عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - كاظم حبيب

صفحات: [1] 2
1
كاظم حبيب
هل يتعلم كل حكام العراق من تجارب ودورس الماضي؟
لا أغوص بعيداً في تاريخ العراق القديم والوسيط، بل يكفيني أن أستعيد ما قرأته من كتب وعلوم التاريخ والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة وعلم النفس، التي استعنت بها لكتابة 11 مجلداً من كتابي الموسوم "لمحات من عراق القرن العشرين" الصادر عن دار أراس في العام 2013، أو لنشر كتابي الموسوم "الاستبداد والقسوة بالعراق"، الصادر عن دار حمدي في العام 2005، وكتابي الموسوم الفاشية التابعة في العراق الصادر في العام 1984 وأعيد طبعه في العام 2008 عن دار حمدي أيضاً من جهة، ومعايشتي لأحداث العراق وفواجعه ونكباته المتلاحقة لما يقرب من سبعة عقود، لأضع بكل تواضع ومسؤولية أمام القارئات والقراء الكرام استنتاجاً واحداً بسيطاً جداً من مجموعة مهمة من الاستنتاجات، ولكنه في الوقت نفسه مهم جداً للعيش المشترك بين أبناء وبنات القوميات العديدة بالبلاد، الاستنتاج يؤكد " أن حكام العراق كلهم دون استثناء منذ تأسيس الدولة العراقية حتى يومنا هذا لم يدرسوا بشكل عميق ولم يطلعوا بما يكفي على تجارب الماضي، كما لم يتعلموا من دروس الماضي أو يتعظوا بها، بل كلهم دون استثناء كرروا وما زالوا يكررون حتى يومنا هذا ارتكاب الأخطاء ذاتها، سواء أكان ذلك في مجال السياسة، بما في ذلك جانبها العسكري، أم الاقتصاد أم الحياة الاجتماعية والثقافية، وينتهون إلى العواقب الوخيمة وإلى المصير ذاته بصيغ عديدة. وهم أثناء ممارستهم الحكم يصابون بذات العلل التي أشرت إليها في مقالي الأخير الموسوم "النرجسية المرضية والسادية عِلتان يتميز بها حكام الشرق الأوسط"، المنشورة بتاريخ 30/11/2017، وفي مقدمتهم طبعاً حكام العراق، حيث يلعب الكثير إعلاميو الإعلام الرسمي والانتهازيون ووعاظ السلاطين والمرتزقة دورهم الفعال في إصابة هؤلاء الحكام بمثل هذه العلل وغيرها. والجانب الآخر من هذا الاستنتاج هو أن الشعب الذي اكتوي بسياسات القوى الاستبدادية والشوفينية والطائفية المتتالية لا يتعظ هو الأخر بما يفترض أن يواجه به مثل هؤلاء الحكام، وأنه ذو ذاكرة قصيرة لها عواقبها الشديدة على المجتمع بأسره.
فحكام العراق رفضوا، على امتداد القرن العشرين وما يقرب من عقدين من القرن الحادي والعشرين الذي نحن فيه اليوم، الاعتراف بحق أبناء وبنات القوميات الأخرى بحقوقهم القومية المشروعة والعادلة، ولاسيما حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، كما هو موقف وحال الحكام الترك والحكام الإيرانيين إزاء القضية ذاتها. وإذا ما اعترف بعضهم بالعراق ببعض هذه الحقوق، كما حصل في فترة حكم البعث في بيان أذار عام 1970، فأن هذا الاعتراف قد شوه تماماً، إذ اقترن بجهود حثيثة من جانب قادة الحزب البعث الحاكم والحكم الشوفيني بإفراغ الحكم الذاتي للإقليم من محتواه الديمقراطي والتآمر والإجهاز عليه. وكانت حصيلة الموقف غير الإنساني المديد عواقب كثرة ووخيمة، والتركيز هنا ينصب على التجربة العراقية:
1) المزيد من المعارك المسلحة والحروب الداخلية؛ 2) المزيد من القتلى والجرحى والمعوقين والعلل النفسية؛ 3) المزيد من الخسائر المالية والمادية والدمار وتعطيل عملية التنمية والتطور الاقتصادي؛ 4) المزيد من الأحزان والآلام والدموع والكراهية والأحقاد التي نشرت الشوفينية وعمقت ضيق الأفق القومي والتي دأب الحكام بالعراق على نقلها إلى صفوف الشعب؛ 5) السماح بالتدخل الأجنبي الإقليمي والدولي في شؤون العراق الداخلية؛ 6) تفاقم عدم الاستقرار والأمن الداخلي بالعراق والمنطقة، وغالباً ما أدى كل ذلك إلى سقوط الأنظمة السياسية بأساليب مختلفة؛ 7) المزيد من التعقيدات في القضية الكردية ذاتها ووضع العراق عموماً.
حقق الكرد في العام 1991/1992 مكسباً ضمن حقوقهم العادلة والمشروعة إقامة الفيدرالية الكردستانية ضمن الدولة العراقية، وهي نتاج نضالهم المليء بالتضحيات ومشاركة وتضامن المناضلات والمناضلين العراقيين من غير الكرد مع هذا النضال، والدعم الدولي، ولم يعلنوا الانفصال أو إقامة دولتهم الوطنية المستقلة، والتي تعتبر شكلاً من أشكال عدة في ممارسة حق تقرير المصير. واستمر هذا الوضع وباستقلالية عالية عن الحكم الدكتاتوري البعثي ببغداد واستفادت المعارضة العراقية كثيراً من وضع الإقليم حينذاك. وفي فترة المعارضة للنظام الصدامي والسعي لإسقاطه اتفقت قوى المعارضة السياسية، سواء تلك التي أيدت إسقاط النظام عبر الحرب الخارجية أم رفضته وأكدت ضرورة إسقاطه عبر الشعب وقواه السياسية وبدعم وتضامن الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي، على الاعتراف بحقوق الشعب الكردي وبقية القوميات، وعلى إقامة الدولة الوطنية الديمقراطية والمجتمع المدني بالعراق.
وحين أسقطت الدكتاتورية الغاشمة على أيدي التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا وبعيداً عن قرار من مجلس الأمن الدولي وفرض الاحتلال الدولي (الأمريكي-البريطاني) الفعلي على العراق، فرض المحتلون على العراق وأهله نظاماً سياسياً طائفياً ومحاصصة طائفية في سلطات الدولة العراقية الهشة الثلاث كافة وبالتنسيق مع أحزاب عراقية بعينها وبدعم مباشر وكثيف من إيران. وقد نسى القادة والأحزاب التي أيدت الحرب الاتفاقات التي جرت قبل إسقاط الدكتاتورية واتفقوا على إقامة النظام السياسي الطائفي – الأثني بالعراق. إذ حين وضُع الدستور العراقي في العام 2005 أُقرت فيه الفيدرالية، ولكن لم يثبت حق تقرير المصير. وهو خطأ ساومت به القيادات الكردية في حينها، كمساومتها على إقامة نظام المحاصصة الطائفية والأثنية بالعراق، الذي أضر بهم وبالشعب العراقي كله وباستقلال وسيادة الوطن أيضاً. وكان البعض يتصور بأن الصراع العربي الشيعي السني سيسهم في خدمة القضية الكردية. ولم يكن هذا التصور خاطئاً فحسب، بل ومضراً جداً وحذرنا منه كثيراً ولم ينفع ، وبالتالي ألحق أضراراً فادحة بالجميع.
لم يضع حكام العراق والمجلس النيابي الطائفي - الأثني القوانين المنظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والمجالس المحلية في المحافظات، كما لم تصدر القوانين الأخرى التي تنظم باقي العلاقات الاقتصادية والمالية والصلاحيات على أسس عقلانية وواقعية سليمة تأخذ بنظر الاعتبار مصالح الجميع. وكانت النتيجة صراع بين الحكومتين ومع مجالس المحافظات أيضا على الصلاحيات والحقوق، وكانت العواقب وخيمة، وانتهى العمل عملياً بالدستور العراقي من الجانبين بذريعة التباين في وجهات النظر وعدم التحري عن طريق ثالث عقلاني يمهد السبيل لعراق مدني ديمقراطي علماني.
وإذ كان الحاكم المستبد بأمره قد استفرد بالحكم الاتحادي منذ العام 2006 وتشبث لا بممارسة الطائفية الجامحة والمدمرة والشوفينية المقيتة فحسب، بل وعمل بنرجسية وسادية وفساد مرعب بالبلاد، أدت، مع غيرها من الظاهر والعلل، إلى عواقب وخيمة في العلاقات بين الطرفين. إن النهج الفردي في الحكم الاتحادي وبالحكم الإقليم وضعف الديمقراطية والرغبة المتعجلة في انتزاع أكبر الحقوق من جانب الطرفين قد ساعد على تعقيد تلك العلاقة وعمقها. ولعبت كل من حكومتي إيران وتركيا دوريهما البالغ في تعميق وتوسيع وتشديد الخلاقات والاستفادة منها لفرض هيمنتهما على الحكومتين بصيغ عديدة. ولم تنفع المساومات الشخصية بين الحكام التي حصلت في العام 2010 في الوصول إلى نتائج إيجابية بل "زادت في الطين بلة" وتعمق الخراب بين الحكومتين!
لم يكن التعامل بين الطرفين عقلاني وافتقد الحكمة الضرورية، وإذ شعر الحكام ببغداد إن الإقليم قد سرق من صلاحيات الحكم المركزي، والعراق مجبول بمركزية الحكم المديدة، فأن حكام الإقليم شعروا بمحاولة الحد من حقوقهم الفيدرالية. وكلاهما كان بهذا القدر أو ذاك على حق، لأن الجانبين خرجا عن الإطار الدستوري أولاً، ولا وجود لقوانين منظمة ثانياً وانعدام الثقة بين الطرفين ثالثاُ، وإبعاد الشعب عن التأثير في الأحداث رابعاً. وكانت حصيلة ذلك أن قادت الحكم بالإقليم إلى طرح وإجراء "الاستفتاء" وما نشأ عن كل ذلك من عواقب.
الاستفتاء حق مشروع للشعب الكردي وممارسته يفترض ألَّا تشكل عقبة في طريق استمرار الوحدة للدولة العراقية، ولا يعني التصويت بـ "نعم" الانفصال في كل الأحوال. رغم قناعتي الشخصية بأن الاستعجال في طرحه وأسلوب ممارسته في ضوء الواقع المحلي والإقليمي والدولي لم يكن أجراءً واقعياً، فأن ردود فعل الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة، شيعية كانت أم سنية، ومواقف وإجراءات الحكومة الاتحادية ورئيس الحكومة بالذات لم تكن واقعية ولا سليمة وتقود إلى عواقب إضافية غير محمودة وغير سليمة، إن تواصل هذا الموقف المتعنت من جانب الحكم الاتحادي.
إن الخشية الموجودة أصلاً، بدأت تنمو وتتفاقم في الساحة السياسية العراقية، نتيجة الموقف الذي يتخذه رئيس الحكومة والأحزاب الإسلامية الشيعية التي تسنده من أوضاع الإقليم والمواقف السياسية ذات المضمون الاستبدادي والشوفيني إزاء الشعب الكردي. إن هذه المواقف لا شك ستقود من يمارسها، إن استمر هذا النهج غير الحكيم، إلى ذات العلل التي عانى منها رئيس وزراء العراق السابق، والتي تتميز بها جميع قيادات الأحزاب الإسلامية السياسية، الشيعية منها والسنية، والتي لم تتمعن بتجارب الماضي ولم تتعلم من دروسها الأساسية.
لا يحق لأحد أن يجوع الشعب الكردي ولا أبناء القوميات أو الديانات والمذاهب الأخرى بكردستان العراق، وذلك من خلال عدم دفع حصة كردستان من الميزانية الاعتيادية، وبالتالي عدم قدرة الحكومة هناك على تأمين رواتب الموظفين والمستخدمين، والذي يقود إلى عواقب سيئة بما في ذلك شحة السيولة النقدية في السوق الكردستاني وتأثير ذلك على الاقتصاد العراقي عموماً وعلى مزاج وصحة ونفسية غالبية الشعب بكردستان العراق. لا يمكن حل المشكلات العالقة بفرض حلول معينة من جانب واحد على الشعب الكردي ولا حتى عبر التجويع، فهو أمر لا يقود إلّا إلى المزيد من التوتر والصراعات وعدم الاستقرار. إن حكومة الإقليم وافقت على قرار المحكمة الاتحادية في موضوع الاستفتاء وبالتالي لم يعد من حيث الواقع قائماً، وطابعه المعنوي معروف للجميع حتى قبل إجراء الاستفتاء، فلماذا هذا الإصرار من جانب رئيس الوزراء العراقي على طلب شيء لم يعد قائماً أو مطروحاً للتنفيذ حالياً.
إن من واجب التضامن الوطني والتآخي القومي، من واجب الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه، من واجل كل القوى الديمقراطية والمدنية العراقية، أن ترفض تجويع الشعب بكردستان العراق بذريعة عدم موافقة المسؤولين الكرد على الحلول المطروحة من جانب الحكومة الاتحادية، وهي حلول ومواقف سياسية قابلة للحوار، بغض النظر عن الفترة التي يستوجبها الحوار للوصول إلى نتائج مقبولة للجميع، إذ لا بد من العودة إلى الدستور العراقي. والدستور يرفض في كل الأحوال فرض التجويع في حالة وجود خلافات سياسية بأي حال من الأحوال.   
إن استمرار هذا الوضع هو ما تريده القوى المعادية للشعب الكردي والشعب العراقي عموماً، وهي التي لا تريد الأمن والاستقرار والسلام بالبلاد، وهي التي تحاول توفير مستلزمات الفوضى وبروز أعمال عنف جديدة أو نشوء جماعات راديكالية متطرفة جديدة، سواء أكانت دينية أم قومية، في وقت ما زال العراق يعاني من بقايا داعش والفكر الداعشي ومن قوى طائفية سياسية أخرى مماثلة في أساليب عملها ونهجها لعصابات داعش التي ما تزال تشكل الحكم بالبلاد. إن سياسة رئيس الوزراء الحالية إزاء الوضع بالإقليم يمكن أن تقود إلى حرب جديد، لاسيما وأن قوات جيش المقدس الإيراني، التي يقودها الإيراني العميد قاسم سليماني، والمتمثلة بقيادات وقوى أساسية في الحشد الشعبي بالعراق، تستعد منذ فترة غير قصيرة لشن حرب عدوانية ضد الشعب الكردي، وهو ما يفترض أن تنتبه له كل القوى الخيرة والديمقراطية والمخلصة للعراق وشعبه. كما إن على ساسة الإقليم أن يعملوا من أجل طرح مقترحات تساعد على معالجة المشكلات القائمة بطرق سلمية وتفاوضية وديمقراطية.


2
كاظم حبيب
مادة للمناقشة
سبل وأدوات تنشيط وتجديد حركة حقوق الإنسان بالعراق
رغم مشاركة وإقرار الدولة العراقية الملكية عبر ممثلها في الأمم المتحدة بوضع وإقرار اللائحة الدولية لحقوق الإنسان في 10/112/1948، ورغم مطالبة الأحزاب والقوى الديمقراطية بالعراق بإطلاق الحريات العامة والحقوق الديمقراطية والحياة الدستورية والحقوق القومية، إلا إن المجتمع العراقي لم ينتبه إلى هذه اللائحة ولم يعمد إلى تشكيل منظمات لحقوق الإنسان، بالرغم من التجاوزات الفظة والانتهاكات المستمرة على حقوق الإنسان وحقوق المواطنة وجميع المواثيق والعهود التي صدرت من جانب الأمم المتحدة في الستينيات من القرن الماضي، والتي مارستها الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث إزاء الشعب العراقي عموماً والأحزاب والأفراد خصوصاً. وفي العام 1969 تم لأول مرة تشكيل أول جمعية لحقوق الإنسان بالعراق تولى رئاستها الشخصية القومية العراقية المعروفة زكي جميل حافظ (1925 - 2011) واستمر في موقعه حتى عام 1977. وكانت المنظمة تحت إشراف ورقابة سلطة حزب البعث العربي الاشتراكي. وقد عجزت الجمعية عن تقديم أية خدمات فعلية دفاعاً عن حقوق الإنسان، بسبب النظام طبيعة النظام البعثي، الذي مارس بقسوة بالغة شتى صنوف انتهاك حقوق الإنسان والمواطنة، بما في ذلك التعذيب والقتل تحت التعذيب والدهس المتعمد وقتل المعارضين ورميهم في الشوارع، وبالتالي لم يشعر المواطن بوجودها أصلاً، وكانت من الناحية الفعلية غطاءً لستر ممارسات حزب البعث المناهضة لحقوق الإنسان وحقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب. 
وفي فترة لاحقة تشكلت مجموعة من منظمات حقوق الإنسان في المنفى الأوروبي وبسوريا، دفاعاً عن حقوق الإنسان العراقي، والتي بدأت في أعقاب تشكيل المنظمة العربية لحقوق الإنسان في العام 1983 في ليماسول حيث شارك فيها بعض الشخصيات العراقية، منهم مثلاً: حسين جميل والدكتور خير الدن حسيب وأديب الجادر. وفي دمشق تشكلت الجمعية العراقية لحقوق الإنسان من قبل بعض الكوادر القيادية البعثية جناح سوريا المناهض لحزب البعث، جناح العراق، واتخذت الاسم ذاته، الذي كان قد اختاره حزب البعث بالعراق لهذه المنظمة.
إن الهدف من الإشارة إلى تأخر تشكيل منظمات حقوق الإنسان بالعراق وفي مجمل دول الشرق الأوسط هو:
أولاً: إبراز واقع وجود نظم سياسية مناهضة للديمقراطية وقامعة بقسوة لأي تحرك بهذا الاتجاه من جهة، وضعف اطلاع المثقفين والأحزاب السياسية على مضامين وأهداف ونشاطات حركة حقوق الإنسان في دول أخرى مثل أمريكا الجنوبية، أي غياب فعلي لثقافة حقوق الإنسان في المجتمع من جهة أخرى، إضافة إلى ضعف دور لجنة حقوق الإنسان الدولية في جنيف التابعة للأمم المتحدة في نشر ثقافة حقوق الإنسان والوثائق الصادرة عنها وإدخالها إلى تلك البلدان، ولاسيما النامية، ومنها العراق، لخلق رأي عام يعي ويناضل من أجل ممارستها والضغط على حكوماتها لهذا الغرض أيضاً.
ثانياً: من أجل بلورة الإشكاليات والمشكلات الواقعية والعلل التي تعاني منها وتلك الت تواجهها حركة ومنظمات حقوق الإنسان بالعراق.
ثالثاً: التحري عن سبل وأدوات معالجة هذه المشكلات وإثارة النقاش حولها من أجل توفير مستلزمات منحها دفعة قوية وجديدة إلى الأمام في عملها الإنساني النبيل.
سنبدأ هنا بإبراز المشكلات والعلل التي تعاني منها هذه الحركة الإنسانية ومنظماتها بالعراق:
المشكلة الأولى: أغلب منظمات حقوق الإنسان العراقية التي تأسست داخل البلاد أو خارجه كانت بمبادرات الحكومة أو من كوادر سياسية حزبية، سواء أكانت ما تزال في تلك الأحزاب، أم تخلت عن حزبيتها. وبالتالي كان يلاحظ على نشاط هذه الأحزاب استخدامها لغة أقرب إلى السياسات الحزبية منها إلى لغة حقوقية، لغة حقوق الإنسان. وإذا كانت المنظمات التي تشكلها الحكومات المتعاقبة تدافع عن النظام وترفض أي اتهام لها بانتهاك حقوق الإنسان، فأن المنظمات الحزبية كانت لا تجد في الغالب الأعم مصداقية لاتهاماتها للحكومات المتعاقبة بسبب الشعور بكونا تابعة لهذا الحزب أو ذاك.
وخلال فترة التسعينات من القرن الماضي وما بعده عمدت أحزاب سياسية إلى تشكيلات تنظيمية تابعة لها باسم لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان، (وحصل هذا من جانب الحزب الشيوعي العراقي وأحزاب إسلامية وأخرى كردية وقومية عربية، وكان دفاعها يتركز على المعتقلين من أتباعها على نحو خاص. لا شك في أن هذه كانت إحدى نقاط ضعف حركات حقوق الإنسان العراقية التي لم تتخلص منها لفترة طويلة، والتي ما تزال تميز بعض جوانب عملها أو عضويتها.
المشكلة في هذا الصدد لا تكمن في حزبية أعضاء هذه المنظمات أم عدم حزبيتهم، بل في مدى قدرة أعضاء هذه المنظمات على التصرف باستقلالية عالية عن أحزابهم وفي ضوء مبادئ وقواعد عمل حركة حقوق الإنسان ولوائحها الأساسية، أي مدى استعداد أعضاء في هذه المنظمات على إدانة أحزابهم حين يرتكبون انتهاكاً لحقوق الإنسان أو لحقوق القوميات، وليس ما ينتهك من أحزاب أخرى فقط.
المشكلة الثانية: تعاني الكثير من منظمات حقوق الإنسان بداخل العراق أو خارجه من تدخل الحكومة أو الأحزاب السياسية العراقية بعمل هذه المنظمات وسعيها للتأثير عليها، وهو أمر بالغ الضرر للحركة ومنظماتها من جهة، كما يسقط عنها مصداقيتها حين يبرز تحيزها لجهة دون غيرها، أو عدم حياديتها، في حين المفروض فيها أن تشجب انتهاك حقوق الإنسان من أي جهة تمارسه، وسواء أكانت في الحكم أم خارجه. ونادرة تلك المنظمات التي تملك الشجاعة والإرادة على شجب انتهاك حقوق الإنسان تمارسه أحزاباً يكون الكثير من هذه الأحزاب أعضاء في هذه المنظمات. والأمثلة على ذلك كثيرة.   
المشكلة الثالثة، غالباً ما تتعرض منظمات حقوق الإنسان إلى اضطهاد من جانب الحكومات وأجهزتها الأمنية أو الحزبية أو تهديدهم، مما يعيق ممارستهم لمبادئ حقوق الإنسان والدفاع عن الذين تنتهك حقوقهم فعلاً. وعلينا هنا الإشارة الواضحة بأن منظمات حقوق الإنسان وكوادرها وأعضاء فيها يتعرضون دوماً لملاحقات من جانب المليشيات المسلحة لأتباع هذا الحزب السياسي أو ذاك، وغالباً ما يمارسون الرقابة على تلك المنظمات ونشاط كوادرها.
المشكلة الرابعة: إن أغلب العاملين في مجال حقوق الإنسان لم يطلعوا أصلاً أو جيداً على لائحة حقوق الإنسان والعهود والمواثيق الدولية الصادرة بهذا الخصوص، كما لم يستوعبوا بشكل سليم أسس العمل في هذا المجال، وبالتالي فأنهم يتصرفون في أحايين كثيرة بعيداً عن حقوق الإنسان، بل ويرتكبون انتهاكات فعلية لمبادئ حقوق الإنسان في تعاملهم اليومي في البيت أو في المجتمع، أم في مواقع عملهم في أجهزة الدولة. ويلاحظ ذلك بشكل خاص في التعامل غير السوي مع المرأة، كالاعتداء بالضرب والتحقير وممارسة التمييز والتهميش ضدها. 
المشكلة الخامسة: إن أغلب العاملين في مجال حقوق الإنسان بالداخل والخارج هم من كبار السن ممن لا يمتلكون القدرة الشبابية للوصول إلى الشبيبة العراقية من الذكور والإناث، رغم امتلاكهم لخبرة العمل نسبياً أولاً، وعدم قدرتهم على الغوص في مشكلات المجتمع والاطلاع الكافي على مجالات تنتهك فيها حقوق الإنسان ثانياً، أو أنهم لا يسمحون للشبيبة بالتقدم في مواقع المسؤولية في هذه المنظمات ويسعون للاحتفاظ بمواقع المسؤولية رغم عجزهم الواضح في إداء المهمات. وهي ظاهرة انتقلت إلى هذه الحركات من الأحزاب السياسية التي يسعى مسؤولوها البقاء على رأس أحزابهم مدى الحياة.
المشكلة السادسة: تبرز في ضعف اطلاع مسؤولو وأعضاء منظمات حقوق الإنسان على واقع مجتمعاتهم ومشكلاته والمتغيرات فيه من جهة، والجديد في مبادئ ومجالات عمل منظمات حقوق الإنسان من جهة ثانية. فعلى سبيل المثال هناك حقوق إنسان لم تذكر في السابق منها الحق في التنمية والحق في العيش في بيئة نظيفة غير ملوثة أو حقوق الطفل، أو حقوق السجناء السياسيين والمعتقلين ..إلخ.     
المشكلة السابعة: غياب الدعم الحكومي لمنظمات المجتمع المدني، ومنها منظمات حقوق الإنسان المستقلة، وعدم قدرتها على تأمين من يعمل في هذه المنظمات بأجر، وليس المتطوعين فقط، وبالتالي يصعب إيجاد كوادر متفرغة للعمل في منظمات حقوق الإنسان، وعليه يصبح عملها موسمياً وخاضعاً لقدرات وأوقات العناصر المتطوعة لهذا العمل. ومن هنا يمكن ان يلاحظ ارتفاعاً وهبوطاً في عمل هذه المنظمات دون أن يمكن محاسبة الكوادر العاملة لأنها متطوعة ولا تملك الوقت الكافي لإنجاز مع يفترض إنجازه. ولا بد من الإشارة إلى أن أغلب العاملين النشطاء في مجالات حقوق الإنسان ينحدرون من صفوف المثقفات والمثقفين ومن فئات البرجوازية الصغيرة والفئات الفقيرة التي لا يمكنها مدّ هذه المنظمات بالنقود لتمارس نشاطها بحيوية، بل الكثير منهم غير قادر على دفع اشتراكاً بسيطاً لمنظماته.
المشكلة الثامنة: عدم وجود عضوية فعلية مسجلة في هذه المنظمات تدفع بانتظام الاشتراك السنوي الذي يحدد في نظمها الداخلية، كما لا يشارك الكثير من الأعضاء في فعالياتها ونشاطاتها، مما يجعلها تعتمد في غالب الأعم على العفوية وتفاوت الرغبة في العمل وعلى مدى وعي الناشطين بأهمية نشاطات منظمات حقوق الإنسان التي ينهض بها الأعضاء.
المشكلة التاسعة: لقد برز العمل في منظمات حقوق الإنسان في فترات معينة، ولاسيما في الربع الأخير من القرن الماضي، وكأنه مودة جديدة التحق بها الكثير من أعضاء سابقين في أحزاب ومنظمات سياسية، ثم تراجعت هذه المودة وقل رصيدها وتراجع الكثير من الملتحقين بها عن العمل أو حتى المساهمة بحضور ندوات للحركة. ونجد اليوم منظمات، سواء أكان هذا بالداخل أم الخراج كانت تمتلك عضوية كبيرة نسبياً واليوم يصعب عليها أن تعقد مؤتمراتها بسبب نقص النصاب أو انسحاب الكثير منهم من العمل في هذا المجال أصلاً، في حين ازدادت الحاجة إلى عمل ونشاط مثل هذه المنظمات لأسباب فعلية ترتبط بواقع العراق الراهن والأحداث المروعة التي تجري فيه.
والمسألة التي تستوجب النقاش هي: ما العمل لمعالجة هذه المشكلات التي تواجه حركات ومنظمات حقوق الإنسان العراقية؟
عند متابعة الوضع السائد بالعراق في المرحلة الراهنة لا بد من تأكيد الأهمية البالغة والمتزايدة لوجود وعمل منظمات حقوق الإنسان العراقية بالداخل والخارج، ولا بد من كسب المزيد من الناشطين الشباب من الإناث والذكور إليها، ومن إيلاء اهتمام أكبر إلى تلك الحقول الجديدة التي دخلت في صلب مبادئ حقوق الإنسان خلال العقود الأخيرة.


فالمعاينة المدققة للمشكلات تضعنا أمام مجموعة من الإجراءات التي تستوجب التفكير بها بأمل تبنيها كحلول للمشكلات القائمة والتي يفترض أن توضع على طاولة البحث المستفيض من جانب كل المهتمين في حركة ومنظمات وقضايا حقوق الإنسان، والتي يمكن تلخيص بعضها بالآتي:
1.   العمل على دمج العديد من منظمات حقوق الإنسان المستقلة على صعيد العراق كله وتشكيل منظمة واحدة تعمل على حماية حقوق إنسان وتعتبر سقفاً لفروع لها في محافظات العراق ومدنه المختلفة. إن هذا العمل يمكن أن يساعد على الاستفادة القصوى أ) من الكوادر القليلة المبعثرة والموزعة على منظمات حقوق إنسان عديدة، 2) ويكرس الخبرة فيها ويساعد على تعزيز قدراتها ونشاطها ونتائج عملها، و3) ويستفيد من قدراتها المالية الشحيحة، 4) توحيد أساليب وأدوات وطرق عملها وخطابها الحقوق، 5) كما إنها ستتحول إلى قوة مادية على أرض الواقع تفرض على الحكومات المتعاقبة أخذها بنظر الاعتبار.
2.   العمل على إيجاد علاقة مباشرة مع لجنة حقوق الإنسان الدولية التابعة للأمم المتحدة في جنيف أولاً، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان في القاهرة ثانياً، ومنظمات مماثلة على مستوى الإقليم لتأمين المسائل الجوهرية:
أ‌.   إدخال كادر وأعضاء الحركة في دورات دراسية وتدريبية في قضايا حقوق الإنسان وخطابها الحقوقي وسبل كتابة تقاريرها الدورية، حيث تنظم مثل هذه الدورات في دول عديدة، ومنها تونس.
ب‌.   تأمين التضامن والدعم في حالة تعرضها للمضايقة أو الاضطهاد أو أية محاولات أخرى لعرقلة عملها في الدفاع عن حقوق الإنسان وشجب انتهاكها.
ت‌.   تأمين دعم مالي غير مشروط لها من جانب لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة لممارسة نشاطها الإنساني النبيل، إذ يمكن أن تسجل كمنظمة معترف بها وبنشاها في الأمم المتحدة.
ث‌.   توفير الأدبيات والكتب والتقارير الخاصة التي تبحث في الحقول الكثيرة لحقوق الإنسان والمشاركة في المؤتمرات والندوات الدولية والإقليمية، لتبادل الخبرة والمعرفة والسعي لنشرها على نطاق واسع.
3.   العمل على إقناع المسؤولين لإدخال منظم لمبادئ حقوق الإنسان في مناهج التربية والتعليم في مختلف مراحل الدراسة، إضافة إل تنظيم ندوات وإلقاء محاضرات في المؤسسات الحكومية وفي المعامل وفي الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني. كما يستوجب تأكيد وممارسة المبدأ القائل بأن التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان لا بد من ممارسته.
4.   ليس هدف منظمات حقوق الإنسان جعل تنظيماتها جماهيرية، بل الهدف الأساس هو جعل أفكار ومبادئ حقوق الإنسان شعبية ومفهومة تناضل الجماهير الواسعة بوعي ومسؤولية من أجل ممارستها والدفاع عنها والرقابة على مدى تطبيقها أو انتهاكها.
5.   لا بد من ربط مسائل الدفاع عن حقوق الإنسان بنشاط ثقافي واجتماعي وفني وذلك بتقديم مسرحيات وأفلام سينمائية وإلقاء محاضرات مشوقة يمكنها كسب الناس إلى اجتماعات وندوات ومؤتمرات حركة حقوق الإنسان، ولاسيما الشبيبة من الإناث والذكور، إذ يمكن أن تكون بدون مثل هذه النشاطات الفنية والثقافية والاجتماعية العائلية جافة ولا تشجع الشبيبة على حضورها.
6.   كما يفترض أن تفكر منظمات حقوق الإنسان باستثمار دورها ومكانتها وكادرها لتنظيم دورات لمكافحة الأمية بين كبار السن، سواء أكان ذلك بالريف أم بالمدن. ويمكن أن يتحقق ذلك عبر التعاون مع منظمات مجتمع مدني أم مع مؤسسات حكومية. 
7.   لا بد من بذل جهود استثنائية لكسب الشبيبة من خلال الدفاع عن حقوقهم المغبونة أو المنسية أو المصادرة، ولاسيما حقوق المرأة وحقوق الطفل، وفي الحالتين تعاني المرأة ويعاني الطفل عموماً ولاسيما الإناث، من إساءات كبيرة وترتكب جرائم بحق البنات القاصرات مما يستوجب تشديد النضال ودفع الأمهات وعموم النساء والمجتمع للدفاع عن حقوقهن وحقوق أطفالهن المنكوبات بقوى لا تريد سوى اضطهاد المرأة وحبسها في البيت والمطبخ وخلف العباءة والبرقع وتزويج القاصرات من عمر تسع سنوات ليكن أمهات لأطفال وهن ما زلن طفلات.
8.   إن من بين النشاطات الضرورية لمنظمات حقوق الإنسان العراقية بالخارج العمل مع منظمات حقوق الإنسان في ذات البلدان ومع منظمة العفو الدولية حيثما تلتق الأهداف، إذ المهمة لا تقتصر على كسب العراقيات والعراقيين لهذا النشاط للدفاع عن حقوق الإنسان فحسب، بل لا بد لها من تحريك الناس الأوروبيين أو الأمريكيين أو الاستراليين أو غيرهم في هذه النشاطات دفاعاً عن حقوق الإنسان العراقي. ومن نماذج العمل الذي يمكن أن يكسب مواطنات ومواطنو الدول الغربية عموماً موضوع حقوق المرأة وما يحصل اليوم من جور بحق الإناث من الطفلات القاصرات بتزويجهن من عمر تسع سنوات، أو حتى ممارسة "التفخيذ" مع الرضيعات منهن، وهي من الجرائم الكبيرة التي تعاقب عليها دساتير كل الدول الغربية واللوائح والمواثيق والعهود الدولية في مجال حقوق الإنسان.   
9.   يستند العمل في منظمات حقوق الإنسان العراقية على قاعدة التطوع، ولهذه القاعدة فوائدها وإيجابياتها حيث يكون المتطوع مقتنعاً بأهمية هذا الحقل من العمل الإنساني ومندفعاً نحوه، وبالتالي يمكنه أن يقدم الكثير لصالح نجاح المهمات الملقاة على عاتق هذه المنظمات. إلا إن هناك جانب سلبي أيضاً، فالظاهرة الملموسة حالياً تبرز في كون هذا الاندفاع لدى هذا المتطوع أو ذاك يضعف بمرور الزمن ولأي سبب كان، في وقت يستوجب تعزيزه لما بالعراق من إشكاليات تستوجب توسيع وتنشيط وتطوير العمل. والمتطوعون يسجلون أعضاء في هذه المنظمات ويلتزمون بدفع اشتراك مالي، غالباً ما يكون رمزياً، ولكنه يبقى التزاماً على العضو المسجل في المنظمة. وحين يتلكأ العضو في نشاطه علة وفق الالتزامات التي أخذها على عاتقه، أو عدم دفعه الاشتراك السنوي دون وجود أسباب مبررة في الحالتين، فلا بد من إنهاء عضويته، إذ أن العضوية في هذه المنظمات ليست شكلية أو رمزية بل فعلية. ويمكن للشخص أن يبقى مؤيداً لمنظمات حقوق الإنسان دون أن يكون عضواً فيها. لكيلا يعتبر كالمثل القائل "اسمه بالحصاد ومنجله مكسور". إن العمل التنظيمي في مثل هذه المنظمات مرهق حقاً، بسبب ما يتطلبه من مراجعات أو حتى تحمل ما يسيء للناشط بسبب سلوك بعض موظفي الدولة الذين يرفضون التعاون والتنسيق لإنجاز معاملة تجاوز على حقوق الإنسان في الاعتقال أو التحقيق أو في السجون أو في قضايا أخرى.
10.   لو أمكن توحيد منظمات حقوق الإنسان العراقية لأمكن معها وضع حوافز معنية لتنشيط منظمات حقوق الإنسان والأعضاء العاملين فيها من خلال وضع وسام خاص يمنح سنوياً لأبرز عضو أو عضوة في المنظمة قدمت خدمات محمودة لصالح حقوق الإنسان، إضافة إلى نشر معلومات وافية عن حياة الفائز أو الفائزة بهذا الوسام وعلى مستوى داخل العراق وخارجه. كما يمكن أن يشارك الأعضاء الذين يقدمون خدمات طيبة في، أو يرسلون إلى، دورات دراسية وتدريبية في مجال حقوق الإنسان.
           



3
كاظم حبيب
النرجسية المرضية والسادية عِلّتان يتميز بهما حكام الشرق الأوسط..!

الحكام العراقيون لا يختلفون بكثير أو قليل عن حكام الشرق الأوسط، فهم جميعاً ودون استثناء من طينة واحدة عجنت في مضمون العلاقات الإنتاجية السائدة في هذه الدول، بالرغم من التباين النسبي في مستويات تطور القوى المنتجة ووعي الفرد والمجتمع في كل منها. إن هاتين السمتين السلبيتين أو العلتين لا تقتصران على الحكام فحسب، بل وعلى الغالبية العظمى من السياسيين، إن لم نقل جميع الأشخاص الذين يحترفون السياسة ويعملون ضمن أحزاب سياسية أو على رأس عشائرهم. والحكام العراقيون يقدمون نموذجاً صارخاً لكل الحكام في هذه المنطقة المشحونة بالتوترات والنزاعات والحروب والمليئة بالمشكلات المعقدة المرتبطة عضوياً بما في هذه المنطقة من خامات أولية وتعدد في القوميات والديانات والمذاهب وما رسم لها من حدود بين الدول بعد الحرب العالمية الأولى والمستمرة حتى الآن.
تشير المعطيات التاريخية إلى أن أغلب الحكام العراقيين الذين تميزوا بالنرجسية المرضية أو النرجسية والسادية في الحكم انتهوا بقتلهم بصيغ مختلفة على أيدي منافسيهم الذين لم يختلفوا عنهم بذات السمات السلبية. والحاكم الوحيد الذي مات بشكل طبيعي ولم يكن يحمل السمتين هو عبد الرحمن محمد عارف. فمنهم من قتل أو أعدم علناً، ومنهم من قتل بطريقة غامضة، ومنهم من دس له السم الزعاف فمات بشكل تدريجي، ومنهم من ينتظر.
لا اتحدث هنا عن عبد السلام محمد عارف، ولا عن أحمد حسن البكر، ولا عن صدام حسين، ولا على الزعانف التي كانت معه ومارست نهجه وأصيبت بعلاته، فهم كانوا معروفين بما يعانونه من علل لم تساهم بموتهم فحسب، بل وبتدمير العراق، بل أتحدث هنا عن رئيس الوزراء العراقي السابق، الذي ما يزال يحتل مركز نائب رئيس الجمهورية والمرشح لرئاسة التحالف الوطني للبيت الشيعي العراقي، والطامع في رئاسة وزراء جديدة ليكمل ما ساهم بتدميره بالعراق وصب الزيت المزيد منه على نار الطائفية والتمييز خلال فترة حكمه والتي كان قد مارسها رئيس الوزراء الذي سبقه في الحكم. هذا الرجل يشارك في سماته وعلله النفسية مع أغلب حكام المنطقة الذين يعانون من العلل النفسية والاجتماعية ذاتها والتي تبرز بشكل صارخ في اختلال علاقاتهم مع المجتمع ومع القوى والأحزاب الأخرى أو مع أتباع القوميات والديانات والمذاهب الأخرى ومع العالم. فالنرجسية نجدها بهذا القدر أو ذاك لدى جميع البشر، ولكن صاحبنا مصاب بالنرجسية الخبيثة Malignant narcissism التي تجلت بنهجه السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي، حيث عمت الرثاثة والخراب والنهب والسلب لأموال العباد والتخريب في كل أنحاء البلاد، وهو ما يزال من منصبه الجديد يمارس ذات الخباثة النفسية في نهجه وممارساته اليومية. ومثل هذا الشخص لا يمكن ولا يجوز له أن يبقى في السلطة أو في أي موقع عام، بل لا بد من حجزه والحجر عليه ووضعه في مصحة للعلاج النفسي مدى الحياة، لأن وجوده طليقاً يؤدي إلى عواقب وخيمة على المجتمع، خاصة وأنه في مجتمع وفي دولة هشة وفي محيط حكومي وإعلامي يساعد في تعجيل تحول الحالة النرجسية إلى نرجسية مرضية خبيثة وإلى سادية مفرطة واستبداد مريع، ولاسيما لمن له الاستعداد الذاتي على ذلك. لم يكن رئيس الوزراء السابق بهذه السمات خلال وجوده في المعارضة، كما يشير إلى ذلك أكثر الناس معرفة به، إلا إن الحكم وتلك المجموعة من الانتهازيين والطبالين والمرتزقة هم الذي ساهموا في النفخ بصورته المشوهة وحولوه تدريجياً إلى شخصية مصابة بالنرجسية الخبيثة والفساد الفكري والسياسي والاستبداد. فأحد أعضاء حزبه، وهو يدرك علل رئيسه، ولكي يتقرب منه، أكد في مقابلة صحفية "إذا مات المالكي نستنسخ من خلاياه مالكي أخر.." ليؤكد إخلاصه له، ولكي يواصل إرهاب القوى الأخرى، وهو الذي تسبب في سقوط الموصل بأيدي عصابات الرذيلة والإجرام والتكفير، عصابات داعش. من يرغب أن يتعرف على هذه العلل التي يعاني منها هذا الرجل عليه أن يقرأ في كتب علم النفس، لاسيما علم النفس الاجتماعي ليجد من يغنيه.         
ولكن الغريب بالأمر أن هذا الرجل الذي تسبب في سقوط الموصل وعموم نينوى، وقبل ذك الأنبار وصلاح الدين وغيرها، والذي فرط بمئات المليارات من الدولارات الأمريكية من خزينة الدول العراقية، والذي أخضع القضاء العراقي لإرادته السياسية، والذي اعتقل ووضع بالسجن نائب محافظ البنك المركزي العراقي وعدداً من الموظفين والموظفات، وفلت من الاعتقال محافظ البنك المركزي، ثم أفرج عنهم وعين نائب المحافظ من جهاز القضاء نفسه ثم عين مستشاراً لرئيس الوزراء الجديد، والذي وضع جميع الهيئات المستقلة في خدمته الشخصية ومارس التجاوز الفظ عل الدستور، كما في سلوكه مع مفوضية الانتخابات "المستقلة!"، ما زال هذا الرجل ليس طليقاً فحسب، بل ويحتل واحداً من أعلى المناصب التنفيذية بالدولة العراقية ليمارس من خلاله ما يمكنه لإشعال الفتنة بالعراق ومواصلة الفساد والتعتيم على الفاسدين وعلى الملفات التي كان يتحدث عنها بأنه لو فتحها لزكمت الفضائح أنوف العراقيين والعراقيات! 
ولو تابعنا اليوم ما يمارسه تلفزيون العراقية لوجدنا جمهرة من العامين فيه والمسؤولين عنه يعملون بالنهج ذاته وبثبات انتهازي صارم مع رئيس الوزراء الجديد في محاولة منهم للنفخ في صورته وجلب من يمدح به ولا يتعب، وهو الأسلوب البائس الذي من شأنه أن يمارس التأثير ذاته عليه، كما حصل مع من سبقه، وهو الأمر الذي يبدو صارخاً في هذه الفترة. وهو نفس السياسة التي مارسها بعض المستشارين والسياسيين بالإقليم مع رئيس الإقليم، دون أن يكونوا صريحين معه فيما يفترض أن يقولوه له.
في لقاء مع أحد كبار المسؤولين الكرد سألني عن الوضع بالإقليم، أجبته بصراحة تامة وبوجود السكرتير الشخصي، بأن الوضع غير جيد وأن الكثير من الناس غير مرتاحين من الوضع والسياسة ومن انتشار الفساد، كما إن مستشاريه ومن حوله، بمن فيهم السكرتير الذي هو الآن معنا، لا ينقلون لك ما يجري بالإقليم، بل ينقلون لك ما يطيب خاطرك ويريحك، وفي الغالب ما تريد أن تسمعه. وأن شئت الحقيقة فليس لك إلا أن تذهب إلى الناس لتسمع منهم ما يريدون قوله لك وبصراحتهم المعهودة. ولم يحصل ما كان يفترض أن يحصل!
إن واجب ومسؤولية رئيس وزراء العراق أن لا يبدأ بالحيتان الصغيرة التي التهمت فتات الموائد، بل عليه أن يبدأ بالقيادات التي نشرت الفساد وأفسدت الناس وسمحت لهم بشراء العمارات في بريطانيا وفنلندا وأمريكا وفرنسا وألمانيا وغيرها وأن يملأوا حساباتهم بالسحت الحرام، وأن ينتهي بالحيتان الصغيرة. عند ذاك يقتنع الناس بأنه يسعى إلى البدء الفعلي بمحاربة الفساد!! وأول الفساد الذي يجلب محاربته وفيه تجاوز فظ على الدستور هي المحاصصة الطائفية ذاتها التي سمحت لكل أنواع الفساد الأخرى بما فيها الفساد الإداري والاجتماعي والثقافي والبيئي والعسكري أن يسودا بالعراق!!!               

4
كاظم حبيب
هل من أفق لإقامة أوسع تحالف مدني ديمقراطي شعبي بالعراق؟

تشير المعطيات التاريخية بالعراق، وعلى امتداد الفترة التي أعقبت سقوط الملكية، إلى أن القوى الفكرية والسياسية اليمينية برهنت بأن لديها القدرة على المساومة وإبداء الاستعداد لتحقيق التحالفات الممكنة للإجهاز للوصول إلى السلطة أو الاستمرار فيها ومحاربة القوى المدنية والديمقراطية بسبل كثيرة. في حين برهنت القوى المدنية الديمقراطية، وبضمنها قوى اليسار، على إنها عجزت عن تحقيق التحالفات السياسية فيما بينها لضمان العمل المشترك دفاعاً عن مصالح الشعب ووحدة البلاد وتأمين الاستقلال والسيادة الوطنية. وفي ضوء هذا الواقع عجزت القوى المدنية والديمقراطية عن الوصول إلى السلطة السياسية لتحقيق الأهداف والمصالح التي تبنتها، أهداف ومصالح الشعب. وكان هذا أحد الأسباب التي ساعدت على تلقي القوى المدنية والديمقراطية واليسارية ضربات قاسية من لدن القوى اليمينية والرجعية والشوفينية المناهضة لمصالح الشعب. ورغم إن القوى المدنية تدرك نقاط ضعفها، إلا إنها لم تسع إلى معالجتها بجدية والتخلص من النظرات الحزبية الضيقة أو من الأنانية الحزبية أو من الشعور بالعظمة الذي لا يسمح لها بالتنازل والتحالف مع قوى أخرى تعتبرها أقل منها شأناً، في حين إن النضال في سبيل إقامة عراق حر وديمقراطي مستقل يستوجب تعبئة كل القوى والشخصيات المدنية. وإذا كان مثل هذه التحالفات ضرورية في السابق، فأن تحالف القوى المدنية والديمقراطي أصبح اليوم أكثر ضرورة وأكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
إن النجاح في المعركة الفكرية والسياسية ضد اليمين الفكري والسياسي المتطرفين، وفي إطار الدستور العراقي النافذ وعلى أساس ممارسة النضال السلمي والديمقراطي، يستوجب تغيير موازين القوى لصالح القوى المدنية والديمقراطية. وهذا بدوره يستوجب معرفة دقيقة بالواقع السياسي والاجتماعي القائم بالعراق، ومعرفة طبيعة القوى والأحزاب ومدى استعدادها لخوض النضال الديمقراطي، ومدى استعداد الجماهير على تحمل مسؤولية المشاركة الفاعلة في هذا النضال ووعياً بالمسؤولية المشتركة لعملية التغيير المنشودة، إضافة إلى ضرورة ممارسة أساليب نضال جديدة وخطاب سياسي جديد، يكون بمقدورها مجتمعة تعبئة الشبيبة من إناث وذكور لخوض هذه المعركة الفكرية والسياسية السلمية والديمقراطية بنجاح ولصالح الشعب.
منذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة في العام 2003 بُذلت الكثير من الجهود وأقيمت نماذج مختلفة من التحالفات السياسية التي لم توفق ولم تكن نموذجية لتحقيق المنشود. فهل في مقدور هذه التجارب غير الناجحة أن تسهم في استخلاص الدروس لبناء تحالف واسع جديد يستوجبه الواقع العراقي الراهن بإلحاح شديد، مع علم الجميع بأنها وبدون تحقيق مثل هذا التحالف الواسع جداً الذي يستند إلى قاعدة اجتماعية واسعة، لا يمكنها تحقيق التغيير المنشود.
قبل فترة وجيزة أُعلن ببغداد عن تشكيل تحالف "تقدم" من مجموعة من الأحزاب والقوى السياسية المدنية والديمقراطية العراقية لخوض غمار الانتخابات التشريعية القادمة والنضال من أجل تحقيق التغيير المنشود بالعراق لصالح الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي الحديث. وهي خطوة جيدة وإيجابية على الطريق الصحيح، إذ عمل الكثير من العراقيين والعراقيات من أجل تحقيق هذا التحالف. ولكن، على الرغم من أهمية تحالف "تقدم" والجهود الحثيثة التي بذلت من أجل ولادته، فأنه ما يزال بعيداً عن المنشود وغير كاف لتحقيق التغيير المطلوب. فعملية التغيير المنشودة لإقامة النظام السياسي الديمقراطي بالعراق والقائم على الفصل بين الدولة والدين والسياسة، وبين السلطات الثلاث واحترام استقلال القضاء وحقوق الإنسان، ولاسيما  حقوق المرأة وحقوق الطفل، ولاسيما البنات القاصرات، واحترام حقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب، ومنع التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للعراق واحترام الاستقلال والسيادة الوطنية ..الخ، تتطلب تحالفاً أوسع بكثير من تحالف "تقدم"، تتطلب تحالفاً يجمع "تقدم" إلى جانب مجموعة أخرى مهمة من الأحزاب والقوى المدنية والديمقراطية والقومية والعلمانية والقوى والشخصيات المؤمنة ذات النهج المدني المتنور أولاً، وتستوجب تحالفاً جديداَ يضم الأحزاب والقوى والشخصيات الديمقراطية الكردستانية التي تأكد لها بأن النضال في إطار العراق الموحد يستوجب إعادة الاعتبار للتحالف مع القوى الديمقراطية والتقدمية العراقية الأخرى ثانياً، وليس مع الطائفيين السياسيين، وإن الجميع بدون مثل هذا التحالف لا يمكنهم ضمان بناء الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي.
وتحقيق مثل هذا التحالف يستوجب مواصلة العمل بمرونة عالية وخوض الحوار المتفتح، والخلاص من الذهنية الضيقة التي لا تعير انتباهاً لعمل وأهمية الآخرين مهما كانوا قلة، إنها مهمة معقدة وصعبة بسبب وجود ذهنيات ما تزال غارقة في ذاتيتها ولا تريد الاعتراف بدور الآخر، وهي ملموسة لمس اليد، مما يعيق الوصول إلى اتفاقات مهمة. لقد بدأت قوى التيار الديمقراطي وحققت تحالفاً جديداً أطلق عليه "تقدم" من جهة، كما نشطت قوى مدنية أخرى كثيرة ما تزال مستمرة في عملها وحواراتها من جهة ثانية، فهل يا ترى يمكن بذل الجهود للوصول إلى البدء أو مواصلة اللقاءات المكثفة والمثمرة بين الأطراف العديدة لعقد مؤتمر جديد يطرح فيه برنامج عمل موسع يتضمن أهداف ومصالح فئات واسعة من بنات وأبناء الشعب العراقي من كل القوميات والقوى السياسية المدنية والديمقراطية؟ هل يمكن الاتفاق على أهداف محددة تتيح فرصة التغيير الفعلي للخلاص من المحاصصات الطافية في حكم البلاد؟ إن الضرورة الملحة والعاجلة تقتضي ذلك، فهل أدرك الجميع هذه الضرورة وهل سيتصرفون في ضوئها؟ أشعر بوجود مثل هذا الشعور العام/ وما ينقصه هو الجرأة في التحرك صوب الآخر. هنا يستوجب الوضع من الجميع بذل الجهود من أجل تحقيق ما لم يتحقق حتى الآن. إن التحالف المنشود لا يمكنه بأي حال التفريط بقوى سياسية مدنية أو حتر بعنصر مدني وديمقراطي واحد، بسبب أهمية ودور الجميع في مثل هذه المعركة الديمقراطية السلمية التي يفرضها الواقع العراقي الراهن والتي يمكن ويجب خوضها بنجاح، رغم وجود مخاطر جدية بلجوء الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة إلى استخدام أساليب شراء الذمم ودفع الأموال والتهديدات بمختلف صورها والتزوير لدفع الأمور باتجاه ولصالح القوى اليمينية الأكثر تطرفاً في الأحزاب والقوى الحاكمة. إن المخاطر كبيرة بسبب وجود دعم خارجي يؤيد هذه القوى التي مارست القهر والتمييز والقمع في السنوات المنصرمة.
إن الأمل معقود على القوى المدنية والديمقراطية، وعلى القوى المستقلة والقوى المؤمنة المتنورة، على أوساط واسعة من الشعب العراقي التي أدركت مخاطر وعواقب استمرار نظام المحاصصة الطائفي والفساد وما يجرهما من مشكلات مريرة على الشعب العراقي، بما في ذلك استمرار الإرهاب والخراب والدمار. إنه نداء موجه إلى ذوي الضمائر الحية، إلى أبناء وبنات الشعب العراقي من مختلف القوميات وأتباع الديانات والمذاهب، إلى كل الذين أدركوا وعاشوا بجلودهم عمق المآسي والكوارث والأحزان والدماء والدموع حين تكون القوى القومية الشوفينية والقوى الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية والتمييز الديني والمذهبي هي السائدة في سلطات ومؤسسات الدولة العراقية.             

5
كاظم حبيب
حزب الفضيلة ووزير العدل بالعراق يبيحان اغتصاب الفتيات القاصرات!!!
في فترة وجود نوري المالكي على رأس السلطة في إمارته الثانية صادق مجلس وزراءه على القانون الذي تقدم به حسن الشمري وزير العدل، فوزارة العدل هي من حصة حزب الفضيلة في الحكومة القائمة على المحاصصة الطائفية المقيتة، الذي أطلق عليه "قانون الأحوال الشخصية الجعفري"، على وفق الفقه الشيعي، بتاريخ 15 شباط/فبرير 2013 ليرسل إلى مجلس الوزراء لإقراره. وهو قانون سلفي رجعي متخلف ومناهض لحضارة العصر والتقدم الذي قطعه الجنس البشري في الموقف من حقوق المرأة وحقوق الطفل. وقد ناهضت نسبة عالية من الشعب العراقي، وفي طليعتهم مثقفو العراق من مدنيين ديمقراطيين وعلمانيين ومؤمنين واعين ومتنورين، هذا القانون وشنَّت حملة احتجاج إنسانية واسعة ضده. وكان يراد بهذا القانون الجعفري أن يحل محل قانون الأحوال الشخصية لعام 1959، الذي تميز بمنح المرأة بعض حقوقها المهمة، وليس كلها، والذي وقفت ضد هذا القانون كل المؤسسات الدينية الشيعية والسنية غير المتنورة والغاطسة في مستنقع التمييز ضد المرأة العراقية وحقوقها المشروعة والمثبتة في اللوائح والمواثيق الدولية، وهي التي سعت أيضاً إلى تشكيل جبهة معادية لحكم عبد الكريم قاسم لإسقاطه من أجل الخلاص من هذا القانون بشكل خاص.
وفي أعقاب إسقاط الدكتاتورية الغاشمة انبرى عبد العزيز الحكيم، وكان عضواً في مجلس الحكم الانتقالي، إلى إصدار قراراً يلغي بموجبه القانون رقم 188 لسنة 1959 التزاماً بإرادة والده الذي ناهض القانون وحكم عبد الكريم قاسم ودخل في مؤامرة قذرة ضد عبد الكريم قاسم ووافق على قتل الشيوعيين باعتبارهم ملحدين! فقد كتب الدكتور عبد الخالق حسين في مقال له بعنوان "حذارى من (التحرش) بقانون الأحوال الشخصية!"، منشور على موقعه الشخصي، ما يلي بصدد إلغاء قانون 188 لسنة 1959 ما يلي:
"فما أن أسقطت القوات الدولية بقيادة أمريكا الحكم الصدامي الجائر، وجاء دور السيد عبد العزيز الحكيم (نجل السيد محسن الحكيم) برئاسة مجلس الحكم بشكل دوري، أول عمل قام به هو إصدار قرار رقم 137 سيئ الصيت، القاضي بإلغاء قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959.  القرار الذي أثار ضجة واسعة ضده من قبل الكتاب والصحفيين والسياسيين والبرلمانيين التقدميين، مما اضطر بول بريمر، الحاكم المدني للقوات الدولية، التدخل، وإلغاء القرار". وهاهم يعودون اليوم من جديد لفرض ما يريدون على الشعب!
إن أحد بنود مشروع القانون الجعفري، الذي أقره مجلس الوزراء حينذاك يبيح ويشرعن زواج البنات القاصرات بعمر تسع سنوات، واللواتي يراد لهن أن يكن أمهات ابتداءً من هذا العمر، بنات أطفال يولدن أطفالاً..، إنها المهزلة والمأساة في الشريعة الإسلامية التي وضعها المعممون وأصحاب اللحى، وليس كلهم، الذين يعيشون في بيوتهم ساهون ولا يعرفون ما يجري في هذا العالم بشأن المرأة وحقوقها وحريتها ودورها المميز في المجتمعات الحديثة. وقد أجبرت حملة الاحتجاج والنشر الواسعة لطبيعة هذا القانون وعواقبه الوخيمة على طفولة البنات والمجتمع، أن أُجل لما بعد الانتخابات في العام 2014 ثم أهمل تماماً في حينها.
والآن يبدو أن حكامنا، وهم مصابون بأمراض نفسية وعقد كبيرة ضد المرأة وحقوقها، يسعون من جديد إلى طرح تعديلات أساسية على قانون رقم 188 لسنة 1959 بما يفرغه من محتواه الديمقراطي والتقدمي ووقوفه إلى جانب المرأة في محاولة جديدة منهم لإمرار هذه التعديلات الجعفرية، وهم يشعرون بوجود اختلال أكبر من السابق في ميزان القوى في المجلس النيابي العراقي، يسمح بفرضه على المجتمع العراقي بأسره.
إن قانون الأحوال الشخصية الجعفري المقترح لا يتجاوز على حقوق الطفولة وبراءتها فحسب، بل وعلى الكثير من حقوق المرأة وعلى الدستور العراقي والقوانين السائدة بالعراق والحياة المدنية المنشودة للعراق ويؤسس قاعدة جديدة لدولة ثيوقراطية استبدادية متخلفة ومناهضة لمصالح الشعب.
إن هذه القوى التي وافقت على تقديم هذا القانون السلفي المتخلف تسعى بوضوح كبير إلى فرض الدولة الدينية الشيعية على العراق تدريجاً وهو ما ينبغي مقاومته وفضح مضامينه، وهم ليسوا بعيدين عن توسيع ذلك والموافقة على ما قرره روح الله الخميني في كتابه الموسوم "تحرير الوسيلة" بقاعدة التفخيذ مع الطفلة التي لا يتجاوز عمرها السنة الواحدة، أي الرضيعة، إنها شريعة الشاذين جنسياً والمصابين بـ ((paedophiles، وهي مأساة مريعة للمجتمع العراق الذي عمل بقيم ومعايير حضارية بعيدة كل البعد عن السقوط بمثل هذه الأمراض النفسية والشذوذ الجنسي. يقول روح الله الخميني ما يلي:
"مسألة 12- لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواماً كان النكاح أو منقطعاً، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى مع الرضيعة، ..." (الإمام الخميني، تحرير الوسيلة، توزيع سفارة الجمهورية العربية الإسلامية بدمشق، ص221).
هل فيكم أيها العراقيون والعراقيات من يسمح لرجل بالغ سن الرشد أن يتفاخذ ويتلاعب جنسياً مع طفلته الرضيعة بذريعة أنه يعتبر خطيبها، وأحياناً حتى قبل ولادتها، هل فقد الناس بالعراق الغيرة والحياء والضمير بحيث يسمحوا بمثل هذه الفتوى أن يمارس مضمونها بالعراق. حاشا أن يقع العرقيون والعراقيات بمثل هذا الفخ الجنسي المرضي، إلا من ارتضى لنفسه أن يكون عبداً خانعاً لإرادة وفتاوى من هذا النوع للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية الخميني ومن بعده خامنئي. 
وبودي هنا أن أحيلكم على مقالين هامين الأول للسيد القاضي هادي عزيز علي، وهو بعنوان ضياع الحقوق المكتسبة جراء مشروع قانون الأحوال الشخصية... / هادي عزيز علي، والثاني للسيد الدكتور عبد الخالق حسين بعنوان "حذارى من (التحرش) بقانون الأحوال الشخصية!" المنشور في موقعه، وهذا رابطه (د.عبد الخالق حسين: حذارى من (التحرش) بقانون الأحوال الشخصية ! وكذلك مقال أقدم من هذا المقال ورابطه abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
إن الحركة المدنية المناهضة لهذا القانون في تنامي كبير ومن واجب كل المدنيين الديمقراطيين والعلمانيين والمؤمنين المتنورين النضال ضد هذا القانون وإفشاله، لأنه سيكون إساءة كبيرة جداً حقاً للعراق والمجتمع العراقي وللطفولة البريئة.

6
كاظم حبيب
أينما تمتد أصابع السعودية وإيران وتركيا في الشرق الأوسط يرتفع الدخان!
تشير المعطيات المتوفرة على أرض الواقع بمنطقة الشرق الأوسط إلى تفاقم متواصل وخطير في الصراعات السياسية الدائرة بين تلك الدول الإقليمية التي تسعى إلى فرض سياساتها وهيمنتها على دول المنطقة، والتي تحول بعضها منذ سبع سنوات إلى حرب دموية داخلية وخارجية تغذى من الدول الكبرى ومن الدول المنتجة والمصدرة للسلاح في العالم. والمخاطر الكبيرة تبرز في احتمال اتساع عدد الدول الذي يعاني من الحروب الداخلية فيها أو من اعتداءات عسكرية وعدوان خارجي عليها. وإذا كان الصراع العربي الإسرائيلي قد احتل مركز الصدارة في عقود عديدة، بما في ذلك تلك الحرب التي شنّت من دولة إسرائيل ضد لبنان وحزب الله، وكذلك حرب إسرائيل ضد غزة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فإن إسرائيل لا تجد اليوم ضرورة مباشرة في التورط بحرب جديدة مع الدول العربية، ما دام هناك حكام عرب يمارسون بأنفسهم تدمير الدول العربية. فالصراعات الدائرة اليوم في منطقة الشرق الأوسط قد تحولت منذ سنوات إلى نزاعات عسكرية وحروب دموية ضد شعوب هذه الدول وتدميرية للبنى التحتية والصناعة والزراعة وعموم الاقتصاد الوطني والمراكز الحضارية والجامعات ودور السكن، حتى تحولت مدن سورية كثيرة ومدن يمنية ومدن عراقية إلى مدن أشباح مرعبة حيث أصبح الخراب والدمار شاملين.
فالشرق الأوسط يعاني اليوم من تناقضات محتدمة في المصالح الاقتصادية والرغبة في الهيمنة على سياسات الدول الأخرى وتشكيل مناطق نفوذ حيوية للدول الإقليمية الأكبر في المنطقة، بالتنسيق أو بدونه بين هذه الدول والولايات المتحدة، وأحياناً غير قليلة مع دول الاتحاد الأوروبي، أو مع روسيا. وهي تناقضات ليست دينية أو مذهبية بالأصل، ولكنها تتستر بها لتعبئ شعوبها التي تعاني في الغالب الأعم من نسبة عالية من الجهل أو الأمية السياسية أو الفكر المشوه والمزيف الذي عبئت فيه رؤوس الناس من قبل أجهزة الإعلام ومؤسسات التربية والتعليم في بلدانها. ويزداد الصدام والتدمير حين يتفاعل الجانب الطائفي بالمصالح الذاتية لحكام هذه الدول ويصبح السياسة الحاكمة لهم.
والدول الداخلة في محاور الصراع عديدة ومتحركة أو غير ثابتة. فهناك محور الصراع التركي - الإيراني، الذي يكسب له المملكة العربية السعودية ودول الخليج، في حين تسعى إيران إلى تعزيز تحالفها مع سوريا وكسب العراق إلى جانبها، إضافة إلى تبعية حزب الله بلبنان للسياسة الإيرانية وخضوعه لقرارات مرشد الثورة الإسلامية بإيران علي خامنئي بالكامل. والمحور الثاني يجد تعبيره في الصراع الإيراني-السعودي، الذي تلتحق بالأخيرة دول الخليج، عدا قطر، التي تمردت هذه المرة على السعودية، وهي دولة لقيطة تابعة للولايات المتحدة الأمريكية، فأعلن الحصار ضدها، وتشكل حلف جديد التحقت به مصر، ثم البحرين والإمارات العربية ضد قطر. كما إن الصراع الإيراني-السعودي قد احتدم منذ العام 2014 باليمن بسبب دعم إيران للحوثيين، مما أدى إلى تشكيل تحالف واسع تقوده السعودية وتشارك فيه كل من البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن والمغرب والسودان والسنغال، في حين تقف إيران وحدها في هذه المعارك إلى جانب الحوثيين والرئيس المعزول علي عبد الله صالح. أما الرئيس هادي منصور فهو يعمل مع السعودية وتحالفها العربي. ومن الوقائع الدامغة تلك التي تؤكد أينما تمتد أصابع السعودية وإيران وتركيا يرتفع دخان الحروب والقتل والتدمير ولن يتوقف ما لم تسحب هذه الأصابع القذرة من التدخل الفظ في هذه الدول وشؤونها الداخلية وسياساتها الفعلية. فالحروب التي تشنها، إلى جانب الرغبة في فرض مصالحها وإرادتها ونفوذها على هذه الدول، فأن فيها رائحة عفنة من الشوفينية والطائفية والتمييز الديني والمذهبي!، وهي انتهاكات صريحة ومريعة للائحة حقوق الإنسان وبقية العهود والمواثيق الدولية في هذا الشأن وللشرعة الدولية واللائحة الأساسية التي تنظم العلاقات بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة!  تحاول إيران خلق مجموعة سياسية شيعية تمتد من أيران عبر العراق إلى سوريا فلبنان واليمن، تحاول التأثير على أوضاع البحرين ودول الخليج الأخرى وتهيمن على سياسات هذه الدول الداخلية منها والخارجية والتوسع المذهبي. في حين تتصدى السعودية ودول الخليج ومصر وتركيا لمثل هذه الممارسة بدعوى إنها تريد نشر مذهبها في العالم العربي، وتريد التدخل في شؤون الدول العربية والتأثير فيها لصالحها. والعامل الحاسم في هذا الصراع هو الدور الذي تريد كل من هذه الدول الإقليمية الكبيرة أو الغنية السيطرة على سياسات الدول في منطقة الشرق الأوسط. ويبدو إن إسرائيل تحاول كسب السعودية ومن معها في تحالف أمني وعسكري سري أو مكشوف ضد إيران، إذ تعتقد إسرائيل بأنها تريد تدميرها. 
وقد تورطت كل هذه الدول في حروب قذرة مدمرة لشعوب المنطقة تعكس عن مدى استعداد تلك الدول التي تقود هذه الحروب على التضحية بأبناء وبنات شعوب هذه الدول وتدمير اقتصادها وحياتها الاجتماعية في سبيل تحقيق مصالحها الاقتصادية وهيمنتها السياسية والفكرية أو المذهبية في هذه الدول وعموم المنطقة.
فالحرب السورية المستمرة منذ مارس /أذار 2011 لا يمكن التكهن متى تنتهي، وقد كلفت الشعب السوري مئات ألوف القتلى وأضعاف ذلك من جرحى ومعوقين ونازحين، إضافة إلى الملايين التي هاجرت من سوريا إلى الدول المجاورة والعالم. وقد دُمرت مدن بأكملها ولم تعد مؤهلة للسكن واستخدمت شتى أنواع الأسلحة المدمرة وذات القتل الواسع، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيمياوية. ولم تقتصر هذه الحرب على حرب داخلية بين القوى السياسية المتصارعة، بل شاركت فيها المليشيات الإرهابية المسلحة مثل القاعدة وداعش بأسماء مختلفة، كما دخلت تركيا والسعودية وقطر والإمارات وإيران وحزب الله وفصائل من المليشيات الطائفية المسلحة من العراق بشكل مباشر وغير مباشر في هذا الحرب، ثم تتوجت بتدخل أمريكي وروسي مباشر مكونين محورين رئيسين في هذا الصراع، إضافة إلى حربهما ضد القاعدة وداعش! والمخاطر الكبيرة الراهنة تبرز في محاولات جادة لجر العراق إلى حرب مماثلة وكذلك لبنان، رغم إن العراق يخوض منذ العام 2014 حرباً مريرة ضد داعش وحقق فيها انتصارات باهرة، بعد هزيمة حزيران عام 2014، حيث كان المستبد بأمره نوري المالكي الحاكم المستهتر بأمور العراق وشعبه.
أما الحرب باليمن فقد بدأت حين استولى الحوثيون في العام 2014 على السلطة بصنعاء العاصمة وهروب كافة المسؤولين الحكوميين، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية هادي منصور، لخوض المعركة من عدن ومناطق أخرى، وشكلت السعودية حلفاً عسكرياً للتدخل في الحرب ضد الحوثيين وحليفهم علي عبد صالح في الربع الأول من عام 2015 بدعوى التصدي للتدخل الإيراني باليمن ومساندتهم للحثيين ومدهم بالسلاح والعتاد والأموال. ويشير تقرير نشر بتاريخ 27/03/2017 في موقع العربي الجديد جاء فيه:
"وفقاً لأحدث الإحصائيات المعلنة من قبل الأمم المتحدة، قتل 4773 مدنياً وأصيب 8272 آخرون خلال المواجهات. وفيما تتحدث التقارير الأممية عن مقتل ما يقارب هذا العدد من المقاتلين، تفيد مصادر مطلعة لـ"العربي الجديد"، بأن الحصيلة تفوق هذه الأرقام، وأن هناك عشرات الآلاف من القتلى (30 إلى 50 ألفاً وفق التقديرات المتفاوتة)، معظمهم من الحوثيين وحلفائهم. وسبب ارتفاع حصيلة الضحايا من جانب الانقلابيين، يعود لكونهم يخوضون المواجهات دون غطاء جوي ويتعرضون لغارات جوية مباشرة، لكنهم لا يكشفون عن أعداد ضحاياهم من المقاتلين." علماً بأن الموت والدمار والخراب قد اتسع خلال الفترة الأخيرة وخاصة بعد أن فرضت السعودية الحصار البحري والجوي والأرضي على اليمن، مما تسبب في مزيد من المخاطر على الشعب اليمني. وقد ورد في ذات التقرير وعن تقارير الأمم المتحدة ما يلي:
"والوضع مأساوي إلى درجة أن اليمن بات يستحوذ منذ أشهر قليلة على اهتمام طارئ من قبل المنظمات الدولية التي لا تتوقف عن التحذير من خطر مجاعة تهدد ما يقارب سبعة ملايين يمني، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة" (راجع: حرب اليمن بعد عامين: حصيلة إنسانية كارثية، صنعاء ــ العربي الجديد، 27 مارس2017). والمخاطر التي تتهدد هذي الملايين لا تنشأ من الجوع وحده، بل ومن واقع انتشار الكثير من الأمراض المعدية وبسبب نقص الدواء والعناية الصحية والطبية وتدهور المناعة عن الأطفال والشيوخ والعجزة والحوامل...الخ. ويبدو واضحاً أن الولايات المتحدة الأمريكية غير معنية بضحايا الحرب باليمن، بل جل همها يتركز في الحفاظ عل علاقتها بالسعودية وبيع المزيد من الأسلحة لها وللدول الأخرى المشاركة في هذه الحرب القذرة.
ولكن هذه الدول الإقليمية الكبيرة وحليفاتها التي تخوض الحروب في الدول الأخرى لفرض هيمنتها عليها، فإنها تجد الدعم والتأييد الفعليين من الدول الكبرى بثلاثة أشكال: 1) المشاركة المباشرة في البعض من هذه الحروب، كما في الحرب الجارية بسوريا أو العراق؛ 2) التأييد السياسي والإعلامي من جانب الدول الكبرى لهذا الطرف أو ذاك وأحياناً للطرفين بصيغ مختلفة؛ و3) الأخطر من كل ذلك تزويد هذه الدول بالمزيد من الأسلحة الحديثة والمتطورة التي تزيد من قتل البشر وتدمير المدن وتقليص إمكانية العيش فيها. وتشير المعطيات المتوفرة إلى الحقائق التالية:
** ارتفعت صادرات الولايات المتحدة الأمريكية بين 2006-2010 و2011-2016 من 28% إلى 33% من إجمالي صادرات العالم للأسلحة، في حين انخفضت صادرات روسيا من 25% إلى 23%. وبين عامي 2012-2016 بلغت صادرات الدول المنتجة والمصدرة للسلاح على النحو التالي:
** الولايات المتحدة 33%، روسيا 23%، الصين 6,2% وفرنسا 6%، ألمانيا 5,6% بريطانيا 4,5% وإسرائيل 2,3%.
** ارتفعت صادرات المانيا من الأسلحة من 6,5 مليار دولار أمريكي في عام 2014 إلى 9,8 مليار دولار أمريكي في العام 2015. كما تضاعفت مبيعاتها من الأسلحة إلى السعودية خلال عامي 2016 و2017 في الوقت الذي تخوض فيه السعودية على رأس تحالف عسكري، حرباً عدوانية ضد اليمن.
** بلغت حصة دول الشرق الأوسط من استيراد السلاح 18% من مجموع صادرات العالم للسلاح خلال الفترة 2006-2010، وارتفعت هذه النسبة إلى 25% في الفترة 2011-2015.       
** لقد كانت المملكة السعودية ثاني أكبر مستورد للسلاح بعد الهند خلال السنوات الأخيرة. ففي الأشهر العشرة الأولى من عام 2016 باعت الولايات المتحدة الأمريكية معدات عسكرية للسعودية بمبلغ قدره ملياري دولار أمريكي، ووافقت في العام نفسه على بيع أسلحة لها بمبلغ قدره 40 مليار دولار أمريكي. يضاف إلى ذلك أن المملكة السعودية اشترت في شهر كانون الأول/ديسمبر 2016 (48) طائرة نقل عسكرية "إتش-47 شينوك" بمبلغ قدره 3 مليارات و500 مليون دولار امريكي. كما أن الكويت اشترت 28 طائرة من طراز F 28)) في العام 2016 بمبلغ قدره 10 مليارات دولار أمريكي و218 دبابة بمبلغ قدره مليار و700 مليون دولار أمريكي. أما قطر فقد تصدرت "قائمة الدول المستوردة للأسلحة الفرنسية خلال 2015 بقيمة 6.8 مليارات يورو، ضمت صفقة أسلحة أمريكية إلى قطر شراء 72 طائرة من طراز "F-15QA" بوينغ متعددة الوظائف، بقيمة 21 ملياراً و100 مليون دولار، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. وفي المرتبة الثانية تأتي الكويت، بشرائها أسلحة أمريكية بقيمة 11 ملياراً و837 مليون دولار." (راجع: صفقات السلاح بالعالم.. أرقام "خيالية" والخليج يتصدر المتحصنين، تقرير خاص، موقع الخليج أونلاين، 24/02/2017).
** وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن مبيعات الأسلحة بين فترتي 2006-2010 و2011-2015 قد ارتفعت على النحو التالي: السعودية 275%، قطر 279%، الإمارات 35%، مصر 37% والعراق 83%. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مصدر للسلاح على المملكة السعودية التي كانت تزود قوى الإرهاب وقوى المعارضة السورية بالسلاح لمواصلة الحرب بسوريا، إضافة إلى حربها الإجرامية باليمن. وأشار تلفزيون دويتشة فيلة DW حول تجارة السلاح إلى ما يلي: "من الصعب تقدير حجم تجارة سوق السلاح. غير أن معطيات صادرات السلاح الأمريكية والروسية والألمانية والصينية وغيرها تشير إلى أنها بعشرات المليارات سنويا. وتعد السعودية في مقدمة الدول التي تشتري الأسلحة. فقد اشترت الرياض في عام 2014 أسلحة بقيمة أكثر من 80 مليار دولار" (راجع: تجارة السلاح، دويتشة فيلة DW بتاريخ 02/11/2017).
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن إيران تمتلك قوة عسكرية ضارية وكميات هائلة من الأسلحة الهجومية والدفاعية، وهي تقوم بإنتاج الكثير من الأسلحة، بما في ذلك الصواريخ البالستية، كما تستورد الكثير من الأسلحة من روسيا ومن دول أخرى كثيرة وتوجه مبالغ كبيرة من ميزانيتها العامة صوب التسلح، وهي متقدمة على السعودية في إجمالي توسعها العسكري واستعدادها القتالي. (راجع: علاء الدين السيد، إيران والسعودية من الأقوى عسكرياً، موقع ساسا  sasaفي 30/03/2015).     
إن تجارة السلاح ليست سوى تجارة الموت لشعوب الشرق الأوسط، تجارة المزيد من الفقر والحرمان، والمزيد من الإرهاب والدمار وحصد الأرواح البريئة. إنها أكبر الجرائم التي ترتكب في منطقة الشرق الأوسط التي كلما ازداد استيراد السلاح فيها، كلما ازدادت الصراعات والنزاعات والحروب والسعي لحل المشكلات بقوة السلاح، وحين تنشب الحروب يزداد استيراد السلاح ايضاً، وهكذا تسقط هذه البلدان في الحلقة الشيطانية، في الدائرة المغلقة، إنها المأساة والمهزلة في آن واحد، إنها مأساة امتلاك هذه المنطقة للذهب الأسود، للبترول. ولا نبتعد عن الحقيقة حين نؤكد بأن أصابع السعودية وتركيا وإيران حين امتدت إلى هذه البلدان ارتفع الدخان، دخان نيران الحروب وروائح الدم والخراب والدمار. ولا شك في أن وراء ذلك سياسات دولية ودول كبرى تهدف إلى الهيمنة على "مناطق النفوذ الحيوية" لمصالحها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وهي التي تزيد من تعمق وتوسع الأزمات والحروب ومن صب المزيد من البنزين على النيران المشتعلة لتزيدها اشتعالاً وهمجية وموتاً مستمرا.
إن ما تمارسه السعودية وتحالفها المشين يعتبر ضمن عمليات الإبادة الجماعية ضد شعب مسالم وفقير وعاجز عن الدفاع عن نفسه، كما يعتبر عملاً يهدف إلى قتل المزيد من السكان المدنيين، من أطفال وشيوخ ونساء بتدمر كل شيء عبر القوة الجوية السعودية والإمارتية بالصواريخ والقنابل، بما في ذلك قصف المستشفيات التي يرقد فيها المرضى من أطفال وشيوخ ونساء حوامل، إنها جرائم بشعة يندى لها جبين البشرية والأمم المتحدة، إذ لم يتحرك العالم كله لإيقافها، في الوقت الذي يرون فيه ما يجري على أرض اليمن الحزين. كما لا تقصر إيران في إرسال المزيد من السلاح والعتاد إلى الحوثيين لتزيد من المعارك فيها ومواصلتها. إنهم يتحاربون على الأرض اليمانية كما يتحاربون على الأرض السورية، ويريدون اليوم خوض الحرب في لبنان والعراق أيضا!! إنها المأساة والمهزلة التي يعيشها عالمنا المعاصر! 
ولو لم تكن أغلبية شعوب هذه البلدان غافية ومهملة لمصالحها بسبب جهلها أو زيف وعيها وتشوه الفكر الذي تحمله، لما استطاع حكام هذه الدول الجبناء والمستبدين، ولا دعم تلك القوى الدولية التي تقف وراء هذه الحروب والمآسي والكوارث الإنسانية، أن يبقوا في الحكم لهذه العقود الطويلة. والطلائع المثقفة والواعية والأحزاب التقدمية والديمقراطية، رغم الجهود المضنية التي تبذلها، لم ترتق بعد إلى المستوى المطلوب ولم تتوحد جهودها في النضال ضد هذه النظم المستبدة، كما إنها تواجه سياسة محاربة بأقسى الأساليب وأكثرها شراسة وعدوانية وفي جميع هذه الدول دون استثناء. ومع ذلك فنضال القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية لا بد له أن يستمر ولا بد له أن يثمر، لكي يمكن إيقاف هذه الحروب والتخلص من هذه الفئات الحاكمة المعادية لمصالح شعوبها جملة وتفصيلا. وهو آمر أت لا ريب فيه، إلا إنه يستوجب المزيد من العمل والتوعية والنضال في صفوف شعوب المنطقة وبين كادحيها، فهم الخاسرون الأوائل من تلك السياسات والصراعات والنزاعات والحروب بمنطقة الشرق الأوسط.   

7
المنبر الحر / رد: رسالة مفتوحة
« في: 19:19 16/11/2017  »
وعليه أرى ما يلي:
1. إن المشكلة المركزية بالعراق تكمن في طبيعة النظام السياسي الطائفي القائم بالعراق ومحاصصاته المذلة التي تسبب بكل تلك المشكلات والكوارث والمآسي الإنسانية، إضافة لما كان قد تراكم قبل ذاك في ظل النظام الدكتاتوري البعثي والصدامي، وهذا يعني لا بد من إجراء عملية التغيير الجذرية لتوفير الأرضية والأجواء المناسبة لحل المشكلات القائمة على أسس ديمقراطية وتضامنية.
2. وإلى أن يحين وقت التغيير الفعلي لطبيعة الدولة العراقية والنظام السياسي فيها وسياسات السلطة التشريعية والقضائية، الذي يستوجب حصول تغيير في ميزان القوى وتنامي دور المجتمع وقواه الديمقراطية، لا بد من الالتزام بالدستور العراقي رغم نواقصه الكبيرة. فالعمل يفترض أن ينصب عاتق كل القوى المدركة لمآسي العراق والعوامل التي تسببت بكل تلك الكوارث لوضع دستور مدني ديمقراطي علماني حديث يلتزم بتأمين وجود مجلس نيابي نزيه وأمين على مصالح الشعب وإرادته ويعتمد الفصل بين السلطات واستقلال القضاء والحرية والاستقلالية للسلطة الرابعة وفصل الدين عن الدولة والسياسة واحترام حقوق الإنسان وحقوق القوميات وحقوق المرأة كاملة ومساواتها بالرجل ومنع زواج القاصرات والقاصرين وتأمين الخدمات الضرورية للمعوقين وضحايا الحروب والإرهاب، واستقلالية مفوضية الانتخابات والهيئات الخاصة كالبنك المركزي وهيئة الإعلام المركزية، ويقر قوانين ديمقراطية للصحافة والأحزاب والعمال والجمعيات الفلاحية ومنظمات المجتمع المدني ...إلخ.
3. وضع القوانين والأنظمة الإدارية المنظمة والمحددة بشكل دقيق وعلى وفق الدستور للصلاحيات التي تتضمن حقوق وواجبات الدولة الاتحادية وإقليم كُردستان والمحافظات، بما في ذلك المسائل المالية والموارد الأولية، كالنفط والخامات الأخرى، والتشكيلات العسكرية والپيشمرگة، بما يمنع أي تداخل أو تشابك أو أن يكون حمال أوجه عديدة، ومعالجة الخلافات المحتملة عبر المحكمة الدستورية.
4. وضع سقف زمني لمعالجة جميع المشكلات المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها على وفق ما حدده الدستور في المادة 140 منه، إذ بدون ذلك ستعود المشكلات وتطفو على سطح الأحداث وستكون عواقبها وخيمة على الجميع.
5. الالتزام الثابت والعادل بمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية في دستور الدولة العراقية ودستور الإقليم ورفض الطائفية السياسية والقومية الشوفينية والتمييز القومي والديني والمذهبي والفكري والسياسي، ومعاقبة من يتجاوز على ذلك ويثير النعرات المسيئة لوحدة المجتمع وحقوق مواطنيه وقومياته وأتباع دياناته ومذاهبه.
6. الالتزام بمبدأ محاربة الفساد ابتداءً من أعلى السلطة والأحزاب الحاكمة ومروراً بالجميع والمواقع التي يمكن أن يبرز فيها الفساد ودون استثناء، والامتناع عن ممارسة العفو عما سلف لمن سرق أموال الشعب وعبث بمعيشته وحياته وتقدمه الاقتصادي والاجتماعي. 
7. وعلى مستوى العراق والإقليم ضرورة منع تشكيل أحزاب سياسية أو جمعيات سياسية على أسس دينية أو مذهبية، إذ إنها تشكل قاعدة مركزية للتمييز الديني والمذهبي أولاً، وتثير الصراعات بين أتباع تلك الديانات والمذاهب ثانياً، واحتمال كبير بتفاقمها ووقوع نزاعات دموية تدمر البلد والمجتمع، على وفق ما هو حاصل بالعراق منذ 2003 حتى الآن.
8. إن على العراق كله، بما فيه الإقليم والمحافظات، الالتزام بمبدأ الموازنة العقلانية والحكيمة بين حق الفرد والمجتمع التمتع الكامل بالحرية والحياة الديمقراطية، وبين حق الفرد والمجتمع التمتع بالأمن والحماية التامة من الإرهاب والفساد ومن أي تجاوزات وانتهاكات أخرى لحقوق الإنسان وحقوق المواطنة الحرة والمتساوية.   
9. إن على العراق والإقليم والمحافظات أن تلتزم بمبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة الوطنية والدخل القومي استنداً إلى العقلانية في وضع خطط أو برامج التنمية الوطنية الشاملة والمستدامة التي تهدف إلى تغيير بنية الاقتصاد الوطني الريعي الاستهلاكي المكشوف كلية على الخارج والفاقد للأمن الغذائي والأمن الاقتصادي إلى اقتصاد أكثر توازناً في بنيته الإنتاجية وبنية تكوين الدخل القومي وتوزيعه وإعادة توزيعه. ولا يمكن تحقيق هذا التغيير دون توجيه المزيد من الاستثمارات المالية للقطاعات الإنتاجية في الاقتصاد كالصناعة والزراعة والاتصالات والمواصلات واعتماد التقنيات الحديثة ومراكز البحث العلمي وتغيير بنية المعاهد والكليات والجامعات ومناهجها الدراسة وتحسين مستوى هيئاتها التدريسية.
10. ولا بد من وضع برنامج خاص وسريع يهدف إلى معالجة أوضاع الموصل والنازحين ومستقبل القوميات الأخرى الموجودة بمحافظة نينوى والإقليم وعموم العراق، وهي التي عانت الأمرين لا على أيدي الداعشيين فحسب، بل وقبل ذاك على أيدي القوى الطائفية والمليشيات المسلحة والإرهاب والفساد السائد بالبلاد. إن المصالحة الوطنية المنشودة لا تأتي عبر المساومات بين الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية والسنية، بل تأتي عبر إنهاء الممارسات السياسية الطائفية والشوفينية والفساد، والتي تستوجب بدورها تغيير الموقف من وجود أحزاب سياسية طائفية يحرّم وجودها الدستور العراقي حتى بوضعه الحالي. وعلى من يريد محاربة الطائفية يفترض ألّا يكون جزءاً من هذه الأحزاب أو يوافق على وجودها ونشاطها الطائفي المقيت الذي تسبب بكل ما يعاني منه العراق.
11. ولا بد من تأكيد أهمية حل جميع المليشيات الطائفية المسلحة والحشد الشعبي، وربط من يرغب بالبقاء من المتطوعين على الجيش العراقي بدلاً من وجود قوة عسكرية أخرى تأتمر شكلياً بأمر القائد العام للقوات المسلحة وولاء الذين انخرطوا فيها بالأصل ممن كانوا أعضاء ومؤيدين للمليشيات الطائفية المسلحة، التي ارتبكت الكثير من الجرائم والموبقات بالعراق، لدولة أخرى مجاورة، هي إيران 
(21)
إن الانتصارات العسكرية الأخيرة على عصابات داعش يستوجب استكمالها بإنجازات فكرية وسياسية بالتوجه الجاد والمسؤول لمحاربة الطائفية والشوفينية والتطرف والفساد والإرهاب أولاً، ومحاسبة كل من تورط بكل ذلك ثانياً، وأن تجد كل القوميات بالعراق لغة مشتركة تستند إلى مبادئ المواطنة والتضامن والتآلف والتفاعل والتلاقح الثقافي والعمل المشترك لصالح بناء عراق مدني ديمقراطي جديد تتمتع فيه كل القوميات وأتباع كل الديانات والمذاهب وأصحاب الفلسفات والاتجاهات الفكرية والسياسية بالحرية والحياة الديمقراطية والتقدم والسلام ثالثاً. وأن نعمل من أجل توفير مستلزمات ذلك بتعبئة العراقيات والعراقيين لهذا الغرض النبيل. إذ لا يمكن للعراق أن يستقر ويتقدم ما لم يعمل الشعب وقواه المدنية والديمقراطية والعلمانية وكل المؤمنين الذين يرفضون ربط الدين بالدولة والسياسية لإقامة الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية واعتماد مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية ومحاربة الطائفية السياسية والشوفينية والتمييز والتهمش والإقصاء لأبناء القوميات وأتباع الديانات والمذاهب الأخرى والفساد والإرهاب بكل أشكاله. إنها الدولة التي يمكن أن تنقذ العراق مما هو فيه الآن وما يمكن أن يأتي حين يستمر وجود النظام السياسي الطائفي والتدخلات الأجنبية في شؤون البلاد.
وأخيراً، أتمنى على المسؤولين الكرد أن يمارسوا النقد الذاتي الضروري لفترة الحكم المنصرمة، وأن يتعلموا من السياسات السابقة وأن يمارسوا سياسات تقربهم على الشعب لا تبعدهم عنه. لقد سألني مسؤول كردي بارز في واحد من لقاءاتي القليلة به، وبحضور سكرتيره، ما رأيك بنا: قلت له حين كنتم في الجبال كنتم قريبين من الناس وطموحاتهم، وحين اصبحتم في وسط الناس ابتعدتم عن الناس كثيراً وابتعدوا عنكم! فقال لسكرتيره سجل ما يقوله الدكتور، ولم يتغير شيئاً! 
كاظم حبيب، بتاريخ 16/11/2017

       

8
المنبر الحر / رسالة مفتوحة
« في: 19:18 16/11/2017  »
كاظم حبيب
رسالة مفتوحة
إلى الأخوات والأخوة أبناء وبنات شعب كُردستان الصديق بإقليم كُردستان العراق
إلى الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني الكردستانية
(1)
 ليس هناك من يستطيع ان يحرم شعب ما من حقه في تقرير مصيره، فهذا الحق ثابت لكل الشعوب، سيناله من يسعى إليه طال الوقت أم قصر، إن سعى بوعي ومسؤولية عاليتين لتوفير مستلزمات تحقيقه. هذا الحق الطبيعي أقرته وثائق الأمم المتحدة والمواثيق والعهود الدولية الأخرى وأكدت عليه، لوائح ومواثيق حقوق الإنسان وحقوق القوميات. تسنى لعدد غير قليل من شعوب العالم وفي فترات مختلفة ممارسة هذا الحق وتحقيق ما كانوا يسعون إليه، رغم المصاعب التي تعرضوا لها وتجاوزوها. ولكن الكثير من شعوب العالم كانت وما زالت تعيش في عالم ما يزال بعيداً كل البعد عن ممارسة الكثير من المبادئ والقيم الإنسانية والحضارية التي توصل الإنسان إلى صياغتها وتكريسها عبر قرون من النضال المليء بالتضحيات الجسام ضد الاستعمار والهيمنة الأجنبية، بصورها القديمة والحديثة، وضد الحروب والاضطهاد والقمع القومي والديني والفكري والسياسي، وضد الاستغلال والقهر الاجتماعي والتهميش وفي سبيل السلام والتفاهم بين الشعوب والعدالة الاجتماعية.
(2)
الشعوب كلها تعيش اليوم في عالم رأسمالي استغلالي بشع لا يعرف الرحمة والإنسانية، ولا تعرف النظم الرأسمالية ولا تمارس في علاقاتها الدولية مضامين الحرية والديمقراطية والصداقة والود واحترام إرادة الشعوب وحقوقها وتنميتها وكل ما ثبت في لوائح الأمم المتحدة ومواثيقها الدولية، بل تقوم على المصالح الذاتية لكل دولة من هذه الدول، ولاسيما الدول الكبرى، التي لا تحترم إرادة ومصالح الدول الصغيرة وشعوبها. فحين تشعر تلك الدول، ولاسيما الكبرى المهيمنة على الاقتصاد والسياسية الدوليتين وعلى الإعلام وتقنيات الاتصال الأكثر حداثة، بأن مصالحها تستوجب وقوفها إلى جانب هذه القضية أو تلك، أو أن مصالحها تستوجب الوقوف ضد القضية ذاتها أو في بلد آخر، فإنها ستتبع الموقف الذي يستجيب لمصالحها وليس لمصالح الشعب الذي يناضل في سبيل قضيته، واعتقدَ خطأً بأن هذه الدول ستقف إلى جانبه، بغض النظر عما يصيب هذه القضية من إساءة وما يلحق بها من أضرار. فالدول الكبرى تقيس الأمور إزاء قضية معينة بمكيالين على وفق حاجاتها ومصالحها أولاً وأخيراً.
وتؤكد الكثير من تجارب الشعوب إن قادة أو سياسي الكثير من الشعوب، رغم خبرتها الطويلة، يرتكبون باستمرار ذات الأخطاء التي ارتكبوها هم أو غيرهم في السابق بثقتهم غير المبررة بالدول الكبرى على الصعيد العالمي أو الإقليمي باعتقادهم الخاطئ بأن العلاقات بين الدول تقوم على الود وليس المصالح! ويمكن في هذا الصدد إيراد مسائل كثيرة، منها مثلاً المسألة الكردية في الشرق الأوسط، الموقف من كُرد العراق وكُرد إيران وكُرد تركيا وكُرد سوريا من جانب العالم الرأسمالي عموماً ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان وما زال الكيل بأكثر من مكيال واحد!
(3)
إن مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها يتسم عند التطبيق بالمرونة العالية، إذ فيه الكثير من الصيغ الإيجابية. فممارسة هذا الحق تبدأ من حق التمتع بالإدارة الذاتية والحقوق الثقافية، وتمتد إلى الحكم الذاتي، ثم الفيدرالية في إطار دولة معينة، أو الكونفدرالية من خلال وجود دولتين تتفقان بإرادتهما المشتركة على قيام اتحاد كونفدرالي بينهما، وينظم ذلك وغيره بمواد دستورية وفي قوانين منظمة للواجبات والحقوق والصلاحيات المشتركة والمنفردة، وأخيراً يمكن ان يتم الانفصال عن الدولة التي يعيش فيها هذا الشعب أو ذاك وفي دولة متعددة القوميات وإقامة دولة وطنية مستقلة. والحصول على هذا الشكل أو ذاك في ممارسة حق تقرير المصير يخضع لمجموعة من العوامل الذاتية والموضوعية الفاعلة التي لا يمكن بدونها الحصول على أي ممارسة فعلية لهذا الحق في ظل العالم المعاصر. أي إن ممارسة هذا الحق أو ذاك لا تخضع للرغبات الذاتية لهذا القائد أو ذاك، أو لهذا الحزب أو ذاك، أو لهذه العشيرة أو تلك، ولا حتى لهذا الشعب أو ذاك. فما لم تنشأ وتتفاعل العوامل الذاتية والموضوعية، يستحيل الوصول إلى ما يسعى إليه هذا الشعب أو ذاك. وحين تتوفر تلك الشروط والمستلزمات لا يمكن أن يُمنع هذا الشعب أو ذاك عن تحقيق ما يسعى إليه. ولا شك في أن شرط النضال الشعبي ووحدة نضال القوى السياسية لهذا الشعب أو ذاك، وتفاعلها مع الشعب الآخر، أو أكثر من شعب، في هذا البلد أو ذاك، وتفهمهم المشترك لطبيعة النضال ومهماته يعتبر ضمن الشروط الذاتية لهذا النضال، في حين يشكل الوضع العام بالبلد، من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والوعي الفردي والجمعي بالحرية ومضمونها وبالديمقراطية كمنهج للدولة والمجتمع، وكذلك الوضع العام على صعيد منطقة معينة أو الوضع الدولي، يشكل الجانب الموضوعي من العملية كلها. وعلى القوى السياسية والمجتمع أن يلاحظا مستوى الفعل والتأثير المتبادل للعوامل الذاتية والموضوعية وما يمكن أن ينشأ عن ذلك من نتائج إيجابية أو عواقب سلبية عند المطالبة بهذا الشكل أو ذاك من أشكال ممارسة حق تقرير المصير. فحساب مثل هذه الأمور ليس سهلاً، خاصة إذا ما استسهل القادة السياسيون واستخفوا بالعوامل المضادة الفاعلة ضد ممارسة هذا الحق أو ذاك من أشكال التمتع بحق تقرير المصير.
(4)
لا شك في أن محاولة التعجيل بالوصول إلى شكل معين من تلك الصيغ في ممارسة حق تقرير المصير دون ان تكون الظروف والمستلزمات متوفرة، يتحول إلى مغامرة حقيقية أو مجازفة غير محسوبة العواقب، إذ يمكن أن تدفع بالعملية إلى الوراء لسنوات طويلة، أو ما يمكن أن نطلق عليه بحصول نكسة عمّا كان يسعى إليه هذا الشعب أو ذاك، وربما يخسر بعض أو الكثير مما تحقق له بنضاله قبل ذاك من منجزات على طريق تطوير ممارسة حق تقرير المصير. ويرتبط هذا التسرع أحياناً غير قليلة برغبات ذاتية غير واقعية، أو محاولة الهروب إلى الأمام للخلاص من مشكلات بعينها، أو عجز فعلي في رؤية موازين القوى والقدرات الذاتية لتحقيق ما يسعى إليه الفرد أو المجتمع، إضافة إلى الوضع العام المحيط بهذه القضية والعوامل الكثيرة المؤثرة فيها وعليها. كما إن التأخير في المطالبة بصيغة معينة من الحق في ممارسة تقرير المصير، رغم توفر مستلزمات ذلك، يعتبر هو الآخر نكوصاً وخسارة لهذه الشعب أو ذاك فيما يسعى إليه، إذ يعتبر تخلفاً عن الاستفادة من العوامل المساعدة لتحقيق المرتجى والمؤمل.         
هذه هي الأسس والقواعد العامة، التي لا بد أن تقترن بفهم ووعي حركة وفعل القوانين الاجتماعية، والتي يفترض أن يعرفها ويعيها كل سياسي محترف، وبتعبير أدق وأصوب، كل إنسان يناضل في سبيل الوصول إلى ممارسة أحد أشكال حق تقرير المصير ويتعامل معه بكل حرص ومسؤولية وبعيداً عن التسرع أو التردد، بعيداً عن الهروب إلى أمام لأي سبب كان، أو النكوص إلى الوراء، فكلاهما لا يحقق المنشود. ويفترض هنا أن يلعب المثقفون الواعون دورهم الريادي في الدفع باتجاه المطالبة أو الحد منها بالارتباط مع وعيهم للشروط والمستلزمات الضرورية لمثل هذه العملية التي غالباً ما تصطدم بمقاومة القومية الأكبر والجماعات والأحزاب القومية الشوفينية أو الدينية والطائفية التي لا تعترف بالقوميات ولاسيما حين تكون في السلطة. 
(5)
العراق أحد البلدان الشرق أوسطية الذي يعيش فيه أكثر من شعب أو قومية، كما هو حال إيران وتركيا وسوريا على سبيل المثال لا الحصر. ومنذ مئات السنين، وإذ نترك عراقنا، ميزوبوتاميا الحضارة خلفنا، نرى إن العرب والكُرد والكلدان والآشوريين أو السريان عموماً، إضافة إلى الصابئة الآراميين والتركمان، كانوا يعيشون جنباً إلى جنب في ظل الإمبراطورية الأموية فالإمبراطورية العباسية، ثم الإمبراطورية العثمانية، وأخيراً في ظل الدولة العراقية الملكية، ومن ثم الجمهوريات المتتالية. ورغم إن الكثير من هذه القوميات قد تعرض في فترات مختلفة إلى واقع التمييز الديني ومن ثم القومي، والتهميش والإقصاء والاضطهاد والعسف من جانب القومية الأكبر وقواها الحاكمة، وهم الحكام العرب أو الفرس أو الترك، فأن شعوب هذي البلدان واصلت العيش المشترك وحاولت تجاوز تلك الصعوبات والمشكلات وأشكال القمع. ورغم إن الكُرد في كل أقسام كُردستان ناضلوا في سبيل إقامة دولتهم أو إماراتهم العديدة، ومن ثم إقامة دولتهم الوطنية المستقلة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. إلا إن هذا الهدف لم يتحقق، بفعل دور الدول الاستعمارية التي احتلت المنطقة في نهاية هذه الحرب وإرادتها في خلق بؤر توتر مستمرة، ومن خلال رسم الحدود أيضاً، في هذه المنطقة من العالم، وهما الدولة البريطانية والدولة الفرنسية الاستعماريتين، ومن ثم عصبة الأمم، التي كانت تتحكم فيها وبقراراتها، الدول الكبرى والمنتصرة في الحرب العالمية الأولى، والتي لم تسمح بتحقيق حلم الكُرد والحقت ولاية الموصل، التي ضمت سناجق كُردية وغير كُردية، والتي كانت تحت الحكم العثماني، في العام 1926، بالدولة العراقية التي تأسست في العام 1921. وبهذا زاد التقسيم الثنائي السابق لكُردستان وشعبه على الدولتين الفارسية والعثمانية، إلى تقسيم جديد بحيث أصبحت كُردستان وشعبها موزعة على أربع دول هي تركيا وسوريا والعراق وإيران. 
(6)
ومنذ تلك الفترة خاض الشعب الكُردي مع القوميات الأخرى بالعراق نضالاً مشتركاً في سبيل مجموعة من الأهداف الأساسية التي التقت عندها القوى الديمقراطية والتقدمية والقومية، وأعني بها:
** النضال ضد الهيمنة الأجنبية التي تمثلت بالاستعمار البريطاني الذي استمر الانتداب على العراق حتى العام 1932، ومن ثم ضد الهيمنة البريطانية على السياسات الداخلية والخارجية للحكومات الملكية وضد الأحلاف العسكرية الدولية.
** النضال من أجل الحياة الديمقراطية والحقوق الأساسية للشعب العراقي بكل قومياته وتطبيق الدستور والحياة النيابية الحرة والنزيهة، والتي كانت تُشوه في ظل الحكم الملكي وتُصادر في ظل الجمهوريات المتعاقبة لاحقاً.
** النضال في سبيل بناء الاقتصاد الوطني وضد البطالة والفقر والحرمان، وفي سبيل المساواة والعدالة الاجتماعية.
** كما شارك الشعب العراقي بمختلف قومياته مع الشعب الكُردي في نضاله في سبيل حقوق القومية العادلة والمشروعة، وضد التهميش والتمييز. ويمكن أن يتابع ذلك من يشاء في برامج الأحزاب والقوى الديمقراطية والتقدمية العراقية، بخلاف برامج الأحزاب والقوى القومية الشوفينية والقوى الدينية والطائفية.
وعلى هذه الأرضية النضالية المشتركة استطاع الشعب الكُردي تحقيق العديد من المنجزات التي حاولت الحكومات المتعاقبة حرمانه منها. فتمكن بتضحيات غالية، وبدعم فعلي ومليء بالتضحيات من القوى الديمقراطية والتقدمية للقوميات الأخرى بالعراق، تحقيق الاعتراف له في كونه الشريك الفعلي في هذا الوطن أولاً (الدستور المؤقت لجمهورية 14 تموز 1958)، رغم ضعف ممارسة ذلك، ومن ثم الحكم الذاتي في بيان أذار/ مارت 1970)، رغم إفراغه الفعلي من محتواه من جانب الحكم البعثي، وأخيراً التمتع بالفيدرالية ضمن الجمهورية العراقية منذ العام 1992 بقرار من البرلمان الكُردستاني ومن جانب واحد، ثم تكرس ذلك في الدستور العراقي في العام 2005. لقد ساهمت الكثير من العوامل الذاتية والموضوعية، وكان للعامل الدولي تأثيره البارز في هذا المجال وتفاعله مع العوامل الذاتية، حيث فرض التحالف الدولي في حرب العام 1991، وعبر قرار من مجلس الأمن الدولي، حماية إقليم كُردستان من احتمال قيام النظام البعثي من الاعتداء العسكري على الإقليم والفيدرالية الجديدة، ومن أجل إضعاف النظام البعثي وإسقاطه لاحقاً. وهنا يفترض الانتباه إلى أن سياسة الولايات المتحدة إزاء الإقليم لم تنطلق من ود أو دعم للكرد بقدر ما كانت من أجل تحقيق مصالح معينة في المنطقة كلها، خاصة عندما نقارن بين موقفها من كرد العراق وموقفها من كرد تركيا وإيران.
(7)
وإذ خاضت القوى والأحزاب الكُردستانية خلال الفترة الواقعة بين 1992-1998 معارك عسكرية وصراعات سياسية وسالت دماء فيها بهدف السيطرة على الإقليم وسياساته، فأنها ومنذ العام 1998 حتى العام 2003 قد حافظت على التباين في إدارتها للإقليم، إذ قسم الإقليم إلى إدارتين، حكومة دارة أربيل ودهوك، وحكومة لإدارة السليمانية، وهي ثلاث محافظات اعتبرت من الجانب العراقي الرسمي جزءاً من إقليم كُردستان واستثنيت كل المناطق التي تسمى اليوم "المناطق المتنازع عليها، بضمنها كركوك"، من سلطتي الإقليم. وعاش الكُرد في هذه الفترة دون صراعات مباشرة أو حروب داخلية. واستمر وجود الحكومتين حتى العام 2005 حيث جرى توحيد الحكومتين بحكومة واحدة بأربيل، ولكن على وفق ما أطلق عليه بالاتفاقية الاستراتيجية بين الحزبين الرئيسين، الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الو\طني الكُردستاني، وابعد عن هذه الاتفاقية بقية الأحزاب والقوى السياسية. ولم يتسن خلال الفترة السابقة، بين 1992-2003، وحتى 2005، أن يكون هناك التعاون المنشود بين القوى الكُردستانية لصالح تقدم كُردستان وتطورها وتحسين مستوى حياة ومعيشة شعبها.
(8)
كان المفروض أن تمارس حكومات الإقليم المتعاقبة ابتداءً من عام 2003 أو 2005 سياسات موحدة وجديدة ومتكاملة تهدف إلى تغيير واقع الإقليم المتخلف نتيجة السياسات والأوضاع السابقة، من شأنها أن تسهم في تعزيز الفيدرالية الكُردستانية، رغم الخلافات التي استمرت في الصف الكُردي أولاً، وتلك الخلافات والصعوبات التي نشأت مع الحكومة الاتحادية ثانياً. ولا بد هنا من الإشارة إلى ما كان ينبغي أن يمارس على وفق مواد الدستور الجديد، الذي أقرته الأحزاب الحاكمة وصوت عليه وحاز على تأييد أكثرية الشعب بالعراق، رغم نواقصه الشديدة وتخلفه عن الحضارة المعاصرة، ولم تلتزم به كما ينبغي أو انحرفت عنه تماماً. ولا بد هنا من التنبيه إلى أن هذه الرسالة موجهة إلى الشعب الكُردي، وبالتالي تتضمن واقع إقليم كُردستان العراق، وليس الواقع العراقي الاتحادي أو سياسات الحكومة الاتحادية التي يعرف الجميع موقفنا منها ومن عواقبها على الشعب العراقي كله، وبضمنه الشعب الكُردي والقوميات الأخرى بالإقليم.
1.   لقد كان المطلوب والملح لواقع الإقليم انتهاج سياسة داخلية تسهم في تعزيز وحدة الشعب الكُردي وقواه السياسية وتستند إلى الشرعية الدستورية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات المتعايشة مع الكُرد بالإقليم، واحترام كامل للمؤسسات الدستورية والفصل بين السلطات الثلاث واحترام القضاء، واستقلال الإعلام والنشاط الصحفي، باعتباره السلطة الرابعة.
2.   وكان المؤمل والمرتجى من القيادات الكُردستانية انتهاج سياسة عراقية تعتمد الأسس الديمقراطية في تحالفاتها وفي التأثير على الواقع العراقي وتعزيز مواقع القوى الديمقراطية والتقدمية، التي كانت وستبقى حليفة للكُرد في كل الفترات السابقة والحالية، سواء أكان في البرلمان أم خارج العمل البرلماني، لضمان إبعاد الدولة العراقية والحكومات الاتحادية عن الاتجاهات التي تعيق الديمقراطية وبناء الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي وتمنع سقوطها في الدولة الثيوقراطية.
3.   وكان واقع الاقتصاد الكُردستاني يتطلب انتهاج سياسة اقتصادية تستخدم موارد النفط المالية والجمارك لصالح إجراء تغيير جاد ومسؤول في بنية الدخل القومي وتنوعه، من خلال إقامة صناعة وطنية وزراعة حديثة وتنشيط الاستيراد لصالح التنمية الإنتاجية بدلاً من إغراق الأسواق بالسلع الاستهلاكية والكمالية التي استنزفت الكثير من الموارد المالية التي كان المفروض توجيهها للتثمير الإنتاجي. ومثل هذه السياسة لا يعني عدم تنفيذ مشاريع لتطوير المدن والشوارع والجسور وإقامة الحدائق والمنتزهات، كجزء من عملية تنمية شاملة.
4.   وكانت الحاجة ماسة إلى انتهاج سياسة مكافحة البطالة من خلال خلق فرص عمل في القطاعات الإنتاجية وليس في دوائر الدولة التي اكتظت بالموظفين الزائدين عن الحاجة، ودفع مليارات الدولارات بسبب تضخم حجم الرواتب، وإحالة مبكرة للكثير من الموظفين، وكوادر الحزبين الرئيسين على التقاعد برواتب عالية، التي لا تساهم في دعم الاستثمار الإنتاجي وفي زيادة الدخل القومي، بل كانت تساهم التفريط به. إذ إن الحالة الثانية خلقت بطالة مقنعة كبيرة جداً واستنزفت موارد مالية وأعاقت إنتاجية الإدارة وعطلت أعمال الناس. لقد تحولت إلى مشكلة عويصة وعنق زجاجة إنسانية ومالية للحكومة الكُردستانية.
5.   وكان المفروض انتهاج سياسة تسهم في تحقيق شيء من العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة واستخدامها، وفي تقليص الفجوة الكبيرة والمتسعة بين مستوى حياة ومعيشة ومدخولات الفئات الاجتماعية الفقيرة والغنية بالإقليم، أي بين الفقراء ومحدودي الدخل من جهة، والأغنياء الميسورين وأصحاب الملايين والمليارات والذين اكتنزوا الثروة من السحت الحرام والفساد المستشري من جهة أخرى.
6.   وكان على سياسة الإقليم وكل الأحزاب السياسية الكُردستانية دون استثناء، ولاسيما قادتها، الاهتمام الجاد والمسؤول بحياة ومعيشة وظروف عمل الفئات الفقيرة والمعوزة والمحدودة الدخل، والتحري عن سبل تحسين أوضاعهم المعيشية الشخصية بدلاً من تحسين حياة ومعيشة الأغنياء وكبار الموظفين على حساب الاقتصاد والمجتمع، ولاسيما الفقراء منهم.
7.   وكان عل التحالف الكُردستاني أن يلعب دوره الديمقراطي المسؤول والواعي في مجلس النواب العراقي في مواجهة القوانين والاتجاهات المضرة بالحياة الديمقراطية والتقدم الاجتماعي، وبشكل خاص في مسائل الأحزاب وقانون الانتخابات وبنية المفوضية المستقلة للانتخابات لا أن يتناغم تماماً إلى حد التطابق مع الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية التي كانت وما زالت وستبقى مناهضة للديمقراطية والتقدم الاجتماعي وحقوق الشعب الكُردي وضد القوى والأحزاب المدنية والديمقراطية والعلمانية.
8.   وكان المطلوب انتهاج سياسة تربية وتعليم تبني الإنسان بالإقليم على أسس حضارية حديثة وقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والإخلاص للشعب، واعتماد الأسس العلمية في مناهج التربية والتعليم، إضافة إلى الابتعاد عن الإكثار في إقامة المعاهد والكليات والجامعات مع الإهمال الصارخ والفعلي لمضامين المناهج الدراسية ومستوى التعليم ومستوى الجهاز التربوي والتعليمي، وما نتج عنه من ضعف كبير وتأثير سلبي على المستوى العام والمتخلف للتلاميذ والطلبة والخريجين والعاملين في أجهزة الدولة.
9.   وكان المفروض انتهاج سياسة تحارب الفساد ابتداءً من الفئات الحاكمة وأحزابها ونزولاً صوب المستشارين وكبار الموظفين والمدراء العامين والمدراء وصغار الموظفين، وكذلك أصحاب شركات المقاولات والمتاجرة بالعقار وبقية النشاطات الاقتصادية والعمرانية، ولاسيما في قطاعات الاستيراد وتصدير النفط، وليس العكس، أي السياسة المطلوبة لمكافحة الفساد هو البدء بالحيتان الكبيرة وليس بالحيتان الصغيرة التي تعتاش على فتات الفساد عند الكبار، أو التخلي الفعلي عن محاربة الفساد أصلاً، والذي أدى إلى خسارة موارد مالية كبيرة وخلق مليارديرية ومليونيرية بإعداد كبيرة ألحقت الكثير من الأذى بالاقتصاد والمجتمع وأبعدت الإقليم عن الحكم الرشيد المنشود.
10.   وكانت الحكمة والتجربة تستوجب انتهاج سياسة عدم إطلاق أيدي الأجهزة الأمنية العديدة في حياة الناس اليومية وشؤونهم الداخلية وإيجاد علاقة سليمة بين الحق في الحرية لدى الفرد والمجتمع، والحق في توفير الأمن الداخلي والحماية للمواطنات والمواطنين.
11.   وكان المنشود انتهاج سياسة احتضان وتفاعل وعدم تمييز بين المواطنات والمواطنين من القوميات الأخرى ورفض التجاوز على مناطقهم السكنية أو إجراء تغيير ديمغرافي بالإقليم في غير صالح المسيحيين أو غيرهم.
12.   وكان المفروض في السلطات الثلاث بالإقليم انتهاج سياسة ترفض استخدام أجهزتها وكأنها مؤسسات تابعة لحزبين فقط وليس للشعب كله، حيث يتم إشغال جميع الوظائف الحكومية على أساس الكفاءة والمهنية العالية والإخلاص للشعب والإقليم وليس لهذا الحزب أو ذاك أو لهذه العائلة أو تلك أو لهذا القائد أو ذاك.
(9)
لا أنشر سراً حين اؤكد إن كل هذه العوامل المبدئية التي كان المفروض ممارستها من جانب الحكم بالإقليم قد شهدت انحرافاً جدياً وخطيراً عنها بصورة مرفوضة ومؤذية، إذ أن ممارستها بصورة سليمة هي التي كان في مقدورها تطوير وتعزيز مواقع الإقليم وتكريس الصائب وتحقيق التفاعل المنشود بين أبناء وبنات الشعب الكُردي، وكذلك بينهم وبين أبناء وبنات القوميات الأخرى بكُردستان، ومن ثم مع كل أبناء وبنات العراق. وكان في مقدور كُردستان أن تقدم نموذجاً مشرقاً لكل العراق، الذي كان يسبح في ظلمات الأحزاب الإسلامية السياسية والسياسات الاستبدادية والطائفية المقيتة للجعفري والمالكي والجبوري والنجيفي ومن لف لفهم، والذي ما يزال يعاني، من تلك السياسات والإجراءات البعيدة كل البعد عن مصالح الشعب وإرادته الحرة والواعية والتي اخضعت الشعب للابتزاز والظلم والاضطهاد والقمع والقتل والتشريد على أيدي المليشيات الطائفية المسلحة والأجهزة الأمنية والخاصة وقوى الإرهاب الدموية والفاسدين. 
(10)
ويمكن هنا أن نشير إلى بعض المسائل التي كانت تلعب دورها في إغاضة المجتمع الكردستاني والمرتبطة بسياسات الحكم.
1.   التمييز المخل بين المواطنات والمواطنين بالإقليم في تطبيق القوانين الصادرة فيه، سواء أكان من جانب القوى الأمنية، أم المحاكم، أو الأجهزة العسكرية والإدارية الأخرى، وسواء أكان ذلك في التعيين، أم في الإحالة على التقاعد/ أم في المرافعات في المحاكم، أم في جباية الضرائب، أم في دفع أجور الكهرباء، أم في مجال منح العقارات أو المتاجرة في العقار والدور أو الشقق السكنية.. إلخ.
2.   دور الصراع السياسي بين الحزبين الرئيسين في التوجه صوب شراء ذمم الناس بتوظيفهم ودفع رواتب سخية لهم دون الحاجة الفعلية لهم في دوائر الدولة وأجهزة الإعلام وغيرها، أو شراء ذمم كوادر إعلامية وسياسية من أحزاب أخرى لقاء رواتب عالية وامتيازات لا يحصل عليها الآخرون الذين يمتلكون كفاءات أفضل، أو تعيين مستشارين وخبراء من الحزبين أو المؤيدين لهما فقط ودفع رواتب عالية لهم. مما نفر الشعب من الحكم وأثقل كاهل الميزانية فعلاً.
3.   التخلي الفعلي عن التنمية الوطنية والرغبة في تطوير الخدمات فقط، واعتبار النموذج الخليجي هو الأمثل، مما أدى إلى نسيان القطاع الزراعي ودوره في التنمية وخلق فرص عمل وتنويع الدخل القومي، والذي أدى إلى هجرة الفلاحين إلى المدينة، أو ترك المحاصيل الزراعية في البساتين، لأن كلفة نقلها إلى الأسواق المحلية أو العلاوي أعلى بكثير من سعر بيعها، بسبب المنافسة الشديدة من السلع المستوردة التي أغرقت السوق الكردستاني بسلع مستوردة من إيران وتركيا والسعودية مثلاً. لقد كان المستفيد من كل ذلك بعض المتنفذين، إذ يحصل على إعفاء جمركي أو فرض تعريفة جمركية مخفضة، مما يجعل أسعارها تنافسية طاردة للسلع الملحية. كما أهملَ المخطط الكردستاني التنمية الصناعية التي كانت وما تزال ضرورية لبناء قاعدة اقتصادية متينة بالإقليم، وأغرق في الوقت ذاته الأسواق المحلية بالسلع المستوردة من كل بلدان العالم، بما فيها أسوأ السلع وأكثرها رخصاً، والتي اطلق عليها الناس "زبالة"، وهي التي لعبت دوراً سيئاً في الاقتصاد الكردستاني، بسبب غياب رقابة جهاز التقييس والسيطرة النوعية. ويمكن هنا إيراد أمثلة ذات أثر كبير على حياة المجتمع كالأجهزة الطبية والأدوية والأجهزة الدقيقة والإلكترونية والكهربائية. وقد تم احتكار التجارة بهذه المواد وغيرها مما أدى إلى اغتناء المسؤولين وغيرهم من التجار، ولكن الضرر تحمله الاقتصاد الكردستاني والمجتمع بشكل خاص بسبب الحوادث المفجع التي نجمت عن استيراد تلك السلع غير المراقبة. 
4.   غياب الالتزام بالمعايير والأسس القانونية السليمة في التوظيف أو في الإحالة على التقاعد أو في منح الرتب العسكرية أو الوظيفية مما أشاع عدم الثقة بالسلطة أولاً، وميز بين الموطنين ثانياً، وزاد من أعباء الميزانية ثالثاً، والخاسر الفعلي هو الاقتصاد الكردستاني والمجتمع. 
5.   تعيين مستشارين وخبراء لا يقدمون النصيحة الخالصة والصادقة للمسؤولين، بل تحاول جمهرة منهم أن تتملق وتحابي بخسة وتؤله المسؤول عبر ما تنشره من مقالات أو أبداء تأييدها الحار لما يقترحه المسؤولون، وهي تدرك خطأ مثل هذه الاقتراحات. وهنا تلعب الانتهازية المرتبطة بالمنصب والراتب الدسم والخشية من المسؤول دورها المباشر في سلوك هذه الجمهرة من المستشارين أو المحيطين بالمسؤولين.
6.   كان وما يزال المفروض إبراز فعلي لدور ومكانة المسيحيين والإيزيديين والكرد الفيلية بشكل أكثر في الحكم بكردستان وبعدد مناسب من الوزارات لا بسبب كونهم مسيحيين أو قومية أخرى مثلاً فحسب، بل وكمواطنين ومواطنات لديهم الكفاءات والإمكانيات غير القليلة، في حين حرموا منها. 
وجدير بالإشارة إلى إن هذه المظاهر السلبية وغيرها لا تقتصر على الحكم بالإقليم بل تمس العراق كله، أي الحكومة الاتحادية ومجالس المحافظات والمؤسسات والهيئات المسؤولة.
(11)
من الواجب الإشارة إلى أن الإقليم لم يمارس سياسة فيدرالية تتناغم مع الدستور العراقي، بل كان أبعد بكثير في ممارساته عن الفيدرالية، أي أنه اقترب عملياً من الكونفدرالية غير المعلنة. ولكنه مارس سياسات تجهض مضمون الفيدرالية الديمقراطية ولا تسمح بتطور علاقات ودية حتى مع من كان متضامناً مع الشعب الكُردي. ولم يكن الشعب الكُردي مسؤولاً عن ذلك طبعاً، بل كان النظام السياسي والأحزاب الحاكمة هما المسؤولان عن ذلك. وقد تسبب هذا الواقع في خلق خلافات حادة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، وزاد في الطين بِلة ذلك النهج السياسي الفاسد والمتخلف والطائفي بامتياز الذي مارسه نوري المالكي في فترة حكمه التي استمرت تسع سنوات تقريباً. ولم تبذل جهود تستند إلى الدستور لمعالجتها، بل جرت محاولات المساومة عبر اتفاقات شخصية وغير رسمية بين رئاسة الإقليم ورئيس الحكومة الاتحادية وبعض القوى المشاركة في الحكم، ورئيس القائمة العراقية حينذاك، ثم رفض المستبد بأمره نوري المالكي، بعد حصوله على التأييد في تسنمه الولاية الثانية للحكومة الاتحادية، تنفيذ تلك الاتفاقات، مما عمق الخلافات والصراعات.
(12)
لم تنشأ معارضة سياسية حقيقية وموضوعية بالإقليم، بل نشأت معارضة من رحم ذات الأحزاب الحاكمة، ولم تكن تمتلك الأسس والمناعة المبدئية التي تبعدها عن الوقوع في النهج السياسي ذاته السائد في حكم الإقليم. فقد برزت معارضة سياسية انشقت عن الاتحاد الوطني برئاسة نوشيروان مصطفى أمين (1944-1917) وشكلت "حركة التغيير"، التي انتعشت على حساب الاتحاد الوطني الكردستاني وكسبت في معارضتها للحزبين الحاكمين، حققت نجاحاً ملموساً في الانتخابات. ولكنها حين شاركت في الحكم خفت معارضتها وقل رصيدها عموماً. ومع ذلك فقد كانت الجماعة الأكثر معارضة لسياسة الحكم ولرئيس الإقليم والحكومة الكُردستانية. ولم تكن هذه المعارضة دون هدف أو دون مضامين واضحة ومقبولة عند الكثير من الكُرد. وقد أضعف هذا الانشقاق دور الاتحاد الوطني الكُردستاني وتأثيره في سياسة الإقليم كثيراً. وبعد إصابة رئيس الجمهورية العراقية مام جلال الطالباني، بجلطة دماغية، ضعف تأثير الاتحاد الوطني وتعددت الأجنحة فيه، واتسع ذلك بعد وفاة رئيس الحزب. ولا شك في وجود معارضة في الحزب الديمقراطي الكُردستاني لبعض أو كل سياسات الحزب، ولكنها غير منظمة ولا واضحة وغير مرئية. ولذلك أسبابها أيضاً. أما المعارضة الإسلامية المشاركة في الحكم، فإنها كانت نشطة، كما في حالة جماعة اليكرتوو، تلتقط النواقص وترميها على الأحزاب الرئيسية وتتملص منها وتكسب الناس المعارضين لسياسة الإقليم. ولا بد من تأكيد حقيقة أن كل الأحزاب الأخرى غير الحزبين الرئيسين لم يشاركا في رسم سياسة الإقليم، وغاب دورهم السياسي والاجتماعي، وساهموا بدور بهامشي غير محسوس في الحياة السياسية والاجتماعية بالإقليم، ولم تخرج معارضتهم لبعض الأمور، ومنها المهمة، عن محافلهم الخاصة أو داخل مقراتهم.
(13)
حين اكتب عن هذه المسائل وبهذه الصراحة والوضوح لأني كنت قد كتبت وذكرت عنها مراراً وتكراراً وبصيغ مختلفة، سواء أكان ذلك في مقالات نشرت في الصحافة العراقية ومنها الكُردستانية، أم في رسائل وجهت للمسؤولين الكبار بالإقليم، منها المنشورة ومنها غير منشورة ومتوفرة بأرشيف الكاتب، أم عبر اللقاءات المباشرة مع كبار المسؤولين الكُرد، أم في بيانات أو رسائل محررة عبر الأمانة العامة للتجمع العربي لنصرة القضية الكُردية حين كنت أميناً عاماً لها. وحين نشرت مقالاً نقدياً مهماً باللغة العربية وأرسل إلى مجلة "گولان"، التي يصدرها الحزب الديمقراطي الكُردستاني باللغتين العربية والكُردية ولها موقع الكتروني بالاسم ذاته، لم يظهر العربي بالكامل وترجم المقال إلى اللغة الكُردية ونشر، ولكن بعد أن اقتطع الرقيب أهم وأبرز الفقرات النقدية للحكم وللأحزاب الحاكمة بالإقليم. عندها قاطعت النشر في المجلة المذكورة، وفي هذا المجال لا بد من ذكر الحكمة العراقية التي تؤكد " الصديق يقول قلت لك، والعدو يقول أردت أن أقول لك". في العام 2010 منحت وسام "صديق الشعب الكُردي" من وزارة الثقافية بالإقليم في الذكرى الخامسة والسبعين لميلادي والذي أعتز به كثيراً. ومن هذا الموقع كنت أحاول أن أقدم ما يمكن تقديمه من نقد للسلبيات والإيجابيات في آن واحد. لم أكن وحدي من قدم النقد او الاستشارة المجانية الصادقة أو الرأي الاجتهادي إلى الأحزاب الكُردستانية والقيادات الكُردستانية في فترات مختلفة، إلّا إنها والحق يقال لم تلق آذاناً صاغية، بل حتى أُبعد التجمع العربي لنصرة القضية الكُردية عن المؤتمرات والاجتماعات التي كان يعقدها الإقليم، بسبب ملاحظاته النقدية مع تأييده المخلص للقضية الكُردية لا على مستوى العراق، بل على مستوى الشرق الأوسط، كما كان يؤكد الأستاذ القاضي زهير كاظم عبود هذا الواقع، وهو الشخصية الوطنية التي بادرت إلى تأسيس هذا التجمع التضامني والتطوعي. 
(14)
لقد حصل الاستفتاء، رغم المعارضة الشاملة من العالم كله، فيما عدا حكومة بنيامين نتنياهو بإسرائيل والتي كانت وما تزال لها نوايا أخرى غير محمودة!، وعبَّر الشعب الكُردي بنسبة أكثر من 92% عن رغبته في إقامة دولته المستقلة. لقد مارس الشعب الكُردي حقاً طبيعياً لم يتضمنه الدستور العراقي خطأً، وكان الأفضل والأسلم والأكثر حكمة ألاّ يحصل في هذا الظرف بالذات. ولكن ما حصل بعد ذلك كان بالنسبة لي وللكثير من الأصدقاء الكُرد والعرب متوقعاً تماماً، لأن الشروط الذاتية والموضوعية لم تكن متوفرة لمثل هذا الاستفتاء ولا لتنفيذ نتائجه، فيما عدا الرغبة والطموح. وقد عبرنا عن قلقنا ومخاوفنا قبل الاستفتاء بفترات مختلفة، وأخرها كان في يومي 16 و17/ أيلول/سبتمبر 2017 بالسليمانية. وقد أشار السيد مسعود البارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، في لقاء له على شبكة CNN، وفي خطاب عام أيضاً، إلى أن الحكم بالعراق كان ينوي القيام بذلك قبل الاستفتاء. أي يقصد بأن الاستفتاء لم يكن سوى "القشة التي قصمت ظهر البعير". ولكن السؤال العادل: هو إن كان السيد البارزاني يعرف ذلك فلماذا قدم للحكم ببغداد مثل هذه القشة التي قصمت ظهر البعير وأكثر؟ هنا تكمن المسألة الخاطئة وسيطرة الرغبة الملحة والابتعاد عن أرض الواقع.
(15)
واليوم يحاول المناهضون لحقوق الشعب الكُردي أصلاً، استغلال ذلك لإنزال الهزيمة النفسية والمعنوية بالشعب الكُردي وانتزاع الكثير من المكاسب العادلة والمشروعة التي تحققت لإقليم وشعب كُردستان العراق عبر سني نضاله الطويلة والتضحيات الجسام ومشاركته مع بقية أبناء وبنات الشعب العراقي في النضالات المديدة في سبيل الحرية والديمقراطية والسيادة الوطنية. ولا يقتصر النشاط المناهض للكُرد على قوى إسلامية سياسية عراقية وأخرى شوفينية متطرفة فحسب، بل يمتد ليشمل الدول المجاورة دون استثناء، وهي التي تشجع على شن حملة همجية على مكاسب الشعب الكُردي التي يفترض التصدي لها، لأنها ليست وحدها المقصودة بهذا الهجوم الشرس، بل كل القوى الديمقراطية والتقدمية التي تريد تغيير الواقع السياسي الطائفي القائم بالعراق، إنها ذات القوى التي دخلت في تحالف مع الأحزاب الكُردية وأعطت الانطباع وكأنها تؤيدها وتسند حقوقها، ولكنها كانت تريد الاستفادة منها في دفع البلاد ووضعها على الطريق الذي يسعى إليه كل الإسلاميين السياسيين الطائفيين والمتطرفين، إلى إقامة دولة ثيوقراطية متطرفة ومتخلفة في آن واحد. وقد كشف هؤلاء عن وجههم القبيح والكالح وعن مخالبهم الجارحة التي يريدون غرزها في جسم الشعب الكُردي وحقوق والمشروعة العادلة، وفي جسم الشعب العراقي كله.   
 (16)
وفي هذه المرحلة الحرجة جداً من تاريخ العراق تقع على عاتق الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبة مهمة كبيرة وأساسية، مهمة منع تدخل إيران في الشأن العراقي الداخلي، والتي كان وما يزال الحكم الإيراني وقواه الدينية الحاكمة تسعى لفرض هذا التدخل على العراق واعتبار ذلك مسألة اعتيادية عبر القوى والعناصر التي تلتقي معها وتدعم سعيها وهدفها، ولاسيما المجلس الإسلامي الأعلى لصاحبه همام حمودي، وتيار الحكمة لصاحبه عمار الحكيم، وجزء كبير من حزب الدعوة الإسلامية لصاحبه نوري المالكي، وكتائب حزب الله لصاحبها واثق البطاط، ومنظمة بدر لصاحبها هادي العامري، وعصائب الحق لصاحبها قيس الخزعلي والكثير من هذه التنظيمات الطائفية المسلحة، إضافة إلى تصريحات العديد من الوزراء العراقيين، ومنهم وزير الداخلية قاسم الأعرجي، وهو عضو قيادي في منظمة بدر المسلحة، الذي اقترح تقديم وسام عراقي لقاسم سليماني الإيراني وقائد جيش المقدس والقائد الفعلي والعملي للميليشيات الشيعية ومن ثم للحشد الشعبي العراقي(!). ونلفت هنا انتباه العراقيات والعراقيين كافة إلى تلك التصريحات التي أطلقها مسؤولون إيرانيون، ومن أعلى المستويات، جسدت حقيقة ما يسعون إليه ويعملون من أجله منذ سنوات كثيرة. ونورد هنا على سبيل المثال لا الحصر التصريح الوقح لوزير الدفاع الإيراني حسين دهقان الذي قال:
"إن العراق بعد 2003 أصبح جزءاً من الامبراطورية الفارسية ولن يرجع الى المحيط العربي ولن يعود دوله عربيه مرة اخرى وعلى العرب الذين يعيشون فيه ان يغادروه الى صحرائهم القاحلة التي جاءوا منها.. من الموصل وحتى حدود البصرة.. هذه اراضينا وعليهم إخلائها" ثم أضاف "لدينا في العراق قوة الحشد الشعبي الشيعي ستسكت أي صوت يميل الى جعل العراق يدور حول ما يسمى بمحيطه العربي وقال ان العراق عاد الى محيطه الطبيعي الفارسي"، ثم أكد بـ "أن إيران اليوم وصلت الى مرحلة تصمم وتنتج فيها حاجتها من الصواريخ البالستية وكروز بمدى 3000 كيلومتر”. واختتم وزير الدفاع الإيراني تصريحه بقوله: “اليوم كل المحاولات في المنطقة تهدف الى اضعاف إيران، لكن إيران تقف بعزم وصلابة. لقد عدنا دوله عظمى كما كنّا سابقا وعلى الجميع ان يفهم هذا نحن اسياد المنطقة، العراق وافغانستان واليمن وسوريا والبحرين، عما قريب كلها تعود الى أحضاننا وهو مجالها الحر الطبيعي". (راجع: موقع الاهد الإلكتروني، أخذ المقتطف بتاريخ 12/11/2017). ولم يترك رئيس الجمهورية الإيرانية حسن روحاني أي شك في نوايا إيران إزاء العراق، إذ صرح بما يلي: " أصبحت إيران اليوم إمبراطورية كسالف عهدها عبر التاريخ، لطالما كانت بغداد عاصمتها ومركز هويتها وحضارتها وثقافتها وستبقى كذلك". (راجع: جريدة "الأخبار: المصرية، تقسيم العراق – الوصل والفصل، محمد السيد عبد، بتاريخ 30/08/2017.) إن هذا يجعلنا أن نفكر نحن بالعراق بما يراد لوطننا وكذلك للإقليم الذي يؤجج الحكام الإيرانيون والترك وغيرهم النيران ضد الكُرد بالعراق. وهم لا يختلفون في ذلك عن تركيا ومطامعها بالعراق، ولاسيما بولاية الموصل القديمة، وخاصة كركوك. إنهم ضد العراق المدني والديمقراطي والعلماني المنشود والمغيب حالياً!
(17)
ومن جانب آخر فقد حرك الحكام السعوديون والإماراتيون المناهضون لإيران بعض الباحثين والسياسيين العرب للإدلاء بتصريحات تميل إلى جانب الدولة الكُردستانية عبر مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية بمدينة جدة بالسعودية والذي يترأسه الجنرال السعودي المتقاعد أنور عشقي، الذي زار أربيل وشجع على إجراء الاستفتاء، على أمل إضعاف العراق وتركيا وإيران في مواجهة السعودية، في حين كان هؤلاء الحكام يتحدثون في العلن عن وحدة العراق. وكان ديفيد هرست، الكاتب البريطاني الخبير بقضايا الشرق الأوسط، مصيباً حين أكد في مقال له "منذ اللحظة الأولى التي دعا فيها مسعود بارزاني، رئيس إقليم كُردستان، إلى استفتائه، كان واضحا من هي زمرة الدول التي ستشكل ائتلافا هدفه وأد كُردستان المستقلة في مهدها. بوجود ما يقرب من ثلاثين مليون كُردي يعيشون في منطقة تتوزع على أربع دول، ما من شك في أن تركيا وإيران والعراق لديها مصلحة مشتركة في وأد الدولة الناشئة في مهدها، مع أن ذلك كان يعني بالنسبة لأنقرة التخلي عن الحليف الكُردي الوحيد الذي اعتمدت عليه في حربها ضد حزب العمال الكُردستاني داخل تركيا وضد حزب الاتحاد الديمقراطي الكُردي داخل سوريا." (راجع: ديفيد هرست، كيف سعى السعوديون إلى استخدام الأكراد لقص أجنحة إيران، موقع عربي 21، في 22/10/2017).
(18)
والسؤال الجدير بالطرح والتحري عن إجابة له وأثارة النقاش حوله بعد كل الذي حصل، والذي ربما لم يحصل بعد، هو: ما العمل؟ الإجابة عن هذا السؤال ستكون اجتهادية قابلة للنقاش، فهي تستند إلى الواقع الكُردستاني، ومن ثم الواقع العراقي الراهن وفي ضوء التناقضات التي تتحرك فيهما والصراعات الناشئة عنهما والقوى الفاعلة فيهما. وبصدد الوضع بإقليم كُردستان العراق أرى اعتماد السياسات التالية:
1.   أولا: الاستفادة من عدم انتهاء الدورة البرلمانية الحالية لإعادة النظر بدستور الإقليم الذي لم يقر حتى الآن بما يجعله مدنياً ديمقراطياً وعلمانياً حديثاً يتجنب التأثيرات الجانبية ويلتزم بتأمين انتخابات عامة على وفق الأسس الديمقراطية الرصينة التي تنتج مجالس نيابية نزيهة وأمينة على مصالح الشعب وإرادته، ويعتمد الفصل بين السلطات واستقلال القضاء والحرية والاستقلالية للسلطة الرابعة وفصل الدين عن الدولة والسياسة، ومنع قيام أحزاب سياسية على أساس ديني أو مذهبي، واحترام حقوق الإنسان وحقوق القوميات، وحقوق المرأة كاملة ومساواتها بالرجل، ومنع زواج القاصرات والقاصرين، وتأمين الخدمات الضرورية للمعوقين وضحايا الحروب والإرهاب، واستقلالية مفوضية الانتخابات وإقرار قوانين ديمقراطية للصحافة والأحزاب والعمال والجمعيات الفلاحية ومنظمات المجتمع المدني ...إلخ. على أن يكون انتخاب رئيس الإقليم عبر المجلس النيابي ولدورتين فقط.
2.   العمل على إجراء انتخابات حرة ونزيهة ومراقبة منظمات حقوق الإنسان العراقية والدولية لانتخاب المجلس النيابي الجيد ورئيس الإقليم وكذلك رئيس الحكومة والوزراء.
3.   الالتزام بمبدأ المواطنة والكفاءة والحرص على مصالح الشعب في تكليف الوزراء وكبار الموظفين والمدراء العامين وغيرهم من مسؤولي المؤسسات أو المستشارين والخبراء.
4.   الابتعاد عن تشكيل حكومتين أو إدارتين والعمل على توحيد الإدارة والمالية.
5.   جعل الپیشمرگة تحت قيادة رئيس حكومة الإقليم، باعتباره المسؤول عن الأمن وحماية المواطنين، وألّا تكون تحت قيادة الأحزاب السياسية أو تابعة لها، وأن تكون قوات الپیشمرگة جزءاً فعلياً من القوات المسلحة العراقية. 
6.   إعادة ترتيب البيت الكُردي من خلال تحقيق المصالحة المبدئية بين أبناء وبنات المحافظات الكُردستانية والابتعاد عن الصراعات التي تعرقل تأمين الأمن والسلام بالإقليم وتوقيع عقد شرف بعدم التوجه صوب السلاح لحل مشكلات الإقليم الداخلية.
7.   الالتزام بممارسة الحريات الديمقراطية واحترام الحرية الفردية وحرية المجتمع عموماً، وإبعاد أجهزة الأمن عن التدخل في شؤون المواطنين، إضافة إلى احترام حرية الصحافة والصحفيين وحمايتهم من أي اعتداء أو تضييق على حريتهم وعملهم الصحافي.
8.   الابتعاد عن اتخاذ القرارات الفردية والالتزام بالشرعية الدستورية والعودة إلى الشعب واستفتاءه في حالة نشوب خلافات يعجز البرلمان الكردستاني عن إيجاد حلول لها، واعتبار ذلك الحل النهائي.
9.   توزيع الموارد المالية المتأتية من ميزانية الدولة العراقية وما يتحقق بالإقليم من دخل وطني على المحافظات على وفق نفوسها، على أن يؤخذ بالاعتبار استخدام هذه الموارد بصورة عقلانية عبر توزيعها على الميزانية الاعتيادية وميزانية التنمية الوطنية، ومراقبة استخدامها لصالح التنمية الصناعية والزراعية والمجتمع.
10.   وضع أسس جديدة لتحقيق المراقبة الشعبية، وكذلك عبر دور فاعل لمنظمات المجتمع المدني، على أداء الإقليم وعدالة توزيع الثروة ومدى استخدامها العقلاني لتحقيق التقدم والتطور الاقتصادي والاجتماعي والخدمات بالإقليم.
11.   رفض أي تدخل في الشأن الكُردستاني من دول الجوار ورفض قبول أحزاب سياسية تتعامل مع دول الجوار ومساعدتها في التدخل في الشأن الكُردستاني العراقي والعراق عموماً.
 (19)
وإزاء تعقيدات الوضع في عموم العراق، وحيث تعشش فيه الطائفية السياسية والشوفينية والتأثير المتنامي لدول الجوار بصورة علنية ومن وراء الكواليس، أرى ضرورة التزام الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بعودتهما الجادة والمسؤولة إلى بنود الدستور العراقي والتعامل على أساسه. وعلى القوى الديمقراطية العراقية أن تلعب دورها في منع التجاوز على حقوق الشعب الكُردي، لأنه سيكون الطريق ذاته الذي ستعتمده القوى الإسلامية السياسية في التجاوز على حقوق الشعب العربي بالعراق وبقية القوميات، وهو ما بدأت الآن ملامحه في قانون الأحوال الشخصية الجعفري الذي سحب لسنوات ثم عاد الإسلاميون المتخلفون بطرحه من جديد للمصادقة عليه بصيغة أخرى وعبر إجراء تعديلات مخلة على قانون الأحوال الشخصية لعام 1959، بسبب حصول تغيير ملموس في ميزان القوى في مجلس النواب وفي الصراع على صعيد العراق في أعقاب حصول الاستفتاء. وعلى الجميع أن يرى بوضوح بأن العراق يقف أمام مرحلة جديدة يفترض أن تجد تعبيرها في نهج جديد لسياسات الدولة الاتحادية وسياسات الحكم بالإقليم في آن واحد، والتي بدونها سيكون الوضع أكثر تعقيداً وعواقبه وخيمة على الجميع. فالمطلوب تغيير طبيعة الحكم بالعراق والتخلص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة للشعب وللقيم الإنسانية والحضارية، والسير على أسس مدنية وعلمانية ديمقراطية أولاً، كما يفترض أن تكون سياسة الإقليم ذات نهج وممارسات مدنية ديمقراطية علمانية تحترم المؤسسات الدستورية وإرادة ومصالح الشعب أولاً وقبل كل شيء. وعلى الحكومتين محاربة الفساد في جميع المجالات والمستويات وبدءاً منهم ومن عائلاتهم وحواشيهم، والعمل المشترك ضد قوى الإرهاب الداخلي والمستورد والبدء ببناء الاقتصاد والقوى البشرية. كما عليها أن تتصدى للتدخلات الخارجية. ولا بد أن يأخذ الحكام جملة المشكلات المتراكمة بالعراق والتي لم تحل حتى الآن، ومنها النزوح الواسع النطاق الذي أعقب اجتياح الموصل وعموم نينوى ومناطق أخرى اثناء الحرب وبعدها من مناطق القتال والذي قدر بأكثر من مليوني إنسان، ومن ثم النزوح الأخير من كركوك والذي قدر بأكثر من 120 ألف مواطنة ومواطن من الكُرد.
(20)
وعليه أرى ما يلي:
1. إن المشكلة المركزية بالعراق تكمن في طبيعة النظام السياسي الطائفي القائم بال

9
العراق والموقف الحضاري من المبادئ والقيم الإنسانية!
(الحلقة الخامسة والأخيرة)
الحكم السياسي الطائفي ينتهك الدستور وحقوق الإنسان بتستره على المستبدين والفاسدين

ليس هناك ما يدل على قيام حكومة حيدر العبادي باتخاذ الإجراءات الكفيلة بإخراج ملفات التحقيق النيابية وغيرها، رغم قصورها، لمحاسبة ومحاكمة كل المسؤولين عما حصل بالموصل وبقية مناطق محافظة نينوى وكذلك بالفلوجة وعموم الأنبار وصلاح الدين، وعن تلويث سمعة وضرب مظاهرات 2011 ببغداد وغيرها من المدن العراقية واغتيال صحفيين وكتاب ونشطاء مدنيين ديمقراطيين، كما في حالة المغدور هادي مهدي والمستشار في وزارة الثقافة العراقية كامل شياع عبد الله، بغض النظر عن مواقع المتسببين في تلك الجرائم البشعة، جريمة اجتياح الموصل ومن ثم سنجار، وما أعقبهما من أحداث وجرائم جسام وصلت إلى حد الإبادة الجماعية بحق سكانها الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان، ومن ثم ما حصل من فتك وإذلال لكرامة أبناء الموصل الآخرين من السنة. لم يتخذ رئيس الوزراء، الذي ينتمي لحزب الدعوة و"التحالف الوطني للبيت الشيعي!" أي إجراء لمحاسبة رئيس حزبه، الذي كان رئيساً للوزراء والقائد العام للقوات المسلحة والمسؤول الأول عن اتخاذ قرار الانسحاب بهزيمة منكرة ودون أية مقاومة أمام عصابات داعش المجرمة، التي لم يتجاوز عدد أفرادها الـ 800 شخصاً في مواجهة عشرات الألوف من الجنود وضباط الصف والضباط والقادة العسكريين الكبار وأجهزة الأمن والشرطة، إضافة إلى تسليم المعسكرات وما فيها من أحدث الأسلحة والعتاد والأموال ودوائر الدولة ومؤسساتها إلى تلك العصابات. وبهذا، فهو لا يمتلك الحصانة لمحاسبة الآخرين أياً كانوا عرباً أم كرداً عن مسؤوليتهم في ذلك بسبب عدم محاسبته المسؤول الأول عن كل ما حصل بالعراق. وهكذا كان دور المدعي العام العراقي ورئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي حيث تسري عليهما مقولتنا نحن حين كنا أطفالاً نردد " صاموت لاموت اليحچي يموت على التختة والتابوت". إنها المأساة بعينها، إضافة على كونها مهزلة فعلية!
الجرائم التي ارتكبت بالموصل لا يمكن تجاوزها كما تجاوزتها حتى الآن الحكومة العراقية والقضاء والادعاء العراقيين، فلم يهرب الجيش العراقي فحسب، بل وهربت قوات الپيشمرگة من سنجار وزمار وغيرها، إذ لا يمكن أن يكون ذلك دون قرار من أعلى المستويات الكردستانية ايضاً. وهذا ما نشرناه في أكثر من مقال سابق وفي وقتها. لقد تمت مطاردة المسيحيين وتهجيرهم بالقوة وسلب أموالهم وما يملكون وقتل جمهرة منهم بالموصل، ثم تم اجتياح سنجار ومطاردة سكانها الإيزيديين وقتل الكثير من الرجال وسبي الآلاف من النساء والأطفال وقتل جمهرة منهم وتحويلهم إلى بضاعة بشرية في سوق النخاسة الإسلامي وفرضت عليهم عمليات اغتصاب لأخواتنا الإيزيديات، بمن فيهم الصبايا غير البالغات سن الرشد، والعمل على تحويل الأطفال الذكور إلى قتلة على أيدي الداعشيين، كما تمت مطاردة الشبك بالموصل وفي مناطق تواجدهم، وكذلك التركمان في تلعفر وقتل الكثير منهم وسلبت أموالهم وممتلكاتهم، ثم قتل في معسكر سپايكر، على وفق تصريحات داعش، 1700 جندي متدرب، وأشارت مفوضية حقوق الإنسان العراقية إلى أن هناك 1095 جندياً مفقوداً! (راجع: العراق.. 1095 جندياً ما زالوا مفقودين منذ "مجزرة سبايكر" على ايدي "داعش"، CNN بالعربي في 18 أيلول/سبتمبر 2014). إن الذين تسببوا في حصول هذه الجرائم البشعة لا يجوز ولا يمكن أن يفلتوا من العقاب أياً كانت القوى أو الدولة التي تقف خلفهم وتساندهم وتمنع مثولهم أمام القضاء العراقي حتى الآن أو في المستقبل، فالشعب يمهل ولا يهمل!! لقد اُنتهكت حقوق الإنسان وحقوق المواطنة وكل ما يمت إلى الكرامة الإنسانية بصلة في هذا الاجتياح المريع والاحتلال التدميري، حيث لم يخسر العراق البشر والأموال والكرامة فحسب، بل خسر تراث حضارته العريقة، تراث البشرية جمعاء بالموصل وعموم نينوى، إضافة إلى دور العبادة من كنائس وأديرة تاريخية ومساجد ودور عبادة للإيزيديين والشبك والتركمان ومكتبات زاخرة بالكتب التي أحرقت أو هربت لقيمتها التاريخية العالية وما تجلبه للمجرمين من أموال. 
لقد مزق نوري المالكي ورهطه أثناء وجوده في السلطة لمدة تزيد عن ثماني سنوات عجاف وحدة المجتمع العراقي. فبسبب سلوكه الطائفي الجامح نتج عنه المزيد من انعدام الثقة بين الشيعة والسنة وعاش المجتمع معارك الفلوجة وعموم الأنبار وصلاح الدين وسقوط شهداء وجرحى واعتقالات بالجملة. ثم تدهورت العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بسبب ضعف مواد الدستور وعدم قيام الحكومة بسن القوانين الضرورية التي تنظم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، إضافة إلى عدم تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي الخاصة بكركوك وبقية المناطق المتنازع عليها طيلة الفترة المنصرمة، رغم تأكيد الدستور على إنجاز هذه المهمة الدستورية حتى نهاية عام 2007. وإذ برزت محاولات جادة لتشديد المركزية في الحكم، برزت محاولات أكثر وضوحاً في ممارسة صلاحيات أكثر مما أقرها الدستور العراقي وبشكل خاص في مجال الاتفاقيات النفطية التي عقدها الإقليم مع الخارج، والتي هي من صلاحيات الحكومة الاتحادية على وفق الدستور الذي اعتبر النفط ملكاً لكل الشعب العراقي وليس لإقليم بذاته، كما هو حال نفط الجنوب. ورغم التغيير الذي حصل في رأس الحكومة الاتحادية، فأن العلاقات بين الحكومتين لم تتحسن، رغم مشاركتهما في محاربة داعش وتحقيقهما نجاحات وانتصارات مهمة. وقد عمدت رئاسة وحكومة الإقليم إلى اعتبار المناطق المتنازع عليها، والتي حررتها قوات الپيشمرگة، جزءاً من إقليم كردستان، في حين إنها تشكل جزءاً من المناطق المتنازع عليها والتي تعود إدارتها للحكومة الاتحادية. مما عمق الخلاف بين الحكومتين. ولا بد هنا من الإشارة إلى الكثير من أصدقاء الشعب الكردي، وأنا منهم، قد أكدوا، في أكثر من مناسبة ولقاء مع المسؤولين الكرد وفي مقالات عديدة، أربع مسائل جوهرية هي:
أولاً: إن اتفاقيات النفط التي تعقدها حكومة الإقليم في غير مصلحة الشعب العراقي عموماً وشعب كردستان خصوصاً، وإنها من صلاحيات الحكومة الاتحادية، وأن خسائر كبيرة تلحق بالاقتصاد العراقي كله من خلال تلك الاتفاقيات، لأنها ذات طابع سياسي، رغم إن الاتفاقيات النفطية للحكومة الاتحادية هي الأخرى ليست جيدة، إلا إنها أفضل من تلك التي عقدتها حكومة الإقليم، وإن الشركات الأجنبية تكسب أرباحاً من اتفاقيات كردستان النفطية أضعاف ما تكسبه من اتفاقيات الجولات النفطية لحسين الشهرستاني. وهذا عين ما قلته نصاً للسيد مسعود البارزاني، رئيس الإقليم حينذاك.
ثانياً: إن اعتبار المناطق المتنازع عليها ضمن جغرافية إقليم كردستان قرار غير صحيح من جانب رئيس وحكومة إقليم كردستان، إذ سيولد مشاكل إضافية بين الحكومتين لا مبرر لها، ولا بد من معالجة ذلك على وفق المادة 140 من الدستور. وهذا ما ذكرته في أكثر من مقال ومنها مقالي الموسوم "ما الموقف المطلوب من مشكلات المناطق المتنازع عليها بالعراق؟" الذي نشر على موقع الحوار المتمدن في العدد 5236 بتاريخ 23/8/2016، وكذلك نشر في مواقع صوت العراق والناس ومركز النور وغيرها).
ثالثاً: إن تأكيد القيادات الكردية على التحالف بين الشيعة والكرد، وهنا المقصود الأحزاب الشيعية والأحزاب الكردستانية، هو في غير صالح العراق وشعبه، لأنه يستبعد السنة أولاً، وهم جزء أساس من سكان العراق، إضافة إلى استبعاد بقية القوميات بالبلاد، ولأنها في ذلك تبتعد عن حليفها الطبيعي، وأعني به القوى الديمقراطية والتقدمية العراقية، التي ينتسب إليها من كل القوميات وأتباع الديانات والمذاهب، والتي كانت سنداً دائماً لنضال الشعب الكردي من أجل حقوقه العادلة والمشروعة. إذ أن عواقب التحالف "الكردي الشيعي!" ستكون له عواقب سلبية على الكرد. وهذا ما قلته بالنص للسيد رئيس إقليم كردستان في العام 2012 وكتبته في أكثر من مقال منشور في موقع الحوار المتمدن وجريدة العالم العراقية وصوت العراق والناس والنور وغيرها من المواقع. واليوم تشن الأحزاب الشيعية وميليشياتها بشكل خاص العداء الشديد للكرد وضد إقليم كردستان بتوجيه من إيران ومن ينسق معها، مثل حزب الله العراقي وبدر وعصائب الحق، على سبيل المثال لا الحصر.
رابعاً: إن وقوف التحالف الكردستاني، ومن وراءه الأحزاب الكردية الأعضاء في التحالف الكردستاني، إلى جانب القوانين الرجعية والسيئة التي كانت تقدم إلى البرلمان ويوافق عليها التحالف الكردستاني ليست في مصلحة شعب العراق كله، بما فيه شعب إقليم كردستان، ومنها على سبيل المثال لا الحصر قانون الانتخابات والأخذ بطريقة سانت ليغو 1,9 أو 1,7 السيء الصيت والمسيء لأصوات الناخبين وحقوقهم المشروعة، أو قانون الصحافة والصحفيين، أو قانون تشكيل مفوضية الانتخابات على أساس طائفي وأثني. 
ومن المؤسف القول بأن لم تكن هناك أذاناً صاغية لما كنا نقوله. وأخيراً وبسبب تدهور العلاقة وعدم وضع حلول عملية للمشكلات القائمة، انبرى رئيس الإقليم بمقترح إجراء استفتاء بمحافظات الإقليم، ومعها المناطق المتنازع عليها! وقد وجهت لي الدعوة، مع مجموعة من العرب من أصدقاء الشعب الكردي من العراق ودول عربية، لمناقشة هذا الموضوع بالسليمانية. وقد أكد الحضور العربي الديمقراطي، وأنا منهم، على عدة مسائل جوهرية يمكن أن تقود إلى عواقب وخيمة أشير إليها باختصار:
** ليس لدى الدول الكبرى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي ولا الدول الأخرى أي نية في إجراء أي تغيير حقيقي في الخارطة الجغرافية لدول الشرق الأوسط، وبالتالي فهي ضد هذا الإجراء وقد أعلنت موقفها بصراحة تامة، سواء بطلب إلغاء الاستفتاء أم تأجيله، ومنها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا الاتحادية والصين، وهي الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، إضافة إلى المانيا وإيطاليا واسبانيا وغيرها فيما عدا إسرائيل، التي كانت تعرف جيداً عواقب مثل هذا الاستفتاء! والتي حصلت فعلاً، والتي لم تكن بسياسات حكوماتها يوماً صديقاً للشعب الكردي!
** لقد وافقت الأحزاب الكردية المشاركة في وضع الدستور وإقراره وقبل طرحه للاستفتاء في العام 2005 على عدم النص على حق تقرير المصير، رغم إن البعض قد حذر الكرد من مغبة وعواقب غياب هذا النص لمستقبل الشعب الكردي، ومنهم النائب ضياء الشكرچي حينذاك، الذی کان في حينها عضواٌ في لجنة وضع الدستور عام 2005 ممثلاً عن حزب الدعوة الإسلامية، الذي تخلى عن هذا الحزب والوجهة الإسلامية لاحقاً. وقد وُضع نص يؤكد وحدة العراق كما جاء في المادة الأولى من الدستور التي تنص على "جمهورية العراق دولةٌ اتحادية واحدة مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ (برلماني) ديمقراطيٌ وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق"، وفي المادة 109 التي تنص على ما يلي: " تحافظ السلطات الاتحادية على وحدة العراق وسلامته واستقلاله وسيادته ونظامه الديمقراطي الاتحادي"، والذي صدر في حينها قرار المحكمة الاتحادية بعدم صواب الاستفتاء، ثم صدر الآن قرار من المحكمة بهذا الخصوص وبعدم الحق في انفصال أي إقليم من العراق عن الدولة العراقية على وفق هاتين المادتين. ومن الناحية المبدئية هذا لا يعني عدم امتلاك الشعب الكردي الحق المطلق في النضال من أجل تأمين حقه في تقرير مصيره، ولكن عليه أن يراعي جملة من الشروط ويوفر جملة من المستلزمات ويسعى إلى خلق تحالفات وأجواء تسمح بتغيير الدستور.
** كل نظم الحكم في الدول المجاورة، وهي ليست صديقة للشعب الكردي بأي حال إن لم نقل عدوة له، طلبت من القيادة الكردية عدم إجراء الاستفتاء وأكدت تدخلها المباشر بالتعاون والتنسيق مع العراق لمنع تنفيذ نتائج الاستفتاء بممارسة كل السبل المشروعة وغير المشروعة. ولم يكن في هذا أي التباس أو شك فيما ستفعله!
** قوى داخلية عراقية تحدثت ضد الاستفتاء، ولكنها كانت تتمنى أن يحصل ذلك، لكي تمارس ضربتها ضد الحكم بكردستان التي كانت تنتظرها منذ فترة غير قصيرة ولم تتح لها الفرصة، وهي قوى إسلامية سياسية شيعية وقوى سنية أيضاً، ولكن الأكثر اندفاعاً هو حليف الأحزاب الكردستانية السابقة، بعض الأحزاب الشيعية. وكان رئيس الحكومة العراقية، حيدر العبادي، واضحاً تماماً ومحذراً من مغبة ذلك.
** وقد بادر أصدقاء الشعب الكردي، ومنهم الحزب الشيوعي العراقي، إذ قدمت قيادته النصيحة الأخوية للحزب الديمقراطي الكردستاني وبلقاء خاص مع السيد رئيس الإقليم، ومع الأحزاب الكردية الأخرى في تأجيل هذا الاستفتاء بسبب غياب الظرف المناسب لمثل هذا الإجراء. كما مارس ذلك بعض القوى الديمقراطية والتقدمية، كالتيار الديمقراطي والحزب الوطني الديمقراطي بقيادة السيد نصير الجاردجي، والقائمة التقي يقودها الدكتور أياد علاوي، إضافة إلى التيار الصدري. 
** لم يكن البيت الكردي موحداً، بل كان في أكثر فتراته تباعداً واختلافاً واستعداءً متبادلاً، لا بشأن الموقف من الاستفتاء فحسب، بل وبشأن قضايا داخلية منها الموقف من توزيع الموارد المالية المتأتية من النفط ومن الجمارك ومن ميزانية الإقليم، والموقف من رئاسة الإقليم ومن صلاحيات رئيس الإقليم وفترة رئاسته، وكذلك الموقف من البرلمان وطرد رئيس البرلمان ووزراء من حركة التغيير "گوران"، إضافة إلى الخلافات الجدية مع الاتحاد الوطني والانقسامات الكبيرة داخل هذا الاتحاد. ولم يوحد إجراء الاستفتاء هذه القوى السياسية حتى ولا شكلياً، بل وحد الكرد استجابة لمشاعرهم القومية وطموحهم بالاستقلال وعدم التهميش والإقصاء.
** ولا بد من تأكيد واقع أخر هو إن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الصحافة والصحفيين لم تكن في كل الأحوال بالمستوى المطلوب بالإقليم، بل تعرضت للكثير من الانتقاص والتراجع، وقد وجه الكثير من النقد لهذه المسالة على الصعد المحلية والدولية ومن قبل منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الإنسان بالعراق أيضاً.
إن هذه العوامل بشكل خاص هي التي جعلت مني ومن غيري طرح رأينا بصراحة ووضوح وبأخوة صادقة في لقاء السليمانية راجين، إن لم يكن الغاء الاستفتاء، فتأجيله لظرف آخر، واستبعاد المناطق المتنازع عليها من الاستفتاء. ولكن، والحق يقال سمعوا، ملاحظاتنا ورأينا، ولم يأخذوا بها، ولم تلق الصدى المنشود، رغم إن جمهرة من المثقفين الكرد كانت تخشى عواقب هذا الاستفتاء تماماً كما أشرنا نحن إلى ما يمكن أن يحصل، وهو مع الأسف الشديد حصل عين ما شخصناه حينذاك، ولم ينته بعد!! لقد استهان الجميع بكل العوامل التي تستوجب التوقف عن إجراء الاستفتاء، حتى الذين كانوا ضد الاستفتاء من الكرد لم يجرؤوا على التصريح برأيهم خشية اتهامهم بالتخلي عن حلم وهدف الأكراد بإقامة الدولة الكردية. لقد نشأ جو ضاغط لم يكن في مقدور المواطنة أو المواطن الكردي تجاوزه بأي حال. 
ولكن ما جرى ويجرى بعراق اليوم، وكما أرى، بعيد كل البعد عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفيه تجاوز فظ على الدستور العراقي. نشير إلى بعض منها:
1.   ابتعاد الحكومة الاتحادية عن البدء بحوار جاد ومسؤول مع حكومة الإقليم لمعالجة المشكلات القائمة على وفق الدستور الاتحادي وطرح شروط لم تعد مبررة بعد كل الذي حصل.
2.   محاولة البعض من المسؤولين وفي التلفزة العراقية الرسمية تسمية إقليم كردستان بشمال العراق!
3.   الابتعاد عن التنسيق مع حكومة الإقليم بشأن المناطق المتنازع عليها والتي يفترض أن يطبق بشأنها المادة 140 من الدستور، وليس ارتكاب الخطأ ذاته الذي ارتكبته حكومة الإقليم بشأنها.
4.   تقليص حصة الإقليم من 17% من ميزانية الدولة إلى 12,67% وبدون البحث مع حكومة الإقليم وعدم وجود أعضاء البرلمان من التحالف الكردستاني في المجلس النيابي، إضافة إلى عدم وجود إحصاء فعلي دقيق لهذه المسألة. ويبدو لي بأن إجراء الإحصاء الرسمي يمكن أن يتم بعد التخلص من الحرب ضد داعش وإعادة النازحين بعد أحداث الاستفتاء إلى مناطق سكناهم بكركوك أو غيرها، إذ قدر عددهم بعشرات الآلاف من الكرد.
5.   محاولة التعامل مع المحافظات الكردستانية كل على انفراد وليس على أساس الإقليم باعتباره وحدة واحدة ضمن الدولة العراقية.
6.   غلق المطارات في كل من أربيل والسليمانية في محاولة لتطويق الإقليم ومنع السكان من حرية السفر أو القدوم إليها، وهو أمر لا يجوز قبوله، إذ يمكن أن ينظم بطريقة هادئة وبعيدة عن التشنج الراهن.
7.   وكما تشير المعلومات المتوفرة، إضافة لما تنشره وسائل الإعلام الدولية إلى وجود تجاوزات فظة على السكان الكرد في المناطق المتنازع عليها "بعد الاستفتاء وما تبعه من عمليات عسكرية  من قبل القوات المسلحة وبعض فصائل الحشد الشعبي حيث جرى الكثير من انتهاكات حقوق الانسان بحق المواطنين المدنيين والمسالمين  والصحفيين والصحافة والقنوات الفضائية في العديد من تلك المناطق ، وجرى جراء ذلك استشهاد ما يقدر بـ (200) شخص واسر واختطاف العشرات ناهيك عن اعمال حرق وتخريب المساكن للمواطنين وحرق وسرقة العشرات من الدور والمتاجر وحرق بعض مقرات الاحزاب، وجراء الخوف والقلق وروح الانتقام والتعصب هاجر اكثر من 183000 مواطن كردي من مناطق عديدة في طوز خورماتو وكركوك وديالى ومخمور وزمار وسهل نينوى. حسب إحصائيات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان الدولية أضيفوا هؤلاء الى حوالي مليون و400 ألف نازح في اقليم كوردستان. كما تشير بعض أجهزة الإعلام إلى أن ما يحصل هو عملية انتقام لما قام به الكرد قبل ذاك إزاء العرب أو التركمان، إلا إن هذا ليس بالأسلوب السليم، إذ الصحيح هو إقامة الدعوى عل م اتركب التجاوزات وليس القيام بعمليات انتقامية.
8.   تشير الصحف العراقية والتلفزة الرسمية إلى مظاهرات العائلات اللواتي يطالبن الحكومة الاتحادية بالإفراج عن ابنائهن المعتقلين لدى جهاز الأمن الكردستاني "الأسايش" والذي قدر عددهم بـ 5000 معتقل من العرب والتركمان والكرد. من المطلوب من حكومة الإقليم أن تعلن مدى صحة ذلك أولاً، وعن اسباب اعتقالهم ومصيرهم ثانياً، وأن تقدمهم للمحاكمة إن كانوا متهمين، أو تطلق سراحهم فوراً. وأرى مناسباً أن نذكر الحكومة الاتحادية بضرورة ممارسة هذا المبدأ أيضاً، إذ فيها من المعتقلين ما يفوق ذلك بكثير.   
إن شعب العراق، بقواته المسلحة العراقية، وهو يحقق انتصارات مهمة على عصابات داعش في سائر المناطق التي احتلتها هذه القوى المجرمة، ما زال يعاني من التجاوزات الفظة على حقوق الإنسان وعلى القيم والمعايير الإنسانية الحضارية، سواء ما يجري من تجاوزات عبر المليشيات الطائفية المسلحة، وعبر قوى الإرهاب الدموية، أم في استمرار الفساد المالي والإداري وبقاء من خربوا العراق أحراراً يواصلون سعيهم من خلال الحكم وخارجه لتدمير العراق ورضوخه لمصالح وأجندات قوى إقليمية، كما هو الحال مع إيران. إلا إن الأكثر خطورة على حقوق الإنسان والحياة المدنية هو النظام السياسي الطائفي الذي ما يزال قائماً بالعراق. وأكبر دليل على ذلك ما حصل في تسمية أعضاء مفوضية الانتخابات التي تسمى مستقلة، وهي متكونة من تلك الأحزاب الحاكمة وعلى أساس التوزيع الطائفي المشين وضد مضمون ومواد الدستور العراقي، الذي يرفض في مواد أساسية فيه، الطائفية السياسية وقيام أحزاب على أساس ديني وطائفي. كما يمكن تأكيد هذه الحقيقة المرة بطرح قانون الأحوال الشخصية الجعفري السيء الصيت، الذي يبيح زواج البنت القاصر’ وهي مخالفة صريحة وفظة لحقوق الطفل على الصعيد العالمي والمتعارضة مع الدستور العراقي ومواده المدنية. إنه قانون وقح ويسجل بداية ارتكاب جريمة بصورة رسمية بحق طفولة الإناث بالعراق وينبغي ألّا يمر هذا القانون بأي حال من الأحوال، ويفترض الاستعانة الجادة والسريعة بالأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني الدولية والمنظمات النسوية الإقليمية والدولية ومنظمات حقوق الإنسان لمنع المصادقة عليه. وعلينا أن نجد طريقة لطرح مثل هذه الجريمة وغيرها على محكمة حقوق الإنسان الدولية. إن إقرار هذا القانون البشع يؤكد بأن العراق يمارس في هذا المجال ذات السياسة التي مارسها ويمارسها تنظيم داعش الإجرامي المتطرف الذي انتهك وينتهك الطفولة بكل شراسة وعدوانية، وها هم نواب في مجلس النواب العراقي، الذين يريدون إمرار هذا القانون، لا ينتهكون حقوق وحرمة طفولة الإناث وبراءتهم فحسب، بل هم يشكلون جزءاً من مرضى الجنس الذين يجب احتجازهم لحماية طفولة الإناث منهم ومن جرائمهم المحتملة، وهم الذين يجب تقديمهم للتحقيق، إذ ربما بعضهم قد مارس هذه الجريمة بحق الأطفال الإناث، كما يفترض محاسبة المجلس الأعلى الإسلامي الذي ينظم احتفالات سنوية ليعلن تقديم عشرات الفتيات بعمر تسع سنوات وقاصرات إلى الزواج من رجال بأعمار عالية احياناً كثيرة وكأنهن نساء بالغات سن الرشد!!! (راجع الصورة في نهاية المقال).
ولا بد من الإشارة إلى أن هناك جمهرة من السياسيين في حزب السلطة الحاكم تعمل بجهود محمومة وكثيفة للإطاحة برئيس الوزراء حيدر العبادي وتستخدم كل الوسائل والأدوات المتوفرة لديها، وهي في الغالب غير مشروعة، للوصول إلى هذا الهدف، وإعادة نوري المالكي إلى السلطة أو من يرشحه المالكي ويكون ظلاً له في الحكم. إنها معضلة العبادي الحالية والتي وجدت تعبيرها في خطبته الأخيرة عن العقائديين الذين يحاربونه بأساليب يراها بنفسه ويعي عواقبها المدمرة! لقد قلنا لجميع الحكام المستبدين "ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع!" وخير شاهد على ذلك أغلب ملوك وأمراء وحكام العراق، وأخرهم صدام حسين ونوري المالكي! وهما من طينةٍ واحدة!   
 إن ما جرى ويجري بالعراق يؤكد بأن الحصيلة كانت معتمة. فحكام العراق صادروا حريات الشعب العراقي الطيب وحقوقه الأساسية خلال المراحل المنصرمة. وكل فترة مظلمة كانت تليها فترة أكثر عتمة وأكثر استبداداً وظلماً وقساوة على الشعب وتخريباً لوحدته وتفريطاً بأمواله وإساءة لتطوره الاقتصادي والاجتماعي ومستقبل أبنائه وبناته. ولم يهنأ هذا الشعب بحكامه، بل كان غصة لهم وغضباً عليهم، إذ حولوا الشعب إلى خدم مكبوتين للحكام، وعملوا بعكس القاعدة التي تقول بأن الحكام خدمُ الشعب!
 
 

10
العراق والموقف الحضاري من المبادئ والقيم الإنسانية!
(الحلقة الرابعة)
الاحتلال والاستبداد والطائفية السياسية انتهاك فظ لحقوق الإنسان والقيم الإنسانية

حين عجزت أغلب قوى المعارضة السياسية عن التخلص من الدكتاتورية الحاكمة ببغداد توسلت بالدول الأجنبية لإسقاط الدكتاتورية وارتضت لأنفسها الوقوع تحت الاحتلال واستبداد المحتل وعواقبه على الوطن والشعب، لأن أهداف الشعب كانت تختلف تماماً عن أهداف المحتل من جهة ومع أغلب قوى المعارضة من جهة أخرى، وربما كان اللقاء الوحيد هو الخلاص من الدكتاتورية. ولكن ماذا بعد ذلك؟ لكل من الشعب والمعارضة والاحتلال له أهدافه الخاصة، مع حقيقة أن الشعب كان يعيش في ظلمات الاستبداد والتخلف والحرمان وتحت تأثير القوى الخرافية والشعوذة. لا شك في أن وجود الاحتلال في بلد ما يعتبر بحد ذاته مصادرة فعلية لحقوق الإنسان وحقوق المواطنة والشعب، وللأهداف التي يسعى إليها المجتمع ويتطلع إلى تكريسها والتي تتناقض كلية مع أهداف المحتل. وقد برهن الاحتلال الدولي للعراق بقيادة الولايات المتحدة على صواب هذه الاستنتاج الذي يعتمد بدوره على الخبرة التاريخية لشعوب العالم وما عانته من احتلال لبلدانها ولمئات السنين. وأكبر نموذج استبدادي وإرهابي راهن للاحتلال يبرز في سياسة حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة إزاء الشعب الفلسطيني وأرضه المحتلة منذ العام 1967 حتى الوقت الحاضر، إذ يزداد ويتسع ويتعمق هذا الانتهاك لحقوق الإنسان وحقوق الشعب الفلسطيني يوماً بعد يوم مع سكوت مطبق من المجتمع الدولي.
لقد مارس الاحتلال الأمريكي، وهو من أبشع أشكال الاحتلال وأكثرها عنجهية، سياسات ساهمت في تدمير العراق وتحطيم الدولة العراقية ومؤسساتها بشكل منظم ومقصود وهادف إلى تحقيق أهداف معينة كانت محددة مسبقاً قبل بدء الاحتلال بسنوات. فقد فتح المحتل الأمريكي-البريطاني الحدود العراقية على مصراعيها ليدخل الإرهابيون من شتى أنحاء العالم إلى العراق ويساهموا لا في سرقة المتاحف والآثار التاريخية الرائعة للحضارة الإنسانية فيه فحسب، بل وليمارسوا الإرهاب والتدمير والنهب والسلب ونشر الفوضى على أوسع نطاق ممكن، إضافة إلى نشر العنف والإرهاب مجدداً بين صفوف الناس وتعريض المجتمع للقمع الحكومي وغير الحكومي. لقد مارست قوى الاحتلال سياسات استجابت لطرف واحد من القوى السياسية بالعراق وبالتنسيق مع إيران، استجابت للقوى والأحزاب السياسية الشيعية، وإلى حد بعيد للقومية القومية الكردية التي ارتضت بالحرب الخارجية لإسقاط الدكتاتورية ووافقت على قيام نظام سياسي محاصصي طائفي-أثني بالعراق. ومثل هذا النظام السياسي الذي أقيم وفرض على المجتمع العراقي حتى الآن يعتبر الصيغة الأكثر انتهاكاً لحقوق الإنسان وحقوق المجتمع بأسره. ولم يقتصر التوزيع المحاصصي الطائفي-الأثني على الوزارات فحسب، بل امتد ليشمل جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما أبعد العراق كلية عن احتمال نشوء دولة مدنية ديمقراطية علمانية. ثم بدأ الحاكم بأمر الولايات المتحدة والمستبد بقراراته تنفيذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية ووضع التشريعات التي وضعت العراق على طريق استمرار التخلف والتبعية والفساد والإرهاب الدموي، طريق "الصد ما رد"! لقد مارس الحاكم بأمره أسلوب إرشاء كبار الموظفين ابتداءً من رئاسة الجمهورية ومروراً بالوزراء وأعضاء مجلس النواب والقضاء العراقي ورؤساء المؤسسات والهيئات المستقلة والمدراء العامين والسفراء والقناصل وغيرهم من موظفي الدولة الكبار من خلال منحهم رواتب عالية جداً وتقاعد خيالية بعيدة كل البعد عن المعايير الدولية لبلد مثل العراق أو حتى بلدان متقدمة، ونشر الفساد بتلك المليارات التي تأتت من تصدير النفط الخام ومما أطلق عليه بالمساعدة الإنمائية للعراق لتصرف ببذخ وإفراط غير معقولين. وفي ذات الوقت عمق الفجوة بين الفقراء والأغنياء وابتعد عن أي وجهة لدفع العراق صوب التصنيع بل زاد من مكشوفية العراق على الخارج استيراداً وتصديراً.
مارست الولايات المتحدة الأمريكية سياسات أمنية مغرقة بالقسوة والعنف بحق المعتقلين السياسيين بذمة التحقيق في سجن "أبو غريب". وقد كانت الأساليب والطرق التي مورست في السجن إزاء النساء والرجال والأطفال بذمة التحقيق لا تختلف عن الأساليب والطرق الفاشية التي تتعارض مع مبادئ وقيم حقوق الإنسان والتي تصادر أولاً وقبل كل شيء حياة وحقوق وكرامة الإنسان، أساليب تعذيب جسدية ونفسية ولاأخلاقية ولا تمت للإنسانية بشيء. لقد كان هذا الفصل من السياسية الأمريكية بالعراق وصمة عار جديدة وإضافية في جبين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جورج دبليو بوش ووزير دفاعه دونالد رامسفلد، وكل الذين وافقوا على تلك الممارسات ونفذوها فعلاً، وكذلك السياسة الأمريكية عموماً بالعراق إن الصور والأفلام القليلة التي خرجت إلى الصحافة العلنية ونشرت في المواقع أكدت عن استخدام أجهزة الأمن أساليب مارسها النازيون بألمانيا ضد المعتقلين السياسيين واليهود والسلافيين والنوريين (الغجر) في المعتقلات النازية، وبعضها من ترسانة النظام البعثي، ثم تعلم ومارس أغلبها جلادو العراق الجدد أيضاً.
وإذا كان نهج الاحتلال الأمريكي مناهضاً لحقوق الإنسان والقيم والمعايير الإنسانية والحضارية، فأن نهج القوى الحاكمة بالعراق لم يكن أفضل منه، بل ساهم في تعميق أوضاع العراق السيئة وهمش الدولة ومرغ سمعتها بالتراب. لقد تسلمت القوى والأحزاب الطائفية الحكم منذ ثاني وزارة أقيمت بالبلاد منذ العام 2005 وعملت على تكريس مجموعة من السياسات التي ساهمت بقوة في حرف العراق عن إقامة الدولة المدنية الديمقراطية والعلمانية التي ادعى المحتلون الأوباش إقامتها بالعراق قبل بدء الحرب وخدعوا شعوبهم والشعب العراقي بذلك. فقد سمحت عملياً قوات الاحتلال على الكثير من العوامل التي تمزق الدولة والنسيج الوطني والاجتماعي للشعب العراقي وتفرق صفوفه، منها على سبيل المثال لا الحصر:
** السماح بقيام الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية الطائفية بإنشاء مليشيات طائفية مسلحة تمارس السلطة الفعلية في المدن العراقية وتستخدم أقسى أشكال انتهاك حقوق الإنسان وحقوق المواطنة وإرهاب الناس وتركيعهم لإرادتها، ولاسيما ضد المواطنات والمواطنين المسيحيين والصابئة المندائيين في الوسط والجنوب وبغداد، وفيما بعد بالموصل أيضاً. وكأن سلطات الاحتلال كانت تريد المساهمة في تدمير الموزائيك القومي والديني بالعراق.
** كما لم تعمل الكثير وعلى وفق أسس سليمة في مواجهة العمليات الإرهابية لقوى إرهابية سنية من العراق ومن الدول العربية ودول ذات الأكثرية المسلمة المدعومة من قوى إسلامية سياسية سنية قاطعت الحكم ثم التحمت فيما بعد بقوى النظام لتمارس تخريب الدولة ونشر الإرهاب والفساد والقتل بالبلاد. لقد كانت تكالح بيد وتدعم بيد أخرى تلك القوى لتمارس التخريب بالبلاد.
** ونشط رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري، وتحت أنظار سلطة الاحتلال الأمريكي–البريطاني، في تحويل وزارة الداخلية ووزارة الأمن الوطني إلى وكر حقيقي للمليشيات الشيعية وتعزيز دور ميليشيات معينة في الحياة اليومية، وفي السلك الدبلوماسي بالتنسيق مع القيادات الكردستانية، واستخدام المعتقلات للتعذيب الشرس والجنوني.
** ورغم ولوج الدور الإيراني مبكراً إلى العراق بعد إسقاط الدكتاتورية مباشرة وبالتنسيق مع الأحزاب والقوى والمليشيات الشيعية، ولاسيما "منظمة بدر" التي كانت تدار من قبل قاسم سليماني مباشرة، فأنها ومنذ مجيء الجعفري للحكم وفيما بعد في عهد نوري المالكي، قد عززت مواقعها بتوسيع قاعدة وعدد المليشيات الشيعية المسلحة والإذاعات وعدد قنوات التلفزة الممولة إيرانياً وعدد المسلحين والضباط من جيش المقدس الإيراني والحرس الثوري في المليشيات الشيعية وعدد الجواسيس وقوى الأمن الإيرانية ومكاتبها السرية بالعراق، وكذلك دورها الاقتصادي والتجاري، وفي تنشيط العزاءات الحسينية وتمويلها وزيادة البدع الممارسة فيها واستخدامها لمصلحتها الطائفية المقيتة والهيمنة على عقول الناس البسطاء وبدعم من قيادة الحكم والأحزاب الشيعية مباشرة. لقد سيطر الإيرانيون على الحكم العراقي كلية في فترة حكم نوري المالكي المستبد بأمر إيران ومصالحه الشخصية والعائلية من خلال الأحزاب الشيعية وبعض القوى والأحزاب الكردية. كل هذا كان يحصل تحت سمع وأنظار قوات الاحتلال الأمريكية.   
** تدخل المرجعية الدينية الشيعية بفظاظة وإلحاح كبيرين وتوزيع عمل بينها وبين الأحزاب الشيعية وقوى الحكم بإيران لتعزيز وجود وأقدام القوى الشيعية الطائفية السياسية في الحكم وفي التشريعات العراقية من خلال الدعوة لدستور متعجل جديد وانتخابات نيابية جديدة، مما فسح في المجال لهيمنة القوى الطائفية السياسية على البلاد وصدور دستور عراقي أعرج وأعوج وطائفي المنحى وحمال أوجه مشوه. وساعد هذا على تحرك مقابل من جانب شيوخ الدين السنة في الداخل ومن العالم العربي لمواجهة النفوذ الشيعي الداخلي والنفوذ الإيراني من جانب السعودية وتركيا والخلج العربي وسوريا. وحوّل هذا الوضع العراق إلى ساحة صراع إقليمية وقتال بين المليشيات المسلحة السنية والشيعية، حيث يموت الناس الأبرياء بالجملة وعلى الهوية وبصيغ مختلفة بما في ذلك التعذيب وسلخ الجلود والاختطاف والقتل الجماعي عبر الانتحاريين والعربات المفخخة والمحاكم التي كانت تمارسها المليشيات الطائفية المسلحة.
** وقد كان هدف الاحتلال الأمريكي والإيراني والقوى الرجعية الداخلية والخارجية إضعاف القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية العراقية من خلال العمل على ربط الدين بالدولة وبالسياسة وتمويل القوى الإسلامية السياسية من خزينة الدولة ومن إيران أو من دول عربية أخرى ومن السحت الحرام، تلك الأموال المسروقة من خزينة الدولة العراقية ومن إيرادات النفط الخام أو نهب النفط الخام ذاته وتصديره بصورة غير شرعية ودون رقابة من أحد وشارك فيها جميع حكام العراق من العرب والكرد.
** وأصدر النظام السياسي الطائفي والمحاصصي العديد من القوانين الرجعية والمتجاوزة على حقوق الإنسان وحقوق القوى السياسية الأخرى وعلى المواطنين والصحفيين والسيطرة الكاملة على الإعلام الرسمي لصالح القوى الطائفية وحكومة نوري المالكي.
** وأصبح العراق يمتلك حكماً رثاً تقوده فئات اجتماعية رثة وتتبنى فكراً رجعياً رثاً وحياة اجتماعية واقتصادية وثقافية رثة في المدن العراقية، إضافة إلى أصبحت المدن العراقية مليئة بالنفايات وتحولت بغداد على واحدة من أقبح المدن في العالم.
** وإذا كانت حكومة الإقليم قد عمرت المدن ووسعت الشوارع وأقامت الجسور والحدائق والمنتزهات ودور السكن والعمارات، فأن الحكومة الاتحادية ابتعدت حتى عن هذه الخدمات الأساسية والطاقة الكهربائية ومشاريع المياه، ولم يكن همها سوى نهب العراق وكأنه سفينة آيلة إلى الغرق.
** ولكن الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم ابتعدتا سوية عن التنمية الاقتصادية والتخلص من وحدانية الاقتصاد الريعي المعتمد على موارد النفط المالية، وبعيداً عن التنمية الصناعية والزراعية، إضافة إلى ابتعادها عن بناء الإنسان العراقي على وفق الأسس العلمية في التربية والتعليم والتثقيف، بل واصل التعليم تخلفه من حيث البرامج والمحتوى، وخضوعه في العراق الاتحادي لفكر ديني طائفي متخلف وتمييزي ضد اتباع الديانات والمذاهب الأخرى.
** لقد تعطلت إرادة الشعب وصودرت حقوقه وأسيء استخدام السلطة بفظاظة لصالح الفئات الحاكمة ومن هم من حولها وأقاربها وأصبحت الوزارات والوظائف والامتيازات لهم وليس لغيرهم. وإذا كان الجعفري قد بدأ بممارسة سياسات تمييز ديني ومذهبي شرسة ومفضوحة، فأن نوري المالكي جعلها الشكل السائد في الحكم وإلى جعل الفساد المالي والإداري نظاماً سائداً بالبلاد تمارسه الدولة بسلطاتها الثلاث ويمارسه المجتمع بالرغم منه، كما أصبح التمييز ضد السنة بشكل صارخ مما أدى إلى انتفاضة المجتمع في محافظات صلاح الدين والأنبار وإلى تذمر كبير جداً في الموصل قاد إلى تغلغل قوى القاعدة ومن ثم وليدها الإجرامي الجديد داعش وبدعم من قوى ودول الجوار وعلى الصعيد الدولي. وانتهت باجتياح هذه المحافظات عملياً قبل اجتياح الموصل من جانب عصابات داعش المجرمة ومن ثم بقية مدن وقرى وأرياف محافظة نينوى.
** وخلال فترة الحكم لم يعمد النظام الطائفي ببغداد إلى معالجة القضايا العالقة والمناطق المتنازع عليها بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وجرت محاولات للمساومة بين الحكومتين بهدف إبقاء نوري المالكي في السلطة مقابل تنازلات غير مشروعة وبعيداً عن الحل الشرعي على ضوء المادة 140 من الدستور العراقي، أو التخلف عن إصدار قانون عراقي للنفط. ولم تكن الإعاقة من جانب الحكومة الاتحادية وحدها بل من جانب حكومة الإقليم ايضاً. وقد قادت هذه إلى إشكاليات جديدة بين الحكومتين الاتحادية وحكومة الإقليم، وعلى حساب الشعبين والقوميات الأخرى.   
** وفي فترة حكم المالكي غصّت السجون العراقية بالمعتقلين والمشتبه بهم كإرهابيين وانتشر المزيد من المخبرين السريين والعيون والجواسيس وتحولت الدولة على دولة بوليسية شرسة. ومارس الحكم سياسة التعذيب في دهاليز أجهزة الأمن والسجون الخاصة وتكررت الحالة التي كان يعيش العراق تحت وطأتها في ظل نظام صدام حسين، وارتفعت شكوى أهالي السجناء والمعتقلين بحسم قضاياهم دون مجيب لنداء العائلات.
** واتخذ القضاء العراقي موقفاً متحيزاً وبشكل صارخ في صالح الحكومة وتحت امرتها بما أسيئ للقضاء العراق واستقلاليته ودوره المنشود في مثل هذه الأوضاع. وصدرت قرارات مخالفة للدستور العراقي، ومنها الموافقة على منح المالكي ولاية أخرى في حين كان فوز القائمة العراقية التي يترأسها الدكتور اياد علاوي هي الفائزة فعلياً. لقد لعب القضاء العراقي، ورئيسه دوراً ملموساً في سرقة أصوات الشعب حين حكم لصالح نوري المالكي بالضد من نتائج التصويت النهائية. كما لم يلعب القضاء ولا الادعاء العام دورهما في موضوع السجناء السياسيين والنهب والسلب لأموال العراق واتهم بالمشاركة في كل ما يحصل بالعراق من إساءات وتجاوزات كبيرة على الدستور رغم سوءاته.   
** وتدخل رئيس السلطة التنفيذية بفظاظة وخارج الأطر الدستورية والقانونية بشؤون الهيئات المستقلة ولاسيما البنك المركزي، حيث أمر باعتقال المحافظ ونائبه وتقديمهم للمحاكمة مع عدد من الموظفين، بسبب رغبته في السيطرة على الملك المركزي والتصرف بالاحتياطي من العملات الصعبة. وكذلك التدخل في مفوضية الانتخابات بشكل ظ وهي القائمة على أساس المحاصصة الطائفية والأثنية بخلاف ما ورد بالدستور، وكذلك شبكة الإعلام العراقية وتحويلها إلى جهاز خادم للحكم وسياسة الحاكم المستبد بأمره.
** وكان من أسوأ الأمور التي عانى منها الشعب هو النقص في الخدمات وخاصة الطاقة الكهربائية التي وجهت لها المليارات ولم تنفع، إض نهب أغلب تلك المليارات ودخلت في جيوب الوزراء المسؤولين ومن كلفوا بالمهمات وشركاؤهم، مما دفع الشعب برفع شعار" باسم الدين باگونه الحرامية، وباسم الله هتكونه الشلاتية"! 
 إن كل ذلك وغيره حرك الشارع العراقي بعد أن تسلم نوري المالكي الولاية الثانية لمجلس الوزراء العراقي وبمساومة بين الولايات المتحدة وإيران من جهة، والأحزاب الشيعية والتحالف الكردستاني من جهة أخرى، مع قبول واضح من جانب القوى القومية والقوى السنية بتنازلات لقاء وعود كاذبة من جانب نوري المالكي وعلى حساب مصالح الشعب. وكان الحراك عام 2011 ببغداد ومدن أخرى مطالباً بالخدمات الأساسية ولاسيما الكهرباء، ومحاربة الفساد والإرهاب. وبدلاً من أن يصغي الدكتاتور الجديد لصوت المتظاهرين والعقل، بدأ بتشويه سمعة المشاركين في المظاهرات واستخدام القوة والعنف والسلاح لتفريق المظاهرات، وكذلك في ضرب التحركات في الفلوجة وعموم الأنبار وصلاح الدين. مما عمق الهوة ووسع قاعدة التذمر التي تفجرت فيما بعد.
لقد مارس نوري الملكي، وبدعم من التحالف الوطني للبيت الشيعي والقيادة الإيرانية أحط الأساليب القمعية في قمع وتفريق المتظاهرين من خلال قطع الطرق والجسور والقيام بحملة اعتقالات وممارسة التعذيب والتهديد، حتى قتل غيلة العديد من الشخصيات السياسية والمدنية العراقية وفي فترات مختلفة. وبعد الاجتياح الداعشي للموصل وهروب القوات المسلحة العراقية بقرارات لا يمكن إلا أن تكون من أعلى سلطة بالبلاد، من رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، أجبر المالكي وتحت ضغط الشارع والقوى السياسية النظيفة على ترك الحكم لزميل له في قيادة حزب الدعوة حيدر العبادي.
إن هذه الفترة من حكم العراق تميزت بانتهاك فعلي ومرير لحقوق الإنسان وحقوق القوميات واتباع الديانات والمذاهب، لقد داس الحكم بقيادة الملكي على حقوق وكرامة وإنسانية الفرد العراقي. لقد عمق شقة الخلاف بين القوميات وأتباع الديانات والمذاهب وترك الديمقراطية والمدنية اميالاً خلفه وأعاد الاستبداد واللاشرعية في حكم البلاد.، وسمح بالتدخل الإيراني الخارجي بقوة في الشؤون العراقية. 
انتهت الحلقة الرابعة وتليها الحلقة الخامسة والأخيرة.   







 
     
   

11
العراق والموقف الحضاري من المبادئ والقيم الإنسانية!
الحلقة الثالثة
السلوك الاستبدادي والمشين إزاء المبادئ والقيم الإنسانية الحضارية
من يتتبع تاريخ الثورات بالعالم سيجد، إنها حصلت ليس بناء على رغبات ذاتية بل لضرورات موضوعية أولاً، وغالباً ما اقترنت بمسألتين مهمتين هما: الفرحة العارمة التي تصيب الغالبية العظمى من المجتمع بأمل التغيير والتجديد والتخلص من حكومات عرضتها للكثير من الحيف والظلم مثلاً من جهة، وارتكاب تجاوزات وخروقات لا يمكن في الغالب الأعم تجاوز بعضها على الأقل من جهة أخرى، ثانياً. وغالباً ما تقع مثل هذه التجاوزات ضد عناصر وقوى من النظم السابقة لأسباب ترتبط بمستوى الحقد والكراهية الذي يجتاح الناس بعد سقوط الفئات الحاكمة السابقة والرغبة الجامحة والسلبية التي تنتاب الناس بسبب سياسات تلك العناصر أو القوى التي حكمت وأساءت للمواطنات والمواطنين وأتباع القوميات أو أتباع الديانات والمذاهب أو الاتجاهات الفكرية الأخرى أو غالبية المجتمع. ويمكن أن نتابع هذه الحالة منذ قيام الثورة الفرنسية في 14 تموز/يوليو 1790 حتى الوقت الحاضر. وهذا ما حصل بالعراق أيضاً حين نجح الضباط الأحرار بالتحالف مع جبهة الاتحاد الوطني، في إسقاط النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري في انتفاضة الضباط الأحرار، ومن ثم ثورة 14 تموز/يوليو 1958.
لقد اقترنت الفرحة العارمة لغالبية الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه وأغلب اتجاهاته الفكرية والسياسية من جهة، وبغضب عارم ضد عناصر وقوى حاكمة في العهد الملكي من جهة أخرى. وقد حصل كل ذلك في الساعات الأولى لانطلاق الانتفاضة العسكرية مباشرة وعبر فوضى عارمة شملت شوارع بغداد، والمدن الأخرى. ولكن ما حدث ببغداد لم يحدث بالمدن العراقية الأخرى. وفي الوقت الذي حققت الثورة الكثير من المنجزات الوطنية والديمقراطية في الفترة الأولى من عمر الثورة، اقترن ذلك بممارسات وتجاوزات فظة على الإنسان وكرامته، ومن ثم حصول انتكاسة فعلية في مسيرة ونهج الثورة ثانياً. فقد اُرتكبت الكثر من المعاصي والتجاوزات الفظة على الفرد، حيث قتل وسحل بالأرض بعض كبار المسؤولين من الحكم السابق، كما حصل مع الوصي على العرش عبد الإله بن علي، ورئيس الوزراء نوري السعيد وابنه صباح نوري السعيد. ثم شكل رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم "محكمة الثورة" التي بدأت بمحاكمة رجال العهد السابق، والتي كانت سابقة في هذا المجال. إذ لم يكن ضرورياً تشكيل محكمة عسكرية، بل كانت القوانين العراقية كافية لذلك، ثم تميز مجرى عمل هذه المحكمة بضعف الالتزام بالقوانين والتقاليد المرعية في المحاكمات الدستورية وبسلوك غير قانوني، إذ غاب عن جلسات المحاكمات احترام كرامة الإنسان المتهم وحقه الكامل في الدفاع الحر عن نفسه وعبر محاميه ودون أي ضغط أو تعذيب يتعرض له اثناء التحقيق، وأياً كانت الجرائم التي يمكن أن يكون قد ارتكبها المتهم، إذ أنه يبقى بريئاً حتى تثبت إدانته. وما حصل كان معيباً من تلك العناصر والقوى التي مارست التعذيب أثناء التحقيق.
كانت المنجزات التي تحققت في صالح الناس وباتجاه إعادة بعض الحقوق التي غيبت عن الإنسان العراقي للممارسة الفعلية وفي المجالات السياسية واقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذلك بعض حقوق المرأة المغدورة. ولكن الثورة لم تستمر طويلاً باتجاه الحياة الدستورية، المدنية والديمقراطية، إذ انتكست لعامل مهمة، نشير إلى أبرزها في الآتي والتي تندرج ضمن التجاوز على حقوق الإنسان والشرعية الديمقراطية:
1. إمساك العسكر بالحكم عبر الحاكم الفرد وعدم موافقته على تسليم الحكم إلى المدنيين والأحزاب التي ساهمت بالثورة، ورفض الموافقة على وضع دستور دائم للبلاد، يعتبر بمثابة عقد اجتماعي ملزم بين أفراد المجتمع وقومياته ويلتزم به الجميع.
2. اتسام العراق بضعف التقاليد والحياة الديمقراطية الحضارية، والتي كانت تتجلى في نظرة ووعي وسلوك وممارسات الفرد والأحزاب والقوى السياسية والفرد في آن واحد، إضافة إلى سيادة الفوضى، بسبب ضعف فهم المجتمع بعمق ومسؤولية لمفهوم ومضمون الحرية والحياة الديمقراطية، ولدى أغلب، إن لم نقل كل الأحزاب العراقية حينذاك وبمستويات مختلفة.
3. الصراعات التي نشبت بين القوى والأحزاب السياسية وعجز الحكم عن إدارة هذه الصراعات بروح ديمقراطية إضافة إلى محاولة الاستفادة منها لصالح الحكم الفردي بالبلاد. ويمكن الإشارة هنا إلى احداث الموصل وكركوك، أو المشكلات والخلافات بين الحكومة المركزية والقيادة الكردية والحزب الديمقراطي الكردستاني، والتي كان في مقدور الحكم تجنيب البلاد تلك النزاعات في كل الأحوال.
4. كما لعب تشكيل المقاومة الشعبية لحماية الجمهورية، وعلى وفق ضعف الوعي السياسي حينذاك، دوراً سلبياً في حماية حقوق الإنسان وكرامته، من خلال الأساليب غير الديمقراطية التي مورست من جانب جزء من أعضاء المقاومة الشعبية أو المحسوبين عليها.
5. ممارسة بعض القوى البعثية والقومية وقوى إسلامية سياسية لعمليات اغتيال لعناصر شيوعية وديمقراطية، إضافة إلى محاولات تنفيذ انقلابات عسكرية أو التصدي للخصوم بأساليب تميزت بالعنف والشراسة والتي أضرت بالثورة وقواها واستفاد منها من كان يريد إسقاطها، لأنه ساهم في خلق الأجواء المناسبة لتدهور الحياة الديمقراطية النسبية التي برزت في بداية الثورة.
6. ولا شك في أن للعالم الخارجي، الإقليمي والدولي، دوره البارز في هذه الانتكاسة لمسيرة الثورة.
إن عوامل انتكاسة الثورة حرثت الأرضية الصالحة للانقلاب العسكري على الثورة وحكومتها في الثامن من شباط 1958 والذي تميز بالعنف والشراسة البربرية، إذ مورس عنف فاشي وقتل هادف ومنظم وعشوائي في آن واحد. لقد فرض انقلاب 8 شباط/فبراير تعطيلاً كاملاً لدولة القانون ومصادرة كاملة لحقوق الإنسان وسيادة شريعة الغاب لثمانية شهور حتى سقوط هذه الانقلاب بانقلاب عسكري أخر في الربع الأخير من العام ذاته.
ولهذا فقد تميزت هذه الفترة والفترة اللاحقة بغياب أي التزام فعلي أو حتى نسبي بحقوق الإنسان وبالقيم والمعايير الإنسانية والحضارية. فقد شهدت هذه الفترة امتلاء السجون بالمعتقلين والسجناء السياسيين وممارسة أبشع أشكال التعذيب الهمجي الذي غالباً ما يموت الإنسان تحت وطأته. وأبرز أربع مسائل في هذا الصدد نشير إليها فيما يلي:
1. صدور البيان رقم 13 لسنة 1963 عن مجلس قيادة الثورة وهذا نصه:
"إلى الشعب العراقي الكريم
نظراً لقيام الشيوعيين العملاء شركاء عبد الكريم قاسم في جرائمه بمحاولات يائسة لأحداث البلبلة بين صفوف الشعب وعدم الانصياع إلى الأوامر والتعليمات الرسمية فعليه يخول آمرو القطعات العسكرية وقوات الشرطة والحرس القومي بإبادة كل من يتصدى للإخلال بالأمن وإننا ندعو جميع أبناء الشعب المخلصين بالتعاون مع السلطة الوطنية بالإخبار عن هؤلاء المجرمين والقضاء عليهم" (راجع: نوري عبد الحميد العاني وصحبه، تاريخ الوزارات العراقية في العهد الجمهوري، الجزء السادس، ط 1، بغداد، المطبعة العربية، 2002، ص 27). وقد اعطى هذا البيان الحق المطلق للحرس القومي والأجهزة الأمنية والقوات المسلحة وأعضاء حزب البعث بقتل الشيوعيين والديمقراطيين وأنصار عبد الكريم قاسم حيثما وأينما وجدوا بتهمة مقاومة الانقلاب.
2. فتح قصر النهاية (قصر الرحاب سابقا) كمعتقل مركزي لتعذيب المتهمين، ومعتقلات وسجون أخرى، إضافة على تحويل النوادي الرياضية، كالنادي الأولمبي، لممارسة التحقيق والتعذيب للمعتقلين، وحيث سقط الكثير من قيادات الأحزاب والعناصر الديمقراطية وأنصار عبد الكريم قاسم شهداء تحت التعذيب، ولاسيما قادة الحزب الشيوعي العراقي.
3. قطار الموت، الذي حمل 520 عسكرياً عراقياً بمراتب مختلفة من بغداد إلى السماوة بهدف إعدامهم في سجن "نقرة السلمان الصحراوي" كادوا يموتون جميعاً في تلك العربات الحديدة التي كانت مخصصة للشحن، لولا هامة سائق القطار وسكان السماوة النشامى الذين أنقذوا حياتهم، ما عدا خسارة شهيد واحد.
4. التجاوز اليومي الفظ على الناس وممارسة الإرهاب دون سبب، لاسيما وقد جُند في الحرس القومي البعثي صبية لم يتجاوزا سن الرشد كانوا يحملون البنادق الرشاشة ويتجولون في الشوارع برعونة وصبينة ويهددون الناس ويرمون من بنادقهم بصور عشوائية، مما رفع من حالة التذمر الشعبية، وحانت الفرصة للقوى القومية الحليفة بتنظيم الانقلاب الذي خفف من توتر الشارع العراقي نسبياً.
5. الهيمنة الكاملة على الحياة السياسية وحرمان الأحزاب من حرية التنظيم والعمل المشروع ومصادرة حرية الصحافة ومنع الصحف الحرة والمستقلة والحزبية غير الموالية مباشرة لحزب البعث من العمل واعتقال الصحفيين وتعريضهم للإرهاب والتعذيب.
6. وأخيراً كانت الحرب التي أعلنت ضد القيادة الكردية، حليفتهم في انقلاب 8 شباط/فبراير 1963، وزج المزيد من القوات المسلحة في تلك الحرب الشوفينية.
لقد سقطت خلال حكم البعث والقوميين العراقيين العرب كل الحقوق والقيم الإنسانية خلال الفترة بين شباط 1963 ونوفمبر من العام ذاته، كما لم يستطع الشعب استرداد حريته وحياته الديمقراطية في ظل الحكم القومي، رغم حصول بعض التخفيف من غلواء البعث في إرهاب الشعب وقتل الخصوم والمعارضين.
إسقاط الحكم القومي وقيام الحكم البعثي ثانية
بين 17 تموز/يوليو 1968 نفذ البعثيون وحلفاؤهم من القوميين المشاركين في الحكم انقلاباً في القصر الجمهوري وأزيح عبد الرحمن عارف من رئاسة الجمهورية واعتقل بقية الجماعة الحاكمة ومؤيديها. وبعد مرور أسبوعين على هذا الانقلاب، نفذ البعثيون انقلاباً على حلفائهم القوميين في الثلاثين من تموز/يوليو من العام نفسه. وقد مارس البعثيون حملة إرهابية شرسة ضد القوميين العرب العراقيين فاعتقلوا المئات منهم ولاسيما الذين كانوا في السلطة أو في قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي والكثير من المسؤولين العسكريين والمدنيين وأذاقوهم مرّ العذاب في السجون والمعتقلات والتي يصعب تصورها، إلا فيما مورس في العام 1963 في قصر النهاية ذاته ضد الشيوعيين والديمقراطيين، فيما عدا أنهم لم يقتلوهم تحت التعذيب، ولكن أسقطوا كل ما يمكن أن يمت للكرامة الإنسانية من صلة. كما اعتقلوا الكثير من أعضا حزب البعث (اليسار) من مؤيدي القادة القومية البعثية السورية، ومارس ذات الأساليب معهم في التعذيب.
وعلى امتداد حكم البعث، ورغم التحالف مع حزب البعث من جانب الحزب الشيوعي العراقي، لم يكف حزب البعث عن تصفية خصومه ومعارضيه بسبل شتى، ثم انتقل ليصب جام غضبه الكرد والشيوعيين. وحين صفى عملياً من الساحة السياسية جل خصومه من كل القوى والأحزاب السياسية، بمن فيهم الجماعات الدينية التي تحالفت معه في انقلاب 1963 وأعطته المؤسسة الدينية الشيعية قبل الانقلاب، وعلى رأسهم الرجعي الديني الشيعي "محسن الحكيم"، فتوى يحق بموجبها إهدار دم الشيوعيين باعتبارهم ملحدين والتي جاء فيها: "لا يجوز الانتماء للحزب الشيوعي فأن ذلك كفر وإلحاد"، كما أعطى فتوى مماثلة في المضمون الشيخ نجم الدين الواعظ من شيوخ المذهب السني، وكذلك الشيخ محمد مهدي الخالصي من شيوخ المذهب الشيعي. وقد أُبطلت هذه الفتاوى فيما بعد، بسبب جموحها اللاإنساني وسماحها بهدر دماء الآلاف من أبناء ونات العراق. (راجع: رشيد الخيون، قصة تعطيل فتاوى كادت تهدر دماء آلاف الخُصَماء السياسيين، الشيخ العلواني في كتابه «إشكالية الردة والمرتدين»: الإسلام دين تزكية وتطهير لا دين تكفير، موقع أيلاف، العدد 9613 في 24أذار/مارس 2005).
لقد فرض حزب البعث نظاماً استبدادياً باسم الحزب أولاً، وبشكل فردي مطلق لاحقاً، ونظاماً شوفينياً مناهضاً للقوميات الأخرى، ومطارداً لكل الاتجاهات الفلسفية والفكرية الأخرى، ثم صادر عبر أجهزة أمنه ومنظماته الجماهيرية وحزبه والقوات العسكرية أمن وحرية وحقوق المواطنات والمواطنين بشكل كامل، ولاسيما من تبقى منهم بالعراق من معارضين لسياسات البعث الدموية. وأخيرا وبعد أن صفا الجو السياسي له بدأ بسياساته التوسعية والعسكرية بحربه ضد إيران التي دامت ثمانية أعوام عجاف ومجنونة، ثم غزا الدكتاتور صدام حسين الكويت، وتسبب في حرب الخليج الثانية 1991 والثالثة 2003، التي أنهت وجود هذا النظام بالعراق. كما بدأ بشكل مبكر في عملية قهر وتصفية حركة التحرر الكردية وشن حروباً ظالمة ضد الشعب الكردي في أعوام 1969 و1974 و1981 التي تواصلت طيلة سنوات الحرب العراقية الإيرانية وتفاقمت حين نفذ النظام عمليات الإبادة الجماعية واستخدام الكيماوي ضد الشعب الكردي بين شباط/فبراير- تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1988. كما نفذ النظام عملياته العسكرية الدموية في وسط وجنوب العراق وإقليم كردستان العراق بعد انكساره في حرب الخليج الثانية في العام 1991.
لقد داس النظام بقيادة صدام حسين على لائحة حقوق الإنسان وحقوق المواطنة كافة ومرغ كرامتهم بالتراب، وداس الدكتاتور على كل القيم والمعايير الإنسانية والحضارية بأقدامه. وتحول العراق إلى سجن كبير يضم سجوناً ومعتقلات علنية وسرية كثيرة جداً وضع فيها عشرات الألاف من السجناء والمعتقلين من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية، وقتل فيها أيضاً المئات من المعتقلين الرافضين لنظامه الدموي. وتعرض الشعب في فترة حكمه إلى الحصار الاقتصادي الدولي الظالم الذي مارسته الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي على الشعب العراقي عملياً وليس ضد الفئة الحاكمة. وقد دام هذا الحصار قرابة 13 عاماً تعرض فيها الشعب لأبشع عملية تجويع وإهانة وإساءة للكرامة طويلة الأمد، فقد فيها عشرات الألوف من الناس حياتهم بسبب الجوع أو نقص الأدوية أو غياب العناية الصحية، وهي كلها مصادرة لحق الإنسان في الحياة والحصول على الغذاء والأدوية المعالجة الطبية.
لقد مارس سياسة مصادرة تامة وكاملة لحرية التنظيم الحزبي وإقامة منظمات مجتمع مدني غير بعثية وصادر حرية الصحافة والصحفيين بالكامل، ولم يبق من الصحفيين في الساحة الفعلية العلنية إلّا العناصر المطبّلة لحزب البعث والمسبحة بحمد الدكتاتور، أو تلك التي استخدمت لغة "كليلة ودمنة" في نقد الوضع ولم تسلم أيضاً من سيف الجلاد. لقد كف الآباء الحديث بالسياسة أمام الأبناء والبنات خشية وصول الخبر إلى السلطات ويتعرضون للموت المحقق. لقد سادت أجواء مظلمة حيث وجد عشرات الألوف من العيون والمخبرين السريين والجواسيس العاملين في أجهزة الأمن والاستخبارات والمخابرات العراقية في كل مكان وأصبح الخوف عاماً وشاملاً، حيث يمكن أن يتعرض المواطن على انتقام النظام بسبب انتقاد معارضيه أو غير الموالين له، حتى انتشر قول صدام حسين: "كل العراقيين بعثيون وإن لم ينتموا"، كما انتشر قول بأن الإنسان العراقي لا ينجو من غضب النظام حتى لو حلم بمعارضة النظام! لقد شكل صدام حسين عدة أجهزة أمنية على المستوى الداخلي يراقب بعضها الآخر وخيوطها كلها بيد صدام حسين. لقد اقام صدام حسين نظاماً دكتاتورياً أوتوقراطياً مريعاً، دام ما يقرب من 35 عاماً ولاسيما الفترة الواقعة بين 1979-2003.
لقد جسدت فترتا حكم البعث الأولى 1963 والثانية 1968-2003 الدكتاتورية والشوفينية والعنصرية والتعريب والتهجير القسريين من جهة، والظلم والاضطهاد ومصادرة كاملة لكل الحقوق من جهة أخرى، وسيادة الفساد وهدر أموال البلاد من جهة ثالثة، والعسكرة والتوسع على حساب الدول المجاور وخوض الحروب الداخلية والخارجية من جهة رابعة، وإسقاط الجنسية عن أكثر من 400000 إنسان كردي فيلي وعربي شيعي من الوسط والجنوب من جهة خامسة، وعرض معارضيه من أهل السنة في القوات المسلحة والمدنيين الضيم والجور والتعذيب من جهة سادسة، وسادت البطالة والحرمان والجوع بين نسبة عالية جداً من سكان العراق أيضاً. إنها فترات حكم ضال ودموي مرير، إذ لم سعد للإنسان العراقي أي قيمة وكرامة إنسانية وحقوق.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الحزب الشيوعي العراقي، الذي تعرض إلى أبشع صنوف الإرهاب والتعذيب والقتل على ايدي الحكم البعثي وأجهزته الأمنية والحزبية والجماهيرية في العام 1963 وفي بدية مجيء البعث إلى السلطة ثانية في العام 1968 و1870/1971، كان المفروض أن لا يتحالف مع هذا الحزب في العام 1973 رغم التغيير الذي برز في سياساته حينذاك والتي لم تكن أصيلة ومبدئية، بل استمر حزب البعث بمطاردة بقية القوى السياسية في فترة التحالف، ومن ثم ضد أعضاء وكوادر وقيادات الحزب الشيوعي العراقي، وبالتالي فأن الحزب الشيوعي لم يحترم حقوق الإنسان والقيم الإنسانية الحضارية في تحالفه مع حزب البعث، رغم تقديمه احتجاجات أو مذكرات انتقاد واعتراض إلى قيادة حزب البعث ومجلس قيادة الثورة على تلك السياسات اللاإنسانية والمنافية لمبادئ حقوق الإنسان. وفي الفترة الواقعة بين 1977-1981 على نحو خاص تعرض الحزب الشيوعي إلى حملة هستيرية من جانب النظام البعثي حيث اعتقل عشرات ألوف الشيوعيين وأصدقاء الحزب ومؤيدوه وقتل الكثير منهم تحت التعذيب، كما أجبر الألوف على مغادرة العراق أو تشكيل حركة الأنصار الشيوعيين والالتحاق بها في جبال وأرياف كردستان الالتحاق والمشاركة مع بقية قوات الپيشمرگة الكردستانية في النضال ضد الدكتاتورية الغاشمة ببغداد.
انتهت الحلقة الثالثة وتليها الحلقة الرابعة والأخيرة.
       
     
 

12
رابط الحملة لا للحرب .. نعم للحوار الديمقراطي والسلام

http://ehamalat.com/Ar/sign_petitions.aspx?pid=967

13
كاظم حبيب
العراق والموقف الحضاري من المبادئ والقيم الإنسانية!
الحلقة الأولى
تؤكد لوائح الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان ومؤتمراتها الدولية منذ أن صدرت لأول مرة اللائحة الدولية لحقوق الإنسان في العاشر من شهر كانون الأول/ديسمبر 1948 وما صدر بعد ذلك من مواثيق وعهود دولية بشأن الاعتراف بهذه المبادئ وممارستها وحماية كرامة الإنسان وحقوقه، بما في ذلك الحق في الحياة والعمل، وحقوق القوميات وحقوق المرأة والطفل والسجناء والعيش في بيئة نظيفة ...الخ، بأن هذه المبادئ والقيم والحقوق لا تتجزأ، فهي كلها سلة واحدة يستكمل بعضها البعض الأخر، ويعتمد على مستوى وعي الشعب وفهمه لها في مدى قدرته على تحقيقها وحمايتها ومستوى نضاله في سبيل منع الحكام من الإساءة لها أو تقطيع أوصالها وممارسة الانتقائية في ممارستها. وقد صدرت هذه اللائحة الدولية بعد مرور 159 سنة على دور صدور "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" في العام 1789 باعتباره واحداً من أهم وثائق الثورة الفرنسية، فهو يمس الحقوق الفردية والجماعية وشكل الأرضية الفكرية الصالحة لنضال الشعوب الأخرى في سبيل تأمين ممارسة تلك الحقوق وقاعدة للائحة الدولية.
والإنسان الحضاري الواعي لوجوده وحقوقه وكرامته يرفض الإساءة لحرية وحقوق وكرامة الإنسان الآخر أو الآخرين من البشر. وهذا ينطبق على الشعوب أيضاً، فالشعب الحر الذي يتمتع بالحرية والحياة الديمقراطية والكرامة يرفض أن يسيء لحرية وحقوق وكرامة شعب آخر، بل يتضامن معه في حالة تعرضه لأي إساءة لرفع الإساءة أو الغبن والإجحاف عنه والتعامل على أسس من المساواة، بما في ذلك حق هذا الشعب أو ذاك في تقرير مصيره بنفسه ودون وصاية من شعب آخر.
ووطننا العراقي الذي ساهمت حكومته الملكية في العام 1948 في وضع لائحة حقوق الإنسان الدولية في العام 1948 ووقعت عليها، هي أول من خرق بنود هذه اللائحة في الممارسة العملية وتجاوزت على الشرعية الدستورية والحياة الديمقراطية، وهي التي أسست فعليا لحصول تجاوزات وممارسات أفظع وأبشع في الفترات اللاحقة، حتى وصل الأمر بالحكومات اللاحقة تن ترتكب المجازر وعمليات الإبادة الجماعية والإساءة المباشرة لحقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب الأخرى بالعراق.
ووطننا العراق عرف على مدى تاريخه الحديث ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921 ثلاثة أنواع من البشر في مواقفهم من تلك المبادئ والقيم والحقوق من الناحية النظرية والممارسة:
1)   قوى سياسية واجتماعية ديمقراطية مقتنعة بمبادئ حقوق الإنسان وحقوق القوميات وتدافع عنها وتناضل من أجلها ولا تتصور إمكانية تجزئتها، بل هي سلة واحدة متكاملة وتميز بين التنكر لتلك المبادئ والقيم وبين سبل وأدوات ممارستها وضمان تحقيقها، بما في ذلك الحق في تقرير المصير.
2)   قوى سياسية واجتماعية تعترف ببعض مبادئ وقيم حقوق الإنسان وترفض البعض الآخر منها، بما في ذلك حق تقير المصير، وتمارس الالتزام أو عدم الالتزام بتلك الحقوق برؤية انتقائية قاصرة، منطلقة من نظرة ضيقة ووحيدة الجانب والمصلحة في الممارسة الفعلية لهذا المبادئ والقيم والحقوق. ومن بين أكثر المبادئ المرفوضة لديها حق تقرير المصير لأتباع هذه القومية أو تلك.
3)   قوى تدعي التزامها بتلك المبادئ والقيم والحقوق، ولكنها ترفض في الواقع العملي ممارستها حين تكون في السلطة بشكل خاص، وتعتبر المناداة بحق تقرير المصير انفصالاً وتجاوزا على السيادة الوطنية.
ومن يتابع ما جرى ويجري بالعراق منذ عقود سيرى بأن القوى الديمقراطية والتقدمية، ولاسيما الحزب الشيوعي العراقي وقوى يسارية وتقدمية أخرى، كانت وما تزال مقتنعة تماماً بمبادئ وقيم وحقوق الإنسان والقوميات، بما في ذلك الحق في تقرير المصير للقومية الكردية على سبيل المثال، أو الإدارة الذاتية لقوميات أخرى، إضافة إلى اعترافها ونضالها من أجل الالتزام ببقية الحقوق والقيم الإنسانية الواردة في اللوائح والمواثيق والعهود الدولية. إلا إن هذه القوى لم تصل إلى السلطة لتمارس هذه المبادئ والقيم فعلاً، في حين تشير المتابعة للتاريخ العراق الحديث إلى وصول ثلاث جماعات مختلفة من القوى التي تحمل أيديولوجيات قومية وإسلامية لا تعترف ولا تمارس أهم وأبرز المبادئ التي تتضمنها تلك الوائح والمواثيق والعهود وما فيهم من قيم إنسانية عامة وشاملة، وبعضها أحياناً وتحت وطأة ظروف معينة يعترف ببعضها ولكن يمارس بطريقة تجهضها بأي حال من الأحوال. ويمكن الإشارة إلى هذه القوى التي كانت أو ما تزال في السلطة ومواقفها من تلك المبادئ والقيم الإنسانية الحضارية:
أولاً: القوى المحافظة، ولاسيما الجزء الأكثر رجعية وتشدداً فيها، التي حكمت العراق في فترات مختلفة بين عامي 1921 – 1958، والتي ساهمت في وضع تلك اللائحة الأولى وصادقت عليها، ولكنها خرقتها بفظاظة، سواء أكان ذلك عبر ضرب وتحطيم المظاهرات والإضرابات بالحديد والنار واعتقال المشاركين فيها وزجهم في السجون، أم تزوير الانتخابات ضد قوى المعارضة، أم التمييز بين الذكور والإناث لصالح الذكور، أم التمييز بين أتباع القوميات وتهميش أتباع القوميات الأخرى أو الأقل عدداً، أم التمييز الديني والمذهبي، أو حتى ممارسة العنف واستخدام السلاح لقمع المطالبين بالحقوق المشروعة والعادلة ... الخ. وكان السبب وراء ذلك خليط بين السلوك الرجعي والقومي الشوفيني والمذهبي المتزمت وغياب النهج الديمقراطي في آن واحد. وكانت بعض هذه الحكومات لا تبدو متشددة في بعض مواقفها، ولكنها في المحصلة النهائية كانت تفرض على الشعب ما تريده دون احترام إرادة ومصالح الناس.
ثانياً: القوى والأحزاب ذات الأيديولوجية القومية اليمينية والمتشددة التي ترفض الاعتراف فعلياً أو تعترف شكلياً بمبادئ وقيم حقوق الإنسان، ولكنها لا تمارسها في الواقع، وتفرض أجواءً من الاستبداد الخانق بالبلاد، إضافة إلى إنها ترفض الاعتراف بحقوق القوميات الأخرى، بما في ذلك حق تقرير المصير، وحتى لو اعترفت بوجود تلك القوميات بالبلاد، فأنها تمارس التمييز والتهميش والإقصاء ضدها، مما يؤجج الصراعات والنزاعات بالبلاد. وهي تستخدم كل الأساليب والأدوات غير المشروعة من أجل كبح نضال القوميات الأخرى، ولكنها تضطهد في الوقت ذاته حقوق القومية التي تنتمي إليه، وتصادر جميع الحريات وحقوق الإنسان والحياة الديمقراطية. وخير نموذج لمثل هذه القوى، سواء في موقفها النظري أم في ممارساتها الفعلية، هي الأحزاب القومية التي تشكلت بالعراق قبل أو بعد ثورة تموز 1958، ومنها القوى التي أطلقت على نفسها بالقوى الناصرية أو حزب البعث العربي الاشتراكي، وهي قوى مارست الاستبداد والاضطهاد لقوى الشعب، ولاسيما ضد القوميات الأخرى، وكذلك ضد القوى ذات الاتجاهات الفكرية والسياسية الأخرى. ويمكن إيراد ما حصل في أعقاب انقلاب 8 شباط الدامي في العام 1963، أو في أعقاب انقلاب 17/30 تموز 1968 حتى إسقاط الدكتاتورية عبر الحرب في العام 2003. وقد وقعت مجازر دموية على أيدي القوى عموماً ولاسيما حزب البعث العربي الاشتراكي واجهزته الأمنية ومنظماته الاجتماعية وقواته العسكرية. وقد بروز ذلك باتجاهيين مناهضين للفكر الديمقراطي وللقوميات الأخرى، ولاسيما للشيوعيين والاشتراكيين والديمقراطيين المستقلين، وللكرد والتركمان، كما عانى أتباع الديانات والمذاهب من تمييز واجحاف واضطهاد وتهجير وتعريب للبشر والمناطق، وكذلك ما حصل للكرد الفيلية والعرب الشيعة في الوسط والجنوب وبغداد. وعلينا هنا الإشارة إلى أن ليس كل القوى القومية سقطت في مستنقع الشوفينية والفاشية والاستبداد.
ثالثاً: القوى والأحزاب ذات الأيديولوجية الإسلامية السياسية التي يتداخل ويتشابك فكرها ومسيرتها الفعلية مع الأيديولوجية القومية ذات النهج اليميني الشوفيني. فهي من جانب لا تعترف بالقوميات باعتبار أن المسلمين كلهم أمة واحدة، ولكنها حين تصل إلى السلطة تمارس الأيديولوجيتان معاً وفي غير صالح القوميات الأخرى وأتباع الديانات المذاهب الأخرى وليس أدل على ذلك ما يعيش تحت وطأته العراق منذ العام 2004 حتى الوقت الحاضر. إن هذه القوى لا تعترف بوجود قوميات أخرى، وإذا ما أجبرت عل الاعتراف بوجودها تحت ظروف وأوضاع نضالية، فإنها سرعان ما تتنكر لها وتشن حملة لمصادرتها حالما تتوفر لها الذريعة لمماسة الإرهاب والقمع. ويمكن أن نتابع ذلك في سياسات الحكم الطائفي بالعراق منذ تولي إبراهيم الجعفري رئاسة الوزراء بالعراق ومروراً بنوري المالكي حتى الوقت الحاضر.
إن القوى القومية اليمينية والشوفينية وقوى الإسلام السياسي الطائفية لا تعترفان بتحالفات سياسية طويلة الأمد، بل تعتبران التحالفات تكتيكات آنية غرضها الوحيد إيصالهم إلى الهدف المنشود، إلى السلطة، ثم تتنكران لأي تحالفات عقدتها مع قوى وأحزاب أخرى. كما إنهما لا تعترفان بالديمقراطية كنهج وأداة فعلية للحكم، بل تعتبرانهما أداة للوصول إلى السلطة ثم التنكر لها في التعامل مع اتباع الفلسفات والاتجاهات الفكرية والقومية الأخرى. انهما يؤمنا بأيديولوجيات ذات مضمون ووجهة استبدادية مناهضة لحرية الفكر والعقيدة ولحرية وحقوق الإنسان والقوميات ولحقوق المرأة. أنهما يشكلان كارثة على الشعب ويشكلون خطراً كبيراً على حياة الشعب وكرامته وحقوقه. وإذا كانت المجموعة الأولى تحاول التغطية على سلوكها إلى أن يستتب لها الأمر، فأن الثانية تمارس النهج ذاته ولكن تحت ما يسمى في الإسلام "التقية"، أي عملياً التغطية على الهدف الفعلي من خلال الادعاء بغير ذلك إلى حين توفر الفرصة المناسبة لتسديد الضربة المطلوبة لمن يطلق عليهم بأعداء الإسلام والمسلمين لأنهم يحملون فلسفة أو فكراً آخر، أو أعداء المذهب لمن هم من مذهب آخر، كما يمكن متابعته بالعراق منذ العام 2004/2005.                 
حين يفتقد القوميون، أياً كانوا، القناعة بمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات، يمارسون سياسات مشوهة ومؤذية لا تساهم في تأمين وحدة الشعب وتعاون أتباع قومياته أو أتباع دياناته ومذاهبه، بل يسود التمييز والتفرقة والتهميش والإقصاء والعداء، وتكون العواقب وخيمة. وهذا يمكن أن يحصل مع الإسلاميين السياسيين الذي لا يؤمنون بالديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان وحقوق القوميات، وهي مشكلة ليست جديدة، وتبرهن الحياة على سلوك هذه القوى باستمرار. وهي ليست قاصرة على العراق بل نجدها في تركيا وإيران والسعودية وجميع الدول ذات الأكثرية المسلمة، والتي تحكمها قوى إما محافظة أو قومية شوفينية أو إسلامية سياسية طائفية متطرفة.
انتهت الحلقة الأولى وتتبعها الحلقة الثانية.

14
رسالة تحية وتهنئة موجهة إلى تحالف القوى الديمقراطية العراقية (تقدم)
تحية الأخوة والنضال المشترك، تحية إلى تقدم
باسم لجنة المبادرة لدعم وحدة القوى الديمقراطية العراقية أحيي مؤتمركم ونتائجه الرائعة التي نرجو ونعمل من أجل أن ترسي "تقدم" أساساً لصالح وحدة النضال الديمقراطي من أجل عراق حر وديمقراطي موحد ومتماسك، وأن يمتد عمل تقدم إلى كل أنحاء العراق باعتباره القاعدة الديمقراطية التي يمكن أن تعبئ الشعب العراقي بكل فئاته الاجتماعية ذات المصلحة بأهداف تقدم وكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه لتحقيق التغيير المنشود بالعراق والتخلص من نظام المحاصصة من أجل بناء الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية التي تعتمد على الشعب وتحقق مصالحه وتطلعاته لحياة أفضل ومستقبل أكثر ازدهاراً وعدالة. لتكن تقدم قاعدة لوحدة كل القوى الديمقراطية وتتسع لكل من يؤمن بمبادئ الديمقراطية والحرية وضد التمييز الديني والطائفية والشوفينية، أن تتسع للعرب والكرد والتركمان والمسيحيين والمندائيين والإيزيديين ولكل من يؤمن بالديمقراطية وفصل الدين عن الدولة والفصل بين السلطات واستقلال القضاء وبناء الاقتصاد الوطني العراقي وتخليصه من طابعه الريعي الاستهلاكي والمكشوف على الخارج حالياً، ورفض التدخل الخارجي في الشؤون العراقية الداخلية وسياساته الخارجية. لنعمل من أجل إيحاد حلول عملية وواقعية للخلافات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة وبرلمان إقليم كردستان العراق لصالح وحدة العراق وتقدمه وازدهاره. 
لقد تم تشكيل لجنة المبادرة المستقلة، وهي ليست بحزب أو منظمة، بهدف دعم جهود قوى التيار الديمقراطي وبقية القوى الديمقراطية والمستقلة والشخصيات الدينية العلمانية لتحقيق التعاون والتنسيق والتحالف فيما بينها لضمان السير على طريق تغيير واقع العراق الراهن. ويسعدنا تحقيق هذا التحالف الجديد، آملين أن يتم التعاون والتنسيق مع قوى أخرى يمكنها أن تكون مع "تقدم" وتلعب دوراً مهماً باتجاه تحقيق الدولة الديمقراطية العلمانية بالعراق. وسنبقى نعمل وندعم "تقدم" من أجل تحقيق هذا الهدف.
نشد على أيديكم ونعتبر أنفسنا كأفراد جزءاً منكم ونتمنى لـ "تقدم" النجاح فيما تسعى إليه في هذا الظرف العصيب والمعقد الذي يمر به الشعب العراقي بكل قومياته وفئاته الاجتماعية التي يهمهما انتصار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام والعدالة الاجتماعية بالعراق. 
لجنة المبادرة لتحريك ودعم انعقاد مؤتمر القوى الديمقراطية في العراق

سلوى السعداوي، رابحة الناشئ، كاترين ميخائيل، تيسير الآلوسي، زهير كاظم عبود، ، غيث التميمي، نهاد القاضي، كاظم حبيب
29/10/2017

15
كاظم حبيب
الحوار الديمقراطي سبيل العراق الوحيد لمعالجة مشكلاته وليس الحرب!
لا للحر... نعم للديمقراطية والسلام في العراق وإقليم كردستان
سياسات التخندق والعناد ووضع الشروط أمام بدء الحوار والتصور بامتلاك الحقيقة والحق المطلق كانت وما تزال تلعب دورها السلبي في توسيع وتعميق مشكلات العراق، ولاسيما العلاقة بين الحكومة الاتحادية ورئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق. وهذه الحالة هي المسؤولة عما وصل إليه الوضع الراهن، سواء أكان قبل طرح موضوع الاستفتاء أم أثناء ممارسته أم بعد إعلان نتائجه، أم ما حصل من تحركات عسكرية لقوات الحكومة الاتحادية واستعادة سيطرتها على المناطق المتنازع عليها وقبل حصول الاجتياح الداعشي للموصل والمناطق الأخرى. كما إنها ستبقى تزيد الأمر تعقيداً ما لم يتخل الطرفان عن هذا النهج في العمل وعدم العودة والجلوس إلى طاولة المفاوضات وتجاوز تعقيدات الفترة المنصرمة بهدف قطع الطريق عن احتمال ممارسة أي شكل من أشكال القوة والعنف للوي الأذرع.
يواجه العراق سياسة متطرفة تمارسها بعض القوى الإسلامية السياسية والقومية الشوفينية المتطرفة تسعى بشكل محموم لتصعيد أجواء العداء الطائفي المتشابك مع العداء الشوفيني وجرّ قوات الحكومة الاتحادية و"الحشد الشعبي" وفصائل من قوات الپيشمرگة إلى معارك دموية تقطع الطريق عن الحلول السلمية والديمقراطية والعادلة للمشكلات القائمة بين الطرفين. ولو كان الصراع عراقي-عراقي لتم معالجته منذ فترة غير قصيرة، إلّا إنه في واقع الحال هو صراع إقليمي يرتبط بدول الجوار عموماً، ولاسيما تركيا وإيران، اللتان تسعيان بجهود محمومة لنشر الضغينة والكراهية والأحقاد والعداء والمراهنة على تدمير الطرف الأضعف، وهو أمر لا يمكن ولا يجوز الوصول إليه، بل سيُدخل العراق في حرب استنزاف داخلية مدمرة تحرق الأخضر واليابس وتجعل من العراق سوريا ثانية أو اليمن المستباح.
إن الإنسان ذو العقل الراجح والهادئ يتميز بنزوع أصيل للجلوس إلى طاولة المفاوضات ودراسة المشكلات وطرح احتمالات لحلول عدة، يمكن عبر مراجعتها المشتركة والمتكررة تقريب وجهات النظر والوصول بها إلى حلول مشتركة وعادلة يقبل بها الطرفان. والعكس صحيح ايضاً حين يبرز نزوع شديد صوب الرفض المطلق للحوار من خلال وضع شروط تعجيزية لا مبرر لها، كما تفعل الحكومة الاتحادية حالياً وبدعم من إيران وتركيا أيضاً، تمنع البدء بعقد اللقاء والحديث معاً وتشم منها رائحة وأجواء كسر عظم أو لوي ذراع، وهو ما لا يجوز حصوله في بلد متعدد القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية كالعراق.
لقد أوصل التوتر في العلاقات وعدم معالجة المشكلات القائمة على وفق الدستور والمادة 140 منه، ولاسيما حل مشكلة المناطق المتنازع عليها وبالأخص كركوك، ولسنوات ما بعد إسقاط الدكتاتورية الغاشمة، رغم تأكيد الدستور على معالجتها حتى العام 2007، وها نحن نهاية العام 2017 ولم ينجز شيء بل جرى تعقيد أكبر للمشكلة. لقد دفع هذا الواقع برئاسة وحكومة إقليم كردستان بالدعوة إلى إجراء استفتاء لمعرفة رأي شعب كردستان بموضوع الاستقلال عن العراق. ولم يكن هذا يخص المحافظات الكردستانية الرسمية الأربع، أربيل والسليمانية ودهوك وحلبچة، فحسب، بل وشمل المناطق المتنازع عليها في كركوك وديالى وصلاح الدين ونينوى والتي كانت ما تزال لم تعالج على وفق المادة 140، بل كان المفروض أن تبقى تحت الإدارة المشتركة. ورغم اعتراضات ومناشدات وتقديم بدائل لإجراء الاستفتاء والرفض، فأن رئاسة وحكومة الإقليم والأحزاب السياسية، ليس كل الأحزاب، أصرت على إجراء الاستفتاء، وكان هذا على وفق في قناعتنا خطأ فادح ألحق أضراراً فعلية فادحة بوضع الإقليم والعراق عموماً. إلا إن هذا ليس خاتمة المطاف، وبالتالي لا بد من معالجة الموضوع بالعقل والحكمة من قبل الطرفين ولمصلحة الشعبين وبقية القوميات على وفق الدستور العراقي، وعلى وفق المادة 140 بالنسبة للمناطق المتنازع عليها. 
إن الأصوات النشاز التي انطلقت في الآونة الأخيرة مرة أخرى، وكأن ما فعلته في السابق لزعزعة الوحدة الوطنية وفتح أبواب العراق لا
جتياح الأوباش الدواعش لم يكن كافياً، لتبدأ من جديد مثيرة زوبعة من الغبار والضجيج تمنع وضوح الرؤية الواقعية للأحداث والمشكلات وسبل معالجتها وتحرم الناس من الاستماع إلى صوت العقل والحكمة والدروس المكتسبة من تاريخ العراق الحديث، ولاسيما منذ تأسيس الدولة العراقية الملكية. كما إن ما أقدمت عليه قوى الحشد الشعبي وما يشار إلى وجود قوات ومستشارين إيرانيين يمارسون مع قوى من الحشد الشعبي عمليات الانتقام من قتل وتخريب وحرق المساكن أو السيطرة على المقرات في كل من كركوك وطوزخورماتو وداقوق، قد ألزم ذلك وزير الخارجية الأمريكي أن يطالب بخروج القوات الإيرانية من العراق.
إن ما آلَ إليه الوضع بالعراق بعد الاستفتاء أشاع المزيد من القلق والريبة والشك في نفوس الناس في كل أنحاء العراق، ورغم تصريحات رئيس الوزراء العراقي بأنه لن يلجأ إلى استخدام العنف والقوة، إل إن الواقع يشير إلى شيء آخر. وما حصل من تجاوزات قوى في الحشد الشعبي في كل من كركوك وطوز وخانين وغيرها يؤكد بأن الوضع يستوجب المعالجة السريعة والجدية. إن خروج الوضع عن السيطرة ستكون له ديناميته الخطرة والمدمرة، ولن يكون في مقدور الإرادات الذاتية الطيبة إيقافه، إذ ستتدخل عوامل كثيرة على خط الصراع والنزاع لتؤجج وتطيل أمد المعارك أو الحرب والمزيد من الموتى والخراب والدمار حيث تنعق فيها الغربان. فالقتل الذي حصل في بعض المناطق ولاسيما في طوز وكذلك في داقوق أو إحراق مئات البيوت في طوز وهروب عشرات الألوف من سكان طوز وداقوق وكركوك وغيرها، لا يمكن القبول به أو التسامح معه وله عواقبه.
إن على كل القوى، التي تشعر بالمخاطر الجمة التي تلف العراق في المرحلة الراهنة، ولاسيما القوى الديمقراطية والتقدمية والعلمانية وغيرها، أن تمارس دورها المنشود لا في تخفيف التوتر بين الأطراف المعنية، بل ودفعها لإقامة علاقات جديدة على أسس رصينة وثابتة ومستقرة بعيدا عن فرض الأمر الواقع بقوة السلاح وممارسة العنف. وعلينا أن نتذكر بأن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 688 ما زال فاعلاً ولم يلغ حتى الآن، ويمكن أن يفعل في كل لحظة.
إن من واجب القوى والأحزاب الكردستانية أن تسعى لتوحيد صفوفها ولملمة أوضاعها وإعادة النظر بسياساتها السابقة وتقديم رؤى سديدة للمشاركة في معالجة الوضع بالعراق وإسقاط أوراق القوى المعادية للشعب الكردي وعموم الشعب العراقي. ولا شك في أن تجميد نتائج الاستفتاء هي خطوة مهمة وصائبة على طريق إيجاد حلول عملية للمشكلات القائمة وبدء الحوار بين بغداد وأربيل، وليس من الصواب أن يشدد رئيس وزراء العراق من الموقف ويبدأ بتسمية إقليم كردستان الوارد في الدستور بشمال العراق، فهذا خرق للدستور العراقي، وهو الذي ينادي باستمرار بالالتزام بالدستور وتطبيق بنوده. ومن واجبنا ألّا نسمح للمتطرفين في الطرفين أن يعلو صوتهم النشاز فوق صوت الشعب أولاً، وأن نمنع تأجيج الأوضاع المتأججة أصلاً من قبل حكومتي إيران وتركيا، وهما دولتان طامعتان بالعراق وراغبتان في إشاعة الفوضى والخراب فيه، كما فعلتا وتفعلان حتى الآن بسوريا واليمن، والتدخل الفظ في الشؤون العراقية مما يفقد العراق سيادته الوطنية واستقلال قراراته.
 



16
كاظم حبيب
قراءة متمعنة في كتابين "مذكرات هاشم الشبلي" و "محطات سوداء في تاريخ العراق الحديث"
الكاتب: هاشم الشبلي
الكتاب الأول: مذكرات هاشم الشبلي (عام 2016)
الكتاب الثاني: محطات سوداء في تاريخ العراق الحديث 1936-2017 (عام 2017)
دار النشر: دار دجلة، عمان - الأردن
الحلقة الأولى
صدر للكاتب والحقوقي العراقي الأستاذ هاشم الشبلي كتابين في عامي 2016 و2017. وهما كتابان قيّمان يبحثان في وقائع وأحداث ونضالات ونجاحات وفواجع ونكبات العراق الحديث، العراق الملكي وعراق الجمهوريات الخمس المتتالية. كما أن الكتابين يكملان أحدهما الآخر. في الكتاب الأول، الذي يطرح فيه الكاتب مذكراته الشخصية، يمر بسرعة نسبية على الكثير من الأحداث التي عاصرها وعاش مراراتها، ليعود في كتابه الثاني ليركز على أهم تلك الأحداث وأكثرها مأساوية للشعب العراقي كله أو لأجزاء منه، ومنهم الفئة المثقفة التي عانت بدورها وعاشت مخاضات أحداث العراق العصية على الفهم أحياناً لمأساويتها وحجم الفواجع فيها من موت واسع ودمار شامل وخراب ورثاثة، تلك الأحداث المريرة التي تسببت بها النظم السياسية العراقية غير الديمقراطية والاستبدادية، وكذلك دور المجتمع الإقليمي والدولي في التسبب بها أو إشعال فتيل حروب العراق. يصعب فصل الكتابين عن بعضهما، وبالتالي لا بد من قراءة متفاعلة مع الكتابين وبتكثيف شديد.
هاشم الشبلي شخصية حقوقية وسياسية ذات وعي ونهج ديمقراطيين عميقين، نهل من تاريخ العراق الحضاري والفكر النضالي فيه، ومن معين الفكر التقدمي والديمقراطي العالمي، والتزم بهما وبالعدالة الاجتماعية والسلام في مسيرته السياسية المديدة، هذه المسيرة التي بدأت عملياً مع بداية الخمسينيات من القرن العشرين واستمرت حتى الوقت الحاضر، وأتمنى له المواصلة والصحة والعافية وطول العمر.
شارك هاشم الشبلي في نضالات شعبه قبل ثورة تموز 1958 وما بعدها وعانى، هو وأفراد عائلته، الكثير من المشقات والسجون والتعذيب، دون أن يصيبه اليأس أو الإحباط، وحافظ على علاقته الوطيدة بالشعب وأهدافه وطموحاته من جهة، وبالأرض التي ولد عليها وعاش مع عائلته الكريمة والمناضلة ومع اقرانه فيها وتحمل وزر انتماءاته السياسية الوطنية والديمقراطية ومبادئ العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والدولة المدنية العلمانية. لم أتعرف عليه عن قرب، ولكني عرفته من خلال اربع وقائع:
أولاً: مقالاته التي كان ينشرها في أعقاب سقوط الدكتاتورية البعثية والصدامية الغاشمة التي تسنى لي قراءتها والاستفادة منها، والتي يمكن العثور عليها في موقع الحوار المتمدن.
ثانياً: نهجه الديمقراطي المستقل وسياساته ومواقفه المميزة حين أصبح وزيراً للعدل في ثلاث وزارات بين 2004-207 ممثلاً عن الحزب الوطني الديمقراطي.
ثالثاً: عبر أحاديثي مع شخصيات ديمقراطية صديقة له، منهم الدكتور عبد الأمير العبود وأستاذي الفاضل نجيب محي الدين والدكتور الطيب الذكر مهدي الحافظ، إضافة إلى ما ورد عنه في كتاب الأستاذ نصير الچادرچي الموسوم "مذكرات نصير الچادرچي" الصادر في العام 2017 عن دار المدى ببغداد والذي تسنى لي الكتابة عنه.
رابعاً: من خلال الكتابين اللذين اسعى لممارسة قراءة نقدية موضوعية لهما والتي اعطتني الكثير من المعلومات المهمة عن شخصيته وأفكاره وممارساته الديمقراطية في مختلف مراحل حياته ومواقفه السياسية.     
إن قراءتي للكتاب الأول منحني الثقة بأني أمام كاتب يتسم بالصدقية التامة وبوضوح الرؤية والفكر المستقل القادر على اتخاذ الإجراء والموقف المناسب مهما كانت الأوضاع الحرجة التي يمر بها أو يواجهها، إضافة إلى قناعته العميقة بقدرة الشعب العراقي، رغم كل المرارات التي يعيش تحت وطأتها، على يتجاوزها يوماً، ويغذ السير لبناء العراق الديمقراطي والتقدمي والعلماني الجديد. يتلمس القارئ ذلك من خلال صفحات الكتابين والتي سأحاول تناولهما معاً، رغم صعوبة ذلك. كان بإمكان الكاتب أن ينجزهما في كتاب واحد، ولكن الحصيلة ستكون على حساب المضامين الواسعة للأحداث في الكتاب الثاني الموسوم "محطات سوداء.." أو أن يصبح الكتاب الأول كبيراً جداً بحيث يصعب طبعه في كتاب واحد، وحسناً فعل.   
يتضمن الكتاب الأول ثلاثة عشر فصلاً بدءاً من الولادة ومروراً بالدراسة وبواكير العمل السياسي، فثورة تموز 1958، ثم الانقلابات السياسية والعسكرية المتتالية، فالنظم الاستبدادية والحروب، والحصار والدمار واحتلال العراق، الذي انتهى إلى إقامة نظام سياسي طائفي ومحاصصة طائفية مقيتة بالبلاد. أما الكتاب الثاني الموسوم "محطات سوداء في تاريخ العراق الحديث 1936-2017"، وجاء الكتاب في اثني عشر فصلاً، بدءاً من تأسيس الدولة العراقية الملكية الدستورية، ومروراً بالانقلابات المتتالية تفصيلاً، ثم الحروب المتتالية والاحتلال الدولي للعراق بقيادة الولايات المتحدة، والحكومات التي تشكلت خلال الفترة الواقعة بين إسقاط الدكتاتورية الغاشمة واجتياح داعش للموصل ونينوى، فالحشد الشعبي العقائدي، وأخيرا معنى أو مفهوم الوطنية الحقيقية مع مجموعة من الوثائق والصور.
ولد الأستاذ هاشم الشبلي في عائلة بغدادية عريقة برز فيها العديد من الشخصيات الفنية والديمقراطية المعروفة في الأوساط العراقية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الفنان المسرحي، الممثل والمخرج، حقي الشبلي وشقيق الكاتب الأستاذ المناضل قاسم الشبلي. تهيأت للجيل العراقي الذي ولد في الثلاثينيات من القرن الماضي، وأنا منهم، فرصة العيش في العقدين اللاحقين بشكل خاص أحداثاً كبيرة، منها نهوض النازية والفاشية والعسكرية وإشعال الحرب العالمية الثانية وانهيار مشعليها في العام 1945 ثم بروز المنظومة الاشتراكية على الصعيد العالمي. كما توفرت المزيد من الكتب الحديثة والروايات الديمقراطية والاجتماعية لكتاب بارزين عربياً وعالمياً مثل سلامة موسى وجورج حنا وشبلي شميل وجون شتاينبك وهمنغواي وتولستوي ودستويفسكي وغوغول وغيرهم، التي ساهمت كلها في نشر الوعي التقدمي وفي توفير الأجواء المناسبة لتبلور وبروز حراك سياسي متميز للقوى الديمقراطية العراقية منذ العام 1946، بعد ركود نسبي في أعقاب انقلابين عسكريين بقيادة بكر صدقي العسكري ( من مواليد مدينة عسكر) في العام 1936 وانقلاب رشيد عالي الگيلاني في العام 1941، والذي تجلى في انطلاقة الوثبات والانتفاضات المتتالية لمواجهة سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة في العهد الملكي والتي غيبت الحياة الديمقراطية والحريات العامة وانخراطها في الأحلاف العسكرية. في هذه الفترة بالذات، حيث كان عمر هاشم الشبلي قبل بلغ الثالثة عشر سنة، حين حصلت وثبة كانون الثاني 1948 التي رفضت الأحزاب الوطنية والديمقراطية والقومية، العلنية منها، مثل الحزب الوطني الديمقراطي وحزب استقلال، والأحزاب السرية، الحزب الشيوعي وحزب الشعب وشخصيات مميزة مثل الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري والشخصية الديمقراطية التقدمية عبد الفتاح إبراهيم.. الخ، استبدال معاهدة 1930، التي أطلق الشعب العراقي عليها بـمعاهدة "الاسترقاق"، بمعاهدة بورتسموث، في فترة رئاسة صالح جبر لمجلس الوزراء. وقد شارك الصبي هاشم الشبلي بها، والتي ساهمت في بدء تفتح وعيه السياسي المبكر. وقد كان للدماء التي سالت والرصاص الذي لعلع من بنادق الشرطة في مواجهة المتظاهرين دورها في إدراك طبيعة الحكم القائم بالعراق.

تميزت الفترة الواقعة بين 1948-1952 بنشاط سياسي وثقافي واسعين، إذ يشير في كتابه الأول إلى ذلك بقوله: "كانت تلك الحقبة تمور بنشاط سياسي وفكري وثقافي واسع، تقوده وتحركه الأحزاب الديمقراطية واللبرالية والقومية وفي مقدمتها (الحزب الوطني الديمقراطي) و(الحزب الشيوعي العراقي) و (حزب الاستقلال)، وكانت جريدة (الأهالي) الناطقة باسم -الحزب الوطني الديمقراطي) في مقدمة الصحف التي توجه النقد الشديد لسياسات الحكومات المتعاقبة وتطالبها بإطلاق الحريات العامة وإطلاق سراح المعتقلين والإفراج عن السجناء والسماح بتشكيل النقابات والمنظمات المهنية والعمالية وتحقيق الديمقراطية وإيجاد فرص عمل للعاطلين وخاصة المثقفين منهم." ثم يشير هاشم الشبلي أيضاً إلى مساهمة "نشرات (الحزب الشيوعي) السرية بنقد سياسات السلطة ومطالبتها بإطلاق الحريات العامة والإفراج عن السجناء ومعالجة الأوضاع الاقتصادية التي كانت تزداد سوءاً يوماً بعد يوم". (الكتاب الأول ص 39). فكان من نتائج ذلك، وإصرار الحكم على سياساته الرجعية المعبرة عن مصالح الإقطاعيين وكبار الملاكين ومصالح بريطانيا بالعراق إن انطلقت انتفاضة 1952 التي أجبرت النظام على وضع شخصية عسكرية على رأس السلطة هو الفريق نوري الدين محمود وإعلان الأحكان العرفية (الطوارئ) بالبلاد واعتقال الالاف من المناضلين في سائر أنحاء العراق وزجهم في المعتقلات وإصدار الأحكام القاسية بحق المئات منهم.
كان تنامي الحس الوطني والديمقراطي لدى الشاب هاشم الشبلي قد دفعه إلى الارتباط بالحزب الشيوعي العراقي والانتماء له، إذ رفض من دعاه لدخول حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان قد تأسس في العام 1952 ببغداد، إذ كتب يقول: ..، لأنني لم أقتنع بما قرأت من أدبيات الفكر القومي، ووجدته هشاً وضبابياً، وتجاوبت مع الفكر الماركسي والديمقراطي التقدمي،.." (الكتاب الأول ص 41).
وخلال الفترة الواقعة بين 1936-1952 وقعت مجموعة من الأحداث التي يمر عليها الكاتب في كتابه الأول ويبحث فيها في كتابه الثاني، منها انقلاب 1936 وانقلاب 1941 والفرهود ضد اليهود في العام 1941 ومن ثم تقسيم فلسطين والاعتراف بإسرائيل في العام 1947 وحرب فلسطين عام 1948، وقرار إسقاط الجنسية عن اليهود العراقيين في العام 1950 وعواقبه. وسنحاول أن نتناول بعضها فيما يلي:

انقلاب بكر صدقي
يتوقف الكاتب جيداً ويبحث بعمق في أسباب انقلاب بكر صدقي. ففي العام 1936 وقع انقلاب عسكري قاده الفريق بكر صدقي العسكري وبالتعاون والتنسيق مع حكمت سليمان وجماعة الأهالي وجمعية الإصلاح الشعبي. وكانت أفكار جماعة الأهالي (1932)، ومن ثم الإصلاح الشعبي (1934) تنتمي جزئياً إلى الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية، وذات برنامج تقدمي مشترك لخصت فيه الأهداف والمهمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تسعى إلى تحقيقها. وكان حكمت سليمان عضواً في هذا الجماعة. وكان هذا الانقلاب أول تدخل فعلي لفصيل من القوات المسلحة في الحياة السياسية العراقية وبالتعاون مع جماعة وطنية وديمقراطية عراقية مثل جعفر أبو التمن وكامل الچادرچي وعبد الفتاح إبراهيم. وإذ رفض في البداية كل من محمد جعفر أبو التمن وعبد الفتاح إبراهيم استخدام القوات المسلحة للوصول إلى السلطة، إلا إن محمد جعفر أبو التمن قد تراجع عن موقفه ووافق المشاركة في الانقلاب، في حين استمر عبد الفتاح إبراهيم رافضاٌ مبدئياً وعلياً وبإصرار مشاركته ومشاركة الجماعة في تنفيذ الانقلاب، باعتباره خرقاً للدستور وتجاوزا على الديمقراطية ومهمات القوات المسلحة العراقية، إضافة إلى إنها بادرة ستجر بعدها انقلابات أخرى، وكان على حق كبير. علماً بأن حكومة ياسين الهاشمي حينذاك لم تمارس سياسة ديمقراطية بل "ارتكبت أخطاء أساءت إلى الحكومة كالفساد واستغلال النفوذ ورعاية المنافع الخاصة وتفشي المحسوبية والرشوة وإهمال مصالح الشعب واستخدام القوة المفرطة في قمع احتجاجات العشائر المطالبة بحقوقهم وتمرد الآشوريين وزج الجيش في قمع الاضطرابات الداخلة وملاحقة الصحافة والأحزاب والنقابات بإجراءات مخالفة للقانون، لهذه الأسباب فقد عمّ الاستياء والتذمر والملل من الحكومة." (الكتاب الثاني، ص 24). ومع ذلك لم يكن الانقلاب طريقاً سليماً لتغيير الأوضاع. وهو الدرس الذي استفاد منه فيما بعد السياسي العراقي الكبير كامل الچادرچي. لقد شارك في حكومة الانقلاب التي ترأسها حكمت سليمان أربعة من جماعة الأهالي بضمنهم أبو التمن والچادرچي. إلا إن الحكم الفعلي لم يكن بيد الحكومة بل بيد بكر صدقي العسكري، إذ يشير الكاتب "وقد أساء بكر صدقي للشعب وللبلد حيث فرض سيطرته وأساء استعمال السلطة وأصبح الحاكم الفعلي للبلاد"، مما أدى إلى رفض هذه السياسات من قبل القوى الديمقراطية ومن جماعة الأهالي المشاركة في الحكم ومن أوساط عسكرية وشعبية واسعة، إضافة إلى مقاومة أجزاء من الفئات الحاكمة، مما استوجب استقالة وزراء جماعة الأهالي. وقد سقط النظام بعد اغتيال قائد الانقلاب بكر صدقي بالموصل في العام 1937. يشير الأستاذ هاشم الشبلي إلى سياسة بكر صدقي بقوله "ومن الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها الفريق بكر صدقي هو قتل الفريق جعفر العسكري ( وهو من نفس مدينة عسكر التي ولد فيها بكر صدقي العسكرين، ك. حبيب) وزير الدفاع عندما حاول الأخير إيقاف زحف قوات الانقلابيين إلى بغداد حيث اتصل بقائد الانقلاب بكر صدقي وأبلغه بأنه يحمل رسالة من الملك غازي ووزير الخارجية نوري السعيد، إلا إن بكر صدقي وقبل أن يستلم الرسالة أرسل من يقتل العسكري فجردوه من سلاحه وقتلوه، وبهذا فقد ألَّب الفريق بكر صدقي الجيش عليه لأن جعفر العسكري كان شخصية متوازنة وحبوبة ومسالمة ومن مؤسسي الجيش والدولة الحديثة." (المصدر السابق نفسه، ص 25). كما أنه قد مارس ولأول مرة في تاريخ العراق الحديث نهج: الاستبداد والعداء للقوى اليسارية وخاصة الشيوعيين والديمقراطيين، وأسقط لأول مرة أيضاً الجنسية عن شخصيات شيوعية عراقية معروفة عبد القادر إسماعيل وأخيه يوسف إسماعيل وإبعادهما على خارج العراق. ويؤكد الكاتب، وهو شخصية حقوقية ووزير عدل سابق، بأن بكر صدقي قاد "أول انقلاب ضد الشرعية وضد الدستور والقوانين المرعية وضد القيم والمبادئ الديمقراطية التي تستلزم أتباع الطرق والأساليب الديمقراطية والسياسية عند المطالبة بالتغيير.." (الكتاب الثاني، ص 26)، وهو يرفض العنف والقوة للاستيلاء على السلطة.   

انقلاب رشيد عالي الگيلاني   
عالج الأستاذ هاشم الشبلي بتوسع مناسب انقلاب الأول من مايس/أيار 1941 من حيث العوامل والأسباب التي دعت إلى هذا الانقلاب، والصراعات التي كانت تدور بين قوى المعارضة السياسية والفئات الحاكمة والبلاط الملكي، وانحياز الحكومة في الحرب التي نشبت بين دول المحور والحلفاء الثلاث (المانيا وإيطاليا واليابان) من جهة، والدول الأوروبية المتحالفة مع روسيا والولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية، إلى جانب التحالف الدولي المناهض لدول المحور، مؤكدا إن الخلاف قد انصب على ثلاثة عوامل:
1) رغبة المعارضة في ألّا يزج العراق في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل؛ و2) رفض إملاءات الدولة البريطانية على الحكومة العراقية وتزايد مطالبها في وضع القواعد العسكرية البريطانية في خدمة الحرب ضد دول المحور؛ و3) تزايد النقمة الشعبية ضد الحكومات العراقية المتعاقبة بسبب تعاونها مع الحكومة البريطانية. لا شك في أن هذه التكثيف للمسألة سليم من حيث مجرى الأحداث بالعراق حينذاك. إلا إني أختلف بعض الشيء مع الأستاذ هاشم الشبلي في تشخيص الموقف وموقف أكثر القوى المعارضة حينذاك، والتي تمثلت بمجموعة القوى القومية العربية العراقية، إذ إن ما ذكره من الأسباب بقدر ما هي صحيحة ليست كافية للتعبير عما حصل بالعراق حينذاك. فعلى وفق قناعتي ودراستي المستفيضة لحيثيات الانقلاب وقواه الفعلية وعلاقاته الداخلية والخارجية، أوكد فعل عوامل أخرى لتنفيذ الانقلاب المذكور، وألخص رأيي بما يلي:
كان القوميون العراقيون العرب حتى ذلك الحين ينتظمون في نادي المثنى الثقافي، ولكنهم كانوا يتحرون عن فرصة مناسبة لتشكيل تنظيم حزبي سري يساعدهم على تحقيق الأهداف التي كانوا يسعون إليها. وراودت هذه الفكرة أذهان العسكريين والمدنيين الذين قادوا الحركة فيما بعد، وخاصة صلاح الدين الصباغ، محمد يونس السبعاوي ومحمد حسن سلمان منذ عام 1937. (راجع: عبد الله الجيزاني، حزب الاستقلال العراقي 1946-1958 التجربة الفكرية والممارسة السياسية. الطبعة الأولى 1994. ص 42). وتكرست هذه الرغبة أكثر فأكثر منذ مجيء الحاج أمين الحسيني، مفتي الديار الفلسطينية، ومجموعة من الفلسطينيين الذين أجبروا على مغادرة فلسطين، إلى بغداد. وتحت تأثيره ودوره المباشر وتأثير الوضع المتأزم بفلسطين حينذاك اتخذت حركة القوميين العرب مساراً جديداً بعدة اتجاهات أساسية، وهي:
1.   تشكيل لجنة للتعاون مع البلدان العربية التي ضمت في عضويتها "رشيد عالي الگيلاني وناجي شوكت وناجي السويدي ويونس السبعاوي والعقداء الأربعة والعقيد إسماعيل حقي من العراق، وشكري القوتلي وعادل أرسلان وزكي الخطيب من سورية، ويوسف ياسين وخالد الهود من العربية السعودية". (راجع: عبد الرزاق الحسني، الأسرار الخفية في حركة السنة 1941 التحررية، ص 9). وهي لجنة علنية اعتبرت قاعدة لنشاطها العلني بين الأوساط العراقية ولتعزيز تحركها الشرعي على الأقطار العربية الأخرى.
2) تأمين غطاء حزبي سري ينظم ويوجه العملية السياسية بالعراق لصالح أهداف الجماعة. وفي ضوء ذلك تقرر في شهر شباط من عام 1941، وقبل تسلم رئاسة الوزراء من قبل رشيد عالي الگيلاني، تشكيل حزب سياسي سري باسم حزب الشعب، كما منح كل عضو في هذا الحزب اسماً حزبياً سرياً. (المصدر السابق نفسه، ص 109). وأعطيت القيادة لمفتي الديار الفلسطينية الحاج أمين الحسيني (مصطفى)، كما كان في عضويته كل من رشيد عالي الگيلاني (عبد العزيز) وصلاح الدين الصباغ (رضوان) ويونس السبعاوي (فرهود) وفهمي سعيد (نجم) ومحمود سلمان (فارس) وناجي شوكت (أحمد). (ناجي شوكت. سيرة وذكريات…. الجزء الثاني. مكتبة اليقظة العربية.  بغداد. 1990. ص433/434 و510-514). 
 وضم الحزب أيضاً المجموعة التالية من الأعضاء: محمد علي محمود وداود السعدي ومحمد حسن سلمان وعثمان حداد. وكانت المجموعة، التي أقسمت اليمين على الإخلاص للقضية التي تناضل من أجلها وللحزب الذي أسسته سراً حتى النهاية، تجتمع باستمرار لاتخاذ القرارات المناسبة، وهي التي قررت تنفيذ الانقلاب الذي وقع في الأول من مايس عام 1941. وشكل الحزب القومي السري جناحاً عسكرياً ضم في عضويته صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد ومحمود سلمان وغيرهم. (عبد الله الجيزاني، مصدر سابق، ص 42). وهي أول بادرة في حزب مدني عراقي يشكل جناحاً عسكرياً فيه. ولا شك في أن جماعة الأهالي قد ربطت بها بعض العسكريين من قادة الانقلاب، ولكنها لم تشكل منهم جناحاً عسكرياً تابعاً للحزب. كما إن الحزب الشيوعي العراقي كان يضم في صفوفه ضباطاً وجنوداً، ولكنه لم يشكل حينذاك تنظيماً عسكرياً خاصاً وتابعاً للحزب، رغم وجود دعوات لتشكيل مثل هذا التنظيم ومنه الرفيق زكي خيري، عضو اللجنة المركزية حينذاك. وجدير بالإشارة إلى أن المجموعة المدنية من هذه التشكيلة القيادية والأعضاء، وهم رشيد عالي الگيلاني، ناجي شوكت، علي محمود الشيخ علي، يونس السبعاوي، محمد علي محمود، داود السعدي، والدكتور محمد حسن سلمان، قد قدمت طلباً رسمياً في أعقاب القرار السري الذي اتخذ بتشكيل الحزب ولجنته السرية، أي بتاريخ 27 آذار/مارت من عام 1941، إلى وزارة الداخلية لتكوين حزب سياسي باسم "حزب الشعب" قبل استقالة وزارة العميد طه الهاشمي دون أن يجاب الطلب. (راجع: عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات، الجزء الخامس، ص 194). ويلاحظ بأن الأسماء التي غابت عن طلب التأسيس الرسمي هي الجماعة العسكرية والمفتي الحاج محمد أمين الحسيني، أي احتفظوا بالكادر العسكري سرياً.
3) وعلى غرار كتائب الشباب الهتلرية عمد قادة حزب الشعب السري أو اللجنة السرية، وفي خضم تنامي السيطرة على السلطة، إلى تأسيس "كتائب الشباب" لتأخذ على عاتقها تعبئة الشباب وراء الحركة ودعم حكومة الگيلاني ومساعدتها في قبول متطوعين لمواجهة التعبئة العسكرية البريطانية وعملياتها العسكرية بالعراق، وضمان تقديم المساعدة لأسر الشهداء والجرحى. "وكان نواة كتائب الشباب، كما يشير إلى ذلك السيد عبد الجبار حسن الجبوري وفق الوثائق المتوفرة، طلاب كليتي الحقوق والطب ودار المعلمين" وكان يشرف على هذه الكتائب "محمد درويش المقدادي (الرئيس) وإبراهيم شوكت وواصف كمال وسليم محمود الأعظمي وعبد الرحمن البزاز وعباس كاشف الغطاء وحسن الدجيلي وعبد الكريم كنونة وعبد المجيد القصاب". (عبد الجبار حسن الجبوري، الأحزاب والجمعيات السياسية في القطر العراقي 1908-1958. مصدر سابق. ص 106). وقامت الحكومة بإرسال ضابط عسكري للقيام بتدريب أفراد الكتائب، وهو الرئيس الأول سامي عبد القادر.   
4) انتهاج سياسة مناهضة بالكامل لبريطانيا وحرمانها قدر الإمكان من تعاون العراق معها في الحرب ضد ألمانيا ودول المحور الأخرى، (الصباغ، صلاح الدين، فرسان العروبة، ص 130/131)، رغم أنها كانت تشير في أدبياتها العامة إلى ضرورة المحافظة على العلاقات التقليدية الطيبة مع بريطانيا. وفي الوقت ذاته إقامة الروابط المستمرة مع ألمانيا وإيطاليا واليابان لصالح استقلال الدول العربية ووحدتها. وكان الحاج أمين الحسيني قد أقام قبل ذاك علاقات سياسية مع ألمانيا وساهم في إرسال صحفيين عرب يشاركون في العمل في إذاعة برلين الهتلرية الموجهة ضد الحلفاء ومن أجل تحريض العرب لدعم ألمانيا، إضافة إلى تحريض العرب ضد النظم السياسية القائمة فيها، وخاصة ضد تلك الدول المتحالفة مع بريطانيا وضد قطع علاقاتها الدبلوماسية مع ألمانيا وإيطاليا بناء على طلب بريطانيا. (راجع: نجم الدين السهروردي، التاريخ لم يبدأ غداً، حقائق وأسرار عن ثورتي رشيد عالي الگيلاني 41 و58 بالعراق، ط 2، شركة المعرفة، بغداد_ 1989، ص 220).
5) ربط المصلحة العراقية بالمصلحة الفلسطينية والانطلاق منها في تحديد سياسة العراق إزاء بريطانيا.
6) العمل على تسلم السلطة بالعراق وإزاحة المتعاونين مع بريطانيا كلية. 
ويشير ناجي شوكت إلى ما يلي: "وقد أقسم أعضاء اللجنة السرية السبعة على أن يعملوا كل ما في وسعهم من قوة وإيمان خالص لإنقاذ العراق وسائر البلدان العربية من الاستعمار وأذناب الاستعمار، وتحقيق الاستقلال لها على أن تراعي ما يلي:
1.   المحافظة على الوضع الراهن، وعدم التعرض للمعاهدة العراقية - البريطانية في الوقت الحاضر، حتى ينجلي الموقف نتيجة تطور الأحداث العالمية، والسير في الأمور بروية وتبصر.
2.   إذا كان لا بد من قطع علاقات العراق السياسية بإيطاليا، فيجب أن يستند القرار في ذلك إلى موافقة مجلس النواب بحرية كاملة.
3.   يجب السعي لإبعاد أذناب الاستعمار وعملاء الإنكليز، أمثال نوري السعيد، وجميل المدفعي، وعلى جودت، وأمثالهم إلى خارج العراق بتعيينهم كسفراء في لندن، وواشنطن، والقاهرة، وغيرها، وذلك للتخلص من شرورهم في هذه الحرب الطاحنة.
4.   تعديل الدستور العراقي في أول فرصة ممكنة لتحديد صلاحيات الوصي واستصواب أحلال مجلس وصاية بدلاً منه". (ناجي شوكت، سيرة وذكريات، الجزء الثاني، مصدر سابق. ص 434/435).
وقد أضاف صلاح الدين الصباغ أهدافاً أخرى لمهمات اللجنة السرية للحزب السري، كما وردت في كتابه المعروف "فرسان العروبة"، والتي اعتبرها ناجي شوكت قضايا غير جوهرية. ويؤكد صلاح الدين الصباغ إلى أن القرار الذي تضمن النص التالي: "لما كان الإنكليز قد أقدموا بتشجيع أذنابهم على فرض مطالب مجحفة تتوخى زج العراق في الحرب، وإرغام باقي الأقطار العربية على السكوت وعدم المطالبة بحقوقها، فأن عزم طه (والمقصود طه الهاشمي، ك. حبيب) على قطع العلاقات السياسية مع إيطاليا بصورة فجائية وبدون استشارة المجلس النيابي أو الجيش لن يرضي الإنكليز، ولن يقعدهم عن تحقيق غاياتهم كاملة. لذلك، فأن الإنكليز سيعملون على إقصاء قادة الجيش المخلصين، ليسيطروا عليه ومن ثم ينقاد العراق لهم كما يشاءون". (صلاح الدين الصباغ، فرسان العروبة، مذكرات الشهيد العقيد الركن صلاح الدين الصباغ. تقديم ومراجعة سمير السعيدي. ط1، تانيت للنشر، الرباط، المغرب، 1994، ص 267).
وبصدد الملك غازي فان المعلومات المتوفرة لا تشير إلى إنه كان عنصري النزعة أو نازي الفكر أو مناهض لليهود العراقيين. ولكن ربما كرهه الشديد للإنجليز هو الذي كان قد دفعه للتنسيق مع أعداء بريطانيا والنخبة الحاكمة العراقية المتعاونة والمساندة للوجود البريطاني بالعراق. وعلينا هنا أن نشير إلى التعاون بين يونس بحري، وهو ضابط بدرجة رائد في الـ "أس أس   „SSباسم يوحنا بحري، وبين الملك غازي قد استند إلى موقف الملك غازي من مسألتين أساسيتين هما:
أ‌.   كراهية الملك غازي للبريطانيين باعتبارهم مستعمرين للعراق ومسيطرين ومتحكمين بسياسة البلاد من جهة، وإنهم لم يلتزموا بما وعدوا به العرب وجده الحسين بن علي شريف مكة بتحقيق الوحدة وإقامة الدولة العربية الواحدة من جهة أخرى، إضافة إلى استعمارهم للكويت ومطالبته الصريحة بكون الكويت جزءاً من ولاية البصرة التي هي جزء من العراق. وقد تبنت إذاعته في قصر الزهور هذه المواقف من جهة ثالثة، وربما كان يعتقد بأن البريطانيين قد أجهزوا على والده في سويسرا حين كان تحت المعالجة الطبية من جهة رابعة.
ب‌.   ويحتاج أمر آخر إلى مزيد من التحري والتدقيق في الوثائق الألمانية والبريطانية حول مدى العلاقة التي كانت احتمالاً تربط بين الملك غازي بالألمان عبر يونس بحري وصحيفته "العقاب" التي نسق إصدارها مع غوبلز منذ العام 1931 وعاد لهذا الغرض إلى العراق وبمهمة محددة. وهل كانت هناك علاقة تنسيقية بين يونس بحري والوزير المفوض الألماني فرتز غروبا مع الملك غازي بشأن الموقف من بريطانيا. علماً بأن فرتز غروبه قد لعب دوراً كبيراً في تعزيز العلاقات بين نادي المثنى ومن ثم حزب الشعب بالنظام النازي بألمانيا وإرسال الكثير من فرق الكشافة إلى المانيا ودعوة المحاضرين لإلقاء محاضرات في نادي المثنى.
كما لا بد من الإشارة إلى أن يونس بحري كان قد عين مسؤولاً عن الجواسيس الألمان من العرب الذي يرسلون إلى الدول العربية للتجسس على القوات البريطانية وعلى أوضاع البلاد العربية وقواها السياسية. لقد كان ليونس بحري ثلاثة مسؤولين عملياً من قيادة النظام النازي الأول هو غوبلز المسؤول عن الدعاية النازية، والثاني هو المسؤول عن جهاز الأمن الألماني الـ "أس أس" هاينريش هملر، والثالث هو المسؤول عن "الغستابو" هيرمان غورينغ.
وباختصار شديد فأن الحركة القومية العربية كانت حينذاك ذات طابع يميني متشدد ومتأثرة بالفكر النازي القومي الذي روج له بعض السياسيين القوميين من خلال وجودهم المشتركة في نادي المثنى بن حارث الشيباني، الذي تأسس عام 1935 ببغداد، ومنهم ساطع الحصري وسامي شوكت وأبرز الشخصيات التي كانت تعمل في نادي المثنى. وإذا كان سامي شوكت قد أهتم بشكل خاص في الجانب العملي، فأن ساطع الحصري قد أبدى اهتماماً أكبر بالتثقيف الفكري، إذ ألقى سلسلة من المحاضرات حول القضايا القومية والوطنية والموقف من الكوسموبوليتية، ومن ثم من الأممية ومعاداته للأممية والشيوعية والفكر الاشتراكي. وقد استقى، كسلفه سامي شوكت، الكثير من أفكاره من ترسانة الفكر القومي الألماني ومن فكر الفيلسوف الألماني "يوهان غوتليب فيخته (1762–1814)" على نحو خاص، واعتمد على الأول في تبيان أهمية القومية والتعصب القومي. ففي محاضرة له برّز وقيَّم عالمياً أفكار فيخته بهذا الصدد حيث كتب يقول: "إن خُطب فيخته تنم عن روح وطنية متأججة، وتدعو إلى نزعة قومية متعصبة. ولا سيما الخطبة الختامية، فأنها تعتبر آية من آيات التحميس والاستنهاض: يوجه فيخته في خطبته هذه بعض الكلمات إلى الشباب، ثم إلى الكهول. ثم إلى رجال الدولة والمفكرين والأدباء، وأخيراً إلى الأمراء، مصدراً كل واحدة من هذه الكلمات بقوله: "إن خطبي تستحلفكم وتبتهل إليكم …". وبعد ذلك يضطرم حماسه فيقول لهم جميعاً: "إن أجدادنا أيضاً يستحلفونكم معي ويضمون صوتهم إلى صوتي"، ويأخذ في تصوير صوت الأجداد بأسلوب حماسي جذاب. ثم يعقب ذلك بقوله: "أن أخلافكم أيضاً يتضرعون إليكم …". (الحصري، أبو خلدون ساطع. الأعمال القومية لساطع الحصري. القسم الأول. في ثلاثة أقسام. مركز دراسات الوحدة العربية. سلسلة التراث القومي. الطبعة الثانية: بيروت. 1990. ص 49). ثم ينهي ساطع الحصري خطبة فيخته بالمقتطف التالي: "… ولو تجاسرت، لأضفت إلى كل ما تقدم، قائلاً: "إن القدرة الفاطرة أيضاً تستحلفكم وتستنهضكم. لأنه لم يبق على وجه الأرض أمة حافظت على بذور قابلية التكامل البشري بقدر ما حافظت عليها أمتكم المجيدة فإذا سقطت الأمة الألمانية، سقط معها الجنس البشري، ولا يبقى له أدنى أمل في السلامة". (المصدر السابق نفسه). وكان هذا هو الفكر الذي يروج له ساطع الحصري ليقترب من نفس الفكر الذي تحدث به ألفريد روزنبيرغ، مفكر وفيلسوف النازية وموجه الدولة الهتلرية فكريا، الذي تجلى في كتابه الشهير الموسوم "الدم والشرف - نضال من أجل إعادة بعث ألمانيا-" الصادر في ألمانيا/ ميونيخ في عام 1934، وهي عبارة عن خطب ألقاها في الفترة الواقعة بين 1919-1933. 
، (Rosenberg Alfred. Blut und Ehre. Ein Kampf fuer deutsche Wiedergburt. Reden und Aufsaeze von 1919-1933. Zentralverlag NSDAP).،Frz. Eber Nachf.،Muenchen. 1934.
كما أنها تصب في بعض الاتجاهات الفكرية التي دعا لها نيتشه وهيردر وتشمبرلن في ألمانيا. وهي الأفكار التي تبنتها المجموعة القومية النازية بالعراق، ومجموعة غير قليلة من تلك القوى التي شاركت في حركة شباط-مايس 1941 أيضاً، إذ لم يكن كل من شارك في هذه الحركة من أتباع أو مؤيدي الفكر النازي الألماني أو الفاشي الإيطالي على الصعيدين العراقي والعربي. ومن كتاب ألفريد روزنبيرغ المشار إليه وكتاباته الأخرى استقى ميشيل عفلق، وبقية القيادة البعثية حينذاك، فكرة واسم حزب البعث العربي الاشتراكي وشعاراته الأساسية مثل "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" و"شعب واحد، وطن واحد، وجيش واحد"، وكذلك الدعوة إلى "الاشتراكية الوطنية" النازية، التي سميت في العالم العربي بالاشتراكية العربية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن يونس السبعاوي، الذي كان على اتصال وثيق بنادي المثنى, كان من بين المعجبين بتجربة هتلر ونشاطه ومواقفه من رجال المعارضة والمخالفين له في ألمانيا, كما قام بترجمة كتاب هتلر المعروف "كفاحي" إلى العربية عن الإنكليزية لأول مرة في البلاد العربية. ثم بدأ بنشره على شكل مقالات متسلسلة في جريدة العالم العربي ابتداءً من تشرين الأول/نوفمبر 1933. (راجع: العمري, خيري، يونس السبعاوي سيرة سياسي عصامي، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، الجمهورية العراقية، سلسلة الأعلام المشهورين 12، دار الرشيد للنشر، بغداد. 1980. ص 41).  وكتب في مقدمة هذه المقالات ما يلي: "… الهتلرية حركة تشغل العالم اليوم , أظهرها في ألمانيا الضيق ونشاط الشبان , فكانت حركة قوية اندفعت بين صعاب عظيمة فشقت طريقها واستطاعت أن تأخذ بزمام الأمور في البلاد. وجدير بالعالم ولاسيما في بلادنا أن يعرف كنه هذه الحركة ومراميها , ونحن لا نجد محدثاً صادقاً عنها مثل موجدها وحامل لوائها أدولف هتلر زعيم ألمانيا اليوم , ونحن نعرب لقراء الكتاب الذي وضعه عن مبادئه وكفاحه...". (المصدر السابق نفسه). ولنتذكر أيضاً بأن يونس السبعاوي أطلق على نفسه اسم (فرهود) السري كاسم حزبي له في حزب الشعب، وهو الفرهود الذي حصل في العام 1942 ضد المواطنين والمواطنات العراقيين من اليهود.   
ويفترض الإشارة في هذا الموقع إلى أن أغلب القوى السياسية الديمقراطية العراقية لم تشجب في حينها الانقلاب العسكري الجديد بسبب كراهيتها للاستعمار البريطاني وسياسات الحكومة البريطانية بالعراق، بل أيدته، إذ لم تتوفر في حينها المعلومات الكافية عن العلاقات التي نشأت حينذاك بين الجماعة القومية العربية بالعراق والنظام النازي بألمانيا، علماً بأن الحزب الشيوعي العراقي قد اتخذ موقفاً أخر وقدم مذكرة إلى حكومة رشيد عالي الكيلاني بسبب السياسات القومية المتشددة التي اتخذت في حينها، ولاسيما ضد اليهود. لقد كان نوري السعيد حينذاك رئيساً للوزراء وكان حليفاً مخلصاً لبريطانيا يستند في ذلك لا إلى عمالة مباشرة لها بقدر ما كان يلتقي معها في الفكر والسياسةً والمصالح، رغم أن المستفيد الأول من كل ذلك كانت بريطانيا والمتضرر الرئيسي في مثل هذا التحالف والطريقة التي كانت تتم بها هو الشعب العراقي. واتخذ نوري السعيد موقفاً محدداً من الحرب مناهضاً لدول المحور، أي ضد ألمانيا ومن ثم إيطاليا واليابان من جهة، ومسانداً لبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى. وفي هذا كان على خلاف شديد مع بعض أعضاء وزارته الذين انقسموا إلى مجموعتين إحداهما تؤيده والأخرى تناهضه وتريد أن يكون الموقف العراقي حيادياً في الحرب وتنفذ المعاهدة على وفق ما كانت تراه في الصالح العراقي. ومع أن موقف نوري السعيد كان صائباً بشكل عام، وبعيداً عن تفاصيله، من الحرب ومن تأييد بريطانيا وفرنسا، وفيما بعد الاتحاد السوفييتي، في الحرب ضد ألمانيا الهتلرية وبقية دول المحور، فأن هذا الموقف كان مرفوضاً من جانب الشارع العراقي وكل القوى القومية والغالبية العظمى من القوى الوطنية العراقية بسبب مواقف بريطانيا من القضايا العراقية والعربية. لقد كان الموقف الرافض لمساندة بريطانيا ينطوي على موقفين، رغم كونهما كانا يدعوان إلى الحياد في الحرب، أي موقف القوى القومية التي كانت تدعو إلى الحياد، ولكنها كانت تريد الوقوف عملياً إلى جانب دول المحور، وموقف الحزب الشيوعي العراقي وبعض القوى التقدمية التي كانت تدعو إلى الحياد أيضاً وكانت تعنيه فعلاً، إذ أن الحزب الشيوعي العراقي اعتبر الحرب، قبل دخول الاتحاد السوفييتي الحرب ضد ألمانيا الهتلرية، بمثابة حرب استعمارية تستهدف إعادة تقسيم مناطق النفوذ لا غير. إلا أن هذا الموقف قد تغير بعد دخول الاتحاد السوفييتي إلى جانب الحلفاء في الحرب ضد الهتلرية بعد أن غزت جحافل النازيين اراضي الاتحاد السوفييتي، رغم الاتفاقية التي وقعتها حكومة ستالين مع حكومة هتلر في عام 1939 في ميونيخ. لقد غير الحزب الشيوعي العراقي موقفه في ضوء التبديل الذي أجرته الأممية الشيوعية (الأممية الثالثة) على موقفها إزاء الحرب والدولة النازية بعد دخول الاتحاد السوفييتي طرفاً في الحرب.

محنة اليهود العراقيين سنة 1941 (الفرهود)
قلة نادرة من الكتاب العراقيين الديمقراطيين الذين نشروا سيرهم الذاتية كتبوا شيئاً عن فاجعة اليهود التي وقعت في يومي الأول والثاني من حزيران/يونيو ،1941 أو بحثوا في قانون إسقاط الجنسية عن يهود العراق الذي صدر عن وزارة توفيق السويدي في العام 1950. ومن هؤلاء القلة يأتي أسم الأستاذ هاشم الشبلي، حيث شخص طبيعة المسألتين، الفاجعة والقانون، والموقف منهما وأدانهما بشدة. فقد كتب بشكل مكثف عن فاجعة الفرهود ببغداد يقول: "هاجمت مجموعات من الأوغاد والرعاع بيوت ومحلات اليهود فنهبتها وقتلت ساكنيها واغتصبت نساءها وفتياتها ولم يتركوا لهم شيئا، وجرى كل ذلك في اليوم الثاني لتكليف السيد المدفعي بتشكيل حكومته في 2/6/1941 واستمر القتل والنهب والاغتصاب يومين ولم تقف الأعمال الإجرامية إلا بعد تدخل الجيش للقضاء على هذه العصابات الإجرامية." (الكتاب الثاني، ص 39). والصحيح إن الجرائم التي ارتكبت في الفرهود قد بدأت في اليوم الأول من حزيران واستمرت في اليوم الثاني من حزيران أيضاً، حيث تدخل الجيش لإيقاف تلك الجرائم البشعة، بعد أن تم تشكيل الحكومة الخامسة للسياسي العراقي جميل المدفعي، الذي كان من بين المناهضين للانقلاب وضد "حكومة الدفاع الوطني" التي ترأسها رشيد عالي الگيلاني، كما إنه هرب إلى البصرة والتحق بالوصي على العرش عبد الإله بن علي الذي كان ذد هرب هو الآخر إلى البصرة واحتمى بشيوخها. والمعلومات المتوفرة تشير إلى أن الجماعات التي شاركت في هذا الفرهود لم تكن من الرعاع والأوغاد فحسب، بل كان بينهم جمهرة من الجنود المقهورين في الحرب ضد القوات البريطانية وكذلك مجموعة من "كتائب الشباب" التي شكلها يونس السبعاوي، وكذلك من منظمة "فدائيي السبعاوي"، إضافة إلى أولئك العنصريين الحاقدين على اليهود ممن ترسخت في أذهانهم الدعاية النازية التي انتشرت بشكل واسع جداً في النصف الثاني من العقد الرابع من القرن العشرين. ورغم التباين في تقدير عدد القتلى من اليهود في فاجعة الفرهود، فقد ثبت بأن عددهم بلغ 144 شهيداً عدا الجرحى وحالات الاغتصاب ونهب الأموال والأثاث والسلع من البيوت والمحلات. (كاظم حبيب، يهود العراق والمواطنة المنتزعة، دار المتوسط، إيطاليا، 1915). وتؤكد بعض المصادر و المعلومات المتوفرة أن السفير البريطاني كنهان كورنواليس حينذاك، ورغم علمه بما كان يحصل من فرهود في شوارع وأزقة بغداد ضد العائلات اليهودية المسالمة، لم يتخذ أي إجراء لوقف هذه المجزرة البشعة ورفض دخول الجيش البريطاني، الذي كان عند أبواب بغداد، من الدخول إليها وزجه في الدفاع عن العائلات اليهودية وانقاذها من براثن الأوغاد والعنصريين والنهابة. كتب الباحث الدكتور سلمان درويش في كتابه الموسوم "كل شيء هادئ في العيادة" يقول: "بدأت مذبحة الفرهود في يوم 1 حزيران في باب الشيخ من قبل الأكراد الشيعة الفيلية بعد أن دس المفوض الألماني فريتز غروبه سمومه النازية وحرض ضد اليهود وبث دعايته العنصرية بين أفراد الشعب والجيش العراقي خلال عدة أشهر مما هيأ الأجواء للإيقاع بهم. ثم جاء اندحار الجيش العراقي، الذي ضمّ بعض الأطباء والضباط اليهود، أمام القوات البريطانية ورفض "مختار محلة الكريمات" السفير البريطاني السر كنهام كورنواليس السماح للجيش البريطاني المحتل بدخول بغداد وإن كانت تقع على عاتقه مسؤولية الحفاظ على الأمن فيها. (راجع: سلمان درويش، كل شيء هادئ في العيادة، منشورات رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق، رقم 2، مكتبة الدكتور داود سلمان- سالا لمؤلفات يهود العراق، 1981، ص 60-62). 
أما بصدد قانون إسقاط الجنسية فقد أكد الكاتب وبتشخيص وتقدير سليم ما يلي: "وقبل أن ينسى اليهود أثار هذه الجرائم، (ويقصد بها فاجعة الفرهود في مدينتي بغداد والبصرة، ك. حبيب)، قامت الحكومة العراقية بإصدار قانون إسقاط الجنسية عن اليهود في سنة 1950 الذي تم بموجبه إسقاط الجنسية العراقية عن اليهود ومصادرة أملاكهم وممتلكاتهم وأموالهم وتسفيرهم إلى الخارج حيث سفّر أغلبهم إلى إسرائيل وبعضهم الآخر إلى دول أخرى." (الكتاب الثاني، ص 39). وكان للكاتب تقديره الصائب حين أكد بأن هذا الإجراء غير الإنساني بحق يهود العراق قد "قدم خدمة لإسرائيل لا مثيل لها وذلك لأنه كان من بينهم علماء وأدباء وصحفيون وأساتذة ومصرفيين خسرهم العراق واستفادت منهم إسرائيل". (المصدر السابق نفسه). لقد ارتُكبت جريمة ضد الدستور العراقي وضد الإنسانية وتم تنفيذها بمؤامرة ثلاثية اشتركت فيها حكومات ثلاث دول هي بريطانيا وإسرائيل والعراق وبدعم كثيف من جانب الولايات المتحدة الأمريكية. وكان الأستاذ الشبلي على حق كبير حين أكد بصواب ما يلي:
اليهود في العراق ليسوا لاجئين أو مستوطنين وإنما هم من سكنة العراق منذ آلاف السنين وكان لهم دور مشهود في بناء حضارة وادي الرافدين وفي الحضارة العربية الإسلامية وفي بناء العراق الحديث" (المصدر نفسه، ص 39).
كان بودي أن يتوسع في البحث في هذه القضية المهمة، ولاسيما في هذه الفترة من تاريخ العراق المعاصر، حيث يتهدد نفس المصير، ولو بأساليب أخرى أكثر همجية وعدوانية، إذ أن هناك مخططاً بشعاً يراد به إفراغ العراق من القوميات وأتباع الديانات الأخرى بالبلاد، كما هو حاصل منذ سنوات ما بعد سقوط الدكتاتورية البعثية وإقامة النظام السياسي الطائفي بالعراق، ضد المسيحيين والصابئة المندائيين والإيزيديين على سبيل المثال لا الحصر، والذين هم ليسوا لاجئين ولا مستوطنين بل هم من أصل أهل البلاد ومنذ آلاف السنين أيضاً. فقد هُجّر من العراق قسراً عبر أسقاط الجنسية عن اليهود، على وفق التقارير الرسمية 118,000 يهودي ويهودية من العراق، وفي الواقع بلغ العدد أكثر من 130,000 نسمة من أتباع الديانة اليهودية. أما في السنوات الأخيرة ومنذ العام 2003 حتى الوقت الحاضر ارتفع عدد المهجرين قسراً من مسيحيي العراق ومن مناطق وجود المسحيين بالبصرة وبغداد والموصل وسهل نينوى وإقليم كردستان العراق ما يتراوح بين 800,000 -1,000,000 نسمة، كما هُجّر من الصابئة المندائيين ما يزيد عن 50,000 نسمة ولم يبق منهم بالعراق غير عدد يتراوح بين 10,000-15,000 نسمة. كم إن أعداداً غفيرة جداً من الإيزيديين والإيزيديات قد نزحوا إلى الإقليم أو غادروا البلاد وعانوا من إبادة جماعية مرعبة. لقد كانت وما تزال مخاطر جمة تهدد المزيد من العائلات العراقية، لا بسبب عصابات داعش وجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها ضد هذه المجموعات السكانية العراقية بعد اجتياح الموصل وسهل نينوى فحسب، بل وتلك الجرائم التي ارتكبتها المليشيات الطائفية المسلحة في الوسط والجنوب وبغداد، وكذلك قوى القاعدة الإرهابية وتنظيمات إرهابية أخرى معادية لأتباع الديانات والمذاهب بالعراق، وما يمكن أن يحصل في الفترة القادمة.   

انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية.

17
كاظم حبيب
نظرات في كتاب "مذكرات نصير الچادرچي"

اسم الكتاب: مذكرات نصير الچادرچي
المؤلف: نصير الچادرچي
الناشر: دار المدى - بغداد
تاريخ النشر: طبعة أولى 2017
عدد الصفحات: 495 صفحة وبضمنها ملاحق وصور

يتضمن كتاب المذكرات مقدمة وكلمة شكر وخمسة فصول تمتد أحداثها إلى أكثر من ثمانية عقود، إذ تبدأ مع ثلاثينيات القرن العشرين لتنتهي في النصف الثاني من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وهي فترة طويلة كانت مليئة بالأحداث الجسام، حيث بدأت بمحاولات أولية لبناء المجتمع المدني بالعراق الملكي الدستوري مع تجاوزات على الدستور الديمقراطي لعام 1925، ثم واجه العراق الانقلابات ودكتاتوريات عسكرية متلاحقة، لتنتهي بعراق الحضارات القديمة، إلى بلد مخربٍ ورثٍ، وشعبٍ تائه وممزقٍ، ودولة هشة بسلطاتها الثلاث، ونظام سياسي طائفي مقيت ومحاصصة طائفية وأثنية بغيضة، واجتياح للموصل ونينوى وغيرها من المحافظات، وحيث تسود بالبلاد المليشيات الطائفية المسلحة، وتغيب عن المجتمع حقوق الإنسان وحقوق أتباع الديانات والمذاهب والقوميات، كما تهيمن الهويات الفرعية القاتلة لتطرد الهوية الوطنية، أو هوية المواطنة الحرة والمشتركة والمتساوية، إضافة إلى سيادة الفساد كنظام قائم ومعمول به ومقبول وممارس من قبل الدولة والسلطات الثلاث والمجتمع، وكذلك استمرار الإرهاب والموت كظاهرة يومية اعتيادية!!
يبدأ الكاتب نصير الچادرچي بمذكراته ليشير إلى ولادته في بيت اختار وتبنى ربُ الأسرة لنسفه نهجاً ديمقراطياً في الحياة السياسية والاجتماعية وفي بناء عائلته، ولد ونشأ في بيت ينعم بالثقافة والروح الوطنية والاستقلالية التي ينعم أفرادها في إبداء الرأي وفي التعبير عن الذات والممارسة اليومية. مثل هذه النشأة، وفي أجواء ثقافية ومكتبة عامرة ونشاط سياسي دؤوب وعلاقات إنسانية واسعة، لا يمكن أن ينشأ نصير إلا وهو يحمل عدة سمات مهمة تميزت بها شخصيته، والتي يمكن أن يتلمسها القارئ والقارئة، دع عنك من يعرفه شخصياً وتابع نشاطه خلال العقود المنصرمة من خلال قراءة الكتاب: منها مثلاً تنوع مصادر ثقافته وسعة اطلاعه وطموحه للمعرفة، حرية حركته واختياراته الفكرية والسياسية واستقلاليته الفكرية، وتمسكه بالديمقراطية وممارسته لها في حياته اليومية والعائلية. وبسبب تلك النشأة والوضع الاجتماعي والسياسي الذي ساد العراق حينذاك، تميز أيضاً بالتمرد الثوري والجرأة بعيداً عن الجنوح أو النزوع للقوة والعنف، مع تنامي الرغبة الجامحة في تغيير الأوضاع والمشاركة في تحقيق التغيير. ويمكن إيراد ثلاثة أمثلة على ذلك، وهي مهمة: موقفه ورأيه المستقل الرافض لتنفيذ قرار منظمة الحزب الشيوعي العراقي بمصر في انتماء الشيوعيين العراقيين إلى الحزب الشيوعي المصري لما في ذلك من مخاطر غير مبررة على وجودهم بمصر. أي أنه رفض القاعدة التي تقول "نفذ ثم ناقش!" أو "الطاعة" التي كانت سائدة حينذاك في الحزب الشيوعي العراقي رغم وجود عدم قناعة لدى الشيوعي. ثم موقفه من ميراث زوجته في منحها لأبنتهما مي، إذ التزم بوصية الزوجة الفاضلة بعد وفاتها وخسارته الكبيرة بها، وطرح الأمر على ابنته. فاتخذت الموقف المنصف إزاء أخويها، ولكن الأخوين التزما بموقفٍ أمين وصادق لوصية أمهما الفاضلة وحبهما لأختهم. إنها قضية تبدو صغيرة، ولكنها تعبر عن الروح الديمقراطية في التعامل العائلي وعن التربية السليمة التي حظي بها الأبناء والبنت. والمسألة الثالثة تبرز في إعادة تشكيل الحزب الوطني الديمقراطي والموقف الإيجابي المسؤول من العضو القيادي القديم في الحزب هديب الحاج حمود، والذي انتهى مع الأسف بلجوء الأخير إلى شق وحدة الحزب. كما يمكن أن نتابع مواقفه المماثلة في الفترات اللاحقة.
ولد نصير الچادرچي وترعرع في فترة زمنية تميزت بتنامي ملموس لاتجاهين متعارضين في الواقع العراقي حينذاك: الأول برز في تنامي الحركة الديمقراطية العراقية المناهضة للهيمنة الاستعمارية وضد العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعة، والرغبة في التجديد وتحديث الاقتصاد، وبزوغ جديد للبرجوازية الوطنية وتنامي البرجوازية الصغيرة، ولاسيما دور المثقفين الديمقراطيين في السياسة والثقافة بمختلف الفنون المعاصرة، ودور الطلبة، وبدء نشاط المرأة في الحياة السياسية وبشكل خاص في أعقاب الحرب العالمية الثانية وانهيار دول المحور لصالح الديمقراطية على الصعيد العالمي. أما الاتجاه الثاني فبرز في تفاقم دور الفئات الحاكمة في تشويهها للدستور العراقي الديمقراطي لعام 1925 في الممارسة الفعلية وفي التشريع والانتخابات ومحاربة حرية الرأي والأحزاب والتجمع والتظاهر، والرغبة المحمومة لدى الحكام في الدخول في الأحلاف العسكرية ومناهضة الحركة الديمقراطية المتمثلة في أحزاب علنية مثل الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال القومي النزعات وأحزاب أخرى تشكلت في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته، إضافة إلى أحزاب سرية مثل الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردي (فيما بعد الكردستاني) وغيرها من الكتل اليسارية، ومنها حزب الشعب (النضال) للمناضل وعضو مجلس السلام العالمي عزيز شريف. وهنا يفترض الإشادة برأي نصير الچادرچي الذي أشار بوضوح لا يقبل اللبس إلى إن سياسات الفئات الحاكمة المؤيدة من بريطانيا والبلاط الملكي ومن كبار الإقطاعيين وملاكي الأراضي، كان السبب وراء تفاقم الصراع وإسقاط النظام الملكي في رده الصريح وغير المباشر على من كان يتحدث عن تطرف القوى الديمقراطية العراقية في مواقفها من النظام الملكي ومن القوى والفئات الحاكمة مثل نوري السعيد وسعيد قزاز وصالح جبر وبهجت العطية على سبيل المثال لا الحصر.
لم ترفع القوى الديمقراطية شعار إسقاط الملكية بل كانت تتحدث دوماً وتنتقد سياسات الحكم، سواء أكان هذا في وثبة كانون، أم في انتفاضة تشرين، أم في انتفاضة عام 1956، لتأييد مصر في تأميم قناة السويس وضد العدوان الثلاثي عليها، ورفض موقف الحكومة العراقية في مناهضة مصر وسياستها، وضد إرهاب السلطة وقمعها.
لقد أُجبرت القوى الديمقراطية على التحالف فيما بينها، رغم وجود اختلافات مبدئية بينها، في اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني أولاً، ومع تنظيم الضباط الأحرار لإسقاط النظام الملكي ثانياً. وكان توضيح هذا الأمر بالغ الأهمية. ويورد نصير الچادرچي أمثلة كثيرة لسياسات التجاوز الفظ على الحياة الديمقراطية وحقوق المعارضة الوطنية التي كفلها الدستور، منها على سبيل المثال لا الحصر إلغاء نتائج انتخابات عام 1954 حين تقرر أن يكون نوري السعيد رئيساً للوزراء بأمر السفير البريطاني، وحين عمد الأخير إلى حل المجلس النيابي وحل الأحزاب السياسية وصدرت مراسيم إسقاط الجنسية في العام 1955 عن شخصيات وطنية وديمقراطية، وحين حرم منظمات المجتمع المدني كالشبيبة والطلبة ورابطة المرأة وحركة أنصار السلام. وعن هذه المرحلة يتحدث نصير الچادرچي برؤية ثاقبة وموضوعية عن دور والده، الشخصية الديمقراطية المتميزة، في عدد من المسائل المهمة في صفوف المعارضة العراقية وعلاقاته المتشعبة الواسعة بالشخصيات السياسية والثقافية وصلابة مواقفه ورفضه المساومة منذ أن استوزر أول مرة بعد انقلاب بكر صدقي العسكري وحكمت سليمان في العام 1936 ممثلاً عن جماعة الأهالي وجمعية الإصلاح الشعبي، واستمرار هذه المواقف في العهد الملكي في مواجهة عبد الإله بن علي، الوصي على عرش العراق حينذاك، كما يشير إلى سجن والده وسجنه أيضاً. ومن متابعة مذكراته يشير بأمانة وصدق بأن تعامل السلطات معه باحترام وكذلك من جانب الشخصيات السياسية العراقية البارزة، كانت نتيجة لكونه ابن كامل الچادرچي، ولكنها كانت لدوره ومواقفه السياسية أيضاً، وفي هذا التقدير موضوعية عالية وتواضع أمام شخصية متميزة كوالده، إضافة إلى إنه قد تعلم من الوالد جملة مسائل أهمها، صلابة الموقف والجرأة في المواجهة، إضافة إلى الصراحة والوضوح في إعطاء الرأي واتخاذ الموقف الحازم. ويشير نصير الچادرچي بصدد ما حمله معه من نهج وسلوك وممارسات من بيت والديه إلى الآتي:
"إن حديث أي إنسان عن حياته طيلة فترة خمسة وثلاثين عاماً قضاها من عمره يحتاج إلى مئات الصفحات، ولكن بالنسبة لشخص تربى بأجواء وطنية تحت خيمة أحد رواد النهج الديمقراطي في العراق، جالسَ ورافقَ شخصيات وطنية وديمقراطية فمن المؤكد أن يكون متذمراً وناقماً على السلوك والنهج غير الديمقراطي الذي مارسه النظام طيلة الحقبة الزمنية التي حكم بها." (مذكرات نصير الچادرچي ص 306) 
ومن هنا يمكن القول بأن مذكراته الشخصية، رغم ورود ألـ "أنا" فيها كثيراً، إلا إنها كانت في الموضع الصحيح وموضوعية دون غمط حق الآخرين أو أدوارهم، كما لاحظنا تلك الذاتية الصارخة في الكثير من كُتّاب السيرة الشخصية لمناضلين وشخصيات سياسية وثقافية عراقية. ويعطينا نصير الچادرچي صورة دقيقة عن مفاوضات تشكيل جبهة الاتحاد الوطني ودور الأحزاب فيها والعلاقات التي نشأت عبره مع الضباط الأحرار ولاسيما مع رفعة الحاج سرّي. وربما فاتته هنا الإشارة إلى أن الحزبين القوميين (الاستقلال والبعث) رفضا مشاركة الحزب الديمقراطي الكردي في جبهة الاتحاد الوطني، مما تقرر تكليف الحزب الشيوعي العراقي في أن يكون صلة الوصل بين اللجنة العليا لجبهة الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي الكردي (الكردستاني لاحقاً).
وحين تأتي المذكرات على ثورة 14 تموز 1958 يطرح نصير الچادرچي رؤية والده والحزب الوطني الديمقراطي والاختلافات التي حصلت في هذا الحزب إزاء سياسات عبد الكريم قاسم ورؤيته لمسيرة قاسم. وفي الموقف من سياسات قاسم تتباين الآراء في الساحة السياسية العراقية حتى الوقت الحاضر. ولكن تشخيصات كامل الچادرچي كانت صائبة ودقيقة، ولكنها تميزت بالشدة، وربما لم تسمح لقاسم على التراجع، إن كان التراجع ممكناً لعسكري وطني ونزيه مثله، ولكنه من حيث المبدأ لا يختلف قاسم عن العسكر في موقفه من السلطة والقناعة بأنه الحامي الوحيد للثورة، وأن الشعب هو الذي منحه هذه السلطة وعليه ممارستها بالشكل الذي يراه هو مناسباً! ولا شك بصواب التقدير القائل بفردية قاسم ونزعته في الحكم، مع الإقرار بوطنيته ونزاهته، ولكن الدرب إلى جهنم يمكن أن يمر عبر النوايا الحسنة وعن هذا الطريق أيضاً. وذكر الكاتب تفاصيل اللقاء بين عبد الكريم قاسم وكامل الچادرچي بناء على طلب الأول والطريقة التي قابل بها الثاني قاسم والتي كان فيها الكثير من القسوة والصرامة، وأقول بعض الخشونة، رغم إنها من حيث المبدأ لم تكن بعيدة عن الواقع والضرورة. وينتهي نصير الچادرچي في وصف اللقاء بما يلي:
"كان لقاءً عاصفاً كثيراً ما تداولناه في مجالسنا الخاصة.. أما انطباعي الذي خرجت به فقد كان ذا دلالتين وتحسب للشخصيتين. لكامل الچادرچي.. جرأته وصراحته وحرصه على الوطن عند أعلى المناصب في الدولة. ولعبد الكريم قاسم.. أدبه الجم واحترامه للشخصيات الوطنية" (أنظر في ها الصدد من ص 235/236).
ولنصير الچادرچي التقدير صائب عن مسؤولية عبد الكريم قاسم في انتكاسة الثورة أولاً، وفي تصفيتها عبر انقلاب شباط الفاشي عام 1963 ثانياً. إلّا إن هذا التقدير يحتاج إلى استكمال، كما أرى، وبهذه الصورة: كان قاسم المسؤول الأول عما انتهى إليه وضع العراق في عام 1963، ولكن الأحزاب السياسية العراقية دون استثناء، وأن اختلف حجم دورها ومسؤوليتها، تتحمل المسؤولية ايضاً، بسبب جموحها في المشاركة أو الوصول إلى السلطة أو محاولات تنظيم انقلابات عسكرية ضده، وبسبب ضعف وعيها وقدرتها على رؤية وقراءة صحيحة لموازين القوى والعوامل المحلية والإقليمية والدولية الفاعلة في الوضع السياسي حينذاك، أو تصلبها المبدئي. لقد تورط قاسم بمعارك داخلية وخارجية عديدة في آن واحد من جهة، ولاحق القوى الديمقراطية، ولاسيما اعتقال الشيوعيين وزجهم بأحكام قاسية في السجون، التي هي الأخرى ارتكبت أخطاءً في حينها من جهة أخرى، ثم تورط في حرب بكردستان العراق من جهة ثالثة، وقرَّبَ القوى المتآمرة ضده ووضعها في مواقع المسؤولية العسكرية والمدنية من جهة رابعة، وبهذا وفَّر قاسم الأرضية الصالحة لنجاح التآمر المحلي والإقليمي والدولي على ثورة تموز التي كانت تعيش انتكاستها قبل ذاك. ولا شك في أن لموقف قاسم غير الإيجابي والمتأثر بالحاشية العسكرية القومية القريبة منه إزاء القيادة الكردية ومطالبها حينذاك، وموقف القيادة الكردية المتعجل التي سارعت إلى إعلان ثورة أيلول 1961 ضد حكومة الثورة ودخولها في تحالف مع القوى البعثية والقومية المتآمرة ضد الجمهورية، على قاعدة عدو عدوك صديقي، قد ساعد في تسهيل مهمة القوى البعثية التي جاءت بقطار أمريكي-بريطاني إلى السلطة. يقدم نصير الچادرچي لنا لوحة پانورامية عن ثورة تموز والسياسات الإيجابية والسلبية التي مارستها قادة الثورة وبموضوعية عالية وفهم عميق لأهداف الثورة التي نُكبت بالعسكر. حين أسترجع أحداث تلك الفترة، وأنا من جيل نصير الچادرچي ذاته، أود تسجيل الرأي التالي: لقد لعب قاسم دوراً مهماً في شق وحدة الحزب الوطني الديمقراطي من خلال كسبه محمد حديد والجناح الذي تشكل في حينها إلى جانبه، واستعداد الأخير للمساومة مع قاسم، ربما بهدف إصلاحه، ولكن الحصيلة الفعلية كانت في غير صالح مسيرة الثورة ولا في مصلحة قاسم، كما إن هذا الانشقاق في الحزب الوطني الديمقراطي قد لعب دوراً سلبياً في قدرة هذا الحزب، الذي تأسس في العام 1946، والذي يحمل التراث النضالي والفكري لجماعة الأهالي وجمعية الإصلاح الشعبي منذ العام 1933، على التأثير المناسب والضروري في أحداث ما بعد ثورة تموز وعلى سياسات قاسم، خاصة وأن مساومة جناح محمد حديد ومسايرته لسياسات قاسم، قد اضعفت القدرة على تغيير سياسات قاسم. لقد لعب الحزب الوطني الديمقراطي دوراً نضاليا وإصلاحياً مهماً وحيوياً منذ تأسيسه حتى قيام ثورة تموز 1958 وكان محفزاً للنضال وواجه عنت السلطات الملكية واستبداد حكامها ولاسيما نوري السعيد، وكثيراً ما أُجبر الحزب على تعطيل نشاطه أو غلق جريدته، الأهالي ومن ثم صوت الأهالي، التي كانت مطلوبة شعبياً. كما إن قاسم لعب دوراً غير سليم في محاولته شق وحدة الحزب الشيوعي العراقي بدفع داود الصائغ إلى تشكيل حزب كارتوني حينذاك من أجل رفض منح الحزب الشيوعي إجازة عمل أو التعاون معه بذريعة وجود حزب آخر هو الحزب الشيوعي العراقي! لقد برزت لدى قاسم سياسة "فرق تسد!"، وكان مخطئاً في ذلك!   
لقد حصلت بين 1963-1968 سلسلة من الانقلابات القومية-البعثية اليمينية المتطرفة وعاني الوطنيون والديمقراطيون الأمرين على أيدي هذه النظم السياسية الاستبدادية وقواها القومية المتطرفة. ويشير نصير الچادرچي إلى اعتقاله بعد انقلاب شباط 1963 واعتقال المئات بل الآلاف من الناس الديمقراطيين والشيوعيين وأنصار عبد الكريم قاسم، وجمهرة كبيرة من المثقفين الذين التقى بهم في المعتقل ومعاناتهم من أساليب التعذيب وإساءات الحكام الجدد والسجانة. وفي هذا القسم من الكتاب، ومع إشارته إلى ما تعرض له من ضرب وإساءة، إلا إنه ركز على ما أصاب الآخرين من جور وتعذيب واضطهاد، سواء أكان في معتقل النادي الأولمبي، أم في معتقل "أبو غريب" مع المثقفين ومعاناتهم في ليالي التحقيق المريعة مع المعتقلين. إن الكاتب يقدم صورة حية لمعاناة المثقفين في ظل الحكم الفاشي والعذابات التي تعرضوا لها ومعاناة عائلاتهم. ويذكر نموذجاً واحدا عن قذارة السجانين، وليس كلهم طبعاً ويمدح منهم رؤساء العرفاء، ولم ينج من قبضة الحرس القومي ورجال الأمن البعثيين حتى المجانين من الناس أو المرضى بالصرع. ويمكن الاطلاع على هذا السلوك الهمجي على ص 254 من الكتاب. 
وغَدَرَ البعثيون والقوميون بالكرد، كما كان متوقعاً، الذين تحالفوا معهم لإسقاط حكومة قاسم، فشنوا الحرب مجدداً في كردستان العراق ضد الشعب الكردي وقيادته. ولم تمض فترة طويلة حتى انقض الحلفاء القوميون على الحكام البعثيين ليمارسوا أساليب مماثلة في تعذيب حلفاؤهم البعثيين وخصومهم الجدد وأصدروا كتاباً بعنوان (الكتاب الأسود) يتحدث عن خسة ودناءة وفضائح البعثيين، ولكنهم نسوا مشاركتهم في الخسة والدناءة والفضائح، ومساهمتهم في جريمة تنظيم قطار الموت حينذاك الذي حمل المئات من الضباط والعسكريين السجناء من بغداد في عز الصيف بقطار شحن حديدي إلى نقرة السلمان، كاد أن يهلك الجميع لولا نخوة وشجاعة أهل السماوة.
وفي الفصل الثالث، وتحت عنوان "الحياة تحت ظلال خيمة سوداء"، يكتب نصير الچادرچي مذكراته عن 35 عاماً من حكم البعثيين بالعراق، ويتطرق إلى الأوضاع في ظل النظام القومي بين 1963-1968 وعشية انقلاب القصر والمخابرات العراقية ووصول البعثيين إلى السلطة ثانية. ويشرح سياسة البعثيين في محاولة منهم تحسن قبح وجوههم بسياسات التقرب من الوطنيين والديمقراطيين والشيوعيين. ويشير إلى أحداث مهمة منها على سبيل المثال لا الحصر اتفاقية أذار للحكم الذاتي بكردستان العراق، التي أُجبر عليها البعث نتيجة تدهور أوضاع نظامه في الحرب ضد الشعب الكردي وقيادته السياسية، ثم عن محاولات البعث لوضع دستور جديد أو مع مرافقته للشاعر الكبير محمد مهدي لجواهري، ومعهما الشخصية الوطنية عبد اللطيف الشواف، في زيارة لنادي المنصور وحديثه مع سكرتير النادي كاظم الخلف، وما حصل له في النادي ورواية نصير الچادرچي الشيقة عن الشخصية النجفية التي انتقلت إلى بغداد وأقام فيها واراد أن يقيم مجلس عزاء للإمام الحسين، وطالب القارئ بعدم ذكر السنة ولا المسيحيين ولا بني أمية في حديثه، ولم يكن من القارئ إلا أن قال لصاحب الدار: "لا مانع، ولكن حينها سأقول بأن الحسين قد مات صعقاً بالكهرباء ولم يمت بواقعة الطف استجابة لطلباتك." (مذكرات نصير الچادرچي ص 313). وهنا أراد نصير الچادرچي أن يشير بشكل غير مباشر، كيف كان الناس حينذاك يتصرفون باحترام إزاء مشاعر الآخرين ولا يريدون الإساءة لأصحاب المذهب أو الدين أو الرأي الآخر بأي حال.                       
ويتطرق نصير الچادرچي إلى اعتقال شقيقه المهندس المعماري والفنان الكبير، رفعة الچادرچي، وما حصل له في المعتقل ومعاناة العائلة، ولاسيما أمه وزوجته، وسعيهم لإطلاق سراحه. وفي هذا المقطع من الكتاب يقدم لنا نصير مشهداً مسرحياً أو سينمائياً ممتازاً لنتبين منه حقيقة سلوك المستبدين في الأرض الذين لا يحترمون كرامة الإنسان ويتصرفون وفق أهواءهم وسلوكهم النرجسي والمرضي بعيداً عن الشعور بالمسؤولية إزاء الإنسان. ويشير لنا إلى كتاب "بين ظلمتين" الذي صدر بتحرير مشترك بين رفعة الچادرچي وبلقيس شرارة، زوجة رفعة. والكتاب يجسد الدكتاتورية بأبشع صورها واخس سلوكياتها وأفدح عواقبها على الفرد والمجتمع. وقد تسنى لي الكتابة والنشر عن هذا الكتاب القيم. ويمر الكاتب أيضاً على معاناة العراقيين في الحصول على شهادة الجنسية العراقية وما حصل لأبنة شقيقه باسل الچادرچي المهاجر إلى كندا (ريمة) وما حصل لها في دائرة الجنسية وقول مدير الجنسية الذي صرخ بالموظف المعرقل للعملية "إذا كانت حفيدة كامل الچادرچي ورشيد عالي الكيلاني لا تمنح الجنسية العراقية فلمن تمنحها؟ .." (ص 324) وهنا يمكن الإشارة إلى معاناة الكرد الفيلية وعرب الوسط والجنوب في تهجيرهم القسري بعد إسقاط الجنسية العراقية عنهم إلى إيران، حيث وصل عدد المهجرين قسراً بمئات الآلاف إضافة إلى معاناة المرضى والأطفال والعجزة وموت غير قليل منهم بالألغام المزروعة في الطريق.
وفي هذا الفصل يتحدث الكاتب عن الإرهاب الذي تعرض له الشعب العراقي وعن طموحات وأطماع النظام في التوسع وغزو الكويت وحرب العام 1991 بعد أن رفض نظام صدام حسين الانسحاب من الكويت والعواقب الوخيمة التي تعرض لها الشعب نتيجة تلك السياسات المناهضة لمصالح الشعب. ثم ينهي الفصل بالإشارة إلى الحرب في العام 2003 حيث تم إسقاط دكتاتورية البعث وصدام حسين واحتلال العراق من قبل القوات الدولية بقيادة الولايات المتحدة دون تخويل من مجلس الأمن الدولي.
ولاحظت بأن نصير الچادرچي قد تجنب ذكر ثلاث مسائل جوهرية، ربما سهواً أو بسبب حجم الكتاب، أشير إليها فيما يلي:
1.   اتفاقية الجزائر في العام 1975 والانتكاسة الشديدة التي تعرض لها الشعب الكردي وقضيته وتحالف إيران والعراق وبتأييد من الولايات المتحدة وإسرائيل في توجيه الضربة للحركة الكردية المسلحة بقيادة مصطفى البارزاني، والتي اقترنت قبل ذاك بالمؤتمر القطري الثامن لحزب البعث عام 1974 وما أعقبه من بدء الهجوم على الحركة الديمقراطية العراقية وإنهاء عملي للتحالف بين حزب البعث والحزب الشيوعي العراقي وما حصل للشيوعيين والديمقراطيين بالعراق.
2.   التهجر القسري الواسع النطاق من جانب النظام العراقي للكرد الفيلية وعرب الوسط والجنوب خلال الفترة بين 1979-1980 والذي أشرت إليه في أعلاه بدعوى "تبعيتهم لإيران!"، والخشية منهم أثناء الحرب التي شنها ضد إيران في العام 1980.
3.   الحرب التي خاضها صدام حسين والقوات المسلحة ضد الشعب الكردي والحركة الكردية المسلحة وضد قوات الپيشمرگة -الأنصار الشيوعيين في العام 1988 وما حصل فيها من إبادة جماعية ضد الشعب الكردي واستخدام السلاح الكيماوي في حلبچة وغيرها، والتي راح ضحيتها عشرات الألوف من الناس الأبرياء من الكرد ومن قوميات أخرى.
لديّ الثقة بأن الكاتب والسياسي الديمقراطي المميز نصير الچادرچي له مواقف واضحة وسليمة إزاء هذه القضايا الثلاث التي وقعت بالعراق في ظل حكم البعث الدموي، قبل هيمنة صدام حسين على السلطة وفي أثناء وجود أحمد حسن البكر، وبعد المجزرة التي نظمها ضد رفاقه في الحزب ومجلس قيادة الثورة للاستيلاء الكامل والمطلق على السلطة بالعراق. ومع ذلك كان لا بد من التنويه إليها.   
 وفي بداية الفصل الرابع من كتاب المذكرات يطرح نصير الچادرچي بدلاً عن القراء سؤالاً مهماً عن موقف شخصٍ ناضل في مطلع شبابه ضد الاستعمار والهيمنة الأجنبية على وطنه وهو سليل أسرة وطنية قضى والده الكثير من سني عمره متنقلاً بين السجون والمواقف والحظر والمحاكمات في سبيل قضية وطنه واستقلاله ونيل شعبه حقوقه كاملة وأهمها الحرية، عن سر قبوله للأمر الواقع من وجودٍ لقوات أجنبية تهيمن على بلده بعد كل تلك السنين من النضال والطموح، فأقول تجاه ما رأيت حينها بأن (الإنسان أهم من الأرض) إلا في حالة أن تكون الأرض هي المحور والنقطة المركزية لنضال الشعب ووحدته من أجل تحريرها واستعادتها من المستعمر والدخلاء كقضية فلسطين، ووجود (داعش) في المحافظات العراقية وآخرها مدينة الموصل." (ص 335/336). هذا السؤال طرحه الكثير منّا على نفسه، ولكن قبل ذاك السؤال الأكثر أهمية هو الموقف من الحرب ذاتها والتي قادت حقاً إلى طرد النظام الدكتاتوري الفاشي، ولكنها، وبسبب ضعف وعي الشعب واستعداده للنضال ضد الدكتاتورية، كانت الحرب لا تعني سوى الاحتلال ومن ثم إقامة النظام الطائفي الذي نهض في أعقاب الحرب والعواقب التي يعيشها العراق ليس بالموصل ونينوى وصلاح الدين والأنبار فحسب، بل وفي العراق كله، ومنها ما يعيشه العراق اليوم في الخلافات المحتدمة مع إقليم كردستان العراق. لقد رفضتُ الحربَ، ولكن، وبعد وقوعها، لم يكن أمامي وأمام غيري، إلا البحث عن سبل مناسبة للخلاص من المحتل ومن الوجهة التي عملت الإدارة الأمريكية وإيران والأحزاب السياسية الطائفية على فرضها على الشعب بالعراق، فرضها النظام الطائفي المقيت الذي يعاني الشعب حالياً من ويلاته المريرة.
تشير المعطيات الواردة في المذكرات إلى الدور الذي سعى نصير الچادرچي إلى القيام به لدرء، أو السعي للوصول إلى نتائج أفضل لصالح المجتمع العراقي، وأعني بها:
1.   الموقف الرافض للتوزيع الطائفي للجنة السداسية فالسباعية، ومن ثم في مجلس الحكم الانتقالي وإصراره على أن يكون ممثلاً للحزب الوطني الديمقراطي لا ممثلا ًعن السنة، وهو موقف سليم وحصيف، إضافة إلى موقفه الرافض لأن يكون حاكم بغداد.
2.   الموقف الرافض للسرعة في وضع الدستور العراقي وإجراء الانتخابات، والتي جسدت مشاركة قوى لا يمكن إلا أن يخرج عنها دستور مشوه في الكثير من مواده واتجاهه العام، وانتخابات لا يمكن أن تأتي إلا بالنتائج السلبية التي ظهرت حيث استطاعت القوى السياسية الطائفية اجتياح المجلس النيابي. وأشير هنا إلى إن المرجعية الدينية والمذهبية الشيعية لعبت دوراً بارزاً وحاسماً ومتفقاً مع موقفي الولايات المتحدة وإيران في تعجيل وضع الدستور وتنظيم الانتخابات، وكانت النتائج كما ارادتها هذه الأطراف الثلاثة وبالضد من مصالح الشعب.
3.   الموقف الرافض لحل الجيش العراقي وعدم دفع رواتب تقاعدية لأفراد القوات المسلحة المسرحة قسراً، والذي مارسه بريمر بأمر من الإدارة الأمريكية، وما يمكن أن ينشأ عن ذلك من عواقب تجويع العائلات وإمكانية اقتناص عناصر منهم من جانب قوى الإرهاب والتطرف. وما كان يخشاه نصير الچادرچي وقوى ديمقراطية أخرى قد وقع فعلاً وبأبشع صوره.
4.   لقد أكد في محادثاته مع أطراف كثيرة إلى أهمية حصول تحالف وطني ديمقراطي بين القوى والأحزاب الوطنية والديمقراطية على صعيد العراق كله، وكذلك بمشاركة الحزبين الكرديين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، ولكن من المؤسف القول بأن المكاسب الضيقة والآنية قد هيمنت على أغلب الأطراف، مما جعل من المستحيل تحقيق ذلك الهدف النبيل. وقد لعب التحالف الكردي-الشيعي دوره السلبي البارز فيما وصل إليه العراق بعد أن تخلت القيادات الكردية عملياً وفعلاً عن التعاون والتنسيق مع حليفها السابق والدائم، القوى الديمقراطية والتقدمية العراقية، وركزت على التحالف مع الأحزاب الشيعية الطائفية التي تخلت عنها كلية!
5.   كما يتبين من مجرى الكتاب الجهد الذي بذله نصير الچادرچي وبقية الأخوة العاملين معه، مثل هاشم الشبلي وعبد الرزاق السعيدي وغيرهم في الوصول إلى إعادة تشكيل ونشاط الحزب الوطني الديمقراطي والمشكلات التي واجهت تشكيله والتي لعبت، كما أرى، الكثير من الذاتية والرغبة في قيادة هذا الحزب، والتي كان لها الدور البارز في فشل تلك المحاولات. لقد كان وما يزال مهماً للعراق وشعبه وجود حزب كالحزب الوطني الديمقراطي في الساحة السياسية العراقية لتجميع القوى الوطنية من فئات المجتمع وبشكل خاص ما تبقى من البرجوازية المتوسطة والبرجوازية الصغيرة والمثقفين الديمقراطيين، وكذلك من عمال وفلاحين، إلى جانب الحزب الشيوعي العراقي وقوى سياسية يسارية وديمقراطية أخرى، لينتهج السبيل المناهض للطائفية والشوفينية والعنصرية ويمارس سياسة إصلاحية ديمقراطية يبعد الوطن عن الطريق المعوج الذي هو فيه الآن، وما تسبب ويتسبب به من كوارث ونكبات. وقد نشأت مراسلة بين أستاذي الفاضل نجيب محي الدين وبيني حول أهمية وجود مثل هذا الحزب وضروراته وضرورات وجود شبيبة، إناثاً وذكوراً، فيه، إذ بدونها يستحيل بناء الحزب مجدداً وتطوره ولعب دره المنشود بالبلاد.
6.   ولا شك في صواب الموقف الذي اتخذه نصير الچادرچي من اللقاء بصدام حسين يعد اعتقاله ورفضه الشماتة بهذا الأسلوب المشين الذي مارسه موفق الربيعي مع الدكتاتور الذي أذاق الشعب العراقي مرً العذاب. وقد أعلنت موقفي في حينها بأن من الأفضل للعراق التخلي عن أحكام الإعدام بما في ذلك التخلي عن تنفيذ حكم الإعدام بصدام حسين، لا من باب الرحمة به، بل من المبدأ الفعلي القائل بإن أحكام الإعدام لا تنفع أحداً ولن تغير من طباع المستبدين ولن تقدم لهم دروساً مفيدة، وخير دليل على ذلك سلوك رئيس الوزراء السابق والقائد العام للقوات المسلحة الذي انتهج في فترة حكمه بين 2006-2014 سياسات وأساليب لا تختلف كثيراً عن صدام حسين والعواقب المريعة التي نشأت عنها، وهو ما يزال يسعى لفرضها على الحكم والمجتمع وكذلك نشاطه المحموم في العودة إلى السلطة!       
لقد تضمن هذا الفصل تفاصيل مهمة غير مطروقة سابقاً، سواء أكان في الموقف من حاكم العراق الأمريكي والمستبد بأمره پاول بريمر، أم من القوى السياسية الطائفية ونهجها وسلوكياتها، أم في مجمل الأوضاع الجارية والتي دعته إلى رفض ترشيح نفسه للانتخابات الثانية التي جرت بالعراق لقناعة تشكلت لديه بأن الأوضاع تسير بالاتجاه الغلط، وهو ما وقع حقاً.
إن كتاب نصير الچادرچي، والملاحق التي جاءت في نهاية الكتاب، يشكل شهادة حية وموضوعية ومهمة عن العصر الذي نحن فيه، عن الفترة التي تقع بين 1933، وهي سنة ولادته، وعام 2017، حيث اُحتل العراق في العام 2014 من عصابات داعش والنضال لتحرير البلاد من رجس هذه العصابات والخلاص من الطائفية المقيتة المهيمنة على البلاد والعواقب التي نشأت وتنشأ عنها إن استمرت في الهيمنة على حكم البلاد. أشعر بأن المكتبة العراقية قد اغتنت بهذا الكتاب وكذلك سيغتني بمعلومات ومعارف ومواقف مهمة من يقرأ هذا الكتاب، ولاسيما الشبيبة العراقية، من الإناث والذكور.
وأخيرا أشعر بضرورة وأهمية أن أشير إلى إن الصديق ورفيق النضال الديمقراطي الطويل الأستاذ نصير الچادرچي يعتبر بحق قامة وطنية وديمقراطية شامخة قدمت للعراق وشعبه، بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية الديمقراطية واليسارية والعلمانية، الكثير من الخدمات وما يزال يقدم مثل هذه الخدمات النبيلة. إنه أبن ذلك الأب الجليل كامل الچادرچي وابن تلك العائلة الكريمة التي قدمت الكثير من الخدمات في السياسة والأدب والهندسة المعمارية والفن. أتمنى له الصحة الموفورة والعافية وطول العمر
برلين في 15/10/2017
 


18
كاظم حبيب
وماذا بعد...، وهل من سبيل للتعامل العقلاني الحكيم بين بغداد وأربيل؟

حين دعيت مع مجموعة من المثقفين العرب من العراق والدول العربية لندوة عقدت بالسليمانية بتاريخ 16 و17 أيلول/سبتمبر 2017 حول قرار السيد رئيس الإقليم بإجراء الاستفتاء بالإقليم، التي اعتبرت المناطق المتنازع عليها جزءاً من الإقليم، أبدى المثقفون العرب، وأنا منهم، رأياً صريحاً وواضحاً وصادقاً لا لبس فيه، بأن الاستفتاء غير صحيح لعوامل كثيرة ومهمة، بما في ذلك الوضع في البيت الكردي ذاته، وتساءلنا جميعاً، وماذا بعد الاستفتاء؟ لم تكن هناك أذان صاغية لرأينا، بل قوبلنا بعد ارتياح عام من الأخوات والأخوة الكرد. ولكن الكثير من مثقفي كردستان العراق جاء إلينا وقال بوضوح لا لبس فيه: أنتم على حق، فنحن نخشى العواقب، وأنه قرار غير مدروس جيداً ومتعجل، لاسيما وأن القرار يؤكد إجراء الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها، حيث يعتبر مخالفة صريحة للدستور العراقي ومحاولة لفرض الأمر الواقع في وقت ما يزال العراق، ومعه كردستان، يخوضان حربا ضد داعش. لقد عشت أسبوعاً كاملاً بالسليمانية وأربيل والتقيت بعشرات المثقفين الكرد الذين كانت مشاعرهم القومية عالية جداً، ولكن الكثير منهم أيضاً، وبعض سائقي التاكسي، الذين تسنى لي الحديث معه، عبر لي عن خشيته الكبيرة من عواقب الاستفتاء وكان هذا البعض صريحاً معي دون أن تكون لهم معرفة بي. لقد كانت الكلمات التي ألقيت في ندوة السليمانية من الأخوة الكرد ترى بأن الاستفتاء انتصاراً للشعب الكرد، وإنها فرصة نادرة لا بد من الاستفادة منها وأنهم مستعدون لمواجهة كل العواقب.
حين صرح السيد رئيس الإقليم بأن المناطق التي حررتها قوات الپيشمرگة، والتي كانت ضمن المناطق المتنازع عليها، ستبقى جزءاً من إقليم كردستان ولن نخرج منها، نشرت بتاريخ 23/08/2016 مقالاً في جريدة العالم العراقية وفي مواقع كثيرة، منها الحوار المتمدن وصوت العراق والناس ومركز النور، تحت عنوان: "ما الموقف المطلوب من مشكلات المناطق المتنازع عليها بالعراق؟" قلت فيه بأن هذا القرار غير صائب لأنه مخالف للدستور ولأنه سيتحول إلى ألغام في العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، إذ لا بد من معالجتها بطريقة دستورية وبالحوار السلمي والديمقراطي بين الطرفين. وقد جاء في مقالي المذكور ما يلي: "صدرت في الآونة الأخيرة عدة تصريحات عن قياديين مسؤولين بإقليم كردستان العراق تشير إلى أن قوات الپيشمرگة لن تنسحب من المناطق التي حررتها أو ستحررها لأنها تعتبر جزءاً من المناطق المتنازع عليها وتشكل جزءاً من إقليم كردستان وستبقى فيه. إن هذا التصريح غير مناسب في هذه المرحلة التي يخوض الجميع النضال لتحرير كل المناطق المحتلة، إذ إنه يخلق المشكلات ويعقد النضال المشترك المطلوب حالياً، وهو بالتالي خاطئ. كما إن مثل هذا الموقف لا يؤسس لحل سلمي ديمقراطي عقلاني لكل المناطق التي تعتبر ضمن المناطق المتنازع عليها، وستخلق أرضية خصبة للصراع والنزاع المستديم، بل وإلى احتمال التصعيد من قوى بعينها من الجانبين تقود إلى إشعال حرب عراقية – عراقية غير مبررة وتقود إلى سقوط ضحايا كثيرة وخسائر فادحة لا معنى لها. أشعر بأن الأخوة بالإقليم لم يفكروا جيداً بعواقب هذه الخطوة على صعيد المنطقة، خاصة وإن إقليم كردستان محاط بإعداء إلداء يسعون اليوم قبل غد إلى وأد الفيدرالية، وإن فيدرالية كردستان شوكة شديدة الألم في عيونهم. واعتقد بأن حكومة وأحزاب إقليم كردستان العراق، التي تعاني من صراعات داخلية معقدة، ستكون في وضع صعب وغير مبرر وغير مطلوب في آن، وهو ما لا ارجوه لها....، لهذا اقترح على رئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق أن يدرسوا الأمر بعناية مع جميع القوى والأحزاب الكردستانية، والتمعن في الأوضاع المتوترة الراهنة لا على صعيد العراق حسب، بل وعلى صعيد المنطقة بأسرها، من أجل التعرف على كل الاحتمالات قبل اتخاذ قرار من هذا النوع، ولاتخاذ القرار السليم والمناسب الذي يحافظ على العلاقة النضالية المشتركة والمديدة بين الشعبين العربي والكردي وبقية القوميات بالعراق. " (الحوار المتمدن بتاري 23/8/2016). لم تجر إعادة النظر بهذا الموضوع فحسب، بل اتخذ، كما أرى، إجراء خاطئ أخر هو الاستفتاء، وهو الأمر الذي فاقم المشكلة وعمقها في ظرف غير مناسب تماماً، والذي أدى إلى ما نحن فيه الآن!
ولكن الآن، وبعد أن تم الاتفاق بين أطراف في البيت الكردستاني مع الحكومة الاتحادية باستعادة القوات والإدارة العراقية المشتركة للمناطق المتنازع عليها كلها تقريباً، لا بد من العودة إلى التفكير بحلول ديمقراطية حول العلاقة الأخوية والنضالية المشتركة مع الشعب الكردي والقوميات الأخرى بإقليم كردستان أولاً ومع الشعب العربي بالعراق ثانياً، وتنظيم العلاقات والإدارة الديمقراطية المشتركة في المناطق المتنازع عليها بما يسهم في تعزيز الأخوة والصداقة والتضامن بين جميع القوميات بالعراق الجمهوري الديمقراطي المنشود.
إن العلاقة السليمة مع الإقليم بحاجة إلى إعادة النظر بالدستور العراقي وإلى وضع قوانين حاكمة لهذه العلاقة على الصعيدين الداخلي، بما في ذلك موضوع النفط والمالية والصلاحيات والحقوق والقوات المسلحة.. الخ، والعلاقات الخارجية أيضاً، على وفق أسس الفيدرالية المعروفة دولياً والمجربة جيداً، بما يساعد على تجنب الخلافات والمشكلات بسبب المواد الدستورية الحمالة لأوجه عديدة.           
وإذا كان العراق بحاجة إلى التغيير والديمقراطية والخلاص من الطائفية ومحاصصاتها والفساد، فأن الوضع بإقليم كردستان العراق هو الآخر بحاجة إلى التغيير والديمقراطية والحياة الدستورية والبرلمانية السليمة وحرية الصحافة ومحاربة الفساد، كما إنه بحاجة، وكذلك العراق كله، إلى برامج للتنمية الاقتصادية والبشرية، وبشكل خاص للخلاص من الاقتصاد الريعي والاستهلاكي والعمل الجدي لبناء صناعة وطنية وزراعة حديثة ومتنوعة لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتوفير الأمن الغذائي والاقتصادي، بخلاف الوضع الراهن حيث لا أمن غذائي ولا اقتصادي والاعتماد على موارد النفط الخام لا غير بالعراق ومنه الإقليم ايضاً، والذي لم ولن يساهم في تقدم العراق كله بما فيه الإقليم.
واليوم وبعد أن حصل ما حصل على الحكومة الاتحادية ان تتخذ مواقف صارمة إزاء التجاوزات التي وقعت وما تزال ترتكب ضد الكرد في المناطق المتنازع عليها والتي تقود إلى مزيد من التوتر والصراع والنزاع الدموي، كما حصل في خانقين والتون كوبري وكركوك وغيرها. إن قرار سحب "قوات الحشد الشعبي: من المناطق المتنازع عليها، بما فيها جماعات "الحشد الشعبي" المحلية مثل "الحشد التركماني والحشد العشائري، سيساعد على إبعاد محاولات الانتقام والإساءات أو التهجير القسري، كما حصل مؤخراً والعمل على إعادة من هجر قسراً أو بسبب خشيتهم من الانتقام إلى مناطق سكنهم.
إن من واجب الأخوة الكرد أن يسعوا إلى إعادة لملمة صفوفهم والدخول بحوار جاد ومسؤول مع الحكومة الاتحادية لتحقيق النتائج المرجوة والعادلة لكلا الطرفين. إن من واجب الطرفين الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت في الفترة المنصرمة وبجرأة من أجل معالجة المشاكل القائمة بروح الأخوة والصداقة والتضامن ولصالح المجتمع العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية المتعددة.
لنعمل من أجل التغيير وانتصار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات واتباع الديانات والمذاهب بالعراق كله، ولنعمل على دحر الطائفية والشوفينية والفساد والإرهاب والتدخل الخارجي في الشأن العراقي. لندحر كل القوى المتطرفة والساعية إلى تأجيج الصراعات والنزاعات الدموية والمليئة بالحقد والكراهية والتي أشار إليها رئيس الوزراء في خطاباته الأخيرة والذين مارسوا الاستبداد والقسوة والفساد في فترة حكمهم بين 2006-2014 والعواقب الوخيمة لتلك السياسات الطائفية المذلة للشعب وقواه الديمقراطية. 
       

19
كاظم حبيب
لتتوقف التحشيدات العسكرية المتبادلة، ليحتكم الجميع للعقل والحوار
في الوقت الذي يتعاظم قلق الناس بالعراق كله حين يرون ويسمعون عن تحشيدات عسكرية كبيرة ومتسارعة من جانب القوات العراقية وقوات الپيشمرگة الكردستانية، وتزداد الخشية من احتمال وقوع صدام عسكري في نقطة ما ليمتد لهيبها إلى كركوك كلها ثم إلى كل المناطق المتنازع عليها وإلى كردستان والشمال كله، تتعالى في الوقت ذاته الأصوات الخيرة والعاقلة الداعية إلى إعمال العقل والعودة إلى الحكمة ودروس الماضي من كون الحروب لا تعالج المشكلات بل تزيدها تعقيداً، وأن الحروب لا يمكن إلا أن تلد حروب أخرى، والدم ينزف دماً، على حد قول الشاعر الجواهري الذي تغنى بكردستان وشعبها.
في هذا الوقت بالذات ترتفع أصوات المتشددين والمتطرفين والشوفينيين الداعية إلى الحرب وتطويق كردستان وتجويعها وكسر شوكة الشعب الذي أعطى رأيه بالاستفتاء في 25/09/2017 2017. إن هذه الأصوات الجاعرة لا تختلف قطعاً عن تلك الأصوات التي كانت تبث سمومها في فترة حكم البعث والدكتاتور الأرعن صدام حسين وحديثه المخزي عن "الجيب العميل!". وها هي إذاعة العراقية تحشد كل من هب ودب من المناوئين للشعب الكردي ليتحدثوا عن ضرورات إنهاء المعركة بسرعة ونقد الحكام بسبب تساهلهم مع الكرد وما حصل بكركوك. 
علينا أن نعلم جميعاً بأن لا يمكن لأي طاغية أو عنصري بشع أن يمنع أي شعب عن الإدلاء برأيه أولاً أو المطالبة بحقه في تقرير المصير. ولكن والإدلاء بالرأي لا يعني نهاية المطاف وبدء الانفصال. وبالتالي فلا معنى من المطالبة بإلغاء أو تجميد الاستفتاء. فما حصل قد حصل، وعبر الشعب الكردي عن رأيه وكان الجميع يتوقع ذلك بالقطع. وعلى الحكومة العراقية أن تبتعد عن عمليات التصعيد ولا تتماثل مع ما تمارسها الحكومتان المستبدتان في كل من إيران وتركيا لخنق الشعب الكردي والانتقام منه لجرأته ونضاله وحصوله على الفيدرالية، والتي لم تكن هدية من الحكومة العراقية بل اكتسبت بنضال هذا الشعب وتضحياته الجسام وبمساندة الشعب العربي وبقية القوميات بالعراق.
إن مطالبة الشعب الكردي بالكف عن طرح مسألة حقه في تقرير المصير لا يجسد وعياً بالحق الدولي لكل الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها ودون وصاية من أحد. وعلى حكومات المنطقة التي فيها أجزاء من الأمة الكردية المقسمة أن تعترف للشعب الكردي في كل منها بحقه الثابت في تقرير مصيره.
صحيح إن طرح الاستفتاء في هذه الفترة وفي الظروف التي يمر بها العراق لم يكن مناسباً، وقد عبرت عن هذا الرأي مراراً وتكراراً لا من منطلق قومي أو شوفيني بل من مصلحة الشعبين وبقية القوميات في هذا الظرف العصيب الذي ما يزال يمر العراق كله بسبب الحرب ضد عصابات داعش المجرمة ولأسباب أخرى بينتها في أكثر من مقال ولقاء. ولم يكن هذا الاستفتاء المتعجل سوى هروبا إلى الأمام من تلك المشكلات الصعبة التي كانت تواجهها سياسات الحكم بالإقليم، وكان الأفضل اختيار وقت آخر لمثل هذه الخطوة وحين تكون كردستان قد وفّرت مستلزمات فعلية لتحقيق هذه الخطوة وما يفترض أن يأتي بعدها.
ومع ذلك فالاستفتاء قد حصل، وليس خاتمة المطاف، كما عبَّرت عن ذلك القيادات الكردية ذاتها، وعلى الحكومتين تقع مسؤولية البدء بالحوار والتفاوض السلمي والديمقراطي لمعالجة المشكلات القائمة التي ستحل مشكلة الاستفتاء من نفسها، فلم يكن قد وقع الاستفتاء لو كانت الحكومات العراقية المتعاقبة قد عالجت المشكلات القائمة، وخاصة مشكلة المناطق المتنازع عليها على وفق ما حدده الدستور العراقي، وعلى وفق الفترة الزمنية المحددة لذلك. إلا إن التسويف والمماطلة وتجاوز الفترة الزمنية والتعقيدات المتفاقمة التي نشأت في فترة حكم رئيس الوزراء السابق هي التي أوصلت الأمور إلى الطريق الراهن والذي يبدو وكأنه مسدود. ولكن ليس هناك من طريق مسدود وعلينا سلوكه، إنه طريق الحوار والحل السلمي الديمقراطي لكل المشكلات العالقة، ولا يمكن لطبول الحرب أن تعالج المشكلة بل لتدق أجراس السلام في كركوك وفي كل العراق.
لنرفع جميعاً شعار السلام وليس الحرب الطريق لحل المشكلات العالقة.
لتخرس كل الأصوات الناعقة والداعية للحرب والموت والدمار، ليخرس كل المتطرفين والمتشددين والشوفينيين في الطرفين.     
     

20
د. كاظم حبيب
هل شاخ الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني أم تخلى عن مبادئ الاشتراكية؟
لم يعد طرح هذا السؤال غريباً عن الأوساط السياسية والشعبية بألمانيا: هل شاخ الحزب الاشتراكي الألماني، أم أنه قد تخلى عن مبادئه الأساسية التي تشكل المضمون الأساسي للاشتراكية، أم شاخت قيادته وكوادره وخطابها السياسي؟ ولم تترك الصحف الألمانية الكبيرة والمعروفة عن نشر المقالات والنقد لهذا الحزب وطرح الكثير من الأسئلة التي تصب بنفس الوجهة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر جريدة الوقت الأسبوعية Die Zeit، أو جريدة برلينر تسايتونگ Berliner Zeitung ، أو جريدة نويس دويتشلاندNeues Deutschland   اليسارية، أو جريدة فرايتاگ. Freitag  كما إن هناك أسئلة أخرى تثار منها مثلاً: لماذا يطرح مثل هذا السؤال منذ سنوات؟ ولماذا لا يلقى صدى ورد فعل إيجابي من جانب قيادة هذا الحزب، وهم يرون كيف تتراجع شعبية حزبهم؟ نحاول في هذه المقالة تقديم رؤية اجتهادية للعوامل الكامنة وراء هذه الظاهرة وبشكل مكثف.
تشير المعطيات المتوفرة عن النتائج التي حققها الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني في عدد من الدورات الانتخابية للبرلمان الاتحادي منذ العام 1949 حتى العام 2017 إلى اللوحة الأتية لعدد منها:

Vgl.: Bundestag.de, Ergebnisse der Bundestagswahlen.
وإذا كانت النتائج في الدورات الانتخابية خلال هذه الفترة الطويلة متقلبة من دورة إلى أخرى، إلا إنها لم تنخفض عن الثلاثين بالمئة إلا في العام 1949، ثم بدأت بالصعود والتقلب والتراجع المستمر منذ العام 2005 حتى الوقت الحاضر. وأسوأ النتاج ظهرت في الدورة الانتخابية لعام 2017. فما هي العوامل الكامنة وراء هذا الواقع بألمانيا؟ في ضوء الدراسات والمناقشات المنشورة يمكن تشخيص عوامل عدة عامة تشمل الأوضاع بألمانيا كلها، بل وأوروبا عموماً من جهة، وعوامل أخرى تخص أزمة الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني من جهة أخرى؟                                                 
فمنذ  منتصف الثمانينات من القرن الماضي، ولاسيما منذ انهيار النظام السياسي بالاتحاد السوفييتي ومعه النظم السياسية بأوروبا الشرقية، وكذلك ألمانيا الديمقراطية، وإقامة الوحدة الألمانية، تفاقم ممارسة الحكومات الألمانية المتعاقبة لاتجاه سياسي واقتصادي واجتماعي يميني، ووجد تعبيره في توجهات مماثلة داخل المجتمع الألماني. وإذا كان هذا التوجه قد بدأ منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي بممارسة سياسات اللبرالية الجديدة التي انطلقت من الولايات المتحدة وبريطانيا وشملت العالم الرأسمالي كله ، تنامى أكثر فأكثر في العقد الأخير من القرن العشرين وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وألمانيا الشرقية وتجلى في الانقضاض على المكاسب الاجتماعية التي تحققت خلال فترة الحرب الباردة بين المعسكرين وتقليصها، وفي التشدد مع طالبي اللجوء وإجراء تغييرات متشددة في القوانين والقواعد المنظمة للجوء، وكذلك في الموقف من وجود الأجانب بألمانيا. يضاف إلى ذلك بروز نهج متصاعد في الأوساط الشعبية مناهض للسامية أو لليهود، إذ بدا واضحاً في ارتفاع عدد الجنح والإساءات التي ترتكب في مقابر اليهود أو التحرش بهم.. الخ. "فبحسب التقرير الذي أعدته لجنة مكونة من خبراء عن معاداة السامية في ألمانيا، يساور اليهود في ألمانيا قلق على أمنهم بشكل متزايد بسبب التجارب اليومية المعادية للسامية. لذا طالبت مجموعة الخبراء الذين تم تعيينهم من جانب البرلمان الألماني "بوندستاج" بتحسين سبل تسجيل الجرائم المعادية للسامية والمعاقبة عليها وكذلك تعزيز خدمات تقديم المشورة لضحايا معاداة السامية، ولكن الخبراء حذروا في الوقت ذاته من التسرع في الاستنتاجات. وجاء في التقرير أنه على الرغم من أن معدل الآراء المعادية للسامية بين الشباب ذوي الخلفية المجتمعية المسلمة يزيد على ما هو عليه بين غير المسلمين، وعلى الرغم من أن المهاجرين الوافدين بصفة خاصة من دول عربية وشمال أفريقية يميلون لمعاداة السامية، فإن المسلمين الأكبر عمرا وغير المسلمين يختلفون عن ذلك قليلا. وأفترض الخبراء وجود نحو 20 بالمئة من معاداة السامية الكامنة داخل المواطنين الألمان بشكل إجمالي." (راجع: يهود ألمانيا يشعرون بالتهديد من تزايد العداء للسامية بين المسلمين، تقرير، نشر في موقع المصراوي في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2017). وجاء في تقرير عن معاداة اليهود في الحياة اليومية بألمانيا نشر على موقع دويتشة فيلة DW ما يلي: "وصف الحاخام دانييل ألتر تعرض اليهود لشتائم وإهانات وحتى لاستخدام العنف ضدهم، بأنه "أمر عادي كليا في ألمانيا"، مشيرا إلى أن حوالي ثلث الألمان معادون لليهود. ويضيف: "معاداة اليهود ظاهرة منتشرة في جميع فئات المجتمع". وأصبحت هذه الظاهرة "مقبولة اجتماعيا"، كما يقول ألتر الذي تولى في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي منصب مفوض الجماعة اليهودية في برلين لشؤون مكافحة معاداة السامية." (نشر بتاريخ 04/02/2017، وأخذ المقتطف بتاريخ 10/10/2017). 
أما بالنسبة لمعاداة الأجانب فقد أظهرت نتائج استطلاع للرأي أعده محاضرون في جامعة "لايبزيج" الألمانية، زيادة عداء الألمان تجاه المسلمين واللاجئين والغجر خلال العام الحالي (2016)، بنسبة تفوق نظيرتها خلال عامي 2011 و2014.  فتتراوح نسبة الرافضين للأجانب بألمانيا بين 40-45% في العام 2016." كما "أعرب 50% من المشاركين في الاستطلاع عن شعورهم بأنهم غرباء في بلدهم بسبب المسلمين في البلاد، في حين كانت النسبة 36،6%  عام 2014، و26،1% في 2011". (راجع: استطلاع: ارتفاع نسبة العداء ضد المسلمين واللاجئين بألمانيا خلال 2016، تقرير نشر في موقع فيتو Veto، في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2017).
تقترن هذه الظواهر السلبية، سواء أكانت بألمانيا أم بالاتحاد الأوروبي عموماً وخلال السنوات العشرين المنصرمة، بأزمة الديمقراطية التي تعاني منها ألمانيا وكذا الاتحاد الأوروبي، ولاسيما في العلاقة بين الفرد والمجتمع من جهة، والحكومة والأحزاب السياسية والبرلمان والحكومات المحلية ومجالسها من جهة أخرى، وتراجع شديد في مصداقيتها بين أوساط المجتمع. وفي ذات الوقت تنامي دور القوى والأحزاب اليمينية ونشاطاتها في المجتمع ودخولها في المجالس المحلية وفي مجلس النواب الألماني. وفي الانتخابات الأخيرة مثلاً فاز الحزب اليميني الراديكالي المسمى „البديل لألمانياAlternative für Deutschland " (AfD) بنسبة تصويتية عالية بلغت 12,6% في انتخابات عام 2017 في حين لم يحز في انتخابات عام 2013 أكثر من 4,7% والتي لم تؤهله الدخول في البرلمان الاتحادي الألماني، إذ لم يحصل على النسبة المحددة دستورياً، وهي 5%. وولكن ما هي أسباب هذه الظواهر السلبية؟ فيما يلي محاولة تشخيص بعض المشاكل التي تدفع بهذا الاتجاه اليميني في المجتمع الألماني:
** ضعف العلاقة بين الفرد والمجتمع من جهة، والسلطة السياسة والبرلمان الاتحادي والمجالس المحلية من جهة أخرى وتراجع في استشارة الشعب في معالجة مشكلاته واعتماد التمثيل النيابي مع تقلص شديد في العلاقة بين النائب وناخبيه خلال الدورة الانتخابية وعدم الانتباه لحاجاته والتغيرات الطارئة على المجتمع الألماني.
** اتساع الفجوة (المقص) بين الأغنياء والفقراء بألمانيا، بين أغنى الأغنياء وأفقر الفقراء، بحيث أصبحت الصحف الألمانية، حتى اليمينية والمحافظة منها، تشكو من هذه الظاهرة وتخشى من عواقبها. فقد أشار النائب اليساري گريگوري گيزي إلى أن 10% من السكان يملكون 61% من صافي الثروة لعام 2011 بألمانيا«، وأن عدد أصحاب اليورو المليارديرية بألمانيا بلغ 830 ألف في العام 2012 بعد أن كان 720 ألف في العام السابق له، أي بزيادة قدرها 110 ألف ملياردير في سنة واحدة رغم الأزمة التي تلف العالم الرأسمالي". والاتجاه في ارتفاع مستمر. ويؤكد ذلك ما يشار في الصحافة إلى ارتفاع في عدد المليارديرية والمليونيرية من جهة، وارتفاع مستمر في عدد الذين يقعون تحت خط الفقر المحدد لدول متقدمة مثل ألمانيا، وازدياد عدد الأطفال الذين يعانون من فقر عائلاتهم. فقد بلغت نسبة الفقراء في العام 2005 (14,7%) من مجموع السكان، وارتفعت هذه النسبة في الأعوام اللاحقة لتصل في العام 2017 إلى (15,7%)، أو ما يعادل 12,9 مليون نسمة في هذا العام. (راجع 2016 و2017(Zeit online. تعتبر العائلة الألمانية فقيرة حين يكون دخل المرأة أو الرجل مع طفل لا يزيد عن 970 يورو في الشهر، وعن 1097 يورو مع طفلين شهرياً، والفقير هو من يقل دخله الشهري 60% عن متوسط دخل الفرد. (ceco.de,Armutgrenze: (   
** اتساع الفجوة في مستوى معيشة الفئات الاجتماعية, وارتفاع نسبة التضخم السنوية، ولكن بشكل خاص ارتفاع إيجارات السكن، بسبب المضاربات بالعقار ودور السكن، ونقص كبير ف عرض الشقق المخصصة للعائلات التي تستحق المساعدة الاجتماعية، وضعف الاستثمارات الحكومية والخاصة الموجهة لهذا الغرض. وهذه الزيادة تجهز على نسبة ارتفاع المدخولات لذوي الدخل المحدود مما يقلص من صافي الدخل المتحقق لهم ويسمح بتراجع مستوى معيشة هذه الفئات الفقيرة ومحدود الدخل من المجتمع. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع في عدد المشردين وبدون مأوى والمحتاجين إلى المساعدة الاجتماعية.
** ومع تقلص عدد العاطلين عن العمل خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغت في نيسان/أبريل من العام 2017 نسبة قدرها 5,8%، إلا إنها ما تزال عالية بين الأجانب، وبشكل خاص بين القادمين الجدد الذين لا يجدون عملاً لهم، مما يدفع بالبعض الكثير منهم إلى بيع جسده في سوق العهر الألماني غير الرسمي. فأخر تقرير نشر في جريدة برلينر تسايتونگ يوم 09/10/2017 أشار إلى ما يلي:" من يتمشى في البارك الكبير لمنطقة تيرگارتن ببرلين سيصطدم بظاهرة غريبة صبية قاصرين وشباب من اللاجئين يبيعون جسدهم بين أشجار البارك لقاء نقود قليلة. وأغلب هؤلاء اللاجئين جاءوا من أفغانستان وباكستان وإيران". (Berliner Zeitung, Nr. 235, Montag, 09.10.2017; S. 17)، علماً بأن هذه الظاهرة لا تقتصر في وجودها على برلين بل هناك تقارير تشير إلى انتشارها في محافظات ألمانية أخرى.
** ضعف سياسة الاندماج الاجتماعي للأجانب عموما ومنذ السبعينيات من القرن الماضي، ولم تتحسن كثيراً رغم النقد الموجه للحكومة بهذا الخصوص، ولكن وبشكل خاص أولئك الذين بدأوا يفدون إلى المانيا كلاجئين خلال الفترة 2015-2016 بسبب الحروب في الشرق الأوسط وغرب أسيا والأوضاع السيئة للكثير من المجتمعات في أفريقيا. وقد استقبلت ألمانيا مئات الآلاف من اللاجئين إليها خلال عامي 2015 و2016 بحيث عجزت أجهزة الإدارة تنظيم القادمين، وتوفير الظروف المناسبة لهم، مما أدى إلى ارتفاع مستوى التذمر في صفوف المجتمع واستخدم بنذالة من قبل القوى اليمينية واليمينية المتطرفة ضد السياسات الحكومية وضد الأجانب أيضاً.     
** التراجع الشديد في معالجة المشكلات الاجتماعية المتزايدة بألمانيا بسبب غياب برنامج على صعيدي أوروبا وألمانيا لهذا الغرض، مما ساهم في بروز فجوة متسعة في مستوى المعيشة والامتيازات وفي المعالجة الطبية وفي التعليم ورياض الأطفال ...الخ. وقد بدأت الصحافة تنشر معلومات غير قليلة عن غياب المساواة في مجالي التعليم والصحة ووجود مستويين متمايزين للأغنياء وللفقراء.   
** ومن الجدير بالإشارة إلى إن الأحزاب المحافظة واليمينية، في محاولة منها لوقف تقدم القوى اليمينية المتطرفة، تحاول أن تنافسها، بل وتتجاوزها في بعض الأحيان، في طرح الشعارات اليمينية التي لا تضعف التوجه اليميني في المجتمع بل تعززه، ويستفيد منه اليمين المتطرف.     
أما على صعيد الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني فأن الكثير من الدراسات والمقالات ومتابعتنا الشخصية لأوضاع هذا الحزب تؤكد تأثير عوامل مهمة تتسبب في ضعفه والتي يمكن بلورتها فيما يلي:
1. من حيث المبدأ لا يعتبر أي حزب سياسي هدفاً بذاته، بل هو وسيلة أو أداة لتحقيق أهداف الجماعة التي تشكل هذا الحزب أو ذاك، والتي بدورها تعبر أو تسعى للتعبير بهذا القدر أو ذاك عن مصالح فئة أو فئات اجتماعية بعينها. وبالتالي فالأحزاب كوسيلة لا تشيخ، بل بمرور السنين تتراكم لديها الخبرة والتجربة والدروس التي يمكن أن تنفع قيادات الأحزاب وأعضائها في وضع استراتيجياتها وتكتيكاتها. إلا إن من يشيخ في الأحزاب هي القيادات التي لا تتغير لسنوات طويلة ولا تتطعم باستمرار بدماء شابة جديدة ممتلئة حيوية ودفقاً جديداً وقادرة على تقديم مبادرات تسهم في تجديد وتوسيع وتطوير علاقة الأحزاب بالواقع وبالحداثة والمجتمع، ولاسيما الشباب من الذكور والإناث، وتحمل معها تطلعات الشباب وحاجاتهم، وتتخلص من خطابها القديم الذي ربما بلى وتخشب. وإذا حاولنا رؤية ما جرى ويجري في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني خلال العقود الثلاثة الأخيرة فيمكن القول بأن هذه القيادة لم تعرف التجديد الضروري في قوام القيادة وفي توزيع المسؤوليات في الحزب والبرلمان وفي المسؤوليات الحكومية على مستوى المركز والمحافظات، وبالتالي حافظ كبار السن على مواقعهم الأساسية ورفضوا بعناد التنازل عنها لمن هم من أصغر سناً منهم، دع عنك الشبيبة. وهذه المعاناة جعلت الحزب يبدو وكأنه قد شاخ فعلاً، في حين أن الشيخوخة قد شملت القيادة والكوادر وأساليب وأدوات العمل والخطاب السياسي.
2. والمسألة الأكثر تأثيراً على علاقة الحزب الديمقراطي الاجتماعي بأوساط الشعب وأصحاب الدخل المتوسط والمحدود وجمهرة المثقفين تبرز في تخلي الحزب عن عدد من المبادئ الأساسية التي التزمت بها أحزاب الأممية الثانية وميزتها عن الأحزاب البرجوازية بألمانيا وعموم أوروبا، رغم وجود تباين جوهري بين أحزاب الأممية الثانية في فترة تشكيلها ولسنوات طويلة لاحقة، وبين أحزاب الديمقراطية الاجتماعية للفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، ولاسيما في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومساوماتها مع البرجوازية الكبيرة في بلدانها. وأبرز ما لوحظ على هذا الحزب بألمانيا هو تراجعه عن الدعوة الجادة والعمل الفعلي لصالح مبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة، والعمل على تحقيق المساواة بين المواطنين، وضعف دور المرأة في الحزب وقياداتها والمساواة بينها وبين الرجل في الكثير من جوانب الحياة ومنها الأجر مقابل العمل نفسه. يضاف إلى ذلك استمرار التمايز بين شرق ألمانيا وغربها رغم مرور 30 عاماً على قيام الوحدة الألمانية والذي يبرز في الرواتب التقاعدية ورواتب الموظفين وفي الأجور وبين المرأة والرجل في غير صالح شرق ألمانيا، وكذلك في بطء تطور الشرق مما يؤدي إلى انتقال الكثير من الشبيبة إلى غرب ألمانيا لنقص في فرص العمل وارتفاع حجم البطالة.
3. كما برز بوضوح ضعف اهتمام الحزب الديمقراطي الاجتماعي بالمشكلات الاجتماعية التي تواجه المواطن والمواطنة بألمانيا وعلى المستوى الأوروبي، وضعف برنامجه في هذا المجال، وبشكل خاص بالنسبة للطبقة العاملة صغار المنتجين وأصحاب المحلات الفردية والفئات الأكثر فقراً في المجتمع. وبهذا ترك الحزب هذه الفئات تواجه استغلال متفاقم من جانب كبار الرأسماليين والاحتكارات الرأسمالية المحلية والدولية، ومضاعفة أرباحها، في حين تعاني الفئات الفقيرة من شظف العيش وتراجع مكاسبها الاجتماعية.
4. وفي فترة التحالف بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الخضر برئاسة المستشار گيرهارد شرودر مستشاراً لألمانيا نفذ  ما أطلق عليه بـ "اجندا 2010" التي اعتبرت عملية إصلاح النظام الاجتماعي وسوق العمل بألمانيا والذي ألحق اضراراً فادحة بالفئات الفقيرة والعاملة وذوي الدخل المحدود ...الخ والتي رفضت من أغلب سكان المانيا ورحبت به الفئات المالكة لوسائل الإنتاج والاحتكارات الكبيرة، وكانت له عواقب سلبية على سمعة وشعبية الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الخضر في آن. 
5. إن التحالف بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني والحزبين الديمقراطي المسيحي والاجتماعي المسيحي منذ العام 2005، والذي استمر حتى انتخابات عام 2017، قد أضعف تأثير الحزب في سياسة الدولة الألمانية وأضعف مصداقيته لدى أوساط الشعب الألماني، وبالتالي كانت النتيجة رفض المجتمع لمثل هذا التحالف بين الحزبين الكبيرين الديمقراطي الاجتماعي والديمقراطي المسيحي المتحالف مع الحزب الاجتماعي المسيحي، من خلال تراجع القوة التصويتية لهذه الأحزاب في الدورة الانتخابية لعام 2017.     
6. إن هذه الحقائق تؤكد بأن الحزب الديمقراطي الاجتماعي قد خضع لقوى الجناح اليميني في الحزب والمجتمع في صياغة أهدافه وشعاراته وفي ممارساته اليومية، مما أضعف القوى اليسارية فيه وفي المجتمع، وتجلى ذلك في استعداده للمساومة والموافقة على الكثير من سياسات الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الاجتماعي المسيحي التي لم تحظ بتأييد المجتمع وكانت سلبية، سواء أكان ذلك في موضوع الحد الأدنى للأجر، أم بصدد نسبة الضرائب التي يفترض أن تفرض على كبار الشركات الرأسمالية الاحتكارية وكبار الرأسماليين، أم بصدد زيادة الراتب التقاعدي للمتقاعدين وتحول الكثير منهم إلى حالة الفقر رغم عملهم الشاق لعقود عديدة، أو الموقف من تصدير المزيد من الأسلحة إلى الدول النامية ومناطق النزاع الساخنة وإلى النظم الرجعية والمعادية للديمقراطية ... الخ.
7. ورغم بروز فرصة تشكيل تحالف سياسي بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب اليسار وحزب الخضر لتشكيل الحكومة الاتحادية في ضوء نتائج انتخابات سنة 2013، رفض الحزب الديمقراطي الاجتماعي تشكيل الحكومة، ودخل في تحالف مع الحزبين المسيحيين، مما أفقد المجتمع الألماني فرصة تحقيق التغيير النسبي المنشود في السياسات الألمانية على الصعد المحلية الأوروبية والدولية. وقد عوقب هذا الحزب في العام 2017 بتراجع نسبة المصوتين له وبخسارة أكثر من خمس نقاط، في حين ارتفع رصيد حزب اليسار وحزب الخضر وعدد المصوتين لهما نسبياً.   
من هنا يمكن القول بأن الحزب الديمقراطي الاجتماعي لم يشخ، بل الشيخوخة شملت قيادته التي عشقت الكراسي على حساب مصالح المجتمع، ولاسيما الفقراء منهم، وتخليه عن الجوهري من المبادئ الاشتراكية ولاسيما العدالة الاجتماعية وفي تخشب خطابه السياسي والاجتماعي. ومن هنا حاول رئيس الحزب الجديد مارتين شولتزMartin Schulz ، الذي ورث القيادة من قائد الحزب اليميني سيغموند غابريل، أن يعيد الاعتبار لشعار الحزب المركزي "العدالة الاجتماعية" نظرياً، ولكنه أصبح رئيساً للحزب في وقت قصير قبل الانتخابات ولم يتسن له بلورة وطرح برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وبيئي متكامل يُظهر فيه الفوارق بين أهداف وسياسات حزبه الديمقراطي الاجتماعي وبين أهداف وسياسات اتحاد الحزبين المسيحيين المحافظ. كما بدأ بمحاولة تغيير في قيادة الحزب بعد ظهور نتائج الانتخابات مباشرة حين وضع وزيرة العمل السابقة ونائبة رئيس الحزب اندريا ناليس  Anderea Nahles رئيسة للكتلة البرلمانية الاتحادية للحزب في البرلمان الاتحادي الألماني، وهي السيدة التي تقود الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، وبالتالي فهو بذلك أعطى دفعة أولي جديدة نحو اليسار، إذ ربما يتبلور بشكل أفضل في مؤتمر الحزب القادم. ولا بد من الإشارة بأنها ولأول مرة في تاريخ هذا الحزب تنتخب امرأة لقيادة الكتلة البرلمانية الديمقراطية الاجتماعية في البرلمان الاتحادي منذ تأسيس الدولة الألمانية الاتحادية عام 1949.     
وفي ضوء نتائج الانتخابات ومن أجل بذل محاولة استعادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي لتوازنه وعلاقته بالمجتمع والطبقة العاملة والفئات المتوسطة والفقيرة من خلال تأكيد جوهر مبادئه الاشتراكية والسعي لاستعادة تأييد مزيد من بنات وأبناء الشعب الألماني له باعتباره حزب شعبي، ومن أجل تمييز نفسه عن الاتحاد المسيحي الديمقراطي، رفض الحزب المشاركة في الحكم التي جلبت للحزب والمجتمع الكثير من المشكلات، في تحالف مع الاتحاد المسيحي، وقرر البقاء في المعارضة إلى جانب حزب اليسار. وتحاول السيدة ميركل تأليف حكومة جديدة تتشكل من أربعة أحزاب هي الديمقراطي المسيحي والاجتماعي المسيحي والديمقراطي الألماني الحر (اللبرالي) وحزب الخضر. ويطلق على هكذا تشكيلة بتحالف جامايكا لأنه ألوان هذه الأحزاب هي الألوان التي يتشكل منها علم جامايكا: أسود وأصفر وأخضر. وسوف لمن يكون سهلاً تشكيل مثل هذه الحكومة، وستبذل الكثير من الجهود والمساومات المتابدلة لتشكيلها إذ بدون ذلك لا بد من إجراء انتخابات جديدة، إذ أعلن الحزب الديمقراطي الاجتماعية المشاركة مع الاتحاد المسيحي في تشكيل الحكومة بأي حال من الأحوال.   
ومن الممكن ان يبدأ تعاون جديد بين القوى اليسارية بألمانيا بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي والحزب اليساري لا في مواجهة الحكومة الجديدة من تحالف القوى المحافظة بشكل عام، بل وبمواجهة حزب البديل لألمانيا، وهو حزب يميني متطرف معادٍ للأجانب وضد قبول اللاجئين بألمانيا وشعاره "ألمانيا للألمان: وضد "أسلمة المانيا!"، وهو حزب شديد المحافظة ويجد التأييد من النازيين الجدد والقوى اليمينية المتطرفة المماثلة له، ومن تلك الحركة بگيدا ( PEGIDA) (Patriotische Europäer gegen die Islamisierung des Abendlandes) (مواطنو أوروبا ضد اسلمة الغرب) التي رفضت قبول اللاجئين بألمانيا وتظاهرت على مدى ثلاث سنوات ضد الأجانب. وقد حصل حزب البديل لألمانيا على عدد كبير من الأصوات أخذها من المصوتين السابقين لبقية الأحزاب باعتباره حزبا احتجاجيا ويمينياً متطرفاً، وحصل على أصوات بشكل خاص من اتحاد الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الاجتماعي المسيحي، ولكنه انتزع أيضاً جمهرة كبيرة من مؤيدي الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الخضر وحزب اليسار.
إن الفترة التي سيكون الحزب الديمقراطية الاجتماعي فيها في المعارضة سيبرز ما إذا كان قادراً على تجديد قيادته وتحديث أهدافه وسياساته والدفع باتجاه اليسار لمقاومة الدفع بالاتجاه الميني الذي سيحكم الحكومة الاتحادية القادمة ونشاط القوى اليمينية المتطرفة.
10/10/2017
       

21
كاظم حبيب
السياسات المحمومة لدول الجوار والوضع بكردستان العراق!!
يسعى النظامين التركي والإيراني إلى تصعيد التوتر على الحدود العراقية التركية والعراقية الإيرانية والتهديد باتخاذ إجراءات عقابية ضد الشعب الكردي بهدف خسيس هو تجويع هذا الشعب بغلق الحدود ومنع تصدير النفط أو إيصال شحنات الغذاء وغيرها إلى الإقليم بهدف محاصرته من كل الجهات. هذا الموقف العدواني الذي يحمل في طياته الكثير من الروح العنصرية والاستبداد والظلم يعبر عن طبيعة النظامين في البلدين الجارين وعن طبيعة الحكام في هذين البلدين الذين لا يرعون حرمة ويتدخلون في الشأن العراقي بوقاحة بالغة وكأنهم يتحدثون عن العراق أو كردستان وكأنهما أقضية ومحافظات تابعة لهما يعملون فيها وضدها ما يشاءان. هذا الموقف المتعجرف والعدواني ليس غريباً عمن يزج بعشرات الآلاف من الناس الأبرياء في المعتقلات ويسلط عليهم شتى أنواع التعذيب الهمجي، كما يحصل بتركيا منذ العام المنصرم حتى الآن، أو ما يضمه سجن إيفين وغيره من معتقلي الرأي والعقيدة والموقف السياسي منذ الثورة المسروقة في العام 1979 بإيران حتى الآن. وقد تناغم مع هذا الموقف العدواني مجلس النواب العراقي، لأنه لا يمتلك حريته بل هو خاضع في أكثريته "المسلمة!" لإرادة إيرانية شريرة، وإلا لما اتخذ المجلس النيابي تلك الإجراءات الشرسة التي طالبت حكومة بغداد بتنفيذها، والتي بدأ بعضها بالتنفيذ الفعلي كما جرى في غلق مطاري أربيل والسليمانية.
لم نخف عن القيادات الكردستانية، ولاسيما الحزبين الحاكمين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، رأينا في سياسات الإقليم منذ سنوات وتحالفاته السياسية، سواء تم ذلك عبر مقالات منشورة في الصحف والمواقع العراقية، أم عبر رسائل شخصية أم باسم التجمع العربي لنصرة القضية الكردية، حين كنت أمينها العام، أم عبر لقاءات مباشرة خاصة وعامة وانتقدنا بعض تلك السياسات التي وجدناها لا تنسجم مع أهمية دعم النضال في سبيل الديمقراطية على صعيد كردستان والعراق كله، أم بصدد القوانين التي تصدر عن مجلس النواب العراقي التي كان التحالف الكردستاني يؤيدها وهي في غاية السوء وفي غير مصلحة الدولة الديمقراطية وحرية الصحافة أو الأحزاب أو الانتخابات أو حتى حول العلاقات المتوترة بين القوى السياسية بكردستان العراق ذاتها. وغالباً ما اصطدمنا بأذن غير صاغية على أهمية ما كنا نورده كأصدقاء مخلصين للشعب الكردي ولحقه في تقرير مصيره. حتى شعرنا بأن الأخوة لم يعودوا يرتاحون لرسائلنا وملاحظاتنا أو لنقل بوضوح نقداتنا للوضع، علماً بأننا لم نقصر أبداً في نقد وتشريح سياسات الحكم ببغداد، ولاسيما رئيس الوزراء السابق الذي أغرق العراق بالدم والدموع، وخاصة محافظات الأنبار وصلاح الدين وديالى ومحافظة نينوى، بسبب سياساته الطائفية اللعينة. وحين دعينا إلى اجتماع بالسليمانية لإبداء الرأي حول الاستفتاء لم نبخل على المسؤولين الكرد برأينا حرصاً منّا على سلامة الفيدرالية وما تحقق فيها من منجزات عمرانية لم تعتمد التنمية والاستثمار والتشغيل الإنتاجيين، وحرصاً على تقدمها وتطورها وحذرنا من العواقب المحتملة لإجراءات بعينها لم ينضج ظرفها المناسب، رغم إنها حق من حقوق الشعب الكردي وكردستان العراق. وكانت خشيتنا تأتي من معرفتنا بطبيعة النظام العراقي الطائفي الذي يرفض في حقيقته حق تقرير المصير للشعب الكردي، وكذا الأحزاب الإسلامية السياسية، الشيعية منها والسنية، على حد سواء، أولاً وخشيتنا من دول الجوار التي تخشى من التجربة الكردستانية بالعراق وانتقالها إلى كردستان إيران وكردستان تركيا أو إلى الكرد بسوريا ثانياً. وهي لا تختلف كثيراً في طبيعتها عن النظام العراقي الطائفي، إذ لا ترفض الفيدرالية ببلدانها فحسب، بل وترتعش من ذكر كلمة الفيدرالية أو سماع كلمة حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، وكأنها لسعت من حية سامة قاتلة. إنه الموقف القومي الشوفيني الذي يرى لأتباع قوميته كل الحقوق، ويرفض ذات الحقوق للشعوب الأخرى!
لقد طرحت سؤالاً منطقياً بالسليمانية بدا مزعجاً للبعض من الأخوة مفاده: وماذا بعد الاستفتاء؟ اشعر اليوم وأكثر من أي وقت مضى بأهمية وضرورة الإجابة العقلانية عن هذا السؤال من جانب حكومتي أربيل وبغداد، ولا بد من أخذ الواقع العراقي والإقليمي والدولي بنظر الاعتبار. علينا أن نعي إن دول العالم، ولاسيما الكبرى منها، لا تعرف الصداقة بين الدول، بل تعترف بالمصالح فقط، حتى لو كانت لديها قواعد عسكرية ومصالح معينة بالإقليم، فأن مصلحتها مع تركيا العضو في الأطلسي، رغم تحالفها مع إيران الذي لا ترتاح له دول حلف الأطلسي، أكبر بكثير من مصلحتها بالإقليم رغم جوار الإقليم لإيران وأهمية وجود قواتها على الحدود الكردستانية العراقية-الإيرانية. لقد خذلت الولايات المتحدة والدول الغربية وإسرائيل الشعب الكردي في العام 1975 حين تم توقيع اتفاقية العار في الجزائر من قبل نظام البعث والنظام الشاهنشاهي الإيراني وبمباركة تلك الدول. وحينها صدر قرار عن الحزب الديمقراطي الكردستاني أشار إلى أهمية التعلم من هذه التجربة القاسية وما حصل من نزع لسلاح البيشمركة وتسليمها لإيران وما اعتبر نكسة كبيرة للثورة الكردستانية. ومثل هذا الموقف يمكن أن يتكرر من جانب ذات الدول حين تجد مصلحتها في ذلك، وأتمنى ألَّا يحصل أبداً ما حصل في العام 1975 وسنناضل مع الشعب الكردي لكيلا يحصل ذلك. ولكن لا بد من التعلم من دروس الماضي في وضع السياسات الصائبة والمدروسة وغير المرتجلة أو العفوية في هذه المرحلة المعقدة من تاريخ الشعب الكردي بكردستان العراق وتاريخ العراق وقومياته عموماً.
أكرر مرة أخرى وأخرى بأن حل المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، سواء أكان قبل أم بعد الاستفتاء، يجب ألَّا يعالج بالقوة والعنف والسلاح وسفك الدماء، بل بالحوار السلمي والديمقراطي وبالمرونة المطلوبة لصالح الشعبين وبقية القوميات بكردستان والعراق كله. إن التفاوض السلمي والديمقراطي هو الأداة الوحيدة والناجعة لحل كل ما هو عالق، مع قناعتنا بما يمكن أن يصاحب ذلك من عثرات وانقطاعات وتوترات بسبب من يسعى لإشعال النيران، كما يفعل اليوم رئيس الوزراء السابق ورهطه في تصريحاته وخطبه السيئة الصيت. وللعراق تجارب غنية ومريرة في حل المعضلات عبر الحروب وخاصة مع الشعب الكردي.               


22
كاظم حبيب
الموقف من الاستفتاء في إقليم كردستان العراق
لقد أجرى الكرد استفتاءً شعبياً في إقليم كردستان العراق، وكذلك في المناطق المتنازع عليها في كل من كركوك وديالى ونينوى. وكانت النتيجة واضحة إلى جانب الاستقلال. لم يكن يتوقع أي إنسان عاقل أن يكون التصويت بغير ذلك. ولكن عملية إجراء الاستفتاء وتوقيتها جرى الاختلاف بشأنهما بالعراق والعالم، عدا دولة إسرائيل التي أيدت الاستفتاء. كما اختلفت مواقف القوى السياسية العراقية بشأن الاستفتاء قبل البدء به وبعد النتيجة التي أظهرها الاستفتاء، بين من عمل بحقد وكراهية على التصعيد وإعلان الحرب الكلامية والدعوة لتجويع الشعب الكردي، وبين من أشار إلى خطأ هذا الاستفتاء وضرورة إلغاءه، كما طالبت قوى سياسية بحل المعضلة بالطرق السلمية والتفاوضية والعودة عن اعتبار الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها أمراً محسوماً، لما يمكن أن يجر من مشكلات على العراق عموماً والمناطق المتنازع عليها وإقليم كردستان العراق. لقد حصل الاستفتاء وعلى المجتمع العراقي تلافي تداعياته وما يسعى إليه أعداء الشعوب التي يمكن أن تغرق العراق بالفوضى والدماء والدموع.
وكان أكثر النافخين ببوق الحرب والعدوان رئيس الوزراء السابق والقائد العام للقوات المسلحة حينذاك، السياسي الذي في فترة حكمه تسلمت عصابات داعش مدينة الموصل ومن ثم محافظة نينوى كلها على طبق من ذهب ودون قتال، بل باستسلام وهروب مريعين. إذ دعا إلى مقاطعة شاملة لكردستان والتنسيق مع تركيا وإيران ضد الإقليم لتجويع الشعب الكردي. كما كان وراء القرارات القاسية والظالمة التي صدرت عن مجلس النواب العراقي التي تطالب الحكومة العراقية ورئيسها بتنفيذ تلك القرارات المجحفة بحق الشعب الكردي، والتي تؤكد فرض الحصار جواً وبراً وغلق المطارات بأربيل والسلمانية ...الخ. وجرى التهديد باستخدام القوة والسلاح لكسر شوكة الشعب الكردي، وهو أمر مرفوض وشجبته الحوزة الدينية بالنجف في خطبة لوكيل السيد علي السيستاني، إذ دعا إلى الحوار والتهدئة لمعالجة المشكلة.
وعلى شاكلة نوري المالكي وتصعيده سار المماثل له في الشوفينية والتطرف الديني والمذهبي رجب طيب أردوغان، الذي هدد الكرد بقطع الأرزاق من خلال غلق صنبور النفط المصدر ومنع الشاحنات المحملة بالغذاء من الدخول إلى كردستان عبر تركيا، إذ قال بالحرف الواحد: "لحظة ما نقرر إغلاق الصنبور سينتهي الأمر، سيتم إزالة كل دخولهم، لن يجدوا أكل وشرب لحظة منع الشاحنات عن شمال العراق..". راجع فيديو خطاب أردوغان في موقع Yeni Safak)
ولم يكن موقف الحكومة الإيرانية بأفضل من ذلك، بل أقدمت، على المناورات العسكرية على الحدود العراقية الإيرانية، كما فعلت تركيا، وبدأ التهديد بممارسة ذات السياسة والنهج الشوفينيين والطائفيين المتطرفين. كل هؤلاء يقفون في صف المناوئين لحقوق الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره في أقاليمهم، وبعكس دول العالم التي تؤيد تلك الحقوق، ولكنها اختلفت في الموقف من وقت وأسلوب إجراء الاستفتاء حيث طالبت بتأجيله.
إن العقلاء والديمقراطيين العراقيين والعراقيات من العرب والكرد وغيرهم، وليس المجانين والمهوسين بالشوفينية والطائفية الذين اجتمعوا يوم أمس (04/10/2017) بطهران ليقرروا اتخاذ إجراءات قاسية مع بغداد ضد الشعب الكردي، سيعملون من أجل معالجة الموقف عن طريق التفاوض وحل المعضلات بالطرق السلمية والديمقراطية والعودة إلى اللحمة الاجتماعية التي تساعد على تطور العراق وتقدمه في ظل نظام سياسي مدني ديمقراطي علماني يرفض الشوفينية والعنصرية والطائفية السياسية، كما يرفض التمييز والتهميش والإقصاء ويعمل على تحقيق المصالحة الوطنية والتفاعل الإيجابي بين مكوناته القومية وأتباع دياناته ومذاهبه العديدة ويعترف بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره بنفسه.
إن العراق يعيش تحت وطأة نظام سياسي طائفي محاصصي يرفض مبدأ المواطنة ويعتمد الهويات الفرعية المفرقة للصفوف والمعمقة لنهج التمييز والتهميش والإقصاء، تماماً كما حصل خلال السنوات الـ 14 المنصرمة والتي كانت ذروتها فترة حكم المصاب بالنرجسية المرضية والمهووس بالطائفية والكراهية لكل ما هو غير شيعي، رغم إن شيعيته تظهر في جيبه وليس في رأسه أو حبه لآل البيت، حيث أساء لأهل البيت أكثر من أي شخص آخر بالعراق بسبب السياسات التي انتهجها في فترة حكمه بين 2006-2014. لقد أصبح هذا الرجل دونكيشوت العراق بجدارة، فهو يحمل سيفه الخشبي ويمتطي دولة القانون ليجهز على كل العراقيين من غير الشيعة وكل الشيعة الذين يقفون بوجهه ويرفضون نهجه المدمر لوحدة العراق. وإذا كان ذلك الإسباني حالماً وواهماً بحرب ضد الطواحين الهوائية، فهذا الشوفيني والطائفي يحلم بحرب ضد كل المكونات الأخرى، وهو الأمر الذي يفترض أن ينتبه له كل من لم ينتبه لعواقب سياساته حتى الآن رغم الإبادة الجماعية التي تسبب بها بالموصل وسهل نينوى ضد الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان وأهل الموصل السنة أيضاً الذين رفضوا التعامل مع عصابات داعش أو وجودها البغيض بمحافظة نينوى.     
إنها الدعوة لكل العراقيين الشرفاء العقلاء أن يمارسوا الضغط الكبير من أجل حل المشكلات القائمة مع رئاسة وحكومة الإقليم بالطرق السلمية والتفاوضية الديمقراطية وأن يمنحوا الوقت الضروري لتجاوز الوضع الراهن، والذي يتطلب حقاً إجراء تغيير جذري وحقيقي في حكم العراق لصالح الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية وليس الدولة شبه الدينية المتطرفة القائمة حالياً. هذه الدولة التي كل حكامها لم يلتزموا دون استثناء لم يلتزموا حتى بالدستور الذي وضعه وأقسموا تنفيذه والدفاع عنه!!!


23
السيدة المصونة هيرو خان إبراهيم أحمد المحترمة
عائلة الفقيد المحترمة
السيدات والسادة أعضاء قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني المحترمون
أشارك الشعب الكردي الصديق خصوصاً والشعب العراقي عموماً الحزن والأسى بفداحة الخسارة الكبيرة التي أصيب بها بوفاة القائد الوطني الكردي والسياسي العراقي المتميز ورئيس الجمهورية العراقية السابق ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني السيد جلال حسام الدين الطالباني، الذي توفي يوم الثلاثاء المصادف 03/10/2017 بعد معاناة طويلة مع المرض، الذي أصيب به اثناء وجوده على رأس الدولة العراقية. إنها خسارة كبيرة وفي هذا الظرف العصيب الذي يمر بها العراق وإقليم كردستان العراق أن تفتقد البلاد شخصية محورية مثل السيد مام جلال الطالباني.
العزاء والسلوى لعائلة الفقيد الكبير ولشعبه الكردي والشعب العراقي الذي قدَّر فيه نهجه الوطني والتقدمي. كما إنه خسارة شخصية لي بسبب الصداقة الطيبة التي ربطتنا منذ العام 1956 حيث كنا موقفين في موقف السراي ببغداد. الذكر الطيب للفقيد الفاضل.
كاظم حبيب 


24
بلاغ صادر
عن اجتماع جمهرة من المثقفين العراقيين من العرب والكرد ببرلين في 30/09/2017
بتاريخ 30/09/2017 عقدت ببرلين ورشة عمل تداولية مفتوحة للجميع شاركت فيها مجموعة من المثقفات والمثقفين العراقيين من العرب والكرد المقيمين بألمانيا وممثلي تنسيقية التيار الديمقراطي ومنظمة الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي الكردستاني ومنسق لجنة المبادرة لتحريك ودعم التوجه صوب التعاون والتنسيق والتحالف بين القوى الديمقراطية العراقية ومن المستقلين، ناقشوا فيها مسألتين مهمتين تحظيان في المرحلة الراهنة باهتمام كبير في الساحة العراقية وبين عراقيي الخارج وهما:
1)   من أجل دعم جهود وحدة القوى المدنية والديمقراطية العراقية في النضال من أجل دولة مدنية ديمقراطية علمانية وضد نظام المحاصصة الطائفية في العراق.
2)   مناقشة ما ترتب من أوضاع سياسية وإجراءات في أعاقب انتهاء الاستفتاء في إقليم كردستان وفي المناطق المتنازع عليه.
وبعد مناقشات مستفيضة بشأن الفقرة الأولى اتفق المجتمعون برفع ما طرح من أفكار وملاحظات ومداخلات في ورشة العمل إلى المؤتمر الأول للقوى المدنية والديمقراطية والعلمانية العراقية المزمع عقده ببغداد في نهاية شهر تشرين الأول من هذا العام 2017. وهم يتمنون النجاح والتوفيق في الوصول إلى نتائج مهمة تشد لحمة القوى الديمقراطية في مواجهة الوضع الراهن والدفع باتجاه التغيير والخلاص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته التي ألحقت أضراراً فادحة بالوطن والمواطن.
وبصدد الفقرة الثانية بعد مناقشات مستفيضة وتبادل وجهات النظر بروح ديمقراطية واعية لأوضاع العراق والمنطقة والإقليم، توصل المجتمعون إلى النقاط التالية:
يرى المجتمعون ما يلي:
1.   للشعب الكردي الحق الكامل في تقرير مصيره بنفسه بما في ذلك حق الانفصال عن الدولة العراقية وإقامة دولته الوطنية المستقلة. كما من حقه ان يجري استفتاء حول الاستقلال ولا يتعارض ذلك مع الدستور العراقي أو القوانين الدولية.
2.   إلا إن المجتمعين يرون بأن إجراء الاستفتاء في هذه الفترة وبالارتباط مع الأوضاع الداخلية والإقليمية وبالأساليب التي تم اعتمادها لم يكن مناسباً. إلا إن الاستفتاء قد حصل وعبر الشعب الكردي عن رأيه في ذلك.
3.   اتخذ مجلس النواب العراقي والحكومة العراقية مجموعة من الإجراءات التي نعتقد بأنها خاطئة وتساهم في تشديد التوتر على الساحة العراقية المتوترة أصلاً وتضعف النضال ضد عصابات داعش لتحرير الأرض العراقية من دنسهم.
4.   ويرى المجتمعون ضرورة الابتعاد الكلي والمطلق عن استخدام السلاح في معالجة المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق.
5.   ويؤكد المجتمعون لزوم التخلي الكامل عن خطاب إثارة الأحقاد والكراهية من جانب الجميع، وبشكل خاص في وسائل الإعلام والتصريحات المتشنجة، والتزام الدعوة إلى التهدئة والبدء بالتحري عن حلول للمشكلات القائمة.
6.   إبعاد دول الجوار عن التدخل في الشأن العراقي أو طلب دعمها لهذا الطرف أو ذاك، وعلى القوميات بالعراق أن تحل مشكلاتها فيما بينها وبالطرق التفاوضية السلمية والاستفادة من تجارب الماضي السيئة والمدمرة عند استخدام السلاح.
7.   استثناء الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها، سواء أكان تصويت الأغلبية بـ "نعم" أم "لا"، مناطق كردستانية أو عراقية، بل تخضع للحوار وإعادة التصويت في فترة لاحقة وفي ظروف أكثر عقلانية. ومثل هذه الخطوة من شأنها أن تنزع فتيل التصعيد والاحتقان الراهنين في تلك المناطق وفي عموم الوضع السياسي المتوتر، والتي تسعى بعض القوى المعادية للشعب الكردي وعموم الشعب العراقي إلى تشديده، والعودة الجادة لتنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي بشأن المناطق المتنازع عليها لمصلحة الجميع.
8.   تنشيط النضال من أجل التغيير الجذري للحكم بالعراق والخلاص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة ودوره في تفتيت النسيج الوطني والاجتماعي للشعب العراقي، ومحاربة الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة والمجتمع، ومكافحة الإرهاب الذي ما يزال يقتل المزيد من البشر ببغداد وغيرها من المدن العراقية.
9.   توحيد مواقف القوى الديمقراطية والعلمانية على صعيد الدولة العراقية، ومنها إقليم كردستان العراق، لمواجهة احتمالات التصعيد وعواقبه على العراق كله.
10.   وفي حالات الضرورة يمكن الاستعانة بالأمم المتحدة لتقريب وجهات النظر والمساعدة في حل المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.
وأبدى بعض الأخوة في ورشة العمل موقفاً لا يرى صواب اعتبار الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها ملغياً، بل ساري المفعول عليها أيضاً، مع البدء بالحوار غير المشروط لمعالجة المشكلات القائمة بين الطرفين.
برلين في 30/09/2017



25
كاظم حبيب
من يروج للحلول العسكرية والتجويع والتشدد بالعراق؟
لم أجد إجراء الاستفتاء ضرورياً، إذ وجدت فيه تصعيداً للخلافات الدائرة في العراق أولاً، وحرفاً فعلياً لمجرى الصراع المتنامي بين القوى والأحزاب الطائفية السياسية، التي مرغت كرامة العراقيين والعراقيات بالتراب وتسببت بمآسي وكوارث مريرة، التي يعاني منها العراق حالياً وبحصول إبادة جماعية بالموصل ونينوى، وبين القوى المدنية الديمقراطية واليسارية العراقية، إذ كان انحسار دور وتأثير القوى وأحزاب الإسلام السياسي الشيعية والسنية يلوح بالأفق قوياً من جراء نهجها وتدهور سمعتها وفسادها السائد. فبدأت تخسر مواقعها السابقة واتخذت، لتجاوز هذه الحالة اليائسة، إجراءات ثلاث هي:
1)   تبديل أسماء بعض أحزابها وتغيير تحالفاتها واعتقال صغار فاسديها وترك حيتان الفساد في الحكم؛
2)   ) العمل، وعبر الوساطة الإيرانية، خلق تحالف بين بعض الأحزاب الشيعية وبعض الأحزاب السنية، ولاسيما جماعة الإخوان المسلمين، ممثلة برئيس المجلس النيابي السني، ومتجاوزة بذلك على مصالح الجماهير الشيعية والسنية وكل الشعب؛
3)   شن حملة قذرة ضد القوى المدنية والديمقراطية والعلمانية والحداثوية بدعوى إلحادها، وهي تدرك إن الملحد الفعلي هو الذي أساء ويسيء للدين بتعميم الفساد في بنية الدولة والمجتمع ومن فرط بأجزاء من الوطن وتسبب في موت مئات الآلاف من العراقيات والعراقيين.
في مطالعتي في لقاء السليمانية بتاريخ 16 و17/09/2017 طرحت رأيي وبينّت المسائل التالية:
** نسبة مهمة من المجتمع العراقي اكتشفت طبيعة جميع الأحزاب السياسية الحاكمة بالعراق منذ إسقاط الدكتاتورية حتى الآن. وقد تجلى ذلك في رفع شعارين متلازمين في المظاهرات التي جرت خلال السنوات الثلاث المنصرمة، وهما: "باسم الدين باگونة الحرامية" و"باسم الله هتكونة الشلاتية". وكان هذا قبل الدعوة للاستفتاء.
** وعلى هذه الأرضية بدأ الصراع المحتدم يدور بين القوى المدنية والديمقراطية واليسارية من جهة والأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة من جهة أخرى، وبدأ الشارع يميل أكثر فأكثر وتدريجياً صوب القوى المدنية.
** وقد أجبرت، حتى المرجعية الشيعية المؤيدة للسياسات السابقة للأحزاب والقوى الدينية، على التخلي العلني عن تأييدها وتطالب بالدولة والمجتمع المدنيين!
** ولكن قرار الاستفتاء قد سهل على القوى الظلامية أن تحول دفة الصراع ليكون وكأنه بين العرب والكرد، وتعبئة كل القوى المناهضة للكرد، سواء في فترة حكم البعث، أم في الوقت الحاضر، ضد الشعب الكردي، رغم التحالف الذي نسجه الكرد والشيعية بين الأحزاب الشيعية والأحزاب الكردية، وتصدر هذا التحالف الحكم بالبلاد طوال السنوات المنصرمة، رغم تنبيهاتنا وتحذيراتنا بخطأ مثل هذا التحالف الكردي-  الشيعي الطائفي وأضراره الشديدة على مصالح المجتمع العراقي.   
** وأكدت، بما لا يقبل الشك، وبـتأييد غالبية المجتمعين في السليمانية، بأن القيادات السياسية الكردية كلها ومعها رئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق، لم توفر مستلزمات إعلان الاستفتاء والاستقلال من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية، وهي أمور أساسية ومهمة لتأمين ضمانات استقلال كردستان.
** لم أكن في هذا اللقاء مجاملاً ولا محابياً بل كنت صادقاً ومخلصاً في هذا الموقف وصريحاً مع الشعب الكردي أولاً وقبل كل شيء، وهو الذي يهمني ويهم أصدقاء الشعب الكردي، وهو لا يتعارض أبداً بل يؤكد موقفي الثابت والمستمر من حق الشعب الكردي المطلق في تقرير مصيره بنفسه ودون وصاية من أحد حين تكون الظروف ملائمة وهو الذي يحدد ذلك مع الاستماع قدر الإمكان لنصيحة الأصدقاء، محلياً وعربياً ودولياً. كما كنت أميناً على مصالح شعب العراق بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه التي يمكن أن تتضرر من هذا الصراع الذي يراد فرضه على الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية العراقية!
والآن انتهى الاستفتاء وعرفنا ما كنا نعرفه دون الاستفتاء، ولكن ربما عرفت الدول الإقليمية والدولية ما كانت تعرفه ولا تريد الاعتراف به قبل الاستفتاء، فما العمل؟
علينا أن نتابع باهتمام ردود فعل جهات داخلية مختلفة، منهم حلفاء الكرد من الأحزاب الشيعية التي راحت تقدم قائمة من الإجراءات لتجويع الشعب الكردي، (راجع موقع إيلاف بتاريخ 25/09/2017
http://elaph.com/Web/Opinion/2017/9/1169285.html)
وفيه المقترحات العدوانية لحنان فتلاوي، أو مقترحات مجلس النواب العراقي. وأغلب هؤلاء الذين وافقوا على تلك الإجراءات في مجلس النواب العراقي لهم أقنعة وجذور ومواقع سابقة في حزب البعث، أو لهم مواقف إسلامية متعصبة ترفض الاعتراف بالقوميات وحقوقها وترى المسلمين كلهم بغض النظر عن قوميتهم ولغتهم "أمة إسلامية! واحدة ذات رسالة خالدة!!! وهؤلاء هم الذين يعلمون بوقاحة لتصعيد المواقف والإساءة لكل المنجزات التي تحققت للشعب الكردي خلال الفترة السابقة، وهو الذي ينبغي رفضه. وهذا الموقف يتناغم تماماً مع القوى الحاكمة المستبدة في كل من إيران وتركيا، والتي تحاول اليوم التهديد بالتدخل العسكري لحسم الموقف ضد الشعب الكردي. هذا الموقف ليس مرفوضاً فحسب بل لا بد من شجبه ومنع وقوعه بكل السبل المتوفرة.
وهناك موقف القوى المدنية والديمقراطية واليسارية التي أنتمي إليها فكرياً وسياسياً، تجد في أن ما جرى لم يكن ضرورياً، ولكن حصل، إذ عبَّر الشعب الكردي عن رغبته في الاستقلال في وقت لاحق وليس الآن. ولكن أرى أيضاً بأن على القيادات الكردية أن تمتنع عن اعتبار التصويت في المناطق المتنازع عليها تصويتاً نهائياً وإنهاءً للخلاف على عائدية تلك المناطق, إن اتخاذ مثل هذا الموقف العقلاني سيساعد على تخفيف الأجواء المتوترة والمتصاعدة يوماً بعد أخر والتي تهدد بعواقب وخيمة على العراق كله، كما إنه يساعد على الدخول بمفاوضات جدية وسلمية وديمقراطية لمعالجة الأمر بصورة صحيحة وحكيمة، إذ أن هناك من ينتظر إصرار القيادات السياسية الكردية على ضم المناطق المتنازع عليها إلى الإقليم ليبدأ نزاعاً عسكرياً مدمراً ويتحول العراق إلى ما جرى ويجري اليوم في كل من سوريا واليمن! إن القيادة الكردية تتحمل اليوم مسؤولية رفع الفتيل من البرميل المليء بالديناميت والقابل للاشتعال في كل لحظة، كما على الحكم الاتحادي الابتعاد عن كل ما يساهم في تعقيد اللوحة، ومنها محاولة إشراك قوى خارجية في الصراع الجاري بالعراق. إن قوى شوفينية ودينية متطرفة في الطرفين تعمل على التخندق ورفض إيجاد حلول سلمية وديمقراطية للمشكلات العالقة ما بعد الاستفتاء وترتفع وتيرة المهاترات الكلامية بما لا يوفر التربة الصالحة لحلول سلمية وديمقراطية.
على الشعب العراقي كله وبكل قومياته أن يفرض على حكام العراق والإقليم كافة أن يجنحوا للسلم وأن يعاقبوا من يحاول دفع الأمور إلى نهاياتها الحزينة والمدمرة، إلى حرب تبدأ ولا يُعرف متى تنتهي، كما لا تعرف العواقب التي ستترتب عليها!
إن من يحاول صب المزيد من الزيت بعد انتهاء الاستفتاء المختلف بشأنه على النار المشتعلة، سوف لن يحصد غير الموت والخراب والدمار للعراق كله، وسيكون النهاية الفعلية لأولئك الذين أقاموا النظام الطائفي -الأثني السياسي بالعراق وروجوا للمحاصصة الطائفية المذلة وعملوا بها ولها ليصل العراق إلى هذه الحالة التعيسة الراهنة.   

26
إشكالية الهوية وحقوق المكونات
د. كاظم حبيب
نحن اليوم لسنا أمام إشكالية نظرية نتحرى عن حل لها أو إجابة عنها، بل نحن أمام حالة عملية ملموسة ومطروحة على بساط البحث والممارسة، إنها إشكالية هوية الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره بنفسه. فما هو مفهوم الهوية في هذا الإطار الذي حددته؟   
أرى إن الهوية بمفهومها الملموس هي التعبير عن، أو التجسيد لـ، وعي الفرد وادراكه لذاته وثقافته ضمن المجموعة الثقافية أو الحضارية التي هو منها ويعيش معها، إنه الوعي الذي يضع الإنسان أمام خياره ورغبته الملحة في اثبات ذاته، وفيما يسعى إليه. وهي باختصار إدراك معنى الحرية كضرورة، كرؤية فلسفية. والهوية بهذا المعنى لا تقتصر على عنصر واحد، فهي تجمع بين ماضي الفرد والجماعة وحاضرهما ورؤيتهما المشتركة للمستقبل، وهي تجمع بعض أو كل العناصر التي يمكن أن تشكل الهوية، ومنها: الثقافة، واللغة، والتاريخ، والذاكرة، والقومية، والوضع النفسي والتطلعات، والعادات والتقاليد، والجغرافية، أو المكان. والفرد الكردي له هويته المشتركة مع البشرية كلها، إنها إنسانيته، ولكن له خصوصيته في هويته، كما لبقية البشر، فهو كردي القومية، واللغة، والثقافة، والتاريخ، وكردستاني المكان، أو الجغرافية، وهو ميزوبوتامي التراث والحضارة، أو عراقي المشاركة في التاريخ والهموم، كما إنه شرق أوسطي وآسيوي في آن واحد. ومن هنا نرى أن ليست للإنسان، ومنهم الفرد الكردي، هوية واحدة، بل هوية مركبة من هويات فرعية، وتعددها لا يلغي الهوية التي يرى فيها شخصه أو شخصيته وثقافته ويركز عليها كفرد ضمن الجماعة التي هو منها. كما علينا أن نرى بأن الهوية ليست ثابتة بل متحركة ومتطورة بتطور وعي الإنسان وقدرته على وعي ذاته وحقوقه ولاسيما حريته باعتبارها وعي الضرورة.
ولكن الهوية قد تصبح قاتلة حين تكون ذات نزعة قومية شوفينية أو عنصرية، أو دينية متشددة أو طائفية متعصبة تميز بين أتباع الديانات والمذاهب، وتمارس التمييز بين الناس على إساس ذلك وتمارس قاعدة الـ "أنا" ضد الـ "آخر"! ويمكن أن تبرز هذه الهوية القاتلة لدى جميع الشعوب والقوميات دون استثناء!
الشعب الكردي يتمتع، كبقية شعوب العالم، بحقه الكامل والحر في تقرير مصيره بنفسه، ودون وصاية من أحد. وهذا الحق مضمون دولياً على وفق وثائق الأمم المتحدة التي نصَّت، على سبيل المثال لا الحصر، على ما يلي:
لـ"جميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها بحرية وإرادة واستقلال وفقاً لمْا تريدهُ، بعيداً عن أية قوة أو تدخل أجنبي. وبعيداً عن أية أعمال بربرية وخزتْ بآثارها الضمير الإنساني، لبزوّغ فجر جديد يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة والتحرر من الخوف والاضطهاد، والدفع بالرّقي الاجتماعي قدمًا، ولتحقيق مستوى أرفع للحياة في جوُ من الحرية الإنسانية والتسامح والأخوة والعيش المشترك، كأسمّى ما ترّنو إليه أيةُ نفس بشرية". [أنظر: حق الشعوب في تقرير مصيرها، تقرير، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 421 الصادر في 4/ كانون الأول/1950، منظمة حمورابي لحقوق الإنسان. 06/08/2017]. فهل من حق الشعب الكردي أن يمارس بكل حرية هذا الحق؟ أطرح هذا السؤال الغريب لأن هناك حكاماً في الدول الأربع التي وزع عليها الشعب الكردي في كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو التوزيع الثاني تاريخياً، يرفضون الاعتراف بهذا الحق بكل شراسة بل خاض بعضهم الحرب أو استخدم الإبادة الجماعية، وما زال بعضهم مستعداً لارتكاب مثل هذه الجريمة، إضافة إلى القوى القومية والدينية اليمينية والمتطرفة التي لا ترى في ممارسة هذا الحق أي شرعية، وهي بذلك تبرهن على إنها ليست حرة، أو لا تفهم معنى الحرية لها وللآخرين.   
لم تكن النظم السياسية العراقية كلها ولا الحكومات التي أقيمت في العهد الملكي، ولا العهود الخمسة للجمهوريات العراقية، منصفة وعادلة مع الشعب الكردي ومع القوميات الأخرى، بل كانت جائرة ومستبدة مع الشعب العراقي كله، ولاسيما مع الكرد والقوميات الأخرى، وعلينا هنا أن نتذكر حرب النظام الدكتاتوري البعثي والإبادة الجماعية في عمليات الأنفال ضد الشعب الكردي، أو سياسات حافة الحرب من جانب النظام السياسي الطائفي برئاسة المستبد بأمره نوري المالكي ورهطه. فكان التمييز والتهميش والإقصاء في صلب علاقة الحكومات العراقية المتعاقبة مع الشعب الكردي والقوميات الأخرى.
لا يمكن لأي إنسان حر وعاقل أن ينكر حق الشعب الكردي في تقرير مصيره وفيما عاناه خلال العقود المنصرمة، إذ لا يمكن أن يكون الإنسان حراً ما لم يعترف بحق الإنسان الآخر في التمتع بالحرية الكاملة غير المنقوصة، وبالتالي أدرك تماماً، كإنسان حر وديمقراطي ومادي المنهج والنهج، بأن الشعب الكردي يحلم منذ قرون وعقود ويتطلع إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بدولة كردستانية ديمقراطية حرة ومستقلة. وقد ناضل بعناد واستمرارية من أجل هذا الهدف وقدم لها أغلى التضحيات، ومن حقه الكامل أن يناضل بعزيمة مضاعفة من أجل ذلك. وليس من حق أحد أن يعترض على ممارسة هذا الحق، ولكن من حق أي صديق من أصدقاء الشعب الكردي أن يتساءل: هل حان الوقت المناسب لمثل هذه الخطوة؟ وإذا كان هذا الوقت قد حان فلِماذا الاستفتاء؟ إذ يمكن إعلان الاستقلال.
أشعر، كصديق ثابت للشعب الكردي، منذ أكثر من ستة عقود، وناضل معه في سبيل الديمقراطية للعراق وحق تقرير المصير للشعب الكردي، بأن الوقت لم يحن تماماً للاستفتاء أو لخطوة الاستقلال، بل أشعر بأن العودة إلى استراتيجية التحالف مع القوى الديمقراطية العراقية في رفض التمييز والتهميش والإقصاء وحل الخلافات والمشكلات القائمة بطرق ديمقراطية وسلمية وسريعة، ورفض قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية السيء لا تأييده، ورفض تشكيل مفوضية الانتخابات على أسس المحاصصة الطائفية، والسعي لتجميع القوى الديمقراطية في مواجهة القوى الظلامية، وحل المشكلات الداخلية بالإقليم وتعزيز الديمقراطية والمؤسسات الدستورية وحقوق الإنسان، هو الطريق الوحيد والأسلم والأضمن الذي يمهد الطريق لتحقيق ما تتطلع له القوميات العديدة بالعراق، ولاسيما طموحات وتطلعات الشعب الكردي في الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية على أرضه. إنها الخطوة الأساسية والضرورية والوحيدة للوصول إلى الهدف المنشود للشعب الكردي وقواه الوطنية. لقد فكرت ملياً بالأمر ليس من منطلق قومي شوفيني، وليس من منطلق وطني عراقي ضيق، بل من منطلق مصلحة الشعب الكردي ومصلحة العراق بكل قومياته في المرحلة الراهنة، وأرى أن يكون قرار إعلان الاستقلال في ظرف أكثر هدوءاً وأكثر مناسباً لمفاوضات مع حكومة أكثر ديمقراطية وواقعية من الوضع المعقد الراهن، كما يفترض أن يتجلى في سياسات ومواقف أخرى من جانب الحكومة الكردستانية بهدف تمتين الصف الديمقراطي الداخلي. كما أرى بأن الشعب الكردي لا يحتاج إلى استفتاء، إذ أن الشعب الكردي يتطلع إلى ذلك اليوم بكل شغف وتلهف، ولن يضيف الاستفتاء، إلا للرأي العام العالمي والمجتمع الدولي بأن الشعب الكردي يريد الاستقلال. كنت أتمنى أن ينحصر الاستفتاء في المناطق التي هي جزء من كردستان، ثم تترك المناطق التي تخضع لمصطلح "المتنازع عليها" لترتيب لاحق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم لتجنب أي مضاعفات في الوضع العراقي.
هناك، كما يعرف الجميع، الكثير من التعقيدات الراهنة التي يفترض معالجتها قبل هذه الخطوة ومنها حل مشكلة المناطق المتنازع عليها التي راوغ حكام العراق طيلة السنوات المنصرمة على حلها، بل عملوا ضد الدستور، وهم اليوم ينادون بالدستور الذي تخلوا عنه، إضافة إلى مشكلة ومواقف القوميات الأخرى بالإقليم ...الخ.
ومع ذلك فمن يقف إلى جانب قضية الشعب الكردي، يفترض فيه أن يترك التقدير النهائي للشعب الكردي ذاته، وبالتالي فالأمر متروك للشعب الكردستاني فيما يراه مناسباً في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق وكردستان العراق وأوضاعهما المعقدة. أتمنى على الأخوة والأصدقاء الكرد أن يتخذوا الموقف الذي يجنب الشعب الكردي وبقية أبناء وبنات العراق المزيد من المصاعب والمتاعب. وهذا الموقف لا يعني أن على الأصدقاء أن لا يبدوا رأيهم في الموقف، كما يفترض ألا يفسد اختلاف الراي في الود قضية!
لقد انتهى الاستفتاء وليس هناك من شك حول نتيجة الاستفتاء. وجميع القيادات الكردية أكدا بان الاستفتاء لا يعني إعلان الاستقلال مباشرة بل سيخضع للحوار مع الحكومة الاتحادية. إن الوضع ما بعد الاستفتاء يتطلب الكثير من الحذر والحيطة، وأرى ضرورة الالتزام بما يلي:
1.   الابتعاد الكلي والمطلق عن استخدام السلاح في معالجة المشكلات القائمة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.
2.   التخلي الكامل عن خطاب إثارة الأحقاد والكراهية من جانب الجميع، وبشكل خاص في الإعلام والدعوة إلى التهدئة والبدء بالتحري عن حلول للمشكلات القائمة.
3.   إبعاد دول الجوار عن التدخل في الشأن العراقي أو طلب دعمها لهذا الطرف أو ذاك، وعلى القوميات بالعراق أن تحل مشكلاتها فيما بينها وبالطرق التفاوضية السلمية والاستفادة من تجارب الماضي السيئة عند استخدام السلاح.
4.   عدم اعتبار الاستفتاء في المناطق المتنازع عليها، سواء أكان تصويت الأغلبية بـ "نعم" أو "لا"، مناطق كردستانية أو عراقية بل تخضع للحوار وإعادة التصويت في فترة لاحقة وفي ظروف أكثر عقلانية.
5.   تنشيط النضال من أجل التغيير الجذري للحكم بالعراق والخلاص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة.
6.   لقد كان الصراع بالعراق قد تبلور قبل إعلان إجراء الاستفتاء بكردستان بين القوى الديمقراطية ومن يرفض الطائفية، وبين القوى السياسية الطائفية الحاكمة. وقد تسبب الوضع الأخير إلى حرف هذا الصراع باتجاه أن يتحول ليكون بين العرب والكرد! وهو أمر خطير لا يجوز السماح به. وبالتالي لن يستفيد من ذلك إلا أولئك الذين تسببوا بنكبة العراق في الموصل ونينوى وغرب العراق، من أمثال رئيس الوزراء السابق ورهطه المُضلل والفاسد، ولهذا لا بد من العودة إلى الوضع الطبيعي إلى خوض الصراع لصالح الشعب من خلال أجراء التغيير في واقع الحكم بالعراق لصالح الديمقراطية والعلمانية والمجتمع المدني الديمقراطي.   

 
   


27
كتاب "مسيحيو العراق .. أصالة .. انتماء .. مواطنة"
سيصدر في شهر تشرين الثاني/ كانون الأول 2017 كتاب "مسيحيو العراق .. إصالة .. انتماء .. مواطنة .." عن دار نينوى. يقع الكتاب بحدود 900 صفحة ويحمل 30 صورة والكثير من الوثائق المهمة عن أحوال المسيحيين بالعراق.
يتضمن الكتاب ثلاثة أجزاء موزعة على 17 فصلاً و31 ملحقاً من الوثائق والتقارير والرسائل والصورة عن الكثير من النكبات التي حلت بالمسيحيين ومنها الاجتياح الأخير للموصل ونينوى. والكتاب يقدم سجلاً تاريخياً مكثفاً عن أوضاع المسحيين بالعراق وعن ودورهم الحضاري المميز بالثقافة العربية عموماً والعراقية على وجه الخصوص. ويتناول الكثير من جوانب مشاركتهم في الريادة والرفد الثقافي والإنساني، وعن دورهم في النضال الوطني والديمقراطي بالعراق، إضافة إلى موجات التمييز والاضطهاد والعسف التي تعرضوا لها خلال تاريخهم المدي بالعراق منذ دخول المسيحية إلى العراق في القرن الأول الميلادي، في أرض الرافدين، ميزوبوتاميا، مروراً بالعهد الملكي، وانتهاءً بالجمهوريات الخمس العراقية، أي حتى الوقت الحاضر وما حصل لهم قبل وفي أعقاب اجتياح الموصل وسهل نينوى في ظل الجمهورية الخامسة، في ظل الدولة الطائفية – الأثنية ومحاصصاتها المذلة للشعب والوطن والمواطنة.   
وأنشر هنا كلمة الشكر التي سيتضمنها الكتاب للدعم والمساعدة التي قدمت لي خلال إنجاز هذا الكتاب. وقد عملت على إنجاز هذا الكتاب ما يقرب من ثلاث سنوات، أملي ان يعبر بشكل أمين عن هذا الجزء الرائع من أبناء وبنات الشعب العراقي. كما يتضمن هذا الإعلان مفردات هذا الكتاب وهو خير عون أولي لمعرفة ما في الكتاب. يمكن أن يتعاون الأخوة في الخارج وفي بعض المدن لتسجيل أسماء من يرغب بنسخة من الكتاب لتدبير الأمر مع الناشر وإرسالها بالطائرة عبر بيروت، كما جرى مع كتاب "الإيزيدية ديانة عراقية – شرق أوسطية قديمة".
كلمة شكر وتقدير
لم يكن في مقدوري إنجاز هذا الكتاب، وأنا الباحث بمفردي دون سكرتارية أو سكرتير، وكذا كتبي الأخرى التي صدرت خلال الأعوام الستين المنصرمة، لولا الدعم الذي توفر لي من عدد كبير من الأخوات والأخوة والأصدقاء الكرام الذين زودوني بالكتب الضرورية وبالمعلومات المفيدة عبر الرسائل أو عبر إعلامي بمواقع ومكتبات يمكن العثور فيها على ضالتي في البحث والتقصي. وأخص هنا بالذكر الأب الدكتور شليمون إيشو خوشابا، مسؤول دار المشرق الثقافية بدهوك، الذي أهداني مجموعة من الكتب المهمة التي افادتني كثيراً، كما ساهم الأخ كامل زومايا بتقديم مجموعة أخرى من الكتب، إضافة إلى تزويدي بالمعلومات والتقارير التي أفادتني كثيراً. وجدير بالذكر إن الأخ السيد حميد مراد، رئيس الجمعية العراقية لحقوق الإنسان بالولايات المتحدة الأمريكية، قد افادني كثيراً بوضع التقارير السنوية الصادرة عن الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية، ومكتبة الجمعية بأربيل تحت تصرفي وتوفير المعلومات التي كنت أرجو منه توفيرها لي. كما إن السيد روند كوركيس بولص، رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب السريان والسيد أكد مراد، سكرتير الاتحاد، قد فتحا لي مكتبة الاتحاد ومكتبتيهما الشخصية بعنكاوا ووفرا لي الكثير من المعلومات القيمة والصور لهذا الكتاب. وجدير بالشكر أيضاً السيد باسم جميل أنطون والسيد ليث الحمداني على دعمهما لي بتوفير بعض المعلومات التي كانت ضرورية للبحث. وهنا لا بد من الإشارة إلى إن تقارير منظمة شلومو للتوثيق، التي يرأسها السيد خالص إيشوع، كانت ذات فائدة كبيرة بما وفرته لي من معلومات عن النازحين والمهاجرين وعن الانتهاكات الكبيرة التي تعرض لها المسيحيون بالموصل وفي عموم محافظة نينوى. وشكري الجزيل يتوجه أيضاً إلى المهندس هامبرسوم اغباشيان الذي أرسل لي ملخصا لكتابه عن الأرمن في العراق، كما أرسلت له الفصل الخاص بالأرمن لمراجعته بسبب كونه مختصاً بالشؤون الأرمنية. وقد ابدى ملاحظات قيمة ومفيدة استفدت منها. وكذلك الأخ يعقوب البقال الذي أهداني كتابه عن الكلدان في ديترويت باللغة الإنكليزية، وللأخ كمال يلدو من ديترويت على جهده المشكور في الحصول على كتب ومعلومات تفيد الكتاب ذاته. وشكري يتوجه إلى الأخ مازن لطيف علي لدعمه لي ببعض الكتب المتوفرة في مكتبته عن المسيحيين. كما أشكر الأخ المخرج طاهر سعيد متي لتزويده لي مجموعة من الصور عن المآسي التي حلت بالبلدات والكنائس المسيحية.
وشكري يتوجه إلى يونس بولص متي (أبو سيفان)، مدير موقع الناس الالكتروني، الذي بذل جهداً مشكوراً في التعاون معي لإنجاز جرد واسع نسبياً للشهداء المسيحيين في النضال الوطني العراقي، سواء أكانوا أعضاء في الحزب الشيوعي العراقي، وهم الأكثرية، أم أعضاء في أحزاب وطنية وديمقراطية أخرى ومستقلين، إضافة إلى ضحايا الحروب.   
وشكري الجزيل يتوجه بشكل خاص إلى الأب ألبير أبونا بعنكاوة للوقت الذي خصصه لقراءة الجزء الأول من الكتاب، والتي أشار فيها إلى بعض التصويبات فيما يخص الديانة المسيحية. كما أتوجه بشكري الجزيل إلى الأخ الأستاذ علي الكحلة الطائي لتطوعه وتجشمه عناء قراءة الكتاب وتدقيقه. وشكري الجزيل للصديق الطائي ثانية بسبب اختياره عنوان الكتاب الحالي، إذ وضعت للكتاب عدة عناوين، ثم استشرت بعض الأخوة بشأنها أو اقتراح عناوين أخرى لاختيار أحدها. وكان من بينها مثلاً "مسيحيو العراق جزءً أصيل وثابت من أهل العراق" أو "مسيحيو العراق.. مضطهدون في وطنهم". ومن بين المقترحات التي وصلتني اخترت أخيراً العنوان التالي "مسيحيو العراق.. إصالة.. انتماء.. مواطنة"، ليكون عنواناً للكتاب، وهو أحد العناوين المقترحة من الصديق الفاضل الأستاذ على الكحلة الطائي.   
وأخيراً الشكر لزوجتي التي تحملتني طيلة العقود المنصرمة وأنا منشغل بالسياسة والبحث العلمي، وكانت المسؤولة الأولى عن تربية أطفالنا طيلة فترة غيابي عن العائلة لأسباب نضالية، أو اعتكافي في صومعة القراءة والبحث والكتابة، ومنها كتابة المقالات السياسية والاجتماعية وحقوق الإنسان والقوميات والمواطنة، وإنجاز الكتب التي وضعتها حتى الآن تحت تصرف القارئات والقراء الكرام والمكتبة العربية.
لقد قرأت من أجل إنجاز هذا الكتاب عشرات الكتب التي تبحث في أوضاع المسيحيين واستفدت من الكثير من الأبحاث والدراسات والمقالات التي نشرها الكتاب في الصحف والمجلات والمواقع، التي لا يسعني ذكرها كلها، فشكري لهم جميعاً، إذ كانوا جميعاً عوناً لي في إنجاز هذا الكتاب. 
كاظم حبيب، خريف 2017   


د. كاظم حبيب
مسيحيو العراق.. أصالة.. إنتماء.. مواطنة
بغداد – برلين 2017
مفردات الكتاب

مسيحيو العراق.. أصالة.. إنتماء.. مواطنة   1
مفردات الكتاب   2
الإهداء   15
كلمة شكر وتقدير   16
استهلال   18
الجزء الأول   26
الفصل الأول   26
بوابات دخول المسيحية إلى بلاد ما بين النهرين   26
الجماعة الأولى: جمهرة من أتباع الديانة اليهودية   26
الجماعة الثانية   36
أسرى الساسانيين من مسيحيي أنطاكية   36
الجماعة الثالثة   37
أتباع الديانة الزرادشتية (المجوسية)   37
الجماعة الرابعة   40
الأقوام القاطنة في سوريا وبلاد ما بين النهرين   40
2. الرها (أورهاي) المدينة التاريخية   44
3. مدينة نصيبين   47
4. مملكة الحيرة (حرتا)   50
الفصل الثاني   58
الصراعات الأولى بين الكنيستين الشرقية والغربية   58
الجزء الثاني   66
الفصل الثالث   66
النماذج الأولى للتعامل الإسلامي مع المسيحية والمسيحيين وتأثيرها على الفترات اللاحقة   66
المبحث الأول: مواقف القرآن من النصارى (المسيحيين)   66
المبحث الثاني   74
مضمون العهود المقطوعة من النبي محمد للنصارى (للمسيحيين)   74
المبحث الثالث   79
موقف الخلفاء الراشدين من الدين المسيحي والمسيحيين   79
الخلاصة   89
الفصل الرابع   91
أوضاع المسيحيين في الإمبراطوريات الإسلامية   91
المدخل   91
المبحث الأول   94
أوضاع المسيحيين في الدولة الأموية   94
المبحث الثاني   101
أوضاع المسيحيين في الدولة العباسية   101
المبحث الثالث   107
أوضاع المسحيين بين سقوط الدولة العباسية واحتلال الدولة العثمانية للعرق - الدويلات العراقية   107
المبحث الرابع   113
أوضاع المسيحيين في الدولة العثمانية   113
الجزء الثالث   134
أوضاع العراقيين المسيحيين في أعقاب الحرب العالمية لأولى   134
الفصل الخامس   134
المبحث الأول   134
الواقع السكاني المسيحي بالعراق   134
المبحث الثاني   142
أوضاع العراق بعد سقوط الدولة العثمانية وقيام الدولة الملكية   142
واقع المسيحيين في ظل الدولة العراقية الملكية   149
الفصل السادس   155
الجمهورية الأولى   155
أوضاع المسيحيين في جمهورية 14 تموز 1958   155
الفصل السابع   169
أوضاع المسيحيين في الجمهوريتين الثانية والثالثة   169
المبحث الأول   169
الجمهورية الثانية   169
أوضاع المسيحيين في الجمهورية البعثية-القومية المشتركة   169
القوى الداخلية   171
الدول الخارجية   173
المبحث الثاني   179
الجمهورية الثالثة   179
أوضاع مسحيي العراق في جمهورية القوميين العراقيين   179
الفصل الثامن   185
الجمهورية الرابعة   185
أوضاع مسيحيي العراق في جمهورية البعث الشوفينية والمستبدة [1968 - 2003م]   185
المرحلة الأولى   191
المرحلة الثانية   192
المرحلة الثالثة   193
مفهوم الإبادة الجماعية   199
أولاً: الموقف من الشعب الكردي   203
ثانياً: الموقف من عرب الوسط والجنوب الشيعة   204
ثالثاً: الموقف من المسيحيين   205
الفترة الأولى   207
الفترة الثانية   210
تهديم القرى والكنائس واغتيالات ضد رجال الدين المسيحيين   213
في فترة حكم البعث بالعراق   213
المرحلة الأولى: تشمل الفترة الواقعة بين 1963-1968   213
المرحلة الثانية: 1968-1979   215
مذبحة المسيحيين الكلدان في صوريا في أيلول 1969   216
المرحلة الثالثة: الفترة الواقعة بين 1980-2003م   224
الفصل التاسع   228
الجمهورية الخامسة   228
أوضاع المسيحيين في الجمهورية الطائفية – الأثنية 2003-2017   228
المدخل   228
اضطهاد المسيحيين وعدم حمايتهم في سياسات الحكم الطائفي   235
المبحث الثاني   244
اجتياح الموصل وعواقبه المدمرة على العراقيين المسيحيين   244
الشاهد: خيري شنگالي   258
المبحث الثالث   262
التمييز في الدستور والقوانين العراقية   262
الفصل العاشر   269
الاضطهاد الديني والسياسات الشوفينية ضد مسيحيي العراق   269
المدخل   269
المبحث الأول   272
اضطهاد المسيحيين في عراق الامبراطورية الأموية   272
اضطهاد المسيحيين بالعراق في فترة انحطاط الدولة العباسية   275
المبحث الثالث   282
اضطهاد المسيحيين في عراق الإمبراطورية العثمانية   282
المبحث الرابع   297
اضطهاد المسيحيين في العهد الملكي   297
(الآشوريون بالعراق)   297
معركة ديرا بون   306
مجزرة سُمّيل ضد الآشوريين   312
الفصل الحادي عشر   320
العراقيون الأرمن   320
المبحث الأول   320
متى بدأ وجود الأرمن بالعراق   320
المبحث الثاني   326
الهجرة الأرمنية إلى العراق في أعقاب   326
أوضاع العراقيين الأرمن   333
الفصل الثاني عشر   344
السكان ونهج وسياسات التغيير الديمغرافي ضد مناطق مسيحيي العراق   344
المدخل   344
المدخل مفهوم التغيير الديمغرافي   344
المبحث الأول   347
الواقع السكاني المسيحي بالعراق   347
المبحث الثاني   351
التغيير الديمغرافي في العهد الملكي   351
المبحث الثالث   353
التغيير الديمغرافي في عهود الجمهوريات العراقية   353
المبحث الرابع   360
التغيير الديمغرافي في ظل النظام السياسي الطائفي   360
المبحث الخامس   363
التغيير الديمغرافي لمناطق المسيحيين بإقليم كردستان   363
الفصل الثالث عشر   373
النزوح والهجرات المسيحية من العراق   373
المبحث الأول   373
مفهوم الهجرة والعوامل المؤثرة فيها   373
(الجانب النظري العام)   373
واقع الهجرة الدولية   376
المبحث الثاني   396
واقع وعواقب السياسات الطائفية والشوفينية على هجرة مسيحيي العراق   396
الفصل الرابع عشر   405
دور المسيحيين في الحضارة والثقافة العراقية   405
دور المسيحيين في اللغة العربية والأدب العربي   408
أولاً: اللغة العربية   408
ثانياً: دور العراقيين المسيحيين في الأدب العربي   414
أ: في الشعر   414
المثقف والشاعر والمناضل ألفريد سمعان   418
ب. في أدب الرحلات   446
ج: في القصة والرواية   449
ت: في الترجمة   456
ثالثاً: في المسرح   461
الفنان المسرحي البروفيسور الدكتور عوني كرومي   469
"وداعاً أخي عوني!   472
الفنان المسرحي والشاعر الدكتور موفق ساوا   474
رابعاً: في الموسيقى والغناء   481
خامساً: في الصحافة   488
الصحفي والكاتب العراقي المميز الدكتور فائق بطي (أبو رافد)   498
الصحفية صاحبة التحقيقات المميزة مريم السناطي   505
الصحفية والكاتبة المبدعة والمناضلة سلوى زكو   508
سادساً: في المجالس الأدبية والثقافية   528
ثامناً: الأعياد المسيحية بالعراق   539
الفصل الخامس عشر   543
دور المسيحيين في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العراقية   543
المبحث الأول   543
دور المسيحيين في الحياة السياسية العراقية   543
أولاً: مشاركة المسيحيين في السلطة التنفيذية   544
ثانياً: مشاركة المسيحيين في السلطة التشريعية   547
أ. المجلس التأسيسي   547
ب. مشاركة المسيحيين في مجلس الأمة   548
1. مجلس الأعيان   548
2. مجلس النواب   548
ثالثاً: في الحياة السياسية العامة   554
المناضل الوطني والشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف (فهد)   562
المناضلة السياسية والاجتماعية والحقوقية الباسلة هناء أدور   577
رابعاً: دور العراقيين المسيحيين في القانون والسلطة القضائية   584
المبحث الثاني   587
دور المسيحيين في الحياة الاقتصادية العراقية   587
قطاع الزراعة   589
القطاع الصناعي   593
1. الحرف والمهن التقليدية   593
ب. الصناعة الحديثة   593
دور المسيحيين في قطاع البنوك والتجارة   597
دور المسيحيين في قطاع التأمين   599
دور الأطباء المسيحيين في العراق المعاصر   605
الفصل السادس عشر   608
عواقب الحرب والاحتلال والطائفية السياسية بالعراق   608
خلال الفترة 2003 – 2017   608
[إشكاليات قبل وبعد تحرير الموصل وبقية   608
المناطق المحتلة من عصابات داعش]   608
الفصل السابع عشر   621
آفاق معالجة المشكلات الراهنة والمستقبلة التي نشأت بفعل النظام السياسي الطائفي وعواقب اجتياح واحتلال داعش   621
المبحث الأول   623
المشكلات المحتملة التي ستواجه المجتمع في المحافظات التي خضعت لاحتلال داعش   623
أولاً: مشكلات السكن والبنية التحتية والخدمات   624
ثانياً: معاناة النساء والأطفال النفسية والاجتماعية   627
ثالثا: مشكلات الشبيبة العراقية في زمن الطائفية والفساد والإرهاب والحرب   630
رابعاً: المشكلات العشائرية والتقاليد البالية والمشكلات القومية   641
المبحث الثاني   645
سُبل معالجة عواقب الكوارث التي حَلَّت بالعراق، ولاسيما المناطق التي نُكِبت بداعش   645
المبحث الثالث   654
الخاتمة: مستقبل العراقيين المسيحيين   654
ما العمل؟   666
غالبية المسلمين والمسلمات بالعراق أمام امتحان المواطنة!   675
الملاحق   679
الملحق رقم 1: نص عهد النبي محمد لنصارى (مسيحيي) نجران   679
"نص عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران"   679
الملحق رقم 2   682
العراق وفضيحة التعذيب في سجن "أبو غريب" (1 - 4 حلقات)   682
الملحق رقم 3: شهداء معركة "ديرابون"   696
الملحق رقم 4   701
قائمة بأسماء مذبحة سُمَّيل في العام 1933   701
الملحق رقم 5   703
ذكريات عن الإبادة الجماعية للأرمن في الحرب العالمية الأولى   703
مقطع مهم من مقال الدكتور سعد سلوم "أم الارمن تروي قصتها.. عندما تصبح اراكسي "فطوم،"   703
الملحق رقم 6   705
الملحق رقم 7   708
النواب المسيحيون: الكورد الذين استولوا على 53 قرية مسيحية   708
الملحق رقم 8   710
وماذا بعد انتهاء مؤتمر -أصدقاء برطلة- ضد التغيير السكاني لمناطق مسيحيي العراق؟   710
الملحق 9   715
نص قرار المحكمة الاتحادية بشأن التغيير الديموغرافي   715
الملحق رقم 10   718
نص قرار اللجنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التابعة للأمم المتحدة بشأن التغيير الديموغرافي لمناطق المسيحيين في إقليم كردستان العراق   718
الملحق رقم 11   719
عدد الطوائف المسيحية بالعراق والمعترف بها رسمياً   719
الملحق رقم 12   720
فتوى محسن الحكيم ضد الشيوعية   720
الملحق رقم 13   722
محن المسحيين بالعراق   722
الملحق رقم 14   724
نظرة مفعمة بالحزن والألم في رواية "يا مريم"، للروائي المبدع سنان أنطون بقلم كاظم حبيب   724
الملحق رقم 15   729
هل نقرع الأجراس من أجل الدفاع عن المسيحيين العراقيين ومصيرهم في وطنهم؟ بقلم الدكتور سيار الجميل   729
الملحق رقم 16   734
موقف الخليفة عمر بن الخطاب من مسيحيي نجران   734
الملحق رقم 17   737
كتاب وزارة العدل العراقية حول بيع وشراء عقارات المسيحيين العراقيين   737
الملحق رقم 18   738
رسالة من لوزان تكشف حقيقة وفاة الملك فيصل الاول - رشيد كَرمـــة   738
الملحق رقم 19   741
مقالة عن الأب أنستاس الكرملي للصحفي والكاتب علي حسين   741
الملحق رقم 20   742
جداول بالمسرحيات التي قدمت، وغالبيتها لأبناء من عائلات عراقية مسيحية   742
الملحق رقم 21   747
شهداء الحزب الشيوعي العراقي والحركة الوطنية العراقية السياسيين من بنات وأبناء العائلات المسيحية منذ العام 1949-2017   747
قائمة الشهداء المسيحيين   747
أولاً: السياسيين   747
ثانياً: غير السياسيين   750
أ: ضحايا الحرب العراقية – الإيرانية   750
ب: ضحايا التفجيرات والإرهاب   756
ج : ضحايا كنيسة سيدة النجاة   776
الملحق رقم 22   778
قائمة شهداء رجال الدين المسيحيين والشهيدات المسيحيات وموظفي الدولي   778
الشهداء من الناشطين السياسيين وموظفي الدولة   780
الملحق رقم 23   783
قائمة الشهداء المسيحيين العامة في العراق منذ 2003 بدء الاحتلال ولغاية 9/6/2014، أي قبل اجتياح مدينة الموصل ومحافظة نينوى   783
الملحق رقم 24   801
الرسائل المتبادلة بين كاظم حبيب وباسم جميل أنطون   801
الملحق رقم 25   806
البيان الصادر عن مؤتمر "مستقبل المسيحيين في العراق" الذي عقد في بروكسل للفترة من 28-30 حزيران 2017   806
الملحق رقم 26   809
نماذج من كتابات العنصرية لعصابات داعش المتوحشة على كنائس ودور المسيحيين في بطنايا بالعراق وصور تجسد الخراب الذي حل بالبلدات والكنائس المسيحية   809
الملحق رقم 27   811
التقسيمات الإدارية للواء الموصل في العام 1962   811
الموسوعة الإحصائية عن التقسيمات الإدارية في الجمهورية العراقية   811
الملحق رقم 28   820
تحليل الشخصية المسيحية العراقية للدكتور فارس كمال نظمي   820
الملحق رقم 29   823
اتفاقية منع وقوع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها عام 1948   823
الملحق رقم 30   828
تقرير "عن مدينة الموصل"   828
الملحق رقم 31   831
أوضاع حقوق الانسان في العراق   831
من 01/01/2017 لغاية ولغاية 30 /1/2017   831
المصادر والمراجع   834
الكتب العربية   834
رسائل الماجستير والدكتوراه   840
المواقع   841
المجلات   857
الجرائد   858
رسائل متبادلة   859
المصادر والمواقع الأجنبية   860
   فهرست الأسماء

28
كاظم حبيب
من أين وكيف يبدأ الانطلاق الاقتصادي بالعراق؟
نقاش موضوعي وهادف مع السيد عادل عبد المهدي
الحلقة الأولى: تشخيص الظواهر والعواقب والابتعاد عن الأسباب الحقيقية

نشر الاقتصادي العراقي السيد عادل عبد المهدي مقالاً تحت عنوان "الانطلاق الاقتصادي" وتضمن خمس حلقات بعناوين فرعية مختلفة في جريدة العالم البغدادية خلال الفترة 27/08/-03/09/2017. وهو في جوهره مقالاً نقدياً لواقع الحال بالعراق ومقترحات اقتصادية لتجاوز هذا الواقع المزري. وأشر المقال بصيغ مختلفة عدداً من المشكلات الجوهرية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي والتي يمكن تلخيصها، وأرجو أن يكون تلخيصي دقيقاً وأميناً على مضمون المقال وما أراد الكاتب قوله:
1.   إن الاقتصاد العراقي ريعي، استيرادي واستهلاكي، يعتمد على موارد النفط المالية في تأمين حاجات المجتمع الاستهلاكية عبر الاستيراد.
2.   والاقتصاد العراقي بهذا المعنى اقتصاداً وحيد الجانب ويعاني من خلل في بنيته، ولاسيما في تخلف قطاعيه الإنتاجيين الصناعي والزراعي حيث لا يساهمان إلا بنسبتين ضئيلتين في الناتج المحلي الإجمالي. ويرى بأن ".. فالأموال الريعية السهلة، وتدمير العلاقات الزراعية، وتأميم الصناعة والمصارف والسيطرة على التجارة الاساسية، وهروب الرساميل والخبرات، والهجرة الواسعة من الريف، والحروب والحصار والعقوبات والارهاب والسياسات الفاشلة، دمر هذه القطاعات وجعل البلاد تعتمد على الاستيراد والواردات النفطية. ويرى ضرورة تغيير هذه البنية المشوهة.
3.   لا توجد استراتيجية تنموية حقيقية ولا توجد خطط للتنمية الوطنية الاقتصادية والبشرية، إذ ".. ركزت معظم خططنا على الاستقطاعات والجبايات من اقتصاديات هي ضعيفة اساساً، واللجوء للقروض الداخلية والخارجية". ويرى " إن مزيجاً ناجحاً من استراتيجيات “بدائل الاستيراد ومحفزات التصدير” Import Subsitution and Export Promotion  يمكنها مع الاستراتيجيات الاخرى، ان تحقق نتائج مهمة لانطلاق القطاعات الحقيقية".
4.   ويقول عادل عبد المهدي بوضوح: أن "الاقتصاد هو الاقتصاد الكلي Macro-economy والجزئي Micro-economy، وان قليلين، من اصحاب القرار التنفيذيين والتشريعيين، او حتى بين الجمهور من يقدر اهمية هذه القضايا، ليس لصعوبتها، بل لاعتيادهم على مفاهيم “الاقتصاد السلطاني” ومعادله المعاصر “الاقتصاد الريعي”. وبتعبير آخر لا توجد عقلية اقتصادية تعي مفهوم التنمية، ويتطلب الأم "تغيير عقليات وسياسات، وأولها إزالة التشدد والبيروقراطية كأسباب أساسية للجمود والفساد وهدر الأموال وغسيلها وهروبها". 
5.   ويرى ضرورة أن يلعب القطاع الأهلي (الخاص) الدور الأول في الاقتصاد، "مع اهمية الحفاظ على قوة وفعالية ورشد القطاع العام لإحداث التوازن المطلوب انطلاقاً من ظروفنا الواقعية والبنيانية ولاعتبارات اجتماعية وسياسية. ويرى ضرورة قلب المعادلة بعد أن كان القطاع الخاص تابعاً للقطاع العام، إذ لا بد من تفكيك احتكار الدولة للصناعة والزراعة والتجارة والمصارف والاتصالات والمواصلات والطباعة والاعمال البلدية والمياه والكهرباء والتعليم والصحة والكثير من النشاطات. وان تبدأ القطاعات الاهلية بأخذ المبادرة في جميع هذه النشاطات بدعم وتشجيع الدولة، ونقل الكثير من قدراتها في هذا المجال لمؤسسات المجتمع الفردية والجماعية".
6.   ثم يقترح لضمان الاحتفاظ بأموال الشعب المسروقة ومن السحت الحرام بالعراق من خلال عدة مقترحات أولها: "1 - نقترح –خلال مدة محددة- اعفاء الاموال التي تودع، من كشف مصدرها او اخضاعها للتحاسب الضريبي، وذلك خلافاً للتعليمات الدولية والعراقية المتشددة، والتي تساهم، بوعي او جهل، بهروب الاموال وبقائها خارج الدورة المصرفية. فالدولة تضغط اليوم على موجودات المصارف لتوفر لنفسها الاموال، في وقت تعاني المصارف من ضعف الاقتصاد، وعدم سداد معظم المقاولين لديونهم، لعجز الحكومة عن تسديد مستحقاتهم".
في المقال بحلقاته الخمس العديد من التشخيصات السليمة لطبيعة الاقتصاد العراقي وسماته الأساسية والاختلالات فيه، ولكن فيه زوغان أيضاً عن العوامل الحقيقية وراء هذا الواقع. إذ أن المقال لا يغوص في عمق المسألة السياسية-الاقتصادية-الاجتماعية العراقية، ويقف عند السطح. ولا أدعي أنه لا يعرفها، ولكنه، على اقل تقدير، يبتعد عنها، لأنها تمس الفئة الحاكمة بالعراق كلها، وهو جزءً عضوي منها، فقد تبوأ وما يزال مناصب سيادية في الدولة والنظام السياسي والأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية الحاكمة ومن كبار الأثرياء بالبلاد. هناك العديد من المقترحات التي يمكن الأخذ بها لو كان ضد وضع السيد الكاتب يده على الجرح المركزي في الوضع العراقي، إذ بهذا الوضع لا تنفع معه تلك المقترحات ولا حتى أفضل الاستشاريين الاقتصاديين بالعراق، إذ إن التغيير الجذري هو الحل الأمثل للواقع العراقي الراهن. وعليه لا بد لمن ينبري لهذا الموضوع أن يسعى لوضع الأمور التي زاغ عنها الكاتب في نصابها الصحيح.

رؤية نقاشية مع أفكار عادل عبد المهدي في مقاله "الانطلاق الاقتصادي"
الحلقة الثانية: ما هي طبيعة العلاقات الإنتاجية الفاعلة بالعراق؟
هناك الكثير من الأسئلة التي تواجه كل كاتب اقتصادي عراقي جاد وموضوعي والتي تفرض عليه ضرورة السعي للإجابة عنها، ومنها: ما هي طبيعة علاقات الإنتاج الفاعلة بالعراق في الوقت الحاضر؟ وما هو مستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية؟ ما هي طبيعة الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث ومؤسساتها؟ وما هي طبيعة السلطة التنفيذية والتشريعية على نحو خاص؟ وما هي طبيعة القوى والأحزاب السياسية الحاكمة بالبلاد؟ وما هي سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الداخلية منها والخارجية؟ وما هي عواقبها تلك السياسات على الاقتصاد والمجتمع؟  وهل للدولة العراقية استراتيجية تنموية ورؤية اقتصادية – اجتماعية عقلانية؟ وهل يمكن إصلاح ما خُرّبَ حتى الآن بنفس القوى الحاكمة ونهجها وأدواتها وأساليبها في الحكم؟ وما هو البديل الذي يفترض العمل من أجله لتغيير ما جرى ويجري حتى الآن لصالح المجتمع العراقي ومستقبل أجياله وتقدم اقتصاده وازدهار شعبه؟
نحن لسنا أمام طلسم يحتاج إلى من يفك أسراره، فأسرار العراق مكشوفة أمام العالم كله. وما يجري بالعراق منذ إسقاط الدكتاتورية البعثية الصدامية الغاشمة يؤكد طبيعة الأوضاع المزرية فيه. ومع ذلك علينا الإجابة عن الأسئلة التي أوردناها وغيرها في عدة حلقات.
يتحدث السيد عادل عبد المهدي عن "الاقتصاد السلطاني" السائدة في صفوف المسؤولين وأصحاب القرار، أي حكام العراق. ولكن لماذا لا يضع النقاط على الحروف ويقول: أن عقلية الحكام السائدة بالعراق حالياً نابعة من طبيعة العلاقات الإنتاجية الفاعلة حتى الآن في العراق، والتي استردت عافيتها بوجود الفئة الحاكمة الحالية بعد أن أجهزت وأكملت التصفية الفعلية لقانوني الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 والقانون رقم 117 لسنة 1970 وعودة كبار ملاكي الأراض الزراعية إلى الهيمنة على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، إضافة إلى عودة العلاقات العشائرية إلى سابق عهدها في الهيمنة على سكان الريف وسكان المدن العشوائية حيث يعيش فيها أبناء الريف السابقين، وكذلك البدء بمناقشة مجلس النواب وإقرار " قانون مجلس قبائل وعشائر العراق" والمصادقة عليه واعتماد الدولة ونظام الحكم والعشائر على هذا القانون في التعامل اليومي، وهي رده اقتصادية اجتماعية وسياسية مريعة عما تحقق في أعقاب ثورة تموز 1958 حين ألغي قانون العشائر واعتمدت القوانين المدنية في التعامل اليومي في المجتمع. إن هذه العلاقات الإنتاجية المتخلفة والعلاقات العشائرية لا تعيق التطور الرأسمالي بالبلاد فحسب، بل وتعرقل تطور الثقافة الديمقراطية والتلاقح الثقافي، وتعيق نمو الوعي السياسي والاجتماعي الديمقراطي والتنويري لدى الغالبية العظمى من السكان، ولاسيما بين النساء، كما إنها تصبح القيم على سلوك الناس وإرادتهم وخنق حريتهم الشخصية والتصرف الفظ بمصالحهم، لاسيما وان التحالف السابق بين كبار الملاكين والمؤسسات الدينية الذي عاشه العراق قبل ثورة تموز 1958 قد عاد إلى الفعل في المجتمع العراقي، وهو بدوره يمارس ما جرى تأكيد دوره السلبي الكبير في دفع الناس إلى الغيبيات والغوص في الخرافات والأساطير وأعمال السحر والشعوذة، وفي استفحال الثقافة البالية وتشويه استشهاد الحسين بين علي بن أبي طالب وصحبه الكرام بممارسة طقوس غريبة عن الدين والثقافة بدلاً من ممارسة أساليب حضارية في إبراز دورهم في الدفاع عن المضطهدين ضد الجائرين والفاسدين من الحكام. إن العلاقات الإنتاجية السائدة حالياً تلعب دوراً معرقلاً لتطور القوى المنتجة المادية والبشرية، لأن هذه العلاقات تمنع فكرياً واجتماعياً وسياسياً من تحويل الأموال المكدسة إلى استثمارات رأسمالية في قطاعي التنمية الإنتاجية، في الصناعة والزراعة، وكذلك في قطاعات الخدمات الإنتاجية والأساسية للسكان كالتعليم والصحة والنقل والاتصالات والمواصلات ..الخ، وكذلك صوب تطوير الفنون الإبداعية الجميلة، إنها المعرقل لكل ذلك لأنها لا تسمح بطبيعتها استخدام أموال الدولة وأموال القطاع الخاص لتحقيق التراكم الرأسمالي المطلوب وتركيزها على الاستهلاك البذخي الذاتي أو توظيفها في شراء العقارات وبناء القصور في والمضاربات وما إلى ذلك في دول أخرى. وهي بهذا لا تفرط بالأموال، وأغلبها منهوب من خزينة الدول وجزء أساسي من السحت الحرام، بل وتمنع تطور الاقتصاد الوطني وتعظيم الثروة الوطنية وتوفير فرص عمل جديدة للعاطلين عن العمل وللأيدي الجديدة التي تدخل سنوياً في سوق العمل المحلي. إنها سياسة مورست خلال السنوات الـ 14 المنصرمة دون احترام لمصالح الإنسان والمجتمع العراقي واقتصاده الوطني. وإذا كان النظام شبه الإقطاعي في العهد الملكي قد استغل الفلاحين ونهب الكثير من قوتهم، إلا إنه خلا من الفساد المالي في سرقة أموال الشعب من خزينة الدولة، كما جرى ويجري مع عودة بقايا تلك العلاقات بصيغة جديدة للفعل في اقتصاد العراق ومجتمعه. والسرقة والتفريط هنا لا يشمل مئات الملايين بل مئات المليارات من الدولارات الأمريكية، وهي سرقة من قوت الشعب. وكان الدكتور أحمد الچلبي قد بدأ بكشف هذه السرقات والتفريط بالمال العام، إلا إنه وبطريقة ما فيها الكثير من الغموض والشك توفى الرجل على حين غرة وبعد أيام قليلة من تصريحاته المعروفة التي استفزت رئيس الوزراء السابق ورهطه، وعلى وفق معلومات الكثير من العارفين بخفايا الفئات الحاكمة بالعراق. 
إن نظرة فاحصة على مستوى تطور القوى المنتجة المادية والبشرية، بعد مرور 14 سنة على الحكم السياسي الطائفي الراهن، تكشف عن تخلف شديد في التقنيات المستخدمة في مختلف مجالات الاقتصاد والخدمات الاجتماعية، وعن تخلف في القطاعين الصناعي والزراعي وعن بقاء المؤسسات الصناعية الحكومية مجمدة إلى حين بيعها بأبخس الأسعار للقطاع الخاص، أو حتى لقاء دينار عراقي واحد. ويكفي ان يتمعن الإنسان في القوى العاملة العراقية، التي لا تجد مجالاً للتعليم المهني والفني والتأهيل المستمر، إضافة إلى تخلف شديد في مستوى التعليم المهني المتوفر وكذلك في عموم قطاعي التربية والتعليم في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات، بحيث أصبح العراق يحتل موقعاً متخلفاً جداً في مجال المقارنة مع مستوى التعليم في دول نامية أخرى بمنطقة الشرق الأوسط، دع عنك عن مستواه في الدول المتقدمة.         
من هنا نشير، وبخلاف البحث في الظواهر السلبية القائمة، علينا التفتيش عن العوامل التي تتسبب في بروز تلك الظواهر السلبية، إذ أن العراق يعاني من تشابك بين علاقات إنتاجية متخلفة وعلاقات رأسمالية طفيلية تجنح إلى التوظيف في العقارات والمضاربة وتجارة الاستيراد السلعي الاستهلاكي والبذخي والتحري عن مجالات الربح السريع والتي لا تسمح بتوجيه الأموال المكدسة صوب توظيفات إنتاجية لتنمية الاقتصاد الصناعي والزراعي واستخدام تقنيات حديثة، كما تقف حجر عثرة في طريق تطوير وتقدم القوى العاملة والتعليم بمختلف مراحله والبحث العلمي وتوفير فرص عمل للعاطلين.

رؤية نقاشية مع أفكار عادل عبد المهدي في مقاله "الانطلاق الاقتصادي"
الحلقة الثالثة: طبيعة ونظام الحكم بالعراق
رؤية نقاشية مع أفكار عادل عبد المهدي في مقاله "الانطلاق الاقتصادي"
الحلقة الثالثة: طبيعة ونظام الحكم بالعراق
من يعمل في الحياة الاقتصادية والسياسية عملياً، دع عنك المختص بعلم الاقتصاد، يدرك طبيعة العلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد، فالسياسات الاقتصادية التي تمارس ببلد ما تعكس بدقة طبيعة الحكم والفئات الحاكمة. ويتجلى ذك بوضوح في العهد الملكي وفي العهود الجمهورية الخمس التالية، أي بضمنها نظام الحكم الحالي. ولهذا يشار إلى الحقيقة التالية: إن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة!
فالقراءة المتأنية لواقع الاقتصاد والمجتمع بالعراق، ولنهج الدولة الاتحادية وطبيعة السلطات الثلاث فيها، وسياسات الحكومة الاتحادية منذ العام 2005 حتى الآن، وما آل إليه الوضع بعد اجتياح عصابات داعش لمحافظة نينوى وغيرها، تكشف بأن النخبة الحاكمة الحالية تنحدر من فئات اجتماعية هامشية وغير هامشية، ولكنها انسلخت عنها لتشكل مجتمعة فئة جديدة أَطلقُ عليها مصطلح "الفئة الرثة"، وهي في الواقع فئة طفيلية، وهي ليست ذات الفئة التي يُطلقَ عليها في الأدب الكلاسيكي الماركسي مصطلح "البروليتاريا الرثة" أو الفئة الهامشية أو المهمشة عملياً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافاً، إنها الفئات الفقيرة والمعدمة في المجتمع. إن "الفئة الرثة" تهيمن على السلطات الثلاث بالدولة العراقية، وتتحكم بها من خلال السلطة التنفيذية.   
وهذه الفئات الرثة الهجينة تسعى إلى الاغتناء على طريقة القطط السمان، وأغلبها أصحاب نعمة حديثة، إذ إنها تستنزف موارد الدولة من الباطن، وبأساليب مافيوية ورشاوى ونهب وسلب علنيين. وهذا الجزء المؤثر والحاسم في النخبة الحاكمة يطبع عمل الحكومة كله ويميزه ويمنحه سلوكية معينة وإجراءات محددة، إذ تسعى هذه الفئة إلى إنعاش وتوسيع قاعدة الفئات التي يصطلح عليها بالطفيلية، سواء أكان ذلك في قطاع المضاربات المالية، أم في قطاع السمسرة العقارية، أم في قطاع المقاولات والعقود النفطية واستيراد السلاح، أم في قطاع التجارة الخارجية والداخلية، أم في المجالات الاقتصادية والإدارية الأخرى وفي المجتمع عموماً. ويبرز هنا دور العلاقات والسلوكيات العشائرية التي لم تعد تنسجم مع القرن الواحد والعشرين أيضاً، بل تعود إلى علاقات ما قبل الرأسمالية، وهي في نشاطها أسوأ من الفترة التي كان العراق يئن تحت وطأة الهيمنة الاستعمارية المباشرة أو شبه الاستعمارية وسياساتها الاقتصادية ووجود كامل للعلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية. إن الواقع العراقي يشير بوضوح إلى تدهور مستمر في الأوضاع العامة. فالوضع القائم بالبلاد يعكس تشابكاً عجيباً يخدم على المدى القريب مصالح النخبة الحاكمة من الفئات الرثة، التي لا يهمها بأي حال تنمية وتطوير الاقتصاد الوطني والمجتمع المدني، بل يتركز همها وجوهر نشاطها على سبل زيادة ثروتها من سرقة المال العام وتعظيم حساباتها المصرفية الخاصة على حساب الاقتصاد الوطني وقوت الشعب. وهي تدعي محاربة الفساد، ولكنها تحتفي بكبار الفاسدين وتسكت عنهم وتضعهم في أعلى مواقع المسؤولية بالدولة العراقية.
ويتركز ذكاء الفئات الرثة في هدف أساسي هو: كيف تحافظ على الوضع القائم وعلى وجودها في السلطة وإدامته بما يسهم في زيادة فرص نهبها لموارد الدولة وإسكات الشعب ومنع احتجاجاته. ولكنها حتى في هذه القضية فشلت في الاحتفاظ والدفاع عن أرض العراق ووحدته، إذ سمحت هذه "الفئات الرثة" باجتياح "داعش" واحتلاله لما يقرب من ثلث مساحة العراق في فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز أياماً معدودة. ومع فرحة تحرير أغلب المناطق، فأن مثل هذه المكاسب العسكرية لا يمكن أن تدوم دون وجود وضع سياسي واقتصادي واجتماعي آخر بالبلاد غير القائم حالياً.
والإشكالية الكبيرة في سياسة هذه الفئة الضارة يكمن في عرقلتها للتنمية الاقتصادية، ولاسيما التنمية الصناعية والزراعية والتنمية البشرية العقلانية، وتتصدى للحداثة وتغيير البنية الاجتماعية، والتي مارسها بول بريمر رغم وجوده القصير بالعراق، إلا إنه كرَّس سياسة وسلوكاً معوجين وفاسدين. ولم يخرج بريمر من العراق إلا بعد أن كرس، وبدعم من النظام الإيراني الطائفي، نظاماً سياسياً طائفياً يقوم على المحاصة الشيعية-السنية-الكردية، ليطمر بذلك، مع أشلاء الحرب، مبدأ المواطنة الحرة والمستقلة والمشتركة بالعراق.
هذه الفئات الرثة والهجينة ليست حديثة العهد بل كانت تشكل جزءاً من قوى المعارضة السياسية للنظام الاستبدادي السابق، وهي التي اتفقت مع الإدارة الأمريكية في أعقاب مؤتمر المعارضة ببيروت عام 1991 على تسلم الحكم، بذريعة أنها تمثل الغالبية العظمى من السكان من الناحيتين الدينية والمذهبية وأن تتفق مع أحزاب سنية وكردية أيضاً. وبالتالي فإن غالبية قوى المعارضة حسمت الأمر على هذه الصورة الطائفية والأثنية في بنية قيادة المعارضة التي وافقت على شن الحرب في سنة 2003م لإسقاط نظام صدام حسين. وكانت تشكيلة الحكم الطائفية القائمة على أساس المحاصصة مطلوبة من الإدارة الأمريكية ومناسبة لمصالحها بالعراق وبمنطقتي الخليج والشرق الأوسط، إذ بهذا الصورة يبقي العراق دون استقرار وفي صراع ونزاع مستمرين يبعده عن التنمية وعن تغيير بنية الاقتصاد الوطني وبنية المجتمع الطبقية ومستوى الوعي السياسي والثقافي. لقد حقق بريمر ما أرادته الإدارة الأمريكية في خلق تلك الأجواء السلبية التي أطلقت عليها "كوندليزا رايز" بـ"الفوضى الخلاقة" Creative Chao، الفوضى المدمرة التي يعاني منها العراق حالياً، بل إن الكثير من دول منطقة الشرق الأوسط تعاني من هذه الفوضى الخلاقة. فما هي السمات التي تميز الفئات الاجتماعية الرثة التي تخلق الرثاثة وتنشرها بالبلاد؟
ابتداءً، يجب أن نشير إلى ضرورة التمييز بين الفئات الهامشية والفئات الرثة، فهما لا يعنيان بشكل تلقائي شيئاً واحداً، كما إنهما ليسا مترادفين، ولكنهما يلتقيان ببعض السمات المشتركة وأهمهما: موقعهما من الإنتاج ومن الملكية لوسائل الإنتاج وفي بعض الأخلاقيات. فالفئات الرثة الحاكمة بالعراق لا علاقة لها بالإنتاج المادي حتى الآن، وهي غير مالكة لوسائل الإنتاج حتى الآن، ولكن تملك الكثير من الأموال المنهوبة من خزينة الدول بسبل كثيرة وغير مشروعة، كما إنها تهيمن على الاقتصاد الوطني وخزينة الدولة من خلال موقعها في الدولة والحكم وفي الأحزاب السياسية المهيمنة حالياً على الساحة السياسية العراقية. وهي تهيمن على موارد البلاد، وخاصة النفط الخام وعوائده المالية المتأتية من التصدير السنوي للنفط الخام، والذي يشكل أكثر من (97%) من صادرات العراق، ونسبة عالية من الناتج القومي الإجمالي ومن الدخل القومي. ففي مقال للدكتور مظهر محمد صالح ورد بهذا الصدد ما يلي: "ما ا زلت الثروة النفطية هي المورد السيادي المالي الغالب الذي تصطف حوله قوة الدولة الاقتصادية والسياسية مركزيا، سواء في دور عوائد النفط في تركيب الناتج المحلي الإجمالي الذي لا يقل عن 45 – 55 % من اجمالي الناتج المذكور أو في موارد الموازنة العامة الاتحادية التي تزيد على 90 %". (أنظر: د. مظهر محمد صالح، قراءة في مستقبل الاقتصاد السياسي للعراق، شبكة الاقتصاديين العراقيين، نشر بتاريخ 3 أيلول/سبتمبر 2017).
والاقتصاد العراقي رهينة بيد هذه الفئة الاجتماعية الرثة التي توجه الموارد المالية صوب مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة، وبعيداً كل البعد عن مصالح الشعب والاقتصاد الوطني والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبشكل خاص التنمية الصناعية أو حتى استخدام النفط في التصفية وفي الصناعة التحويلية أو في تطوير البنية التحتية، بما في ذلك الطاقة الكهربائية ونظافة المدن والبناء والشوارع. وهي فئة نهابة للثروة الوطنية، وتحت وطأة حكمها يسود الفساد المالي والإداري بكل صوره وأبعاده وعواقبه على الاقتصاد والمجتمع، كما ينتشر الخراب والبؤس والفاقة الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية والمدنية والحضارية بالمدن.
هذه الفئات الرثة الحاكمة بالعراق لا تعرف الوطن ولا الدين الذي تتبناه شكلياً ولا المذهب الشيعي أو السني الذي تدعي الانتساب إليه، ولا الطائفة التي تتبجح بالدفاع عنها، فالمصالح الذاتية لكل فرد فيها هي الغاية الأساسية، وهي الوسيلة والهدف، إنها السلطة بما تعنيه من نفوذ وهيمنة ومال وجاه وإقصاء واستئصال للفكر الآخر والشخص الآخر والحزب الآخر والشعب الآخر. ولو كان في مقدورها أن تحكم بدون الناس لتخلصت منهم أيضاً! واليوم ينهض تحالف شيعي – سني يمثل الأحزاب الطائفية وليس جماهير الشيعة والسنة وعرابه القيادة الإيرانية، وحديثاً السعودية أيضاً. وهو الذي يفترض أن يفضح. في مثل هذ النظام السياسي لا تنفع التوصيات والمقترحات التي يقدمها الاقتصادي "الإسلامي" عادل عبد المهدي. إن المزيد من الناس بدأوا يدركون تدريجاً طبيعة هذه الفئة وطبيعة الحكم السياسي الطائفي المسؤول عن كل ما حصل بالعراق خلال الـ 14 سنة المنصرمة، وهي التي يجب أن تترك مكانها ليقرر الشعب من يفترض ان يحكم البلاد وعلى وفق أسس ديمقراطية-علمانية وعدالة اجتماعية.
انتهت الحلقة الثالثة وتليها الحلقة الرابع.

د. كاظم حبيب
رؤية نقاشية مع أفكار عادل عبد المهدي في مقاله "الانطلاق الاقتصادي
الحلقة الرابعة
غياب الرؤية الاستراتيجية والعقلانية للتنمية الاقتصادية والاجتماعي بالعراق
إن عرض اللوحة الاجتماعية للنخبة الحاكمة بالبلاد يشير لنا بأن السياسات الاقتصادية التي تمارس في العراق تعبر عن هذا الخليط الاجتماعي المركب وتتجلى فيها العلاقة الجدلية لا بين السياسة والاقتصادية بشكلها العام والظاهر حسب، بل وبمضامينها الاجتماعية أو الطبقية، التي تحرص على مكافحة الطبقة الوسطى أو البرجوازية الصناعية المتوسطة والطبقة العاملة وفئة المثقفين الواعين لدورهم ومهمتهم في المجتمع، وتحديث وتنويع القطاع الصناعي وحل المسألة الزراعية وتحديث الزراعية وتنويع بنية الإنتاج الزراعي وتنظيم التجارة الخارجية وتغيير بنيتها لصالح عملية التنمية الوطنية والتصنيع ...الخ، وتوجيه الاستثمارات الحكومية والخاصة لتحقيق التنمية.
حين يكون الحكم على مستوى البلاد والمحافظات بيد هذه الفئات الاجتماعية التي تحدثنا عنها، سيجد المتتبع تجليات ذلك في غياب الرؤية العقلانية أو الرشيدة لعملية التنمية الآفاقية وعلى المدى البعيد أو ما نطلق عليه بـ "إستراتيجية التنمية الوطنية" التي يفترض أن تمتد لعقدين أو أكثر من السنين. وهذا الغياب هو الذي يميز السياسة الاقتصادية والمالية والاجتماعية الفعالة والواقعية، حيث يغيب أيضاً التوزيع الرشيد للمهمات والأهداف والتقديرات للاستثمارات على خطط خمسية وسنوية وعلى مستوى الحكومة الاتحادية والمحافظات مثلاً. وفي غياب استراتيجية التنمية الوطنية الشاملة وتقدير حاجات البلاد ذات المدى البعيد للموارد المالية بصورة علمية تقريبية، تغيب أيضاً استراتيجية السياسية النفطية في البلاد وتتحول إلى تصريحات فارغة وتقديرات متباينة ومزاجية يدلي بها هذا الوزير أو ذاك حول كمية النفط التي يراد استخراجها وتلك التي يمكن تصديرها أو التي يمكن استخدامها في عمليات التكرير أو التصنيع الأخرى. وهو ما عاشه العراق وما زال في جولات العقود الخائبة التي وقعها حسين الشهرستاني جزافاً، وهي التي تلحق اليوم أضراراً غير قليلة بالعراق. كما ينطبق هذا النهج غير العقلاني والفاسد على القطاعات الأخرى ولاسيما الكهرباء.
إن هذه الفئات الاجتماعية غالباً ما تكون انتقائية وعفوية وذات رؤية ضبابية لما يفترض أن ينمو ويتطور في العراق حالياً وفي المستقبل. هذا ما عاشت فيه البلاد في فترة حكم القوى القومية والبعثية منذ 1963 حتى سقوط نظام البعث وصدام حسين. لقد امتلكت سلطة حزب البعث جهازاً للتخطيط وكفاءات كبيرة وممتازة وإمكانيات مالية كبيرة ووضعت للعراق خطة بعيدة المدى عمل عليها الكثير من الباحثين الممتازين من أمثال الدكتور عبد الرحمن قاسملو والدكتور صبري زاير السعدي والدكتور جعفر عبد الغني والدكتور كامل العضاض والدكتور فرهناك جلال وصباح كچه چي وعشرات من الخبراء والمختصين غيرهم، إضافة إلى بعض الأجانب، كما وضعت خطط خمسية مهمة، ولكن العفوية والانتقائية والرغبات الذاتية كانت سيدة الموقف التي حددت ما يفترض أن يقام في العراق من مشاريع، وهي التي أبعدت كل الخطط عملياً وتركت صدام حسين وطه ياسين رمضان وعزت الدوري يتحكمون اعتباطاً بوجهة تطور الاقتصاد باتجاه التصنيع العسكري على وفق الذهنية العسكرية الراغبة في القمع والحرب والتوسع.
حين تضع استراتيجية للتنمية الوطنية ستكون بحاجة ماسة إلى معلومات تفصيلية عن واقع العراق الاقتصادي والاجتماعي، وإلى رؤية واقعية وصحيحة للإمكانيات المتوفرة في البلاد من النواحي المالية والفنية والكوادر العلمية والفنية والإدارية والعلاقات العربية والإقليمية والدولية المتحركة ووعي ديناميكية المتغيرات التي يمكن أن تطرأ عليها، وان تضع أكثر من احتمال، ثم تحاول استخدام عملية التقريب المتتابع للوصول إلى النموذج الأكثر قرباً للواقع القائم والمتغير. ويدخل في التأثير على هذا الأمر الموقف من قضايا مهمة منها مثلاً: النموذج الاقتصادي الذي تسعى إليه النخبة الحاكمة والموقف من التصنيع والزراعة وبقية القطاعات، وكذلك الموقف من التنمية البشرية ومن البحث العلمي ومن القطاعين الخاص والعام والقطاع المختلط والقطاع الأجنبي ...الخ. وأسمح لنفسي أن أجزم بأن الحكومات الثلاث المنصرمة (علاوي والجعفري والمالكي) والحكومة الحالية، رغم وجود مستشارين جيدين، لم تكن، وليس لديها الآن، رؤية علمية وواقعية لما يفترض أن تكون عليه استراتيجية التنمية الاقتصادية والبشرية، ولكن لدى الكثير من الحكام والعاملين في الحكومة وأجهزة الدولة قدرة فعلية خارقة على أساليب وأدوات الاغتناء على حساب المال العام. وهي مشكلة أخرى ترتبط بدورها بالفقرة السابقة، بالطبيعة الاجتماعية للفئات الحاكمة والذهنية التي تتعامل بها مع الشعب العراقي ومع ثروة البلاد.
وحين توضع استراتيجية للتنمية الوطنية يفترض أن يؤخذ بنظر الاعتبار الثروة الخامية المتوفرة في البلاد، أي النفط الخام والغاز المصاحب بشكل خاص، إضافة إلى موارد أولية أخرى، والموارد البشرية والقدرات العلمية والفنية المتوفرة. وعليه يفترض أن يعتمد المخطط للاقتصاد العراقي على النفط الخام، كمادة أولية، وعلى موارد النفط المالية لتحقيق التنمية الاقتصادية وتغيير بنية الاقتصاد خلال 25 سنة القادمة. ولا بد لنا وبالرغم من الأوضاع المرتبكة الراهنة في العلاقات بين العراق والدول المجاورة والعراق والدول العربية، فأن أي استراتيجية تنموية عراقية يفترض فيها أن تأخذ بالاعتبار التعاون والتنسيق العربي والإقليمي، لأسباب ترتبط بمجموعة من العوامل، سواء أكانت من حيث مستوى التقنيات وحجم رؤوس الأموال وحجم الإنتاج ومستوى الإنتاجية والتكاليف والقدرة على التسويق، خاصة وان العراق يعيش في عصر يزداد عولمةً من سنة إلى أخرى، ويفترض أن لا ينسى ذلك بغض النظر عن الملاحظات التي يفترض أن توضع على واقع سياسات العولمة الجارية من جانب الدول الرأسمالية المتقدمة التي لا تصب في صالح الدول النامية، ومنها العراق، وبشكل خاص من خلال سياسات المؤسسات المالية الدولية ونموذجها للتنمية، تلك المؤسسات التي يتصدرها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الدولية الحرة.
هناك الكثير من المسائل التي يفترض أن نتطرق إليها في مجال استراتيجية التنمية الغائبة عن العراق، ولكن يمكن الاكتفاء  بالإشارة السريعة إلى مسألة تعتبر أساسية بالنسبة للعراق في ضوء الرثاثة السائدة بالعراق وتلوث البيئة نتيجة عواقب الحروب واستخدم السلاح الكيماوي من جانب النظام، والعتاد المشع من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، التي أدت إلى تفاقم التلوث وعواقبه الوخيمة.  وقد ظهرت أمراض خبيثة عديدة في العراق، وخاصة في جنوبه. ولهذا لا بد للعراق حين يضع استراتيجية تنموية أن يفكر بالتنمية الاقتصادية، وباقتصاد النفط الاستخراجي والتصنيعي، التي يفترض أن تقترن بحماية فعلية للبيئة من التلوث بمختلف احتمالاته، وأخص بالذكر هنا موضوع التنمية الصناعية والزراعية بما يحقق التوافق المناسب والمطلوب بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة والطبيعة. إذ بدون ذلك سيتفاقم تعرض العراق لمشكلات بيئية كثيرة تعرض حياة البشر إلى أخطار كبيرة، كما سيصرف أضعاف ما يصرفه اليوم من أموال على التنمية من أجل إعادة تنظيف البيئة التي يصعب عندها تنظيفها من التلوث. إنها عملية ضرورية ما دام الإنسان يريد أن يعيش على الأرض العراقية وينعم بثرواتها الأولية ويبعد عن أجياله الحالية والقادمة أعباء الأمراض الخطيرة والموت المبكر والخسائر المالية الكبيرة بسبب تلوث البيئة.
ولكن يستحيل تحقيق التنمية المنشودة إلا حين يستطيع المجتمع أن يخلق ميزان قوى جديد لصالح الفئات المنتجة للثروة الاجتماعية، للسلع المادية والروحية، ولصالح البرجوازية المتوسطة والصغيرة، التي تريد استثمار رؤوس أموالها في التنمية الصناعية والزراعية، عندها يمكن تأمين الضغط الضروري على الفئة الحاكمة لتمارس سياسة اقتصادية فيها شيء من الاستقلالية عن مصالح الفئات المالكة للأموال، أو ما يحقق شكلاً من أشكال التوازن في المصالح، بما يسهم في دفع عجلة التطور والتقدم إلى الأمام. ومثل هذه الحالة تستوجب نضالاً شاقاً من جانب القوى المعبرة عن مصالح تلك الفئات لتنعكس في مجلس النواب وفي تشكيلات مجلس الوزراء وفي القوانين والقرارات التي تصدر عن الحكومة ومجلس النواب. وإلى ذلك الحين، إلى حين تحقيق التغيير الجذري، سيبقى العرق يئن تحت وطأة مشكلاته العصية الراهنة.



الحلقة الخامسة والأخيرة
البديل المنشود لتحقيق التنمية والانطلاقة الاقتصادية
يراهن السيد عادل عبد المهدي على نظام الحكم القائم لتحقيق الانطلاقة الاقتصادية، وأراهن من جانبي على إن النظام السياسي الطائفي والمستند إلى المحاصصة الطائفية والذي تقوده أحزاب إسلامية سياسية طائفية، سواء المهيمنة على قيادة الحكم أم المشاركة فيها، وسواء أكانت شيعية أم سنية، غير قادر على تحقيق الانطلاقة الاقتصادية والسير على طريق التنمية الاقتصادية والبشرية المستقلة والواعية لتحقيق التغيير المنشود في البنيتين الاقتصادية والاجتماعية وفي الوعي لدى الفرد والمجتمع بالعراق. كما إنها غير قادرة على الحفاظ على وحدة الوطن وسلامة الشعب. وهذا التشخيص ليس اجتهاداً وادعاءً مني، بل هو حصيلة فعلية قائمة للسياسات والممارسات السيئة وغير الديمقراطية الناجمة عن طبيعة النظام الطائفي وأهدافه ونهجه وسلوكه في التمييز والتهميش والإقصاء للآخر، الذي عاش ويعيش حتى الآن تحت وطأته العراق بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهات الفكرية خلال السنوات 14 المنصرمة والذي اقترن بفساد سائد بالبلاد باعتباره نظاماً قائما ومعمول به. وآخر دليل على ذلك يبرز في قرار إعفاء عبد الفلاح السوداني الذي طالبت هيئة النزاهة باعتقاله، واعتقل فعلاً ببيروت، ثم طالبت الحكومة بإخلاء سبيله لأن قراراً بالعفو صدر عنه من جانب الحكومة الحالية. إن السوداني عضو قيادي في حزب الدعوة الذي يترأسه حتى الآن نوري المالكي، نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء السابق، كما أن رئيس الوزراء الحالي هو عضو قيادي في هذا الحزب الشؤم. وكل الوزراء والنواب أو الأبناء الذين سرقوا وهربوا أو هربوا وأولئك الذين زوروا الشهادات واحتلوا مناصب مهمة، وجدوا الاحتضان والعفو من قبل أحزاب الإسلام السياسي الطائفية، الشيعية منها والسنية، ومن الحكومة المعبرة عن تلك الأحزاب.
لا يمكن للعراق المتعدد القوميات والمتعدد الديانات والمذاهب والمتعدد الاتجاهات الفكرية والسياسية أن يستقيم ويتطور ويحقق الوحدة الوطنية ويعزز نسيجه الاجتماعي الوطني الديمقراطي بوجود مثل هكذا نظام سلفي يعود لقرون خلت، بل لا بد من تأكيد معايير ومبادئ وأسس وأهداف حضارية تعود للقرن الحادي والعشرين، التي من شأنها أن تدفع بالعراق نحو الأمام وليس الانكفاء على الماضي ومآسيه وعلى القوى التي لا تحترم إرادة الإنسان وكرامته: وهنا أطرح بوضوح ما التزمت به قوى التيار الديمقراطي العراقي وما أضافت إليه واقترحته للمناقشة لجنة المبادرة لتوحيد القوى الديمقراطية واليسارية واللبرالية والشخصيات الدينية العلمانية والشخصيات والقوى المستقلة: 
المعايير والثوابت والقواسم المشتركة:
تتفق القوى المستهدفة على المعايير والاسس التالية:
** المواطنة أولاً، واحترام الهويات الفرعية.
** الديمقراطية السياسية والاجتماعية.
 ** الدولة المدنية الحديثة.
 ** العدالة الاجتماعية.
 ** استقلال القضاء.
 ** ضمان استقلال المفوضيات المستقلة عن الأحزاب السياسية والسلطة التنفيذية
 ** احترام حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة، وضمان حرية التعبير عن الرأي والتظاهر والاعتصام، وحرية الصحافة.
 ** اللامركزية وصلاحيات موسعة للمحافظات، في ظل عراق ديمقراطي فدرالي موحد.
 ** وضع القوانين والنظم المنظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم على وفق     
      الدستور.
 ** احترام التنوع وخيارات الاتحاد الطوعي وحق تقرير المصير على وفق احكام الدستور.
 ** سيادة العراق ارضاً وجواً وبحراً.
 ** نظام الحكم تعددي برلماني.
 ** التداول السلمي للسلطة وفق انتخابات نزيهة حرة وعادلة.
 ** الفصل بين السلطات.
 **  الفصل بين الدين والدولة.
 ** سيادة القانون وانفاذه دون تمييز.
 ** القوات المسلحة الوطنية بصنوفها وتشكيلاتها كافة هي الجهة الشرعية الوحيدة التي تحمل      السلاح دفاعا عن ارض العراق وامنه الداخلي.
 ** الجيش هو المسؤول عن حماية حدود العراق وسيادته.
 ** الشرطة وجهاز الأمن الداخلي هما المسؤولان عن الأمن الداخلي للبلاد.
 ** الاصطفاف الوطني الشامل ضد الارهاب والتطرف والتكفير والفساد.
 ** إعادة النازحين الى مدنهم وديارهم، واعادة الاعمار لمدنهم وتعويضهم.
نحو ميثاق وطني يتضمن:
 إجراء تعديل في الدستور يخلصه من الاختلالات الراهنة، وبما يضمن ترسيخ الديمقراطية والحداثة واحترام مبدأ المواطنة
** وحقوق الإنسان وتحريم التمييز بمختلف أشكاله وضد نشر الكراهية.
 ** تشكيل حكومة كفاءات وطنية عابرة للطائفية ورافضة لها.
 ** الاصلاح الحقيقي (السياسي، الاقتصادي، والاجتماعي والاداري والمالي والبيئي).
** استكمال تحرير الارض، ومواصلة مواجهة الارهاب وذيوله فكرياً وسياسياً وأمنياً. واستكمال بسط نفوذ سلطة الدولة ودحر الإرهابيين وإنهاء الانفلات الأمني، عسكريا وفكريا.
** حل مشكلات النازحين وقضايا المهجرين الناجمة عن كل فترة الصراع المسلح ورفض التغيير الديمغرافي وإعادة النازحين إلى ديارهم وإعادة الأعمار وتعويض المتضررين.
 ** إطلاق حملة شاملة لمواجهة مبرمجة ومنظمة للفساد واسترداد الأموال، وإجراء محاكمات عادلة      للفاسدين.
 ** استكمال مشروع المصالحة السياسية والمجتمعية على أسس قويمة.
 ** العمل على معالجة قضايا العدالة الانتقالية وحل مشكلات المعتقلين بمحاكمات عادلة للمتهمين أو إطلاق سراح المعتقلين دون مبرر فوراً وتعويضهم.
 ** الاهتمام بقضايا التنمية المستدامة، واستنهاض الاقتصاد الوطني بمزيد من الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية والخدمات الإنتاجية، لاسيما ملفات البنى التحتية، ومنها الكهرباء والماء
     والنقل والمواصلات والاتصالات.
 ** الاهتمام بمشكلة المياه والحصص المائية مع دول الجوار والمنفذ البحري للبلاد.
 ** تنشيط القطاعات الاقتصادية الخاص والمختلط والحكومي بما يسهم في تسريع عملية التنمية
     الاقتصادية والبشرية.
 ** الاهتمام بالسياحة وتوفير مستلزماتها باعتبارها توفي مورداً إضافياً للدخل القومي.
 ** معالجة مشكلة البطالة المتفاقمة ولاسيما بين الشبيبة، وعواقبها.
 ** معالجة تنامي الفقر وتزايد عدد الفقراء الذين يعيشون تحت خطر الفقر المحدد للدول النامية.
 ** الانتهاء من وضع قانون وطني فعال لشركة النفط الوطنية، وربط موارد النفط المصدر بالتنمية المستدامة وعملية التصنيع وتحديث الزراعة وتنويعها، بما يسهم في تخليص الاقتصاد العراقي من طابعه الريعي الاستهلاكي.
 ** العمل على تأمين الأمن الاقتصادي والغذائي للمجتمع العراقي.
 ** وضع القوانين الناظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم على وفق الدستور واعتماد المفاوضات في حل المشكلات القائمة بينهما، وكذلك مع الحكومات المحلية في المحافظات.
 ** ايلاء اهتمام استثنائي لقضية المرأة العراقية ومساواتها الكاملة في الحقوق والواجبات مع الرجل.
 ** إيلاء اهتمام خاص بالشبيبة واغناء حياتهم الثقافية والرياضية بمختلف جوانبها.
 ** إيلاء الثقافية الوطنية بجميع حقولها اهتماماً خاصاً وتوفير مستلزمات وصولها لفئات الشعب
      كافة.
 ** إصلاح المنظومة الانتخابية.
 ** إصلاح المفوضيات والهيئات المستقلة ومنع تدخل السلطة التنفيذية بشؤونها.
 ** التدقيق في اختيار شخصيات اعضاء المحكمة الاتحادية العليا وحصرهم بالقضاة المتمرسين المشهود لهم بالنزاهة والاستقلالية والثقافة.
 ** إصلاح أسس التربية والتعليم والبحث العلمي ووضع برامج علمية وديمقراطية لمختلف مراحل
     الدراسة. التوسع بالتعليم المهني والفني بما يتجاوب مع ضرورات التوسع بالتنمية. إنشاء مجلس 
    وطني أعلى للتعليم يأخذ على عاتقه وضع استراتجية التربية والتعلم
 ** إصلاح نظام الخدمات الصحية والتأمين الصحي والرعاية الاجتماعية والضمان الاجتماعي
     والاهتمام بذوي الحاجات الخاصة.
 ** توفير مستلزمات العيش الكريم للأرامل وأيتام سنوات الاستبداد والحروب والإرهاب.
 ** وضع حد للتدخل الخارجي بكل اشكاله في شؤون العراق الداخلية، والعمل لإقامة أفضل العلاقات    مع جميع الدول على أسس الاحترام والمنفعة المتبادلين والمصالح المشتركة.
بمثل هذا البرنامج يتمكن العراق من الحفاظ على وحدته واستقلاله وضمان سيادته وتمتع الشعب بخيراته وتمتع الفرد بحريته وكرامته وحقه في اختيار الدين أو المذهب أو الفكر الذي يناسبه ويحقق طموحاته مع الاحترام الكامل لحرية الآخر، وكما جاء في المثل المعروف "مد يدك بحيث لا تمس أنف غيرك". 

29
من اجل توحيد القوى الديمقراطية العراقية في مواجهة النظام السياسي
 الطائفي ومحاصصاته وضد الفساد والارهاب
تحت هذا الشعار تقييم لجنة تنسيقية التيار الديمقراطي العراقي في المانيا مع لجنة
المبادرة لتوحيد القوى الديمقراطية العراقية  ندوة حوارية حول مبادرات جمع وتوحيد كل القوى الديمقراطية العراقية وذلك في الساعة الثانية عشر  من يوم السبت المصادف 30-09-2017 والدعوة عامة للجميع .
البرنامج
الافتتاح بعزف  على الة العود
كلمة الترحيب
الجزء الاول من الساعة الثانية عشر الى الساعة الثالثة يتضمن طرح  مبادرات كل من
مبادرة التيار الديمقراطي
مبادرة الدكتور كاظم حبيب
مبادرة الحزب الشيوعي العراقي
مداخلة الاستاذ ضياء الشكرجي
لكل مبادرة 20  دقيقة
فترة الغداء
الجزء الثاني من الساعة الرابعة الى الساعة السادسة
البرنامج السياسي للمبادرات ومناقشته
البيان الختامي
NEUES  DEUTSCHLANDالعنوان .
FRANZ-MEHRING-PLATZ -1
10243 BERLIN

30
كاظم حبيب
طبيعة وقوى الصراع الجاري بالعراق
يتبلور الصراع الجاري بالعراق في المرحلة الراهنة فعلياً حول طبيعة الدولة التي يفترض أن تكون عليه بسلطاتها الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضاء، والمؤسسات الأخرى التابعة لها. ففي الوقت تسود العراق حالياً دولة طائفية - اثنية سياسية وزعت سلطاتها الثلاث ومؤسساتها العسكرية والمدنية على أسس المحاصصة الطائفية والأثنية السياسية المذلة لمبدأ المواطنة وكل المواطنات والمواطنين بالبلاد، والتي قادت البلاد إلى أسوأ العواقب، سواء أكان بتدمير النسيج الوطني والاجتماعي للشعب العراقي بكل قومياته واتباع دياناته ومذاهبه، أم بإشعال الحرائق الطائفية بين المليشيات الطائفية المسلحة التابعة للأحزاب الإسلامية السياسية وجر القوى الإرهابية الإسلامية المتطرفة والتكفيرية الإقليمية والدولية إلى العراق والتي ما تزال تمارس الإرهاب الواسع النطاق، أم ممارسة القتل على الهوية الدينية والمذهبية في طول البلاد وعرضها، أم بسيادة الفساد المالي والإداري في كل الدولة العراقية، وبالتالي تعطيل عملية التنمية والبناء والتعمير وتوفير الخدمات بالبلاد، أم بتسليم أجزاء عزيزة من الوطن العراقي إلى قوى الإرهاب الإسلامي الدولي (داعش) والبطش بالشعب قتلاً وسبياً واغتصاباً وبيعاً للنساء في سوق النخاسة الإسلامي ونهباً وتدميرا للإرث الحضاري العراقي. هذا النظام السياسي، وهو جزء أساسي ومركزي من سلطات الدولة الثلاث، الذي هيمن منذ العام 2005 على بقية السلطات، يدار من قوى وأحزاب إسلامية سياسية شيعية، مع وجود تبعي لأحزاب إسلامية سياسية سنية راكعة ومشاركة في كل ما وقع للعراق وشعبه من مآسي وكوارث مدمرة ما تزال مستمرة. هذا النظام، الذي يرفض المهيمنون عليه، إجراء أي تغيير حقيقي على قانون الانتخابات وعلى بنية المفوضية العليا "المستقلة!" للانتخابات، ويمارسون الفساد والتزوير والتشويه بأسوأ صوره، هو الذي يجب أن يتغير لصالح دولة ديمقراطية علمانية حديثة، دولة تترك خلفها الهوية الطائفية لصالح الهوية الوطنية وتحترم كل الهويات الفرعية، دولة دستورية ديمقراطية برلمانية نزيهة تكافح الإرهاب والفساد وتطهر البلاد منهما ومن رجس العنصرية والطائفية والإرهاب والعنف والفساد. إن الطائفية السياسية الجارية بالحكم والمجتمع هي من فعل الأحزاب الإسلامية السياسية، وهي لم تأت من فراغ ولم تنزل من السماء، بل من الأحزاب الإسلامية السياسية القائمة بالبلاد ومن دول الجوار ذات النهج والسلوك الطائفيين المدمرين، سواء أكانت حكوماتها تتتبع المذهب الشيعي، كما بإيران، أم المذهب السني، كما بالسعودية وقطر وتركيا، على سبيل المثال لا الحصر. هذا هو جوهر الصراع. وهذا الصراع تخوضه قوى بعينها، تخوضه قوى وأحزاب إسلامية سياسية، سواء أكانت ضمن البيت الشيعي، أم الجماعات السنية، سواء تلك المتحالفة حالياً مع رئيس قائمة "دولة القانون!" وعرابها النظام الإيراني، أم خارج هذا التحالف، ولكنها تمارس النهج الطائفي أيضاً من جهة، والقوى الديمقراطية، سواء أكانت يسارية، أم ليبرالية، أم قوى مستقلة، أم قوى دينية علمانية تؤمن بضرورة إبعاد الدين عن السياسة وعن الدولة من جهة ثانية. في هذه المسألة الجوهرية يفترض أن يكون الموقف واضحاً وجلياً وليس ضبابياً يقود إلى عواقب وخيمة بالنسبة للرؤية السليمة للواقع العراقي ولحركة الأوساط الشعبية والفئات الاجتماعية.
يتبلور اليوم وبشكل ملموس نسبياً اتجاه مهم في المجتمع، ولاسيما بين المسلمين، وهو موجود لدى أتباع الديانات الأخرى بالعراق، بأن على الدولة أن تكون حيادية إزاء الديانات وأتباعها، من أجل تجنب الصراعات الدينية والمذهبية التي سقط في مستنقعها العراق منذ العام 2003 حتى الآن. وهو درس مهم للوقت الحاضر والمستقبل. والقول الذي يشير إلى أن الصراع الجاري ليس مع المسلمين، هو صحيح جداً، ولكن الصراع هو مع تلك الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية التي ما تزال تصر على ممارسة السياسة الطائفة وترفض الدولة الديمقراطية العلمانية وترفض المجتمع المدني الديمقراطي، إذ لا يكفي أن يقول الإنسان ضد الطائفية، وكفى المؤمنين شر القتال، إذ أن الطائفية ليست حالة مجردة، بل هي محمولة من قوى وأحزاب إسلامية سياسية ولديها ميليشيات وعلى القوى الديمقراطية تشخيصها بوضوح ودون مجاملات فارغة لا تقود إلى الرؤية المطلوبة، ولكي لا يلتبس الأمر على الناس ويتشوش الموقف الصحيح المطلوب في الصراع الجاري في المجتمع. نحن في صراع مع الإسلاميين الطائفيين السياسيين الذي فرضوا الطائفية السياسية على الحكم والمجتمع ومارسوا التمييز والتهميش والإقصاء بكل أشكاله المرضية التي وضعت العراق في حالته الراهنة! وهؤلاء هم في الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية والسنية التي لم تتخل عن نهجها حتى الآن! 
                   

31
من اجل توحيد القوى الديمقراطية العراقية في مواجهة النظام السياسي
الطائفي ومحاصصاته وضد الفساد والارهاب

تحت هذا الشعار تقيم لجنة تنسيقية التيار الديمقراطي العراقي في المانيا مع لجنة المبادرة لتحريك ودعم التوجه صوب التعاون والتنسيق والتحالف بين القوى الديمقراطية العراقية ندوة حوارية حول مبادرات جمع وتوحيد كل القوى الديمقراطية العراقية وذلك في الساعة الحادية عشر من صباح يوم السبت المصادف 30-09-2017 والدعوة عامة للجميع.
البرنامج
الافتتاح: عزف منفرد على آلة العود
كلمة الترحيب
الجزء الاول من الساعة الحادية عشر الى الساعة الواحدة والنصف ويتضمن:
طرح المضامين الأساسية للمبادرات وأوضاع العراق الراهنة وضرورات وحدة القوى الديمقراطية:
** مطالعة لجنة تنسيق قوى التيار الديمقراطي العراقي في المانيا ويقدمها الأستاذ هيثم الطعان، عضو تنسيقية الخارج وممثل تنسيقية ألمانيا.
** مطالعة منسق لجنة المبادرة لتحريك ودعم التوجه صوب التعاون والتنسيق والتحالف بين القوى الديمقراطية العراقية، الدكتور كاظم حبيب 
** مطالعة ممثل منظمة الحزب الشيوعي العراقي في ألمانيا
** مطالعة الشخصية الديمقراطية العلمانية المستقلة الاستاذ ضياء الشكرجي
** يدير الندوة الشخصية الديمقراطية العراقية السيد الدكتور صادق اطيمش
لكل مبادرة 20 دقيقة
وقت المناقشة: من الساعة الثانية عشر والنصف حتى الساعة الثانية والنصف
فترة الغداء
الجزء الثاني من الساعة الثالثة والنصف الى الساعة السادسة مساءً
مقترحات البرامج السياسية للمبادرات ومناقشتها
عزف موسيقي
البلاغ الختامي
NEUES DEUTSCHLAND, 10243 BERLIN ,FRANZ-MEHRING-PLATZ -1


32
كاظم حبيب
من أجل عراق ديمقراطي يزيح الطائفية السياسية ومحاصصاتها المذلة!

لم يكن سقوط نوري المالكي في أعقاب تسليمه الموصل لعصابات داعش وتسببه بالمجازر والإبادة الجماعية التي وقعت بنينوى سقوطاً له وحده، بل كان سقوطاً مدوياً للنظام السياسي الطائفي ومحاصصاته الطائفية والأثنية المذلة للشعب، سقوطاً للأحزاب والقوى الدينية الإسلامية السياسية الطائفية، الشيعية منها والسنية الحاكمة، كما كان سقوطاً للنعرات القومية الشوفينية وتلك المصابة بضيق الأفق القومي. وكان هذا السقوط إعلاناً بوجود نظام سياسي بمثابة جثة هامدة متعفنة يراد دفنها قبل أن تتسبب بأمراض جديدة. ولكن المشكلة برزت في عدم وجود دفان لها وحامل قادر على النهوض بمهمات الوضع الجديد، مما أدى إلى استبدال الوجوه لا غير، وهو أمر أدركه الكثير من أبناء وبنات العراق بحسهم السياسي الفطري. وكان الحراك الجماهيري وتنوع القوى المشاركة فيه، ابتداءً من الحراك المدني ومروراً بالتحركات المهنية لكثير من التجمعات السكانية والتظاهرات والإضرابات المطالبة بالكهرباء أو غيرها من الخدمات الاجتماعية المغيبة حتى الآن، وانتهاءً بتحرك واسع وقوي ومؤثر لقوى التيار الصدري السياسي-الاجتماعي. بمعنى أخر إن الظرف الموضوعي كان مؤهلاً لا لتغيير الطاقم الحاكم حسب، بل والتخلص من النظام السياسي الطائفي وبناء نظام سياسي ديمقراطي علماني لصالح الشعب المستباح. والخلل في الواقع العراقي يبرز في عدم نضوج الظرف الذاتي، أي عدم نضوج قدرات القوى المناهضة للنظام السياسي الطائفي ومحاصصاته للنهوض بعملية التغيير السلمي والديمقراطي لمسيرة الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث ومجمل الوضع العام بالعراق، مع ادراكنا للدور السيء الذي تلعبه إيران على نحو خاص وعبر تدخلها ووجودها الفعلي بالعراق في استمرار النظام الطائفي ومحاصصاته في الحكم ومناهضة أي تغيير منشود من اشعب العراقي حتى الآن.
هذا الواقع ما يزال إلى حدود غير قليلة مؤثراً في الوضع العام، رغم التحسن المتنامي في الظرف الموضوعي، وانكشاف أكبر لفضائح القوى الحاكمة ومن يقف خلفها، لصالح التغيير، وكذلك رغم تحسن الظرف الذاتي للقوى الساعية للتغيير، أي القادرة بشكل أفضل على تحمل المسؤولية. إذن أين المشكلة؟ المشكلة كما أرى في تبعثر جهود القوى المعارضة للنظام السياسي الطائفي والمحاصصة الطائفية، وفي عجزها حتى الآن عن إيجاد اللغة المشتركة وأساليب النضال المشتركة التي تنعكس في برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي مشترك لكل القوى الديمقراطية التي يعز عليها استمرار معاناة الشعب!
هذا الواقع هو الذي يحرك القوى الديمقراطية العراقية إل التفتيش عن إمكانيات للتعاون والتنسيق والتكامل في النضال لصالح التغيير. ومن هذا المنطلق أيضاً بدأ في الفترة بين عامي 2015/2016 التفكير لدى مجموعة من العراقيات والعراقيين بالخارج حول مدى إمكانية المساهمة في هذا الجهد والمبادرة إلى طرح مجموعة من الدراسات حول أوضاع العراق وبلورة المهمات التي تواجه حركة التغيير الديمقراطي الجذري. وفي حينها تم الاتفاق مع المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي ببغداد على العمل المشترك لإنجاز مثل هذه الدراسات وعقد ورشات عمل لمناقشتها، وتم توزيع المهمات على كتاب داخل العراق وآخرين خارج العراق. وفعلاً أنجزت اربع دراسات مهمة من ثلاث من الخارج وواحدة من الداخل. وتم عقد ندوة في مدينة هامبورغ قدمت فيها الدراسات الأربع للمناقشة. وبعد مناقشتها وإقرارها، أرسلت إلى المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي، كما نشرت عبر الإنترنيت على نطاق واسع. ألا إن ندوات لهذا الغرض لم تعقد بالداخل لمناقشتها.
وفي فترة قصيرة لاحقة تبلور الموقف لدى مجموعة من الإخوان بالخارج، فشكلت لجنة سميت بلجنة المبادرة من أجل حث القوى الديمقراطية العراقية والقوى القومية الديمقراطية والقوى اللبرالية والشخصيات الدينية المتفتحة والمدنية والعلمانية والمستقلة والضغط عليها لتسريع عملية الحوار والمناقشات المكثفة والضرورية حول الموقف من الانتخابات العامة ومستقبل العراق والموقف من النظام السياسي الطائفي المحاصصي، بأمل طرح مشروع أو أكثر لمناقشته من جانب القوى السياسية المناهضة للطائفية والمحاصصة وساعية إلى التغيير الفعلي في الوضع. وقد أطلقت هذه اللجنة المستقلة والديمقراطية اسم "لجنة المبادرة لتحريك ودعم التوجه صوب التعاون والتنسيق والتحالف بين القوى الديمقراطية العراقية". وفي كانون الأول/ديسمبر 2016 أقر المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي العراقي مبادرة مهمة هي دعوة القوى الديمقراطية العراقية إلى التعاون والتنسيق وتوحيد الصفوف لمواجهة الأوضاع المتردية بالعراق وتحقيق عملية التغيير. وقد تبنى التيار الديمقراطي العراق هذه المبادرة أيضاً ووضع في وقت لاحق ومتأخر نسبياً برنامج زمني لإنجاز المهمة.
في الشهر الثالث من عام 2017 توجهت لجنة المبادرة إلى نشر مبادرتها والدعوة إلى مناقشة أوضاع العراق ووضع برنامج عمل للنضال من أجل التغيير الجذري في الواقع العراقي الراهن. صدرت هذه الدعوة في بيان نشر على نطاق واسع، وتضمن عقد مؤتمر عام لكل القوى التي تلتقي في ما بينها على أهداف مشتركة لتضع الصيغة المشتركة لهذا البرنامج كمحصلة لتلك النقاشات المكثفة بين كل القوى الديمقراطية العراقية. وكنا نعتقد بان الوقت متأخر جداً ولا بد من تسريع وتيرة العمل والنقاش للوصول إلى الأهداف المرجوة. وجرى لقاء بين أعضاء من لجنة المبادرة مع المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي بأربيل، وكذلك مع السيدة ميسون الدملوجي عن الوفاق الوطني ومع آخرين بهدف تسريع الحوارات ومعرفة المواقف المختلفة. 
أن متابعة النقاشات والحوارات الجارية بين أطراف ديمقراطية تشير إلى وجود توجه جاد للعمل المشترك ووضع برنامج مشترك، ولكن ما ينقص هذا الحراك يبرز في البطء الكبير في إنجاز الخطوات المطلوبة. وهذا يعني عملياً احتمال حصول تأخر في عقد المؤتمر المنشود. إنها المشكلة القديمة التي تعاني منها القوى الديمقراطية في حركتها للوصول إلى اتفاقات مشتركة.
لا أشك في وجود صعوبات وحساسيات ومشكلات غير قليلة تعترض سبيل العمل بهذا الاتجاه، ولكن لا يجوز لها أن تعيق الوصول إلى برنامج عمل مشترك والبدء بالتحضير إلى عقد مؤتمر عام يحضره من وافق على التعاون والتنسيق، إذ يمكن أن يلتحق من لم ينهِ حتى عقد المؤتمر موقفه من التحالف المنشود وتوحيد القوى في النضال لمواجهة الوضع المتأزم بالداخل.
لقد نشر المكتب التنفيذي المعايير والأهداف التي يراها ضرورية للنضال المشترك في رسالة موجهة إلى القوى الديمقراطية والمناهضة للطائفية السياسية والمحاصصة. وتسلمت لجنة المبادرة نسخة منها. والمقترح يتضمن معايير وأهداف مهمة وواقعية إلى حدود بعيدة. درست لجنة المبادرة هذه الوقة بعناية ووضعت أهم وأبرز تصوراتها المكثفة في صلب ورقة المكتب التنفيذي لقوى التيار الديمقراطي العراقي. وتم إرسالها إلى المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي والقوى الأخرى التي يهمها المشاركة في النقاشات والمؤتمر. وبعد مرور أكثر من شهرين على نشرنا ذلك قمنا يوم أمس بنشرها ثانية وتوجيهها إلى المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي وقيادات الأحزاب والقوى والشخصيات المقصودة في مبادرتنا. وقد نُشرت ورقة العمل المعدلة لورقة التيار الديمقراطي على نطاق واسع وفي مواقع كثيرة، بأمل مناقشتها ومن ثم التوجه لعقد المؤتمر العام في خريف هذا العام 2017، إذ لم يعد هناك وقت كثير قبل الانتخابات العامة القادمة والموقف منها والتحالفات التي يمكن بلورتها في هذا العام وليس في العام القادم.
إن المبادرة الفعلية لمثل هذا العمل تتحمله القوى السياسية الديمقراطية واللبرالية والمستقلة بداخل العراق، لأنه الموقع النضالي الأساسي لعملية التغيير، وما دور الخارج إلا المساعدة في التعبئة والترويج لصالح التغيير. والواقع العراقي يشير إلى إمكانيات ملموسة مهمة تؤكد توجه المزيد من الناس لصالح التغيير، وهذا الجديد في الأجواء العراقية هو الذي استفز القوى الحاكمة ودفعها للبدء بحملة من الافتراءات ضد قوى التيار الديمقراطي ويعكس نفاذ صبرها لخشيتها من خسارة الحكم الذي تتشبث به بلك السبل غير المروعة.   
واحدة من الظواهر السلبية الراهنة بالعراق تبرز في موقف القوى الكردستانية من القوى الديمقراطية العراقية وموضوع التعاون والتنسيق معها لصالح التغيير. فالتحالف الكردستاني والقوى والأحزاب الكردية بكردستان العراق لم تساهم خلال الفترة المنصرمة، ولا تساهم الآن أيضاً، في النشاط السياسي الديمقراطي الضروري للتصدي للمحاصصة الطائفية التي وضعت العراق على كف عفريت. إنها قد اتخذت في البرلمان العراقي مواقف ضد تغيير مفوضية الانتخابات لصالح القوى الديمقراطية ونزاهة الانتخابات وساهمت مع القوى الطائفية على بقاء المحاصصات الطائفية والأثنية في مفوضية الانتخابات فعلياً، كما اتخذت نفس الموقف من قانون انتخابات مجالس المحافظات وأقرت طريقة سانت ليغو 1،9 السيء الصيت والفعل، والآن أقرت أيضاً ذات الطريقة ولكن بـ 1،7، وهي تعرف إن هذه الطريقة مضرة بالحركة الديمقراطية العراقية عموماً وبالحركة الديمقراطية الكردستانية خصوصاً، وهي بهذا تلحق ضرراً بها، شاءت ذلك أم وبمواقف القوى الديمقراطية التي تريد وتسعى إلى التغيير الذي ينفع الشعب الكردي، إضافة إلى إيجابيات التغيير لصالح كل القوميات في المجتمع العراقي. أتمنى على الأخوة والأصدقاء في الأحزاب الكردستانية دراسة المسالة واتخاذ الموقف المناسب لصالح عملية التغيير بالعراق والتي ستخدم القضية الكردية وحق الشعب الكردي في تقرير مصيره بنفسه.
وفي ضوء ما تقدم اتوجه بالنداء إلى كل القوى الديمقراطية والقومية واللبرالية والمتدينة العلمانية والشخصيات السياسية المستقلة، العربية والكردية ومن القوميات الأخرى، وإلى كل من تهمه قضية التحول الديمقراطي السلمي للعراق والخلاص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته، إلى تعجيل مشاوراتها ومناقشاتها والاتفاق الأولي على صيغة المعايير والبرنامج العلمي وطرحه في مؤتمر لا يتجاوز بأي حال خريف هذا العام، لكي يمكن خوض غمار النضال السلمي والديمقراطي للتغيير المنشود عبر صناديق الانتخابات، الذي يزداد طموح العراقيات والعراقيين له للخلاص من الأوضاع التي خلقتها القوى التي حكمت العراق طيلة 14 عاماً، وخرائب العراق وشهداءه والفساد هو التعبير الصارخ عن منجزات هذه القوى الحاكمة التي زكمت عفونتها ونتانتها أنوف كل العراقيين. 
كاظم حبيب   

33
كاظم حبيب
هل فقد الحاكم التركي المستبد بوصلة العقلانية السياسية والدبلوماسية!
منذ عدة سنوات والعالم يتابع بقلق الأوضاع المتدهورة سياسياً واقتصادياً واجتماعيا بتركيا، سواء أكان باحتضان الحزب الحاكم لقوى الإرهاب الدولي (داعش وما يماثله) والسماح لها بعبور الحدود صوب سوريا والعراق ومساعدتها بمختلف السبل، أم البدء التخلي عن الحل السلمي والديمقراطي للقضية الكردية بكردستان تركيا وبد الحرب ضد المناضلين في سبيل حقوقهم العادلة والمشروعة، أم باختراق قواته المسلحة إلى الأراضي العراقية بصورة غير شرعية وإقامتها معسكراً لها، كأي محتل، في بعشيقة، إضافة إلى تفاقم نهج التخلي عن العلمانية في بنية الدولة التركية لصالح الإسلام السياسي ومعاداة الديمقراطية والرأي الآخر والتجاوز الفظ على حقوق الإنسان.
إلا إن هذه التوجهات السلبية في السياسة التركية على الصعد الداخلية والإقليمية والدولية قد تسارعت بتعجيل مضاعف منذ محاولة الانقلابية الفاشلة التي نفذتها مجموعة من الضباط وضباط الصف والجنود الترك ضد حكومة رجب طيب أردوغان. إذ إن قيادة حزب العدالة والتنمية قد أدارت دفة الدولة بـ 180 درجة، بحيث زجت بالسجن ليس المجموعة الانقلابية الصغيرة فحسب، بل وأمرت بفصل واعتقال عشرات الألاف من المواطنين والمواطنات ممن لا دخل لهم بالانقلاب وجماعته، بحيث شمل ذلك العاملين في أجهزة التعليم كافة والقضاء والسلك الدبلوماسي وكل الوزارات والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص. كما تجاسرت واعتقلت صحفيين يحملون جواز سفر ألماني او من العاملين في مؤسسة العفو الدولية، واعتقال امرأة تحمل الجوازين الألماني والتركي مع طفلها ذي السنتين وزجتهم في السجن بانتظار المحاكمة. والتهم ضد الجميع ليس فقط تأييد محاولة الانقلاب، بل وكذلك تهمة العمل ضد الدولة ومساعدة قوى إرهابية، وهم يعنون بذلك حزب العمال الكردستاني وقوى الإسلام السياسي الإرهابية التي احتضنوها قبل ذاك بالتعاون مع قطر والسعودية.
لقد حول قادة حزب التنمية والعدالة، ولاسيما المستبد بأمره رجب طيب أردوعان، تركيا إلى سجن كبير تعيش تحت وطأته شعوب تركيا، وسجن صغير يضم الآلاف من المعتقلين السياسيين من الترك والكرد والعلويين ومن أتباع فتح الله كولان وغيرهم. ويتسم اردوغان واليوم بالسمات ذاتها التي تميز بها الدكتاتور العراقي صدام حسين، الذي حكم العراق طيلة الفترة بين 1968 -2003، أو المستبد بأمره نوري المالكي الذي حكم العراق بين 2006 - 2014، والتي قادت العراق إلى عواقب وخيمة ومدمرة.   
وعلى وفق ما ينشر في الصحف العالمية عما يجري بتركيا والأخبار المباشرة التي تصل من تركيا تشير إلى أن المستبد بأمره يريد إعادة العمل بقانون يجيز إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام بحق المزيد من الناس ممن يتهمهم بتهم ملفقة غالباً ما يلصقها المستبدون بمعارضي النهج الدكتاتوري في الحكم ومصادرة الحريات العامة وحقوق الإنسان والديمقراطية، ولاسيما حكام الشرق الإسلامي.
بدأ أردوغان في الأشهر الأخيرة بشن حملة هستيرية ضد ألمانيا وساستها، فاتهم ألمانيا والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بالنازية، واتهم وزير الخارجية الألماني بشتى التهم السخيفة وأخرها نعته وزير البيئة التركي بأنه يمارس سياسة مستنسخة عن اليمنيين والعنصريين الألمان. ثم أصدر وزير خارجية تركيا مذكرة إلى الانتربول يطلب فيها اعتقال الكاتب الألماني من أصل تركي دوجان أخانلي. وقد اعتقل فعلاً في اسبانيا أثناء قضاء فترة استراحة هناك، ولكن أطلق سراحه بعد 18 ساعة، إلا إنه سيبقى في اسبانيا إلى حين صدور قرار بحقه يسمح له مغادرة اسبانيا.
ويومياً ينبري أردوغان وزراءه بشن حملات إعلامية ضد الدولة الألمانية وحكومتها وبعدوانية شديدة تتنافى مع الأعراف الدبلوماسية. فما الهدف من وراء هذه الحملة الجديدة المركزة ضد ألمانيا؟
يبدو لكل متتبع لمجرى تطور الأوضاع بتركيا إلى أن أردوغان يسعى بجهود محمومة إلى خلق "صورة عدو" مناهض لتركيا ليعبئ حوله الناس الترك ضد هذا العدو الخارجي، ويبعدهم عن التفكير فيما وصل إليه الحال بتركيا في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولاسيما البطالة وتراجع غير مسبوق بعدد السياح إلى المناطق السياحية بتركيا، وتنامي الهجرة التركية وطلب اللجوء السياسي بالدول الأوروبية، ولاسيما بألمانيا. كما يسعى إلى إشاعة الفتنة بين الألمان والترك المقيمين بألمانيا، من خلال دعوة الترك بألمانيا بعدم التصويت لصالح مرشحي الأحزاب الألمانية وذكر بالاسم الأحزاب التالية وكل "حزب يعادي تركيا!"، هي "الحزب الديمقراطي المسيحي وشقيقه الحزب المسيحي الاجتماعي، والحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني وحزب الخضر في الانتخابات التي ستجري بألمانيا في 24 أيلول/سبتمبر 2017، باعتبارها أحزاب معادية لتركيا. وبالتالي يحاول تعبئة المزيد من الترك إلى جانبه ضد ألمانيا.
يبدو لكل متتبع إن هذا الرئيس العثماني الجديد و"المسلم القح" قد فقد سلامة التفكير وعقلانية الحكم تماماً وتحول إلى حاكم مستبد لا يراعي حرمة الناس ولا يلتزم بالأعراف الدبلوماسية ولا بنهج سياسي معتدل، ولا بالحفاظ على العلاقات الودية التاريخية بين الشعب التركي والشعب الألماني. وقد ندد قادة ألمانيا بالتدخل الفظ للرئيس التركي في سيادة الدولة الألمانية. كما اتهم وزير الخارجية الألماني سيغمار غابريل أنصار الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بألمانيا تهديد زوجته برسائل وتحرشات دنيئة في وقت تخيم أزمة دبلوماسية جديدة على العلاقات بين أنقرة وبرلين. وأكد وزير خارجية ألمانيا، في تصريح بثته قناة "ان تي في" الإخبارية الثلاثاء، إن حدة أسلوب اردوغان في التعاطي مع برلين دفع البعض على ما يبدو إلى محاولة تهديد ومضايقة زوجتي " (موقع إيلاف مصر، بتاريخ 24/08/2017)، وهي طبيبة أسنان.   
إن من يتابع سياسات حكام تركيا في المرحلة الراهنة يدرك عن حق بإن هؤلاء الساسة، وعلى رأسهم أردوغان، قد فقدوا بوصلة العقلانية في ممارسة السياسة والعلاقات الدبلوماسية الدولية، وهي التي ستجر على تركيا الكثير من المصاعب والمشكلات المعقدة، وخاصة في اتجاه تطور البلاد واقتصادها وحياتها الاجتماعية والعلاقات بين الناس، إضافة على العلاقات مع أوروبا. إلا أن المتضرر من كل ذلك هم أبناء وبنات القوميات العديدة بتركيا من ترك وكرد وأرمن أو مسيحيين عموماً وعلويين وغيرهم، وليس الحكام الذين يريدون إعادة نظام السلطنة المريض والبائد إلى تركيا، واعتبار أردوغان السلطان الجديد فيها!!!               


34
في الذكرى السنوية لاستشهاد المناضل كامل عبد الله شياع
إلى رفاق وأصدقاء المناضل الشيوعي العراقي كامل شياع عبد الله
أنش هذه المادة التي أرسل نصها لي الصديق والرفيق والمناضل المدني الديمقراطي كامل عبد الله شياع (1954 – 2008م) قبل سنوات من استشهاده على أيدي إحدى أو أكثر من المليشيات الطائفية المسلحة التابعة لقوى والأحزاب الإسلامية السياسية بالعراق في الذكرى السنوية لاستشهاده (23/08/2008). وهي مساهمة نظرية مهمة في أطار النقاشات التي كانت وما تزال تدور في الدول الغربية وفي دول العالم الثالث عن الديمقراطية والمجتمع المدني، وعن عمق وعيه بطبيعة المجتمع المدني ودورهما في المجتمعات النامية.
كاظم حبيب   


عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني
كامل شياع
لا يمكن للحديث عن الديمقراطية والمجتمع المدني أن يتفادى التكرار حينما يتعلق الأمر بتحديد معانيهما وعرض أصولهما ونماذجهما القائمة. هذان المفهومان، المترابطان والمعتمدان على بعضهما، يشكّلان فيما بينهما وحدة عضوية مميزة للمجتمع الغربي الحديث وللفكر السياسي المعبر عنه والمؤسس له.
تطرح هذه الورقة بعض الأسئلة المرتبطة بالنقاش النظري حول المفهومين المذكورين، وحول ممكنات تطبيقهما خارج سياقهما التاريخي والثقافي التقليدي المتمثل بالعالم الغربي الحديث. من المعروف أن النقاش عندنا حول الديمقراطية، أو ما شابهها من نظام يحتكم لإرادة الشعب لا إلى إرادة الحاكم المطلق، قديم يعود إلى نهاية القرن التاسع عشر. ولعل عبد الرحمن الكواكبي في كتابه " طبائع الاستبداد " أول من تصدى للموضوع حين أشار إلى أن " الحكومة، من أي نوع كانت، لا تخرج عن وصف الاستبداد ما لم تكن تحت المراقبة الشديدة والمحاسبة، التي لا تسامح فيها "(ص 32)1. ولئن اعتبر الكواكبي مشكلة الحكم من أقدم المشاكل في تاريخ البشرية، فإنه لاحظ أن الغرب قد قرر لها قواعد أساسية " تضافر عليها العقل والتجريب، وحصحص فيها الحق اليقين فصارت تعد من المقررات الإجماعية عند الأمم المترقية" (ص 134). حملت أفكار الكواكبي ومن سبقه من المصلحين رجع ما سمي بصدمة الحداثة التي باغتت مجتمعاتنا العربية والإسلامية وأوقفتها إزاء مواجهات صعبة وخيارات مؤلمة نفسياً ومعقدة عملياً. أما المواجهات فيجملها التحدي الغربي الذي ما أنفك يعلن عن نفسه منذ القرن التاسع عشر، ولعله سيستمر إلى أجل غير معلوم طالما امتلك الغرب القوة والمعرفة والاستقرار السياسي الذي صار ينعم به، بشكل استثنائي، منذ نيّف وخمسين سنة. لقد ظل التحدي قائماً رغم تغير الدور التاريخي للغرب من صاحب رسالة حضارية إلى مستعمر غاز ومن ثم إلى مركز يتحكم، عن بُعد، بمصير أطراف العالم اقتصادياً وعلمياً كما يحصل حالياً في سياق عملية العولمة وسياساتها. وظل التحدي قائماً حتى بعد أن صار الغرب أكثر تشككاً بشمولية مفاهيمه عن الحداثة والتقدم التاريخي والقيم الثقافية والأخلاقية، وأكثر حذراً في تصدير أفكاره وطريقة حياته التي نفذت فعلياً إلى مجتمعات العالم دون استثناء لتفرض نفسها من الداخل كجزء أصيل من حاجات التطور الواقعية فيها. ولا نقصد هنا الديمقراطية البرلمانية والحريات السياسية فقط، وإنما نشاطات الجماعات المنظمة حول مطالب حقوق الإنسان ومساواة المرأة بالرجل والحريات الجنسية وحماية الطفولة والدفاع عن البيئة وسواها من القضايا. ونضيف إلى ذلك الإقبال على التسهيلات التي تمنحها ثورة الاتصالات والمعلومات، وشيوع النزعات الاستهلاكية للمنتجات المادية والثقافية. وظل التحدي الغربي قائماً حتى مع انضغاط بعدي الزمان والمكان وتقارب أطراف العالم الذي تحول حقاً إلى قرية صغيرة، وتحقق تجانس متزايد في أنماط الحياة والاستهلاك، واتساع حدود الهجانة الثقافية المميزة للحقبة ما بعد الحداثية المعاصرة، وتفتت المسلمات الكلاسيكية للمركزية الغربية. كل هذا يبرر الأخذ بثنائية ما عادت متداولة كثيراً في أيامنا، هي ثنائية التقدم والتأخر عند الحديث عن التفاوت البنيوي بين مراكز العالم وأطرافه، ذلك أن التفاوت قد تضاعف عملياً مع زعزعة حدود الدولة الوطنية، والعولمة الاقتصادية وتزايد الهجرة إلى المراكز الغنية.
وأما الخيارات فتجلت في طيف من الاستجابات التي نحا بعضها منحى إصلاحياً رفض من الأساس إمكانية التحديث على الطريقة الغربية - التي هي غير ممكنة عملياً - وحاول أن يوفق بين تقاليد الماضي وضرورات التحديث، جامعاً بين إعادة تفسير التراث والانفتاح بصورة انتقائية على المستجدات المادية والثقافية. ونحا بعضها الآخر منحى جذرياً افترض وحدة التاريخ وحتمية التطور باتجاه خطي صاعد، ونظر إلى الهوية الحضارية كنتيجة للتغيير وليس مقدمة له. من المهم أن نشير هنا إلى أن هذه الاستجابات لم تثمر حتى الآن عن بدائل مقبولة وراسخة على جميع المستويات، تطمئن الشعور العام في مجتمعاتنا بعسر الحاضر وغموض المستقبل. إنها لم تتمكن إجمالاً من التفاعل الإيجابي مع الفرص التاريخية الموجودة دائماً بتواز مع وجود الضرورات والتحديات الفكرية والعلمية والسياسية.   
لنعرض أولاً لمحة عن مفهومي الديمقراطية والمجتمع المدني، ونبدأ بالأولى التي نستدل عليها من غيابها عن حياتنا في ماضيها وحاضرها. ذلك أن نقيضها ظل هو السائد و " الصالح" لكل الأزمان بهيئة حاكم مستبد أو دولة متسلطة أو علاقات اجتماعية قائمة على التراتبية والأبوية، الأمر الذي ساعد على ترويج التعميم القائل بأن الديمقراطية حكر على المجتمعات الغربية المسيحية دون سواها، وأنها ميزة جوهرية للفكر الغربي مقارنة بنقيضه الشرقي الاستبدادي. في الواقع أن مصطلح الديمقراطية الذي يعود أصله إلى القرن الخامس قبل الميلاد ويشير إلى شكل محدد من أشكال الحكم يتيح للشعب حكم نفسه بنفسه، ما كان أبداً من المسلمات المجمع عليها من قبل المفكرين ورجال الحكم عبر تاريخ أوربا. فقد عارض الديمقراطية كل من أفلاطون وأرسطو، لأنهما وجداها عاجزة عن تحقيق مثالهما الأعلى للمجتمع السياسي. وطواها النسيان طيلة فترة العصور الوسطى، لتدخل من جديد مجال التفكير في القرن الثالث عشر الميلادي، قبل أن تتجسد في تنظيمات المدن-الدول خلال عصر النهضة. أما في العصر الحديث فقد فرضتها الثورة الفرنسية بالسلاح والدم، لكن أمرها، كنظام سياسي، لم يحسم نهائياً في غرب أوربا إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أي بعد القضاء على الفاشية. الدولتان الغربيتان الوحيدتان اللتان استمر فيهما العمل بالمؤسسات الديمقراطية دون ردة أو انقطاع هما بريطانيا والولايات المتحدة. في مفهومها المتعارف عليه حالياً تقوم الديمقراطية على ركائز عدة تشمل حرية التعبير والاجتماع، المشاركة في الاقتراع العام، حرية الصحافة، المشاركة السياسية، سيادة القانون والانتخابات. هذه الركائز ليست مجرد إجراءات شكلية لتنظيم واحتواء الصراع السياسي، لأنها مستمدة من نظرة فلسفية لطبيعة المجتمع والسلطة وحقوق الأفراد وحرياتهم. وبمقدار ما يتعلق الأمر بتطبيق الديمقراطية خارج السياق الغربي، فإن من السذاجة توقع تحققها دفعة واحدة حسب الطلب، كما أن من الصعب استنباتها في شروط اجتماعية وسياسية وثقافية ما زالت تنظر إلى السلطة كمُلكية فعلية أو رمزية، وإلى الأفراد كرعايا ضمن سلّم تراتبي لوشائج عائلية أو طائفية أو قبلية. إن الاعتراف بالتحقق التدريجي للديمقراطية في مجتمعات لا عهد لها بها، وهو تحقق نابع من جدلية التاريخ لا من كرم النظريات، ينبغي أن يتلازم مع الانتباه إلى أنها قضية نضال دائم، وإلى أن التعامل الجدي معها يستدعي مراجعة جذرية لمنظومة المفاهيم والعلاقات السائدة. لتبني الديمقراطية كثقافة وكمبدأ لتنظيم الصراع السياسي ثمن لا بد من دفعه.
أما إذا تطرقنا إلى المجتمع المدني فسيلتبس الأمر قليلاً، لأن هذا المصطلح الحديث نسبياً قد حمّل منذ شيوعه دلالات متنوعة. لنتأمل وصف جان جاك روسو لماهية المجتمع المدني. يقول في السطور الأولى من الجزء الثاني من مقالته المشهورة والمعنونة" خطاب حول أصل التفاوت بين الناس " ، إن " الإنسان الأول الذي سوّر قطعة من الأرض وأعلن للناس : هذه ملكي ، ووجدهم سذجاً بما فيه الكفاية لتصديقه، كان المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني. كم من الجرائم والحروب والقَتَلة، كم من الرعب والنوائب كان يمكن توفيره على البشرية لو خرج واحد من الناس ………وصاح بهم: إحذروا هذا الدجال؛ ستلحق بكم كارثة لو نسيتم بأن ثمار الأرض ملكنا جميعاً، وأن الأرض نفسها لا تعود ملكيتها لأحد ". لا حاجة هنا للتأكيد على الدلالة السلبية للمجتمع المدني القرين بالملكية الفردية المذمومة العواقب، فهي واضحة في النص بما فيه الكفاية. المجتمع المدني كمرادف للأنانية الناتجة عن الملكية الفردية ورد تشخيصه عند هيغل أيضاً. فهو عنده والمجتمع البرجوازي صنوان، حيث يبدأ الفرد فيه يعي نفسه كإنسان مختلف عن إنسان المجتمعات القديمة التي حصرت المواطنة بحدود البلد. فالإنسان البرجوازي لا يستمد هويته إلا من تخطي الحدود الوطنية، لأن تلك الهوية تمثل تجلي العقل الشامل في التاريخ. في الوقت نفسه فإن هذا الإنسان البرجوازي لا يكرّس نفسه، كما فعل أسلافه القدماء، للحياة العامة فقط، لأنه ينتمي فعلياً إلى طبقة لا تريد أن تفرط بمصالحها الخاصة. لكي نتصور بشكل أوضح مفهوم هيغل للمجتمع المدني ينبغي أن نضعه في سياق مفهومه للدولة كما عرضه في " فلسفة الحق"، حيث تجد الدولة في العائلة والمجتمع المدني المقدمتين التاريخيتين والمنطقيتين لوجودها. الحركة الثلاثية للجدل الهيغلي والقائمة على الأطروحة ونقيضها وتركيبهما تبسط نفسها هنا بالشكل التالي: هناك أولاً العائلة التي تسودها روح الولاء المطلق للجماعة، وتعبر عن حالة نموذجية للأخلاق الغيرية التي تبرر التضحية بالفرد لمصلحة الجماعة. وهناك ثانياً المجتمع المدني الذي يسوده ولاء الفرد لنفسه ولمصلحته الخاصة، ويجسد نموذجاً للأخلاق الفردية الأنانية. وهناك أخيراً الدولة التي هي تركيب يوفق بين نمطي الولاء الجماعي والفردي، ويوحّد بين المصلحة الشاملة للأفراد والفرقاء وبين غاية المجتمع ككلية قائمة بذاتها. قصد هيغل من الأنماط العامة الثلاثة المذكورة تفسير حالة المجتمعات المختلفة عبر التاريخ، فالعائلة تكثف روح المجتمعات القديمة، كالمجتمع اليوناني مثلاً، والمجتمع المدني يكثف روح المجتمع البرجوازي، أما الدولة فتكثف الصورة المثالية لجدل الوحدة والاختلاف، وهي الصورة التي أصبحت، كما يذهب بعض دارسي هيغل، حقيقة واقعة في المجتمعات الليبرالية.
لننتقل الآن إلى كارل ماركس الذي كتب في مقالته " المسألة اليهودية" (1843) أن ما يعدّ حقوقاً للإنسان إطلاقاً ما هو في الواقع إلا حقوق الإنسان كعضو في المجتمع المدني، أي الإنسان الأناني المنفصل عن بقية البشر وعن الجماعة. فحق الإنسان في الحرية، بالنسبة لماركس الشاب، ليس سوى حقه في الملكية الخاصة الذي يتيح له أن يتصرف بموارده وفق مشيئته دون اعتبار للناس الآخرين وباستقلال عن المجتمع. أما المساواة البرجوازية فتعني مساواة الجميع في أن يكونوا أشبه بالذرات المكتفية بذاتها. لكن المفهوم الأهم في المجتمع المدني هو مفهوم الأمن، حيث يضطلع المجتمع بدور الحارس الذي يحمي حقوق وملكية أفراده. لذلك لا يبدو المجتمع المدني، برأي ماركس، مؤهلاً للسمو فوق أنانيته التي تعتمد ديمومتها على ضمان الأمن.
استكمالاً لهذه المقدمة، لابد من الإشارة إلى إن مفهومي الديمقراطية والمجتمع المدني وسواهما من المفاهيم كالمواطنة والمساواة والحريات الفردية والعلمانية، موضع جدل دائم حول شموليتها وصلاحيتها لكل المجتمعات الحديثة أو المنخرطة في الحداثة. فدعاة النزعة النسبية في المعرفة يرونها نتاجاً خاصاً بثقافة وبتاريخ الغرب، دون أن يكفوا عن انتقادها من منظورات أيديولوجية عامة أو أخلاقية محلية، في حين يعتبرها أندادهم من دعاة موضوعية المعرفة ملكاً للتجربة الإنسانية العابرة لتباين المجتمعات، ولا يميزون فيها خطراً على الهوية أو تهديداً للخصوصية الثقافية اللتين يفهمونهما بمنطق التغير لا بمنطق الثبات. لكن لا يهمنا هنا أمر هذا الجدل في صورته النظرية المستندة على مسبّقات وحلول جاهزة. ما يهمنا أن هناك، من الناحية العملية، تجارب عديدة، في اليابان والهند مثلاً، للجمع بين توظيف هذه المفاهيم في المجال السياسي، وبين مقاومتها في المجال الثقافي والرمزي. على هذا المستوى الذي ينطلق من عدم وجود تعارض جذري بين الديمقراطية وقيم المواطنة والمساواة من جهة، وبين التقاليد والأعراف السائدة، من جهة أخرى، يكون من الممكن التوصل إلى الاستنتاج البراغماتي القائل بأن الديمقراطية كفكرة وكقيمة كافية لتبرير نفسها بنفسها، وأنها لا تستمد وجودها وشرعيتها من غاية تسبقها وتعلو عليها، غاية مصدرها العقل أو العدالة أو المساواة أو الصالح العام أو الإيمان الديني. فإذا كان أساس الديمقراطية في ذاتها وليس خارجها، فإن مرجعها الوحيد يكمن في ممارستها كفضاء مفتوح مفعم بالعفوية، والمرونة وروح الاستقلال، كما يدعي الكاتب الأمريكي بنجامين باربر.2. برأي هذا الكاتب، ينحصر السؤال الفعلي للديمقراطية في تفعيل وتوسيع المواطنة، أي في قدرة النظام الديمقراطي على استيعاب فئات جديدة، محرومة من التمتع بحقوقها، للمشاركة في إبداء رأي أو صنع قرار. لذلك تكون حدودها مرنة ومنفتحة لمساعي تعميم المساواة بين الأفراد لتشمل المرأة والرجل، الأبيض والأسود، أبن البلد والمهاجر. باختصار أن الديمقراطية هي عملية مستمرة لإشاعة المساواة دون اعتبار لفوارق الجنس، أو العرق أو الدين أو اللغة.
لنا أن نسأل هنا، هل يمكن تبني هذا التصور، الليبرالي في جوهره والمحايد ثقافياً في ظاهره، من قبل مجتمعات، كمجتمعاتنا الراهنة، صارت أغلبية فئاتها تراهن على الدين لأن يكون المرجع الأول والأخير لمفهوم السلطة السياسية فيها؟ هل يتاح للديمقراطية أن تكون مرجعاً لذاتها ضمن منظومة اعتقاد أخروي تعتبر نفسها هي الأخرى كاملة ومكتفية بذاتها؟ وهل يمكن للديمقراطية أن تأخذ مداها المتخيل في سياق ثقافات تتمحور حول الحفاظ على وحدة الجماعة قبل، أو أحياناً بالضد، من حرية الفرد؟ قبل الإجابة على هذه الأسئلة ينبغي التنويه إلى أن رفض الديمقراطية ليس من اختصاص الفكر الديني المتفاوت في مرونته واستعداده للمراجعة والاجتهاد، وأن إعاقة تطبيقها ليس حكراً على الحركات الدينية المتنوعة في استجابتها لروح الإصلاح والتغيير. ففي هذا وذاك تشاركها قوى اجتماعية تحركها عوامل دنيوية بحتة كالروابط العائلية والقبلية وروح الزعامة وامتلاك الثروة والامتيازات. كذلك ينبغي التنويه إلى تباين موقف الأديان من قضية التطور الاجتماعي والحريات والحقوق المدنية. ونستفيد في هذه النقطة من تفسير عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر لظاهرة الرأسمالية التي ربط نشوءها بالمذهب البروتستانتي المعروف بدعوته إلى تبني أخلاق تقوم على العمل الصارم والزهد في الحياة الدنيا، مما يوفر فرصاً أكبر لتراكم رأس المال. وقاده تعميم نتائج بحثه التاريخي إلى الاستنتاج أنه إذا كانت بعض الأديان تيّسر تطور الرأسمالية، فإن بعضها الآخر يعيق هذا التطور. من منظور قابل للمقارنة بمنظور ماكس فيبر لاحظ المفكر الفرنسي الكسيس توكفيل (1805-1859) وجود علاقة انسجام بين المعتقدات الدينية المسيحية وروح الحرية في العالم الجديد، أي أمريكا التي درس تجربتها في كتابه " الديمقراطية في أمريكا" (1835). فالمجتمع الحديث، بالنسبة له، يعثر على تفسيره في الديمقراطية، وليس في العلاقات الاقتصادية الرأسمالية كما ذهب ماركس، أو في الإنتاج الصناعي كما ذهب أوغست كونت. لكن ما هو جوهر تلك الديمقراطية عند توكفيل؟ إنه يتلخص في المساواة العامة في الشروط الاجتماعية بحيث يتمتع كل فرد دون استثناء بحق اشغال الوظائف والمهن وحمل الألقاب وجني الامتيازات. لكن هذه المساواة (القانونية) لا تتضمن مساواة في الثروة أو في القدرات الطبيعية التي لا يمكن أن تكون متاحة للجميع بنفس القدر أبداً.
من المؤكد أن للدين الإسلامي في مجتمعاتنا أوجهاً عدة، فهو نظام للمعتقدات الروحية، وهو سلاح أيديولوجي بيد حركات سياسية تدعي التعبير عن رسالته الحقّة، وهو أيضاً أمل طوباوي بتخليص العالم من شروره. وجميع هذه الأوجه ناتجة عن تأويلات متباينة ومتصارعة لماهية الدين ودوره في حياة الإنسان وعلاقته بالسلطة. من المؤكد أيضاً أن أصحاب الحل والعقد في الدين الإسلامي يواجهون اليوم مهمة وصل وفصل روح الدين، وجسده السياسي، ومثاله الحضاري. ولعلهم يدركون أن الوعي الديني الشعبي والممارسة اليومية له لا يفسران بعامل الإيمان الثابت بقدر ما يفسران بعوامل اجتماعية وسياسية متغيرة. فعملية أسلمة المؤسسات والمناهج الدراسية والمظاهر والعادات ولغة التخاطب اليومي تسير فعلياً يداً بيد مع عملية العلمنة بوصفها اكتشاف أو إعادة اكتشاف للبعد الدنيوي في الممارسات السياسية والاقتصادية والثقافية. والتجربة الإيرانية تظهر بشكل واضح مآل الحماس الديني الذي صنع ثورة أذهلت العالم لبعض الوقت، لينهمك تحت خيمتها في صراع ضار حول موضوع الإصلاح الذي يمس تعاليم الدين الثوري من الداخل. هذا عن السؤال الأول، أما عن السؤال الثاني فيمكن للديمقراطية والدين أن يتعايشا إذا ما حصل إجماع على ازدواجية المرجعية، وهذا غير قائم في الحالة الإسلامية التي ترفض الديمقراطية جملة وتفصيلاً، أو تستعيض عنها بمبدأ الشورى، أو تقدم مسوغات غير صريحة لقبولها. لكن لا ازدواجية المرجعية ولا واحديتها تعني تجنب التصادم بين تأمين الحريات الديمقراطية وحدود العقيدة والتعاليم الدينية. الفرق الأساسي بينهما أن التصادم في الحالة الأولى يكون علنياً ومعترفاً به، أما في الحالة الثانية فيطمس ويلغى. أخيراً، فإن الديمقراطية القائمة على مبادئ المساواة والحرية والحقوق تهدد فعلياً وحدة الجماعات التقليدية، وتزرع التنافس والصراع فيها، ولذلك يبدو مشروعها متناقضاً مع بنى ثقافات تلك الجماعات وحاجاتها، ومع النظم السياسية ذات النزوع الشمولي التي ترفع لواء الدفاع عنها. لكن الديمقراطية القائمة على ثقافة الاختلاف والمسؤولية الفردية والتسامح لا تعمل دون إطار متفق عليه لهوية الجماعة المتعددة الملامح، ولوحدتها المتجددة بفعل الصراع والتغيير.
أما السؤال عن المجتمع المدني فموضوعه العلاقة بين مضمونيه الاقتصادي والسياسي، وقد أشرنا أعلاه إلى مضمونه الأول حسب بعض تعاريفه الكلاسيكية. لكننا نلاحظ في النقاش المعاصر حصول تحول في دلالة المجتمع المدني الذي صار يفهم كفضاء سياسي قائم بذاته دون جذور اقتصادية، أو كفكرة معيارية لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع السياسي، فكرة لها شحنة نضالية ودعاة متحمسون. يعرّف أرنست غلنر عالم الاجتماع والإناسة البريطاني الجنسية والجيكي الأصل، المجتمع المدني كما يلي: أنه " مجموعة من مؤسسات غير حكومية متنوعة تكون قوية بما فيه الكفاية لموازنة الدولة، وقادرة على منعها من الهيمنة على المجتمع وتفتيته، لكن دون أن يشكل ذلك عائقاً للدولة للاضطلاع بدورها كمحافظ على السلام وكحكم بين المصالح الرئيسية" . يتضح من هذا التعريف أن للمجتمع المدني دور أقرب إلى دور حرب العصابات إزاء سلطة مركزية راسخة وجامدة نسبياً. فهو وإن لا يستطيع مكافئتها في القوة، وليس المطلوب منه أن يكون كذلك، ينبغي أن يكون حاملاً لقضايا عامة أو أداة لمعارضة سياسات قائمة من منطلق تعددية وتنوع المصالح. لئن كان للمجتمع المدني، عند غلنر،3 دور أحادي الاتجاه يستهدف سلطة الدولة، فإنه يكتسب عند بنجامين باربر دوراً مضاعفاً.4 يضع باربر المجتمع المدني في منطقة وسطى بين الحكومة والقطاع الخاص، أي بين السياسة والاقتصاد. فيشير إلى أن مكانه ليس في المراكز الانتخابية، وليس في أماكن التسوّق، بل " حيث يتكلم أبناء الحي الواحد والجيران عن الشكل المناسب لسلامة المرور وعبور الشوارع، عن حفظ فائدة مدرسة الحي، عن استخدام الكنيسة لإيواء المشردين.. الخ".
المجتمع المدني لا ينافس الحكومة في امتلاك وسائل القمع الشرعية، كما أن لطابعه العمومي طبيعة تطوعية غير قابلة للخصخصة (الدخول في آليات السوق). المجتمع المدني كما يتصوره باربر هو هوية مدنية يتمتع بها المواطن الذي يجمع بين حريته ومسؤوليته، وتتيح له مراقبة الحكومة والسوق معاً، هوية توفر بديلاً للمواجهة الضيقة المحصورة، في دولة كالولايات المتحدة، بين الدولة والفرد المنعزل، والحكومة والقطاع الخاص، والسياسيين الفاسدين والمقترعين الغاضبين. ثمة ما يستوقف المتأمل في المفهوم الإيجابي للمجتمع المدني عند غلنر وباربر، فهو ينزع عنه سماته الفردية والأنانية التي شخصها مفكرون مثل روسو هيغل وماركس، ويوكل له مهمة حماية المصلحة الجماعية. ثم يقوم، أي التعريف، بتعميمه كأداة للمشاركة السياسية صالحة لجميع المجتمعات بغض النظر عن تطورها الاقتصادي ورسوخ التقاليد الديمقراطية فيها. لهذا يمكن اعتبار الانتشار الواسع المتحقق في العقود الأخيرة لفكرة المجتمع المدني دليلاً على درجة العولمة الحاصلة لقيم الديمقراطية والتعددية والمواطنة المتاحة للأفراد في المجتمعات الرأسمالية الليبرالية. على أن لهذه القضية بعداً آخر غير بعد التحقق العالمي السريع أو التدريجي لمثالات اعتبرت حتى وقت قريب ملكاً لنمط الحياة البرجوازية، إذ يرى البعض كبنجامين باربر، في كتابه الآنف الذكر، أن المجتمع المدني مهدد في معاقله وفي أطرافه بالتفتت والانحسار تحت ضغط انبعاث التطرف الديني والنزعات الأثنية والقبلية، من ناحية، واندفاع قوى العولمة لضمان سوق عالمي مقياسه الأخير الربح المادي وأداته الرئيسية ترويج الاستهلاك بكل أشكاله، من ناحية أخرى. وجه الخطر في هاتين الحركتين يتمثل في ميلهما الشمولي الذي لا يخلو من العدمية حينما يتعلق الأمر بالخير العام للمجتمع ومواطنيه. بالإضافة إلى ذلك فإن مجال المجتمع المدني، في حالة مجتمعاتنا المعاصرة، متنازع عليه بين قوى الإسلام السياسي والقوى العلمانية، اللتين تلتقيان في توظيفه لمقاومة احتكار الدولة لمصادر القوة وصنع القرار. لذلك ليس من المحتم أن يكون المجتمع المدني حاضنة لأفكار وقيم مدنية ودنيوية تعكس المجال العام دون المجال الخاص المشحون بوعي ديني أصيل أو مصطنع.5     
أخيراً، فإن المسار المعقد للديمقراطية والمجتمع المدني في مجتمعاتنا يطرح بإلحاح بحث شروطهما الثقافية والسياسة التي هي موضوع للتفسير التاريخي، وإن ظهرت حيناً وكأنها تعصي حركة التاريخ.  (انتهى)
الهوامش
  عبد الرحمن الكواكبي: طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. دار النفائس، بيروت 1986.
2 أنظر مقال بنجامين باربر في كتاب " Democracy and Difference " إعداد سيلا بن حبيب. وكذلك كتابه " Jihad vs. McWorld " (1996).
3 أرنست غلنر ، "Conditions of Liberty   " . دار بنغوين؛ لندن.
4 بنجامين باربر، " Jihad vs. McWorld " ص  281.
5 أنظر مثلا تقرير " الحالة الدينية في مصر" في كتاب " النصّ والرصاص " لنبيل عبد الفتاح. دار النهار 1997.


                                         


35
كاظم حبيب
الموقف من حق تقرير المصير والاستفتاء بإقليم كردستان العراق
منذ عقود والحزب الشيوعي العراقي والكثير من القوى الديمقراطية والتقدمية اليسارية، وكثرة من الأوساط الثقافية العراقية، كانت وما تزال وستبقى إلى جانب حق الشعب الكردي في تقرير مصيره بنفسه دون وصاية من أحد. هذا هو مبدأ أساسي من مبادئ حق الشعوب الحرة في تقرير مصيرها، وليس هناك من له الحق في التشكيك بهذا الحق، إلا إذ كان يتخذ موقفاً قومياً شوفينيا أو دينياً مناوئاً ينطلق من الموقع القائل بالأمة الإسلامية، في حين إن الدول التي تدعي إنها دول مسلمة، برهنت على إنها الأكثر قومية وشوفينية من غيرها، والمثال الساطع على ذلك إيران وتركيا والسعودية، أو حتى دول المغرب الأفريقي في موقفهم الرافض للاعتراف بوجود شعب أمازيغي وبحقوقه المشروعة والعادلة.
لقد تبنيت مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها منذ انضمامي إلى الحزب الشيوعي العراق في أوائل الخمسينات من القرن الماضي وفي العهد الملكي، واستمرار اعترافي واحترامي لهذا المبدأ في أحلك الظروف القاسية جداً في فترة الحكم البعث الدكتاتوري. وقد عبر عن ذلك بوضوح كبير القائد الكردي الديمقراطي المميز والصديق الغالي الطيب الذكر الأستاذ جوهر نامق (1946 – 2011م) حين تحدث في العام 2002 في المؤتمر الأكاديمي الأول لعمليات الأنفال في إقليم كردستان العراق، الذي عقد بأربيل وبرعاية الحكومة الكردستانية، في إجابته لمن شكك في موقفي من القضية الكردية، بسبب بحث قدمته في ذلك المؤتمر وتحدثت عن المضمون الفاشي والعنصري لـ "عمليات الأنفال" الإجرامية، عمليات جريمة "الإبادة الجماعية" التي ارتكبها حكم البعث والحزب الحاكم ومن معه بحق شعب كردستان العراق، تلك العمليات التي تكثفت بشكل خاص في العام 1988، إذ قال ما يلي: أن "أستاذي الدكتور كاظم حبيب، وكان الأخ جوهر طالباً في قسم الاقتصاد في الجامعة المستنصرية حينذاك، كان يتحدث عن كردستان وليس عن شمال العراق في العام 1970، حين كان الآخرون لا يجرؤون على ذلك ويتحدثون عن شمال العراق، وكان يقف مع حق الشعب الكردي في تقرير مصيره". وفي رسالة موجهة لي ومؤرخة في 03/11/2004 كتب جوهر نامق سالم ما يلي: "من كان في تلك الحقبة وفي عراق صدام حسين (1968-1972) وهي فترة دراستي في قسم الاقتصاد بكلية الإدارة والاقتصاد بجامعة المستنصرية، يجرأ أن يذكر في محاضراته وبحوثه الأكاديمية العلمية أن يكتب ويلفظ شمال العراق بكوردستان والكورد بالشعب الكوردي، وأن يربي طلابه على أسس علمية تقدمية واضحة المعاني والأهداف.". ثم كتب يقول: كيف ننسى موقفكم يوم كنت عضواً مشرفاً على الانتخابات الطلابية في كلية الإدارة والاقتصادي بجامعة المستنصرية وكنا مرشحين ضمن الجبهة الطلابية بارتياً وشيوعياً وحركة اشتراكية وناصريين، أمام الاتحاد الوطني عام 1969، خاصة أثناء فرز الأصوات تشد أزرنا وتهدئ اندفاعنا وتحسم كمشرف الخلاف دون مراعاة لممثلي السلطة واتحاد البوليسي، وكيف ننسى وأنت تشارك معنا في الأغاني والبستات الشعبية الوطنية في سفراتنا العلمية إلى تعاونيات الطارمية في وقته...". (رسائل متبادلة بين كاظم حبيب والأستاذ جوهر نامق سالم موجودة في أرشيف كاظم حبيب).       
في العام 2001 أنجزت كتاباً بعنوان "لمحات من نضال حركة التحرر الوطني للشعب الكردي في كردستان العراق"، وتأخر نشره حتى عام 2005، وطبعة ثانية في العام 2010، وضعت في الكتاب رؤيتي للقضية الكردية وحق الشعب الكردي في تقرير مصيره ومعاناته في ظل الحكومات العراقية المتعاقبة، إضافة إلى كتابي الأقدم الذي أنجزته في العام 1984، حين كنت في حركة الأنصار الشيوعيين المرتبطة بالحزب الشيوعي العراقي، بعنوان "الفاشية التابعة في العراق". وقد نشر الكتاب عن الإعلام المركزي للحزب الشيوعي العراقي حينذاك، ثم طُبع ثانية في العام 2008 مع مقدمة ضافية جديدة للكتاب، أوضحت في هذا الكتاب أيضاً موقفي من الحركة التحررية الكردية أو "الكردياتية"، وهي رؤية تتعارض وتصطدم مع رؤية ونهج وسياسات حزب البعث الحاكم حينذاك ومع كل القوى القومية الشوفينية التي ترفض الاعتراف بحق تقرير المصير، وليس كل القوميين الديمقراطيين الذين يعترفون بهذا الحق وهم مستعدون لتأييده.
فموقفي من القضية الكردية وحق تقرير المصير ليس بجديد، ولا بدعة، وهو جزء من تاريخي السياسي في الحزب الشيوعي العراق وفي الحركة الديمقراطية العراقية وفي حركة الأنصار الشيوعيين، وكذلك في النضال اليومي حتى الآن، وسيبقى كذلك. ولم يكن هذا الموقف من القضية الكردية معزولاً عن موقف الحركة الشيوعية والحركة الديمقراطية بالعراق من النضال المشترك للشعبين العربي والكردي وبقية القوميات من أجل الديمقراطية للعراق وحق تقرير المصير للشعب الكردي وفي جميع الفترات المنصرمة حتى العام 1992 وبشعارات متنوعة.
في العام 1992 تعرض التحالف السياسي في الجبهة الكردستانية إلى بعض المصاعب، وجرى تخلي عن الجبهة فيما بعد، علماً بأن الحزب الشيوعي العراقي كان قد اقترح في سياساته ومواقفه موضوع الفيدرالية الكردستانية وأيد قيامها، إذ تراجع هذا التحالف الديمقراطي مع الحزب الشيوعي العراقي وأصيب بخلل اوضح بعد إسقاط الدكتاتورية الغاشمة في العام 2003 ودخول الأحزاب الكردستانية في تحالف مع الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية تحت واجهة المظلومية الكردية والشيعية، وجرى الابتعاد عن التحالف الاستراتيجي مع الحركة الديمقراطية العراقية ومع الحزب الشيوعي العراقي، رغم إن هذا التراجع لم يعلن عنه من جانب القوى الكردستانية ولكنه حصل فعلاً. ولم يكن سببه، أو من جانب، الحزب الشيوعي العراقي والحركة الديمقراطية العراقية، بل من جانب الأحزاب الكردستانية، ما عدا الحزب الشيوعي الكردستاني. وهنا أود تأكيد أني أعبر عن وجهة نظري وليس عن رؤية أو موقف الحزب الشيوعي العراقي، ولم اتجنب الإشارة الواضحة والصادقة إلى هذه الحقيقة في صلاتي وعلاقاتي ولقاءاتي مع الأخوة المسؤولين في الأحزاب الكردستانية بصورة شخصية(منفرداً) أو ضمن رسائل شخصية وأخرى عبر التجمع العربي لنصرة القضية الكردية المنشورة وغير المنشورة، وعبر وفد ضم عراقيين وعرب وكرد، فيه وجهت نداء وتأكيداً بأهمية العودة إلى التحالف الاستراتيجي بين الحركة الديمقراطية العراقية، وفي طليعتها الحزب الشيوعي العراقي وقوى يسارية وديمقراطية أخرى، وحركة التحرر الوطني الكردستانية بإقليم كردستان العراق. وكانت الحجة التي تطرح عن هذا التراجع التحالفي تشير إلى ضعف الحركة الديمقراطية العراقية. وهي حجة لا تصمد في النضال بين القوى الحليفة استراتيجياً، إذ من واجب الذي يشعر بالقوة أن يساعد في إنهاض وتقوية الذي يعتقد بكونه ضعيفاً، علماً بأن الجميع كان وربما ما يزال يحسب ضمن القوى الديمقراطية على الصعيد العراقي كله. الحركة الديمقراطية العراقية بحاجة إلى الأحزاب الكردستانية لأنها تشكل من حيث المبدأ ضمانة ضد وقوع العراق فريسة للقوى الإسلامية السياسية التي حكمت العراق معها طيلة السنوات المنصرمة، وكانت سنوات عجاف وجدب ومرارة، وضد إقامة دولة ثيوقراطية.   
الحركة الديمقراطية العراقية لم تخف مرارتها من هذا الموقف ولم تتقبله، ولكن لا يمكن إجبار حليف استراتيجي على العودة إلى التحالف ما لم يقتنع بضروراته، إذ أن "حلفاء" الكرد الجدد ليسوا بـ "حلفاء" استراتيجيين حقيقيين، بل هم حلفاء إسلاميون شيعيون تكتيكيون، كما هو موقفهم من الديمقراطية، فهي بالنسبة لهم أداة وليست فلسفة واستراتيج لبناء العراق الجديد.
يفترض أن تقدر الأحزاب والقوى السياسية الكردستانية الظروف التي تمر بها الحركة الديمقراطية العراقية، وعموم الشعب العراقي بكل قومياته، والمصاعب التي تواجه الجميع في ظل وجود نظام طائفي سياسي محاصصي غير ديمقراطي من جهة، يشارك فيه الكرد ويتحملون جزءاً من أوزاره، وأن الصراع الذي نشب بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان على مدى الفترة المنصرمة قد جعلت الكثير من القوى والعناصر العراقية العربية التي كانت بجانب الشعب الكردي أن تتخلى عنه، وهي لم تكن وليست هي الأن ضد الشعب الكردي، ولكنها لا ترى صواب سياسات حكومة إقليم كردستان في الكثير من القضايا، وهي ترفض أيضاً السياسات التي مارسها المالكي قبل ذاك إزاء الشعب الكردي، ولا حتى العلاقات غير الودية والأساليب المتبعة حالياً من جهة ثانية. كما إن الموقف الإقليمي والدولي، الذي تبلور أخيراً، بسياسات غير ودية أو منافقة، وفي جوهرها مناهضة، للشعب الكردي وقضيته العادلة من جهة ثالثة. وكذلك فأن البيت الكردي ذاته متضعضع وغير موحد وقابل للتفاقم وكذلك الشكوى من تراجع في الحريات العامة من جهة رابعة. إضافة إلى ذلك استمرار الحرب بين عصابات داعش والقوات العسكرية الاتحادية وقوات الپيشمرگة الكردستانية والمتطوعين من جهة خامسة، ومن ثم وجود مناطق متنازع عليها يمكن أن تتفجر الصراعات والنزاعات الدموية فيها من جهة سادسة. يُفترض في كل هذا أن يدفع الأخوة قادة الأحزاب والقوى الكردستانية وحكومة إقليم كردستان أن تفكر بكل ذلك وتدرسه جيداً وتستخلص الاستنتاجات الضرورية لكي تقرر بعدها: هل عليها استفتاء الشعب الكردي على الاستقلال، والشعب الكردي لا يحتاج إلى استفتاء، فهذا حقه ومن حقه إعلانه متى يشاء، وإذا وجد الان الأمر ممكنا فليعلن الاستقلال دون استفتاء. ولكن الشعب الكردي والقيادات الكردستانية والحكومة الكردستانية ترى كلها، كما أرى وأسمع، بإن الوقت غير مناسب لإعلان الاستقلال، وربما بعد سنة أو سنتين، وبالتالي فالسؤال المنطقي هو: ما فائدة الاستفتاء في هذا الظرف المعقد الذي تمر به كل القوميات في العراق؟ إذا كان أمر الاستقلال سيؤجل لفترة أخرى فليكن الاستفتاء إن وُجد ضرورياً قبل إعلان الاستقلال.
لم تكن النظم السياسية العراقية كلها ولا الحكومات التي أقيمت في العهد الملكي، ولا العهود الخمسة للجمهوريات العراقية، منصفة وعادلة مع الشعب الكردي ومع القوميات الأخرى، بل كانت جائرة ومستبدة مع الشعب العراقي كله، ولاسيما مع الكرد. فكان التمييز والتهميش في صلب علاقة الحكومات العراقية المتعاقبة مع الشعب الكردي. لا يمكن لأي إنسان عاقل أن ينكر ذلك. ولكن رد الفعل يفترض أن يكون في ظرف أكثر هدوءاً وأكثر مناسباً لمفاوضات مع حكومة أكثر ديمقراطية وواقعية من الوضع الراهن، كما يفترض أن يتجلى في سياسات ومواقف أخرى من جانب الحكومة الكردستانية بهدف تمتين الصف الديمقراطي الداخلي.
لا يمكن أن يكون الإنسان حراً ما لم يعترف بحق الإنسان الآخر في التمتع بالحرية الكاملة غير المنقوصة، وبالتالي أدرك تماماً، كإنسان حر وديمقراطي ومادي المنهج والنهج، بأن الشعب الكردي يحلم منذ قرون وعقود ويتطلع للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في دولة كردستانية ديمقراطية حرة ومستقلة. وقد ناضل بعناد واستمرارية من أجل هذا الهدف، ومن حقه أن يناضل بعزيمة مضاعفة من أجل ذلك. والسؤال هو: هل حان القوت المناسب لمثل هذه الخطوة؟ أشعر، كصديق للشعب الكردي وناضل معه في سبيل الديمقراطية للعراق وحق تقرير المصير للشعب الكردي، إن الوقت لم يحن تماماً لمثل هذه الخطوة، بل أشعر بأن العودة إلى استراتيجية التحالف مع القوى الديمقراطية العراقية في رفض قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية السيئ لا تأييده، ورفض تشكيل مفوضية الانتخابات على أسس المحاصصة الطائفية، والسعي لتجميع القوى الديمقراطية في مواجهة القوى الظلامية، هو الطريق الوحيد والأسلم والأضمن الذي يمهد الطريق لتحقيق ما يتطلع له الشعب العراقي عموماً، وطموحات وتطلعات الشعب الكردي في الاستقلال والسيادة الوطنية خصوصاً. إنها الخطوة الأساسية والضرورية والوحيدة للوصول إلى الهدف المنشود للشعب الكردي وقواه الوطنية. لقد فكرت ملياً بالأمر لا من منطلق قومي شوفيني ولا من منطلق وطني عراقي ضيق، بل من منطلق مصلحة الشعب الكردي في المرحلة الراهنة ومصلحة الشعب العراقي بكل قومياته عموماً، وقد بينت رأيي في مقال سابق، ووجدت بأن من يقف إلى جانب قضية الشعب الكردي، يفترض فيه أن يترك التقدير النهائي للشعب الكردي ذاته، وبالتالي فالأمر متروك للشعب الكردستاني في ما يراه مناسباً في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العراق وأوضاعه المعقدة. أتمنى عليهم أن يتخذوا الموقف الذي يجنب الشعب الكردي وبقية أبناء وبنات العراق المزيد من المصاعب، وهذا لا يعني أن عليه ألَّا يبدي رأيه بذلك!
   
   
 

36
د. كاظم حبيب
وإذا أتَتْكَ مَذَمّتي من نَاقِصٍ     فَهيَ الشّهادَةُ لي بأنّي كامِلُ
المتنبي
ما ان أدرك المشعوذون والدجالون وعبدة المال والسحت الحرام بأن شعوذتهم ودجلهم بالدين والتمسح بأذيال المرجعية الشيعية بالنجف، التي لفظتهم أخيراً بعد أن جلبوا لها وعليها الكثير من الإساءات والمتاعب، ولكنها ما تزال ترعاهم، حتى بدأ صراخهم وعويلهم وخشيتهم على شعب العراق من المدنيين والعلمانيين والحداثيين. فحشدوا الأتباع والمرتزقة، ثم بدأوا يطلقون شحنات قذرة ومتلاحقة من الاكاذيب والمزاعم الرخيصة والحاقدة ضد الشيوعيين والمدنيين الديمقراطيين والعلمانيين والمتنورين من أبناء الشعب وبناته ليحذروا الناس منهم، بذريعة أنهم عملاء للأجنبي! وهنا يصح المثل العربي على أصحاب هذه الجوقة البائسة "رمتني بدائها وانسلت!". إنهم يعودون، ومعهم كبيرهم، ليغرفوا من ترسانة المستعمرين وبعثيي عام 1963 والشيخ الذي حلل دم الشيوعيين باتهامهم بالإلحاد، التهم والإساءات ذاتها ضد من هم من أكثر الناس إخلاصاً وحرصاً على شعب العراق والوطن المستباح منذ 14 عاماً بوجودكم على رأس السلطة. ولكن هيهات ان يصدق المتنورون من أنباء شعبنا العراقي هذا الكذب والتشويه الممزوج بالكراهية والحقد للآخر ولفكره ووجوده، فهم قد خبروا صدق وإخلاص الشيوعيين والديمقراطيين والتقدميين وعموم اليسار العراقي على مدى عقود الدولة العراقية. والشمس لا يمكن منع إشعاعها ودفئها بغربال! ويصح عليهم، بهذه التهمة التي يوجهونها لغيرهم، المثل الشعبي "اللي جوه اُبطه عنز يبغج"، أو بتعبير أدق، "وكل إناء بما فيه ينضح". إنها الوقاحة بعينها، فهم الذين يوجه الشعب لهم أصابع الاتهام، بسبب خنوعهم وخضوعهم لقرارات دولة الجوار الشرقية، فمن هو الذي يذهب يومياً وكلما "حمت الحديدة" إلى إيران لا ليسأل المشورة فحسب، بل ويطلب القرار ليمارسه!
هؤلاء الذين دنسوا أرض الوطن بتسليمهم جزءاً عزيزاً من وطننا المستباح بالطائفية والفساد والإرهاب إلى عصابات داعش المجرمة، وهؤلاء هم الذين تسببوا بما جرى من إبادة جماعية بالموصل وسنجار وبقية مناطق سهل نينوى وتلعفر، وهم الذين تسببوا بموت عشرات الآلاف من الجنود والضباط والمتطوعين وقوات الپيشمرگة في المعارك التي أجبروا على خوضها لإنقاذ البلاد من دنس المحتلين الأوباش بالموصل وعموم نينوى ومناطق أخرى من العراق، وما زالوا يناضلون لتحرير باقي المناطق من رجسهم. هؤلاء الذين تسببوا بكل ذلك يشتمون من رفض كل ذلك ورفع صوت الاحتجاج لتغيير الأوضاع من أجل إنقاذ البلاد من هذه الزمرة الطائشة التي استولت على الحكم ووضعت البلاد في مستنقع كله نتانة وتخلف. نعم شارك المتطوعون الديمقراطيون والشيوعيون وغيرهم في هذه المعارك واستشهد منهم من استشهد، ولكنهم أكدوا وما زالوا يؤكدون بأن المعركة ليست عسكرية فقط، بل وفكرية وسياسية واجتماعية، أولاً وقبل كل شيء، وأن الصراع ينبغي أن لا يتوجه ضد أفكار داعش الإجرامية والتكفيرية فحسب، بل وضد الفكر الطائفي السياسي أيضاً الذي يحمله أولئك الحكام الذين تسببوا بهذه المآسي التي يمر بها ويعيشها شعب العراق. إنهم ما زالوا على رأس الدولة العراقية وفي السلطات الثلاث.
إن هؤلاء الذين يشتمون الشيوعيين والديمقراطيين والعلمانيين وكل اليسار العراقي هم الذين دنسوا الدين بنهبهم للمال العام والعقارات ودور السكن الحكومية وقصور الدولة العراقية، هؤلاء هم الذين بسلوكهم هذا خانوا القسم الذي أدوه بالحفاظ على استقلال العراق وسلامة شعبه، ففرطوا بالعراق وشعبه، ورغم ذلك لا يستحون من اتهام الناس الطيبين والمخلصين للشعب والوطن بالإلحاد والتحلل الاجتماعي. إن الملحد والجاحد والمتحلل اجتماعياً والسارق لحقوق الشعب هم أنتم وليس غيركم يا من أسئتم للدين بالنهب والسلب ونشر الفساد وتشكيل المليشيات لقتل الناس وسلمتم الموصل ونينوى لعصابات داعش بقرارات تعيسة أدت الى خراب البلاد وموت العباد. تذكروا ما جرى في معسكر سبايكر وما جرى بسنجار العزيزة!! والآن تحاولون أيضاً فرض طريقة للانتخابات المحلية ومن ثم الانتخابات العامة بطريقة مجحفة ومسيئة للديمقراطية لتنهبوا أصوات الشعب وتبقوا في السلطة، لا لتحكموا الشعب بالعفة والنزاهة والصدق، بل لتواصلوا نهب البلاد والمزيد من السحت الحرام وخراب البلاد وموت العباد. فمن هو الجاحد والملحد بحقوق الشعب والمتحلل اجتماعياً والمتسخ اخلاقيا، ومن هو الذي نشر الرثاثة والمخدرات والعهر بالبلاد؟ ومن هو الذي فتح مكتباً للمتعة بالكاظمية؟ ألستم انتم من أشاع الرثاثة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية بالبلاد؟ ألستم انتم من مارس بميليشياته القتل على الهوية وتسبب في موت مئات الآلاف من العراقيات والعراقيين بسبب سياساتهم الطائفية وممارسة التمييز الديني والمذهبي، والآن تريدون رمي أوزاركم على من يسعى لتنظيف البلاد منكم ومن أمثالكم ومن رثاثاتكم. من كان السبب وراء وقوع الإبادة الجماعية بالموصل وسنجار وسهل نينوى عموما، وكذلك ما حصل بالأنبار ولاسيما الفلوجة، وصلاح الدين وديالى؟ من كان السبب وراء السبي والاغتصاب وتشريد الملايين من البشر العراقي؟ ألستم أنتم وليس غيركم من فعل ذلك وليس الشيوعيين والمدنيين والديمقراطيين العلمانيين والمتنورين من شيوخ الدين.
 لقد كتب الكثيرون، ومنهم مجموعة من المؤمنين الطيبين والصادقين عن نزاهة الشيوعيين واليساريين والديمقراطيين العلمانيين، وفي الوقت ذاته خرجت المظاهرات، ومعهم الملايين من أبناء وبنات الشعب تهتف ضدكم وتقول: "باسم الدين باگونه الحرامية" و" باسم الله هتكونة الشلاتية"!
أنتم الذين تحاولون العودة الى أوراقكم البالية القديمة وتستعيرون من ترسانة القوى الاستعمارية والقوى البعثية وشيوخ الدين السيئين والقوى المتخلفة والقوى الطائفية المتطرفة افتراءات الإساءة للشيوعيين واليساريين والديمقراطيين العلمانيين لتستغلوا جهل الكثير من البشر لتقنعوهم بأكاذيبكم المكشوفة وتمارسون نصيحة وزير الدعاية النازي غوبلز الشهيرة لأتباعه:
"اكذبوا، ثم اكذبوا، ثم اكذبوا، لعل بعض افتراءاتكم تعلق بأذهان الناس".
بدأتم بنشر فضائحكم انتم وليس غيركم بعد أن ارتفعت روائح العفونة إلى عنان السماء، فكل المتهمين بالفساد منكم وممن وضعتموهم في مواقع المسؤولية، وغالبا كانوا وما زالوا، يحملون شهادات مزورة، ولكن انتم وليس غيركم تلاحقون وتعتقلون صغار المتهمين بالفساد وتتركون "كبيرهم الذي علمهم السحر"، سحر النهب والسلب والفساد وشطف أموال السحت الحرام، والكثير من أمثاله الذين يقفون في الصفوف الأمامية من حكام الدولة العراقية دون تقديمهم للمحاكمة، بل هم يحتلون أعلى المراكز في السلطات الثلاث.
أنتم الذين فرطتم بمئات المليارات من الدولارات ولم تبنوا المدارس والصفوف وتوفروا الرحلات والكتب للتلاميذ والطلبة، ولم تبنوا المستشفيات والمستوصفات للشعب، وبعد مرور 14 سنة على حكمكم لم تصل الطاقة الكهربائية للناس لمواجهة جحيم صيف العراق ولا برد شتاءه. أنتم من خصص وصرف عشرات المليارات من الدولارات الأمريكية لبناء مشاريع الطاقة الكهربائية. ولكن أين هي تلك المشايع الوهمية، وأين هي الطاقة التي وعدتم بها الناس، وأين هي الفلوس التي خصصت لهذا الغرض؟ الواقع يقول: لا مشاريع أنشئت، ولا تمتع الناس بالكهرباء، ولا الأموال عادت الى خزينة الدولة! بل ذهب 90% منها الى جيوب من حكم البلاد طيلة السنوات المنصرمة.
تتحدث حكايات ألف ليلة وليلة وغيرها عن حرامي واحد ببغداد إنه "حرامي بغداد"، والآن يواجه الشعب آلاف الحرامية ممن ارتدوا لباس الدين وتحدثوا زوراً باسمه، لينهبوا المليارات الناشفة من الدولارات النفطية، على حد قول أبناء وبنات شعبنا. لقد أصبح العراق، بوجودكم على رأس الدولة والسلطات الثلاث طيلة السنوات المنصرمة، من أكثر دول العالم فساداً مالياً وإدارياً، كما إن بغداد أصبحت واحدة من أكثر مدن العالم رثاثة وهي مليئة بالنفايات. لقد أصبح العراق بهمتكم دولة يعيش فيها مئات ألوف الارامل واليتامى والأطفال المشردين وملايين النازحين المحرومين من العيش الكريم! وأصبح في العراق أكثر من 40% من السكان تحت خط الفقر، وأكثر من 30% يعانون من البطالة ممن هم قادرون على العمل، ولاسيما الشباب والشابات، فهل بعد هذا تريدون رمي أوساخ أفعالكم بوجوه الأخرين. والسؤال المهم هو: هل هناك من عاقل يمكن أن يصدّقكم؟
سيشتمكم التاريخ بأكثر السباب عنفاً لأنكم دستم على كرامة الناس واستهزأتم بعقولهم وضحكتم على  ذقونهم! كفوا عن بيع بضاعتكم الرخيصة على شعبنا العراقي المغدور بكم، فليس هناك من عاقل واحد سوف يشتري منكم سلعكم الرخيصة والعتيقة والبائرة التي تنبعث منها روائح نتنة قديمة واسطوانة مشروخة! ومن هنا لا بد أن نردد مع شاعر العرب الكبير المتنبي قوله:
وإذا أتَتْكَ مَذَمّتي من نَاقِصٍ     فَهيَ الشّهادَةُ لي بأنّي كامِلُ


37
د. كاظم حبيب
سيبقى نجم المناضلة المقدامة فاطمة إبراهيم ساطعاً في سماء السودان

أعلن صباح يوم 12 أب/أغسطس 2017 بلندن عن النبأ المحزن، نبأ وفاة المناضلة السودانية ورائدة الحركة النسوية والمناضلة في سبيل حرية المرأة وحقوقها ومساواتها التامة بالرجل على الصعد السودانية والإقليمية والعالمية، والسياسية البارعة والمقدامة فاطمة أحمد إبراهيم، عن عمر ناهز الـ 85 عاماً.
ولدت المناضلة في العام 1932 في بيت تميز بالعلوم الدينية والمعرفة والانفتاح على العالم، وتربت في بيئة معادية للاستعمار والهيمنة الأجنبية والدفاع عن مصالح الشعب وتطوير البلاد، فنشأت وهي تحمل بذرة النضال الوطني والديمقراطي ومدركة أهمية التعليم والثقافة ومحاربة الأمية في صفوف الشعب، ولاسيما بين النساء، في انتزاع الحقوق وتحقيق التقدم لشعب السودان.
التحقت بوقت مبكر، في العام 1952 بالحزب الشيوعي السوداني لتناضل في صفوفه في سبيل تحقيق الأماني العادلة والمشروعة للشعب السوداني، في سبيل بناء وطن حر وديمقراطي، ينزع عنه أغلال التخلف والأمية والتبعية ويعمل لتغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية المشوهتين ويكافح ضد البطالة والفقر والحرمان وفي سبيل العدالة الاجتماعية.
ساهمت فاطمة إبراهيم في تأسيس الاتحاد النسائي السوداني في العام 1952، وانتخبت في العام 1956 رئيسة لهذا الاتحاد، وكانت في الوقت ذاته رئيسة تحرير جريدة صوت النساء منذ العام 1955، وهي جريدة الاتحاد النسائي السوداني. 
انتخبت فاطمة أحمد إبراهيم عضوة في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، ولعبت دوراً مهماً في تعبئة نساء السودان في النضال من أجل حقوق المرأة وحريتها ومساواتها بالرجل. وخلال فترة نضالها على راس الاتحاد النسائي السوداني تحققت الكثير من المكاسب للمرأة السودانية، والتي حاولت النظم الدكتاتورية والإسلامية السياسية سلبها من جديد. إلا إن نضال المرأة السودانية، ورغم كل الصعوبات ما يزال يتصدى لتلك المحاولات الرجعية المناهضة للمرأة وحقوقها في المجتمع السوداني. 
وبسبب دورها النضالي النسوي والوطني في السودان انتخبت في العام 1991 رئيسة لاتحاد النساء الديمقراطي العالمي لسنوات عدة، ولعبت دوراً مهماً في نضال المرأة على الصعيد العالمي وساهمت بتنشيط حركة التضامن بين نساء العالم عموما، ونساء الدول العربي والبلدان النامية خصوصاً، وتركت بصماتها الواضحة على هذه المنظمة بسبب روحها النضالية العالية، وشغفها بالعمل لصالح المرأة وعمق إنسانيتها وتواضعها. وكانت تتذكر دوماً قول إمها حين كانت تقف، وهي شابة، أمام المرأة لتتزين طويلاً: "كفاية قيمتك ما في شعرك وتجميل وجهك، قيمتك فيما بداخل راسك – احسن تملأيه بالقراءة، والمعرفة -". ونتيجة لدورها النضالي على الصعيد العالي منحت في العام 1993 جائزة الأمم المتحدة لحقوق الانسان (UN AWARD) .
وفي خضم النضال من أجل الحريات العامة والديمقراطية في السودان وضد الدكتاتورية تعرضت فاطمة إبراهيم للاعتقال عدة مرات، كما تعرض زوجها الشفيع أحمد الشيخ، العضو القيادي في الحزب الشيوعي السوداني والقائد النقابي المعروف للاعتقال، ثم أقدمت الدكتاتورية النميرية في العام 1971 على إعدامه رغم الاحتجاجات العالمية ضد هذا العمل الجبان.
في العام 2006 منحت مؤسسة أبن رشد للفكر الحر جائزتها السنوية إلى السيدة والرفيقة المناضلة فاطمة إبراهيم. وجاء في حيثيات قرار منحها الجائزة ما يلي:
" ان الفائزة من أبرز الساسة في بلادها حيث كان اسمها رمزا لنضال المرأة السودانية " ضد حكومات القمع العسكرية وواجهت منذ بداية نضالها صعوبات مع تكوين الاتحاد النسائي السوداني في ظروف اجتماعية صعبة في العام 1952" حيث لعب الاتحاد النسائي دورا في أن تظفر المرأة السودانية في العام 1964 بحق التصويت وحق الترشيح لدخول البرلمان. وفي العام 1965 صارت فاطمة ابراهيم أول نائبة في البرلمان.
وتابع البيان الذي تلقت رويترز نسخة منه بالبريد الالكتروني أن الفائزة عملت على " تحديد سن الزواج ومنع الزواج الاجباري وتعدد الزوجات وإلغاء قانون الطاعة". وقال البيان ان فاطمة ابراهيم وزوجها القائد النقابي الشهير الشفيع أحمد الشيخ رفضا التعاون مع جعفر النميري بعد أن قاد انقلابا عسكريا في العام 1969 وترتب على ذلك أن " أعدم النميري الشفيع ووضع فاطمة ابراهيم في الاقامة القسرية لمدة عامين ونصف".
إنها المرأة الجليلة التي لم يتوقف نضالها للحظة واحدة رغم وجودها في المنفى، كما وقفت باستمرار إلى جانب نضال النساء العراقيات والحركة الديمقراطية العراقية، وهو ما أكده بيان الحزب الشيوعي العراقي في رسالة التعزية والمواساة التي وجهها إلى الحزب الشيوعي السوداني، حيث جاء فيها:
"اننا نقدر عاليا الدور الذي نهضت به الفقيدة على الصعد كافة، داخل السودان وخارجه، ولا ننسى مساهمتها الفاعلة في حملات التضامن مع نساء وشعب بلادنا، ما جعل لها مكانة خاصة في وجدان الشيوعيين والديمقراطيين العراقيين، اسوة بشهداء حزبكم الخالدين عبد الخالق محجوب والشفيع احمد زوج الفقيدة الكبيرة، وغيرهما ".
التعازي القلبية لعائلة ورفاق وأصدقاء المناضلة الشجاعة والمرأة المقدامة فاطمة أحمد إبراهيم والذكر الطيب للفقيدة العزيزة.

38
د. كاظم حبيب
سبل معالجة عواقب الكوارث التي حلت بالعراق، ولاسيما المناطق التي نكبت بداعش!

هناك العديد من التصورات المطروحة التي ترى ضرورة الالتزام بها لمعالجة أوضاع ما بعد داعش، أو ما بعد التحرر من عصابات داعش، في حين ما يزال العراق يواجه نظام المحاصصة الطائفية والفساد الذي تسبب في ما تعاني منه الموصل وسهل نينوى وبقية المحافظات الغربية. 
من أجل أن تكون المعالجة فاعلة وناجحة وسريعة نسبياً على مستوى العراق كله فلا بد من إجراء تغيير جذري في طبيعة الدولة ونظام الحكم الطائفي-الأثني القائم بالعراق منذ العام 2003 العراق لصالح الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية والحكم المدني الديمقراطي الدستوري البرلماني النزيه. ولا يمكن أن يتم ذلك إلّا بتأمين تغيير فعلي في ميزان القوى لصالح القوى المدنية الديمقراطية المناهضة للنزعات الطائفية والأثنية في الحكم وفي المجتمع واعتماد مبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والمشتركة بين أبناء الوطن الواحد المتعدد القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والفلسفية والسياسية. أي إقامة دولة تأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات والفصل بين الدين والدولة والدين والسياسة، وتمنع قيام أحزاب تستند على الدين أو المذهب، وتلك التي تمارس الطائفية السياسية في مناهضة الديانات والمذاهب والفرق المذهبية، وحين يبدأ المجتمع بانتخاب وتكوين مؤسساته الديمقراطية والنزيهة في سلطات الدولة الثلاث. هذه الوجهة في النضال يمكن ألّا تتحقق بالسرعة التي يتمناها الإنسان العراقي، رجلاً كان أم، بسبب التركة الثقيلة لعقود طويلة من الاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي والحروب والحصار والحرمان والعنف الحكومي وغير الحكومي، إضافة إلى التركة الجديدة التي أضافها النظام السياسي الطائفي الحالي منذ اعام 2003 إلى تلك التركة الماضية، والتي يجد المتتبع واقعها في تخلف مستوى وعي المجتمع وقدرته على مواجهة الأحداث وميله نحو الطائفية السياسية وخضوعه الشديد لشيوخ الدين وأحزاب الإسلام السياسي بفعل وتأثير شيوخ الدين. لا يخطئ من يشير إلى حصول حراك في وعي الإنسان وإدراكه لما يجري اليوم بالعراق، وهذا ما يؤكده محاولات أحزاب وقوى الإسلام السياسي الحديث عن الأخطاء السابقة وعن المدنية وعن تغيير في سلوكها. ولكنه لم يصل إلى المستوى القادر على التمييز بين الغث والسمين، بين الصدق والكذب في الادعاءات الجديدة وفي تحقيق التغيير المنشود، ولهذا يستوجب مواصلة العمل لتسريع إعمال العقل لمتابعة ما يجري بحس ديمقراطي مرهف ومسؤولية وطنية. وإلى أن يتحقق التغيير المنشود في الواقع العراقي لا يمكن ولا يجوز للنازحين والمتضررين من السياسات الطائفية والنهج العدواني المدمر منذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة أولاً، ومنذ الاجتياح الداعشي للأنبار وصلاح الدين والموصل وعموم سهل نينوى وعواقبه ثانياً، أن ينتظروا معالجة أوضاعهم إلى أن يتحقق التغيير الجذري المنشود، بل لا بد من العمل في إطار الوضع الراهن باتجاهين: العمل من أجل الحل الجذري لوضع الحكم بالعراق، والعمل من أجل التغيير المباشر والسريع في أوضاع النازحين والمناطق التي حررت من داعش واستكمال تحرير المناطق التي ما تزال تحت احتلال عصابات داعش المجرمة. من هنا يستوجب العمل بجميع الأساليب والأدوات المتوفرة لزياد الضغط الشعبي الداخلي والإقليمي والدولي، سواء أكان على مستوى الرأي العام العالمي، أم على مستوى المجتمع الدولي (الأمم المتحدة ومؤسساتها الدولية، والمنظمات الإنسانية، ومنها منظمات حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية)، لصالح ممارسة سياسات عقلانية في المناطق التي تعرضت للإرهاب الداعشي والطائفية السياسية، لصالح النازحين الذين يعانون الأمرين وأولئك الذين ما زالوا في المناطق التي اغتصبها داعش وحررت أخيراً. فما العمل؟ يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالأفكار التالية القابلة للتحقيق:
** إبقاء التقسيمات الإدارية التي كانت قبل هيمنة داعش على الموصل والمناطق الأخرى على حالها أولاً ودون تغيير. على أن يتم تشكيل لجنة عراقية مستقلة ومحايدة تماماً ومن شخصيات مقبولة من جميع الأطراف، مع مشاركة دولية من جانب الأمم المتحدة وعناصر مختصة في القانون الدولي، تقوم بدراسة الخلافات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق حول المناطق المتنازع عليها استناداً إلى المادة 140 من الدستور العراقي لعام 2005 لوضع مقترحات ملزمة للتنفيذ من جانب الحكومتين لحل تلك الإشكاليات وآليات تنفيذها على أن ينتهي العمل بذلك خلال سنتين فقط كحد أقصى.
** تشكيل حكومة محلية مستقلة عن الأحزاب والقوى السياسية العراقية قوامها شخصيات مستقلة تكنوقراطية من أبناء وبنات محافظة نينوى، تدرك عمق المشكلات التي كانت بسبب النشاط الطائفي السياسي والتي تراكمت بفعل الاجتياح لمعالجة جملة المشكلات التي تعاني منها محافظة نينوى بمركزها الموصل وأقضيتها ونواحيها. إن إبعاد كل العناصر التي شارت في ما وصل إليه الحال بالموصل وسهل نينوى أمر ضروري لتجنب بروز إشكاليات جديدة.
** تشكيل هيئة إعمار مركزية ترتبط بالحكومة المحلية وتابعة من حيث المبدأ للحكومة الاتحادية لتمارس نشاطها في إعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها المعارك، ولاسيما الماء والكهرباء والشوارع والجسور، إضافة إلى إعادة إعمار الدور المدمرة جزئياً أو كلياً، وتنظيم عملية إعادة النازحين وحل المشكلات المحتملة بين الجماعات السكانية على أسس ديمقراطية وإنسانية، والتصدي لمحاولات أخذ الثأر أو أعمال الانتقام.
** وضع ميزانية مالية كافية وعلى وفق برنامج مدروس لإعادة إعمار المناطق المخربة وإعادة النازحين وتأمين البنى التحتية الضرورية باتجاهين: المسائل الآنية التي لا تقبل التأجيل وتلك التي تنجز بمرحلة لاحقة.
** تشكيل هيئة من شخصيات مستقلة واعية لما حصل في هذه المنطقة من العراق لتمارس عملاً إنسانياً كبيراً هادفاً إلى توفير أجواء المصالحة والتسامح والعودة إلى العيش والحياة المشتركة، على أن تبدأ عملها منذ الآن، لأن هذا هو السبيل العقلاني الوحيد القادر على تجاوز كوارث الماضي والحاضر ببناء جسور الثقة والأخوة والمودة والاعتراف المتبادل بالآخر والتسامح.
** منع وتحريم أي تدخل أجنبي ومن دول الجوار بالشأن الداخلي لمحافظة نينوى أو كركوك أو المحافظات الأخرى والعراق عموماً التي تعرضت لإرهاب داعش، واعتبار أي تدخل من أي طرف إقليمي أو دولي بمثابة محاول ثلم الاستقلال والسيادة الوطنية والتأثير السلبي على السير السلمي والديمقراطي للأحداث. 
** العمل على سحب السلاح، كل السلاح من ايدي السكان وفرض احتكار السلاح بيد الدولة، مع العمل المتواصل لتثقيف أجهزة الدولة العسكرية والمدنية بروح المواطنة المشتركة وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والسلام والعدالة اجتماعية.
** تحريم الدعاية الطائفية السياسية والأثنية المحرضة ضد الآخر والمحفزة للصراع والنزاع وتقديم الفاعلين للقضاء، إذ أن معاناة العراق من الطائفية السياسية والحكم الطافي السياسي كان مريراً وكلف المجتمع مئات الآلاف من الضحايا ومئات المليارات من الدولارات الأمريكية وخراب ودمار شامل وأحقاد وكراهية واسعتين.
** تأمين مراكز طبية ونفسية لمعالجة المصابين بمختلف العلل الناجمة عن الحروب والنزاعات المسلحة والنزاعات الطائفية والأثنية، وبشكل خاص بين الأطفال والصبية والشبيبة، وكذلك بين النساء. ولا بد من جلب المختصين من بلدان أخرى للمشاركة في هذا العملية، إضافة إلى إقامة وتنشيط مراكز البحوث النفسية والبحث العلمي ووضع برامج للمعالجة. فالدراسات المتوفرة تشير إلى أن داعش قد استخدم الأطفال المختطفين لأغراض شتى، ومنها تدريهم على العنف والتوحش في قتل المناهضين لتنظيم داعش. وفي هذا الصدد كتب الباحث الدكتور علي عبد الرحيم صالح، في بحثه الموسوم "الجنود الأطفال في العراق.. دراسة نفسية عن أطفال الخلافة والموت والانتحار" نشر في جريدة المدى بتاريخ 5/5/2015 ما يلي: "بعد تلقين الاطفال وضمان ولائهم للجماعة، يقوم القادة والمدربون الداعشيون باختبار قدرات الاطفال ومدى تحملهم للمهمات القتالية في معسكرات خاصة مثل معسكر (اشبال ابي بكر البغدادي) ومعسكر (ابن تيمية) ومعسكر (اطفال الخلافة)، وبهذا الصدد تقوم الجماعة الاسلامية المتطرفة بتصنيف الاطفال وفق المهمات المرغوبة والملائمة لمستوى قدراتهم البدنية والعقلية والاجتماعية، ووفقا لذلك يمتلك داعش صنوفا متعددة من الجنود الأطفال".  ثم يشير في موقع آخر من بحثه إلى الآتي: "يستعمل داعش اليات نفسية شديدة الخطورة مع الاطفال عند توجيههم وتلقينهم عمليات القتل والذبح، إذ نشاهد في الكثير من مقاطع الفديو المنشورة على مواقع الانترنيت بعض الاطفال يقومون بالقتل وقطع الرؤوس، وحرق جثث الجنود والمدنيين. واشار عدد من الاطفال الذين تم أسرهم على يد القوات العراقية الى بعض هذه التقنيات: فبعد ان يتعرف القادة الداعشيون على استعداداتهم للقوة والعدوان، يقومون بتدريبهم على قطع رؤوس دمى ترتدي زيا عسكريا يشبه الجنود العراقيين أو الاميركان، وذلك بعد القيام بذبح الجنود الاسرى امامهم، ويكون ذلك مصحوبا بجو من التكبير والتهليل والتشجيع، وبصورة تدريجية ومع التلقين وزرع الكراهية في نفوس الاطفال يكون (اطفال الخليفة او ابناء ابي بكر البغدادي) قد تحولوا الى ذباحين محترفين."  ومن هنا تنشأ المهمة الخطيرة للحكومة العراقية في إعادة تأهيل الأطفال بعد الانتصار على داعش عسكرياً، إذ ستبقى اثار ذلك الاحتلال كبيراً على الأطفال الذين عاشوا ما يقرب من ثلاث سنوات تحت حكم عصابات داعش القتلة. وهنا يمكن العودة إلى بحث قيم للدكتور فيان عبد العزيز والمهندس الاستشاري نهاد القاضي الموسوم " أزمة ما بعد الأزمة وحقوق ضحايا جرائم حروب التطهير العرقي"، حيث تقدم الدراسة مقترحات مهمة لمعالجة المشكلات النفسية للنساء والأطفال بعد الانتهاء من كارثة احتلال الموصل وعموم نينوى.
 
** اتخاذ الإجراءات الضرورية الكفيلة والعمل المسؤول من قوى واعية لإزالة أثار النشاط الفكري والإفتائي والعملي الذي مارسته عصابات داعش في مناطق نينوى والأنبار وصلاح الدين والحويجة وغيرها من المناطق التي تعرضت لاجتياح أو تأثير هذه القوى. 
** توفير مراكز صحية ومستوصفات متنقلة للعمل في القرى والأرياف والمناطق النائية التي تعرضت للاجتياح والتدمير لمعالجة سكانها والعائدين منهم إليها.
** دفع تعويضات مجزية لمئات الألاف من السكان الذين تعرضوا للأذى وتحملوا أضراراً مادية ومعنوية بما يساعدهم على النهوض ومواصلة الحياة والعمل.
** قيام القضاء بتشكيل محكمة مدنية تعتمد المعايير القانونية والإنسانية المتقدمة لمحاسبة من تسبب في سقوط الموصل وسهل نينوى والأنبار وصلاح الدين بأيدي عصابات داعش والعواقب التي ترتبت عليها، والتي ما تزال وستبقى تعاني منها لفترة غير قصيرة. إن مثل هذه المحاكمات الشفافة والعادلة من شأنها أن تحقق العدالة المنشودة وتمنع ممارسة مثل هذه السياسات والأساليب في العمل السياسي، إضافة إلى محاسبة الفاسدين والذي ألحقوا أضراراً فادحة باقتصاد الدولة والمجتمع والمناطق المتضررة.
** قيام وزارة التربية ووزارة التعليم العالي تدريس مواد شرعة حقوق الإنسان بأجزائها المختلفة في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات العراقية ونشرها على نطاق واسع، إضافة إلى نشر الأبحاث حول عواقب التطرف القومي والديني والمذهبي والفكري على المجتمع والعلاقات الإنسانية في ما بين افراد المجتمع منن مختلف القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفلسفية والفكرية. 
  ملاحظة: يمكن قراءة الكثير من المقالات في هذا الصدد ونشير هنا إلى: 1) الدكتور سيار الجميل في مقال له بعنوان "هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟ موقع العربي الجميل، بتاريخ 24 تموز/يوليو 2017؛ 2) الدكتورة أسماء جميل رشيد، في بحثها الموسوم "التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية"، مجلة الثقافة الجديدة، العدد 389، أيار 2017، ص 28-39.   
2 قارن: سيار الجميل، دكتور، هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟، الموقع الرسمي للسيد الدكتور. http://sayyaraljamil.com/، بتاريخ 25/07/2017.
3 أنظر: علي عبد الرحيم صالح، دكتور، الجنود الأطفال في العراق.. دراسة نفسية عن أطفال الخلافة والموت والانتحار، جريدة المدى، 5/5/2015.

4 أنظر: المصدر السابق نفسه.
5 أنظر: انظر: فيان عبد العزيز، دكتورة، ونهاد القاضي، أزمة ما بعد الأزمة وحقوق ضحايا جرائم حروب التطهير العرقي، أبحاث مؤتمر أربيل مؤتمر حول "الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومستقبل الإيزيديين والمسيحيين بالعراق"، في 8 و9 من شهر شباط/فبراير 2015.

6 قارن: أسماء جميل رشيد، دكتورة، "التداعيات الاجتماعية والنفسية لأزمة الموصل – رؤية استشرافية"، مجلة الثقافة الجديدة، العدد 389/أيار 2017، بغداد، ص 29.   





39
د. كاظم حبيب
مغزى زيارة نوري المالكي ورهطه إلى روسيا الاتحادية!
في هذه الأيام التي أعلن الناس بالعراق عن فرحتهم بطرد غالبة الداعشيين القتلة من الموصل الحدباء والسعي لإيجاد السبل لمعالجة الجراح العميقة التي خلفها الداعشيون بالموصل وعموم محافظة نينوى، يقوم نوري المالكي على رأس وفد من حزب الدعوة وبعض نواب قائمته الانتخابية بزيارة إلى موسكو لمدة أربعة أيام، إذ التقى حتى الآن بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسيلتقي بوزير الخارجية لافروف ومع مسؤولين آخرين. والسؤال المباشر الذي يواجهنا: ما مغزى أو سبب هذه الزيارة المفاجئة وفي هذا الوقت بالذات؟ تشير الكثير من المصادر المطلعة وتصريحات خلف الكواليس، إضافة إلى النهج السياسي العام الذي ينتهجه المالكي، إنه يأمل بالعودة إلى دست الحكم ثانية ليمارس ذات السياسة الطائفية الحاقدة التي وضعت الكثير من مناطق العراق، ولاسيما غرب العراق ومدينة الموصل ومحافظة نينوى بالكامل وشعبها في قبضة عصابات داعش، والتي أدت إلى تنفيذ أكبر عملية إبادة جماعية ضد أتباع الديانات والمذاهب بالعراق، ولاسيما ضد الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان والكثير من أهل الموصل السنة أيضاً. وهي محاولة جادة من نوري المالكي وبتوجيه من علي خامنئي وقاسم سليماني بزيارة موسكو والمبادرة إلى طرح تشكيل محور سياسي عسكري جديد تشارك فيه الدول والقوى السياسية التالية: إيران، وروسيا، وسوريا، وحزب الله اللبناني، إضافة على التحالف الجديد الناشئ ببغداد بأطرافه التالية: نوري المالكي والجعفري، وربما عمار الحكيم بحزبه الجديد "تيار الحكمة الوطني، من جهة، وسليم الجبوري وجماعته الجديدة الاتي انفصلت عن الحزب الإسلامي برئاسة اياد السامرائي، من جهة أخرى، إضافة إلى محاولة كسب جزء من الاتحاد الوطني الكردستاني إليه بدعم من إيران، أن تعذر مشاركة قيادة الاتحاد كلها! وتشير الكثير من المصادر إلى أن طهران وروسيا غير مرتاحتين من سياسة العبادي واقترابه من الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي يجدون في المالكي شخصية مناهضة للولايات المتحدة الأمريكية ويمكن اعتماده ليكون رئيس وزراء العراق القادم. كما تشير أوساط أخرى إلى أن هذا التحالف من شانه أن يتصدى لمقتدى الصدر وتياره الشعبي الذي يقترب من العبادي ومن اياد علاوي، إضافة إلى طرحه مهمات وشعارات مدنية تقربه من التيار المدني العراقي والحراك الشعبي. كما إن إيران غير مرتاحة من زيارة العبادي إلى السعودية وتخفيف الصراع معها، وبالتالي فلا بد من تقطيع هذه الوشائج الجديدة بمحور سياسي جديد يتصدى لمحاولات العبادي البقاء في السلطة بتحالف آخر!
ولا بد من الإشارة إلى أن نوري المالكي ورهطه وقوى أخرى بدأت حملة سياسية مناهضة للتيار المدني العراقي والقوى الديمقراطية والحراك المدني والشعبي المطالب بالتغيير واتهام هذه القوى بالإلحاد والحداثة والعلمانية وتعبئة القوى الأكثر طائفية ورجعية لمناهضة القوى المدنية والديمقراطية، التي بدأت، كما يبدو، تكسب المزيد من الشبيبة المناهضة للفساد والإرهاب والخراب والرثاثة التي تعم العراق إلى جانبها، بسبب السياسات الطائفية ومحاصصاتها المذلة التي تراكمت بالعراق منذ حكم إبراهيم الجعفري ونوري المالكي حتى الوقت الحاضر. كما علينا ألّا نغفل التشرذم الجديد في القوى الطائفية السياسية التي باتت تخشى على مواقعها، مما دفع بالمالكي وعمار الحكيم وآخرين إلى محاولة مجابهة كل ذلك بالمحور السياسي الرجعي الجديد! 
ويبدو للمتتبع إن هذا المحور السياسي–العسكري الجديد الذي يراد إقامته، على نمط التحالف الذي نشأ مع سوريا، يمكن أن يجر العراق إلى صراع سياسي وعسكري مدمر مع الولايات المتحدة والدول العربية وأجزاء من القوى السياسية العراقية، الذي يمكن أن يحول العراق إلى ساحة حرب فعلية جديدة، كما عليه الحالة بسوريا منذ عدة سنوات، وبالتالي فهذه الزيارة تعتبر مغامرة سياسية وعسكرية عدوانية تعبر عن جو الإحباط الذي يعيشه المالكي ورهطه ومحاولتهم لدفع العراق إلى أتون حرب محتملة على طريقة "إذا مت ظمأناً فلا نزل القطر"، فأما الحكم وإما قلب الطاولة على رؤوس الشعب كله.
إن من مهمة القوى الديمقراطية العراقية بكل أطيافها كشف الحقيقة وفضح أهداف زيارة المالكي إلى روسيا والعواقب المحتملة من وراء تشكيل مثل هذا المحور السياسي العسكري الجديد في وقت يفترض ان يبتعد العراق عن جميع المحاور السياسية العسكرية وأن يجنب نفسه مغبة السقوط في صراعات جديدة مدمرة، وأن ينهض الشعب بهمة وعزيمة للخلاص من نظام المحاصصة الطائفية لصالح الدولة العلمانية الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي وحقوق الإنسان ومحاربة الفساد والإرهاب وبناء السلام وإعادة إعمار العراق والعدالة الاجتماعية من خلال توحيد العمل لصالح التغيير الجذري المنشود بالعراق.       
       


40
كاظم حبيب
النهج الجديد للرئيس التركي المرتد عن الديمقراطية والمستبد بأمره!
حين جمعتنا، الأستاذ الدكتور صادق جلال العظم (1934-2016م) وكاتب هذه السطور (أ. د. كاظم حبيب)، ندوة عقدت قبل عدة سنوات بمدينة كولون بألمانيا، ناقشت تطورات الوضع بسوريا والعراق والنموذج التركي في الإسلام. وفي مجرى المناقشة برز اختلاف واضح بيننا في مسألتين مهمتين هما: الموقف من الحرب التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ضد الدكتاتورية البعثية وصدام حسين بالعراق ومغزى هذه الحرب وعواقبها، إذ لم يكن الزميل العظم مقتنعاً بخطأ تلك الحرب، في حين أوردت من جانبي العواقب الوخيمة التي نشأت واحتمال تفاقمها في غير صالح الشعب العراقي والمنطقة، إذ أن الحروب الخارجية للإطاحة بالنظم الدكتاتورية لا تعالج المشكلات القائمة بل تعقدها واحتمال ان تلد حروباً أو دكتاتوريات أخرى، حين لا يكون الشعب بقواه الذاتية قادراً على الإطاحة بالدكتاتورية، وحين يكون الشعب عاجزاً عن تأمين الحياة الديمقراطية بسبب عدم نضوج الظروف الذاتية للقوى الديمقراطية والمجتمع. فالتجربة تشير، بما لا يقبل الشك، وفي الغالب الأعم نشوء دكتاتوريات جديدة، لاسيما وإن أهداف الحرب من جانب الدول المشاركة في الغزو لا تتناغم مع أهداف الشعب ومصالحه.
أما المسألة الثانية والمهمة التي برز الاختلاف في ما بيننا فهي اهتمامه الكبير وإبرازه للنموذج التركي "الديمقراطي" في الإسلام، باعتبارها تجربة جديدة رائدة ونموذجاً يمكن أن يحتذى به من الدول ذات الأكثرية الإسلامية. وبذل جهداً غير قليل للبرهنة على ذلك من خلال مقارنة تجربة تركيا بتجارب أخرى غير جيدة بالشرق الأوسط. وكان اختلافي معه قد تبلور في نقطة مبدئية هي أن حزب العدالة والتنمية التركي الذي ولد في رحم حزب الفضيلة الإسلامي وعلى أنقاضه في العام 2001، وهو جزء أساسي من تنظيم الإخوان المسلمين على الصعيد الدولي، ورئيسه رجب طيب أردوگان عضو قيادي في هذا التنظيم والمسؤول عن هذا الحزب بتركيا. ولم يكن أمامه، وهو الشخصية المتطرفة في الحزب الأم، من أجل الولوج إلى الاتحاد الأوروبي وكسب منافع منها، إلا أن يسلك سبيل الديمقراطية معالجة مشكلات الاقتصاد التركي المتفاقمة وإيقاف الحرب المستنزفة للموارد والقوى مع الشعب الكردي وحزب العمال الكردستاني. وإن نجاحه في هذا الاتجاه لن يدوم طويلاً بسبب الأهداف الأساسية التي يحملها هذا التنظيم الدولي وحزبه الإسلامي السياسي. وقد تحقق ذلك مع الأسف الشديد. فبعد تحسن كبير في الاقتصاد التركي بعد إيقاف القتال مع الشعب الكردي وحزب العمال الكردستاني وبدء المفاوضات لحل سلمي، وبعد أن تقدمت علاقاته مع الاتحاد الأوروبي وحظي بسمعة جيدة في الأوساط الأوروبية والعالم، بدأ العد التنازلي للديمقراطي بتركيا، إذ لم تدم هذه الفترة طويلاً، فسرعان ما انقلب على هذه الديمقراطية حين شعر بقوته وقدرته على ذلك بأمل فرض الإسلام السياسي على الدولة التركية والتخلص من العلمانية التي أدخلها كمال أتاتورك إلى تركيا في بداية تشكيل الدولة، ولم يجرأ أي حاكم على فرض النظام الإسلامي على البلاد.
وحين جاء الربيع العربي وتلاحقت الأحداث لتصل جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة بمصر، ومن ثم وصول حزب النهضة إلى السلطة بتونس، حتى بدأ أردوگان يبشر بنموذجه ويكشف عن أوراقه الحقيقة وانقلب على الديمقراطية تدريجاً وتخلى عن الحل السلمي للقضية الكردية وبدأ حرباً ضد الكرد وحزب العمال الكردستاني، وأجج الصراع بسوريا لا في سبيل مصلحة الشعب السوري أو المعارضة المدنية الديمقراطية، بل في سبيل مصالح تركيا أولاً وأخيراً وضد وحدة سوريا، إضافة إلى مطامعه في التوسع على حساب العراق وسوريا. كما بدأ يمارس الاستبداد في الداخل. فأعلن إلغاء البرلمان وإجراء انتخابات جديدة هيأ لفوز حزبه فيه بعد أن فشل قبل ذاك بالحصول على الأكثرية البرلمانية، وأعلن عن رغبته الجادة في تغيير الدستور وإقامة النظام الرئاسي بتركيا، ثم بدأ التخلي الواضح عن الدولة العلمانية لصالح دولة دينية على نمط ما يسعى إليه الإخوان المسلمون. وقد أدى كل ذلك إلى تحرك ملموس في صفوف المعارضة التركية والكردية ضد سياساته، إضافة إلى رفض جماعات في القوات المسلحة لهذه السياسة. فكانت محاولة الانقلاب العسكري ضده، والتي كما يبدو، كان على علم بها وتهيأ لإفشالها بدلاً من اعتقال مجموعة الضباط قبل بدء المحاولة. وكان هدفه الاستفادة من محاولة الانقلاب وفشلها لتوجيه ضربة موجعة لقوى المعارضة كلها وفرض النظام السياسي الذي يريده، فرض نظام إسلامي سياسي إخواني على تركيا.
وبعد فشل محاولة الانقلاب أعلن أردوگان حالة الطوارئ بالبلاد ونشط عملية اعتقل عشرات الآلاف من الضباط وضباط الصف والجنود والشرطة والموظفين في دوائر الدولة ووزارات الداخلية والعدل والقضاء والخارجية والتعليم وغيرها، وكلك المئات من أساتذة الجامعات ونواب في المجلس النيابي التركي وتجار وأصحاب أعمال، كما اعتقل عشرات الصحفيين الأتراك بذريعة التجسس والإرهاب والمشاركة في محاولة الانقلاب أو تأييدها. ثم بدأ يمارس سياسة ابتزاز الدول الأوروبية، ولاسيما المانيا، بسبب الاتفاقية التي وقعتها تركيا مع الاتحاد الأوروبي حول اللاجئين، حتى وصل به الأمر إلى اتهام مستشارة ألمانيا باستخدامها أساليب نازية، لأن المانيا منحت اللجوء السياسي لهاربين من تركيا، أو لأنها لم تسلم من يتهمهم أردوگان بالتآمر عليه من جماعة فتاح الله غولان (1941م) والمقيمين بألمانيا منذ سنوات كثيرة. كما اعتقل صحفي الماني من أصل تركي بتهمة مساعدة الإرهابيين، ثم اعتقل رجل ألماني يعمل في منظمة العفو الدولية بتركيا بالتهمة ذاتها وامرأة صحفية، بأمل أن يبتز ألمانيا وميركل.         
واليوم 24/07/2017 تبدأ محاكمة 23 صحفياً تركياً بإسطنبول بتهمة التآمر على النظام التركي، وهو يوم حرية الصحافة بتركيا، مما يؤكد إصرار أردوگان على فرض استبداده العثماني متحدياً الرأي العام التركي والدولي في مطالبتهم بالإفراج عن الصحفيين الذين جل ذنبهم أنهم نشروا الوقائع الجارية بتركيا لا غير، في حين وجهت لأغلبهم "تهمة التجسس وإفشاء اسرار الدولة". والمقصود هنا ما نشرته صحيفة الجمهورية من معلومات وصور عن تسليم نظام أردوگان أسلحة إلى عصابات داعش بسوريا، في حين كان أردوگان ينفي ذلك، فبرز كذبه ودعمه لعصابات داعش الإرهابية.
لقد بدأ أردوگان يفرض نظاماً سياسياً يقترب أكثر فأكثر من نظام السلطنة العثماني ويجعل من نفسه السلطان الجديد لتركيا، بالتالي بدأ يمارس أبشع صيغ الإرهاب ضد المعارضين له ويخوض حرباً مدمرة جديدة ضد الشعب الكردي بكردستان تركيا، كما أساء إلى كل المنجزات التي تحققت سابقاً للاقتصاد التركي، كما انحسرت السياحة الدولية، ولاسيما الأوروبية، إلى تركيا بما ساهم برفع حجم البطالة وحالة الفقر بتركيا.
أن من واجب المدافعين عن حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية وضد إرهاب الدولة والحرب أن يرفعوا صوت الاحتجاج بتركيا ومنطقة الشرق الأوسط والعالم ضد سياسات إرهاب المجتمع واعتقال عشرات الآلاف من البشر دون مبررات قانونية في محاولة لفرض الهيمنة الفردية واستبداد الحاكم المطلق على الشعب التركي بكل قومياته واتباع دياناته. إن المعارضة التركية بدأت بإعادة ترتيب أمورها والنضال ضد سياسات أردوگان الإخوانية المتطرفة، وبدأت بمسيرتها على الأقدام من أنقرة إلى إسطنبول. إن من واجب أحرار العالم تقديم الدعم والتضامن الإنساني معها لكسر شوكة الاستبداد والإرهاب بتركيا.   
       
 



41
كاظم حبيب
ما الدور الذي يراد للحشد الشعبي أن يلعبه بالعراق؟
المجتمع العراقي يقف اليوم أمام محنة كبرى جديدة، إنها محنة الشعب العراقي بـ "الحشد الشعبي" وقادته، والقوى الداخلية والخارجية التي تقف وراءه! ليس هناك في المجتمع العراقي من لا يعرف طبيعة هذا الحشد وكيف تكَّون ومن المسؤول عن تكوينه! وكيف استغلت فتوى السيد علي السيستاني الخاصة بالجهاد الكفائي ليعلن عن تكون هذا الحشد من المليشيات الطائفية المسلحة ولينخرط فيه المتطوعون المخلصون استجابة لفتوى السيستاني. فقوام أو بنية وقيادة هذا الحشد جاءت من المليشيات الطائفية الشيعية المسلحة وقادة هذه المليشيات، وتشكيلها تم بقرار من علي خامنئي وعبر قاسم سليماني وبالتنسيق مع نوري المالكي، الذي أعلن شخصياً بأنه المُكون الفعلي لهذا الحشد!! فقد جاء في مقابلة صحفية بين موقع إيلاف ونوري المالكي، سأل الصحفي: هل أنت قائد الحشد الشعبي؟ فأجاب المالكي بما يلي: " انا لست القائد الميداني للحشد الشعبي، لكن إذا قلت من أسس الحشد الشعبي، فأقول نعم أنا من اسس الحشد الشعبي، وفكرتي عن تأسيس الحشد الشعبي موجودة منذ 2012، وخاصة في نهاية 2012...". (موقع إيلاف، شيرزاد شيخاني، المالكي لـ «إيلاف»: أنا من أسس الحشد الشعبي في العراق، 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2016). 
الحشد الشعبي موزع حتى الآن على قطاعين: القطاع الأول وجمهرة من قادته ساهموا في معارك الموصل وبينهم خيرة المتطوعين استجابة لفتوى الجهاد الكفائي واستشهد منهم الكثير. والقطاع الثاني هو من بقي في مدن المحافظات العراقية وساهموا بقسط كبير جداً في الهيمنة على السكان وابتزازهم ومحاربة من يخالف رأيهم والمشاركة في التجاوز على أملاك وأموال الكثير من الناس، وهم مسؤولون عن الاختطاف والتعذيب وغير ذلك.
والآن انتهت معركة الموصل والجيش العراقي بقيادته الراهنة قادر على تطهير العراق من رجس الدواعش وبقايا القاعدة ومن لف لفهم، وانتهى دور الحشد الشعبي. ولم تعد هناك أي ضرورة لبقاء الحشد الشعبي أو بقاء مسلحين خارج القانون، ولا بد من اتخاذ قرار سريع بحل هذا الحشد وفرض تسليم أسلحته للقوات المسلحة العراقية، قبل أن تصبح كارثة جديدة تذكرنا بالأعوام السالفة. هذا ما ينبغي ان يكون عليه القرار الحكيم، إذ انتهى مفعول الفتوى وتحررت الموصل من هيمنة العصابات المجرمة، التي تسبب بها قادة المليشيات الشيعية المسلحة المتطرفة بسياسات أحزابهم وتصرفات القوى الطائفية المقيتة. فهل سيوافق قادة الحشد الشعبي، وهل سيخضعون لقرار لا بد أن يصدر عن رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة بحل الحشد الشعبي وتسليم أسلحته كافة، ام سيرفضون ذلك ويتحدون الدولة بأسرها؟ نحن أمام موقفين هما:
أولاً، موقف رئيس الوزراء العراقي من اتخاذ القرار المطلوب، وثانياً، موقف قادة الحشد الشعبي من حل حشدهم!
لا نعرف الموقف الذي سيتخذه رئيس الوزراء بهذا الصدد، فهو قد عود العراق منذ مجيئه للسلطة، عدا التعبئة لتحرير الموصل، أنه لم يتخذ أي قرار بشأن الجماعات التي أوصلت العراق إلى هذا المستنقع الضحل والنتن، كما لم يتخذ أي قرار صائب ضد تلك الشخصيات التي نهبت العراق وداست على كرامة الشعب وسلمت الموصل سهل نينوى ومحافظات أخرى إلى عصابات داعش المجرمة؟ بل هم ما زالوا في قيادة الدولة وفي مجلس النواب وفي كل مكان. ولهذا لا ندري هل سيجرأ على اتخاذ مثل هذا الموقف ويتحدى غريمه نوري المالكي ورئيس حزبه وقائمته! واجبه الرسمي يتطلب منه حماية العراق من الفوضى والصراع السياسي والاجتماعي والعسكري ويحتم عليه اتخاذ الموقف الصحيح، حل الحشد الشعبي كله ومنع وجود سلاح خارج الجيش والشرطة العراقية. إنه أمام قرار صعب، ولكن لا يجوز تجاوزه أو تأخير اتخاذه، ومن يتأخر يعاقبه التاريخ دون أدنى ريب!!
أما موقف قادة الحشد الشعبي فقد برز في عدة تصريحات في الآونة الأخيرة ابتداءً من قاسم سليماني وبعض المسؤولين الإيرانيين ومروراً بالمالكي وأبو مهدي المهندس وقيس الخزعلي .. وانتهاءً ببقية المجموعة القيادية في هذا الحشد! فلنأخذ بعض هذه التصريحات وما تعنيه بالنسبة لأوضاع العراق الراهنة:
جاء في تصريح اللواء قاسم سليماني وقائد فيلق القدس الإيراني والقائد الفعلي للحشد الشعبي ما يلي:
قال قائد فيلق القدس للحرس الثوري الإيراني، اللواء قاسم سليماني، إن الحشد الشعبي حوّل الجيش العراقي إلى "جيش حزب اللهي" على حد قوله، مضيفا أن الانتصار على داعش في معارك الموصل سبب "تدخل العلماء وتشكيل الحشد الشعبي". كما نقلت وكالة "تسنيم" الإيرانية شبه الرسمية عن سليماني إشادته في كلمة له أمام طلاب "جامعة الإمام الحسين للعلوم العسكرية" بما وصفه بـ"الانتصار الأخير في الموصل" معتبرا أن "تدخل العلماء وتشكيل الحشد الشعبي، منحا الشعب العراقي قوة إيمانية وعقائدية وجعله يقف من خلال هذه القوة بوجه تنظيم داعش الإرهابي." أنظر: CNN بالعربية، بتاريخ 19/07/2017. وفي تصريح آخر للجنرال الإيراني، محمد على فلكي، قائد فيلق "سيد الشهداء" فى اغسطس العام الماضي 2016، والتي قال فيها إن مليشيات الحشد، ستكون نواة لـ"الجيش الشيعي بالعراق.
أما قيس الخزعلي، رئيس ميليشيا "عصائب أهل الحق" فقد قال في تصرح له ما يلي: تحرير الموصل "هو تمهيد لدولة العدل الإلهي". وزعم أن تحرير المدينة "انتقام وثأر لقتلة الحسين لأن هؤلاء الأحفاد من أولئك الأجداد". وفي هذا يتفق مع ادعاء المالكي بمدنية كربلاء. وأضاف في تصريح آخر قوله: "أنه بظهور من وصفه بصاحب الزمان، وهو الإمام الثاني عشر الغائب عند الشيعة، فإن قواتهم ستكون قد اكتملت بالحرس الثوري في إيران وحزب الله اللبناني وأنصار الله (جماعة الحوثي) في اليمن وعصائب أهل الحق وإخوانهم في سوريا والعراق، وفق تعبيره." وفي ورقة بخط يده كتب ما يلي: باسم رب الشهداء، إلى كل الشرفاء...، إلى كل الطلقاء... حشدنا قائم حتى ظهور القائم، التوقيع الجندي قيس الخزعلي. بتاريخ 26 تشرين الثاني 2016." (موقع NRT (. وبهذا الصدد يمكن أيراد مئات التصريحات لقادة الحشد الشعبي والأحزاب الإسلامية السياسية التي تصب بذات الاتجاه.         
إن وجود الحشد الشعبي كقوة مسلحة شيعية، سواء بشكل مستقل أم كجزء من القوات المسلحة العراقية، سيقود إلى عواقب وخيمة في بلد متعدد القوميات والديانات والمذاهب، وفي بلد عانى وما يزال يعاني من الصراع الطائفي وتعرض أتباع ديانات أخرى للاضطهاد والملاحقة والتشريد والقتل على الهوية والإبادة الجماعية.
إن الموقف السليم هو إنهاء وجود الحشد الشعبي بحله وتسليم كامل أسلحته للدولة العراقية وإنهاء الوجود الإيراني بالعراق، ولاسيما فيلق القدس والأجهزة الأمنية الإيرانية، لأنها ستكون العنصر الفاعل والمؤذي للتطور المستقل للعراق. إن تقديم الشكر لمن قاتل لصالح تحرير الموصل والوقوف بإجلال أمام الشهداء الذي سقطوا في معارك تحرير الموصل واجب وطني لا شك فيه، ولكن انتهاء مهمة هذا الحشد يفترض أن تعني حله دون تأخير لمصلحة العراق وشعبه بكل قومياته واتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والفلسفية. إنها المحنة التي يفترض أن تنتهي قبل أن تتفاقم!
     


42
كاظم حبيب
عادت البغي حليمة إلى عادتها القديمة.. عادت والعود أسوأ!!!

اُعتقل شابان عراقيان بمدينة ميسان (العمارة) بذريعة توزيعهم جريدة طريق الشعب، الجريدة الناطقة باسم الحزب الشيوعي العراقي الذي حصل على إجازة رسمية للعمل السياسي بالعراق، والذي تجاوز عمرة الثالثة والثمانين سنة وعمر صحافته الثانية والثمانين عاماً. وبعد الاحتجاج الشعبي بالداخل والخارج أطلق سراح الشابين المناضلين. ولكن هذه الجريدة المناضلة والشعبية تواجه منذ العام 2003 المزيد من الصعوبات والتحرش الدائم بمن يوزع الجريدة أو من يبيعها أو من يوصلها إلى الباعة. وهذه الحرشة والإساءة والاعتداء بالضرب على المناضلين من موزعي الجريدة وعلى باعة الصحف لأنهم يبيعون جريدة طريق الشعب مع بقية الصحف اليومية لا يعبر عن موقف فردي من هذا المعتدي أو ذاك، بل يؤكد بما لا يقبل الشك بأن هناك جهة معينة أو جهات بعينها لا تريد الخير لهذا الوطن ولا تريد إيصال الكلمة الحقة والخبر الصادق والتنوير الاجتماعي إلى الناس ببلادنا، بل تريد كتم هذا الصوت والدوس على حقوق الإنسان، بما في ذلك حق توزيع الجريدة وبيعها وقراءتها، هذا الحق المضمون دستورياً.
إن هؤلاء البلطجية، هؤلاء العيارين البؤساء، هؤلاء الفاسدين الذين يعتدون على طريق الشعب ويمارسون انتهاك الدستور العراقي لقاء مبالغ من السحت الحرام، لا يمثلون أنفسهم، بل يعبرون عمن يقف وراءهم ويدفع بهم لممارسة هذه الأفعال النكرة. إن هؤلاء المرتزقة الجبناء يتحركون بفعل أسيادهم داخل العراق وخارجه، وهي بداية ينبغي أن نتصدى لها، لأنها محاولة لاختبار موقف الناس والمجتمع عموماً منهم، ومن أفعالهم النكرة، تماماً كما فعلوا مع الشاب الفنان المسرحي كرار نوشي الذي قتل بلا ذنب، بل لمجرد كونه فناناً يملك حساً فنياً مرهفاً ومتقدماً وثقة بالنفس ووعياً لحقه في أن يكون فناناً حراً، بهدف جس نبض المجتمع في الموقف من قتل الفنانين وحاملي راية الحرية الشخصية والحق في الإبداع الفني. ويورد البيان الصادر عن المنتدى العراقي لحقوق الإنسان ما حصل في الآونة الأخيرة ببغداد ما يلي:
"إننا في المنتدى العراقي لمنظمات حقوق الإنسان نجد ان عمليات القتل والخطف قد انتشرت بالآونة الأخيرة بشكل يبعث على القلق الشديد والاعتقاد بحدوث انفلات أمني كبير وخطير، فقد قتل بالتعذيب الشاب ذو (17) عاماً "حسين مازن الشامي " في كربلاء بحجج منافية للقانون ومتعارضة مع واجبات أجهزة الشرطة ذاتها الذي عذب بيد بعض رجال الشرطة نفسها. وكذلك مقتل الشاب " علي هاتف السلامي " أثناء تظاهره بتحسين خدمة الكهرباء في النجف، وهناك أخبار بوجود شهيد أخر و (5) جرحى أصيبوا أثناء التظاهرة." (انظر: نداء المنتدى العراقي لحقوق الإنسان للوقف الفوري لعمليات القتل والخطف في البلاد في 13/07/2017).
ويعتقد بشكل كبير إن سبب مقتل الفنان المسرحي " كرار نوشي " هي بسبب مظهره الذي لا يناسب جماعة المتشددين من المجاميع المسلحة ، وقد رميت جثته في منطقة شارع فلسطين في بغداد .
إن من يقف وراء القتلة هم من يقف وراء البلطجية الذين يطاردون موزعي وباعة جريدة طريق الشعب، هذه الجريدة المناضلة التي تحمل ميراث وتقاليد صحافة الحزب الشيوعي العراقي منذ صدور أول جريدة له "كفاح الشعب"، تلك الجريدة الغراء التي صدرت في 31 تموز/يوليو 1935 وفي فترة وزارة ياسين الهاشمي وبصورة سرية، وبقية صحافة الحزب الأخرى على مدى 82 عاماً، إضافة إلى إنها تحمل تقاليد وميراث الفكر الديمقراطي والتقدمي والمادي لكل المناضلين الصحفيين والكتاب والأدباء والفنانين على مدى تاريخ العراق الطويل، إنها الصحيفة التي تعبر بصدق وحق عن حاجات الشعب ومصالحه ومستقبله. في العام 1946 عين السياسي العراقي سعد صالح وزيراً للداخلية ولم يبق فيها سوى ثلاثة شهور حيث استقال بعدها، وساهم في تأسيس حزب الأحرار قال فيما بعد بأنه يثق تماماً بما تكتبه جريدة "القاعدة"، التي كانت لسان حال الحزب الشيوعي العراقي حينذاك، لأنها صادقة في ما تنقله للقراء. إنها شهادة واقعية وموضوعية صادقة، وهي الآن تحمل ذات الموضوعية والصدق.
هؤلاء البلطجية ومن يقف وراءهم يريدون كبت وخنق هذا الصوت الهادر بالكلمة الحرة والصادقة الذي لم يتوقف طوال 82 عاماً ولن يتوقف بالرغم من كل أولئك المستشرسين والمستقوين بمن هم في الحكم من فاسدين وإرهابيين عاجزين عن خوض الصراع والنقاش الفكري والسياسي بطرق سلمية وديمقراطية، فيلجؤون إلى العنف والإيذاء والإساءة والاعتقال. أولئك الذين بدأوا يروجون ضد المدنية والعلمانية، ثم ليدّعوا بأنهم مدنيون!!! ولكن السؤال العادل هو: بأي حق تقوم الأجهزة الحاكمة في محافظة ميسان باعتقال الشابين اللذين قاما بتوزيع الجريدة وتعرضا للاعتداء من أوباش بدلاً من اعتقال أولئك الأوباش الذين مارسوا الاعتداء، إن لم يكونوا هم ممن ساهم بالإيعاز إلى هؤلاء الأوباش لضرب ومنع مواصلة توزيع جريدة طريق الشعب؟ اليس من حقنا أن نقول عاد هؤلاء البغاة لممارسة ما مارسوه قبل ذاك ولسنوات كثيرة.. ولكن هذه العودة أسوأ وأشد إيذاءً، لهذا يستوجب إيقافهم ومنعهم من التمادي، إنه العهر السياسي بعينه يمارسه من يخشى الصدق والنزاهة في السياسة والإعلام والاقتصاد والحياة الاجتماعية!!!       


43
كاظم حبيب
حصيلة الانتصار العسكري بالموصل
حين يعلن العراقيون والعراقيات فرحتهم بالانتصار العسكري بالموصل وطرد الغزاة المجرمين القتلة، دواعش العراق والعالم الإسلامي، من شذاذ الآفاق، من مدينة استمر احتلالها ثلاث سنوات بالتمام والكمال وبعد أن ظل الغزاة يعيثون بالمدنية وبقية مدن وارياف وحضارة محافظة نينوى فساداً وقتلاً وتشريداً وسبياً واغتصاباً مريعاً وبيعاً للنساء والأطفال في سوق النخاسة وتخريباً في كل مكان. فلهم الحق في إعلان الفرحة، باعتباره نصراً وطنياً، نصراً لكل الشعب، للعراق كله. وقد حيا الحزب الشيوعي العراقي هذه المناسبة، كما حيت قوى سياسية أخرى ومنظمات حقوق إنسان ومجتمع مدني هذه الانتصارات العسكرية، ومنهم المنتدى العراقي لحقوق الإنسان، كما حييت ذلك بأكثر من مقال حين كانت القوات المسلحة على وشك تحقيق النصر العسكري. والآن أحيي الشعب والقوات المسلحة وأهنئها على هذا النصر العسكري.
ولكن، والشعب في احتفالات النصر العسكري، وفي خضم المعاناة المديدة التي مرّ بها وما يزال يعاني منها الأمرين، لاسيما النازحون والمهجرون ومن فقد عزيزاً أو عزيزة له أو فقد جميع افراد عائلته، ومن هدم داره ومن فقد كل ما يملك، هذه المعاناة المتشابكة مع فرحة الانتصار العسكري، يتساءل جميع العقلاء من الناس، وفي مقدمتهم أصحاب الرأي السديد والحكمة والتحليل العلمي والتجربة، بوعي ومسؤولية وحرص شديد على كل أهل العراق: من هم المسؤولون ومن كان السبب وراء حصول هذه الكوارث والمآسي أولاً، ومن سلّم الموصل إلى الداعشيين القتلة بقرار من مسؤول أعلى سلطة تنفيذية، وماذا فعلت السلطات الثلاث، وعلى رأسها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس النواب، لمحاسبة هؤلاء المسؤولين عن كل هذه الكوارث؟ ثم التساؤل يتواصل عن حصيلة المعارك والحصاد الفعلي من الشهداء والمعوقين والجرحى والمشردين ... والخراب والدمار لهذا الانتصار العسكري ثانياً، وعن العواقب المحتملة لفترة ما بعد طرد داعش من الموصل، علماً بأن داعش ما زال موجوداً بالعراق (تلعفر، الحويجة وغيرهما) حتى الآن ثالثاً، وعن استمرار وجود فكر الدواعش لا في صفوف جمهرة من أهل السنة، بل وما يماثله في صفوف وممارسات جمهرة من الشيعة، ونماذج منها شاخصة للعيان، وتصريحاتهم تنذر بأبشع العواقب رابعاً، وكيف ستعالج أوضاع أهل الموصل وسنجار وتلسقف وبطناية بعد الانتصار العسكري خامساً؟
نعم سحقت فصائل من القتلة والمجرمين بالموصل، وأسر من أمكن أسره، وهرب من استطاع الهرب واختفى من استطاع الاختفاء إلى حين، بعد أن أصبح الآن جزءاً من خلية نائمة، ولكن فكر وممارسات هؤلاء الأوباش ما تزال فاعلة بالعراق وستبقى لفترة غير قصيرة. وبالصراحة الضرورية نقول بأن الشعب يتحمل مسؤولية مواجهة كل الاحتمالات والمفاجآت، إذ بدأت بعض النذر الصارخة التي لا تبشر بالخير، ومنها: اعتبار النصر شيعياً وليس وطنياً، ثم الاحتفال بضابط واحد من ميسان وكأن النصر لشخص وعشيرة ومدينة واحدة، وليس عراقياً وليس مئات الآلاف من الجنود وضباط الصف والضباط والمتطوعين الذين صنعوا بدمائهم الزكية هذا النصر، ثم الوقائع التي نشرتها منظمة العفو الدولية وجهات حقوقية أخرى لما يحصل من انتهاكات فظة بالموصل في خضم فرحة الانتصار العسكري وتحرير الموصل، إضافة إلى امتناع الكثير من أبناء الموصل ومناطق أخرى من محافظة نينوى من العودة خشية حصول عمليات انتقام وقتل بدعوى الثأر من أحفاد قتلة الحسين أو غير ذلك من الخزعبلات!!!
فرحة النصر العسكري يجب ألّا تنسينا أولئك الذين يرتدون لباس الثعالب الماكرة، الذين راحوا اليوم يدلون بتصريحات وكأنهم لم يكونوا السبب وراء مآسي العراقي منذ العام 2005 حتى الآن!
إن قادة في حزب الدعوة وحزب المجلس الإسلامي الأعلى، وهم يقودون السلطة التنفيذية، وهم ينفذون قرارات قاسم سليماني بالعراق، هذه القرارات التي لا تعبر عن مصالح الشعب العراقي، بل تجسد مصالح الدولة القومية الفارسية التي لها أطماعها بالعراق، قد أثمرت عن:
** تدمير محافظات غرب العراق وشماله، ولاسيما الموصل الحدباء وسنجار وتلعفر وبرطلة وبطناية وتلكيف وتلسقف .. وعشرات المدن الأخرى، إضافة إلى دمار الفلوجة وعموم الأنبار وصلاح الدين ومناطق من ديالى ..الخ.
** تشتيت سكان هذه المناطق وتعريضهم للقتل والتشريد والنزوح والهجرة بهدف تركيعهم وإخضاعهم لقرارات الأحزاب الإسلامية الشيعية المتطرفة وتلك المشبعة بروح الثأر والانتقام، وكأن هؤلاء البشر هم من قتل الحسين وصحبه!! إنها محاولة لكسر شوكة أتباع الديانات والمذاهب، ولاسيما أهل السنة، للفئة البغية الحاكمة، وهو أمر لا يجوز الابتعاد عن تشخيصه، لأنه يستهدف تدمير ما تبقى من لحمة الشعب!! 
** من سيعود إلى مناطق سكناه السابقة سوف لن يزيد عن 30-50 % من مجموع سكانها، وهو أمر بالغ الضرر بالعراق وقواه العاملة والمنتجة ولاسيما الشباب منهم.
** إن المليشيات الشيعية المسلحة تمارس أدوراً مختلفة وترتبط بمصالح مع قوى مختلفة، منها من يرتبط بإيران، وهي التي تشكل القسم الأكبر من المليشيات المسلحة بالعراق، ومنها من يرتبط بقوى داخلية ذات مصالح سياسية واقتصادية خاصة بها، ولكنها لا تبتعد عن دول الجوار، ومنها عصابات قتل ونهب وسلب وفوضى، ولكن كلها تمارس الإرهاب وتجلب أشد الأضرار للوطن والشعب، وهي لا تخدم العراق بأي حال بل يحركها الجشع والانتقام والهيمنة على السلطة، وهي التي تشكل الجزء الأكبر من قوى "الحشد الشعبي"، في حين إن هذا الحشد يضم في صفوفه أيضاً عراقيون نجباء تطوعوا بناءً على دعوة الجهاد الكفائي للسيد علي السيستاني. وحتى اليوم لم يتحدث السيد السيستاني ولا من ينطق باسمه عن "حشد شعبي"، بل يتحدثون عن متطوعين، وهو أمر بالغ الدلالة.
** ولكن هذه القوى التي يجري الحديث عن كونها خاضعة للقائد العام للقوات المسلحة، والتي هي بالأساس في أغلبها ميليشيات مسلحة، تعود لقوى وأحزاب سياسية عراقية الاسم إيرانية الانتماء، وهي التي تطالب اليوم بالسلطة السياسية، كما شكل قادة تلك المليشيات أحزاباً سياسية أجيزت فعلاً!! ويؤكد هؤلاء القادة في بعض أحاديثهم عن انتصار أصحاب الحسين على أصحاب يزيد، والمقصود هنا ليس داعش، بل أهل السنة، قيس الخزعلي النموذج الأسوأ مع صاحبه نوري المالكي لهؤلاء البغاة!! 
** وقد بدأت جماعات مختلفة تمارس عمليات الاغتيال والاعتقال والتعذيب في عدد من محافظات العراق والتي أشار إليها بوضوح بيان المنتدى العراقي لحقوق الإنسان، ومنها الاغتيالات بكربلاء والنجف وبغداد والاعتقالات في ميسان وبغداد، إنه الانفلات الأمني الذي تسعى إليه هذه القوى لتطيح برئيس وزرائها وتنصب غيره مكانه، لأنها إن دوره قد انتهى ليعود المالكي أو من يماثله ليخدم مصالح إيران مباشرة.   
إن العراق بحاجة إلى تغيير جذري في السلطات الثلاث، إلى إبعاد كل الفاسدين الذين نهبوا البلاد وسبوا الشعب، وكل الذين ساندوا الإرهاب بمختلف السبل، إلى تغيير المفوضية العليا للانتخابات وقانون الانتخابات وفرض الرقابة الدولية على الانتخابات ...الخ، ليستطيع الشعب معالجة عواقب ما تسببت به قوى الإسلام السياسي الحاكمة بالعراق.
النصر العسكري يستوجب نصراً على الفكر الطائفي والفكر التكفيري والفكر الشوفيني والفكر الذي يميز بين أبناء الشعب على أساس القومية والدين والمذهب والجنس، النصر العسكري يستوجب استكماله بإزاحة ومحاسبة من تسبب بما حصل بالعراق خلال السنوات المنصرمة منذ الاحتلال الأمريكي وإقامة نظام المحاصصة الطائفية العدواني والتدميري. ِ                             

44
وداعا رفيقنا وصديقنا العزيز د. صادق البلادي (أبو ياسر)
فجعنا، والحزن والأسى، يعمنا، بتغييب الموت عنا، رفيقنا وصديقنا العزيز والمناضل الوطني-الشيوعي المقدام د. صادق البلادي صباح يوم الجمعة المصادف 07-07-2017 بعد إصابته بنزيف في الدماغ لم يمهله طويلا. لقد فقدت عائلة الرفيق أبو ياسر، زوجته الاخت ام ياسر وابنه العزيز ياسرب ألمانيا، وعائلته الكبيرة بالبصرة، زوجاً وأباً وأخاً وابناً نبيلا وكريما، كما فقد رفاقه في الحزب الشيوعي العراقي وأصدقاءه ومحبي شخصيته وكتاباته، شخصية سياسية وطنية معروفة وكاتبا حاذقا واصل نضاله السياسي والثقافي في صفوف الحزب أكثر من ستة عقود. لقد حمل صادق البلاد، مع رفاقه المناضلين، راية النضال في سبيل الحرية والديمقراطية والاستقلال والسيادة الوطنية، في سبيل السلام والصداقة والتضامن الاممي ومن اجل العدالة الاجتماعية، وبقي طوال حياته النضالية أمينا لحزبه وشعار المركزي "وطن حر وشعب سعيد"، أمينا لشعبه والطبقة العاملة والفلاحين وكادحي العراق.
لقد رفض الحروب، كل الحروب والعسكرية والدكتاتورية والفاشية، وأدانها، وناضل في سبيل السلام ورفض الغزو الامريكي للعراق وشجبه بقوة، وأدان الاحتلال والطائفية السياسية ونظامها السياسي ومحاصصاتها المذلة، واحتج بحزم على وجود وإرهاب المليشيات الطائفية المسلحة كافة وعدوانها على اتباع الديانات والمذاهب، وناضل ضد التمييز بمختلف أشكال ظهوره.
عمل الفقيد مع منظمات المجتمع المدني، ولاسيما منظمات حقوق الانسان وهيئة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب في العراق، ضد احتلال الموصل وأدان بشدة عصابات داعش الاجرامية وما حصل للإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان من عمليات إبادة جماعية وتطهير عرقي وديني في محافظة نينوى ومناطق اخرى من العراق. لقد كان من الداعين المخلصين لوحدة العراق والتآخي والتضامن بين قومياته واحترام وممارسة حقوق الانسان وحقوق القوميات، لاسيما حقوق الشعب الكردي، وحقوق بقية القوميات بالعراق.
بموته المبكر فقدنا رفيقاً وصديقاً واخاً كريماً وعزيزاً وبَقى حتى قبيل وفاته بقليل يناقش سبل تطوير العمل النضالي في سبيل تحقيق التغيير الجذري المنشود بالعراق لإقامة الدولة الديمقراطية العلمانية والمجتمع المدني الديمقراطي الحديث، وكان من الداعين إلى تعزيز العمل بين الشبيبة لدورهم الفعال في النضال من أجل التغيير.
التعازي القلبية والصبر والسلوان لعائلته ورفاقه وأصدقاء الفقيد ومحبيه، والذكر الطيب للفقيد العزيز د. صادق البلادي
كاظم حبيب، 07/07/2017


45

د. كاظم حبيب


الدراسات العلمية المتخصصة والوقائع الحياتية برهنت، بما لا يقبل الشك أو التأويل، إن المثلية الجنسية ناجمة عن مسألتين علميتين هما الجانب البيولوجي عند الإنسان، ذكراً كان أم أنثى، أولاً، وعن الجينات الوراثية ثانياً، وكلاهما لا يتحكم بهما الفرد، بل تتجلى في نزعاته وتوجهاته الجنسية الطبيعية، وهي ليست سمة يمكن التحكم بها من جانب الرجل المثلي أو المرأة المثلية. فالباحث العلمي محمد الجلالي في بحثه الموسوم "حقيقة المثلية الجنسية .. رأي العلم"، قدم لنا فيه رأياً علمياً مستنداً إلى كمية هائلة من الأبحاث العلمية والتجارب الحياتية على الصعيد العالمي التي تؤكد ما يلي:
"( المثلية الجنسية – Homosexuality) هي الانجذاب العاطفي والنفسي والجنسي لنفس النوع – اي انجذاب – (ذكر × ذكر) او (انثي × انثي)، وهو توجه جنسي سليم ومعترف به طبياً كأحد التوجهات الجنسية الأساسية، والتوجه الجنسي هو توصيف للحالة الجنسية والنفسية للشخص.
* ما هو سبب المثلية الجنسية ؟
ليس سبباً واحداً فالمثلية الجنسية متداخلة الأسباب ..في الواقع المثلية الجنسية سببها مرتبط بعاملين وهما بيولوجي وجيني. ^ ) السبب الجيني : العلاقة بين التوجه الجنسي والبيولوجي ..
في اول مراحل تكوين الجنين يكون ظاهرياً وفزيائياً انثي او بالمعني الأدق (جنس محايد)  ويستمر لمدة 5 او 4 اسابيع من التخصيب نتيجة سيطرة كروموسوم X ، وبعد ذلك يبدأ ويظهر مفعول كروموسوم Y وهو الكرموسوم المنتقل من الذكر ويحمل SRY gene ، المسئول عن تثبيط بعض صفات كروموسوم X وفرض صفاته الخاصة والذي يتواجد في الذكر ..
في منطقة في المخ اسمها (SDN) وهو اختصار لـ( sexually dimorphic nucleus )  ويتواجد بجانب الـ( hypothalamus –  تحت المهاد ) هو – SDN – المسئولة عن التفضيلات بين الجنسين حيث تتغير حجمها تبعاً لتغير ( التوجه الجنسي ) فمثلاً توجد في الذكور المغايرين اكبر عن غيرهم  .." (أنظر: محمد الجلالي، حقيقة المثلية الجنسية .. رأي العلم"، موقع سيكولوجي، 05/07/2017).
وفي توثيق مهم لعالم النفس البروفيسور الدكتور قاسم حسين صالح كتب تحت عنوان (اوقفوا الاستهتار بحياة الناس) ما يلي:
"في 1987 استدعتني مديرية شرطة بغداد لقضية علمية، هي معاينة مجموعة شباب (مخنثين) بالمصطلح الشعبي، ومصابين باضطراب الهوية الجنسية بالمصطلح العلمي، الذي يعني ان مشاعر الشاب تكون انثوية ويرى انه ولد في الجسم الخطأ، ورفعت توصيتي الى وزارة الداخلية بان الجهة المعنية بمعالجة هؤلاء هي مستشفى الرشاد للطب النفسي.
في 2010 قامت جماعة محسوبة على قوة سياسية شيعية بألقاء القبض على شباب وغلق مخارجهم بالسيكوتين وتقييدهم وراحوا يستمتعون بموتهم .. فكتبنا وقتها مقالة بعنوان (طنطا-يمكنك مراجعتها في الحوار المتمدن).. اوضحنا فيها انه يوجد في كل المجتمعات جنسيون مثليون وان قتلهم يعد جريمة لأن(ربهم خلقهم هكذا!).. فجاءنا تحذير مبطن بتهديد .
اليوم يقتل الشاب (كرار) بطريقة بشعة بالحجة نفسها، مع انه وصف بانه ممثل مسرحي.
العقل السياسي الاسلامي يثبت على مدى 14 سنة بأنه.. متخلف، جاهل، احمق، ومستبد.. وان فضحه واجب كل انسان يحترم حق الحياة ويقدسها."
وإذ أتفق مع الأستاذ الفاضل في أغلب ما ذهب إليه، إلا أني اختلف معه في كون هذه الحالة ليست اضطراباً نفسياً أو أن المثلي ولد بالجسم الخطأ، بل هي حالة طبيعية نتيجة للجانب البيولوجي والجانب الجيني. وهو ما يؤكده العلم والعلوم النفسية أيضاً. إن ما ارتكب بحق من سُدّت مؤخرته بالسيكوتين، ومن قتل قبل أيام، وأعني به الشاب الطالب في معهد الفنون الجميلة كرار نوشي بذريعة المثلية، هما جريمتان بشعتان ينبغي أن يلاحق مرتكبيها وتقديمهم للقضاء لإصدار الحكم العادل بحق القتلة باعتبارهما مارسا القتل العم مع سبق الإصرار. ومع إن المعلومات التي وردت لي لا تؤكد مثليته الجنسية، ولكن قتل لشبهة بها.
لقد اقرت مجموعة من برلمانات أوروبا الغربية قوانين لا تبيح المثلية في المجتمع فحسب، بل وحقهم في الزواج وتبني الأطفال. وهذا ما حصل في البرلمان الاتحادي لألمانيا الاتحادية بتاريخ 30/06/2017 حين أقر قانوناً يقضي بحق المثليين بالزواج وتبني الأطفال والوراثة وما إلى ذلك. وفي ألمانيا وحدها يوجد مكا يقرب من 4 ملايين مثلي، وهكذا الحال في بقية دول العالم. لقد كانت ألمانيا وكذلك الكنيسة الكاثوليكية تعاقب المثلي عقاباً صارماً، وهو ما تمارسه الدول الإسلامية بدعوى الدين، وكلها دون استثناء إما دكتاتورية بشعة، أو تتمسح بديمقراطية شكلية، في حين إن الإسلام لم يحرم المثلية ولن تجد آية واحدة في القرآن تحرم المثلية، بل هناك تحريم في بعض الشرائع التي وضعها البشر ولا تستند بالضرورة إلى القرآن أو تعتمده، بل اجتهادات شخصية. وفي هذا الاجتهاد اختلافات أيضاً. فالمذهب الحنفي المستند إلى الإمام الفقيه (أبو حنيفة النعمان 80-150 هـ/ 699-767م) لا يعتبر المثلية الجنسية زناً، لأنها لا تنجب ذرية، على سبيل المثال لا الحصر. (أنظر: أبو حنيفة النعمان، موقع قصة الإسلام، بتاريخ 05/07/2017) 
على منظمات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني المدركة لدورها في المجتمع أن ترفع صوت الاحتجاج ضد هذه الجريمة الجديدة البشعة وتستنكر ممارستها من قوى وعناصر مجرمة، متخلفة وجاهلة وأن تطالب بتقديم الجناة إلى القضاء لملاحقتهم وإنزال أقسى العقوبات العادلة بحقهم لكي يرتدع غيرهم من ممارسة جرائم مماثلة.   

46

كاظم حبيب
النصر العسكري والمطاف الذي يسعى إليه الشعب!
الانتصارات العسكرية التي بدأت تتحقق يوماً بعد آخر والمقترنة بتدمير مواقع عصابات داعش المجرمة بالموصل وتقليص مواقعها وإزالة فعلية لشبح "دولتها" اللقيطة بالعراق، وتحرير نينوى بالكامل من تلك العصابات الشريرة، أمر يسرُ كل العراقيات والعراقيين دون استثناء، ولاسيما بنات وأبناء نينوى الحبيبة. هذا النصر العسكري يدق مسماراً جديداً في نعش القوى الإرهابية والعدوانية لا بالعراق حسب، بل وفي العالم الذي يواجه القتل والتدمير الوحشي والجنوني من جانب عصابات داعش. 
إلا إن هذا النصر العسكري، الذي كلف الشعب العراقي المزيد من الضحايا البشرية، شهداء التحرير، والكثير من الجرحى والمعوقين، إضافة إلى آلام وأحزان ودموع وتشريد الملايين من البشر كنازحين ومهاجرين ومشردين بالعراق وبالشتات العراقي، وكذلك الخسائر المادية الحضارية لآثار العراق الفريدة، والذي كلف خزينة الدولة عشرات المليارات من الدولارات الأمريكية أيضاً، لا يتوطد بهتافات الفرحة وسعادة النصر العسكري ولا بدموع العائدين الذين فقدوا الكثير من أبنائهم وبناتهم وما يعتزون به، بل النصر يتحقق بالعمل على كنس كل العوامل التي كانت سبباً وراء ما حصل بنينوى، وقبل ذاك بالأنبار وصلاح الدين وديالى وبغداد وغيرها من مدن العراق، بتغيير جذري للنظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة، بالتوجه صوب الدولة الديمقراطية الحديثة، الدولة التي تقوم على أساس المواطنة الحرة والمتساوية والواحدة، وليس على أساس الهويات الفرعية القاتلة، التي تسببت في موت مئات ألوف البشر بالعراق، والتي ستمارس موت الكثير أيضاً إن تواصلت سيادة هذه الهويات الفرعية على هوية المواطنة العراقية. إن القادم سيكون أمر وأقسى وأدهى إن استمر النظام السياسي الطائفي والمحاصصات الطائفية وذات الوجوه السياسية القميئة التي تسببت في الأعوام المنصرمة بما يعاني منه العراق حالياً.     
إن النصر العسكري يتوطد بتغيير كامل للسياسات التي مورست حتى الآن، بإعادة بناء الدولة الهشة الراهنة، بناء الدولة الديمقراطية الحديثة والعصرية وإقامة المجتمع المدني الديمقراطي الحديث، حيث كلاهما يرفض الطائفية والتمييز الديني والعنصرية ونشر الكراهية القومية والدينية والمذهبية والفلسفية أو الفكرية، كلاهما يعتمد مبادئ وقيم ومعايير لائحة حقوق الإنسان الدولية وبقية المواثيق والعهود الدولية (شرعة حقوق الإنسان) ويلتزم بتنفيذها والرقابة الصارمة على تنفيذها، دولة ومجتمع يسعيان إلى بناء التفاهم والثقة والاحترام المتبادل بين القوميات بالعراق وأتباع الديانات والمذاهب، والالتزام الثابت بحقوقها ومصالحها والتنسيق في ما بينها لصالح العراق الديمقراطي العلماني الحديث.
إن بناء المجتمع وتوطيد أركان الدولة الديمقراطية أثناء وبعد تحقيق النصر العسكري لا يتطلب التسامح بين العراقيات والعراقيين من كل القوميات والديانات والمذاهب والفلسفات لما حصل لهم حتى الآن حسب، بل يتطلب أولاً وأساساً وقبل كل شيء الاعتراف المتبادل بالوجود القومي المتعدد وبالوجود الديني والمذهبي (مذاهب دينية وفلسفية) المتعدد أيضاً وبالحقوق والواجبات، لأنه الطريق الوحيد والمناسب لضمان وحدة العراق ووحدة نسيجه الوطني والاجتماعي وتأمين تطوره السياسي وتقدمه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتنظيف بيئت الملوثة.
إن الاعتراف المتبادل يتطلب أيضاً التسامح ممن تعرض للانتهاك، ولكن لا يجوز إهمال محاسبة من تسبب عن سبق إصرار بتدمير وحدة العراق ووحدة شعبه بمختلف قومياته واتباع دياناته وممارسة سياسات التمييز الديني والمذهبي والقومي بأبشع الصور والتجاوز الفظ على حقوق الإنسان وحقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب، والتي تسببت في نشر الكراهية والأحقاد والموت بالبلاد، ومن ثم فرض الاحتلال على أجزاء من وطننا الحبيب. إن فرحة النصر لا تتم إلا من خلال التغيير الحقيقي للنظام والنهج أولاً، وبإعادة النازحين والمهاجرين الراغبين في العودة وتعويضهم وإعادة إعمار المناطق المدمرة ثانياً، وحل المعضلات العالقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق على أسس سليمة وعلى وفق دستور ديمقراطي عصري معدل لصالح توطيد الدولة العراقية الديمقراطية ثالثاً، ومحاسبة من كان السبب في ما تعرض له الوطن والشعب من خسائر بشرية وحضارية ومالية رابعاً.
على القوى المؤمنة بدولة ديمقراطية علمانية حديثة ومجتمع مدني ديمقراطي أن تتوحد في النضال من أجل تحقيق هذا الهدف لضمان تغيير ميزان القوى لصالحها لتحقيق هدف إزاحة من يسعى إلى تكريس ما كان سبباً في مآسي وكوارث العراق خلال الأعوام المنصرمة والمعرقل للتغيير الجذري المنشود. 
 



47
كاظم حبيب
هل هي زلة لسان أم إنها جزء من ثقافة بالية تلاحقنا؟
في مقال كتبته قبل فترة وجيزة تحت عنوان "كفوا عن الضحك على ذقون الشعب، كفوا عن مهازلكم!!، جاء في موقع منه عن بعض شيوخ دين ممن استجاب لإرادة السياسة الفاشية لنظام الحكم البعثي - القومي في العام 1963 حين كفر الشيوعيين، وبالتالي أحل دم الشيوعيين والقوى المدنية والعلمانية باعتبارهم ملحدين! و"على النسق ذاته بدأت حملة شعواء تمارسها مجموعة من أصحاب العمائم، وهم جمهرة من شيوخ دين سياسيين انحازوا ضد إرادة ومصالح الشعب حين راحوا يؤججون المشاعر وكأن الشبيبة العراقية كلها بدأت تنحاز صوب الإلحاد. وهم يعرفون إن ليست هناك مثل هذه الظاهرة، بل إن هناك رفضاً متعاظماً واحتجاجاً ضد شيوخ الدين الفاسدين والمتربعين على رأس السلطة وفي الأحزاب الإسلامية السياسية الذين مسخوا الدين بسلوكهم اليومي المناهض لمصالح الشعب. ويقف على رأس هؤلاء نوري المالكي وعمار الحكيم، والأخير يعيد إنتاج تاريخ جده الأسود في هذا المجال." وكان لزاماً عليّ أن أكتب "يعيد تاريخ جده المخزي مثلاً، وليس الأسود! والسؤال الذي يستوجب الإجابة عنه هو: هل كان هذا الخطأ زلة لسان منّي، أم إنه يشكل جزءاً من تراثنا الثقافي العربي والإسلامي، بل والبشري، السلبي الذي صبغ اللون الأسود دون أدنى مبرر بالسوء؟ ألم يكن هذا الاستخدام جزءاً من التراث الاستعماري والعبودي الذي مارسته القوى العنصرية ومن ثم الاستعمارية، ومنهم المستعمرون المسلمون العرب، ضد الشعوب السوداء بذهنية عنصرية وقحة وعلى امتداد عشرات القرون، بحيث ما تزال هذه المخلفات السيئة عالقة في أذهان حتى القوى الديمقراطية والتقدمية وأنصار حقوق الإنسان في العالم، وأنا منهم؟ نعم هذه هي الحقيقة المرة التي يفترض أن نعترف بها ونكافحها!     
حين قرأ زميلي الفاضل والمناضل الدكتور محمد أحمد محمود، صاحب كتاب نبوة محمد، مقالي المذكور أعلاه، اشار لي برسالة شخصية بأن المقال قد أعجبه كثيراً، ولكن حين وصل إلى الموقع الذي ذكرت فيه اللون الأسود بموقع السوء، كما جاء في أعلاه، أشار بأنه انزعج كثيراً، رغم معرفته بنيتي الحسنة، وهو على حق تماماً، إذ أن الألوان كلها واحدة ولا يجوز تمييز لون منها بالإساءة، كما جاء في مقالي. لقد أدركت بأن ما كتبته لم يكن زلة لسان، بل كان بتأثير الثقافة البالية التي ما تزال تعيش معنا ونستخدمها دون أن نعي سلبياتها وأسباب نشوئها ومدى إساءتها للآخرين من أخوتنا وأخواتنا من ذوي البشرة السمراء أو السوداء. لقد تعودنا أن نقول بالسوق الأسود بدلاً من القول بالسوق الموازي، وأن نقول حظه الأسود، بدلاً من أن نقول حظه العاثر، وأن نقول تاريخ الرجل الأسود بدلاً من أن نقول تاريخ الرجل المخزي، على سبيل المثال لا الحصر.
لقد علمني الدكتور محمد محمود درساً ثميناً لن إنساه، وأتمنى على جميع أنصار حقوق الإنسان وجميع الكتاب وعموم المجتمع أن ينتبهوا إلى ذلك ليتخلصوا معي من ترديد ما وصل إلينا من خطاب يعود للثقافة البالية في جميع لغات العالم تقريباً وفي جميع الحضارات التي مرت بها البشرية، ربما في ما عدا الأوائل الذين لم يكونوا يعيشون تحت وطأة العنصريين والمستعمرين، دون أن نعي وعياً سليماً ما وراء ذلك. ليس هناك ما يميز اللون الأسود عن اللون الأبيض أو الأحمر إلا في الثقافة والنظرية العنصرية التي قسمت البشرية إلى ثلاثة أجناس وربطتهم بأبناء النبي نوح الثلاثة "يافت وسام وحام", وله كما يقال أبن رابع، وادعت هذه النظرية إن يافت هو الجد الأكبر للجنس الآري، الجنس الذي يتميز بالسمو والخلق الكريم والإبداع والمبادرة والخلق والسيادة. ثم ادعت إن سام هو الجد الأكبر للساميين أو الآسيويين، ومنهم العرب واليهود، وهم الوسط بين جنسين، فهم أقل شأناً من الآريين، ولكنهم أعلى شأناً من الحاميين أو الأفارقة، إذ ادعت هذه النظرية العنصرية البالية بأن الجد الأكبر للحاميين أو الأفارقة هو حام بن نوح. وبسبب خطيئة ارتكبها حام، صبغ "الله" أبناءه وأحفاده باللون الأسود، وكتب عليهم أن يكون خدما أو عبيداً لأسيادهم من الجنس الآري، ومن ثم للجنس السامي! هل هناك نظرية وقحة أوقح من هذه النظرية العنصرية؟ إننا هنا نتبين بوضوح مدى وقاحة هذه النظرية وتخلفها وعدوانيتها، إذ يفترض أن ننتبه إليها في كتاباتنا التي نرددها في غالب الأحيان دون أن نعرف مصدر هذه الأسطورة الخرافية والعلاقة التي شوهها العنصريون، العلاقة بين اللون الأسود والسوء، أي علينا أن ننتبه في استخدامنا لكلمة أسود أو اللون الأسود لكي لا نتحول إلى عنصريين دون أن نعي ذلك. هناك مصلحات أخرى في اللغة العربية التي يفترض ان ننتبه إليها أو يفترض أن نتجاوز لغتنا الذكورية ونجعلها ذكورية أنثوية في آن واحد والتي سأعود إليها في مقال آخر.


48
د. كاظم حبيب
نحو معالجة جادة ومسؤولة لبعض لمظاهر السلبية في حركة حقوق الإنسان العراقية!
من ينظر قليلاً إلى الوراء ويستعيد مسيرة حركة حقوق الإنسان بالعراق، سيجد دون أدنى ريب، أنها قطعت شوطاً مهماً في التعامل مع وقائع انتهاك حقوق الإنسان والتجاوزات الثقيلة على المبادئ الأساسية التي تبلورت وتراكمت عبر الفترة الواقعة بين صدور اللائحة الدولية لحقوق الإنسان في العاشر من كانون الأول /ديسمبر 1948 والمواثيق والعهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي صدرت في النصف الثاني من العقد السابع من القرن العشرين حتى الوقت الحاضر، والتي شملت الكثير من اللوائح المهمة جداً مثل حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق السجناء السياسيين وحقوق المواطنين والمواطنات من أصل أهل البلاد وحق تقرير المصير للشعوب صغيرها وكبيرها والحق في التنمية والحق في بيئة نظيفة...الخ، وهي بهذا المعنى قدمت بعض المنجزات المهمة لصالح حركة حقوق الإنسان وإنها قد اكتسبت خبرات قيمة يمكن أن تكون زاداً مهماً للوقت الحاضر ولقادم الأيام والأعوام.
إلا إن واقع الحال يقول بأن هذه الحركة الإنسانية النبيلة كان في مقدورها أن تقدم أكثر مما تحقق لها حتى الآن لو لم تكن تعاني من عدد من العلل التي تحولت عملياً إلى مشكلات تواجه العاملين والعاملات فيها، وعرقلت، وهي ما تزال تعرقل، ما كان يمكن أن ينجز لصالح الإنسان العراقي الذي كان وما يزال هدفاً أساسياً من أهداف قوى الاستبداد والقهر والتمييز والعنصرية والطائفية السياسية المقيتة والتمييز الصارخ ضد المرأة ومعاناة الطفولة، سواء أكانت هذه القوى في الحكم أم خارجه.
لا شك في أن بعض هذه العلل ذات طبيعة موضوعية ناشئة عن طبيعة المجتمع العراقي الذي يعاني من تخلف اقتصادي واجتماعي ومن قدرة القوى المناهضة لحقوق الإنسان من تزييف وتشويه وعي الإنسان في ظل الأمية والخراب الفكري والردة الاجتماعية التي تعم البلاد منذ ما يزيد عن خمسة عقود، إضافة إلى وجود فئات رثة تحكم البلاد منذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة حتى الآن. وإذا كان الإرهاب قبل ذاك يمارس من حكومة صدام حسين، فأنه اليوم يمارس من جهات كثيرة بحيث حولت حياة الشعب العراقي إلى جحيم لا يطاق والخسائر البشرية لا تحصى ولا تعد. كما إن الفساد كان سائداً في فترة حكم صدام، واليوم تحول إلى نظام سائد ومعمول به وتمارسه السلطات الثلاث دون حياء. إن الفساد والإرهاب سائدان اليوم بشكل يصعب على الإنسان السوي تصوره لأن ممارسيه يشكلون جزءاً من قوى السلطة ومن خارجها، ولكن من الأحزاب الحاكمة.
وإذا كانت هذه العلل ناتجة عن واقع موضوعي قائم، ولكن هناك أيضاً تلك العلل الذاتية التي ترتبط بطبيعة العاملين والعاملات في هذا المجال، والتي لا تنفصل بطبيعة الحال عن واقع المجتمع ذاته ومستوى تطوره وتقدمه ووعيه.
ومثل هذه العلل القائمة لا تقلل من النجاحات المطلوبة والضرورية لحركة حقوق الإنسان لإنصاف المظلومين والمنتهكة حقوقهم الأساسية فحسب، بل إنها تضعف من التفاف الناس حولها ومن مصداقية العاملين والعاملات فيها أمام المجتمع، والتي تُستثمر بأبشع الصور من جانب المناهضين لحقوق الإنسان والساعين إلى إفشال جهودها ووجودها أصلاً، وهي التي تعتبر شوكة فعلية في عيون مغتصبي ومنتهكي حقوق الإنسان، بمن فيهم الحكومات المتعاقبة والمسؤولين على مستوى العراق كله. فما هي هذه العلل والمشكلات التي تواجه حركة حقوق الإنسان العملية؟
1.   مع الأهمية البالغة لوجود منظمات تدافع عن حقوق الإنسان العراقي في الداخل والخارج، إلا إن المشكلة تبرز في وجود عدد متزايد من هذه المنظمات التي تعود فعلياً لأحزاب سياسية حاكمة أو حتى غير حاكمة لا تلتزم بمعايير حقوق الإنسان. فهي تنتقد انتهاك الحكومة العراقية بحق حين تنتهك حقوق الإنسان بفظاظة، ولكنها تسكت حين تنتهك هذه الحقوق من جانب حكومة الإقليم أو مجالس المحافظات. وهي تنتهك الأحزاب السياسية التي تنتهك حقوق الإنسان، ولك نها تنسى انتهاك أحزابها والعاملين فيها حين تنتهك حقوق الإنسان. ومثل هذا الواقع يضعف مصداقية عمل منظمات حقوق الإنسان، في حين إن المنتهك لها هي بعض هذه المنظمات غير المستقلة. وهنا لا بد من التمييز السليم بين هذه المنظمات وتلك التي لا تلتزم بالمعايير الحقوقية لحركة حقوق لإنسان، رغم صعوبتها التمييز احياناً.
2.   إن الكثير من العاملات والعاملين في حركة حقوق الإنسان لم يدرسوا بعناية كبيرة مبادئ ومعايير حقوق الإنسان منذ العام 1948 حتى الوقت الحاضر والتي بلغت عشرات الوثائق واللوائح المهمة جداً. وبعضهم لم يقرأ بالتفصيل حتى اللائحة الدولية لحقوق الإنسان. إنها تشير غياب الرغبة في القراءة والتعلم والتفاعل مع هذه الوثائق وسبل متابعة انتهاك حقوق الإنسان. ومنظمات حقوق الإنسان الجادة يفترض فيها أن تساعد، لا في نشر وترويج هذه الوثائق واللوائح فحسب، بل وأن تُدّرسها للعاملين والعاملات فيها، لكي تحصنهم من وقوعهم بالذات بانتهاك حقوق الإنسان ضمن عائلاتهم أو في المحيط الذي يعملون فيه. وأرى بأن هذه المشكلة كبيرة حقاً، سواء بالنسبة لمن يعملون بداخل العراق أو خارجه، والتي تتجلى في ضعف الاهتمام بالاجتماعات والندوات التي تمس حقوق الإنسان.
3.   تجد هذه الوقائع انعكاساتها في العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين العاملين والعاملات في هذا المجال الحيوي الذي يستوجب التناغم والانسجام والتفاعل الودي بينهم وتبادل الخبرة والمعرفة. إذ تبرز المنافسات غير الودية والحساسيات وضعف الاحترام المتبادل والمشاكسات والشللية إلى حد بروز أحقاد وكراهية وعدم قبول الآخر أو العمل معه، وهي تجليات للحساسية المفرطة والمزاحية التي تقود إلى تدهور العمل أو إضعافه أو تى التخلي عن بعض الكفاءات بسبب كل ذلك أو بعضه. والتجارب التي مرت بنا تؤكد العواقب السلبية لهذه الظاهرة على عمل اللقاءات والمؤتمرات والاجتماعات التي تنظمها منظمات حقوق الإنسان.
4.   الفهم الخاطئ لمبدأ الحيادية في عمل منظمات حقوق الإنسان. فمنظمات حقوق الإنسان ليست حيادية إزاء المبادئ التي تعمل بها وتستند اليها في نشاطها. فليست هناك حيادية بين الضحية والجلاد، سواء أكان هذا الجلاد شخصاً أم جماعة أم حزباً أم حكومة، وسواء أكان الضحية من هذه القومية أو الدين أو المذهب أو الفلسفة أو الفكر الذي يحمله، فالإنسان هو الإنسان مهما كانت الخلفية القومية والدينية والمذهبية والفكرية التي يحملها، والانتهاك هو انتهاك ولا يمكن تفسيره بغير ذلك. والحيادية لا تعني السكوت بل عدم التمييز بين الضحايا أياً كان، وبين الجلادين أياً كان. فعلى سبيل المثال إن مارسنا النقد وشجب التجاوز على حقوق الإنسان من جانب الحكومة العراقية، لا يجوز بأي حال السكوت عن تجاوزت مماثلة تقوم بها حكومة إقليم كردستان على حقوق الإنسان أو المجالس المحلية في المحافظات مثلاً. هنا تستوجب الحيادية التامة، إذ أن انتهاك كرامة الإنسان بأي شكل كان هو تجاوز فظ على أهم مبادئ حقوق الإنسان ولا يجوز السكوت عن بعض منتهكيها وشجب غيرهم ممن ينتهك حقوق الإنسان. إذ عندها تفقد منظمات حقوق الإنسان في مثل هذه الحالة مصداقيتها وأساس عملها الإنساني النبيل. فلا حياء ولا خشية ولا سكوت على من يرتكب حقوق الإنسان بأي شكل كان، وبالتالي فمن نافل القول أن نؤكد بأن من يخشى النقد أو يهابه لأي سبب كان، عليه الكف عن العمل في هذا المجال إذ إنه أفضل له وللمنظمة التي يعمل فيها. وهي أفضل من ممارسة التمييز وغياب الحيادية الضرورية.
5.   بسبب ضعف اهتمام الكثير من أعضاء منظمات حقوق الإنسان بالداخل والخارج بقضايا حقوق الإنسان ، فأن المسؤولين غالباً ما يتخذون قرارات فردية أو لا يعودون إلى هيئاتهم القيادية للمداولة واتخاذ القرار المناسب بهذه القضية أو تلك. وتبقى المسألة محصورة بالأمين العام أو أي تسمية له تمنحها النظم الداخلية. وعدم أو ضعف الاهتمام يساهم في اعتياد المسؤول في عدم العودة للهيئة القيادية أو للهيئة العامة في أهم الأمور التي تستوجب المداولة والمناقشة واتخاذ القرار الشرعي.
6.   أغلب العاملين في مجال حقوق الإنسان جاءوا من مواقع سياسية ثلاثة، إضافة إلى مجموعة من المستقلين، والمواقع:
** الحركة القومية العربية أو الحركة القومية الكردية؛ ** الحركة اليسارية؛ ** الحركة الإسلامية السياسية. وغالباً ما يكون هؤلاء مشدودين إلى أحزابهم السياسية ويصعب عليهم اتخاذ موقف الحياد إزاء احتمال ممارسة أحزابهم لانتهاكات معينة لحقوق الإنسان. إن المتابعة الفعلية لعمل تنظيمات حقوق الإنسان على مدى الفترة الواقعة بين 1980 حتى الوقت الحاضر، يمكن تأكيد حقيقة إن الكثير من هذه التنظيمات لم تكن حيادية نهائياً أو بالشكل المطلوب الذي تستوجبه لوائح حقوق الإنسان. وحين تكون هذه القوى خارج السلطة، فأنها تكون مستعدة لشجب ممارسات الحكم، وحين تكون قواها أو أحزابها بالسلطة تنسى حقوق الإنسان. ويمكن أن نؤكد ذلك بالنسبة للجميع خلال العقود الخمسة أو الستة المنصرمة. ولا بد لهذه الحالة من أن تتغير وأن تستقل منظمات حقوق الإنسان عن الارتباط بهذا الحزب أو ذاك، وأن تعزز من استقلاليتها. هذا لا يعني أن أعضاء منظمات حقوق الإنسان، قيادة وقاعدة، لا يجوز لهم أن يعملوا في احزاب سياسية، ولكن عليهم أن يخلعوا رداء حزبيتهم حين يعملون في منظمات حقوق الإنسان. أما المنظمات المرتبطة بقوى الإسلام السياسي فأن مبادئ حقوق الإنسان ترفض تأسيس أحزاب سياسية على أساس ديني أو مذهبي أو عنصري، وبالتالي فأن وجودها يعتبر مخالفة صريحة لمبادئ حقوق الإنسان.
7.   الظاهرة السلبة الأخرى تبرز في وجود رغبة في الظهور والروح الاستعراضية، ففي المؤتمرات ينشطون ويلتقطون الصور وينشرونها مع تعليقات عن مشاركتهم أو زيارتهم السريعة "ليتفقدوا" النازحين، ولكن في العمل الفعلي على مدار السنة لا تجد لهم حضوراً واعياً وفاعلاً ف ي الدفاع عن حقوق الإنسان. وهي المسألة التي يفترض تشخيصها بأمل أن ينتبه هؤلاء لأهمية مشاركتهم في العمل وليس لاستعراض مشاركتهم الشكلية  فقط، وهي ملاحظة لا تهدف للإساءة لأحد.
8.   إن مبدأ التضامن بين منظمات حقوق الإنسان في نضالها ضد انتهاك هذه الحقوق يعتبر واحداً من أهم المبادئ الذي يفترض أن تمارسه هذه المنظمات، فهو أحد الأدوات الأساسية بيد ضحايا النظم الاستبدادية واللاديمقراطية في الدفاع المشترك ضدها وإثارة الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ضد الجلادين ومنتهكي حقوق الإنسان. كما إن التضامن يسهم في تعريف منظمات حقوق الإنسان العراقية للمنظمات الأخرى في سائر أرجاء العالم من جهة، ويمنحها فرصة الحصول على التضامن من منظمات مماثلة لها في الدول الأخرى، لاسيما وإن العراق يعيش منذ ما يقرب من ستة عقود تحت سياط الجلادين ومنتهكي حقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، حين قررت هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراقمسيحيين الأقباط بمصر بعد الاعتداءات الغاشمة وإشعال الحرائق في الكنائس وقتل الكثير من البشر، وقتل الكثير من البشر، اعترض أحد الأشخاص وطالب بحصر عمل الهيئة في شؤون العراق فقط. وقد رُفض هذا الطلب من الأمانة العامة لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب وأشارت إلى أهمية هذا النوع من التضامن حتى من جانب التضامن معنا ونحن بأمس الحاجة له بالعراق. التضامن بين منظمات حقوق الإنسان لصالح الإنسان وحقوقه مسألة ضرورية وأساسية ولا يجوز التخلي عنها بأي حال.
أتمنى على منظمات حقوق الإنسان مناقشة هذه الملاحظات وتشخيصها بكل صراحة ووضوح للتخلص منها لصالح العمل وتقدمه ولصالح الإنسان العراقي. ويمكن أن تلعب مواقع حقوق الإنسان والمجلات دورها في هذا المجال. لقد ابتعدت عن تشخيص المنظمات أو الأشخاص، لأنها ظواهر عامة تشملنا جميعاً وتدعونا جميعاً للتعاون من أجل إزالتها وتحسين عملنا، إذ إن ما ينتظرنا أكثر بكثير مما مررنا به حتى الآن في مجال انتهاك حقوق الإنسان وحقوق القوميات وحقوق أتباع الديانات والمذاهب الدينية والفكرية والسياسية.   

49
كاظم حبيب
كفوا عن الضحك على ذقون الشعب، كفوا عن مهازلكم!!
الأحداث الجارية على أرض الواقع بالعراق تشير إلى عدد من المسائل السلبية والمتفاقمة التي أحاول هنا تلخيص أبرزها في الآتي:
** محاولات محمومة يمارسها رئيس الوزراء الأسبق للإساءة إلى القوى المدنية والعلمانية الديمقراطية والتحريض ضدها بمختلف السبل، تماما كما أجج بسياساته الطائفية الشرسة قبل ذاك الصراع ضد المواطنين والمواطنات من أتباع المذهب السني في الأنبار والفلوجة وصلاح الدين والموصل، ومن ثم خطابه التعس بمدينة كربلاء حين طرح بعنجهية فارغة إن "الذين قتلوا الحسين لم ينتهوا .... المعركة لا زالت مستمرة بين أنصار الحسين وأنصار يزيد..."، بدعوى فجة ومريبة وظالمة إن أهل السنة كلهم من أتباع يزيد بن معاوية، ولذلك لا بد لأنصار الحسين، أي الشيعة، من خوض الصراع ضدهم! إنها الهستيريا بعينها!
** وعلى ذات النسق بدأت حملة شعواء تمارسها مجموعة من أصحاب العمائم، وهم جمهرة من شيوخ دين سياسيين انحازوا ضد إرادة ومصالح الشعب حين راحوا يؤججون المشاعر وكأن الشبيبة العراقية كلها بدأت تنحاز صوب الإلحاد. وهم يعرفون إن ليست هناك مثل هذه الظاهرة، بل إن هناك رفضاً متعاظماً واحتجاجاً ضد شيوخ الدين الفاسدين والمتربعين على راس السلطة وفي الأحزاب الإسلامية السياسية الذين مسخوا الدين بسلوكهم اليومي المناهض لمصالح الشعب. ويقف على رأس هؤلاء نوري المالكي وعمار الحكيم، وبعضهم يعيد إنتاج تاريخ جدهم الأسود في هذا المجال.
** وانسجاماً مع هذا التوجه بدأ أئمة الجوامع والمساجد يشنون حملة ظالمة ضد القوى المدنية الديمقراطية وضد والشيوعيين، وهم ينهلون من ترسانة ذات شيوخ الدين الذين ارتضوا السير بركاب المستعمرين واستجابوا للقوى الفاشية في شتم الشيوعيين والديمقراطيين وتكفيرهم بدعوى الإلحاد!
** وبدأت في ذات الفترة موجة من التصريحات لقادة الحشد الشعبي، الذي اُعتبر من جانب السلطة وبقانون إنه يشكل جزءاً من القوات الخاضعة للقائد العام للقوات المسلحة، وهي بالتالي قوة عسكرية لا يحق لها، كحشد وكأفراد، المشاركة في العمل السياسي، وهم يطالبون بأن يكون رئيس الوزراء من الحشد الشعبي، وبتعبير أدق من قوى المليشيات الشيعية الطائفية المسلحة، التي ارتكبت الجرائم بحق الشعب العراقي قبل أن يطلق السيد السيستاني فتوى الجهاد الكفائي، وتنخرط فيه قوى من المليشيات الشيعية المتطرفة، التي قال عنها نوري المالكي إن هو مؤسسها، والموجود من المليشيات الشيعية المسلحة في المدن العراقية، وبعيداً عن الجبهة، يمارسون أساليب إذلال الشعب تماماً كما تمارسها المنظمات الإرهابية الأخرى. اقرأوا تصريحات قيس الخزعلي وهادي العامري بهذا الصدد!
** وفي هذه الفترة ترفض الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية المهووسة بالطائفية والسيطرة على الحكم تغيير قانون الانتخابات وبنية "المفوضية المستقلة للانتخابات"، وهي التي فقدت مصداقيتها في أعين الشعب العراقي، ويستوجب تبديلها على أسس أخرى تماماً بعيداً عن المحاصصة الطائفية في تكوين عضويتها. وإصرار قوى الإسلام السياسي على ذلك مخالفة صريحة وفجة للدستور العراقي!
إن الضجة التي يثيرها الإسلاميون السياسيون ضد شبيبة العراق وضد القوى الديمقراطية بذريعة الإلحاد تعتبر مخالفة لبنود الدستور العراقي، التي تضمن الحريات والحقوق الأساسية للفرد، للمواطن والمواطنة، تضمن حقه في اعتناق الدين الذي يشاء أو العقيدة التي يراها تنسجم مع توجهاته وفلسفته، والعقيد لها وجوه كثيرة. ولم يكن عبثاً تسجيل الدستور هذه الحقوق في أكثر من مادة دستورية، وخاصة حرية العقيدة والتي لا تقتصر على دين واحد بعينه أو على أديان عدة. 
** كما إن المحور الذي تشكل بعد زيارة رئيس مجلس النواب إلى إيران والمتكون منه ومن نوري المالكي وعمار الحكيم وبعض الأحزاب الشيعية الأخرى هدفها، إعادة نوري المالكي أو أحد قياديي الحشد الشعبي إلى رئاسة الحكومة العراقية وبموافقة بعض القوى الكردية. وهو أمر يخالف العقل والمنطق، يخالف ما جرى ويجري للعراق بسبب وجود طائفيين متطرفين، من أمثال رئيس الوزراء السابق، على رأس السلطة التنفيذية.
إن هذه الوقائع لا تجري بمعزل عن الدور الرئيسي الذي تمارسه إيران بالعراق. وكل تلك الوقائع تسمح لي بالاستنتاج الذي طرحته قبل عدة شهور بأن الدولة العراقية تعتبر اليوم "دولة شبه مستعمرة" لدولة إيران الإسلامية السياسية المتطرفة، سواء اعترف البعض بذلك أم لم يعترف، فالحاكم بأمره بالعراق هو قاسم سليماني المرتبط مباشرة بالمرشد الإيراني وبنوري المالكي، تماماً كما كان باول بريمر، الحاكم باسم البيت الأبيض بالعراق، وكان يفعل ما يشاء بغير حساب!
ويتجلى هذا الواقع المرّ بوضوح كبير في تقرير "مجموعة عمل مستقبل العراق" الذي أعدته لجنة أمريكية برئاسة السفير الأمريكي ريان كروكر، الذي وضع نصب عينية مصالح الولايات المتحدة أولاً وقبل كل شيء، في مواجهة النفوذ الطاغي والمهيمن للقيادة الإيرانية على العراق وقراراته ولمصلحة إيران مباشرة. فهنا يلاحظ المراقب إن صراع المصالح بين الولايات المتحدة وإيران وحلفاء الاثنين بالعراق والمنطقة يجري على أرض العراق وعلى حساب مصالح الشعب العراقي وإرادته واستقلال بلاده وسيادتها المفقودة.   
إن منطقة الشرق الأوسط تغلي بالصراعات بين قوى لا تريد الخير للعراق وشعبه وتريد الهيمنة عليه، وهي تريد استخدام العراق ساحة لصراعاتها وفرض مصالحها على حساب مصالح الشعب العراقي. ولا يمكن لقوى الإسلام السياسي الحاكمة أن تقود البلاد إلى شاطئ الأمن والسلام والتقدم، لأنها جزء من هذا الصراع المناقض لمصالح البلاد فهي امتداد لغيرها من القوى الإقليمية الفاعلة بالعراق، فهي ومصالح الشعب على طرفي نقيض.
ليس من مصلحة العراق أن يكون طرفاً في هذه الصراعات التي تخاض زوراً باسم المذاهب الدينية وتريد زج شعوب المنطقة بها، في حين إنها ليست سوى صراعات تعبر عن مصالح الفئات الحاكمة والمتحكمة بشؤون شعوبها والجاثمة على صدور الناس، وتريد الهيمنة على العراق. وليس في مقدور القوى الحاكمة حماية العراق وشعب العراق من هذا الصراع الدائر بالمنطقة لأنها تشكل جزءاً من هذا الصراع وامتداداً له، وهو الذي يفترض أن تفهمه شعوبنا لتتصدى له وتفرض إرادتها بتغيير جذري للواقع الراهن، وألّا تخشى من تهديدات من يحاول تصوير العراق وكأنه أصبح "مرتعاً للإلحاد"، كما حاول ذلك عمار الحكيم تصويره في خطبته الفجة الأخيرة. علينا ألّا ننسى الكذبة الكبرى التي كان يطلقها هتلر وگوبلز كلما أحسا بالضيق: "افتروا، ثم افتروا، ثم افتروا، لعل بعض افتراءاتكم تعلق بأذهان الناس!". لقد خدعتم الشعب كثيراً وطويلاً، وأملي ألّا ينخدع الشعب هذه المرة، فالإنسان العاقل يفترض ألّا يلدغ من جحر مرتين!!!               



50
كاظم حبيب
وفاء لنضال رفيق الدرب الطويل الرفيق عزيز محمد بعد وفاته
وفاءً لمناضل كرَّس حياته للوطن والشعب والحزب والتضامن الأممي

صورة التقطت في كانون الأول/ديسمبر 1983 في وادي لولان بإقليم كردستان العراق أثناء وجودنا في حركة الأنصار الشيوعيين

حتى أيامه الأخيرة كان الرفيق عزيز محمد يحمل هم الوطن كله، هم العراق وشعب العراق، هم كردستان وشعب كردستان، هم الإنسان العراقي، هم الحزبين الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي الكردستاني، هم وجود قوى غير إنسانية على رأس السلطة. كانت اللقاءات به كلها ممتعة ونقاشاته رصينة تدور حول همومه العامة وليس الخاصة. كان شديد الحرص على إيصال رأيه ونقده بصراحة ووضوح لمن يعنيهم الأمر، رغم رغبته في صياغة ملاحظاته في قالب غير خادش لمستمعيه لإدراكه بحساسية الآخرين في ظل الظروف المعقدة والمتشابكة الجارية بالعراق منذ سنوات. قال لي: إن الرفاق لا يتقبلون ملاحظاتي الصريحة والناقدة بصدر رحب، فمن حرقتي وحرصي عليهم أواجههم بكل صراحة. ذكرته مرة بأنه قال لي، حين وجهت نقداً شديدأ وحماسياً في اجتماع للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في العام 1974 ببغداد بشأن موضوع محدد: يا رفيق أبو سامر كسرت الرگية (بطيخة حمراط)، وضيعنا الحب واللب". فضحكنا معاً..
رغم كل الأوضاع المتدهورة، ورغم الوضع الصحي الصعب، لم يفقد الأمل، ولو للحظة واحدة، بعودة الحياة والحركة للشعب العراقي ولشعب كردستان، ولكنه كان يخشى أن يخسر العراق المزيد من الضحايا في تحرير الأرض وإعادة البناء والخلاص من القوى المستبدة والقوى التي تسببت بكل ذلك. في زيارتين قمت بهما له بأربيل في كانون الثاني/يناير 2017 كان ما يزال حيوي في نقاشه وفي طرح وجهات نظره، رغم بطء حركته. وكان الحزب الشيوعي الكردستاني على وشك أن يعقد مؤتمره السادس. كانت ذاكرته نشطة، تحدث لي عن التقرير والبرنامج والملاحظات التي تكونت لديه والتي سيطرحها على المؤتمرين ورغبته في أن يستعيد الحزب عافيته وجماهيريته، رغم كل الصعوبات المحيطة به وبالحركة الديمقراطية. وكان يخشى أن لا تستقبل ملاحظاته بصدر رحب! كانت ذاكرته نشطة جداً، سواء أكانت لماضي الأيام والسنوات، أم للفترة الت نحن فيها. إذ كان متابعاً للأحداث أولاً بأول، سواء على صعيد كردستان أم العراق، أم المنطقة العربية والشرق الأوسط. وكان الحوار معه ممتعاً وغنياً.
تحدثت له قبل ذاك عن كتاب جديد للمناضل البروفيسور الدكتور محمد محمود من السودان، المقيم قسراً ببريطانيا، والموسوم "نبوة محمد – التاريخ والصناعة – مدخل لقراءة نقدية"، [صادر عن مركز الدراسات النقدية للأديان، لندن، بريطانيا، سنة النشر: ط 2 /2013، 472 صفحة]. شوقته لقراءة الكتاب. جلبته له، قرأه في فترة قصيرة، أعجب به أيما إعجاب بسبب معالجته العلمية والوثائقية لمسألة النبوة عموماً. كان عزيز محمد كثيف القراءة، نهم بمعنى الكلمة، ولكنه كان شحيح الكتابة.
كنا رفيقين في حزب واحد وعملنا معاً ومع بقية الرفاق عشرات السنين، ولكن على امتداد تلك السنوات لم نكن صديقين بالمعنى الصحيح للكلمة، إلا في السنوات العشر الأخيرة تقريباً، حيث واظبت على زيارته كلما زرت كردستان العراق، مرة بمفردي وأخرى مع زوجتي أم سامر وثالثة مع صديقنا المشترك الحاكم بوتان، فتوطدت علاقتنا الصداقية وتعززت وحاول بعضنا معرفة الآخر بشكل أفضل. وحين كان يأتي إلى برلين لزيارة ابنته العزيزة شيرين، كان لا يفوت فرصة اللقاء والحديث وتبادل الرأي.
آخر زيارة لي له، سواء أكان مع عدد من الأحبة، ومنهم نهاد القاضي، وغالب العاني وعبد الخالق زنكنة وفارس نظمي ومحسن شريد ووليد شريف، أم بمفردي، وقبل مغادرتي أربيل، حين قبلته في جبينه وودعته أدركت، إن حادث الوقوع ليلاً والعملية الجراحية التي أجريت له قد أنهكته تماماً وسرقت منه رحيق الحياة، ولن يعيش طويلاً. أخبرت الرفاق حيدر الشيخ علي وكمال شاكر وهادي محمود، وكذلك رفاق المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراق الذين كانوا حينذاك بأربيل، وكانت آراء من التقى به متفقة  مع ما شعرت به وأنا أودعه، وهو يرسل تحياته لأم سامر وبقية الرفاق والأصدقاء. وكان في انتظار ابنتيه فينك وشيرين وزوجته كافية.
لقد مات الرفيق عزيز محمد، ولكنه ترك أرثاً غنياً من النضال الوطني والطبقي في صفوف الحركة الوطنية العراقية وحركة التحرر الكردية وفي صفوف وقيادة الحزب الشيوعي العراقي. لقد قاد الحزب الشيوعي العراقي طوال 27 عاماً في أصعب السنوات وأكثرها تعقيداً وحراجة. لقد أصاب مرة وأخطأ أخرى، لم يكن وحده في ذلك، بل شاركنا معه في الصواب والخطأ، سواء أكان ذلك في المكتب السياسي أم اللجنة المركزية أم في عموم الحزب.
لقد جاء عزيز محمد من قرية كردستانية صغيرة في شمال كردستان العراق، لم يكمل تعليمه، ولكن بنضاله الشخصي ودأبه على المطالعة والقراءة النقدية أصبح قائداً لحزب شيوعي عراقي، واحداً من أبرز وأكبر الأحزاب الشيوعية في المنطقة العربية والشرق الأوسط في فترة من فترات نضاله المديد. لم يكن، ولم يدّعِ يوماً أنه واحداً من منظري الحركة الشيوعي العالمية، ولكنه كان واحداً من خيرة مناضلي الحركة الشيوعية العالمية، الذي لم يفقد بوصلة النضال الوطني والطبقي ولو للحظة واحدة حتى الرمق الأخير. لقد كان مخلصاً لتراث وتقاليد الحزب الشيوعي العراقي في حبه للطبقة العاملة العراقية والفلاحين والكسبة والحرفيين ولمثقفين الثوريين ومن كل القوميات، ولم ينس يوماً إنه قد انحدر من عائلة فقيرة ولكنها كريمة، ومن أمة كردية عزيزة وشعب كردي مناضل، إنه كردي القومية، عراقي الوطنية، وأممي الهوية والمبادئ.
فقدنا عزيز محمد، الرفيق والأخ والصديق والمناضل، ولكن ترك خلفه تجربة غنية يمكن للحزبين الشيوعي الكردستاني والشيوعي العراقي وللحركة التحررية الكردستاني والحركة الديمقراطية العراقية ان تستفيد منها في نضالها المرير في المرحلة الراهن وفي المستقبل.
ليبقى عزيز محمد ونضاله البطولي شعلة وهاجة، كشعلة بقية شهداء الحزب الشيوعي العراقي والحركة الوطنية والديمقراطية واليسارية العراقية، تنير درب المناضلين من اجل إقامة وطن حر وشعب سعيد.
وبهذه المناسبة الحزينة أنشر أخر مقال كتبته عن الرفيق عزيز محمد ونشر على موقع الحوار المتمدن-العدد: 5163 بتاريخ 15/05/2016. أي قبل عام من تاريخ وفاته تقريباً.       
الرفيق عزيز محمد في حواره الممتع مع الصحفي حمدي العطار (الزمان) / كاظم حبيب

ليس سهلاً بالمرة الحصول على لقاء صحفي مع الرفيق عزيز محمد، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي العراق. فهو مستودع أسرار الحزب الداخلية وعلاقاته الإقليمية والدولية، والأممية منها على وجه الخصوص، ولعقود عديدة خلت. وإلى الآن، وهو يقترب من نهاية الثانية والتسعين من عمره المديد. يمتلك رأياً واضحاً وناضجاً في كل ما يجري بإقليم كردستان العراق، والعراق عموماً، وفي منطقة الشرق الأوسط، وعلى الصعيد الدولي. فهو متابع سياسي واجتماعي وثقافي نشط، وقارئ هميم ونهم للكتب، وله ذاكرة نشطة عن أحداث وشخصيات الماضي والحاضر، ولم تفته حتى الآن أحداث العراق الدامية ببغداد أو نينوى أو الأنبار أو غيرها، فهو قريب منها ويعاني مع الآخرين من عواقبها. إنها ليست بسمات جديدة لدى الرفيق عزيز محمد، بل هو معروف بها. عزيز محمد مستمع ممتاز، وقليل الكلام، ويتحدث حين يُسأل، عندها يدرك المقابل إنه أمام شخص يمتلك معرفة جيدة ومعلومات كثيرة وخبرة غنية. إنه لبق في أحاديثه، مالك لزمام اللغة العربية. جمله قصيرة غير معقدة، واضحة، ودقيقة، كمن ينقش في الحجر. إن ما قرأته له حتى الآن كان قليلاً، ولكنه كان واضحاً ودقيقاً في ما كتب. عزيز محمد مثقف عضوي ناضل منذ نعومة أظفاره، ولم يتخل عن ذلك حتى في شيخوخته الراهنة، وهو مقتنع تمام القناعة بما ناضل ويناضل من أجله، مشحوناً بإيمان إضافي بالقضية ذاتها، قضية الفكر الماركسي والنضال من أجل الاشتراكية، والتي تعني عنده العدالة الاجتماعية وسعادة الشعوب وازدهارها وسلامها الدائم، وغياب الاستغلال والاستعباد والحروب والدمار. وعلى هذا الطريق الطويل والصعب، طريق اليسار الاشتراكي، أو الشيوعي، لا يمكن للإنسان أن يصيب دوماً، فهنا يصيب وهناك يخطئ، وهي من سمات الأنسان الطبيعي. وكما قال عيسى المسيح "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر". وكمناضل من أبناء شعب كردستان وشعب العراق، وضع نفسه في خدمة قضيتين متلازمتين، قضية الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية للعراق كله من جهة، والحقوق القومية للشعب الكردي وبقية القوميات بالعراق من جهة ثانية. وقد تجلى كل ذلك في النضال من أجل الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي، ومن ثم الفيدرالية وحق تقرير المصير للشعب الكردي. وكان واثقاً من أن النضال المشترك للعرب والكرد وبقية القوميات هو الطريق الوحيد لتحقيق الشعارات والأهداف الوطنية والقومية والديمقراطية. وقد التزم بثبات بشعار الحزب " وطن حر وشعب سعيد". إنه أبن بار للشعب العراقي وللشعب الكردي في آن، وهو ما ميزه في نضاله المديد. وهو يناضل في العراق ومن أجل شعب العراق بكل قومياته، لم ينس قضيتين مهمتين في نضاله: حركة التحرر الوطني العربية ومنحها الكثير من وقته وجهده، وبضمنها قضية الشعب الفلسطيني وعدالة هذه القضية ودعوته ضمن نضال الحزب لدولتين متعايشتين بأمن وصداقة وسلام على الأرض الفلسطينية، الدولة الفلسطينية والدولة الإسرائيلية، وقضية الأرض والأمة الكردية الموزعة والمقسمة على أربع دول في منطقة الشرق الأوسط ووحدتهما، وحدة الأرض والأمة الكردية. لقد كان عزيز محمد، وما يزال، من الملتزمين بشعار مرحلة النضال ما بعد الحرب العالمية الثانية، الشعار المركزي الذي رفعه الحزب بقيادة الرفيق فهد, وكتب عنه حسين محمد الشبيبي كراسه المعروف "الجبهة الوطنية الموحدة"، وأكده في فترة توليه قيادة الحزب الشيوعي العراقي، بغض النظر عن المصاعب والملابسات التي رافقت تطبيقه في نضال وتاريخ الحزب الطويل. 
إن عدم رغبته في اللقاءات الصحفية ينبع من تجنبه الخوض في، أو الانجرار إلى، قضايا لا تعتبر حتى الآن ماضياً منتيهاً، بل هي ما تزال حاضراً مستمراً، تستوجب الدقة في فهمها والتعبير عنها أو حتى إعطاء الحكم بشأنها من جهة، وخشيته من احتمال تشويه تصريحاته لغرض في نفس يعقوب، أو لسبق صحفي غير صحيح، أو لعدم فهم محاوره محتوى ما أراد قوله وصاغه بالطريقة التي فهمها من جهة ثانية، إضافة إلى ابتعاده عن احتمال حصول إساءة لمن اساءَ إليه، وتجنبه الإساءة لمن يستحق ذلك، كجزء من تربيته العائلية والحزبية. في فترة النضال المشترك والمستمر اتفقنا واختلفنا في الرأي، وهو أمر طبيعي، وربما ضروري، حين يكون غير مفتعل، ولكن لم يؤثر على العلاقات الإنسانية والاجتماعية، على العلاقة الرفاقية والصداقة، وعلى الود والاحترام المتبادلين.         
اللقاء الحواري الأخير، الذي تم مع الكاتب والصحفي السيد حمدي العطار (جريدة الزمان)، الذي وجه له الكثير من الأسئلة المهمة في مجالات كثيرة ومهمة، ابتداءً من أوضاع الحزب في السابق وحالياً وعن الحزب الشيوعي الكردستاني وسبب قيامه، وعن الدول الاشتراكية وعوامل انهيارها، وانتهاءً بالأسئلة عن الشيوعية وآفاقها وعن الأوضاع بالعراق وكردستان العراق، كان مهماً وحيوياً، رغم إن جزءاً من الحوار لم نطلع عليه ولم ينشر. ويبدو لي إن هذا اللقاء هو استكمال للقاء الذي أجراه الصحفي المميز والصديق توفيق التميمي قبل عدة سنوات، مع ملاحظة مهمة هي أن هذا الحوار كان أكثر قدرة في التعبير عن رأي الرفيق عزيز محمد بشأن واقع الأخطاء القاتلة التي ارتكبها الحزب الشيوعي وقيادته في الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية، وهي مسألة مهمة جداً وضرورية.، إذ كان لهذه الأخطاء الفادحة تأثيرها السلبي الكبير على مجمل الحركة الشيوعية العالمية وحركة اليسار العالمية وحركة التحرر الوطني بالبلدان النامية، ومنها العراق.   
لا أنوي المرور على كل المحاور التي تطرق لها الرفيق عزيز محمد، رغم أهميتها والحاجة إلى مناقشتها، بل سأركز على نقطة واحدة مهمة حقاً طرح رأيه فيها ولأول مرة وعلى النحو التالي: "إن انهيار الاشتراكية أو دول المعسكر الاشتراكي لا يتعلق بفشل الاشتراكية، بل ترتبط بالممارسة والتطبيق والأخطاء المرتكبة من قبل الأحزاب الشيوعية الحاكمة...، إن الاشتراكية ستبقى هدفا تناضل البشرية من أجله، ما دام هناك الاضطهاد والتفاوت الطبقي والاجتماعي، لا بد أن تنتصر الاشتراكية في النهاية." (جريدة الزمان، الأمين العام السابق للحزب الشيوعي العراقي عزيز محمد في حوار مع (الزمان): الأحزاب الشيوعية الحاكمة فقدت مصداقيتها وتحولت إلى نخب ذات امتيازات، حمدي العطار، عدد يوم الثلاثاء 10/5/2016).
هذا التقدير الذي طرحه الرفيق عزيز محمد، وفيه تفاصيل مكثفة لرؤيته للأخطاء التي ارتكبها قادة الدول الاشتراكية من الناحيتين النظرية والعملية، وفقدان الحس الثوري، وفقدان العلاقة الحميمة مع المجتمع، وعدم فهم الحرية باعتبارها وعي الضرورة، وهي مقولة فلسفية تجسد الرؤية السليمة لضرورة الحرية في المجتمعات الاشتراكية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وهو الجزء الأول من الفكرة التي طرحها عزيز محمد، أما الجز الثاني منها فيكمن في حقيقة إن الاشتراكية قادمة لا ريب في ذلك، إنها مستقبل البشرية، وهو استنتاج سليم جداً، ويعبر عن فهم لطبيعة وفعل القوانين الخاصة والعامة للنظام الرأسمالي العالمي أولاً، وعن فهم لطبيعة وحركة وفعل قوانين التطور الاجتماعي ثانياً. وما يجري بالدول الرأسمالية المتقدمة وفي العلاقات الداخلية بين الطبقات والفئات الاجتماعية من جهة، والعلاقة بين هذه الدول والدول النامية، أو حركات التحرر الوطني، ونضالها من أجل التقدم الاجتماعي من جهة ثانية، يدلل بما لا يقبل الشك بأن الصراعات الطبقية والتفاوت المتفاقم والفجوة المتسعة بين مالكي وسائل الإنتاج، ومالكي قوة العمل الجسدية والفكرية، بين الأغنياء والفقراء، آخذة بالتنامي المتباين في سرعته بين دولة وأخرى، والذي يعيد الصراع الذي تفاقم في أوائل القرن العشرين، متخذاً اليوم نهجاً مماثلاً، مع فارق أساسي، يبرز في كون يتم في ظل النظام الرأسمالي الأكثر عولمة، والأكثر استغلالاً، والأكثر هيمنة على العالم، والأكثر فساداً وتدميراً لثروات وموارد الشعوب، والمقترن بمنجزات الثورة العلمية والتقنية، ثورة الاتصالات والمعلومات، ثورة الإنفوميديا Infomedia Revolution  الجارية، التي تتضمن الجمع بين الحوسبة والاتصالات والإعلام أو المعلوماتية.       
قبل أكثر من عشرين عاماً نشرت مقالاً في جريدة الزمان، جرى تشويه عناوينه الداخلية، فقاطعت النشر في الجريدة منذ ذلك الوقت حتى الآن. إذ شوه محرر الجريدة ما كتبته، عندما وضع عنوان ثانوي كان كما يلي: " يقول حبيب الاشتراكية سقطت وإلى الأبد"! قدمت احتجاجاً للجريدة، إذ لم يكن هذا العنوان ولا مضامين المقال تشير إلى ذلك من قريب أو بعيد، بل كان من عنديات محرر الجريدة، إذ إن المقال، ومقالات كثيرة أخرى ومحاضرات قدمتها في مختلف الدول الأوروبية وفي ندوات كانت وما تزال تؤكد ما أشار إليه الرفيق عزيز محمد، حيث اكدت ذلك وفي محاضرات ولقاءات ومقالات كثيرة يمكن أن يعثر عليها القارئ أو القارئة في موقع الحوار المتمدن:
** الرأسمالية لها بديل، إنها الاشتراكية، ولكن متى يمكن البدء ببناء الاشتراكية؟ إنه السؤال الأهم. إن مستلزمات تكوين البديل تنشأ في رحم النظام الرأسمالي، ولا شك في أنها ستتخذ وقتاً غير قصير، وإن الرأسمالية ما تزال تمتلك رصيداً لم يأت أجلها النهائي.
** إن انهيار أو سقوط الدول الاشتراكية القائمة في الواقع:
•   لا يعني بأي حال من الأحوال انتصار الرأسمالية على الاشتراكية؛
•   ولا يعني بأي حال من الأحوال فشل الاشتراكية كفكر وكأسلوب إنتاج بديل عن أسلوب الإنتاج الرأسمالي.
•   وإن سقوط النظم الاشتراكية القائمة في الواقع ارتبط بأخطاء فكرية وسياسية، نظرية وعملية، من جانب من قاد الدول الاشتراكية منذ البداية، وبشكل خاص قاد الدولة السوفييتية، وهم الذين كانوا يقودون الدول الاشتراكية بعد قيامها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، الذي كان يقود الحركة الشيوعي العالمية، ويؤثر بقوة على مجمل الحركة اليسارية العالمية إيجاباً أو سلباً.
•   وأن الأحزاب الشيوعية وقادة الدول الاشتراكية لم يعوا بما فيه الكفاية، العلاقة الجدلية بين الاشتراكية والحرية، بين العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان الأخرى، بين الواقع والحلم، وتعجلوا كثيراً في حرق المراحل التي لا يمكن ولا يجوز القفز عليها، وأساءوا بذلك للمادية الديالكتيكية والمادية التاريخية وللنظرية العلمية التي قال عنها انجلز بـ "إن الماركسية ليست عقيدة جامدة، بل نظرية هادية". لقد سقطوا في رؤية رغائبية ذاتية بحتة، بدلاً من اعتماد واستخدام أدوات التحليل العلمي للوصول إلى الاستنتاجات التي يقررها الواقع الفعلي القائم وتتناغم مع قوانين التطور الاقتصادي والاجتماعي الموضوعية.
•   إن العراق والدول العربية وغالبية الدول النامية ما تزال تعيش في ظل العلاقات الإنتاجية ما قبل الرأسمالية أو الرأسمالية المتخلفة والتابعة واقتصاداتها مكشوفة على الخارج استيراداً وتصديراً، كما تعاني من ضعف شديد في مستوى تطور القوى المنتجة، والوعي الاجتماعي ما يزال متخلفاً بسبب تخلف بنية الاقتصاد وما يقترب به من تخلف في البنية الطبقية للمجتمع، مما يجعل من الاشتراكية مرحلة لاحقة لمهمات أخرى، أي إن هذه البلدان، ومنها العراق، هي ما تزال في مرحلة البناء الديمقراطي للتخلص من بقايا علاقات الإنتاج ما قبل الرأسمالية وبنيتها الاجتماعية والوعي الاجتماعي الناجم عنها، أي إنها ما تزال تواجه تنمية العلاقات الإنتاجية الرأسمالية الوطنية، وبمشاركة واعية من قطاع الدولة والقطا الخاص، وبناء القاعدة المادية للتحولات اللاحقة. إنها المرحلة التي تستلزم تعاون وتحالف الطبقات الاجتماعية الوطنية التي يهمها تحقيق التطور الاقتصادي والتقدم الاجتماعي وتغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية والوعي الاجتماعي.     
إن الشعوب التواقة إلى الحرية والاشتراكية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والأمن والسلام في العالم، ستبقى تناضل ضد الاستغلال والاستعباد، ضد الفساد ونهب الخيرات، وضد العدوان والحروب والإرهاب الفكري والسياسي. إن سقوط الدول الاشتراكية، وأسباب ذلك معروفة، ويشير إليها باختصار وصواب شديد الرفيق عزيز محمد، قد منح الدول الرأسمالية المتقدمة فرصة ثمينة للاستفراد بالشعوب واسترداد المكاسب التي حققتها الطبقة العاملة والشعوب المناضلة عبر مسيرتها الطويلة، وتكشف من جديد عن بشاعة وجه الرأسمالية المعولمة وممارساتها الفعلية، وعن استعدادها لتشديد الاستغلال، ونهب الخيرات، وشن الحروب الإقليمية وتأجيجها، وتشديد سباق التسلح في العالم، وتشكيل منظمات إرهابية للاستفادة منها ضد نضال شعوبها، كالقاعدة، وداعش، وجبهة النُصرة، وأحرار الشام، وبوكو حرام، وأنصار السنة، وميليشيات طائفية مسلحة شيعية، على سبيل المثال لا الحصر، وتحقيق أقصى الأرباح من خلال التأثير المباشر على حكومات الدول التي تأتمر بأوامرها، وتمارس سياسات مناهضة لمصالح شعوبها، كما هو حال جميع دول الشرق الأوسط ونظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون استثناء.
إن سقوط الدول الاشتراكية يفترض اعتباره تجربة غنية جديدة للمناضلين من أجل الاشتراكية في كل مكان، تلك التجربة الثانية التي بدأت في ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1917 الاشتراكية، وهي التجربة التي تلت كومونة باريس في أذار/مارس 1871. وأن من واجب كل المناضلين من أجل العدالة الاجتماعية والأمن والسلام في العالم دراسة هذه التجربة الغنية بكل ابعادها وأشكال ظهورها في الدول التي أقيمت فيها، الآسيوية منها أو الأوروبية، وأسباب انهيارها، لتكون زاداً غنياً للمناضلين في جيش اليسار العالمي من شيوعيين واشتراكيين وماركسيين وديمقراطيين تقدميين.
كان مهماً ومفيداً، كما أرى، أن يتناول الرفيق عزيز محمد قضايا الساعة بالعراق وإقليم كردستان، بالتحليل والتدقيق واستخلاص ما يراه مناسباً حول الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتوترة، وكذلك العلاقات في ما بين الأحزاب الكردستانية الحاكمة وغير الحاكمة، وما يمكن أن يقدمه من نصح على المستوى العراقي وإقليم كردستان العراق، إذ لديَّ القناعة بأن هناك الكثير ممن يستمعون له، وربما يتجاوبون معه بما يطرحه من أراء ومواقف، بمن فيهم قادة الأحزاب، لتجاوز المحنة التي يمر بها الإقليم على أقل تقدير. إذ إن مخاطر كثيرة تحيط بالعراق والإقليم، والعواقب السلبية المحتملة لا يمكن استبعادها، ضمن حساب الاحتمالات التي تواجه مكونات الشعب العراقي القومية. إن المعرفة والخبرة والحكمة والمشورة الذكية مطلوبة الآن، وأكثر من أي وقت مضى، في مواجهة ما يجري على الساحة السياسية العراقية والكردستانية، وهي قليلة نادرة في هذا الزمن الرديء الذي يمر به العراق بتعدد قومياته. إن ما حصل قبل الحرب الأخيرة (2003) واحتلال العراق، في أعقاب إسقاط الدكتاتورية الغاشمة، وإقامة النظام السياسي الطائفي-الأثني والمحاصصة الطائفية، وما يواجهه العراق والإقليم حالياً، يستوجب بذل الجهد الكبير من جانب القوى الوطنية والديمقراطية لتحليله ثانية وبحيادية علمية عالية، لاستخلاص الاستنتاجات الواقعية المؤثرة التي يمكن أن تقود العراق إلى شاطئ السلام، وهو الذي يقف على حافة حروب أهلية محتملة تحرق الأخضر واليابس، ولن يكون سوى شعوب العراق وقودها، والخاسر الأكبر فيها. وهو ما يفترض العمل على تجنبه، ولن يتم ذلك إلا بالخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والفساد والإرهاب الناشئين عنه. 


51
كاظم حبيب
محنة الشعب في حكامه!
الأيام الأخيرة أعادت لبغداد حمامات الدم المسفوح لتذكر العراقيين والعراقيات، لتذكر من نسي بأن العراق كان وما يزال دولة مخترقة، وأن السلطة التنفيذية القائمة فيها عاجزة تماماً عن حماية سكانها، وأحزابها الحاكمة فاسدة حتى النخاع، فهل يمكن أن تقع هذه السلسلة من التفجيرات ببغداد ليسقط عشرات القتلى ومئات الجرحى في منطقة الكرادة، وسط بغداد، المزدحمة بالسكان خلال أيام معدودات لو لم تكن سلطاتها الثلاث فاسدة ومخترقة ومتصارعة على السحت الحرام؟!   
كان الشعب العراقي وما يزال يعيش محنة مستديمة، محنة الشعب في حكامه، في العلاقات الإنتاجية البالية التي تعيد دوماً إنتاج حكام لا يختلف بعضهم عن البعض الآخر إلا بالاسم، وليس بالأهداف والأساليب والسلوك والعواقب. وحين يحن الشعب أو غالبيته لماضٍ مريضٍ، يعتقد إنه كان الأفضل من النظام القائم حالياً، بسبب شدة قساوة ورثاثة الجديد القائم، ولكنه ينسى إن الماضي المريض هو الذي أسس للحاضر الأكثر مرضاً والأشد قسوة على الشعب والأكثر كراهية للإنسان وحقوقه ومصالحه.
محنة الشعب في حكامه، الذين يدعون إنهم جاءوا لخدمة الشعب والدفاع عن مصالحه، وبهذا الستار المهلهل يفرضون على الشعب أن يقوم بخدمتهم وأن يدافع عن مصالحهم، التي هي ضد مصالح الشعب جملة وتفصيلا. هكذا كان العراق في العهود القديمة المنصرمة، وهكذا كان في العهود الإسلامية، وهكذا هو في العهد الملكي، وهكذا هو الآن! أين يكمن العيب، في الشعب أم في حكامه؟
العيب يكمن في الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه الشعب والحكام، في العلاقات الإنتاجية التي ما تزال سائدة والتي لم تتغير منذ قرون، وما حصل عليها من تغيير لم يكن سوى القشرة التي سرعان ما تستبدل بقشرة أخرى من ذات الجنس، في حين لا يعالج لُب القضية، جوهرها الأساس، أي لا يجري تغيير علاقات الإنتاج التي كانت وما تزال تتحكم بالواقع القائم وفي سلوكيات الناس والحكام.
العيب في طبيعة الحكام، فهم يجدون في العلاقات المتخلفة والاستغلالية السائدة إنها تستجيب لمصالحهم، وبالتالي لا يسعون إلى تغييرها، بل يسعون إلى تكريسها. والعيب في المجتمع الذي لم يرَ النور ولم يعرف التنوير الديني والاجتماعي حتى الآن، وبالتالي لا يستطيع في غالبيته إدراك أهمية تغيير علاقات الإنتاج لتساهم في تغيير الواقع القائم ومن ثم تغيير الحكام الذين يفرضون إرادتهم على الشعب.
والعيب في علاقات الإنتاج يتجلى في مجمل البناء الفوقي القائم بالعراق، الذي هو نتاج تلك العلاقات المتخلفة والبالية والسائدة، ولاسيما في الفكر والسياسة وفي بنيتي الاقتصاد والمجتمع، وفي سلطات الدولة الثلاث ومؤسساتها وهيئاتها، في المؤسسات والمرجعيات الدينية، في الأحزاب والمنظمات، وفي الثقافة بمختلف حقولها.
ولكن، حتى في هذا المجتمع المتخلف، تبرز التناقضات، وتنشأ عنها الصراعات، بين القديم البالي والمعرقل لأي تحول جديد، وبين الجديد المتطلع للتغيير. ويتجلى ذلك في الفكر والسياسية والاقتصاد، في القوى والأحزاب والمنظمات، في الثقافة وفي مجمل البناء الفوقي.
وعلى مستوى وعمق وشدة هذه التناقضات وما ينشأ عنها من صراعات فكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وفي مجمل البناء الفوقي، يتحرك المجتمع صوب أحد احتمالين: استمرار التخلف والجمود النسبين، أم التغيير صوب الجديد الأكثر إشراقاً. وميزان القوى هو العامل الحاسم في تحديد الوجهة في الصراعات الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية الجارية بالبلاد.
ميزان القوى لا يتغير بسهولة وبسرعة ولا وفق الرغبات، بل يخضع لعوامل كثيرة، بما فيها وبشكل خاص بدور تلك القوى الساعية للتجديد وفي مدى وعيها للواقع وقدرتها على طرح الشعارات والمهمات التي تستجيب لمصالح الناس مباشرة وصواب ربطها بالقضايا الوطنية المهمة التي تمس المجتمع كله أولاً، وفي مدى قدرتها في الوصول إلى من يملك القدرة على التغيير، إلى المجتمع، إلى فئاته التي تتطلع للتغيير، والتي هي متضررة من بقاء علاقات الإنتاج المتخلفة والبائسة والبناء الفوقي الناتج عنها، ومنها السلطات الثلاث، لاسيما السلطة التنفيذية. وميزان القوى لا يتغير ما لم تدرك القوى الساعية للتغيير بأن كلاً منها لا يستطيع تحقيق التغيير ما لم تلتقِ كلها عند معايير وقيم مشتركة وبرنامج بحد مناسب تلتقي عنده كل القوى الديمقراطية ويمتلك الجاذبية الواقعية في تعبئة فئات المجتمع المتضررة من بقاء الوضع الراهن، والتي تشكل عملياً غالبية المجتمع.
مهمة القوى الساعية للتغيير ليست سهلة، رغم إنها تتحرك على وفق قوانين التطور الاجتماعي، إذ إن عصي الماضي الغليظة توضع دوماً في عجلة التغيير والتقدم، ويحتاج المجتمع إلى صنع عجلة قوية فولاذية متماسكة تستطيع تكسير، بل تحطيم، تلك العصي الغليظة المعرقلة للسير بالمجتمع والدولة إلى الأمام.
لا يكفي أن يكسب للتحالف من هو مع القوى الديمقراطية وبرنامجها حالياً، بل هناك الملايين من الناس التي يجب ان تكسب في هذه المعركة التي ما تزال غير متكافئة. فهناك الكثير من الجماعات التي لم تحسم موقفها لأسباب مصلحية مؤقتة، أو دينية مشوهة زيفت وعي الإنسان، أو علاقات عشائرية بالية لم تعد مناسبة لهذا القرن الواحد والعشرين، على سبيل المثال لا الحصر، التي يجب ان تكسب. بل يمكن ويجب التحري عن القواسم المشتركة لتكون الحامل الفعلي للتغيير.               
إن القوى الإسلامية السياسية الطائفية المتطرفة، وكل القوى المتحالفة معها من الجبهة اليمينية القومية الشوفينية المتطرفة، بكل تنوعاتها، تعمل اليوم على تشكيل تحالفات سياسي-اجتماعي لإجهاض تحقيق التحالف الديمقراطي المدني، لإفشال أي تغيير جذري منشود، وهي تمارس عملية تشويه صورة القوى الديمقراطية بكل السبل المتاحة لديها، بما في ذلك استخدام بشع لإعلام الدولة ومؤسساتها الإعلامية. وهذا الواقع يفرض على القوى الديمقراطية أن تجد الوسائل النضالية العمية التي تسهم في تفكيك هذه الجبهة اليمينية المتطرفة وتحت هوية الإسلام السياسي، الذي برهن على فساده القاطع ومشاركته في كل ما يعيق تقدم المجتمع وازدهاره وتكريس رثاثة البلاد كلها، لتستطيع المواجهة الناجحة والسلمية أمام هذه القوى التي ألحقت أبشع الأضرار بالشعب العراقي والدولة العراقية، التي جعلتها ليس هشة وعليلة فحسب، بل ومخترقة بسيادتها واستقلالها من قبل دول الجوار والدول الكبرى. 


52

كاظم حبيب
قراءة في مسرحية "لسعة العقرب" للكاتب المسرحي والصحفي ماجد الخطيب
   

الكاتب: ماجد الخطيب
الكتاب: لسعة العقرب/ مسرحية بوليسية ساخرة
الناشر: المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش
سنة الإصدار 2017
ردمك: 978-9954-28-577-0

قدم الكاتب المسرحي والصحفي المميز ماجد الخطيب مجموعة مهمة من المسرحيات الساخرة للمكتبة العربية والكتابة المسرحية والمسرح. فقد ألف ونشر حتى الآن ثماني مسرحيات، وترجم عشر مسرحيات. كما ألف ونشر كتاباً ممتازا وغنياً بالمعلومات والتحليل القيم لشعر وحياة الشاعر والناقد والصحفي الألماني هاينريش هاينه (1797 – 1856 م) تحت عنوان "روح الشعر الألماني". وكانت اغلب رواياته تبحث في الهم العراقي وكوارثه والتحولات الجارية على الإنسان العراقي، وخاصة على مثقفيه إيجاباً أو سلباً، وعلى العلاقة المعقدة والمتوترة بين المثقف والسلطة. وكان في جميع مسرحياته، وهي في الغالب الأعم غير مباشرة، ولكنها ذات هدف واضح وفكرة ناظمة لأعماله، فهي تعالج إشكالية الدكتاتورية والحريات العامة وحرية المثقف والإنسان عموماً. وهكذا كان الأمر بالنسبة للمسرحيات المترجمة، ولكن على مستوى أعلى وأبعد من الهم العراقي، بل هم الإنسان في القرن العشرين والحادي والعشرين، هم الإنسان في صراع ضد شرور الاستغلال والاضطهاد والتمييز والحروب. وكان في الغالب الأعم يمزج بنجاح بين الجدية والهزل، بين المأساة والملهاة. نجد هذه الثنائية في فئران الاختبار، أو عاشق الظلام، أو حفرة السيد على سبيل المثال لا الحصر. وتطرح مسرحية "ثور فالاس" إشكالية الصراع المعقد والمتشابك بين المثقف، ومنهم الفيلسوف، والسلطة ومحاولات السلطة أو الحاكم المستبد شراء المثقفين، والأنانية التي يمكن أن تجد طريقها إلى نفوس بعض المثقفين، ولكن ليس الجميع. وهي من أكثر المسرحيات تجلياً لهذا الصراع وأكثرها شراسة وعدوانية من جانب السلطة إزاء المجتمع والواعين منهم والمثقفين على نحو خاص.
أما المسرحية الجديدة، التي صدرت لتوها (الشهر الخامس 2017)، فهي تختلف عن مسرحياته السابقة الساخرة أيضاً. إذ أنه اختار اسلوباً آخر في كتابتها، الأسلوب المعروف في لغة كتاب المسرحيات والسينمائيين بـ "الپارودي (Parod"، الذي عرَّفه المؤلف ذاته بـ "المحاكاة الساخرة"، الأسلوب الذي يستخدم أحداثاً وشخصيات معروفة عالمياً وفي حقول ومجالات كثيرة ليوظفها في مسرحيته الساخرة التي تدفع الإنسان إلى الابتسام والانتعاش من روح التهكم الواعية لما تريد ومن المضمون المأساوي المبطن للحالة الساخرة. هذا النوع من فن الكتابة المسرحية أو حتى في الشعر والقصة والرواية والسينما قد استخدم من كبار المخرجين السينمائيين، منهم على سبيل المثال لا الحصر، شارلي شابلن، الفريد هتشكوك وكيفن ينولدز.. الخ. وقد حققوا نجاحات باهرة في افلامهم. ولا أدل على ذلك فلم هتلر لشارلي شابلن.
إلى ماذا ترمي هذه المسرحية الساخرة العراقية بامتياز، رغم شخوصها الدوليين في أحداث بعيدة عن العراق؟ من عرف ماجد الخطيب أو قرأ له يدرك إن هاجسه الأساس هو العراق وما يجري فيه منذ 14 عاماً، سواء أكان ذلك ببغداد، أم بالبصرة، أم في أي مدينة عراقية أخرى، بل بكل الدول العربية. والزمان والمكان هنا محددان في القصر وعلى الساعة الثانية عشر ليلاً، ولكنهما، الزمان والمكان، مع ذلك مفتوحان أيضاً. إنه يريد أن يقول لم يعد الوقت خمس دقائق قبل الثانية عشر، بل أنه الثانية عشرة تماماً، وعليكم أن تعوا عواقب الغفلة والنوم والسكوت على الفساد والقتل المتواصل. وإن المكان نفس المكان حيث يوجد القاتل والمقتول، أو "حاميها حراميها"، إنها "المنطقة الخضراء العراقية"، إنه الحي الذي يسكن فيه في الغالب الأعم حكام ولصوص وقتلة وجواسيس وعيون فاقعة!
حين تُقرأ المسرحية بعناية سيجد القارئ أو القارئة إنهما أمام هدف ثابث وواضح لا يتزعزع، وخلف هذا الهدف فكرة تتجسد أكثر فأكثر بعد كل مشهد من المشاهد وتتجلى في الشخصيات الرئيسية والثانوية التي اختارها في مسرحيته الساخرة، وأساليب العمل التي منحها لهذه الشخوص العديدة.     
ليس القتلة بالمسرحية سوى محترفي قتل الإنسان، تدربوا على السرقة، وممارسة القتل لإخفاء جريمة السرقة، أو القتل لأغراض السرقة. وحين يكون الحامي هو الحرامي ذاته، يصعب اكتشاف القاتل أو السارق، فهما شخص واحد، إنها الثنائية في الواحد. هنا يقدم لنا ماجد الخطيب حقيقة الأمر حين يترك لهولمز فرصة تشخيص الحالة. لقد أعطى الكاتب أسماً مهما للمسرحية تجسد لسعة العقرب. وفي هذه اللسعة تضعنا أمام الشخصية الإجرامية الفرنسية المعروفة من جهة، وأمام إن المفروض في المجتمع أنم لا يلدغ من جحر مرتين، وكم هي المرات التي لدُغ الشعب من ذات الجحر من جهة ثانية!
بدأت المسرحية بجريمة واحدة، لطباخة قصر الملك. ولكن سرعان ما ترك الكاتب أن تتوالى الجرائم التي ترتكب في القصر وفي ساعة محددة. لقد وضع القارئ والقارئة أمام أحداث متتالية متصاعدة تزيد من التوتر والتأزم في المسرحية وتزيدها تعقيداً وتشابكاً. حتى شارلوك هولمز وصاحبه لم يكن سهلاً علهما اكتشاف الفاعل أو الفاعلين، بعد أن انتقلا إلى مسرح الجريمة ليحققا في أول جريمة ارتكبت في القصر، إذ أدركا بحسهم البوليسي إنهما أمام مجموعة صغيرة جداً من البشر تتشابك أساليبهم وتلتقي وتتصارع مصالحهم في آن، إنها الجدلية العفوية في المسرحية. فأحد هؤلاء يجلس على عرش المملكة، ويمارس آخرون حماية المملكة، وكل منهم يمارس الجريمة بطريقته الخاصة.. إنها المأساة والمهزلة أو الملهاة التي لا يمكن إلا أن يدركَ القارئ والقارئة مغزاها والوجهة التي يؤشرها المؤلف.
لقد استخدم المؤلف تلك الشخصيات والأحداث التاريخية خير استخدام، وبحبكة متماسكة ومحكمة، وبرؤية ثاقبة وساخرة، شخصيات من حضارات عديدة في مسرحية قصيرة ذات بعد إنساني عميق وتهكم ساخط على الحكام والحاشيات، سواء أكانوا ملوكاً أم رؤساء، فهم متساوون بالدول العربية في ما يرتكبونه من جرائم بحق شعوبهم.. فوزير خزنة الملك سكوربايت، "لم يكن غير اللص الشهير "العقرب"، الذي دوخ باريس بسرقاته، ووزير مالية الملك "لم يكن غير آكل لحوم البشر هانيبال ليكتر"،.. إنها شخصيات ووظائف رمزية في المسرحية لا يمكن أن يخطئ القاري دورها في المقارنة بين ما جرى ويجري بالعراق .. حتى البوليس السكوتلاندياري يهرب من مسرح الجرائم التي ترتكب يومياً وفي ساعة محددة ومكان محدد.. إنهم يعرفون القاتل وغير قادرين على اعتقاله فيهربون منه لكي لا يصلهم سكين القاتل وينحر رقابهم. لقد قتل المسرحي والصحفي هادي المهدي.. وقتل الشخصية الديمقراطية والمدنية كامل عبد الله شياع وقتل آخرون في فترة حكم من قال يوماً "أخذناها بعد ما ننطيها"، وفي فترة حكمه جرى التحقيق ولم يعلن عن القاتل! فمن القاتل؟ إنها حالة التوتر المتصاعدة .. التي تقترب من الذروة.. حتى شارلوك هولمز وصاحبه لا يستطيعان طرح الحقيقة، ولكنهما يكتشفان الحقيقة.. فوزير الداخلية الذي وقعت هذه الجرائم في عهده يزور مقر الحزب الذي استشهد أحد أعضاء هذا الحزب المميزين، ولكن الزائر لا يعلن عن القاتل، رغم معرفته المؤكدة بهوية القاتل!!
كلما ابتعد ماجد الخطيب عن مسرح الجريمة الفعلية في مسرحيته، اقترب منها قارئات وقراء المسرحية أكثر فأكثر وحلوا طلاسم الأحداث والشخصيات التاريخية. لقد سّهل ماجد الخطيب، باختيار تلك الأحداث التاريخية والشخصيات المعروفة عالمياً، على القارئ والقارئة إمكانية الاقتراب من حقيقة ما يجري بالعراق وأحداثه المأساوية وعجز المجتمع عن الاعتراف بما يعرفه عن القتلة، وعن رفضه ولفظه لهم!
في ذروة المسرحية يلسع هولمز وواطسون القاتل بحيلة عقرب الساعة، لكن لص الجواهر الشهير بالـ "عقرب" (المتخفي بشخصية وزير المالية) يلسعهما بدوره، ويفتعل مقتله كي يهرب بجواهر الملكة وخزينة المملكة. وهنا تأتي لسعة العقرب لتمنحنا وجهة ثالثة في مجرى المسرحية. ولكن ذروة المسرحية مستمرة ومتصاعدة، فالقتلة يتسترون بأسماء أخرى وينتقلون من مسرح جرائم بعينها، ليلجوا مسرحاً أخر، ليحموا الملك، ليمارسوا جرائم أخرى. فهم في حمى الملك أو الحاكم! ولنستمع إلى هذا الحوار الذي يضعنا أمام الاكتشاف الرئيسي، أمام ذروة المأساة والمهزلة، حوار بين هولمز وواطسون والذي يقود بهما إلى الهرب من القتل المحتم:
هولمز:    هل أخطأنا في حساباتنا؟
واطسون:   أما يزال القاتل في القصر؟
هولمز:      جاك السفاح هرب..
واطسون:    من بقي في القصر؟
هولمز:    (يضرب جثته، يشم الجثة) 
يا إلهي عطر الكولونيا مجدداً.. عطر الملوك؟؟؟
      (يبهتان للحظة)    
هولمز:      لنهرب من هنا..
واطسون:   إسرع (يخرجان هاربين)..

53
الأخوات والأخوة الأفاضل مسؤولي الأحزاب والقوى الوطنية الديمقراطية والشخصيات الديمقراطية العراقية
تحية طيبة
نرسل إلى حضراتكم رؤية لجنة المبادرة حول المعايير والبرنامج الذي يمكن أن يكون قاعدة للنقاش بين قوى وأحزاب الحركة الوطنية والديمقراطية والمدنية العراقية، أملين أن نسمع رأيكم بهذا الخصوص
مع خالص الود ووافر التقدير
د. كاظم حبيب
منسق لجنة المبادرة لتحريك ودعم التوجه صوب التعاون والتنسيق والتحالف بين القوى الديمقراطية العراقية
في 30/05/2017

المعايير والثوابت والقواسم المشتركة:
تتفق القوى المستهدفة على المعايير والاسس التالية:
•   المواطنة أولاً، واحترام الهويات الفرعية.
•   الديمقراطية السياسية والاجتماعية.
•   الدولة المدنية الحديثة.
•   العدالة الاجتماعية.
•    استقلال القضاء.
•   ضمان استقلال المفوضيات المستقلة عن الأحزاب السياسية والسلطة التنفيذية
•    احترام حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة، وضمان حرية التعبير عن الرأي والتظاهر والاعتصام، وحرية الصحافة.
•   اللامركزية وصلاحيات موسعة للمحافظات، في ظل عراق ديمقراطي فدرالي موحد.
•   وضع القوانين والنظم المنظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم على وفق الدستور.
•   احترام التنوع وخيارات الاتحاد الطوعي وحق تقرير المصير على وفق احكام الدستور:
•   سيادة العراق ارضاً وجواً وبحراً.
•   نظام الحكم تعددي برلماني.
•   التداول السلمي للسلطة وفق انتخابات نزيهة حرة وعادلة.
•   الفصل بين السلطات.
•   الفصل بين الدين والدولة.
•   سيادة القانون وانفاذه دون تمييز.
•   القوات المسلحة الوطنية بصنوفها وتشكيلاتها كافة هي الجهة الشرعية الوحيدة التي تحمل السلاح دفاعا عن ارض العراق وامنه الداخلي.
•   الجيش هو المسؤول عن حماية حدود العراق وسيادته.
•   الشرطة وجهاز الأمن الداخلي هما المسؤولان عن الأمن الداخلي للبلاد.
•   الاصطفاف الوطني الشامل ضد الارهاب والتطرف والتكفير والفساد.
•   إعادة النازحين الى مدنهم وديارهم، واعادة الاعمار لمدنهم وتعويضهم.


نحو ميثاق وطني يتضمن:
•   الالتزام بالدستور لحين تعديله بآليات دستورية، وبما يضمن ترسيخ مبدأ المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان وتحريم التمييز بمختلف أشكاله وضد نشر الكراهية.
•   تشكيل حكومة كفاءات وطنية عابرة للطائفية ورافضة لها.
•   الاصلاح الحقيقي (السياسي، الاقتصادي، والاجتماعي والاداري والمالي والبيئي).
استكمال تحرير الارض، ومواصلة مواجهة الارهاب وذيوله فكرياً وسياسياً وأمنياً. واستكمال بسط نفوذ سلطة الدولة ودحر الإرهابيين وإنهاء الانفلات الأمني، عسكريا وفكريا.
•   حل مشكلات النازحين وقضايا المهجرين الناجمة عن كل فترة الصراع المسلح ورفض التغيير الديمغرافي وإعادة النازحين إلى ديارهم وإعادة الأعمار وتعويض المتضررين.
•   إطلاق حملة شاملة لمواجهة مبرمجة ومنظمة للفساد واسترداد الأموال، وإجراء محاكمات عادلة للفاسدين.
•   استكمال مشروع المصالحة السياسية والمجتمعية على أسس قويمة.
•   العمل على معالجة قضايا العدالة الانتقالية وحل مشكلات المعتقلين بمحاكمات عادلة للمتهمين أو إطلاق سراح المعتقلين دون مبرر فوراً وتعويضهم.
•   الاهتمام بقضايا التنمية المستدامة، واستنهاض الاقتصاد الوطني بمزيد من الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية والخدمات الإنتاجية، لاسيما ملفات البنى التحتية، ومنها الكهرباء والماء والنقل والمواصلات والاتصالات.
•   الاهتمام بمشكلة المياه والحصص المائية مع دول الجوار والمنفذ البحري للبلاد.
•   تنشيط القطاعات الاقتصادية الخاص والمختلط والحكومي بما يسهم في تسريع عملية التنمية الاقتصادية والبشرية.
•   الاهتمام بالسياحة وتوفير مستلزماتها باعتبارها توفي مورداً إضافياً للدخل القومي.
•   معالجة مشكلة البطالة المتفاقمة ولاسيما بين الشبيبة، وعواقبها.
•   معالجة تنامي الفقر وتزايد عدد الفقراء الذين يعيشون تحت خطر الفقر المحدد للدول النامية.
•   الانتهاء من وضع قانون وطني فعال لشركة النفط الوطنية، وربط موارد النفط المصدر بالتنمية المستدامة وعملية التصنيع وتحديث الزراعة وتنويعها، بما يسهم في تخليص الاقتصاد العراقي من طابعه الريعي الاستهلاكي.
•   العمل على تأمين الأمن الاقتصادي والغذائي للمجتمع العراقي.
•   وضع القوانين الناظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم على وفق الدستور واعتماد المفاوضات في حل المشكلات القائمة بينهما، وكذلك مع الحكومات المحلية في المحافظات.
•   ايلاء اهتمام استثنائي لقضية المرأة العراقية ومساواتها الكاملة في الحقوق والواجبات مع الرجل.
•   إيلاء اهتمام خاص بالشبيبة واغناء حياتهم الثقافية والرياضية بمختلف جوانبها.
•   إيلاء الثقافية الوطنية بجميع حقولها اهتماماً خاصاً وتوفير مستلزمات وصولها لفئات الشعب كافة.
•   إصلاح المنظومة الانتخابية.
•   إصلاح المفوضيات والهيئات المستقلة ومنع تدخل السلطة التنفيذية بشؤونها.
•   التدقيق في اختيار شخصيات اعضاء المحكمة الاتحادية العليا وحصرهم بالقضاة المتمرسين والمشهود لهم بالنزاهة والاستقلالية والثقافة.
•   إصلاح أسس التربية والتعليم والبحث العلمي ووضع برامج علمية وديمقراطية لمختلف مراحل الدراسة. التوسع بالتعليم المهني والفني بما يتجاوب مع ضرورات التوسع بالتنمية. إنشاء مجلس وطني أعلى للتعليم يأخذ على عاتقه وضع استراجية التربية والتعلم
•   إصلاح نظام الخدمات الصحية والتأمين الصحي والرعاية الاجتماعية والضمان الاجتماعي والاهتمام بذوي الحاجات الخاصة.
•   توفير مستلزمات العيش الكريم للأرامل وأيتام سنوات الاستبداد والحروب والإرهاب. 
•   وضع حد للتدخل الخارجي بكل اشكاله في شؤون العراق الداخلية، والعمل لإقامة أفضل العلاقات مع جميع الدول على أسس الاحترام والمنفعة المتبادلين والمصالح المشتركة.
•   
 


54
رسالة مفتوحة
إلى السيدة المصونة حرم الروائي المبدع الطيب الذكر عبد الرحمن منيف المحترمة

تحية طيبة
حين وصلت إيران في العام 1981 في طريقي إلى إقليم كردستان العراقي للالتحاق بحركة الأنصار الشيوعيين العراقيين بصورة سرية وبجواز سفر سوري، كان رفيقي وصديقي المناضل الشيوعي حيدر الشيخ علي موجوداً في إيران ويعمل بجهد لا مثيل له ومثابرة وحيوية وهمة عالية، لإيصالنا إلى الإقليم، وهو يتحمل تبعات الانتقال من طهران إلى أورمية (الرضائية)، ومنها إلى مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في راجان الإيرانية، ومنها ننتقل إلى جبال كردستان العراقية حيث الأنصار الشيوعيين المناضلين ضد دكتاتورية البعث الصدامية. لم يكن الرفيق حيدر الشيخ علي غافلاً عن المخاطر التي يتعرض له عبر هذا العمل السري المعقد لمساعدة الرفاق القياديين من الحزب الشيوعي والكثير من المناضلين الشيوعيين للوصول إلى الإقليم عبر طهران للمشاركة في النضال ضد الدكتاتورية الغاشمة ومن أجل الحياة الحرة والديمقراطية للشعب العراقي. كان معي في هذه الرحلة الرفيق مهدي عبد الكريم، أبو كسرى، أو أبو العباس، وباقر إبراهيم، أبو خولة وزوجته الفاضلة.
ولكن الأمن الإيراني استطاع أخيراً إلقاء القبض على الرفيق حيدر الشيخ علي، الذي زُج به في سجن إيفين لسنوات عدة متهمين إياه بالتجسس، وهو منه براء براءة الذئب من دم يوسف، والذي كان يناضل بحزم وإصرار ضد النظام القائم بالعراق. تعرض خلال اعتقاله وسجنه، سواء أكان أثناء التحقيق معه، أم أثناء وجوده في السجن، إلى التعذيب الذي يصعب لأي إنسان اعتيادي تحمله، إلا إن هذا الرفيق كان قد قًدَ من حديد، إذ صمد صمود الأبطال، كما يرد في الأساطير القديمة والحديثة، تلك الأساطير التي تتحدث عن بطولات اجترحها مناضلون دفاعاً عن وطنهم وشعبهم وحزبهم والمبادئ التي يحملونها ويدافعون عنها. سنوات من العذاب والمعاناة التي لا يمكن لأي إنسان أن ينساها أو يمر مرور الكرام على ذكرها، إنها العيش بين ظلمتين مريعتين مقترنة بأبشع أساليب التعذيب التي مارستها أجهزة الأمن والسجن الإيرانية والتي لا تختلف عن أساليب التعذيب الهتلرية والتي استخدمها صدام حسين بالعراق أيضاً مع مناضلين شيوعيين وديمقراطيين أو سياسيين مناهضين له ولنظامه، انتهت بهم إلى الموت على أيدي تلك الحثالات من البشر. الكثير من رفاق الدرب الواحد من شيوعيي حزب توده الإيراني ومن فدائيي خلق ومجاهدي خلق استشهدوا تحت التعذيب. ولكن الرفيق حيدر صمد ولم يعترف ولم يجُن ولم يمت، كما كانوا يسعون إلى تحقيق بأساليبهم الخبيثة والدنيئة في التعذيب، والذي ما زال يمارس بإيران ضد سجناء الرأي وفي سجن إيفين ذاته، بل بقي كنخلة شامخة ومثمرة.
وحين أمكن تحريره من السجن بوساطة قادة الدولة السورية المكثفة، وصل إلى إقليم كردستان العراق وتسنى لي ولغير من الرفاق والأصدقاء اللقاء به والاستماع إلى روايته المريرة عما لاقاه في هذا السجن الرهيب وعلى أيدي جلاوزة شيوخ الدين الإيرانيين الذين لا يعرفون الرحمة ولا يملكون ضميراً إنسانياً حياً. كان كل منا يستمع إليه ويعيش عذاباته ومراراته. كنا نصغي إليه وعيوننا شاخصة إليه وأفواهنا مفتوحة وكأن فوق رؤوسنا الطير، ونرجو منه المزيد. لم يحدثنا فقط عن نفسه، بل كان يتحدث على نحو خاص عن الرفاق والمناضلين الإيرانيين الذين كانوا يعانون شتى صنوف العذاب النفسي والجسدي على أيدي نفس الجلاوزة المعممين الذي لا يعرفون الله وليس في قلوبهم مسحة من حب الإنسان. وكان يؤكد لنا بأنه كان يعاني أكثر بكثير مما لو كان التعذيب يقع عليه، حين كان يرى كيف يمارس هؤلاء الأوباش أساليب التعذيب الهمجي بحق الشيوعيين والتقدميين والديمقراطيين الإيرانيين الأبطال التي كانت تمارس في القرون الوسطى وكذلك الأساليب الحديثة المأخوذة من ترسانة الهتلريين والفرنكويين وبينوشيت أيضاً.
كنا نحث الرفيق حيدر على كتابة مذكراته لتصدر في كتاب، ولم يفعل، إلى أن التقى يوماً برفيقه وصديقه الدكتور فالح عبد الجبار، فبدأوا بتسجيل الأحداث بتفاصيل مذهلة لما يتمتع به حيدر من ذاكرة طرية ونشطة وتفصيلية روح مرحة وساخرة في آن. تم تسجيل أثني عشر شريطاً دام التسجيل اياماً وليال طويلة. احتفظ بها فالح ليفرّغها وينشرها باسم حيدر في كتاب.
التقى الدكتور فالح عبد الجبار صدفة بالروائي البارع عبد الرحمن منيف وحدثه عن معاناة حيدر الشيخ علي في سجن إيفين وتسجيل أحاديث مهمة معه على أشرطة (كاسيت). طلب عبد الرحمن الاستماع إلى الأشرطة لأن حديث فالح قد أبهره، استعارها منه لعدة أيام، ولم يعدها له منذ ذلك الحين! أي منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي. أنتج عبد الرحمن منيف من هذه الأشرطة الرواية المعروفة بعنوان "الآن، هنا" وصدرت في العام 1991. أنها رواية تحكي قصة حيدر الشيخ علي في سجن إيفين.
لم يشر كاتب الرواية عبد الرحمن منيف في الرواية إلى شخصية حيدر الشيخ علي، ولا إلى الأشرطة التي تسلمها من فالح عبد الجبار والتي تعود لحيدر، بل منح حيدر اسماً آخر كان بعيداً كل البعد عن أي اسم لعراقي أو كردي عراقي. كما لم يشر في المقدمة إلى أصل هذه الكاسيتات ولمن تعود ولم يقدم الشكر حتى للجهد المبذول في تسجيل الأشرطة. وبالنهاية لم يعدها واحتفظ بها، وهي ليست له!!! يمكن أن ندرك السر وراء هذا الامتناع، ولكنه مرفوض قطعاً ولا ينسجم مع الصورة التي نمتلكها علن الروائي عبد الرحمن منيف.
استمر الدكتور فالح عبد الجبار يطالب الأستاذ منيف بالكاسيتات، والأخير استمر بالمماطلة، وعَدَ بإعادتها لصاحبها، ولم يفعل! إلى أن توفي عبد الرحمن منيف، وخسرنا بموته جميعاً والمكتبة العربية وعائلته شخصية كبيرة وكاتباً مبدعاً وقامة كبيرة في كتابة الرواية.
حاول الصديقان حيدر وفالح الوصول إلى عائلة الفقيد الكبير واستطاعا فعلاً الوصول إلى السيدة المصونة حرم الروائي الفقيد. أوعدت بحديث مع حيدر، وبلطف كبير، على إعادتها له، باعتبارها ملكه الخاص وحياته ومعاناته الشخصية مثبتة على هذه الأشرطة التي ما تزال تحتفظ بها حرم الفقيد عبد الرحمن منيف. كما إنها نشرت صورة لجزء مما جاء في الأشرطة والذي يؤكد وجود الأشرطة لدى السيدة الفاضلة. مرت الشهور تلو الشهور ولم تُعِد السيدة الأشرطة إلى حيدر ولا إلى فالح. وقطعت الصلة ولم ترد على النداءات التلفونية. إنها معضلة!       
حين كنت في أربيل قبل أسبوعين (النصف الأول من الشهر الخامس 2017) حدثني، مع جمهرة من الأصدقاء، عن موضوع الأشرطة الموجودة لدى السيدة حرم عبد الرحمن منيف وما جرى له معها وعدم تسليمها الأشرطة له، رغم وعدها، ورغم المطالبة المستمرة والإلحاح بضرورة إعادتها له، باعتباره ملكاً له وليست من الأشياء الشخصية للكاتب الفقيد عبد الرحمن منيف.
إن الصديق الفاضل والقيادي في الحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي الكردستاني حيدر الشيخ علي، وكان وزيراً في حكومة إقليم كردستان العراق ممثلاً للحزب الشيوعي الكردستاني، يعاني من هذه المشكلة التي لا تريد السيدة الفاضلة حلها بإعادة الأشرطة له وتزيده معاناة فوق معاناته من المرض العضال الذي أصيب به منذ سنوات.
نحن جميعاً شهوداً على هذه الواقعة ونطالب السيدة الفاضلة حرم الفقيد عبد الرحمن منيف إعادة الأشرطة إلى المناضل حيدر الشيخ علي وبسرعة، إذ لا يعني التشبث والإصرار على عدم تسليمها سوى الإساءة للصديق حيدر ولمن يرفض تسليمها أيضاً، إذ من غير المناسب تعقيد القضية ودفعها إلى مسارات أخرى.
أملي كبير بأن السيدة المصونة ستستمع إلى صوت العقل والضمير وتعيد الأشرطة بالسرعة الممكنة إلى الأخ حيدر الشيخ علي أو إلى الأخ الدكتور فالح عبد الجبار. وإلى هذه النتيجة نحن بالانتظار،
مع وافر التحية والتمنيات الطيبة
أ‌.   د. كاظم حبيب
في 18/05/2017 

55
كاظم حبيب
خطوة إلى الوراء .. خطوتان بذات الاتجاه، فإلى أين يراد بالعراق؟

من يتابع الوضع في دولة العراق منذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة على أيدي الغزاة والمحتلين الأمريكيين والبريطانيين وغيرهم وقيام النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته الطائفية والأثنية المذلة للشعب ومبدأ المواطنة الحرة والمتساوية، دع عنك تلك المآسي والحروب والحياة العجفاء التي عاشها العراق قبل ذاك وفي ظل نظام البعث الإجرامي، يدرك في أي دولة هشة أو شبه دولة يعيش المجتمع العراقي، ويدرك العواقب المريرة التي عانى منها وما يزال في ظل حكام الصدفة والأوضاع الرديئة التي جاءت بهم إلى السلطة بحيث أصبحت الدولة العراقية دولة لصوص بالمعنى الدقيق للكلمة، دولة تكاد تحترق أو تغرق فليأخذ من هو قادر على أخذ ما يستطيع منها كل ما فيها قبل نهاية الدولة المفجعة. هكذا فكر ويفكر، وهكذا عمل ويعمل من كان وما يزال يحمل فكراً رثاً وعقلاً مفرغاً من أي مضمون وضمير. حكامه لا غيرهم سلموا العراق للحرامية، لأنفسهم وغيرهم، للإرهاب المسلح الداخلي والإقليمي والدولي، للمليشيات الطائفية المسلحة التي أذلت الشعب ودفعته إلى الاستكانة والرضوخ، وإلى التنظيمات الإرهابية الأخرى التي قتلت وسلخت جلود البشر ونهبت خيراته وقوت الشعب ثم احتلت جزءاً عزيزاً منه، إذ ما تزال القوات المسلحة العراقية والپيشمرگة والمتطوعون يناضلون بإصرار من أجل استعادة الأرض الطيبة المحتلة وتحريرها ويحققون نجاحات عسكرية مهمة وبتضحيات كبيرة وغالية.
وفي الجانب السياسي نتابع ممارسة القوى المشاركة في حكم البلاد كل السبل التي لا تقضي على الفكر والنهج العدواني للقوى الإرهابية بسياساتها فحسب، بل وتساهم في بقاء هذا الفكر المماثل لها على أرض العراق ليعود بصيغ أخرى إلى واجهة الأحداث بالعراق.
دولة العراق، وليس السلطة التنفيذية وحدها، بل البناء الفوقي العراقي في أغلبه، بدلاً من أن تخطو خطوات إلى الأمام، والعراق بحاجة ماسة لها، يخطو خطوة إلى الوراء ثم تتبعه خطوات أخرى بذات الاتجاه القاتل، خطوات أخرى وأخرى إلى الوراء. وهي الكارثة الراهنة التي يقدمها لنا مجلس النواب العراقي الذي يحق لنا أن نردد قول الشاعر الرصافي:
علم ودستور ومجلس أمةٍ                  كل عن المعنى الصحيح محرف
مجلس يفرض قانوناً للانتخابات ليس هناك أسوأ منه، وقانوناً عن حرية التعبير ليس هناك اردأ منه في تغييب الحريات والدوس على حقوق الإنسان وحرية التعبير، ومفوضية مستقلة للانتخابات ليست مستقلة، بل هي قائمة على المحاصصة الطائفية المذلة ويصر على بقائها بهذه التشكيلة الطائفية والأثنية السيئة. ونسبة عالية من أعضاء مجلس النواب لا يحق لهم دستورياً الجلوس في مقاعدهم، والعودة إلى ما كانوا يملكون قبل إجلاسهم على مقاعد المجلس وبعده، سيدرك الشعب حجم المبالغ المسروقة من خزينة الدول بحيل شرعية ونهب فعلي.
والاقتصاد العراقي مخرب تماماً منذ اللحظة الأولى لتسلم العراق من جانب حكام الصدفة في العام 2003، بدأت عملية زيادة التخريب بدلاً من إعادة التعمير، وسُرقت أموال تقدر وتتراوح بين 250-400 أو 500 مليار دولار أمريكي، وليس هناك من حسيب أو رقيب، حتى ازداد عدد الدور والعمارات والحسابات المصرفية لهم ولأكثر الوزراء وقادة الأحزاب الإسلامية السياسية السنية منها والشيعية في الداخل والخارج والبعض الآخر أيضاً. فليس هناك من عملية إنتاج فعلية بالبلاد، فبلادنا ريعية استهلاكية لا غير، إذ ليس هناك في مفهوم هؤلاء الحكام ما يمكن أن يطلق عليه بالاستثمار الإنتاجي لتنمية الصناعة والزراعة بالبلاد. الفئات الهامشية والعاطلة عن العمل في تنامي، في مقابل قلة قليلة من مالكي الملايين والمليارات. خصصت مبالغ هائلة لمشاريع اقتصادية وخدمية، وإذا بأكثر من 95% منها وهمية، فذهبت الأموال أدراج الرياح ولم يبق منها ما يمكن أن ينفع البلاد. صرفت المليارات (40 مليار) بأمل إقامة مشاريع لإنتاج الطاقة الكهربائية وإذا الشعب نصف يومه أو أكثر بلا كهرباء. ولسان حال الشعب يقول:
ذهب الحمار بأم عمر فلا رجعت ولا رجع الحمار!
أينما تنظر تجد اليباب والخراب والرثاثة والفاقة والبطالة والنهب والسلب، فهل ملّ المجتمع من ذلك وهل سيتحرك ليكنس من كان وما زال السبب وراء هذه الحالة. الإجابة ما تزال غامضة، إذ المشكلة لا تكمن في الرغبات والإرادة وحدهما، بل بوعي الإنسان لواقعه ورفضه لهذا الواقع وسعيه لتغيير هذا الواقع. إنه الثلاثي الذي لا بد منه لتغيير الواقع القائم تغييراً فعلياً وجذرياً!
هناك تململ سليم ومتواصل وفاعل، إنه الحراك المدني الديمقراطي، هناك تململ في صفوف قوى شعبية متدينة ترى بوضوح نسبي ما جرى ويجري بالبلاد وتريد التغيير، ولكن لا تزال لم تجد الدرب المناسب لهذا التغيير، وقوى الحراك ما تزال في بداية الطريق وحركتها ما تزال بطيئة تستوجب التنشيط، ولكنها واعدة. الفكر السياسي المتخلف والرث ما يزال مؤثراً وفاعلاً بفعل مؤسسات وأحزاب وتنظيمات وشخصيات قائمة، داخلية وإقليمية ودولية، تمارس تزييف الوعي وتشويهه، وتمارس الإحباط وتزوير الوقائع والتاريخ، وتمارس الخداع وصرف جزء من الأموال المنهوبة أو القادمة من وراء الحدود وتوزيعها بصيغ مختلفة على الفقراء والبؤساء والمحرومين من الناس لشراء ذممهم دون وعي منهم بما يجري، من أجل إبقاء الجهل والوعي المزيف بالواقع المرير الذي يعيش تحت وطأته الشعب العراقي. إنهم يحولون الأنظار عن واقع الناس بما يمارسونه من طقوس حزائنية وبكائية وتنظيم مسيرات مدمرة للصحة والنفس. لم يكن الشهيد الكبير الحسين بن علي بن ابي طالب يطرأ في باله أن يوماً سيأتي يلجأ فيها غشاشون ومخادعون ونهيبية وسراق عواطف وأموال يسعون إلى تأجيج العواطف وتوسيع اللطم والتطبير وضرب الزنجيل (السلاسل ذات النهايات الحادة) ليفرقوا الصفوف ويزيدوا الصراع والقتل على الهوية باسمه، باسم الحسين الشهيد وصحبه الكرام، وهو منهم بريء، كما فعل رئيس الوزراء السابق حين أكد على أن معركة الحسين وأنصاره ضد يزيد وأنصاره ما تزال قائمة!، ليجنوا المزيد من الأموال، من هؤلاء الفقراء المخلصين للحسين بن على وتراثه النضالي، وليبقوا في السلطة ليمارسوا ذات السياسات التي أذاقت الشعب مرَّ العذاب. إن هؤلاء يدفعون بالعراق إلى إقامة دولة ثيوقراطية مستبدة، وإيران نموذجهم الأعلى، ونحن جميعاً نعرف وأدرى بما يجري بإيران وما فيها من فساد وبؤس وفاقة وبطالة وحرمان ووعي مزيف ومشوه ومكاتب زواج متعة معتقة لأسباب عديدة، وهم من وافق على فتح أول مكتب لهم بالعراق ليدوسوا على كرامة المرأة من هذا الباب أيضاً! إنه درب الصدّ ما ردّ، وعلى الشعب وقواه الوطنية الحية والواعية منع ذلك!
إن الخلاص من هذا الوضع المزري لا يتم بالصلوات ولا بالدعوات ولا بالنداءات، بل بالعمل الواعي الكثيف والمستمر، ولاسيما مع الشباب والنساء، كمن يحفر في الصخر ويدرك ما يريد، من أجل رفع وعي الناس وثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على تغيير الأوضاع حين يأخذوا أمر التغيير في أيديهم، وحين يدركون بأن كسر القيود المعطلة للوعي والمحبطة للنضال من أجل التغيير لا يتم إلا بالعمل لإبعاد هذه القوى والعناصر، التي عطلت وعيهم وزيفته وزورت إرادتهم وسرقت رزقهم وشوهت حياتهم بشتى السبل، من قيادة الدولة بسلطاتها الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية.
إن بشائر طيبة تلوح بالأفق، ولهذا ازداد ونشط تحرك هؤلاء الساسة، الدخلاء على السياسة، ليتهموا المدنيين والعلمانيين، ورئيس الجمهورية العراقية السابق والحالي، هما من العلمانيين الذين أعلنوا ذلك بأنفسهم وعلناً، وهما مقصودان بذلك أيضاً، بأنهم "حكموا البلاد 70 سنة ثم سلموا البلاد إلى الإرهاب"، أي تزوير للوقائع وأي تشويه للتاريخ أكثر من هذا الذي مارسه هذا "القائد المغوار!" والذي قال عنه أحد "فقهاء هذا الزمان!!" بأنه قائد إسلامي كبير!!!، ونسى إن "هذا!" هو المسؤول عن تسليم البلاد إلى الإرهابيين وليس العلمانيين والمدنيين الذين يناضلون اليوم للخلاص من هذه المأساة الدامية.
لنعمل من أجل لحمة القوى المدنية والعلمانية والديمقراطية والقومية الديمقراطية والمتدينة، التي ترفض ربط الدين بالدولة، وكل المستقلين الديمقراطيين الذين يرفضون الوضع الراهن ويسعون لتغييره، لنعمل مع التجمعات الشبابية في القشلة وساحة التحرير وشارع المتنبي، لنعمل في الأحياء الشعبية لنطرق أبواب الناس ونتحدث معهم، رغم كل الصعوبات التي ندرك وجودها، من أجل إقامة الدولة المدنية الديمقراطية العلمانية، ولنردد مع الشاعر العراقي طيب الذكر كاظم السماوي
وإذا تعانقت الشعوب (في العراق) فأي درب يسلكون!
وإذا تكاتفت الأكف (في العراق) فأي كف يقطعون!
           

56
الدسوقي: الوجه الناصع لغد ناصع .. بقلم: د. محمد محمود

جاء في صحيفة التغيير  الإلكترونية بتاريخ 9 مايو 2017 أن محمد صالح الدسوقي البالغ من العمر ثلاثة وعشرين عاما تقدّم بعريضة لمحكمة أم درمان جنوب طالبا تغيير صفة ديانته في بطاقته الشخصية من مسلم إلى لاديني. وأوردت صحيفة حريات الإلكترونية بتاريخ 10 مايو أن الأجهزة الأمنية اعتقلته وقيّدت ضده بلاغ رِدّة تحت المادة 126 من القانون الجنائي.
خبر صحيفة التغيير قصير ومقتضب ويقع في سطور قليلة إلا أنه يمثّل في تقديرنا أكبر تحدٍ للنظام الإسلامي في السودان منذ انقلابه صبيحة الجمعة 30 يونيو 1998، بل وأكبر تحدٍ للحركة الإسلامية وللإسلام نفسه داخل السودان وخارجه. هذا الشاب الذي وُلد في ظل نظام الإسلاميين وترعرع في ظلّ منهجهم المدرسي والتربوي التلقيني وطغيان إعلامهم وهو يعمل على غسل الأدمغة وإعادة صياغة الوعي والسلوك، استطاع أن يهزم كل هذه العوائق الجبال ليعيد النظر في نظامه الاعتقادي كمسلم ويتحرّر منه وينعتق ويقرّر الخروج من الإسلام. وما فعله الدسوقي على هذا المستوى، مستوى تحرير وعيه واكتسابه لاستقلاله الفكري، ليس بالطبع بأمر فريد لا سابقة له --- فالسودانيون يوجد بينهم عدد من اللادينيين من كل الأجيال، بما في ذلك جيل الدسوقي، وهو عدد لا نعرفه بالضبط في الوقت الحالي وليس من الضروري في تقديري أن نعرفه لأن القضية الأساسية في نهاية الأمر هي إقرار مبدأ حرية الفكر والتعبير وتوطينه في القوانين وبذا نساوي بين كل المواطنين سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين. إلا أن الدسوقي فعل أمرا فريدا لم يُسبق إليه حسب علمنا وهو أنه ذهب لمحكمة ليعلن أنه لاديني وليطالب المحكمة بالاعتراف بهذه الوضعية الجديدة. وربما يقفز لبالنا حدث آخر شبيه وقع في الخمسينيات وهو إعلان الراحل مصطفي حامد الأمين خروجه من الإسلام واعتناقه للبوذية. إلا أن ثمة فرق حاسم بين ما فعله مصطفي حامد الأمين وما فعله الدسوقي، إذ أن الأول خرج من دين ليدخل دينا آخر (وإن كان علماء الأديان يختلفون حول طبيعة البوذية، إذ يعتبرها البعض فلسفة وليست دينا منظّما)، بينما أن موقف الدسوقي أكثر جذرية لأنه خرج من النظام الديني برمته وأصبح لادينيا.
لا شكّ أن خروج مصطفي حامد الأمين من الإسلام كان صادما بشكل خاص لأسرته ذات المكانة الدينية، إلا أنه لم يتعدّ في سودان الخمسينيات تلك الحدود ولم يهزّ المؤسسة الدينية أو يشكِّل تحديا للقوانين السائدة. بيد أن الوضع يختلف اختلافا كليا في سودان اليوم، إذ أن سودان اليوم يعيش أسير نظام يجمع أسوأ استبدادين: الاستبداد العسكري واستبداد الدولة الدينية. ولأن انقلاب يونيو 1989 هو انقلاب الحركة الإسلامية المنوط به تحقيق برنامجها وإعادة صياغة المجتمع وفق "مشروعها الحضاري" و"منهجها الربّاني" فإن ما يميزه عن الانقلابين اللذين سبقاه هو وجه الاستبداد الديني. والسودانيون قد قاوموا انقلاب الإسلاميين منذ يومه الأول وما زالوا يقاومونه: قاوموه بكل مظاهر الاحتجاج السلمي وقاومه بعضهم بحمل السلاح في مواجهة عنفه ودمويته. إلا أن الملاحظ أن هذه المقاومة ظلت ذات طابع سياسي بالدرجة الأولى. صحيح أن الكثيرين رأوا بأم أعينهم خواء الحلّ الإسلامي وبؤسه وفقد الكثيرون إيمانهم بالإسلام إلا أن وعيهم هذا لم ينشىء خطابا جديدا مستقلا ونشطا في مواجهة الإسلام في المجال العام واكتفت حركة المعارضة بالتعبير عن نفسها بلغة الخطاب التقليدي للمعارضة السياسية. وهذا الخطاب التقليدي للمعارضة تجنّب بشكل عام التصدي للوجه الديني للنظام كما تتمثّل في المادة 126 (مادة الرّدّة) وعقوبات الشريعة (وإن كنا نستثني في حالة الدسوقي التصريح الشجاع لحزب المؤتمر السوداني الذي تضامن معه في الحال ودعا لإلغاء مادة الرِّدّة ونتمنى أن يتبع ذلك مواقف شبيهة من باقي القوى السياسية المعارضة، كما نستثني مقاومة الناشطات النسويات المستمرة في مبادرة مقاومة العنف ضد المرأة، ونشيد بشكل خاص بموقف التحدّي المتميّز للبنى حسين الذي أجبر النظام على التراجع). ومن الطبيعي أن تتجنّب أكبر قوة حزبية مؤثّرة في المعارضة السياسية وهي حزب الأمة الدخول في تحدٍ مع البرنامج الديني للنظام لأن حزب الأمة حزب طائفي منحاز للشريعة. وما نلاحظه أنه ورغم أن الحزب الشيوعي (القوة الأساسية في اليسار) غير منحاز للشريعة إلا أنه دفع ثمن هامش الحرية المسموح له بالتحرّك فيه وقرّر مهادنتها، علاوة على تراجعه على مستوى الخطاب باستبعاد تعبير "علمانية" واستبداله استبدالا غير علمي بتعبير "مدنية". وفي هذا الجو المهادن تعزّزت نزعة ضارة ومنافقة فكريا بذر بذرتها عبد الخالق محجوب بكتابه أفكار حول فلسفة الإخوان المسلمين (وهو كتاب لا يشبه باقي كتاباته التي تتميّز بمحاولاتها الجادة لتحليل الواقع السوداني وتوطين أفكار الاشتراكية فيه) ودخل البعض حلبة المزايدة الفكرية بطرح قراءات "إصلاحية" للإسلام تدّعي نزع "تشويه" الإسلاميين عنه.
وهكذا وبينما فشل النظام في قهر المعارضة السياسية إلا أنه نجح في مجال القهر الديني واستطاع أن يفرض خطابه وعلاماته الإسلامية على كل مناحي الحياة (وأبرز هذه العلامات فرض الحجاب على النساء، وحتى على نسبة كبيرة من السودانيات اللائي يعشن خارج السودان، علاوة على الفصل الاجتماعي للجنسين الذي أصبح سمة من سمات مجتمعات السودانيين في الداخل والخارج). وكانت البطاقة الشخصية باشتمالها على دين حاملها من العلامات البارزة التي أُقْحِمت عن قصد لفرض حضور الهُوية الإسلامية في كل المعاملات الرسمية.
وفي وجه هذا القهر الديني الشامل بكل صلفه واستعداد المادة 126 المعلن لقطع الرقاب تقدّم الدسوقي شامخ الرأس لمحكمة أم درمان جنوب ليعلن لها خروجه من الإسلام ويطالبها بإثبات هويته الجديدة كلاديني في بطاقته الشخصية. وَضَعَ الدسوقي المحكمة ونظامها أمام مطلب حرية فكرية ملحّة وضاغطة تريد أن تتجسّد فعلا حرّا يتحرّك في واقع الناس، وهو مطلب ظلّ الإسلام يرفضه ويواجهه بالعنف عبر كل تاريخه الذي تلا لحظة تأسيس محمد لدولته وإعلانه للجهاد. ولقد ظلّ الكابوس الذي يلاحق الدولة الإسلامية طيلة تاريخها ويهدد بكشف خوائها هو تلك اللحظة التي يواجهها فيه فرد مواجهة علنية بخروجه من الإسلام. ولقد اعتمدت الدولة الإسلامية ومنذ فترة محمد على تواطؤ بينها وبين غير المؤمنين وهو ألا تمسهم بأذاها طالما ارتضوا أن يكونوا منافقين يتظاهرون بالإسلام ويستبطنون لاإيمانهم --- وهكذا كان النفاق وظلّ وضعا متلاءما مع مصالح الدولة الإسلامية إذ ساهم في حفظ تماسكها واستمرارها. ولا نشكّ أن سدنة المشروع الإسلامي في السودان ومنذ لحظة انقلابهم ظلوا يرتجفون هلعا من كابوس احتمال تلك اللحظة التي ينقلب فيها مواطن سوداني على التواطؤ النفاقي ويكسر حاجز الصمت والخوف من الإسلام فيتكشّف بؤس المشروع وتتكشّف هشاشته الفكرية.
إن اللحظة التي قدّم فيها هذا الشاب المغمور رسالته القصيرة التي تقع في سبعة عشر سطرا وتتألف من أربع وثمانين كلمة والمكتوبة بخطّ اليد استغرقت في الغالب دقائق، إلا أنها دقائق تمثّل لحظة فارقة تحمل في أحشائها أكبر المعاني للذين يحلمون بحرية الفكر والتعبير في بلادنا، بل وفي كافة أرجاء العالم الإسلامي وخاصة أقطاره التي تحكمها قبضة الشريعة. في تلك الدقائق المثقلة بالمعنى الكبير لتلك الحرية التي تنبع منها باقي الحريات حمل هذا الشاب المغمور على كتفه الهمّ الكبير للوطن وقضيته الكبرى وارتفع لمستوى فِعْل لم يُسْبق إليه: فِعْل الخروج المعلن من الإسلام أمام محكمة تجسّد بطش نظام إسلامي هو من أكثر الأنظمة قهرا وعَسْفا وعُتُوا وانتهاكا للحقوق في عالم اليوم. هذا الفعل المذهل الشجاع هو فعل شخص قرّر أن يثور على واقع النفاق والصمت والخوف من الإسلام وقرّر أن يكسب نفسه حتى لو خسر العالم كله لأن واجبه الأخلاقي يفرض عليه أن يكون صادقا كل الصدق مع نفسه ولأن توقه لحريته يعني ضرورة أن يعيش حياته وهو متّحد الظاهر والباطن.
عندما دخل الدسوقي محكمة أم درمان جنوب كان مغمورا ويقتات تاريخا صنعه الآخرون مثله في ذلك مثل الغالبية الساحقه من المواطنين العاديين. ولكنه وفي تلك اللحظة التي قدّم فيها عريضته خرج من مجال المواطن العادي المنفعل بالتاريخ ليدخل مجال المواطن الذي يريد أن يساهم في صناعة الفعل التاريخي، فعل التغيير من أجل عالم أكثر حرية وأفضل. وبرسالته الخطية القصيرة التي أعلنت أن لحظته كلاديني قد أزِفت وضع الدسوقي بصمة لن تنمحي في سجل كفاحنا من أجل حرية الفكر والتعبير. والدسوقي منذ هذه اللحظة الفارقة التي صنعها بموقفه لم يعد مغمورا وإنما أصبح عَلَما فارقا ووجها ناصعا لغد ناصع يجسّده جيله وهو يحمل آمال الوطن وأشواقه لغد محرّر من كل أشكال القهر.
محمد محمود أستاذ سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم وحاليا مدير مركز الدراسات النقدية للأديان
kassalawi99@hotmail.com

57
كاظم حبيب
قرية "جه له مورد" تحتفي بالذكرى التاسعة والعشرين للمؤنفلين منها
أخبرني صديق عزيز عن وجود احتفالية تأبينية بالذكرى التاسعة والعشرين الحزينة لمؤنفلي قرية "جلمود" التابعة لقضاء كويسنجق التابع لمحافظة أربيل بإقليم كردستان العراق، واستفسر من الصديق نهاد القاضي، الأمين العام لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق، ومني إن كان يهمنا حضور هذا الاحتفال. وافقنا مباشرة ودون تردد على المشاركة.
على الساعة السابعة إلا ربعاً من صباح يوم الأربعاء 10/05/2017 وصل الصديق على محمود، الملقب بـ "على سياسي" بسيارة بيكاب إلى باب الفندق حيث نقيم برفقة رفيقه صاحب السيارة كاك فاتح لنرافقهما إلى مكان الاحتفالية. انطلقت السيارة باتجاه كويسنجق، وقبل وصولنا مركز القضاء انحرف بنا فاتح صوب طريق ترابي متعرج تاركاً الطريق العام المبلط قاطعاً التلال والسهول والجبال الواطئة بسرعة كبيرة مزعزعاً عظامنا والأضلاع المتزعزعة أصلاً ولم يرحم أنين عظامنا. بعد ساعتين ونصف الساعة وصلنا إلى سفح جبل مشرف على القرية المنكوبة حيث أقيم على قمتها مسرح صغير على عجل ليكون منصة للخطابة بذكرى هذه الفاجعة الأليمة. وفي طريقنا إلى القرية التقينا بعدد كبير من العائلات والأفراد المتوجهين بسياراتهم صوب موقع الاحتفال التأبيني مرتديين ملابسهم الكردية المعبرة عن حزنهم الشديد وبعيداً عن تلك الملابس الزاهية التي عرفت بها النساء الكرديات الشجاعات، إذ فقدت هذه العائلات أعزاء لها في تلك الكارثة اللعينة، في عمليات الأنفال الجهنمية التي نفذها الدكتاتور صدام حسين ونظامه الدموي على مدى تسعة شهور ابتداءً من شباط/فبراير حتى أيلول/سبتمبر 1988. ولم يكن ما حصل فاجعة اعتيادية، كما ينفذها الكثير من المستبدين في بلدان أخرى، بل كان إبادة جماعية وضد الإنسانية بكل ما تعنيه هذه المجازر وما يتضمنه الجينوسايد من مضامين.
حين وصلنا كان سفح الجبل الصغير مكتظ بالنساء والرجال والصبية المرافقين بل وبعض الأطفال حيث حملتهم أمهاتهن لموقع الاحتفال. كان الحشد كبيراً حيث عرضت صور من تبقى ممن فقدوا القسم الأكبر من عائلاتهم، وهم نساء ورجال كبار السن ومقعدين، وكان قد أبعدوا إلى نقرة السلمان، ثم عاد البعض منهم ولم يقتل أو يموت هناك. كيف ارتكبت هذه الجريمة البشعة حيث راح ضحيتها 480 شخصاً من أهالي قرية جلمورد فقط؟ لقد سطرت أسماؤهم، مع عدد كبير آخر بلغ مجموعهم 1629 اسماً، وكلهم من أبناء منطقة ومن عشيرة شيخ بزيني، على لافتات علقت على جانبي المسرح. 
وقعت هذه الجريمة ضمن المرحلة الرابعة من عمليات الإبادة الجماعية، التي أطلق عليها الدكتاتور صدام حسين بعمليات الأنفال، التي بدأت في الشهر الخامس من العام 1988. فقد وصل خبر لأهل قرية (جلمورد) إن الأفواج الخفيفة التابعة للجيش العراقي قادمة باتجاه قريتهم والقرى المجاورة. فقرر أهل هذه القرية ترك قريتهم والاختفاء في سهل بعيد نسبياً يصعب الوصول إليه. إلا إن واحداً من جحوش المنطقة كان قد توجه لزيارة أقارب له بين المختفين من أهل القرية، وكان مُراقباً ومُلاحقاً من جهاز استخبارات النظام المرافق للأفواج الخفيفة. هذا ما نقله لي أحد المشاركين في هذه الاحتفالية من الذين كرموا لنشاطهم في الدفاع عن ضحايا الأنفال. فتمكن جهاز الاستخبارات من تحديد المكان الذي التجأت إليه العائلات الهاربة من بطش القوات العسكرية العراقية. فتم تطويق المكان من قبل عساكر النظام الدكتاتوري وجلاوزته، حيث سلبوا وضربوا أولاً، ثم وضعوا في تراكتورات قادتهم إلى مكان مجهول وانتهى كل أثر للأطفال، بمن فيهم الرضّع، والنساء والرجال، بمن فيهم كبتر السن والمرضى، منذ تلك اللحظة من يوم 10/05/1988 حتى يومنا هذا، كما لم يعثر على قبور جماعية لهم حتى الآن، علماً بأن التحريات عن القبور الجماعية قد عثرت على مئات القبور الجماعية بعد الخلاص من النظام الدكتاتوري بإقليم كردستان في النصف الثاني من عام 1991 ومن ثم بعد إسقاط النظام العنصري الدكتاتوري كلية في العام 2003.
لقد اكتسحت قوات النظام الدكتاتوري المطلق، المدججة بالسلاح وملغمة بالكراهية والحقد، التي بثها في صفوف قواته ضد الشعب الكردي، 14 قرية من قرى هذه المنطقة حيث نقل من كان فيها في تلك الفترة إلى منطقة أخرى لينتهوا إلى غير رجعة، حيث لا يعرف مصيرهم حتى الآن. وقد نشرت أسماء هذه القرى وسكانها المؤنفلين على النحو التالي: 
القرية      عدد المؤنفلين         القرية        عدد المؤنفلين
جلمود      480             قسروك         208
گرد خبر    198            سرچنار      127
توتقل      127             كاني هنجير      100
شيخان    95            گلناغاجي گورة   90       
جوغليجة   90              أسكة ندربكي      36
قميشة      34             گلناغاجي چووك   26
قودرته      13            ماملسي      5
المجموع الكلي 1629 شخصاً مؤنفلاً.
وفي ذات الفترة، وفي قرى مجاورة هي كوب تبه وعسكر أعطى المجرم على حسن المجيد الملق بــ "علي كييماوي" أوامره بضرب القريتين بالكيمياوي فأدى إلى قتل عدد تراوح بين 150-170 شخصاً من سكان القريتين، ثم حضرت الأفواج الخفيفة لتؤنفل الجرحى من سكان القريتين عن بكرة أبيهم. كان ذلك يوم 03/05/1988. إنه ليوم وأيام وأشهر عار في جبين النظام الدموي وفي جبين القوات والقيادات التي نفذت تلك العمليات الجبانة والهمجية.
في هذه الاحتفالية رفع علم كردستان على سارية مرتفعة، كما علقت على جوانب المسرح شعارات منددة بعمليات الأنفال وممجدة بضحايا الأنفال وشعارات عن مضمون الإبادة الجماعية، باعتبارها جرائم إبادة جماعية لا تعرف التقادم في محاسبة المسؤولين عن التخطيط لها وتنفيذها. وتشير أغلب المصادر إلى أن ضحايا الانفال بلغ عددهم 182 ألف مؤنفل. ولكن الأسماء التي حصل عليها حيث تدفع حكومة الإقليم رواتب لعوائل الضحايا 63 ألف عائلة، كما وزعت عليهم قطع أرض لأغراض بناء دار عليها للسكن.
في وقف الحضور دقيقة حداد على أرواح المؤنفلين وقرأوا النشيد الوطني الكردستاني، أي رقيب، ألقي بعدها عدد من الأشخاص المسؤولين في الاحتفال كلمات بالمناسبة، كما قدمت المقاطع الحزينة، وألقيت بعض القصائد الشعرية المعبرة عن المأساة والكوارث التي لحقت بالشعب الكردي في عمليات الأنفال المرعبة.
طالب المشاركون في هذا الاحتفال والخطباء بمحاكمة من خطط ونفذ هذه العمليات الإجرامية ضد المضمون العنصري والفاشي المشين، ومحاكمة قاد تشكيلات الجحوش التي ساندت النظام في جرائمه ضد الشعب الكردي وفي عمليات الأنفال والتي أطلق عليهم النظام بـ"الفرسان!".
لقد كان لي شرف المشاركة في المؤتمر الأكاديمي لعمليات الأنفال الذي عقد في أربيل عام 2002، وفي حينها زرت العديد من العائلات المهجرة والتقيت ببعض الهاربين من جحيم الأنفال وزرنا حلبچة التي ضربت بالكيمياوي وحصدت الضربة خمسة آلاف شهيد ومثله من الجرحى والمعوقين. لهذا كان ضرورياً ومفيداً أن التقي ثانية بعائلات ضحايا الأنفال الذين نكبوا بأقاربهم الأعزاء.   
لقد كانت تجربة غنية لي وللصديق الأستاذ نهاد القاضي أن نحتك بعائلات المؤنفلين، وأن نعيش مشاعرهم والأجواء السائدة في صفوفهم رغم حرارة الشمس المحرقة التي أرهقت الكثيرين ممن هو بعمري وعلى مدى عدة ساعات متواصلة. لقد سيطرت علينا الكآبة والحزن الشديدين حين مررنا بعدد من القرى المؤنفلة، ولكن سعدنا أيضاً لعودة الحياة إليها. إن من واجبنا، بل من واجب البشرية جمعاء النضال الصارم والمتواصل لكي لا تتكرر مثل هذه الجرائم البشعة لا بالعراق أو كردستان أو نينوى فحسب، بل وفي كل أنحاء العالم ويسود السلام والوئام للبشرية جمعاء. لقد كنا نعتقد بأن ما حصل بكردستان لن يتكرر ثانية بالعراق، ولكن النظام السياسي الطائفي والحكام الطائفيين عملوا بكل السبل غير المشروعة والمخالفة للدستور وبسياساتهم الشوفينية والطائفية ودون هوادة قد وفّر مستلزمات ما حصل بالموصل ونينوى، وقبل ذاك في محافظات غرب العراق، الت سهلت مهمة اجتياح داعش للموصل فنينوى وممارسة الإبادة الجماعية بحق المسيحيين والإيزيديين والشبك والتركمان والكثير من أبناء وبنات السنة وتدمير الموصل والكثير من مناطق نينوى منذ حزيران/يونيو 2014 في فترة حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. 

58
كاظم حبيب
من يوجه أجهزة الأمن والمليشيات الشيعية المسلحة من أمام ستار؟
بعدد التجاوز غير القانوني والمدان على الحرم الجامعي، ثم الاعتداء المخالف للشرعية الدستورية على طلبة جامعة القادسية من ميليشيات طائفية وأمنية مسلحة واستخدامهم السلاح وجرح البعض منهم وضرب البعض الآخر، وبعد الاعتداء الإجرامي على  مقر محلية الحزب الشيوعي العراقي في مدينة الديوانية، وهو حزب مجاز رسمياً  ومسؤولية الدولة حماية مقراته وأعضاء الحزب، ورغم الاحتجاجات السياسية والشعبية ضد هذين الفعلين الخسيسين، جرى فجر يوم 08/05/2017  اختطاف ٧ من المواطنين الناشطين في الاحتجاجات المدنية وهم 1. عبد الله لطيف فرج عضو مكتب سكرتارية اتحاد الطلبة العام في جمهورية العراق، 2. سامر عامر موسى، 3. زيد يحيى، 4. حيدر ناشي حسن، 5. احمد نعيم رويعي، 6. علي حسين شناوة و٧. حمزة  من أماكن سكنهم في وسط بغداد.
إن هذا الفعل المشين والجبان، وهو عمل خارج إطار الشرعية الدستورية والقوانين المرعية وحقوق الإنسان، من جانب أجهزة أمنية وميليشيات شيعية متطرفة وخاضعة لإرادة غير مسؤولة وإرهابية، لإرادة تحكم العراق ليس من وراء ستار أو خشية من أحد، بل تمارس الحكم الفعلي على هذه الأجهزة وتوجهها كما تشاء لفرض إرادتها واستبدادها على المجتمع وضد القوى المدنية والعلمانية ،على وفق ما هدد به وما جاء في خطاب رئيس الوزراء السابق والمستبد بأمره بالعراق الذي ادعى زيفاً بحكم المدنيين والعلمانيين سبعين عاماً وأنه سلموا الحكم بيد الإرهابيين! وهي فرية ما بعدها فرية وقحة. وهذا السلوك المشين يأتي نتيجة منطقية لعدم تقديمه للمحاكمة للتهم الكثيرة الموجهة له من جانب هيئات وقوى وشخصيات حقوقية، كما ثبت ذلك من تقرير اللجنة البرلمانية الذي وضع في أدراج مجلس الوزراء والسلطة التنفيذية ليتراكم عليهما الغبار إلى حين.
إن على السلطات الثلاث أن تحتج على هذه العمليات غير الدستورية من خفافيش الليل، وهم يذكرون المجتمع بأفعال أجهزة أمن النظام الدكتاتوري السابق والدكتاتور صدام حسين، وأن تعمل على إطلاق سراح المختطفين والمعتقلين في السجون السرية لهذه المليشيات المسلحة والجبانة فوراً، وهي مسؤولة بشكل كامل عن صحة وأرواح النشطاء السبعة. إني إذ أدين هذا الفعل المناهض لحرية التعبير والتجمع والتظاهر وحقوق الإنسان، أطالب، ومعي الآلاف المؤلفة من المناضلين في سبيل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلم الاجتماعي، في سبيل دولة مدنية ديمقراطية اتحادية وعلمانية، إدانة هذا الفعل الجبان وإطلاق سراحهم فوراً والكف عن هذه الممارسات غير الخاضعة للدستور والقوانين العراقية.
 




59
كاظم حبيب
من هم مزورو الوقائع والتاريخ بالعراق؟
قبل أيام قليلة بدأ رئيس الوزراء السابق بشن حملة جديدة مشحونة بالكراهية والحقد والعدوانية التي لا تختلف قطعاً عن عداء السلفيين المتطرفين كافة لكل ما هو عقلاني ونبيل في عراقنا الحبيب، وفي الوقت ذاته ممجداً كل ما هو رث ومدمر لشعبنا العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والديمقراطية، لكل ما هو مدني وعلماني ينسجم مع ما توصل إليه العالم من حضارة إنسانية نبيلة وقيم ومعايير ديمقراطية متقدمة لممارسة الحكم بالعراق. لقد أدعى، وهو يدرك زيف ما يدعيه، بأن العلمانيين الذين حكموا العراق 70 عاماً سلَّموا البلاد إلى الإرهابيين!، فهل هناك من كذب أكثر من هذا الافتراء وزييف الوقائع والتاريخ؟ وهو كما يبدة يعتقد بأن الناس مغفلون إلى هذه الدرجة التي تمر عليه مثل هذه الفرية الوقحة! ولكنها في ذات الوقت فهي محاولة بغيضة وفاشلة لإبعاد التهمة الموجهة له أساساً. ولا يجسد هذا الهجوم سوى الضعف الشديد الذي يعاني منه رئيس الوزراء السابق والعزلة الخانقة التي يعيشها، إذ عاد ليغازل بعض القوى دون استعدادها للتحالف مع من تسبب في اجتياح الموصل ونينوى ومحافظات أخرى قبل ذاك. علينا هنا أن نتذكر ما قاله هتلر وردده وزير أعلامه هملر: "اكذبوا، ثم اكذبوا، ثم أكذبوا، لعل بعض افتراءاتكم تعلق بأذهان الناس"!
السؤال الذي يزداد طرحاً في الساحة السياسية العراقية والعربية هو: من أدخل الإرهاب إلى العراق، هل المدنيون والعلمانيون أم رئيس الوزراء الأسبق ومن ثم رئيس الوزراء السابق ومن معه من القوى الطائفية السياسية المقيتة؟  ألم يكن رئيس الوزراء السابق، ومن هم معه، من عمل على إقامة النظام السياسي الطائفي بالبلاد وميز بشراسة وإصرار بين القوميات وأتباع الديانات والمذاهب بالبلاد؟ ألم يكن هو ومن هم معه، من ألغى فعلياً هوية المواطنة العراقية من قاموس النظام السياسي الطائفي المحاصصي وفرض على المجتمع والدولة الهويات الفرعية وأساء إليها وحولها إلى هويات قاتلة لهويات فرعية أخرى، كما استجابت لذلك ومارست، بدفع منه ومن هم معه من الطائفيين شيعة وسنة، المليشيات الطائفية المسلحة، الشيعية منها والسنية، في القتل على أساس الهوية؟ ألم يكن هو، ومن هم معه ورئيس حزبه  السابق من أدخل الميلشيات الشيعية المسلحة والمنفلتة من عقالها إلى وزارة الداخلية والأمن الوطني تعيث التي ما زالت تعيث بالعراق قتلاً وفساداً؟ ألم يكن هو، ومن هم معه، من سمح، وبقرار من رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، الذي هو نفسه دون غيره، بالانسحاب أمام عصابات داعش الإجرامية، أي انسحاب 40 – 45 ألف جندي وضابط ورجل أمن أمام حوالي 1000 شخص من مجرمي داعش، وتسبب هذه الهزيمة المدمرة في تحقيق الاجتياح الكامل للموصل وسهل نينوى، وفي توفير مستلزمات تنفيذ أكبر عمليات إبادة جماعية ضد أبناء وبنات شعبنا من الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان والكاكائيين وغيرهم في محافظة نينوى، عمليات قتل وسبي واغتصاب وبيع النساء في سوق النخاسة والتشريد والتهجير القسري والسلب والنهب للمواطنين والمواطنات؟ ألم يكن هو، ومن هم معه، يا من يحاول اليوم التهرب من مسؤوليته ورميها على عاتق من تعرض لإرهابه في العام 2011، وفيما بعد أيضاً، وكذلك الآن في الديوانية والقادسية؟ ألم يكن هو، ومن هم معه، من تسبب في سرقة ونهب أكثر من 250 مليار دولار أمريكي، حين كان رئيساً للوزراء بمشاريع وهمية؟ وفي عهده البغيض وسني حكمه العجاف تم صرف 40 مليار دولار لإقامة مشاريع للطاقة الكهربائية، ورغم ذلك ينقطع الكهرباء عن أهل العراق أكثر من 12 ساعة يوميا؟
إنه ما زال يسعى للعودة إلى رئاسة الوزراء وهو المسؤول، مع غيره من الطائفيين السياسيين بامتياز، عن كل ما حل بالعراق وعن مئات الألاف من القتلى والجرحى خلال السنوات المنصرمة ومنذ سقوط الدكتاتورية الغاشمة؟ وهل يعتقد إن ذاكرة الشعب بهذا القصر، وإذا كانت كذلك، فهي نتيجة لتجهيلهم الشعب وبث الخرافات والأساطير والأموال أيضاً لتزييف الوعي وتشويه القيم وغسل الذاكرة وشراء الإرادة.
إن من يقبل التعاون معه لا يمكن أن يكون إلا مماثلاً له في سوء النية والكراهية والحقد ضد الإنسان وحقوقه وحريته وحياته الديمقراطية والكريمة.
سيذهب كل المستبدين المناهضين للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة إلى مزبلة التاريخ ولن يبقى سوى الشعب وقواه التي تناضل من أجل هذه المبادئ النبيلة.

60
ملحق البيان الختامي الصادر عن المؤتمر الثاني لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق
انتهت جلسات اليوم الثاني للمؤتمر الثاني لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق بمدينة تلسقف في سهل نينوى بمحافظة نينوى بتاريخ 02/05/2017، بعد أن جرى انتخاب الأمانة العامة الجديدة وتسليم الأمانة العامة السابقة مهماتها للهيئة الجديدة. وقد شكر المؤتمر أمين عام وأعضاء الأمانة العامة السابقة على ما أنجزته من مهمات في ظروف غاية في الصعوبة والتعقيدات. وكانت الهيئة السابقة قد انُتخبت في المؤتمر الأول للهيئة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2012 بمدينة السليمانية وبدعم من السيد رئيس الجمهورية مام جلال الطالباني، وهم السيدات والسادة نرمين عثمان، نهاد القاضي، د. تيسير الألوسي، راهبة الخميسي، د. عقيل الناصري، جورج منصور، د. صادق البلادي، كامل زومايا، د. كاترين ميخائيل، نور نجدت, ماجدة الجبوري، مازن لطيف وديندار شيخاني. كما أضيف إليها ا