عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - آمال عوّاد رضوان

صفحات: [1]
1
الحُبُّ ملحُ الأرضِ وسِرُّ الحياة!؟
آمال عوّاد رضوان
برعاية المجلس الملي الأرثوذكسي الوطني/ حيفا، أقام نادي حيفا الثقافي أمسية في قاعة كنيسة مار يوحنا الأرثوذكسية في حيفا، بتاريخ 5-10-2017،  وسط حضور مميز من مثقفين وأدباء وأصدقاء ومهتمّين بالأدب، احتفاءً بالأديب الباحث العكّي نظير شمالي وكتابه (رقاعٍ إلى صلاحِ الدينِ)، وبعد أن رحّب بالحضور المحامي فؤاد نقارة رئيس ومؤسس نادي حيفا الثقافي، عُرض فيلم قصير بعنوان  لمسة وفاء"، لطيّبة الذكر ابنة عكا الأديبة سميرة عزام، ثمّ تولت عرافة الأمسية سلمى جبران، ، وكانت مداخلات نقدية جادّة لكلّ من: د. فهد أبو خضرة ود. صالح عبود، تخللتها مداخلة فنية الفنان نزار بغدادي من فِرقة الغَجَر، وقراءات شعريّة مميزة مع المحتفى به نظير شمالي وابنتِهِ غُفران شمالي يونس، كما ازدانت أرجاء القاعة بلوحات معروضة تدمج بين الصورة ونصوصِ نظير شمالي الشعريّة، ثم قدم شيخنا الأديب حنا أبو حنا ود. فهد أبو خضرة والمحامي فؤاد نقارة درع تكريم للمحتفى به، وتمّ التقاط الصور التذكاريّة!
مداخلة العريفة سلمى جبران: مساؤكم مَحبَّةٌ وعِطْرٌ وَوَفاء، وشُكرًا للحضور الجميل والشُّكْر أوَّلًا لنادي حيفا الثّقافي مُمَثَّلًا برئيسِهِ المُحامي فؤاد نقّارة والناشط الثّقافي المحامي حسن عبّادي اللَّذَيْنِ يعملانِ فيُبدِعانِ بلا حدود وبمحبّةٍ وعطاء. وشكرًا لكلِّ من يعملُ على إحياءِ هذا الصَّرحِ الرّائد تحتَ رعاية المجلس المِلّي الأورثوذُكسي برئاسة السيّد المربّي جريس خوري، وشكرًا للسيِّد فضل الله مجدلاني القائم على كل الترتيبات التِّقَنِيَّة..
بعيدًا عن متاهات التاريخ وعنِ التِواءات الحُكْم والحُكّام، نُسافرُ معًا في بحْرِ عكّا وفي زواريبِها وأقْبِيَتِها، ونُخْرِجُ لُؤلُؤَها ونُقوشَها، ونُحَلِّقُ معَ روحِها التي رفْرَفَتْ في سماءِ الشمال والجنوب والغرب والشرق، وكانت فَنارًا لحضارةٍ لا تموت مُنذُ آلافِ السِّنين. وها هو ابنُ عكّا الأصيل الباحث نظير شَمالي يأتينا شاهِدًا على مجدِها، وحاميًا لكل ما تبقّى من تراثِ عكا العِمرانيّ والمدَنيّ والشّعبيّ، شاهرًا الكَلِمة والصورة لتقولَ لكلِّ العالم: نحْنُ كُنّا هُنا ونحْنُ الآن لا زِلْنا هنا، أَلَمْ تَقُلْ: "أنا أُحبُّ عكّا.. أعشقُها.. أعشقُها حتى النُّخاعْ.. على ترابِها وُلِدتُ.. وفيها أتمنّى أن أموت، وما دامت عكا حبيبتي فلن أموتَ أبدًا، لأنَّ هذه المدينة الصابرة الرائعة المدهشة الغالية، تغذي الروح وتبعثُ في النفسِ الحياة والأمل". إليكَ منّي هذه الكلمات التي كتبْتُها عندما عِشْتُ عكّا مع مسرحيد "في زاروبِ عكّا" للفنّانة ابنة عكّا الأصيلة سامية قزموز بَكْري:
أَعيشُـها كـَما يعيشُ لاجئٌ في "أرضِهِ"، فلا أَرضَ لهُ فيها ولا سَما/ وعِشْتُ غُربتـي أَبحَثُ عنْ غربتِهِمْ فصارَ كَأسي عَلقَما/ هل تقبلينَنِي يا أُختُ في  "زاروبِ" عـكّا في الحِمى؟/ أَعيشُ غربـةً ثانيةً أَجني بها محبَّةَ الأوطانِ موسمًا فموسِما
أمّا عن الكِتاب "رِقاع صلاح الدّين" فقد قَرَاْتُهُ وعذَّبَتْني بُكائيّاتُهُ على الشّرْقِ العَرَبيّ، حتى أَنشَدْتُ مع أحمد شَوْقي:  نَصَحتُ وَنَحنُ مُختَلِفونَ دارًا/ وَلَكِنْ كُلُّنا في الهَمِّ شَرقُ
د. فهد أبو خضرة: الآن أترك الحديث عن الكِتاب لروّاد هذا المِنبَر ونبدأ بشخصيّة الشاعر الأكاديميّ ابن قرية الرينة الجليليَّة الذي عَمِلَ في التدريس، ثم عَمِلَ مُحاضرًا في جامعة حيفا، وفي كليَّة إعداد المعلمين العرب في حيفا، وهو صاحب عدّة دواوين شعرية ورواية بالإضافة إلى العديد من الأبحاث اللغوية والكتب التدريسيّة. من أعمالِهِ الشعريّة: الزنبق والحروف، البحث عن أجنحة، النسور، كتابات على طريق الوصول، مسارات عبر الزوايا الحادّة وحلم ليلة ربيعية. ورواية الليل والحدود.
د. صالح عبود: ولد في حيفا وترعرع في عيلوط. حصل على لقب دكتوراه في اللغة العربية من جامعة حيفا عام 2013. يعمل مدرِّسًا للغة العربيّة في مدرسة عيلوط الاعداديّة، ومحاضرًا في كليّة "عيمق يزراعيل" الأكاديميّة. مجموعة "ديمة ربيع" باكورة إنتاجِهِ الأدبي، وهو كاتب مهتمّ بالأدب والفِكر والنّقد.
مداخلة د. فهد ابو خضرة: أتحدّث في هذا اللقاء عن مجموعة شعريّة للشاعر نظير شمالي، بعنوان (رقاع إلى صلاح الدين)، وهي مجموعة تضمّ سبع قصائد، تتبع ستٌّ منها للشعر المنثور الذي ورد ضمنه القليل القليل من الأسطر الموزونة، وتتبع قصيدة واحدة لشعر التفعيلة هي القصيدة الثالثة في المجموعة، مع العلم أنّ مفاعيلها ترتبط ببحور مختلفة لا ببحر واحد، أركّز في هذا الحديث على جانب واحد من جوانب هذه المجموعة هو جانب المضمون، لأنّ تناوُلَ هذا الجانب هامٌّ وضروريّ، إذ يفتح الباب واسعًا للدخول الى الجوانب الأخرى، فقد تناولته بالتفصيل.
القصيدة الأولى بعنوان (لفاطمة أغنية موقوتة في مخدع السلطان): والأغنية الموقوتة مبنية بناء مقطعيّا، تصل مقاطعه المُرقّمة إلى أربعة عشر مقطعًا، يتناول الشاعر فيها موضوعًا رئيسيّا واحدًا، ولكنّه لا يسير فيه بخط مستقيم لا مضمونًا ولا زمنًا، (وإنّما ينطلق مع الفكر يمينًا مرّة ويسارًا مرّة، وينطلق مع الزمن الى الوراء مرّة وإلى الأمام مرّة)، ويبدو أنّ هذا البناء يعطي للشاعر إمكانيّة التوسّع فيما يقوله، ويُلفت النظر أنّ قصائد المجموعة كلّها مبنيّة بناءً نصّيًّا مقطعيّا، أمّا فاطمة فيمكن القول أنّها تُشكّل رمزًا للوطن.
المقطع الأوّل يبدأ بحملة النداء يا فاطمة، وقد تلت هذا النداء جُمل استفهاميّة وجُمل انفعاليّة، وعدد كبير من علامات الاستفهام وعلامات التعجّب، وكلها تدفع هذا النداء "يا فاطمة" باتّجاه الحزن والألم وعدم الرضا، أمّا الناحية المضمونيّة فتنصبُّ كلّها في النقد الذاتيّ الذي يتلاءم تلاؤمًا واضحًا مع أسلوب الاستفهام والتعجّب، نحو قوله: مستضعفين أصبحنا نعاجًا لا تقاتل!/ أشدّاء أمسيْنا، إذا قاتل بعضُنا بعضا/ وسيوفنا بوجه التتار قد غدت لعبة من خشب. (ص7).
وتُختم الناحية المضمونية بالتوجّه الى الوطن النازف: ومَن لي غيرك يا وطني النازفُ يا وطني! (ص8)، وقد ذكر الشاعر في هذا المقطع التتار مرّتيْن والعلوج مرة واحدة، باعتبار كلّ منهما رمزًا للعدوّ الذي مزق الوطن. والوطن الذي يعنيه الشاعر هنا هو الوطن العربيّ الواسع الممتدّ كالحرّ تحت شمس لا تغيب (ص7)، وإذا كان هذا الوصف قد استعمل في زمن سابق في سياق الحديث عن الإمبراطوريّة البريطانيّة، فإنّ الشاعر بالتأكيد لم يقصد ربطا ولا تشبيك، وإنّما أراد أن يُشير بأسفٍ شديد، إلى هذا الجحيم الكبير الذي تمزق، وقد أكّد أسفه هذا بتكرار لفظ الوطن ستّ مرّات إمّا مُتسائلًا وإمّا مُناديا.
المقطع الثاني يبدأ بضمير الغائب المنفصل "هو"، وكذلك المقطع الثالث، ويستمرّ كلٌّ منهما في الحديث عنه، ويمكن الاستنتاج أنّ المقصود بهذا الضمير هو الوطن الممزّق الذي يمضي مُترنّمًا، لا يرى عشقه المذبوح حتى الوريد، وفي المقطع الرابع يتغيّر التوجّه تمامًا، حيث تظهر من بدايته نبرة الاعتزاز: انا المهر العربي الأغرُّ المُعلّى"، وتظهر بعدها نبرة الاشتهاء "جسدي من تراب هذي الارض مجبولٌ بدماها"، ولكن هذا التوجّه لا يطول فهو يتوقف بعد سطور قليلة، لتحلّ مَحلّه في المقطع الخامس ذكرياتٌ عن الأب الذي اغتاله التتار، وعن الجدّ الذي غيّبوه في المنافي، وعن الصغار/ الكبار الذين يحلمون بالعودة في صباحٍ أندلسيّ نديّ مُورّد الخدّيْن، ويمكن القول إنّ اسم الأندلس في هذا النصّ يُشكّلُ رمزًا للوطن الضائع، للفردوس المفقود الذي لم يحافظ عليه أصحابه محافظة الرجال، فلم يبقَ لهم بعد ضياعه إلّا أن يبكوه بكاء النساء، كما قالت تلك الأميرة الأندلسيّة لابنها الأمير، حين اضطرّ إلى مغادرتها، وقد جاء تكرار الصدى في هذا المقطع ليؤكّد عنصر التلاشي: وجوه تلاشت في رماد القطار/ وجوه تلاشت في رماد/ وجوه تلاشت/ تلاشت.. تـ .. لا .. شت (ص12).
اما اسم العلم الذي ورد في بداية هذا المقطع: علي بنُ عصفور، فهو اسم مستعار يشرح الشاعر مصدره في المقطع السادس حيث يقول: كالعصافير كنت أجوب البلاد، بلادي، بطولٍ وعرضٍ/ وأهلي أسمَوْني عليًّا كما النفوسُ الأبيّةُ في المعالي (ص13). والمقطع السادس متعلق بالمقطع الرابع ومكمّل له، إذ يبرز فيه الحلم والتفاؤل نحو قوله: أنا الصحراءُ التي تخضّبُ بالحنّاء شعرها المضفور/ تخبئُ في صدرها المكلوم مُهرَها الموعود../ أنا الأميرةُ التي اكتحتْ حلمَها/ وللوعدِ الحقِّ قد أسرجتْ خيولَ الشوق..(ص13)/ حرًّا طليقًا أغنّي/ وأنتشي بيوم النصر (ص14).
في المقطع السابع يعود الشاعر الى النقد الذاتيّ، وإلى نبرة الحزن والأسى، متوجّهًا إلى فاطمة رمز الوطن، ليقول لها: بسكّين غدرٍ نحروكِ يا فاطمة!/ ومن قبلُ ذبحناك قربانًا بيديْنا../ فتبّتْ يدانا يا فاطمة!/ فنحن القاتلُ والقتيلُ! (ص14). المقطع الثامن مخصص لبغداد التي اغتالها من يسمّيهم المُغُل الجدد، وعنهم يقول في نهاية المقطع: نحروا شرايين دجلة والفرات/ على وقعِ أنّاتٍ من قرابين الشّرّْ (ص15).
في المقاطع الثلاثة التالية التاسعِ والعاشرِ والحادي عشر، يعود الشاعرُ إلى النقد الذاتيّ، مع تركيزٍ واضحٍ على أصحاب السلطةِ الذين يسميهم "زناةَ العرب"، ويقول عنهم: صارت سيوفُهم قدَرًا مُسلّطًا فوقَ الرقاب/ باسمِ أمن العرشِ الموقّر.. (ص17)/ هم الحثالة المُهرولون وراءَ غانيةٍ ودينار (ص18).
ثمّ يتساءلُ بعدَ حديثٍ مطوّل عنهم: مَنْ مَلّكَ الأنذالَ- في الزمنِ الرديْ/ بلادًا تسامتْ أمجادُها/ ورقابًا كان ديدنُها الشّمم!؟/ مَن مَلَّلكَ الرقابَ- رقابَنا- لمازقٍ مُرتَدّ؟! (ص19).
ويستمرُّ الشاعرُ في المقطعيْن الثاني عشر والثالث عشر بتوجيهِ الذّمّ إلى أولئكَ الرؤساء، وإلى كلّ الذين يدعمونَهم، ولكنّه يتوقّفُ في عدّةِ مواضع من المقطعين ليشيد بمن سمّاهُ "زينَ بغداد" قائلا له: أيّها المُدهشُ المقدام.. (ص20) يا فارسًا باهى بفعله الأحرار/ أحرقْ بجمركَ الصخّابِ جمرَ الغضب/ لصوصًا بخناجر الغدرِ اغتصبوا عروشًا من ذهب (ص21).
في المقطع الأخير، المقطع الرابع عشر، يعود إلى مخاطبة فاطمة، رمز الوطن، مُقدّمًا لها صورةً رماديّة يظهر فيها الصمودُ والأملُ والتفاؤلُ والحلمُ، بالرغم من الواقع الأليم قائلا: أنا لي الأرضُ عشقًا تعشقني/ بعين القلب والروح زيْنَ الشبابِ تلقاني../ أنا ما مِتُّ وإنْ صدئتْ في معصمي قيودٌ وسلاسل/ ولي أحلامٌ تُناطحُ السحابَ، تُحلّقُ/ تعلو حبلًا شامخات../ أنا ما مِتُّ يا فاطمة!/ أنا ما متُّ يا فاطمة! (ص22).
وقد أحسن الشاعر صُنعًا حين ختم القصيدةَ الطويلة بهذه الصورة، فلا أقلَّ من التفاؤل والحلم في هذا الزمن الرديء الّذي يتحدّث عنه.
القصيدة الثانية هي "مَراثٍ على عتبات القادسيّة" والقادسيّة موقعٌ في العراق، وقعت فيه معركةٌ بين العرب والفُرس، وقد انتصرَ فيها العربُ بقيادة سعد بن أبي وقّاص، على الفرس بقيادة رستم، وذلك سنة 14 هـ/635م. القصيدة مقسمة الى خمسة مقاطع، يحملُ كلٌّ منها رقمًا (من1-5).في هذه القصيدة يركّز الشاعر على النقد الذاتي، وعلى ذمّ أصحاب السلطة وذمّ الأعداء، وعلى إظهار الأسى والأسف. وبعد هذا كلّه يحاولُ الشاعر في الخاتمة أن يكون متفائلًا، ولكنّه تفاؤلُ اليائسين، وهذه بعضُ أمثلةٍ على ما وردَ فيها: عادتِ الثاراتُ، عُدنا، آهٍ، أشتاتًا، بطونًا جاهليّة (ص23). من جديدٍ داستِ الأعناقَ أقدامُ التتار../ كنّا فخارًا للدُّنى، صرنا إماءً لإماء (24)/ كيف يأتي نصرُنا حُلمًا مُحنّ، كيف يأتي؟!/ كيف نصرُ القادسيّة؟ (ص29) لِمْ قسطتمْ يا عباد؟ قام أهلُ الكهفِ من عظمٍ رميم! (ص30).
القصيدة الثالثة صلاح الدين المراثي والأهازيج، وهي أيضًا مقسمة الى مقاطع كسابقتيْها مع اختلاف شكليّ في التقسيم، (يوجد عنوان لكل مقطع)، وتوجد تقسيمات داخلية في المقطعين الثاني والثالث. أمّا من ناحية المضمون فهي مختلفة تمامًا، وهذا الاختلاف يبرز في أمرين رئيسيّيْن: الأول هو ظهور التحدّي والجرأة في مواقع عديدة وبشكلٍ بارز لم نره من قبل، من ذلك قوله: يا الصوتُ الأروعُ، يا شيخي، ما الصوتُ الأروع؟/ يولد الصوتُ الأروع، يا ولدي، على شفرةِ سيف/ فيوجه السلطان../ أشعِلْ فتيلَ الصرخة، يا عبد الله، فالسيّفُ يخاف (ص33)/ أطلِقْ روحَكَ من كلّ خوف../ علّمْني الصرخةَ، يا شيخي، أو هاتِ مفتاحَ الجرأة/ ولصوتي أدُكُّ عروشَ السلطان/ تولد الصرخةُ على خدّ الخنجر.
والأمرُ الثاني هو ظهور الرابط الديني بين الأنا الشعري والمخاطبين الى جانب الرابط القومي والرابط الوطني وانطلاقا من هذا يجمع الشاعر بين يافا وخراسان وقرطبة وسمرقند وبيسان والشام ثم يقول: بعرض المدى زغردي../ وطني جهاتُ الأرضِ حيثُ كبّروا/ الله أكبرُ زغردي شعلةً من غضبِ، شعلةُ الحقّ تأبى أن تموت (36)/ زغردي.. زغردي.. لي في العشقِ ركعتان!/ لي في العشقِ ركعتان! (ص37).
ويلفت النظر أسلوبيًّا بروز التكرار في كل مقاطع القصيدة، والتكرار مرتبط في الأساس بالترسيخ (ترسيخ ما يُقال) ولكنه بالإضافة إلى ذلك، يعكس مشاعرَ التوتُّر والانفعال الناشئةَ عن غضبٍ أوكآبةٍ، أو يأس، هذه المشاعر التي تجعل الشاعرَ يدورُ في مدارٍ واحدٍ عدّةَ مرّاتٍ قبل أن يواصلَ مَسارَه.
القصيدةُ الرابعة (مصرعُ مُصارع الثيران في رقصةِ العُري)، هذه القصيدة عودةٌ إلى الحزن والأسى، والعنوانُ نفسه يوضّحُ ذلك، رغمَ كوْنه رمزًا أو استعارة، وقد جاء في بدايتِها: يقول العرّافُ، كلُّ المصابيح انطفأتْ.. ثمّ تلا ذلك بعد عدّة أسطر، بين قوسيْن، صوتُ الشاعر أو صوتُ العرّاف يقول: (لأجلك أندلس أمتطي حصانَ الوعد، أصعدُ الأسوار بأجنحة الشمع، صاعدًا للشمسِ والرُّمحُ في خاصرتي).
إنّ الأنا الشعريَّ هنا يصعد الأسوارَ بأجنحةٍ من شمع، ولا شكَّ أنّها تذوبُ حين تقتربُ من الشمس، كما حدث لأجنحة إيكاروس في الأسطورة اليونانيّة، كما أنّه يصعد للشمس والرمحُ في خاصرته، ومن المؤكّد أنّ صعودًا كهذا محكومٌ بالفشل سلفًا، وهو فشلٌ يُنهي به الشاعر المقطع الأوّل. في المقطع الثاني يكبر الحزن والأسى، ويقول الشاعر: أطفئي المصباح يا شهرزاد/ عبثٌ ما نفعل/ نبضاتُ القلب عبثٌ/ لم نعُدْ نحلمُ بالأجنّة (ص39)/ وبالفارس الآتي على فرسٍ بيضاء (ص40).
المقطع الثالث هو استمرارٌ للمقطعيْن السابقيْن، رغم الاختلاف الظاهريّ النابع من أحلام اليقظة، يقول الشاعر: فاصهلْ صهيلَكَ يا حصان، واصهلْ صهيلَكَ/ بحافرٍ ندكُّ حصونَ الحديد/ يا حصانَ الوعد، طِرْ للشمسِ الأسيرة (ص41). فالحصانُ المخاطَبُ ليس أكثرَ من حصانِ وعد، والشمس التي يطلب منه أن يطير إليها هي شمسٌ أسيرة. في المقاطع الثلاثة الأخيرة تظهر في النصّ شخصيّةٌ جديدة، يُسمّيها الشاعرُ "عازفةَ الجيتار"، وهي شخصيّةٌ مُتمّمةٌ للمَشاهد السابقة.. صبيّة منسيّة الأحزان/ بكتها شحاريرُ الأندلس../ عيناها حفرتان بلا كفن (ص42). ولذلك يعبّرُ الشاعرُ عن انساجمِهِ معها: بكيتُ حينَ بكتْ.
وحين يتحدّثُ عن الغناء بعدَ ذلك، يتحدّثُ بضمير الجمعِ: كنّا نُغنّي/ أبي عادَ حاملًا حصانًا من ورق (ص43)/ وهذا لحصانُ يُشكّلُ بلا أدنى شكَ، مَثلًا لكلّ الأحلام التي ذُكرَ فيها الحصانُ سابقًا، كما أنّ الفعلَ "عادَ" في الجملةِ نفسِها يُشكّلُ مَثلًا لكلّ أحلام العودة الحقيقيّة، ومن هنا تنتهي القصيدةُ بالأسطرِ التالية: يعود،.. يُسندُ رأسَهُ المُتعبَ/ فافرحي يا دارُ، في وحشةِ الليل/ أبي عاد .. أبي عاد.
وهي نهايةٌ تُعبّرُ عن يأسٍ شديدٍ مؤلم، يُضافُ إلى كلّ مظاهر الحزن والأسى، وهو يأسٌ نابعٌ من خيبة الأمل ومن عدم الرضا عندَ الشاعر، عمّا تحقَّقَ من عودةٍ في تلك الفترةِ التي كُتبت فيها القصيدة، وهي سنوات الثمانين (فالقصيدة كُتبت سنة1985).
في القصيدةِ الخامسةِ "ثلجٌ ستائرُكِ هذا المساء"، تستمرُّ المشاعرُ الرماديّة التي برزتْ في القصائدِ السابقة، مع اختلافِ الرموز المستعملة، كما يستمرُّ أسلوبَ التكرار الذي يرتبط بهذه المشاعر، فهي تتحدّثُ عن فارس الشرق القديم الذي لم يعُدْ شاعرَ القبيلة، فارسٍ مضى عنه الدفءُ وارتحل، وعن أميرةِ العشق المُحنّط، وعن قنديل العشقِ الذي انطفأ، وعن ليل الفجر الذي رحلت رياحُ الشوقِ عنه، وتُختتمُ بالأسطر التالية: ما عاد في القلب رنّات للوتر/ ما عاد في الأفق سِحرٌ للسَّحَر/ ورمادُ العشقِ بعيدًا.. بعيدًا.. قد سقط/ خريفيّةٌ شاحبةٌ كلُّ الكلمات/ ميتٌ وجهُ ذاكَ القمر (ص47).
القصيدة السادسة "رقاع إلى صلاح الدين"، هي خطابٌ مُوجّهٌ إلى القائد صلاح الدين، باعتباره رمزًا للخلاص. في المقطع الأوّل من هذا الخطاب، يتحدّثُ الشاعرُ عن صمودِهِ أمامَ الجلّاد، رغمَ ما يحدث، فلا يجثو ولا يركع، ثمّ يعرضُ في المقطع الثاني، أمام القائد صلاح الدين، مظاهرَ هذا الزمن الرديء، وممّا يقوله: عن شبابيكي تلكَ السنابلُ ما رحلتْ/ صارتِ النعاجُ ذئابًا في الميادين صالت (ص49).
ثمّ يطلب منه العودةَ لتقديم الخلاص المطلوب، وهي عودةٌ عجائبيّةٌ رمزيّة، ومع ذلك فإنّ الشاعرَ يرى، كما يبدو، أنّ هذا الإيمانَ يتحقّقُ، والقلبٌ هو الوسيلةُ الوحيدةُ المُتاحةُ التي تُقدّمُ الرجاءَ في هذا لزمن الذي تنعدم فيه الوسائلُ الواقعيّةُ للخلاص. ثم يتحدّث في المقطع الثالث عن التتار الجُدد قائلًا: كالنّملِ جاءتْ جحافلُهم/ مِن هنا مرّتْ كالجرادِ علوووووجٌ وعلوج (ص50).
وبالرغم من أنّ هذه الجحافلَ أطفأت كلَّ النجوم، فإنّ قنديلَ الأحلام الخاصّ بالمخاطب لم ينطفئ، وهذا المخاطبُ يمكن أن يكون فردًا هو الشاعر نفسه، ويمكن أن يكون شعبًا هو شعبُ هذا لشاعر، والسبب الذي جعل هذا القنديل لا ينطفئ هو الأمل المُستمَدّ من أحداث الماضي، قياسًا على ما كان يقول: كانوا هنا.. هنا كانوا صلاحَ الدين/ ثمّ في الأفقِ البعيدِ غابوا كالزبد. وما حدث في الماضي يمكن أن يحدث في الحاضر، ولكن ذلك منوطٌ بسيّد الأزمان كلها، فلسيّد الأزمان كلّها الأمرُ من قبلُ ومن بعد. 
القصيدة الأخيرة "ترانيمٌ رماديّةٌ في الولهِ الوحشيَ الأوّل"، قصيدةٌ مختلفةٌ من ناحية المضمون اختلافًا كثيرًا، فالشاعر فيها يتحدّث عن عنصر البراءة خارجَ أقفاص المدينة، مقابل عصر الزيف والأقنعة في مدن الرصاص، مُعبِّرًا عن حنينه المستمرّ إلى العصر الأوّل، وعن نفوره الشديد من العصر الثاني. في المقطع الأوّل تتحدّثُ الأنا الشعريّ عن ذاته، وعن المغنّي بين الأمس واليوم قائلًا: بالأمسِ كنتُ المُغنّي، حالمًا بين أجفان السفوح/ واليومَ قد نُضت مزاميرُ الغناء (ص53)، مستخدِمًا تناصًّا يُذكّرُنا بقصيدة النهر المتجمّد للشاعر ميخائيل نعيمة حين يقول: يا نهرُ، هل نضبَتْ مياهُكَ فانقطعتَ عن الخرير؟ أم قد هرمتَ وخارَ عزمُكَ فانثنينا عن المسير/ بالأمس كنت مُرنّمًا بين الحدائق والبحور/ تتلو على الدنيا وما فيها أحاديث الدهور/ بالأمس كنتَ تسيرُ لا تخشى الموانعَ في الطريق/ واليوم قد هبطت عليك سكينة اللحد العميق/ كيف ضاع الصوتُ منّي؟/ كيف ضاع الصوتُ من صوت المغني؟ كيف غاب؟
وهو يترك هذا التساؤل دون جواب، وينتقل الى المقطع الثاني حيث يتحدث عن أقفاص المدينة، وعن مدن الرصاص التي تغتاله قائلًا: إنه اصبح غريبا لا يفهمه أحد، وهنا يتذكر الكوخ السعيد، الكوخ الصغير، رمز الحياة لقروية البريئة،  والنقيض لأقفاص المدينة، فيوجّه إليه نداء في سطرين متتتاليين، وفي المقطع الثالث يوجه الخطاب الى راعية، ويطلب منها ان تسكب في القلب دفئًا من اغانيها الساحرات، وان تنزع ناب ذئب للصقيع، "فالشتاءات في الليل البهيم قد غيبت ضوء القمر (ص54).
ثم يخبرها ان القلب قد تهاوىمنذ الخريف، وفي المقاطع الثلاثة (الرابع الى السادس) يستمرّ الشاعر في توجيه الخطاب الى الراعية، طالبًا منها أن تأتي الى الطبيعة، لكي يُغنّيا معًا لعنابرها، للبحر، للروابي الخضر، لنوارس البحر، للوله الغجريّ، للمراعي المُعشوشبة، لزهر اللوز، للأيائل الجميلة، وكلها تمثل عناصر الطبيعة التي يعتبرُها النقيض التامّ لمدن الرصاص، ثمّ يُحدّثُها عن الحُبّ، وهو "ملحُ الأرضِ وسرُّ الحياة" قائلًا لها: وأنا أحبُّ كِ يا ابنةَ الغابات.. (ص55)، ويواصلُ الحديثَ عن الحبِّ حتّى آخر المقطع السادس، وفي المقطع السابع يتوجّهُ إلى الراعية، ثمّ يبدأ الحديث عن نفسه قائلًا: صرتُ المُهرّجَ الباكي (ص56)/ صرتُ الغريبَ لا يعرفُهُ أحد/ في نوبةٍ من سعالٍ ولُهاث/ أواجهُ ظلّيَ الممسوخ (ص57)/ وجهي الآن ما عادَ وجهي/ يفجؤُني وجهٌ مستعار (ص58).
وفي سياق هذا الحديث عن نفسه، يورد عن الآخرين، بين قوسيْن، حديثًا هجوميّا، فهُم مومياءاتٌ، أشباحُ أمواتٍ بقلوبٍ محنّطةٍ وعيونٍ من زجاج سميك، وكل الوجوه اكتست بالأقنعة (59)، وبعد هذا وذاك، يتوجّهُ إلى الراعية مرّةً أخرى، وكأنّها المخلصُ القادرُ على مواجهةِ هذه السلبيّات: أعيديني إليّ، أعيدي إليَّ سماوات الطفولة/ وانشري شراعًا لأرض البراءة (ص58).
ثمّ يقارن بين جمالِها والجمالَ العصريّ، فيرفعُ جمالَها إلى أعلى الدرجات، ويُنزلُ الجمالَ العصريَّ إلأى أسفل الدرجات، وفي ختام المقطع نسمع صدى المُغنّي، يُعيد ما سبقَ قوْله: ضاعَ صوْتي/ ضاع ظلّي/ صار ليوجهٌ مستعار (ص59)، ويُسمعُ صوتُ الجوقة تؤكّكُ رغبات المغنّي: أعيدوا الوجهَ لسيّدِهِ/ أعيدوا إليَّ تاجَ براءتي/ أعيدوا إليَّ كوخَ الفرح (ص59)
وتصبح هذه الرغباتُ هي الطلباتِ الأخيرةَ التي يرجو الشاعرُ المغنّي أن تتحقّق، دونَ أيِّ ضمانٍ لذلك، فالترانيم التي تضمُّها هذه القصيدة هي بحسب العنوان "ترانيم رماديّة"، وليس أمام الشاعر المُغنّي إلّا الصبر والأمل، ويبدو أنّه ليس وحيدًا في هذا المجال، وأنّ الذات الفرديّة هنا تُمثّلُ قطاعًا واسعًا من أبناء هذا المجتمع، ولكننا مع ذلك، إذا قارنّا بين هذا المجال وبين المجال السياسيّ القوميّ الوطنيّ الذي تناولته القصائد السابقة، رأينا بلا أدنى شكّ، أنّ المجالَ السياسيَّ يُمثّلُ القطاعَ الأوسعَ، ويُعبّرُ في كثير من المواضع عن الذات الجماعيّةِ تعبيرًا شاملًا، من ناحية الأسماء ومن ناحية المواقف. وأخيرًا، وبعد هذا الحديث المُطوّل، أرجو أن اكونَ قد أعطيتُ صورةً واضحةً عن جانب المضمون في هذه القصائد، وفتحتُ البابَ بقدرٍ كافٍ للدّخولِ إلى الجوانب الأخرى، وهي كثيرة، ولكم كلّ الشكر والتقدير.
مداخلة د. صالح عبود: رقاعٌ إلى صلاح الدّين: يا صلاحَ الدينِ عكّا/ قدْ وَفَتْ عَهدًا وَصَكَّا/ أَنجَبَتْ في السّورِ صَبرًا/ دَكَّتِ الضّغناءَ دَكَّا/ سَاحِلًا فيها أرَاهُ/ قَدْ غَدَا للسّورِ وِرْكا/ سُورُها بَأسٌ وَأنْفٌ/ في ذُرَى الأمجادِ حكَّا/ علَّمَ الأعداءَ دَرسًا/ مزَّقَ الأنواءَ فَكَّا/ حُسْنُكِ الجَذَّابُ غَضٌّ/ لَم يُصبْهُ الدَّهرُ وَعْكا/ قَدْ كُفِلتِ في رِجالٍ/ كُلُّهمْ ضَحَّى وَزَكَّى/ كَيْ تَدومي في صُدورٍ/ أَمنَ حَقٍّ ليسَ شَكَّا/ قَدْ كُفيتِ في نَظيرٍ/ ذِمَّةً حُبًّا وَنُسْكَا/ فالنَّظيرُ في هواكِ/ صَنَّفَ الأقوالَ سَبكَا/ مُدرِكًا أنَّ الحياةَ/ في هَناءِ العيشِ عكَّا/ في هَوى عكَّا نَظيرٌ      قانتٌ قدْ كَفَّ شِرْكَا (مجزوء بحرِ الرمَل).
مجموعةُ رقاعٍ إلى صلاحِ الدينِ، توليفةٌ شعريّةٌ عكّيّةٌ سورُها وجعٌ وساحلُها تأوُّهُ ومِدادُها الدّماءُ السائلةُ من دواةِ الرزايا، تَشرأِبُّ حروفُها رغمَ غرقِها في سحابِ البلايا، تَعزفُ نشيدًا سُباعيًّا وَموتًا وَغَصبًا إيقَاعيًّا يُكفِّنُ الواقعَ في بلادِ صلاحِ الدينِ الخصبةِ بكفّارِها ومنافقيها وطوابيرِ الخونةِ والمارقينَ والمرتزقةِ من علوجِ التاريخِ الذي عجَّلَ بِهمْ إليها، حتّى غدتْ مثوًى لهم وَمُقامًا.. تقعُ مجموعةُ أخي وصديقي الشاعرِ والبَحّاثةِ الأصيلِ المتأصِّلِ نظير أحمد شمالي ضمن ستّينَ صَحيفةً تضمُّ سبعَ قصائدَ هي على الترتيبِ الذي كسر فيه الشاعرُ التتابع الزمانيّ لنظمِها وتأليفها: القصيدةُ الأولى بعنوان: "لفاطمةَ أغنيةٌ موقوتةٌ في مخدعِ السلطانِ"، وهيَ مخاضُ عامٍ وأشهرٍ ثلاثةٍ على وجهِ التقريبِ، تترامى في أربعةَ عشرَ مقطعًا، كلُّ قطعةٍ منها تتناولُ صورةً شعريّةً دقيقةً تُفصحُ عن الحالِ العسيرِ المُتوعِّرِ والواقعِ الكؤودِ العُضالِ الذي بَلَغهُ الوطنُ العربيُّ، ورزحَ تحتَ سلطانهِ الصّفيقِ المَوْبوءِ.. يستهلُّ شاعرُنا العكّيُّ المتسوِّرُ قصيدَتَهُ ومجموعتَهُ بالصورةِ الشعريّةِ القاتمةِ الآتيةِ، فيقولُ: "يا فاطمة! أيُّ ليلٍ داهمٍ نَحنُ فيهْ؟! والعُمرُ منَّا قد تهاوى قبلَ إطلالِ الصباحْ! مِزَقًا مِزَقًا تَشَتَّتْنَا مِنْ بعدِ بأسٍ شديدْ! أيَا وطنًا تناوشتهُ أنيابُ الذئاب! مَنْ عاثَ في الوطنِ "المفدَّى" الفسادْ! مَنْ مزَّقَ الوطنَ الممتدَّ كالبحرِ تحتَ شمسٍ لا تغيبْ؟! مُستَضعَفينَ أصْبحنا، نِعاجًا لا تُقاتلْ!! أشدَّاءُ أمسَينا إذا قاتلَ بعضُنا بَعضًا، وفي سيوفِنا حلَّتْ حُمَيَّا الدماءْ، رُحماءُ إذا طلَّ التتارْ! وسيوفُنا بوجهِ التتارِ قدْ غدَتْ لعبةً منْ خَشَبْ! كَغُثاءِ السيلِ صِرنا بعدَ عِزٍّ واقتدارْ، نَعامًا ندسُّ الرأسَ في الرملِ جُبنًا في وَضَحِ النّهارْ!"..                                                                                                               
يصوّرُ شاعرُنا العكّيُّ في نصّهِ الفاتحِ دُجْنةَ الواقعِ العربيِّ وإسوادَدَهُ، فيأتي على تشيّعِ العربِ وتفرّقِهمْ، ويذكرُ نزفَ الوطنِ المستديمِ في ليلٍ نجومُهُ العلوجُ وكواكبُهُ الكُرَبُ المتهاويةُ، في وطنٍ يُطيلُ لَيلَهُ هديرٌ من دماءِ المواطنينَ الفئرانِ، الذين سامَتهُمْ محاكمُ التفتيشِ العربيّةِ الوطنيّةِ نارَ الهزائمِ والانكساراتِ النفسيّةِ الغالبةِ/ والمواطنُ الذي يصهلُ مُهرًا وقهرًا عربيًّا أصيلًا، يُفَدْفِدُ فوقَ مروجِ تاريخِهِ حالمًا بزمانٍ لمْ يُغادرْ ذاكرَتَهُ المتحصّنةَ بالنسيانِ، والوطنُ يَئِنُّ وَيَستَعبرُ من حالِ الفُرقَةِ وقيودِ الشوكِ وعرباتِ الجنودِ.                     
يصوِّرُ في سياقِ قصيدتِهِ الاستهلاليّةِ في مجموعتهِ "رقاعٌ إلى صلاحِ الدينِ" صورةَ العربيّ المنفيِّ المطرودِ من وطنهِ الذي لم يبقَ منهُ إلّا نشيدٌ وعلمٌ وطاغيةْ، فيستعيدُ ضمنَ مجالاتِ ذاكرتهِ الصّدئةِ المحترقةِ ببرودِ الوطنِ، ومن خلالِ بصيرةِ شاعرٍ  يتألّمُ ورقُهُ من وجعِ الكلماتِ، وتبكي حروفُهُ من حُرقةِ البداياتِ وفَجعةِ النهاياتِ، وهوَ يخاطبُ نفسَهُ أكثرَ من مرَّةٍ واحدةٍ، وذلكَ شأنٌّ جليلٌ فيهِ، فيقولُ: "أُدعى عليَّ بنَ عُصفورْ"، ثمَّ يُردفُ: "أجلْ أُدعى عليَّ بنَ عُصفورْ"، وتراهُ يعلّلُ اسمَهُ ونعتَهُ ونسبَهُ تعليلًا يقتحمُ القضيّةَ ويُجملُ البيّنةَ أيَّما إجمالٍ، فتسمَعُ مِنهُ زقزقةً رقيقةً يقولُ فيها: "أجلْ، أُدعى عليَّ بنَ عُصفورْ، لا، لم تَخُنّي الذّاكرةْ، كالعصافيرِ كنتُ أجوبُ البلادَ بلادي بطولٍ وعرضْ، وأهلي أَسْمَوْني عَلِيًّا كما النفوسُ الأبيّةُ في المعالي"، فيجتمعُ في قناعِ الشاعرِ رجلٌ علويٌّ يستعلي في معالي الوطنِ والسماءِ، ولا تكتملُ عَلَوِيَّتُهُ إلّا بفاطمةَ التي نُحرَتْ مرَّتين: مرّةً بسكّينِ غدرٍ، بَعدَ أنْ قرَّبَها أهلُها قُربانًا دونَ أنْ تدمعَ لهمْ عينٌ! فتبّتْ يدُ قومٍ قتلوا فاطمةَ ولم يَرْعَوْا فيها ذمّةً وإلًّا.. فاطمةُ البغداديّة العربيّة الشاميّة، يستبيحها مع كلِّ عصرٍ جحفلٌ من مُغُلٍ جُدُدٍ، يظهرونَ بأسماءَ وَبِزَّاتٍ عسكريّةٍ حاقدةٍ تَحشْرجَتْ مِن سُمومِها وَكُرهِها شرايينُ دِجلةَ والفراتْ. تُقتلُ فاطمةُ وَزُناةُ العربِ كلُّهمْ يصفّقونَ في حفلِ اغتصابِها قُربانًا للوطنِ، والحياءُ الذي اُقتُلِعَ منهم غابَ في سديمِ العبوديّةِ المعاصرةِ المُخدِّرَةِ، هُمُ السُكارى الّذينَ استباحوا نَخْبَ الخيانةِ العربيّةِ الوسيمةِ واستمرؤوا العربدةَ المتأصّلةَ في غرائِزِهمِ الموقَّرَةِ الساقطةِ، همُ الدُمى الخرساءُ كأهلِ الكهفِ، كمسمارٍ قعيدٍ، أبدًا لا ينطقونْ!                                                                                                                   
يستنهضُ الشاعرُ فروسيّةً غائبةً في زحمةِ العُهرِ العربيِّ المُذَقَّنِ بِذقونِ الخديعةِ والضلاليّةِ الإِفْكِيَّةِ، طالبًا منْ فارِسِ الغضبِ القادمِ أن يُحرقَ بِجَمرةِ غضَبِهِ الحقِّ لصوصَ الغدرِ الغاصبينَ، وأنْ يدوسَ بِنعلَيهِ تيجانَهُمُ الكاذبةَ.. ينتهي الشاعرُ في قصيدتِهِ الاستهلاليّةِ في مجموعتهِ المُحبَّرَةِ رِقاعًا إلى صلاحِ الدينِ بنداءٍ بعيدِ المدى لفاطمةَ التي ما ماتتْ رغمَ زَعمِهمْ، مُذكِّرًا إيّاها ونَفسَهُ أنّهُ لمَّا يَمُتْ، أنَّ عليًّا حيٌّ يا فاطمةْ!                           
كانتْ تلكَ حَسوةُ طائرٍ في صَخَبِ مخاضِ قصيدةٍ استغرقَتْ صاحِبَها عامًا وأكثرَ، ولو أردتُ الوقوفَ عندَ ما فيها من صورٍ ودلالاتٍ وتوظيفاتٍ تراثيّةٍ مُحكمةٍ، تنضحُ جميعًا عن شاعريّةِ نظيرٍ العكّيّةِ الوسيمةِ السّمراءِ، لو أزمعتُ ذلكَ، لَطفِقتُ أُلَملمُ وقتيَ إلى وَقتِكمُ جميعًا لَعلِّي أصيبُ الذي أُرجِّيهِ وَلعلِّي لا أدركُهُ!                             
لي معَ عنونةِ قصائدهِ وِقفةٌ تختزلُ كثيرًا منَ الكلامِ والإبهامِ المُبَيِّنِ، وبعضُ الإبهامِ في مذهبي ومذهبِ شيوخِنا، وقدْ تمنبرتُ المنبرَ الحيفاويَّ السّاعةَ في حضرَةِ كوكبةٍ منهمُ.. أقولُ: بعضُ الإبهامِ أوضحُ سبيلٍ للبيانِ والتبيينِ، وهوَ ما فطِنَ إليهِ شاعرُنا النظيرُ في كثيرٍ من سياقاتِ نصوصهِ السبعةِ في مجموعتهِ "رقاعٌ إلى صلاحِ الدينِ"، إذ يقعُ عنوانُ القصيدةِ الأولى: "لفاطمةَ أغنيةٌ موقوتةٌ في مخدعِ السلطانِ" ضمن العناوين المختزلَةِ للنصّ، رغمَ أنّ العنوانَ في بِنيَتهِ الاسميّةِ الإسناديّةِ لا يكفلُ للقارئَ من خلالِ عتبةِ النصِّ الأولى إحاطةً بما وردَ في مجملِ النصِّ، لكنّهُ يفعلُ ذلكَ على وجهٍ سليمٍ لدى القارئِ الواعي الذي أحاطَ بعد قراءَتهِ النصَّ قراءةً سياسيّةً وتاريخيّةً مشفوعةً بمنظومةٍ منَ التِقَنيّاتِ التفكيكيّةِ لعناصرِ النصِّ، ولا سيّما الموتيڤاتُ التراثيّةُ المحوريّةُ في سياقِهِ، إذ يُحيلُ العنوانُ المختارُ للقصيدةِ الأمِّ القارئَ إلى فهمٍ لدورِ فاطمةَ المحوريَّ في النصِّ، وهو ما قد يغفلُ عنهُ فيما لو التفتَ إلى موتيڤاتٍ أخرى مجاورةٍ لموتيڤِ فاطمةَ في القصيدةِ. هذا التعالقُ النصّيّ المكينُ ينسحبُ في رأينا على عناوينِ القصائدِ المتمِّمةِ لنصوصِ المجموعةِ الشعريّةِ، وَلكمْ معشرَ السيّداتِ والسادةِ أن تُخضِعوا ذلكَ لقراءاتكمُ التي أثقُ بها أكثرَ من ثقتي بِقراءَتي في الأمورِ، فانظروا إلى أيْنُ تؤولُ بكمُ قراءاتكمْ وتمحيصكمْ.                                                                                           
عرَضَ شاعرنا النظيرُ من خلالِ توظيفاتٍ تراثيّةٍ موزّعةٍ وموظَّفةٍ في نصوصهِ كثيرًا منَ الصورِ الشعريّةِ والدلالاتِ المنسولةِ من حدودِ الواقعِ، فأدّى ذلكَ بحرفيَّةٍ مقنعةٍ تعكسُ انتماءَهُ وتقديسَهُ لتراثِه العربيِّ المجيدِ، ويكادُ القارئُ يلحظُ ذلكَ عنْ وعيٍ منهُ من خلالِ الألفاظِ والمستوى اللّغويِّ والضبطِ الاصطلاحيِّ لكثيرٍ من المصطلحاتِ التاريخيّةِ المرهونةِ بالتراثِ العربيِّ وحضارةِ المسلمينَ في العصورِ الوسيطةِ، ويشهدُ على إشباعِ قصائدِ المجموعةِ بالتراثِ العربيِّ والإسلاميِّ ما يردُ فيها من مجالاتٍ للتعالقِ النصِّيِّ أوِ التناصِّ الأدبيِّ الذي يُحيلُ القارئَ لدى تسكِّعهِ بينها، يُحيلُهُ إلى وقائعَ وشخصيّاتٍ ومحطّاتٍ تاريخيّةٍ تدخلُ في صميمِ التاريخِ والتراثِ..                                                                                                                 
نأتي الآن إلى قصيدةٍ حيّرتني وَشيّبت وجداني حتّى خالَطني منها ما يُخالطُ العليلَ من داءٍ ودواءٍ، تلكَ كانتْ قصيدتُكَ التي اخترتَ لها عنوانَ المجموعةِ برمَّتها: "رقاعٌ إلى صلاحِ الدين"، وهي قصيدةٌ تثيرُ جدلًا سأضربُ صَفحًا عنهُ، إزاءَ شخصيّةِ صلاحِ الدينِ، الذي باتَ أسطورةً وحُلُمًا يستمدُّ طوباويَّتهُ وعِرفانَهُ من التأريخِ وسراديبهِ المتضاربةِ، هوَ رجلٌ وقائدٌ وعابدٌ وماجدٌ حاكَ التاريخُ والنقدُ التاريخيُّ لهُ هيئَةً قشيبةً ساميةً وأخرى أصغرَ وَأهونَ، والناسُ فيهِ بينَ رجلينِ كما هوَ حالُ أعظمِ العظماءِ دَومًا!                                     
قصيدةُ "رقاعٌ إلى صلاحِ الدينِ" تتألّفُ من مقاطعَ ثلاثةٍ غيرَ تزامنيّةٍ، إذ كُتبَ مقطعها الأوّل والأقصرُ في مطلعِ عامِ 2011 بعنوان: "عهد"، وهي لوحةٌ شعريّةٌ تتعهّدُ الصمودَ أمام الجلّادِ، يتعهّد فيها الشاعرُ بالوقوفِ أمامَ المكارهِ وهوَ قائمٌ لا يجثو لأحدٍ ولا يركع! أمّا المقطع الثاني في القصيدةِ ذاتِها، فقد أُلِّفَ عام 2000 وهو بعنوان: "حرائق الذاكرة"، وفيه نشهدُ نداءً شعريًّا ينتهي بالشاعرِ إلى دعوةِ صلاحِ الدينِ إلى حطّينَ جديدةٍ، وهوَ يركبُ لهيبَ ذاكرتهِ الجماعيّةِ، يَرقبُ البحرَ مُخاطبًا إيّاهُ وهوَ يصفُ حالَهُما، فيُبصرُ ذاتَهُ في حالِ البحرِ الحزينةِ بعدَ أن هجرَتهُ نوارسُ الحياةِ، فرحَلَتْ معها حقيقةُ البحرِ منَ البحرِ، وَخلَّفتِ البحرَ دونَ بحرٍ، شأنهُ شأنُ الإنسانِ، الذي رحلَ من ذاتهِ، ومن إنسانيّتهِ، فَخلَّفَ الإنسانَ دونَ إنسانٍ!                                 
تكتملُ القصيدةُ معَ المقطعِ الثالثِ فيها، وهو بعنوانِ "من هنا مرّوا"، وقد كُتبَ هذا المقطعُ عام 2017، ورهَنَ الشاعرُ في تراخيهِ الزمنيِّ دورةَ التاريخِ الذي يُعيدُ نفسَهُ أحيانًا، والشرقُ يا سادتي، حافلٌ بعودتهِ وَرجعتهِ المكروهةِ، بَيدَ أنَّ عودتهُ تلكَ لا تخرجُ عن كونها قدَرًا مُقدَّرا وقضاءً مُبرَمًا أبرمتهُ السماءُ لحكمةٍ طُوِيَتْ عنْ أهلِ الأرضِ، إذ مرَّ التتارُ من البلادِ، وعاثوا فيها خرابًا وفسادًا في كلِّ مرّةٍ اجتاحوها فيها، ثمَّ تراهم يغيبونَ ويعودونَ من جديدٍ، بأسماءٍ أخرى وأعوانٍ آخرينَ، وصلاحُ الدينِ المُنتظرُ مُنتظَرٌ! الانتظارُ والقعودُ سيّداتي وسادتي، عقيدةٌ وطريقةٌ تشكّلُ في ذاتها معركةَ الشرقِ الحقيقيّةِ، التي يخوضها قَومُها وهمْ يُسلمونَ قِيادَهم للسماءِ! وقدْ رأيتكَ في قصيدتكَ هذهِ وغيرِها، متمرِّدًا ثائِرًا وصوتُكَ المكتوبُ في رُقاعٍ إلى صلاحِ الدينِ، يقولُ مدَويًّا: كفانا كفانا! فصلاح الدينِ فينا نحنُ، والنصرُ والهزيمةُ من عندِ أنفسنا نحنُ! والأمرُ للهِ من قبلُ ومن بعدُ! بذلك يُنهي الشاعرُ قصيدتَهُ المُحيّرةَ التي وَقفتُ وَاسْتوقَفتُكم عندها، إذ تراهُ يَختمها بِإشارةٍ تناصّيّةٍ يُقلِّدُها وسامَ التسليمِ لأمرِ من لا يُردُّ لهُ الأمرُ، للهِ الواحدِ القادرِ دونَ خلقهِ على أنْ يُغيّرَ ما يصعبُ تغييرهُ في حالٍ دامتْ طويلًا، هكذا يُغلقُ الشاعرُ بابَ القصيدةِ إذ يقولُ: "دارَ الزمانُ دَورَتهُ، أيْ بُنَيّْ، فَلِسيِّدِ الأزمانِ كُلِّها الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ"، تناصٌّ مع آيةٍ قرآنيّةٍ وردت في سورةِ الروم في قولهِ تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: "ألم، غُلبتِ الرومْ، في أدنى الأرضِ وهمْ مِنْ بَعدِ غَلَبِهمْ سَيغلِبونْ، في بضعِ سِنين، للهِ الأمرُ مِنْ قبلُ ومنْ بعدُ، ويومئذٍ يفرحُ المؤمنون" صدق الله العظيم، وقد وظّفَ شاعرُنا النصَّ القرآنيَّ والنصَّ التراثيَّ بأسلوبٍ مُقنعٍ وجادٍّ يخدمُ المعنى والإيحاءَ في كثيرٍ منم سياقاتِ قصائدهِ في مجموعتهِ رقاعٌ إلى صلاحِ الدينِ...                                                                                          ينصرفُ شاعرنا للتناصِّ في شواهدَ شعريّةٍ عديدةٍ في مجموعتهِ، ولعلَّ من أبرزِ حقولِ التناصّ الشعريِّ عندهُ الحقلُ التراثيُّ الدينيُّ، وذلكَ جليٌّ في التناصِّ الدينيِّ الكتابيِّ، ومثالُهُ قولُهُ في قصيدتِهِ: "مراثٍ على عتباتِ القادسيّةِ": "واستعبدَتْنَا أمَّةٌ تزني وترمي بالحجرْ!!"، وتناصّهُ القرآنيُّ الجدليُّ في قصيدتهِ: "صلاحُ الدين: المراثي والأهازيج"، إذ يقول: "أَسْرِجي الخيلَ، أمُّ الشهيدِ، أعدِّي مِنْ رباطِ الخيلِ، كَفكفي عن عينيكِ دمعةً، دَعي البكا، زَغردي.. فما قتلوهُ وما صلبوهْ"، وتناصُّهُ الحديثيُّ المنسولِ من تراثِ أدبِ الحديثِ النبويِّ المتواترِ الصحيحِ، وذلكَ في قصيدتهِ "لفاطمةَ أغنيةٌ موقوتةٌ في مخدع السلطان"، إذ يقول: "كغثاءِ السيلِ صِرنا بعدَ عزٍّ واقتدارٍ، نعامًا ندسُّ الرأسَ في الرملِ جُبنًا في وضحِ النهارْ!!"، ولشواهدِ التناصِّ بنوعيه: الدينيِّ والسياسيّ شواهدُ أخرى من اليسير على القارئِ التعرّضُ إليها..                                           
استوقفَتني قطعةٌ رَدَّت إليَّ سعادتي التي بدَّدَتْها قصائدُكَ المثخنةُ جِراحًا ونواحًا وَتَهافتًا أخي النظير، تلكَ القطعةُ المقتبسةُ مِن قصيدَتكَ الفاتنةِ "ترانيمُ رماديّةٌ في الولَهِ الوحشيِّ الأوّلِ"،  إذ تقولُ فيها مخاطبًا الراعيةَ: "وأنا أُحبُّكِ، يا ابنةَ الغاباتِ، كما الحبُّ في البدءِ كانْ، بشوقِ الأرضِ لِترياقِ المطرْ، الحبُّ قاموسُ اللغاتِ، حيٌّ لا يموتْ، الحبُّ بدءُ اللغاتْ، هوَ رُخُّ البعثِ يصحو من رمادْ، هوَ بعثُ البعثِ، وهوَ حيٌّ لا يموتْ، الحبُّ يبقى لا يموتْ، الحبُّ يبقى.. لا يموتْ"..                                                                               
ختامًا، أشكرُ لكَ أخي النظيرَ، أن جمعتَ شملَ تلكَ القصائدِ في مجموعتكَ رقاعٌ إلى صلاحِ الدينِ، وقدْ كانت قبلها ضمنَ أوراقكَ المتراكمةِ التي لم تجدْ لها سبيلًا لغيركَ، فاصنعْ خيرًا بِأنْ تنشرَ مخطوطاتِكَ المكنوزةِ في خُطاطاتِ تراثكَ العكّيِّ والإنسانيِّ الخليقِ بالقراءَةِ والكشفِ والتجرُّدِ منْ وعثاءِ الانتظارِ.. شكرًا لكم..


2
درويش يُحوِّلَ التجربةَ الذاتيّةَ إلى تجربةٍ إنسانيّةٍ!؟
آمال عوّاد رضوان
برعاية المجلس الملي الأرثوذكسي الوطني/ حيفا، أقام نادي حيفا الثقافي أمسية مميزة، في قاعة كنيسة مار يوحنا الأرثوذكسية في حيفا، وسط حضور مميز من الأدباء والشعراء والأصدقاء والمهتمين بالأدب والثقافة، وذلك بتاريخ 28-9-2017، احتفاءً بالبروفيسور سليمان جبران وتوقيع كتابه (الإيقاع في شعر درويش- نظن كأنه النثر).
تولت عرافة الأمسية رنا صبح، بعد أن رحّب بالحضور المحامي فؤاد نقارة رئيس ومؤسس نادي حيفا الثقافي، وقد كانت مداخلات نقدية جادة للكتاب لكلّ من: د. كلارا سروجي شجراوي حول أهمّيّة الكلمة كسلاح سلميّ برموزها في شعر درويش والإيقاع الملازم له، وتحدّث  د. حسين حمزة حول التناص والإيقاع في شعر درويش الموزون، ورغم أن قصيدة تتصدر الشعر في السنين الأخيرة، إلّا أن درويش لم يكتبها، ولدرويش تصريحات كثيرة يؤكّد فيها أنّه كتب نثرًا لا قصيدة نثر. وفي نهاية اللقاء شكر بروفيسور جبران المُنظّمين والمُتحدّثين والحضور، وتمّ التقاط الصور التذكاريّة أثناء توقيع الكتاب.
مداخلة العريفة رنا صبح: على هذه الأرض ما يستحق الحياة! نهايةُ أيلولَ، سيّدةٌ تترُكُ الأربعين بكامل مشمشها، ساعة الشمس في السجن، غيمٌ يُقلّدُ سِربًا من الكائنات، هتافاتُ شعب لمَن يَصعدون إلى حتفهم باسمين، وخوفُ الطغاة من الأغنيات. حضرات الأخوة الأدباء والمفكّرين والشعراء والناقدين، الجمهور الكريم، مساؤكم طيبٌ وعنبر. يسرني جدّا أن أشارك اليوم في هذا الحفل المبارك، لإشهار كتاب البروفيسور سليمان جبران، تحت عنوان الإيقاع في شعر درويش- نظم كأنه نثر. أحيّيكم وأرحّب بكم في النادي الثقافيّ حيفا، القائم برعاية المجلس الملي الأرثذكسيّ الوطنيّ الذي آلى على نفسه، إرواء الثقافة والذاكرة والتاريخ والقلم.
الأخوة والأخوات، للشعر موسيقاه الموصولة بروح الكلمة وعبقريّتها، وللمساءِ روح تُغري بالشعر، روح تحوّل الوجدان إلى ذاكرة عظيمة، فكيف بالمساءِ حين يكون مقرونًا بمحمود درويش الغائب الحاضر، كما وصفه البروفسور جبران؟ هذا الاحتفال ما هو إلّا تأكيد لمكانة البروفسور سليمان جبران، الذي  كرّس عمره لدراسة الأدب ونقده، وفي إعمار الحركة الثقافيّة في البلاد، فوهب حياته للعلم والمعرفة والكتابة والكلمة، حتى نقش اسمه في سجلّ الباحثين الطلائعيّين المُجدّدين المُبتكرين. أسأل الله أن يطيل في عمرك بروفسور، وأن يكون مشوارك الإبداعيّ زادًا ومَعينًا لا ينضب.
محمود الذي لا يزال حتى بعد رحيله يملأ الدنيا ويشغل الناس، وُلد أكثر من مرّة، وانتقل من اسم سقط عليه كما تسقط الأسماء على جميع البشر، إلى اسم صاغه كما يشاء، اسم تتحاور فيه الهويّات، وتتنقّل من حكايات متوارثة إلى مجاز شعري كونيّ الزمن، وتتوزّع عبر فضاءات المكان والزمان. محمود: والميم/ المُتَيَّمُ والمُيتَّمُ والمتمِّمُ ما مضى/ الحاء/ الحديقةُ والحبيبةُ، حيرتانِ وحسرتان/ الميم/ المُغَامِرُ والمُعَدُّ المُسْتَعدُّ لموته/ الموعود منفيّا، مريضَ المُشْتَهَى/ الواو/ الوداعُ، الوردةُ الوسطى/ ولاءٌ للولادة أَينما وُجدَتْ، وَوَعْدُ الوالدين/ والدال/ الدليلُ، الدربُ/ دمعةُ دارةٍ دَرَسَتْ/ ودوريّ يُدَلِّلُني ويُدْميني.
 ألقت قصيدة "يُحبّونَني ميّتا" لمحمود درويش: يُحبّونني ميتًا ليقولوا: لقد كان منّا ، وكان لنا. سمعتُ الخطى ذاتَها. منذ عشرين عامًا تَدقُّ حائطَ الليل. تأتي ولا تفتحُ الباب. لكنّها تدخلُ الآن. يَخرُجُ منها الثلاثةُ: شاعرٌ، قاتلٌ، قارئٌ. ألَا تشربونَ نبيذًا؟ سألتُ. قالوا. متى تُطلقونَ الرّصاصَ عليّ؟ سألتُ. أجابوا: تمهّل! وَصَفُّوا الكؤوسَ وراحوا يُغنّونَ للشعبِ. قلتُ: متى تبدؤونَ اغتيالي؟ فقالوا: ابتدأنا.. لماذا بعثت إلى الروح أحذيةً، كي تسيرَ على الأرضِ؟ قلت. فقالوا: لماذا كتبتَ القصيدةَ بيضاء والأرضُ سوداءُ جدًّا. أجبتُ: لأنّ ثلاثينَ بحرًا تَصُبُّ بقلبي. فقالوا: لماذا تُحبُّ النبيذَ الفرنسيّ؟ قلتُ: لأنّي جَديرٌ بأجملِ امرأةٍ. كيفَ تطلبُ موتَكَ؟ أزرق مثلَ نجومٍ تسيلُ من السّقفِ. هل تَطلبونَ المَزيدَ مِنَ الخمرِ؟ قالوا: سنشرب. قلتُ: سأسألُكُم أنْ تكونوا بَطيئين، أنْ تَقتلوني روَيْدًا رُويْدًا لأكتبَ شِعرًا أخيرًا لزوجةِ قلبي. ولكنّهم يَضحكونَ ولا يَسرقونَ مِنَ البيتِ غيرَ الكلامِ الّذي سأقولُ لزوجةِ قلبي.
د. كلارا سروجي شجراوي: من مواليد حيفا. حصلت على لقبِ الدكتوراة بتفوّق من جامعة حيفا منذ 2009. لتلتحق بسلك المحاضرين في جامعة حيفا، في قسم اللغة العربيّة وآدابها، في مجالَي الأدب العربيّ الحديث والفلسفة الإسلاميّة.
الناقد والباحث د.حسين حمزة:  ولد في قرية البعنة. حصل على الدكتوراة من جامعة تل أبيب.  يعمل محاضرًا في الكليّة الأكاديميّة العربيّة للتربية في حيفا منذ 1997، ويشغل حاليًّا منصب رئيس قسم اللغة العربيّة فيها. حصل عام 1996 على جائزة لجنة التوجيه الدراسيّ، وفي 2003 على جائزة وزير الثقافة للمبدعين باللغة العربيّة.
مداخلة د. كلارا شجراوي بعنوان الانفلات من أسر المحليّة والإقلاع نحو العالميّة: أهلا بالجمهور الكريم في نادي حيفا الثقافي. نحتفي اليوم بكتاب بروفسور سليمان جبران: "نظم كأنّه نثر: محمود درويش والشعر العربيّ الحديث".
الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات كُتبَت بأوقات مختلفة، لكنّها تمتثل لخطّ سَيرٍ واحدٍ واضحٍ وهو إثبات أنّ الشاعر محمود درويش لم يتخلّ أبدًا عن الإيقاع فالتزم بالتفعيلة حتى في قصائده المتأخرة التي تبدو ظاهريّا نثريةَ الطّابع أو منتميةً لقصيدة النثر. سأتناول مقالًا واحدًا من الكتاب بعنوان "ريتا الواقع والقناع"، كي أتحدّث عن مكانة الشاعر ونزعته الإنسانيّة التي أوصلته إلى العالميّة، بعد ترجمة أعماله إلى أكثر من ثلاثين لغة، فالمقال في نظري يُقدِّم مثالًا واضحًا عن تطوُّر شعر محمود درويش من الذاتيّ إلى الإنسانيّ العامّ أو الكونيّ.
     لقد أحبّ شاعرُ المقاومة محمود درويش فتاة يهوديّة يساريّة تعرّف عليها عندما كان منتميًا للحزب الشيوعي الإسرائيلي في أواسط ستّينات القرن الماضي. هكذا وُلدَت قصيدة "ريتا والبندقيّة" لتكون ريتا الاسمَ البديل لحبيبته اليهوديّة تَمار بِن عَمي، ودام حبّهما عامَين. نُشرت القصيدة في مجموعته "آخر الليل" سنة 1967.
أهميّة هذه القصيدة متعدّدةُ الجوانب فهي تدلّ أوّلا على شخصية الشاعر المنفتحة على الآخر المختلف، وهو الذي أتقن العبريّة والفرنسيّة والإنجليزيّة. كذلك، هي دلالة على أنّ الشاعر لم يعادِ اليهودَ كشعب، إنّما تحدّى المحتلَّ والمغتصِبَ لحقوق الشعب الفلسطيني، وإلاّ كيف نفسّر اهتمامَ خصومِه ومحبّيه من اليهود بشعره فكتبوا عنه الدراسات كما ترجموا أعمالَه؟ على الأقل حبّ من باب "إعرف خصمَك". اشتهرت هذه القصيدة في العالم العربي بعد أن لحّنها وغنّاها الفنّانُ اللبنانيُّ المبدع مارسيل خليفة، دونَ العلم طبعا في تلك الفترة بأنّ ريتا الحقيقيّة هي فتاةٌ يهوديّة. ونحن نعلم أنّ القصائد التي يتمُّ تحويلُها إلى أغانٍ تساهم في شهرة الشاعر، كما حدث مع قصيدة درويش "أحنّ إلى خبز أمّي" و قصيدة "أنا يوسف يا أبي".
نشير هنا إلى أنّ القرّاءَ في العالم العربي قد فسّروا ريتا رمزًا لفلسطين المحاطةِ بالبنادق، وهذا بالطّبع ساهمَ في انتشارها. في الواقع، علاقة الشاعر بريتا اليهوديّة توقّفت بعد أن حملت تمار البندقية وتجنّدت في الجيش الإسرائيلي. وعند اكتشافِ قرّاء محمود درويش في العالم العربي حقيقةَ القصيدة أصيبوا بخيبة أملٍ كُبرى، فمن المستحيل في نظرهم أن يحبّ شاعرُ الثورة والمقاومة فتاةً يهوديّة.
من الواضح لنا أنّ الحبّ لا يعترف بالهُويّات القوميّة ولا بالفوارق الدينيّة. لكنّ الشاعر فهِمَ لاحقًا أنّ حبَّه مستحيلٌ ولذلك اختار تغليبَ النضالِ الشعريِّ على عاطفته. في نظري هذه التجربة دفعت محمود درويش نحو مرحلةٍ جديدة باتَ فيها شعرُه أكثر رمزيّة، وابتعدَ عن لهجة الخطاب الجماعيّة المثيرة في قصائده الأولى التي جعلت الجماهيرَ تطالبه بانفعال شديد بأن يردِّد عليهم قصيدته الشهيرة "بطاقة هويّة" المعروفة أيضا ب"سجّل أنا عربيّ..." بينما كان درويش يرفض خاصّة في المراحل المتقدّمة لشعره، لأنّه يهدف إلى تغيير ذائقة الجمهور كي يكشفَ لهم عالمَه الشعريَّ الجديد. أضيفُ إلى ذلك أنّه من غير المنطقيّ أن يردِّدَ الشاعرُ قصيدةَ "سجّل أنا عربيّ" في دولة عربيّة، والتي يخاطب فيها شرطيّا إسرائيليا. هذه القصيدة هي صرخةُ تحدٍّ جماعيّةٍ للاحتلال الإسرائيلي، أدّت إلى اعتقاله سنة 1967.
إذن، ريتا الأولى الواقعيّة تمثِّل عمليّا مرحلةً من مراحل تطوُّر الشاعر في بساطتها وتلقائيّتها وجمالها الرّقيق. لكنّ القصائد الثلاث التالية، عبرَ سنوات مختلفة، والتي حملت اسم ريتا، تمثِّل فعليّا، وليس عن طريق التأويل فحسب، لريتا كرمز ديناميكي، أقصد الرمزَ النشطَ المتحرِّك الخلاّق والمتغيِّر لفلسطينَ الواقعةِ تحت الاحتلال الإسرائيلي، كما تمثّل اختلاف الأمكنة التي تواجد فيها الشاعر. القصائد هي:
* "ريتا.. أحبّيني"، في مجموعته العصافير تموت في الجليل، 1969.
* "الحديقة النائمة" في مجموعته أعراس، 1977.
* "شتاء ريتا" في مجموعته أحدَ عشرَ كوكبًا، 1992.
     على سبيل المثال، كتب الشاعرُ قصيدته "ريتا.. أحبّيني" سنة 1969 قبل خروجه من إسرائيل. فيها نجد أنّ الأحداثَ تقع في الحلم ليؤكّدَ لنا الفرقَ بين ريتا الواقعيّة وريتا القناع أو الرّمز التي يراها في الحلم ويخاطبها ويحدّثها عن هواجسه ورؤاه المستقبليّة بشأن مصير هذا الوطن الممزَّق. لا يذكر الشاعرُ "فلسطينَ" بتاتا، بل يجعل اليونانَ أو أثينا هي المكان، ليكون حرّا بعيدا عن عيون الرّقابة ف"الحبّ ممنوع../ هنا الشرطيُّ والقَدرُ العتيقْ/ تتكسّرُ الأصنامُ إنْ أعلنتَ حبّكَ/ للعيون السود".  ويقول أيضا لحبيبته ريتا:
"نامي! هنا البوليس منتشرٌ/ هنا البوليسُ، كالزيتونِ، منتشرٌ/ طليقًا في أثينا"
ويفشل الشّاعرُ في امتلاك ريتا/ فلسطين حتى بعد توسّلاته الكثيرة، فليس بمقدور الشاعر الفلسطيني أن يتزوّج من ريتا إلاّ "حينَ ينمو البنفسجُ على قبّعات الجنود".
تمثّل هذه القصائدُ العلاقةَ المتأزّمةَ بين العربي الفلسطينيّ واليهوديّ الإسرائيليّ، وتبيّن استحالةَ العيشِ المشترَك دون اعتراف اليهودي الإسرائيلي بحقّ الشعب الفلسطيني. ترتسم المعركة بينهما بأنّ اليهوديّ يعتمد المسدّسَ سلاحا له بينما لا يملك الشاعر من أدوات المقاومة سوى الكلمة التي تحاول وصفَ الصّراعِ بين الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين بأنه "صراع بين ذاكرتين".
لا شكّ في أنّ محمود درويش هو الشاعرُ القوميُّ لفلسطين الذي استطاع أن يكون نجمًا جماهيريّا متألّقا دونَ الامتثالِ لما هو مألوفٌ ومعروفٌ وسائدٌ في الشعر. لذلك يمثِّل شعرُه علامةً فارقةً في الشعر العربيّ المعاصر وفي تغيير الذائقةِ الأدبيّة لجمهور القرّاء. استطاع أن يُسمِعَ صوت الفلسطيني المهجَّر المنكوب الذي اغتُصبَت أرضُه وانتُهكت حقوقُه الإنسانيّة، ويحوّلَ الشعر إلى أداة نضال ومقاومة. إلاّ أنّ نجاحَه العالميَّ قد تحقّق عندما استطاع، في المراحل المتقدّمة من شعره، أن يحوِّلَ التجربةَ الذاتيّةَ والمعاناةَ الفلسطينيّةَ المحليّةَ إلى تجربةٍ إنسانيّةٍ عامّةٍ تثير لدى القارئ مشاعرَ الحزنِ والوجعِ النفسيّ إلى جانب الأملِ والتفاؤلِ والقدرةِ على تغييرِ الواقع غيرِ العادل. هذا لا يعني أنّ قصائدَهُ الأولى غيرُ جميلة، فهو كشاعر موهوب (بالفطرة) منذ أن كان فتًى - فقد أصدر ديوانَهُ الشعريَّ الأوّلَ "عصافير بلا أجنحة" عندما كان في التاسعة عشرة من عمره (سنة 1960) – استطاع أن يفهمَ أهميّةَ الوصولِ إلى الشعبِ البسيطِ، فلا يكون الشعرُ وقفًا على طبقةٍ ما. يقول في قصيدة "عن الشعر" (مجموعة أوراق الزيتون 1964):
"قصائدنا، بلا لونِ/ بلا طعمٍ.. بلا صوتِ!/ إذا لم تحمل المصباحَ من بيتٍ إلى بيتِ!/ وإن لم يفهم "البسطا" معانيها/ فأولى أن نذرّيها/ ونخلدَ نحنُ.. للصمتِ!!" 
    هذا الشاعرُ المُهجَّرُ الذي عاش في عدّة دولٍ كالاتحاد السّوفييتي ومصر ولبنان وفرنسا عرف كيف يتحاور مع الأساطيرِ والرّموز ومجموعِ الحضاراتِ الإنسانيّةِ التي تعاقبت على أرض فلسطين دونَ أن ينسى أهميّةَ أن يكونَ الشعرُ قريبًا من القلب والعقل معًا، بمعنى أنّه حافظ على المعادلة الصّعبة وهي البساطةُ المعقَّدَة، وفي ذلك نجاحه. لكنّ حبَّهُ لحيفا، بكرملها الشامخ، كانَ خاصّا، فهو مهما أحبَّ من النساء فحبُّه هذا لا يعادل غصنًا من السّرو في الكرمل الملتهب، ومهما أحبّ من الحقول والبحار في البلاد المختلفة فإنّه لا يعادل قطرةَ ماءٍ على ريشِ قُبّرَةٍ في حجارة حيفا. (من قصيدة "النزول من الكرمل").  وتبقى صرخة محمود درويش عالية: آه... يا وَطَني!..
مداخلة د. حسين حمزة: محمود درويش لم يكتب قصيدة النثر، رغم أنّ هناك مقاطع نثرية ضمَّنها في عدد من إصداراته الأخيرة، وخصوصًا "أثر الفراشة" المنشور تحت صفة "يوميات"، و"في حضرة الغياب" تحت صفة "نص"، إضافةً إلى مقاطع في ديوان أقدم هي "أحبك أو لا أحبك". لم يسمِّ تلك النصوص قصائد نثر، ولو أراد لفعل ذلك.
لِمَ لمْ يبادر درويش إلى خلع صفة "قصيدة نثر"؟ هناك تصريحات كثيرة يؤكّد فيها درويش أنّه كتب نثرًا لا قصيدة نثر. في حوار طويل مع عبده وازن قال: "أكتب نثرًا على هامش الشعر، أو أكتب فائضًا كتابيّا أسمّيه نثرًا". وأيضًا: "ما دمت أكتبُ نثرًا، فأنا أكتب النثر من دون أن أسمّيه قصيدة". وفي موضع آخر أكَّد: "أنا من الشعراء الذين لا يفتخرون إلّا بمدى إخلاصهم لإيقاع الشعر. أحبّ الموسيقى في الشعر. إنّني مُشبَعٌ بجماليّات الإيقاع في الشعر العربيّ، ولا أستطيع أن أعبِّر عن نفسي شعريًّا إلّا بالكتابة الشعريّة الموزونة".
درويش فرَّق بشكل حاسم بين التعبير عن نفسه "شعريّا" وبين التعبير "نثريّا"، فهو شاعرٌ في الشعر وناثر في النثر، فلماذا نُكتِّبه قصيدة النثر عنوةً؟ كان ناثرًا موهوبًا، ولم يكن يُضيرُهُ أن يكون ذاك الناثر الموهوب إلى جانب كونه شاعرًا مرموقًا.
كان صاحب "جداريّة" حريصًا على عدم الخلط بين الأمرين، لكنّه في الوقت عينه، لعب في السنوات التي سبقت رحيله، على فكرة النثر عبر رهانٍ يقوم على إثبات براعته النثريّة داخل قصيدته الموزونة. أراد أن يُصحّح علاقته الشاقة والمُساء فهمُها مع قصيدة النثر، لكن ليس بكتابتها، بل بالإفادة من خصوصيّاتها ومناخاتها.
صادق قصيدة النثر، لكنه لم يقع في غرامها. أغلب صداقاته الأخيرة كانت مع شعراء نثر. لقد اعترف محمود مرارًا بأنّ ما يُكتب من قصائد نثر في العربيّة، أكثر جودةً من أخواتها التفعيليّات، واستثمر علاقات النثر بذكاء شديد، وأخفى الوزن في طيَّات الإيقاع الخافت ومجاهله، وأدار ظهره للصوت العالي والرمزيّات المباشرة والغنائيّة المُفرطة.
في مستهلِّ ديوانه "كزهر اللوز أو أبعد" استعان بتعبير أخَّاذ لأبي حيّان التوحيدي: "أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظمٍ كأنّه نثر، ونثرٍ كأنّه نظم". أراد أن نعامل قصائده الأخيرة باعتبارها نثرًا مكتوبًا بالوزن، وفرح حين اعتبر بعضُنا أنّ "في حضرة الغياب" قصيدة نثر طويلة. لعب الشاعر في ملعبنا النثري، لكنه لم يغادر ملعبه الفعليّ، ولم يُبدِّل قميصه الإيقاعي بأيٍّ من قمصاننا النثريّة.
درويش تناول نقاط التناص والتضمين والتدوير والأم والأب، وهناك تحوّلات ثلاث في العلاقة مع أبيه، وحين ندرس الشعر العربيّ المعاصر بشفافيّة، نقف  على مراحل تطورّه بشكل أكثر موضوعيّة، واليوم نرى أن قصيدة النثر تتصدر المشهد الثقافي.
هناك بعضُ الرموز ظهرت بشكل واضح في مراحله الأخيرة مثل موتيف "الغياب"، وهذا الرصد يساعد على تَبيان مراحل تطوّر درويش الشعريّ، وهي ركيزةٌ أساسيّة في الشعر تدلّ بشكل مباشر على التحوّل في رؤيا الشاعر للواقع الذي يعبّر عنه، وتشكّل جزءًا أساسيًّا في تمثيل تجربته الشعريّة، فالتحوّل الذي طرأ على شعر محمود درويش، يمثّل الانتقال من رؤية الحدث إلى أثر الحدث، ومن التفاعل المادّيّ مع الفعل إلى استشرافه وتأمِّله، ومن الحضور إلى الغياب. قد يكون ذلك تطوّرًا أساسيًّا عند كلّ شاعر كبير، لكنّ درويش مزج بين الخاصّ والعامّ؛ بين جرحه وجرح شعبه؛ بين موته الذاتيّ وبين موت شعبه. وكان الصراع بين الأيديولوجيّ والجماليّ هو شغلُه الشاغل؛ أي كيف يوازن بين معطياتِ القصيدة الحاضرةِ في المكان والزمان، وبين تحويلِها إلى مشروع جماليّ يتقدّم فيها الفنيّ، ويتوارى فيها الآنيُّ الشفّافُ عن الواقع.



3


الغموض والتطعيم في قصيدة "دعيني.. أُقَـشِّرُ لِحَاءَ عَـتْمـتِكِ" للشاعرة آمال عوّاد رضوان
بقلم: عبد المجيد جابر

"دعيني.. أُقَـــشِّـــرُ لِـــحَـــاءَ عَـــتْـــمَـــتِــــكِ"/ للشاعرة آمال عوّاد رضوان
مُنْذُ ظَمَأٍ بَعِيدٍ
وَأَغْبِرَةُ صَمْتِي
مَا نَفَضَهَا شِتَاءُ دَلَالِكِ!
رُحْمَاكِ
أَعِينِينِي عَلَى ظَمَئِي
وَلَا تُصَافِحِي بِالنَّارِ .. سَبَئِي!
هَا نَبْضُ صَوْتِكِ
حَبِيسُ أَدْرَاجِ هَيْكَلِي المَسْكُونِ بِكِ
يُذْكِي وَجَلِي الْمُؤَجَّلَ
ويَفُضُّ خَوْفِيَ الطَّاغِي!
***
أَيَا آسِرَتِي .. تَرَفَّقِي بِي
أَطْلِقِي حَفِيفَكِ .. مِنْ قُمْقُمِهِ
لِيُمَارِسَ رَقْصَتَهُ
وَلِتَشْحَذَ نَايَاتِي.. أَنْهَارُكِ الْمَدْفُونَةُ!
***
هَا تَوَحُّدُنَا لَيْسَ يَكْتَمِلُ
إِلَّا فِي وَهَجِ الْجُنُونِ!
وجُنُونِي .. لَيسَ يَشْحَذُهُ
إِلَّا دَبِيبُ نَبَرَاتِكِ النَّقِيَّةِ!
دَعِينَا نَأْتِيهِ
مِنْ حَيْثُ تَكُونُ لَذَائِذُهُ
فِي انْتِظَارِنَا
***
أَيَا قَصِيدَتِي الْخَالِدَةَ
دَعِينِي
أُقَشِّرُ لِحَاءَ عَتْمَتِكِ
أُضِيءُ كُلَّ تَفَاصِيلِكِ
لِتُكَلِّلِينِي بِالْفَرَحِ
فَمَا انْتِظَارِي
إِلَّا وَجَعَ لَذَائِذِي الْمُؤَجَّلَةِ
الْــ مَا عَرَفَتْ طُرُقَ الْتِحَامِهَا
***
أَيَا سَلِيلَةَ هذَا الْقَلْبِ الْمُعَنَّى
حَسْبُكِ .. أَمَسُّكِ مَسًّا
فَتَشْتَعِلِينَ خَفْقًا
كَحَالِ قَلْبِي .. الْــ تَمَسُّهُ أَطْيَافُكِ!
ثانيا: التحليل الأدبيّ
جوُّ النّصّ: يتمثّلُ في الخلاف والاختلاف بين الدّولِ العربيّة، فمنها مَن تَحالَفَ مع الغرب لتدمير دولٍ عربيّة، تعتبرُها الدُّولُ الغربيّةُ حجَرَ عثرةٍ أمامَها في تنفيذِ سياساتِها المُتمثّلةِ في إضعافِ العرب، والسّيطرةِ على أموالِهم، والاستيلاءِ على مَنابعِ النّفطِ ووارداتِهِ.
العنوان "دعيني.. أُقَـــشِّـــرُ لِـــحَـــاءَ عَـــتْـــمَـــتِــــكِ": يتكوّنُ من جُملتيْن فِعليّتيْن، الجملة الأولى فعلُها فِعلُ أمر "دعيني"، والثانيةُ فِعلُها فِعلُ مضارع "أقَـــشِّـــرُ"، فاعلُها ضميرٌ مُستتِرٌ "أنا"، ومفعول به "لِـــحَـــاءَ عَـــتْـــمَـــتِــــكِ"، والعتمةُ رمزٌ لدَياجيرِ الظّلامِ وتَدميرِ القلاع العربيّة، بأيدٍ عربيّةٍ وتخطيطٍ أجنبيّ، ومَردُّ ذلك الخلافاتُ العربيّة العربيّة. العنوانُ مُوحٍ بانزياحِهِ الإضافيّ، فللعتمةِ لِحاءٌ، وللعنوانِ أهمّيّةٌ كبيرةٌ في النّصّ، ويرى "رولان بارت": "أنّ العناوينَ عبارةٌ عن أنظمةٍ دلاليّةٍ سيميائيّة، تحملُ في طيّاتِها قِيَمًا أخلاقيّةً واجتماعيّةً وأيديولوجيّة، هي رسائلُ مصكوكةٌ مُضمّنةٌ بعلاماتٍ دالّة.  و"بارت" يهتّم بالعنوان، وكُلُّ هذا الاهتمامِ كوْنُهُ مُقتنعًا، بأنّ مهمّةَ السّيميائيّاتِ هي البحثُ عن الخفيّ والمسكوتِ عنه، وعن المُوحَى إليهِ إيحاءً."(1)
عنوانُ النّصّ عندَ شاعرتنا آمال عوّاد رضوان دالٌّ، "فالعنوانُ طاقةٌ حيويّةٌ مُشفّرةٌ، قابلةٌ لتأويلاتٍ عدّةٍ قادرةٍ على إنتاجِ الدّلالة".(2)، "وعمومًا، فالعنوانُ هو مجموعُ العلاقاتِ اللّسانيّةِ التّي يُمكنُ أنْ تَرسُمَ على نصٍّ ما من أجلِ تعيينِهِ، ومن أجلِ أن نشيرَ إلى المحتوى العامّ، وأيضًا من أجلِ جذبِ القارئ". (3)، و"العنوانُ يحظى باهتمامٍ بالغٍ في الدّراساتِ السّيميائيّة، فيُعتبرُ "أكبرَ ما في القصيدة، إذ له الصّدارة، ويَبرزُ مُتميّزًا بشكلِهِ وحجْمِهِ" (4)، كما في قصيدتِنا هذه.
إنّ الإحساسَ الصّادقَ في شِعر الشاعرة آمال عوّاد رضوان هو انعكاسٌ لنبضاتِ قلبها وخَفقاتِ وجدانِها، وتَوْقِ روحِها إلى خلاصٍ ما، ويجبُ احتواءُ الشّعر على ديباجةٍ قويّةٍ وأسلوبٍ ممتاز؛ ليمكن قراءته، ولكي يُثير المَسامع والروح معًا، لهذا فقد تميّزَ شِعرُها بالجَماليّةِ والعنايةِ الفائقةِ، فتقولُ الشاعرةُ في مُستهَلِّ نَصِّها:
"مُنْذُ ظَمَأٍ بَعِيدٍ/ وَأَغْبِرَةُ صَمْتِي/ مَا نَفَضَهَا شِتَاءُ دَلَالِكِ! رُحْمَاكِ/ أَعِينِينِي عَلَى ظَمَئِي/ وَلَا تُصَافِحِي بِالنَّارِ .. سَبَئِي! /هَا نَبْضُ صَوْتِكِ/ حَبِيسُ أَدْرَاجِ هَيْكَلِي المَسْكُونِ بِكِ/ يُذْكِي وَجَلِي الْمُؤَجَّلَ/ ويَفُضُّ خَوْفِيَ الطَّاغِي!".
"مُنْذُ ظَمَأٍ بَعِيدٍ": كنايةً عن أنّ الشاعرةَ آمال عوّاد رضوان ترنو إلى الوحدة العربيّة، ونبذِ الخلافِ فيما بين دوَلِها منذُ شبابها، وفي السّطرِ انزياحٌ إضافيّ؛ فالموصوف "ظمأ" يتوقّع المتلقي عند سماع تلك الكلمة، أن يتلوها صفةٌ ككلمة "شديد"، لكنّهُ يتفاجأ بسماعِ كلمةِ "بعيد"، والانزياحُ أو الانحرافُ عن المعيارِ مِن أهمّ الظواهرِ الّتي تُميّزُ اللّغةَ الشّعريّةَ عن السّرديّة، معَ منْحِها شرف الشّعر وخصوصيّته، وهذا النّوعُ مِنَ الانزياح يتّسمُ ببعضِ السّماتِ المُصاحِبةِ لهُ، كالابتكارِ والجِدّةِ والنّضارةِ والإثارة. ومِنَ الأمثلةِ على الانزياحِ الدّلاليّ ما يُسمّى بانزياحِ النّعوتِ عن منعوتاتِها المُتعارَفِ عليها، وهذا مثالٌ على ذلك.
ونلاحظ عند شاعرتنا آمال عوّاد رضوان توظيفَها للانزياح بشتّى أشكالِهِ، ولا شكّ أنّ قمّةَ الانزياح تَحدُثُ في قصائدِها، حيث تعتمدُ على الكثافةِ والغموضِ الشّعريّ، وعلى الصّوَرِ المّتخيّلةِ الّتي تبتعدُ عن الصّورِ الواقعيّة، كما في الشّعرِ الرّمزيّ أو المدرسة الرمزيّة في الشعر.
"وَأَغْبِرَةُ صَمْتِي/ مَا نَفَضَهَا شِتَاءُ دَلَالِكِ!": كنايةً عن أنّ صمتَ الشاعرة آمال عوّاد رضوان على التفرقة العربيّةِ كان صمتًا قلقًا، و"الكنايةُ مِن أجملِ فنونِ البلاغةِ العربيّة، لأنّها ترمزُ لمراد البليغ، بشكلٍ يُعجبُ السّامعَ والقارئَ ويُسافرُ بخيالِهِ، وهي في الاصطلاحِ (تعبيرٌ أُطلِقَ وأُريدَ بهِ لازمُ مَعناهُ معَ جوازِ إرادةِ ذلكَ المعنى)، فالكنايةُ إذن؛ تجعلُ النّصَّ مُكُثَّفًا لهُ ظاهرٌ وباطنٌ، ممّا يُحرّكُ فِطنةَ المُتلقّي ويُثيرُ خيالَهُ.."(5). وهنا تتوالى الصّوَرُ الشّعريّةُ والانزياحاتُ، فللصّمتِ والسّكوتِ غبارٌ، وللشّتاءِ دلالٌ قابلٌ للنّفض.
"رُحْمَاكِ": تنتقلُ الشّاعرةُ آمال عوّاد رضوان للأسلوبِ الإنشائيّ المَعروفِ في العبارةِ (بلادي رُحماكِ)، وهي مفعولٌ بهِ ثانٍ لفعلٍ مَحذوفٍ تقديرُهُ (أسألُكِ)، وهذهِ جُملةٌ مُعترضةٌ تُفيدُ الدعاء.
"أَعِينِينِي عَلَى ظَمَئِي": وتلجأ الشاعرة إلى الرمز، و"الظمأ" يَرمزُ لتوْقِها للعربِ أنْ يَتركوا الخلافاتِ والفرقة، وتتطلّعُ للسّعيِ إلى الاتّحاد، والسّطرُ صورةٌ شِعريّةٌ جميلة.
"وَلَا تُصَافِحِي بِالنَّارِ .. سَبَئِي!": كنايةً عن انشغالِ العرَبِ بخُصوماتِهم وقتالِ بعضهم بعضًا، كما انشغلتْ بهِ (سبأ) بعدَ انتهاءِ فترةِ ازدهارِها، وتشتُّتِ كلمةِ قبائلِها ومُحاربةِ بعضِهم بعضًا، وتُكثِرُ شاعرتُنا مِن توْظيفِها لفنّ الكناية، "فإذا كانت الكنايةُ معنى المعنى،  فإنّ لفْظَها مُحتملٌ للمَعنى، ولمعنى المعنى في الوقتِ ذاتِهِ، فمَنْ وقفَ على المعنى،  فهو في إطارِ الحقيقةِ ومُحيطِها، ومَنِ انتهى إلى معنى المعنى، فقد  تجاوَزَ الحقيقةَ والتّعبيرَ المُباشر" (6)، فالقارئُ  الناقدُ "يَعلمُ إذا رجَعَ إلى نفسِهِ، أنّ إثباتَ الصّفةِ بإثباتِ دليلِها، وإيجابِها بما هو شاهدٌ  في وجودِها، آكد وأبلغ في الدّعوى مِن أنْ تجيءَ إليها، فتثبتها هكذا ساذجًا غفلًا، وذلك أنّكَ لا تدّعي شاهدَ الصّفةِ ودليلَها، إلّا  والأمرُ ظاهرٌ معروفٌ، بحيث لا يُشَكُّ فيه، ولا يُظَنُّ بالمخبر التجاوز والغلط" (7).   
الكنايةُ مِنَ التّعبيراتِ البيانيّةِ الغنيّةِ بالاعتباراتِ والمزايا، وأمّا الملاحظاتُ البلاغيّةُ فهي تُضفي على المعنى جَمالًا، وتزيدُهُ قوّة، ويستطيعُ الأديبُ المُتمكّنُ والبليغُ المُتمرّسُ أنْ يُحقّقَ بأسلوبِ الكنايةِ العديدَ مِنَ المَقاصدِ والأهدافِ البلاغيّة، وهي لفظٌ أو تعبيرٌ لا يُرادُ ظاهِرُ مَعناهُ، ولكن ما يَرمزُ إليه، تأتي بالمعنى مَصحوبًا بالدّليل في إيجازٍ وتجسيم، والكنايةُ مِن الوسائلِ والأدوات الّتي تتشكّلُ منها الصُّوَرُ الفنّيّةُ، و"الصّورةُ الشّعريّةُ كيانٌ فنّيٌّ نابضٌ بالحياة الإنسانيّة".(8)   
 وشبّهت الشاعرة الشاعرة التقاءَ السّيوفِ بالمُصافحة؛ استعارة تصريحيّة، وكاتبتُنا تتسلّحُ بوسائلِ عِلمِ البَيان، فإنّ "البَيانُ مَلَكَةٌ يَهبُها اللهُ تعالى لمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، فيستطيعُ أنْ يصدَعَ بحُجّتِهِ في المَقامِ والأحوالِ الّتي تقتضي الإبانةَ والإفصاح، مِن ذلاقةِ اللّسانِ وقوّةِ القلب ورباطةِ الجأش، والقدرةِ على التّصرّفِ في القول." (9).
 وفي السّطرِ أيضًا تناصٌّ أدبيٌّ يُذكّرُنا بالمثل القائل: "تفرّقوا أيدي سبأ، وذهبوا أيادي سبأ".. الذّهابُ مَعروفٌ يُقالُ: ذهَبَ بالفتح يذهبُ ذهابًا، والأيادي جمْعُ أيدٍ، والأيدي جمعُ يدٍ، وهو بمعنى الجارحة وبمعنى النعمة وبمعنى الطريق. وسبأ قيل أبو قبائل اليمن، وهو لقبٌ واسْمُهُ عبد شمس بن يشجب بن يعرب، وسُمّيَ سبأ، قيلَ لأنّهُ أوّلُ مَن سَبى السّبي. وقيل سبأ اسم أمِّهِم، وتُسمّى البلدةُ سبأ باسم سكّانِها، وكانت أخصبَ بلادِ الله كما قال الله تعالى: "جنّتانِ عن يمينٍ وشمال"، فلمّا تفرّقتْ قبائلُ سبأ هذا التفرّق، وتمزّقوا هذا التّمزّق، ضربت العرب بهم المثل فقالوا: ذهبَ القوْمُ أيدي سبأ وأيادي سبأ، أي تفرّقوا في كلّ طريقٍ ووُجهةٍ، أمّا على أنَّ اليد بمعنى الجارحة، لأنّهم كانوا، إذ كانوا مُجتمعين، يدًا واحدة. فلمّا تفرّقوا صارت اليدُ أيادي كثيرة؛ أو بمعنى النعمة، أي تفرّقوا تفرّقَ نعم سبأ، أو كائنين كنعم أهل سبأ، أو بمعنى الطريق، أي تفرّقوا في كلّ طريق أهل سبأ، حيث تمزّقوا، وأيدي سبأ جعل اسمًا مُركّبًا كمعدي كرب، وسُكّنت الياءُ تخفيفًا وإن انتصب. ذهبوا تحت كوكبٍ.
جاء في لسان العرب باب سبأ: "وقال كثير: أيادي سبا، يا عز، ما كنت بعدكم/ فلم يَحْلُ للعينيْن بَعدَكِ مَنظَرُ. وضَرَبَت العربُ بهم المَثلُ في الفرقة، لأنّه لمّا أذهبَ اللهُ عنهم جنّتَهم وغرقَ مَكانَهم تَبدّدوا في البلاد. التّهذيبُ: وقوْلُهم ذهبوا أيدي سبا أي مُتفرّقين، شُبّهوا بأهلِ سبأ لمّا مزّقهم اللهُ في الأرض كلّ ممزق، فأخذ كلّ طائفةٍ منهم طريقًا على حِدَة.
قال اللَّه تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ). لكنهم كفروا بأنعم اللَّه، وأعرضوا عن اتّباعِ رُسُلِهِ، وعبدوا الشمسَ والكواكبَ، فعاقبَهم اللَّهُ بسيْلِ العرم، فخرّبَ سَدَّهُم، وأتى على أموالِهم وزُروعِهم وبُيوتِهم فدمّرها، كما قال القرآن: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ}، وقد تفرّقوا بعدَ خرابِ السّدّ في البلاد مِزَقًا، كما قال اللَّه عنهم: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}.
وضربَ العربُ بتَفرُّقِهم الأمثالَ فقالوا: واليد الطريق، يقال: أخذ القومُ يدَ بحر، فقيلَ للقوم إذا تفرّقوا في جهاتٍ مُختلفة: "ذهبوا أيدي سبأ"؛ أي فرّقتْهم طُرُقُهم الّتي سَلَكوها، كما تفرّقَ أهلُ سبأ في مذاهبَ شتّى. والعربُ لا تَهمزُ سبأ في هذا الموْضع؛ لأنّه كثر من كلامِهم، فاستثقلوا فيه الهمزة، وإن كان أصلُهُ مَهموزًا. وقيل: سبأ اسم رجل ولَدَ عشرةَ بنين، فسُمّيت القرية باسم أبيهم. والسبائيّة والسبئيّة من الغلاة، وينسبون إلى عبد الله بن سبأ".(10)   
"هَا نَبْضُ صَوْتِكِ": و"ها" حرفُ تنبيهٍ، وفي عبارة "نبض صوتك" انزياحٌ إضافيّ، فللصّوتِ نبضٌ كنبضِ الكائنِ الحيّ.
"حَبِيسُ أَدْرَاجِ هَيْكَلِي المَسْكُونِ بِكِ": كنايةً عن هُمومِ الشّاعرة في أمْرِ العرب، وحُبِّها الشّديدِ لهم ولوِحدَتِهم. والصّوَرُ الفنّيّةُ نابضةٌ بالحيويّة، فللشّاعرةِ هيكلٌ له أدراجٌ تحتفظُ بحُبّها فيها للعرب.
إنّ ما يُميّزُ شعر الشاعرة آمال عوّاد رضوان عن غيرها، هو الصّدقُ الفنّيُّ الشّعريُّ النّابعُ الصّاعدُ مِن القلب إلى العقل وليس العكس، إذ نلحظُ بأنّ مُخيّلتَها الشّعريّةَ ليست مُخيّلةً مَحضة، وهذه خصيصة واحدةٌ مِن أهمّ خصائصِها الشّعريّةِ المُتمثّلةِ بتيّارِ التّجربةِ الروحيّة، مقابلَ التّجربةِ الشّكليّة، فمُخيّلتُها الشعوريّةُ والشعريّةُ هي ثمرةُ رؤيةٍ باطنيّة، تمتصُّ جذورُها مِن أعماقِ عواطفِها ووجدانِها المُتلظّي.
"يُذْكِي وَجَلِي الْمُؤَجَّلَ": كنايةً عن شدّةِ اشتعالِ نار حُبّها للعرب، فللشّاعرة وجلٌ قابلٌ للاشتعالِ كاشتعالِ النّيران، وهذا الوجلُ أو الحياءُ قابلٌ للتأجيل. صوَرٌ شِعريّةٌ مُتتابعةٌ وانزياحاتٌ مُتتالية.
"ويَفُضُّ خَوْفِيَ الطَّاغِي!": كنايةً عن شدّةِ المَخاوفِ الّتي تُحيقُ بالشاعرة وتعصفُ بقلبها، خوفًا مِن فرقةِ العرب وافتراقِهم وحروباتِهم الداخليّة. صورةٌ شعريّةٌ جميلة، فالخوفُ يُفَضُّ ويَطغى، وازدادَ عن حَدِّهِ كثيرًا. فشاعرتُنا تجعلُ مِن الشعر عالَمًا مُوازيًا لعالَمِ الواقع، إذ يمتازُ أسلوبُ الشاعرة آمال عوّاد رضوان بعدَ كلّ هذا، بما يُعرَفُ بالتّعبيرِ بالصّوَر، أو محاولة إيجاد المُعادل المَوضوعيّ في الأدب، لذا فقد كانَ شِعرُها بمثابةِ العالم البديل لعالم الواقع المرفوض، فالشّعرُ يَكشفُ عن هُويّتها وهُويّة الإنسان الّذي وراءها، بصورةٍ تبدو أحيانًا طبيعيّة وغريزيّة.
لم تستخدمْ شاعرتُنا الشاعرة آمال عوّاد رضوان أدواتِها الفنّيّةَ في سُطورِها، إلّا بعدَ أن غمَرَتْها بألوانِها الرّوحيّةِ القلِقةِ الدّافئة، فكانت أكثرَ تميّزًا وفرادةً، إذ جاءَ شِعرُها ليُشكّلَ ظاهرةً فريدةً في شِعرنا العربيّ الحديث، تجلّت في جوانبَ كثيرة، لعلّ أبرزَها وقعًا وأكثرَها فاعليّة، ما كان في عمليّةِ الخلق الشعريّ عندها في تعبيرٍ مُتطوّرٍ مُتجدّد، وتوصيلٍ غنيّ بالإحساس، وثريّ بالدّيناميكيّة التي تستثيرُ المُشاركةَ والغليانَ الاجتماعيّ والضّياعَ السياسيّ. ولعلّ سياق القصيدة عندها ما زالَ في حاجة إلى دارسٍ، يستطيعُ استقصاءَ صياغتِها الفنّيّة وعناصرِها الحيويّة التي طوّرت الإحساسَ واتّسعتْ بالمعنى، وشكّلت الصّورَ الشعريّة ذاتَ الانفعالِ الحسّيّ، وهو أمرٌ يرتبطُ  بمِعماريّةِ القصيدة، وبنسيجِها الدّاخليّ، وعلاقتِها بالحركةِ الشعريّة الجديدة(11).   
وما يُميّز شاعرتنا آمال عوّاد رضوان، أنّ الشّعرَ قد وَجَدَ في روحِها وطنًا نما فيها وترعرعَ بينَ أحضانِها، فـما يبدو جميلًا لديها، هو الحقائقُ الجديدة والمُفاجِئة في خِبرتِها الداخليّةِ الفريدة، لا في صُوَرِهِ الجديدةِ المُفاجِئة، إنّ الجمالَ لا ينفردُ في الصورة، بل هو الّذي يَنفردُ في حالةِ الكشفِ عن معنًى عَبْرَ مَشاعِرِها، والغموضُ سمةٌ مِن سِماتِ هذا النّصّ الشّعريّ، ونرى أنّ في الغموض إثارةً وجمالًا، ويُعرَفُ الفرقُ بينَ رؤية النقدِ الحديثِ ورؤيةِ أغلب النقد القديم، وقصيدةُ النثر تتميّز بالغموض. ويرى الدكتور عبد الفتاح صالح نافع أنّ "النّقّاد القدامى وجّهوا اهتمامَهم إلى الوضوح، وجَعلوه مُهمّةَ الاستعارة، ولم يَدُرْ بخلدِهِم أنّ جمالَ الاستعارة في خفائِها ودِقّتِها»(12). ولعلّ مَرَدَّ الغُموضِ في هذه القصيدة "هو السّمةُ الطبيعيّة الناجمةُ عن آليّةِ عملِ القصيدةِ العربيّةِ وعناصرِها المُكوّنة مِن جهة، وعن جوهرِ الشّعرِ الّذي هو انبثاقٌ مُتداخلٌ مِن تضافرِ قوّاتٍ عدّةٍ مِن الشّعورِ والرّوحِ والعقل، مُستترةً وراءَ اللحظةِ الشعريّة»(13).   
وتقول في المقطع الثاني: "أَيَا آسِرَتِي .. تَرَفَّقِي بِي/ أَطْلِقِي حَفِيفَكِ.. مِنْ قُمْقُمِهِ/ لِيُمَارِسَ رَقْصَتَهُ/ وَلِتَشْحَذَ نَايَاتِي.. أَنْهَارُكِ الْمَدْفُونَةُ!":
"أَيَا آسِرَتِي .. تَرَفَّقِي بِي":  الشاعرة في هذا المقطع تستخدمُ الأسلوبَ الإنشائيّ، والنّداءُ في هذا السّطر يُفيدُ التّمنّي، فتتمنّى من الأمّةِ العربيّة التي استحوذتْ على حُبّها وملأتْ وجدانَها، أنْ تُرفِقَ بها، فتتّحدَ وتبتعدَ عن الخصوماتِ والفرقة.
"أَطْلِقِي حَفِيفَكِ .. مِنْ قُمْقُمِهِ": فعلُ الأمر هنا أيضًا يُفيدُ التّمنّي، فتتمنّى الشاعرةُ من العرب أن يخرجوا من قمقمهم ويَنطلقوا، ليَصلوا الرّكْبَ الحضاريّ العالميَّ فيبدعوا، وفي عبارة "أَطْلِقِي حَفِيفَكِ" انزياحٌ إضافيٌّ يُثيرُ لهفةَ المُتلقّي.
"مِنْ قُمْقُمِهِ": كنايةً عن عزلةِ العرَب.
"لِيُمَارِسَ رَقْصَتَهُ": كنايةً عن التّطلُّعِ لتطوّرِ العرَب، وابتعادِهم عن الفرقة والاختلاف.
"وَلِتَشْحَذَ نَايَاتِي.. أَنْهَارُكِ الْمَدْفُونَةُ!": تتزاحمُ الصّورُ الشّعريّةُ في هذا المقطع، فالناياتُ تُشحَذُ وتُسَنّ كما السكّين، والأنهارُ مدفونةٌ وتعملُ عمَلَ المِبرَد. في السطر انزياحٌ تركيبيّ، والتقديمُ والتأخيرُ في النّحوِ مَظهَرٌ آخرُ مِن مَظاهرِ الانزياح، فقد قدّمَت ما حقّه التأخير المفعول به  وهو "ناياتي"، على ما حقّهُ التقديمُ وهو الفاعل "أنْهَارُكِ الْمَدْفُونَةُ" والانزياحُ لهُ دوْرٌ في رسْمِ صورة فنّيّةٍ راقيةٍ للعبارة، "فمنح الصورة الفنّيّة لغة إيحائيّة خاصّة، هذه اللغة هي ما أسماهُ الناقد الأسلوبيّ جان كوهن اللغة بالانزياحيّة، أمّا بيار جيرو فقد أورد تعريفًا للأسلوب (نسبة إلى بول فاليري) فحْواهُ، أنّ الأسلوبَ هو انزياحٌ écart بالنسبة إلى معيار norme، و "كلّ انزياحٍ لغويّ يُكافئ انحرافًا déviation عن المعيار على مستوى آخر، مزاج، وسط، ثقافة.."، وقاموس جون ديبوا فيُشيرُ إلى أنّ الانزياحَ حدَثٌ أسلوبيّ، "ذو قيمةٍ جماليّةٍ يَصدُرُ عن قرارٍ للذات المُتكلّمةِ بفعلٍ كلاميّ، يبدو خارقا transarressant لإحدى قواعد الاستعمال التي تُسمّى مِعيارًا norme، يتحدّد بالاستعمال العامّ للغةٍ مشتركةٍ بين مجموع المُتخاطبين بها" (14).
ولعلّ مرادَ الشاعرة آمال عوّاد رضوان في لجوئها للغموض، خلقُ حالة من التوازن، «ولكن التوازن والهدوء الوجوديَّ غايةٌ لا تُدرَكُ عندَ الشاعر في رؤية الشعر، والفنُّ سيختفي عندما تصلُ الحياةُ إلى درجةٍ أعلى من التوازن»(15) 
وفي المقطع الثالث: "هَا تَوَحُّدُنَا لَيْسَ يَكْتَمِلُ/ إِلَّا فِي وَهَجِ الْجُنُونِ/ وجُنُونِي.. لَيسَ يَشْحَذُهُ/ إلَّا دَبِيبُ نَبَرَاتِكِ النَّقِيَّةِ!/ دَعِينَا نَأْتِيهِ/ مِنْ حَيْثُ تَكُونُ لَذَائِذُهُ/ فِي انْتِظَارِنَا".
"هَا تَوَحُّدُنَا لَيْسَ يَكْتَمِلُ": وتكرّرُ الشاعرة حرفَ التنبيه "ها" في قصيدتِها مرّتيْن، وللتّكرارِ وظائفُ فنّيّةٌ وجماليّةٌ ينهضُ بها في النّصّ، و"الشاعرُ مِن خلالِ تكرارِ بعضِ الكلماتِ والحروفِ والمقاطعِ والجُملِ، يمدُّ روابطَهُ الأسلوبيّةَ، لتضمَّ جميعَ عناصرِ العمل الأدبيّ الّذي يُقدّمُه، ليَصلَ ذروتَهُ في ذلك إلى ربط المُتضافراتِ فيه ربطًا فنّيًّا مُوحِيًا، مُنطلِقًا مِن الجانب الشّعوريّ، ومُجسّدًا في الوقتِ نفسِهِ الحالةَ النفسيّةَ الّتي هو عليها، والتّكرارُ يُحقّقُ للنّصّ جانبيْن، الأوّلُ يتمثّلُ في الحالة الشّعوريّةِ النّفسيّةِ الّتي يضعُ مِن خلالِها الشاعرُ نفسَهُ المُتلقّي في جوٍّ مُماثِلٍ لِما هو عليهِ، والثّاني: (الفائدة الموسيقيّة)، بحيث يُحقّقُ التّكرارُ إيقاعًا موسيقيًّا جميلًا، ويجعلُ العبارةَ قابلةً للنّموّ والتطبيق، وبهذا يُحقّقُ التّكرارُ وظيفتَهُ، كإحدى الأدوات الجماليّة التي تساعد الشاعر على تشكيل موقفه وتصويره؛ لأنّ الصّورةَ الشعريّةَ على أهمّيّتِها، ليست العاملَ الوحيدَ في هذا التّشكيل"(16).
قد يُسهمُ تكرارُ الحروفِ، إضافةً لدوْرِهِ الصّوتيّ وحضورِ الحالةِ الموسيقيّةِ أو النغميّةِ للقصيدة، في ربط الجُمَلِ ليَدخلَ في تكوينِها، وربطِ الجُمل فيما بينها، فيكونُ لتكرارِ الحروفِ دوْرٌ بُنيويٌّ يتعدّى الحالةَ الموسيقيّةَ ليدخلَ في تركيبها، و"التكرارُ لا تقتصرُ وظيفتُهُ على تلخيص الغرَض أو توْكيدِهِ، بهدَفِ التأثيرِ في المُتلقّي وتنبيهِهِ، ولا على اعتبارِهِ لازمةً تفصلُ المقطعَ عمّا يَليه، وإنّما يُؤدّي التكرارُ دوْرًا بنائيًّا داخلَ بُنية النصّ الشّعريّ، بوَصْفِهِ يَحملُ وظيفةً إيقاعيّةً وتعبيريّة؛ الغرضُ منها الإعلانُ عن حركةٍ جديدةٍ تكسرُ مَسارَ القراءة التّعاقبيّة، لأنّها توقفُ جريانَهُ داخلَ النّصّ الشّعريّ، وتقطعُ التّسلسُلَ المَنطقيَّ لمعانيه، وهذا كلُّهُ يَتطلّبُ البحثَ عن عُمقِ الدّلالةِ النفسيّةِ لأثرِ التكرار، في تحقيقِ جَماليّةِ النّصّ وقوّتِهِ البلاغيّة"(17).
"إِلَّا فِي وَهَجِ الْجُنُونِ": كنايةً عن العمل الخارق للعرب في نفي خلافاتِهم، والشروع في لحق ركب العالم المتحضّر، فعلى العرب الانطلاق نحو التّوحُّد والانطلاق بالسير بشكل جنونيّ؛ ليصلوا مُرادَهم ويشاركوا في الرّكبِ الحضاريّ العالميّ، عِوَضًا عن التفتّت والتشتّت وتضييع ثرواتهم للأجنبيّ المُمَزِّق، والصورةُ الشعريّة جليَّةٌ واضحة، فللجنون وهج كما لقبَساتِ النّار.
 "وجُنُونِي.. لَيسَ يَشْحَذُهُ": صورةٌ شعريّةٌ تتمثّلُ في جنونٍ يُشحَذُ ويُسَنّ كالسكّين.
"إلَّا دَبِيبُ نَبَرَاتِكِ النَّقِيَّةِ!": وقد شبّهت الشاعرة آمال عوّاد رضوان دَبِيبَ نَبَرَات العرب النَّقِيَّةِ بالمِسَنّ (استعارة مكنيّة)، وللنّبرات دبيب، وهذا انزياحٌ إضافيّ، "فالمُتلقّي عندما يسمع كلمة "دبيب"، يتوقّع مُضافًا إليه مناسبًا ككلمة "الدابّة" مثلًا، لكنّه يتفاجأ بمضاف إليه "نبراتك"، ومنه أيضًا "نَبَرَاتِكِ النَّقِيَّةِ! فجاءت "النقيّة" صفة للـ"نبرات"، وهذا الانزياحُ يولّد الإثارةَ في نفس المتلقي، وهو من جماليّات الانزياح بمختلف أشكالِه، وذلك بخلخلةِ بُنيةِ التوّقعات، وإحداث فجوة تُعمّقُ حسَّ الشعريّة في نفس المتلّقي، ممّا يُكسب النصَّ توتّرًا وعُمقًا دلاليًّا خاصًّا، فقد تفجّر المُركَّب بالشّعريّة، باعتباره نقطة التحوّل ومنبع اللذّة والإمتاع.
 "دَعِينَا نَأْتِيهِ"/ "مِنْ حَيْثُ تَكُونُ لَذَائِذُهُ": وتنتقل الشاعرة للأسلوب الإنشائيّ وهو الأمر الّذي يفيد التمنّي، فتتمنّى الشاعرة من العرب التوحُّد، والابتعاد عن التفرقة والتشتّت والتمزّق، وفي هذا تتجلّى اللذّة النفسيّة والروحيّة.
"فِي انْتِظَارِنَا": انزياحٌ، فاللذائذُ تنتظرُ كما ينتظرُ شخصٌ مِن شخصٍ اللقاءَ والالتقاء. وللشاعرة آمال عوّاد رضوان حرّيّةُ لجوئِها للسرياليّة والغموض، فنحن "إذا حدّدنا للشاعرة أُطُرَ الصّورة، وألزمناها بهذه الأطر واضحة الحدود، وطلبنا منها أن تقدّمَ صورةً واضحةً ضمنَ هذه الأطر، فإنّنا بهذا الإلزام نَحدُّ مِن خلقها وإبداعها، ونقفُ حائلًا دون حرّيّتها في التصوّر"(18). 
وتستمر الشاعرة آمال عوّاد رضوان في قصيدتها قائلةً في المقطع التالي:
"أَيَا قَصِيدَتِي الْخَالِدَةَ/ دَعِينِي/ أُقَشِّرُ لِحَاءَ عَتْمَتِكِ/ أُضِيءُ كُلَّ تَفَاصِيلِكِ/ لِتُكَلِّلِينِي بِالْفَرَحِ/ فَمَا انْتِظَارِي/ إِلَّا وَجَعَ لَذَائِذِي الْمُؤَجَّلَةِ/ الْــ مَا عَرَفَتْ طُرُقَ الْتِحَامِهَا".
"أَيَا قَصِيدَتِي الْخَالِدَةَ/ دَعِينِي/ أُقَشِّرُ لِحَاءَ عَتْمَتِكِ": وتستمرُّ الشاعرةُ في شدْوِها مُوظِّفةً الأسلوبَ الإنشائيَّ الّذي أنهت بهِ مَقطعَها السابق، والنداءُ يُفيدُ التمنّي، وكذلك الأمر في قولها "دعيني"، وقد أوضحنا ذلك سابقا في حديثنا لعنوان النصّ.
"أُضِيءُ كُلَّ تَفَاصِيلِكِ": صورةٌ جميلةٌ وانزياحٌ عذبٌ، فللعتمةِ تفاصيل والتفاصيل تُضاء، والشاعرة تُعنى بصُوَرِها الفنّيّة، "فقيمةُ الشعرِ تنبثقُ غالبًا مِن لغتِهِ التصويريّةِ المَحسوسةِ الّتي تُجسّدُ المَعاني والمَشاعر، في  هيئاتٍ وأوضاعٍ بشريّة، عن طريق التشبيهِ أو الاستعارة أو التمثيل، ومعنى ذلك؛ أنّ الشّعرَ إنّما يقومُ بوظيفتِهِ الفنّيّة، حين يقدّمُ صوَرًا يُدركُها المُتلقّي إدراكًا حسّيًّا، فتؤثّر في وجدانِهِ وتَنفُذُ إلى مشاعرِهِ، فالحواسُّ هي أبوابُ المشاعر والنوافذِ الطبيعيّةِ إليها(19).
"لِتُكَلِّلِينِي بِالْفَرَحِ": كنايةً عن فرح الشاعرة وهي تتحدّثُ عن واقع العالم العربيّ الّذي تنتمي إليه، وتضعُ الأصبعَ على الجُرحِ لتضميدِهِ، وللفرحِ إكليلٌ كما للعروس، فلا يَغمرُ قلبَ الشاعرة الفرحُ إلّا بتوحُّدِهم وتقدُّمِهم.
"فَمَا انْتِظَارِي/ إِلَّا وَجَعَ لَذَائِذِي الْمُؤَجَّلَةِ": وها هي الشاعرةُ تنتظرُ زوالَ الخلافاتِ العربيّة، وتصهلُ الصورةُ الشعريّة، فلِلّذائذِ وجعٌ، والوجعُ قابلٌ للتأجيل.
"الْــ مَا عَرَفَتْ طُرُقَ الْتِحَامِهَا": تلجأ الشاعرة لتوظيف تقنيّةِ الانزياح بالحذف في قولها "الـ" والتقدير "التي"، وللانزياح مُتعةٌ يتلذّذُ بها المتلقي، وتزخرُ السطورُ بالصور الشعريّةِ بشتّى أنواعِها، ومنها الصورة السرياليّةِ الغامضة الّتي "تفور فوَرانًا من أعماق اللّاوعي. إنّها الصورةَ الشراريّةَ اللّامعةَ المُتفجّرةَ من أعماق العقل الباطن." (20). والنصُّ الشعريُّ "تركيبةٌ مُعقّدةٌ ومُحصّلةٌ لعواملَ مُتعدّدةٍ؛ فيها الأيدلوجيّ والاجتماعيّ والسيكولوجيّ والثقافيّ وغير ذلك، وإنّ اللغة هي الوعاء الّذي تنصهر فيه" (21). وتختتمُ الشاعرةُ آمال رضوان النصّ بالمقطع الخامس قائلة: "أَيَا سَلِيلَةَ هذَا الْقَلْبِ الْمُعَنَّى/ حَسْبُكِ.. أَمَسُّكِ مَسًّا/ فَتَشْتَعِلِينَ خَفْقًا/ كَحَالِ قَلْبِي.. الْــ تَمَسُّهُ أَطْيَافُكِ!"
"أَيَا سَلِيلَةَ هذَا الْقَلْبِ الْمُعَنَّى": وتستهلُّ الشاعرةُ هذا المقطعَ مُوظِّفةً الأسلوبَ الإنشائيّ، مُستخدِمةً النداءَ ومخاطبةَ نبضِ قلبِها المُتمثّلِ في قصيدتها هذه، والنداءُ يُفيدُ التمنّي في وصفِ واقع العالم العربيّ المُنقسم على نفسِه، وتتأسّى وتحزنُ، والحزنُ دوْمًا مُتربّعٌ على قلبها، على هذا الواقع الأليم الّذي يخدمُ الطامعَ والعدوَّ.
"حَسْبُكِ.. أَمَسُّكِ مَسًّا": وتتمنّى توفيقَها ونجاحَها في وصفِ مُكابَدةِ العالم العربيّ.
"فَتَشْتَعِلِينَ خَفْقًا": كنايةً عن أنّ الحزنَ والمرارةَ حاضران في ثنايا حروفِ القصيدة، كحضورِهما في أقبيةِ قلب الشاعرة.
"كَحَالِ قَلْبِي.. الْــ تَمَسُّهُ أَطْيَافُكِ!": كنايةً عن أنّ القصيدةَ انعكاسٌ عن رؤى الشاعرة وما تُكابدُهُ، وفي السطرِ انزياحٌ بالحذفِ في قوْلِها "الـ"، وقد أوضحناهُ آنفًا.

4
عود التّقوى والمحبّةِ لا عودَ الشّرِّ والنّار!
بقلم: آمال عوّاد رضوان
 في باحة بيت القديسة مريم بواردي في عبلين، أقيم حفل توقيع ديوان "عبير شوق السنين" للأديب جاسر داود، وذلك بتاريخ 20-6-2017، ووسط حضور من أدباء وأصدقاء وأقرباء ومهتمين بالشأن الثقافيّ، وبحضور وجود من سرايا عبلين الكشفية المسيحية والإسلامية، الذي  أضفى لمسة جماليّة وتنظيميّة على الحفل، وقد تولت عرافة الأمسية آمال عوّاد رضوان، بعدما بارك الكهنة الحفل بصلاة خشوع قصيرة، وتحدّث عن الديوان كلّ من الأدباء: زهير دعيم، ود. صالح عبود، وعلي هيبي الناطق بلسان اتحاد الكرمل للأدباء الفلسطينيين، وأضفى إلى الأمسية لمسة موسيقيّة فنّيّة كلٌّ من: الزجال شحادة خوري أبو مروان، ونهاي بيم بمقطع كلثومي، ومعزوفة كلثوميّة أدّاها صافي دعيم على القانون، وضارب الإيقاع شادي حاج، ثمّ قدّم نادي حيفا الثقافيّ -ممثّلًا برئيسه فؤاد نقارة وحسن عبادي- درعَ تكريم للأستاذ جاسر داود، وكذلك الأستاذ جوزيف نشاشسبي قدّم درع تكريم، وكلمة مباركة قدّمها الحفيد جاسر إلياس داود، واختتمت اللقاء الحفيدة جويل نزار بربارة بقراءة كلمة الأستاذ جاسر داود- شكر من خلالها الحضور وكلّ من ساهم في تنظيم وإحياء وإنجاح الحفل، وتمّ التقاط الصور التذكاريّة مع المحتفى به. 
مداخلة آمال عواد رضوان: مساءاتكم عطرة بالنور، وأهلًا ومرحبًا بكلّ الحضور مع حفظ المقامات والألقاب، تحيّاتنا جمّة لكلّ ضيوفنا الأطياب، وبكل مَن حضر من عبلين وخارجها. أهلًا بالمتحدّثين القادمين من البلاد المحيطة، رغم صعوبة اللقاء والسفر وتزامن الأمسية مع مع وقت الإفطار الرمضاني المبارك، فبوركتم جميعا وجوزيتم كلّ خير وبركة.
معًا وبصوت واحد نتمنّى لأستاذنا جاسر بميلاده ال 65 سنين عديدة حافلة بالصحة والإبداع، وإيمانًا منّا بكلّ إنسان وبقدراته وبنجاحاته الحثيثة لارتقاء سلم الإبداع، نلتقيكم الليلة احتفاءً بأستاذنا الأديب جاسر داود، في حفل توقيع ديوانه الشعريّ الأّوّل (عبير عشق السنين)، إضافة لى إصدارات أخرى، فألف مبارك لنا بهذا الإصدار الشيّق، ونتمنى لك أستاذنا نجاحاتٍ تتعالى صوبَ السحاب وتعانق الأفق العالي.
نعم أحبائي، نحن نفخر ونرفع هاماتنا عاليًا واعتزازا بمبدعينا، ويُغبّطُ قلوبِنا كلُّ إنجازٍ بنّاءٍ يُساهم في رقيّ بلداننا وحضارتنا، فطوبى لكلّ زارع وردة، وطوبى لكلّ مَن يُساهمُ ولو بحصْوةٍ صغيرةٍ في بناء وطنِنا، وترسيخ وحدة أهلنا وزرع المحبة في البلد الواحد.
مداخلة الأديب زهير دعيم: إنّك في حضرة الأستاذ جاسر داود، وحينما تعانقُ طيبةُ القلبِ همسَ الحروفِ ووشوشاتِ الرُّوح، قد نرى السّماءَ مفتوحةً، وحينما يُحلِّقُ الحرفُ الملوّنُ فوق رُبى المشاعرِ الجيّاشةِ، قد نَلمسُ المجدَ، وحينما تعبَقُ الصّفحاتُ بشذى المحبّةِ المُزركشةِ بالرّجاءِ، قد نُلامسُ الانسانيّةَ الجميلةَ، وحينما تصولُ الرّوحُ الوثّابةُ وتجولُ في أفلاكِ الايحاء والصّورِ الشِّعريّةِ، قد نلتقي بهوميروس ودانتي وجبران وسعيد عقل، وحينما تجتمعُ كلُّ هذهِ المزايا الجميلة في بوتقةٍ واحدة، فاعلم يا صاحِ، أنّك في حضرةِ أبي الياس استاذِنا الكبيرِ جاسر، الذي يثقلُ حروفَهُ ويُحمّلها من قلبه ووجدانِهِ أثمارًا طيّبةَ المذاق.
ألَم يقل الشاعرُ الياس ابو شبكة مرّة: اِجرحِ القلبَ واسقِ شعرَكَ منهُ فدمُ القلوبِ خمرةُ الأقلامِ/ رُبَّ جُرحٍ قَد صارَ يَنبوعَ شِعر تَلتَقي عِندَهُ النُفوسُ الظَوامي/ وَعَذابٍ قد فاحَ منهُ بَخورٌ خالِدٌ في مَجابِرِ الأَحلامِ.
هذا هو شاعرُنا واستاذُنا ومبدعُنا جاسر الانسانُ الجميلُ الذي يأبى الّا أن يجرحَ القلبَ، ويسقيَ الحروفَ ويُحلّقَ في أجواء الشِّعْرِ وتلاله، وأوداء النثر وفضاءات الله، فيغوص في عمقِ الموعظةِ على الجبلِ، ليقطفَ ما شاءَ من الاطايبِ ينثرُها بلغتِه الجميلةِ البسيطةِ عطرًا ورذاذًا وأغنيّةً وشروقَ شمس.
ينادي الحسناء تارةً، ويناغيها ويؤرجحها على نوافذِ الغسقِ فُلّةً وفوْحَ ياسَمين، ويلمُّها مع الفجر قطراتِ ندى وزقزقةِ عنادل، ولا ينسى أبا الياس سماءَ الرُّوح، فينثرَ من دُررِ غزله في العِشقِ الالهيّ والعريسِ السّمائيّ القصائدَ الطوال، فها هو يناجي الكاعب الحسناء فيقول: سِنون مرّت وأنا أنتظرُ نسمةَ دفءٍ من ثغرِكِ الوهّاج، وأصلّي ربّي زِدني عِشقًا فأنا قاصدٌ وطامع بِلُقاكِ.
وها هو يناجي كما بولس الطرسوسيّ عريسَ الأجيال يسوعَ قائلًا: ربّاه، ما طمعتُ بشيءٍ غيرَ رحمتِكَ، فساعدني وأظهر لنا نحنُ الأطفالَ النُّورَ الألهيِّ الذي وعدتنا بهِ، لنقوّيَ عودَنا عودَ التقوى والمحبّةِ لا عودَ الشّرِّ والنّار، ولنحملَ تُرسَ الايمان ولنطفئ َ سِهامَ الشّرير المُلتهبةَ. أحبّكَ.. أحبُّكَ أحبُّكَ لا تتركنا غُرباءَ في هذا الوطن باقةً من الوردِ الجوريّ، أزفّها لك شاعرنَا الغالي بمناسبة صدور ديوانك الجديد "عبيرُ شوقِ السّنين"، سائلًا الإلهَ المحبَّ ان يطيلَ بعمرِك حتى تتحفَنا بدواوين َ أخَر. وأخيرًا قالَ السَّلَفُ: "وراءَ كلِّ رجلٍ عظيمٍ امرأة" وأنا أقول: وراءَ كلِّ شاعرٍ أمرأةٌ فاضلةٌ، وكذا الحال مع جارتِنا سيدر أمّ الياس، فهي السَّنَدُ والكَتِفُ ومنبعُ الحنانِ لاستاذنا الشّابّ، فلها منّي أجملُ التحايا.
مداخلة د. صالح عبود: الصورة الشّعريّة في مجموعة: "عبيرُ شوقِ السِّنين" للمبدع جاسر إلياس داود
جازَتْ بكَ الأشعارُ والشّعراءُ/ يا جاسرًا مِنكَ الحروفُ تُضاءُ/ بعبيرِ شَوقٍ للسِّنينَ أجَرْتَنا/ يا مَنْ بِشَوقِ الحالمينَ تَشَاءُ/ كَتَبَتْكَ مِنْ أُمِّ المحابرِ آيةٌ/ وَعَشِقتَ أرْضًا قَدْ رَعَتْكَ سَماءُ/ وَعَقِلتَ أنَّكَ للنُّذورِ بِشارَةٌ/ وَمِنَ الكَنائِسِ ظَلَّلتْكَ قِباءُ/ صَلَّيْتَ مَعمودًا يُناجي رَبَّهُ/ وَالقَلْبُ شَذْوٌ عُودُهُ الحِنَّاءُ/ صُلبَ المسيحُ على الفِداءِ مُخلَّدًا فَسَمى يَقينًا ينضَويهِ فِداءُ/ صُلبَ المسيحُ على الفِداءِ مُخلَّدًا فَسَمى يَقينًا ينضَويهِ فِداءُ/ فطَفِقْتَ تُكْسى بِالمناقبِ مِثْلَما/ بِرٌّ تهادى طِينُهُ وَالماءُ/ فَاسلَمْ عَزيزًا وَاعصِبَنَّ قَبيلَةً/ مِنْ قريةٍ فيها العُمومُ عَطاءُ/ يا جاسرًا فَاهْنأْ بِعمرٍ ماجدٍ/ وَاسْلَمْ وَفِيًّا فالحياةُ وَفاءُ
السيّدات والسّادة، قد جمَعَنا الليلةَ رجلٌ جميلٌ في حروفهِ وسجيَّتهِ، واختارَ لنا أن نشهدَ وإيّاهُ حفلَ توقيعِ وإشهارِ وولادةِ مجموعةٍ شعريّةٍ في ذكرى ميلادهِ هوَ، وَكأنّي بكَ تحتفلُ وَحروفَكَ وكلماتِكَ في هذهِ المسائيّةِ العبلّينيّةِ المريميّةِ الهانئةِ، وأنتَ ترصدُ كلَّ ما حبَّرتَهُ وزوَّرتَهُ في مجموعَتكَ الأنيقةِ لهذا اللقاءِ، أو لعلَّ تلكَ الموادَّ الّتي احتشدتْ في مجموعتِكَ قد اجتمَعَتْ لكَ هذهِ الليلةَ؛ كي تفيَكَ نذْرَها وتقولَ لكَ: كلُّ عامٍ وأنتَ مولانا وصاحبُنا والقائمُ فينا برضوانِ الربِّ والقدِّيسينَ والأتقياءِ..
السيّداتُ والسّادةُ، مجموعةُ شاعرنا المحتفى بهِ الليلةَ، جاسر إلياس داود، تجمعُ ثمانيةً وعشرينَ نصًّا وقطعةً شعريّةً تتراوحُ بين مفهومِ التّحديدِ والإيحاءِ بتناسبٍ غيرِ رتيبٍ، وعنوانُها مكوّنٌ من ثلاثِ كلماتٍ هيَ: "عبيرُ شوقِ السّنين"، وفي بعضِ أحرفِها تجتمعُ كلمةٌ عزيزةٌ جدًّا لدى شاعرِنا دونَ ريبٍ، ولدينا بطبيعةِ الحالِ، هيَ كلمةُ عبلّينَ..
"عبيرُ شوقِ السنين" مجموعةٌ شعريّةٌ رشيقةٌ قِوَامُها قطعٌ متجاورةٌ، تعتمدُ الإيحاءَ تارةً، ويغلبُ فيها التّحديدَ تاراتٍ أخرى. سوادُها الأعظمُ مدوّنٌ بلغةٍ عربيّةٍ فصيحةٍ جزلةٍ، وثمّةَ نصٌّ محكِيٌّ عبلّينيٌّ يتيمٌ يتوارى بينها على استحياءٍ، وهيَ في جِماعِها نصوصٌ تتراوحُ بينَ القِطَعِ القصيرةِ وَالقصائدِ المتوسِّطةِ غيرِ المطوَّلةِ، الّتي تنسجمُ كَلماتُهَا وتتناغمُ إيقاعَاتُها انسجَامًا سيمفونيًّا يتمَاهى معَهُ القارئُ أوِ السّامعُ المتلقِّي، فَتُخضعُهُ لِحالاتٍ شعوريّةٍ جميلةٍ رائقةٍ هادئةٍ، تُحيلُهُ إلى نَفْسهِ التي بينَ جَنبَيهِ ذَكرًا كانَ أَم أُنْثى.
أيّها السيّداتُ والسادةُ، أتناولُ من خلالِ إطلالَتي الحَيِيَّةِ المقتضبَةِ هذهِ، وبشاكلةٍ سريعةٍ وجيزةٍ بعضَ الموتيڤاتِ الرئيسةِ المهيمنةِ في المادّةِ الأدبيّةِ في مجموعةِ "عبيرُ شوقِ السّنينَ" لشاعرنا الجاسرِ.
1. عبلّين فاتحة المجموعة: يستهلُّ الشّاعرُ نصوصَ المجموعةِ العبيريّةِ بنصٍّ فاتحٍ بعنوانِ "يا أغلى حبٍّ عرفْتُهُ"، وهو استهلالٌ موفّقٌ من حيثُ المضمونِ، ففيهِ يعبّرُ الجاسرُ عنْ حبّهِ الثّابتِ الجليلِ لبلدتهِ العزيزةِ الغاليةِ عبلّين، فتراهُ عاشقًا لها، يرى فيها لؤلؤةً جليليّةً وجوهرةً تتوسّطُ جَنانَهُ المرهفَ بِعزَّتها وشموخِها وصلواتِها قارعةً أبوابَ السّماءِ جاثيةً في ملكوتِ الربِّ وَرِحابِهِ الأبديّةِ..
يذكرُ الشّاعرُ محاسنَ عبلّينِهِ، فيأتي على ذكرِ هوائِها وَعينِها النّميرِ الّتي رَوتْهُ طفلًا صَغيرًا وأشبعتْ ذاكرتَهُ الغضَّةَ كبيرًا، ويأتي على الصّالحينَ السّاكنينَ فِناءَها وتراتيلهِمْ الرّقراقةِ، ثمَّ تراهُ يذكرُ ما تنضحُ بهِ من محبّةٍ تُبطلُ البغضاءَ وتَجبُّ الشّنآنَ منَ النفوسِ، وكمْ هيَ بديعةٌ تلكَ الذكرياتُ الحالمةُ القائمةُ في تبصرةِ الجاسرِ، وهوَ يستذكرُ عُمُرَهُ العبلّينيَّ الأنيسَ المُستأنسَ بقمرٍ جميلٍ وَسَهرٍ طَويلٍ، يَجعلُ العمرَ كلَّهُ يومًا واحدًا تالدًا خالدًا، لا تعرفُ شمسُهُ إلّا شروقًا أزليًّا يأبى الغيابَ، ثمَّ تَراهُ يوقِّعُ نصّهُ الفاتحَ هذا بقَسَمٍ مُضعَّفٍ يعلنُ فيهِ وفاءَهُ لعبلّينَ التي ملَكَتهُ ومَلَأتْ صَدرَهُ وكيانَهُ رِضًا وقناعةً بأنّها المكانُ والزّمانُ الّذي لا بديلَ لهُ ولا نظيرَ..
السيّداتُ والسادة، هيمنتْ في سطحِ الدّلالةِ والمعاني في مجموعةِ "عبيرُ شوقِ السّنين" عدّةُ موتيفاتْ تُبرزُ في رأينا ركائزَ مادّةِ المجموعةِ برُمَّتها، وسأتعرّضُ الآنَ لِجُلِّها تعرُّضًا أوّلِيًّا غيرَ مُعمَّقٍ؛ كيْ أُيسِّرَ أمامَكمْ وأهيِّئَ لكمْ صورةً عامَّةً جامعةً لِما تكتنزهُ المجموعةُ منْ مضامينَ وموضوعاتٍ محوريّةٍ تُشكِّلُ إلى حدٍّ ما الهيكلَ المعنويَّ الدّلاليَّ للمادّةِ الأدبيّةِ الشّعريّةِ فيها..
موتيڤُ تغلبَ، حاضرٌ في بعض النّصوصِ، وقد عنونَ الشّاعرُ عنْ وعيٍ منهُ ودرايةٍ نصَّهُ الثّانيَ بـ: "واتغلباه"، وهي صيغةُ نُدبةٍ وتفجِّعٍ أَلِفتها العربُ قديمًا، وتغلبُ قبيلةٌ عربيّةٌ عريقةٌ مِن قبائلِ ربيعةَ العدنانيّةِ، وقد برزَ فيهمُ شخصيّاتٌ مجيدةٌ في تراثِنا العربيّ القديمِ منهمُ: كُليبُ بنُ ربيعةَ أعزِّ العربِ، وأخوهُ المهلهلُ أبو ليلى صنديدُها، وحفيدهُ من ابنتهِ، الشّاعرُ صاحبُ المعلّقةِ النونيّةِ عمرو بنُ كلثومٍ التغلبيّْ، وهو الّذي تكرّر اسمهُ غير مرَّةٍ واحدةٍ في المجموعةِ..
يوظّفُ الشّاعرُ موتيڤَ تغلبَ في سياقٍ إنسانيٍّ هادفٍ، إذ وجدَ فيها نموذجًا للقبيلةِ العربيّةِ النّصرانيّةِ التي لم تدفَعها نصرانيَّتها إلى الخروجِ عنْ عُصبةِ العربِ وَأمَّتِهم العربيّةِ في الجاهليّةِ، فكانت مثالًا ملائِمًا وموفَّقًا للإخاءِ بين الدّياناتِ المنصهرةِ في بوتقةِ الانتماءِ القوميِّ الشّريفِ لأرومةِ العربِ.. يجدُ الشّاعرُ في تغلبَ مجالًا لتضميدِ الذّاكرةِ الآنيّةِ المكفهرَّةِ بواقعِ التَّشَظِّي العربيِّ في عصرنا الحاضرِ الغائبِ عنِ الحضورِ، فتراهُ يقولُ في بعضِ القصيدةِ:
مقطع مقتبس رقم 1 ص: 6، يؤكّدُ الشّاعرُ من خلال القصيدةِ المقتبسةِ آنفًا أهمّيّةَ الإخاءِ العربيِّ الّذي يُرتَقُ بهِ كلُّ خَرْقٍ مِلَلِيٍّ طائفيٍّ أو عَقَديٍّ يَهتِكُ اللُّحمَةَ وَيُشيعُ الفُرقةَ بينَ مُحمَّدٍ وعيسى، فتأتي عنونتهُ وكلمتهُ الأخيرةُ في النصِّ: "واتغلباهُ! نداءً مُدوِّيًا لاستدراكِ الدّواءِ الكفيلِ بالقضاءِ على الدّاءِ المستشري في جسدِ الأمَّةِ زُهاءَ قرونٍ تترى..
تأتي مقطوعةُ بعروبتي لا أخجلُ كي تعضُدَ ما وردَ في قصيدتهِ "واتغلباه"، فيركّزُ الشّاعرُ على العروبةِ كمقوِّمٍ شموليٍّ جامعٍ مانعٍ يُنأى بالعربِ جميعهمْ دونما استثناءٍ عنِ الخلافاتِ والانقساماتِ الدّينيَّةِ المُفتِّتَةِ للكيانِ الأبِ القاتلةِ للرّوحِ الأمِّ..
تظهرُ رسالةُ الإخاءِ الإسلاميّ المسيحيِّ المتبادلِ في شعرِ الجاسرِ بجلاءٍ في قصيدتِهِ "عبيرُ الياسمينِ الشّاميَّةِ خالدةٌ"، ففيها يطالبُ بإصرارٍ وتكرارٍ لافتٍ للانتباهِ بضرورةِ الانضواءِ تحتَ خباءِ العروبةِ والانصهارِ في مفهومِ الأصلِ القوميِّ المشتركِ الّذي يُعوِّلُ عليهِ الشّاعرُ في وأدِ بناتِ التّفرقةِ والضّعفِ والهوانِ الّذي يَدُكُّ الكنائسَ والمساجدَ على حدٍّ سواءَ..
يلازمُ هاجسُ العروبةِ شاعرَنا في سياقاتٍ عديدةٍ في نصوصِهِ، ولا يغيبُ عن بالِهِ استثمارُ كلِّ فرصةٍ لتذويتِ مفهومِ العروبةِ واعبارِهِ حلًّا للآفةِ الكبرى في واقعنا المعاصرِ، فتراهُ وهوَ يُغنِّي لعكَّا في قصيدتهِ الغرَّاءْ "عكَّا يا قاهرةَ الأعداءْ"، يَذكُرُ التّآخي المسيحيّ الإسلاميّ فيها ويُثني عليهِ ثناءَهُ الجميلَ، فتسمعُهُ وهُوَ يقولُ: هناكَ جارةٌ تنادي جارَتها/ لتُعطيَها صحنَ طعامٍ تتذوَّقُهُ ظُهرًا/ معَ رفعِ الأذانِ/ مِنْ جامعِ الجزَّارِ/ وَقرعِ النّاقوسِ من كنيسةِ مارْ جِريسَ المُجاورةِ/ هكذا كانوا/ إخوةً معَ الأيّامِ والليالي/ وَسَيبقونَ في السّرّاءِ والضّرّاءِ/ هناكَ"
عكّا الّتي يراها الجاسرُ في معمعةِ الحاضرِ، تَمنعُها أسوارُها عنْ أذى الأعداءِ المعتدينَ دائمًا، وَفي سُكَّانها أسوارٌ بَشَريَّةٌ منيعةٌ تُحصِّنهم منَ الفُرقةِ المذهبيّةِ الزائفةِ الضّلاليّةِ، وتنأى بالمكانِ عن لَوثةِ الزّمانِ وآفَتهِ. السيّداتُ والسّادةُ، الصّورةُ معيارٌ فنّيٌّ في نقدِ الشّعرِ ومادَّتهِ في كلِّ عصرٍ، وهيَ قيمةٌ جماليّةٌ وحيّزٌ إبداعيٌّ ترسمُها أخيلةُ المبدعينَ شُعراءَ وشاعراتٍ..
بدأَ مصطلحُ الصّورةِ الشّعريّةِ يَظهرُ في الدّراساتِ الأدبيّةِ والنّقديّةِ معَ نهايةِ القرنِ التّاسعِ عشرَ ومطلعِ القرنِ العشرينَ الماضِي، وذلكَ بعدَ أنِ استقرَّتْ غالبُ قواعدِهِ في الأدبِ الغربيِّ، إذ صارتْ دراسةُ الصّورةِ الشّعريّةِ في الآدابِ الأخرى عنصرًا هامًّا من عناصرِ بُنيةِ القصيدةِ نزولًا عندَ اعتبارِها- أيِ الصّورةِ الشّعريّةِ- من مصادر العملِ الشّعريِّ والتّجربةِ الشّعريّةِ على نحوٍ مَا.
تستطيعُ الصّورةُ الشّعريّة بِما تَملُكُهُ من مُقوّماتٍ فنّيّةٍ رَفيعةٍ أن تهبَ المبدعَ الشّاعرَ قدرةً وَمجالًا للخروجِ عنِ العاديِّ المألوفِ، ومَا ذاكَ الخروجُ إلّا شاهدٌ ساطعٌ ودليلٌ ماتعٌ على موهبةِ الشّاعرِ وطاقتهِ الشّعريّةِ الفذَّةِ وَثقافتِهِ الفنِّيَّةِ والتّقنِيَّةِ وَمَلَكَتِهِ الحِسِّيَّةِ الجَامعةِ.
أزعمُ أمامكُمْ- السّيّداتُ والسّادةُ- أنَّ الشّاعرَ لا يَتفوَّقُ علَى غَيرِهِ بسهولةٍ وَيُسْرٍ، وَلَا يَتَمكَّنُ مِنْ هَزمِ تَرَدُّدِهِ وَإحْجَامِهِ عَنْ حَملِ نَعتِ الشّاعرِ أوِ الشّاعرةِ إلّا بِشُقِّ الأنْفُسِ، وَمَا أرَى فَضْلًا لِمنْ زَعَمَ الشِّعرَ وَلَمَّا يُنازعْ نَفسَهُ وَهَواهُ وَقَصِائَدَهُ وَذَاتَهُ تلكَ القَضِيَّةَ، هَلْ هوَ شاعرٌ فِي مِرآةِ ذَاتِه؟ أمْ أنَّهُ نَهبٌ مُقَسَّمٌ بينَ شِعرٍ صَادقٍ يَخرجُ مِنْ سُويداءِ مُهْجتِهِ، وَلَقَبٍ يَتَعاوَرُهُ النَّاسُ وَفيهمُ العارفُ النّاقدُ البَصيرُ وَالجَاهلُ الطّائشُ الغَريرُ، وَهوَ- أيِ الشّاعرُ أوِ الشّاعرةُ- علَى رَغبَتهِ الشّديدةِ في معرفةِ ذاتِهِ الشّاعريّةِ يَعيشُ حالةً منَ الضّوضاءِ والفِتنةِ الّتي لا تُعكِّرُ رغمَ مَشَقَّتِهَا وَتداعيَاتِها سَلامَهُ وَاستسلَامَهُ لسَكينَةِ الشّعرِ وَجِوارِ البيتِ وَآصِرَةِ الحَرفِ وَذِمامِ القَريحةِ عندَ نَظمهِ الآتِي..
يبلغُ شاعرُنا الجاسرُ في صورهِ الشّعريّةِ حدًّا خَليقًا بالثّناءِ، فهوَ رغمَ تورّكهِ على صورٍ شعريّةٍ مبسَّطةٍ غيرِ مُتقعَّرَةٍ ولا مُعقّدةٍ، فإنّهُ يُؤثُرُ رسمَ الصّورةِ الشّعريّةِ في نصوصِهِ بألوانٍ زاهيةٍ أليفةٍ يَألَفُها القارئُ فلا يَأنفُ منها، ويلعبُ أسلوبُ التّقريريّةِ دورَهُ في تيسيرِ الصّورِ الشّعريّة في المجموعةِ، إذ يَطغى ذلكَ الأسلوبُ بِدَورِهِ فَيَصرفُ الشّاعرَ نحوَ صورٍ شعريّةٍ محدَّدةٍ بحدودٍ قائمةِ الزّوايا لا تعرّجَ فيها ولا التواءَ..
قصيدةُ "اسمعْ صَوتي"، ص: 10-11، في قوامِها صورةٌ شعريّةٌ جليَّةٌ موجَّهةٌ للنُّخبةِ القياديّةِ في الوسطِ العربيِّ في البلادِ، تَحثُّهم وَتحضُّهم على إيلاء الاهتمامِ بمعشرِ الشّبابِ، مذكّرةً إيّاهمُ والقارئَ الافتراضيَّ أنَّ الشّبابَ في المجتمعِ همْ كنزُ المستقبلِ.. يَرسمُ الشّاعرُ في النصِّ المذكورِ آنفًا صورةً تُحدِّدُ واقعَ الشّبابِ في وقتنا هذا، فهم زهورٌ معطَّرةٌ، دائِمو الحركةِ والتَّجوالِ، أصواتُهم عاليةٌ تملأُ الأمكنةَ، لكنّها أصواتٌ لا تطولُ قهقَهَتُها، فسَرعانَ ما ترحلُ وتتوارى خلفَ نغمةٍ قاتمةٍ تُواري حسرتَهمْ وحزنَهُم وفراغَهم المقيتَ، وهمْ عالقونَ في رِحلةِ البحثِ عنِ الأملِ البعيدِ البعيدِ..
تنهضُ الصّورُ الشّعريّةُ من عقالِ التّحديدِ في الخطابِ الشّعريّ السّياسيّ لدى شاعرنا الجاسرِ، فتلحظُ في نصوصهِ السّياسيّةِ والمُسَيَّسةِ صورًا أكثرَ إقناعًا وأرفعَ منزلةً، وهوَ ما ينسحبُ على قصيدتهِ السّياسيّةِ "إِلْحِمني بثرى الوطنِ أكثرَ" ص: 12-13، فيصفُ النصُّ صورةَ طفلٍ فلسطينيٍّ يَبطحهُ ثلاثةُ جنودٍ على الأرضِ كي يعتقلوهُ ويودعوهُ السِّجنَ العسكريَّ، وهنالكَ يحاورُ الطفلُ المعتقلُ ذاتهُ مونولوجيًّا مُعبِّرًا عن صمودهِ الأسطوريِّ أمامَ العُتوِّ والقهرِ والاعتقالِ المريرِ، فتراهُ يقولُ:
مقطع مقتبس رقم 2 ص: 12-13، يَبُثُّ الشّاعرُ صورًا شعريّةً أخرى في مجموعتهِ، وتقعُ صورةُ الأمِّ ضمنَ شبكةِ التوظيفات المُعتمدةِ في نصوصهِ، فيبرزُ موتيڤُ الأمِّ في كثيرٍ من القصائدِ والقطعِ الشّعريّةِ المُكوِّنةِ للمجموعةِ، ومنها صورتُها في نصِّ: "أمَّاهُ... أنا بجانبكِ" ص: 14-15، وَصورتُها في نصِّ: "الأمومةُ الوديعةُ" ص: 16-17، وتبلغُ شَأوًا في نصِّ: "الأمُّ المقدسيّةُ" ص: 18-19، وتراهُ يُوقفُ للطّفولةِ الفلسطينيّةِ نصُوصًا عديدةً كما فعلَ في نصّهِ الجميلِ: "طفلُ التّحدّي"، ص: 25-26، وهو يَعتمدُ صورةً شعريّةً تُحاكي الطّفولةَ الشّاقّةَ العسيرةَ الّتي يُولدُ من رَحمِ شقائِها رجالُ المستقبلِ المتسلّحينَ بالعزمِ والحزمِ والجَلدِ على نوائبِ الدّهرِ وَصُروفِهِ ونوازِلِهِ، وهذَا ما ترسمهُ صورةٌ شعريّةٌ مباشَرةٌ في نصّهِ "طفلُ الألمِ" ص: 27، وفيهِ رصدٌ للطّفولةِ العَصيبةِ الّتي تُنجبُ العظماءَ الأشدّاءَ..
السيّداتُ والسّادةُ، تتعدّدُ الصّورُ الشّعريّةُ المرسومةُ بلونِ الواقعِ المريرِ، فتشهدُ المجموعةُ على صورٍ حَرِيَّةٍ بالذّكرِ، غيرَ أنّنا نَضربُ عنها صَفحًا لضيقِ الحيِّزِ والوقتِ، وكيْ نتركَ لكم، معشرَ الحاضرينَ، فرصةَ القراءةِ والحُكمِ والفصلِ في ذلك، كلٌّ حسبَ قراءَتِهِ وثقافتهِ وتدبّرِهِ في الكلامِ، ولعلَّ من أبرزِ الصّورِ الّتي ينبغي الإشادةُ بها في المجموعةِ: صورةُ المرأة (قصيدة أنوثتي لا تساوم)، الصّورة الغزليّة الواردةُ في النصّ الغزليّ (نصّ في حيِّنا فتاةٌ ص: 57)، وفيه ذكرُ محاسنِ النساءِ ونحوَ ذلكَ..
من الجديرِ ذِكرهُ أنَّ عنونةَ النّصوصِ لدى شاعرنا الجاسرِ تستجيبُ في كثيرٍ من الأحيانِ لنظامِ العنونةِ الاختزاليّةِ المحدَّدةِ والمباشَرةِ، فتقعُ معظمُ عناوينِ المجموعةِ ضمنَ إطارِ العنوانِ الّذي يرتبطُ ارتباطًا مباشرًا ووثيقًا معَ مادّةِ مَتنِهِ ونصِّهِ المرصودِ من أجلهِ..
أصُبُّ خلاصةَ ورقتي هذهِ في مسألةٍ ترتبطُ بالشّعرِ والشّعراءِ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وهيَ مسألةُ التّأرجحُ بين المباني والمعاني، وتلكَ نُكتةٌ من أصولِ الشّعرِ العربيِّ القديمِ، وفيها يدخلُ تفاوتُ الشّعراءِ في الأغراضِ الشّعريّةِ، وذلك في مثلِ قولِ الجاحظ: «والشعراءُ أيضًا في الطبعِ مختلفونَ، منهمُ منْ يَسْهُل عليهِ المديحُ ويَعْسُرُ عليهِ الهجاءُ، ومنهمُ مَن تَيسَّر لهُ المراثي وَيتَعَذّرُ عليهِ الغزلُ"..
تدخلُ في مسألةُ الشّعرِ والنصِّ الشّعريِّ بينَ المبنى والمعنى، تدخلُ في صميمِ تعريفِ الشّعرِ وكونِهِ إبداعٌ يعتمدُ الموهبةَ والكسبَ في آنٍ واحدٍ، وذلكَ ما نوّهَ إليهِ القاضي الجرجانيُّ (392هـ) من جهته، فذكر في سياقِ تناولِهِ قضيّةَ الطبعِ والصَّنعةِ، وذلكَ في مؤلَّفِهِ الوساطةُ بينَ المتنبّيِّ وخصومِهِ: "الشعرُ عِلمٌ من علومِ العربِ، يشتركُ فيهِ الطبعُ والروايةُ والذّكاءُ، ثمَّ تكونُ الدَّرَبَةُ مادّةً لهُ، وقوّةً لكلِّ واحدٍ من أسبابِهِ"..
خلاصةُ الأمرِ أنَّ قدراتِ الشّعراءِ تفاوتت وفقًا لعاملِ الميلِ إلى واحدٍ منَ المذهبينِ، مذهبِ شعرِ المباني أو مذهبِ شعرِ المعاني، وكانَ أوفقُ الشّعراءِ مَنْ توسَّطهُما وجمعَ بينهما في شِعرهِ تَبَعًا للشّروطِ والضّوابطِ الّتي أرساها نقّادُ الشّعرِ العربيِّ طوالَ العصورِ الأدبيّةِ..
أبو إسحاق الحصريّ (ت 413 هـ) يؤكّد في سياق حديثه عن الشّعر الّذي يؤدّي غرضَ المعنى والدّلالة الّذي وضعَ لأجلهِ، فيقول: "والكلام الجيّدُ الطبعُ، مقبولٌ في السمعِ قريبُ المثالِ بعيدُ المنالِ، أنيقُ الديباجةِ رقيقُ الزجاجةِ، يدنو مِنْ فهمِ سامعِهِ كدُنُوِّهِ منْ وهمِ صانِعهِ، وَالمصنوعُ مُثَقَّفُ الكعوبِ مُعتدلُ الأنبوبِ، يطردُ ماءُ البديعِ على جَنباتهِ، وَيحولُ رونقُ الحُسنِ في صفحاتِهِ، كَما يحولُ السِّحرُ في الطَّرَفِ، والأثرُ في السيفِ الصَقيلِ، وَحَمْلُ الصانعِ شِعرَهُ على الإكرامِ في التَعمُّلِ وَتنقيحِ المباني دونَ إصلاحِ المعاني، يَعُضُّ آثارَ صنعَتهِ وَيُطفِئُ أنوارَ صيغَتِهِ وَيُخرجُهُ إلى فسادِ التعسُّفِ وقبحِ التكلُّفِ".. بذلكَ ينصرفُ العربُ للمعاني معَ حرصِهمْ على ضوابطِ المباني والشّكل في القصيدة الشّعريّةِ، وبذلكَ- في رأينا- يَستقيمُ المنسمُ!
السيّدات والسادةُ، رَغمَ بساطةِ الشّعرِ الحديثِ بمعانيهِ ومُفرداتِهِ إلّا أنّه يَحملُ معانيًا ومضامينَ أعمقَ من المعنى الحرفيِّ، فالشّاعرُ الحديثُ لا يبحثُ عنِ المُفرداتِ فَحسْبْ، بل يتحرَّى في انتقاءاتِهِ اللفظيّةِ عُمقَ المعنى. معَ ذلكَ، طرحتْ حركةُ الشعرِ الحديثةُ مسائلَ عديدةً ومعقّدةً في مختلفِ مجالاتِ الإبداعِ الشعريِّ، ولعلَّ من أبرزِ تلكِ المجالاتِ مسألةُ شكلِ القصيدةِ، وليسَ من نافلِ القولِ إنَّ الشكلَ الشعريَّ قد اكتسبَ مكانةً هامّةً في المفاهيمِ الشعريّةِ التقليديّةِ الكلاسيكيّةِ، حتّى بلغتْ حدًّا توهَّمَ معَهُ بعضُهمْ ولا يزالونَ أنَّ الشكلَ وحدَهُ كافٍ للتفريقِ بينَ النصِّ الشعريِّ والنثريِّ.
قصيدتا الغربة ص: 36 والمُعذَّبة ص: 37-38، وقصيدةُ لا وألفُ لا ص: 53، تفتحُ المجالَ أمامَ تساؤلٍ يرتبطُ بقضيّةٍ تؤرّقني وتدعوني للتوجّه لكَ يا شاعرنا المحتفى بإصدارهِ المشرقِ في عبلّينَ، ولثُلّةٍ من أصحابنا ممّنْ ينظمونَ الشعرَ ولا يحرصونَ على العدلِ والاعتدالِ بينَ المبنى والمعنى، فمِنهم مَن يسلبُه حرصهُ على الشّكلِ والمباني التّنبّهَ لدورِالدَّلالاتِ والمعاني في نظمِهِ، فيخرجُ نظمُه عاريًا كاسِفًا من المعنى، شَحيحًا لا يعدو عن كونِهِ ألفاظًا متَّصلةً لا تُدركُ البصائرُ منها إلّا الرّكيكَ المذمومَ، ومنهم من يوقِعهُ تقديسهُ للمعاني في نَبوةِ التّفريط بما لا يليقُ التفريطُ بهِ من أصولِ المباني! وذلكَ عيبٌ ومثلبةٌ ينبغي بالشّاعرِ التوجُّسُ منها أيّما توجّسٍ!
وقعَ شاعرنا الجاسرُ في ورطةِ التعادلِ بينَ المبنى والمعنى، فقدّم المبنى على المعنى، فأفسدَ بذلكَ النصَّ وحرمهُ منَ الجماليّةِ الّتي كانَ بالإمكانِ تحصيلها فيما لو عدلَ بينَ مبناهُ ومعناهُ، فجاءَ الاهتمامُ بالمبنى باعثًا في ركاكةِ المعنى، ونصيحتي لكَ يا أخي، واعصبها برأس أخيكَ صالحٍ، كَدِّسِ المعاني، ولا تُكرِّسِ المباني!
باتَ معلومًا أيّها السيّداتُ والسادةُ أنّ الذي يفرّقُ بينَ الشعرِ الحديثِ عن التقليديِّ ليسَ الشّكلَ الخارجيَّ وحدَهُ، رغمَ أهمّيّتِهِ عندنا، بل إنَّ المناخَ النفسيَّ والإيحاءَ معًا يشكّلانِ فَيْصلَ الفروقِ بينهما، وليستِ المسألةُ كما وُصِفتْ ذاتَ مرَّةٍ أنّها خمرٌ قديمةٌ سُكبَتْ في دنانٍ جديدةٍ، بل هيَ في المقاربةِ الواقعيّةِ خمرٌ جديدةٌ مذاقُها مغايرٌ ونكهتُها مُخالِفَةٌ.
مداخلة الأديب علي هيبي: أسعد الله مساءكم/ رمضان كريم على الجميع. المحتفى به الكاتب والشاعر أخونا جاسر داوود. الأخوة على منصّة المتكلّمين. الحضور الكرام مع حفظ الألقاب. نودّع الآن شهر رمضان المبارك ونحن لخمس ليالٍ بقين منه، ونقف الآن على عتبات ليلة القدر ومن ثَمّ نستقبل عيد الفطر السعيد، ننتهز هذه الأمسية المباركة بوجودكم وبهذه الأجواء، لنعايد عليكم مسلمين ومسيحيين سائلين الله وأنبياءه: المسيح ومحمّدًا أن يعود علينا وشعبنا العربيّ الفلسطينيّ ينعم بالاستقلال والسلام والأمن في دولته فلسطين وعاصمتها القدس، مهد المسيح ومعراج الرسول. وشعوبنا العربيّة في سوريا وليبيا واليمن والعراق تنعم بالتخلّص من الإرهاب الداعشيّ والسعوديّ والقطريّ والتركيّ والأميركيّ.
أنا من الذين يؤمنون وأعتقد أنّي مثلُ جاسر في هذا الإيمان، وفقًا لما أعرفه عنه في الحياة ومواقفها ووفقًا لما قرأت من الديوان ومضامينه وكتبه السابقة، أنا من الذين يؤمنون بأنّ المسيح ومحمّدًا رسولان عربيّان، وأنّ الاثنين لنا، وليس المسيحُ للمسيحيّين وليس محمّدٌ للمسلمين، الاثنان وفي المقدار نفسه لنا. وأنّ الكنيسة والجامع كدارين للعبادة وذويْ معنًى وطنيّ عربيّ، الاثنان لنا، وليست الكنيسة للمسيحيّين فقط وليس الجامع للمسلمين فقط، الكنيسة والجامع الاثنان لنا، وإذا أُعتديَ على واحد منهما كان الاعتداء على الآخر تحصيلًا حاصلًا، و يا ويلنا إذا اعتقدنا غير ذلك، فسيكون الجامع والمسلمون في خطر والكنيسة والمسيحيّون في خطر أيضًا. وما أخطر دعوة ذلك الشيخ الذي دعا من على درجات منبر إلى أنّ أعيادنا لنا وأعيادهم لهم، ليست هذه دعوة رجل دين حقيقيّ وصادق، رجل الدين الحقيقيّ والصادق هو ذلك الذي يقول أعيادنا واحدة، أعياد المسلمين لهم وللمسيحيّين وأعياد المسيحيّين لهم وللمسلمين. أعيادنا عربيّة والسلام.       
عرفت الأخ والمربّي جاسر داوود منذ فترة طويلة، ولكنّ العلاقة توطّدت من خلال نشاطنا السياسيّ ضمن إطار الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة. ومن خلال النشاط الأدبيّ والثقافيّ الذي نما وترسّخ وانتشر حراكه بعد تأسيس اتّحاد الكرمل للأدباء الفلسطينيّين قبل ثلاث سنوات بالضبط. وكان الأخ جاسر من أوائل المنتسبين له. ونحن نتشرّف ونعتزّ بهذا الانتساب.
لست ناقدًا للشعر ولا لغيره من الإنتاج الأدبيّ، ولكنّي قارئ عاديّ أمتلك أدواتي الاستقرائيّة من تجربتي المتواضعة وقراءاتي المتأنيّة، وبخاصّة في الإنتاج الفلسطينيّ المحلّيّ الغزير، والذي أعترف أنّه ألهاني عن قراءة الإنتاج الأدبيّ العربيّ من بلدان أخرى، وأقول لقد غزُر هذا الإبداع فعلًا، ففي السنوات الثلاث الأخيرة أصدر الأدباء من أعضاء اتّحادنا فقط حوالي مئة وخمسين كتابًا، في ميادين: الشعر والقصّة القصيرة والرواية والمسرحيّة والترجمة والدراسة وغيرها من مواضيع الكتابة الإبداعيّة والعلميّة. ولجاسر باع طويل في هذا الإبداع والتنوّع، فقد أبى إلّا أن يكون كاتبًا شاملًا وقادرًا على الكتابة في كثير من الأنواع والفنون، فهو إذ يصدر باكورة دواوينه، متأكّد أنّ في جعبة مكتبته وذاكرته الكثيرَ من المخطوطات التي تقبع بين طيّات ظلام الجوارير، تنتظر في محطّة سفر الوجدان لتركب قطار النور وتبلغ فضاء الإبداع والنشر.
ولجاسر مجموعة قصصيّة بعنوان "خلود جذور الوطن" صدرت قبل عامين، واحتُفِيَ بها في هذا المكان بحضور لفيف من المبدعين والمشاركين، أذكر من بينهم كبيرنا - أعطاه الله الصحّة والعافية والعمر المديد – الكاتب والشاعر حنّا إبراهيم. وله في مجال السيرة كتاب هو سيرة حياة للقدّيسة الجليليّة الفلسطينيّة مريم بواردي، وكتاب عن ستّنا مريم أمّ الكلّ، أمّ يسوع المسيح، "واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانًا شرقيّا* فاتّخذت من دونهم حجابًا فأرسلنا إليها روحنا فتمثّل لها بشرًا سويّا* قالت إنّي أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيّا* قال إنّما أنا رسول ربّكِ لأهب لكِ غلامًا زكيّا* قالت أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشرٌ ولم أكُ بغيّا* قال ربّكِ هو عليّ هيّنٌ ولنجعلَهُ آيةً للناس ورحمةً منّا وكان أمرًا مقضيّا*.
أعرف أنّ جاسر يقوم الآن بوضع اللمسات الأخيرة على دراسته حول الحسّ الوطنيّ عند الشاعر الكبير، ابن عبلّين الأستاذ جورج نجيب خليل، وأعتقد أنّ ديوانه "يا بلادي أو إلى بلادي" كان أوّل ديوان شعر قرأته في حياتي وأنا في صباي، وكانت الكتب شحيحة، وكنّا نعتقد أنّ الشاعر قد يكون بعيدًا في برج عاجيّ أو في مجرّة سماويّة أو في بلاد خيال بعيد، وما كان ليخطر ببال أحد أنّ الشاعر رجل عاديّ وحقيقيّ، يسكن في عبلّين التي تبعد عن كابول مسافة ساعة سيرًا على الأقدام، وأقلّ من ذلك لو ركبنا الحمير.
وأعتقد أنّ جاسرًا ما زال عاقدًا العزم على إخراج دراسته التاريخيّة حول قريته عبلّين، وجاسر حائز على درجة الماجستير في موضوع الدراسات الإسلاميّة وتاريخ الشرق الأوسط. فإلى الأمام أيّها العزيز، نغبطك على غزارة الوبل وعلى تنوّع الخصوبة المبدعة.
وإذا كان جاسر داوود الشاعر وديوانه "عبير شوق السنين" هو محور هذه السهرة الأدبيّة، وإذا كان جاسر وأنا وغيرُنا قد شببْنا على النهل من الرعيل الأوّل لشعرائنا الفلسطينيّين الكبار، ومن غيرهم من الشعراء العرب والشعراء العالميّين، فلا بدّ من أن يكون الوطن والإنسانيّة والحبّ والأرض والنضال والحريّة والألم والأمل مواضيعَ في أشعارنا، وإذا كنّا قد تأثّرنا بهم، وهذا غير مشكوك فيه، فلا بدّ من أن نُراكَم تجاربهم ونعتصر من وجداناتهم المضطربة كالوطن، وننهل من حيواتهم ومواقفهم ما يجعلنا نمجّد الحياة الكريمة ونقدّس الموت المشرّف الذي يُبقي صاحبه واقفًا وحيًّا كالأشجار.
وإذا كان لا بدّ من الحديث عن هاجس رئيسيّ / موتيف أساسيّ عند جاسر في هذا الديوان، فلا بدّ أنّ هاجس الوطن الصغير عبلّين والوطن الكبير فلسطين، بكلّ تشكيلاته الماديّة وبكلّ مدلولاته المعنويّة والرمزيّة، لهو المحور الموضوعيّ والمعادل الفنيّ لمعاناة الشاعر على المستوى الذاتيّ ولمعاناة الوطن على مستوى الجمعيّ. والوطن ليس دائمًا حلمًا ومعنًى ورمزًا ودلالةً، بل الوطن وفي كثير من الأحيان هو الناس والأفراد والأشياء الماديّة الصغيرة والبيت والشجرة ولقمة العيش والفدّان وتعليم الأبناء وتزويج البنات والأعراس والغناء والموتى والقبور والشواهد ومنارة الكنسية والشماس والجرس ومئذنة الجامع وهموم الصوم ولقمة الإفطار وبهجة الأطفال في العيد والملابس الجديدة والمدرسة والدفتر، والوطن هو حبّ بنت الجيران واختلاس النظرات إلى الحسان، الوطن هو جهنّم أحيانًا نكون فيه أشقياء ونصلى نار ذوي القربى والحكّام الظالمين من أمثال حكّامنا اليهود والعرب في هذه الأيّام، ولكنّه أي الوطن، مهما اشتدّت علينا حلكته وجثم على صدورنا كجدار عازل يبقى أفضل من الجنّة التي لو وُضع فيها ناظم حكمت لصاح: "آه يا وطني" فالجنّة وأنهارُها الجارية من تحتها والملائكة المحلّقة من فوق أجوائها، كلّ ذلك لا ينسي الشاعرَ وطنَه.
الوطن عند جاسر هو الوحدة الوطنيّة بالمفهوم السياسيّ أيضًا، فلا يمكن لأجراس الكنائس أن تقرع في وادٍ وتكبير الجوامع أن يرنّ في واد آخر، فالثرى والنبع والنسيم والجبال والوديان والقمر والسهر والسعادة والهناء، والتاريخ في عبلّين وهي الوطن الصغير للجميع، والعدوّ المتربّص بهذا الجميع واحد، وقد يكون هذا العدو هو الذئب والغدر وقد يكون من ناكري جميل خيرات الوطن، وقد يكون التفسّخ والتشرذم الوطنيّ والطائفيّة والعائليّة وتغليب المصالح الذاتيّة النفعيّة وتقديم مصلحة الفرد الدنيئة على المصلحة العليا للوطن.
ينعكس هذا المفهوم الإنسانيّ للوطن بلا تعصّب وبلا فئويّة أو طائفيّة عند الشاعر، فعبير شوق السنين، هذا التوالي لثلاثة أسماء يشعّب الصورة لتتشكّل من العبير المحسوس والشوق المعنويّ الذي يدلّ على نقاء الأحاسيس والزمن المجرّد الذي يعطي الوطن امتداده الماديّ والسرمديّ، منذ البدايات أو ما قبلها حتّى النهايات وما بعدها، كلّ ذلك المزيج الجميل يلوّن الصورة الشعريّة ويجعلها ذات نبض وإيحاء، يضفيان على القصيدة ظلالًا جماليّة وغنيّة بالحركة والأصوات. هذه الصورة وهذه القصيدة التي لا تنتهي حبًّا وطيبًا وشمسًا هي عبلّين، التي يعتبرها الشاعر أغلى حبّ عرفه، منذ قصيدته الأولى، حيث يتحوّل الوطن نفسه ليصبح قصيدة عشق والشاعر عاشقًا ولهانَ يعاني حالة الفراق، متلوّعًا ومحترقًا شوقًا للقاء الحبيبة الغالية والبعيدة/ الوطن الغائب والبعيد.
جمال الوطن ومعانيه القدسيّة وأشياؤه ومفرداته الحسيّة على جمالها، لا تنسي الشاعر همومه، فالوطن مألوم بواقع احتلال مقيت وبوضع عربيّ مأزوم ومهزوم، والحلم كابوس والأمل لا يلوّح بيديْه من بعيد، إلى أين يهرب الشاعر؟ والمستقبل عاجز عن المجيء لسواد في ليل حاضر جاثم كالمصيبة ذات العيار الثقيل، يبدو كأنْ لا فكاك من جبروته! قد يسعف الماضي/ الهروب إلى الخلف/ إلى عنترة وتغلب وعمرو بن كلثوم. وهل يجدي السؤال إلّا بقليل من قبس اليأس الإيجابيّ، اليأس السيرياليّ. لمن نهرب وإلى أين؟ لخادم الحرمين الوهابيّ/ للرئيس السيسي الربيعيّ/ للإخوان المسلمين الأردوغانيّين/ للإخوان الوهّابيّين وثمود/ هل نعود إلى أولئك الذين "فرشوا بقلوبهم حصونًا للغريب وقتلوا رغبات شعوبهم فأذلّوها" على حدّ تعبير جاسر في قصيدة "وا تغلباه"/ فاليمن تفرّق أيدي سبأ بعد أن هدمت فئرانُه مأربَه/ والعراق يشكو من هولاكو جديد لا يذر مكتبة ولا متحفًا/ سوريا في مهبّ رياح خطير/ مشرعّة الأبواب المخلّعة نحو الجهات الستّ/ مصر نامت نواطيرها الناصريّة عن ثعالبها وساداتها/ قلنا سيسي سيسي ولم يطلع نور ولم يتنفّس صبح ولم ينبلج ربيعٌ ولم يضحك. ومع ذلك فجاسر يهرب إلى الماضي البعيد مستصرخًا ومستغيثًا "وا تغلباه"، أو إلى الماضي القريب فيعيد إلينا جمال عبد الناصر حيًّا  كقائد ورمز للعروبة والوطنيّة والعدالة الاجتماعيّة وكرمز للطهارة العروبيّة. كلّ ذلك تعبير صادق عن حالة اليأس والإحباط والخمول والقدرة المذهلة على اللا فعل، التي تضطرب فيها هذه الأمّة بظلام قتل شبابها وبظلاميّة تقتل تفتُّحَ عقلها. فإلى أيّ درْك تأخذنا أيّها التديّن المبشنق بالظلاميّة والأصول المزيّفة/ في أيّ قاع صفصف تجعلنا أيّها العصف المدمّر.   
في هذا الديوان ثمانٍ وعشرون قصيدة، لا اعتقد إلّا في قليلها لا يمرّ ذكر الأمّ، لا أعرف سببًا حقيقيًّا لذلك، ولكنّي أكاد أجزم أنّ للأمومة والأمّ والمرأة عامّة دورًا هامًّا في نسيج التجربة الشعريّة والفنيّة عند شاعرنا، فالأمّ هي الغنى الوجدانيّ الطافح بكلّ المعاني المقدّسة، إنّها الوطن والطبيعة والأمومة والطهارة والنقاء، وهي البداية والولادة الدائمة والتجدّد الحيويّ، وهي الصدر الحنون الذي نسند إليه همومنا، والأم هي الحبّ الطاهر الذي لا نستطيع أن نحيا ونزاول حياتنا ونمارس نضالنا دونه، إنّ هذا الموتيف الذي يتردّد في الديوان من أبرز العناصر التي شكّلت العاطفة والحبّ وبصدق داخليّ، وكلّ ذلك من صميم التجربة والمعاناة الذاتيّة للشاعر ولنا، على اعتبار أنّ صوت الشاعر الصادق هو انعكاس لصدى أصواتنا الصامتة.
هناك من يردّد في بلادنا، وفي الأوساط الثقافيّة والأدبيّة، أنّنا لم نعد نملك إلّا سلاحًا واحدًا هو الثقافة، والصراع السياسيّ والقوميّ في أحد وجوهه ثقافيّ حضاريّ، هذا إلى حدّ ما صحيح وبشكل نسبيّ، وكلّ إنتـاج أو إبداع أدبيّ هو رصيد لثقافتنا الإنسانيّة ولشخصيّتنا القوميّة ولهويّتنا الوطنيّة، شريطة أن يستوفي الأسس والعناصر الفنيّة والجماليّة، ولا يكفي في هذه الحال الموضوع والمضمون، مهما كان صادقًا من الخارج، لا بدّ من الصدق في داخل الإبداع، وإلّا صار هذا الأدب عالة على مشروعنا الفنيّ والثقافيّ والوجوديّ، فالقصيدة كي تكون سلاحًا تقاتل في المعركة إلى جانب غيرها من الأسلحة، يجب أن تكون على جودة جماليّة، وإلّا تحوّلت إلى سلاح مضادّ.
ولا بدّ من التعريج على أحد الجوانب الفنيّة في الديوان، وأقصد الشكل الشعريّ، وجاسر يلجأ إلى تنويعة واضحة في قصائده، فهو يكتب القصيدة العموديّة المبنيّة على بعض الأوزان الخليليّة، وله منها سبع قصائد، وهنا أدعو الشاعر إلى دراسة أعمق لهذه البحور وتفعيلاتها وجوازاتها. ويكتب قصيدة أعتبرُها مزيجًا من الشعر المرسل والشعر المقطعيّ المزدوج، قصيدة "المعذّبة"، وقصيدة مقاطع من الرباعيّات هي "الأمّ المقدّسة"، وله قصيدة باللغة العاميّة وهي "طفل من بيت لحم"، وما بقي من قصائد فهي من شعر التفعيلة أو من قصيدة النثر أو ما بينهما، ما يشبه الخليط من هذه وتلك. واعتقد انّ هذا التنويع مكّن الشاعر من أداء تجاربه ومعانيه وفقًا لسلّم ذي طبقات صوتيّة متفاوتة الإيقاع والوقع على الأسماع والأذواق المختلفة بطبيعتها بين القرّاء، وقد لاحظت أنّ صوت جاسر الشعريّ يعلو بنبرته وصرخات قلبه المتصدّع ليصبح خطابيّا مباشرًا حين ينادي ويخاطب العدوّ مستغربًا جرائمه بحقّ الطفل والوطن والناس، وحين يستصرخ الشعراء: درويش والقاسم وزيّاد، وقد نلاحظ هذا الصراخ في بعض القصائد الحديثة حين يثوّر ويحرّض. أمّا في رسالته إلى محمود درويش، فبالرغم من كونها رسالة، والمفروض أن تكون خطابيّة نراه فيها ذا نبرة هادئة وهامسة. شأنه في هذا كشأن معظم القصائد المتحرّرة من القيود الكلاسيكيّة، ومن هنا نستطيع أن نستنتج غير جازمين، أنّه كلّما تحرّر جاسر الشاعر من القيود كان شعره أكثر هدوءًا وانخفض صوته إلى حدّ الهمس، ولكنّه بالتأكيد يصبح أعلى شاعريّة وفنيّة من حيث جودة الصورة الشعريّة والصياغة اللغويّة.
لا يمكنني أن أنهي هذه المداخلة دون التطرّق إلى الموتيف المسيحيّ في شعر جاسر، وهو ما ذكّرني بالشاعر اللبنانيّ يوسف الخال، وقد يتبادر إلى الذهن وللوهلة الأولى والثانية أنّ جاسرًا يتقوقع في صومعة دير أو ينطوي في ركن منزوٍ في كنيسة الذات، العكس هو الصحيح، وهو الذي نلمسه لمس اليد ونراه رأي العين ونعيه بأمّ العقل منذ الوهلة الثالثة والوهلات التي تليها، فالموضوع المسيحيّ فضاء إنسانيّ منفتح على الآخر، وبخاصّة الإسلاميّ بحكم العامل الدينيّ العباديّ، فالربّ واحد، وبحكم العامل الاجتماعيّ، فشرقنا العربيّ ومجتمعنا المحليّ هو ذلك النسيج الفسيفسائيّ الذي يتكوّن من رسالة الحبّ والتآخي والمودّة، بلا تمييز فعبلّين واحدة للجميع، والقدس بأقصاها وقيامتها، رمزان صامدان إلى أن تقوم قيامة المحتلّ ويتحرّر الوطن من أقصاه إلى قيامته، ومن المهد وإلى اللحد، فهذا التراب الطاهر والمعمّد بدماء الشهداء، إمّا أن نعيش عليه بشرف وكرامة أو نموت فيه وندفن بكرامة وشرف. أليس هذا ما تريد يا جاسر الطيّب؟ الموضوع المسيحيّ عند جاسر له جانب سياسيّ ووطنيّ، وله كذلك جانب روحانيّ رومانسيّ، يسمو بالنفس إلى عليّين، عندما يعطي لنا الشاعر شرعيّة للأحاسيس الإنسانيّة وأبرزها وأسماها الحبّ، وهذه المشاعر لا يمكن أن تتناقض مع الفطرة البشريّة، وهذه لا يمكن لدين أن ينكرها، بل تقرّها كلّ الأديان، فالدين لا يمكن أن يخالف الفطرة، أمّا من يروْن في الحبّ فحشًا، فأولئك هم الفاحشون الذين يجاهدون بالنكاح، المجرمون قتلة الناس والحريّات، الذبّاحون الحارقون، مدمّرو الحضارة والتاريخ والوعي الإنسانيّ، النهّابون الذين يسرقون الثروات ويبيعونها للأعداء بثمن بخس، فساء ما يفعلون. عندنا أنا وجاسر الحبّ هو الطهر والنقاء وصفاء النفس والسموّ بها.
الموضوع المسيحيّ يتناقض مع هجرة المسيحيّين وتهجيرهم من شرقنا، لا شرق بلا مسيحيّيه ومسيحه الجليليّ الناصريّ، الذي ولد في بيت لحم ومشى على الماء في طبريا، وعصر من الماء خمرًا في كفركنّا، وجاسر يعتبر في قصيدة "أوّاه يا قدس" أنّ الرحيل عن الوطن يعني الموت والثكل. لأنّ الوطن هو الأرض النابضة بالحياة والربيع الجميل، وهي الشهيدة المعمّدة بطهر التراب والماء المقدّس من عين العذراء الناصريّة ومدن الوطن ومناطقه ومعالمه: عكّا وحيفا وسخنين وعرّابة والشاغور والزابود وجبل حيدر وجامع الجزّار وكنيسة مار جريس وشعر درويش وسميح. فلنكتب الشعر! فلا خوف علينا ما دمنا ننبض شعرًا ووطنًا، ونحكي لأطفالنا قصّة الذئب الذي افترس ليلى، ونروي روايتنا الصادقة ندحض بها الزيف والكذب. وإلى الأمام يا جاسر، وإلى مزيد من الإبداع. ولك الحبّ والحياة.
مداخلة الأستاذ جاسر داود بصوت حفيدته جويل نزار بربارة: مساؤكم خيْرًا وأَهلًا وسهلًا بكم.
ما يَجمَعُنا هُنا في ساحَةِ بيتِ القدّيسَةِ مريَم بَواردي وفي مسْقَط رأسِها، هوَ إيمانُنا جميعُنا باللهِ الواحدِ المُحِبِّ للمَحبَّةِ الصادِقةِ والسلامِ الذاتي معَ النفسِ قبلَ أنْ نُعاهِدُهُ بهذا.
إِنَّ الإحتفالاتِ بهذهِ الساحَةِ لَهُوَ تعبيرٌ عنْ محَبَّتِنا لِتعاليمِ القدّيسةِ مريم بواردي، التي نادَتْ بالمحبَّةِ الإنسانيَّةِ بينَ بني البشرِ، وليسَ بينَ أبناءِ طائفةٍ مُعيَّنَةٍ. لِهذا دَعَوتُكُم وجَمَعتُكُمْ أَحِبَّتي لِمُشارَكَتي في مولودٍ أَدبِيٍّ جديدٍ لي من نوعٍ يختلفُ عن المولودِ القِصَصي والدّيني، نعَم إِنَّهُ عُصارَةُ فِكري خِلالَ عدَّةِ سنينَ، فيها وَضعْتُ مَحبَّةَ الانسانِ بالمَركِزِ كعادَتي في جميعِ أَوْ غالبيَّةِ كتاباتي متنوِّعَةِ المواضيعِ.
نعم، الانسانُ هو الوَطنُ الذي نبْحَثُ عنهُ في أحلامِنا أَو واقِعِنا، هو الجارُ القريبُ والبعيدُ، هو ابنُ بلدتي الغاليةِ على قلبي عبلين، هو ابنُ شعبي العربي الفلسطيني في الجليلِ والمُثلَّثِ والنقبِ وفي كلِّ مكانٍ في هذا العالمِ، لهذا لا أُساوِمُ عليهِ أَبَدًا، ولا أُبّدِّلُهُ بوطنٍ آخر، فالوطنُ وطنٌ باقٍ مهما تغيّرتِ الوجوهُ والحُكّامُ. ففي كلّ واحِدٍ منكُم أحِبّائي المشاركينَ معي هذهِ الفرحَةِ أَرى نورَ الوَطنِ المَرْجو، أَرى استمرارَ الحياةِ فوْقَ ربوعِهِ الخضراءِ، فأَهلًا وَسَهلًا بكم بوَطني الغالي، أَهلًا بكُم جَميعًا وشكرًا على مُشارَكتكُم هذهِ الفرحَةِ. شُكري لِلمُتحَدّثينَ من البلدةِ وعريفةِ الاحتفال، والذينَ تكَبَّدوا مَشاقَّ السفرِ في هذا الشهرِ الفضيلِ شهرِ الصوْمِ، شهرِ رمضانَ الكريمِ، أَدامَكُمِ الرَّبُّ نِبْراسًا نهتدي بهِ في حياتِنا الثقافيّة.
شُكرًا لِمَنْ ساعَدني وشجَّعَني وآزرَني في إخراجِ هذا الديوانِ للنورِ. شكرًا لكم يا شيوخَ وكهنةَ هذه البلدة وخارجها معِ الرّاعينَ لِهذا الاحتفالِ، والشكرُ لعائلةِ عمي عزات داود والفنّانة التشكيليّة تغريد حبيب، الشكرُ لِوسائل الاعلام ِالمختلفةِ، وشكري لأَولادي أَرز والياس وجريس وعائلاتِهِم، وللزوجة سيدر - أُمِّ الياس لِتحَمُّلِها أَحلامي وآمالي وجنونِياتي الكِتابِيَّةِ والشِعرِيَّةِ على مدارِ السنينَ.
شُكري لِجميعِ الشبابِ الذين استقبلوا وساعَدوا في التنظيمِ والضيافةِ، هذا هو وجهُ عبلين الحقيقي، وَلِتَبْقَ عبلينُ قِلادَةً ثمينَةً عَل

5
وكما يُدَمْوِزُهَا تَتَعَشْتَرُ

بقلم د. خليل حسونة
قراءةٌ غيرُ منهجيّةٍ لديوانها "أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرين" للشّاعرة آمال عوّاد رضوان
حول العنونة: الشعرُ صورةٌ ناطقةٌ وحدودُ ذاكرةٍ تُشكّلُ أبجديّةَ الطفولةِ، والشاعرُ هو ذلكَ الفاعلُ المؤتمَنُ على التوْصيلِ للانفعالاتِ، وتحويلِها للتعبيرِ عن مشاعرَ وجدانيّةٍ لا حدودَ لها، وهو ما ميّزَ هذا العملَ الموسومَ بـ "أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرين"، للشّاعرةِ المُجدِّدةِ آمال عوّاد رضوان، والذي تُؤكّدُ نصوصُهُ فِعلَ الشعرِ الأقوى والأكثر التحامًا بأشيائِهِ، والدّفعَ إلى التأمُّلِ عبْرَ الدهشةِ والإدهاشِ اللّذيْن يَلتقطِهُما الناقدُ الحصيفُ لمساعدةِ المُتلقّي عبرَ ذلك، للنّفاذِ لأسرارِ النصّ، حيثُ انغراسُهُ في وجدانِ مُتَلقّيهِ، والدخولُ معهُ في علاقةٍ تفاعُليّةٍ جَدَليّةٍ، كما يُؤكّدُ الناقد الغَرّافي حيثُ التأثيرُ والتأثّر.
في أعماقِ كلِّ تجربةٍ إنسانيّةٍ تنشأُ خصوصيّةُ الاختلافِ والرضا، ومِن ثمّ خصوصيّة التعبيرِ، وهي مسألةٌ ترتبطُ بأرضيّتِها الاجتماعيّةِ والنفسيّةِ، فالأديبُ الحقُّ/ هنا الشاعر/ هو الأكثرُ قدرةً على دفع الناسِ نحوَ الجديدِ، شريطةَ أنْ يُبدعَ الجديدَ، فهو مُطالَبٌ أنْ يُعَبّرَ عن مشكلاتِهِ/ كما يرى لوكاتش/ بأسلوبِهِ الخاصّ، وبرؤى جَماليّةٍ تقومُ على كسرٍ واضحٍ للتقليديِّ في الشّعرِ، والتّميُّزِ بالدخولِ في موضوعاتٍ جديدةٍ، كمَلْمَحٍ بارزٍ مِن مَلامحِ الشعرِ الحداثيّ، بما فيهِ مِنَ انفتاحٍ على القراءةِ التأويليّةِ دونَ تجاهُلِ الشفراتِ والإشاراتِ، كوْنَ التأويلِ يَتمثّلُ في إمكانيّةِ أن يَحوزَ النصُّ بعلاقاتِهِ الأبستمولوجيّةِ الفاعلة على معانٍ مختلفةٍ، عَبْرَها تتجذّرُ الكيانيّةُ الرؤيويّةُ له، حيثُ يَقتحمُها الشاعرُ، ومِن ثَمَّ تقتحمُ حُلمَهُ وتمتزجُ به حتّى الانسكابِ، فيَنطلقُ الالتفافُ والتوليدُ والتفجيرُ، حتّى لا تنزلقَ القراءةُ إلى العشوائيّةِ الفاسدةِ، وذلكَ كي تستطيعَ الحفاظَ على صورةِ المُدرِك في وجهِ المُدرَكِ، ما يَجعلُ القصيدةَ تُشكّلُ سُبكًا خاصّةً، تُؤكّدُ قدرةَ الشاعرِ على امتلاكِ صوْتِهِ بقوّةٍ، حيثُ الانسيابيّةُ المُفعَمَةُ بتقنيّةٍ جَماليّةٍ، تجعلُ حُلمَهُ غيرَ منقوصٍ البتّةَ، ومِن هنا كانَ لقاؤُنا معَ هذا الديوان.
في محاولتِنا لاستحلابِ البُعدِ الجَماليّ لهذا العملِ المُثيرِ، عبْرَ تحليلِ جُزيئيّاتِهِ ودلالاتِهِ واستنتاجِ تَجليّاتِهِ، فمنذُ البدايةِ، يَشُدُّنا العنوانُ بقوّةٍ، حيثُ يُدخِلُنا في بوْتقةِ الأسطرةِ، كأوّلِ مفتاحٍ إجرائيّ بهِ نفتتحُ مَغاليقَ النصّ، مِن أجل تفكيكِ مُكوّناتِهِ، كمَدخلٍ لعمارتِهِ وإضاءة لها، وذلكَ باستدعاءِ المُتلقّي إلى نارِها، مُتّكئةً على طاقتِها الهائلةِ في تجسيدِ سُلطةِ النصّ وواجِهتِهِ، فللعنوانِ دوْرُهُ المُهمّ، لِما لهُ مِن مُواصفاتٍ تجعلُهُ يأخذُ قيمتَهُ الدلاليّةَ منها،إذ يُشكّلُ علامةً تعبُرُ بكَ مدارات التجربةِ والأبعادِ الرمزيّةِ لها، بما لذلك من إبهامٍ واضحٍ حيثُ الغموضُ والرمزيّةُ الّتي تدفعُ لاكتشافه والبحث في دلالاتِها العميقة، كمَلمَحٍ يُبرزُ حضورَ شعريّةِ الحداثةِ، حيثُ التوهُّجُ ودهشةُ المفاجأة، وعَبْرَ لغةٍ طقوسيّةٍ صارخةٍ، لها دوْرُها كعنصرٍ فاعلٍ في بناءِ القصيدةِ الّتي يَتجلّى في أرجائِها عبقريّةُ الأداءِ الشّعريِّ، وتَبَنّي لَبِناتِها المِعماراتِ الفنّيّةَ الصاخبةَ جَماليًّا، المازجةَ بينَ الأستاتيكا والضجيج، حيثُ الإنسانُ في عواصفِهِ الفكريّةِ والروحيّة.
عندَ هذا الحَدِّ أقِفُ لأخرُجَ مِن سطوةِ العنوان، حيثُ تَداخُلُ "الأدمزة" و "العشترة"، لأدخلَ في أتونِ العملِ الذي يُظهرُ منذُ البدايةِ، كيفَ وضّحتْ لنا الشاعرةُ معَ الكلماتِ الأولى للإهداءِ، ثمّ المدخل وماهيّة الشعر بالنسبةِ إليها، وذلكَ على لسانِ مَحبوبِها الذي تتطهّرُ مُهرةُ بوْحِهِ، وهي تُحلّقُ فرِحَةً ببياضِه صوْبَ ذاكرةٍ عذراءَ بنارِ الحُبّ (ص3):
إِلَيْكَ/ مُهْرَةَ بَوْحِي فَتِيَّةً/ بِفَوَانِيسِ صَفَائِهَا .. بِنَوَامِيسِ نَقَائِهَا/ حَلِّقْ بِبَياضِهَا/ صَوْبَ ذَاكِرَةٍ عَذْرَاءَ/ وَتَطَهَّرْ/ بِنَارِ الُحُبِّ .. وَنورِ الْحَيَاة!
طاقةُ النصِّ والأسطرة: منذُ البدايةِ نستطيعُ التأكيدَ؛ على أنّ الدخولَ لعالمِ الشاعرةِ آمال عوّاد رضوان وُلوجٌ محفوفٌ بالمَشقّةِ والإجهادِ، ذلك أنّها ابتدعَتْ لنفسِها طريقًا خاصًّا بها يَتّكئُ على المُغاير، وهي تَضوعُ حكايتَها على لسان "أدموزها" الحبيبِ العاشق/ الجامحِ في عَماهُ حُبًّا، المُتلهّفُ للّقاءِ والتوَحُّدِ بها، وبشكلٍ ضديدٍ للمتعارفِ عليهِ من أبناءِ جيلِها مِن الشعراء، حيثُ تحتاجُ نصوصُها إلى التأمُّلِ الدافعِ لاستحلابِ الرؤيةِ واعتصارِ الرؤيا، وهو ما بَرَزَ على طولِ جسدِ الديوان.
في قصيدتِها المُفتتح الموسومةِ بـ "يابسةٌ سماواتي"، تَبرزُ لنا طاقةُ النصِّ المُشِعّةِ بجَلاءٍ غامضٍ وغامضٍ جَليٍّ، ما يَجعلُ استجابتَنا لحرَكتِها دافعًا لرشْفِ التجربةِ كاملةً، في حين أنّنا نستطيعُ اقتطافَ رشقاتِ العناصرِ الغنائيّةِ مِنَ الذاكرة، كعلاماتٍ لها بُروزُها في الشكلِ والبناءِ (ص4):
يَابِسَةٌ سَمَاوَاتِي/ أَمَامَ اشْتِعَالِ اشْتِيَاقِي/ أَأَظَلُّ.. أَتَضَوَّرُ شَهْوَةً؟/ أَحْلَامِي مُعَلَّقَةٌ.. بَــ~ يــْـ ~نَ.. وُعُودِكِ الْمُؤَجَّلَةِ/ وَأَقْدَامِي تَتَعَثَّرُ.. بَــ ~ يــْـ ~نَ.. جُدْرَانِكِ الْــ تَتَهَاوَى!/ عَلَى خَدِّ شُعَاعٍ.. مُضَمَّخٍ/ بِــــالْـ~دَّ~هْـــ~شَــ~ةِ/ ثَ رْ ثِ رِ ي نِ ي.. صَدًى/ لِأَرْسُمَ.. بَعْثَــكِ الْمُشْتَهَى!
النصُّ هنا يخُطُّ جُملةً مِن التأويلاتِ المفتوحةِ والطافحةِ بالألمِ والعِشقِ الذي أطلقتْهُ الشاعرةُ على لسانِ "دموزي/ تموز"، المُعلّقةُ أحلامُهُ بينَ الوعودِ المُؤجّلةِ وأقدامِهِ الّتي تتعثّرُ بينَ جدرانِها/ صدِّها/ ولرُبّما إهمالِها أو صمْتِها، دونَ أن تَفقدَ هيبةَ الحضورِ أو مُعانقةَ العراءِ، حيثُ رنينُ الصّدى الذي يَرسُمُ ويُشكّلُ بعْثَها المُشتَهى، وهو ما تُريدُهُ منهُ وترغَبُهُ، وقد أكّدَ فيهِ التنقيطُ ذلك، كما أبرَزَ أنّ للنّصِّ مُشاغباتِهِ، حيثُ التّأنّي الدافعُ للدّهشةِ، والتي هيَ بدَوْرِها تدفَعُ للبعثِ المُشتَهى، كرَدِّ اعتبارٍ لِمَا أقدَمَتْ عليهِ بلامبالاة، وذلك بالتضحيةِ بمَحبوبها الّذي يَوَدُّ أنْ يَخُطَّ بعْثَها ويُمعِنَ النّظرَ فيهِ، وكلُّ ذلك، بلغةٍ غيرِ نوّاحةٍ، بل أخذتِ انْسيابَها مِنْ طبيعةِ موْضوعِها الّذي ارتبَطتْ بهِ، فجاءتْ كلماتُها مُتدفّقةً بفسيفساءِ الشّعورِ الجميلِ، وبالطّموحِ الأجملِ المُنطَلِقِ بقوّةٍ، بارِحًا للشّجوِ حتّى الجنون الصامت (ص5):
قَلْبِي الْــ  يَــــكْــــبُـــــرُ  بِكِ/ حينَ .. يَـ~جْـ~ـمَـ~ـحُ.. شَجْوًا/ تَــتَــيَــقَّــظُ.. ثُــغُـورُ رَبـِيـعِي الْــ غَــفَــا
هنا ذاكرةٌ، وهذهِ الذاكرةُ تَعطّلتْ فجأةً في مُحاولاتِ الحُلمِ المُتعمّقةِ، حيث الأنا/ يُجَنُّ بِكِ/ تَفرضُ نفسَها كما هي عَبْرَ أناها/ ثغورُ ربيعي/ ودونَ أنْ تبتعدَ عن/ الأنا الأخرى/، كلُّ ذلكَ عبْرَ ذكاءٍ فنّيٍّ مُتيَقّظٍ، جاءَ الإيحاءُ والتّوهُّجُ فيهِ ليُعلنَ ويُعاينَ التعبيرَ النفسيَّ للشاعرةِ ويُعايشَهُ، كما جاءَ على لسانِ مَعشوقِها الحالِم/ ديموزها/، للوصولِ إلى البعثِ المُشتَهى، حيثُ التّلاحُمُ بها/ المعشوقةِ/ الّذي يُريد. هذه الشفافيّةُ الطفوليّةُ الّتي أطلقَها "ديموزي" في مُحاولتِهِ التّصالحَ مع الذّاتِ الأخرى/ عشتار، تَستحضِرُ شبكةً مُعقّدةً مِنَ التّوازياتِ، تختلطُ فيها التّداخُلاتُ الأسلوبيّةُ، إذ تُشكّلُ رغمَ خِطابيّتِها عالَمًا مُتعدّدَ الأبعادِ والمُستوياتِ والأعماقِ، حيثُ مَلامحُ الاشتعالِ/ الاشتياقِ/ الشّهوةِ/ الأحلامِ المُعلّقةِ/ الوُعودِ المُؤجّلةِ/ ثمّ وأخيرًا/ البعث المشتهى". أليسَ في هذا صورة للقبول المَرْجو مِن أجل التّلاحُم؟
الشاعرةُ هنا تُجيبُ مُؤكِّدةً ذلك، بتعامُلِها معَ وهجِها الّذي يُؤكّدُ رؤيتَنا، وهو ما يُجيبُ على سؤالِها الصارخ، بل وعلى قُدرتِها الذّاتيّةِ الّتي أفرزَها عقلُها الباطنُ على لسانِهِ/ وهوَ يَنطقُ باسْمِها، وهيَ تُصِرُّ على الدّلالِ/ التّعشترِ/، كحالةٍ واضحةٍ غامضةٍ ومُتداخلةٍ مِن أحوالِ النّفس، وكموقفٍ وجدانيٍّ بارز، فالإنسانُ وهو الشاعرةُ كما رأينا وبكلّ رُؤاها وحالاتِها وبحسب "فرويد"، هو كائنٌ على خِلافٍ دائمٍ معَ العالمِ ومع نفسِهِ، وثمّةَ صراعٌ مُحتدِمٌ على الدوامِ بينَ الفصْلِ الواعي واللّاواعي، فإلى جانبِ الميْلِ المُتّصِلِ إلى كبْتِ الدّوافعِ في اللّاوعي، هناكَ ميْلٌ آخَرُ للحوافِزِ اللّاشعوريّةِ بالخروجِ إلى النّور، وهنا تَظهرُ الرّغباتُ المَرجُوّةُ اجتماعيّا، والتي يَطمحُ عاشقُها/ على لسانها/ لقطفِها، حيثُ خُلِقَ كما يقولُ للاحتراقِ بها، لذلكَ يَقفُ ومعَهُ مِن أجلِها على خانةِ حُبّهِ، حيثُ الانتظارُ المَرجُوُّ لتلكَ الّتي لمْ تَزَلْ تسجُنُهُ بمَفاتِنِها، ليَسوحَ حتّى الذّوبانِ في عبيرِ نَهدَيْها، كما جاءَ في قصيدتِها "غاباتي تَعُجُّ بالنّمور" (ص11-12):
فِي عَبِيرِ نَهْدَيْكِ .. أَسُووووووحُ/ فيُمْطِرَانِنِي شَوْقًا .. يَتَّقِدُنِي/ وَأَذْرِفُكِ .. عِطْرًا مُتَفَرِّدًا/ تَـسْـجِـنِـيـنَـنِـي .. بِمَفَاتِنِكِ/ تَـنْـسِـجِـيـنَـنِـي .. مِنْ لَدُنِ رُوحِك/ فأَطْفُوَ عَدْوَ ظَبْيٍ .. إلَى مَقَامِ الْهُيَامِ/ وأُجِيدُ طُقُوسَ هُطُولِي/ عَلَى أَجِيجِكِ الثّائِرِ!
و(ص15): أَنَا مَنْ خُلِقْتُ.. لِأَحْتَرِقَ بِكِ/ احْتَرَفْتُ الاتِّكَاءَ/ عَلَى غَيْمِكِ/ على لهْفَتِكِ .. على جُنُونِكِ/ وَقَدْ خَضَعْتُ .. لِحُلُمِي طَوِيلًا/ فِي انْتِظَارِكِ!
هنا لغةٌ وجدانيّةٌ تَرفعُ راياتِها على نحوٍ غامضٍ ومُستتِرٍ، ما أنْ تَصلَ إلى دائرةِ الفهم، حتّى تُصبحَ قضايا عقليّةً لا أثرَ للألوانِ ولا حتّى للخفايا، فيها ما يَجعلُ القصيدةَ تحتفي بسِرٍّ أعمقَ، هو سِرُّ الخَلْقِ الشِّعريِّ، إذ تُظهرُ أشياؤُها حالةً مِن حالاتِ الذّاكرةِ الناصعةِ غيرِ المُفكّكةِ، والتي تتموضَعُ عبْرَ أساليبَ مُلتويةٍ، تُثيرُها آلافُ الذّكرياتِ (ارتجاج الوعي فيها بالأنا)، والتّحوُّلُ مِن سؤالِ الــ (ماهوَ) إلى الـ (كيف) يتضمّنُ الثّوابتَ الحُلميّةَ، ويَجعلُ الأنا رهنَ شروطِها وتناقضاتِ هذهِ الشروط، ولأنّ القصيدةَ الحيّةَ كالنّار لا يَصِلُ لهيبُها إلّا بالامتدادِ، ولأنّها لا تُسلّمُ قيادَها إلّا لمَن صدَقَ حُبُّهُ لها، ولأنّ الصورةَ في النّصِّ الحَداثيِّ تنقذِفُ داخلَ نفسِ الشاعرِ وحالَ توَتُّرِهِ واسترْخائِهِ، لهذا تتغيّا الكوامنُ الشعوريّةُ ومَداركُها. هكذا جاءتْ قصيدةُ "أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرِينَ" لِتؤكّدَ ذلك:
أَيَا دُرَّةَ الطُّيُورِ/ مَا عَرَفْتُكِ .. إِلَّا عُصْفُورَةَ نَارٍ/ تُضِيءُ دُرُوبِي! (ص19)
دَعِيني.. أُعِـــدُّ قُــبُــلَاتِــي/ لِحَيَاةٍ جَمَّةٍ/ تَـتَـفَـاقَـسُـنَـا/ فِي أَعْشَاشِكِ الْحَيَّةِ .. غَيْرِ الْخَرِبَةِ!
وَدَعِينَا .. نُحْيِي رَمِيمَنَا (ص20)
أُدَمْــــــوِزُكِ.. وتَـــتَـــعَـــشْـــتَـــرِيـــن/ أُلْقِي عَلَيْكِ.. مَلَاءَاتِي الْخَضْرَاءَ/ فَتَسْتَعِيدُ أَعْشَاشِي/ تَـرْتِـيـبَ عَـصَـافِـيـرِهَا/ وَتَتَسَرْبَلينَ .. أَنْهَارَ خُصُوبَتِكِ! (ص21)
أَوْعِزِي .. لِغَيْمِ جِنِّي وَإِنْسِي/  لتَتَسَرَّبَ فُصُولُ الْبَنَفَسْجِ/ وَتَتَرَسَّبُ بِرُوحِكِ الْعَشْتَار/ فَلَا يَشْتَعِلُ الْعَوْسَجُ .. بِتَــلَـعْــثُــمِــكِ! (ص21)
هنا حالةٌ وجدانيّةٌ نافرةٌ تتداخلُ فيها الرّقّةُ بالخشونةِ، حيثُ الرّبطُ بينَ الفقدِ وجُملةِ المَعارفِ الإنسانيّةِ، ليُصبحَ المَعنى ليسَ مُجرّدَ شيءٍ تُعبّرُ عنهُ، وإنّما شيئًا تُنتجُهُ. هكذا كانَ للأسطورةِ حضورُها اللّافتُ، فقد ظلّتْ شاغلًا مِن شواغلِ عِلم النفس، يَسْهُلُ تفَهُّمُهُ للإنسانِ، وتحليلُهُ لبواعثِ أعمالِهِ وكوامنِ غرائزِهِ، والكشْفِ عن عقلِهِ، ما دامتِ المعاني تُستمَدُّ مِنَ المعاني اللّاشعوريّة في النفس، ما جعلَ القصيدةَ تسترجعُ التّراكماتِ التّاريخيّةِ الّتي تعتملُ في نفسِ الشّاعر، عندما يُوازنُ بينَ الموتِ والحياة/ السّلبيّ والإيجابيّ، وهيَ تُعالجُ قضايا الوجودِ الإنسانيِّ بنَوازعِهِ وأفكارِهِ، وتُشكّلُ حقيقةَ أزمتِهِ الوجوديّة، إذ استوعبَتْ قلقَ الإنسانِ الأزليِّ الّذي يَرنو للتخلُّصِ مِن وجعِهِ، عبْرَ الاندغام والسياحةِ بها والذوبانِ في عبيرِها، وهوَ ما بَرَزَ جلِيًّا لأكثرَ مِن مرّةٍ كما نرى في قوْلِها:
فِي عَبِيرِ نَهْدَيْكِ.. أَسُوووووحُ/ فيُمْطِرَانِنِي شَوْقًا .. يَتَّقِدُنِي/ وَأَذْرِفُكِ .. عِطْرًا مُتَفَرِّدًا (ص12)
لَكَمْ يَسْتَهْوِينِي/ تَــ فْـــ كِـــ يـــ كُـــ كِ/ قَبْلَ أَنْ أُعِيدَ إِلَيَّ .. لُـــحْـــمَـــتَـــكِ (ص28)
وَلَمَّا يَزَلْ طَعْمُ نَهْدَيْكِ/ عَلَى لِسَانِي .. مُذْ كُنْتُ رَضِيعَكِ/ وَلَمَّا أَزَلْ.. أَفْتَقِدُ بَيَاضَ حَلِيبٍ/ يَدُرُّ شَبَقًا عَلَى شِفَاهِي! (ص38)
التناقضُ بينَ التّواطؤِ والرّفضِ كما الاندغام بينَ الرغبةِ والنفور، تكثيفٌ للصّورةِ الشّعريّةِ لتُصبحَ تعبيرًا عن واقعِ العلاقاتِ القائمةِ، لا عنِ الواقعِ النفسيِّ للبطل/ العاشق، وهو ما أبرزَتْهُ هذهِ النّصوصُ بجَلاءٍ، كوجهٍ مِن وجوهِ العالمِ الشّعريِّ للشاعرة آمال عوّاد رضوان مُتعدّدةِ المَلامحِ، فهي تَجمعُ وتَشُدُّ تلكَ التّناقضاتِ المُتناثرةَ عبْرَ قصائدِها ضمنَ هذا الدّيوان، لتَصِلَ بها إلى عالمٍ كُلّيٍّ كاملٍ، لا يُصبحُ حاصلَ جمْعِها، وإنّما حاصل جدَلِها، ومِن ثمّ تَعميقها وتطويرها بالمعنى الأكمل، كرؤيةٍ شاملةٍ للوجودِ العامّ حيث "الحبّ/ الكراهية/ الرضوخ/ التمرّد/ الملل والتحفّز/ ثمّ التوهّج والانطفاء"، كذلك رؤية العالمِ الداخليّ والخارجيّ معًا، وما يربطُ بينهما مِن صفاءٍ وامتدادٍ للصورة الرؤيةِ والرؤيا الصورة.
الاعتمادُ على الأسطورةِ هنا وأسطرةِ الحدَثِ جعلتِ الفكرةَ أكثرَ مرونة للمتلقّي، حيثُ أنّ إحدى تجلّياتِها السعيَ لبلوغ الإحساسِ بالحيرة والقلق في مواجهةِ أمثال تلك الظواهر، كما برزَ في قصيدتِها "اختلاسُ آمالي":
بِوَحْشَةِ ضَوْئِكِ الْفَائِرِ/ أَرْسمُنَا دَوَائِرَ تَتَحَالَقُ/ وَ.. أُحَلِّقُ حُرْقَةً/  أَ~ تَـــ~لَــــ~وَّ~ى/ وَ ../ أَ ~ تَـــ~ لَــ~ وَّ~ عُ/  فِي قَفَصِ النِّسْيَانِ! (ص48)
ولكي يَنهلَها نهلةً نهلةً كما جاءَ على لسانِها في "مُهرةِ بوْحي"، كانت الرغبةُ أكثرَ وضوحًا:   فَمَا أَرْوَعَكِ .. أَيَا مَاهِرَةَ الْبَوْحِ/ أَنْهَلُكِ.. نَهْلَةً نَهْلَةً .. وَلَا أَرْتَوِي (ص51-52)
الأسطورةُ مَرجعيّةٌ مشتركةٌ هي لغةُ الوجدان كما في هذا النصّ الفائر، حيثُ حضورُ عشتار/ أنانا/ الزهرة التي اختارت التضحيةَ، وذلك بنزولها إلى العالم السفليّ، لتُعيدَ روحَ الخصوبةِ من جديد، ولكي لا يتوقّفَ النّسلُ، عادتْ من عالم الموتى، وضَحّتْ بعشيقها ديموزي/ تموز، وهي خصوبة لن تكونَ إلّا بالتضحية والاندغامِ لكليهما معًا (أناها وأناه)، لذا يَطلبُ منها أن تتيحَ له فرصةَ التحليق بأجنحتِها، وهنا أرفعُ مقاماتِ التقمُّص الوجديّ والاندغام، كحالةِ عبورٍ مِن مرحلةٍ إلى أخرى، أو اضطرابٍ يعقبهُ سكونٌ وعقاب، كما جاء في أسطورتَيْ (أرتيميس وأوزوريس)، حيثُ تشيرُ الأسطورةُ فيهما الى امتزاجِ الحُبّ بالاضطراب وبالصراع والموت، وأحيانًا بصخب التحوّلِ ولقاءِ المفاهيم المُتعارضة، حيث الموتُ والحياةُ مِن جديد، وإلى درجةِ الذوبانِ الكامل.
أَنَا/ مَا كُنْتُ .. مِنْ رُعَاةِ الْغَيْمِ وَالسَّمَاوَاتِ/ فَــفِي أَثِيرِكِ الْحَرِيرِيِّ/ أَتِيحِي لِيَ التَّحْلِيقَ/ بِأَجْنِحَتِكِ الْعَاجِيَّةِ! (ص7)
هكذا طفحَتِ التأويلاتُ بالوحشة والألم، دون أن تفقدَ هيبةَ الحضور في النصّ، ودونَ معانقةِ العراءِ الذي يَدفعُ للعزلةِ القاتلة، وهي تأويلاتٌ تعانقتْ بقوّةٍ مع سيرة الذات، وهنا التضحية بالمحبوب أوّلًا ثمّ بالحبيبة ثانيًا، ولامستِ المشتركَ التاريخيَّ والإنسانيّ، كما وتلاقحتْ مع جُملةِ الكائناتِ والمُكوّنات، حيث الغيمُ والسماواتُ وفصولُ البنفسج/ وبذلك عالجتْ قضايا الوجودِ الإنسانيّ بنوازعِهِ وأزماتِهِ الوجوديّة، حيث استوعبتْ قلقَهُ التاريخيَّ الأزليّ/ الموتَ والحياةَ والبعثَ، ما ساعدَنا على اكتشافِ الدهشة/ الذهول من منطلقِ الحُبِّ والخوفِ والاندغامِ بهِ وعَبرَهُ ومعَهُ، حيثُ برَزَ حُلمُ التجاوز هدفًا بعيدَ التحقيق، ما جعلَ العمليّةَ الإبداعيّة وأبقاها هاجسًا خرافيّا وعذبًا. لقد اتّضحَ لنا بجلاءٍ أنّ هذا النصَّ فِعلٌ شِعريٌّ شعوريٌّ، من الممكن قراءتُهُ في كلّ مرّةٍ بشكلٍ مختلف.
التوازنات والتوازيات بين الحُلميّة والتأويل: الإبداعُ الأصيلُ يبقى مُقيمًا في الذاكرة، حيثُ الحفاظُ على الكينونةِ من الانمحاق، ولتفعيلِ الفعلِ الإبداعيّ على مستوى الشكلِ والموضوع، فالنصوصُ هنا ومنذُ البدايةِ تُدافعُ عن نفسِها، وهكذا تتجدّدُ في كلِّ اتّجاهٍ، وتنحازُ للتّناغُم الكونيِّ داخلَ الذات، كما تُؤكّدُ لوحةُ القصيدةِ "أُقَشِّرُ لِحَاءَ عَتمَتِكِ":
مُنْذُ ظَمَأٍ بَعِيدٍ/ وَأَغْبِرَةُ صَمْتِي/ مَا نَفَضَهَا شِتَاءُ دَلَالِكِ!/ أَعِينِينِي عَلَى ظَمَئِي/ وَلَا تُصَافِحِي بِالنَّارِ .. سَبَئِي! (ص22)
أَيَا قَصِيدَتِي الْخَالِدَةَ/ دَعِينِي .. أُقَشِّرُ لِحَاءَ عَتْمَتِكِ/ أُضِيءُ كُلَّ تَفَاصِيلِكِ/ لِتُكَلِّلِينِي بِالْفَرَحِ (ص23)
هكذا ترفعُ فلسفةُ آمال الحُلميّةِ رأسَها عاليًا، رافضةً العودةَ إلى الماضي. إنّهُ التوتُّرُ الشّاقُّ الّذي يُلامِسُ تَنبُّؤاتِ الإنسانِ، تَبِعًا لجدَليّةِ (النور- أُضيئُ تَفاصيلَكِ) و (الظلامُ- لحاءُ العتمةِ)، ومن هنا حضور/ الأنا/ وتَمركُزُها في جملة رؤى، و تموضعات على قاعدةِ حُلم آخَرَ لجنونٍ آخر. وإذا كانَ المعيارُ الأساسُ في التأويلِ هو إمكانيّة أن يحوزَ النصُّ على معانٍ مختلفة، وذلك بحسب استراتيجيّاتِ القراءة، حيثُ القلقُ النّابِهُ، والتعلّقُ بأفُقِ الفعلِ وأفقِ المعاني، ما يعني بروزَ التّشيُّؤ بشكلٍ لافتٍ، بحيث يُصبحُ التبعثرُ الرّؤيويُّ حالةَ تَشَظٍّ تُؤكّدُ رغبةً دفينةً في التبلور، ليدفعَ بحالةٍ نيرفانيّةٍ تتشكّلُ بالتّوحُّدِ المرغوب "الأدمزة والتعشتر"، والّذي عبّرتْ عنهُ الشاعرةُ لنفسِها/ وأحلامِها، مُعلّقةً بأستيتيكا جماليّةٍ سكونيّة، تُصبحُ تَشَظّياتُها ترميزًا للكثيرِ مِن القضايا/ امتزجتْ بها الشّاعرةُ إلى أن استطاعت الأنا/ أن تفرضَ نفسَها بقوّةٍ، كما في قصيدة "غمارُ أنوثَتِكِ الّتي أشتهي" والتي جاء فيها:
مُكْتَظَّةٌ بِـكَ ذَاكِرَتِي/ بـــ (حَبِيبِي) .. وبصَدَى صُدَاحِ يَمَامِكِ/ وَمَا فَتِئَتُ أسْتَيْقِظُ/ عَلَى تَنْهِيدَةِ (حَيَاتِي) (ص31)
حالةُ توليدِ المعاني هنا، تعتملُ فيها حالةُ كشفٍ لعالمٍ هو بحاجةٍ لذلك، وبوثوقيّةٍ تقفزُ خارجَ المفهوماتِ السائدةِ الّتي ترتبطُ بالصوتِ الخارجيّ، وفي نفس الوقتِ بالتعبيرِ عن حاجات الباطن، وهو ما أكّدتْهُ قصيدة "أَبْجِديني بجُنونِكِ":
نَهِمُ فَوْضَاكِ أَنَا/ كَمْ أَتَعَشَّقُ/ أَتَــــمَـــرَّغُ .. بِبَحْرِ جُنُونِكِ/ حِينَ أَنْفَاسُكِ/ تُنْبِئُنِي .. بِجُلِّ خَلَجَاتِكِ/ وَحينَ تَندُّ عَنْكِ .. شَهْقَةُ اشْتِهَاءٍ/ فَلَا أَنْطَفِئُ! (ص34)
قصائدُ "عَيْنُ دَهْرِي الْأَعْوَر" وحتّى "أيا صعداءِ عِشْقي"، مُرورًا بـ "أنا بَحْرُكِ الْغَرِيقُ" حالاتُ بوْحٍ نازفٍ حتّى الثّمالة، تنتظرُ المُقدّسَ ليُطفئَ اليأسَ والنّحسَ اللّذيْنِ يكتوي بهما وتتلبّسانِهِ، تُبرزُها ببساطةٍ طفوليّةٍ لحالاتٍ مِنَ التّصالحِ مع العالمِ والتّمرُّدِ الكائنِ خلفَ الرّضا، حيثُ وهْمُ الحرّيّةِ، والفَرح، والبراءة، ثمّ العزلة والضّجَر، بحيثُ خضعَتِ القصائدُ لشبكةٍ مُعقّدةٍ مِنَ التوازياتِ والتوازناتِ والتناقضات، لتختلطَ فيها الغنائيّةُ بالمَلحميّةِ وبالخطابيّة، وأيضًا بالتّأمُّل الذي يُشكّلُ عالمًا مُتعدّدَ الأبعادِ والأعماقِ والمستويات، وهو ما بَرَزَ جَليًّا في قصيدة "مُشْتَهَاتِي":
وَلَمَّا يَزَلْ طَعْمُ نَهْدَيْكِ/ عَلَى لِسَانِي.. مُذْ كُنْتُ رَضِيعَكِ/ وَلَمَّا أَزَلْ.. أَفْتَقِدُ بَيَاضَ حَلِيبٍ/ يَدُرُّ شَبَقًا عَلَى شِفَاهِي!/ مَا أَفُلَتِ اللَّذَّةُ.. فِي رَعْشَتِهَا/ وَمَا اكْتَنَزَ ارْتِوَاؤُهَا.. إِلَّا بِتَعَطُّشِكِ الصَّامِتِ (ص38)
آآآآآآآآآآه/ نَشْوَةُ آهَتِي الْمَكْتُومَةُ/ مُتْخَمَةٌ.. بِلَدْغَاتِ تَجَاهُلِكِ!/ وَتَظَلُّ خَيَّالَةُ جُنُونِكِ .. نَبْعَ مُشْتَهَاتِي!(ص39)
يبدو أنّ الفرارَ هنا نوعٌ مِن الخلاص، وإن اتّخذَ شكلَ التأرجُحِ وحيدًا على خطّ الماء، وهو خلاصٌ في نفسِ الوقتِ يَحُثُّ عمّا يَنفي هذا الخلاص، بما هو خلاصٌ قائمٌ على الفرارِ إلى الغربة، بَعيدًا عن الوطن والمُراوحةِ بين الوحشة وأشياءِ العالم، ولكنّها في نفس الوقتِ شرط العثورِ على النّفي الّذي يَمنحُ السكينةَ والسلام، وهو ما أبدَتْهُ وأبرَزَتْهُ بشكلٍ جَليٍّ قصيدةُ "سَمَائِي تَتَمَرَّغُ في رَعْشَةِ أمْسِي":
أَيَا مَلِيكَتِي/ هَا قَدْ بَدَأَ .. فَسَادُ الدَّهْرِ/ وَلَمَّا تَزَلِي .. أَزَلِيَّةً/ أَبَدِيَّةً .. فِي مَمْلَكَتِي الْجَبَلِيَّةِ/ شِعْرُكِ .. خَرَائِطِي .. رُوحُكِ .. بُوصَلَتِي/ فَلَا تَقْلِبِي .. ظَهْرَ النَّهْرِ/ وَ بَـ~يْـ~نَ ظِلَّيْنَا/ دَعِيهِ يَــــجْــــرِي/ لِأُتَــوِّجَــكِ.. مَلِيكَةَ كُلِّ الْكَوْنِ (ص62)
هذه اللغةُ المُكثّفةُ تَكتنفُها روحٌ صوفيّةٌ مُتألّقةٌ ومتأنّقةٌ (لمنظور) جماليٍّ دائريّ ولا نهائيّ (للعلاقاتيّة)، تؤكّدُ انحيازَها الروحيَّ للتناغم الكونيِّ داخلَ الذّاتِ، وذاتُها تَلهثُ بعشقٍ لا يَنقطعُ عبْرَ اتّساعِ عوالمِ الوعيِ الفسيحةِ، والتّوحُّدِ بلحظاتِها كما في "سَادِيَّتِي" وَ "مُجَوَّفٌ لَيْلِي" و "أَكْدَاسُ وَقْتِي":
*أَيَا سَادِيَّتِي*/ أَفْسِحِي لِي .. وَلَوْ مَوْطِئًا أَوْ وِسَادَةً/ تَتَعَكَّزُ عَلَيْهَا بَقَايَا رُوحِي/ فَمَا أَنَا.. سِوَى كَوْمَة طِينٍ/ تَنْتَظِرُ عَلَى قَارِعَةِ مَدَارَاتِكِ! (ص69)
مُذْ غَادَرَتْنِي .. غُدْرَانُ مُحَيَّاكِ/ انْطَفَأَتْ .. ذُبَالَاتُ عَيْنَيَّ! (ص75)
لَا.. لَنْ أَتُوبَ عَنْ ظَمَئِكِ../ وَالشَّهْوَةُ.. عَيْنُهَا أَنَا/ هَا جَسَدِي الْمَلْدُوغُ/ بِاللَّهَبِ يَكْتَنِزُنِي.. وَبِالْقَصَبِ يَلْكُزُنِي! (88)
ولأنّ الشّعرَ سَلسبيلٌ عذبٌ يَجري في الشاعر مَجرى الدّمِ في العروق، ويَمتزجُ معَ عصارةِ قلبِهِ، يَخرجُ مُضرجًا بعناءِ التّوتُّرِ، جاعلًا رمزيّتَهُ وتأوُّهاتِهِ أنفاسًا قاتلة، وبصماتُ مَشاعِرهِ تتوحّدُ فيهِ قدرةُ البَصرِ معَ قدرةِ البصيرة، ويَرفعُ الملموسَ إلى غير الملموس، فتمتزجُ الحالاتُ في إضاءاتٍ خلّابةٍ تُعانقُ الرّوحَ والوجدان، كما في قصيدةِ "مُهْرَةُ بَوْحِي" الّتي أوضحتْ أنّ الشاعرة هي قارورةُ الشّعرِ والحُبِّ المُرافِقِ في الحياة، والتي جاء فيها:
أَيَا مَلَاذِيَ.. وَمَلَاذِّي/ فِي مَصَبَّاتِكِ.. أَتَجَاسَرُ/ وَتَتَرَاقَصُ تَدَاعِيَاتِي/ كَأَنَّكِ فِي تَزَاوُجٍ بِي (ص39)
يُدَاخِلُنِي ضوْؤُكِ.. يُخَارِجُنِي ضَوْعُكِ/ وَتَجْعَلِينَنِي.. أُفُقًا نَاعِسًا/ يَتَأَبْلَسُ.. وأَتَنَرْجَسُ
 إِلَى شِغَافِ أَقْصَاهُ/ وَأَتَعَمْلَقُ.. مُحِيطًا نَاضِحًا/  فِي بَوْحِ مَدَاهُ! (ص51)
لقد اعتمدَ هذا النصُّ الغرَقَ في تفاصيلِ البوْحِ الّذي يجبُ أن يكونَ وأن يُقال، وهنا علاقةٌ جدليّةٌ بينَ الفِعلِ والمفعول، حيثُ يُمازِجُ الأنا/ معَ/ أناها/، وفي نفس الوقت مع الأنا الأخرى المُغامِرة، حيثُ يَبرزُ التّضادُّ المَعرفيُّ والحكمةُ الهادفةُ القائمةُ على علاقةٍ تَبادُليّةٍ، بينَ مُقوّماتِ العملِ وما يَعتملُ داخلَهُ، حيثُ يَبيتُ التّباعُدُ والتّقارُبُ على حدٍّ سواء، كما يتّضحُ في قصيدتِها "وَامْتَطَانِي قَلْبُكَ": 
أَنَا.. مَنْ أيْنَعْتُ مَدَادًا مَنْحُوتًا/ فِي مُتَّكَأِ حُضُورِكِ/ امْتَطَانِي الْقلْبُ.. إلَى ضِفَافِكِ الْعَذْرَاء!/ وَثْبَةً.. وَ.. وَثْبَةً.. وَ.. وَثْبَةً/ وَ.. أَدْنُو مِنْ مَوَاسِمِ قِطَافِكِ!؟ (ص90)
إذا كانت اللغةُ هنا مُوظّفةً جَماليًّا، فإنّ المعنى ليسَ مُجرّدَ شيءٍ تُعبّرُ عنه، وإنّما هو فعلًا شيءٌ تُنتجُهُ، هكذا أغرقَتِ القصيدةُ المُتلقّيَ في بحرٍ مِنَ الاتّجاهاتِ الّتي تفيضُ بتشّظياتِ المعاني، وتؤكّدُ أنّ شاعرتَنا أبدعتْ في مُناجاةِ العاشقِ والبوْحِ عن حُبِّهِ حُبَّها، كحالاتٍ لها امتداداتُها الحاليّةُ، رغمَ خروجِها مِن حالاتٍ سابقةٍ تَمثّلتْ في الترَهُّلِ والتّزلُّجِ على التّلاعب بالألفاظِ وتطويع الكلمات، لكنَّ المُفاجأةَ تَمثّلتْ فيما حمَلتْهُ قصيدةُ "مَلِيكَةٌ كِنْعَانِيَّةٌ"، والّتي أكّدتْ مِن جديدٍ أنّها (إنانا/ عشتار) ابنةُ النّسماتِ الّتي يَخلقُ طريقَها بنسماتِ حيفا، وجُبِلَ جسَدُها مِن طينِ البشارة، وهي ترفُلُ في الجنّةِ مُحدّقةً في عيونِ الجليلِ حيثُ جاءَ منها:
مَا أُحَيْلَاهُ مُرَّكِ .. يَا ابْنَةَ النَّسَمَاتِ/ كَأَنَّ رَحِيقَكِ .. تَخَلَّقَ مِنْ نَسِيمِ حَيْفَا/ يَسُوقُ النَّسَائِمَ أَيْنَمَا شَاءَ/ لِطِينِ الْبِشَارَةِ نَاصِرَتِي/ لِتَجْبِلَكِ عُيُونِ الْجَلِيلِ فِي الْجَنَّةِ! (ص100)
مانفيستو اللغة رؤى.. و رؤى: هكذا تمتدُّ النّصوصُ العاشقةُ لاهثةً، وكلّما أومضتْ برقتْ إضاءاتُها الفجْريّةُ، فوصلتْ إلى حديقةِ قلبِها وهي تُهاتفُ أبجديّتَها الخاصّةَ بها، لهذا ظلّتْ تُردّدُ شمسَها وتستقطبُ اختياراتِها الداخليّةَ والخارجيّة، عبْرَ لغةٍ اختزلتْ عواطفَها الفائرةَ وازدحامَ اللّاشعورِ بالأحداثِ المُكتنزةِ المُعقّدة والمرجُوّة، كتعاويذَ تُحرّكُ الألفاظَ كما تشاءُ، حيثُ اعتمادُها على قوى نداء/ الأنا/، ممّا أدّى إلى الخلقِ المُستحكم بما يَستفزُّ الوجدانَ ويَشدُّ الذّهنَ بتقاليدَ مرسومةٍ، عبْرَ أداءٍ هائجٍ يَمتدُّ نحوَ الانزلاق، لأنّها وحدَها مَن يَمتلكُ الارتقاءَ بهِ مِن ذلك الانزلاق، والذي اتّضحَ في "مَلَاحِمُ شَفَقِكِ النَّاعِسِ":
وَشِّي كُهُوفِيَ .. بِنَوَامِيسِ الضَّوْء/ فَلَا أُنْثَى تَمْلِكُ تَرْقِيَتِي سِوَاكِ! (ص114)
هذا النّصُّ المُنفتحُ بَرزَتْ لهُ أكثرُ مِن رؤيا، ما يعني أنّ لهُ حضورَهُ اللّافتَ المُنطلِقَ بقوّةِ الدفعِ الذاتيّ، كرغبةٍ دفينةٍ في التّبلوُرِ والحُلول، مُحَمَّلًا بشراسةِ المعاني الشخصيّةِ، وسلاسَتِها المُنضويةِ على طاقةٍ وعاطفةٍ عميقةٍ تَدفعُ إلى التّأمُّل، كما بَرزَ بشكلٍ جَليٍّ في قصائد "أُقَـشِّـرُ لِـحَـاءَ عَـتْـمَـتِــكِ" (ص22-24) و"غِــمَــارُ أُنُــوثَــتِــكِ الــ أَشْــتَــهِــي" (ص31-33)، مُرورًا بقصائد "أُنْثَى فَرَحِي" (ص25-27) و "أَبْــجِــدِيــنِــي بِــجُــنُــونِــكِ" (ص34-36)، والتي اندلعتْ إضاءاتُها الفجريّةُ الغجريّة، فوصلتْ إلى حديقةِ قلبِها وهي تُهاتفُ أبجديّتَها الخاصّةَ بها، لهذا ظلّتْ تُردّدُ شمسَها، وتستقطبُ اختياراتِها الدّاخليّةَ والخارجيّة، كما في قصيدة "سَمَائِي تَتَمَرَّغُ.. فِي رَعْشَةِ أَمْسِي" (ص62-64) والّتي ظهرتْ جليًّا في قصيدة "حَـرَائِـقُ حَوَاسِّي!" (ص127-129)، وقد جاءَ فيها ما يُؤكّدُ ذلكَ حيثُ تقولُ:
بَحْرٌ أَنَا/ أَبِمَائِكِ أَتَحَمَّمُ وَأَحْتَمِي!/ عَتْمَةُ الْوَحْدَةِ تُيَمِّمُنِي/ بِفِتْنَتِكِ.. تُبَلِّلُنِي/ وبحَرَائِقِ حَوَاسِّكِ.. أتَوَضَّأُ (ص127)
في هذا المَقولِ الشّعريِّ رأينا، كيفَ أخذتنا الشاعرة إلى عوالمَ ذاتيّةٍ صرفةٍ، حيثُ الذّاتُ تتربّعُ على عرشِ العمليّةِ الإبداعيّةِ المُمتدّةِ على طولِ مساحةِ العملِ بكاملِهِ، مُعبّرةً عن هواجسِها في الالتقاءِ بالآخَرِ المُحِبِّ والالتحامِ به.
على مِنوالِ هذهِ الشّعريّةِ الّتي تُشعرن الذاتُ شعريًّا، بأساليبَ تعبيريّةٍ في الجِدّةِ والخلقِ والحرارة، ترومُ الشاعرةُ ما تريدُ وهي تستلهمُ عن طريقِ الأسطرةِ كينونتَها مِن أجواءٍ صوتيّةٍ التحاميّةٍ مُفترَضةٍ، وكأنّها منذورةٌ لذلك، كما في "صَــدَى صَــوْتِــكِ الْــمُــقَــدَّسِ" (ص137):
بِهَسْهَسَةِ كُؤُوسِكِ.. تُغَمْغِمِينَ/ وَ~أَ~نْـ~ زَ~ لِـ~ قُ (ص137)
هذا النصُّ يُبرزُ حالةَ انزلاقٍ عِشقيٍّ لهُ سطوةُ الشّموخِ، دونَ أن تفقدَ هيبةَ الحضورِ في النّصِّ، حيثُ سقوطُ العراءِ وبروزُ وضوحِ الشامخ، وهي تُحاولُ اقتناصَ لحظتِها التاريخيّةِ ببراعةٍ، عبْرَ سردٍ إضافيٍّ / أضفى/ على المتنِ الشّعريِّ هيبةً جماليّةً مُدهشةً وفطريّةً، وهي تُحاولُ القبضَ على الشّبقِ والمُثيرِ، في محاولةٍ منها لاستعادةِ ذلكَ الإرث الوجوديّ المُمتدَّ في الذاكرة هدهدةً تتغنّى بذارَ طَلٍّ مُملّحٍ بَرزَ جليًّا في قصيدة "مَــوَاسِــمُ حَــنِــيــنِــي كَــفِــيــفــةٌ" (ص140):
هَا ابْتِسَامَتُكِ مَمْشُوقَة الْوَجَعِ/ هَدَلَتْ تُهَدْهِدُنِي/ وَتَـــنْـــعَـــفُـــنِــي/ بِذَارَ طَــلٍّ مُمَلَّحٍ! (ص140)
أَيَا نَرْجِسَ وَقْتِي الْمُحَنَّطِ/ أَعِيدِينِي إلَى صَوَامِعِكِ/ دُونَكِ/ سَمَائِي .. مَلْغُومَةُ الْغَمَامِ/ دُونَكِ/ رِيحِي مَشْلُولَةٌ/ ليْسَتْ تُزَوْبِعُهَا .. إِلَّا شَهْوَةُ حَرَائِقِكِ! (ص142)
الدّلالاتُ والآفاقُ وانزياحُ المَعنى: ونحنُ إذا ما تَطرّقنا إلى الدّلالاتِ ودوْرِها في تَبَدُّلِ المعنى، يتّضحُ لنا كيفَ أنّ المعنى عاملٌ مُشتركٌ بينَ البلاغةِ والدّلالةِ، إذ تطرأ على المعاني تبدُّلاتٌ عدّةٌ تَحْرِفُها عن التقليديّ، بوسائلَ وألوانٍ بلاغيّةٍ مختلفة، يتمّ فيها وعبْرَها انزلاقُ المعنى أو تَبدُّلُهُ، بطريقةٍ تُدخِلُ البلاغةَ في علمِ اللغةِ الدّلاليّ، حيثُ التّداخُلُ والتّنافُرُ بينَ المعنى المُعجميّ وذلك السّياقِيّ، وهنا يكونُ للشّعور/ غير المفارق للظواهر النفسيّة/، دوْرهُ كحدثٍ يَكشفُ بهِ الإنسانُ بطريقةٍ مباشرة لِما يَجري في نفسِهِ مِن عمليّاتٍ عقليّةٍ، كالأفكار والذكريات والعواطف، والذي اختصرَهُ الإهداءُ منذُ البداية، ما ساعدَ الشاعرةَ على تدوينِ مسيرتِها عبْرَ مُتوالياتٍ شعريّةٍ، تكشفُ عن المعاناةِ والرغبةِ الطافحةِ والمُتخيّلةِ لديموزي تجاهَ عشتار، ما جَعلها تلجأ إلى حُلمٍ جارفٍ وحنينٍ يافعٍ خفّاقٍ، أساسُهُ بَلورَةُ الكينونة عبْرَ تأويلاتٍ، أبرزُها الإرثُ المعرفيُّ الّذي برَزتْ تَشظّياتُه في:
*الأفق الذاتيّ والطقوسيّ: برزَ ذلكَ جليًّا في التقاطعِ الواضحِ بينَ طرَفَي الثنائيّة الـ "دموزي وعشتار"، عصبِ العمل برُمّتِهِ وما بينهما مِن حميميّةٍ وتَلاقُحٍ، كتَعبيرٍ فارقٍ يَقفزُ خارجَ المَفهوماتِ السائدةِ، كصوتٍ شعريٍّ مُتفرّدٍ، له مَلامحُ مغايرةٌ لِما هو مُتعارفٌ عليه كتعبيرٍ غيرِ تقليديّ، ما يُؤكّدُ أنّ العمليّةَ الإبداعيّة هنا تَدورُ في فَلكِ الذّاتِ المحليّةِ، بذاكرةٍ موْشومةٍ بالتّشظّي الداخليّ والحُلم الراغبِ في الالتحامِ، بفِعلِ عوامل رغبويّةٍ تاريخيّةٍ أسطوريّة، كانَ لها إسهاماتُها في إشعاعِ الحُبِّ والأملِ، مُطعّمة برؤيةٍ للعالم والإبداع، بكلّ قدرتها على تغذيةِ التأثيراتِ العميقةِ، وما يُحيطُ بها مِن وجودٍ، جوهرُهُ الذّاتُ الّتي بدونِها لن تستقيمَ العمليّةُ الإبداعيّةُ. لقد ظلّ الجسدُ يَفرضُ ذاتَهُ عبْرَ جُملةٍ مِنَ النّصوص، حيثُ نيرانُ الرغبةِ الّتي تدخلُ عالمَ الأسرارِ طواعية:
أَمَامَ اشْتِعَالِ اشْتِيَاقِي/ أَأَظَلُّ .. أَتَضَوَّرُ شَهْوَةً؟ (ص4)
فِي عَبِيرِ نَهْدَيْكِ .. أَسُووووووحُ/ فيُمْطِرَانِنِي شَوْقًا .. يَتَّقِدُنِي (ص12)
أَنْهَلُكِ.. نَهْلَةً نَهْلَةً .. وَلَا أَرْتَوِي (ص51-52)
وَلَمَّا يَزَلْ طَعْمُ نَهْدَيْكِ/ عَلَى لِسَانِي .. مُذْ كُنْتُ رَضِيعَكِ (ص38)
هنا يتّضحُ لنا اللّقاءُ بينَ مَعنيَيْن؛ المَعنى المادّيّ الصّارمِ، والمعنى المَعنويِّ المُثيرِ  لماهيّةِ الشيءِ وجدَليّتِهِ، وبينَ المُفردة والمفردةِ أمورٌ حياتيّةٌ (غامضةٌ واضحةٌ) و (واضحةٌ غامضةٌ)، تستبقُ حالَ الشاعرةِ النفسيِّ، وهيَ تتحدّثُ على لسانِ ديموزي فتتعشترُ له، ما يجعلُ الأفقَ الطقوسيَّ حاضرًا بقوّةٍ، حيثُ الأسطرةُ ذاتُ الحضورِ البارزِ، فهذهِ الطفلةُ الخضراءُ الفينيقيّةُ المُتوقّدةُ /الشاعرة/ بالأحلام المستحيلة، تعزفُ تلكَ الأحلامَ/ وجْدَها/ حُزنَها/ رغبتَها/ بتوَحُّدٍ صوفيٍّ لافتٍ، كما جاءَ في سيرتِها الذاتيّة، يتقمّصُ هذا التّوحُّدُ تراثَ أرضِها الجيوتاريخيِّ، الممزوجِ بصلصالِ هواها المُلفّعِ بالعشقِ الجنونيِّ للعطاءِ اللّامتناهي الّذي تريدُهُ كناسكةٍ، تأخذُها فتنةُ الكتابةِ/ التأمُّلِ وهي تقطفُ عنبَ اللّهفةِ وتَمْرَ المعرفة، فكانَ المزجُ بينَ أسطرةِ الذّاتِ لذاتِها والأسطرةِ الّتي مثّلتْها بشكلٍ جليٍّ قصيدةُ "أُدَمْـــوِزُكِ.. وتَــتَــعَــشْــتَــرِيــن" (ص9)، وكأنّها استرجاعٌ لعشقِ قيس دموزي/ لليلى عشتار، أو روميو لجولييت/ الّتي يَطمحُ كلٌّ منهما أن تُرتّبَهُ:
أُدَمْــــــوِزُكِ .. وتَـــتَـــعَـــشْـــتَـــرِيـــن/ أُلْقِي عَلَيْكِ .. مَلَاءَاتِي الْخَضْرَاءَ/ فَتَسْتَعِيدُ أَعْشَاشِي/ تَـرْتِـيـبَ عَـصَـافِـيـرِهَا/ وَتَتَسَرْبَلينَ .. أَنْهَارَ خُصُوبَتِكِ! (ص21)
لتَتَسَرَّبَ فُصُولُ الْبَنَفَسْجِ/ وَتَتَرَسَّبُ بِرُوحِكِ الْعَشْتَار/ فَلَا يَشْتَعِلُ الْعَوْسَجُ.. بِتَــلَـعْــثُــمِــكِ! (ص21)
الشاعرة هنا/ عشتار/ ليست مفعولة بل فاعلة/، دموزي كوْنُهُ الذي يَتدَمْوَزُ وهي التي تتعشترُ، وبذلكَ تَبيتُ فاعلًا يَملكُ زمامَ المبادرةِ، خارجَ القصيدةِ والعلاقةِ القائمةِ فيما يَجري بينَ إشاراتِ النّصوصِ الّتي تُؤكّدُ حقيقتَها، عبْرَ طرْحِها لجُملةٍ مِنَ الأسئلةِ المبطّنةِ ذاتِ الفاعليّةِ الإجرائيّةِ، الّتي راكمَتْها المعرفةُ الإنسانيّة، وهي تبحثُ في أفقٍ إبداعيٍّ مفتوحٍ على شِعريّاتٍ مُجدّدةٍ ومُتجدّدةٍ، تَساوُقًا معَ تطوُّرِ القصيدةِ الحديثة.
الأفقُ التّطويريّ: لكلِّ حرفٍ عندَ الشاعرة دوْرُهُ الّذي لا غِنًى عنه في الديوان، فلو نظرنا إلى النّصوصِ برَويّةٍ، سنجدُ أنّ تَطويعَ الحرفِ وتَمطيطَهُ أعطى الشّطرةَ الشعريّةَ بُعدًا زمانيًّا إلى الماضي والمضارع معًا، فالحرفُ عندَ الشاعرةِ ليسَ حرفًا عاديًّا، بل ارتكازًا لخدمةِ القصيدةِ، مِن حيثُ تغييرِ الدّلالةِ الشعوريّة للعبارةِ، وأثرها في نفس المتلقّي، مُحمّلة بموسيقى داخليّةٍ ناتجةٍ عن تناسُقِهِ مع غيره مِن الحروف، وقد برزَ ذلكَ في عمليّةِ التّلاعُبِ بالألفاظِ، ما يعني، أنّها انتمتْ في هذا إلى المدرسةِ الحداثيّةِ المُتطوّرةِ بشكلٍ واضح، حيثُ التقطتْ خيوطَها، وطوّعتْ إشعاعاتِها بجدارةٍ كما نرى في:
أَحْلَامِي مُعَلَّقَةٌ ..  بَــ ~~ يــْـ ~~نَ .. وُعُودِكِ الْمُؤَجَّلَةِ (ص4)
أَرِفُّ .. أَتَلَأْلَأُ .. وَيَفُوحُ عُشْبِي .. بَلَلًا! (ص8)
أَمْطِرِينِي .. وَلْيَحْمِلِ النَّاسُ الْمِظَلَّاتِ (ص9)
وَبِلَا آلَامٍ .. يَأْتِيهَا الْمَخَاضُ يَسِيرًا (ص11)
فِي عَبِيرِ نَهْدَيْكِ .. أَسُووووووحُ (12)
دَفِيئَتِي .. الْـــ .. عَامِرَةُ بِالْآهَاتِ (14)
مِنْ حَيْثُ تَكُونُ لَذَائِذُهُ .. فِي انْتِظَارِنَا (ص23)
فِي مَدَااااااااكِ الْبَعِيــــــــــــــــــــــــدِ (ص70)
اشْـــتِـــعَـــالَاتُ أَحْـــلَامِـــي (ص72)
لِلْمَقَامَاتِ.. سُبُلٌ مُقَدَّسَةٌ (ص84)     
فَغَدَا مَلَاكًا (ص100)
وَيَا أَشْهَى.. مِنْ إِطْلَالَةِ صُبْحٍ (ص100)
بَلِ اُنْقُشِينِي .. قَصَائِدَ صَلَاةٍ (ص125)
أَنَا دُونَكِ "لَا هَارِبَ لِي وَلَا قَارِبَ" (ص134)                                                               على كلّ حالٍ، لم تُبدع الشاعرةُ في اختيارِ الألفاظِ والحروف فقط، بل كان الإبداعُ الأكبرُ في اختيارِ العباراتِ وحرْفِ المعاني والكلمات، حيثُ التّنوُّعُ والمُحسّناتُ البديعيّة، والألوانُ البيانيّةُ، والمعنى، وطريقةُ بناءِ العبارةِ بما يَتناسبُ وسياق النصوصِ، ولِما تُريدُهُ الشاعرة كما سنرى.
التحوير                                   الأصل
*لِأَبْقَى .. عَلَى قَيْدِ الْبَرْقِ! (ص8) --------  *لِأَبْقَى .. عَلَى قَيْدِ الحياة!
*دَعِينِي .. أُقَشِّرُ لِحَاءَ عَتْمَتِكِ (ص24)------ *دَعِينِي .. أُقَشِّرُ لِحَاءَ شجركِ
*هَيَّأَ لَهَا طُقُوسَ الطَّرْحِ (ص40) ---------- *هَيَّأَ لَهَا طُقُوسَ الفرَحِ
*إِلَى أَقْفَاصِ سَعْدِي (ص41) ------------ *إِلَى أَقْفَاصِ صدري (ص41)
*هَالَتُهَا قَارُورَةُ شِعْرٍ (ص49) ------------  *هَالَتُهَا قَارُورَةُ خمر
*مَوَاسِمُ حَنِينِي.. كَفِيفَةٌ (ص141) ---------- *مواسم عيوني كفيفة
*مُــجَــوَّفٌ لَــيْــلِــي (ص75) --------------- *مجنون ليلي
*هَا ابْتِسَامَتُكِ مَمْشُوقَة الْوَجَعِ (ص140) ------- *هَا قامتُكِ مَمْشُوقَة الْقوام
*اُقْطُرِي بُؤْبُؤِ جَرحِي نَدَى زَلَالًا وَاشْفِينِي! (ص123) *اُقْطُرِي بُؤْبُؤِ عيني نَدَى زَلَالًا
الأفقُ التّكامليّ: التّكاملُ الأسلوبيُّ المَعرفيُّ والرّؤيويُّ في هذا العمل واضحٌ للعيان، حيثُ يُشيرُ مفهومُ المُفارقةِ: إلى الأسلوبِ البلاغيّ الذي يكونُ فيهِ المعنى الخفيُّ، في تَضادٍّ معَ المعنى الظاهريّ وبشكلٍ حادّ، وكثيرًا ما يَحتاجُ ذلكَ إلى كدّ الذهنِ وشحْذِهِ في تأمُّلٍ عميقٍ، للوصولِ إلى التّعارضِ بينَ المعنى الظاهرِ، وذاكَ الخفيِّ الغائصِ في أعماقِ النصّ، وكشْفِ دلالاتِهِ وفضاءاتِهِ البعيدةِ، بما يَشُدُّ الانتباهَ إلى خلْقِ التوتُّرِ الدلاليّ في القصيدة، عبْرَ التّضادّ في الأشياء، والّذي لا يأتي فقط من خلالِ الكلماتِ المثيرةِ والمُراوغةِ في السّياق، بل عبْرَ خلْقِ الإمكاناتِ البارعةِ في توظيفِ مفرداتِ اللّغةِ العاديّةِ واليوميّة، وهنا يَبرزُ دوْرُ اللّغةِ الّتي هي عندَ الشاعرة ليستْ وعاءً للمعنى فقط، بل تَجاوزتْ ذلكَ، لِتُصبحَ رسْمًا شعوريًّا وربْطًا بينَ أكثر مِن ذات، رغمَ ما يبدو ظاهريًّا، حيثُ/ الأنا والأنا الأخرى/ فقط، وهي عمليّةٌ صعبةٌ، والأصعبُ فيها أن تحدثَ بامتيازٍ وعلى طولِ جسدِ الدّيوان، دونَ خللٍ بينَ ذاتيّتيْها، هكذا تظهرُ إشعاعاتُ الأفقِ التّكامليِّ المَعرفيّ.
ذاكَ الأفق الرُؤيويّ أبرزَتْهُ قصائدُ هذه المجموعةِ الّتي مثّلتْ وجهًا آخرَ مِن وجوهِ العالم الشعريّ المُعقّد، فهي تكتبُ تلكَ المَلامحَ المُتناثرةَ في جُملةِ قصائدِها، لتَصِلَ بها إلى عالمٍ كلّيٍّ لا يُصبحُ حاصلَ جَمعِها، بل حاصلَ جدَلِها وتَعميقِها وتَطويرِها بالمعنى الشّامل، هي بمعنًى آخَر؛َ رؤيةٌ شاملةٌ لكينونةِ الوجود/ الحُبِّ والتّلاحُمِ، حيثُ الاستمراريّةُ/ والعدم- الابتعاد عن التلاحم، ما يعني الالتحامَ التّكامُليَّ بينَ (السالب/ العاشق/ دموزي)، والمعشوق الموجب/ عشتار)، والامتدادَ نحوَ همومِ الإنسان بشكلٍ عامّ، فهيَ حكايةُ كلّ زمانٍ ومكان، حيثُ الاندغامُ المرغوبُ بينَ الأنا مع أناها الأخرى، بالانطلاق والتقدُّم نحو (الماء/ النهر/ الغيم/ النجوم/ الأقمار)، حيثُ رؤيةُ العالم الداخليّ والخارجيّ معًا صفاءً وامتدادًا للصوتِ الّذي يَتردّدُ مُتقطّعًا ومُختلطًا في النصوص، وكأنّهُ يَجترُّ نفسَهُ في كلّ مرّةٍ كما في قصيدة "رَعْشَةُ أمْسِي":
شِعْرُكِ.. خَرَائِطِي.. رُوحُكِ.. بُوصَلَتِي/ فَلَا تَقْلِبِي.. ظَهْرَ النَّهْر/ وَ بَـ~يْـ~نَ ظِلَّيْنَا/ دَعِيهِ يَــــجْــــرِي/ لِأُتَــوِّجَــكِ.. مَلِيكَةَ كُلِّ الْكَوْنِ (ص62)
بناءً على ما تقدّمَ، نستطيعُ التأكيدَ كيفَ حملتْ هذه النّصوصُ بكفاءةٍ مُثلى دهشةَ المفاجأةِ بدرجاتِها المُختلفة، والتي تستطيعُ الادّعاءَ أنّها أينعتْ مِن شجرةِ الحداثةِ الإبداعيّةِ، والّتي تجاوزتْ نصوصُها كلَّ ما هو كلاسيكيٌّ مُبتذَلٌ، في نصوصٍ تحملُ بكليّتِها ما هو أقربُ إلى الحرائقِ الّتي تَنشُدُ ضيقَ السّعةِ وسِعةَ الضّيقِ لصوْتيْنِ مُتنافريْنِ مُتداخليْن، (الشاعرة العاشقة) في صوتٍ واحدٍ (النصّ).
ولأنّ الشاعرَة كما ترى د. أسماء غريب هو الصّوتُ النّاطقُ للصّامتِ فينا، تَجنحُ نصوصُهُ للدّفاعِ نحوَ الاستيقاظِ الفَجريِّ للعشقِ المُلتهب، لذلكَ جاءَ النصُّ ليَبنيَ لغتَهُ مِن خلالِ التّدفُّقِ المُستحيل لكلِّ لذائذِ اللغةِ، كما يرى بارت، ومِن ثمّ يَبدو فردوسيًّا في بحْثِهِ عن فردوس الكلمات، وطوباويًّا دون مكان، الاختلاف فيه توافق، وتوافقه اختلاف، في تفاعلٍ شفّافٍ ومُطلق معَ الأنام، ودلالات المَسار للهُويّة الجماليّة، كما أكّدت القصائد التي تطرّقنا إليها، والمُرتبطةُ موضوعاتُها بعقدٍ واحدٍ/ تبتُّل دموزي لعشتار وعشقه اللّاهب لها، ما جعلَ الرؤيةَ الأنويّةَ هي الحالة المهيمنة على معظم قصائد الديوان، حولَ بوْح القصائد الّتي تسربلتْ برداءِ الذكورةِ الحالمةِ الطامحةِ للالتقاءِ بالأنوثةِ الناعمةِ الفاتنة، حتّى التوحُّش والشهرزاديّةِ في أغلب التّجسيدات، والذي يُشعُّ عبرَهُ نورُ القصائدِ الطاغي الوهّاج، فوقَ نقاطِ بياضِ الورق.
وأخيرًا، لا يَسعُنا القولَ سوى أنّ الشاعرة آمال عوّاد رضوان لديها تجربةٌ تقتحمُ عوالمَ إنسانيّةً رحبةً، تتوشّحُ بأسئلةِ الذات، وحُرقتُها مُتواشجةُ الانشغالِ الإبداعيِّ، الّذي يَرومُ الخَلْقَ والابتداع، ولا يَركنُ للسائدِ النمطيِّ في الشعريّةِ العربيّة، وبلغةٍ استطاعتْ عن طريق التكثيف والتبئير، أن تُؤطّرَ موْضوعَها العشقيّ/ الأدمزةَ والالتحامَ والتعشتُرَ، وتُحوُّلَهُ إلى قضيّةٍ فكريّةٍ تُوسّعُ معناهُ، باستحضارِ كلِّ حكايا العشقِ النظيفِ والشهرزاديّ، وتَحرُّرِ القارئِ مِن عسفِ التأويل، حيثُ تمتمةُ إحساسٍ واضحٍ بالإبداعِ الجميلِ المُكتملِ، كما رأينا في هذا العمل (أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعشْترين).

6
إكسال تحتفي بذاكرة الشتات!
آمال عوّاد رضوان
بدعوةٍ من مجلس إكسال المَحلّي والنّادي الثقافيّ  في إكسال في الجليل، حلّ الأديب سميح مسعود ضيفًا على إكسال الجليليّة، للاحتفاء بإشهار الجزء الثالث من كتابه "حيفا..بُرقة البحث عن الجذور، ذاكرة الشتات"، وذلك بتاريخ 4-5-2017، في قاعة المركز الجماهيري في اكسال، ووسط حضور من أدباء وأصدقاء ومهتمّين بالشأن الثقافيّ من إكسال والبلاد المجاورة، وقد تولّى عرافة الأمسية الأستاذ عمر دراوشة، بعد أن رحّب السيد عبد السلام دراوشة رئيس المجلس المحلي/ إكسال بالحضور، ثمّ تحدّث عن المنجز كلٌّ من: بروفيسور محمود يزبك، ود. جوني منصور، ود. سهيل أسعد، و حسناء دراوشة، وقد تخللت الكلمات غناء وعزف الفنان بشارة ديب على العود، وغناء الواعدة ريم شلبي، وقدّم الشاعر الكسلاوي محمد عبدالكريم دراوشة قصيدة شفويّة ومؤطّرة أهداها لد. سميح مسعود.
في نهاية اللقاء، شكر د. سميح مسعود الحضورَ وكلّ الذين سبقوه في الكلام، وأكّد على أهمّيّة إكسال في مجال بحثه عن الجذور الفلسطينيّة التي منها بدأ مسيرته، ومنها تعرّف على مدن وقرى كثيرة في الداخل الفلسطينيّ، وسبر فيها أيّام أسلاف رحلوا، والتقى برجال ونساء من نسلهم عبّروا عن اعتزازهم وفخرهم بجذورهم الضاربة في عُمق الأرض، والتقى بمجموعة منهم لأوّل مرّة في حياته برفقة صديقه المؤرخ د. جوني منصور في حيفا، والناصرة وعارة وعرعرة وشفاعمرو وعبلين ويانوح والجديدة ودير حنا وكفر ياسيف وأبو اسنان، ثمّ تشعبت دوائر بحثه في ذاكرة المكان، واتّسع بحثه في منافي الشتات في الجزء الثالث من ثلاثيّته، وتحدّث عن تعرّفه على مجموعة من الحيفاويّين في بيروت والرباط وهيوستن وديترويت وكالغري، زارهم في أماكن عيشهم في الشتات، ووجدهم يرتبطون بجذورهم الفلسطينيّة، ويحفظون في ذاكرتهم صورًا جليّة عن مُكوّنات مدينتهم حيفا، بكلّ ما فيها من خصوصيّة متميّزة، وفي نهاية المطاف شكر إكسال وأهلها على حفاوة الاستقبال، وتمنّى للأهل في الداخل مواصلة رفع راية البقاء والثبات والتشبّث بالتراب في أرضنا المحتلة.       
مداخلة عريف الحفل الأستاذ عمر دراوشة: الحفل الكريم أسعد الله أوقاتكم جميعًا، اسمحوا لي أن أرحّب بكم باسمي وباسم أهل إكسال وباسم جميع أعضاء النّادي الثقافيّ  في إكسال، بكلّ مَن حضر حفلنا هذا وجاء من كلّ حدب وصوْب ليُشاركَنا حفلنا هذا، قائلًا لكم أهلًا وسهلًا بكم جميعًا مع حفظ الألقاب، لقد حللتم أهلًا ووطئتم سهلاً . نحن اليوم بصدد الحديث عن الكاتب سميح مسعود من مواليد مدينة حيفا، وتعود جذوره إلى قرية  برقة من قضاء نابلس، قضى سنين طفولته متنقّلًا بين حيفا وبُرقة، حتى عام النكبة 1948 الذي تمّ فيه  التّرحيل القصريّ والتّهجير الجماعيّ، إلى شتات عامّ ودائم. عاش سميح مسعود في الغربة، واستطاع في هذا الشتات، أن يجعل من نفسه شخصاً مميزاً، تعلم من رحلة الشتات أن الحياة ليست بحثاً عن الذات، لكنها رحلة لصنع الذات، لذلك  فقد  جعل أبو فادي من نفسه شخصاً يصعب تقليده،فهذا التراث الأدبي الذي خلده في ثلاثيته،قدم فيه للإنسانية خدمة  هامة في مجال حفظ الذاكرة وحفظ التاريخ والعودة للجذور.                                                         
إنّ حنين كاتبنا إلى مسقط رأسه إلى مدينة حيفا، تجلّى جليًّا في عدّة مواقع من ثلاثيّته، ولم أجد سببًا لتسمية ثلاثيّته باسمها "حيفا.. بُرقة" سوى محبّته لمسقط رأسه وكرملها ووادي نسناسها وشوارعها، وحدائقها وأشجارها بعنبها وتينها ورمّانها، ومحبّته لمدرسة البرج التي تعلّم فيها أيّام طفولته، وقد طبّق أبو فادي فعليًّا وعاطفيًّا صحّة قول أبو تمام حين قال: نقّلْ فؤادَك حيث شئتَ مِن الهوى/ ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّلِ/ كم منزل في الأرض ألفه الفتى/ وحنينه أبدًا لأوّلِ منزل
إنّ مَحبّة أبو فادي لمسقط رأسه حيفا جعلته لا يرى في الدنيا سواها، وقد استحضرني في هذه المناسبة ما قاله الشاعر الفلسطيني المرحوم راشد حسين ابن قرية مصمص بهذا الخصوص: أبو فادي أنت مجنون ولن تشفى/ أمامك جنة الدنيا/ ولا ترى سوى حيفا؟ وفقك الله أديبنا الغالي وأمدّ الله في عمرك، وزادك صحّة وقوّة ذاكرة، لتقدّم لنا المزيد من نتاجاتك الجديدة. رئيس المجلس عبد السلام دراوشة، ومداخلات من السيدة حسنة دراوشة ابنة عمّة الكاتب، والبروفسور محمود يزبك، والدكتور سهيل أسعد، والدكتور جوني منصور، وكلمة الأديب سميح مسعود مؤلّف الكتاب الذي بيّن فيه، أنه بدأ رحلة البحث عن الجذور في إكسال التي تعرف فيها على خلف عمّته نجية حمدان بعد 61 سنة من الشتات، ومن إكسال تعرّف على جذور حيفاوية وبرقاوية في أماكن أخرى في منطقتي المثلث والجليل، وفي لبنان والمغرب وكندا والولايات المتحدة، سجّلها في ثلاثيّة من ثلاثة مجلدات،  لتبقى محفوظة في مجرى الأيّام، حتى لا تُنسى وتذكرها الأجيال القادمة، وتُحيي فيهم وعيًا دائمًا للحفاظ على هُويّتهم الوطنيّة.
كلمة البروفسور محمود يزبك: الحضور الكرام، يُسعدني اللّقاء بكم هذا المساء في إكسال بلد المحبّة والتآخي، ويطيب لي في مستهلّ حديثي  تقديم الشكر لمجلسها المحلي، لإتاحة الفرصة لنا لإشهار كتاب مُهمّ، بدأت سطوره الأولى في إكسال، ففيها بدأ سميح مسعود بحثه عن الجذور، وفيها نشهر اليوم ثلاثيّته "حيفا.. بُرقة البحث عن الجذور".                                                                                                                                 
والكتاب الذي نحن بصدده  على جانب  كبير من الأهمّيّة، لأنّ البحث عن الجذور يحتلّ موقعًا متميّزًا في حفظ الذاكرة، فإضافة إلى أهمّيّة موضوع الكتاب، فالجزء الثالث منه نُشهرُه في يوم يُصادف ذكرى النكبة، التي يعيش بسببها أغلبيّة الشعب الفلسطسينيّ في ديار الغربة والشتات، وهو كتاب يوثق ذاكرة المكان في حيفا وبُرقة وعشرات القرى في المثلث والجليل، وذاكرة المكان في عدّة دول أجنبيّة تتقاطع فيها مسارات عائلات حيفاويّة وبرقاوية  كثيرة، تنتمي إلى جذور غائرة في عمق الأرض الفلسطينيّة.                                       
لقد وُفّقَ سميح مسعود في التشبّث بكلّ ما هو فلسطينيّ بين دفّتي كتابه، وبحفظ الأسماء وذاكرة المكان والزمان، بدلالاتٍ ومضامينَ ثريّة، لها مفعولها الكبير في حفظ الذاكرة الجمعيّة الفلسطينيّة للأجيال القادمة. كتابُه ممتع، وأسلوبه يُذكّرنا بأدب الرّحلات، لكنه أكثر دقّة ومحاكاة للواقع، ومثلما أصبح أدب الرّحلات من أهمّ مصادر التاريخ، كذلك ستكون ثلاثيّة سميح مسعود. نتمنّى للصّديق سميح مسعود دوام العطاء، والاستمرار في بحثه عن الجذور، وإصدار أجزاء أخرى قادمة.                                       
مداخلة د. جوني منصور: حضور الوطن في كتاب سميح مسعود "حيفا... برقة" الجزء الثالث: يُطلّ علينا الكاتب د. سميح مسعود مجدّدًا في الجزء الثالث من كتابه "حيفا.. برقة"، وتحت عنوان فرعي "ذاكرة الشتات"، لينقلنا وسط ترحاله وتجواله ولقاءاته إلى أحداث وسِيَر أشخاص ذي صلة مع حيفا من قريب أو من بعيد، ورحلة الذاكرة في هذا الكتاب ليست محصورةً في حيفا مدينة الكاتب التي وُلد وعاش فيها عقدًا من عمره، إلى أن حلّت النكبة ومزّقت نسيج علاقته المباشرة مع هذه المدينة، إنّما منتشرة في أصقاع المعمورة حيث وصل إليها الفلسطينيون بأعدادٍ متفاوتة، بحثًا عن مأوى ومصدر عيش كريم.
 ليست مسألة الحفر في الذاكرة ترفًا ونزوة، بقدر ما هي درب آلام، يسير فيه الكاتب ومَن يرافقه بحثًا عن هذا الشخ، وعن حادثة جرت معه ومع قريبين له. خطة العمل ومسيرة هذا الجزء من "ثلاثية: حيفا.. برقة"، تؤكّد ارتباط أبناء حيفا بمدينتهم المنتشرين في بيروت واليرموك وعمان ومونتريال وشيكاغو والرباط في المغرب وغيرها من البلاد في العالم، والتي أصرّ الكاتب على الالتقاء بهم ليتحدّث معهم بتبادليّة الأفكار عن حيفا، وهذا ما يؤكّد بقاء المدينة في الذاكرة والوجدان الفلسطينيّ.
هذه التجربة المميّزة التي خاضها سميح مسعود تُبيّن لنا أهمّيّة التواصل الفلسطينيّ، مهما طال الزمان ومهما بعد المكان. فمرور الوقت لا يعني بالضرورة نسيان الانتماء إلى المكان الذي لنا به صلة قوية وعاطفيّة، ومهما فعل المشروع الصهيونيّ من محاولات ونشاطات، لتعميق نسيان الفلسطيني لماضيه وأرضه ووطنه، فإنّ هذا الكتاب يندرج تحت مسمّى "تثبيت الذاكرة وتحدّي هذا المشروع".
يأخذنا سميح مسعود في رحلة مثيرة عبر تنقّلاته في البلاد العربيّة وبالأخصّ في عواصمها، من خلال مقابلاته لحيفاويّين أو لأبناء وأحفاد حيفاويّين. ففي بيروت يلتقي مع الصحافيّة والإعلاميّة نورا البستاني حفيدة الوطنيّ البارع والأديب الأريب وديع البستاني، صاحب المواقف الوطنيّة والقوميّة الحاسمة والحازمة. ويلتقي مع العالم الكبير أنطوان زحلان ذي الباع المعروف بعطائه لمجتمعه وشعبه، ويستمع منه إلى ذكرياته عن حيفا بما تبقى منها رسوخًا في ذاكرته. وكان لقاؤُهُ المتميّز مع عبداللطيف كنفاني ابن حيّ البرج بحيفا، ومؤلّف كتاب "15 شارع البرج حيفا" الذي يعتبر من أهمّ السِّيَر الذاتيّة عن هذه المدينة، والذي يوفر لنا صورًا نراها ونلمسُها بأيدينا وعيوننا عن الزمن الجميل الذي عاشته حيفا، ولم يفقده أبناؤُها بالرّغم من فقدانهم لمدينتهم. ثمّ سلسلة لقاءاته في المغرب مع سعيد الحسن ابن طيب الذكر خالد الحسن المولود خارج الوطن، لكن الوطن مولود في قلبه وباق فيه، والحديث عن عائلة الحسن فيه الكثير من العِبر والمفاهيم والمعايير التي تُعزّز الانتماء ليس للمدينة بحد ذاتها، وإنّما من خلال المدينة للوطن الأكبر والأوسع، حيث إنّ مساهمة عائلة الحسن في خدمة المدينة وتطوّرها وأبنائها يشهد له التاريخ بتفاصيل كثيرة، وأبناء هذه العائلة الكريمة هم لبنة رئيسة في بناء ونموّ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة عبر الأجيال المتعاقبة إلى يومنا هذا.
أمّا لقاء مسعود مع منى معروف سعد فلا يقلّ أهمّيّة عن سائر اللقاءات والمقابلات، فهي ابنة المناضل المكافح الوطنيّ الشّهم الذي عاش في حيفا وعمل فيها، ثمّ تابع في لبنان بعد النكبة، مُعزّزًا الحضور القوميّ لهذا المناضل الذي دفع حياته في سبيل دفاعه عن فلسطين يوم استشهاده في 1978 في صيدا.
في حين أنّ اللقاء مع محمد عاطف نورالله في بيروت هو حلقة أخرى في مسيرة البحث عن الذاكرة المتبقّية عند ابن مؤسّس الحركة الكشفيّة الفلسطينيّة، فعاطف نورالله اهتمّ منذ فترة مبكّرة بوضع أسس النشاط الكشفيّ وتنظيمه، ليكون موازيًا ومتشابهًا مع التنظيم الكشفيّ الدوليّ الذي وضع أسسه بادن باول، وأن يكون هذا التنظيم لخدمة شباب فلسطين في حيفا ويافا وعكا والناصرة وسواها من مدائن فلسطين. وتمتلك العائلة مذكّرات عاطف نورالله المثيرة على ما أكدّه لي سميح مسعود، ولا بُدّ أن يأتي اليوم الذي تتمّ فيه خطوة إصدار هذه المذكرات، لتكشف المزيد من المعرفة عن أحوال حيفا في فترة الانتداب، وتسلّط الضوء على مُركّبات ومُكوّنات حياة المدينة في الفترة ذاتها.
وأثناء تواجده في كندا وتحديدًا في مونتريال، أصرّ الكاتب على لقاء المؤرّخة الحيفاويّة مي إبراهيم صيقلي، والتي تُدرّس في جامعة وين في آن أربر بالقرب من شيكاغو، ليستمع منها عن حضور حيفا المدينة في حياتها، لكن لم تنجح مساعيه ولم ييأس، ولِمَ اليأس ونحن في غمرة عصر التكنولوجيا؟ فالتقى معها عبر السكايب، مستمِعًا بتفاصيل دقيقة عن دور ومكانة حيفا في فترة الانتداب، وما أوردته مي صيقلي هو جزء ومُكوّن أساسيّ من أطروحتها لنيل الدكتوراة في جامعة أوكسفورد، والتي صدرت في كتاب يحمل عنوان "حيفا العربية" الصادر عن مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة ببيروت.
وكانت لقاءات بين الكاتب وأفراد من عائلة سعيد بدوان، وعلى وجه الخصوص مع الكاتب والمؤرخ علي بدوان في مخيم اليرموك، ولأنّ المخيّم يمرّ بظروف قاسية ومؤلمة، جرت اللقاءات عبر الهاتف، وزوجة سعيد بدوان هي لطفية عابدي شقيقة الفنان الحيفاويّ عبد عابدي وخالة الدكتور الكاتب ماجد خمرة. وهنا اللقاء مليء بالمشاعر والعواطف، لأنّه جمع بين أفراد العائلة الباقين في حيفا، والّذين تعرّف إليهم الكاتب من عدّة سنوات، وتوثّقت علاقته بهم وبين أفراد من العائلة ذاتها اللاجئين في سوريا، ولكن ما يجمع بين كلّ هذه التمزّقات مدينة واحدة اسمها "حيفا".
لقد كشف سميح مسعود من خلال لقاءاته ورحلاته ومقابلاته، أنّ اللجوء القاسي والمؤلم والقاتل في أحيان ما، ما هو إلاّ مُعزّز قدرة الفلسطينيّ على التّمسّك بذاكرته التي لا يمكن للغزاة سلبها منه. ووُفّقَ المؤلف بجمع قصص من اللجوء والشتات في مؤلفه هذا، مُعبّرًا من خلال فصوله على مواصلة الفلسطينيّ سعيه، للحفاظ على الترابُط والتواصُل بينه وبين أهله في الوطن، وبينه وبين وطنه. أشكر شخصيًّا أخي وابن بلدي د. سميح مسعود على هذا الكتاب الذي يؤكّد عزمنا على مواصلة مشوارنا نحو تعزيز وتعميق الذاكرة، حفاظًا على بقاء الوطن فينا وبقائنا في الوطن.
مداخلة حسناء دراوشة: لقد أورقتْ شجرةُ سميح مسعود، وأصبحتْ خضراء يانعة الأغصان وارفةَ الظلال، وعادت إليها العصافيرُ من شتى الأنحاء، لتبنيَ أعشاشها فيها وتنامُ في أفيائها، وذلك بعد أن بحث كاتبنا عن جذورها العميقةِ الضّاربةِ في عمقِ أرضِ هذا الوطن، وبعد أن سقاها محبّةً ومدادًا من قلمِه الذي لا يكلّ ولا يملّ، فأثمرت كتابًا جديدًا لملَمَ فيه ما استطاعَ من الأحبّةِ في الشّتات، ليبقوا في الذاكرةِ التي تأبى النّسيان.
ولمن لا يعرف سبب وجودي على هذه المنصّة في هذا الحفل الكريم، فالسّبب هو أنْ كان لي شرفُ إهداءِ الأديب الجزء الأوّل من هذه الثلاثيّة، وكم أنا شاكرة له على هذه الهديّةِ التي لا تقدّر بثمن، أمّا الآن فسأروي لكم قصّتي معه. الخال سميح مسعود حيفاوي المولد برقاوي الأصل، مغترب كالكثيرين من أبناء فلسطين، حيثُ أوصلُ الشتات إلى أقصى أطراف المعمورة في كندا، قرأتُ له مقالًا بعنوان "البحث عن الجذور" سنة 2009، في المنارَه التي أضاءت عتمة الدرب للعرب في هذه البلاد، ألا وهي جريدة الاتحاد، وكانت مرفقةً بالمقال صورة صغيرة لقرية بُرقَه الفلسطينيّة، وهي من ضواحي نابلس.
أثارني المقال الذي كتبَ فيه عن حيفا وعن بُرقة القرية التي أحببتها منذُ صِغري، لأنّ لي فيها جذور كثيرة، فجدّتي لأمّي "نجيّة الحمدان" كانت برقاويّة الأصل، وجدّتي لأبي "آمنه" من قرية بيت أمرين جارة برقة كان أخوالها برقاويّين. لقد كتب في المقال عن أسماء شخصيّات كنت أسمع عنها من جدتي "نجيّه" رحمها الله، التي تزوّجت في صباها من جدّي راغب شلبي، إذ كانت دائمة الحديث عن أهلها وعن أخوالها، وكانت معتزّةٌ بخالٍ لها اسمهُ فارس، وكان جزءٌ من المقال يتحدّثُ عنه، ولا زلت أذكر كلماتها عنهُ باللّهجة البرقاويّة" (انا خالي فارس المسعود بقى يحلّ عن المشنقه)، وهو من أعمام الكاتب.
عرفت وقتها أنّ مسعود قريب جدّتي، فبعثت له برسالة عبر البريد الإلكترونيّ أنا وأختي منى، وأخبرته من أنا، وشرحت له عن جدّتي، فتأكّد هو أيضًا من صِلة القربى له معها، فأصبحنا نتبادل الرسائل بشكل دائم، وبعد عدّةِ أشهر أخبرني أنّه سيأتي إلى عمّان، ولزيارة البلاد بفضل جنسيّتهِ الكنديّة، وأنّه قادمٌ لزيارتي. والتقينا لأوّل مرّةٍ في بيتي، ودعوت الكثير من أفراد العائلة ليتعرّفوا إليه، وكان اللقاء حميمًا، ومن هنا بدأت القصّة التي آمل ان لا تنتهي، فأصبحت لهُ كالابنه التي لم يُرزق بها، وأصبح كوالدي الذي فقدته.
ولم يعد طائر السنونو هذه المرّة وحيدًا، بل عاد ومعه سميح إلى حيفا مسقط رأسه. عاد كهلًا بعد أن تركها طفلًا في العاشرةِ من عمره، فبدأ يُفتّشُ في أحيائِها عن بيتهِ وعن أحبّةٍ ورفاقٍ وذكريات الطفولةِ الجميلة، فوجد البيتَ أطلالًا قد تهدّمَ جزءٌ منه، أمّا الذكريات فظلّت محفورة في قلبه، ولم يستطع المُحتلُّ مَحْوَها، وبدأ برحلةٍ جديدةٍ في البحث عن جذوره، فتحوّل المقالُ الى كتاب جمعَ فيه ذكرياته في زمن الطفوله والشباب، بين حيفا وبرقه وما بعدهما، فكان الكتابُ الأوّل سيرة لحياته المليئة بالأسفار والأحداث طولًا وعرضًا، والكتاب تحوّل إلى ثلاثيّة، نحتفلُ اليوم بثالثها، أتمنّى للخال المزيد من العطاء مِن نَبعهِ الفوّار كينابيعِ بُرقة، لأنّ ما ينفعُ الناسَ يمكُثُ في الأرض، وأختم حديثي بأبياتٍ من الشعر للشاعر العراقي محمد مهدي الجواهريّ، حين جاء زائرًا ليافا عندما كانت عروس البحر، أهديها لضيفنا الأديب ولكلّ فلسطيني هُجّر من وطنه، واستبدله بوطنٍ آخر مجبرًا: أحقًا بيننا اختَلَفت حدودٌ/ وما اختلفَ الطريقُ ولا الترابُ/ ولا افترقَت وجوهٌ عن وجوهٍ/ ولا الضادُ الفصيحُ ولا الكتابُ/ فَمِن أهلي إلى أهلي رجوعٌ/ وعن وطني الى وطني إيابُ.
مداخلة د. سهيل أسعد: عزيزي سميح، يسرّني ويُشرّفني أن أكونَ اليوم هنا في إكسال معكم، كي أشاركَ في احتفاليّة إشهار الجزء الثالث من كتاب "حيفا برقة.. البحث عن الجذور" لسميح مسعود، وقد شاركت في احتفاليّات سابقة لإشهار الجزء الأوّل والثاني، في النّاصرة حيث وُلدت، وفي حيفا حيفا حيث ترعرعتُ منذ نعومة أظافري، وفي بُرقة مسقط رأس والدي، أمّا إكسال فلها موقعٌ خاصّ، فمنها انطلقتْ حملة البحث عن الجذور لد. سميح مسعود.
بودّي مُصارحتكم، أنّه في الأيّام الأخيرة راودتني تساؤلات عن دوْري ومشاركتي في هذه الأمسية، فالسّادة محمود يزبك وجوني منصور هم أكادميّون وباحثون ولهم باع في هذا المجال، ولم يدُمْ تفكيري لمدّة طويلة، حتّى وصلت إلى قناعةٍ أنّ القاسم المشترك بيني وبين سميح كبيرٌ جدّا، فجذورُنا تجمعُنا، وكتابات سميح قرّبت ما بيننا، وكما كتب سميح في الجزء الثاني من كتابه، فإنّ التّغريبة الفلسطينيّة تُساهم في ضياع الجذور، فالحياة فيها تسير على عَجَل، والكثيرون من أبناء ما بعد النكبة، وأخصُّ بالذّكر هنا سكّان المدن المختلطة في الداخل، لا يعرفون ما خبّأه الماضي من جذورهم.
والخطر هنا لا يقف عند حدود ضياع الذاكرة الفرديّة فحسب، بل يتعدّاها الى ضياع الذاكرة الجماعيّة، وهذا ما يُراهن عليه قادةُ الحركة الصهيونيّة و(إسرائيل)، اي ضياع الأجيال الفلسطينيّة المُتلاحقة، وتحويلهم الى كمّ من المُشرّدين لا يعرفون ماضيهم وأهلهم وناسهم! هذا الرهان سقط، فالأجيال المتلاحقة تبحث وتتمسّك بالجذور، وهذا ما رأيناه في الكابري في مسيرة العودة قبل يوميْن بأروع تلاحُمٍ ووحدةِ صفّ.
أيّها الإخوان، لقد نجح سميح من خلال كتابه بأجزائه الثلاثة، في دعم وتقوية الشعور بالانتماء لحيفا وبرقة معًا، وبالتالي تقوية الانتماء الوطنيّ، ووضع التشرذم الطائفيّ والعائليّ جانبًا بل في سلة المُهملات، وبعد سماعي اسم سميح مسعود لأوّل مرّة، جالت في خاطري ذكريات من جلسات عائليّة في طفولتي في حيفا، حيث كان الكبار والدي وأعمامي يتبادلون أطراف الحديث بأمور مختلفة، جزءٌ مُهمّ من ذكرياتهم من برقة، وأسماء مختلفة من أشخاص وعائلات مثل عائلة مسعود، سيف، دغلس وغيرهم، وعرفت منذ صغري أنّ شخصًا باسم فارس المسعود كان من أهمّ شخصيّات البلد، وقد تبرّع بقطعة أرض لبناء مركز للمسيحيّين يضمّ مكانًا للصّلاة، وعيادة طبّيّة لتخدم جميع أبناء البلد وأيضًا مدرسة.
إخواني، لا أتخيّل نفسي أعيش في مكان آخر غير حيفا، لكنّ الشعورَ الخاصّ الذي يربطني ببُرقة، جعلني أكون فخورًا في مراحل مختلفة بهذا الانتماء، فمثلًا أثناء الانتفاضة الأولى، حيث كانت بُرقة مركزًا مُهمًّا لمقاومة الاحتلال ولا تزال، فكلّ أهلها مسلمون ومسيحيّون، ساهموا ويُساهمون في النضال ضدّ الاحتلال، وعدد الشهداء البرقاويّين كبيرٌ جدّا بالنسبة لعدد السكّان.
تعيدُني الذاكرة الى أحد أّيّام الانتفاضة الأولى، حيث كان علينا (مجموعةٌ من حيفا والناصرة) السفرَ إلى برقة، للمشاركة في جنازة سليمان ناصر معلّم (أبو ناصر)، وكان الخطر من تلقّي الحجارة على كلّ سيّارة تحمل رقمًا أصفر كبيرًا، فاتّصل بنا أبناء المتوفّى، وأعلمونا أنّه بإمكاننا السفر داخل الضفّة الغربيّة، لكن بالشروط الآتية: أوّلًا السفر بشكل قافلة كمجموعة، ثانيًا ببطءٍ، ثالثًا مع تشغيل الغمّازات الأربعة بكلّ السيّارات، رابعًا أن يحدث ذلك في ساعة معيّنة وفي طريق متّفق عليها.
هذا ما حصل، فشباب الانتفاضة رتّبوا ونظموا كلّ الأمور، ووصلنا بسلام وقوبلنا على الطريق بحفاوة بالغة، وشاركنا في الجنازة وعدنا الى بيوتنا سالمين. لقد ازداد فخري بهذا الانتماء بعد قراءة كتاب سميح مسعود الذي يسرد فيه قصصًا وحكايات جميلة، ويُعدّد أسماء الكثيرين من أبناء برقة وحيفا الذين وصلوا إلى مراكز مهمّة في النضال في المجالات المختلفة. إنّ الرسالة المركزيّة التي وصلتني من خلال هذه الثلاثيّة، أنّ الانتماء الوطنيّ الفلسطينيّ هو الأهمّ، وأنّ الوحدة الوطنيّة هي الوسيلة للوصول إلى هدف الشعب الفلسطينيّ في إقامة دولته المستقلة. شكرًا لكم وشكرًا لسميح مسعود.
 


7


أَحُـــلُــــمِــــي مُــــعَــــوَّقٌ!


آمال عوّاد رضوان

مهداة إلى أسرانا البواسل

منذُ احْتِطَابِ وَقْتِيَ الرَّؤُومِ
لَمْ يُنعِشْ صِلْصَالَ كَأْسِي
اخْضِرَارُ حُنْجُرَتِكِ!
وَهَا مُرُوجُ تَمُّوزَ .. هَاجَتْ أَثْدَاؤُهَا
عَلى امْتِدَادِ مَجْهُولٍ .. أَرْضَعْــتِـنِـيهِ!
***
فِي رُؤى مَرَابِطِي .. تَفَشَّى سَيِّدُ الرَّحِيلِ الصَّاهِلِ!
أَيَا مَلَكًا .. نَهِمًا
هَا انْسَابَ لُعَابُ نُورِكِ .. في مَضَائِقِ كِبْريَائِي
يُفَتِّقُنِي.. يُجَرْجِرُنِي.. إِلَى عَاجِ ضَوْئِكِ الْفَاتِكِ!
***
لِمَ فَتَّقْتِ أَسْرَارَ لَيْلِي الْخَزَفِيِّ
حِينَ هَشَّـتْهَا أَنْفَاسُ "أُحُبُّكِ"؟
أَنَّى يَشِينِي مَوْجُكِ الْغَافِي .. عَلَى لَهَبِ غِيَابكِ؟
هَا عَتَمَاتُ نُورِي.. مَدْفُونَةٌ  فِي أَقَانِيمِ هُطُولِكِ
تَنْتَظِرُ مُرُورَ اللَّا مُرُور!
***
بِشَغَفٍ خُزَامِيٍّ
 يَتَقَاطَرُ صَمْتُكِ الرَّخِيمُ .. حِبْرًا نَزِقًا
يَطْبَعُكِ حَرِيقًا .. عَلَى جِبَاهِ أَقْمَارِي!
لِمَ أَذْرُو بِذَارَ دَمِي.. قُبَلًا مِلْحِيَّةً
تزْدَحِمُ .. عَلَى شِفَاهِي الْمَبْتُورَةِ؟
***
أأَنْدَهِشُ وَأَنْذَهِلْ
كَيْفَ غَصَصْتُ بِقُبْلَتِكِ؟
كيْفَ غَصَّتْ .. بفَوْضَى مَرَايَاكِ .. مَحَافِلُ تَرَقُّبِي؟
كَيْفَ فَقَأْتِ عُيُونَ مَزَامِيرِي؟
لِمَ أنْبَتْتِنِي .. زَغَبَ حُلُمٍ كَفِيفٍ
يُنَازِعُ قمْحَكِ
وَمَا أَحْجَمَهُ عنْ رَحَايَ .. انْطِفَاءُ عَينَيْكِ؟!
***
مُنْذُكِ
وَمَوَاكِبُ التَّمَنِّي.. تبَتَّلَتْ تَضَارِيسُهَا
وَمَا لَبِثَتْ .. تُرَمِّمُكِ ذِكْرًى
وَذِكْرَاكِ مُتْرَعَةٌ بتَضَوُّرِي
تَتَرَاشَحُكِ .. تَبْسِطُنِي أَمَامَكِ فُصُولَ تَغرِيبَةٍ
وَأَتَرَقْرَقُ زَخَّ أَرَقٍ .. كَوّرَنِي عَلَى مَسِيلِ دَمْعَةٍ!
***
كَمْ تَسَوَّلْتُكِ وَطَنًا.. يَشْرَئِبُّ لِأَطْيَافِكِ الْقَزَحِيَّةِ
لكِنْ تَقَصَّفَتْ خُيُولِي.. بِطَعَنَاتِ غُرْبَةٍ!
أحُـــلُــــمِــــي مُــــعَــــوَّقٌ!؟
***
بِلَيَالِي عَطْفِكِ الشَّمْعِيِّ
تَضَافَرْتُ.. جَدَائِلَ أَحْلَامٍ مُتَكَسِّرَةٍ
وَبِتُّ أَسْتَجْدِيكِ.. سَخَاءَ وَصْلٍ
يَهُشُّ فُيُوضِي!
***
لكِنَّ تَفَاصِيلَكِ الْمُفَخَّخَة .. تَتَشهَّقُنِي
وَتَرْتَدُّ تَتَسَكَّعُ .. بِمَلَامِحِ طِفْلٍ!
هَا بَرَاءَتُكِ.. تَشُوطُ
تَتَرَامَى .. فِي مَسِيلِ نِيرَانِي
وَتَعْبُرُنِي .. بِرِعْدَةٍ مَحْمُومَةٍ
صَوْبَ عَرْشٍ مَسْبِيٍّ!
***
حِينَ تُوَشْوِشُنِي أَهْوَاءُ أَمْوَاهِكِ
يَلْهَجُ نَبْضُ مَدَاكِ حَيَاةً
فَلَا تَسْتَكِينُ لَوْعَةُ انْتِظَارِي .. وَلَا تَهْدَأُ تَبَارِيحُ تَرَقُّبِي!
صَوْبَ نِعْمَةِ سَمَائِكِ .. كَفَّايَ خَاشِعَتَانِ
تَمْتَدَّانِ .. فِي أَزِقَّةِ نُورِكِ الْمُقَدَّسِ!
***
بُلْبُلٌ أَنَا
أُحَلِّقُ فِي رِحَابِ أَمَانِيكِ .. أَجْنَحُ صَوْبَ رَحْمَتِكِ
أَلْتَقِطُ بِمِنْقَارِي
لُؤْلُؤَتَيْ أُمِّي .. تَنْزِفَانِنِي وَجَعًا
وَأَغْدُو حَسْرَةً .. تَهْذِي بِأَحْضَانِكِ!
***
هَاءَنَذَا أَتْرُكُنِي لَكِ قَلْبًا سَاخِنًا
عَلَى عَتَبَةِ لِقَائِنَا
فَلَا تُمَرِّغِيهِ بِثُلُوجِكِ .. وَلَا تَدُوسِيهِ بِبُرُودِكِ!
من ديواني الرابع: (أُدَمْوِزُكِ وَتتعشْترين)



8
أسطورة التياع تضجُّ بنكباتِنا وويْلاتِنا في متاهاتِ الفصول؟!
بقلم: فاطمة يوسف ذياب
عزيزتي الشاعرة آمال عوّاد رضوان؛ المُتيّمة بروحيّةِ النّصّ، والباحثةُ دومًا عن جديدٍ يُعالجُ المُستجدّ فوقَ أديم احتراقِنا، ها أنا أتناولُ قصيدتَكِ (أسطورةُ التياع) العشقيّةِ المُبطّنة برمزيّتِها، وليسَ مِن بابِ صدفةٍ عابرةٍ أراني أتناولُ قصائدَكِ في أكثرَ مِن نصّ، فبينَ حروفي وحروفِكِ نبتَتْ علاقةٌ فكريّةٌ، ظلّتْ في بَحثِها عن عنوانِها المفقود تنتقلُ معَ لوحاتِكِ، ما بينَ واقعٍ عقرَبيٍّ إلى واقعٍ ياسمينيّ منشودٍ، وأتركُ لحبري الّذي يَغلي فوقَ مِرجلِ حرفِكِ فرصةَ القبضِ على مرامي الماوراء، كي أنطلقَ معك!
(أسطورةُ الْتِيَاع) عنوانُ قصيدةٍ تُجَسِّدُ استمراريّةَ لوعةَ العاشقِ الشديدةَ إلى حدّ الالتياع، في تسلسلٍ وتسلُّلٍ ذكيّيْن عبْرَ قنواتِ الزّمنِ الغابر، لتُلاحقَنا برمزيّتِها ومُكوّناتِها النّصّيّةِ، كالطّفولةِ تسلّلتْ مِن براثنِ أوْجاعِنا وبراري عتمتِنا، لتندسَّ في أدَقِّ تفاصيلِنا الحياتيّةِ الزمنيّةِ مِن ماضٍ غابرٍ إلى حاضرٍ قاتل!
طِفْلَةً / تَسَلَّلْتِ فِي بَرَارِي عَتْمَتِي/ وعَقارِبُ نَزَقي.. تَنْمُو بَيْن خُطُواتِكِ
تَغْزِلُ بِرُموشِ حُرُوفِكِ حَريرَ وَجْدٍ/ مِنْ خُيُوطِ مُبْتَدَاي
في براري عتمةِ أبجديّتِكِ طفلةً أتسلّلُ وعقاربُ نزَقي، أحاولُ أن أنموَ بينَ خيوطِ حرفِكِ وخطواتِ أبجديّتِكِ، كي أغزلَ من رموشِ حِبري النّصَّ الآخرَ، مُلتفِعةً بحريرِ وجْدِكِ مِن بدايةِ البداية، مِن الطفولةِ المُتخيّلةِ إلى الطفولةِ المُتّهمةِ بنزَقِها، وبعقربِها الّذي يُلامسُ عقاربَ الزّمنِ بعقربةٍ تَلسعُ الوقتَ، قصيدةً تتورّقُ وتنبثقُ على استحياءٍ، لتتجلّى فتاةً بأحلامِها، حيث تقفُ الحروفُ أمامَ كوخٍ لا يكادُ يتّسعُ لجنونِ أحلامِها.

قصِيدَةً/ قصِيدَةً انْبَثَقْتِ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ/ تَجَلَّيْتِ.. بِكُوخِ أَحْلَامِي/ تَوَّجْتُكِ مَلِكَةً.. عَلَى عَرْشِ جُنُونِي/ وَأَنَا التَّائِهُ فِي زَحْمَةِ أَصْدَائِكِ/ لَمَّا تَزَلْ تَفْجَؤُني.. ثَوْرَةُ جَمَالِكِ!

هكذا نمُرُّ معكِ بقصيدتِكِ (أسطورةُ التِياع)، حيثُ تَتنامى في حرفِها أصداءُ الزّحمةِ، بلوحاتٍ ثرّةٍ مِن لوحاتِ الكَرِّ والفَرِّ والإقبالِ والإدبار، ما بينَ رغبةِ الرّوحِ واهتزازِ العقلِ، وفي حالةٍ مِن التردّدِ العذب تُصوّرُهُ لنا باسمِ نزَقِها ودوَرانِ عقربِها، والجفونُ لمّا تزَلْ تُشاغلُ أزيزَ ثوْرتِها.
ياااااه، كم موجعٌ أن تصبحَ أحلامُنا مُجرّدَ أكواخٍ في مَهبِّ الرّيح، تتحكّمُ بها الأساطيرُ الغابرةُ مِن هيرا وعملاقِها بكلّ كيدِهما ومكائدِهما.
رَائِحَةُ فُصُولِي.. تَخَلَّدَتْ بِك/ بِرَجْعِ أُغْنِيَاتٍ عِذَابٍ.. تَتَرَدَّدُ عِطْرَ عَذَابٍ/ زَوْبَعَتْنِي / فِي رِيبَةِ دَمْعَةٍ .. تُوَارِبُهَا شَكْوَى!/ إِلاَمَ أظَلُّ أتَهَدَّلُ مُوسِيقًا شَاحِبَةً/ عَلَى سُلَّمِ مَائِكِ؟
رائحةُ الفصولِ الزّمنيّةِ تُخلّدُ هيرا، بل تتخلّدُ بها بإشارةٍ مُتعمّدةٍ لحُبٍّ مُعمَّدٍ بكلّ الفصول، يعزفُ لخريفِهِ كما يُراقصُ حبّاتِ المطرِ شهيًّا كثمارِ الصّيف، نديًّا كنَسماتِ الرّبيعِ الزّهرة، والوقتُ هو الوقتُ، يفوحُ بعطرِ عشقٍ نكادُ نصلُ إلى سُلّمِ قداستِهِ، هكذا تأخذُنا القصيدةُ الطفلةُ إلى صورةٍ شعريّةٍ ناضجةٍ ببلوغ ثورتِها، وتُفجّرُ يَقينَها ما بين دلالاتٍ مستوحاةٍ مُنتقاةٍ، حيثُ عقربُ الزّمنِ اللّاسع في أديم العلاقةِ الشّاحبةِ المُتهدّلةِ مِن بين أصابعِهِ، تُحاولُ التّسلّقَ على سُلّمٍ مِن ماء، لتَصلَ ونصلَ إلى الأسطورةِ، لكنّنا ما نلبثُ أن نتوقّفَ أمامَ زوبعتِها، بل زوبعةِ الماء، والسّؤالُ هو السّؤال:
إِلاَمَ نَظَلُّ رَهَائِنَ بَهْلَوَانِيَّةً / يَلْبَسُنَا طُوفَانُ نَعْنَاعٍ لاَ يَنَام؟
عزيزتي الشّاعرة المُتألّقةُ بفيْضِ المعاني والمغازي، كم منّا يَستهويهِ الغرقُ في بحار اللّفظِ المُقنّع! لكنّي أراها حُروفَكِ المُحترقة المُتفجّرة بلوْعتِها والتياعِها تبحثُ في الأساطيرِ القديمةِ عن أسطورةٍ، تُؤكّدُ انبعاثَ الحياةِ مِن بَراثنِ الموتِ الّذي يُكبّلنا بنورانيّتِهِ الموْهومة، وبنيرانِهِ الّتي تحرقُنا، بعدَ أن أتتْ على كلّ ما فينا وما لنا.
يَا مَنْ تَوارَيْتِ فِي حَانَةٍ / دَلِيلُهَا الْهَيْمَنَةُ/ تَسْكُبِينَنِي جَحِيمًا.. فِي كُؤُوسِ الضَّيَاعِ
وَتُرْوِيكِ.. قَوَارِيِرُ هَجْرِي الدَّاغِلِ / فَلاَ تَنْتَفِخِينَ بِآهَاتٍ مُتَشَرِّدَة!
نعم، كنعناعٍ ناعمٍ وكجلدِ أفعى أملس تسلّلتْ إلينا حضاراتُهم، وحينَ تسمّمنا بسُمومِها فقدْنا أدواتِنا، وكالمُغيّبين في حقولها بتنا نأتمرُ بأمْرِها ونستجيرُ بلهيبِها، نحرقُ ونحترقُ، نُفجّرُ ونتفجّر، وهي حيث هي تزدادُ ثعلبة وشماتة وشيطنة، بأساليبَ لامعةٌ ظاهرُها، لكنّ بواطنَها سُمُّ زعاف.
لماذا تستخدم الشّاعرة آمال عوّاد رضوان الأسطورة، وتجعلُها محورًا وأحدَ أهمّ عناصر  القصيدةِ وكأني بالشاعرة آمال عوّاد رضوان تقول: إنّنا نعيشُ في زمنِ الأساطير، وقد عُدنا بواقعِنا المُترَدّي فكريًّا إلى تلكَ المتاهاتِ الأسطوريّةِ الّتي سأتجاوزُها، وإن كانتْ صرختُها تُعبّرُ عن زمنٍ مُرتجعٍ يكادُ يقذفُ ذاتَهَ وأدواتِهِ، ليحضنَها هذا الزّمنُ الّذي تداخلتْ بهِ كلُّ المَجرّاتِ الفكريّةِ والوجوديّة، وكأنّ صرخةُ الأسطورةِ تخنقُ حنجرةَ الحاضر، وهذا ما تُؤكّدُهُ الشّاعرةُ في أكثرَ مِن قصيدةٍ، فتتّكئُ على مُفرداتِها وصُوَرِها فتقولُ:
هِيرَا.. أَيَا مَلْجَأَ النِّسَاءِ الْوَالِدَاتِ/ لِمْ تُطَارِدِينَ نِسَاءً يَلِدْنَنِي/ وَمِئَةُ عُيونِكِ.. تُلاَقِحُ عَيْنِي
وَ.. تُلَاحِقُ  ظِلِّيَ الْحَافِي؟
نعم، هي هيرا والقصيدةُ تُفجّرانِ زمنًا يتّشحُ بسوادِ ليالينا! هي هيرا في براري عتمتِنا تُعشّشُ وفينا. هي قصيدةٌ انبثقتْ على استحياءٍ، وأحلامُنا لمّا تزلْ في كوخِها تُراوحُ الزّمان والمكان، ونحنُ المُتعَبونَ مِن جنونِها لمّا نزلْ نتفجّرُ ترفًا وإعجابًا بجَمالِها، ورائحةُ احتراقِنا تتمخترُ وتتبعُنا مِن زمنٍ إلى زمنٍ، وكما الفصول تتوالى علينا، وكأنّها استمرَأتْ عذابَنا وموْتَنا بينَ سُمّ عقربها وعقاربها، وعبقريّتِها في اختراعِ شتّى صنوفِ القهرِ والتّعذيب!
إِلَى خَفْقٍ مَجْهُولٍ/ يُهَرْوِلُ عِمْلاقُكِ فِي رِيحِهِ/ يَقْتُلُهُ شِعْرِي الْخَرُّوبِيّ
أَنْثُرُ مِئَةَ عُيونِهِ شُموعًا/ عَلَى قُنْبَرَتِكِ الْمِرْآةِ/ وَعَلَى اخْتِيَاِل ريشِكِ الطَّاؤُوسِيّ
نعم، هيرا مملكةٌ مُتوَّجةٌ على عرش احتراقِنا وعلى سُلّمِ أولويّاتِنا، تُطاردُنا بخيلاءِ طاوسيّتِها، والسّيوف سيّدتي مُعشوْشبة بادحةٌ، وما مِن حيلةٍ ترُدُّ بها سُعفَ العيونِ الشّراريّة، فنحن مُخدَّرون حتى الثّمالة، لا شيءَ يُشبهُنا غيرَ قيْدِنا، وإن كان ذهبيًّا يتبدّى!
هي الشاعرة آمال عوّاد رضوان ما انفكّتْ تُعالجُ بالعشقِ قضايانا برسالةٍ روحيّةٍ تستهوينا، وكأنّي بها تقولُ: إنّ العلاقة الإنسانيّة ما بينَ الجمادِ والمُتحرّكِ، هي ذاتُ العلاقةِ التي ترسمُ مَلامحَ القادمِ مِن بينِ عقاربِ الزّمن، فتغزلُ مِن الإيحاءِ بلاغتَها الصّوريّة، في مطاردةٍ لخفقِ المجهولِ خلفَ الظّلّ الحافي، لتصوغَهُ شِعرًا خرّوبيًّا بلون خرّوب أرضِها، ومَلامحُ وجهِ القصيدةِ حروفٌ مُنتقاةٌ مُستوْحاةٌ، ما بينَ أرضٍ وسماء، وما بين أسطورةٍ وواقعٍ مَعيش، ما بينَ صراعُ الشّرقِ والغرب، فالنّصُّ يَكادُ يُعجزُنا عن مُلاحقتِهِ أو فكِّ رموزه، فمَرّةً تتجسّسُ العيونُ مُشعّةٌ بعبثيّةٍ فوضويّةٍ، ومَرّةً نستمرئُ العذابَ ببَللٍ نتخدّرُهُ حدّ الثّمالة، ونتطوّسُهُ بغرور، وإنْ كنّا نُحاولُ الفَكاكَ من هذه الشرانقِ القابضة على رقابنا باسْم الحُبّ والقداسة!
كَمْ شَفيفَةٌ بِلَّوْراتُ غُرورِكِ/ تَنْفُشينَهَا/ تَفْرُشينَهَا / بِسَيْفِ شَغَبٍ يشعْشِعُنِي
كَيْفَ أَرُدُّ سَطْعَهُ إِلى عَيْنَيْكِ/ وَمَنَابِعُ الْحَذَرِ أَخْمَدَتْهَا نِيرَانُكِ؟
نحن المحترقونُ المُقيّدون بقيودٍ ذهبيّةٍ نتخبّط ما بينَ (نارِ الأديم ونورِ السّديم)، وهنا أضعُ النّقاطَ ويُوقِفُني النّصّ. ترى إلى أيّ الفيافي تذهبُ بنا الشّاعرةُ وآمال عوّاد رضوان، وتجعلُنا نلهثُ وراءَ أسطوريّةِ العشق، فنحسبُنا قد قبضْنا على رموزِ المَغناة، لكن هنا تتزاحمُ الصّورةُ الأخرى لتأخذَنا إلى المَنحى الآخر، فالشاعرةُ تتفجّرُ برمزيّتِها، حيثُ تسحبُنا إلى ما تحتَ العشب وما تحت الرّيش، في تصارُعٍ ذكيٍّ يُجسّدُ صراع الحضارات، ولهاثُنا نحنُ بكلّ ما هو قادمٌ مِن أدواتِها وفِكرِها ولميعِ مَعادنِها، لنرانا كما العبيد نُهادنُ سطْوَتَها، ونستعذبُ موتَنا في حقولِها المُعشوْشبة، بيدَ أنّنا نُشاغلُ خدَرَنا ووجَعَنا وموْتَنا بسُمِّ عقربها اللفظيّ والزمنيّ، نُشاغلهُ بالحنين إلى مَواطنِ جَمالِنا الآخر، حين كنّا نحن الحضارة والرقيّ!
أَيْنَ مِنّي "حَبِيبِي"/ كَوْكَبُ أَلَقٍ.. في سَمَا رُوحِي
يُضِيءُ دَرْبَ إِلْهَامِي إِلَيْكِ/ ويَحُطُّ فَوْقَ مَغارَةٍ تُنْجِبُنِي؟
بإشارةٍ منكِ إلى مدينة المهدِ بيتَ لحم مهدِ وأرضِ النّبوءاتِ والحضاراتِ، كأنّكِ تستنجدينَ بكوكبٍ يُضيءُ دربَنا إلى مغارةِ الحياة؟! نراكِ تُسائلينَ هذهِ العقربةُ السّامّةُ المُتلوّنةُ ببهلوانيّة، ونحنُ المُتلبّسون بإغواءاتِها وإغراءاتِها، نرانا غرْقى في طقوس شيطانيّتِها الناعمة كما النعناع!؟ كم موجعٌ أن تنزفي واقعَنا برمزيّةِ حروفِكِ، حيثُ تُجسّديننا بأحوالِنا المُستديمةِ عبْرَ زحمةِ الأصداءِ الّتي تضجُّ بنكباتِنا ونكساتِنا وويْلاتِنا في متاهاتِ الفصول!
هَا شَرَارَاتُ يَاسَمِينِكِ تَغْسِلُنِي/ بِحَرَائِقِ غُبَارِكِ الْفُسْتُقِيِّ/ أَنَا الْمُحَاصَرُ.. بِزئبقِ مَرَايَاكِ
إِلاَمَ تَبْكِينِي نَايُ زِنْزَانَتِي / وَتَظَلُّ تُلَوِّحُنِي.. مَنَادِيلُ الْوَدَاعِ!
وها نحنُ الحضورُ الأحدبُ في زنزاناتِ بلادِنا المُحاصرَة، كالزّئبقِ في بُؤرِ المَرايا المُقعّرةِ والمُحدَّبةِ، لا نلبثُ نُصطادُ في مواقعِ الموتِ والغربةِ والاغتراب والضّياع، نتلفّتُ، ونتفلّتُ منّا ومِن كلّ ما كان لنا، وتظلّ تلوّحُنا مناديلُ الموتِ والضّياع!
أيْنَ مِنِّي "حَبِيبِي"/ نَغْمَةٌ فِي حُقُولِي
كَمِ انْدَاحَتْ قَطِيعًا/ مِنْ قُبَّراتِ حَيَاةٍ تَرْعَانِي؟
هكذا تستخدمُ الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان أبعادَ العشقِ الرّوحيّ المقدّسِ، في دلالاتِها على سقوطِنا المُذِلّ بين أنيابِ الحضاراتِ السّامّةِ، والّتي ما انفكّتْ تُشاغلُنا وتَحبسُنا وتَسحبُنا كالمهووسين إلى حقولِ التشرذُمِ والضّياع، ونحن المسمومونَ المُشرذَمونَ في تَمزُّقِنا، عبثًا نحاولُ التّمسُّكَ بوطننا وبتربتِنا وجذورِنا، بيدَ أنّ الجرْفَ يسحبُنا إلى هيرا مُكبّلينَ مُنصاعين، وكأنّ على رؤوسِنا الطير، نضعُ أقدارَنا ونعيمَنا وكلّ جَمالٍ جميلٍ بينَ خيوطِ أخطبوطِها..

أَحَبِيبَتِي يَشْكُوهَا الْوَجَعُ؟/ أَيْنَ مِنِّي جَمَالُهَا / يُخَلِّصُهُ قُبْحُكَ هِيفَايْسْتْيُوس؟
قَلْبُكِ الْمَكْفُوفُ بِبَرِيقِ الْغَيْرَةِ/ يَخْتَلِسُ لُؤْلُؤَ خَفْقِي
آهٍ مِنْ لَيْلِي.. يُخْفِي وَيْلِي/ يَجْمَعُ ذَاكِرَةَ أَنْفَاسِكِ الْمَبْذُورَةِ/ عَلَى رَمَادِ أَنْفَاسِي!

وأصرخُ: هيرا، لم يعُدْ جَمالُكِ يفتنُني، ما دامَ الجَمالُ لديكِ اختناقٌ وشَرٌّ وبُؤس وشقاء! نعم، يا أسطورةَ الالْتِيَاعِ، فأنتِ كما أنتِ لا جديد، مُعلّقةٌ ما بينَ الأرضِ والسّماءِ، بمليون عينٍ تَرقبينَ وتنقضّين، والطّفولةُ فريستُكِ ومفتاحُ شهيّتِكِ وشهوتِكِ، كأنّ السّماءَ خُلقتْ لأجلِكِ، وكأنّ الأرضَ طُوِّعَتْ لأخطبوطِكِ، فصارَ لكِ في كلِّ زاويةٍ مليونَ يدٍ ومليونَ ناب، تنثرينَ السُّمَّ الزّعافَ حيثُ أقمتِ وتقيمين، ليفنى كلُّ ما حولك وتظلّين هيرا الأسطورة الّتي لا تُقهر، وعملاقُكِ يبسطُ عضلاتِهِ وفكرَهُ وعقلَهُ وقدرتَهُ وقدراتِهِ، (شُبّيك لبّيك عبدك بين إيديك)، يُدغدغُ أحلامَكِ ويَرقصُ رقصتَكِ. نعم هيرا الحاضرةُ فينا، هو الزّمنُ الحاضرُ القادمُ يفتحُ ملفّاتِهِ، ليَضعَكِ أمامَ قبح رسالتِكِ، ويُعلنَ سقوطَكِ وسقوطَ أسطورتِكِ، وإنْ كانَ قبحُ وليدِك هيفايستيوس خلاصًا لكِ يفكُّ قيدَكِ، فهيهات يدومُ في الزّمانِ قبحٌ!
إنّ رغبة الحياةِ تلدُنا مِن رحمِ الوجعِ لنحيا كما أراد الله، لا كما قضَتْ أسطورتُكِ، فأنتِ كما أنت في استفحالِ شرورِك وتَوحُّشِكِ، ونحنُ وإنْ كنّا على أرصفةِ الهوامش، لمّا نَزلْ مُحنّطين، ونحن على أرصفةِ الهوامشِ لمّا نزلْ مُحنّطينَ بفتاتٍ مِن ليتَ وعسى ولوْ، وإلى آخِر حرفٍ مِن حروفِ ولوَلتِنا نشربُنا، بل تشربُنا كؤوسُ الضّياع، لنظلَّ في حرائقِ غبارِكِ الفستقيّ الفوسفوريّ والعنقوديّ مناديلَ وداعٍ للرّاحلين منّا والرّاحلينَ عنّا. هيرا، فقط لو تذكرين وتتذكّرين، أنّ العملاقَ قتلتُهُ، وأنتِ قضيتِ إلى قمقمِكِ كما تقضي كلُّ آلهةِ الأساطير:
بِقَيْدِيَ الذَّهَبِيِّ / بَيْنَ نَارِ الأَدِيمِ وَنُورِ السَّدِيمِ/ مِنْ مِعْصَمَيْكِ
عَ لَّ قْ تُ كِ/ نَجْمَةً تَتَبَهْرَجُ أُسْطُورَةَ الْتِيَاعٍ
وعَرَائِسُ الصُّدُورِ النَّاضِجَةِ/ تُ ثَ رْ ثِ رُ كِ/ جُمُوحَ تَحَدٍّ يُهَدِّدُنِي!

نعم سيدتي آمال، هكذا هيرا كما الأسطورة تسلّلتْ إلينا في ليلِ عتمتِنا، بكامل حاشيتِها وعتادِها وبعيون عملاقِها، لتَحيكَ ثيابَنا برموشِ حروفِ قصيدتِكِ. هي هيرا تُواكبُنا مِن جيلٍ إلى جيل باللفظِ والماوراء، وهي حاضرةٌ فينا ولا تزالُ واثقةَ الخطى، وكأنّها على استحياءٍ تبدو، لكنّها تتجلّى في ثنايا أكواخ أحلامِنا.
نعم، هم هكذا كأسطورةٍ قدِمُوا إلينا.. أتراهم برجْع أغنياتٍ عِذابٍ يَستردّونَ عطورَهُمُ المُشتهاةَ، لتظلّ تتحدّرُ موسيقانا الشّاحبةُ رجْعَ وَجَعٍ على سُلّمِ الماءِ والحياة؟! أتبقى هيرا هي الغائبةُ الحاضرةُ فينا، تستهدفُنا في أرحامِ أمّهاتِنا؟
نعم عزيزتي الشاعرة آمال رضوان، هي هيرا الّتي تسلّلتْ إلى حيواتِنا، وعبرَ نزَقِ حُروفِكِ وعبرَ السّنين، ما انفكّتْ تستهدفُ أرحامَ الأمّهاتِ والطفولةِ البريئة. هي هيرا القابضةُ على أرواح أمانينا وكلِّ ما نملكُ في جُعبتِنا المُتواضعةِ مِن رذاذِ آمالِنا وأحلامنا.
الشاعرة المُتمكّنة مِن أدواتِها تُصوّرُ لنا كيفَ تسلّلتْ تلكَ الغانية في ليلٍ خدر، وكما العقربة تجتازُ عقاربَ الزمن، فنرتمي في ليلها الحريريّ، ونحسبُ أنّنا امتلكناها، فإذا هي تقبضُ على مصائرنا وقدراتِنا وأقدارِنا ومُقدّراتِنا، لنرانا حفاة عراة في حقولها مقيدين الى سمومها تلوحنا مناديل الوداع.
نعم عزيزتي العاصفة لم تهدأ بعد، بل هي تزداد إعصارًا يكادُ يقتلعُنا بكلّ فصولنا، ولسخافاتنا وحماقاتنا بات صوتٌ يُطربنا، بل استعذبناه حتّى صار منّا وصرنا منه.. مُحنّطون ما بين نار الأديم ونور السديم، وأيّ نجمة نرنو إليها وهي النجمة المعلقة في فضاء الأماني تُشاغلنا بطغيانها وجبروتها، وعرائس الصدور الناضجة وغير الناضجة أكلها ومشربها، فهل بعدُ أقسى من هكذا وجع؟

أسْطُورَةُ الْتِيَاع؟/ آمال عوّاد رضوان
طِفْلَةً
تَسَلَّلْتِ فِي بَرَارِي عَتْمَتِي
وعَقارِبُ نَزَقي.. تَنْمُو بَيْن خُطُواتِكِ
تَغْزِلُ بِرُموشِ حُرُوفِكِ حَريرَ وَجْدٍ
مِنْ خُيُوطِ مُبْتَدَاي
*
قصِيدَةً
قصِيدَةً انْبَثَقْتِ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ
تَجَلَّيْتِ.. بِكُوخِ أَحْلَامِي
تَوَّجْتُكِ مَلِكَةً.. عَلَى عَرْشِ جُنُونِي
وَأَنَا التَّائِهُ فِي زَحْمَةِ أَصْدَائِكِ
لَمَّا تَزَلْ تَفْجَؤُني.. ثَوْرَةُ جَمَالِكِ!
*
رَائِحَةُ فُصُولِي.. تَخَلَّدَتْ بِك
بِرَجْعِ أُغْنِيَاتٍ عِذَابٍ.. تَتَرَدَّدُ عِطْرَ عَذَابٍ
زَوْبَعَتْنِي
فِي رِيبَةِ دَمْعَةٍ .. تُوَارِبُهَا شَكْوَى!
إِلاَمَ أظَلُّ أتَهَدَّلُ مُوسِيقًا شَاحِبَةً
عَلَى
سُلَّمِ
مَائِكِ؟
*
هِيرَا.. أَيَا مَلْجَأَ النِّسَاءِ الْوَالِدَاتِ
لِمْ تُطَارِدِينَ نِسَاءً يَلِدْنَنِي
وَمِئَةُ عُيونِكِ.. تُلاَقِحُ عَيْنِي
وَ.. تُلَاحِقُ  ظِلِّيَ الْحَافِي؟
*
إِلَى خَفْقٍ مَجْهُولٍ
يُهَرْوِلُ عِمْلاقُكِ فِي رِيحِهِ
يَقْتُلُهُ شِعْرِي الْخَرُّوبِيّ
أَنْثُرُ مِئَةَ عُيونِهِ شُموعًا
عَلَى
قُنْبَرَتِكِ الْمِرْآةِ
وَعَلَى
اخْتِيَاِل ريشِكِ الطَّاؤُوسِيّ
*
كَمْ شَفيفَةٌ بِلَّوْراتُ غُرورِكِ
تَنْفُشينَهَا
تَفْرُشينَهَا
بِسَيْفِ شَغَبٍ يشعْشِعُنِي
كَيْفَ أَرُدُّ سَطْعَهُ إِلى عَيْنَيْكِ
وَمَنَابِعُ الْحَذَرِ أَخْمَدَتْهَا نِيرَانُكِ؟
*
بِقَيْدِيَ الذَّهَبِيِّ 
بَيْنَ نَارِ الأَدِيمِ وَنُورِ السَّدِيمِ
مِنْ مِعْصَمَيْكِ
عَ
لَّ
قْ
تُ
كِ
نَجْمَةً تَتَبَهْرَجُ أُسْطُورَةَ الْتِيَاعٍ
وعَرَائِسُ الصُّدُورِ النَّاضِجَةِ
تُ ثَ رْ ثِ رُ كِ
جُمُوحَ تَحَدٍّ يُهَدِّدُنِي!
*
أَحَبِيبَتِي يَشْكُوهَا الْوَجَعُ؟
أَيْنَ مِنِّي جَمَالُهَا
يُخَلِّصُهُ قُبْحُكَ هِيفَايْسْتْيُوس؟
*
قَلْبُكِ الْمَكْفُوفُ بِبَرِيقِ الْغَيْرَةِ
يَخْتَلِسُ لُؤْلُؤَ خَفْقِي
آهٍ مِنْ لَيْلِي.. يُخْفِي وَيْلِي
يَجْمَعُ ذَاكِرَةَ أَنْفَاسِكِ الْمَبْذُورَةِ
عَلَى رَمَادِ أَنْفَاسِي!
*
أيْنَ مِنِّي "حَبِيبِي"
نَغْمَةٌ فِي حُقُولِي
كَمِ انْدَاحَتْ قَطِيعًا
مِنْ قُبَّراتِ حَيَاةٍ تَرْعَانِي؟
*
أَيْنَ مِنّي "حَبِيبِي"
كَوْكَبُ أَلَقٍ.. في سَمَا رُوحِي
يُضِيءُ دَرْبَ إِلْهَامِي إِلَيْكِ
ويَحُطُّ فَوْقَ مَغارَةٍ تُنْجِبُنِي؟
*
يَا مَنْ تَوارَيْتِ فِي حَانَةٍ
دَلِيلُهَا الْهَيْمَنَةُ
تَسْكُبِينَنِي جَحِيمًا.. فِي كُؤُوسِ الضَّيَاعِ
وَتُرْوِيكِ.. قَوَارِيِرُ هَجْرِي الدَّاغِلِ
فَلاَ تَنْتَفِخِينَ بِآهَاتٍ مُتَشَرِّدَة!
*
إِلاَمَ نَظَلُّ رَهَائِنَ بَهْلَوَانِيَّةً
يَلْبَسُنَا طُوفَانُ نَعْنَاعٍ لاَ يَنَام؟
*
ها شَهْوَةُ شَرَائِطِي الطَّاعِنَةُ بِالْعُزْلَةِ
تُزَيِّنُكِ
فَلاَ تَخْتَلُّ إِيقَاعَاتُ أَجْرَاسِكِ النَّرْجِسِيَّة!
*
هَا شَرَارَاتُ يَاسَمِينِكِ تَغْسِلُنِي
بِحَرَائِقِ غُبَارِكِ الْفُسْتُقِيِّ 
أَنَا الْمُحَاصَرُ.. بِزئبقِ مَرَايَاكِ
إِلاَمَ تَبْكِينِي نَايُ زِنْزَانَتِي
وَتَظَلُّ تُلَوِّحُنِي.. مَنَادِيلُ الْوَدَاعِ!



9

الشاعرة آمال عوّاد رضوان نموذجُ المُثقّفِ الباحثِ عن تأصيلِ هُويّتِهِ!
بقلم: وجدان عبدالعزيز
اليومَ نتحدّثُ عن نموذجٍ ثقافيٍّ تَمثّلَ بالشّاعرةِ آمال عوّاد رضوان، فهي شاعرةٌ مُبدعةٌ احتلّتْ مكانةً مُتميّزةً ومعروفةً، لكنّها حثّتِ الخُطى في طُرقِ الثقافةِ الأخرى، فمثّلتِ المُثقّفَ الّذي كرّسَ حالةَ المُواطنةِ في نفوسِ شعبِهِ، مِن خلالِ مُساهماتِها بتكريسِ حالةِ الانتماءِ للهُويّةِ الوطنيّةِ العربيّة، وذلكَ عن طريقِ بناءِ سياجٍ أساسُهُ الوعيُ العالي، والرّوحُ التّوّاقةُ للسّموّ الحضاريّ والارتقاءِ بالنّفسِ العربيّة، لكي تَتعالى على الصّغائرِ، وتُهاجرَ كلُّ هفواتِ النكوصِ والابتذالِ والتبعيّةِ، وصولًا إلى المُحافظةِ على الخصوصيّاتِ الحضاريّةِ المميّزة.
اليومَ أتحدّثُ عن واحدةٍ مِن قصائدِها الّتي تجلّتْ فيها روحُ الانتماءِ للآخرِ المُتمثّلِ في الحبيب هو الوطن، باعتبارِهِ هُويّة، وكانَ انتماؤُها بمثابةِ روحِ التصوُّفِ والذوبانِ فيهِ برومانسيّةٍ، ليسَ مِنَ النوعِ الهاربة، إنّما الرومانسيّة الآيروسيّة الخفيفة، قد تُمارسُ جسديّةً لا مرئيّةً أحيانًا، رغمَ أنّها تُحاكي طفلةً سكنتْ في داخلِها، والطفولةُ هي عالمٌ ورديٌّ مُزخرفٌ بألوانِ قوسِ قزح، تبعثُ البهجةَ والسّرورَ إلى القلب.. إنّهُ عالمٌ سحريٌّ خاصٌّ يتميّزُ بنقاوتِهِ وجَمالِهِ ورِقّتِهِ، عالمٌ مليءٌ بالتّشويقِ والسّحرِ والغموضِ والعفويّةِ المُطلقة، عالمُ البراءةِ الجميلة.. عالمُ الانطلاقِ بلا قيودٍ وبلا حدودٍ، والطفولةُ هي العيشُ لحظةً بلحظةٍ، دونَ التفكيرِ بالغدِ وبعناءِ المستقبل، وما يُخبّئُهُ لنا مِن مُفاجآتٍ، وهي أحاسيسُ صادقةٌ وقلوبٌ بيضاءُ، وأيْدٍ تمتدُّ وتعرفُ العطاءَ دونَ مُقابلٍ ودونَ حساب، ثمّ أنّها زهرةٌ بيضاءُ ناصعةٌ، تفوحُ منها رائحةُ البراءةِ القويّة، كزهرةِ الرّبيع تعطي مِن كلِّ زهرةٍ لوْنًا ورائحةً مُنعشةً. إذن؛ عاشتِ الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان حالةَ استعادةٍ، فتقولُ في قصيدتِها (أسْطُورَةُ الْتِيَاعٍ؟)1 :
طِفْلَةً
تَسَلَّلْتِ فِي بَرَارِي عَتْمَتِي
وعَقارِبُ نَزَقي.. تَنْمُو بَيْن خُطُواتِكِ
تَغْزِلُ بِرُموشِ حُرُوفِكِ حَريرَ وَجْدٍ
مِنْ خُيُوطِ مُبْتَدَاي

في قصيدتِها (أسْطُورَةُ الْتِيَاعٍ؟) عاشت الشاعرة حالةَ اختلاطِ الأصواتِ؛ صوتُ النُّضجِ، وصوتُ الطّفولةِ، وصوتٌ ثالثٌ مخاطبٌ مِن قِبلِ الشاعرة، والصوتُ الثالثُ الأخيرُ أشارتْ لهُ بحرفِ الكاف، حتّى عاشتْ حالةَ التصوُّفِ و(حرير وجد)، فهل تكونُ تلكَ الطفلةُ هي القصيدةُ المُتمرّدةُ، التي تنبثقُ مِنَ الذاتِ في لحظتِها الشعريّةِ، ثمّ تتصيّرُ إلى وعيٍ إدراكيّ في حفلِ التتويج؟ لكن هذا الوعيَ يَشوبُهُ شكٌّ، فتتوالدُ الأسئلةُ في حينِها، وتقولُ الشاعرة :
قصِيدَةً انْبَثَقْتِ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ
تَجَلَّيْتِ.. بِكُوخِ أَحْلَامِي
تَوَّجْتُكِ مَلِكَةً.. عَلَى عَرْشِ جُنُونِي
وَأَنَا التَّائِهُ فِي زَحْمَةِ أَصْدَائِكِ
لَمَّا تَزَلْ تَفْجَؤُني.. ثَوْرَةُ جَمَالِكِ!
*
رَائِحَةُ فُصُولِي.. تَخَلَّدَتْ بِك
بِرَجْعِ أُغْنِيَاتٍ عِذَابٍ.. تَتَرَدَّدُ عِطْرَ عَذَابٍ
زَوْبَعَتْنِي
فِي رِيبَةِ دَمْعَةٍ .. تُوَارِبُهَا شَكْوَى!
إِلاَمَ أظَلُّ أتَهَدَّلُ مُوسِيقًا شَاحِبَةً
عَلَى
سُلَّمِ
مَائِكِ؟
هذا القلقُ الّذي يَكتنفُ الشاعرةَ آمال عوّاد رضوان هو محضُ أسئلةٍ. إنّ السؤالَ عن الماهيّةِ، بصرف النظرِ عن هذهِ الأمورِ جميعًا، يُوجّهُ البَصرَ إلى أمرٍ واحدٍ، وهو ذلك الّذي يُميّزُ الحقيقةَ مِن حيث هي حقيقة أم لا، ولكن، ألا يتوجّهُ بنا السؤالُ عن الماهيّة، إلى فراغ التعميم الّذى يَكتمُ على أنفاس الفكر؟ أليسَ مِن شأنِ المُجازفةِ بمثلِ هذا السؤال، أنْ تُبيّنَ أنّ الفلسفةَ كلّها هاويةٌ لا تقومُ على أيّ أساس؟ إنّ مِن واجباتِ الفكرِ الّذي يتّجهُ إلى الواقع، أن يصرفَ جهدَهُ إلى إقامةِ الحقيقةِ الواقعيّةِ الّتي تُزوّدُنا اليومَ بالمعيار الذي نحتكمُ إليه، والسندِ الّذي نعتمدُ عليه، ليَحميَنا من اختلاط الآراءِ والظنون.
مِن هنا قلتُ إنّ الشاعرة آمال عوّاد رضوان في خضمّ القصيدةِ تعيشُ لحظاتِ لاوعي، بيْدَ أنّها تستدركُ الأمرَ لاحقًا، لتعيشَ حالاتِ الوعي، أي أنّها تُحلّقُ في حالاتِ تَجلّي، ثمّ تخضعُ لموجباتِ وعيٍ يُدركُ الواقعَ ولو جزئيًّا، وحتّى تُجلي الأمرَ بصورةٍ أوضح، لجأتْ إلى التّناصّ، ومعناهُ؛ نَصَّ الحديثَ يَنُصُّهُ نصًّا؛ رفَعَه، أي أنّ الشاعرةَ حاولت التوضيحَ بقوْلِها :
هِيرَا.. أَيَا مَلْجَأَ النِّسَاءِ الْوَالِدَاتِ
لِمْ تُطَارِدِينَ نِسَاءً يَلِدْنَنِي
وَمِئَةُ عُيونِكِ.. تُلاَقِحُ عَيْنِي
وَ.. تُلَاحِقُ  ظِلِّيَ الْحَافِي؟
هيرا زوجةُ زيوس وأختُهُ وربّةُ الزواج، وقد امتازتْ شخصيّتُها بكوْنِها ملكيّةً ومَهيبة، وكانت في مَجمع الآلهةِ وفي جبل أوليمبوس بحسب الميثولوجيا الإغريقيّة.
هنا أسجّلُ للشاعرة آمال عوّاد رضوان امتلاكَها مَلَكَةً ثقافيّةً ثريّة، تحضرُ هذهِ الملكة بحضورِ الوعي اللّاحقِ بعدَ اكتمالِ ميلادِ القصيدة، ومِن خلالِ هذا التجلّي يتوضّحُ لنا انتماءَها وإبرازَ هُويّتِها، مِن خلالِ الآخر الّذي تُكوّنُهُ وتُجسّمُ صورتَهُ ذهنيًّا:
بِقَيْدِيَ الذَّهَبِيِّ
بَيْنَ نَارِ الأَدِيمِ وَنُورِ السَّدِيمِ
مِنْ مِعْصَمَيْكِ
علّقتُكِ نَجْمَةً تَتَبَهْرَجُ أُسْطُورَةَ الْتِيَاعٍ
وعَرَائِسُ الصُّدُورِ النَّاضِجَةِ
تُ ثَ رْ ثِ رُ كِ
جُمُوحَ تَحَدٍّ يُهَدِّدُنِي!
هذهِ الانفعالاتُ والثوْراتُ أعطتْ سياقاتِ قوّةٍ، لإجازةِ مشروعِ القصيدةِ كمَشروعٍ ثقافيٍّ، لإثباتِ الذاتِ أوّلًا، والاحتكاكِ بالآخرِ ثانيًا، وتظلُّ الأصواتُ الثلاثةُ داخلَ القصيدةِ تتبادلُ الأمكنةَ والرؤى فتقول:
ها شَهْوَةُ شَرَائِطِي الطَّاعِنَةُ بِالْعُزْلَةِ
تُزَيِّنُكِ
فَلاَ تَخْتَلُّ إِيقَاعَاتُ أَجْرَاسِكِ النَّرْجِسِيَّة!
*
هَا شَرَارَاتُ يَاسَمِينِكِ تَغْسِلُنِي
بِحَرَائِقِ غُبَارِكِ الْفُسْتُقِيِّ
أَنَا الْمُحَاصَرُ.. بِزئبقِ مَرَايَاكِ
إِلاَمَ تَبْكِينِي نَايُ زِنْزَانَتِي
وَتَظَلُّ تُلَوِّحُنِي.. مَنَادِيلُ الْوَدَاعِ!
(اعتبرت الفيلسوفةُ والمُفكّرةُ ميليكن أنّ مبادئَ اللغةِ شبيهةٌ بالوظائفِ الّتي تؤدّي إلى بقاءِ الأجناسِ البيولوجيّةِ حيّة. بكلامٍ آخر؛ مبادئُ اللغةِ مبادئُ بيولوجيّة تهدفُ إلى إبقاءِ التخاطبِ حيًّا. ومن هذه المبادئ مبدأ قولِ الحقيقةِ في خطابنا، الّذي يَضمنُ استمراريّةَ التخاطبِ معَ الآخر. على هذا الأساسِ تقولُ ميليكن: إنّ بعضَ الأنواعِ اللغويّةِ في التعبيرِ تستمرُّ في التداول، لأنّ إنتاجَها ونتائجَها تُفيدُ كُلًّا مِن المُتكلّم والمُتلقّي. هذا شبيهٌ بما يحدثُ للكائنِ البيولوجيّ الّذي يكتسبُ الصّفاتِ الّتي تُفيدُهُ في أنْ يبقى حيًّا. وكما أنّ البَشرَ يُكرّرونَ التصرّفاتِ الناجحةَ في تحقيق أهدافِهم، يَحدثُ تكرارُ صياغاتٍ لغويّةٍ مُعيّنةٍ، لأنّها مفيدةٌ في الوصول إلى نجاحاتِنا كبَشر. هذه الصياغاتُ اللّغويّةُ (كعباراتِ الشّرطِ مثلًا) تُشكّلُ الأعرافَ اللغويّة، فالأعرافُ اللغويّةُ تنشأ وتنتشرُ، كوْنَها تُقدِّمُ حلولًا لمشاكلِ المُتخاطِبين. من هنا، نستمرُّ في إنتاج بعضِ الأشكالِ اللغويّة، لأنّها تُؤدّي بالمُتلقّي إلى أنْ يَستجيبَ باستجاباتٍ مفيدةٍ في تحقيقِ أهدافِ المُتكلّم، لكن لا بدّ للأعرافِ اللغويّةِ أنْ تخدمَ مَصالحَ المُتكلّمينَ والمُتلقّينَ معًا، لكي تستمرَّ وتبقى.)2.
هكذا يبدو لي مسارُ الشاعرة آمال عوّاد رضوان في ابتداعِ المعنى الباطنِ في القصيدة، كي تُعطيَ للمُتلقّي الحقَّ في التأمّلِ في الظواهر، وصولًا إلى المعنى الكامنِ بينَ أسطرِ القصيدة، فالكتابةُ عندَ الشاعرةِ كينونةٌ، مِن خلالِها تجعلُ مِنَ الرمزِ نموذجًا للصّراع، لأجلِ توْطينِ المعنى وترسيخِهِ..
                     الهوامش :
1 ـ قصيدة (أسْطُورَةُ الْتِيَاعٍ؟) الشاعرة آمال عوّاد رضوان
تاريخ النشر : 2017-04-09
2 ـ مقال (فلسفةُ المعنى والحُرّيّة) حسن عجمي/ موقع مركز النور

أسْطُورَةُ الْتِيَاع؟/ آمال عوّاد رضوان
طِفْلَةً
تَسَلَّلْتِ فِي بَرَارِي عَتْمَتِي
وعَقارِبُ نَزَقي.. تَنْمُو بَيْن خُطُواتِكِ
تَغْزِلُ بِرُموشِ حُرُوفِكِ حَريرَ وَجْدٍ
مِنْ خُيُوطِ مُبْتَدَاي
*
قصِيدَةً
قصِيدَةً انْبَثَقْتِ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ
تَجَلَّيْتِ.. بِكُوخِ أَحْلَامِي
تَوَّجْتُكِ مَلِكَةً.. عَلَى عَرْشِ جُنُونِي
وَأَنَا التَّائِهُ فِي زَحْمَةِ أَصْدَائِكِ
لَمَّا تَزَلْ تَفْجَؤُني.. ثَوْرَةُ جَمَالِكِ!
*
رَائِحَةُ فُصُولِي.. تَخَلَّدَتْ بِك
بِرَجْعِ أُغْنِيَاتٍ عِذَابٍ.. تَتَرَدَّدُ عِطْرَ عَذَابٍ
زَوْبَعَتْنِي
فِي رِيبَةِ دَمْعَةٍ .. تُوَارِبُهَا شَكْوَى!
إِلاَمَ أظَلُّ أتَهَدَّلُ مُوسِيقًا شَاحِبَةً
عَلَى
سُلَّمِ
مَائِكِ؟
*
هِيرَا.. أَيَا مَلْجَأَ النِّسَاءِ الْوَالِدَاتِ
لِمْ تُطَارِدِينَ نِسَاءً يَلِدْنَنِي
وَمِئَةُ عُيونِكِ.. تُلاَقِحُ عَيْنِي
وَ.. تُلَاحِقُ  ظِلِّيَ الْحَافِي؟
*
إِلَى خَفْقٍ مَجْهُولٍ
يُهَرْوِلُ عِمْلاقُكِ فِي رِيحِهِ
يَقْتُلُهُ شِعْرِي الْخَرُّوبِيّ
أَنْثُرُ مِئَةَ عُيونِهِ شُموعًا
عَلَى
قُنْبَرَتِكِ الْمِرْآةِ
وَعَلَى
اخْتِيَاِل ريشِكِ الطَّاؤُوسِيّ
*
كَمْ شَفيفَةٌ بِلَّوْراتُ غُرورِكِ
تَنْفُشينَهَا
تَفْرُشينَهَا
بِسَيْفِ شَغَبٍ يشعْشِعُنِي
كَيْفَ أَرُدُّ سَطْعَهُ إِلى عَيْنَيْكِ
وَمَنَابِعُ الْحَذَرِ أَخْمَدَتْهَا نِيرَانُكِ؟
*
بِقَيْدِيَ الذَّهَبِيِّ 
بَيْنَ نَارِ الأَدِيمِ وَنُورِ السَّدِيمِ
مِنْ مِعْصَمَيْكِ
عَ
لَّ
قْ
تُ
كِ
نَجْمَةً تَتَبَهْرَجُ أُسْطُورَةَ الْتِيَاعٍ
وعَرَائِسُ الصُّدُورِ النَّاضِجَةِ
تُ ثَ رْ ثِ رُ كِ
جُمُوحَ تَحَدٍّ يُهَدِّدُنِي!
*
أَحَبِيبَتِي يَشْكُوهَا الْوَجَعُ؟
أَيْنَ مِنِّي جَمَالُهَا
يُخَلِّصُهُ قُبْحُكَ هِيفَايْسْتْيُوس؟
*
قَلْبُكِ الْمَكْفُوفُ بِبَرِيقِ الْغَيْرَةِ
يَخْتَلِسُ لُؤْلُؤَ خَفْقِي
آهٍ مِنْ لَيْلِي.. يُخْفِي وَيْلِي
يَجْمَعُ ذَاكِرَةَ أَنْفَاسِكِ الْمَبْذُورَةِ
عَلَى رَمَادِ أَنْفَاسِي!
*
أيْنَ مِنِّي "حَبِيبِي"
نَغْمَةٌ فِي حُقُولِي
كَمِ انْدَاحَتْ قَطِيعًا
مِنْ قُبَّراتِ حَيَاةٍ تَرْعَانِي؟
*
أَيْنَ مِنّي "حَبِيبِي"
كَوْكَبُ أَلَقٍ.. في سَمَا رُوحِي
يُضِيءُ دَرْبَ إِلْهَامِي إِلَيْكِ
ويَحُطُّ فَوْقَ مَغارَةٍ تُنْجِبُنِي؟
*
يَا مَنْ تَوارَيْتِ فِي حَانَةٍ
دَلِيلُهَا الْهَيْمَنَةُ
تَسْكُبِينَنِي جَحِيمًا.. فِي كُؤُوسِ الضَّيَاعِ
وَتُرْوِيكِ.. قَوَارِيِرُ هَجْرِي الدَّاغِلِ
فَلاَ تَنْتَفِخِينَ بِآهَاتٍ مُتَشَرِّدَة!
*
إِلاَمَ نَظَلُّ رَهَائِنَ بَهْلَوَانِيَّةً
يَلْبَسُنَا طُوفَانُ نَعْنَاعٍ لاَ يَنَام؟
*
ها شَهْوَةُ شَرَائِطِي الطَّاعِنَةُ بِالْعُزْلَةِ
تُزَيِّنُكِ
فَلاَ تَخْتَلُّ إِيقَاعَاتُ أَجْرَاسِكِ النَّرْجِسِيَّة!
*
هَا شَرَارَاتُ يَاسَمِينِكِ تَغْسِلُنِي
بِحَرَائِقِ غُبَارِكِ الْفُسْتُقِيِّ 
أَنَا الْمُحَاصَرُ.. بِزئبقِ مَرَايَاكِ
إِلاَمَ تَبْكِينِي نَايُ زِنْزَانَتِي
وَتَظَلُّ تُلَوِّحُنِي.. مَنَادِيلُ الْوَدَاعِ!


10
أدب / أسْطُورَةُ الْتِيَاع؟
« في: 17:42 10/04/2017  »
أسْطُورَةُ الْتِيَاع؟
آمال عوّاد رضوان

طِفْلَةً
تَسَلَّلْتِ فِي بَرَارِي عَتْمَتِي
وعَقارِبُ نَزَقي.. تَنْمُو بَيْن خُطُواتِكِ
تَغْزِلُ بِرُموشِ حُرُوفِكِ حَريرَ وَجْدٍ
مِنْ خُيُوطِ مُبْتَدَاي
*
قصِيدَةً
قصِيدَةً انْبَثَقْتِ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ
تَجَلَّيْتِ.. بِكُوخِ أَحْلَامِي
تَوَّجْتُكِ مَلِكَةً.. عَلَى عَرْشِ جُنُونِي
وَأَنَا التَّائِهُ فِي زَحْمَةِ أَصْدَائِكِ
لَمَّا تَزَلْ تَفْجَؤُني.. ثَوْرَةُ جَمَالِكِ!
*
رَائِحَةُ فُصُولِي.. تَخَلَّدَتْ بِك
بِرَجْعِ أُغْنِيَاتٍ عِذَابٍ.. تَتَرَدَّدُ عِطْرَ عَذَابٍ
زَوْبَعَتْنِي
فِي رِيبَةِ دَمْعَةٍ .. تُوَارِبُهَا شَكْوَى!
إِلاَمَ أظَلُّ أتَهَدَّلُ مُوسِيقًا شَاحِبَةً
عَلَى
سُلَّمِ
مَائِكِ؟
*
هِيرَا.. أَيَا مَلْجَأَ النِّسَاءِ الْوَالِدَاتِ
لِمْ تُطَارِدِينَ نِسَاءً يَلِدْنَنِي
وَمِئَةُ عُيونِكِ.. تُلاَقِحُ عَيْنِي
وَ.. تُلَاحِقُ  ظِلِّيَ الْحَافِي؟
*
إِلَى خَفْقٍ مَجْهُولٍ
يُهَرْوِلُ عِمْلاقُكِ فِي رِيحِهِ
يَقْتُلُهُ شِعْرِي الْخَرُّوبِيّ
أَنْثُرُ مِئَةَ عُيونِهِ شُموعًا
عَلَى
قُنْبَرَتِكِ الْمِرْآةِ
وَعَلَى
اخْتِيَاِل ريشِكِ الطَّاؤُوسِيّ
*
كَمْ شَفيفَةٌ بِلَّوْراتُ غُرورِكِ
تَنْفُشينَهَا
تَفْرُشينَهَا
بِسَيْفِ شَغَبٍ يشعْشِعُنِي
كَيْفَ أَرُدُّ سَطْعَهُ إِلى عَيْنَيْكِ
وَمَنَابِعُ الْحَذَرِ أَخْمَدَتْهَا نِيرَانُكِ؟
*
بِقَيْدِيَ الذَّهَبِيِّ 
بَيْنَ نَارِ الأَدِيمِ وَنُورِ السَّدِيمِ
مِنْ مِعْصَمَيْكِ
عَ
لَّ
قْ
تُ
كِ
نَجْمَةً تَتَبَهْرَجُ أُسْطُورَةَ الْتِيَاعٍ
وعَرَائِسُ الصُّدُورِ النَّاضِجَةِ
تُ ثَ رْ ثِ رُ كِ
جُمُوحَ تَحَدٍّ يُهَدِّدُنِي!
*
أَحَبِيبَتِي يَشْكُوهَا الْوَجَعُ؟
أَيْنَ مِنِّي جَمَالُهَا
يُخَلِّصُهُ قُبْحُكَ هِيفَايْسْتْيُوس؟
*
قَلْبُكِ الْمَكْفُوفُ بِبَرِيقِ الْغَيْرَةِ
يَخْتَلِسُ لُؤْلُؤَ خَفْقِي
آهٍ مِنْ لَيْلِي.. يُخْفِي وَيْلِي
يَجْمَعُ ذَاكِرَةَ أَنْفَاسِكِ الْمَبْذُورَةِ
عَلَى رَمَادِ أَنْفَاسِي!
*
أيْنَ مِنِّي "حَبِيبِي"
نَغْمَةٌ فِي حُقُولِي
كَمِ انْدَاحَتْ قَطِيعًا
مِنْ قُبَّراتِ حَيَاةٍ تَرْعَانِي؟
*
أَيْنَ مِنّي "حَبِيبِي"
كَوْكَبُ أَلَقٍ.. في سَمَا رُوحِي
يُضِيءُ دَرْبَ إِلْهَامِي إِلَيْكِ
ويَحُطُّ فَوْقَ مَغارَةٍ تُنْجِبُنِي؟
*
يَا مَنْ تَوارَيْتِ فِي حَانَةٍ
دَلِيلُهَا الْهَيْمَنَةُ
تَسْكُبِينَنِي جَحِيمًا.. فِي كُؤُوسِ الضَّيَاعِ
وَتُرْوِيكِ.. قَوَارِيِرُ هَجْرِي الدَّاغِلِ
فَلاَ تَنْتَفِخِينَ بِآهَاتٍ مُتَشَرِّدَة!
*
إِلاَمَ نَظَلُّ رَهَائِنَ بَهْلَوَانِيَّةً
يَلْبَسُنَا طُوفَانُ نَعْنَاعٍ لاَ يَنَام؟
*
ها شَهْوَةُ شَرَائِطِي الطَّاعِنَةُ بِالْعُزْلَةِ
تُزَيِّنُكِ
فَلاَ تَخْتَلُّ إِيقَاعَاتُ أَجْرَاسِكِ النَّرْجِسِيَّة!
*
هَا شَرَارَاتُ يَاسَمِينِكِ تَغْسِلُنِي
بِحَرَائِقِ غُبَارِكِ الْفُسْتُقِيِّ 
أَنَا الْمُحَاصَرُ.. بِزئبقِ مَرَايَاكِ
إِلاَمَ تَبْكِينِي نَايُ زِنْزَانَتِي
وَتَظَلُّ تُلَوِّحُنِي.. مَنَادِيلُ الْوَدَاعِ!


11
بوركت عبلين بالفنّ وبالطاقات البنّاءة الراقية! بقلم: فاطمة يوسف ذياب
بمبادرة من النادي النسائيّ الأرثوذكسيّ في عبلين الجليليّة، وبالتعاون مع المعهد الموسيقيّ العبلينيّ، ابتهجت عبلين بالاحتفال الراقي بعيد الأم العالميّ، في قاعة الرشيد العبلينية للأفراح، بتاريخ 20-3-2017، وبحضور فاق التصوّر ومن مختلف الشرائح العمريّة، وبخفةِ الغزالةِ الرشيقةِ نرى الشاعرة آمال عوّاد رضوان مديرة النادي الأرثوذكسي في عبلين، تنتقلُ من المنصّةِ إلى زوايا القاعة الجانبيّة، مرّةً تلتقطُ الصورَ، ومرّةً تطمئنّ على سيْرِ الأمورِ، ومرّةً تُرحّبُ مع نساء النادي الأنيقاتِ بالوفود القادمة للاحتفال، فكنّ يحتفين بالأمّهات بطريقةٍ مختلفةٍ، فيُقدّمنَ لهنّ العسلَ والوردَ الجوريّ، كتعبيرٍ مجازيٍّ يُضفي لغتَهُ على كلّ مَن شاركَ الحفل، وتُوزّعنَ باقاتٍ من بسماتٍ شفافةٍ تتهادى بانتشاءٍ، وتزهو بعبلّينها التي بادلتها الحبّ بمليون قلب.
بدأ الاحتفالُ على وقع عزفٍ كشفيّ (سنير) في استقبال النسوة المكرمات، بمسيرة قصيرة من باب القاعة واعتلاء خشبة المسرح، ليعلو صوت العريفة آمال عوّاد رضوان مُرحّبة بالحضور من أمّهاتٍ وجدّاتٍ وأطفالٍ وآباء، وبكلّ المشاركين في إحياء الاحتفال، ولتتوالى فقراتُ البرنامج بحيويّةٍ وتصفيق المعجبين وتصوير لعروض ثلاث فِرق بالية التبعة لجمعية الكروان، لأجيال تتراوح ما بين الثالثة والعاشرة وبمرافقة المدرّبة النصراويّة يارا أبو سالم.
وقدّم المعهد الموسيقيّ مجموعة من طلابه العازفين: فِرقة العزف على الساكسفون قدّمت وصلةً موسيقيّة من تدريب الموسيقيّ سبيريدون رضوان، وتلتها وصلة لعازفي القانون بمرافقة الموسيقيّة القديرة مها عوّاد، ووصلة موسيقيّة لفرقة الكمان، وفرق الإيقاع بإشراف المعلّم كميل تيّم.
أما مفاجأة الاحتفال فكانت بما قدّمه النادي النسائيّ الأرثوذكسيّ من وصلةٍ غنائيّة تراثيّةٍ من الزمن الجميل، (هيهات يابو الزلف وميجانا)، ثمّ قمنَ بتكريمِ لفيفٍ من النساء مربّيات الأجيال، واللواتي وضعنَ بصمةً خاصّة في مدماك حياة عبلين: المعلمة سميرة عويّد (أم البهيج)، المعلمة جميلة سليم حاج (أم ديّان)، الروائية فاطمة ذياب، الأم سارة حاج (أم ناصر)، ومرتلة الكنيسة إيلا حبيب داوود (أم وديع).
ولا ننسى علوش الحبيب الذي حضرَ قاطعًا المسافات، ليُشاركَنا الحفلَ بصوته، ونُشاركُهُ الدبكة والرقص مع فرقة الدبكة جفرا العبلينيّة، ويقفُ الزمنُ بخشوعٍ يُطأطئُ رأسَهُ أمامَ لفيفِ النسوةِ المُكرّماتِ، وفي العيون تتراقصُ دموعهنّ بحروفِ شكرٍ وتقدير، مع الصوت الرخيم للفنّانة ألفت حاج وأغنية "ماما يا حلوة"، وبصوت الطفلة لميتا عوض تُلقي قصيدة "أحنُّ إلى خبز أمّي" للشاعر محمود درويش!
إنّها ليلةٌ مميّزةٌ، تربّعت فيها المشاعرُ على عرش الأمومة، فغدت القاعةُ راقصةً تموجُ بالفرح الأزرق، وكلّ امرأةٍ ترسمُ بمَلامِحها شارةً من الغبطةِ المؤثّرةِ بتكريمِ عزيزة لديها، هذه اللفتةُ الإنسانيّةُ تؤكّدُ حاجةَ الروحِ لفسحةٍ من وقتٍ يقولُ لهنّ: شكرًا سيّدتي، أنتِ العطاءُ ونحنُ الوفاء.
بهذه الحروفِ عبّرت الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان عن القائمين في العمل الفني المائز. باختصار، إنّها ليلةٌ تختلفُ بكلّ تَفاعُلِها وانفعالاتِها، أقولُ لكم فيها: شكرًا يا الأحبّة، ونحن على دروب الخير نلتقي ونواصل البذل بسخاء لمجتمع مُتعطّشٍ لهدأةٍ من هذا الصخبِ الجميل الذي يُدغدغُ الروح! إنّها ليلةٌ من ليالي العمر، تألّقتْ فيها الفعاليّات الفنيّة العبلينيّة، مِن عزف شرقي وغربي رقص باليه ودبكة وغناء، وأبدعت كأنّها تقولُ: كلّنا معكم بحِسّنا وأحاسيسِنا، فشكرًا لكِ عبلين بهذه الطاقات الراقية البنّاءة. شكرًا للنادي النسائيّ الأرثوذكسيّ في عبلين. شكرًا آمال عوّاد رضوان. شكرًا نبيه عوّاد. شكرًا لدكتور خالد رشيد سليم على دعمه السخيّ. شكرًا لشاهين شاهين (عسل شاهين) لتقديم العسل هدايا للأمهات. شكرا للمعلم جاسر عوّاد ولأعضاء فرقته الإيقاعيّة في سريّة الكشاف الأرثوذكسيّ في عبلين. شكرًا لرامي سبورت مارون على تقدمة دروع تكريم النساء. شكرا لفرقة جفرا الصغار ولمدربها محمود خطيب. شكرًا لصفوان مارون (s m הפקות)  على توفيره كلّ التجهيزات الصوتيّة والضوئيّة. شكرًا لكلّ من تبرّعَ ماديّا ودعم الاحتفال. شكرًا كبيرةً لجميعكم ولحضوركم، شكرًا لكلّ طفلٍ وطفلة، ولكلّ يافع ويافعة، ولكلّ من شاركنا ورسمَ الفرحةَ على الوجوه المتعبة!
وحول ذكرى عيد الأمّ وبعض ما قيل عنها جاء في عرافة الشاعرة آمال عوّاد رضوان: أهلا بكم في آذار الربيع، في آذار الثقافة والحياة. أهلا بكم في آذار الأمومة، فالأمومة هي أجمل كلمة اختزلت الوجود منذ الأزل وإلى الأبد! قالوا: أمُّ الكِتابِ الفاتحةُ، وأمُّ القُرى مكّة، والكنيسةُ أمُّ المؤمنينَ المسيحيّين، وحوّاءُ أمُّ البشرِ والأحياءِ، وقد حظيتِ الأمومةُ بالتفاتةِ أقلامِ الأدباء والشعراء على مرِّ العصورِ، فقالت ماري هوبكن: "الأُمُومَة أعظمُ هِبَةٍ خَصَّ الله بها النساء".
جوبير فيقول: "لو جرّدْنا المرأةَ مِن كلِّ فضيلةٍ، لكفاها فخرًا أنّها تُمثّلُ شرفَ الأمومةِ".
أمين سلامة: الأمومةُ أنصعُ رمزٍ لنجاحِ المرأةِ في دنيا البقاء والوجودِ"!
الأمّ هي الكائن الأرفعُ خلقًا وإبداعًا، جعلَ اللهُ الجنّةَ مِن تحتِ أقدامِها (الحديث الشريف)، وجعلَ الأمومةَ تاجًا متفرِّدًا على هامتِها، تتزيّنُ به وتتجلّى في ملكوت الأمومةِ، كما اعتقد العرب أنّ الهدهدَ أبرُّ الطيورِ بأمِّهِ، إذ جعلَ قبرَ أمِّهِ على رأسِهِ، فكافأهُ اللهُ بتاجِ الحبِّ والتفاؤلِ يكلّلُ رأسَهُ!
الكنيسة احتفلت بتوقيرِ السيّدة العذراء في أحدِ نصفِ الصومِ الكبير في إنجلترا، فكانَ يعودُ الأطفالُ في إجازةٍ مَرَّةً في العام الى بيوتهم، وهو الأحدُ الرابعُ مِنَ الصوْم الكبير لرؤيةِ ذويهم، وقد أُطلِقَ عليه أحدُ الأمّهات، ثمّ توقّف الاحتفالاتُ بسببِ الحربِ في الغربِ وأمريكا
آنا جارفيس كانت فتاة ضريرة، وعند موتت أمها عام 1905 بدأ ألمها، فجمعَتْ صديقاتِها وكتبتْ في رسائل وخطابات لجميع الوزراء ورجال السياسة تقول: عشتُ عمري كلّهُ ولم أشعرْ بأنّي ضريرة أو ينقصني شيء، حتّى حلّ يومٌ لاقت فيه أمّي ربّها.
عام 1911 أعلن يوم عيد الأم عطلةً رسميّةً في الولايات المتحدة، ثم في المكسيك، كندا، الصين، اليابان، أمريكا اللاتينية وأفريقيا.
في ألمانيا، فإنّ هتلر جعل من عيد ميلاد والدتِهِ مناسبةً عامّةً لعيدِ الأمّ، لتشجيعِ النساءِ على الإنجابِ.
كانت مصر أوّل دولة عربيّة احتفلت به رسميًّا بـ 21 /3/ 1956م، مِن أجلِ نشرِ الشعورِ باحترامِ الأمومةِ في الأسرةِ المصريّة، وباقتراحِ الأخويْن "مصطفى وعلي أمين"، مؤسّسي دار أخبار اليوم الصحفيّة، بتكريس يوم 21/ آذار وهو أوّلُ أيّام فصلِ الربيع؛ ليكونَ رمزًا للتفتّحِ والصفاءِ والمشاعرِ الجميلةِ، ومِن منطلق علي أمين القائل: "لأنّني أحببتُ أمّي، مِن أجلِها أحببتُ كلَّ نساءِ العالم". لقد تبلورتِ الفكرةُ مِن خلالِ رسالةِ أرملةٍ تشكو جفاءَ أبنائِها لها ونكرانِهم لجميلِها، ومِن ثمّ انتشرتْ هذه الفكرةُ في سائرِ الدولِ العربيّة، وفيه يُخصّصُ تكريمُ الأمّهاتِ المثاليّات اللواتي عِشنَ قصصَ كفاحٍ عظيمةٍ، مِن أجل أبنائهِنّ في كلِّ صعيد.
قال شوبير: ليستْ هناكَ في الحياةِ امرأةٌ واحدةٌ تهَبُ كلَّ حياتِها وكلَّ حنانِها وكلَّ حبِّها، دونَ أن تسألَ عن مقابلٍ إلاّ الأمُّ.
جميل الزهاوي: ليسَ يَرقى الأبناءُ في أمّةٍ ما لم تكنْ ترَقّتِ الأمّهات! حافظ إبراهيم: الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددْتَها أعددْتَ شعبًا طيّبَ الأعراقِ.
فولتير: مستقبلُ المجتمعُ بينَ أيدي الأمّهات والزوجةُ المُتعلّمةُ هي مفتاحُ البيت.
مصطفى لطفي المنفلوطي: علّموا المرأةَ لتجعلوا منها مدرسةً يتعلّمُ فيها أولادُكم قبلَ المدرسة، ويتربّى في حِجْرِها المستقبلُ العظيم.
أمّا ابنُ المُقفّعِ فيقول: بل، "مستقبلُ المجتمعِ بينَ أيدي الأمّهاتِ، وإن ضاعَ العالمُ، فهي وحدَها تستطيعُ إنقاذَهُ".
هناك نساء لم يتزوجن نلنَ مِن حظّ الأمومةِ ما يفوقُ الوالداتِ، فغذّينَ أطفالاً وأجيالاً مِن ثديِ العقلِ والحنانِ والحكمةِ والبِرِّ والرحمةِ!



12
فوقَ الجراحِ الداميةِ تعتلينَ مَدارجَ الحُروفِ!
بقلم: فاطمة يوسف ذياب
"غاباتي تعجُّ بالنّمور" عنوانُ قصيدةٍ مُغنّاةٍ على أوتارِ الوجعِ الموجوع للشّاعرة آمال عوّاد رضوان، والتي ما انفكّتْ تتّكئُ على عكّازِ الغيم، تستمطرُ الأملَ مِن سحابةٍ عابرةٍ، بتصويرٍ بلاغيّ مُخلِصٍ لأدواتِهِ النصّيّة.
عزيزتي الشاعرة آمال عوّاد رضون، وعودةٌ إلى اللهاثِ وراءَ حروفِ أبجديّتِكِ العصيّةِ المُستعصيةِ، يَستفزُّني ويُحفّزُني حرفُكِ، فأتحدّاهُ وأبحرُ في لجّتِهِ، كي أقبضَ على كوامنِ الروحِ، في نصٍّ يكادُ يَتفلّتُ مِن بين أصابع قدرتي على الغوص، وأشحذُ عزيمتي وعتادي وأبحرُ إلى ما وراءِ الوراء، حيث يُمثّلُ الاحتراقُ اشتعالَ ما وراء النصّ بتفجُّرِ القصيدة، فتتراقصُ بنا ما بينَ الموجودِ والمفقودِ، وأراني أستمتعُ بنَصِّكِ، وأغوصُ في فيْضِ غاباتِكِ وإن كانتْ تعجُّ بالنّمور، فأنا أيضًا كمثل قولك:
أَيَا فَاتِنَتِي/ أَنَا مَنْ خُلِقْتُ../ لِأَحْتَرِقَ بِكِ/ احْتَرَفْتُ الاتِّكَاءَ/ عَلَى غَيْمِكِ/ على لهْفَتِكِ.. على جُنُونِكِ/ وَقَدْ خَضَعْتُ  لِحُلُمِي طَوِيلًا/ فِي انْتِظَارِكِ
أراكِ عزيزتي الشاعرة آمال عوّاد رضوان تشتعلين باحتراقِ الوجْدِ في زمنِ المَدِّ والجزْرِ، وتتجذّرينَ في غاباتٍ تعجُّ بالنّمورِ، وتنوئينَ بحملِ احتراقكِ في وطن مُتخم باحتراقِهِ، وكظبيةٍ جافلةٍ تتلفّتينَ وتبحثينَ عنهُ في دهاليزِ المجرّاتِ، وفوقَ الجراحِ الداميةِ تعتلينَ مَدارجَ الحُروفِ، فتعودين إلى بدايةِ الفقدِ، وإلى بداياتٍ غائرةٍ في جسدٍ عُذريٍّ يَتهتّكُ بذُلّهِ وضعفهِ وهوانِهِ، وأراكِ ترسمينَ بسيفِ حرفِكِ علاقةً شاعريّةً روحيّةً مع وطنٍ يَعجُّ بالنّمورِ، علاقةً تتسربلُ بقداسةِ فقدٍ يُواصلُ أنينَهُ قائلًا:
أَنَا .. مَنِ امْتَطَتْنِي وحْشَةُ الْفَقْدِ/ لَمَّا أزَلْ ../ أُسَبِّحُ .. سِحْرَ سُكُونِكِ
وأيُّ فقدٍ هذا الذي يُراودُكِ بينَ الحينِ والحين، ليَسحبَكِ منكِ ومِن كلِّ ما حولَكِ، إلى غاباتٍ تستوطنُ الذاكرةَ عبْرَ قرونٍ خلتْ، بحثًا عن وطنٍ منشودٍ تعيشينَهُ كما يعيشُهُ كلُّ البشرِ، في وطن كهذا، أراكِ تتآكلين بحروفِك، كي تَصِلي إلى واقعٍ مُغايرٍ، وتُحاولي أن تُزيلي كلَّ الشّوائبِ المُتناثرةِ في علاقةٍ فرديّةٍ أزليّةٍ مشتهاة، ما بينك وما بينَ هذه الغابات، حيثُ نراكِ تمتطينَ وحشةَ الفقدِ، بعنادٍ يُكسّرُ كلَّ القوالبِ الجليديّةِ، وكلَّ ما في الكوْنِ مِن فرضيّاتٍ لا تقبلُ الجدَلَ، فلا معنى للاحتضانِ إلّا بملامسةِ قداسةِ العشبِ المُقدّس، فتقولين:
لكِنِّي وَمُنْذُ قُرُونٍ/ حُرِمْتُ دُخُولَ جَنَّتِكِ/ تِلْكَ مُشْتَهَاتِي.. سَخِيَّةُ الذَّوَبَانِ/ دَفِيئَتِي.. الْـــ .. عَامِرَةُ بِالْآهَاتِ/ وَمَا عُدْتُ أَتَعَرَّى.. حَيَاةً/ حِينَ تُشَرِّعِينَ.. نَوَافِذَ رِقَّتِكِ!
عزيزتي الشاعرة آمال؛ هنا أتوقّفُ عندَ بلاغةِ المُرادِ وفداحةِ الموجود؛ وقد استخدمتِ القداسةَ للعشب بإيحاءٍ ذكيٍّ، وبانصهارِ الروح بمَكانِها وكلِّ أزمانها، وبكلِّ ما رَواهُ التاريخُ عن وطنِ الزّيتونِ وعذريّةِ الزّعترِ ورائحةِ الليمون، وكلِّ ما تُنبتُ أرضُهُ، فنراكِ في ذاكرةٍ استرجاعيّةٍ طرديّةٍ تستنهضينَ صورَ الوطنِ، وتُراودينَ عشبَ الوطن المُقدّسِ، وتُناقشينَ قدسيّةَ العلاقةِ ما بينَ الإنسانِ وأرضِهِ ونباتِهِ وأعشابِهِ، حينَ تُصادَرُ حُرّيّتُهُ الفرديّة، وحين تُغتالُ العلاقةُ ما بينَ الشاعرةِ والعشبِ المُقدّسِ، وتتحوّلُ الصّرخةُ إلى علامةِ استفهامٍ واستهجانٍ، فتستدركين بقولك:
لكنّي.. مَا نَسِيتُ ذَاكِرَةَ عُشْبِكِ الْمُقَدَّسِ/ حِينَ يَسْتَحِيلُ لِصَرْخَةٍ فَرِيدَةٍ!
وننتقلُ هنا بذاكرةٍ استرجاعيّةٍ طرديّةٍ مألوفةٍ لحالاتِ الفقدِ العاديّ وغيرِ العادي، كفقدِ الحبيب والوطن، وانسحابِ عنصرِ الزمانِ مِن بين أصابعِ المكان، لنقفَ مع شاعرة الماوراء آمال عوّاد رضوان عندَ البوّابات الحالمةِ، ولنعبُرَ المساحاتِ الزمنيّةَ بتعدادِ سِنيها وقرونِها، حيثُ تَقذفُ النصَّ وتُشاغلنا بهِ في لهاثٍ عذريٍّ ما بينَ الروحِ والجسد، وحيثُ تستنهضُ صورَ الغزلانِ المُتراقصةِ فوقَ قداسةِ العشب، وترسمُ بأدواتِها النصّيّةِ وطنًا يُمثّلُ لها الماضي بكلِّ تاريخِهِ المُعشّشِ بأوْصالِها، ولتصنعَ لنا عوالمَهُ بحِرَفيّةٍ مُنتقاةٍ بأدقِّ الصورِ التعبيريّة، وأرقى مساحاتٍ مِن تفاصيلَ مُلوّنةٍ بعشبٍ وعناقيدَ وغزلان، إنّها لوحةٌ مُتحرّكةٌ تهزّ شِباكَ الذّاكرةِ، لنرى الوطنَ المُستباحَ في زمنٍ آخرَ يُظللنا بكلّ ملكوتِهِ وروحانيّاتِهِ؛ فهنا كان لنا بيتٌ، وهنا كان لنا مسجدٌ، وهنا كنيسةٌ وهنا وهنا..، وفي الـ هُنا تتداخلُ الصّورُ المُستنشَقةُ مِن عبيرِ قرونٍ مضَتْ، لنرانا في غاباتٍ تعجُّ بالنّمورِ والرموزِ اللفظيّة!
لكن، وبالرّغم مِن شراسةِ التعبير، فإنّك يا الشاعرة آمال، لم تفقدي بوّاباتِ الأملِ، ولم تُسقِطي مِن حسابِك العلاقةَ الروحيّةَ بارتباطِ الجسدِ والروحِ والمكان، بل وتُقسِمينَ بجَلالِ حنايا الوطنِ وبقُدسيّةِ أعشابهِ، وبطونِ وديانِهِ وبقوافلِ سُحُبِهِ، وتتماهين مع مرارةِ الفقدِ، فتطوّعينَهُ باستخدامٍ ذكيٍّ كي يكتملَ بناءُ القصيدة، ليصبحَ الوطنُ بكلّ تفاصيلِهِ ورموزِهِ عناصرَ مُباحةً للمداعبةِ والعناق، فهل القسَمُ عاجزٌ لا يغادرُ حدودَ صدرِ القوافي؟
لا، فيا وطني المُباحُ بكلّ تفاصيلِك، كيفَ لا تكونُ هكذا وأنتَ مِلءُ السّمعِ والعيون؟ أراكَ كلَّ يومٍ، أعانقُكَ وأشتهيكَ حُلمًا فريدًا، لا يُشاركُني بكَ أحدٌ إلّايَ وعُشبُنا المُقدّس.
عزيزتي آمال، موجعةٌ أمانيكِ، وأنتِ تتسلّقينَ البوادي بعنفوانِ قوْلِكِ:
مَا نَسِيتُ عُشْبًا/ لَيْسَ يَتَنَفَّسُهُ.. إِلَّا نَسِيمٌ/ مُحَمَّلٌ.. بِعَنَاقِيدِ شَوْقِي وَحَنِينِي/ وَمَا نَسِيتُ غُزْلَانَكِ/ الْـ .. تَنْبِضُ بِرِقَّتِي الْحَالِمَة!
بإيحاءاتٍ مُركّزةٍ مُكثّفةٍ تمتطينَ جوادَ الفقدِ، تُراقِصينَ غزلانَ الوطنِ وتَمُرّينَ عبْرَ أبوابِ الفتح، لنراكِ مع النسيمِ تُداعبينَ أوْتارَ الذّاكرةِ، وتَسبَحينَ في سكونِها الحالمِ في ملكوتِ وعوالمِ الفقدِ، وما يُمثّلُهُ مِن اشتعالٍ وتَفجُّرٍ واحتراقٍ، ولا زلتِ بانتظارِ مَن يُشرّعُ أبوابَ الوطنِ المُحترقِ لبُرقتِهِ الحالمةِ، هنا كانت الأرضُ وكانَ الوطنُ، هنا عاشتْ وتتابعتْ قوافلُ الزمنِ والأهل، في كلِّ ركنٍ لنا حكايةٌ يَزنون بها، فما عادتْ بلادُنا موصولةً بالجسد..
وَجَـــلَالُـــكِ/ أُقْسِمُ .. بِحَنَايَاكِ/ بِبُطُونِ وِدْيَانِكِ/ قَوَافِلُ سُحُبِي.. بَاتَتْ حَارِقَةً/ وَهذَا الْجَامِحُ الْمُسْتَأْسِدُ بِي/ صَارَ مَارِدًا/ يَرْعَى غَابَاتِي الْــ تَـعُـجُّ بِالنُّمُورِ
هكذا نرانا نقفزُ قفزَكِ الطريَّ المُسترسِلَ كما الغزلان فوقَ عُشبِها المُقدّس، نتنفّسُ الحُبَّ الأزليَّ مِن بين عناقيدِ الشّوْقِ والحنينِ، ونُسافرُ معَهُ عبْرَ غزلانِكِ الحالمةِ الجافلةِ المرتعِبةِ في غاباتٍ تعجُّ بالنّمور، تبحثُ عن طُهرِ العلاقةِ وأبعادِها في واقعٍ مُغتالٍ كلَّ يوْمٍ بدَمٍ كحليٍّ أسوَد، فنعرفُ مَن المُمتطى ومَن المُمتطي الذي يُساومُنا على جُرحِنا وفَقْدِنا.
الشاعرة آمال عوّاد رضوان، ورغمَ كلِّ شيءٍ تُقسِمُ بجَمالِ وجَلالِ العلاقةِ الأبديّةِ، وهذا القسَمُ يُوقفُني أمامَ قسَمٍ عظيمٍ مِن ربٍّ عظيم، عندما أقسَمَ اللهُ تعالى بالتين والزيتونِ وطورِ سنين، ببلاغةٍ تعبيريّةٍ تؤكّد قدسيّةَ العلاقةِ، ما بينَ الإنسان والنباتِ والزمانِ والمكانِ الذي هو الوطنُ بكلِّ ما فيهِ مِن أرضٍ وسماءٍ وهواءٍ وفضاءٍ، ونحن يا العزيزة آمال، ما فقدنا الزمانَ والمكانَ وكلَّ ما كانَ يَربطنا بهِ، وما زلنا نمتلكُ حُروفَ وجْدِنا واحتراقِنا في غاباتٍ تعُجُّ بالنّمور.
لكِنِّي وَمُنْذُ قُرُونٍ/ حُرِمْتُ دُخُولَ جَنَّتِكِ/ تِلْكَ مُشْتَهَاتِي.. سَخِيَّةُ الذَّوَبَانِ/ دَفِيئَتِي.. الْـــ.. عَامِرَةُ بِالْآهَاتِ/ وَمَا عُدْتُ أَتَعَرَّى.. حَيَاةً/ حِينَ تُشَرِّعِينَ.. نَوَافِذَ رِقَّتِكِ!)
عزيزتي الشاعرة آمال عوّاد رضوان، إن كنّا قد فقدنا عناصرَ الزمانِ والمكانِ، فهذه الغاباتُ التي كانتْ مَرامَنا وموطنَ عِشقِنا وقَداستِنا، وقُدسُنا التي ما عادتْ لنا، صارت تعُجُّ بالنّمور، فحيثما كنّا وأينما توجّهنا، ثمّةَ نمورٌ تعترضُ بأنيابِها حركاتِنا، وتُصادِرُ همْسَنا الغزليَّ، فلا نملكُ إلّا (صرخةً فريدةً)، تتنفّسُ الحُبَّ الأزليَّ (المُحمَّلَ بعناقيدِ الشّوقِ والحنين، ترنو إلى غزلانِها الحالمةِ الباحثةِ عن مَراميها ومَراعيها وجبالِها وحقولِها).
أينَ منّا قوافلُ السُّحُبِ وتلكَ الشّواهدُ على حميميّةِ العلاقة؟ كلُّ ما فينا مُغتالٌ يَنزفُنا الشّوقُ لقرقعةِ التاريخِ المُتجذّرِ فينا، فحيثُما توجّهنا نرانا مُحنّطينَ في ذاكرةِ زمنٍ! أوّاااااااااااااه يا وطنَ السّلبِ والنّهبِ، أنا ما خُلقتُ لأحترقَ بكَ أو أتوكّأ على أوجاعِكَ، بل خُلقتُ كي أراكَ واقعًا مُنَعَّمًا، أأراكَ مُجرّدًا مِنَ الحُلم غارقًا في فواجع الانتظارِ؟
 لكنّنا لم نَزلْ نُعانقُ الشوقَ بالأمل، ونمتطي الفقدَ بالحنين، ولم نزَلْ نُبحرُ في هاتيك الروابي التي تحتلها قطعانُ نمورٍ تُصادرُ نباتَها وتُرابَها، لنظلّ كما الأرض ندورُ حولَ مجرّاتِها. لم نفقدِ الأملَ في قوافلِ السُّحبِ الشاهدةِ على قدسيّةِ العلاقةِ وحميميّتِها، فقرقعةُ التاريخ مُتجذّرةٌ فينا، وحيث نكون نرانا مسكونين بعناقيدِ الذاكرة، تمامًا كالقوافلِ الغابرةِ التي نَراها صبحًا ومساءً حولنا تصرخُ صرختُنا، ونُهدهدُها بوعدٍ أن يكونَ القادمُ أجمل!
عزيزتي الشاعرة آمال عوّاد رضوان، باختصار، أخذني نصُّكِ البلاغيُّ إلى غاباتِكِ وغاباتِنا التي تَعُجُّ بالنّمور، والليلُ مُستأسدٌ يَتأهّبُ للانقضاضِ والافتراس، لكنّنا مثلك، لم نُسقِط أدواتِ الشوقِ والحنينِ والقسَمِ والأمل، فنحنُ نمتلكُ العودةَ إلى كلّ الصوَرِ البلاغيّةِ المُنتقاةِ، بدقّةٍ مُتناهيةٍ مُتماهيةٍ مُخلصةٍ لمَشاعرِها ولجُذورِها، كي نُعاودَ رسْمَ غاباتِنا بعُشبِها المُقدّسِ، وبغزلانِها التي لمّا تزَلْ تقفزُ في ذاكرة الأملِ وطنًا مِن غيرِ نُمورٍ، باستنساخٍ غير عاديٍّ لكلِّ الصوَرِ العالقةِ المُتجذّرةِ فينا، تمامًا كما حملتْها قوافلُ الزمنِ، وكما ترسّختْ في عقولِنا وأذهانِنا المعجونةِ بلهفتِنا وجنونِ شوْقِنا، وتَحَدّي الحُلمِ بإخضاعِهِ رغمَ تَمَرُّدِهِ.
نعم يا العزيزة، ولا زلنا نمتطي الفقدَ ونهاجرُ ونهاجرُ، ونغوصُ بأشواقِنا فيهِ، وكلُّ الرّؤى تأخذنا إليهِ بكلِّ صوَرِهِ البلاغيّة.
غاباتي تعجُّ بالنّمور/ للشاعرة آمال عوّاد رضوان
 أَنَا .. مَنِ امْتَطَتْنِي وحْشَةُ الْفَقْدِ
لَمَّا أزَلْ ..
أُسَبِّحُ .. سِحْرَ سُكُونِكِ
مَا نَسِيتُ  ذَاكِرَةَ عُشْبِكِ الْمُقَدَّسِ
حِينَ يَسْتَحِيلُ  لِصَرْخَةٍ فَرِيدَةٍ!
مَا نَسِيتُ عُشْبًا
لَيْسَ يَتَنَفَّسُهُ .. إِلَّا نَسِيمٌ
مُحَمَّلٌ .. بِعَنَاقِيدِ شَوْقِي وَحَنِينِي
وَمَا نَسِيتُ غُزْلَانَكِ
الْـ .. تَنْبِضُ بِرِقَّتِي الْحَالِمَة!
***
لكِنِّي وَمُنْذُ قُرُونٍ
حُرِمْتُ دُخُولَ جَنَّتِكِ
تِلْكَ مُشْتَهَاتِي.. سَخِيَّةُ الذَّوَبَانِ
دَفِيئَتِي .. الْـــ .. عَامِرَةُ بِالْآهَاتِ
وَمَا عُدْتُ أَتَعَرَّى .. حَيَاةً
حِينَ تُشَرِّعِينَ.. نَوَافِذَ رِقَّتِكِ!
وَجَـــلَالُـــكِ
أُقْسِمُ .. بِحَنَايَاكِ
بِبُطُونِ وِدْيَانِكِ
قَوَافِلُ سُحُبِي.. بَاتَتْ حَارِقَةً
وَهذَا الْجَامِحُ الْمُسْتَأْسِدُ بِي
صَارَ مَارِدًا
يَرْعَى غَابَاتِي  الْــ تَـعُـجُّ بِالنُّمُورِ
أَيَا فَاتِنَتِي
أَنَا مَنْ خُلِقْتُ.. لِأَحْتَرِقَ بِكِ
احْتَرَفْتُ الاتِّكَاءَ
عَلَى غَيْمِكِ
على لهْفَتِكِ .. على جُنُونِكِ
وَقَدْ خَضَعْتُ  لِحُلُمِي طَوِيلًا
فِي انْتِظَارِكِ

13
حيفا تحتفي بالكاتب سامي عيساوي
آمال عواد رضوان
أقام نادي حيفا الثقافي أمسية احتفائية بالكاتب سامي عيساوي، برعاية المجلس المليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ حيفا، وذلك بتاريخ 23-2-2017 في قاعة كنيسة القدّيس يوحنّا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، ووسط حضور من أدباء ومهتمّين بالشأن الثقافيّ، وقد تعذّر حضور سامي عيساوي للأمسية بسبب منعه من عبور الحواجز إلى حيفا. تولت عرافة الأمسية عدلة شدّاد خشيبون، وتحدّث عن منجز المحتفى به كلّ من: د. منير توما تناول رواية اللّوز المُرّ ما بين الإيحاءات والإشارات الدالة على محور الرواية، وآمال أبو فارس تناولت كتاب "زوجي لعبة تفاعليّة" وموضوع الكتابة باللّهجة العاميّة ونظرة الكاتب للمجتمع العربيّ من ناحية دينيّة وسياسيّة، وسلمى جبران تناولت كتاب "عيّوش"، وتخللت المداخلات وصلة زجليّة مع الزجّال حسام برانسي، وفي نهاية اللقاء كانت قراءة لرسالة سامي عيساوي، والتي شكر من خلالها الحضور والقائمين على إحياء هذه الأمسية!
مداخلة عدلة شداد خشيبون: يطيب لي أن القاكم تتوافدون دون كلل أو ملل ومن كلّ حيّ وبلد إلى هذه القاعة الجميلة الدّافئة شتاء والمنعشة صيفًا، ويثلج صدري أن أراكم تملآؤون المكان بعبير الثّقافة والآدب. أحبّتي على رزنامتي لمع التّاريخ، وأشرقت شمس جديدة ليكون لنا لقاء بتنا ننتظره أسبوعيًّا، وبتنا نرفض تسجيل المواعيد في ذات السّاعة وذات اليوم، فالشّكر  لذاك الجندي المعلوم الاستاذ فؤاد نقّارة وزوجته فراشة النّادي سوزي، فلكما باقة شكر لا تذبل أبدًا ما دام القلب ينبض في هذا الجسد، وللجندي المجهول فضل الله مجدلاني الذي يرتب لنا هذه القاعة ويجمّلها بنقاء استقباله. شكرًا من أعمق الأعماق لكم أحبّتي، فلقاؤنا يتجدّد اللّيلة بكم وبنوركم الآسر.   
تعذّر عليه الوصول ليكون بيننا جسدًا، لكنّ حضوره الرّوحي والصّوتي موجود في رسالته، ورسالتنا ستعرف الطّريق إليه بين تنمية بشريّة وإنجازات أدبيّة، وسنطير شوقًا لنتذوق طعمات ثلاث لكتب زيّنت مكتباتنا بجميل حبرها. اللّيلة سيغدو اللّوز المرّ حلوًا، وعيّوش ستلبس لباسًا زاهيًا، أمّا “زوجي لعبة تفاعليّة” سيحلّق عاليًا بين مفردات اللّغة، فكاتبنا سامي عيساوي من مواليد مدينة نابلس 1968،تعلّم في مدارسها، متزوج ولديه اربعة ابناء، حاصل على درجة البكالويوس في الفنون التّطبيقية من جامعة نيودلهي، وعلى درجة الماجستير في الفنون البصرية من جامعة اليرموك، يعمل كمحاضر متفرغ في كلية الفنون الجميلة – جامعة النّجاح الوطنية، وشغل منصب رئيس قسم الفنون التّطبيقية 2014-2016،  صدر له خمسة أعمال هي: اللوز المر (رواية)، و 2008عيوش (رواية) 2013، وزوجي لعبة تفاعليّة (مجموعة قصصية) 2016، ولحياة أكثر إبداعًا (تنمية بشريّة) 2014، وتخرج بكفاءة (تنمية بشريّة 2016).
د. منير توما: أديب وناقد يكتب الشّعر باللغتين العربيّة والإنجليزيّة، له العديد من المقالات والدّراسات الأدبيّة التي تُنشر في الصّحف والمجلات، وقد حصل على عدّة جوائز في كتابة الشعر في اللغة الإنجليزيّة من الجمعيّة الدّولية للشعراء في الولايات المتحدة الأمريكيّة، كما حصل على جائزة الإبداع الشعريّ من وزارة الثقافة عام 2010. لا يصل كتابٌ إلى  يديه إلّا ويُعانقُ مفرداته ويطويها تحتَ معان أرادها الشّاعر ولم يصرّح بها، وهذا يؤكّد أنّ دور الشّاعر أو الكاتب ينتهى عندما يسلّم ديوانه للقارئ، فكيف إن كان قارؤنا د.منير توما وروايتنا اللّوز المرّ، ما بين الإيحاءات والاشارات الدالة على محور الرواية، فيا تُرى، هل يبقى طعم اللّوز مُرًّا بعد أن ينثر عليه. د.منير توما سكّر نقده، مُبلسِمًا بمفرداته المعهودة جرح المرارة؟
سلمى جبران: من البقيعة الحبيبة إلى حيفا وقصّة عشق للكلمة في رواية عيّوش، متزوّجة ولها ثلاثة أولاد، أنهت دراستها الابتدائيَّة في البقيعة والثانوية في قرية ترشيحا، والجامعيّة في جامعة حيفا على اللقب الأول (B.A ) في الأدب الإنجليزيّ، وعلى اللقب الثاني ( M.A ) في الاستشارة التربويَّة، وأكملت دراستها في التخصّص في العلاج الأسريّ والزوجيّ،  أثمرت أربعة دواوين شعريّة أسمتها لاجئة في وطن الحداد، ومؤخرًا صدر لها خارج مدار الذّات.
حسام برانسي: يكتب الشعر من عمر عشر سنوات، وبدأ بالظهور على المنابر وفي محافل الأدب فقط قبل ثلاث سنوات، شارك في عدّة مهرجانات وحفلات زجليّة في عدّة دول أوروبيّة، واستطاع تحقيق نجاحات كبيرة في دول أوروبيّة للجاليات العربيّة.
آمال أبو فارس: من مواليد دالية الكرمل، متزوجة في عسفيا، تعمل مدرّسة للّغة العربية، حصلت على اللقب الأوّل من كليّة دار المعلّمين العرب في حيفا، كما أنّها أنهت اللّقب الثّاني في موضوع "تعليم اللّغات اختصاص لغة عربيّة" في كلية "أورانيم"، ودوّنت تاريخ شخصيّات هامّة من القرية. وفي السّنين الأخيرة بدأت تكتب الشّعر. أصدرت مؤخرا كتابين للأطفال: قصة الحلزونة سناء، وكتاب شوكولاته، وكتابا بعنوان "عسفيا قصة وتاريخ". أقامت صفحة تواصل على الفيس بوك تحت عنوان: "المنتدى الثّقافي القطري" يكتب فيه شعراء من كلّ الأقطار العربيّة، وتُحرّر صفحة الثّقافة الأسبوعيّة التّابعة لجريدة الحديث، وتحدّثنا عن كتاب زوجي لعبة تفاعليّة حيث ستتناول موضوع الكتابة باللّهجة العاميّة ونظرة الكاتب للمجتمع العربيّ من ناحية دينيّة وسياسيّة.
مداخلة د. منير توما: "اللوز المرّ " كمفتاح من مفاتيح النصّ عنوان رواية سامي عيساوي: يُمثِّل العنوان في رواية سامي عيساوي " اللوز المرّ " عنصرًا هامًّا من عناصر تشكيل الدلالة في القصّة الروائيّة، حيث تتنوّعُ العناوين وفقًا لوظيفتها في القصّة، فعنوان الرواية يُحيلنا إلى مضمون القصّة، فهذا العنوان له طبيعة رمزيّة إيحائيّة استعاريّة، بحيث تُشكِّل رمزيّة "اللوز المُرّ" مَدخلًا أساسيًّا شاملًا، لإيضاح المعاني والمفاهيم وراء أحداث الرواية وشخصيّاتها وأسلوبها.
إنَّ الكاتب يستخدم "اللوز المرّ" في عنوان الرواية كرمز لمعاناة بطل القصّة الذي تمَّ له اجتياز هذه المعاناة بتطهير النفس من خلال عودتهِ للمخيّم، رغم ما مرَّ به من مراحل حياتيّة مُوجعة، ليعيش ذكريات تجربته العاطفية المؤلمة والمخيّبة للآمال في المخيّم، مع محبوبته زوجته الأولى التي تركت له ومعه ابنتها التي تشبهها والتي لم تكن من صلبه، وإنّما كانت ثمرة علاقة غير شرعيّة مع آخر غيره، قبل عقد قرانهِ بها ونسبتها اليهِ موافقًا أو مُرغمًا على ذلك، لغرامهِ وولعه بهذه الزوجة المحبوبة التي كان قد وقع في غرامها أثناء دراستهما الجامعيّة معًا. وحول اجتيازه لهذه المعاناة بعد فراقهما وهجران كلّ منهما للآخر، والعودة أخيرًا إلى المخيّم، مُستذكِرًا ما عبر عليه في تلك الأيّام، باعتبار ذلك تطهيرًا للنفس من مرارة ما مرَّ به ِ من انعدام وفقدان السعادة الزوجيّة.
 (loss of conjugal happiness) مع هذه الزوجة المتيّم بها بكلَّ جوارحه، والذي يوحيهِ ويرمز إليه العنوان "اللوز المرّ"، وهو يُعبَّر عن هذه المعاني والأفكار قائلًا في نهاية الرواية: "لن أعيد إنتاج التاريخ بنفس الخيبة القديمة، لأضفي عليها أسماء جديدة. سأمضي للمخيّم ولن أغادره بعد كُرهي له، كي أتوحّد مع وجعي وأصبّ على الأيام القادمة نارًا تحرقها. سأعيد تأثيث البيت والمخيّم الذي عاش فيه جدي من جديدي. أضيء شوارعه المعتمة. أجدّد أبوابه المهترئة، وأعيد تصفيح الجدران الداخليّة للقلوب التي أدماها طول انتظار، أُزوّج من لم يتزوَّج من أبنائهِ وبناتهِ. أملأ حجرات ساكنة بصور جديدة عن العودة والمقاومة والبقاء، وأعيد تصنيف الأولويّات القديمة لنسائهِ، فالنصرُ والهزيمة يأتيان من أرحامهنّ وحليب صدورهنّ، وهذه التي تُشبهك، ولها اسمك ولون عينيك وعدد شعرك وطول قامتك، وعجرفتك المسموح بها لامرأة تملك ما تملكين، هذه التي تقتلني في صباحاتها البرّيّة البريئة، وأرى غدها مرسومًا في صفحة وجهك، هي وجعي الأزليّ الباقي منك، أردّدُ على مسامعها قولَ شاعر تركيّا الكبير "ناظم حكمت": "أجملُ الأيّام تلك التي لم نعشها بعد.."، لأستنهض فيها المعاني الباقية كلها، أمّا أنا فأجمل أولادي لم أنجبهم منكِ أنتِ" (ص300). وهنا نرى أنَّ الراوي بطلَ القصّة يعتمل في صدرهِ الأمل بأيّام جميلة قادمة يُرَمِّم فيها الماضي، حيث أنَّ هذا المعنى يُذكِّرنا باللوز المُرّ رمزًا للأمل، لكنّه اللوز المُرّ أي الأمل المصحوب بالألم والذكرى المُتجهّمة.
ومن المهمّ أن نشير في هذا السياق أنَّ اللوز يرمز أيضًا إلى اليقظة (wakefulness)، وهي اليقظة المشوبة بأرق الأيّام الخوالي، وبالضيقات التي ما زالت تُراوده جاعلًا منها حافزًا محفوفًا بالذكريات، ليُشكّل اللوز المُرّ رمزًا للإيحاء والانبعاث لأملٍ متجدِّد، قد يأتي بالفرج المبتغى نحو الأحسن على الصعيدين الشخصيّ والعامّ،  لا سيّما وأنّ اللّوز المُرّ يُستخرج منه في المجال الطّبّيّ بعض الأدوية الشّافية من جهة، ونوع من المادة القاتلة السيانيد من الجهة الأخرى، فاجتمعت هنا في رمزيّة اللوز المُرّ الناحيتان الإيجابيّة والسلبيّة، بكون رجوعه للمخيّم يُعدّ وفقا للنصّ الروائيّ المقتبس السابق شفاء له، ممّا مرّ به من بؤس وضيق وإحباط، ليُعايش بهذه العودة أملًا بولادة جديدة (rebirth) يتمّ من خلالها التخلّص والشفاء من مرارة تجربته السابقة، لتُشكّل مرارة اللوز رمزًا لمرارة الدواء الشّافي، وممّا يسترعي الانتباه أنّ الكاتب قد أحسن وأجاد بإتيانه بعنوان "اللوز المُرّ"، جاعلًا من اللوز رمزًا لعدّة تيمات أيّ موضوعات مركزيّة في الرواية.
ومن حيث أنَّ اللوز عمومًا يعتبر رمزًا يُمثِّل الحلاوة والسحر الفاتن والأناقة (sweetness, charm , delicacy) فإنَّ نصّ الرواية (ص115) يقرن رمزيّة اللوز الممثّلة للجمال الأنثويّ بمرارة الموت والثبات والتحمُّل في حالات الأسى، وفي ذلك وردت السطور التالية: "القهوة المُعَدّة للمساء لها لون الكرز ورائحة التفاح المحترق، ولها عذاب عينيكِ المتّقد بالشهوة والنشوة والرغبة في الحكم والصيد والقتل، أمّا قهوة اليوم فلها طعم العزاء والجُبن المحترق على موائد الغربة، لها لون الشيب وقسوتهِ، وقد تسلّل إلى حلكة شعرها الغادر".
ومن الأوصاف التي يُطلقها الكاتب على لسان بطل القصّة الراوي، مُتحدّثًا عن الزوجة الأولى المحبوبة الأثيرة على نفسهِ وروحه قوله بأنّها "كانت تتقن فنّ العزف على كلّ الأوتار، وتتقن فن الرقص على الجراح وبين حبّات المطر، وتعزف كلّ اللغات، وتتقن رسم الكلمات وتعلم أوقات السعادة كلّها، وتُهمل أوقات الصلاة بلا تقريع أو عذاب ضمير، كانت تعلم متى تُعزَف الألحان الجنائزيّة، وتلك التي يتلوها الفرح ومتى يبدأ المطر وفي أيّ اتّجاه تهبّ الريح، ومن أين تُطلّ الشمس، عند قدميها يتفتّح الزهر، ولطلتها يبدأ هدر الرعد ونزول المطر". (ص117)، ففي هذه السطور أنَّ الكاتب باستعاراته الجميلة يريد أن يوحي ويؤكد أنَّ هذه المحبوبة هي كاللوز بحلاوتهِ ومرارته، باعتباره رمزًا للمنتج الخِصب الذاتيّ (self – productive) وكذلك رمزًا للإثمار (fruitfulness) من حيث التقلّب العاطفيّ الرومانسيّ بإيجابيّاته وسلبيّاته بكافّة أشكالهِ وصورهِ.
يتحدّث الراوي بطل القصّة عن صباح اليوم التالي لزواجهِ من هذه المحبوبة، مُستذكرًا الموقف المتّسم بوجوم الإيحاءات التي يطرحها (ص139): "في صباح اليوم التالي للفرح الأخرس بيننا، لم نتبادل تحيّة الصباح كعادة الأزواج في صباحاتهم الأولى، ولا حتى القُبَل. كان لها تاريخ قديم قرأته في سواد عينيها وظلمة قلبها، عندما تعرّت فجأة أمام نفسها، وتعرّى معها تاريخها. قرأت تفاصيل الزوايا كلها بعد أن غسلت وجهها، وأزالت اقنعتها وكحل عينيها. قرأت التاريخ كله، وقرأت أهمّ فصوله السوداء عندما لم أجد عذريّتها. كان لها تاريخ قديم ممتلئ عن آخرهِ بأنصاف الرجال".
إنَّ الكاتب قد أصاب الهدف جيّدًا في أخبار الراوي بطل القصّة لنا، عن أنّه قد وجد عروسه فاقدة لعذريّتها في ليلة الزواج، مُتّخذًا بكلّ مهارة وبراعة ترميزًا موفّقًا في كون اللوز يرمز إلى العذريّة والبكارة (virginity)، فمرارة هذا اللوز هي رمز لإحباطهِ وخيبة أمله في طهارة ونقاء زوجته محبوبته، التي يدلّ تصرفها وسلوكها قبل الزواج وعدم الاحتفاظ بعذريّتها على طيشها واستهتارها (giddiness) وغبائها، حيث أنَّ كلّ هذه المعاني هي ما يرمز اليها اللوز، وبالتحديد اللوز المرّ الذي يشير رمزيّا إلى اللاتفكير العقلاني (thoughtlessness)، والمذكور آنفًا هو أحد المؤشرات على ذلك. ومن اللافت في الرواية أنَّ الكاتب قد أوغل إيغالاً كبيرًا، وأسرفَ في الإتيان باستعارات وكنايات جنسيّة وظّفها في أوصافه اللغويّة، كإكثارهِ من ذِكر كلمة الحيض والعادة الشهريّة، وكلمات آخرى تتعلق بالحياة الجنسيّة للمرأة، وهذا يستحضر لدينا كون اللوز رمزًا لفرج المرأة (vulva)، بكلّ إيحاءات وتداعيات ما سبق وأشرنا اليه بشأن الزوجة المحبوبة المثيرة للراوي بطل القصّة، والتي عكّرت صفو حياته كما يصفها (ص138): "في الواقع كنتِ أنتِ الحاجز الماثل أمامي. كنتِ أنتِ مانع الحمل الأبديّ الذي أصابني بالعقم".
ومن الطريف أنَّ ذِكر العقم هنا مرتبط عند الرجل بالسائل المنويّ (semen)، الذي هو أحد الأشياء التي كان يرمز اليها اللوز في قديم الزمان، فالعقم المذكور في هذا السياق قد يكون بسبب خلل معيّن في السائل المنويّ للرجل الذي من الممكن أن يكون اللوز المرّ رمزًا له، وممّا يجدر ذكره في هذا المقام أنّ اللوز يرمز الى النبوءة (prophecy)، وهذا الرمز قد تمثّل في باب من أبواب الرواية الذي يحمل اسم "جدّتي سيرة ذاتيّة"، حيث ورد في نهاية هذا الباب إشارات كنائيّة عن حالةٍ مستقبليّة، قد تحمل تفاؤلاً معيّنًا للخروج من مرارة اللوز بوصفهِ رمزًا للمعاناة والضيق والتشرّد، الى غدٍ مشرقٍ عزيز يُبشّر بجعل الحلم حقيقة، وبتحقيق الآمال المنشودة في حياةٍ كريمة هانئة بالاستقلال والسيادة والكرامة. وقد جاء في هذا الباب أنّ (جدّته) قد "بقيت وحدها تدير المملكة بحنكة الرجال، حتى يعود الرشد الى ملوكها وحكّامها ووزرائها وقادة ألويتها، ويصحو من غفوتهم الأزليّة . وقتها ستتنازل جدّتي صاحبة العينيْن المعدنيّتين عن الإمارة لأصحاب السيادة، فهي أكثر الناس زهدًا في الإمارة، وأكثرهم إخلاصًا وحُبًّا للوطن، أمّا جدّتي التي تعيش معنا، فلها منّا النزر اليسير من الصفات، تجاهد للبقاء، وتمتصّ البقايا القليلة الباقية من أيّامها في الدنيا، كي تزرع بيتًا للزعتر، أو تقطف حبّة ليمون من حاكورة البيت القديمة". (ص179).
وأخيرًا، فإنّه يمكن القول أنّ رواية الأخ سامي عيساوي "اللوز المُرّ" هي عبارة عن فسيفساء إنسانيّة، تشكّلت من نسيج توليفة المرأة والرجل، وإطاره المخيّم بكلّ مكوّناته وأجوائه وخلفيّاته، ومحورُهُ الحبّ الضائع الموجع بحُزنهِ وزيفه وشقائه وإحباطاته، والذي يحفِّز وينبئ بإيحاءاته بحُلمٍ مفعم بالإشراقات المتوخّاة، كي يكون الوطن المنشود كاللوز الحلو الخالي من مرارة عالم المخيّم على سبيل التوصيف الرمزيّ، بحيث يكون لوز الوطن حلوًا خاليًا من مرارة عالم المخيّم، بحيث يبدو غريبًا أن نقترح ما جال في مخيّلتنا، من أن يكون عنوان هذه الرّواية "امرأة بطعم اللوز المُرّ"
(woman of bitter almond taste a)، دون أن يكون هناك أيّ تحفّظ وملاحظة على الاختيار الموفق الهادف للمؤلف في وضع عنوان الرواية، ولكنّ مشروع اقتراحنا آنفًا كان من منطلق أنّ المرأة  في هذه الرواية كانت المعادل الموضوعيّ (objective correlative) الذي استندت اليه الأحداث، حيث تمَّ من خلال المرأة قراءة واستكناه الإيحاءات والإشارات، والتضمينات  (connotations) وراء الكلمات والسطور التي رسمت لوحات ذهنيّة، تشمل مشاهد إنسانيّة أصليّة مأخوذة من الحياة بواقعها المتباين بألوانهِ وناسه، كلّ ذلك بلغة سرديّة قصصيّة شعريّة كما لو كانت قصيدة نثريّة. هكذا كان المخيم عالمًا صغيرًا (microcosm) لعالمٍ كبيرٍ (macrocosm)، هو الحياة بتنوّعاتها الإنسانيّة والعاطفيّة والتأمّليّة التي تضمّ المخيّم كجزء منها يعكس قضيّة الإنسان، الذي تعايش فيها الحنين والعشق وتحدّي الصّعاب  والمشاق، وما الى ذلك من معان ٍ كونية شاملة لمشاعر الحزن والفرح والعذاب .
نهنئ الأخ سامي عيساوي ونشدّ على يديه تقديرًا له على هذا الإبداع الروائيّ المتميّز، الذي يستحقّ كلّ ثناء وإطراء مع ملاحظاتنا الأخويّة البنّاءة، ولو أنّ المؤلف قد أولى اهتمامًا أكثر للمراجعة والتدقيق اللغويّ للرواية إملائيّا ونَحويّا، نظرًا لوقوع الكثير من الأخطاء اللغويّة والإملائيّة، التي كان بالإمكان تداركها لو تمّت المراجعة بالدِّقة المرجوّة، آملين أن يتمّ تصحيحها في طبعات قادمة، نظرًا للأهمّيّة في اكتمال تغطية الجوانب التحريريّة للرواية (editing aspects).
مداخلة سلمى جبران: رواية عيّوش – سامي عيساوي: "عيّوش" رواية يتعثّرُ فيها الموت بين الحبّ والحياة، وترفع فلسفةَ الطفولة إلى مرتبةٍ إنسانيّة لا يمكن أن يصلَها الظّالم، بل يقف القاتلُ أمامَها عاجزًا فاقِدًا لإنسانيّتِهِ، مُحوِّلًا الحياةَ إلى موت، وعبثيّةَ الموت إلى حياة وإلى صرخة إنسانيّة تنضحُ بالمعاناةِ المُطْلقة من الموت، فتتقدّسُ الحياة رغمَ الموت. قرأت الفصلَ الأوّل لأنَّ الرّوائي سمَحَ بتجاوُز قراءته، وبعدَ أن أنهيْتُ الرّواية فهمتُ ملاحظتَهُ، وأحسَسْتُ أنّ هذا الفصلَ دخيلٌ على الرّواية ويحِدُّ من دراميَّتِها، وهذا ما شعرْتُ به حينَ قرأتُ الوقفات! تذكِّرُني هذه الرّواية برواية "اسمي آدم" للروائيّ الياس خوري، الذي نجح في إقناع القارئ أنّها مجرّد نشْر لدفاتر آدم دنّون، وكأنّها ليست من تأليفِهِ! اقتباس: " يحدُّ غزّة من الشّرق الحرب، ومن الغرب بحرٌ ظالم، ومن الشمال الجنون، ومن الجنوب هرم خوفو الأكبر، والسؤال: ماذا يحدُّ المُعتدي من الأعلى؟" الجواب: غزّة، لأن الحياة قيمةٌ عليا، وقصّة طائر الفينيق، التي ورَدَتْ مرَّتَيْن، توحي بهذه الإجابة.
عيّوش طفلة أُنجِبَتْ بالمعاناة وعاشتْ في المعاناة فصَهَرَتْها وجَعَلَتْ أبسطَ كلماتِها أكثرَها عُمقًا وفلسفةً: قالت: "كنتُ أتأرجَحُ بينَ ما أُريد وما يُريدُ منْ همْ حَوْلي" (ص32). "الكبار يقتلونَ جرأةَ السؤال عندَ الصِّغار" (ص36). "كانت أوّلُ لحظة صَحْو تشكِّلُ صدمةَ الحياة بعْدَ تَوَقُّعِ الموت"! (ص40). أمّا "طيورُ الحديد" وما تبِعَها من صُوَرٍ لوصْفِ الحرب، فكانت سُخْرِيَةً مريرة تفوقُ أيَّ شعار أو منشور أو خطاب، حيثُ أبرَزَت التناقُضَ الصّارخ الإيروني بيْنَ مَنْ يعيشُ الحرب وبينَ مَنْ يَحكي عنْها في الخارج: شَجْب-استنكار-تغطية- سبْق صَحَفي وشِعارات أخرى!!! لذلك، فإنَّ إقحامَ الأب في المذكّرات وتحليلاته السياسيّة حَدَّتْ من دراميَّةِ المشاعر التي تصاعدت مع أحلام عيّوش ومجازاتِ خيالِها الفتيّ. 
قصّة "سباق الضّفادع" تنطبِقُ على كلّ مَرافِقِ الحياة وبضِمْنِها "الغزّاوي/الأب" الذي يدوِّنُ ويراسِل ويفضَح ما يجري ممارسًا مسؤوليَّتَهُ الوطنيّة، و"الإسكندرانيّة/الأمّ" التي تريدُ الحياة وتريدُ الابتعاد عنِ المَوْت لكنَّها لاقتِ المّوْتْ قبلَ "الغزّاوي". القصص الرمزيّة التي وَرَدَتْ: "الجزَرة والبيضة"، "عُثمان الأمين"، "الذئب والنَّمِر"، انتهَتْ بأسئلة تبدو طفوليّة بريئة ولكنَّها عميقة وتعبِّر ببساطة عن قوّة وقداسة حياة الإنسان. لا أدري إن كانت الأخطاء المطبعيّة والنَّحَويَّة مقصودة لتوحي بعُمْرِ عيّوش! وأخيرًا، أُنهي بقصّة الثعلب والأسد والحِمار ص (79-80) لأنَّها أخطرُها ويطيبُ لي أُن أُجيبَ عن السؤال الذي تلاها: الحمار لا يزالُ خيالًا واقفًا لأنَّ كلّ أعضائهِ أُكِلَتْ ولم يمُتْ بل نُصِّبَ ملكَ الغابة! بورِكْتَ الكاتب سامي عيساوي، وبورِكَ هذا الكِتاب فهوَ يُعطي مساحة كبيرة للتفكير وليسَ فقط يوثّق!
مداخلة أبو فارس: عنوان رواية "زوجي لعبةٌ تفاعلية" للأديبِ الفلسطينيِّ السيد سامي عيساوي، أُخِذ من عنوانِ القصّةِ الأولى فيه، وأتطرقُ في هذه المداخلةِ لموضوعَين: الأوّلُ الكتابةُ باللهجةِ المحكيّةِ، والثاني، إلقاءُ الضوءِ على نظرةِ الكاتبِ للمجتمعِ الفلسطينيِّ من ناحيةٍ دينيةٍ وسياسيّة. استوقفني هذا الكتابُ منذُ الصفحةِ الأولى، حين فاحت منه رائحةُ حروفِ اللهجةِ المحكيّةِ، وما تسمّى عندنا أيضًا بالعاميّة. لنْ اقولَ عنها كلمةَ عامّيّةٍ، لأنَّ كلمةَ عامّيّةٍ مشتقةٌ من العوامِ وهم عامّةُ الشعبِ، وفي ذلك حصرٌ للغةِ في طبقةٍ أقلّ قدرًا من غيرِها وهذا لا يجوزُ! وقد نبّهنا من ذلك البروفيسور سليمان جبران في مقالةٍ له بعنوان على "هامشِ التجديدِ والتقييدِ في اللغةِ العربيّة". فأطلقَ عليها اسمَ "اللهجةَ المحكيةَ" بدلّا من العاميّةِ، حفاظًا على أهمّيّتِها في حياتنا اليوميّة. هذه اللغةُ ليست مجردَ كلامٍ عابرٍ، بل هي اللغةُ التي نترعرعُ ونشبُّ ونشيخُ عليها. نتحدثُ بها في البيتِ والشارعِ خائضين بها كلَّ مجالاتِ الحياةِ، وبها نعبّرُ عن غضبِنا ويأسِنا، عن سعادتِنا وفرحِنا واستيائِنا! هي اللغةُ التي تحاكي المشاعرَ والأحاسيسَ، وحين نكتبُ بها تكونُ متعةُ القراءة أجملَ، فهناكَ الكثيرون الذين كتبوا باللهجةِ المحكيّةِ أمثال الكاتبِ والناقد اللبنانيِّ مارون عبود وغيرُه كثيرون. لكنَّ البعضَ نبذَ هذه اللغةَ مُعتبرًا إيّاها لغوًا ليس له أهمّيّةٌ أو قيمةٌ، كالدكتورِ طه حسين فقد قال عنها "لا أؤمن قط ولن استطيعَ أن أؤمنَ بأن للغةِ العاميةِ من الخصائصِ والمميّزاتِ ما يجعلها خليقةً بأن تسمّى لغةً، وإنّما رأيتُها وسأراها دائمًا لهجةً من اللهجاتِ، قد أدركها الفسادُ في كثيرٍ من أوضاعِها وأشكالِها". ومما لا شكّ فيه أنّ اللهجةَ المحكيّةَ لا تحكمُها قوانينُ وقواعدُ ثابتةٌ من ناحيةِ الإعرابِ والإنشاء، نظرًا لتعدّدِ اللهجاتِ فيها، فالأمرُ يتعلّقُ ويتأثّرُ بالمنطقةِ الجغرافيّةِ المقصودة. كما يستطيعُ الكاتبُ إدخالَ كلماتٍ اعجميةٍ دونَ أن يثورَ عليه مجمعُ اللغةِ العربيّةِ، طالبًا منه إيجادَ بديلٍ لها، وقد وجدت في نصوص الكتابِ كلماتٍ: سمارت، كومنتاته، على الوول، وغيرها. في كتاب اللوز المُرّ أرى أنَّ الأمرَ مغايرٌ تمامًا، فإنّ اللهجةَ الفلسطينيّةَ المَحكيّةَ زادت الكتابَ رونقًا وتشويقًا، وكان لها من الحسنِ ما يجعلُ القارئَ يدخلُ عالمًا من السحرِ الذي تُغلّفُه الحقيقةُ التي تعيشها النفسُ في بيئتِها الطبيعيّة، ولا ضيرَ لو تركنا اللغةَ الفصيحة بعضَ الوقتِ؛ لأنّها ستبقى محفوظةً في القران الكريم، ولن يخبوَ نجمُها ابدًا مهما ابتعدنا عنها لأنّها لغةُ الله، وستبقى ذلك الإعجازَ الذي جاءَ به الرسولُ صلى الله عليه وسلّم.
الكتابُ عبارةٌ عن قصصٍ قصيرةٍ ومداخلاتٍ، يعرضُ فيها الكاتبُ مآسيَ الشعبِ الفلسطينيِّ من الناحيةِ الاجتماعيّةِ والدينيّةِ والسياسيّةِ والفكريّةِ، وقد جاءت على لسانِ الذكورِ تارةً والإناثِ تارةً أخرى باللهجةِ المحكيّةِ الفلسطينيّةِ وبأسلوبٍ شيّقٍ سلسٍ، فجاءت قويّةً بصياغتِها، وذيّلها بأمثالٍ شعبيّةٍ وعباراتٍ يوميّةٍ ننطقها عندما نكونُ على سجيّتِنا بعفويّةٍ تامّة، كما طغى أسلوبُ الساتيرا، وقد تعمّدَ إدخال هذا النوعِ من الأدبِ، بغيةَ إظهارِ المأساةِ التي يعيشها الشعبُ الفلسطينيُّ بنواقصِهِ وأخطائِه، لتحصلَ المفارقةُ التي تتجسّد في المَثلِ القائل: "شرُّ البليّةِ ما يُضحك".
نحن نقف أمام كاتب مختلفٍ عن الذين ألفناهم في صدقهِ وسجيّتهِ وتلقائيّتهِ، فرجلاهُ مثبّتتان على الأرض، لم يكتب ليُرضي المجتمعَ أو ليقولوا إنّهُ وطنيٌّ! لم يتغنّ بالعروبةِ ولم يستعملْ أسلوبَ التهييجِ الذي يتّبعُه البعضُ من أجلِ كسبِ الثقةِ والشهرةِ؛ وإنّما همُّه تصوير الواقعِ الذي يعيشُه أبناءُ شعبِه، فنقلَ بقلمِهِ إحباطاتِهم، عُقدَهم، صراعاتِهم النفسيةِ والتناقضاتِ التي يعيشونها من خلالِ هذه القصصِ، وقد أوردَها على لسانِ الشخوصِ بلسانِ المتكلمِ في أغلبِ الأحيان، وهنا تكمنُ جماليّتها، فترى الشخوصَ تُعبّرُ عن ألمِها ومعاناتِها بلسانِها هي، لتتماهى معها كقارئٍ ولتدخلَك الى عالمِها النفسيِّ والاجتماعيِّ، وقد ترى نفسَك كأنك أنتَ البطلُ في هذه القصةِ أو تلك، فتناول مواضيعَ مختلفةً منها: قسوة الأبِ وتسلّطهِ على أسرتهِ، والإيمان المطلق بالنّصيب، والقضاء والقدر، وتأثير الفيس بوك على الشّباب، وانعدام الحوارِ والنقاشِ البنّاءِ، واعتبار الفتاةِ عورةٌ، والعيش في المهجرِ وتأثيرُه على عقليّةِ المسلمين، ومواضيع سياسيةٌ باتت مزعجةً، والإيمان المطلق بما يقالُ، وتأثير الشّائعات وانعدام الاستفسارِ عن الحقائقِ وغيرها. باختصارٍ، نقرأُ ممّا وراءِ السّطورِ أنّ الكاتبَ يُطالبُ بالعدالةِ الاجتماعيّةِ بينَ أفرادِ الأسْرةِ الواحدةِ، وبينَ افرادِ المجتمعِ الواسعِ، ويُطالبُ بتطبيقِ الديمقراطيّةِ وحرّيّةِ الفردِ، حتى لو أنّه لم يصرحْ بذلكَ علنًا،. فها هو يَصفُ شخصيّةَ الأبِ السلطويّ الصارمِ المستبدِّ في قصّةِ "علاء الأزعر" عندما طُردَ من المدرسةِ، وكان عليه أن يُحضرَ وليَّ أمرِهِ معه فقال: "بصراحة، إنّي أجيب أوباما رئيس أمريكا أو حتى أبومازن رئيس فلسطين على المدرسة أسهل بكثير، من أنّي أجيب ولي امري اللي هو الوالد الله يديمه، فأنا علشان يرضى المدير وأبوي ما يعمل مصيبة في الدار أو يضربني أو يطلق أمي، اختصرت وبطلت أروح على المدرسة". والنتيجة: "لو عرف أبوي إنّي بطلت أروح على المدرسة احتمالين: إمّا انه ينجلط ويموت، أو بيصيبه فالج ويقعد في الدار، أو تطلع عصبيته عليّ، وكالعادة بتيجي في امّي، بروح مطلقها أو بكسر لي إيد أو بقلع لي عين".
يتطرقُ لموضوعِ الهجرةِ الى بلدانَ أجنبيّةٍ، ويرى أنّ المهجّرينَ تنفتح أمامَهم فرصُ العملِ، وينعمون بالحياةِ الكريمةِ والمالِ والجاهِ، بينما يركضُ الفلسطينيّون وراءَ رغيفِ الخبزِ، والدليل في قصّةُ "خالي عمر" الذي أصبحَ رجلَ أعمالٍ مُهمّ جدّا في أمريكا، يعتاشُ افرادُ أسرتِه في فلسطين على حسابِه من المالِ الذي يُرسلُه لهم، والسببُ في رأي الكاتب أنّه في أمريكا لا يسألونكَ عن دينِك أو جنسِك أو هُويّتِك! بينما هنا ينامون جياعًا بتقوقعهِم وضيقِ آفاقهِم وجهلهِم، لأنّهم يعتبرون أنفسَهم الأفضلَ وبقيّةَ شعوبِ اللهِ كُفّارًا. في موضوعِ الدينِ يُكثرُ من السؤالِ والتساؤلِ، والإنسانُ العاقل ذو فطنة وذكاء لا يمكنُه إلّا أن يسألَ ويتساءل،َ لأنّهُ يُفكّر حتى لو لم يحصلْ على إجاباتٍ شافية. ألم يَقلْ شمسُ التبريزي في قواعدِ العشقِ الأربعين: "رجلٌ لديهِ الكثيرُ من الآراءِ لكن ليسَ لديهِ أسئلةٌ، ثمّةَ خطأ في ذلك. إنّ المرءَ الذي يعتقدُ أنَّ لديهِ جميعَ الأجوبةِ هو أكثرُ الناسِ جهلًا"! ها هو كاتبنا يسأل أبناءَ شعبِه أسئلةً جدّيّة ملؤُها السخرية بمواضيعَ دينيّةٍ وسياسيّةٍ، ولا ينتظرُ لها جوابًا، إنّما يهدف الى لفتِ النظرِ والتفكيرِ في الأمورِ بصورةٍ جدّيّةٍ عقلانيةٍّ، بعيدةٍ كلَّ البعدِ عن سياسةِ أتباعِ القطيعِ في الفكرِ والرأيِ، فيسألُ بأسلوبِه السّاخرِ: "شو بتفكروا حالكم؟ كأنّه الله بس إلكم لحالكم، وكأنّه باقي أهل الأرض خلقهم رب ثانٍ".
يطرحُ الكاتبُ موضوعَ الإيمانِ والكفرِ والتعصّبِ الدينيّ الأعمى بدعوةٍ مُبطّنةٍ منه، داعيًا الى التسامحِ وتقبّلِ الآخرِ فيقول: "بطلعلك بعض المسلمين العرب بفكرة إنها أوروبا كافرة، وبدو ينشر الدين هناك وكأنه الأخ فاكر حاله موسى بن نصير، وبدو يكمّل فتوحات المسلمين أيّام الدولة العبّاسيّة أو المماليك". "شو مفكرين حالكم؟ بجدّ مصدقين إنه الله بحبكم أكثر من كلّ أهل الأرض؟ بجدّ.. طيّب احكولي ليش." ويتساءل بمرارةٍ ويأسٍ عن سبب الحالة التي آلت اليها العروبة في عصرِ الظلمةِ، في ربيعِها العربيّ الذي تحوّلَ الى خريفٍ، بل إلى شتاءٍ باردٍ قارسٍ جفّت منه مشاعرُ الإنسانيّة: طيّب اللي في سوريا اليوم عشو مختلفين؟ طيب المواطن الأوروبّي شو ذنبه يموت في شوارع باريس؟ بس الوحيد هشام ابن عمّه اللي بيعرف الجواب: ذنبهم إنهم السبب في اللي إحنا فيه. طيّب خليهم هم السبب؛ بس الحلّ مش العنف الأعمى بالطريقة هاي، والحل مش بالقتل والتفجيرات بالأسواق والمطارات والمسارح. أمّا ابن خاله لمّا ناقش أبوه في الموضوع قلو بالحرف الواحد: سدّ نيعك لأنك واحد جاهل ومش شايف أبعد من خشمك". وفي هذه الجملةِ التي قيلت على لسانِ خاله اثباتٌ لحالةِ الجهلِ التي يعيشُها البعضُ، وعدمِ تقبلِ الرأيِ الآخرَ المختلفِ حتى لو كان مدعومًا بالتفكيرِ ومبنيّا على المنطق والعقل.
وفي نصّ "ارفع رأسك أنت مسلم"، يشيرُ إلى موضوعِ اعتبارِ أرضِ العروبةِ أقدسَ أرضٍ، في حين يتمتّع المسلمون بكلِّ اختراعاتِ العالمِ الغربيّ من سيّاراتٍ وطائراتٍ وملابسَ وأحذيةٍ وطعامٍ. فقال على لسانِ الشيخ أبوالرائد الذي يخطب في الناس يوم الجمعة: إنّ أرضَ المسلمين ارضٌ مباركةٌ، أمّا أرضُ السويد وأستراليا وغيرِها أرضٌ نجسة! ورأيهُ في ذلكَ واضحٌ تمامًا: " أبورائد وأمثاله من الجمعة للجمعة يعملوا جلسات تنويم مغناطيسيّ، علشان نبقى عايشين بالجهل والوهم"! لكنَّ كاتبنا يُجيبهُ بسخريةٍ قائلا: "اترك عمارة الأرض للكفّار العايشين في أمريكا وروسيا وكوريا وأستراليا، ربنا خلقنا عشان نعبده، وهم خلقهم عشان يعملولنا سيّارات وجبنة صفرة، ناكل شوكولاته نوتيلا من تحت إيد الكفّار علشان نشرب بيبسي وريدبول، وفي الآخرة احنا الرابحين، لأنّا رح نلاقي ربّنا بالأركان الخمسة وهم بالآيفون والجلاكسي والسوني، رح يلاقوه في سيّارة بي ام دبل يو ومرسيدس وبيتسا هات وغير ذلك". هذا الوصف الرهيب للفكر العربيّ المريض لم يجرؤ على خوض غماره إلّا القلائل، فهو شائكٌ مقيتٌ مريرٌ، لأنّه مِن أمرِّ الأشياءِ مناقشةَ جاهلٍ لم يخرجْ من قوقعتِه الفكريّة، هناك كثير من الشواهد جاء بها كاتبنا، ليُثبت كم أنّ هذا المجتمعَ مخطئٌ في قناعاتِه وأفكارِه اتّجاه نفسِه واتّجاهَ العالم. باختصار، في شرعِ هذه الأمّةِ محظورٌ عليكَ أن تفكّرَ بغيرِ ما يراهُ القطيعُ، أو أن تسيرَ عكسَ التيّار.
مداخلة سامي عيساوي: مساء الخير لحيفا وللجميع. هل تُصدّقون أنَّ رجلًا مثلي في أواخر الأربعين، لم تطأ قدماه حيفا رغم أنّها لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن بيته، وفقط عرفتها وعرفت حاراتها وأزقّتها من تحفة غسان كنفاني "عائد إلى حيفا". مساء الخير للثقافة والأدب، الأدب الذي نطلّ من خلاله على روح الحياة، على أسرار الإنسان المخبوءة، على فرحه وحزنه، على انتصاراته وخيباته، وليس أخرًا على حيرته الوجوديّة. منذ عاميْن تقريبًا، اتصل بي رجل فاضل مستفسرًا عن رواية عيوش التي كانت قد صدرت لتوّها، وطلب الحصول على عدد من النسخ لقراءتها من قبل أعضاء النادي كما قال لي: هذا الرجل كان الصديق المحامي فؤاد نقارة، والنادي كان نادي حيفا الثقافيّ، فيما بعد انضممت إلى القائمة البريديّة للأعضاء النادي، وصار يصلني كافة نشاطات النادي من أمسيات ومقالات ومناقشات، ومنذ ذاك الوقت وأنا أتطلع لحضور امسية من امسياته، أو المشاركة في حفل توقيع أو مناقشة كتاب، حتى جاءت دعوة النادي لي لإقامة هذه الأمسية بمشاركة هذه النخبة الكريمة من المثقفين والأدباء والشعراء، لكن لم أتمكن من الحضور بسبب رفض تصريح الدخول كي أكون حاضرًا بجسدي بينكم، لكنّني اليوم وكلّ خميس مضى كنت حاضرًا بجوارحي ومحبّتي للثفافة والأدب ولكم.
أن تولد وتعيش في بيئة لا تحفل بالثقافة، وبالكتاب يعني أن تولد في العدم، أن تدفع ثمن اختلافك من روحك وصلابة مواقفك ووجودك على هذه الأرض. لقد عرفت الكتاب منذ الطفولة، ربّما لأنّني فشلت في الحصول على الصداقة المثاليّة، وخضت وقتها تجارب  انتهت بالفشل والخيبة، فجربت صداقة الكتاب، ومنذ ذلك الحين لم تخني صداقة الكتب، ولم أصب معها بالخيبة أو الندم. هذه الصداقة امتدّت واتّسعت فأصبحت لتكون شغفا لا فكاك منه. لم يكن لديّ في البداية أيّ حلم بالكتابة، وكنت أظنّ حتى وقت متأخر، (حتى بلغت أواخر الثلاثين) أنّ الكتابة خُلقت لأناس لديهم ميزات خاصّة، وهي الأفكار التي امتلأ رأسي بها ممّا قرأت عن حياة الكُتّاب والشعراء، لأدرك بعدها أنّ القراءة وإن كانت ترفًا، هي ليست كذلك في نظري، فإنّ الكتابة ليست ترفًا أو هواية نُسَرّي عن أنفسنا بها وقت فراغنا. أدركت أنّ الكتابة مسؤوليّة وجوديّة، إنسانيّة، أخلاقيّة ووطنية، فاذا امتلكت ناصيتها وأحسست بمسؤوليّتك تلك فلا مناص ولا هروب، بالرغم ممّا تُسبّبه به من مخاضات وتقلبات وألم وخسارات على بعض الأصعدة، إلّا أنّها تصبح مصدر الفرح الوحيد الباقي لك في هذه الحياة. حينها يصبح الكاتب ضمير أمّته والناطق غير الرسميّ باسمها. الكتابة الأدبيّة تحتاج إلى الثقافة هذا صحيح، لكن قبل ذلك تحتاج  إلى الحساسيّة المرهفة اتّجاه مسائل الحياة والإنسان، بنفس القدر تحتاج إلى موقف فلسفيّ اجتماعيّ سياسيّ يقف من خلفه الكاتب، ليشاهد هذا العالم ولا يكفّ عن محاولاته لصيانة عطبه الناجم عن الظلم السياسيّ والاجتماعيّ. على إيقاع "عائد إلى حيفا" ومثيلاتها أحببت الأدب والفلسفة والفنّ، فلا يمرّ شهر لا أقرأ فيه عائد إلى حيفا، وذلك كلّما احتجت إلى جرعة إضافيّة من المرارة والحزن والندم والحبّ والصمود". 
عام 2002 وأثناء الاجتياح الإسرائيليّ للضفّة الغربيّة، وكردّ فعل للغضب والقهر والإحساس بالظلم بدأت بكتابة أوّل عمل لي بعنوان" لمّ الشمل"، العمل الذي لم أنتهِ منه حتى الساعة، لأنّني ببساطة ما زلت أعالجه فكريًّا وفنّيًّا، ولأنّني أعتني بالشكل الفنّيّ وأومن بجدليّة العلاقة بين المضمون والشكل الفنّيّ، فكلامها يُملي على الآخر تفاصيله. وعام 2008 كتبت رواية "اللوز المُرّ" والتي تحكي قصّة الخروج المُهين وتفاصيل العيش في مخيّمات اللجوء (ص178-181). أمّا جدّتي فلها ابتسامة ممزوجة برائحة الحنّاء وخلاصة زهر اللَّوز، ولها من المعادن صلابتها ولمعانها، ومن الورد خجله  وغيابه، ولي عندها مشاعر تركتها في حجرها  وهي تمسّد شعري، وتبكي على يتمي المُبكّر دون أن يُبلّلني دمعها. جدّتي كانت شجرة زيتون قديمة زرعها الإمبراطور الرومانيّ "تراجان" في زيارته الأخيرة للمخيّم، فلها جذور ضاربة في عنادها، لا تأمن التراب ولا  غياب المطر. جدّتي لم تكن هي نفسها، وهذه أسطورة أخرى من أساطير العائلة المتعدّدة، فقد استبدُلت بامرأة أخرى لها لون عينيها المعدنيّتيْن، ولها لون بشرتها وطول قامتها وسِعة صدرها، وعلى جبينها الواسع  كانت ترتسم خطوط الطول والعرض وجغرافيّة فلسطين. جدّتي تلك بقيت في البيت ورفضت الرحيل. كان حنينها أكبر منها ومن عزمها. جَهد الجميع وقتها في إقناعها بالرحيل عن الخطر، والبقاء بعيدًا عن زخّات الرصاص وحبّات المطر، ومن وقتها وهي تخاف المطر وتعشق صوت الرصاص.
بعناد غامض أصرّت على البقاء. قالوا لها من خلف جفونهم العارية من الصدق: بالكثير، سنعود  بعد يومين أو ثلاثة. قالت في عناد النساء الأزليّ الجميل: سأحرس البيت حتى تعودوا. لم تُفلح محاولاتهم في إقناعها بالخروج. رفضت، صرخت،  أصَّروا عليها. تمسَّكت بشواهد القبور، بالشاعوب  بالمنجل، بحمار الدَار، بالمعلف، ربطت نفسها بشجرة اللوز الهرمة، حضنت خوفها ورجاءها، لكن أنصاف الرجال قطعوا الشجرة، قتلوا حمار الدار، ونثروا الرمل في المعلف، أمسكوا بها من يدها وفقط، استطاعوا أن يقتلعوها من شعرها. في طريقها أخذت عفش البيت وحلق الباب ومكنسة الدار. أخذت الشاعوب  والمنجل وطاحونة البيت الرخاميّة. عند الباب الخارجيّ للبيت، انتصبت فجأة في وجه أنصاف الرجال، وبقوّة عشرة رجال أفلتت يديها منهم، حفرت حفرة وغرزت جسدها في ساحة البيت، أطلقت شيئًا من الدخان، وتمتمت بدعاء لم يفهمه أحد. أشاحت بوجهها عنهم جميعًا، وأطلقت بصرها في عُمق السماء. فجأة، خرج منها امرأة أخرى لها منها طول قامتها ولون عينيها. تركها الجميع هناك دون أن يفهوا السِّر ولا طهر القدر. وبقيت جدّتي تلك هناك لا نعرف عنها شيئًا، لا نعرف طعم عجينها ولا رائحة فمها، بقيت مغروسة هناك في قاع البيت القديم تحرس زيتون المواسم، وتقطف الليمون وتطعم الزعتر، ترعى الماشية وتربّي الأرانب وكلب الدّار. تسامر النجوم وتقاوم الغزاة. تُطعم الدوابّ الهائمة عقب الخروج المُهين، وتطبّب جراح الحمام  وتؤوي العقارب والأفاعي التي هزّها الحنين. من ماء عينيها تشرب الغربان بعد أن جفّت الينابيع والغدران، وفي المساء يصطفّ على باب منزلها العامر بالفرح عشرات الضالين والجائعين والمرضى، من شتى الأجناس والمذاهب والأديان. هذا رجل قلعت عينه رصاصة. وتلك أضاعت مفتاح الدار وجاءت تقضي ليلتها إلى الغد. يقفان تمامًا في نفس الصفّ الذي تقف فيه نعجة شارفت على الولادة، وليدها يُمزّق أحشاءَها ولا مُعين، ومن فوقهم ترفرف أسراب من الحمام القديم، توقف عن إصدار أصوات الحنين القديمة، واستبدلها بأناشيد الصمود والمقاومة والبقاء.
استطاعت جدّتي القديمة تلك بعينيها المعدنيّتيْن، أن تُشكّل جيشًا جرّارًا من الحيوانات الأليفة، وأن تُدجّن أنواعًا جديدة من الأفاعي والحيوانات المفترسة، كي يساعدوها في إدارة شؤون المملكة البائدة من بشر وشجر وحجر وحيوانات عجماء، سوى من شوقها إلى الدار والجبل ولون الوقت الباقي. بقيت وحدها تُدير المملكة بحنكة الرجال، حتّى يعود الرُّشد الي ملوكها وحكّامها ووزارئها وقادة ألويتها، ويصحوا من غفوتهم الأزليّة. وقتها ستتنازل جدّتي صاحبة العينين المعدنيّتين عن الإمارة لأصحاب السيادة، فهي أكثر الناس زهدًا في الإمارة وأكثرهم إخلاصًا وحُبّا للوطن. تلك كانت رواية اللوز المُرّ.
 وفي ظهيرة 27 كانون أول/ ديسمبر 2008، تعلقت أفئدتنا وأبصارُنا في الشاشات لمشاهدة فصل جديد من فصول عنتريّة المُحتلّ ضدّ الشعب الفلسطينيّ، نترقّب ونتألم. أذكر حينها أنّ سؤالًا انتصب في رأسي كمارد جبّار: لماذا يحدث كلّ هذا؟ وأين العالم ممّا يحدث؟ وبقيت طوال أيّام العدوان لا أفعل شيئًا سوى التحديق في وسع الشاشات، لكن هاجسًا غريبًا دفعني ومنذ اللحظة الأولى لتسجيل التفاصيل. أعددتُ ملفّا خاصّا مِن قصاصات الجرائد والتدوينات والمقالات التحليليّة والتقارير المُصوّرة. بقي كيف أقول ذلك في رواية، لقناعتي أنّ الرواية وحدها القادرة على قول الحقيقيّة، وأنّ الفضاء الروائيّ يتّسع لسطر المشاعر وبثّ الأفكار، للتأريخ للتجربة الإنسانيّة برمّتها، وللفرح والألم وجرأة الدم وقسوة الحياة وظلم الإنسان للإنسان. لكن الأمر لم يكن سهلا، فبعدَ أن عرفت ما ستقول وهذا يُعدّ أمرًا سهلًا في أغلب الأوقات، عليك معرفة كيف ستقول ذلك. احتاج الأمرُ أربع سنوات أخرى من الجهد، كي تخرج الرواية بالشكل الذي ترَوْن.  أقتبسُ لماركيز: " قُراؤنا في غير حاجة الى أن نَظَّل نروي لهم مأساة الاضطهاد والظلم؛ فهم يعرفون تفاصيلها غيبًا. ما ينتظرونه من الرواية هو أن تكشف لهم جديدًا".
وانبثقت فكرة عيّوش الفتاة ذات الستة عشر ربيعًا التي عاشت تفاصيل الحرب، تسردها بوعيها وعلى طريقتها، فجاءت الرواية في ثلاثة فصول، الفصل الأوّل على لسان والد عيوش: "فتحي عبد المعطي رزق عوينات" وأيّ تشابه في الأسماء هو محض صدفة عابرة. الغزّاوي العائد من غربته مع زوجته الإسكندرانيّة الذي أصبح بلا تلد ولا ولد. فعندما يكون المرء بلا ذاكرة كـ"عيوش" أو مَن هم في مثل سنّها، تفاجئهم الحرب وتثيرهم، فيستلهمون من نارها ودمها شعرًا يَخترق رتابة أوقاتهم، تشقيهم وتُنضجهم قبل أوانهم، وأحيانًا تسلب سنوات كثيرة باقية من حياتهم. "عيّوش" التي أكملت ربيعها السادس عشر، ولم تتمكّن من الاحتفال بميلادها لأوّل مرّة بسبب الحرب؛ لم يُكتب في ميزانها الرَّبّانيّ حتى سيّئة واحدة، هي عنوان هذا الكتاب، وهي سطره الأوّل وكلمته الأخيرة.هي رواية الأسئلة المسكوت عنها: "في الحرب؛ عند اشتداد المعارك، عند التحام لحم الجنود بلحم الأرض، عندما تولد النار من  بطن الحديد والبارود، ويمتزج لحم البشر بأديم الأرض، تنشب أسئلة وجوديّة بلا عدد، تبقى معلقة في السماء ولا مجيب. أسئلة لا تتّسع لها رؤوس البشر عن الله،  عن الحبّ والوطن، عن الغربة والشهادة، عن كرويّة الأرض والألوان، عن الليل والنهار، وعن الجنّة والنار. وأسئلة أخرى صغيرة عن الوجبة القادمة، وعن الرعب الذي يُخلفه اختفاء النهار، عن النوم والصبر، عن "فتح" وعن "حماس"، وعن الثلاثمئة وخمسة وستين فصيلًا المنتشرة على جسد الوطن، وليس آخرًا، عن شعب الله المختار، ولماذ يختار الله شعبًا عن باقي خلقه من بني الأصفر والمجوس والهندوس والزنوج، أو حتى هنود أمريكا. "عيوش" مثلي تمامًا أو أنا مثلها والملايين ممّن يُشاركوننا إنسانيّتنا، نمتلئ عن آخرنا بالأسئلة؛ أسئلة صعبة، صغيرة، ساذجة، زئبقيّة، مُتجددة، تراوح مكانها ولا مُجيب.
الفصل الثاني هو جسد الرواية الحيّ، فقد كتبته عيوش في مذكّراتها: كتبت عيوش في دفتها/ يحدّ غزَّة من الشرق الحرب/ ومن الغرب يحدّها بحر ظالم/ من الشَّمال الجُنون/ ومن الجنوب هرم خوفو الأكبر. السؤال: ماذا يحدّ المعتدي من الأعلى؟ لتواصل عيوش كتابة يوميّات الحرب كما تراها، وهي عادة اكتسبتها من الست وداد مُدرّسة العربيّ، كي تمأ فراغ وقتها، تتبعها في كلّ مرّة بسؤال، على اعتبار "ما دمت أسأل فأنا موجود": لتتلاحق أسئلة عيوش من قبيل/ ماذا يحدّ المعتدي من الأعلى/ هل يبكي الرجال/ هل تنام النجوم/ متى سينتهي هذا اليوم/ أين يمكن أن أجد صديقا حقيقيّا/ كم تبعد أوسلو عن فلسطين/ هل البندقيّة ضارّة أم نافعة/ كم عدد فصائل العمل الوطنيّ الفلسطينيّ/ لماذا تموت الأمّهات/ عرّف الوحدة الوطنيّة/ وأين يسكن الأمل في بلادنا؟
امّا الفصل الثالث والأخير فقد كتبه الراوي في عشر وقفات: الوقفة السابعة: إعلان عن مسابقة دوليّة تكريمًا لروح عيّوش التي عاشت خوف الحياة وأمنت خوف ما بعد الموت. من يستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة كاملة، فليُرسل الإجابات على شكل ملف إلكترونيّ بصيغة "PDF" الى البريد الإلكترونيّ للأمّة  "بلاد العرب أوطاني". الوقفة الثامنة: توزّع الجوائز العشر كالتالي/ الجائزة الأولى: "جنّة عرضها السماوات والأرض أُعِدّت للمُتّقين"./ الجائزة الثانية: "المجد لله في الأعالي وفي الناس المسّرة  وعلى الأرض السلام"./ الجائزة الثالثة: الحرّيّة غير منقوصة./ الجائزة الرابعة: الموت وقوفًا كالأشجار./ الجائزة الخامسة: حياة تسرّ الصديق أو ممات يكيد العدا./ الجائزة السادسة: المشاركة في حفل تنصيب الرئيس الأمريكيّ القادم./ الجائزة السابعة: رحلة الى سطح الزهرة لمشاهدة ظلم البشر./ الجائزة الثامنة: رحلة حول العالم للتأكّد من أنّ شعب فلسطين هو آخر شعوب الأرض التي ما تزال ترزح تحت الإحتلال./ الجائزة التاسعة بعد المليار السابع لعدد سكان الأرض: "معلومة هامّة "الفلسطينيون بشر يشبهونكم، لهم أربعة أعضاء، (يدان وقدمان) فم واحد وأذنان اثنتان. وفي شرايينهم دم كدمكم لونه أحمر، في قلوبهم محبّة لكم جميعًا، لكنّ وجعهم يمنعهم أحيانًا من الكلام./ الجائزة الأخيرة: لأخر مخلوق يجلس الآن على كرسيّ هَزَّاز فوق المريخ أو على سطح الزهرة، يُلوِّح لنا بالحضارة: "شكرًا لكم".
تجربتي الأخيرة كانت مع مجموعة قصصيّة بعنوان "زوجي لعبة تفاعليّة" عام 2016، فالكون يتكوّن من قصص لا من ذرات كما تقول موريل روكسير، هي قصص تعيش بيننا باللغة المحكيّة: "هذه ليست لغتي/ إنَّها لغة أبطال هذه القصص التي تورّطتُ في كتابتها رغمًا عنّي/ حاولت أن أجبرهم على لغتي ومفرداتي المنتقاه بعناية، فاختنقوا واختفوا وآثروا الصمت. إنَّها كلماتهم هم، لغتهم اليومي

14
تميم منصور بين التقبيح والتجميل!
آمال عوّاد رضوان
أٌقام نادي حيفا الثقافيّ أمسيةً تكريميّة للكاتب والمربّي تميم منصور ومنجزاته الأدبيّة، برعاية المجلس المليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ/ حيفا، في قاعة كنيسة القدّيس يوحنّا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، وذلك بتاريخ 16-2-2017 ووسط حضور كبير من أدباء ومثقفين وأصدقاء وأقرباء من حيفا والجليل والمثلث، فرحّب بالحضور المحامي فؤاد نقارة مؤسّس ورئيس نادي حيفا الثقافيّ، وتولّى عرافة الأمسية الشاعر رشدي الماضي، وتحدّث عن منجزات تميم منصور الأدبيّة كلٌّ من الأدباء: آمال عوّاد رضوان، وسعيد نفاع وعبدالرحيم الشيخ يوسف، وفي نهاية اللقاء قدّم نادي حيفا الثقافيّ درع تكريم للكاتب تميم منصور، ثمّ تمّ التقاط الصور التذكاريّة.
مداخلة فؤاد نقارة: أهلا وسهلًا بكم في قاعة كنيسة يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا. أمسيات نادي حيفا الثقافي تُقام برعاية المجلس الملّيّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في حيفا. الشكر الكبير لمُشاركي أمسياتنا. نشكر موقع ودار "الوسط اليوم" للنشر والإعلام على ما تقوم به من رعاية لأدبائنا ونشر وطباعة كتبهم الأدبيّة، ونشر تقارير أمسياتنا المفصّلة للأخت الشاعرة آمال عوّاد رضوان؛ المحرّرة الثقافيّة في "الوسط اليوم"، وتوزيعها في عدّة مواقع محليّة وعربيّة وعالميّة، كما ونشكر المواقع الإلكترونية والمجلّات والجرائد التي تنشر أخبار الأمسيات. نشكر جميع العاملين والمشاركين بالكامل في النادي بمحبة وشغف تطوّعًا في أمسياتنا، من مداخلاتٍ وفِرَقٍ موسيقيّة وفنّانين، عن مبدأ ورسالة لخدمة الثقافة والأدب والإبداع والمجتمع، فالجزء الأكبر منهم يُثمّنون مشروعَنا الثقافيّ والعمل الدؤوب الذي تتطلبُهُ إقامة أمسياتنا، من ترتيبات وتحضيرات وتنسيق واتصالات، وتحضير دعواتٍ وطباعتها ونشرها وتوزيعها، وإقامة الأمسيات وتصويرها وتوثيقها، ورعاية الحضور وتقديم التضييفات لهم، ومن ثمّ نشر تقرير مفصّل مَحليّا وعربيّا وعالميّا بقلم الشاعرة آمال عوّاد رضوان المحرّرة الثقافيّة لموقع "الوسط اليوم"، وخبر بقلم خلود فوراني سرّيّة، ولكن وللأسف، هناك بعض آخر يستكبر وبعض يتنكّر!
إنّ إقامة أمسياتٍ ثقافيّة لا يُجبرُنا عليه أحد، وإنّما نقوم بذلك بدافع الواجب والتقدير، ونحن نعتقد في نادي حيفا الثقافي أنّنا نتعامل مع المحتفى به برقيّ، ونتوقّع منه أن يُبادلنا هذا الرقيّ ولو بكلمة شكر. نشاطات نادي حيفا الثقافي يُموّلها المجلس المليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في حيفا، والنادي مستقلٌّ تمامًا ولا يتلقّى أيّ دعم من أيّة جهة، وإنّما بما يتبرّع به أعضاءُ النادي وبعض المشاركين بجزء من ريع كتبهم. إنّ الكاتبَ الأمّيّ ظاهرةٌ منتشرة في وسط كتابنا وشعرائنا، فلا أستطيع أن أستوعبَ أنّ هناك كاتبًا لا يقرأ للآخرين، وتستطيع أن تلاحظ ضحالة ثقافتهم. نحن ندعو إلى ثقافة المَحبّة والاحترام لكلّ إنسان، وقد استضافَ النادي مبدعينا من المثلث والجليل والكرمل وحيفا ومناطق السلطة الوطنيّة والشتات، وصفحة نادي حيفا الثقافيّ على الفيس بوك، يمكنكم متابعة نشاطاتنا وأخبارنا بالكلمة والصورة والفيديو، فهذا النادي هو استمرارٌ للنهضة التي قام بها أسلافنا لخدمة لغة الضادّ والعروبة وبمسؤوليّة، يجب أن يتحمّل كلّ منّا حسب قدرته المساهمة بها، بهدف تنوير وترسيخ انتمائنا العربيّ في هذا الشرق.
الأديب تميم منصور مِن مُرَبّي أجيالنا، ومواقفُه المُشرّفة حولَ ما يدورُ في مجتمعنا تُنشَرُ على الملأ منذ عقود، وإصداراتُهُ وأبحاثه تشهد له غيرته وحرصه على شعبنا وقوميّتنا، وكمثقف راقٍ جريء كتاباته عابقة برائحة الوطن والتراث، ويُشرّفنا استضافته في نادي حيفا الثقافيّ، ونرحّبُ بالمشاركين في المداخلات: الباحث والمُربّي عبد الرحيم الشيخ يوسف، والكاتب المحامي سعيد نفّاع، والشاعرة آمال عوّاد رضوان، وعريف الأمسية الشاعر رشدي الماضي.
مداخلة رشدي الماضي: للشاعرة آمال عوّاد رضوان أقول: تعمّدتُ شاعرتي أن لا أسيءَ إلى إليكِ، لأغرقَ فيه، فأصعدُ إلى ذرى قصيدتِكِ وأعصرُ عنقودًا وأشدُّ له وترًا، أريقي النورَ في سُحُبي بردًا، ألستُ المتيّمَ، وكلُّ نيرانِكِ نيراني وتكويني؟ 
وللأديب تميم منصور ناثر تباشير الغد الآتي: أنا على مقعدي في تاريخ الحزن العربيّ، أبكي نصف الكلام، وقبلَ أن أسقط مضرجًا بدمي وحبر قصائدي، بعد أن ضاق المكان على المكان، أنتظرُ الهدهدَ ليدلّني على الطريق إلى دمعة البئر البريئة التي تبرّئ ذئب كنعان من إثم الخيانة والخطيئة. أنتظرُهُ مفتاحًا يفتح لي تمامة وتميمة، وتميم في طقوس معابد الكلام  يتهاطلُ دفء أنفاس الوطن، أبجديّة إبداعيّة تثمر حبًّا بين الإنسان والمكان، حبًّا لمّا أزل يا تميم أتلوه عشقًا بيني وبين هذه الأرض الطيّبة، وأتلوه أنشودة إباء وشموخ، وملحمة عبور نحو انتصارات الحياة، على جواد يمتطي صهوة الخلاص والقيامة والحرّيّة. كلماتك يا تميم نشيد كرامة وعزّة في هذا الزمن الذلة، صباحات شفيفات منقوعة بالزنابق، مغسولة بالنعناع والمواقف لكلّ المعذبين والرافضين الصاخبين في وطن العرب. أعلنتَ انتماءك للحياة وطنًا وقضيّة، أرضًا وإنسانًا، فانتعشت في صحراء فراشات وارتعشت حولها أطيار، وسأظلّ أنا العاري الذي لا مدينة يلبسها، أجيئك أسرق من سلاسلك المطر والفرح جذوة تمسك بالنور، يُصرّ أن لا ينقطع عن الإصغاء إلى همسك.
مداخلة آمال عواد رضوان: *سلامي لكم مطرا وإبداعًا وانتماءً لهذا البلد العامر بنا، ومباركٌ لنا "ذكرياتُ معلم" إنجاز الكاتب تميم منصور، الذي شدّني إلى حروفه، وقد لامستُ معاناتَك الصادقة ووصفك للأحداث، ووجدتُني أشاطرُكَ الكثير من أحداثه المشابهة لِما مرّ بي في مشوار معاناتي في التعيين والتنقيل وتوابعه! وكمحرّرة ثقافيّة في دار الوسط اليوم للنشر والإعلام، أشكر رئيس تحريرها الأستاذ جميل حامد على الجهود التي يُخصّصها لأصدقائي الكتّاب والمبدعين، ليس فقط في طباعة كتبهم وتنسيقها وتنقيحها ومونتاجها وتصميم غلافها، إنّما أيضًا بتسهيل إيصالها لهم، وقد كان كتاب "مذكّرات معلم" أحد الكتب في سلسلة الكتب الصادرة عن دار الوسط اليوم للنشر والإعلام، وقد أسعدَني جدّا أني كنت من أوائل من اطلع على الكتاب وأشرف على طباعته، فمبارك لنا ولك بهذا المنجز التوثيقي التأريخي القيّم.
أستاذي تميم منصور، لماذا فطنت إلى كتابة مُذكرّاتك فقط بعد تقاعدك؟ هل اكتسبتَ شجاعةً وقوّةَ مواجهة، بعد أن تحرَّرتَ من قيود التعليم ومن أجهزته؟ هل لأنك انطلقت خارج دائرة الشكّ والترهيب التي فرضتها السلطات الإسرائيليّة عليك وعلى جهاز التعليم العربيّ؟ هل كنت آنذاك مُعلّمًا جبانًا مهزومًا أمام لقمتك، تطاردُك كوابيسُ الترهيب والمخاوف، وتُلاحقك حقائق تناقضات الهُويّة والانتماء المفروضة عليك، فتعلم تاريخ معاناة اليهود، وتطمس معالم النكبة وأهلك؟ هل حقّا مُذكّراتك تتّسم بالموضوعيّة والمصداقيّة، وتعرية المتعاونين المنتفعين الوصوليّين المُتستّرين على سياسة التمييز القوميّ والعنصريّ؟ هل أردتَ لهذه المُذكّرات أن تعيدَ الحياة لأحداثٍ ولّت بعدما كانت ميّتة، وأردت أن تؤبّن الزمن الراكدَ الراقد؟ هل أردت بذكرياتك أن تفتح تابوت آلامنا وأحزاننا، وتعرض أشرطة صور وخيالاتٍ وفضائح، لتكشفَ ألقابَ وأسماءَ طواها الزمن، وتُغلقَ نوافذَ مجاملاتك وصمتك وندمك؟ ما هي العبر التي تريدنا أن نجنيَها ونعتبر منها في ذكرياتك؟ هل هي ذكريات لمجرد التوثيق والتأريخ لمرحلة عبرت، أم لأهداف خفيّة أخرى في بطن الحوت وفي نفس يعقوب؟
صحيح أنّ بعض الأجوبة نجدها في مضامين النصوص، لكن هناك كثير من الأجوبة مُغلّفة بهالاتٍ ضبابيّة مُبهَمة، فاحتملني عزيزي، هو رأسي الصغير يُتعبني حين يضجّ بتساؤلات تتوالد متناسلة، وأظلّ أستفزّك، وتظلّ ترمقني بعينيك المكتنزتين بالموج الهادئ العاصف قائلا: على رسلك يا آمال عوّاد رضوان، فهناك ص6 "ملاحظة لا بدّ منها، فأنا لم أذكر في هذه المذكّرات كلّ الحقّ، لكنّني لم أذكرْ فيها إلّا الحقّ، والعِبرة التي أضيفها أمامَ كلّ مَن يفكّر ويحملُ أداةً للكتابة وأقول: الكتابةُ ترتبط ارتباطًا عضويًّا بالحرّيّة، فعندما لا تكون حرّيّة، لا تكون كتابة"!
عن أيّة حقبةٍ زمنيّةٍ تتحدّثُ ذكرياتك السالفة؟ أتحدّث عن زمن الحكم العسكريّ ما بين الأعوام (1949- 1966) بعد أن سنّت الحكومة الإسرائيليّة قانون التعليم الالزاميّ المجّاني من جيل (5- 14 سنة)، الذي أتاح استئجار وبناء مدارس مختلفة للعرب، وفتحَ أمامنا آفاق التعلم بعدة مواضيع أساسيّة، وتعلم اللغة العبريّة والموسيقى والتاريخ والموطن، وقد عُيّن معلمون عرب أنهَوْا صفوف الثاني عشر، ومعلمون لم ينهوا المرحلة الثانويّة، وبسبب النقص في المعلمين العرب خاصّة في المثلث، عيّن في المدارس العربيّة معلمون يهود يتقنون اللغة العربيّة، وما أدراكم بحال معلمينا وطلابنا العرب آنذاك! كان الحكم العسكريّ صارمًا يُشدّد الرقابة على تعيين المعلمين وعلى التعليم العربيّ، ويُبعَد كلّ معلم له آراء سياسية وقومية عقابا له، وكان الطلاب ميسورو الحال او من لعبت معهم الظروف يُكملون دراستهم الثانوية في حيفا والناصرة والطيبة والطيرة، وفي بداية السبعينات انتشر بناء المدارس الثانوية في معظم القرى والبلاد العربيّة والتعليم المجانيّ للمرحلة الثانويّة، فازدادت فرص التعلم والتعيين أيضّا، وأنا بدوري أنهيت تعليمي الثانويّ في مدرسة يهوديّة وفرع علميّ، لكنّي عيّنت كمدرّس للتاريخ في العام 1960!؟
أستاذي تميم، ذكرياتك السالفة هذه هل تختلف كثيرًا عن حاضرنا؟ وهل اختلف كثيرًا حالُ تعيينات المعلمين اليوم عمّا كانه بالأمس؟ وهل حَمَلةُ شهادات اليوم يُضاهون معلمي الأمس معرفة وانتماءً وإخلاصًا، أم أنّ الشكليّات والظاهر والأوراق باتت تطفو قوّة وحضورًا على سطح الحقيقة المزخرفة بالتضليل والتشويه والتعتيم؟ قال: بكلّ أسف، الأوضاع التعيسة في مدارسنا العربيّة خلال 40 عام هي هي، على بؤسها تقوم، ليس فقط في البدايات، فحتى نهاية خدمتي كان وما زال السيناريو يتكرّر على نفس المسرح، وفقط يتغيّر الممثلون والديكور والملابس والكراسي! لقد كان معظم مفتشي المعارف العرب عراقيّين، وكان السموأل مفتش لغة عربّية، وكثير من مدراء المدارس منهم شولميت مديرة مدرسة حسن عرفة، وكان مدير دار المعلمين العرب في يافا إلياهو كوهين عراقيّا، وقد امتاز باستبداده وتحطيم شخصيّة المعلمين، وكذلك كان معظم المعلمين عراقيّين في اللد والرملة ويافا وكفرقاسم وجث وغيرها من قرى المثلث، فكانت لدينا صعوبة في فهم لهجتهم، وقد واجه المعلم العربيّ القوميّ الاضطهاد والملاحقة والمطاردة والتعجيز والعقاب في التعيينات البعيدة التي يتعذر التنقل والسفر الوصول إليها والمبات. ولا ننسى فصل المعلمين العرب بطريقة التفتيش الفنيّ، أي بطرق ملتوية وتقارير سيّئة متوالية ومتعاقبة لتحكيم المعلم وإثبات فشله من أجل فصله، إضافة إلى إلزام المعلمين العرب بالاشتراك في اقتناء "جريدة اليوم الحكوميّة".
نحن أمام كتاب مقالات، لو أزلنا عناوين المقالات وربطنا المواضيع  ببعضها، لكان لدينا سيروائيّة جزئيّة للكاتب، لأنها تشمل على الوصف والسرد ومعظم مقوّمات الرواية، لكنّ كاتبنا آثر أن يأخذ فيها منحى المقالة، وكمعلم سار في سلك التعليم الشائك الجارح منذ بدايات الستينات، بلغة توثيقية تأريخية حكائيّةٍ وشبه تقريريّة يكتب، فيسرد معاناته كمعلم تنقّل عبر عقد من الزمن في طمرة الزعبية، الناعورة، نين، عرب الشبلي، طرعان، جسر الزرقا، كفرقاسم وأخيرًا الطيرة، وتتبدّى لنا الحقائق حقيقيّة دون تشويه وتزوير. يسرد لنا بلغة سرديّة حكواتيّة موجوعة، وبأسلوب ساخر فيقول ص7: "إن المادة الدراسية التي تفرضها المناهج لم تتغير ولم تتجدد. الفتوحات الإسلامية أصبحت في ذمّة التاريخ، وانتصارات العرب في الأندلس كانت، والحروب الصليبيّة كانت، وشروق شمس الدولة العثمانيّة وغروبها كانت، والحضارة العربيّة بعلومها وآدابها وفلسفتها كانت، ولم تعد قضيّة فلسطينيّة، وتشرذُم العرب على حاله لم يتغيّر. وهدف الطلاب من حفظ كلّ هذه المواد وغيرها، ليس من أجل بناء أبراج شاهقة من المعرفة، بل كي تكون جسرًا عابرًا يمرون من فوقه، للحصول على شهادة المدرسة الثانويّة، وتأشيرة الدخول إلى الجامعة".
فهل يا حضرة المدير ليوم واحد فقط، اختلف حالُ أمسِكم عن حال يومنا؟ "اسمع يا أستاذ، لا تستغرب، بحبّ أقول لك، بأن رئيس المجلس في كفر قاسم ومعه عدد من الضيوف في طريقهم لزيارتك، بصراحة، هُم بحاجة إلى مدير لإدارة المدرسة الشاملة، ولم يجدوا أفضل منك لهذا المنصب". وبين يوم وليلة، ومن خلال اجتماع ارتجاليّ مفاجئ أصبحتُ مديرًا للمدرسة". كانت زوجتي أوّلَ من هنّأني بهذا الهمّ الجديد، لكن كنت أشعر بأنّ هناك صخرة فوق صدري، فحديث المفتش زاد من شعوري بأنّ هناك شيئًا يُحاكُ ضدّي (مؤامرة! وتحرّيات)! في الساعة العاشرة ليلًا، اتّصل بي رئيس المجلس المحلّيّ في كفر قاسم، وكانت كلماته مهزومة مُلطخة بالخجل، وأخذ يلفّ ويدور بطريقة طفوليّة، كأنّه يريد التوصّل لعبارات خاصّة. لم أُمْهِلْهُ وقاطعته ضاحكًا: هل رفضت وزارة المعارف اختياركم لي؟ عندها تشجّع وقال: نحن خجلون منك، يجب أن نضع رؤوسنا في التراب، بحقّ، نحن من قدِمَ إليك، وتوسّلنا إليك كي توافق على إدارة المدرسة، لكن وزارة المعارف وضعت أمامنا العراقيل. إحنا في طريقنا إليك، بمرافقة وفد من وجهاء كفر قاسم لتقديم الاعتذار".
وتقول شوقيّة عروق: "نعم يا آمال عوّاد رضوان، أمام مذكّرات مُعلّم نكتشف أنّ ليلَ المعلم له أنياب الخوف مثل الطلاب، فليله يحمل القمعَ والرفضَ والمؤامرات والقوانين، وجهاز وزارة المعارف يحاصر عقله وأحاسيسَه وأفكارَه ووطنيّته ومبادءَه، فهناك من يُتقن تفسير قسَمات الوجوه والكلمات والسلوكيّات والحركات، ومن تحت الذرائع العديدة تكون شراسة الفصل والطرد. مذكّرات معلم هي روعة التجربة، وقرع طبول التمرّد في زمن كانت قبعة قبطان الذعر تطفو فوق شواطىء الوظيفة، فتلخّص العمرَ، وتكتب على عتبة دخولها (قل كلمتك وامش.. وحذار من التردد). ليست هي مذكراتٍ خرساءَ، ولا مذكّراتِ ثرثرةٍ وترويجٍ للكراسي المكسورة أو المناصب التي نخرَ خشبَها السوسُ. هي مذكّراتُ الحقّ والحقيقة، ومحطة القطار التي شهدت بدايةَ رحلةِ السفر ورحلة العودة. إنّها وثيقةٌ وشاهدةُ عيانٍ وإثباتٍ على وجودنا  وصراعنا  الدائم، مع الذين يحاولون مسحنا وتهميشنا ورفضنا".
مداخلة الكاتب سعيد نفاع: الكاتب تميم منصور في كتابه "أّيّام فلسطينيّة" يبدعُ ويوجعُ. أتداخل اليومَ، ليس فقط كأمين عامّ لاتّحاد الكرمل للأدباء الفلسطينيّين، وتميم منصور (أبو السائد) عضو بارز في الاتحاد، وإنّما أيضًا كرفيق درب ومن ثمّ صديق، ولذا فقوْلي فيه ربّما يكون مثلومًا، وهذا يتطلب منّي جهدًا خاصّا. بدايةً، هذا المنبرُ شهد ويشهد الكثيرَ من الأمسيات الاحتفاليّةِ أو التكريميّة لمبدعين، وإشهارَ إبداعاتهم وفي شتى مجالات الإبداع، وقيّض لي أن أقف أو أجلس أمامه وخلفه. وكنتيجةٍ، لا بدّ من ملاحظةٍ. أعتقد ومثلي الكثيرون، أننا عندما نجلسُ قبالةَ المنبر لا نريد أن نجلسَ كطلابِ جامعة يتلقون محاضرةً في المعاييرِ والأسسِ النقديّة، وإن كان المبدع تخطّاها سلبًا أو إيجابًا، ولا في المدارس النقديّة والتحليليّة وإلى أي ينتمي الكاتب، فلسنا بذاهبين بعد الندوة لامتحان نصبو بعدَه لشهادة، نحن ذاهبون إلى الميدانِ وميدانُنا وعِرٌ، ولذا فنحن بحاجة لمعرفة الرسالةِ التي حمل المبدع وإنتاجُه، لشحننا في مواجهةِ وعورتِه، وهذا يجب أن يكونَ دورُ المتداخل. تميم أحبّ الوعِرَةَ من الميادين، وفي كتابِه "أيام فلسطينيّة" دخل أوعرَها. وبدءًا أقول إنّ هذه الوعورة أتعبتني كثيرًا، فلا دخولَها سهلٌ ولا الخروجَ منها سهلٌ. قالت رفيقة دربه الكاتبة شوقيّة عروق منصور في تقديمه: "إن الأكاذيبَ التي وضعتها الصهيونيّةُ كثيرةً وكبيرة، ووضعُ الحقائق أمام الأجيال ليس مجرّدَ ترفٍ ونزق إعلاميّ، بل هو ينير أنفاقَ الأكاذيب، ويدفع الأجيالَ الفلسطينيّة والعربيّة والعالميّة إلى مكافحة حرب الخداع والتسليم بتاريخهم". فهل نجح تميم في هذا؟! يقول تميم في المقدمة: "ما يتوفر (من مصادر) ليس أكثرَ من بعض الغمار الموزّعةِ داخلَ صفحاتِ بعضِ الكتب، هذه الغمارُ بحاجة إلى جهد جهيد ودرسٍ متواصل لتحويلِها إلى صروح معلوماتيّة قادرةٍ على سدّ هذا الفراغِ من تاريخ شعبنا الحديث". لقد دخل في هذا الكتاب وأدخلنا في أنفاقَ كثيرةٍ ومظلمةٍ استطاع أن ينير فيها مساحاتٍ كبيرةٍ من ظلماتها. ففي الكتاب (أنفاق)، أدخلنا إليها من أبواب شتّى، عاملًا على أن ينير لنا على ما خلفها بجهدٍ كبير.
*في الباب الأول عن الحركة الكشفيّة في فلسطين(ص19): يأخذنا الكاتب عميقا في الحركة الكشفيّة الفلسطينيّة، موغِلًا في تاريخِ الحركة عالميّا. المأخذُ على الكاتب يكمُن في الصفحات (19 و23) حين يعود بنا لمؤسّسها اللورد روبرت بادن باول، دون أن يشيرَ إلى أن انطلاقتَها كانت أداةً استعماريّة، وهذا أمر يجب أن يُطرح أمام القارئ.     
الباب الثاني عن رسل الدعوة الإصلاحيّة في فلسطين (ص43): إن حرقةَ تميمٍ على فلسطينيّته جعلته يفتشُ عن كلّ حزمة نور في أيّامنا الفلسطينيّة، ومن خلال "ظبّ الغمار"، فاته أحيانًا أن يطرحَ "الزوّان". ففي هذا الفصل (ص43) يذكر الشيخَ الشاعر علي الريماوي من ضمنِ الدعاة الإصلاحيّين، رغم أنّ هذا الشيخ الشاعر كان من "المدّاحين" لدرجة أنه مدح بريطانيا.
*الباب الثالث عن المنظمات العماليّة (ص53): يستعرض تميم الحركةَ العماليّة إنجازاتِها وإخفاقاتِها، ويشير فيما يشير إلى ميشيل متري رئيس "جمعيّة العمال العرب" ويصفُه بالمناضل وهو حقّا كان كذلك ودفع حياتَه ثمنا، اغتيالا أوائل العام 1936 (؟). (ص58 و59). ما فاته هو حكايةُ اغتيال المهندس ميشيل متري، وهذه حقيقة تاريخيّة لها مدلولاتها وكان على الكاتب ألّا يغفلها. إنّ المخابرات البريطانيّة وبالتعاون مع الصهيونيّة هادفة إلى ضرب نسيجنا الوطنيّ، دأبت في تلك الفترة على إطلاق سراح مجرمين من السجون، شرط أن ينفّذوا أعمالًا يوكلوا بها تحقيقا لهذا الهدف، وكان اغتيال المهندس ميشيل متري أحد هذه الأهداف. للاستزادة يستطيع المعني قراءة مذكرات الحاج أمين الحسيني، فما جاء فيها حول هذا الاغتيال وكشف منفذيه وملاحقتهم هام جدّا.
 *الباب الرابع عن الحركة الرياضيّة في فلسطين (ص79).
*الباب الخامس عن الجمعيّات والاتحادات والروابط والنوادي في فلسطين إبان عهد الانتداب (ص123): وهنا يسقطُ تميم في هفوة، إذ يقول أو يقتبسُ لا أعرف: " في عهد الانتداب تمّ إنشاءُ ما لا يقل عن خمسَ عشرةَ جمعيّةِ فلسطينيّة وطنيّة، أكثرِها خيريّة وأدبيّة، ومن الملاحظ أن غالبيَّها كانت مسيحيّة، ويعود السببُ إلى الامتيازات التي تمتع بها المسيحيّون. ص123. إلا أنه ما يفتأ أن يعود ليقولَ: "كان نشوء الجمعيّات وغيرِها من المؤسّسات الثقافيّة والاجتماعيّة يرتبط ارتباطا عضويّا بظهور المجتمع المدنيّ من ناحية، ويرتبط بالفئة المثقفة من الناحية الأخرى (ص128). وفي هذا الباب، لا بدّ من ملاحظة تقنيّة إذا صحّ التعبير. فالاسمُ الثاني لمحمد دروزة.. ضاع بين غرّة وغزة إلى أن استقرّ على عزة في الثالثة (ص129) ولكن الملفت للنظر في هذا الباب، هو ما ذهب إليه الكاتب في وضع عائلة الحسينيّ والنشاشيبيّ في نفس الميزان في سياق حديثة عن الجمعيّات. فلا يصحّ أن توضع عائلة الحسينيّ ورغم ما يمكن أن يكون عليها من ملاحظات، في نفس المستوى مع زعامات من عائلة النشاشيبي التي هادنت الإنجليز والصهيونيّة، ولنا في راغب النشاشيبي وفخري النشاشيبي البيّنة. (ص155و156)
*الباب السادس عن الروابط الأدبيّة والثقافيّة في فلسطين (ص177)
*الباب السابع عن المكتبات في فلسطين (ص183)
*الباب الثامن عن المطابع في فلسطين (ص205): يسجّل الكاتبُ هنا حقيقةً تاريخيّةً (إذا تغاضينا عن قول نابليونَ: إن التاريخَ هو الحكايةُ التي نتفق عليها)، من المهمّ الإشارةِ إلى هذه الحقيقة على ضوء محاولات "تحنينا" للخلافة العثمانيّة، وهي أن الغرب وضع أولَ كتاب في اللغة العربيّة عام 1514م، بعد الثورة التي سبقت في عالم الطباعة، في حين أنّ الدولةَ (العليّة!) العثمانيّةَ لم تكن تسمحُ بطبع الكتب العربيّة وحتى العام 1712م. (ص209).
*الباب التاسع عن مؤسّسات الرعاية والعناية الصحيّة في فلسطين (ص219).
*الباب العاشر عن منظمات شبه عسكريّة فلسطينيّة أقيمت قبل النكبة (ص227). *النجادة. *الفتوة (ص256). *منظمة الشباب (ص269). محمد نمر الهواري (ص273) انظر( ص277 ). في هذا الفصل دخل الكاتب ميدانا من الأشدَّ وعورةً وفوق كلّ ذلك مليئاً بالألغام، ولا هو خرج منه سالما ولا أخرجنا سالمين. يبدو للقارئ وكأن الكاتبَ في مكان ما معجبُ بشخصيّةٍ كان لها ارتباطُ عضويُ في منظمة النجادة، ألا هو محمد نمر الهواري، الذي يخصّص له جزءا كبيرا من الفصل، واضعا إياه ندّا لجمال الحسيني وحتى المفتي ولاحقا الحزب الشيوعي الإسرائيلي. لا أستطيع هنا وفي مداخلة كهذه تناول الأمر من كل جوانبه، ولكني أطالب تميم بطبعة ثانية حتى يزيل كل لبس عن هذا الرجل الدخيل على النضال الوطنيّ الفلسطينيّ. 
الباب الحادي عشر والأخير عن المنظمات العسكريّة (ص287(. جيش الإنقاذ (ص291). جيش الجهاد المقدّس (ص320). في هذا الفصل الأخير في الكتاب، يطأ الكاتب حقلا أشدَّ وعورةٍ من سابقه، ولكنه هذه المرّة خرج وأخرجنا، وجراحُنا أقلُّ ثخونةٍ من السابق. فيما يتعلّق بجيش الانقاذ أعاد الكاتب لهذا الجيشِ بعضَ ما يستحقُّ مكانةً، ولكنّه في باب المعلومات أخطأ أو خُطّئ. وتكفي الإشارةُ إلى أمرين، الأوّل دخول وخروج جيش الإنقاذ وملابسات ذلك، فخلا الأمر من الدقّة التأريخيّة. والثاني عدد شهدائه (309!)، والتغاضي عن دور فوج "شكيب وهاب" أو ما أسماه فوج جبل العرب، فلم يكن كذلك أولا إذ انضم تحت لوائه كل المجاهدين في المنطقة بغض النظر عن انتماءاتهم الثانويّة، وثانيا يذكر أن شهداءه كانوا 5 ويقول: "قتلوا في معركة (كفار يوحنا) يوم 1948\04\12. هذه المعطيات أبعد ما تكون عن الحقيقة التاريخيّة حتى النسبيّة. فلا يوجد في كل فلسطين مكان اسمه "كفار يوحنا"، والمعركة هي "رمات يوحنان" في المصادر الصهيونيّة وفي أدبياتنا "هوشة والكساير"، ودامت ثلاثة أيام متوالية،  وهذا الفيلق ضمّ في صفوفه قرابة ال300 مقاتل من عرب البلاد من كل الطوائف والمذاهب، وفيها وصل عدد الشهداء 9 فقط من شفاعمرو ويركا وبيت جن، وأما من شباب الجبل ف-86 شهيدا، والأسماء متوفرة وقبورهم في شفاعمرو ويركا وبيت جن قائمة حتى اليوم.
خلاصة القول: لم يكن عليّ بتاتا من السهل الخوض في غمار هذا المؤلّف، خصوصًا وأنّ جامعه لمَّ غماره من خمسة وأربعين حقلا. مشكلتنا الأساس في روايتنا الفلسطينيّة كانت وما زالت أنّ الجلّ الكبير ممّن تناولها، تناولها بطريقة استعراضيّة بعيدًا عن النهج التاريخيّ العلميّ وعن النقد الذاتيّ، نافين كلّ ما جاء في الرواية الصهيونيّة جملةً وتفصيلًا، ومعتمدين على روايتنا منقوصة الوثائق والمصادر، وفي هذا ضعفها وانحسارها أمام الرواية الصهيونيّة. فيما يخصّ كاتبنا وكتابنا، ورغم ما قلت أعلاه، فإن الجهد الجبّار الذي بذله تميم منصور مبارك، وقد أغنى بيدرنا بالغمار الوفيرة، وأنا متأكّد أنّه تصبّب عنه الكثير من العرق، بل أكثر ممّا يتخيّل قارئ. وقد وُفّق في كلّ فصول الكتاب، اللهم إلا في الفصول الثلاثة الأخيرة، وأنا أطالبه حثيثا أن يُعيد إنتاجهما في كتاب خاصّ أو طبعة خاصّة، وأنصحه إذا كان هنالك مكان للنصيحة، أن يأخذ الرواية الصهيونيّة مصدرًا مُقارنًا ولا يكتفي بروايتنا التجميليّة التقويّة (من التقيّة). وهذا يتطلب صحّة جيّدة وعمرًا مديدًا، وهذا ما أتمنّاه لتميم، فنحن بحاجة لقلم كقلمه.       
مداخلة الكاتب عبد الرحيم الشيخ يوسف: سيرة تميم منصور هارمونيا بين الأحداث والأسلوب: يقول د. إحسان عبّاس: "بين المتحدّث عن نفسه وكاتب السيرة الذاتيّة فرق كبير، فالأوّل لا يزال كلّما أمعن في تيّار الحديث يُثير شكّنا، والثاني يستخرج الثقة الممنوحة له منا خطوة إثر خطوة، ولذلك كان الأوّل شخصًا عاديًّا أو أقلّ من العاديّ في نفوسنا، أمّا الثاني فشيء مغاير له تمامًا، لاعتقادنا أنّه لم يكتب سيرته لملء الفراغ، وإنّما كتبها لتحقيق غاية كبيرة". وأنا أقول: إذا لم يكن لكاتب السيرة الذاتية ضمن سيرته حياة ملتحمة بحياة الناس، يذوق معهم الحلو والمُرّ، ولا تعني الناس من قريب ولا من بعيد، تبقى محصورة ضمن دائرة العجب الذاتيّ، ولا يشوق أحد أن يُضيّع وقتًا بقراءتها، وأرى بكلّ وضوح وثقة واطمئنان، بأنّ سيرة تميم منصور في ثنائيّته "الأمس الذي لا يموت" و "الحاضر الذي مضى" مرآة ناصعة، تنعكس عليها لوحات خالدة من لوحات الآفاق الفلسطينيّة والعربيّة، فلسطينيّة داخل ما يُسمّى بالخط الأخضر أو عرب48، ولعلّ قيمتها تحققت عبر المواصفات التالية:
1* إنّ الكاتب لم يكتبها ليُظهر بطولته في أيّ مجال، وإنّما ليُعلن للملأ أنّه تشرّف بأن كان روحًا عايشت الأوضاع في كلّ آمالها وآلامها، وابتغى توثيقَ أجزاء وصور على صفحة التاريخ من صور عذاب هذا  الشعب المكافح، واصطباره على توحّش الظلم وغطرسته الذي مارسه بحقّه وما يزال حكّام لا أخلاق لهم ولا فهم لحقيقة الانسان. 2* إنّ الكاتب كان أمينًا صادقًا في كلّ ما عرض، فلم يزد ولم ينقص من الحقائق. 3* تشير هذه الصفحات من هذه السيرة إلى صفاءٍ فكريّ، بحيث جاءت أحداثه كأنّه يُعايشها اليوم.         4* جاءت هذه السيرة بأسلوب ذي خصائص كتابيّة، تبدو وكأنّ صاحبَها مُنشئٌ مبدع حاذق في استغلال بعض جماليّات القصّ وجماليّات اللغة. 5* تمتاز مضامين التأليف لدى الكاتب تميم بأنّها مُطعّمة بإشاراتٍ ثقافيّة مستقاة من التاريخ ومن علوم ثقافية أخرى.
الأسلوب: 1* الكلمات الغاضبة: لأنّ الظروف قاهرة أحيانًا، ومقرفة أحيانًا أخرى، لا يستطيع الكاتب الناصع الصريح إلّا أن يقذف بحممه كما البركان، ممكّنا لسورة غضبه أن تنفلت لتُلبس المجرم لباسه الحقيقيّ، ولتجلف عن الحقيقة القشور البشعة والمنتنة التي رانت عليها بخبث ودهاء وطغيان عقيم. لقد وجّه الكاتب تميم وبكلّ جرأة وصراحة كلمات نفاذة إلى أعداء العروبة واعداء الشعب الفلسطينيّ ومغتصبي حقوقه بخاصّة، كما وجّهها إلى التافهين وبائعي الذمم وعديمي الأخلاق والحسّ الوطنيّ، وكنماذج من "الحاضر الذي لا يموت" (ص16): رأيت هذا اليهوديّ يتعثر بثيابه من شدّة حرجه، وضبطته مُتلبّسًا بالعنصريّة. هناك طريق شائك يحيط بأولمرت وهم أفاعي اليمين الفاشي. و(ص108) هذا هو حال إسرائيل والعصابات التي تحكمها. تاريخها حافل بأعمال العنف والقتل والتشريد، من بين هذه الأعمال الجرائمُ التي قامت بها أجهزة الأمن الإسرائيليّة، والتي عُرفت بيوم الأرض سنة 1976. القوّة الاستيطانيّة التي تتغذى وتنمو على مستنقع الاحتلال والحروب وسفك الدماء. قطر دويلة التناقضات وأحد أذناب المؤامرة على العراق. لماذا دخلت هذه الدولة المسخ بقوّة على خط المواجهة في لبنان؟ و (ص22) لُعنتُ الساعة التي أصبحتُ فيها مُعلّمًا حتى أتعامل مع هذه الآفة الغريبة عن روح الحضارة التربويّة.
السخرية: إنّ الأسلوب الساخر هو أعلى حدّ من حدود الغضب، تمثّل السخرية بكلّ الإصرار والتحدّي ضمن الكفاح والمقاومة. "الحاضر الذي لا يموت ص141" في مملكة الحيوان تتحوّل الشرنقة إلى فراشة، أمّا في ممالك الأنظمة العربيّة فإنّ فراشات الشعب تتشرنق. وفي (جمرات داخل رماد الأيّام ص74) قولٌ لمظفر النوّاب: قمم قمم قمم معزى على غنم. و (ص98) معذرة للملكين العبدلين السعوديّ والأردنيّ. و(ص104) هذا الازدحام العربيّ أمام البوّابات الإسرائيلية أحرجها إسرائيل، لأنّها أصبحت عاجزة عن استيعاب هذا العطاء، وهذا الكرم العربيّ الذي يُصرّ على  الاعتراف بها والتعاون معها. كانت الوزيرة السحاقيّة. و (ص97) المندوبون العرب من أمراء ووزراء أصرّوا على الحجّ إلى حرَمها أثناء وجودها في نيويورك. براك أوباما أمريكيّ أبيض بوجه أسود. و(47ص) محمود عباس: إنّ البعض اتّهمه بأنّه أصبح مُدمنًا على السير فوق البُسُط الحمراء. مؤامرات القاع العربيّة. و(ص101) تذكّرت في الحال الفنانة صباح لأنّها هي الأخرى ترفض التسليم بحالة الشيخوخة، وجعلت من وجهها غرفة لعمليّات جراحة للتجميل، فخسرت الوجه والحيويّة والهيبة.
الصراحة والصدق: جميع أوصافه ولقطاته عرضت بألفاظ وتعابير غير مُبطّنة، ولم يخشَ في ذلك لوْمة لائم. ونموذج لذلك ما حدث أمامي، وأنا أشهد على ذلك مع د. حسين فوزي.
الافتتاحيّات: عبر أقوال لقادة من الماضي والحاضر أو تقديم فكريّ من عنده مُتّخذًا أسلوبَ التحليل فيما بعد. يقول المؤرّخ إدوارد جيبون: التاريخ ليس إجابة كتاب أو حتى خاصّة لقضايا تسلسليّة في الواقع، إنّه ارتباط في الماضي ويُفسّر حبّ الكاتب وقدرته على التعمّق والتحكّم. (مقدّمة الحاضر الذي لا يموت ص7): عندما تمتلئ جيوب الذاكرة بمخزون السيرة الذاتيّة، يُصبح صاحبُها كالشجرة المُحمّلة بالثمار الناضجة، وهذه الشجرة بحاجة إلى هزّة واحدة أو أكثر كي تسقط الثمار مرّة واحدة أو أكثر، أو بعض مرّات. و (ص104) لا زال الزواج هو بوليصة الأمان الأخلاقيّة والنفسيّة والاجتماعيّة للمرأة. و(ص128) اثنان في الوطن العربيّ يرتعدان خيفة من يقظة النائم هما اللصّ والحاكم. و (ص54) صدق علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه)، وذلك تعقيبًا على العنوان الذي يقول "أشقى الرعاة من شقيت به رعيّته". و(ص93) قال عبد الرحمن الكواكبي: أسفلهم طبعًا أعلاهم وظيفة. وقال يصف الأمراء والملوك العرب: أجسادهم خلقت دمّلًا على أديم الأرض وظيفتها توليد الصديد- رياح الصبا تهبّ على السعوديّة.
استشهاد وتمثل بأشعار وأقوال وإشارة إلى كتب: (الحاضر الذي لا يموت ص8) يقول الفليلسوف جوته: إنّ استحضار الذاكرة كاستحضار الأرواح فيها خطورة وألم وفرح ومعاناة وقلق. هذه الصورة المشوّهة لِما يحدث فوق أرض الكنانة، تُذكّرنا بقول الخليفة الراشدي الخامس عمر بن عبدالعزيز 717-720 حيث قال: ما رأيت نعمة موفورة إلّا وإلى جانبها حقّ ضائع. وقال أحد الشعراء: فمذ أذنابنا أصبحت رؤوسًا لنا، غدوْنا بحكم الطبع نمشي الى الوراء. وصَف الأديب العراقيّ عبدالستار ناصر حال ملوك وسلاطين وأمراء الخليج الذين يُكدّسون الأسلحة قائلًا في (الأمس الذي لا يموت ص23): يشترون الأسلحة، لكن لم تستطع هذه الأسلحة حماية مؤخّرات نسائنا. مظفر النواب: قمم قمم قمم معزى على غنم/ على سمو نعجة على حمار بالقدم وتبدا الجلسة. ورد في موسوعة الهاغاناة العبرية الجزء الثاني: ان قيادات العصابات اليهودية المسلمة قررت احتلال اكبر عدد ممكن من القرى والمدن الفلسطينيّة.
استخدام اللغة العامية والعامية المعدلة: هذا مش شغلي (الأمس الذي لا يموت ص13). همس عبدالرحيم شيخ يوسف في أذني: عِلِق، اِهْريه. محمود عباس يناطح بقرون من خزف. قطاعات كبيرة من أبناء الشعب المصريّ والسواد الأعظم من الشعب الفلسطينيّ سيّان، في المجاعة واللهث وراء رغيف العيش وحبّة الدواء ورائحة الزفَر. انت شلون تدخل في شي ما يعنيك؟ هذا ما يخصّك فهمت؟ انا أقدر أرجعلك الى جسر الزرقا. سمعت بلى أنا أقدر رجعلك. كلش زين. اكو عندكم شاي. الرئيس الفلسطينيّ محمود عباس "مشغول خالص في هذه الأيام".
عناصر الأسلوب القصصي: 1* الشخصيّات في كتاب جمرات معروفة وهي في غالبها سياسيّة، ولكن المؤلف كان يتعامل مع بعضها بأسلوب القصّة، فيظهر أبعادها وخاصّة البعد الجسميّ. قال عن هيلة ابراهام في (الحاضر الذي لا يموت ص22): جحظت عيناها واتّسعت الندوب المتناثرة في وجهها، من بقايا مرض الجدري الذي أصابها على ما يبدو قبل قدومها إلى إسرائيل. لقد رأيت أمامي وجهًا شبه محنّط هجرته الحيوية وغزاه الإرهاق والعناء، تتصدّر هذا الوجه عينان غائرتان في تجويف الوقب متعبتان، وعضلات الأهداب ثقيلة بحاجة أيادٍ لفتحها وإغلاقها.
2* تيار الوعي: إنّها حاسّة لها مُسمّيات كثيرة، هل هو العقل الباطن الذي يسيطر على إرادتنا ويدفعها أمامه؟ هل هو القدَر الذي لا رادّ له بقوّته غير الملموسة والمرئيّة، هو من أمرني وحرّكني من أمام واجهة حانوت الألعاب؟ للإجابة على هذا الإحساس وهذه التساؤلات أجد نفسي في منزلة بين المنزلتين، إحداهما تؤمن أنّ الإنسان لا يختار أعماله، وأخرى تقول عكس ذلك. (الحاضر الذي لا يموت ص22). حسنا فعلت، عندما تركت المكان، ولسان حالي يقول سوف أشتري الهديّة من كفار سابا.
3* الأسوب الأدبيّ: للكاتب تميم منصور من الخيال الشرود والمجازات القريبة والبعيدة والاستعارات بأنواعها، ما يَرقى بالأسلوب إلى دائرة التعابير الفنّيّة الأدبيّة الرائعة فيقول: قبل أن يصل إلى التقاطع الزمنيّ الذي شهد توقّف بعض الحركة التقدميّة فوق رمال شاطئه، حيث سارع التاريخ إلى لفّها بكفّه، بعد أن أبقت حيّزًا واسعًا من الفراغ المظلم الموحش داخل الشارع العربيّ (الحاضر الذي لا يموت ص75). تجمّعت غمار هذا الكتاب من حصاد الأحداث التي اختزنتها الذاكرة، فخرجت بعد اختمارها حاملة عبق التاريخ ومرايا الوجوه والأحداث، وما يُميّز هذه الغمار كونها مُكلّلة بندى الصدق والواقعيّة، بعيدة عن صنيعة الخيال والتكلف وزيف الأقنعة، ولولا ذلك لما بقيت سنابل هذه الغمار سليمة امتداد عمر إخصابها داخل أعماق الزمن (الأمس الذي لا يموت ص9). هنا حدث عكس ما هو متوقع، فبدلًا من الفرح، لأنّ مسوار العودة أخذ يلفظ أنفاسه، والليل يطوي خيمته السوداء، بدلًا من ذلك ازدادت مخاوفي كثيرًا، ووقعت في شباك الذعر (الأمس الذي لا يموت ص66).
السرد الملحمي: لعلّ أوضح لقطة تشدّ أنفاس القارئ تلك الصورة الملحميّة، على أثر انفجار القنبلة في تلّ أبيب وما أعقب ذلك. (الحاضر الذي لا يموت ص23). وكذلك يمكن الاشارة الى غربة بأنّها صورة ملحميّة للهجرة وترك المنزل.
منذ أكثر من ربع قرن شهدت وعرفت مواقف العزّة الوطنيّة والقوميّة معًا للصديق الكاتب تميم منصور، هذا الرجل الذي الذي كان وما زال وشيجة راسخة من وشائج الانتماء الوطنيّ المتين، ولا تحمل هذه الكلمات مبالغة صديق ورفيق، بقدر ماهي محاولة للاعتراف بحقّ صاحب الحقّ، أقول وقد عشت بين العبارات الملتهبة بحرارة  الكبرياء والأنفة، وعلى أرض الشمم والعزّة إلى جانب الصراحة والوضوح، أنّ هذا الكاتب ماهو إلّا مهندس فذ لتوثيق الزمن دون زيف أو رياء، وهو قارئ أمين لسفر من أسفار حياة عاشها وعشناها معه، وقد عرض علينا صفحات الأيّام الحارّة التي ارتسم بين أسطرها وبين كلماتها الغضب المتحفز، ويقينًا أنّ من يقرأ كتب تميم منصور، يعرف أنّ هذا الكاتب قارح البصيرة، جذع الإقدام، لم يُخلص إلّا للحقيقة، ولم يكتب إلّا بحبر قلبه، بعد أن قرعت الحقائق أجراسها، فنهض مُجيبًا قائلًا أنا لها. ولعلّ نبضَ الحقائق في سيرته يعكسُ لنا أنّ الكاتب لم يؤرّخ لسيرته ما أرّخ لشعبه، ولم يلهمه حبّ نفسه شيئًا في الكتابة، ولكنّ مُلهمَه الحقيقيّ هو هذا الشعب صاحب التاريخ الناطق، وإذا كانت هذه خميرة فكره، فما من شكّ في أنّ الحقائق أوضح وطريقها أصلح ولسان الحال فما أفصح.
الإيقاع المتغيّر في أسلوب بسط السيرة الذاتيّة لتميم منصور وصور بين التحبير الإنشائيّ والتعبير الكتابيّ: 1* التمهيدات العامة او الخاصة: (ص40) التمهيد لموضوع "في ضيافة الصليب الأحمر" تمهيد يعرف بقرية كفرقاسم من حيث الموقع والعلاقات مع من هم وراء خطوط وقف النار بين الاردن وإسرائيل. و(ص38-39) التمهيد لموضوع "من أوّل غزواته كسر عصاته"، وتضمّن توضيحًا وشرحًا عن مدرسة كفرقاسم الثانويّة، والتعريف بالمعلمين العراقيّين ومستواهم العلميّ، ثمّ جاء الموضوع الذي مثله إعادة طالب كان قد تسلل إلى المناطق الأردنيّة. و(ص130-130) التمهيد لموضوع "مدارسنا ودرس الرياضة المهمل" وتضمن معالجة لموضوع الرياضة وأهمّيّتها وإهمال شأنها لدينا في مدارسنا ويُفصّل النواقص، ولا يكاد يخلو أيّ موضوع وأيّة حلقة سيرة تعليميّة من تمهيد معيّن، وهذا الأسلوب ينسحب على سائر كتبه.
2* الأساليب الأدبيّة: وردت هذه الأساليب ممثلة بتمثال واسع يشبه خيال الشعراء والمترسلين البلغاء، فيقول في مطلع موضوع "شاي ودم" (ص35): "التقيت به، فدلّني إحساسي أنّ هذا الأستاذ الشابّ وراءه قصّة حزينة. وجهه الغاضب وجبهته العريضة يُشيران إلى أنّ البركان في داخله ما زال ثائرًا، تتسلّل ألسنة اللهب الحارّ مِن مسامات بَشرَتِه ومن كلماته الناريّة. و(ص46): لأنهم يعيشون داخل جرح المجزرة الذي ينزف". و(ص53) وبعد أن دخلنا إلى المختبر، همس قائلًا لي بكلمات متثاقلة، مبلولة بعرق اللهاث، كأنّه كان يصعد سلّمًا. و(ص80) وصلتُ إلى الضفة الثانية من نهر الواجبات والمستحقّات، للحصول على اللقب الأوّل بعد ثلاث سنوات. خلال هذه المدّة القصيرة نسبيًّا، لم تكن السباحة سهلة في مياه التوتر والضغط والعمل والواجبات الحياتيّة والاجتماعيّة، وغير ذلك من تعابير كثيرة لا يكاد يخلو منها أيّ موضوع في الكتاب، جاءت وكأنّها لوحات تزيّن جدران غرفة جميلة شائقة للجلوس على المقاعد الوثيرة المريحة.
3- التشبيهات: متوفرة بكثرة فتؤكد أحيانا وتقبح احيانا أخرى وتصف في حالات وتجمل في حالات فيقول ص48 فانتفضت كما تنتفض الدجاجة عندما يبتلّ ريشها بالماء. و(ص69) وقد ظهرت خيوط الفجر المُتدلية فوق جدران السجن، كجدائل امرأة أرهقها سهاد الليل، وهي تنتظر حبيبها الذي خرج ولم يعد..! و(ص144) لأنّ طبقات الغيوم الرماديّة وقفت بالمرصاد أمام الحزم الضوئيّة، لمنعها من الوصول إلى فضاء سجن أبو كبير. لكن خسرت الغيوم في النهاية هذه المواجهة مع أشعّة تمّوز المُلتهبة، لأنّ طبقات الغيوم تقهقرت وتبخّرت، وذابت كما يذوب الشحم فوق اللهب
4- دقة الوصف: يصف د. حسين فوزي (ص86): كان عجوزًا مُترهّلا مُحدَوْدبَ الظهر، تملأ التجاعيد وجهه، ومشيته بطيئة قريبة من الكبرياء، بعيدة عن التواضع، نظراته فيها بريق محيّر، ولمعان انبهار بالمكان الذي يتواجد فيه. راقبت نظراته المتأجّجة بالشهوة، فوجدتها تحطّ فوق صدور طالبات يهوديّات يجلسن على المقاعد الأماميّة، ورغم أنّ الجميع انتبه لنظراته المُتصابية، إلّا أنّه استمرّ في غرز النظرات  الناريّة. ويصف السجان (ص70): كان يتعثر أمام كلّ حرف، فمرّة يرفع النظارات عن عينيه، ومرّةً يُعيدها ومرّة يَدفن رأسه في بطاقة الهُويّة. وص144 كان عجوزًا مُترهّلا مُحدَوْدبَ الظهر، تملأ التجاعيد وجهه، ومشيته بطيئة.
رابعاً : أساليب من عالم الرواية والقصة القصيرة: الشخصيات وأبعادها:
*البعد الحسّيّ: (ص68) كان عجوزًا مُترهّلًا محدودب الظهر، تملأ وجهه التجاعيد. و(بُعد نفسيّ ص111) صاحبة صولجان العبوس. و(بُعد جسمي ص95) الوجه الكشر؟ و(بُعد اجتماعي ص78) مُفتشة.
* أسلوب القصّ يتراوح بين ضمير المتكلم الذي جاء في معظم المواضيع، لأنّ الأحداث التي يبسط الحديث فيها يكون هو في أثنائها وفي أمواج تدفقها وحدوثها ، ولكن إذا أراد اللجوء إلى المقدّمات والتمهيدات، فإنّه يعرض ذلك بأسلوب العارف الكليّ .
* تيار الوعي: معروف قصصيّا، حين يختلي البطل بنفسه ويبدأ بالمناجاة والحوار الذاتيّ، فيقول "ص80": في حَرَم الجامعة ومقاصفِها ومكتباتِها وحدائقِها وقاعاتِ المحاضرات، تعرّفتُ على ذاتي، وتفجّرتْ غالبيّة طاقتي وقدراتي، وتضاعفتْ مساحات أفقي وتعمّق انتمائي إلى وطني وشعبي.
*الاختزالات القصصيّة (ص90): قرّرتُ مراجعة المفتش الذي وعدني بالنقل في نهاية السنة الدراسيّة، وكان مكتبه في مدينة نتانيا. قرعت باب مكتبه ودخلت، وما أن رآني أمامه حتى شعر بنوع من الارتباك، ثمّ طأطأ رأسه ورفع يده ومسح جبهته العريضة. نظر إليّ نظرات عرفتُ تفسيرها فورًا.
* الحسّ المتزامن أو تبادل الحواسّ: (ص66) وجوه العمّال نحاسيّة اللون. و (ص20) أحلامي الملوّنة. و(ص36) وجوههم البلاستيكيّة. و (ص36) ابتسامتهم الثعلبيّة.
* التناص: كقوله (ص36) ابتلعته الغرفة، (من يوسف إدريس، ابتلعتها الحارة، قصة نظرة). حطّابين وسقاة ماء من أوري لبراني قال عن العرب (بأنهم يجب أن يعملوا ويعيشوا كحطابين). كلّ واحد كتابه بيمينه، من القرآن الكريم،(  فأمّا مَن أوتي كتابه بيمينه).
*أطماع اليائس: بداية جميلة ونهاية سيئة أو قبيحة كقوله: "أمّا بيوتنا فهي فنادق .. بمستوى نجمة واحدة".  الاستعارات كثيرة وتأتي في معظم مقالاته وموضوعاته كقوله (ص35): "تتسلل ألْسِنَةُ اللهب الحار". و "أمّا جدران ذلك الصف فكانت مُطرّزة.. بالشقوق والحفر والبقع السوداء".
*اللغة: وكانت اللغة بأسلوب سائد، وطعمت بلغة محكيّة أو بأمثال فلسطينيّة أو أقوال معروفة فلسطينيّا، أو بلغة غير فلسطينيّة كاللهجة العراقيّة وفيما يلي النماذج: (ص30) الظاهر أني ياما راح أوكل غيرها. و(ص16) قميصي الجديد تجعلك. و (ص19) يدبّر حالو. و (ص25) "الأساتيز" يعني الأساتذة، و "المعاليم" يعني المعلمون. و (ص29) "شو الّلي دفعك للمُرّ إلّا اللي أمرّ منو". و (ص27) معلش اتحمّلونا اليوم يا أساتذة. ومثل هذا كثير في النصوص.
*أسلوب التجميل: (ص11) سنة دراسيّة أكون أنا فيها الربّان في سفينة تهتزّ، وأحاول الإمساك بها بعيدًا عن مناطق الغرق.
*أسلوب التقبيح : شعورٌ يؤكّد لي أنّ شيئًا غامضًا سيخرج من بين جحور وزارة المعارف.          *اللهجة العراقية: "أكو شاي عندكم" (ص36). "أسمع، عندك والله خوش مدرّس" (ص144). "هذا الأستاذ كُلش زين" (ص153).
إنّ أسلوب تميم منصور في كتاباته كالثوب المرصّع بالحلي والجواهر، بأساليب شعريّةٍ وأدبيّة وبلاغيّة، وفي ذلك تخفيف وتشويق للقارئ ليكون في نزهة ممتعة تشوّقه لقراءة الكتب، فتميم منصور متدفق الشعور والأفكار متنوّع الأساليب، ومَن يطالع كتاباته يقف على متعة فنيّة، واكتساب الحقائق والمعلومات.
مداخلة تميم منصور: المحامي الفاضل فؤاد نقارة رئيسِ نادي حيفا الثقافي. المحامي حسن عبادي وجميعُ زملائهِ الأعضاءِ في نادي حيفا الثقافي، السيداتُ والسادةُ الحضور، مع حفظِ الأسماءِ والألقاب. لا توجدُ كلمة حقٍ جديرةٌ بالذكرِ أوْلى من تقديمِ كلِ الثناءِ والشكرِ لحضراتِ السادةِ أعضاءِ المجلسْ المليّ الأرثوذكسي الوطني في حيفا ، لأنهم الرافعةُ والقامةُ الشامخةُ التي تدعمُ هذا النشاطَ الدؤوبَ لناديّ حيفا الثقافي، هذا الدعمُ لا يتمُ فقط بتوفيرِ وتقديمِ هذا المكان الطاهر، بل مباركٌ كلُ ما يقومُ به هذا النادي الصاعدُ كُلَ يومٍ في سُلَّمِ النجاحِ والعراقةْ. كلمةُ حقٍ يجب أن تُقالَ في هذهِ المناسبةِ وأمامَ هذا الحضورِ الكريمِ وفي كلِ مكان، إنَّ ما يقومُ به نادي حيفا الثقافي من رفعِ منسوبِ الثقافةِ، ودفعِ عجلةِ النشاطاتِ الفكريةِ والثقافيةِ، برغمِ  إمكانياتهِ  المتواضعةْ، قد فاقَ كُلَّ تصوّر، وهذا يعودُ الى قوّةِ إرادةِ  التواصلِ وشكيمةَ أعضاءْ هذا النادي، الذينَ يَرْوْنَّ دعمَ الإبداعِ بكلّ صورهِ رسالةً مقدسةً، لا بدَ من حَمْلِها وإيصالِها الى بيتِ كلّ فنانِ و كاتبِ عربيّ في هذا الوطن. إن مسيرةَ أعضاءِ هذا النادي وإصرارَهم على الأخذِ بناصيةِ الكُتابِ والشعراءِ وكافةِ المبدعينَ، تُعتبرُ مفصلاً هامًّا في تاريخِ هذهِ الشريحةِ من العربِ الفلسطينيّينَ الذينَ انفردوا منذُ عامِ النكبةْ حتى اليومِ بصفاتٍ ومميزاتٍ خاصةْ، قَلَّ ما نجدُها لدى أيّة شريحةٍ عربيةٍ وغيرِ عربيةْ، لقد عَملَ المواطنونَ العربُ بمقتضى ما قالهُ بعض الحكماء: "إن النكباتِ تجلي معادنَ الشعوب".
عندما وجدَ المواطنونَ العربُ أنفسهمْ معزولينَ مُهمّشينَ حتى من أبناءِ جِلْدَتِهم، كان الخيارُ الوحيدُ أمامهم الاعتمادَ على أنفسهمِ، رغمَ النسيان والحصار ومحاولاتِ التجهيل ومُصادرة الانتماء، قاوموا الاغترابَ

15
المكانُ في العملِ الأدبيّ جغرافيّةٌ خلّاقة!
آمال عوّاد رضوان
أمسيةً ثقافيّةً في قاعة القديس يوحنّا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، بتاريخ 9-2-2017، ووسط حضورٍ من الأدباء والمُهتمّين بالشأن الثقافيّ أٌقامها نادي حيفا الثقافيّ، برعاية المجلس المِليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في حيفا، تناولت كتابَ يوميّات نسب أديب حسين بعنوان "أسرار أبقتها القدس معي"، وقد رحّب بالحضور المحامي فؤاد نقارة مؤسّسُ ورئيسُ نادي حيفا الثقافيّ، ثمّ تحدّث المحامي كميل مويس عن أهمّيّة الكلمة وحرّيّة التعبير، واستنكر أمرَ مصادرة رواية "جريمة في رام الله" للكاتب عبّاد يحيى، كما رحّبَ بالحضورَ د. نبيه القاسم باسم العائلة، ثمّ تولّت الإعلاميّة إيمان القاسم عرافة الأمسية، وقد تحدّث عن كتاب المحتفى بها كلٌّ من د. باسيليوس بواردي، ود. عمر يوسف والمحامي حسن عبّادي، تخلّلتها قراءاتُ نسب حسين لنماذجَ من نصوصِها، وفي نهاية اللقاء شكرت حسين الحضورَ، وتمّ التقاط الصور التذكاريّة!
افتتاحيّة المحامي كميل مويس: الحضور الكرام، نرحّب بكم أحرّ ترحيب. الكتابة مسؤوليّة وحرّيّة تعبير، والكلمة هي محرابٌ مقدّس لا يجوز العبث بها وتقييدها، وما حصل مع الكاتب عبّاد يحيى من مصادرة روايته الثالثة "جريمة في رام الله" غير مقبول علينا، يتعارض مع حرّيّة الكلمة والتعبير، خصوصًا لشعبنا الفلسطينيّ الذي يفتخر بأدبائه وكُتّابه وحرّيّاتهم في النشر والإصدارات الأدبية. تحية شكر وعرفان للمجلس المِليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في حيفا لدوره الهامّ في دعم العلم والثقافة في مجتمعنا، فقد أسّس الكليّة العربيّة الأرثوذكسيّة عام 1951، والتي أصبحت مع مرّ الأعوام كليّة قطريّة، تجمع تحت كنفها كافّة فئات مجتمعنا العربيّ من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن كلّ حدب وصوب على مدار 65 عامًا، ومنذ عام 2000 قبل سبع سنوات بات راعيًا وداعمًا لنشاطات وفعاليّات نادي حيفا الثقافيّ، والذي غدا منصّة أدبيّة تستقطب الجميع وباعتزاز. نأمل أن تستمتعوا بالأمسية، وبمداخلات د. باسيليوس بواردي، والمهندس د. عمر يوسف والمحامي حسن عبادي، ومع ضيفتنا الكاتبة نسب أديب حسين التي تأتينا من منحدرات جبل حيدر الشامخ وقرية الرامة العزيزة على قلوبنا، ومع الإعلامية إيمان القاسم عريفة الأمسية.
مداخلة د.باسيليوس بواردي: يقوم الكتاب على سرد ذاتيّ للمؤلفة في مواقع عدّة من مدينة القدس، وهو سرد أقرب إلى التوثيق الأدبيّ لجولات يوميّة كانت تقوم بها في أرجاء المدينة، وتتراوح العمليّة السرديّة في الكتاب بين الوصف الواقعيّ لتفاصيل المدينة الجغرافيّة، ولمعالمها الأثريّة والتاريخيّة والاجتمماعيّة والثقافيّة من جهة، وبين حفريّات شعوريّة ذاتيّة تقرّب العمليّة السرديّة إلى التعبير الفنّيّ والجماليّ الأدبيّ من جهة أخرى. هذا التضافر بين الوصف الواقعيّ والوصف الداخليّ الشعوريّ هو برأيي ما يُقرّب هذا العمل من الوجهة الأدبيّة الفنّيّة، ويمنحه لمسة النصّ الجماليّ التي تميّزه عن الدليل الجغرافيّ الجافّ، أو كتابة اليوميّات الحافلة بالوقائع الخالية من الأبعاد التخييليّة.
يعتمد هذا الكتاب ظاهريًّا على جولات ميدانيّة للمؤلفة في أرجاء مدينة القدس، فتصفُ في تجوالها معالمها وتشرح قضاياها، وترصد الإشكاليّات الوجوديّة لواقعها المَعيش، على أنّ هذه الجولات تقوم بالأساس على التشابك المَتين بين المؤلفة وروحانيّة المدينة الأثريّة، والجغرافيّة ليست إلّا جانبًا واحدًا من هذه العلاقة الوجدانيّة العميقة التي تربط المؤلفة بكلّ جزء من هذه المدينة. ليس الكتاب وصفًا للأبعاد الجغرافيّة للقدس، بقدر ما هو كشف عن التمازج الروحانيّ بين ذاتيّة الكاتبة ووجد هذه المدينة. "أن يُرهقك عشقُ مدينة" يعني أن "تلوح أمام عينيك وتناديك: متى ستاتي؟" هذا المجيء يحمل معه في القدس بالذات أفراحًا صغيرة بحسب تعبير المؤلفة، تُفسدُها على الدوام سلوكيّات الراهن فيها من صراع على الأرض والمأوى والإنسان، فالراحة مطلبُ المؤلفة في قدسها، على أنّها راحة يُرافقها دومًا نشازُ الحال ومظاهرُ القسوة والسيطرة والجبروت فيها. المدينة المعشوقة عندها تتأرجح بين حالتين جوهرهما التناقض والتضاد. المعشوقة تُلهمها بشطحات روحانيّة تُضفي على روحها الزهو والنشوة، وفي آن تُشعرها بضيق السطوة والظلم الجاثم على حواري هذه المدينة وفي ثنايا روحها: "لماذا يُصرّون على الظهور في كلّ مرّة؟ أليثقلوا صدري وصدر المدينة؟ ألا يَحقّ لي ولو لمرّة أن أرى مدينتي بعيدًا عن بنادقهم"؟ ص101. هذه المَشاهد الممزوجة عند المؤلفة هي حقيقة هذه المدينة التي تعيش التضاد العميق في كلّ تفاصيلها؛ الجمال والبشاعة، الحرّيّة والكبت، الكبر والذلّ، الحُبّ والكراهية، هذا التضاد العميق هو الروح الحيّة لهذه المدينة، وهو الجرح النازف فيها: "الشمس تهبط رويدًا رويدًا.. تختلط المَشاهد مرّة أخرى. ما زلتُ أرى الدخيل المتّشح بالسواد يتصفح وجه المكان.. يبقى شعاعٌ صغير من جسد الشمس يوشك على الغياب.. يَشهد أحلامَنا المتناقضة.. يغيب هو.. يرحل الشعاع وأمضي.. سنرى من سيشرق ذات ذات يوم ؟" ص102.
برأيي، يتأسّس السردُ في هذا النصّ على الهُوّة الفاصلة لحدود الأمكنة الواقعيّة في النصّ، والأمكنة الداخليّة الشعوريّة العميقة في وجدان الساردة، لتصبح الأمكنة الواقعيّة أداةً لتوثيق الروحيّ المتأصّل فيها، ليست الكنائسُ والمساجد والسور والحواجز والشوارع والأزقّة الملتوية مَدخلًا إلى علم الجغرافيا أو السياحة، وليست مَواقعَ على خارطةٍ ترسمُ حدودَ الأمكنة والأزمنة، بل شواهد على رمزيّةٍ تُمثّلُ صراعَ بقاءٍ وجوديّ أو مَحوًا أبديّا. القدس في هذا السياق فضاءٌ رحبٌ يتأسّس على ثنائيّة الزمان والمكان المُتداخليْن معًا (spatio-temporel)، إنّها ليست المكانَ بقدر ما هي الممارساتِ والعاداتِ التي يَسلكُها الناسُ في هذا المكان بتأثيرٍ منه. إنّ القدسَ في جولاتِها تتمتّعُ بالديالكتيكيّة الحركيّة الساعية إلى فهم الوجود الإنسانيّ بشكلٍ أعمق. يُعطي المكانُ (القدس) للعمل الفنّيّ التخييليّ مَظهرًا واقعيّا، وهو عنصرٌ مُشاركٌ في الأحداث. يظهر المكان السرديُّ ككيانٍ مُركّبٍ كامل، ولكنّه يشتقّ وجودَهُ من اللغة، ويُؤثّرُ هذا الجانبُ اللغويُّ على طبيعة الفضاء الروائيّ، ليَجعلهُ يتضمّنُ كلّ المشاعرِ والأفكارِ والتصوّراتِ المكانيّةِ التي تُصوّرُها اللغة، ويختلفُ بذلك عن الأماكن والفضاءاتِ المُتعلّقة بالعلوم الفيزيائيّة.
المكانُ في العمل الأدبيّ شخصيّة مُتماسكة وجزءٌ مِن الحدَث، لذا؛ فهو "الجغرافية الخلّاقة"، إذ يحملُ في طيّاتهِ دلالاتٌ تُحاكي شيئًا في ذاتِ الكاتب أو في الذات الاجتماعيّة، ويؤكّدُ روسوم (rossum) على أنّ الأماكنَ تُساعدُ القارئَ في فهمهِ للشخصيّات، ويُعتبرُ المكانُ الروائيُّ مَخزنًا للمشاعر والأفكار العميقة، وتنشأ بين الإنسان والمكان الذي يعيش فيه علاقة متبادلة، فيؤثر أحدُهما على الآخر، ويساعدُنا تحليلُهُ على إيجاد المعنى الحقيقيّ والكامل للعمل الفنّيّ".Weisgerber 1978 ,P.227  كما يُبنى المكانُ أو الفضاءُ الروائيّ وفقَ نظر الشخصيّة التي تعيش فيه، وذلك وفقا لمنظور الروائيّ ووجهة نظر السرد، فيتحكّمُ فيه ويسيطر على تنظيمه، لذا فقد يظهر مُوحّدًا أو مُقطّعًا، لكنّه يُبنى أيضًا وفقَ منظور القارئ عندما يُتمّمُ الصورة الفضائيّة الأدبيّة في خيالهِ، وهذا ما أفعله أنا اليوم. يحتوي النصّ على العديد من أنواع الأمكنة التي سأختصرُها بأربعة أنواع أساسيّة، وسنقفُ من خلالها على القضايا الأساس التي تُميّز هذا العمل الأدبيّ:
الأماكنُ المُتقاطبة: يُبلورُ لوتمان (Lotman) نظريّة التقاطب المكانيّ، مُؤكّدًا بأنّ غالبيّة النماذج الاجتماعيّةِ والدينيّةِ والأخلاقيّةِ التي تُساعدُ الإنسانَ على فهم واقعِهِ، تتضمّنُ خصائصَ مكانيّةً متقاطبة نحو السماء والأرض، من خلال مبنًى هرميٍّ سياسيّ اجتماعيّ مثل: عال - منخفض، أو صراع أخلاقيّ مثل يمين- يسار. أمّا ويسجيربر (Weisgerber) فتتبنّى نظريّة لوتمان، وهي تُؤكّد على أنّهُ كلما زادت حدّة هذه التقاطبات أصبح الفضاءُ الروائيّ مُشوّقًا أكثر. إذن؛ الارتباط بينَ التقاطبات المكانيّة في العمل الأدبيّ والأبعادِ الفيزيائيّةِ والهندسيّةِ هو ارتباط واهٍ، وذلك خلافًا لِما يَظهر، وبالرغم من هذا، فهذه المفاهيمُ تُشكّلُ النظامَ المرجعيّ لتحليل الفضاء الروائيّ، بالإضافة لربطها بسياقاتٍ تاريخيّةٍ واجتماعيّةٍ وبالمعارف والعلوم الأخرى. القدس بالنسبة للمؤلفة مكانُ التقاطبات الأمثل، لأنّها تُمثّل كلّ التقاطبات الاجتماعيّة والتاريخيّة والسياسيّة والثقافيّة، وهي تُترجم هذه التقاطبات مقابل الجانب الاسرائيليّ الذي يَحتلّ الجانب المعاكس للمجتمع القدسيّ وتاريخه وسياسته وفعاليّاته الثقافيّة. الجندي الإسرائيليّ المتواجد على الدوام في كلّ مكان يتقاطب وفق حسين مع المنظومة الأخلاقيّة التي تعيشها في القدس، أو على الأقلّ الذي تريد أن تعيشه. إنّه الظلم والاعتقال والتعدّي والحصار، بينما تُمثّلُ القدس بانتمائها العربيّ عند حسين القطبَ الأمثلَ للحرّيّة والكرامة والضحيّة. التقاطبُ المكانيُّ في النصّ أساسٌ لفهم مدى النقد الشامل الذي تحاول المؤلفة بثّهُ، من خلال تعميق حدّة التقاطب.
منظور الحدّ: يدّعي لوتمان أنّ وجود الحدود هو مميّز طوبوجرافيّ مُهمّ في النصّ الأدبيّ، وذلك انطلاقًا من كوْنها تقسّم العمل الأدبيَّ إلى فضاءيْن مُنفصليْن لا يلتقيان أبدًا، وهذا ما يحدث في النصّ من خلال مصطلح الحاجز أو الجدار الفاصل. لقد فرحت المؤلفة فرحًا لا يوصفُ، عندما تلقت الخبرَ عن جاهزيّة مولودها الثالث، وهي تُحدّثنا عن طفل خلف الجدار، وعن مدى تشوّقها للوصول إلى المطبعة لتلقّي النسخة الأولى من كتابها، لكنّ الفاصل يمنعها من الوصول ويُعيقُ فرحتها. هذه الحادثة على بساطتها وعفويّتها تشير بشكل صارخٍ إلى الفصل القسريّ للكينونة الفلسطينيّة: "كلّما اقتربتُ تسارعتْ نبضاتي أكثر، وخاصّة هناك اللونُ الرماديّ، هذا اللون الذي أقيمَ ليقسم شارع القدس رام الله إلى قسميْن، وليفصلَ قرية الرام عن بيت حنينا المُحاذية لها، أما كان أجدى وأعذب لو غاب عن عيني وعيون القاطنين هنا" ص48. من المثير حقّا أن نقرأ قصيدة "زيارة للبيت الفقيد" (ص72– ص74) التي ضمنتها المؤلفة في النصّ السرديّ، تخاطبُ فيه أباها وبيتَه الذي هجرَهُ بعد أن تعلّمَ في مدينة القدس. القصيدة تقودنا إلى نوع آخر من الحدود، تتمثّلُ في هذه الحالة بالباب، والبابُ هنا حدٌّ بين تاريخ ماضويّ عزيز على الساردة، وبين تاريخ حاضر يصرخُ ظلمَ الماضي. البابُ في هذه القصيدة حدٌّ بين الحنين والالم، وبين الوجود الأبويّ والوجود الأبويّ المفقود.
المكان الحميميّ: (Intimate place): القدسُ هي المكان الحميميُّ المنشود عند المؤلفة، والذي يُوفّرُ البديلَ الأمثلَ في حالة لم تُسعفْ قريتها الرامةُ مكانُها الحميميُّ الأوّلُ، فرصةَ تأمين الحماية الوجوديّةِ لها، فالمكانُ الحميميُّ يوفّرُ الحماية لقاطنيه، ومن هنا فهو يُكثّفُ الوجودَ في حدودٍ تتّسمُ بالحماية. تقول: "أتنهّد وأعترفُ أنّي تعبتُ من السفر، لكن ليس مِن السهل أن تعشقَ مكانيْن، فإنْ أجادَ كلُّ مكانٍ ضمَّكَ إلى صدره، تشعرُ أنّ لحياتكَ قيمةٌ أكبرُ، وكلما تنقّلتَ بينهما وإن أغضبكَ أحدُهما تُهوّنُ على نفسك فتقول: "لي مكاني الثاني وسيُخفّفُ عنّي". ص81-82. على أنّنا لو تمعّنّا قليلًا في أعماق السرد، سنكتشف أنّ الرامة مكانٌ حميميٌّ أساسٌ عند حسين، فالقدس قد تشير إلى المثال، والرامة تبقى الموطنَ الأوّلَ، فتقولُ محاورةً ظِلَّ أبيها عندما يسألها: "ألن تعودي إلى الرامة؟ تجيبه: سأعودُ عندما ينضج زرعي هنا" ص72. هذه الإجابة غير المتردّدة تكشف عن قيمة القدس لديها، ولكن في الوقت ذاته عن قيمة الرامة الجوهريّة في وجودها.
الأماكن الإيتوبيّة والهتروتوبيّة: يُشير (Foucault) إلى وجود نوعيْن من الأماكن الموجودة الأخرى: النوع الأوّلُ هو إيتوبيّ مثاليّ(utopias)  وهذا المكان واقعيّ مُتخيَّلٌ، يبعث الهدوءَ في النفس ويُعزّي الإنسانَ في مِحَنِهِ، وهنا نتخيّلُ مع المؤلفة القدس المُتخيّلة المُتواجدة خارج حدود الزمن الحاضر، تلك التي تحلم فيها بالأفراح الصغيرة، وفي المقابل توجد في كلّ حضارة أماكنُ واقعيّة حقيقيّة، لكنّها لا تحملُ في طيّاتها مزايا المكان المثاليّ، فهذه الأماكنُ هي خارج كلّ مكان، بالرغم من أنّها قد تشير إلى أماكنَ واقعيّةٍ، وهو يُسمّيها هيتروتوبيا (heterotopias)، وتمتاز الهتروتوبيا بميزة التعدّديّة، فالمكان الواحد قد يحوي عددا من الفضاءات نحو المسرح والسينما، والذي يحوي عددًا من الأمكنة المختلفة من خلال المَشاهد المعروضة. هذه الأماكن أيضًا قد ترتبط بالزمن بشكل تراكُميٍّ تتابُعيّ، مثل المكتبات والمتاحف التي تحوي بين ثناياها أزمنةً وحُقبًا عدّة. تتمتّعُ هذه الأماكن أيضًا بميزة ازدواجيّةِ الانفتاح والانغلاق، وهذه الميزة غالبًا ما تكون إجباريّةً مثل السجن، أو على الأقلّ مَن يدخل هذه الأماكنَ عليه الالتزام بطقوس مُعيّنة مثل الحمّام العامّ في الشرق، أو الساونا في الدول الإسكندنافيّة. الهيتروتوبيا برأيي تتواجد عند حسين في المسرح الحكواتيّ، في اجتماعات (دواة على السور) و (اليوم السابع)، فالأمكنة الثقافيّة تُشكّلُ هذا المكان الواقعيّ المتواجدَ خارجَ فاعليّة الموجود المكانيّ المُعتاد، فيه تعود الروح إلى المؤلفة وتشعر بالعزّ والعظمة.
هكذا وختاما لهذه المقاربة، يجب أن أشدّد على أنّ هذه اليوميّات التي باحت من خلالها المؤلفة بأسرار عنها وأسرارٍ عن القدس تُشكّلُ حلقةً مُهمّةً، في محاولةِ فهم الإنسان الفلسطينيّ لذاته، من خلال المكان وفهم المكان، من خلال عناق الذات معه. القدسُ عيّنة مركزيّة للكينونة الفلسطينيّة المُشرذمة القابعة في بشاعة التسلّط وجماليّة الجوهر. لقد أرادت حسين أن تُعيدَ الصلة بين القارئ والقدس، أو على حدّ تعبيرها، تُقصّر المسافة بينهما، فما كان منها إلّا أن قصّرت المسافة لفهم الفلسطينيّ الإنسان، من خلال أبعاد المكان.  "أسرارٌ أبقتها القدسُ معي" محاولةٌ ناجحة لرسم خطوط الطول الفلسطينيّة وخطوط العرض، أو لرسم خارطةٍ جماليّةٍ عميقةٍ للوجود الفلسطينيّ في القدس خاصّةً، وفي مواقع التواجد الفلسطينيّ عامّة. وأُنهي بقول أبي تمّام: وَطـولُ مُـقـامِ المَـرءِ فـي الـحَـيِّ مُـخـلِـقٌ/ لــديــبــاجَــتَــيــهِ فَــاغْـــتَــرِبْ تَـتَــجَــدَّدِ/ فَـإِنّـي رَأَيـتُ الـشَّـمـسَ زيــدَتْ مَـحَـبَّـةً/ إِلـى الـنَّـاسِ أَن لَـيـسَـت عَـلَيـهِـم بِـسَرمَـدِ
مداخلة د. عمر يوسف بعنوان نسب والكتابة مع المدينة: عندما بدأت بقراءة كتاب "أسرار أبقتها القدس معي"، شعرت بأن نسب تأخذ بيدي، وتجرّني لأمشي معها في تفاصيل المدينة، لأكتشف ملامح المكان في معالم العظمة التاريخيّة ومشاهد الحياة اليوميّة، وما أن تبعتها، حتى أدخلتني الى الحارات العديدة لتُعرّفني على قاطنيها، ثم استوقفتي في بعض الزوايا التي تعرفها، لأطل على مشاهد تستعرض فيها مدينة القدس بمفاتنها المعماريّة ومشاهدها التاريخيّة بكلّ روعة. وكما نعتقد كمعماريّين، بأنّنا نشكّل المكان وهو يُشكلنا بدوره من جديد، لم تكتفِ نسب بدوْر الدليل السياحيّ، بل أدخلتني إلى قلوب أصحابها ولمعاني الحياة على طريق المعاناة اليوميّة تحت الاحتلال وممارساته البشعة، لتنقل لي مشاعر وأحاسيس الناس وروايات قصصهم دون جعجعة، وعلى الرغم من نقص الجعجعة، لم تفقد الأمل، وكانت تُعبّئه دائمًا وتمزجه في نصّها السلس. وكثيرًا ما كنت أبتلع الطعم راضيًا، وفي بعض الحالات شعرت بالاستفزاز لأنّني تعوّدت على الكوابيس المُحبِطة، ولم أعُد أتجرّأ على الخوض في أحلام الأمل.
في البداية أنا فخور بوجودي هنا للحديث عن كتاب لإحدى طالباتنا المتميّزات في برنامج ماجستير الدراسات المقدسيّة في جامعة القدس، ويُسعدني أن أقرأ بأنّ برنامج الماجستير كان له تأثير واضح في بعض نصوص هذا الكتاب، حيث نلاحظ المنهج البحثيّ وأسلوب التوثيق العلميّ اللذان ساعداها على إصدار يوميّات مميّزة وغنيّة بالمعلومات التاريخيّة والمعماريّة الموثقة، وليس فقط بالمشاعر والأحاسيس التي تجول في روح الكاتب عند التجوّل في أزقة هذه المدينة الرائعة. من خلال هذا المشوار القصصيّ في التجوال ما بين المباني التاريخيّة وقصص الحياة اليوميّة ونبض الشارع الشعبيّ، قامت نسب بتقديم حصاد صادق لمجموعة من المشاكل الجادّة التي تواجه مدينتنا الحبيبة، وعلى كافّة المستويات السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة وحتى الاقتصاديّة منها، وفي نفس الوقت أدخلتنا إلى معاني الهُويّة الوطنيّة وأشكال المقاومة اليوميّة، وبهذا أرى أنّ كتابها "أسرار أبقتها القدس معي "هو يوميّاتٌ جمعت بين العامّ والخاصّ بطريقة متوازنة ومُنعشة، لتقدّم كاتالوج من القضايا المجتمعيّة التي تنتظر المزيد من البحث والمعالجة الأدبيّة والعلميّة على حدّ سواء. هكذا كتبت نسب مع المدينة وليس عن المدينة كما تقول، وفي هذا السياق شعرت بنسب ترافق القدس وتصادقها، فما كان من المدينة إلّا أن كشفت لها عن أسرارها ودلّتها على خباياها العزيزة، وعرّفتها على الأزقّة والقناطر، وفتحت لها أبواب البيوت وسردت لها كثيرًا من الخواطر، ليكتبا معًا قصّة حبّ سرمديّ سيصمد أمام صعوبات الحياة ونوائب الفراق. 
خلال مشوار القراءة الممتع، شدّني كثيرًا هذا الكمّ الغنيّ من تفاصيل الحياة اليوميّة وأبطالها الذين يُشكّلون ملامح الحياة الحقيقيّة في المدينة، ممّا أصابني في نقطة ضعفي، حيث أنّي لم أعد أؤمن بثورة الأسياد ومن يقفون على الخشبة تحت الأضواء، بل أميل إلى مَن هم وراء كواليس الحياة، إذ إنّهم في الغالب سرُّ نجاح كلّ عمل، فبينما تُفقدنا الأضواءُ حرّيّتنا لنصبح عبيد العرف المألوف، ولا نستطيع الخروج عن النصّ العامّ إن أردنا البقاء في دائرة الضوء، كثيرًا ما تُوفّر عتمة الكواليس فرصَ الابتكار والإبداع والتحرّر للعاملين في الظلّ، لذا لم أعد أصدّق الوعود الخطابيّة بالتغيير العظيم، وصرت أبحث عن الخطى الدؤوبة التي تَرى كَمّ الإنجازات الصغيرة على طريق التغيير والتحرّر. هكذا سعدت بلقاء العديد من أبطال الحياة اليوميّة والمكافحين على دروبها، فأحسست بتنهّدات الفلاحة أم صابر، وكلّ فلّاحة تتسلّل من خلال جدار الفصل العنصريّ لتبيع منتوجاتها في أسواق البلدة القديمة، وتعرّفت على هموم بائع الجرائد المخضرم أبو سلام، وهو يُجالس بابَ العامود منذ عقود رسم خلالها صورة المدينة لأجيال عديدة، وتعرّفت على ملامح مدينتي من خلال تفاصيل الوجوه الجالسة على جانبيّ السوق، ولم تكتفِ بتقديمي إلى الكثيرين ممّن يَنسجون مشهد المدينة اليوميّ، بل مرّت معي مرارًا على الجدار المشؤوم، لتستحضر في نفسي ذات القلق واللهفة اللتان عانت منهما عند محاولة الوصول إلى رام الله، بَعد التخلّص من الأزمات الخانقة حول حاجز قلنديا الكريه.
في كلّ هذا رافقتني الكاتبة كامرأة مستقلة جريئة هي أختٌ للرجال، بعيدًا عن الصورة النمطيّة التي لا تزال تُعشّش في عقول البعض المحافظ، فرأيت فيها قدوة ونموذجًا للفتيات في وقتنا الحاضر، فهي متواجدة في كلّ المناسبات من أفراح وأتراح، تُعزّي بالشهداء وتستقبل الأسرى المُحرّرين، تحاور الرجال ولا تقف خلفهم، تشاركهم في كافة نشاطاتهم وكثيرًا ما تبزهم، وعلى الرغم من ذلك، وجدت إنسانة صادقة تعترف بجميل الآخرين ودوْرهم في رعاية تجربتها وتشجيع قلمها، فهي لا تتردّد في ذكر زملائها في "دواة على السور" أو في "ندوة اليوم السابع" وكتابها، ممّن شجّعوا نسب ورعَوْا تجربتها في السنوات الأخيرة، فتراهم حاضرين في كتابها. وهنا أذكر الكُتّاب جميل السلحوت وإبراهيم جوهر، على رأيها "عمّي إبراهيم وعمّي جميل"، وكلّما سمعت ذلك منها، كنت أنسى بأنّها من الجليل وأعتقد بأنّها من جبل المُكبّر.
أمّا أسلوب الكتابة فجاء سرديًّا سلِسًا، وبلغةٍ جميلة تتأرجح ما بين أسلوب الباحث وإيماءات الشاعر، بتوازنٍ يدفع القارئ إلى التفَكّر والمراجعة الذاتيّة. أسلوب تميّز بالصدق العفويّ القادر على إيصال المواضيع المُركّبة الى روح القارئ دون تكلّفٍ أو خطابة مفتعلة، فقد تحدّثت عن السياسة والبشر بإنسانيّةٍ محسوسة حافظت على أصول العمل الأدبيّ، ولم تتحوّل إلى بيان سياسيّ يتحيّز للشعارات بدلا من شاعريّة الأدب، هكذا نجحت الكاتبة في التعامل مع التحدّي الذي يُواجهُنا كفلسطينيّين وككُتّاب الشعوب المقهورة، إذ كيف لنا أن نكتب عن المآسي الكبرى دون الوقوع في فخّ البيانات السياسيّة والكتابة التقريريّة، وهنا لا أطالب أبدًا بفصل السياسة عن الأدب، بل أؤكّد على أهمّيّة الربط بينهما ولا أستهجن ذلك حتى في قصائد حُبّنا، لكن يكمن التحدّي الأكبر في قدرة الكاتب على أن يبقى في إطار فنون الأدب، دون الانزلاق إلى لغة البيان السياسيّ والخُطب الرنّانة، بالرغم من أهمّيّتها في المجالات الاجتماعيّة الأخرى، فلكلّ مقام مقال. 
في النهاية تحضرني مقولة للشاعر الفلسطينيّ غسّان زقطان، وهو يدعو إلى "تحرير الأدب الفلسطينيّ من فقاعة البلاغة"، وقد فهمتها على أنها مطالبة بتخليص الأدب من الجعجعة السياسيّة، وجمل البلاغة والتعظيم والسجع التي كثيرًا ما تُغطّي على الحقيقة الحسّيّة وتُزاود بالشعارات، وهنا أتذكّر المثل القديم "أسمع جعجعة ولا أرى طحنا"، بمعنى كلام بدون فعل. أمّا بخصوص  كتاب "أسرار أبقتها القدس معي" فأقول مُتيقنًا، بأنّي أرى طحنًا وطحينًا ولا أسمع جعجعة. كتابٌ شيّق وتجربة رائدة بلغة إنسانيّة مليئة بالصدق والأمل.
مداخلة حسن عبادي بعنوان أسرار أبقتها القدس معي: كاتِبَتُنا نسب عاشَت القدسَ حتى النُخاعِ، بطولِهَا وعَرضِها حتى الوريد، وكتبت (ص 245) "أنا آتي في معظمِ الأيامِ إلى البلدةِ القديمةِ ليس بدوافع عبثيّة، بل لأرى وأسمعَ وأعلمَ عن قُرب ما يحصُل". ذكّرتني بقُدُسي زهرَةَ المدائنِ التي أهدتني زهرتي فتعرّفت إلى زوجتي هناك، بين أزقَتَّها في بابِ حُطّة وباب السلسلة والسعديّة، مع بائع الكعك وعرائش البطيخ، حمّص أبو شكري ومطاعم أميّة وفيلادلفيا، حلويات جعفر وبنّ إزحيمان وملحمة السنيورة في حيّ النصارى، في سهرات الدانيش تي هاوس وبارات البلدة القديمة، بشراب اللوز والتمر هندي، بشطحات مكتبة صلاح الدين وباب خان الزيت ، بدرجات باب العامود ودردشاتنا مع البائعات الخليليّات، وكتبَت نسب خواطرَها لتصوّرَ فترةً زمنيّةً بكاميرِتها الأنثروبولوجيّة، بعيدة عن الشعارات دون ابتذالٍ وأصابت الهدف.
نسب شاهدةٌ على العصر، حيث كتبت خواطرَها حسبَ رُؤيتها للأمورِ بمنظارِها وتصوُّرها دون مُواربةٍ ورياءٍ، وبنظرةٍ ثاقبةٍ تُعبّرُ عن مَوْقفها، وتصوّرُ مشاهداتٍ من الحوادثِ والقصصِ التي عاشتْها حولَ معاناة شعبِنا اليوميّة ومآسيه الصغيرةِ/ الكبيرةِ، وتُذكّرُني بتوفيق الحكيم و"يوميّات نائب في الأرياف"، ومحمد حسنين هيكل وتأمّلاتِهِ. تشخّصُ نسب في هذه الخواطر (115 خاطرة) روايةَ شعبٍ ويوميّاتِهِ حيث تَعرضُها   بأسلوبٍ مميّزٍ متألّمٍ موجوعٍ، تتطرّقُ لأشياءٍ صغيرةٍ تمُرّ في حياتنا، لا نُدركُ أهميّتَها وجمالَها، ربّما لصغرِ حَجمِها أو لعدمِ اكتراثنا بها، أو لأنّنا نضعُ نظّارةً لا ترى مثلَ هذه الأمور إلاّ إذا غيّرنا عدساتِ نظّارتِنا، وبدأنا نُقرّبُ الصورةَ لنرى تفاصيلَ الأمورِ، عندها سنرى أمورًا صغيرةً لها تؤثّرُ فينا.
أبدعتْ نسب بكتابةِ خواطرِها على أصولها: بدايةً باختيارها لعنوان كلّ منها بحيث يكونُ له صلةٌ بموضوعها، فكانت عناوينها مميّزةٌ تشدُّ القارئَ وتوحي وتلمّحُ: (حين يرقصُ النورً في أزقة القدسِ/ ابتسامة رمضان المواربة/ عين كارم والجَمال الموجع/ ابتسامة مقدسية في دربي/ سلوان وظلال أشجار تختنق في حيّ البستان/ أحلام مبتورة في سلوان)، ومن ثَمّ البداية جعلتها مُلفتةٌ وأشدّ وقعًا على القارئ من عنوان الخاطرة، كي تستهويه لمتابعة القراءة إلى النهاية، فالتعمّقُ في صُلبِ الموضوع  يكمُنُ في إبحارنا مع الخيال، فلا يقتصرُ على الواقع الذي نمرُّ به لكي نصلَ إلى مزيجٍ من الإبداعِ يصلُ بعضُهُ البعضَ بكلماتٍ مترابطةٍ، توحي إلى تزيين الواقعِ برسمِ الخيالِ وطرح عُنصر التشويقِ، وذلك بأن نجعلَ سرّها وتساؤلاتنا في بدايتها تكونُ الإجابةِ عليه في نهايةِ الكلماتِ، حتى نصلَ إلى خاطرةٍ واضحةٍ بعيدةٍ عن معاني الغموضِ ومُفعمة بالتشويق، وكأنّ نسب تكتبُ ذكرياتٍ وشطحاتٍ ومذكرّاتٍ ويوميّاتٍ مقدسيّة عن فترةٍ زمنيّةٍ لم تَكَدْ تُغادرُها، مخالِفةً كبارَ الكتّابِ الذينَ ينتظرونَ الكهولةَ ليكتبوا عن فترة شبابهم، فتميّزت باختيارها للمواضيع ووضوح الرؤيا/ فكتبت ما رأت عيناها وما جالَ في خاطِرِها لتُجذبَ القارئَ دون كللٍ أو مللٍ.
تشير نسب بهوامشها إلى المكان والإنسان: كنيسة نياحة العذراء/ قبة الصخرة/ سوق أفتيموس/ كنيسة كل الأمم/ سوق خان الزيت/ سوق القطانين/ سوق البازار/ كنيسة صياح الديك/ قلعة القدس/ كنيسة المسكوبية/ سوق الخواجات/ سوق اللحّامين/ الأسواق الثلاثة/ مقبرة مأمن الله/ برج اللقلق/ محمد إسعاف النشاشيبي/ خليل السكاكيني/ جميل السلحوت/ محمود شقير/ ديمة السمان/ طالب الدويك/ ناصر الدين النشاشيبي/ ابراهيم جوهر/ د. وائل أبو عرفة/ عزام أبو السعود/ عيسى القواسمي/ سمير الجندي / أحمد أبو سلعوم/ أبو سلام وأم طه (أهدتهم الكتاب)- مُركّزة على شخصيّاتها الأدبيّة الثقافيّة.
وترسم بهوامشها خارطة القدس وحاراتها ومؤسّساتها: جبل الزيتون/ سور القدس/ باب الخليل/ باب الجديد/ باب العمود/ باب الساهرة/ باب الأسباط/ باب المغاربة/ وحاراتها: رأس العمود/ حيّ الثوري/ سلوان/ مدينة داود/ ومؤسّساتها: مركز يبوس/ مؤسسة دار الطفل العربي/ بيت الشرقَ/ مسرح الحكواتي/ المكتبة الخالدية/ دواة على السور/ معهد ادوارد سعيد للموسيقى/ مركز التراث الشعبيّ الفلسطينيّ وغيرها، وتركّز مُنحازة بشهادتها المجروحة على المشهد الثقافيّ الذي أصبحت جزءًا لا يتجزأ منه.
مداخلة نسب أديب حسين: مساؤكم خير وحبّ وأمل. لحيفا أغنياتُ موجٍ يسافر ويعود، يتركُ عند الثغر قبلة، ويأخذ من القلب قصّة، وقبل الغياب ينثرُ على كفّ الشاطئ أحلامَ الزبد، يُناجي الجبل "أيا كرملُ، إبقَ شامخًا إلى الأزل". يكون لأسرار القدس قدرُ السفر، إلى أنحاءٍ عديدة من الوطن، وتكون حيفا في الانتظار، ليكون هذا اللقاء، فيسرّني هذا الوجود، ويُثلجُ القلبَ هذا العنوانُ الثقافيّ الحيفاويّ النابضُ والمُتجدّد، ليرسم مع عناوين ثقافية أخرى في القدس ورام الله وطولكرم ومدن غيرها، جزءًا مُشرقًا من مشهدنا الثقافيّ الفلسطينيّ. أسرارٌ أبقتها القدس معي.. إطلالة على قصّتي مع مدينةٍ، أتقنت التغلغلَ في مساحات قلبي، فبعض المدن تظهرُ جزءًا قدَريًّا في طريقنا وخيارًا طبيعيًّا، ونصيرُ أبناءها وتصير جزءًا من أحلامِنا وإن كنّا لا نعرفها. ربّما هي إرادة القدر، وربّما خيارٌ يصير طبيعيًّا كامتدادٍ لسيرة آبائنا، وقد تكون مَكمنَ فضول لاكتشاف سرّ المكان لهذا وأكثر، حين لاح ذاك السؤال المصيريّ.. إلى أين؟ أجبتُ: إلى القدس.
بدأت تجربتي في كتابة اليوميّات من جيل مُبكّر، لكن تجربتي الأولى في نشر هذا النوع من الأدب كانت مع حيفا، حين أوجعتني بيوتها المهجّرة طيلة نصف عام أقمتُ خلاله فيها، فاستطعت الوصول إلى أسلوب مختلف في كتابة اليوميّات، حين كتبتُ "حيفا ذات صيف عيون موصدة"، وبعد عودتي إلى القدس بدأت محاولتي من جديد لكتابة يوميّات المدينة بأسلوب خاصّ بي، واستمرّ العمل على هذا الكتاب أربع سنوات، حاولتُ التعامل معه من عدّة زوايا ورؤى، ليحمل المتعة والمعلومة الموثقة للقارئ، كي يكون لائقًا بالقدس. أسرارٌ أبقتها القدس معي.. ملامحُ وأحاديثُ همستها القدس في قلبي، وحاولتُ بكلّ صدق أن أنقلها لكم، لعلّ وجهَ المدينةِ يلوح ما بين هنا وهناك. شكرًا لنادي حيفا الثقافيّ والمجلس المليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ على التنظيم والاستضافة، شكرًا لأستاذي المشرف على رسالتي في الماجستير د. عمر يوسف، وابنة عمي إيمان القاسم على تحمّل مشاقّ السفر من القدس إلى هنا، شكرًا لكم جميعًا على الحضور، بكُم يزدان هذا المساء وباللقاء تسقط أبعاد المسافات.
هي القدس؛ (من أسرار أبقتها القدس معي..) تزدحم الأصواتُ في رأسي، تُنهكُني وتَحقنني، وأغضب فألجأ اليها، وأتركُها تأخذني كيفما تشاء، لتحملَ عقلي وعينيّ وجسدي كيفما ارتأت، أسيرُ وتُسيّرُني، تتقاذفني الأزقة وترفعني انحناءاتُ الأقواس، وتُدهشني للمرّة الألف أو أكثر، لتفعل ما أرادت، ولتأخذ عنّي كلّ سقم يوميّ، وحزني وغضبي ووجعي من الكلمات الدخيلة الغريبة، من الوقاحة ومن تبريرات الأيدي الملطخة بالدماء. تعبتُ. سئمتُ. ودخانُ قلبي المحترق غضبًا يخنقني. لا أريد أحدًا سواها يحمل عنّي كربي. وأسيرُ لا تهمّني فوّهات البنادق عند شقوق السور ولا في الزوايا، ولا عيونٌ زُرعت عند كلّ عقبة، تفاجئها وتفاجئني. لا يهمّ. لا يهمّني ما دمتُ هنا، وما دامت تحضنني فهي كلّ شيء. أسيرُ أسمعها، لتقل ما تشاء، لينفجر رأسي من كثرة الكلام لا يهمّ. لترفعني بين النوافذ والشرفات. ليخطفني شعاع نور تسلل بين الأبواب العتيقة، وتيهِ بيوت حجارتُها تعانقت وما تركت لنا مَسربًا، لتتسرّب الروائح والأصوات إلى جسدي، ليتسلّل منّي صخب يوْمِي وأمسي، لتحتلني كيفما أرادت.. لن أقاوم.


16
حيفا تتجلّى بين نباتات وحكايات!
آمال عوّاد رضوان
ضمن النشاطات الأسبوعيّة لنادي حيفا الثقافي كانت الأمسية الثقافية للباحث والمربي فوزي ناصر حنا وإشهار كتاب بحثه "نباتات وحكايات" في قاعة كنيسة يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، برعاية المجلس المليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ/ حيفا، وذلك بتاريخ 2-2-2017 وبحضور كبير من أصدقاء وأقرباء وأدباء ومهتمين، وقد تولى عرافة الندوة الإعلامي نايف خوري بعدما رحب المحامي فؤاد نقارة رئيس النادي بالحضور، وتخللت الأمسية مداخلات لكلّ من المهندس إلياس أبو عقصة، والشيخ نمر نمر، والإعلامية سوزان دبيني، وتساؤلات من قِبل د. أنور جمّال والأستاذ عادل مهنا ود. محمد صفوري، وقدم "منتدى الكلمة" بممثليه د. فرحان السعدي ود. نبيل طنوس درع تكريم للمحتفى به، وفي نهاية اللقاء شكر الأستاذ فوزي ناصر الحضور وكلّ من حضر وساهم في تنظيم وإنجاح اللقاء، وتمّ التقاط الصور التذكارية أثناء التوقيع!
مداخلة الإعلامي نايف خوري: أسعد الله مساءكم بكلّ خير ومودّة ومحبّة، محبّة النباتات للأرض ومحبّة الأرض للنباتات، وبقدر ما هذه العلاقة وثيقة الأواصر، بل تتعلق شرايينهما وأوردتهما بعضها ببعض، فلا أرض بدون نبات ولا نبات بدون أرض، فكيف هو الحال إذا رافقت كلّ نبتة قصّة وحكاية وأسطورة؟ وكيف هو الحال إذا أبحر كاتب نباتات وحكايات في أعماق التاريخ، بين المثولوجيا والخرافة، وبين الأسطورة والحكاية، وأتانا بباقات من أجمل القصص وأحلى الحكايات، وضمّخها بعبق الجليل وشموخ الكرمل، والتقاء الأغوار بالسهول؟! كتاب "نباتات وحكايات" الذي نحن بصدده، وضعه بعناية فائقة الأستاذ المرشد فوزي ناصر حنا. الأستاذ فوزي ترتبط جذوره بمسقط رأسه، إقرث البلدة الحبيبة، وتتّحد عروقه بينابيعها، وتتأصّل أنفاسه بكنيستها، كيف لا وهو من وطئ ترابها المقدّس ولعب بحجارتها المباركة؟! إقرث الصامدة بأهلها تنعكس على كتابات أبي طارق، فقد راح إلى الإرشاد السياحيّ كدليل في أرجاء هذا الوطن، وخاصّة في  الجليل وتحديدا في إقرث. نباتات وحكايات ينضمّ إلى نصف دزينة من المواليد الأدبيّة الرائعة، وقد استخدم بعضها ككتب تدريس ومنها: قاموس الوطن، ما وراء الأسماء، وتشهد الجذور، على دروب الجليل، وأخيرًا نباتات وحكايات. أحبّتي، إنّ النادي الثقافي في كنيسة يوحنا المعمدان، بإدارة المحامي فؤاد نقارة ولفيف من مُحبّي الكتاب، يتقدّم بخطى حثيثة للسنة السابعة، وقد تكللت أمسياته بنجاحات منقطعة النظير، وها نحن نلتئم في هذه الأمسية تحت كنف مار يوحنا المعمدان، أو يحيى، كي نُحيي أمسية دافئة أخرى بين الحنين إلى الماضي وتعميق الجذور، وبين الصمود في رحاب الوطن والمستقبل الثقافيّ. أتمنّى لكم أمسية ملؤها عبق الحبق والزعتر والنرجس والسوسن والغار، مع المُتكلمين في هذه الأمسية الكاتب الشيخ نمر نمر، والمهندس إلياس أبو عقصة، والأديب فوزي ناصر حنّا.
الشيخ نمر نمر معلم متقاعد، كاتب مقالة سياسية/ أدبيّة وقصّة قصيرة، ومترجم أدب عبري إلى العربيّة وبالعكس، مرشد سياحيّ ذو اهتمامات بالتراث والمجتمع، أحد قادة لجنة المبادرة الدرزيّة المُناهضة لتجنيد الشباب الدروز، محاضر عن التراث العربيّ والمجتمع العربيّ في المحافل اليهوديّة. مقيم في حرفيش.
المهندس الياس أبو عقصة: بدأ حياته العمليّة مهندس كهرباء، خرّيج جامعات ألمانيا، ثمّ اتّجه إلى الإرشاد السياحيّ منذ أكثر من 20 سنة، ويُرشد باللغة الألمانيّة، كاتب مقالة سياسيّة أصدر كتابًا عن تاريخ الكنيسة العربيّة، وهو عضو قياديّ في الحزب الشيوعيّ. نلاحظ أنّ كلا من الشيخ نمر والمهندس إلياس يعملان في حقل الإرشاد السياحيّ، كالأستاذ فوزي، فهم زملاء وأصدقاء وأوفياء..
الأستاذ فوزي ناصر حنّا: معلم جغرافية متقاعد، مرشد سياحيّ نشط في إرشاد مجموعات حجّاج أجانب، ومجموعات محلّية في الطبيعة، والمجتمع العربيّ والقرى المُهجّرة. يكتب الشعر والقصّة القصيرة والمقالة، ينشر في الصحف منذ 40 عامًا، أوّل من أقام ناديًا عربيًّا لمعرفة الوطن في المجتمع العربيّ، وهو نادي معالم الوطن الفعّال في الناصرة منذ 1990. الأستاذ فوزي تربطني به وشائج القربى والصداقة والمودّة، فنحن من ذات الطينة الإقرثية وذات الهواء الإقرثيّ، وذات النضال والصمود نحو العودة إن شاء الله.
مداخلة الشيخ نمر نمر: "من هنا نبدأ، لكي لا تحرثوا في البحر"، هكذا كتب المفكّر المصريّ خالد محمد خالد قبل عقود خلت. دعوني أبدأ من إقرث وكفربرعم، هما شقيقتان كما نباتات وحكايات فوزي، حتى قرار المحكمة العليا داست عليه حكومات (إسرائيل) المتعاقبة طيلة أكثر من ستةعقود خلت، هذا القرار الذي أعاد الحقَّ لأصحابه بالعودة نظريًّا، أمّا عمليًّا، فقد منعت الحكومات الإسرائيليّة تطبيقَ هذا لقرار، وكما أنّ طائرَ الفينيق ينهض من الرماد، فمعاذ الله أن يكون الأقارثة والبراعمة من الرماد، إنّهم أحياءٌ يُرزَقون، فالأجداد والأبناء والأحفاد والجيلان الرابع والخامس لا زالوا معًا ينتظرون العودة.
يُعرّجُ فوزي في جديده على 32 نبتة من نباتات البلاد، كلّ نبتة لها حكايتها وأسطورتها ووصفها، كما يُعرّفنا على 33 من الآلهة الأسطوريّة: أبولّو إله النور والحكمة، حتّى هيليوس إله الشمس في بلدة قدس الجليلية. هذا الجديد ألبومٌ حيٌّ ناطق، تتجلّى فيه مواهب فوزي الأدبيّة الفنّيّة التعددّديّة والوطنيّة الأمميّة والأخلاقيّة، فالرقم 33 يعيدنا إلى سنوات عمر السيّد المسيح على الأرض، والاسكندر المقدوني، إذ عاش كلّ منهما 33 سنة، فهناك 67 نصًّا موزّعة كالتالي: 42 نصًّا من العهد القديم، و11 نصًّا من العهد الجديد، و12 نصًّا من القرآن الكريم، فيها تسامح دينيّ.
أشار إلى تواضع زهرة عصا الراعي (الزقوقيا)، حتى اتخذها سليمان الحكيم تاجا له، لماذا يا أخي فوزي تعود بنا إلى ما قبل ثلاثة آلاف سنة، فها هو ملك إسرائيل الحالي بيبي نتنياهو وملكته سارا ياهو، هما للتواضع وللخشوع مثالٌ يُحتذى به، اللهمّ ماعدا هدايا السيجار والشمبانيا الورديّة من الملياردير ميشلين! وكأني بك تعودُ بنا إلى قول المتنبّي: "أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا/ وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ"، وتعطينا العبرة من كوز الرمّان الذي يملأ القلبَ بالإيمان، وتبقى متفائلا رغم اكفهرار الغيوم وتكاثف الضباب، فيعطي صورة بألوان الطيف الشمسيّ، مع قول الشاعر الشيخ ناصيف اليازجي في عروس الزهر الوردة: "هذي عروسُ الزهرِ نقطها الندى/ بالدُّرِّ فابتسمت ونادت معبدًا/ لمّا تفتّقَ سِترَها عن رأسها/ عبثَ الحياءُ بخدّها فتورّدا/ فتحَ البنفسجُ مُقلةً مكحولة/ غمزَ الهزارُ بها فقام وغرّدا/ وتبرّجتْ ورق الحمام بطوقِها/  لمّا رأينَ التاجَ يعلو الهدهدا/ بلغ الأزاهر أن ورد جنانها/ ملك الزهور فقابلته سُجّدا/ فَرَنَا الشقيقُ بأعين مُحْمَرَّةٍ/ غضبًا وأبدى منه قلبًا أسودا/ بسط الغديرُ الماءَ حتّى مسّه/ بردُ النسائم قارسًا فتجمّدا/ ورأى النبات على جوانب أرضه/ مهدًا رطيبًا لينًا فتوسدا/ يا صاحبي تعجبًا لملابس/ قد حاكها مَن لم يمدّ لها يدا/ كلّ الثياب يحول لون صباغها/ وصباغ هذي حين طال تجدّدا".
إنسانيّتك وأمميّتك الأستاذ فوزي ناصر أبو طارق تعيدُنا الى الصوفيّ محيي الدين بن عربي القائل في التسامح والحبّ الإنسانيّ: "لقد كنتُ قبلَ اليوم أنكِرُ صاحبي/ إذا لم يكنْ ديني إلى دينِه داني/ لقد صار قلبي قابلاً كلّ صورةٍ/ فمرعى لغزلان وديرٌ لرهبان وبيتٌ لأوثان/ وكعبةُ طائفٍ وألواح توراة ومصحفُ قرآنِ/ أدين بدين الحبِّ أنّى توجّهتْ ركائبه/ فالحبُّ ديني وإيماني".
أبوطارق فوزي ناصر حنّا ونكبة الأقارثة والبراعمة وأبناء شعبنا الفلسطينيّ الذي يُصلب يوميًّا، يُعيدُنا إلى صلب الصوفيّ الكبير الحلّاج عام 922م في بغداد بتهمة الكفر والإلحاد والزندقة، وهذا ما يحدث اليوم في (بلاد العرب أوطاني). الجلاد بترَ يدَ الحلّاج المصلوب ثمّ رجله، فيده الثانية فرجله الثانية، فمرّ بجانبه أبو بكر الشبليّ فقال له الحلّاج: أمعكَ سجّادتك؟ اُفرشها لي. استغرب أبو بكر الشبلي حين رأى الحلاجَ يمسحُ وجهه بدمه وببقايا يديه المبتورتين، فقال الحلّاج: "لقد نزف من جسمي دمٌ كثير فاصفرّ وجهي، أرجو ألّا تعتقد أنّي أخشى الموت، لذلك أمسح وجهي بالدم، فلا يحمرُّ خدُّ الرجل إلّا بدمه، هما ركعتان في العشق لا يصحُّ وضوئهما إلّا بالدمِ"!
هذا هو حالنا في وطننا، وإذا ما اقتبست ما كتبه الكاتب فتحي فوراني الصفديّ النصراويّ الحيفاويّ من الغلاف إلى الغلاف أقول: كتبتَ الإهداء: إلى زوجتي أولادي وأحفادي، إلى أبناء شعبي وكلّ عاشق للوطن. وفي الغلاف الأخير عرّفت نفسك بمرشد سياحيّ، وتعيدنا الى العندليب الأسمر في أغنيته (سوّاح): "سوّاح وماشي في البلاد سوّاح/ والخطوة بيني وبين حبيبي براح/ مشوار بعيد وأنا فيه غريب/ والليل يقرّب والنهار روّاح/ وإن لقاكُم حبيبي سلّمولي عليه/، طمّنوني الأسمراني عاملة إيه الغربة فيه/ سوّاح وأنا ماشي ليالي سوّاح/ ولا داري بحالي سواح/ من الفرقة يا غالي سوّاح/ إيه اللّي جرالي سوّاح".
هكذا أنت أبا طارق السوّاح والمرشد لمعالم الوطن، وأنهي كلمتي بشكري لقرينتك أم طارق وللأسرة، وكما قال رشيد معلوف: "ربّي سألتك باسمهنّ أن تفرشَ الدنيا لهنّ/ بالوردِ إن سمحتْ يداك وبالبنفسج بعدهنّ/ حبُّ الحياةِ بمنّتين وحبهنّ بغير مِنّة/ نمشي على أجفانهنّ ونهتدي بقلوبهنّ/ فردوسهنّ وبؤسهنّ ببسمةٍ مِنّا وأنّه/ سمّارنا في غربةِ الدنيا وصفوة كلِّ جنّة/ ربّي سألتك رحمة وجهَ السماءِ ووجههنّ/ فامسح بأنملك الجراح وردّ أطراف الأسنّة/ لتطلّ شمسك في الصباح وكلُّ أمٍّ مطمئنّه"
ونُعرّجُ على الإنجيل ونُردّدُ: "كلُّ مَنْ رَفَعَ نفسّه ارتفع، وكلُّ مَن رفعَ نفسَهُ اتّضع" (لوقا 18:14). وفي القرآن الكريم: "فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض" صدق الله العظيم. (سورة الأعراف). إلى مزيد من العطاء
مداخلة المهندس إلياس أبو عقصة: الحضور الكريم، نجتمع في هذه الأمسية احتفالًا بنضوج آخر عنقود لهذا الموسم على كرمة فوزي ناصر حنّا، هذا الكاتب الباحث الشاعر، والمعلم المرشد الدليل، والإنسان المتواضع السلس، صاحب النقفات والنكات المميّزة، والشاهد على ما يدور حوله من بَشر وحجر وشجر، ومن طيرٍ يُغرّد وحيوان يدبّ على أربعة وعلى اثنتيْن أيضًا. فوزي ناصر وطنيٌّ حتّى النخاع، تربّى على حبّ الوطن والأرض والعرض، وانعكست شخصيّته في كتاباته برفق وسلاسةٍ ووضوح مُعبّر بلا رتوش، فأغنانا بالمعرفة والتدقيق بالمعلومة وما خلفها وما أصلها، وأصاب الهدف  (هيك دوز دغري بلا لفّ ولا دوران. درس وعلّم الجغرافيا، ونكش الأرض بعوده باحثا مُنقبًا، ورسم ووصف تضاريس الأرض وتجاعيدها وغاص في أعماقها ووديانها وأخاديدها، ولم يبخل على دروبها وأسمائها ولا نباتاتها.
أتقن الرسمَ وفنّ الحكاية، فجبَلها بالتاريخ والجغرافيا والشعر والأدب، ليكون منتوجه على ما يرام .انعكست شخصيّته على أعماله: (ما وراء الأسماء، على دروب الجليل، قاموس الوطن، دروس في الجغرافيا، تشهد الجذور)، أسّس نادي معالم الوطن في 1990 في الناصرة، ولا يزال يجول في ربوعه مع أصدقائه، واليوم هذا الإنتاج الخاصّ جدّا "نباتات وحكايات"، حيث سرح فينا بأسلوبه الشيّق من النبتة إلى القصّة والأىسطورة، مُتنقلا بين ثقافات الشعوب وحضاراتها. عرفته عن قرب عندما درسنا سويّا موضوع الإرشاد السياحيّ، وخلال السنتين من فترة الدراسة توثقت العلاقة، واكتشفت فيه رقّة إحساسه وأسلوبه المُعبّر ولطف نكتته وتواضعه. في إحدى جولاتنا التعليميّة سنة 1998 في منطقة الجنوب، كان الموضع "الجبهة الجنوبيّة عام 1948" مع المرشد آرييه يتسحاكي، وهذا صهيونيّ حتّى النخاع وعسكريّ متعجرف. بدأ يشرح لنا عن المعركة مع القوّات العربيّة، وشدّد على بطولاته  وقتاله بوصف دقيق، لدرجة أنّ الجنديّ ينطّ من الشبّاك ويتدحدل ثلاث أربع مرّات ويصوّب على العربيّ، ثمّ ينطّ على الشجرة ووووو، فقال أبو طارق بخفة دم   وبصوت جهوريّ واضح: هذا مثل رامبو، فضحك الطلاب العرب، واستغرب البطل ضحكنا، فأجابه أبو طارق بالعبريّة:هذا فيلم سينما؟! بهذا لمست الدعابة والنكتة اللطيفة بأسلوبه الشيّق.
قبل فترة التقينا صدفة مع مجموعاتنا في القدس، وكان المرشد أمامي ولم أعرفه حتى اقتربت منه، وألقيت عليه التحيّة قائلا: ما عرفتكش من ورا، في ناس وجهها وظهرها مثل بعض، فأجاب ضاحكًا: بس أنا مش عن الشكل فقلت له: عشان هيك معرفتكش. وحين كنت أتعلم استخدام الفيس بوك، ضغطت دون قصد على عدّة أحرف، لتتكوّن بعدها كلمة غريبة عجيبة وارسلتها دون قصد، وما هي إلّا لحظات حت يردّ أبو طارق: هاي الكلمة اللي بدَوّر عليها. أجبته: الغشيم بدّو وقت، وأنا أبحث كيف أمحوها. وحالًا كتب صديق آخر: شو هذا أبو ليلى، اُكتُبْ عربي! وكتب آخر: شو معناها؟ ردّ أبو طارق: كنت بدّي أترجمها. فأجبته: لا ممنوع لئلّا يفهموا علينا.
كتابه الأخير كان قاموسًا لي، فعندما أهداني إيّاه، لم أتوقّع ما أقرأ، فأيّ صدفة في ذلك اليوم وأثناء دورة دراسيّة جديدة، كانت المحاضرة عن الميثولوجيا عند الشعوب، فجاء الكتاب ليُعبّر بأحلى أسلوب وأغنى معلومة عن الترابط بين النبات والأشجار بحياة الناس وثقافتها وأساطيرها، وعلاقتها المشتركة مع الآلهة في العصور الغابرة، والمتصفّح في مساهماته المتعدّدة يكتشف أنّ بين ايدينا كُتب مغايرة، هي دراسات ومراجع، والكثير منها دليل سياحيّ ورسومات ومخطوطات فنّيّة، كُتبت بوضوح وباختصار لا تُتعب القارئ، وتجمع ما بين المعرفة والثقافة العامة والتوثيق التاريخيّ لقرى مُهجّرة وشعب مظلوم  مشرّد، ومُفتّشًا عمّا يَجمع هذا الشعب من تاريخ وتراث يربطه بهذا الوطن الذي ليس لنا وطن سواه. كاتبنا أبو طارق نشيط بالتجديد والإبداع، ومَن يتابع تغريداته على الفيس بوك يكتشف مدى ارتباطه بالناس وقضاياها، ويوميّا يكتب ويفتح أبواب نقاش، ويردّ بأسلوبه المعروف بجرأته المعهودة الهادفة، فسألته مرّة تلفونيّا عن تغريدة معيّنة وسبب نشرها، فأجاب: خلّي الناس تفكر.. من تغريداته: المعلم الذليل لا ينشئ جيلا ذا كرامة. أهمّ شيء أن تكون التجارة بالمادة فقط لا بعقول البشر. الاحترام والخوف ليسا توأميْن. ظاهرة خطيرة مَن يُسيطر على كيانه انتماؤُه الدينيّ، لدرجة انقطاعه التامّ عن انتمائه الوطنيّ والعربيّ والإنسانيّ، فسيحزن لحزن مَن على دينه في أندونيسيا، ويفرح لحزن جار ليس على دينه! أحيانًا تخونني جرأتي، فأمتنع عن كتابة رأيي بموضوع ما، خوفًا من أن تنفتح في وجهي أبواب جهنم. في نهاية السنة، ليُسامحني مَن قصّرت معه أو أسأت إليه. كتاباته وكتبه وأبحاثه هي مجموعة من الإنسكلوبيديا في محتوياتها التي وضعها بين أيدي القرّاء بأسلوب خاصّ، لنفهم معانيها ومصادرها وأسبابها،هي مجموعة جامعة غنيّة وجديرة بالاهتمام، دمت يا أبا طارق أستاذ فوزي ناصر حنّا، وفّقك الله وزادك قدرة على العطاء.
مداخلة الإعلاميّة سوزان دبيني: فوزي ناصر رفيقُ درب، معرفتي به تعودُ إلى أكثر من عشرين عامًا، حيث كنت عندها أقدّم برنامجًا إذاعيًّا في صوت إسرائيل باللغة العربيّة يحمل اسمَ "رايحين مشوار"، ومن خلال هذا البرنامج تعرّفت بالصديق والمرشد السياحيّ الرائع فوزي ناصر، والذي أصبح جزءًا لا يتجزّأ من البرنامج، كان يشاركني أسبوعيًّا بتقديم زاوية مسار في الطبيعة، ولم يترك مكانًا في البلاد إلّا وتحدّث عنه، وأعطى المعلومات القيّمة المُثرية، وكان يتحدّث عن النباتات والأشجار والأساطير التي تدور حولهم، ويقدّم المعلومات حول الأماكن الأثريّة والسياحيّة، وكان كلّ مَن يستمع لهذا البرنامج على مدى هذه السنوات، أنا متأكّدة أنّه اكتسبَ مُجلّدًا من المعلومات عن بلادنا. لقد دامت هذه الزاوية في برنامجي لأكثر من عشر سنوات، استطاعَ المُحتفى به الليلة من خلالها تغطية جميع مناطق البلاد السياحيّة، حقّا فوزي ناصر موسوعة متحرّكة، وكلّ ما أرجوه من الله أن يُطيلَ في عمرك أيّها الغالي المعطاء، وأرجو المعذرة إن قصّرت في حقك بالثناء الذي تستحقّ، فمداخلتي فوريّة وعفويّة صادرة من القلب.
مداخلة الأديب فوزي ناصر: أشكر أوّلًا إدارة النادي الأرثوذكسيّ على استضافتي، وأشكر الإخوة نايف خوري ونمر نمر وإلياس أبو عقصه وبعد. أبدأ باسم الكتاب الذي لا يدلّ على ما يحتوي، فالحقيقة أنّه يحوي أساطير دينيّة، خشيت أن أُلام إن أسميتُها كذلك في مجتمعنا المحافظ، وإن كان الكتاب وليد عمل سنوات خمس، فإنّ التفكير باسمه فاقَ هذا الجهد. هي أساطيرُ تربط النبات بالسماء لا بالأرض، وقد اخترت نباتات بلادنا فقط، لأنّ هدفي خدمة أهل بلدي، من خلال تعريفهم بهذه الأساطير التي اتّخذت مكانها في التراث الدينيّ على مرّ العصور، وما دفعني للكتابة أمور ثلاثة:
1* أنّ الحضارة والتراث الدينيّ والقصص أشبه ببناء ذا مداميك، يعتمد كلّ مدماك على ما سبقه، ويُشكّل قاعدة لِما بعده، فهناك العديد من زوايا إيماننا اليوم وليدة ديانات سبقتنا بقرون، فالوحي الذي نؤمن به آمنت به أمم سبقتنا، وتجسُّد الآلهة والتزاوج بينها وبين بني البشر، وقدسية المكان والنبات والعيون، كلّ هذا تراث عالميّ تضرب جذوره في عمق التاريخ. 2* ذلك السّحر في لفت انتباه المستمع، إن هو سمع ما لا يستوي مع العقل والتفكير، فتراه ينصت وينجذب للشرح، وهذا يُعينني كمرشد. 3* لاحظتُ كم من عادات نمارسها ولا نعرف أبعادها وجذورها، فهل سأل أحد نفسه لماذا نزيّن شجرة الميلاد؟ ولماذا نحمل سعف النخيل في أحد الشعانين، الذي يسميه المصريّون أحد السعف؟ ولماذا يُقدّم التمر في بيوت العزاء؟ وما علاقة النخيل بالجنائز والحجّ؟ ثمّ، لماذا يُسمّي الأوروبيون عروس الغاب شجرة يهودا؟ ولماذا تسمّى المبالغة بحبّ الذات نرجسية؟ ولماذا دُعي الورد مَلكُ الزهور؟ ولماذا تُسمّى زراعة البعل بهذا الاسم؟ كلّ هذا وتساؤلات كثيرة غيرها، تجد أجوبة لها بين دفتي هذا الكتاب، فالنخيل مثلًا رمزٌ لتجدّد الحياة والخلود، لدى شعوب كثيرة منذ آلاف السنين، وعادةُ تزيين شجرة الميلاد عادة وثنيّة جرمانيّة انتقلت للمسيحيّة في القرن الثامن للميلاد فقط، وهنالك قصص وتفسيرات كثيرة لا مجال للتطرّق لها الآن.
Xyz_amara@yahoo.com; amaalawwaadradwaan@gmail.com
الصور المُرفقة بعدسة المحامي فؤاد نقارة رئيس ومؤسّس نادي حيفا الثقافيّ

17
الإحجامُ لغةٌ تتأرجحُ بين المَحْو والحضور!
آمال عوّاد رضوان

أقام نادي حيفا الثقافي برعاية االمجلس الملي الأرثوذكسي الوطني/ حيفا أمسية أدبية، وذلك بتاريخ 26-1-2017 في قاعة كنيسة القديس يوحنا المعمدان الارثوذكسية في حيفا لإشهار ومناقشة رواية "الحاجة كريستينا" للكاتب د. عاطف أبو سيف، وبعد أن رحّب بالحضور المحامي فؤاد نقارة رئيس نادي حيفا الثقافي، تولى عرافة الأمسية الكاتب سهيل عطالله، وتحدث عن الرواية كلّ من: د. منار مخّول، وسلمى جبران، وحسن عبادي، وخلود سرية، وفي نهاية الأمسية أجاب المحتفى به عاطف أبوسيف عن أسئلة طرحها الحضور، ثمّ شكر المنظمين والمتحدثين والحضور، وثمّ التقاط الصور التذكارية!
مداخلة الأديب سهيل عطالله: مدرسة في مخيم ومخيم في مدرسة، المدرسة غزة هاشم والمخيم جباليا، في مخيم جباليا تتحدث فلسطين عن نفسها، من جباليا المجبولة بحبّ الوطن يأتينا هذا المساء فارس من فرسان الكلمة، أهلًا بالكاتب الفلسطينيّ المبدع عاطف أبو سيف. لقد ايقظت الرواية فيّ أحاسيس وطنيّة، تزدان بلوحاتٍ او جداريّاتٍ تُوثق حياتنا الفلسطينيّة هنا وهناك، ففي هذه الرواية تختصر فلسطين نفسها، وعلى صفحاتها وسطورها وبين سطورها نجد غزة هاشم بأهلها الخيّرين الطيّبين، تُقاوم الغزاة مُصرّة على اعتناق الحياة، وفيها توثيق صادق لحياة الفلسطينيّين أينما كانوا وأينما حطّت بهم الرحال والأحوال.
الشخصيّة المركزيّة المحوريّة هي الحاجة كريستينا، وكريستانا هذه كانت فضّة الصغيرة اليافاويّة التي غادرت يافاها إلى لندن للعلاج، وهناك اعتمدت كريستينا اسمًا مستعارًا بديلًا، ففي أواخر خمسينات القرن الماضي تدفع الأقدار كرستينا للعودة، ليس إلى يافا بل إلى المخيم في غزة، حيث تعيش طوال حياتها حتى تأتي سيّارة الصليب الأحمر وتنقلها إلى حاضرة الإنجليز، وذلك إبان العدوان الإسرائيليّ على غزة عام 2009، ومن يقرأ الكتاب يجد كاتبه يربط ما بين حياة فضة وبين ما حلّ بفلسطين، بدءًا من إضراب عامّ 1936 وهو عام مولدها مرورًا بالنكبة وما بَعدها. في الكتاب سرد للمآسي التي تتعرّض لها النساء الفلسطينيّات اللواتي فقدن ويفقدن آباءَهنّ وأزواجهنّ وأطفالهنّ وأشقّاءهنّ، للبقاء وحيدات في وجه عواصف الحياة وشدائدها، ومثال هذا البقاء نجده مُصوّرًا في حياة فضّة التي فقدت أهلها كسائر الفلسطينيّين المُهجَّرين المطرودين المُطارَدين، ففي الرواية يعيش الفلسطينيّ بين عالميْن: عالم الموت والاستشهاد كحصيلة لويلات القتل والتهجير، وعالم أمل استرداد الوطن، وفي هذا الأمل تأكيد لنا ولغيرنا. إنّ الموت لا يُلغي فلسطين من ذاكرة أهلها، فهي باقية في غزة وأخواتها، باقية بمجالس رجالها ونسائها، الأمر الذي يتجسّد بموت المُسنّ الفلسطينيّ الذي اصطحب معه مذياعه الصغير ليسمع أخبار الأهل والوطن.
عاطف أبو سيف يُصوّرُ الوطن، فيستهلّ روايته بالحديث عن الشبح في بحر غزة، والشبح يتكرّر ظهوره واحتجابه كإشارةٍ حيّة لمسلسل الحرب، والمعارك القادمة لتي يحترفها ويشنّها الطغاة المُتجبّرون على أبناء فلسطين من وقت لآخر، وهذا المسلسل تتكرّر حلقاته في شخص الحاجة العائدة أوّلًا كصغيرة من لندن إلى المخيّم، وثمّ من المخيم وهي مُسنّة إلى لندن، ومنها إلى المخيّم في نهاية المطاف.
بين عودة الحاجة الجدّة من جهة، وعودة الحفيدة ابنة ياسر ابن الجدّة من جهة أخرى، نشهد مسلسلًا واضحًا يرسم أملًا لعودة الأجيال إلى الوطن الفلسطينيّ، وفي هاتيْن العودتيْن توثيقٌ للماضي الفلسطينيّ، من خلال تعزيزه في واقعنا الحاضر المُلفِت، والمُلاحَظ أنّ مبدعَنا عاطف أبو سيف يُقدّم لنا جداريّة، على صدرها تتصدّر شخصيّة المرأة، ففي المخيّم تقوم مجالس الرجال التي لا تكتمل إلّا بمجالس النساء، فالنساء هنّ صانعات الحياة وصائنات الذاكرة، ومن أرحامهنّ تخرج قوافل الشهداء، إنّهنّ الشجاعات صاحبات الرأي والمقارعات لجنود الاحتلال، فكرستينا وصفيّة ونبيلة وسلطانة وسهيلة وغيرهنّ من المنتفضات الصامدات، كنّ يجمعن الحجارة الصغيرة ويكوّمنها في الأزقّة، ليلتقطها شباب غزّة ومخيّمها ليقذفوا بها جنود الاحتلال، وكنّ يُوزّعن رؤوس البصل المهروس على الشباب لشمّه وحماية عيونهم من سموم قنابل الغاز، وعلى صدر هذه الجداريّة نشهد وحدة الفلسطينيّين بانصهار طوائفهم في مزيج قوميّ واحد، تندمج فيه مسيحيّة سلطانة مع إسلام صديقتها فضّة (كرستينا).
قارئ هذه الرواية يجد نفسه في محضر ملف يختصر تضاريس فلسطين، حيث يتجلبب الغزّيّون بحبّ الوطن، تحدّيّا للغزاة من يهود ومستوطنين ووصوليّين عرب، كانت فضة تسمع عن قبائحهم وتشكيلاتهم الفئويّة الحزبيّة الرخيصة، وذلك ليس دفاعًا عن فلسطين، بل حُبّا بالتسلط وعشق الأنا، كما وأشير إلى تغيير الأسماء في حياتنا عند العرب وتحديدًا الفلسطينيّين فالأمر مألوف، فإنّ جورج الإنجليزيّ صديق أهل فضّة اليافاويّة، والذي نقلها معه إلى عاصمة بلاده للعلاج وهي ابنة إحدى عشرة سنة، فقد رأى جورج وجوب تحويل جنسيّتها بإعلانه بأنّها ابنته من أمّ فلسطينيّة، فحوّل الاسم فضّة إلى كرستينا لتكون مقبولة في البيئة البريطانيّة الجديدة، هذا الأمر كثير الحدوث في (إسرائيل) تمامًا كما يحدث لبائع الفلافل العربيّ في تل أبيب، حيث يُغيّر اسمه من محمد إلى شلومو، وذاك العربيّ الذي صادق ورافق فتاة يهوديّة سرعان ما يُغيّر اسمه من جعفر إلى داني أو حايم، هكذا تتغيّر الأسماء عشيّة اندماجنا في بيئة غريبة، لكن تغيير الأسماء هذا لا يُغيّر ذاكرتنا الوطنيّة ولا دمنا العربيّ الفلسطينيّ المُتدفّق في عروقنا.
اسم فضّة تجوز فيه اللفظتان: فِضّة تلك المصنوعة من نفيس المعادن، والتي لم تعتمر سكوتًا ولو كان هذا من ذهب، وفَضّة في مَحكيّتنا فَضّة وفي فصحانا تعني الثابتة على صخور الوطن وعلى مبادئ لا تندثر.
مداخلة د. منار مخولي: الحاجّة كرستينا – عاطف أبو سيف
1.   قراءة الرواية من منطلق سوسيولوجيّ وليس نقدًا أدبيّ. يتطرّق النقد الأدبيّ إلى مسائل اللغة والتركيبة الفنّيّة وما إلى ذلك. تعاملي مع الرواية كنصّ تاريخيّ يحوي بداخله ترسّبات اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة.
2.   مواضيع للنقاش
i.   المحو الفلسطينيّ المتبادل:
•   مع العلم أنّ الفلسطينيّين في إسرائيل محو فلسطينيّي 1967 حتى عام 1987 بشكل كلّي تقريبًا، لكن منذ الانتفاضة الأولى هناك حضور قويّ لفلسطينيّي 1967 كشخصيّات رئيسيّة في أحداث الروايات – وأيضًا مكانيًّا – حيث توجد روايات تحكي احداث الانتفاضة الأولى في الضفة الغربيّة وقطاع غزة، وهذا غير مسبوق قبل عام 1987.
•   محو "الفلسطيني الآخر": لا وجود لشخصيّات فلسطينيّة من الداخل في هذه الرواية. حتى لا توجد شخصيّات فلسطينيّة من الضفة الغربيّة! الواقع ضيّق جدّا ومحصور في قطاع غزة. ماذا يقول محو فلسطينيّو الضفة الغربية، وأيضا فلسطينيّو 1948 من رواية الحاجة كرستينا عن الهُويّة الفلسطينيّة في عام 2017؟
ii.   الإحجام: إنها رواية عن القدر والمصير والحظ. الإحجام أيضا موضوعة (theme) في الأدب الفلسطيني في إسرائيل في سنوات ال-1970. أكبر مثال على ذلك رواية المتشائل التي كانت تنادي بالإحجام وتفضيل الجلوس على الخازوق من العمل المُقدم. لكن خطاب الإحجام تغيّر بعد الانتفاضة الأولى، أيضا في كتابة إميل حبيبي نفسه الذي حذّر من الإحجام في رواية اخطية.
الإحجام هو الموضوع الأساسي في رواية الحاجّة كرستينا – مغلّف في السياق الفلسطينيّ (من النكبة وحتى اليوم). بشكل عام، يمكن القول أنّ بهذه الرواية لم يفعل بطلها أيّ شيء! هناك إحجام (passive) واستسلام في تصرّف أغلبيّة شخصيّات الرواية. مثلا كرستينا، الشخصيّة الرئيسيّة في الرواية، تأخذها الحياة وتقذفها في كلّ اتجاه، دون أية مقاومة من طرف البطلة:
1.   تقريبا جميع الشخصيّات المقدمة (active or proactive) الذين قاومت إسرائيل تُقتل أو تموت أو تسجن: زوج كرستينا وابنها.
2.   الشخصية التي قاومت ذكورة المجتمع الفلسطيني والتي طرحت خطاب ونضال نسوي جديد – قُتل حبيبها بقصف إسرائيلي.
3.   في اللحظة التي قاومت فيها كرستينا قدرها – تموت غرقًا في نهاية الرواية.
يعكس لنا هذا التصوير مدى التعاسة والأسى اللذين يسيطران على كل شيء في غزة. لكن، ما هي الرسالة التي يحاول أن يبعثها الراوي من خلال هذا التصوير للشخصيّات؟
iii.   النوستالجيا والثقافة المتجمدة:
•   في الروايات الفلسطينيّة داخل إسرائيل أتى الحنين (النوستالجيا) مربوطا بالفوكلور – وشكّل مجموعة روايات الحنين- الفولكلوريّة. تجمع هذه الروايات مُرَكّبيْن متناقضيْن: الحنين (الذي يعكس الانقطاع)، والفولكلور (الذي يحيى بالاستمرارية)، ومعًا فهما يعكسان التحوّل في الخطاب الفلسطينيّ من الإحجام الى الإقبال. محاولة لقلب الإحجام الى إقبال جماعيّ.
•   النوستالجيا في الأدب الفلسطينيّ في إسرائيل تأتي في سياق البحث عن الهُويّة في الماضي. لكن رواية الحجّة كرستينا تعطي الانطباع، إنّها فقط وقوف على الأطلال وأخذها على أنّها الوضع القائم. في رواية الحاجة كرستينا الثقافة الفلسطينيّة مُتجمّدة في نوستالجيا الوقوف على أطلال فلسطين ما قبل النكبة. لم تنتج فلسطين، حسبما تصوّر هذه الرواية، أيّ أدب أو ثقافة منذ النكبة والتي يمكن ذكرها. إنّ التصوير الملتزم لا يسطّح الرواية الثقافيّة فحسب، بل والتجربة الإنسانيّة إلى معيار واحد – وهو السياسيّ، الاحتلال.
iv.   الهُويّة المزدوجة:
i.   الهُويّة المزدوجة: في الأدب الفلسطينيّ في إسرائيل تطرّقت إلى الازدواجيّة بين المُركّب الإسرائيليّ والمُركّب الفلسطينيّ والتناقضات الداخليّة بينهما، إذ تحوّلت فضّة الفلسطينية الى كرستينا البريطانيّة في غضون 11 عاما – ما يمكننا القول عن الفلسطينيّين المواطنين في إسرائيل؟
ii.   الهُويّة الدينيّة: هل فلسطينيّة فضّة- كرستينا تجمع بين مسيحيّتها وإسلامها، أم هي فلسطينيّة- مسلمة وبريطانيّة- مسيحيّة؟
مداخلة سلمى جبران: أُبارك لك ولنا بهذه الرّواية الإنسانيّة الرّائعة وكقارئة أنتقي في الرواية ما أُريد من مشاهد الجمال والتميُّز والإبداع! "يحُطُّ الشّبَح ظِلَّهُ على غزّة عدّة أسابيع ويأسُر عقول ومخيّلَة النّاس ويستثيرُ خوفَهُم، فيأتي العدوان والدّمار ليحتلَّ محل قصّة الشّبَح، فارضًا واقِعًا وتراكُمًا كبيرًا من الألم والرعب والحزن والدُّموع. كما اختفى الشّبَح تختفي الحاجّة كرستينا تحتَ غبارٍ كثيف نثرتْهُ عجلات الجيب الذي أقلَّها، مختصرًا المسافة والزّمن بينها وبينَ أهلِها في المخيَّم، وتاركًا ظلامًا كثيفًا حول اختفائها ومساحة كبيرة من الأخبار والتحليل والتفصيل والرّغَبات والمواقف". "كان النّاس يتلهَّوْن وينشغلون عن الألم بالحديث عنه، والاقتراب منه أكثر بملامسته. هكذا نفعل في مرّاتٍ كثيرة حين نشعُر بالعجْز وقلّة الحيلة، ندفع العجز إلى أقصى مداه. فعل ناجم عن اللّافعل" (ص 24).
ما أصدق وأبدع أن نبحث عن الألم وراء الحدَث والبريق في الألم والألم في البريق خوفًا من فقدانه! من البداية نرى عاطف أبو سيف يُحيكُ روايَتَهُ من أعماق نفوس النّاس حيثُ يرسو الشُّعور بها ويُحيِّدُ الشِّعار لكي يرى ونرى معهُ أبعَدَ منهُ. الحاجّة كرستينا اسم يدمجُ بينَ عالَمَيْن، عالَمٍ غريب وعالَمٍ قريب فيهِ نورٌ يشِعُّ ويخبو متنقِّلًا بين الزّمان والمكان، بينَ يافا ولندن وبين يافا وغزّة وبين الطّفولة البريئة والصِّبا الزّاخر بالحياة والحياة الممتلِئة بنعمة الحِكمة والحُبّ وصراع البقاء. ينتقل بنا عاطف من مكانٍ إلى مكان ومن زمانٍ إلى زمان بخِفَّةٍ تضاهي الأساطير والحكايات الشّعبيّة هي الحياة.
يناقشُ النّاس قصّة اختفاء الحجّة فتخرجُ المُسلَّمات والشِّعارات: الخيانة، الهرب، التّفكير الفردَوي بالنّجاة، التّداخُل بين الفرد والمجموع، فتكون الغَلَبَة للشُّعور وللحياة وللفرد فيقولون: "حياتها وهي حُرّة فيها" (ص28)، والحاجّة "تسير على حافّة الجدول وتموتُ منَ العطش" (ص33). وهي لا هنا ولا هناك تتأرجحُ بينَ أزمنة وأمكنة سنواتِها السّبعين وتكتسب كلَّ الألوان وكلَّ المشاعر بأناها الفرد وأناها المجموع لتكتشفَ فكرة "الطّريق الوحيد".
الصوَر التي وصَفَتْ المخيّم بكل دقائقِهِ ووصَفَتْ يافا الجميلة وتهجيرَها وتدميرَها والموت المحتوم فيها، تُغْني القارئ عن مليون شعار. بحثُ الحاجّة عن الانتماء وجذوة حبِّها التي لا تنطفئ وتفكيُرها الحُرّ ووعيُها يافا ومشاعرُها المتدفِّقة جعَلَتْها عونًا لذاتِها، فقدَّست الحياة من خلال والديْها اللذَيْن دهستهُما عجلاتُ الاجتياح والدَّمار التي عمِلَتْ ضدَّ الحياة، وبقي لها منهما الاسمَان ومدلولُهما! "قسوة لا يُمكن أن يعرفَها على حقيقتِها إلّا من عَرَفَ كيْفَ يُمكنُ لهُ أن ينتقِلَ من بيتٍ جميل في مدينة يجلسُ البحْرُ تحتَ أقدامِها، ويُداعِبُ أَخْمَصَيْها بِرِقَّة وتهمِسُ ريحُها لخَصَاصِ نوافِذِها، إلى خيمةٍ ستتحوَّلُ إلى بيتٍ متَهَتِّك"!(ص 63) ما أروع وأبدع رواية فلسطينيّة يسودُ فيها الشّعور ليدحرَ الشِّعار وتتعطَّرُ سطورُها بلُغةِ الشِّعر!! الشّخصيات تترجَّلُ منَ الرِّواية فتُصبِحُ الأسطورة حكاية والحكاية واقِعًا اسمُهُ حياة وعوني ومنصور وفضّة وجورج وكلّ نساء مجلس الحجّة.
فضّة في لندن اختصَرَت الزّمَن وجَنَتْ خِبرةً وحِكمةً تعادِلُ أضعافَ عُمْرِها، فنما في تراب هذه الخِبرة حنينٌ أسطوريّ حوَّلَ رائحةَ شجرة التّمرحِنّة إلى بخّور مقدَّس وملحُ بحرِ يافا أصبَحَ حُلْوًا!
موتيف الّلا خَيار يظهر جليًّا في كلّ مراحل وزوايا الرّواية ويتحوَّل إلى خَيارِ البَقاء فتصبحُ المسافة بينَ الواقع والحُلُم واهيةً وترجع الحجّة لتكون كما كانت واحدةً من المُخيّم، ولقاؤها مع يوسف حوَّلَ القضيّة بكاملِها إلى رواية يتألَّمُ فيها يوسف عندما يرى بيتَهُ المسلوب ويحتمي بمخابئهِ وتتألَّمُ هي معهُ. يوسف الأسطوريّ اليافاويّ الجميل الذي ربّما كانَ ذاتَ ال يوسف في "راكب الرّيح" ليحيى يخلِف، وخلق نَسَبًا بين الرّوائيَّيْن، أحبَّ فضّة وأحبَّتْهُ فتحوَّلَ لا خَيار التشَرُّد إلى خَيارِ الحياة وأصبحَ "قلب فضّة يهروِلُ في الشّارِعِ فَرِحًا" متتبِّعًا يوسف. وهكذا تنتفضُ معظمُ الشخصيّات في الرّواية وتصبح جزءًا من حياتنا!
التّداخُل الإيماني في الرّواية موتيف آخر نتجَ عن لاخَيار، فاتّجَهَ نحْوَ العُلا وارتقى، فارتقت بهِ النّاس بشخصيّة فضّة.
موتيف الاختفاء لم يكن كالحَجَرِ الذي يسقُط في القاع، إنّما كالدّوائرِ التي تتكوَّنُ بسببهِ على سطحِ الماء، فمنها من يتلاشى ويموت، ومنها من ينطلِقُ خارِجَ الدّائرة ويروي المدى ويعيشُهُ: اختفاء فضّة علَّمَها الحياة، واختفاء والديها أدّى إلى الزّوال، واختفاء ابنِها حوّلَهُ إلى أيْقونة، واختفاء يوسف حوَّلَهُ إلى أسطورة  حتّى بعدَ موتِهِ فانتصَبَ واقفًا فوقَ نَعْشِهِ!! وأيقونات فضّة تحوَّلَتْ إلى تعويذاتٍ وشواهِدَ أمل تنتظر رجعتَها، رجعة أهلِها، رجعة زوجِها، رجعة ابنِها ورجعة الرّوح!! (ص 140) وكل هذه التعويذات تردَّدَتْ على ألحان باخ في معزوفة "عذابات القِدّيس ماثيو"... وهذا ما حوَّلَها إلى حجر الرّحى في مجلس النِّساء وفي المخيّم.
تبدأُ الرّواية صورة مجرَّدة لخارطة البِلاد، ورُوَيْدًا رُوَيْدًا تمتلئ هذه الخارِطة بالنّاس والبيوت وكلّ أنواع النّباتات والأشجار والصّخور والشّمس والقمر والمَطَر والحياة... مجلس النِّساء كانَ عامرًا بالحوار والتفكير والتّعبير، ومع ذلك دارَ بينَ فضّة وصفيّة صديقتِها بالروح صمتٌ قويٌّ عميق، بدَّلَ الضّجيج الذي لم يحمِ ترابَ الوطن، ورفَعَ الألم إلى مصافّ الإنسانيّة وربّما إلى مصافّ الألوهيّة.. مع كلّ مصائب صفيَّة ونبيلة وفضّة وكلّ كوارث التّهجير والدّمار والموت، استعمَلْنَ الرّصاص لفكِّ الحَسَد، ولم تفكِّرْنَ بالقتال والانتقام!! لقاءات النّساء وحواراتُهُنّ تحوَّلتْ إلى لقاءاتٍ تُعيدُ نسْجَ حكاياتِ شعبٍ مشرَّد وتعي ما يدورُ حولَها، فتتعلّق سهيلة بالرّمز جمال عبد النّاصر. كانت فضّة تبعث الطُّمأنينة في الحارة وفي المخيَّم، وكانت مَصدرَ الحكمة والبديهة، وما أجمل صورة تخبئَتِها للفتى منار تحتَ كُرسيِّها وتغطيَتِهِ بتنّورتِها الطويلة الواسعة.
أمّا مجلس الرجال فكانَ بكاءً على الأطلال وعلى البُطولاتِ الضائعة! حسن الصيّاد، زوج صفيّة، كانَ أكثرَ الحضور صمتًا فهو أبى أن يزورَ يافا ويرى الخراب، وأرادَ أن يحتفِظَ بصورة يافا كما كانت.
كانَ غياب فضّة/ كرستينا جزءًا من الغياب الجَمْعي الذي تزخر بِهِ الحكاية،ذ وكانَ الانتظار أقسى من الغياب نفسِهِ. 
وهكذا يتدفَّقُ الحنين في كلِّ مسارب وطُرُقاتِ الرواية ويأبى أن يجِفّ. والحنين تدفَّقَ أيضًا في لندن: "الزمن لا يمُرّ نحنُ فقط نبتَعِدُ عنهُ" (ص 234). في عودتها إلى لَندَن شَعَرَتْ بحنينٍ يخنُقُ الروح، ولكنَّهُ يتحدّى اللا خَيار. رجوعُها إلى غزّة بعد موت جورج كانَ باللا خيار، ولكنَّها اختارَتْ البقاء في غزّة رغم موت كلّ عائلتِها، فحوّلت كل الحارة إلى عائلتِها، حتّى اعتبرَها أهلُ الحيّ "رجُلًا"! وحينَ كانت عودتُها إلى لَندَن لا خياريّة –إنقاذَها كمواطنة بريطانيّة- وجدَتْ نفسَها وحنينَها هناك، فكانت عودةً إلى الصِّبا في وطنٍ غريب. ولكنْ اشتعَلَ الحنين في داخِلِها، فكانت العودةُ الأخيرة غامضةً حتّى لمعَتْ حفيدتُها في حضن المخيَّم، لتعود إلى حضنِ شبابِها، وكانت "رحلة بينَ نقطتيْن، واحدة نعرِفُها والثّانية نجهلُها" (ص 247) أمّا المسير في هذه الرّحلة فهو لبُّ الحكاية بامتياز، فقد أعادَها الحنين إلى غزّة سابحةً في البحر بعدَ أن هاجموا سفينتَها- سفينة الحرّيّة.
"لا يوجد لدى النّاسِ خَيار آخر إلّا أن يواصلوا دربَهَم المُضني في البحث عن شُعاعِ النّور، في البحث عنِ استقرار يجمعُ بينَ الرّغبة في تغيير الواقع والخوف من أيِّ واقعٍ جديد"!(ص 249). قارِب حسن اختفى / مات وعاد بلَفْتَةٍ طيِّبة من كرستينا وعندما أدرَكَ ذلك كتَبَ اسمَها عليه. موقع "وين الحجّة" يظلّ سؤالًا، وربّما يتحوَّل اسمُهُ إلى "وين البَلَد"!!!

مداخلة حسن عبادي: إنّها رواية تُصوّر حكاية فضّة- الفتاة اليافاويّة التي تغادر إلى لندن للعلاج أبان النكبة التي تقع بغيابها لتعيش في لندن باسم كريستينا، لتضطر للعودة إلى مخيم للاجئين في غزة أواخر خمسينات القرن الماضي، لتعيش هناك طوال حياتها حتى يأتي جيب لاندروفر و"يخطفها"، لتنتقل إلى لندن خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2009. تدور أحداث الرواية في يافا الذاكرة المشتهاة ومخيّمات اللاجئين في قطاع غزة ولندن في محور البحث عن الهوية. للمرأة الفلسطينية حضور مميز بطوليّ يصوّر الفقدان الدائم الذي تعانيه، فقدان الأب والزوج والطفل والأخ، فقدانه كأسير أو مفقود أو شهيد، وفضة/ كريستينا تفقد أهلها وأسرتها بالكامل ساعة التهجير، ثم تفقد زوجها الشهيد فابنها ياسر "المفقود"، فتصاب العائلة الفلسطينية بتعويذة ولعنة الغياب المستمرّة، من غياب عائلة بطلتنا إلى غيابها عن يافا وعن المخيّم لاحقًا، ليصبح الغياب الفرديّ جزء من الغياب الجمعيّ فتصرخ " شو إلنا بغزة" (ص 201)، لأنّ عقلها يعيش في يافا أو لندن أو في انتظار ابنها "المفقود" ياسر.
يصوّر عاطف حياة  المخيم ومآسيه، ويُسلط الضوء على المعاناة اليوميّة للاجئين وظروفهم الحياتية الصعبة، خاصّة زمن الحرب والعدوان الاسرائيليّ، فيصف حالة الرازحين تحت القصف بعيدًا عن الشعارات، كلّ مع قصته الشخصية، ليُؤنسن الوجع والألم والمُصاب الفرديّ الشخصيّ، مما يذكرني بخالد جمعة وكتابه "في الحرب .. بعيدًا عن الحرب". ويصوّر عاطف صراع أبناء المخيّم اليومي في البحث عن الهوية ، فقلبها المعلق هناك دفعها للبحث عن حياتها هنا من أجل أن تكتشف كيف يمكن لها أن تجد الطريق إلى هناك (ص 247) حاذيًا حذو مريد البرغوثي في روايتيه "رأيت رام الله" و"ولدت هناك، ولدت هنا".
ينتقد عاطف النظرة النمطيّة والتأطيريّة المفروضة علينا، وعلى تصرّفاتنا اليوميّة التي تصبح تابوهات لا يمكن الخروج عن نصّها، ويتساءل بجرأة: "هل يمكن لهويتنا أن تفرض علينا نمطًا معينا من التصرف ؟ هل يجب أن تتّخذ هيئة وشكلًا محدّدين يتناسبان مع هُويّتنا (ص 229) لتثبيت وقوقعة "الهُنا" ؟  فتتحدّى بطلته كل أعراف القبيلة المتوارثة صارخةً "أنا من هنا". يتناول عاطف موضوع الحنين في كلّ المراحل، الحنين الذي يخنق الروح، فلا شيء يُشبع الحنين إذا استبدّ بنا ونحن في الغربة. ويروّح عن نفسه بقصّ قصّته وروايته، فكثيرًا ما نحتاج أن نروي لشخص غريب حكايتنا حتى نفهمها، وخلال السرد نكتشف الكثير من بواطن الغموض الذي كنا لا نفهمه قبل ذلك! يتحدّث كل من أبطاله لتفريغ الذاكرة من شحنة مُرعبة من الصور والأحداث والتداعيات وعلاج للتنفيس عن الكتمان والاحتقان، فأن تتذكر كل شيء مع التفاصيل الدقيقة شيء سيّئ للقلب، لكنه جيد للروح، ويتطرّق عاطف في روايته لصراع الهويّة وقضيّة المواطنة والوطنيّة صارخًا: "ماذا يعني كلّ شخص حين يقول كلمة وطن؟" (ص231)، يتطرّق لوكالة الغوث دورها وتداعياتها، يتطرّق للمعاناة والتغلّب عليها والبطولة، ويتطرّق إلى الاحتراب والاقتتال بين الأخوة في قطاع غزة قائلًا وبأعلى صوته: " نتقاتل من يحرس بوابة السجن لإسرائيل"! (ص 264).
أوافق عاطف بأنه كي تكونِ أديبًا عليك أن تكون مثقّفًا، وعاطف  نِعمَ المُثقّف، فأخذني معه بسلاسة ولباقة، ولكن بتكلّف وتصنّع مبتذل  لا يخدم النص، إلى عالمه - من معزوفة "الجمال النائم" لتشايكوفسكي ومعزوفة "عذابات القديس ماثيو" لباخ ورائعة مايكل أنجلو "الخلق". ليست الرواية بالتاريخيّة رغم أنّ كاتبها "درس" التاريخ الشفويّ لأهله ومن تهجّر قسرًا من يافا، و"درس" جغرافيّة فلسطين وقراها، وحارات لندن مدينة الضباب وتمرّس بهما، فكانا أرضيّة خصبة للرواية وأثْرَياها جدّا. كاتبنا يُجنّد وبكثرة أسلوب الاسترجاع والاستحضار flashback))، أي انقطاع التسلسل المكانيّ أو الزمنيّ للرواية لاستحضار مشاهد ماضية لتلقي الضوء على موقف ما، وكانت هذه التقنيّة مقصورة أصلًا على السينما، فوظفها الكتّاب لاحقًا في كلّ مجالات الأدب، ووظّف هذه التقنيّة في حينه الروائيّ نجيب محفوظ في روايته "اللص والكلاب". يُكثر عاطف من رسم السيناريوهات وتفصيلها على مدار الرواية، بدل أن يتركها للقارئ لينمّي عنصر التشويق عنده. كاتبنا يحب التكرار المُمِلّ أحيانا، ولكن ينهي روايته بعودة كريستينا بنت ياسر ابن الحاجة كريستينا إلى المخيم فجأة ودون سابق انذار. لماذا لم تُعِدها يا عاطف إلى يافا المشتهاة التي ما زالت تنتظر؟ّ!   


18
قلم ... رصاص - إصدار جديد للكاتبة شوقية عروق منصور
عن دار الوسط اليوم وشوقيات للإعلام والنشر:
رام الله -الطيره- الوسط اليوم- جميل حامد
قلم! جَسَّ الطّبيبُ خافقي وقالَ لي: هلْ هُنا الأَلَمْ؟/ قُلتُ له : نعمْ/ فَشَقَّ بالمِشرطِ جَيْبَ مِعطفي وأخرجَ القلمْ!!
بهذه العبارات من قصيدة الشاعر أحمد مطر استهلت الكاتبة والإعلاميّة الكبيرة شوقيّة عروق منصور إصدارها الجديد "قلم ... رصاص"، الذي تستعرضُ به الوجع الإنسانيّ والوطنيّ في مقالاتها الجريئة، والذي صدر عن دار الوسط اليوم للإعلام والنشر في رام الله، وشوقيّات للنشر في طيرة المثلث الفلسطينيّ المحتلّ.
تضمّن الكتاب 136 صفحة من الحجم المتوسّط، وما بين مقال "كلب السفير سفير" وبين مقال "كبريت أبو الشوارب" تعدّدت العناوين الجريئة في كتابات شوقيّة عروق، والمتمرّدة على واقعٍ تشوبه مُنغّصات السياسات العبثيّة، وتتوالى العناوين: لك يوم يا ظالم، وما أتعس الوطن حين نصبح أشجارًا للقطع، وطبّاخ الرئيس، طبّاخ النملة، من مؤخّرة الدجاجة يُخرجون قنابل مسيلة للدموع، ونتكلم من داخل برميل قمامة، ومقالات أخرى تحمل ذات الروحيّة المتهكّمة الساخرة، والرافضة لكافّة أشكال الفساد والتسلق والظلم.
الجزء الأوّل من سلسلة إصدارات "قلم ... رصاص" التي تعمل الإعلاميّة شوقيّة عروق منصور على إصدارها، يؤطّرهُ غلاف مكوّنٌ من جزءين؛ لوحة للفنان الشهيد ناجي العلي، بريشته التي وقفت ضدّ كافّة أشكال التخاذل والخنوع، وبتوظيف مضامين مقالاتها الجميلة الجريئة، بسيميائيّة رمزيّة موحِية وإخراج فنّيّ أكثر من رائع، للغة الحوار التي شدّدت عليها الكاتبة في نقدها اللاذع وعناوينها الصاخبة التي تستصرخ بها الضمير الإنسانيّ، وقد صمّم المخرج الفنّيّ بشار جمال صورة الغلاف، وأخرجه بدلالاته الصارخة.
لغة كتاب "قلم ... رصاص" رشيقة وواضحة وسلِسة، وطرح المواضيع مُشوّق للقارئ، يُبكيكَ ويُضحكك بلغته البسيطة المتهكّمة، وقد استندت في كثير منها على الأمثال الشعبيّة ومقولات تراثيّة، والكاتبة شوقيّة عروق جعلت مقالاتها المُواكبة للحياة اليوميّة وأحداثها حقلَ بحثٍ، يستحقّ القراءة والدراسة والمتابعة، والتوقّف للحظات، وكأن الكاتبة شوقيّة تصوّر الحاضرَ بعينِها، وتستشرفُ المستقبلَ برؤية مغايرة، فلا تُجمّلُ ولا تكابر ولا تتغاضى عن أيّة شاردة أو واردة، بل تلتقطها وهي طائرة، وتُجيّرها لقلمها السيّال.
أجزل التهاني والمباركات نوجّهها للكاتبة شوقية عروق منصور بهذا المنجز، ونبارك لأنفسنا معشر الكتاب والأدباء والمثقفين والقرّاء هذا الزخم في النقد المباشر، لكلّ ما يُهدّد مشروعنا الوطنيّ والثقافيّ والإنسانيّ في فلسطين، وفي كافة العواصم العربيّة بانتظار القادم  لكاتبة عربيّة، قادرة على زلزلة أوسع الفضائيّات العربيّة انتشارًا بقلم الرصاص الذي حقنه حنظلة بمورفين الوطن. 
الكاتبة شوقية عروق تضع النقاط فوق الحروف في "80 مليون إحساس" فتقول: "أعذب الشعر أكذبه، فالمبالغة أو الكذب المتواطئ مع المشاعر الجيّاشة لا بدّ أن يَمرَّ داخل قنوات الكلمات، ويصنع من حصى الخيال سدودًا من جماليّات الحروف، وتبقى القصائد الشعريّة مجالًا للمتعة عبر التاريخ، حتّى لو كان الحبّ والبطولة والكبرياء والعنفوان وغيرها من مفردات وأعمدة الشعر العربيّ منقوعة في ماء الذهب المزيّف".
 وتتابع: "الغناء العربيّ جزءٌ لا يتجزّأ من عالم المبالغة الشعريّة المندلقة على سطح اللغة العربيّة، والتي تيتّمت على أيدي المُندَسّين على كتابة الأغاني، في الوصف المُترهّل العاجز وتهَدُّل المشاعر المزيّفة المَقيتة، وإدخال المستمِع العربيّ إلى دوّامات من الرخص التعبيريّ الذي يمسح بلاط الحُبّ دائمًا بخِرَقٍ من آهاتٍ مُتوجّعة مريضة، لا ترقى إلى لمس حقيقة الأحاسيس العميقة، ونادرًا هي الأغاني الحديثة التي رفعت مستوى عُمق الحُبّ، فالكذب الأبيض بحسب ما يُقال، الذي وقعَ فيه كُتّاب كلمات الأغاني العربيّة، حوّلوا  المبالغة اللفظيّة إلى عالم من الكرتون ينهارُ بسرعة، وإلى مشروعٍ للكذب والتضليل الإعلاميّ، وإسقاط المواطن العربيّ في شبكاتٍ من الخداع الإحساسيّ، ومع تكاثر الفضائيّات العربيّة المُتخصّصة في الغناء، والتي تتناسل بشكل مثير، ولا نعرف مِن أين يأتون بالأموال، كأنّ هناك استراتيجيّة لتحويل شبابنا من درجات مناضلين وفدائيّين إلى درجات طبّالين وزمّارين".
ولا تسلم السياسة من طلقات مسدسها القلم فتقول: "إنّ الغناء السياسيّ في أيّ عصر هو وليد الواقع والنظام، هو ابن الحرمان والفقر والجوع والثورة والظلم وغياب العدالة، وهو ابن الشوارع والحارات والأزقّة، وابن الزنازين والسجون وساحات الإعدام، وهو الضوء الذي يكشف الفساد، ويرمي بجثث الزعماء إلى ما وراء النكات والمحاسبة والاستخفاف، قبل أن يحاسبهم التاريخ وأوراق المؤرّخين العمياء. الأغنية السياسيّة العربيّة التي تتربّع الآن على حنجرة شعبان عبد الرحيم (شعبولا)، وغيره من مطربي المواسم العابرين في كلام عابر ولحن عابر، عذرًا من فيروز ومرسيل خليفة، وماجدة الرّومي، وجوليا بطرس، لأنّ هؤلاء الّذين يُناطحون الأغنيات الوطنيّة بسذاجة، يُشوّهون المسيرة الغنائيّة السياسيّة، والأخطر من ذلك، هؤلاء الذين أصبحت الأغنية الوطنيّة عندهم التمجيد للحاكم والنظام، يستغلّها الحاكم في قمع شعبه أو تبرير سياسته، يَنشرها ويَبثها عبر فضائيّاته التي وظيفتها تقديس الحاكم، ولو بقوّة الأغاني والأهازيج والزغاريد".
وتسخر شوقيّة عروق من الذين: "دخلوا ميدان الأغنية الوطنيّة (هيفاء وهبي)، ليَصدق المَثل الشعبيّ القائل: (ما ضلّ غيرك يا ممعوط الذنب). هيفاء تُغنّي لمصر ردًّا على الجزائر التي (حاولت إهانة كرامة مصر حسب قوْل المصريّين)، وأيضًا على الذين يتطاولون على هذه الدولة العظيمة! هيفاء وهبي تصول وتجول في أغنيتها المرافقة لصور (من القاهرة اللي فوق) فيلات وشوارع عريضة نظيفة، وأناس في غاية الشياكة والفرح، حتّى بائع الخبز يضحك فرحًا بالهدوء والاستقرار، (بدون طوابير الخبز التي يذهب ضحيّتها يوميّا قتلى)؟ هيفاء تؤكّد في أغنيتها (80 مليون إحساس)، أي عدد سكان مصر، جميعهم يعيشون في رضا وسعادة، دون بطالة وعشوائيّات وفساد وهجرة الشباب وفقر.. الخ.. لم تخرج صورة واحدة تشير إلى الواقع المصريّ، حتّى ازدحام الشوارع اختفى، وحلّ محلّه هيفاء وهي تركض وتسير بخطوات مُثيرة في الشوارع شبه الخالية، و(80 مليون إحساس مصريّ) يبصمون مع هيفاء عبر تعاريج جسدها وتطاير شعرها ونظراتها الأنثويّة، أنّ جميعهم يغرقون في العسل (المْباركي)، وأنّ دولتهم هي الدولة الوحيدة التي تتمتّع بالرخاء في المنطقة والعالم! هيفاء وهبي تتجاسر وتدخل المنطقة المُحرّمة، ألا وهي (الأغنية الوطنيّة)، وتريد أن تقنعنا أنّ مصر أكبر من الجميع، فتقول: (انت حلوة  في كلّ حاجة/ مش محتاجة لرأي حدّ)! 80 مليون إحساس هو عنوان المرحلة التي تمرّ بها الأغنية السياسيّة، رحم الله (عبد الحليم حافظ) الذي غنّى زمن الزخم السياسيّ والفوران الثوريّ، مُوجّهًا أغنيته للزعيم جمال عبد الناصر، (طلب تلاقي 30 مليون فدائيّ)، هذا هو الفرق بين المدّ القوميّ الثوريّ الذي كان، وبين المدّ الإحباطيّ الذي نعيشه الآن".
ونختتم بما قالته الكاتبة شوقية عروق في مقالها الاخير"الحذاء الذي لم يتمزق وعنق الصبيّ المذبوح": لقد رقصنا وخرجنا إلى الشوارع فرحين مُهلّلين لفشل الانقلاب التركيّ، وخروج أردوغان منتصرًا على معارضيه، وسجّلنا الكلمات المؤيّدة له بحروف من ذهب، ولكن منظر الصبيّ المذبوح لم يدفعنا للتحرّك، ولم نخرج إلى الشوارع عندما يُقتل المئات في انفجارات وأحزمة ناسفة وتفجير المساجد والأسواق والبيوت والمدارس، لم نخرج إلى التظاهر استنكارًا للحرب المسعورة على اليمن ومقتل أطفالها، كأنّ اليمن خارج الكرة الأرضيّة، وكذلك العراق الجريح، وليبيا المُستباحة، أمّا سوريا فقد كان النظام السوريّ هو شيطانهم، وتجاهلوا الشياطين الذين تزيّنوا بشعارات وأعلام وغطسوا في الدم والدمار حتى الرُّكَب!
 

19
حيفا تُكرّمُ زيتونة فلسطين
آمال عوّاد رضوان
غصّت قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا بحضور كبير من المُحتفين بشيخنا الأديب حنّا أبو حنّا، وذلك بتاريخ 19-1-2017، في حفل مميّز أقامه نادي حيفا الثقافي برعاية المجلس المِليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في حيفا. كلمةً ترحيبيّة باسم المجلس الملي الوطنيّ الأرثوذكسيّ في حيفا وباسم نادي حيفا الثقافيّ، افتتح بها الأمسية الاحتفائيّة الأستاذ جريس خوري عضو المجلس المِلّيّ وأمين الصندوق، ، تلتها كلمة المحامي حسن عبادي حول نشاطات نادي حيفا الثقافي المستمرّة وأثرها في المشهد الثقافيّ المحليّ، ثمّ تولّى عرافة الأمسية المحامي فؤاد نقارة مؤسس ورئيس نادي حيفا الثقافيّ، وكانت مداخلات قيّمة لكلّ من د. راوية جرجورة بربارة بعنوان  التناصّ الدينيّ مرآة الشاعر حنّا أبو حنّا، ومداخلة الكاتب المُربّي حنّا نور الحاج حول إنتاجه الأدبي، وألقى الشاعر فرحات فرحات نصوص شعريّة من كتابه ريترو تخصّ شيخنا حنّا، وقراءات شعريّة من قصائد حنّا أبو حنّا ألقاها كلّ من: الشاعرة فردوس حبيب الله واليافع مروان محمود سرّيّة، ومداخلات زجلية للزجالين شحادة خوري وحسام برانسي، ثمّ قدّمت له درع تكريم أسرة نادي حيفا الثقافي المؤلفة من الأستاذ جريس خوري والمحامي كميل مويس عضو المجلس المِليّ، والمحامي حسن عبادي عضو نادي حيفا الثقافي والناشط الأدبي، والمحامي فؤاد نقارة، وكذلك أسرة ديوان العرب المؤلفة من الأدباء عادل سالم وآمال عوّاد رضوان قدّمت درع تكريم، والأديبتين د. جهينة خطيب ووالدتها عايدة الخطيب قدّمتا درع تكريم، وكبيرتنا الأديبة سعاد قرمان (أم الطاهر) باقة ورد مغموسة بتاريخ ثقافيّ لا يفنى، ثم ختم اللقاء شيخنا المحتفى به بكلمة متزنة تحمل رسالة للوطن وأمانة التجذّر بالهوية والوطن واللغة العربية، لننتقل إلى التقاط الصور التذكاريّة!
مداخلة الأستاذ جريس خوري: الأستاذ الكبير حنّا أبو حنّا (أبو الأمين) موسوعة أدبيّة تاريخيّة، وذخر يمشي بقدمين ثابتتيْن من يوم مولده عام 1928 في قرية الرينة الجليليّة وحتى يومنا هذا، أطال الله بعمره. حنّا أبو حنّا أديب وشاعر وباحث ينتمي الى الجيل الأوّل من شعراء المقاومة العرب في (إسرائيل)، تنقل بين الكثير من القرى والمدن الفلسطينيّة، بحكم عمل والده في دائرة مساحة فلسطين، ما بين القدس ورام الله، وجفنة وأسدود قرية نجد وحيفا، وقد عاش مناطق فلسطين بطولها وعرضها وجميعها عاشت في قلبه ووجدانه.
أيّها الحضور الكريم، أرحّب بكم باسمي وباسم المجلس المِليّ الوطنيّ الأرثوذكسيّ في حيفا وباسم نادي حيفا الثقافيّ، وأدعوكم للتمتّع بهذه الأمسية التكريميّة لشخصيّة فلسطينيّة حيفاويّة أعني الأستاذ الكبير حنّا أبو حنّا، فأهلا بكم. عمل الأستاذ حنّا أبو حنّا مديرًا للكليّة الأرثوذكسيّة في حيفا، ومُحاضرًا في جامعة حيفا وكليّة إعداد المعلمين العرب، وحصل على الماجستير في الأدب، وشارك في تحرير وإعداد برامج الطلبة في إذاعتي القدس والشرق الأدنى، وشارك في إصدار الجديد والغد والمواكب والمواقف، في عمله في الجديد عمل مع توفيق طوبي، إميل حبيبي، صليبا خميس، جبر نقولا وعلي عاشور طيّب الله ذكراهم، ومع نبيل عويضه أطال الله بعمره، وقد امتاز الأستاذ حنّا أبو حنّا ببلاغته وسِعة آفاقه ونشاطه وتواضعه، وشارك في مهرجانات دوليّة في هنغاريا وبلغاريا وروسيا وأوكرانيا.
أصدر (21) مؤلفًا أدبيّا من دواوين للكبار وللأطفال وأبحاثًا لغويّة وأدبيّة، وبسبب عمله السياسيّ من قيادة مظاهراتٍ ودفاع عن العائدين إلى أوطانهم، فُصِل من عمله إثر قيادته لمظاهرة ضخمة في الناصرة، وفُصل معه يومها صديقه الأستاذ فؤاد خوري. وقد شرع في تأسيس "جوقة الطليعة"، يمدّها بالكلمات والأشعار، وصديقه الموسيقار ميشيل درملكنيان يُلحّنها، وعام 1958 وأثناء تواجده في بيت صديقه فؤاد خوري في الناصرة، داهمته الشرطة واعتقلته. في فترة عمله في قسم البرامج والمناهج التعليميه تمكّن من إدخال موضوع الأدب الفلسطينيّ في المنهاج، كي يتعرّف الطالب العربيّ على تراثه وتاريخه.
من أشعاره: يا إخوتي، كيف ننسى مُرَّ ماضينا/ وحاضرًا لم يزَلْ يَروي مآسينا/ ولم تزلْ حولنا الأغلال تخنقنا/ الغدر يَسعى إلى تشريد باقينا؟
مداخلة حسن عبادي: الأخوات والإخوة، مساؤكم خير. باسم نادي حيفا الثقافيّ وباسمي نُرحّب بكم وأهلا وسهلًا للمشاركةِ في هذه الامسيةِ الثقافيّةِ المميَّزةِ لتكريم الأديب الأستاذ حنّا أبو حنّا. بدايةً، نستنكرُ الهجومَ الشرسَ والاعتداءَ الغاشمَ على أمّ الحيران، وعمليّة التهجير المستمرّة لأهلنا في النقب، ونسألُ الرحمةَ للفقيد والسلامة للمُصابين.
لقد تأسّسَ نادي حيفا الثقافي قبل حوالي ستة أعوامٍ، برئاسةِ زميلي المحامي فؤاد حنّا نقارة، وبدأت الفكرة لمنتدى ثقافي لقراءةِ كتابٍ بالشهرِ،فقُمنا حتى اليوم بقراءةِ ما يقاربُ السبعين كتابًا،  وتطوّرت لعقدِ أمسياتٍ ثقافيّةٍ لإشهارِ كتابٍ بحضورِ الكاتبِ، وأقمنا عشراتِ الأمسياتِ وكذلك أمسياتِ تكريمِ أديبٍ ، بمشاركة العديد من المهتمّين وأصحاب القلم من حيفا وخارجها،  ومن ثَمّ  إحياء مِنبرٍ للشعرِ، ألا وهو أمسياتٌ عكاظيّة حيفاوية، تُشكّلُ مِنبرًا شعريًّا ومنصّةً لشعرائِنا. بكل فخرٍ واعتزاز أصبح هذا المنبرُ صَرْحًا أدبيًّا راقيًا ودفيئةً حاضنة لكُتّابنا وأدبائنا وشعرائنا ومُبدعينا، دون رقابة أو تمييز، رغم محاولات بعض المتسلّقين عرقلته، التطاول على هذا المشروع المُميَّز والمُتَميّز، ونفتخرُ أنّه أصبحَ قُدوةً يُحتذى بها في حيفا وخارجها في سبيل الحفاظ على لغتنا العربيّة، ويشرّفُنا اليوم استضافةُ مَن هوَ من أهل البيت الأديب حنّا أبو حنّا، وقد وافق أخيرًا بعد جهدٍ جهيد تشريفَنا بأمسيةٍ تكريميةٍ تليقُ به. وصفه النقادُ بزيتونة فلسطين، وأسمح لنفسي أن أصفَهُ  بأيقونةِ وبوصلةِ فلسطين الثقافيّة الأدبيّة.
في يناير 2005 دُعيتُ لأمسيةٍ ثقافية معَه في مقهى أدبي حيفاوي "الدارة"، فقبلتُ الدعوة متلهّفًا للقائِه (بالمناسبة، أُفتتح مؤخرًا مقهى أدبي حيفاويّ جديد في فتوش لصاحبه وديع شحبرات وبإدارة محمد خالد شامي وفيه مئات الكتب الجديدة، مع تخفيض لأعضاء وأصدقاء النادي)، وعند افتتاح المنتدى الثقافيّ الحيفاويّ في شهر يناير 2009 كان ليَ الشرف أن أكون تلميذَه، ليزيدَني قناعةً بفنّ القراءة المُغايرة ، فهو ميسّر وموجّه اللقاء الشهريّ مع كِتاب كلّ آخر أربعاء من كلّ شهر، ومنذ إقامة النادي قبل ستة أعوام بدأت ألقاه كلّ خميس، حيث يواظب على حضور كلّ الأمسيات، ويغضبُ حين يكون النادي في إجازة، وفي السنوات الأخيرة أصبحتُ محظوظًا أن أكونَ سائقَه بطريقنا من وإلى النادي، لأستغلّه في عصفٍ ذهنيٍ ثقافيّ، عدا عن لقاءاتِنا الأخرى التي سرعان ما تتحوّل إلى فستق أدبيّ.   
مداخلة فؤاد حنّا نقّارة عريف الأمسية: الأخوات والأخوة مساؤكم خير، الحضور الكريم مع حفظ الألقاب والمقامات، باسم المجلس المليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في حيفا، وباسم نادي حيفا الثقافيّ وباسمي، نرحّبُ بكم في بيتكم نادي حيفا الثقافيّ الذي تُقام أمسياتُه في هذه القاعة المباركة بحضوركم، قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، يشرّفنا أن نستضيف هذه الأمسية "زيتونة فلسطين" أديبنا وشاعرنا الباحث الأستاذ "حنّا أبو حنّا"، تقديرًا ووفاءً لمسيرته الأدبيّة والنضاليّة على مدى أكثر من 60 عامًا، في خدمة الثقافة والأدب والشعر وقضيّة شعبنا، ويَسرّنا أن يشاركنا هذه الأمسية كوكبة من مُفكّرين وأدباء ومُثقفين أصرّوا على مشاركة أستاذنا هذا التكريم الخاصّ، الذي انتظرناه طويلًا من أبو الأمين الذي عارض إقامته، لأنّه كُرّم أكثر من 50 مرّة بدروع وجوائز واحتفالات!
الأديب حنّا أبو حنّا أبو الأمين "زيتونة فلسطين"؛ هو عَلمٌ وشاعرٌ ومناضلٌ وكاتبٌ وباحثٌ وراعي الأدباء والشعراء ومُعلّمٌ مُرَبٍّ، مِن الرعيل الأوّل من شعراء فلسطين البارزين بعد النكبة، ممّن حملوا وزر النكبة، وانطلق في طول البلاد وعرضها يدعو ويُحرّض مَن تبقّى مِن شعبنا في وطنهم رغم النكبة، للوقوف مرفوعي الرؤؤس وللتشبّث بأرضهم ومقاومة سياسة الحكم العسكريّ، في حين آثرَ أغلبُ المثقفين والشعراء في ذلك الحين "التقية" والتقوقع وعدم المقاومة، وقد وقف شاعرنا حنّا من على مَنابر منصّات المهرجانات السياسيّة والشعريّة، وأعلن موقفه صراحة بوجه المحتلّ الغاصب دون وجلٍ ومُواربة. هو من نخبة رفاق ورجالات الحزب الشيوعيّ وأهمّ مُثقفّيه وكُتّابه وشعرائه، ضحّى بوظيفته لأجل مبدأ آمنَ به وسار عليه وأعلنه صراحة، حتى أنّه كان مُستعدًّا للخروج من حزبه والتخلّي عن الحوافز ومغريات المناصب، إخلاصًا لمبدئه مع الحفاظ على "الاختلاف وليس الخلاف" مع رفاق الأمس. كتب وحرّر في صحيفة الاتّحاد. مِن مؤسّسي مجلة الجديد الأدبيّة ومجلة الغد التي تتلمذ في مدرستهم وعلى يديّ أبو الأمين الرعيل الثاني بعد النكبة، من كُتّاب وشعراء وأدباء ممّن كان أبو الأمين مثالًا ومُعلّمًا ومُرشدًا لهم، وما زال بيته مفتوحًا لكلّ المثقفين والأدباء لكلّ استشارة أو مراجعة أو نصيحة. أنتم يا أبا الأمين نواة الخلية الثقافيّة في البلاد بعد النكبة، وما الخليّة بدون نواة؟
ولن ننسى السيّدة الفاضلة سامية فرح أبو حنا أم الأمين، الزوجة المثقفة بامتياز والمتذوّقة للأدب والشعر، وما زالت تقفُ بجانب رفيق دربها أبو الأمين، ونحن نعلم أنّ حياة المبدعين ليست بالسهلة، تحتاج إلى قوّة ومَحبّة كبيرتين، لا يستطيع كلّ إنسان أن يصمد ويعيش ويتعايش، ونشكر فضل الله مجدلاني لمرافقتنا الدائمة بتهيئة القاعة لاستقبال الأمسيات، والشكر الكبير للمجلس المِليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في حيفا راعي الأدب والعِلم والمثقفين.     
مداخلة د. راوية بربارة بعنوان  التناصّ الدينيّ ومرآة الشاعر حنّا أبو حنّا: مساءٌ حَنّائيٌّ بامتياز إذا التعبيرُ جاز، فالمحتفى به حنّا أبو حنّا، والمتحدّثان حنّا الحاج وراوية بربارة "أمّ حنّا"، ويعتقد العرب بأنّه إذا اجتمع ثلاثةٌ ولهم نفس الاسم وُجدَ الكنزُ، وهذا صحيحٌ فأنتم كنزُ الأمسية وكلِّ الأماسي الأدبيّة الثقافيّة التي ترفع شأن مجتمعِنا وتحتفي بأدبائنا وتكرّمُهم.
عندما كنتُ صغيرةً كانتِ الأسماءُ الكبيرةُ تطنُّ في قلبي، وتجلجلُ في جنباتِ عينِ العذراءِ وبيتِ الصداقة، ويحتفي أبي وأصدقاؤه بكلِّ عددٍ يصدرُ من مجلّة "الجديدِ" و"الغد"، فتسكن معنا الأسماءُ ونتخيّلُ ملامحَ أولئكَ الذين يبثّون الحياة في الورق وفي المجتمع، واسم حنّا أبو حنّا يتردّد في البيت والسوقِ والشارعِ والجريدةِ واجتماعات الأصحابِ والرفاق، وأنا لم أره، أتخيّلهُ كبيرًا عملاقًا بقدرِ عطائِه وبقدرِ محبّةِ الناسِ له، ويومًا ما خرج الماردُ من قمقمه، فكان أجملَ من الأسطورةِ، وأكثر ريًّا من بعل، كان أستاذي في جامعة حيفا وعلّمني مساق "الشعر الحديث"، علّمني مدارسَ الشّعر من الكلاسيكيّة ونيو كلاسيك والرومانسيّة والواقعيّة الاشتراكيّة والرمزيّة، وأخذنا معه في تيّار الفن للحياة والفن للفنّ، وتركَنا هناك نتساءَلُ، لماذا ما زال شعراؤنا إلى اليوم يكتبون بكلّ مدارس الشعر، فلا تنقطع مدرسةٌ ولا يختفي نوعٌ، فنجد الجواهريَّ يسبَحُ على بحور الخليلِ وأدونيس يبحث عن الجديد، ونازك والسيّاب يدوْزنان تفعيلتيْهِما، وحنّا أبو حنّا يشقّ طريقتَه بحذرٍ وجرأة، فيواربُ وراءَ الرمز تاركًا لنا أن نستعينَ بثقافتنا المتنوّعة لنسبرَ أغوارَ قصائدِه، أو أن نحذفَ قافيةً منتظرةً ونعاودَ البحثَ، أو أن نستعينَ بالجمهورِ الذي بدأ يدرك أنّ حنّا عرف أنْ يختارَ وقرّر أن يتطوّرَ، لذا نجدُهُ يحاسبُ نفسَهُ، يضَعُ المرآةَ أمامَ قصائدِه ليرى انعكاساتِها، ويقرّرُ أن يغيّرَ هندامَ أوزانِها وتسريحةَ قوافيها ورائحةَ عطرِ صورِها كلَّ مرّة، فهو منذ عام 1949، قرّر بوعيِ المثقّفِ الدارسِ أن يكتبَ "أوّل تجربة له بإيقاعٍ متغيّر ينبع من "دراميّة" الموقف ويسايرها" ، فنراه يُعلن "طلاقَ الرومانسيّة"، مقرًّا بأنّه لم يكتب من أجل الفنّ، بل من أجل الناسِ، فهو لم يكن "فوق" الورى، ويعترف بجنون الشاعر مشبّهًا إيّاه بالبزّاق الذي ينزوي في أصدافه في الوحول معتقدًا بأنّه ربُّ السهول، مُحْدِثًا جلبةً بقصائده وإبداعِهِ، كالطفل الذي يمتطي عصًا ويظنّ بأنّه يحلّقُ بينما هو على رجليْه يعدو:
كنتُ بالأمسِ شاعرًا/ ينسجُ الشعرَ/ من سُدى الأحلامِ/ سارحًا بين النجوم/ هائمًا فوق الغيوم/ لم أعش "فوق" الورى/ غير أنّي/ مثلما ينزوي البزّاقُ في أصدافِهِ/ بين الوحولِ/ حالمــــًا/ واهمًا/ أنّه ربُّ السهول/ مثلما/ يركب الطفلُ العصا "فارسًا"/ وهو على رجليْه يعدو/ حافيًا.. طائفًا دون هدى/ هكذا "أهل الخيالْ"/ يركبونَ الخشبةْ/ واهمين بالمحالْ/ مُحدثينَ جلَبةْ..!
وهذا الشاعر أحدثَ جلبةً، أتدرون لماذا؟ لأنّه أوّلًا وقبلَ كلّ شيء كتب بشاعريّته وطعّمها بالدراسةِ، فلم يفقد توازنَه من طغيانِ النظريّات على الشاعريّة أوِ العكس؛ وثانيًا لأنّه طوّرَ أدواتِه الشّعريّة على مدى سنواتٍ، لم يتقوقع في مدرسةٍ، ولا في أسلوبٍ، بل فتحَ الأبوابَ لقدرتِهِ لتقودَهُ ولتجربتِه الحياتيّة، المعيشة، المهنيّة لتوجّهَهُ؛ وحنّا أبو حنّا أحدثَ جلبةً لأنّه انتقل بسلاسةٍ، من الشعر التقريريّ، التوثيقيّ التأريخيّ، إلى الشعر الرمزيّ، الحداثيّ، وما بعد الحداثيّ؛ وحنّا أحدثَ جلبَةً لأنّه طرق موضوعاتٍ عدّةً فمن الأرضِ، إلى الطبيعة، إلى الهمّ الفلسطينيّ، إلى الهمّ الإنسانيّ، إلى الغزلِ والحبّ والمعشوقة والحياةِ اليوميّة البسيطةِ المعيشةِ، ولهذا الشاعر الجريءِ المجدّدِ، المنتقِدِ نفسَه وقصائدَه قبل حبرِ النقّاد، ستكون مداخلتي التي سأبدأها بما يتلاءَم مع الوضع الراهن، وكأنّ التاريخَ يأبى أن يمسحَ بصماتِهِ عن خدودِنا وأخاديدِنا، فكلّما تجاهلْنا أفعالَه معَنا، عادَ وصفعَنا على خدّنا الأيمن، ومهما كان إيمانُنا قويًّا لن نديرَ له الأيسر، بل سنديرَ له ترابيّاتِ أدبِنا وقصائدِنا، لنعلّمَه درسًا لن ينساه. فها هو محمود درويش يقول في حديث له: "الجديد الذي أعطانا إيّاه حنّا أبو حنّا هو ما أستطيع أن أسمّيَه بشكلٍ مجازيّ، أعطانا ترابيّةَ القصيدة، عندما جاء حنّا أبو حنّا وحوّل الأحداثَ اليوميّةَ والهمومَ اليوميّةَ والأخبارَ اليوميّة إلى قصائد، أعطانا وعيَ ترابيّةِ الشّعرِ ويوميّتِهِ "، وما أحوجَنا الآن الآنَ أن نستشعرَ عبقَ الترابِ، وأن نقرأ معًا مقطعًا من قصيدته "تقاسيمُ على سقسقات سرب القرابين":
كانت لنا وبنا/ في البدءِ/ فيها نَبَتُّ على جذورِ التين والزيتون/ وسريتُ في نبضِ الدوالي/ في اخضرار العلتِ والزعتر/ في نفحةِ الفيجن/ في تنفّسِ العبْهَر/ وجريتُ في القندولِ/ في السمّاقِ والعنبرْ/ نُسُغًا/ أنا والفصول/ أنا الفصول/ أنا والتراب/ أنا التراب:/ آدم والأديم/ أنا السمادُ/ والبذارُ والثمرْ/ ويراد لي أن لا أكون سوى السماد/ أن لا أكون سوى../ أن لا أكون!!
وهل يمكن لشعبٍ عنده شعراؤه ألّا يكونَ؟ ألم يحيي الشعراءُ والأدباءُ الماضيَ والحاضرَ، يقول أبو حنّا مستذكرًا الماضي الجميلَ في الكرمل معَ محبوبته: وأعودُ في الذكرى إلى سفحِ العبيرْ/ المقعد المهجورُ في عينيْهِ طيفُ أسًى كسيرْ/ والجذعُ مالَ إليَّ يسألني عن العهدِ النضيرْ/ والزهر والدمعُ بالندى الشاجي تعزّيه العطورْ
ومن هذا الماضي الشخصيّ القريب، نراه يستذكر مع الجدّة ماضي هافانا: "يا حفيدي../ قبل ما يقرُبُ من خمسينَ عام/ حينما كنتُ أنا ما زلتُ طفلة/ هتك الفجرُ الظلام/ ورعى النورُ شذى مليونِ فُلّة/ أحرق العبد صليبَ الرقِّ في ثورةْ/ وغدا حرّا .. وكان النير قد حدّبَ ظهره!
ألم يكتبِ الشعراءُ نبوءةَ المستقبل؟ ألم يوثّقوا التاريخ؟  فهذه أبياتٌ لأبي حنّا تحيّي الوحدة بين سوريا ومصر: من الناصرةْ/ إلى القاهرةْ/ تحيّاتُ نشوتِنا العاطرةْ/ بطيبِ عروبتنا الظافرةْ.
ألم يحفظوا لنا الجغرافيا؟ تلك الجغرافيا لوطنٍ وقد تغيّرت معالمُه، ومُحيَت لولا بقايا ديرٍ وكنيسة مهجورة تصلّي فيها الريح: نمر الصادق/ ذرّتْهُ العاصفةُ الهوجاء/ ولْمجيدل/ أطلالًا صارت/ ومعالمها تُمحى/ ومُحيتْ/ لولا ديرٌ وكنيسةْ/ تصلّي فيها الريح/ ترتّلُ فيها الغربان
والطبيعة، والبيئةُ، والبشرُ والحجر، ألم يكن لهم النصيبُ الأكبر من شِعر أبي حنّا؟ ففي رثائه للشاعر راشد حسين يجلب معه إلى القبر من كلِّ بلدٍ ذكرى، ليؤكّدَ شموليّةَ التضحية والعطاء: على الضريح المؤرّق/ جئتُ أضع إكليلا/ مضفورًا فيه قَندولُ الكرمل/ وسَرّيسُ الشاغورِ/ وغارُ الجرمق/ عابقًا.. من بيّارات الرملة/ وحبقِ الناصرة/ وطيّونِ وادي عارة/ وسنابلَ مرجِ ابنِ عامرِ/ الجبينُ الذي تطاولَ فوقَ الدخان والغيوم/ ليحالفَ الضياء/ جئتُ أمسحُه بقطراتٍ من زيت الجليل/ وفي ركنٍ من الضريح المستعيدِ كنزُه/ جئتُ أخبّئ خابيةً من عصير عنب الخليل.
في ظلّ كلّ هذا  الماضي والحاضر، والتوجّع والفقدِ كان لا بدّ للشاعر مِن مرجعيّة، فهل تعرفون إلامَ لجأ حنّا في قصائده؟ لقد اتّكأّ حنّا أبو حنّا على التناصّ الدينيّ، والتناصّ من أبرز سماتِ الشعر الحداثيّ، ومن أدقّ خصائص بنيتِه التركيبيّة والدلاليّة، إذ يمثّل التناصّ استحضارَ نصوص غائبة، سابقة في النصّ الحاضر، لوظيفة معنويّة، أو فنيّة أو أسلوبيّة؛  وقد حاولت تتبّع التناصّ في قصائد أبي حنّا، فإذ بأغلب القصائد تفاجئني باتّكائها على الرمز الدينيّ، ولعلّ القصائدَ على امتداد الشعر الفلسطينيّ من بداياته إلى يومنا لم تحفل بهذا الكمّ من التناصّ الدينيّ المسيحيّ والإسلاميّ، فلماذا فعل كذلك؟ ولماذا التجأ إلى الدين؟ أهي ثقافتُهُ، والإناءُ بما فيه ينضح؟ أم هي حاجةُ الإنسانِ إلى القوى الخارقة والمعجزات في زمنٍ تراكمت فيه النكباتُ والنكسات والمصائب والمصاعب فلم يكن للشاعر مخرجٌ إلّا البحث َ عن قوّة خارجيّة تساعده على الصمود والاستمرار؟
ففي رثاء عمر القاسم، قصيدةِ "في حاشيةِ العوسج" يعترف بحاجةِ الشعر إلى أسطورة: الشّعرُ يفتّشُ عن أسطورة/ أمّا أنتَ الأسطورة/ فأكبرُ/ أكبرُ من كلِّ الشّعرِ
إذًا هو الألم سرُّ الوجودِ، فعلى خلاف: أنا أفكّر إذن أنا موجود، يقول حنّا أبو حنّا: أنا أشكو إذن أنا موجود، فالوجع هو سرّ وجودنا: نحن نحيا/ لأنّنا/ لم نزل نشكو/ فيا لوعةَ اكتشافِ الوجودِ/ **/ نتساقى الشكوى/ نسرّي/ ولكن/ نفتحُ الجرحَ للنزيفِ الجديدِ.
وهذا الشاعر المتألّم يطفئ لهيبَ ألمِه بتعلّقه بتراب وطنه، بدغدغات اللوف والزعتر الممنوع، بأعشاب بلاده التي يبقّلها لتُقيتَهُ، لتلذعَهُ، لتبْرُدَ لسانَهُ؛ والشاعر يملأُ جرّته من عرق الجباه، من دموع الشريد، ودموع العروس يومَ زفّتها ومن شفَةِ الربيع التي تملأ البيّارات بالرعود: حملتُ سلّتي/ أبقّل العلّيقَ والمرّار/ واللوفَ- مِبرَدَ اللسانْ/ يلذعُهُ مدغدغًا/ والزعترَ الممنوع/ قرّبتُ جرّتي من عرقِ الجباه/ من مقلةِ الشريدْ/ من زفّةِ العروس/ من بيّارة الرعود/ من شَفَةِ الربيع.
وهو مستعدّ أن يضحّي بدمه كما فعل المسيح في العشاء الأخير "خذوا اشربوا هذا هو دمي الذي يُسفَك عنكم وعن كثيرين لمغفرة الخطايا"، فماذا يقول شاعرنا بعد أن شبع وارتوى من آلام ودموع بلاده؟ يقول بأنّه سيضحّي بدمه لينفّضَ الرماد عن مجامر الإباء، ليُبعِدَ هذا الرمادَ الرابضَ على مجامرِ كرامتِنا، لتَهُبَّ النخوةُ والشهامةُ والعزّةُ فينا من جديد، ولنستيقظَ من خدَرِنا وغفوتِنا: "خذوا اشربوا/ هذا دمي/ يُنفِّضُ الرمادَ عن مجامرِ الإباءِ/ ويلغَمُ الخدَرْ"
ولماذا يضحّي الشاعرُ بنفسه ليستيقظ النوَّمُ؟ لأنّ الأسماءَ اغتيلت، ولأنّ جبلَ الكرمل يعتري عورتَهُ بحّارةُ الأساطيل الحربيّة، ولأنّ مار الياس يطلّ من مغارته ويتساءَل هل قمّلت لحيةُ هذا الجبل؟ هذا الوطن؟ وما أجمله من تعبيرٍ استوحاه الشاعر من حياتِنا المعيشة، عندما نقول "قمّلت لحيتُه" كناية عن العفن والإرادة المسلوبة وقلّةِ العزيمةِ والفقرِ، فأيُّ تعبيرٍ فصيحٍ كان سيفي بالمعنى؟  وإنّما يستعين الشاعر بالتناصّ الدينيّ مع القرآن "ولا تعثَوْا في الأرض مفسدينَ" ليقول قولًا هامًّا؛ بأنّ مثلَ هذا الخراب ليس جديدًا، إنّما المفسِدون كانوا على مرِّ التاريخ، مشيرًا فيما وراءَ السطورِ إلى عقابِهم ونهايتِهم، ونراه يمزج ما بين الأسطورة والدين والواقعِ الكئيب ليشرحَ لنا مدى عدمِ وضوح هذا الحاضر الذي تعبث فيه كهنةُ الأساطير ويعيث فيه المفسدون، ويهاجَم فيه الكرمل: في "جادة الكرمل"/ حيثُ اغتيلتِ الأسماءْ/ تحت عيون "قبّة البهاءْ"/ حيثُ يقرفصُ الجبلْ/ يمدُّ ساقيهِ إلى الميناءْ/ ويعتري عورتَهُ بحّارةُ الأسطولِ/ السادسِ...السابعِ../ مهما شئتَ من أرقامْ/ وحيث "مار الياسْ"/ يُطلُّ من مغارة الدهشةِ في عينيه: - هل قمّلَتْ لحيتُهُ؟ - كهنةُ البعلِ يعيثون بها ويفتنون الناسْ
لكنّه في خضّمِ انتقاده للوضع القائمِ، ودعوتِه للتحرّكِ والتيقّظ، يذكُرُ فرسانَ اليقظة، يذكُرُ من ناضلَ، وعملَ، ونسجَ، وحاكَ مستقبلًا وضفّرَ أحلامَهُ بالنارِ، والظبيةُ تحدّت قنّاصًا لتصيدَ الفجرَ، ما أجملها من مفارقةٍ بين صياد يلاحق الظبية ليصيدها، و ظبيةٍ تلاحقُ الفجرَ لتصيدَ يومًا جديدًا تحياه، ما أبدعَ أنْ يكونَ الشعرُ مكثّفًا، واضحًا، جميلًا، أصيلًا، بِكرًا، يرسِم في جملةٍ شعريّةٍ واحدةٍ لوحةً مذهلةً، مليئةً بالكناياتِ والاستعاراتِ، فقد اشتعلَ الفتيلُ ، لكنّه فتيلُ الطيبِ والرائحةِ الجميلةِ، فتيلُ الريحان، هذه الكلمات التي تبدّل المألوفَ تُدهِشُنا، تدعونا أن نصبحَ قرّاءً مشاركين، أن نُشعِلَ فتيلَ ثقافتِنا ومخزونِنا الأدبيِّ لنجاري الشاعرَ، لنشاركَهُ تناصَّه الدينيَّ حين يقول: تتحدّى الظبيةُ قنّاصًا لتصيدَ الفجرَ/ اشتعلَ فتيلُ الرّيحانِ/ تحرّكَ نوْلُ النَسّاجْ/ يُضفِرُ بالنارِ الحُلُمْ/ فرسانُ اليقظةِ فوق الأبراجْ/ لا تأخذهم سِنَةٌ/ لا يأخذُهم نوْمُ.
هذا الشاعر مرّ بمراحلَ مختلفةٍ، فبعد طلاقه الأوّل مع الشعر التوثيقيّ الواقعيّ، طلّق الرومانسيّة، وامتطى جوادَ الرمز، فبعد أن كان توثيقيًّا، علّمته الدنيا أن يكون مراوغًا، لا يصرّحُ بحقيقة الأشخاصِ، ولا بحقيقةِ الحدث، إنّما يحتالُ على النصِّ بمفرداتٍ يستقيها من بيئته، من ثقافته، من أمكنةٍ لا يُعيّنها بالاسم، وأناسٍ لا يناديهم جهرًا، فمن هي الظبيةُ؟ أهيَ فلسطين؟ ومن هم فرسان اليقظة؟ الثوّار؟ المناضلون؟ من بقيَ في الوطن؟ وكيف تجرّأ وكنّاهم بكنية الحيّ القيّوم الذي لا تأخذه سِنةٌ ولا نَوْم؟ كلُّ الإجاباتِ متعلّقةٌ بمشاركةِ القارئ، فالرمز في القصيدة، وفي قصائد عَدّة في الديوان يرتقي من الإشارة sign، إلى الرمز  symbol، إلى الأليجوريا، المبنى الرمزي المتكامل الذي يوظّف فيه الشاعر عدّة إشارات وعدّة رموز، وهكذا بقدرِ محليّةِ القصيدةِ وخصوصيّتِها نرى انفتاحَها على العالَم العربيّ، على اللامكان واللازمان، لتصبحَ قصيدةَ كلِّ مكانٍ وكلِّ زمانٍ، فتضمنَ بالمراوغةِ الذكيّةِ خلودَها.
حتّى قصائدَ الغزل لم تخلُ من المراوغة حفاظًا على المحبوبة من كشفِ سرِّها، وربّما تحفّظًّا منفلِتًا، حفاظًا على هيبةِ هذا الشاعر الشقيّ، الذي عاج يسألُ عن النبيذ المشتهى في نهدَي محبوبتِهِ، راسِمًا صورًا شعريّة جميلةً مُطلِقًا أسرابَ الغزلان على الردفيْن، مطهّرًا نفسَه بالنار التي تشعلُه، بنار العيون، ولا بدّ للتناصّ الدينيّ أن يظهر ولكن أين؟ فلنستمع: مَنْ نسجَ الخمرَ وشاحًا/ للنهديْن؟/ مَنْ أطلقَ أسرابَ الغزلانِ/ على الردفيْن؟/ بالنارِ يطهّرني/ هذا السّحرُ الكامنُ/ في الجفنيْن/ لأرى خارطةَ الجنّةِ/ ما بينَ القرطيْن.
وهذه المحبوبةُ التي تسكرُه بخمر نهديها، هي التي تُسكرُ الكؤوسَ وتكسرُ القدح، أو ربّما هي محبوبةٌ ثانيةٌ، لا أوسّع ذمّتي، ولا أقول إلّا على ذمّةِ الراوي: على شجر القلبِ/ باسمِكِ/ تشدو العصافيرُ تسبيحةً/ للفرح/ حضورُكِ نبعُ الذهولِ/ فأنتِ التي تُسكرين الكؤوسَ/ وأنتِ التي تكسرينَ القدحْ
وفي حواريّة بين المحبوبيْن، حين تتساءَل المحبوبةُ إذا كان الحبُّ يسلِبُ قلبَ المحبِّ؟ نرى الشاعرَ يُكذِّبُ دموعَ العاشقين الشعراء الذين يستمرئون البكاءَ ليصيدوا الهلال، لكنّ الحبّ بريءٌ، لم تثبت إدانتُه لأنّ بوصلةَ الروحِ هي التي تتوجّه نحو المحبوب، نحو الشمال: تساءلْتِ:/ هل يسلبُ الحبُّ قلبَ المحبِّ..؟/ إذا كان حقًّا فقلبُكَ عندي/ وقلبيَ عندكَ/ - تلك شَكاةٌ/ تناقلها العربُ في خيمةِ الغزوِ/ فاستمرأَ العاشقونَ البكاءَ/ لعلّ الدموعَ تصيدُ الهلال/ تبرّأَ من ذلكَ الحبُّ/ فهو الذي يوجّهُ بوصلةَ الروحِ/ نحو الشمال
وفي عزّ الحبّ ولحظاتِ العشق يتّكئ بقوّةٍ على التناصّ الدينيّ، أظنّه يقدّسُ هذا الحبّ، يدرس الوصايا العشر من احتضان شفتي المحبوبة التي تجمعُ كلَّ الأقانيمِ في واحدة، وكأنّها الآبُ والابنُ والروح القدس، هذه المحبوبة مؤلّهةٌ سرًّا وتلميحًا، وهذا الشاعر لا ينفكّ الماضي يعلّمه ويعاوده، وهذا سرّ الحداثة في الشّعر وما بعد الحداثةِ، هذا الانفصالُ عن الماضي وهذا التواصلُ معَه، فها لهفةُ ذاكرةِ البدويّ إلى تمتمات الحليب ونجوى العسل، هي نفسُ لهفةِ الشاعر إلى شفتَي المحبوبة، وهذه المراوغاتُ الذكيّة، تأخذُنا إلى هناكَ عبرَ الزمان، وتحطُّنا هنا، من صحراء البدوي وطعمِ العسل إلى الغابة وفوح طيب نيسان، وتحاصرنا بالدين والوصايا، وتُفرِجُنا بالحبّ والغزلِ والشبق والعبقِ،  هذه المراوغاتُ إنّما تؤكّد الحديثَ القائلَ بأنّ الشعراء لا يتّبعهم إلّا الغاوون: أحضن بالشفتيْن الوصايا/ أرسِم هذا البهاءَ/ بلهفةِ ذاكرةِ البدويّ/ إلى تمتمات الحليبِ/ ونجوى العسلْ/ أيا غابةَ الطيبِ في حضنِ نيسانَ/ أنتِ الأقانيمُ/ في واحدةْ
وهكذا نراه ينوّع في المبنى، فمن الموزون المقفّى إلى شعر التفعيلة، وينوّع في موضوعاته وثيماته، فمن الأرض والتراب وكلّ نبتةٍ تشارك الشاعرَ قصائدَه ومعانيه، وتتراسل الحواسُّ فيها فنشمُّ ما نرى، ونسمعُ ما نتذوّق،  إلى الأماكن والأحداث التي يعيّنها حينًا ويعمّمها أحيانًا، فيخلّدُ الفعلَ والحدثَ المحليَّ ويغورُ في أعماق الُهنا، وبذكاءٍ مراوغٍ يحمل الأماكنَ على الرموز، لتصبحَ صالحةً لكلّ الأماكن والأزمنة، وتصبحَ خالدةً؛ ومن الأماكن إلى التاريخ وما اجترحه، والجغرافية وما محت من معالم، وما تركت من ذاكرةٍ يحملها الشاعر ويوزّعها للقرّاء حزنًا وحثًّا، ويتّكئ على التناصّ الدينيّ بشكلٍ ملحوظٍ وبكثافةٍ غير ِمسبوقةٍ في الشعر الفلسطينيّ المحليّ وذلك لحاجةِ هذا المتبقّي في أرضه إلى الإيمان والأمان، والحمايةِ الإلهيّة والأسطورة الدينيّة التي ستحيي الموتى.
وهذا أستاذي الشاعر يحمل مسؤوليّة مجتمعٍ، مسؤوليّةَ جيلٍ قادمٍ يخاف عليه من عثَرات الزمان، لذلك كلّما رآني دعاني وقال لي تعالي لزيارتي عندي وصيّة لك، وتكرّرت دعوتُهُ والأيّامُ تسرقني، وفي يومٍ حلمتُ بأنّه يجب أن أزورَه اليوم، قمتُ مسرعةً اتّصلتُ وردّت أمُّ الأمين مرحّبةً، وكانت الزيارةُ التي لا تُنسى، هناك على قمّة الكرملِ، وفي بيتٍ مشرفٍ على كلّ ما في حيفا من جمالٍ، على البحر والميناء اللذيْن يشبهان الشاعرَ، باتّساعه، بعمقِه، بامتلائه، بمحبّته، بالرسوّ عندَه، كانا في الانتظار، وكان يومًا مميَّزًا لن أنساه أبدًا، قرأ الشعرَ، وحكى وروى وحمّلني وصيّته؛ قال لي: أولادنا واللغةُ العربيّةُ أمانةٌ عندكِ، فعليكِ الاهتمامَ بالمطالعةِ، لأنّنا بالمطالعةِ نبني الإنسان، نبني اللغة، نطوّر التفكير، ننمّي مجتمعَنا، نحافظ على مستقبلِنا، وأنا أقول لكَ أستاذي العزيز، بأنّني حملتُ وصيّتَكَ وعملتُ بها، وأعلنتها سنةَ القراءة والقارئ المميَّز، ونعمل على المطالعةِ من رياض الأطفالِ، من مكتبةِ الفانوسِ إلى المكتباتِ الصفيّةِ، إلى مسيرة ِالكتابِ، والمشاريعُ قادمة، والوصيةُ أمانةٌ في عنقي، وأخيرًا، ومن وحي اتّكاءاتكَ، ومن وحي عيد الغطاس الذي يصادف اليومَ، أقول لك إنّ المسيحَ تعمّد بالروح القدس، ونحن تعمّدْنا بطهرِ عطائكَ وشاعريّتكَ، فكلَّ عام وأنتَ وأم الأمين بألف خير.
 مداخلة حنا نور الحاج: مساؤكم خيرٌ وسلام. لقاءاتي بأبي الأمين وجهًا لوجهٍ حتّى اليوم لا أظنّ أنّ مجموعَها يتجاوزُ عددَ أصابع اليدين الِاثنتينِ بكثير. من بينها لقاءُ اليوم، ولقاءان في مدرسة مار الياس الثانويّة في عبلّين، في أحدهما استضفنا هناك الأديبَ العزيز، فالتقى بنحو ستّين من طلبة الصفوف العاشرة يحسنون الإصغاءَ ويحترمون الموقف، صاروا اليوم في الخامسة والعشرين. في ذاك اللقاء الجميل، شَرُفتُ بتقديم الأستاذ حنّا أبو حنّا وبمحاورته، واليوم هئنذا أحظى بشرف المشاركة في تكريم هذا الكريم النبيل. أقلّ ما يمكنني فعلُه أن أشكر من أعماق القلب مَن أتاحوا لي هذا الحضورَ وهذه المشارَكة في التكريم.
ولأنّ التكريم لا يَحتمل إفاضات الكلام، سأحاول أن أوجز قدْر المستطاع. وإن صدر منّي ما يشبه المديح، فعذري أنّي مقتنع بأنّ ذاك ليس بمديح. هو حبّ وتقديرٌ يرتدي ثوبًا كالمديح. وإن بدا في بعض ما أقوله تعظيم، ففي الأمر بعضُ توهُّم. العظيم لا يحتاج إلى تعظيم -وإن كان يستحقّه ويستحقُّ كلَّ خير. صحيحٌ أنّ لقاءاتي الِاعتياديّةَ به لم تكنْ كثيرةً بما يرضيني، بيدَ أنّي التقيت به كثيرًا من خلال أبنائه /مؤلّفاته –وإن كنت لا أزال أشعرُ بالتقصيرِ في هذا الصدد.
بتأخّر سنواتٍ قرأتُ سيرةَ أبي الأمين الذاتيّة. صدر الجزء الأوّلُ من ثلاثيّتِه الحلوةِ تلك ("ظلُّ الغيمة") عامَ ألفٍ وتسعِمئةٍ وسبعةٍ وتسعين، وأنا شرعتُ ألتهمُهُ في نهايةِ عامِ ألفين وسبعة. وحين انتهيت من قراءتِه، قلت في سرّي بتوبيخٍ معنِّف: "يا عيب الشوم عليك يا حنّا!" (وبالطبع لم يكن الموبَّخ حنّا هو أبا الأمين. بل كان الموبَّخُ هو سَمِيَّه المُعِزّ. كان الموبِّخُ نفسُه هو الموبَّخَ).
أمّا الجزآن الآخران ("مَهْرُ البومة" وَ "خميرةُ الرماد" الصادران عامَ ألفين وأربعةٍ)، فقد حظِيتُ بقراءتِهما بعدَ أيّامٍ قليلةٍ منَ انتهائي من قراءةِ الجزءِ الأوّل. بدأتْ رحلتي القرائيّةُ تلك في العشرينَ منْ كانونَ الأوّلِ عامَ ألفين وسبعةٍ، وانتهت في منتصفِ كانونَ الثاني عامَ ألفين وثمانية. هي أربعةُ أسابيعَ رافقتُ فيها حنّا أبو حنّا منَ المنبعِ إلى ما بَعدَهُ بكثير. لست أنسى مقاديرَ الإحساسِ بالِاغتناءِ والِامتلاءِ الذي رافقني خلال تلك الرحلة، أدبيًّا وفكريًّا وروحيًّا. وكعادتي حين أنفعلُ وأتفاعلُ معَ ما أقرأ، لم يستطعْ لساني إلّا أن يتحدّثَ ويتحدّثَ ويتحدّث... حدّثتُ الطلّاب، وحدّثتُ الزملاء، وحدّثتُ الأصدقاء. وكان منَ اللطيف جدًّا أنّ عددًا غيرَ قليلٍ من بينهم عبّروا عن رغبتِهِم في اقتناءِ كتب حنّا أبو حنّا تلك وغيرِها، فتمكّنّا بمساعدةٍ منَ المؤلّفِ نفسِه أن نوفّرَ لهُمُ المطلوبَ بأثمانٍ شديدةِ المعقوليّة؛ إذ كانت أبعدَ ما تكون عنِ التجاريّة. ولم يكتفوا بالِاقتناء، بل انضمّوا إلى فئة القرّاء.
يا أبا الأمين، لو نجحتُ في استذكار كلِّ ما قاله قرّاؤك المحبّون وما يقولون، ولو دوّنتُه وقلته، لطال الكلام. لكنْ دعني في هذا المقامِ أتخيّرْ لك ما لا أنساه ممّا قاله المرحوم صديقي الدكتور جبّور خوري، الذي عُرِفَ باهتماماتِهِ الكثيرة والمثيرة، ومن بينها شَغَفُه العظيمُ بالقراءة، ولا سيّما قراءةِ الروايات، وبأكثرَ من لغة (بالعربيّة والعبريّة والإنجليزيّة والإيطاليّة). صديقيَ المرحومُ الطبيبُ الطيّبُ جبّور، صاحبُ الذائقةِ الصعبةِ المتشدّدةِ التي لا يُعجبُها إلّا العَجَبُ العُجاب، حين أتمّ قراءةَ تلك الثلاثيّة، قال لي بحماسة المعجَب المنفعل: "يا رجل. صدّقني... لا أتردّد إطلاقًا في القول إنّ هذا حقًّا أدبٌ عالميّ، عالميٌّ بكلّ المقاييس". لست أنسى كم سُرَّ صديقي، كم سُرَّ وسَرَّ حين بادر إلى التحدّثِ هاتفيًّا معَ أبي الأمين على مَسمعٍ واشتراكٍ منّي، ونقل إليه رأيَهُ وانطباعاتِهِ بصدقٍ وحبٍّ وتقدير!
كم حاولتُ (وأظنّ أنّه أحيانًا حالفني النجاح) أن أستثيرَ الطلبةَ والزملاءَ والأصدقاء، عبْرَ تعليقٍ على مؤلّفات الأستاذ حنّا أبو حنّا بقولي على مَسمعٍ منهم: "ما ألطَفَ أن تعرفَ وطنَك، تاريخًا ومكانًا، من خلالِ كتابٍ أدبيّ. في "ظلّ الغيمة"، وفي "مَهر البومة"، وفي "خميرة الرماد"، أنت تسافرُ في وطنِكَ الذي حرمَتْكَ مناهجُ التدريس أن تتعلّمَ تاريخَه كما يجدرُ وينبغي. بتلك الثلاثيّةِ تتعرّفُ وطنَكَ بعينِ أديبٍ وفؤادِ أديب وروحِ أديب وفِكرِ أديب. تتعرّفُ وطنَكَ فتحبُّهُ وتحبُّ مَن حبّبَكَ فيه بيـراعتِهِ البارعةِ الصادقةِ الحاذقة".
وكم حاولتُ أن أستميلَهُم إليك، وإلى الأدبِ بعامّة، حين علّقتُ على أناقتِكَ ومهارتِك في صياغةِ عناوينِ كتاباتِك (لستُ أنسى سحْرَ كتابِك "فستق أدبي" عنوانًا ومضمونًا). في العنوان الجميل "ظلّ الغيمة" تتعدّدُ الإيحاءاتُ والدلالات. وكم أشغلني هذا العنوانُ الأنيقُ العميق.  أتُراه عنوانًا ينطوي على إيحاءٍ بتواضعِ صاحبِ السيرة، إذ يعتبرُ عمرَهُ ظلًّا لغيمة، ظلًّا عابرًا سريعًا كسرعةِ سَهْمِ الوهم؟ أَمْ تُراه عنوانًا ينطوي على إيحاءٍ بحسرةٍ ما، حسرةٍ تسكنُ قلبَ الكاتبِ على انقضاءِ العمْرِ مهرولًا متعجّلًا؟ أَمْ هو يحملُ إيحاءً بتقديرٍ ما للنفسِ، باعتبارِ الغيمةِ رمزَ خيرٍ وعطاء؟ ولا تنتهي التساؤلات... غزيرةً تنثال، وفي ثنايا كلّ منها احتمالٌ لإجابة. وإن كان هنالك بَعدَ الإعجابِ مجالٌ لمخالفةٍ ما، فاسمح لي بذلك، أبا الأمين... هل سيرتُك الذاتيّةُ حقًّا ظلُّ غيمة؟ لو تُركَتِ التسميةُ لي، لكنت جعلتُها "ظلُّ الخـيمة". كتابُك كمثلِكَ هو؛ خيمةٌ تجمعُنا بك. أراه ظلَّ خيمة، في صحراءِ الخيبةِ الملتهبة. يحلو لي أن أراها على هذا النحو، وبخاصّةٍ الآن ونحن أمامك، معَكَ في مساءٍ مشرقٍ كهذا المساء، على الرغم من سواد الأرضِ واكفهرارِ السماء. وقبل أن أنسى... حين استضفنا الأستاذ حنّا أبو حنّا في مدرستنا، سُقْتُ تساؤلاتيَ السابقةَ كلَّها عليه، بشأنِ دلالاتِ العنوان "ظلُّ الغيمة"، وبأدبٍ جمٍّ -وتمامًا كما يليق حقًّا بفارسٍ مُجَلٍّ في مضمارِ الأدب- امتنعَ عن إعطاءِ إجابة. بلطفٍ شديد أصرّ أن يتركَ الأمرَ لتفسيراتِ القرّاء، نائيًا بنفسِهِ عن تقييدِ المخيِّلة والفهمِ وحصرِهما في زاويةٍ محدَّدة، أو محدِّدة.
أمّا عنوانُ الجزءِ الأخيرِ منَ السيرة، "خميرة الرماد"، فلم أبخلْ على الطلبةِ بالتوضيح أنّ الخميرةَ والرمادَ مقترنانِ بالكهولةِ وما بعدَ الكهولة، وبما فيهما من نضْجِ واختمارٍ للتجربة.
 وأمّا الجزءُ الثاني، "مَهر البومة"، فلم أشرح لأيّ كانٍ سببَ اختيارِ الكاتبِ لهذا العنوان. اكتفيتُ بإشارةٍ عاجلةٍ أنَّ الإجابةَ تتكشّفُ للقارئِ في الكتابِ نفسِه، ولا تحتاجُ إلى إعمالِ التخيُّل. وهي إجابةٌ مفاجِئةٌ مذهلة. وأنتم، أيّها الحضورُ الكرام، لن أجودَ بتوضيحٍ على أيٍّ منكم ممّن لديه فضولٌ لمعرفةٍ دلالةِ ذاك العنوانِ المدهشِ الغامضِ ("مَهر البومة")، وليتَ مَن يعرفُ ينافسُني في البخلِ المتعمَّد! ليتنا نتابع تكريمنا لهذا الرجل المهمّ، حنّا أبو حنّا، من خلال قراءتِنا لأدبِه البديعِ الرفيع (ونحنُ من ذلك كاسبون). ودعوني أُسرُّ لكم بأمنيةٍ قرائيّةٍ شخصيّة: كم أشتاقُ وأرغبُ في قراءةِ تلك الثلاثيّةِ مرّة أخرى!
أستاذَنا أبا الأمين، إنّ وجودَكم -أنت وسائرِ القاماتِ العاليةِ من أهلِ الأدبِ والفنِّ عامّةً- نعمةٌ تُشكَرُ الأقدارُ عليها. وجودُكم -أنت وهُمْ- يزيلُ بعضَ الهمّ أوِ الكثيرَ منه، ويوفّرُ لنا متعًا وفوائدَ لا تُنكرُ إطلاقًا. وجودكم يهوّنُ على المرءِ بعضَ حَيرتِهِ وارتباكاتِه. منكَ وممّن هم كمثلِكَ من نبلاءِ حقولِ الأدب، نتعلّمُ الصبرَ والأناةَ والوطنيّةَ والإنسانيّة. منك ومنهم، نتعلّمُ كيف تكونُ المبادئُ والقِيمُ خبزًا يوميًّا. أنت ممّن تعلّمنا منهم -ولا زلنا نتعلّمُ- كيف يكونُ الحزنُ نبيلًا نقيًّا بهيًّا لا يُفقِدُ حاملَهُ البوصلةَ بالرغم منَ العواصفِ والأعاصير؛ فأنت الذي قلتَ في بوّابة حدائق صبرك:
لم أخبزْ كعكًا في فـُرني/ بالدمع عجيني/ بالأحزانْ/ لكنّ خميرتَهُ الإيمانْ/ وجياعٌ أهلي/ لا مائدةَ/ ولا سكّينَ ولا شرشفْ/ في أرغفتي طعمُ المنفى/ نكهةُ أقمارٍ صَرعى/ وطعمُ ترابٍ مغدورْ/ ونبيذٌ من روحي ينزف
 
أنت ممّن تعلّمنا منهم -ولا زلنا نتعلّمُ- كيف نبكي ونتماسك، فنُحيل بكاءَنا أشرعةً من تفاؤلٍ عاقلٍ وأملٍ لا يحيا المرءُ بدونِه. فأنت الذي قلت قبل إحدى وأربعين سنة، في يوم الأرض الخالد:
على جبين السحَرْ/ دماؤُهمْ/ تطلُّ من براعمِ الرمّانْ/ تُطلُّ من شقائقِ النعمانْ/ من مُهَجِ البِطّيخِ في البطّوفْ/ وفي تَوَهُّجِ الجذوعِ/ في مواقدِ الشتاءْ/ جمرًا يُشيع الدفءَ والحنانْ/ قبورُهُمْ في القلبْ/ في الميجنا../ في الأوفِ../ في العتابا/ يا قلبُ يا مقبرةَ الأحبابْ!/ سربُ العصافيرِ الذي بدمِهِ تضرّجَ الجليلْ/ سربُ العصافيرِ / القرابينِ الذي/ يَرِفُّ فوقَ هامةِ الجليلْ/ على سفوحِ الوجدْ/ على ذُرى العذابِ والأملْ/ قنطرةٌ جديدةٌ حتّى يَهِلَّ الفجرْ
وإلى مضمارٍ آخرَ وأخيرٍ أنتقل. أقرّ وأعترف... قلّما يستهويني ما يُكتبُ لدينا من شعرٍ وقصص على أنّه مكتوبٌ للأطفال. ومَرَدُّ هذا أنّي أستشعرُ أحيانًا في ما يُكتبُ باعتبارِهِ أدبًا للأطفال، أستشعرُ إهانةً للأطفالِ أنفسِهِمْ غيرَ مقصودةٍ أوِ استهانةً بهِمْ واحتمالَ تخريبٍ لذائقتِهِمُ الخاصّةِ الغضّة. وذلك أنّ تقديمَ المعلوماتِ والنصحِ والتوجيهِ في قالَبٍ منَ الوعظِ الفجِّ، والمباشَرةِ المزعجةِ، يهبطُ بالأدب إلى مزالق ومَهاوٍ تحرمُهُ أن يُدْرَج ضمن ما تصحّ تسميتُهُ بالأدب.
في عُجالةٍ أشيرَ إلى لطفِ وظَرفِ ما كتبَهُ حنّا أبو حنّا في ديوانِ الأطفال "راعي البراعم"، ديوانِهِ الذي أعتقدُ أنَّه يحملُ طاقةً حقيقيّةً في أن يُعجَب به الصغارُ والكبارُ على حدٍّ سواء. لديّ اقتناع عميق أنَّ أجملَ أشعارِ الصغارِ هي تلك التي لا تتخطّى اهتمامَ وإعجابِ الكبار. في ما يلي بعض مقتطفات من تلك اللطائف التي يتضمّنها "راعي البراعم"، أسوقها دونما تعليق.
تقول قصيدته "بهدوء": لي أذُنٌ تسمعُ همسَ النسيمْ/ ولي بهذا الرأسِ عقلٌ سليمْ/ أفهمُ صوتًا ناعمًا دافئا/ يقولُ ما يريدُهُ هادئا/ لا أفهمُ الزعيقَ والزاعقينْ/ أفهمُكُمْ إنْ كنتمْ هادئينْ
وتقول قصيدته "لماذا؟": قل لي:/ لماذا الكبارْ/ لا يُكرمونَ الصغارْ؟/ مِنْ دونِ أنْ يسألوا/ يتّخذونَ القرارْ!/ نمشي على رأيِهِمْ/ في الليلِ أوْ في النهارْ/ أريدُ أنْ يعرفوا/ حقّيَ أنْ أُستشارْ!
وقصيدته القصيرة "أختي":/ هذهِ أختي سميرةْ/ أصبحَتْ حالًا كبيرةْ/ لبسَتْ كندرةَ الماما/ وسارَتْ كالأميرةْ
وفي المقابل تقول قصيدته "أخي":/ لَـمّا وُلدَ أخي/ أحسسْتُ بأنَّ الكلَّ يحبّونَهْ/ أمّي تحضنُهُ بحنانٍ/ وتُقبّلُ فمَهُ وجبينَهْ/ وأبي يتأمّلُهُ فرِحًا/ ويُقبّلُ خدَّهُ وعيونَهْ/ وأنا مثلُ الثوبِ البالي/ يُهملُهُ الناسُ ويرمونَهْ/ حِبّوهُ.. لكنْ لا أرضى/ أنْ أُصبحَ في حبّي دونَهْ/ إنّي أحببْتُ حلاوتَهُ/ لكنَّ الغَيْرةَ ملعونَهْ
أمّا قصيدته "محتار" فتقول:/ أمّي تَعجبُ/ وأبي يسألْ:/ "ماذا تصبحُ في المستقبلْ؟"/ لـَمّا مرضَتْ أمّي قلْتُ:/ "أتمنّى لوْ كنتُ طبيبا!"/ وقرأْتُ كتابًا أعجبَني:/ "ما أحلى لوْ صرْتُ أديبا!"/ نادتْني الطيّارةُ قالَتْ:/ "هيّا لتصيرَ الطيّارْ"/ لكنّ السفُنَ تناديني:/ "بلْ أحلى لوْ أنّكَ بحّارْ"/ أمّي تَعجبُ/ وأبي يسألْ:/ وأنا محتارٌ../ محتارْ!!
وبعد... ذاك الطفلُ المتحيّرُ الذي سكنَ في أعماقِ أبي الأمين، ذاك الطفلُ الذي دغدغتْهُ الأحلامُ وحيّرتْهُ، ذاك الطفلُ المتحيّرُ بشأنِ ما سيكون عليه حين يكبَر (هل سيكونُ طبيبًا أمْ أديبًا أمْ طيّارًا أمْ بحّارًا)... هذا الطفلُ الذي وُلِد بعدَ ولادةِ المرحوم أبي بسنة ونصف السنة، هذا الطفلُ أصبحَ كلَّ تلكَ وأكثر... أصبح طبيبًا وأديبًا وطيّارًا وبحّارًا... وأدبُهُ خير شاهد على ما أقول. تصبحون دومًا على أدب جميل... وشكرًا لكم
مداخلة الشاعر مجيد حسيس في رسالة تعذّر: الأستاذ الشاعر الأديب أبو الأمين حنّا أبو حنّا، جدير بتقدير واحترام المجتمع العربي بأسره، على ما قدّم وأعطى خلال سنوات طويلة، من العمل التربويَ والأدبيّ، وأنا كأحد طلابه في الكليّة العربيّة الأورثوذكسيّة وفي جامعة حيفا، أرفع قبّعتي منحنيًا أمام هذه القامة الأدبيّة الرفيعة، وأمام مُربٍّ أعطى من نفسه ليُثري ألباب طلّابه. وللأخ الصديق فؤاد نقاره تقديري واحترامي على لفتاته الكريمة بتكريمه كلّ الذين تركوا بصماتهم المشرّفةٓ على صفحات مجتمعنا. أرجو الاعتذار عن الحضور، بسبب نقص المناعة عندي، متمنّيًا لأستاذنا الحبيب العمر المديد ، صحةً سعادةً وهداة بال، ومزيدًا من عطاء لا ينضب معينه. فلا كانت سنينُ العمرِ تُحصى إذا خانت عهودًا للمُـربِّـــي
الصور المرافقة بعدسة الزميل الإعلاميّ رائف حجازي

20

دعيني.. أُقَـــشِّـــرُ لِـــحَـــاءَ عَـــتْـــمَـــتِــــكِ


آمال عوّاد رضوان

مُنْذُ ظَمَأٍ بَعِيدٍ
وَأَغْبِرَةُ صَمْتِي
مَا نَفَضَهَا شِتَاءُ دَلَالِكِ!
رُحْمَاكِ
أَعِينِينِي عَلَى ظَمَئِي
وَلَا تُصَافِحِي بِالنَّارِ .. سَبَئِي!
هَا نَبْضُ صَوْتِكِ
حَبِيسُ أَدْرَاجِ هَيْكَلِي المَسْكُونِ بِكِ
يُذْكِي وَجَلِي الْمُؤَجَّلَ
ويَفُضُّ خَوْفِيَ الطَّاغِي!
***
أَيَا آسِرَتِي .. تَرَفَّقِي بِي
أَطْلِقِي حَفِيفَكِ .. مِنْ قُمْقُمِهِ
لِيُمَارِسَ رَقْصَتَهُ
وَلِتَشْحَذَ نَايَاتِي.. أَنْهَارُكِ الْمَدْفُونَةُ!
***
هَا تَوَحُّدُنَا لَيْسَ يَكْتَمِلُ
إِلَّا فِي وَهَجِ الْجُنُونِ!
وجُنُونِي .. لَيسَ يَشْحَذُهُ
إِلَّا دَبِيبُ نَبَرَاتِكِ النَّقِيَّةِ!
دَعِينَا نَأْتِيهِ
مِنْ حَيْثُ تَكُونُ لَذَائِذُهُ
فِي انْتِظَارِنَا
***
أَيَا قَصِيدَتِي الْخَالِدَةَ
دَعِينِي
أُقَشِّرُ لِحَاءَ عَتْمَتِكِ
أُضِيءُ كُلَّ تَفَاصِيلِكِ
 لِتُكَلِّلِينِي بِالْفَرَحِ
فَمَا انْتِظَارِي
 إِلَّا وَجَعَ لَذَائِذِي الْمُؤَجَّلَةِ
الْــ   مَا عَرَفَتْ طُرُقَ الْتِحَامِهَا
***
أَيَا سَلِيلَةَ هذَا الْقَلْبِ الْمُعَنَّى
حَسْبُكِ .. أَمَسُّكِ مَسًّا
 فَتَشْتَعِلِينَ خَفْقًا
كَحَالِ قَلْبِي .. الْــ تَمَسُّهُ أَطْيَافُكِ!



21
أوركسترا الحياة تواجهُ المَدافع؟!
آمال عوّاد رضوان
أقام نادي حيفا الثقافيّ أمسية احتفائيّة بإشهار المجموعتين الشعريّتين "روح محمولة على الريح" / محمد بكرية و "زهرة الميعاد" / أنور خير، وذلك بتاريخ 15-12-2016، في قاعة كنيسة يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، وتحت رعاية المجلس المليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ/ حيفا، ووسط حضور من الأقرباء والأصدقاء والأدباء، وقد تولى عرافة الأمسية الإعلاميّة إيمان القاسم، بعدما رحّب المحامي فؤاد مفيد نقارة رئيس ومؤسّس نادي حيفا الثقافيّ بالحضور، وكانت كلمة للأديب عادل سالم رئيس تحرير موقع ديوان العرب الإلكترونيّ في أميركا، عن دور الثقافة الفلسطينية وأهمّيّته، وكلمة للأديب محمّد علي سعيد عن صدور منجزه الجديد "معجم الشعراء الفلسطينيين 48"، عن الاتحاد العامّ للكتاب الفلسطينيين العرب 48، ودار سمير الجندي للطباعة والنشر، والذي يشتمل على تراجم ل 325 شاعرا وشاعرة، وهو الأشمل والأكثر حتلنة من حيث المعطيات. وتحدّث عن المجموعتيْن  الشعريّتين كلٌّ من: الإعلاميّ نادر أبو تامر والأديب فهيم أبو ركن، وقدّم المحتفى بهما قراءات شعريّة، تخلّلتها وصلات موسيقيّة وغنائيّة للفنان أمين ناطور، وفي نهاية اللقاء تمّ التقاط الصور التذكاريّة!   
مداخلة الأديب عادل سالم بعنوان تعزيز الثقافة الفلسطينية: نادي حيفا الثقافيّ مَعلمٌ بارز من معالم حيفا، والثقافة الفلسطينيّة الوطنيّة تكتسبُ أهمّيّةً كبرى في هذه المرحلة، حيث فشل السياسيّون وغيّروا بوصلتهم، فلم يبقَ لنا الآن على الأقلّ إلّا جبهة العمل الثقافيّ، للحفاظ على الوجه المُشرق للشعب الفلسطينيّ، وتَشبُّثه بأرضه وحقوقه، وتاريخه وتراثه الوطنيّ، ويتعاظم دوْر الثقافة الفلسطينيّة عندما نعلم أنّ جبهة الأعداء قد اقتحمتها، وتحاول تخريبها وتغييب الوعي الفلسطينيّ الوطنيّ، لتجعل منه أداة لتنفيذ مشاريع وأجندة غربية وتكفيريّة غريبة عن شعبنا، وتاريخه الوطني القائم على الوحدة والتلاحم.
إنّ أهمّ ما يُميّز العمل الثقافيّ الفلسطينيّ، خاصّة أنّه عملٌ غيرُ تابع لمؤسّسة حكوميّة، بل هو نتاجُ نشاطات ثقافيّة فرديّة وجمْعيّةٍ، ومؤسّسات مستقلة في الغالب متنوّعة وليست أحاديّة الاتّجاه، ولعلّ وضعَ الشعب الفلسطينيّ المُشتّت بين الداخل بتقسيماته المعروفة لديكم، والخارج الموزّع على دول الشتات الكثيرة، قد جعل منه عملًا غيرَ مُقيَّدٍ بسُلطة ولا مؤسّسة ولا بحزب، فانطلق وبفعل وسائل الاتّصال الحديثة ليُشكّل حالة متنوّعة تشبه قوس قزح بألوانه الزاهية، وقد أسهم نشطاء ثقافيّون وكتّابٌ ومُفكّرون، وموسيقيّون ومُؤرّخون ومُدوّنون، بدوْرٍ بارز في تنشيط العمل الثقافيّ الفلسطينيّ، وإبقاء القضيّة الفلسطينيّة حاضرة، رغم محاولات الأعداء مسْخها وتحويلها لملفٍّ تفاوُضيّ، ورغم حالة الشلل العربيّ الذي نشهده هذه الأيّام، ومحاولات تدمير وطننا العربيّ، وبالتالي حرف الأنظار عن واقع فلسطين، فصدرَ الكثير من الكتب الفلسطينيّة التاريخيّة والأدبيّة والفكريّة والمعلوماتيّة المختلفة، وأقيم الكثير من النشاطات الثقافيّة والفكريّة والندوات إلى آخره، لتُساهم في نقل المعرفة والتنوير إلى أكبر عددٍ ممكن من أبنائنا، وتمتين أواصر انتمائهم لهذا الوطن.
يُعَدُّ نادي حيفا الذي يجمعنا هذا المساء أحد النوادي الثقافيّة البارزة في نشر الثقافة الفلسطينيّة والحفاظ عليها، وتكتسب نشاطاته أهمّيّتها من استمراريّتها والتنويع في حضورها، ومشاركة نخبة بارزة من كُتّاب ونُقّاد الوطن في نشاطاته، ممّا عزّز حضوره، وكرّسَه كمَعلم بارز من معالم الثقافة الفلسطينيّة في الداخل الفلسطينيّ، حيث محاولات الأسرلة قائمة في كلّ اتّجاه.
على أنّنا يجب أن نلفت الانتباه أنّنا ما زلنا جميعًا نسعى أن نرتفع بنشاطاتنا الثقافيّة، لنخرج من حالة النخبة لحالة جماهيريّةٍ واسعة، بحيث تصبح نشاطاتنا الثقافيّة نشاطاتٍ جماهيريّة تشارك فيها قطاعات أوسع، وتصِلُ كلَّ بيتٍ وكلّ مكان، وهذا لا يمكن تحقيقه إلّا بتضافر جهودنا جميعًا لرفع مستوى ثقافة جماهيرنا، وتشجيعها على القراءة، وتحويل ثقافتنا لتمَسَّ مشاكلَ اهتمام المواطن العاديّ، وتُلبّي تطلُّعاته، كما علينا أن ندرك تمامًا، أنّنا في عصر أصبحت فيه قوى الأعداء والتكفير تحاول اختراق جدار ثقافتنا ووعينا الثقافيّ، من خلال الإعلام والثقافة والمال الذي خرّب كلّ شيء، واخترق من خلال بعض الأقلام التي باعت مبادئها وأقلامها ساحة العمل الثقافيّ الفلسطينيّ، والأمثلة على ذلك كثيرة. يحاولون هدم النسيج الوطنيّ الفلسطينيّ المُوحّد عبر التاريخ، ليَصبَّ في النهاية في خدمة أعداء شعبنا.
إذن؛ نحن لا نبحث عن أيّ ثقافة، بل عن ثقافة فلسطينيّةٍ عربيّة إنسانيّةٍ تنويريّة، تدافع عن حق الفلسطينيّ في أرضه وتراثه، وانتمائه العربيّ والإنسانيّ المنفتح على الثقافات الإنسانيّة، والمقاوم لكلّ أشكال التغريب والأسرلة والتكفير، ومن أجل هذا الهدف، وفي وسطٍ عربيٍّ مشحونٍ حتى النخاع بالقبليّة والطائفيّة، والمذهبيّة وأفكار التكفير، وبأنظمةٍ عربيّةٍ مُتهالكةٍ وتقوقعٍ قطريٍّ مقيت يصلُ حدّ العنصريّة، كان لا بدّ من أصوات ثقافيّة وحدويّة عربيّة تقفز فوق الصراعات والخلافات، فكان موقع ديوان العرب.
في البداية قيل لنا: لماذا ديوان العرب؟ ابحثوا عن اسمٍ أفضل أكثر جذبًا، لأنّهم لم يعلموا أنّنا كنّا نبحث فعلًا لا قولًا عن صوت عربيٍّ حُرّ، يساهم في تطوير وإحياء صوت المثقف العربيّ الوحدويّ التنويريّ، لذلك منذ البداية كان ديوان العرب صوتَ عرب الوطن، لا عرب التغريب ولا عرب التكفير، ويجول في خاطري قولٌ جميل قاله صديقنا الكاتب والمؤرخ الفلسطينيّ عبد القادر ياسين عام 2005، في احتفال أقامه ديوان العرب في القاهرة عندما قال: "فرّقتنا السياسة ووحّدتنا الثقافة"، هذا ما فعله "ديوان العرب". ختامًا، أشكر نادي حيفا الثقافيّ والمشرفين عليه، وأشكر جهودهم المتواصلة في إقامة النشاطات الثقافيّة، وأشكر الحضور الكريم الذي شرّفني بهذا اللقاء الممتع.
مداخلة نادر أبو تامر بعنوان أوركسترا الحياة أقوى من فحيح المدافع: ظننت أنّ صديقي محمد بكريّة قد تخطّى مرحلة الطفولة، لكنّني وجدته أكثر الرجال طفولة في براءته وخشوعه المرهف نحو الأمل، في صلاته إلى السماء بأن تترفّق بالإنسان. قد لا نتذكّر مَن كان ديفيد كاميرون أو تيريزا ميي، لكنّنا لن ننسى شكسبير. وقد لا نتذكّر عبد السلام عارف، لكنّنا سنذكر أبو الطيّب المتنبّي، وربّما لا نعرف من كان وزير الداخليّة الفلسطينيّ، لكن محمود درويش باقٍ معنا أبد الدهر. من هنا تأتي أهمّيّة مثل هذا الحدث الذي أشكر القائمين على تنظيمه، وإطلاقه في فضاء شحيح المعارف كثير المعارف.
بالدهشة أُصبت حين باغتتني كلماتُ الكتاب. قرأته وتابعتُ مطالعته حتى القمر لا الرمق الأخير. أنقوعة مُستخلَصة من عصير الكلمات، تفوح مع كلّ هفهفة بجناحي فراشة الشعر والنثر. روح محمولة على الريح هي ريح تجتاح الروح، تحملنا في رحلة خضراء لا تنتهي، كلمات الكتاب لها أصداء تتحلّق حول ذهنك، كدوائر تتمخّض عن صخرة تهوي في بركة من المشاعر الفوّارة، فهي تقتنص منك تفاعلات وجدانيّة عميقة لا عقيمة. تحاول أن تهرب من وهج الكلمات إلى خارج النصّ، فلا تستطيع إقفال الباب وراءك، نظرًا لأنّ إعصارَ المدلولات المنفلت منها يَحول دونك. العبارات مفتوحة على مصراعيها، وكأنّك تدخل في كلّ مرة من باب دوّار من تشبيهات وتنبيهات تشفطك إلى داخل النصّ من جديد، إلى مُجمّع من تلاقحات مُبْهِرَة ومُبَهَّرَة بتوابلَ، تضفي على طبخة الإبداع مدى لا يتوقف من المذاقات والطعمات والتطعيمات والتطميعات بالمزيد والمزيد بأنّ القادمَ أجمل.
عندما تتسلّق تضاريس النصوص تنهال التداعيات من مرتفعات الكلام الشاهقة، وتتدلّى شلّالًا من عبير ينزلق على صخور هاوية الوجع، نحو قاع منحدر من الفكر العميق العميق. يُزاوج الشاعر بين طبيعة الله وطبائع الانسان، فيمتشق من خاصرة الوادي ضمّة من الرموز الثقافيّة المستفيضة، تلقم ثقافتنا كغلاية من القهوة التي تغازل نار الفحم بتوظيفات غير معهودة. عند هذا الشاعر أنت لا تتنقل بين كلمات، بل بين محطّات تاريخيّة ورموز ثقافيّة، بين حِكم ووقفات من الأمل والتألّم، وهو يستحضر من رحيق المسافات عطرًا للوجع. يدقّ بكريّة أوتار خيامه في كلّ مكان، إنسانيٌّ هو في مفاهيمِهِ العابرة للتأطير والرامية للتأثير، يفتحها للضيوف كخيمة إبراهيم الخليل فوق الجبل مفتوحة من كلّ الجهات. فيها الفرات والعراق وإبراهيم وإسماعيل وهاجر، وموسى كليم الله والآشوريون وكافور وأبو الطيّب وشكسبير الذين يتهادون في قوافل الحجيج، صوب أفق إنسانيّ راقٍ ورائق وفائق ولائق.
في كتاب محمد بكرية لك لقاء مع محمود درويش، ومقابلة مع أبي الطيب المتنبي، وزيارة الى طاغور. يتعانق عنده الحاضر الموجوع مع الماضي المرجوع والواقع المصدوع، إن كان عراقيًّا أو محليًّا سوريًّا يتناثر على سواحله اللاجئون، لأنّه يُنقّب في الجرح ليعرف من نكون، ويحنّ إلى التراب والزمان والمكان، إلى أمّه، والدته، أبوه، أرضه، بلدته تسكن الورق بلا أرق وبكثير من الألق والحبق. إنّ هذه المركبات حاضرة فيه ذاكرته، لأنّه يتنفّسها ويتنسّمها في كلّ لفظة مشبعة بالحبر. يُوحّد الشاعر الديانات من أقصاها إلى كنائسها، فيجعلها مئذنة تطلق حنجرة الإمام، لتتمازج مع رنّات الأجراس المتدفّقة في المدى. لا يتوانى الكتاب عن خلخلة التوازنات، فتشرق من الغرب شمسُه، وتنكسر أشعّتها في الجنوب، وكي تبحر فيه أنت بحاجة الى مجاذيف من إحساس، وقارب من ثقافة لا تتناهى، إلى ويكيبيديا وموسوعة معارف، لكن ورغم ذلك فهو شفاف، مرهف، جميل، إنسانيّ، طيّب، خاشع. يُموسق هذا الكتاب الصدى والسدى والهدى والعدا، في توصيفات تسكب نضارة في صحراء تغزوها غثاثة المعاني.
يهتمّ المحتفى به بالإيقاع، لكنّه يُنحّي المعنى بين العفيف واللطيف والخفيف والطفيف والظريف، وبين العقاب والقباب والغلام والظلام والحرب والسلام. ينسابُ مرزاب الحكم والمفاهيم والاستخلاصات، ويرنو إلى الخَلَاصَات، وإذا كان يُكثر في قصائده من السجع والقوافي، فأنت لست بحاجة لها، لأنّ الموسيقى الداخليّة النابضة في الكتاب مترعة بالمعاني المتراقصة. يسكنُهُ الوطن العربيّ الكبير المَحقون في شرايينه (عيون القدس وقمرًا على دمشق..) يتمختر ويتبختر في ديوانه ما بين الياسمين الشامي والنخل اليماني والتمور (أخاف من العرب على العرب).
يُطرّز محمّد كلماته كثوب تراثيّ أصيل مشغول بالمحبّة، ينسج في أكمامه أكاليل من الشوق والشوك بتشبيهات وصور خلابة (ارفع قلبي عاليا)، ويوظف الحضارة بمهارة وشطارة ونضارة، ولا يبخل علينا بالعُصارة، فيستحضر التاريخ والجغرافية، ويُبَوْصِلُها في مسافات الريح من نيرون روما، إلى سين باريس، إلى نابليون الذي يخطف قلب الشمس، إلى هوميروس أثينا عبر ثنايا الإلياذة والاوذيسة، بين الحاضر والأمس، ومعه تمضي إلى سراديب التاريخ، وتكون بأمسّ الحاجة إلى قناديل المعرفة المُشعّة بالنور، لتفتح أمامك الطريق.
لغته منقوعة في مرطبان مليء بالقراءات والاطلاع والتجربة، كلبنة أمّه المُكعبلة المثخلّلة في زيت الزيتون الأصليّ، ومثل كوب من الأرزّ المنقوع في طشتيّة مغمورة بالماء قبل تجهيز الغداء، في غلّاية تصهر مفرداتها وتشويها على المِرْجل، لا المَرَاجل الطنّانة الرنانّة الخاوية كصوت الطبول البتول. يُحلّق بنا في ربوع الدنيا عبر حَبَقات تفوق الحَقَبات، والعَبَقَات التي تتخطّى العَقَبات، يُعنكب الفولاذ ويُهشّش السلاطين. تخضرّ الكلمات في الكتاب، فنحن نُطالعه بلهفة الباحث عن كنز يختبئ في المغارة القادمة، وعليك أن تصطحب معك ضميرَك ليهديك. تخضرّ المعاني وتنبت نخلة باسقة تبلغ الغيوم، حيث تُدلّي النوارسُ أقدامَها وإقدامَها لاجتراح أفق أنصع. صفوة القول التي تختزل مسافات الشعر والنثر هنا، هي عبارة تتركك في حالة من ذهول.. (إنّي وقد انتصرت اليوم على شهوة الدم سأغني.. سأغفو ملء جفني وأغني). ونحن معك، الشاعر الخلّاق محمد بكرية، سنغني.. ملءَ الوتر سنغني، وبعمق الجرح سنغني وبحضور الحنجرة سنغني، فأوركسترا الحياة تُخرس فحيح مَدافع الحرب وتغني.. معك سنغني..
مداخلة فهيم أبو ركن: عندما يصبح الحرف زورقا يمخر عباب الفكر، وعندما يتدفق التعبير صورا شعريّة تنبثق من أعماق الأحاسيس، يصبح الإنسان شاعرًا ويمسي الشاعر مبدعًا. بعض النقاط أرى لها أهمّيّة خاصّة بالتأكيد عليها، وأخرى سأتناولها في محاولة لاكتشاف خباياها الجميلة، ولا بدّ من تنويهٍ إلى أنّ وسائل الإعلام الإلكترونيّة وشبكات التواصل ساهمت كثيرًا –للأسف -  بخلط الغث بالسمين من النتاج الأدبيّ والشعريّ، ممّا جعل قيمة ما يُنشر فيها تنخفض إلى الحضيض، ولم يبقَ سوى الكتاب المطبوع يمكن أخذه بجدّيّة، والنظر إليه كعمل إبداعيّ جادّ، ومن هنا تنبع أهمّيّة هذه الندوة التي تخصص لإلقاء الضوء على الديوان. لهذا فالشكر الجزيل للقائمين على تنظيم مثل هذه الندوات، خاصّة هذا الصرح "نادي حيفا الثقافي" بدعم "المجلس الملّيّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ/ حيفا" مشكورًا بجميع أعضاء إدارته، هذا النادي الذي أصبح منارة للإبداع بمختلف أشكاله وألوانه، وهذا المجهود المبارك الذي يستحقّ كلّ التقدير والتحيّة، وتحيّة لعريفة الأمسية الإعلاميّة المتألقة الزميلة إيمان القاسم سليمان، والتي تؤدّي رسالة هامّة في خدمة المجتمع العربيّ.
أقول للشاعر أنور: لمّا الشاعر كِلْماتو بْسِحرو بِتْطيرْ/ فيّو الفَرحَه بِتْزَهّرْ حُزْنُه بْيِصْغَرْ/ بْتِحتارو هذا فرزدق  ولا جرير/ نَهْداتِ القلب سْهام حْروفُه بْتِكْبَرْ/ بِتْشوف عْيُون اللهفِه بصوتُه حريرْ/ بْتِعرفِ الشَّاعرْ هذا هُوِّي أنورْ/ أنور مش بس منوّر والعيلِه خيرْ/ بيقطف من عمق المعنى أجمل أشعارْ/ جوال بفكرُه محلق بتظنّو طيرْ/ نجمات السما بشعرُه عطر الأزهارْ/ أنور يا باشق غرّد أطلقْ نَشيدْ/ وُبِحجارِ الجرمقْ ابني شيِّدْ عمارْ/ في الفضا شْعَار نجومَك نكتبها عيدْ/ وِنْعيد نجوم شْعارك إبهاي الدارْ/ دار الكنيسِه الضاوي بدعمك فؤادْ/ بتجمعْ نجومِ الأدب غمار غمارْ/ عريفِه من زهر النجمِه تُقطفْ لِحْروفْ/ وكِلماتا تلبس عِنّا عِطر الأفكارْ
عنوان "زهرة الميعاد" يرمز إلى زهرة "كفِّ الدبّ" التي لا تأتي إلّا في ميعادها المعروف، وهي زهرة نادرة الوجود، زهرة جميلة تتفتّح في الجرمق الجليليّ البيتجنّيّ (بيت جنّ) في أوائل الربيع لمدّة أسبوعين فقط، اختصّ الله بها هذه المنطقة الجميلة، ولهذه الزهرة أسطورة تقول: إنّ شابّا وصبيّة من قرية بيت جنّ أحبّا بعضهما وقرّرا الزواج، لكن والد العروس رفض الفكرة، حينها قرّرا الهروب إلى "جبل عروس" المُحاذي لقرية بيت جنّ، وصادف وقوع عاصفة ثلجيّة في منطقة الجبل، وأغلقت جميع الطرق والمسارب إلى جبل عروس، وبعد مضي عدّة أيّام خرج أهالي القرية للتفتيش عن الحبيبيْن، وعلى مقربة من الجبل عثروا على أثار أقدام دبّ كبير تعقّبوها، ليصِلوا إلى كهف صغير حيث جلس الشاب والصبيّة داخله، ليتبيّن لأهالي القرية أنّ الدبّ الأبيض أحضر للحبيبيْن الغذاء طيلة فترة العاصفة، وتبيّن أنّ في كلّ مكان داسته كفّ الدبّ نبتت زهرة كبيرة جميلة، أطلق عليها أهالي القرية اسم "كفّ الدبّ". اختيار الشاعر لهذا العنوان فيه رمز أسطوريّ ورمز فولكلوريّ تراثيّ، يوحي بشغف الشاعر بأرضه وحبّه لطبيعتها وتراثها العريقيْن. هذا العنوان عنوان "أنا زهرة الميعاد" التي أرى فيها تفسيرًا روحانيّا وتعبيرًا عن الصراع بين القرية والمدينة، بين الأصالة والحداثة، من خلال ثلاثة مسارات.
المسار الأول؛ أصالته المرتبطة بأصالة الزهرة التي أشار إليها في العنوان "أنا زهرة الميعاد"، عنوانٌ أصبحَ جزءًا عضويّا من القصيدة لا نستغني عنه، لأنّ الشاعر يصف أصالة الزهرة في إشارة لأصالته أو أصالة مجتمعه، وهكذا يعبر عنها في بداية القصيدة، حيث تتراكم الرموز والإيحاءات فيقول: تأشيرتي عبر العصور/ عانقت تربة مجدكم/ وحام من فوقي النسور/ عشت مجدي بندرتي/ احتار في أمري الحضور/ ومهابتي في زهرتي/ توّجت زهرة الزهور.
وفي المسار الثاني عن العصرنة التي تهدد هذه الزهرة، وهي بمفهومها الرمزيّ أصالة الشاعر القرويّة المُتشبّثة بالأرض فيقول: "اِجتثني عابرٌ ساقني إلى القصور/ رغبة منه سباني/ جبّارٌ تمَلّكَه الغرور". إنه يرمز إلى محاولة خلع الصبغة القرويّة العريقة منه، ونقله إلى المدنية أو العصرنة، بمحاولة اجتثاثه ونقله إلى القصور رمز التمدّن. لكنه يرفض الغربة والتهجير، إنه يريد العودة إلى الوطن فيقول: "هيا أعدني موطني/ قبل فنائي في القبور/ إلى أرحام جبالي/ والسنديان والصخور". والجبال والسنديان والصخور هنا ترمز لثبات العقيدة والمبادئ لديه.
أمّا المسار الثالث فيأتي مقتضبًا موجزًا حازمًا في نهاية القصيدة، وكأنّه يتّخذ قرارًا حازمًا مقتنعًا به تمام الاقتناع، حيث يقول: "بعد زوال الثلج/ لي موعد مع الطيور". الثلج هو البرد والجمود، والطيور هي الحرية والانطلاق، فالشاعر كما استنتجنا أعلاه متفائلا، يرى أنه سيحظى بحرّيّته بعد أن يزول الثلج. 
في هذا المقام اليوم نحن بصدد شاعر مبدع، وديوان يستحقّ منّا هذا التحليل وهذا الجهد النقديّ. وكمثل إبداعنا في الشعر يجب أن نبدع في النقد، ولكي نبدع في النقد يجب أن نفهم الإبداع، ولنفهم الإبداع يجب أن نتعرّف على المبدع، فثمّة سمات يتّصف بها الكاتب الحقيقيّ، من خصائصَ نفسيّةٍ ومعاييرَ فنّيّةٍ وجماليّةٍ وأخلاقيّة يلتزم بها، ومبدعنا الشاعر أنور خير شابّ عصاميّ، جمَعَ في شعره بين شموخ الجليل وإباء الكرمل، بين براءة القرويّ وثقافة المدنيّ العصريّ، بين جمال الطبيعة وقسوة الحياة، فقد نعم بالحب وعانى من الفراق، أحبَّ وطنه "بيت جن"، وتغرّب عنه إلى وطن آخر احتضنه بكلّ مَحبّة "دالية الكرمل"، هذه العناصر أفضل تربة خصبة لولادة شاعر، فزيادة على ذلك هو مثقف يقرأ كثيرًا، مرهف الإحساس، ثاقب الفكر والأهمّ، يكتب بمصداقيّة. إنّ شاعرنا لا يكتب من أجل المال أو المجد أو الشهرة، إنّما القصيدة هي التي تكتبه، وهذا هو سر النجاح، لذلك جاءت قصائده مُعبّرة، تميزت بلغة سلسة ومعجم لغويّ خاصّ، اعتمد على تعابير جميلة مفعمة بعناصر الطبيعة الخلّابة، متماهية مع أحاسيس الإنسان ومشاعره في مزيج مُعبّر بين لغة الحروف وعناصر الطبيعة، فيقول (ص 52): لم أكن لأتقن أبجديات حبّها الشمسيّة/ ولا حروفها القمريّة/ فأمسيت في عشقها أمّيّا/ اقرأ في معجم/ يلغي قانون الأفعال.
ولكي نكتشف زاوية جديدة في شعره، نستشهد بقصيدة "رفقا بشعرك" ص 71، حيث يستهلها قائلا: "رويدك يا أساطيل اليأس/ أفلا ترسو بوارجك/ في مرافئ الأمل؟" يبدأ الشاعر الصورة الشعريّة الأولى باسم فعل أمر "رويدك"، طالبًا من أساطيل اليأس التمهُّل، وكأنّه يُشبّهُ نفسيّة الإنسان بالشاطئ الذي تحاول أساطيل اليأس احتلاله، فيطلب منها التمهُّل، ويزيد الشاعر في إقناعنا بأنّ الأساطيل هي أساطيل يأس، مضيفًا عنصرًا تأكيديّا للصورة الأولى، حين يصف أشرعتها بالسواد. ثمّ يُعبّر عن أمانيه بأن تتغيّر هذه الحالة باستفهام إنكاريّ حيث يقول: "أفلا ترسو بوارجك في مرافئ الأمل؟"، حيث يوحي هذا الاستفهام بالتمنّي أيضًا، وكأنّه يَطلب من هذه الأساطيل أن تغيّر هدفها وترسو في مرافئ الأمل. صورة شعريّة تشير إلى نفسيّة الشاعر المتفائلة، حيث ألبس الأمل عنصر الاستقرار بنعته متجسّدا بالمرافئ، وجعل اليأس حالة مؤقتة بوصفها بالأساطيل العابرة.
لكي يصفَ بعضُ الشعراء حبّهم الكبير، ينزلقون إلى التعابير الغزليّة الجسديّة أكثر، فيصفون مفاتن الجسد، وأحيانًا يقتربون من الإباحيّة، بينما يظهر في شعر أنور غزل مكتوم، ربما تأثيره جاء من بقايا عهد الشباب اليانع، ففي تلك الفترة وتلك الروابي النائية كان الحبّ مَخفيّا، فظهَرَ في شعر أنور كحبّ عذريّ لم يقترب إلى الإباحيّة، وبقي يتمحور في المعاني الروحانيّة فيقول: اهدئي يا أصفار العيون!/ لا تفصحي شجن الخبايا/ أسعفيني فقط ببريق/ من عيوني الخضر/ قولي لها عذرًا/ فما أنا فارس الروابي/ ولا باشق في رهبة المعاني/ أسير كبّلني بُعادُ التلاقي/ فأرّقني بركانُ الخيبة/ سامحي عند الشرود / وتقلبات الردود/ فقد غدوت تائها/ في دنياي.
ويظهر هذا الموتيف في العديد من القصائد وحتى في عناوين بعضها، ويُعبّر عن حبّ لم يولد بعد، أو عن طيفٍ لا جسد، فيقول في ختام "حبٌّ لم يولد بعد" (ص77): كانت لي في رياض الفكر توأمًا/ غاب شذاها/ ذوَتْ زهورها/ ونضرتها كساها الجليد/ لم تكتمل الطقوس/ لأنّها رحلت/ قبل أن تأتي/ فكبرياؤها أكبر/ من أن تبحر/ في عالم الحبّ الشريد!
وقصيدة خمرة الروح (ص76): جلست أرقب طيفها/ يخرج من لظى ناري. كذلك يعبر شاعرنا أحسن تعبير عن المعاني الإنسانيّة الشاملة بصيغة تفاؤليّة مُعيّنة، فيقول (ص74): كهزيم رعد مُدَوّ/ سيكتب قلمي/ لن أركع/ فلا قسوة الأزمان/ ولا تمنّعات العصيان/ ولا طقوس الأكفان/ تثنيني../ أن أكون هو الإنسان/ أنا الإنسان/ بالروح والكيان.
أكتفي بهذه النماذج من هذا الديوان الجميل الذي يعتبر خطوة أولى للشاعر في طريق الإبداع الوعريّة، والتي يَشقّها أنور خير بكل قوّة وثبات، مُعَبّرًا عمّا يختلج في ذاته من معانٍ سامية بصورٍ شعريّة، تُعبّر بمصداقيّةٍ عن مشاعر وأحاسيس من خلال هذا الديوان، في مسيرته الإبداعيّة التي نتمنى له فيها كلّ التقدّم والنجاح.

22
يا لهفةَ روحي.. والتلوُّن الحكائيّ/ بقلم الناقد: علوان السلمان
قراءةٌ في قصيدة بِــالتَّــرَقُّــبِ .. تُــلَــوِّنِــيــنَ حِــكَــايَــاتِــي/ آمال عوّاد رضوان
التجربةُ الشعريّةُ هي عمليّةُ الحياةِ والحركةُ العضويّةُ بأكملِها التي تسيرُ في الكون، على حدّ تعبير هربرت ريد.
إنّ النصَّ الشّعريَّ المَقطعيَّ (بِــالتَّــرَقُّــبِ ... تُــلَــوِّنِــيــنَ حِــكَــايَــاتِــي)- مِن الدّيوان الشعريّ الرّابع (أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرِينَ)، منسوجٌ بأناملِ الشاعرة آمال عوّاد رضوان، والذي شكّلتْ فيهِ الحداثةُ مبنًى ومعنًى، بتحالفِها والتحوّلاتِ الفكريّةِ والفنّيّةِ والمؤثّراتِ الخارجيّةِ، لخلقِ عالمِها المُتماشي والعصر بديناميّةٍ لا تعرفُ السكونَ، وعبْرَ لغةٍ زئبقيّةٍ، منها تتوالدُ الصوَرُ الفكريّةُ والوجدانيّةُ وتتراكمُ حولَ بعضِها، والمنتجةُ (الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان) توقظُها، لتنسجَها بعقلانيّةٍ مَشوبةٍ بالخيالِ المُستفزّ لذهنِ المُستهلِكِ (المُتلقّي)، وتُسهِمُ في نبشِ ذاكرتِهِ، لتستنطقَ الصوَرَ وما خلف الألفاظ الرامزة، والتي هي (أداةٌ فكريّةٌ للتّعبيرِ عن قيمٍ غامضةٍ لغرضِ تصعيدِ التكنيكِ الشعريّ)، إذ فيهِ ترتفعُ التجربةُ الشعريّةُ الى حالةٍ كونيّةٍ، بانفتاحِها على آفاق إنسانيّةٍ مُتجاوزةٍ بتشكيلاتِها الصوَريّةِ، والتي تُشكّلُ رؤيا مُعبِّرةٍ عن إحساسٍ شعوريٍّ مُحقّقٍ لوجوده في المخيّلةِ الشعريّة، ولاتّسامِهِ بخصوصيّتِهِ التركيبيّةِ ووحدتِهِ العضويّةِ، مع إيحاءٍ وتَفرُّدٍ في الإيقاعِ المُنبعثِ مِن بينِ ثنايا الألفاظ، ومِن خلالِ الصوَرِ واللّغةِ الرامزةِ المُنبعثةِ مِن بينِ مَقطعيّاتِهِ الشعريّةِ..
أَيَا لَهْفَةَ رُوحِي
وَيَا عِطْرَ جَسَدِي
دَعِينِي أَتَسَلَّلُ إِلَيْكِ
كَحَالِمٍ .. بِثِيَابِ زَاهِدٍ
لاظَلَّ ظَامِئًا أَبَدِيًّا
ت.. ا.. ئِـ.. هًـ.. ا
بَيْنَ أَحْضَانِكِ!
  النصُّ يَمتلكُ وعيًا داخليًّا معَ حضورٍ اجتماعيٍّ سرديٍّ، يَتمثّلُ في عطاءاتٍ روحيّةٍ بنموٍّ نفسيٍّ مأزومٍ، ودِقّةٍ مُتناهيةٍ في الحِسِّ، وعاطفةٍ مُلتهبةٍ، معَ  قلقٍ مندافٍ بحزنٍ شفيفٍ، وقدرةٍ تصويريّةٍ للأشياءِ مِن الداخلِ، وحلولٍ صوفيٍّ يَجرُّ المُتلقّي صوبَ ابنِ الفارضِ بقوْلِهِ:
      أدِرْ ذِكْرَ مَن أهوى وَلوْ بمَلامي            فإنّ أحاديثَ الحبيبِ خيرُ مُدامِ
لِما في عباراتِهِ مِن تجرُّدٍ وتَجَلٍّ، مُحتضِنًا الصوَرَ المُنتزَعةَ مِن عالمِ الحِسِّ والحزنِ الذي يَلفُّ رؤى المنتج (الشاعرة آمال عوّاد رضوان)، والذي كانَ خطابُها خطابَ الذّاتِ ومناخاتِها، للتّعويضِ عن بعضِ الاغتراباتِ الّتي تُحِسُّ بها، فكانت رؤيتُها الشعريّةُ تتّصلُ بطبيعةِ نفسِها، وبتكوينِها الفكريِّ والروحيِّ، وبوجودِها والواقع، باعتمادِ الوحدةِ والكثافةِ الغنائيّةِ الّتي تعتمدُ ضميرَ المتكلّمِ الّذي يُميّزُها عن السرد، مع توهُّجٍ وانزياحٍ لغويٍّ عن المألوف، فضلًا عن توظيفِها سيميائيّةِ التّنقيطِ الّتي تُشيرُ إلى علامةٍ مِن علاماتِ الترقيمِ (دلالة الحذف)، الّتي تُشكّلُ نصًّا صامتًا، تتعطّلُ فيهِ دلالةُ القولِ، إضافةً إلى أنّها تُضفي بُعدًا تشكيليًّا يَفتحُ بابَ التأويلِ، فيَستدعي المُتلقّي لفكِّ مَغاليقِ النّصّ وإسهامِهِ في مَلْءِ فراغاتِهِ، وهناكَ تَقانةُ التقطيعِ الكلاميّ، الذي يَعني تعطيلَ القدرةِ التواصليّةِ للّغةِ، والكشفَ عن الحالةِ النفسيّةِ للذّاتِ المُنتِجةِ المُنفعِلةِ والمُتفاعِلةِ والواقع..
سَأَنْتَظِرُ عَيْنَيْكِ .. شَفَتَيْكِ
شِعْرَكِ .. وَشَوْقَكِ كُلَّهُ
سَأَنْتَظِرُكِ
بِأُفُقِي الْمُشَرَّعِ عَلَى مِصْرَاعَيْكِ!
   الشاعرة آمال عوّاد رضوان تُترجمُ الأحاسيسَ والانفعالاتِ، بنسْجٍ شِعريٍّ يُحقّقُ وظيفتَهُ، مِن خلالِ الفكرةِ والعملِ داخلَ اللغةِ، عن طريق خلق علاقاتٍ بينَ الألفاظِ المُوحيةِ، بوحدةٍ موضوعيّةٍ مُتفرّدةٍ بعالمِها المُتناسقِ جماليًّا، مع دقّةٍ تعبيريّةٍ ودلالةٍ مُكثّفةٍ، عبْرَ تقاناتٍ فنّيّةٍ مُحرِّكةٍ للنصّ، كالرمزِ السّمَةِ الأسلوبيّةِ التي تُسهمُ في الارتقاءِ بشِعريّتِهِ واتّساعِ مساحةِ دلالتِهِ.
وهناكَ التّكرارُ؛ الدّلالةُ الأسلوبيّةُ الّتي تُشيرُ للتّوكيدِ، باعتبارِها ظاهرة صوتيّة تحتضنُ دلالةً نفسيّةً وعاطفيّةً خارجَ الذّات، فتُعبّرُ عن الحالةِ القلقةِ الّتي تُعانيها الشاعرة، وهي تُقدّمُ نصًّا شعريًّا مُعتمِدًا التّكثيفَ بصمتٍ إيحائيٍّ مَقروءٍ، إضافةً إلى توظيفِها تقانةَ النّداءِ؛ (الحركة الزمنيّة المُتراكمة بتأثيرِ الصوَرِ في وجدانِ الشاعر تراكُمًا كثيفًا مُترابطَ الوحداتِ، وهو يعتمدُ النّموَّ الزمنيَّ)..
سَلامًا مُدَلَّهًا .. أَعْصِرُنِي
لِنُورِكِ الْبَهِيِّ
يَتَأتَّانِي
مِنْ مُحَيَّا  أَتَعَشَّقُهُ
لَهُ فِي جِرَارِ الْقَلْبِ
أَلْفُ مَعْنًى وَمَغْنًى!
  الشاعرة آمال عوّاد رضوان بوجدانِها تحاولُ استنطاقَ اللّحظاتِ الشعوريّة، عبْرَ نسَقٍ لغويٍّ قادرٍ على توليدِ المَعاني، مِن أجلِ توسيعِ الفضاءِ الدّلاليِّ للجُملةِ الشّعريّةِ، باعتمادِ اللّفظةِ المُركّزةِ المُكتنزةِ بالإيحاءِ، والمُتميّزةِ بانسيابيّتِها وتدَفُّقِها شعوريًّا، بوحدةٍ موضوعيّةٍ، وفكرةٍ مركزيّةٍ يُحلّقُ حولَها المعنى.
النصُّ بمُجمَلِ دلالاتِهِ اللفظيّةِ كتلةٌ مُعبّأةٌ بفكرةٍ وحدَثٍ وزمكانيّةٍ وعُقَدٍ دراميّةٍ، مع ضربةٍ رؤيويّةٍ وإيجازٍ لغويٍّ إيحائيّ، يَكشفُ عن دلالاتِهِ، عبْرَ ألفاظِهِ المُكتنزةِ بأبعادِها الجَماليّةِ والفكريّةِ، والمُكتظّةِ بهاجسِها الإنسانيّ، وهي تستندُ على تحليلٍ نفسيٍّ، لتصويرِ العواطفِ والأحاسيسِ الدّاخليّة بجُمَلٍ قصيرةٍ حادّة، تُعلنُ عن الحالةِ الشعوريّةِ والنفسيّةِ بأسلوبٍ ديناميٍّ حالمٍ، وعُمقٍ دلاليٍّ يَتداخلُ والسّياق الجمْعيّ بقدرتِهِ التعبيريّةِ المختزلةِ لتراكيبها الجُمَليّة، المتجاوزة للقوالبِ الجاهزةِ، والخالقة للصوَرِ المُجرّدةِ المُعبِّرةِ عن الحالةِ القلقةِ للذاتِ الشاعرة، مِن خلالِ الفكرةِ والعملِ داخلَ اللغةِ، بذهنيّةٍ مُنفتِحةٍ ورؤيةٍ باصرةٍ لوَعيِ الفكرة..
بِــالتَّــرَقُّــبِ .. تُــلَــوِّنِــيــنَ حِــكَــايَــاتِــي/ آمال عوّاد رضوان
أَيَا لَهْفَةَ رُوحِي
وَيَا عِطْرَ جَسَدِي
دَعِينِي أَتَسَلَّلُ إِلَيْكِ
كَحَالِمٍ .. بِثِيَابِ زَاهِدٍ
لِأَظَلَّ ظَامِئًا أَبَدِيًّا
تَــ~ا~ئِــ~هًـــ~ا
بَيْنَ أَحْضَانِكِ!
فَلَا أَغْدُو فَرِيسَةً لِمَجْهُولٍ
يَصْطَادُنِي فِي غَفْلَةٍ؟
***
أَنَا الْمُتْرَعُ .. بِرَوْعَتِكِ
وَكَأَنَّنِي .. شَرِبْتُ كَأْسًا أُسْطُورِيَّةً
أَهْـــدَيْـــتُـــهَـــاكِ!
***
أَيَا مُلْهِمَتِي.. وَيا نُوَاةَ فَرَحِي
بِرُوحِكِ .. اِحْزِمِي حَقَائِبَ حِقَبِي
وَبِعَيْنَيْكِ الظَّامِئَتَيْنِ
اِرْوِي نَهْرَ خُلُودِي!
***
سَأَنْتَظِرُ عَيْنَيْكِ .. شَفَتَيْكِ
شِعْرَكِ .. وَشَوْقَكِ كُلَّهُ
سَأَنْتَظِرُكِ
بِأُفُقِي الْمُشَرَّعِ عَلَى مِصْرَاعَيْكِ!
***
سَأَنْتَظِرُكِ
كَمِثْلِ أَمِيرَةٍ سَاحِرَةٍ
لتُلَوِّنِي حِكَايَاتِي بِالتَّرَقُّبِ!
وَكَمِثْلِ قَصِيدَةٍ تَتْلُونِي
وَمْضَةُ لِقَاءِ حَضْرَتِكِ!
***
سَلَامًا مُدَلَّهًا .. أَعْصِرُنِي
لِنُورِكِ الْبَهِيِّ
يَتَأتَّانِي
مِنْ مُحَيَّا  أَتَعَشَّقُهُ
لَهُ فِي جِرَارِ الْقَلْبِ
أَلْفُ مَعْنًى وَمَغْنًى!


23
حيفا تحتفي بشوقيّة عروق منصور!
آمال عوّاد رضوان
 برعاية المجلس الملي الأرثوذكسي الوطني الحيفاوي أقام نادي حيفا الثقافي أمسية احتفائية بالكاتبة شوقية عروق منصور، وذلك بتاريخ 1-12-2016 في قاعة كنيسة القديس يوحنا المعمدان الأرثوذكسية في حيفا، ووسط حضور كبير من أدباء وشعراء وأصدقاء وأقرباء، وقد تولى عرافة الأمسية الإعلامي رشيد خير، بعد أن رحب رئيس ومؤسس نادي حيفا الثقافي المحامي فؤاد نقارة بالجمع، وتحدث في الأمسية كلٌّ من د. محمد هيبي، والشيخ عبدالله نمر بدير المناصر لحرف شوقية المرأة، وفردوس حبيب الله، وفي نهاية اللقاء تمّ تكريم المحتفى بها من قبل النادي والمجلس الملي، والتي بدورها شكرت الحضور والمنظمين والمتحدثين، وتمّ التقاط الصور التذكارية!
مداخلة عريف المسية رشيد خير: أحبّتي الحضور بمسمّياتكم ونشاطاتكم واجهاداتكم، أرجو لكم في هذه الأمسية طيبَ غزارةِ مطرٍ وغزارة دفء مُدثّرَين بالمتعة والإثراء. ورغم ما يقال من تحفظات "أنّ أمّة اقرأْ لا تقرأ" وما يجاورها من أقاويل، إلّا أنّ حركتنا الأدبيّة المَحليّة في الداخل تشهد في هذه المرحلة ازدهارًا وَرُقِيًّا ونضوجًا(، وأستثني طبعًا الدخلاء على الإبداع، ولا أغالي إن قلت: إنّ فضلًا جمًّا وعظيمًا  لهذا الازدهار هو تحفيز وتشجيع نادي حيفا الثقافيّ التابع للمجلس المِليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ الحيفاويّ، فمن على منبرِه هذا يُطلُّ أدباؤُنا على اختلاف نزعاتهم الأدبيّة والسياسيّة وانتماءاتهم المذهبيّة والجغرافيّة، يُثرون بيادرَنا الأدبيّة في جميع فنون الأدب بإحساسٍ وحميميّة، فللمحامي فؤاد نقاره وزوجته سوزي، وللمحامي حسن عبادي وزوجته، ولكلّ مَن يعطي ويتكاتف لدفع هذه المسيرة انحناءةَ إجلالٍ وإكبارٍ على هذا المجهود العطائيّ السخيّ. يقف القيّمون على نادي حيفا الثقافيّ أحيانًا أمامَ إحراجٍ وحيرةٍ في انتقائهم لشخصيّات المنصّة، فهناك من الدخلاء مَن يُحاولون فرض أنفسهم عليها بدونِ جداره تستحق، فتكون النتيجة تدنّي مستوى الإبداع، ونفور الحضور الراقي والجميل، وتحضرني في هذا السياقِ قصيدةٌ بعنوان "مديح الشعر العالي" لشاعرٍ لم يعُدْ أخي، يقول نزيه خير في ديوانه "ثلجٌ على كنعان" الصادر عام (1995):
اللهم اجعلني زنبقةً/ نزعوا عنها كلَّ صفاتِ الزهرْ/ وأشاحَ الرونقُ عنها/ وأشاحَ العِطرْ/ حرَّمتُ على نفسي همَّ العشقِ/ وهمَّ الحرفِ وقولَ الشعر/ وشددتُ رحالي/ تحملني كِنعانُ الحُلوةُ/ من حرِّ الصحراءِ الى عبقِ البحرْ../ أيتها النفسُ الموسومةُ بالحزن انتظري/ أأقولُ انتظري/ وأقولُ الصبر !؟
واسعةٌ جدًّا يا خيمتَنا الفضفاضةِ/ يا خيمتَنا الممتدةِ من ليلِ العباسيين/ الى مطلعِ هذا العصرْ/ يدخُلُك الخِسَّةُ والدجّالونَ/ وأصحابُ اللحنِ/ وأتباعُ العُهرْ../ لم يبقَ لدينا جمهورٌ يهتفُ للشعراءِ/ فأينَ جماهيرُ الشعر؟/ لم يبقَ لدينا دجّالٌ او موتورٌ/ إلّا واغتصبَ الشعر../ لو كسرَ الجرةَ عمدًا/ وسقى الارضَ شرابًا/ لأقمنا فرحًا في عشرِ ليالٍ/ وأعدنا في سِفرِ النابغةِ المولودِ/ على ذكرِ قبائلنا/ أيامَ العربِ العصماء/ جعلنا أيّامًا حُرُمًا للسّلمِ/ وأيّامًا أُخرى للشعر ../ لكنّكَ لا تفتحُ في هذا الزمنِ السيّءِ بابًا/ إلّا وترى متّهمًا بالشعر/ لا يعرفُ كيفَ يكونُ الفعلُ الماضي/ ويكون الأمر../ ويُعلّمُ جيلاً من رُوّاد الامةِ/ كيف يكون الشعر
واسعةٌ جدًّا يا خيمتنا الفضفاضةِ/ من ليلِ العباسيينَ/ الى آخرِ هذا العصر/ أهلا بعليا بنتِ المهديِّ/ أدّبها الظبيُ/ وعلَّمَها أوزانَ الروحِ .. وأوزانَ الشعر/ تعِبتْ دهرًا/ حتى أعطاها الكَهّانُ كتابَ المنتخباتِ/ أجازوا حُرقَتها في قولِ الشعر/ يا سبحانَ الخلاقِ المُعطي!/ في زمنٍ مزدحمٍ بالشعر/ هل صادفتَ طوابيرَ الحُسنِ/ وطلاتِ الإبداعِ/ وهنَّ يمارسنَ مضاجعةَ الشعر../ أيتها الخنساءُ انتصبي/ كي نبكي، ليسَ على صخرٍ/ بل نبكي زمنَ الشعر
اسم فارسةَ هذا المساء ممهورٌ بتاء المؤنث، وداخلَ هودجٍ مزركش ببريق الحروف وأصالة الجذور، تحرسه رقوة الصدق والشفافيّةِ ورقّةِ المعاني، تجلس قاصّةٌ وشاعرةٌ كاتبةٌ وإعلاميّة، قبل أن تُبصرَ أعيُنها النورَ، نزح أهلُها بعد نكبة عام 1948 من المجيدل إلى الناصرة، لتقاذفها أمواج القدر أو ربّما الهَيام، لاحقا، إلّا حضن الكاتب والمُربّي تميم منصور، ليبنيا عُشّا زوجيّا في مدينة الطيرة، وقد بدأت الكتابةَ منذ صغرها، ونشرت زوايا ثابتة في الصحف والمواقع المحليّة: كزاوية "تقاسيم" في الصنارة، و "نصف القمر" في كلّ العرب، و" قل كلمتك وامشِ" في بانوراما، ولها مقالات أسبوعيّة في صحيفة الاتحاد ومواقع عديدة أخرى. برزت بشكلِ خاصّ في زاويتها "دبابيس" في برنامج فنجان قهوة على أثير صوت إسرائيل مع الإعلاميّة إيمان القاسم سليمان، فضلًا عن نشاطها السياسيّ والاجتماعيّ، فالأديبة شوقيّة عروق منصور تكتب الشعر والقصّة القصيرة والخاطرةَ والمقالة الاجتماعيّة والسياسيّةَ، وقد أصدرت حتى الآن أحد عشر مؤلفاً.
  مداخلة د. محمد هيبي بعنوان الكاتبة شوقيّة عروق تستعيد سرير يوسف هيكل: بالطبع، لا أستطيع الحكم على مسيرتها الأدبية، إلّا من خلال مجموعتها الأخيرة، رغم أنّ لها الكثير من الإصدارات في مجال القصة والشعر والمقالة السياسية. إنّ تجربة الكاتبة غنيّة، فاسمها حاضر في المشهد الثقافي والأدبي، بغض النظر عن موقعها الفكري والسياسي. أقول هذا لأنّني أعتقد، أنّ تحوّلا فكريا سياسيا، قد حدث لديها مؤخرا. فقد كانت تنتمي لإطار مختلف، وما كانت لتتركه لولا ذلك التحوّل الفكري والسياسي الذي حدث لديها. وأنا، رغم انتمائي السياسي الواضح والثابت للحزب والجبهة، لم أكن منتميا لأيّ اتحاد أدبي. ما أريد قوله هو أنّنا اليوم، أنا وشوقية عروق، ننتمي إلى اتحاد أدبي ثقافي واحد، هو اتحاد الكرمل للأدباء الفلسطينيين. هذا التحوّل الأدبي والتنظيمي لديها، قد سبقه بلا شكّ، تحوّل فكري وسياسي معيّن، قد يكون أثّر على كتاباتها. المجموعة القصصية، "سرير يوسف هيكل" تضمّ ثلاثا وثلاثين قصة، وجدت فيها أنّ الكاتبة قطعت شوطا ملموسا في كتابة القصة القصيرة.
تعكس المجموعة، أنّ الكاتبة أصبح لديها خبرة ليست قليلة في كتابة القصة. فهي تتقن طرق السرد والتعامل مع الضمائر على اختلافها، ولكنّ عملية التنويع والتنقّل بين الأصوات المختلفة، تواجه ضعفا يكاد يكون ملاحظا في معظم قصصها. هذه العملية ليست سهلة، لأنّها لا تتلاءم كثيرا مع القصة القصيرة التي لا تتسع للكثير من الأصوات، وتعتمد غالبا على الصوت الواحد. وهذا الأمر، إلى جانب التنقّل بين الأحداث، يُؤثر على سلامة الحبكة، التي يرى القارئ أنّ الكاتبة تجتهد لتخرجها قوية متماسكة، إلّا أنّها تفلت منها في بعض قصصها فتترهل وتفقد بعضا من تماسكها. ومع ضرورة تفادي هذه العيوب، إلّا أنّنا نجد أنّه حتى كتّاب القصة القصيرة الكبار، يقعون في مثل هذا المطبّ أحيانا.
الأمر ذاته، قد نلاحظه في لغة الكاتبة، لغتها غالبا قوية كثيفة تتنقّل بين مستوياتها المختلفة وتساعدها على انسيابية السرد، بينما نجدها تخونها أحيانا، فتقطع تلك الانسيابية. في لغة الحوار مثلا، تدمج أحيانا بين الفصحى والعامية بدون داعٍ. ويُلاحظ في لغة الكاتبة أنّها مولعة بالوصف، وخاصة في بحثها عن عبارات وأوصاف خارجة عن المألوف، وكثيرا ما تنجح، إلّا أنّها أحيانا ترهق القارئ بعبارات تقطع غرابتها انسيابية القراءة ومتعتها. أضف إلى ذلك بعض الأخطاء اللغوية أو المطبعية التي تشوّش فكر القارئ وتنزعه من اندماجه أو انسجامه مع النص. ولكن، جدير بالذكر أنّ الكاتبة في كثير من نصوصها تعتمد في لغتها على السخرية. والسخرية في الأدب، هي من أقوى التقنيّات، من جهة للتعبير عن ألم الكاتب وألم أبطاله، ومن جهة أخرى للتعرية والفضح. والكاتبة في نصوصها، تحرص على تعرية المجتمع والسلطة السياسية وفضحهما.
في معظم قصصها، رغم أنّها تفسح للحلم حيّزا ملموسا، تعتمد شوقية عروق الاتجاه الواقعيّ، بأبعاده الاجتماعية والسياسية بشكل خاص. وهي تُعطي للمرأة بشكل خاص أيضا، حيّزا ملموسا تحاول فيه أن تنتصر لها، خاصة تلك المرأة التي تعاني الظلم والاغتراب في مجتمعنا، ولكنّها وبشكل لاواعٍ، لا تخفي ظلم المرأة للمرأة أو استغلالها لها، كما يبدو ذلك في قصتي "سوار تحمل حزاما ناسفا" و"سيدات يوم الجمعة" وبشكل خاص (ص172)، في قصة "هزيمة رجل أمام كمّامة الصمت". في هذه القصة أيضا، يجدر التوقف عند كيفية تعامل المرأة مع الرجل! لا شكّ عندي أنّ مجتمعنا مجتمع ذكوري يقمع المرأة ويُهمّش دورها، وهذا ما أرفضه بالطبع. ولكن أرفض أيضا أن تتوجّه المرأة إلى الحلول الخاطئة. مثل القتل مثلا أو التفكير فيه لحلّ مشاكلها. فما معنى أن تشدّ الزوجة الكمامة على وجه زوجها وتضع السكين جانبا بعد أن شعر بالعجز؟ إذا كانت المرأة لا تستطيع العيش، أو تحقيق ذاتها إلّا مع رجل مهزوم أو عاجز، فذلك يعني أنّها تستحقّ ما يفعله بها. الرجل يجب أن يتعامل مع المرأة كشريك ورفيقة درب، والمرأة كذلك يجب أن تنظر إلى الرجل من المنظور نفسه، لكي يستطيعا معا خلق مجتمع يكون فيه الاحترام متبادلا بين الأنا والآخر عامة. وبين الرجل والمرأة بشكل خاص. ولكن، كل هذا لا يعني أن شوقية عروق تكتب أدبا نِسْويّا، بل أدبًا إنسانيّا يتسع لكل أبناء مجتمعها وشعبها الفلسطينيّ، في الداخل بشكل خاصّ. ولذلك نجدها في فضاءات قصصها تمنح الناصرة حضورًا بارزا، ولكنّها قد تخرج إلى مدن وقرى أخرى في الداخل، ولا تخشى أن تدخل المطار وتل أبيب وحتى "بني براك". بمعنى أنّها تُدرك في قصصها أنّ هناك الآخر غير العربي، وتُدرك خصوصية العلاقة به سلبا أو أيجابا.
شوقية عروق في قصصها، تعاني من التشظّي النفسي والشعور بالضياع والاغتراب، وهو شعور يُلازم معظم شخصياتها، خاصة النسائية. وهذا يعني أنّ الكاتبة تعيش بصدق، معاناة الإنسان الفلسطيني عامة وفي الداخل بشكل خاصّ. فهو حيثما وجد لا يُفارقه هذا الشعور. وإذا كانت تمنح نهايات قصصها بعض الأمل، فذلك لا يخفي تشاؤمها وشعورها بالإحباط في كثير من قصصها. هذا واضح في قصة "سرير يوسف هيكل" وغيرها، وسأتحدّث بإيجاز حول عتبات النص في المجموعة، وحول نموذجين من قصصها.
عتبات النص، هي كل ما يسبق النص من غلاف، عناوين، إهداءات، فهارس، مقدمات، نصوص ممهّدة وغيرها. هذه العتبات هي مداخل تحمل مفاتيح أساسية لدراسة النص وفهمه ونقده. وقراءة هذه العتبات قراءة سيميائية، تعني أن نتعامل مع هذه العتبات كإشارات أو علامات لها وظائف دلالية هامّة، منها التعيين والإيحاء والإغراء، وكلّها قد تُؤثّر على القارئ، فتشدّه إلى النصّ أو تُنفّره منه.
في المجموعة التي بين أيدينا، لفت نظري بشكل خاص عتبتان للنصّ، عنوان المجموعة، "سرير يوسف هيكل"، وصورة الغلاف التي يتصدّرها السرير وخلفه مبنى أثريّ قديم جار عليه الزمن، بينما يُشكّل البحر خلفية واضحة لهذه المعالم. وبما أنّني لم يسبق لي أن سمعت عن يوسف هيكل وعلاقته بيافا، وبالسرير والمبنى الأثري، رُحت أبحث عن القصة التي تحمل المجموعة عنوانها. معنى ذلك أن الكاتبة كانت موفقة في اختيارها لهذه العتبات، لما فيها من إيحاء وإغراء، يشدّان القارئ إلى ولوج النص. ولذلك بدأت قراءة المجموعة بقصة، "سرير يوسف هيكل" (ص148).
بعد قراءة المجموعة كلها اخترت الحديث عن قصّتين: "أحلام بائع فلافل" و"سرير يوسف هيكل". هاتان القصتان، تمثل الأولى منهما الاتجاه الاجتماعي وتأثيره على الاتجاه السياسي، بينما الثانية تمثّل الاتجاه السياسي وتأثيره على الاتجاه الاجتماعي. وكلاهما تمثلان واقعا اجتماعيا وسياسيا يعيشه الإنسان الفلسطيني، على المستويين: الفردي والجمعي.
في قصة "أحلام بائع فلافل"، ومن خلال أحلام اليافع، بطل القصة، الذي يحلم بحياة يستمدّها من أفلام رعاة البقر (الكاوبوي)، لما فيها من حركة درامية يرى فيها البطل تحقيقا لذاته وأحلامه، الأب يدوس أحلام ابنه، باعتبارها وهماً يدلّ على فشل الابن. ويتابع الأب دوس أحلام ابنه حتى حين يتّخذ من صور أخيه الذي اختفى، نموذجا يُحتذى، حين علمت العائلة أنّه "التحق بإحدى المنظمات الفلسطينية وأصبح فدائيا، وقد وصلت إليهم صوره مرتديا اللباس العسكري المرقط وفي يده رشاش. وبدأ جسده (أي الأخ) يدخل في حلمه" (ص 12). هذا الحلم أيضا لم يرق للأب بحجّة ما جاء في (ص 13): "الفسّادين بفسدوا علينا يابا، ... بخاف يعملوا من الصور قصة طويلة عريضة ... خليك في الكاوبوي أحسنلك ...". وبعدما يُوفر الأب لابنه "كشك فلافل" ليعمل فيه، نزولا عند رغبة الأم التي رأت بابنها ولدا ذكيا، أحلامه تُعبّر عن رغبته بالابتعاد عن المدرسة، انتبه هو، أي الابن، أثناء عمله، أن كل شيء يسخر منه وأنّ شيئا ضاع منه، فبدأ يشعر أنّه مجرّد قرص فلافل منتفخ بالعجز والترهّل ...!" (ص 14). في هذه القصة نرى كيف أنّ المجتمع الجاهل والعاجز، المتمثّل بالأب والأم، لا يُحسن توجيه أبنائه، يقتل أحلامهم ويصنع منهم نماذج للجهل والعجز. وهذا يمنع تطورّهم الاجتماعي والسياسي كأصحاب قضية يجب أن يُدافعوا عنها.
في القصة، توجد إشارة واضحة إلى التخلّف الاجتماعي المتوارث في المجتمع العربي، وإلى العجز السياسي الناتج عن هذا التخلّف الذي ساعد في ضياع الإنسان وضياع الوطن. وهناك إشارة إلى أنّ التخلّف والعجز، ولّدا الفساد الاجتماعي والخوف منه، متمثّلا بالوشاة، الفسّادين عملاء السلطة، وخوف الأب من شرّهم. وبما أنّه "شرّ أهون من شرّ"، رضخ الأب لحلم ابنه الأول، حياة فتيان الكابوي، التي لا طائل منها. ما يعني ترسيخ الفشل.
أما في قصة "سرير يوسف هيكل"، فقد استطاعت الكاتبة أن تحملني من الميكرو إلى الماكرو، من الصغير إلى الكبير، أو من الخاص إلى العام، أو من الجزء إلى الكل. فلم تعد المأساة مأساة السرير من إهمال وتقطيع ثم اهتمام تجاري، أو ما أسمته الكاتبة، "سوق الأثاث المستعمل المزروع بالدكاكين التي تعرض الأثاث بطريقة الخبث التجاري" (ص 149)، وإنّما صارت مأساة أكبر بكثير، هي مأساة فلسطين التي قُطّعت وبيعت في أسواق الخبث السياسي، وصار سرير يوسف هيكل معادلا موضوعيا لفلسطين ويوسف هيكل صار هو كل فلسطيني له نكبته الخاصة والعامة. ولا أدري إذا كانت الكاتبة، أو منسّق الكتاب، قد انتبها لتثبيت هذه القصة ص148، وسواء كان ذلك عن قصد أو بدون قصد، فإنّ الرقم 48 الماثل هناك، له دلالاته في نفس كل إنسان فلسطيني، ويُؤكّد أنّ المأساة ما زالت حاضرة، كما أن الاقتلاع والنهب والبيع والتقطيع والخراب، كلّها ما زالت ماثلة تنهش في نفس الكاتبة وفي نفوسنا جميعا. وتقطيع السرير وبيعه في سوق البضائع القديمة، لم يعد تقطيعا للحديد، والبيع ليس مجرد حركة تجارية، وإنّما التقطيع هو تقطيع في اللحم الحي، يُعبر عن تشظّي النفس الفلسطينية، والبيع يُعبّر عن منفاها واغترابها.
تقوم القصة على حدث مركزي واحد، هو تقطيع السرير علي يد ابن الرجل الذي اشتراه، وهذا الرجل، ينظر إلى عملية التقطيع، بحزن وحسرة وعجز، والشعور بالعجز، يتمثّل بـ (دفن البارودة وعجز الأب عن منع عملية التقطيع، وبالدموع التي يذرفها وهو يرى ابنه يُمارس عملية التقطيع). ولهذه العملية دلالات كثيرة. فقد تكون بالنسبة للابن، محاولة للتخلص من عبء الماضي، أي النكبة، الذي أرهقه وكشف عجزه السياسي أو الاقتصادي. ولكنّ الدلالة الأهمّ والأكثر حزنا في نظري، هي أنّ عملية التقطيع الجارية في فلسطين حتى اليوم، لا تمارسها عناصر خارجية فقط، وإنّما داخلية أيضا. ومن هذا الحدث، تقطيع السرير، تتداعى الذكريات ويغوص الراوي في الماضي بما يحمله من مأساة السرير التي تسقطها الكاتبة على نكبة فلسطين واستمرارها، حيث نرى التاجر اليهودي يُنكر معرفته بأصل السرير وكونه منهوبا من بيوت المهجّرين من يافا. وإنكار هُوية السرير، هو رمز لمحاولة إخفاء الهُوية الفلسطينية ومحوها. واستعادة السرير تُمثل فرح التمسّك بالهُوية، لأنّ بطل القصة يشتريه ليوم فرحه وزواجه، ولكنّ الاستعادة، تمرّ بعملية بيع وشراء يكتنفها الكثير من الخبث والمساومة السياسية المستمرة حتى يومنا، ما يجعل الخراب والضياع، ماثلين أمام عيني الكاتبة، ويكشف ألمها وقلقها من استمرارهما.
ورغم أنّ لدى الكاتبة، في هذه القصة وغيرها، الكثير من التشاؤم والإحباط، إلّا أنّها لا تفقد بصيصا من الأمل. فإن كان الشاب قد قطّع السرير كبداية للتفريط به، نتيجة للظروف الراهنة، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، إلّا أنّه لم يُفرّط بالكرات الذهبية الأربع التي كانت تُزين أطراف السرير. يقول الشاب لأبيه:
طيب يابا، علشان صاحبك "أبو هيكل" راح أخليلك هدول ...!!
وناوله أربع كرات ذهبية اللون، حيث ما زال الدهان (الطلاء) الذهبي متوهّجا ...!!!
هذه النهاية المتفائلة، لا نجدها في قصة "أحلام بائع فلافل"، ما يعني أنّ النهايات لدى الكاتبة، ليست دائما متفائلة. ما يعني أيضا أنّ خراب الواقع الذي يدفع للكتابة، ما زال مُسيطرا يُفقد الكاتبة قدرتها على التفاؤل.
وقد يُؤكّد ما أدّعيه، لجوء الكاتبة أحيانا إلى السخرية السوداء اللاذعة التي أعتبرها أقوي وأصدق أسلوب للتعبير عن القهر وضرورة فضح أسبابه واستفزاز الذين يُعانون منه. لضيق الوقت، سأكتفي بنموذج واحد.
السخرية كتقنيّة فنيّة، تقوم على 4 تقنيّات أخرى هي: المفارقة والتناقض والمسخ واليوتوبيا، أو المثالية. في قصة "أحلام بائع فلافل" نموذج جيد للسخرية المبنية على المفارقة والتناقض والمثالية، كتعبير عن الألم والقهر والعجز. فالأب الذي نعت ابنه بالفاشل لأحلامه بأبطال الكاوبوي، تراجع عن موقفه وناقض نفسه حين قال لابنه "خليك في الكاوبوي أحسنلك". وهذا الموقف لم يكن متوقّعا من الأب، لولا أن جاءه اللامتوقّع، حلم ابنه بشخصية أخيه الفدائي، فقهره وأرغمه على التراجع. والعبارة نفسها، "خليك في الكاوبوي أحسنلك"، أصبحت وضعا مثاليا بالنسبة للأب إذا ما قورن بالوضع الآخر المرفوض، أي التشبّه بالأخ الفدائي.
وختاما، شوقية عروق كاتبة مستفَزَّة ومستفِزَّة، في لغتها ومضامينها، استطاعت في معظم قصصها، أن تُذكّرنا وتحذّرنا وتحرّضنا
مداخلة فردوس حبيب الله: أسعد الله مساءكم بلغةٍ تنبض بدفءِ المعاني في حضرة الشعر والأدب والمطر، إنّنا نحتفل اليوم بالكاتبة شوقية عروق منصور وبمنتوجها الأدبي عامة، وكتابها "الخرائب المعلقة" على وجه الخصوص. إن أول ما يسطع في ذاكرتي عند ذكر اسمها جملةُ "نسوانها قلال". كانت هذه الجملةُ كافيةً لأن أرسم للكاتبة شوقية عروق منصور صورةً بملامح القوة التي تميز المرأة الفلسطينية المثابرة. تكتب شوقيه عروق منصور أنواع أدبية عديدة كالمقال السياسي والقصة القصيرة والشعر والنثر، استطاعت من خلالها مجتمعة أن تكون هي. قرأت لها العديد من النصوص النثرية والقصص والنصوص الشعرية أيضا، وأستطيع أن أبوح بكل صراحة بانحيازي لنصها القصصي الذي حمل مضامين حساسة جدا وهامّة، على أشرعة لغوية في غاية الجمال والروعة، واذا ما أمعنا النظر في المضامين التي تتناولها الكاتبة في نصوصها النثرية والشعرية، نجدها تُعدّد نكباتنا نحن الشعب العربي عامة والشعب الفلسطيني خاصة، فكتبت عن الشوارع العربية التي تنام في العسل، وعن حلاقي الحكام العرب، وما يحدث للفلسطيني من انتهاكات في المطارات العربية، وعن التهمة المطبوعة على جبين الفلسطيني لمجرد كونه فلسطينيا، كما حملت مجموعاتها الشعرية عناوين مشحونة بالذاكرة والحنين والوطن مثل ذاكرة المطر والخرائب المعلقة. من بعض السمات الفنية والموضوعية في شعر شوقيه عروق منصور:
*عنوان "الخرائب المعلقة" يشكل عتبة هامة للولوج الى أعماق الكتاب، وحين نقول الخرائب المعلقة نتذكر الحدائق المعلقة، لكن باستبدال الحديقة بالخربة، وهذا وحده كاف لأن يلقينا مباشرة أمام كاتبة لا تقبل بالمسلمات، فلها رأيها وموقفها ونظرتها للأمور. قد يأخذنا عنوان الكتاب الى الاعتقاد بأن الكاتبة ستحملنا الى اسطورةٍ ما لا يمكن تصديقها، حيث إنّ الحدائق المعلقة إحدى عجائب الدنيا السبع هي العجيبة الوحيدة التي يُظنّ بأنها اسطورة.
*المضامين والأفكار والمقدمات المنطقية التي دفعت الشاعرة الى الكتابة والكلام، هي أفكار تتعلق بالوطن وأخرى بالمجتمع، كالكذب، الظلم، القسوة، القتل، وحتى عمليات التجميل نالت قسطا لا بأس به من الانتقاد. كما جاء في قصيدة عملية تجميل للصبر (ص33): الصبر يدق عيادة الجمال/ لا أحد يريد إجراء عملية شد للصبر لتصغيره/ لقص أطرافه/ لتحسين شكله لأنه سيبقى خبز المظلومين والفقراء والرحمة التي تطوق أمنياتها أمطار الميلاد. الشاعرة شوقيه من النساء اللواتي لا يقبلن بالأشياء القابلة للقسمة، ففي قصيدة أظافر الغيرة (ص69) تقول: انتهز وجودك فارسم حولك دائرة الأنانية/ أنت لي اللعبة الوحيدة التي أتقنها
*لغة النصوص الشعرية في الخرائب المعلقة تتميز بالبساطة والسهولة والسلاسة، فهي لغة قريبة من اللغة المتداولة في الحياة اليومية، وقد قامت الكاتبة بتوظيف كلمات مألوفة جدا في قصائدها، الامر الذي قد يؤخذ عليها. في الجزء الاول من الكتاب نجد الكاتبة تستعمل الأفعال في الماضي والحاضر فقط، وفي المرتين الوحيدتين التي تتكلم فيهما عن المستقبل نجدها تتكلم عن الموت، حيث قالت في قصيدة موت (ص23): الموت لا بد ان يطل لا يتمهل التراب لا يصدق الا باللمس. وفي (ص36) تتساءل: الى متى سيبقى الحاجز في حلقي؟ وأتساءل ألم تعد ترى كاتبتنا في المستقبل غدا مشرقا؟!. ونجدها استعملت ايحاءات صوتية توحي بالحزن والألم كحرف الميم الساكن في قصيدة قاموس الصمت المعتق (ص12).
*للصورة الشعرية في الشعر العربي المعاصر شأن كبير، حيث قال النقاد إنّ الشعر ما هو الا تفكير بالصورة، وهنا أودّ أن أتطرق الى الصورة الشعرية الجزئية التي هي بمثابة ومضات قصيرة أشبه بفلاشات تضيء النصّ وتُجمّله، وأما الصورة الشعرية الكلية فهي تستغرق النصّ الشعريّ من أوله الى آخره، وتدخل فيها الفكرة والعاطفة بناء على عدّة بناءات كالبناء القصصي الدراميّ والبناء الدائريّ. فإذا نظرنا الى الصور الشعرية في قصائد شوقية، فإننا نجدها بغالبيتها العظمى صورًا جزئية وامضة، يلعب فيها التشخيص دورا رئيسا، إلّا أنه في بعض القصائد كانت هناك صورا شعرية كلية مبنية على السرد، أمّا البناء الدرامي فقد انعدم بانعدام الحوار. كانت بعض الصور الشعرية بقوة موج هائج في طقس عاصف، لامست بلغة جميلة وجدان القارئ كقولها في قصيدة وسادة من دم (ص46): في الصرخة الاولى استغاثة/ وفي الصرخة الثانية فريسة عانقت ذئب النهاية/ وفي الصرخة الثالثة وسادة من دم الضحية/ وبياض موت غزته فرق الخيانة/. أما بعض الصور الشعرية فقد ارتسمت بتكلف يثقل على القارئ، كما جاء في قصيدة أم أمام ابنها الشهيد (ص29) كيف استقرت الرصاصات فيه/ كيف استطاعت ان تخترق جدران حبها وسياج رعايتها وجذوع أشجار الزيتون التي طوقت لهاث حرصها؟.
وبما أن المطلق في الأشياء غير موجود، فهنالك ما يؤخذ على الكتاب أيضا، فمثلا تقنية الحذف والاضمار كانت غائبة في بعض النصوص، الأمر الذي قلل من عنصر التشويق لدى القارئ، وأضعف النصّ لغة حرف الكاف الذي كان زائدا في قصيدة عملية تجميل للصبر (ص34): الصبر يمد أضلاعه يتعلق بأسلاك المسافات وسفوح الليالي المملة، يلتف كالحلقة كالكذبة كدائرة نار جهنمية، هذا إضافة الى الاختفاء الشبه كلي للهمزة فوق الألف، كما يشكل أيضا اختفاء التشكيل والحركات في جميع القصائد عبئا على القارئ في تحديد وجهة النص الفكرية، وأيضا في فهم الموسيقى الداخلية فيه.
وكما أسلفت، فهنالك تكلف في صور شعرية عديدة يجعلها أقرب الى نص نثري عاديّ، خاصّة وأنّ غالبية التراكيب اللغوية المستعملة مأخوذة من الحقل السياسي والاجتماعيّ، وبهذا تكون الشاعرة راصدة للواقع أكثر من كونها مصوّرة له. وختاما اسمحوا لي أن أذكركم بانحيازي الى النص القصصي في أدب شوقيه عروق منصور، والذي باعتقادي شكّل لبنة أساسية في فهم الواقع الفلسطيني المؤلم، تعرضه الكاتبة بلغة جميلة تفوق جمال الشعر، فمن لا يعرف وجع الإنسان الفلسطيني، يكفيه أن يقرأ من أدب شوقية عروق منصور ويبكي ..كما حدث معي أنا.
مداخلة شوقية عروق منصور: حين غمستُ أصابعي بحبر الكتابة، شعرتُ أنّ حياتي قد كُرّستْ لفكّ شيفرة الكلمات، والجلوس على حافة الدهشة، أتمرّغ فوق رمل المجهول، أنتظر فراشات الخواطر، وأعانقُ نبض الشعر العابر، وأتسلّل إلى قصر القصّة القصيرة، أفتح خزائنَ الحروف، وأصنعُ من الوجوه المشنوقة على توهّج الأحداث قلائدَا تُعلق على سنواتي. وأنظر إلى الخلف إلى البدايات، لن أتحوّلَ إلى عامودٍ من الملحِ وأذوبُ خجلًا، لكن أنظر إلى الوراءِ، لأجدَ كلماتي تهرولُ نحو الصفحاتِ التي قضيتُ العمرَ وأنا أكتبُ وأفتشُ وأبحثُ وأشطبُ وأمزّقُ الورق، وكلّما مزّقتُ ورقةً تناسلتْ أمامي عشراتُ الأوراق، حتّى شعرتُ أنّ قَدري قد رَهنَ عُمري في رهانِ الكتابةِ، ولا أستطيع أن أردَّ قدَري. أنا أقفُ الآن في حضرةِ الكلمةِ، في البدءِ كانت الكلمة، وستبقى هي البدايةُ حتى النهاية، المجدُ لها، لأنّها الآن في هذهِ الساعاتِ أعطتني الأجنحةَ للطيرانِ، أنا الآن بفضل التقدير، بفضل الحضورِ البهيّ  وبفضل التكريم، أشعرُ أنّ الأرصفةَ التي جلستُ عليها أنتظر الفكرة وخيال القصّة، وأحيانًا أفتعلُ السباق مع القصيدة، لم تعُدْ تسخرُ مني، بل الآن تمسحُ دموعَ الفرح. شكرًا لكم ولنادي حيفا الثقافيّ الذي أصبح رافعة للأدب والأدباء في ظلّ غياب الدعم والمؤسّسات الثقافيّة، والذي يقومُ بعمل جمعيّاتٍ ونوادٍ لها العناوين البرّاقة  لكن دون فعل، يُشعل مواقد الأدب ويُحرّكُ البحيراتِ الراكدةَ، يُكرّمُ الأدباءَ ويهتم بإنتاج الشعراء والكُتّاب. شكرًا للمحامي حسن عبادي الذي لاحقَ واتّصل عدّة مرّات، هو النموذج  للإنسان المسؤول الحريص على النجاح. شكرًا للأستاذ فؤاد نقارة كابتن قلب الدفاع عن الأدب، وشكرًا للكاتب والباحث محمد هيبي على كلماته الرائعة، وشكرًا للشاعرة الصديقة فردوس حبيب الله على كلماتها المفعمة بالرقة، وشكرًا للصديق الكاتب الباحث الشيخ عبد الله بدير على كلماته التي تفيض أملًا وتفاؤلًا، وشكراً للصديق الشاعر والباحث عبد الرحيم الشيخ يوسف الذي يعمل كمهندس حفر عن آبار المواهب الأدبيّة في المثلث، وشكرًا لرئيس اتحاد الكتاب الأديب فتحي فوراني، لأنّ هذا الاتّحاد عامود  الخيمة التي تحمي وتُظلّلُ الأدباءَ في دروب الإبداع، وشكرًا للأستاذ الإعلاميّ الكاتب رشيد خيرعلى الحوار الشيّق والتقديم المميّز. وأخيرًا شكر خاصّ حميم الى القلب تميم، لأنّ تميم بصراحة ضحيّتي، فكلّ قصّة ومقال وقصيدة وخاطرة عليه أن يتحمّل همسي وجنوني وغضبي واحتراقي ومخاض ولادتي، الجميل أنه يعرف ويعلم معنى الكتابة والآم ولادة إبداع، لذلك من نعم الله أن يكون للأديبة زوجًا متفهّمًا. شكرًا لجميع الحضور فردًا فردًا، لقد منحتم الطقس العاصف دفءَ وحرارة الوجود، ودائمًا نلتقي لرفع  راية الكلمة.


24
أدموزك وتتعشترين في الجامعة العربيّة الأمريكيّة
بقلم: آمال غزال
حفل توقيع ديوان"أدموزك وتتعشترين" للشاعرة آمال عوّاد رضوان أقامه منتدى الأديبات الفلسطينيّات في جنين (مدى)، بالتعاون مع قسم الصحافة واللغة العربيّة والإعلام في كليّة الآداب في الجامعة العربيّة الأمريكيّة، في مدرّج كليّة العلوم والتكنولوجيا في الجامعة العربيّة الامريكيّة في جنين، بحضور نخبة من الأديبات والأدباء والمهتمّين بالشأن الثقافيّ بمحافظة جنين، ومجموعة من طلاب وطالبات اللغة العربيّة والإعلام في الجامعة، ووفد من النادي النسائيّ الأرثوذكسيّ/ عبلين، وقد تولّت العرافة الكاتبة حنين أمين من مخيّم جنين، ومداخلات كلّ من: د. محمد دوابشة عميد كليّة الآداب في الجامعة الأمريكيّة، والكاتب فراس الحاج محمد حول آمال عوّاد رضوان في المشهد الفلسطينيّ، وكلمة عائدة أبوفرحة رئيسة منتدى الأديبات الفلسطينيات "مدى"، وكلمة الشاعرة آمال غزال رئيسة قسم الآداب والمكتبات في وزارة الثقافة، وتقديم درع تكريم للشاعرة آمال عوّاد رضوان، ومداخلات للكاتبات دلال عتيق وإسراء عبوشي ومداخلات الحضور، وكانت قراءاتٌ شعريّة للمحتفى بها، وإجابات على تساؤلات طرحها الحضور، حول صعوبة العنوان والنحت اللغويّ، ودوْر الأسطورة في نصوص الديوان، وهل الشعر هو مَهربٌ ومُسَكّن للشعراء، وما سرّ التميّز في لغة الحبّ المغايرة في نصوص آمال رضوان ومن هو الملهم الحقيقيّ، وهل الرجل الشرقيّ يهيمن على فكر آمال رضوان، وهل استُنزفت طاقة آمال الإبداعيّة في أدموزك وتتعشترين، في بناء علاقة متكاملة مقدّسة وإنسانيّة آدميّة بلغةٍ شعريّة روحيّةٍ معنويّة، أم ما زلت معبّأة بطاقة شعريّة للخروج بمنجز شعريّ أرقى؟ ومن ثمّ تمّ التقاط الصور التذكاريّة أثناء توقيع الديوان!
مداخلة عريفة الحفل حنين أمين: أرحّب بالحضور الكريم مع حفظ الأسماء والألقاب، أهلا بكم تحت ظلال شجرة الشعر والإبداع في هذا الوطن الواحد، الشجرة العظيمة التي اختارت أرضًا خصبة هي قلوب مرهفة، فنبتت أغصانها خضراء، وأينعت وتفتحت أزهارها، مختلفة ألوانها، يجمعها سحر الإبداع والجمال، فما فائدة بائع الورد، إن لم يقتن الورد أحد يُقدّر الجَمال؟ وما فائدة الأقلام، إن لم يكتب بها أحد؟ وما فائدة الكلمة، إن لم تُقرأ وتُسمع؟
(آمال عوّاد رضوان) سماء شعر تلألأت فيها معالم النجاح والإبداع والتميّز، وها هي تمطر على أرض في اشتياق دائم لحرفها ديوانها الجديد "أدموزك وتتعشترين"، بعد أن أمطرت الساحة الأدبيّة بثلاثة إصدارات شعريّة: بسمة لوزية تتوهّج عام 2005، وسلامي لك مطرًا عام 2007، ورحلة إلى عنوان مفقود عام 2010، وإصدارات أخرى في القراءات النقديّة والبحث والمقالات. هي شاعرة كنعانيّة من عبلّين الجليليّة في فلسطين، اتخذت من مهارة النحلة في التنقل من زهرة إلى زهرة منهجًا، لتجني منها رحيقًا تحيله إلى شهد خالص ألا وهو الشعر.
 (دكتور محمد دوابشة): تتسابق الكلمات وتتزاحم العبارات، لتنظم تاجَ شكر نتوّج به هذا الصرح العظيم الذي احتضن هذا اللقاء، والذي كان له السبق في ركب العلم والتعليم، وبذل الجهود في تسليط الضوء على لوحات الأدب والجمال دون أن ينتظر العطاء، فاستحقّ أن يرفع اسمه عاليًا كعنوانٍ للتميّز، فنستمع لمداخلة دكتور محمد دوابشة؛ عميد كليّة الآداب في الجامعة العربيّة الأمريكيّة، وقراءة في ديوان "أدموزك وتتعشترين".
 (مدى): عنوان لطوق من زهرات تربّت كلّ بتلة على الأخرى، يَجمعها التميّز وتحيا فيها روح الإبداع. (مدى) منتدى الأديبات الشاعرات الكاتبات المخضرمات الشابّات، هنّ فراشات ينظرن إلى نور الإبداع بشغف وحب واتّقاد دائم، يُحلّقن بجناحين من صدق في العمل وتفان في الجهد، ويتزيّنّ صانعات للجمال من خيوط ألم وأمل. فأترككم مع كلمة رئيسة منتدى الأديبات الفلسطينيات (مدى) السيدة عايدة أبو فرحة.
(فراس حج محمد): عضو اتحاد الكتاب الفلسطينين من مواليد 30 تموز 1973 في نابلس، درس الأدب الفلسطيني الحديث في جامعة النجاح الوطنية. هو كاتب وناقد وشاعر فلسطينيّ عشق الحرف، حتّى باتت رؤاه أطيافًا تشكّلت فيما بعد على هيئة قصائد ونصوص صيغت بمختلف الطرق، ولأنّ "الكلمة رصاصة، وليس كلّ الرصاص صالحًا لإتمام المهمة" ، أصدر اثني عشر كتابًا، ونشر في العديد من الدول العربيّة، ويُحدّثنا عن آمال عوّاد رضوان ودورها في المشهد الثقافيّ الفلسطينيّ.
مداخلة عائدة أبو فرحة: بسم الله الرحمن الرحيم . أسعد الله أوقاتكم وأهلًا وسهلًا بكم. في البداية لا بدّ لي أن أحيّي هذا الصرح العلميّ العظيم برئيسه ومساعديه وهيئته التدريسيّة والعاملين جميعا، ولا يسعني إلّا أن أقدّم الشكر والاحترام والتقدير لكم لأسباب عدّة، أهمّها أنّكم منارة للعلم، وتجمَعون الوطن بشقيه في هذا الصرح، وتهتمّون بتخصّصاتٍ عديدة ومتنوّعة، كما تولون اهتمامًا عظيمًا للنشاطات المجتمعيّة، وتهتمّون بالمواهب والإبداعات وقضايا عدّة لا منهجيّة، وتتفاعلون مع كلّ فئات المجتمع، فنحن في منتدى الأديبات الفلسطينيات نشكركم وننحني إجلالًا لكم، بعد محاولتي بأن أوفي هذه الجامعة العظيمة حقها بالشكر والتقدير. اسمحوا لي أن أنتقل إلى بيت القصيد عنوان الحفل، إلى الظاهرة الإبداعيّة الفريد نوعها، إلى الكاتبة التي امتلكت الجرأة والخيال الواسع، والتي جمعت بين الحداثة والأصالة، إنّها الكاتبة والشاعرة آمال عوّاد رضوان من الجليل، من الرئة الأخرى من الوطن. أرحّب بشمسنا أجمل ترحيب، وبنجومها النادي النسائي الأرثوذكسيّ عبلين، والضيوف الكرام، والطلبة الأعزاء. أرحّب بكم وأحيّيكم. لا أريد التحدّث عن ديوان "أدموزك وتتعشترين"، وما يحويه من قصائد شعريّة جميلة جمعت ما بين الخير والحب والجمال، قصائد مستوحاة من الأسطورة السومريّة، ممثّلة بإله الخير دموزي، والأسطورة البابليّة ممثلة بإلهة الحب والخصب والجَمال عشتار. عزيزتي آمال عوّاد رضوان، حبّي لكِ غلالا.
مداخلة د. محمد دوابشة: سلام يليق بكم فردًا فردا. باسمي وباسم الجامعة وأعضاء الهيئتين الإداريّة والتدريسيّة في كلية الآداب أرحّب بكم أجمل وأحلى وأرقّ وأرقى ترحيب، أرحب بكم وبهذه القامات الثقافيّة الأدبيّة والصحافيّة على أرض الجامعة العربيّة الأمريكيّة في جنين.
أنا في الواقع شاكرٌ وعاتبٌ، شاكرٌ للأستاذ سعيد أبو معلّا المحاضر في قسم الصحافة والإعلام في الجامعة الذي تعرفونه جيّدًا بنشاطه، وعاتبٌ عليه، لأنّني لم أرَ هذا الديوان "أدموزك وتتعشترين" بحُلّتِهِ إلّا يوم أمس، وكان من المفترض أن يكون بين يديّ على الأقلّ قبل أسبوع!
حقيقة أنا لا أجاملُ في القضايا الأدبيّة، والمجاملة هي نفاق، خاصّة فيما يختصّ في أدبنا، فكثيرًا ما يأتي إلى مكتبي بعض الشعراء الناشئين الذين أحترمُهم جدّا، ويهديني ديوانًا أو عملًا أدبيًّا، فأنظرُ ما فيه في البداية، وأقرأ في صفحاته الأولى صفحتيْن وثلاثًا وأربع، وبصراحة، لا أجد لا شعرًا ولا نثرًا، فأضعُهُ جانبًا. ولكن يا سيّدتي آمال، أنتِ أسرتِني بهذا الديوان حقيقة. هو ديوان يستحقّ الاهتمام به، ولكن أيضًا عليه بعض ما عليه.
بصراحة، الديوان يمكن أن يُدرَسَ من عدّة جوانبَ فنّيّة، ومنذ زمن طويل حقيقةً، لم أقرأ هذه الجرأة الواضحة لكاتبة أنثى، فأنتِ جعلتِني أن أكون من المناصرين للمرأة!
بالنسبة للديوان حقيقة يُدرَسُ من زاويتين:
الزاوية الأولى: وكنت أتمنّى أن يكون معي متّسعٌ من الوقت، ليُدرَسَ النصُّ المحيط أو النصّ المُوازي، وتداخل الألوان مع المرأة والرجل والعلاقة الحميميّة بينهما في وسط الطبيعة والزهور والطيور، وهذا انعكاس لِما جاء في داخل الديوان، فحقيقة هناك جهد مبذول، وأنا أشكر الفنّان محمد شريف الذي صمّم الغلاف، فكلّ الاحترام للفنّان. الغلاف يعكس ما في النصّ، وأنا أعدكم وأعد الشاعرة آمال عوّاد رضوان بأن تكون هناك دراسة وافية شاملة عن هذا الديوان، وتُنشرَ في أحد المجلّات العلميّة الأدبيّة في العالم، لأنّه حقيقة يستحقّ.
نأتي إلى النصّ الخارجيّ وتداخُل الأدوات، أمّا بالنسبة للعنوان، فربّما أختلفُ نوعًا ما مع الشاعرة، فنحن الآن بصراحة، عالمنا العربيّ غيرُ ميّال للقراءة، وهذه حقيقة، وأنا مع أن نُبسّط الأمور، لكن بحيث لا تُفهم بشكل مباشر، وأن يكون فيها نوع من الإيحاء والرمز، فأنا أدركُ المغزى الذي تريده الشاعرة للعنوان "أدموزك وتتعشترين"، ولكن نحن أيضًا أصحابُ رسالة، فلو كان العنوان عشقيّات وحدها فيكفي. ويحضرني في هذا المقام محمود درويش وبحثه مدّة ستة أشهر عن عنوان "كزهر اللوز أو أبعد"، إلى أن أشاره عليه أحد الكتّاب والنقّاد اللبنانيّين، فلا نتعجّل في اختيار العنوان. وأذكر أيضًا الكاتبة الأردنيّة سناء شعلان وكتابها "أعشَقُني"، فالكلّ كان يقرأه "اِعشقني"، فكتبتْ نصًّا توضيحيًّا يقول: الرواية عنوانها أَعشقُني وليس اِعشقني! ولنكن واقعيّين، فثقافتنا محدودة ولا نطالع ولا نقرأ، وأنا معنيٌّ بهذا الديوان أن يصل إلى الكلّ وأن يفهمه، لذلك أنا مع التبسيط، ولكن كما قلت أيضًا، فيه نوعٌ من الأمل والحُلم والتخييل والخيال والحياء.
أمّا بالنسبة لقصائد الديوان، وما أدراكم ما القصائد! نعم، كان من الممكن أن يُدرَسَ هذا العنوان وهذا الديوان "أدموزك وتتعشترين" أوّلًا دراسة أسلوبيّة، والأسلوبيّة واضحة فيه، فتُشكر الشاعرة آمال عوّاد رضوان على ذلك، إذ لها أسلوبٌ خاصّ، ما يُميّزه فيه طرافة وجدّيّة وحداثة ملتصقة بها، وقضيّة أخرى، دراسة أسلوبيّة إحصائيّة، والجرس الموسيقيّ وهذا واضح للأسلوبيّة الإحصائيّة، ويمكن أن تكون أيضًا دراسة لصورة الأنثى في الديوان، والنصّ الموازي في الديوان أو النصّ المحيط في الديوان، والتكرار بأبعاده كافّة في الديوان يمكن أن يُدرَس، وهو ظاهرة ملحوظة، وما يميّز هذا التكرار أنّه تكرار غير نسخيّ، وإنّما كلّ تكرار يضيفُ شيئًا سواء كان دائريًّا أو مُسطّحًا أو ... إلخ، بغضّ النظر.
وهناك قضيّة أخرى، هي أدوات الاستفهام هي ظاهرة، فهل هذه الأدوات تعكس الأنثى وهي تستفهم ولا تجد الإجابات مثلا؟ وكذلك التشبيه رائعٌ جدًّا وممتاز، فالأنثى كانت بتفاصيلها؛ بلونها وشعرها وطولها وعشقها وأنوثتها، وربّما أرادت الشاعرة أن تنتصر للأنثى؟! أنا معها في هذا الجانب، وكنت أتوقّع أيضًا أن يكون الانتصار بأساليب أخرى!
الموضوع الثاني الذي طرحه الديوان ولا يمكن فصله عن الأوّل هو الرومانسيّة الحالمة والخيال، يعني القصائد فعلًا يعيش فيها الإنسان، وللأسف، لم أتمكّن من قراءة كلّ القصائد، ولكن حين كنت أقرأ القصائد، كنت أعيد قراءتها مرّتين وثلاث، وفي كلّ مرّة يلفت نظري شيء مختلف، فهل أرادت الشاعرة أن تُركّز على هذا أم على ذاك؟ على النتيجة؟ على بداية القصيدة أم على نهايتها؟ وهذا ما يُحسَب حقيقة لها، فكما قلت إنّ الموضوع الثاني متعلقٌ بالأوّل، ويجعل الإنسان يعيش أفكار ومخيّلات، فهذا الديوان غارق في الخيال والمشاعر والأحاسيس والعواطف الجياشة، فمثلًا تقول ص12: 
فِي عَبِيرِ نَهْدَيْكِ .. أَسُووووووحُ
فيُمْطِرَانِنِي شَوْقًا .. يَتَّقِدُنِي
وَأَذْرِفُكِ .. عِطْرًا مُتَفَرِّدًا
وهناك قضيّة أخرى وتُحسَبُ لها في مجتمعنا، حتّى ولو لم يتّفق بعضنا معها، هي الجرأة الواضحة ودون ابتذال، فنحن لا يوجد لدينا هذا، ومن وجهة نظري، هذا من الخطأ الشائع أن نقول: هذا أدبٌ ذكوريّ وهذا أدب نسويّ، فالأدب هو أدب، فلماذا مسموح لهذا أن يكتب، ولذاك أن لا يكتب؟ وهذا ما يجعلني أقول ما قاله نزار قباني، عندما اتُّهِمَ في شعره وقيل له: هل تريد أن تحرّر المرأة بهذا الشعر؟ قال: ببساطة، في أيّ أسرة عربيّة، لو كان هناك عندها ابنان، وارتكب الابنان نفس الخطأ، فهل سيعاقبان نفس العقوبة؟ طبعًا لا، فهذه ينزل عليها الغضب، وذاك يُطبطب على ظهره! فهذا هو واقعنا وهذا هو مجتمعنا.
وقضيّة أخرى طرحها الديوان هي التساؤلات الكثيرة، فهل ذلك يُدرَس من باب الأسلوبيّة؟ الأسلوبيّة الإحصائيّة هي التي تجيب عن مثل هذا التساؤل، وأحيانًا لا توجد إجابات، فكنت أتوقّع أن أقرأ في القصيدة أكثر، وإذا بالقصيدة انتهت! وهنا تأتي مسؤوليّة المتلقي ودوره، وهذا بحاجة إلى وقت، وليس فقط إلى ساعات.
وهناك أيضًا البحث عن المجهول، والخوف من المجهول أيضًا ما لمسته في القصائد، وأحيانًا أجد الأنثى تسوح في دائرة وفي فراغ، وهذا الأمر أدّى إلى كثرة التساؤل، وأدّى إلى كثرة أدوات النفي أحيانًا، لذلك؛ نجد الديوان مليئًا بالشيء والشيء المضادّ، وهذا بحاجة لتفسير نقديّ وجهدٍ كبير، لذلك وكما قلت: الديوان "أدموزك وتتعشترين" يستحقّ منّا الكثير، وأنا تعهّدت أمامكم أن يكون له صدر يليق بكم في القريب العاجل، فهذا حقيقة ما استطعت أن أقرأه في القصائد الأولى من الديوان، فأشكركم على حسن استماعكم، وأهلا وسهلا بكم مرّة ثانية.
مداخلة فراس الحاج محمد: آمال عوّاد رضوان وحضورها في المشهد الثّقافيّ الفلسطينيّ:
عند الحديث عن المشهد الثّقافيّ على امتداد التّاريخ الفلسطينيّ الحديث نجد أن للمرأة المبدعة حضورَها المتميز واللافت للنّظر، حضوراً يستحقّ المناقشة والتّأمُّل، ووضعَه في سياقه الثّقافيّ الّذي يجب أن يكون عليه. فثمّة شاعرات وروائيّات وباحثات ومترجمات أغنين الحركة الثّقافيّة الفلسطينيّة، من سلمى الخضراء الجيوسي وفدوى طوقان وسميرة عزّام وسحر خليفة، وصولا إلى الحضور النّسائي الحالي في المشهد الثّقافيّ الفلسطيني من سلمى جبران وهيام قبلان وفاطمة ذياب، وبالتأكيد الشّاعرة والنّاشطة الثّقافيّة المتوهّجة دائما في صلب العمل الثّقافيّ المتنوّع الشّاعرة آمال عوّاد رضوان. لا شك في أنّ الحديث عن حضور الشّاعرة آمال عوّاد رضوان في المشهد الثّقافيّ الفلسطينيّ سيكون طويلا – لكنّني سأختصرُ- نظرا لتعدُّد نشاطات الشّاعرة في التّأليف الشّعريّ، وما يصاحبه من أنشطة داعمة من أمسيات شعريّة، وحفلات إطلاق الكتب والمشاركة في النّدوات ذات العلاقة وإغناء المشهد الثّقافي العامّ، والشِّعريّ على وجه الخصوص، ويكتسب حضور الشّاعرة آمال عواد رضوان أهميّة خاصّة كونها من الأصوات المميّزة في فلسطين، ولا تتوانى عن المشاركة بالأنشطة الثّقافيّة التي تنظمها المنتديات والمراكز الثّقافيّة في الشقّ الثّاني من فلسطين، لتكون جزءا أصيلا من مشهدنا الثّقافيّ المتنوّع الّذي لا يعترف بالتّقسيمات الزّمنيّة الاحتلاليّة ولا يخضع لشروط الاحتلال المُكَنْتِنَة للحالة الفلسطينيّة الجغرافيّة والسياسيّة.
أنجزت الشّاعرة آمال عوّاد رضوان إلى الآن أربعةً من الدّواوين الشّعريّة، لن يكون آخرها ديوان "أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرين"، فقد سبقه عدّة إنجازات شعريّة لاقت قبولا لدى النُّقاد والقرّاء، وهي: بسمةٌ لوزيّةٌ تتوهّج، وسلامي لك مطرًا، ورحلةٌ إلى عنوانٍ مفقود، كما أن للشّاعرة كتاب مقالات، وفي مجال البحث الاجتماعي فقد أعدّت كذلك كتابا بعنوان "سنديانة نور أبونا سبيريدون عوّاد"، وكتابا في التُّراث الثّقافيّ الفلسطينيّ، بعنوان "أمثال ترويها قصص وحكايا"، وقد شاركت مؤلفين آخرين بتأليف كتب مهمّة، لها قيمتها الإبداعية وهي "الإشراقةُ المُجنّحةُ" لحظة البيت الأوّل من القصيدة، ويشكّل الكتاب شهادات لـ 131 شاعراً من العالم العربيّ، وكتاب "نوارس مِن البحر البعيد القريب"/ المشهد الشّعريّ الجديد في فلسطين المحتلّة 1948، والكتابان بالاشتراك مع الشّاعر محمّد حلمي الرّيشة، رئيس بيت الشّعر في فلسطين، وأمّا الثّالث، فكتاب "محمود درويش/ صورة الشّاعر بعيون فلسطينيّة خضراء"، وشاركها في الإعداد والتّحرير غير الشّاعر الرّيشة أيضا الشّاعر ناظم حسُّون.
هذا الإنجاز المتعدّد والمفتوح الأفق على الشّعر وعلى التّجارب الشّعريّة المعاصرة، منح الشّاعرة أفقا شعريّا متحرِّرا من القوالب الشِّعريّة القديمة، وجعلها تكتب القصيدة بتقنيّات مختلفة، ليست تلك القصيدة السَّهلة المباشرة العاطفيّة المستندة على البوح الأنثويّ الفجّ، ولكنّها القصيدة الحيويّة الدّافعة للقراءة والتّأمّل، وتفتح مجالات واسعة من الرّؤيا والتّأويل في الدّراسات النّقديّة أو المقالات الانطباعيّة الّتي أنجزت حول هذه التّجربة الإبداعيّة. ولا شكّ في أنّ هذا الإنجاز الشّعريّ بخصوصيّته الإبداعيّة قد التفت إليه النّقاد فكتبوا عن المنجز الإبداعيّ للشّاعرة آمال عوّاد رضوان، فتناول تجربتها الإبداعيّة نقّاد من فلسطين والعالم العربي، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر أ.د. فاروق مواسي، والدّكتور محمّد خليل، والأستاذ عبد المجيد جابر، وعلوان السّلمان، كما أعدّ الشّاعر الإيرانيّ جمال نصاري كتابا عن الشّاعرة باللّغة الفارسيّة بعنوان "بَعِيدًا عَنِ الْقَارب". ويتبع ذلك الحضور النّقدي الّذي تجاوز المقالات الانطباعيّة إلى الاحتراف النّقديّ ترجمة العديد من القصائد إلى اللّغة الإنجليزيّة والطليانيّة والرومانيّة والفرنسيّة والفارسيّة والكرديّة.
ولم يقتصر حضور الشّاعرة آمال عوّاد رضوان على الشّعر تأليفًا واشتباكًا نقديّا وترجمة، بل امتدّ نشاطها ليشمل مجالات ثقافيّة أخرى، فهي صحفيّة وناشطة ثقافيّة، ومحرّرة في موقع الوسط اليوم، وتشارك في الأنشطة الثّقافيّة الّتي تعقدها المؤسسات والنّوادي الثّقافيّة، كنادي حيفا الثّقافيّ والمجلس الملّيّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ، واتّحاد الكرمل للأدباء الفلسطينيين ومنتدى الحوار الثّقافيّ، وغيرها، لتترك بصمتها في كلّ لقاء سواء كان ذلك في إدارة اللقاء أو تقديم أوراق نقديّة، أو إعداد التّقارير الصحفيّة الّتي تعرّف بتلك الأنشطة. واستكمالا للحديث عن هذا الجانب في شخصيّة الشّاعرة آمال عوّاد رضوان الثّقافيّة دخولها إلى عوالم الكتاب والمؤلفين عبر حوارات أدبيّة وفكريّة موسّعة، فحاورت العديد من الكتّاب كما حاورها كثير من الصحفيين والكتّاب، وهذا النوع من النّشاط الثّقافيّ لا يستطيعه أي مثقّف أو كاتب لما له من أسس وقواعد وأصول، ليس أدناها أهمية صوغ الأسئلة وإدارة دفّة الحوار، وإنّما المعرفة العميقة بالكاتب وميّزاته الإبداعيّة، وإشكاليّاته الفكريّة والجماليّة، لذلك فإنّ لكل حوار خصوصيّتَه ومجاله حتى وإن تكرّر مع الكاتب نفسه مرّتين أو ثلاثة.
كلّ ذلك النّشاط الثّقافيّ للشّاعرة آمال عوّاد رضوان جعلها حاضرة بقوّة في المواقع الأدبيّة الإلكترونيّة الرّصينة، وفي متون الصحف والمجلّات العربيّة، لتكون علامة ثقافيّة بارزة في الصّحافة والملاحق الثّقافيّة التي توثّق الحركة الثّقافيّة المعاصرة عربيّا وفلسطينيّا، وصوتا شعريّا باذخ الإحساس إبداعيّ الجمال. بكلّ تأكيد لم نؤدِ كلّ الحقّ في التّعريف بالحضور الثّقافيّ المتميّز للشّاعرة والكاتبة والصّحفية والنّاشطة الثّقافيّة آمال عوّاد رضوان، ولكن كما قال الأسلاف: ما لا يُدركُ كلّه لا يترك جلّه، مع تمنياتنا للشاعرة والصديقة آمال عوّاد رضوان بالتوفيق والألق الدائم والحضور الجماليّ البهيّ.
مداخلة آمال غزال: سلام يليق بحضوركم الأبهى. أتقدّم بشكري الجزيل  للجامعة العربيّة الأمريكية بأسرتها التدريسية وكافة موظفيها والعاملين بها، والشكر للدكتور محمد دوابشة، والشكر موصول للجندي المجهول أ. سعيد أبو معلّا  الذي رافقني خطوة بخطوة لإتمام هذا المهمّة.
يابسة سماواتي! قالت فأعلنت انتصار الأمكنة، ولن تسلّم جوفها لليأس، ولغيلان دونكي خوت. لن تتراءى كليْل الغربة في الأرض الفقيرة بالأغنيات والعشق، بل سيشتعل في طهر روحها نار الحبّ، ونور الحياة، لتسترق زهزة لوز متوهّجة في ساعة انتظارٍ على رصيف يمتلئ بالمارّة، فتحملنا إشراقاتها المُجنّحة في رحلة إلى عنوان مفقود يتوشّح بالمجهول الأنيق، له رائحة المكان الأخير، ونسيم حيفا وآهات الجليل، وبكاء أشلائنا الممزقة على خرائب الأحلام .
كنا نتساءل: متى سنختلس العشق من أرواحنا الجافة؟ فتأتي الإجابة المتأنّية الهائمة بطعم ولون ممتزجٍ بحكايا وهمس على لسان عشتار؛ عشتارُ التي جمعت أناقة الحرف ولبّ المعنى، لتجدل لنا العشق قصائدَ ملفوفة بالحرير، عشتار التي أنجبت من حبّها للحلم والشعر مناهجَ تُدرّس للحالمين، فسلامي لك مطرًا أيّتها الشاعرة الصديقة آمال عوّاد رضوان، ودَعي سلامك لنا شعرًا، أمطرينا وتعشتري في جبّ أرواحنا كما تشائين، ولأنّ الإبداع يستحقّ الاحتفاء والتكريم، فنقدّم درعًا تكريميًّا للشاعرة آمال عوّاد رضوان، ونشكرها ونشكر كلّ من حضر، وسمح لقمر سعادتنا أن يكتمل، وكم وددنا لو نطرّز من خيوط الشمس التي لا تأفل كلماتِ عرفان وجميل، على الجهود المبذولة لنجاح هذا اللقاء..


25
المنبر الحر / حيفا وأدب السجون!
« في: 13:24 19/11/2016  »
حيفا وأدب السجون!
آمال عوّاد رضوان
برعاية المجلس الملي الأرثوذكسي الوطني في حيفا، أقام نادي حيفا الثقافيّ أمسية ثقافيّة نوعيّة، احتفاءً بالباحثة د. لينا الشيخ حشمة، وإشهار بحثها الأكاديميّ "أدب السجون في مصر سوريا والعراق"، وذلك بتاريخ 17-11-2016 في قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان الأرثوذكسية الحيفاوية، ووسط حضور كبير من المثقفين والأقرباء والأصدقاء، وقد رحّب المحامي فؤاد نقارة بالحضور والمشاركين وعرض برنامج النادي للقاءات القريبة، ثم تولت عرافة الأمسية خلود فوراني، وتحدث عن أدب السجون كلّ من: د. محمد صفوري، والمحامية عبير بكر، وأنهت اللقاء بكلمة شكر وتوضيح المحتفى بها، وتمّ التقاط الصور التذكارية أثناء توقيع البحث.
مداخلة د. محمد صفوري بعنوان: حشمة تتويجٌ للبحوث الأكاديميّة الراقية: إنّ المحتفى بها هي الدّكتورة لينا الشيخ- حشمة، تربطني بها علاقات متنوّعة، فهي أوّلًا طالبتي، ثمّ قريبتي، وزميلتي في العمل، وفوق كلّ ذلك لأنّي أعتبرها النّموذجَ الحيَّ للمرأة العربيّة العصاميّة التي تعقد العزم على الوصول إلى هدفها، مهما تجشّمت من العقبات والصّعاب. يقول الدّكتور غازي القصيبيّ في روايته "العصفوريّة": "النقّاد والحلّاقون يجمعهم حبُّ الثرثرة والارتزاق من رؤوس الآخرين". ويضيف البروفيسور إبراهيم طه: "النقد لا يورث إلّا الجوعَ والفقرَ، ليس هذا فحسب، بل يورث العداوةَ أيضًا". قد أتّفق مع كليهما إلى درجة كبيرة، لكنّي أرى أنّ ثرثرة الناقد إذا كانت موضوعيّةً وفي صميم العمل تعود على العمل وصاحبه وقرّائه بالنّفع الكثير، دون أن يبالي بما يلحق به من عداوة غير مبرّرة، عندما يأتي النقد صريحًا وبعيدًا عن العلاقات الشّخصيّة.
أقول قولي هذا معلنا أنّ ما سأقوله عن هذا البحث لا يمتّ بأيّ صلة لعلاقتي بمنتجته، إنّما هو نتيجة ما ينضحُ به البحث، كما أنّني لا أخشى العداوة، لمعرفتي بحلم الباحثة ومقدرتها على التّمييز بين ما هو موضوعيّ وما هو شخصيّ، فاسمحوا لي قبل الشروع في الحديث عن البحث أن أوجّه أعطرَ التحيات وأحرَّها لكلٍّ من مجمع القاسميّ للّغة العربيّة في باقة الغربيّة، ومكتبة كلّ شيء وصاحبها الأخ صالح عبّاسي على هذه الحُلّةِ القشيبةِ والإخراج الرّاقي للكتاب المنسحب على كلّ عناصر،ه وقد تآلفت معًا لتقدّم للقارئ هذه الدّرّة الثّمينة.
وصف البحث: وبعد، فقد حمل البحث اسم "أدب السجون في مصر، سوريّة، والعراق – الحرّيّة والرقيب"، تعرضُ فيه الباحثة لأدب السجون في هذه الأقطار العربيّة الثلاثة، منذ النصف الثّاني من القرن العشرين وحتّى نهاية العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، وتجعله في ثلاثة فصول رئيسيّة؛ الأوّل نظريّ والآخران تطبيقيّان. في الفصل الأوّل تناقش الحرّيّة الإبداعيّة وعلاقتَها بالثّالوث المحرّم؛ السياسة، الدين والجنس، متطرّقةً لسلطة الرقيب في هذه المجالات الثّلاثة، والآليّات الرقابية المختلفة التي يمارسها؛ من ملاحقةِ الأدباء، سجنهم، منع نشر إبداعهم ونحو ذلك، ثمّ تعرّج للحديث عن أدب السجون الذي يُكتَبُ في السجن، أو عن السجن، ويصوّر ما يعانيه المظلومون تحت وطأة الظلم، الاعتقال، الأسر، النفي والتشريد. في الفصل الثّاني تعالج أبعاد أدب السجون خارج النصّ الأدبيّ، راصدة علاقة النظام السّائد في الدول المذكورة بالإنسان المثقّف، وتجارب الأدباء الشّخصيّة، وتتطرّق في مصر للحديث عن ثلاثة عهود؛ عبد الناصر، السّادات، ومبارك. وفي سوريّة تتناول عهد حافظ الأسد وابنه بشار، وتجعل حديثَها في العراق عن عهد صدّام حسين وما سبقه من استيلاء حزب البعث على الحكم في سنوات الستين من القرن العشرين. في هذا الفصل توضّح أساليب القمع والسجن مفصّلة سلطة الرقابة بأنواعها الثّلاثة؛ السياسيّة، الدّينيّة، والاجتماعيّة في الدّول الثلاث، وتخصّ المرأة بباب تتحدّث فيه عن المرأة وحرّيّتها الإبداعيّة في تلك الدول، وممّا يثير الاستهجان في هذا المقام هو حقيقة عدم مصادرة نتاج أي كاتبة عراقيّة، لماذا؟ لأنّها لم تجرؤ على الكتابة في العراق، وآثرت الهجرة والكتابة في المنفى، ومثلها فعلت الكاتبة السوريّة، لكن بنسبة أقلّ.
أمّا في الفصل الثّالث وهو لبُّ البحث، فتعالج مضامين أدب السجون وتقنيّاته الفنيّة، حسبما أفرزته النّصوص الأدبيّة المعتمدة في البحث، وعددها أربع وثلاثون بين رواية وسيرة ذاتيّة لمختلف الكتّاب والكاتبات من الدول المذكورة، وقد رصدت في هذا الفصل آليّات القمع والسجن كما تجلّت في النصوص الأدبيّة المدروسة، العلاقة بين السجان/ السجن والسجين، الشّخصيّات؛ الجلّاد، المحقّق، السجان، السجين، ثمّ صور التعذيب الجسديّ والنفسيّ، ثمّ تحوّلت لدراسة المستويات الفنيّة في أدب السجون وما يستخدمه من آليّات، كالتّناصّ، الميتا كتابة، اللا بطولة، الزمكانيّة، النهايات، اللغة والحوار ونحو ذلك، وعلى غرار ذلك تنهج في تناولها لأدب السجون الذي أنتجته المرأة العربيّة، وتنهي البحث بإجمال لما توصّلت إليه في بحثها، مثبتة قائمة جداول، تليها قائمة بالمصادر والمراجع المعتمدة في البحث.
نتائج البحث: توصّل البحثُ إلى نتائجَ حاسمةٍ جدًّا أبرزها؛ تأكيد سقوط مقولة "إنّ حرّيّة الكلمة هي المقدّمة الأولى للديموقراطيّة" التي طالما تغنّينا بها وردّدناها مع الرّئيس جمال عبد النّاصر ، إذ يؤكّد البحث غياب الحرّيّة بصورة عامّة، والحرّيّة الإبداعيّة بصورة خاصّة في كلٍّ من مصر، سوريّة، والعراق، ويضيف أنّه رغم قتامة الصّورة في هذه البلاد، تظهر مصر أكثر دولة ليبراليّة مقارنة بسوريّة والعراق، إذ يلاحَقُ فيهما الأدباء، يعذّبون، ويختفون، ويبقى مصيرُهم مجهولًا؛ نتيجةَ التفاوت في نظرة الحكّام. أمّا في مصر، فكثير من الكتّاب يبرِّئون ساحة عبد الناصر، ويَعزون سوء معاملة الكتّاب وملاحقتهم للنظام كلّه. أدّت مصادرة الحريّات في هذه الدول الثلاث إلى تغيير مفهوم مقولة "مصر تكتب، بيروت تنشر، وبغداد تقرأ"، وصار مفهومُها في الستينات: "أنّ ما يكتبه المصريّون يُنشر في بيروت، ويُقرأ في العراق"(ص22)، وفي هذا بيان واضح لطغيان الرقابة والقيود المرفوعة في وجه الكتّاب، ممّا جعل لويس عوض يطلق على هذه الظّاهرة "عمليّة الفرار الجماعيّ".
أبرز أنواع الرقابة هي الرقابة السياسيّة، ثمّ الرقابة الاجتماعيّة، فالدّينيّة. أمّا العلاقة بين المثقّف والسلطة فمتوتّرة في الدول الثلاث، إذ يُعتبر المثقّفُ صوتًا محرِّضًا ضدّ السلطة، وعليه فهي تلاحقُه، تصادر كتبَه، تمنعه من النشر، تعتقله، تعذّبه وأفرادَ أسرتِه، ولا تتركُ أيَّ وسيلة لترويضه أو التّخلّصِ منه. نتيجة ذلك وجد المبدع نفسه أمام ثلاثةِ خيارات؛ إمّا مراضاةُ السلطة بتفعيل الرقيب الذّاتيّ، أو كبتُ الرقيب الذّاتي والكتابةُ بحرّيّة متحمّلًا عوائق رقابيّة، أمّا الخيار الثّالث فهو  رفضُ الخضوع للسلطة والتمرّد عليها رغم ما يَنتجُ عن ذلك من ملاحقة، تشريد، سجن، ونحو ذلك. وتجدر الإشارة إلى أمرين؛ أحدهما أنّ كثيرًا من الكتّاب غيّروا مواقفَهم وآراءَهم بعد الإفراج عنهم، والثّاني أنّ قوانينَ الرقابة في هذه الدول مطّاطيّةٌ، فما يُمنعُ اليومَ، يسمح به غدًا، وما يُصادَر في مصر، يتمّ نشرُه في سورية، أو العراق؛ لعدّة أسباب أبرزُها العلاقة المتوترة بين أنظمة تلك الدول.
ترى الباحثة أنّ العراق أشدُّ الأنظمة ملاحقةً للكتّاب، الأمر الذي دفعهم للهجرة والعيش في المنافي، ولم تبتعد سوريّة كثيرًا عن العراق، وتتميّز مصر  بوجود مؤسّسة دينيّة عليا هي الأزهر، ممّا أتاح الحضورَ للخطاب الدّينيّ الإسلاميّ ، فزاد الرقابةَ الدينيّةَ حدّةً، وهو أمر لم يكن في سوريّة والعراق، وتشير إلى أنّ أوّل تعامل رقابيّ في مصر كان زمن الخديوي إسماعيل باشا عام 1870 ضدّ مسرحيّة يعقوب صنوع "الضَّرّتان"؛ بسبب تعريضه بمن يتزوّج بأكثرَ من امرأة، بضمنهم الخديوي الذي خرج غاضبًا بعد أن أنّب صنوع، فشرعت السلطة بملاحقة الكتّاب، وسنّت قانون المطبوعات المعادي للديموقراطيّة عام 1881م. يعتقد صبري حافظ أنّ لرواية السجن جذورًا تاريخيّةً منذ عصر الاستعمار، أمّا متتياهو  بيلد فيرى أنّ بداية أدب السجون في العصر الحديث ظهر في الأدب العربيّ مع بداية سنوات السبعين من القرن العشرين، معتبرًا رواية اللّصّ والكلاب نموذجًا، وتلاحظ الباحثة أنّ أدب السجون ليست ظاهرة مقتصرة على الأدب العربيّ، إذ انتشر  من قبلُ في الأدب الغربيّ لكنّ الغربَ لا يعاني من ظاهرة القمع الشموليّة المنتشرة في العالم العربيّ، ويعلّقُ فيصل درّاج على ظاهرة الرقابة في العالم العربيّ معتبرا إيّاها شاهدًا على إخفاق الدولة وفشل دولة الاستقلال الوطني، فمن المفروض أن يكون الاستقلال مدخلًا إلى الحرّيّة والإبداع وتحقيق الذّات. ثمّ تورد الباحثة حقيقة دامغة تعلن فيها أنّ عدد الكتب المصادرة وصل إلى أكثر من ضعفي الكتب المسموحة، وأنّ 70% من الكتب ممنوعةٌ من المشاركة في معارض الكتب في تلك البلاد.
تجمل الباحثة ملامح أدب السجون بما يلي؛ *اللّجوء إلى التوثيق؛ لإدانة وفضح قمع النظام السياسيّ، وكشف الآليّات المستخدمة في قمع المواطن دون أن يردعها شيءٌ عن استخدام أيّ وسيلة كانت. *تسليط الضّوء على المواطن المقموع، خاصّةً السجينَ السياسيَّ المثقّف الدّاعي للتغيير. *وصف دقيق للسجن وأهواله، عنف الجلّادين ووحشيّتهم مقابل إصرار السجناء على مواقفهم. *اعتمد كتّاب السيرة على تسجيل الوقائع وتوثيق الأحداث التاريخيّة عبر المذكّرات والشهادات واليوميّات وهو ما يُعرَف بالأدب التسجيليّ، بينما لجأ كتّاب الرواية إلى البعد التخييليّ الروائيّ المستمدّ من تجارب واقعيّة، مع لجوء بعضهم إلى الخطاب السرديّ المهجّن من السيرة والرواية أو ما يعرف برواية السيرة الذّاتية. *هناك ملامح مشتركة بين أدب السجون والأدب النِّسْويّ؛ فالمرأة في كتابتها تتحدّى السلطة الذكوريّة مؤكّدةً على قيمة الكتابة في حياتها، وكاتب السجن يتحدّى السلطة مؤكّدًا على قيمة الكتابة في الانعتاق والتحرّر من آلام السجن والكشف عن قمع السلطة، فكلاهما أدب ثائر في وجه من يصادر الحرّيّة. *يوظّف أدب السجون آليّاتٍ فنيّةً متنوّعةً في سبيل تهشيم الأنساق الكتابيّة التقليديّة، والاتّكاء على تيّار الحداثة وما بعد الحداثة ومن ذلك؛ اعتماد صورة اللا بطل، تقويض الحبكة التقليديّة، تقطيع زمانيّ ومكانيّ، تعدّد الأصوات الروائيّة، الإكثار من الرمز، الغموض، الإغراب، المفارقة، والتناصّ، إضافة لتكثيف آليّات تيّار الوعي Stream of Consciousness"" مثل؛ المونولوج، الاسترجاع، الحلم، والتداعيات، ويستعير أليّات من عالم الفنّ كالتصوير الفوتوغرافيّ، الرّسم، المسرح، السينما، الشعر، الكولاج، ويكثّف من ظاهرة الميتا– كتابة "Meta – Writing"، أي الكتابة عن الكتابة، فلا يدّخر أيَّ آليّة من شأنها أن تسهمَ في الخروج على الأعراف الأدبيّة التقليديّة، وبذلك يلتقي أيضًا مع الأدب النِّسْويّ كما قدّمنا.
تقييم البحث: *يرتقي بحث الدكتورة لينا إلى مستوى رفيع جدًّا، ولعلّ ذلك هو ما دفع محكّمي البحث لمنحها درجة راقية جدًّا، ولهذه الدّرجة ما يبرّرها ومن ذلك؛ أنّ الباحثة تتّبع منهجيّة أكاديميّة– علميّة تنسحب على كلّ فصول البحث وأبوابه، فتقدّم لبحثها بفصل نظريّ، ثمّ تعمل على تطبيقه في الفصلين التاليين، وتسهب في توضيح كلِّ صغيرة وكبيرة، ليأتي بحثُها شاملًا  وصفيًّا وتحليليًّا تتوخّى فيه التفصيلَ الكثير  دون أن تتنازل عن الغوص إلى أعماق البحث.
*لا تترك الباحثة أيّ فكرة أو معلومة عائمة على سطح بحثها، إنّما تعمد إلى دعمها بآراء الدّارسين، دون أن تكتفيَ برأي واحد يتيم، بل تورد أكثر من رأي لخبراءَ وذوي العلم بالأمر، لتثبت الفكرةَ مرّة أو  تنفيها مرّةً أخرى، وفي كثير من الحالات تعمد إلى تضمين رأيها في الموضوع، ومن ذلك ما ذكرته من مقارنة الكاتب مصطفى أمين بين فترات الحكم في مصر، إذ يقول: "إذا غضب عبد الناصر قصف العمر، وإذا غضب السادات قصف القلم، وإذا غضب مبارك اكتفى باللوم والعتاب" فتعلّق قائلة: "إلّا أنّنا نخالفه الرأي بالنسبة لحسني مبارك الذي لم يكتفِ باللّوم كما أشرنا، بل كان قامعًا مستبدًّا لكلّ رأي مخالف لسياسته، ساعيًا إلى تدجين المثقّفين وتهميشهم، وإسكاتهم"، ثم تشير إلى أنّ مرجع ذلك برأيها أنّه أصدر كتابه في عهد مبارك، فلم يجرؤ على فضح قمع النظام وممارساته (ص42).
*يعكس البحث اطّلاعا واسعًا على الأدب العربيّ الحديث بصورة عامّة، وأدب السجون بصورة خاصّة، إضافة لمضامين أخرى متعلّقة بالموضوع كالأحداث التّاريخيّة، أو آراء الدّارسين من العالمين الغربيّ والعربيّ، ونحو ذلك، فتسهب في تفصيل تلك الأمور في هوامش البحث معتمدةً فنيّةً ونهجًا موحّدًا في عرض تلك الأمور، فتضيء بذلك زوايا كثيرة من شأنها أن تثريَ معلوماتِ القارئ.
*تخصُّ الباحثة المرأةَ العربيّةَ ببابين، الباب الرابع من الفصل الثّاني، والباب الثّاني من الفصل الثّالث، وقد يؤخذ عليها هذا الأمر، إلّا أنّنا نجد خصوصيّة للكاتبة العربيّة في الأقطار العربيّة تستدعي الحديثَ عن ظروفها ونتاجها؛ فمعاناتُها كانت مضاعفةً، إن لم تكن مثلّثة؛ فقد لوحقت المرأةُ الكاتبةُ من قبل السلطة كالرّجل، وفرض المجتمعُ الذّكوريُّ عليها ما يسمى "ثقافة الصّمت" فمنعت عن الكتابة أو النشر، ورأى فيها قادة المجتمع وعامّة النّاس مصنعًا لإنجاب الأطفال. وفي هذا المقام لا بدّ من استرجاع ما ذكرته الباحثة، في سياق معالجتها وضعَ الكاتبةِ العراقيّةِ وممارسات النظام ضدّها قائلة "فرض صدام حسين على كلّ امرأة أن تنجب خمسة أطفال على الأقلّ، معتبرًا أربعة فما دون، مؤامرةً على الأمن القوميّ، وشجّع الأرامل على الزّواج، وسمح بتعدّد الزوجات دون تحديد، بل ومنح مَنْ يتزوّج أرملة مكافأة ألفي دينار"(ص214). من أجل ذلك عرضت الباحثة لاثنتين وسبعين كاتبة من الدول الثلاث موضّحةً ما أحاط بهنّ من قمع، سجن، وهجرة كالرّجل، ثمّ وجدت علاقة طرديّة بين أدب السجون والأدب النسويّ، فكلاهما يقوم على التمرّد والثورة مع التأكيد على قيمة الحريّة في التّحرّر من سطوة المجتمع الذكوريّ، وعذاب السجن، وقد جمعت بين الأدبين في الآليّات الفنيّة الموظّفة فيهما، فأضافت بذلك بعدًا آخر للبحث.
*تذيّل الباحثة دراستها بثمانية جداول قيّمة جدًّا؛ لما تعكسه من الجهد المبذول في إعدادها، فتتيح للقارئ الاطّلاعَ السريعَ على مضمون البحث وآليّاته، وتعمد من ناحية أخرى إلى إثبات ما ذهبت إليه من آراء اعتمادًا على ما أفرزه بحثها، وهي تتقصّى مضامينَه وآليّاتِه. حقًّا  إنّه جهدٌ مضنٍ لكنّه ينطوي على فائدة كبيرة يمنح البحث وصاحبته كثيرا من التقدير والاحترام.
في اعتقادنا أنّ ما اعتمدته الباحثة من روايات، سير ذاتيّة، مصادر ، ومراجع أسهم كثيرا في منحها تلك الدرجة التي أشرنا إليها، إذ تناولت أربعًا وثلاثين رواية وسيرة، تقصّت فيها مضامينَ وآليّاتِ أدبِ السجون وملامحَه البارزةَ، متّكئةً على كمّ هائل من المصادر العربيّة، الإنجليزيّة، العبريّة، إضافةً للمقالات الكثيرة، ومواقع الإنترنت، ومما يزيد في الإعجاب بهذا البحث أنّ معظم مصادرها حديثةٌ جدًّا، صدرت ما بين سنة الألفين إلى العقد الثّاني من القرن الحادي والعشرين، وهذا ما يميّز بحثها عن بحوث ودراسات سابقة.
قد يأخذ بعض الدّارسين على البحث ظاهرة تكرار الحديث عن ظاهرة ما، أو عمّا لحق بكاتب معيّن من مظاهر القمع، ونحو ذلك، لكننا لا نرى ضيرًا في ذلك، لأنّ طبيعةَ البحث، فصولَه، أبوابَه، وتفريعاتِه تقتضي مثلَ هذا التكرار ، في سبيل نفي أو إثباتِ فكرةٍ معيّنة،  وكثيرا ما ابتعدت الباحثة عن التكرار عندما  لم تجد فائدةً أو حاجةً لذلك، مثلما نهجت وهي تعالج أساليبَ وتقنيّاتِ كتابةِ المرأة عن أدب السجون، إذ أشارت أنّ هذه الأساليب والتقنيّات لم تبتعدْ عمّا وجدَتْه في أدب السجون لدى الرّجل(ص 415).
وتبقى لنا بعض الملاحظات على هذا البحث الرائد في جدّيته وحداثته منها أنّ الباحثةَ غفلت عن توضيح المقصود بالمصطلح المنحوت "حدتو" ، وهو اختصار للحركة الديموقراطيّة للتحرّر الوطني في مصر، رغم تردّد ذكره داخل البحث مرّاتٍ عديدةً، وهو مصطلح  يُعتبرُ امتدادًا لمصطلح "حمتو" أي الحركة المصريّة للتحرّر الوطني، وشقيقتها حركة "حستو"، الحركة السودانيّة للتحرّر الوطني، وكان حريًّا بها توضيحُ الأمر. هذا إضافةً للمصادر التي أشدنا باستخدامها في البحث، لكننا لا نتّفق والباحثة في عمليّة ترتيب قائمة المصادر، ونرى أنها لو اتّبعت نهجًا آخر لكان أفضل، فتُدرجُ أوّلًا الرواياتِ والسيرِ المدروسة، تليها الكتب العربيّة، ثمّ مقالات الدّوريّات والصحف، فمواقع الإنترنت، ثمّ تأتي بالمصادر العبريّة، وتنهي القائمةَ بالمصادر الإنجليزيّة، وما يثير  التساؤلَ هو لماذا أثبتت الباحثة المصادرَ الإنجليزيّةَ باللغة الإنجليزيّة، ولم تفعل نفس الأمر مع المصادر العبريّة، بل أوردتها مترجمة إلى اللغة العربيّة؟!
لكن مهما يكن من أمر فإنّ هذا البحث يرتقي إلى مستوى رفيع جدًّا بكلّ مقوّماته، فيه تطلعنا الباحثة على ما يدور في الدول العربيّة من إزهاق لحريّة الإنسان عامّة، والحرّيّة الإبداعيّة خاصّة، حتّى غدت لفظة الحريّة كلمةً جوفاءَ مفرغةً من مضمونها. إنّ هذا العمل الجليل يدفع قارئَه إلى أن يحني هامته في حضرةِ باحثة في قامة لينا الشيخ – حشمة، حقًّا إنّه تتويج للبحوث الأكاديميّة الجديّة الرّفيعة المستوى. نبارك لك هذا العطاءَ، منتظرين جديدَك مستقبلّا، فألف مبروك.
مداخلة د. لينا الشيخ حشمة: الحضور الكريم، هذه ليلة يزِفّها حضورُكم قمراء، ويكسوها  بصبحِ أنواركم وبهاء، فتشرين الليلة، احتفاءً بكم خلع ستائر عتمته، وكشف سرائر بهجته، نظم قصيدة من قوافي الفرح، غزلها لأجلكم،  وبحبّكم قد صدح، فما كنت لأكون الليلة شيئًا إلّا بكم. وكم تزدان ليلتي بكم!
بدايةً أشكر جزيل الشّكر نادي حيفا الثقافيّ والمركز الملّيّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ، والقيّمين عليهما، وأخصّ بالذّكر المحاميَ فؤاد نقّارة وزوجته سوزي، والمحامي حسن عبادي وزوجته سميرة، فلكم جميعًا أقف إجلالًا وإكبارًا على عطاء لا يعرف كسلًا ولا عَذَلًا، وعلى جهد لا يدرك كللًا ولا مللًا. بوركتم وبورك عطاؤكم، ولن يفوتَني شكرُ السيّد فضل الله الذي يرعى هذا المكان بحبٍّ وجِدٍّ، وفّقك الله ورعاك. أمّا أنت عزيزتي خلود فوراني سريّة، منذ أن تعرّفت على هذا الصرح رأيت فيك حضورًا جميلًا وتألّقًا رفيعًا، فكانت كلماتك تخاطب سامعها بتغريدة راقية، برنينها رائعة. فأنت الكلمة العربيّة تعشقين، بحروفها تعزفين، وبألفاظها تغرّدين، فلك منّي أجمل كلمات الشّكر الجزيل.
أمّا العزيزة عبير، فلك منّي كلُّ الشّكر والتقدير على مشاركتك هذه الأمسية، فقد أضافت كلمتك عمقًا وجمالًا، وأضْفَت رونقًا وثراء، سُررت بالتعرّف إليك، وأرجو لك كلّ الخير والسّعادة، وأستاذي الجليل الدكتور محمّد صفوري، أقدّم لك عبق امتناني لأنّك كنت يومًا أستاذي، فالبعض يعلّمنا وننساه، والبعض يعلّمنا ونحيا ذكراه، أمّا أنت فمن أولائك الذين يمرّون في حياة تلاميذهم تاركين فيها عبقًا فريدًا وأثرًا جميلًا، تركت فيهم عشقك للغة العربيّة، وأمطرتهم من غيث معرفتك. كنت، ولا زلت، قدوة تحتذى، واعظًا حريصًا. أدامك الله ورعاك. كما أودّ أن أشكر عزيزًا واصل معي مشواري منذ اللقب الأوّل حتّى لقب الدكتوراه، مرشدي  البروفيسور إبراهيم طه، الاسمُ الساطعُ في عالم النّقد والأدب. لقد شاركني ثَمَرةً كان قد راقب نضوجها منذ حرفها الأوّل حتّى اكتمالها. فلك أسمى آيات الشكر والامتنان. ولن أنسى أستاذي العزيز د. باسيلا بواردي الذي كان سندًا رائعًا وذُخرًا لا ينتسى، فلك كلّ الشكر والتقدير لحضورك الليلة.
وبعد، هو تشرين يسكب أفراحه ويمنحها لقلوب ترقبّت، ولعيون بكت، ولنفوس صبرت. وهنا اسمحوا لي أن أوجّهَ كلمة لقلبين لم تسعفني الحياة يومًا أن أسمعهما من حروفي قبل الآن. وإن لم يكن الآن، فمتى إذًا؟ هما أمي وأبي/ أمي أبي/ هذه ليلتُكما قبل أن تكونَ ليلتي/ ولهذا بكُما أنا أحتفي/ فكلمةُ شكرٍ لا تكفي/ ودمعةٌ في العينِ لا توفي/ لا توفي فضلًا ولا حبًّا/ فيا أعزَّ الناسِ عندي وعلَيّا/ وكيف أنسى من أنا منّه حيّا؟!/ وكيف أنسى من أكرم علَيّا/ بحبٍّ يصدح علِيّا؟!/ في عيني أنا أحمل لكما قلبي وفيّا/ وعلى كفي أسكب عمري سخيّا/ أُهديه  لكما حبًّا نقيّا/ ثمّ أعزفه شكرًا جليّا/ فأنا دونكما لم أكُ شيّا.
أمّا زوجي الحبيب فأقول له عذرًا، ليس تأخير شكرك انتقاصًا ولا نسيانا، بل أنت تدرك أنّ الدّمَ في عروقي قبل لُقيانا. درك أنّ نفسي قد كانت قبل أن أراك، ولكنّ نبضَ حبِّك سيكونُ للأبدِ خفّاقا، ومعاذَ الله أن أنسى حبًّا رويتني أو دعمًا منحتني من قلبك المشتاقا. ريما وباسل، ثمرتا رحمي، لكما أُهدي ثمَرةً من ثمار جهدي، فأنتما زهرتا عمري، عيناي في غدِ روحي. أما أنتم أخواتي وأخي وصِهري فلكم أقول: كنتم لي باقةً من الحبِّ والدعم، فأذني لحبّكم تسمع، وروحي له تخشع، ومنه لن تشبع. كما لن أنسى كلَّ قريبٍ محِبٍّ أو صديقٍ عزيزٍ جاء الليلة يرجو لي نجاحًا عظيمًا وحضر داعمًا فخورًا. فاعذروني إن لم أعدّد  الأسماء،  فعيني الشاكرةُ وقلبي المحبُّ أجمل وأبقى من ذكر الأسماء. شكرًا لكم جميعًا.
لماذا؟ وكم من مرّة سئلت لماذا؟ لماذا اخترتِ عالمَ السّجون وقسوته؟ ولماذا تخترقين الثالوث المحرّم؟ فقال بعضهم: "لَعلّك تخاطرين". وقال آخرون:  "هذا موضوعٌ يحتاج إلى تحدٍّ وجرأةٍ"، فكيف لهذه الأنوثةِ أن تبحثَ في هذا الشّقاء وتقرأ هذا العناء؟ وكم من مرّةٍ قيل لي: "لم أستطع قراءة تلك الرواية فكيف تحمّلتِ أنتِ كلَّ هذا العنف والقسوة؟ لا أخفي عليكم، كلّما سئلت ازددت تمسّكًا به، رغم ما كنت أعيشه من ألمٍ وغضب حين كنت أقرأ فظاعة هذا الأدب. أمّا إذا كان السؤال من رجل، متحدّيّا أنوثتي، زادني هذا إصرارًا وعزيمة. إذ أرفض التواطؤ في تثبيت نظرة استعلائيّة ترى بالمرأة عنصرًا قاصرًا وضعيفًا، وأسعى لأن أشاركَ في تشييع جثمان الخنوع والخضوع.
وقبلت التحدي، كيف لا؟ وهو موضوع جريء وغير ُمطروق، والأوّل من نوعه في العالم العربيّ والعالم بأسره لما حمله من فكرة وشموليّة وعمق واتّساع. وتبدأ حكايتي حين جئت مرشدي بروفيسور ابراهيم طه لأبدأَ كتابة أطروحة الماجستير، وهنا أذكر تمامًا أنّه اقترح عليّ موضوعين، كان أحدهما حول أدب السجون والثالوث المحرّم. حينها لم أفكر مرّتين، لا بشُحّ المصادر، ولا بصعوبة الوصول إليها، ولا بعوائق البحث، بل قبلت التّحدي لأنّني رأيت فيه الثالوث الذي يؤرّقني ويشغل قناعاتي ويصارعُ رؤياي، بدءًا بالسياسة، مرورًا  بسلطة رجال الدين والمجتمع، وصولًا إلى المرأة في ظلِّ مجتمع ذكوريّ سلطويّ. هكذا بدأت في بحث أدب السجون في دول الخليج، ثمّ انتقلت في أطروحة الدكتوراة إلى مصر وسورية والعراق. ولكنّ حكايتي لم تكن سهلةً أبدًا، إذ واجهت عناءً شديدًا في الوصول الى المصادر والمراجع، وأنا أعالج ما هو ممنوعٌ من النشر أصلًا، وما يقع تحت قهرِ الرقابة والمصادرة إذا نُشِر ثانيًا؟ وما بالُكم إذا كنّا نتحدّث عن شهاداتٍ ووثائقَ تكشف عن تجربة التعذيب في السجون، وأساليب القمع التي يمارسها النظام بحقّ شعبِه. هكذا أماطَ البحثُ اللِّثامَ عن أزمة الحريّة في الدول العربيّة، حيث يعيش المبدع العربيّ تحت وطأة قمع السّلطة ورقابات الثالوث المقدّس: السياسة، الدّين والجنس، ويصبح هامشُ الحريّة المتاحُ له ضيّقًا جدًّا. ولا غروَ في أن قال الكاتبُ يوسف إدريس: "إنّ الحريّة الموجودة في كلّ العالم العربي لا تكفي لكاتب واحدٍ."
وفي ضوء ذلك، يمسي أدب السجون أبرز نتاج لهذا القمع، فيكشف الأدباء الذين سجنهم النظام في مصر وسورية والعراق عن تجاربِهم، ويوثّقونها في ألوان أدبيّة عديدة. وأخذت كتابات أدب السجون تزداد يومًا بعد يوم، وتكشّفت لي العشرات من الكتب، ولكنّي، ولأنّي ملزمة بعدد معيّن من الصفحات، اكتفيت هنا بدراسة أربع وثلاثين رواية وسيرة ذاتيّة دراسة تحليليّة عميقة، إضافة إلى رصد عشرات الكتب الأخرى. كما رصدت تجارب ما لا يقلّ عن مئة كاتب من كلّ قطر، واثنتين وسبعين كاتبة من الأقطار مجتمعة، ليتجاوز البحث أكثر من خمسمئة صفحة. يؤكّد أدب السجون على إدانة هذا العصر؛ فهو عصر القمع والاضطهاد، عصر الزنازين والجلّاد، وانتهاك حقوق الإنسان. إنّه صرخة تكشف عن ظلم السلطات الغاشمة، متوسّلة الحريّة والديمقراطيّة، في بلاد يسودها منعُ الحوار والرقابة الصّارمة، في بلادٍ تمسي الفكرة لعنة على صاحبها، في بلاد تدفع الكلمةُ إلى المنفى أو السجن أو حتّى القتل.
في مصر، أدى تضارب المصالح بين الرؤساء الثلاثة: عبد الناصر والسادات ومبارك، إلى كشفِ الممارسات الرقابيّة ووضوحها. كما عاد ذلك بالفائدة أحيانًا على رفع سقف حريّة التعبير. فقد حاول كلٌّ منهم أن يبحث عن أدوات سلطويّة تناقض العهد الذي سبقه، مثلما فعل السادات بأن استخدم القوى الدينيّة كأداة مناقضة للقوى الماركسيّة والناصريّة، ولم يصادر شيئا من أدب السجون ممّا كتب عن عهد عبد الناصر، وذلك لأنّه وجد فيها ما يخدم دعاياته المضادّة للناصريّة. أما سورية والعراق فكان عهد حكّامهما ثابتًا لأكثرَ من ثلاثة عقودٍ متواصلةٍ، فباتت الرقابة أشدّ قمعًا، ليكتنفَ الغموضُ كلا البلدين بسبب الجهاز الرقابيّ والتعتيم الإعلاميّ الشديدين، ويُلاحَق الأدباء المعارضون ويسجنون أو يختفون ويغيّبون، وقد يعذّبون حتّى الموت. وتبقى معظم الحالات طيّ الكتمان، إلّا إذا نجح الكاتب في الهروب من الوطن مختارًا المنفى ملاذًا له. وهذا ما جعل البحثَ فيهما صعبًا جدًّا، وذلك بسبب قلّة الموادّ الذاتيّة السيرويّة التي تكشف عن حياة الأدباء وتجاربهم الشخصيّة، وقلّة المصادر بسبب منع النشر والمصادرة أو بسبب اضطرار الأدباء إلى وأد إبداعاتهم أو إخفائها خَشيةَ المصادرة والاعتقال. من هنا كانت أوروبا وأمريكا ملاذًا للكاتب ليعيشَ أوّلًا، ولينشرَ ثانيًا.
ولهذا لا غروَ في أنّ أعدادًا هائلة من الكتب التي اعتمدت عليها في بحثي قد صدرت خارج الأوطان، ولا عجبَ أنّني اضطررت إلى طلبها من جامعات أوروبيّة وأمريكيّة، الأمر الذي كلّفني أموالًا طائلة وعلى نفقتي الخاصّة. فأدركت كيف يتآخى العلم والفقر الماديّ في هذا الزّمان، لكنّي فرحت بمعرفةٍ إلى روحي نَفَذَت، ولم أحزن لأموالٍ نَفِدَت.
أمّا شهرزادُ، المرأة التي لازالت تحكي قصّتنا نحن النّساء، تحكي قصّةَ الطغاةِ من الذّكور، لا قصّةَ الرّجال، فشتّانَ ما بين الذّكور والرجال، فقد عانت من الرّقابات السياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة، ومورست عليها ضغوطٌ تجاوزت تلك التي مورست على الرجل، وذلك للواقع السياسيّ القمعيّ أوّلًا، ولأسباب جندريّة ثانيًا، حيث نظرة الرجل الاستعلائيّة وسطوة المجتمع القامعة لها بقوى الأعراف والموروث. وكثيرًا ما زجّت في السجن أو خضعت للمساءلة. لكنّ شهرزاد لم تعد تنتظر عدلًا، لم تعد رهينةً للرجل بأحلامها. وكيف تنتظر منه عدلًا وكلّهم ذكور؟ فالحاكم ذكر، والقاضي، والزوج، والأب، والأخ، والسّجان، فمن يصنع العدل إذًا؟  لم تعد شهرزاد تسكت عن القول المباح قبل طلوع الصباح. لم تعد شهرزاد تخشى سيف شهريار، ولم يعد يهمّها إذا تربّص بها عنترة العبسيّ خلف الباب، فعنترة لم يعد يصادرُ الأحلامَ من خزائنها أو يمارس الحَجْر  على عواطفها. لم تعد شهرزاد خانعةً خاضعةً، بل باتت تقول كلمتها بجرأةٍ بالغة.
لكنْ، اعذروني إنْ تراجعت قليلًا عمّا ذكرته آنفًا، فأنا وإن أعلنت انتصارَ شهرزاد إلّا أنّ معركتها لم تنته بعد، وكيف تنتهي معركتُها وشهريارُ بات يلبس عِمامةً أخرى، وبات في القرن الحادي والعشرين يحمل لها سيفين، سيفًا بقوّة الذّكورة، وسيفًا بقوّة التعصّب والتطرّف الدينيّ، وهو الأشدّ قسوةً وترهيبًا. الحقّ أقول لكم، أنا أخشى على شهرزادَ من سيف واقعٍ ملطّخٍ بالتعصّب والتطرّف. والحقّ أقول لكم، لا أخشى من هذا السيف على شهرزادَ فقط، بل بتّ أخشى منه على كلّ مثقّفٍ مفكّرٍ مخالفٍ لهؤلاء الذين يجادلون بالّتي هي أقمع، وليس بالتي هي أحسن.
يهمّني جدًّا أن أتطرّق قليلا إلى مسألة كان البعض قد ناقشني فيها، ممّن قرأ كتابي، وذلك بخصوص جمال عبد الناصر. صحيحٌ أنّني كشفت أوراقًا قد لا تروق لكثيرٍ ممّن أحبّ هذا القائد. لكن، صدقًا، لم يكن كشف هذه الحقائق سهلًا عليّ، فأنا كذلك ترعرعت في بيت يعشق عبد الناصر، في بيت له باع في السياسة، ولوالد كان ناشطًا سياسيًّا، حتى أنّه عندما أهديته كتابي خاطبني قائلًا: "بس متكونيش حكيت عن عبد الناصر". "أجبت: "لقد كتبت ما أملته عليّ الحقائق". قد تكون صورة عبد الناصر المعلّقة على الحائط في بيت جدّي حيث عشت السنوات الأولى من عمري، هي الصورة الأولى التي رأتها عيني ورسّختها ذاكرتي. ولا أنسى لحظات الأسى التي كانت تنتابني كلّما كشفت خطأ من أخطاء هذا النظام. كنت أخشى أن أقرأ ما قد يهزّ تلك الصورة المعلّقة على الحائط، وفي ذهني، فتسقط مثلما يسقط التاريخ.  لكنّي أؤمن بأنّه "لا بدّ من أن نخرج من بوتقة التقديس إلى دائرة المساءلة والمحاسبة الموضوعيّة، ينبغي علينا أن نصغي لصوت الواقع بعيدًا عن الحبّ الأعمى. أن نسائِل التاريخ عنّا، عن أمسِهِ، وعن غدِنا. علينا أن نتذكّر أنّ مساءلة أخطاء الماضي تصنع منّا مستقبلًا مشرّفًا. علينا أن نعترف أنّ هناك أخطاء قام بها نظام عبد الناصر، علمًا أنّ عبد الناصر نفسه سعى لأن يكون هو نظيفًا من كلّ خطأ، لكنّ نواياه الصادقةَ لم تسعفْه في حفظ حُكمه من الخطأ، لأنّه إنسانٌ لا إلهٌ أوّلًا، وليس معصومًا عن الخطأ، ولأنّه لم يستطع فعلَ ذلك وحدَه، ثانيًا.       إنّ الثورة لا تعني تغيير كرسيٍّ من َحاكمٍ إلى آخر، والثورة لا تعني تغيير شخصٍ في ظلّ حاشية من الفاسدين المستغلِّين. الثورة سيرورة وصيرورة، بالسين والصاد. الثورة فكرٌ، لكنّ الفكر يتشوّه في أحضان المنتفعين والانتهازيّين والمتزمّتين.
لقد كنت حريصة على منهجيّة موضوعيّة وفق ما يتطلّبه البحث الأكاديميّ، وحريصة على توثيق الآراء والحقائق وتسجيلها وتأريخها بمنتهى الدّقّة والمصداقيّة، ولم أتوانَ عن الإتيان بالرأي المؤيّد والرأي المعارض. وكم من كاتب تعمّدت ذكر شهادته التي يذمّ فيها عبد الناصر، ثمّ تلك التي يتراجع فيها عن ذمّه ويؤكّد فيها عن تأييده له، علمًا أنّ الكثيرين من الأدباء يبرّئون ساحته من التجاوزات التي ارتكبها نظامه، وينزعون عنه شخصيًّا صفة القمع ويلصقونها بنظامه ككلّ. لست هنا بموقفٍ دفاعيٍّ، فإنْ كنت قد أحببت عبد الناصر بما يمثلّه من مبادئ، إلّا أنّني لا أستطيع إلّا أن أمسح الغبارعن صورتِهِ، علّنا ندرك كيف نحفَظ صورَنا من رماد التاريخ، وليس من غبارِهِ فقط، فالتاريخ لا يرحمُ، والنوايا الصادقة لا تكفي لأن تصنع التاريخ المنشود أو لأنْ تنهضَ بالشعوب. فانظروا إلى الربيعِ العربيّ الذي سقط خريفًا، وهوى اصفرارًا وتهشيمًا. فالثورة  لأجل الحريّة والديمقراطيّة لا تتحقّق بإعلانٍ أو بشعارٍ، بل هي صادٌ وسينٌ كما ذكرت. هي فكرٌ يسير ويتغلغل في عقولٍ واعية حتى يصير  واقعًا. وما أحوجَنا اليومَ، وفي ظلّ سلطة التيّارات الدينيّة التكفيريّة إلى النقد والمساءلة والمواجهة، فالطامة الكبرى قد وقعت حين تحوّل دين السموات إلى دين الناسِ، تحوّل من الدين إلى التديّن والتعصب، إلى آلةٍ للسيطرة والتكفير، وكأنّ التراث والدين أصبحا حكرًا على فئة من الناس تحتكر لنفسها فَهْمَ الدين، فتكفّر قامعةً كلّ مخالفٍ لها أو معارض. لكنْ،  ليس بالتعصّب تحيا الشعوب، وليس بالتطرّف تسود الأمم.
هذا هو كتابي، كتابٌ يضجُ بأنين أوطان، بجراح إنسان، ونزف أديان، بصرخات المثقّفين، بآهات المفكّرين، عانوا الكبت والتدجين، ولماذا؟ لأجل فكرة، لأجل كلمة. أما الحريّة فتُحتضَر في غدرِ الأزمان وتتفتّت بين فكيّ الشيطان، لكنّه ليس الشيطان الذي تحدّثت عنه الأديان، بل هو شيطان من صنع إنسان. كتابي تصوير لما يحدث الآن، وعساه لا يحدث غدًا.  فها هي رائحة الموت تضجُّ في كلّ مكان في ثقافة "اللّا" والتغييب، في حضارة المنع والتحريم، في لغة الكُفر والتكفير. وها هو شيطان القتل يرقص على جثث البشر، يرقص حين رخُص الانسانُ وصار أرخصَ من حجر. فكيف يمكن للإنسان أن يمسي شبه إنسان؟ إلى متى سيرقص الشيطان على أجساد الأوطان؟ اعذروني إن خشيت ما سيأتي، وما سيكون، لكن، ربّما نصحو يومًا على أمس اشتهيناه، وربّما يكون غدنا أجمل من ماضٍ تركناه.




26
عين على قصيدة بحجم وطن!
بقلم: ماهر الطردة
في ضيافة بلدية تفوح ومطلع نوفمبر تشرين الثاني للعام 2016، أقام ملتقى الإعلاميّين والمثقفين العرب لقاءً وأمسية أدبيّة، استضاف فيها نخبة من روّاد النادي النسائي الأرثوذكسي/ عبلين الجليليّة، ممثّلًا برئيسته الكاتبة والشاعرة القديرة آمال عوّاد رضوان، ومنتدى الأديبات الفلسطينيّات "مدى"، ممثّلًا حضورهنّ الكاتبة والشاعرة القديرة آمال غزال/ رئيس قسم الآداب والثقافة في وزارة الثقافة الفلسطينيّة.
وقد رحّبا رئيس بلديّة تفوح الأستاذ محمود ارزيقات ونائبه الأستاذ نايف خمايسة بالحضور وبالشعراء، مُؤكّديْن على أصالة الفكر والكلمة الحرّة التي تخدم قضايانا الإنسانيّة، وقضيّتنا الفلسطينيّة على وجه الخصوص، مُشيدَيْن بدور الشعراء في حمل رسالة الحبّ والحريّة والسلام، كما أكّدا على أهمّيّة تنشيط الحركة الأدبيّة بما يليق بموروثنا الثقافيّ والأدبيّ، وبما يكفل حرّيّة التواصل بين جغرافيا الوطن التي أتعبها الاحتلال، وقد افتتح اللقاء وعرافة الأمسية رئيس الملتقى وعضو البلديّة أ. ماهر الطردة، وقدّم الشعراء المشاركين بما يليق بحضورهم، حيث اشتعلت سماء الوقت بدفء القصائد وهيبة الحضور، فشكرًا تليق بشعرائنا الذين أتحفونا ألقًا وإبداعًا: الكاتبة والشاعرة آمال عوّاد رضوان/ عبلين الجليّة، والكاتبة والشاعرة آمال غزال/ جنين، والكاتب والشاعر أمير الطردة/ تفّوح، والشاعر محمد إرزيقات "أبوفاروق"/ تفوح، والشاعر عباس مجاهد/ الخليل، وشكرًا لمن شرّفنا بالحضور وعلى رأسهم سعادة اللواء جميل الناطور والحضور الكريم كل باسمه ومكانته وحضوره.
وقد افتتح اللقاء والأمسية الأدبية الشاعر ماهر الطردة رئيس ملتقى الإعلاميين والمثقفين العرب/ بالنيابة عن د. فاطمة القاسم، أمسية أدبية تحت عنوان "عين على القصيدة وقصيدة بحجم وطن"، جاء فيها:
في بلادنا يموت الموت، ونبقى عازمين على الفرح هي الأغنيات ترحل بنا، تأخذنا هناك لضمير الكلمات رصاصتين، في كلتيهما يمور اللحن والطرب، هو الشّعر أول النداء وأول البكاء وسيد الحضور في ملامحكم، كلّما تعمّد الوقت بالمطر فها نرتله على مسامعكم مساءات من فرح وأبجديّة تليق بدفء الحبق. وقبل البدء كما كل بدء، لشهداء الحب والحرّيّة والسلام، لشهداء الكلمة والفكرة والعطاء، لكل شهداء هذه الأرض نقف انتصارا لما بدؤوه، لحظة صمت نستذكر فيها عظماء هذه الأرض على أنغام نشيدنا الوطني الفلسطيني، نقف جميعا في انتصار القصائد وهيبة الألق في دفء حضوركم، شكرا وشكرا ثم شكرا. ولأننا في حضرة بلديّة تفوح ممثلة برئيسها وأعضائها ومواطنيها، هذه المؤسسة التي أثبت جدارتها عبر محطات عديدة، تجاوزت فيها جغرافيا الوقت والمكان والخدمات، بعدما سجلت تاريخا من عطاء وانجاز، بإدارة حكيمة ورؤية واضحة الملامح. ها هي اليوم تترك بصمات واضحة في مشاهد شتى، وعلى رأسها المشهد الثقافي الذي تعتقد البلدية بأنه أساس متين لكل المحطات الإنسانيّة والاجتماعيّة والخدماتيّة، في سعيها الحثيث نحو الرقيّ والتطوّر والانطلاق، متسلحين بأدب المسؤولية وصناعة القرار، لخلق مشاهد إبداعيّة تخدم المجتمع المحليّ بكافة أطيافه وشرائحه، وبذائقته المتعدّدة الملامح، فكانت بلدية تفّوح أوّل المشهد وآخره، وستبقى المحطة الأكثر إبداعًا لتستقرّ حاضنة وحامية لكلّ منجز إبداعيّ يخدم بلدتنا.
السادة الكتّاب والشعراء والأدباء المؤسّسات الثقافيّة والإعلاميّة والأهليّة السادة: النادي النسائي الأرثوذكسيّ/ عبلين الجليليّة، ومنتدى الأديبات الفلسطينيّات/ "مدى"، الضيوف الكرام كلّ باسمه ومكانته وحضوره، وأهلنا القادمين من نصفنا الوردي من الداخل الفلسطينيّ، أهلا بكم وأنتم تحملون الورد والقصائد وتسابيح الياسمين، أهلًا بكم وأنتم روّاد الكلمة والفكرة والعطاء، أهلًا بكم وأنتم تشعلون فتيل المحبّة والسلام قناديلَ من أمل لغد أجمل، أهلًا بكم وأنتم في حضرة الزيتون في بلد الشهداء والشعراء، من حيّنا العتيق في محافظة خليل الرحمن الى شموخ الزعتر في جبال تفوح، وهذا الهواء المعمّد برائحة النشيد والشهداء، يعانق أبجديّة من هناك حضرت في ملامحكم من المثلث والجليل، من شاطئنا المنفيّ في عكّا، من الناصرة وحيفا، من نصف برتقالة في يافا، من أزقة لا زالت تتنفّس قصائد القاسم ودرويش وزيّاد، من هناك جئتم بنصف قصيدة، لتكتمل هنا على أرض خليلنا، تجاوزتم مشقة السفر ولعنة الحدود والمسافة، فحضرتم الى تفوح وهي مشبعة بالحنين والشوق لكلّ زائر يطأ الأرض، فيزرع ابتسامة ويحمل وردة تبقى مع الريح، حيث مضى من هنا الى هناك كلّ المسافة وطن، من هنا الى هناك كل المسافة انتصار ووعد باللقاء. شرفنا بحضوركم، ونسعد في ملتقى الإعلاميين والمثقفين العرب تحت رعاية بلديّة تفوح باستضافتكم، ونحن نتشارك وإياكم فعل الصمود وأغنية العودة والفرح والانتصار، لنُحيي معا أمسية أدبيّة تتنسم عبير حضوركم، وأنتم تكلّلون المساء بدفء النشيد، بصحبة نخبة من شعراء وشاعرات الوطن، هؤلاء الذين حملوا على أكتافهم همّ القضية، فاستحالت كلماتهم رصاصات تكشف زيْف صهيون وهمجيّة المحتلّ، فطالما انتصر الشعراء للحبّ والسلام والأرض، فبقيت القدس عروس قصائدهم، شربنا وإيّاكم كلّ الحروف التي لا تنحني، وأتممنا مسيرة القاسم ودرويش مذ عانقت أجراس الكنائس دفء المآذن صدّاحة تغني لله والوطن.
أحبتي الحضور الكريم، يحين مساء الشعر وتعصف بنا الكلمات، لنرسو على شاطئ الدفء والأمنيات. نترككم بصحبة الشعراء لقداسة همس يرتل الوقت فرحًا وغناءْ.
آمال عوّاد رضوان: عين على القصيدة وقلب على فلسطين، لمْ تحملْ يومًا بندقيّة، ولمْ تضع يدها على زناد، لكنها اعتلتْ شرفات الحرف والأبجديّة بعبقريّة الحسّ والحرف والحضور.. تكتب الحبّ والسلام.. تعشق فلسطين شعبًا وأرضًا وقضيّة حرَّةٌ.. جابتْ كلَّ الشتاتِ.. لتجمع هُويّةً تنقش على جلد القصائد: أنا عربيّة فلسطينيّة، تقاسمتْ مع الفقراء دمعتًهم ورغيفَهم المشنوقِ على أوّل معبرْ.. أبجديّة من حبق وحنين شاعرة أتعبَ الترحال المُرّ قوافيها، لترسو كلماتها على شاطئ الحبّ والإنسانيّة والحياة، هي ابنة الجميع وأخت الجميع، من الداخل الفلسطينيّ، رحّبوا معي بالأديبة الأنيقة الكاتبة القديرة- رئيس النادي النسائيّ الأرثوذكسيّ آمال عوّاد رضوان، فلتعتلي المنصّة كما حرّة من وطني.
آمال غزال: كاتبة وشاعرة عبقرية الحسّ والخيّال، تصلّي الصبح على شاطئ البحر، فترى النوارس خاشعات، تسبّح حضورها بألف أمنية للبقاء، حملت كوفَيتها وانتهجت فكرة الحرف بروح عاشقة للحب والسلام، تروي عطش الأرض بدمعة ثكلى وفرح خجول، تراود كل أحلام الصغار بورد حسّها وجميل حرفها، فتراها في كل الأشياء حاضرة، رحبوا معي بشاعرة أنيقة حرّة من هناك من جنين القسّام، أبت إلّا أن تشاركنا عرس القصيدة وهيبة الكلمات، الشاعرة الفلسطينية/ آمال غزال/ أهلا بهيبة حضورك وأنتِ تحملين الورد والقصيدة.
الشاعر محمد ارزيقات/ أبو فاروق: شاعر تعرفه القصيدة كما نعرفه نحن، غنّى الفرح وكتب للحرب والحرّيّة السلام، أبدع في سماء الشعر فعانقه الحرف وقال: كنْ أنت الشاعر فكانْ.. أنيق الحسّ والحرف والروح والحضور، من تفّوح بلدي من فيض الإنجاز والعطاء.
الكاتب أميرالطردة: صديق الشّمسِ وقوافي العنب هو ابن الحيّ القديم من ذاك الجبل، يرافق الشمس حرفا يهمس الشعر من ألق. شاعر وأكثر، ينقش القصيدةَ بنكهةِ الفلاحِ والمِنجل، يسافرُ في خبزِ أمي، ينسجُ القوافي بعبقِ الحنّونِ والزعتر، يقولُ الشعر والطيرُ له يسمع، خط القصيدة فصارت للحلم قدر ومصعد.




27
نادي حيفا الثقافيّ يُكرّم وليد فاهوم

آمال عواد رضوان
أمسيةً ثقافيّةً مغايرةً جريئةً أقامها نادي حيفا الثقافيّ برعاية المجلس المّليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ/ حيفا، في قاعة كنيسة مار يوحنّا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، بتاريخ 27-10-2016، ووسط حضور كبير من أدباء وكُتّاب وأصدقاء وأقرباء، إكرامًا للباحث النصراويّ المحامي وليد الفاهوم، وإشهار بحثه "دراسات في الدين والدنيا والإسلام السياسيّ"، وقد تولّى إدارة الأمسية المحامي فؤاد نقارة رئيس ومؤسّس نادي حيفا الثقافيّ مرحّبًا بالحضور، وشارك في الأمسية كلّ من قدس الأرشمندريت أغابيوس أبو سعدة متحدثا عن أهمّيّة الحوار السلميّ بين الشعوب، والأديب حنّا أبو حنا، ولظروف قاهرة تعذّر حضور المتحدثين المزمع حضورهما ومشاركتهما: الشيخ رشاد أبو الهيجا، ومحمد شريف رئيس الجماعة الإسلاميّة الأحمديّة، وتقديرًا لمشوار وليد فاهوم الأدبيّ والاجتماعيّ والسياسيّ، قدّم نادي حيفا الثقافي درع تكريم للمحتفى به، ممثّلا بـ: جريس خوري عضو المجلس الملي الأرثذكسي الوطنيّ حيفا، والمحامي كميل مويس عضو المجلس وأمين صندوقه، والمحامي حسن عبادي عضو نادي حيفا الثقافي والناشط الأدبيّ، والمحامي فؤاد نقارة، ثمّ قرأ الكاتب وليد الفاهوم ثلاث فقراتٍ من كتابه: عن فراس السوّاح والدولة العسكريّة ومآل الغطرسة، وعن سوريا التي تخوض حربًا عالميّة هي وحلفاؤها ضدّ الإرهاب الإسلامويّ، ومقطعًا من قصيدة ابن عربي أمير الصوفيّين العرب عن دين الحب، ثمّ شكر الحضور والمتحدثين والمنظمين، وتم التقاط الصور التذكارية أثناء توقيع كتابه المثير للجدل!
مداخلة المحامي فؤاد نقارة- رئيس ومؤسّس نادي حيفا الثقافيّ: الأخوات والأخوة مساؤكم خير. باسم المجلس الملّيّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في حيفا، وباسم نادي حيفا الثقافي وباسمي، نرحّب بكم وبرجال الدين الأجلّاء من مشاركين بالأمسية، وبكلّ مَن كرّمونا بحضورهم هذه الأمسية، أهلًا وسهلًا بكم في قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، ويُشرّفنا أن نستضيف الباحث والكاتب الزميل وليد الفاهوم، تقديرًا لمجهوده الكبير والشجاع وإصدار كتابه "مقالات في الدين والدنيا والإسلام السياسيّ"، مع حفظ الحقّ لكلّ قارئ أن يختلف مع كاتبنا على ما جاء في الكتاب من رأي أو استنتاج. 
لقد تعذّر حضور الشيخ رشاد أبو الهيجاء، بسبب وفاة أخيه عمر- له الرحمة- في الأمس، واعتذر أمير الجماعة الإسلاميّة الأحمديّة الأخ محمد شريف لوجوده في الخليل.
يسرّنا أن يشاركنا هذه الأمسية قدس الأرشمندريت أغابيوس أبو سعدة الغنيّ عن التعريف، الذي يُعَدُّ ليس من رجالات حيفا فقط، بل من رجالات شعبنا العربيّ، لِما يتمتّع به من علم ومعرفة ورحابة صدر والترفع عن التقوقع والانعزال والتطرّف، فكتاباته وأفكاره وتحليلاته السلميّة تُنشر على الملأ بدون رهبة وبدون محاباة، وتُمثّل رجل دين متنوّر واعٍ ومثقفٍ بامتياز، إنّه مثال لرجل الدين الذي يستحقّه شعبنا.
وليد الفاهوم الكاتب والباحث الحامل للهمّ الفلسطينيّ: من مواليد الناصرة 1943، أنهى تعليمه الابتدائيّ في مدرسة الفرير، ومن ثمّ في المدرسة الثانويّة البلديّة في الناصرة، حاصل على شهادة البكلوريوس في موضوع الفلسفة وعلم النفس من الجامعة العبرية في القدس، إجازة الحقوق 1974، مارس المحاماة لمدّة 20 سنة في الدفاع عن السجناء السياسيّين في المناطق المحتلة، وهو ناشط اجتماعيّ في العديد من المؤسّسات الوطنيّة، ومن مؤسّسي اتّحاد جمعيّات العمل التطوّعيّ في الناصرة، والذي ضمّ 33 جمعيّة تطوّعيّة، وله العديد من الإصدارات الثقافيّة.
مداخلة الأرشمندريت أغابيوس أبو سعدة: الفهم الصحيح للدين يؤدّي إلى فهمٍ صحيحٍ لله وللآخر المختلف، لا خلاف في أنّنا نعيش اليوم في عالمٍ متغيّر؛ بل شديد التّغيُّر بسبب التّقدُّم التّقنيّ وثورة الاتّصالات والمعلومات، وعصر الفضائيّات، والسّماوات المفتوحة، وتَقلُّص الحواجز والمسافات بين دول العالم؛ وكأنّهم باتوا يعيشون في قريةٍ صغيرةٍ في عصر العولمة. وقد تمخّض عن هذا؛ غزوٌ جديدٌ يُطلَق عليه الغزو الثّقافيّ والفكريّ، وأصبحت الثّقافة الأقوى تمثِّل تهديدًا قويًا للثّقافات الهزيلة الضّحلة. والى جانب هذا، أدى التّصادم بين الثّقافات المتنوّعة في غياب لغة الحوار الرّاقي المتحضِّر إلى بزوغ تصرّفاتٍ وسلوكيّاتٍ وقيمٍ وظواهرَ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ، قد تبدو غريبةً وشاذةً على الآخر.  ومع تزايد التّصادمات الثّقافيّة والفكريّة في حلبة المجتمعات الدّوليّة والمحليّة، ظهرت أشكالُ جديدةٌ للعنف- على الرّغم من أنّه ظاهرةٌ قديمةٌ قِدَم البشريّة- تبعًا لتغيُّر وسائل العدوان وتطوّرها. والعنف سلوكٌ إيذائيٌّ قوامه إنكار الآخر، واستبعاده عن حلبة التّغالب، إمّا بقهره، وإمّا بنفيه إلى خارج الحلبة، وإمّا بتصفيته معنويًّا وجسديًّا. لذا؛ فإنّ معنى العنف الأساسيّ هو عدم الاعتراف بالآخر. كما أنّ العنف يشكّل أخطر مظاهر العدوان الّتي تلازم البشريّة. والى جانب هذا، فقد تكاثرت أعمال العنف الدّامية الّتي وصلت في معظم الأحوال إلى حدود اللّامنطق واللّامعقول، وباتت تشكِّل ظاهرةً خطيرةً تلتهم أمن وطمأنينة المجتمع الإنسانيّ، وتُعطِّل أيّ استثمارٍ عقلانيٍّ لجهود النّماء الإنسانيّ.
ويشهد المجتمع الإنسانيّ ثقافةً جديدةً لعنفٍ مختلفٍ لم يعتدْهُ من قبل، لذا لا بدّ من وقفةٍ من قبل المفكّرين والباحثين في كلّ المستويات العقائديّة الفكريّة والدّينيّة لدراسة هذه الظّاهرة، ومعرفة أسبابها وجذورها والتّصدّي لها، من خلال طرح استراتيجيّاتٍ لمواجهة ظاهرة العنف العالميّ. وقد تأثّر العالم بأسره بدوره من ظاهرة العنف، لأنّه يمثِّل كيانًا لا يُستهان به من كيانات العالم الإنسانيّ، وأصبحت أشكال العنف المختلفة شائعةً في كلٍّ من الشّارع، والمدرسة، والتّلفاز، ودور العبادة، وضدّ الطّفل والمرأة، ومن خلال الممارسات الدّينيّة والسّياسيّة. وأودّ في هذه المناسبة توجيه دعوةٍ دينيّةٍ واجتماعيّةٍ وإنسانيّةٍ إلى الإصلاحيّين المستنيرين من أبناء المجتمع الإنسانيّ، من أجل الوقوف سويًّا للتّصدي لظاهرة العنف في عالمٍ متغيّر، ونأمل من الله تعالى أن يكون هذا اللّقاء صرخةً مُدوّيةً لإيقاظ الضّمير الإنسانيّ، من أجل المحافظة على إنسانيّة الإنسان، الّذي بات يعيش شريعة الغاب، بدلاً من عيشه شريعة الله الّتي هي محبّةٌ وتسامحٌ وألفةٌ ومغفرةٌ وانفتاحٌ على الآخر المختلف عنّي دينًا وعِرقًا. من هنا علينا جميعًا أن نُلغيَ حرف "الرّاء" من كلمة "الآخر"، ليُصبح هذا الأخر أخًا لي في الإنسانيّة.
لقد بات من المؤكّد والضّروريّ أنّ نشر ثقافة التّسامح والتّعايش وقبول الآخر المختلف حاجةٌ أساسيّةٌ ومُلِحّةٌ وخاصّة، في ظِلّ هذه الظّروف الحسّاسة الحرجة الّتي نمرّ بها من كافة النّواحي الّتي نحن فيها، ويجب زرع هذه الثّقافة في نفوس وعقول الجيل النّاشئ، لأنّها تُساهم بشكلٍ فعّالٍ في خلق جيلٍ واعٍ قادرٍ على تحمُّل أعباء المسؤوليّة، وقيادة المرحلة القادمة بشكلٍ إيجابيٍّ وسليم، لأنّ الثّقافة بشكلٍ عامٍّ هي ثقافةٌ إنسانيّة، لذلك لا توجد ثقافةٌ عديمةُ القيمة كلّيّا، أو ثقافةٌ كاملةٌ مكمَّلةٌ تحتكر الحقيقة الإنسانيّة، وتختزل ثراء الوجود، وتمتلك حقّ فرض معاييرها وإيديولوجيّتها وأجندتها السّياسيّة والدّينيّة على الآخرين، بما في ذلك اللّيبراليّة الّتي تعيش أبهى أيّامها وأكبر انتصاراتها. لذلك نرى بأنّ السّبب الكامن وراء الاستقرار النّسبيّ والغنى الثّقافيّ لمعظم المجتمعات الغربيّة، يعود بالضبط إلى حقيقة أنّها لا تعتمد على عقيدةٍ سياسيّةٍ وحيدةٍ أو وجهة نظرٍ واحدةٍ للعالم، ولا يتحقّق التّسامح وقبول الآخر إلاّ بالحوار والتّواصل، والمشاركة الحقيقيّة في اتّخاذ القرار، لأنّ إقامة حوارٍ بنّاء وخلق فضاءٍ للنّقد والفكر المستقلّ، يُساعد المجتمع على عيش حالةٍ من الاستقرار والسّلام والتّعايش، مهما اختلفت أعراق ومعتقدات أبنائه. وإنّ الحوار والتّواصل دائمًا وأبدًا هو الطّريق الصّحيح لحلّ كافّة القضايا العالقة، وهو البديل الصّحيح عن فرض الرّأي بالقوّة، وبالحوار نحافظ على التّواصل والمحبّة والسّلام، ونعمِّق معاني الدّيمقراطية والتّعاون، ولا يكفي لنجاح الحوار مجرّد الدّعوة إليه دون اتّخاذ خطواتٍ عمليّةٍ تُترجِم ما اتُّفِقَ عليه من قبل الأطراف المتحاورة على أرض الواقع، وتُنمِّي الثّقة بين المتحاورين، فإذا لم يطمئنّ المتحاورين إلى المصداقيّة في إجراء الحوار، وإذا لم تُستَبعَد العوائق والموانع، يصبح الحوار سفسطائيّا دون غايةٍ أو هدف، أو مجرّد حوارٍ من أجل الحوار.
إنّ المجتمع المتجانس ثقافيًا يتمتّع بقوّةٍ مميِّزةٍ خاصّةٍ به، ويخلق مَناخًا تشترك فيه الثّقافات المختلفة لحوارٍ مُثمرٍ يعود بالنّفع على الجميع، ويساعد على إقامة حسٍّ مجتمعيٍّ تكافُليّ، وبذلك يُسهِّل عملية التّواصل الدّاخليّ بين أبنائِه، ويُغذِّي ثقافةً كثيفةً متماسكةً ويمدُّها بأسباب الحياة. وإنّ قبول ثقافة الآخر المختلف لا يعني بالضّرورة الاقتناع بها، إنّما هو إقرارٌ بوجود الاختلاف معها، وبوجود هذه الثّقافة وقبولها من قبل الآخر، شرط أن لا تكون تلك الثّقافة مبنيةً على حساب حقوق الآخر أو وجوده، كما ويجب النّظر إلى الآخر المختلف من دون تمييزٍ؛ بسبب الجنس أو الدّين أو القوميّة أو الخلفيّة الاجتماعيّة أو الاتّجاه السّياسيّ أو أيّ سببٍ آخر، وطالما أنّ الاختلاف لا يكون على حساب وجود الآخر أو حياته، فالآخر هو فردٌ مواطن، له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات، فيجب احترام هذا الاختلاف والعمل على تعزيز قبول ثقافة الآخر المختلف مهما بلغت درجة الاختلاف، وتفعيلها بشكلٍ طبيعيٍّ بما تنسجم مع واقعنا ومتطلَّباته.
وإنّ التّسامح والدّيمقراطيّة لهما اتّجاهان، أي أخذ وعطاء وتفاعل إيجابيّ مع قيمٍ إنسانيّةٍ جديدةٍ بعيدةٍ عن روح التّعصُّب والكراهية وشطب الآخر المختلف. حيث إنّه بغياب الدّيمقراطيّة تنعدم إمكانيّة تكافؤ الفرص في التّعبير عن الرّأي، وبغياب العدالة السّياسيّة تنقطع فرص الحوار والتّواصل بين مُكوِّنات المجتمع، وبغياب سلطة القانون يقع الضّرر على الجميع بدون استثناء. ولكن غياب ثقافة التّسامح وقبول الآخر المختلف هو من أكثر عوامل الواقع الّذي يعاني منه مجتمعنا في الوقت الحاضر، وهذا يمثِّل مسؤوليّةً يجب أن يضطلع بها الجميع من قوًى سياسيّةٍ ومنظمّاتٍ مجتمعيّةٍ ومؤسّساتٍ ثقافيّةٍ وحتّى علماء دين، ولكن بعض ما تم ذكرها هو فاقد لما عليه أن يعطيه للمجتمع، وحيث أن فاقد الشيء لا يعطيه بأيّ حالٍ من الأحوال.
إنّ الاعتراف والإقرار بثقافة التّسامح وقبول الآخر والاعتراف به هو أمرٌ جيّدٌ ومقبولٌ نظريّا، ولكن يجب العمل والنّضال من أجل ترسيخ قيمة هذه الثّقافة، وتطبيقها في الحياة اليوميّة بشكلٍ يعود بالفائدة على الجميع دون استثناء. ومن أجل العمل على نشر هذه الثّقافة، لا بدّ من اتّخاذ بعض الخطوات العمليّة في هذا المجال ألا وهي: (1) تَبَنِّي برامج علميّة وذلك لتنميّة الوعي المجتمعيّ؛ (2) وضع مناهجَ تعليميّةٍ جديدةٍ لإعداد جيلٍ واعٍ قادرٍ على تحمُّل أعباء المرحلة؛ (3) إيجاد أدواتٍ إعلاميّةٍ متطوّرةٍ على جميع الأصعدة؛ (4) نبذ كلّ أشكال التّطرُّف والتَّخلُّف والتَّشدُّد في المجتمع، عن طريق إقامة دوراتٍ تعليميّةٍ وندواتٍ تثقيفيّةٍ ولقاءاتٍ روحيّةٍ دينيّةٍ بين جميع أبناء المجتمع بمختلف أطيافه وانتماءاته المذهبيّة والطّائفيّة، ليتسنّى، على سبيل المثال، للمسلم أن يتعرّف على المسيحيّ، والمسيحيّ بدوره يتعرّف على المسلم، وهكذا دواليك. إنّ فكرة التّسامح وقبول الآخر، واللّجوء إلى الحوار وإلغاء فكرة شطب الآخر والثّأر وإناطتها بالقانون، يعتمد على استعداد الأطراف الّتي تريد بناء مستقبلها، على أساس تغليب المصلحة العامّة على الخلافات الشّخصيّة والمشاعر الدّفينة البعيدة عن التّعقُّل والتّروّي في نتائجها. وهنا لا بدّ من الإشادة إلى بعض الشّخصيّات التّاريخيّة المتسامحة:
المهاتما غاندي: من أقول صاحب سياسة المقاومة السّلميّة (فلسفة اللّاعنف) المعروف بتسامحه:
"أين يتواجد الحبّ تتواجد الحياة"؛ "إنّ اللّاعنف هو القوّة العظمى لدى الإنسان، وهو أعظم مِن ما أبدعه الإنسان من أكثر الأسلحة قدرةً على التّدمير". تُوفّي مقتولاً برصاص شخصٍ هندوسيٍّ متعصّبٍ لم تَرُق له عظمة التّسامح الغانديّة؛
من أقوال مارتن لوثر كينغ المناضل السّلميّ ضدّ التّمييز العنصريّ: "السّلام الحقيقيّ ليس مجرّد غياب التّوتُّر، بل إنّه إحقاق العدالة". "إنّ ثمرة اللّاعنف هي المصالحة وإيجاد المجتمع الحبيب". "الكراهية تُولِّد الكراهية- علينا مقابلة الكراهية بالمحبّة". "غايتنا ليست هزيمة الرّجل الأبيض أو إذلاله، بل كسب صداقته وتفهُّمه لحقوقنا". "فلسفة اللّاعنف لا تتأسَّس على الجُبن، إذ إنّ غايتنا تكمن في بناء مجتمعٍ يعيش في سلامٍ مع نفسه".
البابا القديس يوحنا بولس الثّاني الّذي تعرّض لحادثة اغتيال عام 1981 من قِبل (علي أقجا) التركيٍّ المتعصّبٍ، خرج على أثرها بجروحٍ بالغة، وأُدخِل المستشفى وأُخضِع لعملياتٍ جراحيّةٍ كادت تودي بحياته، لكنّه بالرّغم من ذلك التقى بقاتله وعفا عنه، وأخلى سبيله بكلّ رحابة صدر.
وبالرّغم من هذا وذاك، نلاحظ أنّ هناك تصميمًا واضحًا لدى كافّة المهتمِّين والغيورين على حريّة الإنسان وحقوقه المشروعة في الاستمرار بالعمل والنّضال الدؤوب، وبالوسائل المتاحة والممكنة في نشر هذه الثّقافة مهما كانت الضّريبة، وبفضل العولمة والتّقنيّة الحديثة، لا يمكن لأيّ مجتمعٍ اليوم عزل نفسه عن المؤثِّرات الخارجيّة، خصوصًا مع تنقُّل رأس المال والتّكنولوجيا والقوى العاملة والأفكار وما إلى ذلك، بحريّةٍ عبر الحدود الإقليميّة، وبالتّالي إنتاج صِيَغٍ جديدةٍ للتّفكير والحياة. يستحضرني ما جاء على لسان الفيلسوف ابن عربي الّذي قال: "لقد كنتُ قبل اليوم أُنكر صاحبي إذ لم يكن ديني إلى دينه دانٍ، لقد صار قلبي قابلاً كلّ صورةٍ، فمرعى لغزلان، وبيت لأوثان، ودير لرهبان، وكعبة طائف، وألواح توراة، ومصحف قرآن، أدين بدِين الحبّ أنى توجّهت ركائبه، فالحبّ ديني وإيماني". إنّ كلّ الأديان تسعى في طريق التّقرُّب إلى الله، ولو بأشكالٍ مختلفة؛ فعلى المرء أن ينظر إلى الأديان باعتبارها تجلّياتٍ متتاليةٍ للحقيقة الإلهيّة، بالإضافة إلى فكرة الحبّ نفسها، وما يمكن أن ترتقي به لتصل إلى الحقيقة المرتجاة. وحين نؤمن بأنّ الحبّ هو الّذي جعل الله يرسل أنبياءه ليعلِّم النّاس طرائق الوصول إليه، ندرك أنّ ما من سبيلٍ لبلوغ مرضاته أكثر من أن يُخلص النّاس في وُدِّهم لشركائهم في الإنسانيّة، فيتجنّبون بذلك غوائل التّعصّب، الّذي يقود إمّا إلى الكراهية والحروب، أو إلى أوهام الشّعور بالتّفوُّق والأفضليّة، وهذا ما لا يتّفق مع هدف التّعارف بين الشّعوب والقبائل المختلفة، الّذي أشار اليه القرآن الكريم، فليس أحدٌ أفضل من أحدٍ إلاّ بالتّقوى، والتّقوى في جوهرها خلقٌ كريمٌ لا ينسجم مع تجهُّم المتشدِّدين وادّعاءاتهم بالتّميُّز.
مداخلة الكاتب وليد الفاهوم: أوّلًا وقبل كلّ شيء، جئت لأسمع لا لكي أتكلّم، وكم يتوق الكاتب أن يسمع صدى ما يكتب. ثانيًا، جئتُ لكي أتعلّم، فيبقى الإنسان يتعلّم من المهد إلى اللحد، لكي أتعلّم من النقد الموضوعيّ العلميّ، من نقد الفكر لا نقد الشخص، كما جرت العادة لدى بعض المتمشيخين الجدد، فيتركون الفكرة لأنّهم عاجزون عن مجاراتها أو نقدها أو نقضها، ويتعربشون بشخص الكاتب وشخصيّته؛ طويل قصير، خِرّيج موسكو، عضو حزب، عميل روسيا والولايات المتحدة في الوقت ذاته.. هذا ما حدث لي فعلًا، وهكذا تمّت مهاجمتي قبل حوالي السنة في إحدى صحف الحركة الإسلاميّة عندنا في البلاد، مع أنّني خِرّيج الجامعة العبريّة في القدس، ولست عضوًا في الحزب الشيوعيّ، إنّما صديق إلى أبعد حدود الصداقة. هذه الأمسية عبارة عن حفل إشهار لكتابي، هذا الحفل الذي أعتزّ به، لأنّه هنا في هذا النادي الحيفاويّ الوطنيّ (بالمعنى الفلسطينيّ)، كان من المفروض أن يتواجد المتكلّمون الكرام؛ شيخٌ وكاهنٌ وأميرُ الجماعة الأحمديّة، لكن تغيّب الأوّل والأخير لظروف قاهرة، فنخاطبهم من خلال حضرة الغياب، ويعوّض تلك الخسارة هذا الحضورُ المتميِّزُ بأعلى درجات التميُّز. أشكركم جميعًا من شغاف القلب، وأخصُّ بالذكر "الأخ أبونا" أغابيوس، والمجلس الملّي الأورثوذكسيّ ورئيسه وأعضائه، كما وأخصُّ الزميل المحامي فؤاد نقارة "زمبرك نادي حيفا الثقافي"، والجنديّين المجهوليْن الزميل المحامي حسن عبادي وفضل الله مجدلاني .
لقد استغرق هذا الكتاب مدّةً طويلة، وكُتب على مدار ربع قرن ما يقارب ثلثَ حياتي (حياة الإنسان العاديّ)، بعضه نُشر في صحيفة الإتحاد الحيفاويّة، أمّا المواد الأخيرة منه فهي جديدة، ولم تنشر من ذي قبل، وقد تمّ تعديلُ بعضَ ما نُشر، ليتلاءم مع روح نصوص الكتاب والمنهج الذي اتّبعته، ففي البداية رأت دار النشر (مطبعة الحكيم في الناصرة) أن تطبع مئةَ نسخة، تمّ توزيعها على الأصدقاء وبعضِ أفراد "القبيلة" وبعضِ الكتّاب، لاستطلاع واستنباط بعضِ الملاحظات، وبناءً عليها تمّ إجراء بعض التعديلات، وكذلك إجراء طباعة بأحرف مشدّدة على بعض الأفكار الرئيسيّة لإبرازها، بحيث أنّ القارئ الكسلان يستطيع أن يقرأها، فيفهم مضمونَ الكتاب خلالَ ساعةٍ أو ساعتيْن.
وهنا لا بدّ لي من بعض الملاحظات، الأولى تتعلّق بخوف الشارع من الخوض بمثل هذه المواضيع التي يتطرّق لها الكتاب، وكأنّ سكين داعش قد وصلت إلى رقبته أو حنجرته! وهذا هو أحد أهداف هؤلاء القتلة: بثّ الرعب في الناس حتى تصل القلوبُ إلى الحناجر، (على حدّ تعبيرهم في الأدبيّات التي ينشرونها مع أفلامهم المرعبة)، هذا الخوف يتمدّد حتّى إلى التنظيمات الأقلّ دمويّة التي تتعامل بالسياسة، وإلّا فبماذا نفسّر صمت الشارع الأردنيّ، في أعقاب اغتيال الكاتب الصحفي والمفكّر ناهض حتّر؟ بماذا نفسّره سوى الخوف من جماعة الإخوان المسلمين ذات القاعدة العريضة في الأردن؟ بماذا نفسّر أيضًا إحجام أحد تجّار الكتب عن توزيع هذا الكتاب، بعد أن تمّ الإتفاق معه على ذلك، بادّعاء أنّه يأكل لقمة خبزه من الحركات الإسلاميّة، وهو لا ينوي التصادم معها؟  قلنا له: "نوّع يا أخانا، فمجتمعنا بأمسّ الحاجة إلى التعدّديّة، وبأمسِّ الحاجة إلى الحوار".. وهذا ما نقوله الآن في هذه الحضرة وفي كل زمان ومكان !
أنا (وأعوذ بالله من هذه الكلمة) ممّن يؤمنون بنظريّة موت الكاتب، فالكاتب يموت بعد أن يفرغ من الكتابة، ويصبح الكتابُ مُلكًا للناس جميعًا، فمنهم من اختلف ومنهم من ائتلف، لذلك، فالجدل يجب أن يكون مع مادّة الكتاب الباقية، وليس معي ككاتبٍ زائلٍ ولو بعد حين، فاسمحوا لي أن أكلّمكم في هذه الأُمسية من وراء حجاب! اسمحوا لي إن كلّمتكم من خلف حجاب!

28
المحاق ما بين النوفيلا والرواية الطويلة!
آمال عوّاد رضوان
أقام نادي حيفا الثقافي أمسية ثقافية للأديب ناجي ظاهر في قاعة كنيسة ماريوحنا الأرثوذكسية في حيفا تحت رعاية المجلس الملي الأرثوذكسي الوطني/ حيفا بتاريخ 13-10-2016، وسط حضور كبير من أدباء وشعراء وأصدقاء من منتديات أدبيّة، وذلك بتناول روايته محاق، وقد تولى ادارة الأمسية الأديب محمد علي سعيد، بعد أن رحب المحامي فؤاد نقارة مؤسس ورئيس نادي حيفا الثقافي بالحضور والمشاركين، وتحدث عن الرواية كل من: د. جهينة خطيب حول سيميائية العنوان والغلاف والمضمون، ود. ماري توتري تطرقت إلى قضيّة القانون لحماية المرأة، وصورة المرأة من خلال الرواية. في نهاية الأمسية شكر ناجي ظاهر المنظمين والمتحدثين والحضور، وتم التقاط الصور التذكارية أثناء توقيعه لروايته للأصدقاء والقرّاء!
مداخلة محمد علي سعيد: في الناصرة عام 1951 ولد ناجي ظاهر؛ الكاتب والقاص (للكبار وللصغار) والروائي والشاعر وكاتب المسرحية والناقد والصِحافي، وهو في الأصل من قرية سيرين المهجرة في منطقة غور الأردن، وفيها تلقى تعليمه الابتدائي، ولكنه ترك المدرسة لظروف اقتصادية قاسية، ثم درس على نفسه فثقف نفسه بنفسه، حيث تفرغ للقراءة وللكتابة وللحركة الأدبيّة، وفي أثناء عمله التحق بالعديد من الدورات الصحفيّة والأدبيّة، يعمل صِحافيّا ومُحرّرًا أدبيّا في العديد من الصحافة المحليّة والمجلات الأدبيّة (مجلة الشرق ومواقف والشعاع)، ناشط في الحركة الأدبيّة والصحافة منذ أكثر من أربعين عاما، وهو أديب مثقف جدا في المجال الأدبي، ومن أبرز أعلام القصّة القصيرة والرواية، ينتمي الى المرحلة أو الرعيل وأميل الى الفطمة بلغة الفلاحين الثالثة: الأولى: المخضرمون، ثم بداية السبعينات ثم بداية الثمانينات. أصدر أربعين مؤلفا أدبيّا، منها: سبع روايات: الشمس فوق المدينة 1981. هل تريد أن تكتب. صَلد. حارة البومة. نزف الفراشة. غرام أو نهاية فنان. مَحاق. 2016. بميم مثلثة.
مُحاق؛ ما يُرى في القمر من نقص بعد اكتماله، والرواية تدور أحداثها في الناصرة، حول التحوّلات المفاجئة التي يمرّ بها مجتمعنا العربي الفلسطينيّ في هذه البلاد، وذلك من خلال تسليط الضوء على معاناة فنان أماته الواقع، وأعادَهُ الحُلم إلى الحياة، ليجد نفسه في مواجهة عنيفة جدّا مع واقعه، وتنتهي الرواية  بمصرع بطلها الفنان على يد زوجته، كما في روايته حارة البومة، وهذه من تيمات أديبنا ناجي. تطرح الرواية معاناة الفنان في فترة تحوّل مجتمعيّ غير واضحة المعالم، وتقدّم أنموذجًا سيّئًا لامرأة سيّئة تشبه زوجة سقراط في عنفها وفظاظتها، ولا تستسلم من المعاشرة الأولى، بل تطاردك الأسئلة الفلسفيّة والنفسيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والفكريّة. رواية محاق، أقرب الى الرواية القصيرة (النوفيلا)، منها الى الرواية الطويلة، مكتوبة بأسلوب روائيّ ناضج متدفق، يتوسّل التركيز والتكثيف لتحقيق ما يرمي إليه من متعة وفائدة، وبعيدة عن دهنيّات الكمّ الكتابيّ، وتستحقّ القراءة والمشاهدة حقا، لأنّها من حالات الاستثناء بين هذا الكمّ السرديّ الحكائيّ غير العميق فكريّا..   
*المكان: تدور أحداث جميع روايات ناجي ظاهر في الناصرة وحاراتها، ما عدا روايته الأولى الشمس فوق المدينة، فمكانها الناصرة والقدس، والمكان بصفاته العديدة ثابت، متحرّك، خاصّ، عامّ، مفتوح، مغلق، واقعيّ، خياليّ عند ناجي ظاهر، ليس إطارًا أو وعاء محايدًا للأحداث، إنّما هو شريك مؤثر فيها، يكاد يصل درجة الشخصيّة.
*التراكمية: أميل الى تقسيم ثنائيّ للأدباء: الشهابيّ والتراكميّ. الشهابيّ هو الذي بقي سجين نصّ أو كتاب نال به شهرة، وبقي مرتبطًا باسمه في الثقافة الأدبيّة الشعبيّة العامّة، وبقي يكرّر نفسه. بينما الأديب التراكميّ هو الذي لا يبقى سجين نصّه، بل يخطو الى الأمام مضمونًا وحدَثا وفكرًا وأسلوبًا وهيكلة، ويبقى دائم التجديد والتجريب بوعي شموليّ عميق وموهبة  نامية، وهكذا تتراكم خبرته وتسير نحو الأجمل والأجود، وناجي ظاهر هو كذلك أديب تراكميّ حقا.
*الحداثة: رواية "محاق" فيها كثير من مميّزات الحداثة:  كزوال الحدود بين الحقيقة والخيال. بين الواقع والحلم. بين الحي والميت. بين المعقول وغير المعقول بين الأزمنة وتداخلها، بين الأمكنة. المفاجأة بعدم التوقع لتكملة المعنى المنطقية بحسب سياق السرد وتدفقه. (كما القافية في الشعر العمودي التقليديّ).
د. جهينة خطيب   : باحثة وناقدة في موضوع اللغة العربيّة، حازت على اللقبين الأول والثاني من جامعة حيفا في اللغة العربيّة، وتابعت دراستها وحازت على اللقب الثالث عام 2010 في تطور الرواية العربية في فلسطين 48، وتعمل محاضرة في كلية سخنين في قسم اللغة العربية. صدرت رسالتها هذه في كتاب مستقلّ يحمل الاسم نفسه عام 2012، (تطرقت فيه إلى 38 روائيّا و 66 رواية)، وحاليّا تعمل على إصدار كتابين: قراءات في الأدب الفلسطينيّ المقارن، و حول أدب الأطفال في فلسطين، وتعمل أيضًا على مشروع أدبيّ مشترك حول أدبنا الفلسطينيّ مع جامعة هنديّة  إثر مشاركتها ومحاضراتها الأخيرة هناك، في الجامعة المليّة الإسلاميّة في دلهي وفي جامعة كيرالا في جنوب الهند، ومن خلال الإشراف على رسائل جامعيّة لطلاب من الهند، ولا غرابة في الأمر، فوالدتها الأخت الكريمة زميلتي المربّية عايدة خطيب شاعرة وكاتبة قصة للأطفال، وكذلك شقيقتها علا خطيب شاعرة أيضا. حقا، إن حبة التفاح لا تسقط بعيدا عن الشجرة.
د. ماري توتري: حصلت على لقب أوّل في الأدب الإنكليزيّ والفنون، وعملت كمدرّسة للغة الإنكليزيّة لمدّة 26 سنة في طمرة. حصلت على لقب أوّل (للمرة الثانية) ولقب ثانٍ في علم الاجتماع ولقب ثالث في العلوم السياسية من جامعة حيفا، وتعمل محاضرة في كلية أورانيم وجامعة حيفا.
مداخلة د. جهينة خطيب: "مساء ٌمعطرٌ بقمرٍ لا يغيبُ/ بولادةٍ متعسّرةٍ وسطَ آلامِ المخاض/ ونورٍ يهلّ من بعيد رُغم الظلامِ/ الموتُ في الحياةِ عاشَه بطلُنا في روايةِ المُحاق/ الموتُ نومٌ بلا بعثٍ ولا رُقاد/ من لا مكان/ لا وجهَ، لا تاريخ لي، من لا مكان/ تحت السماءِ، وفي عويل الريح أسمعها تناديني: "تعال"/ لا وجه، لا تاريخ.. أسمعها تناديني: "تعال"!/ عبرَ التلال/ مستنقعُ التاريخِ يعبره رجال/ عددُ الرمال/ والأرضُ مازالت، وما زال الرجال/ يلهو بهم عبثُ الظِلال/ مستنقعُ التاريخِ والأرضُ الحزينةُ والرجال/ عبرَ التلال/ ولعلَّ قد مرَّت عليَّ.. علىَّ آلافُ الليال/ وأنا- سُدىً- في الريح ِأسمعُها تناديني"تعال"/عبرَ التلال/ وأنا آلافُ السنين/ متثائبٌ ، ضجرٌ، حزين/ سأكون! لا جدوى، سأبقى دائمًا من لا مكان/ لا وجهَ، لا تاريخ لي، من لا مكان" جملٌ شعريةٌ قالها البياتي، تئِنُ هنا في روايتِنا المُحاق، دائريةٌ هذه الروايةُ تبدأ بموتٍ، ثم حياٍة ثم موتٍ جديدٍ
سيميائيةُ العُنوانِ والغلافِ: المُحاقُ عنوانٌ يدفعُ إلى الذهنِ عنوانيْ روايتين شهيرتين هما الأولى "القمرُ في المحاقِ" للروائي السوري حنا مينا، والثانية: "رأيتهما قمرين في المُحاق" للروائيّ المصريّ أحمد الشّيخ، وها نحن الآن أمامَ روايةِ المحاق لأديبنا الفلسطيني ناجي ظاهر، والمُحاقُ هو غيابُ القمرِ وراءَ الشمسِ وتواريه في الظِل، وسُمي بالمحاقِ لانمحاقِ نورِه واختفائِه، وحينئذ يحدثُ اقترانُ الشمسِ والقمرِ ومولدُ شهرٍ جديدٍ، فالمحاقُ هو آخرُ الشهرِ القمريِ، فما يلاحظُ هو نقصانٌ في القمرِ بعدَ اكتمالِهِ إلى أنْ يختفيَ، فيبدأَ شهرٌ هجريٌ جديدٌ باقترانِ الشمسِ والقمرِ، فغيابُ القمرِ يأتي بولادةِ شهرٍ جديدٍ، ورُغمَ الموتِ فهناك ولادةٌ منْ رحمِهِ  وهذا هو صوتُ الروايةِ.
سيميائيّة الغلافُ: *نرى في اللوحةِ عُصفورًا يحملُ سمكةً، يحيلُنا إلى قصةِ إياد مدّاح "سمكة وعصفور"،  وتحكي القصّةُ عن العصفورِ الجميلِ والسمكةِ المتألقةِ، ولأن السمكةَ تحبُّ تغريدَ العُصفورِ، كانت تنتظرُه كُلَّ صباحٍ على وجهِ الماءِ لتسمعَهُ وهو يغرّدُ، ومن هنا نشأت علاقةٌ حميميَّةٌ بينَ العُصفورِ والسمكةِ، ولكنَّ قسوةَ الحياةِ وضعتهم أمامَ سؤال: أين سيبنيان بيتَهُما؟ قد يعشقُ العُصفورُ سمكةً ولكن المصيبة أين سيعيشان، فهنا تكمنُ استحالةُ هذا الحبِ، وسنرى أنها إحالةٌ لأزمةِ الفنانِ في مجتمعهِ وإحساسُه بالغربة.               
*وتأتي صورةُ المرأة في الغلافِ بملامحَ ليست واضحةً وجانبية، وكأنها في هذه الحياة ِوخارجِها، وكأنها تديرُ وجهَها لهذه الحياةِ وتمسكُ في يدِها شعلةً لتنيرَ الطريقَ، ولكنَّها في الآن ذاتِهِ تجلسُ، والجلوسُ دلالةُ العجزِ، فاجتمعتِ التناقضاتُ في اللوحةِ وسَتُكْمِلُ مَعَنا هذه الثنائياتُ الضديةُ في روايتنا المصغّرةِ، فنرى ثنائيةَ السمكةِ والعُصفورِ، وثنائيةَ الأملِ والعجزِ.
ونبحرُ في الروايةِ النوفيلا: النوفيلا هي قصة طويلة، وهذا الجانرُ الأدبيُ يشيرُ إلى نوعٍ سرديٍ بينيٍ له ارتباطٌ بالقصةِ القصيرةِ ونسبٌ في الروايةِ، فكأنه خليطٌ أو مزيجٌ من النوعينِ، في صورةٍ من صورِ تداخلِ الأجناسِ وتمازج ِعناصرٍها، أي هي  الروايةُ القصيرةُ. وقد بنيت الروايةُ على الثنائياتِ الضديّةِ بدءًا بالغلافِ كما ذكرتُ سابقا، وانتهاءً بكلِ حدثٍ يحدثُ في الروايةِ إلى لحظة الذروةِ وإغلاقِ الدائرةِ بإتقان، فالسمكةُ لا يمكنُ أن تعيشَ معَ العصفوِر في مكانٍ واحدٍ، والاختفاءُ المتمثّلُ بضوءِ القمرِ يعقبهُ اقترانُ القمرِ والشمسِ وولادةُ شهرٍ هجريٍ جديدٍ.
سمكةٌ– عصفورٌ، اختفاءُ القمِر- ولادةُ شهرٍ جديدٍ، دائرةُ الموتِ والحياةِ- موتُ البطلِ– بعثُه من جديدٍ وموتُهُ مرةً أُخرى، ثنائياتٌ ضدّيّةُ تلعبُ على وترِ الإحساسِ، وتؤولُ إلى بِنيةِ العنونةِ لتنتشرَ في أرجاءِ الروايةِ، وتصيبُ دلالاتِ الأسماءِ، فها هو بطلُنا نسيم البرقوقُي، والنسيمُ هو الهواءُ العليلُ المنعِشُ إشارةً إلى الحريةِ والحياةِ، والبرقوقُ هو زهرةٌ جميلة تزهرُ في الربيعِ شهرِ تجددِ الحياةِ. عندَ قراءتِنا للروايةِ نكتشفُ التضادَ في اسمِ الشخصيةِ وفي حياتِها، فنسيم البرقوقي يعاني من موتٍ في الحياةِ، ويشعرُ باختناقٍ  وغربة. وقد جاءت دلالةُ الاسمِ المناقضةُ لتوَضِّحَ هولَ مأساةِ البطلِ، فكما قال جلال الدين الرومي: "لقد خلقَ اللهُ المعاناةَ حتى تظهرَ السعادة ُمن خلالِ نقيضِها، فالأشياءُ تظهُر خلالَ أضدادِها، وبما أنه لا يوجدُ نقيضٌ لله فإنه يظلُّ مخفيًا". وتكتملُ الثنائياتُ الضديّة ودلالةُ الأسماءِ في شخصيةِ الزوجةِ وديعة، فهي أبعدُ ما يكونُ عن الوداعةِ، متصلبةُ الرأيِ عملت على إحباطِ طموحاتِ الزوجِ، وجعلتْه ميِّتا في هذه الحياةِ وميتا روحًا وجسدا، فكانت دائما ما تردد لغةَ العصر "الفنُ لا يطعمُ خبزًا في بلادِنا"، "ما أصعبَ أن تتزوّجَ من امرأة لا تعرفُك حقَّ المعرفةِ ولا تقدّرُك، ما أصعبَ أن تجلسَ قُبالةَ لوحةٍ مشوّهِة" . هذا لسانُ حالِ بطلِنا نسيم البرقوقي
دائرةُ الحياة ِوالموتِ: نسيمُ البرقوقي عاشَ حياةً لا تشبهُهُ، تنازلَ عن أحلامهِ وطموحاتِهِ، ورُغمَ هذا حصلَ على شهرةٍ واسعةٍ بفضل تقربه ولجوئه إلى الأحزاب السياسيّة، طريقةً في البحثِ عن بريقٍ اجتماعي في ظلِ مجتمعٍ يُشعرُهُ بضآلة المبدع فيه، إلّا أنه في قرارةٍ نفسِهِ كان يعلمُ أنَّهُ لم يصلْ إلى لحظةِ تحررهِ وتعبيرهِ عن ذاتهِ في رسوماتِه، فظلّ يشعر بالغربةِ، فبقيتْ لوحتُهُ ناقصةً، وقهرتْهُ إحباطاتُ الحياةِ وأسكتتْ نبضَ قلبِهِ، ليعودَ إلى حياتِهِ مرةً أخرى لشعورِهِ أنَّهُ ماتَ ولوحتُه ُما زالت ناقصةً: فالفنُ قد أحياهُ "كيف يتركُ لوحتَه ناقصةً، ومن يُدريهِ أنّها إذا ما اكتملتْ حقّقتْ له ذاتَه، فان كوخ فلسطين" .
شعورهُ بأنه هذا الشابُ المهجرُ الذي طُرد منْ بلدِه ومن حياتِه، وفُرِضَ عليه مكانٌ ليس لهُ، فوجدَ في الرسمِ فرصةً لتحقيقِ ما لم يستطعْ تحقيقَهُ في الحياةِ، "ماذا تريدين منّي أنا المهجّر ابنُ المهجّر أن أفعلَ سوى ممارسةِ الفنِ، لكي أكون َوأحقّقَ وجودي في عالمٍ لا يريدُ أن يكونَ لي وجودٌ" . عاشَ حياتَه ولم يكن كما حَلُمَ وعندَ بعثِهِ من جديٍد أرادَ استغلالَ فرصةٍ أخيرةٍ لتكتملَ لوحةُ حياتِهِ بعيدًا عن التشويهِ: "الفنانُ يا ابنتي لا يستطيعُ أن يعيشَ حالةَ الخلقِ مرّتين، هو إمّا يمسكُ باللحظةِ حين حضورِها، وإما يفقُد فرصةً لا تتكرّرُ" . لقد توصّلَ نسيم البرقوقي إلى هذه الثنائيّة الضدّيّةِ، فيجبُ أن يتجرّدَ من جسدِه ويطلقَ لروحهِ العنانَ ليعوَد حيًّا: "هو فقط من أدرك سَّر الإبداعِ أخيرا، إنّه الشّعورُ بالموتِ والفَناءِ أولا، والحبِ الغامرِ لهذا العالمِ ثانيًا" . "فمن ماتَ وعادَ إلى الحياةِ لا بدّ أن يكتشفَ أسرارَها، وأن يعرفَ كيف يتعاملُ معَ الأصباحِ المشمسةِ والورودِ" .
مواضيعُ اجتماعيةٌ وسياسيةٌ تمّ مناقشتُها في روايةِ الُمحاق: *مناقشةُ ظاهرةِ العنفِ من منظورٍ آخرَ، من وجهةِ نظرِ الرجلِ: من الجميِل أن يتمَّ طرحُ الموضوعِ من الناحية الأخرى، فدائما يتم مناقشةُ ظاهرةِ العنفِ ضد المرأةِ كضلع ٍقاصرٍ، أما هنا فقد سبح كاتبنا ضدَ التيارِ، فظهَر الأذى الذي يتم الحاقُه بالرجلِ لنرى هنا نموذجًا  مناقضًا، فالرجلُ هنا هو الضحيةُ، والمرأةُ العربيةُ في مجتمعِنا بدأت تستغلُ قانونَ حمايتِها لتهددَ به الرجلَ فناقشَ الكاتبُ تأثرَنا بقوانينَ غربيةٍ لا تمُتُ لعاداتنا وتقاليدنا بصلةٍ، وجاءت بلا تمهيدٍ: "هذا صحيحٌ لو أنّ هذا القانونَ جاءَ على مراحلَ وبمبادرةٍ ذاتيةٍ، أمّا أن يأتيَ مرّةً واحدةً دِبْ دبتك العافية فإنّ هذا هو الخطأُ " ، لقد حذّر الكاتبُ من استغلالِ المرأةِ لحريةٍ وحقوقٍ مُنحت لها ومحاولتِها السيطرةَ على الرجلِ، فهي لا تفقهُ هذه المبادئَ الدخيلةَ على مجتمعِنا العربيِ، فيقرع كاتبُنا ناقوسَ خطرِ غزوِ ثقافاتٍ غربيةٍ لمجتمعِنا العربيّ فيطرح تساؤلا: "ماذا ترى بإمكانِنا نحن المثقفين أن نفعلَ في مواجهةِ حضارةٍ وثقافةٍ تريدان إلغاءَ كُلِّ ما يتعلّقُ بنا، وجعْلَنَا تابعين لها" ؟ ويطرح حلّا: أعتقدُ أنّ الثقافةَ هي سلاحُ من يريدُ أن يكونَ وأن يوجدَ في هذا العصرِ، نحن ينبغي أن نتقنَ لغةَ الآخرِ، بدلَ التمحوِر في عقليةٍ  جذورُها قبليّةٌ وتخضعُ في صميمِها لشيخِ القبيلةِ وزعيمِها" .
معاناة ُالمبدعِ في مجتمعِ أقليّةٍ عربيّةِ: إنّ المبدعَ في فلسطين 48 يعاني من إجحافٍ في حقِّه، فهو مُهمَّشٌ في العالمِ العربيِ ولا يجدُ مكانَه ضمنَ أقليّةٍ في ظلِّ مجتمعٍ اسرائيليّ. "أخيرًا جاءت لحظةُ الإبداعِ، هي تأخّرت، لكنها جاءت تجرجُر أذيالَها منصاعةً متراقصةً لمن أراد أن يكونَ واحدًا من أسيادِ الفنّ في عالمٍ ليس له وجودٌ على خارطةِ الإبداعِ" ، فالإبداعُ الحقيقيُ يُحيي صاحبَه حين نبحثُ عن معنى ونقدّمُ رسالةً. ويشيُر إلى ظاهرةٍ خطيرة ٍوهي حينَ يلجأ الإبداعُ للتسييسِ، فينتمي المبدعُ إلى حزبٍ معينٍ لينالَ شهرةً، عندها يصبحُ إبداعُهُ مقيَّدًا لأنه سيخاطبُ من خلالِهِ سياسةَ حزبِه: "مع هذا انسقتُ وراءَ رجالِ السياسةِ طمعًا في مكسبٍ عابرٍ بسيط،ٍ هو أقُل بمليونِ مرةٍ ممّا يمكنُ أن يمنحَكَ الفنُّ الحقيقيُّ من مكاسبَ، أنتَ لم تكنْ وحيدًا في هذا، فالفنانون في بلادِنا وفي عالمِنا الثالثِ عامةً، كانوا إلى سنواتٍ ليست بعيدةً يُنتجون ويبدعون لإرضاء آخرين من ثعالبِ السياسةِ وتجارِ الوطنيةِ وربما مدّعيها".  ويَلْخُص القولَ إلى أنّ "الفنانَ الحقيقيَّ هو مَن يعملُ على تطويِر نفسِهِ، وهو ليس بأيِ حالٍ من الأحوالِ ذلك الذي يعملُ على العلاقاتِ العامّةِ، إنهُ باختصارٍ يتركُ لفنّهِ أنْ يكونَ رسولاً للآخرين، وهو لا يمكنُ أن يكونَ بأي حالٍ من الأحوالِ رسولاً لفنّهِ" .
السردُ: إنَّ الراويَ في المحاق عليم ٌبكلّ شيء، كلّيُّ المعرفة لا ينقطعُ حضورُه إلا بالحوارِ، ولا يتركُ مجالا للقارئ ليخمّنَ أو يتوقعَ، ولا يدعُه يملأُ فجواتٍ في النّصِ، فيعرضُ المشكلةَ ويقترح حلولًا لها، فجاء في كثير من الأحيان مُلقّنًا عارضًا بشكلٍ مباشرٍ فكرتَهُ دون أنْ يتركَ  دورًا للقارئِ، فضاع ألقُ الاكتشافِ وقوّضَّ أفقَ التّلقي، وباتتِ المعلوماتُ تقريريّةً دعائيّةً في كثيرٍ من الأحيانِ، وتضمّنت الروايةُ إقحاماتٍ شعاريّةً ورسائلَ مباشرةً حولَ معاناة ِالمبدعِ الفلسطينيِّ في ظلّ ظروفٍ سياسيّةٍ: "وهل من الممكنِ أن تُنتجَ هذه البلاُد المصابةُ بعقمٍ مزمنٍ في مجالاتِ الخلقِ والإبداعِ فنانًا حقيقيّا يرفعُ اسمَها عاليا؟" ، فالكاتبُ كأنّ به يمسكُ بتلابيبِ القارئِ ويقول له: هذه هي الدلالةُ التي أعنيها، ويضيّقُ عليه الخناقَ. إلّا أنّه تدارك ذلك بنهايةٍ مُوفقةٍ سأتحدثُ عنها لاحقًا.
هذه الروايةُ النوفيلا تنتسبُ إلى منظورِ القصةِ القصيرةِ من ناحية التقنيةِ والأَداءِ السرديِ أكثرَ منها  لمنظورِ الروايةِ، وهو ما يشيُر إلى أحدِ أنماط القصةِ الطويلةِ، فرُغمَ الطولِ النسبيِّ للقصّةِ مقارنةً بالقصصِ القصيرةِ، فإنّ عددَ الشخصياتِ محدودٌ، والأحداثَ مختزلةٌ مكثّفةٌ، محصورةٌ في دائرةِ عائلةِ نسيم وعلاقتِه بالعالم المحيطِ وبزوجتهِ ومعجباتهِ. وهذه النوفيلا كانت وليدةَ قصةٍ قصيرة للمؤلفِ بعنوان "غرام" من مجموعته القصصيّة "حكاية مهرة"، والإطارُ العامّ لأحداث ِالقصّةِ القصيرةِ هو ذاتُه في روايةِ المُحاق، والجثةُ التي تروي القصّةَ من منظورِها، ودموعُ زوجتهِ المخادعةُ والمعجباتُ المتحلّقاتُ حول جسدِه الميْت، وجاءت الروايةُ لتتطوّرَ الأحداثُ بعدَها حينَ يُمنحُ فرصةً أخرى ليعيش.
لقد صدرت رواية المحاق في طبعتها الأولى عام 2013 بعنوان "غرام أو نهاية فنان"، ولكنّ العنوانَ جاء مباشرًا مقارنة بعنوانِ المُحاق وولادةِ شهرٍ جديد وأملٍ جديد، طالما هناك المرأةُ الحلمُ سلاف، ودلالة اسمها في كونها أفضلَ الخمرِ الخالص من كلّ شيء، والتي ترمزُ إلى التفاؤلِ، والابنةُ الأملُ "سهر الليالي"، فما دامَ في العمر بقيةٌ  فالحلمُ والأملُ موجودان.
ملامحُ السيرةِ في رواية المحاق: أنا لستُ من أنصارِ رولان بارت حين نادى  بموتِ المؤلفِ، فالكاتبُ شاء أم أبى يصبُّ شيئًا من روحهِ في روايته، ونرى هذا البطلَ "نسيم البرقوقي": في كونه الفلسطينيَ المّهجّر، وهذا ما نعرفه عن كاتبِنا الأديبِ ناجي ظاهر وهجرتِه وأهلِه من سيرين، فالوجعُ وحّدهما وأوحشَ نبضَهُما، وكلاهُما مبدعٌ وإن اختلفتْ مجالاتُ الإبداعِ، وصاحبنُا بطلُ الرواية فنانٌ تشكيليٌ مبدعٌ وكاتبُنا أديبٌ مبدعٌ. كذلك المكان الناصرة وتفاصيلُ أزقتها وأحيائِها والكاتبُ من الناصرةِ، وما انفكتْ بلدتُه المهجّرةُ سيرين ومدينتُه  الحاليةُ الناصرة تؤرّقان وجدانَه، ومعاناةُ المبدعِ هي أيضا معاناةُ كاتبنا، فهو متهم بأنه خارجُ السربِ دائمًا، بينما هو  ينشدُ التواصلَ مع المجتمعِ في مستوياتٍ أعمقَ.
نهاية الرواية: لقد تفوق الأديبُ ناجي ظاهر في نهاية روايته، حين أحكم إغلاقَ الدائرة التي ابتدأها في العنوان ومن ثَمّ الغلاف، فالأحداث والفكرةُ التي أرادها قالها على لسانِ الراوي: "هو فقط أدرك سَّر الإبداعِ أخيرا، إنه الشعورُ بالموتِ والفناءِ أولا والحبِ الغامرِ لهذا العالمِ ثانيًا"، وهذا ما حصلَ مع بطلِنا، ماتَ وعادَ للحياةِ، ليكتشفَ أنه لم يكن عائشًا في حياةٍ أولى، كبتَ فيها إبداعَه من أجل إرضاءِ مصالحِ الآخرينَ، وفي الفترةِ القصيرةِ  التي عاد فيها قرّرَ أن يحيا، فهو لم يحلم بأكثر من حياةٍ كالحياة. فلا يمكنُ فهمُ موتِهِ إلا فهمًا رمزيًا، فهذه الزوجةُ التي لم تأبهْ لمشاعرِه ِولا لفنهِ، نراها تقتلُه بدافعِ الغيرةِ وهو لا يقاومُ، بل اكتفى بالمقاومةِ الكلاميةِ، فاللوحةُ التي عادَ من أجلِها قد اكتملتْ، لنكتشفَ أنها لم تكن لوحةً للموديلِ العاري المرسومِ، بل لوحةً لامرأةٍ عاديةٍ تشبهُ زوجتَه وديعة، فالقتلُ هنا رمزيٌ يرمزُ إلى علاقةِ المبدع بمجتمعهِ، فهو يبدو مطرودًا خارجَ نسقِ القيمِ المجتمعيّة، وخارجَ العلاقاتِ السطحيةِ العابرةِ التي يصنعها المجتمعُ، بالرُغمِ من أنه ينشدُ التواصلَ مع المجتمعِ في مستوياتٍ أعمقَ، لهذا عندما رأت زوجتُه اللوحةَ وجدت وجهًا يشبهها، فالفنانُ يصوّر مجتمعَه ويبدي تواصلا حميميًّا، ولكن يبدو دائما معرضًا لإساءةِ الفهم ومن ثمّ إساءةِ التأويلِ، فقد يبدو المبدعُ شاذًا ومرفوضًا وكأنه خارجُ السربِ، فيلجأُ نتيجةَ إحساسهِ بالضآلة إلى بريق اجتماعيّ وسياسيّ ليعوّضَ إحساسَه في الغربة، فالنهايةُ كانت موفّقةً محبوكةَ الخيوطِ ببراعةٍ متناهية.
وأخيرًا.. أحيّي في الأديبِ ناجي ظاهر هذه الروحَ التي لم تكفَّ عن النبضِ، وهذا الألقَ الإبداعيَ في ظلِ ظروفٍ سياسيّةٍ ونفسيّةٍ تحاصرُ أُدباءَنا، فالشعلةُ كما هي في الغلافِ ما زالت مضيئةً، وأديبنُا هو الناجي من موت الإبداع في ظلِ ظروفٍ قاسيةٍ يعيشها أدباؤنا، مباركٌ لك هذا النتاجُ الأدبيُ الجميلُ.
مداخلة د. ماري توتري: أبدأ بملاحظةٍ هامشيّة، ففي الكتاب أخطاء مطبعيّة، وهي ظاهرةٌ شائعة لدى العديد من الكُتّاب العرب، خصوصًا المشهورين منهم مثل نوال السعداوي ومحمد حسنين هيكل وغيرهم، وكأنّهم ليسوا بحاجة لتنقيح كتبهم، فمثلًا يوجد على الأقل غلطة واحدة في كتب نوال السعداوي الأخيرة (3 أجزاء من أوراقي.. حياتي ومذكراتي في السجن). هذه الظاهرة تنتقص من قيمة الكتاب.
درست أدب إنجليزي للقب الأوّل، وعملت كمُدرّسة ثانويّة للغة والأدب الإنجليزيّ مدّة 26 عامًا، ومع أنّي تحوّلت من مجال الأدب إلى مجال العلوم الاجتماعيّة، حيث درست من جديد عِلم اجتماع وعلوم سياسيّة، إلّا أنّني لا أستغني عن رواية أدبيّة جيّدة، فبنظري، يمكن أن يكون الأديب أفضل من باحث في مجال علم النفس والعلوم الاجتماعيّة، ففي كتب عديدة تُضيف (enlightment) "إنارة" أو "تنوير" على فهم تركيبة النفس البشريّة، مثل كتاب بتي سميث A tree Grows in Brookline، الذي فيه تُصنّف بني البشر الى صنفيْن: مَن يتعلّم مِن تجاربه القاسية ويرتقي إنسانيّا، ومَن لا يتعلم شيئًا من تجاربه، ويُعيد الكَرّة مرّات أخرى. في بعض الحالات يمكن لرواية جيّدة أن تكون المصدر الوحيد للتعرّف على ما يدور في مجتمع ما، مثل المجتمعات المحافظة كالسعودية ودول الخليج، التي يُمنع فيها دراسة ظواهر اجتماعيّة عديدة، فكتاب عبده الخال "ترمي بشرر"، وكتاب "بنات الرياض" لرجاء عبدالله الصانع، وكتاب "ساق البامبو" لسعود السعنوسي هم أمثلة على ذلك.
في الماضي حين كنت في مجال الأدب، حت آنذاك كان اهتمامي دائمًا بالمضمون الاجتماعيّ والنفسيّ في الرواية، ولم يهمّني كثيرًا الجانبَ الأدبيّ (الرمزيّة والتورية والبلاغة وحبكة القصّة..)، طبعًا بدون التنازل عن مستوى لغويّ وأسلوب مقبول، لذلك لن أتطرّق في مداخلتي هذه للجوانب الأدبيّة في الكتاب، إنّما سأتطرّق لأحد المواضيع المركزيّة الذي طرحه الكتاب، ألا وهو "قانون حماية المرأة"، وسوف أتطرّق إلى صورة المرأة السلبيّة والتقليديّة التي ظهرت في هذا الكتاب. "قانون حماية المرأة" ليس إلّا القانون ضدّ العنف الأسريّ، ولا يُسمّى بقانون حماية المرأة، ولكن بما أنّ المرأة هي بالأساس ضحيّة العنف الأسريّ، فيمكن القول، إنّ القانونَ جاء لحمايتها من ذلك العنف الأسريّ، ولكنّ كاتبَ القصّة عرّفَ هذا القانون على أنّه "قانون حماية المرأة" الظالم الذي يَضع الرجالَ رهائنَ بين أيدي النساء، والادّعاء على أنّه مؤامرةٌ من (إسرائيل) ضدّ المجتمع العربيّ في البلاد!
لديّ مشكلة مع تبنّي نظريّة المؤامرة بشكل عامّ، ففي العلوم الاجتماعيّة التوجُّهان النقيضان: من جهة هناك نظريّات التحديث (Modernization Theories) التي تتبنّى عادةً نظرةً استعلائيّة واستشراقيّة عند دراسة المجتمعات العربيّة، وتفسّر وتوعزُ الأوضاعَ الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة المُتدنّية فيها لأسباب بُنيويّة، دون الأخذ بالاعتبار بتاريخها مع الاستعمار والأسباب الأخرى التي تفسر أوضاعَها الحاليّة، أي أنّ هذه النظريّات تضعُ كلّ اللوم على المجتمعات نفسها، لوضعها الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسياسيّ المُتدنّي. من جهةٍ أخرى، هناك نظريّات المؤامرة التي تضع كلّ اللوم على الآخر (الكلونياليّة، المُحتلّ، الرجل الأبيض..)، وتُبرّئ المجتمعات نفسها من أخذ المسؤوليّة على جزءٍ ممّا يحدث لها، فهنالك مراكز أبحاث عندنا تتبنى هذا النهج بالكامل! مشكلتي مع هذا التوجّه، أنّه يضعُ كلّ اللوم على الآخر، ولا يأخذ مسؤوليّة قليلة صغيرة على وضعنا العامّ، أو على المستوى الشخصيّ!
سأعطي مثالًا من كتاب المحاق، فمثلا من عام 2000 حتى عام 2016 قتل حوالي 1.300 عربيّ على أيدي عرب، بسبب ما نُسمّيه بالاحتراب الداخليّ أو العنف الداخليّ، لكننا نضع غالبًا كلّ اللوم على الشرطة التي لا تحارب ظاهرة السلاح المنتشر في بلداتنا العربيّة، دون التطرّق لدوْرنا في هذه المشكلة ومسؤوليّتنا تجاه مجتمعنا، فعندما نتبنّى نظريّة المؤامرة، نبرّئ أنفسنا مِن اتّخاذ المسؤوليّة على حياتنا الشخصيّة أيضًا. فمثلًا في رواية (المحاق) بطل القصّة نسيم البرقوقي الفنّان مرهف الحسّ الليبراليّ في أفكاره، يُبدي إعجابَهُ مِن جون بول سارتر وسيمون دي بفوار، اللذيْن عاشا حياتهما معًا دون إطار زواجٍ لم يُؤمنا به. ونسيم البرقوقي لا يؤمن بإطار الزواج أيضًا لأنّه فنّان، ومن الضروريّ كما قال أن يبقى حُرّا، ولكن مِن جهةٍ أخرى يطلب من أهله أن "يُدبّروا له عروسًا"، والتي في النهاية لم تكن اختيارًا جيّدًا له! هنالك تناقض صارخ لفكره الليبراليّ وتصرُّفه التقليديّ، والسؤال، مَن يتحمّل مسؤوليّة زواجه من وديعة الشبيك؟
أعود للادّعاء على أنّ "قانون حماية المرأة" هو مؤامرة إسرائيليّة ضدّ مجتمعنا العربيّ، فيقول همّام الشماليّ إحدى شخصيّات القصّة، وهو كاتب وصحفيّ اعتقل مثل نسيم البرقوقي، لأنّ زوجته ادّعت أيضًا مثل زوجة نسيم البرقوقي أنّها عُنّفت من قِبل زوجها، في حديث دار بينهما (ص87-86): "بعد احتلالنا وبعد أن أصبحنا رعايا في الدولة.. إسرائيل تُوجّه ضربتها القاضية إلينا وتسنّ القوانين وتدخل بيوتنا، لتجعل من نسائنا عَدُوّاتٍ لنا". "لقد تحوّل مجتمعنا العربيّ إلى مجتمع أفاع. الويل لنا إذا ما استمرّ الوضع على ما هو عليه. لن يبقى من العرب عربا، وسوف نكون آخر العرب في هذه البلاد"! ذكر همام الشمالي أنه ونسيم البرقوقي ليسا الموقوفين العربيين الوحيدين في هذا المعتقل، بل هناك 600 موقوف عربيّ بذات التهمة.
الادّعاءُ العامّ في هذا الكتاب هو أنّ النساء أصبحن عدُوّاتٍ للرجال، وليس هنالك ذِكْرٌ لظاهرة العنف ضدّ النساء في مجتمعنا العربيّ! سأقدّمُ بعضَ الإحصائيّات عن العنف في مجتمعنا العربيّ: ففي السنة الماضية (2015) قتلت 10 نساء عربيّات من بين 18 امرأة، بأيدي أزواجهنّ، واللواتي كان يُفترَضُ أن يحميهنّ القانونُ من هذا المصير! هذا يعني؛ أنّ نسبة النساء العربيّات تشكّلُ 55% من النّساء اللواتي قتلن في السنة الماضية، ونحن العرب نُشكّل 18% مِن مُجمل السكّان في إسرائيل، أي أنّ ضحايا العنف عندنا تشكّل ثلاثة أضعاف المجتمع اليهوديّ!؟
تبيّن في دراسة أجراها بروفسور محمّد الحاج يحيى على عيّنة من 2.000 امرأة متزوّجة، أنّ هناك نسبة عالية من النساء اللواتي يتعرّضن للعنف النفسيّ واللفظيّ والجسديّ والجنسيّ، فمثلًا 20% من النساء قلن إنّ أزواجهنّ اتّهموهنّ بأنهن فاشلات. و 22% من النساء قلن إنّ أزواجهنّ استخفّوا بهنّ وتعاملوا معهنّ بأسلوب مُهين وجارح، و 24% صرّحن أنّ أزواجهنّ أمسكوا بهنّ بقوّة أثناء نقاش حادّ، و 25% منهنّ تهجّم أزواجهنّ عليهنّ بالصفع واللطم على الأقلّ مرّةً خلال 12 شهرًا، و 9% منهنّ تهجّم أزواجهنّ عليهنّ بالضرب المُتكرّر، و 2% منهنّ تهجّم أزواجهنّ عليهنّ بسكّين أو بسلاح! حسب رأي الباحثين والأكاديميّين أنّ مشكلة العنف الأسريّ، (وبالأساس العنف ضدّ المرأة) هو أكثر انتشارًا بكثير ممّا تُفصح الدراسات عنه، لأن كثيراتٍ مِن ضحايا العنف الأسريّ يَمِلن إلى عدم الافصاح عن تجربتهنّ المؤلمة، (خجلًا، خوفًا، سبب الشعور بالذنب و..). ويلخص الباحثون والأكاديميّون أنّ الخدمات المتوفّرة لمساندة وحماية ضحايا العنف الأسريّ هي ضئيلة جدّا في مجتمعنا العربيّ، وأنّه يجب الاعتراف بأنّ المجتمع العربيّ لم ينجح بتوفير علاجًا وحماية ومؤازرة رسميّة واجتماعيّة لضحايا العنف الأسري، ولا الملاحقة القانونيّة للمُعتدين.
أنا لا أبرّئ الشرطة والدولة عن هذا الوضع المُزري لنسائنا العربيّات، اللتان تدّعيان بدورهما على "أنّ العنف مُتجذّرٌ عميقًا في المجتمع العربيّ"، أي أنّها تضع كلّ اللوم على مجتمعنا، ولا تحاول معالجة هذه المشكلة، وكمثال على ذلك قلّة الملاجئ للنساء العربيّات! (2 من بين 14 ملجأ للنساء المُعنّفات).
ذكَرَ أحد الشخصيّات: "لم أعُدْ سيّد البيت وربّان السفينة". "الواحد منّا توقف عن أن يكون رجلًا، وبات كلّ شيء بيد المرأة. بإمكان أيّة امرأة أن ترفع سماعة التلفون وتتصل بالشرطة، لتأتي بعد دقائق لإبعاد زوجها من البيت"! أعجبني جدّا تصوير الشرطة الإسرائيليّة على سرعة استعدادها للمجيء بسرعة البرق، مع أنّنا في الواقع نعرف أنّ الوضع هو تمامًا العكس، فحين يحدث شجار وإطلاق نار، يُطلب من الشرطة المجيء وتجيب عادة "بعدما تحصوا قتلاكم ويتوقف إطلاق نار اتصلوا بنا مرّة أخرى". إذا كان الوضع كما صوّر في الكتاب، أقترح في الشجار الدمويّ القادم أن تتّصل امرأة بالشرطة، وتدّعي أنّ زوجها يُهدّدها لعلّ الشرطة تصل بسرعة البرق! خلال الحوار الذي دار بين همام الشمالي ونسيم البرقوقي في المعتقل قال همام الشمالي: "نحن العرب أكثر المتضرّرين منه، (القانون) سيؤدّي لإيجاد شرخ في البيت العربيّ، لا سيّما إذا كانت فيه امرأة مجنونة"! ويستمرّ ويتساءل: "وهل توجد هناك عندنا نحن العرب امرأة عاقلة واحدة"؟! هذا التعميم هو مصيبة بحدّ ذاته، لأنّه جاء من صحفيّ وكاتب. الكتاب صوّر المرأة بصورة سلبيّة وعدائيّة، وأنا لا أنكر أنّ هناك إمكانيّة لبعض النساء أن يستغلن القانون، ولكن التعميم الأعمى وعدم الاعتراف من وجود ظاهرة العنف الأسريّ وتحويل النساء من ضحايا العنف لعدوّات الرجال، في هذا تشويه للواقع الذي نعيشه.

29
نجمة النمر الأبيض نموذج لرواية الفقد والسعي!
آمال عوّاد رضوان
الخبر: في قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، وتحت رعاية المجلس المليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ/ حيفا، أقام نادي حيفا الثقافيّ أمسية ثقافيّة بتاريخ 6-10-2016، تناولت رواية "نجمة النمر الأبيض" لد. محمد هيبي، وذلك وسط حضور كبير من الأقرباء والأصدقاء والأدباء من المثلث وحيفا وسائر الجليل، وقد رحبّ المحامي فؤاد نقارة مرئيس ومؤسس النادي بالحضور والمشاركين، منوّهًا إلى توضيح بعض ملاحظات مهمّة وأساسيّة حول نشاطات النادي وبرامجه القادمة، ثمّ تولّت عرافة الأمسية أميمة محاميد، وتحدّث عن الرواية كلّ من: د. لينا الشيخ حشمة وبروفيسور إبراهيم طه، وكان مداخلة قصيرة لعروس الدامون غدير بقاعي، تتوافق ومضمون الأمسية والرواية، وفي نهاية اللقاء شكر المحتفى به د. هيبي الحضور والقائمين على الأمسية والمنظمين والمشاركين، ثمّ تمّ التقاط الصور التذكاريّة!
كلمات التقرير بالتفصيل:
مداخلة المحامي فؤاد نقارة مؤسس ورئيس نادي حيفا الثقافي: الأخوات والإخوة مساؤكم خير، باسم المجلس المِلّيّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في حيفا، وباسم نادي حيفا الثقافي وباسمي، نرحّب بكم في قاعة كنيسة القدّيس يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة، في لقائنا الثقافي مع الاخ د. محمد هيبي ومناقشة روايته الأولى "نجمة النمر الابيض". أطلب من الحضور المحافظة على الهدوء، وإغلاق الهواتف النقالة، والامتناع قدر الإمكان عن إعطاء ملاحظات لغويّة وأخرى، حفاظا على احترام المشاركين في المداخلات من على المنصة.
أشكر جميع الإخوة من أعضاء نادي حيفا الثقافي الذين يعملون بكل الجهد والطاقة تطوّعًا لإنجاح نشاطات النادي، وأخص بالذكر الإخوة: المحامي حسن عبادي، والشاعرة آمال عوّاد رضوان، وخلود فوراني سريّة، وفضل الله مجدلاني ود. جوني منصور، وأشكر المجلس المِليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في حيفا، ممثّلًا بالإخوة أعضاء المجلس الأستاذ جريس خوري والمحامي كميل مويس، فلولا دعم المجلس المليّ الكامل غير المشروط لبرنامج النادي واستخدام هذه القاعة لنشاطات النادي، لما تمكّن النادي من القيام بنشاطاته. الشكر أيضًا للمشاركين الدائمين الذين أصبحوا جزءًا أساسيًّا من برنامج النادي، فالحُلم بإقامة النادي راودنا منذ مدة طويلة وحققناه، فأصبحَ مؤسّسة ثقافيّة لها اسمها على مستوى الوطن، ومِن ضمن أهدافنا تقريبُ الأدباء والمثقفين من بعضهم البعض، والتعارف فيما بينهم، وإيجاد دفيئة حاضنة للفكر والثقافة المتنوّرة، وأهداف اخرى حققناها في العمل المتواصل من نشاطات النادي، حيث أصبح اللقاء أسبوعيًّا كلّ يوم خميس، له صبغة ثقافيّة واجتماعيّة بامتياز، بحسب ما نلمسه ونسمعه من الأخوات والإخوة المشاركين والمُتابعين.  وفي هذه المناسبة نبارك للأخ الزميل والأديب سعيد نفّاع بخروجه إلى الحرّيّة يوم الاثنين 10-10-2016، والنادي بصدد الاحتفاء به بإقامة أمسية لأديبنا المُحرّر.
من لا يعمل لا يخطئ، وبما أنّ نشاط النادي تطوّعيّ، فأنا مستعدّ دائمًا لسماع أيّة ملاحظات بنّاءة، لِما فيه منفعة نشاطات النادي. أمسياتنا القادمة: *بتاريخ 13-10-2016 إشهار رواية "محاق" للكاتب ناجي ظاهر. *بتاريخ 20-10-2016 إشهار الطبعة الثالثة من الكتاب الوثيقة "يوميات طبيب في تل الزعتر" للدكتور الطبيب يوسف عراقي الحيفاويّ الأصل الذي سيحضر خصّيصًا من النرويج حيث يقيم، وذلك بمناسبة الذكرى الأربعين لمجزرة مخيّم تلّ الزعتر. *بتاريخ 03-11-206 إشهار "حكاية عشق" و "جداريّات نصراويّة" للأستاذ فتحي فوراني. *بتاريخ 10-11-2016 عكاظيّة حيفا الثامنة مع الشعراء عبد الرحيم الشيخ يوسف، وسماهر نجّار، وابتهاج داود خوري، وعرافة الشاعر أنور خير المواظب على حضور كلّ الأمسيات. *بتاريخ 17-11-2016 إشهار كتاب البحث في "أدب السجون في مصر وسورية والعراق" للدكتورة لينا الشيخ حشمة. والشاعرة سلمى جبران وإشهار مجموعتها الشعريّة "خارج مدار الذات" في رام الله أوّلًا في متحف محمود درويش بتاريخ  10-10-2016، وفي حيفا مسرح الكرمة بتاريخ 16-10-2016 الساعة 19:30 نأمل تشريفكم.
الشكر الكبير لد. محمد هيبي المواظب دائمًا على حضور أمسيات النادي والمشاركة في المداخلات، ونشكرك على روايتك الرائعة، وأشكر بروفيسور إبراهيم طه، ود. لينا الشيخ حشمة وأميمة محاميد المشاركين في هذه الأمسية، وأطلب منهم التقييد بالوقت المُخصّص لهم حفاظا على نجاعة البرنامج. وأخيرًا، صفحة نادي حيفا الثقافي على الفيس بوك https://www.facebook.com/groups/334690180075215/، وهي متاحة للجميع، ننشر فيها صور وتسجيلات المداخلات والتقارير الأسبوعية عن نشاطات النادي، ويمكن التواصل معنا عبرها.
مداخلة أميمة محاميد: الكتابةُ تأتي الينا لا نذهبُ إليها، تشتاقُنا الكلماتُ كما نشتاقُها، حينها ينزلقُ القلمُ فيسيلُ الحبرُ فوق الأوراقِ المتعطشةِ بسلاسةٍ وإنسيابٍ، ليرسم ويُجسّد لنا بريشتِهِ الإبداعيّةِ أجملَ اللوحاتِ، ولكلّ لوحةٍ قصّةٌ وحكايةٌ، منها ما يُفرحُنا ومنها ما يُبكينا، وبعضُها يَستفزّنا ويحبسُ أنفاسَنا، نركبُ عُبابَ الكلماتِ ونُبحرُ في خيالِنا، لاستكشافِ ما بين السطورِ من معانٍ ومعرفةٍ وحقيقةٍ. في كثيرٍ منَ الأحيان نشعرُ أنّنا جزءٌ لا يتجزّأ مِنَ الروايةِ، نعيشُ اللحظاتِ الهاربة، نتقمّصُ الأدوارَ ونشعرُ أنّنا أبطالُ الرواية، تستوقفُنا العباراتُ والصّورُ، نعانقُ الكلماتِ ولا نتركها، نشهقُ ونقولُ: الله ما أجملكَ أيُّها الكاتبُ! وهذا إن دلَّ على شيءٍ، فإنّه يدلّ على القدرةِ الإبداعيّةِ لدى الكاتب، إذ استطاعَ أن يُلامسَ بِحرفِهِ الماسيّ إحساسَ القارئ ويُحاكي مشاعرَهُ، وهذا ما لمسناهُ في روايةِ نجمة النمر الأبيض للكاتب الدكتور محمد هيبي، إذ استطاع كاتبُنا بأسلوبِه المتميّزِ أن يستفزّ القارئ، ويُشعِلَ فتيلَ الضوضاءِ داخلَهُ ويحاكي وجدانَه، كلماتُه تدغدغ المشاعرَ، حروفه تعبقُ برائحةِ التراب وأريجِ الزعتر والزيتونِ، ممّا جعل للروايةِ نكهةً خاصّة ومميّزةً.
ماذا قال د. بسام فرنجيّة في رواية نجمة النمر الأبيض: حروف وكلمات محمد هيبي تتراقص في أعين القارئ قبلَ أن تدخل وجدانه، فالرواية ساحرة القراءة، ممتعة الأسلوب، قويّة الأفكار، ذات جاذبيّة خاصّة، وما أن يبدأها القارئ ، فلا يستطيع أن يتركها من يده حتى يُنهيها، ومِن علاماتها المميزة تلك اللغة الشاعريّة التي تنساب سلِسلة في كلّ جملة، وتلك اللغة العربيّة المتينة السبك التي يُجيدها الكاتب ببراعة لافتة للنظر، فالكاتب يغرف من بحر، بل يغرف من بحر شعريّ ولغويّ، فهو سيّد اللغة، وتأتي الكلمات من قلمه طيّعة سلِسة محبوكة بعفويّة خاصّة، بأسلوب السهل الممتنع، ممّا يزيد الرواية جمالًا وجاذبيّة وسِحرًا، وأنا أقول لك: يا فارس القلم طوبى لك وطوبى لنا.
مقتطفات من مداخلة إبراهيم طه/ نجمة النمر الأبيض نموذج لرواية الفقد والسعي: هي رواية الدكتور محمّد هيبي، تتميّز بمبنى مأنوس وثابت، وهو مبنى كلاسيكي معروف ينهض على فلسفة الفقد أو الغياب. هكذا قرأت الرواية. هكذا فهمتها. ولا شكّ في أنّ الكاتب أحسن توظيف هذه الفلسفة في هيكلة الرواية وبنائها على نحو يجعلها رواية تقليديّة. وفي مسألة الحبك استطاعت الرواية أن تصل الحدث بالحدث وتشدّ الشخصيّة إلى الشخصيّة بأدوات كثيرة منها: البعد الذاتي الصادق المقنع، والضمير الأوّل الذي يقرّب القارئ من السرد، والمشاعر الجيّاشة الدافقة في الحبّ والحنين والحزن والأمل والألم والرجاء... وهذه كلها بطبيعة الحال تجعل الرواية حركيّة دافقة دراميّة. يُصوّر الكاتب في روايته مأساة الشعب الفلسطينيّ كلّه من خلال قصّة أمّه وأبيه وعمّه، فيها يتّجه من الميكرو إلى الماكرو.
إلى جانب الفصول الجميلة في الرواية ثمّة فصول تكثر فيها الثرثرة والمونولوجات المطوّلة والمبالغات والاقتحامات البوليسيّة. وهي في الحقيقة آفةٌ عامّة، مرض طال أدبَنا الفلسطينيّ بصفة أو بأخرى في كلّ مراحل تطوّره. وفي المحصّلة الأخيرة، مشكلة الرواية مع هذه الاقتحامات في: (1) الكثرة. الوتيرة السريعة التي يظهر فيها القول السياسيّ في الرواية. (2) المبالغة. تجاوز كلّ حدّ معقول ومنطقيّ. (3) الموقع. وغالبًا ما تقطع الطريق أمام تدفّق الأحداث المتخيّلة الكافية في ذاتها لأن توصل القارئ إلى ما يسعى إليه الكاتب من قول آيديولوجي. وفي الأخير، نذكّر بأنّ الأدب نشاط حييّ، خجول، دبلوماسي، متملّص. ولا يصير الشعر شعرًا بالشعار، حتى وإن قال صاحبه: "فليسقط الاحتلال ولتسقط الرجعيّة العربيّة" ألف مرّة.
مداخلة د. لينا الشيخ حشمة: حين يضيق الواقع يمسي الحلم أداةً لترميم الذّات المشرّدة، ويصبح حقيقة، ولو على سبيل التّمنّي. هكذا يكون الخيال الأدبيّ شكلًا من أشكال الحريّة؛ يحرّر النّفس في فسحة الفعل القادر على الخلق والتّغيير. لهذا يكتب د. هيبي، يكتب تفريغًا للحزن المكبوت، وتطهيرًا لألم الفقد، ليحقّق توازنه المفقود من فقده لوطنٍ يعشقُه، ما زال فقدُه يقتلُه.
إنّ فعل الكتابة هنا هو انعتاقٌ وأمل. يكتب هيبي ليلومَ من كاد ينسى، وليذكّرَ بجرحٍ ما زال ينزف، هو جرح المنارة والمشرّدين. يكتب لينفضَ عن ذاكرة بني الأعفم غبارَ السنوات الطّويلة، لذاكرةٍ قد ضاعت في متاهات النسيان وغدر الزّمان، واعيًا  لدور الأدب في حفظ التّاريخ والذّاكرة، مؤكّدًا أنّ المنارة، وهي حكاية من اقتُلع من وطنه من بني الأعفم، من أبناء المنارة، هي الوطن الذي كان، والذي سيبقى والذي سيعود، وهذا هو حلم محمّد الأعفم، بطل الرواية.
الأعفم كما يوضّح لنا الكاتب بآليّة الميتاقصّ في الإهداء: "هو رمز للإنسان العربيّ الفلسطينيّ المشرّد في الوطن والمَنافي تسكنه المنارة، ويحملها جيلًا بعد جيل". ومحمّد الأعفم جاء إلى الدّنيا بعد النّكبة، يبلغ السّتّين من عمره،  يعيش وجع الانتظار، يحمل المنارة في قلبه وفكره، يبحث عن طريقها، رافضًا الزّواج بعيدًا عنها. هو ثمرة الخراب والضّياع، هو الضّياع،  ولكنّه الأمل الذي لا يضيع. "هو حكاية عمر استباحه الغدر، غدر الأعداء، وغدر الأخوة الأعداء. غدر الأخوة الأعداء قبل الأعداء"(ص8). هكذا صارت المنارة كومةً من حجارة، أمست حلمًا بعد أن كانت حقيقةً. لم يولد فيها محمّد الأعفم ولكنّها ولدت فيه، يراها عروسًا حسناءَ ترتدي ثوبها الأبيض، تنتظر فارسها الّذي تأخّر. أمّا هو فيأتيها فارسًا هزمه القهر والحنين، وقتلته الثرثرةُ الصّامتة عبر السنين. هي ما زالت تنتظر، أمّا هو فقد سئم الصّمتَ والانتظار.
تكثر ملامح التّصوّف في هذه الرواية، فإذا كان الصّوفيُّ يعاني غياب الحبيب إلى أن يلتحم به ويتحقّق "الاتّحاد"؛ فالأعفم صوفيٌّ يعاني في غياب حبيبته المنارة. وإذا كان واجب العاشق الصّوفيّ أن يجعل من المعشوق غايةً في ذاته، فالأعفم يجعل من المنارةِ الحقيقةَ الأسمى والغاية العليا، إلى أن تمسيَ يقينًا وينتهي إلى أحضانها. وإذا كانت الصّوفيّة هي غريزة السّؤال الّذي يلوب على المجهول والمفقود، فإنّ الأعفم يلوب متسائلًا عن المنارة المفقودة. والسّؤال هنا سعيٌ وراء الكمال، والسّعي بداية الفعل، والفعل قد يبدأ بالحلم. أمّا المتسائل فهو مسلوبٌ ومقهور؛ وقد أدخله السّلب في قوقعة التنقيب عن اليقينِ، حيث الفضاء الموجع المشرذم بالغياب. وإلى أن يمسيَ الغيابُ حضورًا يلوب عليه الوجدانُ لَوَبانَ الأمِّ على ولدِها الرضيعِ. هكذا يكون الصّوفيّ، وهكذا كان الأعفم.
إنّ الأعفم مشغولٌ بالطّريق إليها أكثر من انشغاله بالغايةِ نفسها، فكم من مرّة يكرّر كلمة "الطريق" في الرواية! ويذكّرني هذا الانشغالُ بالطّريقِ والشّوقِ إلى الخلاص ببحث صابر عن والده في رواية "الطّريق" لنجيب محفوظ، وإن اختلفت طريق صابر عن طريق الأعفم. كما أوافق أستاذي بروفيسور إبراهيم طه في قوله، بأنّها تذكّرنا كثيرًا بقصّة زعبلاوي لمحفوظ أيضًا. فإذا كان صابر يبحث عن والده ليمنحه حياة كريمة، وإذا كان الرّاوي في قصّة زعبلاوي يبحث عن زعبلاوي ليقدّم له الشّفاء والسّعادة، فالأعفم كذلك يبحث عن السّعادة في عودة المنارة. وإذا كان الأعفم يشعر بالضّياع لأنّه لم يصل إلى اليقين بعد، أيّ المنارة، فإنّه سيشعر باليقين عندما يلتقي بسلوى، امرأة المنارة، حينها يرى الأعفمان سعادتهما تتحقّق في الحلم. كذلك يجد الرّاوي السّعادة في قصّة "زعبلاوي" عندما يلتقي بزعبلاوي في الحلم.
وحين يصل الصّوفيّ إلى حالة الوجد يستطيع أن يجد التّوافق الضّائع بينه وبين نفسه، مثلما يصل الأعفم مع سلوى الى حالة الوجد وينتشي بالحبّ، ويتذوّق سعادة الوجود، فيدرك أنّه في طريق المنارة. والمحبّ الصّوفيّ يمحو من قلبه كلّ شيء إلّا المحبوب. كذلك ينفّض الأعفم قلبه من كلّ شيء إلّا المنارة، مسخّرًا كلّ علاقاته وذكرياته وهواجسه للمنارة.
صورة المرأة في الرّواية: يسعى د. هيبي للتّأكيد على مركزيّة حضور المرأة الفلسطينيّة في الرّواية. فإذا كانت الأنوثة قد اقترنت على صعيد الوعي الجمعيّ بالضّعف والخنوع، فإنّها بعيدةٌ هنا أن تكونَ خاضعة عاجزة، فقد وصلت قمّة التّفاعل مع الهمّ الجماعيّ والوطنيّ، بَدءًا بوالدة الأعفم وصولًا إلى سلوى الأعفم.  يتجلّى نضال الأمّ في عدم رضوخها لقرار أهلها في ترك زوجها، وفي رفضها التّخلي عن المنارة. ربطت مصيرها بمصير الوطن، واختارت البقاء مع زوجها وهي تدرك حياة التّشرّد الّتي ستدفعها مقابل قرارها هذا. لعبت دورًا مهمًّا في ترسيخ المنارة في ذاكرة أبنائها، فيقول الأعفم مخاطبا نفسه: "ألم تكن المرأة هي السّبب؟ ألم تكن أمّك هي المرأة التي غرست المنارة في كيانك وقبل أبيك! أججّت حبّ المنارة في قلبك؟" (ص93). ويتماهى حبّ الأمّ مع حبّ المنارة لأنّها رابطه الأوّل بالحياة وبالمنارة كذلك (ص168). إذن هي المرأة، منبع الحياة ورحمها.
ثمّ تظهر حمدة، حمدة هي تلك الشابّة الفاتنة الّتي حملته إلى المنارة فزارها معها لأوّل مرّة في حياته. كانت حمدة  في العشرين من عمرها، وكان هو صبيًّا. لم يكن يعرف المنارة، كانت ما زالت في مخيّلته مجرّد خيالٍ، لكنّها غدَتْ معها حقيقة. منذ ذلك اليوم الّذي حضنته حمدة باتت المنارة لا تفارقه، وليس جسد حمدة إلّا رمزًا للمنارة. ففي هذه التّجربة تتجسّد في نفسه تلك العلاقة الّتي ستربط عمره بالمرأة والمنارة معًا.
ثمّ تظهر سلوى الأعفم، هي امتدادٌ للأمّ وحمدة، ساحرةُ الجمال، تشبهه بالأفكار وبعشقها للمنارة. هي نموذجٌ للمرأة المثقّفةِ الجريئة القادرة على الفعل وصنع القرار. فلا يقدّم هيبي صورةً نمطيّة للمرأة المقموعة، بل يقدّمها شخصيّة أملت مكانتها واحترامها على الرّجل، فلا تقلّ عنه صبرًا وتضحية ووعيًا وإبداعًا، مؤكّدًا أنّ عدم نسيان المنارة لا يقتصر على النّضال الذّكوريّ، بل إنّ للمرأة دورًا في تثبيتها في الذّاكرة. وكأنّه يقول:  ليست ذاكرتي مثقلةً بثقافة قمعيّة ضدّ المرأة، فها هي في روايتي تتربّع على عرش الثّقافة والجرأة، وفقط في حضنها يكون الخلاص، ومعها يتحقق الحلم. الأعفم بحاجة إلى جرأتها. وفي سبيل تحقيق حلم المنارة لا بدّ لنصف المجتمع، أي المرأة أن يكون حرًّا وقويًّا ومشاركًا. كما أنّ امتلاك المرأة لمستوى ثقافيّ جامعيّ عالٍ يؤهّلها كي تنخرط في قضايا مجتمعها، ويمكّنها من الدّفاع عن طموحاتها ومشاعرها.
إنّ شهرزاد هنا لا تخاف ولا تخشى السّيف، بل تنافس الرّجل وتقتحم مملكته في حقّ الكلمة والتّعبير، وهيبي لا يريدها في صراع مع شهريار أو أن تسرق قلمه، بل هي كالأعفم، مبدعة وكاتبة ومعلمة للموضوع ذاته الذي يعلمه. هكذا يسعى ليؤكّد أنّ شهرزاد الفلسطينيّة تشارك شهريار في حمل السّيف في وجه الهزيمة والنسيان. هي نجمة النمر الأبيض. سحرها لا يقاوم، والنمر لا يروّض كما يقول البروفيسور طه نقلًا عن الكاتب زكريّا تامر، ولذا هي لا تروّض ولا تقمع ولا تنسى.
يكثر الأعفم من تساؤلاته حول سلوى وعلاقتها بالمنارة، كتساؤله عن دور المرأة في وطن مفقود: "هل يستطيع الحبّ أن يجعل الوطن امرأة؟"، "هل يصبح الوطن امرأة؟"، و"هل يكون الحبّ مشروعًا بعيدًا عن هذا الوطن/ المنارة؟. لكنّها أسئلة تؤكّد أكثر ممّا تسأل، تعلن لا تصرّح، ولا تمنح القارئَ فرصةَ المشاركةِ في عمليّة التواصل الأدبيّ، بل سرعان ما يقدّم الكاتب الإجابات جاهزة، مؤكّدًا أنّ سلوى هي الملاذ، وأنّ حبّ المنارة وحبّ المرأة شيء واحد. ألم تعلّم والدة الأعفم ابنها، أنّ "المرأة تكون كلّ شيء حين يفقد الانسان كلّ شيء" (ص 187-188).
الأعفم الذي تجاوز السّتين يعتبر نفسه مشروع عجز وضعف، لكنّه في لقاء سلوى لم يفقد الأمل الذي لا يضيع ولا يروّض. السّتون هنا هي إشارة إلى عمر نكبة المنارة. إذن المنارة، وإن طال انتظارُها، لم تفقد الأمل. وسلوى الّتي تجاوزت الثلاثين هي مشروع حماس وقوّة شباب، معها سيكفّ عن الصّمت ويخطو خطوته الأولى في الطريق. هناك سيُختصر الزمن في عمر واحد، ويقترب الحلم من الحقيقة.  "فما جدوى المرأة إن لم تكن حلما أو مشعلا ينير طريق الرجل إلى فردوسه المشتهى؟"(ص74). هكذا  يؤكّد الأعفم.
سلوى هي المرأة التي ستلهيه وتنسيه وجع المنارة وتحييه من جديد. إذن؛ سلوى المرأة تعادل الحياة والمنارة. لذا يختار الكاتب لقاءهما في آذار، "لأنّه شهر المرأة والأمّ والأرض" (ص33). كما يقول الراوي. من هنا، المرأة رمز الوطن والخصوبة والحياة. وسلوى كانت بحاجة كالأعفم إلى من ينير طريقها، "أنا بحاجة إلى رجل يحبّني" (ص120) تقول له. سلوى ما زالت تنتظر حبيبًا وتتوق إلى الأمان على صدره. هي كالمنارة تنتظر فارسًا يجعلها حقيقة، الوطن الّذي ينتظر من يحييه. هكذا يمسي المكان امرأة، وتغدو المرأة مكانًا.
ويتحقّق الحلم في الفصل الأخير، لقد رأيا الحلم ذاته في اللحظة ذاتها في غفوة واحدة (ص360-364). وفي الحلم يكون الاتّحاد، يحملها إلى المنارة ويتعانق الجسدان إلى أن يزهر الربيع في المنارة"(ص364). ولا تنتهي الرواية قبل أن يطلب الأعفم  من سلوى أن تتزوّجه. وفي هذا إشارة إلى أنّه إذا تحقّق الاتّحاد مع سلوى فلا بدّ أن تتحقّق عودة المنارة. هكذا تنتهي الرواية من الاقتراب من حدود الفعل والأمل. وليس عبثًا أن يجعل الكاتب ترتيب الفصول على هذا النّحو. فإذا كان الأعفم قد عانى بصمت طوال الفصول الأولى. فها هي اللحظة قد حانت ليتفجّر الكلام بعد دهر من الصّمت، ويصبح ما قبل الكلام كلامًا في فصل "فيض الكلام"، وهو الفصل قبل الأخير، منطلقًا نحو الفعل في  الفصل الأخير "الحلم". وهذا تأكيد على تمرّده على صمت بني الأعفم طوال الستين عامًا. فالطريق إلى الغاية تبدأ بالحركة، والحركة هي فعل، والفعل مسبوق بالفكرة،  والفكرة ما هي إلا كلمة صامتة يسمعها صاحبها، يحكيها لنفسه. وفي البدء كانت الكلمة. والفكرة من سلطة الوعي، وحلم هيبي عن وعي، والحلم بداية الفعل والأمل.
هكذا زرع الكاتب التفاؤل في روايته، فالأعفم عنده لا يموت، والمنارة هي الأمل الّذي لا يضيع. حتّى في علاقة الأعفم مع المحاضرة اليهوديّة جعل الأعفم يحقّق هدفه بالحبّ، منتصرًا عليها. فهذه المرأة الّتي لا تنفصل عن رمزيّتها للمكان، تشتهي أن يأخذها الأعفم ليعيد إليها إنسانيّتها الّتي سرقت منها، ويروي ظمأ روحها وجسدها. الحبّ حالة تتجاوز الحواجز المكانيّة، فهو القادر على رفع الإنسان إلى مرتبة تتحقّق فيها إنسانيّة الإنسان بغضّ النظر عن هويّته أو جنسه أو قوميّته. وعندما تعترف له المحاضرة أخيرًا بشرعيّة المنارة وحقيقة وجودها يتفاءل الأعفم شاعرًا أنّ  دفء كلامها يدفعه بقوّة نحو المنارة (ص263- 273).
وفي ملاحظة أخيرة أقول: يستمرئ غروري وأنا الأنثى، أن تكون المرأة هي المعادل هنا للغاية الأسمى، وأن تكون الخلاص للرجل، لكنّي أتساءل: هل يفكّر العاشق في لحظات عشقه للمرأة بالوطن؟! هل يفكّر العاشق لحظة يسكنه الشوق والحبّ بغير المحبوب؟! كنت أفضّل أن يكون الحبّ لسلوى غير مقرون بشرط المنارة إلى هذا الحدّ من التورّط. كنت أبحث عن علاقة حبّ مشحونة بالقول العاطفيّ لا بالقول السياسيّ، أو إلى هذه الدّرجة الّتي تغيب فيها الأحاسيس العاطفيّة والإنسانيّة تحت سلطة الالتزام المباشر. كنت أريده عشقًا لذاتها، لأنوثتها، وبطبيعيّة خالصة، دون أن تُمسّ فكرة الرواية، ودون أن تجرّد سلوى من رمزيّتها للوطن. وكان بإمكان زميلي د. هيبي أن يفعل، لو جعل الرواية أقلّ مباشرة وأكثر غموضًا وحداثة، لكنّه انشغل جدًّا في أدلجة الرواية، وفي تأكيد التزامه، وفي تثبيت حضور المنارة، حتى سخّر كلّ شيء لها، فطغت على النّصّ، وبتكرار إلى حدّ الإفراط. ولعلّ البرفيسور طه قد أشار إلى هذه النقطة في مقالته، لذا لن أطيل الحديث فيها. أمّا زميلي د. هيبي فحين أخبرته بملاحظتي هذه برّر ذلك بأنّه يخشى على المنارة من الضياع، إن تغافل عنها قليلًا، واعدًا بأن تكون روايته التّالية حداثيّة رمزيّة، تعتمد التلميح لا التصريح، وبعيدًا عن الالتزام السّياسيّ المباشر القاتل للإبداع والخيال الأدبيّ. في النهاية، مبارك كتابك أيّها الصديق العزيز، فقدمًا وإلى الأمام.
مداخلة د. محمد علي هيبي: هذه ليلتي وحلم حياتي، ولكنّ ليلتي بدونكم، لا ماضٍ لها ولا آتٍ، فما أسعدني بكم هذه الليلة. طاب مساؤكم فردا فردا، وأسعد الله كل أوقاتكم بكل المحبة والخير. شرّفتموني بحضوركم في هذا المساء المزيّن بزهرة الخرفيش، بنفسجة المنارة، بنفسجها يرقى بكم، وشوكها يَخِزُكم لتشرئبّ أعناقكم نحو المنارة. شرّفتموني بحضوركم، في هذا المساء المضمّخ بعبق الزعتر، ونكهة المناقيش الخارجة لتوّها من طابون ستي "لبيبة"، طيّب الله ثراها. جئتم لتحتفوا بي وبـ"نجمة النمر الأبيض"، وهذا والله يكفينا. فكّلي شكر وامتنان وعرفان بجميلكم وفضلكم عليّ وعليها.
أودّ من على هذه المنصّة، أن أشكر كل من قرأ الرواية أو سيقرأها، وأن أقول لمن استمتع أو سيستمتع بقراءتها، أرجوك لا تشكرني، بل اشكر محمد الأعفم. هذا الإنسان العربي الفلسطيني المشرّد، هو الذي كتبني ولم أكتبه أنا، فهو صاحب الفضل. ولمن قرأها ولم يستمتع أقول: أرجوك أيضا، العنّي أنا محمد هيبي، ولا تلعن محمد الأعفم ولا المنارة، فهما لا ذنب لهما في إساءتي إليك. واسمحوا لي أن أشكر باسمكم، كل من ألهمني حرفا من حروف روايتي، أو تحمّلني أثناء كتابتها، بدءا بزوجتي العزيزة التي اعطتني وتحمّلتني أكثر مما أستحقّ، وانتهاء بمن ألهمني ولو حرفا واحدا، أو مرّ مرورا ولو طفيفا. واسمحوا لي أنّ أخصّ بالشكر، نادي حيفا الثقافي والمجلس الملّي الأرثوذكسي الوطني في حيفا والقائمين عليهما، الذين شيّدوا هذا الصرح الثقافي الوطني الشامخ الذي يستحقّ أن نفخر ونفاخر به.
وأشكر على وجه الخصوص، صديقيّ العزيزين، المحاميين، فؤاد نقارة وحسن عبّادي، اللذين كانا خير سند، بما بذلاه من جهد قبل وبعد صدور الرواية، وقد توّجت هذه الأمسية الرائعة جهدهما المبارك. فألف تحيّة لكما صديقيّ العزيزين. ولا يسعني أن أنسى الأخ منصور منصور، صاحب مطبعة الطيرة، الذي ساندني في طباعة كل كتبي، ولولا كرمه وصبره عليّ لما رأت هذه الرواية النور. فتحيّة شكر وعرفان بالجميل للأخ منصور ولمطبعة الطيرة وكل العاملين فيها.
وأنت يا صديقتي العزيزة عريفة الأمسية الشاعرة المتألّقة أميمة محاميد، بأسلوبك الرائع جعلتِ من هذه الأمسية قصيدة غزل ناعم تنبض بالحياة، جبلتِ حروفها برحيق زهرة الخرفيش وعطر بنفسجة المنارة، ونسجتِ خيوطها من حرير إبداعِك، فألبستِ "نجمة النمر الأبيض" ثوبا أنيقا أبرز مفاتنها وزادها جمالا. فألف تحية مشرقة لك. وكيف أنسى أخي الحبيب، د. بسام فرنجية، الذي تمنيت أن يكون الليلة معنا. أخي بسام يعمل رئيسا لقسم اللغة العربية في كلية في كاليفورنيا في الولايات المتحدة. التقيه عام 2013، في جامعة النجاح في نابلس، في "المؤتمر الأول للأكاديميين الفلسطينيين في الشتات"، حيث شاركنا في أعمال المؤتمر لثلاثة أيام سهرنا لياليها معا، ومن يومها دبّ الحبّ والاحترام، فبقينا على تواصل.
يافا التي شُرّد أهله منها لم يزرها حتى الآن. رجوته مرارا أن يعود لنزورها معا. وقد أسعدني قبل شهر تقريبا، برسالة أسعدتني، وكم أتمنّي أن أكون جديرا بها! قال لي: أخي الحبيب محمد، إن لم أزر الوطن وأنت فيه، فلن أزوره أبدا. أفلا يستحقّ منّا كل التحيّة والتكريم؟
كنت قد أرهقته بقراءة الرواية قبل إصدارها، وقد كتب حولها مقالا نُشر مؤخّرا. لقد وعدني بزيارة قريبة، وأنا أعدكم إذا فعلها، أن نأتي معا لحضور أمسية من أماسي هذا الصرح الثقافي الشامخ.
وذات يوم، وأنا أتهيّأ لكتابة رسالة الدكتوراه، أخي أبو إياس، بروفيسور إبراهيم طه، قالي لي: عندي طالبة، موضوع رسالتها قريب من موضوع رسالتك، وأعطاني رقم هاتفها لأتشاور معها حول الموضوع، لعلّها تساعدني في تلمّس طريقي. شو إسمها يا أستاذ؟  قال: إسمها لينا الشيخ حشمة. ورُحت أقلّب اسمها وخاصة اسم عائلتها، الشيخ حشمة"، أقلّبه في رأسي وأتساءل: ما لي ولها؟ لعلها شيخة من شيوخ قبيلتها؟! وعندما التقينا فيما بعد، لم أُخفِ عنها أنّ اسم عائلتها، أوحى لي بأنّها آنسة أو سيدة متعصّبة للدين وليست من النمط الذي أستطيع التحدّث إليه. ولذلك صرفت النظر عن موضوع الاتصال بها.
بعد عام تقريبا كنا في مؤتمر حول اللغة العربية في الناصرة. بعد خروجنا من القاعة قال لي أبو أياس: تعال أعرفك على لينا الشيخ حشمة. وكانت مفاجأتي عظيمة. ليس لأنّ شكلها قمر، ولا لأنّ بسمتها تشرح الصدر، ولكن لأنّها جمعت إلى ذلك كله، خفّة الروح ودماثة الأخلاق ورجاحة العقل وحسن الحديث. وأنتم، قد شاهدتم هذا كلّه أكثر من مرّة على هذه المنصة. كل الكلمات عاجزة عن الشكر، صديقتي العزيزة، الدكتورة لينا الشيخ حشمة. واسمحوا لي باسمكم أن أبارك لها صدور كتابها، ثمرة دراستها للقب الثالث، بعنوان "أدب السجون في مصر وسوريا والعراق: الحرية والرقيب". ألف مبارك عزيزتي، وليكن فاتحة خير إن شاء الله.
وكما يقولون: "التالي للغالي". لن أعرّف به، فكل محافل اللغة العربية، محليا وعربيا وعالميا، تعرفه. وأنتم تعرفونه من خلال عمله في جامعة حيفا، ومن خلال منشوراته، ومن خلال هذه المنصة أيضا، فقد ارتقاها وارتقت به أكثر من مرة. أما بالنسبة لي، فكل الكلمات أعيى من أن تفي بحقّه. إنّه أخي الحبيب وصديقي الصّدوق، بروفيسور إبراهيم طه. أبو إياس بالنسبة لي حالة فريدة. عشر سنوات أرهقْتُه فيها بطلباتي: أثناء كتابتي رسالة الماجستير، وأثناء كتابتي رسالة الدكتوراه، وأثناء كتابتي ومراجعاتي للرواية. وما زلت أرهقه حتى اللحظة. راجع الرواية قبل إصدارها وأبدى ملاحظاته القيمة، فعملت ببعضها ولم أعمل ببعضها الآخر، رغم أنّه محقّ فيها، ولم يغضب الرجل. عشر سنوات، أرهقته ولم يتعب منّي، ولم يشْكُ. وكثيرا ما اختلفنا في الرأي، وأحيانا تضاربنا به عبر صفحات الصحف، وبقينا إخوة وأصدقاء، يحبّ أحدنا الآخر ويحترمه. الحقَّ أقول لكم، أبو إياس وحده حالة فريدة، وأبو إياس وأنا، لا أبالغ إذا قلت: حالة فريدة أيضا، حالة فريدة من الأخوّة والصداقة، أعتزّ بها لأنّها كذلك، وأعتزّ بها لأنّها حالة تستحقّ أن تُحتذى. كل التحية والاحترام أخي الحبيب، ولساني عاجز عن الشكر.
أحيانا، وأنت تكتب، قد تجتمع المتناقضات. فأنت أحيانا، قد لا تعي ما تكتب، الأفكار تتداعى، وأنت تمتح من لاوعيك. ولكن بالكتابة أيضا، أنت تحاول أن تحوّل ما يفيض به اللاوعي إلى عمل واعٍ. وهذا ما حاولته في روايتي. نجحت أم لا؟ لا أعرف! الجواب عندكم، عند القرّاء والنقّاد.
"نجمة النمر الأبيض"، كعنوان وعتبة للنصّ، و"محمد الأعفم" كبطل للرواية، و"المنارة" كمكان محلوم، باستثناء هذه الأيقونات الثلاث، أنا لا أستطيع أن أشير إلى أي تعبير في روايتي وأقول إنّه تعبير جميل أو مميّز، أو أنّني قصدته في تلك اللحظة التي كتبته فيها. هنا أيضا أترك لكم الحكم، وأنا راضٍ وسعيد به. ورواية "نجمة النمر الأبيض" هي ليست سيرتي الذاتية، رغم أنني متحتها من ذاتي. ومحمد الأعفم ليس أنا، ولكنّه قد يكون أنا، وقد يكون أنتَ أو حتى أنتِ. إنّه نحن جميعا. فقد نحتُّ الاسم والشخصية، من الإنسان العربي الفلسطيني المشرّد: همزته الإنسان، وعينه العربي، وفاؤه الفلسطيني، وميمه، ما أروع هذه الميم! إنّها ميم الجمع العربية بكلّ تجلياتها الفلسطينية. فهي من حيث النسيج الفلسطيني تعني المسلم والمسيحي، هذا هو النسيج الفلسطيني، وحين قال لي أخي أبو أياس إنّني بهذا أظلم إخوتنا الدروز، قلت له: "لا"، فهم أولا مسلمون، وهم أيضا الموحدون والمعروفيون. وكلّنا نسيج واحد متماسك، حاول أعداؤنا وأذنابهم شرذمتنا، وما زالوا يحاولون، ولم يُفلحوا ولن يُفلحوا أبدا.
أما فيما يتعلّق بالحالة الفلسطينية فالميم تعني الكثير أيضا. فهي تحيل إلى إنسان عربي فلسطيني: مشرّد، مظلوم، منتهك، منهوب، مستغلّ، مستعبد، مستعمَر، محتلّ، وباختصار، (ملتعن أمّه في عزا أبوه). ولم تنتهِ إيحاءات الميم، فإنّ لها تجلياتها الإيجابية أيضا. فالإنسان العربي الفلسطيني: مكافح، مناضل، مدافع عن حقّه، مواجه لأعدائه، رغم كثرتهم، ورغم كل ظروفه السيئة، فهو محافظ على قضيته وذاكرته وملتزم بهما.
لوسيان غولدمان، أحد منظّري الرواية، قال: "الرواية هي عملية بحث عن القيم في عالم منحط"، وكان أستاذه، جورج لوكاتش، أبو علم الجمال الحديث، قال قبله: "إنّها عملية بحث عن القيم في عالم شيطاني". وهذا ما حاولناه أنا ومحمد الأعفم، أن نبحث عن المنارة التي هي قيمة عُليا بالنسبة لنا، في عالم شيطاني ومنحط. وما دمنا لم ننجح بعد، فعملية البحث لا بدّ لها أن تستمرّ. قد نكون مرحليا، غير قادرين على بلوغ الهدف، لذلك، فلا أقلّ من الاستمرار وأن نعيش لذة البحث؟!
محمد الأعفم صمت دهرا، ولكنّه برأيي نطق حقّا. وأنا لست خائفا إذا اعتبره البعض نطق كفرا. الحقيقة أنّ الثرثرة الكافرة أطلقها أولئك الذين حملوا قضية شعبنا، في الظاهر ليحموها، بينما في الخفاء خانوها وباعوها وكادوا أن يقضوا عليها لولا تمسّك محمد الأعفم بها. هؤلاء صمتوا، وليتهم لم ينطقوا، لأنّهم كلما نطقوا، نطقوا كفرا، إلى أن أصبحت الثرثرة عيبا متأصّلا فينا؟ أصبحنا مجتمعا، بل شعبا، يأكل ويثرثر وينام؟ ألم تصبح تلك هي أسطوانة حياتنا المقيتة. وقد دفع محمد الأعفم ثمن الكفر والثرثرة، لدرجة أنّه لم يعد قادرا على الصمت. وأنا أيضا، دفعت الثمن، كما دفعه كل فلسطيني عاش نكبته، حتى وإن لم يعش الزلزال الأعظم عام 1948. فما العيب إذن، في أن يدفع القارئ بعض الثمن؟ الكتّاب يحاولون أن يكونوا مبدعين، ولكنّهم قد يُصيبون وقد يُخطئون. ولا بأس، على أن يظلّ مشروعهم استفزازَ القارئ وإخراجَه من دائرة القراءة والتعاطف، إلى دائرة الفعل والتفاعل والغضب والتمرّد، أو دفعه على الأقلّ، إلى الحلم الذي نطمح جميعا أن يصير واقعا ذات يوم.
لست أدّعي أنّ روايتي هي عمل أدبيّ فنيّ كامل الأوصاف، فهي كغيرها تحتمل النقد، ولم أنشرها إلّا بعد أن قرّرت أنّي جاهز للنقد بكل أشكاله وأبعاده. وسأكون سعيدا وممتنّا لكل كلمة تتوخّى الموضوعية والنقد البناء. "حين تدخل الأيديولوجيا أو السياسة يقلّ الأدب". هذا ما قاله صديقي أبو إياس في مقاله حول الرواية. وهذا صحيح. ولكنّي أومن بما ذكره أيضا في مقاله، نقلا عن جورج أورويل صاحب رواية 1984: "لا شيء بعيد عن السياسة". وأنا لا أنكر أنّ الحالة الفلسطينية، والعربية، والعالمية، خاصة في مجال السياسة والدين المسيّس، ألقت بظلالها عليّ وعلى الرواية. وقد تكون منعتني أحيانا من التعبير الإبداعي، فخسرتِ الرواية بعض أدبيتها هنا أو هناك. ولكنّي أردت أن أظلّ مخلصا لذاتي وقناعاتي، لأنّني كواحد من بني الأعفم، ومنذ أن وعيت على الدنيا، وجدت أنّ روح الشرّ تخيّم عليها، وأنّ روح الخير والحبّ والحقّ هجرتها، وأنّ روح شياطين الإنس تحكمها أكثر من روح الله، فقرّرت أن أقاوم بطريقتي.
وإليكم ما فوجئت به قبل أسابيع وأنا أقلّب دفاتري القديمة: "خلف أكوام الضباب/ خلف أسوار العذاب/ خلف أشواك الأحزان/ وراء الشبابيك الحزينة/ هناك.. حيث الملائكة/ تقطن أرواحٌ أبديّة/ تركتْ دنيانا الأرضيّة/ رفضت كلّ الأحزان/ أبدا يصنعها الإنسان/ من أجل عذاب الإنسان/ أرواح الخير هجرتنا/ تركت دنيانا البشريّة/ سمت عنّا.. نبذتنا/ وأبت أن تبقى إنسيّة". لا تنظروا إلى جودة النص الآن، بل انظروا إلى الشعور الكامن خلف سطوره. هذه القطعة كتبتها يوم الإثنين، الثالث من أيار عام 1976، يعني قبل أربعين عاما. فهل بالغت حين قلت: إنّني منذ وعيت على الدنيا، وجدت أنّ روح الشرّ تخيّم عليها؟
إنّنا على مدى ستين عاما وأكثر، ونحن نثرثر بحبّ فلسطين، ومحمد الأعفم ثرثر كذلك، ولكنّه بحث عن مسار آخر، فانتقل من مسار الثرثرة إلى مسار الفعل، وإن كان عبر الحلم. ربما يكون أرهق القارئ بثرثرته، ولكنّه بشكل ما، عبّر عن حاجتنا جميعا إلى هذا الانتقال. وذات صباح، بعد ليلة كثُرث هواجسها وكوابيسها، شعر بها كشهب من نار، تتشكّل في السماء ثم تنطلق إلى الأرض، لتنغرز في جسده المنطرح في سرير من نار. استيقظ بعد نوم مضطرب، يعتريه شعور أنّه لا يريد أن ينهض، وأنّ قوة غيبية تُقيّده، وأنّ ألماً قاسيا يسكن روحه وجسده، فراح يتفكّر في هذا الكون الضيّق على سعته، ويبحث عن خلاص. فهداه الله إلى "نجمة النمر الأبيض"، تلك المرأة التي لا يُقاوم سحرها، لتكون عونه وشريكه ورفيقة دربه إلى المنارة. المنارة التي شرّد منها كل إنسان فلسطيني. حتى أولئك الذين ظلّوا في أرضهم، وعجزت يد الغدر من الأعداء والإخوة الأعداء عن اقتلاعهم، ظلوا يعيشون منفاهم القسري في أرضهم ووطنهم، ينتظرون أن يتحقّق الحلم. وهم يؤمنون أنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وذات يوم، جميعا سيصعدون الجبل إلى المنارة، مع محمد الأعفم و"نجمة النمر الأبيض".

30
عكاظية حيفا السابعة!
آمال عوّاد رضوان
عكاظية حيفا السابعة أقامها نادي حيفا الثقافيّ، برعاية المجلس المِلّيّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في حيفا، بتاريخ 29-9-2016 في قاعة كنيسة القديس يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، وسط حضور من الأدباء والأصدقاء والمهتمّين بالشأن الثقافيّ، وقد شارك في الأمسية الشعريّة كلّ مِن: يحيى عطالله، ود. نمر سمير، وشيرين القاسم ومرام محمد أبو الهيجا، وقد تولّت عرافة الأمسية الإعلاميّة ركاز فاعور، بعد أن رحّب المحامي حسن عبادي بالحضور والمشاركين، كما تخلل الأمسية فقراتٌ فنيّة غنائيّة مع الفنان نزار شايب جبارين عازف العود، وغناء اليافع الموهوب محمود طاهر محاميد، وازدانت القاعة بلوحات الفنانة التشكيلية لبنى عمرية، هذا وقد حلّ ضيفا على الأمسية العكاظيّة المحامي عبّاس عبّاس مدير جمعيّة المنارة العالميّة/ الناصرة، حيث عرض فيلمًا قصيرا يتحدّث عن جمعيّة المنارة وأهدافها ونشاطاتها وموقعها  www.arabcast.org، وفي نهاية اللقاء تمّ التقاط الصور التذكاريّة!
مداخلة ركاز فاعور: أيها الحضور الكرام والجمع الكريم مساؤكم خير. هذه الامسية العكاظية الحيفاوية السابعة في سلسلة أمسيات شعريّة يقيمها نادي حيفا الثقافيّ برعاية المجلس الملي الأرثوذكسيّ الوطنيّ حيفا، فللقائمين عليها والعاملين وللحضور كلّ الشكر والتقدير.
جميلة هذه الأمسيات التي تجمع بين الفكر والحلم والقلم والإبداع، لتخلق لنا حدائق غناء مزدانة تزهو بها الروح، وترقى وتنثر في حياتنا الفرح والمَحبّة. لو طلب مني أن أعرّف الشعر أقول: هو كلام جميل يتجاوز السمع الى القلب والمشاعر، يُلامس شغاف القلب، يحرّك الافئدة، يحفر له مكانة في الوجدان، ويتربّع على عرش الإنسانيّة، ويخلق فينا الإنسان من جديد. هذه الامسية تجمع الشعر مع الغناء مع اللوحات التشكيلية، آمل أن تلقى استحسانكم.
*الشاعر يحيى عطالله شاعر ومدرس للغة العربيّة في مدرسة يركا الثانويّة، حاصل على اللقب الأوّل في اللغة العربيّة وآدابها وتاريخ الشرق الأوسط من جامعة حيفا، حاصل على اللقب الثاني في اللغة العربيّة وآدابها من جامعة حيفا، يعمل مُدرّسًا للغة العربيّة في مدرسة الأخوّة الثانويّة يركا، صدر له ديوانان من الشعر، "صهيل" و "أغنية لأمّي".
*المربي د. نمر اسمير هو ابن قرية كفر برعم، شغل منصب نائب مدير كلية بيت بيرل مدة ثلاثين عاما، له الكثير من الإصدارات في المناهج وتعليم الإنشاء، والعديد من مقالات نشرت في صحيفة "صدى التربية"، واليوم هو بصدد طباعة كتاب "توظيف علوم التربية والتعليم في تدريس العربية وآدابها"، يلخّص فيه خبرته. هو لا يُعدّ نفسه شاعرًا، لكنّه اليوم جاء ليقول لنا ما خطته أنامله في لحظة ما وشعور ما.
*مرام ابو الهيجاء حاصلة على اللقب الأول في اللغة العربية وتاريخ الشرق الأوسط، حاصلة على اللقب الثاني في تاريخ الشرق الأوسط وتحضر للقب الثالث، تعمل كمرشدة للغة العربية في لواء حيفا، تدرس اللغة العربية في مدرسة حوار الرسمية للتعليم البديل للفنون والإبداع.
*الرسامة لبنى عمرية هذه اللوحات التشكيلية التي تزين المكان هي رسوماتها هي ابنة قرية إبطن، حاصلة على اللقب الأوّل من كلية صفد في الفنون والموسيقى والأدب، تعمل معلمة فنون في وحدة نهوض الشبيبة في إبطن وفي راموت، اشتركت بالعديد من المعارض في البلاد والخارج.
الفنان نزار جبارين حاصل على اللقب الثاني في الموسيقى وعلم النفس، يعمل مدرسا للجوقة في أم الفحم، أخذ على عاتقه أن يرافق اليافع الموهوب محمود طاهر محاميد ابن الصف السابع، وقد بدأ الغناء في الصف الثالث. إذا كان الشعر غذاء الروح، فالغناء غذاء القلب وللموسيقى في أمسيتنا نصيب.
يحيى عطالله/ دُعابةٌ جريئةٌ: يا آدمُ/ لا تحزن يا آدم بل افرَحْ/ عاوِدْ إجراءَ حسابكَ/ اِجمعْ في الصفقة واطرحْ/ وستعلمُ أنكَ تربحْ/ بعدَ الإشراق العقليّ/ خسرتَ البستان الطافح بالنعمةِ/ لكنك في كشف السرِّ/ حظيتَ بحواءَ البكرِ/ فأصبح عندك بستانٌ أطفحْ/ أخرجك الله من الجنة والجنةُ بين يديكْ/ عذراء الله الأولى بين يديكْ/ الثمر الخارقُ بين يديكْ/ فلتأكلْ/ وعلى ذقنك تمسحْ/ ولْتجمعْ يا آدم ولْتطرحْ/ حوّاءُ مقابلَ جنّهْ/ إنك في هذي الصفقة تربحْ/ مَنْ أشهى يا آدمُ؟/ رمانُ الجنة محتشدًا في الشجر الوارفِ/ أم رمان التوأم يتدلّى تحت النحرِ/ وفوق بحيرة عاجٍ يسبحْ؟ من أجملُ؟ روضةُ أزهارٍ وخمائلَ/ أم حواءُ الطالعةُ بكلّ بهاء الأنثى/ وبكلّ تفاصيل الرونقِ/ بالقد الجامح نحوك يجمحْ؟ في الجنةِ أنت ترى حواء/ كأنك تبصر جذع شجرةٍ/ وترى نفسك، تجهلُ أنك ذكرٌ/ لا تصبو لا ترغب لا تجنحْ؟
يا ليتك تأكل من شجر المعرفة ثـمارًا أكثر /كي تعرف حواءً أكثر/ كي تخلص من جهلك أكثر/ يتحرر ذهنك
وخيالك يسرحْ/ عاود إجراء حسابكَ/ اِجمع يا آدم واطرحْ/ إن كنت تظنُّ/ بأنك تقضي في الأرض عقاب خطيئتك الكبرى/ وتريد خلاصًا وثوابا/ إن كنت تحن إلى مثواك الأول جنةِ عدنٍ/ وتريد رجوعًا وإيابا/ اِفعل ما يأتي :أحبب حواءً أكثر/ اِعرف حواءً أكثر/ عاشر حواءً أكثر/ اُطلب حواءً أكثر/ أنصف حواءً أكثر/ أطلق حواءً أكثر/ علم حواءً أكثر/ اِعشق حواءً أكثر/ بَجِّلْ