات الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، ومجموعهما 35 صوتاً، ستكون القوة التصويتية لهذا التحالف المحتمل 171 صوتاً في المجلس الجديد، وبالتالي يشكل الكتلة القادرة على الحصول على أكثر من نصف أصوات أعضاء مجلس النواب وعددها 165 صوتاً. وهذا الاحتمال هو الأكثر حظاً حتى الآن. من الممكن أن يحصل هذا التحالف على أصوات أخرى من قوائم فازت بعدد قليل من الأصوات وضمن القوى المدنية والديمقراطية، عندها سيمتلك هذا التحالف قوة تصويتية مريحة في التصويت على قرارات مجلس النواب. بيضة القبان لهذا التحالف مرتبطة بأصوات القوائم الكردية ولاسيما قائمتي الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. 
أما التحالف الآخر الذي تضغط إيران بقوة على تشكيله فهو من مكون من قوائم الفتح ودولة القانون والنصر والحكمة، وربما يسعون إلى جر سائرون له لتفليشه، ليبقى في الغالب تحالفاً شيعياً طائفياً بامتياز، وفي حالة رفض سائرون يسعون إلى تشكيل تحالف من القوى الأربع الأخرى، إضافة إلى محاولة كسب الاتحاد الوطني الكردستاني أو قائمتي الكرد وربما قوائم كردية أخرى صغيرة. هذا التحالف لا تصل قوته التصويتية إلى قوة تحالف سائرون مع النصر والوطنية والحكمة والكرد، وبالتالي من الواقعي القول باحتمال قيام حكومة تمثل قوى التحالف الأول، وتكون في الغالب برئاسة حيدر العبادي.
ولكن هذا التحالف يفترض فيه أن يضع برنامجه الانتخابي زائداً الموقف من القضية الكردية ومن مطالب الكرد المشروعة والعادلة والواقعية ضمن برنامجه ليستطيع السير في تشكيل الحكومة وفي الحصول على تأييد أوسع مما هو عليه رئيس الحكومة الحالية من تراجع شديد في تأييد الناس له وللأحزاب الإسلامية السياسية.
هناك افتراض أن يقوم رئيس الوزراء الحالي، وبعد تشكيل التحالف وتشكيل الوزارة الجديدة، بتحويل حزبه أو قائمته إلى حزب مدني، وكذا تيار الحكمة، فهل هما في مستوى الأحداث والتغيرات المطلوبة في الساحة السياسية العراقية؟ لم يبرهن الطرفان على مثل هذا التوجه الفعلي خلال الفترة المنصرمة رغم حديثهما عن المدنية. كما إن المسألة مرتبطة بمدى قدرة مقتدى الصدر وتياره التحول من مجموعة سياسية شيعية، إلى مجموعة سياسية مدنية تتناغم مع التصريحات الكثيرة التي أطلقت قبل واثناء الانتخابات العامة، والتخلص من حالة التقلبات في التصريحات والتي تقع بين مدينتي "نعم" و "لا"، على حدِّ قول الشاعر الروسي افتوشنكو!
الصراعات الداخلية المتأثرة بالصراعات والضغوط الخارجية، الإقليمية منها والدولية، على القوى السياسية العراقية ستكون شديدة الوطأة على الجميع خلال هذه الفترة. ولا بد من حركة جماهيرية واسعة تواصل ضغطها بالاتجاهات التي تبلورت في الحراك المدني وفي مظاهرات الجنوب والوسط خلال شهري تموز وآب، والتي لا تزال لم تتوقف حتى الآن وبصيغ مختلفة، لكي يمكنها فرض برنامجها في الإصلاح والتغيير على مجلس النواب وعلى تشكيل الحكومة الجديدة، إذ بغير ذلك سيتواصل الوضع الطائفي البائس والفساد والإرهاب المدمر لوحدة العراق وشعبه ومستقبل بناته وأبناءه.                     

16
كاظم حبيب
هل قادة حزب الدعوة متماثلون في كل شيء سيء؟
حين انتزع المالكي رئاسة الوزراء من رئيس حزبه السابق إبراهيم الجعفري، الذي رفض تسليم المسؤولية ما لم يمنح أعلى راتب يمنح في العراق، كما اشارت إلى ذلك الصحف في حينها وفيما بعد، أقسم على مكافحة الإرهاب والفساد وتحقيق التقدم. وبقي في السلطة بالرغم من إرادة الشعب، بل بمساومة معروفة في ظهران ومخلة بالدستور العراقي على نواقصه، بين الولايات المتحدة وإيران من جهة، وبين المالكي ومسعود البارزاني وبعض قادة الأحزاب السنية من جهة أخرى، وبموافقة تامة من رئيس الجمهورية حينذاك مام جلال الطالباني لدورة ثانية وبالتالي حكم العراق بين 2006-2014. وحين اُنتزعَ منه موقع رئيس الوزراء انتزاعاً، كان العراق بفضله قد انحدر إلى مستنقع لا قرار فيه، حيث تفاقمت الطائفية المقيتة والعداء لأتباع الديانات الأخرى والإرهاب العنيف واحتلال أجزاء كبيرة من العراق، كما أصبح الفساد المتعدد الأشكال في عهده المشؤوم نظاماً متكاملاً يمارس علانية ودون خجل وبمليارات الدولارات، والتي طرح البنك المركزي حجم الموارد المالية المتحققة خلال الفترة الواقعة بين الفترة بين "خلال السنوات 2005-2017 ما يقرب من 706.23 مليار دولار أميركي، وبلغ مقدار ما أنفق منها 703.11 مليار دولار، أي ما نسبته 99.5% من حجم الإيراد الكلي، والمتبقي كما في 31/12/2017 دُوِّر إلى رصيد افتتاحي لحساب وزارة المالية في بداية عام 2018". (راجع، عدنان حسين، تقرير البنك المركزي جيد، لكنه ناقص.."، 01/08/2018). ولم ينشر البنك ولا وزارة المالية كيف صرف هذا المبلغ وكيف سرق وفرط به، دع عنك نهب النفط الخام والآثار وقوت الشعب وما إلى ذلك. وكانت وعود الملاكي بمحاربة الفساد والكشف عن الفاسدين بمثابة اللازمة التي يذكرها باستمرار ولا يكشف عنها، ولكن المثل العراقي النابت "اللي جوه أبطه عنز يبغج" كان متطابقاً مع سلوكه تماماً، وكأنه قيل بشأنه. أي أنه ترك العراق أسوأ مما سلم له في فترة إبراهيم الجعفري.
وحين أصبح الأمر لا يطاق استبدل المالكي بعضو قيادته ومكتبه السياسي وقائمته حيدر العبادي. وكما أقسم سلفه اليمين الدستوري، اقسم العبادي يمينياً دستورياً غليظاً بمكافحة الطائفية والفساد وتحقيق الإصلاح. فرح حسنو النية كثيراً في الخلاص من المالكي أولاً، وبالوعود التي أغرق العراقيات والعراقيين بها على مدى سنوات حكمه المنصرمة ثانياً. فما أن يتقدم بخطبة عصماء في محفل لشيوخ العشائر، وهي كثيرة جداً، أو يدلى بتصريحات، زادت كلها على خطب وتصريحات رئيس حزبه المالكي بمرات، إلا وتحدث عن الفساد والتصدي له ومحاربته. ولكنه لم يتقدم حتى ربع خطوة على هذا الطريق، بل راوح في مكانه، وكأنه أصيب بشلل الحركة. ولكن العبادي طلع علينا يوم أمس بتصريح جديد قال فيه بأنه سينشر أسماء الفاسدين ويطلب تقديمهم للمحاكمة! عفارم على هذا التصريح، إنها محاولة للوصول إلى ترشيح جديد لرئاسة الوزراء دون أن يقدم للناس تلك الحيتان الكبيرة التي التهمت أموال العراق النقدية ونفطه وقوت الشعب، عفارم عليك رئيس وزراء العراق سنسمع بعد أيام أسماء حيتان صغيرة ممن هم وسطاء للحيتان الكبيرة تُستخدم ككبش فداء لوعوده الكثيرة ويترك الحيتان الكبيرة التي هي في حزبه وفي الأحزاب الإسلامية السياسية وفي بقية الأحزاب الحاكمة على مستوى العراق كله بعيدة عن ان تصاب بأذى! إن وعوده ومواعيده بالكشف عن الفساد لا تبتعد عن قول الشاعر كعب بن زهير في قصيدته "بانت سعاد فقلبي اليوم متبول"، ومعذرة للشاعر لتغييري المؤنث بالمذكر:
مواعيدُ عُرقوبٍ له مثلاً          وما مواعيدهُ إلَّا الأباطيلُ
أتحدى رئيس وزراء العراق إن يتجرأ ويعلن عن الحيتان الكبيرة الفاسدة في قيادة حزبه والأحزاب الأخرى وفي الحكومة ومجلس النواب والقضاء العراقي، أتحدى رئيس الوزراء إن تجرأ بقول الحقيقة ووضع اليد على من تسبب في كل الوارث التي وقعت في العراق منذ وصول المالكي، دع عنك فترة الخائب إبراهيم الجعفري الذي يعتبر أول من حول أجهزة الدول الأمنية والجيش والشرطة إلى أجهزة مليئة بقيادات وكوادر وأعضاء الميليشيات الطائفية الشيعية المسلحة حتى يومنا هذا، والتي كانت السبب وراء احتلال الموصل ونينوى وقبلها المحافظات الغربية، وما وقع فيها من إبادات جماعية ومجزرة سپايكر .. الخ.
لنرى كيف سيتصرف بهذا الوعد الجديد الذي لم يحدد تاريخ إعلان أسماء الفاسدين وتركها ربما للمساومات القادمة لتشخيص اسم رئيس الوزراء والتحالفات الكبيرة لتشكيل الحكومة القادمة، ثم ينسى بعدها، كما نسي نوري المالكي قوله في عام 2014 بـ"ان لديه ملفات فساد لو كشفها لأنقلب عاليها سافلها، .."!!!   
يبدو لي، وارجو ألّا أكون متفائلاً جداً، بأن الشعب لم يعد قادراً على تحمل من يضحك على ذقنه ويمارس اللعب بالكلمات ليتجاوز تنفيذ ما تطالب المظاهرات التي انطلقت مع أوائل تموز/ يوليو 2018 ولا تزال مستمرة حتى الآن رغم التآمر الصارخ على وأدها!!   
01/08/2018

17
كاظم حبيب
طوق نجاة المرجعية الشيعية يناقض طبيعة النخب الإسلامية الحاكمة!
ما كان ينبغي للمرجعية الدينية الشيعية في النجف أن تتدخل في السياسة وتزج نفسها فيما لا يعنيها، وأن تحافظ على موقعها الديني والاجتماعي من كل العراقيات والعراقيين من مختلف الديانات والمذاهب، كما كان عليه الموقف الممتاز والمتقدم الذي اتخذه السيد أبو الحسن الموسوي في أربعينيات القرن العشرين ورفض التدخل في الحية السياسية. ما كان ينبغي أن تخوض المرجعية المذهبية في السياسية من أوسع أبوابها وتؤيد بحرارة وقوة الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية إلى الحد الذي جعلها وتلك الأحزاب في موقع واحد ومسؤولية واحدة إزاء ما جرى ويجري في العراق منذ إسقاط الدكتاتورية البعثية – الصدامية في العام 2003 حتى يومنا هذا (صيف عام 2018)، لتبدأ من جديد ف محاولة منها لتوفير طوق نجاة لهذه القوى الإسلامية السياسية الشيعية، ومع قوى وأحزاب سنية طائفية مماثلة، والتي أذلت مجتمعة كل الشعب العراقي وداست على كرامته وساهمت في قتل أبناءه وبناته وتشريدهم وتهجيرهم، وجوعت الملايين من البشر وسرقت المئات من المليارات من الدولارات الأمريكية من خزينة الدول العراقية وفرطت بالكثير منها بصور شتى. نعم، ما كان لهذه المرجعية الدينية والمذهبية، التي كانت لها هيبة في نفوس مقلديها وبقية الناس، أن تسمح باستخدامها من قبل أحزاب إسلامية سياسية لا هم لها سوى ملء الجيوب وسرقة اللقمة من أفواه الفقراء والمعوزين واليتامى والأرامل وكل الكادحين. لقد كان المفروض ومنذ اليوم الأول ان تنأى المرجعية الشيعية، وكل المرجعيات الشيعية الأخرى، والمؤسسات الدينية السنية، بنفسها عن الولوج في نفق السياسة المظلم الذي خلقته الأحزاب التي ساندتها ومنحتها بركاتها!!     
واليوم تواجه المرجعية الخراب والدمار والموت والهجرة الواسعة التي حلت بالعراقيات والعراقيين نتيجة سياسات هذه الأحزاب وتأييدها لها، إذ خطب الشيخ عبد المهدي الكربلائي، ممثل مرجعية السيد على السيستاني، فقال ما يعرفه ويعيشه كل الشعب يوميا: "يعلم الجميع ما آلت اليه اوضاع البلاد وما تعاني منه هذه الايام من مشاكل متنوعة وأزمات متشابكة، وكانت المرجعية الدينية تقدّر منذ مدة غير قصيرة ما يمكن ان تؤول اليه الامور فيما اذا لم يتم اتخاذ خطوات حقيقية وجادة في سبيل الاصلاح ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية،..". وفي هذا المقطع إدانة صريحة للحكم وأسلوبه وعواقبه، ولكنه في الوقت نفسه يذكرنا بمن أيد أولاً بأول هذا الحكم وسانده في أربع دورات انتخابية بين 2005-2018. ولا يمكن أن يلغي ذلك التأييد قول الخطيب: "ومن هنا قامت (المرجعية، ك. حبيب) على مرّ السنوات الماضية بما يمليه عليها موقعها المعنوي من نصح المسؤولين والمواطنين لتفادي الوصول الى الحالة المأساوية الراهنة." أقول مرة أخرى القضايا المطروحة كلها إدانة صارخة لنظام الحكم الطائفي المقيت ولأركانه وأحزابه السياسية الإسلامية الحاكمة، سواء من تولى الحكم بعد إسقاط الدكتاتورية ومن هم في الحكم حالياً، ولكنه لا يطالب بتخلي هؤلاء عن الحكم، بل يدعوها له شرط إجراء بعض الإصلاحات.
ولكن ماذا يراد من هذه الخطبة؟ من يطالع هذه الخطبة سيجد نفسه أمام بعض المسائل المهمة التي لا بد من ذكرها لنفهم حقيقة الموقف وما يجري في العراق ودور هذه النخب الحاكمة وكذلك دور مرجعية السيد السيستاني. فالخطبة المعبرة عن موقفه تعتبر من حيث المبدأ:
** بمثابة طوق نجاة، أي محاولة لإنقاذ أحزاب الإسلام السياسي الحاكمة من خسارة الحكم، وهي التي لا تستحق النجاة بأي حال، لأنها غاصت في دماء ودموع ومآسي العراقيات والعراقيين ودمار بلدهم ونهب خيراته وموارده على مدى 15 عاماً، بحيث لا يمكن أن يغفر لها الشعب، علماً بأن هناك من عمل باستمرار على غلق بصيرة وبصر الشعب عن الجرائم التي ارتكبتها الأحزاب الإسلامية السياسية وميليشياتها الطائفية المسلحة حتى الآن بحق الشعب.
** وهي بمثابة طوق نجاة لنظام الحكم الطائفي السياسي، الذي ليس في الخطبة ما يدين الطائفية السياسية والسياسات التي انتهجها النظام باسم "المظلومية الشيعية" بشكل مباشر، وليس فيها دعوة حقيقية لنظام حكم مدني ديمقراطي، رغم الحديث العام عن " الاصلاح ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية"!
** وهي محاولة، وعبر التدخل في السياسية، تبرئة ساحة المرجعية من الالتصاق السابق الكبير وغير المنقطع مع هذه الأحزاب المخالفة في نشأتها للدستور العراقي الذي يرفض إقامة أحزاب سياسية على أساس ديني أو مذهبي، والتي وضعت العراق في مستنقع الفساد والإرهاب والموت والدمار. والتي وجهت نار غضبها ضد الشعب المنتفض باستخدام الرصاص الحي وقتل وجرح الكثير من المتظاهرين في البصرة والسماوة والديوانية وكربلاء والنجف وذي قار وبابل وبغداد وغيرها من المدن المنتفضة. إن ممارسة العنف من حكومة تصريف أعمال، أدى إلى تفاقم غضب الناس فاستخدم البعض العنف الذي لا يجوز استخدامه، فالمظاهرات كانت وما تزال سلمية وديمقراطية.
** إن من واجب المرجعية الاجتماعي، وليس السياسي، إدانة الفساد ونهب موارد الشعب وتجويعه ونقص الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والنقل والصحة ...الخ. وهذه الأمور ليست سياسية مباشرة بل ذات خلفية سياسية، بسبب طبيعة الحكم الذي قاد إلى هذه العواقب. وهو الذي وجد تعبيره الصحيح في خطبة الشيخ عبد المهدي الكربلائي.
** إن من واجب المرجعية الأساسي إدانة الأحزاب الإسلامية السياسية التي استخدمت وادعت إنها تحكم باسم الدين والمذهب الشيعي والمرجعية، وبالتالي أساءت إلى هذه الجهات كلها دون أن يصدر عن المرجعية إدانة مباشرة لهذه الأحزاب التي ما تزال تحكم ويراد إنقاذها من السقوط تحت ثقل التجاوزات الفظة على الدستور وحقوق الإنسان في العراق وحقوق أتباع الديانات الأخرى وحقوق القوميات والحق في التنمية والتقدم والازدهار. وقد أدى كل ذلك إلى رفع المتظاهرين الشعارات الكثيرة المنددة بهذه القوى الحاكمة ومنها "باسم الدين باگون الحرامية"، و "باسم الله هتكونة الشيلاتية".30/07/2018



18
كاظم حبيب
لو تسنى لحزب الدعوة ان يحكم العراق بمفرده، فماذا سيحصل؟
من تابع قيادة حزب الدعوة الإسلامية للحكم التحالفي بين "أطراف ثلاثة"، هي الأحزاب الشيعية والأحزاب السنية والأحزاب الكردية، على أساس المحاصصة في توزيع السلطات الثلاث والمؤسسات والمناصب والغنائم، لتيقن، بما لا يقبل الشك، بأن هذا الحزب قد تصرف منذ أن تسلم إبراهيم الجعفري رئاسة الوزراء منذ العام 2005، ومن ثم نوري المالكي منذ العام 2006 حتى العام 2014 بشكل خاص، ثم حيدر العبادي منذ أب/أيلول 2014، بصورة استبدادية مريعة في مختلف المجالات ومارس أبشع أشكال التمييز الديني والمذهبي والقومي إزاء أتباع بقية الديانات والمذاهب والقوميات، كما هيمن على الثروة الوطنية وتصرف بها وكأنها بيت ماله يعطي من يشاء بغير حساب ويحرم من يشاء بغير حساب. وهو ما كان يفعله معاوية بن أبي سفيان حين كان والياً ثم خليفة في الشام، إذ قال: "إنما المال مالنا والفيء فيئنا فمن شئنا أعطيناه ومن شئنا منعناه" (أميل توما: الحركات الاجتماعية في الإسلام، دار الفارابي بيروت 1981، ص 58). أما أبو جعفر المنصور فقد وقف يوم عرفة خطيباً وأعلن برنامجه السياسي بقوله: "أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته، وإرادته وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلا، إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم، وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني". (إمام عبد الفتاح إمام: الطاغية، دراسة فلسفية في صور الاستبداد السياسي، سلسلة عالم المعرفة 183، الكويت، ص 219). إلا أن المستبد بأمره في فترة حكمه نسى الله والأنبياء والأولياء
  ورغم إن صاحبنا نوري المالكي لا يرقى إلى جزء من قدرات وإمكانيات وحنكة هذين الحاكمين الأموي والعباسي على التوالي، فأنه حاول أن يتشبه بهما فعلياً حين تصرف بالشعب ومال الشعب على وفق مشيئته ورغباته وسادية حكمه وشخصه. كما أنه مارس ذات السياسية التي مارسها أبو جعفر المنصور في موضوع الانتقام حين توجه أبو جعفر المنصور ضد الأمويين قتلاً وتشريداً، مارس نوري المالكي ذات السياسية إزاء أبناء الشعب العراقي من السنة، ولا سيما في محافظات غرب بغداد والموصل، إضافة إلى افعاله التمييزية الأخرى المناهضة للقيم الإنسانية إزاء أتباع الديانات من غير المسلمين. وعلى الشعب أن يتذكر خطبته بكربلاء حين صرخ قائلاً: " الذين قتلوا الحسين لم ينتهوا بعد، المعركة لا زالت مستمرة بين أنصار الحسين وأنصار يزيد!".
لقد مارس هذا الحزب وهو في السلطة، وهنا الحديث لا يشمل بالضرورة كل أفراد حزب الدعوة الإسلامية، إذ فيهم من هو نظيف، ولكن أتحدث هنا عن مؤسسة حزبية وعن قيادة وعن كوادر حزبية، كل ما ألحق ويلحق الضرر بالشعب والوطن، وكان في طليعة من لعب دوراً أساسياً في تنشيط الفساد والرشوة وإغراء الناس بالسحت الحرام ليصوتوا له ولقادته أو ليسكت الآخرين عن الاحتجاج على سياساته.. لقد مارس كل ما هو مساعد على تشتيت وحدة الشعب العراقي ونسف مبدأ المواطنة وإعلاء قاعدة المحاصصة الطائفية والهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية والمواطنة. هذا علماً بأن هذا الحزب لم يكن وحده في الحكم، ولكن هيمن على الحكم وسيرَّه على وفق رؤية رئيسه وأسكت بقية قادة حزبه أما بالجزرة أو بالعصا غير المرئية للإنسان الاعتيادي. فماذا يمكن ان يحصل لو تسنى لهذا الحزب أن يحكم بمفرده بلاد الرافدين وبسياسي مثل نوري المالكي؟ لن يكون العراق، بأي حال من الأحوال، أفضل مما كان عليه في فترة حكم البعث والدكتاتور صدام حسين. ولزاد في الطين بلة خضوعه الكامل للمرشد الإيراني علي خامنئي وسياسة جعل إيران هي المسيِّرة والموجهة والمقررة لسياسات العراق الداخلية والخارجية ولتحول العراق، وأكثر مما هو عليه اليوم، ولاية من ولايات إيران المترامية الأطراف، تماماً كما تحدث قبل شهور بعض قادة إيران عن العراق وموقعه من الإمبراطورية الإيرانية المنشودة منهم ومن نوري المالكي.
إن من يريد التحالف مع حزب الدعوة، الذي يترأسه نوري المالكي، سواء أكان من القوى العربية أم الكردية أم غيرهما، ومع هادي العامري وقيس الخزعلي، معناه إنه يريد تسليم العراق إلى إيران جملة وتفصيلاً، ومعنا أنه يريد بناء دولة مستبدة وتابعة وخاضعة لإرادة إيران ولإرادة ولاية الفقيه ووليهّا، وهو ما يفترض أن يفهمه كل من يفكر بتشكيل كتلة كبرى بقيادة رئيس قائمة "دولة القانون ومن معه من قادة المليشيات الطائفية الشيعية المسلحة!!!".
لو تسنى للمالكي أن يحكم العراق ثانية، أو من يتحالف معه كهادي العامري مثلاً، سيتغير وجه العراق نحو الأكثر سوءاً ويستكمل هؤلاء ما مارسوه بين عامي 2006-2014 وذلك عبر الإمعان بسياساتهم الطائفية والتمييز الحاقد ضد أتباع الديانات الأخرى ونشر أوسع لأوجه الفساد كافة في البلاد ولتفاقم الوجه الثاني للفساد وأعني به الإرهاب والحرب على أساس الهوية الطائفة والدينية والقومية.
لو تسنى لرئيس حزب الدعوة الراهن ورئيس قائمة دولة القانون، نوري المالكي، أن يحكم العراق، لأصبح العراق الدولة الأولى في الطائفية والفساد والإرهاب على صعيد المنطقة والعالم، وهو ما يفترض أن ينتبه له كل مواطنة شريفة ومواطن شريف في العراق المبتلى بهذه الأمراض الاجتماعية والسياسية القاتلة.               
29/07/2018

19
كاظم حبيب
جرائم بشعة ترتكب في العراق تحت حكم أحزاب الإسلام السياسي!
من يتابع ما يجري في العراق خلال السنوات التي أعقبت إسقاط دكتاتورية البعث وصدام حسين في العام 2003، سيجد نفسه أمام أبشع الغرائب والعجائب وأكثرها دونية وتدميراً للقيم الإنسانية العامة والشاملة وللشعب العراقي ونسيجه الاجتماعي، سيجد نفسه أمام جرائم لا يمكن تصور حصولها في مجتمع عراقي قبل سبعين أو ستين عاماً وفي العهد الملكي، رغم سوأته المعروفة وطبيعة حكامه والنظام السياسي - الاجتماعي الذي ساد حينذاك. يكفي أن يطالع الإنسان الصحف المحلية أو التقارير التي تنشرها الكثير من منظمات المجتمع المدني ذات المصداقية والموثقة أو منظمة الشفافية العالمية ليتعرف على حجم وسعة التنوع والقسوة والسادية في ارتكاب تلك الجرائم. لا شك، إن من يقف وراء أو يوجه أو يشارك مع مرتكبي تلك الجرائم هم جمهرة واسعة من النخبة الحاكمة ومن العاملين في قيادات وكوادر وأعضاء الأحزاب السياسية المشاركة في الحكم، ولاسيما الأحزاب الإسلامية السياسية وميليشياتها الطائفية المسلحة، الشيعية منها والسنية، وحواشيهم، إضافة إلى قوى الإرهاب الأخرى. إليكم بعض ما جرى ويجري في العراق:
-   نهب مليارات الدولارات الأمريكية من ميزانية الدولة العراقية عبر ما يسمى نهبها من الباطن، إضافة إلى التفريط الهائل بالموارد المالية عبر مشاريع وهمية، أو عبر مشاريع فعلية، ولكن لم تنجز وسرقت أموالها ومعداتها، كما في قطاع الكهرباء، على سبيل المثال لا الحصر.
-   نهب نفط العراق من جميع أبار استخراجها وفي جميع أنحاء العراق دون استثناء، إضافة إلى إلحاق أكبر الضرر بالمصالح العراقية نتيجة تمرير جولات تراخيص العقود النفطية في فترة حسين الشهرستاني وغيره، أو الحصول على رشاوي بالملايين لمنح شركات أجنبية عقود المشاركة في الإنتاج أو عقود الخدمة وعلى مستوى العراق كله.
-   نهب المليارات من الدولارات عبر بيع الدولار في المزاد عبر البنك المركزي، ولا يعرف حتى الآن حجم المليارات التي هربت إلى إيران في فترة الحصار ضدها.
-   نهب موارد العراق المالية عبر العقود التجارية وعقود المقاولة، وكذلك عبر استيراد المشتقات النفطية والتيار الكهربائي، وهو أحد العوامل التي تسببت في تأخير إنجاز مشاريع الكهرباء.
-   سيادة نظام الفساد Corruption system في الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث ومؤسساتها والاقتصاد الوطني والمجتمع، بحيث لا يمكن أن تجري عملية إدارية أو محاكمة أو مراجعات حكومية أو حتى تسجيل زواج أو عقار أو ...الخ دون دفع رشوة، الذي لم يعد كما في العهد الملكي يقتصر على "الواشر" (خمسين فلساً لا غير) الذي يدفع لأبي إسماعيل" (الشرطي)، بل بمئات وملايين الدولارات الأمريكية.
-   والفساد لا يقتصر على الجانب المالي بل الجانب الإداري وبشكل واسع كالتعيين والترقية والدرجات الوظيفية وفي الوزارات والمؤسسات والقضاء والمدراء العامين والمدراء بل وحتى الفراشين من ذوي الرواتب الواطئة جداً.
-   انتشار ظاهرة الاغتيالات المدفوعة الثمن، سواء عبر الميليشيات الطائفية المسلحة الشيعية أم عبر المنظمات التكفيرية السنية وما يماثلها، وعبر مؤسسات أمنية أجنبية، سواء أكانت تابعة لحزب الله اللبناني، أم للحرس الثوري وجهاز الأمن الإيراني، أم لإسرائيل والموساد، أم لدول الجوار الأخرى. كما يشار إلى تلك المليشيات التي تأتمر بأوامر وقرارات أحزابها في تصفية المناوئين لها، كما حصل في المئات من الاغتيالات السياسية، ولاسيما بين 2006-حتى اوقت الحاضر، ومنها اغتيال المناضل المثقف والكاتب والشيوعي كامل عبد الله شياع، والصحفي والكاتب هادي المهدي وغيرهما.
-   رغم الأموال الكبيرة المصروفة والمهدورة عجزت الحكومات المتعاقبة عن توفير الخدمات الأساسية والضرورية للشعب، وليس السبب في عدم وجود كفاءات في العراق بل بسبب الفساد والنهب وعدم احترام الشعب ومصالحه.   
-   عجز الحكومات المتعاقبة على التصدي لعمليات التفجير الانتحارية أو إشعال الحرائق أو نهب دور ومحلات عمل أصحاب الأعمال، ولاسيما محلات الصابئة المندائيين ودور وكنائس المسحيين ومناطق الإيزيديين في نينوى ...الخ.
-   أما الجريمة الأكبر والأبشع هي تلك وقعت في الموصل، حين ترك الحكم الطائفي المقيت أبواب العراق مشرعة أمام جحافل القتلة الداعشيين في غرب العراق ومحافظة نينوى، وما تعرض له السكان بسبب سياسات النظام السياسي الطائفي المحاصصي المنتجة للفساد والإرهاب والخراب، والتي سمحت للإرهابيين اختراق الجبهة الداخلية وممارسة الإبادة الجماعة في نينوى.
ولم يقتصر الفساد على هذه المجالات بل شمل أيضاً:           
-   اتساع ظاهرة زواج القاصرات اللواتي بعمر تسع سنوات، ومن أزواج يتجاوزن عمر أباء القاصرات أو حتى أجدادهن.
-   استمرار بيع أعضاء من جسم الإنسان، ولاسيما من أبناء وبنات العائلات الفقيرة التي تعيش في عوز دائم لا يمكن تصوره. وهناك مجموعة من الأطباء ومساعديهم التي تتعامل مع قوى الجريمة المنظمة (المافيات) في الحصول على تلك الأعضاء وتسويقها في دول الخليج على نحو خاص مقابل مبالغ طائلة.
-   استمرار واتساع ظاهرة العهر بين الصبايا والصبيان بسبب الحاجة القاهرة لتوفير لقمة العيش وبسبب التشرد والعيش في الشوارع في جميع محافظات العراق تقريباً، وكذلك بين الأرامل لأسباب مادية.
-   تفاقم عمليات الاغتصاب والمتاجرة بالجنس النسوي والولادي من قبل مافيات تتعامل بذلك وعلى نطاق غير محدود، بما في ذلك تصديره الضحايا إلى الخارج.
-   انتشار ظاهرة وكلاء بيع المخدرات في أنحاء العراق والتي كلها تأتي من أفغانستان وإيران لتسوق في العراق وفي الخليج وغيرها من البلدان. إلا إن استهلاكها في العراق آخذ بالاتساع نتيجة الأوضاع المتزايدة تعقيداً وصعوبة. والكثير من العاملين في أجهزة الدولة والأحزاب يتعاملون بذلك وعبر جماعات في إيران، وغالباً ما تصل المواد المخدرة أثناء الزيارات للأماكن المقدسة أو عبر شط العرب ومنافذ حدودية أخرى بسبب الفساد الواسع النطاق.
-   تفاقم ظاهرة الرشوة أو الوساطة في عمليات نجاح وعبور الطلبة الفاشلين في الامتحانات في مختلف مراحل الدراسة، ولاسيما الثانوية والجامعية والدراسات العليا.
-   تفاقم فعلي واستمرار في تزوير الشهادات أو الحصول عليها من إيران أو لبنان أو غيرها من الدول، إيطاليا مثلاً، أو حتى وجود مكاتب لعمليات تزوير الشهادات التي يرغب بها الشخص ومقابل مبالغ غير كبيرة وحسب الشهادة. والكثير من هؤلاء احتلوا مراكز عليا في سلطات الدولة العراقية منذ وصول الأحزاب الإسلامية السياسية إلى قيادة الحكم. ومن يزور شهادته يمكن أن يزور كل شيء ايضاً.
-   تفاقم عليات الانتحار بين البنات والشباب، سواء كان انتحاراً فعلياً أم قتل من قبل العائلة والادعاء بالانتحار بذريعة حماية "الشرف!".
وهناك الكثير من الجنح والجرائم الأخرى التي يعاقب عليها القانون، ولكن مرتكبيها لا يعاقبون في العراق. وأبرز وأكثر تلك الجرائم خطورة تلك التي تمارسها مجموعة ممن بيدها السلطة وتمثل أحزابها فيها وفي أجهزة الدولة المختلفة وحواشيها ووسطائها، ولاسيما في مجال النفط وسرقة أموال الدولة من الباطن وغسيل الأموال ومزاد بيع الدولار من جانب البنك المركزي العراقي، وما تمارسه المصارف التجارية الخاصة من تعامل غير شرعي في هذا المجال، تهريب العملة الصعبة إلى البنوك الأجنبية، العقود التجارية للحكومة وعقود المقاولات والبناء.
ثم أخطر من كل ذلك ادعاء الحكومة ورئيسها الحالي بمحاربة الفساد، في حين يسكت أو يحجم عن تقديم أكبر الفاسدين في السلطات الثلاث إلى الادعاء العام أو القضاء لمحاسبتهم، في حين تتوفر لديه، كما ادعى سلفه أيضاً، ملفات كاملة عن الفاسدين الكبار. والحكمة تقول الساكت عن الحق شيطان أخرى، أو الساكت عن الجريمة مشارك فيها.
وبدلاً من أتخاذ الإجراءات لتغيير كل هذه الأوضاع مارس رئيس الحكومة سياسة ضرب المظاهرات باستخدام السلاح والرصاص الحي وسقوط ضحايا وممارسة الاعتقال والتعذيب وأخذ البراءات، وأخيرا وليس آخر محاولات الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية إغراء العشائر العراقية بالمال لتتخلى عن التظاهر، أو تدير ظهرها للمتظاهرين، وتسعى إلى تفليش المظاهرات الجارية في جنوب ووسط العراق وبغداد. وهذه الحالة تذكرنا بما لجأ إليه الاستعمار البريطاني حين تسنى له شراء مجموعة من شيوخ العشائر بالمال لتتخلى عن النضال ومواجهة الظلم الاستعماري. وكثيراً ما يشار إلى دور المستشارة البريطانية في العراق "مس غيرترود بيل" (1886-1926م) في هذا الصدد الحاكم البريطاني العام حينذاك، ولاسيما علاقتها مع شيوخ العشائر ومع وجهاء بغداد. كما عادت حليمة إلى عادتها القديمة في اغتيال الشخصيات الحقوقية والاجتماعية التي تلتزم جانب الشعب ونضاله ومظاهراته وتتبنى الدفاع عنه في المحاكم العراقية عند الاعتقال، والذي بدأ باغتيال المحامي جبار محمد كرم في البصرة والذي جاء بأوامر عراقية-إيرانية، حيث النفوذ الإيراني في البصرة في أعلى مستوياته، رغم الهتافات الشعبية التي ارتفعت في البصرة: "إيران بره بره وبغداد تبقى حره"، أو "... البصرة تبقى حرة"، و "باسم الدين باگونة الحرامية"!
كما اشتدت ظاهرة مطاردة الصحفيين والإعلاميين العراقيين بسبب نشرهم المعلومات والحقائق عن تظاهرات الشعب والشعارات التي ترفعها تلك المظاهرات ضمن انتفاضة شعبية أخرست النخب الحاكمة والقمتهم أحجارا. إن الانتفاضة الشعبية ستنتصر في خاتمة المطاف رغم التآمر عليها، لأن حضارة العصر الراهن التي يتميز بها العالم لا يمكنها أن ترتضي بوجود مثل هذا النظام السياسي الطائفي المحاصصي المتعفن والمولد للخراب والدمار والفساد والإرهاب والتمزق والذي يعود لماضٍ سحيق.
إن المظاهرات الشعبية، هذه الانتفاضة الشجاعة، تمثل الضوء الذي يشع في نهاية النفق، الذي زج فيه العراق من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والدول التي تحالفت معها وإيران وبقية دول الجوار، إنها الأمل في التغيير المنشود عاجلاً أم آجلا!           

20

ملحق للرسالة المفتوحة إلى رئيس وزراء العراق
السيد رئيس وزراء العراق د. حيدر العبادي
لم يعد الإنسان قادراً على ملاحقة الإجراءات القمعية التي تتخذها حكومتكم والحكومات المحلية في جنوب ووسط العراق، وكذلك الأجهزة الأمنية وجهاز مكافحة الإرهاب والكثير من الميليشيات الطائفية المسلحة التي تمارس الدور القمعي ضد المتظاهرين في مختلف مدن العراق. لقد تجاوزتم على الدستور العراقي حين أوقفتم استخدام الإنترنيت وقطعتم الاتصال الخارجي لتمنعوا حركة التواصل الاجتماعي ودورها في تعبئة التظاهرات الشعبية الموجهة ضد الطائفية السياسية والفساد والإرهاب وتدهور الخدمات من جهة، ولتمتعوا وصول المعلومات عن التظاهرات وعن الأساليب الوحشية التي تواجه بها القوى القمعية الرسمية والتشكيلات خارج القانون الجماهير الشعبية المحتجة والمنتفضة ضد النخب الحاكمة الفاسدة من جهة ثانية والتي زاد تعريها بسلوكها العدواني الجديد الذي عرفته في العام 2011 بشكل صارخ.
ثم أعطيتم الأوامر بتوجه الرصاص الحي وخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع إلى صدور وعيون الجماهير المتظاهرة لا في المدن الجنوبية والوسط فحسب، بل وفي ساحة الحرير في بغداد وغيرها أيضا، حيث استخدمت الصوندات والهراوات وكل أساليب القمع والضرب الوحشية ضد المتظاهرين والمتظاهرات الشجعان أيضاً. فسقط شهداء وجرحى ومعوقين بأعداد كبيرة، وأنتم الذي أدعيتم حماية المتظاهرين والمتظاهرات والدفاع عن حقهم في التظاهر!، وإذا بكم أنتم بالذات تصدرون الأوامر بضرب المتظاهرين بالحديد والنار. لقد تجاوزتم كل الخطوط الحمراء، التي تدعون أن الشعب قد تجاوزها، لقد تجاوزتم على الدستور العراقي وعلى لائحة حقوق الإنسان الدولية، وخر4قتم مباد عدم استخدام العنف في مواجهة مطالب الشعب الملحة. على شعبنا والمنظمات الحقوقي والأحزاب الديمقراطية أن تدرس إمكانية إقامة الدعوى على شخصكم وحكومتكم في محكمة حقوق الإنسان في هولندا، لأنكم استخدمتم مركزكم الحكومي كرئيس للوزراء ومركزكم العسكري كقائد عام للقوات المسلحة العراقية في عدم حماية المتظاهرين والمتظاهرات، بل تجاسرتم على الشعب بإصداركم الأوامر بضرب المظاهرات بالحديد والنار وبخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والهراوات. وكان الأسلوب الذي مورس عدوانياً صارخاً ومليئاً بالكراهية والحقد على الشعب، ولاسيما ضد المتظاهرين والمتظاهرات، وراغباً في إلحاق أكبر الأذى بهم.   
ولم يكفكم كل ذلك، بل كما يبدو من أسلوب عملكم الذي يتميز بوجهين أصبحا مكشوفين للمزيد من الناس. فقد أعطيتم الأوامر باعتقال أكثر من خمسين صحفياً وإعلامياً عراقياً والتعرض لهم ومطاردتهم واعتقالهم، كما اعتقلت أجهزة الأمن والأجهزة السرية مجموعة من الصحفيين ومن المواطنين وعرضتهم للتعذيب وسعت إلى نزع البراءة منهم ومن المتظاهرين، وفرض التوقيع على ورقة تؤكد بعدم مشاركتهم في المظاهرات الشعبية أو الكشف عن مفاسد الحكومة وقمعها للمظاهرات. أي إعطاء صك بالبراءة!!! هذه الأساليب الوحشية التي ابتدعها مجلس حلف بغداد في أعوام 1955-1958، في فترة ترأس د. عبد العزيز الدوري لجنة مكافحة الشيوعية في حلف "السنتو"، في فترة حكم نوري السعيد ووزير داخليته سعيد قزاز ومدير أمنه العام بهجة العطية، والتي مارسها نظام الحكم القومي الشوفيني والبعثي الدموي في العراق فيما بعد. وها أنتم، رئيس وزراء العراق، تسيرون على درب المستبدين السابقين نوري السعيد وعبد السلام عارف وصدام حسين ونوري المالكي، وتستلهمون ذات الأساليب التي تستخدمها الأجهزة الأمنية الإيرانية في زمن الشاه (السافاك)، والأجهزة الأمنية الحالية (وزارة الاستخبارات والأمن القومي لجمهورية إيران الإسلامية، إطلاعات) والحرس الثوري الإيراني وبسيج.
انكم تغامرون ضد الشعب وإرادته ومصالحه، وتتراجعون خطوات متسارعة جداً إلى الوراء عن الوعود التي قطعتموها أمام الشعب والرأي العام العالمي، وتتفوقون على رئيس حزبكم نوري الملاكي فيما فعله بالشعب العراقي، إن واصلتم هذه المسيرة الخطيرة الموجهة ضد الشعب ومصلحة الوطن.
ما أن أعلن أحد المحامين الشرفاء السيد جبار كرم عن استعداده للدفاع عن المعتقلين حتى اغتيل في أحد شوارع البصرة في حي الهادي من قبل مسلحين قتلة "مجهولين!!" وفي وضح النهار. وهي محاولة مجرمة لبث الخشية في فوف من يتبنى أو يدافع عن قضايا المعتقلين في أحداث الانتفاضة الشعبية الجارية. لقد وصل صراخكم إلى عنان السماء بأنكم تؤيدون المظاهرات السلمية، ولكنكم في الوقت نفسه تعاقبون حتى من يريد الدفاع عن المتظاهرين!!
كفوا عن قمع المظاهرات، أطلقوا سراح المعتقلين، كفوا عن ملاحقة الصحفيين واعتقالهم، استجيبوا لإرادة المتظاهرين والمتظاهرات بنزع سلاح المليشيات الشيعية التي تشكل جسد الحشد الشعبي الراهن وقياداته من الميليشيات الطائفية المسلحة، قدموا الفاسدين الكبار إلى المحاكمة، وإلا فأنتم أحدهم، أوقفوا نزيف الدم، تخلوا عن الطائفية ومحاصصاتها المذلة، وأنتم عضو في قيادة حزب طائفي مرغ ويمرغ يومياً كرامة الإنسان العراقي بالتراب ومنذ ثلاثة عشر عاماً.
ليس هناك من يشفع لكم ولأعضاء حكومتكم الذين لا يستقيلوا بسبب سياستكم الخرقاء إزاء المظاهرات ومطالب الشعب، إن واصلتم درب الصد ما رد، إن واصلتم ضرب المظاهرات وقمع المتظاهرين والمتظاهرات وولغت قواتكم الأمنية ومن معها بدماء العراقيين!!
لقد أعذر من أنذر، وغداً لناظره قريب!!!
د. كاظم حبيب
24/07/2018       

21
كاظم حبيب
رسالة مفتوحة إلى رئيس وزراء العراق
السيد رئيس وزراء العراق الدكتور حيدر العبادي المحترم
منذ الثامن من أيلول/سبتمبر 2014 تسلمتم رئاسة مجلس الوزراء العراقي بعد فرض الانسحاب من رئاسة الحكومة على رئيس حزب الدعوة الإسلامية نوري المالكي. أي ان قيادة الحكم بقيت بيد حزب الدعوة باعتباركم عضوا في قيادة هذا الحزب وعلى أساس المحاصصة الطائفية. وأديتم القسم القانوني بأنكم ستعملون على إصلاح الأوضاع والتغيير ورفض المحاصصة الطائفية التي رفضها الشعب وأدانها بشدة. لقد كان رفض الشعب لنوري المالكي الدور الأساس في إزاحته عن السلطة التي أساءَ استخدامها ومارس سياسات طائفية متشددة ومقيتة، واستخدم المال لإرشاء وإفساد المزيد من القوى والناس في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، وجعل من الفساد نظاما سائدا ومعمولاً به في العراق، مما أسهم بتنشيط وتوسيع ونشر المزيد من الإرهاب في البلاد. وما حصل في المحافظات الغربية ولمدينة الموصل محافظة نينوى من اجتياح تدميري لها من قبل تنظيم القاعدة الإرهابي ومن ثم تنظيمات داعش الإرهابية والتكفيرية لدليل على طبيعة سلطة نوري المالكي والقوى المشاركة معه في السلطة. وبالتالي فنوري المالكي هو المسؤول الأول عن كل ما حصل في العراق بين عامي 2006-2014 من فساد وإرهاب واجتياحات وموت ودمار وتفريط هائل بأموال البلد والتجاوز الفظ على الدستور العراقي وعلى سلطات ومؤسسات الدولة الأخرى. وتشارك في هذه المسؤولية الأحزاب التي شاركته الحكم ولم تعمل لإيقافه ووضع حد لسياسات التدميرية للشعب ووحدته ووحدة الوطن.
ها انتم تحكمون العراق منذ أربع سنوات عجاف وقاسية على الشعب، إلى الحد الذي أُجبر على الانتفاض للخلاص ممن تسببوا في أوضاع العراق الراهنة. والسؤال هو: هل أدركتم بعمق ومسؤولية حقيقة ما يريده الشعب؟ سؤالي ليس استفزازاً لدرجتكم العلمية ولا لموقعكم الحكومي، بل ارتباطاً بخطابكم الأخير في 20/07/2018 في إحدى قاعات مجلس الوزراء وبحضور شيوخ العشائر وبعيدا عن ممثلي المتظاهرين الآخرين من مدن العراق المنتفضة، وما جاء في هذا الخطاب الاستفزازي الذي لا شك وأنه يَصْبُ الزيت على نار الانتفاضة والغضيب المتصاعدين ويؤجج المشاعر ويؤكد لهم بأنكم بعيدون كل البعد عن تنفيذ ولو مطلب أساسي واحد من مطالب الشعب الأساسية، واعني به محاربة الفاسدين الكبار، دع عنك التخلي عن الطائفية في النظام والمحاصصة في توزيع المسؤوليات في الدولة العراقية وسلطاتها الثلاث. جاء في خطابكم ان هناك من الفاسدين من يحاول اتهام الجميع بالفساد. هذا ممكن تماماً، ولكن ما هو دوركم في وضع اليد على هؤلاء الفاسدين الكبار الذين يتهمون الجميع بالفساد، ولماذا لا تقومون بشخيص الفاسدين ولديكم جميع الملفات، ولماذا لا تقدمون هذه الحيتان الكبيرة إلى المحاكمة لتؤكدوا للمجتمع بأنكم جادون في ذلك ولا تتسترون على رفاق حزبكم والاحزاب المماثلة لحزبكم من حيث الإيديولوجيا والسياسة؟ التقارير الدولية وتقارير هيئة النزاهة ومنظمات المجتمع المدني وصوت الشعب الهادر يؤشر بصواب إلى الجماعة الفاسدة وأبرز الفاسدين في البلاد، فلماذا لا تتخذون أي إجراء بهذا الصدد؟ أنتم بسياستكم هذه تسمحون بخلط الأوراق بحيث لا يتم التمييز بين الفاسد الكبير وبين الإنسان النبيل غير الفاسد!
كل المؤشرات تؤكد بما لا يقبل الشك بأنكم جزء من الحزب الحاكم، من حزب الدعوة الإسلامي، وهو حزب سياسي طائفي، وليس حزباً مدنياً ديمقراطياً ووطنيا يضم ف صفوفه أبناء وبنات الوطن من كل القوميات والديانات والمذاهب، بل يقتصر على جزء من الشيعة. ومن هنا يبرز طابع الطائفي! حزبكم هذا حكم العراق منذ العام 2004/2005 حتى الوقت الحاضر (2018) بشكل مباشر، وأنتم ساهمتم في الحكم بشكل مباشر كوزير وكرئيس وزراء وغير مباشر أيضاً كقيادي في حزب الدعوة. وبالتالي يمكن أن تكونوا  وأنك متورطين في كل ما حصل في العراق خلال الفترة المنصرمة، وأنكم، كما يبرهن الواقع وليس الحدس، لا تمتلكون الاستعداد الذاتي لاتخاذ أي إجراء حقيقي ضد الفاسدين وضد أعضاء حزبكم والاحزاب الشيعية الأخرى المؤتلفة ولا حتى السنية، وأنتم لا تمتلكون الجرأة والشجاعة الضروريتين لإصلاح، دع عنك التغيير، النظام السياسي الطائفي المحاصصي المقيت. انتم تخشون الفاسدين في حزبكم وفي الاحزاب الاسلامية الاخرى وميليشياتهم الطائفية المسلحة، ومن يقف وراءهم خلف الحدود العراقية الشرقية، ولأي سبب كان، ولهذا فأنتم غير مؤهلين عمليا لحمل راية الإصلاح والتغيير، كما اعتَقَدَ البعض من حسني النية، وإلا لماذا هذا الموقف غير العقلاني والسيء من الفاسدين وعجزكم عن تقديمهم للقضاء أو الادعاء العام لمحاكمتهم، بمن فيهم أولئك الذين كانوا سببا فيما حصل في غرب العراق وفي الموصل ونينوى.
لا استغرب أبداً إن بادر المتظاهرون إلى رفع شعار إسقاط الحكومة القائمة، كما أُسقطت حكومة المالكي، لأنكم تزوغون في خطاباتكم عن وضع اليد عما يريده الشعب، الشعب الذي يريد الخلاص من الطائفية والمحاصصة السياسية ومن الفاسدين والميليشيات الطائفية المسلحة والسلاح الذي بأيدي العاملين فيها، ومن الإرهاب والإرهابيين الآخرين، يريد التغيير والخدمات والخلاص من رثاثة الدولة وسلطاتها ومؤسساتها. لم يعد مناسبا مجاملتكم من أي حزب سياسي أو سياسي مدني وديمقراطي، إذ إن هذا سيكون على حساب الشعب ومصالحه واستمرار كل الظواهر المدمرة التي نشأت في ظل حكم الجعفري والمالكي وتواصلت في فترة حكمكم منذ أربع سنوات حتى الآن.
تطالبون الأحزاب ان لا تحل مشاكلها وخلافاتها مع الحكومة في الشارع! ولكن هذه المظاهرات يا رئيس الوزراء ليست من صنع الأحزاب الإسلامية السياسية الفاسدة التي تحكم العراق والمتصارعة على الحكم والمال والجاه معكم ومع غيكم، بل هي مظاهرات شعب لم يعد قادراً على تحمل المزيد من الضيم والجور والطائفية المقيتة والفساد وتدهور الخدمات والجوع والحرمان وفقدان الحقوق ولقمة العيش، لم يعد قادرا على السكوت، ويرى جزءاً أساسياً من النخب الحاكمة "خاتلة" وراء الأسوار الحديدية، في الخضراء، خشية من المتظاهرين الغاضبين من القهر والتركيع الذي يفرض عليهم بكل السبل الدنيئة من جانب النخب الحاكمة. الاحزاب الحاكمة ترسل مجاميع من المندسين، وعبر جهاز الاستخبارات من اجل الاساءة للمظاهرات وطابعها السلمي. إما أنكم تعرفون وتغلّسون فتلك مصيبة، وإما أنكم لا تعرفون فالمصيبة أعظم!
ليس هناك في اجهزة الشرطة والأمن من يستطيع توجيه الحديد والنار إلى صدور المتظاهرين ما لم يكن لديه أوامر من المسؤول الأول عن الحكومة والقوات المسلحة، وأنتم وحدكم تحتلون هذين المركزين. وبالتالي فأنتم المسؤول عن القتلى والجرحى الذين سقطوا في المظاهرات الأخيرة، ٌوليس من رمى الرصاص الحي القاتل سوى الأداة التي نفذت القرار، والذي يجب محاسبته ايضا، ولكن أنتم أول من يجب محاسبته على إصدار هذه القرارات الهمجية التي تسمح باستخدام السلاح والرصاص الحي في فُض المظاهرات ولو بقتل وجرح أو حتى اعتقال المتظاهرين الذين يكفل لهم الدستور الحق في التظاهر. إنها سياسة ليست خرقاء فحسب، بل مجنونة وجريمة لا يمكن غفرانها. إليكم ما جاء في تصريح المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي عن القمع الوحشي والحقد والكراهية والعنف التي تلبست الأجهزة الأمنية وهي تمارس عملية فض مظاهرة ساحة التحرير يوم السبت 21/07/2018، والتي لا يمكن أن تدعوا وتقولوا إنكم لا تعرفون بها:
"ما حصل يوم امس يدعونا الى التأكيد مجددا على ادانة ورفض استخدام العنف أيا كان نوعه، وتحميل الحكومة والوزارات والهيئات المعنية والاجهزة ذات العلاقة كامل المسؤولية عن وقوع ضحايا، وعن استمرار الملاحقات والاعتقالات للناشطين وللمتظاهرين والعودة الى اسلوب اخذ التعهدات السيء والمرفوض قانونا ودستوريا، وكذلك استخدام الضرب المبرح والماء الحار والغازات المسيلة للدموع بهدف الايذاء ، ونطالب بوقف كل هذه الممارسات المدانة فورا واطلاق سراح المعتقلين، واحالة المسؤولين عن اصدار تلك الأوامر الى التحقيق والمساءلة القانونية." (راجع: طريق الشعب، 22/07/2018، ص2).
 
 



22
كاظم حبيب
اليقظة والحذر من دموع التماسيح، فدموع الطائفيين الفاسدين خديعة كبرى!!!
من تسنى له الاستماع إلى الكلمة التي ألقاها هادي العامري، رئيس منظمة ميليشيا بدر الطائفية المسلحة، ورئيس قائمة فتح، في الحفل الخطابي بمناسبة الذكرى السنوية لثورة العشرين، يدرك بأن قادة المليشيات الطائفية المسلحة والأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية، مثل بدر وعصائب أهل الحق وحزب الله وعشرات غيرها زرعتها إيران بالعراق في فترات مختلفة، يشعرون بضيق كبير من نتائج الانتخابات العامة، رغم إنها لم تغير الكثير من الأمور، ومن المظاهرات الشعبية المستمرة والمتصاعدة منذ فترة في جميع مراكز محافظات وأقضية جنوب العراق ووسطه، ويتلمسون بوضوح بأن وعي الناس أخذ يغتني ويتبلور تدريجيا ويتعرف أكثر فأكثر على طبيعة وسلوكيات الأحزاب الإسلامية السياسية وميليشياتها الطائفية المسلحة ويكتشف كل المخزيات فيها والتي مورست  خلال السنوات الـ 15 المنصرمة وهم على رأس السلطة والفساد والإرهاب، ويدركون أنهم، وليس غيرهم، المقصودون بقوة وزخم واستمرارية هذه المظاهرات التي ارتفعت فيها شعارات "باسم الدين باگونة الحرامية" و"باسم الله هتكونة الشيلاتية"، إلى جانب المطالبة الملحة بالتغيير لنظام سياسي طائفي محاصصي مقيت، مرَّغ كرامة الشعب بالأرض وتَسَببَ في هدرِ دماء مئات الآلاف من العراقيات والعراقيين، إضافة إلى جرحى ومعوقين اكثر من ذلك بكثير، وإلى احتلال مدن وقرى وأراضي عراقية واسعة يعيش فيها الملايين من البشر، وحرمهم من خدمات أساسية مثل الكهرباء والماء الصافي للشرب والنقل وفرص العمل ومعالجة الفقر ومحاكمة الفاسدين والمفسدين والإرهابيين بمختلف أصنافهم، كما لم يوفر لهم والأمن والاستقرار. أدرك هؤلاء الحكام، إلى حدود واضحة، جعلتهم يذرفون الدموع الكاذبة، التي يطلق عليها "دموع التماسيح"، ويعلنوا توبتهم عن الجرائم التي ارتكبوها خلال العقد والنصف من السنين العجاف والمريرة المنصرمة، وعن "القصور والتقصير" اللذين صاحبا عملهم، بأمل أن يقبل الشعب توبتهم ويصدق كذبهم ودموعهم. إنهم في سرهم يضحكون بملء الأشداق ويعتقدون بأن هذا الشعب قصير الذاكرة وينسى بسرعة الجرائم والأخطاء الفاحشة التي ارتكبوها خلال الفترة المنصرمة، ويغفر لهم ذلك ويسكت عنهم ويؤيد استمرار وجودهم في حكم العراق، هذا الحكم الذي لم يعرف العراق مثيلاً له خلال العصر الحديث، بسبب استخدامه المفرط وبكل وقاحة للدين الإسلامي والأنبياء والأولياء الصالحين، وهم منهم براء، ثم براء، ثم براء، ليتمتعوا بثلاث مسائل: السلطة والمال والجاه وبصورة غير شرعية! "يا ذئاباً فتكت بالناس ألاف السنين اتركيني أنا والدين فما أنت وديني!!
لقد قال واحداً من أبرز وأكبر وأخطر مجرمي العصر الحديث، الذي تسبب في الحرب العالمية الثانية، والتي راح ضحيتها بين 62-78 مليون قتيل، عدا الجرحى والمعوقين والخسائر المالية والتراثية والحضارية، إنه أدولف هتلر، وردد معه غوبلز وهملر وكل الجوقة النازية: "اكذبوا، ثم اكذبوا، ثم اكذبوا، لعل بعض أكاذيبكم تعلق بأذهان الناس!". إن العامري يتحدث، وأنا أعتذر قبل غيري، ولكنه يسعى بوضوح إلى رمي ثقل القضية وما حصل في العراق على عاتق الآخرين فتباً لك ولأمثالك من الفاسدين!   
لقد تعرف هادي العامري على مسألتين هما: أن نسبة عالية من الشعب العراقي لم تذهب للتصويت في الانتخابات العامة الأخيرة عقابا لهم، أولاً، وأن المظاهرات هي ضدهم بشكل مباشر ثانياً. ولكن هذا الرجل لم يفهم ولا يريد أن يفهم بأن الشعب جزع من أعمالهم وهو غاضب أشد الغضب عليهم ولا يريدهم، بل هو يعلن توبته واعتذاره، باسمه وباسم اتباعه ومن معه، عما فعله وفعلوه بالشعب المستباح بطائفيتهم وفسادهم وإرهابهم خلال الأعوام المنصرمة، لا ليكف عن السياسة ويركن إلى إراحة الشعب العراقي منه وممن معه، بل لكي يستمر في الحكم ويواصل ذات السياسة، تماماً كما أعلن قبل ذاك رئيس وزراء العراق السابق نوري المالكي حين قال المستبد بأمره في لقاء صحفي متلفز ما يلي نصاً:
"المتصدين من السياسيين، والشعب يعلم، وأنا أعتقد بأن هذه الطبقة السياسية، وأنا منهم، ينبغي ألا يكون لها دور في رسم خريطة العملية السياسية، لأنهم فشلوا فشلاً ذريعاً، وأنا منهم. ينبغي أن يبرز جيل آخر بخلفية الوعي لما حصل وبخلفية الأخطاء التي ارتكبوها..،". والسؤال العادل: هل تخلى هذا المفتون بنفسه عن العمل السياس وانتحى جانبا ليريح الشعب من ويلاته؟ كلا، فهو لا يزال يصول ويجول ويسعى إلى تشكيل الكتلة الأكبر ليعيد الأجواء التي ارتكبت في "عهده الميمون!!!" أبشع الجرائم والتجاوزات على الدستور وحقوق الإنسان والحق في الحياة. إنه يريد أن يعود ومعه قادة المليشيات الطائفية المسلحة وكل الذين يعتذرون اليوم ليكذبوا على الشعب المستباح بهم، ليمارسوا ذات السياسة التي مارسوها طيلة السنوات المنصرمة، وليسمحوا لدول الجوار على التدخل الفظ في الشأن العراقي ومصائر الناس فيه.
أتمنى ألا تمر هذه الأكاذيب، وهذه الادعاءات بالتوبة والاعتذار عما ارتكبوه من جرائم وما سرقوه من أموال وما اقترفوه من تجاوزات، حتى على الدستور الذي وضعوه ووقعوا عليه، على الشعب العراقي أو على الغالبية العظمى منه لكيلا يفسحوا لهم المجال لممارسة ما مارسوه في السنوات المنصرمة. إن قصة توبة هادي العامري، وقبل ذاك نوري المالكي، تذكرني بتوبة الثعلب الذي جاء بلباس الواعظين وأعلن بأنه تاب عن التهام الدجاج والخراف، واقسم بأنه بنى بيتاً له ولهم وسقفه قوي يضمهم جميعاً ويحميهم من كل المخاطر، في حين أنه كان قد هيأ كل شيء ليلتهمهم على وجبات بعد أن يدخلوا بيته، لأنه هو الذي يشكل الخطر الأكبر على الدجاج والخراف!! قال أحمد شوقي بهذا الصدد ما يلي:
برز الثعلب يوماً      في شعار الواعظينا
فمشى في الأرض يهدي       ويسبُّ المـاكرينـــا
ويقول: الحمد للـــ      ـه إله العالمينـــــا
يا عباد الله توبوا       فهو كهف التائبينا
مخطيٌّ من ظن يوماً    أنَّ للثعلب دينــــا
في الوقت الذي يتحدث رئيس الوزراء عن حق الشعب في التظاهر السلمي على وفق الدستور العراقي، تقوم المليشيات الطائفية المسلحة، وفي مقدمتها ميليشيا عصاب الحق ورئيسها قيس الخزعلي بحملة اعتقالات للمتظاهرين في النجف وفي عدد آخر من مدن العراق ويمارسون بذلك دور قوات الأمن العراقية دون وجه حق، إن هذه المليشيات تشكل خطراً مباشراً على الأمن والاستقرار في العراق.، إن للمتظاهرين مطالب عادلة ومشروعة، سواء كان بتغيير النظام المحاصصي الطائفي أم بتوفير الخدمات الأساسية المتدهورة. فهل هذا هو "عربون الصدق!"، على وفق العهد الذي قطعه العبادي إلى الشعب بحماية المتظاهرين. هل هو استمرار لعمليات القتل التي طالت 18 مواطناً من المتظاهرين في أكثر من مدينة في جنوب ووسط العراق، أم إنها البداية لقمع أوسع على أيد المليشيات الطائفية المسلحة؟ لنرفع صوت الاحتجاج ونطالب بإطلاق سراح جميع من اعتقل من المتظاهرين في الفترة الأخيرة لأنها اعتقالات غير شرعية وظالمة ومخالفة للدستور!

23
  كاظم حبيب
ما هي السمة المميزة لانتفاضة الشعب في العراق، وما الموقف منها؟
بعد ان نُشر مقالي الموسوم هل يتعلم حكام العراق من تجارب الماضي المريرة للمستبدين؟ في موقع الحوار المتمدن وفي جريدة "العالم" العراقية، وردتني رسالة من اخ فاضل تضمنت النص التالي:
"أودّ التعليق بخصوص مقالتك بجملتين فقط " ليس قطيع الشعب والمتظاهرين ذهب 24 قيراط فبينهم من يقوم بخبط الماء لإيجاد أسباب فتنة . " و " ليس جميع الحكام من 2003 إلى الآن كتلة صلبة واحدة لنبقى نحكم عليهم بنفس الحكم ". أعتقد أن الوتر الذي يجب علينا العزف عليه : الدعوة إلى تنظيف المتظاهرين من الأدران ، واستغلال التناقضات بين صفوف الكتل المتسلطة ، وكشف الذئاب منهم عن الداعين بحقوق الجماهير." انتهى التعليق. لا شك أني احترم كل الآراء والملاحظات النقدية التي تصلني من القارئات والقراء الكرام، ولكن ليس بالضرورة أن اتفق مع بعضها أو جميعها. وسأحاول في هذا المقال مناقشة هذه الملاحظات.
خلال الأيام المنصرمة تسنى لي نشر ثلاثة مقالات حول الوضع بالعراق والتظاهرات المتصاعدة. وهي مقالات من حيث الفكر والمضمون يكمل بعضها الأخر، وتشير إلى ما أراده الأخ الفاضل في ملاحظاته، منها:
•   المظاهرات كلها عموما سلمية وبعيدة عن التشنج، رغم وجود كل مسببات الغضب!   
•   وجود من يعمل على تشويه المظاهرات والإساءة للمتظاهرين بممارسة العنف والتخريب ليعطي الذريعة للحكم والقوات الأمنية بضربها.
•   سيادة الفساد في السلطات الثلاث للدولة العراقية ومؤسساتها، ولكن هذا لا ينفي وجود موظفين بمستويات مختلفة غير فاسدين، رغم قلتهم، والفاسدون يعتبرونهم مجانين أو سذج في أحسن النعوت!
•   لا شك بوجود تناقضات وصراعات بين النخب الحاكمة المستبدة، ولكن كلها تصب في مجرى الصراع على السلطة والمال والجاه أو النفوذ الاجتماعي، وليس من اجل تحقيق مصالح الشعب والوطن.
•   الدعوة الى فضح من يحاول الإساءة لأهداف المظاهرات والمتظاهرين من جهة، ولحق الشعب في التظاهر المكفول دستوريا من جهة أخرى.
•   المطالبة بمحاكمة كبار الفاسدين والمفسدين والذين يتصدون لأي تغيير في طبيعة النظام الطائفي القائم، وهو يعني في جوهره ان هناك من هم غير فاسدين ويفترض التمييز بينهم وبين الفاسدين. وكبار الفاسدين كانوا أو ما زالوا يحتلون أعلى المناصب والمسؤوليات في الدولة وفي الأحزاب الحاكمة.
ولكن السؤال العادل هنا هو: هل ينبغي للكاتب ان يعيد ويصقل ظواهر سلبية محدودة ومدانة شعبيا ومن قبل القوى المدنية والديمقراطية العلمانية، أم يستوجب التركيز على ما هو أساسي في نضال الشعب العراقي وأهدافه العادلة والمشروعة والمهدورة في المرحلة الراهنة، والتي تتلخص في النضال للخلاص من النظام السياسي الطائفي المحاصصي الذي أذل ويذل الشعب يومياً، والذي تدافع عنه النخب الاسلامية السياسية الحاكمة والبعض الأخر، وضد الفساد، ومن اجل توفير الخدمات المتدهورة دوما.
لدي القناعة الشخصية، وهو ما تؤكده المظاهرات السلمية المستمرة والمتصاعدة، بأن علينا ان نتجنب ما يسعى حكام العراق الحاليون جرّنا إليه، وذلك بالحديث عن العنف والتخريب في المظاهرات لتشويه سمعتها، تماماً كما فعل حاكم العراق المستبد رئيس الوزراء السابق.  رئيس الوزراء العراقي الحالي تحدث في خطابه الأخير عن "مظاهرات سلمية ومظاهرات مدسوسة" ثم يتحدث عن خط أحمر!!". وقد انبرى إلى مناقشته وتخطئته بوضوح وصواب الدكتور علي الرفيعي، رئيس التيار الديمقراطي الاجتماعي في العراق، في رسالته المفتوحة الموجهة الى رئيس الوزراء حيدر العبادي، والتي أعدتُ نشرها في موقعي على الفيسبوك لأهميتها وصواب ما جاء فيها. كل المظاهرات الجارية سلمية وجادة وتطرح مطالب عادلة اولاً، وهي مطروحة منذ سنوات دون ان تحاول النخب الحاكمة الفاسدة الاستجابة الجزئية لها وكانت وعودها ومواعيد إنجازها كاذبة يصح عليها قول الشاعر:
مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل
ثانياً، ثم كل المظاهرات الجارية في العراق جيدة وسلمية، واندساس البعض لا يغير من طبيعتها السلمية ومطالبها العادلة، ومن مهمات الحكومة كشف هذا البعض المندس والمُسيء للمظاهرات الشعبية الحاشدة والمتصاعدة، بسبب انعدام الثقة كلية بين الحاكم المستبد والفاسد والمحكوم، كما يقع على عاتق الحكومة مهمة حماية المتظاهرين ثالثا. لقد نسى رئيس الوزراء الحالي ومن سبقه بأنهم قد تجاوزا الخطوط الحمراء في مصالح الشعب أميالاً وأميال وداسوا على كرامة الإنسان وحقوقه وصلاحياته، وما أن انبرى للتظاهر حتى برز الخط الأحمر يتهدد المظاهرات السلمية، رغم تأييد رئيس الوزراء لها شكلياً، إذ لولا ذلك لما أعطيت الأوامر بضربها بالرصاص الحي واستشهاد الكثير من المواطنين.
ان التركيز على بعض التجاوزات الحاصلة من بعض العناصر هو ما تسعى إلى ترويجه النخب الحاكمة الفاسدة، لكي يتسنى لها توجيه الرصاص الحي الى صدور أو ظهور المتظاهرين، كما حصل في اكثر من مدينة جنوبية وفي وسط العراق وأدى الى استشهاد 18 مواطنا من إعمار شتى، بمن فيهم صبية وشبيبة وجرح اكثر من 100 مواطن على أيدي اجهزة الأمن القمعية. علينا ان نطالب بإلحاح وبلا كلل:
•   إيقاف التصدي الهمجي للمتظاهرين السلميين فوراً، لأن الجماهير تمارس حقها الشرعي المكفول دستوريا وفي لوائح حقوق الإنسان الدولية.
•   الاستجابة الفورية لمطالب الجماهير في رفض الطائفية ومحاصصاتها في الحكم والمجتمع ومحاربة الفاسدين الكبار واعوانهم ومحاكمتهم والتصدي للإرهاب الجاري في البلاد على أيدي داعش والميليشيات الطائفية المسلحة.
•   إطلاق سراح معتقلي الانتفاضة الشعبية المتصاعدة وتعويض عائلاتهم ومعالجة الجرحى منهم وتعويضهم ومحاكمة من أعطى الأوامر باستخدام الرصاص الحي لضرب المتظاهرين.
إن من تابع اجتماع رؤساء الكتل السياسية المشاركة في الحكم بدعوة من رئيس الجمهورية والبيان الصادر عنه يدرك تماماً بأن:
•   النخب الحاكمة لا تريد بأي حال الاستجابة الفعلية لجوهر المطالب الشعبية الأساسية التي تؤكد رفض الطائفية ومحاصصاتها كلية، ومحاكمة الفاسدين والمفسدين الكبار فورا، ومحاربة الإرهاب وتفكيك المليشيات الطائفية المسلحة ونزع سلاحها ومحاكمة من استخدم السلاح منهم في ضرب المتظاهرين، والاستجابة لمطالب الشعب في توفير الخدمات المتدهورة، ولاسيما الكهرباء والماء ومعالجة البطالة والفقر المتفاقمين، رغم زيادة واردات العراق من نفطه الخام المصدر، وإيقاف دفع الرواتب الهائلة والمخصصات لكبار موظفي الدولة والنواب وغيرهم ، والتي كشف عنها مؤخراً ومن جديد عادل عبد المهدي، التي يتسلمها هو أيضا، وتصل الى 12 مليون دولار أمريكي سنوياً عدا الرواتب والمخصصات الاخرى، ... إلخ.
•   إن الحديث عن المندسين القلة يخدم النخب الحاكمة وليس المظاهرات، لأنهم يريدون ذلك لتشويهها، رغم انهم يعرفون جيداً من هو هذا البعض المندس، إنه بالأساس من اتباع بعض القوى المشاركة في الحكم والمتصارعة على الدور الأول في الحكم، أو تلك العناصر القادمة من وراء الحدود او بتوجيه منها، أو بعض اللصوص والمافيات التي تريد نشر الفوضى وتوفير الأجواء للإجهاز على المتظاهرين وكسر شوكتهم وإرادتهم والالتفاف على المطالَب المشروعة الداعية للتغيير، إذ ان التغيير ليس في مصلحتها بأي حال بل في مصلحة الشعب!!!
19/07/2018



24
كاظم حبيب
هل يتعلم حكام العراق من تجارب الماضي المريرة مع المستبدين؟
من يتصفح تاريخ العراق المديد، دع عنك من يدرسه بعناية، سيدرك بجلاء وجود ظاهرة سلوكية مشتركة تبرز في تجنب حكام العراق، وجلهم عتاة، التعلم والاستفادة من دروس الماضي ومن الحكام الذين سبقوهم في الحكم والعواقب الوخيمة التي نشأت بفعل سياسات الاستبداد والهيمنة وسلب حرية وحقوق الشعب الأساسية وتجويعه. لم يتعلموا، وغير مستعدين على التعلم، من دروس الهبَّات والوثبات والانتفاضات والثورات الشعبية على النظم التي أرادت تركيع الشعب وسلب حريته وقوته. كما لم يتذكروا، ولا يسمعون لمن يريد تذكيرهم، بأن "الحكم لو دام لغيركم ما وصل إليكم"، وإن "الظلم إن دام دمر". وهذه الظاهرة السلوكية هي نتيجة لتفاعل عوامل اجتماعية ونفسية وتاريخية، خاصة بالأفراد وعامة بالمجتمع، إنها نتيجة لوجود وفعل علاقات إنتاج استغلالية متخلفة سائدة في العراق، ومن افرازات البنى الفوقية الناشئة عنها ومن بنية المجتمع الطبقية المشوهة، وكذلك من التركة الثقيلة لمئات السنين والمستوى المتدني للوعي الفردي والجمعي في المجتمع العراقي، إضافة إلى الخصائص الفردية التي تبرز عند المستبدين أنفسهم ودور وعاظ السلاطين المرتزقة والحاشية المفسدة والفاسدة في تنشيط عملية تحول الحاكم صوب السلوك الاستبدادي وقهر المجتمع باسم الدفاع عن المجتمع!
يتصور الحكام المستبدون إن المجتمع ليس سوى قطيع من الماشية يمكن السيطرة عليه والتحكم به وفرض الخضوع عليه. وهذا التصور لم يكن بعيداً عن الواقع في فترات معينة، إذ بدا لهم وكأن هذا التصور صحيح تماماً لطول فترات الظلم والسكوت عنه. ولكن ما أن يشتد الاضطهاد والجور والبؤس والحرمان والجوع حتى يتصاعد الغضب تدريجاً ويغلي كما يغلي الماء حين تصل درجة حرارته إلى 100 درجة، عندها يتفجر الغضب. حين تنضج الحالة الثورية، حين يرفض الشعب المظلوم العيش في ظل وهيمنة وجور الحاكم وحرمانه من الحقوق والعيش الكريم، وحين يعجز الحاكم عن فرض قوانينه التي أصدرها وهيمنته على المجتمع، ومع ذلك يرفض تغيير الأوضاع التي دفعت بالبلاد إلى الحالة الثورية، أي حين تلتقي الظروف الذاتية وتتفاعل مع الظروف الموضوعية، عندها لا يمكن كبح جماح وثبة الشعب أو انتفاضته أو حتى ثورته، وربما تكون سلمية أو عنيفة، إنه شكل من أشكال قانون تحول الكم إلى كيف. ومن يقرر سلمية أو عنف الاحتجاج والوثبة أو الثورة هو الحاكم وأجهزته على وفق الطريقة التي تعاملون بها مع الأحداث. 
لقد طالب الشعب العراقي بالإصلاح والتغيير منذ السنوات الأولى ورفض المحاصصة الطائفية واحتج على شق وحدة الصف الوطني والنسيج الاجتماعي نتيجة ممارسة سياسية مناهضة لأتباع الديانات الأخرى والسياسية الطائفية المتصارعة والسياسة القومية الشوفينية. ولكن غاص الحكم في مستنقع الطائفية والعداء لأتباع الديانات الأخرى ورفض أي إصلاح أو تغيير لحالة الفساد السائدة والتصدي الصارم للإرهاب القاتل للبشر والمدمر للبنية التحتية والمعطل لعملية التنمية. فكان أن وجه المستبد بأمره حاكم العراق بين 2006-2014 نار غضبه ضد المدنيين الديمقراطيين وضد من يطالب بالإصلاح في العام 2011 على وجه الخصوص وضرب المطالبين بالتغيير، فسمح ببروز أكبر وأشد لتيارين متصارعين هما التطرف الإسلامي السني المتمثل بالقاعدة وداعش وبناتها وأخواتها وكل ما أسسته ودعمته السعودية وقطر وبعض دول الخليج من جهة، وبالتطرف الشيعي المتمثل بالميليشيات الشيعية المسلحة من أمثال بدر وعصائب أهل الحق وحزب الله وكل ما أسسته إيران وحزب الله في لبنان بالعراق من جهة ثانية. فكان الصراع والموت والدمار ومن ثم الاجتياح للموصل ونينوى، وقبل ذاك صلاح الدين والأنبار وديالى وبعض مناطق كركوك مثل الحويجة...الخ.
إن النظام السياسي الطائفي في العراق هو الحاضن الرئيسي لثلاث ظواهر مدمرة هي: 1) تمزيق وحدة الشعب، 2) نشر الفساد على أوسع نطاق في الدولة وسلطاتها الثلاث والمجتمع، 3) ونشر الإرهاب الدموي والخراب العام. وهي الحالة التي سادت العراق منذ العام 2004/2005 حتى الوقت الحاضر، وكانت ولا تزال قيادة السلطة بيد حزب الدعوة الإسلامية وبقية الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية وبدعم من المرجعيات الشيعية وبمشاركة القوى والأحزاب السنية وبعض الأحزاب الكردية بصورة هامشية، ولكنها كلها سعت لفترة طويلة منح الحكم الشرعية الرسمية في حين لا يمتلك الشرعية الدستورية، إذ أن النظام القائم ضد الدستور الذي يرفض الطائفية ووجود أحزاب إسلامية سياسية تقود البلاد نحو الهاوية.
لقد مرَّغت النخب الحاكمة كلها دون استثناء جبين الشعب بالتراب، ودفعت بالبلاد إلى مستنقع نتن من الثلاثي السابق، الطائفية والفساد والإرهاب، وكانت الحصيلة: جوع وحرمان وغياب خدمات وفقر وبطالة وتفريط إجرامي بأموال الشعب وسرقتها جهارا نهارا، فصالَ الردى بالشعب جهارا نهارا، على حد قول الشاعر صفي الدين الحلي (صالَ فينا الرّدى جهاراً نهارا ... فكأنّ المنونَ تطلبُ ثارَا).
إن هذه الأوضاع قد دفعت حتى بأولئك الناس الطيبين الذين أيدوا نظام الحكم الطائفي من منطلق ديني -طائفي بدأوا ينقلبون عليه لأنهم يعيشون المأساة والمهزلة مع هذا الحكم البائس والجائر بأنفسهم.
هذا هو الواقع، وغيره كثير، هو السبب وراء انتفاضة أبناء وبنات جنوب العراق ووسطه، وبضمنهما بغداد، على هذا الواقع المرّ والجنوني. وسيلتحق بهم بنات وأبناء المحافظات الأخرى التي لا تزال تعاني من مرارة النزوح والتهجير القسري والعيش في خيام لا عيش أدمي فيها. إن المتظاهرين السلميين يطالبون بحقوقهم، وهم يتجنبون أولئك الذين يسعون إلى تخريب المظاهرات للسماح بضربهم، بعضهم قادم من وراء الحدود وبعضهم يتحرك بأوامر من وراء الحدود، وبعضهم ممن يشارك منذ العام 2004/2005 بحكم البلاد وينافس الحاكم الراهن العاجز عن تحقيق ما وعد به الشعب من محاربة الفساد والإرهاب والبطالة والفقر وفشل في ذلك!!! 
للمظاهرات أسباب لا يمكن أن تنتهي حتى وأن قمعتموها اليوم فستنهض غداً وهلمجرا، تماما كما قمعت عام 2011 وانطلقت عام 2016 مرة أخرى لتتواصل حتى اليوم بحراك مدني ديمقراطي سليم ومؤثر. كوني على ثقة أيتها النخب الحاكمة في العراق بأن حكماً طائفيا في بلد تعدد القوميات والديانات والمذاهب لن يستقيم ابداً ولن يعيش طويلاً حتى باستخدام القمع والإرهاب والإفساد والقتل والاعتقال. والشعب في طريقه إلى وعي أفضل للواقع وللقوى والأحزاب التي حكمته طيلة السنوات المنصرمة وأذاقته شتى المآسي وعرضته لشتى المهازل، وسيرفض العيش في ظلها وتحت وطأتها!!!
إن طريق خلاص العراق من مستنقع العفونة الراهن يتم عبر الخلاص من الثلاثي الأخطر، من الطائفية ومحاصصاتها في الحكم والمجتمع، ومن الفساد السائد والفاسدين الكبار أولاً وقبل كل شيء، ومن الإرهاب الدموي المتواصل بكل أشكاله، إضافة إلى وضع حد لتدخل الجوار العراقي والدولي في الشأن العراقي.
                   

25
كاظم حبيب
أيتها النخب الحاكمة الفاسدة... الشعب يمهل ولا يهمل!!
هل امتلأ كأس الشعب بالحرمان والبؤس والمرارة من سلوك النخب الإسلامية السياسية الحاكمة والفاسدة والسادرة في غيّها ورفضها الاستماع إلى صوت العقل والتخلي عن الحكم بدلاً من تزييف الانتخابات وسرقة الأصوات وممارسة الغش للبقاء في الحكم. هل امتلأ كأس الشعب بالكذب والخداع والضحك على الذقون والوعود الفاحشة بمكافحة الفساد بالفاسدين أنفسهم من سلوك هذه النخب الحاكمة التي تسلمت السلطة عبر تحالف مخزي بين الولايات المتحدة وإيران ودول الجوار لتجاوز مجتمع مدني ديمقراطي ودولة ديمقراطية علمانية حديثة تستجيب لمصالح اشعب وإرادته الحية، بعد أن أسقطوا عبر الحرب الخارجية أعتى دكتاتورية عرفها تاريخ العراق الحديث لينصّبوا على أنقاضها دكتاتورية جديدة باسم الدين. لقد هبّ الشعب في ذات المدن التي جاء منها الحكام الجدد، حكام الصدفة البائسة، ليحكموا باسمهم وهم بعيدون عنهم بعد السماء عن الأرض، وليهتفوا بصوت وصل إلى عنان السماء "باسم الدين باگونة الحرامية". نعم لقد امتلأ الكأس وفاض!!!
التظاهرات لا تطالب بالماء الصافي للشرب، ولا بالكهرباء ليحميهم من حر الصيف وبرد الشتاء ولا من البطالة المستفحلة، ولا من الجوع والحرمان من بقية الخدمات والعيش تحت خط الفقر لنسبة عالية من سكان العراق فحسب، بل ضد حكم طائفي شرس فكك بالقوة والقسوة والغش النسيج الوطني والاجتماعي للشعب العراقي، ضد حكم فاسد سرق المليارات من الدولارات الأمريكية من خزينة الدولة العراقية ومن قوت الشعب ولقمة عيشه، ضد من أساء لجميع القيم والمعايير الإنسانية والأخلاقية التي تبجحوا بها طيلة سنوات حكمهم البغيض وهم منها براء، ضد نخبة لا تعرف غير توجيه النار وخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع إلى المتظاهرين الذين يطالبون بحقوقهم المشروعة والعادلة منذ سنوات، ضد أولئك الذين يقطعون إمكانيات التواصل الاجتماعي بين المتظاهرين وبقية أبناء الشعب عبر الانترنيت لأنهم يخشون الشعب ويعيدون ما فعله عدو الشعب الأجوف رئيس الوزراء العراقي السابق والطائفي الشرس حتى النخاع في مواجهة مظاهرات المجتمع المدني في العام 2011. الخزي والعار لحكام لا يعرفون غير لغة السلاح دفاعاً عن حكمهم السيء، مما جعل البعض، الذي ضاق ذرعاً، يترحم على من سبقهم من مستبدين وفاسدين في حكم العراق.
لن يكون في مقدوركم خداع الشعب ولا تخويفه بميليشياتكم المسلحة التي أذاقت الشعب سنوات طويلة ولا تزال مرّ الإساءة والعذاب والاغتيال والتشريد والنهب، وسوف يواصل نضاله حتى يحقق ما يسعى إليه، فالشعب، كما تعرفون جيداً، ونذكركم به أن كنتم قد نسيتم ذلك، يُمهل ولا يَهمل، وله صبر أيوب، ولكن حين يتفجر الغضب فيه فلا يرحمكم كما لم ترحموه طيلة 15 عاماً، وأن لم تتراجعوا فالغضب آتٍ لا ريب فيه عاجلاً أم آجلاً.
لن ينفعكم دس عناصر وسط المتظاهرين ليحرقوا أو يسرقوا أو يدمروا بنايات حكومية ليتسنى لكم اتهامهم بالعنف والقوة، لتوجهوا نيران حقدكم وكراهيتكم للشعب إلى صدور أبناء الشعب المتظاهرين بدعوى التجاوز على التظاهر السلمي. المتظاهرون سلميون وتظاهراتهم سلمية ومطالبهم عادلة ومشروعة، والمتجاوز على تلك الحقوق هو أنتم أيتها النخب الإسلامية السياسية، الشيعية منها والسنية، الحاكمة في البلاد. من هنا جاءت مظاهرات الأمس في بغداد تؤكد حق الشعب بالتظاهر السلمي وهو ما ينظمه الدستور العراقي ولائحة حقوق الإنسان الدولية، وتطالب الالتزام بمواد الدستور في مواجهة المظاهرات السلمية والاستجابة لمطالب الشعب.
وهنا أردد مع الشاعر الفقيد كاظم السماوي قوله: وإذا تكاتفت الأكف فأي كف يقطعون، وإذا تعانقت الشعوب فأي درب يسلكون!!! 
لكم المجد يا شهداء العراق الجدد والقدامى، شهداء الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، شهداء النضال في سبيل مجتمع مدني ديمقراطي ودولة ديمقراطية علمانية.
لكم المجد أيها المتظاهرون النشامى، ولكم النصر في خاتمة المطاف
16/07/2018       

26
الإشاعة الكاذبة والتآمر على مصالح الشعب ديدن النخب الحاكمة في العراق
كاظم حبيب

ليس هناك شيء ما في العراق يسير في، وعلى، الطريق الصحيح، ليس هناك في العراق شيء اسمه الدولة، وليس لشبه الدولة هذه سلطات نزيهة أو تمتلك ضميراً حياً يؤنبها حين ترتكب خطأ ما أو تمارس تقصيراً بحق مصالح الشعب والوطن، كل شيء في هذه الدولة خطأ في خطأ، ابتداءً من قمة الهرم إلى أسفله. كله فاسد كدولة وكنظام حكم وكمؤسسات، ومن في هذه الدولة غير فاسد، وهم ليسوا قلة كأفراد بالضرورة، يعتبر مجنوناً، ويعامل كمجنون ترك عقله في مكان ما ونساه!! هكذا هو العراق، وهذه حقيقته الراهنة، مهما حاولنا تزويق وتلميع صورته الحالية، ومهما هتفنا بعظمة العراق وشعبه، فهتافاتنا كلها لا صدى لها ولا يمكنها أن تمسح حقيقة الواقع الذي يعيش تحت وطأته هذا الشعب المستباح بأديانه ودنياه، بدمه ودموعه، فهو يلعق جراحه دوماً ولا يشفى منها!!

إنها ليست دولة رثة بسلطاتها الثلاث فحسب، بل نشرت الرثاثة في كل مكان، في كل شبر من أرض العراق، نشرت البؤس والفاقة والنفايات بين الملايين من بنات وأبناء هذا الشعب، الذي نطلق عليه باعتزاز كبير، صانع واحدة من أغنى حضارات العالم القديم، أو أحد مهود الحضارة والثقافة القديمة!

حكام اليوم فازوا بالسبق بالمقارنة مع حكام الأمس والأمس الأول، في مجال الكذب والخديعة والتآمر والنهب والسلب وسرقة اللقمة من أفواه الكادحات والكادحين، بزّوهم في كل شيء، ولاسيما في الرذيلة. فليس هناك أسوأ مما صنعوه في العراق، لقد وضعوا نظاماً متكاملاً للفساد الداخلي على مستوى المال والإدارة والاقتصاد والمجتمع، نظاماً متكاملاً للفساد المرتبط عضوياً بدول الجوار كلها دون استثناء، رغم تفوق إيران وتركيا من جهة، والسعودية وقطر والبعض الآخر من دول الخليج من جهة أخرى، إضافة إلى ارتباط ذلك الفساد عضوياً مع نظام الفساد العالمي الذي تديره مؤسسات المال والمال الموازي على الصعيد العالمي.

كل يوم تظهر إشاعة في بغداد وتنتشر إلى جميع ارجاء العالم ثم تُكذب، ويبدو إنها وضعت لهذا الغرض لإشاعة الفوضى والشك في كل شيء وفي كل إنسان بالعراق، وهو أمر بالغ الوضوح والضرر. مكائن الإشاعة تعمل بحيوية بالغة في بغداد وطهران وأنقرة والرياض والدوحة وواشنطن، وربما لندن وباريس وبرلين، إنها مؤسسات سياسية وبحثية وإعلامية ودينية ومذهبية، إنها مؤسسات لا تريد الخير للشعب والوطن. تبدأ بنشر تشكيل تحالفات سياسية وحكومات واتفاقات، ثم يظهر إنها من صنع الخيال المريض أو المطلوب حصوله!!

هناك تفاعل بين الأحزاب الإسلامية السياسية، شيعية كانت أم سنية، بالعراق وبغض النظر عن قوميتها، وبين حكام وشيوخ دين دول الجوار والمنظمات الإسلامية العاملة على الصعيد العالمي، يهدف إلى تحديد مسيرة العراق المطلوبة منهم، ورغم التعارض والتصارع فيما بينهم، إلا إنهم في المحصلة النهائية يسعون لأن يكون العراق في دائرة مصالحهم وليس مصالح الشعب العراقي.

هذا الوضع قاد ويقود إلى مزيد من الخراب والبؤس والتخلف في توفير الخدمات للشعب العراقي، ولاسيما الأساسية منها كالكهرباء والماء والغذاء والعمل، وهو ما يعيشه الناس اليوم، رغم توفر المزيد من المال بالعراق الرسمي الفاسد، بسبب ارتفاع أسعار النفط الخام في السوق العالمي وزيادة صادرات العراق من النفط الخام. المناطق التي تخلصت من إرهاب داعش، تعيش اليوم إرهاب الخراب والدمار وروائح الموتى والطائفية الغاشية والفساد المرعب والتدهور في الأخلاق والقيم العامة.

الظرف الراهن في العراق، رغم مصاعبه الكبيرة، يساعد على كشف أوراق الحكام ومن يقف خلفهم ويساند مسيرتهم المدمرة للعراق وشعبه وفضح ألاعيبهم وألاعيب من يساندهم من وراء الحدود. العملية معقدة وصعبة، وكما قال العزيز الكاتب رضا الظاهر بصواب: علينا أن ننحت في الصخر، ولكن لا بد من القيام بهذا العمل النبيل. إنه قدر الناس الطيبين الذين يريدون انقاذ العراق من مؤسسات وأحزاب وحكام الصدفة والخسة والدناءة، إنه قدر قوى التيار الديمقراطي، قوى تقدم ومن يقف معها ومن يؤيد مسيرتها، فهو ستعود إلى سابق عهدها لتواصل المسيرة النضالية في سبيل عراق أفضل وشعب يستحق الأفضل!!

13/07/2018


27
شكر وامتنان واعتزاز
الأخوات والأخوة، الصديقات والأصدقاء، الرفيقات والرفاق الأعزاء
تحية ودٍ واعتزاز
ابتداءً أقدم شكري وامتناني لكل من بعث برسالة أو اتصل هاتفياً يستفسر عن سبب انقطاعي عن الكتابة والنشر خلال ما يقرب من شهر. لقد حاولت المواصلة، ولكن اضطراري إجراء الفحوصات المكثفة ودخولي المستشفى وبقائي فترة فيها وإجراء عملية إزالة جزء من الرئة المصاب بالسرطان الخبيث، هو الذي منعني عن الكتابة أو اللقاء بالأصدقاء أو الإجابة على مراسلاتهم، وتجنبت إخبار أي من أفراد العائلة سوى زوجتي لتجنيب الأهل والأصدقاء والأحبة تحمل مشقة القيام بزيارتي في المستشفى.
لقد أجريت العملية بنجاح بتاريخ 02/07/2018 في مستشفى البروتستانت في بوخ/برلين، والآمل في أن ينتهي كل شيء بعد تنفيذ بقية العلاجات الضرورية، والتي ستستغرق بعض الوقت.
مرة أخرى اطمئن الأصدقاء والأحبة وأشكرهم على حسن اهتمامهم
كاظم حبيب
12/07/2018
 

28
أدب / كابوس
« في: 22:13 18/06/2018  »

كابوس

                                         
يحيى علوان

 مُثقلاً بحنينِ لَقْلَقٍ إلى عِشٍ فوقَ مِئذنَةٍ .. يتدفَّأُ فيه بالأذان ،
يستيقظ "رأسه" من رماد النسيان ، لمّا ينامُ ،
لا يسقطُ في غواية الأحلامِ ..
يقطعُ تذكرةً لقدميه ، يتسكّعُ على شاطيءِ الذكرى ..
 في زمنٍ ما جادَ عليه بيدٍ تُرتِّقُ مِزَقَ أناه اللائب ..
مثل غجريٍّ ضالٍ في غاباتِ العصورِ ، يطاردُ فتاتَ خبزِ ذكرياته ، كي لا يضلّ الطريقَ
إلى "الكوما" الروحية ! وسطَ بُرَكٍ من الهراء الرقراق !! يروحُ عندها يحصي جراحه
، مثل لصٍّ يجلس ليُحصي غنائمه !
رجلاه تقودانه في شوارعَ مصدورةٍ بدخانِ عوادمِ السياراتِ والحافلات ...
في طرقاتٍ وأزقّةٍ ، عارياً إلاّ من اشواق "إبن زُريق" البغدادي ...
............................
منذُ زمنٍ أوغَلَ في البَعاد، ما عادَ يتذكره ،عرفَ الكهولةَ، وإنحناءةَ ظهرِ الطفولة ،
ظلَّ يحملُ رأسه بين كتِفيه ، وأيامه على ظهره ... 
يمشي فوقَ نفسه ،
جسَده أمسى ذِكرى زمانه، دروبه مستديرة ، مُلتَفَّةٌ على حالها ...
حُلمُه يقودُ خطاه ،
ما تبقى له من عمرٍ أمسى مثل صالة إنتظار فى محطة قطاراتٍ مهجورة ،
ترعى بها الريح ، يتربَّعُ فيها الصمتُ على مقاعد مُترَعةً بالغبار ...
يُقامرُ منذُ سنينَ من أجلِ "بيدرِ فَرَحٍ ليلةَ الحصاد"!
يتلهَّفُ لفرحةٍ ، كلهيبِ موقدٍ يلوحُ ، من خلف  الشباك ،
لتائهٍ في صحراء من الثلجِ ...
أحبَّ بلاداً رَحلَ عنها ، يُريد زيارَةَ أمسِه... ليُقوِّمَ ظهرَ ذاكرته المُقوَّس!
.........................
بضعُ خطواتٍ تفصله عن مكانٍ ظلَّ يؤجِّلُ العودة إليه دهراً،
قلبه يَنُطُّ مثلما كانَ في أوّل موعدٍ غراميٍّ ، 
ما عادَتْ له غيرَ عينٍ واحدة ، تركها مفتوحةً ترصدُ أحلامه العابرة ..
إرتدى نسيانه/ ذاكرته ، رَشَّ شيئاً من عطره الأثير،
خرج لايلوي على شيءٍ ، ولا يدري كيف يُريحُ الظلَّ من شمسِ الظهيرة ،
في سكونٍ فَرّت الأصواتُ منه ... وعافَه الصدى ،
مثلَ جرحٍ يَصدحُ بالأنين ...
..........................
متردداً أمسى أمام دهليز ذاكرةٍ تحرسُها "ليثي"* ، حين شَعرَ كأنَّ شفّاطةً رهيبةً شَفَطَتْه ،
لم يَقوَ على مقاومتها ... أرخى قواه مُتزحلقاً ...
أحسَّ بأنه خفيفٌ ، ربما لأنه تَرَكَ ظلَّه مُعلَّقاً على شماعة خلفَ باب الدار .. 
في نهاية الدهليز قومٌ بوجوهٍ من نحاس ، مُتماثلةٍ ، تفيضُ إبهاماً ..
لاتَشي بفرَحٍ  أو بحزنٍ ،
أيدٍ مبتورة تُصفِّقُ لصفاقةِ الوطن !
رهطٌ "بابليٌّ"، الكلُّ يصرخ .. ولا أحد يفهمُ الآخر ...
مدينةٌ مُسَوَّرةٌ بالطوف**والعَجاج ، والقمامة ...
ساعة "القُشلَة" ، وحدها تعملْ !
إرتعبَ ! حاوَلَ العودةَ من حيث إنتهى .. لمْ يفلح .
تحلَّقَ القومُ من حوله كأنه "تسومبي!" ،
صرخَ بهم :" أنا إبن هذه الأرضُ ، التي طَشَّتْ في الدُنى الحرفَ ،
وما جَنَتْ غير الحروب !!
جئتُ لـ ــ أكتبَ بدمٍ أسود ، حِبر الغراب ــ "
* نحن ، قاتَلنا ولم ننتصرْ... جرّبنا " الممكنات !"كلِّها ...
 لا ندري أنَفرحُ الآنَ أم نَحزن ؟!                                                       
ــ هذا سؤالٌ ساذجٌ ! أتنتظرونَ فَتْوَى بالحزنِ وأُخرى بالفرحِ ؟!
* ماذا تريدُ ، يا غريب ؟! فنحنُ لانملكُ إلاّ الوفاءَ وإجسادٍ من قمح وشمس !!
ــ جئتُ إذ طوَّحَ الحنينُ بي ،
  جئتُ لعلَّ شيئاً فيَّ يَنبُذُني .. أو لعلّي أصيرُغيري !
  قد جئتُ من قبلُ ، وربما من بعدُ ... لم يكنْ أحدٌ بأنتظاري،
  ولم أجد أحداً يُصدِّقُ ما أرى ...
فالكلُّ منشغلٌ بأعلان "براءة" الخطأ !
 أنا البعيدُ .. مَنْ أنتَ يا أنــا ؟!
في أيِّ سِركٍ تُراني ؟!
مَنْ خَلَطَ أوراقَ اللعبةِ علينا ، فلم نَعُدْ نعرفُ "الثُوّارَ" من"كِلِدّار" اليسارِ ؟!!
سأكُفُّ عن الكتابةِ كي لاتصلَ رسائلُ إستغاثتي إلى مَنْ لايهمه الأمر..!
وحين لن يسمعني أحد .. أروحُ أنتحبُ حتى لا أختنق ..!
............................
هذه أشباحكم تلعنُكم ...
نساؤكم حِلٌّ لغيركم ما دامَ في المحرابِ منافقٌ ، دجّالٌ يَؤُمُّكم !!
جئتُ لا لأُصلِحَ أيَّ معنىً خارجيٍّ أو إشتقاقيٍّ ،
بل كي أُرمِّمَ داخلي الخاوي إثرَ جفافٍ عاطفي ..
وأعرفُ أنَّ "العامّةَ" تموتُ بِبَهجةٍ مَجّانيةٍ ،
فلا يعطيهم الوطنُ غير الحق في الموتِ أيامَ  الحرب !
والذلَّ أيامَ السِلم لـ"بناءِ" الوطنِ من جديد !!
....................
* تَمهّلْ! لاتَتَورّطْ كثيراً بالعاطفةِ والحماسة !! قالوا ،                                                                 لَمْ نَرهنْ سوى طيبتنا، كي لا نتأخرَ عن " الزَفَّةِ" ونُرمى بسِهامِ "الأنعزالية"!
  فها نحن مَنْ نحنُ !
  لنا ما تبقّى لنا من الأمس ،
 علوُّ النجمِ عاليةٌ أرواحنا ،
 أَبيَّةٌ نفوسُنا كالطير طليقاً يُحلِّقُ أبعدَ من مدى الرصاص ..!   
 هكذا وُلِدنا كسائرِ الخلقِ سواسية ! 
 لنا ما لنا .. ولنا ما لغيرنا من سماء ، 
لَهُمْ ما لَهُمْ .. ولهم ما لنا من هواء ،       
لَهم دينهُم .. ولنا "ديننا"!
لنا ما لنا.. وليس لهم ما لنا من أيادٍ بيضٍ وجبَاهٍ ناصعةٍ !
لَهُمْ ما ليسَ لنا من السحتِ الحرام .. وما يندى له الجبين !
لنا تبتسمُ المرايا .. ولهُم الذُعرُ من صورهم فوقَ الماء !
........................
........................
ثمَّ أننا نحتكمُ إلى البرامج ، دونَ النوايا، التي لاتعرفها إلاّ الآلهة !

ــ الكلُّ ضد الفساد ، والجميع يريد مصلحة الناس والديمقراطية والشفافية ..إلخ!!
   مَنْ المسؤول إذاً ؟!
  هل أكونُ أنا المسؤول وعليَّ أنْ أعتذر؟!
  عنْ ماذا؟!
  عن الخراب العميم ، الذي طال كل شيء؟!
  عن ملايينِ القتلى والمسبيين واليتامى والمفقودين ؟!
   فقد صادروا الله ،
   قَتلوه في الكتب ، فوقَ المنابرِ، صيَّروه "سيافاً"في بلاطِ الحُكّام !   
  الكلُّ تَبرّأ ، فلا أثَرَ لِمَنْ غرزَ مخالبه في صدورنا  ونجا ..!
  أيكونُ الكذبُ الصفيقُ أعلى مراتب الحقيقة ؟!
 إذ غدت الأخيرةُ مؤجلةً إلى حياةٍ غير هذه ..
  والذكرياتُ إلى أَعمارٍ أخرى ..
  وما عادَ الإخلاصُ ذا نفعٍ ..!
  أيتحتَّمُ عليَّ الآنَ ، أَنْ أُحكِمَ بناءَ عبارتي [ أقولُ لمُغرضٍ قد يقراُها عمارتي ، أنا لا أملكُ
حتى حجارة واحدة في خربة بأيٍّ من بقاع العالم، ناهيك عن عمارة !] كي لا تُغضبَ "القومَ"؟!


  كمْ هيَ ساديةٌ همومُ الناس !!
 لذلك سأرسمُ وجه إيديت بياف فوقَ صخرِ الروح ، تُسلّيني ، تعويذةً كي لاتُغريني
الآفاقُ المُلبَّدةُ بالكآبةِ والرحيلِ من جديد ... 
.......................
.......................
أَفاقَ إذْ سقطَ عن السرير.. يلهثُ مُقطَّعَ الأنفاسِ .. يتصبَّبُ عَرَقَاً بارداً ...!!!                                                                                       
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ليثي إلهة النسيان في أساطير الأغريق .
** جدار من الطين والتبن ، لا تدخل الحجارة ولا الطابوق في قوامه . 


29
كاظم حبيب
التحالفات العراقية والدور الإيراني
حين دخل الحزب الشيوعي العراقي في تحالف مع قوى التيار الصدري باسم "سائرون"، سجلت مع عدد من الأخوات والأخوة المناضلين رأياً واضحاً ومكثفاً حول الموقف من هذا التحالف، وأشرنا فيه باختصار شديد إلى خسارتنا لوحدة قوى التيار الديمقراطي، التي كانت تتشكل من الحزب الشيوعي العراقي، وكان العمود الفقري في التيار، والحزب الاجتماعي الديمقراطي الجديد وثلاثة عشر حزباً آخر وشخصيات ديمقراطية علمانية عراقية كثيرة. وقد أطلق على هذا التحالف المدني الديمقراطي اسم "تقدم". ونشط أتباع "تقدم" في الداخل والخارج لصالح هذا التحالف الجديد. ولعبت الحركة المدنية الاحتجاجية دوراً مهماً في تكوين رصيد شعبي واسع نسبياً لصالح تحالف "تقدم"، وكان من المؤمل أن يحرز مقاعد في المجلس أكثر مما تحقق له في تحالف "سائرون". وكان في مقدوره أن يتحالف بعد ذاك مع التيار الصدري أو مع غيره على وفق البرامج المطروحة والفعلية للقوى السياسية التي تمت تجربتها خلال الأعوام المنصرمة.
اكتفيت بهذا الراي الذي صدر عن "لجنة المبادرة لتوحيد الحركة الوطنية الديموقراطية في العراق". وسكت عن إبداء الرأي بشأن "سائرون"، ورجوت الآخرين أن يكونوا في نقدهم موضوعيين وبعيداً عن التجريح، إذ من حق الحزب الشيوعي أن يتخذ المواقف التي يراها مناسبة في العمل السياسي، على أن يستفيد بأقصى ما يمكن من تجارب العقود المنصرمة في مثل هذه التحالفات والموقف من نقد سياسات القوى التي يتحالف معها حين ترتكب تلك القوى أخطاءً، أو تبتعد عن الالتزام بالخط المتفق عليه في التحالف. وفي الدعاية الانتخابية دعوت لانتخاب ممثلي الحزب الشيوعي العراقي وقوى التيار الديمقراطي.
خلال الفترة التي تشكل تحالف "سائرون وحتى اليوم وصلتني رسائل واتصالات هاتفية كثيرة عن موقفي وسبب سكوتي عن إعطاء الرأي بشأن ما يحصل بالعراق في إطار "سائرون" ومجرى التحالفات مع القوى الأخرى والمقالات والتصريحات التي نشرها الحزب، ولاسيما الرفاق في قيادة الحزب الشيوعي العراقي. أقول مرة أخرى، أي شخص يحق له أن يتخذ رأياً في قضية ما ويمكن أن يكون الراي خاطئاً، ولكن هذا لا يشكل مشكلة كبيرة، فهو رأي فرد، ولكن حزب سياسي، كالحزب الشيوعي العراقي، حين يتخذ موقفاً سياسياً يفترض أن يحسب نتائجه أو عواقبه جيداً، إذ الوقوع في خطأ تكون له عواقب سلبية على الحزب والمجتمع. من هنا تكون مسؤولية الحز السياسي أكبر بكثير من مسؤولية الفرد، على أهمية وضرورة أن لا يقع الفرد في أخطاء مؤذية
تحالف سائرون استفاد من الحملة الشعبية الاحتجاجية الواسعة إلى أبعد الحدود الممكنة، التي بدأت عام 2011 وتوقفت بشرسة وعنف النظام السياسي الذي كان يقوده المستبد بأمره نوري المالكي وبإسناد شديد من إيران، ثم بدأت الحركة الاحتجاجية ثانية في العام 2014، في كسب أصوات الشيوعيين والكثير من المدنيين الديمقراطيين والمحتجين على السياسات الطائفية المحاصصية والفساد والإرهاب، ورفعت من رصيد التيار الصدري في الانتخابات الأخيرة إلى نسبة تتراوح بين 40-50% من عدد الأصوات التي حصل عليها هذا التيار في انتخابات عام 2014.
في التحليل السياسي يمكن القول بأن الحزب الشيوعي في تحالفه" مع التيار الصدري في "سائرون"  قد استطاع التحرك بحيوية أكبر وولج مجالات لم يلجها في السابق ووصل إلى جماعات كان يصعب الوصول إليها قبل ذاك. ولكنه لم يحقق النتائج المرجوة من العملية الانتخابية، وكان رصيده من النواب، على وفق قناعتي، أكبر لو كان قد استمر في تحالفه مع بقية قوى التيار الديمقراطي في تحالف "تقدم". 
ما هي المسائل التي تثار في تحالف حزب شيوعي مع التيار الصدري في "سائرون"؟
التعاون مع شخصيات دينية ليس غريباً على عمل الحزب الشيوعي العراقي، فهناك شخصية عبد الكريم الماشطة من الحلة، وشخصية محمد الشبيبي من النجف، وكان للحزب خط حزبي خاص لرجال الدين (خط الموامنة)، ولاسيما في كلية الشريعة ببغداد مثلاً. ولكن تلك الشخصيات الدينية كانت مدنية وعلمانية ترى ضرورة فصل الدين عن الدولة، وهي مسألة مركزية لإقامة الدولة المدنية الديمقراطية.
التيار الصدري، حركة دينية سياسية اجتماعية، تعتمد على زعامة أو قيادة شخص واحد، إذ له يعود القرار الأول والأخير، وليس هناك من يستطيع اتخاذ أي قرار آخر، إن قراراته فتاوى لتابعيه أو مريديه أو مقلديه، الذين كانوا في الغالب الأعم يقلدون والده قبل استشهاده على أيدي النظام البعثي الدكتاتوري.
ومثل هذه الحركة الدينية الشيعية قد ارتبطت طويلاً بإيران، ورغم بروز محاولات الابتعاد عنها، كان الحبل السري قوياً إلى حد يصعب الانفكاك عنها، أو يمكن العودة إليها تحت ظروف وضغوط معينة. وبالتالي لا يخضع الصدر في قراره على المتحالفين معه بل لموقفه الشخصي الخاضع بهذا القدر أو ذاك لعوامل كثيرة. ويمكن أن تختلف قرارات بين ليلة وضحاها دون أن يحتاج إلى تفسير أسباب تغيير مواقفه. قال لن يتحالف مع المالكي والعامري، وهنا نحن أمام تحالف محتمل من هذا النوع هو الذي تحدث عنه!
والمسالة الثالثة في هذا الصدد تبرز في طبيعة الجماهير الواسعة المؤيدة لمقتدى الصدر، فهي مؤيدة بالأساس من موقع ديني، وليس اجتماعي، وهي بالأساس بسيطة وتقبل بما يقرره الصدر ولا تناقش في ذلك، إلا القليل الذي تأثر بالحركة المدنية الاحتجاجية وتفاعل مع شعاراتها المناهضة للطائفية والفساد والإرهاب ويمتلك شيئاً من الوعي الفكري والاجتماعي والسياسي. وهم الذين برزوا في فترة الاحتجاجات وكفلوا التواصل مع الحركة المدنية الاحتجاجية.
من هنا فأن التفاوض مع القوى الأخرى من جانب التيار الصدري لم ولن يخضع للقوى المشاركة في تحالف "سائرون"، بل لقرار مقتدى الصدر الشخصي وحده لا غير. وحين قال سأتحالف مع النصر أو الائتلاف الوطني أو مع الكرد ...الخ، كان قراراً فردياً، وحين قال الآن مع فتح، هو قرار فردي أيضاً ولم يرجع به إلى الحزب الشيوعي العراقي أو إلى بقية القوى المتحالفة معه. إنها الإشكالية التي تضع القوى الأخرى في حرج دائم من أمرها. وكان بيان الحزب الشيوعي التوضيحي الأخير بتاريخ 13/06/2014 يعبر عن هذا الحرج الذي برز في موقف الذي "لا يطير ولا ينكض باليد"! في حين كان موقف الدكتور فارس نظمي أكثر وضوحاً وجرأة في تحديد المسيرة: رفض التحالف مع فتح، الأفضل أن يكون تحالف سائرون في المعارضة من أن يكون في تحالف محاصصي طائفي جديد...الخ.
لا شك إن مقتدى الصدر قد تعرض لضغوط مباشرة تجلت في تهديد مباشر باغتياله أولاً، وتفجير مستودع الأسلحة التابع لسرايا السلام التابعة له في مدينة الثورة ثانياً، وإرسال تحذيرات مباشرة من قاسم سليماني المقيم حاليا بالعراق لصهر التحالف الجديد، الذي أشار المالكي بأنه يجد التأييد من جانب إيران! كما إن إيران تضغط على الكرد وعلى قوى كثيرة وحركت قواها وأموالها وما عندها من عيون لتعمل على ذلك!
ومع ذك فالأمور لم تنته حتى الآن، والاحتمالات القادمة عديدة، ولكن لا بد للحزب الشيوعي أن يكون له موقفه الواضح الذي لا لبس فيه، رغم صعوبة وتعقيدات الوضع، لا لأعضاء الحزب فحسب، بل وللجماهير المؤيدة له وللقوى المدنية والديمقراطية الأخرى التي تنتظر عودته لها وعمله معها. لا بد أن يكون له الموقف الرافض لأي تحالف طائفي خاضع لسطوة وسيطرة إيران التي يمثلها هادي العامري والمالكي والخزعلي ومن لف لفهم، فهؤلاء يمثلون القطب الأكثر طائفية وعنفاً ورفضاً لمصالح الشعب العراقي والأشد رغبة في ربط العراق بعجلة إيران ومصالحها وهيمنتها الكاملة على العراق وعلى قراراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الداخلية منها والخارجية.                       
   

30


كاظم حبيب

الرؤية المريضة للبروفيسور سعد الفاضل حول العرب وأهل السودان!
تسنى لي، من خلال الصديق الدكتور حامد فضل الله، أن أقرأ قبل ثلاثة أيام مقالاً للسيد البروفيسور سعد الفاضل من السودان تحت عنوان طويل "... عروبة السودانيين الزائفه هي السبب في التمادي و التطاول عليها في الاعلام العربي بشكل عام". تضمن المقال عدداً من الأفكار التي وجدت ضرورة مناقشتها لسببين مهمين هما: 1) الأحكام المطلقة التي ساقها لنا مقال البروفيسور سعد الفاضل، والتي لا يجوز التغاضي عنها حين يكون كاتبها بدرجة استاذ؛ و2) ارتكاب البروفسور جملة من الأخطاء الفكرية التي لا يجوز تركها تمر دون مناقشة وتبيان خَطلها، على وفق قناعتي.
يبدأ المقال بتوجيه نداء إلى السودانيين باعتبارهم ليسوا أقل شأناً من الأعراب. وهي لعمري مسألة لا يأتيها الباطل بأي حال، فكلنا بشر، وهي السمة الأساسية التي تميزنا جميعاً وليس غيرها. وبالتالي فأي تفكير آخر يضع المسألة في خانة العنصرية والتمييز العنصري، يضعها بين ألـ "أنا" وألـ "أخر"، أنا الجيد وهو السيء ...الخ. وهنا في تعريف الإنسان لا يلعب حالة الفقر والبؤس المالي والتخلف أي دور في تحديد سمة الإنسان.   
ثم يشير إلى تفاخر العرب في الأنساب أو تحقير بعضهم البعض الآخر بسبب النسب ...وهلمجرا. وهذا الأسلوب في المفاخرة الفارغة كان وما يزال قائماً في سلوك القبائل العربية سابقاً وحالياً، وفي جميع الدول العربية التي ما تزال تعيش في الماضي ولم ترتق إلى حضارة القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، فهم يعيشون الماضي في الحاضر. ولكن وجود هذه الظاهرة لا تنحصر بالعرب أو العربان أو القبائل العربية، بل مارستها وربما ما تزال تمارسها الكثير من البلدان النامية التي ما تزال متخلفة في تطورها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وفي وعيها الحضاري، كما لم تتخلص منها بعض الشعوب المتقدمة في تطورها الاقتصادي والاجتماعي، والذي مارس لديها في الماضي وقبل انتقالها إلى العصر الصناعي الحديث، ورغم ذلك فهي ما تزال موجودة حتى في الدول الأوروبية التي قطعت شوطاً كبيراً في تقدمها والذي نجده أحياناً في الصراع المذهبي بين الكاثوليك والبروتستانت، أو بين المحافظات التي كانت في السابق اقطاعيات. إنها ظاهرة غير حضارية ومتخلفة لا شك في ذلك. في فترة العباسيين صدرت فتوى عن دار الخلافة تقول بأن لا يجوز أن يكون خليفة على المسلمين ما لم يكن من آل قريش، باعتبار أن النبوة قد ظهرت بينهم، وادعوا أن النبي قال "الأئمة من قريش". لهذا التزم سلاطين الدولة العثمانية بهذه الفتوى تقريباً!
لا شك لديَّ بأن البروفيسور سعد الفاضل يطرح نصف الحقيقة حين يقول بأن العرب حاولوا وما زالوا يحاولون فرض عروبتهم على شعوب أخرى، وهو ما نراه في دول شمال أفريقيا أو الموقف من الشعب الكردي، ولكن ليس كل العرب من قام بذلك، بل الحكام العرب والجماعات الشوفينية والعنصرية من العرب، وهو ما نجده أيضاً لدى حكام آخرين مثل حكام تركيا وحكام إيران إزاء الكرد أو ما نعيشه حالياً من صراع بين كاتالونيا وإسبانيا. أي ليس الحكام العرب والعنصريين من العرب وحدهم بهذه الحالة السيئة، بل هي ظاهرة عنصرية ومتخلفة لا تزال ترفض الاعتراف بحقوق الإنسان وحقوق القوميات والشعوب في تقرير مصيرها بنفسها أو فرض هويتها على الشعوب الأخرى، أو ترى إنها أفضل منها!!
ثم يؤكد البروفيسور سعد الفاضل بأن هذا السلوك يجسد ثقافة العرب. وهذا القول يمثل نصف الحقيقة أيضاً، إذ إن هذه الثقافة هي ثقافة الحكام العرب والأفارقة، ومنهم حكام السودان، سواء أكانوا عرباً أم أفارقة أم الاثنين معاً، ثقافة الإسلام السياسي المتخلف، ثقافة الفئات الاجتماعية المهيمنة على الشعوب العربية وليست ثقافة القوى الديمقراطية والتقدمية بالعالم العربي. التمييز بين الاثنين ضروري حقاً. أؤكد ثانية هناك جمهرة من العرب تمارس سياسات حكامها في التمييز العنصري أو في الشوفينية العربية، ولكن لا يجوز تعميم ذلك.
ولكن الأخطر في مقال البروفيسور سعد الفاضل يبرز في اعتماده النظرية العنصرية البائسة والمتخلفة والعدوانية التي تتحدث عن الأجناس الثلاثة" التي تقترن بأبناء نوح الثلاثة الأساسيين، وهم: يافت وسام وحام. وهي رؤية دينية عنصرية متخلفة تؤكد ما يلي:
"ينحدر الأوروبيون البيض، وهم من الجنس الآري من يافت  (Japhet)؛ في حين ينحدر العرب واليهود وبقية الآسيويين من سام (Sem)، الذين يشكلون معا الجنس السامي؛ أما الأفارقة فينحدرون من حام ((Ham. وإن أبناء وأحفاد سام وحام يعتبرون من المغضوب عليهم الذين حكم عليهم بخدمة أبناء وأحفاد يافت حتى الأزل، باعتبارهم سادة وبسبب نقاوة دمهم وكونهم لم يرتكبوا خطايا أو ذنوب، في حين اعتبرت دماء أبناء سام وحام ملوثة وغير نقية، علما بأن هؤلاء الأخوة، إضافة إلى الأخ الرابع جانيثون (Ganithon) هم جميعا، وفق تلك الأساطير، من أبناء آب واحد هو نوح ((Noah المنحدر من آدم وحواء. وكان الحكم على أبناء وأحفاد كنعان (جانيثون) بالعبودية الأبدية، وأن يكونوا عبيدا للعبيد، كما جاء في ميثولوجيا الديانة اليهودية والمسيحية." (أنظر: د. كاظم حبيب، الهجرة المغاربية وواقع العنصرية والعداء للأجانب في بعض بلدان الاتحاد الأوروبي، كتاب بثلاثة أجزاء موجود في مكتبة التمدن في موقع الحوار المتمدن، 2000. قارن أيضاً: Poliakow، Leon، Der arische Mythos، 1. Auflage، Junius Verlag- Hamburg،1993، S. 22).
لقد اعتمد الأوروبيون على هذه النظرية لا لغزو دول العالم واستعمارها فحسب، بل ولتحويل سكان آسيا وأفريقيا عبيداً لهم، ولنا في تاريخ اسبانيا والولايات المتحدة وهولندا وألمانيا خير تعبير عن هذا السلوك الاستعماري الإجرامي الشائن بحق الشعوب الآسيوية ولاسيما الشعوب الأفريقية. وقد شارك العرب في فترة الإمبراطورية الأموية والعباسية والعثمانية، بل وفي فترة الفتوحات الأولى، فيما أطلق عليه بالفتوحات الإسلامية، والتي كان هدفها استعمار الشعوب الأخرى واستغلالها واستخدامها لمصالحهم، وهي تجسيد لذات العقلية الاستعمارية، علماً بأن العرب وغيرهم قد مارسوا العبودية لا بحق السود وحدهم بل وبالأسرى الآخرين من البيض. ويمكن العودة بهذه الرؤية العنصرية إلى تاريخ الرومان واليونان أيضاً وتاريخ بعض الدول الأوروبية حتى الأمس القريب في جنوب أفريقيا وغيرها. ويمكن أن نجد شواهد على هذا السلوك في عدد من الدول الخليجية كالسعودية وقطر والإمارات وغيرها. كما إن الإسلام لم يحرم العبودية وامتلاك العبيد والجواري، وهي إشكالية كبيرة لا بد من إدانتها بقوة والمطالبة بمنع حصولها في أي زمان ومكان. 
إن النظرية العرقية، نظرية خاطئة وخطيرة ومهمتها اضطهاد الشعوب لصالح الدول الاستعمارية ولصالح الحكام والمسؤولين وكبار الإقطاعيين والرأسماليين، وهي ما تزال كذلك، ولهذا فالعربي الاعتيادي لا يميز بينه وبين الأفريقي أو السوداني، فكلاهما إنسان. ولكن التمييز يكون عند الحكام ومالكي وسائل الإنتاج والفئات الغنية التي تحاول اضطهاد واستغلال الإنسان. وعلينا أن نميز بين الحالتين.   
لا شك في أن للشعب السوداني تراث وتاريخ إنساني مشرف، إذ ساهم في بناء حضارة الإنسان في عهود مختلفة، ولا يختلف في ذلك عن أي شعب آخر. ولكن ليس كل تاريخ شعب السودان واحد. فالشعب السوداني خضع لاستغلال حكامه أيضاً، ومنهم الحاكم الحالي، تحت واجهات كثيرة بما فيها الدينية، وبالتالي لا يجوز القول إن تاريخ السودان أو العرب كله جيد أو كله سيء، بل فيه الغث والسمين، وكذا تاريخ كل الدول ومناطق العالم المختلفة.
من حق الإنسان أن يتبنى القومية التي يعتقد إنه منها، أو يعتنق الدين الذي يعتبره مناسباً، أو أن لا يعتقد بأي شيء من هذا القبيل، ويكتفي بكونه إنساناً يحمل رأيه وفكره ولا يتدخل أحد بشأنه في هذا الصدد. وبالتالي لا أجد ضيراً في أن ترى جمهرة من السودانيين في كونها عربية الهوية، ولكنها في الوقت ذاته أفريقية الهوية وشرق أوسطية الهوية ...الخ. أو أنها لا ترى كونها عربية الهوية بل أفريقية، كما في حالة البروفيسور سعد الفاضل. ولكن لا يجوز إهانة من يعتقد بهذا أو ذاك، إذ في ذلك محاولة لاستلاب حق الإنسان في الانتماء القومي أو الديني أو المذهبي. كما لا يجوز مخاطبة الشعب السوداني بهذه اللغة السمجة والخشنة.       
أنتم سودانيون، سواء أكنتم عرباً أم أفارقة، أم كنتم عرباً وأفارقة في آن واحد، فهذا لا يغير من الأمر شيئاً لدى الإنسان الاعتيادي، ولكنها تصبح مشكلة عند القوميين اليمينيين المتطرفين أو العنصريين، وبغض النظر عن الفقر أو الغنى، وبغض النظر عن الدين أو لون البشرة. نحن كلنا بشر وتجمعنا الإنسانية ويفرقنا الفكر المتطرف أياً كان هذا الفكر، ولاسيما الفكر العنصري أو التمييز الديني أو المذهبي.
أشعر إن في هذا المقال استهانة كبيرة وإهانة غير مباشرة وغير مقبولة لشعب السودان، سواء أراد الكاتب ذلك أن لم يرد، وهو إجحاف غير مبرر لا يجوز ممارسته مع شعب السودان وبكامله، إضافة إلى كون إصدار حكم مطلق على جميع السودانيين وبهذه الصورة السمجة غير مقبول بأي حال، كما هو غير مقبول حكمه على كل العرب. أتمنى على الكاتب، وهو أستاذ، أن يراعي في هذا الصدد جوانب عديدة بما في ذلك علم النفس الاجتماعي والسياسي!       
أما بصدد كون أبناء السودان يتحدثون، وربما يكتبون العربية، بفصاحة وسلامة أفضل من العرب، ففيه حكم مطلق. فهناك من السودانيين، سواء أكانوا عرباً أم أفارقة أم الاثنين معاً، ممن يتحدثون العربية بطلاقة ويجيدون كتابتها باعتبارها لغة الأم، كما هو الحال بين بقية العرب. كما يوجد بين أبناء العرب ومن السودان من لا يتحدث العربية بطلاقة أو يكتبها بصورة سليمة. والأمر يتعلق هنا بمستوى تعليم الإنسان وثقافته... وقدراته الفكرية.. إلخ، وليس لكونه سودانياً أم لبنانياً أم مصرياً أم عراقياً. وليس من باب الإساءة بأي حال أقول بأن الأخ البروفيسور سعد الفاضل قد وقع بأخطاء نحوية واملائية كثيرة حقاً ما كنت أتمنى أن يقع فيها، لكي يبرهن على حكمه المطلق. جرى تأشير مجموعة من الأخطاء باللون الأحمر وليس كلها. لم أعمد إلى تصحيحها.
ملاحظة: ارفق مع مقالي مقال السيد البروفيسور سعد الفاضل ليتسنى للقارئ والقارئة معرفة سبب مناقشتي لبعض مضامين المقال المذكور.

عروبة السودانيين الزائفه هي السبب في التمادي و التطاول عليها في الاعلام العربي بشكل عام ...*

*بروفسور سعد الفاضل.*

ايها السوداني ، ايها الأبنوسي ، قد تكون شديد السواد ، مفلس ، فقير ، تعيش في بلد متأخر جداً ، لكنك لست اقل من الاعراب في شئ و ليسوا أكرم منك في شئ ..

العربان امّم و قبائل ، فتجدهم في شبه جزيرتهم يتفاخرون بأصلهم و فصلهم ، فمن هو (عتيبي) يرى نفسه أفضل من (القحطاني) و من هو قحطاني يرى نفسه أفضل من (الشمري) و من هو شمري يرى نفسهم أفضل من (المطيري) و من هو مطيري يرى نفسه أفضل من (المري) ..الخ ، ثم تجد (قبائل نجد) يتفاخرون على (أهل الحجاز) و أهل الحجاز يتفاخرون بأصلهم على (اهل اليمن) .. و يجتمعون كلهم ليقللوا من أصل (عرب الشام و العراق الفينيقيون و الاشوريين) و يقولون ان نسبهم لا ينتهي الي معد بن عدنان و لا فهر و لا عمرو بن لحي و ثم يأتي في مؤخرتهم (المصريين) الذي يراهم العرب على انهم ليسوا من العربان تفصيلاً و يجتمع كل هؤلاء في التندر و التطاول على (اهل السودان) ...

هذه هي ثقافة العرب منذ (جرهم) و (خزاعه) و (قريش) و (قطفان) و (عاد) و (ثمود) .... تفاخر و تطاول و هجاء و ذم و حروب و شجاعه فارغه و سبي للنساء و غير ذلك ...

شأءت الاقدار ان يتناسى السودانيين اصلهم الحامي الممتد الى كوش بن حام بن نوح ، العرق الحامي الضارب في القدم ثم يعتنقون فكره غير مثبته علمياً لدرجة الإيمان و اليقين عن هجره عربيه ضخمه غيرت ديمغرافيا المنطقه و حولت السودانيين الي عرب ينتمون الي العباس عّم النبي عليه أفضل الصلاة و السلام ...

النتيجه :-

ايها السودانيون ؛ ماذا تنتظرون من شعوب تنتنفس عنصريه و تعيش في ماضٍ شديد القبليه ؟!

لن يعترفوا بكم كأخوة في نفس العرق أبد الدهر ، فهم لا يعترفون ببعضهم البعض ، أنتم في تاريخهم عبيد يستخدمونهم لرعاية الإبل و خدمة الحجيج و جمع الأخشاب فقط و لم تكونوا يوم ساده او أنداد لهم ...

و في المقابل تناسيتم ان اجدادنا في كوش و نبته و مروي اسسوا حضارات قديمه ذُكرت في مشاهد منها في الكتب المقدسه و اهتم بها اهل الغرب اهتماماً شديد فاق اهتمام اَهلها بها ، حتى ان المصريين شعروا بخطوره شديده من ذلك مما سيؤثر سلباً على حضارتهم الفرعونية ..

يؤسفني اننا لا نمتلك دراما ملهمه تبعث في السودانيين حب الانتماء لهذا الوطن الغالي ، لدينا فنون مآسيه لا تقل روعه عن فنون العرب ، فنون تحكي عن النوبه و البجه و العنج و الانقسنا و الفور ، تعبر عن تاريخ غني بالتجارب الإنسانيه و الحضارات القديمة ، تعكس الجمال النقى و الرهيب الموجود في تلك الوجوه السوداء الابنوسيه شديدة الطيبه و سريعة الغضب ...

نعلم ان السودان هو البلد الوحيد في المنطقه الذي لم تطاله الفتوحات الاسلاميه و إنما انتشر الاسلام عن طريق التجاره في الغالب الاعم ...

الحمد لله رب العالمين نجيد اللغه العربيه بفصاحه أفضل من اَهلها و نقرأ القران و متمسكون بكتاب الله و سنة النبي الكريم عليه أفضل الصلوات وازكى التسليم ...

اشعر بالاشمئزاز عندما اجد سودانيون يسبون و يلعنون من يصفهم بالدونيه و عدم العروبه بألفاظ نابيه قبيحه ، اعزائي ، ترفعوا عن النزول لهذا المستوى ، لا تشعروهم بأن لهذه الاعمال قيمه كبيره ..

قولوا لهم لسنا عرباً و نحن سودانيون ، لنجرب مره ان نجتمع في سودانيتنا ...

نعم نحن مفلسون ، فقراء غير متعلمين ، نعيش في بلد شديد الفقر ، لكن و الله لسنا اقل من اي شخص في هذا الكوكب

لننهض بفنوننا و نعكس عمقها الدافئ و الحقيقي للجميع ليس من اجل إثبات الذات و لكن لتكريم حضارات و ثقافات قامت و ترسخت في هذه البلاد ، لننهض بالدراما ، الأدب ، الغناء ، المسرح ، الكوميديا ، السينما و حتى الرياضه ، فتلك القوى الناعمة صارت اكثر تأثيراً من الاسلحه النوويه .. عندها لن نضطر ان ندافع عن شئ ، و لن يحاول اي رخيص ان يتربص بتاريخنا و اصلنا ..

ما دمنا نستهلك فنونهم و دراماتهم و أعمالهم سوف نتبعهم الي الابد ...

*منقول من صفحة بروفسور سعد الفاضل على الفيس بوك*


   


________________________________________

31
د. كاظم حبيب
محن وكوارث المكونات الدينية والمذهبية في ظل النظم الاستبدادية الحاكمة بالعراق!

انجزت هذه الدراسة بهدف عقد مؤتمر خاص لمناقشة أوضاع أتباع المكونات الدينية الأخرى المضطهدة بالعراق بمشاركة
المنتدى العراقي لمنظمات حقوق الإنسان
هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق
منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في العراق، ألمانيا (أمرك)

برلين – بغداد
 2018


لقراءة الموضوع كاملا انقر على الرابط التالي
http://www.ankawa.com/sabah/Study.pdf

32
سبيل التعامل الديمقراطي بين الرأي والرأي الآخر!!

صديقي العزيز

قرأت رسالتك الكريمة المليئة بالآلام والشجون والخشية على العراق القادم، التي تزيد كثيراً ما تزيد من ألام الجسد المنهك الذي نحمّله الكثير. لا شك في أن لك رأي، ولي رأي، وللآخر أو الآخرين رأي آخر، وليس هناك من يحكم على صواب هذا الرأي أو ذاك سوى الأيام. المنهج والتجربة والواقع يساعدان على التحليل السليم شريطة ممارسة المنهج التحليلي بشكل صائب، وكذلك القراءة السليمة للواقع والفهم المدقق للتجربة. وهي مسائل تختلف من واحد إلى آخر، ومن حزب إلى حزب، وعلى وفق الكثير من المؤشرات. يتعذب البعض لأن الآخر أو الآخرين لم يأخذوا برأيه ومارسوا رأيهم، وربما تنشأ عن ذلك كارثة. ولكن الآخر أو الآخرين، الذين لهم رأي آخر، ربما يفكرون بنفس الطريقة، وبالتالي، من هو الصحيح؟ لا يمكن البت بذلك سوى الواقع الحياتي التي يمكن ان يدلل على صواب أحد الرأيين أو يقع بين بين! 
غالباً ما كنت في حياتي السياسية والعامة أفكر بطريقة أشعر بأنها ضرورية بعد مرور 83 عاما من عمري وما يقرب من 70 عاما في الحركة الطلابية والوطنية والشيوعية. أفكر باني على صواب والآخر مخطئ، ولكن أضع مجالاً في ان يكون الآخر على صواب وانا المخطئ، ولو بقدر معين! أشعر بأن ليس هناك لونين فقط أسود وابيض، بل هناك أطياف لونية اخرى بينهما، وعليّٓ ان لا اعتقد بأن رأيي هو الأصوب دوماً، رغم وجود دلائل تشير الى صواب الرأي الذي أتبناه إزاء هذه القضية أو تلك، وليس دوماً. لقد مررنا بتجارب مريرة، ولكن الحياة ما تزال أكثر غنىً من تجاربنا الشخصية. ففيها الكثير من المفاجئات التي تجعلني لا أقطع بصواب رأيي، رغم قناعتي بصوابه!
كنت حين أُعتقل، أفكر كثيرا كيف سأواجه الجلادين وأساليبهم الوحشية في التعذيب اليومي؟ هل أنا قادر على الصمود أمام وحشية الجلادين؟ كنت لا أقبل باليقين، بل أقبل بالشك لأتغلب عليه بالصراع نحو الصمود. كان هذا في الخمسينيات من القرن العشرين، حيث كان التعذيب شرساً وموجعاً في أقبية التحقيقات الجنائية، وفي سجن بغداد وسجن بعقوبة، وكان هذا في الأمن العامة مع الجلادين البعثيين وأساليبهم الأكثر وحشية في التعذيب النفسي والجسدي في العام 1978. وأدركت في حينها وحتى الآن أهمية النظرة الشكية للأمور الإنسانية، وهي التي ساعدتني على الصمود والحفاظ على كرامتي وكرامة الحزب الذي أنتمي له والفكر الذي اقتنعت به وأحمله معي دوماً.
في سني النضال المديدة تعرفت أيضاً على بعض، وليس الكل، من كان واثقا من نفسه وسقط تحت وطأة الخوف حتى قبل التعذيب، رغم إعلانه الشجاعة التي كان يرغب في تحقيقها إنسانيا، وكان يطالبنا بالصمود ونحن في الطريق إلى سجن بعقوبة، ولكنه كان أول وآخر من وقع على البراءة من بيننا، نحن العشرة الذين تمّ نقلهم في العام 1958 إلى سجن بعقوبة وقبل ثورة تموز بعدة شهور. أنا واثق من الفكر الذي أحمله ومن رأيي، وأثق بنفسي، ولكن اترك للنفس البشرية، بضعفها وقوتها، ان تعيش الامتحان وتتغلب على الضعف وتعزز قدرتها على الثبات. يشعر الإنسان وهو بين أيدي الجلادين بالسرور، رغم أوجاع التعذيب، حين يرى الفشل والخزي في وجوه الجلادين بعد أن عجزوا عن كسر إرادة الإنسان المناضل!   
وضع العراق ليس عاديا، فهو مليء بالتعقيدات الكبيرة والمصاعب الجمة. لا يمكن ان نركن لرأي واحد وتحليل واحد أو تفسير واحد، بل لا بد من رؤية كل الاحتمالات الأخرى، وأن نستمع إلى كل الآراء، تلك التي نتفق معها أو نختلف، نؤيدها أو لا نرفضها، إذ من حق الآخر أو الآخرين أن يروا غير ما تراه أو أراه، خاصة وأنهم ليسوا أفراداً، بل هم حزبا سياسيا له نضاله المجيد وخبرته وقيادته ورأيه ومسؤوليته. لقد أبديت رأيك واوضحت تفاصيله وعواقبه، ولكنه لم يقنع جمهرة كبيرة من الآخرين أو الحزبيين، في حين هناك من أيد رأيك. فلنرى كيف تسير الأمور!
تعذيب النفس في مثل هذه الأحوال غير نافع، بل له عواقب سلبية. من جانبي التزم بالقاعدة الفقهية القائلة "رأيي صَوابٌ يَحتَمِلُ الخَطأ، ورأيُ غَيري خَطأ يَحتَمِلُ الصَّوابَ."!
لا أؤيد كتابة مقالات حادة لأنها توتر الأمور مع قوى لا نريد لها الأذى ولها رأيها. الحوار بيننا ضروري والسؤال هو: بعد ان حصل ما حصل، كيف نمنع وصول الأكثر وحشية وعدوانية الى دست الحكم ولاسيما رئيس الوزراء السابق، أو أحد المسؤولين عن المليشيات الطائفية المسلحة التي ساهمت بإغراق البلاد بالموت والفساد. يفترض، كما أرى، أن ندين النظام الطائفي المحاصصي، ندين إيران وكل من يقف معها، ندين كل القوى الأجنبية التي تتدخل بالشأن العراقي، ولاسيما الولايات المتحدة وقطر والسعودية، ونطالب بإقامة دولة ديمقراطية علمانية ومجتمع مدني ديمقراطي حديث، ونلح في ذلك ونفضح الفساد والفاسدين ونطالب بمحاكمتهم. علينا أن نعمل من أجل وحدة وتمتين وتعزيز وحدة القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية لمواجهة أوضاع جديدة، ربما تحمل معها مفاجئات جديدة، وربما أكثر صعوبة مما هي عليه الآن.
كاظم حبيب
06/06/2018

33
المنبر الحر / الحركة القرمطية
« في: 20:10 04/06/2018  »
د. كاظم حبيب

الحركة القرمطية
نشر الكاتب السيد الدكتور رضا العطار بتاريخ 29/05/2018 مقالاً في موقع (صوت العراق) تحت عنوان " دولة القرامطة تماهت بالشريعة الاسلامية وطبقت الاشتراكية البدائية وتغزلت بالمجوسية من بعيد! ح 7"، تحامل فيه بقسوة على الحركة القرمطية مستنداً في ذلك إلى بعض الكتاب العرب الذين اتخذوا أساساً موقف العداء من كل الحركات الفكرية والسياسية والاجتماعية المادية في التاريخ والفكر العربي والإسلامي، ومنها الحركة القرمطية وحركة الزنج مثلاً، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر علي أحمد باكثير، في كتابه الموسوم "الثائر الأحمر. أنشر هنا ما ورد في كتابي الموسوم "لمحات من عراق القرن العشرين في المجلد الأول منه (11 مجلداً) الصادر بتاريخ 2013 عن دار أراس -أربيل- كردستان العراق-العراق، وتحت عنوان "الحركة القرمطية" النص الآتي. وبعد الانتهاء من نشر هذا النص، سأبدأ بمناقشة ما نشره الدكتور رضا العطار بهذا الصدد. كاظم حبيب

كانت الحركة القرمطية واحدة من بين مجموعة مهمة من الحركات الفكرية والاجتماعية والسياسية المعارضة التي ظهرت في العهد العباسي في العراق وفي مناطق أخرى من الدولة العباسية، مثل البحرين واليمن والأحساء والشام1، التي عبرت في اتجاهاتها الأساسية عن حيوية فكرية وثقافية متميزة وعن تطلع مشروع نحو العدالة الاجتماعية وعن استعداد كبير لمقاومة الطغيان والظلم. واستندت أكثر هذه الحركات الفكرية والسياسية إلى أرضية الدين الإسلامي في بلورة افكارها وصياغة مهماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. إلا أن هذه الحركة كانت متميزة، بالقياس إلى بقية الحركات الفكرية والسياسية في العراق، بسبب اتخاذها أبعاداً اجتماعية أكثر شمولية وعمقا وأكثر التصاقاً بحياة الغالبية الواسعة من كادحي الريف والمدن العراقية في الوسط والجنوب، وأكثرها تأثرا بالفكر الفلسفي اليوناني المتحرر، وأكثرها استفادة من الحضارات التي مرَّ بها أو عاشها العراق القديم، أو الثقافات المجاورة التي تأثر بها المجتمع العراقي حينذاك، وخاصة الثقافة الفارسية. وعند متابعة أفكار هذه الحركة ونشاطاتها السياسية والاجتماعية وما قامت به وما كانت تنوي تحقيقه، أو بتعبير آخر برنامجها البديل للمجتمع والدولة العباسية، سواء كان ذلك في العراق، أم كانت امتداداتها في البحرين، على وجه الخصوص، وفي بلاد الشام واليمن والأحساء، يجد الباحث من الأدلة ما يؤكد أنها كانت قد تجاوزت عصرها، من الناحيتين الفكرية والسياسية، وكذلك في الجوانب التنظيمية، بقرون عديدة. ويمكن أن يلاحظ ذلك بوضوح فيما طرحته حركة القرامطة من أفكار واتجاهات وآفاق سياسية واقتصادية واجتماعية ذات مضامين إنسانية استطاعت في ضوئها على تعبئة كثرة كاثرة من الأنصار والأتباع حولها، كما تسنى لها ممارسة تلك الاتجاهات على أرض الواقع الفعلي، في البحرين ولعقود كثيرة. والحركة القرمطية تلتقي في بعض أبرز أهدافها مع الحركة البابكية في إيران وحركة الزنج في العراق مثلا، رغم وجود ما يميزها عنهما أيضا.
إن دراسة الفكر القرمطي وأفكار الكثير من الحركات الفكرية في ذلك العصر تشير إلى أن أغلبها انطلق من بانوراما فكري-سياسي شيعي واسع ومن مواقع سياسية ودينية معارضة للنظام السياسي وللدين الرسمي اللذين كانا قائمين حينذاك. فقادة الحركة القرمطية انحدروا من صفوف الحركة الإسماعيلية أو تبنوا أفكارها ثم اختلفوا معها2. كما أن أرضيتهم الشيعية لم تجعلهم متطابقين مع الشيعة في العديد من وجهات النظر. اختلفوا عنهم في الموقف الثوري المتحرر واتسامهم بروح التسامح إزاء الأديان والمذاهب الأخرى، كما أنهم بنوا موقفهم الفكري والسياسي على أرضية الواقع الاجتماعي وانطلاقا من مصالح الفئات الأكثر كدحا وحرمانا في المجتمع، كأبناء العشائر العربية الفقيرة والفلاحين الأنباط والزنوج الكادحين في المناطق الواقعة بين الكوفة والبصرة، أي على فلاحي الريف وسكان البادية وحرفيي المدن الأكثر تعرضا للاستغلال والاضطهاد والحرمان. وتميزت حركة وأفكار القرامطة لا برؤية واقعية للمجتمع فحسب، بل وبنزعة مادية عقلانية لا تهدف إلى شرح الواقع السيئ القائم ورفضه والتبشير ضده فحسب، بل كانت تسعى أيضا إلى تغييره وإقامة بديل عنه. وإذا كان هذا الاتجاه الاجتماعي والسياسي المغلف بمواقف دينية ذات اتجاهات معتزلية وإسماعيلية أو شيعية عامة غير واضح في بداية الدعوة للحركة وأفكارها، مما ساعد على إهمال مكافحتها من جانب الدولة العباسية والولاة في مناطق نشاطها، فأنها واجهت فيما بعد حملات واسعة من جانب أعدائها لتشويه طبيعتها واتجاهاتها الفكرية والسياسية ومضامينها الاجتماعية والاقتصادية والدينية في محاولة من هؤلاء الأعداء للإساءة البالغة لسمعة ونشاط الحركة وقيادتها والعاملين فيها، إلى جانب ممارسة الإرهاب الدموي المتواصل ضد دعاتها والملتزمين بأهدافها والمدافعين عن أفكارها. ويستشف من مصادر كثيرة تبحث في وتتحدث عن الحركة القرمطية بأنها كانت من أكثر الحركات الفكرية في الإسلام تحررا وثورية ودعوة لإقامة العدالة الاجتماعية بين الناس وإرساء الحكم على تلك الأسس. وكان القرامطة مقتنعين بأن الحكام العباسيين الذين يتحدثون باسم الإسلام كانوا أبعد الناس عن المبادئ التي بشر بها الإسلام.
لم تكن الدولة العباسية وحدها تحارب القرامطة وتحاول القضاء على حركتهم السياسية، بل شاركت معها جماعات وشخصيات دينية بارزة سعت إلى استخدام الأساليب المعروفة في مكافحة مثل هذه الحركات، باعتبارها حركة خارجة عن الدين الإسلامي وتقف ضده، وهي في نظرهم ذات أهداف الحادية ومزدكية أو مجوسية أو مانوية أو حركة زنادقة. وكان أبو حامد الغزالي من أكثر المتطرفين في مناهضتهم ورفض توبتهم3 ، والذي كان لا يعني سوى حل سفك دمهم، في حين تشير بعض المصادر إلى أن أبا حنيفة قد أفتى بالقتال إلى جانبهم حينذاك، وأن أخرين رفضوا اعتبارهم خارجين عن الإسلام. ويمكن فيما يلي ايراد نماذج من أساليب الإساءة للقرامطة:
•   أورد ميكال يان دي خويه في كتابه عن القرامطة، نقلا عن المقريزي، ما يلي: "وأقام الدعاة في كل قرية رجلا مختارا من ثقاتها يكلف بجمع كل ما يملكه أهل القرية من ماشية وحلي ومتاع وما إليها... لم يعد أحد منهم يملك شيئا سوى سيفه وسلاحه. فلما ترسخت هذه المؤسسة، أمر قرمط دعاته بجمع جميع النساء ذات ليلة ليختلطن بجميع الرجال من غير تمييز. كان ذلك في نظره منتهى الصداقة والاتحاد الأخوي. وإذ آنس من نفسه السيطرة التامة على نفوسهم وتيقن من طاعتهم له، أباح لهم النهب وكل ما شابهه من التجاوزات، وعلمهم ان يخلعوا نير الصلاة والصوم وسواهما من تعاليم الإسلام، قائلا لهم إن معرفة المعلم والحقيقة التي أطلعهم عليها تكفيهم مؤونة كل ذلك. وأنهم إن ثبتوا في الأيمان فلا خوف عليهم من المعصية والعقاب"4. ويؤكد الكاتب نفسه إلى أنه ليست هناك أية دلائل تؤكد مثل هذه السلوكية إزاء النساء عند القرامطة، وهي تهم وردت في كتابات أعداء القرامطة، إذ أن كل الدلائل تشير إلى أنهم كانوا يشكلون فرقة من الفرق الإسلامية الأكثر وعياً وتقدماً واجتهاداً والتي كانت قد تصدت بحماس ومسؤولية ضد حكم الظلم والفساد. ومن الممكن أن تكون للقرامطة اجتهادات معينة إزاء الصوم والصلاة أو إزاء الحجر الأسود في الكعبة وغيرها من القضايا الدينية، ولكن من غير المعقول والصعب حقا اتهامهم في ظروف المجتمع العراقي او البحريني أو الإسلامي حينذاك وبشكل عام بإشاعة أو إباحة المرأة بين الرجال وبالطريقة التي تحدث عنها أعداء الحركة القرمطية. ولكن هذا لا يعني أن المرأة لم تتمتع بالحرية في عهد القرامطة والتي كانت تشارك في الإنتاج وفي تقديم الدعم المالي والعيني للحركة. جاء في كتاب محمد بن مالك بن أبي الفضائل الحمادي الموسوم "كتاب كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة" حول سلوك القرامطة ما لا يعقل في ظروف العراق حينذاك، إذ كتب حول طريقة الدعوة وكسب المريدين الجدد، إذ بعد أن يبلغ "المخدوع الجديد" الدرجات الأربعة، أي التخلص من الصلاة، ثم السماح بشرب الخمر ولعب الميسر، ثم التحرر من الصوم، ثم التخلص من الطهارة، ولم يبق له سوى درجة واحدة ليصل إلى مبتغاه فيقول: "يا مولانا إن عبدك فلان قد صحت سريرته، وصفت خبرته، وهو يريد أن تدخله الجنة، وتبلغه حد الأحكام وتزوجه الحور العين، فيقول له: قد وثقته وأمنته؟ فيقول يا مولانا قد وثقته وأمنته وخبرته فوجدته على الحق صابراً ولأنعمك شاكراً، فيقول علمنا صعب مستصعب، لا يحمله إلا نبي مرسل، أو ملك مقرب أو عبد امتحن الله قلبه بالإيمان فإذا صح عندك حاله، فاذهب به إلى زوجتك، فاجمع بينه وبينها، فيقول سمعا وطاعة لله ولمولانا، فيمضي به إلى بيته، فيبيت مع زوجته، حتى إذا كان الصباح، قرع عليهما الباب، وقال: قوما قبل أن يعلم بنا هذا الخلق المنكوس، فيشكر ذلك المخدوع، ويدعو له، فيقول له: ليس هذا من فضلي، هذا من فضل مولانا، فإذا خرج من عنده تسامع به أهل هذه الدعوة الملعونة، فلا يبقى أحد إلا بات مع زوجته، كما فعل ذلك الداعي الملعون ثم يقول له: لا بد لك أن تشهد المشهد الأعظم عند مولانا، فادفع قربانك، فيدفع اثنى عشر دينارا5، ويصل به ويقول يا مولانا، إن عبدك فلان يريد أن يشهد المشهد الأعظم، وهذا قربانه، حتى إذا جن الليل ودارت الكؤوس، وحميت الرؤوس وطابت النفوس، أحضر جميع أهل هذه الدعوة الملعونة حريمهم، فيدخلن عليهم من كل باب، وأطفأوا السرج والشموع، وأخذ كل واحد منهم ما وقع عليه في يده، ثم يأمر المقتدي زوجته أن تفعل مفعل الداعي الملعون، وجميع المستجيبين، فيشكره ذلك المخدوع على ما فعل له فيقول: ليس هذا من فضلي، هذا من فضل مولانا أمير المؤمنين فاشكروه ولا تكفروه، على ما أطلق من وثاقكم ووضع من أوزاركم، وحط عنكم آصاركم ووضع عنكم أثقالكم، وأحل لكم بعض الذي حرم عليكم جهالكم (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)"6. من قراءة هذا النص الطويل الذي أوردته يدرك الإنسان مدى الكراهية التي كانت تتحرك في صدور جمهرة من المسلمين المتزمتين المرتبطين بالسلطة حينذاك إزاء هذه الحركات التي استطاعت أن تكسب تأييد جمهرة الكادحين وأن هؤلاء عجزوا عن محاربة الحركة فكريا وسياسيا فتوجهوا صوب الدس الرخيص عليها بطريقة تعبر عن مرض نفسي يعاني منه هؤلاء الكتاب أو رجال الدين المتزمتين7. اتُهم القرامطة بالإباحية والكفر والارتداد عن الإسلام. واتفق أكثر الكتاب المسلمين حينذاك على توجيه هذه التهم إليهم لا لأنها صحيحة أو اختبروها بأنفسهم، بل كانت ترديدا لما قاله عنهم بعض رجال الدين من أصحاب السلطة حينذاك والمدافعين عن الخلافة العباسية بغض النظر عن مظالمها وعن عدالة القضية التي كانت هذه الحركة تدافع عنها. لقد كان البعض منهم يأخذ عن البعض الآخر ما ورد في كتاباته دون تمحيص أو تدقيق. وليست هناك حركة معارضة جادة ظهرت في تلك الفترات إلا واتهمت بمروقها عن الإسلام والإباحية والكفر وتوجهت نيران الإسلام الرسمي ضدها. إنها الأداة التي تستخدمها القوى الظلامية والمحافظة لمهاجمة حركات التحرر الفكري والتنويري في كل مكان وزمان، وهي ما تزال تواجه قوى التغيير في المجتمعات المختلفة حتى الوقت الحاضر، وخاصة في المجتمعات التي ينتسب أكثر أفرادها إلى الإسلام.               
•   يورد هادي العلوي عن اغتيال أبو سعيد الجنابي منشئ الحكم القرمطي في البحرين ما يلي:
"منشئ الحكم القرمطي في شرق الجزيرة العربية. قتله خادمه في الحمام. ولم يذكر سبب مباشر لقتله لكن أبن العماد يقول إنه راود الخادم في الحمام فاضطره إلى قتله. وهذا أتهام مندرج في عداد التشنيعات التي روجها الإعلام السني ضد الباطنية ولم يعرف زعماء القرامطة مجون أو فجور يجيز الشك في سلوكهم. إذا استثنينا الحسن الأعصم حفيد أبو سعيد الذي حكم بعده بستين عاما وكان سيء السلوك والسياسة معا وبسببه اضطر القرامطة إلى إبعاد أسرة الجنابي عن الحكم"8. وتشير الكثير من المصادر إلى أن مؤامرة كانت قد حيكت لقتل زعماء القرامطة، إذ أن الخادم قد استدعى آخرين بحجة دعوتهم من قائدهم أبو سعيد الجنابي ثم اغتالهم حتى انتبه إلى ذلك أحدهم وقام بمساعدة آخرين بالقبض على الخادم9. ويعتبر الكاتب علي أحمد باكثير أكثر الكتاب العرب المعاصرين حقدا وكرها وتشنيعا بالقرامطة. ويمكن للإنسان أن يطلع على تشنيعاته المبتذلة وغير المعقولة والمسيئة للحركة القرمطية في كتابه الموسوم ب "الثائر الأحمر" الصادر في القاهرة. ولعب الحنابلة، والغزالي على نحو خاص، دورا كبيرا في السعي من اجل تشويه سمعة القرامطة والإساءة لهم. كما كانوا أشد خصوم المعتزلة، باعتبارهم جماعة كافرة، وساهموا مساهمة كبيرة في اضطهادهم10.
كانت تجربة القرامطة في العراق غنية جدا وذات قيمة تاريخية من جوانب ثلاثة، هي: الجانب الفكري والجانب الاجتماعي والسياسي-الإعلامي والجانب التنظيمي.
ظهرت الحركة القرمطية في نهاية النصف الأول من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، أي في فترة نمت فيها ونشطت الاتجاهات الشيعية وحركة المعتزلة والمتصوفة وإخوان الصفا وخلان الوفا. واتسع نشاط هذه الحركة وتعززت مواقعها وبدأت أولى فعالياتها ضد الدولة العباسية في فترة كانت الحركة البابكية قد سبقتها، ثم تزامنت مع حركة الزنج بقيادة على بن محمد في العقدين السادس والسابع من القرن الثالث الهجري. وكان ظهورها الأول في الكوفة وفي المنطقة الممتدة حتى البصرة وبين أوساط النبط والزنج من الفلاحين وبين أفراد العشائر العربية في المنطقة التي كانت تعاني من الحرمان ومن استغلال بشع. كما انتشرت أفكار الحركة في أوساط الحرفيين في الكوفة والبصرة. وكانت هذه المناطق بشكل عام مواقع تعرفت قبل ذاك على أفكار ونشاطات الحركات الشيعية والمعتزلة والإسماعيلية والمتصوفة. وكان لهذا الواقع تأثيره البارز على الجانب الفكري لحركة القرامطة، إذ كان فكرا متفردا جمع بين بعض أبرز مقولات المعتزلة مثل خلق القرآن واعتماد التأويل في تفسير القرآن والسنة، إضافة إلى الأخذ بمبدأ العدالة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا. كما أنها أخذت عن الشيعة، وبحرية نسبية، مفهوم الإمامة، وكذلك القول بالمهدي المنتظر. ومن الجدير بالإشارة إلى أن "المنتظر" الذي يتحدث عنه الشيعة لا يبرز عند المسلمين الشيعة بمختلف فرقهم فحسب، بل يبرز عند أديان اخرى وتحت أسماء أخرى، تحدثت وآمنت بعودة "منتظر" ما، وإن كان رؤيتها له والمهمات التي يعود من أجلها متباينة نسبيا، كما هو الحال مع "الديانات السماوية اليهودية والمسيحية والإسلامية.“ فالقول بالمنتظر جاء ليعبر عند المسلمين الشيعة، على نحو خاص، رفضهم للواقع الفاسد القائم وسعيهم من خلال "المنتظر القادم" إلى تغيير ذلك الواقع، إنها صرخة المستقبل عند العاجزين عن تغيير الواقع الذي يعيشون فيه والمرفوض منهم، إضافة إلى أنه يفتح باب رزق أمام تلك الحركات لتأمين موارد مالية للحركة. ويبدو أن قادة الحركة كانوا يدركون الطابع الرمزي والشعبي لفكرة المنتظر والتي تجلت فيما أوصى به أبو سعيد أتباعه في البحرين للتعرف على شخصية المنتظر القادم من أجل إبعادهم عن محاولات الذين يدّعون النبوة والإمامة ويقدمون أنفسهم على أنهم المنتظر الذي طال انتظاره.
اعتمد الفكر القرمطي على الموقف العقلي المشحون بنزعة مادية، سواء عن وعي فلسفي من جانب قادة الحركة أم عن تعامل عفوي لا يخلو من وعي نسبي في كل الأحوال. وهذه النزعة العقلانية والمادية من جهة، وتحدر قادة الحركة من أوساط شعبية كادحة من جهة أخرى، هي التي ساعدت الحركة في أن تكون قريبة من الواقع ومن الناس ومن معاناتهم اليومية، وبالتالي في تبني برنامج ثوري طموح ومتقدم. ويبرز فهمهم للواقع الاجتماعي والديني والسياسي حينذاك من الاسم الذي أطلقوه على حركتهم وليس الاسم الذي اطلق عليهم والذي عرفوا به حتى الآن، واعني به "القرامطة11" نسبة إلى حمدان القرمطي، إذ كانوا يسمون أنفسهم، كما يشير إلى ذلك حسين مروة عن عليان في (القرامطة في العراق)، "المؤمنون المنصورون بالله والناصرون لدينه والمصلحون في الأرض.“
وكانت الحركة في منهجها العقلي - التأويلي تسعى لا إلى فهم الواقع ونقده، بل إلى تغييره، أي إلى إقامة سلطتها السياسية وإلى تنفيذ برنامجها الاجتماعي والاقتصادي. ومع أن قرامطة العراق عجزوا عن تحقيق هدف الوصول إلى السلطة، فأن أكثر من ظاهرة وممارسة تشير إلى وجهتهم الاجتماعية، سواء في طريقة تعاملهم مع بعضهم في المناطق المحيطة بالكوفة وفي "دار الهجرة" وفي المناطق الأخرى التي وجدوا فيها، أم في طبيعة الدولة التي أقامها قرامطة البحرين. من هنا يمكن الإشارة إلى أن الحركة القرمطية لم تكن مجرد حركة فكرية تنويرية مجددة فحسب، بل كانت حركة سياسية اجتماعية ثورية أو انقلابية تطمح إلى إقامة العدل والمساواة بين الناس وترفض الظلم والطغيان وتتصدى لهما. ويبدو للباحث أن عوامل خمسة ساعدت على انتشار أفكارهم بين الكوفة والبصرة حينذاك، ومن ثم في مناطق أخرى من الدولة العباسية وهي:
•   انتشار الظلم والفساد على نطاق واسع وغياب العدالة الاجتماعية في مجتمع الدولة العباسية، إضافة إلى ابتعاد الخليفة العباسي والولاة عن الحكم وفق ما أمر به الدين.
•   تعرض النبط والزنج والموالي وكذلك بعض العشائر العربية إلى استغلال بشع من جانب المستحوذين على الأراضي الزراعية في هذه المناطق وفي عموم العراق وبقية مناطق الدولة العباسية، إضافة إلى التمييز بين الناس في غير صالح الكادحين والفقراء والموالي.
•   التزام قادة الحركة القرمطية بمبادئ اجتماعية وأخلاقية سامية، واستنادهم إلى أرضية دينية واقعية يفهمها الكادحون المعرضون للاستغلال والظلم على نحو خاص. يقول الدكتور عبد العزيز الدوري، نقلا عن ابن الأثير، بأن الدعوة القرمطية انتشرت "بين الفلاحين الجهلة الذين كانوا يئنون من جشع الجباة واستغلال الملاكين"، كما "انتشرت الحركة بين اهل الحرف وعوام المدن، وقد كان مستوى معيشتهم واطئا،..."12. ومنه يتبين للإنسان بأن هذه الفئات الكادحة لم تكن فقيرة ومستغلة فحسب، بل وكانت محرومة من كل خدمات الدولة العباسية، وكانت تئن تحت وطأة الجهل والتخلف. إلا أن هذا لم يمنعها من وعي أوضاعها المزرية ورفضها ومقاومتها بقوة السلاح لتلك الأوضاع. فالقرامطة لم يرفضوا الوضع القائم فحسب، بل قدموا للناس بديلا فكريا وسياسيا معقولاً يقوم على مبدأ التعاون والألفة فيما بينهم. وقد كان أبو حامد الغزالي يستخف بهذه الفئات الاجتماعية الكادحة التي كانت تلتحق بهذه الحركات السياسية والاجتماعية نتيجة إدراكها لواقعها التعس والحيف النازل بها، وكان يعتبرهم جهلة لا يفقهون حيث يقول عنهم "والعامي الجاهل يظن أن التلبيس بالأديان والعقائد مثل المواصلات والمعاقدات الاختيارية، فيصلها مرة بحكم المصلحة ويقطعها أخرى"13. وهو في هذا يدل عن ابتعاده عن حياة الناس وسكناه في برجه العاجي حينذاك.   
•   استعدادهم الكامل لخوض النضال ضد الظلم والطغيان والبرهنة عليه من خلال خوض المعارك المسلحة ضد الدولة العباسية والولاة بشجاعة فائقة وحفظهم لأسرار العاملين معهم نتيجة إيمانهم بالقضايا التي كانوا يناضلون في سبيلها، واستعدادهم الثابت على الموت في سبيلها.
•   التسامح الديني الذي تميزوا به. فهم من جانب كانوا مؤمنين بقضايا ورافضين لقضايا أخرى تبعدهم عن بعض الفرق الإسلامية الشيعية أو عن اهل الحديث، ولكنها في الوقت نفسه كانت لا ترفض أداء اولئك الناس لطقوسهم الدينية وفي الجوامع. وهي في هذا أيضا تقدم ظاهرة جديدة ومهمة في الحركات الفكرية الإسلامية في العصر العباسي لم تظهر بالضرورة لدى الكثير من تلك الحركات السابقة لها أو التي تلتها. وترد أكثر من إشارة في المصادر التاريخية إلى أن القرامطة قاموا بهدم المساجد، إذ يؤخذ ذلك عليهم باعتباره الدليل على كفرهم وبعدهم عن الإسلام. يشير الكاتب عارف تامر في كتابه الموسوم "القرامطة: أصلهم-نشأتهم-تاريخهم- حروبهم"، وانسجاما مع رأي الدكتور حسن إبراهيم وطه أحمد شرف، إلى ما يلي: " وأما عن تهديم المساجد فقد نرى أنه من الجدير تكرار القول: بأنه لم يكن ذلك إلا بعد أن يسمع القرامطة في هذه المساجد إقامة الخطبة باسم العباسيين على ما هم عليه من الفسق والفجور. هذا بالإضافة إلى مسبة أهل البيت الفاطميين"14. وهو في هذا لا يقدم الحجة على سلامة مثل هذه الأعمال. إذ إنها تبقى مرفوضة في كل الأحوال.
ويؤكد عدد من الباحثين تأثير القرامطة الملموس على مشاعر الناس ووعيهم وتنامي عدد أتباع الحركة واتساع رقعة نشاطهم الدعائي وتشكيلهم خطرا على سلطة الدولة العباسية. ويشير حسين مروة في كتابه النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية إلى هذا التأثير فيقول: “.. ويدلنا على مدى هذا الخطر عمقا واتساعا ما ذكره أبن الاثير من أن أحد قواد جيش المعتضد فاجأ القرامطة في أحد مراكزهم من منطقة الكوفة عام 287 هجرية، فقتل رؤساءهم وأسر الآخرين ولكنه اضطر إلى تسريحهم جميعا لأنهم كانوا من الفلاحين، ولأن قتلهم أو إبقاءهم في الأسر يومئذ يعني تعطيل الأرض هناك من الزراعة. ففي هذه الواقعة دلالة على الجانب الطبقي من القضية أولا، وعلى كثرة الفلاحين الداخلين في الدعوة القرمطية ثانيا، إلى حد أن غيابهم عن الأرض كان يؤدي إلى شلل حركة الزراعة في المنطقة"15. إن اتساع القاعدة الشعبية للحركة وتعزز مواقعها بين الفلاحين في ريف الفرات الأوسط والجنوب من جهة، وعدالة القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي طرحتها الحركة في حينها من جهة ثانية، وشدة الظلم الذي ساد المجتمع ونزل على نحو خاص بالكادحين من الفلاحين والكسبة والحرفيين في العصر العباسي من جهة ثالثة، والأساليب الهمجية الشرسة التي مارسها الحكم العباسي ضد القرامطة، وضد الأسرى منهم على نحو خاص، من جهة رابعة، دفعت بأبي حنيفة، كما يشير إلى ذلك اللاذقاني نقلا عن تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، إلى أن يصدر فتواه التي دعا فيها إلى القتال إلى جانب القرامطة.16 كما رفض القاضي، أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول، طلب تخطئة الوزير علي بن عيسى الذي لم يحكم بتكفير القرامطة حين قال: "إذا لم يصح عنده كفرهم وكاتبوه بالتسمية لله ثم الصلاة على النبي محمد (ص) وانتسبوا إلى أنهم مسلمون وإنما ينازعون في الإمامة فقط لم يطلق عليهم الكفر"17. إذ أن الدولة العباسية كانت تريد اتهامهم بالكفر لتستطيع تعبئة الناس حولها في القضاء عليهم. ويبدو لي أن السيد اللاذقاني كان مصيبا في تقديره للعوامل التي دفعت العباسيين إلى تشديد الخناق ضد القرامطة، حين التقط ملاحظة الغزالي وأوردها كما يلي: "إن الخلافة العباسية لم تحاربهم لتشيعهم لآل علي بل لظهورهم بالطعن على سلاطين الزمان كما يقول الغزالي.“18. وكان الغزالي يضمر الكراهية للإسماعيلية ولكل من كانوا يدعون أنهم من الباطنيين، وكذلك لكل من كان يكافح الخليفة، منطلقا في ذلك من القاعدة التي تقبل بالإمام الفاسق بدلا عن الفتنة في المجتمع الإسلامي. 
امتلكت حركة القرامطة حسا رفيعا في تحديد المهمات النضالية الصائبة للمرحلة التي كانت تمر بها، كما تميزت بالقدرة على اختيار أسلوب التنظيم المناسب وطريقة توجيه الدعاية للدعوة وقوة الاقناع، إضافة إلى الابداع في قيادة الأتباع والمريدين. فالمعلومات التي وصلتنا تشير إلى أن قرامطة العراق بقيادة حمدان القرمطي قد التزموا في نشاطهم السياسي والاجتماعي والدعائي بعدد من الأسس المهمة لتنمية الحركة وتوسيع قاعدتها وضمان سرية أعضائها نشير إلى بعضها فيما يلي:
•   الأخذ بمبدأ القيادة الجماعية للحركة وليس الاعتماد على قائد واحد بمفرده. وشاركتهم في ذلك الحركة الإسماعيلية وحركة الزنج أيضا، إذ اعتمد علي بن محمد، صاحب الزنج، على مجموعة العقداء ووزع عليهم المهمات بين أعضاء القيادة وفق الاختصاصات التي تميز بها العقداء. فمثلاً اختار حمدان القرمطي اثنا عشر نقيبا من بين أتباع الحركة شكل منهم مجموعته القيادية؛
•   بادر حمدان إلى إرسال أفضل دعاة الحركة إلى بعض مناطق الدولة العباسية من أجل نشر أفكار الحركة وتأمين الدعم السياسي والمادي لها، حيث وصل دعاته إلى البحرين والشام واليمن وغيرها وكسبوا الكثير من الأتباع والأعوان؛
•   ضمان الدعم المالي للحركة وأتباعها من خلال إلزام الأتباع بدفع ضريبة معينة من جهة، والقيام بتوزيع تلك الأموال على شؤون الحركة ولمصلحتها بين الأتباع وعلى مختلف النشاطات من جهة أخرى، والذي أطلق عليه نظام (الألفة)19. حتى أن بعض الأتباع كان يتنازل عن بعض الأموال الإضافية والممتلكات التي في حوزته لصالح الحركة. ويشير حسين مروة نقلا عن الطبري إلى أن القرامطة استطاعوا بتلك الأموال بناء قلعة حصينة لهم قرب الكوفة سميت "دار الهجرة"، وبتسليح الأتباع20. ويشير عبد العزيز الدوري إلى علاقات العمل والتوزيع الممتاز والمنصف بين القرامطة فيقول: " وأخذ كل فرد يشتغل بجد وإخلاص لخير المجموع، وذلك ليحتل المركز الذي يليق بخدماته. فالنساء يأتين بما يحصلن عليه من الغزل، وحتى الأطفال يقدمون الجعل الذي يحصلون عليه من نظارة الحقول، وليس لأحد ملك عدا سيفه وسلاحه. وقد قال حمدان لأتباعه أنهم في غنى عن المال لأن الأرض لهم"21. ويتابع الدوري قوله في مكان آخر منوها عن علاقة الثقة المتبادلة بين القائد والأتباع والحماسة التي استقبلوا بها تعليمات حمدان القرمطي مشيرا إلى ما يلي: "وقد قبل أتباع حمدان تدابيره بكل حماس، ولا سيما وأنه جعل ما يعطى للفرد يتناسب وحاجاته، بينما جعل مركزه الاجتماعي يتناسب وقابلياته لخدمة المجموع"22. اذ كان حمدان يعتقد، كما يرى الدوري، ب "أن سبب التذمر هو الشقاء المادي والحطة الاجتماعية، وأنه لا يمكن تحقيق المساواة الاجتماعية دون المساواة المادية. ولذلك كان لا بد من قطع دابر الفقر..."23.       
•   قدّم قرامطة البحرين نموذجا متميزا وغير معهود في ذلك الزمان حين أقاموا جمهوريتهم أو دولتهم المستندة إلى بنية اجتماعية جديدة وتنظيم جديد للعمل وعلاقات إنتاج غير معهودة، وخاصة في موقفهم من الأرض كوسيلة إنتاج أساسية وكذلك من الإنتاج وتوزيعه بين افراد المجتمع القرمطي، وكذلك في موقفهم من تربية الأطفال ورعاية الشيوخ أو العجزة والمعوقين.
وساهمت حركة القرامطة في البحرين في توضيح بعض القضايا الفكرية والاجتماعية التي لم تستطع حركة القرامطة في العراق تحقيقها بسبب عجزها عن الوصول إلى السلطة في الكوفة او في البصرة او في بغداد، ولكنها كانت تقف معها على ارضية واحدة. فالرحالة الفارسي ناصر خسرو الذي زار البحرين في فترة وجود هذه الدولة القرمطية يشير إلى الدور الذي لعبته الدولة الجديدة في تنظيم الاقتصاد وحياة الناس. كتب ناصر خسرو الذي زار الأحساء سنة 445 هجرية / 1052 م، كما جاء في كتاب تاريخ الفلسفة العربية للكاتبين حنا الفاخوري وخليل الجر، يقول: "إنّ في الأحساء طواحين تخصُّ الحكومة وهي تطحن للناس مجانا لأن الحكومة نفسها تنقد الفعلة اجورهم وتقوم بجميع نفقات الطواحين"24. ويورد السيد عارف تامر مؤلف كتاب القرامطة نصا مقتبسا من كتاب سفر نامة أيضا للرحالة الفارسي ناصر خسرو علوي حول تنظيم الإنتاج وزيادة إيرادات الدولة حينذاك بقوله: "كان في الأحساء أكثر من عشرين ألف محارب، ولما توفي أبو سعيد الجنابي انتقلت الحكومة إلى مجلس شورى مؤلف من ستة من الدعاة كانوا يحكمون بالعدل والانصاف، وكان لهذه الحكومة ثلاثون ألف عبد زنجي يشتغلون بالزراعة وفلاحة البساتين، وليس عندهم ضرائب ولا أعشار، وإذا افتقر أحدهم أو استدان، أعانه الآخرون ليستعيد وضعه، فليس للدائن غير رأسماله، وكل غريب ينزل المدينة وله صناعة، يعطى ما يكفيه من المال ليشتري ما يلزم صناعته من عدد وآلات، وهناك بيوت معدة لسكنى الفقراء على حساب المجموع، وقد شاهد في الأحساء أيضا طواحين تملكها الدولة وتدير شؤونها، وهذه الطواحين مهمتها طحن الحبوب للرعية مجانا"25. جاء في كتاب سفر نامة لصاحبه ناصر خسرو بهذا الصدد النص التالي: "وفي الحسا مطاحن مملوكة للسلطان تطحن الحبوب للرعية مجاناً، ويدفع فيها السلطان نفقات إصلاحها وأجور الطحانين، وهؤلاء السلاطين الستة يسمون السادات، ويسمى وزراؤهم الشائرة، وليس في مدينة الحسا مسجد جمعة، ولا تقام بها صلاة أو خطبة، إلا أن رجلا فارسيا اسمه علي بن أحمد بنى مسجداً، وهو مسلم حاج غني كان يتعهد الحجاج الذين يبلغون الحسا، والبيع والشراء والعطايا، والأخذ يتم هناك بواسطة رصاص في زنبيل بزن لك منها ستة ألاف درهم، فيدفع الثمن عدداً من الزنابيل، وهذه العملة لا تسري في الخارج، وينسجون هناك فوطا جميلة، ويصدرونها للبصرة وغيرها"26.       
•   إن لجوء القرامطة في تنظيم اتباعهم في الحركة إلى السرية في العمل انطلق من الرغبة في حماية أتباع الحركة من الإرهاب الذي كانت تتعرض له الحركات الفكرية والسياسية المعارضة حينذاك، خاصة وأن المسؤولين العباسيين كانوا قساة على معارضيهم وخصومهم ومن كان يعمل ضدهم لا تعرف الرحمة طريقها إلى قلوبهم ولا يتورعون عن ممارسة التعذيب والتمثيل بضحاياهم ودفنهم وهم أحياء. وفي هذا الموقف تجلي نسبي لمفهوم التقية عند المسلمين عموما والشيعة منهم بوجه خاص، ولكنهم كانوا يدافعون عن مبادئ حركتهم عند الأسر بثقة عالية بالنفس والمعتقد، رغم أنهم كانوا يتعرضون للتعذيب والموت على أيدي أتباع الخلافة العباسية. والتقية أو سرية العمل التي التزموا بها هي التي دفعت أبو حامد الغزالي إلى رفض توبة قادتهم بشكل خاص باعتبارهم لا يظهرون ما يبطنون. كما تطرف بفتواه إلى حد "القول بعدم جواز الزواج منهم وعدم ائتمانهم على وظائف الدولة"27. كتب الغزالي يقول: "وأما إبضاع نسائهم فإنها محرّمة، فكما لا يحلّ نكاح مرتدة لا يحلّ نكاح باطنية معتقدة لما حكمنا بالتكفير بسببه من المقالات الشنيعة التي فصلناه. ولو كانت متدينة ثم تلقفت مذهبهم انفسخ النكاح في الحال إن كان قبل المسيس، ويوقف على انقضاء العدة بعد المسيس…"28. كما حرم الغزالي أن يرث بعضهم بعضا واعتبر جميع الباطنيين كفرة أو مرتدين29.       
ويبدو أن القسوة البالغة التي تعرض لها قرامطة العراق من جانب الخلافة العباسية والمحاربة الفكرية من جانب الفكر الديني الرجعي والمحافظ والرسمي، وعلى رأسهم الإمام الغزالي، قد دفع بهم إلى مواجهة العنف بالعنف، أو السن بالسن والعين بالعين، مما دفع المؤرخين إلى اتهامهم بالقسوة أيضا. الا أن قسوة الخلافة ومحاربتهم المستمرة قد شملت قرامطة البحرين والشام وغيرهم. مما دفع بقرامطة البحرين إلى ممارسة أعمال عنف وقتل غير مبررة ضد الحجاج إلى مكة والتي أضرت بالحركة وسمعتها وتأثيرها. كما أن نقل الحجر الأسود من مكة إلى البحرين واستمرار وجوده هناك 22 عاما يعبر في جوهره عن عدة مسائل مهمة هي:
•   أن الحركة القرمطية في البحرين كانت كما يبدو لا تعتقد بسلامة العبادة لله عبر الحجر الأسود، فهو في وعيها لا يعدو كونه صنما من الأصنام التي كانت تقوم بعبادته الأعراب في الجاهلية وقبل مجيء الإسلام؛
•   الجانب التجاري الذي كانت تهتم به دولة القرامطة أذ كانت تريد "تحويل مكاسب الحج إلى حكام هجر" كما يشير إلى ذلك اللأذقاني30.
•   رفض الخليفة العباسي المقتدر منح أبو سعيد الجنابي شؤون الولاية على البصرة والأهواز31.
•   للتدليل على عجز الدولة العباسية عن حماية رعاياها، وبالتالي يمكن أن يتعرض كل إنسان فيها لمخاطر غير معروفة العواقب، إذ أن الدولة ضعيفة ومشتتة.     
تشير المصادر التي تحت تصرف البحث إلى أن حركة القرامطة خاضت في العراق معارك دامية وتلقت ضربات قاسية من قوات الخلافة العباسية، إلا أنها حملت قوات الخلافة العباسية خسائر كبيرة أيضا، كما إنها كانت بعد كل ضربة تبرز مرة أخرى قوية وقادرة على المنازلة. وهكذا استمرت حركة القرامطة في كفاحها وعملياتها العسكرية والإعلامية ضد الدولة العباسية حتى قيامها بالثورة في عام 316 هجرية/928 م، حيث خاضت قوات القرامطة في سواد واسط وفي مناطق عين تمر معارك قاسية لم تستطع الصمود في وجه قوات الخلافة وانتهت إلى اندحارها في تلك المعارك، وإلى تراجع نشاط الدعوة في العراق. وتحتل أهمية بالغة تلك الرايات التي رفعتها الحركة في ثورتها حيث كتب عليها، كما يشير إلى ذلك الدكتور عبد العزيز الدوري نقلا عن أبن الأثير: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين"32.
إن الدراسة المتأنية للحركات الفكرية الثورية في العراق تؤكد جملة من الاستنتاجات المهمة التي نحن بحاجة إليها لا لفهم الماضي فحسب، بل ومعرفة مدققة للواقع الراهن وسبل التعامل مع المستقبل ايضا. فالحركات الفكرية التي شهدها العراق في العهدين الأموي والعباسي أكدت على أن الأرضية التي استندت إليها المعارضة كان الإسلام ذاته، ولكنه لم يكن الإسلام الرسمي الذي التزم به الخلفاء ودافع عنه، بل انطلق من مواقع المعارضة السياسية التي رفضت الطريقة التي تعامل بها الخلفاء والولاة أو رجال الدين الذين ارتبطوا بالحكم وأخضعوا فتواهم لمصلحة السلطة السياسية منطلقين من كون ما هو قائم يستند إلى إرادة الله التي لا يمكن تبديلها، إنها قدر الحكام والرعية في آن واحد. وبرهن الإنسان العراقي على ممارسة عقلية حيوية قادرة على التفاعل مع الواقع القائم ومع حاجات الناس، وترفض الانصياع للقاعدة القائلة "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، أو لا يمكن تغيير القدر. ولهذا كانت برامج بعض تلك الحركات ينطوي على فهم للواقع ورغبة في تغييره وسعي لذلك في آن واحد. وبرهنت قوى المعارضة الفكرية والسياسية على قدرتها على فهم سبل الدعاية والتنظيم ودور الدعاة في نشر الدعوات بين الناس وأهمية تقديم النموذج الصالح لما يسعون إليه. وهذا لا يعني بأن الحركات الفكرية كانت متكاملة ولم تبتلى بنواقص وأخطاء أو إساءات. فهذه الحقيقة تشمل ثورة الزنج، كما تشمل حركة القرامطة أو غيرها من الحركات الفكرية التي كان عليها أن تحارب دولة كبيرة ذات إمكانيات مالية وبشرية وعسكرية غير قليلة. فعلى سبيل المثال لا الحصر وعد صاحب الزنج علي بن محمد أتباعه الثوار في أن يكون لهم عبيدا حالما تنتهي الثورة بالانتصار، في حين أنهم كانوا يناضلون ضد عبوديتهم. وهذا يدلل على أن قائد الثورة المؤمن بالإسلام لم يكن قد تخلى عن النص القرآني الذي لا يحرم وجود واقتناء العبيد، وبالتالي يسمح بوجوده أيضا لدى العبيد الذين سيحررهم. ولا يعرف ما إذا كانت هذه النقطة من بين العوامل التي منعت حصول اتفاق بين قائد ثورة الزنج وقائد الحركة القرمطية. ويمكن أن يورد الإنسان أخطاء أخرى لثورة الزنج ومنها تعذيب الأسرى أو القسوة في التعامل، وهكذا بالنسبة إلى حركة القرامطة. ولكن لا يمكن تصور أن حركة من هذا النوع وفي تلك الظروف وفي مستوى الوعي الذي كان عليه القادة والأتباع والمعين الذي استقوا منه أفكارهم ما كان في مقدورهم تجنب مثل تلك الأخطاء أو غيرها، ولكن لا يجوز القبول بها أو تبريرها.       
•   يضاف إلى كل ذلك حقيقة أن الدولة العباسية كانت تمارس سياسات الاستبداد الفكري والسياسي على نطاق واسع وفي مختلف العهود التي مرت بها، وكانت سببا آخر في وقوع الثورات ضد العباسيين. كما جوبهت تلك الحركات الفكرية بالعنت ومحاولة تصفيتها بدلا من التفكير في الأسباب التي قادت إلى وقوعها وسبل تجاوزها ومعالجة آثارها. 
•   ولا شك في أن الطبيعة الاستبدادية للحكم وسياسات الإرهاب ضد المثقفين والمتنورين والمفكرين وغياب العدالة الاجتماعية وتحكم فئة صغيرة بمصائر الناس قد ساعدت كلها على بروز مناورات ومؤامرات ليست داخلية فحسب، بل وخارجية أيضاً. بمعنى آخر كانت العوامل الداخلية سببا في تزايد الأطماع الخارجية بالدولة العباسية والتي كانت في المحصلة النهائية سبباً إضافياً في قبرها، إذ كانت الجبهة الداخلية مهورة من الداخل وغير قادرة على المقاومة ومواجهة العدوان الخارجي. 

المصادر والهوامش


1 أنظر: زكار، سهيل د، أخبار القرامطة في الأحساء واليمن والشام والعراق، دار حسان للطباعة والنشر، دمشق، سوريا، 1982، المدخل ص 5-77. 

2 ملاحظة: تُنسب الحركة الإسماعيلية إلى إسماعيل، الأبن البكر لجعفر بن محمد الصادق، الأمام السادس عند الشيعة، وتوفي إسماعيل ووالده كان ما يزال على قيد الحياة، واعتبر بعض أتباع جعفر الصادق بأن إسماعيل، رغم وفاته المبكرة وفي أثناء وجود أبيه على قيد الحياة، أنه الوارث للإمامة، وليس الهادي الأبن الثاني لجعفر الصادق، والذي يعتبر عند الشيعة الإمامية الإمام السابع، نشأت هذه الحركة من أتباع له بعد وفاته وفي إطار الفكر والمذهب الشيعي الذي بناه وقوّمه وكرسه جعفر الصادق على نحو خاص، ولكن الأتباع اجتهدوا ونمو عددياً، ثم اختلفوا ونشأت منهم وعنهم حركات كثيرة، كلها اقترنت باسم الإسماعيلية، وأطلق أتباع المذهب السني على هذه الحركة بالباطنية بسبب اعتمادهم على التفسير والتحليل المعمق لبواطن الأمور بدلا من الاستدلال عليها من ظاهرها فقط، وأطلق عليهم بالسبعية ايضا، باعتبار إسماعيل بن جعفر بن محمد الصادق هو الإمام السابع بعد والده، أشار أبو حامد الغزالي إلى السبعية بما يلي: " وأما "السبعية" فإنما لقبوا بها لأمرين: أحدهما: اعتقادهم أن أدوار الإمامة سبعة، وأن الانتهاء إلى السابع هو آخر الدور، وهو المراد بالقيامة؛ وأن تعاقب هذه الأدوار لا آخر لها قط، والثاني: قولهم إن تدابير العالم السفلي، أعني ما يحويه مقعر فلك القمر منوطة بالكواكب السبعة التي أعلاها زُحل، ثم المشتري، ثم المرّيخ، ثم الشمس، ثم الزهرة، ثم عطارد، ثم القمر، وهذا المذهب مسترق من ملحدة المنجمين وملتفت إلى مذاهب الثنوية في أن النور يدبر أجزاؤه الممتزجة بالظلمة بهذه الكواكب السبعة، فهذا سبب التلقيب،،“ راجع في هذا الصدد: فضائح الباطنية مصدر سابق، ص 12، واعتبر الغزالي الإسماعيلية من الباطنية التي تسري عليها أحكامه على بقية الجماعات التي سميت بالباطنية، ومنها الحركة القرمطية والبابكية والعديد غيرها من الحركات الفكرية في ا لإسلام حينذاك أو فيما بعد أيضاً.         
3 أنظر: اللاذقاني، محي الدين، ثلاثية الحلم القرمطي، ص62.
4 أنظر: يان دي خويه، ميكال، القرامطة، ترجمة حسني زينة، دار أبن خلدون، القاهرة، 1960، ص 36.
5ملاحظة:  جاء في هذا الكتاب (كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة) أن الداعية كان يطلب من المريد الجديد أن يدفع له بعد نهاية كل درجة وقبل بلوغها مبلغا قدره اثنى عشر دينارا، وهكذا يكون عند بلوغه نهاية الدرجات قد دفع 72 دينارا للداعية، ص 205-210.
6 أنظر: زكار، سهيل د، أخبار القرامطة في الأحساء والشام واليمن والعراق، مصدر سابق، ص 27-210.
7 ملاحظة: إن من يقرأ هذه الكتابات والدس الرخيص على تلك الحركات ويتذكر الدس الرخيص الذي ملأ أكداسا من الكتب التي صدرت في عقود القرن العشرين لتشويه سمعة الأحزاب الشيوعية والاشتراكية من خلال الادعاء بأنها ذات اتجاهات وأفكار إباحية، وهي محاولة خائبة استهدفت أبعاد الناس عن تلك الأحزاب التي استقطبت جمهرة واسعة جدا من الكادحين والمثقفين باعتبارها ضمن حركات ثورية مدافعة عن حقوق وحريات العمال والفلاحين وسائر الكادحين وضد أشكال الاستغلال والقمع التي كانوا وما زالوا يتعرضون لها في المجتمعات العربية والإسلامية وفي غيرها أيضا.   
8 أنظر: العلوي، هادي، فصول من تاريخ الإسلام السياسي، الكتاب الثاني، الاغتيال السياسي في الإسلام، ط 1، مركز الابحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، نيقوسيا-قبرص، 1995، ص 249.
9 المصدر السابق نفسه، ص 249.
10 أنظر: يشير د، سهيل زكار، صاحب كتاب "أخبار القرامطة في الأحساء والشام واليمن والعراق"، إلى ما يلي بشأن أصل كلمة القرامطة:
"في المصادر المبكرة والمعاجم اللغوية نجد معنى القرمطة: اللون الأحمر أو مقاربة الخطوة، أو دقة الكتابة وتداني الحروف والسطور أو النقص، هذا ومن أفضل ما قيل في تعريفها ما أورده أبن العديم في كتابه بغية الطلب حيث قال: "وإنما سموا القرامطة: زعموا أنهم يدعون إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر بن علي، ونسبوا إلى قرمط، وهو حمدان بن الأشعث، ما كان بسواد الكوفة، وإنما سمي قرمطاً لأنه كان رجلا قصير، وكان رجلاه قصيرتين، وكان خطوه متقارباً، فسمي بهذا السبب قرمطاً… وذكر بعض  العلماء أن لفظة قرامطة، إنما هي نسبة إلى مذهب يقال له القرمطة خارج عن مذاهب الإسلام، فيكون على هذه المقالة عزوه إلى مذهب باطل لا إلى رجل"، وذكر  بعض آخر إنما هو نسبة إلى "بني قرمطي بن جعفر بن عمرو بن المهيأ … بن عامر بن صعصعة،“ ثم يقول: "… بأن كلمة "قرمطة" هي كلمة آرامية تعني "العلم السري،“"  ص 44-45.
11 أنظر: الدوري، عبد العزيز د، تاريخ الاقتصاد العراقي في القرن الرابع الهجري، مصدر سابق، ص 96.
13 المصدر السابق نفسه، ص 96.
14 أنظر: تامر، عارف، القرامطة أصلهم-نشأتهم-تاريخهم-حروبهم، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.
15 أنظر: مروة، حسين، النزعات المادية في الإسلام، الجزء الثاني، مصدر سابق، ص 19.
16 أنظر: اللاذقاني، محي الدين د، ثلاثية الحلم القرمطي، مصدر سابق، ص 82.
17 المصدر السابق نفسه، ص 71.
18 المصدر السابق نفسه، ص 63.
19 أنظر: الدوري، عبد العزيز د، تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، مصدر سابق، ص 98.
20 أنظر: مروة، حسين، النزعات المادية في الإسلام، مصدر سابق 19.
21 أنظر: الدوري، عبد العزيز، تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، مصدر سابق، ص 98.
22 المصدر السابق نفسه، ص 98.
23 المصدر السابق نفسه، ص 98.
24 أنظر: فاخوري، حنا والجر، خليل، تاريخ الفلسفة العربية، في جزئين، ط 3، دار الجيل، بيروت، 1993، الجزء الأول، ص 219.
25 أنظر: عارف، تامر، القرامطة- أصلهم - نشأتهم،، ، مصدر سابق، ص 99/100.
26 أنظر: خسرو، ناصر، سفر نامة، في كتاب زكار، سهيل د، أخبار القرامطة… ، مصدر سابق، ص 196.
27 أنظر: اللاذقاني، محي الدين، ثلاثية الحلم القرمطي، مصدر سابق، ص 62.
28 أنظر: الغزالي، أبو حامد، فضائح الباطنية، مصدر سابق، ص 96.
29 المصدر السابق نفسه، ص 96.
30 المصدر السابق نفسه، ص 72/73.
31 المصدر السابق نفسه، ص.
32 أنظر: الدوري، عبد العزيز، تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، مصدر سابق، ص 99,


34
كاظم حبيب
الانتخابات في الدولة الفاسدة بسلطاتها ونخبها الحاكمة
حين كان الشعب يعيش في ظل الحكم الملكي بالعراق، ولاسيما بالخمسينيات من القرن العشرين كان يمارس عملية الانتخابات البرلمانية بغضب وانزعاج شديدين، لأنه كان يدرك تماماً بأن الحكومات العراقية المتعاقبة تمارس التزوير والتزييف العلنين لصالح مرشحي حزب الاتحاد الدستوري (تأسس 1951، الذي كان يتزعمه نوري السعيد (1988 – 1958م) أولاً، وللحزب المماثل له من حيث الفكر والسياسة الاقتصادية والاجتماعية، حزب الأمة الاشتراكي (تأسس 1951)، الذي كان يتزعمه صالح جبر (1896 – 1957م).  كان أحدهما يضم في عضويته أكثرية سنية، وقلة شيعية ومسيحية، والثاني كان يضم في عضويته أكثرية شيعة وأقلية سنة ومسيحية. وكان نوري السعيد يتحدى أتباعه وخصومه الذين يترشحون لعضوية مجلس النواب بأنهم لا يستطيعون الفوز بمقعد في المجلس النيابي لولا تأييد الحكومة لهم، وبتعبير آخر لولا تزوير الحكومة لنتائج الانتخابات لصالح من تريد فوزه. ولم يجرأ أي نائب في مجلس النواب الرد على هذا التحدي لأنهم كانوا يدركون هذه الحقيقة المرة. لقد كان نوري السعيد في ذلك صريحاً وشفافاً جداً، فهو يعرف ما يجري ويوجه العمل بما يريد وما يرضي نهجه الفكري والسياسي. كان السعيد صديقاً مخلصا لبريطانيا، وكان يعتقد بأنها الدولة الوحيدة القادرة على حماية العراق من أطماع تركيا وإيران أساساً، ومن غزوات السعودية التي كان يتعرض لها العراقيون في الوسط والجنوب بين فترة وأخرى، ولاسيما في نهايات "الرجل المريض"، الدولة العثمانية. وكان مؤمناً بالرأسمالية على الطريقة التي تشتهيها بريطانيا للعراق!!
وحين فازت الجبهة الوطنية في العام 1954 بـ 11 نائباً لا غير من مجموع 135 نائباً، استفز هذا النجاح الجزئي النخبة الحاكمة ونوري السعيد والبلاط الملكي والاستعمار البريطاني، فتقرر أن يقدم أرشد العمر استقالة وزارته، التي أجرت الانتخابات، وأن يكلف نوري السعيد بتشكيل وزارته الثانية عشر (12) في العام 1954، وكان شرط نوري السعيد لتشكيل وزارته الجديدة حل المجلس النيابي وإجراء انتخابات جديدة ليتخلص من النواب الديمقراطيين. وكان له ما أرد. فبعد تشكيل الوزارة أصدر مجموعة من المراسيم الاستبدادية، بضمنها: حل مجلس النواب وحل جميع الأحزاب السياسية، بما في ذلك حزبه، ومنع وحبس من يمارس النشاط الطلابي والشبابي والنسائي والسلام وما شاكل ذلك، إضافة إلى إسقاط جنسية كوكبة من المناضلين الشيوعيين والديمقراطيين العراقيين حينذاك. ثم أجرى الانتخابات في ظل تلك المراسيم والاعتقالات والتوجه صوب عقد حلف بغداد الذي تم له ذلك في العام 1955. وحين أجرى الانتخابات الجديدة فاز 121 نائباً بالتزكية، وهم من مجموعات النخب الحاكمة الملكية، و14 نائباً فازوا بشكل صوري، كما يشير إلى ذلك المؤرخ عبد الرزاق الحسني في الجزء التاسع من كتابه تاريخ الوزارات العراقية، وأغلبهم كان من مؤيدي الحكم. وأصبح النواب الديمقراطيون ألـ 11 خارج قبة البرلمان. وفي العام 1956 هتف نوري السعيد في إذاعة وتلفزيون بغداد "دار السيد مأمونة"، وجاءه الجواب في ثورة تموز 19058.
لقد أسس الحكم الملكي الأرضية الفاسدة لكل ما حصل لاحقاً من مآسي ونكبات بالعراق، فهو النظام الذي بدأ الإخلال ببنود الدستور العراقي لعام 1925 تشريعاً ونهجاً وسياسة، مما أدى إلى بروز كراهية شديدة ورفض تام للحكم الملكي الإقطاعي الرجعي، الذي يحن له البعض حالياً، بسبب ما عانوه لاحقاً ومازالوا، من النظم السياسية الأكثر بشاعة وفاشية!
اما البرلمان العراقي في عهد البعث وأحمد حسن البكر وصدام حسين فكان ألعوبة بيد قوى النظام الشمولي، بيد مجلس قيادة الثورة وقيادة حزب البعث، ولاسيما بيد الدكتاتور صدام حسين. وكان الفوز لقائمة البعث مضموناً أكثر من 100%، ولا يمكن أن يترشح شخص ما، ما لم تصدر موافقة عليه من قيادة حزب البعث. وكانت عدد الأوراق الموضوعة في الصناديق أكثر من عدد من يحق لهم التصويت والمقترعين. وأخيراً تم انتخاب صدام حسين مدى الحياة لرئاسة الجمهورية، وأنهوا بذلك مسرحية انتخاب الدكتاتور السمجة! وكانت الكراهية والحقد والرغبة في الخلاص من النظام البعثي قد وصلت مداها الأقصى، ولكن ضعف المعارضة، التي كان الاستبداد قد قصم ظهرها، لم تستطع إسقاطه، فاستعان أغلبها بمن لا يجوز الاستعانة به لإسقاط الدكتاتورية، فكان لها ما أرادت، فشُنّت حرب خارجية عبر تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة وخارج إطار الأمم المتحدة وأسقط النظام، وأقيم على أنقاضه النظام السياسي الطائفي المحاصصي الذي مازال يُذيق الشعب العراقي الأمرين.   
وبالدولة العراقية الزاخرة بالطائفية والفساد والإرهاب، جرت أربعة انتخابات عامة، ثلاثة منها في 2006 و2010 و2014 وكانت مزورة 99%، ومن فاز بشخصه وخلقه كان لا يتجاوز عدد أصابع اليدين. وحين اتهمت المعارضة الانتخابات بالتزوير احتج الحاكمون والفائزون فيها، عدا أولئك القلة الذين فازوا بسبب التزامهم برنامجاً للتغيير، إذ أكدوا على كون الانتخابات مزورة فعلاً. والمزورون السابقون يعرفون كيف تزور الانتخابات من حيث الأساليب والأدوات والتقنيات ...الخ.
لم تختلف انتخابات 2018 كثيراً أو قليلاً عن الانتخابات السابقة من حيث ممارسة التزوير وتزييف الإرادة وتقديم الرشاوى، ولكن أول من انبرى بالحديث عن التزوير والتزييف هم من شاركوا دوماً بذلك، هم من حكموا البلاد وما زالوا يحكمون، هم من خسر الكثير من قادتهم الانتخابات الأخيرة، وهم أدرى بما جرى ويجري في الانتخابات من تزوير وتزييف لإرادة الناخبين واستغلال فقر الناس وجهلهم ودينهم. هذه الانتخابات التي أطهرت النتائج تغيير 70% من أعضاء المجلس الحالي، هي التي جعلت المجلس المزور نفسه يعقد جلسة ليعلن عن قرارات تطالب بإلغاء أو إعادة النظر بصناديق الاقتراع وحساب ما تبقى منها باليد، إضافة إلى إعادة حسابها بالمكائن الحديثة أيضاً.
ما هي الخشية التي تراود المجلس الحالي الذي تنتهي ولايته في نهاية هذا الشهر، حزيران/يونيو 2018؟ إنهم يعتقدون، وهم في الغالب الأعم من أتباع أو من مؤيدي الوجود الإيراني الكثيف والحاسم بالعراق، وهم من خسر جزئياً في الانتخابات، لأنه قد تحالف مع إيران أيضاً، كما في حالة رئيس مجلس النواب وقائمته، بأن المجلس مقبل، إذا تشكلت أكثرية من "سائرون" ومن يتحالف معها، ستغير بعض أوجه المعادلة في غير صالح إيران والولايات المتحدة، وهم يستندون في ذلك إلى البرنامج الانتخابي لـ"سائرون". وهم يخشون على مصالحهم الشخصية وعلى ما مارسوه من نهب وسلب لثروة العراق وموارده النفطية والمالية وقوت الشعب. إنهم يعتقدون، بالرغم من خسارة الكثير منهم، إنهم ما زالوا في الحكم وهم يهيمنون على أجهزة الدولة وهم قادرون على الدفع بالاتجاه الذي يريدون، فهل سيغير التحالف الجديد هذا الاعتقاد، ولا يسمح بمجيء الزمر التي قادت البلاد إلى جحيم داعش والموت والخراب والفساد والجوع والحرمان والتشرد والنزوح والهجرة؟
لم تشر الانتخابات إلى تغيير كبير في النتائج، ولكنها أشارت إلى مسألة مهمة، هي أن النظام الطائفي مرفوض بالعراق، فهل سينجح الشعب في وأد حلم الجماعة التي تسببت في آلام الشعب طيلة 15 عاماً، ترأس مجلس الوزراء؟ لا يمكن التنبؤ بشيء واضح، فالأرقام مختلطة، والقوى الخارجية، ولاسيما إيران تلعب دوراً سيئاً مستمراً لتشكيل تحالف يحاول أن يغري الكرد وبعض القوى ليعود من سلَّمَ العراق إلى داعش، أو من يماثله في النهج والممارسة، إلى رئاسة الوزراء، وهو الأمر الذي سيشكل استمرار نكسة ونكبة العراق الجارية حتى الآن!!
إن ما ينبغي الانتباه له والاهتمام به في هذه الفوضى "الخلاقة!!!"، التي دعت لها وزيرة خارجية الولايات المتحدة كونداليزا رايس، والتي يعيشها شعب العراق وبقية شعوب منطقة الشرق الأوسط عموماً. هي أن وحدة وتعاون وتنسيق القوى المدنية والديمقراطية العراقية التي يمكن ويفترض ان تكون الضمانة الفعلية لإقامة الدولة الديمقراطية العلمانية التي تعتمد مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والعدالة الاجتماعية باعتبارها القواعد الثابتة لحكم العراق وبعيداً عن التمييز الديني والمذهبي والقومي أو أي شكل من أشكال التمييز الأخرى، التي عاش الشعب العراقي تحت وطأتها وظلمها طيلة ما يقرب من ستين عاماً عجافاً ويبابا، عذا فترة قصيرة من حكم الزعيم عبد الكريم قاسم.
             

35
كاظم حبيب

سيبقى الحزب الشيوعي العراقي شوكة في عيون أعداء الشعب والوطن!
قبل أشهر قليلة أحتفل الحزب الشيوعي العراقي بعيد ميلاده الرابع والثمانين، وسيبقى يشعل شموع ميلاده المتجدد عقوداً وعقوداً قادمة، وفي أجواء يناضل من أجلها، من أجل سيادة الشعار الذي رفعه ونادى به سكرتير عام الحزب الشيوعي العراق للعراق وشعبه، الرفيق فهد، "وطن حر وشعب سعيد"، هذا الشعار الذي أرّق ويؤرّق دوماً كل أعداء الشعب والوطن منذ ولادة الحزب، بل ومنذ أن تشكلت أولى الخلايا الشيوعية بالبصرة والناصرية في العام 1929، ومنذ أن أصدر فهد بيانه الأول في 13 كانون الأول/ديسمبر عام 1932 حاملاً "شعار المطرقة والمنجل، ويا عمال العالم اتحدوا، ويعيش اتحاد جمهوريات عمال وفلاحي البلاد العربية"، ثم وقع البيان باسم "عامل شيوعي" وتم تعليق البيان في 18 مكاناً بالناصرية.
لقد واجه الحزب عنت واضطهاد وقمع الحكومات المتعاقبة. ففي حينها لم تتحمل الحكومة الملكية القومية الشوفينية حينذاك، حكومة ناجي شوكت الأولى، التي تشكلت في تشرين الأول 1932 واستقالت في اذار/مارس 1933، هذا البيان ونشاط الخلايا الشيوعية وفهد بالناصرية، فاشتكت لدى الشخصية الوطنية والاجتماعية المعروفة ورئيس الحزب الوطني محمد جعفر أبو التمن بأن مساعد رئيس فرع الحزب في الناصرية شخص "هدام"، والمقصود هنا فهد، فرد عليهم أبو التمن بكلمة جديرة بالتذكير لمن لا يتحلى بالوطنية وحب الشعب، إذ قال إنه ليس هداماً، بل انه بناء يحاول ان يبني مع الفلاحين والضعفاء حياة سعيدة للناس وانني اعضده بما املك من طاقة". وحين تشكلت حكومة رشيد عالي الگيلاني الأولى بادرت إلى اعتقال فهد بالناصرية في العشرين من شباط/فبراير 1933 وقدمته إلى المحاكمة، فكان أول مواطن عراقي يدافع عن الشيوعية ويعترف بأنه شيوعي امام المحاكم، حيث أعلن في المحكمة أمام القاضي والحاضرين "انا شيوعي وهذا معتقدي". وأطلق سراحه بتدخل من الزعيم جعفر ابو التمن، إذ لم يكن قد صدر حينذاك قانون تحريم الشيوعية السيئ الصيت، بل صدر في العام 1938، وفق المادة (89 أ) من ق. ع. ب. والذي نص على ما يلي:  نحن ملك العراق وبموافقة مجلس الأعيان والنواب أمرنا بوضع القانون الآتي :- مادة 1، 1- يعاقب بالأشغال الشاقة أو الحبس مدة لا تزيد على سبع سنين أو بالغرامة أو بهما كل من حبذ أو روج بإحدى وسائل النشر المنصوص عليها في المادة 78 من هذا الـ (القانون) أيا من المذاهب الاشتراكية البلشفية الشيوعية والإباحية وما يماثلها التي ترمي إلى تغيير نظام الحكم والمبادئ والأوضاع الأساسية للهيئة الاجتماعية المضمونة بـ (القانون) الأساسي". وكان نص القانون ضد مضمون الدستور العراقي لعام 1925!!
لقد جرب النظام الملكي وجرب القوميون والبعثيون في العام 1963، ومن ثم البعثيون في العام 1970/1971 وفي 1978، والسنوات اللاحقة إلى حين إسقاطهم، تصفية الحزب الشيوعي العراقي باعتقال وسجن وقتل قياداته وكوادره والآلاف من أعضاء وأصدقاء ومؤيدي الحزب، ولكنهم جميعهم فشلوا في ذلك فشلاً ذريعاً، بل انتهوا إلى قير وبئس المصير، في حين لا يزال الحزب الشيوعي وسيبقى صامداً رافعاً راية النضال في سبيل الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية، الدولة الحديثة، بوجه كل أعداء الشعب والوطن، أعداء الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، أعداء حقوق القوميات والأمن والسلام والعدالة الاجتماعية بالعراق.
وخلال الأعوام المنصرمة، ومنذ قيام النظام السياسي الطائفي والشوفيني في أعقاب إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة، حاول هؤلاء الأوباش أعداء الشعب والوطن من جديد الاعتداء على الحزب ومقراته واغتيال العديد من خيرة كوادره ورفاقه محمين بغطاء المتنفذين في السلطة وخارجها، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، الرفيق الشهيد سعدون (وضاح حسن عبد الأمير) والرفيق الشهيد كامل عبد الله شياع، إضافة إلى عمليات تدمير وتخريب واغتيال جرت على أيدي هؤلاء الأوباش ضد كل الشعب العراقي.
وفي مساء 25/05/2018 "تعرض مقر الحزب الشيوعي العراقي في شارع الأندلس بوسط بغداد إلى عدوان آثم بعبوة محلية الصنع ألقيت في حديقة المقر، من دون أن توقع خسائر بشرية، عدا بعض الاضرار المادية جراء الانفجار"، كما جاء في تصريح للمكتب السياسي للحزب. إن هذا العمل الجبان لم يكن بهدف قتل بعض الشيوعين فحسب، بل وبالأساس بهدف الترويع وإشاعة الخوف من العمل مع الحزب، بعد أن برز نشاط الحزب ورفاقه وأصدقاء الحزب بشكل واسع قبل وأثناء فترة الانتخابات العامة الأخيرة، رغم إمكانيات الحزب المالية الشحيحة.
لم يكف من قام بهذا العمل ومن يقف وراءه بما فعلوه بالعراق خلال الأعوام المنصرمة من قتل وتدمير وترويع ونزوح وتهجير للسكان الآمنين، ولم يكفهم ما مارسوه من فساد هائل وتفريط كبير بأموال الشعب ونهب خيراته وتجويع النسبة العظمى من بنات وأبناء الشعب، ولم يكفهم بسبب تلك السياسات الغادرة والطائفية حتى النخاع، السماح باجتياح العراق وما فعله التكفيريون بأتباع الديانات والمذاهب بنينوى، من مسيحيين وإيزيديين وشبك وتركمان ومسلمين مخالفين لنهج التكفيريين، وضد أبناء وبنات بقية محافظات العراق الغربية، لم يكفهم جعل العراق واحداً من أكثر الدول فساداً ورثاثة وإرهاباً، بل هم يحاولون اليوم إشعال الفتنة من جديد والبدء بعمليات تستهدف نشر الفوضى والعبث بأمن المواطنات والمواطنين وتوفير فرصة فرض الوضع الذي يريدونه، خشية من أي تغيير أو إصلاح جذري يسعى إليه الشعب.
لن تستطيعوا النيل من الحزب الشيوعي العراقي ومن الشعب، ولن ترعبوه أيها الجبناء، يا من تعملون في الظلام كالخفافيش، رغم انكم مسندون داخلياً وإقليمياً، لا تملكون القدرة والكفاءة على مقارعة الحجة بالحجة، بل ديدنكم هو ديدن الفاشيين في كل مكان وزمان، الحقد والكراهية وممارسة الإرهاب والعنف وإشاعة الفوضى بالبلاد، ليحلوا لكم نهب البلاد وإملاء جيوبكم بالسحت الحرام!!! خسئتم يا من يحق لنا القول عنكم "عادت حليمة إلى عادتها القديمة، فبئس العودة وبئيس المصير!
 26/05/2018

36
كاظم حبيب
العراقيون الزرادشتيون


الزرادشتية ديانة قديمة يبلغ عمرها قرابة 3500 سنة، ظهرت بمنطقة أذربيجان بإيران والمنطقة التي يعيش فيها الكرد (أورمية) والتي يطلق عليها الفرس "الرضائية" أيضاً، إذ كانت ضمن دياناتهم القديمة، ولا زال هناك من يعتنقها بإيران والعراق، إضافة إلى دول أخرى مثل الهند. وهي ديانة توحيدية تؤمن بـ "الخالق غير المخلوق"، وتؤمن بوجود إلهين، أهورا مزدا "إله النور والخير"، إله العقل والحكمة والمعرفة، وأهريمان "إله الظلام والشر"، الإله الذي يرفض العقل والحكمة والمعرفة، وهما في صراع دائم. والزرادشتيون يقدسون العناصر الأربعة النار والماء والهواء والتراب، ويحرّمون تدنيسها، باعتبارها عناصر طاهرة. وعند الصلاة يتوجهون صوب النور ولاسيما الشمس. وقد شرح غاستون بلاشر العوامل التي دفعت الديانات القديمة إلى التركيز على هذه العناصر الأربعة ذات الأهمية الفائقة في حياة الإنسان، التي أدركها وعبر عنها زرادشت، على النحو التالي:
" - النار: تُضيء وتُدفئ، انها عُنصر قوة الانسان وسموه على العالم الحيواني ولكنها يمكن ان تنقلب ضده، فالنار تحرق، وهي على علاقة مع الشمس.
-  الماء يُطهر: إضافة إلى ذلك يعتبر مصدر الحياة أو التجدد، ومن هنا كان طقس الينابيع المنتشرة جداً، والشعائر الكثيرة في كل الديانات تقريباً.
-  الهواء: هو العنصر السماوي، ومن هنا يكون الارتفاع في المسيرة الروحية.
 - الأرض: رمز الخصب والخصوبة كذلك. ولها علاقتها مع الولادة والموت، والحيٌة هي رمز هذه الثنائية."1
 
الديانة الزرادشتية سبقت الديانات الكتابية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام، وانتشرت في منطقة واسعة من آسيا، ولم تتجاوزها، وهي ما تزال تجد بقايا لها في عدد من دول العالم الآسيوي، بما فيها إيران. كما برزت مجدداً بإقليم كردستان العراق، رغم إنها لم تختف يوماً.
ظهرت الزرداشتية كديانة في فترة بدأت فيها الديانة المثرائية بالأفول. وكان زرادشت أول من وضع أسسها وبدأ بنشرها، وتبنى بعض الجوانب المهمة من الديانة الميثرائية، وحلّت عملياً محلها. وتدريجاً اندثرت الديانة الميثرائية، وانتهت عبادة الإله العظيم مثراس Mithrasوحلت عبادة الإله "أهورا مزدا" محلها. وقد جاء ذكر الإله ميثرا "في أقدم الكتب المقدسة (ريك فيدا) باسم (ميثرا) وفي الآفستا باسم (ميثرا) بأنه اله النور حامي حمى الحقيقة وعدو الكذب والخطيئة ، وورد في (الآفستا) عن (ميثرا) بأنه يعاقب كل من حلف يمينا كذبا أو ينحرف عن الحق والصواب والنزاهة ، انه يحطم القبائل والجماعات المناهضة له، ويهب الصحة والصداقة والرجاء للذين يمجدونه ويكون حليفا مؤيدا لمن ينذرون أنفسهم له."2 فمن هو زرادشت؟

زرادشت
يعتبر زرادشت إحدى الشخصيات الإصلاحية التي ظهرت في منطقة الشرق الأوسط أو جنوب غرب آسيا. ويعتبره أتباع نبياً ضمن مجموعة الأنبياء الذين وضع كلا منهم ديناً يحمل الكثير من عقائد وطقوس وتقاليد الديانات السابقة، مع إضافة تعاليم وطقوس وعقائد دينية جديدة أو متقاربة. وحين الاطلاع عل جوهر الدين الزرادشتي سيجد فيه الكثير جداً من قيم وسمات وخصائص وطقوس أو عقائد الديانات السابقة له او تلك التي وجدت في ذات الحقبة الزمنية. كما إن العديد من الديانات التي ظهرت بعد ذاك أخذت من الزرادشتية أو غيرها جملة من القيم والأفكار والعقائد والطقوس الدينية، كما هو حال الدين الإسلام مع الديانة اليهودية والمسيحية أو هاتين الديانتين مع الديانات البابلية، والتي يمكن الاطلاع عليها في الرقم التي وجدن في حفريات بابل ونينوى وغيرها أو في التلمود البابلي الذي يعتبر أهم كتاب مقدس لدى يهود العالم بعد التوراة، والذي كتب ببابل. وكان الدين الزرادشتي أحد أهم الديانات التي مثلت القطيعة الفعلية مع تعدد الآلهة والأخذ بمبدأ الإله الواحد، كما هو حال الديانات الإبراهيمية أو قبل ذاك بالنسبة للديانة المندائية مثلاً.         
 الدراسات والأبحاث والكتب الكثيرة المنشورة عن زرادشت تشير إلى وجود تباين في مسالتين:
المسألة الأولى: يبرز التباين في أن البعض من الباحثين يعتبر شخصية زرادشت أسطورية ولم تكن موجودة أصلاً، في حين هناك الغالبية العظمى من الباحثين، ولاسيما من الشرق، يؤكدون وجود مثل هذه الشخصية والشواهد على ذلك كثيرة ومهمة، ويمكن متابعة نموذج للنقاش في هذا المجال في كتاب الباحث زهير كاظم عبود، الزرادشيتة، الذي يؤكد فيه وجود مثل هذه الشخصية الدينية فعلاً بالاعتماد على الكثير من الدلائل الملوسة وما اكتشف من أثار بإيران تؤكد وجوده ودوره في وضع الدين الذي سمي باسمه، إضافة إلى الكتب القديمة التي تأتي على ذكره وعن أعماله ودوره في نشر الدين ومثله وقيمه الإنسانية.3
 المسالة الثانية: التباين في تحديد فترة ولادته وعمله، فهناك من يشير إلى أنه ولد وعمل خلال الفترة الواقعة بين 1000 – 500 ق.م.، وهي الفترة التي ظهر فيها بوذا وكونفوشيوس.4  ويشير الباحث زهير كاظم عبود إلى فترة ولادة زرادشت بقوله: "ويقدر الباحثون ان زرادشت ولد في حدود 628 قبل الميلاد، وأنه توفى في العام 551 أو نحوهما، وهناك من يذكر أنه ولد في الفترة 660 – 583 قبل الميلاد ومسقط رأسه بلاد الماديين بأذربيجان..".5 وأن ولادته كانت بمدينة أورمية والتي يطلق عليه الإيرانيون "رضائية"، وتتلمذ على يد الحكيم الشهير "بوزين كوروس"، إذ اهتم والده بتعليمه منذ كان في سن السابعة من عمره وظل الابن معه ثمانية أعوام درس فيها عقيدة قومه، ودرس الزراعة وتربية الماشية وعلاج المرضى، ثم عاد إلى موطنه بعد هذه الأعوام الطوال.6  وتشير الباحثة آمنة محدادي في مقال لها منشور في الحوار المتمدن بهذا الصدد ما يلي: "تنسب الديانة الزرادشتية إلى "زرادشت" بن "يوشارب"،الذي ظهر في زمن "كشتاسف" بن "لهراسب" الملك،وأبوه من "أذربيجان"،وأمه من "الرى". ولد عام 598 أو 599 ق م، وتوفي في 522 أو 521 ق م، وفي فترة ظهور زرادشت كان ظهور"بوذا" في الهند وظهور "كنفشيوس" في الصين، وظهور الفلاسفة الإغريق،.. ."7
وخلال هذه الفترة امتلك الحكمة والطب ومعرفة الأعشاب واستخداماتها، ومعرفة معمقة بالأحجار الكريمة، إضافة إلى كونه أصبح فلكياً مرموقاً. إن دراسته ومعرفته بالديانات القديمة، ومنها الميثرائية، واطلاعه على الديانة اليهودية، مكنته من أن يضع لنفسه، ومن ثم للمؤمنين بدينه، فلسفة أو عقيدة دينية جديدة تأخذ من الماضي وتستلهم الحاضر والمتغيرات الحاصلة في المجتمع الزراعي الذي كان يعيش فيه. يؤمن الزرادشتيون بأن زرادشت نبي، وهو نبي آخر الزمان، أي لا يأتي من بعده نبي آخر، وهو الأمر الذي نجده لدى أتباع أكثر من دين واحد. يؤكد زرادشت في صلواته على وحدانية الإله فهو يقول، كما "جاء ذلك على صفحات الـ(أفت) حيث ينبعث صوت زرادشت عبر سطور الـ(جاتها يآسنا) يناجي الإله ( أهور مزدا).
إنّي لأدرك أنّك أنت وحدك الإله وأنّك الأوحد الأحد، وإنّي من صحة إدراكي هذا أوقن تمام اليقين من يقيني هذا الموقن أنّك أنت الإله الأوحد.. اشتدّ يقيني غداة انعطف الفكر مني على نفسي يسألها: من أنتِ؟ ولفكري جاوبت نفسي؛ أنا؟ إنّي زرادشت أنا، وأنا؟ كاره أنا الكراهية القصوى الرذيلة والكذب، وللعدل والعدالة أنا نصير! من هذه أتفكّر الطيبة التي تحوم في خاطري، ومن هذا الانعطاف الطبيعي في نفسي نحو الخير، ومن هذا الميل الفطري في داخلي إلى محق الظلم وإحقاق الحقّ أعرفك. من هذه الانفعالات النفسية والميول الفكرية التي تؤلّف كينونتي وتكوّن كياني ينبجس في قلبي ينبوع الإيمان بأنك أنت وحدك أهورا مزدا، الإله وأنّك الأوحد الأقدس الخيّر الحقّ."8
 
الديانة الزرادشتية
ينطلق زرادشت في دينه من وجود إله واحد كلي القدرة وموجود في كل مكان وعلى الناس أن يعبدوه. ولكن هذا الإله الواحد يظهر في الدين الزرادشتي بثنائية، بإلهين منفصلين عن بعضهما ومتصارعين دوماً، إنهما: الإله أهورا مزدا، إله الخير والنور، والإله أهريمن، إله الشر والظلام. وإن إله الخير والنور هو المنتصر في المحصلة النهائية. كما يطرح الدين موضوعة أن العالم منقسم إلى عالمين: عالم النور وعالم الظلام، عالم الخير وعالم الشر. ويشار إلى مسائل الزرادشتية تستند إلى قاعدتين اثنتين: أولاهما بيان امتزاج النور بالظلمة، وثانيهما بيان سبب خلاص النور من الظلمة وجعل الامتزاج مبدأ والخلاص معاداً. كما إن النور هو الأول بالظهور. 
وفي هذا تتجلى رؤية التناقض الفلسفية التي تجد تعبيرها في الوجود كله في الديانة الزرادشتية. وإذ يدفع اهورا مزدا اتباع الدين والبشر صوب أسس أو ثلاثة مبادئ هي: الفكر الصالح والقول الصالح والعمل الصالح، يسعى أهريمن إلى معاكسة هذه الثلاثية، بالفكر الطالح والقول الطالح والعمل الطالح. ويعتقد الزرادشتيون بأن الإنسان غير مجبر على اختيار طريق الشر والظلام، إذ أنه يقف أمام طريقين طريق الخير والنور وطريق الشر والظلام وعليه أن يختار أحدهما، وبالتالي فهو مسؤول عن افعاله ويحاسب أمام الله، فأما يمنح الثواب أو يواجه العذاب! ويؤمنون بعذاب القبر وأن اختلف أسلوب عذاب القبر في الديانة الزرادشتية عن عذا القبر في الإسلام مثلاً.   
ويرى زرادشت بأن الإنسان يتكون من جسد وروح، ويرى إن الروح نقية وطاهرة، وإن الجسد غير نقي أو غير طاهر لأنه يموت ويتعفن. ومن هنا تأتي الطقوس الخاصة التي يمارسها الزرادشتيون لكيلا تدنس الأرض الطاهرة بأجساد متعفنة. فالزرادشتيون "يكرهون فكرة اختلاط الجسد المادي بعناصر الحياة؛ الماء والتراب والهواء والنار حتى لا يلوثها، لذا فهم يتركون جثامين الموتى للطيور الجارحة على أبراج خاصة تسمى أبراج الصمت أو (دخنه) باللغة الفارسية، حيث يقوم بهذه الطقوس رجال دين معينون، ثم بعد أن تأكل الطيور جثة الميت توضع العظام في فجوة خاصة في هذا البرج دون دفنها."9
تستند الديانة الزرادشتية إلى عناصر أربعة تعتبر أساس الحية، وهي عناصر طاهرة ونقية ومقدسة لا يجوز تدنيسها، إنها: النار والما والهواء والتراب. ولا تختلف الديانات الأخرى عن ذكر هذه العناصر أيضا، والاختلاف في أنها مقدسة ولكنها غير معبودة، لأن العبادة للإله الواحد. أما في الديانات الأخرى فهذه العناصر غير مقدسة، باعتبارها من خلق الله، والمقدس هو الله وحده. هنا نجد التوافق في الإله الواحد، والاختلاف في العناصر الأربعة من حيث التقديس وعدم التقديس. كما إن هناك اختلافاً أخر هو: في الديانة الزرادشتية نجد إلهاً واحداً بثنائية الإله أهورا مازدا والإله أهريمن، في حين إن الديانات التوحيدية الأخرى تعبد وتقدس إلهاً واحداً أيضاً، وأن ابليس (الشيطان) ليس سوى من مخلوقات الله، وأن كان من نار وليس من نطفة البشر أو الملائكة، كما ورد في القرآن. فقد جاء في سورة الأعراف (مكية) ما يلي: "قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ.10 والطين هو التراب، ولهذا فأن الطين، أو التراب والنار هما سواسية من حيث الطهارة والنقاوة. وجاء في بحث عن الزرادشتية بشأن أبراج الصمت ما يلي: "أبراج الصمت هو اسم أطلقه الرحالة الغربيون على الأبنية التي يستعملها الزرادشتيون للتخلص من جثث موتاهم و التي يسموها بلغتهم "دخمه"، وهي بناء دائري الشكل يبنى على جبل صغير أو تلة عالية في موقع بعيد عن المدينة، ويدير المبنى مجموعة من الكهنة ولا يحق لسواهم الدخول اليه، وعندما يموت شخص ما من أتباع الديانة الزرادشتية يؤتى بجثته الى البرج حيث يرفعها الكهنة ويضعوها على سطح المبنى الدائري الشكل و الذي يكون محاطا بسياج مرتفع حتى لا يشاهد الناس الجثث وهي تؤكل وتتحلل، والسطح يتكون في العادة من ثلاث حلقات متداخلة، يوضع الأطفال وصغار السن في الحلقة المركزية من الدائرة اما النساء فتمدد جثثهن في الحلقة الوسطى في حين يوضع الرجال في الحلقة الخارجية، وما ان توضع جثة جديدة على السطح حتى تنقض عليها وتمزقها النسور(3)  المتواجدة بكثرة حول سياج البرج لتعودها على تناول لحوم الموتى هناك، وتترك الجثة قرابة السنة لتتحلل أجزائها بشكل كامل ولا يتبقى منها سوى العظام التي يجمعها الكهنة فيما بعد ولا يدفنوها وإنما يضعوها في تجاويف خاصة لحفظ العظام موجودة داخل البرج و تحاط هذه التجاويف بالجير الذي يساعد على تحلل العظام خلال عدة سنوات."11 
تلعب النار دوراً مهماً في الديانة الزرادشتية، باعتبارها ناراً مقدسة ويسعون للاحتفاظ بها مشتعلة، ولاسيما في معابدهم، كما أنهم يتوجهون بصلاتهم صوب الشمس حيث مصدر النور. يمارسون الصلاة في أوقات خمسة، تمام كما يمارسها المسلمون من حيث التوقيت، ولكنهم يمارسونها وقوفاً ويتلون التراتيل الدينية. ويحتفل الزرادشتيون بعيد نوروز في الحادي والعشرين من شهر أذار/مارس من كل عام ولمدة 13 يوماً، ويكون الاحتفال كبيراً في اليوم السادس حيث يعتبر يوم ميلاد زرادشت.   
إن التعاليم التي وضعها زرادشت لمتبني دينه في مخطوطات كثيرة ومهمة، جمعت وأحرق الكثير منها في العام 331 ق.م بعد سقوط الدولة الأخمينية وانتصار الإسكندر الكبير بعد أن فرض حكمه على البلاد. جاء في مقال مهم للسيد صبري المقدسي بعنوان " الزرادشتية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية" حول حرق المخطوطات ما يلي: "331 ق.م، انتصار ألكسندر المقدوني على الملك داريوس الثالث، واخضاعه للبلاد الايرانية بعد معركة(اربيل). وإنهائه لحكم السلالة الأخمينية وتدميره للعاصمة(بيرسيبوليس)، التي كانت العاصمة المهمّة للإمبراطورية منذ 550 ق.م. وحرق عدد كبير من الكتب المزدية والزرادشتية المقدسة. والغاء تعاليم (آفيستا) وشرائعها القانونية، ومحاولة فرض الديانة الإغريقية على سكان المنطقة الذين بقوا ملتزمين خفية على دين اجدادهم."12
للديانة الزرادشتية كتاب مقدس هو "الأفيستا"، ويطلق عليه أيضاً بـ "الأبستاق"، أي الأصل أو المتن باللغة الفارسية القديمة، ويشتمل على تعاليم الفيلسوف أو النبي زرادشت. وللكرد نسخة من الأفيستا مكتوبة باللغة الميدية، الكردية القديمة، ويقال بأن تعاليم هذا الكتاب دونت أساساً بهذه اللغة.13             
يعتبر زرادشت فيلسوفاً كبيراً وحكيما ومبشراً استطاع وضع تعاليم جلبت لها ملايين البشر ودعت إلى إمعان العقل والتمييز بين الخير والشر، بين النور والظلام. كتب الأستاذ زهير كاظم عبود في مقدمة كتابه الموسوم "الزرادشتية" ما يلي: "ترك زرادشت بصماته الواضحة على مجتمع، وعلى حضارة إنسانية، وتبين أنه كان متماسكاً على نشر فضائله وقيمه، غير عابئ بمباهج الدنيا ومغريات السلطة، عاش عفيفاً ومات عفيفاً، وكان اسماً كبيراً في صفحات التاريخ الإنساني. قاد عملية التنوير الإنساني في فترة حالكة، وجاهد من أجل إثبات القيم الخيرة التي تمسك بها، وأسس فلسفة انتشرت على مساحة ليست بالقليلة، وآمنت بها ملايين من البشر ولم تزل حاضرة وقائمة حتى اليوم. زرادشت كان اسماً حاضراً من بين أسماء بناة القيم والفلسفة والحِكم ولم يزل."14  وجاء في كتاب خليل عبد الرحمن الموسوم "أفستا: الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية" عن مضامين هذه الكتاب ما يلي: "أفستا، الكتاب المقدس للديانة الزرادشتيه يتجاوز عمره ثلاثة آلاف سنة. إنها موسوعة الحضارة، الثقافة، الأخلاق والأنتروبولوجيا للشعوب الآرية. بل إنها تشهد على عظمة روح وثقافة الشعوب الآرية، حيث تمثل أقدم وثيقة تاريخية، ثقافية، دينية وقانونية مكتوبة تعكس المراسم والطقوس الدينية، الأفكار الفلسفية، الأخلاق، علم الفقه، الشرائع الطب والفلك في المجتمع البدائي الإيراني. أفستا، طفولة الشعوب الآرية: الكردية، الأرمنية، الفارسية، الطاجيكية، الأفغانية...إلخ وهي صفحة مشرقة في تاريخ تطور الأديان والثقافة الإنسانية، وأحد المصادر المكتوبة المبجلة في تاريخ الحضارة البشرية، التي تناقلتها الأجيال عبر آلاف السنين شفاهة وكتابة فهي غنية بالأساطير الجميلة، مفعمة بحب الخير والكفاح من أجله، والإيمان بنصره على قوى الشر، كما أنها متخمة بالتغني بالصدق والحقيقة، فالحقيقة فيها أفضل الخيرات."15
يتوزع كتاب الأبستاق (أفستا) على واحد وعشرين جزءاً، لم يبق منها سوى خمسة أجزاء هي:
" * يسنا: يعني نوع من الأناشيد أو التراتيل، وهي عبارة عن ادعية ومعلومات حول الدين وينسب إلى الرسول زرادشت، ويقع في  72 يسناهات وكل يسنا يشتمل على مجموعة ادعية. * ويسبر: يضم مجموعة من ملحقات الـ "يسنا" وهي أكثر من 23 كَرده. * ونديداد: يصف هذا الجزء الاشكال المختلفة للأرواح الشريرة، وهي تدور حول الحلال والحرام، الطاهر والنجس، ويتضمن الكثير من القوانين الدينية، ومعها القوانين ضد الابالسة. * يشتها: ويعني الاناشيد والتسابيح وكل يشت باسم أحد الاجسام النورانية. * افيستا: بجوك (خردة افيستا) وهي الصلوات اليومية وتضم تراتيل في بيان عظمة الإله."16 يؤمن الزرادشتيون بوجود الملائكة، وهي لا تختلف في أعمالها عن الملائكة التي يؤمن بها المسلمون، فـ "هم لا يتناسلون ولا يأكلون ولا يشربون ولا يمكن رؤيتهم، وتتطابق نظرة الزرادشتية مع الإسلام الذي حل بعدها بزمن طويل حول قضية الملائكة، وهم موكلون بأوامر الله."17 والكثير من الكتاب يرى بأن الكثير من الأفكار والطقوس الدينية في الإسلام مأخوذة من الديانة الزرادشتية، وهي الأقدم من حيث ظهور نبي الزرادشتيين.18
فكرة تناسخ الأرواح
الزرادشتيون يؤمنون بتناسخ الأرواح والتي تعني انتقال الأرواح من أجساد الموتى إلى أجساد أخرى لتعيش حياة ثانية. وهم ليسوا وحدهم من آمن بهذه الرؤية الميتافيزيقية، بل الكثير من الشعوب التي آمنت بالديانات القديمة، ومنها الزرادشتية والإيزيدية والهندوسية. يقول الباحث محمد ياسين: "هناك الكثير من الديانات التوحيدية القديمة و الوثنية تذعن بالتناسخ حتى إنه يعتبر ركنا أساسيا وواحدا من أهم ثوابت الديانة “البوذية” و“الهندوسية”، ويجد له قالبا في ما يطلق عليه “السامسارا”، وتعني عجلة الولادة و الموت، ومقتضاها أن الأجسام البشرية لا تكون شيئا، عدا أنها ثوب تلبسه الروح ذاتها في كل ولادة وتخلعه عند كل وفاة، ونفس الأمر بالنسبة لشعوب وديانات كثيرة مثل الطاوية، والمايا، والانكا…"19. وهو يشير في الوقت ذاته إلى ما يلي: "أما الديانات الإبراهيمية فإنها ترفض عقيدة التناسخ جملة وتفصيلا، بينما جادلت بعض طوائفها ذات الخلفية الفلسفية و الغنوصية -التي لا تأبه بالعالم المادي و تعطي أولوية للروح- جادلت بمشروعية الفكرة وتهالكت في سبيل الذود عنها، خاصة في التراث الصوفي اليهودي المتمثل في مبدأ “القبالة” أو “الكابلا”، هذا الاتجاه الذي عرف النور فعليا في القرن 12.م وظهر أول مرة كاتجاه مستقل في الجنوب الأوروبي، وبات ما يعرف حاليا: ”بالتجديد اليهودي."20، كم إن الإسلام بمذاهبه السنية والشيعية "تقف موقف المصادم المنافح لمثل هكذا معتقد، بينما تؤمن الطائفة “الدرزية” غاية الإيمان بتناسخ الأرواح ،لدرجة أنه يمنع في طقوس الموت عندهم البكاء على الميت أو حتى تأبينه!!"21 هناك تباين فيما بين الديانات المؤمنة بتناسخ الأرواح في موضوع انتقال الروح من جسد إلى جسد، فبعضها يعتقد بانتقالها من جسد إنسان إلى جسد إنسان آخر، وبعضها الآخر يعتقد بانتقالها إلى جسد إنسان أو حيوان/ بل وإلى جماد أيضاً. ومن هنا أطلقت على تنوع عملية التناسخ والتقمص بما يلي:   
"النسخ: انتقال الروح من {{بدن انسان الى بدن انسان آخر}}.
الرسخ: انتقال النفس الناطقة من بدن انسان الى نبات.
المسخ: انتقال النفس المذكورة من بدن انسان الى الحيوانات.
الفسخ: انتقال النفس الناطقة من بدن انسان الى الجمادات."22
وتعتقد الديانة الزرادشتية بأن "الشخص الصالح ترجع روحه لجنين صالح، أما الفاسد تذهب لشخص فاسد."23
أما العلم وأغلب العلماء، ولاسيما الأطباء، فهم يرفضون بوضوح هذه الرؤية المثالية، إذ أن توقف وصول الدم إلى دماغ الإنسان ينهي وجود الحياة في جسمه، إنه الموت ولا حياة بعد الموت. 
يشير الكاتب زهير كاظم عبود إلى وجود خطأ شائع وخلط حاصل لدى شيوخ الدين المسلمين وجمهرة من الباحثين والسياسيين بين الزرادشتية والمجوسية. والمجوسية هي الديانة التي ذكرت بالقرآن، حيث ورد بشأنها "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" 24. وهي ديانة تختلف عن الزرادشتية وأن كانت قد انطلقت منها واختلفت معها. يشير إلى ذلك الكاتب زهير كاظم عبود في كتابه السابق الذكر حين كتب ما يلي: "هناك من يذكر بأن المجوس هم أعضاءٌ بالوراثة، في طبق كهنوتية في ميديا، وهي مملكة قديمة كانت تقع في المنطقة التي تسمى الآن شمال إيران، ويسمى العضو في هذه الطبقة مجوسياً، اشتهر المجوس بممارسة السحر، وبتفسير البشائر والنذر والأحلام وتقديم القرابين التنجيمية، وه غير كهنة الزرادشتية".25 وفي الوقت الذي حرمت الديانة الزرادشتية الصيام، ألزمت المجوسية أتباعها بالصيام لأيام محددة.       
وتلتقي الزرادشتية مع الكثير من الديانات، سواء تلك التي يطلق عليها "سماوية" أو التي تسمى "وضعية"، في عدد كثير من المحرمات، وبشكل خاص: الكفر بالله، والقتل والسرقة وشهادة الزور والزنى والغيبة والنميمة وخيانة الأمانة، والسحر وأكلة الميتة والربا والانتحار والإجهاض عمداً، والزواج بالمحرمات،.."26   
الزرادشتيون بالعراق
وجد الزرادشتيون منذ القدم بإيران والعراق في فترة حكم الأخمينيين، واعتبر الدين الرسمي للإمبراطوريات الثلاث: الأخمينية والبارثية والساسانية. إذ كانت الديانة الزرادشتية، كما أشير سابقاً قد ولدت في مدينة أرمية مع ولادة مؤسسها زرادشت (زارا)، والتي تعتبر جزءاً من كردستان، وكانت خاضعة للدولة الساسانية. ويرجع أسم هذه الإمبراطورية إلى الكاهن الزرادشتي ساسان، الذي كان جد أول ملوك الساسانيين، الملك أردشير الأول (أردشير بن بابك بن ساسان.، باعتباره مؤسس الدولة الساسانية (الإمبراطورية الفارسية الثانية).27
بدأت "الفتوحات" الإسلامية للسواد في عهد الخليفة الأول أبو بكر الصديق، واستكمل في عهد عمر بن الخطاب، وتم للجيش الإسلامي إسقاط الدولة الساسانية بعد حروب دامت عشر سنوات، قتل فيها الكثير من الفرس ممن كانوا يدينون بالزرادشتية. وقد أُجبر الناس بعدها على دخول الإسلام أو الهروب من إيران إلى الهند أو دفع الجزية. فتراجع وجود الدين الزرادشتي لهذه السبب في عموم المنطقة ومنها المنطقة الكردية، التي هي الأخرى لم يدخل سكانها الإسلام بسهولة بل على حد السيف، فكان القرآن بيد والسيف باليد الأخرى! وهذا ما يؤكده التاريخ حيث وضع السكان أمام ثلاثة احتمالات: إما القبول بالإسلام ديناً لهم وترك دياناتهم القديمة، ومنها الزرادشتية والإيزيدية، أو الهجرة من الأرض المحتلة، التي هي أرض أجدادهم، أو دفع الجزية، حيث اعتبروا من أهل كتاب، كما جاء بشأنهم في القرآن. وهذا ما حصل أخيراً حين اجتاح واحتل عصابات الإسلام السياسي المتطرف، تنظيم داعش الإرهابي والتكفيري الموصل وبقية مناطق محافظة نينوى وتعاملوا مع الناس من غير المسلمين بطريقة مماثلة لما حصل في الفتح الإسلامي، والذي هو في الجوهر نوع من احتلال أراضي شعوب أخرى بالقوة وفرض الهيمنة أو الاستعمار عليها. جاء في خطبة للخليفة الثاني عمر بن الخطاب بصدد الفتوحات الإسلامية، كما ورد في كتاب "تاريخ الطبري" ما يلي:
فـ " بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله فأنتم مستخلفون في الأرض قاهرون لأهلها قد نصر الله دينكم فلم تصبح أمة مخالفة لدينكم إلا أمتان أمة مستعبدة للإسلام وأهله يجزون لكم يستصفون معايشهم وكدائحهم ورشح جباههم عليهم المؤونة ولكم المنفعة وأمة تنتظر وقائع الله وسطواته في كل يوم وليلة قد ملأ الله قلوبهم رعبا فليس لهم معقل يلجؤون إليه ولا مهرب يتقون به قد دهمتهم جنود الله عز وجل ونزلت بساحتهم مع رفاغة العيش واستفاضة المال وتتابع البعوث وسد الثغور بإذن الله مع العافية الجليلة العامة التي لم تكن هذه الأمة على أحسن منها مذ كان الإسلام والله المحمود مع الفتوح العظام في كل بلد فما عسى أن يبلغ مع هذا شكر الشاكرين وذكر الذاكرين واجتهاد المجتهدين مع هذه النعم التي لا يحصى عددها ولا يقدر قدرها ولا يستطاع أداء حقها إلا بعون الله ورحمته ولطفه فنسأل الله الذي لا إله إلا هو الذي أبلانا هذا أن يرزقنا العمل بطاعته والمسارعة إلى مرضاته واذكروا عباد الله بلاء الله عندكم واستتموا نعمة الله عليكم وفي مجالسكم مثنى وفرادى.." 28
جاء في كتاب وعاظ السلاطين للدكتور علي الوردي عن الأسلوب الذي تمت فيه عمليات الفتح الإسلامي اعتماداً على ما ذكره أبن الأثير في "الكامل" وعباس محمود العقاد في كتابه "أبو الشهداء"، ما يلي:
"يقول المؤرخون أن الجيش الأموي الفاتح عندما دخل المدينة بعد واقعة الحرة أباحها ثلاثة أيام "فاستعرض أهل المدينة بالسيف جزراً كما يجزر القضاب الغنم حتى ساخت الأقدام في الدم وقتل أبناء المهاجرين والأنصار".29 ثم يواصل قوله: "يروى أن جندياً من جنود ذلك الجيش الفاتح دخل على امرأة نفساء من نساء الأنصار ومعها صبي لها فطلب منها مالاً. فقالت له: "... والله ما تركوا لنا شيئاً!" فغضب الجندي وأخذ برجل الصبي والثدي في فمه فجذبه من حجرها فضرب به الحائط فانتثر دماغه على الأرض... ."30 ثم يقول علي الوردي: وليس في هذا غرابة. فالفتح هو الفتح في كل زمان ومكان. جرى الفتح الأموي في المدينة فعرفنا خبره. ولكننا لا ندري كيف جرى في بلاد بعيدة، وماذا قاسى الناس هنالك منه. فالجنود الذين يفعلون في مدينة الرسول لا يبالون أن يفعلوا مثله في بلاد الأعاجم أو الكفرة. ولا غرو بعد هذا أن نرى موسى بن النصير يجر وراءه من السبايا ثلاثين ألف عذراء بعد فتح الأندلس. ولا أظن بأن أولئك العذارى وقعن في الأسر طوعاً واختياراً. إن المجاهدين الفاتحين لا بد قد خطفوهن من البيوت بعد أن قتلوا رجالها ونهبوا ما فيها. فليس من المعقول أن يذهب المجاهدون إلى بيوت المدن المفتوحة فيطرقون الباب ويقولون: "أعطونا عذراء في سبيل الله". إن سبي كل فتاة وراءه قصة طويلة من النهب وسفك الدماء وانتهاك الحرمات."31         
 هكذا كان الفتح الإسلامي، وهكذا هو أسلوب كل الفاتحين المستعمرين للبلدان الأخرى، عرفناه لا في نشر الديانة الإسلامية، بل وفي نشر الديانة المسيحية في أوروبا الاستعمارية التي توجهت صوب القارة الأمريكية، ولاسيما الجوبية، وأفريقيا، على سبيل المثال لا الحصر.   
الزرادشتيون بالعراق الحديث
 
مارست القلة الموجودة من الزرادشتيين طقوسهم الدينية بشكل سري في فترة الدولة الملكية العراقية أو العهد الجمهوري، وكذلك فيما بعد، ولم تكن لهم معابد رسمية. ولكن لا توجد شواهد على اضطهادهم بالعراق. اعترفت حكومة إقليم كردستان العراق بعد الإطاحة بالنظام البعثي في العام 2003، وكذلك البرلمان الكردستاني بالديانة الزرادشتية وحق أتباعها في ممارسة طقوسهم. فقد جاء في مشروع دستور إقليم كردستان في المادة 65 النص التالي بشأن حرية الأديان:

"المادة: 65
لا إكراه في الدين، ولكل فرد حرية الفكر والدين والعقيدة وتتكفل حكومة الإقليم بضمان حرية مواطني كوردستان من مسلمين ومسيحيين وإيزيديين وغيرهم لممارسة عباداتهم وشعائرهم وطقوسهم واحترام الجوامع والمساجد والكنائس وأماكن العبادة الأخرى وتطويرها."32 وقد وأشار مدير إعلام وزارة الاوقاف والشؤون الدينية في حكومة اقليم كردستان مريوان نقشبندي، إن قانون الوزارة أعطى حرية ممارسة الشعائر الدينية للجميع، وأضاف: "قانون وزارة الاوقاف يستند الى عدة مبادئ اهمها حرية الاديان والمعتقدات في اقليم كردستان، ولهذا فإن أي ديانة، إن كانت في الإطار القانوني، مرحب بها ونساعدها ونقدم لها التسهيلات".33
 على وفق المعلومات المتوفرة لم يعلن حتى الآن عن أية ممارسات مناهضة لأتباع هذا الدين بإقليم كردستان العراق، ولهم اليوم معبد بمدينة السليمانية. ومن المعروف إن هذا الدين من الأديان التبشيرية، وبالتالي يسعى اتباعه إلى كسب المريدين والمعتنقين له. ويمكن أن تثير هذه المسألة القوى الإسلامية السياسية المتطرفة التي لا ترفض الأديان الأخرى فحسب، بل وترى ضرورة أن يدخل جميع الناس في الإسلام، شاءوا ذلك أم ابوا! وقد برزت اتجاهات متباينة في الموقف من الاعتراف الرسمي بهذا الدين بالإقليم، كما ورد في مقال للسيد عبد الجبار العتابي. فهناك من رحب بذلك حين قال:
"باتت الظواهر الفكرية والاجتماعية كثيرة، وبخاصة فيما بعد زلازل التغيير وشعور المواطن انه امام مفهوم جديد، لم يألفه من قبل". وتابع قوله: "الزرادشتية مبدأ اخلاقي وقيمي فاعل، وهو الاقرب الى روح التصوف الاسلامي، والسؤال كيف ولماذا التجأ الشباب الى هذا الدين، ما الذي وجدوه مغايرًا عمّا هو سائد في كردستان وربما العراق كاملًا؟ لابد من بحث واجابة".34 وهناك عالم دين مسلم اعتبر "مسألة التحدث في الموضوع نوعاً من الهذيان، قائلاً إن التحدث فيه كفر والحاد، مشددًا على قول الله سبحانه وتعالى (ان الدين عند الله الاسلام).354
أكد لقمان الحاج كريم، رئيس المجلس الأعلى للزرادشتية (منظمة زند)، وجود 100 ألف شخص يعتنق هذا الدين بالإقليم. كما أكد بأن المنظمة لن تمارس السياسة، بل ستركز في عملها على الجانب الديني فقط.31 ومع ذلك يمكن أن يصطدم هذا التوجه بالقوى الإسلامية السياسية بالإقليم أو بالعراق عموماً، كما هو الحال في الموقف من اتباع الديانات الأخرى التي تتعرض إلى الكثير من المصاعب والمتاعب والتهديدات والتشريد والتهجير والقتل بالعراق والتي تقف وراءها المليشيات الطائفية المسلحة وقوى الإرهاب التكفيرية، شيعي وسنية، كما تطرقنا إليها في الصفحات السابقة. إن من واجب المسلمين والمسلمات أن يفكروا بثلاث مسائل هي:
1.   الأهمية القصوى لضمان حرية العقيدة واعتناق الدين الذي يراه الفرد مناسباً له، أو لا يعتقد بأي دين أو مذهب. فهذا الموثق يشكل جزءاً أساسياً من حقوق الإنسان التي لا يجوز المساس بها بأي حال.
2.   لماذا تتخلى جمهرة من الشبيبة من أتباع الدين الإسلامي عن دين الإسلام والتحول صوب إلى الإلحاد، كما تشير إلى ذلك أخبار العراق، أو ما يطرحه بعض الوعاظ المتشددين في مجالسهم الدينية، في الفترة الأخيرة، والتي بدأت جمهرة من شيوخ الدين المتخلفين تثير الضجة حول هذا الموضوع ولا يسألون أنفسهم، لماذا يتحول هؤلاء الشباب، إن صح ذلك، إلى ملحدين؟
3.   إن من حق الإنسان أن يتحول من دين إلى دين آخر، ولا يجوز المساس بهذا الحق بأي حال، ولا يجوز استخدام العنف في كسب أو فرض الدين الإسلامي على الناس، أو من جانب أي دين آخر، ولا يجوز ممارسة التشريد والقتل والسبي والاغتصاب، كما حصل بالعراق من جانب قوى الإسلام السياسي المتعصبة والمتطرفة والإرهابية منذ العام 2003 حتى الوقت الحاضر لفرض الدين الإسلامي على الناس.
المصادر والهوامش
1.   أنظر: فيليب سيرنج، رمزية العناصر الأربعة، ترجمة عبد الهدي عباس، موقع غاستون باشلار Gaston Bachelard.
2.   أنظر: مثرا، موقع المعرفة الإلكتروني، أخذ المقتطف بتاريخ 17/05/2018. 
3.   أنظر: زهير كاظم عبود، الزرادشتية، بغداد، 2015، دون ذكر دار النشر، ص 20/21.
4.    Siehe: Heiko Diadesopulus, Zoroaster: Urvater der Religion des Umbruchs,
Philognosie, Wissen gestaltet die Welt, 08.09.2017.
5.    أنظر: زهير كاظم عبود، الزرادشتية، مصدر سابق، ص 42.
6.   أنظر: زرادشت Zoroaster (ZOHR-oh-as-tər)(Avestan: Zaraϑuštra)، موقع المعرفة، 17/05/2018.
7.    أنظر: آمنة محدادي، فلسفة الدين الزرادشتية، موقع الحوار المتمدن، المحور: الفلسفة، علم النفس، وعلم الاجتماع العدد 4744، 10/03/2015.
8.   أنظر: الزرادشتية، موقع الميثولوجيا والتاريخ، (الآي 44 من الجاتها ياسنا)، مدونة تعنى بعرض ودراسة الميثولوجيا والتاريخ والأديان،
9.   أنظر: الديانة الزرادشتية، موقع آريايى أم، أخذ المقتطف بتاريخ 21/05/2018.
10.    أنظر: القرآن، سورة الأعراف، مكية، الآية 12.
11.    أنظر: أياد العطار، أبراج الصمت.. تنشر جثث الموتى لتأكلها النسور!، موقع كابوس، أخذ المقتطف بتاريخ 21/05/2014.
12.     أنظر: صبري المقدسي، الزرادشتية: المنشأ والجذور والعقائد الروحية، موقع الحوار المتمدن، المحور: دراسات وأبحاث في التاريخ والتراث واللغات، العدد، 4083، في 05/05/2013.
13.    أنظر: زهير كاظم عبود، الزرادشتية، بغداد، 2015، دون ذكر دار النشر، ص 123.
14.    أنظر: المصدر السابق نفسه، ص 4.
15.     أنظر: خليل عبد الرحمن، "أفستا: الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية، روافد للثقافة والفنون، 2008.
16.    أنظر: أبستاق، موقع الموسوعة الحرة، ويكبيديا. 21/05/2018.
17.     أنظر: زهير كاظم عبود، الزرادشتية/ مصدر سابق، ص 86.
18.   حامد عبد الصمد، باحث في الإسلام، هل الإسلام مقتبس من الزرادشتية؟ ستصدم عندما تعرف الحقيقة عقائد وشرائع الاسلام مسروقة من الزرادشتية.. معقول!، youtupe، بتاريخ 11/04/2018. 19
19.    أنظر: محمد اسين، فكرة عن تناسخ الأرواح وإمكانية التجسد من جديد، موقع أصوات مهاجرة، شؤون ثقافية، 08/07/2016.
20.    أنظر: المصدر السابق نفسه.
21.    أنظر: المصدر السابق نفسه.
22.    أنظر: خالد علوكة، تناسخ الأرواح، موقع الحوار المتمدن، محور العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني، العدد 3890، في 24/10/2912.
23.    أنظر: زهير كاظم عبود، الزرادشتية/ مصدر سابق، ص 181.
24.    أنظر: القرآن، سورة الحج، الآية 17. السورة مدنية، وأربع آيات منها مكية.
25.    أنظر: زهير كاظم عبود، الزرادشتية/ مصدر سابق، المدخل، ص9.
26.    أنظر: المصدر السابق نفسه، ص 197.
27.    أنظر: ساسانيون، الموسوعة الحرة، ويكيبيديا، أخذت المعلومات بتاريخ 23/05/2018.
28.    أنظر: محمد بن جرير الطبري أبو جعفر، تاريخ الطبري، تاريخ الأمم والملوك المؤلف، صدر بخمسة أجزاء، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ/ 1987م.
29.    أنظر: الدكتور علي الوردي، وعاظ السلاطين، دار كوفان-لندن، 1995. ص 209. 
30.    أنظر: المصدر السابق نفسه، ص 209/210.
31.    أنظر: المصدر السابق نفسه، ص 2010.
32.   أنظر: مشروع دستور اقليم كوردستان – العراق، المجلس الوطني الكردستاني، بتاريخ 24/09/2006.
33. أنظر: عبد الجبار العتابي من بغداد، جدل في العراق حول تأسيس مجلس الديانة الزرادشتية، إيلاف، 06/05/2015.
34. أنظر: المصدر السابق نفسه.
35.  أنظر: الزردشتية تعود إلى كردستان بسبب التطرف الديني، موقع السومرية نيوز، بتاريخ 2 حزيران/يونيو 2015.
   
برلين في 24/05/2018



37
كاظم حبيب
دانا جلال، ما كان ينبغي لك أن تموت مبكراً أيها المناضل الحالم!

في خضم الحياة النضالية المديدة والشديدة التعقيد والمصاعب، المليئة بالدماء والدموع، والمصحوبة أيضاً بالكثير من السعادة الداخلية والفرحة وراحة الضمير، يلتقي الانسان بعدد هائل من المناضلات والمناضلين الشجعان والأوفياء والمخلصين لقضية شعبهم، لقضية الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية، بمفهومها الإنساني العميق والشامل، والسلام والازدهار. يتعلم المناضل منهم الكثير من الفضائل والقيم الإنسانية العامة والشاملة، ومنها فضيلة الاستعداد الفعلي للتضحية بالنفس والنفيس وقبول الموت بصفاء ونقاء تامين، إذا ما وضُع هذا المناضل أو المناضلة أمام أحد أمرين: إما الخيانة للشعب والوطن، أو الموت في سبيل قضية الشعب والمبادئ التي اعتنقها عن قناعة، وليس إيماناً أعمى. وقد برهن على ذلك عشرات الألوف من خيرة المناضلين والمناضلات حين مرّوا بتجربة من هذا النوع، سواء أكانوا قد فقدوا حياتهم فعلا، ام نجوا من موت محقق بشرف وواصلوا النضال بعزم وحزم وصلابة فائقة.
دانا جلال، هذا الإنسان الطيب والمتوتر دوماً، الحالم أبداً..، كان واحدا من هؤلاء المناضلين الشجعان الذين ماتوا واقفين كشجرة السنديان المعمرة والنخلة الباسقة، مدركا بوضوح انه سائر الى نهايته، حين أوصى بنشر صورته الهادئة والمفعمة بالمحبة والسلام مع النفس بعد موته، مات الإنسان الحالم بالحرية والديمقراطية والاشتراكية والسلام والاستقلال لوطنه كردستان وللعراق وكل البلدان الأخرى، لشعوبها، الذي نذر نفسه لها وناضل بإصرار وعناد وحزم من أجلها!     
كان لدانا جلال تأثير بيّن على جمهرة من محبيه ورفاق دربه، بسبب فكره ومبادراته وحيويته ونشاطه الكثيف والود الذي يحمله للجميع، برز بعد وفاته عبر هذه الموجة الجميلة من الرسائل والكلمات التي عبرت عن هذا الود الكبير له وللقضية التي خسرته بوفاته. ترك دانا جلال أثراً كبيرا في الرفيقات والرفاق المناضلين الذين رافقوه في مسيرته النضالية، ترك اثرا بإصراره على النضال، بمواقفه المبدئية، باستقراره ودفاعه عن المبادئ التي اقتنع بها، وعلى الجرأة والشجاعة التي تميز بها في مواجهة العدو والصديق في قول ما يفكر به ولا يبالي بالعواقب المحتملة دون اي نزعة من مغامرة أو طيش. ترك اثرا بنقاء الفكر الذي يحمله، ونقاوته النضالية في الدفاع عن القضايا العادلة التي آمن بها وشارك في حمل رايتها.
كان دانا جلال مناضلا أمميا، لم تحركه الروح القومية الضيقة ولا الإقليمية الأكثر ضيقا وسوءاً، بل ربط نضاله القومي الكردي بنضال بقية شعوب الأمة الكردية من جهة، وبنضال الشعب العراقي والشعب الإيراني والشعب التركي، من جهة اخرى. إنها الرؤية الأممية الصادقة والفاعلة، ولذلك لم يكن هناك بالضرورة ذلك الإطار الحزبي الضيق الذي يحمل همه ويتسع لنضاله، اذ وجد في العملية النضالية المشتركة لهذه الشعوب من النظم الاستبدادية القهرية طريق الخلاص الفعلي لكل شعوب المنطقة. لقد شارك في النضال الحزبي، ولكن أفق تفكيره وعمله كان أرحب بكثير، وهو ما ميّزه، ولم يكن مريحاً للبعض القليل! 
عاش مناضلا وفي احضان عائلة شيوعية مناضلة، وساهم في النضال منذ ان كان طالبا، ومن ثم في الحركة الأنصارية ضد النظم الدكتاتورية وضد جلادي شعبه الكردي وعموم الشعب العراقي. ناضل بالبندقية وبالقلم، كإعلامي تميَّز بأسلوبه وشراسة قلمه في مقارعة المستبدين والفاسدين ومصادري الحريات العامة وحقوق الإنسان، وسارقي أموال الشعب ولقمة عيشه والمتحكمين بحياته ومستقبل أجياله. رفض التمييز والعنصرية والشوفينية وضيق الأفق القومي، رفض التمييز ضد المرأة وحمل مع المرأة راية النضال في سبيل حقوقها الكاملة والتامة. لقد كان دانا جلال مناضلاً عضوياً على وفق رؤية ومفهوم غرامشي للمناضلين العضوين الشجعان..
لقد كان دانا جلال ابناً باراً للشعب الكردي وأصيلا في نضالاته والمبادئ الي حملها في مسيرته النضالية حتى النفس الأخير حين توقف القلب عن الخفقان ... له الذكر الطيب دوماً وله مكان في قلوب محبيه الذين سيحملون الراية التي واصل رفعها طيلة حياته القصيرة والمفعمة بالحياة...
كاظم حبيب
برلين في 12/05/2018






38
العراقيون البهائيون

لا أدافع عن هذا الدين أو ذاك، ولا عن هذا المذهب أو ذاك، كما لا أطرح هنا صواب أو خطأ ما ورد لدى هذه الديانات والمذاهب من معتقدات وطقوس وتقاليد، بل أدافع هنا بلا هوادة عن حق الإنسان أينما كان وحريته التامة في الاعتقاد وفي تبني هذا الدين أو ذاك وهذا المذهب أو ذاك، وهذه الفلسفة أو تلك أو بلا دين أو مذهب. إنه الحق الذي لا يجوز المساس به بأي حال. لقد ناضلت البشرية عشرات القرون لتكريس هذا الحق والتمتع بهذه الحرية، فلا يجوز التفريط بهما أو السماح بالتجاوز عليهما! 

البهائية ديانة حديثة ظهرت بإيران في القرن التاسع عشر وعلى يد المبشر الأول بقيام هذا الدين التاجر الشاب علي محمد الشيرازي الملقب بـ "الباب" (1819 – 1850م)، الذي أشار بوقت مبكر إلى من التزم بهذا الدين الجديد والذي سيأخذ على عاتقه نشر الدين والدعوة له وإعلاء شأنه، إنه الشيخ ميرزا علي حسين النوري والملقب بـ "بهاء الله" (1817- 1892م)، المولود بمدينة نور بطهران/إيران. عانى هذا الرجل قرابة أربعين عاماً من الملاحقة والنفي إلى الدولة العثمانية، ثم الاعتقال والسجن، ثم الموت في السجن. عاش عشر سنوات من عمره ببغداد، كما استقر لمدة سنتين بالسليمانية. وقبل مغادرته بغداد أعلن "حضرة بهاء الله في نيسان من عام ١٨٦٣ انه مبعوث من الله، وان هدف رسالته هو تحيق الوحدة والاتحاد بين بني البشر. ومنذ ذلك الحين ارتبط البهائيون العراقيون بروابط الالفة والصداقة مع باقي مكونات المجتمع العراقي.
أوصى حضرة بهاء الله قبل موته بخلافة أبنه عباس أفندي له، والذي لُقب بـ "عبد البهاء" (1844 - 1921م)، المولود بطهران إيران. ولكن اختلف عباس أفندي مع أخيه غير الشقيق محمد علي. وبالتالي أصبح للبهائية طائفتان. أطلق على الأولى بالعباسيين تيمناً بعباس أفندي وعلى الثانية بالموحدين. ويبدو إن الثانية لم تعد كبيرة بعد أن مورس ضدها الطرد والمنع من الوصول إلى مرقد بهاء الله في حيفا.
مارس عبد البهاء التجوال في العالم للتبشير بدينه وكتابة الرسائل وما يسهم في توسيع دائرة المعتنقين له. وقبل أن يتوفى أوصى بخلافة أكبر أحفاده المدعو شوقي أفندي (1897 – 1957م) له في قيادة أتباع الدين. وبعد وفاته اقيم المجلس الذي أطلق عليه "بيت العدل الأعظم" في العام 1963 على وفق ما ورد في كتاب الشريعة البهائية، الكتاب (الأقدس)، البيت الذي يشرف ويدير شؤون أتباع الدين البهائي. رفضت مجموعة من البهائيين الاعتراف ببيت العدل الأعظم واعتبروا البهائي الأمريكي الولادة تشارلز ميسون ريمي Charles Mason Remey  (1874-1974م) ولي أمر البهائيين. وقد أطلق على هذه المجموعة اسم البهائيون الأرثوذكس ولها مريدون في بعض المدن الأمريكية.
يشير موقع الموسوعة الحرة إلى أن عدد معتنقي الديانة البهائية بالعالم وصل في العام 2012 بحدود 7,8 مليون نسمة من مجموع سكان العالم البالغ في نفس العام أكثر من 7 مليار نسمة.
يؤمن أتباع هذا الدين الحديث بالإله الواحد، وهم بهذا توحيديون. كما يدعون إلى دين واحد، على اعتبار أن كل الأديان جاءت من مصدر واحد هو الخالق، وأن لها رسالة واحدة، وأن الناس أخوة في الإنسانية وهم متساوون. ولهم كتاب مقدس يطلق عليه بـ "الأقدس"، كما لديهم كتب عرفانية كثيرة أخرى منها كتاب "الإيقان".
برز عداء شيوخ الدين المسلمين لهذا الدين واتباعه، ولاسيما شيوخ الدين الإيرانيين حيث ظهر في إيران دعاة هذا الدين لأول مرة، لسبب أساسي هو قولهم بمجيء نبي بعد النبي محمد، في حين أن المسلمين يعتقدون بأن النبي محمد هو آخر الأنبياء والمرسلين، وبالتالي فهي ضد الرؤية الإسلامية بشأن النبوة. ولهذا حوربوا بغيران وبتركيا في حينها، كما هم محاربون بالعراق واليمن ومناطق أخرى من العالم العربي.
وضع البهائيين بالعراق 
في الوقت الذي عانى البهائيون من اضطهاد السلطات الإيرانية، اعترفت سلطات الاحتلال البريطاني بالعراق بالدين البهائي وفق كتاب (بيان المحاكم رقم 6 في 28/12/1917). ويعتبر هذا الكتاب أول اعتراف رسمي للبهائيين قبل تشكيل الدولة العراقية الملكية. وواصلت الحكومة العراقية الملكية الاعتراف بهذا الدين وأتباعه، لهذا كانت عقود زواج البهائيين تصدر عن محاكم الأمور الشخصية لغير المسلمين. كما تم تثبيت البهائية في السجل الأساسي لإحصاء 1957 كواحدة من العقائد الدينية المثبتة في استمارة التعداد والسجل الأساسي، وكان البهائيون يثبتون في حقل الديانة (بهائي) للوثائق الرسمية. وكان لهم مركز ومقبرة كما كان للمحفل الروحاني المركزي للبهائيين في العراق (المؤسسة الروحانية على المستوى الوطني) مساهمات على الصعيد المجتمعي. وخلال تلك الفترة تم تشكيل العديد من المؤسسات المحلية في مختلف مدن العراق كالسليمانية وكركوك والموصل وخانقين ومختلف مناطق بغداد إضافة الى مناطق محافظة ديالى والنجف وكربلاء والبصرة وغيرها.
وبسبب خصوصية الدين البهائي يمتنع معتنقو هذا الدين عن التدخل في الاعمال السياسية والحزبية اضافة الى وجوب احترام وتقدير واطاعة السلطات الحاكمة في اي دولة يعيشون فيها فان تعاقب السلطات الحاكمة لم يؤثر على تعايش البهائيين مع ابناء وطنهم او على علاقة البهائيين بالدولة" كما جاء في وثيقة مكتوبة أرسلها لي أحد المعتنقين لهذا الدين. لم يجر أي تغيير في أوضاع البهائيين في فترة الحكم الجمهوري الأول بعد ثورة تموز 1958. ولكن أول الإجراءات المناهضة للبهائيين برزت في أواسط الستينيات من القرن العشرين، إذ تم وضع اليد على مبنى (حضيرة القدس) المركز البهائي في بغداد عام 1965. وفي العام 1970 ارتكب انتهاك صريح ضد حقوق البهائيين بصدور قانون 105 /1970 حرم بموجبه النشاط البهائي وتم حل مؤسساتهم ومصادرة الكتب والأموال والممتلكات. وما يزال يعاني البهائيون من أثار وعواقب هذا القانون، ومع صدور هذا القانون جرى في العام 1974 الحكم على عشرات البهائيين بالعراق بالحبس لمدد تتراوح بين عشر سنوات والمؤبد. وبتاريخ 24/07/1975 صدر القرار المجحف رقم 358 بحق البهائيين من مديرية الأحوال المدنية الذي تضمن تجميد قيود البهائيين في سجلات الاحوال المدنية، واعطاء الدائرة صلاحية استبدال حقل الديانة، مما ادى الى سلب الحقوق المدنية والقانونية مثل الحصول على هويات الأحوال المدنية وبقية الوثائق الثبوتية وتسجيل بيانات الولادات وتسجيل الزيجات وغيرها، ما لم يُثّبت في حقل الديانة مسلم. كما تم تغيير الكثير من قيود البهائيين في دوائر الاحوال المدنية. وبالرغم من كل هذه التقييدات للحرية الا ان العلاقة التي تربط البهائيين بجيرانهم واصدقائهم استمرت بكونها علاقة منفتحة مبنية على الاحترام والتقدير من الجميع. 
وقد وصلتني وثيقة من واحد من دعاة الدين البهائي أشار فيها إلى ما يلي:
"بعد عام 2003، تم الغاء سريان القوانين الجائرة ومنها قانون 105 لسنة 1970، والذي لا ينسجم مع الشرعة الدولية ولا مع دستور العراق الجديد، الذي يضمن معاملة متساوية لجميع العراقيين في جميع النواحي ومنها الدين، فأعاد البهائيون تشكيل مؤسساتهم الروحانية التي تقوم بإدارة ورعاية شؤون البهائيين في العراق في اندماجهم وخدمتهم لمجتمعهم. ومنذ ذلك الحين والبهائيون يمارسون نشاطاتهم المعنية بالاهتمام بتربية الاطفال وإطلاق طاقات الشباب بكل حرية يشاركهم فيها أبناء وطنهم من المكونات الاخرى. كما اعادت هيئة نزاعات الملكية بعض الاملاك البهائية المصادرة بقرار محكمة الثورة المنحل. كما ألغى وزير الداخلية قرار مديرية الاحوال المدنية 358 بتاريخ 24/7/1975 الذي تم بموجبه تجميد قيود البهائيين واستبدال حقل الديانة من بهائي الى مسلم، بصدور كتاب وزارة الداخلية 5441 في 19/3/2007 والذي تم تعميمه على كل دوائر الاحوال المدنية بموجب كتاب المديرية العامة للسفر والجنسية المرقم 5708 في 04/04/2007، وعلى إثر هذا القرار تم عملياً رفع التجميد عن القيود، وصدرت لعدد من البهائيين هويات مثبت فيها حقل الديانة (بهائي).
لقد تم الاعتراف الرسمي بإقليم كردستان العراق بـ "المجلس البهائي لإقليم كوردستان العراق" بموجب الأمر الوزاري الصادر عن وزير الداخلية بالإقليم المرقم 5292 والمؤرخ في 26/ 2/ 2012، حيث تم تثبيت ممثل رسمي للبهائيين في وزارة الاوقاف والشؤون الدينية بالإقليم بموجب الامر الوزاري المرقم 180 والمؤرخ 11/10/2015، اسوة بباقي الاديان من غير المسلمين. وشارك البهائيون رسمياً بمناقشات حراك دستور الإقليم ومشاريع صياغة وتعديل القوانين ذات العلاقة، ومنها قانون 5 لسنة 2015 لحماية حقوق مكونات كوردستان، حيث مازال البهائيون ومع العديد من الجهات المهتمة يحاولون إضافة اسم البهائيين ضمن مكونات الإقليم في القانون.
أما ببغداد، ورغم عدم وجود اضطهاد مباشر للبهائيين، فما زال معتنقو هذا الدين يناضلون من أجل إلغاء القانون رقم 105 لسنة 1970، إضافة إلى إلغاء الكتاب الذي صدر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي بتاريخ 26/07/2007 وبرقم 1215 الذي تضمن منع دوائر الأحوال المدنية عن تثبيت (بهائي) في حقل الديانة في هوية الأحوال المدنية وتسجيله مسلم. وهو تراجع صارخ في فترة رئيس الوزراء السابق وبتأثير مباشر من الحوزة الدينية بقم/إيران، وهو إجراء مناقض للدستور العراقي. كما خلت الدراسة التي أعدتها دائرة الرصد والأداء وحماية حقوق الإنسان في وزارة حقوق الإنسان بالعراق تحت عنوان "أطياف العراق مصدر الثراء الوطني" في العام 2011 عن ذكر البهائيين ضمن هذه الأطياف. وهذا الموقف يتناغم مع القرار الصادر عن مجلس الوزراء بعدم تثبيت في حقل الدين (بهائي) للمواطنات والمواطنين البهائيين. وتناغماً مع هذا الاتجاه المناهض للبهائيين تم هدم دار تاريخي للبهائيين بقرار من الإدارة المحلية ببغداد، تحت ذريعة كونه داراً قديمة آلية إلى السقوط. وقد قُدمت اعتراضات واحتجاجات ضد الهدم، ولكنها لم تنفع. كما وجهت هيئة الدفاع عن ابتاع الديانات والمذاهب في العراق رسالة إلى مديرية الآثار بالعراق طالبة منها الحفاظ على هذا الأثر التاريخي لأتباع الديانة البهائية، ولكن كلها لم تجد نفعاً مع القوى الإسلامية السياسية الحاكمة والمتنفذة.     
إن من واجب العراقيات والعراقيين الأحرار أن يتضامنوا مع مواطناتهم ومواطنيهم اتباع الديانة البهائية لنيل حقهم المشروع للتمتع بحرية العبادة، وإقامة دور العبادة الخاصة بهم، وممارسة الطقوس والشعائر الدينية دون عوائق أو عقبات. إنه الحق الذي لا يجوز المساس به والذي ما تزال الحكومات العراقية المتعاقبة تمتنع عن رفع الحيف الذي وقع عليهم في عهد الدكتاتورية البعثية والصدامية الغاشمة، وذلك بإلغاء القانون رقم 105 لسنة 1970، إضافة إلى إلغاء الكتاب الذي صدر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي بتاريخ 26/07/2007 وبرقم 1215، الذي تضمن منع دوائر الأحوال المدنية عن تثبيت (بهائي) في حقل الديانة في هوية الأحوال المدنية وتسجيله مسلم.


39
د. كاظم حبيب
محن وكوارث الشبك بالعراق
إلى بنات وأبناء شعبنا العراقي، إلى إخوتنا في الإنسانية، إلى المواطنات والمواطنين الشبك، أقدم لكم جميعاً خالص تعازي لمن سقط منكم شهيداً أو جرح وعوق لأسباب سياسية، أو دينية، أو مذهبية، أو عنصرية وشوفينية، على امتداد الفترات المنصرمة ولاسيما في أعقاب إسقاط الدكتاتورية البعثية والصدامية الغاشمة وقيام نظام سياسي طائفي مقيت ومحاصصة مذلة للإنسان العراقي، رجلاً كان أم امرأة، بإصرار من الإدارة الأمريكية وولاية الفقيه بإيران وشيوخ الدين والأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية بالعراق، ومن ثم، وبشكل أبشع، بعد اجتياح الموصل وعموم محافظة نينوى حيث وقعتم ضحية سهلة في أيدي الدواعش الأوباش، بسبب السياسات الرجعية والمشوهة التي مارستها القوى الطائفية الحاكمة بالعراق، والتي سمحت لولوج هذه الجماعات الإسلامية السياسية المتطرفة والمتوحشة من ثغرة النظام السياسي المركزية، من الطائفية في الفكر والممارسة اليومية، إلى العراق. أنتم، كغيركم من أبناء وبنات محافظة نينوى والمحافظات الغربية والحويجة وديالى عانيتم الأمرين تحت الاحتلال الداعشي وسطوته، أو أجبرتم على النزوح إلى مناطق أخرى، وعانيتم بقسوة كبيرة منها ومن الهجرة القسرية والتمييز. أحييكم بحرارة وأشد على أيديكم، فأنتم وغيركم جزء من هذا الشعب، وأبناء وبنات هذا الوطن المستباح حتى الآن بالطائفية والفساد والإرهاب!!!       

الشبك مكون عراقي يعتنق الإسلام ديناً، وأفراده على مذهبين: الشيعي الجعفري أو الإمامي، وهم يشكلون الأكثرية، والسني الشافعي، وهم يشكلون الأقلية. والعيش المشترك بين معتنقي المذهبين في الإسلام لم تنغّصه الصراعات المذهبية.
اختلف الباحثون والكتاب بثلاث مسائل جوهرية بشأن الشبك، وهي:
1. الموطن الأصلي للشبك ومتى قدموا إلى العراق؛ 2. الديانة والمذهب الذي يعتنقه الشبك؛ و3. وهل يشكلون قومية خاصة بهم أم أنهم جزء من قومية أخرى، وما هي اللغة التي يتحدثون بها. لقد ذهب الباحثون مذاهب كثيرة في تشخيص الإجابة عن هذه الأسئلة.     
 لقد تسنى لي قراءة عشرات المقالات والكتب التي بحثت في موضوع الشبك والمناقشات التي جرت حتى الآن بين الباحثين، والكتاب والتي في الغالب الأعم لم تتوصل إلى وحدة الرأي. ويبدو إن هذه المسألة ستبقى محوراً للنقاش في الفترة القادمة أيضاً. ولكن لا بد للباحث، إضافة إلى سعيه في التحري عن مصادر قديمة تشير إلى وجهة الإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من الحوار مع أصحاب الشأن وذاكرة عائلاتهم وما سجل لديهم بشأن الإجابات المطلوبة. وفي الآونة الأخيرة التقيت مع السيد يوسف محرم، المقيم مع عائلته ببرلين واستمعت لوجهة نظره ورؤيته للمسائل المطروحة، كما اطلعت على الدراسة التي أعدها أثناء دراسته الجامعية، ومن ثم دراسة الأستاذ سعد سلوم1 والأستاذ زهير كاظم عبود عن الشبك2، وكذلك دراسة الدكتور رشيد الخيون3، واللقاءات التي أجريت مع الباحث والسياسي والنائب الدكتور حنين گدو وما نشره بصدد الشبك، باعتباره أحد أبناء الشبك وممثلاً عنهم في المجلس النيابي العراقي في الوقت الحاضر.
لقد استخلصت من كل ذلك المسائل التالية:
الشبك قوم قدموا إلى بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا) من منطقة حوض بحر قزوين بنهاية القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر ضمن الحملة التي قادها تيمور لنگ (تیمور الأعرج) (1336  -1405 م) على المنطقة في الفترة بين 1397/1398-1405م)، بما فيها مدينة الموصل. لقد كان جيش المغول لا يتكون من جنود مغوليين فحسب، بل من جنود ينتسبون إلى أقوام أخرى كانت تحت سيطرة المغول والقائد المغولي تيمور لنگ في اجتياحه العسكري صوب العراق والشام ...الخ. وقد استقرت مجاميع مختلفة من الجنود والعوائل التابعة لقوات المغول بالعراق، ومنهم عائلات من الشبك. كما إن الحملات العسكرية اللاحقة من جانب الصفويين أو غيرهم قد جلبت معها الكثير من الأقوام إلى العراق لتقطن فيه، ومنهم الفرس أيضاً. وهم بهذا المعنى قوم ضمن الأقوام التي كانت خاضعة لسيطرة المغول على حوض بحر قزوين، وأن اسمهم "الشبك" متأتي من اسم الملك والقائد العسكري الذي كان الشبك تحت أمرته، واسمه الشاه بگ، والتي تحورت لتصبح الشبك. وفي مناطق الشك هناك قرية باسم المنارة شبك أصبحت منذ القدم مقبرة لموتى الشبك، والتي يقال أن الشاه بگ مدفون فيها. هم يعتقدون جازمين بأنهم ليسوا من القومية التركية أو الكردية أو الفارسية، بل قومية خاصة بهم، إنها القومية الشبكية. وويبدو أنهم منذ أن كانوا في حوض بحر قزويني قد تبنوا المذهب الشيعي، ولكن قرب قرى بعينها من الموصل بأكثريته السنية قد أثر على مذهب هذه القرى وحولها إلى المذهب السني، كما إن جوارهم لكدستان قد ساهم بتبني المذهب السني الشافعي. وما زال الشيعة منهم حتى الآن على التقاليد الإمامية، رغم دخول الكثير من الطقوس البكتاشية بحكم وجودهم ضمن العراق وتحت الهيمنة العثمانية، وهي طقوس قريبة من طقوس الشيعة الإمامية مع بعض المغالاة في موضوع الحسين وأهل البيت. ويشار إلى أن كبار السن, وجمهرة من الشباب، من الشبك ما زالوا يمارسون التقاليد والطقوس البكتاشية المعروفة عن الطائفة البكتاشية بتركيا وبعضهم بالعراق. إلا أن اقترابهم من الحوزة الدينية الشيعية، إضافة إلى هيمنة الأحزاب الشيعية على الحكم بالعراق قد ساعدت على تغلغل الأحزاب الشيعية في صفوفهم وكسب المزيد منهم إلى التقاليد والطقوس الشيعية، ولاسيما الشباب منهم.
وللشبك لغتهم الخاصة، التي هي ضمن اللغات الهندو-أرية المستقلة التي دخلت عليها كلمات تركية وفارسية وربما بعض الكلمات الكردية، ولكنها خاصة بهم ويستخدمون الحروف العربية، ولكنها تكتب بشكل أفضل بالحروف اللاتينية. وبهذا المعنى فهم مكون قومي شبكي وديني إسلامي بمذهبين شيعي جعفري متشابك مع الطريقة البكتاشية، وسني شافعي.
يذكر السيد يوسف محرم إلى أن " للشبك عادات وتقاليد خاصة متميزة من حيث إقامة الاعياد و المناسبات الدينية والاعراس، وممارسة باقي التقاليد الاجتماعية... لأقلية الشبك زي خاص تراثي فلكلوري ذات قيمة تاريخية خاصة بهم. يوجد في مناطق الشبك مزارات ومقامات دينية مقدسة مثل مقام الامام زين العابدين ع ومقام امام الرضا وامام العباسية ومرقد قلورش ومزارات دينية اخرى."4 من هنا فهم يرفضون محاولات جعلهم جزءاً من القومية الكردية، كما يرفضون الادعاء بكونم جزءاً من القومية التركية، إضافة إلى إنهم يرفضون الادعاء لكونهم من القومية الفارسية أو جاءوا مع الصقويين إلى العرق، كما إنهم قاوموا محاولات تعريبهم من جانب النظام البعثي، بالرغم من أن جوازاتهم وهوياتهم الشخصية ما تزال تحمل الأسماء أو الألقاب العربية التي فرضت عليهم. يشير تقرير كتبه يوسف محرم بشأن أوضاعهم بالعراق إلى ما يلي:
"مع تعاقب الحكومات في العراق أستمر مسلسل تهميش الشبك حتى سيطرة حزب البعث على الحكم بالعراق، حيث استخدم النظام سياسة التعريب ضد الشبك ومسخ هويتهم ومحاولة إنهاء وجودهم بشكل نهائي في العراق واجبارهم على التسجيل في الهويات الشخصية بأنهم عرب والانتساب الى القبائل العربية. ولم يكتف بسياسة التعريب في محاولة انهاء وجود الشبك فحسب، بل قام النظام بين عامي 1987 و1988 بعمليات أنفال ضد عائلات الشبك في منطقة سهل نينوى، وذلك بهدم منازلهم وقراهم واعتبارهم تبعية إيرانية وليسوا عراقيين. كما تم اعتقال الكثير من الشخصيات الشبكية المعروفة ومن رجال الاعمال لأسباب طائفية، وإجبار رجال الدين الشبك على تطبيق منهاج البعث في ممارسة الطقوس الدينية."4 تشير المعلومات المتوفرة إلى إن الشبك يستوطنون 56-72 قرية وناحية ومدينة تقع في شرقي الموصل وعلى الجانب الشرقي من نهر دجلة وتتبع إلى أربعة أقضية هي: قرقوش، والموصل وتلكيف، والحمدانية. قدَّرت سلطات الاحتلال البريطاني نفوس الشبك في العام 1925 بـ 10000 نسمة، وبلغ نفوسهم على وفق إحصاء العام 1977 بحوالي 80000 نسمة.5 كما قدر في العام 2002 بحدود ربع مليون نسمة.
عاش الشبك أوضاعاً طبيعية في العهد الملكي حيث اعترف بهم النظام السياسي حينذاك في كونهم يشكلون قومية بذاتها هي القومية الشبكية، وأنهم يتبعون مذهبين الشيعي والسني. يتحدث الشبك عن حالتين في أوضاعهم بالموصل في العهد الملكي:
أولاً: علاقات تعايش سلمي متميز وتعاون وتضامن وحسن جوار بعيدا عن أي شكل من أشكال العنف أو استخدام السلاح بين المكونات القاطنة في سهل نينوى، وهم المسيحيون والإيزيديون والتركمان والشبك.
ثانياً: علاقات تمييز وتهميش من جانب إدارة الموصل وأهل الموصل السنة، باعتبارهم شيعة روافض: فكان التعامل يجري عملياً على النحو التالي: أهل الموصل السنة درجة أولى، العائلات المسيحية درجة ثانية والعائلات الإيزيدية درجة ثالثة، والشبك درجة رابعة. وكانوا يعانون من العزلة وعدم التعامل الاقتصادي معهم.
أما في فترة البعث الثانية فقد تعرضوا لعملية تعريب صارخة. لقد أصدر النظام أوامر تقضي بتسجيل العراقيين في شمال العراق أما عرباً أو كرداً، فسجل عدد يتراوح بين 300-400 شخص كأكراد، وسجل بقية الشبك كعرب. وأعطيت لهم في التسجيل ألقاباً عربية أو حورت أسماؤهم. مثال على ذلك يوسف محرم سلمان البو حيْو، أصبح يوسف محرم سلمان النعيمي، في حين أنه من عائلة شبك معروفة في أوساط الشبك.
أما الذين سجلوا بأنهم كرد، وهم من قرى الشبك، فقد أصبحوا ضمن الفرسان (الجحوش)، وهجَّروا من مناطقهم إلى دشت حرير بإقليم كردستان، حيث أقيم لهم حينذاك مجمع سكني. وعلى العموم فقد عاشوا في هذه الفترة تحت وطأة التمييز المشدد، نورد هنا على سبيل المثال لا الحصر ما كانوا يعانون منه في محافظة نينوى. 
** النظرة الدونية للشبك باعتبارهم روافض وعدم التعامل الاقتصادي من باب التعالي، ** منع الزواج معهم، والابتعاد عن إقامة علاقات اجتماعية معهم، ** عدم السماح لهم بالعمل في الإدارة أو في الأمن أو التعليم، ** وجود تحفظ على الشبك عموماً من منطلق خاطئ أنهم جاءوا مع الغزاة وساهموا في الحملات التي تعرضت لها الموصل!! ** وقد أدى هذا إلى انغلاق الشبكيين على أنفسهم ومحاولة العيش في اكتفاء ذاتي من خلال نشاطهم الاقتصادي في قطاعي الزراعة ورعي الماشية. ويشير السيد يوسف محرم إلى هذا الموقف بما يلي:
"كانت النظرة التي تجعل الآخر في مرتبة أدنى اجتماعيا موجودة في البيئة الموصلية التي عشت فيها، فقد كان المجتمع الموصلي ينظر نظرة دونية إلى الإيزيدي والشبكي وفي بعض الأحيان إلى الكردي أيضاً". وبعدها بدأت مظاهر التمييز تنتقل إلى المجتمع الكردي بوصفه مجتمعا أكبر، فأخذ الشبكيون يواجهون هذا التمييز في المحيط الكردي بعد أن كانوا يعانون منه في محيطهم العربي."6
بعد سقوط الدكتاتورية البعثية استبشر الشبك خيراً، وتمنوا أن تنتهي أيام التمييز والعزلة والحرمان. وقد بدأ فعلاً بعض الانفراج. إلا إن هذا الوضع لم يستمر طويلاً، إذ في أعقاب تفجير مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في مدينة سامراء، بدـأت حملة ظالمة ضد الشبك بالموصل وسهل نينوى، وبدأ القتل على هوية الشبك باعتبارهم شيعة روافض وبكتاشية. وتم قتل أكثر من 1500 إنسان من الشبك الذكور وبعض النساء بين 2005-2014، أي حتى اجتياح الموصل من تنظيمات القاعدة وداعش التي كانت لها مواقع قوية بالموصل ودور كبير في تصفية الكثير من الناس. كما حصلت عملية تهجير واسعة بلغ عدد الذين هجروا 1200 نسمة من الشبك من مدينة الموصل ومن أيسر الموصل، أي من أحياء نينوى الشرقية والميثاق والتأميم والبكر وأربچیة والوحدة. كما تعرض الإيزيديون إلى قتل واسع بالموصل وفي المناطق التابعة لمحافظة نينوى في ذات الفترة. ولكن الشبك تعرضوا لمعاملة سلبية من جانب الأحزاب الكردستانية، إذ يشير التقرير الذي أمتلك نسخة منه إلى ما يلي: 
"مارست الاحزاب الكردية وبأخص منها الحزب الديمقراطي الكردستاني وكذلك الاتحاد الوطني الكردستاني أبشع انواع سياسات إذابة هوية الشبك من خلال سياسة التكريد وفرض الهوية الكردية على الشبك والضغط على أبناء الشبك من خلال حملات الاعتقال والتهديد والترهيب. كما أن قسماً من الأحزاب الكردية فتح مقرات حزبية له داخل قرى الشبك واجبارهم على الانتماء للحزب الديمقراطي الكردستاني، وكذلك تغيير ديمغرافية مناطق الشبك من خلال توطين عوائل كردية في مناطق الشبك ومنع الشبك من بيع وشراء وحرية التصرف بممتلكاتهم وفرض عليهم اللغة الكردية والتدخل في حياتهم الاجتماعية والتدخل في مناسبات الشبك الدينية وافتتاح مراكز ثقافية تابعة لحزب الديمقراطي الكردستاني من اجل مسخ ثقافة الشبك وتكريدها، إضافة إلى منع الشبك من حق التمثيل السياسي من خلال السيطرة على كوتا الشبك في مجلس النواب العراقي."8 أما بعد اجتياح داعش للموصل وسهل نينوى ابتداء من حزيران 2014 فقد وقعت أبشع الكوارث والمآسي وعمليات الإبادة الجماعية بالمكونات الدينية والقومية بالموصل ومحافظة نينوى ولاسيما ضد المسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان الشيعة من أهالي تلعفر. يشير التقرير السابق ذكره إلى أوضاع الشبك تحت الهيمنة الداعشية إلى ما يلي:
"بعد احداث 10. 6. 2014 وسيطرة تنظيم داعش الارهابي على مدينة الموصل وقبل دخوله منطقة سهل نينوى سيطر التنظيم على ما يقارب 9 قرى من أقلية الشبك وهي تقع على الحدود بلدية مدينة الموصل، حيث ارتكب التنظيم أعمالاً إرهابية فيها من قتل وخطف. فقد ذبح تنظيم داعش الإرهابي في قرية "سادة بعويزه"، التي تقع شمال شرق مدينة الموصل، أكثر من 4 عوائل من الشبك بجميع أفرادها واختطف أكثر من 50 شاباً وشيخاً من قرية "عمر كان" الشبكية، التي تقع جنوب شرق مدينة الموصل، ومصيرهم مجهول لحد الآن. كما قام باختطاف العشرات من الشبان من أهالي قرية "بازوايا" وقرية "كوجلي" وتم قتلهم جميعاً. وبسبب انسحاب قوات البيشمركة الكردية من منطقة سهل نينوى وسيطرة داعش على مناطق وقرى أقلية الشبك في سهل نينوى، نفذ الدواعش تهجير جميع المواطنين والمواطنات الذين ينتمون الى اقلية الشبك ويقدر عددهم بحدود 350 ألف نسمة اي ما يعادل 20 % من اجمالي سكان مدينة الموصل. وكذلك نفذ تنظيم داعش عمليات اختطاف لأكثر من 300 شخص من أقلية الشبك، قسم منهم وضع في سجن بادوش والذي كان تحت سيطرة تنظيم داعش الإرهابي، وقسم اخر في سجون مدينة الرقة السورية. عثر في الفترة الماضية على ثلاث مقابر جماعية تتكون كل مقبرة على مجموعة كبيرة من المدنيين من أقلية الشبك في منطقة "الحاوي" وقضاء "سنجار" وناحية "الگوير". لم يقف سلسلة جرائم تنظيم داعش الارهابي الى هذا الحد، بل قام بتفجير جميع المقامات الدينية والمواقع الاثرية الخاصة بأقلية الشبك في قرية "علي رش" وقرية "تيس خراب" وقرية "العباسية" وقرية "بازوايا" و"خزنة تبة" و"منارة شبك"، كما قامت بتفجير المواقع الاثرية في قرية "طبرق زيارة". نشر تنظيم داعش الارهابي وعلى صفحات التواصل الاجتماعي بتاريخ 19.3.2015 صور يصف بها كيفية تفجير الحسينيات والمراقد والمراكز الدينية الخاصة بأقلية الشبك، وقدر ذلك بأكثر من 8 مواقع. بعد تهجير جميع المدنيين من أقلية الشبك الى محافظات وسط وجنوب العراق وإقليم كردستان يعاني المدنيون من أقلية الشبك أصعب الظروف المعيشية وقلق مع انعدام الامن وانعدام الرعاية الصحية والتعليم، وكذلك تفشي الكثير من الأمراض بين الأطفال والنساء وكبار السن مع ارتفاع عدد الوفيات، كلها بسبب سوء الظروف المعيشية وارتفاع مستوى الأمية والبطالة بين المواطنين والمواطنات، ووصل الإرهاب إلى حد الإبادة الجماعية ضدهم، حسب المعايير والقانون الدولي للإبادة الجماعية."9
المصادر والهوامش
  أنظر: سعد سلوم، مائة وهم عن الأقليات الدينية في العراق، مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية، بيروت-بغداد، 2015.
2 أنظر: زهير كاظم عبود، الشبك، سلسلة كتب سرمد، ط أولى، السليمانية، إقليم كردستان العراق. 2006م.
3 أنظر: رشيد الخيون د.، الأديان والمذاهب في العراق: ماضيها وحاضرها، مركز المسبار، دبي، 2016.
4 تقرير خاص ليوسف محرم موجود في أرشيف د. كاظم حبيب).
5 المصدر السابق نفسه.
6 قارن: ديوان أوقاف الأديان المسيحية والإيزيدية والصابئة المندائية، العراق نصرت مردان 4 كانون الأول/ 2010).
7 في لقاء خاص مع السيد محرم بتاريخ 26/03/2018، الساعة 14 بعد الظهر، ك. حبيب.
8 تقرير خاص ليوسف محرم موجود في أرشيف د. كاظم حبيب.   
9 المصدر السابق نفسه.


40
كاظم حبيب
لم ينته توزيع الأدوار بين المرجعية وأحزاب الإسلام السياسي الطائفية!!
ما كان للنظام السياسي الطائفي أن يتكرس بالعراق لولا العوامل التالية:
1.   الطريقة التي تم بها إسقاط الدكتاتورية الغاشمة والقوى التي شاركت فيها والعواقب الوخيمة التي نشأت عنها من تدمير شامل للبنية التحتية ومؤسسات الدولة العراقية وفرض الاحتلال الدولي على العراق وفتح الباب أمام القوى الإرهابية للإسلام السياسي بالولوج إلى العراق ونقل المعركة معها إليه.
2.   الدور الذي لعبته المرجعية الشيعية في التعجيل بوضع الدستور وإجراء الانتخابات العامة في ظل الاحتلال، ودستور أعرج ومشوه، وبداية صارخة لإقامة نظام سياسي طائفي محاصصي مقيت، بدعم مباشر وتنسيق صارخ مع المحتل، مما أسهم بدعم جهود المحتل في توزيع السلطة مبكراً على أسس طائفية محاصصية مناهضة لمبدأ الوطن والمواطنة.
3.   التدخل السياسي المباشر الذي لعبته إيران ليس في دعم القوى والأحزاب السياسية الطائفية لتكريس حكم الطائفة فحسب، بل وفي تشكيل الميليشيات الطائفية المسلحة وتمويلها وتسليحها وتنفيذ برامج مدمرة لتنفيذ عمليات إرهابية ضد أتباع الديانات الأخرى وتنشيط الصراع الطائفي والاختطاف والقتل، وكذلك القتل على الهوية، وزيادة عدد القنوات التلفزيونية الدعائية الخاصة الممولة من إيران لتكريس الطائفية والوجود الأمني والمليشي والاقتصادي والاجتماعي والمذهبي الإيراني بالعراق. وقد وجد هذا الوضع تأييداً واضحاً من المرجعية الشيعية بالنجف، إضافة إلى دورة حوزة قم بذلك.
4.   الدور غير العقلاني للقوى السياسية الكردية في الابتعاد عن التعاون وتنسيق العمل والعلاقة مع القوى الديمقراطية العربية وغيرها العربة بالبلاد، والمساومة الفظة مع القوى الإسلامية الطائفية بدعوى مظلومية الكرد والشيعة، ومع النظام السياسي الطائفي، للحصول على مكاسب آنية معينة، ولكن كانت لها عواقب وحصيلة مأساوية على الكرد خضوصاً وعلى الشعب العراقي عموماً. وقد كان كل ذلك متوقعاً. أضافة إلى إغراق المحافظات الكردستانية بالقوى والنشاط الإيراني والتركي في آن واحد والأسواق بسلع البلدين ومقاولاتهم في البناء والمشاريع الخدمية الأخرى.
5.   الضعف الواضح والمساومة المضرة التي أبدتها القوى المدنية والديمقراطية وبعض القوى اليسارية في السكوت عما يجري بالبلاد، إلى حد قيام البعض بتقديم أكاليل الزهور لشخص وحكومة نوري المالكي ووزراءه، ومداراة الوضع بما ساعد على تكريس القوى والنهج الطائفي بالبلاد. كما إن التحرك المدني ضد الطائفية السياسية ونظامها السياسي واستبدادها الفكري وفسادها بدأ متأخراً، مع نهوض وانفجار ما أطلق علي بـ "الربيع العربي"، واستمراره حتى الآن.
6.   ولا شك في أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي وتشوه البنيتين الاقتصادية والاجتماعية (الطبقية) بالعراق، وكذلك تشوه وتخلف الوعي المنبثق عنهما قد ساعدا على قبول المحتالين والفاسدين والسطحيين والطارئين والرثين ف السلطة واستمرار هيمنتهم عليها حتى الآن. وقد عجزت القوى المدنية والديمقراطية واليسارية عن الاستفادة من ضعف وأخطاء وبشاعة ما حصل بالعراق بفعل وجود هذه القوى السياسية المتخلفة على رأس السلطة والنظام السياسي بالعراق. ولم تكن عملية التنوير الفكري والسياسي سهلة بل معقدة جداً، بسبب القدرات المالية والإعلامية التي وجدت السند والدعم والتأييد من جانب المؤسسات والمرجعيات الدينية والمحتلين الأجانب والمتدخلين الأفظاظ في الشن العراق، ولاسيما إيران، ومن ثم السعودية وتركيا ودول الخليج.
  لم يكن تدخل المرجعيات الشيعية والمؤسسات الدينية السنية بالحياة السياسية العراقية مقبولاً، بل كان وما يزال مضراً وألحق أفدح الأضرار بقضية الشعب العراقي والدولة العراقية. وكان هناك منذ البدء توزيع الأدوار فيما بينها وما يزال هذا مستمراً. وما الرسالة الأخيرة التي أُعدت باسم المرجع الديني السيد على السيستاني والتي قرأها عبد المهدي الكربلائي بتاريخ 04/05/2018، سوى تأكيد فعلي وحقيقي ليس بشأن التدخل المستمر منذ 14 عاماً في السياسة العراقية ومن أوسع أبوابها فحسب، بل وبتأييد مستمر واستثنائي لقوى الإسلام السياسي الشيعية الحاكمة الفاسدة وحليفتها السنية الفاسدة أيضاً، التي ألحقت الدمار الشامل ووفرت مستلزمات اجتياح داعش للمحافظات الغربية ومحافظة نينوى واحتلاله وممارسة السبي والاغتصاب والنزوح والتهجير والقتل والفساد والإرهاب والبؤس والفاقة بالبلاد. إن الرسالة الأخيرة تعلن عن مواصلتها التدخل غير المشروع الذي يرفضه الدستور بالشأن العراقي.
حتى الآن، ورغم انتهاء مهمة تحرير الموصل، ما يزال السيستاني الذي دعا للجهاد الكفائي وأسس للحشد الشعبي، لم يطلب حل الحشد العشبي وإنهاء دوره، بل تركه يشكل أحزاباً سياسية ذات نهج ووجهة إيرانية صرفة، ليدخل معها الانتخابات لصالح إيران. إنها البشاعة بعينها، سواء اعترفت المرجعية بها أم لم تعترف، وكذا المؤسسات الدينية السنية وأحزابها السياسية الطائفية والفاسدة.
إن من واجب كل إنسان غيور على وطنه وشعبه أن يفضح هذه الأدوار ولا يسكت عنها ولا يسمح ببقاء هؤلاء بالسلطة وعبر الانتخابات، لأنهم سيمارسون السياسة ذاتها ولكن بصورة أبشع من السابق. أتمنى على الناخبين أن يصوتوا لمن لم تلطخ يديه بدماء العراقيات والعراقيين ولم تلوث يديه وجيوبه بالفساد والمال الحرام!
 

41
د. كاظم حبيب
محن وكوارث المندائيين في وطنهم العراق
إلى أحبتنا، أخواتنا وأخوتنا المندائيين، مواطناتنا ومواطنينا في الوطن المستباح بالطائفية والفساد والإرهاب، إلى من عانوا من ظلم الحكام وجمهرة من شيوخ الدين المسلمين العرب وغير العرب أثناء الحكم العثماني والفارسي وقبلهما وبعدهما بالعراق حتى الوقت الحاضر، إلى الشهداء الذين سقطوا لعقيدتهم الدينية أو لأفكارهم ومواقفهم السياسية الوطنية والديمقراطية، إلى من أجُبروا على ترك أرض وطنهم ومياههم، مياه دجلة والفرات، والمندي، إلى من يحنون دوماً للعودة إلى أرض الأجداد، إلى الأرض التي ساهموا بحراثتها وزراعتها والصناعة الفضية التي مهروا حرفتها وأبدعوا فيها، إلى أولئك الأبطال الذين رغم كل ذلك استمروا صامدين على أرض الوطن لأنهم ملحها ونور دنيانا، اليكم يا من أنتم بالوطن أو بالمهجر، هذه اللوحة المكثفة عن دوركم وواقعكم والمحن التي كابدتم منها والكوارث التي عشتم تحت وطأتها وعانيتم منها، يا من تمارسون دوركم في الخلاص من النظام السياسي الطائفي وقوى الفساد والإرهاب وتعملون من أجل بناء عراق ديمقراطي علماني لا تمييز فيه على أساس القومية أو الدين أو المذهب أو الفكر الإنساني الحر!!   

المندائيون يشكلون جزءاً أصيلاً من سكان وداي الرافدين، ميزوبوتاميا، منذ أن بزغت الحضارة السومرية على هذه الأرض الطيبة، وهم لا زالوا بالعراق وسيبقون فيه، رغم الكوارث والمحن المستمرة التي تعرضوا لها عبر تاريخهم الطويل، ورغم التهجير القسري الذي لم يتوقف حتى الآن. وقد لعبوا وما زالوا يلعبون دوراً حيوياً ومهماً في الحياة الفكرية والروحية العراقية. وبهذا الصدد يشير الكاتب الفقيد عزيز سباهي إلى ما يلي: "لعب الصابئة، رغم كونهم طائفة دينية صغيرة، دوراً ملحوظاً في تطور الحياة الروحية والفكرية في بلاد ما بين النهرين خلال ظهور المسيحية وانتشارها أو بعد ظهور الإسلام، ولاسيما بعد ازدهار الحضارة العربية-الإسلامية أيام العباسيين، ولمعت من بينهم شخصيات علمية أسهمت بقسط وافر في إعلاء شأن الحضارة العربية-الإسلامية. ولكنهم بعد تدهور هذه الحضارة، والغزو المغولي، والفتح العثماني من بعد، وتعرضهم إلى الاضطهاد في العهود المختلفة، انكمشوا على أنفسهم في القرى المنتشرة عند البطائح الممتدة من جنوب نهر الفرات حتى نهر كارون في جنوب غرب إيران، ..".1
يختلف الباحثون حول أصل الدين المندائي. إلا أن الكثير من الدراسات المقارنة المهمة لأبرز الباحثين الذين بحثوا في الدين المندائي تشير إلى أن هذا الدين رافديني الأصل، إذ أن هناك روابط أو وشائج قوية بين الدين المندائي والدين السومري العراقي القديم. وهنا يبدو لي بأن من المجدي حقاً أن نفكر بالاتجاهين التاليين، وهما:
أ‌.   هل إن السومريين، كمجموعة بشرية، كانوا مجاورين للمندائيين، كمجموعة بشرية أخرى، في جنوب العراق، وبالتالي كانت المجموعتان متأثرتين بأصول دينية ذات جذر واحد مع تباين في تفاصيل الدين.
ب‌.   أم إن المندائيين هم الاستمرار لما تبقي من السومريين، وبالتالي فأن دينهم يتطلق من جذر واحد، ولكنه، كأي دين آخر، عرف بعض التحولات والتغيرات عبر القرون اللاحقة، ولاسيما في مجال تعدد الآلهة في الدين السومري، في حين تسود وحدانية الحي العظيم في الدين المندائي، وتحول الآلهة المتعددة في الديانة السومرية إلى ملائكة (إثري) في الدين المندائي تخوض ذات الصراعات التي كانت تخوضها في الدين السومري أو البابلي بشكل عام، إضافة الى تميز الدين المندائي بالغنوصية (المعرفية).
في أغلب دراسات الباحثين تجري المقارنة بين الدينين ولا تنطلق من احتمال كونهم كمجموعة بشرية من أصل واحد. ولكن الباحث عزيز سباهي أثار في بحثه القيم تساؤلاً مشروعاً بهذا الصدد، حيث كتب ما يلي: "يثار هنا تساؤل مشروع. هل كان المندائيون قد تأثروا بشكل مباشر بأفكار الجماعات البابلية التي كانت تجاورهم، أو أن يكونوا هم ذاتهم من بقايا البابليين وطوروا معتقداتهم من خلال تفاعلهم مع الجماعات اليهودية والفارسية وغيرها التي كانت تعيش بجوارهم، أو أن يكونوا من الجماعات الآرامية التي تطورت أفكارها كثمرة للتفاعلات المختلفة، أو أن يكونوا جماعة صغيرة هاجرت إلى جنوب العرق من الغرب وهي تحمل فكراً غنّوصياً فطورته بتأثير الفكر البابلي والفارسي محولة إياه إلى تيار غنّوصي ذي مزايا شرقية خاصة؟" 2مع إنه لا يقطع بأي من هذه الاحتمالات، إلا إنه يميل، وأنا معه في ذلك، واستناداً إلى تراثهم الأدبي في مختلف المراحل إنهم من جنوب العراق.3
إن تتبع الكثير من الدراسات والكتب الصادرة عن باحثين مختصين بالشأن المندائي، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، كتاب هنري أوستن لايارد الموسوم "نينوى وما تبقى"4، وكتاب الباحثة المختصة الليدي دراور الموسوم "الصابئة المندائيون"، وكتابها الثاني الموسوم "أساطير وحكايات صابئية"5، وكتاب مارك ليدزبارسكي الموسوم "كتاب يوحنا عن المندائيين6، ثم كتاب عزيز سباهي الموسوم "أصول الصابئة (المندائيين) ومعتقداتهم الدينية"7، وكتاب خزعل الماجدي الموسوم "جذور الديانة المندائية"8، التي تعتبر دراسات جادة ومهمة أجرت مقارنة بين الدين السومري والدين المندائي، وهي تشير إلى التماثل الكبير في الجواهر الإلهية الثلاثة التي برزها الباحث خزعل الماجدي: جوهر الماء وجوهر النور وجوهر الظلام9، إضافة إلى التقارب الكبير في المندي، وتراتبية الكهنة، ومراسيم دفن الموتى والطقوس الدينية، ورمز الديانة الدرفش أو (الراية)، مع الأساس الفلسفي لهذا الدين وجوهره ومدى تأثير الغنّوصية العرفانية أو المعرفية عليه لاحقاً. إضافة إلى الأساطير والحكايات الشعبية. وتجدر هنا الإشارة إلى تركيز الباحث عزيز سباهي أولاً ومن ثم الباحث خزعل الماجدي على مسألة أساسية في الدينين هي التماثل الكبير في أسطورة الخلق أو الكون. كتب عزيز سباهي في كتابه القيم بهذا الصدد ما يلي:
"1. إن كلا الأسطورتين تقرّان بوجود عالمين من البداية.: عالم الظلام، العالم الأسفل، تسكنه كائنات معينة (تي آمت وأبسو) والوحوش الأخرى في البابلية (والروها وكاف وأور وكرون والوحوش الأخرى في المندائية من جهة،. .. وعالم النور، عالم السماء، العالم العلوي من جهة أخرى. إن أهمية هذه المسألة تكمن في كون الأسطورة البابلية (ذات الأصل السومري) قد أشارت بوضوح تام إلى هذا التناقض منذ البداية. وبالتالي فهي أصل القول بعالمي الظلام والنور وليست المعتقدات الفارسية. إن الفرس هم الذين استقوا هذا المعتقد من بابل وطوروه من بعد إلى صراع بين أهريمان وأهورا مازدا، وبالتالي فأن المندائيين يأخذون معتقدهم في الظلام والنور من البابليين مباشرة وليس من خلال الفرس كما يذهب إلى ذلك بعض الباحثين..." 10 وهنا يمكن أن ترد الملاحظة التالية: يقول عزيز سباهي إن المندائيين يأخذون معتقدهم من البابليين مباشرة وليس من الفرس، ولكن الوقائع التاريخية تشير وتؤكد إلى أن المندائيين هم بابليون أيضاً، أي أنهم جزء من الحضارة البابلية ومعتقداتها، وإن معتقداتهم هي جزء عضوي من معتقدات البابليين، مع الأخذ بالاعتبار تطورها والإضافات الي حصلت على الديانة المندائية.
"2. كلا الأسطورتين تقومان على أساس أن تمرداً ما يحدث في عالم الظلام ضد عالم النور، وأن عالم النور يعمد إل قمعه فتتم بعدها عملية الخلق. وكلاهما يصف الاستعدادات التي يتخذها كلا الطرفين استعداداً للصدام.
3. كلاهما يختار شاباً لقمع التمرد ويمنح كل الوسائل الضرورية لاكتساب قوة جبارة يستطيع بها أن يحقق النصر على قوى عالم الظلام ...
4. وفي الأسطورتين يبدو الإنسان مزيجاً من عنصرين: أرضي، طين الأرض، وما ينشأ عنه من خلق وطباع وغرائز مستمدة من العالم الأسفل، عالم الشر، وسماي: مرة يبدو في صورة دم إلهي، وتارة في صورة نفس سماوية، وما يرتبط بها من عقل ومعرفة وحكمة."     
وفي ضوء ذلك، هناك من الدلائل ما يؤكد أصلهم الرافديني البابلي العراقي، رغم وجود بعض الآراء التي ترى أن أصل وجودهم متوسطي شامي مصري، وبعضهم الآخر يرى كونه فارسي وهندي الديانة. إذ جاء في الكاتب الموسوم "جذور الديانة المندائية للكاتب الدكتور خزعل الماجدي بهذا الصدد ما يلي: إلا أننا نرى ان أصول الديانة الصابئية المندائية تمتد بجذورها راسخة في أرض العراق القديم، وتحديداً أرض سومر.. حيث نرى ان الدين الصابئي المندائي هو ما تبقى من الدين السومري (الذي طواه الزمن منذ زمن بعيد) .. ولكنه أصبح مغلفاً بالكثير من الأديان التي أتت من داخل أو خارج العراق القديم". ثم يؤكد ذلك مباشرة بقوله: "إن الدين المندائي دين توحيدي شأنه في ذلك شأن الديانات الموحدة المعروفة ولكن عمقه الروحي والتاريخي ضارب في الجذور القديمة لأقدم ديانات وادي الرافدين."11
تعتبر الديانة المندائية أقدم الأديان التوحيدية التي يطلق عليها المسلمون بالديانات الكتابية (المندائية والمجوسية واليهودية والمسيحية والإسلام)، وكتابهم المقدس "كنزا ربا" إضافة إلى كتب دينية عديدة أخرى، منها على سبيل المثال لا الحصر نشير إلى "دراشة اديهيا"، و "ديوان أباثر"، وديوان "حران كويثا". والدين المندائي مغلق غير تبشيري، وغير معروف تماما ما إذا كان منذ البدء غير تبشيري، أم حصل هذا لاحقاً بسبب المضايقات والاضطهاد والقمع الذي تعرض له المندائيون، إذ إن الأديان من حيث المبدأ تبشيرية عموماً، وبالتالي، فأتباع هذا الدين لا ينافسون أتباع الأديان الأخرى في دينهم، ولا يسعون إلى كسب أتباع الأديان الأخرى لدينهم. دين الصائبة المندائيين، وبخلاف الكثير من الأديان، فالدين المندائي مسالم، يدعو إلى المعرفة، بحكم غنوصيته، وليس لهذا الدين من نبي أو مؤسس محدد، كما في الأديان الكتابية الأخرى، وهو أمر إيجابي، فاتباع هذا الدين، الناس، كلهم هم الذين مارسوا هذا الدين ووضعوا طقوسه وسجلوا تراتيله. كتب الشيخ الترميذة علاء النشمي إجابة عن سؤال من هو مؤسس الدين، ما يلي: "إن الديانة المندائية تختلف عن باقي الأديان، بكونها ليس لديها مؤسس بشري .. أن المندائية ببساطة هي شرعة الحياة الفطرية (شرشا اد هيي) التي عرفها والتزم بها آدم أبو البشر (أول إنسان عاقل) .. فقد ورد في ك/ي، عندما أمر الخالق العظيم، رسول الحياة والنور (هيبل زيوا) (أ.س) بما يلي: ((اذهب، ناد بصوتك آدم وامرأته حواء وجميع ذريتهم بصوت عال ناديهم واجمعهم وخذ على نفسك أن تعلمهم كل شيء. أعطهم دروسا عن ملك النور السامي ذو القوة الواسعة العظيمة دونما حد أو عدد وعرفهم بعوالم النور الأبدية))، وأيضا ورد في ك/ي ((لقن آدم وزوجته العلم والمعرفة)). فهذا الأمر من الخالق العظيم لملاكه الطاهر، بان يعلم آدم وزوجته حواء (العلم والمعرفة).. فهذه المعرفة هي المندائية، ويقصد بها معرفة وجود الرب الحي العظيم. فالمندائية امتداد لشريعة عوالم النور (عوالم الله).. فهي تعني المعرفة.. ويقصد بها معرفة الرب وتوحيده، الحي العظيم (هيي ربي) مسبح اسمه، وتنظيم الصلة ما بين رب الأكوان والإنسان، وهذا هو أهم شيء وجوهر الدين المندائي.. وأول من عرف، وكان مندائي بسبب معرفته، هو آدم (مبارك اسمه).. المندائية هي معرفة الحياة وهي ليست وليدة عصر، وإنما وليدة كل العصور."12 من هذا يمكن القول بأن الدين المندائي يقترن بأدم ونوح وسام وشيت وبعدد آخر من المصلحين (الأنبياء) الذين ذكروا في القرآن أيضاً، ولاسيما إبراهيم ويحيى وزكريا، بالتالي فهم يحترمون جميع "أنبياء" الأديان الأخرى.
رغم هذا التوضيح، اختلف الكهنة وشيوخ الدين من جميع الأديان الأخرى بشأن المندائيين. ويعود هذا إلى حد ما إلى الانغلاق المندائي على الذات من جانب شيوخ الدين المندائيين ومنذ القدم، باعتباره ديناً باطنياً لا يجوز كشف أسراره. ونشأ عن ذلك، إضافة إلى عوامل أخرى لا دخل للمندائيين فيها، ومنها محاولة احتوائهم وإدخالهم في دين الآخرين، كما لحقت بهم إساءات كثيرة وتفسيرات خاطئة، وتعرضوا إلى محن وكوارث كثيرة عبر تاريخهم الطويل.
فعلى سبيل المثال لا الحصر جاء في كتاب (حران كويثا) (حران السفلى) ( Inner Harran ) ، وهو أحد الكتب الدينية الذي يتحدث عن تأريخ الصابئة المندائيين، إلى تعرضهم في القرن الميلادي الأول وفي بداية الدعوة المسيحية الى الإرهاب والمجازر وحملة إبادة جماعية للمندائيين في مدينة أورشليم سنة 70م التي كان يسيطر عليها الحكم الروماني حيث تمت إبادة آلاف المندائيين ومن بينهم 360 رجل دين مندائي وكانت هذه المذبحة العامل الأساسي في هجرتهم الأولى من اورشليم والعودة الى موطنهم الاصلي في وادي الرافدين ووقف التبشير بالدين المندائي مما أثر على أعدادهم لاحقا".13 يمكن هنا العودة إلى مواعظ وتعاليم (دراشة أديهيا) ليحيى بن زكريا الذي يشير فيه إلى العلاقة مع اليهود حينذاك.14
كما كتبت الليدي إي. أس. دراوور في كتابها (الصابئة المندائيون) عن الإبادة التي تعرض لها المندائيون في القرن الرابع عشر في مدينة العمارة حين كان السلطان محسن بن مهدي حاكما عليها، وكان ابنه فياض حاكما على شوشتر حيث تعرض بعض العرب على امرأة مندائية لغرض اغتصابها وعلى أثر ذلك أعلنت الحرب على المندائيين فتم قتل رجال الدين والرجال والنساء والاطفال وبقيت الطائفة بلا رجال دين لعدة سنين.15 بالنسبة للمسلمين، من حيث المبدأ، يفترض أن يأخذوا بما جاء في القرآن بشأن المندائيين، إذ اعتبرهم أهل كتاب، وبالتالي فلا يجوز الإساءة لهم أو قتلهم بأي حال. فهل تصرفوا باستمرار على هذا الأساس؟ واقع الحال يشير إلى غير ذلك! فقد تصرف الكثير من الحكام وشيوخ الدين المسلمين بخلاف ذلك، ونقلوا موقفهم أحياناً كثيرة إلى أوساط المسلمين، مما أدى إلى تعرضهم للكثير من الكوارث والمحن على امتداد تاريخهم في ظل الدول ذات الأكثرية المسلمة.
فالواقع يشير إلى أن شيوخ المسلمين لم يختلفوا عن كهنة وشيوخ بقية الأديان الكتابية بشأن الديانة المندائية وأتباعها. فمنهم من رأى ضرورة فرض الجزية عليهم باعتبارهم من الذميين وأهل كتاب، ومنهم من رأى أنهم كفارا يجب قتلهم. كتب د. رشيد الخيون في كتابه الموسوم "الأديان والمذاهب بالعراق" في الجزء الأول منه بهذا الصدد ما يلي: " إن الجهل في تاريخ هذا الدين، بسبب باطنيته جعل الطبري ينقل عن المفسر عبد الرزاق الصنَّعاني (ت 211ه) عن سفيان الثَّوري (ت 161ه) "الصابئون قوم بين اليهود والمجوس ليس لهم دين).16 ومثل هذا التقدير ليس خطأً فادحاً فحسب، بل يعرض أتباع هذه الديانة إلى خطر القتل على ايدي المسلمين. كتب الخيون بصواب ما يلي: لا نعتقد أن في الشرق منبع الأديان، هناك قوماً لا دين لهم. ومن يطلع على كتاب "كنزا ربا" وترجمات كتب المندائيين الأُخر مثل "ديوان أباثر" ورسوم الأفلاك، والكائنات النورانية قد يعذر الزمخشري (ت 538ه) على الشطر الأخير من عبارته التالية: "قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة".17 التفسيرات الخاطئة وبعيداً عن معرفة الدين وأصوله وطقوسه كان سبباً في الكثير من الاجتهادات الخطيرة التي عرضت أتباع الديانة المندائية إلى الكثير من الكوارث والمحن. فعلى سبيل المثال لا الحصر صدرت فتاوى تعتبرهم مشركين، وبالتالي يحل على المسلمين قتلهم، منها مثلاً ما أفتى به محتسب بغداد والقاضي والفقيه الشافعي ابي سعيد الحسن بن يزيد الإصطخري (ت328هـ) أيام القاهر العباسي، روى الخطيب البغدادي (ت 463ه) في سياق ترجمة الإصطخري: أفتاه بقتلهم، لأنه تبين له أنهم يخالفون اليهود والنصارى، وأنهم يعبدون الكواكب، فعزم الخليفة على ذلك، حتى جمع بينهم مالاً كثيراً له قدر فكف عنهم."18
تؤكد جميع المصادر التي تحت تصرفي إلى العراق وإيران هما موطنا المندائيين. كتب الباحثان نعيم بدوي وغضبان الرومي في مقدمة كتاب الليدي دراوور الموسوم "الصابئة المندائيون" الذي قاما بترجمته ما يلي: "حول ضفتي الرافدين وبخاصة في المناطق السفلى من النهرين فيما يسمونه البطائح منهما حيث يصب النهران العظيمان مياههما في الأهوار وحيث يلتقيان في مدينة القورنة قبل أن يفرغا مياههما في الخليج العربي، وفي بطائح عربستان من بلاد إيران حول نهر كارون الذي يصب هو أيضاً مياهه في الخليج ذاته، في تلك الأصقاع عاش ولا يزال يعيش بقايا طائفة يطلق عليها الصابئين أو الصابئة أو الصبة وتطلق هي على نفسها اسم (المندايي). وكان الصابئون المندايي هؤلاء يقطنون تلك الأصقاع حين فتحت الجيوش الإسلامية بلاد الساسانيين وكانوا بأعداد كبيرة تكفي لأن يذكرهم القرآن الكريم باعتبارهم ديناً كتابياً ويمنحهم الحماية ويسميهم (الصابئين)، هذه التسمية التي لا يزالون يُعرفون بها اليوم والتي تضمن لهم وجودهم وعيشهم بين المسلمين كدين كتابي متسامح معه." 19 لغة المندائيين هي الآرامية- المندائية، وهم آراميون.
سنحاول فيما يلي أن نتطرق إلى واقع المندائيين بالعراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة حتى الآن.   
أشرنا سابقاً إلى أن المندائيين يتسمون بخصائص إنسانية كالرغبة الجامحة في السلام والمحبة والتعاون والتضامن والابتعاد عن الصراعات وحب العراق، باعتباره وطن الآباء ولأجداد الذي شاركوا في بناء حضارته على امتداد تاريخ العراق بكل صمت وتواضع، وهم من محبي العلم والمعرفة. ومن هنا انطلقت تلك الحكمة المندائية التي تقول "ويل لعالم غير منفتح على غيره، وجاهل منغلق على نفسه". جنبهم هذه المواقف الكثير من المصاعب والآلام، رغم بروز مواقف غير ودية من جانب الحكام في فترات مختلفة من تاريخ العراق. وفي العراق الحديث، حيث وضع الدستور والقوانين ونظم العمل الحديثة، ابتعد المشرع العراقي عن ذكر أتباع الديانة المندائية في الدستور أو في القوانين والأنظمة، كما حصل بالنسبة لليهود والمسيحيين، وأهمل الجانب الشرعي في ديانات الآخرين في أحين أهمل ذلك في ديانة المندائيين، وبشكل خاص موضوع الزواج والطلاق والوراثة والزواج بغير المندائي ...الخ.
كما تجلى أيضاً في اعتبارهم يعبدون النجوم والكواكب في بعض كتب التعليم المدرسية والتي تتنافى مع موقفهم التوحيدي والذي لا يختلفون به عن المسلمين في موقفهم من الإله الخالق. كتب الكاتب العراقي المندائي يقول: "فقد جاء بإحدى الكتب التدريسية لمادة (الدين) لجميع مدارس العراق للصف الثاني متوسط، والذي عرف بموجبه الصابئة بانهم قوم يعبدون الكواكب والنجوم، وبهذا تكون الدولة طرفا بالموضوع، وقد ساهمت بتثقيف الشباب وتحريضهم على ممارسة العنف والقتل اتجاه أفراد هذه الطائفة، بشكل غير مباشر باعتبارهم ملحدين كفرة، رغم أن وزارة الاوقاف والشؤون الدينية على إطلاع تام بمحتوى كتب الصابئة الدينية، التي قام بترجمتها الى اللغة العربية أساتذة وعلماء من الجامعات العراقية، وبإشراف الوزارة نفسها وباقي دوائر الدولة المعنية بما فيهم صدام حسين نفسه. وبمعنى آخر أن الدولة أباحت جريمة قتل أبناء هذه الطائفة عمدا مع سبق الاصرار مع الاسف الشديد. وهناك وقائع مادية وأمور سلبية أخرى عديدة مدونة بشكل رسمي أمام القضاء لا يسمح المجال لطرحها جميعها الان." 20 وإذا كان هذا الأمر قد أساء لهم كثيراً خلال الفترات المنصرمة وقبل إسقاط دكتاتورية البعث وإقامة النظام السياسي الطائفي على أنقاضه من جانب الحكومات العراقية المتعاقبة، فأن الدستور العراقي الجديد قد جاء على ذكر المندائيين مرة واحدة في الفقرة ثانياً من المادة الثانية، إذ نصت:
"ثانياً: يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما ويضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين، والإيزيديين، والصابئة المندائيين."21
"كما إن البطاقة التموينية الجديدة قد تضمنت ما يسيء إلى المندائيين على وفق ما جاء في بيان لرئاسة الطائفة، نرفق هنا نصه:

 
راجع: مجلس شؤون الصابئة المندائيين العام في العراق، 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2015.

وفي الواقع العملي لا يتمتع الصابئة المندائيون بأي حرية فعلية، لأنهم يعيشون في تهديد دائم من قبل قوى الإسلام السياسي المتطرفة، كم إن الحكومة لا توفر لهم أي وضع أمن، بل ربما بعض القوى الحاكم ترتاح لهجرة بقية المندائيين من العراق، تماماً كما هو الموقف من بقية أتباع الأديان والمذاهب الأخرى ومنهم المسيحيون. فقد تعرض المندائيون بالعراق، سواء أكان في موطنهم الأصلي جنوب العراق، أم ببغداد، إلى شتى صنوف الاضطهاد والمطاردة والتشريد والقتل والتهجير، إضافة إلى سلب دورهم ومحلات عملهم وما فيها من جانب المليشيات الطائفية المسلحة التابعة للأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية بشكل خاص في مناطق الجنوب وبغداد، إضافة إلى التنظيمات الإرهابية السنية، كالقاعدة وداعش أو غيرها.   
ليست لدينا معلومات تفصيلية عن عدد السكان المندائيين في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي. وأول المعلومات المتوفرة تعود إلى الإحصاء الرسمي لعامي 1957 و1965، إذ لم يذكر عن أتباع الديانة المندائية قبل ذاك بشكل مستقل عن بعض الأديان الأخرى، بل كان أتباع الديانة المندائية يدمجون مع الإيزيديين وأتباع ديانات أخرى، وتذكر تحت باب "آخرون".
والجدول التالي يشير إلى عدد نفوس المندائيين في هاتين السنتين 12957 و1965:         
المنطقة    السنة   عدد سكان الصابئة المندائيين بالعراق في عامي 1957 و1965   نسبة المندائيين إلى نسبة السكان العراق والمناطق%
العراق
العراق   1957
1965   11.825             
14.262                 0,03%
0,18%
المحافظات الشمالية
المحافظات الشمالية   1957
1965   359
305   3,0
2,1
المحافظات الوسطى
المحافظات الوسطى   1957
1965   5.421
7.492   45,1
52,5
ومنها بغداد
ومنها بغداد   1957
1965   3.768
6.271   31,9
43,9
المحافظات الجنوبية
المحافظات الجنوبية   1957
965   6.305
6.465   52,2
45,3
      المصدر: د. فاضل الأنصاري، مشكلة السكان، مصدر سابق، ص 31 و32.

ورغم هجرة جمهرة غير قليلة من المندائيين إلى خارج العراق في فترة حكم البعث، بسبب مواقف المعارضة من استبداد النظام وبطشه ومن ملاحقة أجهزة الأمن لهم وابتزازهم، فأن عدد السكان الصابئة قد قدر بـ 70000 نسمة في نهاية عام 2002 وبداية 2003. وتشير آخر المعطيات المتوفرة إلى إن عدد المندائيين بالعراق لا يزيد عن عدد يتراوح بين 7000 - 10000 نسمة، ونسبة مهمة من هذا العدد تعيش بإقليم كردستان، ولاسيما أربيل حيث بنوا معبدهم المسمى "المندي". وبهذا يكون عدد المهجرين قسراً يصل إلى رقم خيالي بالنسبة للأقلية الدينية السكانية المندائية، إذ بلغ بحدود 60000 نسمة أو ما يعادل 85% من المندائيين. وهم يعيشون اليوم بأوروبا، ولاسيما بالسويد والولايات المتحدة وكندا وأستراليا والأردن، حيث تعتبر الدولة الأردنية موقع العبور لهم إلى دول العالم الأخرى. إنها جرائم بشعة تلك التي ارتكبت بحق الأفراد والعائلات المندائية خلال الفترة الواقعة بين 2003-2016، إذ بلغ عدد القتلى على أيدي المليشيات الطائفية المسلحة والإرهابية بـ 193 شهيداً. 22 ولا بد من الإشارة إلى أن الجرائم ضد المندائيين ما تزال ترتكب حتى الآن بهدف إشاعة الرعب في صفوفه ودفعهم للهجرة من وطنهم والسيطرة على أملاكهم، إنها جريمة مستمرة ولم يوضع لها حد حتى الآن.   


المصادر
  أنظر: عزيز سباهي، أصول المندائية (المندائيين) ومعتقداتهم الدينية، دار المدى للثقافة والنشر، منشورات المدى، دراسات 18، ط 1، دمشق -1996.

2 أنظر: المصدر السابق نفسه، ص 77/78.
3 المصدر السابق نفسه.
4 Henry Austin Layard, Ninevah and its Remains, John Murry, London1849.
5 أنظر: الليدي دارور، الصابئة المندائيون، ترجمة نعيم بدوي وغضبان الرومي، دار المدى للثقافة والنشر، ط 2، بغداد 2006.
أنظر أيضاً: الليدي دراور، أساطير وحكايات شعبية، ترجمة نعيم بدوي وغضبان الرومي، دار هيفي، أربيل، ط 2، 2009. 
6 Siehe: Mark Lidzbarski, Das Johannesbuch der Mandäer, Verlag von Alfred Töpelmann, Giesen 1915.
7 أنظر: عزيز سباهي، أصول المندائية (المندائيين) ومعتقداتهم الدينية، مصدر سابق.
8 أنظر: خزعل الماجدي، جذور الديانة المندائية مطبعة صفاء حسين الناصر، بغداد، 1997.
9 أنظر، خزعل الماجدي، جذور الديانة المندائية، مصدر سابق، ص 10-22.
10 أنظر: عزيز سباهي، أصول الصابئة .. ، مصدر سابق، ص 76.
11 أنظر: خزعل الماجدي، جذور الديانة المندائية، مطبعة صفاء حسين الناصر، ط 1، 1997. ص 1.
12 أنظر: الشيخ الترميذة علاء النشمي، أسئلة وأجوبة عن الديانة المندائية على موقع الهوية الآرامية، أخذ المقتطف بتاريخ 21/03/2018.
13 أنظر: فائز الحيدر، الصابئة المندائيون والإرهاب عبر التأريخ، موقع اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر، 7 شباط/فبراير 20139.
14 أنظر" يحيى بن زكريا، دراشة أديهيا، مواعظ وتعاليم، بغداد، الطبعة الأولى، 2001م.
15 أنظر: الليدي دراوور، الصابئة المندائيون/ مصدر سابق.
16 أنظر: رشيد الخيون، د.، الأديان والمذاهب بالعراق، مصدر سابق، ص 115.
17 أنظر: المصدر السابق نفسه.
18 أنظر: المصدر السابق نفسه ص 116/117.
19 أنظر: الليدي دراوور، الصابئة المندائيون، ترجمة نعيم بدوي وغضبان الرومي، دار المدى للثقافة والنشر، بغداد، 2006، ص 7.
20 أنظر: عربي فرحان الخميسي، المركز القانوني للصابئة المندائيين في العراق، الجمعية المندائية في المهجر، بتاريخ 21 نيسان/أبريل 2013.
21. الدستور العراقي لسنة 2005.
22 أنظر: التقرير السنوي عن حالة حقوق الإنسان في العراق لعام 2016 الصادر عن الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية. 



42
كاظم حبيب
المشاركة في الانتخابات خطوة على طريق تغيير النظام الطائفي بالعراق
الانتخابات هي معركة واحدة من معارك النضال بالعراق، وليست خاتمة المطاف، من أجل تغيير النظام السياسي الطائفي المحاصصي الفاسد حتى النخاع، ومن الواقع المزري الرَّث الذي يعيش تحت وطأته شعب العراق. الانتخابات هي جزء من عملية نضالية معقدة وطويلة ولكنها ضرورية جداً، باعتبارها خطوة هامة على طريق، طال أم قصر، سيصل بالعراق إلى نتيجته المرجوة في التغيير الجذري وفي إزاحة الطائفية السياسية والحفنة الفاسدة الحاكمة من الحكم، إنها الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية التي مزقت وحدة الشعب العراقي وسعت إلى تدمير نسيجه الوطني، وفرطت بأتباع الديانات والمذاهب الأخرى، وعمقت الصراعات والنزاعات القومية والدينية والمذهبية، وتسببت بموت مئات الآلاف من العراقيات والعراقيين، وأكملت ما عجزت عن تحقيقه الدكتاتورية البعثية والصدامية الجائرة بالعراق ووحدة نضاله الوطني.
إن هدف المشاركة في الانتخابات ليس الحصول على عدد من المقاعد النيابية من جانب القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية، زاد أو قل هذا العدد، فحسب، بل وبالأساس خوض معركة فكرية وسياسية ضد الوضع القائم، خوض معركة فضح القوى التي حكمت العراق طيلة الأعوام المنصرمة وقادت البلاد إلى الموت والنزوح والهجرة والخراب والسبي والاغتصاب للنساء وبيعهن في سوق النخاسة الإسلامي السياسي وخطف الأطفال، وخنق العراق بمزيد من الديون الخارجية والمزيد من البطالة والجوع والحرمان للغالبية العظمى من بنات وأبناء العراق. إنها معركة يجب أن نخوضها بكل ما أوتينا من قوة لصالح مرشحي الحزب الشيوعي العراقي والقوى الديمقراطية والمدنية العراقية، وكل من يطرح بإخلاص ونزاهة برنامجه الانتخابي الوطني والمدني الديمقراطي، ولا يكون كالحرباء يبدل جلده كلما وجد غنيمة جديدة، أو من برهن على إن وجوده في الحكم وحوله كان من أهم وارأس الأسباب التي قادت البلاد إلى الحضيض الذي فيه الشعب حالياً، ملايين من النازحين، وملايين أخرى من المهاجرين، ونصف المجتمع يعاني من الفقر ونسبة عالية جداً من البطالة، ونسبة أعلى من البطالة المقنعة، وأحزان دائمة وعطل دينية عن العمل لا مثيل لها في جميع بلدان العالم، والتي تقود إلى المزيد من التخلف والفاقة المالية والاجتماعية. يجب أن نناضل من أجل منع هؤلاء النهابة والمرتزقة من دخول مجلس النواب العراقي وحكم البلاد.
إن معركة الانتخابات هي معركة واحدة من مجموعة معارك نضالية سلمية تخوضها القوى الديمقراطية والمدنية وكل من يؤمن بفصل الدين عن الدولة والسياسة، والعمل من أجل بناء دولة ديمقراطية حديثة وعلمانية، ومجتمع مدني ديمقراطي تُحترم فيه الهويات الفرعية، ولكنها لا تشكل أساس المواطنة، بل المواطنة العراقية المتساوية أمام القانون والمشتركة في السراء والضراء، هي أساس وحدة العراق وتقدمه وتطوره وازدهار حياة شعبه، فأتباع كل القوميات والديانات والمذاهب يشتركون في هذه الهوية العراقية مع كل الاحترام والاهتمام الهويات الفرعية.
إن الدعوة لمقاطعة الانتخابات حق مشروع لكل إنسان أو مجموعة أو حزب أو منظمة، ولكن السؤال الأساسي هو: لمن تخدم الدعوة لمقاطعة الانتخابات؟ إنها، وكما أرى، سوف تخدم الأحزاب والقوى الحاكمة الفاسدة التي ما تزال تقود البلاد من كارثة إلى أخرى. فهل هاذ ما يريده الداعون إلى مقاطعة الانتخابات؟ لا شك بأن بعضهم، في أحسن الأحوال، يعتقد بان هذا الموقف يخدم فضح النظام! ولكن هذا غير كاف وغير واف بأي حال، بل إن المقاطعة ستقود إلى عكس ذلك، إلى مجيء السيئين والفاسدين إلى هذا المجلس، ولهذا أرى ضرورة المشاركة في الانتخابات لعزل القوى والأحزاب الإسلامية السياسية التي حكمت العراق 15 عاماً وفرطت بـ 800 مليار دولار من أموال النفط العراقي ورفعت من مديونية العراق الخارجية وخلفت الدمار والرثاثة والبؤس، واخضعت البلاد في سياساتها الاقتصادية والاجتماعية إلى الشروط غير الإنسانية وغير النافعة في وصفة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وصفة التثبيت والتكيف الاقتصادي في الاقتصاد العراقي، على غرار ما يجري بمصر حالياً. يجب أن نمنع عبر برامجنا الوطنية والديمقراطية وصول هؤلاء إلى مجلس النواب ومن ثم حكم البلاد.
إن من واجب الوطنيين والمدنيين والديمقراطيين العلمانيين المشاركة في الانتخابات لانتخاب العناصر والقوى والقوائم النظيفة والنزيهة والمخلصة للعراق والتي لم تتلطخ أيديها بدماء العراقيات والعراقيين، ولا مدّت أيديها بالنهب والسلب في جيوب العراقيات والعراقيين لسرقة لقمة العيش من أفواه اليتامى والأرامل والكادحين من شعبنا المكابد، ولا نهبت خزينة الدولة والنفط الخام وكل ما يمكن أن ينهب من هذا الوطن المستباح بالطائفية والفساد والإرهاب. لننتخب من وقفوا إلى جانب الشعب، وهم منه وإليه، منذ 84 عاماً وهم يناضلون بلا هوادة مع القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية الأخرى من أجل إقامة الوطن الحر والشعب السعيد، إنه الشعار الذي يمكن أن تلتقي عنده اقوى الساعية إلى إنقاذ هذا الوطن من شرور من يريد الشر لهذا الشعب والوطن، سواء من هم بالداخل أو من القوى الخارجية والدول الطامعة بالعراق وخيراته!             

43
د. كاظم حبيب
كوارث ومحن الإيزيديات والإيزيديين (دسنايا) بالعراق

إلى أحبتنا وأخوتنا الإيزيديين والإيزيديات، إلى مواطناتنا ومواطنينا، إليكم يا من عانيتم من ظلم وعدوان وحقد وكراهية الحكام المسلمين وجلاوزتهم بالعراق وغير العراق، يا من تحملتم الكوارث وحملات الإبادة الجماعية في ظل الدولة العثمانية والدولة العراقية، يا من صبرتم على الضيم والبلوى وقاومتم الاستبداد والاضطهاد والتمييز الديني، ويا من برهنتم أنكم أبناء هذا العراق وبناة حضارته القديمة والحديثة، إليكم يا من تحملتم قسوة الإرهابيين التكفيريين من الدواعش وغيرهم وممن يحاول فرض دينه عليكم ومن الحكام الذين لا يستحون ولم يقدموا حتى الآن الاعتذار لكم، رغم المطالبة، لما مارسته دولهم وحكوماتهم السابقة والراهنة بحقكم، اليكم في عيدكم النيساني، رغم كل الكوارث والمحن، هذه الورقة المتواضعة لتعبر عن التضامن الإنساني لما تحملتموه من مصائب وكوارث ومحن وإبادة جماعية، من دماء ودموع، إليكم تحية وألف تحية وأطيب التمنيات، والعمل من أجل عراق آخر غير العراق الطائفي المحاصصي الفاسد والإرهابي والمريض الراهن، عراق ديمقراطي علماني حديث!!!     

يعود تاريخ الديانة الإيزيدية (دسنايا) بالعراق إلى الفترة التي برزت في هذه المنقطة من العالم مجموعة من الأديان التي وضعتها شعوب المنطقة أو تبنتها، منها: المندائية، والزرفانية، والمثرائية، والمانوية والمزدكية والزرادشتية، أي في الفترة التي سبقت وجود العرب في المنطقة وقبل أو أثناء دخول اليهودية إلى بلاد ما بين النهرين، وقبل دخل الديانتين المسيحية والإسلام إليها. وقد تبنت واحدة من المجموعات السكانية في هذه المنطقة من العالم (إيران، العراق، سوريا، وتركيا، ومناطق أخرى) الدين الإيزيدي. ويشار إلى إن الإيزيديين يشكلون جزءاً من الشعوب الهندو-آرية، كالفرس والكرد، وغالبيتهم يتحدثون بالكردية، في حين إيزيدية بعشيقة وسوريا يتحدثون العربية، ويجيدون الكردية أيضاً. ينتشر العراقيون الإيزيديون في مدن عديدة منها: الشيخان وبعشيقة وبحزاني ومنطقة سنجار وباعذرة، كما إن مجاميع أخرى تعيش في سُمّيل وزمّار.
والإيزيدية من الأديان الطبيعية والموحدة، وكان اسمهم القديم دسنايا1، ولها مزار رئيسي واحد يأمه إيزيديو العالم ويقع في لالش وعلى مقربة من عين سفني، مركز قضاء الشيخان، الذي يبعد 40 كم عن دهوك و60 كم عن الموصل. ويمكن أن نجد للديانة الإيزيدية صلة ما في الفترة السومرية بالعراق وما بعدها، ويتجلى في عدد من المسائل بما في ذلك يوم الأربعاء الذي يعتبر يوم العطلة أو العيد الإيزيدي. 
تعرض الإيزيديون على امتداد تاريخ وجودهم بالعراق، ولاسيما منذ الفتح الإسلامي لهذه المنطقة من العالم، ولاسيما في ظل الإمبراطورات العربية والعثمانية، إلى الكثير من المضايقات والاضطهاد والقتل والتهجير. لقد نفذت مجازر كثيرة بحقهم دون أن يرتكبوا جرماً يستوجب مثل هذه الجرائم البشعة التي تعرضوا لها، سوى إصرارهم على التمسك بدينهم غير التبشيري. والسبب في هذا الموقف العدائي من الإيزيديين يكمن في النهج الخاطئ والخطير ضد الأديان الأخرى وأتباعها عموماً من جهة، وضد الإيزيديين بشكل خاص من جهة أخرى لاعتبارين: 
1- اعتبارهم من الكافرين وعبدة إبليس. ومثل هذه الفتوى تفرض على المسلمين منازلتهم وإخضاعهم للإسلام حتى لو تم ذلك بشن الحرب وممارسة الاضطهاد بحقهم؛
2- اعتبارهم يشكلون واحدة من تلك الفرق الإسلامية الخارجة على أسس وقواعد الإسلام أو مرتدة عنه، والتي يحل دم أفرادها على المسلمين، أو توبتهم وعودتهم إلى الإسلام. وقد اتهموا مرة بأنهم من أتباع يزيد بن معاوية، وأخرى كونهم من الخوارج أو الأباضية، ومرة ثالثة على أنهم من الشيعة الرافضة.
وأولى تلك الفتاوى التي صدرت بهذا الصدد، كما يشير إلى ذلك المؤرخون، كانت في القرن التاسع الميلادي أو الثالث للهجرة ونسبت إلى الإمام محمد بن حنبل والإمام أبى الليث السمرقندي.2
كتب الباحث العراقي صباح كنجي بهذا الصدد وبصواب يقول:
"والتاريخ يتحدث عن جرائم بشعة ارتكبها الولاة والسلاطين والحكام المسلمون بحق الإيزيدية في سنجار وبعشيقة وبحزاني والشيخان وغيرها حيث قامت تلك الجيوش بالهجوم على قراهم ومدنهم والحقت بهم الدمار والخراب وقد حللت الفتاوي الإسلامية سبي نساؤهم وقتل شيوخهم واطفالهم ونهب ممتلكاتهم. واهم الفتاوي التي صدرت من قبل شيوخ وائمة المسلمين التي اباحت قتلهم هي فتاوي الامام احمد بن حنبل في القرن التاسع الميلادي والامام ابي الليث السمرقندي والمسعودي والعمادي و عبدالله الربتكي التوفي في عام1159 والمتواجدة في مكتبة السليمانية وهي مهدات الى نعيم بك بابان ولم تقتصر الحملات العسكرية على الأتراك المسلمين فقط حيث يحدثنا التاريخ القريب عن حملة الامير الكردي الاعور (الأمير محمد الرواندوزي) الذي ارتكب ابشع الجرائم بحق الإيزيدية في عام1832 . وجميع هذه الحملات كانت تبحث عن ذرائع واسباب واهية لكي تنطلق الجيوش المعبئة بالحقد والكراهية لتقوم بدورها في القصاص من الأبرياء (الكفار) ولتنشر الإسلام في المناطق التي استعصت عليهم وهكذا كرر التاريخ نفسه لأكثر من مرة وبنفس المحتوى ضد الإيزيديين والأرمن والسريان والكلدان وبقية الأديان بما فيهم اليهود والمسيحيين." 3
لقد جاء في نص "الفتوى الدينية!" الصادرة عن الشيخ عبد الله الربتكي المتوفي سنة 1159 هجرية الموجودة في المكتبة السليمانية، المهداة من نعيم بك آل بابان إلى إسماعيل حقي بك الأزميري. ما يلي: "إعلم أنهم متفقون على أباطيل من عقائد وتأويل كلها مما يوجب الكفر العتيد والضلال العنيد. فمنها أنهم ينكرون القرآن والشرع ويزعمون أنه كذب وأن مثل هذيانات الشيخ فخر هي المعتمد عليها والتي يجب أن يتمسك بها ولهذا يعادون علماء الدين ويبغضونهم بل إن ظفروا بهم يقتلونهم بأشنع قتل… ولا خفاء في أن هذه المذكورات كلها مما يوجب أشنع الكفر وأقبحه فهم إذن كفرة أصلية كما نقل عن بعض كتب المذهب ونسب إلى أصل المذهب فانه نقل عن كتاب المتفق والمختلف إن الظاهر من مذهب مالك أنه إذا ظهر أحكام الكفر في بلدة تصير دار حرب وهو مذهب الشافعي وأحمد (رض) واتفقوا على أموالهم. … قال في الأنوار: "توبة المرتد وإسلام الكافر أن يشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويتبرأ من كل دين يخالف الإسلام ويرجع من كل اعتقاد هو كفر" هذا معلوم لو أجبروا وأكرهوا وأوعدوا بكل مكروه لم يتبرأوا عن معتقدهم في آدي ويزيد ولالش وغير ذلك من شيوخهم، ومنه رأيهم على أنهم زنادقة وتوبة الزنديق لا تقبل في وجه. (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم) الآية".4
وجاء في كتاب أبن الفوطي الموسوم ب "الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المئة السابعة" بأن بدر الدين لؤلؤ قام في عام 1254 م 652 هجرية، أي قبل غزو المغول لبغداد بأربع سنوات، بنبش قبر الشيخ آدي بن مسافر وأخرج جثمانه وأحرق عظامه. 5
يشير المؤرخ عباس العزاوي في كتابه "تاريخ اليزيدية وأصل معتقدهم" نقلا عن كتاب تقي الدين أحمد بن علي المقريزي الموسوم " السلوك لمعرفة دول الملوك" إلى حملة الإبادة التي تعرض لها الإيزيديون في عام 1414 م 817 هجرية بما يلي: "في هذه السنة قد حُرق قبر الشيخ آدي الكائن في حكار من بلاد الكُرد. قد تجمع هؤلاء على قبره وقد سموا بالعدوية فاتخذوه قبلة لهم. وهم كثيرون … وصار يتهافت الناس لزيارته. وهؤلاء عقبوا سلوك هذا الشيخ. وصار محل اعتمادهم واحترامهم …ولما تجاوزوا الحد… قام عليهم جلال الدين محمد بن عز الدين يوسف الحلواني من الشافعية، من فقهاء إيران فأغرى الأمراء بالقيام عليهم ودعاهم لمحاربتهم. وأجاب دعوته كل من حاكم جزيرة أبن عمر (أمير عز الدين البختي) وجماعة من الكُرد السندية مع حاكم قرية شرانش وأمير توكل الكُردي. وأيضا أرسل حاكم حصن كيفا جيشا لمساعدتهم وكذا التحق بهم أمير شمس الدين محمد الجردقلي. بهذه القوة العظيمة هاجموا جبل هكار وقتلوا الكثير من أتباع الشيخ آدي، وقد أسر جماعة من أتباع الشيخ آدي ممن يسمى (بالصحبتية) ثم جاؤا إلى قبر الشيخ آدي لأجل هدمه فوصلوا قرية شرالق (وفي الكتب الأخرى يسمى لالش أو ليلش) فهدموا قبته وحفروا القبر فأخرجوا عظامه وأحرقوها بمرأى من القوى الصحبتية وقالوا لهم انظروا عظام من تدعون ألوهيته كيف تحترق ولا يستطيع أن يمنعنا واغتنموا غنائم كثيرة. ولما عادوا عن النهب اجتمع الصحبتية وعمروا القبة من جديد وعادوا إلى ما كانوا عليه من عاداتهم القديمة".6
 لم تكن مثل هذه الفتاوى والإعمال المخزية سوى تعميقاً للخلافات وإساءة متعمدة وخطيرة ودعوة المسلمين لقتل أتباع الديانة الإيزيدية وحرمانهم من حقهم المشروع في أن تكون لهم طقوسهم وشعائرهم الدينية وتقاليدهم وقبور أوليائهم الصالحين يقومون بزيارتها والتبرك بها، كما يفعل أتباع الكثير من الأديان والمعتقدات في العالم منذ آلاف السنين.
لقد تعرض الإيزيديون في فترة الحكم العثماني إلى عشرات المجازر الدموية التي صدرت على ضوء الفرمانات التي أصدرها شيوخ الإسلام في ظل الدولة العثمانية المنافية لكل ما هو إنساني نبيل. وقاد ذلك إلى موت نسبة عالية من بنات وأبناء أتباع الديانة الإيزيدية، أو تحول بعضهم قسراً إلى الدين الإسلامي، أو هروبهم إلى خارج حدود الدولة العثمانية.7
يشير الكاتب العراقي أمين فرحان جيجو في كتابه الموسوم " القومية الإيزيدية جذورها – مقوماتها – معاناتها " إلى الأسباب الكامنة وراء هذا الموقف العدواني لبعض الأطراف ضد أتباع الديانة الإيزيدية، إضافة إلى ما ذكر سابقاً، إلى ما يلي:
١ – الحصول على الغنائم والممتلكات الإيزيدية .
٢ – اجتثاث الامتداد التاريخي والحضاري السومري البابلي للشعب الإيزيدي .
٣ – محو اللغة الإيزيدية.
٤ – اجتثاث الديانة الإيزيدية التي هي امتداد للديانة البابلية .
٥ – القضاء على المعالم الحضارية والتاريخية والتراثية للشعب الإيزيدي .
٦ – الاستحواذ على المناطق والجغرافية الإيزيدية بأكملها .
٧ – استغلال الطاقات البشرية من الإيزيديين الذين يقعون تحت رحمة الغازين لمهنة العبيد وتجنيدهم في صفوف الجيوش الغازية .
٨ – سلب الأطفال واختطاف النساء .
٩ – القضاء على الشعب الإيزيدي بهدف عدم تنامي قدراته البشرية والجغرافية والفكرية والإدارية."8
لقد قادت هذه الهمجية الفكرية والسياسية والاجتماعية إلى ارتكاب جرام بشعة بحق الإيزيديين على امتداد تاريخ الدولة العباسية والعثمانية، وكذلك في الدولة العراقية الحديثة ابتداءً من عام 1935 حين رفض الإيزيديون، ارتباطاً بتعاليم دينهم، التجنيد الإجباري في الجيش العراقي، وخاضت قوات الشرطة معركة ضدهم أدت إلى قتل عدد كبير منهم وجرح الكثير إضافة إلى اعتقال 244 شخصاً منهم وإيداعهم السجن. كما تعرض الإيزيديون إلى مجزرة أخرى وقعت ضمن حملات الإبادة الجماعية ضد شعب كردستان والكرد في العام 1988 حيث استشهد منهم في هذه الحملات 193 شخصاً من النساء والرجال والأطفال.9 وفي فترة الجمهورية الرابعة (البعثية) فقد ارتكب النظام البعثي الكثير من الجرائم البشعة بحق الإيزيديين بما في ذلك التعريب، أي تسجيلهم عرباً قسراً. وقد سعى الزميل صباح كنجي على جمع معلومات مهمة حول ما حصل لهم في فترة الحكم الدكتاتوري البعثي حيث ورد ما يلي:
"وفي عام 1975 إثر انهيار الحركة الكردية المسلحة شمل التغيير والتهجير أكثر من 300 قرية ومدينة في سنجار بالإضافة الى تهجيرهم من مركز القضاء وتدمير محلة البرج وبقية بيوتهم بالكامل وتم اجبارهم على السكن في مجمعات سنجار القسرية الـ 12 التي منحت اسماء عروبية وإسلامية:
اولا : مجمعات الشمال: 1ـ  خانه صورـ  مجمع التـأميم، 2ـ  سنوني ـ مركز ناحية الشمال، 3ـ  دو كري ـ مجمع حطين، 4ـ  دهولي ـ مجمع القادسية، 5ـ  بورك ـ مجمع اليرموك، 6ـ   كوهبل ـ مجمع الاندلس، 7ـ   زورافا ـ مجمع العروبة،
ثانيا: مجمعات القبلة ـ  جنوب جبل سنجار: 1ـ  سيبا سيخ خدرـ  مجمع الجزيرة، 2 ـ كر عزير ـ تل عزيرـ  مجمع القحطانية، 3ـ  كر زه رك ـ مجمع العدنانية، 4ـ  تل قصب ـ  مجمع البعـــث، 5ـ تل بنات  ثالثاً: ـ  مجمع الوليــد   
كما تم تهجير الكثير من الإيزيديين من أهالي سنجار ايضا إلى منطقة باعذرة ومجمع خانك في دهوك .. كذلك جرى تهجير المتواجدين منهم في مناطق زاخو وغالبيتهم من عشيرة الهويرية الى مجمع خانك ومنطقة سينا وشيخ خدر وشاريا .. والقرى المهجرة من ضفاف نهر دجلة بسبب ملابسات الثورة الكردية ومشروع بناء السد في منطقة الدنانية هي :1ـ زينافا، 2ـ كبرتو، 3ـ ديربون، 4ـ بيبزن، 5ـ زينية، 6ـ خيرافا، 7ـ كمونة، 8ـ قسر يزدين، 9ـ سوركا، 10، ـ مام شفان، 11ـ جه م بركات، 12ـ كوتبة، 13ـ ربيبي، 14ـ مشكل.
وبعد ترحيل اهالي هذه القرى تم تجميعهم في مجمع (خانك) التابع لقضاء سُمّيل وأصبح نفوسه بحدود 30 ألف نسمة.. استقبل أكثر من 65 ألف لاجئ ومشرد من اهالي سنجار بعد اجتياحها من قبل الدواعش عام 2014. وفي العام ذاته 1975 .. جرى تهجير عدد آخر منهم من مناطق سهل نينوى والشيخان الى الفلوجة والحلة والناصرية وبقية المدن العربية في وسط وجنوب العراق.. ومن القرى المهجرة في منطقة الشيخان التي اجبر سكانها على تركها والسكن في مجمع مهت.. وتم اسكان القبائل العربية فيها عام 1975: 1ـ قرية مام رشان، 2ـ  مقبلي، 3ـ  محمودة، 4ـ جروانا، 5ـ  مهمد رشان.
وفي المرحلة الثالثة من عهد حكم البعث تم تهجير سكان العديد من قرى الإيزيدية في دشت سينا وجرى تجميعهم في مجمع شاريا والقرى والمدن المهدمة عام 1987 قبل الانفال والتي لا يتحدث عنها السياسيون والمؤرخون للأسف هي : 1ـ تدمير قرية سينا كاملة وتفجير بيوتها الإسمنتية ومن كان معهم من مهجرين سابقين من عشيرة الهويرية المرحلين من زاخو وكانوا يسكنون في بيوت طينية بين سينا وشيخ خدر..، 2ـ تدمير قرية شيخ خدر كاملة وتفجير بيوتها الإسمنتية، 3ـ تدمير قرية شاريا وتفجير بيوتها الاسمنتية، 4ـ تدمير قرية كله بدرة وتفجير بيوتها الاسمنتية، 5ـ تدمير قرية خرشني وتفجير بيوتها الاسمنتية، 6ـ دمير قرية ركافا وتفجير بيوتها الاسمنتية.
أما في محور الشيخان ـ القوش فقد تم تدمير القرى التالية في نفس الفترة أي في عام 1987 قبل الانفال أيضاً:
1ـ قرية كرسافة ونقلهم الى مجمع النصيرية وشيخكا، 2ـ قرية خورزان ونقلهم الى مجمع النصيرية وشيخكا،
3ـ قرية طفطيان ونقلهم الى مجمع النصيرية وشيخكا، 4ـ قرية بيوس العليا ـ ملا جبرا ودمج سكانها بسكان باعذرة،
وفي الانفال عام 1988 تم تغييب اكثر من 200 فرد إيزيدي من اهالي بحزاني وبعشيقة وسنجار وخورزان وبوزان وباعذرة وملجبرا والشيخان ومجمع خانك ودوغات وختارة..". 10 ما في فترة الجمهورية الخامسة، حيث أقيم النظام السياسي الطائفي، التي بدأت بعد إسقاط النظام الدكتاتوري العراقي في العام 2003،
 فقد تعرض الكثير من الإيزيديين إلى القتل على ايدي الميليشيات الإسلامية السياسية المسلحة من أتباع القاعدة في محافظة الموصل إذ نفذ بحق العمال الإيزيديين جرائم بشعة حقاً وبأعداد كبيرة، ولم يلقوا الحماية من حكام الموصل والدولة العراقية والحكم الطائفي السياسي بالعراق. كما جوبهوا بنهج تمييزي مدمر لكرامة الإنسان وعيشه بالعراق. كتب صباح كنجي ف إجابة عن سؤال حول أحوال الإيزيديين بعد سقوط النظام البعثي ما يلي:
"بعد سقوط نظام صدام حسين تعرض الإيزيديون الى هجمات المتطرفين الاسلاميين ومنعوا من العمل في بغداد والمحافظات الجنوبية وتم حرق محلاتهم ومن ثم جرت عمليات مستمرة لقتلهم وقد ذهب ضحية العمليات الاجرامية للإرهابيين اكثر من ( 400 ) فرد إيزيدي وهناك ايضا ميول لمقاطعة الإيزيديين وعدم التعامل معهم ولذلك انقطع الطلبة الإيزيديين عن الدراسة في جامعة الموصل وعدده حوالي ( 1600) طالب وطالبة في مختلف الاختصاصات كما هناك صعوبة في تسويق بضاعة الإيزيديين في مختلف مدن العراق بما فيها مدن كردستان رغم وجود حكومة علمانية بسبب الميول الاسلامية التي تتفشى بشكل يؤدي الى مقاطعة غير المسلمين، ويشمل هذا عدم التردد على عيادات الاطباء الإيزيديين ومقاطعة المنتوجات الزراعية والحيوانية والالبان والطرشي وغيرها من البضاعة التي كان يتاجر بها الإيزيديون".11
ثم كانت الطامة الكبرى باجتياح الموصل من قبل عصابات داعش المجرمة بعد انسحاب القوات المسلحة العراقية بشكل انهزامي وكذلك قوات البيشمركة من سنجار وغيرها في سهل نينوى والتي أدت إلى حصول كارثة إنسانية رهيبة ونفذ بحق الإيزيديين عمليات إبادة جماعية تجلت في نزوح عشرات الآلاف منهم من مناطق سكناهم إلى جبل سنجار ومنه إلى دهوك وأربيل وغيرها من مناطق العراق، وفي اعتقال الآلاف منهم وتعريضهم للقتل والسبي والاغتصاب والنهب والسلب. لقد كانت جريمة بشعة.
إذا كان تنظيم داعش الإرهابي قد وضع أمام المسيحيين واحداً من أربعة خيارات هي: 1) التحول صوب الإسلام والقبول بالختان للرجال؛ 2) دفع الجزية والخراج؛ 3) ترك البلاد بما على جلودهم من ملابس فقط؛ و4) قطع الرؤوس، إلا إنه لم يضع أمام الإيزيديين سوى خيارين أما 1) الدخول في الإسلام أو 2) قطع الرؤوس، أما نصيب النساء فكان السبي والبيع في سوق النخاسة الإسلامي والاغتصاب والقتل بمن فيهن البنات القاصرات، وكان نصيب الأطفال إدخالهم في الدين الإسلامي وتدريبهم على العنف وقتل من هم من ديانات أخرى. وقد مارسوا ذلك حقاً، إذ لم يدخل من الإيزيديين في الإسلام إلا بضعة أفراد سقطوا في أيديهم وفرض عليهم عنوة ومن رفض قتل فعلا بقطع رأسه.
إن المعلومات المتوفرة لدينا عما فعله القتلة الداعشيين تشير إلى ما يلي:
تعرض الإيزيديون الى أبشع جرائم العصر بسبب اقتحام تنظيم داعش الى قضاء سنجار في 3/آب/2015.. حيث تم سرقة وحرق (25) مجمعا تابعا لأبناء هذا المكون.. وحجز (1500) طفل، وزجهم في معسكرات خاصة لتدريبهم على العمليات الانتحارية والقتالية.. وحرق وسليب (25) مجمعا تابعا لأبناء المكون الإيزيدي.. وغادر (18) ألف منهم الى تركيا.

عدد النازحين من مناطق الإيزيديين
عدد النازحين   عدد القتلى   عدد المختطفات   عدد المفقودين   عدد الجرحى
430ألف   4541   5422   841   890
   المصدر: كاظم حبيب، الإيزيدية ديانة عراقية شرق أوسطية قديمة، دار نينوى، دمشق 2017.
   المزارات وأماكن عبادة الإيزيديين التي تم الاعتداء عليها وتدميرها من تنظيم داعش
1      شقسىَ باتىَ   مجمع بابيرة   13/8/2014
2      شيَخ بابك   مجمع بابيرة   13/8/2014
3      شيَخ مخفي   مجمع بابيرة   13/8/2014
4      ملك شيَخ سن   مجمع بابيرة   13/8/2014
5      ست حبيبة   بعشيقة وبحزانى   16/8/2014
6      ست خديجة   بعشيقة وبحزانى   16/8/2014
7      شيَخ حسن   بعشيقة وبحزانى   3/8/2014
8      شيَخو بكر   بعشيقة وبحزانى   16/8/2014
9      سجادين   بعشيقة وبحزانى   16/8/2014
10      شيَخ شمس   بعشيقة وبحزانى   16/8/2014
11      ملك ميران   بعشيقة وبحزانى   -
12      شيَخ بابك   بعشيقة وبحزانى   -
13      قبة ابو ريش   بعشيقة وبحزانى   -
14      شيَخ مندبال   سنجار   24/8/2014
15      ئيَزى   سنجار   22/8/2014
16      مزار ناسر دين   بعشيقة وبحزانى   16/10/2014
17      ئامادين   سنجار   20/10/2014
18      مزار الشيخ شرف الدين الشيخ عدي   سنجار   20/10/2014
19      مهمد رشان   سنجار   27/10/2014
    المصدر: كاظم حبيب، الإيزيدية ديانة عراقية شرق أوسطية قديمة، دار نينوى، دمشق 2017.

ويشير الباحث صباح كنجي إلى عواقب داعش الإجرامية بحق الإيزيديين إلى ما يلي:
"وفي مرحلة داعش تم اجتياح منطقة سنجار كاملة المكونة من مركز القضاء واربعة نواحي و12 تجمعاً، بالإضافة الى مدينتي بحزاني وبعشيقة في سهل نينوى.. وكانت نسبة التدمير في مركز قضاء الشيخان تتجاوز 95% من مجموع ما فيها من بيوت ومنازل ومنشآت ودوائر حكومية، كما ارتكبت أبشع الفظاعات.. وتم فرض الدين الاسلامي على من وقع في الاسر من الاطفال والنساء، وجرى استعبادهم، والتشنيع بهم، باعتبارهم كفار، كذلك جرى قتل واعدام الكثير منهم.. وفي بحزاني وبعشيقة تم تدمير البنية التحتية والمشاريع الاقتصادية ونهب المعامل والمؤسسات، وحرق وتدمير بساتين الزيتون، إضافة الى وجود أسرى ومفقودين وقتلى ومسبيين من اهالي المدينتين.. وقد تسببت هذه الاوضاع في تفاقم الهجرة والتهجير.. حيث نشأت عدة مخيمات لهم في مناطق زاخو ودهوك وشاريا وباعذرة وايسيان، إضافة الى وجودهم وانتشارهم في المدن ابتداء من دهوك والعمادية وسرسنك واربيل والسليمانية..، مع اضطرار لجوء الاخرين الى سوريا وتركيا ومن ثم الهجرة إلى أوروبا.. ويقدر عدد المهاجرين الإيزيديين الى ألمانيا وبقية دول اللجوء بأكثر من 70 ألف مواطن ومواطنة لحد الآن منذ اجتياح داعش لسنجار في3/8/2014.. كما جرى استقدام اكثر 1500 من طفلة وفتاة وامرأة اسيرة ومغتصبة الى المانيا للعلاج النفسي والطبي .. وعموماً يمكن القول ان الهجرة شملت لأول مرة شرائح اجتماعية جديدة شملت.. التجار والاغنياء الذين قرروا مغادرة العراق، وكذلك المهندسين والاطباء والمعلمين وحاملي الشهادات العالية في مختلف الاختصاصات العلمية ومن المثقفين..".12 وللاطلاع على تفاصيل الخسائر المادية التي لحقت بالإيزيديين ومدنهم ومؤسساتهم الاقتصادية والاجتماعية الدينية يمكن العودة إلى مقال مهم للباحث صباح كنجي نشر في موقع الحوار المتمدن بعنوان " تقديرات أولية لخسائر بحزاني وبعشيقة على يد الدواعش"، العدد 5178 بتاريخ 35/2016 في محور الإرهاب والحرب والسلام. 
الهوامش والمصادر
   كتب لي أحد الباحثين من أبناء المنطقة ما يلي: ما يخص المكون الإيزيدي.. بلا شك هذا المكون عريق وهم من بقايا السكان الأصليين في العراق.. تسمية الإيزيدية تعتبر تسمية حديثة ذات طابع إسلامي.. ولكن حقيقة وجودهم أعرق وأقدم بكثير من الحقبة الإسلامية.. لايزال يطلق عليهم من جيراهم في بلدات والقرى المسيحية في سهل نينوى مثل (القوش ، تللسقف ، باطنايا، بغديدا (قرقوش)، كرمليس ، برطلة الخ ) تسمية (دسنايا) اسمه التاريخي القديم وهي كلمة  آرامية – سريانية ( تعني عبدة الاله سين (اله القمر ) مكونة من مقطعين سريانيين ( سين يعني قمر .. ئيل يعني الاله ) ، فهم تاريخيا ليسوا لا كردا ولا عربا ، انهم مكون عراقي عريق يطلقون على انفسهم بـ (دسنايا) ، وجميعهم  يعرفون حقيقة أصولهم ، إلا ان الاضطهادات المتتالية وعبر التاريخ جعلهم ينكرون أصولهم وقاية أولا ، اضافة إلى الطمع في الحصول على مكاسب و مناصب من الجهات المتنفذة  (كردا أو عربا) انقطاعهم عن اصولهم التاريخية كان له تأثير على لغتهم و ثقافتهم الرافدينية الأولى ( هنالك كتاب اسمه (الإيزيدية عقيدة و دين) على شكل بحث فيه الكثير من الاستنتاجات عن أصل و فصل الإيزيدية للكاتب والباحث يوسف زرا من اهالي القوش). ك. حبيب

2 صباح كنجي، اسئلة عن الإيزيدية، موقع بحزاني، 28/02/2012. 
3 سامي سعيد الأحمد: اليزيدية: أحوالهم ومعتقداتهم، الكتاب في جزأين، مطبعة الجامعة، بغداد، 1971، الجزء الأول، ص 27-41). 
4 أنظر: العزاوي، عباس. تاريخ اليزيدية وأصل عقيدتهم. بغداد. مطبعة بغداد. منصف الثلاثينات من القرن العشرين. ص 84-90.
5 توفيق زرار، موضوعات حول تاريخ اليزيدية واليزيديين، مجلة لالش. العدد 5/ 1995. دهوك ص 83.
 6 العزاوي، عباس. تاريخ اليزيدية وأصل عقيدتهم، مصدر سابق، ص112/113.
7 ملاحظة: يمكن متابعة تلك المجازر البشعة في كتب كثيرة صادرة عن كتاب إيزيديين وغير إيزيديين بحثوا بعمق ومسؤولية في هذه المسألة منها على سبيل المثال لا الحصر السادة: عدنان زيان فرحان، قادر سليم شمو، لكتابهم المشترك بعنوان عنوان (مأساة الإيزيديين) وعنوان فرعي (الفرمانات وحملات الإبادة ضد الكورد الإيزيديين عبر التاريخ) الصادر عن مطبعة خاني في دهوك في سلسلة كتبها عام 2009، وكتاب أمين فرحان جيجو الموسوم حملات الإبادة الجماعية (الفرمانات ) التي تعرض لها الشعب الإيزيدي، وكتاب الأستاذ زهير كاظم عبود عن الإيزيديين، وكتب أخرى ومقالات كثيرة بهذا الصدد. ك. حبيب

8 أنظر: أمين فرحان جيجو، القومية الإيزيدية جذورها – مقوماتها – معاناتها، بغداد، 2010.
9 أنظر: كاظم حبيب، الإيزيدية ديانة عراقية شرق أوسطية قديمة، دار نينوى، دمشق، 2017. القائمة للتي
10 أنظر: كاظم حبيب، الإيزيدية ديانة عراقية شرق أوسطية قديمة، دار نينوى، دمشق، 2017. القائمة للتي نشرتها في كتابي المذكور أعدت من قبل الصديقين صبحي حجو وصباح كنجي كل على انفراد.
11. أنظر: صباح كنجي، الاحصاء والمعلومات عن الإيزيدية والاقليات منذ تشكيل الدولة العراقية..، مصدر سابق. 12. أنظر: صباح كنجي، عن الاحصاء والمعلومات عن الإيزيدية والاقليات منذ تشكيل الدولة العراقية.. أوائل نيسان 2018).


44
د. كاظم حبيب
الكوارث وحرب الإبادة ضد الآشوريين والكلدان والسريان
إلى أحبتنا، إلى مواطناتنا ومواطنينا الآشوريين والكلدان والسريان، في الذكرى السنوية الحزينة والأليمة نقدم التعازي القلبية لما حل بعائلاتكم في منطقة حكاري بتركيا من مجازر بشعة وإبادة جماعية مماثلة لما تعرض لها الأرمن مع بدء الحرب العالمية الأولى وكذلك في الفترات اللاحقة، مما أُجبر الأجداد والآباء والأمهات على مغادرة مناطق سكناهم والهجرة الواسعة إلى العراق وإيران. وبالعراق الحديث تعرض السكان الآشوريين والسريان إلى مجازر بشعة في ديرابون وسهل سُميل بنينوى. في الرابع والعشرين من شهر نيسان/أبريل من كل عام يحيي الآشوريون السريان ذكرى هذه المجزرة الأليمة. نشاركهم الحزن ونطالب الحكومة التركية لا الاعتذار لهم فحسب، بل وتعويضهم، كما نطالب الحكومة العراقية بالاعتذار لهم لما حل بهم من محنٍ ومآسٍ وكوارث. ثم كانت مجزة الكلدان في صوريا/العراق في العام 1969. إنها مجازر ومآتم متلاحقة!! 
تبنى الآشوريون، الكلدان، والسريان، وهم من أحفاد أقدم شعوب العراق بعد السومريين والآموريين والأكديين، الدين المسيحي منذ القرن الأول للميلاد وساهموا في بناء الحضارة العراقية القديمة، حضارة أشور وبابل، وكذلك الحضارة العربية في عراق الدولة الأموية والعباسية والعثمانية، رغم ما عانوه من تمييز وتهميش وإقصاء من جانب أغلب الخلفاء والسلاطين والحكام العرب. وكانت الفترة الأموية اقل وطأة على المسيحيين من الفترات اللاحقة ولعوامل كثيرة. الكثير من القرى والأرياف والمدن بالعراق التي يسكنها النبط قد تبنوا المسيحية أيضاً وانتشرت بينهم، وأقيمت الكثير من الكنائس والأديرة في وسط وجنوب العراق، إضافة إلى شماله وغربه. كما تبنى الكثير من العرب في الحيرة مثلاً المسيحية. كان أغلب المسيحيين والمسيحيات الذين وجدوا بالعراق قبل الحرب العالمية الأولى هم كلدان وسريان مسيحيون وأرمن. ومع بداية الحرب العالمية الأولى تعرض السكان الآشوريون والكلدان والأرمن من رعايا الدولة العثمانية، ومنها منطقة حكاري، إلى عمليات اضطهاد جديدة، تحولت إلى حملات إبادة جماعية. تشير الأبحاث التي تعرضت لحملات الإبادة التي نظمت ونفذت ضد المسيحيين بمختلف طوائفهم أثناء وجود الدولة العثمانية، إلى أن الآشورويين والسريان قد تعرضوا في العقد الأخير من القرن العشرين إلى حملة عسكرية نفذت فيها مجزرة رهيبة راح ضحيتها الآلاف من الأشوريين والسريان الأبرار. وثد شارك في هذه الحملات القوات التركية والجندرمة وفرق الفرسان الحميدية. وهذه الفرق شكلت بالأساس بمرسوم صدر عن السلطان عبد الحميد الثاني في كانون الثاني/يناير عام 1890 ونص على تشكيل فرسان (خيالة) من الكُرد في كُردستان. وقد نفذ هذا القرار في كانون الثاني/يناير من عام 1891.1 وهذه الفرق ساهمت في المجزرة التي نظمها السلطان عبد الحميد الثاني ضد الآشوريين والسريان في الفترة الواقعة بين 1895-1898، في المدن ذات الأغلبية المسيحية التالية: آورهوي (أورفه أو الرها) وآميد (ديار بكر) وماردين وغيرها من القصبات التابعة لهذه المدن الرئيسية. وقد راح ضحيتها الآلاف من رعايا الدولة العثمانية.
أما الحملة الثانية فقد وقعت بين عامي 1914 و1915 في منطقة حكاري باعتبارها المنطقة الرئيسية للسكان الآشوريين.2 وتشير التقديرات إلى أن عدد ضحايا الإبادة الجماعية ضد الآشوريين تجاوز النصف مليون من النساء والرجال والأطفال الآشوريين السريان. وف ذات الفترة نفذا حملة الإبادة الجماعية ضد الأرمن، وهم من أصل أهل البلاد، واسعة جداً وشاملة وهمجية، إذ بلغ عدد ضحاياها أكثر من مليون إنسان أرمني مسيحي ومسيحية. ولم ينج منهم إلا القليل الذي فرّ إلى العراق ايضاً.
ورغم الوعود التي قطعت للآشوريين والسريان من جانب الدولة البريطانية في إسكانهم بالعراق، لم يتم الإيفاء بها. وعانى الآشوريون بشكل خاص الأمرين، مما دفعهم إلى رفض الحلول التي طرحت عليهم، وطرحوا حلولاً رفض الحكم العراقي تنفيذها، مما أدى إلى حصول صدامات هنا وهناك بسبب احتجاجاتهم. وقد استغل الحكام القوميون العرب الموقف المتشدد للآشوريين فشنوا حرباً شعواء ضدهم أدت إلى تنفيذ مجزرتين بشريتين نفذتا غدراً في العام 1933 في قرية "سُمَّيل" بسهل نينوى والأخرى بـ "ديرابون" على الحدود العراقية السورية، أدت إلى قتل غادر للمئات من الرجال والنساء والأطفال، كما أصيب الكثير من الآشوريين، ولاسيما الرجال الآخرين بجروح في المجزرتين.   
وقبل ذاك، وفي فترة وجود فيصل الأول على عرش البلاد، لم يتعرض المسيحيون الكلدان والسريان والأرمن إلى تمييز ملموس، وكانوا يعملون بشكل طبيعي وفي مجالات كثيرة كباقي المواطنين. إلا إن تنامى ذلك بعد وقوع المجزرتين ضد الآشوريين، وفي فترة وجود فيصل ملكاً على عرش العراق، رغم وجوده للمعالجة في سويسرا، وبسبب التحاق الآشوريين في العام 1920/1921 بقوات الليفي، التي شكلها البريطانيون بالعراق في العام 1915، وكان أغلبهم في البداية من الهنود والعرب، ومن ثم من الكرد وغيرهم. وغالباً ما يجري الحديث عن الآشوريين في قوات الليفي بهدف الإساءة لهم، في حين إن أول مجموعة من الليفي كان أفرادها من اليهود، وكذلك مجموع من العرب، ومن ثم الكرد.3 المشكلة الكبيرة التي عانى منها المسيحيون بالعراق ناتجة عن موقف أيديولوجي قومي شوفيني وديني متخلف وغير متنور إزاء أتباع الأديان الأخرى ورفض الآخر من قبل الحكام المسلمين. وكان هذا السلوك المناهض لأتباع الدين المسيحي يُنقل إلى أوساط الشعب أيضاً مقروناً بالتحريض ضدهم، مما كان يعرضهم إلى التهميش، ومنه قلة التعيينات في المواقع المهمة من أجهزة الدولة والسلك الدبلوماسي والمدارس العسكرية على سبيل المثال لا الحصر، أو ما يقرر عن الدين المسيحي وبقية الديانات الأخرة غير الإسلام في المناهج والكتب المدرسية...
في أثناء وبعد فشل محاولة انقلاب شباط عام 1959 بالموصل التي قام بها العقيد عبد الوهاب الشواف، ومعه القوى القومية الناصرية والبعثية والإخوان المسلمين والرجعيين، تعرض المسيحيون إلى الملاحقة والاضطهاد والقتل والتهجير، حيث أجبر الآلاف منهم على ترك الموصل والهجرة إلى بغداد أو البصرة أو نحو الخارج بذريعة تأييدهم لعبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي العراقي. وبعد انقلاب شباط عام 1963 تعرض المسيحيون إلى الاضطهاد ثانية، للأسباب السابقة، مما أدى إلى هجرة جديدة لهم إلى الولايات المتحدة وكندا وأوروبا واستراليا. ثم نفذ البعثيون مجزرة جديدة ضد السكان المسيحيين الكلدان في قرية صوريا والتي استشهد فيها عدد كبير من المسيحيين والمسيحيات على أيدي نظام البعث الفاشي في العام 1969. جاء في مقال عن هذه المجزرة في موقع ن ما يلي: "في السادس عشر من ايلول من كل عام تستذكر الأمة الآشورية مذبحة صوريا ففي مثل هذا اليوم قبل أكثر من سبعة واربعين سنة وجهت فوهات البنادق والرشاشات إلى ابناء أمتنا من أهل صوريا نساءً ورجالاً كباراً وصغاراً ولم ينجُ منها حتى كاهن القرية ومختارها فذبح وقتل أبرياء لا ذنب لهم سوى كونهم اناسا فقراء آمنين يعيشون في قريتهم الوادعة لم يؤذوا أحداً ولم يكونوا ضد أحد." ويشير الكاتب إلى أن السبب في ارتكاب هذه المجزرة البشعة التي كان فيها مسلمون أيضاً إلى جانب أكثرية مسيحية، هو "انفجار لغم أرضي تحت إحدى العجلات العسكرية للقافلة ولم يتسبب بأية أضرار بشرية. وكانت القافلة بقيادة "الملازم عبد الكريم خليل الجحيشي المعروف بوحشيته وسلوكه العدواني تجاه القرويين من أهالي القرى الواقعة تحت رحمة أو إدارة هذا الفوج العسكري."4
وإذا كان التمييز والتهميش والإقصاء قد تعرض له المسيحيون في فترة حكم البعث في الثمانينات والتسعينيات والتي فرضت عليهم هجرة واسعة حقاً، ولاسيما في فترة الحروب العديدة التي خاضها النظام العدواني والتوسعي العراقي في الداخل والخارج، فأن أكبر اضطهاد وقمع وتهجير قسري تعرض له المسيحيون والمسيحيات برز في فترة الحكم الطائفي، الذي أقيم بالعراق في العام 2003/2004، أي بعد إسقاط دكتاتورية البعث وصدام حسين الغاشمة، حيث لوحق المسيحيون والمسيحيات في الوسط والجنوب وبغداد والموصل من قبل المليشيات الطائفية المسلحة من جهة، وسكوت مطبق، وتأييد فعلي من الأحزاب الإسلامية السياسية، التي كانت تمتلك تلك الميليشيات الطائفية المسلحة من جهة أخرى، إضافة إلى قوى القاعدة حينذاك، كما تعرضت أغلب كنائسهم إلى التفجير وإشعال الحرائق فيها وقتل الكثير من المصلين أثناء تأديتهم الصلاة، مما أُجبر على اثر ذلك الألوف منهم للهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وكندا وأوروبا والأردن. ثم كان الهروب الواسع نتيجة إرهاب وقمع الدواعش الذين اجتاحوا الموصل ومن ثم بقية مناطق سهل نينوى منذ منتصف عام 2014 وحتى تحرير الموصل ونينوى عموماً في نهاية العام 2017. وقد نزح من الموصل قسراً جميع المسيحيين وتوجهوا إلى دهوك وعنكاوة وأربيل بإقليم كردستان العراق، وإلى مناطق أخرى من العراق هرباً من قتل الدواعش، ومن محاولة فرض الإسلام عليهم عنوة، إضافة إلى سلب ونهب كل ما يملكون من أموال منقولة وغير منقولة.
لم يكن اجتياح الموصل عملية معقدة، إذ كان الفساد، ولاسيما في صفوف القوات المسلحة والشرطة وأجهزة الإدارة المحلية، والإرهاب، قد عمَّ الموصل وبعض مناطق سهل نينوى على أيدي الداعشيين والقوى المتطرفة في المدينة والمحافظة من جهة، وانسحاب القوات المسلحة العراقية بقرار من أعلى سلطة في القوات المسلحة العراقية، من رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، قد جعل مدينة الموصل ومن ثم محافظة نينوى، تسقط في ساعات ودون مقاومة في أيدي الداعشيين القتلة. بيد هؤلاء الأوباش الذين مارسوا عمليات إبادة جماعية وتطهير عرقي وديني وسبي واغتصاب وبيع النساء الإيزيديات بسوق النخاسة الإسلامي، شملت أتباع جميع الأديان والمذاهب، ولاسيما الإيزيديون والمسيحيون والشبك والتركمان بالموصل وعموم محافظة نينوى، كما أنهم مارسوا الاضطهاد والقسوة والعدوانية في التعامل مع المواطنين والمواطنات السنة ممن رفض الاستجابة لفكرهم المتطرف والعدواني أو لم يتناغم مع سياساتهم.
من المشكلات الكبيرة الأخرى التي تعاني منها العائلات المسيحية من مختلف الطوائف بالعراق تبرز في ادراج بلدات ومناطق مسيحية خاصة في سهل نينوى ضمن المناطق المتنازع عليها بين حكومة بغداد وحكومة الإقليم (والتي أشير إليها بالمادة 140 في الدستور العراقي).. مما جعلها منطقة تنافس وصراع.. وعقد الصفقات المعلنة والمستورة..، ولا شك في أن ضحيتها دائما كانوا وما زالوا هم أهالي هذه المناطق، والمناطق كلها مازالت منكوبة. وقد ترك هذا الصراع، ومازال، تداعيات خطيرة جدا على وجود هذا المكون الأصيل. وكما في جميع الشعوب والقوميات قوى قومية متطرفة، فأن المعلومات المتوفرة تشير إلى معاناة المسيحيين من تطرف قوى قومية كردية ايضاً بإقليم كردستان العراق، إذ لا يقل خطورة في بعض مراحله وممارساته عن التشدد الديني.. والامثلة كثيرة عن التداعيات الخطيرة على هذا المكون، لاسيما على أولئك الذين تقع جغرافيتهم ضمن جغرافية الإقليم. وقد كتب لي أحد المثقفين المسيحيين البارزين حول أوضاع المسيحيين ومعاناتهم يقول:
" كما أن هناك سبباً آخر في هذا الصدد يتمثل في جعل الكنيسة ورجال الدين المرجعية الفعلية للمكون المسيحي، خاصة في الاقليم، وعادة هذه الطبقة الدينية، التي لا تمتلك خبرة سياسية وإدارية ولا دراية بالحاجات الحقيقية للمكون المسيحي، لأن هذه الامور هي خارج خبرتها وتخصصها، وهي في معظم الاحيان تراعي مصالحها الكنسية الخاصة وتحابي السلطة وتخضع لرغباتها. بعيدا عن مصالح المكون المسيحي، مما يؤدي الى تهميش الإرادة الحقيقية لهذا المكون."5
والمعلومات المتوفرة تشير إلى المعاناة الكبيرة للمسيحيين بالعراق خلال الفترة التي أعقبت سقوط الدكتاتورية وفي ظل الدولة الطائفية الهشة التي أقامها التحالف التساومي بين الولايات المتحدة وإيران بالعراق. فالمعلومات التي وفرتها الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية تشير إلى استشهاد "عدد كبيرٍ من الشعب المسيحي بلغ 2220 شخصاً بين عام 2003 ولغاية شهر آذار من عام 2018". أما عدد الكنائس والمزارات والأديرة التي جرى الاعتداء عليها في العراق فقد بلغ 167 كنيسة بين عامي 2003 -2018. منها 35 كنيسة دُمرت على أيدي الداعشيين المجرمين بين سنة 2014 – 2017. 6
وخلال الفترات العصيبة من تاريخ العراق الحديث برز نزوح السكان المسيحيين من مناطق سكناهم أو اضطرارهم للهجرة إلى خارج العراق على وفق ما ورد في الجداول الإحصائية الرسمية. ويمكن للجدول التالي ان يوضح ذلك.
جدول رقم (4)
جدول يشير إلى أعداد ونسب السكان المسيحيين في إجمالي سكان العراق
السنة   إجمالي سكان العراق/نسمة   عدد السكان المسيحيين   نسبة المسيحيين %
1890   1.830.000   39.850   2،2

1914   2.200.000   32.493   1،5
1920   2849.282   79.779   2،8
1927   2.968.000   148.400   5،0
1934   3.293.740   164.687   5.0
1947   4.564.000   149.656   3،28
1957   6.206.017   204.226   3،3
1965   8.067.230   250.084   3،1
1977   12.129.497   606.474   5.0
1987   18.644.000   932.200   5،0
1997   22.046.000   734.131   3،3
2003   24.683.313   814.549   3،3
2005   28.000.000   560.000   2،0
2006   29.041.753   580.835   2،0
2007   29.682.000   593.640   2،0
2008   30.680.190   613.603   2،0
2013   34.000.000   450.000   1،3
2016   36،000.000   350.000   0،97
2017 /2018     37.139.519   300.000   0،8
قارن: كاظم حبيب، مسيحيو العراق.. أصالة.. انتماء، مواطنة، دار نينوى للطباعة والنشر، دمشق 2018.
أنظر أيضاً: هرمز النوفلي، الإحصائيات الرسمية للسكان وعدد المسيحيين بالعراق عبر التاريخ، في الثلاثين من أيلول 2009. بلا ذكر الموقع.

والجدول يكشف بوضوح إلى أن العراق فقد، خلال الفترة الواقعة بين 2003 – 2018، عدداً كبيراً من سكانه العراقيين المسيحيين والمسيحيات ومن مختلف طوائفهم الدينية، إذ بلغ 514000 نسمة، وهو أمر بالغ الخطورة على وجود ومستقبل مسيحيي ومسيحيات العراق. ويشعر المتتبع بأن هذا الواقع المزري لم يحرك الحكومة العراقية ولا مجلس النواب، بل استقبلوا كل ذلك بدم بارد وارتياح كبير، حيث يشكل الإسلاميون السياسيون الطائفيون من شيعة وسنة الأكثرية الكبرى فيهما، ولم يتخوا أية إجراءات فعلية لمواجهة هذا النزوح الكارثي، وكأن ما حصل هو بالضبط ما كانت تسعى إليه فعلاً وتبتغي وقوعه، إذ لم تبدأ عمليات ملاحقة المسيحيين وتشريدهم على أيدي داعش أولاً، بل بدأت قبل ذاك على أيدي المليشيات الطائفية المسلحة الشيعية أساساً، ومن ثم السنية، ولاسيما تنظيم القاعدة ومن ثم داعش ومن لّف لفّها. 
وقد جرت عمليات قتل لعدد غير قليل من رجال الدين المسيحيين نشير لهم فيما يلي:
"- الشهيد المطران بولص فرج رحو - رئيس اساقفة الكنيسة الكلدانية في محافظة نينوى خطف بتاريخ 29 \ شباط - وقتل في الموصل بتاريخ 13\ آذار \2008
- الشهيد القس يوسف عادل عبودي - راعي الكنيسة السريانية في بغداد - اغتيل بمسدس كاتم صوت امام عائلته - بتاريخ 5 \ نيسان \ 2008
- الشهيد الاب بولص اسكندر بهنام - من كنيسة السريان الارثوذكس - خطف ثم قتل وقطع الى اربع قطع - في الموصل بتاريخ 12 \ 10 \ 2006
- الشهيد الاب منذر السقا - من الكنيسة البروتستانتية - خطف ثم قتل في الموصل - بتاريخ 11 \ 11 \ 2006
- الشهيد القس رغيد عزيز متي كني - راعي كنيسة روح القدس الكلدانية في الموصل - بتاريخ 3 \ حزيران \ 2007 - قتل مع ثلاثة من الشمامسة .. وهم:
الشهيد الشماس وحيد حنا ايشوع
الشهيد الشماس بسمان يوسف داود
الشهيد الشماس غسان عصام بيداويد
الشهيد سمير عبد الاحد - استشهد في مدينة الموصل اثر عملية اختطاف سيادة المطران بولص فرج رحو - بتاريخ 29 \ شباط \ 2008
الشهيد فارس جرجيس خضر - في نفس التاريخ
الشهيد رامي حكمت بولص - في نفس التاريخ
الشهيد الاب متي يوسف ونجله فادي - استشهد اثر حادث انفجار - في مدينة الموصل - بتاريخ 2 \ 12 \ 2008.
الشهيد الشماس الشاب عبد الخالق بـاكوس موسى- استشهد بتاريخ 7 \ 2 \ 2007".

المصادر
  أنظر: هوكر طاهر توفيق، الكُرد والمسألة الأرمنية 1877-1920. دار الفارابي - بيروت، ودار أراس -أربيل، إقليم كردستان العراق، 2014.
2 أنظر: جميل حنا، مذابح إبادة الآشوريين في هكاري، الحوار المتمدن، العدد 4472 بتاريخ 03/06/2014.
3 راجع: أبرم شيبرا، قوات الليفي العراقية في الوثائق البريطانية العسكرية، موقع عنكاوة، 18/10/2010.
4 مجزرة صوريا، موقع Nala4U.com، 17 أيلول/سبتمبر 2016.
5 المصدر: موجود في أرشيف الكاتب.
6 أنظر: حميد مراد، شهداء سميل .. شهداء الوطن، موقع عنكاوة، بتاريخ. .04/08/2008 ».
أنظر أيضا: (راجع: كاظم حبيب، مسيحيو العراق، أصالة.. انتماء.. مواطنة.. دار نينو، دمشق، 2018."، إضافة إلى استشهاد أكثر من 65 امرأة بأعمار مختلفة خلال ذات الفترة. (المصدر السابق نفسه). 



45
كاظم حبيب
في الذكرى السنوي 103 للإبادة الجماعية للأرمن في الإمبراطورية العثمانية
على الدولة التركية الحالية أن تعترف بالإبادة الجماعية التي نفذتها الإمبراطورية العثمانية في العام 1915 ضد الأرمن، التي كلفت هذا الشعب عدداً يتراوح بين مليون ومليون ونصف إنسان من الرجال والنساء والأطفال الأرمن. إنها ذكرى حزينة ومؤلمة. إن عدم الاعتراف بها من جانب الحكومات التركية المعاقبة وعدم إدانتها يسهم في ممارسة الحكومة التركية الحالية ودكتاتورها الجديد نفس النهج الدموي ضد الشعب الكردي في كردستان تركيا. التعازي إلى أحبتنا الأرمن بالعراق والمواساة لما اصابهم في ظل النظام الطائفي المحاصصي المستبد بالعراق...
يمتلك الأرمن تاريخاً طويلاً بالعراق، حيث يشار إلى وجودهم منذ العهد البابلي، وكذلك في العهود الأموية والعباسية والعثمانية اللاحقة. وساهموا مع بقية بنات وأبناء بلاد الرافدين في بناء وتطوير الحضارة الرافدينية. وفي العهد العثماني بالعراق كان الأرمن من الأوائل الذين أدخَلوا المدارس التعليمية الحديثة إلى العراق. تبعهم العراقيون اليهود، ومن ثم الطوائف المسيحية الأخرى. وقد سبقوا مدحت باشا في إقامته مدارس بالعراق منذ توليه ولاية بغداد عام 1869 وأنشأ أول مدرسة صناعية فيها عام 1871، كما أقيمت في عام 1896م أول مدرسة ابتدائية للبنات.1 وكان الحكم العثماني قد أقَّر حق كل طائفة من الطوائف الدينية بإقامة مدارسها الخاصة.
يشير البحث الموسع عن "نشأة المدارس بالعراق" للأستاذ طه العاني إلى الدور الطليعي للأرمن في فتح المدارس الحديثة بالعراق، إذ كتب ما يلي: " تعد مدرسة الأرمن للذكور في بغداد من أقدم هذه المدارس، إذ يرقى تاريخ تأسيسها إلى سنة 1270 هـ/ 1853م. وفي السنة نفسها تم افتتاح مدرسة الأرمن الأرثوذكس (للبنات). تلاها افتتاح مدرسة الاتفاق الشرقي الكاثوليكي سنة 1296 هـ/ 1878 م حيث افتتحتها الطوائف الكاثوليكية الثلاث، إلا أن الدراسة في هذه المدرسة واجهت صعوبات عديدة أدت إلى اغلاقها سنة1311 هـ/ 1893، حيث بادرت كل طائفة من الطوائف المسيحية الثلاث بافتتاح مدرسة خاصة بها."2 أما الطائفة اليهودية فقد فتحت أول مدرسة لها بالعراق في العام 1864، كما يشير إلى ذلك الكاتب أميل كوهين إذ كتب: في10 كانون الأول سنة 1864 افتتحت مدرسة الأليانس الأولى في بغداد وقررت أن يكون منهجها علمانيا فقط بعيدا عن التعليم الديني وشغلت مبنى صغيراً في محلة تحت التكية وكانت أول مدرسة أليانس في المشرق العربي.."3
وكانت للطائفة الأرمنية بالعراق العديد من الكنائس، إذ تشير المعطيات المتوفرة إلى ان الأرمن بنوا عدداً من الكنائس في كل من بغداد والبصرة والموصل. إذ وجدت ببغداد أربع كنائس هي: كنيسة القديس گريگور المنور قرب ساحة يونس السبعاوي- الطيران سابقا، وهي الكنيسة الأم ومقر المطرانيه، وكنيسة مريم العذراء في منطقة الميدان، وكنيسة القديس گرابيت ضمن مجمع دار العجزة في منطقة الرياض (كمپ ساره)، وكنيسة القديسين الشهداء ضمن حدود مقبرة الأرمن الجديدة في حي خان بني سعد. وكانت هناك كنيسة الثالوث المقدس التي شيدت عام 1857م في منطقة الشورجة، وظلت قائمة لفترة مائة عام، ولكنها توقفت عن خدمة المؤمنين عام 1957م، وتم بناء بناية سوق الأرمن التجاري في الشورجة مقابل البنك المركزي على قطعة ارض تابعة للكنيسة.4 ويشير السيد هامبرسوم أغباشيان إلى إن الأرمن بنوا ثلاث كنائس لهم بالبصرة، ولكن، وعبر العقود المنصرمة، لم يبق منها سوى كنيسة واحدة بنيت في عام 1736، وأعيد إعمارها في أعوام 1905 – 1909، ثم رممت مرة أخرى في عام 1931. أما بالموصل فقد بنيت كنيسة أجميازين المقدسة عام 1857 واستمرت قائمة حتى العام 1968، إذ أقيم على أنقاضها كنيسة جديدة وبالاسم نفسه. ثم بنيت كنيسة أخرى في أحد احياء الموصل، ولكن نهبت وسرق ما فيها بما في ذلك المرمر، حتى قبل تدشينها، في أعقاب حرب الخليج الثالثة عام 2003، وفي أجواء الفوضى التي سادت البلاد برغبة صارخة من جانب الولايات المتحدة مباشرة بذريعة "ليتنفس الشعب نسيم الحرية!". وبنيت في عام 1932 أول كنيسة للأرمن بمدينة كركوك النفطية وكنيسة جديده عام2016 ،5 وهناك كنائس للأرمن في زاخو ودهوك وقرية افزروك في شمال العراق ويتم حاليا بناء كنيسة في اربيل.
وأثناء الحرب العالمية الأولى تعرض الأرمن في الإمبراطورية العثمانية إلى حرب إبادة من جانب السلطات العثمانية أدت، على وفق التقارير الصادرة عن الكثير من مراكز ومعاهد البحث العلمي والمؤرخين، إلى استشهاد عدد يتراوح بين 1000000 - 1500000 أرمني من "رعايا" الإمبراطورية العثمانية. 6 أما الكتاب الأزرق الذي أصدرته الحكومة البريطانية في العام 1916، والذي كتب مقدمته المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي فيشير إلى إن عدد القتلى بلغ حتى ذلك الحين 600000 أرمني.7 وتقدر الحكومة التركية إلى إن عدد القتلى يتراوح بين 300000-500000 أرمني، ورغم ذلك فهي لا تعترف بأن ما حصل على الأراضي التركية، وفي مناطق سكن الأرمن الأصلية، باعتبارهم من اصل سكنة هذه الأرض، كان إبادة جماعية!! وبالتالي فأن الحكومات التركية المتعاقبة تلجأ إلى مقاطعة تلك الدول دبلوماسياً، إذا ما اعترفت بأن ما ارتكبته الإمبراطورية العثمانية ضد الأرمن كان إبادة جماعية.8
لقد حقق الحكام العثمانيون ليس مجزرة بشرية ضد الأرمن فحسب، بل مارسوا وحققوا عملية "تطهير عنصرية" ضدهم، إن من تبقى منهم على قيد الحياة هرب باتجاه سوريا والعراق طالباً النجاة بنفسه. كتب الدكتور سيّار الجميل يقول: "لقد دفع الأرمن العراقيون أسوة بغيرهم من العراقيين النجباء، أثمان باهظة من حياتهم ودمائهم وتشرّدهم على امتداد تاريخ طويل من وجودهم. ولعل مأساتهم التاريخية تشكّل خصوصيتهم التراجيدية ليس في العراق وحده، بل امتدت مع وجودهم عبر التاريخ.. وكان تشرّهم التاريخي ديسابورا حقيقية عند مفصل القرنين التاسع عشر والعشرين. قاد موجات كبرى منهم إلى الفناء حتى وصلت بقاياهم نحو الجنوب، ليستقر من بقي منهم على قيد الحياة في العراق، إذ رحب بهم العراقيون ترحيبا خاصا، وشاركوهم عواطفهم ومآسيهم، فوجد الأرمن في العراق أهالي لهم، وملاذا مطمئنا، ووطنا خصبا بديلا، وبلدا آمنا، ومجتمعا راقيا حماهم من كل غوائل التمزق والضياع..".9 وقبل أن يستقبل العراق جمهرة ممن تبقى من الهاربين الأرمن من جحيم الإبادة الجماعية، كان هناك مواطنون ومواطنات أرمن بالعراق، وهم من أحفاد الأرمن الذين وصلوا العراق منذ مئات السنين وفي فترات مختلفة، بما في ذلك الفترة العباسية في حكم العراق، الذين شكلوا جزءاً عضوياً مهماً من الشعب العراقي وعاشوا بسلام وعلاقات طيبة وإنسانية مع بقية السكان من مختلف القوميات والديانات والمذاهب. وقد ساهم العرقيون الأرمن باستقبال الأرمن الهاربين من الدولة العثمانية وسعوا للعناية بهم. وقد توزعت المجموعة على أربع مدن أساسية هي بغداد والموصل والبصرة وكركوك، إضافة إلى وجود عائلات قليلة في مدن أخرى مثل أربيل وكرمنليس، أو مدن أخرى في وسط العراق. وكان الأرمن في بدايــات وجودهــم بالعــراق "مقسمين بالنسبة الى تبعيتهم للسلطات الكنسية، فقد كان أرمــن البصرة يتبعــون مطرانية (أبرشية) اصفهان، أما أرمن بغداد فكانوا يتبعون الكرسي الرسولي في أيجميازين في أرمينيا.10 ثم اصبحت الكنيسة الرسولية الارمنية - الارثودوكسية في العراق بعد فترة تابعة بجميع كنائسها الى الكرسي الرسولي في أيجميازين من ناحية الامور الدينية والطقوس والشعائر وغيرها الى يومنا هذا. وتشير السفارة الأرمنية إلى إنه و"نتيجة للإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الأرمني عام 1915، فقد هاجر عشرات الألوف من الأرمن الى العراق. في عشرينيات القرن الماضي سكن العراق، وبالتحديد حوالي 90 ألف أرمني، بعد فترة من الزمن "عاد قسم منهم الى أرمينيا، بينما هاجر القسم الاخر الى اماكن اخرى"11. وعلى وفق المعلومات المتوفرة عن مخيم اللاجئين الآشوريين والأرمن بالقرب من مدينة بعقوبة في شهر نيسان/أبريل من عام 1918 فقد بلغ عدد الأرمن 41583 نسمة من النساء والرجال والأطفال، وتقلص العدد في المخيم في أيلول من نفس العام إلى 39191،12 أي قبل تشكيل الدولة العراقية الملكية. وتشير سفارة الجمهورية الأرمنية ببغداد إلى أن عدد نفوس الأرمن بالعراق بلغ في العام 2003 وقبل إسقاط الدكتاتورية عبر حرب الخليج الثالثة 25 ألف نسمة.13 وهذا يعني بأن هجرة الأرمن من العراق حصلت في فترات مختلفة، وبشكل خاص في فترة حكم البعث، ولكن ليست هناك إحصائيات عن عدد الأرمن الذين تركوا العراق وهاجروا إلى أرمينيا أو إلى أوروبا وأمريكا الشمالية بين تشكيل الدولة العراقية في عام 1921 وسقوط الدكتاتورية البعثية في عام 2003.   
عاش العراقيون الأرمن ضمن المجتمع العراقي كجزء منه له خصوصيته، واندمجوا فيه وأصبحوا جزءاً من نسيجه الوطني الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والرياضي. عاشوا كمجموعة قومية أرمنية وكمجموعة دينية مسيحية محترمة. ساهموا في الحياة العامة كباقي العراقيات والعراقيين، وزج منهم في السجون العراقية بسبب انتمائهم للأحزاب السياسية، ولاسيما للحزب الشيوعي العراقي، وبسبب مواقفهم الوطنية دفاعاً عن استقلال وسيادة العراق وضد الرجعية ومصادرة الحريات الديمقراطية والحقوق الأساسية للمواطن والمواطنة بالعراق، سواء أكان ذلك في العهد الملكي أم في العهود الجمهورية اللاحقة في أعقاب سقوط الجمهورية الأولى عام 1963. إلا إن أبشع ما أصابهم جاء في أعقاب إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة، بعد احتلال العراق وإقامة النظام السياسي الطائفي فيه عام 2003.
لقد تعرضت كنائس الأرمن في كل من مدينتي بغداد والموصل إلى التدمير، وإلى اختطاف القساوسة الذين لم يتم العثور عليهم حتى الآن. وفي ظل هذه الأجواء المشحونة بالعداء لأتباع الديانات الأخرى والفوضى والإرهاب التي سادت بالعراق، أجبر أكثر من 3000 مواطنة ومواطن من الأرمن على مغادرة العراق باتجاه أرمينيا أو الغرب أو الأردن. وفي العام 2007 تم قتل سيدتين أرمنيتين على أيدي قوات أمن أسترالية في منطقة المسبح ببغداد، إضافة لمن قتل على أيدي المليشيات الطائفية المسلحة والدواعش وعصابات الجريمة المنظمة، إذ بلغ عدد قتلى الأرمن 45 شخصاً، إضافة إلى اختطاف 32 شخصاً أخر منهم بين عامي 2003 - 2007. جاء في المقال الدكتور سيار الجميل السابق الذكر بهذا الصدد ما يلي:
"كانت هناك 225 عائلة ارمنية تسكن الموصل قبل 2003، أما بعد 2003، فلم يبق إلا حوالي 10 عوائل فقط قبل ثلاثة أعوام. ولقد حصلت على معلومات خاصة من أعلى المصادر الارمنية في العراق تقول بأن إحصائية عن الأرمن الموجودين حاليا فعليا في الموصل هم 45 عائلة فقط وكل عائلة تتكون من 2 شخص في البيت... أما الباقون، فقد آثروا الهجرة إلى خارج العراق والقسم الآخر أصبح متشتت بين القرى المسيحية في سهل نينوى... هذه الإحصائية من رئيس طائفة الأرمن... وبخصوص الحلة!!! هناك لدى الأرمن أراضي خاصة لهم من قديم الزمان وقبل الهجرة، اذ سكنوا في تلك المناطق آنذاك واليوم أصبحت للوقف لان كل اهلها وناسها سافروا إلى خارج العراق وبقيت الأراضي وقف. ويقول الارشمندريت ناريغ اشكانيان (63 عاما) بينما كان أحد الكهنة يسجل آخر الولادات والوفيات في صفوف الطائفة، "نحن هنا لنبقى فهذه أرضنا أيضا، رغم ما نواجهه من مصاعب في بعض الأحيان". ويبلغ عدد أفراد الطائفة حاليا نحو 12 ألفا بينهم سبعة إلى ثمانية آلاف في بغداد، فيما يبلغ عدد السكان في العراق 29 مليون نسمة."14
المصادر والهوامش
1. أنظر: طه العاني، نشأة المدارس بالعراق/ شبكة زدني للتعليم، 8 شباط/فبراير 2015.
2. المصدر السابق نفسه.
3. أنظر: أميل كوهين، مدارس الأليانس اليهودية في العراق، مؤسسة الحوار الإنساني، لندن، في 7 شباط/فبراير 2017.   
4. أنظر: هامبرسوم أغباشيان. تاريخ الأرمن بالعراق، مصدر سابق.
أنظر أيضاً: الكنائس الأرمنية بالعراق، موقع أزتاك العربي للشؤون الأرمنية، 5 شباط/فبراير 2013.
5. أنظر أيضاً: بدر الرحال، الأرمن تاريخ عريق بالعراق، موقع ستار تايمز، 29/01/2009
6. أنظر: هامبرسوم أغباشيان. تاريخ الأرمن بالعراق، مصدر سابق.
7. أنظر: مجدي خليل، القضية الأرمنية بعد مائة عام من الإبادة، الموقع الإلكتروني للتنظيم الأرامي الديمقراطي"، 1/1/2017.
8. وجدير بالإشارة الى ان الدول التالية تعترف بالتطهير العرقي "الإبادة الجماعية" ضد الشعب الأرمني حتى الآن وهي: اوروغواي (1965)، قبرص (1982)، روسيا (1995)، يونان (1996)، بلجيكا (1998)، ايطاليا (2000)، الفاتيكان (2000)، لبنان (2000)، فرنسا (2001)، سويسرا (2003)، كندا (2004)، سلوفاكيا (2004)، هولندا (2004)، ليتفانيا (2005)، فنزويلا (2005) ، شيلي (2007)، الارجنتين (2007)، السويد (2010)، وليفيا (2014)، النمسا  (2015)، المانيا (2015).
كما إنه ماعدا المجالس النيابية لهذه الدول، فقد اعترف البرلمان الاوروبي ايضا عام 1987 بالإبادة الجماعية ضد الشعب الأرمني** . أنظر: موقع رووداو، دول اعترفت بالإبادة الجماعية ضد الأمن. 1/1/2017. ** كذلك تعترف بها 43 ولاية أمريكية، وأقاليم مثل إقليمي الباسك وكتالونيا في إسبانيا، إقليم القرم المنضم حديثاً إلى روسيا، نيوساوث ويلز وجنوب أستراليا في أستراليا، وكيبيك في كندا. أيضاً، تعترف بها الأمم المتحدة، البرلمان الأوروبي، ومجلس أوروبا. أنظر: موقع رصيف 22، عشر حقائق حول الإبادة الجماعية. مصدر سابق.
9. سيّار الجميل، بروفيسور دكتور، الأرمن العراقيون: الخصوصيّة والجاذبيّة والأسرار الحيويّة، الحلقة الثالثة: دياسبورا وطن بلا بديل!، طيف اجتماعي عراقي حيوي، الموقع الإلكتروني للدكتور سيار الجميل، في 31/10/2010. 
10. أنظر: موقع سفارة جمهورية أرمينيا بالعراق، معلومات عامة عن الجالية، بتاريخ 1/1/2017.
11. المصدر السابق نفسه. وإيجميازين مدينة في جمهورية أرمينيا.
12. جي. كلبرت براون، قوات الليفي العراقية 1915-1932، مصدر سابق، ص 287.
13. المصدر السابق نفسه.
14. سيّار الجميل، بروفيسور دكتور، الأرمن العراقيون: الخصوصيّة والجاذبيّة والأسرار الحيويّة، الحلقة الثالثة، مصدر سابق.
 


  


46
كاظم حبيب
ما الهدف وراء العدوان الثلاثي الجديد على سوريا؟
(1)
لا أختلف مع المطالبين برحيل الدكتاتور بشار الأسد، ولا عن طبيعة نظامه البعثي الاستبدادي، ولا عن تسببه في أغلب المآسي والكوارث التي عانى ويعاني منها شعب سوريا منذ سنوات حتى قبل بدء الحرب الأخيرة التي بدأت قبل ثماني سنوات، ولا أرى إمكانية العيش الكريم لشعب سوريا مع هذا الدكتاتور الأرعن والنظام البعثي المجرم في المستقبل. ولكني أختلف مع مجموعات أساسية من قوى المعارضة السورية التي تخلت عن الأسلوب السلمي في قارعة النظام البعثي وقررت البدء باستخدام السلاح في مواجهة عنت النظام السياسي السوري المقيت منذ العام 2011 لوعي عبثي وقرار غير مدروس مفاده قدرتها عبر هذا الأسلوب في الكفاح يمكنها الوصول إلى إقامة الدولة المدنية الديمقراطية. ولكنها، وحال تحولها صوب السلاح، فتحت الباب على مصراعيه للتدخل الإقليمي والدولي، فسقط أغلب قوى المعارضة السياسية المسلحة في أحضان الدولة العثمانية الجديدة وتحت إرادة وهيمنة السلطان الجديد رجب طيب أردوغان، وكذلك في أحضان دول الخليج، ولاسيما السعودية وقطر، وهما دولتان كانتا وما تزالان تطمعان في أن يكون لهم دورهم التابع للولايات المتحدة في المنطقة العربية وعموم منطقة الشرق الأوسط. عندها تسلمت قوى الإرهاب الإسلامية الهيمنة الفعلية على ساحة المعارك ضد النظام السوري. ويمكن الإشارة هنا إلى بعض هذه التنظيمات بمسمياتها المختلفة جيش الإسلام، ولواء الإسلام والجبهة الإسلامية وأحرار الشام وجبهة النُصرة وفلق الرحمن وهيئة تحير الشام وأنصار الإسلام، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وأمكن للعملة الرديئة أن تطرد من الساحة السياسية والعسكرية السورية العملة الجيدة وتحتل مكانها في جميع مواقع المعارك بما في ذلك الغوطة الشرقية قبل انسحابها الأخير بيوم واحد من توجيه الضربة الصاروخية الجديدة من دول العدوان الثلاثي، وكأنه أحد عوام الانتقام لخسارة هذه القوى الإرهابية للغوطة الشرقية، رغم الأموال الكبيرة التي صرفت من الدول الغربية وتركيا والسعودية وقطر لتبقى وتقاوم ضغط قوات النظام السوري. 
من المؤلم والمؤسف حقاً أن قوى المعارضة السورية المدنية لم تمنح الفرصة الكافية لتمارس نضالها السلمي للتخلص من استبداد النظام السوري وأن تتمتع بتأييد الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي، قبل أن يسقط هذا النظام المتعفن في أحضان القيادة الإيرانية الرجعية الراغبة في الهيمنة على سوريا وجعلها جزءاً من الإمبراطورية الفارسية، كما تريد ذلك للعراق، وهي التي تحلم بذلك وتتمنى تحقيقه، إضافة إلى سقوط النظام السوري في أحضان روسيا الرأسمالية التي كانت وما تزال تفتش عن مجال حيوي لنفوذها تحت شمس الشرق الأوسط والدول العربية، علماً بان سوريا بدأت علاقاتها بالاتحاد السوفييتي في العالم 1955 حيث كانت أول دولة عربية تعقد اتفاقية استيراد السلاح السوفييتي. ومنذ ذلك الحين يرتبط النظام السوري بعلاقات خاصة مع روسيا، وريثة الاتحاد السوفييتي. لم تدخل روسيا الصراع منذ بدايته، بل تدخلت في العام 2013 حين أصبحت دمشق مهدد بالاحتلال من قبل قوى الإرهاب الإسلامية السياسية المتطرفة، والتي كانت تسنى لها في العام 2014 الزحف إلى العراق واجتياح الموصل وهددت أربيل وبغداد أيضاً.   
(2)
بعد مرور ما يقرب من ثماني سنوات من النزاع الدموي تحولت سوريا إلى مركز للصراع والنزاع الدولي والإقليمي على المجالات الحيوية ومناطق النفوذ لأربع دول من الدول الخمس الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، (عدا الصين)، ومجموعة من الدول الإقليمية، ابتداءً من إسرائيل، التي تحتل جزءاً كبيراً من الجولان السوري منذ العام 1967، والتي توجه باستمرار ضربات صاروخية ضد مواقع سورية في سعي منها لتدمر القدرات العسكرية ودعم قوى الإرهاب الإسلامي السياسي، ومن إيران وتركيا، وكذلك من السعودية وقطر، وانتهاء بحزب الله الإيراني بلبنان. إنها معارك دموية ضحيتها الشعب السوري على أيدي التشكيلات العسكرية لقوى الإسلام السياسية المتطرفة التابعة لداعش والقاعدة وقوى معارضة مرتبطة وتابعة لتركيا وأخرى لإيران ومحكومة بمصالح دولية وإقليمية غير مصالح اشعب السوري. لقد اختلط الحابل بالنابل وضاع الهدف المركزي لنضال القوى المدنية والعلمانية الديمقراطية السورية التي بدأت في حينها النضال السلمي لتغيير هيمنة حزب البعث على السلطة والمجتمع، ولاسيما بعد موت الدكتاتور الأب، حافظ الأسد، وتسليم السلطة لأبنه الدكتاتور الصغير بشار الأسد، بعد إجراء تغيير النص الدستوري حول عمر رئيس الجمهورية!   
(3)
كل الدلائل التي يمكن الاطمئنان إليها تشير إلى أن النظام السوري، ورغم كل جرائمه المعروفة بحق الشعب السوري، لم يوجه ضربة كيمياوية إلى موقع في مدينة دوما أولاً، وكل الدلائل تؤكد أيضاً بأن ليست هناك أي ضربة كيمياوية وجهت لهذه المنطقة من أي جهة كانت ثانياً، وبالتالي فالعملية كلها مفتعلة. ولكن لماذا؟ ومن المستهدف من هذه العملية؟ وما العواقب المترتبة عليها؟
لنترك العوامل الكامنة وراء الوضع المتأزم في منطقة الشرق الأوسط جانباً، ونتحرى عن العوامل المباشرة والفعلية التي تسببت في الضجة المفتعلة حول الكيمياوي بمدنية دوما السورية. إن أي متتبع حيادي يمكن أن يتوصل إلى تسجيل العوامل التالية:
1) يخوض العالم الغربي حرباً باردة جديدة ضد روسيا في الوقت الحاضر، وسبب ذلك يبرز في:
** بروز روسيا كدولة نووية كبرى في السياسة الدولية، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إذ إن اعترافهما بذلك ينهي القطبية الأحادية للولايات المتحدة في العالم، ويؤشر بروز أقطاب أخرى، ومنها الصين إلى جانب روسيا. وهو واقع قائم شاء الغرب أم أبى!
** رفض روسيا التعاون مع حلف الأطلسي وعدم السماح له بالاقتراب من أوكرانيا، على وفق الاتفاق المبرم مع الحلف الأطلسي بعدم اقتراب الحلف من الدول المحاذية لحدود الاتحاد السوفييتي. وقد أدى اقتراب الحلف من أوكرانيا إلى النزاع الدموي في هذه الدولة الهشة وانشطارها إلى جزئين.
** استعادة روسيا لجزيرة القرم، التي كان قد وهبها خروتشوف عام 1964 إلى أوكرانيا، والتي كانت قبل ذاك جزءاً من الاتحاد السوفييتي، وفيها قاعدة عسكرية بحرية ضخمة لروسيا الاتحادية.
** الخسارة الفادحة التي تعرضت لها الدول الغربية في مواقعها بسوريا، والتي حلت مكانها الدولة الروسية، والتي تحقق، بدعمها للقوات السورية الرسمية، نجاحات في التخلص من الدواعش وتعزز مواقع النظام السياسي الاستبدادي بسوريا والمتحالف مع روسيا وإيران وحزب الله المهيمن على السياسة اللبنانية.
** الدور الذي لعبته روسيا في دعم إيران وفي الوصول إلى الاتفاق النووي معها وبموافقة الولايات المتحدة، في فترة رئاسة أوباما، والاتحاد الأوروبي. إن هذه الاتفاقية كانت وما تزال تؤرق وتغيظ إسرائيل والسعودية، ومن ثم الحزب الجمهوري وترامپ، الناطق الجديد باسم إسرائيل عملياً، والمدافع عنها، والذي صادق على نقل سفارة بلاده إلى القدس واعتبارها عاصمة لإسرائيل فقط!!!، والراغب في ألغاء ذلك الاتفاق أو تعديله، في حين أن روسيا والاتحاد الأوروبي وإيران يرفضون أي تعديل أو إلغاء للاتفاقية. وقد أدى ذلك إلى تقارب علني، كان قبل ذاك سرياً بين السعودية وإسرائيل بذريعة مواجهة إيران! 
(4)
إن هذه العوامل أو بعضها قد دفعت الدول الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا إلى حدما، باعتبارها الدولة المستعمرة السابقة لسوريا وذات المصالح فيها، إلى الانتقام من سياسات ومواقف روسيا المناهضة لسياسات الغرب عموماً أو المتخلفة معها من خلال عمليتين بائستين ومفضوحتين هما: عملية تسميم الجاسوس الروسي وابنته في سالزبوري، علماً بوجود اتفاق جنتلمان دولي لا يجوز قتل أي جاسوس يتم تبادله بجاسوس أخر، وهو ما تحرص عليه دول العالم ولم يحصل أي خرق لهذا الاتفاق عالمياً حتى الآن، والادعاء الثاني بضرب مدينة دوما بالسلاح الكيمياوي. وتؤكد روسيا بأنها بعيدة عن تسميم الجاسوس وأن ليس هناك أي تسمم لسكان دوما.
(5)
وفي الجانب السوري فأن الغرب، الذي خسر مواقعه في سوريا، يتشبث بإزاحة بشار الأسد عن السلطة. وهو طلب معقول من حيث المبدأ، ولكن إزاحته في هذه الفترة وبهذه الفوضى السائدة بسوريا يمكن أن تقود إلى أوضاع مماثلة لما حصل بالعراق في أعقاب إسقاط الدكتاتورية البعثية الصدامية عام 2003. وعلينا هنا أن نتذكر إن الحرب التي نظمتها الولايات المتحدة بتحالف دولي خارج إطار الشرعية الدولية ضد النظام الدكتاتوري بالعراق قد اقترنت بكذبة دولية كبرى لفقتها الإدارة الأمريكية وتحدث بها وزير الخارجية الأمريكية كولن پاول في مجلس الأمن الدولي، والسياسي العراق الحليف للولايات المتحدة الدكتور أحمد الچلبي (1944-2015م)، وأجزاء من المعارضة العراقية. وبالتالي فهي محاولة للانتقام من الأسد لأنها غير قادرة على إزاحته.
يبدو مناسباً أن نتابع المسالة من جانب آخر، أي في أوضاع كل من ترامب وماي. فالمعلومات المنشورة عالمياً تشير إلى أن دونالد ترامپ وتيريزا ماي يعانيان بشكل مرهق ويومي من أزمات داخلية شديدة ومشكلات متفاقمة الأثر السلبي على سلوكهما على الصعيد الدولي، أي باتجاه صرف النظر عن الأزمات والمشكلات الداخلية وإشغال الناس بمثل هذه المشكلات المفتعلة. وهو أمر تؤكده الأحداث الأخيرة والكثير من المحللين السياسيين والنفسيين بكل من الولايات المتحدة وبريطانيا. ولكن سوف لن يعينهما ذلك في التغلب على المصاعب الداخلية، بل سيزيد من تعقيدها بالتعقيد السياسي على صعيد العلاقات الدولية.
(6)
لقد وقفت دول الاتحاد الأوروبي إلى جانب تيريزا ماي ودونالد ترامپ من منطلق التضامن لدول حلف شمال الأطلسي مع الدولة القائدة لهذا التحالف، والذي يعني في المفهوم الشعبوي "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، وهو مفهوم خطير جداً إذا ما ساد في العلاقات الدولية وجرى ابتعاد الدول الكبرى عن المعايير والأسس الدولية في التحقق من الاتهامات المثارة دولياً ضد هذه الدولة أو تلك. لقد أصدر الاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية ضد روسيا، كما قامت 14 دولة أوروبية بطرد دبلوماسيين روس من بلدانها ومجموعة من الدبلوماسيين المراقبين في الحلف الأطلسي، إضافة إلى إعلانها الوقوف إلى جانب الدول الثلاث في عدوانها وتأييد الضربات الصاروخية ضد سوريا صبيحة يوم السبت المصادف 14/04/2018، رغم إعلان ميركل إنها لن تشارك في الضربات العسكرية، ولكن ميركل ذاتها اعتبرتها استجابة ضرورية للرد على استخدام الكيماوي بدوما، في حين لم يثبت حتى الآن استخدام سوريا للسلاح الكيمياوي بدوما ولا أي جهة أخرى. وسيبقى على هذه الدول أن تبرهن على مصداقية ادعاءاتها!
(7)
لقد نسقت الدول الكبرى الثلاث، الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، واتفقت بتوجيه 103 ضربة صاروخية من بوارج حربية وطائرات وقاعدة العديد الجوية الأمريكية بقطر والقاعدة الجوية البريطانية بقبرص، استمرت 50 دقيقة. استهدف القصف الثلاثي عددا من القواعد والمطارات والمقرات العسكرية ومركز للبحث العلمي بدمشق العاصمة ومحيطها وموقع عسكري بحمص، ثم اعتبر وزير الدفاع الأمريكي إن الضربات قد انتهت ولن تتواصل. استطاعت سوريا أن تصد 71 صاروخاً من المجموع الكلي للصواريخ التي أطلقت عليها، وهو نجاح كبير للنظام السوري، ولكنه ساهم في تدمير بعض البنى التحتية وقتل وجرح جمهرة من السوريين.     
لقد اعتبر الكثير من المحللين إن هذه الضربات غير موجهة ضد سوريا وبشار الأسد بقدر ما هي موجهة ضد روسيا ووجودها بسوريا غير المرغوب فيه من جانب هذه الدول. إضافة إلى كونه تحذيراً شديد اللهجة لإيران التي تلعب دوراً كبيراً بسوريا، وربما لحزب الله أيضاً. ولهذا جاء تصريح سفير روسيا في واشنطن، بأن هذه العملية تعتبر إهانة مباشرة لفلاديمير بوتين، إضافة إلى إنها تجاوزاً على الشرعية الدولية.
من احتمالات هذه الضربات تفليش ما وصلت إليه مفاوضات الحل السلمي بسوريا أولاً، وتوسيع قاعدة القتال وإشاعة الفوضى بسوريا والمنطقة ثانياً، وتوجيه ضربات انتقامية من إيران وحزب الله وروسيا ضد وجود القوات الأمريكية بسوريا والمنطقة. كما كان في مقدور روسيا مواجهة ذلك برد مباشر. ولم يحصل ذلك حتى الآن. يبدو لي إن جميع الأطراف لا تريد توسيع الصراع والنزاع الدموي في المنطقة، رغم شراسة الضربة الثلاثية على سوريا. وهو أمر أيجابي. 
فقد أعلن البنتاغون انتهاء العملية العسكرية الثلاثية بضربات محدودة، وأنه قد ابلغ الروس بأنها ضربات لا تستهدف التصعيد، كما أعلنت وزيرة الدفاع الفرنسية إنها أعلمت الروس بهذه الضربات وتوقيتها ومحدوديتها، في حين أعلنت روسيا إنها لم تشارك في مواجهة الضربات الصاروخية. وبهذا المعني يراد القول بأن تنسيقا بصيغة ما قد تم بين الولايات المتحدة وروسيا وأن الضربات سوف لن تستهدف النظام السوري أو القوات الروسية وستكون محدودة ولا تستوجب الرد الروسي.
(8)
ما هي التداعيات المحتملة لهذه الضربات الصاروخية الثلاثية؟
أغلب دول العالم وشعوبها قد استنكرت هذه العملية واعتبرتها تجاوزاً على الشرعية الدولية وعدم إعطاء فرص للتحقق من استخدام النظام السوري للسلاح الكيمياوي بدوما. وفي هذا إدانة صريحة للدول الثلاث التي تجرأت على المجازفة باحتمال المزيد من التداعيات الخطرة لهذه العملية. وعلى وفق المعلومات المنشورة فقد أعترض 300 من أعضاء الكونغرس الأمريكي على هذه الضربات واعتبروها مخالفة للدستور الأمريكي وتجاوزا من جانب الرئيس الأمريكي على صلاحيات الكونغرس البالغ 535 عضواً، منهم 435 نائباً و100 شيخاً.
لقد كان في مقدور هذه العمليات أن تقود إلى تداعيات خطيرة على صعيد المنطقة والعالم، وأن تعرض السلام العالمي إلى مخاطر جدية، وهو تعبير عن عجز العالم ومجلس الأمن الدولي في إيجاد حلول سلمية للمشكلات القائمة، وعن عدم كف الدول الاستعمارية الكبرى عن استخدام قدراتها العسكرية ضد شعوب البلدان النامية، وحيثما شعرت بتهديد "مجالها الحيوي!" ومصالحها الاستعمارية! والجدير بالإشارة إن الشخصية الاستبدادية العثمانية الجديدة، رجب طيب أردوغان، قد أيد تلك الضربات الصاروخية واعتبرها ضرورية، وهو المعتدي الكبير على شعب سوريا في منطقة عفرين، وعلى شعب العراق بإقليم كردستان العراق، كما ايدتها كل من السعودية وقطر، واعترض عليها كل من العراق ولبنان ومصر والإمارات العربية وتونس.. ودعا العراق إلى مناقشة الضربات الصاروخية في القمة العربية التاسعة والعشرين التي ستعقد يوم 15/نسيان/أبريل بالظهران بالمملكة السعودية.
لم تزعزع هذه الضربات الصاروخية النظام الدكتاتوري السوري، بل يبدوا وكأنها ستساهم في تكريسه وتساعد على موقف أقوى في مفاوضات الحل السلمي بمدينتي سوچي وجنيف.   
             

47
سخونة الحرب الباردة الجديدة ومخاطر سياسات حافة الحرب!

د. كاظم حبيب

منذ أن تولى دونالد ترامپ رئاسة البيت الأبيض وأجواء ساخنة تؤشر اشتعال حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية. ولم تقف الدول الغربية الأخرى متفرجة على هذا الصراع بل سارعت إلى تأييد تهديدات الرئيس الأمريكي، سواء أكان بمزيد من العقوبات الاقتصادية، أم طرد الدبلوماسيين الروس، أم بتوجيه ضربة "صواريخ حديثة وذكية وجديدة" ضد مواقع سورية محمية من قبل القوات الروسية الاتحادية. هذا التصعيد الجديد أعقب الضجة المفتعلة التي نظمتها بريطانيا في قضية تسميم العميل الروسي المزدوج سيرغي سكريبال (66 عاماً) وابنته يوليا (33 عاماً) في مدينة سالزبوري، ببريطانيا، واعتبرت روسيا هي المسؤولة عن ذلك، لأن هذه النوع من المادة السامة أُنتجت بالاتحاد السوفييتي، علماً بأن مكتشف هذا النوع من السموم يعيش بالولايات المتحدة. ولم تتمكن بريطانيا أن تأتي حتى الآن بأي دليل على تورط روسيا بهذه العملية غير الإنسانية، بل إن بريطانيا رفضت دخول روسيا ضمن لجنة تحقيقية لتشخيص المسؤول عن عملية التسميم، كما رفضت الدول الغربية في مجلس الأمن الدولي قيام اللجنة الدولية المسؤولة عن حظر استخدام الأسلحة المحرمة دوليا بالتحقيق في مزاعم قيام الحكومة السورية بضرب مدنية دوما بالسلاح الكيمياوي، علماً بأن هذه المهمة هي من اختصاصات هذه اللجنة. علماً بأن كل الظروف المحيطة لا تسمح حتى لنظام دكتاتوري وقح مثل النظام السوري وشخصية مستبدة هزيلة مثل بشار الأسد، على استخدام السلاح الكيماوي ضد شعبه. والأسئلة التي تطرح عن العوامل الكامنة وراء هذا التصعيد في توتير العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية المتنفذة وروسيا الاتحادية، وهل إن هذه الحرب الباردة يمكن أن تنتهي إلى صدام عسكري بين دول حلف شمال الأطلسي وروسيا الاتحادية على الأراضي السورية، وبالتالي احتمال إشعال حرب مدمرة في منطقة الشرق الأوسط وبعيداً عن الدول المشعلة لهذه الحرب المحتملة، أم سينتصر العقل وتعود الدبلوماسية والحوارات السياسية إلى المقدمة لتجد حلولاً معقولة لمشكلة سوريا وعموم مشكلات الشرق الأوسط؟
حين يتتبع الباحث مجرى الأحداث وتطوراتها على الصعيد العالمي وبمنطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، يمكنه تسجيل بعض الظواهر المقلقة لشعوب العالم المحبة للأمن والسلام على الصعيد العالمي والمناهضة للحروب والهيمنة الأجنبية، نشير إلى أبرزها فيما يلي:     
1. تواجه شعوب العالم الرأسمالي المتقدم، بما في ذلك روسيا الاتحادية، أزمة سياسية حقيقة تبرز في تراجع الحياة الديمقراطية والتمثيل البرلماني ومصداقية الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية التي تحكم في هذه الدول. وتعاني غالبية الحكومات فيها من تراجع في شعبيتها، عدا روسيا رغم شمولية النظام، وتأييد سياساتها الداخلية. ويمكن أن نورد هنا أمثلة كثيرة في المقدمة منها بريطانيا وإيطاليا وألمانيا الاتحادية وفرنسا. ويقدم الوضع بالولايات المتحدة الأمريكية النموذج الساطع على حقيقة الوضع الداخلي بالولايات المتحدة حيث فقد الشعب ثقته بالقوى السياسية المهيمنة وبالإدارة البيروقراطية التقليدية المحافظة الفاقدة للتأييد والتي قادت إلى صعود شخصية غير سياسية ومليونير غير محسوب العواقب إلى قيادة البيت الأبيض على حساب شخصية من صلب الإدارة البيروقراطية المحافظة الحاكمة، بعد أن وعد ناخبيه:
أ) أن تخدم سياسته أولاً وقبل كل شيء الولايات المتحدة الأمريكية أمريكا أولاً America first، وكأنها قبل ذاك لم تكن كذلك. وتشمل هذه السياسة الحقل الاقتصادي أيضاً؛
ب‌.   أن يفرض أجندته السياسية على الصعيد العالمي وفي محاور الصراع في مناطق العالم المختلفة، ومنها منطقة الشرق الأوسط، على حكومات وشعوب تلك المناطق، بما يحقق مصالح أميكا أولاً؛   
ت‌.   أن يبتز العالم مالياً من خلال التدخل في شؤون الدول الأخرى وفرض إرادته عليها، شريطة أن تدفع للولايات المتحدة تكاليف ما تمارسه الولايات والدبلوماسية الأمريكية من أفعال.
ث‌.   أن يحد من اللجوء إلى الولايات المتحدة وأن يبني سوراً مانعاً على حدود المكسيك وبأموال مكسيكية!
ج‌.   تعديل الميزان التجاري الأمريكي بفرض ضرائب على السلع الواردة إلى الولايات المتحدة بخلاف شروط منظمة التجارة الدولية الحرة.
2. الدور المحدود والضعيف لشعوب هذه الدول في التأثير على سياسات حكومية الدول الغربية  الداخلية منها والخارجية، مما أدى إلى أن تكون بعيدة عن مصالح شعوبها الفعلية.
3. كما إن السياسات الاقتصادية الدولية، التي ما تزال تتحكم بها اللبرالية الجديدة، تلعب دورها في تعميق الصراعات الداخلية والتوترات بسبب تفاقم الفجوة في الدخول ومستوى المعيشة والبطالة من جانب، وسعي تلك الدول على معالجة مشكلاتها الداخلية عبر تصديرها نحو الخارج، لتخفف من أزماتها الداخلية المؤقتة، في حين إن هذه السياسات تعمق من تلك المشكلات الداخلية على المدى المنظور.
4. ويبدو إن حكام الدول الرأسمالية المتقدمة عادت بحنينها للماضي لفرض الهيمنة الاقتصادية والسياسية والتقنية وتعزيز مناطق النفوذ الحيوي الأكثر حداثة لكل منها في إطار السياسات العولمية للنظام الرأسمالي الدولي وصراع المصالح المتجدد.
5. كما لا يخلو هذا الواقع من نهج جديد لدى حكام الدول المستعمرة وشبه المستعمرة السابقة إلى الشعور بالعجز عن السيطرة على شعوبها أو التحكم التام بأوضاع المنطقة، مما يجعلها تسعى إلى طلب الدعم من حكومات الدول التي استعمرتها في السابق أو دولاً إقليمية لنجدتها في مواجهة شعوبها أو في صراعها ونزاعها مع الدول الأخرى في المنطقة. ويتجلى ذلك باليمن وسوريا والعراق مثلاً.
6. وفي هذا السياق يلاحظ بوضوح تخلي الغرب عن الحديث والادعاء بدفاعه عن حقوق الإنسان وحقوق القوميات والديمقراطية، لأنها أصبحت تهدد مصالحها بالدول النامية ومنطقة الشرق الأوسط. ويتجلى ذلك في تأييدها المبطن لقوى الإسلام السياسي بالمنطقة واستمرار تسليح النظم الاستبدادية بالسلاح، رغم كونها مناطق نزاع ساخنة، كما هو حال تسليح السعودية وبقية دول الخليج او تسليح تركيا أو تسليح روسيا لإيران وسوريا.
7. الارتفاع الشديد في مبيعات السلاح والعتاد على الصعيد العالمي وبدء عملي لسباق تسلح في المنطقة والعالم، وتراجع شديد في الرقابة الدولية وعبر الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية على إنتاج أجيال جديدة من الأسلحة النووية، التي تهدد العالم بحرب طاحنة ومدمرة لكوكبنا الأرضي. وبحسب آخر تقرير لمعهد أبحاث السلام سيبريس أرتفع إجمالي حجم صادرات السلاح على الصعيد العالمي خلال الفترة 2012-2016 بنسبة 16%، ونسبة عالية منها وصلت إلى دول الشرق الأوسط، ولاسيما السعودية.
ونشير هنا إلى ثلاث مسائل مهمة مارستها الدول الغربية ودول المنطقة التي تحاول الهيمنة على سياسات دول المنطقة:
أ‌.   تشكيل وتأييد القوى الإسلامية السياسية المتطرفة، ابتداء من القاعدة ومروراً بداعش وانتهاءً بتنظيمات منشقة على داعش أو تابعة لها بأسماء أخرى. فنحن أمام ممارسات الولايات المتحدة لهذه السياسة وكذلك كل من تركيا والسعودية ودول الخليج وإيران.
ب‌.   تأييد النظم السياسية المستبدة بالمنطقة والمناهضة لشعوبها بمختلف السبل المتاحة لها، وبالتالي فهي تقف بالضد من مصالح شعوب هذه الدول.
ت‌.   تشكيل تحالفات سياسية مؤقتة وأخرى دائمية، بما يسهم في خدمة أهدافها ومصالحها ومصالح إسرائيل بالمنطقة، كما يلاحظ من تأييد التحالف السعودي الخليجي ضد اليمن، بسبب الوجود الإيراني الواضح باليمن والمتحالف مع الحوثيين. أو تأييد التحالف الجديد بين إسرائيل والسعودية ضد إيران. 
  إن هذه الوقائع والظواهر الصارخة وما تحمله من إشكاليات وموت ودمار لشعوب ودول المنطقة يمكن أن يؤشر الهدف المركزي من هذه السياسات على الصعيد العالمي والمنطقة، وأعني به الهيمنة على شعوب ودول المنطقة وفرض سياساتها ومصالحها والتحكم بخيراتها، ولاسيما المواد الخام الاستراتيجية فيها ولاسيما النفط الخام والتحكم بالتجارة الخارجية الدولية. 
إن سياسة ترامپ الانفعالية الراهنة تضع العالم على حافة حرب جديدة، لما يمكن أن ينشأ عن تصرفاته الفردية وسياسة ردود الفعل الهستيرية بعيداً عن بصيرة الإنسان العاقل والمدرك لمخاطر حرب جديدة بمنطقة الشرق الأوسط أو على الصعيد العالمي. وهو اليوم يعيش تحت ضغوط داخلية شديدة الأثر على تصرفاته غير المحسوبة، وفي المقدمة منها أتهام فريقه الانتخابي بالتنسيق مع روسيا، والفضيحة الجنسية مع ستورمي دانيلز الممثلة في صناعة الافلام الإباحية، والمظاهرات الحاشدة لتلاميذ وطلاب المدارس ضد حرية اقتناء وحمل السلاح  والتي بلغ عدد المشاركين فيها أكثر من نصف مليون إنسان وحصلت في 800 مدينة أمريكية، إضافة إلى مناهضة الاتحاد الأوروبي لسياسته التجارية وفرض رسوم جمركية على واردات الحديد والالومنيوم لبلاده، وبدء حرب تجارية مع الصين الشعبية، وكذلك شجب العالم لتأييده لحرب التحالف الخليجي ضد اليمن والموت المتفاقم والنزوح والهجرة والأمراض الفتاكة والدمار الشامل للمدن اليمنية، وهو متورط أيضاً بوعود انتخابية ضاغطة عليه وغير واقعية على الصعيد العالمي.   
إن أي ضربة صاروخية ضد سوريا من جانب التحالف الغربي، ستجابه بتصدي روسي، كما صرح بذلك پوتين، مما يمكن أن يقود ذلك إلى توسيع الحرب بسوريا وتورط دول المنطقة كلها بحرب لا يمكن التنبؤ بعواقبها المدمرة على شعوب وحياة واقتصاد المنطقة والعالم. ولهذا لا بد من العمل على منع حصول ذلك، والسعي لإيجاد حل سلمي وديمقراطي للقضية السورية وإنقاذ الشعب السوري من حرب مدمرة تجاوز عمرها سنوات سبع عجاف. المفاوضات والحلول الدبلوماسية والسلمية عبر الأمم المتحدة هو الطريق الوحيد لحل معضلات دول المنطقة والعالم، وبدونها ستكون الشعوب وحدها هي الخاسرة من هذه السياسات المتعارضة مع الحضارة الإنسانية ومصالح الشعوب ومستقبلها.
[/center]

48
الأخ الفاضل السيد شلاما رابي أبرم،
تحية طيبة.
إن من يريد أن من يريد أن يجتث الأشوريين من العراق لا يمكن إلا أن يكون سوى شخص عنصري وفاشي، هذا أولاً، وثانياً يبدو أنك لا تقرأ ما أنشره منذ سنوات كثيرة، أو غير متابع لمؤتمرات حقوق الإنسان العراقية بالعراق والخارج، ولا حتى مؤتمر برطلة ضد التغيير الديمغرافي لمناطق المسحيين، حيث كنت رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر ورئيس المؤتمر أيضاً، عندها كنت قد تعرفت على الفارق النوعي والجذري بين من طالب باجتاث الآشوري وبين كاظم حبيب.
أتمنى عليك أن تطلع على الكتاب الجديد الذي ألفته عن مسيحيي العراق، وهو الكتاب الرابع بشأن المكونات القومية والدينية بالعراق ، كان الأول عن الكرد بالعراق، والثاني عن الإيزيديين، والثاث عن يهود العراق. لو حاولت أن تقرأ مقالاتي التي نشرت في موقع عنكاوة أو حضرت محاضراتي في نادي الجمعية الثقافية الكلدانية بعنكاوة لعرفت وجهة نظري بالمسيحيين، ليس قبل مئة عام، بل قبل أن يصبحوا مسيحيين، أي قبل الآف السنين، ومن ثم بعد أن خلت المسيحية لبلاد ما بين النهرين في القرن الأول الميلادي وعبر بوابات عديدة وكذلك أوضاع المسيحيين في فترة الإسلام الأولى، أي فترة محمد، ومن ثم في فترة الأمويين والعباسيين والعثمانيين وأخيرا الدولة العراقية الحديثة، الملكية ومن ثم الجمهوريات المتتالية، وفي الوقت الحاضر.
اتمنى عليك أن تقرأ، ولا عذر لك في النقد أو التشكيك لانك لم تتابع ما يكتب عن مسيحيي العراق أو الكلدان والآشوريين والسريان أو كلهم مجتمعين.
مع الود والتحية
د.
كاظم حبيب


49
رسالة مفتوحة إلى السيد على السيستاني ووكلاءه بالعراق
سماحة آية الله العظمى السيد على السيستاني المحترم/ الحوزة الدينية بالنجف

تحية طيبة،

وبعد، كُنتُ قد وجهت في السنين المنصرمة أكثر من رسالة إلى جنابكم حول عدد من الأمور التي تمس المجتمع العراقي بالصميم، ومنها ما يمس أتباع الدين الإسلامي والمذهب الشيعي أو ما تعرض له أتباع الديانات الأخرى بالعراق وفي ظل حكومات تترأسها وتقودها أحزاب إسلامية سياسية حظيت بتأييدكم وبركاتكم. ولم احظ بجواب منكم. وكان من المفترض، وأنتم في المقام الديني الرفيع، أن تجيبوا على رسائلي ذات المضامين غير الشخصية والتي تمس الشأن العراقي الديني والاجتماعي العام مباشرة. ومع ذلك فأن من فوائد رسائلي المفتوحة أنها تُقرأ من عدد كبير من القارئات والقراء بالعراق وبدول عربية أخرى وحيثما وجد قراء بالعربية. إذ إن لها بعداً تنويرياً يعالج العيوب التي يعاني منها المجتمع والتي لا تجد أذاناً صاغية لدى الغالبية العظمى من شيوخ الدين بالعراق، لأن عدداً كبيراً منهم منشغل بأكتناز وتكديس الأموال والتعاون مع جمهرة من سياسيي الصدفة من رجال الدين والأحزاب الإسلامية السياسية. وفي الغالب الأعم، فأن هذه الأموال هي من السحت الحرام، إضافة إلى العقارات ودور السكن التي احتلوها وسكنوا فيها أو حولوها إلى مراكز لعملهم الحزبي و"الديني!". وهذا ليس ادعاءً أهوجاً أو غير مسؤول من جانبي، بل هو التعبير الصارخ عن حقيقة دامغة تحدثَ البعض من وكلائكم عنها، ومنهم الشيخ عبد المهدي الكربلائي. ولم يهتف الشعب عبثاً أو رغبة في الإساءة إلى أحد، حين قالوا "باسم الدين باگونه الحراميه"، و"باسم الله هتكونة الشلايتية"!!، بل كان هذا الشعار المزدوج واقعاً يعيشه الناس يومياً وفي كل شبر من أرض الدولة العراقية دون استثناء.

السيد المحترم

لقد تدخلتم، وما زلتم، بالسياسة من أوسع أبوابها، وهي ليست من صلب مهمات موقعكم ومركزكم الديني، وتسببتم بوصول أشخاص وأحزاب سياسية إسلامية طائفية مريضة بكراهية الشعب والفساد والرغبة في إيذاء أوسع دائرة ممكنة من الناس، ولاسيما أتباع الديانات والمذاهب الأخرى، وتسببتم في هيمنتهم على سلطات الدولة الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضاء، ودعمتم أسوأ هذه الشخصيات التي تسببت بمآسي وكوارث العراق خلال السنوات الـ 15 المنصرمة، التي سرقت وسهلت نهب أموال الشعب وقوته اليومي ، كما سلَّمَتْ، بعدوانيتها وطائفيتها المقيتة، مدينة الموصل وسهل نينوى، وكل محافظة نينوى، ومحافظات غرب العراق، إلى المحتل الدموي، تنظيم داعش المجرم، والذي أدى إلى موت مئات الآلاف من أبناء وبنات العراق ومن كل الأعمار وإلى جرائم الإبادة الجماعية.

ومن موقع المسؤولية الدينية التي في أيديكم وعنقكم لم تقفوا بوجه البدع الدخيلة على الإسلام التي تمارس سنوياً في عشرة عاشوراء أو أربعينية الشهيد الحسين وصحبه الكرام، ولا في المناسبات الأخرى التي أصبحت تشمل ثلثي أيام العمل بالعراق. كما لم تساهموا في مساعدة فقراء العراق من خلال تبيان رأيكم الديني، وليس السياسي، في واقع الفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء، بين "بحبوحة" شيوخ الدين ومعممي السياسة من جهة، والعوز الشديد الذي يلف نسبة عالية جداً من سكان العراق من جهة أخرى.

لا أدعوكم هنا إلى التدخل في السياسة أبداً، أو الوقوف إلى جانب هذا وضد ذاك، بل أدعوكم إلى الالتزام بمهامكم الدينية، تلك التي تخليتم عن الكثير منها منذ سقوط الدكتاتورية البعثية الغاشمة وقيام النظام السياسي الطائفي المقيت على أنقاضه، وتدخلتم في مهمات ليست ضمن واجباتكم الدينية،من خلال:

** عدم التدخل في السياسة والالتزام بمبدأ الفصل بين الدين والسياسة، وبين الدين والدولة، وهو مبدأ لصالح الدين وأتباعه، ولصالح الدولة ومواطناتها ومواطنيها في آن واحد.

** أن توجهوا أنظاركم وجهودكم صوب الدفاع الديني عن الإنسان، أياً كان، دينه أو مذهبه، قوميته أو لغته أو جنسه، أي الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب الأخرى، الذين تعرضوا للعسف والاضطهاد والقتل على الهوية والسبي والاغتصاب وبيع النساء الإيزيديات في سوق النخاسة الإسلامي وممارسة العبودية بحق الإنسان غير المسلم!!!

** أن تلعبوا دوركم الديني في الاستعداد الفعلي للكشف دون رحمة عن الذين استخدموا وما زالوا يستخدمون الدين للخديعة والكذب وتشويه العقول وسرقة المال العام، سواء أكانوا من شيوخ الدين، أم من العاملين في الأحزاب الإسلامية السياسية وفي السلطة، لأنهم باسم الدين يمارسون كل ذلك.

** أن تساهموا من موقعكم الديني في الدفاع عن الأيتام والأرامل والمعوقين من ذوي الحاجات الخاصة، والابتعاد عن الدفاع عن كل مَن ارتدى العمامة، لكن جيوبه مليئة بالسحت الحرام، فهؤلاء ذئاب وليسوا بشراً. وكم كان أبن النجف الشاعر محمد صالح بحر العلوم محقاً حين قال وهو يخاطب تلك الذئاب بالذات:

يا ذئاباً فتكت بالناس ألاف القرون      اتركيني أنا والدين فما أنت وديني       

أمن الله قد استحصلت صكاً في شؤوني         وكتاب الله في الجامع يشكو اين حقي!

** أن تقوموا بتوزيع الأموال التي في حوزتكم، ولاسيما الخمس، لإعمار العراق، ومنها إقامة بيوت للأرامل والفقراء ودور حضانة ومدارس لليتامى من الأطفال، بدلاً من توجيه تلك الأموال إلى بناء ما يشاء ويريد حكام إيران، على حسب ما قرأته في موقعكم على الإنترنت، وما يتحدث به اقرانكم.

** إن تبحثوا مع شيوخ الدين بإيران ليتخلوا حقاً وصدقاً عن التدخل الفظ في الشأن الديني العراقي، وأن يكفوا عن تصدير الجمعيات والبدع التي تشوه الدين والمذهب بالعراق، في حين لا يمارس كل ذلك بإيران.

** أن تطلبوا من إيران الكف عن تمويل المليشيات الطائفية المسلحة بالأموال والسلاح والعتاد والخبراء والقياديين والجواسيس الذي يتولون العمل في الحشد الشعبي برموزه المعروفة التي لا تلتزم بالإرادة العراقية، بل بإرادة المرشد الإيراني السيد علي خامنئي، وهو ما يصرح به أغلب قادة المليشيات الطائفية المسلحة. إن هذه المهمة واحدة من مهماتكم وواجباتكم الدينية وليس السياسية.

** ومن واجبكم الديني والاجتماعي أن تمنعوا شيوخ الدين من وكلائكم أو غيرهم، من شتم المدنيين والديمقراطيين والشيوعيين والإساءة لسمعتهم باسم الدين وباسمكم وبأسماء مراجع دينية أخرى بالنجف. لأنهم بذلك يسيئون بقصد التشويه إلى أناس شرفاء لم تتدنس أيديهم بالسحت الحرام أو خطايا الكذب والتزوير والتهريب والقتل.. ألخ. وهو ما يعرفه الإنسان العراقي جيداً.

** كم أتمنى عليكم أن تمنعوا رفع صور شيوخ الدين الإيرانيين والعراقيين في الساحات العامة وفي الدعاية الانتخابية مستثمرين بساطة الناس لتشويه إرادة العراقيات والعراقيين باسم الدين وباسمكم.

** من واجبكم الديني، وليس السياسي، تحريم الرشوة وشراء وبيع أصوات الناخبين أو ممارسة التزوير والغيبة لأنها كلها مخالفات تتناقض ما هو ملزم ومطلوب من المسلم والمسلمة عموماً، فـ "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده!".

** ومطلوب منكم أن تحرموا مثلاً شراء أعضاء من جسم الإنسان، ولاسيما الأطفال، بسبب حاجة العائلات للمال، أو عهر الأطفال من الذكور والإناث الذي أصبح تجارة رابحة بالعراق، أو تصدير المخدرات من افغانستان وإيران إلى العراق وتدمير صحة أطفال وشباب العراق، والتي أصبح موسم الزيارات الحسينية أحد الأبواب المهمة في تهريب المخدرات إلى العراق!

لديّ، سماحة السيد، قائمة طويلة بما هو مطلوب منكم باعتباركم تحتلون الموقع الأهم والأول بين مراتب شيوخ الدين بالعراق، إذ يمكن أن يُسمع صوتكم الديني من قبل المسلمات والمسلمين الشيعة بجانبه الديني وليس السياسي. فما ذكرته في أعلاه يعتبر جملة من المجالات التي يمكنكم أن تخدموا الإنسان العراقي والحياة الدينية والاجتماعية العراقية، وأن تدعوا للتآخي بين اتباع جميع الديانات والمذاهب بالعراق وتحرموا الصراع والنزاع الديني والمذهبي والقومي، فقد سالت بالعراق دماء ودموع كثيرة وكثيرة جداً لا طاقة لهذا الشعب في تحمل المزيد منها، والظلم، كما تعرفون، إن دام دمّر. لم يكن البعثيون وحدهم من تسبب بسيول الدماء في الحروب وفي الاستبداد، بل الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية بميلشياتها الطائفية المسلحة وسياساتها التي مزقت النسيج الوطني العراق أكثر فأكثر.   

ارجو لكم الصحة والعمر المديد للقيام بالواجبات الدينية والاجتماعية الملقاة على عاتقكم، على حسب اجتهادي وقناعتي.

مع خالص التقدير

د. كاظم حبيب


50

كاظم حبيب

نقاش متعدد الجوانب مع أفكار كريم مروة حول اليسار

منذ أن تعرفت على كريم مروة، ومعه الرفيق غسان رفاعي، في منتصف الستينيات من القرن العشرين ببيروت، وأنا في طريقي إلى بغداد بصورة سرية ، ومنذ أن بدأ حوارنا بشكوك مشروعة حينذاك حول مدى صواب ما طرحه الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي وتبنته الحركة الشيوعية العالمية عن إمكانية ولوج طريق التطور اللارأسمالي وتجاوز مرحلة الرأسمالية صوب الاشتراكية، أو ما سمي بطريق التوجه الاشتراكي، ونظريات الانتقال إلى الاشتراكية في البلدان النامية، ومنها البلدان العربية، وحين تمادى البعض، (والتر أولبريشت)، وأطلق على مصر بأنها تسير في الاتجاه الاشتراكي، منذ ذلك التاريخ بدأت متابعتي لنشاط الحزب الشيوعي اللبناني ولكتابات ومواقف كريم مروة. كنا جميعاً من مدرسة واحدة هي المدرسة الماركسية–اللينينية. وكنا نشترك بذات الأحلام، والكثير منها كان أوهاماً يجمعها نوايا حسنة. كان ينقصنا إدراك مخاطر تلك الأخطاء. ومع ذلك فقد كانت تلك الفترة مليئة بالحركة الدائبة وبالتضحيات الجسام والبطولات النادرة التي اجترحها الشيوعيون والتقدميون والديمقراطيون في البلدان العربية، رغم الحصيلة الضعيفة لذلك النضال التي اقترنت بانتكاسات سياسية واجتماعية كبيرة على صعيد الحركة الشيوعية العالمية والمنظومة الاشتراكية، طاولت عموم منطقة الشرق الأوسط، ومنها البلدان العربية.
ومنذ ما يقرب من عقدين، وقبل وقوع الزلزال الكبير الذي هزَّ العالم المتمثل بسقوط الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية. وهو زلزال شببيه، في شروط تاريخية مختلفة، بالزلزال الذي هز العالم لدى قيام الدولة السوفييتية في أعقاب انتصار ثورة أكتوبر في عام 1917، منذ ذلك التاريخ الجديد المشار إليه بدأ التفكير لدى مجموعة من مناضلي الحركة الشيوعية والحركة اليسارية في البلدان العربية بضرورة التمعن في ماضي الحركة الشيوعية وأحزابها السياسية وماضي حركة اليسار وحاضرها وآفاق المستقبل، ومتابعة جادة للتحولات الكبيرة الجارية في العالم والتغيرات الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط واستيعاب الواقع المتحرك والمتغير سلباً أو إيجاباً في البلدان العربية.
لا شك في أن حركة البريسترويكا في الاتحاد السوفييتي منذ العام 1984/1985 قد حركت المياه الراكدة في أوساط وأحزاب الحركة الشيوعية العالمية، ودلت على عمق الأزمة التي يعاني منها الفكر الماركسي-اللينيني وتعاني منها حركة اليسار على الصعيد العالمي. وهي الأزمة التي دفعت برفاق في الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية إلى التفكير بعقلية نقدية لماضي وحاضر الحركة الشيوعية والعمالية ولسياسات أحزابها ولممارساتهم الفعلية، ومنها الحزب الشيوعي اللبناني- وإلى التطلع في مشروع جديد نحو المستقبل. في هذه الفترة بالذات كنا في الحزب الشيوعي العراقي نتابع أوضاع الحزب الشيوعي اللبناني والصراعات الفكرية والسياسية التي كانت تجري داخله، والمواقف المتباينة إزاء الكثير من الأحداث، وبروز تيار تجديدي فيه يحمل رؤية جديدة ويطرح أفكاراً جديدة للمشكلات التي تعاني منها البلدان العربية. ولم تكن كل تلك الرؤى والأفكار موضع ارتياح أو تقبل من جانب العديد من الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية، ومنها الحزب الشيوعي العراقي. ولم يكن ذلك الجديد في الفكر وفي السياسة كله على صواب، إذ لم يكن قد بني على أسس وقواعد متينة وواضحة حينذاك.
كان كريم مروة واحداً من أبرز وأنشط من اجتهد لتكوين رؤية جديدة نقدية للكثير من مواقع الفكر القديم الذي كان راسخاً في أذهان غالبية الرفاق في الحركة الشيوعية في لبنان وفي سائر البلدان العربية. وكان يستند في عرض أفكاره تلك إلى معرفة جيدة بالنظرية، وإلى استيعاب لمكونات المنهج المادي الجدلي وسبل استخدامه، وإلى قراءة مدققة للواقع المتحرك وتجربة غنية ومتراكمة عبر عقود من العمل الفكري والسياسي ومن العلاقات الواسعة مع قوى حركة اليسار على الصعيدين العربي والعالمي.
ومنذ ما يقرب من 15 سنة، وأنا أتابع كتابات الأستاذ كريم مروة ومواقفه الجديدة من الحزب الشيوعي اللبناني وفي الحركة الشيوعية في البلدان العربية ومن محاولاته في بث روح التجديد في الحركة اليسارية في بلداننا، كما كنت أتابع الرفض والمقاومة الشديدة التي كان يواجهها من قوى متنفذة في الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية من جهة، والرضا والقبول من جانب قوى يسارية تتطلع للجديد وللتجديد من جهة أخرى.
علينا باستمرار أن نتذكر بأننا كنا، كشيوعيين، نعمل في حركة شديدة التماسك والانغلاق الإيديولوجي على الذات والانضباط الحديدي الذي لم يفسح في المجال للفكر من الانطلاق بحرية ومبادرة حيوية. كانت المدرسة قد التزمت بالنظرية الماركسية–اللينينية التي تحولت بمرور الزمن إلى أشبه ما يكون بـ"دين"، وإلى قيد شديد على فكر وحركة وحرية الإنسان الشيوعي وقدرته على ممارسة الاستقلال الفكري. كما كانت التربية وحيدة الجانب ومتعالية على المدارس الفكرية الأخرى. بعكس ما كان يفترض أن تكون عليه. ولهذا كنا، نحن أعضاء هذه المدرسة الفكرية، شديدي القناعة بنظريتنا دون أن يكون لدينا أدنى شك وقلق حول تحليلاتنا واستنتاجاتنا، بعكس ما كان يتطلبه الموقف العلمي الرصين من الغوص في أعماق الأحداث وتحليلها بعناية واستخلاص الاستنتاجات الواقعية والموضوعية. كنا نستهلك ما ينتجه السوفييت من مقولات واجتهادات، دون أن نمتلك الحق عملياً في المبادرة الفكرية وطرح ما نفكر به. ومن هنا نشأ الجمود في حركتنا وفي وعينا للواقع. وبدأت مظاهر الأزمة الفكرية والسياسية في الحركة الشيوعية وفي حركة اليسار على الصعيد العالمي منذ زمن بعيد. ثم تراكمت وتشابكت وتفجرت تلك الأزمة في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وأحدثت ذلك الزلزال، الذي لا تزال مفاعيله تبرز بصيغ مختلفة، وستبقى مؤثرة لفترة طويلة.
لا شك في أن الحركة الشيوعية بالبلدان العربية قد لعبت دوراً متميزاً وملموساً في النضال ضد الإمبريالية وضد السيطرة الأجنبية ومن أجل تعزيز الاستقلال والسيادة الوطنية وتنشيط عملية التنوير الديني والاجتماعي والدفاع عن مصالح الكادحين والمحرومين. وقدمت في نضالها الكثير من التضحيات الجسام قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها. لكنها كانت في الوقت نفسه قد ارتكبت الكثير من الأخطاء التي خلفت عواقب غير قليلة على الصعيدين الفكري والسياسي وعلى صعيد الممارسة العملية. ويبدو لي إن واحدة من أبرز تلك الأخطاء الفكرية والسياسية للمدرسة الماركسية–اللينينية، التي كنا جزءاً منها، هي القناعة الإيمانية غير المبررة بأننا كنا دوماً على حق، وأن الحقيقة كانت إلى جانبنا، وأن الصواب كان يقترن بتحليلاتنا وتقديراتنا للواقع وللمهمات التي كانت تواجه شعوبنا. واستندنا في تلك القناعة إلى إننا كنا نستخدم المنهج المادي الجدلي بشكل صحيح، ولم يكن الأمر هكذا دائماً. بل كنا في صيغة تلك القناعة على خطأ كبير. لقد كانت رغباتنا وطموحاتنا تسبق تحليلاتنا وتؤطرها. وكانت هي الموجهة الفعلية لتلك التحليلات وليس الواقع القائم باعتباره أساس وقاعدة التحليل الفعلية. أورد مثالاً واحداً على ذلك. لقد توصلت الحركة الشيوعية في وقت مبكر إلى القناعة بأن الرأسمالية كانت تقترب من نهايتها، إنها كانت في المرحلة الثالثة من أزمتها العامة، وأنها كانت قاب قوسين أو أدنى من مرحلة لفظ أنفاسها ممهدة بذلك لمرحلة جديدة في حياة البشرية، مرحلة الاشتراكية الخالية من الاستغلال والحرمان والعبودية لرأس المال. وقد بلغ الأمر بسكرتير عام الحزب الشيوعي السوفييتي، نيكيتا خروتشوف، أن طرح مقولة وهمية خادعة مفادها "أن أفق بناء الشيوعية في الاتحاد السوفييتي لم يعد بعيداً، بل هو أصبح قريباً جداً!، في وقت كانت الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد بدأت منذ سنوات العقد السابع من القرن العشرين تشدد من خناقها على رقاب شعوب الاتحاد السوفييتي وتلقي بظلالها على الحياة اليومية للإنسان السوفييتي. لقد تم إنكار واقع وجود تناقضات وصراعات اجتماعية وسياسية في المجتمع السوفييتي، باعتبار أن الاشتراكية لا تعرف التناقضات، وبالتالي لم يتحركوا باتجاه حلها، مما زاد من فعلها وعمق من تلك التناقضات وشدد من الصراعات وكاد يحولها إلى نزاعات. وسرنا مع الاتحاد السوفييتي في ذلك التصور الحالم. وكنا واهمين وارتكبنا بذلك، كحركة وكأحزاب وكأفراد، سلسلة من الأخطاء الفادحة كان يفترض فيها، ومنذ فترة غير قصيرة، أن تدفعنا إلى إعادة النظر بحركة اليسار عموماً، وبالأحزاب الشيوعية منها بشكل خاص، من أجل استخلاص الدروس والعبر من الماضي واستيعاب حركة الحاضر واستشراف المستقبل. ولا بد لنا أن نعترف هنا مرة أخرى بأننا كنا مستهلكين للتنظير السوفييتي الذي كان في الغالب الأعم إرادي النزعة وسطحي التحليل في التعامل مع المادية التاريخية. لم نشغّل عقولنا وأصبنا بكسل التفكير، ولم نكن مبادرين وفعالين في التحليل المطلوب لأوضاعنا المحلية وللأوضاع على الصعيدين الإقليمي والدولي، مما أوقعنا في أخطاء ومطبَّات كثيرة وكبيرة.
والآن وللأسف الشديد نلاحظ حراكاً ضعيفاً في صفوف الشيوعيين باتجاه إعادة النظر الجادة بالماضي وبسياسات الأحزاب الشيوعية، مما ساهم بتقسيم حركة اليسار إلى جزء قديم وآخر يطمح للتجديد. وإذ يتمثل القديم بتلك الأحزاب التي تعيش بين مدينتي "نعم ولا" وفق تعبير جميل للشاعر الروسي يفجيني افتوشنكو، أي بين الخشية من التغيير والتعثر فيما جرى تحديده، وهو قليل، وبين عدم القدرة على متابعة التغيرات الكبيرة الجارية في عالمنا الراهن، والعجز بالتالي عن فهم ضرورات إجراء التغيير والتجديد الفكري والسياسي والتنظيمي والتجديد في العلاقة مع فئات وقوى المجتمع داخل حركة اليسار في البلدان العربية. أما الجديد في اليسار فلا يزال في بداياته. فهناك تيار التجديد الذي يتمثل بإفراد وجماعات صغيرة أخذت على عاتقها طرح رؤيتها الجديدة حول الأفكار والإحداث والسياسات السابقة، قدمت تحليلاتها للواقع الجاري ومهمات المرحلة الراهنة والسعي لاستشراف المستقبل. ولا شك في أن كل ما هو جديد لا يصطدم بالقديم فحسب، بل ويُحارب بقوة من جانب حاملي المشروع القديم. إذ يتهم أصحاب المشروع الجديد باليمينية وبالمساومة مع الإمبريالية والبرجوازية وما إلى ذلك. ومثل هذا التوجه يلحق الضرر البالغ بعملية التجديد المنشودة في حركة اليسار ويعطلها، ولكن الجديد سيفرض في المحصلة النهائية نفسه عاجلاً أم آجلاً.
نحن اليوم أمام محاولات واجتهادات جادة لتجديد فكر ومشروع اليسار في البلدان العربية. ونجد لذلك نواتات في الكثير من البلدان العربية، ومنها لبنان والعراق على سبيل المثال لا الحصر.
يحتل كريم مروة (ولادة 1930م) مكانة مرموقة ومتميزة بين دعاة التجديد في فكر ومشروع اليسار الديمقراطي بلبنان والبلدان العربية. ويتجلى ذلك في النشاط الدؤوب، وهو ابن 88 عاماً، في مجموعة الكتب والمقالات واللقاءات الغنية التي نشرت والتي يتحرى فيها الكاتب بجهد مثابر ومسؤولية عالية عن سبل تجديد حركة ومشروع اليسار. ومن بين أبرز ما كتبه إلى الآن يتصدر كتابه الأخير "نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي". وهو كتاب يستحق القراءة والمناقشة بجدارة. (دار الساقي، بيروت، 2010).
إن الانطلاق بحركة اليسار نحو آفاق جديدة وتجديد فعلي لفكرها ومشروعها السياسي يتطلب الالتزام بالقواعد التالية:
1-   ضرورة الاستخدام السليم والعلمي للمنهج المادي الجدلي في البحث والتحليل والتدقيق في الظروف الملموسة لواقع هذا البلد أو ذاك؛
2-   الانطلاق من واقع الحياة اليومية للناس ومن المتغيرات الجارية على الاقتصاد والمجتمع، وعلى فكر ووعي الفرد والمجتمع أولاً، وكذلك التغيرات الحاصلة على الصعيدين الإقليمي والدولي ثانياً، من أجل تحديد المهمات والأهداف المرحلية والابتعاد عن محاولة القفز فوق المراحل أو حرقها؛
3-   تأمين الربط العضوي بين عملية التغيير في البنية الاقتصادية والاجتماعية في هذا البلد أو ذاك، وبين تطور وعي الفرد والمجتمع وسعيهما المشترك لصالح حرية الإنسان وحقوقه المشروعة وسعادته والعدالة الاجتماعية، واستخلاص مدى الاستعداد الفعلي للمشاركة في عملية التغيير.
4-   تشخيص دقيق وسليم للقوى الاجتماعية التي يهمها إنجاز مهمات المرحلة التي يفترض أن تتبلور في مجالين أساسيين: أ- مجال تحديد المهمات في إطار برنامج تستوجبه طبيعة المرحلة؛ ب- أن تكون المهمات المطلوب تحقيقها متطابقة مع القوى الاجتماعية والسياسية المعنية بالنضال لتحقيق المشروع الوطني والديمقراطي.
في هذا الاتجاه يحدد كريم مروة بعض المرتكزات العامة التي يفترض أن تسود في العلاقات السياسية، بعد أن غابت عنها طويلاً، مثل الأخلاق والصدق والشفافية واحترام الرأي والرأي الآخر ورفض العنف وسياسة القوة، والتحول صوب التنافس الديمقراطي في تحقيق المهمات، والتداول الديمقراطي السلمي والبرلماني للسلطة، وفصل الدين عن الدولة، وحرية وحقوق الإنسان وحرية المرأة...الخ، ثم يخلص إلى تأكيد مرتكزين أساسيين. في المرتكز الأول يؤكد مروة أن المفاهيم العامة في الفكر السياسي والاجتماعي، وفي الفكر عموماً، هي مفاهيم متغيرة، أي غير ثابتة عنده (ص 74). في حين يتلخص المرتكز الثاني في كون ".. بلداننا هي جزء من عالم يتغير وتجري فيه تحولات كبيرة، وأن علينا أن نكون جزءاً من هذه التحولات، في الاتجاه الصحيح فيها، ضد الاتجاهات النقيضة لمصالح بلداننا ولمصالح البشرية عموماً." (ص 74/75). وهما مرتكزان يفترض ألا يغيبا عن ذهن من يعكف على دراسة الأوضاع السائدة في بلداننا وفي العالم المعاصر.
إن الاستناد إلى المنهج المادي الجدلي في دراسة أحداث السنوات المنصرمة تجعلنا وجهاً لوجه أمام جملة من المسائل المهمة التي يمكن تلخيص أبرزها فيما يلي:
1.   القفزة الهائلة في مستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية على الصعيد العالمي. وهي نتاج الثورة العلمية-التقنية، ثورة الإنفوميديا، التي ساهمت في نقل الرأسمالية إلى مرحلة جديدة في تطورها، هي مرحلة العولمة في جميع مجالات الحياة باعتبارها عملية موضوعية لا مرَّد لها، حولت العالم إلى قرية كونية متلاصقة في دورها ودروبها. وقد أسهمت هذه الثورة في توفير إمكانية أفضل للرأسمالية على الصعيد العالمي في معالجة مشكلاتها وأزماتها الاقتصادية بمستويات جديدة ترمي بثقل عواقبها على الفئات الأكثر ضعفاً عند شعوب الدول الرأسمالية المتقدمة، وعند شعوب البلدان النامية على نحو خاص. وهو ما تشير إليه وتؤكده الأزمة المالية والاقتصادية الجديدة الجارية، التي تفجرت في نهاية العام 2008، وتفاقمت في بداية 2010 ولم تصل إلى نهايتها حتى الآن. لكنها توفر، في الوقت نفسه، إمكانية جديدة لدفع عملية التطور في البلدان النامية، إن أحسن تجاوز السلبيات التي تنشأ عن السياسات العولمية التي تمارسها الدول الرأسمالية المتقدمة إزاء البلدان النامية، وهي سياسات موغلة بوحشية الاستغلال.
2.   إن الانهيار الكبير للاتحاد السوفييتي وبقية بلدان مجلس التعاضد الاقتصادي قد نشأ بفعل عوامل داخلية وتراكمات كثيرة ارتبطت بالواقع الذي انطلقت منه تلك البلدان، ومن التراكم الذي كان يتم على ذلك الأساس الهش من البناء، إذ لم تتوفر لروسيا القيصرية في حينها القاعدة المادية ولا الوعي الفردي والاجتماعي الكافيين والضروريين للتوجه صوب بناء الاشتراكية. وهو ما حصل بالفعل في البلدان الأخرى التي لحقت بالاتحاد السوفييتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتبنت نموذجه للاشتراكية. وعليه فأن العوامل الخارجية لم تلعب سوى الدور المساعد والمهم في تعجيل الانهيار.
3.   الانتكاسات المتلاحقة لحركة التحرر الوطني العربية التي اقترنت بعدد كبير من العوامل، بما في ذلك مشروع الأحزاب الشيوعية وحركة اليسار عموماً، إضافة إلى الحركات القومية والدينية المتشددة، التي يعود بعض أسبابها لطبيعة المهمات التي رفعتها تلك الحركات التي لم تكن متناغمة مع طبيعة المرحلة ومع مهماتها ولا مع أساليب وأدوات النضال.
4.   تبلور قراءة جديدة أكثر واقعية وفهماً وأكثر تدقيقاً في مسألتين مهمتين، هما: سبل التعامل مع الفكر الماركسي ومنهجه المادي الجدلي من جهة، والاستناد إلى الواقع الذي تعيش فيه شعوب البلدان النامية، ومنها البلدان العربية، عند استخدام هذا المنهج المادي الجدلي لإعادة النظر في الماضي وفهم الحاضر واستشراف المستقبل من جهة أخرى.
نحن إذن أمام قوى لا تزال تحمل القديم وتتشبث به وترفض التنازل عنه ولا تريد أن ترى الجديد أو هي عاجزة عن رؤيته لأي سبب كان، وأخرى قرأت الجديد واستوعبت ضرورة وعي القوانين الموضوعية المحركة لعمليات التحول الاقتصادي والاجتماعي في هذا البلد أو ذاك، التي على ضوئها يمكن رسم المهمات التي يفترض النضال من أجلها في المرحلة الجارية.
في هذا الإطار يضعنا كريم مروة أمام مجموعة من القضايا الجوهرية التي ربما ليس عليها خلاف كبير في الظاهر، ولكن الاختلاف حولها يبدأ في الممارسة العملية.
إن الدراسة التي يقدمها لنا كريم مروة غنية ومتعددة الجوانب سأحاول أن التقط منها بعض النقاط المهمة لإبداء الرأي بشأنها:
1) طبيعة المرحلة والموقف من بناء الدولة الديمقراطية الحديثة. ذلك السؤال الذي يواجهنا في المرحلة الراهنة هو تحديد المهمة المركزية في النضال الذي تخوضه شعوب الشرق الأوسط بشكل عام وشعوب البلدان العربية على نحو خاص؟ هنا أجد نفسي متفقاً مع الكاتب حين يؤكد أن المهمة التي تواجه شعوبنا ليست تحقيق الاشتراكية، بل هي مهمات وطنية وديمقراطية، تقع في إطار مرحلة انتقالية تتطلب إقامة العلاقات الإنتاجية الرأسمالية في اقتصاديات ومجتمعات البلدان العربية، رغم الاختلاف في مستويات تطورها. إننا إذن أمام مهمات التخلص من بقايا العلاقات ما قبل الرأسمالية وبناء الرأسمالية التي يفترض أن تكون غير منفلتة لكي تشكل القاعدة المادية لتطور جديد مناسب للقوى المنتجة المادية والبشرية، إضافة إلى ربط ذلك بمستوى تطور وعي الإنسان الفردي والجمعي المجتمعي. فشعوب البلدان العربية لا تزال تعيش في ظل علاقات إنتاجية واجتماعية متنوعة تتراوح بين البداوة والفلاحة، علاقات أبوية وعلاقات إنتاج شبه إقطاعية متخلفة وعلاقات عشائرية، وبين مجتمعات نمت لتوها علاقات إنتاج رأسمالية حديثة التكوين وفي مجالا ت التجارة والعقار، وأخرى نمت فيها علاقات الإنتاج الرأسمالية نسبياً، كما في كل من مصر وسوريا والمغرب والعراق، وأخرى قائمة على الاقتصاد الريعي النفطي السعودية والعراق وليبيا ودول الخليج. وفي جميع هذه البلدان يلاحظ وجود نظم سياسية غير ديمقراطية واستبدادية وغياب الحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. كما تلعب المؤسسات الدينية دورها البارز في التأثير على فكر الإنسان وعلى الكثير من سلوكياته وتصرفاته إزاء نفسه وإزاء الآخر.
2) نستخلص مما تقدم استنتاجاً جوهرياً يؤكد بان مهمة شعوب هذه البلدان، مهمة أحزابها اليسارية على وجه الخصوص، لا تكمن في رفع شعارات اشتراكية تتجاوز حدود المرحلة الديمقراطية، بل يفترض لهذه الشعارات أن تتطابق مع طبيعة المرحلة ومهماتها الأساسية، التي بلورها كريم مروة في المشروع الذي طرحه كبرنامج مرحلي لليسار العربي، رغم التباين الذي يمكن أن يحصل حين يجري الحديث عن كل بلد بشكل ملموس.
إن هذا الإقرار يقود إلى الرؤية التالية:
1-   إن المرحلة الراهنة ليست مرحلة انتقالية من الرأسمالية إلى الاشتراكية أو تجاوز المرحلة الرأسمالية، بل هي بالتحديد مرحلة انتقال من علاقات ما قبل الرأسمالية، وهي علاقات متشابكة، علاقات رأسمالية حديثة التكوين وضعيفة، الانتقال إلى علاقات إنتاجية رأسمالية متقدمة. 2- هذه الرؤية الواقعية لا تعني بأي حال إيقاف النضال من أجل مواجهة ومناهضة محاولات تشديد استغلال العمال والفلاحين والكسبة والحرفيين والمثقفين في هذه البلدان، بل يفترض أن يتواصل النضال من أجل الحد من هذا الاستغلال بقوانين اقتصادية واجتماعية ملزمة. إن النضال من أجل الاشتراكية يمر عبر الصراع بين الطبقة العاملة والحلفاء الأساسيين، وبين المستغلين في ظل علاقات الإنتاج الرأسمالي وتأمين الأرضية والقاعدة المادية للتحولات المنشودة صوب مجتمع العدالة اجتماعية.
2-   إن هذا الواقع يطرح علينا سؤالاً مشروعاً: إذا كانت المهمة الراهنة ليست اشتراكية ولا شيوعية، وإذا كانت ذات طابع وطني وديمقراطي، تقود إلى إرساء قواعد ومبادئ الحرية الفردية وحرية المجتمع وسيادة الديمقراطية ودولة القانون والحق والمؤسسات الدستورية.. الخ، فأن هذا يفترض أن يتجلى في ثلاث مسائل جوهرية بعيداً عن الهروب إلى أمام: أ- إن على البرامج الجديدة التي يفترض أن تطرحها قوى اليسار للنضال مع قوى الشعب من أجل تحقيقها مرحلياً التي يفترض أن تتناغم مع فهم الواقع واستيعاب مهمات وأساليب وأدوات تغييره. ب- إن اسم هذا الحزب اليساري أو ذاك ينبغي أن ينسجم مع طبيعة المهمات المرحلية. جـ- إن تحديد الأدوات والأساليب السلمية والديمقراطية التي تختارها قوى اليسار للنضال من أجل تحقيق تلك الأهداف، ينبغي أن تكون بعيدة عن العنف والقوة والسلاح وعن الانقلابات. وحين تحاول القوى المستقلة والحاكمة مواجهة الجماهير ونضالها بالنار والحديد، عندها تتبلور وتنضج ظروف ومستلزمات الخلاص من تلك النظم موضوعياً وعبر التحولات الثورية التي يفرضها الواقع السياسي والاجتماعي بالبلاد.
إن هذا التوجه يُحصّن قوى اليسار من الهروب إلى أمام، كما حصل في بداية ثورة أكتوبر 1917. ففي الوقت الذي استنتج فيه لينين في كتاب "الدولة والثورة" في العام 1916 بأن روسيا غير جاهزة للبناء الاشتراكي بأي حال، فإنه سرعان ما قرر بعد الثورة مباشرة السير بالبلاد تحو بناء الاشتراكية! ثم عاد عن ذلك في العام 1921 في "برنامج السياسة الاقتصادية الجديدة (النيب) انطلاقاً من قناعته بعدم واقعية ذلك البرنامج. وكان ستالين منذ العام 1922 تقريباً قد هيمن على قيادة وسياسة الحزب والدولة ودفع بهما صوب تنفيذ النهج المتطرف الأول في بناء الدولة السوفييتية الجديدة بعد أن فرض العزلة الفعلية على لينين المريض حتى مماته. وقد انتهت هذه الدولة في العام 1989/1990 إلى النهاية المأساوية المعروفة لنا جميعاً. وعلينا أن نتذكر البرامج الطموحة التي طرحتها الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية خلال العقود المنصرمة التي عجزت عن تحقيق الكثير والأساسي منها، وساهمت عملياً، في خلق أجواء الإحباط السائدة في الوقت الراهن، بسبب انهيار التجربة الاشتراكية. وكانت الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية تنطلق في وضع برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية من المقولة التي سادت حينذاك بأن العالم يعيش مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وكان الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية هو المؤثر المباشر على تفكيرنا وتحليلنا، في حين أن الرأسمالية كانت ولا تزال تمتلك مقومات البقاء متجاوزة أزماتها الدولية. إذ هي كانت ولا تزال ضرورة موضوعية لاقتصاديات مجتمعاتنا. ولهذا يمكن القول بوضوح إن برامجنا في العديد من القضايا الجوهرية والأساسية لم تكن متطابقة مع واقع بلداننا حينذاك ومع الواقع القائم في العالم. لا شك في أن العالم سوف يتجه في المحصلة النهائية صوب الاشتراكية، وإن الرأسمالية توغل في استغلال شعوب العالم، وبالتالي فهي في مرحلة نضالية معقدة وطويلة الأمد يمكن أن يقال عنها مرحلة انتقال، ولكنها ليست قصيرة، لأسباب ترتبط بامتلاك الرأسمالية إمكانيات ما تزال تسمح لها بالبقاء فترة لا يمكن تحديدها حالياً، إلا إنها إذا ما لفظت أنفاسها، فالاشتراكية هي البديل الواقعي والموضوعي لها. 
ومن هنا جاء مشروع البرنامج الذي طرحه كريم مروة في كتابه " نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي" مطابقاً بخطوطه العامة والأساسية، كما أرى، لمهمات المرحلة والواقع الراهن في البلدان العربية، مع ضرورة جعل فقراته أكثر ملموسية بالارتباط مع واقع كل بلد. لقد هربنا إلى أمام في برامجنا السابقة ولا بد من العودة إلى أرض الواقع بعيداً عن الأوهام، ولا بد أن تكون لقوى اليسار أن تبني أحلامها التي تعطي لنضال الإنسان حيويته والمجتمع وتشبع طموحاته المشروعة، أحلام العيش في أجواء الحرية والديمقراطية والمواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية والسلام. لا يمكن أن يعيش الإنسان بدون أحلام، ولكن لا بد للأحلام أن تكون واقعية وتتطابق مع الواقع الموضوعي والقدرات النضالية لكل شعب من الشعوب ونضوج الظروف الموضوعية للتحولات المنشودة.
ماذا يقدم لنا كريم مروة في مشروع برنامجه الجديد؟
ابتداءً يمارس كريم مروة، وقبل تقديمه مشروعه، نقداً موضوعياً وواعياً لتجربة الحركة الشيوعية في العالم العربي خلال العقود المنصرمة، التي جاءت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبشكل أكثر ملموسية منذ العقد السابع من القرن الماضي. إذ بدون مثل هذه الرؤية النقدية للتجربة المنصرمة بما لها وما عليها، لا يمكن التقدم خطوات ثابتة وقوية نحو الأمام لتحقيق نهضة جديدة في حركة اليسار. فمن يعجز عن القيام بدراسة نقدية لماضي الحركة وحاضرها بجرأة ومسؤولية واستخلاص دروسها، يصعب عليه تحقيق التجديد ووعي مهمات الحاضر والدفع السليم باتجاه مستقبل أفضل. ومن الجدير بالإشارة إلى أن كريم مروة لا ينسى بأنه كان من المشاركين الفعالين في وضع تلك البرامج القديمة ومن مواقع القيادة أيضاً، وبالتالي فهو ينتقد نفسه من موقع المسؤولية في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني حينذاك. ويؤشر ذلك إلى مصداقية النقد الذي يمارسه.
بعد ذلك يقدم لنا كريم مروة مشروع برنامج نضالي ديمقراطي متوازن يتضمن عشرين بنداً يعالج فيها قضايا النضال في ظروف المرحلة الراهنة التي تستهدف بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة التي يتمتع فيها الفرد بحقوق الإنسان والمواطنة الحرة والمتساوية، سواء أكان رجلاً أم امرأة، دولة حق وقانون ديمقراطي، دولة مؤسسات ديمقراطية، دولة ينمو في إطارها المجتمع المدني الديمقراطي الحديث، وليس المجتمع الأهلي القديم. دولة مدنية تفصل بشكل واضح بين الدين والدولة وتحترم جميع الأديان والمذاهب. ويطرح مروة في هذا الجزء من الكتاب بقية بنود البرنامج الذي يقترحه بجوانبه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، من دون أن يغفل الموارد الطبيعية وسبل استثمارها. كما يعطي مكاناً خاصاً للضمانات الاجتماعية، ويدعو إلى احترام حقوق الأقليات القومية في البلدان العربية، ويشدد على ضرورة النضال لتحرير بلداننا من أنظمة الاستبداد ومن المظالم التي تفرضها على شعوب البلدان التي تسود فيها هذه الأنظمة.
ولم ينس مروة القضية الفلسطينية، إذ أفرد لها فقرة خاصة باعتبارها واحدة من ابرز القضايا التي تشكل مصدر القلق والتوتر والحروب في منطقة الشرق الأوسط. ومن حقه أن يحمل أربعة أطراف مسؤولية الوضع في فلسطين، وهي إسرائيل وسياسات الاحتلال والقمع والغطرسة التي تمارسها بإصرار وعناد، وعجز الدول الكبرى والمجتمع الدولي عن المساهمة في حل هذه المعضلة، وكذلك الحالة المزرية السائدة في معسكر القوى الفلسطينية والبلدان العربية. كما يفترض أن يضاف إلى ذلك عامل التدخل الفظ في شؤون الشعب الفلسطيني من جانب دول المنطقة وبشكل خاص إيران وسوريا والسعودية التي ساهمت في نشوء الواقع الراهن عموماً والمشكلة الناشئة عن سياسات حماس في غزة ورفضها حل الخلاف مع الحكومة الشرعية في الضفة الغربية.
ويتطرق مروة إلى موضوع التكامل الاقتصادي بين البلدان العربية والتنسيق السياسي لصالح الدفاع عن القضايا العربية الملحة والعادلة، ثم يطرح بصورة دقيقة أهمية العلاقة بين الدول العربية والعالم، إنطلاقاً من أن بلداننا هي جزٌء من هذا العالم ولنا فيه مصالح ولنا قضايا يستوجب حلها وجود مثل تلك العلاقات مع جميع دول العالم لمساعدتنا في حل الإشكاليات الإقليمية التي لم تحل إلى الآن، ومنها القضية الفلسطينية ومشكلة الإرهاب.. .الخ. وأخيراً يضع كريم مروة أمامنا بوضوح الموقف الذي يفترض أن تتخذه قوى وحركة التغيير الديمقراطي في العالم العربي من قوى وحركة التغيير على الصعيد العالمي، داعياً إلى تحقيق التعاون والتنسيق في النضال من اجل الوصول إلى قواسم مشتركة فيما بينها لتعمل من اجل تحقيق تغيير فعلي في سياسات الدول الكبرى في الكثير من القضايا الملحة السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والعسكرية، ورفض التهديد باستخدام القوة أو الحروب الاستباقية من جانب الدول الكبرى وحل المعضلات بالطرق السلمية الديمقراطية، ورفض الإرهاب الدولي المتصاعد الصادر عن قوى الإسلام السياسية المتطرفة وإدانته ومعالجة العوامل التي تتسبب في بروز ظاهرتي التطرف والإرهاب على الصعد الإقليمية والدولية.
في الختام أود أن أشير إلى ثلاث نقاط مهمة:
1-   حول العولمة: علينا أن نميز بوضوح، بخلاف ما يطرح من جانب بعض قوى اليسار، بين العولمة كعملية موضوعية باعتبارها مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية لا مرد لها، وهي مرتبطة عضوياً بالتطور الهائل الحاصل في القوى المنتجة المادية والبشرية على الصعيد العالمي، وهي ذات طبيعة رأسمالية استغلالية وتسري عليها قوانين المرحلة الرأسمالية في تطور المجتمع البشري، وبين السياسات العولمية التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الرأسمالية المتقدمة التي تعبر عن محاولة جادة للهيمنة على الاقتصاد العالمي والتحكم بتطور البلدان النامية واستغلال شعوبها. وإذ تشكل بلداننا جزءاً من العالم المعولم موضوعياً حيث يفترض في هذه البلدان الاستفادة القصوى من الجوانب الإيجابية في هذه العولمة لصالح تطورها المستقل، فأن على شعوب هذه البلدان العمل الجاد للتخلص من الجوانب السلبية الناشئة عن سياسات الدول الرأسمالية المتقدمة التي تسعى باستمرار إلى التضييق على وجهة تطور هذه البلدان ورمي ثقل أزماتها على عاتق الفئات الكادحة من شعوبها وشعوب البلدان النامية.
2-   حول الأحزاب الشيوعية، لقد تشكلت الأممية الثالثة في العام 1919 جاء في أعقاب ثورة أكتوبر 1917 ونشوء الاتحاد السوفييتي ومحاصرته من جانب الدول الرأسمالية المتقدمة حينذاك والحرب التي شنت ضده من قبل 22 دولة رأسمالية وحاجته إلى دعم دولي من جانب حركة شيوعية جديدة في مواجهة أحزاب الحركة الاشتراكية للأممية الثانية. وإذ انتقلت بعض الأحزاب الاشتراكية أو أجنحة فيها إلى الأممية الثالثة، فقد تأسست في سنوات لاحقة مجموعة من الأحزاب الشيوعية في العالم العربي بقرار من الأممية الشيوعية. وعبر تشكيل الكومنترن الذي لعب دوراً كبيراً في هذا المجال وربط الحركة الشيوعية بمركز توجيهي واحد هو الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، أصبحت الحركة الشيوعية عموماً مستهلكة للفكر السوفييتي بدلاً من أن تقوم تلك الحركة بأحزابها المختلفة بإنتاج أفكارها انطلاقاً من واقعها الخاص. لقد تمت روسنة الفكر الماركسي في فترة مبكرة من تأسيس الحركة وجرى تعميمها وترويجها، وبشكل خاص في فترة هيمنة ستالين على مركز الحركة الشيوعية العالميةً تحت مصطلح الماركسية-اللينينية. إن تأسيس الأحزاب الشيوعية في العالم العربي جاء استجابة لحاجة تضامن دولية بين ملتزمي الماركسية-اللينينية من جهة، والذي وجد استجابة محلية حينذاك بسبب السيطرة الاستعمارية والتخلف الشديد والبؤس الواسع النطاق في البلدان العربية والدور السلبي للمؤسسة الدينية في التنوير الديني والاجتماعي من جهة ثانية. إن إدراك هذه المسألة والسعي للتخلص من احتمال إقامة أي مركز قادم للحركة اليسارية هو السبيل لتطور الحركة وتقدمها فكراً وممارسة. إن هذه الوجهة تحقق استقلالية الحركة في كل بلد من البلدان، وهي ضرورية لوضع سياسة تتطابق مع، أو تقترب جداً من، الواقع وهي لا تتعارض مع الحاجة الفعلية إلى التضامن والتشاور والتعاون والتفاعل فيما بين الأحزاب والقوى اليسارية على الصعد المحلية والإقليمية والعالمية.
3-   القضية الثالثة التي تهمنا نحن الذين نعاني من تراجعات حادة وانكسارات شديدة في حركة التحرر الوطني وبناء الدول الوطنية الديمقراطية الحديثة التي يثيرها بوعي ومسؤولية عالية كريم مروة، هي العلاقة الجدلية بين النضال من أجل الحرية والحياة السعيدة في الماضي، منذ عهد سبارتاكوس مروراً بثورة الزنج في العراق وانتهاء بالواقع الراهن، وبين الفشل الذي أصيبت به تلك الحركات الذي تعود بعض أسبابه إلى عدم توافر الشروط الموضوعية للنجاح، إضافة إلى عدم امتلاك الوعي الضروري لدى تلك الحركات بالواقع الذي لم تدركه تلك الحركات جيداً ولم تستوعب حركة التاريخ وسبل التعامل الواعي مع القوانين الموضوعية. إن العالم يتحرك بمجمله نحو الأمام والارتدادات الحادة التي تصيب أجزاء من هذا العالم لا تؤثر كثيراً إلا بمقدار ما تساهم في تعديل المسيرة العامة. ومن هنا فأن انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية يجسد مجموعة من الحقائق التي تؤكد بأن البدايات اقترنت بارتكاب أخطاء، وإن الواقع لم يكن مدركاً بشكل جيد وأن ما كان قد جرى قد تناقض مع ما كان يفترض أن يكون، وبالتالي اصطدم الفكر الانتقائي بواقع الحال. كل ذلك يستوجب من قوى اليسار الجديد إعادة النظر في دراسة التجربة والعوامل التي تسببت في انهيارها وسبل الخلاص منها من خلال دراسة واقع العالم والمتغيرات فيه في ضوء المنهج العلمي المادي الجدلي.
أ‌)   إن انهيار النظام السياسي في الاتحاد السوفييتي وفي غيره من الدول الاشتراكية لا يعني ثلاث مسائل جوهرية: لا يعني بأي حال انتصار الرأسمالية على الاشتراكية أولاً؛ ولا يعني فشل الفكر الاشتراكي أو فكر العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية للإنسان الفرد والمجتمع ثانياً؛
كما لا يعني أن على قوى اليسار في العالم، ومنها قوى اليسار في البلدان العربية، أن تتوقف عن الحلم بعالم جديد خال من الاستغلال والبؤس والفاقة شريطة أن تعي مراحل تطور المجتمعات التي تعيش فيها وتنأى بنفسها عن الأوهام وتشخص المهمات والأهداف بصورة دقيقة وتستفيد من دروس التجارب السابقة منذ كومونة باريس في العام 1871 إلى الوقت الحاضر ثم تواصل النضال من أجل الأهداف الإنسانية النبيلة وفق تلك المراحل وليس بالقفز فوقها.
لقد كان الفضل الكبير لماركس وإنجلز أنهما وضعا أو استكملا وضع منهج علمي للبحث والتدقيق واستخلاص الاستنتاجات الضرورية للممارسة السياسية من قبل الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب السياسية، إنه المنهج المادي الجدلي. واستخدام هذا المنهج بوعي ومسؤولية في دراسة الواقع القائم في كل بلد من البلدان أو على الصعيدين الداخلي والخارجي أو الإقليمي والدولي، يساعدان على معرفة الماضي وفهم الواقع القائم والعوامل الفاعلة والمؤثرة فيه والمتغيرات الحاصلة عليه والسياسات التي يفترض انتهاجها على وفق المرحلة التي يمر بها هذا المجتمع أو ذاك. إنه الطريق الأسلم لوضع المقولات وتحديد المهمات والأهداف بعيداً عن الاتكاء على النظرية التي هي ليست بالأساس سوى تجريد وتجسيد الواقع القائم وصياغته في مقولات. من هنا جاء تشخيص إنجلز حين قال "الماركسية ليست عقيدة جامدة، بل نظرية مرشدة". فحين يتغير الواقع الذي نعيش فيه، تتغير المقولات النظرية أيضاً. لا بد إذن من صياغة مقولات جديدة في ضوء العلاقة بين الظواهر الجديدة الفاعلة. ومن هنا يمكن القول بأن الكثير من المقولات النظرية التي تحدث بها ماركس وإنجلز في حينها لم تعد سارية المفعول حالياً أو شاخت، ولكن دراستها تساعد في فهم طريقة التعامل مع الواقع وتحليله ليس أكثر. لكن القوانين التي تم اكتشافها بصدد الرأسمالية مثلاً فهي لا تزال فاعلة لأنها مرتبطة بالتشكيلات الاقتصادي والاجتماعية، رغم أن فعل هذه القوانين متباين من بلد إلى آخر وفق مستوى تطور البلدان وعوامل أخرى.
وإذا كان الجزء الأول من كتاب كريم مروة يتمتع بهذا الغنى الفكري والسياسي، فأن الجزء الثاني منه يتضمن نصوصاً منتقاة من ماركس وإنجلز ولينين وبليخانوف وروزا لوكسمبورغ وغرامشي. وهي نصوص مهمة يطرح أصحابها في زمانهم رؤية جديدة ومهمة يتبناها ويلتقي عندها الكثير من قوى اليسار في البلدان العربية. لكنها لا تزال غير مؤثرة في الساحة السياسية العربية والشرق أوسطية، وهي مهمة جداً من أجل تحريك المياه الراكدة في هذه المنطقة من العالم، رغم حركتها السريعة في أماكن أخرى من العالم. إن المشكلة التي يمكن تشخيصها بالنسبة لقوى اليسار في العالم العربي هي أن ساعة بعض هذه القوى، لا تزال متوقفة تقريباً، في حين أن الزمن يجري وبسرعة، ولا يقتصر الأمر على عدم تقدمنا خطوات إلى أمام، بل إلى واقع تراجعنا عن حركة الزمن وعن المسيرة والتقدم والحضارة العالمية.


51
في الذكرى الرابعة والثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي
تحية ودٍ واعتزاز، تحية النضال والمواصلة للحزب الشيوعي العراق
إلى رفاقي، رفاق الحزب الشيوعي العراقي، إلى صديقاتي وصديقاتي أعضاء ومؤيدي ومؤازري الحزب الشيوعي العراقي، أقدم أجمل التهاني، وأطيب التمنيات، وأحر التحيات، وأصدق مشاعر الود، بمناسبة حلول الذكرى الرابعة والثمانون لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، أقدم وأعرق حزب وطني عراقي نشأ وواصل مسيرته المديدة والنضالية على هذه الأرض الطيبة، أرض الرافدين، في كل الظروف الإيجابية والسلبية المليئة بالمصاعب والتضحيات، وسقى تربتها بدماء شهداء الحزب والوطن، وحقق الكثير من المنجزات على طريق التنوير والتعبئة النضالية على مدى العقود المنصرمة. الحزب الشيوعي كان ولا يزال مدرسة نضالية مجيدة في سبيل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية والسلام، تخرج منها عشرات الألوف من المناضلات والمناضلين الشجعان الذين واصلوا المسيرة في صفوف الحزب، أو استشهدوا، أو واصلوا النضال في صفوف القوى الوطنية الأخرى. فالكثير من الأحزاب السياسية العراقية، العربية منها والكردية أو غيرها، قد اغتنت ببعض المناضلين الشيوعيين السابقين في صفوفها الذين حافظوا على وعيهم الديمقراطي والاجتماعي وساهموا في بناء علاقات حميمة مع الحزب الشيوعي العراقي
وكانت صحافة الحزب الباسلة مدرسة أخرى تخرج منها المئات من خيرة الصحفيين البواسل الذين لا زالوا يواصلون المسيرة النضالية بالفكر والقلم، أو استشهد أو توفى منهم أحبة رائعين، كما يعمل آخرون في صفوف أحزاب وطنية أخرى، أو هم مستقلون، ولكنهم غير مستقلين عن أماني وحاجات وطموحات الشعب وحقوقه المشروعة وضد التجهيل والفساد والإرهاب. لتكن الذكرى الجديدة حافزاً للنضال في سبيل تحقيق شعار الشعب العراقي من كل القوميات، شعار وطن حر وشعب سعيد
كاظم حبيب
 
في 30 أذار/ مارس 2018
نشر على فيسبوك كاظم حبيب بالتاريخ أعلاه



52
كاظم حبيب
هل الإسلام ينتمي إلى المانيا؟، هل هو جزء منها؟
(1)
ألقى رئيس الجمهورية الألمانية الأسبق كريستيان فولف في العام 2010 خطاباً أشار فيه لأول مرة في تاريخ المانيا إلى أن "الإسلام جزءٌ من ألمانيا". وكان يريد بذلك التغلب على الأجواء السلبية التي نشأت بسبب مواقف قوى اليمين واليمين المتطرف من المواطنين الألمان المسلمين، أو من اللاجئين القادمين من دول عربية أو ذات أكثرية مسلمة، لاسيما حين كان، ولا يزال العداء للأجانب يستخدم بإصرار ومتعمد في الحملات الانتخابية المحلية والعامة. وقد أثار هذا الرأي الصريح والواضح نقاشاً واسعاً بين مؤيد له ومعارض، كما هوجم رئيس الجمهورية بقوة من المناهضين لهذا الرأي. ثم خفت حدة النقاش لفترة غير قصيرة حين أزيح عن المسؤولية. ولكنها عادت بفعل اللجوء الواسع النطاق وغير المتحكم به الذي شمل أوروبا الغربية، ولاسيما ألمانيا، في ضوء الأحداث الدامية والحروب بسوريا والعراق, ومشكلات الدول العربية الأخرى والأفريقية وأفغانستان، حين منع رئيس وزراء هنغاريا دخول أي لاجئ إلى بلاده، وحصر اللاجئون على  الحدود وفي أوضاع كارثية، مما دعا المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى التصريح الاستثنائي  بتاريخ 30/08/2015 قالت فيه "نحن قادرون على ذلك"، أي على استيعاب اللاجئين، وبهذا فتحت، بتاريخ 04/09/2015، حدود ألمانيا أمام مئات الآلاف من اللاجئين السوريين والعراقيين والآخرين القادمين من دول تعاني من حروب وأزمات سياسية واقتصادية. وأدى ذلك، وبسبب ضعف الاستعداد لاستيعاب هذا العدد الهائل الذي زاد عن المليون نسمة، إلى خلق أزمة سياسية وصراعات فكرية وسياسية حادة بألمانيا، استغلها اليمين واليمين المتطرف بشكل خاص ضد الحكومة الألمانية وضد ميركل مباشرة، وكذلك ضد اللاجئين. وقد وجد هذا التعقيد تجسيده في تنامي أصوات اليمين المتطرف في انتخابات أيلول/سبتمبر عام 2017 ، حيث دخل حزب اليمين المتطرف "البديل لألمانيا" لأول مرة إلى البرلمان الاتحادي منذ تأسيس الدولة الألمانية الاتحادية وحصل على نسبة أصوات قدرها 12,6% أو ما يعادل 94 نائباً ونائبة في البرلمان من مجموع 709 نائباً. لم يكن سبب ذلك عدد اللاجئين المرتفع الذين دخلوا ألمانيا هو الوحيد في الوصول إلى هذه النتيجة، التي اقترنت بخسارة كبيرة للأحزاب الثلاثة المؤتلفة في الحكومة الاتحادية، الحزب المسيحي الديمقراطي (CDU) والحزب المسيحي الاجتماعي (CSU) والحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD)، ,لاسيما الأخير، بل كانت ولا تزال هناك أسباب عديدة ومهمة أخرى، منها مثلاً اتساع الفجوة في الدخل والمعيشة بين الأغنياء والفقراء، وتنامي عدد الفقراء والمعوزين بألمانيا وتراجع مستوى معيشة الكثير من المتقاعدين، أو ضعف الرعاية لكبار المسنين والمصابين بمرض الشيخوخة والعجز .. في أغنى بلد أوروبي.
وأثناء النقاشات حول الأجانب والمسلمين صرح رئيس الجمهورية السابق يواخيم غاوك في العام 2016 قائلاً "المسلمون المقيمون في ألمانيا هم فقط الذين ينتمون إليها"، وبمعنى واضح: إن "الإسلام لا ينتمي إلى المانيا". وبذلك خالف كريستيان فولف وجدد النقاش حول هذا الموضوع.
وخلال الفترة المنصرمة استمر النقاش الموضوعي والشعبوي يدور بين هاتين الصيغتين: "الإسلام ينتمي إلى المانيا" أو إن "المسلمين جزءٌ من المانيا"، وأن "الإسلام لا ينتمي إلى ألمانيا"، على حد تعبير وزير الداخلية الألماني الجديد ورئيس الحزب المسيحي الاجتماعي في بافاريا، الذي أطلقه في أول يوم تسلم فيه مسؤولية وزارة الداخلية الألمانية في 16/03/2018. ومع هذا التصريح الأخير تفجر النقاش واحتدم من جديد، إذ تصدت له المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في اليوم التالي مباشرة (17/03/2018) وقالت:
“الإسلام ينتمي إلى ألمانيا“. وأضافت أن “البعض قد يجد مشكلة في قول ذلك، وهذا حقهم”، إلا أن “مسؤولية الحكومة الفيدرالية تتمثل في تعظيم التماسك داخل المجتمع، وليس إضعافه“. ثم واصلت قولها "إن ألمانيا كانت مسيحية ويهودية، ولكن 4.5 ملايين مسلم يعيشون فيها حاليا، ولذلك فإن دينهم الإسلام بات الآن جزءاً من ألمانيا" (الأردن تايمز، 22/03/2018). ثم توالت النقاشات في المقابلات الصحفية ونشر المقالات الصحفية بين مؤيد لزيهوفر ومعارض له، أو مؤيد لميركل ومعارض لها. ولقد أيد الحزب اليميني المتطرف، البديل لألمانيا، رأي زيهوفر بحرارة وفي مجلس النواب.
(2)
يشير القانون الأساسي الألماني (الدستور) إلى مجموعة من المبادئ الأساسية التي تشكل القيم والمعايير والأسس والنظم التي تعتمدها الدولة الألمانية ومجتمعها في العلاقات الداخلية والخارجية. ومن أبرز تلك المبادئ التي تضمنها الدستور الألمانية والتي تمس موضوع البحث، يجدها المتتبع في المواد 1-19 التي تشكل الفصل الأول من القانون الأساسي الألماني، نشير هنا إلى بعض مضامينها:
1)    تقوم الدولة الألمانية على الفصل بين الدين والدولة، وهذا يعني بأن الدول الألمانية، كأي دولة بالعالم، لا دين لها لأنها شخصية معنوية، وهي علمانية، والدين فيها يخص الفرد.
2)    كرامة الإنسان مصانة ولا يجوز المساس بها، وهو نص جامع لكل البشر ومانع لأي تجاوز. وهو نص قاطع وأساسي لم يحدد هوية فرعية لهذا الإنسان أو ذاك، وبالتالي، فالمسيحي واليهودي والمسلم والهندوسي والبوذي أو من أي دين أو مذهب مقيم بألمانيا، هو إنسان محترم ولا يجوز المساس بكرامته ويحاسب وفق القوانين المرعية حين يرتكب أية مخالفات.
3)    يتمتع المواطن والمواطِنة بألمانيا، ومنهم كل حاملات وحاملي الجنسية الألمانية من أصل غير الماني، بحقوق وواجبات متساوية بغض النظر عن الدين أو المذهب أو الفكر والفلسفة التي يتبناها، وهم متساوون أمام القانون.
4)    فكل من يعيش على الأرض الألمانية يتمتع بحرية العقيدة والضمير والإيمان، وله الحق في ممارسة دينه وطقوسها وإقامة شعائره الدينية، وبناء دور العبادة أو أن يكون بلا دين.
5)    ويحرم القانون الأساسي أي تمييز بين البشر، سواء أكان بين الرجل والمرأة، أم بين البشر على أساس البشرة أو اللغة أو القومية.. الخ.
6)    ويفرض القانون الأساسي احترام بنوده والالتزام بها، بغض النظر عن موقف الفرد من هذه المادة أو تلك، إذ لا بد من الالتزام بكل المواد، كما يحق لكل الفرد العمل السلمي والديمقراطي من أجل إجراء تغيير على أي مادة لا يتفق مع مضمونها وعبر مجلس النواب أو الاستفتاء الشعبي العام. وإلى أن يتحقق له ذلك، عليه أن يلتزم بالقانون الأساسي جملة وتفصيلاً ودون أي موقف انتقائي من مواده.
7)    يضمن الدستور الحق في اللجوء السياسي، كما يمكن أن يقبل اللجوء لأسباب أخرى على وفق قوانين تنظم ذلك.
8)    ويجري هنا تأكيد أهمية العمل على تحقيق الاندماج بالمجتمع الألماني من خلال تعلم اللغة الألمانية والاطلاع الجيد على ثقافته وتاريخه وتقاليد شعبه وعاداته.
(3)
هذه المضامين وغيرها الواردة في القانون الأساسي الألماني تعني فعلياً بأن الدولة الألمانية، التي تفصل بين الدين والدولة، ليست دولة مسيحية، بل هي دولة حيادية، لا دين لها، ولا يدخل الدين في هويتها كدولة، ولا في سياساتها ولا في مواقفها إزاء المواطنات والمواطنين على وفق انتماءاتهم الدينية والمذهبية. وبالتالي، فالمسيحية لا تنتمي للدولة الألمانية، كما لا تنتمي إليها اليهودية أو الإسلام، ولا أي دين آخر، فكلها ديانات لا تنتمي للدولة الألمانية، إذ أن الدين يعتبر مسألة فردية ومرتبطة بالفرد ذاته، وليس بالدولة التي يعيش فيها. وعليه فأن التعبير القائل بأن الإسلام جزءٌ من المانيا، هو تعبير خاطئ وبعيد عن الواقعية، كما هو غير واقعي القول بأنها دولة مسيحية. إنها دولة علمانية تفصل بين الدين والدولة، ولا يغير من هذه الحقيقة أن الدستور الألماني متأثر بالحضارة والثقافة والتقاليد المسيحية الأوروبية، ولكنها حضارة وثقافة متنورة، ويستند قانونها الأساسي على القيم الحضارية وتلاقح الثقافات للمجتمعات البشرية التي تحققت عبر القرون المنصرمة. فمن غير المعقول ولا المقبول أن نقول بأن الإسلام ينتمي إلى ألمانيا، إذ إن هذا، يعني، شاء الإنسان أم ابى، إن على الدولة الألمانية أن تأخذ بالقيم والمعايير والأحكام الواردة بالقرآن من جهة، وبشرائع المسلمين بمختلف مذاهبهم، إذ لا يمكنها أن تنتقي مذهباً إسلامياً واحداً دون غيره، من جهة ثانية. فهل هذا يتوافق مع الدستور الألماني، هل يجوز أن يأخذ الألمان بتعدد الزوجات كما هو وارد في القرآن "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا" (سورة النساء، الآية 3)، أو أن يأخذ بتوزيع الأرث الوارد في القرآن على أساس التمييز بين الذكر والأنثى: "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ"، (سورة النساء، الآية 11)، أو أن يأخذ بزواج القاصرات اللواتي لتوهن بلغت التاسعة من طفولتها، كما جاء في شرائع المسلمين على وفق الآية القائلة : "وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا "، (سورة الطلاق، الآية 4)، بل ويحلل روح الله الخميني عملية التفخيذ الجنسي مع الرضيعة، حيث ورد في كتابه الموسوم "تحرير الوسيلة" قوله: "12- لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين ، دواماً كان النكاح أو منقطعاً ، وأمّا سائر الاستمتاعات كاللّمس بشهوة والضمّ والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة ، ولو وطئها قبل التسع ولم يفضها لم يترتّب عليه شيء غير الاثم على الأقوى"، (ص 221 )، أو هل يجوز تحريم الزواج المثلي، الذي لا يحرم ببلداننا، رغم انتشار المثلية فيها، فحسب، بل ويؤدي في الكثير من الأحيان إلى القتل والتمثيل فيهم ... الخ. أعتقد إن كل ذلك غير ممكن في مجتمع قانونه الأساسي متقدم وحضاري وحديث وقوانينه تجيز ذلك.
(4)
منذ أيام والصحف والتلفزة الألمانية مشغولة بنشر الربورتاجات والمقابلات والمقالات والآراء حول ما حصل في واحدة من المدارس الابتدائية ببرلين حيث أساءت تلميذة ألمانية مسلمة إلى بنت ألمانية يهودية بعد أن سألتها عن دينها، كما أساء وتحرش وهدد تلميذ مسلم آخر تلميذ آخر لكونه لا يؤمن بالله، وأنه سيدخل النار. إن هذه المسألة جديرة بالمناقشة من جانب العرب والمسلمين والتصدي لها. إذ إن التلاميذ الصغار لا يميزون بين من يؤمن بالله أو من هو يهودي أو مسلم أو مسيحي، فلا بد أن تكون هذه المسألة مطروحة في بيوت العائلات العربية والمسلمة ومن الوالدين، وليس كلها طبعاً. إن من واجب العائلات العربية والمسلمة أن تلعب دورها بما يسهم في تثقيف وتنوير وتوعية بناتهن وأبناءهم بمبدأ الاعتراف بالديانات والمذاهب كلها، وبأتباعها وأن من حق الإنسان أن يؤمن بهذا الدين أو ذاك، وهي مسألة شخصية بحتة ولا يجوز التدخل فيها أو مساس كرامة من يؤمن بدين أو مذهب أو فكر أو فلسفة أخرى أو اتهامه بالكفر. إن المجتمع الألماني قائم على احترام الديانات والمذاهب دون تمييز، وبالتالي لا بد من الالتزام بهذا المبدأ المثبت في دستور ألمانيا وبغير ذلك سيكبر الأطفال وهم متحفزون ضد أتباع الديانات الأخرى، ومنها ضد السامية أو ضد الملحدين ..الخ، وهو امر بالغ الخطورة على مستقبل العلاقات الاجتماعية بألمانيا، ولاسيما وأن هناك ما يقرب من 4,5 مليون مسلم ومسلمة بألمانيا وبحدود 12 مليون نسمة في دول الاتحاد الأوروبي. 
(5)
لهذا اعتقد وأرى بأن التعبير الصائب والسليم هو القول بـ "أن المسلمات والمسلمين بألمانيا هم جزءٌ من مواطني ومواطنات ألمانيا"، وهذا ينطبق على مسلمات ومسلمي الاتحاد الأوروبي، ما داموا يتمتعون بكامل الحقوق والواجبات ومتساوون أمام القانون، ويحق لهم إقامة دور عبادتهم ويمارسون طقوسهم وشعائرهم الدينية بكل حرية، والتعامل معهم لا يختلف من حيث القانون الأساسي عن التعامل مع المسيحيين أو اليهود أو الهندوس أو البوذيين أو الصابئة المندائيين أو الإيزيديين المقيمين بألمانيا.
حين أطرح هذا الرأي، أدرك تماماً بوجود أفراد وجماعات بألمانيا لهم سياسات ومواقف وسلوكيات مناهضة للأجانب، ولاسيما ضد العرب والمسلمين وضد السامية. ولكن الغالبية العظمى من السكان الألمان ديمقراطيون ويعون تماماً قانونهم الأساسي ويؤيدونه ويرفضون الظواهر السلبية التي تظهر في المجتمع، إذ أن مثل هذه الظواهر السلبية، بل وأكثر منها، موجودة في الدول العربية وذات الأكثرية المسلمة في الموقف من المسيحيين واليهود وأتباع ديانات أخرى. ورغم ذلك هذا لا يبرر وجود مثل هذه الظواهر والكفاح ضدها بطريقة سلمية وديمقراطية أمر ضروري دائماً.
(6)
إن من واجب العرب والمسلمين عموماً، ودون استثناء، إن يدركوا بشكل سليم وواقعي، بأن التعايش العقلاني بين أتباع جميع الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والفلسفية بألمانيا أو بأوروبا، يستوجب مجموعة من المتطلبات، منها بشكل خاص:
1.    التعلم الجاد والمسؤول للغة الألمانية، باعتبارها لغة المجتمع الذي أصبحنا نشكل جزءاً منه، مع بعض خصوصياتنا.
2.    الاطلاع الجاد والمعقول على ثقافة هذا البلد وشعبه الذي احتضننا، ومعرفة تاريخه وعاداته وتقاليده وأعياده واحترامها.
3.   الالتزام الثابت بمواد الدستور الألماني كلها، بغض النظر عما يمكن أن يختلف هذا الإنسان أو ذاك مع هذه المادة أو تلك فيه، إذ بدون هذا الإقرار والالتزام بالقانون الساسي لا يمكن أن تنشأ علاقات سليمة في المجتمع.
4.   إن ما يتمتع به الإنسان العربي أو المسلم بألمانيا لا يتمتع ولو بمثقال واحد منه مواطنات ومواطنو البلدان العربية والدول ذات الأكثرية المسلمة، وهذه حقيقة لا يمكن أن ينكرها أي إنسان عاقل، كما إن ما عانى ويعاني منه أتباع الديانات الأخرى، كالمسيحيين، والإيزيديين والمندائيين والشبك والبهائيين، كما هو حالهم بالعراق وإيران، أو حال المسحيين في مصر وباكستان ... الخ، إضافة إلى الصراعات والنزاعات الطائفية في هذه البلدان، خير دليل على هذا الواقع المزري.
5.   لا يجوز للمسلمين والمسلمات أن يطالبوا بأن يكون الإسلام جزءاً من ألمانيا، بمعنى القبول بما هو وارد في القرآن والشرائع العديدة، إذ سينشأ مجتمعاً متصارعاً ومتنازعاً، كما يجري اليوم بالدول العربية والدول ذات الأكثرية المسلمة، والدور الذي تمارسه القوى السلفية والإسلامية المتطرفة والتكفيرية، التي ترى في بقية الديانات كفرا وأتباعها كفاراً يجب اجتثاهم!!!، بل على المسلمين والمسلمات كأفراد يشكلون أن يؤكدوا بأنهم جزءً من ألمانيا، ولكل فرد منهم الحق، كغيره من المواطنين والمواطنات، في ممارسة الدين الذي يعتنقه والطقوس التي يلتزم بها بحرية تامة، أو من لا يؤمن بأي دين أو إله.
6.    إن ما حصل في مدرسة برلينية، بل وفي مدارس أخرى ببرلين وألمانيا في الإساءة إلى طفلة يهودية الديانة، أو بمن لا يؤمن بالله، من جانب أطفال عرب ومسلمين سيؤدي إلى عواقب وخيمة ما لم نعالجها مبكراً. إن من واجب عائلات العرب والمسلمين أن يربَّوا بناتهم وأولادهم على مبادئ الاعتراف بالديانات وأتباع الديانات الأخرى والقبول بالآخر وتجنب التمييز والأفكار العنصرية التي تناهض الديانات الأخرى، بما في ذلك ضد السامية أو ضد اليهود، وأن الدين مسألة شخصية لا يجوز المساس بها بأي شكل كان، كما أن الإيمان بالله هو الأخر قضية شخصية لا يجوز مس كرامة الإنسان الأخر الذي لا يؤمن بالله. إن هذه المسالة بحاجة إلى عملية تثقيف وتنوير وتوعية مستمرة في البيوت والمدارس وفي وسائل الإعلام لكي ينشأ الأطفال عموماً، ولاسيما أطفال المسلمين والمسلمات، على أسس قويمة وقيم ومعايير إنسانية وحضارية حديثة.



53
كاظم حبيب
العسكرة الفارسية الجديدة وحرب يمنية مماثلة بالعراق!!
لا يمر يوماً واحداً دون صدور تصريحات وخطب نارية ومقالات مشحونة بالعداء للعرب من شخصيات إيرانية من الخط السياسي والديني الأول ومن كتاب سياسيين ودون أن تمتلئ الصحف الإيرانية ونشرات الأخبار العالمية بها، بأمل أن تنعش الوضع الداخلي المتأزم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وحقوقياً من جهة، وبهدف إشاعة التشنج والتوتر السياسي والاجتماعي بالعراق ومنطقة الشرق الأوسط من جهة ثانية وإلها العب الإيراني بها أيضاً لينسى أوضاعه المأساوية. ولا يبقى كل ذلك دون ردود أفعال مماثلة من بعض الدول العربية التي تسهم بدورها في زيادة التوتر والتصعيد السياسي. خلال السنوات العشر المنصرمة تشكلت محاور سياسية وتفلشت، ثم تشكلت أخرى وتفلشت أيضاً، وما تزال تتشكل على نحو مخل في غير مصلحة شعوب المنطقة لا يحمد عقباه، لأن كل ذلك ناشئ عن رغبة في الاستحواذ والهيمنة واستغلال الشعوب وإخضاعها لسياسات الدول التي تعتبر نفسها كبيرة أو عظمى بالمنطقة، ومن حقها أن تقود المنطقة دون غيرها. فنحن أمام النظام الدكتاتوري والعنصري التركي، الذي يعيد إلى ذاكرتنا العهد العثماني البغيض من جهة، وأمام النظام الثيوقراطي الاستبدادي الفارسي، الذي يعيد بدوره إلى ذاكرتنا العهد الصفوي البغيض من جهة أخرى، وكذلك أمام الدولة السعودية التي تشكل محوراً خليجياً لتفرض إرادتها على الدول العربية، بدعوى الصراع المذهبي، من جهة ثالثة!!! أما مصر، فرئيسها "الأوحد" والمستبد بأمره وبشعبه، تخلى حالياً عن الهيمنة على المنطقة، فهو مشغول بسبل إخضاع الشعب المصري لإرادته وإرادة حفنة من العسكر لا غير، وليشبع الشبع المصري من الفول والبصل ومن الحرمان والبؤس والفاقة والسكن في المقابر. الحرب الطاحنة بسوريا والحرب الأكثر طحناً باليمن "السعيد!!" ما تزال مستمرة ويراد إشعال حرب منشودة من جانب إيران وتركيا بالعراق أيضاً!!
القادة الإيرانيون، السياسيون وشيوخ الدين في حوزة قم وغيرها، ولليس الشعب الإيراني، يحملون البغض والكراهية والحقد ضد الشعب العراقي، وهم يتمنون في السيطرة الكاملة والمكشوفة والمعترف بها من العراقيات والعراقيين على العراق كله. وهم يرون بالعراق ولاية من ولايات الدولة الفارسية، كما حصل في فترة الساسانيين ، أو في فترة الصفويين (إسماعيل الصفوي). وليس عبثاً إن ألقى وزير الدفاع الإيراني العميد حسين دهقان أخيراً في ذكرى معركة ديزفول خطبة نارية ذات أهداف استعمارية صارخة وعدوانية ضد الشعب العراقي والعرب ومن أجل احتلال العراق في آن، حين قال:     
"..، ان العراق بعد 2003 أصبح جزءاً من الامبراطورية الفارسية، ولن يرجع الى المحيط العربي، ولن يعود دوله عربيه مرة أخرى، وعلى العرب الذين يعيشون فيه ان يغادروه الى صحرائهم القاحلة التي جاءوا منها.. من الموصل وحتى حدود البصرة.. هذه اراضينا وعليهم إخلائها.."!!! هل هناك يا ترى وقاحة أكثر من هذه الصلافة، هل هناك إنسان عراقي شريف يستطيع أن يتحمل مثل هذه الإساءة الوقحة لكل الناس العراقيين والعراقيات، ولا يشعر بالإساءة الشديدة لكرامته وعزة نفسه!! لم يكتف وزير الدفاع الإيراني بذلك بل أضاف ما كنا نعرفه قبل هذه الخطبة العدوانية" بقوله:
" لدينا في العراق قوة الحشد الشعبي الشيعي، ستُسكِتَ اي صوتٍ يميل الى جعل العراق يدور حول ما يسمى بمحيطه العربي.. إن العراق عاد الى محيطه الطبيعي الفارسي"!! لم نشك يوماً بأن الحشد الشعبي وقادته هم عراقيون بالاسم، ولكنهم إيرانيون بالفعل، عدا أولئك الذين التحقوا في القتال بناءً على نداء السيد علي السيستاني للتطوع في ضوء مفهوم الجهاد الكفائي، إذ إن الآخرين هم من تلك المليشيات الشيعية التي تشكلت إما بإيران، كما بالنسبة لمنظمة بدر ورئيسها هادي العامري، وإما تلك البقية التي شكلها الإيرانيون بالعراق دون استثناء. وولاء هذه التشكيلات المسلحة ليس للعراق ولا تحت أمرة رئيس الوزراء، رغم القانون الصادر بهذا الصدد، بل يتلقون أوامرهم من العميد قاسم سليماني ومن وزير الدفاع الإيراني ومن الخامنئي، وليقل رئيس الوزراء العراقي ما يشاء في هذا الصدد، فهو ليس القائد الفعلي لهذا "الحشد الشعبي!". والغريب بالأمر أن ليس هناك واحداً من العراقيين والعراقيات العرب الشيعة، ولا من الحوزة الدينية بالنجف أو شيوخ دين شيعة أخرين، قد خرج إلى الملأ وصرح بالضد من هذه الخطبة الوقحة لوزير الدفاع الإيراني، والمضامين الاستعمارية التي جاء فيها، إذ إن السكوت علامة القبول والخضوع، بل حتى الركوع للقادة الفرس بإيران.   
لم يكتف حسن دهقان بذلك، بل أشار إلى تنامي القوة العسكرية الإيرانية وإلى قدرة إيران في التصدي لكل العرب وإسقاط نظمهم السياسية، وأضاف: وسيلقون نفس مصير صدام حسين الذي قتلناه، انتبه يا شعب العراق، ليس الشعب العراقي من أعدم صدام حسين ورهطه، بل هم بالإمبراطورية الفارسية الجديدة حيث قال: كما "قتلناه!!!
يقول دهقان: " إيران اليوم وصلت الى مرحلة تصمم وتنتج فيها حاجتها من الصواريخ البالستية وكروز بمدى 3000 كيلومتر، .. لقد عدنا دوله عظمى كما كنّا سابقا، وعلى الجميع ان يفهم هذا، نحن أسياد المنطقة، العراق وافغانستان واليمن وسوريا والبحرين، عما قريب كلها تعود الى أحضاننا وهو مجالها الحر الطبيعي" ثم يضيف: “اليوم كل المحاولات في المنطقة تهدف الى اضعاف إيران، لكن إيران تقف بعزم وصلابة.”
كلنا شهود على نمو الروح العسكرية الانتقامية، والاستعدادات العسكرية، ونمو ترسانة الأسلحة الهجومية الإيرانية، وعديد القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني من جهة، وصرف المليارات من الدولارات الأمريكية من خزينة الشعب الإيراني على الحرب التي يشارك فيها الحرس الثوري الإيراني في كل من اليمن وسوريا من جهة ثانية، والاستعداد لحرب جديدة ربما بالعراق أيضاً، كلها تأتي على حساب حياة ومصالح ومعيشة وجوع وحرمان الشعب الإيراني، وإن هذا الشعب الأبي الذي أطاح بشرطي المنطقة، بشاه إيران ونظامه السياسي، لن يسكت، كما سكت حتى الآن، عما عاني منه خلال العقود التي مرت عليه، منذ الإطاحة بنظام الشاه عام 1979.
 إن على العراقيين أن يرفعوا رؤوسهم عالياً، أن يصونوا كرامتهم من عبث العابثين، ممن يريدون الهيمنة على العراق وشعبه، واستغلال خيراته، وسلب حقوقه وحرياته، سواء أكان الغزاة قادمين من إيران أو تركيا. لن يصبح العراق جزءاً من الإمبراطورية الفارسية الجديدة أو تابعاً، كما لن يكون جزءاً من الإمبراطورية العثمانية الجديدة أو تابعاً لها، فهي أضغاث أحلام، وعلى الشعب العراقي أن يبرهن لهم ذلك.
إن تصريحات القادة بإيران تدفع بالأمور إلى حافة الحرب مع بقية الدول العربية وتركيا بالعراق، إنها تريد أن تحول العراق إلى ساحة حرب جديدة، كما هو حال سوريا واليمن، ساحة نفوذ لها، وهو ما يجب مقاومته ورفض الوجود الأجنبي الإيراني والتركي وأي نفوذ أجنبي آخر بالعراق. سوف لن يغفر الشعب العراقي لأتباع إيران بالعراق حين يسعون لتكريس إرادة إيران ونفوذها ووجودها ومصالحها بالعراق، ولا يستنكرون تلك التصريحات غير اللائقة وغير الحكيمة بل الاستفزازية لمشاعر وكرامة الشعب العراقي بكل قومياته واتباع دياناته ومذاهبه. كما سوف لن يسكت عمن يسكت عن التدخل العسكري الهمجي لتركيا لسوريا أو بشمال العراق وكردستان، إنه الوهم الذي سيسقطهم إن واصلوا الارتهان لإيران أو تركيا أو لأي دولة أجنبية أخرى.     



54
كاظم حبيب
هل أصبح أردوغان شرطي المنطقة ومجرم حرب في آن؟

لم يطرح هذا السؤال على بساط البحث قبل 15 سنة، بسبب ادعاءات اردوغان بالديمقراطية وتقديمه نموذج الإسلام الديمقراطي التركي. رفضت القبول بهذا الرأي وبما أطلق عليه حينذاك بالظاهرة الإسلامية التركية الجديدة، النموذج الإسلامي الاردوغاني. وقد تجلى موقفي هذا في ندوة مشتركة عقدت في مدينة كولون بألمانيا، وشاركت فيها الفقيد الأستاذ الدكتور جلال صادق العظم في الحديث عن حرب العام 2003 بالعراق والتجربة التركية. وقد تبنى الدكتور العظم تجربة أردوغان الإسلامية وسعى إلى إبراز جوانب إيجابية وعناصر ديمقراطية في نهجه الإسلامي. وقد كتب ونشر بعض المقالات بذات الاتجاه. أبديت رأيي المخالف وأشرت إلى إنها فورة سياسية مؤقتة سرعان ما تتغير، وأن السياسة الأردوغانية الحقيقية قادمة لا ريب في ذلك، كما عارضت رأيه بشأن حرب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وخارج إطار قرارات مجلس الأمن الدولي ضد النظام الدكتاتوري البعثي بالعراق، لما توقعت أن يحصل بالعراق في أعقاب الحرب مع قناعتي التامة بأن النظام لن يصمد أمام تلك الحرب غير المتكافئة وما يمكن أن ينجم عنها، والتي ذكرها بندوات أو كتبتها ونشرتها في مقالات كثيرة في حينها. ومن المؤلم القول بأن المسألتين قد برهنتا على صواب موقفي. لقد بنيت موقفي بصدد تركيا استناداً إلى ثلاث مسائل جوهرية: 1) طبيعة النظام السياسي التركي وتغييبه للحريات العامة والحياة الديمقراطية عن الشعب بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه، 2) والأيديولوجية الإسلامية المتشددة التي تبناها أردوغان حين كان عضواً في حزب الرفاه الإسلامي ومحافظاً لمدينة إسطنبول حين اعتقل وأبعد عن منصبه وحكم عليه ثمانية شهور بالسجن بسبب تطرفه السياسي وتحريضه على الكراهية الدينية في تركيا في العام 1998، 3) ومواقفه المناهضة لحق تقرير المصير للشعب الكردي وتأييده الحرب التي كانت تخوضها النظم التركية العسكرية منذ الثمانينيات ضد الشعب الكردي المطالب بحقوقه الإدارية والثقافية، والتي واصلها هو أيضاً حين أصبح مسؤولاً عن قيادة الدولة التركية، ثم أجبر على إيقاف الحرب بسبب أوضاعه المالية المعقدة وكثرة القتلى واحتجاج العالم ومطالبة الاتحاد الأوروبي بممارسة تركيا للمعايير أوروبية بشأن حقوق الإنسان إن كان يريد حقاً الدخول إلى عضوية كاملة في الاتحاد الأوروبي. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الشعب الكردي في كردستان تركيا يشكل أكثر من 20% من إجمالي سكان تركيا، وهناك ما يقرب من 10% من أقليات قومية أخرى، وبحدود 70% ترك وبهويات مذهبية وفرق إسلامية عديدة، ولاسيما المذهب الحنفي، إضافة إلى العلويين والبكتاشيين... ومن المعروف عن تركيا إن التثقيف الفكري والسياسي فيها ينحاز بقوة إلى جهة العنصرية والتمييز القومي والديني والمذهبي، إذ ما تزال في الذاكرة النشطة لشعوب العالم جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية التي ارتكبها النظام العثماني مع بداية الحرب العالمية الأولى، ولاسيما في العام 1915 وما بعده، ضد الآشوريين والسريان في "مجازر سيفو" أو "بشاتو دسيفو" أي "عام السيف"، و"مجازر الأرمن"، الذين كانوا يشكلون أكثرية المسيحيين في الدولة العثمانية.  وأشير إلى إن عدد قتلى الآشوريين والسريان حينذاك بين 250-500 ألف شخص، وعدد قتلى مجازر الأرمن بأكثر من مليون قتيل، وهي مذابح يندى لها جبين البشرية كلها، والتي لم تعترف الدولة التركية حتى اليوم بهذه المذابح التي قامت بها الدولة العثمانية، وتحاول مقاطعة الدول التي تعترف بوقوع الإبادة الجماعية دبلوماسياً.     
واليوم يمارس أردوغان سياسة عدوانية وتدخل عسكري فظ في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، ولاسيما بالعراق وسوريا، حيث أقام قاعدة له في بعشيقة بالعراق، ويسعى اليوم إلى إقامة قاعدة أخرى في سلسلة جبال قنديل العراقية بدعوى موافقة الحكومة العراقية على مطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني، في حين أعلنت الحكومة العراقية ووزارة الخارجية العراقية رفضها وشجبها لأي تدخل عسكري في شؤون العراق الداخلية وطالبت بانسحاب القوات التركية من بعشيقة. وبالأمس ضربت طائرات حربية تركية منطقة كردستان العراق بصواريخ أودت بحياة أربعة شبان كرد. وإذ احتجت حكومة إقليم كردستان، فأن الحكومة العراقية ووزارة خارجيتها لم تحتج حتى الآن على هذه الجريمة النكراء. وكذلك تمارس الآن تركيا التدخل العدواني العسكري وتجتاح سوريا وتحتل عفرين وتشرد أكثر من 120 ألف مواطن كردي سوري من هذه المنطقة، إضافة إلى قتل المئات من السكان المدنيين، واستشهاد مقاتلين كرد ضد المحتل الجديد. وهم الآن يهددون بالولوج أكثر فأكثر بالعمق السوري وصولاً إلى منبج حيث توجد قوات حماية الشعب الكردي. فهل يا ترى تحول أردوغان إلى شرطي شرير في المنطقة وإلى مجرم حرب؟ إن الدلائل كلها تشير إلى هذا التحول الفعلي، إذ لم يكن مندوب الدنمرك في مجلس الأمن الدولي مخطئاً حين أعلن بـ: أن تركيا دولة مجرمة والرئيس أردوغان مجرم حرب في ظل المجازر التي يقوم بها الجيش التركي في عفرين". واحتج المندوب التركي وهدد بقطع العلاقات مع الدنمرك!!! ويوم أمس 22/03م2018  شجبت المستشارة الألمانية بشدة ونددت بأشد العبارات، في الحديث عن سياسة حكومتها في مجلس النواب الألماني، الاعتداء العسكري التركي على عفرين وقتل الأبرياء وتشريد الآلاف من الكرد.
إن الولايات المتحدة، حليف تركيا في حلف شمال الأطلسي، التي التزمت في الدفاع عن قوات حماية الشعب الكردي وسلحتها، أثناء المعارك ضد عصابات داعش في الرقة، عاصمة القتلة الداعشيين، وتطهير الأرض من رجسهم، وأبدت شجاعة فائقة في القتال في مناطق أخرى من سوريا أيضاً، تخلت بكل نذالة عن هؤلاء المقاتلين الشجعان وتركتهم وحدهم دون ان تمولهم حتى بالسلاح، وسمحت لتركيا وطيرانها الحربي ودباباتها وقواتها البريد باجتياح المنطقة وتحويل عفرين وضواحيها إلى أنقاض. إنها المساومة الدولية القذرة بين الحكومات الخمس المشاركة في العدوان على الشعب السوري بكل قومياته، إنها (الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وسوريا)، والأخيرة شجبت التدخل التركي، ولكنها لم ترسل قوات مسلحة حكومية دفاعاً عن مدينة عفرين السورية وتركتها تسقط بأيدي المحتل التركي ومجرم الحرب اردوغان. إن السكوت عن هذه الجرائم التي ترتكب اليوم، ستدفع بهذا الدكتاتور المغامر إلى المزيد من التهور والعنجهية والعفترة العثمانية في سعيه العدواني والتوسعي. وهو يمارس منذ عدة سنوات سياسة داخلية استبدادية متشددة ضد كل القوميات بتركيا وضد الشعب التركي ذاته، حيث تحتض سجون تركيا ومعتقلاتها عشرات الألوف من المناضلين ضد نظامه والذين يتعرضون لأبشع صور التعذيب النفسي والجسدي، والمئات من الصحفيين الترك ايضاً، وهو يعمل بدأب للهيمنة على السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والسلطة القضائية والإعلام ويمركزها كلها في قبضته الحديدية. إذ سمح الدكتاتور أخيراً لحليفته دولة قطر، التي تشاركه في العدوان على دول المنطقة، ولتلك الجماعة القريبة من أردوغان وسياساته، على شراء مجموعة دوغان الإعلامية وشراء الكثير من الأسهم في شركات إعلامية أخرى بما يسمح لأردوغان عبر الشركة القطرية في الهيمنة التامة على كامل أجهزة الإعلام التركية تقريباً، لتوظيفها لصالح سياساته الاستبدادية والعدوانية والإخوانية (جماعة الأخوان المسلمين) بتركيا والمنطقة. علماً بأن الحليفين التركي والقطري يقفان في صف واحد مع التنظيم الدولي الإرهابي للإخوان المسلمين. 
إن من واجب الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي لا أن يرفض سياسات تركيا العسكرية والتوسعية في منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل وأن يقاومها ويفشَّل جهود أردوغان في التحول الفعلي إلى شرطي إرهابي في المنطقة، وأن يمارس بهوس المجنون الحروب ضد الدول المجاورة وضد من يختلف معه بذريعة تهديد تركيا وحدودها ونظامها السياسي.

55
الأخوات والأخوة الكرد
الأخوات والأخوة جميعاً
تحية طيبة
أُحيي بحرارة وأقدم أطيب وأحر التهاني والتمنيات للشعب الكردي بالعراق ولبقية أبناء وبنات الأمة الكردية في جميع أقاليمهم الكردستانية بمناسبة الذكرى السنوية لعيد نوروز، عيد الربيع والزهور والحب والحياة، وأتمنى أن ينتهي ليل الظلام والآلام والماسي التي تعرضوا لها خلال القرون والعقود المنصرمة، والتي لا زالوا يتعرضون لها، كما في عفرين، وان يحققوا آمالهم وتطلعاتهم العادلة والمشروعة. لنقف حداداً وإجلالاً على أرواح شهداء الشعب الكردي وأخرهم شهداء عفرين المقدامة التي احتلتها يوم أمس قوات الدولة الدكتاتورية والدكتاتور أردوغان، والتي راح بعض العرب من عملاء الترك ومن يسمون بـ "الجيش الحر!" ينهبون بخسة ودناءة بيوت واسواق ومحلات النازحين الكرد. نشد على أيدي المناضلين الكرد اينما كانوا، كاظم حبيب
تهنئة وتحية للشعب الكردي
بمناسبة عيد نوروز المجيد
في الحادي والعشرين من اذار من كل عام يحتفل الشعب الكردي في كردستان وعدد من دول المنطقة والعالم بحلول عيد نوروز القومي التحرري من نير الظلم والاضطهاد وبحلول موسم الربيع وتفتح الزهور والأشجار في السهول الوديان والجبال مع بداية السنة القمرية الجديدة .
ويسر المنتدى العراقي لمنظمات حقوق الانسان ان يرفع اسمى التحيات وازكى التبريكات للشعب الكردستاني في العراق وبقية اجزاء كردستان الاخرى ، املين ان تعود هذه الذكرى وقد عم السلام والآمان والمحبة والتسامح من اجل تحقيق حقوقه المشروعة والعادلة في تقرير مصيره وما يصبون اليه من حرية وعزة وعيش كريم ، وأسوة ببقية شعوب المنطقة والعالم ، بعيداً عما يتعرض اليه من قمع وقتل واضطهاد وإذلال وإقصاء وتهميش في سائر اماكن تواجد الكرد وخصوصاً ما يجري من احتلال وقتل وتشريد ونهب في مدينة عفرين من قبل القوات التركية الغازية والتي راح ضحيتها اكثر من ( الف شهيد وآلاف الجرحى من المدنين واضطرار 150 الف مواطن للنزوح من المدينة ) ، اضافة لاجتياحها للحدود العراقية بمسافة اكثر من خمسة عشر كيلو متر عمقاً ، بتواطؤ اقليمي ودولي .
اننا في المنتدى العراقي لحقوق الانسان في الوقت الذي ندين ونشجب الاعمال والمجازر والانتهاكات الفضة الوحشية التي ترتكب بحق المواطنين الابرياء نطالب بوقف الهجوم العدواني على سيادة الاراضي العراقية والسورية والتي تعد خرقاً لميثاق الامم المتحدة في هذه السنة 2018 والمعتمدة من قبل الجمعية العامة للامم المتحدة باعتبارها عاماً لحقوق الانسان .
نكرر تهانينا الصادقة بمناسبة عيد نوروز المجيد للشعب الكردي .
المنتدى العراقي لمنظمات حقوق الانسان
20/3/2018
 


56

كاظم حبيب
لا لجرائم الإبادة العنصرية والفاشية، لا للدكتاتور أردوغان في عفرين...!!!
تعرض الشعب الكردي على امتداد العقود المنصرمة إلى الكثير من الجرائم البشعة التي مارستها نظم سياسية عنصرية وفاشية، نظم دكتاتورية لا قيمة للإنسان عندها. ففي سنوات الفترة 1961-1991 تعرض الشعب الكردي بإقليم كردستان العراق إلى العديد من الحروب الهمجية من الحكام العراقيين، وكانت أبشع تلك المجازر حرب الإبادة القذرة التي مارسها نظام البعث الفاشي والعنصري بزعامة الدكتاتور المجرم صدام حسين بين شباط/فبراير 1988 وتشرين الأول/أكتوبر من نفس العام، والتي راح ضحيتها أكثر من 180 ألف قتيل ومغيب، ودمار واسع وتلويث كبير للبيئة، كما كانت قمتها قصف المدينة التاريخية البطلة حلبچة بالسلاح الكيماوي الذي أودى بحياة وجرح وتعويق ما يزيد عن 10 ألاف مواطن  ومواطنة من إقليم كردستان العراق، بمن فيهم الأطفال الرضع والنساء الحوامل وكبار السن والمرضى. وحيث تمر علينا الذكرى الثلاثون لمجزرة حلبچة الأليمة، يمارس المستبد العثماني والدكتاتور الأهوج رجب طيب اروغان، وأمام أنظار العالم كله، وبمساومات دولية وإقليمية قذرة، أبشع مجزرة جديدة بحق شعب عفرين بسوريا، فمنذ ما يزيد عن شهرين والطائرات التركية والمدافع ترمي بحممها على هذه المدينة وضواحيها وتقتل يومياً وفي كل ساعة المزيد من الكرد ومن أولئك الكرد والعرب الذين لبّوا الدعوة وجاءوا من مناطق أخرى دفاعاً عن مدينة عفرين البطلة وشعبها الأبي أمام جحافل الغزاة العثمانيين الجدد. وتشير المعلومات الواردة إلى نزوح هائل يقدر بعشرات الالاف من مدينة عفرين، كما يؤكد القتلة الترك بأنهم قتلوا أكثر من 3000 مقاتل كردي عدا قتلى المدنيين الذين لا يذكروهم.
لقد جربت النظم التركية العسكرية والمستبدة خلال ثلاثة عقود خنق صوت الشعب الكردي في كردستان تركيا وتجرعت الفشل الذريع وتحمل الشعبان التركي والكردي خسائر بشرية فادحة، إضافة إلى خسارة مادية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات الأمريكية، كما تعطلت عملية التنمية، فأُجبر النظام التركي على المساومة الموقتة في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ولكنه عاد مرة أخرى بزعامة الدكتاتور العثماني الجديد رجب طيب أردوغان ليشن حرباً عدوانية ضد الكرد في كردستان تركيا. وأن يدعي كذباً بأن كرد عفرين ومنبج بسوريا يهددون سيادة الدولة التركية، وعليه لا بد من إخضاعهما لسيطرة تركيا. ولكن هذا الدكتاتور الأرعن ينسى أو يتناسى وقائع تاريخ نضال الشعوب ومقاومتها للغزاة والمحتلين والمستبدين، فحتى لو حقق نجاحاً موقتاً في هذه الحملة العسكرية الهمجية الواسعة والظالمة، مع ما حملته وتحمله معها من خسائر بشرية وعمرانية فادحة، فأن الفشل سيكون، في المحصلة النهائية، من نصيب هذا الدكتاتور الجديد، وسوف لن تختلف نهايته عن نهاية الدكتاتور صدام حسين ورهطه.   
إن الحرب التي يخوضها اردوغان وقواته المسلحة ضد شعب عفرين الكردي السوري تعتبر تجاوزاً فظاً على القانون الدولي والشرع الدولية وعلى اللوائح المثبتة في العلاقات الدولية للأمم المتحدة. ورغم ذلك فأن الطاغية هذا الطاغية دأب بخطبه يستهزئ بالعالم كله، بالأمم المتحدة، بمجلس الأمن الدولي، وبكل دول العالم والرأي العام العالمي وكل الذين طالبوه بإيقاف القصف الجوي والمدفعي على شعب عفرين والتخلي عن تطويق ومحاصرة سكانها وقطع الماء والكهرباء عنهم. وفي إحدى خطبه الرعناء إن الولايات المتحدة لم تتعرف بعد على الصفعة العثمانية!! هكذا وبكل وقاحة يتحدث باسم الدولة العثمانية!! ومن المآسي الفعلية أن تتعاون فصائل مسلحة تدعي معارضتها للنظام السوري وتدعي إنها حرة "الجيش السوري الحر!!!"، ولكنها في واقع الحال تحولت إلى قوة عميلة تخدم الطاغية العثماني ومصالحه وأغراضه الخبيثة بسوريا، كما إن طاغية سوريا، بشار الأسد، هو الآخر رفض نجدة سكان عفرين بقوات عسكرية سورية مسلحة تتصدى للقوات التركية والمرتزقة السوريين الذين يحاربون مع القوات التركية لتطويق سكان عفرين ومحاصرتها واحتلالها، لقد حصلت مساومة قذرة بين سوريا وإيران وروسيا والولايات المتحدة وتركيا في السكوت الفعلي عما يجري بعفرين لتقطيع أوصال قوات حماية الشعب الكردي وتسليمها رؤوسهم هدية لأردوغان من أجل ضرب مطالبة الكرد بحقوقهم المشروعة بسوريا.
وما يجري في الغوطة السورية ليس سوى الدليل الثابت على حجم المناورات الوقحة التي تمارسها الدول الكبرى والإقليمية في المنطقة المشاركة في هذه الحرب والجارية على حساب حياة ومصالح سكان الغوطة والشعب السوري عموماً، فقد تحولت سوريا إلى ساحة صراع دولي وإقليمي منذ سبع سنوات بعيداً عن مصالح الشعب وعن سوريا التي يريدها الشعب السوري دولة ديمقراطية وعلمانية ومجتمعاً مدنياً ديمقراطياً لا يسود فيه البعث الفاشي الحاكم ولا سلطة دكتاتورية مقيتة.
إن من واجب ذوي الضمائر الحية والنظيفة في كل أنحاء العالم أن يقفوا معنا إجلالاً لشهداء حلبچة البطلة في الذكرى الثلاثين للمجزرة الكيماوية التي ارتكبها نظام البعث المجرم وصدام حسين بحق الشعب الكردي وسكان حلبچة، وإجلالاً للشهداء الذين يتساقطون يومياً وفي كل ساعة في معارك عفرين وضواحيها، وكذلك في الغوطة وبقية أنحاء سوريا، وأن يقدموا معنا الدعم الشديد والتضامن الإنساني مع نضال المقاتلين في سبيل حرية الكرد وحقوقهم المشروعة وحرية سوريا، وأن يحتجوا بشدة ويعلنوا عن إدانتهم الشديدة للحرب العدوانية والكارثية التي تنفذها القوات العسكرية التركية بقرار مباشر من الدكتاتور أردوغان.
ليندحر غزو وعدوان الدولة التركية ضد عفرين وسوريا، لتندحر الحرب الظالمة بسوريا، ولينتصر الشعب الكردي وعموم الشعب السوري على الغزاة والمحتلين والمستبدين.
   



57
د. كاظم حبيب
حوار بين كاتبين حول فكر وأبحاث علي الوردي وفالح عبد الجبار
قرأت بعناية واهتمام المقال القيم الذي كتبه الدكتور حميد الكفائي، حيث بذل جهداً متميزا في إبراز الأعمال الفكرية المميزة للفقيد الدكتور فالح عبد الجبار ودوره الثقافي المعمق والعضوي ونشاطه الذي لم يكل حتى اللحظة الأخيرة من عمره، في هذه المرحلة المعقدة والصعبة من حياة ونضال الشعب العراقي، وكان بعنوان: "فالح عبد الجبار: عاش فاعلاً ومات واقفاً1. وقد أعجبت بالمقال حقاً، وعبرت له عن ذلك برسالة شخصية قصيرة. ثم قرأت المقال القيم الذي كتبه الدكتور عبد الخالق حسين بعنوان: "علي الوردي وفالح عبد الجبار: هل فاق التلميذ أستاذه؟"2، سجل فيه إعجابه بكتابات ونشاط فالح عبد الجبار الفكرية وانخراطه في الحياة السياسية العراقية وتحولاته الفكرية المهمة والمعبرة عن تطور وعيه وتقدمه. وينقل لنا الدكتور عبد الخالق حسين في مقاله المذكور في أعلاه حواراً شيقاً ومهماً جرى بينه وبين الدكتور حميد الكفائي تضمنت مقارنة مهمة بين الأستاذ الدكتور علي الوردي (1913 – 1995م)، والدكتور فالح عبد الجبار (1946-2018م). أحاول هنا أن أبدي رأيي المتواضع بالمفكرين الكبيرين اللذين برزا في مرحلتين وفترتين زمنيتين مختلفتين نسبياً من تاريخ العراق الحديث، لعب كل منهما دوره المميز في الحياة الاجتماعية وفي البحث العلمي الاجتماعي، والأخير في الحياة السياسية العراقية أيضاً. كما إن علينا أن نشير إلى باحثين اجتماعيين أخرين بروزا في ذات الفترتين، منهم على سبيل المثال لا الحصر الباحث الاجتماعي والأكاديمي الدكتور شاكر مصطفى سليم، والباحث الاجتماعي والأكاديمي المميز في الفترة الحالية واللصيق بهذه المرحلة، الدكتور إبراهيم الحيدري، المعروف بأبحاثه العلمية وكتبه الكثيرة والرصينة التي يفترض أن تجلب انتباه الباحثين في حقول علم الاجتماع، والذي يقترب كثيراً من المدرسة الفكرية لفالح عبد الجبار، كما في أبحاثه ملامح مهمة من مدرسة علي الوردي.     
إن دراستي لكتب الأستاذ علي الوردي، وكذلك كتب ودراسات ومقالات فالح عبد الجبار، اقنعتني شخصياً بإن الفارق بينهما نوعي ومتنوع ومتعدد الجوانب لصالح فالح عبد الجبار، رغم الأهمية الكبيرة والريادية والطليعية للدكتور علي الوردي، في البحث العلمي والنشر والتنوير في العراق في حقل علم الاجتماع على وفق المنهج الوضعي. وأحاول هنا أن أُشيرَ إلى عددٍ من المسائل المفيدة في تشخيص التمايز بين الباحثين:
** ولد علي الوردي قبل الحرب العالمية الأولى بعام واحد، في حين ولد فالح عبد الجبار بعد الحرب العالمية الثانية بعام واحد، وهي فترة زمنية طويلة نسبياً، وشهدت أحداثاً كثيرة ومتباينة من حيث تأثيرها على الفرد والمجتمع العراقي، كما برزت وتبلورت فيها، بعد نضوج كل منهما في دراساته، الكثير من الأبحاث والتقدم في مناهج ونظريات علم الاجتماع.
** هناك تباين كبير بين طبيعة المرحلة والفترة الزمنية التي عالجها وبحث فيها وكتب عنها علي الوردي والتي حملت الكثير من سمات مجتمع الدولة العثمانية وصراع البداوة والحضارة، وتلك التي عالجها وبحث فيها ونشر عنها فالح عبد الجبار، والتي تميزت بمحاولات جادة ولكنها بطيئة ومتعثرة في بناء المجتمع المدني والدولة التي كانت ما تزال خاضعة للهيمنة البريطانية، ثم في أجواء ثورة تموز 1958 وما أعقبها من أحداث وتطورات لاهبة، أي إن التباين النسبي في الزمان وفي الظروف السياسة والاجتماعية والاقتصادية التي أحاطت بكل منهما بالعراق كان مهماً وملموساً، بما في ذلك التغير النسبي الملموس في بنية المجتمع العراقي الطبقية ووعيه الاجتماعي.
** وإذا كان علي الوردي بعيداً عن النشاط السياسي الحزبي أو المباشر، فقد كانت له خلفية سياسة واضحة ومواقف سياسية مهمة، في حين كان فالح عبد الجبار جل حياته يعيش في خضم الحياة السياسية والحزبية اليومية وفاعلاً فعلياً فيها، من خلال ممارسته الصحافة التي برع في تحليلها أيضاً، إضافة إلى قدراته البحثية العلمية. وبصدد الخلفية السياسية للأستاذ علي الوردي أشير هنا إلى ما ورد له في كتابه وعاظ السلاطين بصدد الانتخابات البرلمانية بالعراق عام 1954 ودخول القوى الديمقراطية والقومية في جبهة سياسية مشتركة في تلك الانتخابات، إذ كتب: "لو كنت من أرباب العمائم لأفتيت باعتبار التصويت واجباً دينياً، ولجعلت التقاعس عنه ذنباً لا يغتفر ... إنني أعرض هذا الرأي على رجال الدين، وأتحدّاهم أن يقبلوه أو يحققوه."3، أو في موقفه من الإقطاع، وهو موقف سياسي من نظام الحكم الذي كان مؤيداً للإقطاع والعلاقات الإنتاجية الإقطاعية التي كانت تهيم على الاقتصاد والمجتمع بالعراق في الخمسينيات من القرن الماضي، إذ كتب يقول: "ومن عجيب أن نرى نظام الإقطاع يختفي في العالم الثالث قبل مئات السنين، بينما هو في ظهور وتزايد في العراق الحديث، إذ يكدح آلاف الفلاحين في الأرض كالعبيد، ليأتي بعد ذلك رجل واحد فيأخذ ما أنتجوه بعرق الجبين، ويذهب حيث ينعم بالملذات بدون حساب." 4 وعلينا هنا أن نستعيد بذاكرتنا إلى ما حصل في مظاهرات الفلاحين التي واجهت الشرطة التي جاءت لإخماد المظاهرة بهوستهم الشهيرة التي قارنت بين حياة ومعيشة الإقطاعي كريم، وحياة ومعيشة الفلاح الكادح: "كرَّيم يأكل عنبر وأنا بليه دنان اسمع يا مفوض، كرَّيم يركب كاديلاك وأنا بليه نعال اسمع يا مفوض"! ثم تحدث عن اقتصاد النفط وكيف كانت تنفق إيراداته، وهو الذي كان يستمع إلى هوسات الناس حيث تقول: "خمسة بالمية من النفط ما طاح بدينة..!" كتب الوردي: "يخيل لي –ولعلني مخطئ- أن هذه الأموال التي أنعم الله بها على العراق في الآونة الأخيرة، تجري في أخاديد معينة، وهي في نهاية المطاف تصب في جيوب أفراد معدودين ... الخ."5
وحين نتتبع دراسات فالح عبد الجبار وكتبه سنجد ما يؤكد شجبه الصريح والواضح للنظام السياسي القائم حينذاك، ودعوته الشديدة للديمقراطية باعتبارها الأفضل والأنسب للعراق. وكان صريحاً وواضحاً في نقده للنظم السياسية التي حكمت العراق طيلة وجوده على قيد الحياة، وسواء أكان في صفوف الحزب الشيوعي العراقي أم قريباً منه ومحسوباً عليه. لقد كان فالح عميق الفهم للعلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية للفرد العراقي وللمجتمع، وهو ما تجلى في جميع كتاباته.
** وأود هنا الإشارة إلى ثلاث مسائل جوهرية في حقل البحث في علم الاجتماع لدى الباحثين الكبيرين: علي الوردي وفالح عبد الجبار:   
المسألة الأولى: التباين في المنهج الذي استخدمه كل منهما في دراساته الاجتماعية
التزم الدكتور علي الوردي في دراساته للمجتمع العراقي بالمنهج الوضعي في علم الاجتماع. واعتمد في ذلك على مزيج من أفكار ومناهج أبرز أربعة علماء في حقول علم الاجتماع، ابتداءً من القرن الرابع عشر للميلاد حتى الربع الأول من القرن العشرين، وهم 1) عبد الرحمن بن محمد أبن خلدون (1332 – 1406م) المغربي في كتابه الأهم "المقدمة ومدرسته في التاريخ والاجتماع الذي صدر في العام 1377م، و2) وعالم الاجتماع الفرنسي أوجست كونت (1798-1857م)، و3) وعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم (1858-1917م)، و4) وعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864- 1920م)، مع واقع وجود تمايز بين هؤلاء الأربعة، ولاسيما لدى ماكس فيبر، الذي استفاد مما حصل من تقدم في هذا المجال، ولاسيما في أبحاث أستاذه الألماني أدموند هرسل (1859 – 1938م)، وفيه تأكيد لدور علم النفس في البحوث الاجتماعية. وتجلى ذلك في أبحاث ماكس فيبر وتطوير نظريته الوضعية الفينومينولوجيا. وقد أبدى اهتماماً كبيراً في دراسته للمجتمع، كما برز عند الأخرين من ذات المدرسة، في تحييد الدين والفكر اللاهوتي عن التأثير في دراساته العلمية ومحاولة الاستفادة من الأسس العلمية التي حاول العلماء قبله وضعها، والتي استهدفت التخلص من فكرة القوى الخارقة وإحلال فكرة القوانين الموضوعية الفاعلة في الطبيعة، وتلك التي تفعل في المجتمع.6 أي أن هؤلاء الأربعة اعتمدوا في دراساتهم على متابعة الظواهر الاجتماعية ودراستها بدلاً من الوقوع في حبائل الغيبيات، وبتعبير أدق، فصل الدين عن البحث العلمي، (الدين شيء والعلم شيء آخر)، أي البحث في الظواهر التي تبرز في حياة الإنسان والمجتمع، وتشذيب علم الاجتماع من الخرافات والأساطير. وهو ما سعى إليه علي الوردي أيضاً في فترة معقدة حيث كانت تنتشر مثل هذه الخرافات والأساطير، وما تزال. وإذا كان ماكس فيبر قد أبدى اهتماماً خاصاً بالجانبين الاقتصادي والديني، فأن الآخرين كانوا أقل اهتماماً بهذا الموضوع، والذي انعكس إلى حد ما على دراسات الدكتور علي الوردي. كما إن المنهج الوضعي أبعد كلية الصراع الطبقي عن المجتمع وقلل من أهمية الاقتصاد. وهو ما يمكن تلمسه بشكل واضح في كتابات ماكس فيبر. وقد التزم الدكتور علي الوردي بهذا المنهج، ولم يقدم شيئاً إضافياً لتطوير المنهج الوضعي لعلم الاجتماع، ولكنه أغنى علم الاجتماع بأبحاثه الميدانية والنقدية ودراساته العلمية عن المجتمع العراقي. ويتجلى ذلك إلى حد ما أو جزئياً بدور المادية التاريخية في كتابات علي الوردي كتابه الأساسي "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث"، بمجلداته الستة، حيث وظف تاريخ المجتمع العراقي قبل ذاك وبشكل عقلاني لدراسة الواقع الاجتماعي العراقي خلال الفترة الواقعة بين تكوين الدولة العراقية والخمسينيات من القرن العشرين.7 وعلى وفق قناعتي ودراستي لكتاب المقدمة لابن خلدون، ولاسيما الجانب الاقتصادي المهم فيه، لاحظت إن الدكتور علي الوردي لم يستفد من مكونات منهج ابن خلدون ولم يربط بين جوانب بنية الإنتاج الاجتماعي والبناء الفوقي، وهو نقص بارز في الغوص في عمق المشكلات الاجتماعية والعوامل المسببة لها والنتائج أو العواقب المحتملة. لابن خلدون قول مهم جداً لكل الباحثين، أياً كان مجال بحثهم، ورد في المقدمة:
"إنه لا يكفي أن تصف موج البحر، وظهور السفن، حين تريد أن تتكلم عن حياة البحر.. لا بد لك أن تفهم ما في القاع.. قاع البحر المليء بالغرائب والتيارات والوحوش… وقاع السفينة حيث يجلس عبيد وملاحون إلى المجاديف أياماً كاملةً، يدفعون بسواعدهم بضائع تحملها السفن، وثروات وركاباً.. وينزفون عرقاً، وتتمزق أجسامهم تحت السياط.. أجل، ينبغي أن تعطيني صورة كاملة، عندما تريد أن تقنعني بأمر من الأمور". 8       
أما الباحث الدكتور فالح عبد الجبار فقد اعتمد منهجاً آخر تماماً، اعتمد المنهج المادي الديالكتيكي والمادي التاريخي، وأخذ بقواعد البحث العلمي القائمة على "التجريد والتجسيد المتعاقب والتدقيق"، للوصول إلى النتائج والاستنتاجات التي يحققها البحث العلمي وليس اية أحكام مسبقة. لقد تسنى لفالح التعمق في المنهج المادي الديالكتيكي من خلال دراساته المكثفة والمعمقة والمتواصلة لكتاب "رأس المال" وترجمته له، وهي أفضل ترجمة تحققت لهذا السفر الجليل لكارل ماركس حتى الآن، والذي يعتبر أهم دراسة قام بها ماركس مستخدما فيها منهجه العلمي في دراسة المجتمع الرأسمالي، إضافة إلى كتاب "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي"، الذي طرح فيه بوضوح منهجه في البحث. وقد احتل الاقتصاد والصراع الطبقي والتغريب موقعاً أساسياً في هذا التحليل، ولكن ليس الاقتصاد وحده، كما يدعي المروجون المناهضون للتحليل المادي الديالكتيكي، من جهة، ولا الصراع الطبقي وحده، الذي يتجلى ايضاً في التغريب الفعلي بين العامل والجزء المهم مما ينتجه، أي فائض القيمة، كما يروج هؤلاء أيضاً من جهة ثانية، بل هما الحقلان اللذان يؤثران بشكل أساسي ورئيسي على بنية المجتمع وتطوره، إضافة إلى عوامل عديدة أخرى لا يمكن ولا يجوز إغفالها. يؤكد المنهج المادي الديالكتيكي على إن الوعي الاجتماعي انعكاس للواقع المادي، وليس العكس. وهذه المقولة هي التي لعبت وما تزال تلعب دورها الجوهري في التمايز ما بين المثالية والمادية. المنهج المادي الديالكتيكية ينطلق في دراسته للمجتمع من العلاقات الإنتاجية السائدة ومستوى تطور القوى المنتجة والعلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، وما ينشأ عنها من بناء فوقي يشكل الظواهر الاجتماعية المنبثقة عن أسلوب الإنتاج السائد في المجتمع، وما يمكن أن ينشأ عن ذلك من استغلال، سواء أكان في ظل العلاقات الإنتاجية الإقطاعية أم في ظل العلاقات الإنتاجية الرأسمالية. وعلم الاجتماع المادي الديالكتيكي لا يتوقف عند دراسة هذه العلاقات والظواهر الناشئة عنها فحسب، بل يتحرى عن التناقضات والصراعات الناشئة عنها وما الدور الذي تلعبه في التحولات النوعية اللاحقة. يلخص ماركس منهجه على النحو التالي:
"إن العمل الذي قمت به لتبديد الشكوك التي كانت تراودني هو العرض الانتقادي لفلسفة الحق لهيجل.. وأدى بحثي هذا إلى إن العلاقات القانونية والأشكال السياسية لا يمكن فهمها من ذاتها ولاسيما بالتطور العام للعقل البشري، وإنما على الأصح لها جذورها في الظروف المادية للحياة.. والنتيجة العامة التي توصلت إليها.. يمكن صياغتها باختصار كما يلي: يدخل الناس خلال قيامهم بعملية الإنتاج الاجتماعي في علاقات محددة لا يمكن الاستغناء عنها ومستقلة عن إرادتهم. وعلاقات الإنتاج هذه تتوافق مع المرحلة المحددة لتطور القوى المادية المنتجة يشكل المجموع الكلي لعلاقات الإنتاج هذه البنية الاقتصادية للمجتمع، وهو الأساس الحقيقي الذي تقوم عليه البنية الفوقية السياسية والقانونية والتي تتوافق معها أشكال محددة للوعي الاجتماعي. إن أسلوب إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد عمليات الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية بشكل عام. فليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، وإنما العكس من ذلك فإن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم."9 
إن الدراسات الأساسية والمهمة التي كتبها ونشرها فالح عبد الجبار، بغض النظر عن مدى توفيقه في التحليل لهذه المسألة السياسية أو تلك، استند إلى المنهج المادي الديالكتيكي والمادي التاريخي، وكان في الغالب الأعم موفقاً ومتقدما على اقرانه في العلوم الاجتماعية وفي الكثير من تحليلاته السياسية.             
المسألة الثانية: العلاقة بين النظرية والممارسة لدى كلٍ من الباحثين
يبدو لي بأن الباحثين الوردي وعبد الجبار كانا متحررين من الدوغماتية والجمود العقائدي في ممارستهما لمنهجيهما، وكانا منفتحين على المناهج الأخرى، والنظريات في هذا الصدد، دون أن يعيق ذلك أو يؤثر سلباً على ابحاثهما العلمية في قضايا المجتمع. فكلاهما نهلا بمسؤولية وعمق من المناهج والنظريات التي التزما بها وابدعا فيها، ولكنهما لم يساهما في إغناء وتطوير تلك النظريات أو مناهج البحث العلمي الاجتماعي، ولكنهما أغنيا البحث العلمي الاجتماعي التطبيقي بما أنجزاه من أبحاث ودراسات اجتماعية. وبالنسبة لفالح عبد الجبار فقد ساهم بفعالية وحيوية كبيرتين في المجالات السياسية والاقتصادية أيضاً. كتبت الدكتورة ناهدة عبد الكريم حافظ في بحث لها عن "فكر الوردي في طبيعة المجتمع العراقي" بهذا الصدد ما يلي: "لقد كان فكر د. الوردي فكراً انتقادياً لكنه لم يحفل بتقديم بدائل أو مقترحان يمكن الاستفادة منها في حياتنا اليومية." 10، وهي على حق في ذلك، في حين كان فالح ناقداً ثورياً للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي من جهة، وطارحاً لبدائل في مختلف المجالات التي بحث فيها، أي طرح موقفه ووجهة نظره بشأنها من جهة ثانية. كتب ماركس في الموضوعة 6 عن فيورباخ ما يلي: "كل ما قام به الفلاسفة في السابق هو تفسير العالم بطرق مختلفة، بيد أن المطلوب هو تغييره".11
وإذ كان الباحثان قد أقاما علاقات وطيدة بالأوساط الشعبية وأوساط المثقفين، فأن علاقات فالح كانت أوسع وأكثر عمقاً بكثير، سواء أكان في الحياة السياسية العراقية والعربية أم في بعض دول منطقة الشرق الأوسط، أم مع الأحزاب والشخصيات السياسية والاجتماعية العراقية والعربية وخارج إطار العالم العربي أيضاً. وقد ساعد ذلك على توسيع مدارك وأفق نظر ونشاط الدكتور فالح عبد الجبار بالمقارنة مع الدكتور علي الوردي، الذي حصر أبحاثه بالعراق فقط.
لقد كان علي الوردي يؤمن بالصدمة التي يفترض أن يجابه بها المجتمع، ولاسيما الأوساط المثقفة، أن يستفزهم ويثيرهم، أن يدفع بهم للتفكير والبحث، وكانت هذه مسألة مهمة حقاً وصعبة أيضاً في الخمسينيات من القرن العشرين، رغم ما تحمله معها من مشاكسات مع أقرانه ومع أوساط معينة في المجتمع، ولاسيما شيوخ الدين. كتب الدكتور سليم الوردي في محاضرة له عن أطروحات علي الوردي بهذا الصدد ما يلي: " أدرك الوردي أن أطروحاته لا تتمكن من شق طريقها في فضاء معرفي يعجّ بالمسلّمات والمحرّمات والثوابت المألوفة. فتعمّد أسلوب الصدمة في محاولة منه تحرير الوعي الاجتماعي من أسر تلك المسلّمات. وكلّفه ذلك تحمّل سهام النقد الحاد من كل صوب وحدب."12 ويمكن أن يلاحظ ذلك في كتبه العديدة ولاسيما لمحات اجتماعية ووعاظ السلاطين ومهزلة العقل البشري وأسطورة الأدب الرفيع وشخصية الفرد العراقي.
ويبدو لي أيضاً إن الدكتور علي الوردي لم يعمل بما يتطلبه منهج ابن خلدون من مقارنات للبرهنة على الاستنتاجات التي كان يخلص إليها، بل اقتصر على مجتمع واحد هو العراق والمقارنة مع النموذج المثالي للفرد والمجتمع الذي مارسه واضعو المنهج الوضعي. تشير الباحثة العلمية السعودية الدكتورة زهرة الخضاب بصواب بصدد منهج أبن خلدون إلى ما يلي:
"1- ملاحظة ظواهر الاجتماع لدى الشعوب التي أتيح له الاحتكاك بها والحياة بين أهلها. 2- تعقب هذه الظواهر في تاريخ الشعوب نفسها في العصور السابقة لعصره. 3- تعقب أشباهها في تاريخ شعوب أخرى لم يتم الاحتكاك بها والحياة بين أهلها. 4- الموازنة بين هذه الظواهر جميعا. 5- التأمل في مختلف الظواهر للوقوف على طبائعها وعناصرها الذاتية وصفاتها العرضية واستخلاص قانون تخضع له هذه الظواهر في الفكر السياسي وفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع."13 وهذا ما يؤكد الفكرة الأساسية التي أشار لها ابن خلدون حول البحر وما فيه مثلاً. أما أبحاث علي الوردي فقد اقتصرت على العراق ولم يتوسع في بحث الجوانب الاجتماعية للدول المجاورة، بما يسهم في تأكيد استنتاجاته، كما لم يحاول رؤية الأمر على إنه ليس صراعا بين البداوة والحضارة فحسب، بل أن هناك صراعاً جوهرياً، لم يَعره كثير اهتمام أو انتباه، ولاسيما الصراع الاجتماعي المرتبط بواقع العراق الاقتصادي-الاجتماعي حينذاك، أي بطبيعة علاقات الإنتاج التي سادت العراق أثناء حياة وعمل د. علي الوردي، رغم إنه أشار بشكل سريع إلى استغلال الإقطاعيين للفلاحين بالعراق.   
المسألة الثالثة: سعة أو محدودية المواضيع التي كانت موضع اهتمام الباحثين.
اشرت في النقطة الثانية إلى إن الوردي قد اقتصر في أبحاثه وموضوعاته على الفرد والمجتمع بالعراق، وهي موضوعات كبيرة ومهمة وأساسية بالنسبة لحياة الشعب العراقي ولأي باحث في علم الاجتماع. وهذا التخصص والتركيز على العراق لا يعتبر نقيصة بالنسبة للباحث الرائد والكبير علي الوردي، ولكنه يختلف في هذا عن الباحث الاجتماعي الحديث والماركسي المتميز فالح عبد الجبار، الذي اتسع وتنوع في أبحاثه لتشمل العراق والدول المجاورة، إيران وتركيا، والدول العربية وكذلك البلدان النامية، كما امتدت لتشمل الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالقاعدة الاقتصادية الإنتاجية للمجتمع وبالبناء الفوقي الناشئة عنها في آن واحد. فالعلاقات الإنتاجية والقوى المنتجة، المادية منها والبشرية، في ظل العلاقات الإنتاجية الإقطاعية، ومن ثم في فترة تطور العلاقات الإنتاجية الرأسمالية المحدود بالعراق والتغريب الناشئ عن هذ العلاقات في واقع الاستغلال ومصادرة فائض القيمة في قطاع النفط الاستخراجي وفي غيره، كما شملت قضايا السياسة والدين والفكر الديني والتشريع والدولة المستبدة وأجهزتها الإدارية والقمعية، وما يتمخض عن كل ذلك من عنف الدولة والعنف المضاد والمشكلات النفسية وازدواج الشخصية في المجتمع، مما يشير إلى بانوراما بحثية في المجتمع العراقي والبلدان المجاورة، وإلى تشريح تلك المجتمعات ليلتقط منه ويشخص طبيعة العلاقات والظواهر الناشئة عنها والعلاقة فيما بينها.
من الملاحظ إن اهتمام الكتاب وأوساط المثقفين وأوساطاً أخرى قد ازداد بأبحاث وكتب علي الوردي بعد وفاته، والآن نلاحظ هذه الظاهرة مع الدكتور فالح عبد الجبار بعد وفاته حيث يزداد الإقبال على كتاباته وكتبه أكثر بكثير على ما كان عليه حين كان حياً، وسيزداد هذا الاهتمام أضعاف ما كان عليه في حياة أبي خالد بعد أن انتهى بتلك اللوحة الدرامية الخالدة، وهو يتحدث لنا ومعنا من على شاشة التلفزة، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة. كم أتمنى علينا جميعاً أن نبدي اهتماماً أكبر بباحثاتنا وباحثينا الإجلاء وهم أحياء قبل أن يلفظوا انفاسهم الأخيرة، لكي نناقش أفكارهم وابحاثهم، ولكي ندفع بهم إلى المزيد من البحث والإبداع في مختلف المجالات. وأنا هنا لا أتحدث عن الحكومات، على امتداد تاريخ العراق الحديث، التي لم تبد يوماً أي اهتمام بالكتاب والكاتبات والبحث العلمي والباحثين والباحثات في جميع الاختصاصات، بل أركز على الكتاب والباحثين والمثقفين من النساء والرجال أولاً وقبل كل شيء.
برلين في 12/03/2018
الهوامش
1 د. حميد الكفائي، فالح عبد الجبار: عاش فاعلاً ومات واقفاً، جريدة الحياة بتاريخ 4/03/2018.
2  د. عبد الخالق حسين، علي الوردي وفالح عبد الجبار: هل فاق التلميذ أستاذه؟، الحوار المتمدن، محور الفلسفة، علم النفس وعلم الاجتماع، في 8 أذار/مارس 2018.
3 د. علي الوردي، "وعّاظ السلاطين"، الطبعة الثانية، سنة 1995 دار كوفان لندن، صفحة 108.
4 د. سليم الوردي، الاستاذ الدكتور سليم الوردى: كيف نقرأ على الوردى؟، مركز علي الوردي للدراسات والبحوث. 13 تموز/ يوليو 2010.
5 المصدر السابق نفسه.
6 د. إبراهيم بايزو، مدخل موجز إلى علم الاجتماع (3): الاتجاهات الكلاسيكية في علم الاجتماع ـ موقع أنفاس.نت من أجل الثقافة والإنسان، 17 أذار/مارس 2014.
7 كان الفقيد مهدي الحافظ قد حدثني في أحد لقاءاتنا عن الدكتور علي الوردي وزيارته لهفي المستشفى حين كان مريضاً وحين كان مهدي الحافظ يعمل في اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي، أه أشار له بأنه استفاد من الماركسية ومن المنهج المادي التاريخي في دراساته. كاظم حبيب
8 عبد الرحمن بن محمد أبن خلدون، المقدمة، أو كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، الصادر ف 1377 م. تحقيق مصطفى الشيخ مصطفى، مؤسسة الرسالة، دمشق، بدون تاريخ.   
9 د. أحمد القصير، منهجية علم الاجتماعي بين الماركسية والوظيفية والبنيوية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2012. يستكمل ماركس ما توصل إليه بحثه بقول: " وعندما تبلغ القوى المنتجة المادية في المجتمع درجة معينة من تطورها، تدخل في تناقض مع علاقات الإنتاج الموجودة أو مع علاقات الملكية – وليست هذه سوى التعبير القانوني لتلك – التي كانت إلى ذلك الحين تتطور ضمنها، فبعد أن كانت هذه العلاقات أشكالاً لتطور القوى المنتجة، تصبح قيوداً لهذه القوى، وعندئذ ينفتح عهد الثورة الاجتماعية، ومع تغير الأساس الاقتصادي يحدث انقلاب في كل البناء الأعلى الهائل بهذا الحد أو ذلك من السرعة." 
10 د. ناهدة عبد الكريم حافظ، فكر الوردي في طبيعة المجتمع العراقي، ضمن أبحاث عن "الملامح المستقبلة للمجتمع العراقي، كلية الآداب-جامعة بغداد، منشورات المجمع العلمي العراقي، مطبعة المجمع العلمي، بغداد، 2002، ص 59.   
11 كارل ماركس، أطروحات حول فيورباخ، كتبها ماركس في العام 1845 ونشرت لأول مرة في العام 1888 في ملحق خاص لكتاب فريدريك أنجلز الموسوم "لودفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية". 
12 د. سليم الوردي، الاستاذ الدكتور سليم الوردى: كيف نقراء على الوردى؟ جريدة المدى، مجتمع مدني، 28 أيار/ميس 2008.   13 د. زهرة الخضاب، منهج أبن خلدون في دراسة التاريخ. المنتدى العربي للعلوم الاجتماعية والإنسانية، علم الاجتماع- العلوم الاجتماعية- دراسات علم الاجتماع، 16/شباط/فبراير 2010.   

58
نظرات في كتاب "مسيحيو العراق.. أصالة.. انتماء.. مواطنة" للدكتور كاظم حبيب

اسم المؤلف: د. كاظم حبيب

دار النشر: دار نينوى، دمشق
سنة الإصدار: 2018
يتضمن الكتاب ثلاثة أجزاء و17 فصلاً ومجموعة من المباحث في كل فصل. كما يتضمن 30 ملحقاً، إضافة إلى مجموعة من الصور وفهرس بالأسماء، ويقع الكتاب في 1072 صفحة.

يعالج الكتاب بمجمله واقع العراقيين المسيحيين منذ دخول المسيحية إلى وادي الرافدين (ميزوبوتاميا) في القرن الأول الميلادي حتى العام 2016/2017.
يتوزع الجزء الأول على فصلين: يبحث الفصل الأول في البوابات التي دخلت المسيحية منها إلى العراق، ومنها الرسل الأوائل، ودورهم الريادي في نشر المسيحية في هذه المنطقة من العالم وتبني المسيحية على نطاق واسع من سكان العراق ومعاناتهم في مواجهة الديانة الزرادشتية، قبل دخول الإسلام إلى العراق. ويشخص الدور الثقافي للكنيسة الشرقية في مدن ومدارس عديدة منها الرها ونصيبين وحدياب والحيرة في نشر التعاليم واللغة والآداب السريانية. وفي الفصل الثاني يبحث في الصراعات التي نشبت حينذاك بين الكنيستين الغربية والشرقية وعواقبها على جموع المسيحيين في المنطقة. وكذلك الانشقاقات التي حصلت حينذاك ونشوء الطوائف المتصارعة وعواقبها على المسيحيين. إن الاستعراض المكثف والسريع للدين المسيحي في هذه المدن القديمة في بلاد ما بين النهرين كان الهدف منه التحري عن الفترات الزمنية التي وصل خلالها الدين المسيحي إليها والشخصيات أو الجهات الدينية أو الأسرى الذين أمنوا بالدين المسيحي ونشروه في هذه الديار. ويتبين من الدراسة أن الدين المسيحي لم ينقل دفعة واحدة إلى كل أنحاء بلاد ما بين النهرين، بل تم في فترات متباينة وبوسائل تبشيرية عديدة. وإذا كان وصول الرسل الأوائل قد تم في القرن الأول الميلادي، فأن القرون اللاحقة، وإلى حين مجيء المسلمين إلى هذه البلاد، في الثلث الأخير من القرن السابع الميلادي، شهدت وجوداً وقبولاً واتساعاً للدين المسيحي في أغلب مدن وارياف بلاد ما بين النهرين. وأن الكثير من هذه المدن في الشمال أو الجنوب أو الوسط قد أقيمت فيها الكنائس والأديرة المسيحية، والكثير منها قد اندثر ومنها ما يزال دون تنقيب. وما نقب وعثر عليه لا توجد عناية فعلية به حتى الآن. في حين تشكل هذه الكنائس والأديرة ثروة حضارية وتراثاً عراقياً مهماً وأصيلاً يشترك فيه مسيحيو العراق بمختلف طوائفهم، كما يهم المجتمع العراقي بأسره. ويمكن أن يشكل مزاراً لمسيحيي العالم.
أما الجزء الثاني فيتوزع على فصلين أيضاً. يبحث الفصل الثالث منه وبتوسع في موقف القرآن ونبي المسلمين محمد والخلفاء الراشدين من الدين المسيحي والمسيحيين. كما يبحث في المشاكل التي برزت ومواقف التمييز الديني إزاء المسيحيين، رغم العهود التي قطعت لهم، ومن ثم إجراء عمر بن الخطاب المخالف لتلك العهود في تهجير مسيحيي نجران إلى العراق، وعواقب ذلك وتأثيراته حينذاك وفي الفترات اللاحقة، وهي معززة بالوثائق. أما الفصل الرابع بمباحثه الأربعة فيعالج بالوقائع والتحليل موقف الدولة الأموية والدولة العباسية والدولة العثمانية من المسيحية والمسيحيين والمشكلات التي واجهتهم رغم دورهم الثقافي والإنساني المميز خلال تلك العهود والعوامل الكامنة وراء تلك المواقف والفوارق النسبية المهمة بين تلك العهود في الموقف من المسيحية والمسيحيين وأسباب ذلك. إضافة إلى العواقب السلبية لمواقف التمييز والتهميش والإقصاء على الإنسان المسيحي ودوره في المجتمع. فرغم اعتراف الإسلام بالمسيح والديانة المسيحية، إلا إن الموقف ينطلق من اعتبار الدين الإسلامي هو أخر الأديان السماوية وعلى أتباع جميع الديانات الأخرى أن يدخلوا في الدين الإسلامي، وهو ما يشكل جوهر الصراع الذي ينشب بين أتباع الديانات ويتناقض مع القول الوارد في القرآن "لكم دينكم ولي دين"! وفي هذا القسم استشهادات كثيرة على صور التمييز والإساءة ولاسيما من جانب الخلفاء والحكام.
أما الجزء الثالث فيبحث في أوضاع العراقيين المسيحيين والمسيحيات في أعقاب الحرب العالمية الأولى والدولة الملكية العراقية الحديثة التي تأسست في العام 1921 والجمهوريات اللاحقة منذ العام 1958. ويتضمن هذا الجزء13 فصلاً.
الفصل الخامس يبحث في تطور الواقع السكاني للمسيحيين وأضاعهم في أعقاب سقوط الدولة العثمانية وفي ظل الدولة الملكية وموقف الدولة الجديدة من المسيحيين وصور التمييز التي ظهرت ضدهم في هذه الفترة. كما يضع الكتاب القراء والقارئات أمام المجزرة التي نظمت ونفذت ضد السكان الآشوريين من النساء والرجال في سهل سُمّيل وكذلك في مجزرة ديرابون وعواقبها على المجتمع المسيحي عموماً، وعلى مناطق سكناهم والعوامل الفعلية،ولاسيما غياب الديمقراطية والحكم الرشيد ، والشوفينية والتمييز الديني، الكامنة وراء ما حصل للمسيحيين بطوائفهم العديدة.وفي هذا الجزء إدانة صارمة وشديدة لتلك الجرائم والأسباب التي أدت إليها، والموقف الخاطئة والسيئة للقوى والأحزاب والعرب والكرد منها.
أما الفصول 6، 7، و8 فتبحث بالتفصيل في أوضاع المسيحيين في الجمهوريات الأربعة اللاحقة وما تعرضوا له من اضطهاد ونزوح وتهجير قسري وتحت ضغط الواقع القائم حينذاك، ولاسيما في الفترة 1959 والفترات اللاحقة، إضافة إلى المجزرة البشعة التي نظمت ضد الكلدان المسيحيين في صوريا عام 1969 وأسبابها وما نجم عنها. وتتضمن أسماء الشهداء في هذه المجرة والمجازر التي سبقتها، وأسماء الجرحى على وفق ما توفرت للباحث.
أما الفصل التاسع فيبحث في الجمهورية الخامسة، جمهورية النظام السياسي الطائفي، وما اقترن بوجود هذا النظام من استبداد ديني وتمييز واضطهاد وملاحقة وتشريد وقتل وحرق الكنائس وتفجيرها وقتل القساوسة والمطارنة من جانب المليشيات الطائفية المسلحة، السنية منها والشيعية، المحلية منها والعربية ومن شذاذ الآفاق، في الوسط والجنوب والشمال، وكذلك التغيير الديموغرافي لمناطق العائلات المسيحية في نينوى وإقليم كردستان العراق. ويورد الكاتب نماذج عما حصل وشهادات نساء ورجال مسيحيين تعرضوا لتلك الجرائم البشعة. وكذلك ما حصل للإيزيديين وغيرهم، من إبادة جماعية على ايدي الدواعش المجرمين، بعد أن سُلمت الموصل دون دفاع عنها من قبل النظام الطائفي والسكوت الدولي عن ذلك طويلاً. وفي هذا يقدم الكاتب الكثير من الوقائع والأرقام والشهادات حول ما حصل للعائلات المسيحية بالعراق.
الفصل العاشر يبحث بشكل خاص في اضطهاد المسيحيين في كل الإمبراطوريات تحت لواء الإسلام والدولة العراقية خلال القرون والعقود المنصرمة وبتفاصيل مذهلة.
الفصل الحادي عشر يتطرق بشكل خاص إلى العراقيين المسيحيين الأرمن منذ بدء وجودهم، ولاسيما بعد الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها في العام 1914-1915 في تركيا، والكوارث الي حلت بهم، ودورهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالعراق، وموقف الأتراك الراهن من تلك المجازر البشعة التي شكل ضحاياها جبلاً يقدر عددهم بأكثر من مليون ضحية.
الفصل الثاني عشر يتطرق في مباحثه الخمسة بالتفصيل وبالشواهد والتحليل إلى العوامل الكامنة وراء التمييز القومي والديني اللذين تعرض لهما مسيحيو العراق،والتغيير الديموغرافي الذي تعرضت له مناطق سكناهم التاريخية والراهنة بالعراق، وتفاصيل عن المؤتمر الذي عقد في برطلة وعنكاوة في مناهضة التغيير الديموغرافي وشجبه والمطالبة باستعادة المسيحيين لمناطق سكناهم. وكان الكاتب رئيساً لهذا المؤتمر ولجنته التحضيرية.
يتطرق الفصل الثالث عشر إلى واقع وعواقب تلك السياسات على وجود المسيحيين بالعراق والهجرة الكبيرة التي حصلت في فترات مختلفة ولاسيما في العام 2014-2016 وآثارها السلبية على مسيحيي العراق أولاً، وعلى المجتمع العراقي بشكل عام. وتشير الأرقام المتوفرة إلى أن مسيحيي العراق قد تقلص عددهم من مليون وربع المليون نسمة إلى حدود 300 ألف نسمة حالياً، ولا تزال الهجرة لم تتوقف، ولاسيما بعد النزوح العام عن الموصل وسهل نينوى في أعقاب اجتياح داعش للمنطقة. ويضع الكتاب شهادات وأرقاماً وإحصائيات مهمة تكشف عن الواقع المرَ للعائلات المسيحية في هذه الفترة العصيبة من تاريخ العراق ومسؤولية النظام السياسي الطائفي والقوى والأحزاب الإسلامية السياسية عن كل ذلك. 
اما الفصلان 14 و15 فيبحثان في دور المسيحيين الريادي والطليعي في مجالات الثقافة، والفنون، واللغة، والأدب والشعر العربي والسرياني،والقصة، والمسرح، والطباعة والصحافة، والطب.. الخ، إضافة إلى دورهم الاقتصادي، الصناعي والزراعي وفي قطاع البنوك والتجارة والتأمين. كما يورد الكاتب أسماء وادوار أعلام المسيحيين الكبار والرواد في هذا المجالات، وكذلك العدد الكبير ومن الوزن الثقيل لمثقفي المسيحيين في الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية العراقية. ويتحدث بتوسع عن بعض الأسماء المهمة الحديثة في دورها الثقافي والإعلام والروائي بالعراق.
يبحث الفصل السادس عشر في عواقب الحرب الأخيرة في نينوى والاحتلال والإرهاب على المجتمع العراقي، ولاسيما على مسيحيي العراق من حيث النزوح والمشكلات الناشئة عنها وسبل العيش اللاحق للمسيحيين بالعراق وسبل معالجتها.
الفصل السابع عشر يتطرق إلى آفاق معالجة أوضاع المسيحيين بعد تحرير الموصل وعموم نينوى، وما يفترض أن يحصل، على وفق مطالب المسيحيين، في الموقف من سهل نينوى (محافظة) أو غير ذلك، والمشكلات المعقدة الأخرى المرتبطة بفترة ما بعد التحرير من النواحي الفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية.
وباختصار شديد يضع الكتاب أمام القارئة والقارئ بالعربية لوحة بانورامية مكثفة عن حياة ودور ومكانة المسيحيين الطليعي في الثقافة والاقتصاد والحياة الاجتماعية في وادي الرافدين منذ القرن الأول للميلاد حتى السنوات الأخيرة من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين من جانب، والمآسي والكوارث التي تعرضوا لها بسبب الفكر الشوفيني والتمييز الديني من جانب آخر، وبسبب غياب الحياة الديمقراطية وهيمنة الاستبداد والقسوة والعنف والفساد في حياة المجتمع من جانب النظم السياسية الحاكمة والفئات الاجتماعية المهيمنة على الاقتصاد ودست الحكم من جانب ثالث. ويحاول ان يطرح الحلول الممكنة والضرورية في هذا الصدد.
لقد وقعت مأساة كبيرة في العام 1949-1951/1952 حين تم تهجير 130 ألف يهودي عراقي إلى إسرائيل، بتعاون تم بين أربع دول هي: بريطانيا والولايات المتحدة وإسرائيل والعراق، وكان أغلبهم لا يرغب بالهجرة ويرى العراق وطنه ووطن أجداده. واليوم نحن نواجه حالة مماثلة، وأن كانت من طراز آخر وزمان آخر، ولكن الحقيقة الماثلة تؤكد إن قوى الإسلام السياسي بالعراق والمنطقة لا تريد للمسيحيين أن يبقوا بالعراق والمنطقة، واستمرار النظام الطائفي السياسي بالعراق يهدد باحتمال ذلك، في حين إن العراق وطنهم ووطن أجدادهم وفيه تراثهم الحضاري المديد. ومن هنا يفترض خوض النضال لإبقاء هذه اللوحة الملونة العراقية زاهية بالشعب المسيحي، بالكلدان والسريان والآشوريين والأرمن، وببقية اتباع الديانات. وهذا يتطلب عملاً نضالياً وتنويرياً مشتركاً وطويل الأمد، داخلياً وعربياً ودولياً، لكي نتجنب ما حصل ليهود العراق أو ما يمكن أن يحصل أيضاً للصابئة المندائيين أو حتى للإيزيديين. 
تشكل الملاحق جزءاً مهماً وأساسياً من الكتاب لما فيه من وثائق تاريخية، (قسم منها حذفه الرقيب السوري، كما حذف بعض النصوص من البحث ذاته أيضاً، ولم يتأثر مضمون الكتاب بهذا الحذف التعسفي وغير المسؤول)، وبعض المقالات والإحصائيات كشواهد على ما تعرض له المسيحيون، إضافة إلى أسماء شهداء المسيحيين خلال الفترة الواقعة بين 1933 حتى العام 2016/2017 وما تيسر للكاتب جمعه عبر التعاون النبيل مع أخوة مسيحيين ومنظمات مجتمع مدني مهتمة بشؤون المسيحيين بالعراق. ويتضمن الكتاب فهرس بالأسماء الواردة في الكتاب، ونبذة عن حياة الكاتب.
اعتمد الكاتب واستفاد في إنجاز الكتاب على مجموعة كبيرة من الكتب التاريخية الباحثة في الشأن المسيحي العراقي، سواء أكانت من باحثين وكتاب عرب أم أجانب، وسواء أكانوا من الآباء والكتاب المسيحيين أم من الكتاب والباحثين العلمانيين. كما استفاد من الكثير من الدراسات والمقالات القديمة والحديثة المنشورة في المجلات والصحف أو في المواقع الإلكترونية. وكذلك أجرى لقاءات مكثفة وعديدة ومفيدة جداً مع باحثين قساوسة ومطارنة من عنكاوة والموصل والقوش ودهوك ومع لغويين وباحثين مسيحيين. ويتضمن الكتاب فهرس بأهم وأبرز المصادر، إضافة إلى الهوامش.
نبذة عن الكاتب كاظم حبيب
من مواليد كربلاء 16/4/1935، حامل شهادات بكالوريوس، ماجستير، دكتوراه PhD،ودكتوراه علوم DSc، أستاذ جامعي سابق، باحث علمي وكاتب وناشر وناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وعن أتباع الديانات والمذاهب في العراق، إضافة إلى كونه سياسي عراقي يعيش حالياً في المهجر. عضو في عدد من منظمات حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية.
أصدر حتى الآن ما يزيد عن 30 كتاباً وعشرات الدراسات والأبحاث وبين 2500 ج 3000 مقالاً في حقول الاقتصاد والسياسة والمجتمع والبلدان النامية وقضايا حقوق الإنسان والمجتمع المدني وعن العنصرية والتمييز الديني والمذهبي. وأبرز كتبه "لمحات من عراق القرن العشرين"، ويقع في أحد عشر مجلداً، وكتاب عن "يهود العراق والمواطنة المنتزعة"، وكتاب عن "الإيزيدية ديانة عراقية شرق أوسطية قديمة"، والكتاب الأخير هو "مسيحو العراق.. أصالة.. انتماء.. مواطنة، إضافة إلى كتب: العولمة من منظور مختلف بجزئين، والفاشية التابعة في العراق، والتخطيط الاقتصادي، والاقتصاد الزراعي في العراق....

59
كاظم حبيب
المرأة العراقية والذكورية الجاحدة! 
في الذكر السنوية ليوم المرأة العالمي
ليس هناك من جديد في بلاد ما بين النهرين بشأن المرأة العراقية، سوى مسألتين بارزتين هما: استمرار الذكور على جحودهم الفظ لدور المرأة ومكانتها في الدولة والمجتمع والاقتصاد وإصرارهم على انتزاع حتى ما تبقى لها لما تحقق من حقوق قليلة قبل خمسة عقود في قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 أولاً، وإصرار المرأة الشجاعة على مواصلة النضال بعزم أقوى وأشد من السابق على انتزاع حقوقها المشروعة والعادلة ومساواتها التامة بالرجل ثانياً، ودعم هذا النشاط من جانب المتنورين من الذكور ومنظمات المجتمع المدني والقوى التقدمية، في مواجهة نظام سياسي طائفي مقيت يدعم كل الإجراءات التي تحط من قدر المرأة وتنتزع حقوقها وكرامتها، بما في ذلك البنات القاصرات في قانون أو تعديلات قانونية للقانون السابق أقرها مجلس الوزراء وحولها إلى مجلس النواب لإقرارها، والتي تعبر عن مدى الوضاعة التي وصل إليها النظام السياسي بالعراق وعموم القوى الحاكمة حتى الآن. وقد نهضت حملة إنسانية نبيلة ضد هذه التعديلات المقترحة وأجبر مجلس النواب البائس على تأجيل إقرارها لظرف أخر يمكن عندها فرضها على المجتمع!!
بسبب فداحة الاغتصاب الحاصل على حقوق المرأة العراقية، ينسى الكتاب والإعلاميون التقدميون ما في اللغة العربية من ذكورية مطلقة، وهي لغة القرآن أيضاً. إذ أن جميع المسائل الواردة في القرآن تتحدث إلى ومع الذكور لا غير، وليس مع المرأة. وحين يرد ذكر المرأة فباعتبارها تابعاً وخاضعاً للرجل، نتاج ضلع..، ولأن "الرجال قوامون على النساء..". (راجع هنا المقال القيم للدكتور محمد محمود الموسوم " واضْرِبُوهُنَّ: قراءات الأمس"، الحوار المتمدن بتاريخ 06/07/2018). وهكذا عاش وما زال العرب يعيشون منذ قرون على إنكار حقوق المرأة ودورها المماثل والمعادل لدور الرجل في الدولة والمجتمع والاقتصاد وبقية المجالات، ويتعاملون معها على إنها "ناقصة عقل!". ومن يفكر بهذه الطريقة يؤكد أنه يعاني من نقص في عقله بالمطلق، وليس المرأة. فمن حق الرجل أن يضرب المرأة إن نشزت، كما جاء في سورة النساء 4، الآية 34: " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا"، ومعنى النشوز، كما جاء في معجم المعاني، "نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ بِزَوْجِهَا: تَمَرَّدَتْ عَلَيْهِ ، اِسْتَعْصَتْ ، أَبْغَضَتْهُ". لم يكن الإسلام وحده قد اتخذ هذا الموقف من المرأة، بل سبقته اليهودية ومن ثم المسيحية. إلا أن الديانتين اليهودية والمسيحية قد شهدتا تحولاً في الموقف والممارسة عبر عملية التنوير التي صاحبت التطور الصناعي وبروز البرجوازية في الحياة السياسية والحكم وتبني مبدأ المساواة بين المرأة والرجل وتحرير المرأة من عبودية الرجل وهيمنته البشعة، في حين مازال المسلمون، يعاملون المسلمات، على ما وضع منذ أكثر من 1439 عاماً ولم يعرفوا عملية التنوير الديني والاجتماعي حتى الآن. ورغم كل ذلك استطاعت المرأة في بعض الدول العربية والدول ذات الأكثرية الإسلامية انتزاع بعض الحقوق، ومازلن يناضلن لانتزاع بقية الحقوق من براثن الرجل المستأسد على المرأة والمغتصب لحقوقها. في هذه المقالة القصيرة سوف أعالج مسألة واحدة تبدو هامشية للبعض، ولكنها أساسية في حكم الموقف الذكوري المتخلف من المرأة.
منذ سنوات بدأت استخدم في كتاباتي لغة ذكورية وأنثوية في آن واحد. ووجهت نداءات بضرورة استخدام هذه الثنائية في الكتابة. ولكن القلة القليلة استجابت لهذا النداء حتى الآن. وليس هذا غريباً على بلد مثل العراق أو الدول العربية. فالألمان الذكور يواجهون، رغم تحررهم يواجهون، مثل هذه المشكلة، وتتجلى في مطالبة متزايدة من جانب النسوة بتغيير النشيد الوطني إلى لغة ذكورية وأنثوية في آن واحد، أو التخلي عن بلد الأب Vaterland، واستخدام بيت الوطن،Heimatland . (راجع جريدة برلينر تسايتونك بتاريخ 06/03/2018، ص 8)
إن استخدام اللغة الثنائية، ذكورية وإنثية، من جانب كتابنا وكاتباتنا ومن جانب إعلامينا وإعلامياتنا، من جانب الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ونقابات العمال والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني الأخرى، وفي الكتب الدراسية لجميع المراحل الدراسية، سيلعب دوراً تثقيفاً مهماً جداً، إلى جانب دوره النفسي والاجتماعي، على السامعين والسامعات كافة، وسيساهم تدريجاً في إلغاء اللغة الذكورية المنفردة لصالح اللغة الثنائية. وسيجد تعبيره تدريجاً في السلوك الفردي للمرأة والرجل ويقترن مع النضال المتواصل من أجل انتزاع الحقوق الفعلية الأخرى وليس باللغة فقط. فبدلاً من أن نكتب "أبناء" العراق، لا بد لنا أن نكتب "بنات وأبناء" العراق، رجال ونساء العراق، أو بدلاً من أن نكتب الأستاذ فلانة بن فلان، لابد أن نكتب الأستاذة فلانة بنت فلان، أو المديرة أو القاضية أو الوزيرة أو العالمة أو الدكتورة...الخ.                   
حين وصلني العدد الأول من المجلة الإلكترونية "الأكاديمي" باللغتين العربية والإنكليزية، عن "جمعية الاكاديميين العراقيين في استراليا ونيوزلندا" واطلعت على محتوياتها القيمة حقاً، لفت انتباهي، وهي مجلة أكاديمية ديمقراطية تصدر عن جمعية متقدمة في موقفها من المرأة والرجل ولها فرع يدافع عن حقوق الإنسان، استخدامها اللغة الذكورية عند ذكر المرأة، الأستاذ فلانة بن فلان، (دع عنك خلو هيئة التحرير من أي امرأة في عضويتها!)، رغم وجود عدد كبير من النساء العراقيات المتقدمات في مجال العلم والثقافة والفن في استراليا بشكل خاص، وليست لدي معلومات عن نيوزيلندا. فكتبت لهيئة التحرير ملاحظة بشأن ذكورية الكتابة ورجوتهم التفكير بشأن تغيير ذلك. ومن المؤسف إن هيئة التحرير لم تجبني على استفساري واقتراحي بهذا الصدد!
أتمنى على جميع الأحزاب والمنظمات والشخصيات من كتاب وإعلاميين وعاملين في الشأن العام، أن يبدؤا باستخدام اللغة الإنثوية إلى جانب اللغة الذكورية في الكتابة، لكي نخلق حساً إنسانياً سليماً إزاء المرأة بالعراق، رغم الجو السياسي المغبر والمضبب والمزاج الراهن المناهض لحقوق المرأة، بسبب هيمنة قوى الإسلام السياسية الطائفية على مقاليد الدولة والحكم ومجلس النواب والقضاء العراقي والإعلام الحكومي، وهيمنة واسعة على الإعلام الخاص أيضاً. إنها وفي هذه الظروف يفترض على كل الديمقراطيين المقتنعين بمساواة المرأة بالرجل في جميع المجدالات، بما في ذلك اللغة، أن يبدؤا مقاومتهم للذكورية المستفحلة، وسيكون ذلك هدية متواضعة للمرأة العراقية في يومها العالمي، للأم والأخت والزوجة والبنت والخالة والعمة..، وللإنسانة العراقية المناضلة في كل زاوية من أرض الرافدين، في العراق المستباح حتى الآن!                 

60
كاظم حبيب
تزايد قلق الديمقراطيين من اليمين واليمين المتطرف في أوروبا!

كما تجتاح الدول العربية وغير العربية ذات الأكثرية المسلمة موجة مديدة من الإرهاب الأعمى المدمر من جانب قوى الإسلام السياسي اليمينية واليمينية المتطرفة والتكفيرية، حيث هيمنت بعض قواها على الحكم في عدد من هذه الدول، لاسيما في أسيا وأفريقيا، كما في إيران وتركيا والسودان والسعودية والعراق مثلاً، وتمارس سياسات استبدادية وتفرض إرهاباً فكرياً ضد أتباع الديانات الأخرى وضد أتباع الفكر الآخر والرأي السياسي الآخر، وكذلك ضد أتباع القوميات الأخرى، والتي أدت إجراءاتها حتى الآن، سواء تلك التي في السلطة أم خارجها، إلى موت ما يزيد عن مليون ونصف المليون إنسان خلال الأعوام العشرة المنصرمة، وهي ما تزال تواصل ذات السياسات ولم يردعها إجراءات ما يدعى بالتحالف الدولي ضد الإرهاب، لأنه غير جاد وغير موحد ودون تنسيق ومتشابك ومتداخل مع أجهزة أمنية لبلدان غير قليلة، تجتاح أيضاً الدول الرأسمالية المتقدمة موجة مديدة من السياسات والإجراءات ذات النهج والمضامين اليمينية للقوى والأحزاب الحاكمة من جهة، وتفاقم كبير في نشاطات القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة والقوى النازية الجديدة خارج السلطة من جهة ثانية. وبصدد الصنف الأول يمكن الإشارة بوضوح كبير إلى كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وهنغاريا وبولونيا والنمسا وسلوفاكيا والتشيك وبلغاريا وأخيراً النمسا وإيطاليا حيث فاز اليمين واليمين المتطرف في الانتخابات العامة الأخيرة، قد شكل التحالف اليميني واليمين المتطرف الحكومة في النمسا، وربما سيشكل الحكومة بعد أن فازت أحزاب خمس نجمات وبرلسكوني وحزب الشمال اليميني المناهض للأجانب واللاجئين في إيطاليا في انتخابات شباط/فبراير 2018، أما الصنف الثاني فيمكن تأشير دول مثل فرنسا وهولندا وألمانيا والدنمارك والسويد، على سبيل المثال لا الحصر. هذه الاتجاهات ليست وليدة اليوم، بل بدأت بشكل ملموس في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين وتصاعدت مع انهيار النظم السياسية والاجتماعية "الاشتراكية" في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، وتفاقمت بهيمنة فعلية لسياسات اللبرالية الجديدة وقوى المحافظين الجدد في هذه الدول. وكان الأمير زيد بن رعد بن الحسين على حق وصادق حين أكد في تقريره للأمم المتحدة ما يلي: "اليوم، القمع أصبح مألوفا. لقد عادت الدول البوليسية والحريات الأساسية تتراجع في كل منطقة في العالم. كما ان الخجل ايضا يتراجع". وتابع قوله: أن "كارهي الأجانب والعنصريين يتصرفون دون اي شعور بالحرج. مثل المجري فيكتور اوربان الذي قال في وقت سابق هذا الشهر "لا نريد ان يختلط لوننا ... مع الآخرين.." ألا يعلمون ما الذي حدث للأقليات في المجتمعات التي يسعى قادتها للنقاء الأثني والوطني والعرقي؟". (i24 Europa, News, 26.02.2018). وإذا كانت هذه النزعات الشديدة في توجهها الشوفيني والعنصري والديني المتزمت، فأن من الواجب الإشارة إلى دول مثل تركيا وإيران ومصر والسعودية والعراق على سبيل المثال لا الحصر!
إن تفاقم الموقف السلبي والمتشدد والمعادي لليهود والأجانب في دول الاتحاد الأوروبي وعموم أوروبا، ولاسيما ضد المسلمين، يعتبر جانباً واحداً من السياسات اليمينية واليمينية المتطرفة في هذه الدول، إذ أن الجوانب الأخرى أوسع وأشمل وأكثر عمقاً وخطورة على مجمل أوضاع هذه الدول، منها مثلا ما جرى في هنغاريا وبولونيا بشأن التغييرات الجارية على القوانين ووزارة العدل، وعلى حقوق وحريات الأفراد، أو على طبيعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية في مجمل الدول الأوروبية والولايات المتحدة، ومنها السياسات الضريبية التي تزداد تمايزاً في غير صالح العمال وصغار ومتوسطي المنتجين، وفي صالح كبار الرأسماليين والشركات الرأسمالية الاحتكارية. والمؤشر لهذه الخطورة يبرز في نتائج الانتخابات المحلية والانتخابات العامة في أغلب هذه الدول خلال الفترة الواقعة بين 2015-2018، وما يمكن أن يحصل في السنوات القادمة، حيث تشير الكثير من التقارير الصادرة عن مراكز الأبحاث واستطلاعات الرأي إلى احتمال واضح بحصول القوى اليمينية واليمينية المتطرفة والشعبوية على نسبة مهمة من الأصوات والمقاعد النيابية في عدد متزايد من الدول الأوروبية. (راجع أبحاث وتقارير عن مناهضة السامية ومناهضة الأجانب صادرة عن المكتب الاتحادي للتثقيف السياسي بألمانيا (Bundesamt für politische Bildung, in 2014, 2015, 2016, 2017 ( إن هذه الاتجاهات السياسية والاجتماعية، التي امتدت إلى الأوساط العمالية النقابية، بدأت تثير قلق القوى اليسارية والديمقراطية في أغلب الدول الأوروبية، وبدأت تنظم المظاهرات احتجاجاً على هذه الظواهر، ولكنها ما تزال ضعيفة ودون المستوى المطلوب لمواجهة هذه الاتجاهات اليمينية واليمينية المتطرفة، التي أدت سياسات اسلافها إلى نشوب حربين عالميتين في القرن العشرين، والتي كان أحد عوامل نشوبها ضعف التحالفات السياسية والاجتماعية بين القوى المناهضة لهذه الاتجاهات الفكرية والرأسمالية المتطرفة، مما يذكرنا بما حصل في أوروبا في النصف الثاني من العقد الثالث وما بعده في تفاقم الصراعات بين الأحزاب السياسية المناهضة للفاشية والنازية واليمين المتطرف.   
والسؤال المشروع في هذا الصد: ما هي العوامل الكامنة وراء هذا النزوع المتنامي صوب اليمين واليمين المتط