سر العناد
دكتور علي الخالدي في ظهيرة الصيف , ترسل الشمس أشعتها اللاهبة , جاعلة من الصرائف ما يشبه جهاز تعقيم هوائي ساخن فاشل . عز عليه مقارنتها ببيوت قريته ذات السيباط الذي يلعب به الهواء البارد عند رشه بالماء . شكلت صريفته مع بقية الصرائف مايشبه , بالحي السكني لفلاحي الفرات ألوسط الهاربين من ظلم وقسوة أﻷقطاع , والجوع الذي وُزع عليهم بالتساوي , فالحي السكني الجديد خلا من كل مقومات ألسكن التي كانت متوفرة , في قريته , مسقط راسه . المشهورة بزراعة العنبر , بفضل موقعها على الجانب أﻷيسر من نهر الفرات , و التي إعتاد معلم القرية وأصدقائه من المدينة أن يصطادوا سمك الشبوط , المعروف بطعمه اللذيد عند تحضيره مسكوفا , بطريقة رمي الزهر فيه , أيام الخير .
لقد أدرك , سر شربه وأﻷطفال الماء صيفا بكثرة , حيث الحرارة , توسع مسامات الجلد ليخرج العرق من خلالها , مما يثير حاجة الجسم لتعويض الماء المفقود .
من مهام نساء الحي توفير الماء , حيث يجلبنه من منطقة غير قريبة , ومن جدول شكت حتى أﻷسماك من ضحالة مياهه فغادرته , مشكلة أزمة غذائية لفلاحيى تلك المنطقة . لا زال عالقا في ذهنه ايضا , ما تعلمه من معلم قريته بأن ماء النهر يجب غليه قبل شربه , و إن شمس الظهيرة كفيلة بذلك , أذا ما تُرك في أواني كبيرة تحت أشعتها , بعد تغطيته بقطعة قماش , حتى الصباح, ثم يوضع في الحب , و ما يتبقى منه للطبخ , وكذلك كيفية تفادي دهس السيارات المسرعة للمارة , بالسير , في جهة اليسار من الشارع , حيث يكون السائر مقابل السيارة , بينما السير في جهة اليمين , يجعله أمامها, أشاع ذلك بين سكان الحي , وغيرها من أﻷمور التي تتعلق بالوقاية من أﻷمراض وما يتعلق بتمتين أواصر التعاون وأﻷخاء بين سكنة الحي . ورغم تكيفة للحياة الجديدة ألا انه لا زال يحن للعودة الى العيش في القرية ليواصل زراعة قطعة أﻷرض الصغيرة التي منحها له أﻷصلاح الزراعي , الذي جاءت به ثورة عبد الكريم قاسم , لكن تمتعه بخيراتها لم يدم طويلا , إذ سرعان ما تآمروا على الثورة من الداخل والخارج فصفيت مكتساباتها التي انصفت العمال والفلاحين , وتحول مزعل الى فلاح سخرة , كما كان والده عند السركال القديم , ومع هذا بقي رافضا بعناد من مشاطرة البعض بالهجرة من مسقط رأسه , الى أن هدده السركال بعد اعتقال المعلم وغياب أخباره تماما فأضطر الى الهرب واللحاق بمن هرب من سكان القرية , الى بغداد , بانيا صريفة على مزاجه أسوة بأقرانه الذين إتخذوا من الصرائف التي تحيط بالعاصمة موطننا جديدا لهم.
أستطاع مزعل من خلال عمله العضلي اليومي ان يُكَون بيتا ويتزوج من زهرة , البنت التي ترجع اصولها لقريته , وخلفت له مخلف وشكرية . بذل كل ما من شأنه توفير مستلزمات تعليمهم , وسارت حياته بهدوء بين أوساط كانوا يشكلون مجتمعا أخويا , لكن هذا لم يرق للقائمين على الحكم آنذاك فزرعوا بكثرة , الغرباء في منطقته , مع مرور الزمن , أخذ يتوجس الريبة والخشية منهم , وبفطرة جنوبية أخذ يرصد العيون التي تتابع خطواته . وكان على يقين من أن أحد المتلصلصين سينقل الى أسماع مسؤول ( حفظ النظام ) , بأن مزعل كثير التنقل في القرى القريبة من العاصمة حتى أنه يسافر الى أماكن بعيدة . وفي صريفته يلتقى عددا من الفلاحين بينهم أفندية . ومع هذا لم يحرك ساكنا .
في يوم شتائي لم يعد مزعل لبيته ولم يُعرف عنه أي خبر كل ما عُرف أن هناك حملة لتَصَيد من يطالب بحقوق الفلاحين و بأعادة تطبيق قانون أﻷصلاح الزراعي , ولفقر العائلة وإنكار المسؤولين عن أية معرفة بمآل اليه مصير رب العائلة . هاجرت العائلة الى الضاحية الجنوبية لبغداد حيث بنوا مسكننا لهم من الصفيح بجانب الحاويات , التي تركت في العراء لتصبح ضمن أﻷثار القديمة , التي غطتها أﻷتربة ,على شكل اكوام , و مع إحتلال العائلات المهجرة والمهاجرة ﻷسباب قد يتعذر حصرها , لهذه الحاويات التي أفرغت من ما كانت تحويه من مولدات كهربائية , قيل بأنها نقلت الى جهة مجهولة , خارج الحدود تشكل حيا سكنيا , أغلب سكنته من المهجرين والمهاجرين .
تكفل مخلف الذي قطع دراسته بإعالة أخته أﻷصغر منه سنا وبمساعدة أمه التي لا زالت تتمتع بحيوية ونشاط بنت الريف العراقي , حيث تقوم بخبز عجين من إستطاب أكل خبز التنور , الذي بناه لها مخلف , لقاء ارغفة تبيعها في السوق بجانب تنظيف البيوت وغسل ملابس ساكنيها لتواصل إبنتها دراسلتها مع أبناء بيوت الصفيح في المدينة التي تبعد عنهم كيلومترين .
جلس مخلف على ما يشبه الكرويتة التي قاسمت القنفة شكلا , في شبه العتمة وفي جو الرائحة النتنة , يراقب سرب جيوش الحشرات المتحركة , مقتنعا بمسكينتها , فهي أيضا تعاني من حرارة بيت الصفيح الذي يشبه الفرن بهوائه الساخن والذي فاقت حرارته هواء صريفة أيام زمان . لم يستطع مخلف والبقية من أفراد العائلة التكيف وخاصة بعد أن أنهت أخته دراستها كمعلمة , مواصلة العيش , وحكايات والده ترن في أذنه عن طيب العيش بين البساتين والنوم في بيت ذي سيباط يلعب فيه الهواء , مع زغردة الطيور ,فكل شيء هنا غريب , وغير معروف , فالهواء ثقيل ويزداد ثقله كلما إقترب من مركز المدينة , حيث تزداد زنوخته , ويضيق به تنفسه , وبصورة خاصة والدته التي تحثه على العودة الى القرية , مسقط رأس أبيه . تداول أﻷمر بذهنه وكل ما يُعاب عليه من عدم تنفيذ وصية أبيه بالعودة الى أصوله , اذا ما توفرت إمكانية ذلك , سمع عن أن الوضع الجديد يعيد الحقوق المغتصبة ﻷصحابها وامكانية مزاولة أخته مهنة تعليم أبناء القرية في المدرسة .
أقتنع بالشائعات الكثيرة والتي جلها تدور عن النية بتبني مطاليب الفلاحين وتحسين ظروفهم المعاشية بعد تغير الوضع السياسي وسقوط النظام , فبجانب مفردات البطاقة التموينية وما سيحصل عليه و والدته من الخدمة في الزراعة , وما ستتقاضاه شكرية من مرتب ستكون عيشتهم أفضل ,وسيتزوج واخته بذالك يكون قدحقق أمنية أبيه
مما زاد من طراوة موقفه من فكرة الهجرة المعاكسة , سئمه لروتين الحياة اليومي ومنظر والدته خلف التنور , وقلة ما يدر عليه عمله اليومي كبائع جوال مرة وأخرى مساعد بناء , باﻷضافة لعطالة أخته عن العمل الذي بداء وضعها يقلقه , بما يسمع من إختطاف وقتل على الهوية , درسوا سلبيات وايجابيات العودة الى مسقط رأس أبيه , سيما وأن القرية ستعود لمكانتها في زراعة العنبر , بفضل السركال الجديد ذو العمامة والزبيبة في جبهته , يقال أنه جاء من بعيد ليحل محل السركال القديم الذي هرب بعد السقوط مع المشرف على المزرعة لدولة مجاورة , وأن هذا السركال ينظم الزيارات في مسيرات لمدن تتواجد بها أضرحة أهل البيت , مشيا على أﻷقدام , يُقدم خلالها المأكل والمشرب , فإستطاب لهذه أﻷخبار , و رأتها أمه أفضل بكثير من الحشر , بالشاحنات لنقل الفلاحين للتظاهر تأييدا للقائد المعجزة وﻷنتصاراته الموهومة التي كان والده يرويها لهم .
وبمساعدة المعارف هناك إستطاع أن يقاسم مؤقتا عائلة أخرى أحتلت منزلهم القديم , .
و للوهلة أﻷولى بدى له أن الشائعات التي كانوا يسمعوها في حي الحاويات وبيوت الصفائح , كانت من بنات أفكار ﻷقوال لم يتحقق منها سوى كثرة ترديدها , فالفرات الذي كان يخاف كما قال لهم والده التقرب منه , قد فقد هيبته حتى أمام أﻷطفال , فأضحى عبوره مشيا على أﻷقدام , ومما زاد من حزنه طول فترة الجفاف الذي أحرق الزرع , و نفقت حتى المواشي , وأكل الفلاحون آخر مالديهم من فتات , وتقلصت مفردات البطاقة التموينية وساءت نوعيتها , وأصيب الجميع بما سماه المسؤول الصحي في الشامية بسوء التغذية , فانتشرت أﻷمراض في القرية , كما أن السركال المؤمن , خف حماسه ولم يعد يكترث بما يطرحه سكان القرية عليه من مطاليب وخاصة بعد سوقهم في حافلات الى المدينة للأدلاء باصواتهم ﻷسماء لم يسمعوا بها من قبل وليس من منطقتهم , ولطالما العنبر الباكستاني قد عوض رغم عيوبه العنبر العراقي ذو الرائحة التي يقال عنها تصل للبيت العاشر , وإغراق أﻷسواق بالخضراوات المستوردة , فإن كل شيء على مايرام . إلا أن أﻷوضاع التي وصل اليها الريف , لا زالت تنتطر مع سكانه تحقيق الوعود التي وعدوا بها , وفي ذهنه تدور أفكار , ﻷ يستطيع البوح بها . لكنه يدرك أن للصبر حدود .س .
أوائل حزيران 2012