عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - محمد علي الشبيبي

صفحات: [1]
1
دموع اللقاء
للمربي الراحل علي محمد الشبيبي*
(1913-1997)





كانت الشمس ترسل ذوائبها الذهبية بينما اختفت هي وراء الأفق الذي اكتسى هو الآخر بلون أرجواني رائع. وأخذت العصافير وهي تتطاير زرافات زرافات، تزقزق بحماس متواصل، كأنها تودع النهار بأناشيد الحمد والثناء لإله الكون، ومبدع الحياة. انها تطير من شجرة صفصاف إلى أخرى، وكأنها في ترتيلة قدسية.
وعلى ضفة النهر تجمع نسوة الحي من عذارى وأمهات يملأن الجرار. والأولاد والصبايا العائدون بالأبقار والأغنام من المراعي، كانوا أيضاً يزدحمون على ضفتي النهر، ليوردوا أبقارهم وأغنامهم.
كانت زقزقة العصافير تمتزج بحفيف الأغصان الهادئ، وثغاء الغنم ورغاء البقر، وهرج الأطفال، وضحك الفتيات وعجيج النساء. فيتألف من كل هذا نغم موسيقي رائع، يبعث نوعاً من اللذة والارتياح في مثل هذا الوقت الذي يبدأ فيه الظلام والسكون ينشران أجنحتهما الرهيبة على القرية.
كان كل واحد على النهر في مرح وحركة، إلا فتاة انتحت ناحية من ضفة النهر، متكئة على جذع شجرة صفصاف، شابكة يديها على "مسخنتها" كان يبدو عليها سأم بليغ. بينما أخذت عجوز تتحدث إليها بعناية وحنان، تنم عنهما ملامح وجهها، وحركات يديها، ونبرات صوتها الخفيض.
تلك الفتاة كانت –شِمّامة آل دبعون- وحيدة أمها وأبيها وخامسة أخوتها الذكور. وقد توفيت الأم مذ بلغت هي العاشرة من سنتها. وحين بلغت الثامنة عشرة من عمرها، توفى الوالد، الذي كان يبسط ظله على العائلة مع سيطرة صارمة. وتحول حكم البيت لأخوتها الأربعة الذين ملأوا البيت بالأطفال من بنين وبنات.
في عهد والدها كانت هي المسؤولة عن كل شيء، هي الآمرة والناهية. ولقد تغير بعد رحيل والدها كل شيء بهدوء. إلا أن الظواهر بقيت كما هي، فهي معززة مكرمة!
بعد وفاة والدها بعام، تقدم لخطوبتها ابن عمها "داوي" لكنه رُدّ. أخوتها لا يهون عليهم ذلك، إذ لابد أنه سيطالب بما تستحق من إرث. وعاد ابن العم فأبلغ أخوتها. وحذرهم: إن هم زوجوها من غيره!
لم تعد شمامة تعرف النوم، إلا إغفاءة حالم، أو سكون تَعِبٍ. إنها تجيل النظر، وتسرح بأودية الخيال، تستعرض الماضي البعيد، وتتطلع إلى المستقبل المحجوب. فلقد وعت عهد أمها مع أبيها. واستمعت إلى تاريخ الأسرة، قصصاً وأحاديث. فلم تجد ما يبشرها بمستقبل يختلف عن تلك الحياة التي مارستها أمهاتها وجداتها، بل جميع فتيات العشيرة!
وتقطع أفكار شمّامة زفرات حادة. وتفتح عينيها وتغمضهما بسرعة، كمن يفيق من نومه على أثر حلم مزعج ومخيف. وتتمتم بسرّها "إلاهي ... أيدي گصيرة، وآنه يسيره، إخذ أمانتك وخلصني يا رب العالمين!"
وفي هذا اليوم بدت شمّامة في أشد ساعاتها حرجاً. فقد تدهورت مكانتها في البيت. صارت تمارس الخدمة، وتتلقى التوبيخ لشيء أو لا شيء. ولا تملك حتى الشعور بملكية أبسط شيء مما خلفت أمها وأبوها. وأشتد قلقها مذ أشتبك أخوتها مع آل "رَهيّف" بمعركة أردوا فيها واحداً منهم.
إنها بين نيران هذا الحادث. تخاف على أخوتها من الثأر، وتخاف أن تُحَل المشكلة على حسابها، فتكون الفدية و الفصل! لقد أحست أمس تهامساً بين زوجات أخوتها. وترجمت نظراتهن إليها، إنها نظرات عطف وشماتة!
وحملت "المسخنة" وتوجهت إلى النهر. هناك التقت بالعجوز "روعة" الطاعنة بالسن، حتى أنها شاهدت أجيالاً من هذه العشيرة. وهي لنساء القرية كالعراف، برأيها الصواب، وبإرشادها النجاة. دَرّسها طول العمر تأريخ حياة أهل القرية جميعاً. وعلمتها التجارب سداد الرأي. عندها تجد العوانس السلوى، والثكالى العظة والصبر، والأرامل العزم والثبات على تحمل عناء الحياة، والولهى حكمة الكتمان ولذة الغرام، وأساليب الوصال. فإنها مارست جميع ضروب الحياة، ورأت ألواناً من المصائب، صبت عليها وعلى غيرها.
كانت تُكنى "اُم صخرة" هي تداوي كل شاكية باكية. وعندها لكل داء دواء! فللأرملة تقص عبر الحياة ونكبات الزمان، وصلابة أمهاتٍ بالصبر غالبن المصاعب. ولعديمات الحظ عند الأزواج، الخير الذي يعقب السكوت والخضوع، لأوامر الحماة؟ أو الالتجاء لأضرحة الأولياء والصالحين، "الخضر" و "أبو عجلة" و "الشريف"[1] أو "الفوال والمطوع"، وأنها أيضا تحسن عمل الشِعلة[2] تحرق بها قلب الهاجر، فيتأجج شوقاً إلى المهجور؟
مرّت لحظات قبل أن تبدأ أم صخرة حديثها مع شمامة وافتتحت حديثا بتوسل:
- بنيتي شمامة، كل المصائب تهون، وياما تلگت الحراير من ضيم، والصبر مفتاح الفرج!
- إي جدة؟ وشبيدي غير الصبر؟ لا تعذليني ولا تطلبين غير الصبر! آنه صابرة غَرمن[3] عليَّ!
- الصبر يبنيتي زاد النِباية (الأنبياء)
- گتلج آنه صابره. اتجرعه وهُو حنضل. لن ما أ گدر على شي غيره. اَلا انتِ؟ ماعندج چاره غير الصبر؟ باصريني ودليني!
وأنفجرت بعبرة وتداركت نفسها كيلا يسمعها الواردون! وأبدت أم صخرة تأثراً بليغاً من أجل شمامة. وكأنها شعرت بالعطف والواجب نحو شمامة. فقالت:
- شمامة؟ آنه جدّتج، آنه اُمّج، واكثر، گولي، أحـﭽـي، لَجْلِج أخبط ماي الشط؟!
- جده، روعه ... هضيمه، والله هضيمه أصيرن فصليّه؟ غيري يكتل وآنه الفدوة؟!
وراحت تنشج وكادت تنفجر بنحيب، لكنها كمت فمها بخمارها لتحدّ من صوتها. وأردفت:
- آخ ... آخ من الشماته! باصريني جده، ودَليني، شنهو الأسويه؟
لم تكن أم صخرة سريعة البديهة لحل مثل هذه المشكلة. وبعد صمت طويل، ووجوم عميق، تفتحت عبقريتها عن رأي هو خلاصة علمها، ولب تفكيرها، ولم تجد غيره في تلافيف دماغها، وصفحات ذاكرتها. وأدنتْ فمها إلى إذن شمامة ووشوشت! وبدا على شمامة تجهم، وبحلقت عينيها كمن تهيبت من خطر وحش مقبل عليها. ثم هزت رأسها بنفور. وقالت:
- لا، لا. أبد. هذَ ماهو راي. ما اَنَكِس[4] روس أخوتي والعشيرة أصير فدوه، أصير وصيفه، وأذل من الوصيفه، واخلِّ اخوتي يشمون الهوه بعز، ويمشون على طولهم!
ونهضت تتعثر بمشيتها لِما تحمل من هَمّ وقلق!
*   *   *
-2-
كانت أيام حزيران الأولى لطيفة رائعة. فمازال الجو يحمل نفحات من آيار وبهائه الشيء الكثير. فهو مبهج وقليل الحر، ولكن مدينة النجف مكتظة بالزائرين. فقد اقترنت بهذا الشهر زيارة الأمام علي (ع) في السابع من ربيع الأول، بشهر حزيران ...
وضاقت المدينة بالزائرين، بيوتها وفنادقها، وهي قليلة حينئذٍ. كذلك الميادين والصحن العلوي، والشوارع المجاورة له.
وقبل غروب الشمس عادت الحاجة -أم كامل- القابلة المعروفة تصحب ثلاثة رجال، من ريف الجنوب، عليهم مهابة ووقار، كانوا يمشون خلفها، وهي تردد عبارات الترحيب.
وهمس أحدهم: شدِعَوه؟ ماهي ضيفة[5]؟
- حُرمه طيبه! موش اَخيَر من أهل العمايم الخضر[6]!؟
قال هذا. فعقب الثالث: وشمدريكم ما تطلع عِرِف؟!
وصلت الحاجة بهم إلى بيتها، والتفتت إليهم وقالت:
- تفضلوا يُمّه، خلوا غراضكم، وا گضوا حاجتكم، واتجددوا -توضأوا-، وروحوا للزيارة، ولا تضيعون المجان! وَﭽدّوا زين؟
- شكراً حجية، أنعم الله عليج!
بعد الصلاة والزيارة عادوا، وطرقوا الباب -وهو مفتوح- فاستقبلتهم إلى أحد سطوح المنزل من بابه الداخلي الخاص إلى غرفة هناك، ودهش الضيوف، فما في الغرفة من أثاث يدل أنها ليست معدة للإيجار. إنها على حال ما هو معروف في بيوت النجف التي اعتادت الضيافة. إنها مفروشة بطنافس عربية[7] وبُسط كردية، وفي أحد أركانها فُرش نوم وأغطية. وفي منتصفها حيث يجلس المضَيّفُ عادة –عُدَّة القهوة-. 
ورمى الضيوف عباءاتهم، وقضوا حاجاتهم، وتوضأوا، لكنهم عاودوا الحديث مرة أخرى. قال أحدهم: المسألة ماهي خالية، أشو بگليبي خفگه! الحرمه ﭽنه عِرِف؟!
- انـﭽان عِرِف، لو اهيّ باجور -بإجور-، هيّ طيبة، ولسان طيب، وشنريد أكثر!
وغادروا البيت، بعضهم يوصي بعضاً، أن يركزوا على علامات في الشوارع التي سلكوها كيلا يضلوا الطريق.
عند العودة، بعد إداء الصلاة، والزيارة عادوا، لم يتمكنوا من البقاء أكثر، فالزحام شديد للغاية. وطرقوا الباب، واستقبلهم رجل في سن الثلاثين. رحب بهم وأكثر الترحيب. وزادت دهشتهم، حين دخلوا الغرفة واستقبلهم أربعة رجال، بين كهل وشيخ. رحبوا بهم ترحيباً حاراً وأكثروا الترحيب.
وحلَّ موعد العشاء ومدت المائدة، فكانت دليلاً آخر على أن المسألة ليست على رسلها. لكنها ليست باعثاً على الخوف أبداً. إن لم تكن بشير خير! وتلا العشاء عدة الشاي إلى جوار عدة القهوة. ومال أحد الضيوف إلى صحبه، وأشار بحركة من عينيه إلى ثلاثة صبية. أحتل أحدهم حضن أبيه، وأنتحى الآخران جانباً من المجلس، بأدب وسكون. وهمَسَ: الصبيان مكملّين وحبابين، و گلبي رف عليهم زايد. شنهو القضية؟! أهلهم أطياب وهم حبابين وميدِبين -مؤدبين-.
ودارت أحاديث بين الجلوس. تعارفوا أولاً. وقال أحد الرجال الذين رحبوا بالضيوف، بعد تكرار الترحيب:
- الحجية اخبرتنه، اَنه عدهه ضيوف، وطلبت حضورنه لمساعدة ابو جابر .. –وأشار إلى الشخص الذي احتضن الطفل الصغير- ابن الحجية. الحجية اُم المحلة، رَبّت الجبير والزغير، ونحب نتعرف بيكم ونتشرف!
- داعيكم؟ حاج سعد الطريفي، والأخ هاتف السالم، وعبد العلوان، ودرع الشمري ...
وأعلن كبير الضيوف اعتزازهم بهم جميعاً وقدم نفسه ورفيقه ...
- داعيكم حَمَد آل دبعون، وأخوتي –وأشار إليهم- سعدون ومرعب!
ثم أستمر يتحدث، بينما بدا على جابر إنفعال غير بغيض ولكنه ردّ إنفعاله.
وذكر حمد أنهم كانوا قبل هذا ينزلون عند أحد المومنين -المعممين- ولكنه ذهب إلى رحمة الله، وليس له عقب. وأنهم حاولوا أن يجدوا مأوىً بالأجرة، فما وجدوا لكثرة الزوار، والله أتحفهم بالحاجة، عرضت عليهم المساعدة!
قال أحدهم: الله يعلم بالگلوب، شو آنه حسيت بگلبي يدِﮒ  وتراوالي ماهي غريبة!
ورفع الضيوف أيديهم بالدعاء، ليوفقهم ويردوا حقّ هذا الكرم.
قال الثاني: ما كو عجب، ذوله اولاد علي. والنعم!
في هذه الأثناء تنحنحت الحاجة، وهي تصعد إليهم.
دخلت الغرفة وهي تردد كلمات الترحيب. وكررت الترحيب ثانية، وقالت:
- زيارتكم مقبولة، وانتو ضيوف ابو الحسنين. وما دعيتكم تياه إلي عِرف، انشاء الله يبين. أطلب منكم طلبه، ولا تردون طلبي!
- رواحنه جدّامج حجية، احنه بخدمتج!. قال هذا حَمَد.
فقالت الحاجة: طِلبتي سهلة ويسيرة، ما هي صعبة! أريد سالفه، يسولفه واحد منكم، وشهوده بيهه!
قال حَمَد: سالفه؟ يا مَكثر السوالف. تدَلللي ...
قالت الحاجة: أريد سالفة حك، جارية لواحد منكم، لو تعرفونه، وباجيه (باقية) سرّ ما منذجر!
وراح حمد يقص عليهم، وقد بدا عليه حرج شديد، وأضطرب صوته:
- سنه من السنين يا ولاد علي، جَره بين واحد من اخوتنه وواحد من عشيره ثانيه. أخونه توازه. وگولة اليگول، الشيطان ما مات، يوازي ابن آدم ويورطه ... هاي صايره جثير. والمسألة توسعت لو مايداركوه أهل العگل وانحلت بفصل حرمه[8] ومال ... ورضينه. الله سبحانه يگول –الصلح خير-! عِدنه أخيتنه وِحيده، نعزهَ جثير، جانت اهي اللازمه البيت، ومدَبرَه الضيف! ايه، قسمَتهَ، صارت هي الفصل! ووياهَه حلال. وسواني[9] العرب اشكال، لمن ولدت وِلد، وصار عمره أربع سنين، عادت إلنه مطلگه[10] والولد ظل عد اَهلَه. هاي عادتهم. ايه قسمته من رَبهَ، بعد العز صارت ذليله، توِن على وليدهَ. وبعد سنه، تغامزن النسوان، تِهْمَنْهَه حامل!. وانتشرت الحجاية. يجوز الحجاية صحيحه، ويجوز تهيمه من نسوان؟ الله العالم. لـﭽن ما يمكن نسكت. وانتشرت وما يمكن نسكت. صار الراي نخلص عليهَه. جينه للنجف. وبده الحفار يحفر  گبر (قبر) لـَﭽنه حَسّ بالأمر، و گال وين الجنازة؟ گتله انتَ عليك الحفر وبس! گال، لا. تمام أنتو ولاد عشيره، لاﭽن أنتو مسلمين لا تخلون برگابكم خطيه، أترووا يا خوان! اقسم عليكم بحق مظلوم كربلا.
وهنا أضطرب صوت حمد، واختنق بعبرته. وواصل حديثه، اي يخوان. بذيج الساعة، شبحت عيني بذيج الظلمه، وتراوت لي جهنم. شلون أخش بخطيه وآنه مالازم الذنِب؟. گلت للحفار –النار ولا العار- اختنه هاي متهومه حامل، بذيج الساعه نحِبَتْ و گالت للحفار، آنه ببختك، آنه بريه وعرضي أبيض ... الحفار گال، عليكم هذا ابو الحسنين أنتظروني لا تستعجلون ورجع وياه حرمه. خَمتَّه (فحصته) زين، وتوجدت تمام، جدام عيونه و گالت: اقسم بالله انَ البت بريئة ونظيفة، وآنَه أقدّر اَنهه جانت حامل گبل خمس سنين؟ وسألت: هي جانت متزوجه؟ گلنه: إي وعدهَه ولد. لاجن أحـﭽاية طلعت وما يمكن نحمل عار.
القابلة ردت عليهم: أنتو تسرعتوا لو منتظرين عند أهلكم ﭽان بين كل شي. ﭽان خليتوه لعيون الناس. منهو يحط ببخته واهو يشوف بعيونه، هاي قضية ما تنظم وما تگدر الناس تظلم بخته.
وهَسَّه، انطونياهه وخلصوا رگابكم من جهنم!
گال حمد: احنه رجعنه وشيعنه خبر دَفِنْهَه.
وبُهت الجميع حين أعلنت أم كامل وهي باكية، وقالت:
- لا ياناس، هذي سالفه صحيحه، شهوده عندي، أطوني حظ وبخت ومِدّوا لي أيدكم وخلصوا رواحكم من عذاب الله.
وصاحت، يبني كامل، ها الزلم خوال ولدَك!
وتصافح الضيوف مع كامل ... وبدا العجب على وجوه الحاضرين، لكنهم بابتهاج وسرور باركوا كامل وأخوال أبنائه. وتم عناق وقبل ولقاء أيدٍ ترتعش، وعيون دامعة. وأحتضن الأخوال صغار أختهم. وأجهشت شمامة بالبكاء.
للمربي الراحل علي محمد الشبيبي
كربلاء 01/12/1966 
الناشر: محمد علي الشبيبي
الهوامش
*- ترك والدي طيب الله ثراه من بين مخطوطاته مجموعة من القصص القصيرة،  آملا أن تسعفني الظروف لمراجعتها ونشرها تباعا، على أمل أن أتمكن من طبعها في مجموعة قصصية. وهذه القصة من ضمن إحدى مجموعته القصصية التي خصها بعنوان "السر الرهيب" لأن معظمها يشترك بسر ما./ الناشر محمد علي الشبيبي
1- في نواحي وقرى محافظة الناصرية تكثر قباب وأضرحة لا يعلم أحد عن أصل وجودها وحقيقتها لكنها عندهم –رجالاً ونساءً- مقدسة محترمة، يعيش على ما يردها عوائل، يسمونهم "الگوام" أي القائمون بسدانتها وخدمتها. الخضر، وهو أسطورة معروفة بانه مايزال حياً. وأبو عجلة، عنه أساطير -لا أعرفها-، أما الشريف فيقولون، أنه عمر ابن علي ابن ابي طالب، صاحب أباه لحرب فتنة البصرة ومات بين الناصرية وسوق الشيوخ.
2- الشعلة، مجموعة نباتات برية تتلى عليها تعويذات من قبل المشعوذين أو المشعوذات، من أجل أن تجد المهجورة المَحَبَة عند الزوج.
3- غَرمن: رغماً بلهجة بعض الريفيين!
4- أي يطرق رأسه إلى الأرض فهو لا يقوى على النظر إلى الناس للخزي الذي لحقه.
5- أنهم يعتقدون انها ستؤجر لهم غرفة في منزلها؟
6- تقصد خدم الروضة الحيدرية. فهم أيضاً لديهم بيوت يؤجرون فيها غرفاً، أو كلّ البيت للزوار.
7- هي من صنع حيكة في النجف وغير النجف، لكنها عادية جداً لا تشبه السجاد الأيراني.
8- لكل قبيلة أو عشيرة في مثل هذه الحال فرض مشهور لا ينكره عليهم، ويسمونه –فصل- مقابل لكلمة  -دِية- الشرعية
9- سواني: أي عادات وقواعد هي كالشريعة عندهم، ويقرها الآخرون.
10- عندما تلد المرأة الفصل، ويبلغ طفلها سناً معينة يعيدونها إلى أهلها مطلقة. بعضهم وهذا نادر تبقى مقبولة.





2
الأكراد بين الطموح القومي وشهوة الفساد المالي والإداري والعشائري!
منذ قررت حكومة الاقليم إجراء الاستفتاء والرغبة في الانفصال انقسم الشعب العراقي بكل مكوناته وتوجهاته الى مؤيد ومعارض وما بينهما. ولاحظت كم ارتفعت شحنات التعصب القومي عند الجميع. وكثيرون -من كل الاطراف- ابتعدوا عما كانوا يتغنون به في الماضي (هربجي كرد وعرب ...) وأصبح التعصب القومي المتشنج هو من يدير توجهاتهم وأفكارهم بحج مختلفة ومتباينة، حجج ومبررات تمسك بها كثيرون من كل الاطراف ولكن تمسك بعض المتشنجين بها ليس عن قناعة ورغبة في معالجة المشكلة وإنما هي كما يقال  (كلمة حق يراد بها باطل).
بعض الاصدقاء وبناء على تعليقات نشرتها في الفيس بوك أو من خلال المراسلات على الخاص او الهوتميل، طلب مني أن أبين وجهة نظري بالاستفتاء والانفصال -وانا أسميه حق تقرير المصير-! مع العلم أني وضحت ذلك من خلال تعليقاتي ولكن البعض ربما يطلب إيضاحا أكثر أو أن بعض تغريداتي أو ما أرسله من مقالات تتناول المشكلة لا تعجبه أو تزعجه. كما أني وجدت أن التعصب القومي -عند الجميع- سبب لبعض الاصدقاء -الذين أعزهم وأحترمهم- غشاوة ولم يعودوا قادرين أن يستوعبوا أن اختلاف وجهات النظر بيننا -بالرغم من تشدقهم بالديمقراطية وبالحياة الاوربية- مسألة طبيعية!
هذه المشاعر المتأججة عند الجميع وما أثاره الاستفتاء والتصعيد من قبل الكثيرين ومن كلا الجبهتين (المؤيدة للانفصال والمعارضة له)، دفعتني لكتابة هذه السطور. وأقول هذا لمن يحاول المزايدة من كل الاطراف أنني تربيت على واقتنعت بمبدأ حق تقرير المصير للشعوب وطبعا من ضمنها الشعب الكردي. وعانيت مثلما عانى الكثيرون بسبب هذا الموقف، واعتقلت، وعذبت، وسجنت وفصلت من الدراسة وأنا في عمر الشباب (دون السابعة عشر!).
مازلت أتذكر ذلك اليوم من أيام شباط الاولى من عام 1962، حيث خرجت وأنا أحمل معي كتاب الأحياء للخامس العلمي من أجل المذاكرة، وقد أخفيت بين صفحاته عريضة تطالب رئيس الوزراء الشهيد عبد الكريم قاسم بالحل السلمي للمشكلة الكردية، إضافة لبيان للحزب الشيوعي أيضا يتناول هذا الموضوع. كنت أحلم في أن أجمع أكثر عددا من التواقيع من المؤيدين للحل السلمي، وفعلا لقد تجاوز عدد الموقعين في عريضتي أكثر من مئة أسم .... ويظهر أن نشاطي هذا -الغير حذر- قد وصل الى الجهات الأمنية. وعند خروجي من البيت وابتعادي لمسافة دقائق وإذا بأحد شرطة الامن السري المدعو ناصر يستوقفني ويصطحبني الى غرفة الرقيب العسكري في بريد كربلاء المركزي. وبعد التفتيش عثروا على العريضة والبيان وأخذت الى مركز أمن كربلاء، وفي المركز ولثلاثة أيام متتالية وفي كل ليلة منها تبدأ معي ولساعات حملات التهديد والوعيد والأساليب القذرة التي تعكس تدني أخلاق الأجهزة الأمنية، مع التعذيب الجسدي لمعرفة من نظم هذه الحملة ومن هم الموقعين! ثم توجوا اعتقالهم بتقديمي للمجلس العرفي العسكري الثاني وصدر حكما بحقي لستة اشهر قضيتها في سجن الكوت. ومن المفارقات (وهذا ما ذكرته في كتابي -ذكريات الزمن القاسي-) انني -وقبل يوم من محاكمتي- وكنت في مركز شرطة السراي في بغداد، سألني أحد الموقوفين الأكراد -وكنت أصغر الموقوفين- ما هي قضيتي، فشرحت له ... وإذا به يغضب مني ويتهمني بمعادات الاكراد وأني لا أختلف عن دور الجيش في إبادة الأكراد وغيرها من اتهامات باطلة ... وبادر بعض الموقفين الى إسكاته وأبعاده عني ... ثم عرفت أنه قومي كردي من أنصار الزعيم البرزاني وناشط طلابي .... هذا القومي المتشنج لم يقدر موقفي وتضحيتي في الدفاع عن قضيته بالطريقة التي أؤمن بها ووضعني في مصاف أعدائه ... لقد سردت هذه الحادثة كي أقول للمتعصبين من القوميين الاكراد انني مثل الالاف وقفنا الى جانب نضالكم العادل وقدمنا التضحيات ولم تعوقنا بعض المواقف المتشنجة بسبب ضيق الأفق القومي التي وصلت الى تصفية رفاقنا. لا بل بقينا نؤمن بحقوق الاكراد وكل القوميات بالرغم مما أقدمت عليه أحزابكم وقياداتكم في تصفيات رفاقا مناضلين تركوا عوائلهم وحملوا السلاح لمحاربة الدكتاتورية ولكنهم تعرضوا للأسف لمذابح دموية من الشوفينيين الأكراد (كما حدث لعودة كوادر الحزب، أو في مجزرة بشت ىشان وغيرها من معارك). لم يكن بودي إثارة هذه المواجع لولا تجني البعض في مراسلاته وسوء فهمه لمواقفي.
بعد هذا الاستعراض لابد من التأكيد على أنني مع حق تقرير مصير الشعوب ومن ضمنها الشعب الكردي. ولكن وهذا ما أعتقده، وقد يوافقني كثيرون. فبعد السقوط تشكل مجلس الحكم، وكتب الدستور بمشاركة فعالة من القوميين الاكراد (الاتحاد الوطني الكردستاني، والديمقراطي الكردستاني)، وأجريت الانتخابات وتشكل مجلس النواب والحكومة .... كل هذا التوافق حصل بمساهمة فعالة وناشطة وقبول من قبل الاكراد متمثلين بالحزبين الكبيرين وأحزاب أخرى، وهذا لا يعني عدم حدوث خلافات واعتراضات من هذا الطرف أو ذاك. المهم شارك الاكراد عن طريق ممثليهم في السلطة التشريعية وفي السلطة التنفيذية وفي معظم الهيئات بمراكز قيادية ومتنفذة. ولكن ما الذي حدث خلال 14 عاما، أن الشعب عربه وأكراده عانى من حكومات فاسدة، فشلت في: خلق روح المواطنة وسيادة القانون، وبناء مؤسسات الدولة، وجعلت ثروات الشعب (النفط، العقارات، الاستثمارات، وحتى الوظائف ...) ملك صرف لأحزاب وكتل فاسدة -عربية وكردية-، وهيمنت على مقدرات الشعب برضى أمريكي! وهذه الكتل والأحزاب -عربية ام كردية- تصرفت بالعراق وكأنه ملك صرف لها ... فعم الخراب الاجتماعي والاخلاقي والجهل والمرض وأصبح العراق من جنوبه لشماله تتحكم به عوائل ومليشيات وعقلية عشائرية متخلفة، ولم يعد للقانون والقضاء اية حرمة ... إن المسؤول عن إيصال العراق الى هذه الهاوية من الخراب والتردي هم الامريكان بالدرجة الاولى -ولنترك نظام صدام ودوره في تهيئة الاجواء للحرب وتبعاتها فهذا لا يقبل النقاش-. وثانيا من أستلم الحكم "مجلس الحكم" ومن تلاه من قيادات وأحزاب حاكمة ولغاية اليوم. ولكننا كلنا نعرف وكما ذكرت قبل سطور الدور المهم والفاعل للأكراد في قيادة الدولة وهم لا تقل مسؤوليتهم وخيانتهم عن هذا التردي، نعم إنها خيانة وطنية ...! أنا من وجهة نظري أرى أن ما حدث للعراق خيانة وطنية -مباشرة أو غير مباشرة بوعي أو بدون وعي- وحنث باليمين من قبل الجميع من الذين تسلموا قيادات الدولة وخاصة (رؤساء الوزارات ونوابهم، رؤساء الجمهوريات ونوابهم، ومجلس النواب بجميع دوراته) مع الأخذ بالاعتبار الدور الدستوري لكل طرف وما هي مسؤوليته. بعد كل هذا التردي والخراب في الوطن والمجتمع وهم (الأكراد) جزء رئيسي في إدارة دفة الحكم لا يجوز لهم اليوم -التخلي عن هذا العقد الاجتماعي الذي أشرف عليه الامريكان واستمر لليوم- أن يفكروا بترك العراق في هذه المحن للانفصال والتفكير فقط بمطامحهم القومية! ثم أية مطامح قومية؟ للأسف -وكما هو حاصل في العراق وتأثر البسطاء بالطرح المذهبي- فأن الطرح القومي وجد قبولا واسعا في صفوف أبناء الشعب الكردي. ولكن لنسأل أي كردي ما الذي قدمته له حكومته وقياداته خلال الاعوام منذ إقرار الفدرالية. كل ما حصل عليه الشعب الكردي عبارة عن صراعات دموية بين عوائل كردية تتنافس على إدارة الدولة ومؤسساتها حتى وصلت حد التحارب، عوائل تسيطر على واردات الاقليم، إغتناء هذه العوائل على حساب الشعب، فقر منتشر مقابل مليارات نهبت، رواتب متوقفة بالرغم من تصدير النفط بطريقة مخالفة، رئيس للإقليم مخالف للدستور، ومجلس نواب تم تجميده لحين الضرورات، وقمع للمعارضين -الخطرين-! فهل يعقل بعد كل هذا أن يعتقد الشعب الكردي وكادحيه بأن هؤلاء الساسة سيحققون مطامحه القومية!؟ ألا يشاهدوا ويعيشوا انعدام الخدمات لشعبهم وهذا الافقار ... ربما بعض القيادات الكردية ترى في اسرائيل مثلا جيدا لهم، وتحاول إقناع السذج من شعبهم أنهم يقتدون بالنموذج الصهيوني -إسرائيل- في بناء الدولة الكردية القادمة ... ولكن نسوا الساسة الاكراد أن الصهاينة الذين تسلموا دولة اسرائيل لم يقوموا بنهب الشعب الاسرائلي، ولم يتصارعوا كعوائل لتقاسم ثروات البلد، ولم يشتروا الفنادق والقصور في أوربا، ولم يهربوا الاموال المسروقة للبنوك في اوربا بحساباتهم! بل عمل هؤلاء الصهاينة بتكاتف وإخلاص لقيمهم الصهيونية وتنافسوا بشرف فيما بينهم من أجل قيادة الدولة الفتية وبناء إسرائيل  ... أما أنتم فقد فعلتم العكس كما أشرت ... فبعقليتكم هذه وبنفوسكم الضعيفة لا ولن تبنوا دولة قوية!
نعم أنا مع حق تقرير المصير -بما فيه الانفصال- ولكن بعد اكمال المسيرة كما بدأتموها بعد السقوط لقيادة دفة العراق، على الأقل لإعادة مؤسساته وعافيته والتحقيق بقضايا الفساد وتبذير الاموال، والتخلص من فلول داعش وغيرها من منظمات ارهابية، والتحقيق الجدي في سقوط الموصل ومحاسبة الخونة والمتخاذلين والمتعاونين مع الدواعش ... والاتفاق على تحديد الحدود الادارية للمناطق المتنازع عليها بالاعتماد على لجان ذات خبرة علمية محايدة، وإعادة المناطق المتنازع عليها لتكون تحت سيطرت الدولة المركزية، والالتزام بالدستور وحل الخلافات الغامضة فيه عن طريق المحكمة الاتحادية. لذلك كثيرون من قال -وانا منهم- أن الاستفتاء لم يحن وقته وتقرر في وقت وظرف حرج وغير مناسب كان الاكراد مسؤولين عن هذا الظرف مثل شركائهم!
للأسف أن المسؤولين الأكراد وهم يتحدثون عن حسن نواياهم لكنهم مارسوا سياسة لا تنم عن حسن النوايا .... فمنذ سقوط الموصل تصرفوا وكأنهم دولة مستقلة فاحتلوا بعض المناطق التي لا تخضع لهم وأعلنوا انهم لن يسلموها للسلطة الاتحادية، وعززوا تواجد البيشمركة فيها ... ولا أريد التحدث عما يشاع من محاولات تهجير وتغيير في التركيبة السكانية فهذا أتركه الى لجان خاصة للتحقق من صحته ... بالمقابل فأن بعض السياسيين العراقيين (القومين او اسلاميين وحتى تركمان) من جانبهم قابلوا هذا التصعيد بتصعيد من خلال الاعتماد على دول الجور أو التهديد بإقحام الحشد لفض الخلافات والتجاوزات ... وللأسف أن البعض أستغل مناسبة عاشوراء لتهييج الجماهير وشحنها بالكراهية والبغضاء دون أن يقدر ما يجره هذا الشحن من مآسي وكوارث لا تصيب إلا الفقراء.
لذلك أدعو شعبنا للوقوف بوجه التشنجات القومية من كل الاطراف والتي راح بعضها يدق طبول الحرب وكأن ما قدمه شعبنا من ملايين الضحايا والشهداء خلال عقود في حروب عبثية -مع الجيران او مع الاكراد- وإرهاب غير كاف لإشباع رغبات تجار المشاعر القومية المتعصبة او المذهبية المتخلفة ... لا تنجروا وراء الشعارات التي تحرك عواطفكم بعيدا عن العقل والمصلحة العامة. إن وقود أي حرب هم الفقراء والبسطاء أما الساسة الكبار وحواشيهم فمهمتم تنحصر في تحقيق المكاسب!

محمد علي الشبيبي
السويد/ كربلاء 05/10/2017         

3
المنبر الحر / السر الرهيب
« في: 20:36 03/10/2017  »
السر الرهيب
للمربي الراحل علي محمد الشبيبي*
(1913-1997)



-1-
كان الجو صحواً إلا من غيوم متناثرة. وتبدو في الحي حركة غير عادية، وفي مرح صاخب، يتنقل بعض القرويين بين قصر شيخ العشيرة والأكواخ المنتشرة هنا وهناك.
وتحت ظلال بعض الأشجار على ضفاف النهر الذي يشق القرية إلى نصفين، جلس بعض الضيوف من مختلف مدن اللواء (المحافظة)، يرافقهم بعض القرويين، يتحدثون معهم بسذاجة عن جمال قريتهم، وعن تعلقهم بزعيم قريتهم "الشيخ موزان" ولا يذكرون شيئاً عن متاعبهم، ومدى ما يعانون من استغلال.
لا يذكرون إلا مكانة الشيخ في الدولة. فهو نائب في مجلس النواب تارة، وفي مجلس الأعيان أخرى. وعن كلمته النافذة عِند الباشا "نوري السعيد" وعند الأمير المعظم "عبد الإله"، أو عن امتداد رقعة الأراضي التي يمتلكها. لكن السامع يُحِس في ذات الوقت ببرودة اللهجة في الحديث، وكأن الفاظهم تخرج من أفواه أشباح باهتة. هم يتحدثون عما تدره أراضي الشيخ من حاصل وفير. وانك لتلمح في عيونهم أثر الحسرة التي تتردد بين الصدر والبلعوم.
كان الوقت منتصف كانون الأول، وقد تعرَّت بعض الأشجار من أوراقها، فبدت كأشباح بائسة، تترقب محناً وعذاباً. وكانت الغربان تحط عليها، فيرميها الصغار بالحجارة، فتطير، ولأجنحتها حفيف جميل، ويرتسم من سربها ظلّ جميل كأنه غيمة طائرة. وفي النهر الصغير يسبح الأوز، والبط، وهو يرسل أصواتاً كأنها أنغام موسيقى. تثير في النفس نشوة وانشراحاً.
كان يبدو عن بعد نفر من القرويين قد حسروا عن رؤوسهم فتدلت شعورهم السوداء جدائل مبرومة، وراحوا يهزجون، بأغانيهم الريفية، بدأوها بالأبوذية[1] ووشحوها بـ (البستة) فصاح بهم واحد من بعيد:
- أي، اخوتي، ايه النشامة، يستاهل "أبو مجيد" هذا يومكم! افرحوا بفرحته! اُهو شرفكم، اُهو ذخركم!
ومال أحد القرويين على أحد الضيوف، وهمس في أذنه:
- ﭼلب ابن ﭼلب (كلب) هذا التسمعه. تراه من عدوان الشيخ، إلا الخوف يخليه يتملـﮓ (يتملق)! يخوي ابساعات يـﮕـعد ويَّ الفلح يحـﭼـي حـﭼـي شَـﮕلك عنه؟ ... يسمي الشيوخ أﮔطاعيين، ويگول: يجي اليوم اللي يَغَدون اخس من حال الـﭼلب الأجرب!
وقطع هنا كلامه، وانتصب واقفاً. فقد جاء جماعة من الضيوف، أستقبلهم بعض أبناء الشيوخ. وقرب كوخ يدل مظهره على خَبَل ساكنه، هَرّ كلبان عليهم بضراوة، فصاح أحد المستَقْبلين:
- ولـﭻ "عوبه" أشتعل جدّج ماتطلعين تردين ﭼـلابـﭻ، ياﭼلبه يابِت الـﭼلب!
ومال آخر، وهمس في سمع أحد الضيوف:
- ذاك "راهي" اخو عروس الشيخ. وعقَّبَ كلامه بزفرة وأرسل –بعد كلمته هذه- زفرة حادة. وحوّل نظره إلى جهة النهر المقابلة. وقد جلس عليها زمرة من الشباب، على كراسي من جريد النخل، ثم قال لذلك الضيف:
- شوف ... ذاك المعلم "هادي" وصديجه المعلم "عبد" وياهم من جماعتهم المعزومين مثلك ... إنتَ ماتعرِفهُم؟
ردَّ عليه الضيف: منو هادي؟ لا والله آنه مامسبوق بي.
صاح أحدهم بهذا المتطفل: مالك يخوي اتهذي؟ اشعليك بالناس!
فابتسم صاحبه أبتسامة خجل من هذا الزجر، ولكنه أردف: يخوي يمنعثر. تدري اليوم تَرخِصو من هادي وطلبوا كوخه. يخَلّون بيه التمن والمواعين!
فردَّ عليه منعثر: يخايب ما تبطل من هالحـﭼـي المابي فود.
فغاضه كلام منعثر، ومضى في ثرثرته، وهو ينظر حيث يقف راهي والضيوف. وخرجت "عوبه" تنهر كلابها. فعاود الثرثار كلامه. وقال: لَوَن هادي وَياهم مانبحت عليهم ﭼـلاب "عوبه"!
فحدجه منعثر بنظرة حادة، ثم نهض ليفارقهم، وقد أحمرّت عيناه من الغيظ. لكن الضيف ألح عليه ملتمساً بقاءه، وهو يلوم المتحدث. فرد عليه منعثر:
- لا يخوي. هِدني التمسك. إنت ما تعَرِف "حدّاوي" لسانه مذر. ويجيب النَه الطلايب، بَلا حظ.
قال الضيف: و "عوبه" هذي شنهي؟
ردّ عليه منعثر: عجوز فقيرة مخبولة. بس المفرَخَه[1] كل يوم يگضون وياهه التوبه. يحاربون كلابها بالحجار، ويرمون دجاجهه ويكسرون رجليهه! وتظل تلبح وتشتم اهلهم وموتاهم لَمَن تغدي وينيده. وكل يوم على هالرنه. 
أجاب حداوي: ماهي مخبوله؟ وعلي. أعگل (أعقل) مني ومنك!
وتأزم الموقف من جديد بين منعثر وحداوي لولا أن مرّ "سيد عوده[3]" وخلفه من صبية الحي عدد كبير يمشون خلفه مشية المؤدب، والخوف مرسوم على وجوههم! انه كما يعلمون من آبائهم –من أبناء الرسول- وربما كان ولياً من أولياء الله! وان بدا مظهره كمخبول، بملابسه الرثة القذرة، وعلى كتفه مخلاة، لا يدري أحد ما فيها. وبيده اليمنى علم أخضر، في أعلاه أجراس!
ناداه أحدهم، ليغير الجو المتوتر:
- سيد عوده، بجدك وَجِف، آنه الليله بخدمتك! مواعين الحلاوة، والدجاج، والتمن المزعفر جِدامك! بَسْ كون اتسَمعنه من هوساتك!
هَزَ سيد عوده علمه، وأخذ يدبك فيثير غباراً هائلاً "موزان. ماكو غير الله وغيرك!"
وضج الحاضرون والصبية بالضحك. ذلك لأنه يلفظ حرف –الغين- مهملاً!
وأقبل من بعيد شاب أسمر رشيق القوام، حلو العينين وبأدب أشار إلى أخيه المضيّف "جياد" الذي كان خلال ذلك الوقت ملازماً الصمت، إلا من ابتسامات متزنة. وتلك سمة لشباب القرية المرموقين، الذين تعقد عليهم الآمال، في تحمل أعباء العشيرة، والمسؤوليات تجاه رئيس العشيرة.
نهض جياد وقال بهدوء:
- يا الله يا جماعة. اتفضلوا عاد -للربعة- حَلْ وكت الغِدَه.
نهض الجميع يتقدمهم جياد والضيف. ولوحظ أن جميع الضيوف الذين حضروا قبل موعد الوليمة الخاصة قد تأهبوا مع مضيفهم لتناول الغداء، والاستجمام خلال فترة الظهيرة.
وفي أثناء سيرهم صاح حداوي على عادته في الثرثرة: هاه، شوفو ابو الويو، شوفو المومن شيخ كاظم ﭼنه خضيري يتگلّب "يتقلب" متوجه لمضيف الشيوخ. هسه يضرب الگوانص والحواسات. شمدريكم ما يلفلف دجاجه عَدله؟
ولكي لا يفسح الآخرون له بثرثرته، لم يرد عليه أحد. أنه مع ما يتصف به من ثرثرة وجهالة لذو قلب طيب، وشعور رقيق تجاه عواطف الناس ومشاكلهم، وهذا ما يجعله كثير التعرض لذكر المعلم –هادي- لذلك ألتفت يميناً حيث كان –هادي- وصاحبه –عبد- وضيفهم المعلم –حسن- وراح يثرثر.
- خطيه هادي، اشوفن وجهه اليوم مِكسف، ويمشي تايه!
لكن الجماعة وصلوا "الربعة" فقطع حداوي ثرثرته.
*                                                  *                                                  *                                                  *
-2-
حقاً إن هادي حزين هذا اليوم، ويكاد لسانه ينفلت بما يجّن قلبه، رغم ما يعلم من خطر على حياته، إن بدرت منه كلمة تكشف الستار عن مكنون سرّه. بعض الخيوط لدى محبيه، وإنهم يقدرون مدى الخطر الذي يتهدد حياته لو نَمَّ عنه نمام، أو سعى ضده واشي.
"عبد" صديقه الصدوق، لم يفارقه هذا اليوم لحظةً. فهو نهب تيارين يعصفان به عصفاً، رغم ما يبديه من جلد بين الإعياء الذي كساه مظهراً مدهشاً من الصفرة والهزال، وبين الهياج الذي لاح كالشرر في عينيه ونبرات صوته.
منذ ثلاثة أيام اتصلت به "رويحه" وصيفة فخرية ومربيتها التي تتهالك من أجلها. ولقد أخبرته بجميع ما ألَّم بها، خلال إقامتها في بغداد، حين سافرت مع ابن خالها الشيخ "موزان" حيث كان مقرراً أن يتم الزواج وشهر العسل. ذكرت له إمتناع "فخرية" على ابن خالها وتوسله لإغرائها بما قدم لها من مال ومجوهرات، وأثاث فاخر، في قصر شامخ يضاهي قصور الملوك، تحيط به حديقة غاية في الجمال، وقد فشلت كل محاولاته، فعمد إلى الوعد والوعيد والتهديد.
كالَ لها التهم الشنيعة، أستفزّها بها عَلّها تفصح عن مكنون سرها. قال لها أخيراً: انه يعلم إنها تحب ولابد أن يُريها عاقبة خروجها على سُنة العائلة، وتلويث شرفها! إنه سيدفنها حية بعد أن يحرق من تحب أمام عينيها.
هادي يعرف جيداً ما تتمتع به فخرية من كياسة ورباطة جأش، واهتمام بليغ بسرها. كذلك حافظ هو على قصة حبه، إلى حد بعيد. غير أن لحديث الحب عطراً ينم، فلا تحول دونه أختام القوارير مهما اُحكمت. ولقد نمَّ حب هادي-وفخرية، فتنشق عبيره عبد بحكم صداقته ورويحه وصيفة فخرية، و عوبه التي إتُخذَ كوخها الحقير خير مأمن للقاء الحبيبين.
هذا الكوخ المشيد من الطين والأخشاب المستهلكة، والحصر البالية، والصفائح الصدئة، والمسور بسور هائل من الأحطاب والأشواك. تحيط به أشجار صفصاف عالية تشابكت فروعها تشابكاً غير مبهج لعدم العناية بها.
ولا يعيش مع عوبه في هذا الكوخ غير كلبين، عودتهما أن يعترضا سبيل المارة بنباح، وهرير مخيف. ولها دجاجات وإوزات. وطالما غزاها صبية الحي فتقعد لهم على الطريق شاتمة آبائهم، وأمهاتهم، بكل لفظ غريب، وشتيمة فاحشة، دون أن تتهم أحداً بعينه، أو تشخص الخاطف.
وطالما تجمع الصبية حول كوخها يرددون أنشودة صبيانية يثيرونها بها، فتقذف بالألفاظ البذيئة أعراضهم فيقذفونها بالحجارة. ولا تنتهي هذه الملاحاة، حتى يمر أحد رجال القرية. لكن أكثر الذين يهبون لنجدتها هو حَدّاوي. ولهذا أنعقدت صلة وثيقة بينه وبينها. تدفعه إلى زيارتها عند العصر أحياناً، وفي ليالي الشتاء أحياناً.
ولاكت الألسن حداوي في الغيب. لأن عوبه يُعتقَد أن لديها مال وفير. ويقال: أنها تدفنه بأرض الكوخ، وإن حداوي لا يزورها قربة إلى الله، إنما ليهتدي إلى مخبأ المال. لكن هذا غير ممكن، لأن عوبه لا تفارق كوخها.
هي لا تريد أحداً ولا تسافر لأي مكان، إنها كالذئب في حراسة كوخها. حتى بيض دجاجها لا تقصد مكاناً لبيعه. الناس يقصدون بيتها لشرائه، لأنها تبيع بسعر أقل من غيرها!
وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة، قصد حداوي كوخ عوبه لزيارتها، وفوجئ بما أدهشه وأذهله. فغر فاه، وبُهِت، حتى كأن قدميه قد ثُبّتا بمسامير إلى الأرض. لقد سمع من يتحدث بحذر وتحفظ وكأن الأحاديث تجري همساً.
أبتلع ريقه، وذكر أسم الله، وناداها، فخرجت إليه، وتلطَّفت أن لا يزورها الليلة. أثار هذا فضوله. إنّ هذا أمر عجب. حاول أن يقنعها لتسمح له بالدخول، فهمست إليه: تعال باكر وآنه أ گلك ليش!
وعاد حداوي وفي خياله شكوك، تقلق باله.
وفي اليوم الثاني أسَرّت إليه بكل ما لديها من أمر هادي وفخرية. كانت عوبه تتحدث إليه، وهي تكاد تختنق بعبرتها ودموعها وكأن هذه العجوز التي هي إلى الوحش أقرب منها إلى الأنسان تحمل بين جنبيها قلباً يفيض بالحنان، وشعوراً أسمى من شعور ذوي العقل والرشد. وأوصت –حداوي- أن يكتم ما علم منها. لكن حداوي هو الآخر، شعر كأنه قد حمل حملاً كبيراً وخطيراً أيضاً على حياته إن هو فرط بكلمة واحدة. أدار ظهره ليعود، لكن عينيه أنهمرتا بدموع خرساء، فحجبت عنه الطريق!
هو لم يجرب الحب، لم يعرف معناه، على أنه قد سمع كثيراً من الحكايات، عن محبين ماتوا حزناً وكمداً. لكنه كان يسميها –سوالف-.
وأسر بما علم إلى منعثر، وأخيه جياد بالسر الرهيب! لكنهما حذراه بان مصير الجميع الموت إن فرط بحرف واحد.
وتكررت زيارات حداوي إلى عوبه وهي تُسِر إليه بكل ماجريات اللقاء ...
*                                                  *                                                  *                                                  *
-3-
حَلّ العصر الأخير، فتتابعت أصوات أبواق السيارات، واشتعلت في القصر أضواء مصابيح الكهرباء، المعلقة على أعمدة خشبية. لقد نصبت لأول مرة ولهذه المناسبة، وعلى شارع يمتد من أول الطريق، ماراً بموقع الطباخين، وإلى طول طريق الوافدين. وارتفعت أهازيج الشباب، يدبكون ويغنون. وانتظمت داخل القصر الأرائك الفخمة.
قدم المتصرف (المحافظ)[4]، لقد لبّى الدعوة، مع ما بينه وبين موزان. لأن موزان من جماعة الباشا (نوري السعيد)، وهذا من أضداده، وقد ناصر العشيرة التي يؤيدها –صالح جبر- وهذه ضد عشيرة موزان. هذا المتصرف يكره موزان كرهاً شديداً، بسبب ما يثيره من مشاكل، وحوادث قتل، ودعاوى يثيرها ضد العشائر الأخرى في هذا اللواء، مما يعرقل المشاريع التي ينوي تنفيذها لصالح الجميع. وسبق لهذا المتصرف أن أشغل وظيفة قائم مقام في القضاء قبل سنين، ونقل مغضوباً عليه بسبب شغب –موزان- ضده! أنه رجل كيس، وأيضاً جريء، ينحاز إلى جانب الحق، صريحاً لا يداهن ولا يجامل، ولا يخاف.
بعض الشيوخ الصغار، ومن يؤيدهم من السراكيل، إتخذوا مجلسهم في جهة ضمّت –المعارضة- من ينظر إلى تجمعهم يحسب أن هذا تجاور مقصود. والواقع عكس ذلك، إنه طبيعي، مادام المرء يعمل بموجب المثل –شبيه الشيء منجذب إليه- ولعل المثل الشعبي  أيضاً له مكان في جوانح هؤلاء. المثل يقول "طاح الحديد على الحديد وصاح رِن!"
عجت القرية بالوافدين المدعوين، وهم في نشوة وانشراح. جو القرية هذه رائع. وتسمع عن بعد أصوات بأغاني الريف الشجية. وأنسام عطرة تمسح وجوه المدعوين.  لقد جلسوا حلقات حول موائد تظلها شجيرات وهم يتجاذبون الأحاديث والطُرف.
أما أركان حديقة القصر فقد أحتلها أكابر المدعوين. وقرب مجلس المتصرف جلس الشيخ كاظم، برز مكانه بعمته البيضاء الكبيرة، وجبته العريضة الأردان والأكمام، ولحيته السوداء. أول ما أثار جدل الذين لم يكن لديهم حديث، فتجادلوا: أهي صبغة، أم ما يزال الشيخ كهلاً؟
قال أحدهم، منكتاً – دعوا هذا الجدل الفارغ. أنظروا انَ عمته اليوم أكثر انتظاماً. قال الآخر: يبدو إن محراب الصلاة لا يستحق عند الشيخ المظهر الجميل الوقور!. قال آخر: دعونا من هذا، لاحظوا الخواتم التي في يده إنها ثلاثة، من ياقوت وعقيق وفيروزج!. قال ثالث: لكن ما باله يبدو كئيباً، مع أنه الآن يمسك بزمام الحديث! ويرسل النكات والطُرف!. فتهامس إثنان منهم، أحدهم أعلن، فاستاء زميله الذي أسَرّ إليه ما في رأسه من تأويل لسر كآبة الشيخ؟ قال: لا يبدو إن الشيخ هو الذي سيجري عقد القران؟
وغادر صاحبه مكانه والتحق بتجمع آخر، خشية أن يتسع الخرق على الراقع؟ ولاح شبح شاب قوي، يستعرض حلقات الضيوف المدعوين فناداه حداوي: محينه، محينه، منهو تريد؟
أجابه محينه: أبغي هادي، شو ماله ذِجر؟ من العصر جان إهنا، بعدهه مَحَد يدري بي وين! لا اُهو ولا عبد! وجماعته معَلمِيه ينشدون عَنَه!
ردّ عليه حداوي: سمعت إجا خُبَر بِعَجَل، اُمه مريضه ومخطوره! ويلي عليه!
وحانت الساعة الثامنة مساء، فاعلن أحد رجال الشيخ، إلى وجهاء المدعوين، وقادهم حيث أمتدت طاولة كبيرة في حديقة القصر وعليها أنواع الطعام. وكلما أنتهت جماعة تحولوا إلى طاولة ثانية حيث الفواكه والحلويات. وتقدمت جماعة أخرى إلى طاولة الطعام. والمكلفون بتنظيم مائدة الطعام، وما يتبعها، كلهم من المتخصصين بهذا، وقد جلبوا من بغداد لهذا القصد.
وبدأ دور عاديي المدعوين. بينما قدم الوجهاء تهانيهم وعادوا من حيث جاؤا. فانطلق الباقون من قيد الصمت والأدب، إلى الضحك وتبادل النكات والطُرف. وتعدت المسألة إلى أبعد من هذا، فقد شكل بعضهم حلقات علت منها أغاني الأبوذية تنساب إلى الآذان انسياب الماء في الساقية، يتهادى فيها فيثير المشاعر الحساسة، وبين عجيج أصوات السيارات، وأغاني المطربين، وحركة الخدم والمشرفين المسؤولين عن المائدة، وتوجيه سائر المدعوين كلٌ حسب مكانته إلى احدى الموائد.
هذه ساعة تشغل بال المدعوين الذين لم يأت دورهم، خصوصاً وإنهم من سائر جهات اللواء. ومسؤولية تصنيف الناس المدعوين حسب رتبهم الطبقية لابد منه عند مثل هؤلاء. ترافق الحركة المتواصلة، اهتمام آخرين بتوديع الذين يغادرون المكان إلى قراهم أو إلى المدن التي جاؤا منها. لم يبق إلا عاديوا الناس، بعضهم بل كثير منهم، يحضر بدون دعوة، فهو من أهل البلد، ومن أبناء العشيرة نفسها. لذلك أختلف الوضع فقد انطلقت أصوات بعضهم بالتعليقات، بل بالهمز واللمز، ونقد خفيف لأفراد يُعَدّون من الوجهاء، بينما هم ينطبق عليه المثل (ان سكت جدار وان نطق حمار) ومهما يكن من أمر، فانه ما يزال هنا من تقدم إلى المائدة وآخرون يغادرونها. وأبواق السيارات القادمة والمغادرة تعلو فوق كل الأصوات.
لكن أصواتاً انطلقت تختلف عن كل الأصوات، الكل ترك كل ما كان يشغله، طعام، أو حديث، أو مرح، أو غناء. ان الأصوات التي طغت أصوات نواح وعويل. وتدافع الناس نحو جهة لاحت لهم نارٌ تتأجج. صاح بعضهم: إنه حريق ...
آخر: أجل. وانتبهوا ... صوت سمعته، إن إنساناً أحترق بهذه النار. من هو؟
أجاب آخر: الجهة التي فيها النار هي ضمن بيوت الشيخ!
حثت الجموع أنفاسها تجاه المكان وقد بدا اللهب يخف بفعل جهود القريبه منه. ولكن ماذا حدث وكيف؟ وهل حدث لأحد أذىً؟ لكن العبد "ذهيب" وكان أول من ترك مسؤوليته وأندفع نحو اللهب كان يضرب بكلتا يديه على رأسه، وهو يصيح ...
- يا ناس أشتم ريحة ابن آدم بالنار.
فضاعف الناس جهدهم يزيلون النار من مكانها، ويرشونها بالماء لإطفائها. ذهيب أكثرهم حماساً، واهتماماً، وكان وهو يعمل يصيح ... يا رب.. أنت تدري. ﮔلبي نظيف ويشتم المصايب قبل ما تنزل. أمسك به أحدهم وهزه، وقال:
- ذهيب. الزم نفسك، ما انت وحدك، كلنه يذهيب، خَلهَ يَم الله. وأندفع ذهيب فوق الجمر الذي ما تزال ألسنته تتحرك وتعلو وتتلاشى. وفجأة صار ذهيب يصرخ:
- أويلا عليج فخريه!
وأنحنى على الجسد المحترق يمرغ خديه عليه، ويجأر إلى السماء: - ليش يا ربي؟ ليش؟!
لقد انقلب العرس مأتماً. والهلاهل نواحاً. وساد الحي وجوم، ولكن النظرات كانت معبرة تشير إلى مدبري الجريمة.
وصاح فلاح فقير: - انشلّت أيده السواهه ودَبَرهَ يفخريه، الله ياخذ بحگج يفخريه.
وبعبرة مَخنوقة صاح: الك يوم يا ظالم!
 
للمربي الراحل علي محمد الشبيبي
كربلاء – 25/06/1963
 
الناشر محمد علي الشبيبي
السويد/كربلاء 03/10/2017
 
 
الهامش:
*- ترك والدي طيب الله ثراه من بين مخطوطاته مجموعة من القصص القصيرة،  آملا أن تسعفني الظروف لمراجعتها ونشرها تباعا، على أمل أن أتمكن من طبعها في مجموعة قصصية. وهذه القصة من ضمن إحدى مجموعته القصصية التي خصها بعنوان "السر الرهيب" لأن معظمها يشترك بسر ما./ الناشر محمد علي الشبيبي
1- الأبوذية من الشعر الغنائي العراقي الرائع. في كثير منه معاني شعرية عميقة، وقد كتب عنها كثير من المعنيين بالشعر العامي الشعبي وأنواعه. والبستة هي غناء معروف، يغنى منفرداً أو بعد أغنية "الأبوذية" وسابقاً لم نعرف منه إلا ابياتاً لا ربط بين بيت وآخر شرحت عنه في (ذكريات معلم)/(ذكريات معلم تم طبعها ونشرها بعنوان – ذكريات التنوير والمكابدة الرائد علي محمد الشبيبي-الناشر)
   المفرخه: الأطفال؛ يگضون وياهه التوبه: أي يزعجونها!؛.  تلبح: تهذر؛. ونيده: منهارة
3- سيد: يطلق على علوي النسب.
4- المتصرف: سعد صالح جريو (من ذكر أسم المتصرف يظهر أن الوالد يروي أحداث قصة حقيقية عايشها ويعرف أبطالها، وربما غير الأسماء والمكان والظرف/ الناشر)





4
مطلوبة نِذِر!
للمربي الراحل علي محمد الشبيبي*
(1913-1997)



اكتظت الروضة الحيدرية عند الغروب –حسب العادة- بالزوار، والمتعبدين. واكتظ أكثر الجناح المعروف بـ "الجامع" والذي أصبح خاصاً بالنساء، فلا يذكر إلا مضافاً إلى "النسوان". ويشتد زحام النساء في هذا الجامع بصورة خاصة. عند الباب المسمى "باب المراد"[1] وبين جموع النساء وحلقاتهن، جلست امرأة على عتبة الشيخوخة، ولكنها ما تزال ذات حيوية ونشاط. كانت تجيل نظراتها على باب الجامع، المغطاة بمرايا ذات الوان، وبأشكال هندسية رائعة، ربما كانت أحجار كريمة، وليس هذا بغريب. فهذه المعلقات الذهبية، والقناديل البلورية والفضية، وأواني الشموع، كلها أشياء غالية ونفيسة.
وفيما هي تجيل النظر وتتأمل، صاح المؤذن: الله أكبر. فسكنت الحركات، وانقطعت الأحاديث، وردد كثير من السامعين بعده –الله أكبر-، وتعالت أصوات المؤذنين، تتجاوب من كل جهة، في الصحن وفي أروقة الحرم. أما العجوز القروية، فقد أطلقتها حسرة، وآهة لفتة أنظار النسوة القريبات منها، وتوجهت إليها الأنظار.
في اُولاء النسوة كثير من الفضوليات. وهن لم يجئن إلى هنا بقصد زيارة أو عبادة، بل لقتل الوقت، والترفيه، واللقاء بأمثالهن، لذا هن يتنقلن من حلقة إلى أخرى. ومن جماعة إلى أخرى ولو على غير سابق معرفة. ويشتركن بكل حديث، ويعلقن على كل حكاية أو خبر، ويبحثن في كل موضوع، ويطلقن لألسنتهن العنان. لا يتحرجن في التعليق، ولا يتروين فيما يبدين من رأي أو تعليق. هن يناقشن بملء الحرية والصراحة، ولو أدى ذلك إلى نزاع أو صِدام وسباب وشتائم!
لاح التساؤل في عيون المتطفلات والفضوليات. وتساءلن: من تكون هذه القروية العجوز؟ ما هذه الحسرة؟ أهي حسرة مظلوم، أم محروم، أم هي حسرة المذنب الأثيم؟
أحدى المتطفلات أرسلت شهقة استغراب، وضحكة استهزاء وعجب: الله يا خاله غفار ذنوب، وستار العيوب، والدنيه غروب. شيلي ايدج للدَعَه، واستغفري الله، وانتِ باب المراد، دگيها وأطلبي، لو جنتِ محرومة، لو مظلومه، وما نگول عشك –عشق-! أنتِ انشاء الله من أهل الخير!
دمعت عينا الشيخة، وبدا وجهها شاحباً، وشبحت عيناها إلى العلاء. ثم أدارتها بسرعة نحو المتجمعات حولها. وابتسمت ابتسامة معبرة عن طيب قلبها، وسذاجة عواطفها. لكن أخريات من المتطفلات، تضاحكن وقالت إحداهن: اي خاله، شيلي ايدج للدَعَه، وَيَ هاليدعون، كلهم شابحين عيونهم للعينه ماتنام! أطلبي مِنَه التريديه، هَسه من لسانج لباب السِمه!.
وقالت أخرى: شمدرينه؟ ولن ذنب الخاله ماينغفر؟!
عجوز نجفية ردّت هؤلاء المتطفلات عن هذرهن، وقالت: آه منجن بنات هالوكِت ... ويا صلافتچن؟ وين بيا وكت. و ويّامن؟ وَيّ زايره، وغريبه، وما هي گدچن؟. ومع شهقة رفعت رأسها إلى العلاء: ربي ارحمنه، ولا تعاقبنه بذنوبنه!
أما الزائرة، فقد نظرت إلى المتجمعات وهي تبتسم ابتسامة الساخر من نفسه وقالت: الله يرحم الجميع يا بناتي، غرﮔانه بذنوبي، ولا لي مفر ولا مخلاص!.
وانسابت من عينيها الدموع، وهي تنشج نشيج الهائم المفجوع ... قالت العجوز النجفية: لا يختي. رحمة الله واسعة، الله غفور رحيم.
- وشديد العقاب؟
قالت هذا أحدى الفتيات، وهي تزوي حاجبيها!
رفعت القروية طرف خمارها تجفف به دموعها، وقالت بلهجة متحرق: أي والله، شديد العقاب، وذنبي ما ينلبس عليه ثوب، ماله غفران. وحگه لَشْهَرْ -أفضح- نفسي بكل مـﭼان. واتحمل عذاب الخزي بالدنيه گبل الآخرة، وتظل يَمَّه. ايعَذِب لو يغفر!
- لا، لا خيه. گومي، اذكري الله. صلي هسه الواجب، وتوبي بينج وبين الله. ومن تاب، تاب الله عيه!
توجهت للطواف بعد الصلاة. وفيما هي تطوف، شبحت عيناها بذهول، إذ رأت جموعاً غفيرة تعلقوا بأستار الضريح، رافعين أيديهم، شابحين أنظارهم إلى العلاء إلى الله. يبتهلون والدموع تنهمر من عيونهم غزيرة، يجأرون بالدعاء. يمسكون بحلقات الشباك، تَمسُّك الخائف الذليل، يُحَرك بعضهم رأسه حركة رتيبة ذات اليمين وذات الشمال، ولصوته نبرة المحزون المكروب، وهو يدمدم بكلمات لا يُفهم منها غير استجارة مذنب واستغاثة من عاقبة إثم عظيم.
قالت في نفسها: وها الناس كِلهَه تلوذ ببو حسين مثلي؟ ويحميه حمّاي الحِمَه؟
وغرقت في ذهولها حتى لم تعد تدري بشيء. ومدّت بصرها كمن ينظر إلى مدى بعيد. لا حت لها القرية بأكواخها المنتشرة، وألواح الشلب الخضراء الممتدة، وشجيرات الصفصاف المتسلسلة على ضفاف النهر، فتنعكس خضرتها الرائعة على مائه الرقراق، وهو يجري متمهلاً، مشية المُتعَب، يخترق القرية مستقيماً ثم يتقوس تدريجياً عند نهايتها.
فذعرت وأجفلت. وشعرت عند هذا انها ما تزال ممسكةً بمشبك الضريح الفضي، وأطلقتها زفرة حادة -آحِـ ....- ثم عادت إلى ذهولها. ولاحت في خيالها القرية من جديد، لاح لها شبح "بَدِع" وهو يختال بقده الأهيف، بعقاله المرعز، ويشماغه المجوت، وقد رمى طرفه الأيمن على رأسه –فوق العقال- وتَدَّلى -الشرباك- الذي يشد الخنجر فوق خاصرته. وزان وجهه شاربه الأسود فوق شفتيه اللمياوين، وحاجباه كقوسين على عينيه العسليتين الواسعتين ... راحت تستعرض وتتذكر كيف كان يذهلها حين تسمعه –يتنحنح- وكيف كانت تتبعه بنظراتها إذا مرّ، تظل عيناها تتابع مشيته حتى يختفي عن عينيها.
انبسطت أمام عينيها صفحة الماضي البعيد، يوم كانت شابةً، تتجسد فيها كل معالم الجمال، لكن يصاحبه كل نزوات الشباب وطيشه، وجرأته بكل مظاهرها. وتذكرت كيف اندفعت ظهيرة يوم، وهي تستريح تحت ظلال صفصافات كثيفة، على ضفاف النهر، وراء "بدع" وأمسكت بكتفيه، وأنفاسها تتسارع، حارة كأنفاس المحموم، لقد أوسعته بالقبل، ومرغت خديها على صدره، وشدّت نفسها إليه بعنف لكنه كان يتملص، وقد بدا وجهه صارماً. وطال التشبث حتى أنهار بين الأغراء بالقبل والعناق، والميل الذي كان يكمن منذ زمن بين جوانحه إليها. وكان ما كان.....!؟ ولعنة الله على الشيطان! فعادت تسحب أذيال الخزي والعار!
تصبب جبينها عرقاً من خزي ما تذكرت. لكنها ظلت مستمرة في ذهولها. وتذكرت ما همست لنفسها حين عادت إلى البيت "أدَبرّهَ. الشيطان ما مات". وظهرت بين نساء البيت أكثر مرحاً. كمن يحس بنشوةٍ من سرور بالغ.
ودار بين نساء البيت حديث، عن الأزواج والزواج، وتعرضت أحداهن لذكر ابن عمها "شمخي" الشاب الساذج، بل الأبله، فأوسعته ذماً وتجريحاً بلهجة سخر غاية في السخرية. فتصدت لتلك وردّتها بحماس. مما لفت نظر أمها إلى غرابة الأمر، وكيف هزّها الفرح فقالت:
- دِرداغة؟ عقلتِ! من ها الساعة آمري وتدللي!
وردّت على أمها: عجيبة؟ ابن عمي، والنعِم!
وكمن يفيق من حلم مخيف، ارتعشت، وسالت الدموع على خديها، ثم أجهشت ،وهي لا تملك أعصابها، بالبكاء، وانهارت قواها. فاستقرت على الأرض بجانب الضريح، وأسندت كتفها الأيسر عليه. وعادت إلى ذهولها، تسائل نفسها: يا ذنب يبو حسين اَلوذَن بيك منه؟ العار، لو الغدر؟! أحّ. لعنة الله على الشيطان. گلت أدَبرهَ. الشيطان ما مات!؟ إلا شلون دَبَرتهه؟ مسكين شمخي ... شلون راح نتلاگه يوم المحشر؟ عفيه عليّه مِن بِت -بنت-! خنگت زلمه!  ويا براعتي ووكاحتي، شلون بعد ماخنگته نمت وياه طول بطول، وخذت عيني نوم، ولاﭽَن سويت شي؟!.
وانتصب أمام عينيها شبح أبنها "نايف" يحمل خنجره الملطخ بدم "بدع" وقد سقط صريعاً بنفس المكان الذي راودته فيه. ونايف منه، فبدع أبوه! وكأنما حملته ليشب فيكمل جريمة أمه. فبعد احدى عشرة سنة من زواجها من ابن عمها شمخي، شب هذا الصبي ونضج فبدا وكأنه ابن عشرين...
وعادت تسرد بقية حكايتها، يبدو أن في صدرها أمر مبيت، وإلا فلماذا صحبت ابنها معها اليوم وفي هذا الوقت بالذات -في هذا الوقت تقل المارة- جلست على ضفة النهر. ومرّ بدع ففزعت، وكأنما أحست لدغة حشرة سامة ... والتفتت إلى ابنها نايف: نايف يَبني. آنه أمك!
أنتفض نايف: آنه ابنج يمه، احجي، آنه بامرك حتى على الموت!
- تشوف يبني هالزِلمه. تراهُ تحرش بيه من أيام!
واندفع الصبي، وبسرعة خاطفة، خرّ بدع صريعاً يتخبط بدمه.
وثارت عشائر هذا ، وذاك، ودوت أصوات البنادق، وسالت دماء، وسقط عدد من رجال الطرفين ضحايا.
استعرضت أم نايف سيرتها. اعترفت أمام العجائز والشابات. كما يعترف المذنبون النصارى أمام القديس. وأذهل حديثها جميع المستمعات، فشرّق بهن الخيال وغرّب. أصابهن ذهول لا يوصف. أهكذا يكون المكر؟! ونظرن، فإذا بها تضطرب اضطراب الذبيح. قالت بعض النسوة اللواتي قدمن بعدما أنتهى كل شيء، متسائلات: ماذا حدث؟
أجاب أحد السادة من خدم الحضرة العلوية:
- مطلوبة نِذِر! 
للمربي الراحل علي محمد الشبيبي
كربلاء في 30/06/1963

الناشر محمد علي الشبيبي
السويد 27/09/2017

الهامش
*- ترك والدي طيب الله ثراه من بين مخطوطاته مجموعة من القصص القصيرة،  آملا أن تسعفني الظروف لمراجعتها ونشرها تباعا، على أمل أن أتمكن من طبعها في مجموعة قصصية. وهذه القصة   -والقصص التي سبق ونشرتها-من ضمن مجموعته القصصية -ثمانية قصص- التي خصها بعنوان (السر الرهيب) لأن معظمها يشترك بسر ما./ الناشر محمد علي الشبيبي
   1- هذه الباب، أرسلها السلطان "مراد" العثماني -سلطان الأتراك-، كانت رائعة بنقوشها الهندية الرائعة. لكن النساء أعتبرن معنى –مراد- أي أنه باب تستجاب عنده الدعوات!





5
حصيد الترف
للمربي الراحل علي محمد الشبيبي*
(1913-1997)

جلس أبو حامد على فراشه. مسنداً ظهره إلى حَشِيةٍ من الريش، وأمامه موقد نار، تومض فيه جمرات غطاها الرماد. كان يسعل كثيراً، فهو مصاب بالربو، وله من العمر خمسة وستون عاماً.
أبو حامد بكر أبيه، الذي كان قد تزوج خمس عشرة زوجة، لم يبق منهن في البيت إلا أم أصغر الأخوة "صفاء". فقد طلق بعضهن، ومات بعض قبل وفاته، وأخريات بعد ذلك. لم يبق من الأخوة الذكور، غير أبي حامد، وصفاء الذي هو من أصغر نساء أبيه، ولم تلد غير صفاء، أصغر الأخوة جميعاً. إنه يساكن أخاه أبا حامد، ويقوم بإدارة شؤون التجارة تحت إشراف أخيه.
أبو حامد رجل كَيِّس. فهو له مكان أبيه، قام بكل ما تتطلبه حياة العائلة. أخوه صفاء يعيش معه كأنه ابن أمه. تعلم منه كيف يدير أمور التجارة. فأبو حامد كان يرفض التعلم في المدارس الحديثة، ويزدري الوظيفة، لأنه لا يريد أن يدخل جهنم! وكثيراً ما يشير في حديثه إلى أن الله جعل البركة في التجارة. وحاولت كثيراً أم صفاء أن تدخل إبنها المدرسة الحديثة، وفعلاً تم لها ذلك. وحين تخرج من المدرسة الابتدائية، أصرّ ابو حامد أن يكتفي صفاء بهذا، ويكون ساعد أخيه في إدارة أمورهم التجارية. قال: أن الخير عندهم كثير، ولكم ما يكفيكم.
صفاء تزوج أبنة رجل متقاعد، وعند هذا انتقل ببيت خاص. كان صهره موظفاً في العهد العثماني. وقد نشأت أبنته على ذوق تركي، وحياة عصرية أنيقة ... ورزق –صفاء- ثلاثة من الأولاد والذكور، وابنة واحدة، كانت كبرى أولاده. فعني بهم على نحو ما يعني الموظفون الميسورون بأولادهم، وقلدهم بأساليب حياتهم وترفهم، خصوصاً بعد ما أصيب أخوه –أبو حامد- بالربو وترك له التصرف التام، وفعلاً كان عند حسن ظن أخيه. وقد ضاعف اهتمامه، بوعي التاجر القدير.
وجلس أبو حامد اليوم والألم يبدو صارخاً في قسمات وجهه. وهو مضافاً إلى ما يعاني من مرض الربو، فأنه عصبي سريع الغضب، يتحرى أمر الهفوات الصغيرة والكبيرة، عن الصغار والكبار. ويعقب بشكل خاص أسلوب حياة زوجة أخيه صفاء. لكن بدون تعقيب في نقد أو أمر أو نهي، وهو لا يرى منها إلا نادراً، فصفاء مستقل في بيته. وأن يكن هو لا يفارق أخاه إلا عندما تستدعي الضرورة. فقد أصبح بيده مقاليد التجارة، ولكنه لا يغفل عن أن يُطلِع أبا حامد ويستشيره في الصغيرة والكبيرة.
اخوة زوج أبي حامد، أيضاً يكثرون التردد على ديوان أبي حامد، ويعرضون استعدادهم لمساعدة صفاء، فيرد أبو حامد: إن صفاء أخ ونعم الأخ، وعند الضرورة لا يترفع أن يستعين بكم.
أحدهم كان كثير الحث لأخوته، أن لا يهملوا متابعة حياة أبي حامد. فهو لا يعاني –الربو وحده- فقد أصيب بتيبس الأعصاب، لملازمته في المدة الأخيرة البيت، وما يدرينا لعل أمراضاً متعددة أصيب بها أيضاً. والعصبية اصل البلاء.
قال آخر: وما ندري بالعنده؟ مَحَد يعلم إلا هو وحامد. وما ندري شيصير بعده، وشنو مصير أختنه المسكينة، الما حصلت منّه لا ولد ولا بنت. وصفاء دَخّل أولاده وبنته بالمدارس!. صفاء لم يُخفِ عليه ما يفكر به أصهار أبي حامد، وهو على إطلاع تام أن أبا حامد يولي زوجته العناية التامة، ويلبي ما تطلب. وكثيراً ما يكلف أخاه صفاء أن يقوم بشراء ما تريد، وعلى هواها. ويبدي صفاء معها كل الاهتمام واللطف.
مرة أحد أخوتها حاول أن يكاشفها فيما يرتئي، من أجل مصلحتها ومستقبل حياتها بعده. فكانت تثني على صفاء، ثناءً عاطراً. وقص هذا على أخوته، موقف أختهم من صفاء. فردّ عليه أحدهم: تَرَه هذا الكلام مو وكته. أختنه بخير، ورحمة، وابو حامد رجل عاقل ومجرب، ولَتنسون صفاء تربية أبو حامد. وختم كلامه: واحنه ليش نخبط المي گُبَل گباله؟!
على أية حال أن بعض هؤلاء يؤثرُ ان يَجدَ ما يبرر تدخله بين الأخ وأخيه. هو يفسر محاولاته هذه من أجل أختهم، فربما تنتهي حياة أبي حامد دون أن يكون قد كتب وصية تنص على ما لصفاء، بل ربما يترك أبو حامد الأمر دون وصية تشير إلى حق صفاء وحق زوجة أبي حامد. فربما الموتَ –وهذا محتملٌ، احتمالاً كبيراً- يأتيه بغتة، فهو عليل بالربو –شَرقة- خفيفة تؤدي بحياة الإنسان بلحظة.
لكن أمراً أشغل بال الجميع وجعلهم في حيرة. أبو حامد وهو على فراشه، يتضجر كثيراً ويتململ، ويغمض عينيه عن صفاء وغيره، حتى لو أراد شيئاً لا ينادي أحداً باسمه –لا صفاء ولا غيره-! يرسل كلمات تذمر من الحياة. ويشير لو أن الله يأخذ أمانته، فالدنيا تبدلت. تبدل كل شيء فيها. آه سيتحقق ما يقوله بعضهم: ان زمناً سيأتي تتحرر فيه النساء من سلطة الآباء، والآباء راضون!
وأشتد أمر مرضه، فصار أحياناً يغيب وعيه، وتتلاحق أنفاسه. فقلق صفاء، فيكلمه همساً: أدعو لك الطبيب؟ لكن جوابه الذي يجهر به: الله يلعن هذي الحياة وراحَتهه، ما يتعلق بيهه إلا من تكثر ذنوبه، وهو غافل ما يدري، يعتقد انَه نقي تقي وهو غرقان لشحمة أذنه بالذنوب!
ثم أستعاد وعيه، لكنه يضطرب ويربد وجهه ويتغضن، ويروح يضرب بيديه على فخذه، أو يصفق راحاً براح.
ومرت فترة ساد الغرفة سكون. واسترد أبو حامد أنفاسه. وخلت الغرفة إلا من صفاء، وإذا بأبي حامد، يبدو ثائراً، فقد أخذ يضرب على فخذه، ضربات آسف. وأضطرب صفاء، وتلجلج لسانه في فمه، ثم قال:
- عزيزنا أبو حامد. عندك شي غاثك، مني، من غيري. لا تخفيه عني لو عن غيري، آنه وجميع أهلي فداء لك. بس ليضيق خلگك؟
بلهجة المنهار الذي أوشك أن يلفظ أنفاسه، صاح: شرفنه ... يا صفاء، شرفنه؟
وقعت هذه الكلمات القصيرة على صفاء كصاعقة ...!؟
تاه عن نفسه وعن أخيه. دارت الغرفة به كأنما صارت تدور بعنف، ثم ثاب إلى نفسه، وتساءل ... لابد أن أمراً خطيراً مس كرامتنا. لكن، أيصل علمه إلى أخي وهو طريح الفراش، ولا يصل إلى سمعي وعلمي أنا ... ودنا من أخيه، والحيرة قد حجبت عنه كل ما أمامه، وضاعت الكلمات من لسانه. وقال في نفسه: لاشك أنه يعنيني؟. كيف يصل حدث إلى اُذني أخي الذي يقترب من الموت، بينما أنا لم أفهم شيئاً، لم يصل إليّ أي حديث أو كلام، عن بيتنا؟ ودنا من أخيه وقال باضطراب:
- أخي، أفديك بنفسي، بأبنائي، بعائلتي كلها، أخي افصح لا تخفي عليّ شيئاً. ماذا ومن أوصل إليك ما يريبك ويثيرك؟
فضرب –ابو حامد- ثانية على فخذه، وقال، بلهجة أسى:
- شرفنه، يا صفاء، داسته بنتك هيفاء، بعيني شفت وبأذني سمعت؟!
ثم عاودته النوبة من جديد وأبيضت عيناه وتراخت يداه. وبدا له أن أبو حامد سيلفظ أنفاسه. كان المساء قد بسط أجنحته، وخيم على البيت صمت رهيب. وأحست العائلة أن الكارثة ستقع لا محالة. ستلف هذا البيت الذي كان أسعد بيت. وما أن عسس ظلام الليل حتى لفظ ابو حامد نَفَسه الأخير. وعج النسوة بالصياح والعويل. وازدحم البيت بنساء الجيران، والأقارب. وأنشغل الرجال لتهيئة التشييع المناسب لجنازة الرجل الذي غادر الحياة، ولم يترك إلا العمل الطيب للأقربين والجار والمعارف، والعوائل الفقيرة.
*   *   *
-2-
في مقهى –عجمي- يلتقي أشتات من الناس وأضداد. فالشيبة وذوو اللحى الطويلة البيضاء، و –الكشايد[1]-، يتحدثون وبين أيديهم –الغراش- الزجاجية الجميلة المزينة بصور ملوك –آل عثمان- أو ملوك الفرس. والكهول ذوو –الجراويات-، ونمط ما يزال محافظاً على زيه العثماني، وعلى رأسه الطربوش الأحمر، مع عباءة مناسبة لإمكانيته، وهو يجذب الدخان من –الغرشة[2]- بنفس الوقت يلعب بيده الثانية بخرز مسبحته –الكهرب-، ذات الحبات الكبيرة!
وإلى جانب هؤلاء، الشباب الحديث من أدباء وشعراء، وأساتذة وطلبة. بعضهم يحدث بعضاً، أو غارق في مطالعة الجرائد المكدسة على جانبه. ورغم تجمع هذه الأضداد، فأن أجمل ما تتصف به هذه المقهى الهدوء والسكون، لا يخرقه إلا صوت –شفتالو- وهو يصيح - ماء ..... – وقد يبتر صوته، ويتحول عن مكانه سريعاً، حين تتوجه إليه العيون، تفصح عن عدم الرضا عنه ...
في زاوية مجاورة لموقد المقهى، الذي ينفصل عنها بجدار واطئ، جلس شابان، أحدهما فتى في الثالثة والعشرين من عمره. أما الثاني فقد تجاوز الثلاثين، بينما يقدر سنه من يراه أكثر من أربعين. تجاعيد وجهه، ونبرات صوته، تشير إلى هذا. أما الواقع فلأنه من طبقة فقيرة، تَعِبٌ من أجل كسب عيشه، لكنه أيضاً –كما يبدو من حديثه- قد مارس أمور أكسبته تجارب الشيوخ، ومفاهيم المجربين.
كان هذا يحدث صاحبه، أما صاحبه فيتظاهر بالإصغاء. انه في واد آخر، لا صلة له بموضوع محدثه، بينما كان الحديث عنه ومعه، ومهماً جداً بالنسبة له! وهو نفسه الذي فتحه مع محدثه "علاء". فقد جاء مستشيراً، يطلب منه الرأي السديد والصالح.
علاء كان ملماً كل الإلمام بتصرفات "كمال" ونزواته منذ تعرف عليه، وتمت بينهما مودة في هذا المقهى. وسرعان ما صار كمال يكشف ما في سره وبكل أحلامه وآماله، بل وترهاته. هو لا يكتم أمراً، ولا يخفي سراً. فافشى له بسر حبه، ولقائه بحبيبته. أما علاء فقد كان صريحاً حين يبدي رأيه. مع أنه أستطاع بسهولة، وبسرعة أن يستشف من خلال أحاديث كمال كنه ذلك الحب. إنه حب المراهق البطال، وهو مازال يعيش برعاية والده، الذي لا يعرف أكثر من أن يرفه عن عائلته بكل وسائل العيش، من كساء وغذاء، ولهو وبذخ، على قاعدة –أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب-! وما عدا هذا لا يعرف واجبه في التربية، لا التوجيه ولا الرقابة. فابنه الوحيد كمال لا شغل له غير التنقل من مقهى إلى مقهى، وسهر الليالي في الملاهي! وبناته وأمهن لا شاغل لهن غير برمجة مواعيد الزيارة، والقبول.
أما علاء وهو صديق لكمال، مثقف تطارده الأقدار. إذ أنه مولع بالعمل السياسي. والجهاد من أجل القضية الوطنية. وقد سُدت بوجهه جميع أبواب الرزق والعيش. لكنه لم ينصع ولم يتراجع عن رأيه خطوة. وقد أحبه عارفو فضله، وقابليته ونشاطه، وشخصيته الفذة، فلم يهملوا شأنه. ولم يتركوه للجوع والعوز، بما استطاعوا.
أما علاقته بكمال، فليست إلا من أجل توجيهه الوجهة الصحيحة، لاستنفاذ طاقته ونشاطه من أجل تقويم شخصيته في مجال خدمة مصلحته أولاً، وقبل أي شيء آخر. لكن علاء أدرك خلال ما مرّ انه طائش لا يستقيم.
كمال لم يكتم أمر حبه، وهو لا يفهم من الحب غير لقاء فتاته، حين يلتصق صدره بصدرها، وشفتاه بشفتيها، تشبعه ويشبعها قُبلاً وعناقاً. وطالما كادا أن ينزلقا، لكنها تتدارك نفسها، فتنفلت من بين ذراعيه، وأنفاسها تتلاحق بحرارة كأنها لهب!
اليوم جاء يستشير علاء في مكاشفة والديه، وقد علم أنهما يفكران في أمر زواجه. علاء أفاض في الحديث عن هذا الموضوع. تحدث عن أهمية الحياة الزوجية، وما يجب أن يكون عليه الشاب من أهلية ليتحمل مسؤولية ليست عادية أبداً، وليست أمراً سهلاً مطلقاً. لا يكفي أن بين الاثنين حب، على الاثنين أن يفهما كيف، يحافظان على حبهما معتمدين على جهودهما في تدبير العيش والحياة، لهما ولمن يستقبلانه من الأبناء.
ختم حديثه: بعد شهر العسل تنتظر منك زوجك استقلالاً في حياتكما، بينما أنت تعتمد على والديك فقط. أليس كذلك؟
هيفاء ضحت من أجله بحب أبيها منذ أن أطلع عمها المرحوم ابو حامد حين التقيا ببيته، فانفضح أمرهما. وصار هذا سبباً في التعجيل بوفاته. ولم يبد كمال أي اهتمام بعد هذا، إنّ هذا ليس حباً، انه دور المراهقة!
ولقد علم أبو كمال بما بين إبنه وهيفاء. وهو يحترم هذه الأسرة، ومصاهرتهم مشرِّفة أولاً، وعسى أن تكون حداً لنزق أبنه كمال بنفس الوقت هي مصاهرة مال لمال وتجارة لتجارة!
انفض الحديث هنا بينهما وقال علاء كلمته الأخيرة:
- كن عند واجبك، عن حياتك الزوجية، وقدر ما يجب أن تكون عليه علاقاتك باصهارك، والديك، أعمل للحاضر والمستقبل!
وصافح كمال وغادر المقهى ..
*   *   *
-3-
في الشارع المزدحم بالماشين، شيوخاً وكهولاً، وفتية وفتيات، يوالي السير بعضهم وهو يتحدث، وآخرون فرادى، كلٌ يقصد مأربه. آخرون يستعرضون الحوانيت والمخازن، لغرض الشراء أو للعلم. وبين هؤلاء نمط غريب. تائه يقضي الوقت في المقاهي مثرثراً، ومتابعة المارّات، يحدجهن بالنظر الشزر. فإذا ما وجد تجاوباً تابع الفريسة، وربما أخفق. ولكن على أي حال إنهم قد يكتفون من كل ذلك بقتل السأم، والفراغ. هم على هذا كل يوم.
علاء كعادته في مقهى –حسن- يتخذ مقعداً مواجهاً للشارع. وقد تعب من حديثه مع كمال. ولقد أشعره خلال حديثه بمدى تفاهة حياته، وبقسوته في جميع ما أقدم عليه، منذ خطوبته حتى زواجه.
أما كمال، بعد أن ثرثر كثيراً فيما قصه على علاء، عن تطور الخلاف في حياته الزوجية، بينها وبين أمه من جهة، ومشاركة أخواته أيضاً. هيفاء تطالب باستقلال حياتها، وترفض أن تكون للمطبخ وتحت أمرة أمه وأخواته، وأسلوبهن المهين لها. إن أهله ينظرون إليها بمقاييسهم. إنها كنة، عليها أن تقوم بخدمة البيت حسبما تأمر –العمة والحماة- أيضاً؟
أما هو بطال، يستمد كل مقومات حياته وما يبذره من مال من والديه! فكيف يمكن ان يناصر زوجته؟ المرأة على حد قوله: متعة! قد يملّها. فلا يصح إذن أن يناصرها فيخسر أهله!
علاء، عنفه بانفعال. وأشعره بتلميحات انه لم يعد يستريح إلى حديثه بأموره العائلية. لكن كمال قابله بضحكة باهتة، وقال: الأصل سلامتي! طلقت واسترحت وأبگه نَحله أمتص رحيق الزهور!
كان قريباً منهما، ثلاثة نفر يتكلمون همساً. إنهم مثله، إنما يزيدون عليه بذلك الزي، الذي أطلق عليه البعض –أمريكي- في اللباس وحلاقة الرأس. ولا أدري أي صنف من الأمريكيين قلدوا، الزعانف أم شباب اللوردات؟
كانت ضحكات أولئك المخنثين تتخلل أحاديثهم. وفجأة هز أحدهم كتفه كمذعور، وقال: هِيَّ، هِيَّ! وغادر صحبه على عجل. بينما ظل الآخران يتابعانه بأنظارهم. قال أحدهما: تِعرفْه؟
- الكلب ابن الكلب ما ادري شلون يتعَرَف عليهن؟ هذي يا فَحَل! نازله للشغل تازه! ايگول هُوَّ، أعرف أهلهه وزوجهه، وكل شي عنهه!
قال الآخر: وشِسمهَ؟
- لك ذني ماينطن أسم صحيح. لكن هو شلون عرف أسمهَ وقصتهَ وأهلههَ؟ يگول: هددها ايوصل أخبارها لأهلهه، ولها السبب انطته إسمهَ –هيفاء-.
وانتفض كمال كمن فوجئ برشة ماء بارد على حين غفلة، وأصفر وجهه! والتفت إليه علاء وقال:
- سبب كل هذا أنت يا كمال! حرام عليك ويا ويلك!
لاح الانفعال بليغاً بعيني علاء، وقبل أن يستمر بينهما حوار، وقبل أن يرد كمال بكلمة، علا صياح، وتراكض الناس إلى جهة الصياح. سُد الشارع بجموع الناس. كان من بين الناس ذانك الشابان اللذان تحدثا قبل حين عن صاحبهما وعن هيفاء.
ثم ارتدا على أعقابهما، وقد بدا عليهما أرتباك. بينما غادر كمال المقهى وعلى وجهه علائم انخذال واضطراب. ومدّ علاء يده إلى كتف أحدهما، وسأله يستطلع الخبر. لكن ذاك أعتذر، وقال: عَركَه. غير أن أعداداً من الناس ممن كان في المقهى عادوا إليها: يشتمون ويلعنون أبناء هالوكت أشلون رَبوهم آباءهم، على نهش أعراض الناس!
أجاب أحدهم: عيني المايدني زبيله محد يعبيله.
ردّ عليه صاحبه: اسكت أخويه، أنت مو تجيب المثل تلزقه لزق. صحيح الذنب مو على الذيب وحده، أكبر حصه من الذنب على الراعي المايحرس بعين واعي!
عقب آخر مؤيداً: ... لا عاب لسانك هذا الصحيح. ثم سأله، وذوله الأربعة اللي أعتدوا عَلِيهْ أقاربهه؟ أجاب الآخر: لا عيني، ذوله هُمّ المتفقين وِياهه! وهَسّه، أكَلوهه كلهم، كرفتهم الشرطة، هذوله عيني شبابنه!
*   *   *
-4-
كان الوقت غروباً حين فزع الجيران، على أثر سماعهم صوت طلق ناري في بيت صفاء. الجيران كلهم يعلمون ما جنت يدا هيفاء على أسرتها وكرامة أبيها.
كانت هذه الأسرة ترفل بالخير والنعيم، والسمعة الطيبة. فتحول نعيمهم بؤس وشقاء. مذ انهارت صحة أبي حامد ثم ألتحق إلى جوار ربه. لكن أخاه صفاء ليس مثله. سقط ولا يدري، أهمل حتى أمر وظيفته، فأحيل على التقاعد ولازم بيته. إنه لا يقوى على النظر بوجوه الناس. عيونهم تصوب إليه نظرات إزدراء واحتقار، أصابعهم تشير إليه.
وغصت الدار بالناس من الجيران والمارة من الناس، يعلو وجوه الجميع وجوم. كانوا يتزاحمون بالأكتاف. يتساءلون. ماذا حدث؟ مَن المعتدي؟ هل أصيب أحد؟ أفراد الأسرة كلهم يُعوِلون. والناس يصفقون يداً بيد، يأسفون لأيام خلتْ. أيام أبي حامد، وجه المحلة البارز، وأبو الشيمة والنخوة، والديوان العامر.
وينفث بعضهم زفرات حادة: آه شتلعب الأيام بالطيبين؟
وفوجئ الناس بخبر ضحية ثانية، فصارت الدهشة أشد وأعظم ...
تقدم أحد أفراد العائلة يحمل كفاً مازال الدم يقطر منها. وقبل أن يفوه بكلمة. فاجأ البيت عدد ضخم من الشرطة، وتقدم القاتل برباطة جأش وسلم نفسه!
في اليوم التالي نشرت الجرائد الخبر موجزاً. دون أن تذكر أسماً لأهل البيت:
فتاة أهلكت عائلة بأكملها، بسوء سلوكها، وكانت أول الهالكين.
الكاتب: علي محمد الشبيبي
 معتقل مركز شرطة كربلاء في 23/03/1963
الهوامش
*- ترك والدي طيب الله ثراه من بين مخطوطاته مجموعة من القصص القصيرة،  آملا أن تسعفني الظروف لمراجعتها ونشرها تباعا، على أمل أن أتمكن من طبعها في مجموعة قصصية./ الناشر محمد علي الشبيبي
1- الكشيدة: لباس الرأس عند العراقيين وعند السوريين واللبنانيين، وأكبر ظني أننا أخذناها من الأتراك، لا الفرس وأن كان الفرس الذين يسكنون العراق يلبسونها أيضاً. وهي عبارة عن طربوش –فينه- ويلف عليها قماش مطرز بالحرير الأصفر.
2- وتسمى –النارجيلة- أيضا وكلا الكلمتين من أصل واحد، هو أنهم كانوا يأخذون قشر جوز الهند مفرغاً من اللب ويصنعون منه القاعدة التي تحوي الماء وفوقها جهاز يوضع فيه التبغ والجمر، وآلة التدخين متعددة الأنواع من ناحية الصنعة. فالفقراء كما ذكرت يستعملون قشرة جوز الهند، أما المتمكنون فأنواع أهمها الزجاجية وبعضها من البرونز واليوم قلّ أستعمالها.



6

الثالــوث
للمربي الراحل علي محمد الشبيبي*
(1913-1997)




كانت الليلة حالكة الظلام، شديدة البرد. وقد مضى الثلث الأول من الليل. وساد القرية سكون شامل. وغط أكثرهم في سبات عميق. كانت الريح الباردة، تعصف بالأشجار، فَيُسمع لها صوت مخيف، وتصطدم بأسوار الأكواخ -وهي من السعف- فتسمعُ لها خشخشة موحشة. وكأنها تصارع أبواب الأكواخ لتقتلعها. إنها من خشب عادي، وصغيرة واطئة غير عالية لذا تبدو صامدةً أمام الريح العاتية! أكواخ الفلاحين تلك من القصب، مكسوة "بالبواري" وهي طبعاً من القصب أيضاً.
بيوت الفلاحين تختلف عن بيوت السادة –الشيوخ والسراكيل- وأكواخ الذين هم أكثر فقراً يحيطونها بالأشواك، كسياج يكون له، يعتبرونه منبها لهم من محاولات اللصوص. لكن طالما تسبب عن هذه الأشواك حريق قد يسري إلى الأكواخ المجاورة، خصوصاً في ليالي الشتاء، فيتنادى الرجال، وتزغرد النساء تشجيعاً لهم. وفي مثل هذه الأكواخ تبتلع النيران بأسرع وقت كل ما لديهم.
في هذه الليلة، كانت "دانا" تعاني أرقاً مسئماً. لقد عادت قبيل الغروب، فأعدت العشاء، طبخت رزاً ودست فيه بيضات كآدام لها ولصاحبتها "عَمشه" التي أقامت معها منذ أن توفى زوجها، الفلاح الطيب "عاجل سرحان".
عمشه تقوم بحلب البقرات الثلاث، وتقديم العلف لها، وتقوم بعد هذا لتغلي الحليب، وتضيف إليه بعد أن يبرد الخميرة ليصبح رائباً. هذه العملية تقوم بها عمشه، فبعد ذلك عملية فحصه واستخراج الزبدة، أو تحويله سمناً، فهي غذاء. ولا تنسى عمشه أن تتفقد الدجاجات بأقنانها فتجمع بيضها. 
وحين غابت الشمس وأشتدت الريح، أسرعتا لتناول العشاء. وتضع عمشه "الكتلي" فوق "الدَوّة" الطينية، وضوء الفانوس يومض كلما نفذت داخل الكوخ ريح، وهذه من خصائص الكوخ. وإذ ينتهي كل شيء، الصلاة، والعشاء والشاي، تمر عمشه بالكوخ الكبير، تتفقد البقرات، وتلقي على بابه جذوع شجر كبيرة، وبعض الصفائح العتيقة لتكون حركتها نذيراً لهما عند محاولة اللصوص.
وارتقت عمشه سريرها أيضاً، وهي تشعر بالحاجة الشديدة إلى النوم. لكنها أحست ان "دانا" غير مرتاحة. يبدو عليها قلق. لم يسبق أن رأتها على مثله! فتوجهت إليها، وقالت:
- بَرِد وهُوَه، وظلمه؟ ضَيجَة خِلِك، وطلعان روح؟
ردّت عليها دانا: إهي، هاي الدنيه، لو سَفره لو عجاجه! و الله أعرف بالصالح!
قالت عمشه: خيه وآنه أشوفـﭻ الليلة مو على حالـﭻ؟
- لا خيه، لـَﭼَن خطر ببالي خاطر، واشورج بيه. شتـﮕولين؟.
وراحت تتحدث إلى عمشه عن رغبتها في جمع ديونها، والاكتفاء بما لديها. وإنها تنوي أن تحج بيت الله. إنّ ما عندها من مال يكفي، إذا استطاعت جمعه. وما لديها من بقرات ودجاج وأوز وما تدره أرضها الصغيرة من قمح يكفي للعيش وخيرٌ من الله!
كانت تتحدث بفخر واعتزاز بنشاطها في العمل من أجل العيش. وهي تعزو أن ما لديها من خير، يعود لطيبة سريرتها، وحسن نيتها. ولأنه أصلاً من كدح إنسان كان مثال للطيبة، وحسن السيرة، ونبل الأخلاق. كان إنساناً شريفاً. ما أهتم إلا بأرضه وبيته. ما أشترك في سوء ضد آخرين، عينه على نفسه، يؤدي طاعة الله وحقه، ويشارك بعمل الخير، ويساعد المحتاج من الفلاحين وأولاد العم.
لكن الله، وهو أعلم، لم يمنحه بولد. ومات بعد عشر سنوات من زواجه. والله أعلم إن كان العقم منه أو منها. ولكنه كان يؤثر محبتها على الأولاد. إنه يقول لمن يسأله عن هذا الأمر "لله أعرف بالصالح!"
وعادت عمشه تقول: إن ﭼان الله بارك بالربيع وبيّن خير، تحجين بيت الله بخير وسلام وتزورين قبر النبي (ص).
- عمشه يختي، أشوف أيامي مظلمه، مثل هاي، واحس گلبي ينعصر عصر! خيه ما أدري دنياي شضامتلي؟ آنه يخيه ما اعملت مكروه وًيّ كل بني آدم. صحيح اَطي على اَخضر، إلا ما جِرِتْ على أحد. وما اطيت على اخضر إلا لمن خذت راي الشيخ "أمين" وهم أطيه زكاة، وخمس السادة؟! وسويت ثواب، وما گطعت الصوم والصلاة. وبنفسي بعد أحِجَّن بيت الله وازور –ابو محمد-.
عقبت عمشه: انشاء الله ماشوفين غير الخير، انشاء الله تروحين وترجعين بسلامه، ويمِنْ علـﭻ الله بالعافية وطول العمر.
واستفسرت: واشوكت –على خير- تخبرين التطلبيهم؟. اشوفن خير لو تخبريهم گبل وكت، وتبينيلهم السبب!
قالت دانا: الوادم ما تاكل باطل، اَلا آنه استحي وبالاخص من حجي "مجهد" واكثر ماعندي اهو عنده! اهو مثل الوالي واَخير!
- لا يختي، ما بيه مستحه. اَمخصوص لو گلتِ ناويه اَحج بيت الله.
مرّ الليل. وعلت أصوات الديكة معلنة بزوغ الفجر. وبدا على الجوء هدوء نسبي. إلا أن الظلام ما يزال لشدة تراكم الغيوم. فهبت تؤدي صلاة الصبح، لتعود إلى الفراش علّ عينيها تنعم بغفو مريح ...
*                                                  *                                                  *                                                  *
-2-
في مركز اللواء يمر النهر وسط المدينة، فيشطرها شطرين. وعلى ضفته المقاهي العامرة. تزين الشارع أشجار الكالبتوز والصفصاف الوارفة الظلال. وتبعد البيوت عن النهر مسافة لابأس بها.
الجانب الكبير –هكذا يسمونه- بيوته مجاورة للأسواق الواقعة مباشرة على شارع النهر. وهنا أيضاً بناية المتصرفية الضخمة، ومديرية البرق والبريد، ومديرية المعارف وسائر الدوائر الأخرى.
أما الجانب –هكذا يسمونه- فأغلبه فنادق، ومخازن وحوانيت. ويرتبط الجانبان بجسرين كلاهما عاديان، لكنهما يتناسبان مع أهمية النهر الذي يبدو هادئاً في أغلب الأحيان، ومنخفضاً إلا في موسم الفيضان.
وتحت شجيرات الجانب الكبير قرب الدوائر الحكومية، ينتشر كتاب اللوائح والعرائض. ويحلو لبعض رواد المقاهي أن يجلس قريباً من الضفة. يتمتع بجمال منظر النهر الهادئ، وهو ينساب إنسياباً رائعاً كعذراء ذات خفر وحياء.
أحد هؤلاء، كاتب العرائض الأعرج "سلمان غثيث" ذو البشرة السمراء، وتقاطيع وجهه الصارمة، واللسان الحاد. ولهذا السبب كان إقبال الناس عليه كبيراً. انه يتمتع بجرأة خارقة، وإطلاع واسع على المواد القانونية، وذاكرة فذة. فهو كتابٌ ضخم للوقائع والأحداث! وإذا حصلت عرقلة لمضمون عريضة حررها، شفعها بثانية على -حسابه الخاص- باسم المستدعي طبعاً. في هذه العريضة، مقارنة بمثيلات لها، فيذكر الموضوع والتأريخ! ولا يبالي أن يشير إلى أسماء أشخاص الدعوى التي يقارن بها، والمراجع التي بَتَتْ بها مع التأريخ والأرقام. فكان القرويون يطلقون عليه أسم –شراي الطلايب[1]-، أما الموظفون فيسمونه –الغثيث[2]-.
كان له صوت جهوري، وحين يتحدث يجسد مقاطع كلامه بحركات من حاجبيه، ومنخريه. أما فمه فينفتح أحياناً عن تكشيرة مخيفة. ولكنه يجعل هذا مقبولاً، ربما لا تلتفت إليه، بسبب ما يحشره في كلامه، من حكم وأمثال، ونكات تثير الضحك الصاخب، وتشيع البهجة والمرح في المجتمعين حوله، من زبائن أو رواد مقهى. وانه لكثير العلاقات مع مستخدمي الدوائر. من مباشرين ورزامين وفراشين مقربين من رؤساء الدوائر. لما يتمتع به من جاذبية وشخصية موزونة وكرم نفس ويد أيضاً، ولأن أغلبهم ينتسب إلى نفس العشيرة التي ينتسب هو إليها. وفي أيام العطل الرسمية لا يبرح مكانه هذا، صباحاً بعد زيارة ديوان أحد الوجهاء، أو رجل الدين الذي يمثل مرجعاً دينياً في النجف، وعصراً حيث يحلو الجو، ويبدو شارع النهر أكثر روعة وجمالاً. يستند إلى نفس الشجرة التي يستند إليها حين يزاول عمله، ويقابله –قواس[3]- المتصرف. وهو كهل له من الخدمة خمسة عشر عاماً، أكسبته خبرة واسعة في فهم نفسيات هؤلاء الكبار، ومعرفة مطامحهم أو أطماعهم. لكنه كتوم من أجل مصلحته المعيشية. إنما له في كثير من الأحيان اسلوباً خاصاً في مساعدة أمثال صاحبه –سلمان غثيث- بدافع القربى أو لاستفادة ماديةٍ، يساوم عليها سلفاً.
كان يتحدث إلى "سلمان" بصوت أشبه بالهمس، بينما يبدو على سلمان إهتمام بالغ، وهو متكئ على جذع الشجرة الكبيرة، وبين أصابعه سيجارة بتخم غليظ من الكهرب الثمين، مرصع بالفضة والفيروزج، وبيده اليسرى عصاه الغليظة، ذات الرأس المعقوف، يلاعبها بانتظام. وفيما هما يتحدثان، أقبلت من بعيد إمرأة نصف، ولاحت لعينيه، فقال لصاحبه:
- ابن الحلال بذجره. جَت، خلْ نسمع مِنهه!
سلمت عليهما. وجلست قبالهما على الأرض. وقال سلمان: ها دانا؟ وين وِصلتْ، وشسويتِ؟ إحنه هَسه ﭼنه بسالفتـﭻ!
وراح يقص عليها ما حدثه به صاحبه "شَهَد" فراش المتصرف، عما سمعه البارحة في ديوان المتصرف. فقد زاره الحاج مجهد، وخطيب القرية "سيد جواد" وشرح له الحاج ما جرى بينه وبين –دانا-. إدعى أنه تزوجك سراً. وان سيد جواد، هو الذي أجرى العقد. ولكنها –أنتِ- استغلت كون العقد سراً، فادعت أن لها بذمته قرضاً يقرب من مئة ليرة ذهب! ورغم استقدامها إلى مديرية الناحية، وإداء الشهادة من قبل سيد جواد، ومطالبة الحاج لها بالعودة إلى حضيرة الزوجية فأنها أنكرت، ورفضت، ويبدو أنها قدمت إلى مركز اللواء، لتقيم دعوى. و حاج مجهد رغم وثوقه بفشل دعواها إلا أنه خجلٌ!. فلا يناسب شيء مثل هذا سُمعَته! ومن امرأة، كانت تحت جناح زوجيته! 
واستمر يعيد ما سمعه من شَهَد، فذكر: أن المتصرف كان يصغي باهتمام. فالحاج مجهد كان نائباً، وهو الأن مرشح للأنتخابات الجديدة! وزعيم محترم مثله لا يعقل أن يكون مفتعلاً لكل هذا. ولابد ان هذه المرأة بنت هوى!
وبينما هم كذلك، دخل الحاكم "طه"  وبعد فترة الترحيب دارت القهوة. واستمروا بحديثهم، مشركين الحاكم باعتباره الجهة التي ستقدم إليها الدعوى، من قبل دانا.
هنا قالت دانا: آنه رحت له ببيته، اشلون زلمه طيب، ابن جواد، حـﭼيث له كل شي!
وقبل أن تبدأ حديثها، قاطعها سلمان منادياً:
- أستاذ قحطان، من فضلك لحظة!
كان قحطان هذا كهلاً. على عينيه نظارات. كان ذا جسم مترهل. وكتفين مرتفعتين ككومة رمل. له بطن منتفخ انتفاخاً بشعاً.
وقف سلمان يحييه، وفتح الحديث معه مباشرة. لكن المحامي رغم معرفته السابقة بسلمان، بدا غير مكترث. وقد أشاح بوجهه إلى النهر. ويهز رأسه هزات من يستعجل محدثه لإنهاء الحديث، ثم ألتفت إلى سلمان وقال:
- زين زين آنه أعرف كل هذَ، أطلعت على القضية، وأصارحك ما أگدر التزمه!
- أول محامي باللواء، صديق الحـكّام، ورؤساء الدوائر، وتعتذر من قضية بسيطة!؟ شيئ غريب يا أستاذ قحطان؟! قال هذا سلمان وهو يضحك بهدوء ضحكة سخر وعجب.
ورد المحامي، وهو يتهيأ لمفارقته: لَتستَغرب ولِّتسَميه بسيطة! تعاونوا عليهه ثلاثة ما يقدر عليهم قحطان ولا غير قحطان، شيخ عشيرته، ومدير الناحية، ورجل دين. وبعبارة أوضح، الأقطاع، والقانون والدين! وانتَ ﮔولْ، اسمح لي. في امان الله!
وراح يسرع الخطى، فقال سلمان: يِصْدِك –صادق-. ثالوث أگشر، لكن بريء منهم الدين والقانون!
ورفعت دانا بصرها إلى السماء، أطلقت زفرة حادة. ثم أخذت تسرد حديث زيارتها للحاكم "طه" وهو رجل عُرِفَ، بالشدة والجفاف، لا يزور أحداً، ولا يسمح لأحد أن يزوره بداره، أو في غرفة الاستراحة في المحكمة، ولا يقبل شفاعة لوجيه مهما كان. طالما خرج يتمشى منفرداً، وبيده عصاه. فينفرج الناس إلى جانبي الشارع، إجلالاً له واحتراماً. نادراً ما يزور مجلس المتصرف. وربما كانت زيارته هذه الليلة لأمرٍ ما؟ ربما من أجل وجود الحاج مجهد، الذي أنبأته دانا بكامل قصته معها. وقناعته الخاصة بأنها على حق!
كان يبدو على دانا انفعال بالغ، وتعب شديد، تعرب عنه بنبرات صوتها، من نشيج يكاد يكون نحيباً. كانت كلماتها تتقطع وبين لحظة وثانية تمسح عينيها من دمعات تترقرق في مآقيها ...
قصت على الحاكم حكايتها ببساطة .... عن اعتقادها وثقتها بالحاج مجهد، هو رئيس العشيرة –مثل الأبو للكل- هو أقترض منها المبلغ وهي تعتبره وديعة، حين طالبته، طالبته بكل أدب وحياء. وطلب منها أن تسلمه الوريقة المتضمنة مبلغ القرض، والمذيلة بختمه، لينظر في الحساب. وقال:
- تراني ماني بحاجة الهن، أنتِ مثل بِتي، حفظتهن إلـﭻ، وخليت عنهن الـﭻ حصة من العايد بكل ربع!
لقد شكرته على ما قال، وأمّنت على ذلك، والخجل باد على لهجتها.  في اليوم التالي، حضرت لتجده كما وعد. لكنه بدا ذئباً غادراً، ولصاً حقيراً. صرخ بوجهها، كال لها الشتائم والتهم الشنيعة، ما يتقزز منها الجلد.
واستجارت بالشيخ "الحاج شملان" الرئيس الأول للعشيرة، فبُهت مما سمع. كيف يستدين الحاج مجهد من امرأة مثل دانا، ثم لا يسدد لها ما بذمته!. دانا ليست امرأة مجنونة ولا مستهترة، نساء القرية كلهن يحترمنها. تساعد المحتاج، تكرم الزائر، تحفظ الغيب، لا تتعرض لذكر أحد بسوء، وتسعى للخير. كل هذا يعرفه عنها الحاج شملان جيداً ... فكيف يفسر ما شرحته عن حالها اليوم مع حاج مجهد؟
وعدها الحاج خيراً. لكنها في طريق عودتها إلى البيت، فوجئت باستدعاء مدير الناحية لها، وعلى عجل ...
هناك في الدائرة فوجئت ما أذهل عقلها. كادت تُجن. المدير أستجوبها عن أمر نشوزها من بيت الزوجية....!؟ صرخت صرخة مذهولة: آنه متزوجه؟! إلمن؟! وِشوَكت؟! أبرز مدير الناحية، كتاب عقد القران، أيده سيد جواد، الذي ادعى انه هو الذي أجراه! انهارت قواها، أجهشت بالبكاء. صاحت بوجهه:
- إنتَ برئ منك رسول الله، خايب ما تخجل من عمامتك، هذَ تاج رسول الله على راسك وتجذب على حرمه، ما إلهّه والي. الناس كلهه تعرفني، كلهه تعرف دانا.
وعمشه ماذا تقول؟ وهي الرفيقة التي لم تفارقها ساعة واحدة؟ قالت عمشه: الناس كلهه تعرف، لاﭽن -لكن- تحرف!
وبعد أن أنهت حديثها عن مراجعتها للحاكم "طه" أعلنت وهي تحدث سلمان، إنها ستتوجه لزيارة "أبو الفضل"[4]. صاح سلمان بضجر: أنتِ لهالحد مسكينه، منو أبو الفضل، يوگف گبال هالخنازير، قضيتج يدانا لا ابو الفضل ولا غيره يحله! إغسلي إيدج منه وإسلمي على حياتج، وخليهه يم الله.
وحين همّت بالنهوض، نعبَ غراب كان على شجرة، وطار وهو مستمر بالنعيب. فرفعت رأسها، ورمقته لتقول كلمة ما، فرأته يشتبك مع غراب آخر بعراك، ثم يولّي هارباً. فرفعت رأسها ووجهها نحو السماء، وبحسرة عاتية قالت: يا رب أنت أرحم الراحمين!
وأخذت سبيلها حيث تريد. وشيعها سلمان وشهد بنظراتهما. وقال سلمان:
- هَم حق. مَرَه حرمه. عايشه بظل عشيره يحكمهه شيخ! صحيح بيهم مثل شيخ شملان لكن الأكثرية وَيه أبو صباح، واليصير ويَّه ابو صباح -نوري السعيد- يگدر يلعب على حسب ما يشتهي! واشوف مجهد جيته ماهي عن قضيته ويَّ دانا وبس. جاي يدبر أمره عن الانتخابات. هذَ روحه امعلگه بكرسي المجلس النيابي، وصار ينثر بالدنانير نثر. ورجال الحكومه هنا كملوا كل شي بها الخصوص، وبعد ثلثة ايام وتبدي، ولا بد كبل ماتبدي تشتغل –الجرخله- وينام بعضهم ومنهم –داعيك- بالتوقيف لغاية ما تنتهي الانتخابات، ويطلعوهه وياي، وحده باثنين، امساعدتي لدانا من باب، ومساندتي لجماعة حزب ابو التمن من باب.
وردّ عليه شهد: انشاء الله ما كو غير الخير!
وافترقا كل إلى بيته   
*                                                  *                                                  *                                                  *
-3-
وقف سلمان في ركن زنزانة التوقيف التي ازدحمت ببعض الرجال، شباب وكهول. سلمان كان يرسل ضحكاته عالياً، وبشكل مثير، ويبادل زملاءه النكات. صاح كهل، يبدو انه ذو علاقة وثيقة به: يا أعرج! اشوف تاليه تنكسر رجلك الثانية، ولك والله لو يسمعونك يگضون عليك فَدْ مرّه!
ردَّ عليه سلمان: تَرَ هُمَّ عِدْهُم فِهم ويحسبون حسابهم مثل ما يگلون، منهو ابو باجر؟ وِلها السبب ما يگضون عليّ !؟ إلا يبين انت ماتفهم مثلهم!
وقال ثالث: لكن ليصيرون منهم نواب يفتهمون أكثر؟!
ضحك سلمان وقال: يگولون عن واحد منهم، مرّه مَد جگارته بالمجلس يريد يوَرِثه من الگلوب -المصباح الكهربائي- ...!
عجَّ الموقوفون لهذه النكتة بالضحك. صاح آخر: بالمناسبه، الثاني تعرفونه، يگلون لزم الجريدة بالمگلوب، وبَهَت، وبُگه فاك حَلگه -فمه-. گالَه صاحبه: شبيك صافن؟!. جاوبه: يخوي ما تشوف هالعجيبه. شوف هالمنعول الوالدين يمشي على راسه، وجالب -قالب- الصينيه ومواعينها! گول، ما تبَدَ -ما فاضَ- منها شي ولا و گعت المواعين؟!. وأخذت رفيجه الصَفنَه. وظل فاك حلگه ويباوع متعجب؟
عَقَب آخر: صفنة ثور!
قال ثالث: لخاطر الله هذوله، شراح يفيدون؟ شيعرفون من الدينيه غير يتزوج كل سنه بزوجة جديدة؟ عجمية، لبنانية؟
ردّ عليه سلمان: واحد منهم يفتهم شويه، ودَبرّه مَرَه، من نعس بمجلس النواب، أثناء نقاش شديد، گال لصاحبه اللي بجانبه: خويه، لو صار تصويت شيل ايدي وياك تراني موافج -موافق-!
وعلا الضحك واستمرت التعليقات. لكن سلمان توقف فجأة، وخطى نحو باب الزنزانة، وهو يسعل. لقد جاءه شهد وعلى وجهه كآبة شديدة. سأل سلمان باختصار عما إذا كان يحتاج إلى شيء ... وأجابه سلمان: توقيفنه إجراء موقت، ينتهي من تطلع نتائج الانتخابات! لا تتألم، احنه مستعدين نموت لَجل الوطن! لاﭽن، هلَّة الهلَّه بدانا واتفگد أخبارهَ، تراهي من ابو الفضل تمشي لَهَلْهَه، وما تجي إلا لمن بوكت المحاكمة؟!
وهَمس شهد في إذنه بضع كلمات، تغير لونه وأنكمش وجهه، وانكفأ شهد وهو ينفث زفرة حادة، وقد بدا عليه انفعاله. أما سلمان فقد ظل بمكانه. وكأنه يتكلم مع نفسه، بهزات رأسه وانكماش وجهه. ثم عاد إلى مكانه، وقد بدا واضحاً عليه أن حدثاً هزّه، وضغط على مشاعره. فقال أحد رفاقه:
- خير انشاء الله، أشو مبين عليك تغيرت بلحظة!
- الحاكم "طه" صِدَر أمر نقله ببرقية! واضحة المسألة، لَنَ -لإن- ما يمشي عَوَج!
- وها الخبر خطف لونك؟
وقبل أن يرد سلمان عليه، سمع ضجيج وتدافع، عدد من الشرطة يدفعون رجالاً مكبلين بسلاسل، وتدافع المراجعون، يفسحون الطريق. وفتحت زنزانة، اُدخل فيها ثمانية، بينما اُدخل إثنان في الزنزانة التي فيها سلمان والموقوفون بسبب الانتخابات.
عرف سلمان بعضهم. فبادر أحد الموقوفين يسأل هذين إن كان السبب أيضاً مسألة الانتخابات؟ فردّ ذلك بجواب غامض:
- لا عمي. شجابنه على أهل السعادة، المنطيهم الله ... إحنه مثل ابو المثل –تجيك التهايم وانت نايم-؟
ضحك أحد الموقوفين من جماعة سلمان، وردّ عليه:
- إي إحنه من المطيهم الله؟ منطينه توقيف ... ايعجبك؟
قال الموقوف الجديد: ليش عمي، لو أنتَ مرشح نفسك للنيابة، لو تشتغل لَجل واحد، ومن ينجح ...حِملك بالصدر؟ 
ودوى ضحك الموقوفين مرة ثانية. أما سلمان، فكأنه في واد آخر. وهو يفكر بما بدى على شهد من كآبة وحزن.
الموقوف الجديد بدأ يتحدث عن سبب توقيفه. لبعض أفراد من القرية وبعض زوار –ابو الفضل-. ذكر انه وأخاه من گُوّام ابو الفضل، وأنهما فوجئا بحادث هَزَّ القرية هزاً. إذ لم يسبق أن تجرأ أحد فيسرق بيتاً مجاوراً لـ -ابو الفضل- فكيف بمثل هذا الحادث، الفضيع جداً؟.
وسيطر على الجميع صمت، إنهم يصغون بإنتباه لحديث الـﮕيّم [5]-. فقال واحد بدهشة: هوَ شنو هالحادث؟
قال القيم، عجيبة العجايب، يحير العقل. آنه بيدي غلقت الحضرة، وما ظل يَمهَه احد وبتوالي الوكت، صحيح أكو ناس نايمه بالفسحه! وأردف: شنگدر نگول، مَرَه، حرمه لاذت ببو الفضل من امس. باب الحضرة غلگتهه -أغلقتها- بيدي، ورحنه لبيوتنه. الحارس يطوف، من حيث بعض ناس يوصلون بالليل، والحرمه اللي إسمه "دانا" ربطت نفسه للضريح بشيلتهه. الحارس لگيناه مجتوف ومطروح بالأرض. سألناه: منهو سوه هالعمله السوده؟ گال، ازلام ملثمين. كسروا القفل وعملوها العمله السوده! وفرّوا وخلوني عَلَ هالحال ... شفتوني بعيونكم مجتوفه إيديَّ لَوَره، وحلگي همينه؟!
عَقَب القيم، الله يعلم وهو الشاهد، آنه نايم ببيتي والكم الله يا غافلين! الشرطة اخذتني وخوتي الثلاثة من الجرية، وبعض الزوار. هذا حك. والله ينجي الناجي ويعثر ابن الزنه؟!
بدت الدهشة بوجه سلمان أكثر، واربدَ وجهه، وجحظت عيناه، وسأل باضطراب: وانت تعرف اسم الحرمة المذبوحة؟
- اي عمي، عرفنه النسوان، جانن إهنا گالن أسمه دانا؟!
 
علي محمد الشبيبي
النجف – 10/03/1932
 
الهوامش
*- ترك والدي طيب الله ثراه من بين مخطوطاته مجموعة من القصص القصيرة،  آملا أن تسعفني الظروف لمراجعتها ونشرها تباعا، على أمل أن أتمكن من طبعها في مجموعة قصصية./ الناشر محمد علي الشبيبي
1- مثل يطلق على من يتدخل في أعقد الأمور، من ذوي القدرة والإدعاء وهذا مثل قروي. يقولون –معيط شراي طلايب- ومعيط ربما أسم شخص.
2- الغثيث، هو المزعج. ويكثر عند القرويين هذا الأسم.
3- في بداية تشكيل الدوائر الحكومية كانوا يسمون فراش اعلا موظف في الدائرة –قواس-.
4- هكذا يقال، وهو ليس له علاقة بـ (ابو الفضل العباس)، والقرويون طالما نصبوا مزارات ونسبوها لأمام!
5- الـﮕيّم: القيم ويلفظها القرويون – گيّم- بالكاف الأعجمية، والجمع گوّام ومعناه السادن، وهي تعني من يقوم بخدمة الضريح وشؤونه.
 


7
بنت الشيخ
للمربي الراحل علي محمد الشبيبي*
(1913-1997)




 
كانت ألسنة اللهب تمتد من فم التنور، وتتمايل ذات اليمين وذات الشمال، كأنها تلعق حوافيه. أما "شمسه" فقد وقفت متكئة على المحراث[1]، غارقة بتفكير عميق، وقد صوبت نظرها إلى بعيد، كأنها تفكر بالغد المجهول؟
كل ما حولها هادئ ساكن. والنهر يجري متمهلاً كأنه العاشق الناحل. وشجرات الصفصاف تتمايل أغصانها تمايلاً غير محسوس. أما كلب البيت فقد ربض قريباً منها باسطاً يديه ينتظر –على العادة- أن تلقي إليه رغيفاً في الوقت المعين. لكن العجوز "عفته" أم زوجها، كانت وهي داخل الكوخ، تردد بصوت مسموع ترنيمة طالما رددتها:
"شرجي رُكبْ فوگ الغيوم .....  ريتك بحالي يا التلوم"
- ايه!؟ .... شرجي ركب فوك الغيوم؟. قالت شمسه –معقبة- وتأوهت دون وعي آهةً حادة. لفتت سمع العجوز، وهي تتهيأ لنقل اجانة العجين إلى التنور، وصاحت العجوز من مكانها:
- شمسه، شمسه؟ شصابج يُمه، يَعَلچ (لَعَلَكِ) بخير؟
- ما كو غير الخير عمه!
ومدّت المحراث في التنور، فهاجت ناره من جديد، ورمت بجوفه قبضة من الحطب، وعادت فاتكأت عليه، مرسلة بنظرها إلى الأفق البعيد بذهول. وراحت تستعرض صورة حياتها منذ أن وطأت هذا البيت، منذ تسعة شهور، حتى هذه الساعة التي فاجأها الغم على غير سبب!
أطلقتها زفرة، وأرسلت ببصرها إلى الأفق البعيد. ذاك هو بيت أبيها "الشيخ موسى" ذو الجدران العالية حتى كأنه برج حربي. وكأنها ترى عمّتهُ البيضاء الكبيرة، ومسبحته السوداء، وشفتاه تتحركان دون أن يسمع له صوت، إنه دائم الحمد والتسبيح.
وأولآءهم إخوتها، وأمها المهابة الوقور. وكأنها تسمع أصوات المتجادلين في مجلس أبيها من رجال العلم والدين، فتأخذها الحسرة والندم مما أقدمت عليه. ثم تذكرت ما كانت تعانيه من قيود لا يحتملها الحيوان الأعجم. ان الحياة في بيت أبيها جحيم لا يطاق.
- آه .... الله يلعنج من فوّاله[2]؟! لفظت هذه الجملة دون وعي، بعد فترة من سكونها الذي استعرضت فيه ما أقدمت عليه، دون أن تشعر إن العمة "عفته" قد جاءت تحمل إجانة العجين، وقد سمعت ما فاهت به، وبلهجة ندم حزينة.
وفغرت العجوز فاها بعد أن حدقت بوجه "شمسه"، وقالت متسائلة:
- فوّاله؟ وِين الفوّاله؟ يا وكت يَتْ[3]؟
وانتفضت خجلة، استعادت وعيها، وأجابت:
- ها ..... ماني وياﭺ. حجايه عتيجه ذِكرته الساعه!
وعادت العمة إلى الكوخ. فعادت هي ثانية تستعرض، وكأن كل شيئ يعرض أمامها حقيقةً لا خيالاً ....
تذكرت الفوالة –خديجة- يوم جازفت، وزارتها في غفلة من أهلها. طلبت منها أن تخبرها عن نيّة في صدرها، فحذرتها: إن العاقبة ليست على خير. وإن مصيرها إن نفذت ما تفكر به، ليس خيراً مما انتهت إليه حياة أختها؟ فتذكرتها وانتابتها موجة عاتية من الهم والحزن.
كانت أختها –فاطمة- تختلف عنها اختلافاً كبيراً. فاطمة كانت كبرى أخواتها، اجتاحتها  وهي في الخامسة عشرة من سنها ثورة عنيفة، دفعتها إلى التمرد على سُنة العائلة، فخرجت على طاعة أمّها وزارت الجيران، خلافاً لما رسمه والدها الشيخ. وتعلمت القرآن سراً، على يد الملاية أم سلمان.
الشيخ –والدها- يرى تعلم القراءة خطر على دين الفتاة وعفّتها، ويردد دائماً: ان أحد الصلحاء مرّ على رجل يعلم فتاته. فقال له: لا تزد الشر شراً. إنك تسقي سهماً سُماً يُرمى به يوماً ما!
كذلك ارتدت من الملابس الزي المبتكر إذ ذاك، مما دعا أخاها الكبير أن يسر إلى أبيه عن أمرها، فشددا عليها، وضرباها ضرباً مبرحاً. وانتهى أمرها ان أصيبت بالجنون، ولم يعلم أحد كيف ماتت!
لم تبال "شمسه" بكل ما يمكن أن يجري عليها. وصممت أن تنفذ رأيها.
وانبسطت أمام خيالها الصحراء الجرداء، والرمال الصفراء بين النجف وكربلاء، وقافلة الزوار، ورنين أجراس الحمير والبغال، وضحك الرجال وأحاديثهم، وهم يرعون عائلاتهم، وكيف كانت تلك القوافل، مع "مِزعل" وقد أحكم لثامه، وغيّرَ لباسه إمعاناً في التنكر.
وثارت عاصفة هوجاء. أثارت الرمال، وكأنها تزأر، أو تولول، وتنثر الرمال والحصى بوجوه الزوار، دون أن تجدي أهازيجهم في مدح ورثاء الحسين، وهم زواره وموالوه، وولولت النساء، وأطفالهن، وعلت أصوات العجائز، هاتفات مستنجدات بالأئمة والصالحين، و –الخضر- المندوب لكل شِدة. ثم لم يعد أحد من أفراد القافلة يدري بمن معه من عائلته، ورفقته، أين وكيف ذهبت به دابته في تلك الصحراء المترامية الأطراف! اَما "مزعل" فانه ملك زمام دابته وزمام الدابة التي حمل عليها "شمسه". كان رابط الجأش. رصين الخطو، مُركزاً نظره على الطريق رغم شدة العاصفة، ورغم هذا الانقلاب الهائل، والظلام الشامل إذ حجب الشمس ما ثار من رمال، وهي تنحدر نحو المغرب للمغيب.
مرت فترة حسبها الجميع دهراً، أنكشف بعدها الجو، وكانت تسمع صرخات من بعيد. المكاري الشاب "حمزة" كان يبحث عن أفراد القافلة. وأنضم إليه رجال ممن لم يستطع أن يحافظ على كل الأفراد الذين هم من أهله، ساعدهم للاهتداء إلى من حرفتهم العاصفة عن الطريق، صرخاتهم. تلك أم تعول، إبنتها الشابة، من التائهين. وذاك شاب ينادي بحرقة أباه الشيخ.
والتفت إليها "مزعل" وقال: هَمْ هذي نعمه من الله، تدرين عمِّكِ –شيخ عيسه- بهاي القافلة، ولو ما ها العجاجه إنفضحت قضيتنه!
وأرسلت "شمسه" أهة، وقالت في سرها: ليتني كنت ساعتها من الضائعين، وإلى العدم؟! 
وانسابت من عينيها دمعتان، فإذا بالعمة "عفته" وكأنها لم تر شيئاً تنشد:
"ڴلبي مثل آذار يِصَحى ويغيم ..... وبحجة الدخان أبـﭼـي من ﭼَيّم[4]". شمسه، يبنيتي إنتِ اليوم مو على حالـﭻ! إخذي راحتِـﭻ ومَيلي عن التنور، آنه أخَبِز!
- لا عمه، ماكو شي.
وانحنت على الإجانة، تأخذ قطعة عجين، تصفقها بين يديها فتكورها وتضعها في الطبق. بعد ذلك استوت واقفة، تتناول قطع العجين واحدة بعد أخرى، تضربها بكفيها حتى تصير رقاقةً مدورة، فتدحوها بجوف التنور!
وانتهى الشوط الأول من الخبز، فحملته العجوز، بينما أخذت هي تلقي بعض الحطب في التنور، وتؤجج النار بالمحراث، وهي تردد: شرجي ركب فوك الغيوم ..... ريتك بحالي يا التلوم؟
وحدقت بالأفق والشمس قد غاص قرصها، في المدى اللانهائي، وملأ الفضاء بعدها بلون إرجواني رائع. لكنها ما تزال تحدث نفسها وتلومها.
- على يا سبب هجرت بيت أبوي، من يصدقني ويطيني الحـك "الحق". كلهم يقولون: - إنتِ مَرَه، وحق على المَرَه ترضَ بكل مايجره، وكل التشوفه العين مقَدّر ومقسوم.
آه ..... يا ويل المَرَه! يصير حزن وشوم يوم التنولد، ولَمَن تكبر ضحكته عيب، ومشيته عار، وزواجه ورطه! يزلِف الولد، ويغوص بالعار، وينمسح عنه كلشي من يكبر!. لاﭽن المَرَه؟ ما يمسح غلطتهه حتى دمهه! 
وكادت تجهش بالبكاء والنحيب، لكنها ضغطت على أعصابها، فإذا بوجهها كوجه طيار في معركة ليلية مع طائرات الأعداء وأضوائهم الكشافة.
راحت تصارع نفسها، وتؤجج نار التنور بحركة عصبية حادة.
- لازم أرجع لبيت أبوي ..... أرجع أعود لذيج العيشة. أهه ... هيّه ذيج عيشه؟ حرام عليّ أضحك، حرام أطلع للجيران، حرام، حرام، كل شي حرام، اللـــــــــــــه أكبر ... أبد ما أنسه يوم جوني خطابه، ناس من غير محلتنه، ولن أبوي، يمنع، ويحَلِّف أمي. شلون ها الناس عرفوا عندي بِتْ؟! وهُمَه من غير محله؟
لآ. لآ. آنه طلعت، راضيه بكل ما الاقي وَيه "مزعل" خير وشر! هيه موته وحده. وهَسه الموت يحلَه! شفت الدنيه. شفت وجه الله. يوم واحد عشته بها الثنيه نساني كل عمري العشته بيت أبوي. لا ﭽن آه يا ويلي من عمي -شيخ عيسه- وبَسْ.
أشوفه الساعة ضاقت الدنيا الوسعه بعينَه! اشوفه ما يخلي مكان يعتب عليه، ولابد من ساعه يلـﮕاني!
وعلا ضجيج الرعاة العائدين بقطعان الأغنام. وتردد صوت شجي بأغنية: سَلَّمِتْ روحي وياك يا شمس الغروب!
فنفرت وكأن هذه الأغنية قد مسَتها بأشد من لهيب التنور.
وصاح صائح من بعيد ...
عيسَه ولك، شوف ذاك درويش[5] علي؟
فنفرت كمن مسه ذعر مفاجئ.
-   آخ. عيسه! ومنو غير عيسه؟. ﮔبالي، كل وكت، وعلى بالي، ما تغيب ... عيونك عيون الصـﮕر، ووجهك وجه الذيب. الضحكة ما تفارق اشفافك. إلا أنت أغدر من الذيب!
ودَوى صوت الدرويش، وأقترب، وأخذ لهب التنور يخف، وراحت العصافير تتطاير زرافات من شجرة إلى أخرى، ومن غصن إلى آخر، تزقزق وكأنها في زحام معركة، وفي شجار عنيف.
وبدت العجوز "عفته" بقامتها المديدة، وعُمتها السوداء لترى الدرويش، وتسمع مديحه للأئمة الأطهار، وتمنحه شيئاً من الرزق. لكن الدرويش اختفى ولم يسمع له صوت.
وتلفتت العجوز في ساحة البيت فلم تجد غير إجانة العجين... والمحراث. ولم تسمع غير زقزقة العصافير، تودع النهار مستقبلة الغروب.
الكاتب: علي محمد الشبيبي/ كربلاء في 16/06/1957

الناشر: محمد علي الشبيبي
السويد/ كربلاء 18/09/2017

الهامش
*- ترك والدي طيب الله ثراه من بين مخطوطاته مجموعة من القصص القصيرة،  آملا أن تسعفني الظروف لمراجعتها ونشرها تباعا، على أمل أن أتمكن من طبعها في مجموعة قصصية./ الناشر محمد علي الشبيبي
1- المحراث: عودٌ تحرك به الخابزة نار التنور، ليستوي كل الحطب فيه.
2- الفَوّاله، والفوال صنف من الدجالين يدعون أنهم يكشفون عن الغيب لمن يريد أن يعرف عن مستقبل حياته، وما ينتظره من خير أو شر.
3- يَتْ: جاءت. بعض لهجات القرويين تنقلب عندهم الجيم الى ياء.
4- ﭼَيّم: عملية تحضير النار من الحطب أو المطال  (روث البقر) بهدف الطبخ أو شواء الخبز.
5- القرويون في أساطيرهم ينسبون الدروشة للأمام علي (ع)

8
تحية وفاء ومحبة الى الدكتور الجراح اسامة نهاد رفعت
في المجموعة الشعرية لوالدي طيب الله ثراه التي طبعتها سنة 2013 مجموعة قصائد إخوانية، بعضها يمتد بها القدم لسنوات الخمسينات وما قبلها. اصبح الاتصال بشخصيات أشعار الوالد الاخوانية مستحيل لأن جميعهم قد فارقوا الحياة رحمهم الله جميعا. ولكن بين هذه القصائد قصيدة بعنوان (نسج المروءة -12/6/1984-) مهداة الى الدكتور الجراح اسامة نهاد رفعت. والوالد في قصيدته يبجل إنسانية الدكتور اسامة نهاد رفعت وقدراته وخبرته العلمية ... ولم يكن إطراء الوالد مجاملة أو ردا لجميل أو موقف إنساني للدكتور وإنما كان واقعا وحقيقة تعكس علمية الدكتور الانسان (للأسف الان في العراق كثرة من الأطباء يفتقدون الحس الانساني -انها الموضة-) الذي أثبت بعد أشهر من عملية الوالد أنه ذو خبرة وقدرة علمية تميز بها بين أقرانه، فقد أجرى عام 1985 عملية زرع كلى ناجحة، وهي الأولى في وزارة الصحة!
 القصيدة منذ اطلاعي عليها أثارت في نفسي فضولا للتعرف على الدكتور اسامة لما يحمله من خلق ونبل ومشاعر إنسانية ... وخلال بحثي نجحت في الحصول على عنوان الدكتور الالكتروني ... فكتبت له رسالة وأرفقت قصيدة الوالد له ... وإذا بالتلفون يرن بعد دقائق من إرسال رسالتي، وكان على الخط الدكتور الإنسان النبيل اسامة نهاد رفعت ... تلفونه يؤكد لي أن الوالد لم يخطأ في تقييمه لنبل وأخلاق الدكتور كما أن الزمن الأغبر الذي نعاني منه (في الغربة أو في العراق) لم يؤثر سلبا على أخلاق الأصلاء من العراقيين والدكتور اسامة واحدا من الأصلاء ....
من مآسي شعبنا التدهور الأمني وانحطاط القيم! هذا التدهور والانحطاط نتيجة حتمية للحروب العبثية، ومن ثم حرب الاحتلال وتبعاتها من حرب طائفية وانعدام للأمن، فغيرت أخلاق الكثيرين وأصبح العيش في العراق صعبا بسبب التدهور الأمني وضعف الدولة وانعدام الخدمات في كل نواحي الحياة .... مما دفع الكثير من الكفاءات وممن يحملون خبرات علمية الى الهجرة .... واضطر الكثيرون للهجرة لأسباب مختلفة والدكتور أسامة أحدهم .... وبالرغم من وجود الدكتور اسامة خارج الوطن فهو مازال يتواصل مع زملائه ، أطباء وأساتذة، ويتبادل معهم الخبرات، وقد منح لقب أستاذ متمرس عام 1913 ويساهم في بعض المؤتمرات. ومن يقرأ ما كتبه الدكتور أسامة نهاد رفعت بعنوان (كلمات طبيب عراقي)* يحس بما يعانيه الدكتور من ألم وحنين والتصاق بالوطن لم تزعزعه منغصات الحياة.
كان الدكتور يتحدث معي وهو يتذكر الوالد والعبرات تتعثر على لسانه وأحس بدموعه وهو يتحدث بحرقة وألم على ما وصل إليه العراق من تدهور في كل مناحي الحياة المادية والمعنوية والإدارية. ظلم وجهل وفقر وتردي صحي بفضل سياسة الاحتلال ومن نصبهم لتسيير شؤون الوطن من حثالات وجهلة يتحكمون بمقدرات العراق، أثبتوا على مدى 14 عاما أنهم فاشلون وفاسدون بددوا مئات المليارات دون أن يقدموا لشعبهم ما يحتاجه من سكن ومدارس وتعليم لائق ومشافي ...الخ.
كنت أرى والدي من خلال حديثي مع الدكتور وعبراته وصدق مشاعره. والدي الذي اضطر للاعتكاف في البيت بسبب مضايقات الأجهزة الأمنية وتصرفات ضعاف النفوس التي جعلت من نفسها أداة طيعة للمخابرات الصدامية، فاستغلت إمكانية التواصل مع الوالد للإساءة له والابتزاز والنيل من كرامته وكبريائه بأساليب لا تنم إلا عن حقد وجبن وانتهازية (هذا الموضوع المؤلم لا يمكنني الحديث عنه بالتفاصيل ولكن ما توفر لدي من رسائل تركها الوالد، واحتفظت بها الوالدة خصيصا لي، تبين لي كم عانى والدي. وللأسف من أساء لم يعتذر لغاية اليوم!).
الف تحية للدكتور اسامة وتمنياتي له بالصحة والعافية وطول العمر. وأدناه يجد القارئ الكريم قصيدة الوالد (نسج المروءة).
أدناه قصيدة الوالد مع تعليقه على دوافع قصيدته:
نسج المروءةِ
مهداة إلى الدكتور أسامة نهاد رفعت الطبيب الأخصائي بالإمراض البولية. وقد أجرى لي عملية – استخراج حصى- من المثانة في 28/05/1984 بعد أن عانيت مدة عام وثمانية شهور من النزف الدموي وأنا معتقد أن هذا كان نتيجة خطأ في عملية استئصال البروستات التي أجراها لي الدكتور سعيد إسماعيل حقي في 28/12/1980. وراجعت الدكتور أسامة ، وبالأشعة ثبت أن ذلك كان بسبب حصى في المثانة والكلى. وأحس أني محسوب على زمرة الادباء فاحبني وعني بي عناية خاصة. ووجدت الدكتور أسامة مثالا للطف والطيبة والاهتمام بمرضاه جميعا عكس كثير من زملائه الذين شاهدتهم حين يزورونهم صباحا، أشبه باستعراض لهم بأسرتهم، وحين يشكو المريض يردونه بسماجة.
لم يكن بمقدوري ان أقدم له هدية بعد إجراء عملية استخراج الحصى قدمت هذه القصيدة مع العذر، فأجاب: هذه تبقى والهدايا يصيبها التلف والضياع فاشكرك.

بسمة الفجر قد أطَلتْ  عليا
      ونسيم الصبا تهادى إليّا

وحفيف الغصونِ ينسابُ رهواً
      مثل لحنٍ لعازفٍ يتهيّا

والسواقي تَرَنمت  بابتهالٍ
      رائع اللحن صنعه  عبقريا

جاوَبتها بلابلُ الروضِ شدواً
      ساحراً يطربُ الحزين شجيّا

كلّ هذا الجمال في خدمة الإنسان
      يروي ضماهُ منه هنيّا

وحدة الكون في العوالم طراً
      تتحدى من يَحسبُ الأمر غيّا

*   *   *
ولقد مرَّ لي من العمر  حين
      والهوى والشباب بين يديا

أترعُ الكأسَ باللذاذات صفواً
      ماجناً تارة وطورا تقيّا

 وكأني استوعبت كل الأماني
      فغزا الشيبُ مسرعا عارِضَيّا

*   *   *
لستَ يا شيبُ قطُّ عني غريباً
      لستَ والله طارئاً عَرضِيّا

أنتَ شطرٌ متمم لحياتي
      حملَ الصبرَ صولجانا قويّا

 أنتَ زادٌ إذا تناءى طريـقٌ
      كان للمدلجين شبعا  وريّا

*   *   *
يا صديقي قد أتعبتني  الليالي
      وهمومٌ تعش في جنبيّا

ليس هذا ما يقلق البالَ مني
      فهمومي تضاعف العزم فيّا

غيرَ انَّ الهموم أولدن داءً
      صار مما أُحسُ داءً دَوِيّا

وتوجهتُ نحو بغدادَ أرجو
      كشفَ دائي وقد بدا لي عَصيّا

وإذِ اخترتُ جهبذا لستُ أخشى
      بعدَ هذا من أمر دائي شيّا

هو نسجٌ من المروءَةِ واللطفِ
      عاهدَ العلمَ أن يكون وفيّا

بِشرهُ يبهج المريض فيبدو
      قوةً تجعل المريض سَويّا

خُلُقٌ شفَّ عن صفاءِ  ضميرٍ
      هو كالنبعِ وافراً ونقيّا

هَمّهُ أن يرى المريض معافى
      مشرقَ الوجه مطمئنا رضيا

 يا أبا مصطفى وأنت عليمٌ
      بالذي يجعل الأديب شقيا

فتقبلْ ما صنعتهُ لك شعراً
      مُتقنَ السبكِ خالصا عَربيّا

                                                                       كربلاء في 12/06/1984 


محمد علي الشبيبي
السويد / كربلاء- العباسية الشرقية
17/8/2017


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*- أدناه رابط مقالة الدكتور اسامة:
http://wwwallafblogspotcom.blogspot.se/2014/11/blog-post_620.html

9
ملاحظات بشأن ضحايا انقلاب 8 شباط 1963
رسالة مفتوحة لرئيس مؤسسة السجناء السياسيين المحترم
في 21/10/2013 نشرت الوقائع العراقية القانون رقم (35) لسنة 2013 قانون التعديل الأول لقانون مؤسسة السجناء السياسيين رقم (4) لسنة 2006 وما يتعلق به. وبهذا التعديل تكون مؤسسة السجناء وبالتعاون مع بعض النواب قد نجحوا في منح الحقوق لضحايا انقلاب 8 شباط 1963. وللأسف أن القانون ترك بعض النقاط المبهمة كما أنه لم يوضح أو يعرف من هم ضحايا الفترة (8/2/1963-18/11/1963) التي حددها التعديل، كما فعل مع تعريفه لمحتجزي رفحا حيث خصهم بفقرتين (د) و (ز) من المادة (5). التهرب من عدم التعريف بالحقيقة الدموية لانقلاب 8 شباط 1963 وتجنب تعريف ضحايا الانقلاب جعل معظم الحقوقيين مسؤولي اللجان الخاصة الى اتخاذ قرارات مجحفة وغير عادلة بحق ضحايا انقلاب 8 شباط الدموي. وهناك مشاكل وعقبات كثيرة معظمها مفتعل من قبل لجان التحقيق الهدف منها عرقلة المعاملات والتشكيك بصحة الطلبات بالرغم من أن كثيرين يمتلكون وثائق ومستمسكات رسمية (مقتبس حكم، دفتر الخدمة العسكرية، قرار الفصل الوظيفي، صور داخل السجن، الشهود، وحتى المذكرات التي نشرت قبل صدور القانون بسنوات وذكرت فيها أسماء السجناء...الخ). ومن خلال تجربتي الشخصية وصفحة الفيس بوك الخاصة (شهداء ومعتقلو انقلاب 8 شباط 1963 الدموي) والبريد الالكتروني وصلتني كثير من التساؤلات والشكاوى ترى اجحافا وعدم عدالة اللجان الخاصة في قراراتها. وبناءً على كل ذلك صغت الملاحظات والمقترحات أدناه. لذلك أعتبر نشر هذه الملاحظات والمقترحات بمثابة رسالة مفتوحة للسيد رئيس مؤسسة السجناء السياسيين لدراستها وإجراء ما هو ضروري من توضيح وتعديل لتلافي أي اجحاف بحق ضحايا 8 شباط 1963. كما أحث الجهات السياسية التي تتعاطف مع ضحايا تلك الفترة ومن خلال ممثليها إن وجدوا في المؤسسة، أو من خلال علاقاتهم السياسية بتبني هذه المشاكل ومتابعتها مع المؤسسة ، والتوصل الى إجابات وحلول لها لما ينسجم مع أهداف التعديل لقانون مؤسسة السجناء السياسيين رقم (4) لسنة 2006.


السيد رئيس مؤسسة السجناء السياسيين المحترم
ملاحظات بشأن ضحايا انقلاب 8 شباط 1963
في الوقت الذي نشكر الجهود الكبيرة في منح الحقوق للسجناء والمعتقلين، نجد من الضروري تناول بعض السلبيات والعقبات التي تواجه معتقلي وسجناء انقلاب 8 شباط 1963 آملين منكم دراستها واتخاذ الاجراءات اللازمة لتجاوزها ووضع الحلول والقرارات الواضحة. وهذه الملاحظات هي خلاصة معاناة الكثيرين ممن كانوا ضحايا للانقلاب الفاشي. ولهذا أجمل مقدما أهم المشاكل التي يعاني منها ضحايا انقلاب 8 شباط.
أهم المشاكل التي يعانون منها:
آ- ان قانون التعديل الاول لقانون مؤسسة السجناء السياسيين الصادر سنة 2013 حدد المشمولين بالاعتقال والسجين من ضحايا الانقلاب، وجاء في نص المادة ما يلي:
المادة -5- أولا: تسري احكام المادة هذا القانون على السجين والمعتقل السياسي ومحتجزي رفحاء من العراقيين وأزواجهم وأولادهم من الأجانب ممن سجن واعتقل واحتجز في ظل نظام البعث البائد وفقا لما يأتي:
1- للمدة من (8/2/1963) ولغاية (18/11/1963) وحتى اطلاق سراحة على ان لا يكون لديه قيد جنائي.
من الفقرة اعلاه يتمسك بعض مسئولي اللجان الخاصة بنص القانون وليس كما يقال بروح القانون والهدف من إصداره. فالقانون تم إصداره لأنصاف ضحايا انقلاب 8 شباط، فالمطلعون يعرفون أن تبعات انقلاب 8 شباط لم تتوقف بسقوط حكم انقلابيي 8 شباط بل تواصلت، وخاصة المحاكم (المجالس العرفية والعسكرية الأخرى) وتواصلت الأحكام الجائرة (بما فيها الاعدامات) بناء على تقارير وإحالات حكم البعث منذ انقلاب 8 شباط، فهم بذلك ضحايا للانقلاب الدموي. لذلك أن بعض اللجان الخاصة لا تعترف بالأحكام الصادرة بعد انقلاب 18 تشرين الثاني 1964 حتى وأن كانت إحالة القضايا من أيام حكم البعث وبموجب اتهامات تتعلق بمقاومة الانقلاب الدموي في 8 شباط! كما أن اللجان الخاصة لم تستوعب قانونيا معنى اطلاق السراح بكفالة! فكثيرون من معتقلي 8 شباط اطلق سراحهم بكفالات (ايام الحرس القومي) وقدموا الى محاكم المجالس العرفية بعد 18/11/1964 وصدرت بحقهم أحكاما قاسية، بناءً على الاحالات التي تمت أيام حكم البعث الاول وصدرت أحكاما عليهم لمقاومتهم انقلاب 8 شباط 1963. ولكن اللجان الخاصة تحددت بنص الفترة التي أشار اليها تعديل القانون بينما اطلاق السراح بكفالة لا يعني أبدا نهاية الاعتقال بل هي تحديد ومراقبة لحرية المواطن لحين تقديمه للقضاء، ويمكن ان تتم محاكمته بعد ايام او حتى بعد سنوات وهو مرتبط بالكفالة والكفيل مسؤول قانونيا بإحضار المتهم للجهات المسؤولة عندما تطلبه.
كما لاحظنا أن بعض الذين اعتقلوا أيام الزعيم عبد الكريم قاسم، وواصل الانقلابيون البعثيون بعد 8 شباط اعتقالهم ومن ثم تقديمهم للمحاكم وإصدار عقوبات بحقهم، لم تعترف معظم اللجان الخاصة بحقوقهم كضحايا لانقلاب 8 شباط حتى وإن تمت تصفيتهم بالتعذيب او الإعدام من قبل بعثيي 8 شباط!
نرى على مسئولي اللجان الخاصة أن يستوعبوا روح القانون والاسباب التي دعت الى اصداره ... وتركت هذه النقطة (تحديد الفترة) في القانون سائبة لم تتطرق ابدا الى تعريف من هم ضحايا فترة (8/2/1963) ولغاية (18/11/1963) ولماذا اعتقلوا وكيف يعالج تبعات اعتقالهم بعد هذه الفترة ...الخ بينما في تناول حالة محتجزي رفحاء يتناول القانون بتوضيح وتفصيل حالة المحتجزين بالفقرة (ر) من نفس المادة -5- اولا. واعتقد ان هذا النقص في التوضيح كان يراد منه التسويف وترك مسئولي اللجان الخاصة بالقرار حسب أمزجتهم وميولهم الفكرية ومدى تعاطفهم مع ضحايا انقلاب 8 شباط، وللأسف لم يكن هناك من طرفنا من هو مسؤول وقادر على متابعة مقترح القانون وعرضه على مختصين لاستيعاب نواقصه وتجنبها. 
ب- بالرغم من ان هناك تعليمات في الاسراع بمعاملات كبار السن أولا فأن التعثر والإبطاء في معاملات ضحايا شباط مستمرة. والضحايا يلاقون صعوبة في ايجاد الشهود خاصة الجنود لأنهم اعتقلوا في وحداتهم ويصعب عليهم ايجاد شهود، وكذلك الاشخاص الذين انتقلوا من أماكن سكناهم عام 1963 الى مدن أخرى هم ايضا من الصعب عليهم ايجاد شهود، وهناك مرضى وكبار سن مقيمين في الخارج لا يمكنهم المراجعات المستمرة والعشوائية (اي بدون تحديد مواعيد دقيقة لهم) للجان الخاصة وحتى إذا تم تحديد لهم موعد فكيف يمكن لشيخ اقعده المرض وكبر السن ان يراجع وهو عاجز حتى عن تناول كأس ماء!؟
ج- لأن القانون حدد فقط الفترة ولم يتناول اسبابه لتخصيص هذه الفترة ولم يعرفها جيدا فأن قرارات مسئؤلي التحقيق في اللجان الخاصة كانت مختلفة ومتناقضة وأحيانا لنفس اللجنة يوجد فيها تناقض وعدم توافق وانسجام لروح القانون.
د- عندما يتقدم الضحية بطلب تظلم واعتراض على قرار اللجنة فأن الموظف المسؤول يملأ استمارة فقط فيها جملة واحدة ما معناها (اني اعترض على القرار!؟) وكأنما جفيان شر فقط، وهذا يعتمد على وعي المعترض القانوني فلا يكتب سبب الاعتراض ولا يرفق الاوليات ... وهكذا فالقاضي عندما تصله مثل هذه المعاملة الناقصة بالتأكيد يكون موقفه سلبا. مع العلم ان الاعتراض يبقى بين درج الموظف وهيئة الطعن لأشهر -بسبب كثرة الطعون-.
هـ- البعض مازال يحتفظ بقرار السجن أو بكتب رسمية (من دائرته ...) تثبت اعتقاله، وهذه الكتب مصدقة من دار الوثائق والكتب ومع هذا يطلب منه احظار شهود، بينما الكتب وهي مصدقة رسميا هي أكثر دقة ومصداقية حتى من الشهود ... ولكن مطالبة ضحايا الانقلاب بالشهود وهم قلة جدا بعد هذه العقود الستة تقريبا على تلك الاحداث يراد منها التهرب من اي قرار ايجابي لصالح الضحية. وأحيانا يرفض المسؤول في التحقيق بعض الشهود لأنهم شهدوا أكثر من مرة (4- فأكثر) ويسألهم هل استلموا مبلغا من أجل شهادتهم؟ وينسى المحقق أن المعتقلين في سجن واحد او من مدينة واحدة كانوا اصحاب او رفاق واحدهم يعرف الاخر ولا يوجد غيرهم اليوم بسبب وفاة البعض او انتقال البعض ... أنها مجرد حجج للتسويف والعرقلة.
وبناءً على الملاحظات أعلاه أتوجه بصيغة النداء التالي آملا دراسته بجدية لمعالجة المشاكل المطروحة ولكم جزيل الشكر مقدما.

نداء الى رئيس مؤسسة السجناء السياسيين!
في الوقت الذي نشيد بجهودكم الوطنية المخلصة من أجل منح الحقوق لكل السجناء الذين عانوا من اضطهاد وسجون وتعذيب أيام الحكم البعثي الأول والثاني ... لكننا نجد ان هذه الجهود تبقى ناقصة لأن هناك أعداد كثيرة من ضحايا انقلاب 8 شباط 1963 من تجاوزت اعمارهم السبعين والثمانين والتسعين عاما وهم في وضع صحي متردي جدا، وبعضهم يعيش في المنافي ولا تساعده صحته حتى للعودة للوطن ... فهؤلاء من كبار السن البعض منهم لا يغادر حتى بيته وإن غادره فيغادره للمشفى او للعلاج .... ان هذه الظروف الصعبة التي يعاني منها كبار السن من ضحايا الانقلاب الدموي هم أكثر حاجة للالتفات إليهم وتسهيل معاملاتهم لنيل حقوقهم التي نص عليها قانون السجناء السياسيين المعدل. لذلك نقدم لمؤسستنا الموقرة المقترحات التالية:
1- يسمح لكبار السن والمرضى منهم أن يقدموا طلباتهم في مدن إقامتهم الحالية، أو ان يختاروا المدينة الأسهل لهم، وخاصة أن بعضهم اضطرته الظروف الى الانتقال من المدن التي أعتقلوا فيها في ذلك الزمن.
2-  بالنسبة لكبار السن والمرضى من ضحايا الانقلاب الفاشي المقيمين خارج الوطن أن يسمح لهم بتقديم طلباتهم وأخذ إفاداتهم وشهودهم إن توفروا في القنصليات وتصديقها لتأخذ مجراها القانوني في حسم قضاياهم دون سفرهم لمراجعة اللجان الخاصة بالمؤسسة.
3- لا يخفى عليكم ان القانون عندما شمل ضحايا انقلاب 8 شباط 1963 كان يراد منه رفع الحيف عن ضحايا الانقلاب وتعويضهم عن الضرر الذي أصابهم بسبب الاعتقال والتعذيب والسجون والفصل وغيرها من انتهاكات ... ولكن وللأسف الشديد أن بعض مسؤولي اللجان الخاصة عن التحقيق في الافادات ولأسباب نجهلها يتخذون قرارات غير عادلة وتناقضة. فمثلا في مقتبس حكم واحد في قضية واحدة وبمادة واحدة صدر فيها حكم بعدة سنوات على مجموعة، ولكن قرار اللجنة الخاصة اصدرت قرارها على بعضهم باعتبارهم سجناء وعلى البعض الاخر اعتبرتهم معتقلين مع العلم ان الجميع قضوا فترات متفاوتة في السجن بين سنتين الى اربع سنوات! أليس هذا غبنا وتناقضا في القرارات.
4-  يرجى توجيه دوائركم في التسريع بمعاملات التظلم ونأمل من القاضي الذي يدرس هذه التظلمات ان لا يتخذ قراره قبل ان يستمع لوجهات نظر صاحب التظلم.
5- كما تعلمون ان احداث انقلاب 8 شباط 1963 قد مر عليها اكثر من نصف قرن، والكثير من هؤلاء الضحايا فارقوا الحياة والاخرون تشتتوا في المدن والمنافي في انحاء العالم ... ومن الصعب على البعض البحث عن أحياء من زملائه في السجن، لذا نرجو الاكتفاء بمقتبس الحكم الموثق من دار الوثائق والكتب، أو اية وثيقة أخرى مثل دفتر الخدمة العسكرية، أو كتب سحب اليد والفصل السياسي وغيرها من كتب رسمية.
6- كما نرجو عدم الاعتراض على الشهود إذا تكررت شهاداتهم على زملائهم في السجن لأنه من الصعب بعد أكثر من خمسة عقود العثور على شهود كانوا من الزملاء في السجن. فقد لاحظنا أن بعض المسؤولين في التحقيق يتهم بعض الشهود بأخذ اجور على شهادتهم المتكررة لأكثر من سجين او انه يرفض شهادتهم وينسى هذا الحقوقي ان الشاهد تحت القسم.
7- لا يخفى عليكم ان تبعات انقلاب 8 شباط 1963 استمرت حتى بعد انقلاب عبد السلام عارف في 18 تشرين الثاني 1963. وقد تمت اعتقالات للكثيرين في فترة حكم الاخوين عارف بناء على اعترافات وأوامر القاء قبض صدرت في فترة حكم البعث ايام انقلاب 8 شباط 1963 وهذا يعني أن هؤلاء هم أيضا من ضحايا الانقلاب الدموي، لذا نأمل ان يتم توضيح ذلك ليشمل هؤلاء الضحايا باعتبارهم من ضحايا 8 شباط 1963.
8- للأسف لم تعترف بعض اللجان الخاصة بقرارات الحكم الصادرة بعد انقلاب 18 تشرين الثاني 1963 بالرغم من أن قرارات الحكم قد ثبت فيها أن اسباب الحكم هي المشاركة في التظاهرات المعارضة لانقلاب 8 شباط 1963 أو في مقاومة الانقلاب. لذا نرجو أن يتم توضيح وإقرار أن كل من تم سجنه بسبب التظاهر ومعارضة انقلاب 8 شباط أو قاوم الانقلاب، أو سجن بسبب اعترافات أو القاء قبض صدر ضده في زمن حكم البعث الأول (أي الفترة التي حددها التعديل) يعتبر من الضحايا وبغض النظر عن زمن صدور الحكم عليه.
9- بعض السجناء او المعتقلين كانوا قد اعتقلوا قبل انقلاب 8 شباط 1963 اي في ظل حكم عبد الكريم قاسم، ولكنهم بقوا في الاعتقال خلال فترة انقلاب شباط وتعرضوا للتعذيب والتحقيق وصدرت عليهم أحكاما بعد انقلاب 8 شباط، لم تعترف بهم اللجان الخاصة كونهم من ضحايا 8 شباط. كل سياسي واعي يعرف أن إبقاء هؤلا في المعتقلات والسجون بعد الانقلاب بينما أطلق الانقلابيون سراح المعتقلين (من رفاقهم ومن قوميين) الذين كانوا قبل 8 شباط في المعتقلات وتمسكوا بالاخرين وهذا وحده يؤكد أن الذين تم احتجازهم هم ايضا من ضحايا 8 شباط وإن اعتقلوا في فترة سابقة. لذا نأمل ان يتم توضيح ذلك للجان الخاصة بحيث يشمل القانون هذه الفئة من المعتقلين.
10- منذ عدة أشهر اصبحت المواقع الالكترونية للمؤسسة أو لفروعها (مواقع اللجان الخاصة في المحافظات) غير ممكن الدخول إليها أو حتى فتحها!!؟ بينما كانت هذه المواقع وسيلة تسهل للمواطن (المعتقل أو السجين) متابعة القرارات الصادرة من اللجان الخاصة المتعلقة بقضيته، أو أنه بإمكانه الكتابة والاستفسار والتوضيح. حتى أن موقع المؤسسة الرئيسي بالفيس بوك لا يمكنا الاتصال عبره فالشباك المخصص للاتصال (اتصل بنا) هو مجرد تمويه لا يمكن فتحه مطلقا لغرض الاتصال!؟. نأمل أن تعيدوا تفعيل هذه المواقع كي يتسنى للمواطن متابعة ما يخصه من قرارات اللجان الخاصة.
لذا نرجو منكم آملين كما عودتمونا في منح الحقوق للمعتقلين والسجناء من ضحايا انقلاب 8 شباط 196، وذلك من خلال معالجة النواقص والسلبيات التي أشرنا إليها أعلاه.

هذا ولكم جزيل الشكر
محمد علي الشبيبي
لوند/ كربلاء/ العباسية الشرقية

10
لا إصلاح في العراق دون إصلاح النظام الإداري العراقي!؟
هذه وجهة نظر آمل أن يتناولها المختصون بالدراسة الجادة! كان سابقا اي ما قبل السقوط وفي كل الانظمة السابقة (النظام الملكي والأنظمة الجمهورية التي تلته) ان العمل الاداري في كل مؤسسات الدولة يسير وفق نسق دقيق متعارف عليه وواضح ومتشابه لا يقبل الاجتهاد أو التجاوز. ففي كل الدوائر توجد شعبة الذاتية. هذه الشعبة من تخصصاتها ان تستقبل الكتب الرسمية وطلبات المواطنين وتثبيتها في سجلها الخاص (سجل الواردة). هذا السجل بمثابة الدليل والمستمسك لصاحب المعاملة على أنه قد سلم معاملته للدائرة المعنية. لذلك يكون المواطن وشعبة الذاتية حريصين على ان يستلم المواطن رقم وتاريخ الواردة (كوصل استلام) كي يتسنى له المراجعة والمتابعة وهو مطمئن أن معاملته ستأخذ مجراها الاداري من أجل الانجاز. كذلك يوجد في شعبة الذاتية سجل للصادرة. وفي هذا السجل (سجل الصادرة) يتم تسجيل جميع المعاملات والكتب المنجزة أو التي يراد إرسالها لدوائر أخرى. وتسجيل اي معاملة تنجزها الدائرة في هذا السجل، اي منحها  رقم وتاريخ الإصدار، هو دليل على انجاز المعاملة في تلك الدائرة. وبوسع المواطن أن يتابع معاملته بدءاً من الواردة هذا إذا كان هو قد سلم معاملته للواردة وحينها يعتمد على رقم وتاريخ الواردة الذي استلمه. أما إذا كانت المعاملة مرسلة بريديا لدائرة ما، فإن الدائرة المرسِلة تعطيك رقم وتاريخ الصادرة للمعاملة وما عليك إلا مراجعة الدائرة المرسَلة لها معاملتك. وتبدأ متابعتك من الواردة اعتمادا على رقم الصادرة من الدائرة المرسِلة. وهكذا وبكل سهولة يمكنك ان تعرف مصير معاملتك.
هذا النظام الإداري الدقيق والشفاف كان سائدا في جميع دوائر الدولة ولا يستثنى منها إلا بعض الحالات الخاصة. أما اليوم وبفضل الجهل الإداري والفساد الإداري والمالي المنتشر في معظم دوائر الدولة فلا وجود لمثل هذا النظام الإداري الذي تم تثبيته خلال عمر الدولة العراقية ولغاية سقوط الصنم، ولا أريد التعميم لأن بعض الدوائر -وهي قلة- تمارسه ولكن بتعثر. واليوم تم التجاوز عليه وعدم اعتماده كمبدأ إداري مهم في انجاز معاملات المواطنين، كل ذلك بفضل الاحتلال الامريكي وورثته الذين تسلطوا على الشعب منذ السقوط ولغاية اليوم.
عدم انسيابية إنجاز المعاملات وعدم اعتماد النظام الإداري الذي ذكرته (الواردة والصادرة) آنفا في سير المعاملات، يؤدي بالتأكيد الى الفساد الإداري والمالي في الدولة ويجعل المواطن في دوامة مدمرة بين الدوائر! فيضطر المواطن وبسبب ظروفه القاهرة وما يعانيه من مراجعات عبثية في الدائرة لمعرفة أين معاملته ومن المسؤول عنها وأين تأخرت وهل ردود ومبررات الموظف صادقة، يضطر الى البحث عن وسيلة وطريقة سهلة لمعرفة مصير معاملته ومتابعتها من خلال البحث عمن يقوم بذلك مقابل ثمن (رشوة) ليس بالقليل أو من خلال معقبين معظمهم متفاهمين مع الموظفين! وللأسف لم يتم التصدي لتدهور النظام الإداري لا من قبل مجلس النواب، ولا من قبل الحكومة التنفيذية، ولا حتى من قبل مؤسسات المجتمع المدني بما يتناسب وهول الانحطاط الإداري في مؤسسات الدولة ما عدا بعض الكتابات النقدية. لا بل أن هناك مؤسسات خاضعة لمجلس الوزراء تبت في قضايا مصيرية تخص المواطن لا يمكنك الوصول إليها مطلقا (مثل لجنة التحقق التي شكلها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي للبت في قضايا الفصل السياسي، وربما غيرها من لجان ومؤسسات مشابهة لها). فتبقى معاملتك -الفصل السياسي- تحت رحمة لجنة التحقق والتي أثبتت من خلال قراراتها أنها لجنة بعيدة عن مفهوم العدالة وتفتقد للخبرة القانونية والمهنية في معالجة الملفات التي تحسم مصير حقوقك!. فلجنة التحقق تصدر قرارا مصيريا يخصك مثل (لا يوجد ما يثبت أنك غادرت العراق لأسباب سياسية) هذه نسخة لجملة تختصر فيها لجنة المالكي (لجنة التحقق) كثير من قراراتها. ورغم أنك قدمت وحسب قناعاتك أنها مستمسكات تثبت أن مغادرتك كانت لأسباب سياسية، مثل: (اضطرارك لترك وظيفة التعليم بسبب اجراءات البعث لتبعيث التعليم وما رافقها من ممارسات وتهديد لحياتك، أو أنك اضطررت للمغادرة بسبب تاريخك النضالي المعادي للبعث او بسبب مضايقات الأمن وأنت ذو تاريخ لا يمكن لأحد الطعن به، أو أن السفارة العراقية في بلاد المهجر كانت تضايقك وتهددك وتضغط على عائلتك في داخل الوطن .... الخ). أقول الإثباتات كونك سياسي ومعارض كثيرة ولكن لجنة التحقق لا ترد على أي إثبات أو مستمسك أو ترفضه وإنما ترد بجملتها المختصرة (لا يوجد ما يثبت أنك غادرت العراق لأسباب سياسية)!؟؟ وأنت لا تعرف هل أطلعت اللجنة على مستمسكاتك التي قدمتها، وهل فعلا لا ترى اللجنة أن تبعيث التعليم ايام البعث والملاحقات التي تعرض لها المعلمين والأساتذة بسبب رفضهم التبعيث والتي كانت سببا لهروب البعض او سببا لتصفيتهم أو اعتقالهم ونقلهم الى وظائف ليست لها علاقة بالتعليم وفي مناطق نائية لا ترى فيها أسبابا سياسية أجبرت هذه الفئة الواسعة لمغادرة الوطن!؟ وهل أن القاضي المسؤول في تلك اللجنة كان فعلا مهنيا وعادلا وشجاعا في قراراته .... لقد علمت أن أحد القاضاة السابقين في لجنة التحقق وحسب ما صرح به بين أصدقاء أن القرار لم يكن بيده وإنما سكرتيرته تنظم له القرارات وهو يوقع فقط!؟ أليس هذا نموذجا للفساد الإداري!؟ وأنا أميل لتصديق إدعائه من خلال مجريات ودراسة معاملتي شخصيا وكثير من معاملات الاصدقاء الذين أعرفهم عن قرب ورفضت طلباتهم وبعضهم كتب عن ذلك بمرارة ويأس.
الانحطاط في العمل الاداري هو أس الفساد المالي والإداري، وهو منتشر في كثير من مؤسسات الدولة مثل (التقاعد، السجناء والشهداء، الجنسية، الهجرة، الشؤون الاجتماعية ....الخ) فهل حاول المفتشون العامون أن يقوموا بدورهم في مكافحة هذا الانحطاط والتدهور في العمل الاداري!؟ هل توجهوا لهذه الدوائر ليروا بأم اعينهم ويستمعوا للمراجعين الذين يراجعون منذ أشهر من أجل معاملة كان بالإمكان إنجازها بساعات؟ هل شاهدوا مئات العجائز والشيوخ والأرامل كيف يتزاحمون أمام دوائر التقاعد دون جدوى، ودون مواعيد وإجراءات جدية؟ هل زاروا الدوائر وراقبوا الموظفين (الكثير منهم) وهم مشغولون بتلفوناتهم او بزيارات أصدقائهم، أو أنهم خرجوا لقضاء حاجاتهم الخاصة، وقد تركوا المعاملات مهملة!؟ هل حاول المفتشون أن يتقمصوا شخصية مراجع ليروا و "يستمتعوا" بأسلوب التهرب والتسويف من قبل بعض الموظفين في التهرب من انجاز المعاملات؟ هل يعلم المفتشون أن بعض الموظفين قد لا يتطلب منه الامر سوى إحالة المعاملة لزميله في الغرفة المقابلة مستعد ان يقول لك راجع بعد أسبوع!؟ لا أريد أن أعدد هذه المشاكل أو اساليب كثير من الموظفين في معظم المؤسسات والدوائر وتصرفاتهم اتجاه معاملات المواطنين وتسويف المواعيد لإنجازها أو اهمال المعاملات وتركها مركونة في أدراجهم ... انها تشيب الرأس كما يقال .... وللأسف المواطن مستسلم لهذا السلوك الغير أخلاقي والغير مهني، لأنه يعرف لا جدوى من الشكوى والثورة بوجه الموظف الفاسد!؟ فأي شكوى أو ثورة ضد الموظف الفاسد قد تتحول ضده لأن الجيفة أصلا في رأس السمكة!؟
الأمثلة عما ذكرته من سوء إدارة مقصودة وغير مهنية كثيرة أحتفظ بها حاليا وأدعو من جميع الأخوان أن يرسلوا لي (على البريد الالكتروني أو موقعي بالفيس بوك) أمثلة صارخة من هذه الممارسات في تسويف وتعجيز المواطنين في متابعة معاملاتهم .... يجب أن نعمل جميعا على فضح هؤلاء الإداريين الفاشلين الذين يعملون في مؤسسات الدولة!
محمد علي الشبيبي
السويد/ العباسية الشرقية/ كربلاء     الجمعة الحزينة 14/04/2017

11
البناء في العراق بدون رقابة وفضيحة هندسية في كربلاء!؟
خلال جميع سفراتي أينما توجهت وفي أي بلد أجد في نفسي الرغبة في التمتع بالهندسة المعمارية، وتخطيط المدن، وطرق البناء الحديثة وطبيعة مواد البناء المستعملة وما يستجد فيها من تطورات تخدم عملية البناء وتديمه، وأنظر الى كل ذلك نظرة نقدية. أما في زياراتي للوطن أجد انني في حيرة من كل ذلك!؟ فلا هندسة معمارية تستحق الإعجاب، وتخطيط للمدن فاشل أو حتى مفقود نهائيا، وأساليب متخلفة في التنفيذ، ومواد بناء ربما لا تصلح أو أن صلاحيتها قد انتهت أو ان الطقس ورطوبته ومياه الأمطار قد افسدها ولم تعد تتفق مع الشروط الهندسية، او ان المقاول لا يلتزم بأبسط الشروط الهندسية ....الخ، حتى ما يطلق عليه (السبيس) لفرش الطرق لتبليطها فهو ردئ ولا يصلح بسبب عدم انطباق المواصفات الهندسية في نسبة تدرج احجام الحجر او الحصى أو نوعية المواد المكونة مما يؤدي الى طرق غير مستوية ومزعجة وتتهرأ بسرعة! ولا أدري أين نقابة المهندسين، وإدارة البلديات والوزارات المختصة والوزارات والمؤسسات صاحبة المشروع من رقابة كل هذا الاستهتار في البناء وتعريض أموال الدولة والمواطنين للهدر وللخطر!؟
هذه المقدمة كتبتها بعد ما شهدت ما حدث في كربلاء خلال زيارتي الأخيرة ... حيث أخبرتني ابنة شقيقتي (ميسم) وهي ساخرة: (خالو تذكرتك، فأنت كلما خرجنا سوية كنت تراقب بعض الأبنية وتعلق أن هذا التنفيذ خاطئ وأن هذه المواد غير صالحة ووو...، وهذا البناء قد يهوى يوما ...الخ وأمس قطعوا شارع طوريج -واحد من أهم شوارع المدينة- بسبب الخوف من أن عمارة بعدة طوابق حديثة لم تسكن بعد ربما ستهوى!؟).
خرجت يدفعني الفضول للإطلاع على ما أخبرتني به ابنة شقيقتي. فعلا وجدت ان الطريق قد قطع وتعطلت حركة السير، وهو شارع تجاري فيه محلات تجارية وفنادق ومطاعم، تم قطعه لمسافة تزيد عن مائة متر ولأن البناء يقع في تقاطع شارع طوريج مع الشارع المؤدي لمدرسة المنار وسوق الخضار الشهير، فقد منع العبور من هذين الشارعين أيضا.
هذه البناية تم إنشائها بجانب بناء قديم (مطعم ومخازن يعود لعائلة الصديق سيد زكي الشامي) يحتل زاوية تقاطع شارع طوريج مع الشارع المؤدي لمدرسة المنار. وكما يلاحظ من الصور المرفقة ان البناية تتكون من سبع طوابق وأنها شبه منجزة. مالك البناء القديم قرر هدم البناء وتأسيس بناء جديد. وبعد الهدم تكشفت جريمة الخطأ الهندسي وسوء التنفيذ وعدم الالتزام بالشروط الهندسية وطرق الحسابات. فقد مالت هذه البناية عن المستوى العمودي نحو البناء القديم الذي أزيل بزاوية واضحة سببت رعبا للمنطقة!؟
ماذا يعني هذا؟ أن التأسيس أقيم على أسس غير مدروسة ولا تتحمل وزن البناء فلا الارض تتحمل ولا الأسس تم تصميمها بالطريقة الهندسية العلمية، وربما حتى مواد الأساس غير مطابقة للمواصفات الهندسية! أترك دراسة ذلك للمختصين والمسؤولين في كربلاء لعل ضمائرهم تستيقظ وينقذوا المدينة من عشوائية البناء وعدم الالتزام بالشروط الهندسية في التصميم والبناء التي تعم معظم الأبنية ليس في كربلاء وإنما في جميع المدن العراقية. فالفساد المستشري في الدولة موجود في كل مجالات الحياة العراقية بما فيها الهندسة!
المسؤولون قرروا تلافي السقوط بهدم البناء، والصور المرفقة مع الفديو تبين الشوارع التي تم قطعها مع قطع أرزاق اصحاب المحلات، وعملية الهدم البدائية والتي قد تسبب اي خطأ فيها الى ضحايا.
أخيرا أوجه كلامي لصاحب العمارة وللمنفذ، وللمشرف على البناء وللمسؤولين في إدارة البلدية وإدارة المحافظة أقول لهم أين أنتم من الإسلام ومن مبادئ الحسين في الاخلاص بالعمل ... الحسين أبا عبد الله (ع) بحاجة الى أنصار وشيعة يعملون بإخلاص، وتفاني وصدق ولا يفكرون بجني المال على حساب أرواح الآخرين. أتقوا الله فأنتم في مدينة سيد الشهداء اللهم إلا إذا كنتم غير مؤمنين بقضية الحسين وما علو صوتكم ومكبراتكم وكثرة مواكبكم الحسينية إلا نفاقا!
محمد علي الشبيبي
السويد/ العباسية الشرقية في 18 اذار 2017
 أدناه فديو مع صور للعمارة أثناء هدمها (الفديو من صفحتي بالفيسبوك):
https://www.facebook.com/mohamad.alshibiby/videos/1366190416773980/ 
 
 

12
النضال من أجل المبادئ والقيم ليس تهورا ولا مشروع قتل!
تعقيب على آراء طرحها الاستاذ والصديق الأنترنيتي الطيب مصطفى العمري في مقالته، وأرى أن مناقشتها ضرورة لنشر الوعي لأن ما طرحه الأستاذ الفاضل مصطفى العمري يعكس موقفا سلبيا من النضال الوطني ويستحق ذلك. وللأسف أن مثل هذه الاراء تجد لها صدى عند البعض على صفحات التواصل الاجتماعي. وكنا نجابهها عندما يطرحها علينا مسئولو الاجهزة الأمنية أثناء الاعتقالات والتحقيق لغرض تثبيط عزائمنا بحجة أن الشباب يجب ان يهتم بالدراسة بينما هم (المتنفذون في السلطة) يسرقون وينتهكون الكثير من حقوقنا كشباب وطلبة.
أثار الصديق الاستاذ مصطفى العمرى مجموعة ملاحظات وتساؤلات وأفكار من خلال قراءته لكتابي (ذكريات الزمن القاسي) بمقالته التي نشرها بتاريخ 27/12على مجموعة مواقع الكترونية وعلى صفحته بالفيس بوك أيضا وأرسل لي نسخة منها نشرتها على صفحتي بالفيس بوك(1). ومبادرته هذه تستحق التثمين والشكر بغض النظر عن رأيي بما أثاره من ملاحظات وآراء، وأني أقدر عاليا تعاطفه الصادق مع معاناتي ومعاناة عائلتي فهذا تعبير عن إنسانيته الراقية. ولكن الاختلاف في أحكامنا وآرائنا لا يفسد للود قضية كما يقال، فأرجو أن يتحمل ويتفهم مقالي هذا فهو موجه للشباب قبل أن يكون موجها له! وقد سرتني أريحية الاستاذ مصطفى العمري عندما أخبرني برغبته في الكتابة عن الكتاب وطلب ان أمنحه الحرية في طريقة وأسلوب تناوله، وهكذا وعدته دون تدخل في طريقة تفكيره ورأيه بالكتاب، ولكن هذا لا يمنع من التعقيب وتوضيح موقفي ببعض طروحاته (وطروحات بعض المعلقين على مقاله) التي جاءت من خلال توقفه عند بعض الجوانب من الذكريات. فبعض أحكامه وآرائه تستحق المناقشة لأنها تدعو الى الاستكانة وعدم مقاومة الظلم! فملاحظات من يقف بعيدا أو محايدا عن الصراعات والمواقف السياسية لها أهميتها على الأقل بالنسبة لي فهي تمنحني فرصة أن أكتشف طريقة تفكير الاخرين وأسلوبهم في المساهمة في عملية النضال من أجل عراق أفضل.
نعم فعلا كتبت عن اعدام عمي الشهيد حسين الشبيبي (صارم) بطريقة لا تميل الى التوثيق -كما يذكر-لأني سبق وتناولت حياة الشهيد في مقالات نشرت على المواقع الالكترونية والصحافة (طريق الشعب والمدى) وتركت الحديث عن هذا لضمه لكتاب أخطط لنشره يتناول نضال أسرة الشيخ محمد الشبيبي وأبنائه. ومن يرغب أن يطلع على جانب من حياة الشهيد حسين الشيخ محمد الشبيبي (صارم) يمكنه فتح الرابط التالي:
http://www.al-nnas.com/THEKRIAT/15shb.htm
ذكر الاستاذ مصطفى العمري: (أشعر ان ردة فعل الكربلائيين و النجفيين مع عائلة الشبيبي كان فيها غلظة مفرطة .....). أجد ان الاستاذ مصطفى اصدر حكما سلبيا وعممه على الكربلائيين والنجفيين، ففي كتابي لم أوجه هذا الاتهام بل تطرقت وانتقدت بشدة مواقف البعض السلبي مثلما تطرقت وقيمت عاليا المواقف الايجابية في كلا المجتمعين، وهذه ظاهرة نجدها في كل المجتمعات، ولا أدري لماذا لفت انتباهه فقط الموقف السلبي ليعممه، لأن التعميم هو ما أوقعه ببعض الاحكام الاخرى الخاطئة.
كما أحب أن اضيف توضيحا ان الموقف العدائي من جدي الشيخ محمد لم يكن فقط بسبب إعدام أبنه، حتى لا يتصور القارئ الكريم أن موقف الشيخ محمد الشبيبي من النظام الملكي موقف شخصي ليس له علاقة بالموقف الوطني ... فللشيخ مواقف صريحة معادية للاستعمار الانكليزي منذ بداية الاحتلال البريطاني للعراق اي منذ يوم ولادة أبنه الشهيد حسين. حيث تصدى في سوق الشيوخ (عام 1917) للمحتلين من على منبره الحسيني محرضا رواد منبره لمقاومة الاحتلال وفاضحا بعض النفوس الضعيفة من (شيوخ) المدينة الذين ارتضوا أن يبيعوا انفسهم للمحتل. وقد سبق وان نشرت مقالا عن موقف الشيخ من الاحتلال البريطاني عام 1917 في سوق الشيوخ (المقال نشر في مجلة الثقافة الجديدة العدد 4 سنة 1969)، وبسبب هذه المواقف الوطنية من الاحتلال البريطاني ومؤامرة المحتل عليه بالتعاون مع بعض العملاء أضطر أن يغادر سوق الشيوخ ويعود الى النجف. وقد جاء إعدام ابنه وما يعانيه المجتمع من ظلم وفقر ليعطيه قناعة أكبر وأقوى بضرورة الوقوف بصلابة ضد النظام الملكي ومعاهدات الاستعمار والتبعية وجور الاقطاع. وقد سخر منبره الحسيني بذكاء وجرأة مستفيدا من ثورة الحسين (ع) ونهجه في مقارعة الظلم لتوعية رواد المنبر ومحبيه من متابعين. كان أكثر ما يغيض السلطات أيام الحكم الملكي منبره الحسيني، ولهذا بذلت السلطات الأمنية جل جهدها لمنعه من نشاطه المنبري، فمنع من زيارة الاهواز في ايران، ومن إقامة منبره في السماوة وبعض المدن، وحتى في النجف ... وعندما عجزوا عن ثنيه عن أسلوبه في التحريض ونشر الوعي الوطني دبروا له تهمة الإساءة للملك وتقديمه للمحاكمة في مدينة الرمادي بعيدا عن مدينة إقامته في النجف وهو في نهاية عقده الثامن! كل ذلك للضغط عليه ولكن الشيخ الجليل بقي صامدا يمارس من على منبره نشر الوعي الوطني ولم يهتز لممارسات التحقيقات الجنائية -الاجهزة الامنية-.
يقول الاستاذ مصطفى العمري في مقالته: (أكاد أجزم ان تأثير الهجمة على بيت الشبيبي هي من جعلت الشاب محمد (صاحب الكتاب) يندك إندكاكاً غير مدروساً في الحزب الشيوعي. أعتقل صاحب المذكرات وهو في عمر السابعة عشر , زمن الحكم الملكي , ثم تتالت عليه الاعتقالات في زمن قاسم و عبدالسلام حيث نقرة السلمان , الى الحقبة البعثية....) أولا للتصحيح أني اعتقلت لأول مرة في زمن الشهيد عبد الكريم قاسم عام 1962، وليس أيام الحكم الملكي كما يذكر في مقاله. ولكن عمي الأصغر الراحل محمد علي -أسم مركب- هو من سجن 12 عام أيام النظام الملكي، وهذا ما أوقع الاستاذ العزيز بالخلط بين اسمي واسم عمي!.
لا أخفي أن الجو العائلي وتاريخ العائلة الوطني منذ ثورة العشرين كان له التأثير الأول على انحيازي وانتمائي، وهذا ليس غريبا علينا فجميعنا نتأثر بالجو العائلي وهذا واضح حتى في الانتماءات الدينية والمذهبية ماعدا بعض الاستثناءات. أضيف الى ذلك هناك أسباب أخرى وهي البيئة الاجتماعية المحيطة بنا بدءا بالمحلة الى المدرسة والمدينة ... وهكذا نجد في العراق مناطق محسوبة على اليسار وأخرى على القوميين وثالثة على الاسلاميين والقوميين. فالإنسان بفكره وعواطفه هو نتاج بيئته ... كما أن هناك شخصيات شيوعية لها كاريزما متميزة (مواقفها الوطنية الشجاعة، مصداقيتها ونزاهتها، تواضعها، ثقافتها، حكمتها، قدرتها على القيادة ...الخ) تصبح قدوة للآخرين وهذه الشخصيات لها تأثيرها القوي في تحديد ميول الشباب وانجذابه للحزب. أضف الى ذلك الاطلاع على برامج وسياسات الاحزاب ومقارنتها بالواقع ومدى واقعيتها وانسجامها مع الشعب، و مصداقيتها في النضال من أجل تحقيق برامجها. وخلال الانتماء تأتي الجهود من أجل تنمية ثقافتنا الحزبية والسياسية في جميع المجالات.
يصف الأستاذ مصطفى العمري نشاطي السياسي بالتصرف الصبياني والمتهور!؟ لذلك سأستعرض باختصار الاسباب وراء دخولي المتكرر للسجن -في حقب الجمهوريات الثلاثة الاولى(2)- لأن القارئ الكريم لا يعرف على اي اساس بنى الاستاذ مصطفى استنتاجاته الظالمة التي أوصلته لخلاصة القول بأن مواقفي صبيانية ومتهورة!؟ فلم يكف ما أصابني من ظلم وحيف من الانظمة الاستبدادية فزادني صديقي ظلما آخر بوصف نضالي بالصبياني والتهور.
الغريب أن الاستاذ العمري وصف مواقفي بالصبيانية مرة وبالمتهورة مرة أخرى، دون أن يتناول بالنقد سياسة الحكومات الدكتاتورية (الجمهوريات الثلاثة الأولى)، وتناسى أن نظام الحكم وأسلوبه الدكتاتوري هو المسؤول الأول والأخير عن كل الويلات التي لحقت بالشعب. والأستاذ مصطفى يرى حيث يقيم -في امريكا- وكذلك الحال في أوربا كيف تكون التأثيرات الإيجابية لتحركات المعارضة والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ونشاطاتها الاحتجاجية وتظاهراتها من أجل حياة أفضل. وكل هذه الاحتجاجات والتظاهرات تحدث دون مطاردات وسجون وتعذيب وفصل وظيفي ولن يصفها أحد بالتصرفات الصبيانية او المتهورة. والمجتمع الأوربي لم يصل الى هذه الحالة من التطور المدني وتقبل الرأي الاخر لولا فضل الثورات والانتفاضات التي حدثت في أوربا وفي مقدمتها الثورة الفرنسية العظمى في عام 1789.
لا أدري كيف يرى اعتقالي وتعذيبي ومن ثم سجني وانا بعمر دون 17 سنة تهور أو تصرف صبياني وليس تصرفا وطنيا ينم عن وعي متقدم ونضج سياسي؟ مع العلم أن اعتقالي وصدور حكم 6 اشهر بحقي عام 1962 كان بسبب عثور أجهزة الأمن على عريضة كنت أجمع فيها تواقيع للمطالبة بإيقاف الحرب في كردستان العراق والحل السلمي للقضية الكردية، مع بيان للحزب الشيوعي يحذر الحكومة من النشاطات التآمرية لقوى الردة!؟ وأتساءل هل المطالبة بالحل السلمي وحوزتي على بيان حزبي تصرف صبياني ومتهور!؟ هل المفروض ترك شبابنا الجنود يموتون في حرب مدمرة لا ترحم ولا تفضي الى نهاية تنال قبول كل الأطراف!؟ ألم يثبت التاريخ الحديث صحة مواقف الحزب من القضية الكردية الذي سجنت بسببه!؟ لو لم تكن هذه الضغوطات الجماهيرية (الصبيانية المتهورة حسب قياس الاستاذ مصطفى) لاستمرت الحرب مع الاكراد لعدة عقود ولحصدت عشرات أضعاف الضحايا من كلا الجانبيين إضافة للخسائر الاقتصادية المدمرة! إن الوقوف جانبا وترك الدكتاتورية تفعل فعلها بالشعب موقف ينقصه الشعور بالمسؤولية الوطنية، وهذا الموقف العدمي هو من جرّ على شعبنا الويلات! 
وفي المرة الثانية سجنت لخمس سنوات بسبب التظاهر ضد انقلاب حزب البعث الدموي في 8 شباط 1963. وكان انقلابا دمويا جاء بقطار أمريكي (باعتراف رموز قياداته -علي صالح السعدي-)، وكان من أخطر بياناته الدموية بيان رقم 13 الذي يدعو فيه بوضوح لإبادة الشيوعيين!؟ وفي هذه المرة ايضا أجده ينتقد موقفي ولم ينتقد الانقلاب وما جره على شعبنا من ويلات ومآسي، فهو ينتقد الضحية ويصف موقفه الوطني بالصبيانية مرة وبالتهور مرة أخرى، ويلتزم الصمت عن أي إدانة للانقلابيين الدمويين وزجهم بالالاف في السجون أو قتلهم تحت التعذيب البربري!؟ فالتعاطف مع المعاناة دون إدانة النظام الدموي موقف ناقص ربما تنقصه الجرأة أو الجهل بالتاريخ الدموي لتلك الحقبة.
وفي الانتخابات الطلابية ربيع 1967 كنت أحد أعضاء اللجنة الاتحادية في كلية الزراعة. وكان علينا المنافسة في الانتخابات الطلابية التي أجرتها الحكومة العارفية، ومن الطبيعي أنشط بين الطلبة للدعاية. ولكن تفاجأت باعتداءات الطلبة البلطجية من البعثيين ولعدة أيام لثنيي عن الترشيح في الانتخابات والانسحاب منها. وقد تمادى البعثيون في اعتداءاتهم ولم تتخذ ادارة الكلية وعميدها د. حسين العاني أي إجراء رغم ما قدمناه من مذكرات ومطالبات بوضع حد لممارسات البلطجة ومحاسبة الطلبة المسببين لهذا الشغب والاعتداء، بل أن العميد كان متواطئا معهم واستمرت الاستفزازات والاعتداءات قبل الانتخابات وبعدها، وكنت غير قادر على النوم في القسم الداخلي او السير في الكلية بمفردي أو مواصلة دراستي بسبب استفزازاتهم واعتداءاتهم المتواصلة! فاضطررت أن أطلب من رفاقي الحماية وهذا ما حدث، حينها تحرك عميد الكلية وطلب من أجهزة الأمن اعتقالي.
الاستاذ مصطفى لم يوضح لي وللقراء كيف يمكن التأثير من أجل التغيير في العراق نحو الأفضل. فهو حسب قناعاته يعتبر تقديم عرائض الاحتجاج والبيانات السياسية والمساهمة الناشطة في منظمات مدنية ومهنية أو المساهمة في الحق الانتخابي، والتظاهر والاحتجاج على الانقلابات الدموية، والانتماء للاحزاب .... كلها تصرفات صبيانية ومتهورة!
هناك صورا من التاريخ البشري تبرهن للأستاذ مصطفى كم من الثورات والانتفاضات سجلت تاريخ شعوبها بحروف من دم من أجل الحقيقة والحقوق المدنية والتطور الاجتماعي ومن أجل حياة أفضل! فهذه جنوب افريقيا لم تحقق انتصارها على نظام الأبارتيد (نظام التمييز العنصري) لولا كفاح شعبها المرير وما قدمته من ضحايا على مر العقود. وصمود نيلسون ماندلا لمدة تقارب ثلاثة عقود في السجن ولم يتهمه أحد أن تصرفه صبياني ومتهور بل العكس أعتبر رمزا عالميا في مكافحة العنصرية!. وعيد العمال العالمي -الأول من آيار- اعتبر عيدا عالميا للطبقة العاملة بعد سنوات من جريمة النظام الرأسمالي (في امريكا) بحق العمال، وهذا لم يتم لولا الضحايا والكفاح المتواصل للطبقة العاملة الأمريكية، ولم يتهم العمال بالصبيانية والتهور بالرغم مما قدموه من شهداء في تظاهراتهم وإضراباتهم. والثورة الفرنسية (عام 1789) وما رافقها من ضحايا وسفك دماء لكنها كانت ضرورة تاريخية غيرت مسار التاريخ في أوربا وتم الاعتراف بها واعتبرت منارا للتغيير في أوربا تجنبا للمزيد من سفك الدماء فاستفادت شعوب وحكومات اوربية من التجربة من أجل التغيير الديمقراطي. باختصار كل التغييرات في العالم تمت بتأثير مباشر وغير مباشر بسبب الحركات النضالية الجماهيرية السلمية منها والعنفية. فوصف أساليب النضال ضد الأنظمة الاستبدادية والمتخلفة بالتصرفات الصبيانية والمتهورة هي دعوة الى الاستكانة للذل والتخلف والتبعية والاستسلام للفساد والعبودية وهذا بالضبط ما كانت تطرحه الأجهزة الأمنية للأنظمة الاستبدادية لكي تحافظ على مصالحها وتبعد عنها خطر التغيير. وهذا موقف سلبي يؤثر سلبا على الحس والمسؤولية الوطنية. ولنأخذ عراق اليوم مثلا: حكومات متتالية يسودها الفساد المالي والإداري ، انعدام الخدمات، انعدام الأمن، بطالة، فقر، أمراض، تدهور في الزراعة والصناعة، خيانات وطنية ومليشيات وعشائر منفلتة .... مقابل هذا احتجاجات وتظاهرات وإضرابات وبيانات إدانة جماهيرية (رغم ضيقها) .... يرد عليها باعتقالات، وخطف وترهيب ومحاولات تسقيط واغتيال للناشطين ... وبالرغم من ضعف الاحتجاجات فبعضها أجبر الحكومة على الاستجابة أو هكذا تظاهرت للالتفاف على مطالب الجماهير ... فهل يجوز لنا أن نصف الناشطين من المتظاهرين الذين تعرضوا للاغتيال بالكواتم او الخطف من (مجهولين!) أو التسقيط والترهيب بأن تصرفاتهم صبيانية ومتهورة!؟ وإذا وصفناهم بالتهور والصبيانية فكيف سيتم التغيير نحو عراق أفضل، هل سيتم ذلك بالاستكانة والخنوع؟   
ويذكر الاستاذ مصطفى العمري: (... لم يستطع ان يتأثر بوالده بشكل جدي واقعي إنما كان تأثيراً شكليا ...). لا أدري إذا اطلع الاستاذ مصطفى على مذكرات والدي (ذكريات التنوير والمكابدة) فالعنوان يعطي صورة عما كابده والدي وكم عانى رغم اعتزاله العمل الحزبي منذ عام 1947. ولكن اعتزاله لا يعني أبدا اعتزال الفكر الوطني والقبول بحياة الخنوع وعدم المساهمة في الحياة الاجتماعية بما يحمله من فكر تحرري ... ومع كل هذا لم يعش والدي حياته الواقعية البسيطة كما كان يرجو، فلاحقته الاعتقالات، والتعذيب، والفصل الوظيفي، والسجون والإبعاد في كل العهود -الملكية والجمهورية- وحتى بعد وفاته عام 1996 ...!؟ وكل ذلك حدث باختلاق أكاذيب مفتعلة (من قبل الأجهزة الأمنية) لمحاربة والدي طيب الله ثراه .... فالأنظمة الاستبدادية لا يمكن الركون إليها والاطمئنان لها، فهي تخيرك بين أن تكون مستكينا ذليلا تابعا مسلوب الوعي، أو مطبلا للنظام ومنافقا، أو معارضا فتلاحقك بسجونها وأساليب قهرها! فأيهما تريدني أن أكون كي لا أصبح صبيانيا أو متهوراً؟ فالتاريخ يخبرنا أنه لا يمكن ان تتحرر وتتطور شعوبنا بدون تضحيات ومعاناة وألم وقد قال أحد الحكماء (إذا لم تحترق أنت وان لم احترق أنا  فمن سيضيء الطريق؟).
يذكر الأستاذ مصطفى العمري في مقالته: (...المأساة الكبيرة التي جرها المؤلف على نفسه و على أهله , ابعدته عن وطنه , و اعتقد انه ينتمي للغربة أكثر مما ينتمي للوطن  الذي سجن و عذب من أجله ). عندما عذبت وسجنت أول مرة عام 1962، ثم عذبت وسجنت عام 1963، ثم عام 67 كنت طول هذه الفترة في العراق وسبب معاناتي هي حبي وإخلاصي لوطني وشعبي فتحملت السجون والتعذيب والفصل كل ذلك من أجل عراق حر ديمقراطي تسود فيه العدالة الاجتماعية ولم أنادي بغير هذا الشعار أو أتبنى مطالب شخصية ضيقة، فهل هذه غربة عن الوطن؟ الغربة عن الوطن هو ما يعتقده الاستاذ مصطفى حيث يرى بكل هذا النضال والعذابات التي لاقيتها -وهو يتعاطف معها كثيرا- بأنها تصرفات صبيانية ومتهورة.  إذن ماذا نسمي موقف الذين تنتهك كرامتهم وتسلب حقوقهم وتمتهن إنسانيتهم ويقابلون كل ذلك بخنوع وصمت أو ومتفرجين؟ وأستغرب مجددا أن العزيز الاستاذ مصطفى يعيد ويحمل الضحية المآسي ولا يدين الأنظمة الاستبدادية!.
وجه الأستاذ مصطفى العمري عدة اسئلة بفقرته التالية: (... بودي ان اسأله عن كيفية إنضمامه للحزب الشيوعي ؟ هل كانت شعارات الشيوعيين و مثاليتهم العالية حقيقية أم مجرد إستهلاك لغرض كسب العدد الاكبر من الناس ؟ لأنه ذكر اكثر من مرة كيف انه وجد ان أقوال و شعارات الشيوعين تحطمت مع اول موقف حقيقي, كيف تخلى الطلاب عنه في الانتخابات , المحسوبية في البعثات الدراسية , خروجه من المعتقل خالي اليدين , محاولة تشويه سمعته من قبل احد الشيوعين المعتقلين معه).
حول انضمامي للحزب تطرقت إليه في بداية مقالي هذا. لا يمكنني أن أتحدث عن مثالية أحد مهما كان، فجميعنا بشر نتعرض للأخطاء، ومواقفنا وتحاليلنا واستنتاجاتنا هي اجتهادات تختبرها الحياة قد نفشل وقد ننجح وعلينا تحمل أخطاؤنا وهفواتنا وتصحيح مواقفنا بناء على تجاربنا. انا في كتابي لم أذكر مطلقا (ان أقوال و شعارات الشيوعين تحطمت مع اول موقف حقيقي) وإنما هذا استنتاج الاستاذ مصطفى العمري، وكيف لي أن أقول ذلك وأنا شاهد عيان على انتصار الشيوعيين مع القوى الوطنية الأخرى في ثورة 14 تموز 1958 المجيدة وتحقيق الكثير من شعاراتهم، وفوزهم في الانتخابات الطلابية عام 1967 بنسبة تجاوزت 75% بالرغم من مضايقتهم وزج قياداتهم في السجون. لقد انتقدت سلوك بعض الشيوعيين من زملائي في السجن وفي نفس الوقت تطرقت للجوانب الجيدة من مواقف الشيوعيين وحياتهم الاجتماعية الرائعة والمنظمة في السجون ومواقف الكثيرين منهم. وللأسف أن الاستاذ مصطفى ركز فقط على ما ذكرته من سلبيات البعض (وكأنه يهمه فقط أن يرى الجزء الفارغ من الكأس، وهو الجزء القليل جدا!) وأهمل الجوانب الايجابية وهي كثيرة لذلك أنصحه بإعادة قراءة الكتاب بتجرد من أي مواقف مسبقة. وعلى العموم الشيوعيون بشر وهم أناس عاديون وينحدرون من فئات وقوميات ومناطق مختلفة وثقافة وتربية متباينة يحملون الايجابيات والسلبيات ولا يجوز مطلقا النظر إليهم كأناس مثاليين.
أما تخلي الطلبة عني في الانتخابات، فهذا ليس دقيقا!؟ ففوزي بفارق الاصوات الذي يصل الى أضعاف أصوات منافسي دليل على التفافهم حولي وقناعتهم بالمشروع الطلابي الذي طرحناه كاتحاد طلابي. ولكي نفهم موقف المناصرين وهم أصدقاء ليس لديهم أي التزام تنظيمي سوى قناعاتهم بمنظمتنا الاتحادية وتعاطفهم معنا، علينا أن نحيط ونستوعب طبيعة النظام العارفي -ايام حكم عبد الرحمن عارف-. لقد كان نظاما معاديا للفكر الديمقراطي والتقدمي وزج بالشيوعيين في السجون ونفذ بهم أحكام إعدام، وواصل سياسة محاربة الشيوعيين برزقهم ووظائفهم، وكم الأفواه .... كل هذه كانت سببا في ابتعاد وحذر بعض الطلبة خوفا من التهم التي توجهها السلطات الامنية لأي ناشط ديمقراطي.
يتطرق الصديق العزيز مصطفى العمري في نهاية مقاله الى القول (يعتمد الدعاة دائماً، إسلاميون وعلمانيون , على الشباب ... واستلاب عقولهم ... وجعلهم مشاريع موت وقتل ...الخ). وهذا الطرح لاقى استحسانا وقبولا من بعض المعلقين على مقالته في الفيس بوك وهو رأي عدمي يطرحه كثيرون وشائع للهروب من تحمل اي مسؤولية وطنية. وأصحاب هذا الرأي لم يطرحوا ما هو البديل للشباب من أجل حياة أفضل؟ أنا لست مسؤولا عن الاسلاميين وعن دوافع شبابهم وأعمالهم الانتحارية، ما يهمني هو دور الحزب الشيوعي وموقفه من الشباب. وهو موقف مازلت مقتنعا به وأراه صائبا. فالشباب كما يذكر الاستاذ مصطفى هم (العمد الحقيقي لبناء الأوطان) لذلك تتوجه نحوهم الحركة الشيوعية. لأن الشباب هم اكثر قدرة على التفاعل بالقضايا الوطنية وان الحاضر والمستقبل سيمس مصيرهم بالدرجة الرئيسية كما انهم اكثر انفتاحا وتقبلا للتغيير وللأفكار الجديدة، وأنهم قادرون على التحرك والنشاط الذي تقتضيه قضيتهم. ومن هذه المنطلقات يأتي توجه الحزب نحو الشباب. كما أن قائمة شهداء الحزب منذ بداية الاربعينات من القرن الماضي ولغاية اليوم تثبت أن الحزب قدم من قياداته أكثر مما قدم من الشباب. ففي 14/15 شباط عام 1949 صعد قادة الحزب الأوائل (يوسف سلمان -فهد-، وزكي محمد بسيم -حازم- وحسين محمد الشبيبي -صارم-) منصة الاعدام رافضين المهادنة والتراجع عن مبادئهم محافظين على أسرار الحزب. وفي احداث انقلاب 8 شباط 1963 استشهد تحت التعذيب البربري في مقرات التعذيب البعثية (قصر النهاية، محكمة الشعب، الملعب الأولمبي، المكتبات وغيرها من مقرات) العشرات من قيادات الحزب في مقدمتهم سكرتير الحزب الشهيد الخالد سلام عادل، ومحمد حسين ابو العيس، وجورج تلو، وحمزة سلمان، وحسن عوينه، وطالب عبد الجبار، وصبيح سباهي، وجمال الحيدري، وعبد الجبار وهبي، ومحمد صالح العبلي، وغيرهم لا تحضرني أسماؤهم وجميعهم من الصف الأول في قيادة الحزب. وكان استشهادهم بطوليا كما وصفه كثيرون من قيادات حزب البعث بعد صحوة ضمير واحترام لبطولات الشيوعيين وصمودهم (راجع ما كتبه علي كريم، طالب شبيب وحازم جواد والفكيكي وغيرهم). لقد كان استشهاد قيادات الحزب تحت التعذيب هي من أعطت للشباب الشيوعي القناعة أكثر بمبادئ الحزب ومنحتهم القوة والعزم على مواصلة النضال. وما حدث من انهيار البعض وتخاذله وهم قلة لن يشوه الدور البطولي لقياداته الخالدة.
لذلك أرى أن قول الصديق العزيز مصطفى العمري باستلاب عقول الشباب وجعلهم مشاريع موت وقتل لا تنطبق على الحزب الشيوعي ويفندها الواقع، آملا ان يقرأ جيدا تاريخ الشيوعيين. ويجب التمييز بين الانتحاريين الذين يصرون على ان يكونوا مشروع موت ليقتلوا الأبرياء وبين الشيوعيين الذين يحبون الحياة ويتحملون متاعبها في نضالهم من أجل حياة أفضل ولم يختاروا الموت وإنما كان القتل يتصيدهم بهدف ترهيب الجماهير وعزلهم!
حول الأخطاء! فقد تطرقت لبعض الاخطاء ومنها أخطائي الشخصية وأخطاء الاخرين من خلال سردي لذكرياتي وقد يكون من المفيد إعادة دراسة التجربة بطريقة أكثر نقدية ومجردة من العواطف خاصة انني الان خارج صفوف الحزب الشيوعي.
أخيرا أرجو أن أكون قد نجحت في توضيح كثير من التساؤلات التي طرحها الصديق العزيز مصطفى العمري في مقالته وهي اراء وتساؤلات ومفاهيم ليست غريبة يطرحها كثيرون ووجدت من الضروري الكتابة عنها بهذه الاستفاضة.
محمد علي الشبيبي
لوند 29/12/2016
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- نص مقالة الاستاذ مصطفى العمري على صفحة الحوار المتمدن:
 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=542716
2- المقصود الحكم الجمهوري الأول أيام الشهيد عبد الكريم قاسم (14/7/1958-7/2/1963)، والحكم الجمهوري الثاني الذي جاء بانقلاب 8 شباط 1963 (8/2/1963-17/11/1963)، والحكم الجمهوري الثالث الذي جاء بانقلاب 18 تشرين الثاني 1963 الذي قاده عبد السلام عارف ضد حكم حزب البعث (18/11/1963-17/7/1968).

 



13
أجمل التهاني للجميع بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية متمنيا للجميع عاما سعيدا تتحرر فيه مدننا من الدواعش ويسود الامن والاستقرار ويتم القضاء على المحاصصة الطائفية وتعود الحياة الطبيعية لشعبنا ويعم الخير والبناء!؟؟
ابعث مقالتي هذه للنشر رجاء وتقبلوا فائق ودي واعتزازي
محمد علي الشبيبي

14
المنبر الحر / أي إصلاح نريد!؟
« في: 20:01 24/04/2016  »
أي إصلاح نريد!؟
ليكن شعارنا (انتخاب وطني نزيه وكفوء خير من انتخاب طائفي او قومي فاسد وجاهل)
منذ سنوات والتظاهرات بمبادرة التيار المدني الديمقراطي بجميع أطيافه في تظاهرات متواصلة مطالبة بالإصلاح. ومن الغريب أن تتحرك بالفترة الأخيرة كتل وقوى سياسية كانت ومازالت هي من المساهمين في تخريب مؤسسات الدولة، وسرقة أموال الشعب من خلال صفقات عقود نفطية واسلحة واستثمارات فاسدة، أو من خلال بيع المدن والسجناء الارهابيين للدواعش. باختصار هذه الكتل التي تحاول ركوب موجة الاصلاح هي من أنتفض الشعب ضدها من أجل كشفها وفضحها وتقديمها للمحاكمات العادلة. وهذه الكتل الفاسدة اليوم تحرك أتباعها لتبني شعار الإصلاح لغرض ركوب الموجة والتسويف! فإذا الكل يرفع شعار الإصلاح بدءا من الحكومة بكل وزرائها ومسؤوليها، ومجلس النواب بجميع كتله، والشعب بجميع طوائفة وقومياته، والكتل السياسية والأحزاب، جميع هؤلاء رفعوا شعار الاصلاح! فالسؤال المطروح: إذا جميعكم تطالبون بالإصلاح فأخبروا الشعب عن أي أصلاح تبحثون، وما هي أدوات هذا الإصلاح! بالتأكيد لا يتم الإصلاح بنفس الأدوات الفاسدة التي سيطرت على السلطة خلال 13 سنة وعبثت بالدولة ومؤسساتها ونشرت الخراب والفساد!
هذه تساؤلات جعلت عامة الناس الغير متبحرين بمطبات السياسة وتلاعب السياسيين الغير نظيف في ضياع وتيه. لذلك اجد نفسي وبتواضع ان اكتب عن هذا الاصلاح المنشود. بداية أن (العملية السياسية) التي أجمعت عليها القوى السياسية تم اختطافها وتشويهها وتحولت الى عملية تخريب وتدمير ونهب لأموال الدولة وشحن طائفي ومحاصصة طائفية، وتأسيس وتوسيع المليشيات، وإشاعة الفساد في مؤسسة الجيش والأمن، وتخريب وإفساد مؤسسة القضاء، وحرف جميع الهيئات المستقلة وتحويلها الى مستَغَلة، حتى مجلس النواب تحول الى مؤسسة لتشريع القوانين من أجل مصالحه وعرقلة القوانين التي تمس حياة الشعب ... هذه العملية فقدت أهدافها وتحولت الى محاصصة طائفية-إثنية مقيته  لمحاربة الدستور (بالرغم من نواقصه) بالدستور نفسه، ومحاربة الديمقراطية بالديمقراطية المشوهة، ومحاربة القضاء بالقضاء الفاسد .... والجميع للأسف يتحدث عن العملية السياسية، بينما هي ولدت أصلا مشوهة تحمل في داخلها أمراض إعاقتها القاتلة، وزاد من تشوهها وإعاقتها هو جهل من أشرف على ولادتها (الاحتلال الامريكي وممثله بريمر) ومن ثم من أستلم رعايتها من كتل إسلامية طائفية متخلفة وقوى قومية شوفينية تفتقد للشعور الوطني والانتماء العراقي.
يجب أن نعترف أن العملية السياسية مشوهة وأصبحت معاقة حتى لا يمكنها معالجة أمراضها وإعاقاتها إلا بعملية جراحية كبرى. والإصلاح الذي نطالب به هو هذه العملية الضرورية لعلاج أمراض الاعاقة والتشوه الذي رافق العملية السياسية. وهذا يتطلب في اعتقادي أن نبدأ من:
أولا: تشريع قانون جديد للانتخابات يعتمد على القائمة المفتوحة الواحدة للعراق كدائرة واحدة. وعدم تقسيم العراق الى محافظات. والذين يطالبون بقوائم للمحافظات بحجة ان ممثلي المحافظة هم أدرى بمشاكل محافظتهم ومواطني المحافظة هم أعرف بأبنائهم المرشحين! أقول لهم لقد جربتم انتخاب (أبناؤكم) من نفس المحافظة فما الذي قدموه لكم خلال هذه السنوات غير النهب وسوء الخدمات وتدهور متزايد ومتواصل في التعليم وخدمات الصحة والبلدية وغيرها، وتعيين أقاربهم ومعارفهم!؟ بينما القائمة المفتوحة لكل العراق يمكنكم من خلالها اختيار الوطنيين والنزيهين والأكفاء ممن شهد لهم تاريخهم على مدى عقود. انتخاب وطني نزيه وكفوء خير من انتخاب طائفي او قومي فاسد وجاهل. ليكن هذا شعاركم وهو مفتاح وخطوة أولى نحو الإصلاح الفعلي!
ثانيا: إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات بإشراف أممي، وبمنافسات علنية وطرح تاريخ المرشحين علنا وفي الصحافة ووسائل الاعلام قبل أن يبت بهم مجلس النواب، وإبعاد جميع الشخصيات التي تشوب حولها شبهات الفساد من اي تشكيل جديد. والتحقيق الجاد والشفاف في جميع شبهات الفساد التي رافقت المفوضيات خلال عملها.
ثالثا: إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى والمحكمة ألاتحادية، واختيار قضاة نزيهين مشهود لهم بالمواقف القضائية العادلة والجريئة البعيدة عن المساومات السياسية ... وإبعادهم عن المشاركة بأي نشاط سياسي أو صراع سياسي إلا بما يقتضيه عملهم المهني. وإعادة النظر بقوانين مجلس القضاء والمحكمة الاتحادية بما يخدم عملية الاصلاح الفعلي ومكافحة الفساد في المؤسسة. كما يجب إعادة النظر بالقضاة الذين طرؤوا على سلك القضاة من خلال معاهد غير مختصة بتخريج قضاة منحازين وطائفيين تنقصهم الخبرة والنزاهة كما هو الحال بالدورات (الخاصة بالقضاة) التي أنشأها عرابي الفساد المالكي ومدحت المحمود، وبذلك خرجوا العشرات ممن يسمون قضاة ليكونوا ادوات قذرة في محاكمة الخصوم السياسيين.
رابعا: إذا تمت الاصلاحات أعلاه بعدها يمكننا الحديث عن إجراء انتخابات جديدة لمجلس النواب وباشرف أممي فعال لا روتيني. وهذا يتطلب سن قانون لتنظيم عملية الانتخابات والدعاية واحترام حقوق الشعب في أن يرى مدنه خالية من عشوائية الدعايات والتشويه الذي تعود عليه في الملصقات. وعدم استعمال الرموز الدينية والطائفية في الدعاية، وليكن الهدف وطنيا مجردا من كل التسميات الغوغائية التي مورست لخداع البسطاء. فمهمة الدولة هي حماية البسطاء من اساليب الاحتيال والخداع والضرب على العواطف المذهبية والدينية.
هذه النقاط هي أهم الخطوات في الإصلاح الحقيقي، لا الاصلاح الذي يدعو له رئيس مجلس الوزراء ووزراءه الموقرون، ورئيس مجلس النواب ونوابه (المعتصمون والصامدون) وكذلك يدعو له رئيس الجمهورية، اصلاحهم الذي ينشدونه هو فقط لتقوية مراكزهم والصمود على كراسيهم وحماية الفاسدين في كتلهم. لتكن الخطوة الاولى هي التغيير الوزاري وهي الامتحان الاخير لجدية العبادي في الاصلاح، ولكن هذا التغيير لا يعفي رئيس الوزراء ووزراءه ومجلس النواب ورئيس الجمهورية من إجراء الخطوات الضرورية الأربعة التي أشرت اليها أعلاه، إضافة لإجراءات اخرى مهمة كمكافحة الفساد والفاسدين في المؤسسات (بعد اصلاح القضاء)، لأن اي محاكمات للفاسدين في ظل مؤسسة قضائية فاسدة ويشوبها الفساد وعدم النزاهة، سيحصل الفاسدون منها على براءة ذمة وشهادة شرف مزيفة، وتضيع اموالنا المنهوبة!
وأيضا يتطلب إعادة النظر بهيكلة -الجيش والمؤسسة الأمنية والمخابراتية- وبالرتب التي منحها القائد الضرورة (المالكي) بصورة طائفية مقززة، مما جعل هذه المؤسسات مرتع للفضائيين والفاسدين والفاشلين، وأصبحت حكرا على (الشيعة والسنة والاكراد) وخلت لأول مرة في العراق هذه المؤسسات الوطنية من الصابئة والمسيحيين والأزيدية والقوى العلمانية ذات التوجه المدني الديمقراطي! أما الرتب التي تم منحها فكان يراد منها شراء الذمم وتشكيل مؤسسات فاشلة يتحكم بها فاسدون لتنفيذ مشاريعهم القذرة. وقد حصدنا نتائج هذا الفشل بسقوط مدننا وبالعقود الفاسدة والمتواصلة ...! وهذا يتطلب من بناء مؤسسات عسكرية وأمنية ومخابراتية مهنية ووطنية بكل ما تعنيه المهنية والوطنية من مفاهيم بعيدا عن الفكر الطائفي والقومي المتشنج. الجميع يلاحظ فشل المؤسسة الأمنية وفسادها بحيث تخلت هذه المؤسسة عن أهم مهامها في حماية القانون والمواطن ومؤسسات الدولة وتركت ذلك تحت رحمة العرف العشائري المتخلف والى مافيات الفساد والمليشيات المارقة. فأصبح الطبيب والقاضي والمهندس والاعلامي والمواطن عرضة للتهديد والخطف والتصفيات من قبل مليشيات أو جهات بحجة العرف العشائري، وضاع الحابل بالنابل!
الاستفادة من خبرات الدول المتقدمة (وخاصة الاوربية) في مكافحة الفساد، وقوانين الضرائب ومتابعة تهريب الاموال، وضبط عمل البنوك والشركات ومتابعة تنقل الاموال وطريقة صرفها، وسن القوانين التي تنظم الحياة الاقتصادية والتجارية للحد من الفساد بكل أشكاله.
القيام بإصلاح اداري يجنب المواطن الروتين القاتل الذي هو أحد آفات الفساد المقصودة والممنهجة، وذلك من أجل سير معاملات المواطنين بانسيابية وحرص، ومحاسبة المسؤولين عن مؤسسات الدولة عن التسيب والإهمال والتسويف في المعاملات. وهذا يتطلب بث الروح الوطنية والشعور بالمسؤولية والتضحية ونكران الذات، بعيدا عن المزايدات بالمشاعر الطائفية والقومية التي جلبت للعراق كل هذا الخراب.
بالتأكيد هناك قضايا كثيرة يمكن إثارتها وكلها تستحق الاهتمام ولكن أرى أن ما أثرته هو بداية الاصلاح الحقيقي والجاد!
محمد علي الشبيبي
لوند/ 24 نيسان 2016



15
المنبر الحر / عبد الواحد كرم
« في: 22:49 22/04/2016  »
عبد الواحد كرم
أمس 21 نيسان مساءً كنت وزوجتي -أم نورس- في زيارة للعم والصديق عبد الواحد كرم (ابو حسام) بمناسبة مغادرته المستشفى بعد وعكة صحية. بعد الاطمئنان على صحته تبادلنا اطراف الحديث عن طفولته وبداية ارتباطه بالعمل الوطني. أحاول ان ادون باختصار اهم ما ذكره.
عبد الواحد كرم (ابو حسام) مزارع ومناضل شيوعي عنيد ومخضرم من مواليد نواحي مدينة العمارة. في أوراقه ثبتت مواليده 1929 بينما هو يؤكد انها غير دقيقة والأصح 1926 أو 1927! انه معذور في عدم دقة التاريخ فهذا من مخلفات تلك السنوات حيث الأمية والتخلف في تسجيل المواليد في حينها مما يسبب مثل هذه الأخطاء. عاش أبو حسام طفولته وترعرع متنقلا بين نواحي وقرى العمارة، هذا ما كانت تتطلبه حياة والده المزارع حيث كان سركالا يمتهن تأجير الاراضي وزراعتها. يتذكر ابو حسام دور عمه في تأثيره عليه منذ الطفولة. كان عمه متحررا أكثر من والده، وكان مرتبطا أو متأثرا بالحزب الوطني الديمقراطي، وكان محب للقراءة فاستفاد من مكتبته ومن هنا جاء حب أبو حسام وولعه الشديد بالقراءة. فالمعروف عن ابي حسام ما أن تتصل به أو تعلمه برغبتك بزيارته (وهو الآن في بداية عقده العاشر) حتى يبادرك طالبا منك أن تجلب له معك ما يتوفر لديك من روايات وقصص وكتب سياسية او تاريخية! ولما أحضرت له كتابا واحدا فقط عاتبني لماذا لم أجلب له أكثر من كتاب! ربما ابو حسام نسي اني أعرته معظم كتبي، ومع هذا وعدته بإعارته من كتبي الاخرى (المتواضعة العدد) بعد إعادة كتابي هذا ...! وهكذا بتأثره بعمه حفظ وتأثر بالكثير من الشعر الوطني للجواهري وصالح بحر العلوم والرصافي وغيرهم، ومازال معجبا بقصيدة صالح بحر العلوم (أين حقي) فقد كان لهذه القصيدة دورا تحريضيا وطنيا وفكريا في تلك السنوات وكانت ممنوعة من التداول!. انهى ابو حسام الابتدائية ولم يتمكن من مواصلة دراسته بسبب ما حدثت من نزاعات (عام 1941) وصراعات عشائرية بسبب خلافات على الاراضي والمياه راح ضحيتها العشرات من القتلى من عشيرته، مما اضطر عائلته لمغادرة قريتهم وترك أراضيهم الزراعية مرغمين.
يواصل ابو حسام حديثه:  في عام 1945-1946 كنت بعمر 20 سنة اتصل بي احد معارفي وحدثني عن حزب التحرر الوطني (بقيادة الشهيد الخالد حسين الشيخ محمد الشبيبي) ومنهاجه الوطني. أعجبني منهاجه الوطني ولكنني توقفت عند موقفه التحرري من المرأة ودورها! فقلت هذا جيد ولكن موقفه من المرأة لا استوعبه ولا ينسجم مع ما تربيت عليه من تقاليد متخلفة تحط من شأن المرأة، كيف لي أن اقتنع بموقف الحزب من المرأة وأنا أحتفظ بخيزرانة خاصة لزوجتي! هكذا أوصتني عمتى حين تزوجت وهي أيضا عمة زوجتي، حيث طلبت مني أن لا اتساهل وأتسامح مع زوجتي وابنة عمي، فكنت أفتعل الأعذار لضربها أو تخويفها. ثم اعتبرت موقف حزب التحرر الوطني من المرأة ثانويا ... فبالنسبة لي الأهم مواقفه الوطنية وخاصة القضايا الاجتماعية والقضية الزراعية بالتحديد فهي تشكل همي الأكبر بعد انتزاع أراضينا من قبل الاقطاع ... واكتشفت حينها أن هناك اجتماعات ولقاءات في الارياف وان هناك حزب شيوعي يناضل من أجل ان تكون الأرض لمن يحرثها ويزرعها ويناضل ضد الاقطاع الذي سلب أراضينا وهجّرنا ... وفي تلك السنوات بدأنا نسمع في المنطقة وبين الفلاحين بتداولون أسم شوعي (أي شيوعي) ... ثم تطورت علاقتي بجماعة حزب التحرر. وبعد رفض إجازة حزب التحرر عام 1946 شاركت في التحرك بين الفلاحين لجمع التواقيع من أجل الضغط على وزير الداخلية (سعد صالح) لإعادة النظر بقرار عدم الموافقة بإجازة الحزب. ولكن استقالة سعد صالح وتشكيل الحكومة برئاسة ارشد العمري أدى الى شن حملة اعتقالات ضد انصار حزب التحرر الوطني وخاصة على الناشطين في حملة التواقيع من أجل اجازة الحزب. وهكذا اعتقلت لأول مرة ولأسباب سياسية، ونقلت مع بعض زملائي الى مركز شرطة العمارة. كان التضامن معنا كبيرا، فكانت تصلنا يوميا موائد الطعام وأنواع الفواكه والسكائر حتى كان الطعام كافيا لجميع المعتقلين الجنائيين الذين كنا نشركهم بطعامنا. ووصلت من بغداد الى العمارة مجموعة من المحامين الوطنيين للدفاع عنا حتى تكلل جهدهم بإطلاق سراحنا بعد شهر من اعتقالنا.
وتختلط التواريخ والأحداث على ابي حسام، وأحيانا تخونه الذاكرة فيسحب دفتر صغير سجل فيه بعض الأسماء والتواريخ عله يجد بين صفحاته ما ضاع في ثنايا ذاكرته ... وتدث عن انتفاضة آل أزيرج عام 1952 وكيف تحرك هو ورفاقه بتوجيه من الحزب في تقديم المذكرات ومقابلة المسؤولين كرئيس الوزراء أرشد العمري من أجل مطالبهم المشروعة، والتحرك لمقابلة الشخصيات الوطنية مثل كامل الجادرجي ومحمد مهدي الجواهري اللذان نشرا مذكراتهم، ولما ارادوا العودة لقراهم وهم فخورون بنشر مذكرتهم التي نشرها الجواهري لم ينجحوا في الحصول على الصحيفة لنفاذها فطلب لهم الجواهري من احد شغيلته فجلب لهم 15 عددا.
ويقفز ابو حسام في ذكرياته ليتحدث عن اعتقاله أثر انقلاب 8 شباط 1963 الدموي وكيف تنقل بين سجن نقرة السلمان والحلة، وفي الحلة لم يسعفه الحظ في الهرب من النفق الذي حفره رفاقه حيث تم اكتشاف النفق عندما جاءه الدور للهرب ... وبقى في السجون العارفية يتنقل من سجن الحلة الى الرمادي ثم بعقوبة حتى اطلاق سراحه عام 1968 حيث انهى فترة حكمه.
وحدثني ابو حسام عن عائلته وزوجته وأبنائه وكيف أضطر الى مغادرة الوطن عام 1979 بعد الهجمة الشرسة على الحزب وجماهيره وعاش منذ ذلك العام متنقلا في المنافي بعيدا عن عائلته الى أن أستقر به الحال في السويد. وكيف غامر بالذهاب الى كردستان أيام الطاغية للقاء عائلته ونجح في ذلك ... ويتحدث بمرارة عن التخلف والردة والإحباط الذي أصاب البعض في داخل العراق بسبب الحروب وسياسة الحصار والدكتاتورية المقيتة التي سيطرت على المجتمع العراقي وانتشار الأفكار الغيبية المتخلفة. ولم يخلُ حديثه للتطرق عن بعض خصوصياته العائلية ..... يقول بفخر واعتزاز أن أبناؤئه وأحفاده يصل عددهم الى السبعين فردا وهو في تواصل مستمر معهم. ورغم شيخوخته ووحدته فهو ما أن يلقاك حتى يلح عليك باستضافتك للغداء فالجميع هنا يعرفون كرمه هذا. في السنوات الأخيرة أثرت عليه أمراض التقدم بالسن أكثر وأصبح خروجه من البيت نادرا ولكن رفاقه وأصدقائه لم يتخلوا عنه بزيارته والسؤال عنه وتقديم المساعدة له. وهو مازال كثير التدخين وفي احدى المرات (واثناء رقوده في المستشفى) عثرت عليه الممرضة وهو يدخن في الحمام خلسة! فهو يعرف ان التدخين ممنوع في الردهات وفي المستشفى عامة، فجرب التدخين في الحمام معتقدا ان غلق الباب سوف يساعده في عدم كشف سره! لكن جهاز التنبيه الموجود في الحمام نبه العاملين واكتشفوا تلبسه (بجريمة) التدخين خفية، فحذروه من ذلك وهو الان ملتزم بعدم التدخين في المستشفى والله اعلم!
الف تحية للعزيز ابا حسام واتمنى له العمر المديد والصحة والعافية.
محمد علي الشبيبي
لوند 22/4/2016
هذه بعض الصور التقطتها في زيارتي لأبي حسام

16
في طريق الإصلاح والبناء!

سألني أحد الأصدقاء ردا على انتقاداتي لاجتماع الرئاسات الثلاث وتقبل البعض ليكون واسطة (خير) بين المعتصمين والمتظاهرين ورئاسة الدولة! وكأن الرئاسات الثلاث لا تعرف ما هي مطالب الشعب المتظاهر والصامت منه، أو ان هذه الرئاسات لا تعرف أن الفساد موجود في عقر دارها وربما (وأنا لا أزكيها لأنها لم تعالجه) هي مساهمة فيه! سألني الصديق:
ماذا يمكنك أن تفعل في الاجتماع وأنت محاط بشلة معظمهم يحوم حولهم الفساد!؟
فأجبته بكل بساطة مستفيدا من تجربتي السياسية المتواضعة: لو سنحت لي فرصة الحضور، لذهبت للاجتماع لمكاشفة الرئاسات بمسؤليتها في تردي الاوضاع ... وأضع أمامهم خطة طريق واضحة مختصرة تضع أي حكومة قادمة على السكة الصحيحة لبدء عملية الاصلاح ...!
سألني: وضح ماذا تقصد بمكاشفة الرئاسات وخطة الطريق؟
أجبته موضحا: المكاشفة تقتضي أن أكون مستوعبا جيدا لما يجري في العراق من تحرك شعبي وأسبابه وحقائقه، وأن أكون على إطلاع دقيق بكل الممارسات والتجاوزات (حكومية، كتل، مليشيات، أحزاب) في إدارة الدولة ومؤسساتها وما رافقها من أخطاء وفساد مالي وإداري ... أن أكون صريحا وشجاعا في طرح كل هذه على الطاولة، وأحدد مسؤوليات الجميع وخاصة السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية ... أن أذهب وأنا أحمل معي ملفات الفساد التي تم نشرها وتداولها، بدءا من صفقات الأسلحة، بيع املاك الدولة والقصور الرئاسية، المحاولات المبرمجة لتدمير ما تبقى من صناعة، عقود النفط التي يشوبها شبهات الفساد، الرتب العسكرية التي تباع بالملايين أو مقابل شراء الذمم وخلو الجيش من الطوائف الأخرى، ضياع المليارات دون جدوى ودون محاسبة أو تحقيق جدي، سقوط بعض المدن العراقية بأيدي داعش دون أن نسمع بمحاكمة للقيادات العسكرية والمدنية المسؤولة عن ذلك، ثم دور المؤسسة القضائية وفشلها في متابعة ملفات الفساد وتسويفها والتستر عليها أو استعمالها لإسكات المعارضين ... وووو .....الخ ثم أوجه سؤال لرئيس السلطة التنفيذية، ليعطيني معلومة واحدة عما أنجزه في ملاحقة كبار الفاسدين بدءا من نوري المالكي (لأنه المسؤول الأول في الدولة) الى وزرائه خلال فترتيه ... هل نجح العبادي في سحب عقارات الدولة التي يسيطر عليها حزبه والاحزاب الاخرى؟ هل تمكن من إعادة الاموال المنهوبة؟ ما الذي فعله من أجل تحسين الخدمات؟ ما الذي يمنعه في إجراء بعض اصلاحاته (مثل تعيين مسؤولين ثابتين جدد للهيئات المستقلة)!؟ تساؤلات كثيرة يمكن طرحها باعتبارها رأي الجماهير المتظاهرة ...
أما ما الذي أقصده بخطة الطريق، إنها الخطة التي ترسم طريقا واضحا لنقل العراق من حكومات محاصصة طائفية/أثنية الى حكومة وطنية للإصلاح والبناء ... وهذا يتطلب وحسب رأيي المتواضع:
1- ان يعلن رئيس الوزراء وكل كابينته استقلاليتهم وعدم انتمائهم لأي حزب أو تكتل طائفي أو مليشياوي. وهذا لا يعني أبدا ابقاء الكابينة الوزارية حتى وأن أعلنوا استقلاليتهم.
2- أن يفعّل ملفات الفساد (المالية، العقارية، الرواتب والمخصصات، عقود النفط والاسلحة وغيرها) ويتقدمها ملف سقوط الموصل، في محاكمات عادلة وجريئة وعلنية متلفزة ... والعلنية هذه لغرض الشفافية وإثبات عدالة واستقلالية القضاء (الذي فقد بعضه سمعته في الاستقلالية والنزاهة) والجدية في المحاسبة. لأن كل هذه (ملفات الفساد وسقوط الموصل) يمكن أن تدخل في قضية خيانة الوطن وهذه جريمة كبرى.
3- انجاز قانون خاص يأخذ بنظر الاعتبار أساليب مافيات الفساد في السرقة والنهب من أجل العمل على الحد من الفساد ومحاصرته وسهولة كشفه.
4- تكليف لجان دولية وبمشاركة عراقية وبعيدا عن كل الكتل والاحزاب التي شاركت في السلطة من اجل التحقق من قانونية وشفافية وحرص البنك المركزي في رسم السياسة النقدية والمحافظة على النقد وأحتياطه، والتحقيق في مسؤولية البنك في تبيض العملة وبيع ملايين الدولارات دون جدوى وطنية واقتصادية لا بل العكس هو ما يحدث. وتشكيل لجان مشابهة لمتابعة ملفات الفساد والأموال المنهوبة والمهربة.
5- أن تتم استعادت كل العقارات التي تشغلها الاحزاب والكتل السياسية والمليشيات.
6- أن يتم تعيين وزراء تكنوقراط مستقلين ونزيهين. ولا يكفي تعيين وزراء تكنوقراط، وإنما يتطلب ذلك ان يكون الوزير تكنوقراط له تجربته الواضحة عراقيا وعالميا (لا مشفوعا بشهادات من سوق مريدي أو دراسات عبثية لا تنفع الى للروزخونية) وان يتم التحقق عالميا من صحة المعلومات التي يقدمها، وأن يقدم مع سيرته الذاتية كشف ذمة لممتلكاته العقارية والبنكية قبل ان يتم تعيينه. وأن يكون معروفا بالنزاهة وبالتاريخ النظيف. وبالقدرة الادارية.
7- على مجلس النواب أو رئيس الوزراء أن يقوم بعرض المشاريع والقوانين المهمة التي تمس حياة الشعب (القوانين السياسية، الاقتصادية، الحقوقية، العسكرية ....الخ) ان يتم عرضها على الصحافة والأحزاب السياسية لتأخذ مدى كافيا للمناقشة من أجل تطويرها وإخراجها بصورة أفضل لما فيها خدمة للقضية الوطنية.
8- تعديل قانون الانتخابات ليكون أكثر عدلا في تحديد الفائزين.
هذه نقاط متواضعة وربما وحدها لا تكفي ولكنها ضرورية ليثبت من خلال الالتزام بها والعمل بموجبها جدية رئيس الوزراء (في نقل العراق نقلة نوعية في طريق الاصلاح والبناء)، وهذا ينطبق على السلطة التشريعية التي تسند عمله من خلال تشريع القوانين والسلطة القضائية التي تؤكد على الجدية في مكافحة الفساد وإعادة حقوق الشعب.
في اعتقادي بدون هذه الخطوات يبقى الحديث والإجراءات التي تدعي الاصلاح هي عبثية وتسويفية، وعلى المتظاهرين والمعتصمين أن يستوعبوا هذه الحقائق وأن يبلوروا خطة طريق موحدة لتكن مرشدا لهم في النضال من أجل الاصلاح والبناء.
محمد علي الشبيبي
السويد 22 آذار 2016
alshibiby45@hotmail:com
   

17

نداء للمتخصصين، حول سلم الرواتب!؟؟
تحياتي
أنا لست متخصصا، ولكن ما أطلعت عليه من نسبة مخصصات ستكون للمسؤولين الكبار حصة الأسد فيها فهي إجحاف بحق الطبقات الفقير والموظفين ... أن قانون سلم الرواتب ظاهره تقليل الفرق بين الرواتب وباطنه شرعنة للفساد وهدر المال العام!؟ آمل أن يتناول الموضوع المتخصصون وكشف أساليب الفساد في مضامينه
كتبت التعليق التالي على الفيس بوك
 
سلم الرواتب الجديد ... هل هو تشريع آخر للفساد ولإستغلال أموال الشعب وهدرها!؟
من يستلم أعلى راتب (8 مليون) وكما محدد في القانون ليس بحاجة الى ان تكون نسبة مخصصاته 150% أي ان المخصصات وحدها ستصل الى (12 مليون!!!) وحينها يكون الراتب الكلي مع المخصصات (20 مليون!)، لا أعتقد من يستلم راتب مقداره (8 مليون) بحاجة الى مخصصات تصل الى (12 مليون). كان الأحرى التلاعب بالرواتب أي رفع الراتب الأدنى وتخفيض الراتب الأعلى، وأما المخصصات يجب أن تحدد نسبتها (150%) ولكن بشرط أن لا تزيد عن (2 مليون)، وبهذا التحديد نكون قد ساهمنا بقسط بسيط من أجل العدالة الاجتماعية وتقليل الفرق بالرواتب، وبذلك يصبح أعلى راتب مع المخصصات (10 مليون)، بينما حسب القانون الجديد فأعلى راتب مع المخصصات يصل الى (20 مليون)!! لقد افتقدت الحكومات السابقة والحالية للشفافية وهي بهذه السياسة تحاول أستغفال الشعب وقواه السياسية التي تحرك الشارع اليوم مطالبة بالاصلاح.... هذه وجهة نظر وسبق أن وجهت أكثر من نداء طالبت المتخصصين (في النفط، الاقتصاد، الادارة، الزراعة ....) بتقديم مشاريع قوانين للاصلاح وعرضها على القوى السياسية الجادة لتكون بديلا عن قوانين برلمان وحكومة ينخر فيها الفساد .... الفاسدون لن يصلحوا الوضع بل يحاولوا إضفاء الشرعية على فسادهم!؟
 
محمد علي الشبيبي
رجاء افتح الرابط وفيه
تحديد للراتب والمخصصات
http://www.qoraish.com/qoraish/2015/10/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%B9%D9%86-%D8%A3%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9/


18
انقلاب 8 شباط 1963 الدامي/ في سجون سلطة الأخوين عارف/11
لابد من الإشارة وتوضيح لبعض الاصدقاء من القراء، أن هذه الحلقات هي جزء من كتابي (ذكريات الزمن القاسي) الذي تم طبعه عام 2009 مع بعض التنقيح للأخطاء والإضافات الفنية الضرورية.
سجن نقرة السلمان/2
قطار الموت احدى صفحات البعث السوداء!

كتب الكثير عن قطار الموت، ولابد هنا من الإشارة ولو باختصار شديد إلى هذه الجريمة التي اقترفها البعثيون وشركاؤهم من القوميين فجر 4 تموز 1963، وقد عشت عن قرب مع ركاب القطار أثناء وجودي في سجن نقرة السلمان، ولكن للأسف لم يتم تدوين تفاصيل هذه الملحمة البطولية في حينها للتوثيق التاريخي. عندما حدثت انتفاضة الشهيد حسن سريع فجر 3 تموز 1963 في معسكر الرشيد، كان من أحد أول خططها المهمة أطلاق سراح الضباط المعتقلين في سجن رقم واحد في معسكر الرشيد. وفعلا كانت هناك محاولة من الجنود المنتفضين لإطلاق سراح الضباط ولكنهم فشلوا. مع العلم ان التخطيط للانتفاضة لم يكن فيه للضباط المعتقلين أي دور أو مساهمة أو علم بالانتفاضة او بمخطط الشهيد حسن سريع ورفاقه للقيام بانتفاضتهم الباسلة.
بعد فشل الانتفاضة انتبه قادة الانقلاب الى خطورة وجود مثل هذه القيادات والرتب العسكرية في معتقل سجن رقم واحد. وبعد سويعات من فشل الانتفاضة عقد ما يسمى (المجلس الوطني لقيادة الثورة)(1) اجتماعا في مقر وزارة الدفاع. تدارس أعضاء المجلس الوطني لقيادة الثورة، وكانوا هم قادة السلطة الفعلية، كيفية التخلص من الضباط الديمقراطيين و الشيوعيين وأصدقائهم. كان جو الاجتماع مشحونا بالحقد ورح الانتقام البربري، فاختلفوا على عدد الضباط الذين يجب التخلص منهم وإعدامهم -كما روى بعض القادة البعثيون في مذكراتهم- . وفي الاجتماع كان عبد السلام عارف رئيس الجمهورية "قومي وإسلامي التوجه" أول المبادرين بضرورة الانتقام العشوائي، ويسانده كل من أحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش "من القيادات البعثية" وعبد الغني الراوي "اسلامي قومي"، وآخرين عسكريين ومدنيين من القيادة القطرية لحزب البعث، حسب إدعاء هاني الفكيكي في مذكراته "أوكار الهزيمة" ومعظم مذكرات القيادات البعثية. وفي هذا الاجتماع اقترحوا اعدام جميع الضباط والمدنيين المعتقلين الموجودين في سجن رقم واحد، ويقدر عددهم أكثر من 1200 معتقل. وبعد ساعات من الاجتماع الأول انعقد اجتماع ثاني في مقر وزارة الدفاع أيضا، وكانت الخلافات متواصلة بين المجتمعين حول عدد وكيفية التخلص من المعتقلين!.
كان الاختلاف في المجلس الوطني لقيادة الثورة حول عدد الضباط الذين يجب اعدامهم لا لموقف إنساني، فالاعدام العشوائي بطبيعته لا علاقة له بأي مشاعر إنسانية أو حقوق إنسان، وإنما لقناعة بعضهم وخوفهم من ردة فعل عراقية وعربية وعالمية على هذه المجزرة البربرية. أما ان يكتب الفكيكي في مذكراته "أوكار الهزيمة" محاولا إعطاء هذا الخلاف حول عدد الضباط الذين يجب اعدامهم أو رحلة قطار الموت جانب إنساني، فهذا تدحضه جرائم البعث على مدى تاريخ تسلطه في الحكم. ونسي الفكيكي إن التصفيات الجسدية تحت التعذيب الوحشي التي مارسوها على قيادات وكوادر الحزب الشيوعي كانت دائما بإشراف قيادات وكوادر بعثية أمثال علي صالح السعدي، سعدون شاكر، حازم جواد، منذر الونداوي، محسن الشيخ راضي، نجاد الصافي، بهاء حسين شبيب، هاشم قدوري، عمار علوش ... والقائمة تطول!. هذه أسماء بعثية شاركت في التعذيب والقتل البربري في قصر النهاية. فرغبة القتل والانتقام كانت صفة انقلابيي 8 شباط بكل توجهاتهم (بعثية أو قومية أو إسلامية).
في صحوة ضمير مشوهة وتبريرية تنقصها الشجاعة لبعض القيادات البعثية (طالب شبيب، الفكيكي) حاولوا تبرئة أنفسهم من جريمة الرغبة في تصفية الضباط، وحاولوا توجيه الأتهام بذلك لتعطش عبد السلام عارف وعبد الغني الراوي والبكر للقتل والإنتقام. وتناسوا أن المجلس الوطني لقيادة الثورة -الذي أصبح أعلى سلطة في الدولة- تم تشكيله من 18 عضوا منهم 15 عضوا من حزب البعث. أما مجلس الوزراء(2) فتكون من 20 وزيرا بينهم 13 وزيرا بعثيا، فكيف والحال هذه يحاولون تبرئة أنفسهم والتنصل من جرائم حكومة انقلاب 8 شباط 1963!؟. ويتحدثون في مذكراتهم "هاني الفكيكي ورفاقه" كيف أن عبد الغني الراوي وانطلاقا من إيمانه الديني (كمسلم مؤمن) أستحصل على فتاوى من علماء شيعة وسنة، تبيح له قتل الشيوعيين ومصادرة أملاكهم. وفي حوار أجراه غسان شربل في جريدة الحياة مع عبد الغني الراوي في تموز 2003 باربع حلقات، يسأله: يقال كنت عدوا للشيوعيين وانك قتلت العديد منهم فهل أنت نادم؟. يجيب عبد الغني الراوي: نعم انا عدو الشيوعيين ولم أكن بعثيا في أي يوم. أنا عربي مسلم. حصلت على فتاوى من رجال الدين الشيعة والسنة تجيز قتل الشيوعيين. الفتوى التي حصلت عليها من العلماء الشيعة تعتبرهم مرتدين وجزاء المرتد القتل. لست نادما على ما فعلته بهم(3). وحول هذا الموضوع يذكر هاني الفكيكي في كتابه (أوكار الهزيمة) صفحة 279: ... وفجأة اندفع الى داخل قاعة الاجتماع -يقصد اجتماع المجلس الوطني ...- العميد عبد الغني الراوي وقدم الى عارف وريقات ما ان اطلع عليها حتى هتف: ماذا تريدون اكثر من ذلك؟ .... وواصل عارف: هاهم الشيخ قاسم القيسي والمفتي نجم الدين الواعظ والسيد محسن الحكيم قد افتوا بجواز قتل الشيوعيين. فماذا تنتظرون بعد؟ ويواصل الفكيكي في كتابه في الصفحة 280: أن عبد الغني الراوي رفض طلب عبد السلام عارف باعدام 150 ضابطا شيوعيا بسبب قلة العدد وتواضعه.
توجهات عبد الغني الراوي لأستحصال الفتاوى بقتل الشيوعيين، وتقبل وارتياح عبد السلام عارف وغيره لهذه الفتاوى، أضف الى ذلك الحقد الدفين بسبب الخلافات السياسية ومحاولة التعكز على الشريعة في جرائمهم، كان ذلك بادرة خطيرة في زج الدين لحسم الخلافات السياسية وإعطائها صبغة دينة أو مذهبية، وإظهارها وكأنها موقفا شرعيا يستند على السنة والقرآن. إنها وصمة عار في تاريخ القادة السياسيين الانقلابيين ومن وقف متعاطفا أو متحمسا معهم أو أفتى في تلك التصفيات البربرية. ومما يعطي مصداقية لإدعاء عبد الغني الراوي هو الصمت المطبق من قبل المؤسسات الدينية والمراجع وعدم استنكارها لجرائم الانقلابين من تعذيب وقتل وانتهاك الاعراض، لا بل أن بعضهم بعث ببرقيات التهنئة!. وليت تلك القوى ان تستذكر تلك الأحداث المريرة وما تركته في تاريخ العراق من صفحات دامية سوداء وتتجنب زج الشرع في عمليات ذبح وقتل وسبي مدمرة كما يحدث اليوم في عراقنا الحبيب. 
ويذكر الباحث رشيد خيون في مقالة منشورة(4) الى سعييه لمعرفة حقيقة وصحة تلك الفتاوى، مع العلم ان هذه الفتاوى لم يتم نفيها من أية جهة، فيكتب: ( ... سعيت إلى التَّثبت مما حدث كي أضعها تجربةً قاسيةَ أمام الأجيال، وأمام السياسيين العِراقيين في الوقت الحاضر، وهم يبحرون بسفينتنا بعيداً عن الشَّواطئ الآمنة، وسط الأمواج العاتية، يمرون بها على طُرق القراصنة، ومِن بينهم مَن هو قرصان للأسف.... ويتابع الباحث رشيد خيون في نفس المقالة، فيكتب: اتصلت بمكتب الشَّيخ العلواني (طه جابر العلواني)، وكان بأميركا، فأكد ما حصل عندما أتاه الراوي -عبد الغني- قُبيل تنفيذ الحُكم بخمسة ساعات ونهاه عن تنفيذه، لأن الفتاوى سياسية لا دينية، وأرسل لي مشكوراً كتابه الذي ذكر فيه الحادثة بتفاصيلها "لا إكراه في الدِّين إشكالية الرَّدة والمرتدين مِن صدر الإسلام إلى اليوم" (الشروق، الطبعة الأولى 2003). كان ذلك الحدث دافعه إلى تأليف هذا الكتاب).
بعد كل هذا الأخذ والرد والمداولات في المجلس الوطني لقيادة الثورة اتفقوا على نقل المعتقلين الى نقرة السلمان، لتلاحقهم بعد ذلك الى النقرة محكمة عسكرية يترأسها العروبي ذو التوجه الإسلامي عبد الغني الراوي، لإصدار أحكام إعدام بحق عدد من الضباط والمدنيين يتم انتقاءهم من بين المعتقلين، ووصل العدد الى أكثر من 500 معتقلا من معتقلي سجن رقم واحد، وبذلك يكونوا قد أشفوا غليلهم في رغبة القتل والانتقام. وشمل العدد ضباطا من مختلف المراتب والأصناف والاختصاصات (قادة عسكريين، مهندسين وأطباء وصيادلة) وحتى شخصيات وطنية وكوادر علمية مدنية! وتم اختيار هؤلاء المعتقلين من قبل ما يسمى المجلس الوطني لقيادة الثورة -ذو الأكثرية البعثة المطبقة-. واقترحوا نقلهم الى السماوة بقطار حمولة البضائع وفي العربات الحديدية، ليتخلصوا من بعضهم خنقا وعطشا من شدة ارتفاع درجات الحرارة وقلة الأوكسجين وفقدان أملاح وسوائل الجسم، خلال سفرة القطار التي خطط لها لتكون أطول ما يكون (بحدود 10 ساعات). أما من يصمد من المعتقلين خلال رحلة الموت هذه فسوف لن ينجُ من حكم الاعدام الذي سيصدره المتعطش للقتل عبد الغني الراوي، حيث سيلاحقهم بمحكمته الى سجن نقرة السلمان. ولكن هذه المحاكمة كما خططوا لها لم تحدث لرفض عبد الغني الراوي لقلة العدد (150 ضابطا، كما ذكر الفكيكي وغيره) الذي تقرر اعدامهم! لذلك اكتفوا موقتا بنقلهم الى سجن نقرة السلمان بقطار حمولة البضائع.
أطلق على القطار تسمية (قطار الموت) لان سلطة 8 شباط الفاشية كما هو واضح كانت تهدف من عملية النقل هذه القضاء على حياة هؤلاء المناضلين. بعد أن جربوا أساليب مختلفة وبشعة من القتل تحت التعذيب الوحشي، أو الإعدام. هذه المرة أرادوا أن يجربوا القتل الجماعي بقطار الموت، ليحولوا عربات "15 عربة حديدية" القطار الى تابوت أو فرن متنقل يغلي بالمعتقلين لساعات تحت أشعة شمس تموز الحارقة، وإظهار جريمة هذا الموت الجماعي وكأنها بريئة وغير مقصودة!.
خطط قادة انقلاب 8 شباط بطريقة سادية لم يفكر بها حتى هتلر، لتنفيذ جريمتهم لتصفية أكثر من 500 عسكري من مختلف المراتب وشخصيات مدنية سياسية لها مكانتها الاجتماعية والوطنية والعلمية. فأسعفهم فكرهم السادي ورغبتهم الغير محدودة للقتل بنقل المعتقلين سرا تحت جنح الظلام لإخفاء جريمتهم البشعة، بقطار الحمولة الحديدي البطيء وتحت أشعة شمس تموز الحارقة، والتي تتجاوز 50 درجة مئوية في الظل وفي الفضاء المفتوح. وليتصور القارئ الكريم كيف سيكون حال هذه العربات الحديدية التي لا تتوفر فيها مطلقا نوافذ التهوية، وهي تسير ببطء تحت أشعة الشمس الحارقة ولمدة تتجاوز 10 ساعات! هكذا خططوا لرحلة الموت الجماعي!
 اشرف على تنفيذ هذه الجريمة النكراء كل من رئيس الجمهورية عبد السلام عارف، ورئيس أركان الجيش طاهر يحيى، والحاكم العسكري العام رشيد مصلح، وبمشاركة قيادات بعثية مدنية وعسكرية أخرى كانت حاضرة في محطة بغداد العالمية. حُشِر هؤلاء المناضلون في 15 عربة قطار حديدية خاصة لنقل البضائع، وربما لا تصلح حتى لنقل المواشي لمسافات طويلة! وكانت هذه العربات الحديدية تخلو من العازل الحراري والكراسي والنوافذ، وجدرانها من الداخل مطلية بالقار. ولا يوجد فيها أي منفذ للهواء أو النور ماعدا بعض الثقوب الصغيرة جدا والنادرة بين بعض مفاصل العربة. وتم إغلاق أبواب العربات وقفلها على المناضلين البواسل، وبقوا داخل العربات عدة ساعات قبل أن ينطلق القطار في صباح 4 تموز حوالي السابعة صباحا. وطلب المسؤولون القتلة من سائق القطار (عبد عباس المفرجي) أن يسير ببطء للحفاظ على البضاعة!؟ خافين عن سائق القطار حقيقة حمولته بعد أن جاؤوا به من البيت فجرا! الفاشيون خططوا لجريمتهم بأن القطار سيقطع المسافة -290 كلم- بين بغداد والسماوة بعشر ساعات حسب توجيهاتهم للسائق، وهي كافية للقضاء على من في العربات لشدة الحر والعطش، لأن هذه العربات (15 عربة) وتحت تأثير أشعة الشمس التموزية ستتحول الى فرن حراري يشوي أجساد المعتقلين!
كانت العملية مخططة من قبل مجرمين متعطشين للدماء واسترخصوا حياة المواطنين، مستغلين ما ستسببه أشعة شمس تموز الحارقة لتحويل العربات إلى فرن يغلي بأجساد المعتقلين ليتحول الى قبر جماعي. لكن بعض الشرفاء والطيبين من عمال السكك، والذين عرفوا بتعاطفهم مع الحزب الشيوعي وبغضهم الذي تضاعف لحزب البعث بسبب ممارساته الدموية، ساهموا في كشف سر حمولة القطار، حيث نجح احدهم، وبعد ان قطع القطار 140 كلم وأثناء توقفه في احدى المحطات، أن يخبر سائق القطار بحقيقة حمولته. وقد روى سائق القطار عبد عباس المفرجي لنجليه (الصحفيين مظهر، وعلاء) كيف تم استدعائه فجر 4 تموز وكيف وصله خبر حقيقة الحمولة، حيث ذكر لهم: (ان شابا في الثلاثين من عمره صعد اليّ أثناء توقفي في المحطة وأخبرني أن حمولتي ليست حديد بل بشر هم من أفضل أبناء شعبنا ومن محبي عبد الكريم قاسم).
 لقد فجع المفرجي لهذا الخبر، ولبشاعة الجريمة التي خطط لها برابرة انقلاب 8 شباط. وتخيل نفسه، وهو دون علم، انه يساهم مع القتلة في إزهاق أرواح مناضلين شرفاء. تخيل هؤلاء المناضلين وهم داخل هذه العربات الحديدية المغلقة بالكامل وبدون منافذ هوائية، وأن أشعة الشمس التموزية التي تتجاوز 70 درجة مئوية في الشمس المباشرة ستقضي عليهم داخل العربات بسبب شدة التعرق وانخفاض نسبة الماء والأملاح في اجسامهم وستؤدي هذه الحالة الى الاختناق والغثيان وهبوط ضغط الدم والإغماء والتقيوء، وضعف التركيز والشعور بالألم الشديد في العضلات عند أي حركة، وعدم القدرة على الوقوف أو المشي. كل هذه العوامل القاسية ستؤدي لا محال الى إنهاء حياة هؤلاء المناضلين، وخاصة أن المسافة المتبقية للوصل لمدينة السماوة 160 كلم أي ستستغرق بحدود 5-6 ساعات إذا ما التزم بالتوجيهات التي اُمر بها! أما المعتقلون فقد بدأوا رحلتهم الغامضة من بغداد بأناشيدهم الثورية، وتعليقاتهم ونكاتهم على بعض الاحداث، وتبادلوا قصص ونوادر اطفالهم وعوائلهم، وتذكروا رفاقهم وخاصة الشهداء منهم وبطولاتهم. ولكن هذا الوضع لم يستمر طويلا، فقد انهكتهم حرارة الجو واستنزفت قواهم، فأسلموا وضعهم الى القدر بعد أن فقدوا ما اكتنزته أجسادهم من سوائل وأملاح، ولم يعودوا قادرين على التركيز والتفكير وأصبح الموت قاب قوسين منهم. وأصدر الاطباء والصيادلة المتواجدين بينهم توجيهاتهم الى ضرورة عدم خلع ملابسهم للمحافظة على الطاقة وحرارة أجسادهم، كما نصحوهم بلعق العرق المتصبب من أجسادهم ليحافظوا على جزء بسيط من السوائل والأملاح علهم ينقذون حياتهم من رحلة موت خطط لها بجبن وخبث. كان البعض يحاول أن يوهم نفسه بأخذ أنفاسا من الثقوب الصغيرة، ولكن هذه الحال لم تستمر طويلا فقد فقدوا قواهم وقدرتهم على التحرك والتركيز، والبعض راح في شبه غيبوبة ...!
وهم في هذه الحال وأثناء توقف القطار سمعوا صوتا خافتا يطمئنهم من خارج المحطة: (اخواني أصبروا، سيأتي الفرج قريبا... سائق القطار لا يعرف حقيقة حمولته، وقد عرف الان وسيصل بكم الى السماوة بسرعة) ... كان هذا صوت أحد شغيلة المحطة المتعاطفين مع المعتقلين!، انتقل من عربة الى اخرى لينقل الى المعتقلين نفس الرسالة ويطمئنهم!. بعد هذه الساعات الشاقة عرف المعتقلون أنهم متوجهون الى السماوة.
بعد أن تأكد الراحل سائق القطار عبد عباس المفرجي بطبيعة حمولته وأكتشف كذب المسؤولين، وإن هذه الرحلة يراد منها قتل هؤلاء المناضلين بطريقة الموت البطئ.  قرر هذا السائق الشجاع أن يتحدى قرار المسؤولين ومضاعفة سرعة القطار لإنقاذ حياة الضباط المعتقلين، وليكن ما يكن ولن يشارك في جريمة بشعة ولن يتحمل مسؤولية موت وطنيين، فلا إيمانه بالله ولا وطنيته ولا تربيته وأخلاقه تسمح له بالمشاركة برحلة الموت البربرية هذه!. فاعتبر أن حياة هؤلاء السياسيين أمانة في رقبته، متحديا وغير مبال بالعقوبات التي ستصدر بحقه. وهكذا سار بالقطار بسرعة مضاعفة، وشعر المعتقلون بهذا التغيير، حتى أنه تجاوز بعض المحطات الصغيرة بدون توقف!. كما أن خبر قطار الموت وصل الى المحطات التالية، حتى أن بعض المواطنين خرجوا سرا وهم يحملون أسطل -أواني كبيرة-  الماء لرشه على القطار الذي يغلي من شدة وقوة أشعة الشمس لتبريد جدرانه، وهذا ما فعله أهالي الديوانية والمدن التالية! ويروي المفرجي لأبنائه، كان الاهالي يقتربون من العربات ويرشوا جدرانها بالماء المثلج لتبريدها وتخفيف وطأة حرارتها الكاوية، ويحاولون تشجيع المعتقلين على الصمود والتحمل، فطلبت منهم الكف فربما يكتشف الحرس تسرب معلومة حقيقة الحمولة وبذلك ستكون النتيجة كارثية ومعكوسة.  ويروي الراحل عبد عباس المفرجي لنجليه: (في احدى المحطات اقتربت مني امرأة وقبلت يدي في غفلة مني متوسلة قائلة أرجوك أوصلهم بسرعة!).
تساءل البعض، كيف تسرب خبر حقيقة حمولة قطار الموت بالرغم من أن الاجراءات كانت تحت جنح الظلام وفي وقت متأخر ليلا وبسرية تامة، حيث بدأ تجميع المعتقلين لنقلهم للمحطة العالمية في الثانية ليلا. أعتقد فاشيو 8 شباط أن نقل المعتقلين بعد منتصف ليل 3 تموز سيخفي جريمتهم البشعة. فجيء بالمناضلين من ضباط ومراتب وسياسيين من سجن رقم واحد في معسكر الرشيد الى محطة القطار العالمية في بغداد بعد منتصف ليلة 3 تموز، حيث تغط بغداد وشوارعها في سكون وظلمة حالكة والناس يلازمون بيوتهم مبكراً تجنبا لاستفزازات واستهتار عصابات الحرس القومي البعثية السائبة والمنتشرة في الطرقات. إن عمال محطة القطار، والجنود الذين أشرفوا على تقييد أيدي المعتقلين، كان بينهم من يتعاطف مع المعتقلين بحيث كان بعض الجنود يهمس في اذان المعتقلين بكلمات التعاطف والصمود ويعِدوهم انهم سوف لن يوثقوا ايدهم بقوة! فلابد في مثل هذه الأجواء من التعاطف أن يكون بين هؤلاء من يسرب الخبر. كما أن من بين أحد المعتقلين ضابط صيدلاني والده (السيد طالب) من وجهاء السماوة وميسور الحال، وعندما سمع بخبر القطار بادر وأتصل بمعارفه والمتعاطفين من أهالي السماوة لنجدة المعتقلين وإسعافهم بالماء والمواد الغذائية الضرورية لإنقاذ حياتهم.
   وما أن وصل الخبر إلى أهالي السماوة الطيبين حتى خرجوا نساءً ورجالا وشبابا متحدين بشجاعتهم عصابات الحرس القومي السائبة، يحملون معهم المياه والمواد الغذائية لتقديمها للمعتقلين، وتقديم الاسعافات اللازمة لإنقاذهم من موت محقق، وشاركهم في هذه النخوة الإنسانية والوطنية المسافرون والمواطنون المتواجدين حينها في محطة القطار. ولولا توجيهات الدكتور رافد صبحي أديب (أحد ركاب قطار الموت) ورفاقه من أطباء للمسعفين لكانت نتائج إسعافاتهم عكسية، حيث طلب من المسعفين الامتناع عن سقي المعتقلين بالماء البارد وإنما بالماء العادي المركز بالملح لتعويض الجسم عما فقده من أملاح. وهكذا أنقذ سائق القطار وأهالي السماوة المعتقلين من موت محقق ماعدا الرائد يحيى نادر حيث توفى في المستشفى بعد نقله وفي نفس اليوم.
كان الموقف في محطة قطار السماوة يثير التعاطف مع المئات من المعتقلين الذين أنهكهم غليان العربات وهي تسير لساعات تحت أشعة الشمس وهم في داخلها وقد فقدوا الكثير من السوائل والأملاح إضافة لقلة الأوكسجين، فكانوا منهكين وفي حالة يرثى لها، كما أن المواطنون الذين هبوا لمساعدة المعتقلين أو الذين تواجدوا في المحطة من مسافرين استنكروا هذه الطريقة الغير إنسانية والتي تنم عن حقد وكراهية لا يمكن تصورهما. حتى أن بعض أفراد الشرطة والحرس القومي نسوا دورهم الرسمي في الحراسة، حيث فرضت حالة المعتقلين السيئة، واندفاع جماهير السماوة وتعاطفهم الإنساني الغير محدود مع المعتقلين واستنكارهم المعلن لهذا الأسلوب في التعامل مع المعتقلين، جواً إنسانيا فرض نسقه حتى على أفراد الحرس للمساهمة مع بقية المواطنين في المساعدة، ولكن كان هذا الى حين!. فما أن استفاق قائد مفرزة الحرس القومي المتغطرس من فشل خطة قيادته للقضاء على هؤلاء المعتقلين وانتبه الى وجود 500 معتقل سياسي (من ضباط وجنود وسياسيين) ممددين على رصيف المحطة، مع جو التعاطف الجماهيري الغير محدود معهم، واستنكارهم لهذا العمل الوحشي الذي لا يدل إلا على الجبن والحقد الدفين، شعر حينها قائد المفرزة بخطورة الموقف، فطغت عليه أخلاقه والسلوك البعثي المتعطش للقتل والانتقام، ولم يهتم ويراع الحالات الانسانية وحاجة المعتقلين للإسعاف الفوري، فأصدر أوامره المتعسفة بالكف عن مساعدة وإسعاف المعتقلين وكأنه يريد بذلك اتمام الجريمة الجبانة التي خطط لها قادته في بغداد من البعثيين وعروبيين إسلاميين. فتصدى له أحد المعتقلين من الضباط "الملازم الجسور قيس محمد صالح -استشهد في عملية فدائية في فلسطين-"(5) فصفعه بقوة على خده "راشدي" ومؤنبا إياه وأمام الجميع! وساد هرج ومرج في المحطة، واستحسن المواطنون تصرف هذا الضابط الشجاع. فأمر قائد المفرزة الذي أهين من قبل الملازم الشجاع قيس محمد صالح، باستنفار جميع افراد مفرزته من الحرس القومي والشرطة، وأخذوا استعداداتهم للرمي!. وتدخل المواطنون وبعض افراد الحرس لتهدئة الموقف خوفا من انفلات الأمور وعدم سيطرتهم على أكثر من 500 عسكري بينهم ضباط كبار من مختلف الأصناف ومن السهل هروبهم لأن جميعهم نجحوا في حل قيد أياديهم وهم داخل العربات. وأصر قائد المفرزة المهان على تسليم الملازم قيس محمد صالح، فرفض طلبه بقوة من قبل المعتقلين جميعا وقالوا: (سنموت جميعا قبل تسليمه)، وانصاع أخيرا قائد مفرزة الحرس القومي لموقف المعتقلين وضغط الحاضرين من جماهير السماوة البطلة.
وتلافيا للمفاجئات سارعت الجهات الأمنية على ترحيل المعتقلين بأسرع ما يمكن الى سجن نقرة السلمان. وكانت هي الأخرى سفرة متعبة زادتهم إنهاكا، وكأن السلطات كانت تريد الانتقام منهم بعد أن انتصروا على الموت الجماعي الذي خططوا له. واستقبل المعتقلون من قبل زملائهم في سجن النقرة، وقدموا لهم المساعدات المطلوبة وتم توزيعهم على الردهات، وهكذا انتهت رحلة الموت بوصولهم سالمين ولكن منهكين بالرغم من رغبة قادة الانقلاب في القضاء على حياتهم.   
وقد يتساءل البعض عن السبب وراء مبادرة عمال السكك وسائق القطار لإنقاذ حياة الركاب المعتقلين، ويرون أن العملية مجرد صدفة وليس فيها أي دافع سياسي  أو أي حب وتعاطف مع المعتقلين. فأقول لهؤلاء إن تعاطف الشعب مع الحزب الشيوعي والقوى الديمقراطية وعزلة حكام 8 شباط جماهيريا، ومكانة الحزب الشيوعي التاريخية بين عمال السكك هي التي كانت وراء تصرف هؤلاء الشجعان المجهولين من عمال السكك لإفشاء سر حمولة قطار الموت، وسيبقى اسم سائق القطار عبد عباس المفرجي خالدا في قلوب ركاب قطار الموت وفي قلوب كل أبناء الشعب العراقي لتصرفه الشجاع وستذكره الأجيال بفخر واعتزاز، كنموذج للوطني الغيور.
إن سيرة حياة سائق القطار "عبد عباس المفرجي" تؤكد على عدم عفوية تصرفه، بل أن تحديه للتعليمات ووضع حياته ومستقبله في خطر وفي ظل حكم دموي له دليل على وعيه الوطني وتعاطفه مع جماهير الحزب الشيوعي. ويرويا نجليه علاء المفرجي ومظهر المفرجي في أحاديث ومقالات تم نشرها في المواقع والصحافة عن والدهما، انه كان اول سائق قطار عراقي. وأنه من مؤسسي نقابة السكك في العام 1936. وقام بافتتاح الجسر الحديدي القديم في منطقة الكرنتينة بقيادته القطار بدلا من سائق هندي تخاذل قبل المهمة. وفي العام 1945 وبعد انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي بادر بتهريب عدد من ملاكات الحزب الشيوعي بقطار طوروس الى تركيا وكان من ضمنهم عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي عبد تمر الذي انعقد المؤتمر في بيته. ويذكر نجلاه أن والدهما ولظروف عائلية قاهرة ترك نشاطه الحزبي في صفوف الحزب عام 1949. وروى نجله الصحفي المعروف مظهر المفرجي رحمه الله، أن بعد عودة والده الى بغداد بيوم واحد من رحلة قطار الموت استدعي الى مديرية السكك وتسلم امر فصله من العمل لمدة ستة اشهر وإلغاء أمر ترقيته، ويؤكد ابنه كيف أن والده عاد للبيت مسرورا مرتاح الضمير. وظل طوال حياته يعيد سرد تلك الرحلة الرهيبة ويفخر بما أقدم عليه، من اجل إنقاذ حياة المعتقلين الوطنيين وحبا بالزعيم عبد الكريم قاسم الذي كان يحبه كثيرا ... لكنه كان يوصي اولاده بكتمان قصة الحادث خشية بطش النظام السابق. وللأسف لم يكرم هذا الرجل الشجاع الذي تحدى بوعي إرهاب وقسوة نظام البعث!
ويذكر نجله علاء كيف أن والده بعد احالته على التقاعد ، ظل يبكي لمدة يومين بسبب ابتعاده عن عالم القطارات والسكك والرحلات، وفي العام 1987 استدعي من قبل مديرية الأمن العامة لغرض سؤاله على مصير نجله (مظهر) المطلوب القاء القبض عليه من قبل النظام السابق، وبعد اطلاق سراحه عصرا اصيب بجلطة قلبية توفي على اثرها  رحمه الله.

يتبــــــــــــــــــــــــــــــع
محمد علي الشبيبي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- تشكل (المجلس الوطني لقيادة الثورة) وبموجب البيان رقم 15 لأنقلابيي 8 شباط. وتألف من: 1ـ عبد السلام عارف ـ رئيس الجمهورية قومي. 2 ـ  أحمد حسن البكر ـ عضو القيادة القطرية لحزب البعث. 3 ـ علي صالح السعدي  ـ  أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث. 4 ـ حازم جواد ـ عضو القيادة القطرية للحزب. 5 ـ طالب شبيب ـ كذلك بعثي. 6 ـ حمدي عبد المجيد ـ كذلك. 7 ـ كريم شنتاف ـ كذلك. 8 ـ محسن الشيخ راضي ـ كذلك. 9 ـ صالح مهدي عماش ـ كذلك. 10 ـ هاني الفكيكي ـ كذلك. 11 ـ حميد خلخال ـ كذلك. 12 ـ عبد الستار عبد اللطيف ـ عضو المكتب العسكري للحزب. 13 ـ خالد مكي الهاشمي  ـ كذلك. 14 ـ حردان التكريتي ـ كذلك. 15 ـ عبد الكريم نصرت ـ كذلك. 16 ـ أنور عبد القادر الحديثي ـ كادر بعثي، عين سكرتيراً للمجلس. 17 ـ العقيد طاهر يحيى ـ بعثي اسمياً، رقي إلى رتبة لواء. 18ـ الزعيم الركن عبد الغني الراوي، إسلامي النزعة وعروبي، وصديق لحزب البعث.
2- تشكل مجلس الوزراء من ( 20 ) عضواً، كانت حصة حزب البعث منها ( 13 ) عضواً، أي ثلثي أعضاء المجلس، واحتفظ البعثيون بأغلب الوزارات المهمة، وجاء تشكيله على النحو التالي :
1 ـ أحمد حسن البكر ـ رئيساً للوزراء. 2 ـ علي صالح السعدي ـ نائباً لرئيس الوزراء، و وزير الداخلية. 3 ـ صالح مهدي عماش ـ وزيراً للدفاع.  4 ـ حازم جواد ـ  وزيراً لشؤون رئاسة الجمهورية. 5 ـ طالب شبيب ـ  وزيراً للخارجية.
6 ـ عزت مصطفى ـ  وزيراً للصحة. 7 ـ سعدون حمادي ـ  وزيراً للإصلاح الزراعي. 8 ـ مهدي الدولعي ـ  وزيراً للعدل. 9 ـ مسارع الراوي ـ  وزيراً للإرشاد. 10 ـ صالح كبه ـ  وزيراً للمالية. 11ـ أحمد عبد الستار الجواري ـ وزيراً للتربية. 12 ـ عبد الكريم العلي ـ  وزيراً للتخطيط. 13 ـ حميد خلخال ـ وزيراً للعمل. 14 ـ عبد الستار عبد اللطيف ـ وزيراً للمواصلات. 15 ـ ناجي طالب ـ وزيراً للصناعة. 16 ـ شكري صالح زكي  ـ وزيراً للتجارة.  17 ـ عبد العزيز الوتاري ـ وزيراً للنفط.  18 ـ محمود شيت خطاب ـ وزيراً للبلديات. 19 ـ بابا علي الشيخ محمود ـ وزيراً للزراعة.
20 ـ فؤاد عارف  ـ وزيراً للدولة.
 وهكذا ضمت الوزارة ثلاثة من القوميين هم كل من:  الزعيم الركن ناجي طالب، الذي شغل منصب وزير الصناعة واللواء المتقاعد شكري صالح زكي ، الذي شغل منصب وزير التجارة، والدكتور عبد العزيز الوتاري، الذي شغل منصب وزير النفط، وضمت الوزارة واحداً من الإخوان المسلمين هو السيد محمود شيت خطاب، الذي شغل منصب وزير البلديات،  فيما ضمت وزيرين  من الأكراد، هما بابا علي الشيخ محمود الذي شغل منصب وزير الزراعة، وفؤاد عارف الذي عين وزيرا للدولة.
3- نص حوار غسان شربل مع عبد الغني الراوي على الموقع التالي:
https://drive.google.com/file/d/0B-M8HffWjGTrdmROWnIza2RrZG8/edit?pli=1
4- مقالة للباحث رشيد خيون بعنوان (شهادة عبد الغني الراوي عن فتوى قتل الشيوعيين ...) منشورة بتاريخ 4/1/2012 على الرابط التالي: http://www.ashairiraq.com/readNews.php?id=4980
5- - العراق البرية المسلحة حركة حسن سريع وقطار الموت 1963.  الطبعة الاولى 2002.  صفحة 295. ويذكر الكاتب د. علي كريم سعيد: (ان الملازم الشاب قيس محمد صالح كان قد التحق، بعد اطلاق سراحه في عام 1968 بقوات المقاومة الفلسطينية واستشهد في عملية فدائية بغور الأردن ضد قوات العدو الاسرائيلي، وشيع جثمانه بصورة مهيبة في بغداد (الأعظمية)، ومازال المقاومون الفلسطينيون الاوائل يذكرون عمق إيمانه وشجاعته.) ويذكر الأستاذ الملازم السابق لطفي شفيق سعيد في مقالة (منشورة في موقع النور) عن كيفية استشهاد الملازم الشجاع قيس محمد صالح، فيكتب: اعود لذكر ما نقله لي الملازم عدنان عن كيفية استشهاد الملازم قيس حيث قال (لقد تدرج الشهيد قيس في المسؤلية خلال انتمائه للجبهة الشعبية الديمقراطية بسرعة فاصبح مسؤولاعن تدريب فصائلها والاشراف على تنظيمها وتجهيزاتها العسكرية وكان يلح على قيادتها من اجل الاشتراك بالعمليات العسكرية في الارض المحتلة وتم له ما اراد فنفذ العديد من العمليات الناجحة وكان آخرها هي قيادته لاحد المجموعات والتي صادف ان وقعت في كمين للعدو حيث تمكن بعمليته البطولية ان ينقذ مجموعته خلال مشاغلته لهم بالسلاح الابيض مما سهل تراجع جماعته الى مكان آمن بعد ان سقط صريعا ليسجل اروع صفحة من صفحات البطولة والاستشهاد بعد اوقع بعض الخسائر في صفوف العدو الصهيوني.)

        

 

19
الفاسدون يشكلون حكومة ظل في العراق!؟

هذه وجهة نظر اطرحها ربما يتفق معي البعض أو لا يتفق. وأحذر القوى المجتمعية المدنية التي تطمح للإصلاح ونقل العراق نقلة مدنية نوعية من الانتباه لذلك. مراقبتي لما يجري على الساحة العراقية منذ اليوم الأول من التحرك الجماهيري وتصاعده ولغاية يومنا هذا أوصلني الى هذه القناعة، أي أن حيتان الفساد (وأخص منها الشيعية المسنودة من ايران) شكلت حكومة ظل برعاية من ولاية الفقيه وإشراف من سليماني! وربما عناصر من حكومة الظل تعمل وتنسق مع حيتان الفساد الأخرى من أجل عرقلة أي إصلاح مهما كان بسيطا. وهنا أجمل أهم الأحداث التي أوصلتني لهذه القناعة:
ما يجري في العراق حاليا:
1-  تسويف وعرقلة وتشويه وتمرد لتنفيذ خطوات الإصلاح التي أعلنها رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي، بالرغم من بساطتها وعدم جذريتها، وهذا ما أكده أكثر من مرة رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي!
2- الفاسدون والفاشلون في الدفاع عن الوطن، والمتهمون بهدر أموال الدولة وتصفير خزائنها على مدى 12 عام، هم أعضاء فاعلون في حكومة الظل! لذلك هم تقبلوا على مضض بعض الاصلاحات التي مست مواقعهم، لكنهم متمسكون بشدة بإبقاء الفساد في المؤسسة القضائية متمثلا بمدحت المحمود، لأنهم يعرفون نهايتهم بإصلاح القضاء!
3- محاولات اغتيال رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي التي تم كشفها وقبرها موقتا كما أعلن ذلك هو ذاته، مع محاولات لتصفية المراجع الدينية التي طالبت بالإصلاح! كل هذه ممارسات إرهابية يراد منها تراجع المصلحين عن رغباتهم في الاصلاح!
4- إقدام بعض القوى الأمنية والعسكرية لتفريق المتظاهرين بالقوة واستعمال الرصاص الحي، خلافا لتوجيهات رئيس مجلس الوزراء المعلنة، يدل على وجود قوة ضاربة (خلايا نائمة) لحكومة الظل!
5- اختطاف بعض الناشطين والاعتداء عليهم من قبل أجهزة أمنية رسمية وسرية (خلايا نائمة لحكومة الظل) وتعريض حياتهم للخطر، لترهيب الشعب وتحجيم مشاركة الجماهير في التظاهر!
6- تصريحات بعض القيادات المشبوهة والمنفلتة للحشد الشعبي بالضد من مواقف المرجعية والتحرك الجماهيري من أجل الإصلاح، إشارة لاستعداد هذه القوى المليشياوية لتصبح القوة الضاربة لحكومة الظل!
7- ما ينشر من تحركات وتدخلات لقاسم سليماني (بضوء أخضر من ولاية الفقيه) فاجأت حتى رئيس مجلس الوزراء، ويؤكد حقيقة ووقاحة التدخل الإيراني  بالشأن العراقي وانزعاجه من توجهات رئيس مجلس الوزراء في الإصلاح!
كل هذه الأحداث تؤكد أن الكتل الفاسدة وقياداتها المستحوذة على حصة الأسد من مغانم الشعب العراقي قد توحدت (بعض الشيعية منها) في حكومة ظل يشرف عليها سليماني من أجل إفشال عملية الإصلاح، والعودة بالعراق الى حكومة المحاصصة الطائفية والنهب والهدر والتشتت دون رقيب وحسيب!
والقوة الضاربة لحكومة الظل، هي القيادات المليشياوية المرتبطة بإيران والمؤمنة بولاية الفقيه، وهي قيادات عسكرية وأمنية أخذت مواقعها ومراتبها بحكم ارتباطاتها وولائها الطائفي المتشدد، وهي تدين بالامتنان ومخلصة لمن منحها المركز والرتب العسكرية العالية، لأن مصيرها والحفاظ على مراكزها مرتبط باستمرار الفساد والنمط السابق من حكم المالكي! وهناك قوى أخرى مدنية وأفراد مليشيات من حمايات وغيرها، وقطاعات اجتماعية غير قليلة أغتنت بطريقة مهولة ومستفيدة من حكومات الفساد ومرتبطة بالفساد ارتباطا قويا.
محمد علي الشبيبي
27 أيلول 2015

20
مقترح أجده مهم جدا لأنقاذ الشعب والوطن!؟
حول الأزمة العراقية

على ضوء مقترح أستاذ القانون الدولي العام جعفر عبد المهدي صاحب والمعنون (مقترح مشروع إنقاذ العراق). أقدم هذا المقترح للقوى السياسية أو لمنظمات المجتمع المدني فهي الأقدر على تفعيله إن أقتنعت به أو فكرت بتطويره.
بودي أن تبادر أية قوة (حزب، تكتل، منظمات) الى الدعوة لعقد مؤتمر وطني تتقدم فيه بمسودة أو أن تتحرك باتجاه أنجاز مسودة  (خارطة طريق) لإنقاذ العراق من الوضع الحالي. الشباب المتظاهر بالرغم من التزامهم الواعي بكثير من الشعارات فالتظاهرات تخترقها شعارات لا تخدم وليست قابلة للحل في الوقت الحاضر! ثم أنهم خلطوا بين القضايا الوطنية والمطالب المحلية وأحيانا يركزون في بعض المحافضات على المطالب المحلية أكثر من المطالب الوطنية، ونسوا أن سبب معاناتهم المحلية هي سوء إدارة الدولة التي أعتمدت على المحاصصة الطائفية والسياسية وبأسوء مظاهرها .... أنا لا ألومهم في طروحاتهم ولكن تشتت المطالب وكثرتها يؤدي الى تشتت في القوى!؟ من يتصور أن حالة الطوارئ ستحل الأزمة وتعالج المشاكل فهو خاطئ ولا يقدر المخاطر!؟ من سيفرض حالة الطوارئ؟ أي جيش أو قوة ستفرضه وتحمي القانون؟ هل الجيش الذي أسس على اسس طائفية؟ أم المليشيات الطائفية (سنية، شيعية وشخصية وغيرها خفية)؟ وهل قوى الفساد بكل انواعها وتوجهاتها المذهبية والقومية والسياسية هل ستسمح بحالة الطوارئ؟ قوى الفساد مستعدة لذبح الشعب والوطن بأبشع ما أقدم عليه صدام وبقية الطغاة!؟  ثم كيف يتم تشكيل مجلس طوارئ من أقدم عشرة ضباط أي انه ضباط من البعثيين (كما يطالب صاحب المقال)، أو أنهم من ضباط المالكي الذي منحهم رتب عالية!؟
لذلك ارى الحل لا بالمقالات ولا بالافتتاحيات ولا بالتصريحات والبيانات كما تقوم به أحزاب وكتل سياسية على الساحة العراقية، بعضها لها باع في الحركة الوطنية، وإنما بأن يبادر حزب (وليته يحمل ورقة مسودة لخطة طريق للنقاش) ويتصل ببقية الاحزاب بما فيها أحزاب الكتل (الفاسدة أو دعوتهم بعد فترة) وطرح الورقة والدعوة لمؤتمر وطني لتدارس الاوضاع والاتفاق على خطة الطريق ويكون هذا مع استمرار التظاهرات وإشراك قيادات التظاهرات من الشباب الثائر والذي بادر في تحرك هذه التظاهرات، وشخصيات اجتماعية نزيهة ووطنية ولم تحوم حولها شبهات فساد.  المؤتمر يحتاج لقوة سياسية ذات خبرة فعلية تقود الشعب وتظاهراته لعمل بناء لا انفعالي وعدم ترك الجماهير لتصطدم بإحباط مدمر هل توجد قوة مؤمنة ببعض أفكار هذا المقترح وتطوره لإنقاذ العراق وشعبه!؟ ربما يلاقي الحزب او القوة السياسية صعوبة لعقد مثل هذا المؤتمر أو إقناع القوى الأخرى! فأنا أدعو الحزب المبادر لطرح كل ذلك على صفحات الجرائد والمواقع والفضائيات ويكشف للشعب أن القوى السياسية غير مستعدة (إذا ما تهربت هذه القوى من المشاركة في المؤتمر) لدراسة الازمة ووضع الحلول بجد! أما خلاف هذا فهو تهرب من المسؤولية!
أما أن يرد أحدهم معلقا أن هذا غير قابل للتحقيق، وأن القوى السياسية المعارضة ستختلف وتتحارب قبل عقد المؤتمر! أقول له أي حزب حريص على العراق أن يقدم خارطة طريق كمسود ويطرحها على الصحافة ويدعو الاخرين لأغنائها وتطويرها وأن يبادر للقاء القوى التي ترفض الفساد والمحاصصة الطائفية ويطرح عليهم ورقته، وأن ينشر لقاءاته هذه ليعرف الشعب ما هو موقف هذه القوى والكتل .... ليحاول أولا ولنسمع مثل هذه المحاولات قبل أن نرفضها!؟
 محمد علي الشبيبي
24 أيلول 2015


21
الى جميع الاحبة والاصدقاء
بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية أزف للجميع
أجمل التهاني والاماني راجيا ان يكون العام الجديد عام الامن
والاستقرار عام لامكان فيه للفكر والسلوك الطائفي ولا مكان
للفساد والمفسدين ... عام يصبح فيه الوعي الوطني والاجتماعي
مكنسة لكل الفكر المتخلف ... أستعير لوحة الافنان المبدع فيصل
لعبي المعبرة عن أمانينا وأوجاعنا
محمد علي الشبيبي





23
الى متى يبقى د. البروفيسور عبد الاله الصائغ معلقا بين الحياة والموت!؟




محمد علي الشبيبي
         
مقالتي هذه موجهة الى كل المثقفين العراقيين فهم الاجدر بحماية الصائغ مما حاق به وهي موجهة لكل المسؤولين (الرئاسات الثلاث، وزارة التعليم العالي، وزارة الثقافة، وزارة الخارجية) ليروا الى أين وصل حال علمائنا ومدى احترامهم واهتمامهم بالمثقف في العهد الجديد!
والى إتحاد الادباء العراقيين والصحفيين لمؤازرة د. البروفيسور عبد الاله الصائغ والضغط على الحكومة لتبني مواصلة علاجه وبالسرعة، فمرضه وصحته لا تحتمل الانتظار. 
لا اريد أن أطيل في مقالتي هذه لأني أعرف أن المسؤولين في الدولة ليس لديهم الوقت الكافي لقراءة ومتابعة ما يكتب عن شؤون المواطنين وخاصة العلماء والأدباء والفنانين فهذا ليس من اهتماماتهم!؟ هكذا استنتج من مسيرة سنوات ما بعد السقوط ومن رعاية الدولة ومسؤوليها لهذه النخب المثقفة والتي قدمت لشعبها ما لم يقدمه أمي جاهل حصل على تقاعد وجواز دبلوماسي وتقاعد بالملايين مقابل عمل يقال انه أربع سنوات من الاعمال الشاقة في مجلس النواب!؟ فقد سبق وكتبت مقالا (صرخة في البرية) بتأريخ 20/9/2012 ونشرته على المواقع الالكترونية. كنت صادقا في العنوان لأنني أعرف مهما صرخت وصرخ الاخرون فلا سميع ولا مجيب من المسؤولين، لأن ما يعانوه من فضائح الفساد ونشر الغسيل الوسخ، والتسقيط السياسي والإرباك وتبادل الاتهامات على الفضائيات سيغطي على كل الصرخات المخلصة التي تصدر من أعماقنا! وها نحن نرى ونسمع شعبنا يستصرخ ضمائرهم منذ السقوط ولغاية اليوم من أجل كرامته وتوفير الحد الادنى لحياته، ولكن مروءآت المسؤولين في وطننا في سبات، لأنهم يكافحون من أجل أن لا يعود البعث (انها أكذوبة مقززة)، ولكن البعث وأفكار البعث وأساليبه عادت لتنتقم مجددا ولكن باسم الطائفية والمظلومية التي أصبحت شماعة السياسيين المنافقين!. للأسف كثير من المسؤولين يخططون كيف يسرقون الشعب والوطن، وإذا انفضح امرهم فإنهم يخططون للهرب بالملايين المسروقة أو بالبحث عن ضحية –اي كبش فداء- يتهمونها بكل القذارات التي ارتكبوها أو اقترفت برعايتهم، أو في أسوء الاحوال يرفعون ملفات يهددون بها لإسكات الاخرين!
لقد ادخل البروفيسور عبد الاله الصائغ الى المستشفى في النصف الاول من شهر اكتوبر2012 لتدهور وضعه الصحي .... وأجريت له عملية  استبدال الفقرات التي استغرقت أكثر من عشر ساعات ... وكانت العملية ناجحة ولكن لا يمكن تحقيق نتيجة مرضية دون العلاج الفيزيائي المكلف! فهو عاجز عن الحركة وبحاجة الى تمارين خاصة تأهيلية لاستعادة القدرة الضرورية لكفاءة اعصاب ساقيه وجسمه. وكما سبق ان كتبت وكتب غيري انه غير قادر على دفع التكاليف لعدم شموله بالضمان الصحي الذي يشمل أصغر موظف مستقدم من العراق للعمل في سفارتنا حتى وان كان شبه أمي، بينما لا يشمل الضمان البروفيسور الصائغ  لأنه متعاقد  تعاقدا محليا مع الملحقية الثقافية!؟
لقد تدخل وحاول بعض الطيبين في مفاتحة الجهات الرسمية، رئاسة الجمهورية ووزارة الثقافة باعتباره يعمل في الملحقية الثقافية، ووزارة التعليم العالي كونه استاذا خدم التعليم والجامعات العراقية لثلاثة عقود .... ولكن دون نتيجة فعلية! في الوقت الذي تبذر وتهدر المليارات بسبب الفساد المالي والإداري! وللأسف ان الحكومة بجميع مؤسساتها المسؤولة عن رعاية علمائها عاجزة، وتتهرب عن تحمل تكاليف علاجه (مع العلم ان الدستور ينص في احدى مواده على حق المواطن بالعلاج المجاني في العراق او خارجه). اقول بعد تدخل الطيبين حصلوا على وعود من بعض المسؤولين ووثقوا بعهودهم ولكن للأسف لم تنفذ هذه الوعود وكأن المستشفى الذي يرقد فيها الصائغ مستعدة على الانتظار! بينما لو كانوا فعلا جادين  لكان يكفي كتاب رسمي عن طريق السفارة يتعهد بدفع مصاريف العلاج من قبل الحكومة لحل المشكلة. 
مفارقة غريبة، لا ليست غريبة ! عن الأخلاق السائدة في الكواليس التي تفضحها بعض الافلام المصورة! انها ظاهرة للنفاق الديني وتدهور القيم التي يتمتع بها بعض المسؤولين المتنفذين!؟ احب ان اذكرها بصيغة تساؤلات. الجميع يتذكر الاستقبال الكبير والاهتمام المبالغ بالمطربة اللبنانية مادلين مطر، وما نشر من صور وافلام لمسؤولين وهم يحيطونها في حفلاتها وفي الفندق، وغيرها قد تدخل ضمن الإشاعات والمبالغات .... والسؤال ما الذي قدمته هذه المطربة للشعب العراقي، بحيث صرفت عليها مبالغ طائلة خيالية!؟ ما الذي قدمته للاجيال العراقية حتى تستقبل بعشرات السيارات وكأنها في موكب رئاسي؟ أليس هذا نفاقا أيها السادة المتبرقعون بالدين والاعراف؟ تمنعون فرق مسرحية جادة من عرض نشاطها المسرحي والفني بحجة التقاليد الدينية بينما تستقبلون مطربة استقبال الرؤساء، وتحضرون حفلتها وهي سافرة وتلتقطون بابتسامات بليدة الصور التذكارية معها؟ أليس هذا نفاقا!؟ بينما تعجزون عن دفع تكاليف علاج استاذ (وهو في وضع صحي خطر) خدم الجامعات وتخرج على علمه طلبة دكتوراه هم أساتذة الان في الجامعات العراقية، واخلص في رسالته وكتب عشرات الكتب والبحوث كمصادر جامعية؟ هكذا تقدرون ايها السادة الاساتذة والعلماء!؟ انني أحس بالخجل ان اكون مضطرا لعرض المقارنة بين هاتين الصورتين. استقبال مطربة وتحمل تكاليف سفرها وإقامتها وحمايتها ورعايتها وووو ...  بينما تلزمون الصمت لعلاج أستاذ خدم العمل الاكاديمي وجامعات العراق بما قدمه من بحوث ودراسات!؟.
نظم البعض دعوة المطربة تملقا واستجابة لرغبات بعض المرضى ... –كما كان يفعل البعض أيام صدام-! أراقبك، أنت، نعم أنت .... يا من كنت تتنقل في حفل المطربة متفاخرا ونافشا ريشك وكأنك دعوت عالما جليلا فذا قدم جل خدماته للصحافة العراقية وللشعب العراقي وضحى من اجل هذا الشعب (مع احترامي للمطربة فهي تبدع في خدمة عملها)، لم أراك تهتم يوما أو تتساءل عن مصير مئات المبدعين من أدباء وفنانين وعلماء أجلاء يشهد العالم المتحضر بنتاجاتهم!
أكتب هذه السطور بألم وأنا أرى علماءنا يذوون في الخارج  ويعجزون عن تسديد تكاليف علاجهم -وحتى في داخل الوطن- بينما يتمتع جهلة ومزورون وفاسدون ولصوص بأموال الشعب وعلى مرآى من السلطة التنفيذية!؟ أتألم لأنني أضطررت خجلا الى المقارنة بين صورتين لحالتين تعبران عن مدى اهتمام بعض رموز دولتنا ومسؤوليها بعلمائها مقابل نزوات مريضة بالنفاق والجهل والنقص والكبت!
وأحب أن أتقدم بالشكر والتقدير لكل من وقف الى جانب الصائغ في محنته الاخيرة ولن انسى الاساتذة  دكتور جابر حبيب وعمر الحديثي والبروف عبد الهادي الخليلي  وسمير الصميدعي وفائق العقابي وجواد الحطاب  ورافت رافع والدكتورة ربيعة مقبل والدكتور محمد الصائغ ومحمد حسين سيد هلال سيد سلمان  والبروف جعفر عبد المهدي ونذير الحديثي وهيثم المياحي وزينب السويج ورسل الخفاجي  والقائمة ستطول لكن الصائغ  محتاج الى الدعم المادي فضلا عن الدعم المعنوي !.

محمد علي الشبيبي
alshibiby45@hotmail.com
السويد ‏24‏/11‏/2012




24
الشابندر معروف و مشهور بصراحة لسانه
عزت الشابندر : أنا من أوصلت المالكي الى رئاسة الوزراء و أنا سبب إنشقاق بدر عن المجلس الأعلى

قاسم الجبوري


ذكر مصدر موثوق قد حضر في حفل خاص جمعه بالنائب المقرب من رئيس الوزراء عزت الشابندر في العاصمة اللبنانية بيروت لوكالة أنباء شط العرب بأن الأخير قد كشف عن أسرار و كواليس سياسية كثيرة ، ذكرها للمقربين منه أبرزها كيفية وصول المالكي الى سدة الحكم و كيفية إنشقاق منظمة بدر عن المجلس الأعلى بزعامة عمار الحكيم .
وقال المصدر بأن الشابندر ذكر في حديثه ما يلي : "إن اعضاء حزب الدعوة طراطير ولايفقهون شيئ في السياسة وسبعة منهم يمتلكون شهادات مزورة بعلم المالكي وهم ( علي الشلاه وكمال الساعدي وسامي العسكري وياسين مجيد وحنان الفتلاوي وحيدر العبادي وصادق الركابي )" و "انا من ثبت المالكي على كرسيه وليس طراطير حزب الدعوة ، هو مدين لي وذكر ذلك ب لسانه".
وأضاف الشابندر في حديثه : "بعد ان خسر المالكي الانتخابات لصالح علاوي جن جنونه ورمى مستشاره الأول حينها سامي العسكري بالحذاء ! وطلب مني مساعدته , وكانت الترشيحات تشير الى تسمية الدكتور عادل عبد المهدي رئيساً للوزراء وكان قاب قوسين أو أدنى .. بعد ان رشحته كتلة الائتلاف الوطني ( التي حطمتها انا ) والعراقية رسمياً فضلاً عن الأكراد وجيش الوردي ( جيش المهدي )! طلبت منه يذهب الى ايران لتسانده مقابل ماتطلبه ؟ ونجحت خطتي وقلت له سأشق بدر عن المجلس قال بابا أنت مخبل قلت سأخلخل المجلس وأفلشه من الداخل وتتراجع الكتل عن دعم عبد المهدي , ذهبت لهادي العامري وهو فطير ضحكت عليه وقلت له انت بطل ويجب ان تكون وزير للداخليه والأمن لايستتب إلا بجهودك وتصبح زعيم سياسي لك وزنك وليس تابع لعمار الحكيم , سال لعابه بعد ان قشمرته وأعلن إنفصال بدر عن المجلس الأعلى ومع مجموعة من النواب بعد ان وعدناهم بحقائب وزارية ثلاث غير الداخلية ( الصناعة والتربية والبلديات ) وبعد ضغوط ايران على جيش الوردي إنقلبوا على مرشحهم السابق وارتفعت اسهم المالكي من جديد وتكلمت مع جو بايدن وأقنعته ان المالكي سيكون اقرب من علاوي لكم ويخدمكم ووافق على ذلك مقابل تعهدات".
وأضاف الشابندر في حديث الخاص : "لكن المالكي و بنصيحتي إنقلب على العامري ولم يفي له بتعهداته وقال له انت حر اما النقل او تعود للمجلس الأعلى ووضع العامري في موقف محرج وقبل مذعناً بوزارة النقل."
وعن باقي التعهدات كشف الشابندر "ذهب المالكي وتنازل لمسعود برزاني واياد علاوي وصالح المطلك ووقع لهم على تنازلات وتعهدات مكتوبة لكنه نكث بها، بعد أن مرروا له حقيبة رئاسة الوزراء ."
وعن الإنتخابات المقبلة كشف الشابندر "المالكي متمسك بي وقال لي أنت وحدك تجعلني رئيس حكومة لدورة ثالثة والحرب مع البيشمركة الأن هي جزء من سيناريو رسمته للإنتخابات المقبلة ، لكسب تعاطف الناس حيث يحتاج المالكي الى صولة فرسان ثانية و لكن ليس ضد جيش الوردي بل ضد البشمركة ."
وأضاف الشابندر بأن "خطة إخلق أزمة و إخلط الأوراق هي من خططي المقترحة للمالكي و قد حصدت له شعبية كبيرة و قوة و نفوذ و هيبة بين السياسيين و الكل اليوم يخشى المالكي ."
يذكر بأن الشابندر معروف و مشهور بصراحة لسانه و قد كشف تصوير خاص له سرب للإعلام عن رأيه بعدد من السياسيين .
وكالة شط العرب تنشر هذه المقاطع للتذكير :


http://www.ankawa.org/vshare/view/3451/shah-bander/

25
هل حقا مؤسساتنا الحكومية والمدنية قادرة على رقابة تنفيذ مشروع البنى التحتية!؟

ما سأكتبه باختصار في هذه السطور هو ملاحظات وتساؤلات على مقالة الاستاذ العزيز حمزة الجواهري والمعنونة (هل حقا قانون البنى التحتية يرهن النفط؟). أنا أكتب للاستفادة والاستيضاح فانا لست اقتصاديا ولست ممن له مصلحة بالصراع السياسي البعيد عن مصالح الوطن والشعب. لقد جاء في الفقرة التالية من مقال الصديق : (أما الجهات التي تنخرط ضمن هذه المجموعات فهي عديدة، مثل وزير النفط والمفتش العام في الوزارة ومدير عام سومو والرقابة المالية ووزارة المالية وحتى النزاهة، ويراقب عملها البرلمان، ومنظمة الشفافية للصناعة الاستخراجية في العراق، والمنظمة العالمية للشفافية في الصناعة الاستخراجية أيضا، ومنظمات أخرى يزيد عددها على مئة منظمة مجتمع مدني ينخرط بعملها خبراء نفط واقتصاديون وسياسيون وأعضاء في البرلمان العراقي واكاديميون في تخصصات ذات علاقة متعددة، ... الخ).
تفترض انخراط كل هذه الجهات في المراقبة والشراكة، ولكن أحس وكأنك تعيش بعيدا عن العراق وما يجري فيه من فساد وانتهاكات وتجاوزات من قبل القوى المتنفذة وحتى القوى المعارضة!؟ فقرتك وفرضيتك تكون واقعية في بلد فيه مجلس نواب فاعل، وحكومة تحترم مجلس نوابها وتتجاوب معه، حكومة تتفهم منظمات المجتمع المدني وتتجاوب معها، في دولة تعتمد الشفافية في كل نشاطاتها، في دولة فيها قضاء مستقل وشجاع محمي من الاعتداء والابتزاز لا يتعرض لكواتم الصوت! دولة يتمكن فيها الصحفي من متابعة أية قضية بما فيها قضايا الفساد دون ان يتعرض للتهديد او التصفية وتسجل ضد مجهول!! في دولة تكشف فيها ملفات الفساد وغيرها من ملفات لا أن تبقى بيد رئيس الوزراء يشهرها للتهديد والمساومات!
انت فرضت فرضية وكأننا نعيش في دولة مؤسسات متحضرة بينما نحن نعيش في بلد تسوده المحاصصة الطائفية والمافيات السياسية والاقتصادية والارهابية. وقضايا الفساد وان طرحت بعضها (من قبل نواب أو مسؤول حكومي) فهي تطرح بانتقائية لذر الرماد في العيون أو للتسقيط والابتزاز! أليس دولت رئيس الوزراء هو من أنقذ وزير التجارة السابق فلاح السوداني؟ وكان سببا في هروبه وعدم خضوعه للمساءلة واستعادة الاموال المنهوبة أو المهدورة! ألا يعني نقل قضيته من مدينة لأخرى أن القضاء غير مستقل وواقع تحت التأثير؟ ثم ما هو دور مجلس النواب في الرقابة ... قل لي مثلا واحدا نجح مجلس النواب لمحاسبة المفسدين والمسؤولين بما فيهم الوزراء ورئيسهم، مثلا واحدا في المحاسبة بعيدا عن المساومات والابتزاز والانتقائية!؟ قل لي مثلا واحدا تمكنت فيه منظمات المجتمع المدني في الراقابة ونجحت في مهمتها دون عرقلة أو ابتزاز أو تهديد وتصفية من المتنفذين وتوصلت الى نتائج نهائية!؟ المشكلة ليست في رهن النفط ولكن في الرهان على مصداقية وشفافية عمل حكومة غارقة في الفساد، وبعض اطرافها تمارس الارهاب!
فالفرضية التي أعتمدتها في مقالتك لتصل إلى القول أن لا خوف من مشروع البنى التحتية، فرضية ليس لها أساس من الواقعية مطلقا، أنها حلم!؟ لذلك أرى أن دولة يسود فيها الفساد ويقنن ويمارس حتى من أعلى السلطات لا يمكنني أن أثق بواقعية ومصداقية مشاريعها!؟ ومن هنا لا أرى في هذا المشروع سوى أنه اسلوب جديد للفساد وإذا أردت أن أحسن النوايا فأقول أن الفساد سيدمره.
قد تسأل ما العمل؟ أقول لو أن الحكومة ودولت رئيس الوزراء جادة في البناء، عليها أن تبدأ بمكافحة جدية للفساد. وعلى دولت رئيس الوزراء ان يبدأ بأقرب دائرة إليه في مكافحة الفساد لا بل أن يبدأ من حزبه أولا. هكذا يثبت للقوى الاخرى جديته في مكافحة الفساد والاصلاح، وسوف يكون الشعب ساندا قويا له وسيكتب أسمه في التأريخ العراقي بفخر وسيتم عزل القوى المعرقلة للمشاريع الجادة وفضحها. أنها فرصة ثمينة (يمارسها في الوقت الضائع) لا تعوض لدولت رئيس الوزراء ليثبت حرصه ووطنيته وتواضعه لا طائفيته. لا أن يحتفظ بملفات فساد وارهاب يرفعها بوجه من يعارضه للابتزاز والمساومات خلف الكواليس! أن يكشف جميع الملفات بما فيها ملفات المقربين أولا! أن يبدأ بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب بدءاً من حزبه ...
أما مجلس النواب فهو ناجح فقط في الاتفاق على مصالح أعضائه للحصول على الامتيازات، واثبتت الحياة وعمل البرلمان انه عاجز عن الرقابة الجادة البعيدة عن المساومات السياسية ... انه برلمان فاشل بامتياز، فاي دور نتوقع له ...! أما الحكومة فهي لا تعير أهتمام لا للرأي العام، ولا لمنظمات المجتمع المدني، ولا للصحافة وما يجري في الساحة من انتهاكات يومية تؤكد ذلك. في دولة يتم فيها إسكات صوت الصحفي الشجاع بكاتم صوت إذا ما عجزت عن شرائه بالابتزاز والمال والتهديد، كما حدث للشهيد هادي المهدي، ويسجل الحادث ضد مجهول!
 لو أخبرتني كم صحفي نجح في متابعة قضية فساد من الفها الى بائها، وسهلت له الدوائر والمؤسسات والمسؤولين عمله، دون ان يتعرض للتهديد والابتزاز او التسويف والعرقلة وعدم التجاوب!؟ لذلك لا أرى في هذا المشروع مشروع البنى التحتية سوى تهرب للامام من المشاكل والأسباب الفعلية في انعدام الخدمات وإعادة الاعمار، وانه محاولة من رئيس الوزراء لخداع الشعب بأن القوى الاخرى (واهداف القوى مختلفة ومتناقضة في عرقلة المشروع) تعارض عملية البناء. باختصار حكومة ودولة يسودها الفساد لا يمكنها أن تبني وطنا وتخدم شعبا، وليست جديرة بالثقة!؟

محمد علي الشبيبي
السويد  ‏15‏/10‏/2012


26
حسن السنيد ... وذكاء عنيّز !!؟

تصريح رئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية وهو أحد المتحدثين بكثرة، والمتصدرين الاعلاميين النشطاء من التحالف الوطني، حول صفقة الأسلحة التي عقدها الوفد الحكومي برئاسة دولت رئيس الوزراء في زيارته الاخيرة الى روسيا وجمهورية الجيك. هذه التصريحات الذكية واللبقة ذكرتني بحكاية رجل بليد كان أبنه (عنيّز) أكثر منه بلادة أما شيخ عشيرتهم يفوقهم جميعا بالبلادة والغباء! ربما يسأل القارئ الكريم ما علاقة تصريحات حسن السنيد بحكاية الابن البليد عنيّز والاب وشيخ العشيرة؟ سأروي هذه الحكاية قبل أن اناقش التصريح واترك القارئ لأستنتاجه.
يروى أن أب ساذج أرسل ابنه المدلل الكسول (عنيّز) الى المدرسة خارج القرية. وعندما عاد هذا المدلل الى البيت خلال العطلة أصطحبه والده الى المضيف متفاخرا به، فهو واثق انه لابد وقد تعلم شيئا ما من المدرسة. بعد أن أخذ الاب وابنه عنيّز -تصغير عنز-  مكانهم في المضيف بين الحضور، سارع الاب البليد ليتفاخر في المضيف بذكاء ابنه وسعة معلوماته. فطلب من الشيخ أن يسأل ابنه ما هو مصدر الدبس؟ شيخ العشيرة وهو لا يقل غباء عن الاب وابنه بادر ووجه السؤال للابن ليروي فضوله ويستزيد من علم عنيّز، فسأل: عنيّز من اين يستحضر الدبس؟ فرد عنيّز بثقة عالية: من البصل!!؟ سارع الاب معلقا بتباهي: والله وجتافاتي للعباس لم أعلمه ... هو يفهم وتعلمهه من المدرسة ...!! مسكينة المدرسة. تقبل الشيخ بقناعة جواب عنيّز!؟ لكن بقية الضيوف كتموا أنفاسهم لأنهم يعرفون حماقة وتهور وغباء الشيخ.
والان أعود الى لبة تصريح حسن السنيد (في هذا الرابط يمكن للقارئ الاستماع للتصريح http://www.youtube.com/watch?v=bIRf5fJkE0Q ). مما قاله حسن السنيد في هذا التصريح:-  (... الصفقة عبارة عن أسلحة دفاعية فقط وتعد من أضعف المنظومات الدفاعية في المنطقة... هي أضعف من المنظومات الدفاعية لدول الجوار والدول الاقليمية – يخرب بيتك على هذه القنبلة! هكذا علق صديق كان يستمع له-.... نريد ان نعيش كدولة تحمي استقلالها وحدودها ....)
لم أفهم هدف تصريحات السنيد، خاصة عندما يكشف أن هذه الاسلحة أضعف المنظومات الدفاعية في المنطقة ... إذن لماذا تمت الصفقة إذا فعلا كانت هذه الاسلحة أضعف ما تملكه دول المنطقة، وما فائدتها، فربما هي فقط لأستعمالها ضد الشعب فهو الوحيد غير مسلح! ثم هل رأيتم كم بلغ ذكاء وحنكة ودبلوماسية رئيس لجنة الامن والدفاع النيابية، بحيث كشف أمام الجميع أن اسلحتنا لا تنفع حتى للدفاع عن أي شبر من وطننا، لأنها لا يمكنها الصمود أمام دول المنطقة لضعفها! فلماذا اشتريناها إذن؟ هل توجد وراء عقد هذه الصفقة فساد كما حدث في معظم الصفقات الكبيرة التي ابرمت سابقا!؟ الغريب أن وفدا بهذه الضخامة يترأسه دولت رئيس الوزراء يعقد صفقة أسلحة دفاعية فاشوشية لا قيمة لها لأنها أضعف من كل الانظمة الدفاعية في المنطقة ... والسيد رئيس لجنة الامن والدفاع يقول أنها دفاعية! كيف تصبح دفاعية وهو يقول أضعف ما في المنطقة!؟ أنه تصريح يؤكد حقيقة خيال وعبقرية المحروس عنيّز: (أن الدبس يستحضر من البصل!؟) 
عندما سمعت تصريح النائب المحنك حسن السنيد شعرت بالغثيان وتذكر حكاية عنيّز، وترحمت لأجدادنا لحكمة في رواياتهم. والان لا تسألونني من هو عنيّز ومن هو والده ومن هو شيخ العشيرة!؟ ففي عراقنا الآن يوجد في كل مكان عنيّز ينثر علمه بتباهي، وإلا لما رأينا هذا الخراب والتدهور والفساد في كل المجالات والتخبط في التصريحات!

محمد علي الشبيبي
السويد   ‏14‏/10‏/2012



27
الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)*
1920 – 1963


لا أخفي على القارئ الكريم تخوفي وتهيبي من قدرة الكتابة عن الشهيد عبد الجبار وهبي (ابو سعيد) وقد أفشل في تقديمه للقارئ بما يتناسب مع نشاطه الوطني والصحفي وتكللهما بصموده الاسطوري في التعذيب ومن ثم شهادته اسوة برفاقه الشهداء من قادة الحزب الشيوعي العراقي الذين سبقوه أو ساروا على خطاه في الشهادة. لذلك ارجو من القارئ الكريم ان يستميحني عذرا إذا ما قصرت في تغطية بعض من جوانب حياة الشهيد ونشاطه، فهذه المهمة الجليلة أجدر أن يتبناها رفاقه ومن عاش بينهم وعرفوا الشهيد عن قرب.
ولد الشهيد في البصرة- محلة المشراق- عام 1920، نشأ وترعرع فيها ودرس في مدارسها. أنهى دراسته الثانوية بتفوق ورشحته وزارة المعارف في بعثة للدراسة الى إنكلترا، ولكن نشوب الحرب العالمية الثانية حال دون ذلك. فقرر السفر إلى بيروت ليكمل دراسته الجامعية في الجامعة الامريكية. تخرج من الجامعة الامريكية متخصصا في الفيزياء ومارس تدريسها في المدارس الثانوية. ولشدة ولعه ببعض الجوانب الفلسفية فبادر لدراستها فاهتم بدراسة فلسفة سقراط. وكان لابد لدراسته للفيزياء والفلسفة أن تعمقا طريقته في التفكير والتحليل للواقع الاجتماعي والسياسي الذي كان شعبنا يعاني منه فترة النظام الملكي. فعلم الفيزياء هو العلم الذي يجيب على لماذا وكيف ومتى لدراسة الظواهر الكونية، فتكون الاجابة دائما عليها علمية ومنطقية، وهذا ما ساعده على البحث عن أسباب ومعاناة شعبنا وما هي الحلول الضرورية لمعالجة تلك المشاكل. إن تعشيق الفيزياء ومنطقها وتحليلاتها العلمية مع الاسلوب الفلسفي في التفكير(1) لتفسير الظواهر الاجتماعية في مختلف المجالات، إضافة لما عايشه الشهيد من مآسي شعبنا في ظل النظام الملكي الذي كبل شعبنا بمعاهدات غير متكافئة استرقاقية، ومن هجوم بشع على المناضلين المطالبين بالحرية والتحرر والاستقلال من قبل النظام الملكي الذي كللها بجريمة إعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي وما أعقب ذلك من هجوم على القوى الوطنية .... كل هذا أحدث انعطافا جذريا في تفكير الشهيد الخالد فالتحق بصفوف الحزب الشيوعي العراقي، وحدد موقفه بوضوح وجرأة وشجاعة، أثبتت الأيام صلابته وقوة قناعته من خلال صموده في التعذيب الذي مارسه البعثيون خلال حكمهم الدموي بعد انقلابهم في 8 شباط 1963 فوهب حياته دون تردد من أجل قضيته المقدسة.
بعد تخرجه من الجامعة الامريكية عام 1943 عاد الى الوطن ، فمارس تدريس الفيزياء في اعدادية بعقوبة ثم استاذا في كلية الملك فيصل حتى اغلاقها عام 1948 بسبب انتماء الكثير من طلبتها للحزب الشيوعي وللقوى المناهضة للنظام الملكي إضافة الى مساهمات طلبتها النشيطة في وثبة 1948.
وبدأ نشاطه السياسي غير هيابا حال عودته للعراق.  فعمل في اواسط الاربعينات -1946- في صفوف "حزب الشعب" الذي كان يرأسه عزيز شريف، وكانت إلى جانبه ابنة عمه -زوجته ورفيقته- في النضال المحامية الراحلة نظيمة وهبي. ثم انتمى للحزب الشيوعي العراقي عام 1948 وكان حينها مدرسا في ثانوية الأعظمية.
ساهم بنشاط في الحياة السياسية والاجتماعية، فنشط في حركة السلم العراقية. وقد ذكر الدكتور فاروق برتو في مقالة له عن بدايات حركة السلم العراقية وتشكيل أول لجنة تحضيرية لأنصار السلام في تموز 1950 برئاسة محمد مهدي الجواهري وكان باكورة نشاط اللجنة إصدار بيان إلى الشعب العراقي نشر في الصحف بتوقيع عدد من رجال الفكر والشخصيات الاجتماعية المعرفة، يدعو البيان إلى تأييد نداء ستوكهولم وإلى مساندة الدعوة لنشر السلام العالمي ومقاومة أخطار الحرب. وكان من بين الموقعين على هذا البيان محمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب محمود (نقيب المحامين في العراق) والمحامي توفيق منير والشاعر بدر شاكر السياب والفنان يوسف العاني والشاعر محمد صالح بحر العلوم والمحامي عامر عبدالله والدكتورة خالدة القيسي والدكتور عبدالله إسماعيل البستاني،  وكان أيضا من ضمن الموقعين الشهيد عبد الجبار وهبي.
كما ساهم في عمل ونشاط المنظمات المهنية والديمقراطية، حتى انه انتدب لحضور مهرجان الشباب والطلاب العالمي في وارشو (تموز 1955) وكان برفقته كريمته نادية (الفنانة أنوار عبد الوهاب) مع شقيقها سعد.  
ولم يسلم الشهيد من الاجهزة القمعية فأصدر المجلس العرفي -1952- حكما غيابيا عليه بالسجن مدة 15 عاما، وذلك لنشاطه في حركة السلم والتضامن ولإصداره كتابا بعنوان (السلام العالمي)، إضافة الى دوره في انتفاضة عام 1952. ولم يثنيه هذا الحكم الجائر عن مواصلة النضال، فواصل الشهيد نشاطه السياسي والحزبي متخفيا عن أعين التحقيقات الجنائية التي كانت الرقيب والسيف المسلط على القوى الوطنية أيام العهد الملكي.  ومع اشتداد الحملة المسلطة على الحزب وجماهيره قرر حينها - عام 1953- مغادرته الوطن سرا إلى سورية بجواز سفر يحمل اسم (الحاج محسن عبد) مصطحبا معه ابنته نادية وابنه سعد، تاركا زوجته المناضلة نظيمة وهبي تقضي ما تبقى من محكوميتها في سجن النساء في بغداد، بسبب إصدار كراس "أغاني السلم والحرية"(2)!. غادر وهو يحمل في داخله هموم الشعب العراقي، ومعاناة مناضليه ورفاقه الشيوعيين واليساريين وهم يقبعون في زنزانات النظام الملكي، ويتعرضون للمجازر والتصفيات والتنكيل والإهانات. غادر وأصوات رفاقه في السجن من خلال مكبراتهم البسيطة والمصنوعة من الكارتون وهم يهتفون بحياة الشعب والحزب ويناشدون القوى الخيرة في العالم لإنقاذهم من مجازر وحشية يعد لها النظام الملكي وقد نفذها فعلا، وواجهوا هذه المجازر غير آبهين للرصاص الموجه لصدورهم في سجن بغداد وسجن الكوت أو في تظاهرات الشعب ضد المعاهدات الاسترقاقية التي خطط لها الانكليز مع عميلهم (الباشا نوري السعيد). نعم أصوات رفاقه تناديه لينشر قصة نضالهم وجرائم النظام الدموية بحقهم وإيصالها للرأي العام العراقي والعربي والعالمي. فانكب الشهيد في سورية ليصور باسلوبه المتميز مأساة السجناء الشيوعيين في سجون النظام الملكي ويفضح من خلال ما يكتبه أساليب النظام البربرية في مكافحة الفكر الوطني، فكتب كتابه (من أعماق السجون في العراق)، وهو يصور بدقة الأحداث المأساوية التي حدثت في سجون النظام الملكي وبإشراف وأوامر (الباشا نوري السعيد).
واصل الشهيد نشاطه الفكري والإعلامي في الصحافة السورية واللبنانية، وكان أهم ما كتب في تلك السنوات كتابه (من أعماق السجون في العراق) الذي طبعه باسم مستعار (محمد راشد) في حزيران عام 1955، وللأسف كان نشر الكتاب خلال تلك السنوات محدودا بسبب الظروف التي تعاني منها دول المنطقة فجميعها تقريبا كانت تعاني من قهر الانظمة الاستبدادية والتابعة وكانت حرية النشر والتوزيع محدودة. فقرر توزيع كتابه خلال مشاركته في مهرجان الشباب والطلبة المنعقد في وارشو عام 1955/ تموز، وبذل جهودا لترجمته باللغة الانكليزية لإطلاع الوفود الاجنبية المشاركة في المهرجان على انتهاكات النظام الملكي لحقوق الانسان والواقع المر الذي يعيشه شعبنا.
سمع الشهيد أخبار ثورة 14 تموز 1958، وكان من ضمن الوفد المقرر مشاركته –كان ضمن الوفد ايضا الشهيد صفاء الحافظ- في مؤتمر نزع السلاح والتعاون الدولي في العاصمة السويدية –ستوكهولم-. بعد مشاركته في أعمال المؤتمر بتأريخ 16 تموز 1958 عاد الى أحضان وطنه ليساهم بحيوية ونشاط في الحياة السياسية الجديدة. بعد عودته واجازة صحيفة الحزب الشيوعي (اتحاد الشعب) أصبح عضوا نشطا وفعالا في هيأة تحريرها، ومارس الشهيد كتاباته الصحفية على صفحاتها، واشتهر بعموده اليومي (كلمة اليوم) في الصفحة الأخيرة. كان هذا العمود بأسلوبه المتميز بقوة المعنى وعمق الفكرة وبساطة الجملة ذا وقع عظيم في نفوس ومشاعر ابناء الشعب، وكان له تأثير قوي عاصف في عقول الناس حتى يقال أن الزعيم عبد الكريم قاسم قال عنه: (رصاص رأس القرية ولا كتابات عبد الجبار وهبي). كان ذو مقدرة عالية في تشخيص السلبيات واختيار مواضيعها وربطها بحكايات شعبية ليشد القارئ إلى الهدف الذي يكتب عنه. كان اسلوب الشهيد في تناوله للظواهر والممارسات السياسية السلبية (خاصة تلك التي تمس هموم الشعب) وقع كبير وجرئ بحيث أن الزعيم عبد الكريم قاسم فضل رصاصات رأس القرية يوم محاولة اغتياله على العمود اليومي للشهيد –ابو سعيد-!. وما زالت مواضيعه تحتفظ بقيمتها لغاية اليوم، إنها مواضيع حيوية تتناول بأسلوب نقدي لاذع وساخر الواقع المأساوي الذي يعيشه شعبنا، ولو نشر عموده المعنون (سارق الأكفان) في يومنا هذا لتصور البعض أن كاتب العمود يعيش معنا اليوم، وهو حقا يعيش معنا خالدا بكتاباته وأفكاره العاكسة بصدق ودقة لهموم الناس. ومن كتاباته الصحفية: (أبو شوارب) ، (كان أمس)، (اقطاب وأذناب)، (شائعات وأشياء أخرى) ومقاله الشهير (اسأل الشرطة ماذا تريد وطن حر ونوري السعيد!؟) وغيرها من كتابات ناقدة للاوضاع السياسية والاقتصادية ولحالة التردي في الوضع السياسي.
لم تتحمل أجهزة الزعيم عبد الكريم قاسم القمعية عمود الشهيد (كلمة اليوم) فضايقته وزجت به في المعتقل (حجز)، بأمر الحاكم العسكري أحمد صالح العبدي دون أن توجه له أية تهمة قانونية سوى "انه يشكل خطر على أمن الجمهورية"!؟. وتنقل في الحجز بين مديرية الأمن العامة وسجن رقم واحد في معسكر الرشيد. لكن الشهيد لم يستسلم لهذه الضغوطات وخرج من المعتقل في أواخر 1961 بتأثير الضغط الجماهيري، ليعيش في أحضان شعبه وملهمه الأول في كتاباته، وهو أكثر تصميما على مقارعة الدكتاتورية والحفاظ على مكاسب ثورة 14 تموز وفضح قوى الردة التي أحكمت سيطرتها على جميع مؤسسات الدولة الأمنية.
ولكن يوم الجمعة 8 شباط 1963 سيطر الانقلابيون البعثيون على الحكم، وبدأت مرحلة جديدة دموية في حياة الشعب العراقي. وتعرض الحزب الشيوعي إلى هجمة بربرية للقضاء عليه، وأقدمت سلطة البعث على اعتقال الالاف من الشيوعيين وأصدقائهم وتعريضهم لشتى صنوف التعذيب البربري وتصفية المئات منهم تحت التعذيب وفي مقدمتهم قادة الحزب (سلام عادل ورفاقه)، كل ذلك في محاولة يائسة في تصفية الحزب الشيوعي. لقد أفشل الشعب العراقي وشجاعة وتصميم القيادات الحزبية الناجية من الاعتقال، محاولات الانقلابيين اليائسة، فاحتضن الشعب كوادر وقيادات الحزب ووفرت لهم الملجأ الآمن لإعادة تنظيم صفوف الحزب وتضميد جراحه وقيادة الجماهير مجددا. وكان عبد الجبار وهبي ورفاقه جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي قد شكلوا مركزا جديدا للحزب لقيادته وإعادة نشاط منظماته وتجميع أعضائه الذين نجوا من الاعتقال. فنشطوا وعملوا بجد وحذر في الخفاء لإعادة بناء الحزب وجمع كوادره ومنظماته وقيادة النضال من أجل اسقاط الانقلابيين. لكن شدة وشراسة الهجمة وهستيريا الانقلابيين وخيانة بعض الضعفاء بعد فشل حركة الشهيد حسن سريع ساهمت في اعتقال قيادة الحزب الجديدة ممثلة بجمال الحيدري ومحمد صالح العبلي وعبد الجبار وهبي. واعتقل القادة الشجعان يوم 7 تموز 1963 في دار والد الدكتور عطا الخطيب وأعلن عن إعدامهم يوم 19 تموز 1963(3).
يروي المؤرخ الراحل د. علي كريم سعيد نقلا عن محمد علي سباهي شراسة وبربرية التعذيب الذي لاقاه الشهيد عبد الجبار وهبي ورفيقيه، فيكتب: {يقول الضابط محمد علي سباهي الذي كان عضوا وأحد مؤسسي المكتب العسكري لحزب البعث العربي الاشتراكي قبل 8 شباط: "في عام 1963 زرت في قصر النهاية عمار علوش وكان مشرفا على التحقيقات، فرأيت عنده عبد الكريم الشيخلي -وزير خارجية فيما بعد- وأيوب وهبي وخالد طبرة، وفوجئت بالصحفي عبد الجبار وهبي ممدوداً على الأرض وكان على وشك الموت ويطلب الماء، ويجيبه خالد طبرة -مدير عام فيما بعد-: "ها كواد تريد مي –ماء-!!"، ولم يعطه}. ويضيف الراحل د. علي كريم سعيد فيكتب في نفس الصفحة: {وكان الدكتور فؤاد بابان قد أخبرني بمدينة السليمانية عام 2001 قائلا: "كنت معتقلا في قصر النهاية، فرأيت عبد الجبار وهبي -أبو سعيد- منشور الرجل من تحت الركبة بآلة نشر خاصة، وكان إلى جانبه شخص آخر لديه يد واحدة معلق منها}(4).
وبعد أن روى الكاتب علي كريم سعيد ما ذكره له بعض المسؤولين البعثيين عن تعذيب الشهيد عبد الجبار وهبي، يواصل كتابته ليروي بعض ما سمعه من هؤلاء البعثيين وشهادتهم على أحداث وجرائم الانقلابيين في 8 شباط في حق القيادة الجديدة للحزب (جمال الحيدري محمد صالح العبلي وعبد الجبار وهبي) وما لاقوه من تعذيب بربري وعن مواقفهم البطولية الشجاعة، فيكتب: {وقد روى لي الدكتور حامد أيوب العاني عن شركاء سجن محمد صالح العبلي بأنه، أي العبلي، كان مازال على قيد الحياة عندما اُذيع نبأ إعدامه، وكان الهدف من إبقائه حيا يوماً آخر هو مساومته، فقد جاء وزير الدفاع صالح مهدي عماش وأسمعه نبأ إعدامه مذاعا من إذاعة بغداد، وساومه قائلاً: "لقد اذيع خبر إعدامك، وأصبح في علم الناس جميعاً انك في عداد الموتى." وأخرج من جيبه شيكا موقعاً على بياض وقال: "ضع المبلغ الذي تشاء وبلا حدود، واختر البلد الذي ترغب أن تعيش فيه، وأنا شخصيا أضمن لك ذلك، مقابل ترك العمل". وحتما كان يقصد بترك العمل والاعتراف أيضا. وبالنسبة لمحمد صالح العبلي كان ذلك أسوأ من الموت، رفض فقتل. وقد روى خالد طبرة –عضو هيئة التحقيق ومدير عام بعد 1968- لصفاء الفلكي –سفير في أكثر من بلد، وعضو في حزب البعث وشارك في كل المراحل السابقة- قائلا: "حفرنا أنا وسعدون شاكر –وزير داخلية ومدير أمن عام بعد ناظم كزار- قبراً لمحمد صالح العبلي، وأنزلناه الى القبر –الحفرة-  وبعد مَدِّه بداخله، طالبه سعدون شاكر بالاعتراف أو الموت!؟ فرد العبلي بشجاعة واتهمنا بخيانة الوطن. فأطلق عليه سعدون شاكر فوراً دون أن يعترف أو يتنازل، وحصل الأمر نفسه مع الضابط مهدي حميد وحمزة سلمان الجبوري}(5) .
كان بودي أن أوثق كتاب الشهيد (من أعماق السجون في العراق) بالصور المتنوعة عن حياة ونشاط الشهيد، بما فيها صوره مع عائلته وأبنائه، إضافة لبعض مخطوطاته اليدوية من كتابات ورسائل تبادلها مع عائلته أثناء ابتعاده عنهم أو خلال مرافقته لهم. فاتصلت بكريمته السيدة الفاضلة نادية (الفنانة أنوار عبد الوهاب) أسألها أن تزودني بما تمتلكه العائلة من تلك الصور والكتابات. فأخبرتني بألم وحزن يتقطع له القلب، وهذا ما لم أتفاجأ به، بأن الأنقلابيين البعثيين في 8 شباط 1963 دخلوا بيت الوالد وأتلفوا ونهبوا كل موجوداته بما فيها الصور والرسائل العائلية ولم نتمكن استعادتها من بعد!؟ وكل ما تملكه صورة وحيدة (الصورة المنشورة بزي التخرج الجامعي)، والصورة كانت مهداة للراحل الوطني فريد الأحمر، وقد أعادها للعائلة بعد أن عرف ان الفاشيين لم يتركوا أي أثر لذكريات العائلة عن الشهيد!. ربما سيقرأ مقالتي هذه زملاء أو رفاق للشهيد جمعتهم صورا لهم معه فأرجو شاكرا ارسالها على عنواني لأضمها في كتابه.
بهذه الشراسة والهمجية الفاشية تعامل البعثيون، قادة انقلاب 8 شباط 1963 الدموي، مع القيادات الشيوعية وأصدقائهم بهدف القضاء عبثاً على الحزب الشيوعي وتنظيماته. وقد أثبتت لهم القيادات الناجية من بطش البعث وحرسه القومي انها قادرة على إعادة تنظيم الحزب وقيادة نضال الشعب، وبذلك أكدت صحة مقولة الخالد فهد (الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من أعواد المشانق). لا الارهاب وممارسة ابشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، ولا التصفيات الجسدية التي مورست مع قيادات وكوادر وأصدقاء الحزب، جميع هذه الممارسات لم تكن قادرة لإشاعة الرعب والخوف والحط من معنويات الناجين من الشيوعيين لمواصلة المسير. ولم تثن هذه الممارسات عبد الجبار وهبي ورفيقيه البطلين جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي من تشكيل مركزا حزبيا لقيادة الحزب، متحدين بذلك همجية الانقلابيين، لمواصلة جمع الصفوف وتنظيمها والعمل من أجل مصالح الشعب. هكذا كان الشهيد عبد الجبار وهبي (ابو سعيد) ورفاقه العبلي والحيدري. فلتعش ذكراهم منارا ينير الدرب لكل من يناضل من أجل عراق ديمقراطي حر مستقل، والمجد والخلود لكل شهداء الحركة الوطنية.

محمد علي الشبيبي
alshibiby45@hotmail.com
السويد ‏10‏/09‏/2012

*- مصادر المعلومات عن الشهيد –ابو سعيد- مستقاة من مجموعة كتابات وحوارات نشرت في الصحافة والمواقع الالكترونية عن حياة الشهيد.
(1)- الفلسفة كلمة مشتقة من اللفظ اليوناني وتعني محبة الحكمة أو طلب المعرفة.  وتوصف الفلسفة أحيانا بأنها "التفكير في التفكير"، أي التفكير في طبيعة التفكير والتأمل والتدبر والميل للبحث والتساؤل والتدقيق  في كل شيء والبحث عن ماهيته ومختلف مظاهره وأهم قوانينه./ من (وكيبيديا الموسوعة الحرة)  
(2)- هذا ما ذكرته المناضلة نظيمة وهبي في مقالة نشرت في مجلة "الفكر الجديد" عام 1978.
(3)- د. علي كريم سعيد/ العراق البرية المسلحة حركة حسن سريع وقطار الموت 1963 صفحة 59.  
(4) و (5) – نفس المصدر السابق صفحة 62.


28
من أعماق السجون في العراق*  /13

الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)
1920 – 1963

ملاحظة لم أسجل كل التفاصيل التي ذكرها الشهيد عبد الجبار وهبي في كتابه، وإنما نقلت نصوصا من موضوعاته مع حذف بعض الفقرات التي لا تؤثر لا على المعنى ولا على نسق الرواية ... وأترك نشر كل هذه التفاصيل لطباعة الكتاب مستقبلا ليطلع عليه القارئ الكريم./ الناشر: محمد علي الشبيبي

المذبحة الكبرى/ 2
ولنعد الى سياق القصة، قلنا ان المعاون (عبد الوهاب عبد القادر) بعد ان تلقى موافقة "الباشا" على أخذ السجناء الخمسة عشر بالقوة، اصدر أمره بالهجوم، وكانت الساعة قد جاوزت الرابعة صباحاً من يوم 3 أيلول 1953. فبدأ الهجوم على مواقع السجناء السياسيين المجتمعين، والمطوقين في نصف دائرة، امام الردهتين 3 و 4 ، بدأ –كما قلنا- على جبهتين، على الارض بالهراوات وقضبان الحديد والخناجر والحراب، ومن على السطوح والأبراج برصاص البنادق والرشاشات والمسدسات.
اما السجناء العزل فلم يجدوا في متناول ايديهم غير قشور الرقي (البطيخ) ، يدافعون بها عن انفسهم امام الهراوات وقضبان الحديد والرصاص. وبعد الاشتباك بفترة وجيزة هرول عدد من رجال الشرطة والسجانة نحو الباب فخرجوا وتبعهم آخرون. ثم عادوا بالبنادق وجاء بعضهم بالرشاشات فنصبوها في ساحة السجن على بعد 20 متراً من موقع السجناء وصاروا يطلقون منها النار ......
صدرت الاوامر بجلب الاسلحة النارية الى داخل السجن من قبل مدير السجون العام (طاهر الزبيدي) ومعاون الشرطة (عبد الوهاب عبد القادر). وقد كان طاهر الزبيدي بادي النشاط،  فكان يتجول بين "أولاده" ويشجعهم وينخاهم ويحمسهم: "اي ولدي ... يا الله اولادي ! ..."
وتعطل نظام الإضاءة، فدارت المعركة في الظلام الدامس، لولا انبثاقات خاطفة من نيران البنادق والرشاشات، تضيء مواضع متفرقة من ساحة المعركة.
ما هذا ... لم كل هذا؟ لم كل هذه النار؟ اي جحيم من الحقد يضمره لنا المستعمرون والخونة!
كان الغضب المتأجج في دماء المناضلين، والشعور بالخطر الداهم والعزم على الصمود امام الخطر، قد قلب في لحظة واحدة، ضعف السجناء ومرضهم واغماءهم، ..... الى قوة عارمة، قوة تريد ان تفتك وتحطم وتنتصر! ... ولكن ماذا تستطيع قشور الرقي وقليل من الاحجار وبعض الهراوات التي انتزعها المناضلون من أيدي العدو، ماذا تستطيع ان تصنع امام النار، امام عدو متحصن ومتفوق بالعدة والعدد.
اسرع السجناء الى الغرف القريبة منهم للاحتماء بها من النار وخلت الساحة، إلا من مشرعي الهراوات والرصاص، ومن القتلى والجرحى الذين عجزوا على الزحف بأعضائهم المهشمة الى الغرف ..... فكان اولئك السجناء هدفاً رخيصاً لانتقام وحشي دنيء. هراوات غليظة وقضبان حديدية واخامص بنادق تنهال على جماجم فاقدة الوعي، تتلوى وتتدحرج يميناً وشمالاً على أرض ناقعة بالدم، وأجساد محطمة عاجزة تسحقها البساطيل، وتتعثر بها الارجل!
تحت ضوء الفجر الساكن، بدت الساحة، كمشهد غابة تعج بأشباح ذئاب بشرية، تتواثب حول فرائسها في نهم، وتعوي من لذة! مشهد ينبو حتى عن ساحات الحروب .....
تركزت النار على ابواب الغرف والشبابيك، ..... وهجم السجانون ....، على الابواب والشبابيك فمدوا بنادقهم فيها وأطلقوا النار في أحشاء الظلام، وأحشاء المناضلين.
ولما توقف اطلاق الرصاص، داخل السجن، بعد نصف ساعة من انطلاقه، كان في الساحة عشرات الجرحى وخمسة من الشهداء: 1- هذا، جبار الزهيري، وبالأحرى جثة جبار الزهيري. فقد اصيب هذا المناضل بطلقة في رأسه، امام الردهة رقم 5 قريباً من الفرن. وفارق الحياة حالاً. وهو في الثلاثين من عمره.
 (جبار الزهيري) ابن عائلة كادحة من ريف العمارة، اراد الالتحاق بدار المعلمين الابتدائية بعد تخرجه من المدرسة المتوسطة في العمارة، ليصبح معلماً. فلم يقبلوه، فتطوع في الجيش العراقي وحصل عام 1945 على رتبة نائب عريف في صنف البيطرة. لكنه طرد من الجيش واعتقل وعذب ..... وخرج من الاعتقال والتعذيب، صامداً مرفوع الرأس. واعتقل في كركوك بعد مجزرة كاورباغي(1) .... واعتقل للمرة الثالثة يوم 17/9/1948 اثر مظاهرة الكاظمية المعروفة ..... وكان "جبار" في ذلك الحين يعمل نجاراً .... وفي التوقيف عذب ونقل مراراً من معتقل إلى آخر، دون ان يفقد شيئاً من معنوياته وإيمانه. ثم حكم عليه المجلس العرفي العسكري بالسجن ثلاث سنوات، اضيف إليها وهو في السجن احكام أخرى حتى بلغ حكمه سبع سنوات. قضى ثلاثا منها في نقرة السلمان ثم نقل إلى الكوت عام 1951 بعد الاضراب البطولي عن الطعام الذي قام به السجناء السياسيين حينذاك .........
2- وهنا، فيما بين الفرن ومطبخ السجناء العاديين جثة أخرى، جثة سابحة في الدم مطموسة المعالم، تعرف عليها الرفاق فيما بعد، بعد ان سحبتها الشرطة الى باب السجن ثم إلى الأسوار، انه (هاني هلال)، الشاب المتواضع الهادئ. اصابته صلية رشاش فتركت في جسده ست رصاصات. "هاني هلال" اسم مستعار، تسمى به حينما القي القبض عليه في مظاهرة 20 حزيران 1953 التي اقيمت احتجاجاً على مذبحة سجن بغداد. فحكم عليه المجلس العرفي العسكري بكفالة حسن سلوك لقاء 200 دينار من شخص ضامن. فلما عجز عن تقديم الكفيل، اودع السجن سنة واحدة. كان اسمه الحقيقي (هادي جواد) وهو من أهل الكاظمية، وابن عائلة فقيرة كادحة. كان عامل خياطة محبوباً .... انتخب عضواً في هيئة المراقبين لنقابة عمال الخياطة ببغداد، .... وكان الى جانب ذلك عضواً نشيطاً في لجنة انصار السلم لعمال الخياطة في بغداد، وعضواً فعالاً في اتحاد الشبيبة الديمقراطية العراقي. زهرة يانعة تزخر بالآمال وتبشر بثمرة طيبة .....
3- ومن صرعى الرصاص في ساحة السجن الشهيد (محسن هداد) عامل الكهرباء الذي اصيب برصاصة في جنبه، وضربوه بالهراوات وسحقوه بالبساطيل حتى فارق الحياة ...... كان عنصراً ثورياً من أهل مدينة الشطرة، .... اعتقل في مدينة الناصرية قبل ثلاثة أشهر فقط من وفاته، فحكم بالسجن سنة ونصف. توفي وهو في السادسة والعشرين من عمره.
4- (حسن مهدي)، عامل نسيج، صريع آخر من صرعى الرصاص في ساحة السجن، تلقى رصاصة في بطنه فسقط على الأرض وظل يهتف بنفس متقطع: تعيش الطبقة العاملة، يعيش نضالنا الثوري. فضربوه بالهراوات وسحبوه الى الباب وهو في النزع الأخير، وطرحوه مابين غرفة الادارة وغرفة "المسلخ".
كيف يستطيع الانسان ان يهتف للطبقة العاملة والنضال الثوري وهو بين مخالب الموت، وتحت الهراوات ... كيف يستطيع؟ ثم، كيف يجرأ؟
كان أحد السجانين واقفاً إلى جوار حسن مهدي، يتفحص جسده الذي تصطرع فيه الحياة والموت، ويفكر ... كيف يجرأ هذا الشيوعي على الهتاف! فركله بحذائه ركلة قاسية، وهو يقول، في روح من الدعابة الشامتة وفي شيء من التهديد:
- "... والان، اتقول: يعيش نضالنا الثوري ... الموت او مطاليبنا؟ اتقول؟ ..."
- نعم أقول! ... أقول! ... الموت او مطاليبنا، ويعيش نضالنا الثوري ........
كان حسن مهدي وعمره 19 سنة يفرغ في تلك الكلمات كل روح التحدي والحقد، وكل قواه أيضاً. وتوفي بعد نقله الى المستشفى، ..... كان حسن مهدي بطلاً  شاباً من أعماق الجماهير. فأبوه حمال وأهله كادحون مدقعون، اشتغل منذ طفولته بمعامل النسيج اليدوي في الكاظمية وارتاد دار نقابة عمال النسيج في الكاظمية، وهو صغير ليتعلم القراءة والكتابة ثم صار عاملاً نقابياً نشطاً محبوباً محترماً. برزت بطولته لأول مرة في مظاهرات وثبة تشرين الثاني 1952. ففي إحدى تلك المظاهرات طوقت الشرطة جمهوراً من المتظاهرين وأصلتهم وابلاً من الرصاص. فوقف حسن في مقدمة المتظاهرين، قائلاً: "أما الحياة أو الموت ... لا تتفرقوا!" لقد استهان حسن ابن الطبقة العاملة بالموت من أجل حياة أفضل، حياة جديرة بان يحياها الناس العاملون المنتجون .........
5- واصاب الرصاص المناضل الشيوعي (رؤوف الدجيلي)، عند عتبة الردهة رقم 3، فتمزق صدره. ثم ضربوه وسحبوه الى الاسوار حيث فارق الحياة. وكان رؤوف الدجيلي طالباً في كلية الهندسة حينما القي القبض عليه عام 1949. فعذبوه، ثم حكم عليه المجلس العرفي العسكر بالسجن سبع سنوات. كان محبوباً من رفاقه الطلاب ومن أهل مدينته (الكوفة) ومن رفاقه السجناء، ظل مخلصاً لشعبه، ...........
وحينما كان رؤوف الدجيلي طريحاً على الارض (في الاسوار) فاقد الوعي، اجتمع عليه السجانون: ابراهيم، وقاسم، ولطيف، يضربونه ويرفسونه. والسجان لطيف يصرخ: تريد ماي؟ خذ! تريد ماي ... خذ! ويضربونه بوحشية بالغة، حتى فارق الحياة عن خمسة وعشرين سنة من العمر.
6- وهناك، بالاضافة الى من تقدم ذكرهم من الشهداء الخمسة الذين اصيبوا بالرصاص في ساحة السجن، عدد آخر من جرحى الرصاص وعشرات من الذين سقطوا بضربات مباشرة من الهراوات على رؤوسهم، ثم ضربتهم الشرطة وسحقتهم وسحبتهم الى الأسوار، ومات من هؤلاء بعد نقلهم الى المستشفى شهيدان، أولهما (عبد النبي حمزة)، مات بنتيجة الضرب والسحق وجاء عنه في خلاصة التقارير الطبية التي نشرتها جريدة "الدفاع" انه توفى في المستشفى، بعد المجزرة ببضع ساعات، ووجد الحجاب الحاجز في جوفه ممزقاً. كان عبد النبي حمزة ابن عائلة فقيرة كادحة من الاكراد (الفيلية). ....  وعند تسريحه من الجيش في أواخر 1948، عانى البطالة والحرمان والتشرد، حتى اشتغل عاملاً في مكابس التمور. فنشط بين عمال المكابس، واشترك في مظاهرات النجف والقي القبض عليه مرات عديدة، كان آخرها بتهمة كتابة الشعارات الوطنية على الجدران، ..... واستشهد عن عمر لا يتجاوز الثلاثين سنة.
7- والشهيد السابع يحيى عباس البارح من اهل بغداد، مناضل ديمقراطي واكب الحركة الثورية منذ 1946 وساهم في مظاهرات جماهير بغداد. واعتقل في احدها في 5 أيلول 1948 فحكم عليه المجلس العرفي العسكري بالحبس لمدة سنتين. أمضى مدة سجنه في نقرة السلمان. وعند اطلاق سراحه، سافر الى ايران واتصل بالمناضلين الايرانيين وبعد رجوعه الى العراق كتب سلسلة مقالات قيمة في الصحافة العراقية بعنوان (انا عائد من ايران) والقي القبض عليه مرة أخرى بعد وثبة تشرين الثاني 1952 فحكم عليه المجلس العرفي مرة أخرى بالسجن سنتين. كان قصاباً في مهنته، تابع دراسته المتوسطة في المدارس المسائية. واستشهد بالضرب باخامص البنادق والهراوات والبساطيل، وفارق الحياة في المستشفى بعد بضع ساعات من المجزرة عن عمر جاوز الثلاثين تاركاً وراءه زوجة وأطفالا.
كان الكثير من السجناء قد احتمى بداخل الردهات –كما قلنا- وهناك تعقبهم الرصاص من الابواب والشبابيك حتى تطاير الاسمنت شظايا، وتلوت القضبان الحديدية. وتقدم بعض السجانين فمدوا بنادقهم من الشبابيك واقتحم بعضهم الآخر الأبواب وأطلقوا رصاصهم في أحشاء الظلام، وأحشاء المناضلين.
8- وفي داخل الردهة الثانية، اصيب المناضل القديم أحمد علوان التميمي بطلقتين في بطنه، اطلقهما عليه السجان (يونس) وطعنوه بعد ذلك بحربة في رأسه. وحينما حملوه الى "المسلخ" ضربه السجان (لطيف) على صدره ورجليه. كم كان هذا المناضل الكهل محبوباً محترماً لدى رفاقه، مرهوباً محقوداً عليه لدى سلطات السجن!
نشأ أحمد فلاحاً من فلاحية في قضاء ابي الخصيب من لواء البصرة. ثم تعلم القراءة والكتابة، وامتهن الضرب على الالة الطابعة.
اشترك في اضرابات عمال النفط بايران في آواخر العشرينات (1920 وما بعدها) وسجن هناك ثلاث سنوات لنشاطه الثوري ، ثم عاد الى العراق وساهم في اضرابات عمال البصرة في الثلاثينات، ثم اصبح شيوعياً وانضم للحزب الشيوعي العراقي. .... اعتقل في أواخر 1948 أبان نكبة الحزب الشيوعي المعروفة. فحكم عليه المجلس العرفي بالسجن سبع سنوات، أمضى ثلاثاً منها في سجن نقرة السلمان ثم نقل الى الكوت مع من نقل إليها.
كان محبوباً جداً بين رفاقه ومحترماً، معروفاً بروحه الأبوية ومعنويته العالية، مات مخلصاً متواضعاً لشعبه وحزبه، أميناً لأفكاره ..... وفي ساعات احتضاره هتف بحياة قادة الحزب الشيوعي العراقي. استشهد عن عمر جاوز الخمسين سنة وترك وراءه زوجة وأطفالاً.


محمد راشد (الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)
بغداد –حزيران 1955

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم المؤلف مجهولا إلى أن نشرت طريق الشعب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب مع الاختصار بدءا من الحلقة 6/ الناشر: محمد علي الشبيبي
 (1)- في عام 1946، اضرب عمال نفط كركوك، اضراباً شاملاً من أجل مطالب اقتصادية، وخلال ايام الاضراب كان يجتمع عدة آلاف منهم في مكان خارج المدينة يقال له "كاورباغي" يتكلمون ويتناقشون. فلما عجزت شركة النفط العراقية (IPC) والسلطات المحلية عن كسر إضرابهم، احضرت قوة كبيرة من الشرطة فطوقت المكان وأطلقت النار على العمال المجتمعين، بحجة تفريق اجتماعهم. فجرح عدد كبير واستشهد بعض العمال، وقد كشف التقرير الرسمي الذي كتبته لجنة قضائية ارسلت الى كركوك تحت ضغط الرأي العام، ان الشرطة اطلقت النار على العمال بعد تفرقهم. وانها لاحقتهم حتى ازقة المدينة وصوبت عليهم في داخل البيوت، وعلى الاشجار التي تسلقوها للنجاة. كانت مذبحة مروعة وفضيحة كبرى!



يتبــــــــــــــــع


29
من أعماق السجون في العراق*  /12

الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)
1920 – 1963
ملاحظة لم أسجل كل التفاصيل التي ذكرها الشهيد عبد الجبار وهبي في كتابه، وإنما نقلت نصوصا من موضوعاته مع حذف بعض الفقرات التي لا تؤثر لا على المعنى ولا على نسق الرواية ... وأترك نشر كل هذه التفاصيل لطباعة الكتاب مستقبلا ليطلع عليه القارئ الكريم./ الناشر: محمد علي الشبيبي

المذبحة الكبرى/ 1
في الأيام الأخيرة من الحصار، كان الموقف الرسمي كما يلي:
الحكومة تريد "تفتيش" السجن، وتمنع الطعام والماء ... ولكنها عملياً ترفض تنفيذ ما تريد، والسجناء لا اعتراض عندهم على التفتيش بعد ما تبين موقفهم عملياً خلال ثلاث تفتيشات سابقة أستحوذت الإدرة حتى على البراميل والزيرات الفارغة ...الخ
وفي تلك الايام الأخيرة، ..... لم يطرأ على الموقف أي تغير، عدى ان الحكومة قد استوثقت من نفاذ طعام السجناء وخوار قواهم الجسدية وسقوط أكثرهم مرضى.
في صباح الثاني من أيلول (سبتمبر) سنة 1953 طلب السجناء استدعاء طبيب السجن لمعالجة المرضى، وكان قد مضى على الحصار اثنان وثلاثون يوماً، فانتهز مدير السجون العام تلك الفرصة لاستدعاء ممثل السجناء. واتضح للمثل حالاً ان الحكومة "راغبة" في استئناف المفاوضات حول التفتيش، بحثاً عن الاسلحة. فلم يجد بداً من القبول والموافقة على التفتيش المزعوم، بحثاً عن أسلحة مزعومة، لكن السجناء أشترطوا شروطاً:
1- لا يسمح إلا لعدد صغير من الشرطة والسجانين بدخول السجن.
2- ان تمتنع الشرطة والسجانون من كل اعتداء او استفزاز.
3- ان يجري التفتيش في جانب معين من السجن، بينما يجتمع السجناء في الجانب الآخر، فإذا انتهى التفتيش في ذلك الجانب انتقل السجناء كلهم إليه وتحولت الشرطة الى الجانب الاول لإتمام عملها. وذلك منعاً للاحتكاك بين الطرفين.
4- ان يدخل الطعام والماء حالما يبدأ التفتيش وان ينتهي الحصار.
وفي الساعة الواحدة بعد الظهر، دخل السجن للقيام بالتفتيش، مدير السجن ومأموره ومعاونوه وعدد من مفوضي الشرطة العلنية والسرية وعدد آخر من السجانين، وعند دخولهم، طلب السجناء احترام بنود الاتفاق. فكان جواب مدير السجن: التهديد بادخال 350 شرطياً للهجوم على السجناء "وتأديبهم". وبدأوا التفتيش "بحثاً عن أسلحة" بمصادرة الحقائب والصناديق العائدة للسجناء ومواقد النفط (البابورات) .... وجمعوا الحصى والحجارة من الساحة، وقلعوا المسامير من الجدران .... فاحتج السجناء على مصادرة الحقائب والصناديق ومواقد النفط ... فكان جواب مأمور السجن "جبار" يكشف عن خطة مبيتة، إذ قال: ان تلك الاشياء ستؤخذ حتماً على كل حال.
استمر العمل ساعات متوالية، وهبط الليل، فسلطوا على الساحة انوار ساطعة، وعلى تلك الأنوار كان المفوضون والجواسيس والشرطة وبعض السجناء العاديين الأشرار، يتفحصون عن بعد وجوه السجناء ويتعرفون بإشارات يبديها بعضهم الى بعض، على "الزعماء" حسب ظنهم.
اما عن الطعام والماء فلم يحصل السجناء منهما، .... ثم جيء لهم، بعد عدة ساعات من الانتظار، بوجبة طعام من الخبز والرقي والكباب. وكان السجناء قد سلموا للمأمور نقوداً ليشتروا بها لهم التبغ والشاي والسكر! فوعدهم خيراً، إلا انه فضل الاحتفاظ بنقود السجناء .....
وحينما انتهى التفتيش في الجانب الاول من السجن، انتقل السجناء إليه فأحاطت بهم الشرطة وطوقتهم. وكان عدد الشرطة  يتزايد ساعة بعد ساعة، .... حاملين هراوات والعصي الغليظة وقضبان الحديد ومتمنطقين بالخناجر والحراب. ولم يكن معهم من الاسلحة النارية غير المسدسات التي يحملها المفوضون وأصحاب الرتب العالية من ضباط الشرطة وموظفي السجن. وظهر السجناء العاديون الاشرار عند الباب يحملون القضبان والسكاكين .... فكان يبدو أكثر فأكثر، ان الحكومة سائرة في تنفيذ خطة مرسومة مبيتة، وان الاستعداد لها  يكتمل شيئاً فشيئاً.
وفي الجانب الاخر من السجن سلبوا اثناء التفتيش "بحثاً عن "الأسلحة" سلبوا المكتبة التاريخية التي أنشأها سجناء الكوت السياسيون كما سلبوا الادوات الطبية وجميع ما في صيدلية السجناء الخاصة من عقاقير كما سلبوا الاواني والملاعق ... وغيرها. وكانوا يهددون السجناء ويتوعدونهم قائلين: انتظروا قليلاً لتروا ما سيكون ... انتظروا ان بقيتم أحياء!
واختتموا التفتيش بان صبوا بالبئر (الاسيد فينيك) وهدموا السقيفة وحولوا اعمدتها الى هراوات. ووقفوا (وكان عددهم نحو 140 شرطياً وسجاناً) على أهبة الاستعداد وكأنهم يتحفزون لتنفيذ أمر معلوم. كانت الساعة حينئذ قد جاوزت الثالثة بعد منتصف الليل، فقد استغرق التفتيش 14 ساعة متوالية!.
كانت مدينة الكوت تستمتع بنوم عميق .... وقد طغى هدير المياه المتدفقة من بوابات سدة الكوت، على كل صوت آخر .... فقد أمرت السلطات المحلية في تلك الليلة بفتح جميع بوابات السدة، خلافاً لما هو مألوف .....
ان أهالي الكوت لم يفطنوا الى الهدير الطاغي ولم يسألوا أنفسهم عنه إلا بعد ان استيقظوا في الصباح، واخذوا علماً بما جرى في السجن، ولم يفطنوا كذلك الى خداع الحكومة .... حيث اشاعت خبر انتهاء الحصار، وان تؤيد الاشاعة بمظاهر عملية لفتت إليها الانظار كان أبرزها شراء عشرات الكيلوغرامات من الخبز والكباب وأضعاف ذلك من الرقي، من سوق المدينة الصغير ........
وتوزعت الشرطة في الليل على المراكز الهامة في الشوارع والأزقة واحتشد منها في السجن وبجواره بضعة مئات. فلما انتهى "التفتيش" بعد الساعة الثالثة صباحاً، كانت القوات في أماكنها المرسومة وكان كل شيء مهيئاً .... لم تعد ثمة حاجة الى التستر والكتمان، فظهرت فوهات البنادق والرشاشات على السطوح والأبراج ووقف 140 شرطياً وسجاناً وعدد من المفوضين والمعاونين في ساحة السجن، مقابل الردهتين المرقمتين (3) و (4)، حيث تجمع السجناء، فأحاطوا بهم في نصف دائرة. وصار السجانون يشخصون "الزعماء" حسب ظنهم، ويشيرون إليهم بإشارات وقحة ليعرفوا عليهم الشرطة القادمين من خارج السجن.
ثم بلغ الموقف اقصى حدود التأزم والخطر حينما كشفت الحكومة، بعد ان كان التفتيش قد انتهى ولم يعد ثمة مبرر لاحتشاد الشرطة والسجانين داخل السجن. حينما كشفت عن خطتها للقيام باستفزازات أخرى. وذلك عندما طلبت إدارة السجن ، في نحو الساعة الرابعة، إخراج ثلاثة من السجناء الطيبين (غير السياسيين). فخرج السجناء الثلاثة بلا اعتراض فقادهم السجانون الى الخارج. ثم نودي على ممثل السجناء وقيل له: ان الباشا (مدير السجون العام) ارسل في طلبه، فخرج الممثل الثاني فذهب أيضاً، بدون ابطاء.
وفي إدارة السجن، حيث كان "الباشا" مدير السجون العراقية العام ساهراً على واجبه حتى الساعة الرابعة صباحاً التقى الممثل الأول بالباشا، فطلب الممثل من المدير ان تنسحب الشرطة والسجانة من السجن، بعد ان انهت مهمتها، ولاجتناب ما قد يقع نتيجة لاستفزازاتها وتحرشاتها. فأجاب المدير بالموافقة. ولكن الممثل حال خروجه من عنده، اقتيد مع الممثل الثاني بقوة الى مركز شرطة الخيالة وهناك قيدوا ارجلهما وأيديهما بالسلاسل الحديدية.
وفي تمام الساعة الرابعة صباحاً (3/9/1953)، عاد مدير السجن (جهاد حسين الجاف) الى السجن، حاملا بيده قائمة صار يقراها بصوت جهوري، وبلهجة آمرة رسمية جافة. قرأ أسماء 15 سجيناً سياسياً "يهودياً"، ثم طلب ان يخرج هؤلاء السجناء فوراً.
لماذا؟ ما المقصود بهذا التفريق؟ بين يهود وغير يهود. اية مؤامرة بيتت الحكومة لهؤلاء الرفاق والإخوان؟ وهل ستتوقف الحكومة عند هذا الحد ام ان هناك طلبات أخرى؟ ماذا ينبغي الآن؟ ما العمل؟
كان السجناء يفكرون ويتشاورون فيما بينهم. فقد أزعجهم وأقلقهم هذا التفريق المصطنع بين يهودي ومسيحي ومسلم، وهم الذين قاوموا سياسة التفريق الاستعمارية واستهجنوا التمييز العنصري والطائفي.
ألم يستشهد منذ اسبوعين، وحيد منصور الى جانب صبيح مئير؟ ألم تمتزج دماء العرب والكرد والاثوريين والأرمن والترك، دماء المسلمين والمسيحيين واليهود في مذابح الشوارع والسجون؟
صعب على السجناء السياسيين ان يسمحوا للمناورات الاستعمارية والرجعية ان تفرق بينهم وتصدع وحدتهم ووحدة جماهير الشعب المناضلة. فانبرى بعض السجناء للمدير، يقولون له:
"نحن لا نستطيع ان نقرر هذا الأمر، بغياب ممثلنا. ارجعوا ممثلينا أو تفاهموا معهما. اطلبوا موافقتهما. بدونهما لا نستطيع ان نقرر شيئاً او نتفاوض على شيء.
فارتبك المدير بعض الشيء، ووقف في مكانه هنيهة وانصرف دون ان ينطق بكلمة، وكان السجناء يجهلون مصير ممثليهما ......
لم يطل غياب المدير جهاد حسين. فقد عاد مسرعاً بعد مشاورة المدير العام، طاهر الزبيدي. عاد ليخاطب معاون الشرطة (عبد الوهاب عبد القادر) قائلاً بصوت مسموع: وافق الباشا ... خذهم بالقوة!
فأستعد المعاون، ونفخ صدره وأصدر الأمر بالهجوم.
بدأ الهجوم على جبهتين على الأرض، بالهراوات وقضبان الحديد والخناجر. ومن السطوح والأبراج برصاص البنادق والرشاشات التي صوبت نحو السجناء مباشرة، وكانوا مجتمعين، داخل نطاق أمام الردهتين (3) و (4).
يجدر بالقارئ ان يتذكر بان هذا الهجوم، كان لغرض واحد، لا أكثر ولا أقل، هو ان تغربل الشرطة (120) من السجناء السياسيين لتنتزع (15) سجيناً يهودياً من بينهم وتشاء الصدف ان يحطم الرصاص بعض المصابيح الكهربائية فتعطل نظام الاضاءة وعم الظلام!
ما أروع ما تتفتق عنه عقول (الباشوات) من خطط عبقرية ومنطقية جداً، لانتزاع 15 سجيناً يهودياً في الساعة الرابعة من منتصف الليل، وبرصاص الرشاشات والبنادق وتحت جنح الظلام الدامس من بين 150 من السجناء المسلمين والمسيحيين! وما أسفه اولئك الرجال الذين أفلسوا مثل هذا الافلاس الذريع ......
ان تلك الحجج، ان صح أصلاً اطلاق هذا الوصف على اكاذيب مدبري مذابح بغداد والكوت، لم تقنع افراد الفئة الحاكمة وموظفي وزارة الداخلية. وإليك هذه الفقرة المقتبسة من تقرير رسمي (سري) نشرته في حينه جريدة (الدفاع) لصاحبها صادق البصام، الوزير السابق وعضو المجلس النيابي حالياً. يقول التقرير(1):
{اننا نرى في اصرار سلطات السجن على طلبات أخرى من المساجين بعد ان ارهقوا في هذه المدة الطويلة من التفتيش وفي هذه الساعة المتأخرة من الليل كان غير صحيح. كما ان اصرارها على تنفيذ طلبها فيما يخص 15 مسجوناً وتقديرها اخذهم عنوة كان غير صحيح، وكان من الاوفق تأجيل ذلك الى النهار على الأقل. وانه كان من الأحسن اعطاءهم فترة أطول مع تأمين عدم اجراء هذه العملية إلا في النهار تلافياً للمحاذير المتوقع حدوثها ليلاً. وعليه كان بالمكان تفادي وقوع الحادث بتأجيل اخراج 15 سجيناً}
نعم كان بالإمكان تفادي وقوع الحادث، لو ان كبار المسؤولين أرادوا تفاديه، لو انهم لم يعمدوا سلفاً لتهيئة اسبابه وخلق الجو المناسب لوقوعه، فقد ظن اولئك المسؤولون ان مذبحة اخرى أكثر فضاعة من مذبحتي 18 حزيران و 14 آب، كانت جد ضرورية لحفظ هيبتهم امام شعب متحفز للثورة عليهم وعلى اسيادهم المستعمرين .......
وهذا، لعمر الحق، نوع جديد مبتكر من الرسوم الامريكية يتقاضاها المستعمرون العالميون الجدد، لقاء منح صداقتهم وإهداء حبهم ومساعداتهم للشعوب التي يريدونها ان تكون "حرة". نوع جديد ابتكره العسكريون الامريكان في جزيرة كوجي(2) فجربه نوري السعيد وزملاؤه في سجون العراق، كما جربوا مبتكرات امريكية اخرى كإسقاط الجنسية عن الشيوعيين ....

محمد راشد (الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)
بغداد –حزيران 1955
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم المؤلف مجهولا إلى أن نشرت طريق الشعب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب مع الاختصار بدءا من الحلقة 6/ الناشر: محمد علي الشبيبي
(1)- سنقتبس نتفاً اخرى من هذا التقرير الخطير في التعليق على نتائج مذبحة 3 أيلول.
(2)- كوجي: جزيرة في كوريا خصصها الامريكان لأسرى الشعب الكوري المناضل ضد تدخلهم العسكري. وقد اقام الامريكان في معسكرات الاسرى في تلك الجزيرة مذابح دموية كان الغرض منها "اقتناع" الاسرى الكوريين بفوائد الصداقة الامريكية وتفوق الاسلوب الامريكي في الحياة على سواء.



يتبــــــــــــــــع


30


من أعماق السجون في العراق*  /11

الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)
1920 – 1963
ملاحظة لم أسجل كل التفاصيل التي ذكرها الشهيد عبد الجبار وهبي في كتابه، وإنما نقلت نصوصا من موضوعاته مع حذف بعض الفقرات التي لا تؤثر لا على المعنى ولا على نسق الرواية ... وأترك نشر كل هذه التفاصيل لطباعة الكتاب مستقبلا ليطلع عليه القارئ الكريم./ الناشر: محمد علي الشبيبي

ما بعد 14 آب 1953
هزت جرائم 14/8/1953 الرأي العام العراقي هزاً عنيفاً، .... وبعد تمهيد من الحصار على السجن وقطع الماء والطعام عن السجناء، دام أحد عشر يوماً بغير انقطاع .... وان الحكومة بيتت نوايا أشد اجراماً من كل ما سبق في سجون بغداد ونقرة السلمان وبعقوبة. ولم تستطع الحكومة ان تضعف من وقع الحادث او تتملص من مسؤوليته. فعمدت إلى الصمت واللامبالاة. وكانت الاحكام العرفية المعلنة وقتئذ سلاحاً فعالاً بيدها لقمع كل احتجاج وخنق كل معارضة. نكتفي بان نذكر القارئ بقصة الوفد الذي ذهب لمقابلة الملك في البلاط يوم 17/3/1953، فقوبل بالرصاص واقتيد اعضاؤه الى زنزانات التعذيب ثم الى السجن ليقضوا فيه بين ثلاث وخمس سنوات.
لكن الحكومة مع ذلك حاولت ان تجد لنفسها سبيلاً إلى تبرير جرائم 14 آب. فحضر إلى الكوت في 17 آب وزير الشؤون الاجتماعية (ماجد مصطفى) فأذاع بيانين على السجناء من بوق الإدارة، حدد فيهما، موقف الحكومة. فاعتبر مجزرة 14 آب "نتيجة للأوضاع السائدة في داخل السجن" تلك الاوضاع التي القى مسئوليتها على عاتق السجناء، ووصف الحصار المفروض على السجن "عصياناً" وسمى قطع الماء والطعام والكهرباء "امتناعاً عن استلام الماء والطعام". ومع ذلك، اعلن الوزير انه أمر إدارة السجن بتزويد السجناء بالطعام والماء! .....
وحاولت إدارة السجن والسلطات المحلية في الكوت ان تقدم للرأي العام رواية أخرى عن المجزرة، .... فطلبت من طبيب السجن (نوري روفائيل) ان يضمن تقريره حول القتلى والجرحى استنتاجات معينة، يفهم منها ان القتل كان بسبب شجار بين السجناء .... فرفض الطبيب وأحيلت مهمة كتابة التقرير إلى السلطات الصحية في الكوت فخشيت تلك السلطات على نفسها من ان تتورط تلك الورطة فاستنجدت بمديرية الطب العدلي ببغداد. وجاء إلى الكوت طبيب عدلي معروف، فوجد ان "رواية الشرطة" لها فعلاً، ما يؤيدها، في جمجمة الشهيد صبيح مئير. إذ وجد شظايا زجاجية مبعثرة في المخ! وتبين بعد الدرس والتمحيص ان القنينة الفارغة التي حطمت (كما يدعون) جمجمة الشهيد، ونفذت إلى داخلها، هي من ذلك النوع الصغير الذي تحفظ فيه قطرة العين وصبغة اليود. كم هي نزيهة وذكية تلك السلطات الحكومية التي تزور الوقائع مثل هذا التزوير!
فكتب الطبيب العدلي تقريراً فند فيه أكاذيب السلطات المحلية وأثبت أن سبب القتل كان الرصاص في الحالتين. وعند هذا الحد أغلقت القضية، ونامت الأضابير السوداء في انتظار من ينبشها وينبش عن المجرمين. وليس بذلك اليوم ببعيد.
عادت سلطات السجن منذ صباح 15 آب حتى مجيء الوزير ماجد مصطفى إلى الكوت، إلى تشديد الحصار .... ونشطت حرب الحجارة واشتد التهديد بإطلاق النار ليلاً ونهاراً. وحينما وصل الوزير رأى السجناء في وصوله بارقة أمل .... غير ان الوزير لم يشأ ان يبدأ المفاوضات حال وصوله، آملا ان تنجح مناوراته وتهديداته التي وجهها الى السجناء بواسطة البوق. وظل يماطل حتى الساعة الخامسة من مساء اليوم. ثم بدأت المفاوضات بين وفد السجناء من جهة ووزير الشؤون الاجتماعية من جهة أخرى، وبحضور مدير السجون العام ومتصرف لواء الكوت ومدير شرطة الكوت .... كان الوزير يقف على رجليه ليصرخ في وجوه ممثلي السجناء "أنتم مجانين ... نحن لا ندخل لكم قطرة ماء أو حبة شعير قبل الرضوخ لطلبات الحكومة". كان الوزير يفقد اتزانه وأعصابه أكثر فأكثر أمام هدوء السجناء وصلابتهم واتزانهم.
وفي مجرى المفاوضة، قال الوزير للسجناء: (انا أدري انكم تعتبروني خائناً وعميلاً للاستعمار. ولو كنت بيدكم لمزقتموني)
وبعد أخذ ورد قال ممثل السجناء: (نحن نشعر بان الحكومة عازمة على قتلنا اجماعيا بقطع الماء والطعام وإطلاق الرصاص. وقد قتلت اثنين منا.)
فأجاب الوزير: (بإمكاننا قتلكم، اصدر أمري بإطلاق النار فتقتلون في الوقت الذي نريد!)
وكان يقصد بالطبع مجزرة جديدة، يدبرونها بعد ان تفشل جميع محاولاتهم لإخضاع السجناء وإذلالهم.
ولجأ الوزير الى الخداع والمراوغة، أيضاً. .....  وادعى بأنه لا يعلم شيئاً عن محاكمة السجناء امام المجلس العرفي العسكري، بتهمة توقيعهم العريضة الاحتجاجية وقال: انه لو علم، لما جرت المحاكمة.
في هذا الجو المبطن بالكذب والخداع .... استمرت المفاوضات حتى اضطر الى الكشف نهائيا عن نوايا حكومته (وزارة المدفعي –السعيد) الحقيقية فحدد الموقف كما يلي:
1- كانت الحكومة مخطئة في السابق عندما تنازلت للسجناء عن امتيازاتهم التي يتمتعون بها بصفتهم سجناء سياسيين.
2- ان الحكومة (الحاضرة) تريد "إصلاحهم" وذلك بإلغاء جمع تلك الامتيازات.
3- على السجناء ان يخضعوا لأوامر الحكومة دون قيد أو شرط.
وفي الساعة السابعة والنصف مساء، بعد ساعتين ونصف من "المفاوضة"، وجه الوزير انذاراً إلى السجناء، وحدد الساعة الثانية عشر ليلاً، موعداً يعلن فيه السجناء رأيهم الأخير.
.... ففي تلك الليلة، وكان انذار الوزير ما يزال معلقاً، وافق السجناء بعد مفاوضات مع مدير السجون العام على ان يجري تفتيش جديد وان تستلم الإدارة "الاثاث الزائد" بشرط ان تتعهد الحكومة من جانبها على اجراء تحقيق نزيه في جرائم القتل، تقوم به لجنة من ممثلي السجناء والحكومة وبعض المحامين. وان تتعهد كذلك بالا تسوق السجناء الى المجلس العرفي العسكري بتهمة ما يسمى "العصيان والتمرد" او قراءة الاناشيد وان لا تنقل واحداً من السجناء إلى نقرة السلمان، وان ترفع الحصار.
عرضت نقاط الاتفاق على الوزير فوافق عليها. ونقل مدير السجون العام خبر تلك الموافقة الى ممثلي السجناء.
اكانت خدعة تلك الاتفاقية التي وافق عليها الوزير؟ ربما كانت كذلك. لكن السجناء بموافقتهم عليها أعطوا الدليل القاطع على رغبتهم في تخفيف حدة التوتر وكانت موافقتهم شاهداً لهم على الحكومة فيما إذا تمادت إدارة السجن في موقفها المتعنت الظالم.
وضع الاتفاق موضع التنفيذ حالاً. فدخل إلى السجن مدير السجون العام ومدير سجن الكوت وموظفوه وعدد من السجانة. وبدأوا "التفتيش" وعزل الاثاث الزائد. كان التيار الكهربائي المقطوع، خلال أيام الحصار، قد اعيد وصله. وحصل السجناء على أول وجبة طعام حكومية، تألفت من 150 رغيفاً من الخبز و 30 رقية (بطيخة حمراء) وبضع صفائح من الماء العذب.
وفي الساعة الثالثة صباحاً حضر الوزير وخاطب المدير العام على مسمع من ممثلي السجناء قائلاً: "إذا عادوا الى العصيان ثانية فلا تخبرني، بل سلمهم الى رجال الأمن". ثم توقف التفتيش بحجة ان الموظفين لا يستطيعون اتمام مهمتهم ليلاً ..... فوافق السجناء على تفتيش آخر في الصباح.
وفي الصباح التالي، دخلوا السجن ثانية وصاروا يستولون على معظم الاثاث .... حتى انهم أخذوا بعض ادوات الطبخ وأدوات الرياضة البدنية. وانتهى التفتيش، اخيراً وتنفس السجناء الصعداء.
غير ان إدارة السجن عادت عصر ذلك اليوم إلى طلب تفتيش ثالث قائلة: "ان التفتيش السابق لم يكن قانونياً، ولا كاملاً، وإلا فأين هي الاسلحة التي عندكم؟" .... وبعد أخذ ورد دعا السجناء الإدارة إلى إجراء التفتيش الثالث، واستلم السجناء وقتئذ، وجبة طعام ثانية مؤلفة من 150 رغيفاً و 30 رقية وفي اليوم التالي امتنعت الادارة عن تسليم الماء والطعام، وعلقت الأمر على انتهاء عملية التفتيش.
.... وأخيراً، جرى التفتيش الثالث، بعد يومين من المماطلة والتسويف. فدخل إلى السجن صباجاً عدد كبير من السجانة والشرطة والموظفين والمعاونين (العلنيين والسريين) وبدأوا "التفتيش" والاستفزاز، معاً. فاخذوا يصادرون معظم ما يقع في ايديهم من متاع السجناء .... وكانوا يتوعدون السجناء بين آونة وأخرى، بالهجوم عليهم وضربهم. وفي ساعة متأخرة من بعد الظهر، اعلنت الإدارة انتهاء "التفتيش" المزعوم، وظن السجناء انه انتهى حقاً هذه المرة. ولكن هل انتهى حقاً؟
خشي مدير السجن ان يتسرب الى اذهان السجناء مثل هذا الظن الخاطئ، فترتاح نفوسهم وتطمئن قلوبهم، فدعا إليه ممثلي السجناء وافهمهم باختصار ان التفتيش لم يزل غير قانوني!! وان الإدارة ستمتنع عن تزويدهم بالطعام والماء، حتى ينتهي التفتيش. وطلب المدير كذلك، ردم البئر وتسليم البراميل والزيرات الفارغة، فوافق ممثلوا السجناء واشترطوا ان تجهزهم الادارة بالماء وان تصلح الانابيب والخزان، قبل ان يقوم السجناء بردم البئر، وطالبوا ان تكاشفهم الحكومة بالحقيقة ..... فأجاب مدير السجون العام بان القضية معلقة على التفتيش، .... وهكذا توصلت الحكومة الى وضع خططها ونواياها في قالب "قانوني".... ولأجل تتمسك الادارة "برفض" السجناء للتفتيش، ماطلت مرتين او ثلاث في إرسال موظفيها للقيام به، منتحلة اعذاراً واهية، ثم امرت بمنع ممثلي السجناء من الخروج لمقابلة المدير. وبذلك قطعت المفاوضات، بينما استمر الطعام والماء مقطوعين كذلك.
جرى التفتيش، خلال فترة وجود الوزير في الكوت، ثلاث مرات متتالية، كما اطلع القارئ. فلأي غرض كان ذلك؟ اتضح الغرض فيما بعد، عندما قال مدير السجن لممثلي السجناء في آخر لقاءه لهم: (ان طعامكم لا يكفي إلا ليومين أو ثلاثة فقط، فماذا تفعلون بعد هذا؟) 
اذن كان التفتيش لاستطلاع وضع الطعام ومعرفة الاحتياطي من النخالة والقشور.
لم يعد خافيا على السجناء، بعد مجزرة 14 آب، وإيضاحات الوزير واخيراً بعد قطع المفاوضات، ان الحكومة تستعد لتدبير مجزرة أخرى فيما أصروا على رفضهم الخضوع المطلق لها، ذلك الخضوع الذي يعني التخلي عن وطنهم وشعبهم ومبادئهم، فكان قرار السجناء ان يصمدوا حتى النهاية قراراً خطيراً حقاً، قراراً بالموت.
نسوق للقارئ الحادثة التالية التي تكشف عن حقيقة موقف الحكومة: انهى احد السجناء مدة حكمه خلال أيام الحصار. لكن مدير السجن العام والمجلس العرفي العسكري طلب منه ان يوقع عريضة "التوبة" ويمجد رجال الدولة ويشتم ستالين، وان يبرهن عملياً على "توبته" بان يساهم مع الشرطة في رمي الحجارة على السجناء. فرفض بالطبع، فعذبوه وحجروه في زنزانة الرياضة ثم حكم عليه المجلس العرفي بالسجن مجدداً سنة ونصف!
عاد الحصار الى سابق عهده، .... فقد نفذ الطعام فلا نخالة ولا قشور ولا شاي ولا سكر ولا تبغ ..... سوى الماء المالح. وخارت قوى المناضلين الجسدية من الجوع والتعب والسهر ومرض الأمعاء، التي مزقها ماء البئر. ونام بعضهم نوماً طويلاً، وسقط الكثيرون مغمي عليهم. وترنح الذين كانوا قادرين على المشي، وصار الواحد منهم يجلس على الارض أو يتكئ على الحائط ليسترد قوته إذا مشى بضع خطوات.
هذا حالهم! لكن رمي الحجر لم يفتر، بل ازداد شدة. ... لكن المناضلين لم يهنوا ولم ينهزموا بل اشتدت يقظتهم وسمت ارواحهم فكانوا على اهبة الاستعداد للدفاع عن انفسهم ليل نهار، عيونهم تترصد حركات العدو وآذانهم تلتقط بوادر كل مفاجأة، يقوم بها الشرطة الزاحفون على بطونهم فوق السطوح. وأمسى المناضلون الذين تمرسوا في معارك الحصار خلال الاسابيع الماضية، يدركون ويفسرون كل حركة وصوت، ويشمون الخطر قبل وقوعه.
كان نشاط الادارة وموظفيها وسجانيها يهدف للتمهيد إلى المجزرة واختيار الفرصة المناسبة للهجوم، .... وقد رابط (عريبي) ذلك السجان الذي تعتمد الإدارة على ذكائه وإخلاصه، رابط في برج المراقبة واخذ يحصي على المناضلين حركاتهم، ويقيس مدى ما تبقى من حيويتهم ونشاطهم وفيما إذا كان لديهم فضلة من قشور يأكلونها.
وفي 26 آب وجه السجناء نداء مؤثراً الى المنظمات الوطنية والعالمية ومنظمة الامم المتحدة ....
وجاء في ختام ذلك النداء ما يلي:
(ان انقاذ حياتنا من الموت الاكيد معقود على نضال شعبنا من جهة وعلى مساندتكم من جهة أخرى. لذا فنحن نوجه نداءنا إليكم ونحن لا نعلم كم سيموت منا إلى حين وصوله إليكم، مستصرخين إياكم باسم المبادئ الانسانية التي اسست هيئاتكم ومنظماتكم العالمية والوطنية للدفاع عنها ان تحتجوا على جريمة قتلنا الاجماعي جوعاً وعطشاً وبالرصاص وان تطالبوا الحكومة العراقية لتضع حداً لهذه الجريمة النكراء وما قد يقع منها في المستقبل. هذه الجريمة التي لم يسبق ان اقترفتها الدول المفرطة بالفاشية.
ان عملكم لإنقاذ حياتنا هو تطبيق للمبادئ التي اسست هيئاتكم ومنظماتكم الوطنية والعالمية من اجلها. كما أننا على ثقة مطلقة بانكم سوف لن تقفوا مكتوفي الأيدي تجاه هذه الجريمة الذي تقع في الظرف الذي تسوده الدعوة للسلام وحل المشاكل الدولية عن طريق المفاوضات.
ان نضالكم لإنقاذ حياتنا جزء لا يتجزأ من نضالكم لأجل السلام ولإحباط المشاريع الحربية العدوانية).
وفي الايام الأخيرة من الحصار، طلب السجناء حضور طبيب السجن لمعالجة المرضى. وأراد الطبيب ان يؤدي واجبه، لولا ان منعته الإدارة من الدخول إلى السجن فحمل السجناء إليه أحد المرضى، وكان على وشك الموت، ففحصه الطبيب من وراء قضبان الباب، وبحضور المدير "جهاد" الذي صرح بالمناسبة، مفاخراً بعلمه وفهمه، قائلاً: "الطعام هو الدواء"
نعم ! الطعام هو الدواء، ولكن اي ثمن باهظ تريد الحكومة لطعامها ومائها!

محمد راشد (الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)
بغداد –حزيران 1955

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم المؤلف مجهولا إلى أن نشرت طريق الشعب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب كاملا دون تغيير أو إضافة أو حذف/ الناشر: محمد علي الشبيبي




31
المنبر الحر / صرخة في البرية
« في: 17:57 20/09/2012  »
صرخة في البرية*

قبل أيام اتصلت تلفونيا بالبروف. عبد الاله الصائغ، وهالتني نبرة صوته وأحسست بما يعانيه من ألم وقهر وعجز ويأس بسبب المرض والتقدم في السن! لم يسبق لي في أحاديثي معه أن اسمعه بهذه الدرجة من الحزن واليأس والألم، لم أسمع من قبل الصائغ بهذه النبرة الحزينة اليائسة المتشائمة. نعم لقد شكا لي عدة مرات ما يعانيه من آلام الفقرات. وقد سبق أن أجرى لها العملية الاولى وقد تكفل باجورها رئيس الوزراء السابق دكتور ابراهيم الجعفري وترك الصائغ دون العملية الثانية يكابد العوق والألم فهو بحاجة للعملية الأخرى، أو ان يستسلم للمرض والجلوس على الكرسي المتحرك والأوجاع . أحسست بالألم للحال الذي وصل إليه العراق وأبناؤه البررة! أن يعاني أساتذتنا ومن قدموا للعراق ما يجود به علمهم وفكرهم وخبرتهم بعيدا عن الانانية والتحزب الأعمى، بينما يهملون اليوم ليكابدوا بسبب المرض أو الوضع المادي والعجز للاستجابة لمتطلبات الحياة الضرورية!.
كتابات ونتاجات الصائغ غنية عن التعريف، ولكن هل سأل المسؤولون في الحكومة العراقية أو في وزارة الثقافة أو في التعليم العالي أين أستقر الزمن بهؤلاء العلماء الذين قدموا للعراق جل خدماتهم من خلال التعليم الجامعي، أو الإشراف على دراسات الماجستير والدكتوراه، أو من خلال البحوث والدراسات الاكاديمية؟ والبروف عبد الاله الصائغ واحد من هؤلاء الأعلام، فقبل أن يكون كاتبا وأديبا، فهو عالم متبحر في مجاله، قدم دراسات علمية جليلة واسهم في مؤتمرات عالمية . إضافة الى مواقفه الوطنية المشرفة التي لا تقبل المهادنة والنفاق. والسؤال الذي أطرحه أين مسؤولونا من هذه القامة العلمية؟
لا يعقل أن الرجل بكل امكانياته العلمية يعمل (كمستخدم محلي بتعاقد) في الدائرة الثقافية العراقية في أمريكا، ولا يشمله الضمان الصحي كونه مستخدما متعاقدا من بلاد اللجوء ... بينما نرى أصحاب الشهادات المزورة وخريجي المدارس الابتدائية والثانوية وغيرهم من الطارئين والطفيليين على الوضع السياسي يتمتعون بالحصانة، وبالجوازات الدبلوماسية، وبالحماية وبالحقوق التقاعدية المليونية حتى وان كانت خدمتهم لا تتجاوز السنتين (مثال ذلك المشهداني)!؟ لا بل أن المستخدم المتعاقد القادم من داخل العراق (الحارس أو المنظف أو الفراش) يشمله الضمان الصحي!؟
بعد تلفوني المذكور مع الاستاذ الصائغ واستماعي لنبرته الحزينة اليائسة، فكرت في الكتابة لا بل حاولت ولكن لم أكن موفقا في الكتابة لأن الغضب كان واضحا فيما أكتب ولم أشأ أن ينعكس غضبي على كتابتي ودعوتي السلطات الحكومية للوقوف الى جانب هذه القامة العراقية. فجاءت مقالة أ. د. جعفر عبد المهدي صاحب عن البروف . د. الصائغ، وهي مقالة بعيدة عن الانفعال وموضوعية ونابعة من حب وحرص على شخصياتنا العلمية، وتدلل على الاعتزاز بها.
وشجعني على الكتابة ما قرأته من خبر قبل أيام وصلني عبر البريد الالكتروني، والخبر نشر على صفحات المواقع الالكترونية وقد جاء فيه: (أن مكتب وكيل الوزارة فوزي الاتروشي رفع إلى وزير الثقافة توصية بمنح الأدباء الذين يمرون بظرف صحي حرج مكافأة مالية كإجراء أولي، ومفاتحة الأمانة العامة لمجلس الوزراء للتكفل بتطبيبهم بشكل عاجل داخل البلاد، أو إيفادهم إلى خارج العراق للعلاج.
وأضاف المصدر أن التوصية تضمنت أيضا مقترحا بإحياء مشروع صندوق التنمية الثقافية، والسعي للتوصل إلى صيغة قانونية نهائية لإقراره.
يذكر أن جريدة "طريق الشعب" نشرت في عددها الصادر يوم 7 آب 2012 تقريرا موسعا تحت عنوان "أدباؤنا في ذمة العراق" ألقت فيه أضواء على الحالة الصحية الصعبة لـ 14 من أدبائنا المعروفين، ودعت الجهات المعنية في الحكومة إلى القيام بواجبها تجاههم وإعانتهم على مواجهة المشكلات الصحية وغير الصحية، التي يرزحون تحت وطأتها.
والأدباء المذكورون هم كل من: مظفر النواب، زهير أحمد القيسي، فهد الاسدي، جاسم المطير، حميد المطبعي، منير عبد الأمير، جميل الجبوري، محمد علي الخفاجي، جبار سهم السوداني، سلمان الجبوري، آمال الزهاوي، صبري الزبيدي، حسين عبد اللطيف، غني العمار)

ان هذا المقترح قدم على أثر تقرير موسع عن حالة الادباء لصحيفة طريق الشعب بتأريخ 7 آب بعنوان (ادباؤنا في ذمة العراق) تحدث التقرير عن حالة بعض الادباء الصحية وحاجتهم للرعاية الصحية الجادة، وقد شخصت بعض الاسماء من الأدباء! وكان الأجدر بتقرير الصحيفة ان لا يذكر الاسماء كما وردت وكأن في العراق فقط هؤلاء (14) الادباء المرضى الذين بحاجة للرعاية الصحية، فيكون التقرير قد أساء لآخرين لم يذكروا كالبروف. د. عبد الاله الصائغ وربما هناك غيره.
وقد يتصور البعض أن كل المقيمين في الغرب يتمتعون بالضمان الصحي، فهم ليسوا بحاجة لرعاية صحية من وطنهم الام!؟ ربما هذا الاعتقاد صحيح في الدول الاوربية ولا أريد الجزم بذلك، ولكن أجزم في حالة البروف. عبد الاله الصائغ فإن الرياح تعاكس سفينته فهو كما ذكرت لا يتمتع بالضمان الصحي بسبب تعاقده كمستخدم محلي في وزارة التعليم العالي ، بينما الحارس والمنظف الذي تعاقد مع وزارة الخارجية أو غيرها من مؤسسات الدولة وقدم من العراق تغطي الحكومة العراقية مصاريف ضمانه الصحي!؟ أليس هذه مفارقة تدلل كم تقدر حكومتنا العلماء وأصحاب الشهادات الجادة وكم تهتم بعلمائها!؟ وربما يتساءل البعض ألا يشمله الضمان الصحي كونه مقيما؟ الجواب باختصار لا وبشكل مؤكد لأسباب وظروف لا مجال لشرحها!
أوجه ندائي هذا الى السيد وكيل وزارة الثقافة فوزي الاتروشي لما له من مواقف مشهودة بالاهتمام بالثقافة والادباء، وتوصيته الاخيرة بخصوص علاج الادباء دليل آخر على ذلك، وأرى وهذا ضروري أن تكون القائمة التي قدمها مفتوحة لتشمل جميع كبار الادباء الذين يعانون من عجز في العلاج الصحي، والبروف. د. عبد الاله الصائغ أحد هؤلاء الادباء والأساتذة الذين خرجوا مئات الدكاترة من اصحاب الشهادات الحقيقية.
كما أوجه نفس النداء للسيد وزير التعليم العالي وهو على علم بحالة استاذنا الصائغ ووعد خيرا وربما انشغالات السيد الوزير حالت دون الاهتمام بموضوع الصائغ. أقول للسيد الوزير ألا يستحق أستاذ جامعي كرس خدمته العلمية للجامعات العراقية والعربية ايضا ويعمل -أقولها بخجل وألم- كمستخدم في السفارة العراقية دائرة الملحقية الثقافية ولا يشمله الضمان الصحي الذي يغطي أبسط المستخدمين في السفارة لأن عقودهم من داخل العراق!؟ لا أعتقد أن السيد الوزير يرضى بذلك! والحل سيكون بيده! لا أريد أن اكتب أكثر من ذلك ونحن ننتظر المبادرة قبل ان يقع المحظور ونخسر احد رواد الثقافة من الذين افنوا العمر بين العلم والوطن .

محمد علي الشبيبي
السويد ‏20‏/09‏/2012
Alshibiby45@hotmail.com


*- العنوان أستعرته من رسالة وجهها البروف. د. عبد الاله الصائغ لي ولبعض أصدقائه تعليقا على نداء أ.د.  جعفر عبد المهدي صاحب.


32

من أعماق السجون في العراق*  /10


 
الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)
1920 –
1963
ملاحظة لم أسجل كل التفاصيل التي ذكرها الشهيد عبد الجبار وهبي في كتابه، وإنما نقلت نصوصا من موضوعاته مع حذف بعض الفقرات التي لا تؤثر لا على المعنى ولا على نسق الرواية ... وأترك نشر كل هذه التفاصيل لطباعة الكتاب مستقبلا ليطلع عليه القارئ الكريم./ الناشر: محمد علي الشبيبي

14 آب، يوم تحدوا الموت
لولا الانهاك والجوع وتعب النهار، لما كان في مقدور السجناء ان يسقطوا أشلاء في جو الردهة الخانق اللاهب كأنه حمام ليناموا بضع ساعات، .... فما ان انتشرت انوار الفجر في الصباح الباكر من 14 آب حتى نهض السجناء –كعادتهم في أيام الحصار- فوضع بعضهم طاسات الطعام المعدنية (الفارغة) على رأسهم تجنباً للطابوق والحجارة، ومضوا إلى البئر، يملأون من مائها المالح برميلاً يعودون به إلى الرفاق.
ثم تناولوا "الفطور"! والفطور كلمة في غير معناها، .... وغاب عن ذاكرة المحاصرين حتى طعم عذوبة الماء، ماء دجلة الهادر كأنه الشلال من بوابات سدة الكوت.
.... الفطور، كما يعرفه الناس الاحرار الطيبون المثمرون، اشراقة حلوة من الحياة، بعد سبات وراحة، اشراقة ترتسم معها خطوط منهج النهار من عمل ونشاط ومسرة. وتغذي حياة البيت الهانئة وضحكة الاطفال وابتسامات الزوجة ودعاباتها، وحدب الأم، ورقة الأخت، تغذي ذلك المنهج بالقوة والعزيمة. فيخرج الانسان الطيب المثمر من بيته إلى العمل، العمل النافع الخلاق، شاعراً بقيمته شاعراً بإنسانيته.
"الفطور" كلمة في غير مكانها، لأولئك المناضلين السجناء المحاصرين، لتلك الصفوة من خيرة أبناء الشعب العراقي (عرباً، واكراداً، واتراك وآثوريين، مسلمين ومسيحيين ويهود وصابئة)، ....
يفتح السجناء عيونهم المتعبة ليروا إلى برميل الماء المالح يحمله رفاق، وعلى رؤوسهم الطوس او القدور المقلوبة والى الوجوه الشاحبة الغاضبة المتجهمة والملابس الممزقة الوسخة يعلوها غبار معارك الطابوق والحجارة. فأية سحابة سوداء تخيم على القلب. وأي أفق مظلم يمتد أمام البصر، مع هذا الشيء الذي ما زال السجناء بحكم العادة وسموّ الروح المعنوية، يسمونه "فطوراً"!
أزدرد المناضلون كسراً صغيرة من "خبز" بلون الأرض، استعانوا عليه بجرعة من الشاي، ذلك الشاي الذي احتفظ باسمه دون مسماه ... وينتهي الفطور، وتبدأ معارك النهار.
 كل شيء يبدو اعتيادياً، صباح 14 آب 1953 فانصرف السجناء، وعلى رؤوسهم الطوس، إلى قضاء حاجاتهم وتصريف شؤونهم والسهر على سلامتهم، في النهار كما في الليل، من هجوم مفاجئ غادر لا يدرون من أين سيأتي. مضت ساعة، ساعتان، ثلاثة ..... ولا جديد في الميدان. ثم جاء جهاد حسين مدير السجن، على عادته، إلى الباب شاهراً مسدسه بيده، واضعاً الخوذة الفولاذية على رأسه من خلفة شلة من السجانة المسلحين. وصار ينادي ببعض الاسماء من السجناء طالباً خروجهم. فتقدم إليه ممثل السجناء وكرر على مسمعه، خلف قضبان الباب: ان السجناء السياسيين متمسكون بحقوقهم ومصرون على مواقفهم الوطنية الشريفة ....
ثار المدير ثورة جامحة، .... وبعد قليل طلع المدير والسجانون الى السطح والبرج وبدؤا حالاً بإطلاق النار. ابتدأ هو بإطلاق النار من الرشاش باسم متصرف لواء الكوت. وتبعه السجانة بنار بنادقهم. وظهر على الأثر، وراء قضبان الباب، المأمور (جبار علوان) وكان شاهراً مسدسه والى جانبه جماعة من السجانة المسلحين بينهم رئيس العرفاء قاسم، زكريا، سيضح، راشد، برغش، قمندان ... فصار الرصاص ينصب من كل جانب، من البرج والسطوح والباب. وقد استمر من الساعة العاشرة صباحاً حتى العاشرة وعشرين دقيقة.
كان اطلاق الرصاص مفاجأ، تلقاها السجناء بالهتافات:
نعيش كرماء أو نموت شهداء
لا نهاب الرصاص، لا نهاب الرصاص
الموت او حقوقنا العادلة
الموت للجلادين
الموت للخونة الجبناء
وسقط وحيد منصور. كان وحيد هدفاً سهلاً لمسدس جبار علوان، فقد كان واقفاً أمام الباب قرب النخلة حينما انهمر سيل الرصاص. فأصابته طلقتان، اخترقت الاولى رئته اليمنى والثانية جنبه الأيسر.
وسقط مناضل آخر جريحاً فانتزع رفاقه قميصه الملطخ بالدم ورفعوه على عمود قائم وسط الساحة ... للاحتجاج! ألا فاليرتفع القميص الملطخ بالدم، وليرتفع صوت البوق! لتسمع الكوت، ليسمع الناس، ليسمع العالم!
يا جماهير الكوت، يا جماهير شعبنا المجاهد، ان الخونة الجبناء اطلقوا علينا الرصاص ... سقط وحيد منصور جريحاً وسقط جريح آخر.
وبعد ثوان، أعلن البوق:
الشهيد صبيح مئير، اصابه المجرمون برصاصة نثرت مخه.
واستمر البوق يذيع انباء المجزرة.
كان السجان جعفر يصيح مبتهجاً، ويلوح بالبندقية: قتلته، قتلته!. فهو الذي قتل (صبيح مئير) بطلقة سددها إليه من مكانه على السطح. وكان صبيح واقفاً عند باب الردهة، فسقط جثة هامدة وتناثر دماغه. تناثرت تلك المادة الوردية الحية، تلك المادة الثمينة المفكرة –دماغ إنسان- على أرض القاووش، وعلق بعضها في الجدار وعلى ملابس الرفاق المعلقة على الحائط.
ثم جرح رفيق آخر بشظية في صدره وهو داخل القاووش، وتلقى غيره جروحاً من الرصاص والطابوق، وكسوراً في العظام. وانكسر أنف أحد المناضلين بضربة حجر في الوجه.
كان المناضلون شجعاناً شجاعة لا توصف في وجه الرصاص الغادر. فتحدوا الرصاص والموت ببسالة، وأحبطوا هجوم الشرطة والسجانين على الباب بدفاع بطولي مجيد، ومنعوهم من ان يقتحموا عليهم السجن، لارتكاب جرائم اكثر فضاعة وبشاعة.
وبعد فشل الهجوم على الباب، توقف اطلاق النار(1) فتوجه السجناء نحو الرفيق (وحيد منصور) الذي كان يصارع الموت بثبات ورباطة جأش. وكان الرفاق قبل ذلك قد حملوه، تحت الرصاص، من جوار النخلة الى داخل (القاووش) .... كان ينزف بغزارة، وملابسه وفراشه مضرجة بالدم، والجرح الذي في صدره ينفث هواء ساخناً كلما تنفس. كان وحيد منصور يتحسس الهواء الساخن على فوهة الجرح، ويبتسم لرفاقه. كان مثلاً للبطولة المجيدة، ساعة الاحتضار. كان الرفاق الذين أحاطوا به يسألونه عن حاله، فيجيب: أشكركم. حالتي جيدة، لا تحزنوا أيها الرفاق. هذا الطريق ... سبقني إليه فهد وحازم وصارم، وما انا إلا ضحية قضيتنا الكبرى.....
- لا يمكن ان ننسى قول رفيقنا فهد حينما صعد المشنقة "الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من المشانق"
وفي حالة من التأثر العميق، والانفعال، واللباث، طلب وحيد منصور (وهو عامل) من رفاقه، ان يحضروا له مطرقة. فاخذ المطرقة بيده وأسندها الى صدره، وصار يهتف بقدر ما تسمح قواه الواهنة: تعيش الطبقة العاملة في العالم، تعيش الطبقة العاملة العراقية، تعيش الاحزاب الشيوعية، يعيش الحزب الشيوعي العراقي"
ورفع رأسه ناظراً إلى جرحيه وقال: "هذان وسامان. واحد من الحزب الشيوعي العظيم في الاتحاد السوفياتي، والثاني من حزبي الشيوعي العراقي"
ثم خارت قواه واضطرب تنفسه وصمت. ظن الرفاق ان وحيداً مات. فأعلن البوق: "الشهيد الثاني ... وحيد منصور". ولكن وحيد لم يمت. فقد استفاق ثانية وأصغى الى صوت البوق يعلن وفاته، فقال: "انا لا أموت، الشهداء لا يموتون. ذكراي ستبقى خالدة"
وطلب ان تكتب على قبره العبارة التالية: "وحيد منصور شهيد النضال، مات برصاص الاستعمار وخدامه الخونة المحليين الجبناء" وانهمرت الدموع من عينيه، فاعتذر بعد ان لاحظ وقع الدموع المحزن على رفاقه قائلاً: "انا لا أبكي ... ولكن الدموع تخرج من عيني"
وعاد الى المطرقة يهزها بيده ويقول: "ايها الرفاق فلنصمد حتى النهاية ... فالنصر لنا حتماً"
ثم طلب تصاوير أهله، فأحضرت له. وأخذ يتأملها من خلال دموعه: "بلغوا سلامي اليهم واحداً واحداً، بلغوا سلامي إلى أمي"
كان وحيد شاباً وديعاً طيباً، مليئاً بالعزم والإصرار. وسأله الرفاق: اتذهب إلى المستشفى؟ فقال: "إذا وافقتم ذهبت" فأخبروه انهم موافقون، وأخذوا يودعونه ويقبلونه واحداً واحداً، وهو يبتسم ويردد "أشكركم مع السلامة". كان وحيد منصور عاملاً من عمال الطباعة وفي التاسعة عشر من عمره.
ولما فرغ السجناء من وحيد منصور، توجهوا الى الشهيد صبيح مئير. فجمعوا نثار المخ ووضعوه بدل الزهور، فوق جثمانه، ثم رفعوا الجثمان .... في موكب مهيب، تحت أنظار المدير والسجانين الذين وقفوا على السطوح والأبراج، مشدوهين حائرين.
أية كلمات يمكنها ان تعبر عما يختلج ويتصارع في قلوب اولئك المناضلين وعقولهم، وهم يشيعون جثمان رفيقهم وعليه نشار المخ!؟ أية كلمات يمكنها ان تعبر عن الحب والحقد والعقيدة والثورة، غير تلك الكلمات التي دوت في زنزانات السجون منذ عشرات السنين ....... كلمات النشيد الاممي الخالدة "هبوا ضحايا الاضطهاد ..." وبعد انتهاء النشيد الاممي ساروا بالجثة إلى الممر فوضعوها ما بين الباب الداخلية والوسطى. وعادوا إلى وحيد منصور فحملوه على "بطانية" وساروا به وهو في النزع الأخير، فوضعوه إلى جانب جثة صبيح. ولما ابتعد السجناء رفع وحيد احدى يديه ......
"وداعاً. أيها الرفاق ..."
كان ذلك آخر ما تلفظ به العامل وحيد منصور. فقد نقله الجلادون (مع الجثة) الى المستشفى. ومات هناك.
استمر بوق السجناء ينادي جماهير الكوت ويحثها على المطالبة بالجثتين وتشييعهما، والمطالبة بإنزال العقاب الصارم بالقتلة المجرمين.
عاد السجانون إلى الاستفزاز والاعتداء، فهددوا في الساعة الخامسة من ذلك النهار بإطلاق الرصاص ثانية. وخاطب الشرطي (لطيف) ممثل السجناء، قائلاً: "سيأتي يوم نخرجك فيه من السجن، كما أخرجنا صبيح ووحيد". وفي نحو الساعة السابعة مساء، لخص البوق وقائع ذلك اليوم الرابع عشر من آب 1953(2) .........

محمد راشد (الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)
بغداد –حزيران 1955
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم المؤلف مجهولا إلى أن نشرت طريق الشعب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب كاملا دون تغيير أو إضافة أو حذف/ الناشر: محمد علي الشبيبي
(1)- في التقرير الرسمي الذي قدمته إدارة السجن عن الحادث، اعترفت أنها اطلقت 120 طلقة وهذا أدنى بكثير من الحقيقة.
(2)- بعد ثلاثة أيام في 17 آب 1953 وزع المتظاهرون في مظاهرة سارت في شارع الرشيد في بغداد منشوراً تضمن تلك الوقائع وطالبوا بمعاقبة المجرمين.

يتبــــــــــــــــع

33

من أعماق السجون في العراق*  /9

الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)
1920 – 1963

ملاحظة لم أسجل كل التفاصيل التي ذكرها الشهيد عبد الجبار وهبي في كتابه، وإنما نقلت نصوصا من موضوعاته مع حذف بعض الفقرات التي لا تؤثر لا على المعنى ولا على نسق الرواية ... وأترك نشر كل هذه التفاصيل لطباعة الكتاب مستقبلا ليطلع عليه القارئ الكريم./ الناشر: محمد علي الشبيبي

الماء في شهر الحصار

يندر ان يموت الانسان جوعاً، إذا استطاع ان يواصل اشغال معدته خلال شهر او اكثر بلقمة او لقمتين من القشور او النخالة ومحلول السكر وحامض التارتاريك! ويندر جدا ان يموت السجين السياسي في العراق، إذا جاع شهراً أو أكثر. .... إنما الخطر ينبعث من العطش.
العطش في أيام آب العراق(1) طاعون أسود ... أما الماء أو الموت! هكذا توضع القضية أمام العطشان. وتتقرر النتيجة خلال بضعة ساعات من ظهور علامات التسمم، الموت أو الماء! هكذا فكر 140 سجيناً، بعد ان كسرت سلطات السجن انبوب الماء وهدمت الخزان الخارجي في ضحى يوم آب 1953.
لكن الحكام الرجعيين أخطأوا الحساب ..... آملين ان يركع السجناء مستسلمين خاضعين! حقاً، فكر السجناء بالماء والموت، إلا انهم لم يفكروا بالماء، يأخذونه من يد العدو ثمناً للاستسلام، والحياة ثمناً للهزيمة .... ان ثقتهم المطلقة بشعبهم الذي لن يتركهم يموتون، لا تسمحان لهم بان يفكروا بغير الصمود ... الصمود حتى النهاية.
.... وكان في نفس اليوم (الرابع من آب) قد بلغ الغضب والهياج لدى جماهير الكوت التي استمعت الى نداءات البوق المتواصلة يومياً، فأدركت مسؤوليتها، رغم الاحكام العرفية، ورغم "انتقال" المجلس العرفي العسكري الى مدينتهم واتخاذها مركزاً "لنشاطه"، ورغم مئات الشرطة المبثوثة في كل مكان بلغ الغضب والهياج حداً كبيراً فخرجت مظاهرة جماهيرية كبرى اشتركت فيها حتى النساء، طافت في شوارع المدينة وطالبوا بإيقاف جريمة قتل السجناء جوعاً وعطشاً.
وعلى الأثر، شنت السلطات الحكومية هجوماً على الوطنيين في الكوت فقبضت على 22 شخصاً، حكم عليهم المجلس العرفي في صباح اليوم التالي بأحكام سجن مختلفة. .... واشاعة الحكومة جواً ارهابياً هستيرياً فألقت القبض على 14 مواطناً آخر، ... وهاجمت عدداً كبيراً من المنازل، وحشدت اكثر من 500 شرطي في المراكز الهامة من المدينة. .... وعذبت السلطات الحكومية المعتقلين، تعذيباً وحشياً، حتى بعد صدور احكام السجن بحقهم، تلك الاحكام التي اصدرها المجلس العرفي من مقره الجديد، في مركز شرطة الكوت! وتولى التعذيب، بدل صغار الشرطة كما هو مألوف، كبار موظفي الدولة في الكوت: طاهر الزبيدي (مدير السجون العام)، والجلاد المتخصص ومدير سجن بغداد جبار أيوب، ومدير شركة الكوت، ومتصرف الكوت (طاهر القيسي). كان موضوع التعذيب: هو ان يرضخ المعتقلون للإهانات والشتائم وان يوافقوا، بدورهم، على شتم السجناء السياسيين المحاصرين، وشتم ستالين ومالنكوف وفهد، وحينما رفض المعتقلون ذلك، اتهموهم بالشيوعية ووصفوهم بعملاء موسكو، وشتموهم وضربوهم، وهددوهم بالاعتداء الجنسي(2).
واحتاطت الحكومة للأمر من ناحية أخرى، من ناحية التضليل وخدع الجماهير. فكانت سيارة رش الماء العائدة للبلدية تتجه الى السجن وتقف عند الباب للتظاهر بان السلطات الحكومية راغبة بتزويد السجناء بالماء، لكن السجناء انفسهم يرفضون. ولم يفت اولئك المتخصصين بالتعذيب ان يستغلوا وفرة المياه لديهم فصاروا يبددونها بغزارة امام انظار السجناء العطاشى.
كان الماء في اليوم الثالث على وشك النفاذ، فاختمرت بدافع الضرورة –كما أسلفنا- فكرة حفر البئر. فتقدم أحمد علوان ليبدأ الحفر بأدوات بسيطة. ووقف (جبار أيوب) وعدد من السجانة ينذرون ويهددون. والقانون الى جانبهم، في هذه المرة! لأن الحفر في ارض السجن وجدرانه، يعتبر محاولة للهرب. والهارب جزاؤه النار. فاستعد السجانة في السطوح، وشرعوا بنادقهم وقرقعوها، لكن أحمد علوان انكب على عجلة غير آبه بالبنادق والتهديدات، وتبعه رفاق آخرون، وآخرون، واستراح البعض وواصل العمل البعض الآخر، والتراب يعلو حول حافة البئر وتحت أفواه البنادق وخلال مناوشات الطابوق والحجارة ، حتى بلغوا الماء على عمق 4 امتار ....
وارتفع الانذار والتهديد مرة أخرى: بان النار ستطلق على كل من يتقدم للاستقاء من البئر. لكن بعض المناضلين تقدموا بثبات وهدوء، وبأيدهم الدلو والحبل. فأدلو، غير ملتفتين الى العداء المحموم المنبعث من السطوح والأبراج، واستخرجوا اول دفقة من الماء .... مائهم، ماء تلك الارض الصغيرة الغبراء، ارض المعارك والدماء، المحاطة بالأسوار والأبراج.
كان الدلو الاول رمزاً لنصر عظيم ساحق حققه 140 سجيناً. ومع ان الماء كان مالحاً غنياً بأملاح المغنيسيوم، وانه سبب للسجناء اسهالاً دائماً ومزعجات وآلام أخرى .... ولكن، بفضله نجا السجناء من موت محتوم.
*            *            *
جوع، وعطش، وحرب مستمرة بالطابوق (الآجر) والحصى، ما معنى ذلك؟ .... ان ما يجري هنا كان بأمر من بغداد، من المدفعي والسعيد وحسام الدين جمعة؟
اثبتت الحوادث فيما بعد ان جريمة الحصار خطة وضعتها المراجع العليا في بغداد. وتتحمل مسؤولية تلك الجريمة، مباشرة، وزارة المدفعي-السعيد بمجموعها. ففي الشهادة التي أدلى بها الوزير السابق صادق البصام امام محكمة الجزاء في الدعوة التي اقامتها الحكومة على جريدة (الدفاع) لنشرها تقريراً رسمياً "سرياً" حول مذبحة الكوت. قال: "حين واجهت وزير الداخلية قال لي -الوزير- بأننا سوف نكتفي بقطع الماء والطعام".
ويستدل من تصريح وزير الداخلية (حسام الدين جمعه)، هذا، الى صادق البصام ان الحكومة قد عمدت الى قطع الماء والطعام عن سجناء الكوت "لتكتفي" بذلك عن القيام بإجراءات أكثر إجراما، وطبيعي في مثل هذا الوضع الفكري والنفسي للحكام العراقيين الذين يرتكبون جريمة قطع الماء والطعام(3) عن 140 سجيناً، مدة شهر كامل، طبيعي ان يلجأوا –حينما تفشل اساليبهم الإجرامية- الى جرائم اكثر بشاعة، الى اطلاق النار وإقامة المجازر. وهذا يثبت ان مجلس الوزراء كان يشرف على حوادث السجون وانه يتحمل مسؤولية كل الجرائم التي رافقت الحوادث.
... فقد ظهر على مرور ايام الحصار واشتداد مقاومة السجناء ورفضهم الاستسلام، ان الحكومة مستعدة لإقامة مجزرة جديدة ....
اخذت ادارة السجن، تستعمل البوق هي أيضاً لإذاعة "البلاغات" من الابراج. تلك البلاغات المؤلفة من سباب وشتائم واتهامات وتهديدات، تنتهي بعبارة"لقد اعذر من أنذر".
كانت تلك "الاعصاب" التي وجدت في نفسها القوة على تنفيذ جرائم القتل البطيء، على غرار الجرائم الهتلرية في معسكرات الأسرى، كانت تلك الاعصاب تفقد اتزانها يوماً بعد آخر أمام صلابة السجناء وهدوئهم وثباتهم ... فوصفوا السجناء انهم عصاة، متمردون، خونة. وهددوهم صراحة بالذبح.
وأذاع السجان ابراهيم الذي اشترك في مذبحة بغداد واقترف في مذبحة الكوت –فيما بعد- جرائم وحشية تنم عن نزعة اصيلة الى الإجرام في نفسه ... اذاع قائلاً: "ان جبار أيوب سوّاها ببغداد وراح يسويها هنا(4)".
وكان السجان جعفر، وهو مجرم مطبوع، يتغنى من البرج بأمثال هذه الكلمات "لو كان الامر بيدي، قطعت الهوا عنك يا سجين، اشرب دمك يا سجين، اتكمع(5) بدمك يا سجين". وفي حالات هيستيرية كان طاهر الزبيدي مدير السجون العام يصيح "انا طاهر الزبيدي ... انا اذبحكم، اذبحكم بيدي واحداً واحداً".
.... ولم ينقطع ازاء ذلك، بوق السجناء عن مخاطبة جماهير الكوت وشرح الحوادث والوقائع. وكان السجناء أيضا يقذفون الرسائل المشدودة الى قطع من الحجارة الى خارج السجن، بواسطة "المعكال".
وبلغت الحماقة بالسجانين ان صاروا يردون على هتاف السجناء بسياسة القتل الجماعي، بهتاف مضاد "تعيش سياسة القتل الجماعي". وفي 8 آب، ذلك اليوم المشهود من أيام المخازي الرجعية، نظم متصرف اللواء ومدير الشرطة ومدير السجون العام وجبار أيوب، نظموا "مظاهرة"(6) رجعية على مقربة من السجن، اشترك فيها 50 شخصاً من الجواسيس والمرتزقة وأولاد الشرطة. داهمت المظاهرة السجن، يتقدمها الجاسوس المعروف (الشيخ هادي) وهو من المتاجرين بالدين، يلبس الجبة ويضع العمامة على رأسه. وفتحت أبواب السجن وانظم للمظاهرة نفر من السجناء العاديين الاشرار الذين اغرتهم الحكومة على خدمتها، وقد وضع اولئك السجناء، على عادتهم، الخوذ الفولاذية على رؤوسهم وتسلحوا بالسكاكين والحراب والخناجر. كان متصرف اللواء حاضراً اثناء تلك المهزلة التي افتتحها جبار أيوب بخطاب مطلعه "ها هي جماهير الكوت جاءت تنتقم منكم، ايها الشيوعيون"، وقد شتم في خطابه كل مقدسات الشعب وكل ما هو عزيز عليه وعلى المناضلين ... وتباكى بأسلوب مضحك على ما سماه "العروبة والإسلام" وهتف "المتظاهرون": يعيش المدفعي، يعيش مدير السجون، يعيش جبار أيوب، تسقط الشيوعية". وخاطب أحد الجواسيس، متحدياً السجناء السياسيين، بقوله "وين الشعب اللي تصيحونه، خلي يجي يخلصكم من أيدينا".
وفي الايام التالية للمظاهرة، صار جبار أيوب يهدد بتهديم السقوف والهبوط على السجناء، من فوق.
ولفضح تلك الجرائم والمخازي، كان المناضلون السجناء يخاطبون جماهير الكوت يومياً ويسردون تفاصيل الحوادث والصعوبات المتزايدة امامهم من جراء نقص الطعام وفساد الماء والسهر المتواصل وحرب الطابوق، وينبهون الشعب الى قرب وقوع جرائم أكثر فضاعة.
ومن طريف ما يروى عن تلك الايام السوداء العصيبة: ان السجانة قد تلقوا الامر بترقب بوق السجناء حتى اذا ارتفع صوته منادياً جماهير الكوت، ترتب عليهم ان يصرخوا صراخاً عالياً، لمنع جماهير الكوت من سماع النداء، فكانوا ينهقون ويزعقون وينبحون بأصوات حيوانية منكرة، فيضحك المناضلون ملء أشداقهم، ويواصل البوق النداء بصوت أعلى فاعلى.
كانت حالة السجناء الصحية تتردى، والخطر يقترب، ولم يخفِ على الحكومة ما يعانيه السجناء من جوع وأنهاك ومرض. وفي انتظار تلك اللحظة التي تنهار فيها مقاومة السجناء، داست الحكومة كل اعتبارات الشرف والإنسانية وصمت اذنها عن كل احتجاج، وقمعت كل اعتراض، سواء في الكوت أم في بغداد.
ففي بغداد ذهب وفد مؤلف من سماحة الشيخ العلامة عبد الكريم الماشطة (عضو مجلس السلم العالمي) والحاج عبد اللطيف محمد (والد احد السجناء السياسيين)(7)، لمقابلة الملك في البلاط، والطلب إليه ان يتدخل لمنع جريمة ابادة السجناء المحاصرين. فقابلهم مدير التشريفات ولكن دون جدوى ..... وبعد أيام، في 17 آب، قصد وفد جماهيري الى البلاط لعين الغرض فطلب إليهم مدير التشريفات ان يحضروا إلى البلاط في اليوم التالي لمقابلة الملك. فلما حضروا في الموعد المقرر، قابلهم الحرس الملكي وجواسيس التحقيقات الجنائية بالرصاص واعتقلوهم وعذبوهم تعذيباً وحشياً فضيعاً، ثم حكم المجلس العرفي العسكري عليهم بالسجن مدداً تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات!
وفي الايام الاخيرة قبيل 14/8/1953، كان يحضر، مدير السجن الى باب السجن الداخلي، يومياً، فيصيح بأعلى صوته والمسدس مشهور بيده وخوذة الفولاذ على رأسه، يصيح بأسماء، بعض السجناء طالباً مجيئهم إلى الإدارة، وتلك حيلة يعرفها السجناء لاستدراجهم إلى الخروج، لإلقاء القبض عليهم وتعذيبهم وإجبارهم على توقيع عرائض "التوبة". فكان السجناء يقابلون تلك المحاولات الفاشلة بالإعراض والازدراء. فيشتاط المدير غضباً، ويهدد قبل ان ينصرف مع حراسه المسلحين قائلاً: "عندي أوامر برميكم"...!


محمد راشد (الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)
بغداد –حزيران 1955
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم المؤلف مجهولا إلى أن نشرت طريق الشعب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب كاملا دون تغيير أو إضافة أو حذف/ الناشر: محمد علي الشبيبي
(1)- تبلغ درجة الحرارة في الصيف 48 درجة مئوي! ومناخ العراق كما هو معلوم جاف جداً.
(2)- يجري التهديد بالاعتداء على الشرف، بالفاظ بذيئة، ضد الرجال والنساء على السواء. ويأخذ شكل دعوة الشرطة يتقدموا ويفعلوا به او بها ما يشاؤون. وقد ثبت حتى الان حوادث "لوط" بالإكراه قامت بها التحقيقات الجنائية. وفي ملفات محكمة الجزاء ببغداد قضية بطلها موظف في التحقيقات اسمه خزعل.
(3)- بالاضافة الى الطابع اللاانساني الوحشي للتجويع المتعمد وقطع الماء، فان القوانين العراقية تعتبر منع الماء والطعام عن اية جماعة من الناس، جريمة يعاقب فاعلها.
(4)- ويقصد ان جبار ايوب اقام المجزرة في بغداد وسوف يقيمها في الكوت!
(5)- اتكمع: شرب الماء، جرعة جرعة،. ويستعمل للدلالة على التلذذ باللهجة العراقية.
(6)- نشرت جريدة "الجريدة" لصاحبها فائق السامرائي من قادة حزب الاستقلال، بعض المعلومات عن مظاهرة 8 آب فذكرت ان وزارة الداخلية قد اذنت بصرف مبلغ 100 دينار لتنظيمها ولم تجد الحكومة سنداً لها إلا في جواسيسها ومرتزقتها.
(7)- وهو الاستاذ محمد عبد اللطيف مطلب من خريجي الجامعة الامريكية في بيروت. وكان أستاذاً في كلية الهندسة حين القاء القبض عليه سنة 1948.



يتبــــــــــــــــع
الحلقة التالية: 14 آب، يوم تحدوا الموت!؟

34
من أعماق السجون في العراق*  /8


 
الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)
1920 – 1963

ملاحظة لم أسجل كل التفاصيل التي ذكرها الشهيد عبد الجبار وهبي في كتابه، وإنما نقلت نصوصا من موضوعاته مع حذف بعض الفقرات التي لا تؤثر لا على المعنى ولا على نسق الرواية ... وأترك نشر كل هذه التفاصيل لطباعة الكتاب مستقبلا ليطلع عليه القارئ الكريم./ الناشر: محمد علي الشبيبي
المجلس العرفي العسكري يساهم
في يوم 27 تموز 1953 زار سجن الكوت، على حين غرة، مدير السجون العام المدعو (طاهر الزبيدي) يصحبه الجلاد الذائع الصيت (عبد الجبار ايوب)، مدير سجن نقرة السلمان سابقاً وبطل مجزرة بغداد .... وتحت اشرافهما جرى تفتيش دقيق على السجن وأثناء التفتيش، حاولا، بمختلف الطرق، استفزاز السجناء وتصديع وحدتهم .... وحضر في الوقت نفسه من بغداد، وخلافاً للقانون، المجلس العرفي العسكري بكامل أعضائه، وتحولت غرفة مدير السجن الى قاعة "محكمة" مغلقة وسرية لا يسمح بدخولها لغير العملاء والجلادين. ومنعت الحكومة عدداً من المحامين الديمقراطيين الذين تطوعوا للدفاع عن السجناء ....
كانت "المحكمة" مهزلة بالمعنى الكامل. رئيس المجلس (جميل عبد الحميد) يصرخ ويهدد كأي شرطي أو سجان، ومدير السجون العام ومدير سجن الكوت وعبد الجبار أيوب (وهم ليسوا اعضاء في هيئة المحكمة) يواظبون على حضور الجلسات ويساهمون في إدارة المناورات والمناقشات السياسية والعقائدية والمحكمة لم تحصر اهتمامها بتهمة معينة .... فتارة تشغل المحكمة نفسها بالشتائم، وأخرى بفلسفة عرقية شوفينية أو طائفية، أو بإغراءات وملاطفات ووعود معسولة يعقبها تهديد باستعمال العنف! وقد هدد رئيس المجلس ممثل السجناء بالشنق!
شيء واحد ظل واضحاً طول المناقشة، ذلك هو رغبة الحكومة في ان يسحب السجناء تواقيعهم من العريضة الاجتماعية السالفة الذكر، وان يقدم السجناء عريضة الى الملك يعلنون فيها "الندامة" والتوبة عن النضال.
.... لقد فشلت المحكمة العسكرية فشلاً ذريعاً في تحقيق أي هدف من اهدافها .... القى أحمد علوان (الذي استشهد فيما بعد) دفاع السجناء القانوني ففند المزاعم القانونية والمبررات لمحاكتهم مجدداً على تهمة سجنوا بسببها. واثبت عدم شرعية المحكمة والمحاكمة.
وأعلن رؤوف الدجيلي (الذي استشهد هو الاخر فيما بعد) في دفاعه: ان الاتحاد السوفياتي هو صديق شعبنا الاكبر وصديق العرب وكل الشعوب.
وسرد يحيى عباس البارح (الذي استشهد أيضاً فيما بعد)، في مجرى دفاعه: .... وفضح التضليلات الاستعمارية وأكاذيب دعاة الحرب ومرتزقتهم في العراق والبلدان العربية، وشرح موقف الاتحاد السوفياتي الصائب من القضية الفلسطينية، وهاجم الاستعماريين الامريكان والانكليز والصهيونيين والرجعيين العرب، الذين تآمروا في الحرب الاستعمارية القذرة في فلسطين وأحبطوا قرار الامم المتحدة الذي ضمن استقلال فلسطين وقيام دولة عربية مستقلة في جزء منها .....
وفضح السجناء أيضاً الاعمال الانتقامية المخالفة للقانون العراقي وحقوق الانسان التي تقوم بها ادارة السجن ضدهم، والتعذيب البربري الذي تقوم به دائرة التحقيقات الجنائية ضد المناضلين الشيوعيين والوطنيين وأنصار السلم.
لقد فشلت المحكمة ايما فشل! فشلت في ارهاب 118 متهما من السجناء السياسيين وفي حملهم على التنكر لشعبهم "والتوبة" عن نضالهم. اما الاحكام التي اصدرها المجلس العرفي فقد ظلت سراً مجهولاً. ذلك لكي تبقى عرضة  "للزيادة والنقصان" والمساومة، كما قال كاتب السجن فيما بعد ....
هكذا انتهت المحاكمة التي استمرت عدة أيام، كانت تصل خلالها، الى سجن الكوت، امدادات جديدة من قوة الشرطة السيارة قادمة من الناصرية والعمارة.
وما ان انتهت تلك المهزلة الى غير نتيجة مرضية للحكومة، حتى اعلن رئيس المجلس العرفي العسكري ان المحكمة ستوالي محاكمة السجناء بتهمة أخرى هي: قراءة الاناشيد الوطنية داخل السجن.
فاندهش السجناء لهذا التحدي والاستهتار بحق معترف لهم به منذ سنوات(1). عندما اعلن رئيس المجلس: ان هناك (دعاوى) أخرى، وتهم أخرى وان المجلس العرفي سيواصل النظر فيها جميعاً.
لم يعد ثمة ادنى شك لدى السجناء (سواء اجرت تلك المحاكمات ام لا) بان الحكومة عازمة (ومهما كلف الامر) على مواصلة التحفظ عليهم، حتى يرضخوا نهائياً .... لذلك اعلن السجناء موقفهم بصراحة وافهموا المجلس العرفي بان تلك المحاكمات غير شرعية وان التهم مفتعلة وان جو المحكمة استفزازي إرهابي، كما لم يسمح للمتهمين بان يقدموا اي دفاع عن انفسهم.
كان فشل الحكومة في حمل السجناء على التخلي عن أهدافهم الوطنية بطريق التي أشرنا إليها .... فبادرت إدارة السجن حالاً الى طريقة تسليم الارزاق الى السجناء. كان الدقيق، فيما مضى، يسلم الى السجناء أسبوعياً، فصار التسليم يومياً. كما دأبت الادارة منذ بدأت أعمالها الاستفزازية العدوانية، على منع ادخال كميات كبيرة من الشاي والسكر وغيرها من المؤن الذي يجلبه اهالي السجناء. وكانت، طول تلك الفترة، ترهب عوائل السجناء وتضغط عليها لحملها على الامتناع عن زيارة السجن.
قال مدير السجن لممثل السجناء، وكان الحديث يدور بينهما حول مذبحة سجن بغداد واستنكار الشعب العراقي لها، قال له: "نحن لا نسوّي مجزرة ولكن نرغمكم على كل ما نريد بقطع الماء والطعام عنكم ستة أيام"
وبمناسبة أخرى كرر مدير السجون العام هذا التهديد مع زيادة مدة الحصار، إذ قال: "سنقطع الماء والطعام عنكم ستة أشهر"
شهر الحصار
وفي 1/8/1953، قبل بدء الحصار بيوم واحد، أخرجت إدارة السجن، بالعنف والإكراه السجناء العاديين، فلم يبق في السجن إلا السجناء السياسيون وحدهم، وفي الساعة الحادية عشر من صباح اليوم التالي، 2 آب 1953 هدموا خزان المياه الخارجي وكسروا الانابيب وقطعوا التيار الكهربائي وأعلنوا حالة الحصار التام على السجن.
وحالما أذاع السجناء نبأ قطع الماء، ومنع الطعام، بواسطة البوق –كما ذكرنا- ووجهوا ندائهم الى جماهير الكوت، لمد يد المعونة لهم، بادرت السلطات المحلية الى خلق جو من الارهاب الاسود ....
ووصلت امدادات جديدة من الشرطة من اطراف الكوت ومن مدن بعيدة .... وانتشرت الشرطة في شوارع المدينة وسدت منافذها الخارجية وطوق أكثر من 500 شرطي ساحات الكوت وشوارعها.
كانت السيارات التي تأتي الى الكوت، حاملة عوائل السجناء القادمة لمعرفة حال أبنائهم .... كانت تلك السيارات تجبر على العودة ثانية من حيث أتت، ونشرت الشرطة والجواسيس أخباراً مفزعة وإشاعات غريبة .... وان رجال الاقطاعي محمد الامير ستهجم على السجن وتحتله عنوة لتطرد منه السجناء الذين اعتصموا فيه ورفضوا استلام "الارزاق" ...الخ.
.... شرع "رجال الامن وحماة القانون" بأول أعمالهم العدوانية الايجابية في مساء اليوم الثاني من الحصار. كان السجناء جالسين في ساحة السجن، حول عشائهم الضئيل المتواضع، فإذا بهم يفاجأون بالأحجار وقطع الطابوق تنهال عليهم من برج المراقبة المشرف على الساحة. كان عبد الجبار أيوب يقود ذلك الهجوم، وهو الذي بدأ بنفسه برمي الحجارة فتبعه مدير السجن (جهاد حسين)، ثم عدد كبير من السجانة، كانوا منتشرين على سطوح السجن. جرح في هذا الهجوم الغادر عدد من السجناء، وأصاب التلف طعام العشاء. فخسر السجناء وجبة، هم في أمس الحاجة إليها. وبقي وابل الحجارة ينهمر ثلاث ساعات متوالية، بينما التجأ السجناء إلى داخل الغرف، ومنذ ذلك اليوم، اصبح رمي الحجارة تقليدا تتبعه سلطات السجن، بمعدل ثلاث ساعات يومياً، مدى شهر كامل. وسخّرت سلطات السجن كل السجانة وعدداً كبيراً من الشرطة، وبعض الحثالات من السجناء العاديين الاشرار وسخرت حتى بعض نساء الشرطة وأطفالهم.
أدت حرب الحجارة هذه الى حرمان السجناء من النوم في الساحة، كما هو مألوف، في شهور الصيف. فاضطروا الى المبيت داخل الغرف والردهات حيث يستعصي النوم عليهم من شدة الحر، وضوضاء السجانة وارتطام الحجارة على السقوف والأبواب، ونفوذ بعض الحجارة من الشبابيك. كانت حرب الحجارة هذه، خلال شهر الحصار، حرباً قاسية، منهكة للأجساد والأعصاب معاً. وقد اشتدت وتطورت اساليبها يوماً بعد آخر. فحصنت الحكومة أبراج المراقبة بأكياس الرمل، وملأتها بالذخيرة من الطابوق والحصى، وأصبحت "المفاجآت" لا تقتصر على وقت معين، من النهار أو الليل، واكتسبت تلك المفاجآت، صوراً من "البطولة" والحماس! فكان بعض رجال الحكومة "الابطال" يزحفون على بطونهم، فوق السطوح في الهزيع الاخير من الليل، كاللصوص أو الأفاعي، ليفاجئوا سجيناً أرهقه الحر فخرج الى الساحة فتمدد عند الجدار ليستريح فغفا، ليفاجئوه مفاجأة بطولية، بحجر كبير يرمون به من فوق على خط عمودي، فتأتي الاصابة على وجهه أو يافوخه، محكمة موجعة، وبتلك الطريقة جرح عدد من السجناء جروحاً خطيرة في رؤوسهم، وكسرت أنوف عدد آخر. 

الطعام في شهر الحصار
كان الطعام المخزون لدى السجناء عند بدء الحصار لا يكاد يكفي المئة والأربعين سجيناً، أكثر من ثلاثة أيام ....  لذلك فقد تأثرت تغذيتهم منذ اليوم الاول للحصار. فوضع السجناء نظاماً صارماً للتقنين، ثم صار هذا النظام يزداد صرامة أسبوعاً بعد آخر. .... كان طعامهم مؤلفا من المواد النشوية، كالرز والحمص والعدس، وبعض الخبز.
ما هو الخبز؟ .... استعاض السجناء عن الخبز العادي، بنوع آخر، ألجأتهم إليه الضرورة. ويتألف من الطحين (وقد نفذ بعد الاسبوع الاول) ومن النخالة وطحين العدس والحمص، وقشور الباقلاء (الفول). كانت حصة السجين من ذلك الخبز 200 غرام في اليوم، وتدنت الحصة الى 100 غرام في اليوم في الاسبوع الثاني، ثم الى 50 غرام في الاسبوع الثالث، اما في الاسبوع الرابع فاصبحت حصة السجين 25 غراماً في اليوم! ومعنى ذلك ان السجين لم يصبه من الطعام خلال الايام السبعة الاخيرة من شهر الحصار، مجتمعة، أكثر من 175 غرام (أي ما يعادل وزن رغيف اعتيادي واحد) من الخبز، أعني: من قشور الباقلاء والنخالة وبعض الحمص والعدس، ويضاف الى لقمة الخبز التي وزنها 25 غرام ليوم كامل، شيء من الشربت مؤلف من محلول السكر بنسبة ضئيلة وحامض التارتاريك.
كانت المواد الدهنية قد نفذت بعد الاسبوع الاول. فاستعاضوا عنها بجرعات صغيرة من زيت السمك، تعطى للسجناء بين حين وآخر. وشرب السجناء من الشاي فنجاناً صغيراً في اليوم. وكانوا يغلون الحثالة مرات ومرات حتى يفقد الشاي نكهته ثم لونه، ويغدو ماءاً كدراً ساخناً وحسب. ونفذ التبغ في الاسبوع الاول. فدخن المدخنون تراب التبغ، ثم دخنوا حثالة الشاي. ودخنوا أخيراً، أوراق شجرة اليوكالبتوس!
محمد راشد (الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)
بغداد –حزيران 1955
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم المؤلف مجهولا إلى أن نشرت طريق الشعب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب كاملا دون تغيير أو إضافة أو حذف/ الناشر: محمد علي الشبيبي
(1)- ناضل السجناء السياسيون في الكوت خلال سنوات عديدة لتثبيت حق قراءة الاناشيد الوطنية والشعبية. وقد اضيف لهم سنة 1949 (400 سنة) سجن لتمسكهم بهذا الحق، حتى اضطرت الحكومة الى الاعتراف به ولم تعد تجرأ على معارضة السجناء عليه.




يتبــــــــــــــــع
الحلقة التالية: الماء في شهر الحصار!


35
من أعماق السجون في العراق*  /7


 
الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)
1920 – 1963

ملاحظة لم أسجل كل التفاصيل التي ذكرها الشهيد عبد الجبار وهبي في كتابه، وإنما نقلت نصوصا من موضوعاته مع حذف بعض الفقرات التي لا تؤثر لا على المعنى ولا على نسق الرواية ... وأترك نشر كل هذه التفاصيل لطباعة الكتاب مستقبلا ليطلع عليه القارئ الكريم./ الناشر: محمد علي الشبيبي

الكوت
أنظر خارطة العراق.
الكوت مدينة على دجلة، على مسافة 150 كلم جنوبي بغداد تشتهر بمركزها الزراعي العظيم، وعندها يقع سد الكوت حيث يتفرع نهر العراق.   
لماذا الكوت، وليست الحلة أو سامراء أو النجف أو البصرة؟ في العراق مدن كثيرة، وفي كل مدينة سجن، فلماذا اختارت الحكومة سجن الكوت لتجمع فيه السجناء السياسيين (أو الشيوعيين كما يحلو لرجالات الحكم بالعراق تسميتهم)؟
ذلك ان الكوت احدى القلعتين الكبرايين للإقطاع في العراق وهما لواء العمارة ولواء الكوت(1). ... يتصرف بتلك الاراضي الشاسعة في كلا اللواءين، بضعة اشخاص من كبار الإقطاعيين، أشهرهم في الكوت (أمير ربيعة) ... الذي له من الحاشية والحرس ومظاهر السطوة والأبهة والبذخ ما للملوك سواء بسواء. ... ان قصر هذا الاقطاعي الكبير، هو احدى الملاجئ المعروفة لرجالات الحكم بالعراق. وفي مدينة الكوت يشارك الاقطاع الحكومة النفوذ، في الاحوال الاعتيادية، ويزيد عليها، في الازمات حتى لا يعود للحكومة وللمتصرف الذي يمثلها، غير سلطة اسمية وحسب.
... اختارت الحكومة، منذ عشر سنوات سجن الكوت فخصصته للسجناء السياسيين. فصار ذلك السجن يلعب دوراً خاصاً في حياة المدينة كلها. ... التفتت جماهير المدينة الى احداث السجن وعرفت اسم (فهد) وأيقنت ان وراء الاسوار مناضلين بواسل لا تخيفهم"حوشية"(2) الامير ولا شرطة الحكومة. وفهمت مع الايام ان اولئك المناضلين لا يبخلون بحياتهم ثمناً لإخلاصهم لشعبهم ووطنهم.... فحينما اختطفت الحكومة (فهد وحازم وصارم) من السجن، فكأنما هي اختطفتهم من مدينة الكوت، وحينما اعدمتهم في شوارع بغداد، اهتزت تلك المدينة الصغيرة ..... وسمعوا بالشيوعية لأول مرة. ثم صارت المدينة والأرياف القريبة منها تتعرف بعد ذلك على الشيوعيين وأخبارهم وتعجب ببطولاتهم وتضحياتهم. وحينما هرب حميد عثمان(3) من سجن الكوت في 1952 مع عشرة من رفاقه خضعت المدينة برمتها للحصار والتفتيش وتعرفت عن كثب الى قسوة الشرطة ووقاحتهم واستهتارهم. وتحدثت المدينة بدهشة عن النفق العجيب الذي حفره الشيوعيون من تحت الاسوار. وأسفت وحزنت لان اولئك الشجعان الذين جازفوا بحياتهم، قد وقعوا في قبضة العدو، مرة أخرى.
عرفت مدينة الكوت مئات العوائل التي تفد كل شهر، وكل اسبوع لزيارة السجن. رأت الامهات والآباء والزوجات والأطفال وتحسست بعمق روابط السجناء السياسيين بالشعب، ومكانهم منه. ... وحتى يوم 2 آب 1953، كانت الكوت قد تعلمت اموراً كثيرة أخرى واعتادت ان تصغي بانتباه شديد الى صوت السجن وهتافاته وأناشيده.
2  آب 1953 والتمهيد للحصار
2 آب 1953 ضجيج ينبعث من السجن، وصوت ضخم مستطيل واضح النبرات ينادي: {يا جماهير شعبنا! يا جماهير الكوت الباسلةّ يا جماهير الكوت! لقد قطع الماء والطعام عنا، وأصبحت حياتنا مهددة بالخطر. ان الخونة يريدون قتلنا جميعاً. هبوا للدفاع عن حياتنا. اضغطوا على الحكومة. ارسلوا الوفود قدموا العرائض. طالبوا بإيقاف جريمة قتلنا الاجماعي ... يا جماهير الكوت، نحن امانة شعبنا عندكم  فحري بأبناء دجلة والفرات، الدفاع عن امانتهم ... يعيش السلم العالمي ... يعيش الشعب العراقي المناضل من أجل استقلاله وحريته .. يسقط الاستعمار ... تسقط المشاريع الحربية ... تسقط سياسة القتل الاجماعي ... تسقط حكومة المدفعي-السعيد. يا جماهير الكوت لقد قطع الطعام والماء عنا.}
كان هذا أول نداء وجهه السجناء السياسيون، بواسطة بوق صنعوه لهذا الغرض، الى جماهير الكوت، لتنوير الرأي العام بحقيقة ما جرى في ذلك اليوم، الثاني من آب 1953. في ذلك اليوم، في الساعة الحادية عشر صباحاً، كسرت ادارة السجن انبوب المياه، وهدمت الخزان الخارجي، وامتنعت عن تقديم الطعام الحكومي، ومنعت ادخال اي شيء إلى السجن. وفرضت الحصار التام الذي استمر اثنين وثلاثين يوماً.
*               *               *
لم يكن ذلك الحصار سوى نتيجة لمقدمات سابقة، وحلقة أخيرة في سلسلة أعمال وتحضيرات، ابتدأت منذ أشهر، ابتدأت في الواقع، منذ مجيء (جهاد حسين الجاف) مدير السجن الجديد في أوائل 1952. فقد عرف هذا المدير ميله للإجرام وشراسته. فهو الذي اطلق الرصاص، من قبل، على السجناء في سجن البصرة، ونكل بالسجناء في السليمانية، تنكيلاً وحشياً.....
وضع المدير الجديد (جهاد حسين) قيودا اضافية على المواجهات وأمر بتمزيق الرسائل الشخصية الواردة الى السجن، وبإحداث الخلل عمداً بجهاز الراديو الذي يستمع السجناء بواسطة سماعته المنصوبة على الساحة، الى محطة بغداد اللاسلكية (دون سواها). قام المدير الجديد بتحرشات واستفزازات ... فأدرك السجناء في الحال، ان الحكومة تسعى مرة اخرى الى تهيئة الجو المناسب للهجوم على مكاسبهم ... واخطر تلك المكاسب، في نظر الحكومة، هو حق مواجهة العوائل للسجناء وحق ادخال الكتب والصحف إليهم، وحق انتخاب من يمثلهم امام الادارة وينطق باسمهم ويتفاوض نيابة عنهم.
قام المدير الجديد ببعض الاصلاحات "لتحصين السجن" فبنى أبراجاً عالية ...! وشيد أسواراً ضخمة، واستبدل الابواب القديمة بأبواب حديدية مصفحة، وأنشأ زنزانة خاصة للتعذيب.
وأسعفت وزارة الشؤون الاجتماعية موظفها "الحازم" هذا، بإمداد جديد من "خيرة" السجانين الذين عرفوا ببربريتهم وأعمالهم الوحشية، منهم: جعفر، عبد الله، سفيح، ابراهيم، زكريا، عربي، يونس .... فليتذكر القارئ هذه الأسماء!
وقد نشط المدير (جهاد) في "تثقيف" ملاكاته من الموظفين والسجانين والجواسيس. فكان يلقي عليهم المحاضرات السياسية، ويربيهم على الحقد وروح الانتقام من المناضلين ضد الاستعمار....
وشحذ المدير (جهاد) سلاح التجسس والتفرقة والعداوة بين السجناء العاديين، وجند عددا من السجناء المعروفين بشراستهم وتوحشهم، وأمرهم بتدبير الاستفزازات والمصادمات وباضطهاد السجناء العاديين الذين يظهرون عطفهم على "الشيوعيين"، والتحرش ببعض السجناء السياسيين. ودبر مرة، هجوماً بالسكاكين على السجناء العاديين من أصدقاء "الشيوعيين" .....
وفي نفس الوقت، كان المدير (جهاد) ينشط، على المستوى السياسي أيضاً، بقصد إظهار السجناء بمظهر العصاة الحمقى الذين لا ينفع معهم غير منطق العنف والقوة. وأخيراً، وبالاتفاق مع متصرف اللواء، قامت الشرطة المحلية بحملة ارهابية على المواطنين القاطنين في الحي القريب من السجن. ونجحت الحملة في ارغام معظم الناس على اخلاء دورهم والانتقال الى بيوت أخرى بعيدة عن السجن. فاستأجرت الحكومة الدور الخالية وأسكنت فيها عوائل السجانين والشرطة.
.... اشتدت المضايقات والاستفزازات اليومية فتخصص للمواجهة يوم واحد فقط من كل شهر... وصارت الادارة تهمل شكاوي السجناء وتمنع ايصال عرائضهم الى المراجع الحكومية او الصحافة.
لكن التحرشات والاستفزازات وتوتر العلاقة بين السجناء والإدارة، لم تدخل طورها الحازم الشديد التأزم، إلا بعد مجزرة سجن بغداد في 18/6/1953 فقد هزت أنباء تلك المجزرة المروعة مشاعر مشاعر كل الناس في العراق والرأي العام العربي والعالمي. واستشعر السجناء، فوق ذلك، بالخطر الداهم الذي أصبح يهددهم، هم أيضاً.... وللاحتجاج على الجريمة وإظهار روح التضامن مع ضحاياها، قدم السجناء عرائض رسمية واضربوا عن الطعام اضراباً رمزياً، وأرسلوا وفداً لمقابلة متصرف اللواء وإبلاغه احتجاجهم واستنكارهم، وتقديم مطاليبهم في هذا الصدد. وإليك خلاصتها:
1- معاقبة مدبري ومنفذي مجزرة بغداد، وفي مقدمتهم كبار المسؤولين: جميل المدفعي، نوري السعيد، ماجد مصطفى، حسام الدين جمعه، عبد المطلب الأمين، عبد الجبار أيوب.
2- التعهد بعدم تكرار مثل هذه الجريمة.
3- وضع حد لسياسة الاستفزاز الموجهة ضدهم وضد سجناء نقرة السلمان.
4- نقل سجناء نقرة السلمان الى السجون القريبة.
اعترف المتصرف، المدعو (طاهر القيسي) امام وفد السجناء، ببشاعة الجريمة الدموية في سجن بغداد، ووعد بعدم تكرارها وأعلن مؤكداً انه "يفضل الاستقالة" من منصبه على تنفيذ اية أوامر لتدبير اية مجزرة في سجن الكوت. ... أما إدارة السجن فقد ازدادت تعنتاً. ثم اخذت المشاكل اليومية البسيطة، تتراكم وتتعقد، حتى جاء يوم 5 تموز 1953، حينما طلب السجناء مواجهة المتصرف لإنهاء حالة التوتر، ووضع حد لسياسة الاستفزاز ...
فذهب لمواجهة المتصرف ممثل السجناء(4)، يرافقه سجينان آخران وحمل الثلاثة عريضة تضمنت مطالب السجناء.
 فما ان خرج الوفد من السجن حتى اقتيد الى مركز الشرطة بالقوة، واقتيد في الوقت نفسه سجناء آخرون كانوا يراجعون ادارة السجن بطلب منها، وأربعة غيرهم كانوا في طريقهم الى المستشفى، وأحد هؤلاء الاربعة مريض ارتفعت درجة حرارته حتى الاربعين درجة. فكان المجموع عشرة سجناء.
كبلت الشرطة اولئك السجناء العشرة بالسلاسل وأركبتهم عنوة في السيارة، وسفرتهم الى نقرة السلمان، هكذا ... دون امتعة او ملابس أو احتياطات كافية، لسفرة طويلة كتلك السفرة تمتد من الكوت الى بغداد (150 كلم بالسيارة) ثم الى السماوة (200 كلم بالقطار) ثم الى النقرة بالسيارة 150 كلم عبر الصحراء في شهر تموز!
وخلال خمسة الايام التي تلت هذا الحادث الاستفزازي، فرضت السلطات الحصار على السجن... فحاولت ان تفاجئ السجناء ليلاً، بهجوم مسلح، وان تقتحم الباب الداخلي عليهم عنوة. وأرسلت عشرات الشرطة داخل المدينة للاختلاط بالناس وترويج الاشاعات، حول تمرد السجناء وعصيانهم ... الخ .... ففي يوم 10/7/1953 حضر الى الكوت كثير من عوائل السجناء للمواجهة، فاصطدمت بإجراءات ادارة السجن ومضايقاتها واعتداءاتها فتجمهرت العوائل مع مئات من اهالي الكوت واتجهوا الى دار المتصرف، في مظاهرة سلمية ورابطوا حولها، وطالبوا المتصرف بان يذهب بنفسه الى السجن ليسمع شكوى السجناء  ويلبي مطاليبهم وانتظروا في مكانهم حتى المساء فأذعن المتصرف، وعاد المتظاهرون بصحبته الى السجن، واحتشدوا عند الباب، بينما دخل المتصرف ومدير الشرطة للاستماع الى أقوال السجناء. كان مدير الشرطة يتوعد السجناء وينذرهم، ويهددهم بإطلاق النار، ومتصرف اللواء يتعهد المطاليب ويؤكد انه لن تجري "اختطافات" جديدة، انه سوف تتوقف كل الاستفزازات والمضايقات حالاً!. ولكنه اعلن قبل ان ينصرف: بان المجلس العرفي العسكري ببغداد يطلب حضور 118 سجيناً لمحاكمتهم بتهمة التوقيع على عريضة رسمية مرفوعة الى الجهات المختصة. وكان السجناء قد قدموا فعلاً عريضة احتجاج على تعذيب اربعة مناضلين اعتقلتهم الشرطة في نيسان 1953.
ادرك السجناء ان غرض تلك المحاكمة المزعومة هو استدراجهم الى الخروج من السجن لاختطافهم وتعذيبهم ونقلهم الى نقرة السلمان أو سجن بعقوبة ....
وصلت حملة الاستفزازات حداً لا يطاق. ... وطلبت من كل السجناء العاديين ان يهجروا القواويش (الردهات) ويلتجئوا الى الاسوار. ... وهجر البعض أماكنهم، لكن البعض الآخر تضامن مع السجناء السياسيين وربط مصيره بمصيرهم....
وعادت ادارة السجن الى التهديد بقطع الماء ومنع الطعام .... واعلن مدير السجن امام ممثل السجناء قائلاً: "عندي أوامر برميكم جميعاً"
كانت الاخطار تزداد وتتعاظم، فهل بإمكان السجناء ان يرضخوا لطلبات الحكومة؟ وان للحكومة دائما طلباتها التي لا تقف عند حد. فقد تعلم السجناء، بتجاربهم، ان الطلبات تجر وراءها طلبات. وان الحكومة لا تطلب في الواقع إلا ان يتخلى السجناء عن شعبهم ووطنهم ومعتقداتهم، وان يتعهدوا بخدمة الاستعمار والرجعية، وان يبلوا حياة الذل والعبودية التي يفر منها الجهاز الحكومي الرجعي الفاسد على كل من يضع نفسه في خدمته.

محمد راشد (الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)
بغداد –حزيران 1955
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم المؤلف مجهولا إلى أن نشرت طريق الشعب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب كاملا دون تغيير أو إضافة أو حذف/ الناشر: محمد علي الشبيبي
 (1)- يقسم العراق الى 14 لواء، ادارياً. ولكل لواء مركز يقيم فيه المتصرف –المحافظ-. ولواء الكوت، مركزه مدينة الكوت. (هذا التقسيم كان ما قبل ستينات القرن الماضي/ الناشر محمد علي الشبيبي)
(2)- الحوشية: كلمة دارجة في المجتمع الاقطاعي تعني شرطة الاقطاعيين. ولعلها تحريف لكلمة (حاشية) الفصحى.
(3)- كان هذا الحادث اول حادث من نوعه في السجون العراقية، وفي المحكمة اعلن "حميد عثمان" بعد القاء القبض عليه وسوقه إلى القضاء بتهمة الهروب اعلن بان السجناء السياسيين لا يعترفون بمشروعية سجنهم وانهم سينتهزون اية فرصة لاستعادة حريتهم ومواصلة نضالهم الى جانب الشعب.
(4)- ممثل السجناء هو (أكرم حسين)./ هذا ما ذكره حسقيل قوجمان في (ذكرياتي في سجون العراق السياسية / في موضوعة –مجازر السجون-)./ الناشر محمد علي الشبيبي



يتبــــــــــــــــع
الحلقة التالية: المجلس العرفي العسكري يساهم!؟
شهر الحصار!؟ الطعام في شهر الحصار!؟

36
من أعماق السجون في العراق*  /6



الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)
1920 – 1963

ملاحظة لم أسجل كل التفاصيل التي ذكرها الشهيد عبد الجبار وهبي في كتابه، وإنما نقلت نصوصا من موضوعاته مع حذف بعض الفقرات التي لا تؤثر لا على المعنى ولا على نسق الرواية ... وأترك نشر كل هذه التفاصيل لطباعة الكتاب مستقبلا ليطلع عليه القارئ الكريم./ الناشر: محمد علي الشبيبي

صيف 1953 في نقرة السلمان
اواسط تموز 1953. ... كان عدد السجناء السياسيين 26 سجيناً من المناضلين، بينهم حميد عثمان وعشرة من رفاقه الذين هربوا سنة 1952 من سجن الكوت فالقي القبض عليهم قرب بغداد فنقلوا إلى نقرة السلمان. وأربعة من المناضلين الذين جيء بهم حديثاً ... ومناضلين آخرين، بينهم بعض "اليهود". وقد كان في السجن إلى جانب الـ (26) سجيناً سياسياً سجناء عاديون، وسجناء صهاينة....
بدأ الحصار منذ اواسط تموز 1953، حيث منعت ادارة السجن الزيارات وإدخال الهدايا من الطعام وغيره، وقطعت صلة السجن بالعالم الخارجي قطعاً باتاً فلا شيء يخرج منه، ولا شيء يدخل إليه سوى "الأرزاق" الحكومية وقدر مقنن من الماء، هو بمثابة شريان الحياة، إنه الحصار ...
منذ اواسط تموز، بدأت المفاوضات لنقل السجناء إلى سجن بعقوبة ... لا شك ان سجناء نقرة السلمان يرحبون اشد ترحيب بنقلهم الى بعقوبة. إلا ان الأمر الذي يشغلهم أكثر من سواه، هو ان ينقل كل السجناء من نقرة السلمان، بما فيهم السجناء العاديون، وان تعلن الحكومة رسمياً إلغاء ذلك السجن اللاإنساني الرهيب.... وقد شعر السجناء بعد الثلاثين من الحصار المتقابل ان الوضع يزداد حراجة، وان الخطر يقترب مسرعاً، فأعلنوا عن شروط جديدة، هي:
ان يتم النقل على دفعات ثلاث يعينها ويختارها السجناء أنفسهم، على ان يشمل كل السجناء السياسيين، ومن دون تكبيل بالسلاسل، ومع احتفاظ السجناء بملابسهم المدنية، واحترام حقوقهم كسجناء سياسيين. فوافقت الادارة على هذه الشروط، وفك الحصار، وفتحت الباب وخرجت الدفعة الأولى من السجناء وكان بينهم حميد عثمان والمناضلون الاربعة وغيرهم. فأركبوهم سيارات الحمل المكشوفة ونقلوهم إلى ثكنة الشرطة القريبة من قلعة السجن....
وإليك، أيها القارئ، موجز ما حدث في الايام الستة التي تم خلالها، نقل الدفعات الثلاثة من سجناء نقرة السلمان.
كانت الدفعة الاولى مؤلفة من 22 سجيناً (بضمنهم سجناء عاديون)، تحركت بهم سيارتان مكشوفتان تحيط بها سيارات مسلحة. وخلافاً لما هو متوقع، توقفت القافلة عند ثكنة الشرطة ووضعت سيارتا السجناء بعيداً عن السيارات الأخرى وقريباً جداً من جدار الثكنة. فما ان هبط منها سائقاها، حتى انهمر من فوق الجدار، سيل من الحجارة الثقيلة، أصاب السيارتين المكشوفتين، وأصاب السجناء بجراح ورضوض على رؤوسهم وأكتافهم وظهورهم، والسجناء لا يملكون دفاعاً لهذا الغدر المفاجئ ولا سبيل للفرار منه، فسقطوا على أرض السيارتين عاجزين عن الحركة والمقاومة. فتقدمت إليهم الشرطة فسحبتهم إلى الأرض، وأخذتهم إلى الثكنة، حيث بدأت سلسلة أعمال أخرى....
كان في الثكنة 250 شرطياً من شرطة البادية، اجتمع بعضهم على السجناء وأخذوا ينزعون عنهم الملابس المدنية، بينما راح الآخرون يطلقون الرصاص في الهواء، وألبسوهم بدلا عنها، ملابس السجن الرسمية. ثم ضربوا في أرجلهم أطواق الحديد المسلسلة وكبلوا أيديهم بسلاسل أخرى...
اجتمعت الشرطة كلها، إلا نفراً ظل يطلق الرصاص في الهواء، وتوزعت جماعات حول السجناء الجرحى، المكبلين في أيدهم وأرجلهم، فانقضت كل جماعة على فريستها، حتى اغمي على معظم السجناء من أثر الضرب والركل والسحق. لكن حماس الشرطة المتوحشين، ظل يتصاعد ويشتد، واخذ يتركز على أشخاص معينين، دون سواهم....
.... كان المناضلون يصرون باسنانهم وهم ينشدون الأناشيد الثورية، ويدافعون بهذا الشكل عن كرامتهم وكرامة شعبهم وحزبهم، في تلك البقعة النائية المنعزلة حيث لا أحد يسمعهم، لا أحد يراقبهم ولا أحد يستطيع ان يقدر –في تلك الساعة- فيما إذا كانت الحياة ستبعث من جديد في أوصالهم المتورمة المثخة بالجراح، لا أحد هناك غير 250 من الذئاب البشرية الجائعة التي ثقفهم المستعمرون الامريكان والانكليز والتي نسيت معنى (الانسانية) منذ زمن طويل....
.... وأعيدت هذه الدفعة (الدفعة –الوجبة- الأولى) من السجناء  الى سيارات السجن المكشوفة التي نقلتهم إلى بعقوبة في سفرة استغرقت 24 ساعة من ساعات شهر آب في العراق، وهم أشباه أموات. وعند وصولهم سجن بعقوبة ضربوهم مجدداً وجلدوا المناضل حميد عثمان (200) جلدة على قدميه، وأدخلوهم زنزانات الاعدام حيث أمضوا سبعة أيام، حتى جاءت الوجبتان الأخريان، فادخلوا سوية إلى السجن، بعد نضال عنيد قام به كل سجناء بعقوبة.
وبعد يومين تحركت الوجبة الثانية من سجن نقرة السلمان، دون حادث يذكر، حتى جيء بهم إلى بعقوبة حيث تلقوا قبل ادخالهم الزنزانات "التأديب الضروري". فعذبوهم بوحشية حتى اغمي عليهم جميعاً وحتى تكسرت اطواق الحديد في أيدي وأرجل البعض منهم.... وأخيراً جيء بالوجبة الثالثة والأخيرة (بهاء الدين نوري ورفاقه) وكان عددهم 5 فقط من بينهم الدكتور السجين "حسين الوردي"، تلقوا "التأديب" في ساحة ثكنة الشرطة الخيالة في مدينة السماوة. كان في الثكنة أكثر من 100 شرطي اشتركوا جميعاً في ضرب السجناء السياسيين الخمسة. وقد لعبوا بهم كما يلعب بالكرة في ساحة واسعة. ولدى وصولهم بغداد، احتجزوهم في غرف السجن الانفرادي، فأضرب السجناء الخمسة عن الطعام مطالبين بنقلهم إلى بعقوبة. فاعتدوا عليهم بالضرب مجدداً فكسروا أضلاع بعض السجناء ولم يكسروا الاضراب! وحلقوا رؤوسهم وشواربهم، وأخيراً، نقلوهم إلى سجن بعقوبة. وبذلك تكون الحكومة قد نقلت سجناء بغداد ونقرة السلمان ولم يبق امامها إلا ان تلتفت إلى سجناء الكوت فلننتظر ما سيكون من أمرهم!
يجدر بنا ان نذكر للقارئ آخر ما حدث في سجن نقرة السلمان للمناضلين الاربعة (بهاء الدين نوري ورفاقه) وبعض السجناء "اليهود" الذين احتجزتهم الشرطة هناك، خلافا لما اتفقوا عليه. فلقد دبرت إدارة السجن هجوماً غادراً عليهم مستعينة بعصابة من السجناء العاديين المجرمين والصهيونيين وعلى رأسهم الجاسوس الصهيوني البريطاني الجنسية (رودني). ان تدبير أمثال تلك الهجمات التي قام بها السجناء المجرمون على السجناء السياسيين لأمر مألوف جداً في سجن نقرة السلمان والسجون الأخرى، خصوصاً حينما لا يكون السجناء السياسيون من الكثرة بحيث يفرضون سلطتهم على السجن.

محمد راشد (الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)
بغداد –حزيران 1955

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم المؤلف مجهولا إلى أن نشرت طريق الشعب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب كاملا دون تغيير أو إضافة أو حذف/ الناشر: محمد علي الشبيبي

يتبــــــــــــــــع الحلقة التالية:
الكوت!؟
 2 آب 1953 والتمهيد للحصار!؟



37
من أعماق السجون في العراق*  /5

الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)
1920 – 1963


نقرة السلمان
غربي نهر الفرات، من نقطة تبدأ في مدينة السماوة، تمتد طريق صحراوية نحو الحدود العراقية السعودية. أرض وعرة ورمال عميقة تجتازها السيارات بجهد وعناء شديدين.
وقد يضل الدليل البدوي الطريق في تلك الارض القاحلة التي لا ماء فيها ولا نبت ولا أثر لحيوان أو عابر سبيل. فتظل السيارة تضرب في عرض الصحراء حتى تعثر على الطريق أو تعثر عليها سيارة أخرى أو طائرة. وقد تغرز العجلات في شعب الرمال العميقة التي يتهيب عبورها أمهر السائقين، فتتعطل في مكانها ما شاء لها ان تتعطل. وبعد مسيرة خمس ساعات –ان لم يقع مكروه مما ذكرنا- تبدأ الطريق بالانحدار نحو منخفض من الأرض، بعيد الغور، حتى إذا وصلت السيارة قرارته بدت الصحراء المحيطة به تلالا وهضابا عالية. وشعر المرء انه في مكان عجيب حقاً، مكان موحش تلم به الأخطار. تلك هي نقرة السلمان. وأول شيء تمر به السيارة، ثكنة شرطة. وبعدها نمر بمجموعة من البيوت والأكواخ والخيام التي تسكنها عوائل شرطة البادية. ولا أحد غيرهم في ذلك المكان، فالقرية قرية شرطة! إلا انه قد يشاهد المرء واحداً أو أكثر من المحكومين السياسيين المنفيين الى نقرة السلمان، يتجول بين الاكواخ للترويح عن النفس، بعد ان يمل الحياة في ثكنة الشرطة حيث يقيم المنفيون، عادة.
في الشتاء تفيض نقرة السلمان بالماء. وتنقطع المواصلات ما بين السجين والعالم الخارجي. ولعل الماء هو الذي أنبت في مخيلة ذلك الجندي البريطاني (ابو حنيك) فكرة بناء قلعته الحصينة في ذلك المكان، على مرتفع صغير وسط بحيرة الماء.
وتطالعك القلعة وأنت تقترب منها بواجهة متواضعة من بناء حديث، اضيف إليها في السنوات الأخيرة، بعد ان حولت الحكومة العراقية تلك القلعة الصحراوية الى سجن. ويتألف هذا الجزء من القلعة من بضعة غرف للمأمور والمحاسب والكاتب، وغرفة للحبس الانفرادي، حيث يؤدي الممر الذي يسلكه المرء، إلى باب أخرى توصل إلى ساحة مكشوفة، تتقابل على جانبيها من الشمال والجنوب قلعتان عاليتان من الحجر يتألف كل منهما من طابقين. ويقوم في وسط الساحة بناء منخفض يلجأ إليه السجناء حين تزدحم القلاع، فيتعذر على السجناء النوم فيها، وإلى جانبه، البئر المالحة التي يشرب منها السجناء حينما تقطع الحكومة عنهم الماء.
إذا أردت دخول القلعة فعليك أيها القارئ أن تتسلق أثنتي عشرة درجة على سلم خشبي يرتفع بك إلى مربع صغير في الجدار عند الطابق الثاني يسمّونه باب (القاصة). والقاصة اصطلاح معروف يطلق على صندوق من الحديد تودع فيه الاشياء الثمينة. عندئذ عليك ان تجمع ركبتيك إلى صدرك لتزحف إلى داخل (القاصة) إلى ذلك التجويف المظلم الذي تتبين لك، فيما بعد، معالمه البسيطة فإذا هو صندوق مستطيل الشكل من الحجارة، وصفائح الحديد التي انشئ منها السقف وبعض أجزاء الجدران، حيث أراد الجنرال (غلوب) ان ينصب رشاشته لتحضير عرب البادية. طول هذا الصندوق الصخري الحديدي نحو 15 متر وعرضه نحو 7 أمتار. هذا هو الطابق الأعلى. ومنه تهبط في سلم داخلي إلى الطابق الأدنى. بإمكانك ان تشاهد، بدل المنافذ، مزاغل للبنادق بمساحة راحة أليد، تتسرب منها خيوط الشمس. وتلك علامة النهار! ويدخل منها شيء من الهواء الذي يحفظ شعلة الحياة في الأجساد من ان تنطفئ بسرعة!
في ظلام القلعة وهوائها الفاسد يغط السجناء –في ساعات النهار- في نوم طويل عميق كالموت، يستفيقون بعده متخدرين صفر الوجوه منتفخي العيون. اما في الليل فتغلق أبواب القاصة من الخارج، حتى ساعة متأخرة من اليوم التالي، وأحيانا حتى الظهيرة، حينما تريد إدارة السجن ان تمعن، لسبب ما، في إيذاء السجناء واستفزاز أعصابهم المتوترة ليلا ونهاراً. فتبقى مئات الأجساد مكدسة متخدرة مشلولة عن الحركة، لضيق المكان، تنتظر ان تفتح أبواب القاصة لتقضي حاجاتها الطبيعية، ولكي تجد بعد ذلك متسعاً من المكان للحركة ولكي تستنشق الهواء وترى إلى ضوء النهار.
هنا، في الساحة يستطيع السجين ان يتمطّي ويسعل بملء رئتيه بلا حذر أو وجل وان يبصق أينما يشاء، وان يستجمع قواه ويشد عزيمته لقضاء ليلة أخرى من ليالي القلعة. هكذا تمضي الأيام، موحشة رتيبة: رتيبة حتى فيما يقع فيها كل يوم من مضايقات واعتداءات واستفزازات، حول الطعام والماء والرسائل والكتب والجرائد والدواء ومجيء الطبيب ... الخ، حيث تدور الحياة دورتها الضيقة بين الاسوار والقلاع وغرفة المأمور، في بطن تلك الصحراء الموحشة الخاوية.
حينما تأتي إلى السجن سيارة الطعام أو الماء قادمة من السماوة، يستمع السجناء إلى بوقها وهدير محركها بشغف ومتعة. فتلك علامة من علامات العالم الفسيح المتحرك النائي. وحينما يمرق في السماء طير –وهذا نادر- فتلك علامة أخرى للحياة، يستبشر بها السجناء أيما استبشار. وفي يوم من أيام الربيع، أخطأ سنونو طريقه، فدخل القلعة من أحد المزاغل. فهب السجناء يهشونه ويطاردونه في الظلام حتى سقط متعباً بين يدي أحد "الرفاق" كان السجناء يمرحون ويتضاحكون كالأطفال لتلك المفاجأة السارة لكنهم ما لبثوا ان اطلقوا سراح السنونو، ودعوه بأنظارهم من باب (القاصة) حتى أختفى ...
وفي ضحى يوم مشهود آخر من أيام نقرة السلمان، شاهد السجناء وجهاً صغيراً بريئاً يطل عليهم من سطوح غرفة الادارة. وجه طفل برئ، من أطفال الشرطة!
كان السجناء يبتسمون ويلغطون ويلوحون بأيديهم لهذا المنظر الممتع. فللطفولة، الطفولة التي أحبها اولئك المناضلون ودافعوا عن مستقبلها وحقها في الحياة، صدى عميق الغور في نفوس اولئك الرجال البواسل الذين عرفوا الحب في أروع صورة واغنى مضامينه.
وثمة شيء آخر رتيب في نقرة السلمان، غير ظلام القلاع وصفارات الليل وصرير أبواب القاصة، غير البرد القارص والحر القاتل وعواصف الرمال الخانقة، غير جيوش الذباب الجائع، والصراصير الزاحفة المتواثبة في كل مكان. ذلك هو الخطر فالخطر هو أيضاً، رتيب هناك!
شرطة البادية تتظاهر خلف الاسوار وتهتف وتهزج –تسقط الشيوعية، يعيش الوصي والملك!- ويسمع السجناء الشتائم والتهديد بالذبح، وأغاني نكراء تتغنى بالثأر والانتقام والدماء. ويسمعون طلقات الرصاص في معظم الليالي. ان شرطة البادية، بطبيعة الحال، هم أوحش رجال الشرطة العراقية. لكن المستعمرين والرجعيين لم يكتفوا بتلك الوحشية البدائية، بل هذبوها على طريقتهم الخاصة، ودفعوها بطريق الحقد الأعمى على السجناء السياسيين. وقد يعجب القارئ إذا علم ان دائرة الاستعلامات الأمريكية تبعث، مرتين في الأسبوع، رجالها في سيارة السينما الامريكية المتجولة إلى ذلك المكان النائي لتثقف شرطة البادية بالمحاضرات والأفلام السينمائية وتعلمهم كيف ينبغي أن يمجدوا "الحرية" الامريكية ويكافحوا الشيوعية ويبيدوا الشيوعيين. ومن ثمار تك الثقافة ان أقتنع اولئك البدو السذج ان كل سجين سياسي ينبغي ان يكون شيوعياً. وما الشيوعي إلا "مسقوفي"(1)، يهودي، صهيوني، ضد الملك والوصي وعلم الدولة، عديم الشرف، يتزوج أمه واخته، وأخيراً، فهو يستحق ان يحرق بالنار وان تشرب شرطة البادية من دمه مثلما تشرب الماء.
هؤلاء البدو "الشرطة" ينتهزون كل فرصة للتعبير عن أفكارهم ومعتقداتهم تلك، وإظهار مشاعرهم العدائية نحو السجناء بنظراتهم الحاقدة وتهديداتهم وشتائمهم وأحيانا بالاعتداء المباشر والضرب.
والسجين في ذلك الوسط العدائي، لا يشعر بالخطر من المظاهر والتهديدات اللسانية وإطلاق الرصاص في الهواء. وإنما يتلمسه عملياً، في سلوك موظفي السجن ومناوراتهم ومؤامراتهم. ففي كل يوم، وكل ساعة، محاولة لاستفزازه واستدراجه الى شباك مؤامرة حقيرة وربما خطيرة!
اشتهر رجل كان مديراً لهذا السجن، اسمه جبار أيوب (وهو نفسه الذي نفذ مذبحة سجن بغداد وساهم في تنفيذ جرائم سجن الكوت) وجبار أيوب من ذلك الطراز الذي قدر الهتلريون مزاياه العظيمة لإدارة المعتقلات السياسية ومعسكرات الأسرى.
لقد صرح هذا الرجل أمام السجناء، خلال نوبة غضب حادة ألمت به: ان شيئا واحداً يشغل باله طيلة 24 ساعة من اليقظة والنوم، هو ان يبتكر أساليب جديدة، على الدوام، لايذاء السجناء وتعذيبهم. وقد اقترف فعلاً جرائم منكرة اشهرها حصار 1949، وإطلاق النار على السجناء.
كانت سلطات السجن تعزل السجن عن العالم الخارجي بين حين وآخر، فترات طويلة. ولا تسمح لأهل السجناء بزيارتهم إلا بترخيص من التحقيقات الجنائية في بغداد. وأحيانا، تمنع ادخال الهدايا من الطعام وغيره الى السجناء، وهو أمر خطير، إذ يصعب على السجناء الاكتفاء بالغذاء الحكومي الشحيح كماً وكيفاً. وإذا سمحت بإدخال الطعام امرت الشرطة بتفتيشه. والتفتيش معناه خلط السكر بالملح، والشاي بالتبغ، وتكسير البيض وتفريغ الدبس والسمن ...الخ. بحثاً عن المواد "الممنوعة". وأثناء التفتيش، تسرق الشرطة، او تصادر ما تريد، دون وازع أو رادع.
تأتي عوائل السجناء للزيارة من اقصي العراق إلى أدناه بعد ان تمر ببغداد لأخذ الموافقة. فتبيت في نقرة السلمان ليلة أو أكثر لتحظى بزيارة قد لا تستغرق في ظروف الشدة أكثر من 10 دقائق، بحضور جمهرة من الشرطة.
كان أحد السجناء يريد أن يسأل ذويه عن الحرب في كوريا، أثناء زيارتهم له، بحضور جمهرة من الشرطة. فسألهم عن "القوري"(2) وظل يلح بالسؤال ويكرر: شلون القوري ...؟ حتى فطن اهله إلى قصده، فاستحمدوا الله على ان القوري لم ينكسر ولن ينكسر ...! كانت الادارة في ذلك الحين قد منعت ادخال الجرائد اليومية طيلة سنة كاملة ولم تسمح بها آخر الأمر إلا بعد اضراب عن الطعام دام ستة أيام.
وخلال المواجهات، تختلق إدارة السجن وأفراد الشرطة المبررات للاعتداء على الرجال والنساء والأطفال، وعلى السجناء أنفسهم أمام ذويهم. وإليك حادثاً من هذا النوع: أم وزوجة وبضعة أطفال كانوا في زيارة أحد السجناء السياسيين، وقد استغرقوا في أحاديثهم وعواطفهم وأفكارهم التي تتزاحم وتتسابق مخافة ان ينتهي الوقت وتنتهي الزيارة. وكان الأطفال، يتعلقون بأكتاف أبيهم السجين وهو جالس القرفصاء قبالة امه وزوجته. ساعة سعيدة قلما يهنأ بمثلها السجين وأهلوه. وغير بعيد من المكان الذي تجري فيه المواجهة، يقع الباب الداخلي المؤدي إلى الساحة، حيث يتجمهر السجناء أحياناً، ليشاركوا في فرح المواجهات والزيارات. ومن تلك الباب أشار "أحدهم" إلى ذلك السجين الجالس بين عياله وطلب إليه ان يقترب، فلما دنا منه أبلغه رغبة "الرفاق" في دعوة العائلة الى الغداء. فرجع السجين إلى امه وزوجته وأطفاله بهذا الخبر الجليل المفرح: ستتأخر العائلة إذن، وسوف يأتيها الطعام من مطبخ السجناء، وسوف يستمع هو الى مزيد من كلمات امه وزوجته وضحكات أطفاله وهم يتناولون طعام السجن!
لكن مفوض الشرطة شاء ان يفسر اقتراب السجين من الباب وعودته إلى أهله، تفسيراً آخر. وبضربة مسرحية واحدة، انقلب الموقف إلى مأساة إذ أعلن المفوض انتهاء الزيارة وأمر الشرطة ان تفتش السجين وتفتش النساء والأطفال. فهجمت جمهرة من الشرطة "لتفتيش" السجين، على مرأى من أمه وزوجته وأطفاله، فأشبعوه ضرباً ولكماً وتمزيقاً. ثم تحولوا إلى النساء "ليفتشوهن" فاشبعوا الزوجة والأم لطماً وسباباً، وتجاوزوا حدود الحرمات في السب والضرب والتفتيش. أما السجين الآخر الذي نادى رفيقه من وراء قضبان الباب، فقد جيئ به إلى المفوض، بالأسلوب ذاته! كان هذا السجين قوي البنية طويل الجسم، صاحب نخوة وحمية. فأمسك بالمفوض من وسطه ورفعه إلى أعلى وضربه بالأرض وصار يسحق عليه بالحذاء، والمفوض يصرخ ويستنجد، حتى أجتمع عدد كبير من الشرطة الذين داروا على السجين دورة ضاربة وانتقموا منه انتقاماً فظاً. وأرادت إدارة السجن ان تحتجز السجينين في زنزانة الحبس المنفرد لكن موقف "الرفاق" الحازم حمل المدير على التراجع والإفراج عن السجينين، بعد ان تكهربت الأعصاب، وفارت الدماء في العرق في تلك المقبرة المنسية في بطون الصحراء. وانتهى الحادث، ومر على السجناء يوم من أيام الحياة في نقرة السلمان. انتهى الحادث، وانتهت حياة زوجة السجين التي ماتت يوم وصولها إلى مدينتها البصرة متأثرة من آثار الضرب والصدمة ومشقات الطريق.
في أواخر 1949، انتقل المجلس العرفي العسكري، بكامل هيئته إلى سجن نقرة السلمان، حيث أجرى محاكمة أربع وأربعين سجيناً بتهمة ترويج الشيوعية، لأنهم قدموا إلى السلطات الحكومية، عريضة يحتجون فيها على اختطاف قادة الحزب الشيوعي من سجن الكوت وإعدامهم. فحكم المجلس "المتنقل"، عليهم بسنوات سجن اضافية.
ان قلعة نقرة السلمان، بموقعها في بطن البادية الجنوبية، بصيفها المحرق وشتائها القارص، وشرطتها البدو المتعطشين للدماء ومدرائها المرضى في نفوسهم وما يتلقونه من أوامر "عليا"(3) وما يحاولون تحقيقه يومياً من المؤامرات والاستفزازات، ان نقرة السلمان كانت كفيلة بالقضاء على السجناء وتحطيمهم تحطيماً تاماً، لولا ان يكون لهم، ذلك الايمان العظيم بشعبهم ومبادئهم وبالإنسانية ومستقبلها المضيء الظافر، ولولا عزيمتهم الفولاذية المستمدة من عزيمة شعبهم المناضل وكل الشعوب المناضلة ضد الاستعمار والرجعية والحرب، ولولا انهم تعلموا كيف يقاومون عوامل الضجر والحزن والمرض. فنظم السجناء اعمالهم وأوقاتهم. اعمال المطبخ والفرن والغسيل والكنس ونحوها، يقوم بها السجناء بالمناوبة، لا فرق بين واحد وآخر. المكتبة، المخزن الصيدلية، استلام الأرزاق، توزيع الماء، الحفلات، الرياضة البدنية، الموسيقى والغناء ...الخ، يتولاها رفاق مسؤولون أو لجان مسؤولة. ولكل عمل أو نشاط أوقات خاصة به، وأصول يحترمها السجناء ويراعونها. ويتعرض السجناء الى النقد الأخوي الصريح إذا أخطأوا أو قصروا. ويتلقون في الوقت ذاته المعونة والنصح والإرشاد، من رفاقهم السجناء الذين يراقبون كل بادرة في السلوك أو المزاج، تشذ عن الحياة الجماعية الرفاقية أو عن الروح النضالية، وفضائل الخلق الثوري، فيعالجونها في الحال.
وأصبح للسجناء السياسيين في السجون، بعد خبر سنوات عديدة، مدارس راقية للتثقيف والتهذيب، يتعلم فيها السجناء القراءة والكتابة واللغات والاقتصاد السياسي والتاريخ والفلسفة، ويتلقون فيها تدريباً عملياً مفيداً. وفي السجون، يلتقي المناضلون من مختلف الطبقات والاتجاهات السياسية فيتبادلون الاراء والتجارب ويصقلون نفوسهم ويهذبونها ويتزودون بروح التعاون والثقة. وطبيعي ان يلعب الشيوعيون دوراً قيادياً في مختلف نواحي النشاط بين السجناء السياسيين، دوراً لا تنازعهم عليه العناصر الوطنية والديمقراطية الأخرى، بل على العكس، تعترف لهم به وتستفيد منه أعظم الفوائد.
في 1949، والحملة الارهابية في ذروتها، كانت معتقلات بغداد تغص بمئات المعتقلين. وفي واحد منها، استطاع بعض المعتقلين الشبان الذين كانوا ينتظرون دورهم في المثول امام المجلس العرفي العسكري ان يحصلوا على نسخة من جريدة رجعية فيها النص الكامل لبيان مكتب الانباء للأحزاب الشيوعية حول قضية تيتو. هناك، وفي تلك الظروف القاسية، شعر اولئك الشبان الذين سيذهبون الى السجون لأول مرة في حياتهم، بان رفاقهم السجناء القدامى بحاجة الى الاطلاع على تلك الوثيقة الخطيرة. فما كان منهم إلا أن جزؤوا البيان اجزاءً استظهروها بنظام خاص ليعيدوا كتابتها إذا التقوا في السجون بعد حين. بتلك الروح العالية، وبذلك الحرص اللامتناهي على العلم، والحب للحقيقة، انشأ السجناء السياسيون مدارسهم ومكتباتهم التي صار لكل منها تقاليدها وأساليبها وأساتذتها.
لكن الحياة في نقرة السلمان ليست دروساً كلها، وكنساً وطبخاً وغسيلاً. فهناك الجوانب الممتعة أيضاً، الرياضة البدنية في الصباح، والشطرنج وحلقات السمر والغناء في أوقات الشاي بعد الظهر أو في المساء.
من المشاهد المألوفة ان ترى السجناء السياسيين يتسابقون وفي أرجلهم سلاسل الحديد، وترى الاوسمة يعلقها الفائزون على صدورهم وسط التصفيق. وقد تشاهد رفيقاً من لجنة الغناء، يعلم الجوقة أغنية كردية أو نشيداً عربياً من تلحين أحد السجناء. وقد تشاهد، في الضوء الشاحب في الطابق الادنى من القلعة، جمهرة من الرفاق العرب والكرد، يعلو رؤوسهم الغبار وتصبب وجوههم عرقا، يتدربون على الدبكة ويغنون ويتضاحكون كأنهم في (نوروز)، وكأن ظلام القلعة وغبارها نهاراً مشرقاً معطراً بأنفاس الربيع.
أما الحفلات فهي الينبوع الاعظم لمسرات السجناء وأفراحهم حيث المحاضرات والخطب وقصائد الشعر والرقص والغناء والتمثيل. تقام الحفلات في المناسبات الوطنية والأممية، وما اكثرها وما أعظمها وما أروعها!! حزيران، كانون، تشرين، اكتوبر، أيار، الجلاء عن سوريا ولبنان، الهدنة في كوريا، وميلاد ماركس، ولادة الجمهورية الشعبية في الصين ... وغيرها وغيرها!
لقد خلقت تلك الحفلات أدباً وفناً ثوريين، تسربا إلى الخارج فتلقفتهما الجماهير بشغف واعتزاز. ولأدباء السجون اليوم وشعرائها ورساميها وملحنيها مكانة خاصة عند الجماهير.
هكذا استطاع السجناء السياسيون في نقرة السلمان ان يقاوموا عوامل الخمول والحزن واليأس والمرض وان ينتصروا عليها. ان ما ابقاهم أحياء في نقرة السلمان هو فكرهم النير وإرادتهم الفولاذية الواعية واعتقادهم المطلق بأنهم جزء من جبهة الكفاح، جزء يجب ان يصمد ويحتفظ بقواه وثوريته وان يقاوم، مع كل المناضلين، محاولات الاستعمار وأعوانه لإذلال الشعب وإخضاعه واستعباده  وتقديمه وقوداً للحرب.
وكان السجناء السياسيون على يقين تام بان شعبهم لن يتخلى عنهم ان هم لم يتخلوا عنه. فكان لهم من عطف الجماهير والرأي العام سنداً عظيماً بوجه السلطات الحكومية، سنداً يمدهم بالقوة والثبات والعزيمة. لقد احتضنت الجماهير وكل الرأي العام الوطني، قضية السجناء السياسيين حتى أصبح الغاء سجن نقرة السلمان(4) والعفو العام عن السجناء السياسيين (أو على الأقل إعادة محاكمتهم أمام محاكم مدنية نزيهة)، مطلبين وطنيين تتبناهما كل الاوساط الوطنية وتوافق عليها حتى الاوساط المعادية للشيوعية وبعض الفئات الحاكمة.
ان صمود السجناء السياسيين في نقرة السلمان والسجون الآخرى وبطولاتهم العظيمة وتضحياتهم، لم تكن موضع عطف الجماهير الشعبية والأوساط الوطنية وإعجابها فحسب. بل كانت أيضاً نبراساً مقدساً للمناضلين ضد الاستعمار في الصمود والبطولة والتضحية. لقد خلق السجناء السياسيون تقاليد رائعة للسلوك الثوري في المواقف والمعتقلات والسجون، تقاليد يعتز بها المناضلون الثوريون ويمجدونها. وهي، إلى جانب تقاليد الشعب العراقي الثورية المجيدة، تقاليد ثورة العشرين وانتفاضة الازيرج ووثبتي كانون وتشرين وإضرابات السكك والنفط ومسيرة العمال المضربين الكبرى من (حديثة) إلى بغداد، وتمردات فلاحي العمارة والبصرة و (دزه ى) وإضرابات الطلاب ومظاهراتهم واعتصاماتهم. تلك التقاليد الثورية هي، الى جانب تقاليد الشعب العراقي الثورية المجيدة، من أبرز خصائص الحركة الثورية في العراق، التي ولدت وترعرعت في ظروف التصادم الحاد مع المصالح الاستعمارية الاجنبية وأجهزة القمع الاستعماري الرجعية السوداء.
لعل القارئ يستطيع الان ان يتعرف على مزاعم الحكومة الفارغة وأكاذيبها في البيان الذي اصدرته مديرية الدعاية العامة في 19 حزيران 1953 حول مذبحة سجن بغداد. وان يفهم حقيقة ما قصدت إليه الحكومة في عبارات (العطف على ذوي السجناء)، و (الوسائل الممكنة للترفيه) عن السجناء. وان يقدر الاسباب الحقيقية التي أجبرت الحكومة على نقل سجناء نقرة السلمان، في سنة 1951 إلى السجون الأخرى في بغداد والكوت فهي قد نقلتهم، بعد ان عجزت، أمام نضال السجناء وضغط الرأي العام، عن الاحتفاظ بهم في ذلك السجن الرهيب النائي. لكنها ما لبثت بعد نقلهم إلى بغداد والكوت، ان صارت تتحين الفرص وتخلق المبررات لتعيدهم من جديد إلى هناك. وأخذت تنقل إلى سجن النقرة، افراداً وجماعات صغيرة تتهمهم بالشغب والعصيان والتمرد، وأخيراً، استغلت ظروف الاحكام العرفية والإرهاب البوليسي والعسكري وتعطيل الصحف والأحزاب، بعد وثبة تشرين الثاني 1952 لتشن أفضع هجوم تعرض له السجناء السياسيون في كل السجون العراقية وفي كل تاريخ الحكم الاستعماري الرجعي في العراق. بدأ ذلك الهجوم –كما اطلع القارئ- بمذبحة سجن بغداد في 18/6/1953، وانتقل بعد ذلك إلى سجن نقرة السلمان، ثم الى سجن الكوت حيث وقعت المذبحة الكبرى بعد شهر من الحصار كما سيأتي بيانه.

محمد راشد (الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)
بغداد –حزيران 1955
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم المؤلف مجهولا إلى أن نشرت طريق الشعب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب كاملا دون تغيير أو إضافة أو حذف/ الناشر: محمد علي الشبيبي
(1)- المسقوف اسم اطلقه الاتراك على الروس خلال حروب الامبراطورية العثمانية مع القيصرية الروسية. ولا زالت التسمية معروفة في العراق وترمز الى العدو القاسي الذي لا يستحق رحمة أو شفقة.
(2)- القوري باللغة العراقية الدارجة ابريق الشاي.
(3)- صرح أحد المدراء المدعو كاكه أمين: أنه يتلقى أوامره من نوري السعيد مباشرة.
(4)- اوفدت الحكومة تحت ضغط الرأي العام لجنة خاصة لدراسة أوضاع ذلك السجن فأوصى تقرير اللجنة بإلغائه نظراً لمخالفته للشروط التي يجب توفرها في السجون الحكومية حسبما يقرره قانون السجون. وقد صرح وكيل مدير السجون العام السيد (صديق خوجه) عند زيارته للسجن قائلاً "ان نقرة السلمان لطخة عار في جبين الحكومة العراقية" اما عن العفو العام ، فقد رفعت خلال السنوات الماضية إلى الجهات المختصة مئات الالوف من التواقيع وقدمت مذكرات عديدة من نقابة المحامين، وأثيرت القضية مراراً في مجلس النواب وقدم الاستاذ حسين جميل وزير العدلية وقتئذ، تقريراً الى مجلس الوزراء تضمن الطعن بمشروعية الأحكام التي أصدرتها المجالس العرفية واقترح اتخاذ الاجراءات التشريعية التي تسمح بإعادة محاكمة السجناء السياسيين امام المحاكم العادية.



يتبــــــــــــــــــــــــع

38
من أعماق السجون في العراق*  /4
 
الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) 
1920 – 1963


من هم السجناء السياسيون
ما هي السجون العراقية

مشكلة فلسطين، مشروع معاهدة جديدة مع الاستعمار البريطاني، مشاريع معاهدات واتفاقيات مع تركيا، مع الأردن، مع بريطانيا حول الارصدة الاسترلينية ...الخ. كان ذلك كله يتطلب من الرجعية العراقية سنة 1947، سبلا للتنفيذ في وجه صعوبات متزايدة تقيمها الحركة الوطنية التي نمت وتعاظمت وانبث فيها الوعي السياسي الى درجة كبيرة، خلال الحرب العالمية الماضية وبعدها. ومن مستلزمات تنفيذ اي مشروع استعماري، ان يشن الحكام الرجعيون وخدم الاستعمار، حملات ارهابية ضد الوطنيين والحريات الديمقراطية.  فكانت اعتقالات واسعة قامت بها حكومة نوري السعيد (حينذاك) وأحكام قاسية أصدرتها محاكم صالح جبر على مئات المعتقلين وفي مقدمتهم قادة الحزب الشيوعي العراقي: يوسف سلمان يوسف (فهد)، وزكي محمد بسيم (حازم) وحسين محمد الشبيبي (صارم)، حتى امتلأت السجون بالفوج الاول من السجناء السياسيين.
وفي سنة 1949، اجتمع الفوج الثاني من السجناء السياسيين، على أثر اعتقالات أوسع نطاقاً، قامت بها حكومة (محمد الصدر) ثم حكومة (مزاحم الباجه جي) وأخيرا (وعلى الأخص) حكومة نوري السعيد، انتقاماً من الشعب الذي أحبط بدمائه مؤامرة "بورتسموث" ومن الاحزاب والمنظمات المجاهدة التي قادت الجماهير في وثبة كانون 1948 وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي، ولسلب المكاسب الديمقراطية التي انتزعها الشعب العراقي في أيام وثبته الخالدة.
كان التنكيل بالمواطنين وحشياً وقاسياً خلال هجوم 1949 الرجعي، شمل الوطنيين والديمقراطيين والنقابيين والشيوعيين من عمال ومستخدمين وطلاب ومحامين وتجار ومعلمين وفلاحين، رجالا ونساءً.  وانتشر في طول البلاد وعرضها جو هستيري محموم، لم يسبق للعراق ان عرف مثله من قبل. وفي ذلك الجو الخانق المتسمم بالشوفينية والطائفية، اختطفت الحكومة الرجعية قادة الحزب (يوسف سلمان، زكي بسيم، حسين الشبيبي) الشيوعي العراقي من سجن الكوت (وكانوا إذ ذاك محكومين بالسجن المؤبد) وأعدمتهم على عجل، بعد محاكمة صورية قصيرة، أمام المجلس العرفي العسكري.
في تلك الايام السوداء من تاريخ الحكام الرجعيين، اشتهر معسكر للاعتقال يقع شمال غربي بغداد، اسمه "ابو غريب"، ورجل كان يشغل رئيس المجلس العرفي العسكري، اسمه (عبد الله النعساني).
يؤتى بمئات المعتقلين الى ذلك المعتقل بعد ان يكون بعضهم قد تلقى تعميد دائرة "التحقيقات الجنائية"(1) فيوضع كل واحد في غرفة صغيرة واطئة مظلمة، سقفها من الصفيح وأرضها من السمنت مغمورة بالماء الى عمق بضعة عقد. يؤتى بالإنسان ليقذف به الى داخلها، ليبقى بضعة أيام وليال، في برد الشتاء القارص، دونما فراش أو غطاء، واقفاً على رجليه معتمداً على الجدار عند النوم، وقطرات الندى البارد المتساقطة من صفيح السقف تسح على وجهه وتتوغل في طيات ثيابه المقرورة وبعد أيام من حرب الاعصاب في الظلام الدامس الذي يستوي فيه الليل والنهار، يسمح للمعتقل ان يسترد جزءاً من حقوق الانسان الاولية لتغصب منه حقوق أخرى حيث يظل في المعتقل اسابيع في انتظار المحاكمة امام (النعساني)، وهو مقطوع الصلة بالعالم الخارجي، لا يجوز لأهله زيارته، ولا يجوز له ان يقابل أحداً حتى محامي الدفاع.
خمسون او ستون رجلاً يواجهون دفعة واحدة منصة القضاء، المتربع عليها (النعساني). بضعة شهود من الشرطة وجواسيس دائرة التحقيقات الجنائية. التهمة: ترويج الشيوعية وفق المادة (89آ). المحكمة تسمح او لا تسمح للمتهم بالدفاع عن نفسه او بتوكيل محام عنه، فذلك من اختصاصها، حسب مرسوم الاحكام العرفية المعمول به منذ سنوات عديدة. تستمر المحاكمة ثلاث او أربع ساعات تصدر بعدها على خمسين او ستين متهما احكام قاطعة بالسجن، لا تقبل النقض او الاعتراض.
عبر الناس رأيهم في أحكام (النعساني) هذا، بالأقصوصة التالية التي انتشرت انتشاراً واسعاً، مع شيء من الاختلاف في التفاصيل: قيل ان صفاً طويلاً من المتهمين السياسيين، وقف امام النعساني للمحاكمة. وكان يتوسطهم رجل أسود اللون. وبعد السؤال والجواب، أصدر النعساني حكمه: "من الأسود الى اليمين، عشر سنوات، من الأسود لليسار، سبع سنوات". وخرج المحكومون من المحكمة وبقي "الأسود" في مكانه، لا يدري الى أي فريق ينتمي. وقد احتار الجنود الحرس في أمره ايضاً. فانتبه النعساني الى وجود "الأسود" وتأخره عن اللحاق بأصحابه، فطرده بشتائم تليق بمقام عبد! وخرج الرجل مهرولا وهو لا يصدق ان قد وفر لنفسه ولأهله سبع او عشر سنوات من السجن بتهمة الشيوعية(2).
هكذا امتلأت السجون بالفوج الثاني من السجناء السياسيين. نعم، هكذا امتلأت، بمئات ومئات من الوطنيين والديمقراطيين ومن بسطاء الناس، "الأبرياء" حتى من "تهمة" النشاط الوطني او الديمقراطي.
وفي سنتي 52 – 1953 اجتمع الفوج الثالث من السجناء الذين غصت بهم السجون بفضل الاحكام العرفية التي اعلنت بعد وثبة تشرين الثاني 1952. وقد شهدت محاكم هاتين السنتين مهازل كمهازل (النعساني)، حتى ان المجلس العرفي العسكري قد حكم بالسجن غيابياً على بعض الموتى من المناضلين او "المشبوهين" وعلى اشخاص خياليين لا وجود لهم في غير تقارير الشرطة والتحقيقات الجنائية. وحدث، مرة، ان اعتقلت الشرطة (في 14 آذار 1955) عدداً من الطلاب اثر مظاهرة خرجت في الصباح فحكم عليهم المجلس العرفي العسكري في نفس الليلة، بالسجن مدداً طويلة. لكن راديو بغداد الحكومي كان أكثر "نباهة" وحماساً من المجلس العرفي، إذ أذاع تلك الاحكام في نشرته المسائية للأخبار، قبل ثلاث ساعات على الاقل من اجتماع المجلس العرفي ومثول المتهمين بين يديه!
استهدفت اعتقالات ومحاكمات 52- 1953، كما هو معلوم تصفية الحركة الوطنية وحركة السلم، لتمهيد السبيل امام المشاريع الحربية العدوانية ولكن المستعمرين الرجعيين أخطأوا الحساب. فبعد اعتقال آلاف المواطنين وسجن مئات منهم وتدبير مذابح السجون في بغداد والكوت لم يجد الحكام الرجعيون بعد ستة أشهر فقط من رفع آخر الاحكام العرفية التي كانت معلنة في البصرة لتأديب عمال النفط اثر اضرابهم المشهور، لم يجدوا مفراً من العودة الى اعتقالات جديدة قام بها نوري السعيد في صيف 1954، وإصدار مراسيم ارهابية رجعية شاذة(3)، والاستمرار في حملة الاعتقالات وتوسيعها توطئة لفرض المشاريع الحربية وفي مقدمتها الحلف التركي العراقي.
وبالإضافة للأفواج الثلاثة الرئيسية والفوج الرابع الذي ما زال يتضخم يوماً بعد يوم منذ تشكيل وزارة نوري السعيد، وزارة الاحلاف والمراسيم، فان المحاكم العراقية المدنية والعسكرية لم تتوقف يوماً ما، منذ عشر سنوات، عن ارسال الشيوعيين والوطنيين والديمقراطيين وأنصار السلام من شتى الاتجاهات السياسية، من العمال النقابيين والفلاحين الناهضين بوجه المظالم الاقطاعية(4) والطلبة والشبان الديمقراطيين، والنساء، الى السجون.
ويلاحظ بشكل محسوس ان ميزانية الحكومة للسجون وتوسيعها وبناء سجون جديدة تتضخم سنة بعد أخرى، كما تتضخم مصروفات الشرطة وأجهزة القمع وميزانية التسلح والمنشآت العسكرية والحربية.
كانت سياسة الحكومة منذ البداية انها انكرت على السجناء المحكومين "بجريمة الشيوعية" و "جرائم" التظاهر والإضراب والهتاف والخطابة والنشر، انكرت عليهم حقوق السجن السياسي المنصوص عليها في قانون السجون. إلا ان السجناء استطاعوا بفضل نضالهم البطولي وإضراباتهم عن الطعام وتنامي القوى الوطنية والمد الثوري خلال وثبة كانون ان يفرضوا على السلطات الرجعية الاعتراف لهم بتلك الحقوق.
وما ان بدأ الهجوم الرجعي على القوى الوطنية في أوائل 1949 وتم اختطاف قادة الحزب الشيوعي من سجن الكوت وإعدامهم في بغداد، حتى تعرض السجناء السياسيون الى هجوم ضاري جردهم من حقوقهم المشروعة. ونقل كثير منهم، على الأثر، الى سجن بعيد، في موضع من البادية الجنوبية، يسمى (نقرة السلمان). ويبعد مسافة 150 كلم عن أقرب مدينة عراقية (السماوة)(5). كان ذلك السجن قلعة عسكرية بناها (ابو حنيك) لتأديب البدو وفرض النفوذ البريطاني عليهم. و (ابو حنيك) هو غلوب باشا، القائد الانكليزي للجيش العربي الاردني الهاشمي. ثم صار السجناء الجدد ينقلون، بعد ذلك، الى سجن (نقرة السلمان) الذي اشتهر كسجن للانتقام والموت البطيء.
ومنذ ذلك الوقت، والمحاولات تجري في سجن نقرة السلمان كما في السجون الأخرى لإخضاع السجناء لحياة الذل والمهانة وتسخيرهم في الاعمال المدنية كما يسخر السجناء العاديون. إلا ان تلك المحاولات اصطدمت وما زالت تصطدم بمقاومة جبارة من جانب السجناء الذين خاضوا اضرابات طويلة عن الطعام استمر بعضها اربعاً وعشرين يوماً بدون انقطاع، وقدموا تضحيات غالية من صحتهم وحيويتهم واستشهد منهم بسبب هذه الاضرابات عدة مناضلين، منهم: دنحو يلده (عامل) في سجن نقرة السلمان، نعمان محمد صالح (طالب) في سجن بغداد، حسين مهدي (فلاح) كبير السن وأب لمناضلين ومناضلات، في سجن بعقوبة. وراح من السجناء ضحايا آخرون، منهم: هاشم أحمد مات مسلولا، مهدي حسي اغتاله في المستشفى طبيب فاشستي، كريم صوفي و حييم، توفيا في التعذيب. وغير أولئك، كثيرون أصيبوا بالشلل والعاهات الدائمة ومرض السل وغيرها.
ان محور السياسة الحكومية ازاء السجناء السياسيين، هو الاضطهاد المتواصل بشتى الأساليب، والمحاولات المستمرة لتشديد التوتر بينهم وبين ادارة السجون، وخلق الاستفزازات اليومية لتبرير الانتقام وسلب الحقوق. فكان السجناء يدافعون عن حقوقهم ويناضلون نضالا دائباً بالعرائض الرسمية، والاحتجاجات التي يرسلونها الى الصحف (في الاوقات التي تكون فيها الصحف الحرة غير معطلة او خاضعة للرقابة)، وبالإضرابات عن الطعام، وكانت عوائل السجناء ومجموع الحركة الوطنية والرأي العام يلعبون دوراً هاماً في مساندتهم بالعرائض الجماهيرية، والاحتجاجات ووفود الآباء والأمهات وحتى بالمظاهرات.
كان كل سجين سياسي يتوصل من تجاربه الخاصة، خلال اقامته في السجون، سواء طالت ام قصرت ان سياسة الحكومة ازاء السجناء انما هي سياسة ماكرة تسيرها خطة موضوعة بعناية من قبل الاوساط الرجعية والاستعمارية. وتهدف الى تحويل السجون الى مقابر للأحياء ومباءات لنشر الرعب واليأس والتخاذل والانحلال في صفوف المناضلين ضد الاستعمار والرجعية، وتخويف الشعب وإذلاله وكسر معنوياته.
في سجن بغداد تعرض المناضلون الى حملات اعتداء وانتقام فضيعة. ففي سنة 1949 مثلا، دبرت الحكومة هجوماً قامت به عصابة من مجرمين سجناء يساندهم حراس السجن. فهدموا عليهم السقوف وقذفوهم بالطابوق وجلدوا احد السجناء السياسيين أكثر من ألف جلدة على قدميه، ظل بعدها عاجزاً عن المشي طيلة ستة أشهر وما تزال آثار الضرب بادية على قدميه. وكسروا اسنان عدد من السجناء بالمطرقة، لأنهم رفضوا شتم قادة الشعب العراقي المناضل في سبيل خبزه وحريته.
وفي سجن الكوت لم تنقطع الاستفزازات منذ سنة 1949. ومنعت الادارة ادخال الشاي والسكاير والصحف لعدة أشهر. ومنعت قراءة الاناشيد الوطنية وتنظيم الاحتفالات بمناسبة اول أيار والثورة العراقية ووثبة كانون والمناسبات الوطنية والأممية الاخرى وفرضت الحكومة عقوبات على السجناء بسبب الاناشيد والحفلات بلغت (400 سنة سجن) اضافية وزعت على السجناء. وفي سجن النساء تعرضت المناضلات الى التهديد والاعتداء والاستهتار بحقوقهن والى التعذيب والضغط المتواصل، لحملهن على التنكر  لأهداف الحركة الوطنية وقبول حياة الذل والعبودية، ففي عام 1949 اعتدي بالضرب فكسرت يد سجينة سياسية وام لعدة مناضلين، وهي عجوز عمرها 80 سنة.
وفي سجن بعقوبة الذي نقل اليه جرحى مذبحة سجن بغداد ثم جرحى مذبحة سجن الكوت الكبرى وعدداً من سجناء نقرة السلمان. في هذا السجن، دشنت الحكومة اساليب جديدة للانتقام فقد تركوا السجناء الجرحى، وهم مكبلون بالحديد، ينامون على الارض لمدة اسبوعين بلا أفرشة وبدون معالجة طبية.
واعتدوا بالضرب على القادرين منهم على المشي، عند دخولهم السجن، على طريقة الصفين المتوازيين من الشرطة والضرب المتلاحق خلال المرور. ومنعوا عنهم المواجهة واستلام الطعام من ذويهم، واجبروهم على الاكتفاء بالخبز والتمر ونوع من الشوربة اختصت بطبخه مديرية السجون العامة، وكانوا جرحى ومرضى كما هو معلوم. وعند مجيء الوجبة الاولى من سجناء نقرة السلمان كرروا معهم اسلوب الضرب بطريقة الصفين المتوازيين من الشرطة وجلدوا بعضهم بـ (الفلقة)  وجلدوا المناضل الشيوعي البارز حميد عثمان(6) 200 جلدة. ولم يفرج عنهم من السجن الانفرادي إلا بعد ان هب كل السجناء للنضال لإنقاذهم من هذا الخطر.
ولم يستطع السجناء ايقاف حملة الاعتداء والانتقام والاستفزاز إلا بلجوئهم في أواسط ايلول 1953 الى الاضراب عن الطعام مدة 12 يوم، واستشهاد أحدهم، الفلاح المسن الشيخ حسين مهدي واشتداد حملة الاحتجاج التي قامت بها مختلف الاوساط الوطنية. مما حمل الحكومة على ان تلبي بعض مطاليبهم وكان أهمها: 1- استرجاع الافرشة والملابس. 2- السماح لذوي السجناء بمواجهتهم. 3- وقف الاعتداء والإهانة. 4- المعالجة الطبية وإرسال المرضى والجرحى للمستشفى. 5- استلام المطبخ والسماح بإدخال الطعام من ذوي السجناء. 6- الاعتراف لهم بحق التنظيم داخل السجن والاعتراف بالممثل الذي ينتخبه السجناء لتمثيلهم والتفاوض باسمهم.

محمد راشد (الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)
بغداد –حزيران 1955

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم المؤلف مجهولا إلى أن نشرت طريق الشعب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب كاملا دون تغيير أو إضافة أو حذف/ الناشر: محمد علي الشبيبي
(1)- التعذيب في سراديب التحقيقات الجنائية ركن من اركان الحكم الرجعي في العراق، وله أساليب في الاضطهاد والتعذيب معروفة جيدا لدى الشعب العراقي. منها: التعليق من الايدي او الأرجل، حرق مواضع حساسة من الجسم، اقتطاع اللحم من الجسم، قلع الأظافر، ونتف الشعر، الاعتداء الجنسي، صب الماء البارد او الساخن، الجلد بالعصي والسياط والكرابيج المحشوة بالرمل، دق الخوازيق في الشرج. هذا بالإضافة الى التجويع وحرب الاعصاب والإهانات والكلمات البذيئة والتهديد بالقتل.
(2)- هذه الاقصوصة في محتواها قريبة جداً من الوقائع المتواترة التي يرويها الناس عن محاكمات (النعساني)، وغيره من رؤساء المجالس العرفية العسكرية.
(3)- أهم تلك المراسيم المرسوم رقم (16) الذي وسع مفهوم الشيوعية حتى شمل (انصار السلام، والشبيبة الديمقراطية وما شاكل ذلك). والمرسوم رقم (17) لإسقاط الجنسية العراقية عن المحكومين بتهمة الشيوعية. ومرسومان آخران رجعيان للصحافة والجمعيات.  
(4)- تعرض بصورة خاصة فلاحو العمارة من العرب وفلاحو (دزه ي) من الاكراد الى الاضطهاد والتشريد والنزوح عن اراضيهم. واعتقل وسجن منهم خلق كثير.
(5)- انظر خارطة العراق في آخر الكتاب.
(6)- وبعد أحد عشر شهراً من هذا الحادث تمكن حميد عثمان من الهرب مع اثنين من رفاقه وهو الان على رأس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي.


يتبــــــــــــــــــــــــع

39

من أعماق السجون في العراق*  /2


الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)
1920 – 1963
قلب بغداد
قف!
فهذا هو الجدار الطويل ... الطويل، الذي يحجز خلفه مسرح الجريمة الشنعاء، مذبحة 18 حزيران 1953. هذا هو جدار السجن السياسي من سجن بغداد المركزي.
لستَ في صحراء أو غابة أيها القارئ. أنت في قلب بغداد. أنت في باب المعظم.
تلك هي المكتبة العامة الوحيدة في عاصمة الرشيد والمأمون، تقابلها عبر ساحة "باب المعظم" قاعة الملك فيصل، القاعة الارستقراطية الفخمة للتمثيل والمحاضرات، الوحيدة في عاصمة بلاد الحضارات القديمة والنفط والكبريت.
هنا، على الساحة أيضاً، مديرية مصلحة نقل الركاب في العاصمة، ذلك المشروع الانكليزي الذي تديره الحكومة العراقية لقاء عمولة معينة. وهناك، أبعد قليلا، وأنت تدخل شارع الرشيد تقع وزارة الدفاع ومن خلفها مجلس الأمة "البرلمان". وعلى دجلة ما بين وزارة الدفاع حتى شارع المتنبي، تحتشد معظم الوزارات والدوائر الحكومية والمحاكم في بنايات السراي العثماني، ومعظم دور الصحف والمطابع. يقابل هذا المحتشد، عبر شارع الرشيد، جامع الحيدرخانه المشهور الذي انطلقت منه أول مظاهرة في بغداد في ثورة "1920" ضد الاحتلال البريطاني، حيث سقط برصاص الانكليز عامل أخرس فشيعته وبكته بغداد برمتها.
هنا مقاهي بغداد –مقهى خليل، مقهى البرلمان، مقهى حسن عجمي، مقهى عارف آغا، مقهى الزهاوي. هنا انتظمت حلقات الفكر والأدب والسياسة في سنوات ما بعد ثورة 1920-.
وهنا أيضا سوق اعراض بغداد، المبغى العام "الكلجية" كما يسمونه، غير بعيد عن الوزارات والدوائر الحكومة ومديرية الشرطة العامة.
لنعد من حيث أتينا. ها هي ساحة باب المعظم حيث تتقاطع أربعة شوارع. ولنسر في شارع الامام الأعظم "أبي حنيفة". هذا هو الجدار الطويل، مرة أخرى، تتصل به مديرية السجون العامة. تقابلها المكتبة العامة –كما ذكرنا- تليها دكاكين، مقهى صغير، معمل نجارة، فمتحف التاريخ الطبيغي، فعيادة حماية الأطفال، فمستشفى حماية الأطفال، فوزارة الخارجية العراقية، فحدائق المعرض. وأبعد قليلاً تقع الثكنة التركية القديمة ومقر حامية بغداد. إلى الشرق كلية الهندسة. إلى الشمال كلية الحقوق فالوزيرية، حيث تحتشد كل السفارات والمفوضيات الأجنبية عدا السفارة البريطانية "في الكرخ" والسفارة الامريكية في الطرف الأقصى من الكرادة الشرقية، بعيدا عن الناس، بعيدا عن الحركة ....
ومن جانب آخر من جوانب ساحة المعظم يتفرع شارع مزدحم بالسيارات والكراجات، حيث تقع كلية العلوم والآداب وثكنة شرطة الخيالة، تقابلها كلية الملكة عالية للبنات، وأبعد قليلاً إلى الشرق يبدأ شارع غازي وتبدأ معه منافذ بغداد الكادحة –الفضل، بني سعيد، قنبر علي، أبو سيفين، أبو شبل، باب الشيخ ... -.
وخلف السجن من جهة الغرب حتى دجلة يقع مستشفى "المجيدية"، إحدى مآثر السلطان عبد المجيد، بحدائقها الفسيحة ومبانيها القديمة والحديثة. وفي الجهة الملاصقة للسجن من المجيدية، تمتد مباني الكلية الطبية الملكية وكليتي الصيدلية والكيمياء.
هذا مكان السجن المركزي من قلب بغداد.
هنا نقف نحن، وسط شارع الإمام الأعظم وعلى بعد خطوات تمتد ساحة باب المعظم. على يميننا الجدار الطويل ... وإلى يسارنا وزارة الخارجية العراقية.
على يميننا مسرح جريمة شنعاء مخجلة، وإلى يسارنا مكان يتحدث فيه أصحابه إلى ضيوفهم بلغة ناعمة مؤدبة ويحفظ فيه موظفون أمناء وثيقة حقوق الإنسان وشريعة الأمم المتحدة، إلى جانب النسخة الاصلية من معاهدة 1930 العراقية البريطانية الملغاة ومعاهدة التحالف التركي – العراقي- البريطاني (الامريكي بالطبع)، التي حلت محلها.
وبإمكاننا حيث نقف أيها القارئ، أن نشارك السجناء السياسيين مرتين في اليوم سماع صافرات الشرطة وهي تنذر الناس والباصات وسيارات التاكسي بان تتوقف عن السير ريثما يمر الموكب الملكي ذاهبا إلى البلاط من هذا الطريق بالذات وعائد منه. وان نشارك الضيوف الأجانب انطباعاتهم عن بناية وزارة الخارجية ذات الجمال المتزن الهادئ، بأقواسها وفسيفسائها الملون التي تذكر بثلاثة عشر قرنا من الحضارة العربية الإسلامية التي أمرت بان (لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)، ويزعم الحكام العراقيون الرجعيون انهم ورثتها وحماتها. وان نشارك في دهشتهم من "شجاعة" الحكام العراقيين الذين نصبوا في هذا المكان من قلب بغداد ، ربايا للرشاشات وأطلقوا النار على 150 إنسان أعزل، تحيط بهم أربعة جدران. بإمكاننا أيها المواطن أن نتحسس حيث نقف، نبض الحياة في هذا البلد، وصراع كل المتناقضات فيه. وبإمكاننا، ونحن في هذا الجزء من بغداد حيث تنشط الإنسانية والرحمة في المستشفيات، والفكر والأدب والعلم والسياسة في المدارس والكليات والمكتبات ودور الصحف والمطابع، والعمل والحركة والضجيج في الكراجات والباصات ودوائر الحكومة والمقاهي، بإمكاننا بطلقة واحدة من مسدس نطلقها في الفضاء، أن نهز أعصاب بغداد كلها وان نترك العيون والآذان والشفاه تتطلع وتتسمع وتستفهم:
شكو ، داد؟؟ شكو باب المعظم؟
عفوا أيها القارئ! فاتني أن أخبرك أن الشارع المزدحم بالباصات والكراجات وثكنة الخيالة وكلية العلوم، الموصل ما بين باب المعظم وشارع غازي، هذا الشارع قد أُطلق عليه أسم "نوري السعيد" . وفي التسمية اعتراف بفضل نوري السعيد على أرصفة هذه الأماكن المشهورة من بغداد وعلى أجوائها وخرائبها ومبانيها. ذلك أن باب المعظم عرفت أكثر من مرة، بفضل الحكام الرجعيين وعلى رأسهم نوري السعيد، مذاق الدم ورائحة البارود وغاز الدموع. واحتفظت على الجدران والشرفات بأوسمة الرصاص وآثار الكر والفر. فمن تلك الساحة أنطلقت شرارة وثية كانون الثاني 1948 التي طوحت بمعاهدة "بورتسموث " اتفاقية جبر – بيفن ، ومنها في سنة 1952 تدفقت أولى مظاهرات تشرين الثاني التي أحبطت مقترحات الدول الأربع: امريكا، انكلترا، فرنسا، تركيا، للدفاع المشترك، والقت على المستعمرين وأذنابهم درساً آخر من دروس الوطنية الثائرة.
أما في هذا اليوم الثامن عشر من حزيران 1953، بعد الظهر، فلابد أن يكون لنوري السعيد، وزير الدفاع والرئيس الفعلي لوزارة جميل المدفعي القائمة حينذاك، لابد أن يكون لديه فضل جديد يضيفه إلى أفضاله السابقة. فثمة أمور غريبة تجري في باب المعظم!
الأحكام العرفية مازالت معلنة منذ وثبة تشرين الثاني 1952 وبغداد هادئة ساكنة إلا من الهمس، والغضب المطل من العيون. وعرائض الاحتجاج الشعبي، تنتقل من يد إلى يد بسرعة وحذر. والنظام والأمن سائدان مستقران! فما معنى تلك الفصائل من الشرطة، بخوذها الفولاذية وسياراتها (الجيب) المسلحة ورشاشاتها وحقائب قنابل غاز الدموع! ما معنى أن تتجمهر الشرطة في ظل الحائط الطويل ثم تذهب فصائل هنا وهناك وكأنها تحتاط وتستعد لأمر ما!؟
ما معنى تلك الحركة الغامضة المريبة؟
شهدت باب المعظم في السنوات العشر الماضية كثيراً من مثل هذه الحركات. كانت الشرطة تصطف وتتنكب السلاح وتتفرق جماعات إلى رؤوس الطرق والمنعطفات وتختبئ في المقاهي وتتحصن على السطوح وخلف الحيطان. ولا تلبث طويلا، حتى كنت تسمع من جهة ما، همهمة بعيدة. ويتوتر الجو وتتراكض الشرطة وتطقطق ترابيس البنادق وتجنح السيارات إلى الأرصفة. وتبرز فجأة لافتات وأعلام فوق موجة حالكة مضطربة عارمة، من الرؤوس والسواعد والصدور، تتقدم باندفاع نحو باب المعظم. ويدوي الرصاص، وتدوي الحناجر. وتتمزق اللافتات وتتلطخ بالدم وترتفع على الأعواد مزق حمراء طرية من قميص أو جاكيت. ويعلو الهتاف: يسقط الاستعمار، يسقط الجلادون، تسقط المشاريع الحربية، تسقط معاهدة 1930، يعش السلم، تعيش الجبهة الوطنية. وتقع الضحايا ويفشل الرصاص. وتتقدم الجماهير، وتطير كأسراب الجراد الجائع، قطع الحجارة والطابوق"الآجر" من كل صوب. وتقترب الوجوه المعفرة الثائرة تعلوها صفرة الغضب. ثم تشهد باب المعظم عجائز حافيات الأقدام وعمال بناء وطلاب وطالبات وماسحي أحذية صغار ومحرري صحف وحمالين عرب وأكراد وكتاب وشعراء شباب. وتخلو باب المعظم من أيما أثر للشرطة سوى خوذة مهشمة وسيارة جيب تأكلها النار، وروائح خانقة. وتحتل الجماهير شوارع بغداد فتسقط الوزارات ويطير الوزراء إلى حيث لا يعلم إلا السفير البريطاني.
شهدت باب المعظم الكر والفر والتطويق ومناوشات شرطة الخيالة المتحصنة فوق سطوح الاصطبلات. وألفت صفير سيارات الاسعاف ورأت أقداماً ميتة، حافية أو في الجوارب والحذاء اللامع، تتدلى فوق الأعناق أو من نقالات الاسعاف، رأت رؤوسا معصوبة، وبقع دم، وهراوات وخناجر. وتعلمت فلم يعد يفزعها شيء، لا دماغ بشري تنثره رصاصة ولا ضابط شرطة يموت تحت الأقدام. رأت مشنقة وشهيد يصيح من فوقها فجر 15 شباط 1949:
(لي الشرف أن أشتق في هذا المكان الذي نطلق منه مظاهرات أبناء الشعب)(1)
ورأت إمرأة فوق كلية العلوم والآداب، تلف العباءة السوداء على خصرها، في 17 كانون الثاني 1952، وتهلهل وسط الرصاص وقنابل الغاز المتطايرة في الفضاء (2).
ورأت أيام تشرين المجيدة من سنة 1952 وخاتمتها على يد الجيش الذي استعانوا به بعد هزيمة الشرطة، ورأت سيارات الجيش وأكياس الرمل ونظرات حادة تصوبها الجماهير من عيون حاقدة قلقة: انهم يعفرون شرف الجيش بالتراب!
عرفت باب المعظم عدوها جيداً في كل صوره وحركاته وبكل قسوته وبربريته. لكنها تقف حائرة هذا اليوم، الثامن عشر من حزيران 1953، بعد الظهر، لا تدري من أمرها شيئاً. فالعدو يفاجئها بأسلوب جديد وبحركات غريبة لا تفسير لها. كانت الشرطة تطوق السجن وتسد المنافذ إليه من كل الجهات. وقد حولت طريق الباصات والسيارات الذاهبة إلى الاعظمية والعائدة منها، إلى شارع آخر وأمرت الناس فيما حول السجن بالنزول من على السطوح والشرفات. وكانت الامدادات من الشرطة تتوالى وكلها بملابس الميدان. ثم ظهرت أعداد كبيرة من الشرطة فوق سطوح السجن وأبراج المراقبة. ومن بعيد صار الناس يراقبون تلك الحركة النشيطة، والشرطة تطاردهم وتلاحقهم إلى شارع نوري السعيد والرشيد وباتجاه الاعظمية وكلية الهندسة وشوارع العيواضية. ومن بعيد، حمل الهواء صياحا وتهديداً وشتائم، وارتفعت دمدمات قنابل الغاز، وحظرت سيارات الإطفاء التي صبت مياه خراطيمها من فوق السطوح، في بطن السجن، مع سيل الشتائم والأحجار والرصاص الذي أخذ يثور ويلعلع ويشتد.
هناك شيء من الأعماق، من الضمائر، شيء غير الحق والغضب، يولد في قلوب الناس الذين شاهدوا من بعيد تلك الحركات الغريبة وسمعوا الرصاص وفهموا ما أقدمت عليه الحكومة وراء الجدار الطويل. انه الاشمئزاز!
كانت باب المعظم، حتى الحيدرخانة في شارع الرشيد وحتى مقاهي الفضل في شارع غازي، تتساءل بذهول عن الرصاص الذي انطلق في مساء ذلك اليوم.
صعب على قلب بغداد الأبي الشجاع ان يفهم وان يسلم بصدق الخبر الذي انتشر في المقاهي والبيوت والحوانيت والشوارع، خبر المذبحة في السجن السياسي. مستحيل!  هذا مستحيل! وباتت بغداد، تلك الليلة، في قلق شديد فهي تخشى أن يكون المستحيل قد وقع فعلا.
في صباح اليوم التالي أصدرت مديرية الدعاية العامة نيابة عن الحكومة، هذا البيان ننقله إلى القارئ نصاً:-
{كانت الحكومة قد نظرت بعين العطف إلى طلبات ذوي السجناء الموجودين في سجن نقرة السلمان فنقلت أكثرهم إلى سجن بغداد المركزي وكان بضمنهم اثنان وعشرون يهودياً شيوعياً. وقامت بكل الوسائل الممكنة للترفيه عنهم وعن المحكومين الاخرين بنفس التهم. وعلى الرغم من ذلك فانهم دأبوا على الاتصال بأعوانهم في خارج السجن عن طريق المراسلات وغيرها وإحداث الشغب والتمرد في داخل السجن مخالفين بذلك نظام السجون بصورة مستمرة مما حمل الحكومة على تقرير نقلهم إلى سجن بعقوبة للحد من نشاطهم. وقد بُلغوا بأمر النقل قبل موعده بيوم واحد. وفي يوم 18-6-1953 تمردوا ضد القائمين بتنفيذ أمر النقل وقاموا بمظاهرة داخل السجن استعملوا فيها عبارات القذف ضد المقامات العليا وضد الحكومة. وحضر كل من متصرف لواء بغداد ومدير السجون العام إلى مركز السجن وابلغوهم بلزوم الانصياع للأمر ونصحوهم بتجنب احداث الشغب والتوقف عن التمرد إلا انهم قابلوا هذه النصائح بالعنف وباشروا برمي رجال الأمن بالحجارة والقناني والقضبان الحديدية واستعملوا مختلف الالات الجارحة في تمردهم هذا مما أدى الى جرح ثلاث وسبعون شرطياً بضمنهم 16 معاون ومفوض. فاضطرت الشرطة الى مقابلتهم بالمثل لردعهم. فأطلقت بعض العيارات النارية حدثت بسببها إصابات أدت إلى موت سبعة من المساجين وجرح 22 منهم نقلوا الى المستشفى. وقد نقل السجناء الباقون وعددهم 120 سجينا الى سجن بعقوبة.
والحكومة جادة في التحقيق حول حادث اطلاق النار والمسببين للتمرد والشغب}
اعتاد الحكام الرجعيون ان يصدروا البيانات الرسمية بمناسبة وغير مناسبة واعتاد الناس كذلك ان يقرؤها في الصحف، ان يقرأوا سطورها وما بين سطورها.
في كانون الثاني 1948 كانت الجماهير تهتف بسقوط صالح جبر وتطالب بإعدامه وإعدام نائبه جمال بابان وإعدام نوري السعيد عضو وفد المفاوضة في بورتسموث، حين كان جمال بابان وأعضاء الوزارة قابعين في قصورهم المحروسة جيداً، يتخابرون فيما بينهم بالتلفونات. في ذلك الحين أصدرت الحكومة بلاغات تقول: كل شيء هادئ في شارع الرشيد! وتقول أحياناً: اليهود في بغداد يتظاهرون لعرقلة جهود صالح جبر ونوري السعيد لإنقاذ فلسطين.
ففي صباح 19 حزيران، اطلع الناس على بيان حادث السجن، وفي رؤوسهم ذكريات مخجلة عن بيانات الحكومة العراقية، وقرأوا ما فيه وما ليس فيه. كانت الوجوه تتجهم وتعبس، والشفاه تكشر عن اشمئزاز واحتقار.
مذبحة، مجزرة، لطخة عار، جريمة لم يشهد التاريخ لها مثيلا ....
هذا ما فهمه الناس من بيان الحكومة العراقية.
الاحكام العرفية ما تزال معلنة منذ تشرين الثاني 1952 –كما قلنا- وقد بلغت كامل مداها من الانتقام والتنكيل بالشيوعيين والديمقراطيين والمواطنين وأنصار السلم من عمال وطلاب وكتبة وفلاحين ومثقفين وشباب ونساء. والسجون غاصة حتى ابوابها. والمجلس العرفي العسكري مأخوذ بحمى هستيرية شديدة، تلك الحمى التي طغت على أعماله بعد مظاهرة الطلاب في 14 آذار، وعلى الاخص بعد القاء القبض في نيسان على أربعة من المناضلين الذين أراد نوري السعيد إعدامهم ولكن احبط مسعاه تحت ضغط الرأي العام العراقي والعربي والعالمي، فحكم المجلس على ثلاثة منهم بالسجن المؤبد وعلى الرابع بالسجن 15 سنة.
كانت الوجوه تتجهم وتعبس والأحكام العرفية تمنع كل تعبير عن الاحتجاج والرأي. وآباء ضحايا المذبحة وأمهاتهم وإخوانهم عبثا يحاولون عمن يدلهم على جثث قتلاهم. فالحكومة تعلم جيداً ان بغداد ستخرج عن بكرة أبيها لتشييع الضحايا، كما شيعت نعمان محمد صالح في كانون الاول 1951 الذي استشهد في سجن بغداد السياسي، بعد إضراب طويل عن الطعام. وانتهى بهجوم الشرطة على المشيعين في المقبرة، وبالدماء والاعتقالات، وبأوامر رسمية نشرتها الصحف، في اليوم التالي، تلزم الموتى باستحصال رخصة من شرطة المرور للذهاب الى المقبرة!. وكان مئات الآباء والأمهات والأخوان والأخوات والأصدقاء يتساءلون عبثا عن مصير الجرحى عمن مات أو سيموت؟ فاتجهت الانظار الى مستشفى الكرخ(3). حيث خصصت الحكومة غرفة منه للسجناء السياسيين لمعالجة المرضى منهم الذين يؤتى بهم الى بغداد من السجون البعيدة كنقرة السلمان والكوت وبعقوبة.
في صباح ذلك اليوم، 19 حزيران 1953 كانت سرية مسلحة من الشرطة بخوذها الفولاذية ورشاشاتها وبنادقها تطوق المستشفى وتحرس الغرفة المغلقة بقفل كبير على من فيها من جرحى وأسرار غامضة.
كان القلق يمزق أفكار الناس وعواطفهم. ماذا يكون المصير؟ كيف سيأمن الناس على حياتهم بعد اليوم؟ وهل سيقف المجرمون عند حد؟
وقبيل الظهيرة استطاعت ورقة صغيرة ان تشق طريقها الى الخارج، تنبئ ان واحدا من الجرحى قد مات وان الجرحى لم يتلقوا اي علاج او اسعاف حتى ضمن ذلك النهار وانهم سيموتون جميعا لا محالة.
فاندفع كثير من شرفاء الناس يعالجون الامر مع المراجع الرسمية، وخرجت مظاهرة خاطفة، وتكهربت شوارع بغداد. وفي نحو الساعة الثالثة بعد الظهر، دخل أول طبيب الى غرفة الجرحى في مستشفى الكرخ، ليأمر بإخراج الجثة، وليرى أجساداً محطمة غارقة، على الأسرة، ببرك من الوحل والدم. هكذا بدأ وجه الجريمة التي روعت بغداد يسفر شيئا فشيئا وخيوط المؤامرة الدنيئة تبين في وضح النهار.

محمد راشد
(الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)
بغداد –حزيران 1955

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم الناشر مجهولا إلى أن نشرت طريق الشغب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب كاملا دون تغيير أو إضافة أو حذف/ الناشر: محمد علي الشبيبي
(1)- الشهيد حسين محمد الشبيبي "صارم" الذي أعدمه الاستعمار مع رفيقيه يوسف سلمان "فهد" وزكي بسيم "حازم".
 (2)- كان ذلك في الذكرى الرابعة لوثبة كانون حينما أضربت الكليات وخرج الطلاب والجماهير في مظاهرة من باب المعظم. وبعد مهاجمة الشرطة لها، اعتصم بعض المتظاهرين في بناية كلية العلوم وجرت معركة حصار دامت بضع ساعات.
 (3)- يقع هذا المستشفى على مقربة من السجن في جانب الرصافة وليس كما تدل عليه التسمية.




يتبــــــــــــــــــــــــع

40
من أعماق السجون في العراق/1
 
الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)
1920 - 1963

تمهيد
منذ نعومة أظافري عندما كنت في سن الثانية عشر أو أكبر بقليل وقبل ثورة 14 تموز 1958 وقع نظري على كتاب بعنوان (من أعماق السجون في العراق). كان العنوان غريبا ومثيرا للفضول. حدث هذا عندما دخلت على أبي، فوجدته منهمكا ينظم بعض الكتب في مكتبته الصغيرة ذات الأبواب الخشبية المزججة والمتواضعة جداً. فانتبهت إلى كتاب يحمل هذا العنوان، وقد عزله والدي عن بقية الكتب. بعد أن أفرغ والدي المكتبة من الكتب في الرف الأسفل رفع قاعدة خشبية من خشب المعاكس كانت عبارة عن قاعدة وهمية –ظاهرية-! كانت هذه القاعدة تمويهية تخفي تحتها فراغا على طول وعرض الرف وبعمق 2 سم! لفت نظري مجموعة من الأوراق والدفاتر كانت مخبأة في هذا الفراغ الخفي، فدس والدي الكتاب المعزول (من أعماق السجون في العراق) بين تلك الاوراق والدفاتر، ثم أعاد القاعدة الخشبية وثبت مساميرها، ولاحظت أن المسامير دخلت كاملة دون مقاومة وأخذت مواقعها. بعد ذلك طلب مني ترتيب الكتب على الرفين في المكتبة وحذرني من التحدث لأي كان عما شاهدته!؟.
وبعد ثورة تموز وجدت الكتاب بين كتب المكتبة ولم يعد والدي يخفيه في مخبئه السري داخل المكتبة. لكن هذا الكتاب أختفى من المكتبة ولم يعد له أثر، ربما طلبه أحدهم ولم يعيده ولفه النسيان، أو أن أحدهم استعاره خلسة وقرر الاحتفاظ به.
مؤلف الكتاب (محمد راشد) كان مجهولا ولم يعرف والدي كاتبا بهذا الاسم، فهو أسم مستعار. والغريب ان بعد ثورة 14 تموز 1958 بقي أسم المؤلف الحقيقي مجهولا ولم يفكر أحداً بإعادة طبع الكتاب بما في ذلك المؤلف الحقيقي الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) الذي اكتشفته فيما بعد!
ومرت السنون وكبرتُ ونضجتُ سياسيا وسجنت وتنقلت بين عدة سجون وصورة الكتاب ماثلة أمامي بالرغم من أنني لم أقرأ منه سوى العنوان ولا أعرف مؤلفه، هذا العنوان الغريب والباعث على الفضول وهو يختصر ما جرى في سجون العهد الملكي من أحداث مأساوية ومجازر رهيبة! وكم مرة سألت عنه زملاء في السجن ورفاقا كبارا، كان بعضهم لم يسبق له أن سمع بالكتاب وآخرون (صادق الفلاحي) سمع به لكنه هو الاخر لم يطلع عليه! وعندما كنت أدرس في بولونية تواجدت في غرفة أحد الأصدقاء العراقيين –كان ذلك عام 1976- وبالصدفة عثرت على هذا الكتاب بين مجموعة غير قليلة في مكتبة هذا الصديق! سألته إذ لا يمانع باحتفاظي بهذا الكتاب، فوافق دون تردد. أخذت الكتاب وغادرت هذا الصديق مسرعا ومتلهفا لقراءته قبل أن يغير صديقي رأيه ويتراجع عن قراره.
ولفت انتباهي اسم المؤلف (محمد راشد) فلأول مرة أسمع بهذا الاسم! واكتشفت أن الكاتب قد أهدى هذا الكتاب لبروفيسور بولوني (لم أعد اتذكر أسم هذه البروفيسور). ففي الزاوية العليا من الصفحة الأولى كتب المؤلف بالحبر الأخضر إهداء لهذه الشخصية ووقع تحتها بكلمة –المؤلف-. قرأت الكتاب وخمنت أن كاتبه لابد أن يكون شيوعيا وعاش أحداث مجازر سجن بغداد والكوت أيام الحكم الملكي. وعند عودتي للعراق بعد اكمال دراستي في أكتوبر عام 1977 قررت فصل الزاوية التي كتب فيها المؤلف إهداءه والاحتفاظ بها في مكان آخر تحفظا من ردة رقابة البعث في المطار، لأن الاوضاع بدأت تتدهور.
وفي أواخر عام 1978 نشرت صحيفة الحزب الشيوعي العراقي نداءً ترجو فيه من قرائها من تتوفر لديه نسخة من الكتاب تزويدها به لاستنساخه. أخذت الكتاب وتوجهت إلى إدارة الصحيفة وسلمته إلى الرفيق عبد الرزاق الصافي ووعدني بإعادته بعد استنساخه. وبعد أيام نشرت الصحيفة الحلقة الأولى من الكتاب، مع تعليق بسيط تشير فيه أن المؤلف الحقيقي هو الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)، ألفه وطبعه خارج العراق  باسم مستعار (محمد راشد) ووزعه أثناء مشاركته في مهرجان الشباب العالمي في وارشو –بولونية- عام 1955. حينها وجدت تفسيراً لصيغة الإهداء الذي خطه المؤلف على الكتاب وكيف تعرف المؤلف على هذه الشخصية البولونية، فلابد أن هذه الشخصية البولونية كانت من الناشطين البولون في الحزب وفي المجال الشبابي.
بعد نشر الحلقة الأولى من الكتاب واسم مؤلفه الصريح، بحثت بين كتبي عن تلك القصاصة التي سجل فيها الشهيد إهدائه فوجدتها، ووجدت أن الحزب أحق مني بهذا الكتاب الذي خط الشهيد عليه بقلمه الإهداء. فذهبت إلى إدارة الصحيفة وسلمت هذه القصاصة للأستاذ عبد الرزاق الصافي وقلت له ليبقى الكتاب في حوزة الحزب فالحزب أولى بالحفاظ على آثار رفاقه، وانا لا أطلب سوى نسخة مستنسخة من الكتاب. وبعد هذه الحلقة أزداد الوضع السياسي تعقدا وتصاعد الهجوم على الحزب وقواعده وأصدقائه ... وحاولت أكثر من مرة وبحذر شديد من الاتصال بالرفيق عبد الرزاق الصافي في إدارة طريق الشعب ولم أفلح ومع تصاعد الحملة ضد الحزب اصبح  وصولي إلى إدارة صحيفة الحزب محفوف بالمخاطر خاصة بعد التحقيق معي من قبل مسؤول مكتب المدرسين في معهد التكنولوجية، وتفتيش خزانتي في المعهد، وانقطاع صلتي بمرجعي الحزبي ... فتركت موضوع حصولي على نسخة من الكتاب وغادرت الوطن.
بتأريخ 25/8/2008 نشرت مقالا بعنوان (صور وذكريات ... ووفاء!؟) على عدة مواقع الكترونية تطرقت فيه باختصار لكتاب الشهيد أبو سعيد  (من أعماق السجون في العراق) ووجهت فيه نداء لمن يحتفظ بنسخة من الكتاب لتزويدي بها، وكررت مثل هذا النداء أكثر من مرة، ودعوت الحزب والجهات المعنية بتراث الشيوعيين بالبحث الجاد عن نسخة من هذا الكتاب الثمين المفقود، وذلك من خلال الاتصال بالأشقاء العرب ممن ساهم في مهرجان الشباب العالمي في وارشو عام 1955 ...
وأعادت صحيفة المدى نشر مقالتي بتأريخ 25/2/2010 ولكن بعنوان آخر (أبو سعيد ومذكرات السجون). وجاءت المفاجأة عندما أستلمت رسالة الكترونية من رجل نبيل (علي ابو الطحين) بتأريخ في 26 شباط 2010 يبشرني بامتلاكه لنسخة من الكتاب! فكتب لي ما يلي:
(تحية طيبة،
قرأت في عدد يوم (غد) الخميس لجريدة المدى، ملحق عراقيون عن (أبو سعيد ومذكرات السجون) بقلمك وقد ورد فيه بحثك عن نسخة من كتاب "من أعماق السجون". في الحقيقة أنا حصلت على كتاب أثناء وجودي في معرض الكتاب في القاهرة عن كتاب لمؤلف قد يكون أسم مستعار (محمد راشد) وأسم الكتاب : (في أعماق السجون في العراق) مطبوع في القاهرة بدار القلم عام 1955. فأذا كان الكتاب هو ما تبحث عنه فمن الممكن تصويره على شكل PDF وتوزيعه للصالح العام.
تحياتي،
أخوك\ علي أبوالطحين
بريطانيا)

أخيراً أفلحت جهودي الفردية في البحث عن كتاب يروي بطولات السجناء الشيوعيين في سجون العهد الملكي، وها هو الأستاذ النبيل علي أبو الطحين يبشرني ويوعدني بإرسال نسخة سكانار، وفعلا وخلال أيام وصلني تصوير جميع صفحات الكتاب (176 صفحة). كنت متحمسا لنشر الكتاب بأسرع ما يمكن لكن انشغالي بكتابات والدي وكتاباتي الخاصة حال دون ذلك. عملية نشر الكتاب بحاجة إلى نقله من السكانار إلى الوورد ليكون صالحا للنشر والتداول السهل. عرضت الفكرة على بعض الأصدقاء وتحمسوا للمهمة لكنهم وبعد أشهر أعتذروا!؟ سلمت نسخة منه إلى رفاق الشهيد على أمل أن يحيوا تراث الشهيد وخاصة أن الكتاب فيه من الوثائق التي تدين جرائم النظام الملكي، كما يروي أحداث المجازر في سجن بغداد وسجن الكوت بتفاصيلها، ويذكر أسماء الشهداء والجرحى من السجناء مثلما يذكر أسماء المسؤولين الذين أعطوا الأوامر والذين نفذوها صغارا كانوا أم كبارا!
أخيرا وبعد أن يئست من مساهمة الآخرين ممن يهمهم نشر تاريخ الشيوعيين في سجون الحكم الملكي، قررت أن أتولى بنفسي نقل هذه الصفحات البطولية من سفر الشيوعيين والتي صورها الشهيد عبد الجبار وهبي بكل دقة لتطلع عليها الاجيال الحاضرة. والشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) بنشره لكتابه هذا يفضح جرائم النظام الملكي الذي تمت بإشراف (الباشا نوري السعيد). وأرجو من القاريء الكريم وهو يقرأ بشغف وفضول ما كتبه الشهيد عبد الجبار وهبي عن مجازر السجون أيام الحكم الملكي أن يأخذ بنظر الاعتبار طبيعة الفترة المتناولة والأفكار السائدة حينها. وسوف يرى القاريء كيف يصف الشهيد بسالة وشجاعة الشيوعيين وهم يقاومون بعناد وصلابة هجوم جلاوزة النظام الملكي في مذابحهم البربرية، مثلما يصف الرومانسية الثورية لهؤلاء الابطال أثناء احتضارهم، وهم غير آبهين بالموت ولا بالرصاص ولا بما أصابهم من رصاصات قاتلة خطيرة، وهم يهتفون بحياة الشعب وحزبهم!
مرة أخرى جزيل الشكر للسيد علي ابو الطحين الذي تجاوب معي ولم يبخل بإرسال نسخة مصورة من الكتاب.
سأنشر محتويات الكتاب تباعا وعلى حلقات ابتداءً من (المقدمة) التي كتبها الشهيد عبد الجبار وهبي باسم مستعار تحت عنوان (إلى القارئ العربي).
 المجد والخلود لكل شهداء الحركة الوطنية والشيوعية السباقين في الشهادة ومقارعة الظلم والاستبداد.
محمد علي الشبيبي
السويد/ ‏24‏/08‏/2012
alshibiby45@hotmail.com 
     
إلى القارئ العربي
ان الارهاب البوليسي والحكم العسكري العربي والمعتقلات والسجون والمجازر والقوانين الرجعية والاستهتار بالدستور وبالقوانين الرجعية ذاتها، وكل ما جرى وما هو جاري في العراق، لم يبق سراً خافياً على الرأي العام العربي والعالمي. فان "نقرة السلمان" مثلاً، لم تعد اسماً يعرفه عرب العراق وأكراده وحدهم وليس في العالم العربي يجهل أيضا ان حلف مندرس- السعيد- ايدن الاستعماري العدواني ما كان له ان يظهر إلى عالم الوجود لولا سياسة البطش والدكتاتورية الرجعية السافرة التي مارستها الطغمة الحاكمة في العراق وعلى رأسها عصابة نوري السعيد وان الشعب العراقي الذي ناضل بكل قواه ضد الحلف المجرم كما ناضل ضد الاحلاف المشابهة له من قبل وكما تناضل الان ضد هذا الحلف الشعوب العربية الشقيقة، لا يلتزم ولا يعبأ بقصاصة من الورق تحمل توقيع نوري السعيد وموافقة برلمانه المزيف.
ومع ذلك فان القارئ العربي وكل الاوساط الوطنية العربية والرأي العام بحاجة إلى التعرف، على نحو أكثر دقة وواقعية، على طبيعة تلك السياسة المجرمة -سياسة الخيانة الوطنية السافرة والإرهاب الرجعي الدموي الأسود- التي اعتمدتها عصابة نوري السعيد في تحقيق إرادة أسيادها، سعاة الحرب المستعمرين الامريكان والانكليز. ولمثل هذه المعرفة أهمية خاصة في هذا الظرف الذي يجهد فيه الاستعمار وأعوانه للإيقاع بالشعوب العربية الواحد تلو الآخر، في فخ حلف تركيا-العراق. فليس نوري السعيد إلا واحداً من تلك الذئاب المسعورة والأفاعي السامة التي ربّاها الاستعمار وتعهدها ومنحها الألقاب والأوسمة ونفخ فيها من روح زعامته وأمرها بان تحكم بأمره. وفي كل بلد عربي أكثر من ربيب واحد، لو تعرّوا مثلما تعرّى نوري السعيد وأفلسوا مثلما أفلس وفقدوا مثله كل رجاء في اللف والدوران والتستر، لآتوا بمثل ما أتى به نوري السعيد وعصابته في العراق.
فمنذ وقت قريب ظهرت في الصحافة الامريكية تصريحات أدلى بها نوري السعيد حول الاحلاف الاستعمارية قال فيها: ان العرب لا يرفضون التحالف مع الغرب لو ان حكوماتهم عرفت كيف تكلمهم بصراحة وجرأة.
أية "صراحة" وأية "جرأة" يريد نوري السعيد وتريد الصحافة الامريكية ان تعلمها للحكومات العربية؟ ان نوري السعيد إذ يتهم الحكومات العربية (وبعضا منها على الاخص) بالعجز والجبن وعدم الصراحة وإذ يفخر هو بصراحته وجرأته، فانما يعبر في الواقع عن خلاصة تجارب السياسة الاستعمارية العدوانية التي اتجهت منذ عشر سنوات بقيادة الدوائر الحاكمة في الولايات المتحدة الامريكية، نحو تشديد السيطرة على بلدان الشرق الاوسط وتحويلها إلى قاعدة حربية للاعتداء على الاتحاد السوفياتي، حصن السلام ونصير الشعوب وصديق العرب الأكبر، تلك السياسة التي أصطدمت وما تزال تصطدم بمقاومة الشعوب العربية. فقوله هذا إنما يعني: ان الشعوب العربية لا يمكن اقناعها بقبول الاحلاف والتكتلات الحربية إلا بسياسته "الصريحة" "الجريئة"، سياسة الارهاب والمذابح والمشانق والسجون.
وقد اعطت الدبلوماسية الامريكية كثيراً من الادلة على إيمانها بهذا الرأي وخصوصا بعد ابرام حلف تركيا-العراق. وما الضغط والتهديد والاستفزاز من جانب الاتراك والصهيونيين، وما مصرع العقيد الوطني عدنان المالكي على يد عملاء الاستعمار وبتوجيه منهم، وما تدخل ممثلي الحكومة الامريكية في الشؤون الداخلية لبعض الاقطار العربية، إلا تطبيق عملي للافكار التي عبر عنها نوري السعيد، ومحاولة لإقناع الحكومات العربية وخصوصاً حكومتي مصر وسوريا، بان تقتفي خطى حكومة السعيد. ومن هذا القبيل أيضاً ولكن على الطريقة الانكليزية، ما أظهرته ملكة بريطانيا العظمى من عواطف نبيلة نحو نوري السعيد وتقدير سام لخدماته القيمة بمنحها اياه (في أوائل حزيران 1955) وساماً من أرفع الاوسمة الانكليزية.
فجدير بكل عربي ان يتدبر ما يبيته المستعمرون وعملائهم وان يرى إلى سياسة الارهاب والهجوم على الحريات الديمقراطية باعتبارها الوجه الكافي لسياسة الاحلاف الحربية.
ان الوقائع المفجعة التي سيطلع عليها القارئ العربي في هذا الكتاب من خلال ما سنعرضه من صور الحياة في السجون العراقية ومجازرها، ستكشف القناع نهائياً عن وجوه اولئك "الساسة" الذين يدافعون عن الاحلاف العدوانية ويرون في نوري السعيد "الصريح" "الجريء"، نوري السعيد التي تحاول الدعاية الاستعمارية ان تخلق منه بطلاً من أبطال العالم الحر، معلماً لهم ومرشداً. وعندئذ يستطيع كل عربي ان يقول لهم: هذا أنتم وتلك نواياكم!
وسيجد القارئ في صفحات هذا الكتاب، كما نرجو، نواحي أخرى تستحق الاهتمام وإمعان النظر. فالعراق بلد تحكمه شركات البترول وكبار الاقطاعيين وحفنة من كبار الملاكين والمحتكرين، الذين جمعتهم بشركات البترول والشركات الاحتكارية الاخرى رابطة مصلحة واحدة في ان يظل الشعب بقرة حلوباً ويد رخيصاً للعمل، يستغلونه أبشع استغلال ويربحون أقصى الارباح على حساب كدحه المتواصل وجوعه الدائم وتأخره وجهله. تعاونهم في ذلك فئات من محترفي السياسة ورجال الجيش والشرطة والإدارة المدنية الذين أكتسبوا خلال فترة قصيرة من "الحكم الوطني" الذي أعقب ثورة 1920، ثروات طائلة فارتبطت مصالحهم المادية ومراكزهم الاجتماعية بالأوضاع الجديدة التي ترتب عليهم ان يحرسوها ويحافظوا عليها. وخلال الثلاثين سنة الماضية تركزت الثروة أكثر فأكثر بيد قلة من كبار الاقطاعيين وأبناء العائلات الذين تناوبوا وتبادلوا في مواقيت "عادلة" كراسي النيابة والوزارة، لينفذوا سياسة معلومة مقررة، ترسمها لهم المراجع العليا في السفارتين الانكليزية والأمريكية ومن تعتمدهم من كبار اصدقائهما الذين كان نوري السعيد أبرزهم وأقواهم في السنوات الأخيرة.
كان الجهاز الحاكم وعلى رأسه عصابة نوري السعيد أداة طيعة للسياسة الاستعمارية التي استنزفت ثروة البلاد وأفقرت الشعب وحالت دون تطور الاقتصاد الوطني  وتقدم الصناعة الوطنية. فكان من أثر ذلك ان اشتد التناقض بين الاستعمار ومجموع الشعب وتعممت عوامل السخط والحقد على الاستعمار وحلفائه وعملائه في حين ان البرجوازية الوطنية ظلت هزيلة ضعيفة، اقتصادياً وسياسياً. وقد أدركت الجماهير بتجاربها الخاصة، خصوصاً في سنوات ما بعد الحرب حينما سمحت الحكومة سنة 1946 لعدد من الاحزاب الوطنية بان تزاول نشاطها السياسي، ادركت ان البرجوازية أضعف وأعجز من ان تطلع بقيادة نضال جماهيري محتدم متزايد في الشدة والعنف ضد الاستعمار والإقطاع ومن أجل الاستقلال الوطني والحريات الديمقراطية ومطالب الشعب الملحة. فصارت الجماهير الواعية تلتف حول الطبقة العاملة التي برهنت انها الطبقة الاكثر ثباتاً واستقامة وقدرة على قيادة النضال الوطني ضد الاستعمار والرجعية وأساليب الحكم التعسفية الارهابية الظالمة.
ولم يكن الاستعمار ليجهل من جانبه ما كان يجري من تطورات خطيرة في ترتيب القوى الطبقية وارتفاع مكانة الطبقة العاملة وحزبها السياسي في الحركة الوطنية التحريرية. فركز هجومه ضد الحركة العمالية ولجأ إلى أقسى تدابير القمع ضد نضالات العمال الاقتصادية والسياسية. وفي سنتي 48-1949، بعد وثبة الشعب الكبرى ضد معاهدة الدفاع المشترك مع بريطانيا "معاهدت بورتسموث"، شهد العراق أفضع هجوم انتقامي تعرض فيه آلاف وآلاف من المواطنين الى السجن والتشريد والاضطهاد واعدم فيه أصلب قادة الحركة العمالية الوطنية ولكن الارهاب ضد الطبقة العاملة وحزبها السياسي، وإعدام قادتها، زاد من ثقة الجماهير وإيمانها بالطبقة العاملة وزاد من التفافها حولها، وقد ثبت للاستعمار ان المشانق والسجون والقوانين الرجعية وقانون مكافحة الشيوعية "المادة الاولى من ذيل قانون العقوبات" لم تكن كافية لصد تيار الحركة الوطنية المتصاعد ولا كافية لمنع تحول قيادتها إلى الطبقة العاملة وحزبها السياسي. ثبت ذلك بشكل ملموس في وثبة 1952 التي لعبت الطبقة العاملة وحزبها الدور القيادي فيها، كما هو معلوم –تلك الوثبة التي اطاحت بحكومة (العمري) ووضعت حد للتفكير بمقترحات الدول الاربع للدفاع المشترك عن الشرق الأوسط لذلك لجأ الاستعمار والطغمة الحاكمة إلى ارهاب أشد قسوة وفتكاً، تناول جميع الحركات الديمقراطية الجماهيرية وخاصة الحركة النقابية والطلابية وركز حقده بوجه خاص على السجناء السياسيين فنظمت السلطات الرجعية في صيف 1953 مذابح السجون المشهورة وشددت أساليبها الوحشية في معاملة السجناء في سجون نقرة السلمان وبعقوبة بقصد ابادتهم أو تحطيم معنوياتهم وحملهم على الخيانة.
ان مذابح صيف 1953 والحوادث الاخرى التي رافقتها في سجن "نقرة السلمان" يمكن وصفها بانها شكل اعلى من اشكال الارهاب الذي ابتدأ بميثاق 1949 واستمر عدى فترات مقيدة، حتى هذا اليوم واتسع في صيف 1954 بعد تأليف نوري السعيد القائمة، حتى شمل كل مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية، وحتى أصبح كل نشاط سياسي أو اجتماعي أو فكري تشم منه رائحة المعارضة للاستعمار والأحلاف، نشاطاً محرماً "وشيوعياً" يمكن ان يؤدي بصاحبه إلى المشنقة أو نزع الجنسية حسب القوانين التي سنها نوري السعيد ووافق عليها برلمانه المزيف. برلمان حلف تركيا-العراق واتفاقية نيسان العراقية-البريطانية.
لقد اعتمدنا في جميع الوقائع والمعلومات على وثائق رسمية وعلى شهادات ومذكرات وتقارير اناس عاشوا حياة السجن وكان لهم شرف الصمود بوجه الاضطهاد والجرائم والمجازر. وقد توخينا ان يأتي هذا الكتاب على صورة "ريبورتاج" ممتع –ان صح التعبير-، لكل ما هو جوهري ونموذجي في حوادث صيف 1953 وما بعدها. وإذا كان لأحد ان يتشكك في صدق الوقائع فليس بوسعنا إلا ان نقول له ان تلك الوقائع شهدها واطلع عليها آلاف الناس من السجناء وأهلهم وأصدقائهم وانه سيأتي اليوم الذي يتكلم فيه اولئك الناس امام "محاكم الشعب" ليقدموا لنا صورة كاملة عما شهدوه وعرفوه في أعماق السجون العراقية وذلك اليوم آت لا ريب فيه.
لا نريد ان نستبق القارئ إلى الانطباعات والاستنتاجات التي من حقه وحده ان يكونها لنفسه، بعد قراءة هذا الكتاب، إلا ان من حقنا أيضاً ان نقول له: ان قصة الحياة في السجون العراقية ليست قصة ظالم ومظلوم، بل قصة صراع دام بين قوتين عنيدتين تجمعهما عداوة قاتلة، كعداوة الحق للباطل، والحياة والموت. ثم، من واجبنا أيضاً ان نقول للقارئ وللرأي العام العربي والعالمي: ان الروح النضالية العالية التي تكشف عنها حوادث هذا الكتاب إنما هي روح شعب عظيم مجاهد لن تثنيه عن عزمه سجون ومشانق ومجازر ولن تقف في طريقه طغم حاكمة وعصابات ومؤامرات. وإذا كان نوري السعيد قد "نجح" بعد تمهيد من الإرهاب، والمجازر والمراسيم، في وضع توقيعه، بيد مرتعشة، على ذيل أوراق مكتوبة بالعربية والتركية والانكليزية فان الشعب العراقي الذي أنزل بالمؤامرات الاستعمارية ضربات قاصمة وهزم ابطالها أكثر من مرة خارج حدوده، ليملك الان كل القوى والإمكانيات لقبر حلف مندرس-السعيد-ايدن، والسير الى الامام بالتضامن مع كل الشعوب العربية الشقيقة والمجاورة في نضاله من أجل السلم والاستقلال والحرية والتقدم، في قافلة الانسانية السائرة نحو غدها السعيد.

محمد راشد
(الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)
بغداد –حزيران 1955

يتبــــــــــــــــــــــــع

41
تصحيح معلومات وردت في مقالة د. عبد الحسين شعبان (مقهى وروّاد ومدينة: ذاكرة المكان ونستولوجيا التاريخ!)
العزيز د. عبد الحسين شعبان المحترم
موضوعك جميل وأنت تتحدث فيه عن النجف وعن فترة من تأريخها المجيد وبعض شخصياتها التي تركت أثرها في النجف. وأعتب عليك لوقوعك ببعض الأخطاء والخلط. فقد خلطت بين أسم والدي (علي الشبيبي) وبين أسم شقيقه الأصغر (محمد علي). ربما سبب هذا الخلط هو ابتعادك الوجداني عن أصدقاء الأمس وشخوص الماضي الذي تتذكره في مقالتك بالزهو والتفاخر!؟. فأين أنت الآن من ذلك الماضي! وكم أحسست بالضيق وأنا أراك تتقدم مجموعة من المنافقين في لقاء مع القذافي، وأنت تعرفهم جيدا إنهم منافقون وإنهم ساهموا وناصروا وساندوا وأيدوا جرائم البعث بعد انقلابهم الدموي عام 1963 وأنت تدين الانقلاب وممارسات الانقلابيين!؟ ومنذ متى تعلمنا أن نقف أذلاء نمتدح  جبابرة تميزوا بالحمق والغباء وانتهاك حقوق الإنسان -التي تدافع عنها؟- مثل القذافي أو ملك السعودية!؟
أرسلت لك رسالة على الميل ألفت نظرك إلى وقوعك ببعض الأخطاء ولكن لم يصلني الرد، لهذا قررت نشر ملاحظاتي لتصحيح الأخطاء، خاصة أنك أشرت إلى أن هذا الموضوع قابل للتعديل. وإليك الملاحظات مع ذكر العبارات وذكر الصحيح :
وردت العبارة التالية (... فضلاً عن العلاقة التي تربطنا به وبأولاده لاسيما كفاح وهمام ...)  والأصح بأحفاده لاسيما كفاح وهمام ...
وردت العبارة التالية: (... والأكثر أن ولده حسين أحد كبار شهداء الحزب، والنجف تعتز به وأنه ولده محمد علي أحد مؤسسي الحركة الشيوعية في النجف مع مرتضى فرج الله ...). الصحيح أن الشهيد حسين وولده علي هما المؤسسان الفعليان للحركة في النجف عام 1940/1941 وليس -محمد علي- الذي كان صغيرا. أما المؤسس الفعلي للحركة في النجف فهو الشهيد حسين (راجع مقالتي –الشهيد حسين محمد الشبيبي أديب وثائر نشرت في الحوار المتمدن العدد 1551 بتأريخ 15/5/2006). وقد أسر الشهيد أخيه الأكبر علي خبر اهتدائه للحزب وتعرفه على فهد. ويكتب والدي –علي- في مذكراته (ذكريات معلم المنشورة أيضا في المواقع) أنه أستلم مسؤولية محلية النجف من المعلم  إسماعيل الجواهري الذي قاد المحلية بعد انتقال الشهيد إلى العمارة عام 1941/1942. ولكن إسماعيل الجواهري ولسبب ما تخلى عن العمل الحزبي وسلم مسؤولية المحلية إلى والدي (علي الشبيبي) وكان هذا عام 1943/1944. وبقى والدي مسؤولا عن محلية النجف لغاية 12/10/1947 حيث تخلى عن العمل الحزبي. وساهم خلال عمله الحزبي في الكونفرنس الأول ومؤتمر الحزب الأول.  بعد تخليه عن العمل الحزبي سلم مسؤولية المحلية لصديقه مرتضى فرج الله ولم تدم قيادة مرتضى للمحلية طويلا فقد اعتقل في 1/1/1948 حيث تخاذل وكشف تنظيمات المنظمة! ووالدي يذكره بالاسم وقد أشرت إليه بـ "م" في نشري لمذكرات الوالد.  ويمكنك العودة لمذكرات الوالد في موضوعتي الويل واالصدف اللعينة من ذكريات معلم. ومما يؤكد صحة المعلومات التي ذكرها الوالد بخصوص تخاذل مرتضى الرسالة التي وصلتني من الأستاذ خالد جواد شبيل حيث يؤكد صحة معلومات والدي عن تخاذل مرتضى فهذا ما سمعه من والده الراحل الذي كان حينها أحد أعضاء المحلية أو دونها وقد مسه ضرر تخاذل مرتضى.
وجاء في مقالتك: (ولا تزال ذاكرة الفتى خضراء حول " تحريم " شراء بيت الشبيبي بعد وفاته والإشاعات التي رافقت ذلك، سواءً تلك التي كانت تقال همساً وتلميحاً أو حتى تصريحاً.  وتلك إحدى مفارقات المشهد الديني والسياسي، لاسيما عندما يتم التلاعب بعواطف بعض العامة، ويُرهب من يخالف ذلك، ويتم توظيف الدين سياسياً، لاسيما إزاء رجل دين مرموق مثل الشبيبي.). كان الأجدر ذكر هذه الإشاعة عن تحريم شراء البيت خاصة أن أحد الكتاب -محمد باقر الحسيني- ذكرها في مقالة نُشرت على المواقع. أنا لا أعتقد أنها إشاعة لأنني أتذكر جيدا كيف لاقينا صعوبة في بيع البيت وأنخفض سعره كثيرا، وأخيرا اشتراه نفس المرجع لأبنه بسعر لا يتناسب وقيمة البيت الحقيقية!؟ وأحب أن أذكر الدكتور وهو صديق عزيز أنني محمد الشبيبي حفيد الشيخ محمد الشبيبي ونجل علي الشبيبي وليس نجل -محمد علي- كما يذكر. والعتب في هذا الخلط هو ابتعاد الدكتور عن رفاقه وأصدقائه ونسيانه لهم وهذا مؤسف.
أحب أن أوضح لرفع بعض الالتباس أن الشيخ محمد الشبيبي له ثلاث أبناء نشطوا في صفوف الحزب الشيوعي هم: "علي" الابن الأكبر تولد 1913 وتوفى عام 1997. الشهيد حسين (صارم) تولد 1917 واعدم في 15 شباط 1949. محمد علي (الاسم مركب) تولد 1924 وتوفى عام 1970.

محمد علي الشبيبي
السويد ‏05‏/02‏/2012

42
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 25
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)




هذه الحلقة الأخيرة من (ذكريات معلم). لابد أن أقدم جزيل شكري لجميع الأصدقاء الذين كتبوا لي وأبدوا ملاحظاتهم والذين تذكروا معلمهم ودوره في وضع اللبنات الأولى في طريقهم طريق العلم والأدب وكتبوا رسائلهم وهي تعكس الوفاء الأصيل لمعلمهم. شكري الجزيل للجميع
الناشر
 


1-11-1970 المربي المربي علي الشبيبي في طريق عودته إلى عائلته من مدرسة "أبو سفن"، طريق ترابي لا يمكن السير فيه ً خلال موسم الأمطار ولا صيفا تحت أشعة الشمس الحارقة، هكذا تعاملت السلطات الاستبدادية في مختلف العهود مع المربي الراحل لكسر إرادته ومعنوياته دون أن تأخذ بنظر الاعتبار تقدمه في العمر!  لكنه ظل صامدا لفكره ولمهنته التي أحبها ويتمنى لو أطال الله في عمره ليواصل مهمته التعليمية.

شرق وغرب/2         
في عراقنا الحبيب تم إعدام خونة جواسيس مخربين. وعلى أثر إعدامهم أعلنت سوريا تأثرها لمقتل العقيد عبد الكريم نصرت. وقالوا انه قتل على يد صبي له به علاقة غير بريئة! في عراقنا في هذا العصر لا يستطيع احد أن يصل إلى سر وحقيقة الذين يصلون إلى الحكم. ولكن حين يفشلون أو يحتل الحكم من هو أقوى منهم، تظهر حكايات لا يستطيع احد أن يجزم بصحتها! ثم حدث في 27/1 انشقاق في صفوف الفدائيين. وفي 20/2 إعدام وجبة أخرى من الجواسيس عندنا، أكثرهم مسلمين.
وعرض الشخصية اللامعة عزيز الحاج في تأريخ نضال شيوعيي العراق والذي انشق عن حزبه في السنوات الأخيرة، وسمى منظمته القيادة المركزية. ظهر وكأنه في ندوة، ولكنها عبارة عن اعتراف بسوء تصرفه في قيادته، وأدانها بشكل مهين، وطعن الأحزاب الشيوعية وحركة البرزاني.
وأذيع بيان الهيأة القومية احتجاجاً على ما أذاعه الملك حسين من موافقة على مقترحات الدول الأربع من الحل السلمي لمشكلة الشرق الأوسط، وإسرائيل إنها أيضا تبدي الرفض.
نحن نعرف رأي حزب البعث حول تلك المقترحات، والتي يرفضها أيضاً الفلسطينيون.. وأحد أركان الحزب –فؤاد الركابي-، سبق له أن ذكر حسين بما يجعل العراق وحزب البعث بالذات لا يؤيد حسين بل ويتهمه. وقد جاء في الكراس المعروف بـ "الحل الأوحد" (تتالت المعلومات تؤكد لنا إن هناك فئة مرتبطة بالملك حسين، وتمول من قبله قد بدأت تعد لعملية اغتيال قاسم. هذه العملية من شأنها أن تطفئ ثورة 14 تموز، وتعيد العراق بشكل أكيد إلى القبضة الاستعمارية الرجعية من جديد) وجاء أيضا قوله (سيما وأننا علمنا بان الملك حسين كان في ذلك الوقت  ينشط نشاطا محموما في العراق لأحداث تغيير فيه لصالحه) (الحل الأوحد لفؤاد الركابي ص65 وص72). ولم تكن الإذاعة إذ ذاك حين تذكره -حسين- إلا باسم ابن زين!
ومؤتمر الأدباء هل جاء بجديد؟ من يستمع لكلمات ممثلي الوفود يعرف أن ما قالوه عن مشاكل البلاد العربية، إنما هو ترديد لما قيل في المؤتمرات السابقة. ومن الطريف ما سمعته من المعلق في الراديو بقوله: نتمنى للمؤتمرين أن يعملوا بنصائح السيد رئيس الجمهورية!
يبدو في أفق السياسة الداخلية ما يهدد امن الوطن حيث صدر قرار من رئيس الجمهورية بموجب المادة 20 من قانون السلامة الوطنية رقم 4 في 24/4، احتجاجا على تحرشات إيران.
وفي الوقت الذي يفكر فيه الناس عما يتمخض عنه العالم من مواقف لصالح السلم أو تهديد له، يقوم في كربلاء مجموعة من المحسوبين على الدين بفتح جامع السنة، وعلقوا عليه عنوان -جامع السجاد- وصلوا فيه وكان أبرز هؤلاء المتحمسين الشيخ عبد الزهرة الكعبي وسعيد زيني، وآخرون يدعون حفاظ القرآن. ولكن وزارة الأوقاف ردتهم عن فعلتهم فغادروا الجامع بالسيارة المسلحة، ثم عين للجامع إمام ملائم! الحمد لله إننا نتنافس على الجوامع وهي كثيرة وكثير منها بلا إمام. ولكنا لا نتنافس على التوحد والوئام.
دُعيّ الشيخ عبد الزهرة الكعبي مرة للانضمام إلى حركة السلام، فرفض الدعوة، انه يعتبرها حركة شيوعية، وهو يعرف في الحقيقة معنى السلام وانه من أجل الجميع كما انه ليس حركة سياسية. لكنه أجاز لنفسه إثارة حركة طائفية. ولماذا لا تكون الجوامع للمصلين من أية طائفة؟ وكيف تتم وحدة أناس يتفرقون حتى في أداء عبادة ربهم  الذين يعترف به الجميع انه رب الجميع، ونبيهم أيضا نبي الجميع! وقد اعتقل في 26/2/1969 بطلا هذا العمل وأخذا إلى بغداد، وحين عادا بعد أيام كانا يتبجحان بأنهما كانا بطلين وقد دافعا عن أنفسهما بشجاعة. ولكن ما الاتهام الذي صداه؟
وبسبب موقف إيران من قضية شط العرب فقد اتخذت الحكومة في 5/5/69 العراقية إجراء ترحيل -الإيرانيين- فانتصر لهم السيد محسن الحكيم. كان في كربلاء، فغادرها إلى النجف حين علم ببدء الترحيل، وزاره نائب رئيس الوزراء حردان التكريتي فصدرت برقية (أوقفنا الترحيل ريثما يصل ابن الشاه للتوسط في المسألة) بينما اخذ معظم الإيرانيين يبيعون أثاثهم وبيوتهم ويتهيأون للسفر. يحاول الحكيم أن يثيرها شعواء بتنقله بين الكاظمية وكربلاء والنجف. وتحمس بعض أتباعه لزيارته كوفود. كما إن آخرين -غير عرب- تراشقوا مع الشرطة، فهب سواق السيارات في النجف وطاردوهم بالقوة. ثم أصدرت الحكومة إشعار بعدم ترحيل الإيرانيين، وتجديد إقامة من انتهت إقامته، وقبول عودة من سافروا. والله اعلم ماذا في الأفق مستقبلاً. وليتذكر الحكيم موقفه يوم لعلع الرصاص في الصحن العلوي أيام نوري السعيد وصمته!
الحكومة القائمة في نشاط دائب. فقد سنت تشريعات جديدة. منها: 1- تعديل قانون الإصلاح الزراعي، خاصة ما يخص الناصرية والعمارة. 2- سن قانون جديد باسم -قانون الواجب-. 3- قانون الخدمة العسكرية. ولكن لماذا فوجئنا بارتفاع أسعار الشاي والسكر واختفيا من الوجود؟
وفي 20/5 عقد مؤتمر اتحاد الجمعيات الفلاحية ببغداد، وحضر المؤتمر وفود من جميع الأقطار والدول الاشتراكية. وحين خطب الرئيس أشار إلى حجز أموال بعض الكبار مثل، مدحت الحاج سري، رشيد مصلح، حسن ثامر، صديق شنشل، هؤلاء نعرف عنهم أنهم من السياسيين الذين حاربوا قاسم من أجل الفكر القومي. فما حدا مما بدا؟ حتى عرض يوم 7/5/69 العميد المتقاعد -مدحت- على شاشة التلفزيون، فأفاد عن اتصاله بالمخابرات الأمريكية منذ عام 1960، وذكر أمثاله  -مهدي الحكيم-. وانه يرأس جماعة وأنهم حضروا عدة جلسات لتنظيم حركتهم. وذُكر أن البزاز سيعرض عن قريب، كرد على خبر نشرته جريدة الرأي العام الكويتية، بأنه مات في أحد سجون بغداد بشكل غامض.
ومن الصدف النادرة عندي أن أقوم بجولة، وحب التجول عندي من أحب الأمور. فالمرء في رأيي يجب أن يكون على علم بسائر شؤون بلاده، وما فيها من آثار الأجداد، وما ضمت من روائع، وما يجب أن يعرف ساكنوها عن تأريخ البلد. ولكني مُعرض للبلاء من جهة ومن جهة أخرى إني احرص أن أوفي العائلة ما يلزم لها عليّ. فراتبي المحدود، والديون تراكمت عليّ بسبب ما تعرضت له من مواقف وسجون، سبب تأخر ترفيعي، بل حرماني، حتى أن بعض المعلمين ممن درسته في الابتدائية قد بلغ مرتبه التقاعدي ضعف راتبي أو يزيد.
جولتي هذه حين سافرت إلى محافظة الكوت. زرت الحي، وزرت فيه قبر الصحابي سعيد بن جبير وقد سعى لتشييد قبره السيد محسن الحكيم. وقد قتله الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد عرف بالشدة والفتك بالعلويين من أهل البيت ومن والاهم. كادت الدموع تنهمر من عيني، فانا أمام مرقد مضطهد وقيل استشهد بسبب معتقده، وقد ترك الحجاج سمعة عن بطشه ضرب بها المثل.
وعن العامة عندنا في النجف حين يضيع لهم -مال- أو حاجة ثمينة خارج البيت، يخرج منادٍ يعلن ويسائل السامعين بقوله: يا سامعين الصوت، أولكم محمد وثانيكم علي على الشاف وسمع أو لقي ... يسلمها إلى ....! وقرأت ذات مرة تحقيقاً لأحد أدباء النجف في الأمثال والعادات. فكان يصحح هذا الإعلان بقوله: يقولون يا سامعين -الصوت- وهو في الأصل يا سامعين -السوط- ذلك لأن الأسلوب في الإعلان عرف أيام الحجاج الذي كما عرف بقسوته ضد من لا يوالي بني أمية عرف أيضاً بالحكم الصارم تجاه اللصوص والمجرمين. فكان الناس إذا فقدوا حاجة يعلن عنها معلن يذكرهم بسوط الحجاج! لكن الناس المتأخرين بدلوا جهلا منهم السوط بالصوت ينبهون من وجدها فيعيد الحاجة. مع ذلك فالتأريخ يذكرنا أيضاً انه كان يقدر الظَرف والأدب والشجاعة في الرأي.
ومما يروى أن الحرس الليلي  ألقى القبض على ثلاثة من الشباب. رغم علمهم أن الحجاج قد منع الخروج ليلا في وقت متأخر. ولما سألهم الحرس من أنتم؟
أجاب الأول:
أنا ابن الذي دانت الرقاب له       ما بين مخزومها وهاشمها
تأتي إليه الرقــاب صاغــرة        يأخذ من مالهـا ومن دمهـا
وأجاب الثاني:
أنا ابن الذي لا تنزل الدهـــر قدره       وان نزلت يوما فسوف تعود
ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره       فمنهم قيــام حـولهــا وقعــود
وأجاب الثالث:
أنا ابن الذي خاض الصفوف بعزمه       وقوّمها بالسيف حتى اسـتقامت
ركابــاه لا تنفــك رجـلاه عنهمــــــا       إذا الخيل في يوم الكريهة ولت
وقد أمسك الحارس عن قتلهم ضناً منه، أن الأول ابن كبير ذي سلطة، والثاني ابن كريم من أجواد العرب، والثالث ابن فارس شجاع! وترك أمرهم إلى الصباح ليسلمهم للحجاج ليبت بأمرهم. وحين مثلوا أمام الحجاج صباحا، سألهم من أنتم؟ ولما استمع لإجاباتهم، عرف أن الأول ابن حجام، والثاني ابن صاحب مطعم والثالث ابن حائك. فعفى عنهم لظرفهم وحسن أدبهم وفصاحتهم، وقال لجلسائه: علموا أولادكم الأدب ، فلولا فصاحتهم لضربت أعناقهم . ثم أطلقهم وانشد
كن ابن من شئت واكتسب أدبا       يغنيك محمــوده عن النســب
إن الفتى من يقـــــول ها أنا ذا       ليس الفتى من يقول كان أبي
وكذا يذكر أن شابا أو قارب سن الشباب دخل مجلسه ولم يسلم، وقف كأنه جاء ليهزأ من سلطة غاشمة، ويسخر من جبار وهو في مقر حكمه. وحوله وجهاء البلد. وجرى بينه وبين الحجاج حوار كان في غاية الجرأة والتحدي. ولما سأل الحجاج جلاسه: ماذا ترون من أمره؟ حرضوه على البطش به! فردّ الشاب بجرأة، وقال: جلساء أخيك خير من جلسائك، يا حجاج!" قال الحجاج: تعني أخي محمد بن يوسف؟ قال الشاب: على الفاسق الفاجر لعنة الله، إنما أعني فرعون مصر، حين قال لجلسائه، ما ترون أن أفعل بموسى؟ قالوا: أرجه وأخاه. أما جلساؤك فحرضوك على قتلي. وخرج الشاب بسلام. الحوار بين الشاب والحجاج طويل مروي في كتاب -العقد المفصل- للسيد حيدر الحلي.
في كل العصور والأزمان يحتل رجال كالحجاج سُدة الحكم. يبدون ذوي مروءة مع من يتملقهم ويخشاهم، ويصيب بولائه وخدمته عيشاً ورفاهاً. وأولئك الحكام سواءاً كانوا ولاة بدرجة الحجاج أو باسم خليفة أو ملك أو رئيس. يكون كريما ومثال السماحة، ولكن مع من يواليه ويذود عنه. أما من له في أمره رأي يستمده من دينه أو من عهد قطعه ذلك الوالي أو الخليفة أو الملك، لكنه بعد ما ثبت أقدامه، وكوّن حاشيته، ورجالا اشترى ذممهم بالمال والعطاء. فانه لا يعود يستعمل إلا الشدة، والعنف، فلا يرى ذو الدين، وذو الشعور بالكرامة، والعارفون بأصول الحكم ، والذائدون عن مصلحة الرعية، وما للإنسانية  هؤلاء نصيبهم الموت أو السجون، أو أن ينكمشوا على أنفسهم متمسكين برأي الحق، ولكن مع السر والخوف. والتأريخ مليء  بمختلف الأمثال ونماذج للحاكم والمحكوم. وسيبقى كذلك مادام المجتمع طبقات. مستغَل ومستغِل، وكادح متعب ومالك في النعيم، سيد وعبد. ولكن سيرة البشرية، وتبدل أساليب المعيشة، والنظم، من أيام الرق ثم إلى النهضة الصناعية، كل هذه التبدلات علمتنا، أن حكم الرأسمال، وملوك الكرم والبترول والحديد، ومناجم الفحم، وحماتهم الذين يحتلون مراكز الحكم بتأييدهم ويسيطرون على الشعوب في الشرق والغرب، بتسلط المغرمين بالحكم عن طريق عشاق الحكم والزعامة، فيسندهم المستعمر -حسب قواعد الاستعمار الحديث- ثورة من أجل الشعب!
نحن نعرف إن للثورة معنى واحداً. الثورة الفرنسية قضت على الإقطاع، والثورة البلشفية قضت على القيصرية والرأسمالية في بلاد الروس وما يتبعها. وفي الشعوب الأوربية التي ما تزال، تحكمها حكومات رجعية، حكمها لصالح الطبقة الرأسمالية. نسمع عن نضال الطبقة العاملة فيها ووثباتها، وحققت الطبقة العاملة في -تشيلي- حكما ديمقراطيا وجبهة وطنية، وبمساندة الاستعمار العالمي برئاسة أمريكة حدث فيها انقلاب رجعي، وقاومت الطبقة العاملة مقاومة صارمة شجاعة، لكنها لم تنجح إذ كانت في بداية أمرها وسُفكت دماء، وأزهقت أرواح. وأخذت الطبقة العاملة والشعب التشيلي يتحرك من جديد ولابد أن ينتصر. الثورة إذن: هي التي تهدف إلى التحول من حكم الأقلية المستغِلة إلى الفئة المستغَلة بقيادة البروليتاريا، وبنور الفكر الاشتراكي حسب. وهذه القيادة لا تنافي أبداً والمصلحة القومية، شرط أن لا تكون مبنية على التعصب البرجوازي.
لقد جربت كثير من الحكومات وما ادعته من تقدمية ومن اجل الطبقة العاملة، وضد الاستغلال. إلى كثير من هذه الادعاءات. لكنها تشتري الذمم لتأييدها، فمن لا يرقص تأييدا وثقة، وان لم يكن يعلن عداءً يصبح هدفاً للتهم والشكوك. ولا حاجة أن اضرب المثل بما لقيت، وأنا ابعد من يكون عن ساحات النضال، وهذا ما يؤسفني ، لأني لم أعد أثق بالكثير الكثير .... وقد وجدت الأكثرين يقفزون من فئة إلى فئة.
أمس 9/4/1969 بُلغت بواسطة تربية الحلة بلزوم الحضور إلى محكمة أمن الدولة. مع أن قرار مجلس قيادة الثورة قد أعلن غلق كافة الدعاوى السياسية. فهلا سمعت بهذا مديرية تربية بابل؟ ومع هذا فقد راجعت المحكمة العسكرية. أجابوا: اُغلقت، وتنفست الصعداء. الحكومة الحالية ما تزال تشرع قوانين وتصدر قرارات، تبشر بخير، وعسى أن تستمر، فالبلد الطيب يخرج نباته وما خبث لا يخرج إلا نكداً.
ويبدو إني قد أدرج اسمي عام 1971 ضمن من بلغ من العمر ستين عاماً ومدة سنيّ الوظيفة ثلاثين عاماً، ذلك بسبب خطأ في سن ميلادي، سجل ميلادي 1908 والصواب 1913. ذلك لأني إنما عدت إلى الوظيفة لأستوفي حقي الذي ضاع بين فصلي وحرماني منه حتى وأنا في الوظيفة. ولكن بعض ذوي المحضر الطيب، طلب تأجيلي فانا لم أستوف حقي في الخدمة من الدرجات التي فاتتني، إذ فصلت في العهد الملكي، وحين عدت حرمت من الترقية. ثم سحبت يدي بعد انقلاب شباط 1963 ومن ثم فصلت عام 1964 ولم اعد كسواي إلا في بداية العام الدراسي 1968/1969. وطالبت باعتبار مدة الفصل خدمة لأغراض التقاعد والترقية والعلاوة فلم اُجبْ! بينما أعيد الذين حكموا معي وأدينوا باعترافهم، واعتبرت لهم مدة الفصل خدمة. وقدمت كثير من العرائض فلم الق استجابة ولا رداً وكأن الجهات المعنية متأكدة من صحة الاتهام. ولا يحزنني الأمر لو أن للاتهام صحة.
أنا فرح أيضا بمناسبة حصول ولدي محمد على زمالة إلى بولونيا وتهيأ لعمل ما يلزم من جواز سفر وغيره. اثنان من إخوته وصلا إلى مبتغاهما. الكبير تخرج من كلية التربية، وتخرج الأخر منها أيضاً، ولكن شتان بينهما. الأول على جهودي ومتاعبي، أما الثاني فبنشاطه وهمته ومساندتي له للنجاح بمراجعة الدائرة الخاصة لأمور التعيين -معلما مسائيا- ليكون في النهار طالبا جامعيا. أخوهم هذا الأصغر، صار عاملا في معمل التعليب، وعمل بسكينة وصبر لـ 16 ساعة في اليوم من أجل أن يجمع ما يمكنه للسفر الذي كان ينتظره بعد عدة محاولات فاشلة.
أنا في هذه الساعة كنت في المستشفى. كاتب الطابعة يضحك. قلت مالك؟ قال: أنظر. تأملت على الطابعة أمر إداري مفاده إن المستخدم يضاف إلى راتبه 150 فلساً. وأثناء الطبع أوعز إلي الآن مفاجأة انه عين بوظيفة براتب قدره مئة وخمسين دينارا. قلت لابأس. احذف فلسا واكتب بدلا منها -دينار-. بينما لو جرد راتبي من الزوائد والإضافات التي تفضلت بها الحكومة -حسب نسب معينة- لما كان أكثر من سبعة وثلاثين دينارا.  عن خدمة قدرها ثلاثون عاما إلا أربعة شهور. حكمتك يا رب!


ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد  ‏21‏/10‏/2011


43
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 24
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)


الموظف براتبه وحلم الأعزب         
في عام 1934 عينت معلما في المدارس الابتدائية القروية، وفي إحدى قرى قضاء أبي صخير. كنت أقيم في كوخ مجاور للمدرسة. كتبت إلى أستاذي "عبد الرزاق محي الدين" بما تم لي من تعيين. فأجاب يهنئني ويوصي أن أقتصد لأدبر الأمر لمستقبل أفضل. ووصف راتب الموظف (انه راتب الموظف كحلم الأعزب، لا يصبح منه إلا على قذارة الثوب ونجاسة البدن!) ثم وصف لي حفلاً ساهراً لأم كلثوم وكمان سامي الشوا وعود محمد القصبجي، وتأوهات الشباب والشيوخ وعجيجهم، طرباً وحنيناً.
وأجبته: قرأت رسالتك. فتمتع وارتح. هذا نعيم ما كنت تحلم به. ما كنت تسمع وترى شيئا مثل هذا، حتى في أعماق سراديب السن، ومع ذلك فقد كانت السُن السوء تُشَهر بليلة -الهرير-!  ليلة من لياليه مع فئة من المعممين، ومن بيوت رفيعة جرت فيها من بعضهم حركات طائشة ...... فهاجوا هياج الثيران الوحشية، وشاع وضعها، ولمح إليها الأستاذ صالح الجعفري وكان لا ينزل إلى هذا المستوى. فنشر كلمة في جريدة "الراعي" بعنوان "مسواك امي" منها هذه العبارة (تفقأ به عيني كل معمم يشرب الخمر في ليلة جمعة في آخر ليلة من شعبان).
ولكن ما أصف أنا لك؟ إذا جن الليل وآويت إلى مخدعي، غنت الضفادع، وعزفت موسيقى البق، ورقص البرغوث متخذا من جسدي مسرحاً له!
مع عبد الرزاق رشح للدراسة في مصر باقر الحبوبي، وحسن الجواهري، فشل الحبوبي وعاد. أما الجواهري فقد ادخل في مصح بلبنان بدل البعثة، وطال فيه مكوثه. ثم عاد إلى النجف وعين لإدارة المكتبة العامة.
وشمر اثنان من أصدقائنا الشباب الروحاني عن سواعدهم، وقصدا مصر إلى كلياتها. السيد محمد الهاشمي، وعبد الكريم الدجيلي. ولكن على نفقتهما الخاصة. ونال الهاشمي أيضا شهادة الدكتوراه في التأريخ الإسلامي.
كنت أتحرق، وماذا أصنع؟ إن عميدنا يعارض كيلا يتهم بعمل لـ -المحسوبية والمنسوبية-! إن هذا مغالاة منه، وإعراض عن مساعدة أرحامه، مثلما إن هذا حق، فمائدة الدولة للجميع. مرتضى فرج الله لم يسع إلى شيء من هذا، لأنه متزوج وله طفل أو اثنان. لكن صاحبنا -الوائلي- جازف فباع دار له -لا يملك سواها- لابد انه كان واثقا من نفسه، وتوجه نحو مصر، وتم قبوله.
ودهشت حين علمت أن فتى من أسرة علمية دينية قد سبقني إلى عميدنا ونجحت محاولته، إذا كان يحمل إليه رسالة من -مجتهد- من رجالهم. وعين الاستاذ الشيخ صالح الجعفري مدرساً في ثانوية النجف.
عبد الكريم الدجيلي صلتي به قليلة، إلا مجاملة مؤدبة. كان من شباب المنبر الحسيني لكنه ليس عادياً فهو أديب وشاعر. هو أيضاً كان يراسلني. أولى رسائله كانت وكأنها كتاب مختصر عن كل نواحي الحياة المصرية، بدا ملماً بذلك، جوها، مناخها، طراز مدينتها، آثارها، رجال الأدب والعلم فيها.
واستمر عبد الرزاق في علاقته بي -وهو طالب- لم يتبدل في عواطفه وحنينه إليّ. وفي عام 1938 أقدمنا كلانا على الزواج، وفي أسبوع واحد، ودعوته ودعاني. حتى إذا خطا الخطوة الثانية، لنيل شهادة الماجستير انخفضت درجة الود والصداقة، وبان ذلك حتى في نبرات صوته، عند التحية في اللقاء. ولم استغرب ولم ابحث عن السبب. ونشرت في جريدة -الهاتف- العدد 108 صفحة 9 سنة 1938، كلمة بعنوان -أصدقاء- وأشرت إلى اسمه بحرف -ع- فكتب هو كلمة بعنوان "الصداقة" أرسلها إلى –الهاتف- فاعتذر الخليلي عن نشرها، فنُشِرت في مجلة -الحضارة-. رفض الخليلي نشرها إذ لم يعجبه أن تشبه الصداقة بالطعام والشراب، وبأن المرء قد يمل إلى هذا اللون من الطعام والشراب، ويميل في يوم آخر إلى لون آخر! كلا يا أستاذي، السبب هو التعالي بسبب -الشهادة- التي نلتها. وما أنا بآسف. ونال شهادة الدكتوراه فابتعد أكثر.
كانت الحرب العالمية الثانية قد قلبت موازينه. كان يعتقد انه يفهم الاشتراكية، منذ كان طالب علوم دينية. وليكون رجل دين، يحمل الرسالة كما حملها أبوه وأجداده. ولكنه -في الحقيقة لم يفهم من وعن الاشتراكية شيئا على الإطلاق. ولا -أنا تلميذه- ولا غيرنا ممن لم يعرف غير النجف، وكتب الفقه. ومع هذا فقد تعرض متباهياً لمفهوم الاشتراكية في قصيدته "ربة الدل". ففي حفل زواج الشاب "جواد قسام" أعلن منشد القصائد التي قدمها زملاء الشاب، أن قصيدة جاء بها طفل سلمها له -معمم- ودله على المجلس ولم يذكر عليها اسمه! جاء فيها:
ادخلي الحقل إن نهضت صباحا      واسـمعي الطيـر كيف يعبد ربه
لا صلاة سوى الغناء ولا صـوم      ســوى أن يطهـــر العبــــد قلبه
وحيـــــاة لــــو تهتــدين إلـيهـــا      لتـركتِ القصـر الجميــل وربّه
لخصتهـا العقــول للروس دينــاً      فدعــوها بالمذهب الاشــتراكي
-الروس- هنا تورية تشير إلى العقل وإلى -روسيا-، والاشتراكية كما فهمنا مذهب في الاقتصاد. كان قد جاء به علماء اقتصاديون كثر لكن أهم مبدع له على أسس اجتماعية واقتصادية هو كارل ماركس وصاحبه انجلز ثم لينين الذي قام بثورة في روسيا وحطم القيصرية وأشاد النظام الاشتراكي. وهو نظام اقتصادي لا علاقة له بالدين. غير أن الاستعمار من أجل أن يقاوم النظام الجديد وهو يستهدف الاستعمار والاستغلال، شوه حقيقة الاشتراكية بما أشاع عنها: أنها ضد الدين وضد الأخلاق وإنها إباحية. وهكذا معظم الذين عادوا الاشتراكية يعتمدون فقط على المصادر من الغرب الاستعماري الرأسمالي.
كان الحلفاء وهم يرقبون سير الحرب في ميادين القتال، قد أدركوا خطأ حسابهم السابق. وفي مؤتمر -طهران- التقى زعيما بريطانيا وأمريكة -روزفلت وتشرشل- بستالين قائد الاشتراكية. وكان الفرنسيون قد فتحوا باريس لجيوش هتلر فاحتلها. وصافحهم -لافاك- من اجل أن لا يخربوا مجد الفن الفرنسي وجمال باريس! فاقترح ستالين فتح الجبهة الثانية، وعين مكان المنطلق!
وفي داخل فرنسا شكل الشيوعيون ومن تبعهم من الفرنسيين -المقاومة الشعبية السرية- وقد أيد الحلفاء رأي ستالين. وقام القائد الفرنسي -ديغول- بفتح الجبهة، هو من الخارج والمقاومة من الداخل، وهكذا تحررت فرنسا وبدأت جيوش هتلر تندحر في كل مكان.
كان أستاذي ممن يشايع ويراهن على انتصار النازية، واندحار السوفيت! إن الاشتراكية العلمية التي نشرها لينين، وثبت نظامها في روسيا كلها، خلقت شعبا جديداً، يختلف كل الاختلاف عن أيام القياصرة. كل هذا لم يبدل من فكر أستاذي، فقال وهو يحاورني: إن السوفيت ينطحون صخرة!. ثم أصبح من أنصار ومؤيدي صالح جبر، والله يعلم لو تبدل الحكم في العراق وانهزم صالح وشركاؤه في أي صف سيكون.
فيوم انهزم صالح جبر أمام هياج  الشعب العراقي، إلى مصر هناك تم -كما يبدو- لقاء بينه وبين الأستاذ محي الدين. ونشرت لهما صورة في صحافة مصر. وحين التقيت به، تعرضت لذكرها. فأجاب (أنا يا علي دائما مع المهزوم!). قلت كلا يا سيدي، صحيح إن الشعب هزمه وحطم المعاهدة التي حققها أسياده، لكنها هزيمة مؤقته، ولو ظفر به الشعب لأنهى حياته. يا أستاذي، نحن المهزومون، مادام للانكليز والمستعمر أعوان من أبناء شعبنا نفسه، مادام فينا نوري السعيد وصالح جبر وغيرهم. وإن تظاهرت برأي مستقل عنه ومعارضته له. الواقع إنها مفتعلة ووفق مخطط. وعبس الأستاذ بوجهي!
أعود لذكر صاحبي -الوائلي- فقد عاد وبنجاح. وكنت أثناء الحرب وبعدها، قد ركبت ديلاب الهوى. هذا تعبير شعبي يقوله الفرد عندما يبتلي بتهم تسبب له متاعب لا تقاس بالنسبة لنشاطه وفعاليته، ثم تتلاحق بحيث لا يجد فرصة للراحة والتأمل. فأوقفت عدة مرات، كان أشد واهم توقيف لي قبيل انتفاضة الشعب ضد معاهدة بورتسموث.
هذا العام فقط صادفته في شارع الرشيد، وقد بدا على وجهه انه غادر الكهولة، وقفنا قليلاً، وتحدثنا قليلاً. وفارقته أحمل نسخة من صورة له ضممتها إلى جانب صور أصدقائي الكثيرين، من استمر منهم بالصداقة ومن تعالى وتنكر، ومن غادر هذه الدنيا. ولكن ممن اذكره بخير وهو كذلك.

شرق وغرب/1
الولايات المتحدة بعد أن عينت واختارت أسماء الرواد الذين سيصعدون إلى القمر. حلقت مركبتهم الفضائية -ابولو- وطافت فوق الجزء المسمى بحر الهدوء فقد هبط ارمسترونك والدرِن على سطح القمر يوم 21/7/ 1969. ونطق أول إنسان على سطح القمر يخاطب الأرض: هذا هو القمر هبطنا هنا! أما السوفيت فحين حلقت مركبةٌ لحقت بها أخرى لتلتحم بها ويتبادل روادها المركبتين.
ونحن ماذا؟ نحن ندير انقلابات. كل فئة تنشق على نفسها فتصبح كتلا متعددة تتنافس فيما بينها، تنافساً ليس علنيا. هذا ليس شيمتنا. التنافس العلني له أصول محترمة عند جميع من يفهم السياسة فهماً صحيحاً، فهو كغيره له الحق أن يعمل، على الوصول إلى كراسي الحكم ليحقق برامجه ويثبت لشعبه انه كفؤ لخدمته عن طريق الحكم. أما الذين يأتون عن طريق تدبير مؤامرة سرية، تتفجر كبركان ثائر، وتستعمل القسوة لترهب الخصوم والشعب، فتقدم وتسجن الآلاف، يَمدُها دائما أعداد من الغوغاء الذين لا يجذبهم إلا الجشع وحب البطش، وهكذا تفشل الحركات التي تأتي عن هذا الطريق، بعد أن يدير الناس لها ظهورهم. وقد يظل هؤلاء مدة تطول كدهر، لكنها تنهار أخيراً. ولا اعتقد إن أحداً من الناس لا يدرك أن هذا الأسلوب الأهوج نابع من مصدر يوحى به، هذا المصدر هو الاستعمار. أما الذين يهدفون إلى خير الوطن والأمة، فهم الذين يدعون إلى عمل موحد مادامت هناك بينهم أهداف مشتركة، ومادامت في اتجاهاتهم السياسية، ومفاهيمهم الاقتصادية. وأيهم لم يفعل هذا، فإنما هو دجال.
أنا اُشبه العاملين لخدمة شعوبهم بنية خالصة، كرواد لهم هدف يبغون الوصول إليه، ولكنهم لا يعلمون بالضبط أي السبل تؤدي إليه. عند هذا اتفقوا أن يتجه كل حزب مهم إلى جهة، حتى إذا أصاب واحد واهتدى إلى الهدف، دعا الآخرين وما عليهم إلا أن يستجيبوا. وهذا طبعا لا يتم إلا بين الفئات التي تتبنى فلسفة واحدة  ولخدمة طبقة واحدة هي أساس الخدمة والإنتاج وهي اليد العاملة والمنتجة. إن الفئات التي ترفض التعاون حتى مع الفئة التي تدعو  وتتبنى نفس الأهداف فإنها في الواقع تكشف عن نفسها بأن القائد والمتنفذ فيها يستمد العون من أيدي استعماريين وما ادعاؤه إلا تضليل، وإما أن يكون -وهذا احتمال ضعيف- من الجاهلين والمغفلين.
نحن من العهد الملكي عرفنا شخصيات شاركت في الحكم  إذ ذاك، وبعد ثورة تموز بعضها شارك -تحت الستار- ضد تموز بعدما بدا عبد الكريم مستبدا لا يرد أن يسير إلا برأيه وحده، وأضاع الوقت على نفسه، فيما شغف به من دفع الكتل السياسية بعضها ضد بعض. حتى إذا جاءته يد فراسة وفم لم يسلم الذين ادّعوا إنهم يؤيدون الفئة التي ناوأت عبد الكريم، والله يعلم، لِمَ قضي عليهم بالموت والتهم الشنيعة، وبعض بالتشهير، فانزوى كأجرب حقير.
هناك من كان علما  ومثل فئة تقدمية في وزارة التعليم، ثم نبذ النواة واغتالته يد قذرة. ولا يعلم احد كيف تخلصت تلك اليد ومن هي وأين ولت؟ ذلك ما حدث لفؤاد ألركابي صاحب كتاب -الحل الأوحد- والذي ينسب لنفسه فيه انه المخطط لأغتال قاسم وفشل الاغتيال وتم القضاء على قاسم نهائيا صبيحة 8 شباط 1963، وبعد انقلاب 17 تموز 1968 قتله مجرم كان سجينا معه بنفس الزنزانة ولا نعلم ما تم بشأن ذلك القاتل.
الغرب والشرق المتحرر في تنافس في المخترعات والمكتشفات. فأمريكة مهتمة بالأقمار الصناعية ولابد أنها ستكتشف ما هو أهم، لتدمر وتزيح المنافس الهام -الشرق المتحرر- اعني السوفيت ومن يدور في فلكه من شعوب أوربا الشرقية. وشعوب أوربا وشعوب أمريكة واعية، وفيها أحزاب ثورية، ستقتفي طريق النضال كشعب كوبا. وأنا واثق إنا نحن شعوب آسيا لن نفعل خيرا مثل أولئك  وان جاءنا خير في المستقبل فإنه بعيد وبعيد جداً، وكما انهارت الإمبراطورية العثمانية، وسميت -الرجل المريض- انهارت أيضا بريطانيا، التي قيل عنها، إنها صاحبة المستعمرات التي لا تغيب عنها الشمس. وكانت أمريكة قبل الحرب العالمية الثانية لا يظهر أن في فمها -سن طمع- هكذا الظن بها لأنها بلاد أبراهام لنكولن ثم ولسن صاحب الـ 14 نقطة لتحرير الشعوب. لكن أمريكة قد دخلت الحرب العالمية الثانية لتخلص العالم من شر النازية. وفي النهاية ظهر إنها المرابي الكبير، الذي سيطر على جميع ممتلكات ومستعمرات بريطانيا وفرنسا وألمانيا وايطاليا، بلون جديد من الاستعمار. فإذا بكثير من رجال الشرق في آسيا وأفريقيا يَصلون إلى الحكم، بقدرة قادر. ظاهرهم تسبيح لله والشعب وشتم للظلم والاستعمار، وباطنهم عمل منظم وتخطيط منظم، لصالح الاستعمار، وبحجة وسط بين معسكرين كبيرين فهم من أهل الحياد.
والله إن من يدعي الحياد لا يكون إلا واحد من أثنين. دجال  يريد أن يغطي على حقيقته أو غبي يغرق في الغباء. وحين أبتكر المرحوم -تيتو- الحياد الايجابي، وعدم الانحياز، قال بعض السياسيين، الحياد الايجابي إن أمكن فهو ابتعاد عن محاربة الاستعمار والاستغلال. وإلا فهو درب للانشقاقات طمعاً في شهرة خاصة ومستقلة عن ركب المبدع لهذه الفكرة، بعد أن كان واحداً مهماً من ركب الاشتراكية مع لينين وستالين.
وتم انقلاب في سوريا على يد صلاح جديد، وقالوا إن حافظ أسد والاتاسي في بيوتهما. وان أهداف الانقلاب التقارب مع البلاد العربية وبالأخص العراق ووحدة حزب البعث. كذلك حدث انقلاب يوم 25/5/1969 في السودان. واعترفت سوريا بألمانيا الديمقراطية. أما رومانيا فقد رفعت تمثيلها مع إسرائيل إلى درجة سفارة. لا غرابة، فرئيسها وهو شيوعي خفف من تماسكه مع السوفيت، ولكنه لم يعلن الحياد الايجابي! وهذا الترفيع قد يكون نابعا من حنينه إلى أصله اليهودي. وخلال شهري شباط وآذار عام 1969 هلك رئيس حكومة إسرائيل، حيث هدمت داره بصاروخ من الفدائيين وهلك ليفي اشكول بضربة من الفدائيين. لكن هذا لا يحل مشكلة أبداً.
إسرائيل يدافع عنها الغرب كله. ونحن في الوقت الذي نعلن اهتمامنا بقضية فلسطين، فإننا بذات الوقت نهتم بزعماء أمريكا وبريطانيا ونطلب مساعدتهم لحل القضية، وندير ظهورنا عن هيأة الأمم ومجلس الأمن، وننافق في علاقاتنا مع الدول الاشتراكية، ونوثق علاقاتنا مع كل الدول الرأسمالية والاستعمارية، وكأننا لم نعرف من ركزَّ إسرائيل ومن منحها القوة ومن يساندها في مواقفها!   

ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد   ‏07‏/10‏/2011

44
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 23
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)





أصداء من أعماق الزمن/2  
وطلقت جامع الهندي بحكم انتقالي في دراستي إلى شيوخ يلتقون بطلبتهم في بيوتهم. فقد درست على الشيخ محمد طاهر الشيخ راضي، والشيخ حميد الشيخ راضي، والسيد أمين الصافي، والسيد مير صهر المرجع الديني أبو الحسن، والشيخ محسن شرارة، والشيخ محمد شراره وهو أيضا دخل سلك التعليم. وانتمى للحزب الوطني الديمقراطي ثم أتهم بأنه انتمى للحزب الشيوعي العراقي ولا اجزم بصحة هذا ، إذ كنت قد ابتعدت عن كل حزب.
وفي بداية الثلاثينات أول شبوبي حضرت في بيت الشيخ عبد المنعم الكاظمي بمناسبة زواجه، كأي واحد من الناس. والكاظمي من أتباع الشيخ احمد كاشف الغطاء ومندفعا بحماس ضد أبو الحسن وحدث أن قام بعمل مهين ضده. وقالوا إن ذلك جرى بعلم من مرجعه، وبسبب تلك الإهانة اضرب ابو الحسن عن صلاة الجماعة وعن زيارة الحرم. وتأتي أن يمرض كاشف الغطاء. ولم يمهله الموت فمات. وعند هذا جاء الكاظمي معتذرا يعلن التوبة ويطلب الصفح وتحول إلى جانبه. ثم ترك النجف وقطن في جامع إحدى المحلات إماما له، ثم دخل سلك التعليم وانتقل إلى الزراعة ثم عاد إلى العمامة بعد التقاعد وألف كتاباً بعنوان -من كنت مولاه ...-. وقُرأتْ في بيت الشيخ -على العادة- قصيدة كانت للشيخ عبد الرزاق محي الدين، كانت بعنوان "أحلام اليقظة". الشعراء التقليديون ما كانوا يضعون لقصائدهم عناوين، كانت تقرأ القصيدة فيصيح بعض الحاضرين: لمن؟ ويجيب المنشد: لفلان! واغلبها غزل، تشبيب، وحسب المناسبة، مديح، تهنئة، رثاء. هذه القصيدة أيقظت انتباهي على غير سابق معرفة بالشاعر، بل لم اسمع باسمه قبل هذا. عنوانها والمقطع الأول ملفتان للأسماع. إنها طراز لم اسمع مثله. في محافل النجف الشعرية. أعيد هذا المقطع مرات. في المقطع الثاني لاح على وجوه البعض ما ينم أن الوتر مثير، وان المتهامسين خصوم. ثم سرى تهامس، حتى إذا ما وصل المنشد المقطع الرابع، صرخ بعض المعممين -كانوا في سن الشاعر- محتجين. وسرعان ما تطور الأمر إلى صدام. وطارت أحذية وعمائم! واختلط الحابل بالنابل وغادر المجلس من لا يهمه الأمر، فهو مهنئ أو لقضاء الوقت.
وعيت وحفظت كل ما القي منها، ولكني لم أفكر بمَ وكيف سينتهي الأمر، ولماذا؟ غدا الموضوع حديث الألسن. ليس هذا، فقد روته الألسن روايات مختلفة. وتطور الأمر. وقصد خصوم الشاعر المتحمسون أولا المرجع الديني الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. فاستجاب وكتب. على إخواننا المؤمنين أن يتجنبوا مجالسة الشاعر حتى يعود إلى نهج الحق والصواب. أما أبو الحسن وهو أشهر منه ومرجع للغالبية، فقد أجاب: إني لا دراية لي بالشعر والشعراء، وليس ما قال الشاعر عقيدة. إذن ماذا نقول عن غزل الشريف الرضي وخمريات الحبوبي؟ ولكني أؤلف لجنة من أدباء وفقهاء يدققون ويحققون مع الشاعر، ويرفعون إليّ ما يتوصلون إليه من رأي. فأصدر حكمي بموجبه.
وعقدت اللجنة في بيت والدي. مؤلفة من شيوخ عرفوا وبرزوا منهم فقهاء وأدباء حقاً. وحضر -المتهم- وطولب بالقصيدة، فاعتذر إن الذين أثاروا الزبعة مزقوها. فأعلنت متبجحاً: إني حفظت المقاطع التي ألقيت، وقد شهدت المعركة وكيف تلقفت القصيدة الأيدي الغاضبة. فأكد أبي إني لهذه القابلية. ورحت ألقي ما سمعت مقطعاً مقطعاً، فكانوا يقاطعونني بقولهم: قف، نسيت بيتاً، تذكر جيداً. فأصرُ، كلا لم أنسَ، هذا ما سمعت. فيسمعوني بيتاً:
يقولون إن الله يبعثنا غداً      وذاك لعمر الله كفر وبهتان!
فأنفي، وأنا صادق لم أسمع هذا أبداً. كانت الأبيات التي لم تتجاوز الثلاثة أو الأربعة. لم اعد أتذكر غير هذا البيت، ونصف بيت آخر نسيت الشطر الأول منه. وقد كان كافياً لإثبات أن ما نسب إليه ملفق، فهذا الشطر (أدين بما قد دان شبلي وجبران) والجمع بين شبلي الرجل العالم الصريح بإلحاده كيف يدين به من يدين أيضاً بجبران وهو يدين بالله وليس بملحد مثل شبلي شميل! وفي السنوات المتأخرة قرأت كتاب لشبلي شميل "هكذا عرفت" فلم أجد فيما قرأته ما يدل على إلحاده.  نوقش المتهم حولها. فنقدها وكشف الخطأ الفاضح فيها. وانتهى التحقيق ببراءته. وأعلن أبو الحسن دعوتهم إلى مائدة  عنده تنزيهاً للشاعر وتكريماً له وللجنة.
ومن هنا بدأت علاقتي بالشاعر. وطلبت من أبي أن يكلمه عن رغبتي بالدراسة عنده. وهكذا تم وتعمقت الصلة بيننا وكأننا أخوان. فلم تجده إلا عندنا أو تجدني عنده في غرفته الخاصة بمدرسة -الخليلي- في شارع السلام. وبدأ يوجهني. أشار عليّ أن أبدأ بكتاب كليلة ودمنة وتأريخ الأدب لأحمد حسن الزيات، وكتب طه حسين، وكتب جبران.
وصرت واحداً من أصدقائه -الشيخ صالح الجعفري، حسين شبر، إبراهيم الكاظمي- وآخرون كانوا على الهامش. وكنا كأتباع لابن عمته الشيخ قاسم محي الدين الرجل الظريف، والأديب أيضاً، والسليم الطوية مع كرم النفس.
كان أهم مجلس يجمعنا جميعاً، وكأنه لنا بعمومياته، وخصوصياته، هو مجلس الشيخ حبيب العادلي. الرجل الوقور والشهم الكريم. مجلسه صباح الجمعة. يحضره من رجال الفقه والأدب عدد، وهؤلاء طبعاً لا يتابعون الحضور كل أسبوع، فلهم كما يبدو برامج. أما العصاري فهي لنا ولأمثالنا ولجواره المخلصين.
لقد أطلت، والذكريات التي ما تزال في ذهني، والليالي الزاهرة بتلك الوجوه، يرن صداها في نفسي، وإذا ما زرت النجف عجّ فؤادي بالحنين. ولا أكتم أمري إني كثيرا ما أتعمد المرور على تلك البيوت وأمر عجلاً، فلن تعد مساكنهم، ولكني أحس أني أسمع الصدى، وارى الوجوه الحبيبة. وان رقد بعضها في الرموس.
ونزهاتنا أحيانا مع شيوخنا، الشيخ جواد الجزائري، والعادلي وأخوه جليل، السيد مير، ونحن الشباب، وقد حملنا معنا القدور والباقلاء الخضراء، واللحم الطازج واللبن، وقمنا بالطبخ والنكات تنطلق من الأفواه كالسلسبيل، والشيوخ ليس لهم شاغل غير النكتة والتعليق. بينما نحن نغالي بالمرح مع بعضنا إلى حد الأذى والإزعاج.
ولن نكتفي بهذا، لدينا سفرات ونزه مقتصرة علينا، بطريقة -اشتراكية-. فنحن دائما لا نملك شروى نفير. يترأس الأمر، صاحبنا الماهر في تدبير كل شيء ولو عن طريق -مؤامرة- وكل يجلب من أهله ما يمكن من رز، ماش، سمن، بصل، حمص أما اللحم فهو الحمام. ومما يرويه الناس أن وجود هذا الحمام، إن أحد الهنود جاء بعدد منها وسلمها لخدم ضريح الإمام علي وان يستفيدوا عندما تتكاثر من لحمها. فلما أصبحت النجف مدينة كبيرة وتطور بناء الضريح والصحن العلوي وكثر ساكنو النجف ، تغيرت نظرتهم وصاروا يحترمون هذا الحمام!.
رفيقاي مرتضى وإبراهيم لم اهجرهما. لقاءاتنا لها وقتها المعين المعتاد. واغلبنا انتظم عضوا في جمعية الرابطة الأدبية. كان عبد الرزاق أحد أعضاء الهيئة المؤسسة، وعبد الوهاب الصافي رئيس الهيأة الإدارية. وفي إحدى الدورات الانتخابية صرت مديرا لإدارتها. وكانت لي ملاحظات حول بعض المواد في نظامها الأساسي والداخلي، ومعي عدد من الأعضاء يشاركونني الرأي، فقدمت الملاحظات وأيدني الآخرون. حاولوا إقناعي بالعدول عنها فأصررت وفُصل بعض من أيد، استغل ضعفه لكونه في الواقع خال الوطاب!
وصادف أن دعيت في الكوفة من قبل صديق هو المرحوم الشيخ علي البازي الأديب الفكه. كان قد دعا الشيخ أحمد عارف الزين، ومعه اثنان من أدباء بيروت. وطرح أمر إصراري، وقد أخذوا يبرهنون لي: إنا لا نوافق لسبب واحد، هو إن الجمعية نتيجة لتصلب  أعضاء الهيأة من جانب وإصرارك من جانب فتبدي وزارة الداخلية حلاً وسطاً فتغلقها، لأمر في نفسها! اقتنعت ولكن قدمت استقالة. والواقع إن الجمعية لم تتقدم فهي ليست أكثر من أسم، والبارزون من أعضائها استغلوا كيانهم الأدبي فيها، فحصل عبد الرزاق على عضوية البعثة، ورئيسها عين قاضياً، وآخر أيضا كذلك.
كانت رسائل عبد الرزاق من مصر تردني، يصف فيها أساتذتها ومكانته لديهم، وصالونات الأدباء. كان مما يبدو من بعض تعبيره، لا يعتبر العقاد وطه حسين من وزن واحد. وحين أنهى السنة الأولى وعاد ناجحاً، كرمته بحفل دعوت إليه نخبة الأدباء كهولا وشباباً. وألقيت كلمات وقصائد من أصدقائه وطلبته بعدهم جميعاً كلمتي، وقد أدخلت، وكان هذا بتحريضه لي، فيها ما دعا الجامدين أن يثوروا أثناء إلقائي. فقد تعرضت لنمط الدراسة والنهج الذي لم يتبدل بمرور الحقب والعصور. وصفت نفسي طالباً ضجر من كتب لا تردد ولا تعرف غير دم الحيض والاستحاضة  مما لا يتصل بالنفس ولا يقع على الروح ولا ينمي العاطفة! وصفت العجيج والضجيج في جامع الهندي، من عشرات السنين، وأجيال تعاقبت، وهم حتى اليوم كما كان الذين من قبلهم، ومن بين شباب بزي الكهول، وكهول بزي العجزة الغابرين! ويتخرج المستفيد لا لينهض بإصلاح وتجديد، بل ليجبي الزكاة، وسائر الحقوق الشرعية مورداً حلالاً له، أو يستمر يعاني الجوع والحرمان. فثار بعض الكهول ممن كان يبدو كشيخ جاوز السبعين، وغادر الحفل آخرون، بينما صفق الشباب تأييدا واستحساناً. وسارع شيخ، محسوب في عداد الأدباء، أيضا إلى العلامة كاشف الغطاء ليحصل منه على فتيا تجريم بحقي.
ولكن رسولا من الشيخ هادي  كاشف الغطاء سارع إلى العلامة: أن لا يتعجل الفتيا! والشيخ هادي هو والد الشيخ محمد رضا وجد الشيخ علي، وكان من المجتهدين ولكنه زهد فلم يرشح نفسه لزعامة ولكنه كان إمام جماعة، فهو فقيه وأديب أيضا، ومن اخص آل كاشف الغطاء بجدنا الشيخ جواد الشبيبي، ومن نمطه في النكتة الأدبية. وبمناسبة كلمتي بعد أن اطلع عليها سارع فنبه الشيخ محمد حسين عنها. أما أستاذي محي الدين فقد توسع  فيما أشرت إليه ليثير حولي ضجة يرفع بها اسمي!

ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد ‏27‏/09‏/2011


45
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 21
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)






ثورة/ 2
في 10/11/68 بلغت من قبل مديرية التربية بكتاب مديرية أمن كربلاء في 20/10/68 للحضور أمام محكمة أمن الدولة الأولى، عن قضية المتهم ساجد حمادة (بداية التحقيق عن هذه التهمة مرت في موضوعة "ماذا بعد"). حين علم المعلمون فغر بعضهم أفواههم، وتأوه أحدهم واسمه طاهر، وقال: اسمح لي أبا كفاح أن أقول ولو انك مثل أبوي، وأنت لازم تنصحنه، أقول عيب وميناسب مثلك أن يحمل مثل هذه الأفكار؟ قلت له: اسمح لي أنت أيضا أولا أن أقول، إن المثقف الذي لا يحمل فكرة ليس إنسانا، وأنا لن أرضى لنفسي أن لا اكونا إنساناً! ثم أقول لك، ولا يدفعني لهذا خوف أو حياء، أقول لا انتماء لي إلى أي حزب أو منظمة سياسية. فما حيلتي وشرطتنا في كربلاء لا تريد أن تعترف إنها تعرف من هو المتهم الحقيقي؟
هذا المعلم طاهر يكثر علي طرح أسئلة كثيرة، عن الفوارق بين السنة والشيعة. يصوغها بصيغة نقد وكأنه غريب لا يعرف أن الشيعة من سكان العراق. ومن سكناهم أهم مدينة تجاور لواء الرمادي، هي كربلاء. أحيانا يعبر عنا بقوله أهالي الجنوب، وقد وجه إليّ مرة أسخف وأقبح سؤال. قال: هل صحيح إن أهل الجنوب يقولون (إذا طال عليك السفر جاز لك نكح الذكر). قلت، أني استنكر أن يكون مثلك وأنت تربي جيلا أن تتقبل مثل هذا عن أناس يشاركونك كمسلم في أن محمد نبيهم والقرآن كتابهم!. وأسئلة كثيرة عن -التربة- التي يسجد عليها الشيعة عند السجود في الصلاة. وعن المآتم الحسينية وما يقوم به الشيعة -الجماهير طبعاً- أيام شهر محرم، من كدم الصدور، وضرب الرؤوس بالسيوف. قلت تماما، ولكني شهدت ما يشبه هذا هنا مما يسمى -الدرابشه- وتجولهم في الشوارع بما يشبه رقص المجانين، والمُدى في أسفل بطونهم من جهة أعلى الفخذين؟ يا أخي أن العوام الجهال يعملون كثيراً مما يتنافى مع الدين الحنيف، ومرد هذا إن رجال الدين يغضون الطرف عن هذه البدع. وهذه البدع انتقلت إليهم من تركيا عن الفئة المسماة -النقشبندية- وطورها رواد المنافع والمطامح والمظاهر. وأستطيع أن أقدم لك رسائل لبعض علماء الشيعة وشجبهم لها. رسالة التنزيه للسيد محسن الأمين العاملي، والسيد مهدي البصري، وفتاوى من العلماء أولهم السيد أبو الحسن الموسوي. ولكن فاعليها لا يخشون إلا القوة.
ليس هذا الطاهر وحده يفتح معي مثل هذه الأحاديث الخرقاء، وعن بعض المفاهيم في قضية الصلاة والوضوء وإلى مفاهيم مغلوطة لا أساس لها. مثلاً: إن الشيعة يجيزون إتيان الزوجة من -الدبر- لاعتبار وتوجيه مضمون الآية (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم) كنت أرد هذه الاتهامات والمفاهيم المغلوطة، مع إنا نعيش في عصر الذرة، وسفن الفضاء الخارجي. وانفعلت مرة، فقلت: يا أخوان أمري بينكم غريب. فانا مفصول من الوظيفة بتهمة شيوعي، وحين أعادوني إلى الوظيفة أصروا على تعييني هنا كأبعاد لي عن البلد الذي ولدت ونشأت فيه. بينما انتم اعتبرتموني، وكأني مرسل إليكم من لدن الزعيم الديني السيد محسن الحكيم!؟
أليس من اكبر العيوب أن أبناء وطن واحد -هو العراق- لا يفهم بعضهم بعضاً وفي هذا العصر بالذات، والذي تحدى أبناؤه خصوصاً -الشباب- كثير من الأمور الأساسية في الدين الإسلامي، وقد حرمها وبالغ في أمر استنكارها، الخمر، القمار، مطاردة النساء!؟ أنا يا صاحبي لست متديناً من ناحية التعبديات، ولكني أشجب ما شجبه الدين، واستنكر الفحشاء، والشحناء باسم الخلافات المذهبية، التي اعتبرها سببا هاماً في تأخر المسلمين والعرب خاصة.
والأغرب من صاحبي طاهر فتى يدعى "إسماعيل الشيخ سعيد القيسي"  يحتل مركزاً حزبياً مرموقاً، وبوظيفة رئيس ملاحظي المحافظة. أما أبوه فرجل دين وإمام جامع. ورغم انه عاش كما قال -مع والده في الحلة- بين مجتمع شيعي. ولابد انه شهد ما يقيمون من مآتم أيام محرم وصفر. فقد ناقشني عن مجيء الحسين إلى العراق مع عدد يسير من أصحابه وأخوته وأبنائه، متحديا سلطان خليفة المسلمين في زمانه يزيد بن معاوية، ثم عقب -ألا ترى ذلك- زعططة!؟ أصابتني -بهتة- واستمر، انه لجهل أن يقاوم الجيوش الضخمة بمؤيديه المعدودين؟
قلت، وأنا منفعل: أرجو أن تصغي إليّ وبدون انزعاج. أنت فعلا مناضل تحت راية حزب البعث العربي الاشتراكي. أرجو أن تتصور جديا انك في عهد عبد الكريم قاسم. رجاء أغمض عينيك وتصور نفسك بين يدي جلاديه، وبأيديهم عصي الخيزران، ووسائل التعذيب متنوعة، وخيروك بين البراءة من حزبك، وكشف هويتك وهويات من تعمل معهم، أو يجلدونك جلداً، رجاءً تصور هذا بجدية وأنت مغمض العينين، ثم قل رأيك.
فعل هذا. بعد دقيقتين، قال: لا، لا. ضحكت ضحكة طويلة، وقلت: والله ما تصورت الواقع. ومع ذلك أقول لك. إذا كنت تدعي هذه الصلابة وهذا الصمود، فما بالك لا تتصور موقف الحسين، الذي وعى أيام جده وقد قاوم قريشاً وسائر العرب وفي مقدمتهم أبو سفيان و أبو جهل وقد حاولوا أن يغروه بالمال فما قدروا وحاربوه بشتى الأساليب، وبكل قسوة فما هادن وما لان، ولا خامره خوف. ثم أدرك أباه علي بن أبي طالب على رأس المسلمين وهم عدد محدود يرمي نفسه في المهالك من اجل دعوة ابن عمه النبي محمد بينما يقف أبو سفيان في مقدمة زعماء الجاهلية على رأس عدد تجمع من عدة قبائل ليقتلوه في فراشه لكنهم وجدوا علياً، قد نام بفراشه لينجو هو مهاجراً مع صاحبه أبي بكر. علي على مثل هذه التضحية وهو يخرج بكل شجاعة لم يختش كل أولئك، فيصل المدينة يواصل الدعوة لكل العرب. أضف إلى هذا الذي وعى الحسين كثيراً منه، أن الحسين نشأ كأي عربي، على مثل عربية أصيلة وإسلامية تلقاها من جده وأبيه، كيف تكون أنت إذن أكثر صلابة منه واثبت منه على العقيدة؟
إن المثل الذي ضربه الحسين بثباته وتضحيته مازال خالداً، وصيحته بجيوش يزيد (هيهات لا أعطي بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد) كم هي عظيمة هذه الكلمة، إنها مثل رائع في الثبات والصمود. ومات يزيد واندثر، وظل الحسين حياً، وسيبقى حيا مدى التأريخ.
صمت صاحبي، ثم عرض علي انه يود أن يأتي إلى كربلاء ليشاهد -موكب عزاء العباسية-. فهمت ما يهدف إليه. إن هذا الموكب تجمع شبابي، سياسي أكثر منه ديني. وأبديت ترحيبا به وبمن سيصحبه، وتوجهت إلى كربلاء. فجاؤا بعد يوم ليلة العاشر من محرم، قمت بضيافتهم وجاء معهم موظف من الرمادي يقيم في كربلاء.
قال احد جماعته ويدعى أبو سفيان: رجاء لا تناديني أبا سفيان، فيقتلني الكربلائيون. قالها بجد. فأجبته: سأريك أن في كربلاء -الشيعة- من اسمه عثمان وعمر ومروان وفي غير كربلاء، الناصرية، البصرة وسوق الشيوخ مثل هذا أيضاً
المعلمون في هذه المدرسة طيبون متعاونون تعاطف اغلبهم معي، وساعدوني. أتذكر منهم نعمان ثابت وشهامته، ووسمي وأريحيته، وحسين علي المطلق، وعطا الله، شهاب كلهم مرح وأريحية. أما المدير الجديد مهدي حماد وقد جاملني أول الأمر مجاملة تشف عن حقيقته، حدثني حديثاً لا أساس له. فهمت منه انه يعتقد إنّا أعاجم. فأفهمته الصواب بهدوء كما تحدث بهدوء ليفهمني انه مترسل. سبق أن تبادل المعلمون شرح حياته وما وصموه به من سمعة -غلامية- شهر بها فعوقب. ثم صار يتشدد ضدي إن رمت مراجعة الطبيب. ويوم حال المطر المدرار، فصار الشارع الموصل إلى المدرسة كأنه نهر يزخر بالماء فتأخرت ساعة، وسارع يكتب عن تأخري، فناصرني الزملاء. دعاني سلوكه هذا أن لا اترك مناسبة تمر، صلاة الظهر مثلا إذ ينصرف الجميع للصلاة حتى حين الدرس، فيكون إماماً لهم، فأعلق تعليقات -مداعبا- لو أممتم وراء وسمي لوجدتم متعة بقده الأهيف، وعجيزته المكورة؟ ويشارك الزملاء بالشرح والتفصيل بالنكتة!
أهالي الرمادي على العموم طيبون مع الغريب. لقيت منهم احتراما وانسجاما ومساعدة حتى من غير المعلمين. شيء واحد وجدت فيهم. إنهم يجهلون الشيعة جهلا فظيعاً، ويعتقدون أن خدم العتبات المقدسة إيرانيين للعمائم الخضر التي يلبسونها. فقال لي واحد من المعلمين لماذا لا تعيدونهم إلى قطرهم. قلت: وما قطرهم؟ أجاب: أليسوا إيرانيين. قلت: إنهم عرب وحكيت له عن نسبهم وان اللون الأخضر عرف منذ أيام العباسيين. أما سلوكهم وتقاليدهم ومثلهم فهي اقرب إلى البداوة والعشائرية، حتى الذين في وظائف عالية. فحين اشتد فيضان الفرات مهددا مركز المحافظة بالغرق بالفيضان. وقررت لجنة لاتخاذ إجراء لإنقاذها هو فتح -كسرة- هدد احد أعضاء اللجنة وانسحب وحرض عشيرته أن تقف شاهرة السلاح. كان هذا عسكريا، وفعلا كان رجال عشيرته قد تأهبوا بسلاحهم. وأطلقوا الرصاص فكادت واحدة أن تصيب مدير الشرطة -احد الأعضاء- مع العلم إن الحكومة ستعوضهم عن تلف الحاصل. إن الغالبية فقراء واعتمادهم في الغذاء على البقول، وسعر اللحم هم مثلما هو في سائر العراق لكن القصاب يرفض أن يبيع اقل من نصف كيلو؟ أما النظافة في الشوارع والأسواق فمعدومة.
تعرفت على عدد كثير من شبابهم، ومن موظفي الدوائر، لكني لم أجرأ على زيارة المدن، وأنا أهوى التجوال والتعرف على مدن بلادي، ولكن من يثبت حسن نيتي لدى شرطة الأمن، وأنا في قاموسها من المشبوهين!؟ على أن من كسبت ودهم مدير شرطة الآليات، ومفوض الأمن عبد الجليل -شطري-. في بداية الأمر أقمت في فندق، وتعرفت على شابين، اسم احدهما ناهض السامرائي، والثاني من الأعظمية. وحين انتقلا إلى شقة من ممتلكات الإدارة المحلية دعوني للإقامة معهم، طبعا هذا يخفف من بدل إيجارها عليهم وعليّ. انسجمنا فترة من الزمن متعاونين في كل الشؤون، إعداد الطعام والنظافة. وقد ارتاحوا كثيرا حين تذوقوا أنواع الادام على الطريقة النجفية، وتعددها كالسبزي والقيمة و المسمى، وكانوا لا يحسنون غير تشريب على دجاج، أو الرز مطبقاً؟ لكن زميلهم -ولتر- وهو مسيحي من البصرة وموظف حسابات في مصلحة نقل الركاب وللسمعة التي تلاحقني، أدركه جبن، فراح يحرضهم على ضرورة مصارحتي بعدم رغبته بإقامتي معهم  ذلك لأن عقد الإيجار باسمه! وقد رفضوا رأيه. لكني حين علمت سارعت باستيجار شقة مستقلة، وسرعان ما شاركني فيها طبيب بيطري مسيحي، وموظف في قلم الشرطة، وموظف صحي. وانتظمنا في حياة ناعمة، ندبر أمر الغذاء والنظافة بتعاون خال من الجبن والأنانية، والتفاهة.
وأخيرا سئمت مدرسة الرشيد الابتدائية. بسبب من عجرفة ولؤم مديرها مهدي حماد، وحصلت صدفة لم تكن على بال. معلم من أهالي الرمادي يدعى عبد المجيد حميد مكي في مدرسة المحقق في الحلة، وتم بيننا تبادل. وغادرت الرمادي. كانت علاقتي مع بعض المعلمين طيبة للغاية. كانوا مثلاً رائعا في رقة عواطفهم، وطيبتهم.
حين راجعت مديرية تربية بابل، اصطدمت بعجرفة مدير التربية جابر الدوري، الذي هيأ تعييني في قرية، قبل وصولي!؟ كان جافاً متعجرفاً. حين واجهته، بان العادة جرت إذا تبادل اثنان بما اصطلح عليه المعلمون -بجايش- أن يحل كل واحد محل الأخر. ولقد باشرت مضطرا إزاء عجرفته. صاح ذات مرة بوجهي: أنا أعين مثلك في المدينة واترك في القرية من ساند الثورة مجازفا بحياته!؟. لم أجد الوقت مناسبا لمناقشته. لكنني نبهته: إني معلم خدم التعليم ستة وعشرين عاماً، وخدمت في القرى أربع سنين! هكذا ذهبت أقاسي أمر المباشرة في مدرسة قروية بين كربلاء والهندية، تدعى -الدجينية- في مسافة ليست هينة بين النخيل. وقيل لي: إن حل موسم المطر، تعذر وصول السيارات إليها. كانت صفوف الدراسة، والإدارة من -الصرائف- جذوع النخيل والبواري. كان معلموها شبابا طيبين للغاية. وأبناء القرية هم دائما أكثر أدبا وطاعة وإقبال على التعليم، غير أن المعتقدات الباطلة تعشعش في رؤوسهم. حين حاولت التعرف على أسمائهم، وسألت أحدهم عن اسمه واسم أبيه، تنافس عدد منهم ليوضحوا لي: هو ابن السيد واوي جده حين عاش ابن آوى في مزرعة الخضار العائدة له صار الواوي -يخْرَه جير!-. فعلقت وأنا أضحكك فليتاجر السيد ببيع الجير، وتشتريه الدولة لتبليط الشوارع؟ ومهما يكن من أمر فان الدراسة بشكل عام ليست على ما يرام، خصوصاً في موسم المطر الذي يعاني فيه المعلم الويل، ويتعرض للأمراض -روماتزم، نزلات صدرية- وغير ذلك.
كان المعلمون يشربون الماء من -الحباب- التي يملؤها الفراش من النهر! هذا النهر ينقطع عنه الماء عادة أسبوعا، أسبوع يأتي الماء للنهر وأسبوع ينقطع ويسمون هذه الحالة –رشن-. فيكون ملء الحباب من حفر في النهر، أي إننا نشارك أو تشاركنا على الأصح الأبقار، والكلاب، مضافاً إلى أن القرويات أيضاً يغسلن بتلك الحفر الملابس بما فيها من أقذار صغارهن. فرفضت حتى شرب الشاي الذي اعتاد إعداده الفراش للمعلمين، واتفقنا أخيراً أن يجلب المعلمون الذين هم من سكان قضاء الهندية ترمساً فيه ماء نقي للشرب.
زار الطبيب عبد المطلب الهاشمي المدرسة. دخل الصف الذي أنا فيه، وطلب أن الفت نظر الطلبة لمحاضرة صحية يلقيها عليهم، كانت فيما يخص الماء. وان النساء يغسلن فيه الملابس بقذارتهن. عارضت الطبيب، وشرحت له ماذا يجب. قلت: هذا النهر ينتهي قريباً من حدود أراضي كربلاء. هناك أصحاب الجاموس، والجاموس بما عليه من جراثيم يسبح في هذا النهر، الكلاب أيضاً تشرب وتتبول. إشارتكم أنكم ترمون مادة لقتل الجراثيم غير مجدية، إذا علمتم ما ذكر، مضافاً إلى أن النهر يمتلئ  ويجف مناوبةً. والحل الصحيح يا سيدي أن يتم تعاون من عدة دوائر هي الصحة، والري، والزراعة، والجمعيات الفلاحية، لإرشاد الفلاحين عن الصحة العامة ووجوب ربط الكلاب نهاراً، ومنع الحيوانات من النهر، وتأسيس خزان ماء كبير يتوسط عدة قرى متقاربة ومدها بأنابيب الماء للشرب ... أما ما ترمونه من معقمات وسموم ضد الجراثيم فهو عمل بلا جدوى. عدل الطبيب من محاضرته، وأجاب: هذا عين الصواب. وخرج شاكراً!؟
في المدرسة فتيات مع الطلاب، هن أكثر من إخوانهن اجتهاداً، والتزاماً. وهم بالنسبة لأبناء المدن أكثر التزاماً بالأدب والطاعة، واشد اهتماماً بالواجب. بينهم سذج من أغرب ما رأيت في حياتي، قد لا يصدق أحداً، أني سألت فتى يبدو عليه السكون والإصغاء في درس الدين: ما معنى الرحمن؟ أجاب على الفور: سمكة ..!؟ نقلت جوابه هذا وأنا اضحك، أيمكن أن يكون من في مثل سنه وهو في الصف الخامس ولا يفهم هذا؟ استدعاه أحد زملائي، وقال له: ولك ليش قتلت الحسين؟ والشرطة ألان يسألون عنك! أخذ المسكين يبكي ويتوسل: لا والله استاد موش آني، ثم فرّ هارباً من المدرسة! وجاؤا به، فوضع احد المعلمين بجيبه ديناراً. فصار يرتعد ويبكي ويتوسل بالمعلم أن يسحبه من جيبه! ومعظم التلاميذ إذا اقسم، فقسمه بـ -الله، وعلي، والسيد؟- لا اعتقد أن قرية تخلو من -سيد- أي نسبة إلى الإمام علي وأبنائه. وربما تجد قرى متجاورة فيها أبناء لأب علوي توزعوا على تلك القرى فهم يقسمون بحياته وجده، ويعيش بينهم مكرماً.
والمرأة هنا؟ في الثلاثينات عشت معلماً في قرى كثيرة، منها ما أقمت فيها سنتين، ومنها شهور معدودة. وأنا اندمج مع الكثيرين منهم. ولم يفتني أن ألاحظ وضع المرأة الريفية، ومكانتها في مجتمعها، فنساء رئيس القرية وأسرتهم مكرمة، لكن الفلاحين والفقراء يقولون عنهن حين تذكر -تكرم-. فمكانتها تختلف باختلاف مكانة رجالها والطبقة التي ينتمون إليها، الشيوخ، السراكيل، الفلاحين وهؤلاء أيضا تختلف مكانتهم إن كانوا فلاحين لهم أرضهم باعتبارهم من نفس العشيرة التي يساكنوها، أما إذا كانوا ممن يتنقل مؤجرا قواه، فهو مسحوق مستغل مُهان أحيانا.
هنا لا ادري إذا كانت المرأة كالأمس ترزح تحت قيود ظالمة، أم أن ثورة  تموز14 و 17 قد حطمت بعض قيودها؟ على إنها منذ القدم غير ملتزمة بحجاب الوجه، ذلك لأنها عضد الرجل في كل الأعمال في البيت والأرض وسائر أمور الفلاحة، وكثيرا ما تقصد أسواق المدينة لبيع بعض المنتجات وشراء ما يلزم للعائلة، وبعد أن وصلت وسائل النقل الحديثة -السيارة- بدلت كثيرا من أخلاق القرويات، وعندما لا توجد في القرية غير مدرسة للذكور فان بعض القرويين ادخل ابنته فيها جنباً إلى جنب مع الطلبة. وقد وجدتهن احرص على الدرس والتحصيل من زميلهن الطالب.
وزار المعلمون السيد بمناسبة إقامة مجلس مأتم الحسين. واعتلى المنبر شيخ فكان حديثه كله عن السيد والكرامات التي ظهرت له. منها إن احد القرويين، نذر ابنة له منذ الطفولة فلما شبت أنكر ذلك ورفضه. فابتليت البنت بالخرس والجنون. فلم ير أبوها بدا من الاعتراف بخطأه. فقدم عذره وتزوجها ابنه الواوي!؟ ويحرص هؤلاء أن يدفن في القرية التي يعيش فيها. فيبني أولاده -قبة- ويتوارث هذا الالتزام الأحفاد ، فيقصده القرويون، ويطلبون منه -المراد- ويقدمون الشموع، ويطلون القبر بالحناء، ويشيعون عنه كرامات ومعاجز أكثر مما كان يشاع عنه وهو حي. ومن إيمانهم التي نسمعها -وحك السيد ....- ويتهيبون حين ينشب بينهم خلاف ونزاع على حق أن يقصد القبر، فيؤدي اليمين كاذباً.
هذه الوثنية ستنقرض، وان غضت الجهات المسؤولة النظر عنها. والأجدر بها أن تمنع على الأقل تشييد القباب على قبور من يموت منهم في أيامنا هذه.

ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد ‏06‏/09‏/2011

46
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 20
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)




الأرجوحة
الدول الاستعمارية ذات الشأن -أمريكة، بريطانيا، فرنسا- يقوم الحكم فيها على أسس ديمقراطية. نقول ديمقراطية هنا، ونقصد الديمقراطية المحددة عندهم بحدود معينة من أجل مصالح الطبقة العليا -الرأسمالية- بينما تسمح بالتنافس الحر في الانتخابات البرلمانية، وحرية النقد.
وعندنا -في العهد الملكي- كان الزمام بيد وكيل الاستعمار الأوحد -نوري السعيد- وقد رتب الأمور فيما يخص تأليف الوزارات، أو انتخابات مجلس النواب -فتسقط أو تحل- وزارة وتتألف وزارة، وكأنها فعلا تألفت. واسند إليها الأمر لكفاءة في الرئيس الذي يختاره المقام العالي -الملك- وهو بدوره يختار زملاء له، عرف إنهم من ركبه الخاص، أو أن وزارته -كما يصطلح إذ ذاك أيضاً- حيادية، مع إن الناس يعلمون ويشيرون في كثير من الأحيان إلى شخصية -فلان، أو فلان- انه من ركب السعيد. ورغم أن شخصيات لها وزنها مثل المدفعي و صالح جبر فإنهم في الحقيقة يعلمون أن العراقيين يعلمون جيداً، إنهم غير بعيدين، عن السلسلة التي تربطهم جميعاً باتجاه واحد، ومفاهيم واحدة. صالح جبر كان من أعضاء حزب الدستور الذي يرأسه نوري السعيد، ثم استقل بحزب سماه "حزب الأمة الاشتراكي" والرجل ربما قصد اشتراكية إقطاع فمعظم أعضائه من هذه الطبقة وقد ورطه نوري بمعاهدة بورتسموث التي أفشلها الشعب.
ومهما يكن من أمر فان كل ذلك مرتب ومعلوم لدى الخاص والعام. بحيث يستطيع كثير من الناس إذا حُلت وزارة أن يتكهن بمن سيخلفها. أما العميد الأكبر نوري، فهو يتخلى عن الحكم في ظرف معين حين تكون الحاجة ماسة لطبخة مشروع وإعداده. والناس يعلمون كيف يختار -هو لا غيره- من يعهد إليه تأليف الوزارة الجديدة. فربما أختار طموحا للبروز والمنافسة الشخصية، لا لأنه كفوء، بل ليوقعه في مأزق، كما حدث لصالح جبر لعقد معاهدة بورتسموث، وكان ما كان من أمره.
وحسب شعبنا إن أمرنا نحن العراقيين، قد تبدل بعد إشراقة ثورة 14 تموز عام 1958. وان التبدل سيستمر من الحسن إلى الأحسن.لكن انفراط عقد جبهة الاتحاد الوطني، وطموحات بعض الفئات، برغبة الاستئثار أو تكون لها حصة الأسد، وانعدام الأسس الديمقراطية، وعدم إفساح المجال لتأليف الأحزاب التي شاركت بجبهة الاتحاد الوطني، وغرام قاسم بالحكم ومن أجل الحكم فقط، بحيث أصبح شغله الشاغل كيف يضرب فئة بفئة، وكيف يُصَعِد انفعالات بعضها ضد بعض، غافلاً إن اللهب الذي يبدأ بعود ثقاب قد يؤدي إلى حريق هائل ومدمر. وهذا ما حصل في النهاية في ردة 8 شباط 1963 الدموية.
إن عشاق الحكم بدءاً من عبد السلام إلى كل الآخرين، ممن تسلم كرسي رئاسة الوزارة، وهم معدودون، طاهر يحيى، عبد الرزاق عارف، ألبزاز، ناجي طالب، ولا ننس إن طاهر يحيى والبزاز هما أكثر الآخرين في إحراز ثقة الرئيسين الأخوين -عبد السلام وعبد الرحمن- بينما يبدو وهذا مؤكد، إن عبد الرزاق عارف، كان طموحاً لرئاسة الجمهورية، وفعلا قام بحركة فاشلة.
خلال جمهوريتي -بني عارف- كانت الوزارات أرجوحة، يمتطيها بعضهم، ولكنها تهتز بهم اتوماتيكياً هزة عنيفة، فيأخذه دوار وينزل عنها لأخر، بإشارة خفيفة! طاهر يحيى لم تخف فجاجته على أحد. ولكنه كما بدا رجل لم يفكر بثورة أو العصيان، فبدا مخلصا للبيت العارفي، وهو الذي أخمد حركة عبد الرزاق عارف، أو نبه إليها.
أما الأستاذ الحقوقي والقانوني الكبير عبد الرحمن البزاز صاحب ومبدع -الاشتراكية الرشيدة- فرغم انه استوزر مرتين فانه لم يوفق لشرح اشتراكيته تلك، واسمها واحد من أسماء كثيرة للاشتراكية ابتدعت لتنافس اشتراكية الاتحاد السوفيتي، رغم انه ولع بترديد الكلمة الموضة -القومية العربية- كذلك لم يدر أحد عن فلسفته القومية (في كراس بقلم الدكتور مكرم سعيد حنوش إن الرئيس الأمريكي أيزنهاور قال في مشروعه الذي تقدم به إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في 13/8/1958 قوله: إننا نؤيد القومية العربية بشرط أن تكون أهدافها عربية! ومجلة نيوستيتسمال في عددها الصادر 3/1/1959 علقت: إلا أن قيام الرئيس جمال باتخاذ مقاومة الشيوعية شعارا له قد أعاده إلى ما كان يتمتع به من عطف أمريكة وتأييدها وعاد إلى الوضع الذي سار عليه حتى شهر تموز 1956 قبل تأميم قناة السويس). ونحن نعرف وهذا أيضا ما كتبه الدكتور مكرم سعيد حنوش في كراسه (إن هذه الدعوة بالرغم من الإطار الخلاب الذي تتستر به ليست في صالح الشعوب العربية وإنما تمثل مصالح طبقة واحدة هي طبقة البرجوازية الكبيرة، التي وان كانت تتعارض مصالحها مع الاستعمار في مرحلة معينة، غير أنها تنساق في النهاية -كما هو شأنها في جميع أقطار العالم- إلى التعاون ضد المصالح الحقيقية للشعب!. وقد أثبتت الحوادث الأخيرة في الجمهورية العربية المتحدة حتمية هذا الانسياق والتلاقي بين البرجوازية والاستعمار العالمي، والسبب في ذلك هو أن المصالح الاقتصادية والسياسية لهذه الطبقة تزداد تباينا بمرور الزمن عن مصالح الطبقات الشعبية)
مهما يكن من أمر إن الأرجوحة تقطعت حبالها بعد أن ارتمى آخر من امتطاها ، ولم ينج غير الرئيس عارف إذ اكتفي بخروجه إلى لندن أيضاً، بينما صودرت أموالهم المنقولة وغير المنقولة، حين حدث انقلاب 17 تموز 1968.
لا غرابة إن أرجوحة السياسة أشد وأصعب من ركوب الحصان الجموح للذين ما كانوا حقيقة من الفرسان. ولكن أليس من الحق أن لا اختم الحديث عن الحكم العارفي وهو في أواخر أيامه. ففي الفترة الوجيزة من منتصف كانون الثاني لعام 68 حتى اليوم الـ 13 من حزيران لهذا العام، حدثت أمور قد يحسب البعض إنها اعتيادية، لكنها تدل على التدهور وضياع المسؤولية، أو عدم الاكتراث. ولا أخطئ إن قلت، عدم القدرة على مسك الزمام؟
فقد كان طلاب الكليات مضربين عن الدراسة، ونقل أن اعتداء حصل على كلية التربية، فقتل ثلاثة من الطلبة، و20 كانوا جرحى. لذا استقال ستة وزراء، ولم يذكر سبب استقالتهم. وساندت بقية الكليات كلية التربية في إضرابها. وقد أصدر رئيس الوزراء بيانا أعلن استياءه من الاعتداء، على حرمة الجامعة، والتحقيق جار!؟
وأعلن راديو بغداد في 13/6 أن وزارة التربية ستغلق دور المعلمين والمعاهد، وستعين خريجي الكليات في المدارس الابتدائية عند اللزوم، هذا طبعا أيضا من أشياء رئيس الوزراء، وهو طبقا لمقولة اليهودي (أرقع من هون وينفتق من هون).
وحدثت موجة برد شديدة، زاد معها طبعا برود مزاج الحكم. في 19/3/68 هطلت أمطار غزيرة. فأعلن راديو بغداد نداء إلى موظفي ومستخدمي أمانة العاصمة بالحضور إلى مقر مديرية الإطفاء بسبب غزارة الأمطار التي عطلت الطرق، وأوقفت الاتصالات الهاتفية والكهرباء.
وانحلت العقدة وجاء الفرج للحكم العارفي حين أذيع "بيان" عن قيام -ثورة- وطرد عبد الرحمن عارف. وصدر عن مجلس قيادة الثورة انتخاب احمد حسن البكر رئيساً للجمهورية .... ولننتظر الغد (وان غدا لناظره قريب).

ثورة/1
(أنا في الحياة كموجة في زاخر      أنا فيه إنْ يـزبــد وإن لم يـزبـد)
الناس يتساءلون عن "الثورة" ، مَن رجالها؟ ليتعرفوا على هويتها! أو يمكن في زماننا هذا الذي كثرت فيه الثورات والانقلابات، أن يستطيع احد ويعرف هويتها من رجالها؟ اعتقد إن هذا ممكن، ولكن ليس في بلادنا.
وأذيع قرار مصادرة الأملاك المنقولة وغير المنقولة، لعدة أشخاص، منهم فؤاد الركابي. أليس هذا الركابي من أوائل مؤسسي حزب البعث في العراق، وصار وزيرا في أول وزارة في ثورة 14 تموز عام 1958 عن حزب البعث العربي الاشتراكي!؟ وهو أيضا واضع خطة اغتيال عبد الكريم قاسم، فأصيب قاسم بيده، ومات عبد الوهاب الغريري؟ إنها مسألة تدعو للاستغراب!
وفي وقت متأخر من ليلة الجمعة 19/7 أذيع تشكيل الوزارة من عبد الرزاق النايف. وفي 23/7 أذيع قرار إلغاء سجن نقرة السلمان. ودهش الناس لنبأ أذيع مساء 30/7، إن رئيس الجمهورية أعلن إقصاء رئيس الوزراء عبد الرزاق النايف، ووزير الدفاع إبراهيم عبد الرحمن الداود، وفصلهما من مجلس قيادة الثورة، وإحالتهما على التقاعد، ووصفهما بالمرتشين وطلاب وجاهة!؟
قال احد المستمعين للنبأ: هذوله صح ينطبق عليهم المثل -عرس الجليلو- ليس بين تعيينهما وبين إقصائهما أكثر من اثني عشر يوماً، ترى أكانا منهومين إلى حد أن يسارعا خلال هذه الفترة الوجيزة إلى الرشوة؟
وجاءت الإنباء تشير إلى أن الدبابات تحرس مبنى الإذاعة والقصر الجمهوري. وأصدرت الحكومة بيانا عن إطلاق سراح المحتجزين السياسيين، والمحتجزات. تلاه بيان آخر رقم -35- مشيرا إلى أن الحكومة ستلتزم ببيان -29- حزيران كأساس لحل مشكلة الأكراد.
وتستمر الإذاعة في إذاعة بيانات متقاربة بالتأريخ. بيان بتأسيس جامعة السليمانية، وإرسال عدد مناسب إلى البعثات والكليات. وألغيت ضريبة مراجعة المؤسسات الصحية.  وقبيل الساعة -12- من ليلة البارحة صدر بيان بإطلاق سراح -300- سياسيا موقوفا. وصباح اليوم -5/8- بيان آخر بالعفو العام عن الموقوفين والمبعدين، وسجناء قضايا الشمال، وإعادتهما إلى وظائفهم.
وفي -7/8- نشرت جريدة الجمهورية، نداء من نقابة المعلمين المركزية: على جميع المعلمين المفصولين مراجعتها لإملاء الاستمارة الخاصة لتوحيدها وانجاز أمر إعادتهم. وأكدت الإذاعة هذا أيضا في 1/9. أما أنا ومن نشرت نشرة النقابة "أخبار المعلمين" أسماءهم في عددها الثاني الصادر في 3 مارس 1968 فأمر مبتوت فيه.
وفي نشرة الأخبار ليلا، أذيع بيان عن إعادة جميع المفصولين. وأشار إلى وجود لجنة من -الوزارات- مقرها الإدارة المحلية في الكرخ وعلى المفصولين تقديم طلباتهم. ويوم الخميس 12/9 حضر إلى القصر الجمهوري ما يقرب من -3000- مفصول كما قال المذيع. وخطب فيهم الرئيس البكر، وقال: إنهم سيلتحقون بوظائفهم في 1/10 وفي الختام حذر الذين يكدرون صفو العمل الوطني؟ وأشار إلى هذه الفرصة لن تتكرر ثانية إذا أسيئ استغلالها.
وأود أن أقول: إن كثير ممن سجنوا أو فصلوا تركوا العمل الحزبي. كما إن هناك الكثير ممن لم يكن أصلا من الحزبيين. بعضهم من يصدق عليه المثل -ينعقون مع كل ناعق- وبعضهم له تأييد للفكر التقدمي ويحب العمل السياسي. فمن هم الذين يمكن أن ينعتوا بتكدير صفو العمل الوطني!؟
أذيعت أيضا لائحة قانون استرداد حقوق المحكومين بسبب حوادث 18 تشرين الثاني 1963 التي تنص إن للموقوف المسحوب اليد -إذا أعيد إلى الوظيفة-  تحسب المدة التي تأخر فيها ترفيعه من مدة سحب يده، بينما إذا أعيد إلى الوظيفة بعد الإفراج عنه، أو براءته وغلق قضيته ، تحتسب لغرض الترفيع والعلاوة. لست افهم ما تهدف إليه -أو- هذه؟ فانا لم تجد قضيتي أي حلٍ، وكأن أي مادة قانونية كانت سابقا أو استحدثتها حكومة الثورة الجديدة لا تنطبق على قضيتي مطلقاً؟ إذ لم تحتسب لي مدة الفصل خدمة، ولم ينظر في أمر ترفيعي أيضاً!؟.
سفينة حياتي وقضية عودتي أخذت تتحرك لكن طبقا للمثل المشهور (تجري الرياح بما لا تشتهي السفن) فقد تسلمت من وزارة الداخلية أمر إعادتي للوظيفة في الرمادي!؟ وسلمته إلى متصرفية الرمادي، كذلك وعد مدير الشرطة عبد الرضا عوض بالمساعدة بان لا أكون بعيدا عن المركز. وتسلمت في 19/9 أمر التعيين من مديرية التربية، إلى مدرسة الورار. وكان مدير الشرطة عند وعده، فقد لقيني المرشح لمعاونية مدير التربية وعضو الهيأة الإدارية لنقابة المعلمين -عبد الرزاق جبير- واخبرني: انه سيصدر أمر نقلي إلى مدرسة الرشيد الابتدائية داخل مركز اللواء. وفي 16/10 تم هذا فعلا.
العالم المتقدم ماض في مسيرته العلمية، وفي سباق لغزو الفضاء الخارجي. فقد عادت سفينة الفضاء السوفيتية إلى الأرض. هي أول سفينة تدور حول القمر ثم تعاد إلى الأرض. الناس يعلقون: إن السوفيت سيصلون إلى القمر قبل الأمريكيين. وجاءت الأخبار، إن المركبة الفضائية الأمريكية، بعد أن دارت حول القمر عادت إلى الفضاء الخارجي متوجهة إلى الأرض. وقيل انه يخشى على ملاحيها من تمزق طبلة الإذن! لماذا؟
*               *               *               *
أعود إلى ما يدور على الأفواه والجرائد حول شؤون الوطن. الناس يتحدثون: إن مؤامرة يقودها عبد الرزاق عارف وان مقاومة حصلت من بعض أعوانه في 28/9. وحصلت أحداث بعضها غريب في حصوله. فقد اغتيل الدكتور عبد الرزاق مطلق، أستاذ جامعة الموصل. وقالوا والله اعلم: إن جرس البيت رن، فهب ليرى من الطارق، فأصيب بطلق ناري في جبهته. وتعددت الأقاويل والاتهامات على السن الناس. ثم اغتيل الدكتور ناصر الحاني وقد أذيع النبأ مساء الساعة السادسة بأنه وجد ملقى على ضفة القناة، قريبا من بيته. الدكتور المطلق اغتيل في 13/10 وهو محسوب على ملاك الشيوعيين. والدكتور الحاني في 12/11 وهو بعثي له مكانة. ويقال إن خلافا حدث بينه وبين رجال الحزب في الآونة الأخيرة. وقد كلف احد أعضاء الحزب من بابل بالاتصال به واصطحابه إلى الجهة الحزبية العليا للتفاهم وقام هذا بعد تعهد أخذه أن لا يحصل له أي مكروه. كان هذا قبيل الحادث جدا. وفي الصحف هذا التعليق الغريب (إن أباه وكان شرطي خيال وجد قتيلا قبل عشرين عاما بظروف غامضة، كذلك أخوه!؟). وتهامس الكثيرون في روايات متعددة متنوعة لها مساس بالسياسة. واغتيل معلم في بغداد، هو اخو داود الجنابي العسكري وهو من مؤيدي قاسم في ثورة 14 تموز 1958.
وأذيعت أنباء شتى منها: إن إسرائيل اشتبكت مع قواتنا. وعلى الأثر خرجت مظاهرات. وأذيع استجواب جواسيس ، اسم احدهم جعفر صادق الحاوي من البصرة، و عبد الهادي البيجاري محامي ونائب من جماعة نوري السعيد، وصاحب جريدة النبأ البصرية، والبزاز، والعقيلي.
ونوتة جديدة. أذيعت على شكل تمثيلية تشير إلى رأي مؤلفها: إن الخير في عدم توظيف المرأة، خاصة المتزوجات!؟ ترى على أي أساس تعرض هذه التمثيلية بإذاعة الدولة؟ لماذا لم تنشر كرأي في الصحافة؟ فالصحافة للآراء، أما الإذاعة فإنها تمثل الدولة وتشريعاتها!
وفي ختام هذا الفصل، أعود لأصور -الموجة- في بحر حياتنا التي استجدت اعتبارا من يوم 17 تموز 1968، فلقد باشرت في مدرسة الرشيد الابتدائية، مديرها رشيد خلف رجل محترم ومحنك، يكره القلاقل يمجها ويهرب منها. في هذه المدرسة 12 شعبة. وعهد إلي بتدريس العربية في الصفين الخامس والسادس. ولكن إشاعة ترددت، إن المدير سيقدم استقالته من الإدارة إذا فرض عليه معلم يدعى مهدي علي حماد ليكون المعاون الأهم له، بينما هو يمج هذا المعلم، بل انه يرفض أن يكون هذا معلما في مدرسته. وقد حدثني بعض المعلمين عن الأسباب. ولكن مدير المدرسة رشيد خلف ذا سياسة هادئة، لا هو العنيف ولا هو الخانع، لذا اختار الاستقالة من إدارة المدرسة. وأصر وألح أن تقبل استقالته ونقله أيضا من المدرسة أو أن يحال على التقاعد. وتم نقله موظفا في مديرية التربية ذاتها. كان شخصية محترمة، أحببته، ومال إليّ ولاحظت أن بعض زملائنا ممن كان يثني عليه، قد غمزه بعد أن انتقل عنا!؟

ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد   ‏29‏/08‏/2011



47
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 19
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)


في مهب الريح    
لدينا من أمثال العرب قولهم (الناس على دين ملوكهم) وحديث عن النبي العربي (ص) (كيفما تكونوا يولَ عليكم). لا أريد أن أناقش المثل والحديث ففي رأيي أنهما غير متناقضين. نحن العرب بدءاً من ساستنا، نناقض ما تستوجبه مصلحتنا الحقيقية، في مجالي الإصلاح الاجتماعي في الداخل وفي المجال السياسي عموماً.
ما من قائد من قادتنا، إلا وتجده بعد أن يحوز حماس الجماهير فيما يعلنه بخطبه الرنانة، التي يحمل بها على الاستعمار ومن ساعده من الحكام السابقين، ملوكا ورؤساء جمهوريات. هو يعتقد إن تصفيق الجماهير وهتافاتهم وحدها كافية، في حين يعرض عن الساسة الآخرين في أحزابهم الخاصة أو التابعين له في حزبه.
الحكومات السابقة كانت لا تسمح للعسكريين الانخراط في الأحزاب السياسية، لأن معظمها كانت ملكية. وتأويل ذلك في حسابها وتعليلها إن دخول الجيش في السياسة، يفتت القوة ويضعفها، فالجيش سياج الوطن. ونسوا إن كثير من حكوماتنا معروفة بولائها للدول الاستعمارية الكبرى. ولكن الجيوش في البلدان العربية، لم تعدم من الشعور الوطني فقد برزت انتفاضات من الجيوش بقيادة أفراد منها عرفوا بوطنيتهم، أو أفكارهم القومية -لا الشعبية- فهذا أندر من الكبريت الأحمر -كما يقول المثل- الجيش في الغالب يميل للفكر القومي، لأن هذه النعرة لا تقاومها الحكومات، بل ولا الاستعمار. إذ أن بعض الرجال في كل الحكومات العربية ينادي بهذا، ولكنه لا يتظاهر بأنه يستند إلى عسكريين. فالرئيس المهيمن، خصوصاً إذا كان من نوع نوري السعيد لا يتغاضى عن وجود من يعمل ضد حكمه في الجيش، ولن ننسى أحداث عام 1941.
هذه المقدمة الطويلة سقتها بمناسبة اجتماع القادة العرب. مصر بزعامة جمال عبد الناصر، وسورية، والأردن. ثم سرعان ما انتهى إليه أمر الدفاع المشترك، الذي عرفت بـ "نكسة حزيران" ولم تخف أسباب هذه النكسة. فأهم دول الاستعمار - أمريكة وبريطانية وفرنسا- متمسكة بالتزامها لإسرائيل، وقد ساندنها فعلاً. والحر تكفيه الإشارة، إذا قلنا أن كل واحد منا يعلم، كيف يعرض في كل قضاياهم عن هيأة الأمم ومجلس الأمن، ويتجهون إلى تلك بصفتها الشخصية. ذلك لأنهم لو توجهوا إلى الأمم المتحدة بصدق لوجدوا من يساندهم من رجال الشعوب المتحررة الشرقية. ولكنهم يحذرون ذلك، كما عبر شاعرنا الجواهري:
فخـوفـــــوهــا بدب ســـوف يأكلهــا      في حين سبعون عاما تألف السباعا
حين حدثت نكسة حزيران، ضاق صدري وخرجت للتمشي  صباحا، وجدت البلد وكأن ظلاماً هندسا يلفها، فالشوارع خالية  إلا من أفراد قلائل يمشون وكأنهم ينتظرون حدثاً مخيفاً. لقيني معمم يدعى الشيخ عبد علي الساعدي يعرفني ولم اعرف اسمه. لكني أعرف عنه تبع الحزب الشيوعي فترة من حياته ثم انظم إلى حزب قومي أيام ثورة 14 تموز. بادرني بلهجة جافة بقوله: أرأيت موقف جماعتك؟ وخيانتهم لمن اعتمد عليهم؟. بدهشة، قلت: من تعني جماعتك؟
- الحمر!
- أمرك عجيب يا أخي. أنا مالي في سياسة بلدي رأي. فكيف عن الآخرين!؟. وبضجر أفلت لساني فذكرت له حكاية شابين عرفا بالفجاجة، أو ما يعبر عنها العامة بقولهم -فطر-. احدهم تزوج بمساعدة الثاني وهو يبدو أنضج من العريس. لم يتمكن العريس من الزوجة، إنها ترفض، كلما دنا منها ركلته برجلها، استغاث بأخيه. الذي كان ينتظره بضجر على باب غرفته. فلم يجد بداً من إخراجه وتقدم هو إليها، وبعنجهية لفها لفاً، ولما انتهى كل شيء، هتف زوجها من خارج الباب، عبالج آني؟ هذا أخويَ حسن!؟ وأنهيت كلمتي، يا أخي إذا لم تكونوا ذوي قدرة فلا تنتظروا "حسن" ذلك خزي وعار.
ومع ذلك فقد بادر الاتحاد السوفيتي وبعض الدول الاشتراكية وبواسطة مجلس الأمن، فوجه إنذارا للدول التي شاركت إسرائيل بوقف القتال والعودة إلى خط الهدنة. وقطع الاتحاد السوفيتي علاقته بإسرائيل؟
واستقال جمال عبد الناصر. وخرجت مصر كلها متظاهرة، رافضة استقالته. الحق إن جمال مع كونه قضى فترة حكمه بالتجارب في تسمية واتجاه مسيرته السياسية، فانه بين حكام وزعماء العرب خيرهم، وان هو أيضا احتكر الحكم. وكانت النكسة له صدمة. فهو وزن متفوق على بقية زعماء الحكومات العربية المتحررة، إذا صح إنها كذلك. فمع العلاقة بالدول الاستعمارية العملاقة وفي مقدمتها أمريكة، لا يمكن أن يتمكن أي زعيم على تحرير بلاده كما يجب. من توخى التحرر التام، فليبعد هؤلاء حتى لو أضطر شعبه أن يعيش عيش الزاهدين.

رجال أحببتهم

ويلذ لي أن لا أنسى وأنا أدون ذكرياتي هذه أن أسجل شذرات عمن الفتهم والفوني في السجن وخارجه.
هاشم الطعان هذا زميلي وصديقي -هنا- هاشم الطعان المثقف، المطالع الدؤوب، والشاعر المبدع، ذو المعشر الرائع، آية في ذكائه، وهو راوية شعر حاضر البديهة، لولا حدة في مزاجه، بحيث يلتزم الجفاء لأي زميل لزلة خفيفة. فلا يعود لممازجته، بل مجالسته. أذكر أنه قد أعد قصيدة بمناسبة ليلقيها باحتفال أقمناه لكنه فاجأنا بعدوله عن ذلك، لأن المسؤول عن إدارة الحفل، وهو فنان كردي، عصبي المزاج وفيه شوفينية حتى أنه أحتج ذات مرة، كيف خصص لتمثيلية عربية يومان، ولتمثيلية كردية يوم واحد!؟ وعبثا حاولوا إقناعه، بأن السجناء العرب هنا أكثر عدداً، مضافاً إليهم من حضر من رؤساء الدوائر ومديرية السجن وشرطتهم.
يحيى ق. (يقول الكلمة وميخاف!) حقاً انه لا يخاف، وانه ليقول بجرأةٍ وشجاعة، بلهجة كأنها جمار متقدة. أعرفه منذ كان مديراً لمدرسة الغري الأهلية في النجف. وكان أخي -حسين- إذ ذاك تلميذا في هذه المدرسة. لم التق به إذ ذاك مطلقاً. لكني كنت اسمع من يتحدث عن سيرته واهتماماته الوطنية. وكانت هذه المدرسة أصلاً نبتة طيبةً، سعى لتأسيسها نخبة من الذين عرفوا بوطنيتهم، أمثال سعد جريو، والسيد حسين كمال الدين، وآخرين لا تحضرني أسماؤهم. كانوا ينتخبون لها معلمين مخلصين ووطنيين وان لم يكونوا من أعلى درجة في المعرفة. مع إني عرفت كثرين منهم، كانوا غير قاصرين في المادة العلمية التي يُسند إليهم تدريسها. أحيانا يجلبون أساتذة مصريين لإدارتها والتدريس. أتذكر منهم أن أحد مدرائها، حين باشرت أنا في القسم الليلي تلميذا، يدعى محمد علي ناصر ويدرس الانكليزية.
يحيى ق كان احد المحجوزين في سجن الحلة عام 1963 التقى به الصديق الأستاذ هاشم الطعان. دنا منه متهيباً، وكأنه يدنو من قديس. عرفه بنفسه. فهش الرجل وبش، وبحسرة وألم، وهو يمسك بيد هاشم، وقال: إننا نأسف يا ولدي إننا لم نحقق لكم كل ما طمحنا إليه من استقلال وحرية في هذا الوطن، ولكنا مع الأسف تركنا لكم وطناً متعباً!؟
كلمة رائعة، وصراحة شجاعة. غيره لم يستح أن يقول كلمات التبجح، فيدعي ما لم يكن. بعضهم يذكر متاعبه وجهاده -وهو مجاهد- لكنه يعزو الفشل إلى ناس هذا الوطن فقط وكأنه يجهل إن سماسرة الاستعمار الذين امسكوا بالزمام هم وراء كل فشل لخدمات المخلصين.
أحب أن أسجل موقفاً له في سجن الحلة ردهة 2. معاون شرطة موصلي كان يأتي إلى هذه الردهة ويصيح: كل موصلي منكم فليقف ويكون حاضراً وسأعود!؟ لكنه لا يعود ويبقى الموصليون واقفين إلا يحيى، فانه يستمر يلعب الشطرنج. تكررت لعبة هذا المعاون أياما. فنهض يحيى وصاح بصوت عالٍ: تعال منعول الوالدين، ما تريد من الموصليين، العن أبوك لا أبو الذي أرسلك، كلب حقير!؟ وجمد المعاون بمكانه وذهب من حيث أتى بصمت ولم يعد مرة أخرى.
هبة الدين الشهرستاني رجل أحببته وكنت أحترمه. وحين أجلس إليه، أو أجده في ديوان أتردد عليه، الزم الصمت متوجها لسماع حديثه بكل جوارحي. دعاه أبي مرة إلى بيته بعد أن زاره. وسألته: هل لما قيل أن السيد جمال الدين الأفغاني أقام في النجف مدة للدراسة، عند احد العلماء الذين عرف عنهم، إنهم متخصصون بعلم المصطلح عنه "العرفاني" أي عن الحقيقة المطلقة، أو -واجب الوجود-؟
فأجاب: هذا سمعناه بعد أن اشتهر اسم الأفغاني لا في حينه. قلت: وما رأيك فيه؟ أجاب: أولاء نفر وضعوا هذه -وأشار إلى عنقه- على هذه –وأشار إلى راحة يده-.
ثم لما انخرطت في سلك التعليم عام 1935 والتحقت بدورة للدراسة حيث عُهد تدريس منهاج خاص لعدد كبير من المعلمين -خريجين وغير خريجين- نخبة من الأساتذة المشهورين أمثال الدكتور فريد زين الدين. عيّن هبة الدين أيضا لتدريس وإلقاء محاضرات عن الدين الإسلامي، وقد استشهد في بعض محاضراته بقصيدة له عن واجب الوجود، ورصد جائزة لمن يحفظها عن ظهر غيب، وحفظتها (ذكرت هذا في "معلم في القرية" تحت موضوعة "الدرس الأول").
لن أتحدث عنه أكثر فالرجل أكبر من أن أكون أنا المتحدث عنه، وهو من عرف بجهاده من ناحية التأليف، والصحافة، وفضله مشهود له.
الشاعر صالح الجعفري  إنا من محبيه والمعجبين به، رغم إني لم أتتلمذ عليه، ولكني أحد أفراد الشلة التي لم ينفصل أعضاءها بعضهم عن بعض إلا نادراً. لن انسَ تلك المجالس التي كانت تضمنا والاجتماعات الخاصة في بيتنا أو بيت أحدنا. وكأنّا لم نكن ندري إذ ذاك إنا نمهد الطريق للأجيال الجديدة. صالح الجعفري شاعر -العصفورة- والقصائد الغرر ومن أبيات "العصفورة":
عصفورتي لا تعجبي واحتسي      من خمــرة الآلام صهبــاءهـا
حُــرِمت الــدنيــا على كل من      لم يحتمل بالصبــر ارزاءهــا
 حين أعلن المرحوم الأستاذ جعفر الخليلي انه يهيئ كراساً باسم "حبوب الاستقلال" للدكتور "روس" ويدعو الأدباء للمساهمة. أرسل إليه الجعفري هذين البيتين:
أكذا يقـــــــــال وربمــــــــا      كان الثقــــاة مخبـــرينــــــا
شــــلت يـمينـــــــــــــك إن      رفعت على المعاهدة اليمينا
وكان حينذاك يتوقع العراقيون تصديق المعاهدة التي جاء بها الملك فيصل عام 1930. ومن شعره الوطني "تحية لغاندي" ومنها هذه الأبيات:
قف في منى واهتـــــف      بمجتمع القبائل والوفــود
حجوا فلســتم بالغيــــن         بحجكم شــــرف الهنــود
حجــوا إلى اسـتقـلالهم         وحججتموا خوف الوعيد
وإطاعة الأحـــــــــرار    أفضل من طاعات العبيد
واغرب خاطرة ، كنت على وشك غفوة والساعة ميعاد نوم. وبدا لي وكأني في حفل تأبين أستاذي العزيز -الجعفري- وفعلا نظمت هذه الأبيات:
رزئتُ به وكم أتت الليــــــــالي      برزءٍ لا يقـــاوم بالنضـــــــــال
بذي الـرأي المثقف -جعفــريٍ-      عَــلا فأنــــار قمة كل عـــــــال
له النظـــر البعيــــد بكل أمــــرٍ      يُمحصــه فيمنحــــك اللئــــــالي
مجـــالســـــه رياض مولقــــات      أزهـارهـا أحـــاديث غــــــوالي
أبا النطق الفصيح عراك صمت      ولا عجب فذا شــــأن الليـــــالي
فقد غنى الذليـــل بصـــوت نُكرٍ      يمجـــد في غنــاه أبا رغـــــــالِ
الحديث عنه يطول. كان يرفض الأباطيل التي ساند بعضها رجال دين لهم شهرة ، منها موقفه من مواكب -التطبير والسلاسل- وقد أفتى أبرز شخصيات آل كاشف الغطاء الشيخ محمد حسين فتواه بحليتها. فتقدم الجعفري، وبكل جرأة ترجم فتوى لقريبه -الحُجة- فتوى سبقت هذه بسنين مطبوعة باللغة الفارسية ونشرها في كراسٍ لأحد المعارضين لتلك البدع، الكراس أصدره الشيخ محمد كنجي باسم "التنزيه". كذلك حين أفتى المرجع المعروف بـ "النائي" بحليتها. عمد الجعفري لترجمة كتاب لهذا المرجع باسم "هداية الأمم" كان يدعو فيه للتحرر الفكري وضد الحاكم الدكتاتوري. وكان هذا المرجع قد حرص أن لا يعلم أحد بهذا المؤلف، فقد غير رأيه، بعد أن أصبح مرجعا شهيراً. ولما نشر قسم منه في مجلة العرفان. طالب النائي الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء أن يتوسط الأمر لدى الجعفري فلا يستمر بالنشر ... مع هدية نقدية لا بأس بها. أما الجعفري فقد أخذ الهدية، ونشر قسماً آخر، اعتذر عن هذا حين وصل عدد العرفان، إن هذا كان لدى المجلة مع القسم الذي نشر قبل ذلك.

ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد  ‏22‏/08‏/2011


48
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 18
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)


حتى متى وإلى متى   
   (لو كان سهما واحداً لاتقيته   ولكنه ســــهم وثـانٍ وثالث)
أجل والله، بالنسبة لي، هي أكثر من ثلاث، إنها سهام متواصلة، حياتي غير مريحة، ولكني أوبخ نفسي. إني أحبها، فأخاطبها: إن الصبر طيب، تحقيق المطالب الحياتية بالسعي مع الصبر مفخرة، ويجعل الحياة لذيذة.
توجهت في صباح 5/2/1967 إلى بعقوبة. هذا الصباح كثيف الضباب، ولكن لم يكن أشد كثافة من الضباب الذي أثاره ويثيره مدير أمن ديالى هاشم سليمان. وكأن له عليّ ترةً وثأراً قديماً. في طريقي إلى بغداد كان إلى جانبي رجل شيخ مكشد. كنت ملازما الصمت. لكن الشيخ كان يثرثر بقصة جميلة، أعجبتني، ورغم هذا بقيت ملازما الصمت.
السائق ذو الوجه الأرقش والجسد الضخم، والبطين كان يسوق السيارة بسرعة، وكأن عينيه تخترقان الضباب. لم ينبهه أحد، إلى أن في هذا خطر. وافقت على صدمة عنيفة، وقد تطاير زجاج السيارة الأمامي، فأدمى جباه بعض الركاب. وسكنت السيارة على سكة القطار. مازلت في دوامة أفكاري، وحسابي مع نفسي عما ينتظرني من متاعب. أخذ الركاب كلهم يصيحون: حرك ليش طَفيت، ملعون الوالدين ...!؟ وانتبهت إلى الخطر العظيم. جاء القطار يهدر. كم كان أمري مضحكاً حين رددت عليهم: يا ناس تردون صدمة ثانية، انتظروا العامل ليرفع العارضة. فقال أحدهم: أنت متشوف بيننا وبين القطار ما بقه شي؟! انتبهت للخطر .. وعبر السائق بالسيارة ومرّ القطار يهدر.
صرت أضحك من نفسي. لو أنه صدمنا لاسترحت من كل هذه المتاعب. ورحت أتصور، ماذا سيبقى من أجساد الركاب جميعاً. من المؤكد انه سيعصرنا عصراً بين حديد السيارة وعجلاته، فلا يبقى غير عظام مهشمة ودماء فقط ...
بعد أن مرّ القطار، عبرت السكة بقية السيارات، وسائقنا كان منشغلاً بجمع كسر الزجاج التي تناثرت عليه. نزل جماعة من سيارة خاصة، وانهالوا عليه لوما وتقريعا. كيف تمشي بتلك السرعة، مع صعوبة الرؤية من كثافة الضباب. وهنأونا بالسلامة، وركبوا سياراتهم. حين تحركت سيارتنا وقطعت مسافة  وجيزة وجدنا سيارة أولئك الطيبين أنفسهم قد ارتطمت بسيارة كبيرة، وقد تهدلت رؤوس بعضهم كأموات والدماء تغطي وجوههم. الكل يبدو كأنهم أموات. سارعنا إلى الشرطة. ولم يمهلنا سائقا البليد لنتعرف هل هم على قيد الحياة!
لقد أجريت كل الفحوص، وأنجزت عدم المحكومية. وراجعت مجلس الخدمة. وقد اُجبت (ينتظر الرد النهائي من دائرته) وراجعت الإدارة المحلية بالكتاب المرقم عندهم 1506 في 5/2/1967، وقصدت ديالى بعد أن زودت برقم وتأريخ كتاب أمن كربلاء. مدير أمن كربلاء كان شهما ومتفهم لمسؤوليته. كان معاون محافظ ديالى السيد سليم اطرقجي قد أرسل إليّ مع أحد معارفي أن أراجع أمن كربلاء. وكان مدير أمنها "عبد الرضا عوض" كان وقوراً. وعلمت أنه يحمل شهادة حقوق قانون مضافا إلى شهادة كلية الشرطة، شخصية وقورة، يصغي ويستوعب ثم يناقش. وأوصى أن أزود بجواب مدريته برقم كتابها 177 في 16/2/67. هو أيضا علق ولماذا يسميكم الوالد بأسماء متشابهة، هو محمد، وأنت علي، أخوك محمد علي!؟ قلت: حبه لمحمد (ص) وعلي دعاه إلى هذا، فما ذنبنا نحن!؟ لم يبق لهاشم سليمان عذر بعد، ففي 25/2/1967 زودت بكتاب رقم 923 وانتهى الشهر دون جدوى، لكنه أخيرا وافق اللجنة ودفع القرار إلى المتصرف منير فهمي الجراح، فكان الجراح أشد معارضٍ، يقول لهم: أنتم تعرفون من هم آل الشبيبي!؟ هؤلاء كلهم معارضة!
هنا قمت بحركة ومناورة. كتبت بيت الشعر التالي:
وعَدْتَ ووعد الحر دينٌ على الفتى      فأنجــز رعـاك الله خيــراً وأنصفِ
أقسم بالله لو قاله فيّ أحد لاعتبرت نفسي أضحوكة. كتبته في وريقة من كراس دعاية للساعاتي ناجي أبو رقيبة، وعلى صفحة منه صورة لنوع من الساعات عنده. قدمته للفراش ورجوته أن يوصله إليه. كان الفراش كلما رآني يبدي أسفه. أما مدير التربية جاسم عبد الحسين -والحق يقال- فقد ناصرني في هذه المرة أمام مدير الأمن، ثم مع المتصرف منير الجراح، حين أصر الأخير على دراسة الملف للمرة الرابعة. قال المدير يخاطبه: سمعتم بحادث السيارة وصاحبها معلم، والكارثة المؤلمة والمخجلة؟ هذا المعلم يستأجره بعضهم في سفرات لنزهة لُبها الفجور، وهو يستوفي منهم أجرة ويشاركهم العهر والفسوق. في عودتهم من الحبانية اصطدمت السيارة وهم في حال سكر شديد، فماتت العاهرة وابنتها الصغيرة وكانت ممرضة، وجميع الآخرين إلا هو. ومن المؤسف أن نعرقل أمر هذا المعلم -يعنيني- وقد استعرضنا ملفته ورقة ورقة فلم نجد غير الشكر من المفتشين. أما أمثال أولئك الذين ماتوا تلك الميتة القبيحة فلا يهمنا أن يعيشوا كموظفين مع ما هم عليه من تبذل وفجور؟
أعود إلى موقف المتصرف. حين قرأ ما كتبت له. استدعاني، قال:
- أنت تعرف تنظم (شُعُر).
- نعم
- طيب منين جبت هذا الكارت؟
- مني أنا
يسألني هكذا وهو يرى أنها ورقة عادية، وأسمي في ذيل ما كتبت، وملفتي كانت موضوعة أمامه وعليها أسمي بالخط العريض. وتفضل فأجاب: ثلاثة أيام وتعال! قلت: لا تنسوا إني مفصول لا أملك دخلا، ما أبذله وبذلته للمراجعات والتنقل بين كربلاء وبعقوبة تحتاجه عائلتي للعيش! وخرجت. وإذا بالفراش يخرج وبلهجة ابتهاج وفرح، قال: عمي وقع، ألحگ؟ يا رب. كشفت الضباب، رحماك أكشف الغيوم أيضاً. وجدت مدير التربية ومعاون المتصرف قد ابتهجوا من أجلي. فقالوا. تعال، لقد وقَّع! حكيتُ قصة بيت الشعر، فزاد ضحكهم، وعلق مدير التربية: ما يدرينا لعل يوما يأتينا فَيُعَين مفوض شرطة متصرفا للواء ورئيسا مسؤولا! وأرسل كاتب الطابعة إلى بغداد، ومعه الموافقة على عودتي. وحين ذهبت أنا إلى الإدارة المحلية في وزارة الداخلية التقيت -من باب الصدف- بمدير الإدارة المحلية سلطان أمين رحب بي لكنه أبدى أسفه: إن التعيينات أوقفت إلى حين إنهاء أمر الميزانية العامة للدولة، وسوف يصدر أمر تعيينك في بداية السنة الدراسية للعام الدراسي القادم!؟ وعدت أدراجي أجر ذيل الخيبة جرّ متعب مثقل بأنواع الهموم، فماذا ينتظرني بعد كل هذا؟
كل ما مر في مراجعاتي غير غريب فالمثل الشعبي يقول -الشبعان ما يدري بالجوعان-، المسؤولون -طبعا- هم أكثر الآخرين لا يدرون. لأنهم في شغل من أمرهم، ليس من أجل سد الجوع، هم والحمد لله بتمام الشبع، بل إلى حد التخمة. شغلهم الشاغل أن لا تفلت السلطة من أيديهم أولا وأخيرا، أن يطمئن كل واحد منهم ومن الأقربين إليهم، ومن كلابهم، وكلاب كلابهم. لا للأيام والشهور والأعوام، بل هم يطمحون إلى الخلود، شباعاً وغير ضماء، وقد ضمنوا الثراء الحلال الذي ترعاه مصارف لندن، خشية أن تهب عاصفة رعناء، فينسف حكمهم آخر، ربما  يحدث هذا، وعند ذاك يكون أشد نهماً من سابقه، ولن يكتفي بمصادرة أملاك السابق، فيبدأ غير متعظ، ولا متعقل بمن أندثر عهده، وضاع جهده، ليجمع ويكنز. ومرد كل هذا، هو شعبنا الواعي والشجاع أحياناً والذي ينام أحيانا نوماً عميقاً، ويجبن جبناً لا حد له. تماماً كحكامنا، وقد وصف حالنا هذه شاعران من شعرائنا أصدق وصف، فقال الشاعر علي الشرقي:
هذا الفـــــرات وهذه عــــاداته         متفلت من عهــد حمـــــورابي
قد يستحيل على الحديد عبوره         جســرا وقد يكفيه نفخُ جُــراب
وقال الشاعر الكبير ألجواهري ما هو أبدع:
هو الفــرات وكم في أمره عجب         في حـــالتيه وكـم في آيـه عـبــــر
بينما هو البحر لا تسطاع غضبته      إذا اســتشـــــاط فلا يبقي ولا يـذر
إذا به واهـن المجــرى يعــارضه      عــودٌ ويمنعه عن ســيرهِ حجــــرُ
حكامنا من شعبنا فطباعهم كطباعنا، ولذا تراهم يستحثونا للهياج ضد الظالم حتى إذا أطاحوا به قلبوا لنا ظهر المجن. فإذا سلموا من الموت وفروا إلى لندن هناك تظاهروا ثانية بالنُسك. فحالي إذن معهم غير عجيبة. هم ليسو عليا بن أبي طالب، ولا عمر بن الخطاب.
وأعود إلى حكايتي. ما أن عدت من بغداد بعد ملاقاة مدير الإدارة المحلية ووعده، حتى استقبلتني دواهي جديدة وبلايا كلفتني متاعب ولهفة كادت أنفاسي تختنق منها.
ابني محمد، مخبر مجهول أتصل بي تلفونياً ينبئني أنه أوقف في مركز شرطة أبي غريب في 4/4/1967، وتم فصله من الجامعة. عرفت السر، كنت قد نهيته وحذرته أن لا يشترك في انتخابات اتحاد الطلبة، فقد خسر من سنوات دراسته الكثير بسبب السجن. صارحته أن هذه محاولة لاكتشاف القوى المعارضة اليسارية. سارعت وكفلته بعد أيام من اعتقاله. وقص علي معاون الشرطة الحكاية وسرها، وكان رجلا طيباً. قال: جاء به عميد الكلية بنفسه متهما إياه بأنه كان يحمل رشاشة قاوم بها الطلبة المتنافسين، ولكنني استغربت انه هو المضروب على عظم ساقه تحت الركبة بعصي غليظة فهي متورمة، بينما لم نجد لديه سلاحاً فعجبنا كيف سلموا من رصاصه كما زعموا!؟ وكيف استطاعوا ضربه!؟ أما هو فأفاد. تصدّوا لي واعتدوا عليّ أكثر من مرة، وشكوتهم للعميد بمذكرتين، ولم يفعل شيئا، كان متواطئا معهم. وبعد الانتخابات وفوزي استمروا بالاعتداء عليّ، حتى اضطررت أن أترك الكلية. وحضر بعض المعارف لحمايتي في اليوم الثاني، وأيضا لم أسلم من محاولة الاعتداء لولا معارفي، وقد طلبوا مني أن اتركهم وابتعد، وأثناء ابتعادي عنهم مسكني حرس الكلية وأخذوني للعمادة وسلمني العميد إلى الشرطة. ومع كفالتي ذهبت مع الشرطة ليطلقوا سراحه من مديرية الأمن العامة. وعبثاً انتظرت فقد لبث عندهم فترة ثم أرسلوه إلى معتقل الفضيلية. ولم يطلق سراحه إلا في 22/6/1967.
وأرسلت إلى عميد الكلية د. حسين العاني رسالة شرحت له فيها ظروفي، وموقفه من محمد  وهو مرب كبير يجب عليه أن يجعل نظرته واحدة لجميع الطلبة. وما حدث منهم غير مستغرب ... وأجابني الرجل مرتاحاً لرسالتي، وأعلمني أنه سيبذل جهدا من أجل إعادته للجامعة.
وأعلن في بغداد عن تشكيل وزارة جديدة برئاسة طاهر يحيى، وبدء بالعمل من اجل وحدة عسكرية!؟ بعد تشكيل الوزارة شاع في الأوساط أن ضرائب جديدة شرعت، مثل زيادة سعر النفط من 130 إلى 160 فلس، وعلى مراجع المستشفى أن يدفع طابع ثمنه 25 فلس، وسعر الكوكا من 20 فلس إلى 25. ضريبة قانون الدفاع الوطني بالنسبة للراتب لمدة عام؟
أذيع اليوم 20/7 أن الرئيس اجتمع بمجلس الوزراء وبحث معهم الأمور التي تمت في اجتماعات الرؤساء في القاهرة. وقرر مجلس الوزراء تأليف لجنة لدراسة أمر إطلاق سراح السجناء والمعتقلين. وذكرت الصحافة موافقة الحكومة على عودة الدكتور فيصل السامر والدكتورة نزيهة الدليمي. وسبق أن وافقت على عودة الجواهري، جزى الله طاهر خيراً، إن تم هذا!؟
وفي 2/9 صدرت الجرائد تحمل مقررات المؤتمر الذي انعقد في السودان. أهمها ضخ النفط، وتقديم العون ومساعدة مالية من ثلاث دول هي السعودية وليبيا والكويت للأردن ومصر. وصدرت الجرائد بحملة على هذه المقررات. وتساءلت: من اجل من اعدم المضربون تنفيذا لقرار الدول المشاركة بحرب فلسطين!؟. اعدم بعض في السعودية، وسجن آخرون بليبيا والكويت، لأنهم رفضوا شحن بواخر الأعداء.
في الشهر التاسع -أيلول- عاودت مراجعة سلطان أمين كرماشة مدير الإدارة المحلية. كان الجواب سخرية بالحكم لا بيّ أنا، وان يكن أيضاً يدل على عدم الاهتمام بي من ناحيته، وكأن قضيتي لا تدخل ضمن شؤون الحاكمين كواحد من الرعية. قال: الدولة لحد الآن لم تدبر أمر تعيين خريجي دار المعلمين والمعاهد، فكيف بالمفصولين؟
أكرر قولي إننا شعبا وحكومات لم تتبدل أساليبنا لحد الآن. الحكام حين يتسلطون لا يفكرون، أو أن أهم ما يشغل بالهم، كيف سيملكون الزمام ويحققون مآربهم. ليس رأيي هذا عن عراقي، وإنما العرب كلهم في كل مواطنهم، جمعيات وأحزاب وحكومات.
الشقيري رئيس منظمة التحرير الفلسطينية عزل وحل محله يحيى حمودة. وقد سبق للشقيري، أن طعن الملك حسين، ثم ذهب إليه وصالحه بمناسبة الاشتباك الذي حدث بحزيران -الميمون-. وسبق للشقيري أن ألقى ببغداد عندنا بمناسبة ليلة القدر، فكان يشبه واعظا دينيا لا زعيما سياسيا.
نحن نهتم كيف نختلف ونبرز خلافاتنا، حتى فيما لا يستوجب الشدة والحماس. فقد أصدر قاضي بغداد أن غداً يعتبر اليوم الأول من شوال فهو عيد، لكن النجف وتوابعها لم تلتزم، فرجال الشرع عندهم لم يثبت. أما كربلاء فقد سمعنا أطلاقات نارية تنبه أن غدا عيد، لكن الأكثرية تبعوا النجف. أليس غريبا أن لا يجد المسؤولون المسلمون طريقة لتوحيد الرأي في إثبات ظهور الهلال؟ لجنة موحدة مثلا، من قبل رجال الدين لليومين المحتمل فيهما ظهور الهلال. هذا خلاف في ابسط أمورنا، كيف يمكن إذن فيما هو معقد وعسير!؟


ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد   ‏15‏/08‏/2011

49
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 17
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1996)



ماذا بعد؟
   
قدمت عريضة رد اعتبار إلى المدعي العام لغرض الخطوة الثانية، تقديم طلب إعادتي إلى الوظيفة. فالذين أطلق سراحهم معي، بعد تخفيض المحكومية، أعيدوا بسهولة بعد ثلاثة أيام من مغادرتهم السجن إلى أهاليهم. هم يتحدثون عن المتصرف جابر حسن الحداد بأنه اكتفى منهم أن يثبتوا إنهم مسلمون!؟ فأعلنوها (اشهد أن لا اله إلا الله ...) وقد سبق وان اعترفوا أمام الحرس القومي بانتمائهم للحزب الشيوعي، فكيف يجب أن يكون أمري أمام أي مسؤول، وأنا ليس لي أي انتماء، ولم يعترف عليّ أحد؟.
أحالني المدعي العام بكتاب إلى التحريات الفنية. وإذا بهم ينبشون حكاية حُكمي بغرامة قدرها نصف دينار وفق المادة 123 عام 1932 ولم يدرجوا المقصودة برد الاعتبار، أي محكوميتي عام 1964. وتكررت مراجعاتي إلى النجف دون جدوى. وتلطف حاكم النجف، بأن المحكومية المشار إليها انتهى أمدها بمرور التحديد القانوني. بعد ذلك زودت بالكتاب المرقم 1929/65 بتأريخ 4/09/65  يفيد (إن علي الشبيبي قد حكم عليه وفق المادة 132 و 43 جمعيات و 15/14/8 مرسوم من ق.ع.ب. ولما كانت هذه العقوبة لا تستلزم حرمانه من الحقوق المدنية التي كان يتمتع بها قبل الحكم عليه، لأنها من الجنح الغير مخلة بالشرف. لذا يرجى تزويده بعدم المحكومية إن لم تكن عليه محكومية أخرى)
وقدمت إلى مديرية تربية ديالى، وأخرى إلى مديرية الإدارة المحلية العامة. يبدو أني سأكون وسط رياح عاصفة من جديد. في شباط 1966 -نهاية العطلة الشتوية- اقتحمت الشرطة الشقة التي يقيم فيها ولدي همام المدرس، وأخوه محمد الطالب في الثانوية الجعفرية. فلاذا بالفرار، رغم عدم وجود أي مبرز يدينهم. لم يجدوا غير كتب المدرسة. وجاءت الصدمة الانكأ وفاة عميد الأسرة الشيخ محمد رضا الشبيبي يوم -26/11/65- بعد عارض لم يمهله يوم عاد من حج العمرة. حاولت الجهات الرسمية تجاهل أمر تشييعه فأعلنوا قبل التشييع، انه تم تشيعه إلى مثواه الأخير!؟ بينما الحقيقة انه لم يدفن إلا في اليوم الثاني. وأقيمت له الفواتح في بغداد والكاظمية والنجف وكربلاء. ومما يجدر له إني لاحظت عدم اهتمام الجهات الدينية في كربلاء وتجارها، فالزعامة الدينية هنا زمامها بيد الفرس، كذلك التجارة، وعلى العكس كانت النجف.
وهرعت أم بيتي على عادة النساء الأميات إلى عجوز تعرف بـ -أم بدرية- وتدعي الكشف للمجهول والمستقبل. قالت: إن من تقصدين فِهم الغيب عنه، شبه سجين لكنه سيعود إلى حياته الطبيعية بعد مضي أربعة أيام أو أربعة أسابيع أو أربعة شهور!. إذ ذاك تحدث كارثة لشخصية عراقية كبيرة. وجاءت ثالثة الأثافي. فقد أبلغني شرطي الأمن ناصر الأسود أن مأمور المركز لطيف الجبوري يطلب حضوري.
لدي إحصاءات لأسماء جميلة هي على العكس من حقيقة المسمى، أسرة تسمى الصخل، لقب منحه إياهم الناس. بينما هم أهل جمال وصباحة. وآخرون "الحلو" وهم ذو أنوف أعاذنا الله منها. فماذا أقول عن "لطيف" هذا. في هذه المقابلة، قال لي مباشرة: لا دليل أضمن لك على نزاهتك من الاتهام غير البراءة من الحزب الشيوعي!؟ وسلمني إلى المعاون "هاتف". وراح هذا يشد عليّ بأن الذي أعترف عليك يؤكد، وشخصك في صورتك لدينا!؟ ولف ودار -اللطيف- ابن اللطيف عن علاقتي -هكذا يرى- بالمتهم "ساجد حمادة" متى التقيته؟ وهل استدعيته برسالة بريدية، أم يدوية!؟. لو كان لهذا اللطيف دين، لاستحلفته بدينه!؟ أحقا يقدم رجل لا اعرفه ولم يسبق أن سمعت باسمه قبل هذا أن يتهمني!؟
وذات يوم من أيام أيار، استدعيت، فإذا بهم قد تهيأوا للسفر. إلى أين؟ لست أدري. كان الجو عاصفا، قد غطى وجه الشمس غباره. ركب المعاون هاتف بصدر السيارة مع مفوض، وتركوني للعاصفة بصحبة شرطي يدعى "هادي" وهو ضالّ ابن ضُلال، وقد حمى عينه بنظارة ولف وجهه بكوفية، وأنا تحت رحمة السماء الغاضبة والريح الجبارة.
من يصدق إننا وصلنا مركز لواء الديوانية خلال ساعة!؟ وفي زاوية من غرفة صغيرة -منام شرطة- أُمرت أن أستقر بها، وكأني مخلوق غريب، ففي كل لحظة يمر بي شرطي، يوجه إليّ استفسارا (سبق لي رأيتك مرة، أين، أين ...؟ ها ... أنت من كربلاء، تمام). الآخر (أنا رأيتك لا أتذكر أين؟). يا رب هل يسأل هؤلاء أنفسهم وهم يتساءلون، بباطل، إنهم يؤمنون حقا بأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟
وأخيرا بعد انتهاء الدوام، استدعيت لأقف مع أكثر من عشرين شخصاً بهيئات مختلفة، من ابسط مظهر ومظهر محترم، وكناس شارع، إلى أمثالهم. ولا أنسى إني أيضا خلعت سترتي، وأخذت بينهم مكاني. وسمعت المعاون هاتف في غرفة مجاورة ومغلقة، يكلم شخصاً، يسأله عن عمر المتهم -الحقيقي- فيجيبه ذاك 28 سنة أو 30، اسود شعر الرأس كث، عيناه سوداوان كبيرة، مورد الخدين! شكراً لك يا رب. أنا أشيب في الـ 58 من عمري مجعد الوجه، أما عيناي فتغطيهما نظارة!
وخرج المدعو "ساجد" ثلاث مرات. وفي كل مرة تبدل وقفتنا ومكان كل منا. والشاب يقول بعد أن يتصفح وجوهنا (غير موجود)، إنها مسرحية فشلت أجهزة أمن كربلاء في حبكها. صاح المعاون وهو يصافحني (الآن أصبحت بريئاً براءة الذئب من دم ابن يعقوب؟). حقاً لقد كان ذاك الذئب بريئاً من دم يوسف بن يعقوب. الذئاب البشرية هي التي أدعت ذلك. وما تزال تدعي وتدعي تبعا لمرضاة الضواري الأكبر منها منزلة وبأساً. الذئب يفترس لنفسه النعاج الضعيفة، لكن الذئاب البشرية، تفتك بخيرة الناس لإرضاء الضواري الأكثر وحشية من كل وحوش الغاب. وعدت فهل سأكون آمناً مطمئناً!؟
الكاهنة صدقت! الخميس 14/04/1966 كان الرئيس عبد السلام قد قام قبل يومين بجولة. مرّ بالحلة والشوملي، فكانت له كلمة على رؤوس المستقبلين: يا أهل الشوملي! الشوملي الشوملي، نارك ولا جنة هلي. ثم زار البصرة فخطب: يا أهل البصرة إذا قال فيكم أحد يا أشباه الرجال ولا رجال! فاني أقول فيكم  إنكم أنتم الرجال!. هذا من كلمة خاطب بها الإمام علي أهل البصرة بعدما انتصر على أصحاب الجمل. وليس أهل البصرة اليوم، فأغلبية أهل اليوم موالون للإمام علي. وفي العودة من البصرة، احترقت الطائرة وسقطت إلى الأرض. وقد غدا الرئيس فيها كتلة فحم سوداء!
وصدقت الكاهنة -أم بدرية-  مذ قالت بنبوءتها في 14/3 حتى يوم 14/4 فإنها أربعة أسابيع. وبمواجهة للمراجع المعنية -الأمن العامة- والتحقيق مع همام الذي سلم إليها -بعد وساطة- أطلق سراحه بدون شروط، وعاد إلى حياته الطبيعية.
وانتخب عبد الرحمن عارف رئيساً، بإجماع الوزراء والمجلس الوطني. وشكل الوزارة عبد الرحمن البزاز رئيسا ومعه رفاقه. وعقد مؤتمراً عن سياسته للصحفيين، واحتفظ بوزارة الداخلية إضافة إلى الرئاسة.
ونشرت جريدة المنار بالأحرف الكبيرة عن عفو سياسي عام يصدر بمرسوم جمهوري. حنانيك أيها الشعب الصابر. لا تصدق أنك تستفيد من أي اجراء سياسي، إذ لم يكن أساس حياتك هو حقك في الحرية وفي اختيار الطريق الذي ينهي الاستبداد. ويقضي على الاستغلال. أنت أيها الشعب وحدك الذي له الحق أن ينصب ويعزل. فمتى يكون هذا؟

ضباب وغيوم  
سماء بلادي -اجتماعيا وسياسياً- محجوبة بغيوم سوداء شديدة الدكنة، وضباب كثيف لا يكاد من يمشي يهتدي في سبيله، فكثير من وضع الدولة لا يدري أحد بحقيقته. ألبزاز رئيسها، يذيع في 21/4/1967 نافيا بياناً للسفارة العراقية بلندن فحواه (إن حكومة البزاز تنوي منح الأكراد الحكم الذاتي وبعض الحقوق القومية الأخرى). فأوضح بيان البزاز أن لا صحة لهذا  وان الحكومة لن تفرط بشبر من أرض الوطن، وان هؤلاء ليسو بأكثر من عصاة! وتأيد بعد هذا صحة ما أذيع عن السفارة في لندن. وأكثر من هذا فقد أذاع البزاز أمس -16/6/1967- ليلا تكذيبا للإشاعات القائلة بتعديل وزاري، وعن الضرائب والغرض منها، ثم قضية الشمال. وكان يبدو عليه الانفعال وهو يقول، كفانا دموع  كفانا قنابل وموت!؟ ووعد أن يعلن عن قريب أنباء سارة حول الأمن والاستقرار في الشمال، والحياة الديمقراطية، والوضع الاقتصادي، وإخلاء السجون وحفظ كرامة المواطن ومن أجل حرية الفكر!؟ وفي التاسعة مساء 29/6 أذاع بيانا قدم له مقدمة لإيضاح الالتباسات. كان البيان مؤلفاً من 12 مادة عن القضية الكردية والسلام.
هذا ما يتمناه كل عراقي. ولكنا قد تعودنا نسمع تصريحات قد يتحقق بعضها فقط. فنحن لا يمكن أن تتحقق جميع آمالنا! عقب البيان توقع الكثيرون محاولة انقلاب ممن لا يروق لهم حل القضية الكردية. وأنا أعلق أيضاً: لا يروق لهم أن يسود امن وسلام في كل الأنحاء من ربوعنا. وفي الساعة الخامسة -30/6-  عصراً توقفت الإذاعة فجأة، ثم أخذت تذيع بما يشبه صوت اللاسلكي 3 بيانات. أحدهما مع مقدمة عن الحركات وبجمل تعودنا سماعها -استجابة لمطالب الشعب من جور حكامه-!؟، والثاني عن غلق الحدود والمطار. والثالث نداء إلى رئيس الجمهورية (أن يلجأ إلى بيته، ويصدر أمرا إلى الحرس الجمهوري بتسليم أنفسهم، وإلقاء السلاح حقنا للدماء)
كانت الحركة بزعامة "عارف عبد الرزاق" تساندهم قطعات صغيرة من أبي غريب، وقبيل المساء تم القضاء عليهم!؟ وكانت إذاعة صوت العرب المصرية، قد دافعت عن المتمردين!؟ وتحدث الناس أن أولاء الحركيين، قاموا بحركة على مخفر اليرموك، وضربوا بالسلاح حتى باب دار الرئيس.
وفي 5/5 أشيع إن مجلس الوزراء قد أقر مشروع فرض أجور يدفعها طلبة الكليات عند قبولهم، وان لهذا مبرراً هو أن يدفعهم لرفع مستواهم لأن الآباء سيراقبون أبناءهم ويحثونهم، كما أن المواطنين سيساهمون بهذا بمساعدة ميزانية الدولة!؟ هذه حكمة وفلسفة عميقة، لكنها إشاعة. لكن أمراً آخر تحقق في 31/5 هو أن سعر رغيف الخبز قد زيد فلساً واحداً. وجواز السفر 25 دينار لمن هو في سن 15 عاماً أو أقل. طبعاً هذا يهم من يهوى التجوال في أوربا وله إمكانات مادية.
وأذيع في 6/8 نبأ إقالة البزاز، وتعيين اللواء ناجي طالب ومعه "علي بابا"، ومحمود الجوهر  والجواري.
وقد ضمني مجلس لشخصية سياسية بارزة. وتحدث احد الشخصيات البارزة أيضا. فقال: قال البزاز متفاخراً أن الشيعة يسمونني "عبد الزهرة البزاز" فأجابه أحدهم ..... الشيعة سموا من هو منهم عبد الرزاق الأعظمي وذكر أن المقصود عبد الرزاق محي الدين . وكان البزاز أثناء حكمه قد ابتكر اسماً جديداً للاشتراكية -الاشتراكية الرشيدة؟-. ورحم الله الدكتور جورج حنا فقد ذكر في كتابه الحارثيات أسماء كثيرة ابتدعت لتغطي اشتراكية ماركس. ولم يخطر على باله ما ابتدعه البزاز.
وفي هذه الظروف حدث في سوريا انقلاب، قيل انه بعثي. بدليل ما أذيع: انه سيقدم رجال الحكم السابق إلى محكمة حزبية. وأذاعت دمشق في 16/4/67 إن وفدا برئاسة يوسف زعين رئيس الوزراء مع وزير خارجيته، وبعض كبار رجال الدولة، سيتوجه إلى الاتحاد السوفيتي (القوم سرهم معاوية    وقميص عثمان لهم علن). الغرب الاستعماري اسبق منك يا موطن الاشتراكية، فكن واثقا بما أشار إليه كتاب "محمد" (كلما دخلت أمة لعنت أختها).
ومسيرتي بين الضباب وتحت الغيوم؟ لو كنت أملك قليلا من المال يساعدني على عمل مكسب لتدبير أمر العيش لعائلتي ولي، لضربت صفحا عن مراجعة هذه الدوائر والمتحكمين بأمورنا دون أن يعوا ويفيقوا ولو لحظات معدودة. إن لا حكم دائم، ولا سلطة باقية إلى الأبد، كل شيء في تبدل.
إني دائب المراجعة لهذه الدوائر المنحوسة. فاصطدم بعنجهية مدير أمن لواء ديالى "هاشم سليمان". لم انس أول مراجعة، كنا خمسة وعشرين معلما مفصولاً. أنا العربي الوحيد بينهم، والآخرون بين كردي وتركماني. وافق على إعادتهم بما لم يتجاوز دقائق، لم تتعد أكثر من عشر دقائق! أما أنا؟ فأعصابه تثور بمجرد رؤيتي أمامه!؟ أعضاء اللجنة معه، معاون المتصرف "سليم الاطرقجي"، ومدير المعارف "جاسم عبد الحسين". ولكن مدير الأمن وحده الذي يناقشني ليبدو وهو -نايل عيسى- ويتصورني -فهد-!؟
كل مناقشاته عندي هينة، لو ملك وقار ووزن المسؤول الذي يحترم القوانين! فبموجب القانون العراقي المادة 132 و43 جمعيات و 15/14/8 مرسوم ق.ع.ب تعتبر من الجنح الغير مخلة بالشرف فلا تستلزم حرماني من الحقوق المدنية، وبموافقة الحكومة على إعادة المفصولين لا يصح منه هذا التعنت ضدي خاصة.
مرة وهو يستجوبني، قطع استجوابه وراح يردد (ماكو مؤامرة تصير وعين الشعب مفتوحة) رددها بحماس مبحلقا عينيه بوجهي، وكأنه يتهمني بها!؟ قلت على الفور. أمر حسن المؤامرة ليس في صالحك. ولتبق عين الشعب مفتوحة، هذا خير وأحسن رادع للمتآمرين. فهاج وماج وأرعد وأزبد، وبانفعال جنوني، أخذ يصيح بي: خطوة إلى الوراء، شوفو لاصق نفسه بالمنضدة!
وتنفس الصعداء، وكمن تعب من صراع. فقال: أنت اسمك شنو، ومحمد علي منو؟ قلت اسمي علي وأبي محمد، ومحمد علي أخي. ثم سأل: وحسين؟ قلت: أخي أيضاً. فهز كفه هازئاً. علي، محمد علي، عبد علي، حسين، محمد حسين، عبد الحسين، ماكو أسماء بس هذي!؟ قلت: ما بيدك وأبوك هو الذي سماك. وأنا وغيري كذلك. سمونا ونحن أطفال رضع فما لنا خيار!
قال: في ملفتك صورة حكم عليك بالسجن عشر سنوات قضيتها في نقرة السلمان منذ عام 1949!؟ إذهب وآت برد اعتبار عن هذه المحكومية!
قلت: ملفتي بين يديكم تشهد أني كنت في الوظيفة في لواء الناصرية منذ عام 1947 وانتقلت إلى كربلاء عام 1955، وكأي موظف أحصل على ترفيعاتي بموجب القوانين، أي أنني لم أكن سجيناً في الفترة التي ذكرتها. هناك مثل انكليزي يقول، لا يمكن الركوب على حصانين في وقت واحد!
فعاودته ثورة أعصابه من جديد وراح يصيح: اطلع منا، امش، يريدني أرجعه، يتكلم بمثل انكليزي!؟ قلت، قبل أن أخرج: إذا كانت خبزتي تأتي عن طريق إذلالي فأنا لا أريدها.
الأعضاء الآخرون، لم يشاركوه بهذا التهريج. يبدو أنهم هدأوه. فقال: خذ ورقة. أكتب جملة أشتم فيها الشيوعية والاتحاد السوفيتي. قلت: أنا لست شيوعياً، ولا يصح أن أشتم الاتحاد السوفيتي في وقت، جمال عبد الناصر يقول صديقنا، والجزائر وسورية والعراق أيضاً!؟ فمن أنا -والحال هذه- فاشتم الاتحاد السوفيتي، لن يفعل هذا إلا المجنون ...! فطردني وخرجت والأمر لله.

الناشر
محمد علي الشبيبي
السويد ‏‏10‏/08‏/2011
Alshibiby45@hotmail.com


50
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف / 16
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1996)




 

عام جديد  
هو ذا عام 1965. أطل عليّ وعلى ابني محمد وهو يقبع في سجن نقرة السلمان المشؤومة، وأنا في سجن الحلة، بالقلعة المسماة "الجديدة". أما هو فقد خسر من عمره الدراسي خمس سنين يقضيها في سجنه، إذا لم يمنن عليه ربه فينقذه ليعود إلى الدرس والتحصيل.
وأما أنا -إن كنت لا أعلم عن صحة الاتهام لأبني- فإني أنا نفسي بريء حقاً، ولا علاقة لي مطلقاً بأية منظمة سياسية، وأنا أكرر، أن تنصلي لم يكن بدافع الجبن والخوف، أبداً. فالنضال من أجل القضية الوطنية ، وضد الاستعمار والاستغلال، إن لم يكن له أمثالي فمن يكن إذن؟ وقد ذكرت مراراً أسباب تجنبي ومشاركتي أبناء وطني في الانخراط في أية منظمة أختارها للمفاهيم التي أستوعبها، وانكمشت عن نفسي بعيدا عن كل ممارسة لأي نهج سياسي وفي أي خط. ولذا أشجب هذه التهمة التي أصر الحكام أني واحد من رجالها أو المنتمين إليها، لا خوفاً، إنما لأنه إدعاء باطل.
وفي مطلع هذا العام أذيع : أن رئيس الجمهورية أمر الحاكم العسكري بإطلاق سراح جميع من أنهوا محكومياتهم بدون قيد أو شرط*. وضحى اليوم 13/01/1965 بدأت معاملة إطلاق سراح 104 سجناء من القلعة الجديدة، منهم من كان قد أعطى البراءة، والأكثرون من رفض البراءة. ومن القلعة الوسطى 282 سجينا. وبعد يومين جاء بعض رجال الأمن من بغداد يحملون استمارات -براءة- مطبوعة، ونودي بأسماء عدد من السجناء فتقدم لهم بعض ورفض الأكثر. وكرر رجال الأمن عرضهم فلم يتقدم إلا عدد قليل كان قد قدم البراءة من قبل هذا. وأعلن أيضا أن 133 سجينا قد خفضت أحكامهم وأطلق سراحهم من النقرة، وكان من ضمنهم عبد الحميد سعود. وكنا قد أبرقنا بتأريخ 19/01/1965 إلى اتحاد الأدباء في المؤتمر الذي أعلن عن انعقاده هذه البرقية:
مؤتمر إتحاد الأدباء العرب المحترمين-بغداد!
تحية. وبعد فأن شرف الكلمة ومجد الحرف يضعانكم أمام مسؤولياتكم الفكرية، فارفعوا أصواتكم من أجل الحرية للأدباء العراقيين زملائكم في حمل رسالة القلم. أنتم تدركون أن الأدب والحرية صنوان. ولقد زج بنا في السجون أبان انقلاب 8 شباط وبعد ردة تشرين وإثر محاكمات صورية، قامت بها المجالس العرفية. فنأمل أن لا تألوا جهداً في أداء واجبكم تجاه الأدب، وان تعملوا من أجل أطلاق سراحنا لتتاح لنا فرصة العمل من أجل أن نعود إلى رحاب الفكر، لنسهم في خدمة شعبنا وشكراً.
عن سجن الحلة المركزي
علي الشبيبي، هاشم الطعان، عبد الجبار الأعظمي
وأبرقنا برقية أخرى في 6/2/1965 إلى مؤتمر نقابة المعلمين:
بغداد – قاعة الخلد- المؤتمر الخامس لنقابة المعلمين
نحن أعضاء النقابة من مدرسين ومعلمين والبالغ عددنا -72- عضوا سجينا سياسياً في سجن الحلة المركزي. نحيي المؤتمر ونطالبكم بتنفيذ واجباتكم النقابية تجاهنا للتوسط لدى الجهات المسؤولة، وتبني قضيتنا والعمل لإطلاق سراحنا، وإعادتنا إلى مدارسنا لنساهم مع شعبنا في بناء الاشتراكية، وتحقيق الوحدة العربية.
عن سجن الحلة المركزي
اعتذر لفقداني أسماء الموقعين، وكنت أحدهم.
فاقدوا الحرية من السجناء، مختلفون في مدى تحملهم حرمانهم من حريتهم، ومن العيش مع عوائلهم وذويهم. لذا انكسرت نفسيات بعضهم، فأدوا المطلوب الكريه -البراءة- الذي يتنافى مع كرامة المواطن، وأكثر فهو أيضا عار وسبة في تأريخ أي حكم يطالب به المواطن السياسي.
وأصبنا بالفجيعة لإصابة أثنين من زملائنا السجناء، وهم من أسرة التعليم. إذ أصيب الشاب هادي الدباغ باضطراب عقلي بتأريخ 13/2، وبعده في 15/2 أصيب عبد الصمد العاني. وأحيلوا بعد مقابلات متعددة مع مدير السجن إلى بغداد، فأعيدوا بتقرير مضحك، خلاصته "انهيار عصبي!؟"
بينما يشغل آخرون أنفسهم بترهات إن دلت فإنما تدل على الخطل، وانعدام التفكير في حيّز الإنسانية، ومطامحها. جدل بين شاب "شيوعي" قد أعطى البراءة وآخر من الحزب الفاطمي! الفاطمي شتم وطعن الشيوعية. تأثر المتبرئ، وتطور الأمر، انحاز للفاطمي اثنان كربلائيان متبرءان وثالث غير متبرئ ناصرهما. هذا الثالث يعد نفسه شيوعياً وأنا أعرف انه لا يناصر الشيوعية إلا لأن له أخاً عسكرياً، أعدم في انقلاب 8 شباط، قيل أنه شيوعي.
 


سجن الحلة/ القلعة الجديدة في 30/11/1964. وقد توزع السجناء في الساحة ليتمتعوا بأشعة الشمس
ويفسحوا المجال لتنظيف قاعتهم. المربي الراحل علي الشبيبي يمارس هوايته في المطالعة وعلى
 يساره إسماعيل عرب، وعلى يمينه عبد الخالق وحمزة عبود.

*               *               *               *
واشتدت أزمات السياسة بين العربية المتحدة وألمانية الغربية. الواقع إن المسألة ليست ألمانية ولا إسرائيلية أيضاً. إن تآمر واسع تتزعمه أمريكة ضد البلاد العربية جمعاء. وألمانية الغربية أداتها وإسرائيل قاعدتها. والرجعية في البلاد العربية سندها، وضرب القوى الوطنية سبيلها في تصدع الداخل ليسهل تسديد ضربة من الخارج. وعرف عن الاستعمار أنه شجع ضرب الشيوعيين وعن هذا الطريق بضرب كل وطني لا يمشي في ركب الاستعمار.
الأنباء تشير إلى بشائر إطلاق سراح السجناء متواصلة. يبدو أن وزير الداخلية رجل له شخصيته المتميزة. وعليه أن نتذكر انه الوحيد الذي لم ير أخذ البراءة صفة طيبة للحكام. الحكام كغيرهم من الناس يأتون ويذهبون، ولكن أغلبهم لا يهمه أن يكون حديثاً حسنا -لمن روى-.
فقد أصدر وزير الداخلية صبحي عبد الحميد بياناً في 23/03/1965 أعلن فيه: أن على كافة المعلمين والمعلمات الذين انتهت مدة فصلهم أو لم تنتهي، المبادرة إلى تقديم طلباتهم إلى مديريات التربية في الألوية فوراً بشأن إعادتهم إلى الخدمة. وذلك للإسراع في النظر في أمر أعادتهم للوظيفة في ضوء الخطة التي وضحتها الوزارة في منشورها الصادر في 30/1/1965 -عن جريدة الثورة العربية 211-.
وأذيع مرسوم جمهوري بإطلاق سراح بعض السجناء، وتخفيض محكومية بعض، عددهم خمسون سجيناً. لكن المضحك أن عدد من أطلق سراحه من النابذين لم يزد على أكثر من ستة.
وحين زارنا الأهل كانوا يحملون إليّ رسالة من الدكتور مصطفى جواد، جواباً على استفسارات مني، ضمنها أجوبة مشكوراً. ولست أعرف كيف عرف عنوان بيتي، ولماذا أرسلها إلى بيتي؟ وهو يعتذر عن معنى كلمات وردت في -نشيد الإنشاد- المذكور في التوراة عن النبي سليمان. فيقول: انه لا يفسرها إلا المختصون بالتفاسير الإسرائيلية، وعن بيتين من الشعر اعتذر بعدم العلم عنهما. الكلمات كانت مثل -عُفر الأبائل- القواميس اللغوية التي بين أيدينا، العُفر الغزلان أو الأيائل ذات اللون المشابه لرمال الصحراء، والعفراء الشقراء شقرة تشبه شقرة الرمل. لقد ذكرت بضع كلمات من نشيد الإنشاد فاعتذر كما ذكرت. وعن الأبيات الشعرية منها هذا البيت:
فكنت كمن خــــاف الندى أن يبلّه      فعاذ لدى الميزاب والقطر بالبحر
فكان جوابه لا أتذكر قائله، ولكن هذا المعنى جاء في شعر كثير لشعراء كثيرين.
ونشرت جريدة الثورة في عددها الصادر الجمعة 14/5 على صفحة 5 كلمة بعنوان "أدباء السجون" منها هذه العبارة (وليمة شهية بأطباق قذرة) إنها شتيمة قذرة، لا تليق أن تصدر عن ناقد أديب. أما المؤلف فهو عبد العزيز الحلفي. كتابه أدباء السجون، ضم تراجم عدد من أدباء السجون، باختصار شديد. أنه ينفع كفهرست لأسماء أولئك الشعراء، والكتب التي ذكروا فيها. هو مجهول على أية حال لا يستحق تلك الشتيمة، كما لم يكن واضحا من يقصد وماذا يعني، شهية، بأطباق!؟ المؤلف أم المترجمون؟ إذ جاء في هذه الكلمة قوله (بدأ بطرفة بن العبد، وانتهى بـ علي الشبيبي في العصر الحديث) والكتاب في جزئين. لابأس، الكاتب والناقد، لكل منهما شكرنا نحن القراء!؟
خير ما استفدته في حياتي السجنية المطالعة. طالعت عن حياة عمر الخيام، الشاعر الفارسي الشهير برباعياته، مؤلفه الكاتب الأمريكي هارولد لام، وترجمة محمد توفيق مصطفى. الخيام كأمثاله من العباقرة، يقدمون إلى البشرية ما ينير حياتهم أو يرفه عن نفوسهم، ويدلهم على الطريق اللاحب فيجزون المر والآلام، إنهم يزرعون الخير، فلا يحصدون إلا الشقاء؟ فإذا ما غادروا هذه الحياة أستغل إنتاجهم، وعبقريتهم. فيمجدون، ويفاخر بهم، ويُتخذ ما خلفوه من أثر، وسيلة يستدر تجار الحياة ضروع المنافع والجاه، وبنفس الوقت، يُرهق عباقرة زمانهم، الذين يواصلون المسيرة في الكشف بواسطة ما يبدعون، كلَّ غامض ليمهدوا السبيل لكل من هو بحاجة إلى من يهديه.
وطالعت قصة -عمال البحر- للكاتب الفرنسي الكبير، فيكتور هيجو. سئمت منها أول الأمر، حتى إذا وصلت منتصف الكتاب لم أستطيع تركها ساعة للاستراحة. يعجبني من هذا الكاتب دقة تصويره للأمكنة التاريخية، والأحداث، لكنه مولع كعادة أمثاله الكلاسيكيين، بتصوير أحداث مذهلة إلى حد المبالغة، والمحرجات التي لا يجد منها المرء مخرجاً إلا بمعجزة، ثم ينهي حياة بطله بكارثة. ولكنه يثبت تحدي بطل قصته للقدر ويصور كفاح الإنسانية العنيف من أجل الحياة.
اُعلن من الإذاعات أن انقلابا حدث في الجزائر، قاده بومدين و بوتفليقه. ونحوا بن بله الذي ينتظر مصيره. واعترفت بالحكومة الجديدة أمريكة وفرنسا. وسحبت بريطانيا اعترافها، وسارعت الصين واندنوسيا بالاعتراف، لأن بن بله كان يريد أن يحضر المؤتمر الأسيوي في الاتحاد السوفيتي خلافا لرغبتها.

البشرى
ليس أغلى عند كل مخلوق من حريته. من أدنى حيوان إلى أرقاه. والسجن حبس للحريات، ودكٍ للنفس البشرية، لا يقاومه إلا من أوتي خطاً وإيمانا بعدالة وشرف نضاله، واستناد عقله، فهو يدرك أن الموت نهاية كل حي، فليمت إذن ميتة شريفة، ميتة الشجاع الشهم. شاعرنا المتنبي يقول:
وإذا لم يكن من الموت بدٌ      فمن العار أن تكون جبانا
ويقول:
فحب الجبـــان النفس أورده البقـــا      وحب الشجاع النفس أورده الحربا
ويختلف الفعــلان والذنب واحــــد      إلى أن يُرى إحســان هذا لذا ذبنــا
وتلاحقت البشائر. لقد نشرت جريدة الثورة في عددها 305 في 21/7/1965 مراسيم جمهورية، بتخفيض أحكام وإلغاء أحكام. وكان من بين من أعفي عما تبقى له من مدة سجنه ، أسمي واسم ولدي محمد. أي أني قضيت مدة محكوميتي، توقيفا وسجنا وما شملني من هذه المكرمة السخية غير 12 يوم فقط!. ولكن ولدي محمد ناله خير كثير، إذ ربح ثلاث سنين.  وجاء من الناصرية شاب جالبا معه صور المراسيم إلى مركز مديرية شرطة الحلة، من أجل أخيه المشمول بها. وسفرنا إلى بغداد، إلى الأمن العامة. كانوا يدخلون كل واحد منا لوحده لأخذ صحيفة أعمالنا وكأننا جدد. فقد أخذوا يستوضحون عن التهمة المسندة لكل منا. اثنان كانا قد أعطيا براءة، فطالبهما بإعطاء البراءة مجددا، فامتنعا لهذا السبب، لم التكرار؟! فكان نصيبهما الضرب، وتوقيفهما.
انتظرت في الفندق ثلاثة أيام على أمل وصول محمد بلا جدوى، وتوجهت إلى أهلي عندها. كانت لهم فرحة. لكنها صماء بكماء. إنها فرحة ناقصة، إن لم أعد إلى وظيفتي. فلقد لقي أهلي الشقاء وأصيبوا بأمراض، خصوصا أمهم التي تحملت أعباءهم، كانت توفر ما تستلزمه الدراسة وكل بناتي طالبات، بينما لم تنس أن لها في السجن زوج وأبن.
وبعد أيام، جاء البشير أن محمد وصل في سيارة أمن!؟ ما معنى هذا؟ واجهت المتصرف سلطان أمين فلم يجدني نفعاً، رغم ما بيننا من معرفة. هذا طبيعي فهو صهر بهجت عطية، وعلى تلك المصاهرة تحول من الجيش إلى الأمن! سلطان أمين كرماشة نجفي من محلة العمارة. زميل شقيقي حسين في الدراسة الثانوية. أختار كل طريقه. سلطان إلى الكلية العسكرية والاسكافي إلى الطب وهديب إلى الحقوق، وكانت أيضا مطمح حسين. وتدور الدنيا وبسبب الطريق الذي سلكها حسين، وإذا بسلطان أحد أركان بهجت العطية ويُحكم حسين بالإعدام.
أني حريص على حياة ولدي. من أجله سافرت إلى بغداد. وزرت الشيخ الشبيبي، فاتصل بـمحمد الحديثي، وهذا اتصل بمدير الأمن العام، الذي أجاب: من جهتنا لم نأمر بتعطيله، فلينتظر أبوه، ثم ليقدم لنا عريضة عن ذلك!؟
طبعاً هم لا يعارضون إجراءات موظفيهم، مادامت مع أمثالنا وإن لم تكن قانونية. واجهت مدير أمن كربلاء، بواسطة مدير منطقة تجنيد كربلاء صفاء القيسي. كان مفوض الأمن لطيف الجبوري يحاول إرغامه على تقديم البراءة، وأخيرا بعد إضراب ولدي عن الطعام أطلق سراحه نقي الضمير.

*- كانت السلطات في كل العهود تحتجز السياسيين أحيانا بعد إنتهاء محكوميتهم ولأشعار غير محدد، وتجاوزت فترة الحجز للبعض أضعاف مدة الحكم!؟/ الناشر

الناشر
محمد علي الشبيبي
السويد   ‏‏04‏/08‏/2011


51
4- ثورة 14 تموز والسنوات العجاف/ 15
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1996)

 

قلت والسجن كريهٌ... ربي السجنُ أحبُّ
الوزيرية!      
البرد شديد، والريح حادة تمر كالمشرط. السائق والشرطي الذي رافقنا إلى سجن الحلة، طبعا لا يحسان بهذا البرد فهما تحميهما وتصد الريح عنهما زجاجة الباب في صدر السيارة وجانبيها، وكانت تسير بأقصى سرعة، بينما نحن نجلس في القسم الخلفي من السيارة وهو مكشوف للريح من ثلاثة جوانب ...
بعد أن سجل كاتب دائرة السجن أسماءنا تقدمنا شرطي ورافقه عدد منهم، إلى قلعة -الوزيرية-. مساحتها صغيرة، تشبه النعش، تماما تبدأ بعرض لا يتجاوز المترين حتى تنتهي تدريجيا إلى متر. فيها أربع غرف صغيرة، لا تكفي لإنسان واحد بفراشه ومعداته، وزعنا عليها. عند النوم لا يتمكن الواحد أن يتمدد براحة، أو أن يتقلب على جنبيه عند الضرورة.
في هذه تمر مجاري -المرافق- وتشرف عليها مداخن المطبخ. استيقظنا ذات يوم صباحا، فوجدنا أن المجاري قد فاضت، والساحة امتلأت بالأقذار. والملابس المغسولة قد أسقطتها الريح على الأرض المغمورة بالأقذار، ومضافا إليها ما تناثر فوقها من السخام. فصار سجننا مضاعفا، إذ لم يعد بإمكاننا إلا أن نظل بالغرف. ويتعذر علينا حتى الإفطار. أما الملابس، فلم نعد نفكر باستعمالها فقد طبعتها الأقذار بصبغة لا مثيل لها.
والمكان الضيق محك للنفسيات القلقة والفهم العادي، ومن عاش بدعةٍ ورفاه وجرفه شَرك الاتهام إلى هذا المكان. هنا تعاوده ذكريات الملذات والنعيم الذي كان يعيشه فيما سلف. بينما تجد الذين حسبوا للنضال حسابه، قد تسلحوا بالصبر، ووطدوا العزم، على لقاء الأقدار، وتقبل المصير بأي لونٍ.
بعد شهر نقلنا إلى قلعة أخرى "القلعة الوسطى"، واسعة بساحتها وغرفها ومرافقها، ولكنها سجن على أية حال. ولعل أشد ما يرهق السجين أن يكون في سجنه مرغما أن يرى من لا يحب أن يسمع منه، أو ما يقوم به من غث وإزعاج بشقاق وشغب، إن دل على شيء فإنما يدل على هوج الصبيان، وطباع المستهترين، الذين يكمن الندم في صدورهم. فالسجن كالخمرة، تنكشف فيها حقيقة شاربها، إن كان ذا شعور مرهف، فينساب من قريحته كل ما يلذ للسمع، ويطيب الخاطر، ويروح على النفس من همومها ويستخف بكل ذي نظرة سطحية، لا يفهم من الحياة إلا اللهو والمرح والغرور. وما أكثر الذين انكشفت حقائق طباعهم، وتبدلت حتى سحنات وجوههم. فهم في حركة دائبة دون أي هدف غير تأجيج الفتن، والضحك من زملائهم في الحال. وكان من مطامحهم الرخيصة أن يعتدوا على بعضهم من أجل مكان سبقه إليهم غيرهم. فلم يمتنع أن يجادل بل أن يعتدي بوحشية لم نعرفها فيه من قبل، وللنميمة والشغب عنده مهارة لا توصف!
كان بعضهم يتستر فلا يكشف ما لديه من متاع خشية أن يراه من لا زاد لديه. بل وصل الأمر في بعضهم أن يعلن انه لا يمكن أن يؤيد من أراد أن تكون حياتنا شركة. وتباهى أن لديه مئة وخمسون بيضة، وما لدى البقية كلهم ثلث ما عنده!
كان المسؤول عن سكان القلعة الوسطى، فتى (هو أزهر أحمد هو شقيق الملازم الشهيد صلاح أحمد/ الناشر محمد علي الشبيبي) من الموصل، نشط ، يبدي اهتماما كثيرا، لكنه لم يجد تجاوبا من الآخرين. يبدو لي انه من عشاق المظاهر والزعامة. حين انتقلنا من القلعة الوسطى إلى القلعة الجديدة، انتظمت أمورنا انتظاما رائعا، بعد أن أجمعوا على اختيار مسؤول يتمتع بثقافة عالية، وشخصية محترمة، يدعى "عبد الحميد سعود" من أهالي بعقوبة، وكان نقيبا للمعلمين فيها. بمساعيه ووعيه ، تم لمصلحة السجناء فتح حانوت فيه ما يحتاج السجين إليه، أدوات حلاقة، صابون، ليفة حمام، والخرز المعروف -بالنمنم- للحياكة التي شاع أمرها بين السجناء، وبلغوا فيها مبلغا هاما من الإتقان وروعة الفن.
وطور مقهى بيع الشاي. ومارس كل ذي مهنة مهنته، هذا سمكري يحول صفائح الدهن الفارغة إلى صناديق يستعملها السجناء لحفظ حاجاتهم، وهذا خياط، جهز بماكنة خياطة. فهو يخيط القمصان وثياب الراحة والبيجامات، وهذا يكوي الثياب وآخر يصلح الراديو، ونظم مكان خاص لعدد من الحلاقين. وفرض تقسيم الأرباح التي تحققت، نصفها للقائم بالعمل والنصف الآخر لمصلحة السجناء بالدرجة الأولى المعوزين. خصص لهم يوميات، ولم ينسوا عوائل هؤلاء أيضاً، قدر الإمكان، وبالأخص بعض الذين هم مفخرة بثقافتهم، وتأريخ حياتهم، وحسن سلوكهم في مواقفهم النضالية المشرفة. وتم تنظيم عيادات الأطباء، في إحدى غرف السجن -القلعة الجديدة- لكل اثنين من الأطباء نوبة في يوم من الأسبوع، ويوم واحد للطبيب الأخصائي، بإحالة من الطبيب اليومي.
كذلك لم يعتمد على قاعدة النظافة من قبل إدارة السجن، حيث يستخدمون السجين العادي لهذا الغرض. فوضع مسؤول السجناء السياسيين جدولا خاصا، كل يوم يقوم عدد معين من ردهة معينة لتنظيف الساحة، بالماء ومواد التعقيم، وحرق براميل الفضلات والأوساخ، ولكل ردهتين أو ثلاث يوم لغسلها وتنظيفها وعرض فرشهم وأغطيتهم للشمس.
بسبب رداءة ما يقدم لنا من طعام، فاتح قادة السجناء الدائرة واتفقوا مع المقاول بأنهم لا يستوفون أية حاجة ،مثل اللحم، والخضرة وأمثالها، إلا بعد فحصها من قبل أطبائنا وتم لنا ذلك. ويعطى المقاول فرق أثمان الحاجات إذا كلفته أكثر مما تم بينه وبين الدائرة. ولم يعد للطباخ المأجور مكان. ومرتبه مستمر من الدائرة والله أعلم . وتم تعيين عدد من السجناء للعمل في المطبخ والأشراف عليه، وكذلك في أفران الصمون –الخبز-. بعد هذا تقرر أن لا يحتفظ السجين ما يجيء به إليه ذووه أيام المواجهة من فاكهة ومأكل مطبوخ. إنما عليه أن يسلمه للجنة مسؤولة خاصة بيوم المواجهة، وتكون المائدة موحدة ليوم أو يومين حسب كميتها. فرض هذا لأن بين السجناء من لا يستطيع أهله زيارته لبعدهم أو لفقره، تستثنى من هذه القاعدة الأكلة النادرة، فلا يشملها التأميم وتعطى لصاحبها.
ودبر أمر الحمام، الذي كان يومين في الأسبوع. وهو عبارة عن غرفة فيها عدة حنفيات، ولا ساتر بين واحد وآخر. فقام المهندسون السجناء، ووضعوا خارطة تصميم لحمام فيه عدة قمارات. وخصص مبلغ من دخل المنشآت السجنية الخاصة لشراء كمية من النفط اللازمة نظيف إليها الكمية المخصصة من قبل إدارة السجن. ويبدأ الاستحمام صباحا من الساعة الثامنة صباحا حتى الثامنة ليلا بإشراف اثنين مناوبة مع آخرين لأيام الأسبوع، يبدأ بالردهات واحدة بعد الأخرى، بحيث تشمل الجميع مع تحديد المدة لكل داخل، يضبط ذلك الرقيب الخاص.
ثم دبر أمر شراء تلفزيون، ونَعمَ السجناء بمتع السهرات والموسيقى. ولكنهم أيضا لم يكتفوا بهذا. كل منهم يحتاج إلى راديو. فكيف يتم هذا؟ التلفزيون سمحت به الإدارة فهو محصور بمحطة الدولة. أما الراديو، فهو جواب يأتيك بكل محطات إذاعات العالم. ولكن إدارة السجن وتحفظات الدولة، ومديرية السجون تمنع دخوله إلى السجن. ولكن السجناء تمكنوا من إدخال أعداد كبيرة. وإذا ما قررت إدارة السجن والأمن تفتيش السجن والسجناء، اختفت أجهزة الراديو، مع دقة التفتيش. إذ أن لرجال الشرطة ومسؤولي السجن من الإدارة والأمن يخرجون السجناء إلى الساحة ويبقون هم للتفتيش. ولكنهم لم يعثروا على شيء!؟
وقد أولى المسؤول ومساعدوه الأهمية البالغة لتأسيس مكتبة وتزويدها بالكتب، وللسجين أن يرتادها في الوقت المخصص للمطالعة. وله أن يستعير الكتاب لمدة لا تتجاوز ثلاثة أيام، وإذا ما تجاوزت يدفع عن كل يوم خمسة فلوس، وقد نظمت الاستعارة من خلال التسجيل في دفتر خاص بالمكتبة.
كما نظم وقت خاص بالألعاب الرياضية المختلفة حسب الهوايات. يشرف على ذلك السجناء الرياضيون. وتم إعداد مسرحيات، وتمثيلها من قبل هواة التمثيل، يشرف عليها مخرجون أمثال قاسم الشبلي، وسركيس ... قاسم ألشبلي سجين عسكري وهو ابن أخ الممثل الأقدم حقي الشبلي. أما كوركيس فلا أعرف تماما اسمه الكامل، فقد أبدع بدوره في مسرحية قنديل ديوجين. وختم حياته السجنية بعد هذا بالبراءة، حين هددته زوجته بالطلاق الذي أقر شرعيته وحقها فيه القس!؟.
دورات مكافحة الأمية، ودورات لدراسة اللغات المختلفة، الانكليزية، والفرنسية، والكردية والفارسية. ومحاضرات في الأدب والتأريخ والاجتماع والاقتصاد. وحفلات للشعراء، الشعر الفصيح والشعبي. وقد حضر بعض هذه الحفلات بعض المسؤولين. فأعجبوا بهذه المهارات والقابليات. خصوصا المعارض -لوحات رسم رائعة-، بعضها بالريشة وبعضها بالنمنم. بعضها عنون بيوم المواجهة، وأخرى السجناء نيام، أو يستقون الماء المبرد، طبعا بتدبير مسؤوليهم. هم صنعوا صناديق خاصة للتبريد، بواسطة قوالب الثلج على أنابيب في داخلها من نوع خاص وتنظيم خاص. ومن الفنانين الفنان البصري هادي الصكر والطيار السيد نوري صالح. وقد حاول أحد المسؤولين شراء أحدى اللوحات فرفض صاحبها فهي ذكرى سجنه.

مآسي ومشاكل
السجن محك، كالخمرة، تكشف حقيقة شاربها، إن كان غليظ الطبع، خالي الوطاب من أدب أو علم، أو إذا كان ذا نفسية معقدة أو مشاكل لا يعرف عن أسبابها شيئا. ولا يدرك للتخلص منها سبيلا. والاتهامات والمحاكم العرفية دفعت بأناس لا يعرفون من السياسة حرفا. هم من الجماهير التي تنشد الاستقرار فترحب بالجديد عله يحقق لها الأماني. ومنهم لا يهمه أمر سوى أن ينعق مع كل ناعق. وهو على استعداد أن ينبذ ما كان يتظاهر به، ليلبس لبوسا جديداً، وبنفس الضراوة ينقض على من تملقهم بالأمس بل حتى أن يتحول جلاداً. هؤلاء فعلا لم ينلهم شر.
النماذج الأخرى أصيب بعضهم بالجنون. نوع من الجنون. يبدو لك كأنه يحمل الحكمة برأسه، وينثرها دررا من كلام. وفيهم من لا يعرف غير أن يأكل كثيراً وينام كثيراً، نوما لا يستيقظ منه حتى بالهز والدفع العنيف. شرس يشتمك بعد لحظة وكان يبدي لك الاحترام. وآخر دأبه خلق الفتن والوشايات، حتى إذا وصلت المسألة إلى حد العراك، وقف كمحترم حكيم، وبمنطق سليم ليصلح ما أفسد، ويبني ما خرب!
وهنا عبقري. كان مدرساً، من عائلة شهيرة. أخوه الأكبر من رجال الجيش وذي رتبة عالية. زاره يوما وطالبه أن يعطي البراءة فترك أخاه وعاد دون جواب وبوجه صارم، هو من آل الشاوي. أشهد أنه مدهش في علمه الجم، وأدبه الغزير، وإطلاعه الواسع، ومنطقه الجذاب. لكنه قد يشطح ويتفلسف بما يحسبه الجهلاء كفراً، وخروجا عن المألوف. فتثور العجاجة من حوله حتى تطيح بصبره فيهرب كطفل تائه علاه خوف شديد.
اثنان -كلاهما كانا مدرسين- كانا مثالا للهدوء وطيب السلوك، لكنهما جُنا!. جنا حقيقة، أرسلوا إلى بغداد، وأعيدوا بتقرير -انهيار عصبي- وكأن إعادتهما علاج للانهيار العصبي؟ ليس هذا بمستغرب. نحن في عصر تدلل فيه الكلاب والقطط!؟ والإنسان ... إلى الانهيار العصبي والسجون والموت؟
فوجئنا بترحيل خمسة عشر سجيناً، منهم ولدي محمد. كان يحمل همومي، ويدبر ما أحتاج. وأنا وهو تأتينا أمه وقد حمّلتها ثقل عائلةٍ من سبع بنات كلهن مازلن في مدارس. كلهن مع أمهن آثرننا على أنفسهن. فلحد الآن لم تنته مسألة استحقاقي لراتب التقاعد. الابن الأكبر غادر القطر إلى الحجاز، ولم يعلموا عنه لحد الآن خبراً. ابني همام في بغداد يخشى الوصول إلى أمه وأخواته، فيقع في فخ المولعين بالكيد والصيد، والافك والانتقام. انه الآن مهتم بأمر التقاعد. بينما أمه وأخواته، يعشن على الخبز الخالي، ولا آدام سوى باقة فجل؟ من يصدق هذا؟ وأنا لم اعرض نفسي لطلب مساعدة ولا مسؤول يعتقد فيّ، إلا بأني من ذوي اليسر والرفاه.
ولدي محمد ولا عجب فيه، حين خبرته فوجدته على صغر سنه من أهل الصبر والجلد، والتأسي بالكرام من الراحلين الذين استشهدوا على مذبح الحرية. وقبعت في زاويتي، لم أفكر إلا بان لكل دور وطور في هذه الحياة نهاية. والصبر زادي، والموت حتم في رقاب العباد، كما قال زيد بن علي بن الحسين:
قـد كان في المــوت له راحـةٌ      والموت حتم في رقاب العباد
ولقد أذيع ليلا في 5 تموز -1964- عن تشكيل لجنة من كبار الحكام والقضائيين لإعادة النظر في قضايا المحكومين السياسيين، وتخفيف أحكامهم أو أطلاق سراهم!؟ وفي 21 تموز وصلت إلينا لجنة قضائية، صارت تستدعي السجناء. وتوجه إليهم أسئلة: كم عدد أفراد عائلتك؟ من يعيلهم بعدك؟ هل أنت مستعد لتقديم البراءة؟
هذا عسكري سجين من الشمال، أجاب عن السؤال الثاني: لست أعلم إن بقي لي أهل أم ...!؟ أجاب كبير اللجنة: أم ماذا؟
- سل الأرعن صاحب الصورة التي على رأسك؟ سل عن القنابل التي تهطل على سكان الشمال بأمره، فما يدريني، هل هم أحياء أم دفنوا تحت الأنقاض، بفعل القصف!؟
تنبه العسكري والتفت إلى صورة عبد السلام عارف المعلقة. وعجل العسكري الآمر بصرفه دون أن يستكملوا استجوابه.
لقد استقال طاهر يحيى، وشكلت وزارة أكثرها من المستقيلة. طاهر يحيى يبدو لي أنه خالٍ من كل ما يؤهله للحكم. فقد عرض على شاشة التلفزيون مع بعض شيوخ الأكراد. وسمعناه يخاطبهم: أحنه كرمناكم وأطيناكم، مو لما ترجعون تسوون جقلم بقلم!؟ واذكر للشيخ العقوبي قوله:
وقالوا سيحيى العدل فينا بطاهر      فقلت لهم ما في الوزارة طاهر
وعين صبحي عبد الحميد للداخلية، ورشيد مصلح. وماذا سيفعلون عن البراءة؟ الجرائد تعرضت لها وقيل أن الجرائد تجيب (أنها تعتذر عن نشرها في الوقت الحاضر).  ففي 28/8 نشرت جريدة الثورة العربية رداً قصيراً على شاب أسمه "فيصل الدليمي" يسأل عن نشر البراءات (لا مجال لنشر البراءات في جريدتنا. وكذا لم نجد هذا في الجرائد العربية خارج العراق). وفي 23/11 نودي على بعض السجناء الذين انتهت محكومياتهم، وقد طولبوا بالبراءة!؟. وسمح مدير السجن بإرسال أسمائهم إلى وزارة الداخلية بدون أخذ -براءة- لأخذ رأي الجهات العليا.
وفي 29/11 وصل سجناء حكموا هذه الأيام من قبل المجلس العرفي، وقد طولبوا بالبراءة!؟. من أعطاها حكم خمس سنين ومن رفض حكم عشرين عاماً!؟ وفي جريدة العرب العدد 169 في 12/1/1964 نشر اعتزال اللواء أحمد حسن البكر للسياسة بخطه بالزنكوغراف إلى الرأي العام العربي، جاء فيها (أني أحمد حسن البكر، لقد اعتزلت السياسة، رغبة مني لأنصرف إلى أموري العائلية) أما المقدمة التي قدمتها الجريدة فهي (يؤسفنا حقاً أن يعتزل السيد أحمد حسن البكر السياسة ويطلقها نهائياً!؟ بعد تجربة قاسية مريرة ولم يمض على دخوله المعترك السياسي غير أمد قصير. ويسرنا من الناحية الثانية أن يكون هذا الاعتزال صادرا عن رغبته الذاتية؟ وبمحض إرادته! والعرب من جانبها تتمنى للسيد اللواء البكر السعادة والراحة في حياته الجديدة إنشاء الله). إنها والله براءة محترمة تناسب مقامه، فالحزب الذي يرأسه البكر هو الذي جاهد أيام قاسم من أجل الرئيس عبد السلام.
وبالمناسبة أن مسؤول السجناء حميد سعود، حصلت له مفاجأة، فأثناء ما كان يطالع إحدى الجرائد العراقية، قرأ ما أثاره. وخرج إلى صحن القلعة، وقرع الجرس بشدة، جمد الذين هم في الساحة، وخرج الجميع مدهوشين من جميع الردهات، ليستطلعوا جلية الأمر، وانتصب على دكة ردهة المستوصف وقد بدا عليه الانفعال. وخاطبنا بصوته الرائع النبرات. أيها الأخوان في هذه الجريدة، لا أدري إن كنتم أطلعتم عليها أو لا -نشر فيها براءة- والغريب أنها موقعة باسمي الكامل، وأنا بريء من هذه البراءة. وبرهاني لديكم على صحة ما أقول. أني أقرأ عليكم استنكاري لها بالبرقيات التالية التي سأبرقها بواسطة مدير السجن إلى كل من وزارة الداخلية، مدير السجون العامة، الجريدة التي نشرت فيها البراءة، وفيها أيضا أعلنت استنكاري وشجبي لأسلوب البراءات.
وصفق جمهور السجناء تحية له وإكبارا. في اليوم الثاني صدر أمر من السجون العامة، تسفيره إلى سجن نقرة السلمان، بينما نشرت الجريدة نفسها إن صاحب البراءة التي نشرت أمس جندي متهم وخارج السجن!؟ إنه لموقف شجاع أن يقف الإنسان -أي إنسان- مدافعا عن كرامته. واتهامه بأي عمل لا يختلف أبداً عن أي عمل آخر يتنافى مع الوطنية وخيانة الضمير.
وقرأنا في الصحف انه قد أعفي كل من الدكتور إبراهيم كبه والعسكري أحمد محمد يحيى من بقية محكوميتهما بمرسوم جمهوري. الدكتور كبه غني عن التعريف وقد نشر قصة محاكمته في كراس، وأسباب حكمه لأنه أستوزر أيام تموز عهد عبد الكريم قاسم. كذلك أحمد محمد يحيى، قد عين وزيراً للتربية والتعليم أيام تموز الأولى.
وحدث انقلاب ضد الثورة اليمانية، ولكنه فشل. وهبت مظاهرات قصدت سفارتي أمريكة وبريطانية واحرقوا علميها. ثم جرد الرئيس السابق إبراهيم عبود من صلاحياته، ومن رئاسة جمهورية السودان! وأيد الحكم الجديد بإضراب الشعب كله. أحداث عالمية هامة حدثت هذا العام. فالشعوب الواعية ورجالها الأيقاظ لا يثنون عن أي عمل يوطد أركانها، ويدفع عنها كيد الدول الاستعمارية الرأسمالية. ونُحيّ خروشوف وحل محله بريجنيف. ربما كان هذا لأثر موقفه في تأزم حصل في كوبا.

السفلة والتكفير!
سكان القلعة الوسطى يقيم فيها الذين قدموا البراءات. بينما بينهم سجناء عاديون، وبالطبع يطلق عليهم جميعا "سياسيين". وحدث أن شب تهاتر بين أثنين عادي وسياسي عدة مرات بسبب موقوف -صغير السن، ومن أهالي الديوانية- عندما يخرج لقضاء الحاجة فجرى تصادم عنيف بين هؤلاء -السفلة- وبين السياسيين، بقناني -الكوكا- لكن المأمور -معاون السجن- قرر نقل الموقوف لا المعتدين!؟ وكانوا يهتفون أمامه (أنتو لازم للرمادي وبعقوبة!؟) وكان نتيجة التصادم أكثر من ثلاثة جرحى بجروح بليغة وسبعة بجروح طفيفة. وحضر ممثل الشرطة وحاكم تحقيق ومسؤول من الجيش مع مدير السجن وأجري التحقيق.
وفي سجن صغير يدعى -المعمل- عدد من السجناء العاديين أيضا، بينهم سافل يدعى رياض شير علي، أعرف أنه جُن في طفولته، ومراهقته، بحيث جرّ على والده وهو رجل طيب متاعب وآلام، حين وجدت الشرطة له ملابس على أحد جسور بغداد، وكتب على ورقة بخطه وتوقيعه -أنه ينتحر غرقا!-. وأبلغ والده فضل هو وبعض أهله في مركب مائي يتابعون مجرى دجلة علهم يعثرون على جثته طافية. بعد اليأس أقاموا الفاتحة، في اليوم الثالث منها فاجأ أباه ضاحكاً (كم كانت خسارتك على الفاتحة، هذا جزاء امتناعك عن طلبي منك عشرين دينار!؟). وفي أيام حكم قاسم تقدم مع من قدم من طلبة العلوم الدينية للدخول إلى الدورة التي فتحت لهم ليعينوا بعدها معلمين للغة العربية والدين، وبموجب امتحان يؤهلهم لدخول الدورة. لكنهم واجهوا الزعيم الأهوج فألغى الامتحان. أعرف أن الأغلبية حفاة من أية معلومات في اللغة العربية. بين هؤلاء عدد لم يعرف في حياته غير الفجور والخمور والقمار، وبينهم فقراء بالمعلومات. وعدد قليل منهم أشهد بحق إنهم أكفاء لتدريس إعدادية في العربية. في بداية الدوام في هذه الدورة راجعني اثنان أعرفهم جيداً، يطلبون مساعدتي بالتوسط لدى من أعرف من المدرسين. ونقل لي أحدهم أن أحد المدرسين اختبرنا بأسئلة في الأدب العربي وفيها عن عنترة العبسي، فأجبته:  عنترة هو شلايتي بن شلايتي، وعاشت الديمقراطية وعاش الزعيم عبد الكريم. وفي نهاية الدورة عينوا جميعا بعد توسلهم بزعيمهم!؟ وبين هذا المجموع قبل رياض. والحقيقة انه يتمتع بذكاء شيطاني، ولسبب ما نقل من كربلاء إلى كركوك، وهناك اقترف جريمة لواط مع أحد تلاميذه، وقبض عليه في غرفته بالفندق مع الطفل. كاد أبوه وبعض الأكراد أن يقتلوه لولا أن تحول الشرطة بينهم وبين محاولتهم، حتى انه حوكم ببلدة أخرى خشية أن يغتالوه، وحكمته المحكمة بخمس سنين.
هذا السافل حرض بعض سجناء "المعمل"، أن هؤلاء شيوعيون كفرة تجب إبادتهم! وعدم موافقة إدارة السجن بتكليفكم بأية خدمة في قلعة سجنهم، أنتم مسلمون وهم كفرة. إدارة السجن لا تكلف إلا الذين عوقبوا بالسجن لجرائم، ثم هم لا يقومون بنقل ما في البراميل من فضلات طعام وزبل والسياسيون هم ينظفون على طريقتهم الخاصة. ثم حرضهم أن يسرقوا معلبات وضعناها في رف عال مجاور للمعمل، والحاجز شباك من حديد. فامتثلوا واقتسموها بينهم. أخبرنا مدير السجن فثبت بالتحري صحة الخبر حيث عثروا على العلب بعد فراغها مرمية من شباك سجنهم. وبعد التحقيق اعترفوا جميعاً بالمحرض  والموافق. بعد الضرب المبرح الموجع على المسلم رياض "مرزه شير علي" تم نقله وأعوانه إلى سجون بعيدة. كان أسمه في الأصل مرزه شير علي، ثم أبدله بـ رياض شير، وشير تعني أسد. وهم من أصل هندي والهنود كالإيرانيين والأفغان يضعون ألقابا من هذا النوع -شير علي أي أسد علي- على أية حال إنهم أسرة طيبة معروفة في النجف إلا هذا المجنون.

الناشر
محمد علي الشبيبي
السويد    ‏‏01‏/08‏/2011


52
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 14
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)


انقلاب 18 تشرين الثاني 1963

حلمٌ، وواقع وحدث ...
معي ولي سابق مع الأحلام. ومع هذا لا أستطيع أن أتشدق برأي من عندي حسبما صادفت من رؤى تحققت، وبأسرع ما أتصور. بعضها ليس لي علم عنه بسابقة، أو في نفسي حول من كان حلمي عنه. أيّ خاطرة، من توجس محذور، ولكن الحلم وكان رمزياً استطعت حله، وعراني كدر. وبعضها كان صريحا في دلالته، وهو يشير إلى ما نعانيه ويعانيه غيري. ولكن كيف جاء ما يشير إليه كما يهوى المتمنون؟
في الحلم ليلة 12/11/1963، أبي يملي عليّ -بعد أن أمرني بإحضار قرطاس وقلم-. قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وان محمدا رسول الله، واني احتكم إلى الله من حكومة "نوري" فهو الحكم الحق. ثم يطلب مني تقديمها بريديا إلى الحكومة. صباحا حين خرجت التقيت برجل من الأخيار، كان يحبني، وسبق أن ساعدني بقرض. صرت أقص عليه الحلم، وهو يصغي بانتباه. قال الرجل وهو عامي. أسم والدك الشيخ "محمد" وهو اسم النبي كما انه واعظ جليل، وهو الآن بجوار ربه الكريم، فظهوره لك في الحلم، يعني أن حلمك -سيتحقق-!.
اقتربنا من صيدلية -كربلاء- سكنت أصوات الراديو فجأة، ثم دوى صوت المذيع. بيان الحاكم العسكري! يمنع التجوال لأشعار آخر! بعد هذا أذيع إن الحكومة تمكنت من سحق المتآمرين. وإفشال ما كانوا يخططون له، وإلقاء القبض على قادتهم. لم نفهم من كل هذا شيئاً، إلى من يشير؟ صاحبي أستعجل وعلق: انه ليس حلما. أنه وحي -رحمك الله شيخ محمد-.
بعد ستة أيام في 18/11 أذيعت جملة بيانات. منها حل تشكيلات الحرس القومي، مع توجيه كثير من التهم لهم. ووجوب تسليم أسلحتهم للجيش أو الشرطة. وعلى الأثر سمعنا دوي الرصاص في كربلاء. حاول كثير من الحرس المقاومة والامتناع عن تسليم أسلحتهم.
وصدر أمر منع التجول في عموم العراق. وكذا أعلن: إن من يؤوي حرسا ومن يخفي سلاحا، يعاقب. وأغلقت المطارات والحدود، وأوقف القطار. وعاد الناس هم الناس الذين عرفناهم، صفقوا لهذا  النبأ، وأعلنوا الفرح كما صفقوا لنبأ انقلاب 8 شباط 1963 وتظاهروا اليوم، كما تظاهروا بالأمس وتسابقوا في إرسال البرقيات فأذيعت متتالية تأييدا للسلطة الجديدة، ورجل الحكم الجديد عبد السلام عارف. كل هذا غير عجيب. والأسباب الحقيقية هو أن شعبنا لم يُعوَد على الحرية عن طريق الديمقراطية، وكانوا يرهبون كل حكم وحاكم فهم يتملقونه تستراً على حالهم ومن أجل سلامتهم. يعني أنهم علموه بتنافسهم هذا  أن يكون منافقاً.
عبد السلام؟! باسمك -هؤلاء الذين قلبت لهم ظهر المجن- يهتفون في شوارع العاصمة (باسمك يا سجين نحقق الوحدة). لقد خنت الإخاء، وتنكرت للذين ولّوك قيادهم وأولوك اهتمامهم ولكنك ضربت ألغازا وأحاجي تشير إلى حقيقة نواياك، بينما الناس اعتبروها توافه من تافه (طاسه ابسط طاسه والبحر ركاسه!؟). ولقد منح نفسه صلاحيات واسعة لمدة عام. وقال الناس: إن كل ذلك تم بجهود حردان التكريتي!
والجدير بالذكر إن القاهرة لازمت الصمت! ثم أصدرت بيانا حددت موقفها. بينما أعلنت دمشق سخطها! وأصدر الحاكم العسكري بيانا يمنع تدخل المواطنين بالبحث عن المشبوهين من الحرس القومي!؟. ثم رفع منع التجول في 19/11. ولكن ماذا عن أمثالي وعني؟
أول الخير نالني من الحكم الجديد، هو أن معاون أمن كربلاء منعني من السفر إلى بعقوبة لأتسلم نصف الراتب، وحين أرسلت ابني نيابة عني انزله شرطي الأمن  من السيارة وسلمه إلى مفوض الأمن عبد الجبار السيد علي هذا الذي قدمني إلى المعاون، وهو يمسك يدي بقبضته بقوة ويلهث: سيدي، إذا سقطت حجارة في بيت قول مِنْ هذا، إذا اجتمعوا شيوعيين قول في بيت هذا، إذا طلعت مظاهرة قول مِنْ هذا، ذوله كعبة الشيوعية، كل الشيوعيين أعترفوا إلا هذا!؟
هذا المعاون عليه سكينة وبين حاجبيه أثر السجود، ولكنه -كما يبدو لي- غبياً إلى أبعد الحدود. فهدد وشدد إن أنا حاولت السفر. فلم أجد بداً من محاولة مواجهة المتصرف -المحافظ- حسن حاج وادي واستطعت ذلك. انبسط الرجل، وأنا أقص عليه حكايتي التي ختمتها. إن عائلتي الآن تتألف من سبع بنات وولد، وأنا وأمهم، فأن أصر المعاون لا مانع لدي أن أتوجه بتظاهرة، أحمل لافتة، أكتب فيها: أحجرونا في موقف الشرطة أو أبنوا علينا بنيانا مادمتم تمنعون عنا أن يأتي أبونا بمورده الوحيد!؟ قال الرجل غداً في مثل هذا الوقت أعطيك نتيجة، سأكلمه. وتأوه وقال: المؤسف إن كل عهد نجد فيه السلطة تعتمد على هؤلاء، وهؤلاء صار بيدهم القدح والتنزيه، كل فئة تنتصر تنعم عليهم، فيزيدون تنكيلا بالخصوم، حتى يملأوا السجون والمواقف، ويشغلوا الحاكم، ويزيدوا العوائل تعاسة، والأطفال يتما، وذلة، وهم في مأمن في كل العهود! وحسن حاج وادي من أهالي الديوانية وكان شابا وقوراً متبسطاً.
وجئت ثانية بناء على ما أبلغني به مدير التحرير عن المتصرف. لكن المعاون -كما قيل- كان مشغولا بالتحقيق مع جعفر السوداني بتهمة مساعدته للمتهم ألحرسي الهارب كاظم الفرطوسي. وفي هذه الأثناء أنزل من سيارة الشرطة حسين الصافي الذي كان متصرفا في لواء الديوانية، دخل يقوده مفوض شرطة، كان ذليلا وقد سيطر الرعب عليه. حسين الصافي كان متصرفا في لواء الديوانية، ويروي بعضهم انه يشرف بنفسه على التعذيب والتحقيق وهو ابن أخ الشاعر أحمد الصافي النجفي الذي عاش في لبنان ومات نتيجة رصاصة طائشة من اشتباكات بين اللبنانيين.
كان الشرطي "هادي الكعبي" يأكل برتقالا، فرمى الصافي بالقشور وشتمه: شكول البين، أنت قحِف، أنت مال متصرف؟ وهادي الكعبي –قومي الميول- كان شرطيا بوظيفة كاتب، أوقف أيام كان جابر حسن الحداد متصرفا بدعوى محاولة اعتداء فحش على طالب في الثانوية. يبدو انه كان أثناءها كاتب طابعة في المدرسة.
وكم كان فرحي كبيراً حين قرأت تصريحاً لوزير الداخلية، والحاكم العسكري، إن الذين أطلق سراحهم بكفالة أوقفت التعقيبات القانونية بحقهم تلقائيا. لكني فوجئت بتبليغ من المجلس العرفي العسكري الأول، بموعد المحاكمة!؟

بين أمسي القريب ويومي!   
زرت بعض المتهمين الذين أحيلوا قبلي إلى المجلس العرفي الأول بعد عودتهم بيوم. اثنان منهم خريجو كلية القانون، يشتغل أحدهم محامياً، أما الآخر فموظف. الأول "محسن النقيب" ترأس حركة أنصار السلام في كربلاء وكان شيوعياً. والثاني مسؤول في منظمة الشبيبة الديمقراطية "أحمد العلي" وكان شيوعيا أيضاً. أما الثالث فابن لثري يداوم في كلية القانون، وله متجر.
- ايه، حدثوني كيف لقيتم الجو؟ حار؟ أم هو بين بين؟
أجاب أحدهم: تريد الخلاصة، قرينه دعاء "الجلجلوتية"!. فآمن الثري على الجواب!.و"الجلجلوتية" تعبير عامي من ناحية اللفظ لا أصل لها، ويقصدون بهذا أن المخاطب تجاوب ولكن بلهجة مغرية وجذابة حتى وان دلّت على الضعف والاستعطاف. مسؤول حركة السلام قال في المحكمة: دخلت حركة السلام، فلما عرفت إنها وجه من وجوه الحزب الشيوعي، تخليت عنها!؟
يقول بعض الفقهاء يجوز الكذب لمن وليه كافر ظالم من أجل نجاته وسلامته، إن كان في ذلك خلاصه!؟ وكان ممكنا للسيد المحترم الذي استنكر من السيد عزيز شريف حين ظهر انه يجهل إن صاحبنا ممثل حركة السلام في كربلاء كان شيوعيا لكنهم اسندوا إليه حركة السلام، ومن الحق أن يقول: إن الحركة لم تكن مجال عمل شيوعي، إنها مجال نشاط من اجل السلام، ويعتبر الشيوعيون تزعم رفيقهم لها مفخرة ودعاية. وان لم يكن لي علم قبل نقده للأستاذ عزيز شريف في اعتقاده أني أنا لا هو من يمثلهم. أقول كان ممكنا أن يدعي انه نصير سلم حسب ولا داعي للكذب وهو لم يتخل عنها أبدا إلا بعد انقلاب 8 شباط . ولكن المسألة هنا تختلف.
حدث ذات مرة خلاف بين قادة حركة السلام هنا. فالطبيب من الحزب الوطني الديمقراطي "هادي الطويل" عضو الحركة يتهم الشيوعيين هم المسيطرون عليها! واشتد الخلاف. مما أضطر المسؤول عن الحركة الأستاذ عزيز شريف وزميل له الأستاذ  مظهر العزاوي الحضور ودعوة عدد محدد هم كل من الطبيب والمسؤول الكربلائي عن الحركة المحامي "محسن النقيب" وأنا ومحام من جماعة محمد حديد، وتاجر معروف في الوسط الأدبي والسياسي هو السيد حسن عبد الأمير. وفتح الحديث الأستاذ عزيز شريف. تخلله جدل واتهامات، فنهض الأستاذ شريف، وأشار إليّ وإلى المسؤول "محسن النقيب" بعد أن انتحى بنا ناحية، قال موجها كلامه إليّ: أنت طبعا تمثل الشيوعيين، والمحامي يمثل المحامين!؟ قلت: لا سيدي أنا أمثل نفسي، وهو يعرف من يمثل!
وبعد أن تم بحث الخلاف، قال الأستاذ عزيز، أمام الجميع: إن حركة السلام لا تمثل حزبا معينا، وهي ليست حزبا، إنها حركة. لا تعتمد على نظام داخلي، ولا منهاج، ومن حق كل مواطن يدرك خطر الحرب والأسلحة النووية في الفناء التام للبشرية في الانتماء للحركة. من حق كل مواطن حتى الإقطاعي، والبدوي، أن يساهم بالاستنكار والاحتجاج ضد تطور السلاح النووي.
حين ودعناهم وعدنا، في الطريق قال المحامي "محسن النقيب" مسؤول الحركة: أبا كفاح أنت تمثل الشيوعيين وأنا –محسن النقيب- أمثل المحامين!؟ أعاد كلمة الأستاذ عزيز بنبرة امتعاض ومزيجة بسخرية!؟ مرحا لك اليوم يا أخي في الإجابة عن التهمة، أنا الأقرع الوحيد بينكم. المثل في الأصل من أمثال العامة، ويراد به إنهم كانوا يسخرون من الأقرع فيتهمونه بكل ما يفعلون ليضحكوا. لقد شهد جميع صحبي من مؤيدي حركة السلام، باني أكثر نشاطا من أكثرهم. حين طلب من المؤيدين عمل اقتراع من أجل منح أنشط المؤيدين -مدالية- خصصها المجلس الأعلى لحركة السلام، وقد حزت أكثر الأصوات، وتكرر الاقتراع مرتين!؟. وحين حضرنا اجتماعا دعينا إليه في مقر الحركة الخاص، أسرّ إليّ مسؤول الحركة "محسن النقيب"، وزميل آخر مستغربين رفض الممثل الأعلى الأستاذ عزيز شريف منحها لي!؟ وبعد جدل معه، ردهم بعذر لا صحة له: إن زملاءه شيوعيو النجف يقولون انه أعطى براءة!؟ أليس هذا مضحكاً ويتنافى مع ما أشار إليه يوم التحكيم!؟ أليست هذه ازدواجية في الموقف!؟ حيث قلت أمثل نفسي، بينما المسؤول الكربلائي أنفعل لأن الأستاذ عزيز شريف لا يعرف أن المسؤول شيوعي ويمثلهم. لكنه في المحكمة تنصل واتهم الحركة بأنها وجه من وجوه الحزب! ومسؤول حركة السلام في كربلاء السيد محسن النقيب، هو الذي جادل الأستاذ عزيز شريف باني الذي يستحق الميدالية. وهنا كان رده -عزيز- مناقضا لقوله: إن حركة السلام لا يهمها من المنتمي إليها أن يكون من أي حزب لأنها ليست حزبية!
ابلغنا بموعد المحاكمة. وفي 20/01/1964 توجهت إلى بغداد. هناك التقيت بالمتهمين الآخرين الذين أعرفهم من معلمين وبعض الكسبة كجيران. واقترح البعض أن نقضي فترة من الليلة في دار سينما عرفنا إنها تعرض فلما باسم "ثلاث فتيات مستهترات"، حين عارضت ساخراً أهي سلوى أن أشهد فلما عن مستهترات؟ ردّ عليّ آخر، يوغسلافيا بلد اشتراكي لا تعرض أفلاما سيئة كما تتصور. قلت في نفسي، صدق والله. وحان الوقت فذهبنا. كان الإقبال عظيما والزحام شديداً، وبدأ العرض. فشغلت عن كل أمر عدا الشاشة وما تمثل عليها.
فتيات: نعم ومستهترات، وبسبب الخراب الذي حلّ بالبلاد، واشتداد المجاعة، بسبب احتلال النازيين الغزاة البلاد. والأنصار يقاومون في الغابات، حيث يترصدونهم. أولئك الفتيات كنّ يهبن أنفسهن للغزاة من أجل لقمة العيش. لكنهن -وهذا أمر غريب- رفضن أن يهملن أمر الوطن. حين مرّ جيش غاز على الغابة، سارعن قبل وصولهم إلى تنبيه الأنصار، فتأهبوا وأبادوا وشتتوا شمل العدو بكمائنهم. كانت سهرة رائعة، حين انتهت كان حديثنا عن حب الوطن والذين لا يهمهم غير أن يعيشوا وكأن الخلود شراب وطعام، وضحك ومنام؟ وما سرَّ "خالد بن الوليد" أن يموت على فراشه، فصاح (لا نامت أعين الجبناء). وعلي بن أبي طالب، يدعو بعد كل فريضة (متى يخضب أشقاها هذه -ويشير إلى لحيته- من هذه ويشير إلى هامته؟) حيث خاض غمرات الحروب.
في صباح اليوم -21/01/1964- توجهنا نحو المجلس العرفي العسكري الأول. ننتظر حكم القدر. يتلفت المتهمون يمينا ويسارا. يتساءلون: أين المحامي؟ لقد وكله عدد لا بأس به منهم. أنا وأبناي منهم -بعد إلحاح من أحد الذين قرأوا الجلجلوتية- وانه اقنع المحامي أن يستوفي عني وعن ابنيَّ خمسين دينارا مقدمة، وخمسين بعد الخلاص، وكان الشرط أن لا يحرجنا بطلب -الجلجلوتية- أي البراءة. إنها اعتراف ضمني بالتهمة، وفاقد الشيء لا يعطيه، كما أنها إذلال لإنسانيتنا. ولاح المحامي المحترم. لم أكن قد رأيته قبل هذا، الوكالة تمت بواسطة زميل له، هو محام أيضا. وكان المتهمون -بعضهم- يعتقدون إن المحامي على أتفاق مع رئيس المحكمة لينتفع وينفع! فنجاحه أكيد، وعلينا أن نحترس من الزلة، وخيانة التعبير وزلة اللسان؟ كيف يزل لسان البريء؟ لا أدري!
وخرج إلينا المحامي "راسم بابان" مرتديا الروب الأسود، وألقى بهدوء كلمة مختصرة: إخوان، أرجوكم كونوا لبقين، راوغوا، وهادنوا، وكلمة بسيطة تتطلبها المحكمة منكم ستبقى في جو المحكمة لا أكثر، وتتلاشى!؟ يقصد بالكلمة -البراءة من الحزب الشيوعي-. وتناوشته الألسن. لكنه عاد إلى المجلس. ودنا منا معاون شرطة، كان كهلا، على شعر رأسه نثر أبيض. حسبته رجلا كيساً. ودنا مني يسألني: انتو من كربلاء؟ أجبت نعم.
- تعرفون حميد أسود، ذقتوا ايره!؟ ويشير بذراعه! يا للعار. من يره يحسب أن مظهره يجسد الطيبة والبراءة. ولست أدري وأنا لم يسبق لي أن سمعت بهذا الاسم الذي ذكره. فقلت له: أنت شايفه؟ فقد حضرته رزانته وانهال علينا سباً وإهانة ...  سألت زملائي الكربلائيين عن حميد أسود، وكانوا قد غرقوا بالضحك من المعاون وبذاءته بشكل جنوني، قالوا: سافل من قوم لوط وقد هلك.
ثم جاء دور المنادي، ليدخل القاعة كل من ينادى باسمه ... هنا لون آخر من المهازل. كان يقرأ الأسماء محرفة تحريفا مهينا ومضحكا. لطيف العلمجي أي -لطيف المعملجي-، علاء الخشمي اي -علاء الهاشمي-، حسين شنع أي -حسين شبع-، علي الشبنتي أي -علي الشبيبي- ولم يسلم اسم من التحريف. لا بأس ليكن أي شيء، هذا هو قدرنا، ليس نحن فقط، بل -العدالة- أيضا. جبران خليل جبران يقول:
العدل في الأرض يبكي الجن لو سمعوا   به       
ويســـتضحك الأمــوات لــو نظــــــــــروا
نحن في ذمة الضمير الحي! فهل يتذكر أن لنا أطفال وأمهات وزوجات؟! وهل يتصور في الخيال أن يؤول أمره يوما إلى مثل موقفنا هذا؟
كان رئيس المجلس غائبا. قالوا انه يدعى "نافع بطة". تصدر المجلس نائبه "هاشم السامرائي". عن يساره هيأة المحكمة. قبالهم وقف نائب المدعي العام "صفاء"، وألقى كلمة عن المتهمين. كان عددنا خمسين متهما، واحدة منهم امرأة.
إلى هنا أجلت المرافعة إلى غد. وحين خرجنا استقبلنا رجل أمن. وأشار بالوقوف. قال: كل من اذكر اسمه عليه أن يركب في تلك السيارة. وأشار إليها. وتوجهت بنا السيارة إلى موقف السراي. وقد وجدناه يعج بالشباب وعدداً من الشيوخ بحيث لم يعد يتسع لمجموعنا. هكذا صرنا ضيوفهم، فوسعوا لنا. وقضينا النهار نسمع من كل من يدنو منا حكايته ... هذا أصيب بـ "الـتي بي"، وهذا شلت يده، وهذا أعجب، أيرَهُ صار خيطاً بالياً، فالتعذيب أكثر ما لقيه هو دون سائر أعضائه! وهلم جرا. فمتى يأتي صباح الغد لتقرير المصير؟ وان غدا لناظره قريب؟

الحاكم والعدل!      
نحن صفوف منتظمة، بنفس القاعة، قفص الاتهام لم يسعنا. النوبة للشهود من الشرطة؟ كنت التقيت بالشرطي "راضي الياسري" في شارع العباس، وجادلته. بذمتك أنت شاهدتني أنا مع المتظاهرين!؟ فحول وجهه إلى حرم العباس، وصلب على صدره بذراعيه وقال: هذه كتافي للعباس إن كان لي عليك شهادة! لكنه قال في المحكمة: شاهدته واقفا على الرصيف!. والواقع إني لم أشاهد أية مظاهرة ولم أخرج من البيت.
الشرطي الآخر"عباس" قال: خطب في المظاهرة وقال (لِنَفقأ عيون أعداء الشيوعية). الحاكم هاشم السامرائي يعلق: ولك أبو شيبه خره بشيبتك؟ ولك كنت ترغم التلاميذ الصغار تريد تعلمهم الماركسية! ولك آني إجاني اسمك لفلسطين عام 1948!؟ الشرطي الأول عرف لدى كل الأوساط بأنه -يأخذ من الحافي نعل- ابتلى بمرض السكر بعد شهر من إفادته في المحكمة العرفية، بعد أن وجه كلامه للحاكم: سيدي أنا أعيش من الدولة وأريد احلل خبزتي بإفادتي!؟ والثاني "عباس" بعد عودته صدمته عربية النجاسة فمات في الحال. ربما كان سبب ما أصاب الأول تأنيب الضمير لأنه أقسم وأفاد إفادة كاذبة.
المتهم المعلم نعمة أمين الأطرقجي أنا أعرفه ومتأكد أيضا انه عضو في الحزب الوطني الديمقراطي، ولا علاقة له قط من قريب أو بعيد بالحزب الشيوعي. بل انه ضد الأفكار الشيوعية. أرسل حزبه المحامي عبد الله عباس للدفاع عنه. ادعى الشرطي عباس انه جاء مع المتظاهرين ليهاجم سراي الشرطة وهو شيوعي. رد المتهم: سيدي الحاكم أنا من مؤيدي الحزب الوطني الديمقراطي. صاح الحاكم السامرائي: بعد أنجسين!؟ وعقب الشرطي. سيدي صحيح هو منتمي للوطني الديمقراطي، الا الشيوعيين همّه دفعو حتى يصير جاسوس عليهم!. وحمل المحامي ملفته وخرج مقاطعا المجلس، دون أن يفوه بكلمة احتجاج على الحاكم من أجل كرامة حزبه، أو دفاعا عمن أوكله الحزب للدفاع عنه!
ثم أصدر الحاكم الأحكام (يجد القارئ أدناه صورة قرار المحكمة/ الناشر). بدون أية مناقشة، إنما مجرد سباب وشتائم. كانت حصتي السجن سنتين، ابني محمد خمس سنوات، وكفاح ستة أشهر مع وقف التنفيذ. وأطلق سراح عدد في مقدمتهم المرأة التي اتهمت مفوض الأمن لطيف الجبوري، انه كان يطالبني أن يأخذ مني البيض مجانا، ويوم المظاهرات كنت حيث أجلس كل يوم في السوق، لم تصل المظاهرة حيث أبيع البيض. ومن المضحك أن أخوين اثنين، الأصغر كان يوم انقلاب 8 شباط في مدينة أخرى كما أفاد وأعلن (انه يمكنكم استدعاء صاحب مقهى في مدينة البطحة ليدلي بشهادته، فقد بتُ في مقهاه ليلة 7-8 شباط بسبب عطب في السيارة حين خرجت من الناصرية). أجاب الحاكم -نصاً-: خلِّ أبطحك وروح أنت أثبت!؟ بينما أعفي أخوه الذي كان في كربلاء وشارك بالمظاهرة! لأن الشرطي عباس نزهه، وضَمنَ له وصول الخضرة والفاكهة فهو كاتب خان المخضرات!؟

 


قرار الحكم الصادر من المجلس العرفي العسكري الأول بحق مجموعة من المتظاهرين
-في كربلاء- ضد الانقلاب الدموي يوم 8 شباط 1963
خرجنا نجر الأقدام، والشتائم تنهال على المحامي "راسم بابان" الذي لم يحضر جلسة المحاكمة نهائيا. فهرب وتبعه بعض أولياء المحكومين ليستعيدوا الخمسين ديناراً التي أستلمها من المحكومين الذين أوكلوه بشرط. إلا أنا فليس لي من يطالبه. وحضرت السيارات، فركبناها إلى سجن الحلة. أنا لا أستغرب أسلوب المحامي راسم بابان في مثل هذه الأيام وكثير ممن تخرجوا من كلية القانون هم مثله أما أن تخرج بالقدرة كما تعبر العجائز، أو هو من نمط اللصوص وإلا كيف يتركنا ويهرب. أن معظم أولياء الذين حكموا استرجعوا ما أخذه المحامي منهم، أما أنا فليس لي من يطالبه.
الناشر
محمد علي الشبيبي
السويد    ‏25‏/07‏/2011


53
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 13
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)

 

الريح ما تزال ضدي
   حاولت وأنا مخطئ أن أطالب بالعودة إلى الوظيفة. وشيخنا الشبيبي لم يعتذر. لكنه لم ينجز خطوة واحدة، لأفَكَ يدي -على تعبير قوانين الوظائف- مسحوب يد، ثم -فَك اليد-   ومسحوب اليد يبقى خارج الوظيفة حتى يلغى -سحب اليد- بقناعة الدائرة، أو بعد إحالته إلى لجنة انضباط أو حكم المحكمة -أي محكمة يحال أمره لها- ببراءته! وسافرت إلى بغداد لتعزية الشيخ بوفاة أخيه جعفر الذي توفي صبيحة انقلاب 8 شباط. ولم أحرك ساكنا عن قضيتي تاركا إياها إلى أولي الأمر رغم إني جلبت من بعقوبة ومن مديرية التعليم رقم كتابها إلى الاستخبارات العسكرية والأمن العامة ولجنة التحقيق في مقر الحرس القومي.
الدائرة المسؤولة العليا طبعا في شغل عن قضية أمثالي. فالأكراد أعلنوا تمردهم ثانية. كما أن راديو بغداد أعلن بيان المجلس الوطني عن القضاء على مؤامرة شيوعية فجر اليوم -3 تموز 1963-. وتأخر فك يدي، وعدم أي تصريح بتطميني من قبل شيخنا يدل إني سأحال إلى محكمة، وطبعا عرفية.
لِمَ التشدد ضدي، والتحقيق لم يثبت ما يدينني!؟ حمداً لله، ربما يرونني ذا شأن في مسائل النضال! آه ما أجل أن يكون الإنسان ذا عقيدة يخلص لها حتى الموت. الموت هو الحد الفاصل بين الصادق والمدعي، الذي يعلن التوبة حين يلوح له حبل المشنقة. ولكن أيضا لا الذي ينكر ما أسند له، وشاجبا. إن ذا العقيدة، من يدافع عن عقيدته، ويشجب التخريب والاعتداءات.
جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده كانا صريحين في مواقفهما. وسعد زغلول عرف عنه انه قال لزوجته: يا صفية أنا قررت أن أضع هذه -وأشار على عنقه- على هذه وبسط كفه!. فأجابت، وأنا إلى جانبك أضع هذه على هذه!.
ولكن لماذا أكذب على نفسي، فأعترف بما لم أقم به قط. فقد طلقت السير على طريق الكفاح. جبنا كان ذلك مني، أم لأمر آخر. لقد تنحيت دون تأثير من أحد، ولا تحت يد مسؤول في حكم. وقد مرت سنون طويلة على ذلك، بحيث لو أن طفلا ولدَ يوم ذاك هو اليوم أب. ولكني والمثل نسائي (لاحظت برجلها ولا خذت سيد علي!).
أهم ما يشجيني ويبعدني عن الانتماء للتنظيمات والحركات السياسية هو أنها تقرب المتملقين ويرفعون من شأنهم. كما أني وجدت التناحر بينها حاد في الوقت الذي يتحتم عليها أن تتوحد، لعمل وتخطيط لإنجاح الهدف الذي تسعى إليه، لا أن تفرط في تحالفها حالما تحقق خطوة واحدة، كالذي حدث حين تحققت ثورة 14 تموز.
الاستعمار الحديث أهم سلاح لديه اليوم هو أن يوقع بين الفئات الوطنية. ويشيع عن كل واحدة إشاعة، فتصدقه وتطيح بها وتنكل بأعضائها ومؤازريها. وفي البلدان الرأسمالية الاستعمارية، أحزاب شتى، عمالية، ومحافظين وكثير من تلك المسميات، ومنها أحزاب شيوعية. مثلاً، فرنسا، بريطانية، أمريكة وإيطالية، فيها أحزاب شيوعية وهي أكثر عداء للشيوعية من أي بلد مثل بلداننا!
إننا كنا ونحن في المدارس طلبة، وبعد أن صرنا معلمين، نضرب مثلا شائعا، إنه حكمة من حِكَم الأجداد ما تزال حيه. ذلك الرجل الذي أمر أولاده وهو على فراش المرض، أن يأتي كل واحد منهم بعصا، ضم مجموعة العصي إلى بعضها فكانت حزمة، وطلب من كل منهم أن يجرب كسر تلك الحزمة. فلما لم يتمكنوا أعطى كل واحد أن يكسر واحدةً. فتمكن الجميع من ذلك. وقال هكذا يحطمكم عدوكم إن وجدكم متفرقين، ولن ينجح مسعاه إن صرتم يداً واحدةً.
حتى متى سنظل مطمعا، نخشى الغرب الذي ثبت -اللقيطة إسرائيل- بينما نبدي البطولات فيما بيننا. ماذا لو قاطعناه ونتوجه إلى الدول التي نبذت النظام الرأسمالي. لكننا أيضا نخشاها لأن الدول الاستعمارية صورتها لنا بأبشع الصور، واتهمتها بأبشع التهم. شاعر من شعرائنا أشار إلى هذا بقوله:
وخـــوّفوهـــا بدُبٍ ســوف يأكلهـــا      في حين تسعون عاما تألف السباعا
أي وربي لقد خوّفونا وصدقناهم، وكذبنا من تعمق منا بالعلوم الاجتماعية والاقتصادية وخوفونا منه!؟ في حين يدَّرس الغرب الاستعماري كتب ماركس في جامعاته. اللعنة على الجبناء ويا ويلهم ....
*               *               *               *
يا دهر لو ضاعفت في شقوتي         والـداء لــو حملتني أعضــــله  
أجل. شقيُ ولا أعلم هل لليل شقائي آخِر؟ ومتى؟ أي جرح أداوي، وأيَّ ألمٍ أحتمل. ولدي -همام- الذي سَلِمَ مما وقعت فيه أنا وأخواه، وقع الآن بأيد كان بينه وبينها حساب! وأكبر الظن إني أنا السبب!
صديقي القديم عبد الرزاق محي الدين، الذي أصبح دكتوراً في الأدب العربي، وكان أستاذي أيام العمامة، ولم أكن تلميذه حسب بل كنت صديقه الأشد التصاقا به من كل صديق وقريب! حثني أحد أصدقائه "السيد علي شبر" وهو صديقي أيضاً أن أذهب إليه معه نزوره ونطرح الأمر عليه. فقد أصبح شخصية بارزة. دع المسألة على عاتقي، أنا أشرح الموضوع أما أنت فالزم الصمت. فأنت تعلم اتجاه -هواه- المعاكس لهواك، فالرجاء أن تضغط على أعصابك، وجامل قدر الإمكان.
هناك سمعت من أحاديثه -بعد العتاب التوبيخي!- نمطاً من الأفكار والمفاهيم، ما أدهشني لغرابتها وبعدها عن ثقافته وما تعلمته منه من فكر يهدف إلى أسمى درجات التحرر! أأسمع الساعة صاحب "العصفورة وأحلام اليقظة ورَبة الدَل" يتحدث عن الاتحاد السوفيتي، بأن مواطنيه يتغوطون في الشارع، بلا حياءٍ منه كعيب؟ّ! وعن الجوع المنتشر هناك، والجهل الفظيع؟ المعدان عندنا أثقف منهم!؟. سبقني صاحبي -كيلا أرده- وقال، أمر طبيعي هذا لدى ذي الجهل الفظيع، والجائع أمثالهم، أن يتغوط كأي حيوان وهو يمشي!؟.
أخيرا فاتحناه بما جئنا من أجله. هز رأسه وقال، أنا أعرف أن ابنك يستحق، وأنت المسؤول؟! وبادر صاحبي بعد غمزة عين -لأمسك لساني-.  ورده، هذا ما لا يصح طرحه، جئنا لتتوسط أمره، وحتى الكلية يجب أن لا يحرم منها.
تراجع وقال، انتظروا فبين الساسة الآن خلاف، وقد تنكشف دنياهم عن حل لصالح -الرئيس- عند ذاك يتم إنقاذه مؤكداً. وغادرنا بيته شاكرين. يبدو أنه كان على علم بالخلاف بين الرئيس عبد السلام وحزب البعث.
وفي 30/7 توجهت ثانية إلى بغداد قاصدا بعقوبة لاستلام -نصف راتبي-. لكن صوتا يصيح بأذني، أن إذهب إلى ولدك؟ لا غرابة. أنا والد، وهو فلذة كبدي. وتوجهت إلى بيته، وقبل أن أستقر، جاء وعلى وجهه مسحة أسى، وبادرني. جئت في الوقت المناسب. إنهم ينتظرونني، لقد جاؤا مفاجأة إلى المدرسة وطالبوا المدير بانزعاج! أحضره حالاً، وبلهجة تهديد. أنت تتستر عليه، أما تعرف من هو؟ كنا نبحث عنه، ولا نعلم أن إنسانا محترما مثلك يحميه. لولا أن يبلغنا عنه شخصية محترمة كبيرة!. ثم عقب ولدي، من هي الشخصية؟ ألا يمكن أن يكون هو صاحبك؟
كانت هذه المفاجئة صدمة عنيفة لي. وشمرت عن ساعدي للعمل. أبلغت الشيخ "محمد رضا الشبيبي". فوعدني خيراً، وحفزت همة مدير مدرسته، والعون من الله ... للشيخ محمد رضا الشبيبي على الدكتور عبد الرزاق محي الدين فضل كبير فهو الذي دبر له أمر البعثة. ولكنه سياسيا انحاز إلى صالح جبر بأمل أن يصبح وزيراً. ولما جاء حزب البعث دنا من عبد السلام ليحقق أمنيته تلك. وأنا أعرف لو بقي شاعرا لكفاه ذلك الشهرة التي يبغيها، لكنه طمس قابليته الشعرية.
حاولت الوصول إليه في المعتقل فطردت. وفي اليوم التالي زرته بواسطة مدير المدرسة. ومن كربلاء زَوّدت خالته بتذكرة أحثه على الصبر. وضمنت كلمتي آية (إن مع العسر يسرا) وزرته بعد أسبوع ثانية مع المدير أيضا. فلمحت على عنقه لونا أزرق. فهمس في أذني: هذا بسبب تذكرتك، إن الآية التي ضمنتها فيها لتهدئتي اعتبروها تهديداً منك ووعيداً؟ لقد لقيت الويل، وذا أثر الحبل في عنقي مع الضرب الموجع. وحضر شاب جميل منهم، يتمايل بغطرسة وقد فتح أزرار قميصه، والتفت إليّ يقول: لولا أنك في سن شيخوخة لأعطيتك درساً لن تنساه! ماذا تقصد بالآية (إن مع العسر يسرا) أعتبر هذا الحرسي مع أنه طالب في كلية التربية أني أقصد بهذه الآية بأن الحكم سينهار. مع أن القصد الحقيقي واضح فاستشهادي يعني انه الآن في عسر وقد يبدل الله حاله إلى يسر فيفرج عنه.
قلت، على مهلك يا ولدي ... وقبل أن أكمل كلامي، صاح بي إخرس ... يا ولدي!؟ أنا أشرف من أن أكون ابناً لمثلك. خونة! هنا تكلم مدير المدرسة، وهو من أصدقائهم وصهر لرجل دين مؤازر. لا تنسى يا توفيق أن عميدهم الشيخ الشبيبي، وأخوته من رجال ثورة العشرين، ووزير معارف العراق. طيلة العهد الملكي عرف في خدماته في هذه الوزارة وتوسيع مؤسساتها التعليمية، فلا يصح أن نتنكر لهذا البيت!؟
ومرّ شهر ونحن في ألم وحزن ممض، وتردنا برقية منه في الثاني من أيلول (أطلق سراحي) يا فرحتي. وعدت إلى رئيس الجامعة لييسر لي أمر عودته إلى الجامعة، رغم ما ضننا آنفا وما بدا منه من إعراض وعدم اهتمام، إنها الحاجة!؟
ولكن مآسي أخرى كانت تنتظر عودتي ... دعيت إلى دائرة الأمن، المفوض الشرس عبد الجبار السيد علي، أنذرني بإسقاط كفالتي التي تمت من قبل الحرس القومي، وعقب متباهيا: راحت ويّ الحرس القومي، اعمل كفالة غيرها جديدة، كفيلك لازم منتسب لغرفة التجارة، وصدقها بالمحكمة، وإلا أنيمك بالتوقيف!؟ هذا المفوض ككثير من أمثاله في العهد الملكي، كان لا يتحرج من شتمي وبعد أن تقاعد صار يسلم علي ويجاملني بالسؤال عن صحتي!؟.
مالك البيت هو الآخر جاء يطالب بالإيجار في وقت منعني -الأمن- من السفر لاستلام نصف الراتب. وابنتي قبلت في دار المعلمات بحاجة لتزويدها وبقية أخواتها بما يلزم ؟ أنا لا أملك فلسا واحدا. لا مفر من بيع بعض ما لدينا. أمهن باعت خمارها وخاتم ذهبي. وابني البكر منحنا سبعة دنانير. نصيب العائلة من هذه كلها ربع دينار لأكلةٍ من خبز وجبن وشاي. والباقي لمالك البيت الذي وقف يصيح بملء فمه: أدفعوا أجور هذا الشهر وفرغوا البيت، تريدون تعصون بي. بيتكم السجن!؟ لم أجبه بأكثر من: سل أبنك عنا، فنجاته من الويل الذي ذقناه كان بفضل شرف نفوسنا!؟ ابنه كان شيوعيا ومسؤول ابني الأكبر فلم يذكره عند التحقيق معه. وهذا شرف ومنّة لو كان هذا الرجل يعلم حقيقة ابنه.
أعود للحديث عن الكفالة. التاجر الذي كفلني، أستغل طلب الأمن هذا فاعتذر انه لا يستطيع أن يظل كفيلا. الصديق "....." قصدته، وعلى بعد أمتار صاح: منذ ثلاثة أيام أنا مشتاق لصديق أسمه علي الشبيبي. وقفت عند حد هذه المسافة، وقلت: جاءك الصديق ولكن لأمر! فهل تنقذه بكفالتك؟ أنا وأبناي مهددون بالتوقيف إن لم نجدد الكفالة!
وجم صاحبي. وكأن قدميه قد ثبتا إلى الأرض بمسامير، وكأن فمه قد الجم بلجام. نهض الدكتور جليل أبو الحب وكان جالساً معه وبانزعاج صاح: أمر غريب، اشتقت إليه، ولا تضحي لإنقاذه بكفالة!؟ يبدو أنه غريب حقا. ومساعدة الغريب أمر يتنافى مع كرم النفس؟ يبدو هكذا؟ وغادرتهم ......؟
ليس في أرض الله بلد لا تحتوي طيبين. اتصلت تلفونيا برئيس غرفة تجارة كربلاء السيد هاشم نصر الله. وقد دفعه نبله، فقال: عجل توجه إليّ. وتم بواسطته عمل الكفالة لنا نحن الثلاثة. آل نصر الله علويون، نسبهم معروف ومن أجدادهم من عرف بالشهيد الثاني هو نصر الله. والليالي من الزمان حبالى والليالي يلدن كل عجيب.

الناشر
محمد علي الشبيبي
السويد    ‏19‏/07‏/2011


54
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 12
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)


ماذا يا ترى؟
في اليوم الأول، وصلتنا أصوات أمهات تجمعن بباب المكتبة. علوية لها ولد، وصل إلى علمها أنه أخذ إلى المستشفى. فجاءت فاقدة الرشد. وقفت بالباب تشتمهم بلا وعي عما يمكن أن يتخذوا معها من إجراء. ولكن المسألة انتهت بعودة ابنها من مراجعة الطبيب. وخطر لي أن أستعين بسائق سيارتهم، عله يدبر لي أمر الحمام. أني أشعر بشدة الوسخ. ووعدني خيرا. قال لا تبح بهذا لأحد. قبل الفجر كن مستعد. هكذا تم كل شيء ومعي كفاح ومحمد.
ونظر إليّ -في الحمام- أحد أركان مبدعي حفلة ميلاد الإمام التي ابتدعت أيام تموز لمقاومتها من عمدها السيد محسن الحكيم. قلت لأبني: ستأتيني بلوى جديدة. قال ماذا حصل. قلت هذا المعمم سيقوم بعمل ضدي أنتظر. وحكيت له السبب. هذا المعمم، له مكتبة لبيع الكتب ومن حاشية السيد محسن الحكيم. أحتفظ بمقال كتبته وقدمه للحرس بعد أن رآني في الحمام. لماذا لم يقدمه في بداية مجيئهم؟ أعتقد أنه أعتقد أيضا إنهم سيقتلونني فلا حاجة أن يشارك بدمي. فلما رآني ونظر إلي نظرة حقد، أرسل إليهم مقالتي. وبالمناسبة حين عاد حزب البعث إلى الحكم عام 1968 اعتقلوا هذا المعمم مع آخر منبري. فهل أتعظ السيد!؟.
بعد يومين أعادوني إلى مركز الشرطة. لماذا؟ لا أدري. وما مرت أيام حتى جاء حرسي يطلبني. وأعادوني إلى المكتبة. وفي الساعة الثامنة ليلا. قادوني إلى غرفة وجدت فيها حاكم التحقيق السيد "أمين كمونه" ومعاون الشعبة، وعسكري ومفوض شرطة، والفرطوسي.
وجه الحاكم إليّ هذا السؤال: وصل إلى مسؤولي الحرس عدد من جريدة الحضارة لك فيها مقال، بعنوان "الأذناب في المؤامرات" فمن تعني؟ قلت: (الأذناب طبعا! ولكني نشرت أكثر من مقال، إن أمكن أطلع عليه). قدم لي المقال، مكتوبا بقرطاس لا بجريدة. سألني هل تعترف أنه لك؟ قلت نعم. قال، يعنينا منه فقط مَسّكَ وتعريضك بالبعثيين والقوميين إذ قلت (المزيفين من القوميين والبعثيين ...). قلت، إن حضرتك فقيه، ولا بد انك درست العربية. إن -مِنْ- يا سيدي حرف جرٍ يفيد التبعيض والتجزأة. فإذا قلت -أكلت من الخبز- معنى هذا إني لم آكله كله، أكلت بعضه. ولو قلت -شربت من الماء- معنى هذا إني شربت بعضه أيضا. هذا يطابق تماما قولي -المزيفين من القوميين والبعثيين- أي إني أقصد -المزيفين- فقط. وهؤلاء موجودون في كل حزب وكل فئة.
وأعجب الفرطوسي أن يسأل عن أمر تم قبل دخوله المدرسة، فطلب من المحقق أن يوجه إليّ هذا السؤال (مَنْ وكم عدد أعضاء الحزب الشيوعي في النجف أيام كان المتهم مسؤولا فيها؟).  قلت: إني انسحبت من الحزب عام 1947. البعض تجنب العمل في الحزب والتحق بحزب الأمة الاشتراكي، الذي يرأسه صالح جبر. ثم وجهت أنا هذا السؤال قلت: أنا اعرف وانتم تعرفون إن التوبة شرعا لا تقبل من المريض أو ساعة الموت. إنما تقبل ممن هو في تمام العقل والصحة! لذا أستغرب الإلحاح عليّ أنا الذي تجنبت كل عمل سياسي. بينما أحد الشيوعيين -ويعرفه الفرطوسي- قدم لهم تقريرا مفصلا عن خط المثقفين الذي هو بمسؤليته. لقد خان المشاركين له الذين يقودهم وضحى بهم من أجل سلامته. مثل هذا غير مؤتمن. إنه مستعد للخيانة كلما أستدعى ظرف من أجل أن يبقى هو! وأنا الذي لا صلة لي بأي حزب وتحتجز حريتي وتحرم مني عائلتي وفي بيتي الآن اثنا عشر نسمة بين امرأة وطفل!؟. ردّ الحاكم، اطمئن. قريبا سيطلق سراحك.

قلوب تحترق بصمت!
ذات يوم وقد خرجنا من الزنزانة لقضاء الحاجة. الأمهات والآباء خلف السياج في الشارع. بعض الآباء أيضا يمتعون أنظارهم برؤية فلذات أكبادهم. يسألونهم عن حالهم وما يحتاجون. أسمع صوتا شجيا، وكلمات تعبر عن أسىً عميق. إنها أم، صوتها الهادئ يصل سمعي كلحن كمان حزين. كان رأسها يميل يمينا وشمالا مع لحن كلماتها. شُغِلتُ عن كل ما حولي. ذلك الصوت وحده كان يحز في قلبي. الله ما أقسى الإنسان مع أخيه الإنسان!؟
حين عدنا إلى الزنزانة، عاد الشباب إلى شؤونهم. بعضهم يلزم السكون دائما، آخرون يتحدثون، بعضهم يحب الهزل والضحك، آخرون يطالعون. أنا، ما يزال صوت تلك الأم يرن في رأسي. كدت أبكي. لكن بعد هذا بقليل بكيت شعراً. كان خلفي اثنان من فرس كربلاء، قال أحدها لرفيقه، أتذكر الشاب الأشقر "همام" قالوا عنه إنه قتل! أجابه صاحبه بالفارسية "حَرفْ نَزَنْ، إنْ بُبُاشْ!" ومعناها أسكت هذا أبوه. أدرت وجهي إليهما، وقلت ما يملك أبوه لنفسه أمرا، ولا أنتما، مصيرنا بيد القدر. وثارت أشجاني، فناديت اليراع، ليحول دموعي شعرا، فكتبت في حينها -27/04/1963-:
بُـنَـيَّ
بُني لقــد أمسـى فــــؤادي مقســمـــا       فعندكمـو شطر وعندي هنا شــطــرُ
وفي كل شــطر يـوغـل الــداء إنمــا      يصارع هذا الداء في محنتي الصبرُ
أقـول لدهــري: كفَّ يا ويك وارتدع      وحســبك إني ليــس يثنيني الــذعــرُ
ويـكفيــك إنـا قــد تشــتت شـــمـلنـــا      وان دجـــانـا غــاب عن افقه بـــــدرُ
ولا تـنتظـــر منــا أنـينـا وادمعـــــــاً      وانْ نـزلتْ فـالحـــر أدمعه جمــــــرُ
بني تـحمـّـل ما تـلاقيــه بـاســـمـــــاً      فـأنت فتى فيمـــا تـوارثـته حــــــــرُّ
ودعني بـأشـواقي أذوب وحســـرتي      تزيـد و يذكيهــــا من اللـوعة الفكــرُ
وحين خرجنا عصرا إلى المرافق، أدخلت الورقة التي كتبت الأبيات فيها بحاشية -المنشفة- ورميتها إلى أمه وأخواته. فهن أيضا كبقية الأمهات والأخوات، يقفن خلف السياج، بنظراتهن يطمئن نفوسهن على حياتنا. كُنّ يعرفن مني وسائل إيصال ما أنظم في مثل هذا المكان. كما يعرفن كيف يحتفظن به!
وهمام، إن شبحه لا يفارقني. لو قبضوا عليه لن يرحموه أبدا. إن صدورهم تغلي حقدا ضده. سألوني عنه كثيراً. وأجيب أنتم تعلمون عنه إنه طالب كلية في بغداد، فما يدريني ماذا حدث له. قال لي أحدهم، أنت نعرف أن لا صلة لك بأية حركة عمليا، لكنك تميل إليهم. قلت، بصفة شخصية مع أفراد. معرفتي بهم كزملاء في التعليم وآخرين كانوا من تلاميذي. صلتي!؟ الأصح أن يقال صلتهم. ولم تتعد إلى أمور أخرى. وأنا كما حدثتكم أني كنت  في فترة من حياتي مناضلا سياسيا وشيوعيا أيضا. ولا غرابة. ثم قلت: هل لي أن أسألك، كم هو سنك الآن!؟ أجاب، وما معنى هذا؟ قلت، أجبني وسأذكر لك الغرض. أجاب اثنان وعشرون عاما. أجبته: حسبما سجلته عن نفسي باني انسحبت من الحزب عام 1947 أي أن سنك يوم انسحبت سبع سنين أو أقل. ويؤسفني إنكم -وبغض النظر عن موقفكم هذا- توجهون التهم بمقتضى السماع، وهذا أسلوب يخالف أصول العمل السياسي.
استشاط غضباً فوجه لي كلمات شتائم نابية. لكن واحدا نهره، وأمره أن يغادر مكانه. بعد يوم عاد إليّ ليكمل نقاشه! وافتتح كلامه، لماذا تركت حزبكم، كما تدعي؟ قلت، إني أومن إن الخدمة للوطن عن طريق العمل السياسي يجب أن لا تحتكر، ويجب أن تمثل الأحزاب مختلف الطبقات، وتتعامل فيما بينها باحترام لتكسب الجماهير. وللجماهير الحق الأكبر، بان تختار حسب فهمها لمناهج وسياسة تلك الأحزاب. لأن بعض الأحزاب الوطنية المتحررة، تضع برامجها لصالح الطبقة المتنفذة في قيادتها. أضرب لك مثلا، إن الحزب المؤلفة قيادته من تجار وأبناء تجار لا يمكن أبدا أن يدافع عن العمال أو الطبقة المتوسطة حتى وان تعرض لذكرهم في منهاجه كفئة لها الحق بان تدافع عن نفسها وتطالب بحقوقها. سئم صاحبي من حديثي هذا . وصاح بي، كافي عاد. يحاضر براسي. وينكر ويقول آنه مو حزبي!
حقا لقد أخطأت الحديث. الحديث مع مثله خطـأ، ولزمت الصمت. وعدت أفكر بـ "همام". جاءت أمه سألتها عنه. قالت: عادت خالته بعد أن يئست من الاهتداء إليه. وا أسفي عليك يا حبيبي ثم كمن همس أحد بإذنيه، قلت لنفسي، إنه سالم بلا شك، فلو كانوا قد قبضوا عليه لوصل الخبر إلى كل منظماتهم هنا. وسكن قلبي واطمأن.
وجودنا في بناية المكتبة كيفما يكن، مريح بعض الراحة!؟ فهنا عدد قليل من الموقوفين جيئ بهم من أجل التحقيق. بعضهم لذويه مكانة فهم من الطبقة البرجوازية، ولهم فضل على آباء بعض قادة الحرس القومي، إذ هم من طلبة العلوم الدينية، الذين شجعهم العلامة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، أن يقطنوا كربلاء، وأنا أعرف كثير منهم منذ كانوا في النجف. فمدينة النجف لا يمكن أن يزاحم فيها أبناء النجف القادمون من مدن الجنوب أو الفرس، وفعلا تقبلوا رأيه. وان يكن ما يزال في النجف منهم من استطاع أن يثبت في العلم والدراسة، وعلى الأكثر، هؤلاء من هم ليسوا من الفقراء المهاجرين من العمارة، لذلك حلوا في النجف واحتلوا مكانة مرموقة. كان النجفيون يحتقرون أهالي الناصرية وسوق الشيوخ والعمارة، ويسمونهم -شروكية-، الواحد شروكي أي شرقي. وأنا أعرف كثير منهم منذ كانوا في النجف.
أعود فأقول، إن بعض أفراد من الأسر الكربلائية -وخاصة العلوية- المرموقة لم يمسسهم سوء. وكان التحقيق معهم من قبل الحرس لصالحهم. أنا متأكد من ذلك والمستقبل كشاف. يبدو إن ما نسمع كل يوم ليلاً من تعذيب لبعض الذين يحقق معهم صار أمرا اعتيادياً، وصرت أنام الليل دون أن أشعر بما يقلق. همست بإذن صديق بجانبي، أنت هل تسمع -على العادة- عويل المعذبين. أجاب، لا إنهم يكمون الأفواه بأكمام تشد من الفم إلى الإذنين حتى الخلف، فلا يستطع المعذب كلاما أو صياحا!؟
 
وجاء الفرج!      
أسلمت نفسي لنوم عميق، وشعرت بهزة. ولدي محمد يوقظني. يقول: جاءت برقية -في 8/6/1963- بإطلاق سراحنا ، شملت عددا كبيرا، نحن منهم، وبكفالة عادية. وسرعان ما امتلأت الغرفة بآباء الموقوفين المشمولين جاؤا ليوقعوا الكفالة. قلت لولدي اذهب إلى بيت "الصديق...."، وعاد ابني مكسوفا. وقال: انه أعتذر بأنه لا يقدر أن يخرج في مثل هذه الساعة من الليل! الحق معه .... (هنا وفي مكان آخر يتحدث المربي الراحل بتفاصيل أكثر عن علاقته بهذا "الصديق" ويذكره بأسمه الصريح، لكنني فضلت عدم تدوين ذلك/ الناشر محمد علي الشبيبي)
الغرفة الكبيرة تعج بآباء وأخوان الموقوفين. لا بأس هذه قسمتنا، كما تقول الأمهات. والتفت إليّ والد أحد المعتقلين، وسألني: شنو؟ ما شملكم إطلاق السراح؟. قلت: شملنا ولكن ...!؟ فهم الرجل ما أعني. ونادى آخر يعرفه ... تعال يا حاج محسن أنت أكفل الأستاذ، وأنا أكفل ولديه مع كفالة أبني. واخذ يطيب خاطري، لا تأسف، في الناس أطياب. ثم عقب، تعني جنابك ما أرسلت خبر لأحد!؟ أجاب ابني: خرجت وبلغت "صديقنا ...." لكنه اعتذر بحجة انه لا يخرج في مثل هذه الساعة. أسف الرجل ....! وأنشدت البيت المشهور ولا أعرف قائله :
جــزى النــوائب كل خيـرٍ      تعرفني العدو من الصديقِ
صحيح أن الرجل ليس لي بصديق ولكنه ليس بعدو. وبارحنا دار العلم التي صارت سجنا يعذب فيه المثقفون والمناضلون والكادحون. الشوارع تعج بالناس، أولياء الموقوفين وجارهم وأصدقاؤهم والأقارب، هجروا مراقدهم. جاؤا يستقبلونهم. عانقونا وقبلونا، الشاي وعدته تضيء، وصوت الضاحكين فرحا واستبشارا يرن ويملأ الفضاء. والحديث ذو شجون، ما نزال عطاشى إلى وجوه الأحبة والجيران يتوافدون وأقداح الشاي تدور عليهم، والوجوه ضاحكة مستبشرة. والشوكولاته والحلوى توزع، والنكات تثير السامعين فتتماوج أكتاف السمار بهزة رتيبة من ضحك متواصل.
وبعد ماذا؟ ماذا تحمل الأيام القابلة، كيف سنعيش؟ ألا يكفي ما جرى يا دنيانا ولن أقول يا حكامنا. ماذا تخبئ لي الأيام. عفوا، ما شأن الأيام؟ جبران يقول:
الخير في الناس مصنـوع إذا جُبروا      والشر في الناس موجودا وان قبروا
وفوزي المعلوف يقول:
ما دعـوه الإنســان من انســه      لكن دعوه الإنسان من نسيانه
نسي الخير ثم أوغل في الشرِ      فداس الضمير في عصيـــانه   
الشاعر أبو تمام قال:
لا تنسين تلك العهود فإنما      سُميت إنســانا لأنك ناسي
انفض المهنؤن، وانطرحت على الفراش، وأسلمت نفسي إلى نوم يختلف عن نوم كثير نمته على فُرش الآلام والزفرات، لا أظن شيئا من هذا سنتمتع به ونحن بين الأهل والأحباب. فمن يقول انتهى؟ أبدا. حتى لو تبدل هؤلاء بآخرين، فلا غرابة أيضا أن تأتي بشرٍ أعم وأشد (كلما دخلت أمة لعنت أختها).


الناشر
محمد علي الشبيبي
السويد  ‏14‏/07‏/2011



55
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 11
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)



دور المتهم البريء
طالب يدعى "رزاق ...". كان قد دعي قبل يومين للتحقيق. اُعيد اليوم، قالوا أنه من طلاب دار المعلمين وانه مسؤول تنظيم الطلبة. كان يبدو حزينا، كاسف الوجه. لم يكلم أحد ولم يرد على أحد، أهوى على فراشه متهالكا، ومنكبا على وجهه. حاول بعضهم أن يفهم شيئا من أمره. لم يجب. لكنه أشار إلى ظهره. إنه قد جلد جلدا وحشياً. فاجري له من قبل بعض الموقوفين تدليك بمادة مهدئة.
ثم جاء المنادي، دعا بأسماء عدد من الطلبة الموقوفين. هو إذن من أباح بأسمائهم. وتظاهر بالتهالك كيلا يستجوب من الآخرين.
ليلا في الساعة 11 نقلت مع عدد من الموقوفين إلى بناية المكتبة العامة. في الغرفة التي دفعت إليها وجدت ثلاثة موقوفين، أحدهم أعرف انه يدعى "جاسم أبو الثلج" الثاني عرفني بنفسه إنه مدرس وزميل لأبني كفاح، الثالث مصلح دراجات يدعى غازي البايسكلجي. المدرس مختص بعلم النفس. الذين يدرسون علم النفس قلقون. ربما حتى فلاسفتهم كذلك. كان يدخن كثيرا، ويغطي وجهه ببطانية وينفث الدخان فيختنق ويظل يسعل. ويسائلني بقلق: أنا مالي علاقة بأحد، ماذا سيسألوني. أنا لم أشترك بتنظيم. لا أعرف أحدا إلا المدرسين زملائي، ابنك كفاح صديقي، صداقة فقط ...
البايسكلجي غير مكترث، يبدو أنه مطمئن لأمر. وقد نودي وعاد مبتسما، وهمس في إذني: لي بالخيالة فارس، بشرني بالخير.أبو الثلج نودي، ومرت ساعة عادوا به. كانت بجامته حمراء من جانب ظهره، إحدى قدميه سحبها سحبا. وطرح على فراشه. كان يتكلم بجرأة، معاتباً مسؤول الحرس القومي عبد الواحد شمس الدين: نسيت عبد الواحد أيام عشنا سوية أنا وأنت يوم كنا موقوفين في عهد قاسم. قاسم لم يعذبنا وقمت لك بخدمات ومساعدة. أنا ابن كربلاء وأنت من العمارة. هذا ليس مهما. المهم إن كلانا نحمل أفكارا فكيف اُعذب. كسرتم عظم الحوض مني، ورسغ يدي اليسرى!؟ عبد الواحد يرد عليه: أفكاركم وباء، ونحن لا نمسك بسوء لو انك كشفت لنا تنظيم الشيوعيين!؟ عبد الواحد شمس الدين كان مسؤول منظمة حزب البعث ومسؤول الحرس القومي في كربلاء.
بعد أيام جاء دوري. جاء محيي يحمل بيده سوطا مظفورا من أسلاك الكهرباء البلاستك أحد طرفيه عقدة كالكرة. كان يمشي خلفي ويلوح بالسوط فوق رأسي، فيئز السوط وكأنه يدوي. وقال: اتجه باتجاه مرمى السوط. ورماه إلى غرفة. كان فيها طاولة خلفها ثلاث كراسي ومن جانب كرسي واحد. عرفت إذن أين أجلس! حضر أعضاء اللجنة هم كل من حميد القرعاوي، ومدير المعارف جعفر السوداني، والمعلم كاظم الفرطوسي، وشاب من العمال يدعى محيي من أهالي المحمودية وأصبح رئيس إتحاد عمال كربلاء. جعفر السوداني، مدرس عينه الإنقلابيون مديرا لتربية كربلاء. وكاظم الفرطوسي معلم ولقي منه بعضهم قسوة وحشية. وقال بعض صحبه أنه هو الذي أنهى حياة الشاب "عبد الإله الرماحي" حيث توفي بعد أن عذب أشد العذاب، وأخذ ميتا إلى النجف ولا يعلم أحد أين دفن. ويقول بعض الحرس القومي أنه رمي في الآبار القديمة في طريق الكوفة. ومحيي عامل من أهالي المحمودية أصبح رئيس لإتحاد عمال كربلاء.
صاح بي العامل: خُذْ وأجب على الأسئلة تحريريا. قلت: لا، إنما إسألوا أولا فإن رضيتم بجوابي، أدونه. وافقوا. قال العامل: 1- جاوب عن علاقتك بالحزب الشيوعي؟ 2- مدى علاقة الحزب بالنقابة باعتبارك رئيسا للنقابة؟ 3- وماذا تعرف عن أنصار السلام؟
أجبت: يا سادة لديكم موقوفون من النجف ومن الكوفة ومن كربلاء، وأنا معلم في كربلاء منذ عام 1955، فإذا أعترف واحد من هذه المدن باني عضو في الحزب الشيوعي، نفذوا ما شئتم! عن النقابة، أنا انتخبت أيام جمعية المعلمين، وتنازلت عن الرئاسة للمدرس عبد الله الخطيب، وألغيت الجمعية وتألفت نقابة بدلها. ولم أرشح نفسي، لذا لا أعرف عن صلة الحزب بالجمعية أو النقابة. وإذا كان جائزا أن ينتمي البعثي مثل صالح الرشدي والقومي مثل عبد الإله النصراوي، والسيد يحيى نصر الله والدكتور هادي الطويل من الحزب الوطني الديمقراطي لحركة أنصار السلام، فما المانع أن أؤيد الحركة أنا الذي لا أنتسب لأية فئة سياسية إنما هي علاقة شخصية صرف ومع كثير ينتمون إلى اتجاهات سياسية مختلفة!؟
الفرطوسي عقب: وسابقا!؟. قلتُ: ذاك زمن كنتَ أنت ما تزال طفلا دون المدرسة. وقد انسحبت من تلقاء نفسي!؟ ردّ عليّ وما السبب؟ أجبتُ: الجواب هذه الحال التي فيها الآن هذا العدد العديد. الغربيون حتى الدول الاستعمارية فيها مختلف الأحزاب بما فيها -الشيوعي-!؟ قال القرعاوي: أنا أعرف انك لست منظما إلى حزب.
وعدت إلى مكاني دون أن يستكتبوني شيئا. استوى المدرس جالسا وأخذ يستوضح عن تحقيقهم. وسألوك ولم يضربوك؟ آنه ما عندي شيء، صحيح مشيت معهم! وجيء بموقوفين من الذين سبق وأودعوهم في سجن الحلة وبدأوا استجوابهم. فتى من العمال يدعى جواد شخاطة كان ظهره مدمي من الضرب. أمر أن يبقى واقفا ليأخذوه -للمسلخ ثانية-!. ونودي على آخر يدعى نعمة شدهان كان ذا وجه صارم متجهم. وعادوا فاخذوا جواد شخاطة، تكرر عليه الضرب. وأعيد وقد انهارت قواه فما يستطيع وقوفا. يبدو أنه رضخ للاعتراف. الفرطوسي يحقق معه لكنه يئن ويقول: شكتب؟ ما أدري شكتب؟ خل أستريح! رد عليه، أعيدك حتى تعرف شتكتب!؟ وبعد تهديد أخذ يكتب.
وفي هذه الأثناء جيء بنعمة شدهان. يسنده اثنان منهم. حين اجلس، قال الفرطوسي، ها نعمة؟ عندك استعداد تكتب!؟ لكن نعمة لم يرد عليه. قال الفرطوسي، إني أعرف إن حزبك يعتمد عليك، ولشخصيتك تأثير قوي، بحيث لو حصل خراب بين عامل وزوجته وتوسع تكون أنت الوحيد  اللي يقدر على مصالحتهم ...! نعمة لا يجيب، ويصدر عنه أنين خافت. بعد فترة اخذ من جديد. وعادوا بعد نصف ساعة يحملونه ببطانية. غطوه. مرت ثلاثة أيام لم تبد منه حركة! قلت ربما مات الفتى. وعند كل وقت يرسل أهله إليه الطعام فيوضع جنبه ويقول من قدمه، أﮔـعد نعمة هذا طعامك!. إن جاؤا بالغداء أخذوا الفطور كما هو وأعادوه إلى من يجلب له الطعام. بعد ثلاثة أيام وهو مسجى لا تبد منه حركة ولا توجع، أخذوه!؟ أين ذهبوا به؟ لا أعلم.
الذين أجري معهم التحقيق، فرض عليهم أن لا يخرجوا من هذه الغرفة. وأخيرا سمح لنا. خرجت إلى المرافق، لعلي أجد سبيلا للاستحمام. هناك وجدت ما اقشعر له جسدي. وجدت نعمة شدهان مازال مسجى وحوله وتحته المياه القذرة. مازال بدون حراك. وأعادوني إلى الغرفة العامة التي كانت للكتب أيام كانت البناية "مكتبة عامة".
وجيء بفتى فلاح، يسنده اثنان من الحرس القومي، الدماء جافة على رأسه وظهره، الوجه أصفر. خلفهم الحرس القومي عبد الأمير منغص، الذي يرفع صوته محذرا أن يدنو منه أحد لمساعدته!؟. الفتى المعذب أشار أن يريد التبول، فنهض أحد الموقوفين لمساعدته. وجاء منغص مسرعا بصق بوجه من ساعده، ثم ركض إلى المعذب ركله عدة ركلات بقدمه مع شتائم قذرة. الفلاح الفتى يدعى كاظم ناصر، عرفته بعد أمد في عام 1968، شاب جيد جدا ذا معلومات غير عادية مؤدب شهم ذكي، وتصرفه معقول. أما عبد الأمير منغص فخالي الوطاب، أرعن. وبعد أمد انتقم لنفسه منه شاب في إحدى ساحات كربلاء فأدمى فمه وهو يستغيث، وتداركه شرطي المرور وأنقذه منه بالتوسل.
حين كنت بغرفة التحقيق ذات يوم كان منغص هذا ينظف البندقية، حركها ولا يعلم أن فيها رصاص، فانطلقت واحدة. كنت أراقبه وكدت أكون الضحية. وليغط خطأه صاح، طاحت بشيوعي جلب، خلي يولي، ذبوا بالشارع!. لكن آخر أنبه.
بعد أيام من الأنقلاب الدموي، سيطرت منظمة حزب البعث على المكتبة العامة، لتحولها من دار للعلم إلى مركز للتحقيق والتعذيب وتحولت إلى مسلخ بشري. وقد كتبت في المكتبة عدة أبيات من الشعر بعنوان "قولي لأمك" اصف فيها حال دار العلم "المكتبة العامة"، التي أصبحت مسلخاً بشريا في ظل حكم خليط من بعثيين وقوميين يسندهم معنويا بعض المراجع الدينية الحاقدة على ثورة 14 تموز. للأسف لم أعثر على القصيدة كاملة. (للأسف أن والدي لم يسجل سوى بيتين من القصيدة!؟. ويظهر أن الوالدة -وهي أمية- لم تحتفظ بالقصيدة خوفا من حملات التفتيش للأجهزة الأمنية، أو أنها أضاعتها. ولكني مازلت أتذكر بعض الأبيات فهي تصف بدقة همجية الحرس القومي من بعثيين وقوميين. والقصيدة بعنوان "قولي لأمك" أنشر الأبيات التي ما أزال أتذكرها/ ألناشر)
قـــــولـي لأمـــــــك أنـني          أقضي الليالي في  عـذاب
ويحوطني حـرس غــلاظ          في بنـــادقـهـم حــــــراب
وإذا سـجى  الليـل الثقيـل          كأنــه يــــــوم الحســـاب
هوت العصي  على جلود          الأبــرياء من الشـــبــاب
فيعـــلقــون ويعــــــذبون         مجــــرديـن من الثيـــاب
                        .   .   .   .
أســــفاً لـــدار العلم بعــد         العـــلم تغــــدو للعــــذاب
غرفاتها تحوي السلاسل         لا الـمطــــالع والــكتــاب
والسوط قد خلف اليراع         وعـنه في الـتعبيــــر ناب
                        .   .   .   .
نيرون عــاد بك الــزمان         لكي تشــيع بنـا الخــراب
   والحــق أكبــر أن يـداس         وأن يـمـــرغ بالتـــــراب
 
وللشرطة حق!  
بعد يومين أعادوني إلى زنزانة الشرطة –في مركز الشرطة-. أليس التحقيق مع -المجرمين- في الأصل لهم؟ وبعد أيام استدعيت من قبل المفوض لطيف الجبوري، أنا والمعلم يوسف أبو طحين والمضمد صالح جاسم الـﮕرعاوي. لم يفاتحنا هذا المفوض بغير كلمة لحظة سأعود. جاءنا شرطي الشعبة المدعو هادي كان بيده سوط من أسلاك الكهرباء. بدأ بالمعلم يوسف أبو طحين، ثم صالح جاسم وهو يصرخ: كلب حرامي تأكل حق الأيتام!. واستدار نحوي. يبدو انه يستحسن صلعتي، فأدماها. مددت لأدفع الضرب المؤلم، فانخلعت الساعة بضربة، أما أصابعي فاكتسبت لونا أزرق. شرطي كاتب أنفعل من قسوة زميله، فصاح به: بس، أخجل شلك عليهم. فكف ... من المؤكد أن لطيف الجبوري هو الذي أوعز إليه بهذا.
سألت صالح جاسم، ما معنى اتهامك بقوله "تأكل حق الأيتام" أجاب: في الأعياد يوزع المستشفى ثيابا على أبناء الفقراء في حالة ختان أبنائهم. هذا الشرطي من مراتب الأمن أراد ثلاثة ثياب لأبنائه. فقلت له أن هذه لمن يختن فقط وبأمر مدير الصحة!
عدنا وعادت حالنا في المكان المزدحم. أعلنت الإضراب عن الجلوس والنوم، وهو في الواقع تحصيل حاصل. الشباب مازالوا على لهوهم. الحق معهم، إذ انعدمت الراحة، وينتظرهم العذاب. ولكن لهوهم ومزاحهم يؤدي أحيانا إلى شجار غير مناسب. ونقلت إلى غرفة النظارة، وهي لا تتسع لأكثر من عشرة متزاحمين. بعد ليلة واحدة استدعينا في الساعة 12 ليلا إلى المكتبة العامة (المكتبات العامة والملاعب الرياضية في معظم مدن العراق تم تحويلها من اليوم الأول للانقلاب إلى مقر للحرس القومي ومركزا للتحقيق والتعذيب / الناشر).


الناشر
محمد علي الشبيبي
السويد    ‏09‏/07‏/2011


56
4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 10
من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)

 


انقلاب 8 شباط 1963
   

الحرس القومي
حين بدأت عطلة نصف السنة، عدنا -نحن الثلاثة الذين تم نقلهم- إلى عوائلنا وبيوتنا في كربلاء بعد رفع الإقامة الجبرية. العطلة ليست مدة كافية نرتوي بها من معاشرة أبنائنا وأهلينا، ونقضي أهم ما تحتاج عوائلنا إليه.
يوم الخميس 7 شباط التقيت بزميلي جليل السهروردي. اتفقنا على موعد للعودة سوية إلى مقري وظيفتنا بعد ظهر الجمعة. إنها آخر يوم من العطلة. ولدي همام هو الآخر قضى أيام العطلة بيننا. إنه يقيم في بغداد معلما مسائيا، وطالبا جامعيا أيضا في كلية التربية. يوم الخميس بدا مكتئبا أشد ما تكون الكآبة. ظهر ذلك واضحا للجميع. وتساءلنا، عما إذا كان يشعر بألم، أو مكدرا وحاجة!؟ أجاب: لا أعرف سر سأمي، إنه مفاجئ، وكمن يتوقع حدثا مخيفا أو محنةً تعصف به ولابد من سفري اليوم إلى بغداد!
لا غرابة إن ربان السفينة مازال معتد برأيه. يلعب لعبة الأطفال. بل السذج الأغبياء. أما قادة الأحزاب الوطنية، هم أيضا يلعبون لعبة خطف اللحاف، كل يريد الأمر له، باسم الشعب. ونهجهم لا يأتي إلا بدمار الشعب، وتشتيت وحدته.
صباح الجمعة الثامن من شباط، حزمت أمتعتي، وانتظرت أن تنتهي ابنتي من كي قمصاني. كان الراديو يصدح بالأغاني. سكن فجأة. صاحت واحدة من أغلقه؟ أجابت الأخرى: يجوز إن الكهرباء تعطل! ردت عليها: المكوي بيدي مازال متقدا!
وفوجئنا بالمذيع يعلن نبأ الإطاحة بحكم عبد الكريم قاسم، وان الثورة انتصرت! وهي تتعقب أنصار قاسم.
وعجت كربلاء بالمظاهرات، شيوعية وأخرى بعثية وقومية. وأنا ماذا أفعل؟ كان أهلي قد هيأوا ما أريد من أجل السفر، ولكن الآن ما الذي أفعل؟
وأرسلت ابني محمد إلى -الكراج- ليستوضح عما إذا كانت حركة السيارات قد توقفت أم لا. ولم يعد إلا بعد فترة تجاوزت الساعة يعلن عن تفصيلات لا نعلم عن مدى صحتها، وممن استقاها؟ لكنه علم أن السفر ممنوع!
ووقفت على عتبة باب الدار أسائل من يمر، علهم من أهل العلم عما حدث. المارة كلهم يمشون مشية المرتبك بعضهم يضحك ساخرا ساخطا. حين أسائل أمثاله، يردني بهز يده ورأسه وضحكة ألم!؟ وأسمع دوي الهتافات من بعيد، ولا أفهم شيئا. اصعد إلى سطح الدار، وأعود إلى الباب. مرّ احد المحسوبين على صف الشيوعيين. سألته ما الخبر.  أجاب لا يهمك، الصراع دائر في وزارة الدفاع! وستبدو عن قريب النتيجة الحاسمة؟
وبعد الظهر انتهى كل شيء بانتصار القوى المتحالفة البعث العربي الاشتراكي، والقوميون العرب تساندهم كل القوى الرجعية والمشبوهة. لم يدر في خلدي أي احتمال بان إجراءات صارمة سيتخذها أولوا الأمر الجدد. لكن الجو أكفهر، وساد الناس وجوم، وعلى الوجوه المنكمشة تساؤل، ماذا يا عصام؟
في العهد الملكي حدثت انقلابات كثيرة. فيسقط حكم ويتربع على كراسي الحكم حكام جدد، غالبا ما يكونون ممن مارسوا الحكم، لكن من يؤيدهم لا يصاب بسوء، الجدد يهمهم الرؤوس لا الأتباع ولا الأذناب. وحين تفجرت ثورة 14 تموز، سمينا العهد الملكي ورجاله بالعهد المباد.
فماذا سنرى من الحكام الاشتراكيين!؟ هل سيحترق الأخضر باليابس! صباح السبت 9 شباط قبيل دوام الدوائر، سيارات الشرطة تجوب الشوارع. تحمل بعض رجال شرطة الأمن. وطُرقت الباب، إنهم من شرطة الأمن.
- نادِ محمد!
- ولماذا؟
- إنه شيوعي!
أيقظته من النوم، وذهبوا به. في ذمة الله يا ولدي! إذن ليس المقصود عبد الكريم قاسم وحده. وعلا نحيب أمه وأخواته. مازال في الصف الخامس الإعدادي. ومادام الأمر أن الفئات السياسية سلكت نهجا جديدا، فماذا سنرى في قابل الأيام. والثوار اليوم هم قادة الذين خاضوا انتخابات نقابة المعلمين بأسلوب يتنافى والديمقراطية وحقوق الإنسان معاً. بل يتنافى مع مصلحة الأمة العربية  إذ هي بحاجة إلى التجمع والتكتل، من أجل صد العدوان الامبريالي وإسرائيل التي استولت على فلسطين. هذه القوى كلها لماذا لا تتوحد من أجل الهدف الذي تنادي به كل القوى السياسية في كل البلاد العربية، ومنها العراق!؟ إذا اُحتكِر العمل السياسي لرأي واحد وفئة واحدة، فقل على -السلام- السلام!؟
كنا في قلق شديد على مصير ولدي همام في بغداد. كما كان عليّ الالتحاق بوظيفتي في الخالص. ودعت أهلي وغادرت المنزل. معي خالة الأولاد لتبحث عن ولدي همام في بغداد. انقباض ابني همام إذن وتحسس قلبه كان نابعا من وعيه، وقد وقع!. عند أول نقطة سيطرة اُوقفت السيارة، يستفسر من ركابها لَمَ يسافر وإلى أين؟. معاون الشرطة صاحب علوان، سألني. هات هويتك، عندما أجبته معلم في قضاء الخالص. حين أبرزتها، قال: هوية جديدة من مسؤولي الحكم الجديد!؟ قلت: أجددها حين أصل، ألم أقل إني معلم في قضاء الخالص! وقبل أن أركب السيارة ناداني ثانية، بلهجة عكس الأولى، تعال، أنت المعلم! تعال. عدت أجاب: إن الأخ الحرس القومي (الحرس القومي مليشيات الانقلابيين) أمر أن أسلمك إلى الشرطة. بعد فترة أكثر من شهر علمت أن اسم هذا الحرس القومي هو "مهدي الغانم" وهو معلم عين هذا العام، أخوه الأكبر يختلف عنه.
وحضرت سيارة لهذا الغرض. إن تصرفات الشرطة مضحكة، تدل على عقلية فجة، وحقد لا مبرر له. الشرطي الذي جاء بسيارة ليستلمني، أخذ طريقا عجيبا، وكأنه قام بعرضٍ اُمر أن يقوم به. فبدلا من سلوك الطريق الذي وجدني بنظارة -الأخوين- الشرطي صاحب علوان والمعلم مهدي الغانم، إنه قام بجولة، دار فيها عدة شوارع. من شارع العباس، إلى شارع "أبو الفهد" ثم شارع باب قبلة الحسين، ومنه إلى شارع الذي يوصل إلى حي الحسين، ومن حي الحسين إلى شارع المستشفى (القديم/الناشر)، وإلى بناية المحافظة والشرطة! بينما كان شارع العباس يؤدي مباشرة إلى بناية المحافظة ومركز الشرطة، ولا داعي لهذه الدورة الاستعراضية. ربما كان القصد من هذا الترهيب لا أكثر!
يبدو أن هذا الشرطي السائق قد سمع من قراء المنابر الحسينية، إن جنود بني أمية قد طافوا بعوائل الحسين ومن أستشهد معه في شوارع الكوفة، وشوارع الشام أيضا بعد وصولهم إليها، يشهرون بهم كسبايا، خارجين على حكم السلطان!؟
لا بأس. لقد شاهدني بعض الذين أعرفهم ويعرفونني. فوقفوا باكتئاب وهزوا رؤوسهم أسفا. وزجني بموقف السراي. كان الموقف قد ضاق بمن فيه، بينما تدفع الشرطة بالمزيد. إن الموقف -لو أنصف المسؤولون- إذا لم يقصد إيذاء الموقوفين لا يسع أكثر من عشرة.
جن الليل، وتقدم بعض الموقوفين ليضعوا حلا لمسألة النوم. عدد المعتقلين تجاوز 110، فما هو الحل؟ قال واحد منا: ينام عشرة عشرين دقيقة فقط ممن أدركهم النعاس. رد الآخر: الأحسن بالاقتراع. وتساءل آخر: حسنا وإذا وجد بعضهم نفسه غير محتاج للنوم في هذه اللحظة، ماذا يفعل؟ وأشتد اللغط. صاح أحد المحترمين، لا قرعة ولا هم يحزنون مع هذا العدد؟ الموقف هذا لم يسعكم إيقاظا كيف يسعكم نياماً؟ أفضل الحلول، من أدركه النعاس يدبر أمره، وعلى الله التكلان!؟     
وبعد يوم من اعتقالنا  اُخذ ولدي كفاح. جاء يشتري حاجات الغذاء، فأشار عبد الله أسد إلى الأمن فاقتنصوه بملابس الراحة، وزاد النواح من الأم والأخوات. لا بأس المصيبة إذا عمت هانت! هكذا يقال. ولكن الأمهات؟ الأمهات قلوبهن رقيقة... وعبد الله أسد بقال، حانوته يعود إلى البيت الذي أسكنه، والشائع عند جميع سكان الحارة إنه وكيل أمن. فلا غرابة فهو فارسي قبل المهمة ليتقي شر الشرطة على أمثاله من الأجانب. ومع ذلك فالمستقبل يجد فيه جزاء نذالته.
في ظهيرة اليوم الثالث أو الرابع من اعتقالنا، فوجئنا بشرطي وواحد من الحرس القومي يضربون باب الزنزانة الحديدي بأيديهم وكأنهم ينبهون نياما غطوا في سباتٍ عميق، وساد صمت وسكون. هما -شرطي وحرس قومي- يصرخان بصوت عالٍ: انتبهوا جميعا. احزموا حاجاتكم، سترحلون إلى مدينة أخرى!؟ حاول بعضهم الاستفسار، لكنهما ذهبا بعد هذا التبليغ الموجز.
بعض الموقوفين من الشباب لم يبدُ عليهم اكتراث، أو تذمر من وضعنا الذي نحن فيه. كانوا لا يكفون عن الهزل والدعابة، وإرسال النكات كأنهم في عيد، أو على مسرح.
وهب الجميع يجمعون حاجياتهم، وحدث ضجيج، وجدل، بسبب جمع الفراش والحاجات. بعض البسطاء كانوا منذ حلوا تعروهم كآبة، أهلوهم لا يعلمون عنهم شيئا، هم غرباء، وهم هنا بحكم الوظيفة وفقراء أيضا.
ونهض المدرس موسى الكرباسي يخاطب الحرس القومي: أخي رجاءً أمهلوني أبحث عن حذائي، أم أخرج حافيا!؟ ورد عليه الحرسي وكان أحد تلامذته: نعم أخرج حافيا!؟ هذه هي إذن أخلاقهم وهذا هو وفاء التلميذ لأستاذه! ضج الجميع بالضحك. وأخذ الهازلون بالتعليقات. وقلدوا المدرس بندائه، وحرفوا وبدلوا ما شاء لهم أسلوبهم بالنكتة والهزل.
وفي الخارج وصل خبر ترحيلنا لعوائلنا المتجمعة خ