الماء في الطبيعة ودوره في بناء المجتمعات وقيام الحضارات
منذر حبيب گلّهالمقدمة:
الماء عصب الحياة ، فلا حياة بدون الماء ، ولأن النبات هو الحلقة الأولى ، فلولا الماء لايوجد انتاج نباتي ولولا الانتاج النباتي لايوجد انتاج حيواني ولهذا وجد الانسان منذ بداية تطوره وتشكيل القرى والمستوطنات البشرية نفسه قريباً من مصادر الماء لأسباب كثيرة وأهمها لأطفاء ضمأه او عطشه واشباع حاجاته الطبيعية لاستمرار حياته ، فلولا الماء لما وجد الانسان لكونها سبباً لبقاءه ، لأنها تشكل (75) بالمئة من جسم الانسان والتي تدخل في تكوين الخلايا وأعضاء الجسم المهمة والدم (وقود الجسم) فأن الماء والمعادن يعملان لإستمرار حياة الانسان ، فعاش أو سكن الانسان قرب العيون ثم الجداول والانهار وضفاف البحار والمحيطات ، ولم يقتصر التقرب الى الشواطئ والينابيع للانسان فقط وانما للحيوانات والنباتات ايضاً ، فأستغل الانسان قرب الحيوان عند مصادر المياه للصيد وإشباع حاجته الى الغذاء ، وبعد تطور المجتمع البشري اقيمت كل التجمعات بالقرب من الانهر والجداول حيث المياه العذبة الصالحة للشرب ، وأنشأت كل الحضارات على ضفاف الانهار واكبر مثال على ذلك حضارة وادي الرافدين التي أقيمت على ضفاف نهري دجلة والفرات ، النهران الكبيران اللذان يخترقان أرض العراق من الشمال الى الجنوب ، حيث أنشأت على ضفافهما اكبر المدن والقرى العراقية بالاضافة الى انهار الزاب وديالى والخازر والخابور والخوصر وبيهندوايا وعشرات النهيرات الاخرى وآلالاف من العيون ، ولاتخلو قرية في شمال العراق إلا وأنشأت بالقرب من العيون .
بلاد مابين النهرين:
ان نهري دجلة والفرات يشكلان أصل الحضارات التي أزدهرت في أرض مابين النهرين منذ الأزمنة السحيقة.
وللدلالة على ارتباط الانهار ، لقيام الحضارات ونشوئها نذكر قول الباحث فكتور كوزين (اعطني خريطة لدولة ما ومعلومات وافية عن تلك الدولة من ناحية موقعها ومناخها ومائها ومظاهرها الطبيعية الاخرى ومواردها وامكاناتها الطبيعية بعد ذلك سيكون بإمكاني على ضوء كل ذلك ان أحدد لك وفقاً لهذه المعلومات أي نوع من الانسان يمكن ان يعيش في هذه الدولة وأي دور يمكن ان تلعبه هذه الدولة في التاريخ وكذلك الدور الذي يلعبه الانسان الذي يعيش ضمن هذه الدولة).
لقد ورث السومريون من أسلافهم منظومة لدرء فيضان نهر الفرات دون تدمير مزروعاتهم وأقاموا أول سد عرفه التاريخ وهو السد الغاطس الذي أنشأه (أبو ناتم) أحد ملوك لكش وذلك في منتصف الالف الثالث قبل الميلاد على الجداول الرئيسية في لكش المسماة (كيرسو) وقد وجد في مقبرة الملكة سميراميس ملكة آشور مخطوطة يعود تاريخها الى 2200 قبل الميلاد تتحدث على لسانها بقولها : (انني استطعت كبح جماح النهر القومي ليجري وفق رغبتي وسقت ماءه لإخصاب الأراضي التي كانت من قبل بوراً غير مسكونة ).
واهتم حمورابي في 1792 قبل الميلاد بشؤون الري واستخدم البابليون منخفض الحبانية وابو دبس لدرء فيضان الفرات كان دور الماء ومنذ الأزل بالغ الأهمية في تحديد استقرار التجمعات البشرية وكان أحد عوامل الصراع الذي بدأ مع بداية الخليقة لكنه لم يصل في أحواله الى مانحن عليه الآن ومستقبلاً كمصدر للصراعات والمساجلات والحروب فالماء سر الحياة وهو سر التكوين وبداية الخليقة وتاريخياً تذكر لنا جميع الأساطير ان الماء هو الوجود ومنه انبثق كل شيء ومادوّنه البابليون في ملحمة التكوين البابلية (الأينوما ايليش) مطلع الألف الثاني قبل الميلاد لايختلف في هذا السياق عما جاء في الاساطير السومرية.
وقد كان البابليون يعتقدون ان للفرات (إلهاً) وحينما يغضب على رعيته يعاقبهم بالطوفان وكانت هذه الرعيّة تنذر إليه وتتضرع له لئلا يغضب عليها وقد عثر على رقيم بابلي فيه خطاب موّجه إلى نهر الفرات ومما جاء فيه ( أيها النهر ياخالق كل شيء ، حينما حفرتك الآلهة العظام قد أقاموا أشياء طيبة على شطآنك وانعموا عليك بفيض من المياه لانظير له والنار والغضب والجلال والرهبة ، أنت الذي تقضي في قضايا الناس ).
لقد كان الملك الاشوري سنحاريب مولعاً بالري وإقامة السدود وحفر السواقي ونقل الماء من نهر الى آخر حسب الحاجة ، وكذلك استخدام الانهار لنقل الاحجار الخاصّة بالبناء وإقامة السدود ، وعندما شح الماء في دجلة ، رفده من نهر الكومل ومن ينابيع الخنس وحفر ساقية سميت (بالساقية الشرقية) في قلب الجبل وهشم الجلمود وهذب الارض وأقام سد جروانه في قرية جروانه قرب مجمع مهد في الشيخان ، ولاتزال آثار خنس وجروانه قائمة .
وكذلك الساقية الغربية التي كانت الاميرة شميرام تحاول تحويل ماء نهير بيهندوايا الى نهر دجلة عبر خندق تم حفره في سهل القوش ومع امتداد وادي الملح الذي يستقبل مياه الامطار في سهل القوش الى نهر دجلة ، الا ان تلك المحاولة باءت بالفشل .
فوائد الماء:
ويعتبر العلماء الماء اساس الحياة على أي كوكب ، ويعتبر علماء الجيولوجيا والفلك ان نشأة الماء بدأت من (الانفجار الكبير) حيث كان الكون كتلة واحدة فأنفلتت الملايين من القطع وهي الكون والمجرات ، وظهر حينها مايسمى الارض ، ان مياه البحار والمحيطات لاتقل في اهميتها عن مياه الشرب ، كونها تشكل جانباً هاماً للحياة الطبيعية بصورة عامة وتساهم الكائنات البحرية في المحافظة على التوازن البيئي وضمان نقاء البحار وجودة مياهها ، وتعتبر مياه المحيطات مصدراً رئيسياً للغذاء والأملاح المعدنية ، كما انها وسيلة هامّة للتبادل التجاري والنقل والأنشطة الترفيهية.
والماء مذيب للفيتامينات والاملاح والاحماض الامينية والكلوكوز وله دوراً حيوياً في هضم وامتصاص ونقل واستخدام العناصر ، وهو الوسط الآمن للتخلص من الفضلات والسموم ، ضروري لإنتاج الطاقة ، ولايسع هنا لشرح مُفَصلْ لأهمية الماء في الحياة ويوجد الماء في انواع مختلفة منها مياه الينابيع ، ومياه مطهرة ومياه معدنية طبيعية وهي التي تستخرج من مصادر جوفية وتحتوي على معادن مغنيسيوم ، كالسيوم ، صوديوم ، حديد ، ومياه مقطرة ، ومياه ذات نكهة لاتضاف غالباً للمياه المعدنية ، مياه شبه قلوّية أيونية : وهي التي تستخدم فيها الكهرباء لفصل الجزيئات وشحنها ، وقامت وزارة الصحة اليابانية في وقت سابق بإعتماد هذا النوع من الماء رسمياً للارتقاء بمستوى مياه الشرب الصحية كما ان الماء يتواجد بمجالات سائلة وصلبة وغازيّة ويتوزع في الطبيعة الى مياه سطحيّة وهي مياه الامطار التي تعتبر أنقى انواع المياه الطبيعية حيث (تنحل) أو تذوب فيها أثناء سقوطها بعض الغازات المنتشرة في الجو كالاوكسجين وبعض المواد الصلبة العالقة في الجو ، ومياه الانهار المكوّنة أصلاً من مياه الامطار وتحتوي هذه المياه على العديد من المواد الصلبة المنحلّة فيها بسبب مرورها وانسيابها عبر انواع (التربة) المختلفة ، ومياه الينابيع ومياه المحيطات والبحار ومياه جوفية وهي الموجودة في باطن الارض.
لقد أدرك قدماء المصريين فوائد الماء العلاجية ، فأن الكهنة يستأثرون بما يسمونه الماء المبارك الذي يحصنون به الملوك والملكات من الشر ، وادرك العلماء اهمية الماء في علاج الكثير من الامراض ، حتى أصبح العلاج بالماء من طرق العلاج المتعارف عليها في كثير من الحضارات القديمة ولمّا تقدم العلم وجد الماء مكان الصدارة في العلاج ، سواء كان بالماء الساخن أو البارد أو الثلج ، حيث إنه أول مايتبادر الى الذهن عند الاسعاف من لسع او حرقة او كدمة ، وقد تكون كمادات الماء البارد وسيلة لإنقاذ حياة انسان يعاني من ارتفاع شديد في درجة الحرارة وقد ثبت علمياً ان شرب كوب من الماء البارد في الصباح قبل تناول الطعام ، أي على الريق يفيد في تنبيه الامعاء الكسولة ، ويكافح الامساك ويعمل كحمية لتخفيض الوزن ، وقد أثبتت أحدث دراسة امريكية ان شرب (2,5) كوب من الماء بين كل وجبة يؤدي الى زيادة مستوى هرمون (نورأدريتالين) الذي يزيد من نشاط الجهاز العصبي السمباثاوي فيؤدي ذلك الى زيادة معدل حرق الدهون خلال عشر دقائق ويصل للحد الأقصى للحرق خلال فترة تتراوح من ثلاثين الى اربعين دقيقة .
وأن زيادة معدل الحرق تأتي نتيجة لرفع الجسم لدرجة حرارة الماء الى درجة حرارته ويزداد هذا التأثير إذا كان الماء بارداً ، كذلك يؤدي الامتلاء المفاجئ للمعدة بالماء الى انتفاخ الجدار الداخلي لها مما يزيد من نشاط الجهاز العصبي السمباثاوي ، ويزيد بالتالي من كمية الحرق وتكون النتيجة افضل اذا كان شرب الماء على معدة خاوية قبل الأكل وهو مايفيد أيضاً في تقليل كمية الطعام المستهلكة في الوجبة .
وفي مجال الغذاء فيعتبر صيد الاسماك مصدر مهم للغذاء في العالم وهناك الكثير من الدول الواقعة على ضفاف البحار والانهار تعتمد في موردها الوطني على المياه للصيد والسياحة والنقل ، لابل فأن بعض الأحيان تستخدم المياه في مجال الأستثمار من قبل شركات عالمية متخصصة وقادمة من بلدان أخرى ، حيث تقوم تلك الشركات بإستغلال الماء في زراعة الأصابع السمكية ومن اجل انتاج اكثر واعتماد طرق الحقول الصندوقية وفي المحصلة النهائية فأن البحار والأنهار تعتبر بيئة صالحة للغذاء .
وفي مجال النقل البحري اعتمد الانسان منذ القدم على النقل بالقوارب والسفن في الدول المجاورة للمسطحات المائية وقد استخدمت السفن الشراعية ، ثم السفن التجارية مع بداية الثورة الصناعية ، وأصبحت السفن تجوب البحار والمحيطات وتصل حمولة السفينة الواحدة الى عدّة مئات من الأطنان ، وتم تشييد أحدث الأرصفة للسفن الخاصّة بنقل النفط عبر المحيطات وكذلك لمختلف البضائع الثقيلة والضخمة التي لايمكن نقلها عن طريق البر لكلفتها العالية ولصعوبة التحميل والتفريغ ، وتصل سرعة بعض السفن الى (50) ميلاً بحرياً في الساعة وعموماً فأن النقل البحري يمتاز بإنخفاض التكاليف مقارنة بوسائل النقل الأخرى ، وفي مدينة البندقية تعتبر المياه واسطة أساسية للنقل بواسطة القوارب لوقوع المدينة على ضفاف البحر والجزر وبشكل متعرج مما يجعل من المياه تتداخل مع التصميم الاساسي للمدينة فتتخذ وسيلة سهلة ومعتادة للنقل .
البندقية (فينيسيا) تعتبر عاصمة أقليم فينيتو الواقع في شمال شرق ايطاليا وتطل على البحر الادرياتيك ، وتعتبر من أهم المدن الايطالية واكثرها جمالاً لما تتمتع به من مباني تاريخها يعود أغلبها الى عصر النهضة في ايطاليا ، وقنواتها المائية المتعددة مما يجعلها فريدة من نوعها على مستوى العالم .
وتعتبر فينيسيا من أصعب أماكن التنقل عملياً وهندسياً وتعتبر مثالية من ناحية عدم استخدام السيارات والشاحنات وحتى الدراجات الهوائية ، اي ان وسائل التنقل الأكثر انتشاراً هي القوارب ومنها القوارب الكلاسيكية المتوفرة بكثرة في المدينة والتي يطلق عليها اسم الجندول (وهو قارب مطلي باللون الأسود بطول 11 متر ويتألف من 280 من مختلف أنواع الاخشاب ويقوده بحّار بزَي مخطط مع ارتداء قبعة خاصة) تنساب هذه القوارب في القنوات الصغيرة وأغلب ركابها من العشاق المفتونين بجمال هذه المدينة أيضاً أنواع أخرى من القوارب تستخدم لنقل الحاجيات اليومية والمواد الغذائية والبضائع على اختلاف انواعها ، ويوجد أيضاً السفن وتسمى بالباصات المائية التي تنقل السياح مابين الجزر .
أنَّ السبب الأكبر لحصول ألم حصاة الكلى هو الجفاف المزمن ، وحينما لايشرب المرء الكمية اللازمة من الماء ، فأن الكالسيوم والمعادن الأخرى تتراكم في الكلى والبول مايصعب على الكلي تصفيتها وإخراجها وبالتالي ستتكون بلورات تتحول مع كثرة التراكم الى حصاة ومما يلاحظه أطباء الاطفال في السنوات الماضية ، ارتفاع اصابات الاطفال بحصاة الكلى ، ويعتقدون ان ثمة عواما أدّتْ الى نشوء هذه المشكلة ، منها ان بعض الاطفال لايشربون كميات كافية من الماء الصافي ، ويتناولون المشروبات الغازّية اضافة الى ان السمنة ارتفعت بين الاطفال ، وأصبح تناول الأطعمة غير الصحيّة عادة الاطفال .
ويقول الدكتور روبرت ويس ، رئيس قسم طب الكلى للأطفال بمركز ((ويستشيستر)) الطبي بنيويورك : " أنا في مجال طب الاطفال منذ 30 عاماً ، والى عشر سنوات مضت من النادر جداً أن ترى حالات حصى الكلى لدى الاطفال ، ومؤخراً ، ارتفعت الاصابات بشكل مثير لقلّة شرب الماء .
وعلى مر العصور استخدم البشر من جميع الاجناس ، ماء العيون لعلاج الامراض الجلدية وقد ثبت نجاح استخدام المياه المعدنية في علاج ضغط الدم المرتفع ، والتهابات المفاصل ، وأمراض القلب ، والأكزيما (حساسية الجلد) ماأثبت العلاج بالمياه المعدنية نجاحاً ملحوظاً في علاج السمنة ، وهناك عشرات عيون الماء المعدنية في شمال العراق والموصل والتي تعتبر مياهها دواء لعلاج الحساسية والامراض الجلدية وتوجد مواقع العديد من العيون المائية المعدنية ، من نوع المياه المعدنية الكبريتية ، المعروفة في العشرات من المواقع ، ولاسيما في محافظة دهوك ، ومن أبرز تلك المواقع هي مياه حمام العليل المشهورة وعين كرمافا التي تقع الى الشمال من سد دهوك ، اضافة الى موقع آخر يقع الى الشمال من خنس وعلى امتداد مجرى نهر الكومل واخرى قرب عين سفني ، وعيون (كاني زرك) التي تنبع منها مياه شلال سيبه فماؤه يفيد لعلاج مرض الصفراء.
وتعد المنتجعات المائية الساخنة من الممارسات الطبية القديمة التي عرفها الانسان ومارسها منذ عدّة قرون للأغراض العلاجية والاستجمام فقد كانت معروفة لدى الاغريق لعلاج الامراض الجلدية وقد أكتسبت شهرتها عندما كان الملوك في السابق يلجؤون إليها طلباً للراحة والاستجمام ومعالجة بعض الامراض الجلدية وازدادت اهميتها في اوقات الحروب عندما كان الجنود يستحمون في الينابيع المعدنية الحارّة للتخلص من الامراض الجلدية والأوبئة ولدورها الكبير في حماية صحة الانسان.
الزراعة والري:
كما قلنا سابقاً لولا الماء لما وجد النبات ، فهناك الملايين من الدونمات والأراضي الزراعية التي تعتمد على مياه الامطار والانهار والمصادر الاخرى لتحقيق الانتاج النباتي والحيواني كمصدر غذائي للانسان ، فتحتاج النباتات التي يزرعها الانسان كميات كبيرة من الماء لكي تصبح مثمرة وصالحة للأستهلاك ، فعلى سبيل المثال يلزم 435 لتراً من الماء لزراعة كمية من القمح تكفي لصناعة رغيف خبز واحد ، ويزرع الانسان معظم محاصيله الزراعية في المناطق ذات الامطار الوفيرة ، ولاتعتبر كميات الامطار التي تستهلكها المحاصيل الزراعية من ضمن استعمالات الماء ، حيث ان مياه هذه الامطار لم تأت من موارد مياه البلد . ولكن مياه الري من الناحية الأخرى تعتبر ضمن استعمالات الماء إذ إنها تُسْحب من الأنهار والبحيرات والآبار .
ومياه الري مهمة بالنسبة للموارد المائية ، إذْ ان هذه المياه تعتبر مستهلكة ولن يبقى منها شيء يعاد استعماله ، لان النباتات تأخذ الماء عن طريق جذورها ، ثم تمرره بعد ذلك عبر أوراقها الى الهواء على هيئة غاز يسمى بخار الماء . وتحمل الرياح هذا البخار وهكذا يزول الماء السائل ، ومن الناحية الأخرى فإن كل الماء المستعمل في منازلنا (في المدن) يعود الى مصادر الماء ثانية ، فالماء يحمل عبر انابيب الصرف الصحي الى الانهار ثانية حيث يعاد استعماله مرّة أخرى .
وفي العراق يعتمد الفلاح على مياه الأمطار في الزراعة الديمية في الموصل واقليم كردستان وعلى العيون والانهار والمياه الجوفية والسطحية للزراعة المروية بالواسطة أو سيحاً ، حيث تقام سدود صغيرة على مجرى الانهار لرفع مستوى الماء بمنسوب معيّن ليجري الماء في السواقي الذاهبة الى الحقول ، او السواقي التي تستقبل مياه العيون ذات المواقع العالية أصلاً ، كتلك العيون الجارية من المرتفعات والجبال والتي تسقي الاراضي سيحاً وبدون حاجة الى الواسطة ، وفي استراليا التي تعتبر أكثر قارات العالم جفافاً تستهلك عمليات الري (74%) من مجمل الماء المستعمل .
ويذهب حوالي (41%) من الماء المستعمل في الولايات المتحدة لعمليات الري .
أما في المملكة المتحدة وهي بلد ذو أمطار صيفية غزيرة فأن حوالي (1%) من مجمل استعمال المياه يذهب للزراعة .
الماء والأديان:
يدخل الماء في الطقوس العامّة لكل الاديان تقريباً ولكن يختلف استعمال الماء من دين الى آخر وحتى الأديان الوثنية استخدموا الماء في شعائرهم ، وفي بعض الأحيان كانوا يقدسون الماء ، ويعتقدون ان للماء إلهاً ، يعاقبهم بالطوفان ويغضب عليهم ، ويستخدم الماء عند الصابئة المندائية بكثرة ، وفي احد الاديان الابراهيمية ، وقد كانوا منتشرين في بلاد الرافدين وفلسطين والاهوار في ايران ويطلق عليهم (الصبة) وكلمة الصابئة مشتقة من (صبا) والذي يعني باللغة المندائية أصطبغ (تعمد غطّ او غطس في الماء) ويجري تعميد رجال الدين في المعبد الذي يسمى المندي ، ويقام المندي على الضفاف اليمنى من الأنهر الجارية ، وارتبطت طقوسهم بمياه الرافدين فأعتبروا نهريها (أدكلات وبورانون) أي دجلة والفرات انهاراً مقدسة تطهر الارواح والأجساد فأصطبغوا في مياهها كي تنال نفوسهم النقاء والبهاء يذهب الصابئي الى النهر بالاستحمام والوضوء (الطماشا) والتي تتكون من (الرحصة) وغسل اليدين وغسل الوجه والرشم ، (ارتسام جبهة الجبين) وغسل الفم والركبتين والساقين ووضع اليدين في الماء ، والصلاة (براخا).
وفي الديانة المسيحية يذكر الانجيل ان يسوع يمشي على الماء (متى 13-14) (وأمر يسوع تلاميذه ان يركبوا القارب في الحال ويسبقوه الى الشاطئ المقابل حتى يصرف الجموع ، ولما صرفهم صعد الى الجبل ليصلي في العزلة ، وكان وحده هناك عندما جاء المساء ، وأما القارب فأبتعد كثيراً عن الشاطئ وطغت الامواج عليه لأن الريح كانت مخالفة له ، وقبل الفجر جاء يسوع الى تلاميذه ماشياً على البحر ، فلما رآه التلاميذ ماشياً على البحر ارتعبوا وقالوا (هذا شبح) وصرخوا من شدّة الخوف فقال لهم يسوع في الحال تشجعوا أنا هو لاتخافوا ، فقال له بطرس ان كنت انت ياسيد فمرني ان أجيء اليك على الماء فأجابه يسوع تعال فنزل بطرس من القارب ومشى على الماء نحو يسوع).
ويستخدم الماء في العماذ ، وان كل طفل مسيحي يجب ان يعمد ، حيث يأخذ الطفل الى الكنيسة ويغطس في حوض مملوء بالماء ويرشم على جبينه الزيت (مشحا) ، وان يسوع المسيح له المجد تعمد على يد يوحنا المعمدان في نهر الاردن ، ويستعمل الماء في الكنيسة ويسمى الماء المقدس ، حيث ان كل انسان يدخل الى الكنيسة للصلاة وحضور القداس ، يغمس يده اليمنى في اناء مملوءة بالماء المقدس معلق في المدخل الرئيسي ويرسم المصلي علامة الصليب اثناء دخوله وخروجه من الصلاة ايضاً ، وذكر الماء في الانجيل المقدس في الكثير من الاصحاحات والآيات وفي عرس قانا الجليل (يوحنا 1 ,2) (دعي يسوع والتلاميذ الى العرس ، ونفذت الخمر فقالت له امه مابقي عندهم خمر فأجابها مالي ولك يا أمرأة ، ماجاءت ساعتي بعد ، فقالت امه للخادم ، اعملوا مايأمركم به وكان هناك ستة أجران من حجر يتطهر اليهود بمائها على عادتهم يسع كل واحد منهم مقدار مكيالين او ثلاثة فقال يسوع للخدم أملئوا الأجران بالماء فملئوها حتى فاضت فقال لهم أستقوا الآن وناولوا رئيس الوليمة فناولوه فلما ذاق الماء الذي صاراً خمراً كان لايعرف من اين جاءت الخمر). وللمسيحيين عيد الرشاش ويسمى نوسرديل وان كلمة (نوسرديل) باللغة السريانية تعني عيد الله وهو تذكار الأثني عشر رسولاً ، ويقع عادة في يوم الاحد من كل عام وفي شهر تموز حيث الحر الشديد ، ويسمى بالعربية عيد نوسرديل (عيد الرشاش) حيث في مثل هذا العيد تقام قداديس خاصة ومهيبة بهذه المناسبة في جميع الكنائس المسيحية ويقوم الناس برش الماء على بعضهم ، أطفالاً ورجالاً ونساءاً وفي الازقة والطرق والبيوت ويعتقد ان ابناء شعبنا كانوا يمارسون تقليد رش الماء قبل دخولهم المسيحية بإعتباره عيداً قومياً يمارس في أعياد أكيتو.
اما المسلمون فيستخدمون الماء قبل كل صلاة ولغسل الموتى ، وتنص احدى الآيات (وجعلنا من الماء كل شيء حي) ، ذكر القرآن الكريم 23 نوعاً من المياه لكل منها طبيعتها الماء المغيض وهو الذي نزل في الارض وغاب فيها وغاض الماء : قل ونقص الماء الصديد شراب أهل جهنم وماء المهل القطران ومذاب من معادن أو زيت مغلي وماء الارض الذي خلق مع خلق الارض ، الماء الطهور وهو العذب الطيب ماء الشرب والماء الأجاج شديد الملوحة وهو غير مستساغ للشراب والماء المهين والآسن - الماء الحميم حم الماء : أي سخن والماء الحميم : شديد السخونة والغليان ، الماء المبارك الذي يحيى الارض وينبت الزرع وينشر الخير ، الماء المنهمر المتدفق بغزارة ولفترات طويلة من السماء فيهلك الزرع والحرث الماء المسكوب الملطف للأرض ويعطي الإحساس بالراحة للعين الماء الغور الذي يذهب في الارض ويغيب فيها فلا ينتفع منه الماء المعين الذي يسيل ويسهل الحصول عليه والانتفاع به والماء الغدق الوفير والماء الفرات الشديد العذوبة (وأسقينا كم ماء فراتا) الماء الثجاج وهو السيل والماء الدافق وهو منى الرجل يخرج في دفقات والماء المدين والماء السراب ماتراه العين نصف النهار كأنه ماء الانهار والينابيع الذي يسقط من السحاب والماء السلسبيل وهو ماء في غاية من السلاسة وسهولة المرور في الحلق من شدّة العذوبة .اما في الديانة الايزدية ، فيقف الايزيديون على جبل (المرجة) القريب من مرقد الشيخ عدي ويقولون انه جبل عرفات ويغتسلون ويشربون من نبع ماء قريب يسمونه (زمزم) الذي يأتي من مكة حسب اعتقادهم ، ويذكرون قصة ذلك النبع على أن الشيخ عدي قد جاء يوماً الى هذا المكان فلم يجد ماء فطلب منه أتباعه ان يجترح لهم آية ، فأخذ الشيخ عدي عكازته وضرب الصخرة وقال للماء بالعربية (زم ، زم) ومن مقالة للكاتب عباس الحلو وان الماء يعتبر من الرموز المقدسة في الديانة الايزيدية ويستخدم في طقوسهم الدينية.
الخاتمة:
قد نكون قد اختصرنا بما فيه الكفاية لكون الموضوع متشعب ولامجال للاطالة هنا الا انه من الضروري ذكر ان الحاجة الماسة الى ماء الشرب والزراعة قد يكون احد اهم الاسباب في اندلاع حروب اقليمية ودولية بسبب جريان الانهار بر اراضي الدول المتعددة ومصادر الينابيع واقامة السدود والحاجة الى الشرب والزراعة وتوفير الغذاء والسياحة وما الى ذلك من امور، وهناك الكثير من النزاعات الدولية مطروحة للحل في الامم المتحدة ولامن حلول ، وابسط مثال اقامة السدود على نهري دجلة والفرات في تركيا وسوريا .
المصادر:
1- الموسوعة الحرة.
2- الانجيل المقدس.
3- القرآن الكريم.
4- الكنزا ربّا .