عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - حسن عجمي

صفحات: [1]
1
                               فلسفة الأكوان الممكنة

حسن عجمي

    تؤكد فلسفة الأكوان الممكنة على أنه توجد أكوان عديدة و مختلفة. و لهذه الفلسفة أسس علمية صلبة. لكن فلسفة الأكوان الممكنة تدعم مصداقية السوبر ديمقراطية و السوبر إنسانوية. فالوجود ذاته ديمقراطي لأن فيه تتحقق الأكوان الممكنة و المختلفة كافة فتتساوى في وجودها الفعلي.

     تشير النظريات العلمية المعاصرة في الفيزياء إلى أنه توجد أكوان ممكنة متنوعة.  هذه الأكوان ليست المجرات المختلفة في عالمنا ، بل من المفترض أن تكون منفصلة عن بعضها البعض، و كل كون منها له حقائقه و قوانينه الطبيعية التي قد تشبه أو تختلف عن حقائق و قوانين الأكوان الممكنة الأخرى. يتفق العديد من العلماء على أن هذه الأكوان الممكنة موجودة بالفعل. فمثلا ً , يستنتج بعض العلماء كالفيزيائي " إيفريت " أنه توجد أكوان ممكنة على ضوء نظرية ميكانيكا الكم . بالنسبة إلى ميكانيكا الكم ، من غير المحدَّد سرعة الجسيم و مكانه في آن كما من غير المحدَّد ما إذا كان الجُسيم جُسيما ً أم موجة. و يعبّر الفيزيائيون عن ذلك أيضا ً بقولهم إنه من غير المحدَّد ما إذا كانت قطة شرودنغر حية أم ميتة. لكننا نعلم أن أية قطة لا بد أن تكون إما حية و إما ميتة ما يعارض ميكانيكا الكم بشدة. على هذا الأساس حلّ بعض العلماء كالفيزيائي إيفريت هذه الإشكالية من خلال الموقف التالي : قطة شرودنغر حية في كون  ممكن، لكنها ميتة في كون ممكن آخر، وبذلك تتجنب ميكانيكا الكم مشكلتها السابقة. هكذا تؤدي نظرية ميكانيكا الكم إلى نتيجة أنه توجد أكوان ممكنة عديدة و مختلفة. كما أن فيزيائيين آخرين كالفيزيائي ميشيو كاكو يصلون إلى النتيجة ذاتها بطريقة أخرى هي التالية : بالنسبة إلى ميكانيكا الكم ، يوجد الإلكترون في كل الأمكنة الممكنة حول نواة الذرة بدلا ً من أن يوجد في مكان معين حول النواة. لكن العالم كان أصغر من الإلكترون قبل الانفجار العظيم . و بذلك إذا طبقنا ميكانيكا الكم  على الكون كله سيتضمن ذلك وجود الكون في كل الحالات الممكنة المختلفة تماما ً كما يوجد الإلكترون في كل الأمكنة الممكنة حول النواة. و ما هذه الحالات المختلفة للكون سوى الأكوان الممكنة المتنوعة في حقائقها و قوانينها الطبيعية. هكذا نصل أيضا ً إلى نتيجة أن  الأكوان الممكنة موجودة  من خلال ميكانيكا الكم  (  Brian Greene : The Hidden Reality.2011. Knopf ).
   
      كما يوصلنا المفهوم العلمي للعدم إلى نتيجة أنه توجد أكوان عديدة  و ذلك اعتماداً على مبدأ التقلب الكمي الخاص بنظرية ميكانيكا الكمّ. يقول الفيزيائي آلن غوث  إن الكون قد نشأ من العدم من جراء التقلبات الكمية التي تصيب الفراغ. يتكوّن العدم من طاقات متعارضة و بذلك تختزل هذه الطاقات بعضها البعض فيتشكّل العدم. و لأنه لا يوجد ما هو ثابت من جراء التقلب الكمي الخاص بنظرية ميكانيكا الكم بل كل شيء محتمل ، إذن من المحتمل أن تنجو طاقة من العدم ولا يتم اختزالها ما يؤدي إلى نشوء عالمنا. وإذا جمعنا طاقات عالمنا سنجدها تساوي صفرا ً لأن الطاقة الإيجابية لعالمنا تساوي طاقته السلبية . من هنا يستنتج الفيزيائي " غوث " أنه يوجد الوجود لأنه عدم ؛ فجمع طاقات الكون يساوي صفرا ً. يضيف آلن غوث قائلا ً : بما أن عالمنا وُلِد من نقطة في العدم من جراء التقلب الكمي ، و بما أن العدم يتشكّل من نقاط عدة إن لم تكن لامتناهية في العدد ، إذن من الممكن أن تنمو أكوان ممكنة عديدة إن لم تكن لامتناهية في العدد من نقاط العدم المختلفة. هكذا تصر هذه النظرية العلمية على أرجحية وجود أكوان ممكنة عديدة  (Alan Guth : The Inflationary Universe. 1997. Jonathan Cape  ).
     بالإضافة إلى ذلك , تؤدي نظرية الأوتار العلمية إلى نتيجة أنه توجد أكوان ممكنة عدة. بالنسبة إلى نظرية الأوتار، يتشكّل العالَم من أوتار قائمة في عشرة أبعاد مكانية وبُعد زماني واحد بينما العالم الذي نحيا فيه يتشكّل من ثلاثة أبعاد مكانية وبُعد زماني واحد. أما الأبعاد الأخرى فملتفة بشكل يجعلها خفية عنا ، و قوانين الطبيعة فيها تعتمد على طبيعة هندستها الرياضية ، و بذلك الأبعاد الأخرى تُشكِّل عوالم ممكنة عديدة و متنوعة بسبب اختلاف هندساتها الرياضية. هكذا تقترح نظرية الأوتار أن العوالم الممكنة موجودة. و تضيف نظرية الأوتار قائلة إن الكون يتكوّن من أوتار و أنغامها ؛ فمع اختلاف ذبذبات الأوتار، تختلف مواد الكون و طاقاته. لكن ثمة بلايين من الحلول لمعادلات نظرية الأوتار، و كلها حلول ناجحة رغم اختلافها و تعارضها . بذلك كل حل منها يصف عالما ً ممكنا ً مختلفا ً عن الأكوان الممكنة الأخرى التي تصفها الحلول الأخرى. هكذا تصل نظرية الأوتار إلى نتيجة أنه فعلا ً توجد أكوان ممكنة عديدة (  Michio Kaku : Parallel Worlds. 2005. Doubleday ).
   
     بما أنه توجد أكوان ممكنة عديدة , و هذه الأكوان مختلفة في حقائقها و قوانينها , إذن تصدق كل التواريخ الممكنة المختلفة. فكل تاريخ ممكن هو تاريخ صادق و واقعي في عالم ممكن مختلف عن الأكوان الممكنة الأخرى التي تصدق فيها التواريخ الممكنة الأخرى. و بذلك كل التواريخ الممكنة و المتعارضة صادقة لكونها صادقة و واقعية في أكوان ممكنة مختلفة. هكذا تصدق السوبر تاريخانية التي تقول بأن كل التواريخ الممكنة واقعية و موجودة بالفعل و في الوقت نفسه. من المنطلق ذاته , بما أن الأكوان الممكنة المتنوعة موجودة بالفعل , و بما أن هذه الأكوان مختلفة في حقائقها و قوانينها الطبيعية , إذن تصدق كل النظريات الفكرية و الفلسفية و العلمية و الدينية رغم اختلافها و تعارضها لكونها تصف حقائق و قوانين مختلفة  فمتحققة في أكوان ممكنة متنوعة. فكل نظرية أكانت فلسفية أم علمية أم دينية هي نظرية صادقة لأنها تصدق في عالم ممكن مختلف عن الأكوان الممكنة الأخرى حيث تصدق النظريات الفلسفية و العلمية و الدينية الأخرى المختلفة. و بما أن كل النظريات الفلسفية و الدينية و العلمية صادقة لكونها صادقة في أكوان مختلفة , إذن تتساوى كل النظريات في مقبوليتها و قيمتها. و بما أن كل النظريات متساوية في مقبوليتها و قيمتها , إذن من الخطأ تكذيب نظرية دون أخرى أو تصديق نظرية دون أخرى. و بذلك من الخطأ تكذيب أي إنسان و أية عقيدة أو نظرية دينية أو فلسفية أو علمية. على هذا الأساس , تتحقق السوبر إنسانوية و السوبر ديمقراطية الفكرية.

     بالنسبة إلى السوبر ديمقراطية الفكرية , كل العقائد الدينية و النظريات الفلسفية و العلمية متساوية في القبول و الصدق و القيمة , و بذلك لكل فرد الحق و الحرية في اختيار قبول أية عقيدة أو مذهب فلسفي أو علمي. من هنا , تضمن السوبر ديمقراطية الفكرية المساواة بين الأفكار و المذاهب و النظريات كما تضمن حرية الفرد في اختيار ما يعتقد. أما بالنسبة إلى السوبر إنسانوية فكل فرد يحتفظ  بإنسانيته كاملة من جراء عدم وجود نظرية واحدة صادقة دون أخرى تعرِّف مَن هو الإنسان فتلغي إنسانية مَن لا يتفق مع تلك النظرية. بكلام آخر , تعتبر السوبر إنسانوية أن كل النظريات المختلفة و المتصارعة التي تعرِّف مَن هو الإنسان صادقة لكونها صادقة في أكوان ممكنة مختلفة. و لذا لا توجد نظرية في الإنسان صادقة دون النظريات الأخرى المنافسة لها. و بذلك من المستحيل القول حينئذ ٍ إن هذا الإنسان أو ذاك فاقد لإنسانيته من جراء عدم تحقيق إنسانيته المُعرَّفة من قبل هذه النظرية في الإنسان أو تلك. من هنا , تضمن السوبر إنسانوية عدم إلغاء إنسانية أي إنسان. هكذا فلسفة الأكوان الممكنة ضمانة للسوبر إنسانوية و السوبر ديمقراطية.

     الآن , عالمنا الواقعي ليس سوى مجموع الأكوان الممكنة. فبالنسبة إلى ميكانيكا الكم , يعبر الجُسيم كالإلكترون من كل الممرات الممكنة في الوقت نفسه حين ينتقل من نقطة إلى أخرى , و بذلك الواقع يتكوّن من الممكنات كافة. من هنا , عالمنا الواقعي مجموع الأكوان الممكنة المختلفة و المتنوعة. و بما أن العقائد و النظريات المختلفة في الدين و الفلسفة و العلوم صادقة في أكوان ممكنة مختلفة و متنوعة , إذن كلها صادقة في عالمنا الواقعي. و لذا لا تفضيل لنموذج فكري على آخر ما يضمن السوبر إنسانوية و السوبر ديمقراطية في آن.

2
              السوبر تخلف : ما بعد الديمقراطية و الديكتاتورية

حسن عجمي

     السوبر تخلف نظام ثقافي و اجتماعي و سياسي يطرح نفسه كبديل عن العقائد الديمقراطية و الديكتاتورية. لقد شاهد التاريخ البشري العلاقة الجدلية بين الديمقراطية و الديكتاتورية و تقلب المجتمعات و الدول من ديكتاتوريات إلى ديمقراطيات و العكس. لكننا اليوم نشهد ولادة عصر جديد هو عصر السوبر تخلف الذي يتطور بشكل متسارع في محاولته الخروج من ثنائية الديمقراطية و الديكتاتورية و التحوّل إلى كيان عقائدي مهيمن على الشعوب كافة.

     للديمقراطية مبادىء و تعاريف عدة مترابطة. لكن الديمقراطية في الأساس ليست سوى حكم الحقوق الإنسانية كحق الفرد في أن يكون حراً. و الديمقراطية في جوهرها نظام تواصلي يهدف إلى صياغة أكبر قدر من المعلومات الصحيحة و نشرها بتساو ٍ بين الأفراد. و بذلك تحقق الديمقراطية الحرية و المساواة معاً. فبما أن الديمقراطية تسعى إلى زيادة إنتاج المعلومات الصادقة و توزيعها بين الجميع , إذن يضمن كل فرد في النظام الديمقراطي الحقيقي القدر الأكبر من المعلومات الصحيحة و بذلك يضمن التصرف الحر على ضوئها. فمن دون العدد الأكبر من المعلومات الصادقة يغدو الإنسان سجين المعلومات القليلة و الكاذبة و بذلك يفقد حريته. من هنا تحقق الديمقراطية الحرية لكل فرد من خلال تزويده بالعدد الأكبر من المعلومات الصادقة. كما تنجح الديمقراطية في تحقيق المساواة بين الأفراد بمعنى من المعاني من خلال توزيع المعلومات الصادقة بتساو ٍ بينهم. فعندما تتوزع المعلومات الصادقة بتساو ٍ بين الأفراد , يتساوى الأفراد فيما بينهم بفضل امتلاك المعلومات نفسها. هكذا تحقق الديمقراطية الحقة معنى أساسياً من معاني المساواة. فالتوزيع المتساوي للمعلومات يؤدي إلى أرجحية التساويٍ في امتلاك القدرات نفسها بما أن الإنسان يتصرف على أساس ما يعلم من معلومات.

    هذا النظام الديمقراطي المُحلَّل على أنه نظام تواصلي و الهادف إلى خلق القدر الأكبر من المعلومات الصادقة و توزيعها بتساو ٍ ليس بالضرورة متحققاً اليوم في الواقع , لكنه النظام الديمقراطي الأمثل لمقدرته على تحقيق الحرية و المساواة معاً. و بما أن الديمقراطية نظام تواصلي يسعى إلى إنتاج المعلومات و تكثيرها , إذن من الطبيعي أن تنشأ العلوم و الفلسفات ضمن الديمقراطيات كما حدث و يحدث في تاريخنا البشري. هكذا تحليل الديمقراطية على أنها نظام تواصلي يهدف إلى إكثار المعلومات الصادقة و إيصال المعلومات الحقيقية إلى كل فرد هو في الحقيقة تحليل مقبول إلى أقصى حد لأنه يفسّر لماذا تنمو العلوم و الفلسفات في ظل الديمقراطيات بالإضافة إلى مقدرة هذا التحليل للديمقراطية على الجمع بين الحرية و المساواة. و الديمقراطية مسألة درجات ؛ فرغم أننا لم نحقق هذه الديمقراطية الأمثل بعد , رصد التاريخ و يرصد درجات معينة من هذه الديمقراطية التواصلية.

    بالإضافة إلى ذلك , بما أن الديكتاتورية نقيض الديمقراطية , نستطيع بحق أن نستنتج أن الديكتاتورية هي نظام تواصلي يهدف إلى إقلال المعلومات الصحيحة و عدم نشر المعلومات الصادق بين الناس على نقيض من الديمقراطية التي تسعى إلى إكثار المعلومات الصادقة و نشرها بتساو ٍ بين جميع الأفراد. و بما أن الديكتاتورية نظام تواصلي يسعى إلى إقلال المعلومات الصادقة و عدم توزيع المعلومات الحقة بتساو ٍ بين الناس , إذن الديكتاتورية تقضي على حرية الفرد تماماً كما تقضي على المساواة. و تفعل ذلك لأنها لا تقدِّم إلى الفرد العدد الأكبر من المعلومات الصحيحة فتسجنه في معلومات قليلة فتقتل حريته تماماً كما تغتال المساواة بعدم توزيع المعلومات بشكل متساو ٍ بين الأفراد من جراء احتكارها للقدر الأكبر من المعلومات الصحيحة. هكذا الديكتاتورية تتواصل مع الأفراد من خلال آلية إقلال نقل المعلومات إليهم بينما الديمقراطية تتواصل مع الفرد من خلال إكثار نقل المعلومات إلى كل فرد. و بما أن الوظيفة الأساسية للديكتاتورية كامنة في إقلال المعلومات , إذن من الطبيعي أن لا تنشأ العلوم و الأفكار و الفلسفات الجديدة ضمن الأنظمة الديكتاتورية. من هنا , ينجح أيضاً هذا التحليل للديكتاتورية في تفسير لماذا لا تولد العلوم و الفلسفات في ظل حكم الديكتاتوريات , و بذلك يكتسب هذا التحليل فضائله المعرفية فمقبوليته.

     الديمقراطية نظام تواصلي يتواصل مع الفرد على أنه مستقل عن المجتمع و الدولة و بذلك يحافظ  على حقوق الأفراد بينما الديكتاتورية نظام تواصلي يتواصل مع الفرد على أنه جزء لا ينفصل عن المجتمع و الدولة و بذلك يلغي فردية الفرد فإنسانيته فيقضي على حقوق الإنسان كافة. لكن السوبر تخلف نظام تواصلي يتواصل مع الفرد على أنه يمثل هذه المنطقة أو ذاك العرق أو تلك الطائفة أو هذا المذهب الديني أو العقائدي. و بذلك السوبر تخلف يختزل الأفراد إلى مناطق و طوائف و مذاهب و أعراق فيضفي على الأفراد هويات افتراضية و عادة هويات كاذبة بدلا ً من أن يتواصل مع الفرد على أساس هويته الأساسية و الحقيقية ألا و هي الهوية الإنسانية. هكذا يقضي السوبر تخلف على إنسانية الإنسان علماً بأنه يتواصل مع كل فرد على أنه جماعة عرقية أو مناطقية أو طائفية أو مذهبية فيُحدِّد الإنسان في سجون تلك الأدوار المعينة سلفاً. و بما أن السوبر تخلف يختزل الفرد إلى عرق أو طائفة أو مذهب , إذن السوبر تخلف يؤسس للعنصرية العرقية و الطائفية و المذهبية التي نعاني منها اليوم في عالمنا العربي الإسلامي.   

    السوبر تخلف نظام تواصلي يهدف إلى إنتاج و نشر القدر الأكبر من المعلومات المشوّهة و الكاذبة المُعتمِدة على وقائع و معلومات صادقة ما دعم انتصاره. فبالإضافة إلى أن السوبر تخلف عقيدة أيديولوجية تعترف بأن الجهل هو القيمة الأعلى , السوبر تخلف نظام اجتماعي و اقتصادي و ثقافي أيضاً. و هو بذلك نظام تواصلي يؤسس الأنظمة الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية السوبر متخلفة. و هذا متوقع بسبب أن أي عقيدة أيديولوجية لا توجد بالفعل سوى في حال تجسدها في أنظمة تواصلية تحدّد أدوار و هويات الأفراد على ضوء تواصلهم. فأي نظام اجتماعي ليس سوى نظام تواصلي يعيّن العلاقات بين الأفراد و وظائفهم الاجتماعية. الفرد آلية تواصل , و تواصله مع الآخر يُحدِّد دوره الاجتماعي و العكس صحيح أيضاً. و المجتمع تفاعل سلمي أي تواصل سلمي بين الأفراد. على أساس كل هذه الاعتبارات , السوبر تخلف عقيدة أيديولوجية تتمحور حول مبادىء عدة منها مبدأ أن الجهل فضيلة الفضائل و مبدأ أن الفرد ليس سوى جماعة عرقية أو مذهبية , و لذا هو نظام تواصلي يتجسد في أنظمة اجتماعية و اقتصادية و ثقافية تحدِّد للأفراد هويات و أدواراً مشوّهة و كاذبة. من هنا , يتخذ السوبر تخلف مقدرته على الانتشار و السيطرة على المجتمع من جراء كونه نظاماً تواصلياً ذات بُعد عقائدي و اجتماعي. فاعتبار الجهل قيمة عليا يشير بقوة إلى قبولنا أن الله وحده يعلم و أن علوم السلف هي العلوم الحقة فعلا ً و لا نتمكن من فهمها حقاً و بذلك اعتبارنا أن الجهل فضيلة الفضائل ليس سوى قبولنا للتراث و للدين و لِما نعبد من آلهة ماضوية. هكذا من دون عقيدة السوبر تخلف نخون التراث و الدين و الله. من هنا , هيمن السوبر تخلف على عقولنا و مجتمعاتنا الافتراضية.

     كل مجتمع يحتاج إلى عقيدة أي إلى نظام تواصلي لتتحقق الأنظمة الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية على ضوء كيفية التواصل بين الأفراد. لكن حين تزول العقائد الفلسفية و السياسية كالعقائد الاشتراكية و الديمقراطية يحدث الفراغ العقائدي. و كل فراغ عقائدي لا بد من ملئه بعقيدة ما ؛ فلا يحيا شعب بلا عقيدة لأن مَن لا عقيدة له لا نظام تواصلي له فلا مجتمع. على هذا الأساس , الشعوب العربية الاسلامية عانت مؤخراً و لعقود عدة من الفراغ العقائدي , و لم نتمكن من ملء هذا الفراغ سوى بعقيدة السوبر تخلف. و لذا السوبر تخلف يسيطر بقوة على مجتمعاتنا العربية الاسلامية. فالعقائد الأيديولوجية المختلفة قد فشلت في مجتمعاتنا الافتراضية من جراء تعاملنا الخاطىء معها. فمثلا ً , فشلنا في تحقيق الديمقراطية و الاشتراكية لأسباب عدة منها : أولا ً, اعتبرناها عقائد يقينية بدلا ً من نماذج لإنتاج فكر جديد فأسأنا فهمها و تقديمها , و ثانياً فشل القومية العربية و تحوّلها إلى ديكتاتوريات إشارة قوية إلى فشل الديمقراطية و الاشتراكية من منظور العقل العربي الاسلامي بما أن القومية العربية متضمنة للعديد من مبادىء الديمقراطية و الاشتراكية. من هنا فشل العقائد المختلفة في عالمنا العربي الاسلامي حتم ضرورة هيمنة عقيدة من الصعب أن تفشل ألا و هي عقيدة السوبر تخلف. فنحن لم ننجح سوى في تطوير التخلف , و بذلك لم ننجح سوى في السوبر تخلف أي في استغلال المنجزات الحضارية كافة كالعلم و التكنولوجيا و الدين من أجل نشر الجهل و التجهيل. و من الصعب أن تفشل هذه العقيدة لأن الفشل بالنسبة إليها فضيلة.

     لقد نجح السوبر تخلف في أن يصبح نظاماً تواصلياً. و لذا سيطر على عقول و سلوك معظم العرب و المسلمين. و الوظيفة الأساسية للسوبر تخلف قائمة في صياغة و نشر القدر الأقصى من المعلومات الخاطئة و المشوّهة المُستنتَجة من معلومات صادقة. و بما أن معلومات السوبر تخلف كنظام تواصلي مُستنتَجة من معلومات صادقة , يكتسب السوبر تخلف بذلك قدرة هائلة على الهيمنة الفكرية و السلوكية و على احتكار الحقائق و تشويهها و اقناعنا بصدقها. و مثل أساسي على السوبر تخلف كنظام تواصلي يسعى إلى تبادل و إنتاج المعلومات الكاذبة و زيادة المنتوجات المعلوماتية المشوّهة و نشرها هو التالي : بالنسبة إلى السوبر تخلف , تحوّلت الديمقراطية من حكم حرية الفرد و حقوقه الإنسانية إلى حكم حرية الطوائف و المذاهب الدينية و حقوقها. و بذلك يعتمد السوبر تخلف على معلومات صادقة كمعلومة أن الديمقراطية حكم الحريات و الحقوق الإنسانية لكنه يشوّه هذه المعلومة الصادقة و يحوّلها إلى معلومة كاذبة مفادها أن للطوائف و المذاهب الدينية حقوقاً كحق أن تحيا بحرية و تمارس طقوسها علنياً و تنتشر و تسود و إن كان ذلك على حساب حرية الفرد و حقوقه. و بذلك السوبر تخلف يستغل الديمقراطية و الحريات و الحقوق الإنسانية من أجل تطوير التخلف الكامن في هيمنة الحقوق الافتراضية للطوائف و المذاهب. هكذا السوبر تخلف يستخدم الحرية و الحقوق الإنسانية كي يقتل حرية الفرد و حقوقه بإسم حريات المذاهب الدينية و الطوائف و حقوقها. و هو بذلك يستخدم الحرية و الحقوق الإنسانية من أجل قمع الإنسان و اضطهاده و اغتيال إنسانيته. هنا الحرية أمست أداة قمع و اضطهاد.

     السوبر تخلف مرحلة ما بعد الديمقراطية و الديكتاتورية. فالديمقراطية هي نظام تواصلي يهدف إلى بناء و نشر القدر الأكبر من المعلومات الصادقة بينما الديكتاتورية نظام تواصلي يسعى إلى القضاء على المعلومات الصادقة و عدم نشر المعلومات الصحيحة. لكن السوبر تخلف نظام تواصلي وظيفته الأساسية كامنة في إنتاج و نشر العدد الأكبر من المعلومات الكاذبة و المشوّهة المعتمدة على معلومات صادقة , و بذلك يتخطى السوبر تخلف كُلا ً من الديمقراطية و الديكتاتورية فيفتتح عصر ما بعد الديمقراطيات و الديكتاتوريات. فبينما الديمقراطية تسعى إلى صياغة و نشر المعلومات الصادقة , يسعى السوبر تخلف إلى بناء و نشر المعلومات المشوّهة. و بينما الديكتاتورية تهدف إلى القضاء على القدر الأكبر من المعلومات الصادقة , يحافظ  السوبر تخلف على المعلومات الصادقة لكنه يستغلها للوصول إلى نتائج مشوّهة و كاذبة. هكذا يختلف عصر السوبر تخلف عن عصور الديمقراطية و الديكتاتورية بفضل تطويره لآليات التخلف. و الديكتاتورية استعانت بالسوبر تخلف لنشر المعلومات الكاذبة لكن السوبر تخلف اتخذ لنفسه كياناً منفصلا ً من جراء اعتماده على معلومات صادقة في عملية صياغة نتائج مشوّهة و خاطئة.   السوبر تخلف عملية تشويه للصفات الإنسانية كافة , و بذلك هو عملية اغتيال للحضارة الإنسانية. و قمة السوبر تخلف كامنة في تحويل العلم إلى جهل , و الجهل إلى علم , و تحويل الحريات و الحقوق الإنسانية إلى أدوات قمع و اغتيال , و تحويل الاضطهاد إلى حقوق و حريات افتراضية تمتلكها الأعراق و المذاهب و الطوائف.

 


3
                             العلم عملية تصحيح لغوية

حسن عجمي

     نميِّز عادة ً بين حقل العلوم و حقل اللغات. لكن الحقيقة هي أنهما يشكّلان حقلا ً معرفياً واحداً بما أن العلم ليس سوى عملية تصحيح لغوية.

     الوظيفة الأساسية للغة هي الحفاظ  على بقاء الجنس البشري. فمن خلال التواصل اللغوي تنتقل المعلومات بسرعة هائلة ما يضمن بقاءنا أحياء. فبمجرد أن نقول " هذا حيوان مفترس " تنتقل معلومات قيّمة في إفادتها إلى المُستمِع أو المتلقي فينتبه من الخطر المتمثل في حضور الحيوان المفترس فيتجنب الإنسان الخطر و ينجو. و لأن هذه الوظيفة المحورية للغة كانت ناجحة جداً في إبقائنا أحياء تكاثرت الكلمات و المفاهيم في لغاتنا لتشير إلى كائنات عدة واقعية و ممكنة قد تساعدنا الإشارة إليها في الحفاظ  على حياتنا. من هنا , تحتوي لغاتنا الإنسانية على العديد من المفاهيم و المصطلحات التي قد تفيدنا في البقاء أحياء من دون أن تشير في الحقيقة إلى أية حقائق واقعية. و هذه المفاهيم التي لا تدل على حقائق قد تكاثرت في لغاتنا لأن إكثار المفاهيم آلية مفيدة في ضمان البقاء. فمثلا ً , مصطلح " الجن " لا يشير إلى كائن حقيقي في الواقع لكنه ينبهنا من كائن ممكن قد يظهر في أمكنة لا نعرفها. و بذلك ساعد هذا المصطلح أجدادنا في الاستمرار على قيد الحياة من خلال جعلهم حذرين في الأمكنة التي يجهلونها. هكذا تكاثرت المفاهيم و الكلمات في اللغات الإنسانية بسبب إمكانية مساهمتها في إبقائنا أحياء. لكن بما أن لغاتنا تتضمن العديد من الكلمات و المصطلحات التي لا تشير إلى حقائق واقعية , إذن لا بد من نشوء آليات عقلية تساعدنا في تطهير لغتنا و تصحيحها. و العلم آلية أساسية من تلك الآليات التي تصحّح لغاتنا البشرية.

     العلم عملية تصحيح لغوية. فمثلا ً , تميّز لغتنا بين الزمان و المكان و المادة و الجاذبية. بالنسبة إلى اللغات البشرية , الزمان مختلف عن المكان , و كلاهما يختلفان عن المادة , و الجاذبية مجرد قوة قائمة بين المواد. لكن أثبت أينشتاين في نظريته العلمية أنه لا يوجد فرق حق بين تلك المفاهيم و مدلولاتها. و بذلك العلم آلية تصحيح لغوية فمن خلال العلم تمكنا من تصحيح لغتنا التي تميّز بين مفاهيم و مصطلحات لا تمييز حقيقي بينها. بالنسبة إلى نظرية أينشتاين العلمية , الزمان و المكان يشكّلان كائناً واحداً هو الزمكان. و من منظور نموذجه العلمي , الجاذبية مجرد إنحناء الزمكان بينما المادة اضطراب الزمكان. و بذلك توحِّد نظرية أينشتاين بين الجاذبية و المادة و الزمان و المكان. هكذا النظرية العلمية لأينشتاين تصحّح لغتنا فتنفي تكاثر المفاهيم و المصطلحات و تلغي التمييز بين العديد منها فيغدو العلم بذلك آلية تصحيح لغوية. من المنطلق نفسه , تميّز لغاتنا الإنسانية بين الجسيم و الموجة ؛ فالشيء إما جسيم مادي و إما موجة متكوِّنة من طاقة. لكن نظرية ميكانيكا الكم العلمية تصحّح لغتنا البشرية فتؤكد على أن الجسيم كالإلكترون هو جسيم و موجة في آن. و بذلك تنفي ميكانيكا الكم التمييز اللغوي بين الجسيم و الموجة فتصحّح لغتنا. من هنا , العلم عملية تصحيح لغوية بامتياز.

     كما تميّز لغتنا بين الوعي الإنساني و الكون المادي. لكن الفيزيائي جون ويلر يؤكد في تفسيره لنظرية ميكانيكا الكم على أنه لا يوجد فرق حقيقي بين الوعي و الكون. فبالنسبة إلى نظرية ويلر العلمية و على ضوء تفسيره لنظرية ميكانيكا الكم , الكون غير مُحدَّد لكنه يصبح مُحدَّداً متى أدركه الوعي. بكلام آخر , من غير المُحدَّد ما إذا كانت قطة شرودنغر حية أم ميتة , و فقط  حين يدركها الوعي تمسي إما حية و إما ميتة. من هنا , الوعي الإنساني شريك أساسي في تحديد الكون و صياغته. و بذلك لا فرق حق بين الوعي الإنساني و الكون المادي على نقيض مما تشير إليه لغاتنا البشرية. على هذا الأساس , العلوم عمليات تصحيح لغوية. و تميّز لغتنا أيضاً بين الواقعي و الممكن. لكن , بالنسبة إلى ميكانيكا الكم , يعبر الجسيم من نقطة مكانية إلى أخرى من خلال عبور كل الممرات الممكنة فيتخذ عبوراً مستقيماً و آخر ملتوياً و آخر شبه ملتو ٍ إلخ. و بذلك يتحقق كل عبور ممكن في الممرات الممكنة كافة رغم اختلاف الممرات و تعارضها. من هنا , الواقعي يتكوّن من كل الممكنات. و بذلك يصحّح العلم تصوّر لغتنا و تمييزها بين الواقعي و الممكن. فاللغة عقل كامن , و العقل لغة تتكلم.

      بالإضافة إلى ذلك , تميّز لغاتنا الإنسانية بين العدم و الوجود. لكن العلم المعاصر ينفي هذا التمييز الجذري. فمثلا ً , يقول الفيزيائي آلن غوث إن الكون أي الوجود قد نشأ من العدم من جراء التقلبات الكمية التي تصيب العدم نفسه. فالعدم يتكوّن من طاقات مختلفة و متعارضة لكنها متساوية في قيمتها ما يؤدي بتلك الطاقات المتناقضة إلى أن تختزل بعضها البعض فيتشكّل العدم. لكن بما أن العدم متكوِّن من طاقات متنوعة , إذن من الممكن أن تنجو طاقة ما من العدم و لا يحدث اختزالها و بذلك يتشكّل الكون منها. هكذا , بالنسبة إلى الفيزيائي آلن غوث , ينشأ الوجود من العدم بما أن العدم نفسه ليس سوى طاقات مختزلة لبعضها البعض. و بذلك لا فرق حقيقي بين الوجود و العدم على نقيض مما تدعي لغاتنا البشرية. من هنا يصحّح العلم لغاتنا فينفي التمييزات الكاذبة التي أوقعتنا فيها لغتنا البشرية بهدف إبقائنا أحياء. و بالنسبة إلى الفيزيائي غوث , الوجود موجود لأنه عدم ؛ فإذا جمعنا طاقات الكون سنجد أنها تساوي صفراً لأن طاقة الكون الايجابية تُعادِل طاقة الكون السلبية. من هنا العلوم المعاصرة تعتبر أنه لا يوجد فرق حق بين الوجود و العدم فتصحّح لغاتنا المُسبَقة و المُحدَّدة سلفاً.

     لقد أوقعتنا لغتنا البشرية في مشاكل فكرية و فلسفية و علمية من خلال تمييزها بين مفاهيم و مصطلحات لا يجب التمييز بينها. فلغاتنا خلقت ثنائيات كاذبة لا تعبِّر عن الحقائق في الكون و الواقع. و فعلت لغاتنا ذلك لكي تزيد من أرجحية إبقائنا أحياء. فكثرة المفاهيم و المصطلحات و إن كانت كاذبة قد تساعدنا في البقاء أحياء كأن يساعدنا مفهوم " الجن " في تجنب الأمكنة المجهولة ما قد يساهم في إبقائنا على قيد الحياة. على هذا الأساس , الوظيفة الأساسية للغة ألا و هي أن تبقينا أحياء أدت إلى تضليلنا فكرياً رغم نجاحها في الحفاظ  على بقاء الجنس البشري. فتلك الوظيفة اللغوية أدت إلى ولادة ثنائيات خاطئة فمشاكل فلسفية و علمية كاذبة تزول بزوال تلك الثنائيات كثنائية العدم و الوجود و ثنائية الزمان و المكان. و بما أن لغتنا ضللتنا فكرياً كان لا بد من نشوء آليات معينة لتصحيح الخلل اللغوي منها الآلية الأساسية في تصحيح لغاتنا ألا و هي العلوم. فالعلم تصحيح للغة البشرية. و لذا لا تتطور اللغة سوى بتطور العلم و لا يتطور العلم سوى بتطور اللغة. و لذلك تجد الشعوب المتطورة في العلوم متطورة أيضاً في اللغة و العكس صحيح. و لا يكتفي العلم في نفي الثنائيات الكاذبة بل يبني أيضاً مفاهيم و مصطلحات جديدة لم نعهدها من قبل كبناء مصطلح " الزمكان " لأينشتاين الذي يوحِّد بين الزمان و المكان. من هنا , العلم أيضاً آلية صياغة لغات جديدة.


4
                      



فلسفة العلم في مواجهة فلسفة الجهل

حسن عجمي

     تختلف الأسئلة ضمن فلسفة العلوم منها السؤال الأساسي : هل النظريات العلمية صادقة أم مجرد مقبولة؟ نبحث هنا عن خيار فلسفي ثالث اعتماداً على فلسفة السوبر حداثة و السوبر مستقبلية.

      بالنسبة إلى فلسفة الحداثة , النظريات العلمية الحالية صادقة لكونها ناجحة. فمثلا ً , عبَّر الفيلسوف ريتشارد بويد عن هذا المذهب قائلا ً إن التفسير الوحيد و الأفضل لحقيقة أن النظريات العلمية الحالية ناجحة في تفسير ظواهر الكون هو أن تلك النظريات صادقة. فهي ناجحة لأنها صادقة أي مطابقة للواقع. فلو كانت ناجحة من دون أن تكون صادقة حينها يتطلب نجاحها معجزة ما بفضلها تغدو ناجحة رغم عدم صدقها. لكن فلسفة ما بعد الحداثة تصر على أن النظريات العلمية ليست صادقة و لا كاذبة بل فقط  مقبولة. فالنظريات العلمية مجرد أدوات لتفسير ظواهر الكون و التنبؤ بها. فمثلا ً , يؤكد الفيلسوف " توماس كون " على أن النظريات العلمية المختلفة ليست صادقة و لا كاذبة لأن كل نظرية منها تحتوي على حقائق و مفاهيم و معان ٍ و معايير لتقييم ما هو صادق و كاذب خاصة بها و مختلفة عن الحقائق و المعاني و معايير تقييم ما يصدق و يكذب الكامنة في النظريات العلمية الأخرى. و بذلك يستحيل الحكم بين النظريات و عليها من دون الوقوع في المصادرة على المطلوب. و لذا يستحيل استنتاج ما إذا كانت هذه النظريات صادقة و تلك كاذبة. و لذا كل النظريات العلمية ليست سوى أدوات لدراسة الكون و تفسير ظواهره و لا تتصف بالصدق أو الكذب بل هي فقط  مقبولة.

     لكن من الممكن طرح فلسفة ثالثة مختلفة عن الفلسفتين السابقتين ألا و هي فلسفة السوبر حداثة و السوبر مستقبلية. تعتبر السوبر حداثة أنه من غير المُحدَّد أية نظرية علمية صادقة. أما السوبر مستقبلية فتقول إن النظرية العلمية الصادقة هي التي سيتم اكتشافها في المستقبل فقط . الآن , بما أن , من منطلق السوبر مستقبلية , النظرية العلمية الصادقة هي التي سوف يكتشفها العلماء في المستقبل , و بما أنه من الممكن أن تكون تلك النظرية الصادقة ضمن النظريات العلمية الحالية , إذن من غير المُحدَّد أية نظرية علمية هي الصادقة من بين النظريات العلمية الحالية المختلفة , و هذا هو موقف السوبر حداثة. من هنا , فلسفة السوبر مستقبلية تتضمن فلسفة السوبر حداثة. و لذا السوبر مستقبلية و السوبر حداثة تشكّلان فلسفة واحدة لا تتجزأ.

     للسوبر حداثة قدرة تفسيرية هائلة ما يدعم قبولها. فبما أن , بالنسبة إلى السوبر حداثة , من غير المُحدَّد أية نظرية علمية هي النظرية الصادقة , إذن من المتوقع وجود نظريات علمية عديدة ناجحة في تفسير الكون رغم اختلافها و تعارضها. هكذا تفسّر السوبر حداثة لماذا تنجح النظريات العلمية العديدة رغم الاختلاف و التعارض فيما بينها. فلو كان من المُحدَّد أية نظرية علمية هي الصادقة لِوُجِدت نظرية علمية واحدة فقط  ناجحة في تفسير ظواهر الكون. لكن بما أنه من غير المُحدَّد أية نظرية علمية هي الصادقة , إذن لا بد من وجود نظريات علمية عديدة ناجحة في تفسير الكون رغم التعارض فيما بينها. من هنا , تنجح السوبر حداثة في تفسير نجاح النظريات العلمية رغم اختلافها و تعارضها.

      مثل ذلك أن , بالنسبة إلى نظرية نيوتن العلمية , الزمن مطلق أي ليس نسبياً بينما بالنسبة إلى نظرية النسبية لأينشتاين الزمن نسبي لأنه يختلف باختلاف السرعة. و بالنسبة إلى نظرية نيوتن و نظرية أينشتاين , قوانين الطبيعة حتمية بينما بالنسبة إلى نظرية ميكانيكا الكم العلمية قوانين الطبيعة ليست حتمية بل احتمالية. لكن رغم هذه الاختلافات الجوهرية بين هذه النظريات العلمية , كلها نظريات ناجحة في تفسير ظواهر الكون و التنبؤ بها. و كلها ناجحة رغم اختلافها و تعارضها لأنه من غير المُحدَّد أية نظرية منها هي النظرية الصادقة ؛ فلو كان من المُحدَّد أية نظرية منها صادقة لنجحت نظرية واحدة منها فقط . هكذا تتمكن السوبر حداثة من تفسير نجاح النظريات العلمية رغم اختلافها , و ذلك من خلال مبدأ لا محددية أية نظرية هي النظرية الصادقة. لكن , بالنسبة إلى السوبر مستقبلية , النظرية العلمية الصادقة هي تلك التي سيكتشفها العلماء في المستقبل. لذا العلماء يصوغون نظريات علمية جديدة بشكل دائم بهدف الوصول إلى النظرية الصادقة. هكذا تفسِّر السوبر مستقبلية لماذا يبني العلماء نظريات علمية جديدة بشكل مستمر و متواصل ؛ فهُم يفعلون ذلك لأن النظرية العلمية الصادقة هي التي سيتم اكتشافها في المستقبل. و بهذا تكتسب السوبر مستقبلية قدرة تفسيرية في هذا الشأن ما يدعم مقبوليتها.

      إذا اعتبرنا أن النظريات العلمية الحالية صادقة فهذا يُوقِف عملية البحث العلمي عن نظريات علمية جديدة. و في هذا رذيلة معرفية لأننا نريد أن نستمر في البحث العلمي بدلا ً من اغتياله. و إذا اعتبرنا أن النظريات العلمية الحالية ليست صادقة و لا كاذبة بل فقط  مقبولة حينها نكون قد اعتبرنا أن العلم لا يُعبِّر عن الكون و الواقع و بذلك لا يُوصِل إلى معرفة الكون و الواقع. و في هذا رذيلة معرفية أخرى. من هنا , من الأفضل قبول الاتجاه الفلسفي الثالث الذي يتخطى المذهبين الفلسفيين السابقين ألا و هو اتجاه السوبرحداثة و السوبرمستقبلية. فالاتجاه الثالث يتجنب المشكلتيْن السابقتين. بالنسبة إلى فلسفة السوبر حداثة و السوبر مستقبلية , النظرية العلمية الصادقة هي النظرية التي سوف يتم اكتشافها في المستقبل , و بذلك من غير المُحدَّد أية نظرية علمية حالية هي النظرية الصادقة دون سواها. و بما أن , بالنسبة إلى السوبر مستقبلية , النظرية العلمية الصادقة هي تلك التي سيحدث اكتشافها في المستقبل , إذن لا بد من الاستمرار في البحث العلمي من أجل الوصول إلى النظرية العلمية الصادقة. هكذا تضمن السوبر مستقبلية استمرارية البحث العلمي بدلا ً من إيقافه , و بذلك تتجنب السوبرمستقبلية المشكلة الأولى. من المنطلق نفسه , بما أن بالنسبة إلى السوبرحداثة من غير المُحدَّد ما هي النظرية العلمية الصادقة من بين النظريات العلمية الحالية العديدة , إذن لا بد من البحث عن نظريات علمية جديدة قد تتضمن النظرية العلمية الصادقة. و بذلك تضمن السوبر حداثة استمرارية البحث العلمي أيضاً.

      من جهة أخرى , بما أن السوبر مستقبلية تقول إن النظرية العلمية الصادقة هي النظرية التي سوف يحدث اكتشافها في المستقبل , إذن تتضمن السوبر مستقبلية مبدأ أن البحث العلمي سيؤدي إلى معرفة الكون. و بذلك تتجنب السوبر مستقبلية المشكلة الثانية. و بما أن السوبر حداثة تؤكد على أنه من غير المُحدَّد أية نظرية من بين النظريات العلمية الحالية هي النظرية الصادقة , إذن تدفع السوبر حداثة نحو الاستمرار في البحث العلمي من أجل صياغة أو اكتشاف النظرية العلمية الصادقة المطابقة للواقع , و بذلك تتضمن السوبر حداثة إمكانية معرفة الكون و الواقع. و لذا تتجنب السوبر حداثة المشكلة الفلسفية الثانية تماماً كما تفعل السوبر مستقبلية. الآن , بما أن فلسفة السوبر حداثة و السوبر مستقبلية تتجنب الوقوع في المشكلتين الفلسفيتين السابقتين , إذن كل من السوبر حداثة و السوبر مستقبلية فلسفة ناجحة فمقبولة إلى أقصى حد.

     أما فلسفة الجهل فهي التي تعتبر أن النظريات العلمية كاذبة , و بذلك تختلف عن الفلسفات السابقة. و تصر فلسفة الجهل على كذب العلم اعتماداً على عقيدة أن الله وحده يعلم. بالنسبة إلى فلسفة الجهل , الكون مجرد كالله تماماً و بذلك من المستحيل معرفته ؛ فالأشياء المجردة غير مرتبطة بنا سببياً ما يؤدي إلى استحالة معرفتها. فلسفة الجهل فلسفة معقدة المبادىء و التفاصيل لكنها تتمحور حول الفكرة التالية : الله مجرد و بذلك من المستحيل معرفته. و الكون مجرد لأنه من نتاج الله المجرد , و بذلك من المستحيل معرفة الكون أيضاً. من هنا , فقط  الله يعرف الكون لأن الله مجرد تماماً كالكون. كل هذا يؤدي إلى أن الجهل سيد عقول البشرية. فجهلنا تأكيد على أن الله موجود و على أنه خالق الكون. و بذلك المعرفة الحقة كامنة في الجهل. من منطلق فلسفة الجهل , ثمة معرفة لكنها قائمة في جهلنا ؛ فجهلنا بكل شيء دلالة على أن الله وحده يعلم كل شيء و دلالة على أن الله مجرد و بذلك غير معلوم و دلالة على أن الكون مجرد كالله و بذلك غير معلوم أيضاً. و كل هذا ليس سوى معرفة لكنها معرفة تؤسس لجهلنا بكل شيء. هكذا بالنسبة إلى فلسفة الجهل , المعرفة جهل و الجهل معرفة.

     اليوم تسود فلسفة الجهل على عالمنا العربي الاسلامي. فمعظم العرب و المسلمين مقتنعون بأن الله وحده يعلم كل شيء و أنه يستحيل علينا معرفة ماهية الله لأنه مجرد فلا شبيه له كما يستحيل علينا معرفة الكون لأن الكون مجرد تماماً كالله. هكذا لشعوبنا المشرقية اليوم فلسفة خاصة لم يسبقنا إليها شعب من الشعوب ألا و هي فلسفة الجهل. و بما أن المعرفة جهل و الجهل معرفة , إذن الجهل هو القيمة العليا في مجتمعاتنا الافتراضية. الصراع بين فلسفة العلم و فلسفة الجهل صراع على المبادىء و التفاصيل. و نتيجة هذا الصراع تحدِّد ما إذا سنتمكن من العودة إلى التاريخ و الحضارة أم سنموت حضارياً و نمسي وهماً تاريخياً في عقول مَن سيبقى. بالنسبة إلى فلسفة العلم , العلم مصدر معرفة الواقع و مصدر المعتقدات و الأفكار المفيدة عملياً بينما , بالنسبة إلى فلسفة الجهل , العلم مصدر جهلنا , و الجهل مصدر علمنا. و من منظور فلسفة العلم , الكون واقعي و بذلك من الممكن معرفته و الحصول من خلاله على معتقدات مفيدة عملياً بينما , من منظور فلسفة الجهل , الكون مجرد و لذا من غير الممكن معرفته. هكذا تختلف مبادىء و تفاصيل كل من فلسفة العلم و فلسفة الجهل. مَن سينتصر في النهاية؟ هذا قرارك أنت بالذات.

5
لقاءات ومقابلات / السوبر حداثة
« في: 19:49 12/05/2011  »

يخوض غمار الكتابة: من 'السوبر أصولية' إلى 'السوبر مستقبلية' 
حسن عجمي:التاريخ يبدأ من المستقبل

 
بيروت - إسماعيل فقيه:

الكاتب الشاب حسن عجمي يخوض غمار الكتابة الفلسفية منذ فترة غير قصيرة، وقد اجتاز، عبر الكتابة، العديد من الحواجز الفكرية محاولا الوصول الى مفهوم معرفي خاص، يسعى الى تكريسه، كأساس ينطلق منه الى النواحي الاكثر قلقا في المسار الفكري - المعرفي - الفلسفي - العلمي.
صدر لعجمي حتى الآن تسعة كتب تناول فيها القضايا الفكرية النابضة في مساحات المعرفة، وتميزت كتابات عجمي بعناوينها اللافتة - التي تحمل الكثير من دلالات البحث والمعرفة، فكتابه 'السوبر أصولية' يندرج في هذا السياق، وكذلك الكتب الاخرى مثل 'السوبر حداثة' او 'مقام المعرفة' او 'السوبر مستقبلية'.
واصدر كتابا آخر مختلفا ينتمي الى الشعر بعنوان 'مرايا العقول، الشعر العلمي'، كل هذه الكتب والافكار التي تحتويها دفعتني للتعرف على افكار عجمي عبر هذا الحوار:
اصدرت مؤخرا كتاب 'السوبر أصولية' ما السوبر اصولية وكيف تختلف عن الاصولية؟
- تقول السوبر اصولية ان الاصول المعرفية والدينية محددة في المستقبل فقط. ولذا تختلف السوبر اصولية عن الاصولية. بينما الاصولية تعتبر ان الاصول موجودة في الماضي، تعتبر السوبر اصولية ان الاصول كامنة فقط في المستقبل. بالنسبة الى السوبر اصولية، نحن من نصنع التراث. من هنا التراث غير موجود بشكل مستقل عنا بل يعتمد على مجهودنا في انتاجه. ولذا الاصول المعرفية والدينية محددة فقط في المستقبل. فبما ان التراث يعتمد علينا في انتاجه، اذن صياغتنا له سوف تحدده في المستقبل. هكذا نتحرر من سلطة الماضي وقدسيته، ويغدو الانسان معيار المعرفة. وبما ان الاصول محددة في المستقبل فقط، وبما ان المستقبل غير محقق كليا في الحاضر، اذن لا بد من الاستمرار في البحث عن الاصول كي يتم تحديدها. هكذا ايضا تضمن السوبر اصولية استمرارية البحث المعرفي بدلا من ايقافه، واستمرارية البحث فضيلة.
لقد ركزت على فلسفة اللغة الاسلامية وقدمت تفاصيل نظريات المعنى لدى الفلاسفة المسلمين، ما العلاقة بين فلسفة اللغة والسوبر اصولية؟
- فلسفة اللغة في تراثنا تدعم الاتجاه السوبر اصولي لأنها ترينا ان المذاهب العقائدية المختلفة كلها مقبولة رغم اختلافها. بالنسبة الى السوبر اصولية، فلسفة اللغة هي العامل الاساسي في تحديد مواقفنا الدينية، فمع اختلاف نظريتنا في المعنى يختلف موقفنا العقائدي. وبذلك كل العقائد الممكنة متساوية ومقبولة لأنها تعبر عن اللغة بدلا من ان تعبر عن الدين. فمثلا، يعتبر ابن سينا ان المعنى هو ما تدركه النفس، لكن التأويل الباطني للدين يعتمد على ادراك النفس للمعاني من دون الاعتماد على سياق الخطاب. وبذلك توصل ابن سينا الى تأويله الباطني للدين. اما ابن تيمية فيعتبر ان المعنى يحدده السياق. لكن التفسير الظاهري للدين يعتمد على فهم المعنى من خلال السياق. وبذلك توصل ابن تيمية الى تفسيره الظاهري للدين. هكذا موقفنا من اللغة والمعنى يحدد اعتقادنا الديني. وبذلك التراث معتمد على مواقفنا في فلسفة اللغة، اي نحن من نصنع التراث، كما تقول السوبر اصولية. التراث غير محدد لذا لا بد ان نحدده نحن.
جاء كتاب 'السوبر أصولية' بعد كتابين مترابطين هما 'السوبر حداثة' و'السوبر مستقبلية'. لماذا تصر على استخدام مفهوم 'السوبر'؟
- استخدم مفهوم 'السوبر' كي اميز هذا المشروع عن المشاريع الاخرى. فالسوبر اصولية تختلف عن الاصولية. والسوبر حداثة تختلف عن الحداثة وما بعد الحداثة، والسوبر مستقبلية تختلف عن المستقبلية. السوبر حداثة تدرس الاكوان الممكنة. واذا نظرنا الى الاكوان الممكنة مجتمعة ولكونها مختلفة عن بعضها ستغدو حقائقها غير محددة. لذا تعتمد السوبر حداثة على اللا محدد من اجل الوصول الى المعرفة. فبينما الحداثة تقول ان الكون محدد ولذا من الممكن معرفته، تعتبر ما بعد الحداثة ان الكون غير محدد ولذا من غير الممكن معرفته. اما السوبر حداثة فتؤكد على انه على الرغم من لا محددية الكون من الممكن معرفته لأن من خلال لا محدديته نتمكن من تفسيره. هكذا تختلف السوبر حداثة عن الحداثة وما بعد الحداثة. اما السوبر مستقبلية فتعتبر ان الماهيات محددة في المستقبل فقط، ولذا تقدم التفاسير وتحلل المفاهيم من خلال المستقبل. هذا يعني ان السوبر مستقبلية تدرس الحاضر والماضي من خلال المستقبل على عكس ما تقوم به المستقبلية التي تحاول التنبؤ بالمستقبل من خلال ما يجري في الحاضر وما جرى في الماضي. بالنسبة الى السوبر مستقبلية التاريخ يبدأ من المستقبل.
لكن كيف يبدأ التاريخ في المستقبل؟ كيف من الممكن دراسة الحاضر والماضي من خلال المستقبل الذي لم يأت بعد؟ من الاكيد ان التاريخ يجري في الماضي الى الحاضر ومن ثم الى المستقبل. لكنك تقول العكس؟
- يبدأ التاريخ من المستقبل لأن ماهيات الكون محددة فقط في المستقبل، ولذا هي غير محددة في الحاضر والماضي. وهذا يفسر مثلا لماذا تتغير الاشياء والظواهر؟ فلو ان الماهيات محددة ما كانت لتتغير الاشياء والظواهر. لا بد ان ننظر الى القدرة التفسيرية السوبر مستقبلية. فقدرتها التفسيرية تدعونا الى قبولها. وللسوبر مستقبلية قدرة تحليلية ايضا. فمثلا تحلل الحقيقة من خلال المستقبل، وهذا مثل على كيف نتمكن من دراسة الحاضر والماضي من خلال المستقبل؟ بالنسبة الى السوبر مستقبلية، الحقيقة قرار علمي في المستقبل. وبما ان المستقبل ما زال مستقبلا ولم يتحقق كليا في الحاضر والماضي، اذن لا بد من الاستمرار في البحث عن الحقيقة. هكذا تغدو الحقائق غير مطلقة وضمن استمرار البحث العلمي عنها. المستقبل يأتي اولا لأن من خلاله نتمكن من دراسة الكون وما فيه.
ما فائدة البحث في الفلسفة المجردة ونحن نعاني من مشاكل اجتماعية عديدة؟ ألم تفشل الفلسفة في قيادة الشعوب وتحولت الى إيديولوجيات مغلقة؟
- للمجتمع اسس فلسفية، فهو يبنى على ضوء نظريات الناس في الكون والخلق والوجود. لكل شيء فلسفة هي اساسه. لقد امسينا خارج الحضارة والتاريخ لأننا رفضنا الفلسفة والعلم والمنطق. الفلسفة غير منفصلة عن العلوم، لذا تجد الشعب المتطور في العلم يكون متطورا في الفلسفة والآداب ايضا والعكس صحيح. هكذا ترتبط الفلسفة بشكل مباشر بالعلوم وبحياتنا اليومية. وبذلك اي حل لمشاكلنا لا بد ان ينطلق من اسس فلسفية. من المستحيل ان تفشل الفلسفة لأنها تشكل جزءا لا يتجزأ من حقل الابداع الانساني. فالفلسفة والأدب والشعر والعلوم تشكل حقلا معرفيا متفاعلا ومتواصل الاجزاء. فأعظم العلماء هم ايضا اعظم الفلاسفة. اما الفلسفات التي تحولت الى إيديولوجيات مغلقة وقاتلة فمصيرها الزوال. والفلسفة الحقة تحاول ان لا تقع في منزلق العقائد الإيديولوجية المطلقة، وهذا ما تحاول السوبر حداثة ان تقوم به. فبما ان السوبر حداثة تدرس الأكوان الممكنة، وبما ان الأكوان الممكنة مختلفة عن بعضها البعض، اذن ثمة نظريات منطقية وناجحة رغم اختلافها لأنها صادقة في أكوان ممكنة مختلفة. على هذا الأساس تعتبر السوبر حداثة ان النظريات كافة تعبر عن الأكوان الممكنة، وبذلك تتجنب السوبر حداثة الوقوع في المعتقدات الإيديولوجية المطلقة.
بالاضافة الى كتبك الفلسفية تعتني بالشعر. ديوانك الجديد 'الشعر العلمي يحتوي على قصائد تقول انها علمية. ما هو الشعر العلمي وكيف للشعر ان يكون علميا؟
- الشعر العلمي هو الشعر الذي يبني نصه على اساس النظريات العلمية، فيعبر عنها بشكل غير مباشر فعلى ضوئها يصوغ عباراته ومعانيه. وبما ان الشعر العلمي يعبر بشكل غير مباشر عن النظريات العلمية، اذن يتجنب الوقوع في الشعر المباشر، وهذه فضيلة له. وبما ان الشعر العلمي يعبر عن النظريات العلمية، وبما ان العلم لديه معان، اذن يتمكن الشعر العلمي من صياغة عبارات ذات معنى. وبذلك يتجنب العبارات الخالية من المعاني، وهذه فضيلة اخرى. العلم جزء من حياتنا اليومية، فنحن ننعم بالانجازات العلمية وبفضلها نحيا حياتنا المعاصرة. لذا من الضروري ان يعبر الأدب والشعر عن العلم كي يتمكن من التعبير عن ذواتنا وحياتنا وعالمنا. واذا لم يعبر الشعر عن العلم سيمسي لعبا على الكلمات كما معظم الاشعار المتداولة في السوق العربية. من هنا من الممكن كتابة الشعر العلمي ومن الضروري كتابته. فالشعر تعبير عن الحياة، والعلم جزء اساسي من الحياة.   


بعد «السوبرات» ينتقل إلى «الميزياء»
حسن عجمي يواصل خوض غمار الفلسفة بمصطلحات «ليست غرائبية»

 
بيروت ــ غنى حليق

بعد مجموعة من الكتب التي تنطلق من اسس فلسفية وترتكز الى محور «السوبر» المفتوح على تنوعات فكرية تبدأ من «السوبر حداثة» وتمرّ في «السوبر مستقبلية» و«السوبر اصولية» و«السوبر معلوماتية» و«السوبر تخلف»، وتنتهي في «السوبر مثالية»، ها هو حسن عجمي ينتقل الى علم جديد او معرفة جديدة ويجمعها في كتاب تحت عنوان: «الميزياء ــ الجيزياء والحيزياء». ويبادر عجمي للدفاع عن عنوانه الجديد ورد التهمة الغرائبية عنه، واستدعى الامر الكثير من النقاشات التي بدأت بسيطة ثم تحولت الى حوار شرح فيه الكاتب تفاصيل اسسه المعرفية التالية:
• أصدرت كتابا جديدا هو «الميزياء: الجيزياء والحيزياء». ما مضامين هذه المصطلحات الجديدة ولماذا تصر على الكتابة الغرائبية؟
ــ هذه المصطلحات فعلا جديدة لكنها ليست غرائبية لانها تملك معاني ومضامين محددة وتهدف الى تحقيق ميادين معرفية معينة. فبينما الميزياء هي دراسة ميزة الشيء، الجيزياء تدرس ما يجوز وما لا يجوز، اما الحيزياء فتدرس حيز الاشياء. فلا يوجد شيء من دون ميزة تميزه عن الاشياء الاخرى، فلو انه يوجد شيء من دون ميزة معينة تجعله مختلفا عن الاشياء الاخرى، حينها سيغدو هذا الشيء جزءا من الاشياء الاخرى، وبذلك يزول وجوده كشيء. من هنا من الضروري ان يملك كل شيء ميزة او اكثر تساهم في خلقه ووجوده.
على هذا الاساس لا بد من دراسة ميزات الاشياء والظواهر والحقائق، ولذا طرحنا فكرة الميزياء التي هي ميدان دراسة الميزات المختلفة للاشياء كافة.
الميزياء مذهب فلسفي يرفض وجود الماهيات ويؤكد على ان الاشياء والحقائق تتكون على ضوء ميزاتها بدلا من ان تتشكل من ماهيات مسبقة وثابتة. فالإنسان انسان لامتلاكه ميزة العقل، بدلا من امتلاكه ماهية مجردة كماهية الانسانية المتجسدة في هذا الانسان وذاك. وبذلك نتجنب القول بوجود الماهيات وهذه فضيلة للمذهب الميزيائي بسبب ان الماهيات غامضة وتستلزم شرحا معقدا حول ارتباطها بعالمنا الواقعي. فبدلا من ان تختزل الميزياء الاشياء كافة الى بعض ماهيات تلتزم الميزياء بفردية كل فرد او شيء واختلافه عن الاشياء الاخرى. هكذا الميزياء فلسفة تناقض فلسفة الماهيات الثابتة وفلسفة الاختزال.
فلسفة وعلوم
• لكن لماذا ابتكرت تلك المصطلحات كمصطلح الميزياء لتشير الى فلسفتك بدلا من ان تشير اليها مثلا من خلال مصطلح فلسفة الميزة؟
ــ احدى وظائف الفلسفة هي ابتكار مصطلحات جديدة تماما كما يفعل العلم. لذا من الطبيعي ان احاول ابتكار مصطلحات جديدة كالميزياء والجيزياء والحيزياء. فالفلسفة والعلوم هي العامل الاساسي في صياغة اللغة وابقائها على قيد الحياة. فمن دون الابتكار اللغوي في الفلسفة والعلم تموت اللغة لان اللغة كائن حي يحيا بتجديد نفسه باستمرار من خلال المفاهيم والافكار الجديدة. من هنا لغتنا العربية سوف تموت اذا لم نشارك الحضارة في انتاج الفلسفة والعلوم.
• تعتبر اننا نرفض العلم والفلسفة، وقد عبّرت عن ذلك في كتابك «السوبر تخلف»، اليس من الظلم وصفنا باننا سوبر متخلفين رغم محاولات النهوض العديدة من قبل مجتمعاتنا؟
ــ كل مجهودنا محصور في تطوير التخلف. فالتخلف اصبح مؤسسة لدينا وموهبة نحن اسيادها وعبيدها. فبدلا من ان تُخرّ.ج مدارسنا وجامعاتنا علماء امست تخرج ارهابيين يرفضون العلم والمنطق والعقل والفلسفة. فمؤسساتنا التعليمية تُعلم التعصب والطائفية وفضائياتنا واعلامنا وصحفنا تنشر الكراهية وتحث على تدمير احدنا الآخر بدلا من ان تدعو الى السلام وقبول العلم والمنطق. على هذا الأساس نحن سوبر متخلفون. فالتخلف قائم في عدم انتاج ما هو مفيد للبشرية والعالم، أما السوبر تخلف فهو عملية تطوير للتخلف من خلال استخدام العلم من أجل التجهيل، وهذا ما نقوم به. لا تكمن النهضة في بناء الابنية والطرقات، بل النهضة تحيا فقط في العقول، فإذا قبلنا العقل ومنطقه وعلومه حينها فقط نتمكن من النهوض والا فسنبقى سوبر متخلفين.
• لقد انهيت مشروع «السوبرات» الذي تضمن كتبا عدة منها «السوبر حداثة» و«السوبر مستقبلية»، و«السوبر أصولية» وصولا الى «السوبر تخلف». ما الفكرة الاساسية التي جمعت هذه المؤلفات؟
.. غير محدد
• انتهيت من كتابة ذلك المشروع لم أنته من تفسيره وشرحه. الفكرة الاساسية الحاكمة للمشروع السوبر حداثوي هي ان اللامحدود يحكم العالم. فمثلا تعتبر السوبر حداثة أنه على الرغم من ان الكون غير محدد فمن الممكن معرفته لأن خلال لامحدديته من الممكن تفسيره. فبينما الحداثة تعتبر ان الكون محدد ولذا من الممكن معرفته، تقول ما بعد الحداثة ان الكون غير محدد ولذا من غير الممكن معرفته، لكن السوبر حداثة تختلف عن الحداثة وعما بعد الحداثة بقولها إنه على الرغم من لامحددية الكون من الممكن معرفته. أما السوبر مستقبلية فتؤكد أن الماهيات محددة فقط في المستقبل، وبذلك هي غير محددة. في الحاضر والماضي، وهذا يرتبط بموقف السوبر حداثة القائل بلا محددية الموجود. وتتفق السوبر أصولية مع ذلك الموقف بقولها ان الاصول محددة فقط في المستقبل، ولذا من الممكن التحرر من الماضي وسجونه. فنحن من نصنع التراث، ويبدأ التاريخ في المستقبل، وفعلنا اليوم يخلق الماهيات والأصول في المستقبل أما أحد تجسدات السوبر تخلف فهو اننا محددون في ادق التفاصيل. فنحن محددون في تصرفاتنا وأفكارنا ومشاعرنا، وامسينا بذلك آلات بلا فكر وشعور. ولذا نحن سوبر متخلفون. وبالنسبة إلى مبدأ اللامحدد المنتمي الى السوبر حداثة فقط اللامحدد ينجح في البقاء والاستمرار لكونه غير محدد، مما يساعده على التكيف مع المتغيرات فالحفاظ على استمراريته. من هنا محدديتنا ادت الى فشلنا وموتنا المتكرر.


الميزياء و البينياء و الضيمياء لحسن عجمي:
لا بد من اشتقاق مصطلحات جديدة للغة معرفية جديدة


بيروت ــ الوطن ــ سمير رباح

هي ثلاثية كتب اصدرها الكاتب والباحث اللبناني حسن عجمي مؤخرا ضمن سلسلة تتضمن افكارا جديدة كما تتضمن مصطلحات جديدة حركت ساحة ثقافية فكرية كانت مشغولة بأشياء اخرى.

وما هذه السلسلة الا «الميزياء» و«البينياء» و«الضيمياء» وهذه بمثابة عناوين رئيسية لعناوين اخرى فرعية فلسفية وفكرية تتضمنها هذه السلسلة.

ونظرا لما اثارته هذه الاصدارات من اسئلة ولما اثارته تلك المصطلحات من تجاذبات اتسمت بالحدة احيانا ولا تزال مستمرة حاولنا الوقوف على مضامين هذه السلسلة وعلى علاقتها بالسلسلة التي سبقت تحت عناوين «السوبراث» وذلك من خلال هذا الحوار مع الباحث نفسه أي حسن عجمي:

_ سلسلتك الجديدة تتكون من ثلاثة كتب هي «الميزياء» و«البينياء» و«الضيمياء» ماذا تعني هذه المصطلحات؟

- الميزياء مصطلح مشتق من الميزة من هنا الميزياء فلسفة الميزة تعتبر الميزياء ان للاشياء ميزات بدلا من ماهيات فبينما الميزة متغيرة وقابلة للتطور الماهية ثابتة لا تتغير هكذا الميزياء ترفض فلسفة الماهيات فتؤكد على انه لا توجد ماهيات اصلا ولذا الكون في حالة تغير مستمر.

اما البينياء فهي مشتقة من الظرف «بين» ومن البنية. والبينياء مذهب فكري يدرس ما بين الاشياء بدلا من دراسة الاشياء بشكل مباشر هذا لأن ما بين الاشياء يبين الاشياء.

اما الضيمياء فمشتقة من الضيم ولذا تدرس الضيمياء الظلم الفكري الذي يصيب عقولنا من جراء التسليم الكاذب بأن كل الاشياء مجرد ادوات في خدمتنا بينما الحقيقة هي ان كل شيء يسعى الى تحقيق ذاته وتطويرها ولا يبالي بنفعنا او ضررنا. هكذا الضيمياء تحارب أوهام العظمة لدى الانسان فالانسان ليس مركز الكون ولم تخلق الاشياء لخدمته بل هو وجد لخدمة الاشياء من هنا قد يستعيد الانسان انسانيته بدلا من ان يتحول الى طاغية ضد ذاته والآخرين.

_ لماذا اخترت دراسة الميزات بدلا من الماهيات ما فائدة هذا الاختيار؟

- بالنسبة إلى الميزياء ثمة ميزات بدلا من ماهيات ولكل شيء ميزة تميزه عن الاشياء الاخرى وبها يوجد ويتكون. فإن خسر ما يميزه لن يختلف عن الاشياء الاخرى وبذلك يحدث زواله. من هنا ميزات الشيء اساس وجوده وتكونه. لكن الكون محكوم بالميزات وليس بالماهيات لانه متغير وفقط الميزات تعبر عن تغيره. فقد نخسر ميزاتنا ونكتسب ميزات اخرى. لذا من الضروري دراسة الميزات بدلاً من الماهيات، فإذا وجدت ماهية للشيء لابد حينها ان تبقى إلى الابد جزءاً اساسياً منه وبذلك لا تسمح له بالتغيير على نقيض مما يحدث فعلاً في الوجود، هكذا فائدة اختيار الميزياء كفلسفة ممكنة كافية في قدرتها التعبيرية فهي تعبر عن تبدل الكون وتغيره. مثل على فلسفة الميزياء هو التالي: مع بدايات ظهور الانسان في التاريخ كانت ميزة العقل قائمة في الحفاظ على الجنس البشري من خلال تجن الضرر والاقبال على المفيد، لكن لقد تغيرت هذه الميزة وتطورت فأصبحت ميزة العقل كامنة في الحصول على المعرفة وان كانت معرفة غير مفيدة في الحفاظ على حياتنا كالرياضيات المجردة. اما اذا كانت للعقل ماهية فسنتوقع حينها عدم تغير العقل وهذا نقيض الواقع. هكذا تختلف الميزة عن الماهية وتتمكن الميزياء من تفسير تطور العقل.

_ الميزياء دراسة الميزة، والبينياء دراسة ما بين الاشياء، والضيمياء تدرس الضيم الفكري، هل تساهم في كل من البينياء والضيمياء في ايضاح ميزات العقل كما تفعل الميزياء؟

- لكل مذهب منها طريقته في جعلنا أقرب إلى فهم الظواهر والحقائق كحقيقة العقل وكيفية عمله. بالنسبة إلى البينياء، ما بين الاشياء والظواهر والحقائق ما بين الاشياء وبشكلها من هنا تعتبر البينياء ان العقل يتكون مما يكمن بين اجزاء الدفاع من علاقات فصل ووصل. فكما نعلم الدماغ يتشكل من نيورونات وهي خلايا عصبية ترتبط فيما بينها بعلاقات فسيولوجية، وكلما ازدادت العلاقات بين النيورونات ازداد عمل العقل وتفكيره. من هنا ما بين اجزاء الدماغ يشكل العقل، وهذا مثل واضح على ان ما بين الاشياء يشكلها. من جهة أخرى تسعى الضيمياء ايضاً في ايضاح العقل فتؤكد على خطأ مسلمتنا القائلة بان العقل اداة في خدمة الانسان بل بالنسبة الى الضيمياء، العقل يسعى فقط إلى تحقيق ذاته وتطويرها. لذا قد يفيدنا العقل وقد يضرنا من خلال بناء اسلحة القتل. بل العقل يستغلنا لكي يستمر ويبقى على نقيض مما كنا نظن، فهدفه الوحيد هو بقاؤه وليس بقاءنا وإلا ما كان يؤدي إلى الضرر بنا فليس هدف العقل ان يفيدنا أو يضرنا بل وظيفته الوحيدة كباقي الاشياء ان يبقى ويستمر.

_ هل للضيمياء قدرات تفسيرية وتعبيرية كالتي تملكها الميزياء والبينياء؟

- تكتسب الضيمياء قدراتها التفسيرية والتعبيرية بطرق مختلفة. فمثلاً، تفسر لماذا قد يضرنا العقل أو العلم ولماذا قد يفيدنا وهذا السبب ان العقل والعلم هدفهما تحقيق ذواتهما بدلاً من ان يكونا اداتين في خدمتنا. الضيمياء فلسفة ترفض اعتبار الاشياء أدوات في خدمتنا. بالاضافة إلى ذلك من منطلق الضيمياء بما أن العقل يسعى الى تخفيف ذاته واستمراريته فقط، اذن من الطبيعي ان يتجسد العقل في تجسدات مختلفة فإن زال عقل يبقى آخر وبذلك يحافظ على استمراريته من المنطلق ذاته بما ان العلم يسعى الى تحقيق ذاته واستمراريته فقط، الان من الطبيعي ان يتنوع العلم ونظرياته فإن زالت نظرية تبقى اخرى وبذلك يحافظ على بقائه هكذا تفسر الضيمياء تنوع العقول واختلاف النظريات.

_ لماذا تشتق مصطلحات جديدة وهل يحق لنا القيام بذلك؟

ـ لابد من اشتقاق مصطلحات جديدة في اللغة لاسباب عديدة كما يحق لنا القيام بذلك للاسباب نفسها ومن هذه الاسباب أولا: للفلسفة والعلوم وظائف مختلفة منها تفسير الظواهر وتحليل المفاهيم وصياغة مصطلحات مبتكرة من هنا احدى الوظائف الاساسية للفلسفة والعلوم هي بناء مفاهيم جديدة. لذا لابد ويحق لنا ان نبني مصطلحات جديدة في اللغة العربية فمثلا اينشتاين صاغ مصطلحا جديدا هو الزمكان الذي يشير الى ان الزمان والمكان شيء واحد. كما صاغت الفلسفة المعاصرة مصطلحات جديدة عديدة كمصطلح: «النيوروفلسفة» التي تدرس العقل على اساس نيورونات الدماغ التي هي الخلايا العصبية في الادفعة على هذا الاساس يحق لنا ان تشتق مصطلحاتنا الخاصة كالميزياء والبينياء والضيمياء بدلا من نكون مجرد مقلدين للغرب.ثانيا: اذا لن نشتق مفاهيم جديدة لم تعهدها لغتنا العربية من قبل فسوف نخسر لغتنا.

فالاشتقاق المبتكر في اللغة يجددها ويجعلها تحيا من جديد فاللغة كائن حي يحتاج الى دم ونبض جديدين وهذا ما تقدمه عمليات الاشتقاق المعتمدة على الفلسفة والعلم على ضوء كل هذا يحق لنا ولا بد ان نبني مفاهيم وعبارات جديدة والا سنخسر لغتنا وحضارتنا.

_ هل ترتبط سلسلتك الجديدة بسلسلتك القديمة ألا وهي سلسلة «السوبرات» التي تحتوي على ستة كتب منها «السوبر حداثة» و«السوبر مستقبلية» وغيرهما؟

ـ ثمة ارتباط عضوي بين السلسلتين ويظهر هذا الارتباط على النحو التالي: بالنسبة الى السوبر حداثة اللامحدد يحكم العالم لكن رغم ان الكون غير محدد من الممكن معرفته لان من خلال لا محدديته نتمكن من تفسيره مثل ذلك انه من غير المحدد اي نظرته علمية هي النظرية الصادقة ولذا من المتوقع ان توجد نظريات علمية مختلفة كلها ناجحة في تفسير الكون رغم التعارض فيما بينها اما «السوبر مستقبلية» فتقول ان التاريخ يبدأ من المستقبل وبذلك تحلل المفاهيم من خلال مفهوم المستقبل فتغدو الحقيقة مثلا قرارا علميا في المستقبل وبذلك تحافظ على لا محدديتها من جهة اخرى تعتبر الميزياء ان للاشياء ميزات وليس لها ماهيات، وبما ان للأشياء والظواهر والحقائق ميزات بدلاً من ماهيات، وبينما الميزات متقلبة ومتغيرة، أما الماهيات فثابتة، اذن ما تزال الأشياء والحقائق غير محددة، فلو أنها محددة لابد حينها ان تملك ماهيات ثابتة، هكذا ترتبط الميزياء بالسوبر حداثة، والسوبر مستقبلية علماً بأن السوبر حداثة تؤكد على لا محددية الحقائق والظواهر والسوبر مستقبلية تعبر عن لا محددية الكون ايضا من خلال الاعتماد على المستقبل.

_ هل ستكتفي بالسلسلتين السابقتين أم أنك تسعى إلى كتابة سلسلة فلسفية اخرى؟

- الكتابة لا تنتهي كالحياة تماماً، فالموت مجرد حياة للآخرين، بدأت فعلا بكتابة أفكار اخرى قد تظهر في سلسلة جديدة وقد لا تظهر، فلا اخطط لبناء سلسلات من الكتب، بل كأنها هي التي تفرض ذاتها على أوراقي، في زمن «السوبر تخلف» الأفكار هي من اجسادنا وأوطاننا وفيها فقط تكمن انسانيتنا.,,



--------------------------------------------------

--------------------------------------------------------------------------------

6
ربيكا  كوستا : " صفارة الحارس "
                       السوبر مستقبلية في مواجهة السوبر ماضوية

 حسن عجمي

     ترصد المفكرة ربيكا كوستا الأسباب وراء ازدهار الحضارات وانهيارها وتحدّد العوامل الأساسية التي تهدد حضارتنا اليوم في كتابها " صفارة الحارس ". نرتحل في هذه المقالة إلى عالم فلسفتها لنشهد المواجهة الدامية بين السوبر مستقبلية والسوبر ماضوية.
قتل الحضارات و إحياؤها
     تؤكد كوستا على أن قدرة الإنسان البيولوجية على التكيف هي العامل الأساس الذي يحدّد نشوء وانهيار الحضارة ونجاحها أو فشلها. هكذا الارتقاء الطبيعي وما يتضمن من انتقاء للصفات البيولوجية الأفضل والأنجح في البقاء هو المفتاح لفهم الحضارات وأسباب ازدهارها وانهيارها. وهذا ما لم ينتبه إليه معظم علماء المجتمع والتاريخ لظنهم الخاطىء بأن العوامل البيولوجية الداروينية سببت ارتقاء الإنسان البدائي ولم تعد فاعلة اليوم في صناعة الحضارة والإنسان. على هذا الأساس , تعتبر كوستا أن الخطوة الأولى والأساسية من أجل دراسة وفهم واقعنا الحضاري وتجنب الكوارث التي تهدد حضارتنا كالارهاب والانهيار الاقتصادي والأمراض المعدية كامنة في إدراك العلاقة بين التغير البيولوجي في الإنسان و الظروف الإنسانية الحالية. وفحوى المعادلة التي تدافع عنها كوستا هي التالية : الارتقاء البيولوجي الطبيعي للإنسان بطيء بينما يتسارع  تطور المجتمع وتعقده ما يؤدي إلى توقف التقدم البشري. بكلام آخر , يحتاج الدماغ الإنساني إلى ملايين من السنين ليطور قدرات عقلية جديدة قادرة على التأقلم مع الظروف المستجدة وناجحة في حلّ مشاكلها وتخطي صعابها. لكن الظروف المحيطة بالإنسان تتغير بسرعة هائلة ما يؤدي إلى تأخر العقل وعدم مقدرته على استيعاب ما يحدث من تغيرات من حوله. من هنا , يفشل العقل البشري في حلّ المشاكل المعقدة التي يواجهها ما يدفعه إلى الاعتماد على معتقدات غير مُبرهَن عليها بدلاً من الاعتماد على المعرفة في تعامله مع الظروف المهددة لبقاء حضارته و وجوده. هكذا للإنسان قدرات عقلية محدودة تمنعه من تجاوز المشاكل الاجتماعية والطبيعية المعقدة , ولذا تنهار الحضارة متى كان مواطنيها غير قادرين على تخطي الحاجز الفكري الذي لا يسمح لهم أن يطوروا قدرات عقلية ناجحة في مواجهة الكوارث الطبيعية والاجتماعية التي تهدد استمراريتهم ( Rebecca  Costa : The Watchman's Rattle. 2010. Vanguard Press  ).
      تقول المفكرة كوستا إنه عندما يواجه الإنسان هذا الحاجز الفكري يبدأ باستبدال المعارف المُبرهَن على صدقها وفائدتها بمعتقدات غير مُبرهَن عليها , وبذلك يبدأ الانهيار الحضاري بحيث إذا تعرضت الحضارة إلى حروب أو أمراض متكررة أو نقص في الماء والطعام تنهار الحضارة كلياً وتختفي كما حدث مع حضارة المايا في أمريكا الجنوبية. الحروب والأمراض ونقص الطعام والماء إلخ أسباب عرضية ثانوية تدفع الحضارة إلى موتها النهائي , لكن السبب الجوهري في قتل الحضارات هو الاعتماد على معتقدات كاذبة في محاولة حلّ مشاكلها  والتخلي عن المعرفة المنطقية والموضوعية المرتكزة على أدلة علمية و واقعية. فمثلاً , على الأرجح بعد أن واجهت حضارة المايا كوارث طبيعية متمثلة في انتشار الأمراض ونقص الماء والطعام وكوارث اجتماعية متمثلة في زيادة عدد السكان وزيادة تعقيدات العلاقات الاجتماعية والاقتصادية , لجأت هذه الحضارة إلى تقديم الأضاحي البشرية لإرضاء الآلهة من أجل أن تحلّ مشاكل حضارتها بدلاً من أن تلتزم بمعارفها وتطور معارف علمية جديدة لحلّ تلك المشاكل كزيادة بناء القنوات المائية مثلاً. بالنسبة إلى كوستا , الحضارة تتنفس من خلال المعتقدات غير المُبرهَن عليها كالمعتقدات الدينية كما تنبض بفضل المعرفة الموضوعية والعلمية المُبرهَن على صدقها وبها تنشأ وتزدهر. ولذا عندما تزول المعرفة وتُستبدَل بهذه الخرافات أو تلك تنهار الحضارة وتزول. من هنا, تستنتج كوستا أن الطريق الوحيد لإعادة إحياء حضارتنا الحالية وتخطي  مشاكلها قائم في صياغة معارف جديدة ناجحة في حلّ تلك المشاكل. وهذا ما تحاول كوستا القيام به ( المرجع السابق ). 
     توضح كوستا نظرية المفكر ريتشارد  دوكنز  وتبني على ضوئها نموذجها الفكري الخاص. اخترع دوكنز مصطلح الميم meme ألا وهو أي معتقد أو شعور أو فعل مقبول من قبل الجميع في المجتمع. ويتصرف الميم تماماً كما يتصرف الجين gene الذي نرثه بيولوجياً من أجدادنا. وبذلك بالنسبة إلى دوكنز ينتقل الميم من فرد إلى آخر ومن جيل إلى آخر , والميم الأقوى ينتصر ويبقى بينما الأضعف يزول. من هذا المنطلق , تركّب كوستا مفهوماً جديداً ألا وهو السوبر ميم. تقول كوستا إن السوبر ميم هو أي اعتقاد أو فعل مقبول من قبل الجميع إلى درجة أنه غير قابل للشك والمراجعة والاستبدال بمعتقد أو فعل آخر وبذلك يقمع كل المعتقدات والأفعال الأخرى في المجتمع ويقتلها. من هنا , تستنتج كوستا أن السوبر ميم لا يشكّل معرفة ولا يمثّل العلوم لأنه لا يقبل المراجعة والشك والاختبار , وبذلك هو المسؤول الأساس عن انهيار الحضارات وهو الذي يهدد حضارتنا اليوم لكونه يلغي المعرفة العلمية ويستبدلها بمعتقدات لا أدلة على صدقها أو منفعتها. مثل على السوبر ميم هو الاعتقاد بأن العالم محكوم بعلاقات المعية (ألا وهي حدوث حدث مع حدوث حدث آخر) بدلاً من أن يكون محكوماً بالعلاقات السببية الحقيقية. فاتخذنا علاقة المعية على أنها علاقة سببية ما جعلنا لا عقلانيين فاعتقدنا مثلاً بأن إنتاج الزبدة في بنغلادش مرتبط سببياً بنمو أو تدهور بورصة نيويورك. سوبر ميم آخر يهددنا ألا وهو اعتبار الاقتصاد هو معيار الحكم على المعرفة والعلوم. فمثلاً , الأبحاث العلمية التي لا تؤدي إلى منفعة مادية مباشرة وسريعة لا تتمكن من الحصول على الدعم المادي للاستمرار , وبذلك لم يعد العلم في معظم الجامعات اليوم يُدرَس من أجل العلم بل من أجل المنفعة المادية وعلى أساس طلب السوق التجاري ( المرجع السابق ).       
جدل المستقبلية والماضوية      
     
       شرحت كوستا الاتجاه الماضوي الذي يعتبر أن الآليات التي كانت تتحكم في الإنسان وحضارته في الماضي لم تعد هي المسؤولة عن تفكير البشر وتصرفاتهم في الحاضر والمستقبل, و ذلك حين أشارت إلى اتفاق معظمنا على أن الانتقاء الطبيعي الدارويني هو مجرد حدث تاريخي من الماضي كان مسؤولاً عن تحديد ميزات الفرد والمجتمع البدائي ولم تعد له اليوم أية فاعلية في صياغة الإنسان وحضارته. بالنسبة إلى كوستا , هذا تفكير خاطىء لأن مبادىء وقوانين الطبيعة والتي من ضمنها الانتقاء الطبيعي لا تتغير أو تزول مع مرور الزمن. فكما أن الانتقاء الطبيعي الدارويني انتقى الصفات البيولوجية الأفضل لبقاء الجنس البشري والأجناس الحية الأخرى ما زال يقوم بالعمل ذاته و إلا لم يحافظ الإنسان و الكائنات الحية الأخرى على الصفات المفيدة في البقاء ولم يتطور الإنسان مثلاً ليكتسب قدرات عقلية جديدة تساهم بقوة في استمرار وجوده كالقدرة على إنتاج نظريات علمية ناجحة في وصف وتفسير العالم ( المرجع السابق ). على هذا الأساس نستطيع أن نستنتج أن الماضوية مذهب فكري يؤكد على أن الحقائق والظواهر والآليات الموجودة في الماضي لا يتكرر وجودها في الحاضر والمستقبل. من هنا, تقول الماضوية إن الحضارة قد نشأت في الماضي مع هذا الدين أو ذاك الفكر ولن تولد من جديد بنقائها الأصلي. هكذا أيضاً الأسباب التي أدت إلى انهيار هذه الحضارات أو تلك في الماضي لم تعد تهدد حضارة اليوم. وجهة النظر هذه غير علمية لأنها تعتبر أن الحقائق والظواهر والآليات الطبيعية تختلف وتتغير بفضل اختلاف وتغير الزمن وبذلك تجعل الزمن مسبباً للأحداث بدلاً من أن يكون قالباً تحدث فيه الأحداث.
      لكن السوبر ماضوية لا تقل في لا علميتها عن الماضوية. لا بد من التمييز بين الماضوية والسوبر ماضوية. فبينما الماضوية تصر على أن الماضي قد إكتمل ولن يتجدد مرة أخرى في الحاضر والمستقبل وأن الآليات التي تفسّر أحداث الماضي غير ملائمة لتفسير ما يحدث اليوم أو قد يحدث في المستقبل, تقول السوبر ماضوية إن المستقبل هو مجرد الماضي وإن التاريخ الماضي نفسه سوف يتكرر في المستقبل. هكذا بالنسبة إلى السوبر ماضوية الماضي لم يكتمل بعد بل الماضي يمتد ليبتلع الحاضر والمستقبل ويحوّلهما إلى نسخ مطابقة عنه. بكلام آخر, تعتبر السوبر ماضوية أن الحقائق والظواهر محدّدة في الماضي وبذلك يستحيل أن تتغير في المستقبل ما يحتم انتقال التاريخ من ماضٍ إلى ماضٍ. وجهة نظر السوبر ماضوية غير علمية لأسباب عدة منها أنها تقول إن التاريخ محدّد سلفاً ولذا التاريخ غير معرض وغير قابل للتغيير والتطور ما يتضمن أيضاً القضاء على حرية التصرف الإنساني. وبما أن السوبر ماضوية تقول إن التاريخ محدّد , إذن هي دعوة صريحة إلى الخنوع الفكري وعدم السعي إلى إنتاج الجديد في الفكر والتصرف الإنساني . وبما أنها تعتبر أن الماضي هو العصر الذهبي الذي يهدف التاريخ إلى تحقيقه باستمرار, إذن تدفعنا السوبر ماضوية إلى التعصب لمعتقدات الماضي ورفض كل ما يخالف تلك المعتقدات. هكذا السوبر ماضوية غير علمية لأنها تسجننا في قوالب الماضي المحدّدة سلفاً بينما العلم عملية تصحيح مستمرة لما نعتقد وميزته الأساسية كامنة في أنه عرضة للتغير والتطور بشكل دائم. على ضوء هذه الاعتبارات , لا مفر من المواجهة بين السوبر ماضوية والسوبر مستقبلية. فبينما السوبر ماضوية ترى أن التاريخ يبدأ من الماضي وينتهي في الماضي لأنه سعي مستمر نحو تحقيق ماضيه , تؤكد السوبر مستقبلية على أن التاريخ يبدأ من المستقبل بدلاً من الماضي و أن المستقبل منفتح على تواريخ مستقبلية عديدة ومختلفة تعتمد في تحققها على إرادة واختيار الإنسان. من هنا , تضمن السوبر مستقبلية حرية الإنسان بوصفه خالقاً للمستقبل الذي يريده بينما تقضي السوبر ماضوية على أية حرية أو إرادة إنسانية.
      من الضروري التمييز بين المستقبلية والسوبر مستقبلية. بينما المستقبلية تدرس المستقبل على ضوء الحاضر والماضي , تقلب السوبر مستقبلية هذه المعادلة فتدرس الحاضر والماضي على ضوء المستقبل. تحاول المستقبلية أن تتنبأ بما سيحدث من تطور أو تخلف في المستقبل على أساس ما يحدث اليوم وما حدث في الماضي. لكن السوبر مستقبلية تعتمد على المستقبل من أجل دراسة وفهم ما يوجد في الحاضر والماضي, و ذلك من خلال تحليل المفاهيم والظواهر المختلفة في حاضرنا وماضينا من خلال مفهوم المستقبل. وبذلك, بالنسبة إلى السوبر مستقبلية , تغدو الظواهر والحقائق كافة محدّدة في المستقبل فقط لكونها معرّفة من خلال المستقبل ما يتضمن لا محدديتها في الحاضر والماضي. فمثلاً, تعتبر السوبر مستقبلية أن الحقيقة قرار علمي في المستقبل. هنا حللت السوبر مستقبلية الحقيقة من خلال المستقبل وبذلك قدّمت تحليلاً سوبر مستقبلياً لمفهوم الحقيقة. هكذا تصبح الحقيقة محدّدة  فقط  في المستقبل لأنها محللة على أنها قرار علمي في المستقبل. لهذا التحليل السوبر مستقبلي  فوائد معرفية واجتماعية عدة تدعم مقبوليته منها : أولاً, بما أن الحقيقة قرار علمي في المستقبل,  والقرار العلمي يتخذه العلماء , إذن من الممكن الوصول إلى معرفة الحقيقة. هكذا يضمن هذا التحليل إمكانية المعرفة ما يجعله يكتسب هذه الفضيلة. ثانياً , بما أن الحقيقة قرار علمي في المستقبل, والمستقبل لم يتحقق كلياً في الحاضر والماضي , إذن لا بد من البحث المستمر عن الحقيقة. من هنا, تضمن السوبر مستقبلية استمرارية البحث المعرفي والعلمي بدلاً من أن توقفه. وبذلك تكتسب فضيلة أخرى. ثالثاً, بما أن الحقيقة قرار علمي في المستقبل, والمستقبل لم يتحقق بعد, إذن الحقيقة غير محدّدة في الحاضر والماضي وبذلك من غير الممكن أن يدعي أحد أنه يملك الحقيقة دون سواه ما يضمن استحالة التعصب لمعتقدات معينة ورفض الآخر على أساس اختلاف معتقداته عنا. هكذا تجنبنا السوبر مستقبلية الوقوع في التعصب الفكري والعداوة العقائدية, وهذه فضيلتها الاجتماعية.
جدل الحضارة والإنسان
       تقول السوبر مستقبلية إن الحضارة بحث دائم عن الحقائق لأنها بحث عن المعرفة. والحضارة بحث مستمر عن المعرفة لأن فقط من خلال البحث الدائم عن المعرفة والحقيقة نتمكن من اكتشاف مثلاً أن الإنسان يملك هذه الحقوق الإضافية التي لم نكن نعلم عنها شيئاً  في الماضي. وبفضل احترام مزيد من الحقوق الإنسانية تتحقق الحضارة. من هنا , الحضارة بحث مستمر عن الحقائق والمعارف وإلا لكانت الحضارة مجرد مثلاً ما تمكن الإغريق زمن سقراط  من تحقيقه اجتماعياً حيث الحرية لبعض الناس والعبودية للآخرين. الآن , بما أن الحضارة بحث دائم عن الحقائق , والحقيقة قرار علمي في المستقبل, إذن بالنسبة إلى السوبر مستقبلية  الحضارة بحث دائم عن القرارات العلمية في المستقبل. هكذا تتكوّن الحضارة وتتحدّد صفاتها في المستقبل فقط . من هنا , الحضارة غير محدّدة في الحاضر والماضي, بل ما يدعى بحضارة الحاضر والماضي مجرد تمهيد للوصول إلى الحضارة. على هذا الأساس, يستحيل أن يدعي شخص أنه متحضر دون سواه لأن الحضارة غير محدّدة أصلاً في حاضرنا وماضينا. وبذلك تضمن السوبر مستقبلية عدم التمييز بين البشر على ضوء ادعاء أن هؤلاء متحضرون بينما أولئك غير متحضرين , وفي هذا فضيلة معرفية واجتماعية كبرى لاتجاه السوبر مستقبلية. وبما أن الحضارة محدّدة في المستقبل فقط , إذن الحضارة تعتمد في وجودها وتشكلها علينا نحن بالذات وبذلك تحررنا من حضارات الماضي لأنها تجعل الحضارة من صنع قراراتنا وأفعالنا بدلاً من أن نكون من صنعها ؛ فمثلاً بناء الحضارة يعتمد على ما نكتشف من حقوق إنسانية جديدة لم نكن نعلم بها من قبل. من وجهة النظر هذه , الإنسان مشروع لم يتحقق ولم يكتمل بعد. فبما أن الحضارة تتكوّن في المستقبل فقط على ضوء ما نكتشف ونحقق من صفات لها , وبما أنه من المفترض أن الإنسان هو الذي يتصف بصفة الحضاري, إذن بالنسبة إلى السوبر مستقبلية الإنسان يتشكّل في المستقبل فقط معتمداً في وجوده على كيفية بنائنا  له. هكذا يتحرر الإنسان من إنسانيته ليحقق إنسانية أكبر.
     على أساس هذه الاعتبارات, الصراع بين السوبر مستقبلية والسوبر ماضوية حتمي لا محالة. فبينما السوبر ماضوية تعتبر أن الحضارة والإنسان مكتملان ومحدّدان في الماضي وأن التاريخ يهدف إلى إعادة خلق الماضي في المستقبل, تؤكد السوبر مستقبلية على أن الحضارة والإنسان غير مكتملين وغير محدّدين في الحاضر والماضي بل يصبحان محدّدين ومكتملين في المستقبل فقط على ضوء قراراتنا و أفعالنا. من هنا, لا مجال سوى أن نشهد المواجهة الحاسمة بين السوبر مستقبلية والسوبر ماضوية. بينما تسجننا السوبر ماضوية في حضارة أو حضارات محدّدة وفي إنسان محدّد, تحررنا السوبر مستقبلية من أية حضارة محدّدة أو إنسان محدّد لأنها تصر على أن الحضارة والإنسان محدّدان فقط  في المستقبل على ضوء ما نقوم به اليوم. من سينتصر في النهاية؟ هذا يعتمد على قرارك أنت بالذات.

7
مارلين روبنسون: " غياب العقل "
                           
                            السوبر عقلانية في مواجهة السوبر عنصرية


حسن عجمي

    تفضح الكاتبة والباحثة في الفلسفة مارلين روبنسون نموذج ما وراء العلم الذي يدعي أن نتائجه علمية رغم أنها تعارض العلم وعقلانيته. من هنا, توضح هذه المقالة فلسفة العقلانية وتنوع مذاهبها لترينا المواجهة الأخيرة والحاسمة بين السوبرعقلانية والسوبرعنصرية. 

العلم في مواجهة ما وراء العلم

     تميّز روبنسون بين العلم وما وراء العلم في كتابها "غياب العقل". بالنسبة إلى ما وراء العلم, المعرفة العلمية كاملة ومكتملة ما يتضمن الاعتبار الكاذب بأن لدينا الأجوبة الصحيحة والمطلقة والنهائية على أسئلتنا العلمية وخاصة المتعلقة بالطبيعة الإنسانية. وهذا النموذج الفكري الجديد المتمثل في ما وراء العلم يعتمد على النظريات العلمية المعاصرة و يستنتج منها نتائج غير علمية بالضرورة ويدعي أن نتائجه علمية ومطلقة في صدقها. لكن هذا الموقف يعارض العلم الحقيقي بشدة علماً بأن العلم يتميّز بالنقد الذاتي المستمر. فالعلم عملية تصحيح دائمة حيث النظريات تُستبدَل بنظريات أخرى عبر تاريخ العلوم ما يشير إلى أن العلم لا يدعي امتلاكه للحقيقة المطلقة غير القابلة للنقد والتغيير ولا يدعي امتلاكه للكلمة الأخيرة والنهائية حول ما هو الكون والإنسان. وهذا يضمن علمية البحث العلمي وعدم سجنه في يقينيات محدّدة. بل العلم وسيلة ناجحة جداً في البحث عن الحقائق بدلاً من أن يكون يقيناً ثابتاً لا يقبل التغير والتطور. فمثلا ً, لم يتوقع أحد من العلماء أن تمدد الكون يتسارع وأن نسبة تسارعه تتسارع أيضاً. هكذا الكون يفاجئنا بحقائقه ما يلزم العلم أن يكون عملية بحث مستمرة عن الحقيقة وأن لا يدعي اكتشاف الحقائق النهائية والمطلقة. وهذا خلاف ما يقول ما وراء العلم وأتباعه الذين يستنتجون نتائجهم على ضوء النظريات العلمية الحالية ويصرون على أن نتائجهم الفكرية هي نتائج علمية مطلقة وثابتة رغم أن نتائج ما وراء العلم كاذبة في معظمها لأنها لا تراعي مبادىء العلم المتجسدة مثلاً في النقد الذاتي المستمر وعدم ادعاء الوصول إلى نتائج علمية يقينية ومطلقة في صدقها وغير قابلة لاستبدالها بأخرى. فثمة فرق بين العلم وما من الممكن الاستنتاج من العلم لأننا قد نستنتج آراء مختلفة ومتعارضة منه؛ فمثلاً دقة النظام في الكون والجسد البيولوجي قد تكون دليلاً على عظمة الخالق أو على عظمة الانتقاء الطبيعي الدارويني المطبق في البيولوجيا و علم تكوين الكون.وبما أن ما وراء العلم يقول إن نتائجه فقط هي العلمية والثابتة واليقينية, إذن هذا الاتجاه ,كما تؤكد روبنسون,يصر على الفكرة الخاطئة التي مفادها أن كل المذاهب والآراء المعارضة لنتائجه غير عقلانية ولا يقبلها عاقل. من هنا,  هذا الموقف المغالي يحتكر العقلانية ويجرّد الآخرين المقتنعين بنتائج أخرى من إنسانيتهم (Marilynne Robinson : Absence of Mind. 2010. Yale University Press ).

    تورد المفكرة روبنسون أمثلة عدة على مواقف ما وراء العلم غيرالعلمية. فمثلاً, اتجاه ما وراء العلم يدعي أن النظرية العقلانية الوحيدة في العقل هي أن العقل مجرد الحالات الفسيولوجية في الدماغ , وبذلك يتغاضى عن دراسة العقل كتجربة محسوسة ويقصي التجارب الشخصية والمشاعرية المختلفة من فرد إلى آخر ما يمثل تغييباً للعقل البشري المعاش. لكن الموقف العلمي السليم يكمن في اعتبار أن ما هو العقل وبذلك من هو الإنسان  ما زال سؤالاً مطروحاً يحاول العلماء الإجابة عليه بفرضيات عدة ومختلفة علماً بأن لا يقينيات مطلقة في العلم. مثل آخر على لا علمية نموذج ما وراء العلم هو التالي : ينطلق ما وراء العلم إلى استنتاج نتائج عامة عن طبيعة الإنسان مستنداً إلى نظرية داروين في الارتقاء والانتقاء الطبيعي وتصوّرها للإنسان البدائي و احتمال تطوره من قرد متناسياً التطور الذي أصاب الإنسان عبر تاريخه الطويل و مقصياً عوامل أساسية كالثقافة التي حوّلت الإنسان وجعلته مختلفاً بشكل كبير عن أصله التاريخي. من هنا, تؤكد روبنسون على أن استنتاج ما وراء العلم بأن الإنسان مجرد قرد متطور هو إستنتاج خاطىء. وهو كذلك لأن ما وراء العلم لم يدرس أبعاد الإنسان المتنوعة واكتفى بالأصل التاريخي المحتمل للإنسان لكي يبني استنتاجاته. هكذا الانتقال من فرضيات علمية لا يقينية بطبيعتها إلى نتائج يقينية كما اعتبار من لا يعتقد بتلك النتائج غير عقلاني لا يمثل العلم ولا العقلانية( المرجع السابق). على هذا الأساس, لابد من طرح السؤال الأساسي : ما هي العقلانية؟   

تهافت المذاهب الفلسفية

     جرى التمييز عادة ً بين العقلانية الأداتية والعقلانية المعرفية في الفلسفة وعلم النفس. فبينما العقلانية الأداتية هي القيام بالأفعال المفيدة والمناسبة لتحقيق أهداف الفرد, العقلانية المعرفية هي امتلاك معتقدات صادقة ومطابقة للواقع ومنطقية ومنسجمة ( Thomas Kelly: Epistemic Rationality as Instrumental Rationality. May 2003. Philosophy and   Phenomenological Research. Vol. LXVI, No.3  ). لكن هذه المحاولة لتعريف العقلانية هي محاولة فاشلة لأن العديد من البشر لا ينجحون في تحقيق أهدافهم ورغم ذلك هم عقلانيون كما أن الكثير من الناس لا يعلمون مبادىء المنطق كافة ويخرقون بعضاً منها في وقت ما أو آخر و لا تكون معتقداتهم منسجمة بشكل كامل لعدم خبرتهم في ميدان المنطق والتفكير السليم ويبقون عقلاء. بالإضافة إلى أن الخلاف حول ما هي المعتقدات الصادقة ما زال قائماً؛ فهل المعتقدات العلمية أم الدينية هي الصادقة, وهل معتقدات نظرية النسبية لأينشتاين المعتمدة على الاعتقاد بحتمية العالم أم معتقدات نظرية ميكانيكا الكم المعتمدة على الاعتقاد بلا حتمية العالم هي المعتقدات الصادقة؟ بما أنه لا توجد آلية متفق عليها بين الجميع على تحديد ما هي المعتقدات الصادقة, إذن إلزام الفرد بامتلاك معتقدات صادقة لكي يكون عقلانياً يجعلنا غير قادرين على تحديد من هو العقلاني ما يخالف هدف تعريف العقلانية على أنها كامنة في امتلاك معتقدات صادقة. كما أن كل إنسان منا لديه بعض المعتقدات الكاذبة في مراحل عديدة من حياته  ( وإلا كان معصوماً عن الخطأ ) و رغم ذلك نبقى عقلانيين. على أساس كل هذا , نفشل في تعريف العقلانية من خلال الأفعال الملائمة لتحقيق الأهداف ومن خلال المعتقدات الصادقة أو المنطقية والمنسجمة. تنوعت المذاهب الفلسفية في تحليل العقلانية , لكنها تلقى المصير السابق نفسه.

     من هذه المذاهب مذهب المفكر روبرت نوزك. بالنسبة إلى نوزك, العقلانية آلية تكيف مع المحيط الطبيعي كالصفات الأخرى للإنسان, وبذلك لديها وظيفة محدودة ألا وهي إبقاء الحي حياً من خلال تجنب الضرر والاقبال على ما هو مفيد, وهذا ما يفسّر لماذا لم نتمكن من حلّ بعض المشاكل الفلسفية بطريقة عقلانية متفق عليها بين الجميع كمشكلة الاستقراء. يقول نوزك إن المعتقد العقلاني هو المعتقد المدعوم بأدلة تؤكد على صدقه, وهو نتيجة آلية تنتج معتقدات صادقة. من هنا, ثمة مبدآن للعقلانية هما : أولاً, عدم الاعتقاد بما هو أقل في معقوليته من اعتقاد آخر, وثانياً ضرورة الاعتقاد بالمعتقد الذي إفادته أكبر من عدم الاعتقاد به. على هذا الأساس يستنتج نوزك أن القرار العقلاني هو الذي يفيدنا بشكل أكثر من غيره أي هو الذي يؤدي إلى نتائج مفيدة على ضوء ما نتوقع حدوثه وما من الممكن أن نفعل وما يعني لنا فعله  (Robert Nozick : The Nature of Rationality. 1994. Princeton University Press ). لكن ما يفيدنا مادياً ومعنوياً نسبي يختلف من فرد إلى آخر تماماً كما أن الأدلة على صدق المعتقدات نسبية تختلف من شخص إلى آخر؛ فمثلاً نجاح النظريات العلمية في تفسير الكون بالنسبة إلى بعض الفلاسفة والعلماء دليل على صدقها بينما بالنسبة إلى فلاسفة وعلماء آخرين دليل على أن النظريات العلمية مقبولة فقط وليس بالضرورة أن تكون صادقة. وبما أن ما هو مفيد نسبي كما الأدلة نسبية وتختلف بين الأفراد, إذن تعريف العقلانية من خلال الإفادة وحيازة أدلة على المعتقدات لا يحدّد لنا ما هي العقلانية ,وبذلك تفشل نظرية نوزك في تحديد كل من المعتقد العقلاني والقرار العقلاني. أما المفكر دونالد ديفدسون فيعتبر أن الطريقة الوحيدة من أجل فهم الآخر كامنة في اعتبار أن معظم معتقداته صادقة أو عقلانية وشبيهة بما نعتقد. فلو كانت معتقدات الآخر غير صادقة أو غير عقلانية وليست شبيهة بمعتقداتنا , حينئذٍ لن نتمكن من فهمه والتفاهم معه وبذلك ليس لدينا حجة على أنه يملك عقلاً أصلاً (Donald Davidson: Inquiries into Truth and Interpretation. 2 edition. 2001.Oxford University Press ). لكن هذا الموقف يؤدي إلى نتيجة أنه إذا وجدنا شخصاً مختلفاً كلياً في معتقداته عنا وبذلك معتقداته غير صادقة أو غير عقلانية بالنسبة إلينا, إذن هذا الشخص فاقد للعقل ما يجرّده من إنسانيته. وهذه نتيجة غير موضوعية ولا علمية ومرفوضة أخلاقياً.     
 
   أما بالنسبة إلى المفكر روبرت براندم فالعاقل هو الذي يتم تقييم أفعاله على ضوء ما يجب أن يفعل. هذا يعني أن تكون عقلانياً هو أن تكون عرضة للأحكام الأخلاقية. فالعقلاني هو الذي تقيّم أسباب تصرفاته , وهو الذي لابد أن يملك أسباباً لما يفعل ,وهو الذي يجب أن يتصرف على أساس ما يمتلك من أسباب ومبررات للقيام بهذا الفعل أو ذاك. العقلانيون, بالنسبة إلى براندم, هم الذين لديهم واجبات معينة ومسموحات وممنوعات, و هم الذين تتم محاكمتهم على ضوء الواجب والمحرّم والمسموح القيام به. من هنا, يعتبر براندم أن العقلانية مفهوم أخلاقي لا يُفهم سوى من خلال ما يجب فعله. ففضاء المعتقدات أي الأسباب التي تدفعنا إلى القيام بأفعالنا فضاء أخلاقي لأنه معرّض للمدح أو الذم. هكذا العقلاني هو الذي يتلقى التهنئة أو التوبيخ على أفعاله كونه مسؤولاً عما يفعل بمجرد أنه عقلاني ( Robert Brandom : Reason in Philosophy. 2009. Harvard University Press ). لكن نظرية براندم تعاني من مشكلة قاتلة ألا وهي أنها تقع في الدور المرفوض منطقياً. بالنسبة إلى نظريته, العقلاني هو الذي من المتاح أخلاقياً مدحه أو ذمه و تهنئته أو توبيخه على ما يفعل لأنه مسؤول عما يفعل. وبذلك تم تحليل العقلانية من خلال المسؤولية الأخلاقية والقانونية وما يترتب عليها من مدح أو ذم وثواب أو عقاب. لكن المسؤول عن أفعاله هو الذي يملك صفة العقلانية؛ فإن لم يكن الفرد عقلانياً لن يكون حينها مسؤولاً عما يفعل. وبذلك المسؤولية الأخلاقية أو القانونية محلّلة من خلال العقلانية. الآن, بما أن نظرية براندم تعرّف العقلانية من خلال المسؤولية بينما المسؤولية كما رأينا لابد من تعريفها من خلال العقلانية, إذن نظرية براندم تعرّف العقلانية من خلال العقلانية وبذلك تسقط في الدور كتعريف الماء بالماء. كل هذا يرينا تهافت المذاهب الفكرية المختلفة في محاولة تحليل العقلانية ما يدعم موقف السوبر عقلانية القائل بأنه من غير المحدّد ما هي العقلانية.

جدل العقلانية والعنصرية

     العنصرية هي التعصب لعرق معين ضد الأعراق الأخرى والنظر إليها على أنها أقل في إنسانيتها أو فاقدة لإنسانيتها بينما السوبر عنصرية هي التعصب لمعتقدات معينة ضد المعتقدات الأخرى المختلفة عنها والنظر إلى معتنقي هذه المعتقدات الأخرى على أنهم لا يتصفون بالصفات الإنسانية الأساسية أو أنهم فاقدون لإنسانيتهم. لقد عانت البشرية من العنصرية التي أدت إلى استعباد شعوب بأسرها , لكننا اليوم نواجه مرحلة جديدة هي مرحلة السوبر عنصرية حيث نعامل الآخرين المختلفين عنا في معتقداتهم معاملة دونية وننظر إليهم على ضوء أن إنسانيتهم غائبة عنهم. مثل ذلك أن المثقف علمياً يعتبر المؤمن بالدين ومعجزاته خاسراً لإنسانيته الكامنة في التفكير المنطقي والموضوعي بينما المؤمن بالدين ورواياته يعتبر المؤمن بالعلم فقط فاقداً لإنسانيته القائمة في التسليم بقوى فوق الطبيعة متفوقة عليه. من هنا أيضاً, يمسي المثقف علمياً أو فلسفياً مدعياً بأنه يملك العلم وبذلك خاسراً لإنسانيته الكامنة في امتلاك المعرفة بالنسبة إلى معظم المتدينين الذين يعتبرون أن العلم الحقيقي موجود في كتب هذه الديانة أو تلك.  أما من وجهة نظر معتنق العلم أو التفكير الفلسفي فيغدو المتدين مدعياً بأنه يملك العلم وبذلك خاسراً لصفة إنسانية أساسية ألا وهي صفة امتلاكه للمعرفة. هكذا يصبح الطرفان المتصارعان فاقدين لإنسانيتهم. وفي هذا أوضح تجليات السوبر عنصرية. لكن لماذا أمسى معظمنا سوبر عنصرين على النحو السابق؟ يكمن الجواب في أن معتقداتنا العلمية أو الفلسفية أو الدينية أصبحت يقينيات بالنسبة إلينا ولذا لا تقبل الشك والمراجعة والتصحيح ما يحتم اعتبار المعتقد بمعتقدات مختلفة عن معتقداتنا خاطئاً في كل ما يعتقد وبذلك لا يوجد برهان على امتلاكه لعقل أصلاً. هكذا نجرّد المؤمن بمعتقدات مختلفة عن معتقداتنا من أي بعد إنساني وبذلك نمارس أقصى أنواع السوبر عنصرية ضد بعضنا البعض. لكن لماذا تحوّلت معتقداتنا إلى يقينيات بالنسبة لنا؟ بما أننا نعتقد بأن العقلانية كامنة في صفات محدّدة كصفة أن تكون معتقداتنا صادقة بالنسبة مثلاً إلى العلم أو الدين , وبما أننا نعتبر أن معتقداتنا هي تلك المعتقدات الصادقة الضامنة لحصولنا على صفة العقلانية فصفة الإنسانية , إذن من الطبيعي أن تغدو معتقداتنا يقينيات بالنسبة إلينا فلا تقبل النقد والمراجعة والاستبدال لأن من خلالها نكتسب عقلانيتنا فإنسانيتنا. من هنا , عدم تحديد العقلانية يحررنا من اليقينيات فمن ممارسة السوبر عنصرية.

     لابد من التمييز بين العقلانية والسوبرعقلانية. بالنسبة إلى العقلانية كمذهب فكري , ثمة صفات معينة من الضروري أن يتصف بها الإنسان كي يكون عقلانياً كصفة أن تكون معتقداته صادقة أي مطابقة للواقع. أما السوبرعقلانية كمذهب فكري معارض للمذهب الأول فتؤكد على أنه لا توجد صفات معينة لابد للفرد أن يتصف بها ليكون عقلانياً. بكلام آخر, تعتبر  السوبر عقلانية أنه من غير المحدّد من هو العقلاني وما هي صفاته. بما أن الفلسفة العقلانية تقول إنه توجد صفات محددة يجب على الفرد أن يتحلى بها لكي يصبح عقلانياً , إذن أي فرد لا يملك تلك الصفات هو غير عقلاني وبذلك هو فاقد لإنسانيته الكامنة في العقلانية. هكذا تؤدي العقلانية بهذا المعنى إلى التمييز السوبرعنصري بين البشر وتجريد بعض الناس من إنسانيتهم. فمثلاً, إذا كانت العقلانية قائمة في امتلاك معتقدات صادقة بمعنى مطابقة للواقع , إذن الأشخاص الذين يملكون معتقدات مفيدة في الاستمرار في مجتمعاتهم من دون أن تكون صادقة هم غير عقلانيين , وبذلك يفتقرون الى صفة إنسانية أساسية ألا وهي العقلانية. أما إذا كانت العقلانية كامنة في امتلاك معتقدات مفيدة اجتماعياً رغم أنها غير صادقة , إذن الأفراد الذين يعتقدون بمعتقدات صادقة بدلاً من أن تكون مفيدة اجتماعياً هم غير عقلانيين وبذلك هم أقل مستوى في إنسانيتهم. على ضوء هذه الاعتبارات, أي تعريف يحدّد العقلاني وصفاته سيجرّد بعض الناس من إنسانيتهم على أساس ما يعتقدون وبذلك سيمارس السوبرعنصرية ضد بعض البشر. لذا من الأفضل القبول بالاتجاه السوبر عقلاني الذي يتجنب السوبر عنصرية وما تتضمن من إلغاء لإنسانية بعض الناس. فبالنسبة إلى السوبر عقلانية, من غير المحدّد من هو العقلاني وما هي صفاته, وبذلك يستحيل التمييز بين الناس واعتبار بعضاً منهم عقلانيين والبعض الآخرغير عقلانيين وفاقدين لإنسانيتهم. من هنا, السوبر عقلانية تضمن عدم ممارسة السوبر عنصرية. على هذا الأساس, المواجهة بين السوبر عقلانية والسوبر عنصرية واقعة لا محالة. فبينما السوبر عنصرية تلغي إنسانية بعض الناس على ضوء امتلاكهم لمعتقدات مختلفة عن معتقداتنا , السوبر عقلانية تؤكد على عقلانية كل البشر الأسوياء بفضل إصرارها على أنه من غير المحدّد من هو العقلاني ما يقضي على إمكانية الحكم على بعض الناس بأنهم غير عقلانيين وبأنهم فاقدون لإنسانيتهم. وبذلك لا مفر من الصراع بين السوبر عقلانية والسوبر عنصرية. هل ستنتصر السوبر عقلانية أم السوبر عنصرية؟ وحدهم الذين سيحيون في المستقبل سيعلمون.

8
الفيزيائـي ليونـارد سسكينـد يواجـه لغـز «منظـر الكـون»

هــل تتآمــر قوانيــن الطبيعــة علــى الحيــاة؟ 
 

حسن عجمي


يتمثل اللغز الفيزيائي في علومنا المعاصرة في السؤال التالي: لماذا الكون يملك كل العناصر الكفيلة بنشوء الحياة؟ هكذا يبدأ الفيزيائي ليونارد سسكيند كتابه «منظر الكون». يُعَد هذا الكتاب إجابة تفصيلية عن السؤال المُحيِّر ألا وهو: لماذا سمح عالمنا بنشوء الحياة؟ يصف سسكيند الوضع العلمي الحالي على أنه شبيه بوضع البيولوجيا قبل داروين، حيث لم يتمكن العلماء من فهم سبب تمكن العمليات الفيزيائية والكيميائية من خلق شيء معقد كالعين البشرية من دون الاعتماد على التدخل الإلهي. فالخصائص الفريدة للعالم الفيزيائي كالعين تماما تحتاج إلى تفسير كونها الأفضل لوجودنا. لكن العلم الحقيقي لا يحتاج إلى كائنات ما فوق الطبيعة كي يقوم بتفاسيره. فكما أن العين نتيجة عمل آليات داروينية معينة، لا بد من وجود تفسير طبيعي لعالمنا وما يتضمن من أحداث أدت إلى وجودنا. وكما أن الاعتماد على الخارق للطبيعة ليس علماً فإن الاعتماد على الصدفة ليس علماً أيضا . بل لا بد من تفسير صفات الكون الفريدة من خلال مبادئ الفيزياء والرياضيات وقوانين الأعداد الكبيرة (ص ص 11 ,10).
الجاذبية مسؤولة
يرينا سسكيند أن عالمنا هو الأفضل من أجل نشوء الحياة واستمرارها. ويُقدِّم أمثلة عديدة على ذلك، منها أن أي اختلاف في قوانين الفيزياء يؤدي إلى نهاية الحياة أو عدم نشوئها أصلا . وأي تغير في خصائص الجسيمات كالإلكترونات أو الفوتونات سيؤدي إلى انهيار الكيمياء التي نعرفها مما يدفع إلى القضاء على الحياة كليا. ليست فقط القوانين الطبيعية والجسيمات وصفاتها تساهم في السماح بنشوء الحياة بل صفات الكون ككل كحجمه وسرعة نموه تلزم وجود الحياة وكأنها صُنِعت من أجل نشوء الحياة وبقائها. فمثلا ، إنها فعلا معجزة لماذا الجاذبية ضعيفة كما هي فعلا. لو كانت الجاذبية أقوى بقليل لتطور الكون ونما بسرعة هائلة مما لا يمنح الكون الوقت الكافي لنشوء الحياة. أما إذا كانت الجاذبية أضعف مما هي عليه فلن تتكوّن حينئذٍ المجرات والنجوم والكواكب، ولأصبح من المستحيل نشوء الحياة. فالجاذبية مسؤولة عن بناء المجرات ونجومها وكواكبها. كما أن تغيرات طفيفة في قوانين الكهرباء والفيزياء النووية تمنع تشكّل الكربون الضروري لتكوين الحياة. وهذا يصدق أيضا على المواد الأخرى، فكأن قوانين الطبيعة والمواد الطبيعية تآمرت على خلق الحياة (ص 10 ,9 ,5). يعتبر سسكيند أن الكون مخلوق بأفضل تكوين. فالكون يكبر من خلال توسعه المثالي. لو كان تمدد الكون أكثر سرعة لتشتتت مواده قبل أن تتجمع في مجرات ونجوم وكواكب. كما أن الكون في بدايته لم يكن كثير النتوءات ولم يكن أيضا أملس كثيرا. لو بدأ الكون أكثر نتوءاً لانهار إلى ثقوب سوداء بدلا من أن يشكّل المجرات. ولو أن الكون بدأ أملس أكثر لما نشأت المجرات والنجوم والكواكب، لكونها نتيجة وجود النتوءات في بدايات الكون. أما الجاذبية فقوية كي تبقينا على سطح الأرض، لكنها إذا كانت أقوى احترقت المواد في قلب النجوم بسرعة وضمن ملايين السنين، بدلا من بلايين السنين الضرورية لنشوء الحياة العاقلة. والقوانين الطبيعية أيضا تسمح بوجود الذرات ونواتها التي تتجمع في النهاية في جزيئات الحياة. كما أن قوانين الطبيعة هي الأفضل بحيث تسمح بنشوء الكربون والأكسجين والمواد الضرورية الأخرى للحياة وتجعلها تطبَخ في النجوم الأولى وتنتشر في الكون من خلال انفجار النجوم. يبدو أن قوانين الطبيعة قد خِيطت من أجل وجودنا (ص 130 ,129) .
عالمنا هو الأفضل
كي يجيب سسكيند عن سؤاله الأساسي ألا وهو لماذا عالمنا هو الأفضل لوجود الحياة يعتمد على شرح منظر الكون أي خريطته. خريطة الكون هي فضاء الممكنات، أي انها تمثل كل محيط طبيعي ممكن من قبل النظريات العلمية. فاختلاف الخريطة يعكس اختلاف الوجود. فمثلا، ثمة أمكنة على خريطة الكون بأبعاد مختلفة. وبما أن قوانين الطبيعة تعتمد على هندسة الزمكان، إذاً مع اختلاف هندسة الزمكانات في خريطة الكون تختلف قوانين الطبيعة. بذلك نحصل على أكوان ممكنة عديدة ومختلفة مُجسَّدة على خريطة الكون الشاسع. هكذا يستنتج سسكيند أن الوجود يتكون من أكوان مختلفة وعدة حيث تختلف هذه الأكوان في قوانينها وموادها وثوابتها الطبيعية. وعلى هذا الأساس يُفسِّر لماذا عالمنا بالذات لديه مواده وقوانينه الخاصة التي تؤدي إلى وجود الحياة العاقلة. وتفصيل تفسيره هو التالي: بما أنه توجد أكوان مختلفة وعديدة إن لم تكن لامتناهية، إذاً من غير المستغرب وجود عالم كعالمنا حيث توجد الحياة وتوجد كل القوانين والمواد الضرورية لنشوئها. هكذا يُفسِّر سسكيند لماذا يوجد عالم كعالمنا بمواده وقوانينه بالذات التي تسمح بوجود الحياة. فكل كون لديه قوانينه ومواده الخاصة المختلفة عن الأكوان الأخرى، وبذلك من المتوقع وجود كون كعالمنا حيث قوانينه ومواده تؤدي إلى الحياة العاقلة. هكذا يُعبِّر سسكيند عن المبدأ الإناسي Anthropic Principle الذي يقول بصياغته البسيطة إن عالمنا على ما هو عليه بسبب أنه إن لم يكن كذلك لما وجدنا أصلا. لنسأل لماذا هو كذلك. بمعنى آخر، المبدأ الإناسي بصياغته المُبسَّطة يعتبر أن عالمنا ضروري الوجود كي نوجد نحن بالذات. أما سسكيند فيُعبِّر عن هذا المبدأ بتعبير أكثر تعقيداً، بحيث أن وجودنا ضروري الوجود بسبب وجود الأكوان الممكنة العديدة والمختلفة. وبذلك يُدخِل سسكيند المبدأ الإناسي في قلب العلوم الطبيعية ويدافع عنه على أنه مبدأ علمي أو على الأقل من الممكن التعبير عنه علمياً، اعتماداً على وجود الأكوان الممكنة (ص 348 ,346 ,317 ,315 ,294 ,176 ,98 ,97 ,91 ,90 ,21 ,20) بالإضافة إلى ذلك، يرينا سسكيند كيف أن النظريات العلمية المعاصرة تؤدي إلى حقيقة أنه حقا توجد الأكوان الممكنة المتنوعة. فمثلا، نظرية الأوتار تعتبر أن الكون مكوَّن من أوتار وألحانها، وهذه الأوتار تمتد في أبعاد مختلفة وعديدة. لكن توجد بلايين من الحلول المختلفة لمعادلات نظرية الأوتار، وبذلك كل حلّ يصدق في عالم ممكن مختلف عن العوالم الممكنة الأخرى، حيث تصدق الحلول الأخرى. هكذا نظرية الأوتار تؤدي بقوة إلى نتيجة أنه توجد أكوان ممكنة عدة. وهكذا يبني سسكيند تعبيره عن المبدأ الإناسي على ضوء الأكوان الممكنة (ص 292 ,291 ,274 ,200 ,199).
من جهة أخرى، عادة ما ينتقد المبدأ الإناسي على أنه ليس علماً، لأنه لا يتنبأ بالظواهر الطبيعية ولا يخضع للاختبار، وبذلك يستحيل تكذيبه مما يجعله يفقد صفة العلم. لكن سسكيند يرد على هذا النقد قائلا إن المنهج العلمي الجيد ليس مجموعة مجردة من المبادئ التي يمليها الفلاسفة (ص 194 ,192 ,187). لكن المبدأ الإناسي يواجه مشكلة أكبر. إذا سلمّنا علمياً بوجود الأكوان الممكنة التي هي على الأرجح لامتناهية عدداً، فهذا لا يتضمن بالضرورة وجود عالم كعالمنا يسمح بوجود الحياة والعقل. لنسلـم بأنه توجد أكوان لامتناهية ومختلفة بعضها عن البعض الآخر، رغم ذلك من الممكن رياضيا سحب الأكوان التي تحتوي على العقل والحياة من سلسلة الأكوان الممكنة واللامتناهية وتبقى سلسلة الأكوان هذه مكوَّنة من أكوان لامتناهية. هكذا يؤكد علم اللامتناهيات في الرياضيات. على هذا الأساس السلسلة اللامتناهية من الأكوان الممكنة لا تتضمن بالضرورة وجود أكوان حاوية على الحياة والعقل. هكذا، لا يُفسِّر المبدأ الإناسي كما استخدمه سسكيند لماذا توجد الحياة ويوجد العقل. ومجرد وجود الأكوان الممكنة لا يساعدنا في الإجابة عن السؤال الأساس ألا وهو لماذا عالمنا أفضل العوالم لنشوء الحياة العاقلة؟ بالإضافة إلى ذلك، من الممكن تفسير لماذا توجد الحياة والعقل من منطلق آخر استنادا إلى فلسفة السوبر حداثة.
قبل أن نسأل لماذا عالمنا يسمح بوجود الحياة والعقل لا بد أن نعرف ما هي الحياة وما هو العقل، كي نتمكن من تحديد أين توجد الحياة ويوجد العقل وكيف سمح الكون بوجودهما؟ بالنسبة إلى السوبر حداثة، لأن الحياة والعقل غير مُحدَّدين، فالنظريات المختلفة في الحياة والعقل ناجحة رغم أنها تناقض بعضها البعض. هكذا تتمكن السوبر حداثة من تفسير لماذا تنجح النظريات المختلفة في تحليل العقل والحياة رغم تعارضها، وبذلك تكتسب السوبر حداثة قدرتها التفسيرية. تعتبر السوبر حداثة أنه بالرغم من أن الكون غير مُحدَّد من الممكن معرفته، فمن خلال لامحدديته نتمكن من تفسيره. تضيف السوبر حداثة أن اللامُحدَّد هو الذي ينشأ ويبقى كونه غير مُحدَّد مما يؤدي إلى قدرته على التكيف والتأقلم مع المتغيرات المختلفة، فيضمن بذلك وجوده. على هذا الأساس، نشأت الحياة ونشأ العقل، لأنهما غير محددين، ما كفل استمرارهما ونجاحهما في البقاء. هكذا تتمكن السوبرحداثة من تفسير لماذا توجد الحياة ويوجد العقل من دون الاستعانة بالأكوان الممكنة والمبدأ الإناسي.

9
السوبر فلسفة: تزاوج الفلسفة والعلوم

حسن عجمي

السوبر فلسفة هي تحوّل الفلسفة تدريجياً الى علم. وهذا ما يحدث بالضبط. تعتمد السوبر فلسفة على مقولة أن الفلسفة والعلم زوجان لا فراق بينهما. لذا حين تزدهر الفلسفة تتطور العلوم والعكس صحيح. هذا يفسّر ازدهار كل من الفلسفة والعلم معاً في الغرب المعاصر، وازدهارهما معاً في تراثنا العربي. أما إذا انحطت الفلسفة فالإنحطاط أيضاً من نصيب العلوم والعكس صحيح، وهذا يفسّر بدوره لماذا لا فلسفة كما لا علم في عصرنا العربي الحاضر. لكن ما سبب الارتباط الضروري بين الفلسفة والعلم؟
العلم عملية تصحيح مستمرة، وبذلك لا يقينيّات في العلم فتُستبدَل النظريات العلمية بأخرى عبر تاريخ العلوم. أما الفلسفة فلا تعترف بأي يقينيّات، وعلى هذا الأساس تستمر بشكل لا نهائي في طرح أسئلتها وإشكالياتها. من هنا تتحد الفلسفة والعلوم وترتبط برابط عضوي ضروري. فالميزة الأساسية للعلم والفلسفة كامنة في أنهما يواجهان اليقينيّات من خلال الاستمرار الدائم في تحليل المفاهيم وتفسير الظواهر وحل المشكلات الفكرية.
الأكوان الممكنة في الفلسفة والعلم
تكثر الأمثلة على التزاوج المثمر بين الفلسفة والعلوم ومنها المثل التالي: نما الاتجاه الفلسفي القائل بأنه توجد أكوان ممكنة بالإضافة الى عالمنا الواقعي. والحجة وراء ذلك هي أنه فقط من خلال الأكوان الممكنة ننجح في تحليل المفاهيم التي أشكلت على الفلاسفة كمفهومي الممكن والمستحيل. قدّم هذا الموقف الفيلسوف ديفيد لويس ودافع عنه بشراسة. يقول لويس: بما أننا ننجح في تحليل مفهومي الممكن والمستحيل من خلال الأكوان الممكنة، هذا يستدعي إذن أن نقبل فكرة أن الأكوان الممكنة حقاً موجودة. ثمة أكوان ممكنة، وهي مفيدة في تحليل المفاهيم (David lewis: on the plurality of Worlds. 2001. Blackwell).
الآن، الأكوان الممكنة تختلف عن بعضها البعض في قوانينها الطبيعية وفي حقائقها، وهي منفصلة عن بعضها البعض، كما أنها تختلف عن عالمنا الواقعي. فكل عالم ممكن له قوانينه الطبيعية وحقائقه المختلفة عن قوانين وحقائق الأكوان الأخرى. على هذا الأساس، من الممكن تحليل الممكن والمستحيل من خلال الأكوان الممكنة على النحو التالي: من الممكن أن نطير فوق الأرض من دون الإستعانة بأي آلة إذا كنا، وفقط «إذا» في عالم ممكن. نحن حقاً نطير فوق الأرض من دون الإستعانة بأي آلة. هكذا تم تعريف هذا الممكن من خلال تحققه في عالم ممكن. ومن المستحيل أن يكون 1+1=4، إذا كان وفقط «إذا» كان في كل عالم ممكن من الخطأ أن 1+1=4. هكذا تم تعريف هذا المستحيل من خلال كذبه في كل عالم ممكن. وبما أن هذه الأكوان الممكنة موجودة بالفعل كوجود عالمنا الواقعي، فهي لا تحتاج الى تحليل إضافي لها، وبذلك نكتفي بتحليل مفهومي الممكن والمستحيل من خلال الأكوان الممكنة الموجودة فعلاً كما يؤكد لويس (المرجع السابق).
لكن إذا أردنا أن نعرّف الممكن والمستحيل بطرق مختلفة فسنقع في مشاكل عديدة منها: إذا عرّفنا الممكن من خلال العبارة المنسجمة كأن نقول إنه من الممكن أن يطير الإنسان من دون آلة إذا كانت العبارة «يطير الإنسان من دون آلة» هي عبارة منسجمة ذاتياً، فحينها نقع في الدور المرفوض منطقياً ألا وهو تعريف المفهوم بالمفهوم نفسه كتعريف الماء بالماء. هذا لأن العبارة المنسجمة ذاتياً هي التي من الممكن أن تكون صادقة، وبذلك تعريف الانسجام يتم من خلال مفهوم الممكن. من هنا، إذا عرّفنا الممكن من خلال مفهوم الانسجام، وبما أن تعريف الانسجام يتم من خلال مفهوم الممكن، نكون قد عرّفنا الممكن من خلال الممكن، وهذا دور مرفوض. على هذا الأساس، يستنتج لويس أن من الأفضل الاعتراف بوجود أكوان ممكنة وعلى ضوئها نحلل المفاهيم كمفهومي الممكن والمستحيل (المرجع السابق).
من المنطلق ذاته، لا يسع العلم المعاصر إلا أن يعترف بوجود الأكوان الممكنة اعتماداً على نظرياته الفيزيائية المختلفة. وبذلك يتفق العلم والفلسفة في طرح فرضية وجود الأكوان الممكنة، ما يشير بقوة الى تزاوجهما غير القابل للفصل والتفريق.
تتنوع النظريات العلمية التي تؤدي الى نتيجة أنه توجد أكوان ممكنة عديدة ومختلفة منها: أولاً، بالنسبة الى الفيزيائي آلن غوث يولد الكون من العدم من جراء التقلبات الكمية. فالعدم يتكوّن من طاقات متعارضة يختزل بعضها البعض فيحدث العدم. ولكن لأن التقلب الكمي يصيب العدم فمن الممكن أن لا تختزل طاقة معينة فيه وبذلك ينمو الكون بفضلها. الآن، بما أن الكون ينشأ من نقطة ما من العدم، وبما أن العدم يتشكل من نقاط عدة إن لم تكن لامتناهية، من الممكن إذن أن تنشأ أكوان ممكنة عديدة إن لم تكن لامتناهية في نقاط مختلفة من العدم. هكذا تؤكد هذه النظرية العلمية على وجود الأكوان الممكنة (Alan Guth: The Inflationary Universe. 1998. Perseus).
ثانياً، بالنسبة الى ميكانيكا الكم، من غير المحدد سرعة الجسيم ومكانه في آن، كما من غير المحدد ما إذا كان الجسيم جسيماً أم موجة. وبكلام آخر، من غير المحدد ما إذا كانت قطة شرودنغر حية أم ميتة. وأحد تفاسير ذلك أنه يوجد عالمان: عالم حيث قطة شرودنغر حية، وعالم آخر مختلف حيث القطة نفسها ميتة. هكذا تصر ميكانيكا الكم على وجود الأكوان الممكنة.
ثالثاً، تعتبر نظرية الأوتار العلمية أن الكون يتكوّن من أوتار وأنغامها، ومع اختلاف ذبذبات الأوتار تختلف المواد والطاقات في الكون. لكن ثمة بلايين من الحلول لمعادلات نظرية الأوتار، وكلها حلول مقبولة رغم اختلافها وتعارضها. من هنا، كل حلّ من حلول معادلات نظرية الأوتار يصف عالماً ممكناً مختلفاً عن العوالم الممكنة التي تصفها الحلول الأخرى لنظرية الأوتار. وبذلك تشير نظرية الأوتار بقوة الى وجود الأكوان الممكنة المختلفة. كل هذا يدل على اتفاق العلم والفلسفة في قبول وجود الأكوان الممكنة، وبذلك يتم الزواج الناجح بين العلم والفلسفة.
الأقوال التحليلية والممكنات
من جهة أخرى، تميّز الفلسفة التقليدية بين الأقوال التحليلية والأقوال التركيبية. بالنسبة إليها، القول التحليلي هو القول الصادق من جراء معناه، وبذلك هو صادق في كل عالم ممكن. مثل ذلك القول «القطط حيوانات». فبفضل معنى مفهوم «القطط» ومعنى مفهوم «حيوانات» تغدو جملة «القطط حيوانات» جملة تحليلية صادقة في كل عالم ممكن. أما القول التركيبي فهو القول الذي قد يكون صادقاً أو كاذباً على ضوء ما يوجد في الواقع. مثل ذلك القول «الشجرة في الدار». فهذا القول ليس صادقاً في كل عالم ممكن؛ فمن الممكن أن لا تكون الشجرة في الدار، بينما من غير الممكن أن تكون القطط ليست حيوانات بالنسبة الى الفلسفة التقليدية.
لكن الفلسفة المعاصرة تحدّت هذا التقليد وأظهرت أنه لا يوجد فرق جذري بين الأقوال التحليلية والأقوال التركيبية. وسعى كل من الفيلسوف كوين وبتنم في إثبات ذلك. نستطيع تقديم الحجة الأساسية على مقبولية هذا الاتجاه الفلسفي على النحو الآتي: من الممكن للقطط أن لا تكون حيوانات بل بدلاً من ذلك من الممكن لها أن تكون آلات. ففي عالم ممكن القططُ آلات لأن من الممكن صناعة آلات شبيهة بمظاهرها كما تشبه القطط في تصرفاتها وأفعالها. وبما أن من الممكن للقطط أن لا تكون حيوانات، إذن القول التحليلي «القطط حيوانات» لا يختلف جذرياً عن أي قول تركيبي آخر، علماً بأن القول التركيبي كالقول «الشجرة في الدار» من الممكن أن يكون قولاً كاذباً تماماً كما أن القول «القطط حيوانات» قد يكون كاذباً حيث في عالم ممكن القطط ليست حيوانات بل آلات. من هنا لا يوجد تمييز حاسم بين الأقوال التحليلية والتركيبية (Cory Juhl & Eric Loomis» Analyticity/ 2009/ Routledge).
عدم التمييز الجذري بين الأقوال التحليلية والتركيبية كما جاء لدى الفلاسفة يطابق عدم التمييز الحاسم بين الممكنات والمستحيلات كما جاء لدى الفيزيائي ميشيو كاكو. هذا لأن القول التحليلي، بالنسبة الى الفلسفة التقليدية، هو الذي من المستحيل أن يكون كاذباً بينما القول التركيبي هو الذي من الممكن أن يكون كاذباً. وبذلك إذا رفضنا التمييز بين القول التحليلي والقول التركيبي نرفض التمييز بين المستحيل والممكن ما يدل على تطابق الموقف الفلسفي الرافض للتمييز بين القول التحليلي والتركيبي والموقف العلمي الرافض للتمييز بين المستحيل والممكن. هكذا تتزاوج الفلسفة والعلم وتنجب السوبر فلسفة التي هي تحوّل الفلسفة تدريجياً الى علوم. فمثلاً، الجدل الفلسفي حول التفريق أو عدم التفريق بين الأقوال التحليلية والتركيبية تحوّل الى جدل علمي حول التفريق أو عدم التفريق بين المستحيلات والممكنات. كما أن الفرضية الفلسفية القائلة بوجود الأكوان الممكنة تحوّلت الى فرضية علمية تعترف بوجود الأكوان الممكنة.
هكذا أظهر الفلاسفة المعاصرون أنه لا يوجد فرق جذري بين القول التحليلي والتركيبي. أكد الفيزيائي ميشيو كاكو على أنه لا يوجد فرق حقيقي بين الممكنات والمستحيلات. بالنسبة لميشيو كاكو، المستحيل والممكن مفهومان نسبيان؛ فما هو ممكن أو مستحيل هو كذلك بالنسبة الى حضارتنا، لكن بالنسبة الى حضارة أخرى أكثر تطوراً من حضارتنا يغدو المستحيل لدينا ممكناً بالنسبة إليها. من هنا لا يوجد تمييز جذري بين المستحيل والممكن. يوضح ميشيو كاكو نظريته من خلال بعض الأمثلة على النحو الآتي: ثمة مستحيلات من الممكن أن تصبح ممكنات، فوقائع في هذا القرن أو الذي يليه، مثل ذلك الانتقال عن بُعد من نقطة الى أخرى من دون المرور بالمسافة الفاصلة بين النقطتين. كما ثمة مستحيلات أخرى من الممكن أن تمسي ممكنات وتتحقق بعد آلاف أو ملايين من السنين كآلة الزمن التي تمكننا من السفر الى الماضي والمستقبل. من هنا لا فرق بين المستحيلات والممكنات، تماماً كما لا فرق جدي بين الأقوال التحليلية والتركيبية (Michio kaku: physics of the Impossible. 2008. Double day).
الوجود والعدم
بالإضافة الى ذلك، تحوّل السؤال الفلسفي «لماذا يوجد الوجود بل لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟» الى سؤال علمي بعد أن كان مجرد سؤال فلسفي لآلاف من السنين. هكذا تتحوّل الفسلفة ببعض أسئلتها وأجوبتها الى علوم مقبولة ما يدل على نمو السوبر فلسفة التي تزاوج بين الفلسفة والعلوم. ولقد طرح الفيزيائيون المعاصرون هذا السؤال، وأجاب عليه الفيزيائي آلن غوث بجواب شبيه بجواب الفلسفة التقليدية. بالنسبة الى اتجاه مسيطر في الفلسفة، الوجود موجود لأنه ضروري الوجود. وهو ضروري الوجود لأن من غير الممكن تصوّر عدم وجوده. فمن المستحيل أن نتصور العدم لأننا كلما حاولنا ذلك تصوّرنا وجوده في مكان أو تصوّرناه محاطاً بوجود. من المنطلق ذاته، يقول الفيزيائي آلن غوث إن الوجود موجود لأنه عدم. وبذلك إذا وجد العدم بدلاً من الوجود، لا بد من وجود الوجود لأنه عدم، وبذلك الوجود ضروري الوجود ولذا يوجد. هكذا تتطابق الإجابة الفلسفة مع الإجابة العلمية كما يتطابق السؤال الفلسفي مع السؤال العلمي ما يشير بقوة الى تزاوج الفلسفة والعلوم. وتفصيل ذلك أننا إذا جمعنا طاقات الكون مع بعضها البعض فسوف تساوي صفراً، لأن الطاقة السالبة للكون متساوية مع الطاقة الإيجابية فيه. وبما أن طاقة الكون صفر، يستنتج آلن غوث أن الكون موجود لأنه عدم. وبذلك من الضروري وجود الوجود. من الضروري أن يوجد لأن العدم أيضاً يتكوّن من طاقات مختلفة ومتعارضة كما يؤكد آلن غوث (Alan Guth: The Inflationary Universe. 1998. Perseus). هكذا يمتزج العلم مع الفلسفة وينتجان السوبر فلسفة.
ماهية العلم وميكانيكا الكم
من جهة أخرى، مثل واضح أيضاً على تحوّل الفلسفة تدريجياً الى علم هو الآتي: لقد تحوّل الخلاف الفلسفي حول ماهية العلم الى خلاف علمي حول مقبولية ميكانيكا الكم أم عدم مقبوليتها. بالنسبة الى ميكانيكا الكم، الكون غير حتمي فمن غير المحدد ما إذا كان الجسيم جسيماً أم لا ومن غير المحدد ما إذا كانت قطة شرودنغر حية أم ميتة. لكننا نرى أن العالم الذي نشاهده حتمي فهو محكوم بقوانين حتمية على نقيض مما تقول ميكانيكا الكم. هذا أدى الى خلاف جوهري بين العلماء فمنهم من رفض ميكانيكا الكم كالفيزيائي بنروز وأينشتاين ومنهم من قبل ميكانيكا الكم كالفيزيائي هوكنغ والفيزيائي بوهر. فمثلاً، رفض أينشتاين ميكانيكا الكم قائلاً إن الله لا يلعب بالنرد؛ فالكون حتمي بالنسبة الى أينشتاين ما يعارض ميكانيكا الكم بشدة. لكن لماذا اختلف العلماء حول مقبولية ميكانيكا الكم؟ الجواب كامن في أنهم اختلفوا أصلاً حول ماهية العلم.
بالنسبة الى أينشتاين وبنروز، لا بد أن تكون النظريات العلمية صادقة أي مطابقة للواقع، والواقع الذي نراه حتمياً، وبذلك لا بد من رفض ميكانيكا الكم التي تصور الكون على أنه غير حتمي. أما بالنسبة الى هوكنغ وبوهر، ليس من الضروري أن تكون النظريات العلمية صادقة، أي مطابقة للواقع، لأن النظريات العلمية بالنسبة إليهما مجرد أدوات لتفسير الظواهر الطبيعية والتنبؤ بها، وبذلك لا يستدعي عدم تطابق ميكانيكا الكم مع ما نراه في الواقع رفضها. من هنا كل من هوكنغ وبوهر يقبل ميكانيكا الكم (Hawking & Penrose The Nature of Space and Time. 1996. Princeton Press).
على هذا الأساس، الخلاف حول ماهية العلم أساس الخلاف حول قبول أو عدم قبول ميكانيكا الكم. لكن الخلاف حول ماهية العلم خلاف فلسفي بينما الخلاف حول قبول أو عدم قبول ميكانيكا الكم خلاف علمي. من هنا تحوّل الخلاف الفلسفي الى خلاف علمي. هذا مثل واضح على تزاوج الفلسفة والعلوم وانتقالنا الى مرحلة السوبر فلسفة.

 


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

10
هل الله عالِم رياضيات؟


حسن عجمي

 يبدو أن الله عالم رياضيات بامتياز.فمن الممكن التعبير عن الكون من خلال النظريات الرياضية كما أن النظريات العلمية الناجحة في تفسير الظواهر الطبيعية مُعبَّر عنها بمعادلات رياضية. هكذا الرياضيات لغة الكون. هذا ما يؤكد عليه الفيلسوف والفيزيائي ماريو ليفيو في كتابه الجديد «هل الله عالِم رياضيات؟» حيث يسأل سؤاليْن أساسيين هما: هل توجد الحقائق الرياضية بشكل مستقل عن العقل البشري؟ ولماذا تنجح الرياضيات في وصف الكون وتفسيره؟ نرصد هنا موقف ليفيو في فلسفة الرياضيات والمواقف الأخرى المنافسة لموقفه.
تنقسم فلسفة الرياضيات إلى مذهبيْن أساسيين هما المذهب الواقعي والمذهب اللاواقعي (ليس بالمعنى السلبي). بالنسبة إلى المذهب الواقعي، توجد الحقائق الرياضية بشكل مستقل عن العقل البشري فتشكل مثلاً عالماً رياضياً مستقلاً عن عالمنا الواقعي الفيزيائي. يتضمن هذا المذهب فكرة أن علماء الرياضيات يكتشفون الحقائق الرياضية بدلاً من أن يخترعوها. لكن مشكلة أساسية تواجه هذا المذهب الفلسفي يقدمها عالم الرياضيات مايكل عطية ألا وهي: لنتصور أن الذكاء نشأ ليس في البشر بل في قنديل بحر منعزل ومدفون في قعر المحيط، وبذلك لا يملك قنديل البحر هذا تجارب حسية تسمح له أن يدرك الأشياء وتنوعها بل يشعر فقط بالماء من حوله، ولذا لا يدرك أي اختلاف ولن يكون لديه أي شيء ليعدّه حسابياً. من هنا لن تنمو الرياضيات بالنسبة إلى قنديل البحر هذا ما يرينا أن الرياضيات مجرد تجريد لعناصر عالمنا الفيزيائي. هذا يؤكد على أن الرياضيات مخترعة ومعتمدة على العقل البشري وليست مستقلة عنه. وهذا جوهر المذهب اللاواقعي في فلسفة الرياضيات. بالنسبة إلى مذهب من مذاهب الاتجاه اللاواقعي، المعادلات والحقائق الرياضية ليست سوى بناءات فكرية. لكن المشكلة الأساسية التي تواجه هذا الموقف اللاواقعي هي التالية: إذا كانت الحقائق والمعادلات الرياضية مجرد بناءات عقلية، إذن من المستغرب لماذا تنجح الرياضيات في وصف الكون الواقعي وتفسيره رغم أنها مجرد اختراع بشري (Mario Livio: Is God A Mathematician ? 2009. Simon & Schuster)

اختراع واكتشاف

يحاول ماريو ليفيو الخروج من المذهبيْن الواقعي واللاواقعي فيقدّم مذهبه على النحو التالي: بعض الرياضيات اختراعات وبعضها الآخر اكتشافات. فمفاهيم الرياضيات يتم اختراعها أما النظريات الرياضية فيتم اكتشافها. مثل ذلك أن مسلّمات الهندسة الإقليدية هي اختراع أما نظرياتها فهي اكتشاف. فالإنسان يخترع المفاهيم الرياضية ويكتشف العلاقات بين تلك المفاهيم، وبذلك بعض الرياضيات اختراع وبعضها اكتشاف. وهذا يعني أن بعض الرياضيات يعتمد في وجوده على العقل وغير مستقل عنه، والبعض الآخر من الرياضيات مستقل في وجوده عن العقل. هكذا يجمع ليفيو بين المذهبيْن الواقعي واللاواقعي في محاولة تخطيهما. بالإضافة إلى ذلك، يجيب ليفيو عن سؤال «لماذا تنجح النظريات الرياضية في تفسير الكون؟». وإجابته هي: في ميدان العلوم يتم اختيار الأدوات الرياضية القادرة على التنبؤ بالمشاهدات والتجارب الواقعية في عالمنا الفيزيائي، لذا من الطبيعي أن تنجح الرياضيات في وصف الكون وتفسيره. بكلام آخر، يختار العلماء العمل على حلّ المشاكل التي من الممكن حلها رياضياً بنجاح بدلاً من اختيار المشاكل التي من غير الممكن النجاح في حلها رياضياً، ولذا من غير المستغرب أن تنجح النظريات الرياضية في تفسير الكون وأن تنجح النظريات العلميــة المُعبَّر عنها رياضياً في تفسير عالمنا الفيزيائـــي ووصفــه (المرجع السابق(.
لكن السؤال ذاته يعيد طرح نفسه: لماذا هذه المشاكل، وهي المشاكل الأهم والتي يختارها العلماء، من الممكن أن يتم حلها رياضياً؟ لنسلّم أن العلماء يختارون المشاكل التي من الممكن لهم النجاح في حلها رياضياً. لكن رغم ذلك يبقى السؤال: لماذا من الممكن حلّ تلك المشاكل رياضياً أي لماذا لم تكن كل المشاكل غير قابلة للحلّ رياضياً بدلاً من أن تكون منقسمة إلى مشاكل ذات حلول رياضية يختارها العلماء ومشاكل لا حلول رياضية لها ولا يختارها العلماء؟ هكذا لا ينجح موقف ليفيو في تفسير لماذا تلك المشاكل لها حلول رياضية بدلاً من أن تكون كل المشاكل بلا حلول رياضية. من جهة أخرى، قد تتمكن السوبر حداثة من الإجابة عن هذا التساؤل وذلك على النحو التالي: بالنسبة إلى السوبر حداثة، من غير المحدَّد ما هو الكون لكن رغم لامحددية الكون من الممكن معرفته لأن من خلال لامحدديته من الممكن تفسيره. على هذا الأساس، بما أن الكون غير محدَّد، إذن من الممكن أن نعبّر عنه بنجاح من خلال لغات عدة مختلفة كلغة الرياضيات ولغة الفيزياء ولغة البيولوجيا... إلخ، ولغتنا اليومية المتداولة بيننا. لذا من غير المستغرب أن تنجح الرياضيات كما الفيزياء ولغتنا اليومية في تفسير الكون ووصفه.

 

11
«مشكلة الفيزياء» للفيزيائي لي سمولن: هل الكون مجرد أوتار وأنغامها؟

حسن عجمي

يؤكد لي سمولن في كتابه «مشـكلة الفيزياء» على أن الفيزياء تمتعت بنمو هائل في القرنين الماضيين نتيجة تزاوج النظريات والاختبارات العلمية. فالأفكار الجديدة خضعت للتجربة وبُرهن على صدقها، وفسِّرت الاكتشافات التجريبية من خلال هذه النظرية الفيزيائية أو تلك. لكن منذ بداية الثمانينيات من القرن المنصرم تغير المشهد الفيزيائي. في العقود الأخيرة لم يتمكن الفيزيائيون من تحقيق اكتشافات أساسية من خلال التجارب العلمية وتفسيرها على ضوء النظريات الفيزيائية. يضيف سمولن أن هذا لا يعني أنه لم يحدث تقدم في تطبيق النظريات على ميادين مختلفة. لكن المشكلة كامنة في أن الفيزيائيين لم يتمكنوا من تطوير معرفتنا بقوانين الطبيعة في العقود الأخيرة. هكذا وقعت الفيزياء في مشكلتها.
يُقدِّم سمولن تصوراً لمنهج العلوم مفاده أنه في العلم لا بد من الاعتقاد بصدق نظرية معينة فقط إذا تنبأت بتنبؤ جديد وظهر تنبؤها على أنه صادق من جراء الاختبار العلمي. أما إذا أدت النظرية إلى تنبؤات كاذبة، فقط حينها تعتبَر نظرية كاذبة. بكلام آخر، العلم هو القابل للتكذيب أو التصديق من خلال التجربة. أي لا بد أن تكون للنظرية العلمية تنبؤات مُحدَّدة من الممكن البرهنة على صدقها أو كذبها. والأزمة الحالية هي أن النظريات التي طرحت في الثلاثين سنة الأخيرة هي إما نظريات أظهرت كذبها وإما أنه يستحيل اختبار ما إذا كانت صادقة أم كاذبة. ومثل على ذلك نظرية الأوتار. بالنسبة إلى نظرية الأوتار، كل الكون يتكوّن من أوتار لها ذبذبات مختلفة، ومن جراء اختلاف ذبذباتها تنشأ كل الطاقات والجسيمات. هذه الأوتار تستلزم وجود أبعاد عديدة إضافة إلى الأبعاد الأربعة المعروفة وهي الطول والعرض والعمق والزمن. فبفضل قيام الأوتار في أبعاد مختلفة تنمو القوى المختلفة في الطبيعة. ويشير سمولن إلى أن نظرية الأوتار قد سيطرت على فكر العديد من العلماء وسلوكهم رغم أننا لا نعرف ما إذا كانت صادقة. يقول إن هذه النظرية لا تتنبأ بأي تنبؤ جديد، وبذلك يستحيل معرفة ما إذا كانت صادقة أو كاذبة من خلال التجربة العلمية. على هذا الأساس يستنتج سمولن أن نظرية الأوتار لا ترتقي إلى مستوى العلم الحقيقي بل أدت إلى تخبط الفيزياء. والأسوأ من ذلك أن نظرية الأوتار لا تُشكِّـل نظرية حقاً بل هي مجموعة كبيرة من الحسابات التقريبية. فالنظرية لم تكتَب فعلاً؛ فهي تفتقر إلى المبادئ الأساسية التي لا بد أن تحكمها كما تفتقد إلى الصياغة الرياضية. من هنا يقول سمولن إننا لا نعرف حقاً ماذا تقول نظرية الأوتار. ورغم أنها غير كاملة ولا يوجد برهان على صدقها هذا لا يمنع العديد من الفيزيائيين من العمل على أساسها والإيمان بها واعتبارها الطريق الوحيد نحو تقدم الفيزياء النظرية. هكذا ينقسم الفيزيائيون إلى مؤمنين بنظرية الأوتار ورافضين لها.
يعتبر سمولن أن العلم مؤسسة إنسانية، وبذلك يمتلك العلم نقاط الضعف الإنساني. ولذا من الممكن للعلم أن ينهار، وهذا ما يحدث الآن (ص 308). ويعتمد سمولن على موقف الفيلسوف كون في فلسفة العلوم كي يوضِّح ما يحدث في الفيزياء اليوم. بالنسبة إلى كون Kuhn ، ثمة ثورات علمية في مقابل العلم السويّ. فتاريخ العلم ينقسم إلى مراحل حيث في فترات معينة يسود العلم السويّ وفي أزمنة أخرى تسود الثورات العلمية. في العلم السويّ يسيطر نموذج علمي معين بحيث توجد مناهج اختبارية ونظرية علمية مُحدَّدة من خلالها يتشكل البحث العلمي. أما في زمن الثورة العلمية فينهار النموذج العلمي من جراء فشله في التفسير أو التنبؤ بالنتائج المخبرية. على هذا الأساس يعتبر سمولن أننا في زمن الثورة العلمية لكننا نحاول الخروج منها من خلال أدوات غير نافعة كاعتمادنا على نظرية الأوتار (ص ص 310 ـ311 ).
نظرية الأوتار
تتمكن نظرية الأوتار من استنتاج كل القوى والجسيمات المعروفة علمياً من جراء اعتبار أن كل شيء يتكوّن من أوتار وأنغامها. تقدِّم نظرية الأوتار صورة بسيطة وجميلة عن الكون بحيث تتوحّد قوى الطبيعة كما تتوحد الجسيمات فيما بينها. فكل قوى الطبيعة والجسيمات ليست سوى أوتار وذبذباتها. فمثلاً، كل قوى الطبيعة تملك أصلاً واحداً هو انفصال الأوتار واتصالها. انفصال الأوتار واتصالها يسببان القوى المختلفة في الطبيعة، والتي هي في الحقيقة قوة واحدة لاختزالها إلى انفصال الأوتار واتصالها. حين يمشي الوتر في الزمن يخلق سطحاً ببعديْن في الزمكان. لهذا السطح مساحة مُحدَّدة من قبل طولها واستمرارها في الزمن. والوتر يتحرك على أساس أن يُقلـِّص تلك المساحة. هذا هو قانون نظرية الأوتار. وهكذا نفسِّر تحرك الأوتار وانفصالها واجتماعها. فانتشار الأوتار وتفاعلها يُفسَّر من خلال القانون نفسه ألا وهو تقليص المساحة في الزمكان.
لكن رغم كل قدرتها التفسيرية وجمالها تعاني نظرية الأوتار من مشاكل عدة. يقدِّم سمولن نقداً قوياً ضد نظرية الأوتار وهو التالي: توجد حلول عديدة ومختلفة إن لم تكن لامتناهية لمعادلات نظرية الأوتار. وبذلك تنقسم نظرية الأوتار نفسها إلى نظريات مختلفة وعديدة. أما نظريات الأوتار المعروفة فلا تتفق مع حقائق العالم، ورغم ذلك ما زال العلماء يقبلون نظرية الأوتار لجمالها. فالعلماء في هذا الميدان يتجهون نحو اعتبار كل نظريات الأوتار الممكنة هي مجرد أوصاف ممكنة لعالمنا. وبذلك ثمة نظريات ممكنة ولا متناهية في نظرية الأوتار ذاتها. وإذا كانت كلها منسجمة ستؤدي إلى نتيجة أنه توجد أكوان ممكنة لا متناهية في العدد. بالنسبة إلى سمولن، هذا يبرهن على فشل نظرية الأوتار؛ فالهدف الأساسي منها هو توحيد القوى والجسيمات الطبيعية وبدلاً من ذلك وصلنا إلى نظريات لامتناهية ومختلفة. كل هذا النقد قد لا يُشكِّل تحطيماً لنظرية الأوتار علماً بأنه أولاً ما زال العديد من العلماء يدرسون الكون على أساسها، وثانياً عدم اتفاق نظريات الأوتار المعروفة مع حقائق العالم وتنوع نظريات الأوتار واختلافها ولا تناهيها في العدد قد يشير إلى أن العلم (كسائر الميادين الإبداعية) يدرس الأكوان الممكنة المختلفة واللامتناهية كما تقول السوبر حداثة بالضبط. ويستمرّ الجدل وهذه صفة العلم الأساسية؛ فالعلم عملية تصحيح مستمر، ولذا هو علم وليس خرافة.
أخيراً، يعتمد سمولن على نظرية معينة في تحليل المنهج العلمي ألا وهي أن المنهج العلمي يتضمن بالضرورة إخضاع النظريات للاختبار فالتكذيب أو التصديق. وعلى هذا الأساس يرفض نظرية الأوتار. من جهة أخرى، وكما أكد سمولن نفسه يوجد العديد من العلماء الذين يقبلون نظرية الأوتار ويعملون على أساسها. وبذلك لا بد أنهم يتبنون نظرية أخرى في تحليل المنهج العلمي تختلف عن نظرية سمولن. أي لا بد أنهم مقتنعون بأن المنهج العلمي لا يتضمن بالضرورة إخضاع النظريات للاختبار والتأكيد على كذبها أو صدقها، ولذا هؤلاء العلماء مستمرون في قبول نظرية الأوتار والعمل على أساسها رغم أنها لا ترتبط بالاختبار ويستحيل اليوم تكذيبها أو تصديقها. هكذا نجد أن العلماء منقسمون حول ما هو المنهج العلمي. على هذا الأساس نستنتج أنه من غير المُحدَّد ما هو المنهج العلمي؛ فمن غير المُحدَّد ما إذا كان المنهج العلمي يستلزم بالضرورة الاختبار أم لا. وبما أنه من غير المُحدَّد ما هو المنهج العلمي، إذن من الطبيعي وجود نظريات علمية مختلفة باختلاف المنهج المُعتمَد، ولذا توجد نظرية كنظرية الأوتار رغم عدم ارتباطها بالاختبار وتوجد نظريات أخرى مُصدَّقة اختبارياً . هكذا نتمكن من تفسير اختلاف النظريات العلمية. الآن، تنقسم فلسفة العلوم إلى نظريتين أساسيتين هما النظرية الواقعية والنظرية اللاواقعية (ليس بالمعنى السلبي). النظرية الواقعية تقول إنه يوجد منهج مُحدَّد للعلم، أما المذهب اللاواقعي antirealism فيؤكد على أنه لا يوجد منهج للعلم أبداً. من جهة أخرى، تختلف السوبر حداثة عن المذهبين السابقين فتقول إنه من غير المُحدَّد ما هو المنهج العلمي. بالنسبة إلى السوبر حداثة، من غير المُحدَّد ما هو الكون ومما يتشكّل، لكن رغم ذلك من الممكن معرفته، لأنه من خلال لا محدديته نتمكن من تفسيره. على هذا الأساس تقول السوبر حداثة بلا محددية المنهج العلمي وعلى ضوء ذلك تفسِّر اختلاف النظريات العلمية.






 

 
             
 

     
 

     
 


 

 
   
 





صفحات: [1]