عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - لويس إقليمس

صفحات: [1]
1
المنبر الحر / حيّاكِ يا بصرة
« في: 22:23 16/07/2018  »
حيّاكِ يا بصرة
لويس إقليمس
بغداد، في 12 تموز 2018
البصر ة الفيحاء تنتفض منذ أيام بعد أن ضاقت ذرعًا بإهمال حكومي في الخدمات الآدمية: حيث لا ماء صالح يدخل معدة الفقراء، ولا كهرباء وطنية تقي أهلَها من لفحة قيظ الصيف القاتل، ولا أمن يحمي المتقين الله من فقراء وبسطاء الشعب الخاضع لإرادات ميليشيات الأحزاب الدينية في غالبيتها والمسؤولين الحكوميين المتاجرين بحقوق أبناء هذه المحافظة التي تسبح على بحور من الذهب الأسود وأهلوها محرومون من نعيم عوائدها. 
البصرة تنتفض، ومن حقها أن تنتفض وتثور وتقطع الطرق من دون مظاهر عسكرية مستنكرة أو   إضرار بالخدمات العامة والمنشآت ودوائر الدولة التي هي ملكٌ لهم ولكلّ الشعب. فالفالة والمكوار اللذان استخدمهما الشعب في انتفاضة 1920 أيام شعلان أبو الجون، كفيلان بأداء مهمتهما في طرد الأغراب عن حكم البلاد. فهؤلاء لا يختلفون في أطماعهم عن حكم الإنكليز أيام زمان. ولنتذكر أن التاريخ يعيد نفسه.
البصرة تنتفض في شهر أغر ساخن عُرف بموسم الثورات والانتفاضات والانقلابات، ليس في العراق فحسب، بل في عدة مناطق من العالم. لكن موسم هذا العصر له عطرٌ آخر لأن حيثيات الانتفاضة القائمة، قد تجاوزت في صبرها حدود الطاقة التي أذعنت لها قدراتُ العراقيين من شمال البلاد إلى جنوبها. فالمشاكل في عموم البلاد تتفاقم، والعلائق بين الإخوة الأعداء من الأحزاب الحاكمة تتعقد، والتوترات بين شبه الدولة والشعب تتسع وسط ارتفاع سلطة الميليشيات والعشائر التي صارت سيدة الحكم والموقف والقرار، فيما سلطة شبه الدولة تتراجع أمام هذه المظاهر غير الحضارية. بتنا اليوم نخضع للفصل العشائري أكثر من سيادة القانون الغائب في الكثير من مفاصله. فهذا الأخير، بحكم الواقع خاضع لتأثيرات الأحزاب الحاكمة، شئنا أم أبينا.
البصرة تنتفض، وقد تتبعها محافظات أخرى، بل نأمل أن ينتفض كلّ العراق من شماله إلى جنوبه كي يقول كلمة القرار الحق: آن الأوان لتنفيذ مفهوم "الشلع قلع" بحق العملية السياسية برمتها، التي نعتقد أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، بل صار مَن يعتقد بقراءة سورة الفاتحة عليها برمتها، في ضوء الواقع المتردي. فبعد خمسة عشر عامًا من الفساد السياسي والإداري والمجتمعي الذي احتجزتنا فيه الأحزابُ الحاكمة وزعماءُ البلاد، ومجملُهم من مزدوجي الجنسية الذين أثبتت الأيام تنكُّرَهم لأية سمة وطنية وبعدَهم عن هموم الشعب واهتمامَهم بتكديس أموالهم من مال الشعب ومن السحت الحرام، يكون الأجدر بالشعب البائس أن يواصل انتفاضته من كبيره إلى صغيره ليقول: كفى للظلم! كفى للضحك على الذقون! كفى للمخاتلة! كفى لسرقة أموال الشعب! كفى للمجاملة على حساب المظلوم! كفى للمتاجرة باسم الدين! فباسم هذا الدين، وباسم هذه الطائفة أو تلك، وباسم هذا الإمام، وباسم هذا المرجع، وباسم تلك العمامة مارسَ اللصوص والسراق والعصابات أفعالهم اللصوصية وسرقوا فرحة الأطفال وكدّروا سعادة الآباء ودمّروا مدنية البلاد وجرحوا نسيجها المجتمعي. وبسبب الأوضاع المتردية هذه، تصدعت العلاقات بين المجتمعات المتكافلة وكثرت المشاكل بين الأسر والعائلات وزادت الزيجات غير الشرعية وانتشرت في البلاد مراكز التزوير والترفيه المقنّع وسادت القوانين العشائرية على سلطة الدولة والقانون وأصبحت الميليشيات المدعومة من أحزاب مسلحة متنفذة هي التي تحكم وتقرر وتفرض الرأي.
إنتفاضة البصرة، وإن جاءت متأخرة، إلاّ أنها تحمل بصيص أمل قد يقود للضوء الباهر في نهاية النفق المظلم الذي عاشه العراقيون، ليس منذ السقوط في 2003 فحسب، بل قبل ذلك بسنوات. فالأمل بمستقبل قريب يحمل تباشير الخير والانفراج والعودة إلى السكة الوطنية، قد يبدو قادمًا مع تصاعد حدة الانتفاضة واتساع رقعتها لتشمل محافظات أخرى، مرورًا ببغداد كي تُسقط أصنامَ المنطقة الخضراء بلا استثناء بأيدي عراقية خالصة وروح وطنية عارمة وغاية تنموية صحيحة تعيد للبلاد ألقَها ولبغداد رونقها ولمدن العراق كافة عزتَها واستحقاقها، ليس كما أسقط الأمريكان الصنمَ لغايات تدمير العراق والاستخفاف بشعبه وإبقائه رهن المشاكل والأزمات والتعقيدات في مفاصل حياته اليومية إلى أمد غير مسمّى.
إنتفاضة البصرة، هي البداية ولا ينبغي أن تتوقف أو تترهل أو تتراجع حتى تحقيق كل مطالب أهلها من ماء وكهرباء وأعمال واستقرار وطرد كلّ مظهر مسلّح لتعود قبلةَ العالم وليس الخليج فحسب. لذا ليس على البصريين القبول بأرباع أو أنصاف حلول. فحياتُهم هي على كف عفريت منذ أجيال ولا مجال لمزيد من الصبر وطول الأناة والانتظار. فهذه قد فاقت الحدود ولم يعد لها مكانٌ في قاموس الأحرار الذي ارتضوا لسنوات عجاف أن يبقوا رهن الخنوع والخضوع والتبعية لهذا البلد وهذا المرجع وهذا الحزب وهذا السيّد وهذا المعمَّم. البصريون هم السيّاب الذي تغنى بنخيلها الباسق في يوم من الأيام وأصبح رمزًا للحرية ولانفتاح أهلها ولكرمهم وطربهم وأغنياتهم وأهازيجهم الشعبية الجميلة.
إنتفاضة البصرة في حالة استمراها حتى تحقيق المطالب الوطنية والمحلية من دون تنازلات، بداية لتغيير المشهد السياسي ولإسقاط رموز الفساد وإبعاد اللصوص من الحكم ووضع حدّ للتبعية للجيران. إنها شجاعة الاحتجاج التي عُرف بها الشعب منذ تشكيل الدولة العراقية كلّما نكثت الحكومات وزعماؤُها بوعودها لتحقيق الرفاهة والسعادة والتنمية والإنجازات الخيالية والإصلاح التي أضحت جميعُها أسيرة المؤتمرات الصحفية الدعائية ولا شيء منها على أرض الواقع. فالقطاع الخاص الذي كان ينبغي أن يشكّل عصب البلاد الاقتصادي مازال يترنح تحت وطأة الضرائب المتنامية والقوانين الجائرة غير المنضبطة في معظمها لأسباب كثيرة. أما الخدمات العامة، فحدّث ولا حرج علاوة على اندثار ما كان قائمًا من مقومات الدولة وعدم إضافة أية مشاريع استراتيجية مهمة في الطرق والجسور والمياه والأجواء والمرور والتجارة والصناعة وما إلى ذلك، وهي عديدة تشكو المعالجة وغياب الإدارة الصحيحة والمتابعة المهنية.
إنتفاضة البصرة إذن، لا تراجع فيها، ولتقتفي غيرُها من المدن ما قامت به من شجاعة من دون إضرار بالممتلكات العامة والخاصة بالشعب. فاستمرارُها يعني إحياءُ وطنيةِ ثورة العشرين وانتفاضة سمّيل وثورة الشواف والانتفاضة الشعبانية حتى تحقيق الأهداف في رسم سياسة جديدة للبلاد بعيدًا عن زعماء المشهد الفاسد القائم منذ 2003. وكان الله في نصرة شعب الفيحاء ومّن يحذو حذوَهم!


2
حرب المياه، حرب الأقوياء
لويس إقليمس
بغداد، في 10 حزيران 2018
جفاف شط العرب ليس مأساة البصريين فحسب، بل هو كارثة سوف يبتلي بها كلّ العراقيين بعد انحسار المياه في أركانه وبروز أشباه جزر كشفت عن أراضي جديدة قد يسيل لها لعابُ مافيات الفساد السياسي والإداري في شبه الحكومات القائمة منذ 2003، لتستغلّها بمثابة مشاريع استثمارية كمولات تجارية ربما ماتزال تفتقدها البلاد، أو مواقع ترفيهية خاصة أو لتبنى عليها قصور لأمثال هؤلاء وغيرهم. فالطبقة السياسية التي فرزها التغيير الدراماتيكي في 2003، قد أنتجت طبقة سياسية موغلة في الفساد والطمع والنهب والسلب، من أمثال الذين لا يشبعون من ملء بطونهم بالسحت الحرام. فيما الشعب الساذج البائس يراوح في مكانه دون أن يتحرك أو يثور ليقلب الطاولة على الشلّة الحاكمة التي أثبتت الأيام فشلها في إدارة البلاد وخدمة العباد والحفاظ على الضرع والحجر. وفي اعتقادي، ستلحقها كوارث تالية تضرب عصب الحياة اليومية كما تشير الأحداث وتتحدث التقارير عن شحّة مياه ستضرب البلاد هذا الصيف والموسم القادم.
جرس الإنذار كان قد دقّ منذ سنين ولم يتجاوب معه أهل الاختصاص والمسؤولية، عندما تقاعست الحكومات المتتالية بعد التغيير ولم تحرّك ساكنًا في اتجاه تأمين حصة البلاد من المياه الطبيعية التي أسبغت السماءُ جزءًا كبيرًا منها خلال مواسم الفيضانات والأمطار التي ضربت بغزارة طولَ البلاد وعرضَها. وما يُؤسف له أن الوزارات المعنية لم تتحسب للاستفادة من الكميات الكبيرة المتساقطة من تلك الأمطار طيلة السنوات المنصرمة، فضاعت هدرًا عوض الاستفادة منها في عمليات خزن في السدود التي جاء بناؤُها على أيدي النظام السابق في فترات حرجة من حكمه، فيما الحكومات المتعاقبة منذ 2003م ولغاية اليوم لم تقوى حتى على صيانتها وتنظيف وكري الأنهار والترع والقنوات التي باتت تسكنها جثث متفسخة وأطنان من المخلفات والحجارة والقذارة من دون رقيب ولا حسيب. 
حين استعراضنا للسدود التي أنشأها النظام السابق، سوف يجد المواطن العراقي المنصف حجم المسؤولية الوطنية التي كان عليها ذلك النظام وأزلامُه، فيتحسّر القارئ والسامع على تلك الإنجازات التي سُجّلت لصالحه ولصالح تاريخه الوطني، بعيدًا عن تصرفاته المستنكرة الأخرى. ففي الأعوام 1973 و1974 تم بناء سدي الأبيلة والاغري على التوالي. وبعدها بعامين أي في 1976 أنشئ سدّا الحسينية وسري. وشهد عام 1981، أي في فترة الحرب العراقية-الإيرانية المشؤومة، بناء سدّي حمرين والرطبة، وبعدها بعام سدّي الرحالية وأم الطرقات. وفي عام 1986 جاء سدّ حديثة والموصل، ليليه بعد عامين سد دهوك، ثم سدّ العظيم في 1999، وسدّ الأبيض في 2002. فيما بقي سدّا بادوش وبخمة مشروعين غير مكتملين منذ سنين. هذا إضافة إلى سدّي دوكان الذي تم إنشاؤُه في 1959 ودربنديخان في 1961. أي أنَّ عدد السدود المنجزة خلال الحرب العراقية-الإيرانية فقط كان سبع سدود، وسدّان خلال فترة الحصار المفروض على العراق من قبل التحالف الدولي المقيت. أما عدد السدود المنجزة من قبل الحكومات العراقية الفاشلة المتعاقبة منذ السقوط في 2003، فهي "صفر" ولا شيء غير تدمير البنى التحتية والإهمال لهذه المنشآت الخدمية.
لذا لا عجب أن تتحسّر العيون التي فيها شيءٌ من المسؤولية تجاه الوطن وأهله، لتبكي هذه الأيام مدرارًا جفافَ شط العرب والنهرين الخالدين "دجلة والفرات" وعددًا من روافد أخرى، لحدّ الترحم على منجزات النظام السابق بالرغم من مساوئه. ومن الغريب أن الغيرة قد ضربت زعماء سياسيين وألهمت رؤساء كتل وأحزاب ومسؤولين في الجهاز التشريعي والتنفيذي كانوا حتى الأمس نيامًا وغافلين عن خطورة الأزمة، ليقفوا اليوم في طوابير الناصحين والمتفلسفين في كيفية شحذ همة الحكومة التي يشكلون جزءًا من تشكيلتها، من أجل درء الخطر المحدق بالبلاد وبالمحاصيل التي لحقها الجفاف أو تلك التي غادرتها المياه منذ أشهر أو سنين.
إنّ التطورات الأخيرة بعد تشغيل سد "أليسو" التركي وما سيلحقه من خطوات مُقدمة عليها الحكومة "العثمانية" القائمة ببناء سدّ أكبر لاحقًا، لا تنبئُ بخير. فحكومة أردوغان الإسلامية لها تفاهمات مع صانعي القرار بالمنطقة كي تبقي العراق دائرًا في أزمات متلاحقة. فبعد الخلاص من داعش والاعتراضات على تواجد قوات بلاده في شمال الموصل، يسعى لإلهاء الحكومة العراقية وانغماسها في أزمة المياه التي لا تقلّ خطورة عن داعش التي كان لتركيا دور مرسوم في دخولها العراق وفي دعمها لحين انقلابها عليه، ربما من حيث الظاهر او بسبب تفاهمات دولية عليا. لكنّ العتب لا يقع على تركيا وقيادتها. فقد سبق لرئيسها المتزمّت أن حذّر العراق مرارًا وتكرارًا من خطوات ستقدم عليها حكومتُه منذ عشر سنوات خلتْ، عندما أنذر ببرنامج طموح لبناء عدة سدود، ومنها هذا السد الضخم. لكنّ الحكومات العراقية المتعاقبة الفاشلة ومَن تولّى الوزارات المعنية بالثروة المائية لغاية الساعة لم يكن لها برامج واضحة للتحسّب لنتائج هذا السدّ ولا هيّأت المطلوب للحفاظ على الثروة المائية المتيسرة وإدامة زخمها أو إيجاد البدائل والدعائم ورسم الخطط وتنفيذها. أي أنه من حيث الواقع العملي، لم يتم اتخاذ خطوات جريئة وإيجابية للحدّ من المخاطر الكثيرة المحتملة التي كانت وماتزال تهدّد هذه الثروة الطبيعية التي حباها الله لشعب "شنعار" (العراق) منذ الأزل. فالنهران الخالدان اللذان يعتمدان بنسبة نصف إيراداتهما على تركيا، قد فقدا شيئًا كبيرًا من سمعتهما وتاريخهما عندما بدأت المياه بالانحسار عنهما سنة بعد أخرى. وها هما في طريقهما إلى مفارقة نضارتهما وفقدان أهميتهما ودخولهما سجلّ الأموات، إن لم تقدم الجهات المعنية على وضع حدود قاطعة وإجراءات آنية ومستقبلية فاعلة وفرض عقوبات صارمة على مَن تسبب بوصول الأمور إلى هذه النقطة الحرجة، سواء من المسؤولين عن ملف المياه في الداخل أو من دول الجوار التي استغلّت ضعف الحكومات الفاشلة وتمادي أقطابها ولهوهم في اقتناص المغانم والبحث عن حصة من الكعكة التي لم تنضب بعد. فما قامت به دول الجوار، ولاسيما تركيا وإيران والكويت مجتمعة، يستحق الردع بل يفرض على الحكومة الحالية والقادمة أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية التي تنصلت منها الحكومات المتعاقبة طيلة السنوات العجاف منذ تولّي حزب السلطة الحاكم إدارة سياسة البلاد بعد 2006.
من المعلوم أن العراق كدولة لا يمكنه فرض إرادته لإلغاء الاضرار الناتجة عن بناء السدود في منطقة المنبع، بل ما يستطيع فعله هو تقليل الاضرار من خلال رصد البرامج والخطط العملية وتوفير الأموال اللازمة لزيادة طاقة السدود الحالية وتنظيفها وكريها، والعمل على بناء سدود جديدة ترفد الطاقة الخزنية في مواسم الأمطار والفيضانات عوض تسرّب هذه الثروة وهدرها من دون الاستفادة منها. هذا إضافة إلى وضع استراتيجية وطنية طموحة للاستفادة من مشاريع متنامية في طول البلاد وعرضها عبر الاعتماد على حفر الآبار الارتوازية التي من شأنها رفد منظومة المياه والحفاظ على الطاقة الخزنية القائمة ومنعها من التراجع، وبهدف إتاحة الفرصة لاستمرار المشاريع الزراعية للفلاحين في المناطق الزراعية التي تعاني من شحة المياه. هنا، يمكن الاعتماد على العناصر الوطنية والخبرات القديمة ممّن استُبعدوا عن مراكز ومواقع إدارة المياه بسبب كفاءتهم واتهامهم بالانتماء إلى غير الأحزاب الحاكمة وإلى النظام السابق. فهذا الأخير، شئنا أم أبينا، كان قد خلق كوادر فنية وعلمية لا يُستهان بها في ملف إدارة المياه وتنظيم النواظم والسدود وزيادة كفاءة هذه الأخيرة على اسس علمية وفنية تشهد لهم المنابر في الداخل والخارج.
أما الحديث عن تدويل أزمة المياه بين العراق ودول الجوار، فليس ثمة ما يشجع التعاطي فيه، لاسيّما وأن البلاد غارقة في مشاكلها، تمامًا كما عموم المنطقة. فلكل بلد همّه ولا مجال للتفاهمات والحوار. فحكم القوي هو القاضي ولن يكون سواه إلا قاضيًا وجلاّدًا، طالما أن القوى الكبرى المتحكمة بالمنطقة هي التي ترسم وتخطط وترفع وتنزل القائمين على الحكم. ألم تقطع الجارة إيران المياه عن نهر الزاب الصغير وقبله الكارون والوند؟ وهذا ما تفعله تركيا اليوم. وستبقى دول المنبع هي المتحكمة في مجاري المياه من أراضيها ولن يكون لدول المصب سوى الرضوخ لشروطها طالما بقيت فيها حكومات ضعيفة وسياسيون مهزوزون لا يفقهون شيئًا عن إدارة البلاد بحنكة وحكمة ملهمين بدافع الوطنية الغائبة عن أجنداتهم الشخصية والحزبية.
إن مشكلة العراق اليوم تكمن في شقين: مشكلة داخلية تتمثل كما نعلم في سوء إدارة الحكم، ومنه سوء إدارة ملف المياه بعد فقدان وخسارة الخبراء العاملين في وزارتي الزراعة والري (الموارد المائية حاليًا). فقد ساهمت الأزمة السياسية منذ السقوط في 2003 في تراجع حجم المساحات المزروعة في البلاد بسبب شحة الأمطار من ناحية، ومن ناحية أخرى بسبب الإهمال الذي تعرضت له المنشآت المائية ومنها السدود والأنهر والروافد والقنوات المختلفة التي كان يمكن أن تحوي خزينًا مائيًا جيدًا طيلة ايام السنة. هذا إذا زدنا على هذه المشاكل الطبيعية والتقنية، ما تعرضت له مجمل هذه المنشآت من هدر ومن تلويث ومن تجاوز ومن تقصير في اتخاذ إجراءات جادة لدعم القائم من هذه المنشآت وزيادتها. فما صُرف من أموال طائلة على هذه المنشآت مثل غيرها من المجالات الأخرى من ميزانية الدولة منذ 2003، كان يمكن أن يغيّر المعادلة بدل البقاء في دارة الخوف والقلق من مهزلة التصدع المحتمل لسد الموصل الذي جعل الأمريكان منه بعبعًا وغولًا يمكن أن يقضي على مدن ومساحات بأكملها. وهناك مَن ما يزال يرواح ضمن ذات الفكرة ولم يستطع تجاوزها. أما الخارجية، فهي تتعلق بدول الجوار التي استغلت ضعف شبه الدولة العراقية والمجاملات القائمة بهدف الحفاظ على مصالح ضيقة لبعض المسؤولين العراقيين. فبالرغم من حديث عن اتفاقات لحماية حصة الدول المتشاطئة، إلاّ أن هذه الاتفاقات تعتبر ضعيفة وغير ملزمة. وما يحتاجه العراق هو بروتوكولات صارمة تنظم بموجب قوانين دولية معمول بها وتقوم بتنظم جريان الماء من المنبع إلى المصب بحيث تُحفظ حصة كل بلد من دون مشكلة ولا استغلال للأوضاع.
وخلاصة الكلام والتحليل، أن المشكلة المفتعلة لسد الموصل من قبل الفيلق الأمريكي، كانت للمماطلة وفسح المجال للحليف التركي كي يمضي في مشاريعه التنموية في الاستزادة من بناء السدود على منبعي النهرين الخالدين وترك العراق في حالة من الخوف والرعب والقلق. وهذا يدخل أيضًا ضمن نظرية التآمر على العقلية العراقية الوطنية التي اختفت بسبب مثل هذه الأفعال وبسبب تهاون الساسة الجدد وابتعادهم عن معالجة باقي الأمور السياسية والاقتصادية بحيث أضحى العراق رهنًا لاستهلاك منتجات دول الجوار بسبب تراجع الصناعة والزراعة فيه، وهما عصب الحياة. وعندما يقضى على هذا العصب، فلن يقوم للبلاد قائمة. وهذا يا يريده المحتل ومَن يدخل في دائرته من الساسة ونواب الشعب ومَن يلف لفَّهم من المستفيدين من صفقات الاستيرادات التي لا نهاية لها والتي تستنفذ ميزانية البلاد وتفرغها بلا رحمة. وما مبيعات البنك المركزي من العملة الصعبة في مزاد العملة اليومي التي تتجاوز أحيانًا المائتي ملون دولار، سوى جزء يسيرٍ من هذه المؤامرة التي تجري بعلم الحكومة وأركان الدولة ورئاساتها الثلاث.
في الختام، لا بد من التنبه إلى الآثار الخطيرة التي تطال الإنسان العراقي وثروة البلاد الزراعية والحيوانية والصناعية على السواء. فهذه سيكون لها آثار جانبية كبيرة، منها تعرّض تركيبته السكانية إلى حركة معاكسة لا يُحمد عقباه في حال مغادرة السكان مناطق سكناهم بسبب شحة المياه. وفي اعتقادي أن للعراق أوراقًا وليس ورقة واحدة يمكنه كسب الرهان على ضوئها كي يخرج سالمًا من هذه الأزمة. فبقاؤُها يعني قطع الأرزاق والأعناق معًا.
تكمن في ورقة ضغط سياسية واقتصادية لحماية أهداف التأثير، التي تعمل بها دول جوار العراق.

3
"سلام الرب عليك"! وعليك السلام والرحمة
لويس إقليمس
بغداد، في 30 أيار 2018
ثلاث كلمات كبيرة في معانيها ومعبّرة في دلالاتها، أطلقها رجل الدين الشيعي سماحة السيد مقتدى الصدر لتهنئة غبطة البطريرك لويس ساكو رئيس الكنيسة الكلدانية و"العراقية"، بالإنعام المتميّز الذي حظي به من لدن بابا الفاتيكان بإسباغ القبعة الكاردينالية الحمراء عليه مع أربعة عشر كردينالاً من شتى القارات والذي ستجري المراسيم الاحتفالية بهم  في 28 حزيران 2018.
 ثلاث كلمات تبدأ بالسلام المنسوب للرب "الله الواحد الأحد" إلى عباده، هزّت مشاعر صاحب الكاريزما الكنسية والهمّ الإنساني، ساكو، الذي يشغله الهاجس الوطني والأخلاقي والأدبي لشعب العراق الجريح ليلَ نهار، أكثر من سياسييّ الصدفة الذين ركنوا جانبًا هيبة الوطن ورفعتَه وداسوا على حقوق المواطن واستبعدوا هموم رفاهه وراحته ومشاكله من أجنداتهم وأنشطتهم الأنانية الضيقة. ولعلَّني أضمّ أمنياتي مع تساؤلات الكثير ممّن يهمّهم الشأن العراقي، بإمكانية وقدرة التيار الذي يقوده هذا الرجل "اللغز"، على تغيير مسار العملية السياسية وجعل الحكومة القادمة فعلاً ذات صبغة "أبوية" تعطف على فقراء ومساكين ومهمّشي هذه البلاد، وما أكثرهم، فتقطع دابر الفساد والمفسدين والخراب والمخرّبين والأذناب والمرائين والتابعين، تمامًا كما وعدَ وصرّح، وهو الذي حصد تيارُه الذي يتزعمه "سائرون" أكثر الأصوات في الاقتراع الأخير؟ أتمنى ذلك من كلّ قلبي.
لستُ أبالغ في توقعاتي، إنْ صدقت النوايا، أن يضمّ هذا التيار صوتَه للأصوات الصارخة المتزايدة التي سئمت العملية السياسية برمتها والاصطفاف حقًا بجانب الأيادي الكثيرة الضارعة المنادية بالتغيير حرصًا منها على إنقاذ البلاد من مقابض الطائفيين التابعين اللاوطنيين الذين عاثوا في أرض العراق الطيبة فسادًا وعملوا على تجفيف الزرع والضرع. فقد أثبتت السنوات الخوالي منذ الاحتلال المشين في 2003، صعود غرباء ودخلاء على العملية السياسية وعلى نوع الديمقراطية التي صنّفها وهيّأها المحتل وفق مقاساته السياسية ومصالحه الاحتلالية عبر مَن وظّفهم في ميليشيات وعصابات ودكاكين سياسية ومجتمعية بمسميات عديدة. ومن الواضح، أنَّ نفرًا جائعًا وغير مصدِّقٍ بما آلَ إليه بعضُ هؤلاء الدخلاء على الوطنية والمواطنة، قد استغلّوا بساطة وسذاجة الغالبية العظمى من أبناء الوطن بحجج وأعذارٍ ظاهرُها التمدن والمدنية وباطنُها أطنان الكذب والنفاق والرياء والمساومات والصفقات المريبة، ما منحهم مزيدًا من فسحة الاستهتار والاستهانة بالعامة من البسطاء والمهرولين الساذجين واستغلالهم لصالحهم ولصالح الجهة الداعمة لمشروعهم، دينيًا كان أو طائفيًا أو مذهبيًا.
اليوم، أمام المدّ الجارف المخطَّط له بعناية من بعض الدول الكبرى الطامعة ودول الجوار المؤثرة في أساليب الخداع والتمويه والضحك على الذقون، وقفت شبه الدولة العراقية وحكومتُها الحالية عاجزة عن تلبية مطالب الجماهير المعترضة على أنواع الفساد الإداري والمالي، والمنادية بالتغيير منذ أربع سنوات، والمطالِبة بمحاسبة كلّ مَن سوّلت له نفسه أن يلعب بقوت الشعب ويرقص على مشاعر البسطاء ويدغدغ عواطفهم المهزوزة بحجج دينية ومذهبية وطائفية. كما لم يترشح عن التصريحات والوعود الرسمية لرأس الحكومة وأركانها سوى أدوات التسويف والمماطلة وتمشية الأيام، بحيث اكتسبت هذه الأخيرة صفة حكومة مغانم نهاية الشهر المتمثلة بالمرتبات والامتيازات الكثيرة المتنوعة التي يحصل عليها القائمون في الحكم وخلاّنهم وأتباعهم والمقربون منهم والمتعاطفون معهم. و"ما شاء الله"، شعبُ العراق بصفته المتلونة واستعداده لتقديم شخصية مزدوجة في سلوكه اليومي لا يحتاج إلا لدقّ الطبلة والمزمار كي تهتزّ مشاعرُه ويبدي نخوتَه المشهودة وغيرته المعهودة على أدعياء الدين والمذهب والطائفة. فكلنا نعلم أنه إزاء هذه الأخيرة لا شيءَ يقف حائلاً ولا راحمًا ولا رادعًا، بالرغم من بروز صحوة متأخرة لنفرٍ اكتوى بمثل هذه الترّهات والحجج، عندما تجرّأت أفواج من المعترضين من شتى التيارات الوطنية لترفع في ساحات الجمعة طيلة الفترة المنصرمة شعارهم المدوّي: "باسم الدّين باقونا الحرامية" و"شلع قلع"، الذي نخشى اغتياله وأفوله ضمن ترتيبات تشكيل الحكومة القادمة.
إن شعب العراق بكافة مسمياته وتلاوينه المكوناتية، ليس بطامع بأكثر من عبارة "سلام الرب" أي "سلام الله" التي انتقاها بكل عناية كما يبدو، سماحة الرجل الديني مقتدى الصدر في تهنئته المرفوعة لمقام واحد من أرفع الرموز المسيحية في البلاد الذي يستحق بجدارة ما ناله من استحقاق من لدن رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم. فبتكريم بابا الفاتيكان للبطريرك الكلداني يكون قد كرّمَ كلَّ العراق وأهلَه، وأعاد للبلد الجريح شيئًا من الثقة بالنفس وكثيرًا من البسمة التي غادرته بعد أن عزفت عنه معظم دول العالم وأصبح في عداد المحتضرين في صالة الإنعاش منذ عقود. إنها التفاتة أبوية تستحق التقدير والثناء!
"سلام الرب" الذي اختاره السيد الصدر في هذه المناسبة المبهجة، هو ذات السلام الذي يتفوه به الجميع، وهو ذاتُه الذي يتغنى به الزعماء ويتحدث عنه الملوك والعامة سواء بسواء، ويسعى إليه ذوو الإرادة الطيبة في العالم. فكيف به إذا تناغم مع خطوات وأهداف وتطلعات قائدَين وطنيين من ديانتين توحيديتين، سمة اثنينهما رسمُ خارطة طريق سليمة وصحيحة ووطنية للبلاد التي غرقت في أطيان الفساد والتخلّف والمخدّرات التي باتت تفتك بشباب الوطن بسبب العوز والحاجة والبطالة والسأم من القائمين على إدارة شبه الدولة. فالصدر وساكو، ومَن على خطواتهما من المتنورين المنادين بدولة مدنية بمعايير إنسانية ونخب المثقفين الصابرين وأفواج الحريصين على لحمة الوطن الاجتماعية وعلى أسلوب بنائه ونموه بهدف استعادة مكانته الدولية والحضارية والعلمية والمجتمعية، هم المعوَّل عليهم في توجيه سياسة البلاد والسياسيين نحو الاستقامة في الأداء وفي صحة تقديم الخدمات الآدمية وفرض الأمن وسيادة القانون وتثبيت أركان دولة مدنية حقيقية تتبع المعايير الدولية والإنسانية المتمثلة بالعدالة والمساواة ورفض التمييز على أسس عرقية ودينية ومذهبية.
حسنًا فعلها ائتلاف سائرون الديني بتحالفه مع نقيضه المدني المتمثل بالحزب الشيوعي ومَن على خطاهم  وخطهم الوطني والمدني كي يخرج بتوليفة وطنية صادقة مقربة من الشعب ومطالبه وطموحاته بحياة أفضل وأمان أكثر وخدمات أحسن. فمثل هذه الطموحات والأمنيات تتعانق مع مقتضيات نوع السلام الذي أرسله السيد الصدر. وهو ذاتُه الذي لا يفارق أفواه الجميع في كلّ يوم وكلّ ساعة منذ الصباح الباكر وحتى المساء. ومهما كان تاريخ هذا الرجل ومهما كان ما يُقال ويُكتب عن قائد "سائرون" بعد فوز كتلته بأعلى الأصوات، فهو يستحق اليوم أن يدخل ضمن خانة الحريصين على وحدة البلاد وخدمة العباد، وأن يكون في محور اللقاءات والاجتماعات والمفاوضات، سواء توقّعَ منه المواطنون والسياسيون والعقلاء والمثقفون والأتباع الكثيرَ أو القليل. فقد اكتسب بحق سمة الدعاة من أجل تحقيق المواطنة الكاملة والرعاية المفقودة للجميع من دون تمييز، وهي "سمة وطنية" بامتياز يتشارك بها مع صاحب الإنعام بالدرجة الكاردينالية، البطريرك لويس ساكو. فكلاهما ينظران للمستقبل ويتطلعان للوصول الى نتيجة مثمرة من خلال المناقشات والمفاوضات مع كل الفرقاء والزعماء والكتل والأحزاب، شريطة أن يتولى رئاسة الحكومة شخصية وطنية معتدلة لا تدين بالتبعية لأحد، بل بالولاء  للوطن وأهله وأرضه وسمائه ومياهه. وكذا يجب أن يكون أعضاء الحكومة من الأكفاء في العلم والإدارة والخبرة معًا، بعيدًا عن اشتراطات المحاصصة والطائفية التي نخشى إعادة ترويجها وتكرارها، "فترجع حليمة على عادتها القديمة."
في الوقت الراهن وفي هذه الفترة المفصلية، على الجميع أن يضع نصب عينيه، أنّ الكلَّ أبناءُ وطن واحد، لهم تاريخ مشترك واحد، وينتظرهم مستقبل مشترك واعد، به يحفظون ماء الوجه وبه يذودون عن الوطن وبه يصنعون الإنسان الجديد ويتركون جانبًا أية صراعاتٍ مقيتة خلقها المحتل ودول الجوار، دينية كانت أم مذهبية أم عرقية. وأي فريق يضع شروطًا مسبقة للفوز بمناصب سيادية أم غيرها، لا يستحق منذ الآن أن يحمل اسم "العراق"، ولا أن يعيش على أرضه، ولا أن يشرب من مياهه، ولا أن يطير في سمائه، ولا أن ينال من ثرواته. فهذا الصنف من العناصر الأنانية، سيكون منبوذًا ويبقى مضرًا للبلد وأهله.
أخيرًا، لك منّي هذه الرسالة يا سيدي مقتدى. أدعوك لأن تصنع سلامكَ وفق رؤيتك الوطنية الصريحة المستقاة من ثوابت مرجعياتك الوطنية الرشيدة. دعْ هذا السلام يتناغم مع سلام المسيح الذي وجّهته لنظيرك ومحبك ودليلك في الوطن، ساكو. فالمسيحيون طيبون بطيبة الشعب العراقي الأصيل، وليس لديهم أسلحة ولا سيوف ولا غدارات، بل هذا السلام الذي اقتبسته ليكون مع الجميع وعلى الجميع وللجميع في الطريق القويم. وأنتم وكلّ الطيبين المسلمين الحقيقيين يقدّرون هذا السلام ويستأنسون بهذه الطيبة وينشدون ما يحمله أتباع المسيح في العراق من محبة وغيرة وجدارة وتسامح وتكافل وتضامن وتعاون مع إخوتهم في الوطن. فهذا وذاك، دليل على قرب إيماننا المشترك بسلام الله ومحبته ورحمته للبشر جميعًا.
 


4
الانتخابات والفساد
لويس إقليمس
بغداد، في 9 أيار 2018
لو اتصف غالبية الشعب العراقي بشيء مقنع من الوعي والإدراك لِما حصل له على أيدي مافيات الفساد الإداري والسياسي الذي اتصفت به حكومات البلاد منذ 2003، لتسنى له تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية من دون مجاملة ولا مواربة ولا خجل ولا خوف. بل توجبَ عليه أن يعلنها على أسماع الملأ يوم السبت القادم 12 أيار 2018، موعد الاستحقاق التشريعي المنتظر: كفى ما لحقنا منكم من سرقات وتلاعب بمقدرات البلاد ونهب ثرواتها، ومن مظالم ووعود عرقوبية وضحك على الذقون، ومن كذب واحتيال وخداع لضعاف النفوس ولغالبية الشعب المغلوب على أمره، والذي اعتاد عبادة الأشخاص وتعظيم الجلاّدين والمشي خلف المستغلّين للبسطاء. فمثل هذا الوعي النسبي في صفوف العامة بعد سنوات من التجربة والخبرة كان يمكن أن يكون رهانًا قويًا على إحداث تغيير جذريّ في المشهد السياسي باستبعاد كلّيٍّ للزعامات القديمة التي قوّضت الحسّ الوطنيّ ومزّقت النسيج الاجتماعي وأحالت البلاد إلى شبه دولة مستهلكة للمنتجات المستوردة بلا رحمة، ومستجدية للقروض المتكالبة عليها، وغارقة بالديون المتراكمة من دون تخطيط ولا إدارة ولا نتائج. وهذا كان فحوى توصية المرجعية الشيعية العليا "المجرَّب لا يُجرَّب". 
     هي خيبة أمل كبيرة ببقاء ذات الرؤوس الكبيرة القديمة التي طلّت علينا منذ أيام من جديد، بإعلاناتها الضخمة ويافطاتها الكبيرة التي تتناسب طرديًا مع تخمة الفساد التي عاث بها هؤلاء في البلاد ومَن على خطاهم وسيرتهم، طيلة السنين العجاف المنصرمة. هي ذاتُها إذن، مَن ستتحكم بالعملية السياسية لسنوات أربع عجاف ظالمات سالبات قادمات لا محالة، إن هي أُعيد انتخابُها مرة أخرى. فهي التي ستشكل حكومة المحاصصة الوفاقية، وهي التي ستكمل تقاسم ما تبقى من الكعكة المشتراة سلفًا بدماء الشهداء والجرحى وبتراكم الديون والقروض والتسليف المسبق التي من شأنها إبقاء البلاد والعباد أسرى الدول الخارجية المستغِلّة لسنواتٍ طوال قادمات. ألا يكفي ما حصل من خراب ودوس لكرامة البشر واختفاء لكلّ ما كان حضاريّا وعلميّا وتراثيًا وأخلاقيًا و...، أم إن نوع البشر المغفل في عراق الحضارة ليس قادرًا على تعلّم الدروس ولا الثورة على الظلم والقهر والمتاجرين بمقدراته ومصيره ومستقبل أجياله؟
منذ أيام، وحُمّى وطيس الانتخابات تستعر في تجمعات انتخابية دعائية وإقامة احتفالات لخداع شرائح كبيرة من الشعب الجائع الباحث عن لقمة عيش شريف في مكبات النفايات والأزقة المكتظة بحشود الفقراء، والعاطلين الباحثين عن فرصة عمل وغيرهم من الخريجين الذين خابت آمالُهم وآلت دراساتُهم وأتعابُهم العلمية إلى سوق الشورجة في بغداد وأسواق بيع الخضراوات والفاكهة في مدن وقصبات العراق بدل أن يسخروا ما اكتسبوه من معارف ومهارات في خدمة البلاد وفي تطويرها وتنميتها.
 هكذا آلَ حالُ العراقيين أصحاب الحضارة والتاريخ العظيم وأولاد السلف الصالح من الأنبياء والأئمة الأطهار والأبرار والقديسين، ولم يجدوا مَن ينقذهم بعدُ من هذه الكارثة التي حلّت بهم وببلادهم. فكلُّ مَن توالوا على الحكم بعد حقبة الدكتاتورية الظالمة، ظهروا أشدّ قهرًا وعنفًا وأكثرَ فسادًا وظلمًا وأفظعَ خداعًا واحتيالاً، ينطقون باسم مكافحة الفساد وهُم من أشدّ الناس سرقة ونهبًا ولصوصيةً وفسادًا وكذبًا وخداعًا. جميعُهم يدّعون مكافحة الفساد ويحملون ملفات فساد لشهرها ضدّ الخصوم والمنافسين، وحين مقاسمة الكعكة تصمتُ الأفواه وتسكت الأصوات وتدخل الألسن في محاجرها خوفًا من انقلاب السحر على الساحر. هكذا، لم نعد نعرف مَن هو الفاسد ومَن هو سارق قوت الشعب ولا مَن هو ناهب خيرات البلاد منذ 2003 ولغاية الساعة. 
حين قدوم رئيس الوزراء حيدر العبادي مدعومًا من الغازي الأمريكي وبمباركة من الشارع والمرجعية الرشيدة، ظنّ العديدون أنه حصان الرهان الأكبر في مسألة مكافحة الفساد وتنفيذ برنامج الإصلاح الذي طالب به عموم الشعب وبخاصّة طبقتُه المثقفة والقطاع الخاص على السواء. لكنّ شيئًا من تلك الوعود لم يحصل، بالرغم من سمة التسويف التي اتسم بها خطابُه وتلويحه الدائم بالعصا الغليظة في محاربة الفاسدين ودفع ملفاتهم إلى النزاهة، بحيث أصبحت كلمة "سوف" متلازمة مع مشروع محاربة الفساد غير القائم أصلاً. أربع سنوات مضت، وقد أصبحت هذه الكلمة أسيرة خطابات رنانة تزويقية إعلامية بلا تطبيق ولا تأثير على الممسكين بناصية المشهد السياسي بأسلوب المحاصصة الطائفية التي يرفض الجميع علنًا بمن فيهم وعلى رأسهم التحالف الشيعي وحزب رئيس الوزراء نفسه، الادّعاء بالخروجَ من عنق زجاجتها والتخلّي عنها تمامًا. وفي الأخير، تُركن جميع الملفات جانبًا كي لا تؤثر على مجرى الانتخابات وتبقي غطاء القدر مستورًا ومقفولاً ومشمَّعًا بالأحمر.
 هكذا يُحارَبُ الفساد في العراق منذ 2003. فهل تتغيّر الحال بعد 12 أيار ويعي الشعب فداحة الكارثة التي أوقعته فيها الزعامات الحالية التي تاجرَ قسمٌ منها باسم االدّين، وآخرون بالوتر الطائفي والمذهبي، وغيره بالشرف العراقي، وجميعُهم نال من الكعكة ولم يشبع، ويريد المزيد "أربعَ أخريات لتجربتهم"!!! لا تدعوا العقارب ترجع ثانية، فلسعاتُها ستكون أكثر أذىً، والسمومُ التي ستنفثُها ستمدّر ما تبقى من البلاد...
قالوها "سندمّركم". "مَن له أذنان سامعتان، فليسمع"!

5
"مَن كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر"
لويس إقليمس
بغداد، في 25 نيسان 2018
تفاعلت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا، ولحقتها الفضائيات بسرعة البرق لتدلي بدلوها، سلبًا أم تنويرًا أم شماتة أم تبريرًا أم صمتًا، لحقيقة ما حصل للمرأة الجريئة والمثقفة ذات المرتبة العلمية المتميزة الدكتورة انتظار أحمد الشمري، مرشحة قائمة النصر التي يرأسها رئيس الوزراء العراقي حدير العبادي. وبغض النظر عن الخطأ الذي ارتكبته هذه الأستاذة الجامعية في لحظة غباء بشري وعدم احتراس لمثل هذا الفعل المدان في نظر المجتمعات الشرقية والإسلامية عامة، فهناك مَن تعاطفَ معها، ليسَ تأييدًا لفعلتها المستنكرة التي أهانت بها ذاتَها شخصيًا وعرّضت المرأة العراقية عامة للانتقاد وما لحقه وسيلحقه مثل هذا الفعل الطائش بمثيلاتها ضمن المجتمع المنغلق الذي يعشن فيه، بل إنصافًا لحقها في التحكم بما تملكه من غرائز وعواطف وميول، هي من حقّ كلّ كائنٍ بشريّ طالما أنّ الفعل المرتكَب ليس فيه أذيةٌ لأحد بالرغم من استنكاره كفعلٍ شائن لا يليق بمقامها العلمي. فجسد الإنسان ملكٌ له شخصيًا ولسلوكه وليسَ لغيره التحكم به. من هنا كان تعاطف البعض ممّن يحملون بعدًا إنسانيًا ورؤية بعيدة في حقّ المرأة بالتصرّف بالجسد الذي تملكُه وفق قانون السماء العام والحرية الشخصية التي كرّستها لائحة حقوق الإنسان التي اعترفت بها معظم دول المنطقة، ومنها العراق.
ليسَ دفاعًا، وبعيدًا عن الهدف من وراء نشر هذا الفيديو الفاضح لإنسانة متميزة في مجال عملها أرادت في لحظة ضعف بشريّ أن تمارسَ حقها في التمتع بغريزة شخصية دعتها لإرضائها ظروف معينة يجهلها المتلقي أو المشاهد، إلاّ أنّ ما لم تحتسب له، قد أوقعها في فخاخ الشماتة والمهانة. فكانت الهجمة الشرسة التي طالتها من دون خجل ولا خوفٍ ولا حساب من غضب السماء من جانب نفرٍ مغرض يجهل القارئ والسامع عقليتَهم وسلوكياتهم وربما ارتكابَهم هم أنفسهم ذات الفعل المستنكر في الكواليس المظلمة وغرف الفنادق وعلب الليل في الداخل والخارج. وهذا شيءٌ من سلوك الازدواج في الشخصية العراقية بوجه خاص والشرقية بوجه عام. في مجتمعنا، نرى كلّ يوم نفرًا عديدًا من أمثال هؤلاء المنتقدين والديّانين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يقولون ويصرّحون بعكس ما يرتكبون من غباء وشين في السرّ وتحت الغطاء وخلف الستائر المظلمة، فقط كي يظهروا بمظهر الطهر والنقاء والتديّن الزائف، اللهم لا حسد ولا شماتة!
لو نظرنا إلى الحادثة من وجهة نظر إنسانية وأخرى اجتماعية وثالثة دينية، لاختلفت الآراء والتحليلات بصددها. فمن وجهة نظر إنسانية، حرية الإنسان تمنحه الحق بالتصرّف بما يملك من دون أن يتجاوز في الأذى على غيره، سواءً كان ذلك الأذى شخصيًا أو أدبيًا أو مجتمعيًا. واجتماعيًا، طالما نحن نعيش في كنف مجتمع متخلّف يعتبر كلّ ما في المرأة عورةً وكلّ ما يلحقها من نظرة ولمس وكلام وفعلٍ شكلاً من مفهوم الشرف الذي يخضع لشيءٍ من المهانة في التعامل معه، فإنّ مثل هذه الفعلة لا مجال لقبولها في مثل مجتمعاتنا. في حين، مثل هذه الأعمال تُرتكب كثيرًا وكلّ يوم في الكواليس والبيوت والفنادق، من قبل أشخاصٍ وجهوا سهامهم الغادرة لهذه المرأة الجريئة التي تستحق أيضًا شيئًا من التقدير والتسامح بغضّ النظر عمّا فعلته من شيء يوصف بالشائن والمعيب. فهل يُعقل أن يُحكم على مثل هذا الفعل المرتكب من قبل الرجل فيكون حلالاً عليه وعلى غيره، وحرامًا على المرأة وعلى بني جنسها الضعيف؟ أليسَ ردّ الفعل هذا كيلًا بمكيالين، وهو من وجهة نظر المجتمعات المتمدنة نوعًا من غدر المجتمع للمرأة وخرقًا لقانون السماء وانتقاصًا من الحريات الشخصية؟ أمّا دينيًا، فلنا في التاريخ أروع مثالٍ لحكمٍ صدر عن المسيح قبل أكثر من ألفي عام. فعندما قام نفرٌ من اليهود المتعصبين دينيًا بتقديم امرأة قُبض عليها متلبسة بفعلٍ جنسيّ أمام المسيح كي يحكم عليها، انتصب وقالَ لهم " مَنْ كان بلا خطيئة، فليرمِها بأول حجر". حينئذٍ انصرف الجميع واحدًا بعد الآخر وهم يجرّون أذيال الخيبة لمثل هذا الردّ الإنساني الذي تتضح فيه الرحمة الإلهية. فالمسيح، وهو سيّد العالمين والمعلّم الكبير في زمن اليهود، لم يحكم عليها ولم يدنها. وكان جوابه لها "إذهبي ولا تُخطئي بعد الآن". (إنجيل متى1:8-11)
هكذا هي الحياة، يُترك الأقوياء والأسياد الفاسدون يفعلون ما يحلو لهم، فيما تتجه سهامُ هؤلاء وغيرهم من المنافقين صوبَ إنسانة ضعيفة سقطت في نزوتها في لحظة ضعف بشريّ لتحقيق هدفٍ أو نزوة في نفسها، فكانت النتيجة ما لم تتوقعه سواءً بغرض التسقيط أو التسفيه أو الانتقام. ولو عاد المسيح لوجد معظمَ هؤلاء الناقمين والفاضحين والناشرين لهذه "الفضيحة" مخطئين وغارقين في وحل الرذيلة، ولكانوا انصرفوا هم أيضًا مثلما انصرف وتفرّق جمع اليهود في حادثة الزانية. فهل الشرف يكمن بالتشهير بامرأة جرى استغلالها وفق مخطَّط ربما يكون من ورائه مشروع مشبوه لا يتعلّق بجسد هذه الإنسانة المقدس، بل بشيء أكبر وأبعد منه من أجل تحقيق غايات أكبر وأكثر تعقيدًا أو قد يكون استهدافًا سياسيًا واجتماعيًا مع قرب الانتخابات التي قد تطلع علينا بمفاجآت ليست في الحسبان؟ 
إن هذه الحادثة قد وضعت البلاد في موقف دفاعيّ عن حالات الفساد والعربدة المجتمعية والأخلاقية التي تسود طبقات وشرائح كثيرة في أوساط الشعب العراقي. فهذا الأخير لم يعد مغمض العينين بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والإعلامي وتعددها على نطاق واسع، حتى الطفل الصغير صارت له حصة من هذه الوسائل وما تقدّمه من مغريات وأفلام وأحداث ودعايات، فيها الكثير من الإفساد والقليل المنتخَبُ النافع. فبالرغم من اعتقادنا بأنّ سمعة البلاد قد زادت سوءًا بعد السقوط في 2003، بحيث أضحى العراق يقف في سلّم الدرجات الأولى من الفساد عالميًا، ومنها سمعتُه الاجتماعية بعد الانفتاح على العالم، إلاّ أنّ مثل هذه الحوادث الفاضحة وصفقات الفساد الإداري والمالي قد زادت من تراجع سمعته، نظرًا لفشل الحكومة الحالية ومؤسسات البلاد التشريعية والتنفيذية بوضع حدّ للفوضى التي تسود المجتمع الذي يعاني من تمزّق في نسيجه الاجتماعي بسبب غياب القانون واستغلال القويّ المدعوم بميليشيات متنفذة لحالة الضعيف وفرض ما يحلو لأمثال هؤلاء الذين يسيطرون على الشارع والدائرة والسوق. فما يُنشر ويُنقل ويطرق المسامع عن فضائح شخصية وسجالات عقيمة ومناظرات تسقيطية ومناكفات عنفية قبل فترة الانتخابات، هي من النتائج السلبية التي فرزها الواقع اليومي المعاش بسبب سوء الأداء الحكومي وغياب سلطة القانون وانتشار قوة السلاح المنفلت وغير المنضبط وسطوة الأحزاب التي تهيمن على المشهد السياسي وتسعى لتدمير المجتمع والإنسان والبلاد بشتى الطرق ووسائل الفساد والقهر والتهديد، إنْ استدعى ذلك. فالطرفان، الشعب والزعماء يتبادلان الاتهامات والتهديدات بتدمير الواحد للآخر. فمَن هو الضحية ومَن صار الجلاّد؟
 كلمة أخيرة، لا بدّ منها بشأن تفاعل المغرّدين والجهات الرسمية في الحكومة العراقية والقائمة الانتخابية التي احتضنت ترشيح هذه النائبة الضحية واستبعدتها بسبب هذا الفعل المرتّب بدقة وضمن التوقيت المنتخب. فهذه أيضًا تدخل ضمن دارة التراجع في الشخصية الوطنية، شأنُها شأن تراجع أداء الدولة الرسمي والمجتمعي منذ أكثر من أربعة أجيال، وبصورة أخص منذ السقوط الدراماتيكي في 2003. ومنها محاولة العديد من الأغراب على المجتمع والوطن القفز على الاستحقاق والجدارة بالدخول خلسة من النوافذ واقتحامها عنوة أو بفعلٍ لا يخلو من سموم الدس والغدر والانتقام ورغبة في كسب المال والجاه والسلطة. وبهذا يكون قد ضاع السبب والهدف معًا.
إني أعتقد أنَّ  مَن حاول التصيّد بالماء العكر في هذه الحادثة الموصوفة ب"الفضيحة"، يكون قد ساهم فعلاً في تدمير إنسانة لها مركزُها العلمي والاجتماعي، كما يكون قد دقّ أسفينًا في المجتمع العراقي، في محاولة للتغطية على ما هو مخفي وأعظم، ولثني كشف فضائح كبيرة ضمن صفوف زعامات يخشى الإعلام أحيانًا التعاطي معها وكشفها، بل هناك مَن يتستّر ويهدّد في حالة الاقتراب منها ودخول دهاليزها المظلمة. ومن هذه ما يطرق أسماعنا منذ سنوات من أقوالٍ وتصريحات حكومية في أعلى الهرم الحكومي، تتحدث عن القضاء على آفة الفساد وتقديم الفاسدين للقضاء وللنزاهة والتهديد بفتح ملفات فساد. ولكن مثل هذا الحديث لا مكان َ له من حيث التطبيق الفعلي. فأيدي القضاء لا تطال سوى أصحاب الأخطاء والسرقات البسيطة، في حين لا تجرؤ الوصول إلى بؤر الفساد الكبيرة التي تمسك بناصية إدارة البلاد المتمثلة بالأحزاب الكبيرة وزعماء الكتل التي تتوافق وتساوم بعضها البعض ضمن مبدأ المحاصصة الذي نخر جسد البلاد ة وأغرقه بديون ستدفع الأجيال وزره. ومثلُها أيضًا، لا يكشف الإعلام الرسميّ ولا الدوائر التي تعنى بالأخلاق المجتمعية عن الفساد الأخلاقي والاجتماعي المتزايد الذي تشهده مسارح ونوادي وقصور وبيوتات يتستّر تحتها وفي عقرها ذوو النفوس الضعيفة من كبار الرؤوس المتنفذة في المشهد السياسي العراقي. لكنّ سلوك هذه المرأة الغريب يبدو أنه قد أشعل أهل الغيرة والحسد معًا، وأتاح الفرصة لغيرهم بتحقيق غايات غير مرئيات وقطع دابر مَن يسعى لتسلّق جدار السلطة دون وصاية أو تصريح من قوى خارقة تقف وراء الكواليس. واللبيب من الإشارة يفهم!


6
التغيير وسحرُه، شعار خادع ومدسوس
لويس إقليمس
30 نيسان 2018
أضحى شعار التغيير هوسًا ملازمًا لكلّ مَن يسعى للصعود إلى هاوية البرلمان العراقي، بسبب ما يدرّه هذا الأخير من امتيازات وحقوق ومنافع كانت غائبة عن إدراك طبقات كثيرة من الشعب العراقي البائس في فكره والغائص في تخبطه واللاّهث وراء جلاّديه بلا كرامة ولا تفكير ولا وعي. وما أن تنبهت لها مؤخرًا شرائح عديدة منه بسبب الفضائح المقزّزة وعمليات الفساد المزكّمة للأنوف وشراكات الصفقات المنفّرة التي كشفها أرباب السلطة أنفسُهم بأنفسهم ومنهم مَن تسلقوا عضوية السلطة التشريعية، أيًا كانت الدوافع أو الأسباب والأغراض، حتى تهافتت على قوائم الترشيح أسماء مغمورة ومشدوهة جديدة دخلت غمار السباق الانتخابي إلى جانب المخضرمين ممّن أفسد العديدُ منهم هذه المؤسسة الديمقراطية الفتية واتخذوها حصانًا لبلوغ مآربهم، شخصية كانت أم دينية أم طائفية أم عرقية أو عشائرية. فهذه الأخيرة كلّها يفترض أنها حرامٌ ومن المحرّمات التي تتقاطع مع المبادئ الوطنية والخلقية العامة التي رُسمت للديمقراطية الفتية كي تنتعش في هذه البلاد المرتبكة والجريحة بسبب غياب الحسّ الوطني المفقود منذ غزو العراق في 2003. وما يُؤسف له أنّ الشعار الأكثر رواجًا واستخدامًا يجري رفعه تحت يافطة "التغيير"، الذي أصبح هوسًا استهلاكيًا بلا معنى ولا لون ولا طعم ولا رائحة لكلّ مَن آثرَ بلوغ السلطة وسعى لتسلّقها وصولاً إلى غايات تمناها "عيسو" في غير وعيه أو تراءت له في ضباب أحلامه.
في دول الغرب المتقدم، لا تُرفع شعارات لا يمكن تنفيذها في الأرجح، بسبب الخوف من وعي الشعب المتربّص المتابع عادة لشعارات المرشحين والساعين إلى السلطة ووعودهم المقطوعة في حملاتهم الانتخابية المتحضرة وليس الفوضوية والمنفلتة التي تتراءى أمامنا اليوم. ناهيك عن إرادة الناخب بمحاسبة الفائز الذي ينتهك الوعود وينكث العهود التي صرّح بها خلال الفترة الانتخابية. فالفضيحة تبقى تلاحق هذا الفاسد السيّء الذي يتنصل من تنفيذ شعاراته الواضحة التي تتطرق إلى مشاريع اقتصادية أو برامج سياسية تخصّ التنمية البشرية وتطوير الخدمات وتحقيق الإنجازات وزيادة الرفاهية، حتى يتمّ إسقاطُه ويضطرّ تحت مثل هذه الضغوط الشعبية للانسحاب وترك السلطة باحترامٍ تاركًا المجال لغيره ولمَن هو أفضل منه وأكثر كفاءة وجدارة وصدقًا وتلاصقًا مع الناخب. وما زلنا نفتقد لمثل هذه الثقافة السياسية ليس في العراق وحسب بل في مجمل الحكومات الإسلامية والعربية في منطقة الشرق الأوسط عامة.
عندما يُرفع شعار التغيير في دول متقدمة ومتمدنة في الغرب، ومنها أميركا وكندا وأستراليا وأوروبا وما سواها من دول عرفت مسؤولية الحرية والديمقراطية والتنمية، فإنها تعي ما ترفعه وما تطرحه وما تريده. الرئيس الأميركي باراك أوباما، كان الأوفر حظًا برفعه شعار "التغيير" في حملته الانتخابية في 2008، مستغلاً عناصر الهاوية التي اتسمت بها فترة رئاسة سلفه. وقد أجاد اللعبة عندما أعاد ذات الشعار في حملة ولايته الثانية في 2012 مع الأمل ببلوغ نوعية التغييرات التي وعد بها في الولاية السابقة، فنجح بذلك بالبقاء في البيت الأبيض خمس سنوات أخريات، ما منحه الفرصة لإحداث تغييرات في سياسة بلاده تجاه تساهل إدارته وتعاملها مع التنظيمات الإرهابية. ومثله عمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على وتر التغيير، وقد أجاد هو الآخر في إدارة الحملة الانتخابية بالرغم من قصر الفترة التي تأسس فيها حزبه الجديد. فالشعب الفرنسي كان قد أبدى كلّ الاستعداد لرؤية تغييرات في السياسة العامة في إدارة الدولة ومؤسساتها وتفعيل اقتصادها نحو الأفضل. وهذا ما يبدو في الأفق من تلمّس شعبي حقيقي في سياسة هذا البلد الذي يبقى مع حليفته الدائمة ألمانيا مفتاحًا لمعالجة مشاكل أوربا الاقتصادية والبشرية. ولنا في العراق مثال بسيط تمثل بحركة التغيير الكردية السياسية "كوران" التي تأسست في 2007. فقد تمكنت هذه الحركة من كسر ثنائيةَ حكم الحزبين الكرديين التقليديين في شمال العراق-كردستان، ونجحت تدريجيًا في تشجيع الشعب الكردي للانتفاض ضد أسلوب احتكار السلطة الذي مارسه الحزبان التقليديان وأحكما سطوتهما على كلّ منافذ الحياة في منطقة كردستان لسنوات طوال.
السؤال المطروح، ما المغزى من رفع ذات الشعار الساحر "نعم للتغيير" من أطراف سياسية وحزبية، ساهمت وهي في السلطة وما زالت، وكانت في الأساس طرفًا في إفساد العملية السياسية وإخفاق الديمقراطية الفتية؟ أليس ذلك لأغراض استهلاكية خادعة وللضحك على ذقون البسطاء والعامّة من الشعب البائس الذي اعتاد عبادة جلاّديه حتى النخاع؟ أليسَ غريبًا أن يرفع مرشحٌ عن كتلة أو ائتلاف، مازالت أذرعُهما تطالُ كلَّ مفاصل السلطات، التشريعية والقضائية والتنفيذية، وحتى التفصيلية في هذه الأخيرة سواءً الإدارية أو في مجال التعليم أو التربية أو الثقافة المجتمعية أو الاقتصاد أو المال؟ حتى هذا الشعار الذي جلجلَ صداه وارتفع صدّاحًا وبحّت به أصواتُ المتظاهرين أيام الجمع منذ تشكيل الحكومة الأخيرة ولغاية الساعة، قد سعى الفاسدون في كتل كبيرة وأتباعهم من الفارغين من أيّ حسّ وطنيّ، لسرقته من أفواه الثكالى والأرامل والفقراء وأصحاب البسطات والأكشاك وجيوش العاطلين عن العمل والمظلومين وما أكثرهم ومن أصحاب الشهادات الذين اضطرّهم الزمن الغادر لتعاطي أعمال العتالة والتنظيف التي لا تليق بهم، بالرغم من عدم انتقاصي من طبيعة الشرائح التي تتولى هذه الأعمال التي تُعدّ من الأعمال الدنيا في المجتمع والتي تدرّ رزقًا حلالاً على متعاطيها.
    جميلٌ جدًا، أن يدعو مرشحونا إلى التغيير ويرفعوا أصواتهم المتناغمة في حملاتهم الانتخابية مع أصوات الشعب المسكين الذي سُرقت ابتسامتُه واغتيلت أحلامُه الوردية واستُهلكت ثرواتُ بلاده وهو يرى ويسمع بمئات المليارات من الدولارات التي ضاعت هدرًا ولا يعرف عن مصيرها أي شيء؟ فهل هذا قدَرُ شعبٍ عريق الحضارة استطاع سياسيّو الغفلة وسارقو الليل ولصوص النهار ترويضَه ليبقى إلى الأبد ضمن خانة الخنوع والطاعة والصمت؟ أم حان الوقت لعملية "الشلع قلع" التي نادى بها المتظاهرون منذ حين ولم تتحقق لغاية الساعة؟ لقد ملّ العراقيون الوعودَ العرقوبية بالإصلاح وتحسين الخدمات والرفاه، وآن الأوان بالرغم من تأخره، للتغيير الحقيقي عبر وجوهٍ جديدة مدنية منفتحة مثقفة ومدجَّجة بحب الوطن والشعب في كفة، وحاملة لبصمة التغيير الصادق في الكفّة الأخرى غير خاشية سطوةَ الأحزاب الكبيرة التي اغتالت حلمَ الوطن والعباد ونشرت الفوضى والفساد وسرقت أموال الشعب والبلاد، وماتزال تتعاطى هذه السرقة المكشوفة في مزاد العملة المشبوه بسبب ضغوط الساسة على إدارة أموال البلاد. 
إنّ الشعب العراقي يقف اليوم برمّته مع مطلب التغيير الملحّ، بعد أن ساءت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتربوية والخدمية وسط الكمّ الهائل من فضائح الفساد الإداري والمالي وحتى الأخلاقي. ولكن السؤال الذي يتردّد اليوم: أيّ تغيير يسعى المرشحون للوصول إليه؟ أهو تغيير في الوجوه والأشكال والأزياء باستبدال وجوه الفاسدين بأخرى تسعى لبلوغ ذات المآرب والتمتع بذات الامتيازات وفق القوانين المدسوسة التي سنّها السابقون لهذه المؤسسة التشريعية التي لم تعرف أن تحترم نفسها وتصون كرامتَها وتؤدي واجبها الوطني كما عهدها الشعب؟ أم تغييرٌ حقيقي في سياسة البلاد يتضمن برنامجًا سياسيًا واضحًا قابل التنفيذ وخططًا آنية وأخرى متوسطة وغيرُها بعيدة المدى تنتشل البلاد والشعب من هوّة التخلّف والتأخر عن الركب الحضاري الذي آلت إليه بعد أن كانت ضمن خانة الدول المتقدمة إقليميًا وعالميًا؟ فما تعرضه القنوات الفضائية وتنقله وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة من ضيق وامتعاض صريحين في الشارع العراقي بسبب فضائح وأشكال فساد وعمليات تزوير وفساد إداري ومالي ومساومات انتخابية وبيع تسلسلات مرشحين في بازار مخجل وتعاطي مخدّرات والاتّجار بها على نطاق واسع وبمشاركة وتغطية من قيادات أحزابٍ في السلطة، كلّها من دواعي التغيير. وما خفي كان أعظم!
الخوف، كلّ الخوف أن تبقى الكلمات الرنانة واللطيفة التي تنادي بالتغيير، والتي تحملها تصريحات المرشحين في الندوات والملصقات أسيرة التأثير الزائف في سحرها. فالناخب المتبصّر لا يرضى أن ينتهي كلّ شيء مع انقضاء الحملة وصدور النتائج، ومعها بدء مرحلة الخمط والصفقات والمساومات بين الأطراف الفائزة التي تتحكم بها زعامات الكتل والأحزاب الماسكة بناصية الحكم بأرجلها وأسنانها وأيديها منذ التغيير في 2003 ولا نية لها للتخلّي عن المكاسب التي وفّرتها السلطة بدعم من الغازي الأمريكي وحلفائه. تلكم هي خشية أخرى من القادمين الجدد ألاّ يكونوا مثل أسلافهم الذين جاؤوا حينها ليبقوا ويؤسسوا لدولة الفساد وهم مازالوا يرفضون تسليم الراية لغيرهم بعد تجربتهم وفشلهم وذلك بحجج واهية، منها دينية وأخرى عرقية وغيرها طائفية. والمؤسف أنَّ بعضًا من هذه الحجج يُشعلهُا كبار أشباه الساسة بمعيّة مراجع دينية مستفيدة من العملية السياسية العقيمة القائمة. فبعضٌ من هذه الشخوص، وبسبب انغلاقها على ذاتها، تتخذ من آفة التحريض على الطائفية وسيلةً للبقاء في السلطة، لما لهذه الأخيرة من مغانم ومنافع ومكاسب وجاه ومال، غير عابئة بمسألة تنمية الإنسان ونوعية الوطن الذي يحتضن هذا الإنسان مهما كان دينه وعرقه ومذهبه ولونه. فهل "يُجرّبُ المجرَّب ثانية"؟
إنّ "التغيير، كما أشار أحد الكتاب، هو الفعل الوحيد الذي لا ينتهي أبداً". ولكنّه قادم لا محالَ، مهما تمّت إعاقتُه من قبل رؤوس سياسية فاسدة تسعى لإطالة أمد المنافع المجتناة من مبدأ المحاصصة، أو تلك الدينية الطائفية المتخلفة التي تخشى صعود التيار المدنيّ الجارف إذا تمكنَ هذا الأخير من شق طريقه الصحيح، وذلك لتقاطعه مع مصالح هذه الفئة الضيقة في الأفق والرؤية والتفكير. ففي مجال السياسة، كلّ شيء جائز، ولا مكان لليأس المتوطن في أفكار الطبقة المثقفة والواعية. كما ليس من الحكمة الحكمُ بالعقم السياسي العام. ففي الأفق، نرتقب بروز نخبة واعية ينتظرها الشعب من الوجوه الجديدة المغمورة التي قد تغيّر صفحة المشهد السياسي، بعد اصطفاف الشارع ووسائل الإعلام والمرجعيات الرشيدة الوطنية المعتدلة والتنظيمات المثقفة والأحزاب الوطنية الصادقة معها. لكنّ مماّ هو مؤسف وغير مقبول، سمة اليأس الفردي والجماعيّ السائدين معًا لدى البعض، إلى جانب العجز السياسي المستفحل لدى فئة الذين لا يعتقدون بإمكانية حصول تغيير قادم، متناسين أنّ مسألة تركَ الساحة للوجوه التقليدية والأحزاب الدينية التي أثبتت الأيام فشلَها الذريع سيُحسبُ اصطفافًا لهذه الأخيرة ولسياسة الإبقاء على نهج المحاصصة وأركان الفساد من دون محاسبة. ولا يغرّنّ الشعب، توجهُ بعض الأحزاب الدينية والطائفية مؤخرًا لتحسين صورتها عبر تغيير شعاراتها ومسمّياتها وغطائها الديني والطائفي والمذهبي، عبر تبنيها لشعارات التمدن والدولة المدنية والأحزاب المدنية في حيلة يظنون أنها ستنطلي على وعي شرائح كثيرة فطنت لما يجري. 
لعلَّ ممَا يعزّز مثل هذه التطلعات لحصول تغيير مرتقب في البرامج والسياسات، هو انقلاب مرتقب لبعض المرشحين ضمن القوائم الكبيرة التي احتضنت وجوهًا مشبوهة ومتهمة بالفساد على قيادات هذه الكتل نفسها بعد فوزها المرتقب، خوفًا من نقمة الشعب ومن الملاحقات والاتهامات التي قد لا ترضى الوجوه الجديدة الصاعدة أن تتلوثَ بها سمعتُها وتاريخها وأسماؤُها. والأكثر من هذا وذاك، أنّ شريحة المرشحين من الشباب والطبقة المثقفة ومن العنصر النسائي من ذوي الشهادات تبدو في انسجام مع تطلعات الشعب المغلوب على أمره بعد اتساع أصوات الاعتراض والرفض للطبقة السياسية الحاكمة التي أكثرت من الأقوال وقلّلت من الأفعال، ممّا يبشّر بنقلة نوعية، أياً كانت درجتُها وقدرتُها، نحو الأفضل والأحسن عبر تغيير مرتقب في بعض الوجوه والأهداف والسياسات. وهذا مؤشر إيجابيّ بحدّ ذاته، لكونه إشارة خضراء بحدوث رجّة متوقعة وهزّة مخطَّط لها خلف الكواليس في صفوف العامة والخاصة بعد سلسلة فضائح الفساد والسرقات التي طالت مؤسسات الدولة المرهونة تحت سطوة الكتل السياسية الثلاث التي تتحكم بكلّ مفاصل الدولة منذ أكثر من أربعة عشر عامًا بسبب مبدأ المحاصصة المقيتة التي انتهجتها هذه في إدارة دفة البلاد والطريق التي أوصلتها إليه. فالشارع والأسواق والمنتديات والمؤسسات التربوية المستقلة وحجم التأثير الخارجي، كلّها من أدوات الدعم والتأييد للتغيير، ليس في الوجوه فحسب، بل في السياسات العامة للبلاد وفي الانفتاح المرتقب للخارج والاستقلالية في القرار وعدم تكبيل البلاد والعباد بتأثير ولاية الفقيه والتبعية للجارة إيران وحصر اهتمام الدولة ومؤسساتها بمظاهر اللطم والمواكب الطائفية في المناسبات الدينية المذهبية التي فاقت التصوّرات ولأجلها تُعطّل الدولة ومؤسساتُها وتُسبى شوارعُها وطرُقُها وتُغتالُ حريات الناس من دون وجه حق.
في الختام، لا يمكنني القول، سوى أنّ الشعب الذي لا يتعلم من الضربة الأولى، يستحق الثانية والثالثة والعاشرة، بسبب خشيته وتردّده من تجاوز مرحلة الخنوع والخضوع والبؤس والتبعية والمهانة التي اعتاد العيش بين أكنافها مع جلاّديه ومع مَن يعدّهم خطأً زللاً أسيادًا وولاةً له دون غيرهم. وهذا عكس أصحاب المبادئ. فهؤلاء اليوم نادرون!




7
الصّراع الانتخابي، مناورةٌ بين الشعب وجلاّديه
لويس إقليمس
بغداد، في 11 نيسان 2018
بدأت حمّى الصراع على الانتخابات القادمة المقررة في 12 أيار القادم 2018، تتفاعل بشكل ساخن بين الكتل التقليدية التي أثبتت السنوات الخوالي فشلَ غالبيتها في إدارة شبه الدولة القائمة منذ 2003 ولغاية الساعة. وبوادر الصراع هذا، كانت مطالعُه ما حصل ويحصل في أروقة السياسة المظلمة من تفاهمات وصفقات ومساومات يجهل غالبية الشعب البسيط بما يدور فيها من ألاعيب السياسة القذرة التي زادت من فنونها وفتنها مؤخرًا في قبول ترشيحات اللاّهثين وراء الكعكة التي يحلم بها الكلّ في هذه الأيام الغادرة، بمن فيهم الغني والفقير، العالم والجاهل، صاحب الشهادة العليا ومزوّرها. فالشعب يبقى دومًا تلك الضحية البائسة والرقم المجهول الغائب عن أية معادلة وطنية مأمولة أو أيّ قرار أو خطوة أو صفقة تتم من خلف الكواليس.  ولعلّ ما زاد من حنق ومن فورة الكتل التقليدية المهيمنة على الساحة السياسية منذ السقوط الدراماتيكي، دخولُ أحزاب وكتل جديدة على خط المنافسة الساخن بما أتته من توجهات مدنية لا تسرّ الكتل التقليدية التي التزمت خطّ الطائفية الدينيّ منذ أول فرصة "لا ديمقراطية" أُتيحت للعراقيين. كما أشّر ثيرموميتر هذه الكتل، جنوح العديد من المرشحين صوب التسربل بالثوب المدني الذي عبّرت عنه رغبات الشارع طيلة السنوات الأربع المنصرمة، فوجدت هذه الأحزاب الدينية الخائبة نفسها مضطرّة للقولبة ضمن هذا الغطاء الأخير.
اليوم، ليس بالإمكان الوقوف على صحة قواعد العمل السياسي الحالي الذي لا يعرف الخجل في عراق ما بعد الغزو الظالم في 2003، وكذا بسبب حالة الجهل المستديمة التي يُحاصرُ فيها عموم الشعب اللاّهث وراء فتات الساسة والمسؤولين وبعض المراجع الدينية المنغمسة في لعبة الانتخابات بطريقة أو بأخرى على السواء. فالجميع تزداد عندهم حمّى الوعود والتعهدات والتأكيدات في سلوكياتهم وخطبهم ولقاءاتهم على الجانب الدينيّ الطائفيّ كلّما اقترب موعد الإدلاء في صناديق الاقتراع، بحجة الحفاظ على المكتسبات وعلى أسرار السلطة وامتيازاتها. وليس خافيًا على أحد، ما يُنقل من جوانب تجارية سلبية حول طبيعة الترشيح الحاصلة في هذه الدورة الانتخابية بالذات من وسائل شراء التسلسلات المتقدمة ضمن القوائم الانتخابية وتلك المبالغ المدفوعة ومعها الهدايا والعطايا الخيالية المقدمة من قبل مرشحين لرؤساء الكتل ورؤساء القوائم من أجل ضمان الصعود إلى هاوية البرلمان بمثل هذه الوسائل التي تشمئزُّ منها النفس لحدّ بلغ بازار بيع البطاقات الانتخابية، بحسب وسائل الاعلام المرئية والمكتوبة ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى ورقتين خضراوين بعد ارتفاعها عن نصف ورقة خضراء أي خمسين دولارًا بداية الترويج. 
أمّا الحدث الأهمّ الذي أثار الانتباه قبل موعد الانتخابات، بالرغم من تقليل جهات منافسة لفاعليته وصداه، فقد تمثل بإصرار سماحة السيد مقتدى الصدر ومَن في خطّ سيره الوطني، بشأن مفوضية الانتخابات وبضرورة تغييرها وإجراء تعديلات في القانون الانتخابي قبل أكثر من عام. إلاّ أنّ إصرار الكتل التقليدية الكبيرة على حصر المنافع والمكاسب ضمن مدارها، أجهضت التعديلات المطلوبة، فجاء قانون سانت ليغو المعدّل غير عادل بصيغته الحالية1.7، لاسيّما في ما يتعلّق بطموحات الكتل والأحزاب الصغيرة، تمامًا كما جاء مخيّبًا لآمال الأقليات التي تخشى سرقة أصوات ناخبيها المتفرّقة بهذه الصيغة. ففي ضوء هذا القانون المجحف، ستُحكم الكتل الكبيرة سيطرتها على صناديق الاقتراع وستحصل على أكبر عدد ممكن من المقاعد، ما سيتيح لها السيطرة على المشهد السياسيّ مرة أخرى ولمدة أربع سنوات قادمات فاسدات ومظلمات. أي أن البلاد ستتمرّغ مرة أخرى تحت وطأة رغبات ومنافع وسياسات الأحزاب الكبيرة الفاسدة، بالرغم من نشر غسيل بعضها بعضًا فيما يتعلّق بعمليات السطو على ميزانيات الوزارات والهيئات والدوائر التي تتحكم بها هذه الأحزاب ورؤساؤُها والتي تتخذها كإقطاعيات حصرية لها غير قابلة التفاوض والتراجع عمّا تدرّ عليهم وعلى كتلهم وأتباعهم من منافع ومكاسب بفعل المال الحرام والجاه والسلطة التي تمنحها لهم المقاعد التي تفوز بها.
إن المشهد السياسي في البلاد يزداد تعقيدًا مع عدم بروز بوادر للتغيير المرتقب. فمن خلال قراءة عابرة لقوائم المرشحين التي صادقت عليها مؤخرًا المفوضية العليا التي وقعت مرة أخرى أسيرة تفاعلات وتجاذبات ومساومات الكتل السياسية الكبيرة المهيمنة على الساحة، يمكننا الحكم مسبقًا على نوعية الحكومة القادمة. لذا أعتقد أنَّ مَن دعا لمقاطعة هذه النسخة الجديدة من الانتخابات التشريعية، له أكثر من حق، بسبب ما يراه أمامه من مؤشرات سلبية، ومنها الاضطراب الحاصل في الحملة الانتخابية قبل أوانها، ومن وعود عرقوبية غير قابلة التطبيق يقطعها المرشحون للناخبين، ومن أنواع الكذب المجاني غير مدفوع الثمن، ومن الكلام المعسول الذي أطلقه ويطلقه البعض الآخر في حملاتهم الآنية. وأخيرًا وليس آخرًا ما يتمّ كشفُه من صفقات ورشى وهبات تجري خلف الكواليس في طرق الترشح والقبول بها من قبل بعض الكتل المعروفة والتي فاقت التصورات عندما ينبري مَن دفع الشيء الفلانيّ لهذا الحزب وهذه الكتلة وهذا الشخص من أجل ضمان ترشحه وصعوده في المنافسة كي يضمن هو الآخر حصته من الكعكة المنتظَرة. ويأتي قرار مجلس الوزراء ليوم الثلاثاء 10 نيسان 2018، "بإيقاف بيع وتوزيع الاراضي تلافيا لتوظيفها لأغراض انتخابية"، دليلاً على سريان سرطان مؤشرات البازار الانتخابي ضمن الحراك القائم بهدف ضمان كسب الأصوات الانتخابية وزيادة مقاعد الكتل والأحزاب المهيمنة على المشهد السياسيّ، في حين لا تملك الأحزاب الصغيرة مثل هذه الفرصة للترويج بها لصالح مرشحيها.
هناك مؤشرات واعتبارات ووقائع من المفترض أن يضعها الناخب قبالته في الاحتكام إلى العقل والروية والقناعة الكافية في اختيار المرشح الأجدر والأفضل والأكثر نزاهة والأقرب إليه في تقديم الخدمات الآدمية اليومية والأكثر تفانٍ إزاء تلبية احتياجات ناخبيه. فصورة الإنجازات المتحققة خلال السنوات المنصرمة من الدورة أو الدورات السابقة، كلُّها مؤشرات ينبغي الاحتكام والعودة إليها في حسم اختيار الشخص المناسب من أجل وضعه في المكان المناسب. فالمشاكل التي عاناها المواطن في فترة الأربع سنوات الماضية كبيرة ومعقدة وشائكة، ولاسيّما ما يتعلّق بسيطرة داعش الإرهابيّ على مساحات واسعة من البلاد والخطر الذي ألحقه في نفسية المواطن وممتلكاته ومستقبله وكذا في مصير بيته وأهله ومدينته وعموم بلده. 
هناك مَن يتعاطى مع المشهد الانتخابي وفق مبدأ الفكرة الحزبية إزاء القائمين في أعلى السلطة معتقدًا بمقدرة هؤلاء على تلافي الأخطاء السابقة بسبب ما امتلكوه من خبرة ومن معرفة بدهاليز الحياة. وهذا ما يدفعه لعدم المجازفة بتجربة اختيار وجوه جديدة لا يعلم شيئًا عن توجهاتها وأغراضها.
 والبعض الآخر يسير وفق مبدأ التأييد الطائفي وعدم الخروج عن هذه الدارة المقيتة والدائرة المظلمة التي طبعت الحياة العراقية وختمت بها توجهات العائلة العراقية بعيدًا عن البحث عن منافع المواطنة وفكرة الوطن والوطنية التي غادرت أفكار الشعب العراقي البائس، الذي يزداد بؤسًا وتخلّفًا وتراجعًا في المدنية والحضارة والتقدّم بحسب ما نرى في تكرار ذات الحالة في المناسبات الدينية والزيارات الإمامية التي تعطّل الدولة وتغلق شوارع المدن ومنها العاصمة بغداد بطريقة لا ترقى إلى التمدّن والحضارة، بقدر ما تشوّه صورة البلاد وتجعل من الشعب يركض وراء جلاّديه بمثل هذه الوسائل والمناسبات.
ناهيك عن التزام البعض الآخر والتصاقهم بالفكرة العشائرية التي تطبع توجهاتهم بحسب ما يفرضه منطق العشيرة والقبيلة وتحت مسميات اجتماعية وأخرى لا تخرج عن هذا الإطار الضيّق، ليصعد بالتالي مَن لا يجيد دور وأهمية المؤسسة التشريعية في رسم سياسة البلاد ووضع الخطط وإدارة البلاد وفق منهج علمي مدروس لا يخلو من المدنية والتطور في الحياة اليومية والاجتماعية.
أية خيبة أمل هذه في معظم المرشحين وفي كتلهم الثقيلة على كاهل الوطن والمواطن؟ ألمْ يكن أجدر بالمرجعيات الدينية، وهي صاحبة الرأي والقرار أكثر من غيرها، أن تتفاعل مع رغبات الشعب وصيحات الشارع التي دوت منذ أكثر من أربع سنوات في تظاهرات الجمعة مطالبة بضرورة تغيير في الوجوه الكالحة التي أرهقت ميزانية الدولة وعفّرت حياة المواطن بسوء الخدمات وعقّدت المشهد السياسي أكثر وأكثر؟ أم إنّ ما يجري في هذه الجولة الجديدة من انتخابات السلطة التشريعية القادمة، هو تحصيل حاصلٍ باتفاقات الساعات الأخيرة بين المتشاركين في الكعكة وتمرير ذات التوجهات الطائفية بهدف استمرار إحكام السيطرة على مقاليد السلطة وعلى مقدَّرات الدولة، وأنّ ما صدر من دعوات على المنابر بضرورة التغيير لا يعدو سوى ذرّ الرماد في العيون حفاظًا على المكتسبات الطائفية قبل أيّ شيء؟
هذه دعوة ملحة، للشعب المغلوب على أمره، أن يعي حجم الكارثة في حالة تكرار ذات الأخطاء السابقة بانتخاب ذات الوجوه التي أوصلت البلاد والعباد إلى هاوية الإفلاس والتأخّر والتخلّف في كلّ شيء. فالمؤمن لا يُلدغ من جحرٍ مرتين. فكم بالعراقيين وقد لُدغوا مرارًا وتكرارًا من دون أن يصحوا من سباتهم البائس وينهضوا من نومهم العميق!


8
هل يتدخل الله في حياة البشر؟ وكيف؟
لويس إقليمس
بغداد، في آب 2017
قد يختلف مفهومُ البشر ورؤيتُهم حول الطريقة التي يتدخل بها الله الخالق في حياة الإنسان، عبر الوسائل المتعددة التي عرفتها البشرية منذ نشأة الخلق. ولعلّ من هذه الوسائل، ما عرفته وأقرّته بعض الأديان التي تؤمن بقدرة السماء وخالق الأكوان لحصول مثل هذا التدخل. فقد تشكل المعجزاتُ جزءًا مهمًّا لمثل هذا التدخل، نظرًا لما لصدى الأعجوبة (المعجزة)، وما تعنيه هذه في طبيعتها ومسبّباتها وهدفها والنتائج المترتبة عليها، من أهمية في حياة نوعٍ من البشر المؤمن بها، ومنها المسيحية التي تنفرد دون غيرها من الأديان، بقدرة إيمانية جلية المفاعيل، لكونها تتصل بالقدرة الإلهية عبر وسطاء من أبرار وقديسين عاشوا حياة البرّ والتقوى ومخافة الله وخدموا العالم والمجتمعات بكثير من العفّة والنقاوة، وأيضًا بشيء وافرٍ من المحبة والإيمان والرجاء.

المعجزة "الأعجوبة"، علامة بارزة
المعجزة أو الأعجوبة بحسب المعروف عنها، أنها وسيلة أو علامة من علامات تدخل الله الخالق في حياة مخلوقاته من بشر وحيوان ودبيب وما سواها. وهي اصطلاحًا، تتعدّى العقل في نظر البشر، بل تتحدّاه. ومن ثمّ، فهي ليست مقتصرة على حالة شفاء من مرضٍ نادرٍ يصعب معه تفسيرُها علميًا وطبيًا، بل هي قد تنسحبُ إضافة لمثل هذه الوقائع، على ما سواها من أعمالٍ طبيعية مختلفة خارقة تتعدّى المعتاد في حياة البشر. وهو ما يُنسب إلى قوّة خارقة اعتدنا القول بوقوفها خلف هذه الخوارق، ممّا يصعب على العلم والطب وعقلِ البشر تفسيرُه وفهمُه ضمن محددات العقل البشري، مهما سما هذا الأخير وتطوّر. من هنا، لن يكون للطبيعة البشرية وما عليها من علوم مهما تقدمت، فضلٌ في تفسير الأعجوبة، وإلاّ انتفت الحاجة لوصف مثل هذا العمل الخارق بالأعجوبة. وقد تكون الأعجوبة بمثابة علامة مميزة لإعطاء درسٍ معيّن لفئة أو منطقة دون غيرها، بحسب حكمة الله وتدبيره. وبغض النظر عن حالة الشكّ أو اليقين الملفوف بنبرة إيمانية حيال هذا العمل الخارق، يجوز للمرء أن يتساءل: هل يمكن القبول بالمعجزات في عصرنا هذا في ضوء تطوّر العلم بمختلف نوافذه وأشكاله؟ وهل من ثمّة تداخل في حقائق المعجزات التي يعجز العلم عن تفسيرها أو تلك الناجمة عن أعمال سحر وشعوذة؟
للحديث عن الأعجوبة، لا بدّ من إظهار أنّ ما يحصل يفوق قوى الطبيعة. وهنا، لا ينبغي الخلط بين العلم والإيمان، بين الروحيّ والنفسيّ الذي تقرّه أساسيات علم النفس ونظرياتُه وتطور مراحله. في الجانب الآخر، وعن التفسيرات المتاحة لشكل الأعجوبة وطبيعتها وقدرتها الظاهرة، يميل أهلُ الشرق أكثر من غيرهم، للإيمان بالأعمال الخارقة التي نسمّيها بالأعجوبة أو المعجزة. وليس من شكّ في طبيعة مثل هذا الإيمان الذي قد تتسم به شعوبُ بلدان أخرى تعيش في بحبوحة الفكر وارتقاء العلم وتطوّر الزمن. لقد عرفت شعوب المنطقة التقليدية، تدخلَ الله في حياة أسلافهم وحضاراتهم أكثر من غيرهم، بحسب ما يحدثنا به تاريخ تلك الحضارات. ولعلّ الكتاب المقدّس "التوراة"، يحكي لنا الكثير من أمثال هذه التدخلات الإلهية في حياة شعوب الأقدمين. ومن أمثالها، حادثة الطوفان العجائبية التي بها عاقب اللهُ البشرَ خليقتَه بسبب جنوحهم. ومثلُها عقوبتُه لشعبه اليهوديّ المختار، ولشعب مصر عبر الضربات المؤلمة العديدة التي توخى منها الإصلاح والعودة عن المآثم نحو عبادته ثانية عندما كسروا الوعد.
    عمومًا، أية أعجوبة، لا بدّ أن تقترن بما نسمّيه "الإيمان"، كي يتقبلها الشخص عندما تفوق قدرته على التصديق والتفسير. فأساسُها ومحورُ تفسيرها سيبقى دينيًا وروحانيًا مرتبطًا بشيءٍ من القدسية. والعقل البشري، عندما يعجز عن تفسير عملٍ خارق، حينئذٍ يأتي دورُ الإيمان الذي يغذّيه الدّين أو المعتقد الذي يتدخل لتوضيح ما حصل من فعلٍ خارق، وتسهيل فهم البشر بموجبه للفعل القائم الحاصل الذي يعدّه البعض "نعمة" كبرى من لدن القدرة الإلهية الخارقة، تجاه شخصٍ أو شريحة من البشر تعيش ظاهرةً غير طبيعية من عطاء الله لفترة أو حقبة غير محددة المساحة أو الإمكانية. ولئن كانت شعوبٌ أخرى خارج حدود منطقة الشرق قد عرفت مثل هذه الظواهر والأعمال الخارقة، كبلاد اليونان القديمة والصين وشعوبٌ غيرها، كما يحكي التاريخ، إلاّ أن هذه قد اتخذت طابعَها الروحي المقدّس عبر الأعاجيب التي اجترحها عيسى بن مريم "المسيح" في زمانه. وبسببها آمن به كثيرون وساروا خلفَه، مدفوعين بإيمانهم بقدرته وحكمتِه وقربِه من الله الخالق، ابيه السماوي. بل صاروا يتبعونه حيثما يسير ويتجه ويتنقل في مدن وقرى فلسطين في حقبة حكم القيصر على المنطقة، متشحين بهذه القوة الإيمانية به. وهذا ما كان يقولُه المسيح للذي يُشفى "إيمانُك قد خلّصك". وفي الشرق اليوم، عمومُ الكنائس الرسولية الأصيلة، كاثوليكية وأرثوذكسية ونسطورية، تقرّ بهذا الجانب وتكرّم القديسين والأبرار الذين على أيديهم حصلتْ معجزات منذ نشأة المسيحية. كما تكرّمُ أجساد القديسين الذي احتفظوا بأشكالهم وهيئاتهم، وترى فيها معجزات إلهية تستحقّ التكريم والاحترام.

الأعجوبة في نظر الأديان
يحدثنا التاريخ، أنّ بعضًا من أصفياء الله، قد قاموا بأعمال خارقة، شبيهة بالتي قام بها المسيح، ومنهم الأنبياء الذين كانوا يتحدثون باسم الربّ، كما يشير الكتاب المقدس. فإيليا مثلاً، هو الآخر أقامَ الموتى. وموسى بعصاه السحرية، شقّ البحر الأحمر لتسهيل عبور الإسرائيليين "شعب الله المختار" الذي كان زاغَ عن عبادته ودعاه للعودة إلى حياة البرّ والتوبة وعبادته هو وليس غيره لكونه ربَّهم الحقيقي. لكنَّ اجتراحَ الأعاجيب والمعجزات كانت بدأتْ عهدًا متميزًا مع قدوم المسيح، ومن بعده الرسل والقديسين بفضل الكرامات والشفاعات التي منحهم إياها ربّ الأكوانُ. فاللهُ لا ينسى عبادَه ويركنهم من دون تكريم ولا تذكار أو تذكير بالصنيع الطيب الذي فعلوه في حياتهم وبتمجيدهم إياه. وما فعله المسيح من معجزات ماثلات وبيّنات واضحات من شفاء للعديد من الأشخاص المبتلين بأمراض متنوعة ومستعصية ومن إقامة للموتى من أمثال لعازر، ومن تكثير للخبز والسمك على الشاطئ وسط الجموع المحتشدة لسماعه، وتكثيره الخمر في عرس قانا، وأخرى غيرُها، كلّها خير شاهدٍ على قدرته الإلهية التي تميّز بها والتي لم يرتقي إليها غيرُه. بل إنّ ما ادّعاه ويدّعيه غيره من الأنبياء الكذبة باجتراح معجزات، يدحضه التاريخ والعلم والواقع على السواء.
إنَّ نظرة سريعة إلى سلوك وأبجديات بعض الديانات أو المعتقدات أو المذاهب التي عرفتها الإنسانية، ندرك من خلالها، عدم إقرار بعضها بفاعلية المعجزات على أيدي أولياء الله، ولا بكينونتها أو وجودها. وهذه بمعظمها، تنسبُ كلّ شيء خارق، ربّما للأقدار، أو أحيانًا للقدرة الإلهية دون غيرها، وما هؤلاء الأولياء والأبرار من البشر الذين تجري على أيديهم هذه البيّنات سوى وسطاء ضعفاء لدى الله. فالإسلام مثلاً، لا يقرّ بشيء اسمُه معجزة إلا القرآن الذي يُعدّ إعجازًا بيّنًا دون سواه. والبوذية، تنسبُ الأحداث الخارقة التي تصاحب حياة أتباعها، إلى وجود قدرات عجائبية ناجمة في الأساس عن عمل داخليّ ذاتيّ ليس له شأنٌ بتدخّل آلهة (إله) خارجية. فيما عند الهندوسية، تظهر المعجزات باعتبارها أمورًا شاذة خارجة عن المعتاد وليست بمثابة مظاهر اعتيادية من العلاقة القائمة بين الأشياء. فمن الممكن، بحسب البعض، لمن يمارس رياضة اليوغا المعروفة في هذه الديانة، أن يحصل المعلّم على قدرات فائقة تصل لوصفها بالمعجزة، مثل القدرة على تقليل الطول والحجم وبلوغ خفّة الريش في لحظة من اللحظات. أمّا اليهودية، فهي توقن بكون الله هو "الشافي الحقيقي"، وأنّ أيّة معجزة تحصل، تشهدُ لقدرته وحده وليسَ لغيرِه. كما أنها لا تنكر الخوارق التي قام بها الأنبياء، كما يصفها التوراة، بل تنسب أمثال هذه الأعمال وغيرها ضمن تقليدها، إلى شاكلتها على عهد الأنبياء من أمثال إيليا وإليشاع. إلى جانب كلّ هذا، فإن بعض الفرق المسيحية، مثل البروتستانتية عمومًا، لا تقرّ بشيء يُسمى بالمعجزة، لاعتقادها بأنّ الإيمان ليس بحاجة إلى معجزات، ومن هنا كان رفضُها لهذا الجانب.

الأعجوبة في الكنيسة الكاثوليكية
ليس مثلَ الكنيسة مَن دافع ونظّم ودقّق بالأعاجيب التي عزّزت مسيرة المسيحية وأتباعها وحفظت كرامات الأبرار والصدّيقين والقدّيسين من أصحاب الشفاعات والكرامات. فقد رافقت مثلُ هذه الأعمال الخارقة حياةَ الكنيسة منذ نشأتها بعد صعود المسيح إلى السماء وجلوسه عن يمين الآب السماوي وإرساله المعزّي، الروح القدس الذي ثبّتَ الكنيسة ورجالها في تلك الحقبة الصعبة. وقد تواصلت أمثال هذه الأعمال الخارقة من شفاء للمرضى وإقامة للموتى، منذ عهد الرسل الأوائل، وعلى مرّ التاريخ والظروف، زمانًا ومكانًا. فكان للقديسين مكانة متميزة وسط مجتمعاتهم وكنائسهم. بل إنّ دورَهم في تعزيز دعائم الإيمان حبًا بالمسيح وعروسه الكنيسة المقدسة، يُعدّ مكمِّلاً لعمل ربهم ولعمل الروح القدس وسط الأمواج العاتية من أنواع الحقد والكراهية وأعمال البطش والقتل والتنكيل التي تعرّضت لها هي ومؤمنوها عبر التاريخ، وماتزال شاهدة وشهيدة لغاية الساعة. وبحسب السجلّ الرسميّ للأعاجيب التي أقرّتها الرئاسة الكنسية الكاثوليكية مثلاً، طيلة حقبة القرون الأربعة المنصرمة، وبالأخصّ الشفائية منها، هناك ما يربو على 1100 حالة دخلت دارة الأعجوبة، بتسجيلها بمثابة شفاءات خارقة عجزَ العلمُ والطبُ تشخيصها وتفسيرَها، ولاسيّما مثل أمراض الشلل والسرطان صعبة الشفاء عادة، إضافة لأكثر من 100 حالة أخرى وُصفت بالعمل غير الطبيعيّ الذي يعجز وصفُه.
تأتي مدينة لورد بالدرجة الأولى، ضمن المناطق أو المدن التي يقصدُها أصحاب الحاجات والأمراض المستعصية، محمّلين بالإيمان واليقين بقدرة السماء على تحقيق أمنياتهم المصحوبة بالصلاة والثقة بمَن يلتجئون إليها. فقد أضحت لورد ظاهرة عالمية تستقطب هؤلاء، وكذلك غيرهم من الواثقين والمؤمنين بقدرة السماء كي يروا بأمّ أعينهم تلك الحشود التقية التي تصلّي وتضرع، طالبةً مواهب الروح وشفاعة العذراء للنقاهة من عاهة أو التخلّص من معضلة، قد تكون شفاءً للروح والجسد والفكر معًا. وبطبيعة الحال، هناك مزارات أخرى كثيرة حول العالم تستقدم زوارًا وحجّاجًا بقصد معاينة مواقع حصلت فيها أعاجيب عبر التاريخ، ومنها بلدتا فاطمة وساليت في فرنسا حيث ظهورات العذراء لفتيان وفتيات، غالبًا ما كانوا بشبه رعاة بسطاء يتفقدون المروج رعيًا للماشية. كما نالت مدينة ميديوغوريه في البوسنة حظًّا وافرًا من اهتمام الزوار منذ الإعلان عن ظهورات للعذراء في عام 1981، وكذلك مدينة غوادلوبي في المكسيك التي يُشار إلى ظهور العذراء فيها لمواطن هندي في عام 1531. وقصّة هذه المزارات لا تختلف عن تلك التي أتينا على ذكرها. فجميعُها تشترك بظاهرة ظهور العذراء مريم لأشخاص أدلوا بشهاداتهم وقد وثّقتها الدوائر الكنسية، فاكتسبت صفة مزار واستقطبت الملايين سنويًا، كما حققت شهرتها بحصول أعاجيب شفاء عجز العلم عن فهمها وتفسيرها.
إلى جانب هذا النوع من المعجزات أو الأعاجيب، يقف بعض العلماء منذ السبعينات من القرن الماضي، في حيرة أمام نوعٍ آخر من أعمال خارقة وغاية في التعقيد، لاسيّما ما يُنسب إلى زوال عفويّ لآثار أمراضٍ غير قابلة الشفاء من أنواع السرطان الذي مازال الطبّ الحديث والقديم على السواء، عاجزين عن مجاراته وتقديم أدوية شافية منها. فعندما يختلط مفهوم الروحي والجسدي في مثل هذه الحالات، يجد الطب المعالج نفسَه خارج هذه السياقات وما يترتب على ذلك من تفسيرٍ مقنع باعتباره ظاهرة يصعب التنبّؤ بها وبنتائجها. ومع مطلع القرن العشرين، هناك مَن يجد أنّ الطب الوضعي القائم على منهج علميّ معروف دوليًا، وبما تيسر له من بيانات آمنة وقوية، قد أخلى الطريق لنوعٍ آخر من علوم طبية وجدها أكثر نسبية وواقعية بفعل تأثيرات وتحكّمات جانبية كثيرة، تفترض نوعًا من الريبة وضعف اليقين بما يرى ويسمع، بحسب العالم الاجتماعي Laëtitia Ogorzelec-Guinchard، الذي تطرّق في أحد مؤلفاته عن معجزات لورد المعترف بها والمثبتة بموجب لجان المعاينة والكشف والتحقيق والتدقيق.
ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، ما هو موقف الكنيسة من مثل هذه المعجزات؟ وهل يمكن لها أن تصدّق كلَّ ما يُروى أو يوصف من دون دليلٍ أو تحليلٍ أو رأي علميّ؟ الكنيسة كانت منذ البدء تنظر إلى هذا الملف بعين النباهة والحرص والتمعّن والحذر الشديد. إزاء حصول مثل الطلبات أو الظواهر، تكثّف السلطات الكنسية في الكنيسة الرومانية من تدقيقها ولا تعبأ بأنواع الخداع أو التشويش التي قد تحصل أو تُثار. وهي تتخذ الإجراءات اللازمة التي تضمن تحقيقات كثيرة ومتشعبة وتؤدي زيارات وتستقبل شهود عيان وآخرين لهم صلة بما رأوا وسمعوا وعاينوا وشهدوا، مقترنة بالرأي الطبي النزيه الصادر من لجان متعددة تُشكَل لمثل هذا الغرض للوقوف على طبيعة الحالة وحيثياتها وموجباتها وفحص كلّ ما من شأنه المساعدة على التقييم وإصدار القرار الصحيح، طالما أنّ القرار أضحى خاضعًا لعمل قضائيّ وقانونيّ، وليس بيد فريق دينيّ أو كنسيّ فحسب.

لورد، لجنة طبية لفحص المعجزات
إن الكنيسة، تلافيًا لأية مهاترات أو إشاعات مغرضة لأي سبب كان، سواء بسبب هجمات مضادّة للكنيسة وعملها أو انتقادًا أو انتقاصًا من قيمة هذه الأعمال الخارقة التي ترقى إلى المعجزات، ومن أجل وضع حدّ للمشككّين بما يجري، فقد ارتأت السلطات الكاثوليكية في روما، تشكيل لجنة مختصة أو مكتب طبيّ في حينها أي في سنة 1883 في مدينة لورد الفرنسية حيث جرت العديد من الشفاءات الأعاجيبية. وما يزال هذا المكتب قائمًا يزاول نشاطه ومسؤوليتَه لغاية اليوم. وهناك مَن يجد أن مثل الإجراءات قد طالها نوعٌ من الاحتياطات المفرطة، بسبب تعقيدها وقساوتها بعض الشيء من جانب السلطة الكنسية العليا.
عمومًا، يمكن القول، أنّ عمل هذا المكتب قد طرأ عليه شيءٌ من التحديث في جمع المعلومات وفي التحليل والتدقيق والفحص وإصدار القرار، كي يتوافق مع ظروف العصر. وهو يعتمد على ثلاث ركائز أساسية لتقرير حالة الشفاء بأعجوبة من عدمه: شفاء غير متوقع، شفاء مؤكَّد، وشفاء عجائبيّ بالمعنى القانونيّ للحالة المشخّصة. وفي الوقت الذي كان من ضمن معايير اللجنة الأولية القديمة المشكلة في لورد عام 1734، عدم خضوع المريض مثلاً لأي علاج أو دواء، انتفى مثل هذا الشرط ضمن شروط المكتب الطبّي الجديد، كي يساير العصر. فالمعجزة من الممكن أن تتأكد أكثر عندما يرى الطبيب أو المريض نفسُه أنَّ الأدوية الموصى بتناولها لفترة طويلة نسبيًا لم تأتي بفائدة، وأن شيئًا خفيًا شعر به المريض في حالة لجوئه لشفاعة قديس أو بارٍّ يقدّم له شيئًا من الإكرام، كما يحصل مع طالبي شفاعة العذراء مريم مثلاً. يضيف الطبيب Patrick Theillier، الذي ترأس المكتب الطبي في لورد في فترات سابقة، بأنّ ما يحصل من أعمال شفاء نفسية أي داخلية، ينبغي أن يحظى هو الآخر، بالكثير من الاهتمام، لأن هذا النوع من شفاء النفس أكثر بكثير ممّا يحصل بشفاء الجسد والأعضاء البشرية التالفة، إن صحّ التعبير. وهذا النوع من الشفاء غير المرئي وغير المنظور بطبيعته، يُعدّ الجزء المغمور من كتلة الثلج الكبيرة الطافية، بل هي مَن تستحق الاهتمام والنظر بكونها معجزة، لأنها تغيّر الإنسان وتحوّل طبيعة حياته وتمكنه من قلبِها رأسًا iعلى عقب. وهذا هو الأهمّ في الرؤية البشرية.

9
بين سنغافورة والعراق، دروسٌ ومفارقات!
لويس إقليمس
بغداد، في 13 شباط 2018
حكاية علي بابا والأربعين حرامي، وإنْ كانت من صنع الخيال، إلاّ أنها ذات أبعاد أخلاقية واجتماعية لا تخفى على أحد. بل إنّ كلّ مَن يمرّ بجانب الساحة التي تتوسط التمثال الرمز لهذه الحكاية وسط بغداد، يتذكر ما يجري في البلاد من كارثة تعيدنا إلى زمن حرامية بغداد في وصلة مظلمة من الدهور الماضية. إلاّ أنَّ ما يميّز دهاقنة السرقات التي تجري اليوم في أيام الفرهود العراقي المفتوح في عزّ الليل والنهار وأمام مسمع ومعرفة الدولة، حكومة وشعبًا وقضاءً ومراجع دينية وعلمية وأخرى اجتماعية، أنَّ هذه السرقات ليست بحاجة بعد إلى كلمة السرّ المعروفة "إفتحْ ياسمسمْ"، لأنّ خزائن الدولة وثروات البلاد وعقاراتها وممتلكات العباد أصبحت مشاعًا لمَن تسلّقَ السلطة بكلّ الوسائل المتاحة، "الشبه ديمقراطية" منها أو التي شاع فيه أشكال التزوير باستخدام شتى الفنون وأصناف الجنون.
"لي كوان يو"، سياسيّ من سنغافورة، يُعتبر باني هذه البلاد الصغيرة بعض الشيء، والتي لم يكن لها ذكرٌ في التاريخ بين الشعوب المعروفة، إلاّ بكونها من أفقر بلدان آسيا. لكنها بفضله، علتْ شأنًا وتسلّقت أعلى درجات الرقيّ في كل شيء، في البشر والحجر، في الاقتصاد والخدمات، في العلم والثقافة وما سواها من رقيّ وتطوّر إلاّ في الفساد. فقد قرّر هذا السياسيّ النزيه، مع الفريق الذي تولى سلطة الحكم الذاتي في البلاد ضمن الاتحاد الماليزي في 1959، حتى طردها من الاتحاد المذكور وإعلان الاستقلال في 1965، أن يغيّر وجه البلاد وينقلها من دولة نامية تقبع في حضن العالم الثالث إلى دولة متحضرة ومتقدمة في اقتصادها يُحسب لها حساب في مصاف الدول العظمى. كانت تركة البلاد ثقيلة آنذاك، لكنْ بفضل الحكومة النظيفة التي تولّت السلطة فيها، تمكنت من تنظيف البلاد من أدران التخلف والفساد، حيث البداية الحكيمة كانت من أعلى قمة الهرم، أي من المسؤولين في الدولة نزولاً للأدنى في القاعدة.
كانت نظرة "لي كوان يو" إلى الفساد، أنّ التنظيف الداخلي لمعالجة هذه الآفة يجب أن يبدأ من فوق الدرج أي من الأعلى، بالماء كي يجرف الأوساخ الطارئة في طريقه. وهذا كان غير ممكن إلاّ من خلال البدء من أعلى قمة هرم السلطة. وبذلك تمكنت حكومته من اقتلاع الأوساخ الكبيرة بجرف مدمني الفساد وكشف الفاسدين فيها وإرسالهم إلى حيث ينبغي أن يكونوا في غياهب قنوات الصرف الصحي. لقد تيقّنَ هذا الرجل المعجزة من أنّ تنظيف الدار من القاعدة أي من صغار الفاسدين واللصوص، إنّما هو مضيعة للوقت والطاقة معًا، ولن يأتي بالنتيجة الحاسمة. فصغار اللصوص، إنّما يقتدون دومًا بالكبار الذين يديرون اللعبة ويوجهون اللاعبين الصغار ويحمون وعّاظ السلاطين ومَن على شاكلة هؤلاء من المتفذلكين والمنتفعين والمتزلفين والمنفذين لأجندات الأسياد والمعلّمين الكبار. وبذلك قطع دابر الفساد في بلاده، ولم يسلمْ من التحقيق والتدقيق كلُّ "حديثي النعمة" من الذين ظهرت عليهم مظاهر الثراء الفاحش فجأة. وبذلك وضع حدودًا ونهاية إعجازية لظاهرة الفساد واللصوصية، وكان منها مقولتَه: "حينما يسير اللصوص في الطرقات آمنين، فهناك سببان: إمّا النظام لصّ كبير أو الشعب غبي أكبر". ويُقال إنّ "لي كوان يو"، استخدم في فترة حكمه أقصى أنواع الصرامة والمحاسبة بحق المقصّرين والسارقين والمرتشين لغاية تنظيف البلاد تمامًا من أمثالهم. وهناك قصص واقعية تستحق التذكير وأخرى مؤلمة حصلت لمَن سمح لنفسه بالانزلاق في فخاخ الفساد ومصادره. فمَن سوّلت له نفسه ممارسة رذيلة الفساد والرشوة، كانت له الدولة بأجمعها بالمرصاد، وكان مصيرُه السجن أو اختيار طريق الاختفاء والانتحار عوض العيش ذليلاً طيلة حياته. وهذه الأخيرة وغيرُها، تُظهر صحة ما ذهب إليه هذا السياسي الوطنيّ النزيه الناجح في سياسته المتوازنة من أجل صناعة دولة ذات هيبة وسيادة تتمتع إدارتُها السياسية بأقصى أنواع نظافة اليد ونزاهة الفكر ورجاحة العقل وجدارة العمل.
ما أشبه ما يمرّ به العراق اليوم، ليس منذ الغزو في 2003 فحسب، بل منذ نشأة الجمهورية العراقية التي قضت على المَلَكية النزيهة حيث كان فيها رجالات عظام يهتمون بأمر البلاد والشعب، بعيون ساهرة وعقول صاحية وآذان مصغية لصوت الشعب. فهل ننتظر أمثال هذا الرجل النزيه في يده، الرصين في عقله، القويّ في إرادته، العادل في محاسبته لكلّ أشكال الفساد في العراق؟ 
بين فترة وأخرى يطلع علينا مسؤولون في الدولة العراقية، ومنهم نواب الشعب الذين خذل معظمُهم مَن أصعدَهم من مواطنيهم إلى هذه السلطة التشريعية كي يكونوا صوتَهم الصادح ضد المظالم والفساد والباطل، وهم يتفاخرون بما أنجزوه من قرارات وقوانين تحفظ لهم ولمَن في السلطة امتيازات ليس لها مثيل في أرقى دول العالم التي تعتمد النزاهة والجدارة والعمل المثمر الجادّ لصالح الوطن والمواطن. فهل يُعقل أن يتبجّح بعض هؤلاء المسؤولين باستلامهم أكثر من مليار ومائتين وخمسين مليون دينار منذ دخولهم ما يُسمّى بالجمعية الوطنية ولغاية صدور قانون في 2012 يمنع تقاضي عدة رواتب أجازها البرلمان؟ ناهيك عن امتيازات شرائح عديدة أخرى تتقاضى مرتبات خيالية متعددة أجازتها مثل هذه القوانين التعسفية التي أثقلت كاهل الميزانية العراقية في كلّ سنة مالية منذ السقوط الدراماتيكي والغزو الطائش في 2003.
لقد بات البلد كعكة كبيرة لمَن يشتهي انتشال ما يمكنه من فرهود في ظلّ غياب الضمير والحياء وقوة السلطة القضائية منها والتنفيذية على السواء. فبالرغم ممّا يصدر من تصريحات بيّنة تدلي بحقائق تتحدث عن فساد وسرقات عامة وعن تلاعب وتزوير في صفقات وعقود، إلاّ أنّ ما يقابلُها من إرادة فاعلة ومن نوايا صادقة للوقوف بحزم إزاء هذه الألاعيب والجرائم، لا يرقى لمستوى المسؤولية والمواطنة الصادقة. فطالما بقيت ذاتُ الرؤوس المشبوهة تدير العملية السياسية من دون رقيب قوي، صادق، نزيه، صاحب قرار لا يخشى لومة لائم بقول كلمة الحق بوجه الظلم والشرّ والخطأ، ومن دون تردّد أو خوف على مصالحه الشخصية والطائفية والفئوية والحزبية، فالبلاد لن يحدث فيها تغيير ولا إصلاحٌ يُذكر. وها هي ذي ذاتُ الكتل السياسية الفئوية وذات الأحزاب الدينية والطائفية، تعيد تشكيلاتها ولكنْ بأسماء رنانة مدنية جديدة، ظاهرُها زيف الملبس الديمقراطي المدني وباطنُها حيتانٌ دينيّة مصرّةٌ للسير في ذات الطريق المخصص لها لابتلاع الأسماك الصغيرة ولفلفة القائم من تمثيل باقي المكوّنات بحجة الأغلبية السياسية التي استأثرت بالسلطة وهي غير جديرة بإدارة دفة البلاد، بحسب ما كشفته حقائق ووقائع الولايات المتتالية لحزب السلطة الذي لا يختلف عمّن سبقه بوصف حكمه بالدكتاتورية.
هؤلاء أيضًا قالوها: "أخذناها ولن نفرّط بها أو نتنازل عنها"، وكأنها أضحت نظامًا توريثيًّا لكلّ مَن تسمح له الظروف بمسك زمام السلطة في مرحلة طائشة من الزمن. فممّا لا شكّ فيه، أنّ الأحزاب وشبه القيادات السياسية والحزبية والكتلوية التي وُهبت السلطة من قبل الغازي الأمريكي، قد أثبتت فشلها الذريع ولم تخض غمار بناء ما حصل من تدمير بسبب سوء الإدارة وضعف المواطنة وضياع الضمير والرغبة الواضحة بنيل كلّ من هذه وهؤلاء حصته من الكعكة. أمّا مصالح الوطن والشعب المقهور، فهذه ليست من الأولويات. فما هو قائم من بنى تحتية ومن شوارع وطرق ومبانٍ وقوانين وتشريعات مدنية، في أغلبها يعود الفضل فيها إلى حقبة النظام السابق، ولا فضل للنظام القائم الحالي إلا بتدمير ما بناه وحققه نظام الدكتاتورية البائدة.
فهل نعوّل على نتائج مؤتمر الكويت المخيّبة لإعادة الإعمار، ودروسًا إيجابية باتجاه التغيير نحو الأفضل، أم سيسيل لعابُ المتسلطين على رقاب الشعب رابعة وخامسة وعاشرة على مبالغ الاستثمار وعلى مشاريع القروض المتزايدة الإضافية  التي ستزيد من تكبيل البلاد تحت الوصاية الدولية؟ أم ننتظر صحوة جديدة متوثبة للشعب المظلوم الذي يزداد فقرًا مقابل مَن ازدياد الشلّة الحاكمة ثراءً واحتكارًا وامتيازات على حساب الأول؟
    أمّا أنا فأقول، ما كان معوجًّا في أساسه، لن تقوى المناشدات والانتقادات على إصلاحه. وحده، هو الشعب المتوثب الشجاع الواعي الذي بإمكانه تولّي زمام الإصلاح بتغيير الوجوه الفاسدة والزعماء المترفين المترهلين الذين سرقوا ثروات البلاد واستهانوا بعقلية العباد ورهنوا الشعب البسيط الطيّب بفتاوى وحكايات عندما جعلوا من الدّين والطائفة والعمامة والشرع مادة لكسب التعاطف لجانبهم بغطاء ديني وطائفي ومناطقيّ. والردّ على ذلك، لن يكون إلاّ بصحوة جادة من النخب لتطالب بإصلاح السلطة من القمّة وبالتغيير الضروري بدءً بأعلى الهرم وليس من القاعدة، تمامًا كما فعل زعيم سنغافورة الوطني، "لي كوان يو". فمَن هو السعيد المنتظَر ليتولى المهمّة في العراق الصابر الجريح؟ حتمًا، حسب الوقائع الأخيرة والاصطفافات في التحالفات الانتخابية، لن تتوفر فرص كبيرة لرئيس الوزراء الحالي المتردّد الذي خيّب آمال الشعب والنخب حينما لم يستغلّ كلّ الدعم الذي تلقاه من الشعب الذي نادى "شلع قلع" و"باسم الدين باكونا الحرامية"، ولا من التفويض الصريح الذي أولته إياه المرجعية الدينية الرشيدة، ولا من دعاء الثكالى والمهجَّرين والنازحين الذين أمَّلوا بإيجاد حلولٍ لمظالمهم على أيديه وبفضل قدراته وصلاحياته. لكنه وعدَ ولمْ يفي، قالَ ولمْ ينفّذ، شهَرَ تهديده ولمْ يفعّله، رفع إصبَعَه مرارًا فخفضَّه نزولاً لمصالح شركاء العملية السياسية. فالقائد لن يكون قائدًا إلاّ إذا فعل ما قال، ووفى بما وعد، وحاسبَ مَن أخطأ، واستبعد المنافق من حاشيته والكاذب من داره والمتملّق من مجلسه. والعبرة بمن اعتبر.


10
ترامب: دبلوماسيةُ المواجهة تقوّضُ الحقائق
لويس إقليمس
بغداد، في 22 كانون ثاني 2018
قد يكون الزمن خان ذاته في حقب مختلفة من التاريخ، حينما سمح بقدوم قادة يشكلون ألغازًا في حياة البشر والمجتمعات والشعوب والأمم على السواء. سبق للتاريخ أن استقبل قادة عظام طبعوا بصمات هامة في حياة شعوبهم، سلبًا أم إيجابًا، وبالتالي في حياة العالم ككلّ. من هؤلاء، مَن زرعوا ورود المحبة وفرشوا زهور السلم الأهلي ورسخوا خطوات التطور والتقدم نحو الأفضل. وبعكسهم هناك نوع ثانٍ من قادة وزعماء اثاروا الشكوك ونجّسوا الأرض والسماء والماء بزرعهم بذور الفتن وممارستهم أشكال العنف وممارستهم الفساد والسماح لضعاف النفوس من أتباعهم باستغلال بساطة الشعوب وجهلها وضعفها من أجل تحقيق نزوات نرجسية وشخصية أو منافع ضيقة أو مصالح فئوية بعيدة عن الصلاح الذي توصي به الأديان السمحة والمفاهيم المنفتحة التي تقرُّها معتقداتُها المنبثقة عن إرادة السماء الحسنة وشرعة حقوق الإنسان.
من هنا وفي ظلّ هذه التواصيف، يكون الرئيس الخامس والأربعين لأميركا، دونالد ترامب (71 عامًا)، من بين هذه الشخصيات المثيرة للجدل، من التي تزعمت أكبر دولة في العالم. وهو يشكل اليوم لغزًا آخر في السياسة الدولية وفي مواجهة الحقائق والواقع. فمنذ اعتلائه رئاسة أميركا في 20 كانون أول 2017 وخبطاتُه السياسية بين الحين والآخر، تنزل كالصاعقة وسط أمواج هائجة في عالمٍ يزداد توترًا مجتمعيًا واهتزازًا طبيعيًا وصدامًا فكريًا وسياسيًا قد يقود لكارثة لا تُحمد عقباها. والخوف القادم قد يكون من اشتداد توتر رَسَن الحصان الأمريكي وفقدان القدرة الاستشارية للمحيطين به والمقرَّبين منه من الحمائم، ما يُخشى طغيانُ هياجه الكارثيّ غير المأمون على قرارات مثيرة للجدل، ما ينذرُ بالتالي بأزمات مرتقبة من العلاقات المتشنجة بين الأمم والشعوب والدول.
إنَّ بعضًا ممّا يجري اليوم في أروقة البيت الأبيض السياسية، مردُّهُ فقدان الثقة وغياب الحكمة وضعف الرُشد الأدبي والأخلاقي النابع من القيم الدينية الراسخة والنظرة الإنسانية الصائبة في التأسيس لنظام عالميّ عادل تختفي في صفحاته سياساتُ استغلال الشعوب المقهورة والدفع بالبشر نحو البغضاء والكراهية والحروب التي تقوّض السلم المجتمعي، ومن ثمّ لا تخلق سوى الدمار والقتل ومزيد من الضحايا. وربما يعود بعضٌ من دواعي هذه السياسة الاستفزازية المثيرة إلى نشوة النصر غير المتوقع الذي حققه سيدّ البيت الأبيض في سباق الرئاسة، بالرغم من جبال المتناقضات والاعتراضات والشائعات التي رافقت حملته الانتخابية الصعبة وتصريحاته البارودية. فسجلُّه الشخصيّ، كواحد من مليارديرات البلاد، كانت خير حقلٍ للطعن بقدراته في إدارة البلاد سياسيًا، هذا إذا استبعدنا مجال الاقتصاد الذي برز فيه ولاسيّما في مجال العقارات والأسهم.
أميركا اليوم كما بالأمس، بسيادتها على عالم المال والاقتصاد ومَن يقف وراء هذه جميعًا، أثبتت دومًا نظرتها الفوقية على سائر الأمم والدول واستخفافها بغيرها وتطاولَها على كلّ صوت تخرج منه أدوات الاعتراض على سياسات البيت الأبيض ومَن يدعم زعاماته. وهي كانت وماتزال، من خلال استعراضها لهذه القدرات المالية والاقتصادية التي تسيّرُ دفة الاقتصاد العالمي، تفرض ماكنتَها السياسية على غيرها من الدول وتهدّد بعقوبات جمعية وأخرى اقتصادية بهدف تشديد الخناق على إرادات هذه الأخيرة وثنيها عن أيّ مسعى للخروج عن طاعتها وطاعة مَن يقف وراء سياساتها من أسياد العالم المعروفين.
لقد شهد العامُ الأول من تولّي الرئيس ترامب للسلطة الكثيرَ من المتغيّرات في الشأن السياسي لقيادة العالم. ومن هذه التغييرات على وجه الخصوص، تصدّيه العنيد لتحديات ومغامرات دول "متمرّدة" تقليديًا على السياسة الأمريكية، ومنها كوريا الشمالية وإيران، بسبب الاتفاق النووي المعروف وما يلحقه من تخزين وتسويق واستخدام للأسلحة الفتاكة والصواريخ البالستية. أمّا نظيرة أميركا في الحرب الباردة المتمثلة بالدب الروسي ورئيسه المحترف الذي يسعى لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي السابق بالبحث عن مواطئ قدم في مناطق الصراع الدائرة في مناطق عديدة، ومنها منطقتنا العربية والقرن الأفريقي والقارة العجوز بصورة أخصّ، فهي قد أخذت حيزًا كبيرًا في استراتيجية ترامب تجاه هذا البلد بسبب سعي رئيسه كي تبقى بلادُه قطبًا أساسيًا في تسيير السياسة الدولية، بالرغم من محاولات الإعاقة الجارية في كواليس السياسة الأميركية. فقد اتضح مثلاً، تدخل قياداتُ الكونغرس لوضع عراقيل بوجه محاولات إدارة الرئيس ترامب تعزيزَ صداقته مع بوتين، وقد كانت هذه مأمولة ومنتظَرة بعد تحقيقه الفوز على منافسته الديمقراطية وما أُشيع عن تدخل روسيّ في الانتخابات الأميركية.
هنالك اليوم، الكثيرُ ممّا يمكن تأشيرُه من مغالطات وأكاذيب ووسائل تشويه الحقائق والكذب في سياسة ترامب وفريقه. تلكم كانت قناعة السناتور الأميركي الجمهوري بوب كروكر مثلاً، الذي التقاه مؤخرًا في لقاء صاعق. فيما اضطرَّ الأخير لوصفه بشخصية من "وزن الريشة" وب"غير الكفء"، دليلاً على شكوكه بكفاءته. وممّا أضافه بكل صراحة: "أعتقد أنّ الامور التي تحدث اليوم سيئة بالنسبة لبلادنا". ربما يكون مثل هذا الحكم من شخصية سياسية قريبة من مركز القرار الأمريكي، قريبًا من واقع حال ما يجري في دوائر إصدار القرار على الصعيد الداخلي لأميركا. ولكنه بالـتأكيد، يعكس مدى الاستياء من الكيفية التي يُدار بها العالم في هذه الحقبة من قبل سادة القطب الواحد. فيما يرى آخرون أنّ السياسة الخارجية لأميركا هي طبيعية، وهي تسير وفقًا للتعهدات التي قطعها الرئيس في حملته الانتخابية والتي على ضوئها جرى انتخابُه. فهو سائرٌ في تخليص بلاده ممّا أسماه "بالصدأ" الذي اعتراها في حقبة زمن الديمقراطيين وما أتت به من تراجع للبلاد في القدرة على التحكم بسياسة القطب الواحد التي تسعى إليها دومًا زعاماتُ البيت الأبيض، وكذا ما حصل من بلاء وويلات متلاحقة على شعوب كثيرة ومنها شعوب منطقة الشرق الأوسط. وبالتالي، فالزمنُ كفيلٌ بالحكم على سير الأحداث والوقائع والقرارات.
لعلَّ ممَا يمكن الإشارة إليه في هذا السياق، خروجُ أميركا المتواتر دوليًا عن إجماع المحافل الدولية في الكثير من القرارات التي تخصّ قضايا هامة في حياة دول وشعوب. شهدنا مثلاً، اعتراضها على قرارات قمم المناخ وانسحابها من بعضها، وكذلك اعتراضها على الاتفاقات التجارية ونكثها لها. وهذه من الأدلّة على تعالي سادة البيت الأبيض على الإجماع الدولي بسبب سياسة العجرفة وفرض الرؤى التي تتعارض في الأغلب مع مصالح الشعوب المهضومة والمستغَلَّة (بفتح الغاء) والمقهورة التي زادت فقرًا وتخلّفًا في مسيرتها. فأميركا، شاركت في استغلالها لشعوب العالم عن طريق الاستعانة أو السماح بقدوم ساسة وقادة فاسدين على رأس دولهم، بحيث يصعبُ أحيانًا لمثل هؤلاء الزعماء إيجاد طوقٍ للنجاة أو الانعتاق من مظلة السيادة الأمريكية المتعجرفة التي تسعى قبل أي شيء تعزيز مصالحها التي تفوق أية مصلحة أخرى. وتلكم هي قاعدة سائر الدول الغربية التي ما تزال تدور في سياساتها بذات الأفكار الاستعمارية التي طبقت في أزمنة خلت. فالرئاسة الأمريكية الحالية تحمل في جعبتها الكثير من جزئيات الرئاسات المتلاحقة من حيث الفكرة في الترويج والقدرة في المناورة والكذب والحكم. لذا يكون الرئيس ترامب ضمن هذه السلسلة استكمالاً لحقبة أسلافه مع بروز شيء من الغرور الشخصيّ والعنفوان السياسيّ اللذين يطبعان كارزميتَه الشكلية بسببٍ من خلفيته التجارية في مجال الأعمال والعقارات بشكل ملفتٍ للنظر. فهو مثلاً، لا يختلف عمّن سبقه من حزبه الجمهوري بتوصيف كلٍّ من كوريا الشمالية وإيران، ب"محور الشر" من جهة تهديدهما للسلام العالمي، ما يشكل في نظره خطراً كبيراً ومتزايداً. فكما ارتأت إدارة سلفه بوش في أعقاب كارثة 11 أيلول 2001 شنَّ حرب وقائية ضدّ هاتين الدولتين "المتمرّدتين"، كذلك يؤمن ترامب بذات الرؤية، ما يدعم ذلك في تهديداته المستمرة وبكون "زرّه أكبر وأقوى من زرّ الرئيس الكوري"، بعد أن انقلبت المسألة إلى ما يشبه اللعبة أو المزاح.
أمّا الطامة الكبرى، فقد تمثلت مؤخرًا بتحدّي الرئيس ترامب للمجتمع الدولي، حين اعترافه بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل وقراره بنقل سفارة بلاده إليها وتحقيق ذلك قبل نهاية عام 2019، بالرغم من قرارات المنظمة الدولية بحلّ المشكلة المؤرقة ضمن إقرار مشروع الدولتين والعاصمتين. فهذه المسألة الجوهرية، تأتي تأكيدًا لتعهداته التي قطعها في حملته الانتخابية أيضًا. بمعنى أنّ هذا الإجراء وإن بدا استفزازيًا، إلاّ أنه في نهاية المطاف جاء تطبيقًا لتعهداته المقطوعة لناخبيه وكذا للمجتمع الدولي الذي رحّب به رئيسًا كاملَ الأهلية والمعرفة بما قطعه. وبالتالي، فإنّ ما يبدو على أرض الواقع، هو استمرار الإدارة الحالية وتبعيتها لفكر المدارس الأمريكية السابقة التي تطبّعت على ذات النهج الاستخفافي بغيرها من الشعوب، وبالذات التهكم بقرارات الهيئة الدولية التي من بين وظائفها الأدبية والأخلاقية زرع العدل وتنظيم الحياة السياسية وحلّ الخلافات بالحوار والتفاهم والإجماع الدولي، وليس بالابتزاز وفرض الرؤى والسياسات. فقد سبق لعهود رئاسية سابقة أن كانت انتقائية في قراراتها، وعدوانيّة في تحرّكاتها، واستفزازيّة في سياساتها تجاه غيرها من الشعوب، ومنها شعوب المنطقة الشرق أوسطية. فالصراع في المنطقة، ظلّ ساخنًا طيلة السنوات المنصرمة منذ نشأة إسرائيل، وسيظلّ كذلك إلى ما شاءت الأقدار وارتأى الأسياد طالما هناك فرصة بل فرص مؤاتية تهيّء لأجواء مثل هذا الاستغلال بوجود أشباه الساسة والزعماء المنبطحين والتابعين الذين يُؤثرون مصالحَ ضيقة الأفق على مصالح شعوبهم وشعوب المنطقة ولا يهمهم استقرار بلدانهم. ومن قائلٍ، سيبقى الصراع الإسرائيلي-العربي أبديًا لغاية حصول هزّة سياسية قوية أو كارثة طبيعية تحصد الأخضر واليابس ولا تبقي شيئًا ممّا كان وممّا حصل.
إن العالم يعيش اليوم على صوت دقات ما يمكن تسميتُه ب "صراع الفناء" بين الأمم والشعوب. لذا، ليس غريبًا البتة أن يرى البعض في شخصية الرئيس الأميركي ترامب، كابوسَ العصر، وهو نوع من الاستياء الموجَّه لإدارته المثيرة للجدل في العديد من قراراته التي يتضح منها توجُّهُه لقرع طبول حرب كارثية ثالثة، هذا إنْ اختلّ توازنه وقررّ الضغط على الزرّ النووي "الأقوى" الذي يهدّد به هذه الأيام. فهناك بالتأكيد ما يمكن التكّهن بوجود فجوة بل فجوات على الساحة السياسية في هذه الدولة العظمى بين قوى الإدارة الحالية وتلك التقليدية التي فرزتها النخب منذ نشأتها والتي أخذ استياؤُها من سياساته الحمقاء يشتدّ ويزداد بسبب سياسة الاستقطاب المتطرّف التي يتبعها. فشعارُه " أميركا أولاً "، لن يكون ممكنًا في ظلّ سياسة المواجهة مع العالم بأسره. صحيح أنَّ سلفه الديمقراطي قد يكون تواطأ مع أعداء أميركا التقليديين بخنوعه لترتيبات بعض هؤلاء سياسيًا ومنفعيًا عندما خضع بطريقة أو بأخرى أمام تحدياتهم وإصرارهم على برامجهم التي يمكن أن تقوّض فرص السلام إقليميًا ودوليًا. فممّا لا شكّ فيه، يعود جزءٌ من هذه المخلّفات إلى تلك الحقب الأمريكية التي دفعت بعض مناطق العالم إلى صراعات وحروب إقليمية ودولية كانت مكلّفة لأميركا ولغيرها على السواء. ألَمْ يصف في حملته الانتخابية حلفَ الناتو بأنه منظمة عفا عليها الزمن، فيما هدّد بانسحاب الولايات المتحدة منه؟
إننا نعتقد، أنَّ بعضًا من السلوكيات الشاذة أو الخائبة التي يتصرفُ وفقها الرئيسُ ترامب، تفضي بشيء كامنٍ من النرجسية والشعور بعنفوان السلطة والتعالي الزائد إزاء الأشياء والأحداث والوقائع. فهو عندما اتخذ من شعار " إعادة الاحترام لأميركا "، فذلك لا يخلو من حكمة وطنية في كبرياء الأسياد، وكذا من بروز عطش متزايد للسلطة وإدارة الأشياء بطريقة استعلائية تجارية لا تنقصها فظاظة الرؤية والتطبيق العملي في الحياة السياسية والاقتصادية. وإزاء هذه الرؤية نحو الأحداث والخطوات الجريئة والمثيرة على السواء، والمنجزة دوليًا في عهده، كان من الطبيعي أن تُثار الشكوك حول مقدرته النفسية والصحية. لذا سارع البيت الأبيض لينقضَ وينفي كلّ ما أُشيع عن هذه التكهنات، وبالتالي ليبطلَ الشكوك بصحة قواه العقلية، مؤكدًا في الوقت ذاته صحة مؤهلات سيد البيت الأبيض و"استقرار عبقريته" في إدارة البلاد، حتى لولاية قادمة إنْ حصل الفوز بها في حينها. وبحسب طبيب البيت الأبيض فإنّ للرئيس الأشقر، الكثيرَ من الطاقة وإمكانية التحمّل بسبب الجينات غير العادية التي يمتاز بها. فهل تطلعنا الأيام القادمة بشيء جديد آخر عن سياساته بعد طيّ عامٍ كاملٍ في سدّة حكم أكبر دولة وأقوى اقتصاد عالميّ؟


11

زعاماتنا وزعاماتُهم، شتّان!
لويس إقليمس
بغداد، في 5 شباط 2018
قد يرى البعض في الاقتباس والاستشهاد التالي الذي وددتُ أن أُوردَه عن الإنجيل، وبالتحديد في الكلمات التي وردت في رسالة بولس الرسول الأولى إلى تلميذه طيماثاوس (1:3-7)، شيئًا من الغرابة في الربط في عنوان الموضوع مع متنه. فالرسول بولس، يوصي هذا التلميذ مذكرًا إياه بمواصفات الراعي، أي الرئيس الذي يرعى مجموعة من البشر ويقودهم نحو صلاح النفس والعمل بما يديم العلاقة مع سائر المؤمنين من البشر تحت رعيته. يقول في توصيته: "صادقة هي الكلمة: إن ابتغى أحدٌ الأسقفية، فإنما يشتهي عملا صالحا". والأسقفية في الكنيسة أي في المسيحية هي درجة عليا من الكهنوت تسمو في دورها في رعاية الرعايا والشعب المؤمن. ويسترسل في توصياته متحدثًا عن صفات القائد الراعي، "يجب أن يكون الأسقف بلا لوم، بعل امرأة واحدة، صاحيا، عاقلا، محتشما، مضيفا للغرباء، صالحا للتعليم، غير مدمن الخمر، ولا ضرّاب، ولا طامع بالربح القبيح، بل حليما، غير مخاصم، ولا محب للمال، يدبر بيته حسنا، له أولاد في الخضوع بكل وقار... وأن تكون له شهادة حسنة من الذين هم من خارج لئلا يسقط في تعبير وفخ إبليس".
في الحقيقة، رأيتُ في هذا الاقتباس بذرات أصيلة وتوصيات طيبة لمن يسعى للسلطة، دينية كانت أم زمنية. فقد اختلطت المفاهيم وصار الطموح في الجاه والمال والسلطة من دواعي العصر ومن متطلبات الحياة الدنيا بالرغم من التباين في الهدف بين الدينيّ والزمنيّ. فالرئاسة الدينية في الأديان التوحيدية عمومًا، هي كرامة وخدمة واستعداد للتعليم والتضحية والنصح قبل أن تكون سلطة تفرض السطوة وتجذب الشهوة وتمارس الظلم وتوغل في الفساد باستخدام أشكال المداهنة والكذب والدجل.
أنقل في هذا السياق عن الإمام علي نظرتَه إلى السلطة التي قد تختلف فقط في ترتيب الكلمات واختيار الألفاظ التي تدلّ على النظرة الإنسانية للبشر وتفاعل هذا المفهوم مع الرؤية الإلهية للأشياء والوقائع بحسب الزمان والمكان. فقد كان شديدًا في محاسبة الفساد ورفض الباطل. وهذه الرؤية في عمق فحواها مقاربة للتي اقتبستُها عن الكتاب المقدس. فالسلطة عند الإمام علي من حيث الشرعية والبعد الإنساني هي ذات بعدين: إلهي وشعبي، من دون أن تتقاطعا أو تتصارعا. ومن ثمّ فقد تمّ اتخاذُها منهجًا شرعيًا عبر مدرسة سياسية بأبعادٍ إنسانية لتضع وتعيد الحق إلى نصابه وتقاوم الظلم والطغيان وترفض الباطل أيًا كان مصدرُه أو فاعلُه. كما أنها بموجب هذه المسلّمات ليست هدفًا ولا ينبغي أن تكون كذلك، بل وسيلة لإنجاز الحق وخلع الباطل وأهله ومحاربة الفساد وإزاحة الفاسدين. وتلكم إشارة واضحة لرفض أي مذهب أو سعيٍ للاستئثار بالسلطة من قبل ما اعتدنا عليه في مفهوم أحزاب السلطة، كما هو شائع هذه الأيام. فقد أجازت أحزابُ السلطة في بلدان الشرق المسلم عمومًا، والعراق خصوصًا، أجازت لنفسها ولأتباعها فعل ما رفضه وفضحه الإمام علي خلال فترة حكمه، عبر فرض أحكامٍ وسنّ قوانين وتشريعات تسهّلُ لهم استغلال الحكم والاستيلاء على ثروات البلاد وإفراغ خزينة الدولة بأشكال وأساليب شيطانية. 
آن الأوان للتغيير الحقيقي. فقد طفح الكيل وبلغ السيلُ الزبى بسبب تفاهمات المحاصصة الخارجة عن السياق الوطني والمترفعة عن أصول الدستور، بالرغم من عديد الثغرات الخائبة في هذا الأخير. أمّا القوانين والتشريعات الجائرة التي باتت تزكم الأنوف والتي أجاز ممثلو الشعب تشريعَها خدمة لمصالحهم الشخصية والفئوية والحزبية والطائفية، ومنها على سبيل المثال وليس التحديد، قانون العفو العام الذي يبرّئ الفاسد بدعم من كتلته، وقانون الأحوال الشخصية الذي ينتقص من سموّ المرأة وحريتها وكرامتها ويجعل منها عورة في حركتها ومطالبتها بالمساواة مع الرجل، وكذا ما أُشيع عن تشكيل اتحاد للبرلمانيين الذي سنّته السلطة التشريعية بغياب وسائل الإعلام، والذي غايتُه المحافظة على امتيازات النواب وأسرهم مدى الحياة، جلّ هذه القوانين لا تقوم على مبدأ المواطنة ولا تغلّب المصلحة الوطنية العليا ومصالح الشعب. وإنْ صحّت مصادقة رئاسة الجمهورية على القانون الأخير لاتحاد البرلمانيين العراقيين، فهو يعدّ جريمة بحق الوطن والشعب، من حيث استمرار سرقة أموال الشعب وحقوق المواطن والأجيال القادمة عبر امتيازات غريبة وشاذة لا يوجد أمثالُها سوى في بلد مُشاع ومستغَلّ (بفتح الغاء) كالعراق. هذا إلى جانب قوانين غيرها من تلك التي فرضتها المحاصصة من حيث استملاك أحزاب السلطة لميزانيات الوزارات أو المؤسسات التي تديرها ضمن حصتها وتحت تصرّف هيئاتها الاقتصادية غير المشروعة. وهذا من براهين استغلال السلطة من قبل أحزاب السلطة الحاكمة التي غاب عن معظم زعمائها وعن نوابهم الحسُّ الوطني ومفرداتُ النزاهة وطغى على أفعالهم عقدُ الصفقات وبيع المناصب والاستئثار بالمال العام من دون رقيب وسط هَون السلطة التنفيذية والقضائية وضعف الحكومة في مواجهة المافيات وتهيّبها من محاربة الفساد والفاسدين وعدم قدرتها على تنفيذ الوعود بالإصلاح، بسبب هيمنة أحزاب السلطة على مقاليد شبه الدولة القائمة وتفوّق مصالحها على القانون وسموّها على المصلحة العليا للوطن والمواطن. فالمشكلة كما ندرك، ليست فقط بوجود فاسدين في الدولة بل في الإرادة القوية بمعالجة الفساد وعدم القدرة على معاقبة الفاسدين، وفي المراوغة والمماطلة والمساومة مع عصابات الفساد ومافيات السلطة.
لدى قراءتنا للمواصفات الطيبة والصفات المجتمعية الحميدة الواردة في وصايا مار بولس الرسول والإمام علي بخصوص السلطة، نرى أنها قد تنفع في عملية الإصلاح، أيّ إصلاح من دون تحديد الزمان والمكان. فهي نافعة وجديرة بالتطبيق على أيّ راعٍ أو زعيم أو قائد اجتماعي أو سياسيّ أو دينيّ، من حيث قدرتها على خلق نفوس نظيفة في الفكر والتطبيق، وفي الترويج لمجتمعات آمنة، مستقرّة، سليمة في قدراتها العقلية، صحيحة في مسيرتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعلمية والسياسية والدينية معًا.
شهوة السلطة من غرائز البشر عامة، وهي مشروعة، هذا إنْ كانت ضمن حدود القوانين والدساتير التي تقرها الدول والشعوب المتمدنة، ولا تخرج عن اللياقة العامة وآداب المجتمع والقيم العليا للإنسانية والأديان السمحة التي تكفل حياة حرة كريمة للشعوب واحترامًا بين الرئيس والمرؤوس. فللزعامة شروط ومقومات وحدود، وليس فقط ما تأتي به من جاهٍ وسلطة أو امتيازات جليلة تجعل من الزعيم أو المسؤول بطلاً فارغ الجعبة، جلُّ همّه التركيز على مصالحه الشخصية الخاصة ومصالح المقرّبين منه من المتحذلقين ومن مقتنصي الفرص ومن وعّاظ السلاطين الفاسدين.
ربّما تصفح العديدون من مرتادي التواصل الاجتماعي، الحياة اليومية لبعض الزعماء في الدول المتحضّرة، ومنها الغربية على وجه الوصف لا التحديد، أو تابع سلوكيات الحياة السياسية لبعض الزعماء النظيفين في العالم. فالسيدة الأولى في ألمانيا، أنجيلا ميركل شوهدت مرارًا وهي تتبضّع من الأسواق العامة بصحبة زوجها أو أفرادٍ من أسرتها بلا حماية ولا حراسة تُذكر ولا قَطع للطرق ولا إزعاج لصفارات سيارات المواكب التي اعتدنا عليها في بلدنا، وعموم بلدان الشرق ومنها العربية والإسلامية تحديدًا. كما أنّ ميركل وغيرُها من قادة هذه الدول، لا يتلقون خدمات مجانية من دولهم ولا يستطيعون إنفاق أية مبالغ عامة لراحتهم الشخصية أو لنشاطاتهم خارج الحكومية منها. وهم في الغالب يقودون سياراتهم ويتنزهون على راحتهم من دون حمايات ظاهرة في الغالب. فقد شاهدتُ بأمّي عيني نيقولا ساركوزي بملابس الرياضة عندما كان وزيرًا للداخلة وهو يمارس رياضة الركض بصحبة رياضيّ آخر على جانب نهر السين في إحدى زياراتي للعاصمة الفرنسية قبل سنوات. فهل يستطيع أحد من قادة بلادي فعلها اليوم هنا أو في أي مكان آخر من دون فوج من حمايات من خاصته مدججين بأسلحة وبمسدسات تزيّن خاصرتهم وتظهر من خلف بزاتهم الفاخرة؟ أشكّ في ذلك. وهذا رئيس وزراء كندا الشاب، ترودو الذي ينزل إلى الشارع ويجالس الناس في مناسباتهم الدينية والاجتماعية، وآخرها مشاركته في منتدى دافوس وهو يرتدي جوارب بنفسجية عليها صور طائر البط، ممّا أثار موجة من السخرية في وسائل التواصل الاجتماعي. وعند الاستفهام تبيَّن أن الرجل قصد بهذه الحركة في هذا المحفل الدولي الهامّ، المساهمة بدعم مشروع صاحب شركة هذا المنتوج وهو من أصحاب الاحتياجات الخاصة. إنها قمّة الإنسانية والرؤية المتواضعة للأحداث والشعور بحاجة المواطن، أيّ مواطن للدعم والمساعدة. ومن منّا لا يتذكر رئيس وزراء السويد أولف بالما، الذي اغتالته يد الغدر والظلم في شباط 1986 وهو خارج من دار السينما بصحبة زوجته مثل باقي المواطنين من دون حمايات ولا سيارات ولا حاشية. وهل ننسى المناضل نيسلون مانديلا الذي رفض أموالاً مقابل نضاله، وقد عبّر ذلك بكلماته المضيئة " إذا قبضتُ ثمنًا لنضالي، أتحول من مناضل إلى مرتزق". أو رئيس وزراء سنغتفورة الحديثة لي كوان يو، الذي اختار خدمة شعبه ووطنه، ونقلَ بلاده إلى مصاف أفضل عشر دول اقتصادية في العالم، بتجنّبه خيارًا ممجوجًا آخر كان من الممكن أن يدخله وأسرتَه في تاريخ أغنياء العالم بترك شعبه في العراء وبلاده ترزح تحت نير الفقر والتخلّف، لكنه اختار الخيار الأول. هكذا هم الزعماء العظماء!
كيف لنا أن نقارن هؤلاء بما لدينا من بعض زعامات ورئاسات وأرباب السلطة. لا أقصد النزيهين والمفعمين بحب الوطن وشعبه، ممّن يعرفون أنفسَهم، ولا يتباهون مثل أندادهم الذين يحلّلون المحرَّم ويتجنبون المحلَّل والرزق الحلال الذي توصي به أديانُ السماء وينصحُ به الرجالُ التقاة المتعفّفون، عملاً بوصايا الله الحسنة. فشتان ما بين أولئك وما لدينا من النماذج الفاسدة في أيامنا هذه. فبعضُ زعاماتنا، أستميحهم عذرًا، مثال صارخٌ للبذخ والإسراف في كلّ شيء، والخروج عن وصايا السماء والأئمة الأطهار والأنباء الأصفياء والمتعففين من القديسين وطيبي النيات. إنّما بعض زعاماتنا، تقبل النهبَ من المال العام وتعدُّه حلالًا زلالًا عليهم طالما هُم في السلطة. فهذه الأخيرة، بحسب قناعتهم القاصرة، تفوّضُهم التصرّف الحرّ غير المحدَّد بالمال العام وبثروات البلاد والعباد عبر التلاعب بمقدرات الدولة والحصول على المقاولات والعقود لهم ولزبانيتهم من التابعين لهم من دون وجه حق. أليس الصراع بعدم التمكن من إقرار ميزانية 2018 يدخل ضمن هذه الممارسات؟
السلطة لدى بعض زعاماتنا ناقصةِ الرؤية وعديمةِ الخجل والحياء، تتيح لهم أشكالَ التباهي والتعالي بالمناصب وما يمكن أن تأتي به من إيغال في أنواع السلوكيات اليومية غير النزيهة التي تشمئزّ منها النفس البشرية، وكذا في أشكال الفساد الذي تنهى عنه الشرائع الدينية وترفضه القوانين الوضعية وتدينه المجتمعات الإنسانية. فعندما يقبل مسؤول في الدولة، في أية مرتبة أو منصب، أن يكون متعاليًا ومترفعًا عن المواطن الذي ائتمنه عندما قصد صندوق الاقتراع وتجشم عناء الانتخاب ليساعد في تشكيل حكومة تعنى به وبأمثاله وتعالج مطالبَه وتنظر في احتياجاته، فهذا قمّة الدناءة وعينُ الإسفاف والاحتقار الموجَّه نحو عامة الشعب الذي هو مصدر السلطات. ومن ثمّ، فالتخويل الذي منحه صاحب الصوت لهذا المسؤول الذي ارتقى المنصب والذي لولاه لما بلغه، ينقلبُ عليه غضبًا وبغضًا وشجبًا للتصرفات والسلوكيات الشاذة غير المبررة التي اتخذها هذا الزعيم أو هذا المسؤول أو هذا الحزب أو هذه الجهة وهي في سدّة الحكم الجائر.
للأسف، من عادة الشرقيين أن يبجلوا قادتهم ويصفقوا لزعمائهم، حتى لو كانوا من الفاسدين ومن أصحاب السوابق ومن الفاشلين، لأسباب عديدة، منها عدم نضوج الثقافات لدى الكثيرين منهم، وقصر النظر في رؤية الأشياء، وضعف الحكم على نوعية البشر، والخوف القاتل في النفوس الضعيفة، والخجل من قول كلمة الحق، والأعراف العشائرية المتخلفة التي تحدّ من الاعتراض على أرباب السلطة، وأخيرًا وليس آخرًا بسبب طبيعة المجتمع الشرقي الذي يحبّ الأقوياء ويصفّق للجلاّدين ويرحب بالفاسدين رغم إدراكه أحيانًا للخطأ الذي هو واقعٌ فيه. وليس أكثر مرارة وعلقمًا أن نرى شرائح من مجتمعاتنا تعيش الفقر والفاقة والمرض وتقطن العشوائيات وبيوت التنك والطين والكرفانات، وهي راضية أن ترى طبقة مترعة تعيش في عالم آخر، تسكن القصور المترامية والبيوت العامرة والسيارات الفارهة، وتتمتع بأطيب الأطعمة في مطاعم العواصم الكثيرة التي يتهافتون عليها، وتشتري أرقى النستلات والمشروبات التي تبحث عنها في تلك البلدان. وإنّي هنا، لا أجد تبريرًا لسكوت المواطن السوي الذي يتفرّج على هذه السلوكيات صاغرًا وقد فقد كرامتَه واحترامه وصحتَه، ثمّ ليأتي ويعيد ذاتَ الخطأ في كلّ دورة انتخابية؟
إنّ الوطنية الصحيحة كما الديانة الحقة والمبادئ الإنسانية الأساسية لا تفرض على المرؤوس أنواعًا من الخنوع والخضوع والانبطاح أمام الزعيم والرئيس والمسؤول غير النزيه، مهما سما هذا في منصبه وعلا في قدره. فالمسألة تكمن في أساس الحياة التي حباها الخالق لبني البشر وبأهدافها ووسائل العيش فيها عبر سلّة متكاملة بين الرئيس والمرؤوس على اساس الاحترام والمساواة وصون الكرامة، وفق قانون الطبيعة الذي يرسم العلاقة المتبادلة الصحيحة بين الاثنين. وهذا جزءٌ أساسٌ من حقوق المواطن في أيّ بلدٍ يقيّمُ مثل هذه العلاقة بين الشعب والسلطة من دون أن يخنق الشوك والحسك ما تبقى من ورود وأزهار البلاد.
قالها الصحابي أبو ذر الغفاري: "كان الناس ورداً بلا شوك، فأمسوا شوكاً بلا ورد."



12
دور النخبة في بناء الدولة المدنية
لويس إقليمس
بغداد، في 5 كانون ثاني 2018
لم يتمكن قطار الدولة العراقية أن يصل بعد إلى محطة الأمان والاستقرار والبناء وإعادة نسيجه الاجتماعي المتفكّك، بالرغم من الإعلان الرسميّ "غير الواقعيّ" لانتهاء العمليات العسكرية ضدّ تنظيم داعش الإرهابي. فالفكر الداعشي التكفيريّ بشتى وسائله ما زال يعشعش في بنية الدولة ومؤسساتها وخدماتها العامة والخاصة بأشكال وطرق شتى. وهو سيظلّ كذلك، ما لم يتمّ تخليص البلاد والعباد من شلّة الفاسدين وداعميهم، وكذلك فك القيود من مسألة شرعنة مبدأ المحاصصة الذي أضحى قانونًا بحدّ ذاته، يصعب على الشرفاء والوطنيين الغيارى اختراقه ودحره وفرض سلطة الدولة والقانون كي يحظى كلّ ذي حق بحقوقه وينال ما يستحقه من امتياز مواطنيّ، ليس منّة بل كحقّ من حقوقه المشروعة التي تفرضها مواطنتُه وكفاءتُه وجدارتُه. وقد صدق دولة رئيس الوزراء حيدر العبادي بتحذيره من عودة داعش في حالة عدم القضاء على اصول الفساد وتجفيف منابعه.
في الوقت الذي يقترب فيه العراقيون من استحقاق انتخابيّ في مطلع أيار القادم والذي قد يكون مفترقًا للطريق الفاصل في حياة الشعب والدولة، لا بدّ من مراجعة ذاتية تقوم بها كلّ الفصائل الوطنية والنخب المثقفة للتعريف بمخاطر بقاء ذات الوجوه الفاسدة التي نهبت وسلبت وأرعبت وأخّرت تقدّم البلاد بوسائل لا تُحصى ولا تُعدّ، وجلبت الوبال والدمار والتفكّك وساهمت في تراجع بناء الوطن الواحد وفي فتح جراحات كثيرة ومتنوعة. هذا هو الوقت الصعب لتقرير مصير البلاد: إمّا بناء دولة مدنية قوية متماسكة بعيدة عن الطائفية وعن صراعات المنطقة ومشاكلها وغير تابعة لهذه الجهة أو هذا المعسكر أو هذا التحالف أو تلك الدولة، أو قراءة الفاتحة على شيء اسمُه "وطن" و "مواطن" و"وطني". لذا على الأحزاب الوليدة النابعة من خضمّ الخبرات المتكونة منذ السقوط في 2003 وتلك المحتكمة إلى سلطة القانون والمؤمنة بسيادة الدولة وليس العشيرة والحزب والدين والطائفة، أن تتصرف وفق السلوك الذي يمليه عليها واجبُها الوطني والأخلاقي والحضاريّ والإنسانيّ معًا، عبر تحالفات صادقة ذات بُعد وطنيّ بنّاء ممّن تحمل في جعبتها مشروعًا صالحًا للبناء والتطوير والإصلاح والتغيير نحو الأفضل. فالفرصة أمامها مفتوحة لإحداث التغيير المرتقب، بعد الذي جرعه الشعب والوطن والمجتمع من وجوه القتامة والشؤم والغفلة.
هنا يأتي دور التيارات الوطنية والنخب المثقفة، والعلمانية "المستقلّة" منها على وجه الخصوص، تلك المؤمنة بدولة مدنية لا تخلو من بذور التقوى والرحمة والمحبة والخير والعدل والمساواة والصلاح، وليس بدولة دينية طائفية تتستر على الفساد وتحمي الفاسدين، كما هي الحال قائمة منذ التغيير مثار الجدل في 2003. وعلى هذه القوى المتصاعدة أن ترفع صوتها عاليًا وتتجرّأ بتحذير الشعب وطبقاته الفقيرة المجروحة بخاصة، من الوقوع في حبائل وفخاخ ذات الجهات الدينية الطائفية والحزبية التي استغفلت عامة الشعب باسم الدين وسرقت ثروات البلاد في عز الليل والنهار (باسم الدين باكونا الحرامية) وطيّرت فرحة الأكباد والعباد وكمّمت وجه البنات والسيدات، تمامًا كما أثبتت فشلَها في تمثيل الشعب وفي بناء الوطن وتقديم الخدمات وفي مسيرة تطوير البلاد وتأمين سلامة المواطن وصيانة شرفه وعرضه وأمواله وحرية تعبيره وتنقله وحقه في حياة حرة كريمة. فحالة الإحباط القائمة والمتزايدة يومًا بعد آخر بسبب سوءِ أداء السلطات الثلاث، وفشلها بتحقيق تحوّلات هامة على كافة الأصعدة وكذا في الإصلاح، أصبحت حالة يومية تتشابك مع أحداث الساعة، وفق متغيّرات الشارع الثائر الساخن، الذي مازال أسير الكتل الاسمنتية والسيطرات غير الناضجة منتفية الحاجة التي لا ترحم، وكذا بسبب الأحداث السياسية والتفاعلات البينية والعلائقية بين الكتل السياسية والزعامات وأجندات كلٍّ منها، وما شهدته هذه مؤخرًا من تشظيات وانقسامات واتهامات. والخشية من كلّ هذا الحراك التشظوي في هذه الأخيرة وفي اتساع كمّ الأحزاب على الساحة السياسية، أن تكون ضمن لعبة سياسية تجيدها أحزاب السلطة لتغيير الوجوه والمسمّيات والبقاء في دارة السلطة والواجهة من جديد، ولكن بتسميات جديدة ووجوه تتلاعب بمشاعر الناخب الحائر. فالجميع يشجب ويندّد ويستنكر الفساد ويدعو لمحاسبة الفاسدين، ولم نعد نعرف الفاسدَ من البريء. ألعلَّهُ الشعب المسكين الجاثم في بيوت التنك أو أفراد العائلات التي تنبش القمامة لتحصل على ما يسدّ الرمق اليوميّ أم أصحاب البسطات والأكشاك الذين احتاروا في كيفية اللهاث وراء أرزاقهم المتراجعة؟
من جانبٍ آخر، ما يمكن تسميتُه بالعجز القائم في السلطة التنفيذية في التصدّي للانفلات المتواصل في الشارع وإصابة الأهداف المتورطة في أعمال خطف وسطو وقتل وتهديد وما شاكلها، تشكّل اليوم تحديًا آخر يُضاف إلى نصاب المشاكل القائمة بين الأطراف الحاكمة، المشاركة منها والمعارضة، ومن تلك المتهاونة فيها في رصد الجرائم ومتابعة سلوكيات فاعليها والواقفين لها دعمًا وسندًا وتشجيعًا وتستّرًا على فاعليها على السواء. وهذا ينمّ بالتأكيد عن الضعف في مواجهة الحدث الجرميّ والفشل في تقديم الحلول الناجعة التي ينتظرها المواطن البسيط من الدولة، لا يقلّ في أهميته عن الفشل القائم في تحسين الخدمات وسدّ الثغرات الاقتصادية والمالية وبتر منافذ الفساد وأدواته. تواصلُ هذه السمة الفوضوية في الإدارة، التنفيذية منها والتشريعية والقضائية، تفضي إلى نتيجة صائبة وهي غياب الرؤية السيادية وعدم وجود استراتيجية للتخطيط في البلاد، السياسية منها والإدارية والاقتصادية والمالية والعلمية وحتى المجتمعية التي أضحت فريسة للحكم العشائري وأصحاب الميليشيات المتنفذة في بعض المناطق والأوساط، ما يُبعد الدولة عن تطبيق مبدأ القضاء العادل بحق المخالف والخارج عن القانون وغير المنضبط من المنضوين تحت ألوية مسمّيات كثيرة لا حصرَ لها، بحيث ضاع الخيط ومعه العصفور، فأضحينا شبه دولة بلا قانون نافذ إلاّ في حبر الملفات. وتلكم حالة واضحة لا تحتاج لشرح تفصيليّ أو سند توثيقيّ.
ما يحصل على الساحة العراقية، قيام كانتونات وتنظيمات ومؤسسات أشبه بحكومات موازية للحكومة الرسمية، لها ميزانياتُها وسياساتُها التي تفرضُها على الحكومة بفضل ما تتمتع به من سطوة وباعٍ طويل في شبه الدولة الغائصة في بحورٍ من المشاكل التي لا حصرَ لها، كما أسلفنا. ولعلّ الحلّ الوحيد الذي بإمكانه انتشال شبه الدولة هذه وإيصالها إلى برّ دولة ذات سيادة واعتبارٍ دوليّ صحيح، تكمن بتعزيز نهج "السيادة الوطنية" على غيرها من السياسات والوصول بها إلى نتيجة قيام إدارة سياسية واضحة المعالم مستندة إلى شرعية الشعب وتتحمّل المسؤولية الوطنية بموجب تخويل حقيقي من الشعب والفعاليات المختلفة التي لها حق المشاركة في الحكم وإبداء الرأي والاعتراض ومراقبة الأداء الحكومي بكلّ جوانبه. وهذا يدعو إلى اعتماد مبدأ فصل السلطات الذي مازال يعاني من تداخلها ومن تسييس في أدائها وسياساتها لشتى الأسباب والأهداف التي تتقاطع مع طموحات التيارات الوطنية، المدنية منها بخاصّة والشعبية الرافضة التي ترفع صوتَها، ولكن ما من مجيب إلاّ على خجل. من هنا، نجد أنه لا بدّ من رفع مثل هذا الغموض في هذا التداخل غير الحضاريّ والناقص للشفافية في اعتماد مبدأ المساواة وتحقيق العدالة في صفوف العامة والحفنة الخاصة التي استقطبت وسيطرت على مقاليد السلطة وثروات البلاد، وهي بمعظمها غير أهلٍ لها.
أمّا ما تعانيه البلاد من أزمة مالية واقتصادية وديون بسبب سياسة الاقتراض التي لم تتوقف، فمردُّها بالتأكيد، سوء التخطيط والإهمال والتقصير وتفضيل المصالح الفئوية والطائفية على العامة والوطنية والفشل في إقرار استراتيجيات بعيدة المدى، واستنزاف الاحتياطيّ من أموال البلاد في مزاد صرف العملة المتزايد يومًا بعد آخر، بحيث كادت المبيعات تزيد عن الواردات الريعية في بعض الأحيان. هذه الأزمة الاقتصادية شكّلت بالأمس وما تزال تشكل اليوم تحديًا كبيرًا شائكًا في خاصرة الوطن وأبنائه ومستقبل الأجيال التي ستبقى دائنة لسنوات وأسيرةَ للدول المقرضة وشروطها. وهي إن دلّت على شيء، إنّما هي عنوانٌ آخر على سوء الإدارة وضعف القيادة وغياب الاتساق في الجدارة والأهلية وعدم وضع الأشخاص المناسبين من "النخب" من أصحاب الخبرات الرائدة وليس من "حفنات" من الموظفين والمسؤولين من ناقصي الخبرة والرؤية الوطنية والبعد الاستراتيجي في وضع السياسات الناجعة. حتى النزيهون المتبقون في بعضٍ من مفاصل الدولة المتهالكة، يواجهون جبالاً من الصعوبات في تأدية الواجب الوظيفي والوطنيّ، بسبب صراع الإرادات الحزبية والطائفية والعرقية في التشريع وفي اعتلاء المناصب وفي اتخاذ القرارات وفي التنفيذ على السواء. والدليل على وجود تخبّط في معظم أجهزة الدولة، يتمثل بالفشل في تقديم أجوبة أو مقترحات حلولٍ تسهم في ردع المقصّر ومحاسبة الفاسد، وفي توجيه سياسة الدولة نحو برّ الأمان بحيث ينتصر الحق على الباطل، ويسود العدل بدل الظلم، ويُردعُ الفسادُ وصاحبُه وفق القوانين وعدالة السماء، إذا ما اقتضت الضرورة من دون تقاعس. وهذا ما ليس قائمًا في أوساط حكومتنا وسياسيينا وزعاماتنا، لسبب بسيط وهو تعارض محاسبة الفاسد مع منهج التوافق الذي تحميه أطراف سياسية متنفذة في السلطات الثلاث، بحيث أصبح التوافق والتقاسم والتحاصص سمة الحياة السياسية، بل وفوق القانون والدستور.
من هنا، سيبقى مشروع الإصلاح الحقيقي في بنية الدولة، حكومةً ومؤسساتٍ وقوانين، مجرّد أقوال منثورة وشيئًا من الدعاية الشخصية والحزبية مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الساخن، ما يستلزم شنَّ حملة حقيقية هادئة ومركزة، حكومية وشعبية، لا تخلو من الجرأة والأمانة والمصداقية بهدف اجتثاث مكامن الفساد ومحاسبة الفاسدين واسترجاع الأموال المنهوبة ظلمًا وقسرًا وصولاً لإدارة رشيدة لمؤسسات الدولة تكفل خدمة المواطن وتطوير البلاد وانتشالها من براثن الدخلاء عن الوطن والوطنية والبعيدين عن أحاسيس العباد وحاجاتهم ومتطلبات حياتهم الآدمية. فلا خير في إصلاحٍ لا يجدُ المواطنُ النزيهُ والمستقلّ والكفوء فيه مكانةً في إدارة البلاد وفي تطبيق الوسائل الفضلى في تسيير دفة الاقتصاد وصيانة الأمانة في الحريات العامة واستخدام ثروات البلاد في البناء الصحيح وفي تحقيق الرفاهية وتسارع الخدمات وصولاً إلى مصاف الدول المتقدّمة التي تعرف كيف تحترم الآدميين لديها وتحاسب لصوص النهار وسرّاق الليل بداعي المواطنة الحقيقية المفقودة في بلدٍ كالعراق. فقد اتضح بما لا يقبل الشك، أنّ فقدان البلاد جلَّ مؤسساتها الأساسية والبنيوية سببه الأساس سمة الفساد والمفسدين التي أضحت متلازمة في حياة الساسة الطارئين وذيولهم من المنتفعين والمنتشرين في كلّ مفاصل الدولة ومؤسساتها كجزء مهمٍ ضمن جيوش الموظفين العاطلين الذين باتوا يرهقون ميزانية الدولة ويقفون حجر عثرة أمام أيّ إنجاز أو مشروع للإصلاح والتطوير. ومثل هذا الإصلاح يتطلب فعلاً حقيقيًا وجهدًا مضاعفًا على الأرض كي لا يبقى حبرًا على ورق أو مجرّد دعاية لغرض في نفس عيسو.


13
نحو عالم أكثر اعتدالاً وحكمة ورحمة
لويس إقليمس
بغداد، في 8 كانون ثاني 2018
في سابقة فريدة، بادرت قيادات دينية إسلامية محلية وإقليمية ودولية بارزة، بكسر قاعدة تحريم تهنئة غير المسلمين، ومنهم المسيحيين (النصارى بحسب كتابهم) أو التشبه بالاحتفال بأعيادهم ومناسباتهم، بحسب دعوات بهذا الخصوص، ومنها دعوات حديثة العهد.
ما ورد في رسالة التهنئة لمناسبة أعياد الميلاد، التي بعث بها الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، مخاطبًا البابا فرنسيس بابا الفاتيكان والمسيحيين في العالم ينبئ بفتح صفحة، بل صفحات جديدة تدعو إلى احترام الغير المختلف في الدين أو المذهب أو اللون. فمثل هذه الخطوة المتقدمة في الرؤية السديدة والنظرة الثاقبة الواقعية إلى الحياة وإلى مستجدات الأوضاع، من شأنها "ترسيخ فلسفة العيش المشترك بين الناس، وإحياء منهج الحوار، واحترام عقائد الآخرين، ونشر ثقافة التسامح والسلام، وتنقية الأديان مما علق بها من فهوم مغلوطة، وتديّن كاذب يؤجج الصراع ويبث الكراهية ويبعث على العنف"، بحسب الرسالة المنشورة والتي تستحقُ كلّ تقدير وإعجاب وتشجيع. وهي أيضًا تَعِدُ بالأمل بغدٍ أفضل بين الأديان والشعوب. كما أنّ إشادة شيخ الأزهر الموقر بجهود بابا الفاتيكان من أجل "إيقاظ الضمير الإنساني لرفع المعاناة عن الفقراء والبؤساء والمستضعفين في العالم، ودعاءَه كي ينعم الله على البشرية جمعاء بنعمتي الأمن والسلام "، دليلٌ ملموس واعتراف منه شخصيًا، ومن مشيخته دينيًا ممثلاً عن شرائح كبيرة من أتباعه، بما تقوم به الرئاسة المسيحية التي يمثلها رأس الكنيسة الكاثوليكية التي تضمّ غالبية أتباع المسيحية في العالم، والتي تشترك مع أتباع كنائس شقيقة غيرها في نشر ثقافة السلام والحوار والتفاهم والدعوة إلى احترام الآخر المختلف ضمن مبادئ الرجاء والمحبة ووفقًا لإيمان ومعتقدات كلّ طرف.
إنّ احترام الإسلام والمسلمين من المؤمنين والقابلين بوعد الله من عباده الصادقين من غير "المكلّسين" والمبَطَّنين بنيران الحقد والكراهية والفتنة، يُعدّ لهم هذا من "أعمال البر"، وتواصلاً مع الرسالة المحمدية المكمّلة لرسالة المسيح (عيسى) بحسب آراء علمائهم وفقهائهم. فقد ورد اسم المسيح (عيسى) في خمسة وعشرين آية قرآنية، ومنها هذه الاية: "إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ..." (سورة النساء،171). فيما يرى آخرون أنّ مثل هذه العلامة هي "أبلغُ ردٍّ على مثيري الفتن" والمتصيّدين بالماء العكر من ضعاف النفوس ومن المفسدين في الحياة من الذين لا همّ لهم سوى تكفير الآخر من خلال نفث السموم في خطابات تحريضية، جلّ فحواها وقوامها نقل صورة خاطئة عن المبادئ التي يحتكمون إليها بحسب تأويلات وتفاسير خاطئة أو تلك التي عفا عليها الزمن. فهذه، إنْ كانت صالحة في ظرف زماني ومكانيّ معيّن، فهي لم تعدْ كذلك في الزمن الراهن لأسباب كثيرة حتّمتها الحاجة لخلق أجواء إيجابية من العيش المشترك والتآزر والتآخي والجهاد الصالح والبحث عن طرق ووسائل جديدة ومبتكرة في محبة الله والتقرّب من رحمته اللامتناهية ومن خلقه الذين منحهم نفحة الحياة وجعلهم في خانة حُسنِه وجمال صورته واحترامه.
سوف لن أتطرّق إلى احتفالات أعياد الميلاد وبدء السنة الميلادية الجديدة في أنحاء العالم، بل سأقتصر في وصفي وتقديري الإيجابي على بلدنا الجريح، عراق الخير والحضارات والتسامح والعيش التقليدي المشترك. فالكرنفالات الكثيرة المتميزة التي عشناها منذ يوم تحرير المدن والبلدات السليبة التي عاث بها طغيان "دولة الخرافة" لأكثر من ثلاث سنوات، وما لحقها من انتصارات هذا العام بحيث قوّضت ودحرت قدرات التنظيم الإرهابي الهائلة، كانت تلك بالتأكيد من علامات الزمن الحاضر، زمن التعايش وعودة اللحمة الوطنية وصحوة الضمائر الميتة أو النائمة التي انتفضت مؤخرًا مطالبة بالقضاء على كلّ أشكال الفساد المستشري في مفاصل الدولة ودوائرها، كما في الشارع وفي السوق وفي المنازل وفي بيوت الله من دون تمييز ولا استثناء، وبمحاسبة الفاسدين والمفسدين.
أليس فخرًا ونصرًا وطنيًا أن تشهد مدينة كربلاء المقدسة ولأول مرّة، نصب أكبر شجرة ميلاد في أحد المنتجعات بطول ثمانية أمتار مزيّنة بزينة جميلة جذبت الأنظار، تضامنًا مع الشركاء في الوطن من المسيحيين؟ وهذه كانت مناسبة أخرى، لتحفيز الجهات ذات العلاقة بالتراث والآثار في المدينة، كي يُثار موضوع إعادة النظر بالآثار المسيحية التي تغطّي معظم أراضي ومواقع هذه المنطقة المهمة التي كانت قبل قرون خلت من مآثر البلاد، تشعُّ بأنوار المسيحية وبإمارة خاصة بها في الحيرة من آل المنذر، ومنها "كنيسة الأقيصر" التي لا تزال آثارها باقية دليلاً على وجود مسيحيّ راسخ في المنطقة. 
موقف مماثل من المستشار الخاص للرئاسة الإيرانية بشخص السيد علي يونسي، في رسالة تهنئة الميلاد الموجهة إلى رأس الكنيسة الكلدانية، وفيها كلمات مفعمة بالأمل والرجاء والمحبة التي أتى بها مولود مغارة بيت لحم، هديةً إلى العالم أجمع، والتي جاء فيها: "عالم اليوم متعطش الى التفاهم والصلح والسلام والاعتدال والعقلانية، وإن أساس هذه المفاهيم هو في الأديان التوحيدية المبنية على كرامة الانسان والعدالة الاجتماعية... الاعتقاد بكرامة الانسان هو أساس احترام حقوق الانسان والانسجام بين الشعوب." وخلص للقول: "إن رسالة كافة الاديان التوحيدية هي أن نواجه العنف والتعاليم الشيطانية بالتفاهم والمداراة والمروة. تعليم الاديان السماوية هو أن نقبل الاخر ونسعى للعيش بالسلام والمحبة، وللوصول الى هذا الهدف، علينا أن نشجع الحوار بين الأديان لكي نبتعد عن التطرف وكل أنواع العنف."
في طيات هذه الرسالة، نقرأ  ما يصبو إليه كلّ ذوي الإرادة الطيبة والنوايا الصالحة المتطلعة نحو بناء الإنسان وتقويم الفكر وتعزيز النسيج الاجتماعي بين المجتمعات على اختلاف أديانها ومعتقداتها وأعراقها. هكذا تُبنى الحياة وتُعاش في تفاصيلها وألوانها وواقعها من دون الهروب ممّا تتطلبه حياة البشرية، كلّ ضمن المحيط الذي تتواجد فيه وتعيشُه.
مثل هذا التعاطف المتميز في أعياد المسيحيين وما رافقه من كرنفالات السنة الجديدة، تشيرُ حتمًا إلى الحاجة بانتقال البلاد وأهلها من واقع الفساد والتخلّف والإحباط إلى حالة مغايرة من الصلاح والتطوّر والتشجيع والتحفيز نحو الأفضل في كلّ مناحي الحياة، الاقتصادية والاجتماعية والصحية والخدمية وحتى الشخصية من خلال التحاور وامتزاج الآراء والتفاهم بالمودة والرحمة التي تؤمن بها الأديان التوحيدية جميعًا على السواء. من هنا، يكون ميلاد المسيح "عيدًا للرجاء، وبه نقبل البشرى السارة لمحبة الله لنا"، مهما اختلفت أديانُنا وتنوعت التفاسير والتأويلات.
وهذا دليلٌ على أنّ ما هو مشترك بين شركاء الوطن والمجتمعات الشرقية بالذات، أكثر بكثير ممّا يفرّق. وعلى ضوء هذا المفهوم، تتعزّز الشراكة ويترسخ أساس العيش المشترك الذي يبني السلم الأهلي ويؤسّس لبناء مجتمع مدني متسامح، منفتح، متكاتف، متآزر، ينتخي في السرّاء والضرّاء. 
أمّا الردّ المسيحي، فقد أفصح عنه البطريرك لويس ساكو، رأس الكنيسة الكلدانية التي تشكّل غالبية المسيحيين في البلاد، في كلمة بمناسبة حلول العام الميلادي الجديد 2018، يوم الإثنين 1 كانون الثاني: "إنّ ما لمسناه نحن ‏المسيحيين، في أعياد رأس السنة من التعاطف معنا، بعد كل الذي أوجعَنا، جاء معزيًا ومشجعًا وشاحنًا للآمال ورافضًا للتيارات المتطرفة التي تُكَفِّر المسيحي والصابئي واليزيدي، مستهدفة إفراغ البلد منهم". ‏وهو يشارك سواه من المهنّئين ومن المحتفلين من أشقائه أتباع الكنائس الشقيقة الأخرى في بلده ومن خارجه، بحقيقة ضرورة العودة إلى الفكر المنفتح الذي يقبل بالآخَر المختلف عنه في الدين والعقيدة والعرق، والحالم ببناء نظام مدني معتدل يحترم القيم الانسانية والدينية، ويتعامل مع المواطنين كافة على قاعدة المساواة والشراكة في الوطن، وليس وفق أشكال أخرى تفرّق وتميّز في نوعية المواطنة وفي الانتماء للأرض التي هي ملك الجميع وللجميع. ومثل هذا الأمل والطموح الواقعي لن يكون قابل التحقيق إلاّ بخطوات جادّة وصريحة وشجاعة، وبتنازلات حقيقية لصالح مصلحة الوطن العليا، ومنها: "تجريم الخطاب الديني التحريضي، وتنقية المناهج الدراسية من كل ما يزرع الفتنة ويحث على العنف ويفتت النسيج الوطني، والقضاء على آفة الفساد المستشري"، وفقًا لدستورٍ عادل وقوانين مجتمعية لا تخرج عن الأطر الإنسانية التي وردت في شرعة حقوق الإنسان التي حظيت باهتمام وموافقة جميع بلدان العالم. وهي ذات التعاليم والآمال التي لا تخرج عن صميم تعاليم الأديان التوحيدية، السماوية منها وغير السماوية في موضوع الرحمة والألفة والمحبة بين الأمم والشعوب.
ليكن العام الجديد 2018، أجدى من سابقه في زرع الألفة والمحبة والتفاهم بين الأمم والشعوب عبر الحوار وتبادل الرأي والانفتاح على الآخر المختلف. وفي العراق، بعد أن تحطمت شوكة الفتنة الكبيرة للتنظيم الإرهابي المسلح الذي فتك العرض وجفّف الضرع وكسّر الحجر وفتّت البشر بلا رحمة، ننتظر الإعلان الحقيقيّ للنصر المؤزّر بإعمار البلاد والعباد معًا، بنية تحتية وفكرًا وطنيًا ونسيجًا اجتماعيًا، تماهيًا مع سابق عهده المزدهر وانتماءً لحضارته وإرثه وعظمته التاريخية. أمّا الانتصارات الكبيرة التي حققتها الأجهزة الأمنية الوطنية والشعبية المتعاونة مع جهد الدولة، فهي عنوان آخر لأملٍ ببداية حقبة وطنية جديدة تؤسس لبناء دولة مدنية قوية متقدمة، تأخذ في الاعتبار قبل كلّ شيء، بذل المساعي لعودة النازحين والمهجَّرين إلى ديارهم. كما ينبغي أن تصاحب هذه الجهود، حملة وطنية جادة لإعمار البلدات والمدن التي أصابها الخراب والدمار من جراء العمليات العسكرية المدمّرة، وإعادة الخدمات الآدمية والإنسانية والبلدية إلى حالتها الطبيعية، ونشر الوعي المجتمعيّ الجامع، وترسيخ الوحدة الوطنية، وإشاعة مبدأ التسامح، وانتهاج الفكر المعتدل المنفتح الذي يبني ولا يدمّر، يوحّد ولا يفرّق، يعدلُ ولا يميّز.

14
على أشكالهم يولّى عليهم
لويس إقليمس
بغداد، في 12تشرين ثاني 2017
كان ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني، من بين الشخصيات السياسية البريطانية التي نالت القسط الأوفر من الاهتمام في تاريخ بريطانيا السياسي والاقتصادي، في ضوء دوره المتميّز بتعزيز المقاومة البريطانية ضد الخطر النازيّ حتى تحقيق النصر. وهذا ما أكسبه زخمًا وصيتًا دوليين على مرّ السنين. فكانت كلماتُه وخطاباتُه أشبه بالحِكَم في توجيه عقول العامة والخاصّة بفضل إدارته الواقعية لشؤون البلاد والمواطن. والكثير من المقولات التي نُقلت عنه، ماتزال رائجة بسبب جدّيتها وواقعيتها، ومنها مقولتُه الرائعة:"كلشعبفيالعالمينالالحكومةالتييستحقها". ومن وجهة نظره أيضًا، أنّ برلمان الشعب وتشكيلتَه يعكسان صورةَ طبيعةِ الشعب الذي يختاره وشخصيتَه، ومن خلاله يمكن الحكم على ذلك الشعب، إنٍ كان يستحق الأفضل أم بعكسه. ومعروف عن تشرشل استعداده للتحالف، حتى مع الشيطان من أجل مصلحة بلاده. وهذا ما أكسبه قيمة وطنية مضافة إلى سجلّه السياسي والاقتصاديّ الحافل بالانتصارات والتفوّق على غيره من سياسيّي عصره ولغاية اليوم.
حالُ الدول والأمم، تفوّقُها وتراجعُها، فوزُها وخسارتُها، تقدّمُها وتأخرُها، منوطة بطبيعة شعوبها ونوعيتها وأسلوب تفكيرها وسلوك السياسيّين وممثلي الشعب فيها على السواء. فإنْ ارتفع هؤلاء وارتقوا في سلّم الفضيلة والنزاهة والتطور ومخافة الله في ممثليهم، كانت شعوبُهم من أجلّ شعوب الأرض وأكثرها سعادة وتقدمًا وأقربها إلى ربّ العالمين علمًا وصناعة وفضيلة ومحبة ورحمة. وإنْ هبطت بهم الأخلاقُ وزاغوا عن طريق الحق، واستأثروا بالسلطة هدفًا، واستهتروا بحقوق ممثليهم واستغلّوا بساطتَهم في فرض القوانين التي لا تسايرُ تطور المجتمعات وبثروات بلادهم التي هي ملك الشعب وليس السلطة، فإنّهم قصدوا بذلك طريق الضلالة، ولهم عند رب لعلمين يوم القيامة حسابٌ عسيرٌ. تلكم بعضٌ ممّا ننتصح به في الأديان السمحة وما تعلّمناه من أبجدياتٍ في الحياة الإنسانية التي تولي قيمةً عليا للإنسان وترتفع به نحو الفضيلة كونه صورة الله الجميلة في الأرض، وكونه أيضًا، من أرفع الكائنات ممّا هو قائم على الأرض بعد الخالق.
الحياة تتطوّر نحو الأمام، ولا يمكن أن تتراجع إلى الوراء. ف"مَن وضع يدَه على المحراث، لا ينظرُ إلى الوراء"، أي بمعنى أنه لا يمكنه التراجع حتى تحقيق حراثة كامل الأرض كي تأتي بثمار جمّة في موسم قادم. ومواسمُ البلدان لا يرسمُها ويخطّطُ لها ويُعدّها إلاّ الخيّرون وذوو الإرادة الطيبة وأصحابُ الأفكار المستنيرة الذين يرتبطُ مصيرَهم نظريًا وفعليًا، بمصير الوطن والشعب معًا، وموازاتهما بالإنسانية جمعاء. فالاثنان قاربُهما واحد، إنْ هزّته الرياح وقلّبَته الأمواجُ العاتية يمينًا ويسارًا بلا هوادة، فقدَ توازنَه ومال إلى الغرق. وتلكم نهايتُه القاتمة، فيخسرُ ما حصدَه في أيام العزّ والنضال والجهاد، ليذهبَ هباءً منثورًا.والأمثلة في التاريخين القديم والحديث المعاصر كثيرة ولسنا بصدد ذكر نماذجها العديدة. بل لنا منها من أفضل ما حصل حديثًا لأحد أهمّ مكونات الشعب في شمال الوطن، فأطاح بمقدّرات الشعب الكردي وأفقده مكاسبَ ناضلَ من أجلها عشرات السنين، بل أجيالاً.
المنطقة الشرق أوسطية منذ زمن، على كفّ عفريت، والعراق ليس استثناءً.هذه المنطقة بالذات، تتجاذبُها اليوم، أمواجٌ داخليةمنها عنيفة صاعقة لا تقبل المهادنة، وأخرىضعيفة مهزوزةتقارعُها مصالح وضعية لا تتعدى مرمى منافع ذات طابعيّ شخصانيّ أو فئوي محدود الرؤية والمفاعيل، أو غيرها دخيلة مدسوسة أو هجينة معتوهة. وجلُّ هذه التطورات الخائبة، لا تنطق باسم الخير والحق ولا تسير وفق الصراط المستقيم، وطنيًا وإنسانيًا ودينيًا ومجتمعيًا. وإنْ لم يدرك أربابُها والقيّمون عليها من الساسة والزعماء ما يُرتكب من عمق الشرّ والتشظّي والانقسام بفعل القوانين وإجراءات الجائرة البعيدة عن خطّ الإنسانية والحضارة والمدنية وإرساء سبل السلام العالمي، فالمنطقة ماضية فعليًا في سيرها القائم الحثيث نحو الهلاك والتشظّي والتحوّل نحو الأسوأ، بحسب الشواهد والوقائع والحقائق على الأرض. والسبب في كلّ هذا وذاك، ضعفُ الرؤية البعيدة لواقع الحال وتسمّرُ القائمين على حكم البلدان والشعوب في المنطقة بفكر قاصرٍ ونزعة منكفئةٍ على الذات ونظرة طائفية ضيقة غير قادرةٍ على استيعاب تطوّر الأحداث وآفاقها وتصوّر مستقبلها الذي ينبغي فيه ضمانُ مصلحة عليا تسمو فوق أيّ شيء، تُسمى بالمصلحة العليا للوطن والشعب والإنسانية. وهذا يتطلب قبل كلّ شيء إدراكٌبضرورة فصل الأشياء والوقائع عن بعضها، من حيث فصل اختصاصات السلطات وتمييزها وإعطاء كلٍّ منها ما تسحقُّه من مسلَّمات الحياة من دون خلطٍ ومزجٍ عشوائيين، إلاّ في التنسيق فيما بينها من أجل رفعة البلدان والشعوب المقيمة فيها وتقدّمها وتحقيق أرفع نتائج التلاحم مع هذه الأخيرة بضمان تلبية مطالبها الطبيعية وحقها بحياة آدمية تكفلُ للجميع حرية الرأي والمعتقد والتنقل والتملّك والاختيار الأمثل وليس بفرض إرادات طائفية ضيقة على الغير أو استفزازات إجرائية لمكوّن دون غيره. فالإنسان أينما حلّ وارتحل، يبقى كائنًا بشريًا يستحق كلّ أنواع الرفاهة والسعادة والخير، وليسهو من ثمّة، سلعة للمتاجرة أو بضاعة مستهلكة بأيدي السياسيين والحكّام والسلاطين الذين يستغلّون طيبتَه وخلفيّتَه الدينية وبساطتَه الشعبية متى ما شاء الأسياد والفقهاء من أجل تحقيق مكاسب شخصية وفئوية وحزبية وطائفية ضيقة في أغلب الأحيان.
في هذا السياق يأتي ما أُريد به مؤخرًا، من تعديل في قانون الأحوال الشخصية بالعراق، والمرقم 188 لسنة 1959م الذي صان أحوال جميع المكوّنات بنظرته الشاملة من خلال صيانته للطفولة وفق اتفاقية الطفل الدولية التي أقرّها العراق. فأبسطُ ما يمكن قوله في السائرين في طريق التعديلات الطائفية الجديدة بحسب الشرع الجعفري، أنهم ماضون فيتأصيل الفكر الطائفي في البلاد وتقسيم المجتمع العراقيمن خلال إضعافهمللهوية الوطنية الجامعة لكلّ العراقيين، التي حافظ عليها قانونالأحوالالشخصيةرقم 188 لسنة 1959، مستبعدًا التشبث بالهويات الفرعية الجزئية التي لا يمكنها الحفاظ على مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون، كماينص عليه الدستورالعراقي. وإنْ حصلت الكارثة وتمت المصادقة على هذه التعديلات، فعلينا أن نترقب عودة قادمة مؤلمة وكارثية تعيد العراق وشعبَه إلى حظيرة البلدان المتخلفة، أكثر ممّا هو عليه اليوم،لنعيش خارج المسارات المتحضّرة للإنسانية. أي أننا، سنسجل انتكاسة إنسانية جديدة للبلاد والعباد، عبر الانتقاص مجتمعيًا وثقافيًا وحضاريًا وإنسانيًا من كلّ امرأة عراقية، لكون بنود هذه التعديلات المجحفة لا تحفظ للمرأة العراقية كرامتَها وحقّها في الاختيار الذي يجري اغتصابُه بهذا القانون الطائفي بامتياز، بحجة الدين والطائفة والشرع الذي ينظرُ إلى الزواج كونه عقداستمتاعوليسعقدزواج ورضا بين طرفين ناضجين. بل ستكون الطفلة القاصرة في ضوء هذ1ه التعديلات، سلعة ومتعة للبازار ولمَن له ومَن يدفع أكثر في مجتمع ذكوريّ يريد فرض السطوة واستغلال المرأة والقاصرات منهنّ بعبارة أدقّ، بعيدًا عن قيم الرحمة واحترام خيارات الطفولة. كما أن مثل هذه القوانين الطائفية التي يراد سنُّها، ستبقيهذه الإنسانة المظلومة عورة، في شكلها وحديثُها وعلمها ونشاطُها ومساهمتها في بناء الأسرة والوطنوالمجتمع. فأين منها وقول أحمد شوقي:
الأم مدرسة إذا أعددتها     أعددتَ شعبًا طيب الأعراق
أساس المشكلة في شعوب المنطقة الشرق أوسطية ومنها العربية والإسلامية، عدمُ إحكامِ العقل والرويّة في إدارة البلدان والمجتمعات، ذلك لأنها في مفرداتها الدينية والمجتمعية، لا تقرّ جوهريًا بحريّة الفرد والكائن البشريّ وبمنهج الديمقراطية والتطور الذي سادَ غيرها من المجتمعات الأخرى في العالم منهجًا إنسانيًا قائمًا. فمجتمعاتُنا كانت وما تزال منكفئة عقليًا ومنغلقة فكريًا وأسيرة الذات القبلية والطائفية والشرع القاصر والنهجٍ الحرفيّ في التفسير والتطبيق والتحليل والتعليل. فهناك مَن يريد حصر هذه المجتمعات بلون واحد، وهو يصرُّ عليه بالرغم من قتامته وبهاتته وخلوّه من الطعم والرائحة. وهذا الفكر الناقص كفيلٌ بإبقاء بلدان المنطقة مهزوزة، ضعيفة الشخصية، ركيكة العلم والمعرفة، لكونها تُدار من حفنة أو شلّة صلبة القوالب في تخلّفها، ناقصة الخبرة في تقييمها للأمور، وليس من نخبة ارتوت من العلم والمعرفة ووسائل الديمقراطية الصحيحة التي تكفل تداول السلطة والإتيان بالأشخاص المناسبين لقيادة البلدان وشعوبها على أساس المواطنة والكفاءة والرحمة وكلّ المعايير التي تتطلبُها الحياة بكافة تفصيلاتها وفروعها ودهاليزها، وليس وفق نصوص شريعة قديمة لم تعد مقبولة في عصر التقدم والرقيّ.
مع طيّ استذكارنا لأربعينية الإمام الحسين، نسأل بجدّية: هل هذا الذي يجري اليوم في مجتمعنا الذي يدّعي الالتزام الدّيني والأخلاقي، وفي بلدنا الغارق في الفساد بشتى أنواعه ونوافذه والذي أصبح قاعدة لا استثناءً، فيه لمساتٌ من ثورة الحسين الحقيقية ضدّ الظلم والاستبداد والفساد واستغلال الدولة والبشر من أجل مصالح ضيقة، شخصية وحزبية وطائفية؟ أليسَ هذا جزءًا بل بابًا مضافًا من سيادة رجال السياسة من الذين تجلببوا بغطاء الدين والمذهب والطائفة على عقول البسطاء من الأتباع الذين يهرولون مضطرين وراء هذه الفئات السلطوية بوعي أو بدونه بسبب حاجتهم إليهم جرّاء ضائقتهم الماديّة والاقتصادية التي تسبب بها مَن تولّوا أمرَهم؟
ولكن، تلكم سنّة شعوب المنطقة والبلدان التي تأبى التطوّر في الحياة، فكرًا وعقيدةً وإنسانيًا ومجتمعيًا. فهي تستحق مَن يولّى عليها من حكّام الفساد وانتهاب المال العام والسطوة غير المنضبطة على العامّة من البسطاء وبؤساء العصر، إنْ هي أبقت ذاتَها وفكرَها في حدود بوتقة القصور الذاتيّ. أليس ينطبق على المنطقة الحديث المنقول"كيفماتكونوايولّعليكم"؟فالشعبُ الذي يتحرّج أو يتردّد بالثورة والانتفاضة الشجاعة على الطغيان بأية حجة أو أعذار، يستحقّ ما يقع عليه من مثل هذا الظلم وإبقائه في بؤسه صاغرًا منبطحًا وتابعًا ذليلاً. ونموذج العراقيين خيرُ شاهدٍ. فهم يعيدون ذات النكبة وذات الخطيئة في كلّ دورة انتخابية لاختيار ممثليهم، حين عودتهم لإعادة لحس مؤخرات مرشحيهم الفاشلين الذين سرقوهم في عزّ النهار وتغوّلوا بغير حقّ على المليارات التي كان ينبغي أن تُصرف من أجل سعادة الإنسان العراقي وتحسين الخدمات البلدية في حيّه وبلدته، والترفيه عن حاله المتعبة حتى الانهيار وعدم المقدرة على إقاتة النفس الجائعة والسكن الآدمي الذي يستحقه.أليست هذه النزعة السلبية في حياة العراقيين، تعزّز من سمةالازدواجية في الشخصية،التي تحدّث عنها بإسهاب،عالم الاجتماع الوطنيّعلي الورديّ، ومَن يؤازره في الرأي والتحليل من علماء الاجتماع والسيكولوجيا؟
كلنا اليوم مسؤول عن إعادة الأمور إلى نصابها والذود عن الانتصارات المطّردة المتحققة ضد قواعد الإرهاب ومموليه وداعميه، ومؤازرة الحكومة في المكتسبات السياسية والاقتصادية المتنامية، والتي نتوقع منها المزيد في خانة الإصلاحات والكشف عن رموز الفساد ومحاسبتهم،والوقوف بوجه مَن يستغلّ بساطة البشر وفاقتَهم الحالية من أجل تحقيق منافع طائفية أو فئوية أو شخصية ضيقة الأفق تسيء إلى سمعة البلاد وشعب العراق العريق. وهذا هو السبيل الأمثل لرسم خريطة طريق جديدة للوطن والنهوض به وبمقدراته وفق أنجع السبل وأكثرها حضارة، كي نحافظ على ديمومة شعبٍ متجدّد التفاعل مع الأحداث وواضح الرؤية في التعامل مع احتراف السياسة والاقتصاد والاجتماع. وهنا فقط، يمكن قطع دابر مَن يسعى للولاية على الشعب المظلوم باستغلال ما أصابه من أحداث مؤلمة، ومن تخلّف مفروض عليه ومن رؤية قاصرة استغلُّتها إرادات ذكورية بحجة تطبيق مفاهيم فقهية طائفية لا تساير العصر والمنطق والعقل.
فهل "سيقع الفأس على الرأس" مرة أخرى، ويُلدغ العراقي من جحره ثالثة ورابعةً، ويولّي عليه ذات الشخوص الغائصة في الفساد والاستغلال السلبيّ للبسطاء من الشعب؟

15
عالَم بلا ألم ولا عنف؟ في المشمش!
لويس إقليمس
بغداد، في 25 آب 2017
"كلّ ما خلقه الله حسن وجميل"! هذا ما يراه أتباع الديانات التوحيدية عمومًا. فيما تعتقد الفلسفة البوذية بأّن الحياة مبنية على الألم، ولا شيء سواها. فإذا كان كلّ ما خلقه الله الجبّار الخالق حسنًا، فمِن أين أتى الشرّ؟ ولماذا انتشارُه الواسع الذي طغى على الحياة الآدمية، وينوي دومًا حرق الأخضر واليابس سعيًا وراء القتل والتدمير؟ وهل إنّ العنف المستشري بين البشر من دون مسوّغ في الكثير من الأحيان، ناجمٌ عن خطأ لاهوتيّ في الفكر البشريّ أو سقطةّ في غفلة من الزمن؟ ولو كان كذلك، فهل تستحق الإنسانية أن تظلَّ أسيرة العذاب والألم والعنف المتصاعد كالأتون المتأجّج؟ وهل يمكن القبول بفكرة ساديّة الخالق إزاء خليقته؟ أسئلة كثيرة كلّما سعى العقلُ البشري الضعيف، بالرغم من تطوّره وتقدّمه،للتخلّصمنهاوإيجادأجوبةمقنعة قبالتَها، فإنه يبقى عاجزًا عن الردّ على مثل هذه التساؤلات الإنسانية الطبيعية. فهل هناك فرصة لقيام عالمٍ من غير عنف ولا ألم؟
بدءًا، أتساءلمع الشاعر الإنكليزي اللورد "تينيسين"، الذي يغرّد في إحدى قصائده الرائعة بعنوان(في الذكرى):"هل الله والطبيعة في صراع؟وهل الطبيعة تضفي على الحياة شيئًا من أحلامٍ شريرة؟وهل مَن وضع ثقته بالله هو الحبُّ بذاته ولا شيءَ غيرُه؟ وهل كان الحب قانونًا أخيرًا للخليقة؟ وهل أضحت الطبيعة حمراء بأسنانها ومخالبها؟وهلْ مَن أحبَّ كثيرًا عانى من عللٍ عديدات، ومَن ناضلَ من أجل الحق والعدل كان نصيبَه غبارُ البراري وبين تلالٍ من حديد".(نقلتُ هذه الأفكار عن الشاعر المذكور بتصرّف.)
   هذه الروعة في وصف معاناة الإنسان في طبيعته، التي إنْ هي إلاّ صورة ناطقة لواقع البشرية المتألّمة، هي في واقع الحال ما ينطبق ويشعر به كلّ ذوي الإرادة الطيبة. إزاء تفاقم مشاكل العالم من شرور معنوية وأخرى طبيعية، أخذت مسيرةُ الحياة نصيبَها من الألم والمعاناة والعوز والفاقة والعنف. فيما العالم لم يعدْ سوى عبارة عن ركامٍ ناجمٍ عن نواتج أعمالالعنف المتزايدة في القتل والبطش والتنكيل والاستغلال متعدّد الأغراض والوسائل، وكأنَّ البشرية تعيش وسط غابة، أسيادُها وحوش كاسرة بأجسام بشرٍ تصطاد طرائدَها في كلّ الاتجاهات ولأية أسبابٍ. وهنا، حاشا لله أن تُلصقَ به صفة السادية، لأنّ مجرّد إقدامِه على تكوين خليقته الجميلة على صورته وشكله، يُعدّ عملاً من أعمال الحب الأبوي الإلهيّ الذي ينبغي تمجيده به. فما "خلقه الله رآهُ حسنًا"، وأعان الإنسان الضعيف على أعمال المحبة والرحمة فيما أكرمَه بعقلٍ وجسد وحواس من أجل فائدته ومن أجل منفعة جميع البشر في محيطه، وليس لاستخدام هذه الخليقة في أعمال القتل والتدمير والاغتصاب وفعل الشرور على أنواعها. فالله حين منح الحرية لخليقته، أعطاها أيضًا إرادةً وعقلاً وبصرًا وبصيرةً لفعل الخير ولتمييز الأخير عن الشرّ. وحين يزيغ البشر عن طاعة الله ويبتعدون عن مشروعه الإنساني، فتلك حالة شاذة في اقتراف الخطأ والإثم، وليست من ثمة قاعدة. والبشر يعتمدون ويستندون إلى القاعدة وليس إلى الشذوذ في كلّ شيء. هذا هو النظام الإلهي في تسيير الكون وما عليه.
ليس من المنطق أن تذعن البشرية لهذا النوع من الطبيعة الظالمة وغير المتكافئة أو غير العادلة من منظارٍ إنسانيّ بحت. كما ليس من المعقول قبول هذا الوضع باعتباره واقعًا أو حقيقة مطلقة، بالرغم من كلّ هذه القساوة والظلم ووسائل العنف التي تحتويها مثل هذه الحقيقة ومثل هذا الواقع. وهل هناك مَن يعقلُ قبول هذا الوضع المأساوي الذي يرصّن ويثبّت مفاهيم همجيةوعنفية وسط البشر الذين حاصرهم غول العصر وأشرارُهم بكافة أصنافهم. إنْ هذا إلاّأشبه بقانون الغابة؟
مع إدراكنا الواقعيّ بقيام حالة العنف والألم شاهدة وماثلة في حياة البشرية، تبقى مثل هذه المشكلة، على رأس أولويات أصحاب النظريات الإصلاحية في المجتمع، والمستندة منها بصورة خاصة على أبجديات الأديان السمحة والحضارات الرصينة التي عرفتها البشرية منذ نشأة الخليقة. ألمْ يسنّ حمورابي أول القوانين الوضعية قبل آلاف السنين التي سبقت وضع دساتير البلدان الحديثة؟ لكنّ الفرق بين هذه القائمة حاليًا وبين تلك السابقة التي مضى عليها أزمان ودهور، أنّ تلك القديمة كانت أشدّ فاعليّةً وأكثر لصقًا بحياة الناس وإدارة شؤونهم، في التنفيذ والتطبيق من دون محاباة ولا مجاملة ولا قفزٍ على أدوات العدل والمساواة.

صورة الألم وفلسفتُه
حسنًا، إذا كان العنف والألم من القضايا الشائكة التي لم يستطع الفكر الفلسفيّ أو الميتافيزيقي معالجتها، بسبب الفوضى القائمة في النظام العالمي في حياة البشر، فهلْ من العدل أن يخلق الله أمثلةً مشابهة لصورته في البشر كي تعاني وتظلّ في دائرة الألم والعنف طالما فيها نفحة من الحياة ومن صورته؟ سؤالٌ قد أجابت عنه جزئيًا، بعضُ الأديان المنتشرة على نطاق واسع. بحسب إحدى الحقائق النبيلةالمسماة "دوكها"، لدى بوذا، يسعى الأخير مثلاً، في فلسفته لتكريس واقع الألم والمعاناة في حياة الإنسان، وكأنها لازمة لا بدّ منها في حياته. وهذه سوف ترافقه منذ خروجه من بطن أمّه عريانًا وتظلّ تصاحبُه مدى الحياة وحتى الممات، بغضّ النظر عن مسبباتها ونوعياتها وطبيعة تفاعلاتها، شخصيًا أو مع الغير. وبموجب هذه الفلسفة الإنسانية القاسية، تبقى هذه الحقيقة شوكةً في حياة الكائن البشري، غير قابلة الانفصال عن مسيرة حياته، مادامت أو طالت، طالما أنّ في فكره ومسيرته تتواجدُ رغبةٌ ما أو شهوةٌ، هي أصلُ كلّ هذه المعاناة.وإذا كانت مثل هذه الرؤية للحكيم بوذا، ترى في الألم والمعاناة فعلاً عفويًا أو طبيعيًا لا يحتاج إلى تفسير أو تأمّل أو تبرير في المسببات والحيثيات،فإنها ببساطةوبالتوازي مع هذا الفعل، تجعلمن أيّانعكاسوجوديّ "أنثولوجي"علىطبيعةالشر أمرًا فائضًا وغير ذي جدوى.
بالمقابل، قد تختلف مثل هذه الرؤية لدى الديانات التوحيدية من جهة قناعتها ويقينها بطبيعة الله الخالق، الذي يتصف بِسِمَة الرب الطيب، الجبّار، القادر على كلّ شيء، مع الإقرار بوجود الألم والمعاناة كجزءٍ من الاستحقاق البشري الذي رسمه له الخالق بسبب تجاوزه على الأمر الإلهي وخروجه عن طاعته في الفردوس الأول. أي أنّ الإشكالية تبقى قائمة حول السبيل للتوفيق الصعب بين فكرة هذا الربّ الطيّب مع الألم الذي فرضّه على خليقته من يوم حُبل به ومولده لغاية انتهاء حياته بالوسيلة المرسومة، إلهيًا أو قدَريًا. عندما تحمّلَ أيوبُ آلامه ومعانته التي ابتلاه بها خالقُه، زادَ صبرًا ويقينًا أنّ هذا الإله طيّب وقادر على التدخل في حياة خلائقه وتسييرها بالطريقة التي رسمته إياها القدرة الإلهية. وهذه قمّة القناعة والرضى والتعلّق بعظمة الخالق، مقارنة مع أصحابه وأهل بيته الذين نفروا منه وتركوه متعذّبًا لوحده يلعق جلدَه المتقرّح من دون مواساة أو تعزية بشرية. وعدّ تلك التجربة حكمةً وقوةً تستحق الصبر الكبير الذي تجمّل به لينالَ الأفضل من لدن إلهه. مثلُه، يوسف الصدّيق، خضع للمعاناة لحين صدور تدبير إلهيّ جميل استحقّه مقارنة مع ما قام به إخوتُه إزاءَه من عنف وإهمال خارجة عن أصول الأخوّة والإنسانية. وهذا أيضًا من حكم الله في خليقته، عندما يُكافأُ الشرّ بالخير.
آلام المسيح الكبيرة أيضًا، غير ممكنة الوصف، وهو ابن الله وحبيبُه في المعتقد المسيحي. وقد وظّف الخالق هذا الألم ليكشف للبشرية عمق محبته لخليقته بواسطة المسيح الذي كُتب له أن يتألم ويتعذّب ويُصلب من أجل إنقاذ الجنس البشري بموجب تعاليم المسيحية. كما وظّف الإسلام، صورة الألم وفلسفتَه في نقل صورة التضحية عند الإمام الحسين مثلاً، تمامًا كما نقلها في صورة مشابهة عند المتصوّفة من أمثال الحلاّج ورابعة العدوية وآخرين غيرهم،في صيغة تقرّبهم من ربّهم وعبادتهم إياه، كلّ بطريقته، والتي بسببها عانوا ما عانوا من اضطهادات وويلات وعذابات وشقاء الزمن وغدره. فهؤلاء وأمثالُهم، كانوا شهودًا وشهداء للعشق الإلهي ولخدر السماء.

عنف وصراع بين الأقوياء والضعفاء
في ضوء هذه الأمثلة والمعطيات المرصودة، ماذا يمكن ان نقول عن الألم الطبيعيّ أيضًا، أي المتسبّب حصرًا من جانب الطبيعة عبر ظواهرها الكاسحة مثل الطوفان والفيضانات الكبيرة والزلازل والهزّات الأرضية القاتلة والحرائق وما إلى ذلك من قوانين تفرضها الطبيعة بين القوي والضعيف، بين الفريسة والضواري، بين الظالم والمظلوم؟  فهذه بمجملها، أدواتٌ للقسوة والعنف والأذى والألم والوحشية في التعامل بين الخلائق، بشرية كانت او حيوانية. وهي خير شهادة على قتامة العلاقات بين الخلائق، وكأنّ الله خلقها لتكون في صراعٍ مع الحياة ومع الوجود الذي لا يمكن تثبيته إلاّ من خلال القوة واستخدام وسائل الدفاع المتاحة للحفاظ على الجنس البشري والحيواني والحياة بجميع صورها وأشكالها. في تصوّر العالم "دارون"، لم يخفي هذه الحقيقة بشأن تثبّت الألم والعنف في هذا العالم، عبر نظريةالانتقاءالطبيعي التي رأى فيها صراعًا من أجل الوجود، شبيهًا بما وصفه الشاعر الإنكليزي "تينيسون"، في عالمه المغلّف ب"الحمرة بالسنّ والمخلب" على السواء، أي بالدم.
إزاء هذا الواقع القائم بوجود العنف في الطبيعة، بكلّ أشكاله وألوانه وأسبابه، هناك مَن يعتقد بالتالي أنَّ مثل هذا التدخل في الطبيعة هو جزء من فرض قدرةٍ قادرةٍ على واقع هذه الطبيعة التي حصلت بفعل خالق أراد حصول مثل هذا التدخل بإرادته وتصوّره وتدبيره الربّانيّ.وبالتالي يكون من دواعي الشرّ الطبيعي، تشكيلُه مشكلة صريحة في مصداقية الخلق،إذا أخذنا بنظر الاعتباررؤيةَ البشر حول حقيقة الإيمان التوحيدي والرجاء القائم وسط البشر الطيبين برؤية "الحمل والذئب، يسرحان بأمان وسط المروج" التي أوجدها الخالق لجميع خلائقه، بالرغم من كون هذا الأمل أو الرجاء لا يخلو من شاعرية وعفوية ملفوفة بالتمنيات الطوباوية، صعبة التطبيق أو التحقيق.
في الأخير، ماذا يعني كل هذا الخلط والفوضى في الطبيعة الذي يتجاوز حاجزَ الفكر العلمي أحيانًا، وصولاً لبلوغه علامة اللغز في تفسير ما يجري من أعمال عنف وصراع مصالح بين الأقوياء والضعفاء من الدول والشعوب والأديان. واقعُ حال العالم يؤكد وجودَ صراع على المصالح، مرتبط بطريقة أو بأخرى بصراع خفيّ بين الحضارات والأديان والأعراق والألوان. كما أنَّ العالم المتقدّم يساهم هو الآخر، بطريقة أو بأخرى، بتدمير الطبيعة وما عليها من بشر وحيوان وحجر، بفضل تطوّر ماكنته التكنلوجية وتسييرها بوسائل غير نظيفة تُنهك البيئة وما عليها.

الخاتمة
هنا، لا تجد البشرية وأصحابُ الإرادة الطيبة ممّن ينبغي أن يكونوا إخوة في الإنسانية، مفرًّا من إدانة واستنكار ورفض ما يحصل من تزايدٍ في أعمال عنف لاصقة بسبب تصاعد التطرّف والتعصّب الدينيّ الأعمى في السنين المتأخرة، بسبب المدى البعيد الذي بلغته حدّة هذا العنف المستشري بعد تطوير أدواته في العالم بشكل مذهل وسريع بفضل تقدّم التكنلوجيا وما أتت به وسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات من تسهيل لأدواته في التوسّع والانتشار السريع. فهو نتاج الانكفاء والانعزال والانغلاق للأفراد والشعوب والمجتمعات على نفسها، ورفض بعضها مسايرة التطوّر في مجالات الحياة ومنها الاعتراف بوجود الآخر المختلف، مهما كان مثل هذا الاختلاف. فعندما خلق الله الأرض والكون وزيّنها بالعناصر الجميلة والكواكب السيّارة، ثمّ أضاف إليها تحفتَه من الدبيب والبشر بمختلف الألوان والأعراق والخيرات، أرادَ لها الخير والسعادة لتنعم بخيرات الفردوس السرمدي. أمّا زوغانُ البشرية وخروجُها عن سواء السبيل بكسر الوصية والأمر الإلهي، فتلك كانت ضمن الحريّة التي حباها الله لبني الإنسان كي يعملواالعقل ويوجهوا الفكرويديروا الجهدَ نحو الخير وليس بعكسه. إنها إشكالية الحرية وعنوان الإرادة اللتين تشكلان نمطَ الحياة القائمة التي تحوّلت إلى ظاهرة، إنْ خيرًا أو شرًّا!


16
هُمْ نالوا الشهادة، ونحن كُنّا شهودًا
لويس إقليمس
بغداد، في 21 تشرين أول 2017
لا يختلف اثنان على أنّ شعب العراق بكافة مسمّياته وطوائفه ومكوّناته الدينية والعرقية على السواء، عايشَ الشهادة والاستشهاد مرارًا وتكرارًا منذ نشأة دولته السياسية الحديثة في 1921. إلاّ أنَّ الشهادة، أساسًا وفكرًا وهدفًا، تتباين من فئة لأخرى ولدى طائفة لأخرى ومن دين لآخر. وهي في المسيحية مبنية على أساس الإيمان بما هو مكتوبٍ من مصيرٍ للكائن المؤمن بربّه، وبالرجاء بقيامة الأموات يوم الظهور الإلهيّ الكبير ليدين الأحياء والأموات، وبالحياة الجديدة المختلفة ما بعد الموت التي لا أنهارَ ولا خمرة ولا نكاحَ ولا حوريات عليها وفيها. حينها، أي يوم الدينونة، " يَسمعُ جميعُ مَن في القبور صوتَه (أي صوت الربّ)، فيخرجُ الذين عملوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيّئات إلى قيامة الدينونة" (إنجيل يوحنا5: 28-29). "عن الأعمال على الأرض، إنّما يُدان الإنسان".
في بداية المسيحية، لم تكن الحياة سهلة. فقد كانت هذه الديانة الغريبة التي بشّرت "بالإله المجهول"، قد فعلت فعلَها، وتمكن الرسلُ الأوائل وتلاميذُهم، من تغيير مفاهيم بالية وقديمة كانت سائدة في العهود الوثنية مع بدء انتشار المسيحية. كما لم تكن أسُسها قد رسيت بعدُ، بل إنها لاقت اضطهادًا شنيعًا وحملات قتل وتهديد وإبادة، ما حدا بالمسيحيين الأوائل للعيش في الدياميس ووسط المقابر وفي المغاير مختفين أحيانًا، خوفًا على أرواحهم. لكنّ إيمانَهم الوطيد كان بمثابة "ترس عنيدٍ وبيضة خلاص وسيفًا للروح" بوجه الأعداء والمتكالبين عليهم من شيوخ اليهود ومن الأمم على السواء، كما حصل ذلك مع نيرون الطاغية. وقد استحق مَن سقطَ قتيلاً في تلك الأزمنة الصعبة الغابرة، أن ينال إكليل الشهادة ليروي بدمه الأرض التي تطهّرت من الدنس الوثنيّ، فصارت تلك "الدماء بذارًا لحياة جديدة"، وعنفوانًا لسلمية الديانة الجديدة التي تمكنت أن تنهي بأخلاقها ومبادئها الراقية، أزمنةَ الوثنية التي سادت الامبراطوريات القائمة آنذاك، أي الرومانية والفارسية. وبالرغم من الحملات التشهيرية الكثيرة التي شكّكت بمبادئها والاضطهادات العديدة التي ضربتها بشدّة، ظلّت المسيحية وإلى يومنا هذا من أكثر الديانات انتشارًا في العالم، بسبب عالميتها وسلميّتها ووداعتها ومبادئها ولاسيّما باتخاذها مبدأ الخيار والحرية في الحياة، وإيمانها بفصل الدين عن الدولة واحترامها لقدسية الإنسان، كونه صورة الخالق الحسنة على الأرض.
بعد أكثر من ألفي سنة، تدور الدوائر وتُلاحَقُ هذه الديانة ثانية وثالثة ورابعة، مثل غيرها من الأديان التاريخية في العالم، ولاسيّما في منطقة الشرق، ويُضطهدُ أتباعُها من قبل جماعات أعماها الغلّ الأعمى والكراهية النتنة من نفرٍ ضالٍ من العاشقين المغترّين بثقافة الموت والمتشبعين بخطاب الكراهية، لا لشيء إنّما بسبب اختلاف غيرهم عنهم في الدين والعقيدة والفكر والسلوك وحسب، وبسبب عدم اعترافهم بثقافة الحياة وجمالها وأحقيتها لكلّ إنسانٍ خَلَقَ فيه إلهُ البشر الطيّب نسمةً حسنةً للإنشاد باسمه القدوس ورفع الطلبات والمدائح له، وهو خالق الأرض والسماء والعناصر. إنه لَمِن المؤسف حقًا، أن تحصل مثل هذه الانتهاكات المفسدة والمخجلة، في زمن العولمة   والتطور والتقدّم في أدوات الفكر والعلم والتكنلوجيا، بجرّ العالم المتنامي إلى زمن التخلّف والبوادي والصحاري والجِمال ووأد البنات، حين يُنحر بشرٌ أبرياء في الساحات العامة والمصلّيات والكنائس والشوارع والمسارح باسم صيحة "الله أكبر".
هكذا ارتفعت أصوات الإرهابيين الذين اقتحموا كنيسة سيدة النجاة مساء الأحد 31 تشرين أول 2010 أثناء رفع الصلوات لله في قداس مساء ذلك اليوم، واقترفوا جريمتَهم مثل غيرهم، كما يحصل ذلك لغاية الساعة في أماكن أخرى من العالم هذه الأيام.وهذه إشارة بارتهان الفكر والذهنية عند هؤلاء المارقين من الإرهابيين، ليبقوا أسرى عصور التخلّف التي كان ينبغي أن يمحوها الزمن منذ أجل بعيد. فهذه الفئات المغالية في فساد الفهم والموغلة في ترّهات الإدراك، مصرّةٌ كما يبدو بالمضيّ في غيّها الطائش، بسبب قصورِها وعدم قدرتهاعلى احتواء التعددية الجميلة في حياة البشر، والإقرار بجمالها وغناها للبشرية، وفهم الاختلافات الطبيعية في حياة البشر التي تعزّز من الابتكار في تطوير حياة سكان العالم وتقريبها نحو أعمال الخير والصلاح التي رسمها لها الخالق من خلال المنافسة الشريفة في التقرّب من هذا الجبّار محبّ البشر. فما يزال نفرٌ مارق متعطّش لسفك الدماء البريئة مصرّا بالعودة إلى سُنن التخلّف التي إن كانت صَلُحتْ استثناءً وفي حالات شاذة وفي ظرفٍ زمانيّ ومكانيّ محدَّد، بالأمس البعيد، فإنها لا يمكن أن تكون مقبولة في الألفية الثالثة. لم تتغيّر لدى هذا البعض الذي يصرُّ بالبقاء أسيرَ الأزمنة القبلية البالية والأحاديث الظرفية المنقولة غير المسنَدة التي لم تعد تنفع مع تقدّم الإنسان وتطوّر فكره وآلته وسلوكه البشري المتحضّر.
   مع قدوم القاعدة وداعش ومَن على شاكلتهما ووصماتهما منذ السقوط الدراماتيكي في 2003 بأشكال عديدة، بأفكارهم البالية وكراهيتهم العالية للمختلف عن أجندتهم ومعتقدهم، حافظ المسيحيون على وديعة الإيمان والمعتقد، عندما خُيروا بين ثلاثٍ لا سواها: إمّا الإسلام، أو الجزية، أو القتل، تمامًا كما كانت هي ذات المواقف بالنسبة لأتباع ديانات أخرى مثل الإيزيديين وغيرهم. لذا آثروا ترك الأرض والمال والممتلكات والبيوت، مقابل حفاظهم على ترس الإيمان الذي فيه بيضةُ الخلاص، أملاً بالرجاء في الأبدية التي لا تنتهي مع مَن وعدَهم بالملكوت السماوي الذي لا تنضب جنانُه، ليس بشكلها الأرضي والماديّ التي صوّرتها التنظيمات والجماعات الإرهابية الإسلامية وفتاوى شيوخ القتل والكراهية والترهيب لأدعيائها المغرَّرين بهم، بل بالتمتّع بصورة الله، الرب، خالق السماء والأرض والعناصر، ومالك جميع البشر والحجر والهواء والأرض والماء والسماء. هكذا رسم المسيحيون، حتى في أيامنا هذه الصعبة، صورة رائعة للشهادة للإيمان والرجاء والمحبة التي ترافقهم منذ الولادة حتى الممات.
يمكن وصف ما يعيشه أبناء كنيسة العراق ومنطقة الشرق الأوسط عمومًا، منذ زلزال 2003، وقدوم الخريف العربي "الأصفر" المشحون بالتشدّد الإسلاميّ المتطرّف حدّ النخاع، بالشهادة، ولو من نوعٍ آخر. عندما يبرز المسيحي إيمانَه من دوت خوفٍ، فهو شاهدٌ وشهيدٌ أمامَ الغير الآخر الذي يستكثرُ عليه مثل هذا الإيمان الراسخ في ضميره وفكره وقلبه ونفسِه. هو استشهاد أخضر مفعَم بالحياة، كتعبير عن الرجاء والاستعداد للحياة وللبذل والعطاء من أجل غد أفضل للجماعة وللمجتمع الذي يعيشُ وسطَه. أي بعبارة أخرى، هو شهيدٌ وشاهدٌ في إبراز "النمذجة" المسيحية المتميّزة والقدوة الإنسانية المشهودِ لها ضمن المحيط الذي يتواجد فيه. وهذا لا خلافَ فيه البتّة. فقيمةُ الشهادة تدوم مع التاريخ وفي قلب الشعوب ووسط الأمم ما عاشت ودامت وتذكرتْ.
الشعوبُ والأمم تفتخرُ بمواطنين، مدنين أو عسكريين، ضحوا بحياتهم من أجل الوطن في صراعاتٍ أو حروبٍ زُجّوا بها قسرًا، أو أُهلكوا دفاعًا عن مبدأ نبيلٍ عاشوا له أو هدفٍ سامٍ ذادوا عنه. كما تُقام لهم احتفاليات ويُشاد بفعلهم البطولي، لأن فعلَهم هذا كان متميزًا. ولو كان غير ذلك، لما أقاموا لهم أعيادًا وتذكارات واحتفالات تعيدُ ذكراهم، ذلك لأنهم خالدون مدى الدهر. واستشهاد مدنيين أبرياء ومصلّين مسالمين من أمثال شهداء كنيسة سيدة النجاة وما في أمثلتها وعلى شاكلتها، هي الأخرى شهادة تستحق التقدير والتبجيل والاحتفال بذكراهم. حتى وإنْ لم يقاتلوا في ساحات المعارك، لكنهم واجهوا الموت في لحظة عشق لملاقاة الخالق على طريقتهم، وهم يصلّون ويرفعون آيات الشكر والمديح للخالق الرحمن ويدعون بالخلاص والأمان والسلام لبلدهم وللعالم. كانوا هم أيضًا شجعانًا، لأنهم لم ييأسوا من رحمة الرب وواجهوا الموت في وجه شراسة مجرمين عتاة لا يعرفون تقدير الرحمة في الحياة. إنهم شغورٌ من الرحمة التي لا يعرف أمثالُ هؤلاء الإرهابيين مداها ولا مفعولَها ولا مصدرَها، وهم الذين يرددون كلّ يومٍ مرارًا وتكرارًا أنَّ الله الذي يعبدونه رحمن ورحيم، غفّارٌ وكريم!
هذا الصنف من البشر المتوحش، يعيشُ تناقضًا في الحياة وفي الفكر وفي المنهج، لا يقبلُه أيُّ صاحب عقلٍ رزين أو إنسان طبيعي خرج من بطن أمّه إلى الحياة حرًّا، جميلَ المنظر كما أراده الله الخالق أن يكون وأن يعيش. إلاّ أنَّ أمثال هؤلاء الكواسر، قد كسروا سنّة الخالق واختاروا ثقافة الموت واستهانوا بخليقة الله الحسنة المجبولة على صورته وشكله. أيُعقلُ أن يكره أمثال هؤلاء وجه الله الحسن الذي صوّرَه في حياة خليقتِه، لا لشي إلاّ لاختلاف ضحاياهم عنهم في الدين أو العرق أو المعتقد أو اللون أو أيّ انتماءٍ آخر؟ نعم، قد فعلها هؤلاء الأوباش، وسوف يفعلُها غيرُهم من أمثالهم الضالّين، كما يحصل اليوم في مواقع مختلفة وكثيرة من العالم الغربيّ الذي يأوي الآلاف وربما الملايين ممّن يُعدّون قنابل موقوتة قابلة الانفجار في أية لحظة أو مناسبة، طالما هناك فكر منحرف ومنهج معوجّ ونية مبيّتة وخطاب كراهيّة ساخن يرفضُ تكفيرَ أمثال هؤلاء، وفي ظلّ وجود دول وساسة وحكومات تخطّط وتدعم وتموّل وغيرِها تغضّ الطرف، وذلك في تواصل للإساءة إلى الغير المختلف أو المعترض.
في حادثة كنيسة سيدة النجاة المؤلمة، خسرنا كاهنين في ريعان الشباب والنشاط، ورجالًا ونساء وأطفالًا. همْ الذين نالوا الشهادة مساء ذلك الأحد 31 تشرين أول 2010، فانضمّوا بالتالي إلى قافلة شهداء المسيحية والإنسانية، إلى شهداء العراق والديمقراطية والحرية، حرية الدين والعقيدة والفكر والتنقل والراحة والاختيار. ونحن كنّا شهودًا للحدث، بل من "المعترفين" في المصطلح الكنسيّ المعروف. ولنا أن نفتخر بهذا، وأن تكون بعض دمائنا قد سالت هي الأخرى، شهادة حيةً للحدث، بل للمجزرة التي قصمت ظهر المسيحية من حينها ولغاية الساعة. فقد سالت دماءُ بعض الحضور المحاصَر في جنبات الكاتدرائية، وتعرّض العديدون للجروح والآلام والأذى في بعض الأعضاء والأجهزة الجسدية، طيلة أربع ساعاتٍ من القهر النفسيّ والرعب الجسديّ المتواصل.
اختصارًا، وبمقتضى الشهادة التي نعرفها، يُحصى شهداء كنيسة سيدة النجاة، مثل غيرهم من الذين سقطوا ضحايا العنف الأحمق والحقد الهمجيّ والكراهية الممقوتة في كلّ شبرٍ من أرض الوطن الجريح والإنسانية في كلّ مكان وزمان. هم شهداء الشجاعة أيضًا، لأنهم لم يتخاذلوا أو يضعفوا أمام السيف المستلّ على رؤوسهم والسلاح الأحمق الذي صُوِّب باتجاه أجسادهم البريئة. ونحن أيضًا شهودُ الشجاعة والبأس والرجاء، لأنّنا عشنا لحظاتها بإيماننا وصلاتنا وتقرّبنا من الله في محنة لا أحدَ حسدَنا فيها أو تمنّاها.
كيف لي أن أنسى الشهيد الشاب "أيوب" المرتمي إلى جنبي الأيسر في تلك الغرفة المظلمة بجانب المذبح "السكرستيا"، وهو مضرَّجٌ بدمائه الزكية. كان االشهيد الشاب أيوب، يصلّي بحرارة صلاة الوردية "أبانا والسلام" من دون كلل ولا ملل، بالرغم من إصابته الخطرة، وغادر بعدها الحياة نزفًا شديدًا بعد أن طالت المأساة وتأخرت النجدات. حالةٌ فريدة تستحقّ التأمل ولا يمكن نسيانُها. وهل لي أن أنسى أيضًا، ابتسامة الكاهن الشاب وسيم، وأنا ألج باب الكنيسة الرئيسي وهو يحيّيني بمحبته، أو القس ثائر الذي لم يخلُ حديثي معه قبل بدء القداس من طرافة وتندّر. فكانت تلك آخر ذبيحة إلهية يقرّبها على مذبح الرب. وتلك الذبيحة، إن هي لم تكتمل كما المعهود، فقد أتت كمالَها بلستشهاده وهو يسلّم نفسَه بيد باريها أمانةً، مطمئنًّا كما الفعلَة الأمناء في كرم الرب.
إنّي لمعتقدٌ أن العديد من الذين سقطوا شهداء تلك الجريمة وكذا مَن نجا من تلك الكارثة، كانوا محاصَرين في ذات الموقف من الصلاة وتسليم النفس والروح والجسد بيد الخالق والعذراء سيدة النجاة. بسببهم وبسبب شهادتهم، نحن نعيش اليوم لحظات الحزن والفرح معًا: حزنٌ لفقدانهم أعزاء وأحباءَ بيننا، وفرحٌ لكونهم نالوا الجعالة مكافأةً لتميّزهم عن غيرهم. ونحن اليوم معهم شهودًا ومعترفين، الذين عشنا معهم ساعات تلك الشدّة، بصدد إعداد ملفاتٍ لتطويبهم، إنْ شاءت السماء. لا أحد يستطيع تصوّر الموقف، إلاّ مَن شهد الواقعة المجزرة وهو بين الحيّ والميّت ينتظر المصير المجهول!
ليس كثيرًا أن تخصصَ كنيسةُ العراق، وشعبُ العراق وكلّ الأخيار فيه وفي العالم، لحظاتٍ لاستذكارهم والدعاء بشفاعتهم كي تزول الغمّة عن هذه الأمّة المبتلاة بالفساد والفاسدين والمفسدين، والمغالين والمتطرّفين والمتشدّدين منهم في الأرض. وما أكثرهم اليوم!
هذه اللحظات تستدعي منّا أن نجاهد في سبيل القيم الإلهية والإنسانية معًا، تلك التي يريدها الخالق من خليقته أن تتحلى بها أمام السماء وأمام البشر خليقته، باحترام الآخر المختلف والاعتراف بوجوده وبقيامه على الأرض مخلوقًا من ربّ السماوات والأرض.
شهداؤنُا، هم فخرُنا وعزّتُنا ورفعةُ رؤوسنا، ليسَ لأنَّ دماءَهم سالت، وروتْ أرضيةَ إحدى أهمّ كنائس العراق والشرق، فحسب، بل لأنهم شهدوا شهادة حقّ لربهم عندما قصدوا بيتَه للتعبّد له وللصلاة والاستراحة فيه. تلك كانت دعوةُ ربهم لهم كي يشهدوا تلك شهادة الحقّ لمخلوق تجاه خالقه أمام العتاة والطغاة والسفّاحين، تمامًا كما كان طغاةُ روما يقدّمون مَن سبق من الشهداء من المؤمنين فرائس للأسود النهمة التي لا تعرف الرحمة ولا الشفقة بأجساد ضعيفة.
إنْ كان كلُّ شهيد، له خصاله وشخصيتُه وسلوكُه تميّزُه عن سواه، إلاّ أنَّ الجميع اجتمعوا مساء ذلك اليوم حول مائدة الرب لتسبيحه والهتاف باسمه القدوس. فكانوا على موعد مع قدسية الشهادة. وأية شهادة؟ في كنيسة سيدة النجاة، لتُسعد أن تُدعى سيدة الشهداء.
شهداؤُنا، صاروا مثالاً للأمانة لكنيستهم ولرسالتها الإيمانية كما لأمّهم العذراء التي احتضنتهم في ديار ابنها التي لا تزول ولا تنتهي. ليست بمثل تلك الديار التي يشتهيها العتاة والمنحرفون من الجهاديين كارهي الحياة، ديارًا للخمرة والعربدة برفقة الحوريات العذارى، بل ديارٌ للخير والشراكة في الحياة مع الله الخالق ومع أوليائه وقدّيسيه الأبرار. إنهم شهداء الله، بل أحبابُ الله ومختاروه في فردوسه الذي لا تنضب فضائلُه ولا تنتهي نعمُه ولا تنفذ بركاتُه.
كنيسة المسيح ترافق اليوم، شهداء كنيسة سيدة النجاة في رحلتهم التي بدأوها في مساء الأحد 31 تشرين أول قبل سبع سنوات خلت، كلّ بحسب ظروفه وشخصيته وزمان عيشه وسلوكه. مبادئها   الأخلاقية والعقائدية كانت سفينتَهم نحو الشهادة، بعلمهم أو بدونه، بإدراكهم أو بدونه. وكما كانت الشهادة للمسيح ومن أجل المسيح، في بدايات المسيحية علامة للرفعة والافتخار والفرح، هكذا شهداؤُنا ومعهم كلّ الشهداء عاشوا تلك اللحظات الحرجة من حياتهم في ضيافة ديار الله. ما ينيف عن أربع ساعات مروّعة أمضوها بين الثنايا الكثيرة في بيعة الله المقدسة، كان خلالها أحباؤُهم خارج أسوار الكنيسة المجروحة يشاركونهم الألم والقلق والمصير المجهول.
ما زلنا مسيحيين، نواصل اليوم، عيش عصر الشهادة منذ سنوات في العراق الجريح، وما زلنا في هذه الأيام الصعبة، وعديدُنا يتناقص كلّ يوم، بسبب من هول تلك الكارثة.ما العمل؟ ما المصير الذي ينتظرنا؟ أنذرفُ دموعَ الحسرة والحيرة ونطيل البكاء والعويل كما يفعل الوثنيون ومَن على شاكلتهم؟ أم نعيشُ حياتنا وأيامَنا بالالتزام بالمبادئ الرسولية المعهودة والوقائع الإنسانية الوضعية والسلوك المسيحيّ المتميّز دائمًا وأبدا، كبشرٍ يحبّون الحياة ويعيشون حلوَه ومرَّها ويقدّرون ويحترمون أمثالَهم من البشر على اختلاف دينهم وعرقهم ولونهم ومذهبهم؟

17


ما بعد الاستفتاء، عن الإصلاح والصلاح في العراق
لويس إقليمس
بغداد، في 26 أيلول 2017

الجزء الثاني:
في فترة استعداد المكوّن الكردي للاستفتاء وما بعده، وجّه الشريك الكردي التشكياتِ واللّوم تجاه الحكومة المركزية متهما قيادتها الشيعية في بغداد بالتهميش. وبالرغم من ايماننا بعدم صحة مثل هذه الاتهامات جميعًا لاعتقادنا بتدليل القيادة الكردية ومحافظاتهم أكثر من سائر المحافظات، إلاّ أنّ ما ورد في بعضٍ منها من إشارات سلبية في سياق التكوين الوطنيّ، قد تكون أثرت في انفراط عقد تلك الشراكة في السنوات الأخيرة. ولستُ هنا بصدد التذكير بما كان قائمًا من تعهدات ومصالح ثنائية على حساب المصلحة العليا للوطن والشعب والمواطن بين الشريكين المتصارعين اليوم. ولكنّ الحقيقة والواقع، تضطرّ المواطن العاقل للاعتراف بما يُعدّ معقولاً ومقبولًا ضمن تلك الإشارات السلبية التي تركتها الحكومات الشيعية المتعاقبة لغاية 2014، ولاسيّما فيما يتعلّق بمحاولة أحزاب ومتنفذين من الشريك الشيعيّ الأساس، بتحويل البلاد إلى دولة دينية طائفية تستحوذ على الشارع وتسخّر جهود الدولة ومؤسساتها الهزيلة وجزء من ميزانيتها  للمناسبات الطائفية والدينية الخاصة على حساب المكوّنات الأخرى. وهذا يعدّه الكثير من المواطنين، وليس الكرد وحدهم، نوعًا من الاستفزاز والتفرّد في الشارع والسوق والدائرة. وبالرغم من تنامي الأفكار وتطوّر الرؤى وانقشاع الغيمة عن المضيّ بالتوجه الدينيّ المرفوض، إلاّ أنّ الحكومة والبرلمان والقضاء لم تتوفر فيهم الشجاعة الكافية لمغادرة هذه الفكرة إلى قطار اللاّعودة، بالرغم من الاعترافات الكثيرة بفشل التسويق الدينيّ، الصادرة في مناسبات عديدة من جانب الأحزاب الدينية والطائفية التي بدأت في الآونة الأخيرة بالتشظيّ والانقسام على بعضها وركوب الموجة المدنية التي حرّكها التيار المدنيّ في الشارع العراقي.
لقد كان من ضمن أبجديات حكومة العبادي، تشكيل حكومة "تكنوقراط"، ضمن رؤية التوجه نحو دولة مدنية تساوي بين جميع المواطنين، حكومة قادرة على مواجهة البلاد الغارقة في أزماتٍ عديدة لا حصرَ لها. وبالرغم من موافقة "ظاهرية"، أو بالأحرى موافقة "إعلامية ودعائية" مبطنة بنوايا مشكوكٍ فيها من جانب زعماء الكتل وأتباعهم من المنتفعين من نواب البرلمان، إلاّ أنّ تلك الرغبة من جانب رئيس الوزراء، سواءً كانت صادقة أو مراعية لصوت الشارع ظاهريًا، قد اصطدمت بصخرة الرفض من تحت الكواليس. وجرى ما جرى لإجهاضها ووأدها وهي في التكوين الرحمي. وفي الحقيقة، أنّ صفة التكنوقراط، بعيدة بعض الشيء في وصف الوزارة الحالية، إلاّ في حقائب معدودات يتسم وزراؤُها بالكفاءة التي تدعمُها الشهادة والخبرة معًا. أمّا مَن اعترض أو حاول إجهاض مشروع التكنوقراط، فجلُّهم من الأحزاب والكتل والنواب من غير ذوي الكفاءة والجدارة والأهلية في إيثار مصالحهم الفئوية الضيقة والحزبية والطائفية على حساب المصلحة العليا للوطن والشعب، بسبب أنّ مثل هذا التوجه نحو الكفاءات الوطنية العراقية، ومنها تلك المستقلّة بوجه خاصّ، كان سيضع حدّا لطموحاتهم الشخصية في التسلطّ على الحكم والمال، كما هو قائم حاليّا. فالمؤسسة التشريعية، بسبب بعض الدخلاء من المزوّرين والفاسدين ومن غير ذوي الخبرة والنهج الوطنيّ في التعامل مع السياسات العليا للبلاد، بقيت وماتزال عاجزة عن تمثيل الشعب، إلاّ بنشاطها ما قبل الانتخابات عبر الكمّ الهائل من الوعود والتعهدات التي تُقدّم للناخب المسكين الذي يصدّق كلّ شيء بسبب من هشاشة فكره وعوزِه وضعف توجهه الوطنيّ هو الآخر.
أمّا من حيث تعزيز مبدأ الديمقراطية الذي ينادي به الجميع دون إدراكٍ حقيقي لما يُرتكب من جرم وفساد وخرق باسم هذه المفردة الشائعة التي أضحت شعارًا فضفاضًا للمتسترين على فضائح الفساد وسوء الأداء وضعف الفعّالية في إحداث التغيير المرتقب في الدولة والمجتمع على السواء، كان لابدّ من سيادة مبدأ التوازن في السلطات على ما سواه من سيادة مبدأ المصالح والامتيازات التي أخرجت النظام الديمقراطي عن سكّته المخطَّط لها، كما هو قائم في الدول التي مرّت بتجارب مماثلة واستطاعت اجتياز المحرَّمات التي ماتزال تعشعشُ في معظم الأنظمة العربية، ومنها بلادنا. من هنا، وبسبب سطوة أحزاب السلطة التي ماتزالُ تضع يدَها على كلّ مفاصل الدولة الغارقة في مشاكل لا حصر لها، اعتمادًا على أساس النهج المحاصصي المقيت الذي أغرق البلاد والعباد في دوّامة الفوضى الخلاّقة، كان لابدّ أن يدرك الساسة أن مسألة فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، تُعدّ من أركان الديمقراطية التي ينشدها جميع المؤمنين بمبدأ الحساب والعقاب من دون تهاون أو تمييز أو امتياز، وكذا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب الذي ينبغي أن يكون فيه وفقًا لجدارته بعد أن يتمتع الجميع بالفرصة المتاحة للمكان المؤهَّل لكلّ فرد وكلّ مواطن.
إنّ مسألة تداخل السلطات وفرض الإرادات وإجازة القوانين والتعليمات تبعًا للجهة الأقوى، تُعدّ كارثة في بناء أية دولة لا تقيمُ قدرًا للديمقراطية ولحرية الفرد وكفاءة الأشخاص. وهذا دليلٌ إضافيّ آخر على الفوضى وخلط الأوراق بين شركاء العملية السياسية الذين يقيمون في وادٍ ويعيشون في أبراجٍ عاجية، وبين الشعب الذي يقيم بعيدًا عنهم ويعيش في وادٍ آخر مليء بالدموع والكوارث والأحزان ويقوم على الوعود العرقوبية. وهنا، ليسَ مَن يُلام على هذه الإشكالية، هم المسؤولون في السلطات الثلاث وأحزاب السلطة فحسب، بل الشعبُ أيضًا بسبب من سذاجة شرائح واسعة في صفوفه وهشاشة أفكارهم وتبعيتهم واعتيادهم السير وراء الجلاّد من دون مراجعة ولا تفكير ولا تحليل ولا تمييز للأسباب والنتائج والمؤهلات والظروف.
هنا يأتي دور التيارات الوطنية والنخب المثقفة والمدنية، العلمانية المستقلّة منها على وجه الخصوص، برفع صوتها بالتحذير من الوقوع مجدّدًا، في حبائل وفخاخ ذات الجهات التي أثبتت فشلَها في تمثيل الشعب وفي بناء الوطن وتقديم الخدمات وتطوير البلاد وتأمين سلامة المواطن وصيانة شرفه وعرضه وأمواله وحرية تعبيره وتنقله وحقه في حياة حرة كريمة. فحالة الإحباط القائمة والمتزايدة يومًا بعد آخر بفضل سوء أداء السلطات الثلاث، وفشلها بتحقيق تحوّلات هامة على كافة الأصعدة وكذا في الإصلاح، أصبحت حالة يومية تتشابك مع أحداث الساعة، وفق متغيّرات الشارع الثائر الساخن، بسبب قيظ الصيف الشديد الحرارة وكذا بسبب الأحداث السياسية والتفاعلات البينية والعلائقية بين الكتل السياسية والزعامات وأجندات كلٍّ منها، وما شهدته هذه مؤخرًا من تشظيات وانقسامات واتهامات. والخشية من كلّ هذا الحراك، أن تكون ضمن لعبة سياسية تجيدها أحزاب السلطة لتغيير الوجوه والبقاء في دارة السلطة والواجهة من جديد، ولكن بتسميات جديدة ووجوه تتلاعب بمشاعر الناخب الحائر. فهناك دومًا مَن يشعر أنَّ أوراقَه قد احترقت، لذا يلجأُ إلى إيجاد بدائل أو إثارة مشكلات من أجل الحفاظ على الكرسي والسلطة والثروة التي يخشى فقدانَها مع كلّ صحوة جديدة، ولو ضعيفة، للشعب والمجتمع.
من جانبٍ آخر، ما يمكن تسميتُه بالعجز القائم في السلطة التنفيذية في التصدّي لانفلات الشارع وإصابة الأهداف المتورطة في أعمال خطف وسطو وقتل وتهديد وما شاكلها، تشكّل اليوم تحديًا آخر يُضاف إلى نصاب المشاكل القائمة بين الأطراف الحاكمة والمشاركة والمعارضة، ومن تلك المتهاونة فيها في رصد الجرائم ومتابعة سلوكيات فاعليها والواقفين لها دعمًا وسندًا وتشجيعًا وتستّرًا على فاعليها على السواء. وهذا ينمّ بالتأكيد عن الضعف في مواجهة الحدث الجرميّ والفشل في تقديم الحلول الناجعة التي ينتظرها المواطن البسيط من الدولة. هذه السمة الفوضوية في الإدارة، التنفيذية منها والتشريعية والقضائية، تفضي إلى نتيجة صائبة وهي غياب الرؤية السيادية في البلاد، السياسية منها والإدارية والاقتصادية والمالية والعلمية وحتى المجتمعية التي أضحت فريسة للحكم العشائري وأصحاب الميليشيات المتنفذة في بعض المناطق والأوساط، ما يُبعد الدولة عن تطبيق مبدأ القضاء العادل بحق المخالف والخارج عن القانون وغير المنضبط من المنضوين تحت ألوية مسمّيات كثيرة لا حصرَ لها، بحيث ضاع الخيط ومعه العصفور. وتلكم حالة واضحة لا تحتاج لشرح تفصيليّ أو سند توثيقيّ.
ما يحصل على الساحة العراقية اليوم بعد الاستفتاء الكردي على تقرير المصير، أشبه بزلزال هزّ وحدة البلاد وشعبها المتنوع الأديان والأعراق والتراث والحضارات. وإن كان هذا قرارُهم الأخير، فليكن هادئًا ومن غير تجاوز على حقوق غيرهم وفرض الأمر الواقع باستقطاع مناطق وأراضٍ لا تمتّ بصلة إلى جغرافية الإقليم التاريخية. فهذا خرقٌ فاضحٌ للوطن والمواطنة، لا يمكن القبول به، حتى لو كانت الحكومة الحالية تعاني وضعًا ضعيفًا لا تُحسدُ عليه بسبب تفاقم أزماتها وانشغالها بمقارعة أعتى عدوّ للإنسانية، كان للكرد دورٌ في تغلغله في المناطق التي كانت تسيطرُ عليها قوات الإقليم. وهذا ما يترتب على الطرفين زيادة الحوار الهادئ والانصياع للمصلحة العليا لكلا المكوّنين من دون الإساءة لسائر المكوّنات التي تأثرت بهذا الصراع الذي يُعدّ عائقًا لتقدم البلاد وفرصة لقيام كانتونات وتنظيمات ومؤسسات أشبه بحكومات موازية للحكومة الرسمية. ونحن نعتقد أنّ زيادة الشحن بين الكتل السياسية المتصارعة مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي القادم في 2018، وبروز بوادر انفصال الإقليم الكردي بعد إصرار قيادتهم على إجراء الاستفتاء، كانت من الأسباب التي أبرزت تشكيل هذه الكانتونات والجماعات المسلحة خارج التشكيلة الأمنية الوطنية.فكانت لهذه ميزانياتُها وسياساتُها التي تفرضُها بفضل ما تتمتع به من سطوة وباعٍ طويل في شبه الدولة الغائصة في بحورٍ من المشاكل التي لا حصرَ لها وتجد طريقَها بين فترة وأخرى. 
لعلّ الحلّ الوحيد الذي بإمكانه انتشال شبه الدولة من أزماتها العديدة هذه، وإيصالها إلى برّ دولة ذات سيادة واعتبار دوليّ صحيح، تكمن بتحقيق حزم إصلاحية كثيرة وأساسية في عدة اتجاهات، من شأنها تعزيز نهج السيادة الوطنية على غيرها من السياسات والوصول بها إلى نتيجة قيام إدارة سيادية مدنية وسياسية واضحة المعالم مستندة على شرعية الشعب وتتحمّل المسؤولية الوطنية بموجب تخويل حقيقي من الشعب والفعاليات المختلفة التي لها حق المشاركة في الحكم وإبداء الرأي والاعتراض ومراقبة الأداء الحكومي بكلّ جوانبه. وهذا يدعو إلى اعتماد مبدأ فصل السلطات الذي مازال يعاني من تداخلها ومن تسييس في أدائها وسياساتها لشتى الأسباب والأهداف التي تتقاطع مع طموحات التيارات الوطنية والشعبية الرافضة التي ترفع صوتَها، ولكن ما من مجيب إلاّ على خجل. من هنا، نجد أن لا بدّ من رفع مثل هذا الغموض في هذا التداخل غير الحضاريّ والناقص للشفافية في اعتماد مبدأ المساواة وتحقيق العدالة في صفوف العامة والحفنة الخاصة التي استقطبت وسيطرت على مقاليد السلطة، وهي في الغالب غير أهلٍ لها.
أمّا ما تعانيه البلاد من أزمة مالية واقتصادية، فمردُّها بالتأكيد، سوء التخطيط والإهمال والتقصير وتفضيل المصالح الفئوية والطائفية على العامة والوطنية والفشل في إقرار استراتيجيات بعيدة المدى، واستنزاف الاحتياطيّ من أموال البلاد في مزاد صرف العملة المتزايد يومًا بعد آخر. هذه الأزمة الاقتصادية شكّلت بالأمس وما تزال تشكل اليوم تحديًا كبيرًا شائكًا في خاصرة الوطن وأبنائه ومستقبل الأجيال. وهي إن دلّت على شيء، إنّما هي عنوانٌ على سوء الإدارة وضعف القيادة وغياب الاتساق في الجدارة والأهلية ووضع الأشخاص المناسبين من "النخب" وليس من "حفنات" من الموظفين والمسؤولين من ناقصي الخبرة والرؤية الوطنية والبعد الاستراتيجي في وضع السياسات الناجعة. والدليل على وجود تخبّط في هذه جميعًا، الفشل في تقديم أجوبة أو مقترحات حلولٍ تسهم في ردع المقصّر ومحاسبة الفاسد، وفي توجيه سياسة الدولة نحو برّ الأمان بحيث ينتصر الحق على الباطل، ويسود العدل بدل الظلم، ويُردعُ الفسادُ وصاحبُه وفق القوانين وعدالة السماء، إذا ما اقتضت الضرورة من دون تقاعس. وهذا ما ليس قائمًا في أوساط حكومتنا وسياسيينا وزعاماتنا.
وسيبقى مشروع الإصلاح الحقيقي في بنية الدولة، حكومةً ومؤسساتٍ وقوانين، قائمًا حتى تحقيق قدرٍ من الاستقرار في كلّ مفاصل الحياة. فلا خير في إصلاحٍ لا يجدُ المواطنُ النزيهُ والمستقلّ مكانةً في إدارة البلاد وفي تطبيق الوسائل الفضلى في تسيير دفة الاقتصاد وصيانة الأمانة في الحريات العامة واستخدام ثروات البلاد في البناء الصحيح وفي التنمية المستدامة وفي تحقيق الرفاهية وتسارع الخدمات وصولاً إلى مصاف الدول المتقدّمة التي تعرف كيف تحترم الآدميين لديها وتحاسب لصوص النهار وسرّاق الليل بداعي المواطنة الحقيقية المفقودة في بلدٍ كالعراق الذي فقدَ جلَّ مؤسساته البنيوية وهيبتَه الوطينة، بسبب الفساد والمفسدين والسكوت عن الأخطاء والتجاوزات والسرقات ونهب المال العام، بسبب نهج المحاصصة المقيت.


18
ما بعد الاستفتاء، عن الإصلاح والصلاح في العراق
لويس إقليمس
بغداد، في 26 أيلول 2017
الجزء الأول:
نال موضوع الإصلاح في الدولة والحكومة بالعراق، قدرًا من التفاعل الرسميّ والمجتمعيّ وإبداء الرأي في الشارع العراقي، مذ تولّي رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي رئاسة الحقيبة الوزارية من سلفه الذي لم يصن أمانة الحفاظ على سلامة الأرض والعرض والثروة الوطنية، بل أشعل فتيل الفتنة الطائفية وقاد البلاد إلى شفير الإفلاس والتناحر والتمزّق، وأطاح بأي أملٍ بانتقال البلاد من الفوضى الخلاّقة إلى دارة الدولة المدنية المنشودة من معظم أبناء الوطن الجريح.
 فالمشروعُ الإسلاميّ المشبوه الذي مازال زعيم حزب الدعوة يسعى لتسويقه ضمن برنامجه ليضمن سطوتَه على مقدّرات البلاد، لا يمكن أن يُكتب له النجاح ويجد النور، لأسباب كثيرة وواقعية، منها ما يمسّ ذهنية المواطن العراقي وتطلعاته المدنية المنفتحة على العالم، وأخرى ترجع إلى طبيعة الأرض التي احتضنت حضاراتٍ وشعوبًا وأديانًا متعددة لها تاريخُها وتراثُه وصفحاتُها المشرقة الخالدة في حياة شعوب المنطقة والبلاد على السواء. فهذا المشروع، علاوة على شبهات ارتباطه بدولة الجارة إيران، والذي يتطلع فيه إل تقليدها في مبدأ ولاية الفقيه التي لا تنسجمُ مع ما هو قائم تقليديًا وحضاريًا واجتماعيًا من تعددية في الأديان والأعراق والمذاهب والأجناس، سيكون طعنة مثخنة في خاصرة التوّاقين لرؤية العراق بلدًا مدنيًا متطوّرًا ومتحضّرًا، ليعود إلى حاضنة المجتمع الدولي معافى من أدران الماضي المعفّر بالدم والكراهية والطائفية والحقد والخصام والتمزّق والدكتاتورية المتوارثة عبر الأجيال لدى شعوب المنطقة، ومنها بخاصة الدول الإسلامية على وجه التحديد. من هنا كان الاتفاق على ضرورة استبدال المالكي بعنصرٍ من كتلته ومن حزبه ظاهريًا، كي يقوم بما عليه في ساحة الإصلاح من أجل نقل البلاد وأهلها إلى واحة مختلفة ترفل بالأمن والسلام والرفاهية وإجراء مصالحة مجتمعية لإصلاح ما تمّ التفريط به على عهد سلفه. 
عملية الإصلاح، أيًا كانت بداياتُها أو غاياتُها، لا تخلو البتة من مغامرات وهواجس واختلاجات وإرهاصات على الصعيد الشخصيّ للأفراد، وكذا على صعيد المجتمعات كمكوّنات جامعة ومنضوية تحت لواء دولة موحدة الأطراف والمكوّنات وذات سيادة، على السواء. والعراق كان في غابر السنين ضمن مثل هذه المواصفات التي تحققت وتكوّنت منها هوية أية دولة لها شأن في التاريخ البشري. فبلادُ وادي الرافدين، بتاريخها الموغل في القِدَم والحضارة البشرية، تشهد لها آثارُها وتركتُها الثقافية الغزيرة والسِيَر المأثورة لعلمائها ومفكريها ومثقفيها وما تركه هؤلاء للأجيال. وهذه العملية، لا تتحدّد بهدف معيّن أو شأنٍ محدّد دون غيره، إذا أُريد لها أن تكون شاملة بمفرداتها ومعطياتها وبنودها التي تغطّي سائر مكامن الحياة وشؤون البلاد والعباد. 
بدءًا، يأتي إصلاح النظام السياسي والاقتصادي على رأس الأولويات، لأنه يحفظ للبلد سيادتَه وتحكّمَه بشؤون مقدراته الأمنية، الداخلية والخارجية التي تجعلُ منه قوة تتحكم بمصادر القرار، وتمنحه مَنَعةً وتحصينًا إزاء أية محاولة لزعزعة الأمن والاستقرار فيه أو تلك التي تسعى لإبقائه رهينة بيد القوة التي تصرف عليه وتوجه أداءَه الداخلي والخارجي وسياستَه السيادية وفقًا لأجنداتها ومصالحها في استهلاك أيّ شيء وكلّ شيء. ومن المهمّ بمكان، الاستفادة من الدروس السابقة والاسترشاد بالخبرات المتراكمة حول نوع النظام الأصلح لسياسة أية بلد، بالوقوف على شكل النظام السياسيّ الذي ينفع ويأتي بالسعادة والاستقرار والرفاهة للمواطنين بغضّ النظر عن تلاوينهم وتشكيلاتهم وخلفياتهم الدينية والعرقية والمذهبية والثقافية والاجتماعية. فهناك النظام البرلماني الذي يُؤمّن نوعًا من الديمقراطية وحرية التعبير والرأي والتنقل، هذا من حيث المبدأ لا الواقع. وهناك النظام الرئاسيّ، الذي في حالة استغلالِه من قبل هرم السلطة بتحويله إلى أداة لحكم العائلة بالتوريث والقرابة والمحسوبية والمنسوبية، يتحول إلى كابوسٍ لكمّ الأفواه وزجّ الأحرار في الغياهب وقتل أية بادرة للتعبير عن الرأي والحرية في اتخاذ الخيارات الشخصية والاجتماعية وتقرير وسائل العيش الحرّ الكريم. وهذا التوصيف الأخير تعمل به غالبية دول المنطقة، والإسلامية منها بصورة خاصة. ولدينا من أشكال هذا النظام، الكثيرُ من الأمثلة والدروس السلبية، إلاّ في حالة واحدة قد تنفع، وهي أن يكون مثل هذا الحاكم عادلاً بحكمة سليمان الملك وشديدًا بحدّة حمورابي صاحب المسلّة وأول قانون نظاميّ يُطبَّق على الجميع. وهذا من النادر إيجادُه والعثور عليه. فهذا الصنو من الحاكم "الدكتاتور العادل"، سيكون قادرًا على إحلال الطمأنينة في قلب المواطن وفي إرضائِه من حيث حقوقه في التساوي بالمواطنة وتحقيق العدالة وفقًا للدستور الناضج الذي ينبغي أن يتولى كتابتَه ووضعَه أصحابُ الاختصاص وفيه تُرسم سياسة البلاد الداخلية والخارجية لتنسجم مع طموحات عامة الشعب بجميع مكوّناته، حينما يُكتب بنَفَس مدنيّ حافظ لحقوق الجميع.   
أمّا لماذا فشل النظام البرلمانيّ في العراق، وهو الذي من وظيفته من حيث المبدأ إتاحة فسحة أوسع للحريات العامة، فهو لكون الدستور الذي وضعه مَن أتوا على ظهر الدبابات الغازية أو بدعمٍ من إدارتهم لاحقًا، لم يكن عقدًا وطنيًا ومجتمعيًا متكاملاً بسبب وجود ثغرات عديدة في بنوده وتضمينه ألغامًا كثيرة وتسييسه لجانب فئة على حساب العامة من سائر الشعب. وكذلك باعتماده على مبدأ المحاصصة والسماح للزعامات أو بالأحرى لمافيات الزعامات السياسية لاستغلال هذه وتلك في مسألة انتهاب ثروات البلاد واقتسام موارد الدولة والمناصب الرسمية والحكومية ووضع أيديهم على فعاليات السوق الوطنية التي همّشت دور النخب وأهملت دور القطاع الخاص في بناء دعامات اقتصاد البلاد، وهو الأجدر بقيادة وإدارة هذا الأخير والأكثر نزاهة في توجيه السياسات التجارية والاقتصادية وتطويرها نحو الأفضل.
يُضاف إلى كلّ هذا وغيره، العمل بمبدأ المساومات، وعقد الصفقات، وأشكال الابتزاز، والغض ن التجاوزات على مصالح الوطن العليا، وتفضيل المنافع الضيقة في اتخاذ القرارات وصيانة أمن الدولة، وسنّ القوانين بصيغة التوافق غير المجدية والبعيدة عن رؤية المواطنة والطنية التي خلا منها غالبية السياسيين القائمين على الحكم، إلاّ من استثناءات قليلة جدًا. وهذا ما قاد البلاد إلى كوارث ومشاكل لا حصرَ لها، ومنها ما حصل مؤخرًا من زلزالٍ هزّ الضمير العراقي لكلّ مَن له ضميرٌ وطني أصيلٌ. فإصرار الكورد على الانفصال الذي كانت رئاستُهم الدكتاتورية وحزبُهم القائد تهدّد به في مناسبة أو بدونها استغلالاً للفرص من أجل كسب المزيدٍ من المكاسب والمنافع في صفقات ابتزاز مشبوهة وغير وطنية، هو من صلب ما كان يتخوّف منه المواطن الملتصق بالأرض والمؤمن بسيادة الوطن وصيانة وحدة أراضيه والحفاظ على حدوده. وهكذا عندما سنحت الفرصة للأكراد وانتهت سنوات الاستغلال والحلب المتنامي للثروات ولميزانية الدولة الذي لم يكفّ ولم يتوقف، تعالت أصواتُ الإصرار على الاستفتاء، بالرغم مما حصل عليه طيلة السنوات المنصرمة منذ الغزو الأمريكي في 2003، من قسط وافرٍ من الامتيازات والرفاهة أكثر من سائر المحافظات في البلاد. أمّا حجتُهم في ذلك، فلم تكن مقنعة أو حاضرة، ذلك أنَّ سمةَ التهميش، لمْ تكنْ قطّ مبرّرًا كافيًا للاقناع والإيمان بصحته. فالحقيقة الصارخة، أنّ القيادة الكردية في أربيل، كانت ناوية لتنفيذ مشروع الانفصال في أية لحظة. وتلك حقيقة لا تحتاج إلى تمحيص وتحليل وسؤال. أي أنّ مشروع الاستفتاء وبعده الانفصال الناجز لاحقًا، كان ضمن الرؤى والنوايا الدفينة.       
الآن وقد حصل الاستفتاء فعلاً، بالرغم ممّا شابه من خروقات ومن وسائل لإجبار النازحين بالتوصيت وتهديد المستفيدين من الامتيازات بقطع الأرزاق والمكرمات، وبالرغم من الاعتراضات الكثيرة داخليًا وخارجيًا، وبعكس الصرخات الخائبة التي لا فائدة منها، شرع شركاءُ الأمس وحلفاءُ الكورد بالبكاء والعويل لحدّ اللطم وإعلان الحداد الذي لا فائدة منه بعد. ومن المؤسف، أنَّ التحالفات السابقة بين القوائم الشيعية الكبيرة والكتلة الكردية، جاءت نتيجتُها لغير صالح الوطن والمواطن العربي والكردي وسائر المكونات الأخرى على السواء. ذلك أنَّ تمزيق النسيج الوطني العراقي، يعني التوجه نحو خرابٍ قادم مجهول النوع والكمّ إلى جانب ما قد يخلقه من مطامع من دول إقليمية وخارجية وقوى طاغية أخرى تراقصت لشقّ اللحمة الفسيفسائية التي كانت لها نكهتُها الخاصة التي يقلّ نظيرُها في أيّ بلدٍ آخر. بل هناك مَن يدفع اليوم أيضًا، باتجاه بقاء الشعب بائسًا خائبًا يهرول في كلّ مناسبة دينية لإدامة تقاليد البكاء واللطم، وسط تشجيع من قادة الأحزاب الدينية التي ترى في مثل هذه الممارسات غير الحضارية إبقاء سطوتها على الشعب البائس الذي يصرُّ على التمسّك بسوط جلاّده أملاً بكسب ما يُملى عليهم في هذه المناسبات من تخريفات وحكايات غاية في الخيال مهملين حصةَ الوطن ومصالحَه العليا وتقدّمَه وتطوير أدواته وصيانة سيادته ضمن دولة مدنية متحضّرة لا تقبل بسطوة الثيوقراط على مقاليدها وأفكارها وحريتها.
 مثل هذا الفشل في صيانة الحق الطبيعي للفرد والوطن بسبب تراكم الخروقات والأخطاء، يعني الحاجة لتأكيد النزوع إلى نظام بديلٍ ونزيه ومتطور يحفظ توازن المصالح العليا للبلاد وليس فرض منافع لسلطات حاكمة ومافيات متنفذة ليس بإمكان الحكومة الضعيفة الحالية محاسبة الفاسدين والمفسدين منهم، بسبب ضعف الأداء العدلي والقضائي والجهات الأمنية التنفيذية التي يُفترض توليها حماية البلاد وثرواتها وسيادتها، والحرص على صيانة أمن المواطن على السواء.
في ضوء هذا التوجّه نحو إصلاح الدولة، حكومةً ومؤسسات وأفراد، هناك حاجة ملحة قبل كلّ شيء، لمراجعة دستورية جذرية، بعد هذا الزلزال الكبير. كما ينبغي إعادة التفكير في هذه الفترة الحرجة بإصلاح النظام الانتخابي الذي يمثل إحدى حلقات الفساد عبر التحكّم بطبيعة القانون الانتخابيّ وإخراجه عن الشفافية في طريقة الترشّح وأدواته وشروطه، بموجب الاتفاق التوفيقي على نسخته الأخيرة. فهناك، مَن يسعى دومًا لفرض الذات وأجندة الحزب والكتلة والجهة التي تسند وتدعم وتقدّم المرشَّح "ممثلَ الشعب" المفترض، وتوجهه في حالة الفوز بمقعد برلماني، بالطريقة التي تحفظ عادة مصالح الأحزاب الكبرى ذات الأغلبية، والمتنفذة دومًا في العملية السياسية. فالقانون الانتخابي مازال غير قادرٍ على إتاحة الفرصة لجميع المواطنين بالمشاركة في الانتخابات والترشح، بسبب غلبة الأحزاب المتسلطة والمتنفذة التي ماتزال تتخاصم وتهدّد وتفرض أدواتها القسرية بصياغة القانون الانتخابي وفق مصالحها، كلّما سعت جهاتٌ وطنية مهمّشة لإجراء تعديلات عليه كي تُتاح فيه الفرصة لمشاركة أوسع، لاسيّما من أوساطٍ مستقلّة ذات توجهات وطنية ومدنية أو من جانب مكوّنات ترى نفسَها خارج العملية السياسية بسببٍ من قلّة أعدادها. وهذا ما يجري حاليًا، حيث هيمنت الكتل والأحزاب الكبيرة فارضة شروطَها في تشريع القانون الانتخابي بنسخته الأخيرة، بالرغم من اعتراض الكثير من الكتل والأحزاب الصغيرة التي ترى نفسَها مغبونة في حقوقها الانتخابية. فقانون سانت ليغو الحالي، سواء بنسخته1,9   أو 1,7 ، لا يلبي طموحات المستقلّين والأحزاب الصغيرة التي تمثلها الأقليات. وما تطالبُ به هذه الأخيرة يقارب المنطق والحق في التعامل العادل والمتساوي بين كافة المواطنين، وبما يتيح لإجراء توازن وفق المصلحة العليا للوطن وبالاستناد إلى مبدأ المواطنة المتساوية للجميع التي تتيح الحق للجميع من دون استثناءات أو امتيازات لفئة دون أخرى.






19
الدولة المدنية، هاجس أم ضرورة؟
لويس إقليمس
بغداد، في 3 آب 2017
يخشى الكثيرون ممّا يجري على الساحة السياسية العراقية من مناورات وتغييرات واتفاقات جديدة وتشظيات لأحزاب وكتل، من أن تتحول كل ّ هذه التحرّكات إلى هاجس يقضّ مضاجع أصحاب الفكر المتلوّع منذ سنين بفعل أجندات الأحزاب الطائفية والإسلامية التي أثبتت الأيام فشلَها الذريع وعدم تلبيتها لطموحات العامّة من الشعب الذي أولاهم الثقة مرّة تلو الأخرى. ومع اقترابنا من موعد استحقاق انتخابيّ وشيك، إنْ سارت الأمور بحسب المخطَّط له، تلوح في الأفق تساؤلات كثيرة ومبرّرة تقتضيهاماجريات المرحلة وخطورة الوضع الساخن والشدّ القائم بين الزعامات ومراجعها، داخليًا وإقليميًا ودوليًا. هذا إضافة إلى اتساع حيّز الخلافات بين الحكومة الاتحادية وتقاطعهامع طموحات إقليم كردستان الذي زاد من مكابرته بتهديداته المتواصلة بالانفصال وتقريره إجراء الاستفتاء في مناطق خارج حدوده، وذلك باستخدام سياسة ليّ العنق وفرض الأمر الواقع على مناطق محرّرة لم تكن يومًا جزءًا من المنطقة الكردية المتنامية على حساب المركز، مستغلاً انشغال الدولة وتشكيلاتها الأمنية بتطهير البلاد والأرض والإنسان من خوارجالعصرالمتمثلة بروافض داعش الإرهابي.
إذن، مع تزايد حدّة التوترات بين شركاء العملية السياسية عمومًا، ومنها ما ضربَ أوساط أحزابهم التي نخرتها التحزّبات والخلافات والانقسامات، يبدو المشهد السياسيّ أمام خيارات صعبة، وبسببها وعلى ضوئها تسعى بعض الزعامات التقليدية التي لبست عباءة الدين في بداية مشوارها، للهرولة للحاقبالتيار المدنيّ الذي غزا الشارع العراقي بفعل نشاطه وحراكه الشعبوي والجماهيري، لعلّهم بذلك يسترجعون نزرًا من تعاطف الشعب الذي منح حراكَ هذا التيار العفوي ثقته بعبور محنة الفشل نحو بصيصٍ من برّ الأمان. وسواءً التحق بعضٌ من هؤلاء المتسارعين الفاشلين، نحو القاعدة الشعبية التي التحقت منذ حينبحراك التيار المدني-العلمانيّ وسارت وفق منهاج مخطَّط له بخطى ثابتة، أم اتخذوا لهم خطوطًا ومسارات جانبية محاذية لهذا التيار، فإنهم بهذه الحركة الذكية يكونون قد أدركوا أنّ الشعب قد أصدرَ حكمه على فشلهم وعلى خيبة أمله من سلوكياتهم ومن لهاثهم وراء مصالحهم الضيقة، أيًا كان عنوانُها.فشعار"باسم الدّين باقونا الحرامية"، الذي رفعته جماهير هذا الحراك، ما يزال يرنّ في آذانالشعب ويقضّ مضاجع المعنيّين به. ومن ثمّ، فأيةُ محاولة في هذا الاتجاه لثني الشعب عن مطلبه بضرورة التوجه نحو دولة مدنية متحضّرة سوف لَن يُكتب لها النجاح، حتى لو تخلّى أمثال هؤلاء عن عباءة الدين والطائفة والمذهب والعرق، وانتفضوا أو انقلبوا ضدّ مشاريع أحزابهم الدينية والطائفية والعرقية أو غيّروا من الشعار والهدف والتسميات. والسبب بسيط، لأنّ مثل هذه الألاعيب قد أصبحت مكشوفة، ولا يمكن للبيب أنْ يُلدغ من جحره مرتين. فجزءٌ من الشعب الذي فعلها أكثر من مرة ويريد تكرارها، لا سمح الله، إنّما لأنّه سيبقى مجموعة بائسة و"حفنةً" هشّةمن التوابع بلا غيرة وطنية ولا شعور بالمواطنة الحقيقية أو بالانتماء الأصيل إلى الأرض والوطن.
من هنا، يأتي دور النخبة الواعية في هذا التيار، بعد إجادة دراسة الأسباب والمبرّرات وإحاطتها بطموحات الشعب وطلباته. وهذا ما أتت به ضمن برامجها واستراتيجيتها الملهمة بعد دراسة كلّ هذا وذاك، حيث لم تأتي من فراغ، بل من قدرات وطاقات مفعمة بحب الوطن ومترعة بالفكر النيّر والرؤية الوطنية الواضحةالتي تسعى لتوجيه الدولة نحو بناء ديمقراطي مؤسساتي بكلّ مفاصلها وفق المتغيرات الجيوسياسية والتحولات المادية المتعاقبة وليس الانكفاء على عقيدة أو مذهب أو أيديولوجيا غريبة عن الواقع أو عفا عليها الزمن. ومن ثمّ ينبغي مواصلة المسيرة الظافرة حتى بلوغ المأرب وتحقيق الهدف.
عندما انبرى التيار المدني، "الوطني" في وصفه أكثر من غيره، بسبب رفضه للنهج الدّيني والطائفيّ والمذهبيّالضيّق الذي سلكته أحزاب السلطة واستقوت به سلطة بعض الأحزاب، لاسيّما المحسوبة على تيار الإسلام السياسي وأصحاب المشروع الإسلامي، أقامت هذه الأخيرة الدنيا ولمْ تقعدها، متهمة أتباع التمدّن والتحضّر بالخروج عن نهج تعاليم الدين السمح، وبمحاولة علمنة الدولة وسلطتها، وبإبعاد الحكومة وأساطينها عن تطبيق شريعة الله في الأرض بالطريقة التي يريدها هؤلاء، أو بعض هؤلاء. ومع مرور الأيام، استطاع هذا التيار "الوطني" النشط أن يستقطب الجمهور ويكسب شرائح محسوبة على أتباع السلطة، أو بالأحرى بعضًا من المكوّنات الحزبية المنخرطة في العملية السياسية، ومنها بما لا يقبل الشكّ تيار الأحرار الذي لقي دعمًا ومشاركة من زعيمه الجريء، شريطة بقائه أمينًا للغاية المرجوّة من التحاقه به، ورهنَ مواصلة المشوار مع باقي التنسيقيات المثابرة من دون العبث بالهدف الأسمى الذي يرنو إليه أصحاب الرؤية الوطنية الصادقة.
مثل هذا النجاح المحسوب للتيار المدني "الوطني"، إنْ دلّ على شيء، إنّما يندرج ضمن المكاسب والمآثر التي استحقها الناشطون فيه، بعد إفلاحه بكسب ودّ الشارع الثائر الغاضب المتلوّع، وقد انتخى له متطوّعون وعفويّون اكتووا بنيران أحزاب السلطة الفاشلة، مثل سائر أبناء الشعب الذي مازال يتحمّل وطأة أخطاء السلطات المتعاقبة ويرزح تحت ثقل فسادها وفشلها. من هنا، كانت مساهمة هذا التيار في كشف المستور من فساد السلطة عبر إدامة تظاهرات الجمعة المطالبة بالإصلاح وبالخدمات وبمحاسبة الفسادين الذين مازالوا أحرارًا يديرون امبراطوريات مالية ومشاريع وهمية وسرقات تثقل كاهل ميزانية الدولة، سواءً بمرتباتهم الخيالية أو بالمكارم التقاعدية أم بوضع اليد على تخصيصاتالوزارات التي تُقيّدُ للجهة التي تتولى تسييرَ دفتها وإحكامَ سطوتها عليها.
كلنا نعلم، أنّه لولا تراخي أصحاب السلطة والصراعات المتواصلة المتصلة بالعملية السياسية وبين أحزاب السلطة، لما سقط أكثر من ثلث مساحة البلاد بيد حفنة من العصابات الإجرامية التي لا وطنَ لها. ألمْ تضطرّ الحكومة الحالية تحت تزايد الكثير من هذه الضغوط، لإنقاذ البلد وأهله من مصيبة كادت تنهي حضارة وادي الرافدين ويُقرأ السلام عليه وعلى أهله لفترة غير محسوبة من الزمن؟ إنّ التعجيلبتحرير الأرض، التي تسبّبَت بها زعامات في الحكومة السابقة بتلكؤِّها عنأداء واجبها الوطني، قد قطع الطريق أمام تحقيق حلم عصابات العصر المجنونة بفكرها المتخلّف والمهووسة بأدواتها الجرمية البشعة، لإلغاء حضارة وادي الرافدين وشطب اسم العراق من الخارطة. فما حصل، كان ناجمًا عن صراعات طائفية ومذهبية وفئوية وأحيانًا فردية وشخصية بين أطراف تتشارك الحكم والسلطة والمال. وإزاء ذلك،فقدَ المواطنُتوازنَه ولم يعد يدرك إنْ كانت هذه الأطراف تحكم بحكم الشراكة والتوافق والاتفاق، أمْ إنها تسلك خطّ المعارضة بالاعتراض على كلّ شيء يصدر أو يبدر أو يُنجز من جانب حفنة السلطة، دولة وحكومةً وقضاءً. من هنا، يكون أتباع هذا التيار "الوطني" قدأجادوا الحكمَ لصالح توجيه كل أنشطتهمباتجاه بناء دولة مدنية متحضّرة تساوي بين مواطنيها وتحكم بالعدل ويسودُها دستور متطوّر يتناسب مع تقدّم العصر وتنوّع الفكر، وكذا بتحدّي أية محاولة لشقّ وحدة الأرض وتمزيق أواصر الشعب ومنع تقدّم المواطن أيًا كان،ومن دون تمييز.
ليسَ من السهل إحداث تغيير في ثقافة شعبٍ صادرتْ أحزابُ الإسلام السياسيّ إرادتَه بالطريقة التي عرفناها، وما تزال هذه وموالوها،يبتكرون غيرها من أجل ترويضه وإبقائه أسيرًا لأجنداتها وضمن قفصها العاجيّ بسبب ما أتى ذلك من ثمارٍ مادية وسلطوية على زعاماتها وأفرادها ومَن يقف وراءَهم داعمًا ومشجّعًا ومهدّدًا في أحيانٍ كثيرة. ف"مَن شبَّ على شيء، شابَ عليه". لكنّ روح المثابرة التي اتسم أتباع هذا التيار ومَن التحق به لاحقًا ومازال، كانت خيرَ محفّزٍ للمضيّ قدمًا، مهما كانت الصعاب وبلغت وطأة الاعتراض ولغة التهديد وأدوات التعسّف التي رافقت تظاهرات أيام "الجمعة" التي أصبحت تقليدية، من أجل نشر الوعي الثقافي والدعوة للدولة المدنية التي أضحت ضرورة بعدما شكّلت هاجسًا يتخوّف منه أصحاب المقدرة لدى الزعامات وفي صفوف السلطة التي روّضت القضاء وجعلتْ منه أداة لتأييد توجهاتها المنحرفة. ولو أنّ سلطة القضاء كانت على استقلالية في نهجها، لما استطاع مَن يمسك بزمام السلطة وبأبوابها الاقتصادية ونوافذها المالية أن يظلّ خارج دائرة المساءلة والأحكام العادلة. وهذا واحدٌ من أسباب عدم حصول تقدّم في الوضع المزريّ القائم منذ الغزو الأمريكي في 2003، بعدما خبرنا حكمًا دكتاتوريًا عائليًا دام أكثر من ثلاثة عقود، ولم نتعلّم الدرس. فالفاسدون والمفسدون في الوطن مازالوا أحرارًا طلقاء يتخوّف القضاء من ملاحقتهم ومحاسبتهم.
في الاستحقاق القادم، قد تبدو الطموحات بتحقيق شيءٍ من جزئيات الدولة المدنية، بمثابة ضوء آخر يلمع في أفق المستقبل. وهذا بحدّ ذاته بعضٌ من نجاح يُحسبُ لصالح النشطاء في التيار المدنيّ المتنامي الذي ينطلق ويتحرّك وفق رؤية سياسية واضحة، واسعة، إيجابية في التخطيط والمتابعة والتنسيق. فقد سئم العراقيون وعود الساسة الذين صادروا كلّ شيء، حتى إرادة الناخب وطموحاته في العيش الآمن وتحقيق السلام وراحة البال وبناء ما دمّرته الحروب والنزاعات والخصومات. وهم اليوم، أمام انتصارٍ ثانٍ، إن استطاعوا تحقيقه برفض كلّ فاشلٍ وفاسدٍ وكاذبٍ من الساسة الذين لعبوا بمقدّرات البلاد والعباد وأهانوا الإرادة وخانوا الأمانة، فسيثبتون حقًا أنهم أحفاد حضارات وسليلو أمجاد وبناة بلدان. ولكنْ، إنْ حصل وأعاد هؤلاء الساسة الفاشلون، المفسدون منهم والفاسدون، أو بعضٌ منهم، ذاتَ الدعاية الانتخابية وأفلحوا باستمالة شرائح من الناخبين البسطاء إلى صفوفهم ثانية بأية وسيلة قدرية أو دينية أو أية إرادة قهرية أو ترغيبية، فإنّ الدور الأكبر سيقع على المثقف وصاحب النهج الوطنيّ وحامل الفكر الإنسانيّ الناضج الذي لا يرضى بالظلم ولا يقبل بالوسائل القسرية مهما تنوعت وتشعبت وامتدت. فدور هذه الفعّاليات الثقافية والتنويرية مهمّ في إدامة تنوير العامّة التي يسهل اختراق إرادتها بفعل المغريات على تنوعها، مادية كانت أم بشكل وعود أو على أطباق دينية أو أوتارٍ مذهبية أو دفوفٍ فئوية. فهذه الأخيرة، أي الأحزاب المتجلببة بعباءة الدّين والعرق والمذهب، قد أثبتت الأيام، أنها غير قادرة على بناء وطن موحد جامع لكلّ المواطنين باختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم، ولا أن ترسي سلامًا، ولا أن تخلق واحة للأمن وطمأنينة البال وراحة الفكر، بسبب نهجها الطائفي وسلوكياتها في الفساد المستشري في عظام زعاماتها ومَن والاها وناصرها وركبَ مشاريعها الطائفية والفئوية.
إزاء ذلك، ينبغي أن يأخذ هذا التيار ضمن استراتيجيته المستقبلية ودعواته للإصلاح بشيء من الأولوية، تأييد إجراء مراجعة شاملة للدستور ولبعض القوانين المجحفة التي تمّت المساومة عليها بالتوافق، بالرغم من فداحة مضارها وتأثير تطبيقاتها على شرائح واسعة مهمّشة في المجتمع العراقي ومنها تلك القليلة العدد، بسبب من تعالي بعض الزعامات وأحزاب السلطة على هذه الأخيرة وعدّها ثانوية، وعلى هامش الأغلبية الحاكمة. وإنْ كان فات أمرُ تفعيل بعض البنود التي أقرّها الدستور الأعرج الذي كُتب بنهج محاصصة طائفية تؤمّنُ حصص المشاركة في الحكم على أساس مكوّنات طائفية وإتنية، فلا بدّ من الضغط أيضًا قبل التوجه للاستحقاق الانتخابي القادم، باتجاه إعادة مطالبة النظر بهذا الدستور منذ الآن، وتكليف فقهاء ومتخصّصين في القانون لإعادة النظر في الكثير من بنوده التي خلت من سمة المواطنة والوطنية، ومالت أكثر لسياسة التحاصص على حساب المصلحة العليا للوطن ووحدة الأرض وبناء الإنسان وبيته وحفظ ممتلكاته وصيانة فكره وتأمين حرية الاعتقاد لديه.
هنا، لا بدّ من التذكير أيضًا، بضعف دور الجهة التشريعية التي لمْ تأمنْ من نخرها بالفساد وابتعاد ممثلي الشعب عن صيانة عهودهم لناخبيهم واللهاث وراء منافعهم الخاصة عبر مساومات وتشكيل صفقات مشبوهة بالضدّ من إرادة ناخبيهم. ونظرًا لضعف الرقابة على هذه الجهة، ولما يدور في الكواليس في مثل هذه الصفقات والمساومات، حبذا، لو زاد هذا التيار "الوطني" كذلك، من فعّالياته نحو المطالبة بإقرار تشكيل المجلس الاتحادي، الذي قد يكون ذراعًا قويًا في مراقبة الجهة التشريعية، التي زاغت وتلكّأت عن تلبية طموحات الشعب بإقرار القوانين التي تعزّز من قدرة الشعب وتجعلُه صاحب الحق قبل المسؤول في الدولة. فهذا الأخير، يُفترض أن يكون خادمًا للشعب وليسَ تمثيلَهلدور السيّد القابع في البرج العاجيّالمُحاط بالخدم والحشم، والمفعم بتكديس الأموال وبناء مؤسسات عقارية وشركات تجارية وأبراج انبهارية، بعد أن أعانه الدهر على تسلّق منصب واحتلال مسؤولية، غالبًا ما لا يستحقّها. وهذه حال الكثيرين من حديثي النعمة الذين أسقطتهم الأحداث المأساوية بأقدارها ليتسلّقوا على أكتاف غيرهم ويستغلّوا ما يستطيعون لصالحهم بالوسائل التي تعينهم على ذلك أو تلك التي يسعون إليها بوسائلهم الخاصة.
العراقيون اليوم جميعًا، أمام امتحان عسير، إن لم يستطيعوا تجاوز الأسئلة الصعبة فيه والردّ عليها بصورة إيجابية للتخلّص من الورطة التي أوقعتهم فيها الفلسفة الأمريكية الغازية لعقول الساسة الفاشلين ومَن والهم، بإدامة مشروع المشاركة التحاصصية للمكوّنات بدلاً من سيادة دور المؤسسات التي تبني الدولة وتدير شؤونها وفق الدستور والقوانين الوضعية، فإنّ مصيرهم الفشل مثل ساستهم. في هذه الحالة وفي ضوء نتائج الفشل، لا سامح الله والقدر، سيضطرّ الكثير من أتباع الديمقراطية الحقيقية والمنادون بها سبيلاً حيّا لإرساء السلام وعودة اللحمة الوطنية، إلى مغادرة الأرض وتفضيل الغربة حيث الأمن والأمان وسيادة القانون واحترام الإنسان مهما كان لونُه وشكلُه وعرقُه ودينُه ومعتقدُه.
لم يعد بوسع العراقيّ الناضج أن يتحمّل أكثر ممّا لاقاه وما شهده من مآسٍ وتجاوزات، بسبب حالة الفوضى وضعف المؤسسات الخدمية والأمنية والسيادية التي خلت منها الديار العراقية المعروفة بأصالتها وقدراتها. فكلّ يومٍ يمرّ، يطلع علينا البدر والقمر والشمس بمصائب وأعمال قتل ونهب وسلب واحتراب بين الإخوة الأعداء. وإنّه بسبب عدم وضوح الرؤية السياسية لدور المواطن وحقّه في المواطنة، يدفع الفقير وطالبُ الرزق النزيه حياتَه قربانًا بسبب الانفلات القائم حاليًا في الشارع العراقي، تحت مسميات كثيرة، ومنها بذرائع تطبيق الشرع بحقّ المختلفين عن دين الأغلبية. فهل نحن نعيش في دولة تحكمها شريعة الغاب وفق مفهوم نفرٍ من الفقهاء ضيّقي الأفق وعديمي النظرة الإنسانية وفاقدي البصر والبصيرة في حقوق خلق الله، الذي خلق العالمين مختلفين وفق نظرة ربّانية واسعة الأفق وتحت خيمة إنسانية وارفة الظلال؟ أمْ إننا نسعى لبناء دولة حضارية، عصرية، "مدنية"، ترقى بالإنسان إلى مقام الآلوهة التي حكمتْ بقدرتها بتساوي البشر في الخلق، إلاّ في الكفاءة وجودة الأداء وحبّ الله والإنسان والرحمة للآخرين وبالعبادة الصالحة والنصح بالحق بلا ملامة ولا افتراء ولا نفاق؟
يبقى هذا السؤال، نصب أعين المواطن البسيط والمثقّف على السواء، شاخصًا. ويتحمّل قادة التيار المدنيّ ومناصروهم من المتطوّعين ومن أتباع الأحزاب النظيفة التي تطالب وتسعى لتحقيق بلوغ الدولة المدنية، مسؤولية مواصلة الفعّاليات الوطنية من تظاهر متكرّر وتنسيق عالٍ بين روّاد الفكرة والشارع، وتجييش الأخير وتحشيد كلّ جهوده لصالح هذا المشروع، الذي إنْ جرى تجاوزُه إيجابًا في الاستحقاق الانتخابي القادم، فذلك يعني، وضع سكّة البلاد على الطريق الصحية الصحيحة. وفي ضوء هذه الأمنيات التي نأمل تحقّقها، سنصل بالبلاد والشعب على السواء إلى برّ الأمان وعودة البلاد وأهلها إلى الرقيّ في كلّ شيء، في الفكر المتنور والخدمة العامة والعلوم المختلفة التي فقدناها بسبب زلّات الساسة وفساد الحكّام والسلاطين.



20
مَن له حق الحديث عن مصير السهل ومستقبله؟
لويس إقليمس
بغداد، في 12 تموز 2017
صدرت الترجمة المعتمدة للبيان الختامي والتوصيات التي أعدّها منظمو مؤتمر بروكسل المنعقد بالعاصمة البلجيكية، للفترة من 29-30 حزيران 2017، وشاركت فيها رئاسات كنسية وزعامات سياسية وشخصيات مستقلة ومنظمات مجتمع مدني، إلى جانب الحاضرين من نواب وشخصيات غربية رعت وأيدت الحدث.
لستُ هنا بصدد إطلاق هتاف تأييد أو صرخة رفض بخصوص نوعية المشاركة وحجمها والغرض الفعليّ المتوخى من وراء تنظيم المؤتمر الذي يخصّ شريحة متألمة ومهمّشة ومتناقصة باضطراد ممنهج، بسبب الهجرة والنزوح للأسباب التي يعلمها الجميع. إنّما يبقى من حقّ العقلاء والمثقفين ورواد المجتمع، الدلوُ بدلوهم، بالرغم من حرمانهم القسريّ من المشاركة في إبداء الرأي فيما يخصّ شؤونهم ومستقبل أهلهم وأحبائهم ومصير بلداتهم المنكوبة، بسبب استبعادهم من مثل هذا الحق من جانب الزعامات، دينية كانت أم سياسية. فهذه الأخيرة، وبما أوتيت من قوّة وعزم وإرادة ونوايا مدفونة ومعلنة، لا يطيب لها الاستماع دومًا لآراء هذه الشريحة المدنية المستقلّة في فكرها ورؤيتها للواقع المزري، سواء كان ذلك في رحاب الدولة الاتحادية أم في الدولة الفتية القادمة المولودة من طموحات إقليم كردستان الحالي.   
بيان بروكسل، تضمّن من جملة المطالب المشروعة، أفكارًا جانبية مدسوسة قابلة التأويل، يقرأ اللبيبُ من بين سطورها، الغاية الأولوية من تقرير عقد هذا المؤتمر في هذا التوقيت بالذات: الاقتراب من نهاية داعش الإرهابي في مدينة الموصل، عقر دار دولة الخلافة الإسلامية المزعومة، وإعلان الإقليم قبل أيام عزمه الذي لا تراجع عنه بإجراء الاستفتاء وتضمينه مشاركة ما يُسمّى بالمناطق المتنازع عليها فيه. ومثل هذا التوقيت، جاء للتأكّد من حصول وإيلاء ضمانات شبه أكيدة من المشاركين من مكوّنات الأقليات الرئيسة، ومن المكوّن المسيحي بالذات، الذي ترتب عليه تأكيد مثل هذا الالتزام بما سبق أنْ أقرّه وبصمَ عليه عرّابون آخرون في وقت مضى، سياسيًا وحزبيًا وثقافيًا، بعضهم دفنهم التاريخ وآخرون ما زالوا يلوكون ذات التغريدة. فقد اقتنع العديد من هؤلاء، إنْ لم يكونوا قد ارتضوا صاغرين من ناحية توقيت عقده والنتائج الصادرة عنه بما فيها من دسّ مستتر، نتيجة لما نالوه من منح وبركات ووظائف وهدايا وإكراميات وعمارات وبناء مؤسسات لمختلف الأغراض وكنائس وغيرها كثير. وبالطبع، كلّ هذه الإكراميات لا يمكن أن تكون بغير ثمن. فهذا الأمر، لا غبارَ عليه، مهما جاء أمرُ إنكاره أو تحاشيه أو نقضه أو تكذيبه. ما علينا، كما يقول صاحب الرواية الطويلة وخبير مثل هذه المفاهيم، وهو مجهول الهوية بطبيعة الحال، فالعصفورة اللطيفة لا تكذب ولا تُكذِّبُ ما يجري في الكواليس وما يُدار في أروقة السماسرة من كلام واتفاقات ومجاملات وتعهّدات.
الأمر المهمّ في مثل هذه المؤتمرات، سواءً التي عُقدت في السابق، أو تلك القادمة المنتظر تكرارُها بسبب ما تدرّ على المنظمين من فوائد جمّة لهم ولمواليهم، ومن استغلال هؤلاء لسذاجة بعض المشاركين الذين يرتاحون لتغيير الأجواء المظلمة في عراق الفوازير والعجائب بسبب نقص الكهرباء، والشديدة القيظ بسبب نقمة السماء على أهل الدار السوداء، هو أنْ يعي المنظمون والمشاركون معًا، مَن هي الجهة المخوّلة حقًا بالتحدث باسم المكوّن المسيحي ورسم صورة مستقبلهم في ضوء الوقائع والأحداث والتخبّط، في كلّ من حكومتي المركز والإقليم، حيث اضطرّ غالبية النازحين والمهجّرين من بيوتهم للإقامة في أراضي الإقليم بسبب قربها من مناطقهم التي طُردوا منها، وبعد أن فقدوا أملاكهم وأمانهم، وسُلبوا حرّياتهم بالتعبير عن آرائهم وإبداء تصوّراتهم.
الرئاسات الكنسية التي تحوّلَ بعضُ لاعبيها إلى زعامات وخاضوا مجال التجارة في السياسة وأجادوا في ترويض النفوس الجائعة وفي إقناع أصحاب النفوس المريضة من التي لا حول ولا قوّة لها، لم تُثبت استقلاليتَها ولم تصنْ مجالَ خدمتها للنفوس كما ينبغي، وهي الكفيلة بهذه الرسالة لا غيرُها. وهذا واضح في المناكدات والاعتراضات والثورات التي حصلت من داخل المؤسسة الكنسية نفسها وبين بعضها البعض، سواء داخل الطائفة الواحدة أو الكنيسة الواحدة، أم فيما بين الطوائف نفسها، زعامات وكوادر وقواعد للمؤمنين على حدّ سواء. بل إنّ اتهامات متبادلة تُشاع بين فترة وأخرى، وقلّما تخلو صفحات المواقع الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي من مثيلاتها. والأنكى من ذلك، ما يرِدُ من ردود التكذيب أو التأكيد وبما يخلق حالات من الشك واليقين فيما يُقال ويُكتب.
بدورها، الأحزاب المسيحية المتواجدة على الساحة السياسية، بالرغم من كون أغلبها، إلا الأصيلة منها التي لا تتجاوز اثنين أو ثلاث على أوسع تقدير من ذوات القاعدة الشعبية الواسعة نسبيًا، هي عبارة عن دكاكين أو مكاتب صغيرة، كما جاز لأحد الزملاء وصفَها، وقد صدق. فهي حقًا مقرّات لنفر قليل من المنتمين الموالين لحكومة الإقليم، والذين لا يُجاز لهم الخروج عن طاعة وليّ النعمة. فهُمُ بمثابة جنود وُدَعاء يأتمرون بأمر وليّ النعمة الذي تكفّل بكلّ المصاريف والمرتبات والمخصصات والهدايا وإيجار المقرّات وعقد المؤتمرات والندوات وسائر النشاطات التي تؤدّي جميعًا إلى تأييد الرغبة بالانضمام المبدئي إلى الإقليم والدولة الكردية القادمة، بموجب فرمانات مصدّقة صدرت عن نفرٍ من شخوص الأحزاب وزعامات الكنائس وتمّ استلام أثمانها. أنا لا أعمّم، بل الحقيقة القائمة لا يمكن نكرانُها أو إخفاؤُها. فهناك من السامعين الجيدين ومن القارئين المجيدين وممن المحلّلين الأكفاء في كلّ هذا وذاك. وذاتُ الوصف الذي ينطبق على المجموعتين المعنيّتين، يمكن قولُه عن الذين استلموا مواقع حزبية ومناصب إدارية متقدّمة في حكومة الإقليم. فهؤلاء ليسوا بأفضل من المجموعتين المذكورتين. فلا استقلالية في اتخاذ القرار ولا حرية في إبداء الرأي. كيف ذلك، وهم بين المطرقة والسندان؟
هنا السؤال والتساؤل: أين موقع النبخة المثقفة من كلّ هذا وذاك؟ وهل من حقّ الكنيسة ورجالاتها، والأحزاب وأزلامها، وأصحاب المناصب ومَن يتودّد إليهم قربًا ومنفعةً، أن يكونوا أوصياء وناطقين باسم الشعب، الذي من حقّه قول كلمته بشأن مصيره ومستقبله عندما يستوفي شروط النطق والاختيار والتقرير؟ وإذا كانت الحرية المنقوصة التي أتى بها الغازي الأمريكي بعد سقوط ما سُمّي بالنظام الدكتاتوري البائد، ومثلُها الديمقراطية غير الناضجة التي طالما تمنيناها وحصلنا عليها بهذه الطريقة المخجلة، هي حادينا ودليلنا وأملنا لمستقبلنا ومصيرنا، فتبًّا لهما كليهما. فالغرب وأدلاّؤُه وعملاؤُه وأزلامُه هم مَن خلقوا هذه المشاكل وأوجدوا الأسباب لكلّ هذه وتلك. ثمّ إنّ "المطالب لا تأتي بالتمنيّ بل تُغتصب وتؤخذُ غلابًا". وهذا ما شنّفت به أسماعَنا إحدى أغنيات الراحلة كوكب الشرق وهي تحثّ شعب الكنانة والعرب على ما قاله الشاعر المبدع أحمد شوقي في إنهاض الهمم وإيقاظ الأمم من سباتها. 
في مناسبات كثيرة، في المؤتمرات كما في الشارع وفي لقاءات المقاهي والنوادي والمراكز الدينية والمدنية ومقرّات الأحزاب والمنظمات، تحدث الكثيرون وسيتحدثون عن جملة مطالب وتصوّرات وطموحات، هي من صلب حاجات أهل المنطقة المنكوبة. ولكن عندما يتعلّق الأمر بالأرض وديمغرافية البلدات والانتماء والهوية الوطنية، فهذا لم يعد شأنًا للمساومة ولصفقات التجار والعرّابين وأصحاب الرهانات، أيًا كان شأنُهم ودينُهم ومذهبُهم وتوجهاتُهم ومواقعُهم في السلطة أو خارجَها. ولكون المرحلة الراهنة فترة حرجة تشهد فيها البلاد فترة من عدم الاستقرار والفوضى الخلاّقة والصراعات الطائفية والعرقيّة والمذهبية، وتدير معركة ضروس ضدّ أعتى تنظيم جهاديّ مسلّح نشأ ونما واستأسدَ وحكمَ وسبى وقتلَ واغتصبَ وطردَ ونشرَ فكرًا متطرّفًا يصعبُ قلع شأفته بسهولة، فهذا يُضاف إلى سائر الأسباب الوجيهة التي تقتضي التروّي في تقرير المصير ومن ثمَّ الكفّ عن المطالب غير المنطقية والبعيدة عن العقلانية والابتعاد عن التسقيط والتخوين، لحين انقشاع الغيمة السوداء التي قد تطول لسنوات أخرى.
 من هنا يكون ترك مسألة تقرير المصير حتى استتباب الأمن والأمان، وعودة المهجَّرين والنازحين بعد تهيئة إجراءاتها وما تتطلبه هذه الفترة من إعادة الخدمات الأساسية وإعمار البنى التحتية وإصلاح البيوت المدمّرة وتعويض المتضرّرين والتأكّد من تجفيف منابع الفكر التكفيري في القرى المجاورة للبلدات المنهوبة والمدمّرة التي داسها أهل هذه القرى ودنّسوها وسلبوها وأعملوا فيها الخراب والدمار بتشجيع من عصابات داعش المسلحة التي احتلتها لأكثر من عامين. 
لستُ هنا أجافي الحقيقة ولا أقول بنتَ عمّها، بل هي الحقيقة القائمة التي يعرفها كلّ مَن يُعملُ الفكر والعقل والضمير. فليس من المعقول أنْ تطلب ممن استجارَ بك أن ينكرَ ما أبديتَ تجاهَه من مساعدة وتكريم وتعاطف. فهو في كلّ الأحوال عندما يجد السيفَ مستلاً على رقبته، لن يكون بمقدوره نفيَ ما تريدُه أو التقاطع مع ما تقوله. وهذا ما خشيناه ونخشاه من نية رئاسة الإقليم وحزبها الحاكم من فرض أجندته على عموم النازحين الذين استجاروا بهم وسكنوا في أرضهم، وهي ما تزال جزءًا من أرض العراق الاتحادي وليستْ ملكًا لأحد.  فلا الحشد الشعبيّ ولا سطوة حكومة الإقليم ولا أية جهة غيرهما حتى لو أتت من جانب الرئاسات الدينية والحزبية، من حقهم فرض أجندتهم على أهل سهل نينوى المنكوبين، سواء كان هؤلاء من المسيحيين أو الإيزيديين أو الشبك أو الكاكائيين أو التركمان أو حتى العرب منهم.
أمّا الطموح بإنشاء محافظة في منطقة سهل نينوى أو منح أجزاء منه نوعًا من إدارة ذاتية، فهذا حق مشروع، ويكفلُه الدستور لسائر المكوّنات. ولا بأس بالتفكير مستقبلاً بإنشاء إقليم على غرار إقليم كردستان. فإذا كان الغربُ المتبجّح وساسةُ البلاد صادقين مع أصحاب الشأن ومع أنفسهم ومع العالم، لماذا لا يدعمون مثل هذه المطالب مستقبلاً عندما تستقرّ الأوضاع ويعود المشرَّدون إلى ديارهم وأملاكهم ومساكنهم ويكونوا سادة أنفسهم من دون إملاءات أو فرض إرادات أو ضغط إدارات. هذا هو عينُ الحق، وهو ما يجدر بأصحاب الأجندات أن يعملوا وفقه وليسَ وفق مخططات وأطماع غيرهم. 
فلا تقاطع إذن، مع قائمة المطالب المشروعة والتوصيات التي خرج بها مؤتمر بروكسل الأخير، بالرغم من المقاطعة من جانب قيادات دينية وحزبية وشخصيات قليلة، إلاّ فيما تُشمّ منه رائحةُ مخطّط لتقسيم الموصل وإلحاق أجزاء من أراضيها بالإقليم بالطرق والوسائل والأدوات التي باتت معروفة للجميع. فمثل هذا السلوك القسريّ بهذه الأدوات، غير مقبول في هذه المرحلة الحرجة، ومثل هذا الرفض والتحذير يتفق تمامًا مع ما أصدره البرلمان العراقي بقراره بتاريخ 26 أيلول 2016 برفض تقسيم محافظة نينوى.
نحن مع المبادئ والأسس التي خرج بها مؤتمر بروكسل على الأسس الأربع: "أساس التمكين للبناء والإعمار، وأساس التمكين الأمني، وأساس التمكين السياسي، وأساس التمكين الإداري". فهذه تنطق بما يحتاجه أتباع الأقليات جميعًا، ومنهم المسيحيون، من تأكيد لضمان العيش المشترك وإدامة السلم الأهليّ وإعادة دمج مكوّنات الأقليات التي تعرّضت للتهجير القسريّ ولإجراءات التكفير، إلى أحضان المجتمع العراقي ونيل حقوقها المشروعة في دولة مدنية متحضّرة تعمل وتحترم الجميع وتسوسهم بالعدل والمساواة والتآخي.
وأنهي الكلام بما لخّصه رئيس الكنيسة الكلدانية من رأي سديد عقب تحرير الموصل بالقول:" يبقى مَنْ له الحق برسم مستقبل خارطة مناطقه وتحديد مصيره، هم أبناء الأرض الأصليون وأصحاب القضية والمأساة، عبر الحوار والتفاهم والتصالح مع جيرانهم من أتباع الديانات والأعراق والمذاهب الأخرى، من مسلمين وغير مسلمين، بعيداً عن الاجندات الخارجية او المصالح الشخصية الضيقة".


21
ما بعد "بريكسيت"، هل ستبقى أوربا قلب العالم؟
بغداد، في شباط 2017
لويس إقليمس
تتشابك الأحداث وتتداخل المصالح وتتعقّد العلاقات يومًا بعد آخر، وكأنّ العالم ليس له شغلٌ شاغل سوى تصاعد غليانه على صفيح ساخن، وزيادة في توتر العلاقات. حتى الدول والأقطار والشعوب التي كانت حتى الأمس القريب بعيدة عن مسمّيات الإرهاب وتقلبات السياسة والاقتصاد، وتفاعلات هذه الأخيرة مجتمعة وانعكاساتها، قد جاءها الدور لتدخل المعمعة الدولية وتصير جزءًا من المشكلة وليس الحل.
أميركا، أكبر قوة عالمية وأكثرها تأثيرًا في السياسة والاقتصاد وفي تقرير مصير الشعوب، تقرّرُ اليوم في العهد الجديد الذي بدأه الرئيس اللغز "دونالد ترامب"، أن تلتزم البيت العائلي وتعيد بناءَه السياسي والاقتصادي على أسس قومية وطنية أمريكية بحتة أكثر من صرفها اهتمامات جانبية وأخرى ترفيهية وغيرها ترقيعية في مناطق ساخنة لا تدرّ على اقتصادها القومي فائدة بل تبقيها أسيرة الفكر الاستعماري الغربيّ (البريطانيّ الأصل)، الذي زاد من قرف الناس وامتعاضهم واستهجانهم من هذه الوسائل التي تقيّد حركة الشعوب المستضعفة وتزيد من بؤسها وشقائها وعوزها وتأخرها. والإدارة الجديدة ضمن استراتيجيتها متوسطة وبعيدة المدى، تنوي خلق معادلة متوازنة بين الفرقاء في منطقة الشرق الأوسط بالذات، وبالتحديد بين حليفتها التقليدية السنّية وحلفائها الخليجيين من جهة، وبين القطب المنافس لها في المنطقة إيران الشيعية، التي تسعى من جانبها لزيادة الاستقطاب والتمدّد خارج الهلال القائم حاليًا، بفضل تهديدها بما تتغنّى به من تسليح متطوّر وقوات عرمرم قادرة على الصمود والإغارة والدفاع. كما أنّ إدارة ترامب كما يبدو، مصرّة أيضًا، على إيقاف المدّ التشيّعي الإيراني في عدد من دول المنطقة والحدّ من نفوذه المتعاظم الذي أرخى حبله رئيس الإدارة السابق، والذي بسببه يجري ما يجري في منطقة الشرق أوسطية الساخنة. وهناك مّن لا يستبعد صدامًا من أيّ نوع، بين إدارة ترامب وخطط الساسة الإيرانيين التوسعية على حساب العنصر العربي.
ومهما يكن من أمرِ القرارات التي اتخذها والتي سيتخذها رئيس أعظم قوّة عالمية مهيمنة لغاية الساعة، فإنها أقلُّ ما يمكن القول فيها أنها وليدة خبرة اقتصادية وفكر رأسمالي وعقل إداري، تمكن "ترامب" من بناء إمبراطوريته المالية على أساسها. وهو وإن يكنْ قد أغاض الكثيرين، ومنهم حكومة الديمقراطيين الذين ساسوا العالم على مدى ولايتي راعي التسامح مع الإرهاب الدولي وعصابات التشدّد، "أوباما"، لأيّ من الأسباب التي يعلمها الكثيرون وغيرها من التي يجهلها غيرُهم، فإنه بحسب الكثير من العقلانيين وأصحاب الفكر النيّر والمتابعين لمسيرة الشعوب وأحوالها وأهوالها، قد وضع ليسَ أمريكا وحدها، بل العالم كلّه على سكّة جديدة تقضي باهتمام كلّ دولة بمستقبل شعوبها وبوضع أولويات مكوّناتها ومصالحها قبل غيرها وبرسم مستقبل أبنائها وبناتها وفق نمط جديد من الحياة التي تحترم الآخر وتقدّر خياراته وطموحاته من دون الانتقاص ممّا للغير من حق امتلاك ناصية هذه جميعًا على أساسٍ وطنيّ خاصٍّ بها دون غيرها. هكذا قال: أمريكا أولاً! ولِما لا؟
روسيا، هي الأخرى، أثبتت جدارَتها وقدرتَها على تحريك المياه بوجه الطاغوت الأمريكي الذي تسيّد المشهد الاقتصادي والسياسي العالمي في فترة ولاية الديمقراطيين، باختزاله قرار العالم عبر دَور المنظمة الدولية بما كان يقرّرُه هو لها ولمسيرتها الدولية، ومعَ مَن كان يسير في سلكِه وفي خطه الاستعماري، ونعني به أوربا على وجه التحديد، المتمثل بنظامها الاتحادي الذي لم يستطع الحفاظ على تماسكه. فقد تمكن القطب العالمي الثاني من إعادة توازنه وحساباته وفرض أجندته وتصوّراته هو الآخر من خلال إصراره على رأيه ورؤيته للأحداث والأشياء والوقائع، فيما يخصّ الأزمة السورية بصورة خاصة، قافلاً الباب الأوحد الذي صنعته السياسة الأمريكية بعد تفرّدها بقيادة العالم على نمط اللّوبيات المهيمنة على اقتصاد البلاد وتقرير مصيرها. وبهذه العودة القوية إلى المشهد السياسي العالمي، تكون روسيا قد أعادت مجدها، ولكن على طريقة "دائرة المنطق" التي اتبعها زعيمُها القوي المحترف، وصاحب الخبرة المخابراتية "السوفياتية" السابقة وجهازها الأمنيّ الضليع، "فلاديمير بوتين"، في سياسته، نِدّاً سياسيًّا قادرًا على فرض الرأي ونوعية السياسة التي تستجيب للمنطق والواقع والحق في تسيير دورة الأرض السياسية.
لكن، من المؤسف بالمقابل، أنَّ أوربا لم تقوى على تماسك وحدتها التي ظلّت هشة بعض الشيء، كما لم تستطع أن تفرض رؤيتها المستقلّة وتحتفظ بهيبتها المنقوصة أو تقوى على تعزيز عملتها الموحدة التي واصلَ وضعُ قيمتها بالتدهور أمام غيرها من السلّات العالمية، مقارنة مع بدء سريان تداولها الرسمي في 2002 غداة دخولها نظام النقد الدوليّ. ولعلَّ الهيمنة الأمريكية الواضحة أو الباطنة في بعض تفاصيلها، كانت من بين أسباب هذا الضعف، أو هي حالت دون استقلاليتها في الرأي وفي اتخاذ القرار المناسب في قضايا دولية تطلّبت شجاعة ورأيًا سياسيًا مستقلّا عن الراعي الأمريكي. وهذا ما وضعها في خانة التابع لهذا الراعي لغاية اليوم. 
حين كان الرئيس الفرنسي الأسبق "جاك شيراك"، يقف بالمرصاد في بداية الألفية الثالثة بوجه أية محاولة لفرض الرأي والتبعية للسلوك الغربيّ عبر تصدير مبادئ الديمقراطية التي تتقاطع مع قيم منطقة الشرق الأوسط وبلدانها الغنيّة بالثروات، والفقيرة في مجال التنمية والتطوّر والحرية، كانت بريطانيا تتفاوض مع راعي الديمقراطية الأمريكي لفرض نهجهما في إعادة تشكيل خارطة المنطقة على عادة الهيمنة الاستعمارية المعروفة التي اتصفت بها. فكان الربيعُ العربي الذي انقلب خريفًا قاحلاً بل شتاءً قارسًا أغلق أبوابَ الاقتصاد والسلام والعيش الهادئ بثلوج تراكمت مع مرّ السنين لتغلق هذه الأبواب بانتظار ذوبانها، ولتنقشع الصورة النهائية للأرض والبشر والحجر في الزمن الموعود. ولكن، مَن حدّد هذا الزمن، وكيف وإلى متى؟ فذلك هو السؤال اللغز! ومثلُه الرئيس الاشتراكي "فرنسوا ميتران"، الذي ظلّ عنيدًا في انتقاده للخطط والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بخاصة، وفي النظام الدوليّ عمومًا، بدعمها أنظمة دكتاتورية حمايةً لمصالحها القومية، ممّا لم يأتي ذلك منسجمًا مع ادّعاءاتها بالدفاع عن حقوق الإنسان وحماية المستضعفين وما إلى ذلك من سياسات خاطئة. وقد أتت الأيام على صدق هذه التوقعات والآراء.
    ألمْ تعترف السيدة الأمريكية الأولى السابقة حين تولّيها حقيبة الدبلوماسية لبلادها على عهد أوباما، أنها سعت لعقد صفقات مع منتمين لتنظيمات إرهابية، وتعيين بعضهم في مراكز وظيفية مهمة في إدارة أوباما، من بينهم أفراد من القاعدة والإخوان المسلمين المعروفين بتوجهاتهم الإرهابية المتطرفة والمغالين في التشدّد الذي برز في فترة رئاسة أوباما على وجه التحديد، وبالسكوت عن مشاريعهم لإنشاء ولاية الخلافة في دول شرق أوسطية، ومنها مصر؟ وإلاّ ما كان سرّ ذلك التزواج المريب بين الإدارة الأمريكية وأتباع هذه التنظيمات الإرهابية، في ذات الوقت الذي كانت تدّعي فيه هي وزوجها ومن بعدهم أوباما، محاربة بلادهم لهذه التنظيمات في وسائل الإعلام ذرًا للرماد في العيون؟ ألمْ تقلْ أيضًا أن ثورة 25 يناير/ كانون ثاني شكّلت لها صدمة، وأيةَ صدمة، مع حليفها الإخوانيّ الذي كان وضعَ بلاده على سكّة دولة الخلافة بقراراته المريبة التي تنافت مع الدستور المصري والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان وبالتعاون مع تركيا التي كانت وتزال تحلم بعودة الخلافة العثمانية تحت جناحيها وبدعم من دول تحريضية أخرى؟ كان ذلك مقابل دعمها في حملتها الانتخابية التي فشلت بها فشلاً ذريعًا، ليبدأ عهد جديد لإدارة تضع حدّا "للإرهاب الإسلاميّ"، بحسب وصف الرئيس الأمريكي الجديد "ترامب".
ومَن يعرف المستشار الألماني "هيلموت كول" أو يقرأ عنه، وكذلك خلفه " غيرهارد شرودر" يدرك سعي بلادهما ضمن الغرب الأوربي المتكامل آنذاك، لتحقيق الوحدة والاستقلالية الأوربية في السياسة الخارجية وتقوية دورها العالميّ بوجه الهيمنة الأمريكية. لكنّ تلك الخطوات التي رصّنت من موقف القارة العجوز طيلة حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية ولغاية بدايات الألفية الثالثة، لم تستطع الصمود. لذا لا عجب أن تعرب ألمانيا اليوم على عهد المستشارة "ميركل"، عن صدمتها للخروج المفاجئ لبريطانيا عن منظومة الاتحاد. فهذه بحسب البعض، بدايات انفراط عقد الاتحاد الذي أُريد له أن يوازن بل أو يوازي اقتصاد الكارتلات الاقتصادية التقليدية الكبرى التي هيمنت على الساحة على مدى السنين الغوابر. وميركل في سياستها، كما يبدو، لم تحسب جيدًا ما ستؤول إليه قراراتها الارتجالية بخصوص فتح أبواب بلدها على مصاريعها، ليس لأفراد ومجتمعات من دول أوربية شرقية بل من خارجها أيضًا. كما أنها لم تدرك أيضًا، ما ستخلّفُه هذه السياسة المفتوحة من مشكلات اقتصادية وسياسية ومجتمعية لاحقة. وفي حين تسعى لتبديد مخاوف شركائها في الاتحاد، من خلال اتخاذ ما تعتقد اتخاذه عقوبات على بريطانيا بسبب هذا الخيار الداخلي المفاجئ الذي ينذر بانهيار الاتحاد بين حدث وآخر، فإنّ اليمين البارز على الساحة الأوربية ومعه الشعبويون والقوميون الجدد يقفون لها بالمرصاد، في كلّ خطوة تُقدِم إليها. وبالرغم من حصول المستشارة الألمانية على ما يشبه الموافقة من الإدارة الأمريكية السابقة على ما اتخذته من إجراءات تحصينية ووقائية لمنع مثل هذا الانهيار ومنع إقدام دول أخرى لحذو ما قامت به بريطانيا، حفاظًا على حليف دوليّ خاضع للسياسة الأمريكية التقليدية وتنفيذ ترتيباتها ومخططاتها السياسية منذ سنوات، إلاّ أنّ واقع الحال لا يبشّر بخير. فالأحداث المتلاحقة، تشير إلى صعوبات اقتصادية بدأت تعاني منها ألمانيا نتيجة للتراكمات المتضعضة والمهتزّة في السوق الأوربية المشتركة التي كاد المنتَج الألماني يهيمن على سوقها أكثر من غيرها، لما تشكله المانيا من قوة اقتصادية ضاغطة على دول الاتحاد. وبهذا، فهي من حقها أن تخشى فقدانها سرّ الهيمنة الاقتصادية التي طبعتها طيلة السنوات التي تلت تأسيس الاتحاد والسوق المشتركة.
والسؤال الذي يطرح ذاته، هل ستتمكن أوربا من الاحتفاظ بدورها الريادي، كي تبقى قلب العالم، كما يتصوّر ساستُها وما تبقى من الأحزاب اليسارية الحاكمة؟ هنالك مّن يرى أنّ خروج بريطانيا لن يكون له تأثير كبير، بسبب كون الأخيرة خارج محيط منطقة اليورو كعملة موحدة واحتفاظها بعملتها الخاصة. وقد يكون هذا ضمن المنطق الاقتصادي أكثر منه دخولُه ضمن نطاق السياسة والحراك الدولي لمصالح الكبار. فيما يرى الأوربيون أنّ هذا الطلاق لن تكون له تأثيرات قوية بالرغم ممّا كانت تمثله بريطانيا من قوّة اقتصادية وسياسية لا يُستهانُ بها على الصعيد الدولي. والأيام القادمة هي الكفيلة بالإجابة على هذا التساؤل. فجزء من الردّ قادم مع سلّة الانتخابات التي ستشهدها فرنسا هذا العام ومعها ألمانيا لاحقًا، باعتبارهما أكثر الأعضاء متانة في الاقتصاد والسياسة والإنتاج على السواء.


22
عن الإصلاح والصلاح في العراق
لويس إقليمس
بغداد، في 15 آب 2017
نال موضوع الإصلاح في الدولة والحكومة بالعراق، قدرًا من التفاعل الرسميّ والمجتمعيّ وإبداء الرأي في الشارع العراقي، مذ تولّي رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي رئاسة الحقيبة الوزارية من سلفه الذي لم يصن أمانة الحفاظ على سلامة الأرض والعرض والثروة الوطنية، بل أشعل فتيل الفتنة الطائفية وقاد البلاد إلى شفير الإفلاس وأطاح بأي أملٍ بانتقال البلاد من الفوضى الخلاّقة إلى دارة الدولة المدنية. فالمشروعُ الإسلاميّ المشبوه الذي مازال هذا الأخير يسعى لتسويقه ضمن برنامجه ليضمن سطوتَه على مقدّرات البلاد، لا يمكن أن يُكتب له النجاح ويجد النور، لأسباب كثيرة وواقعية، منها ما يمسّ ذهنية المواطن العراقي وأخرى ترجع إلى طبيعة الأرض التي احتضنت حضاراتٍ وشعوبًا وأديانًا لها تاريخُها وصفحاتُها المشرقة الخالدة في حياة شعوب المنطقة والبلاد على السواء. فهذا المشروع، علاوة على شبهات ارتباطه بدولة الجارة إيران، والذي يتطلع فيه إل تقليدها في مبدأ ولاية الفقيه التي لا تنسجمُ مع ما هو قائم تقليديًا وحضاريًا واجتماعيًا من تعددية في الأديان والأعراق والمذاهب والأجناس، سيكون طعنة مثخنة في خاصرة التوّاقين لرؤية العراق بلدًا متطوّرًا ومتحضّرًا، ليعود إلى حاضنة المجتمع الدولي معافى من أدران الماضي المعفّر بالدم والكراهية والطائفية والحقد والخصام والتمزّق والدكتاتورية المتوارثة عبر الأجيال لدى شعوب المنطقة، ومنها بخاصة الدول الإسلامية على وجه التحديد. من هنا كان الاتفاق على ضرورة استبدال المالكي بعنصرٍ من كتلته ومن حزبه ظاهريًا، كي يقوم بما عليه في ساحة الإصلاح من أجل نقل البلاد وأهلها إلى واحة مختلفة ترفل بالأمن والسلام والرفاهية وإجراء مصالحة مجتمعية لإصلاح ما تمّ التفريط به على عهد سلفه. 
عملية الإصلاح، أيًا كانت بداياتُها أو غاياتُها، لا تخلو البتة من مغامرات وهواجس واختلاجات وإرهاصات على الصعيد الشخصيّ للأفراد، وعلى صعيد المجتمعات كمكوّنات جامعة ومنضوية تحت لواء دولة ذات سيادة، على السواء. والعراق كان في غابر السنين ضمن مثل هذه المواصفات التي تحققت وتكوّنت منها هوية أية دولة لها شأن في التاريخ البشري. فبلادُ وادي الرافدين، بتاريخها الموغل في القِدَم والحضارة البشرية، تشهد لها آثارُها وتركتُها الثقافية الغزيرة والسِيَر المأثورة لعلمائها ومفكريها ومثقفيها وما تركه هؤلاء للأجيال. وهذه العملية، لا تتحدّد بهدف معيّن أو شأنٍ محدّد دون غيره، إذا أُريد لها أن تكون شاملة بمفرداتها ومعطياتها وبنودها التي تغطّي سائر مكامن الحياة وشؤون البلاد والعباد. 
بدءًا، يأتي إصلاح النظام السياسي والاقتصادي على رأس الأولويات، لأنه يحفظ للبلد سيادتَه وتحكّمَه بشؤون مقدراته الداخلية والخارجية التي تجعلُ منه قوة تتحكم بمصادر القرار، وتمنحه مَنَعةً وتحصينًا إزاء أية محاولة لزعزعة الأمن والاستقرار فيه أو تلك التي تسعى لإبقائه رهينة بيد القوة التي تصرف عليه وتوجه أداءَه الداخلي والخارجي وسياستَه السيادية وفقًا لأجنداتها ومصالحها في استهلاك أيّ شيء وكلّ شيء. ومن المهمّ بمكان، الاستفادة من الدروس السابقة والاسترشاد بالخبرات المتراكمة حول نوع النظام الأصلح لسياسة أية بلد، بالوقوف على شكل النظام السياسيّ الذي ينفع ويأتي بالسعادة والاستقرار والرفاهة للمواطنين بغضّ النظر عن تلاوينهم وتشكيلاتهم وخلفياتهم الدينية والعرقية والمذهبية والثقافية والاجتماعية. فهناك النظام البرلماني الذي يُؤمّن نوعًا من الديمقراطية وحرية التعبير والرأي والتنقل، هذا من حيث المبدأ لا الواقع. وهناك النظام الرئاسيّ، الذي في حالة استغلالِه من قبل هرم السلطة بتحويله إلى أداة لحكم العائلة والقرابة والمحسوبية والمنسوبية، يتحول إلى كابوسٍ لكمّ الأفواه وزجّ الأحرار في الغياهب وقتل أية بادرة للتعبير عن الرأي والحرية في اتخاذ الخيارات الشخصية والاجتماعية وتقرير وسائل العيش الحرّ الكريم. وهذا الأخير، تتصف به غالبية دول المنطقة، والإسلامية منها بصورة خاصة، ولدينا من أشكاله الكثير من الأمثلة والدروس، إلاّ في حالة واحدة قد تنفع، وهي أن يكون مثل هذا الحاكم عادلاً بحكمة سليمان الملك وشديدًا بحدّة حمورابي صاحب المسلّة وأول قانون نظاميّ يُطبَّق على الجميع. وهذا من النادر إيجادُه والعثور عليه. فهذا الصنو من الحاكم "الدكتاتور العادل"، سيكون قادرًا على إحلال الطمأنينة في قلب المواطن وفي إرضائِه من حيث حقوقه في التساوي بالمواطنة وتحقيق العدالة وفقًا للدستور الناضج الذي ينبغي أن يتولاّه أصحاب الاختصاص وفيه تُرسم سياسة البلاد الداخلية والخارجية لتنسجم مع طموحات عامة الشعب بجميع مكوّناته، حينما يُكتب بنَفَس مدنيّ حافظ لحقوق الجميع.   
أمّا لماذا فشل النظام البرلمانيّ في العراق، وهو الذي من وظيفته من حيث المبدأ إتاحة فسحة أوسع للحريات العامة، فهو لكون الدستور الذي وضعه مَن أتوا على ظهر الدبابات الغازية أو بدعمٍ من إدارتهم لاحقًا، لم يكن عقدًا وطنيًا ومجتمعيًا متكاملاً بسبب وجود ثغرات عديدة في بنوده وتضمينه ألغامًا كثيرة وتسييسه لجانب فئة على حساب العامة من سائر الشعب. وكذلك باعتماده على مبدأ المحاصصة والسماح للزعامات أو بالأحرى لمافيات الزعامات السياسية لاستغلال هذه وتلك في مسألة انتهاب ثروات البلاد واقتسام موارد الدولة والمناصب الرسمية والحكومية ووضع أيديهم على فعاليات السوق الوطنية التي همّشت دور النخب وأهملت دور القطاع الخاص في بناء دعامات اقتصاد البلاد، وهو الأجدر بقيادة وإدارة هذا الأخير والأكثر نزاهة في توجيه السياسات التجارية والاقتصادية وتطويرها نحو الأفضل.
 مثل هذا الفشل في صيانة الحق الطبيعي للفرد والوطن بسبب تراكم الخروقات والأخطاء، يعني الحاجة لتأكيد النزوع إلى نظام بديلٍ ونزيه ومتطور يحفظ توازن المصالح العليا للبلاد وليس فرض منافع لسلطات حاكمة ومافيات متنفذة ليس بإمكان الحكومة الضعيفة الحالية محاسبة الفاسدين والمفسدين منهم، بسبب ضعف الأداء العدلي والقضائي والجهات الأمنية التنفيذية التي يُفترض توليها حماية البلاد وثرواتها وسيادتها، والحرص على صيانة أمن المواطن على السواء.
في ضوء هذا التوجّه نحو إصلاح الدولة، حكومةً ومؤسسات وأفراد، هناك حاجة ملحة قبل كلّ شيء، لإصلاح النظام الانتخابي الذي يمثل إحدى حلقات الفساد عبر التحكّم بطبيعة القانون الانتخابيّ وإخراجه عن الشفافية في طريقة الترشّح وأدواته وشروطه. فهناك، مَن يسعى دومًا لفرض الذات وأجندة الحزب والكتلة والجهة التي تسند وتدعم وتقدّم المرشَّح "ممثلَ الشعب" المفترض، وتوجهه في حالة الفوز بمقعد برلماني، بالطريقة التي تحفظ عادة مصالح الأحزاب الكبرى ذات الأغلبية، والمتنفذة دومًا في العملية السياسية. فالقانون الانتخابي مازال غير قادرٍ على إتاحة الفرصة لجميع المواطنين بالمشاركة في الانتخابات والترشح، بسبب غلبة الأحزاب المتسلطة والمتنفذة التي ماتزال تتخاصم وتهدّد وتفرض أدواتها القسرية بصياغة القانون الانتخابي وفق مصالحها، كلّما سعت جهاتٌ وطنية مهمّشة لإجراء تعديلات عليه كي تُتاح فيه الفرصة لمشاركة أوسع، لاسيّما من أوساطٍ مستقلّة ذات توجهات وطنية أو من جانب مكوّنات ترى نفسَها خارج العملية السياسية بسببٍ من قلّة أعدادها. وهذا ما يجري حاليًا، حيث هيمنت الكتل والأحزاب الكبيرة فارضة شروطَها في تشريع القانون الانتخابي، بالرغم من اعتراض الكثير من الكتل والأحزاب الصغيرة التي ترى نفسَها مغبونة في حقوقها الانتخابية. فقانون سانت ليغو الحالي، سواء بنسخته1,9   أو 1,7 ، لا يلبي طموحات المستقلّين والأحزاب الصغيرة التي تمثلها الأقليات. وما تطالبُ به هذه الأخيرة يقارب المنطق والحق في التعامل العادل والمتساوي بين كافة المواطنين، وبما يتيح لإجراء توازن وفق المصلحة العليا للوطن وبالاستناد إلى مبدأ المواطنة المتساوية للجميع التي تتيح الحق للجميع من دون استثناءات أو امتيازات لفئة دون أخرى.
كان من ضمن أبجديات حكومة العبادي، تشكيل حكومة "تكنوقراط"، قادرة على مواجهة البلاد الغارقة في أزماتٍ عديدة لا حصرَ لها. وبالرغم من موافقة "ظاهرية"، أو بالأحرى موافقة "إعلامية ودعائية" مبطنة بنوايا مشكوكٍ فيها من جانب زعماء الكتل وأتباعهم من المنتفعين من نواب البرلمان، إلاّ أنّ تلك الرغبة من جانب رئيس الوزراء، سواءً كانت صادقة أو مراعية لصوت الشارع ظاهريًا، قد اصطدمت بصخرة الرفض من تحت الكواليس. وجرى ما جرى لإجهاضها ووأدها وهي في التكوين الرحمي. وفي الحقيقة، أنّ صفة التكنوقراط، بعيدة بعض الشيء في وصف الوزارة الحالية، إلاّ في حقائب معدودات يتسم وزراؤُها بالكفاءة التي تدعمُها الشهادة والخبرة معًا. أمّا مَن اعترض أو حاول إجهاض مشروع التكنوقراط، فجلُّهم من الأحزاب والكتل والنواب من غير ذوي الكفاءة والجدارة والأهلية في إيثار مصالحهم الفئوية الضيقة والحزبية والطائفية على حساب المصلحة العليا للوطن والشعب، بسبب أنّ مثل هذا التوجه نحو الكفاءات الوطنية العراقية، ومنها تلك المستقلّة بوجه خاصّ، كان سيضع حدّا لطموحاتهم الشخصية في التسلطّ على الحكم والمال، كما هو قائم حاليّا. فالمؤسسة التشريعية، بسبب بعض الدخلاء من المزوّرين والفاسدين ومن غير ذوي الخبرة والنهج الوطنيّ في التعامل مع السياسات العليا للبلاد، بقيت وماتزال عاجزة عن تمثيل الشعب، إلاّ بنشاطها ما قبل الانتخابات عبر الكمّ الهائل من الوعود والتعهدات التي تُقدّم للناخب المسكين الذي يصدّق كلّ شيء بسبب من هشاشة فكره وعوزِه وضعف توجهه الوطنيّ هو الآخر.
أمّا من حيث تعزيز مبدأ الديمقراطية الذي ينادي به الجميع دون إدراكٍ حقيقي لما يُرتكب من جرم وفساد وخرق باسم هذه المفردة الشائعة التي أضحت شعارًا فضفاضًا للمتسترين على فضائح الفساد وسوء الأداء وضعف الفعّالية في إحداث التغيير المرتقب في الدولة والمجتمع على السواء، كان لابدّ من سيادة مبدأ التوازن في السلطات على ما سواه من سيادة مبدأ المصالح والامتيازات التي أخرجت النظام الديمقراطي عن سكّته المخطَّط لها، كما هو قائم في الدول التي مرّت بتجارب مماثلة واستطاعت اجتياز المحرَّمات التي ماتزال تعشعشُ في معظم الأنظمة العربية، ومنها بلادنا. من هنا، وبسبب سطوة أحزاب السلطة التي ماتزالُ تضع يدَها على كلّ مفاصل الدولة الغارقة في مشاكل لا حصر لها، اعتمادًا على أساس النهج المحاصصي المقيت الذي أغرق البلاد والعباد في دوّامة الفوضى الخلاّقة، كان لابدّ أن يدرك الساسة أن مسألة فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، تُعدّ من أركان الديمقراطية التي ينشدها جميع المؤمنين بمبدأ الحساب والعقاب من دون تهاون أو تمييز أو امتياز، وكذا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب الذي ينبغي أن يكون فيه وفقًا لجدارته بعد أن يتمتع الجميع بالفرصة المتاحة للمكان المؤهَّل لكلّ فرد وكلّ مواطن.
إنّ مسألة تداخل السلطات وفرض الإرادات وإجازة القوانين والتعليمات تبعًا للجهة الأقوى، تُعدّ كارثة في بناء أية دولة لا تقيمُ قدرًا للديمقراطية ولحرية الفرد وكفاءة الأشخاص. وهذا دليلٌ إضافيّ آخر على الفوضى وخلط الأوراق بين شركاء العملية السياسية الذين يقيمون في وادٍ ويعيشون في أبراجٍ عاجية، وبين الشعب الذي يقيم بعيدًا عنهم ويعيش في وادٍ آخر مليء بالدموع والكوارث والأحزان ويقوم على الوعود العرقوبية. وهنا، ليسَ مَن يُلام على هذه الإشكالية، هم المسؤولون في السلطات الثلاث وأحزاب السلطة فحسب، بل الشعبُ أيضًا بسبب من سذاجة شرائح واسعة في صفوفه وهشاشة أفكارهم وتبعيتهم واعتيادهم السير وراء الجلاّد من دون مراجعة ولا تفكير ولا تحليل ولا تمييز للأسباب والنتائج والمؤهلات والظروف.
هنا يأتي دور التيارات الوطنية والنخب المثقفة والمدنية، العلمانية المستقلّة منها على وجه الخصوص، برفع صوتها بالتحذير من الوقوع في حبائل وفخاخ ذات الجهات التي أثبتت فشلَها في تمثيل الشعب وفي بناء الوطن وتقديم الخدمات وتطوير البلاد وتأمين سلامة المواطن وصيانة شرفه وعرضه وأمواله وحرية تعبيره وتنقله وحقه في حياة حرة كريمة. فحالة الإحباط القائمة والمتزايدة يومًا بعد آخر بفضل سوء أداء السلطات الثلاث، وفشلها بتحقيق تحوّلات هامة على كافة الأصعدة وكذا في الإصلاح، أصبحت حالة يومية تتشابك مع أحداث الساعة، وفق متغيّرات الشارع الثائر الساخن، بسبب قيظ الصيف الشديد الحرارة وكذا بسبب الأحداث السياسية والتفاعلات البينية والعلائقية بين الكتل السياسية والزعامات وأجندات كلٍّ منها، وما شهدته هذه مؤخرًا من تشظيات وانقسامات واتهامات. والخشية من كلّ هذا الحراك، أن تكون ضمن لعبة سياسية تجيدها أحزاب السلطة لتغيير الوجوه والبقاء في دارة السلطة والواجهة من جديد، ولكن بتسميات جديدة ووجوه تتلاعب بمشاعر الناخب الحائر.
من جانبٍ آخر، ما يمكن تسميتُه بالعجز القائم في السلطة التنفيذية في التصدّي لانفلات الشارع وإصابة الأهداف المتورطة في أعمال خطف وسطو وقتل وتهديد وما شاكلها، تشكّل اليوم تحديًا آخر يُضاف إلى نصاب المشاكل القائمة بين الأطراف الحاكمة والمشاركة والمعارضة، ومن تلك المتهاونة فيها في رصد الجرائم ومتابعة سلوكيات فاعليها والواقفين لها دعمًا وسندًا وتشجيعًا وتستّرًا على فاعليها على السواء. وهذا ينمّ بالتأكيد عن الضعف في مواجهة الحدث الجرميّ والفشل في تقديم الحلول الناجعة التي ينتظرها المواطن البسيط من الدولة. هذه السمة الفوضوية في الإدارة، التنفيذية منها والتشريعية والقضائية، تفضي إلى نتيجة صائبة وهي غياب الرؤية السيادية في البلاد، السياسية منها والإدارية والاقتصادية والمالية والعلمية وحتى المجتمعية التي أضحت فريسة للحكم العشائري وأصحاب الميليشيات المتنفذة في بعض المناطق والأوساط، ما يُبعد الدولة عن تطبيق مبدأ القضاء العادل بحق المخالف والخارج عن القانون وغير المنضبط من المنضوين تحت ألوية مسمّيات كثيرة لا حصرَ لها، بحيث ضاع الخيط ومعه العصفور. وتلكم حالة واضحة لا تحتاج لشرح تفصيليّ أو سند توثيقيّ.
ما يحصل على الساحة العراقية، قيام كانتونات وتنظيمات ومؤسسات أشبه بحكومات موازية للحكومة الرسمية، لها ميزانياتُها وسياساتُها التي تفرضُها بفضل ما تتمتع به من سطوة وباعٍ طويل في شبه الدولة الغائصة في بحورٍ من المشاكل التي لا حصرَ لها، كما أسلفنا. ولعلّ الحلّ الوحيد الذي بإمكانه انتشال شبه الدولة هذه وإيصالها إلى برّ دولة ذات سيادة واعتبار دوليّ صحيح، تكمن بتعزيز نهج السيادة الوطنية على غيرها من السياسات والوصول بها إلى نتيجة قيام إدارة سيادية وسياسية واضحة المعالم مستندة على شرعية الشعب وتتحمّل المسؤولية الوطنية بموجب تخويل حقيقي من الشعب والفعاليات المختلفة التي لها حق المشاركة في الحكم وإبداء الرأي والاعتراض ومراقبة الأداء الحكومي بكلّ جوانبه. وهذا يدعو إلى اعتماد مبدأ فصل السلطات الذي مازال يعاني من تداخلها ومن تسييس في أدائها وسياساتها لشتى الأسباب والأهداف التي تتقاطع مع طموحات التيارات الوطنية والشعبية الرافضة التي ترفع صوتَها، ولكن ما من مجيب إلاّ على خجل. من هنا، نجد أن لا بدّ من رفع مثل هذا الغموض في هذا التداخل غير الحضاريّ والناقص للشفافية في اعتماد مبدأ المساواة وتحقيق العدالة في صفوف العامة والحفنة الخاصة التي استقطبت وسيطرت على مقاليد السلطة، وهي غير أهلٍ لها.
أمّا ما تعانيه البلاد من أزمة مالية واقتصادية، فمردُّها بالتأكيد، سوء التخطيط والإهمال والتقصير وتفضيل المصالح الفئوية والطائفية على العامة والوطنية والفشل في إقرار استراتيجيات بعيدة المدى، واستنزاف الاحتياطيّ من أموال البلاد في مزاد صرف العملة المتزايد يومًا بعد آخر. هذه الأزمة الاقتصادية شكّلت بالأمس وما تزال تشكل اليوم تحديًا كبيرًا شائكًا في خاصرة الوطن وأبنائه ومستقبل الأجيال. وهي إن دلّت على شيء، إنّما هي عنوانٌ على سوء الإدارة وضعف القيادة وغياب الاتساق في الجدارة والأهلية ووضع الأشخاص المناسبين من "النخب" وليس من "حفنات" من الموظفين والمسؤولين من ناقصي الخبرة والرؤية الوطنية والبعد الاستراتيجي في وضع السياسات الناجعة. والدليل على وجود تخبّط في هذه جميعًا، الفشل في تقديم أجوبة أو مقترحات حلولٍ تسهم في ردع المقصّر ومحاسبة الفاسد، وفي توجيه سياسة الدولة نحو برّ الأمان بحيث ينتصر الحق على الباطل، ويسود العدل بدل الظلم، ويُردعُ الفسادُ وصاحبُه وفق القوانين وعدالة السماء، إذا ما اقتضت الضرورة من دون تقاعس. وهذا ما ليس قائمًا في أوساط حكومتنا وسياسيينا وزعاماتنا.
وسيبقى مشروع الإصلاح الحقيقي في بنية الدولة، حكومةً ومؤسساتٍ وقوانين، قائمًا حتى تحقيق قدرٍ من الاستقرار في كلّ مفاصل الحياة. فلا خير في إصلاحٍ لا يجدُ المواطنُ النزيهُ والمستقلّ مكانةً في إدارة البلاد وفي تطبيق الوسائل الفضلة في تسيير دفة الاقتصاد وصيانة الأمانة في الحريات العامة واستخدام ثروات البلاد في البناء الصحيح وفي تحقيق الرفاهية وتسارع الخدمات وصولاً إلى مصاف الدول المتقدّمة التي تعرف كيف تحترم الآدميين لديها وتحاسب لصوص النهار وسرّاق الليل بداعي المواطنة الحقيقية المفقودة في بلدٍ كالعراق فقدَ جلَّ مؤسساته البنيوية بسبب الفساد والمفسدين.

23
الدولة المدنية، هاجس أم ضرورة؟
لويس إقليمس
بغداد، في 3 آب 2017
يخشى الكثيرون ممّا يجري على الساحة السياسية العراقية من مناورات وتغييرات واتفاقات جديدة وتشظيات لأحزاب وكتل، من أن تتحول كل ّ هذه التحرّكات إلى هاجس يقضّ مضاجع أصحاب الفكر المتلوّع منذ سنين بفعل أجندات الأحزاب الطائفية والإسلامية التي أثبتت الأيام فشلَها الذريع وعدم تلبيتها لطموحات العامّة من الشعب الذي أولاهم الثقة مرّة تلو الأخرى. ومع اقترابنا من موعد استحقاق انتخابيّ وشيك، إنْ سارت الأمور بحسب المخطَّط له، تلوح في الأفق تساؤلات كثيرة ومبرّرة تقتضيها ماجريات المرحلة وخطورة الوضع الساخن والشدّ القائم بين الزعامات ومراجعها، داخليًا وإقليميًا ودوليًا. هذا إضافة إلى اتساع حيّز الخلافات بين الحكومة الاتحادية وتقاطعها مع طموحات إقليم كردستان الذي زاد من مكابرته بتهديداته المتواصلة بالانفصال وتقريره إجراء الاستفتاء في مناطق خارج حدوده، وذلك باستخدام سياسة ليّ العنق وفرض الأمر الواقع على مناطق محرّرة لم تكن يومًا جزءًا من المنطقة الكردية المتنامية على حساب المركز، مستغلاً انشغال الدولة وتشكيلاتها الأمنية بتطهير البلاد والأرض والإنسان من خوارج العصر المتمثلة بروافض داعش الإرهابي.
إذن، مع تزايد حدّة التوترات بين شركاء العملية السياسية عمومًا، ومنها ما ضربَ أوساط أحزابهم التي نخرتها التحزّبات والخلافات والانقسامات، يبدو المشهد السياسيّ أمام خيارات صعبة، وبسببها وعلى ضوئها تسعى بعض الزعامات التقليدية التي لبست عباءة الدين في بداية مشوارها، للهرولة للحاق بالتيار المدنيّ الذي غزا الشارع العراقي بفعل نشاطه وحراكه الشعبوي والجماهيري، لعلّهم بذلك يسترجعون نزرًا من تعاطف الشعب الذي منح حراكَ هذا التيار العفوي ثقته بعبور محنة الفشل نحو بصيصٍ من برّ الأمان. وسواءً التحق بعضٌ من هؤلاء المتسارعين الفاشلين، نحو القاعدة الشعبية التي التحقت منذ حين بحراك التيار المدني-العلمانيّ وسارت وفق منهاج مخطَّط له بخطى ثابتة، أم اتخذوا لهم خطوطًا ومسارات جانبية محاذية لهذا التيار، فإنهم بهذه الحركة الذكية يكونون قد أدركوا أنّ الشعب قد أصدرَ حكمه على فشلهم وعلى خيبة أمله من سلوكياتهم ومن لهاثهم وراء مصالحهم الضيقة، أيًا كان عنوانُها. فشعار"باسم الدّين باقونا الحرامية"، الذي رفعته جماهير هذا الحراك، ما يزال يرنّ في آذان الشعب ويقضّ مضاجع المعنيّين به. ومن ثمّ، فأيةُ محاولة في هذا الاتجاه لثني الشعب عن مطلبه بضرورة التوجه نحو دولة مدنية متحضّرة سوف لَن يُكتب لها النجاح، حتى لو تخلّى أمثال هؤلاء عن عباءة الدين والطائفة والمذهب والعرق، وانتفضوا أو انقلبوا ضدّ مشاريع أحزابهم الدينية والطائفية والعرقية أو غيّروا من الشعار والهدف والتسميات. والسبب بسيط، لأنّ مثل هذه الألاعيب قد أصبحت مكشوفة، ولا يمكن للبيب أنْ يُلدغ من جحره مرتين. فجزءٌ من الشعب الذي فعلها أكثر من مرة ويريد تكرارها، لا سمح الله، إنّما لأنّه سيبقى مجموعة بائسة و"حفنةً" هشّة من التوابع بلا غيرة وطنية ولا شعور بالمواطنة الحقيقية أو بالانتماء الأصيل إلى الأرض والوطن.
من هنا، يأتي دور النخبة الواعية في هذا التيار، بعد إجادة دراسة الأسباب والمبرّرات وإحاطتها بطموحات الشعب وطلباته. وهذا ما أتت به ضمن برامجها واستراتيجيتها الملهمة بعد دراسة كلّ هذا وذاك، حيث لم تأتي من فراغ، بل من قدرات وطاقات مفعمة بحب الوطن ومترعة بالفكر النيّر والرؤية الوطنية الواضحة التي تسعى لتوجيه الدولة نحو بناء ديمقراطي مؤسساتي بكلّ مفاصلها وفق المتغيرات الجيوسياسية والتحولات المادية المتعاقبة وليس الانكفاء على عقيدة أو مذهب أو أيديولوجيا غريبة عن الواقع أو عفا عليها الزمن. ومن ثمّ ينبغي مواصلة المسيرة الظافرة حتى بلوغ المأرب وتحقيق الهدف.
عندما انبرى التيار المدني، "الوطني" في وصفه أكثر من غيره، بسبب رفضه للنهج الدّيني والطائفيّ والمذهبيّ الضيّق الذي سلكته أحزاب السلطة واستقوت به سلطة بعض الأحزاب، لاسيّما المحسوبة على تيار الإسلام السياسي وأصحاب المشروع الإسلامي، أقامت هذه الأخيرة الدنيا ولمْ تقعدها، متهمة أتباع التمدّن والتحضّر بالخروج عن نهج تعاليم الدين السمح، وبمحاولة علمنة الدولة وسلطتها، وبإبعاد الحكومة وأساطينها عن تطبيق شريعة الله في الأرض بالطريقة التي يريدها هؤلاء، أو بعض هؤلاء. ومع مرور الأيام، استطاع هذا التيار "الوطني" النشط أن يستقطب الجمهور ويكسب شرائح محسوبة على أتباع السلطة، أو بالأحرى بعضًا من المكوّنات الحزبية المنخرطة في العملية السياسية، ومنها بما لا يقبل الشكّ تيار الأحرار الذي لقي دعمًا ومشاركة من زعيمه الجريء، شريطة بقائه أمينًا للغاية المرجوّة من التحاقه به، ورهنَ مواصلة المشوار مع باقي التنسيقيات المثابرة من دون العبث بالهدف الأسمى الذي يرنو إليه أصحاب الرؤية الوطنية الصادقة.
مثل هذا النجاح المحسوب للتيار المدني "الوطني"، إنْ دلّ على شيء، إنّما يندرج ضمن المكاسب والمآثر التي استحقها الناشطون فيه، بعد إفلاحه بكسب ودّ الشارع الثائر الغاضب المتلوّع، وقد انتخى له متطوّعون وعفويّون اكتووا بنيران أحزاب السلطة الفاشلة، مثل سائر أبناء الشعب الذي مازال يتحمّل وطأة أخطاء السلطات المتعاقبة ويرزح تحت ثقل فسادها وفشلها. من هنا، كانت مساهمة هذا التيار في كشف المستور من فساد السلطة عبر إدامة تظاهرات الجمعة المطالبة بالإصلاح وبالخدمات وبمحاسبة الفسادين الذين مازالوا أحرارًا يديرون امبراطوريات مالية ومشاريع وهمية وسرقات تثقل كاهل ميزانية الدولة، سواءً بمرتباتهم الخيالية أو بالمكارم التقاعدية أم بوضع اليد على تخصيصات الوزارات التي تُقيّدُ للجهة التي تتولى تسييرَ دفتها وإحكامَ سطوتها عليها.
كلنا نعلم، أنّه لولا تراخي أصحاب السلطة والصراعات المتواصلة المتصلة بالعملية السياسية وبين أحزاب السلطة، لما سقط أكثر من ثلث مساحة البلاد بيد حفنة من العصابات الإجرامية التي لا وطنَ لها. ألمْ تضطرّ الحكومة الحالية تحت تزايد الكثير من هذه الضغوط، لإنقاذ البلد وأهله من مصيبة كادت تنهي حضارة وادي الرافدين ويُقرأ السلام عليه وعلى أهله لفترة غير محسوبة من الزمن؟ إنّ التعجيل بتحرير الأرض، التي تسبّبَت بها زعامات في الحكومة السابقة بتلكؤِّها عن أداء واجبها الوطني، قد قطع الطريق أمام تحقيق حلم عصابات العصر المجنونة بفكرها المتخلّف والمهووسة بأدواتها الجرمية البشعة، لإلغاء حضارة وادي الرافدين وشطب اسم العراق من الخارطة. فما حصل، كان ناجمًا عن صراعات طائفية ومذهبية وفئوية وأحيانًا فردية وشخصية بين أطراف تتشارك الحكم والسلطة والمال. وإزاء ذلك، فقدَ المواطنُ توازنَه ولم يعد يدرك إنْ كانت هذه الأطراف تحكم بحكم الشراكة والتوافق والاتفاق، أمْ إنها تسلك خطّ المعارضة بالاعتراض على كلّ شيء يصدر أو يبدر أو يُنجز من جانب حفنة السلطة، دولة وحكومةً وقضاءً. من هنا، يكون أتباع هذا التيار "الوطني" قد أجادوا الحكمَ لصالح توجيه كل أنشطتهم باتجاه بناء دولة مدنية متحضّرة تساوي بين مواطنيها وتحكم بالعدل ويسودُها دستور متطوّر يتناسب مع تقدّم العصر وتنوّع الفكر، وكذا بتحدّي أية محاولة لشقّ وحدة الأرض وتمزيق أواصر الشعب ومنع تقدّم المواطن أيًا كان، ومن دون تمييز.
ليسَ من السهل إحداث تغيير في ثقافة شعبٍ صادرتْ أحزابُ الإسلام السياسيّ إرادتَه بالطريقة التي عرفناها، وما تزال هذه وموالوها، يبتكرون غيرها من أجل ترويضه وإبقائه أسيرًا لأجنداتها وضمن قفصها العاجيّ بسبب ما أتى ذلك من ثمارٍ مادية وسلطوية على زعاماتها وأفرادها ومَن يقف وراءَهم داعمًا ومشجّعًا ومهدّدًا في أحيانٍ كثيرة. ف"مَن شبَّ على شيء، شابَ عليه". لكنّ روح المثابرة التي اتسم أتباع هذا التيار ومَن التحق به لاحقًا ومازال، كانت خيرَ محفّزٍ للمضيّ قدمًا، مهما كانت الصعاب وبلغت وطأة الاعتراض ولغة التهديد وأدوات التعسّف التي رافقت تظاهرات أيام "الجمعة" التي أصبحت تقليدية، من أجل نشر الوعي الثقافي والدعوة للدولة المدنية التي أضحت ضرورة بعدما شكّلت هاجسًا يتخوّف منه أصحاب المقدرة لدى الزعامات وفي صفوف السلطة التي روّضت القضاء وجعلتْ منه أداة لتأييد توجهاتها المنحرفة. ولو أنّ سلطة القضاء كانت على استقلالية في نهجها، لما استطاع مَن يمسك بزمام السلطة وبأبوابها الاقتصادية ونوافذها المالية أن يظلّ خارج دائرة المساءلة والأحكام العادلة. وهذا واحدٌ من أسباب عدم حصول تقدّم في الوضع المزريّ القائم منذ الغزو الأمريكي في 2003، بعدما خبرنا حكمًا دكتاتوريًا عائليًا دام أكثر من ثلاثة عقود، ولم نتعلّم الدرس. فالفاسدون والمفسدون في الوطن مازالوا أحرارًا طلقاء يتخوّف القضاء من ملاحقتهم ومحاسبتهم.
في الاستحقاق القادم، قد تبدو الطموحات بتحقيق شيءٍ من جزئيات الدولة المدنية، بمثابة ضوء آخر يلمع في أفق المستقبل. وهذا بحدّ ذاته بعضٌ من نجاح يُحسبُ لصالح النشطاء في التيار المدنيّ المتنامي الذي ينطلق ويتحرّك وفق رؤية سياسية واضحة، واسعة، إيجابية في التخطيط والمتابعة والتنسيق. فقد سئم العراقيون وعود الساسة الذين صادروا كلّ شيء، حتى إرادة الناخب وطموحاته في العيش الآمن وتحقيق السلام وراحة البال وبناء ما دمّرته الحروب والنزاعات والخصومات. وهم اليوم، أمام انتصارٍ ثانٍ، إن استطاعوا تحقيقه برفض كلّ فاشلٍ وفاسدٍ وكاذبٍ من الساسة الذين لعبوا بمقدّرات البلاد والعباد وأهانوا الإرادة وخانوا الأمانة، فسيثبتون حقًا أنهم أحفاد حضارات وسليلو أمجاد وبناة بلدان. ولكنْ، إنْ حصل وأعاد هؤلاء الساسة الفاشلون، المفسدون منهم والفاسدون، أو بعضٌ منهم، ذاتَ الدعاية الانتخابية وأفلحوا باستمالة شرائح من الناخبين البسطاء إلى صفوفهم ثانية بأية وسيلة قدرية أو دينية أو أية إرادة قهرية أو ترغيبية، فإنّ الدور الأكبر سيقع على المثقف وصاحب النهج الوطنيّ وحامل الفكر الإنسانيّ الناضج الذي لا يرضى بالظلم ولا يقبل بالوسائل القسرية مهما تنوعت وتشعبت وامتدت. فدور هذه الفعّاليات الثقافية والتنويرية مهمّ في إدامة تنوير العامّة التي يسهل اختراق إرادتها بفعل المغريات على تنوعها، مادية كانت أم بشكل وعود أو على أطباق دينية أو أوتارٍ مذهبية أو دفوفٍ فئوية. فهذه الأخيرة، أي الأحزاب المتجلببة بعباءة الدّين والعرق والمذهب، قد أثبتت الأيام، أنها غير قادرة على بناء وطن موحد جامع لكلّ المواطنين باختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم، ولا أن ترسي سلامًا، ولا أن تخلق واحة للأمن وطمأنينة البال وراحة الفكر، بسبب نهجها الطائفي وسلوكياتها في الفساد المستشري في عظام زعاماتها ومَن والاها وناصرها وركبَ مشاريعها الطائفية والفئوية.
إزاء ذلك، ينبغي أن يأخذ هذا التيار ضمن استراتيجيته المستقبلية ودعواته للإصلاح بشيء من الأولوية، تأييد إجراء مراجعة شاملة للدستور ولبعض القوانين المجحفة التي تمّت المساومة عليها بالتوافق، بالرغم من فداحة مضارها وتأثير تطبيقاتها على شرائح واسعة مهمّشة في المجتمع العراقي ومنها تلك القليلة العدد، بسبب من تعالي بعض الزعامات وأحزاب السلطة على هذه الأخيرة وعدّها ثانوية، وعلى هامش الأغلبية الحاكمة. وإنْ كان فات أمرُ تفعيل بعض البنود التي أقرّها الدستور الأعرج الذي كُتب بنهج محاصصة طائفية تؤمّنُ حصص المشاركة في الحكم على أساس مكوّنات طائفية وإتنية، فلا بدّ من الضغط أيضًا قبل التوجه للاستحقاق الانتخابي القادم، باتجاه إعادة مطالبة النظر بهذا الدستور منذ الآن، وتكليف فقهاء ومتخصّصين في القانون لإعادة النظر في الكثير من بنوده التي خلت من سمة المواطنة والوطنية، ومالت أكثر لسياسة التحاصص على حساب المصلحة العليا للوطن ووحدة الأرض وبناء الإنسان وبيته وحفظ ممتلكاته وصيانة فكره وتأمين حرية الاعتقاد لديه.
هنا، لا بدّ من التذكير أيضًا، بضعف دور الجهة التشريعية التي لمْ تأمنْ من نخرها بالفساد وابتعاد ممثلي الشعب عن صيانة عهودهم لناخبيهم واللهاث وراء منافعهم الخاصة عبر مساومات وتشكيل صفقات مشبوهة بالضدّ من إرادة ناخبيهم. ونظرًا لضعف الرقابة على هذه الجهة، ولما يدور في الكواليس في مثل هذه الصفقات والمساومات، حبذا، لو زاد هذا التيار "الوطني" كذلك، من فعّالياته نحو المطالبة بإقرار تشكيل المجلس الاتحادي، الذي قد يكون ذراعًا قويًا في مراقبة الجهة التشريعية، التي زاغت وتلكّأت عن تلبية طموحات الشعب بإقرار القوانين التي تعزّز من قدرة الشعب وتجعلُه صاحب الحق قبل المسؤول في الدولة. فهذا الأخير، يُفترض أن يكون خادمًا للشعب وليسَ تمثيلَه لدور السيّد القابع في البرج العاجيّ المُحاط بالخدم والحشم، والمفعم بتكديس الأموال وبناء مؤسسات عقارية وشركات تجارية وأبراج انبهارية، بعد أن أعانه الدهر على تسلّق منصب واحتلال مسؤولية، غالبًا ما لا يستحقّها. وهذه حال الكثيرين من حديثي النعمة الذين أسقطتهم الأحداث المأساوية بأقدارها ليتسلّقوا على أكتاف غيرهم ويستغلّوا ما يستطيعون لصالحهم بالوسائل التي تعينهم على ذلك أو تلك التي يسعون إليها بوسائلهم الخاصة.
العراقيون اليوم جميعًا، أمام امتحان عسير، إن لم يستطيعوا تجاوز الأسئلة الصعبة فيه والردّ عليها بصورة إيجابية للتخلّص من الورطة التي أوقعتهم فيها الفلسفة الأمريكية الغازية لعقول الساسة الفاشلين ومَن والهم، بإدامة مشروع المشاركة التحاصصية للمكوّنات بدلاً من سيادة دور المؤسسات التي تبني الدولة وتدير شؤونها وفق الدستور والقوانين الوضعية، فإنّ مصيرهم الفشل مثل ساستهم. في هذه الحالة وفي ضوء نتائج الفشل، لا سامح الله والقدر، سيضطرّ الكثير من أتباع الديمقراطية الحقيقية والمنادون بها سبيلاً حيّا لإرساء السلام وعودة اللحمة الوطنية، إلى مغادرة الأرض وتفضيل الغربة حيث الأمن والأمان وسيادة القانون واحترام الإنسان مهما كان لونُه وشكلُه وعرقُه ودينُه ومعتقدُه.
لم يعد بوسع العراقيّ الناضج أن يتحمّل أكثر ممّا لاقاه وما شهده من مآسٍ وتجاوزات، بسبب حالة الفوضى وضعف المؤسسات الخدمية والأمنية والسيادية التي خلت منها الديار العراقية المعروفة بأصالتها وقدراتها. فكلّ يومٍ يمرّ، يطلع علينا البدر والقمر والشمس بمصائب وأعمال قتل ونهب وسلب واحتراب بين الإخوة الأعداء. وإنّه بسبب عدم وضوح الرؤية السياسية لدور المواطن وحقّه في المواطنة، يدفع الفقير وطالبُ الرزق النزيه حياتَه قربانًا بسبب الانفلات القائم حاليًا في الشارع العراقي، تحت مسميات كثيرة، ومنها بذرائع تطبيق الشرع بحقّ المختلفين عن دين الأغلبية. فهل نحن نعيش في دولة تحكمها شريعة الغاب وفق مفهوم نفرٍ من الفقهاء ضيّقي الأفق وعديمي النظرة الإنسانية وفاقدي البصر والبصيرة في حقوق خلق الله، الذي خلق العالمين مختلفين وفق نظرة ربّانية واسعة الأفق وتحت خيمة إنسانية وارفة الظلال؟ أمْ إننا نسعى لبناء دولة حضارية، عصرية، "مدنية"، ترقى بالإنسان إلى مقام الآلوهة التي حكمتْ بقدرتها بتساوي البشر في الخلق، إلاّ في الكفاءة وجودة الأداء وحبّ الله والإنسان والرحمة للآخرين وبالعبادة الصالحة والنصح بالحق بلا ملامة ولا افتراء ولا نفاق؟
يبقى هذا السؤال، نصب أعين المواطن البسيط والمثقّف على السواء، شاخصًا. ويتحمّل قادة التيار المدنيّ ومناصروهم من المتطوّعين ومن أتباع الأحزاب النظيفة التي تطالب وتسعى لتحقيق بلوغ الدولة المدنية، مسؤولية مواصلة الفعّاليات الوطنية من تظاهر متكرّر وتنسيق عالٍ بين روّاد الفكرة والشارع، وتجييش الأخير وتحشيد كلّ جهوده لصالح هذا المشروع، الذي إنْ جرى تجاوزُه إيجابًا في الاستحقاق الانتخابي القادم، فذلك يعني، وضع سكّة البلاد على الطريق الصحية الصحيحة. وفي ضوء هذه الأمنيات التي نأمل تحقّقها، سنصل بالبلاد والشعب على السواء إلى برّ الأمان وعودة البلاد وأهلها إلى الرقيّ في كلّ شيء، في الفكر المتنور والخدمة العامة والعلوم المختلفة التي فقدناها بسبب زلّات الساسة وفساد الحكّام والسلاطين.



24
هواجس الوجود المسيحي في العراق: سيُقال كان في هذه الأرض مسيحيون!
لويس إقليمس
بغداد، في 20 آب 2017
- الجزء الثاني -
تناولنا في القسم الأول، ما يثير قلق أتباع الأقليات، ومنهم المسيحيين بصورة خاصة، من منغصات ومخاوف حول مستقبل وجودهم وما يرسمه القدر وأرباب السياسات من مصير مجهول يقضّ مضاجعهم ويضعهم هذا المصير على المحك. كما تطرقنا إلى الرسالة المسيحية وتجذّرها في المنطقة وفي المجتمع العراقي بصورة خاصة، والتي من مبادئها زرع بذور المحبة والرحمة من حيث انفتاحها على البشر جميعًا. في الجزء الثاني والأخير، نتناول دور الرعاة الكنسيين عبر التاريخ والتحديات التي تواجه هذا المكوّن الأصيل وهو اليوم في مفترق طرق صعب. ونختم المقال برؤية وطنية، هي أمنية كلّ مواطن نزيه يحب بلده ويضع مصلحتَه فوق أية مصلحة فئوية أو شخصية ضيقة.

دور الراعي في رعيته
كما نعلم، أنه في بدايات المسيحية الأولى وفي أيام انتشارها الرسولي وحتى مطلع القرن السابع عشر، ظلّت العقيدة النسطورية مهيمنة على جزء كبير من مدن العراق وبلداته، إلى جانب المذهب اليعقوبي (الأرثوذكسي) في بعض أجزائه، مع التزام الجماعتين باللغة السريانية التي ألهمت القائمين على كلتا الكنيستين بالسهر الدائم والحرص الرعوي على الرعايا وجماعاتهم. فكان الرئيس الأعلى للكنيسة من كلا الشقين، قائدًا روحيًا وراعيًا إيمانيًا وأبًا ساهرًا على حياة أتباعه وباحثًا عن حلولٍ لمشاكلهم ومدافعًا عنيدًا عن حقوقهم ومؤازِرًا متضامنًا معه في حياتهم اليومية مع بعضهم البعض ومع جيرانهم. أي أنّ الرأس في موقع المسؤولية الكبيرة، كان متهيّبًا من عظم المسؤولية الملقاة في أعناقه. بل كادَ أن يخشى عدم قدرته على مجابهة الصعوبات والتحديات التي يتوقع مواجهتَها بسبب ظاهرة الاضطهادات التي كانت تطال أتباع هذه الديانة على مرّ تاريخها، ليسَ خوفًا على روحه ونفسه وشخصه، بل من هاجس عدم القدرة على تأدية واجب المسؤولية التي تفرض عليه أن يكون خادمًا للجميع في ارتقائه لمسؤولية الجماعة ومستعدًّا للشهادة عن خرافه. فمسؤولية الجماعة كانت تعني، من جملة ما تعنيه، استعداد الراعي للتضحية بنفسه في سبيل الرعية، والقبول بتحمّل الشهادة عوضًا عنها، في أيّ وقت وأي زمنٍ قد يقلب الحاكم أو الملك ظهر المجنّ وينكّل بالأتباع لأيّ سبب كان. والشواهد في التاريخ كثيرة.
لذا لا عجبَ أن نقرأَ مثلاً، تهيّبَ الكثيرين ممّن وقع عليهم الاختيار كي يسوسوا الرعية، وتوجسَهم من تحمّل المسؤولية، بسبب عظم هذه الأخيرة التي كانوا يستشعرون بها، وكذا بسبب ضخامة العمل الذي كان في انتظارهم، الأدبي منه والروحي والأخلاقي والمادّي والجسديّ، على السواء. وهذا ما كان مطلوبًا من الرئيس الكنسيّ في مواجهة الصعاب مع الشارع والدولة والحاكم، بل حتى مع زملائه ومقرّبيه في مواقع الكهنوت المختلفة لأسباب عديدة.
بالمقابل، لا يمكن نكران حصول صراعات واحتدام نزاعات بسبب رغبة البعض بتقلّد مواقع الزعامة لأسباب شخصية وأخرى عائلية أو تحزبّية ضيقة. فقد كان لمثل هذه التصرفات والسلوكيات والنوازع، آثارٌ سلبية على حياة الرعية والجماعة، وعلى سير يوميات الإيمان في الكنائس والأديرة والمراكز الروحية والتثقيفية والعلمية واللاهوتية والأدبية. ولنا من هذه الأمثلة والنماذج، الكثيرُ في تاريخ كنيسة المشرق السريانية بفرعيها، وحتى بعد تحوّل جماعات من أتباعهما إلى الكثلكة بفعل تدخّل الإرساليات التبشيرية المتعددة التي لم تتورّع في إقامة الدسائس ونشر الفتن مع المختلفين والمقاومين لمعتقدهم، من الكاثوليك أو الانكليكان على السواء. ومازال هناك مَن يمنّي النفس ببلوغ السلطة الأسقفية ويسعى إليها بشتى الوسائل والطرق، حبَّا بالظهور وسعيًا للجاه والسلطة وما بين حنايا الأخيرة. وشتّانَ بين اشتهاء الرئاسة من الرعاة الصالحين والخدام الحقيقيين للرعية بالأمس، وما بين نفرٍ ممّن زادت شهوتُهم حدود المقبولية في هذه الأيام المنقلبة!

كنيسة العراق في مفترق طرق صعبة
اليوم، وبعد المآسي الكثيرة التي خبرتها الجماعات المسيحية ورئاستُها غير المتوافقة مع بعضها في العديد من الرؤى والهموم المشتركة في العراق، على تنوع هذه الكنائس، وعلى اختلاف الرؤى التي تتبناها هذه الرئاسات في تسيير دفة الأتباع وفي التفاهم مع الكنائس الشقيقة، يمكننا القول أنَّ كنيسة العراق أمام مفترق طرق يصعب التكهّن بمستقبلها ومصيرها. لقد دقّ الجميع نواقيس الخطر، بعد أن أنذر الكثيرون منذ زمنٍ، بشؤمٍ قادمٍ غير محسوب النتائج. فتراجعُ الوجود المسيحي في هذا البلد لأعداد كارثية، جديرٌ أن يُؤخذ بعين الحساب وبكثيرٍ من جوانب الخطر الذي يكتنف هذا الوجود الذي حافظت عليه أجيالٌ وأبطالٌ وهاماتٌ لغاية اليوم. فالوضعُ يُنذر بمصيرٍ مجهول، بل الوجود ذاتُه متوجه نحو الاختفاء والانقراض، بحسب الأحداث والبيانات أمام الأنظار وعلى أرض الواقع. وهذا ما نخشاه، لا سمح الله. فحقبة ما بعد داعش وما هو مخطَّطٌ له دوليًا في كواليس السياسة وفي مطابخ الساسة وكارتلات الاقتصاد، لا يمكن التنبّؤُ به. فقد تلد الأحداث ما لا تُحمدُ عقباهُ!
من جملة ما يعنيه التراجع القائم في الأعداد، التنصّل بطريقة أو بأخرى، بعدم حفظ الوديعة التي أوكلها الآباء والأجداد لأجيالهم عبر رئاساتهم الكنسية، أوّلًا ومَن يدّعي الدفاع عن الأتباع في دكاكين الأحزاب الفئوية، شأنُها شأن أحزاب الإسلام السياسيّ القائمة وغيرها من الأحزاب الطائفية التي تُحكم قبضتَها على مقاليد السلطة وبوّابات الجاه والمال والاقتصاد. ومن شأن هذا إن حصل، إسدالُ الستار عن أمانةٍ تقع على عاتق أعناق الجميع وضمائرهم، من رئاساتٍ كنسية أولاً، ومن أحزاب "مسيحية" أو "قومية متعصّبة تدّعي المسيحية" وتسعى لاستغلال الكنيسة لمصالحها ثانيًا، ومن مؤمنين ونشطاء مدنيين ومثقفين على السواء ثالثًا، ورابعًا وليسَ آخرًا الدول والكنائس الأخرى والجمعيات والمنظمات المسيحية وغير المسيحية التي تتفرجّ على النتائج الكارثية التي حلّت بواحدٍ من أهمّ البلدان في المنطقة التي دخلت فيها المسيحية ونمت وترعرت عبر كنائس وديارات ومزارات ومراكز ومدارس حملت معها عطورًا طيبة ومناهلَ صافية من ثقافة وتراث وحضارة وأخلاق تميّز بها المؤمنون عن سائر الجماعات في حياتهم الخاصة والعامّة.
خوفي وخوفُ العديدين، أن يُسدلَ التاريخُ والأحداث الأخيرة، الستارَ عن الهوية المسيحية، مرة أخرى، تمامًا كما حصل لها في مناطق ومواقع عراقية كانت بالأمس غنية بوجودهم، عنيدة بمقدرتهم، زاخرة بعطائهم الكبير. واليوم أضحت تلك، آثارًا وبقايا أبنية وخرائب في مناطق مترامية من أرض السواد العراقي. فيما يعمل الآثاريون والمتهمّون على جعلها مواقعَ سياحية جذبًا للأنظار واستدرارًا للحنين للأيام الخوالي، وكأنّي بهم يؤكدون توثيق حقبة تاريخية، كما فعل غيرُهم بتهيئة متاحف تشهد لذلك التاريخ المنقرض. أختام الشمع الأحمر المستقبلية التي يعدُّها التاريخ واللاّعبون الكبار فيه، إعلانًا بانتهاء الدور المسيحي وتاريخ المسيحية في العراق في قوادمِ السنين، ستكون خسارة كبيرة لما تبقى من آثار الهوية المسيحية المشرقية الرسولية وإنهاء دورها الريادي على مدى الأزمان والقرون والأجيال في بناء الأوطان، ومنها العراق. فنحنُ أمام أطرافٍ عديدة: منها من هي قاسية القلب وغير مكترثة دوليًا، ومنها من أثبتت أنها سلطوية ومتعصّبة العمل كنسيًا، وأخرى أنانية بفعلها وممارساتها، وغيرُها محبَطة وخائبة مسيحيًا.

ختامًا:
إننا ندرك تمامًا ما في الأفق وخلف الكواليس، وما يجري في مطابخ السياسة الكبيرة. فالأسياد يعدّون لطبخة صاخبة وقاسية لسيناريوهات جديدة بشأن ما تبقى أو سيتبقى من أتباع المسيحية وسائر الجماعات الدينية والعرقية، التي غدرَ بها الزمن وأحالَها إلى مكوّنات قليلة العدد اصطبغت بتسمية "الأقليات"، كما أرادها الأسياد، للمزيد من الإهانة وبهدف الاستخفاف بحقوقها والمتاجرة بمصيرها ومستقبلها، في الداخل وفي بلدان الشتات. فموجات الهجرة المخيفة التي نشهدها كلّ يوم، نتيجةً للضغوط الكثيرة وخيبات الأمل المتلاحقة والإرهاصات الكثيرة في التعامل مع هذه الجماعات المسالمة جميعًا، والمكوّن المسيحي بالذات على تنوع طقوس أتباعهم ومللهم ورئاساتهم، كلُّها إشارات سلبية لا تبشّر بخير، مهما ثابرَ وصبرَ ودعا الخيّرون والطيبون إلى وقف هذه المنغّصات ووضع حدود لمثيريها ومسبّبيها. فالمشكلة أعظم ممّا يتصوّرُه العديدون، حتى كاتبُ هذه السطور. فالمسألة هي مسألة حياة إنسانية حرّة كريمة وآمنة، أو موت بطيء لا يُعرف شكلُه وأوانُه وطريقتُه، أو انتظار معجزة، وعصر المعجزات ولّى ولن يعود!
لذا، ومن أجل إعطاء قدرٍ وافٍ من بصيص الأمل لما تبقى من هذه الجماعات المتناقصة التي آثرت سلك طريق الهجرة لشديد ما عانت منه من مآسٍ طالت جوهرَها ووجودَه وهويتَها، بالرغم من وطنيتها المشهودة، لا بدّ من بذل المزيد من الجهود لتبيان هذا الأمل حفاضًا على جذورها وأصالتها وتراثها وهويتها المتميّزة. فالعراقيون أمام امتحان عسير: إمّا أن يكونوا أوفياء لمواطنيتهم التي امتازوا بها طيلة تاريخهم المعهود في العيش المشترك الذي تناغم مع تعدديتهم الدينية والمذهبية والعرقية التي شكّلت خارطة البلاد وجغرافيتها وتراثها وهويتها العراقية، أو قراءة الفاتحة على ذلك الجبل الأشمّ الذي أُريد له أن يسقط، تمامًا كما يسقط الفارس من صهوة جواده، فينكسر ويخسر السباق بدل إكمال مسيرة الحياة الحضارية التي عرفه بها التاريخ، وما تزال بعضُ شواخصها قائمة بالرغم من إعمال يد الخراب والدمار بها على أيدي كواسر العصر من خوارج التطرّف المتشدّد الذي شوّه المقدّسات وحطَّ من قدر العفيفات وأراد العودة بالإنسان والبشرية إلى سوداوية عصور القبلية ووأد البنات وإلغاء الآخر المختلف عن ايديولوجيته العفنة والمتخلّفة.
لكنّ الشرفاء سيختارون الأصلح وسوف يعملون قريبًا على إعادة البيت الذي جرى تخريبه من جديد إلى عهد جبروته السابق، زاخرًا بالمجد والأنفة والمواطنة التي تقدّس العيش المشترك وتحترم خيار جميع المكوّنات وأديانها وأعراقها ومذاهبها، في إطار دولة مدنية متحضّرة مبنية على أساس المساواة والعدل والمحبة والاحترام. فالحلّ لن يأتي به الغريب ولا الأسياد الطامعون به ولا الغشاشون ولا اللصوص القادمون من خارج الأسوار الذين نهبوا الخيرات وحطّموا اللحمة المجتمعية وكسروا عصا العزّة الإنسانية وأهانوا هيبة الدولة، بل أبناءُ الوطن الأوفياء من الصابرين النزهاء. فمتى ينفذ الصبر، وقد آن أوانُه في الهجعة التالية من الانتخابات القادمة، سيكون للشعب المظلوم صولةُ وجولة إزاء سرّاق قوته وناهبي ثرواته وكاسري وطنيته. فالحكومة القادمة ينبغي أن تكون حكومةَ مواطنةٍ وليس جزءًا من دولةِ مكوّنات تتخذ من المحاصصة مشروعًا للثراء وتقسيم الثروات بين الحرامية وإلغاء الآخر وإقصاء أتباع الأديان والقوميات الأصيلة القليلة العدد ودفعهم للهجرة إلى المجهول. فالعراق وطن الجميع وسيبقى كذلك.
    

25
هواجس الوجود المسيحي في العراق: سيُقال كان في هذه الأرض مسيحيون!
لويس إقليمس
بغداد، في 20 آب 2017
- الجزء الأول -
تتوالى الأيام وتمضي الأشهر وتنقضي السنون، ومعها تتراكم المشاكل وتكثر المنغصات والمحن، وسط مستجدّات سياسية واجتماعية وأخرى غيرها، ليس على المسيحيين في العراق فحسب، بل على شعوب المنطقة ككلّ. كتابات كثيرة، ومتابعات مثلُها، وردود أفعال متباينة تتصدر المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وكلّها تستنجد بتوقّع الأسْوَد القاتم القادم حول مصير كنيسة المشرق الرسولية ومسيحيّيها في العراق والمنطقة على السواء، حالُهم حال باقي أتباع الديانات القليلة العدد التاريخية الأصيلة في المجتمع النهرينيّ. ومجملُ هذه، لا تحمل بيانَ رجاء وتطلعاتِ أمل في طياتها وتحليلاتها وقراءتها للواقع المرّ المتدهور، المتجّه من سيّء إلى أسوأ، بل الماضي نحو التراجع والتناقص الكارثيّ المتلاحق، ما يهدّد بآفة الانقراض في الوجود والهوية والبقاء.
تُرى، هل سيأتي يومٌ، فيه ستذكّر أجيالٌ قادمة بوجود جماعات مسيحية أو إيزيدية أو صابئية أو بهائية أو ما كان من أمثال هذه المكوّنات الدينية والعرقية قليلة العدد، في أرض العراق، كما حصل مع اليهود مثلاً؟ وهل سيتحدث التاريخ بصدق عن بقايا أو آثار هذه الجماعات الأصيلة وعن مواقفها الوطنية التي لا شائبة عليه وعن الحضارة والمدنية والثقافة والتراث التي ساهمت ببنائها وتكوينها بكل إخلاص وثقة وأمانة في بناء البلد وتميزت عن الأكثرية الحاكمة والمتسلطة من خارج تشكيلاتها وأديانها وأعراقها؟ وهل ننتظرُ أعجوبة تعيد الحقّ إلى نصابه، وتردّ "ما لقيصر لقيصر وما لله للّه"، وتنصف المظلوم على      الظالم كي تحظى هذه الجماعات بما تستحقه من حياة عادلة ومتساوية دينيًا وماديًا وسياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وعلميًا وما سواها؟ أم إنَّ زمنَ العجائب قد ولّى، ولم يعد له من وجود ولا ظهور في زمن العصرنة والتأوين والحداثة والخدمات الالكترونية المستنبطة المتكاثرة مع تطوّر العلم واتساع خيال الفكر البشري وطموحات البشر التي ليس لها نهاية ولا حدود؟

رسالة المسيحية
رسالة كنيسة المسيح بعيدة الرؤية، متجذّرة، منفتحة لا تعرف الحدود ولا التقوقع ولا الانكفاء على الذات ولا العزلة في زوايا التخلّف، لأنَّ قوتَها من قوّة مؤسسها، وهي مبنية على الصخرة، صخرة المحبة أولاً، وصخرة الرجاء ثانيًا، وصخرة الإيمان بإله واحد قادر على كلّ شيء ثالثًا وليسَ آخرًا، ومنها اجتراح العجائب في الوقت المناسب. ممّا لا شكّ فيه ونؤمن به، أنّ هذه الثلاث معًا: الإيمان والرجاء والمحبة، هي مفتاح كلّ سعادة وكلّ خير وكلّ مشروع يبدر عن كنيسة المسيح، أينما كانت وكيفما كانت ومهما كان حجمُها وطبيعتُها وشكلُها، ذلك لأنّ من بين ينابيعها الرحمة التي تقدّرها الأديان التوحيدية جميعًا. قد يكون هذا من باب "اليوتوبيا"، أي "الطوباوية" غير ممكنة التحقيق والتطبيق بسبب ما تحمله هذه الرؤية المنفتحة من عناصر فكرية تتجاوز نطاق التفكير البشري وقدرتَه على التفاعل مع المستجدّات ونوازع العصر الكثيرة والترّهات التي تضربُ أطنابَها في كلّ مكان وكلّ حدث وأيّ بلد ومنطقة وجماعة. لكنّ كلمات المسيح "وأبوابُ الجحيم لن تقوى عليها"، تُبقي في حناياها بقايا أملٍ وسلوانٍ بمدى مفعولها وسط التسونامي الظالم الذي يضربُ المسيحية في العراق والمنطقة والعالم.
لستُ هنا بصدد مناقشة تأييد أو رفض ما يُطرح عن إشكالية كنيسة العراق، بالأمس واليوم وغدًا، ومعها مشاكل المسيحيين عمومًا وما سواهم من جماعات تتناقص أعدادُها مأساويًا مع توالي الأيام، في ضوء ما تقرأُه الأحداث وتسرده الوقائع اليومية المستجدّة التي لا تبشّرُ بالخير أبدا. فكثيرة هي الأفكار والنظريات التي تسير في مثل هذا الاتجاه السلبيّ لتَصَوُّر الأحداث في قوادم السنين، التي قد لن تشهدُها أجيالُنا الحالية. ولكنّ الأجيال القادمة، ستكون هي مَن يشهد على الأحداث، مهما حصل واستجدّ. إلاّ أنَّ ما يمكن قولُه وإثارتُه بشيء من الحسرة والخذلان، مدى التذمّر القائم والإحباط الحاصل في صفوف أتباع هذه الديانات الثلاث المهدَّدة أكثر من غيرها بالانقراض.
 هذا ما يخشاه المسيحيون، قبل غيرهم من المكوّنات الأخرى القليلة الأعداد، من أن يأتي يومٌ تقول فيه أجيالٌ قادمة بعد سنوات عجاف: كان في العراق يومًا مسيحيون، وكانت بلداتُهم من أمثال قره قوش وبرطلة وكرمليس وبعشيقة وتلكيف وباقوفا وباطنيايا وتللسقف وألقوش والشرفية وميركه والموصل والبصرة وبغداد والعمارة والحلّة وغيرها، تمامًا كما نتحدث نحن اليوم، في ضوء قراءتنا للتاريخ وفي ضوء تقليبنا لصفحات أحداثه ونبش دُرَرِه ومزاياه التي لا تُحصى ولا تُعدّ. فكُتُبُ الأقدمين خيرُ شاهد على ماجريات الأحداث وما سطّره فيها أتباع هذه الديانة المسالمة بخاصة، منذ قرون خلت قبل أكثر من ألفي سنة، عندما سطعت شمس المسيحية وانتشرت في كلّ ركن وكلّ رقعة، ولم تترك مقاطعة أو منطقة دون أن يكون لهم فيها من شهادة تاريخية زاخرة عبر دير أو كنيسة أو مركز ثقافيّ أو مدرسة تنشر الخير والإيمان والسلام والمحبة. فقد رَسمَ المسيحيون القدامى، شهاداتٍ ساطعة بتدوين شيءٍ من ذلك التاريخ الوفير الزاخر، فيما غيرُهم نَقروا شيئًا من حياتهم الإيمانيّة النابضة آنذاك في صخور الجبال وبواطن السهول وأعالي الروابي والأكمات بأشكالٍ ووسائل مختلفة. فكان هؤلاء جميعًا، مثل غيرهم من ذوي النيات الحسنة والإرادات الطيبة، شهودًا وشهداء للحقيقة للإيمان وللأرض والوطن.

عمق تاريخي في الذاكرة
حين نقرأ تاريخ الآباء الجهابذة والأجداد الأفذاذ، تنتابنا القشعريرة ونُصابُ بالدهشة ويغلبُ علينا الغضب معًا، عندما نحاول معرفة الأسباب والبحث عن المسببات التي قلبت الزمن من ورديّ مزيَّنٍ ببياض الطهارة والنقاوة وصفاء النية إلى أسودٍ قاتم مترَعٍ بحمرة الدم ومصحوبٍ بعلقم المرّ الذي يمسك بالخناق حتى الموت المشؤوم. فذلك التاريخ الزاخر المأسوف عليه، كلّما أمعنّا فيه تحليلًا وتدقيقًا ومذاكرةً، يخطفُنا بألبابنا وأفكارنا وأمنياتنا إلى حقبة شهادة الأيام الخوالي المرصعة ببذرة الإيمان الحقيقية والمطيَّبة ببخور الخير والمحبة والعطاء حيث نبوغ الرؤية وعمق العقيدة ورسوخ الفكر والاستعداد الدائم للشهادة، للحياة والموت على السواء. ليس في هذا التذكير من تجنٍّ بقدر ما هو قراءة للحدث، أتشاركُ فيه مع العقلاء والحكماء والمتنورين من منصفي التاريخ والأحداث، بأيّ شكل كانت أو أيّ نوع أتت.
مقصد التذكير هذا، يحملُنا على الابتعاد عن كلّ توجّس معاكس ومنافٍ للحقيقة والواقع. فهذه إرادة السماء وقدرة الأقدار التي تفوق طاقة البشر أحيانًا، مهما حاولَ واستبسلَ وقاومَ. وبالتالي، نكون نحن بسطاء الشعب، قد اقتنعنا جميعًا، أو بالأحرى أقنعنا أنفسَنا بأنّ الحياة ماضية في طريقها المرسوم، وأنها لن تكون أفضلَ ممّا هي عليه "ما تصير أحسن"، وأننا قد فعلنا ما توجب علينا رصدُه والتحذير منه والخوف عليه، والباقي على الله والأقدار وما يمكن أن تأتي به هذه من نعَم ونقَم.
بالتوازي، بل بالتناقض من موقف البسطاء من أمثالنا من الذين لا سطوة ولا سلطة ولا قدرة على فرض الأشياء وتقرير الأمور وتوجيه الزعامات المختلفة في الدّين والمجتمع والكنيسة، يترتب على الرئاسات الكنسية المالكة سعيدًا، أن تقرأ الأحداث من مناظير مختلفة ومن زوايا عديدة كي تعي حجم المشكلة وتبادر إلى خلق الأجواء التي تتيح لمختلف جماعاتهم وأتباعهم وكنائسهم بتبيان خارطة الطريق لمستقبل أكثر إشراقًا وأفضل حياة وأمنًا وحريةً. وهذه دعوة ملحة كي يتحققوا بالتالي، من الأمانة التي أُوكلت إليهم عندما تدرّعوا بسلاح الرئاسة ولبسوا صليب الجلجلة على صدورهم في قيادتهم للرعايا والكنائس، بنعاجها وكباشها وتيوسها وغنمها وثيرانها (عذرًا على الوصف المتجاوز للأصل)، وكلّ الأشكال والأنواع التي تحويها إبرشياتُهم وكنائسُهم ورعيّاتُهم. وفي هذا الوصف، لن أستثني أحدا، وبدون زعل أو تبجّح. فالمسيحية مثل سائر الجماعات العرقية والدينية المتناقصة باطراد، قد وضعتها الأحداثُ والوقائعُ الأخيرة على المحكّ، وأمام خيارات صعبة، ربّما لا تقوى على حملها بعض الرئاسات الراهنة التي كاد عقدُ بعضها ينفرط، ونحن نشهدُ على تآكلها وهونِها من الداخل بسبب تراكمات التاريخ وأنواع الضغوط ومتاهات المغريات والوقائع الصعبة التي تجاوزت بطبيعتها وقوتها وأدواتها، المقدرةَ البشرية والطاقة الاستيعابية على التحمّل والصمود. ولئن، كنّا نعذر في وصفنا بعضًا من هذه الرئاسات، بسبب ما شهدته المنطقة والبلاد من ضغوطٍ وممارسات وإرهاصات تجاوزت حدود الصبر المقبول والطاقة المحدودة لشخوصها وتأثيراتها، فإنّ ذلك لا يعني من جملة ما يعنيه إعفاءهم من ترتيبات وإجراءات وممارسات وسلوكيات أثارت شكوكًا وزرعت شبهاتٍ وخلقت إحباطًا لدى المؤمنين والأتباع، بغضّ النظر عن تعلّق بعض هؤلاء الأتباع وتمسّكهم بالدين وبالولاء للكنيسة وللمسيحية بشكلٍ عام.
 ما ينبغي أن نتحقق منه وننادي به في السرّ والعلن، أنّ "الكلّ في الهوا سوا"، وما يصيبُ هذه الكنيسة وهذه الطائفة وهذه "الزعامة" وهذا المكوّن سيكون له تأثير على الجميع. إن تداعى عضوٌ في الجسد الواحد، تداعت له سائر الأعضاء!
عندما نتصفح التاريخ ونقلّب أوراقَه العتيقة، يتبادر إلى ذهننا، ذلك الكمّ الهائل من الجماعة المسيحية وأدواتها، التي شملت مختلف مناطق العراق، من شماله إلى جنوبه، مرورًا بوسطه العامر ووصولاً إلى غربه وشرقه. فمن جبال كردستان العراق العصيّة إلى سهوله في السليمانية وأربيل ودهوك، مرورًا بسنجار والموصل وسهله المترامي وبلداته وقراه، عبورًا بكركوك وتكريت وسامراء، ومنها إلى بغداد والمدائن وبعقوبة والحبانية والكوفة والحيرة والنجف وكربلاء، وصولاً إلى واسط والحلة وانتهاءً بالعمارة والبصرة والعشار. فكلّ مناطق العراق وبلداته وقراه المنتشرة في مضارب أرض شنعار (العراق)، كانت تنبض بالتاريخ الزاخر للمسيحية التي سطّر فيها أتباعها صفحاتٍ مشرقة ألهمت البلاد والمنطقة بكلّ آثار الفكر والثقافة والتنوير إلى جانب أثواب الإيمان والزهد والصلاة، وتلابيب الأخلاق والعلم والحكمة على توالي السنين والقرون والأجيال. وكلٌّ من هذه المدن والأصقاع لها حكاياتُها وتاريخُها وشخوصُها وشعراؤُها وملافنتُها وفلاسفتُها وحكماؤُها وملوكُها ووزراؤُها وعلماؤُها وسادتُها وأديرتُها وكنائسُها وجثالقتُها وقسسُها ورهبانُها وأديرتُها وكتّابُها ونقلتُها. ومّن يريد غرف المزيد بصددها، فما عليه سوى العودة إلى كتب التاريخ، على قلّتها واندثارها بسبب عوادي الزمن والتقاعس بالقراءة والعزوف عن النهل من الينابيع الصافية للآباء والأجداد ومن كتاباتهم ولغتهم وتراثهم التي تزخر بها متاحف العالم وتفتقر إليها بيوتُنا وقلوبُنا وأفكارُنا.



26
مَن له حق الحديث عن مصير سهل نينوى وتقرير مستقبل شعوبه؟
لويس إقليمس
بغداد، في 12 تموز 2017
صدرت الترجمة المعتمدة للبيان الختامي والتوصيات التي أعدّها منظمو مؤتمر بروكسل المنعقد بالعاصمة البلجيكية، للفترة من 29-30 حزيران 2017، وشاركت فيها رئاسات كنسية وزعامات سياسية وشخصيات مستقلة ومنظمات مجتمع مدني، إلى جانب الحاضرين من نواب وشخصيات غربية رعت وأيدت الحدث.
لستُ هنا بصدد إطلاق هتاف تأييد أو صرخة رفض بخصوص نوعية المشاركة وحجمها والغرض الفعليّ المتوخى من وراء تنظيم المؤتمر الذي يخصّ شريحة متألمة ومهمّشة ومتناقصة باضطراد ممنهج، بسبب الهجرة والنزوح للأسباب التي يعلمها الجميع. إنّما يبقى من حقّ العقلاء والمثقفين ورواد المجتمع، الدلوُ بدلوهم، بالرغم من حرمانهم القسريّ من المشاركة في إبداء الرأي فيما يخصّ شؤونهم ومستقبل أهلهم وأحبائهم ومصير بلداتهم المنكوبة، بسبب استبعادهم من مثل هذا الحق من جانب الزعامات، دينية كانت أم سياسية، ولسبب بسيط لكونهم من خارج التشكيلات الحزبية أو من خارج دارة القرابة والصداقة والانتفاع. فهذه الأخيرة أي الأحزاب والرئاسات، وبما أوتيت من قوّة وعزم وإرادة ونوايا مدفونة ومعلنة، لا يطيب لها الاستماع دومًا لآراء هذه الشريحة المدنية المستقلّة في فكرها ورؤيتها للواقع المزري، سواء كان ذلك في رحاب الدولة الاتحادية أم في الدولة الفتية القادمة المولودة من طموحات إقليم كردستان الحالي.
بيان بروكسل، تضمّن من جملة المطالب المشروعة، أفكارًا جانبية مدسوسة قابلة التأويل، يقرأ اللبيبُ من بين سطورها، الغاية الأولوية من تقرير عقد هذا المؤتمر في هذا التوقيت بالذات: الاقتراب من نهاية داعش الإرهابي في مدينة الموصل، عقر دار دولة الخلافة الإسلامية المزعومة، وإعلان الإقليم قبل أيام عزمه الذي لا تراجع عنه بإجراء الاستفتاء وتضمينه مشاركة ما يُسمّى بالمناطق المتنازع عليها فيه. ومثل هذا التوقيت، جاء للتأكّد من حصول وإيلاء ضمانات شبه أكيدة من المشاركين من مكوّنات الأقليات الرئيسة، ومن المكوّن المسيحي بالذات، الذي ترتب عليه تأكيد مثل هذا الالتزام بما سبق أنْ أقرّه وبصمَ عليه عرّابون آخرون في وقت مضى، سياسيًا وحزبيًا وثقافيًا، بعضهم دفنهم التاريخ وآخرون مازالوا يلوكون ذات التغريدة. فقد اقتنع العديد من هؤلاء، إنْ لم يكونوا قد ارتضوا صاغرين من ناحية توقيت عقده والنتائج الصادرة عنه بما فيها من دسّ مستتر، نتيجة لما نالوه من منح وبركات ووظائف وهدايا وإكراميات وعمارات وبناء مؤسسات لمختلف الأغراض وكنائس وغيرها كثير. وبالطبع، كلّ هذه الإكراميات لا يمكن أن تكون بغير ثمن. فهذا الأمر، لا غبارَ عليه، مهما جاء أمرُ إنكاره أو تحاشيه أو نقضه أو تكذيبه. ما علينا، كما يقول صاحب الرواية الطويلة وخبير مثل هذه المفاهيم، وهو مجهول الهوية بطبيعة الحال، فالعصفورة اللطيفة لا تكذب ولا تُكذِّبُ ما يجري في الكواليس وما يُدار في أروقة السماسرة من كلام واتفاقات ومجاملات وتعهّدات. وها هي التصريحات والإعلانات والانبطاحات تتوالى حول حتمية شمول سهل نينوى بقرار الاستفتاء وبضمّه إلى الدولة الكردستانية العتيدة. فهؤلاء المنبطجون واللاّهثون من دون تفكير معمّق وراء هذه الإرادات والرغبات المشبوهة في مجملهم إلاّ النزر اليسير، ليسوا أصحاب الشأن ولا أرباب الأرض ولا أهل الدار ولا أصحاب القضية، بل هم أغراب ممّن يسعون لإحداث تغيير ديمفرافي في مناطق تواجد المسيحيين الذين يتباكون على حالهم ويتاجرون بمأساتهم حتى لو كانوا من ذات المعتقد، لأنّ سموم الدسّ مؤشرة في جميع تصرّفاتهم وتحرّكاتهم.
الأمر المهمّ في مثل هذه المؤتمرات، سواءً التي عُقدت في السابق، أوتلك القادمة المنتظر تكرارُها بسبب ما تدرّ على المنظمين من فوائد جمّة لهم ولمواليهم، ومن استغلال هؤلاء لسذاجة بعض المشاركين الذين يرتاحون لتغيير الأجواء المظلمة في عراق الفوازير والعجائب بسبب نقص الكهرباء، والشديدة القيظ بسبب نقمة السماء على أهل الدار السوداء،هو أنْ يعي المنظمون والمشاركون معًا، مَن هي الجهة المخوّلة حقًا بالتحدث باسم المكوّن المسيحي ورسم صورة مستقبلهم في ضوء الوقائع والأحداث والتخبّط، في كلّ من حكومتي المركز والإقليم، حيث اضطرّ غالبية النازحين والمهجّرين من بيوتهم للإقامة في أراضي الإقليم بسبب قربها من مناطقهم التيطُردوامنها، وبعد أن فقدوا أملاكهم وأمانهم، وسُلبوا حرّياتهم بالتعبير عن آرائهم وإبداء تصوّراتهم.
الرئاسات الكنسية التي تحوّلَ بعضُ لاعبيها إلى زعامات وخاضوا مجال التجارة في السياسة وأجادوا في ترويض النفوس الجائعة وفي إقناع أصحاب النفوس المريضة من التي لا حول ولا قوّة لها، لم تُثبت استقلاليتَها ولم تصنْ مجالَ خدمتها للنفوس كما ينبغي، وهي الكفيلة بهذه الرسالة لا غيرُها. وهذا واضح في المناكدات والاعتراضات والثورات التي حصلت من داخل المؤسسة الكنسية نفسها وبين بعضها البعض، سواء داخل الطائفة الواحدة أو الكنيسة الواحدة، أم فيما بين الطوائف نفسها، زعامات وكوادر وقواعد للمؤمنين على حدّ سواء. بل إنّ اتهامات متبادلة تُشاع بين فترة وأخرى، وقلّما تخلو صفحات المواقع الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي من مثيلاتها. والأنكى من ذلك، ما يرِدُ من ردود التكذيب أو التأكيد وبما يخلق حالات من الشك واليقين فيما يُقال ويُكتب.
بدورها، الأحزاب المسيحية المتواجدة على الساحة السياسية، بالرغم من كون أغلبها، إلا الأصيلة منها التيلا تتجاوز اثنين أو ثلاث على أوسع تقدير من ذوات القاعدة الشعبية الواسعة نسبيًا، هي عبارة عن دكاكين أو مكاتب صغيرة، كما جاز لأحد الزملاء وصفَها، وقد صدق. فهي حقًا مقرّات لنفرقليلمنالمنتمين الموالين لحكومة الإقليم، والذين لا يُجاز لهم الخروج عن طاعة وليّ النعمة. فهُمُ بمثابة جنود وُدَعاء يأتمرون بأمر وليّ النعمة الذي تكفّل بكلّ المصاريف والمرتبات والمخصصات والهدايا وإيجار المقرّات وعقد المؤتمرات والندوات وسائر النشاطات التي تؤدّي جميعًا إلى تأييد الرغبة بالانضمام المبدئي إلى الإقليم والدولة الكردية القادمة، بموجب فرمانات مصدّقة صدرت عن نفرٍ من شخوص الأحزاب وزعامات الكنائس وتمّ استلام أثمانها. أنا لا أعمّم، بل الحقيقة القائمة لا يمكن نكرانُها أو إخفاؤُها. فهناك من السامعين الجيدين ومن القارئين المجيدين وممن المحلّلين الأكفاء في كلّ هذا وذاك. وذاتُ الوصف الذي ينطبق على المجموعتين المعنيّتين، يمكن قولُه عن الذين استلموا مواقع حزبية ومناصب إدارية متقدّمة في حكومة الإقليم. فهؤلاء ليسوا بأفضل من المجموعتين المذكورتين.فلا استقلالية في اتخاذ القرار ولا حرية في إبداء الرأي. كيف ذلك، وهم بين المطرقة والسندان؟
 من هنا، لا ينفع من كلّ هؤلاء، ولا يُقبل منهم سوى النصح والمساعدة للخروج من المأزق وتذليل الصعاب من أجل اتخاذ القرار المناسب بمصيرهم، اي بعيدًا عن وصاية الأحزاب الغريبة عن أهل المنطقة، حتى لو ادّعت الانتماء لذات الدين. أمّا التدخل السافر القائم حاليًا من جانب بعض هذه وغيرها من االذوات غير المستقلّة في الرأي، أو المنحازة لجهة لا تجمع ولا تؤمن بوحدة البلاد والأرض، أو ممّن يستسيغون التملّق لجهات طامعة على حساب حق ومصير أصحاب الشأن وأهل الدار والأرض أو يدّعون فرض الوصاية عليهم من دون وجه حق، أو يعلنون النطق باسمهم، فهذا لا يمكن القبول به وينبغي فضحه وردّه ورفضُه من العقلاء والحكماء والمثقفين وأصحاب الشأن.
هنا السؤال والتساؤل: أين موقع النبخة المثقفة من كلّ هذا وذاك؟ وهل من حقّ الكنيسة ورجالاتها، والأحزاب وأزلامها، وأصحاب المناصب ومَن يتودّد إليهم قربًا ومنفعةً، أن يكونوا أوصياء وناطقين باسم الشعب، الذي من حقّه قول كلمته بشأن مصيره ومستقبله عندما يستوفي شروط النطق والاختيار والتقرير؟ وإذا كانت الحرية المنقوصة التي أتى بها الغازي الأمريكي بعد سقوط ما سُمّي بالنظام الدكتاتوري البائد، ومثلُها الديمقراطية غير الناضجة التي طالما تمنيناها وحصلنا عليها بهذه الطريقة المخجلة، هي حادينا ودليلنا وأملنا لمستقبلنا ومصيرنا، فتبًّا لهما كليهما. فالغرب وأدلاّؤُه وعملاؤُه وأزلامُه هم مَن خلقوا هذه المشاكل وأوجدوا الأسباب لكلّ هذه وتلك.ثمّ إنّ "المطالب لا تأتي بالتمنيّ بل تُغتصب وتؤخذُ غلابًا".وهذا ما شنّفت به أسماعَنا إحدى أغنيات الراحلة كوكب الشرق وهي تحثّ شعب الكنانة والعرب على ما قاله الشاعر المبدع أحمد شوقي في إنهاض الهمم وإيقاظ الأمم من سباتها.
في مناسبات كثيرة، في المؤتمرات كما في الشارع وفي لقاءات المقاهي والنوادي والمراكز الدينية والمدنية ومقرّات الأحزاب والمنظمات، تحدث الكثيرون وسيتحدثون عن جملة مطالب وتصوّرات وطموحات، هي من صلب حاجات أهل المنطقة المنكوبة. ولكن عندما يتعلّق الأمر بالأرض وديمغرافية البلدات والانتماء والهوية الوطنية، فهذا لم يعد شأنًا للمساومة ولصفقات التجار والعرّابين وأصحاب الرهانات، أيًا كان شأنُهم ودينُهم ومذهبُهم وتوجهاتُهم ومواقعُهم في السلطة أو خارجَها. ولكون المرحلة الراهنة فترة حرجة تشهد فيها البلاد فترة من عدم الاستقرار والفوضى الخلاّقة والصراعات الطائفية والعرقيّة والمذهبية، وتدير معركة ضروس ضدّ أعتى تنظيم جهاديّ مسلّح نشأ ونما واستأسدَ وحكمَ وسبى وقتلَ واغتصبَ وطردَ ونشرَ فكرًا متطرّفًا يصعبُ قلع شأفته بسهولة، فهذا يُضاف إلى سائر الأسباب الوجيهة التي تقتضيالتروّي في تقرير المصير ومن ثمَّ الكفّ عن المطالب غير المنطقية والبعيدة عن العقلانية والابتعاد عن التسقيط والتخوين، لحين انقشاع الغيمة السوداء التي قد تطول لسنوات أخرى.
 من هنا يكون ترك مسألة تقرير المصير حتى استتباب الأمن والأمان، وعودة المهجَّرين والنازحين بعد تهيئة إجراءاتها وما تتطلبه هذه الفترة من إعادة الخدمات الأساسية وإعمار البنى التحتية وإصلاح البيوت المدمّرة وتعويض المتضرّرين والتأكّد من تجفيف منابع الفكر التكفيري في القرى المجاورة للبلدات المنهوبة والمدمّرة التي داسها أهل هذه القرى ودنّسوها وسلبوها وأعملوا فيها الخراب والدمار بتشجيع من عصابات داعش المسلحة التي احتلتها لأكثر من عامين. أمّا الضغوط الكثيرة التي تُلقى هنا وهناك والتحرّكات المشبوهة لنفرٍ من المرتمين في أحضان أصحاب المطامع والطوحات الكبيرة التي لا حدود لسقوفها، فهي غير مقبولة ولا أخلاقية، بينما لا تزال المأساة قائمة والهاجس الأمني باقٍ وأصحاب الأرض خارج مساكنهم وأملاكُهم في مهبّ الريح وتاريخُهم وتراثُهم وثقافتُهم في خبر كان. تقرير المصير ينبغي التمهّل فيه والتروّي ولا يمكن أن يصير بجرّة قلم أو تحت ضغط سيف مستلّ على الرقاب أو تحت طائلة الانتفاع والتجارة بمستقب شعبٍ مغلوبٍ على أمره لا يملك غير سلال الغذاء التي يتكرّم ويتحكّم بها صانع القرار وفقًا للمزاج والمصلحة والظرف. وهذا لا يتقاطع مع حق الكرد في تقرير مصيرهم لوحدهم وليس زجّ غيرهم فيه من دون وجه حق! أنا مثل غيري أقف مع الشعب الكردي في مسألة تقرير مصيره وحقه في الاستقلال، إنْ كانت هذه هي إرادتُه. فهو أدرى بشعابه. ولكن من دون إقحام شعوب المكوّنات المغلوبة على أمرها في هذه الإرادة والرغبة، التي قد تتحوّل إلى إشكالية شديدة التعقيد، فينقلبُ السحرُ حينئذٍ على الساحر. وهنا الطامة الكبرى!
لستُ هنا أجافي الحقيقة ولا أقول بنتَ عمّها، بل هي الحقيقة القائمة التي يعرفها كلّ مَن يُعملُ الفكر والعقل والضمير. فليس من المعقول أنْ تطلب ممن استجارَ بك أن ينكرَ ما أبديتَ تجاهَه من مساعدة وتكريم وتعاطف. فهو في كلّ الأحوال عندما يجد السيفَ مستلاً على رقبته، لن يكون بمقدوره نفيَ ما تريدُه أو التقاطع مع ما تقوله. وهذا ما خشيناه ونخشاه من نية رئاسة الإقليم وحزبها الحاكم من فرض أجندته على عموم النازحين الذين استجاروا بهم وسكنوا في أرضهم، وهي ما تزال جزءًا من أرض العراق الاتحادي وليستْ ملكًا لأحد.  فلا الحشد الشعبيّ ولا سطوة حكومة الإقليم ولا أية جهة غيرهما حتى لو أتت من جانب الرئاسات الدينية والحزبية، من حقهم فرض أجندتهم على أهل سهل نينوى المنكوبين، سواء كان هؤلاء من المسيحيين أو الإيزيديين أو الشبك أو الكاكائيين أو التركمان أو حتى العرب منهم. وأمّا الذين ينعقون وراء السرب في أبراجهم العاجية من غير رويّة ولا تقدير للمواقف ولا رؤية مستقبلية لما قد تأتي به الأحداث، فعليهم مراجعة الذات ألف مرّة قبل الإقدام على ارتكاب هذه الخطيئة القاتلة في الروح والضمير والعقل والأخلاق.
أمّا الطموح بإنشاء محافظة في منطقة سهل نينوى أو منح أجزاء منه نوعًا من إدارة ذاتية، فهذا حق مشروع، ويكفلُه الدستور لسائر المكوّنات. ولا بأس بالتفكير مستقبلاً بإنشاء إقليم على غرار إقليم كردستان. فإذا كان الغربُ المتبجّح وساسةُ البلاد صادقين مع أصحاب الشأن ومع أنفسهم ومع العالم، لماذا لا يدعمون مثل هذه المطالب مستقبلاً عندما تستقرّ الأوضاع ويعود المشرَّدون إلى ديارهم وأملاكهم ومساكنهم ويكونوا سادة أنفسهم من دون إملاءات أو فرض إرادات أو ضغط إدارات. هذا هو عينُ الحق، وهو ما يجدر بأصحاب الأجندات أن يعملوا وفقه وليسَ وفق مخططات وأطماع غيرهم.
فلا تقاطع إذن، مع قائمة المطالب المشروعة والتوصيات التي خرج بها مؤتمر بروكسل الأخير، بالرغم من المقاطعة من جانب قيادات دينية وحزبية وشخصيات قليلة، إلاّ فيما تُشمّ منه رائحةُ مخطّط لتقسيم الموصل وإلحاق أجزاء من أراضيها بالإقليم بالطرق والوسائل والأدوات التي باتت معروفة للجميع. فمثل هذا السلوك القسريّ بهذه الأدوات، غير مقبول في هذه المرحلة الحرجة، ومثل هذا الرفض والتحذير يتفق تمامًا مع ما أصدره البرلمان العراقي بقراره بتاريخ 26 أيلول 2016 برفض تقسيم محافظة نينوى.
نحن مع المبادئ والأسس التي خرج بها مؤتمر بروكسل على الأسس الأربع: "أساس التمكين للبناء والإعمار، وأساس التمكين الأمني، وأساس التمكين السياسي، وأساسا لتمكين الإداري". فهذه تنطق بما يحتاجه أتباع الأقليات جميعًا، ومنهم المسيحيون، من تأكيد لضمان العيش المشترك وإدامة السلم الأهليّ وإعادة دمج مكوّنات الأقليات التي تعرّضت للتهجير القسريّ ولإجراءات التكفير، إلى أحضان المجتمع العراقي ونيل حقوقها المشروعة في دولة مدنية متحضّرة تعمل وتحترم الجميع وتسوسهم بالعدل والمساواة والتآخي. أي أنَّ ما ينشدُه المسيحيون ينطبق في معظمه على حق سائر الأقليات الأخرى ومكوّناتها في تقرير مستقبلها بنفسها وليس بالإملاء عليها وفرض الإرادات الشيطانية.
وأنهي الكلام بما أتيتُ عليه وقد لخّصه رئيس الكنيسة الكلدانية من رأي سديد عقب تحرير الموصل بالقول: "يبقى مَنْ له الحق برسم مستقبل خارطة مناطقه وتحديد مصيره، هم أبناء الأرض الأصليون وأصحاب القضية والمأساة، عبر الحوار والتفاهم والتصالح مع جيرانهم من أتباع الديانات والأعراق والمذاهب الأخرى، من مسلمين وغير مسلمين، بعيداً عن الاجندات الخارجية او المصالح الشخصية الضيقة".


27
السياسة والنفاق، شراكة مشبوهة!
بغداد، في 27 حزيران 2017
لويس إقليمس
 ليسَ أسوأ من أن تتحول مجتمعاتٌ تقليدية معروفة بتاريخها المتعايش الزاخر بالأخلاق والمبادئ، إلى كتلة من الرذيلة والآفة القاتلة في زمن القتل والنهب والسرقة والفساد، لتسقط بالتالي في جُبّ النفاق الذي يتسيّد المشهد السياسيّ العراقي في هذه الأوقات، منسحبًا بالتالي على المجتمع ككلّ. كما ليسَ بالعجب العجاب أن تسمع وتشهد المتلوّنين في مشهد متكرّر أو مناسبة، ممّن يستمتعون ويتلذذون بالإيغال في منهجية هذا النوع من آفة العصر وممارسته عبر وسائل متنوعة، سمعية وبصرية وخطابية. وحينما تأخذ مثل هذه الآفة وطرَها في أي مجتمع وتتحول إلى شكل ممنهج في ممارسة أشكال النفاق، السياسيّ والاجتماعي، فإنها تصبح ظاهرة. وأية ظاهرة، تعني تطبّع المجتمع أو الجماعة، على شيء يصبحُ جزءًا من الحياة اليومية المعاشة، وإن يكن مثل هذا التوجّه في غاية الرفض والابتذال. أي بمعنى آخر، تضحي هذه الظاهرة شكلاً من أشكال الحياة اليومية المبتذلة التي تتلازم مع هذا الصنف من البشر الذي سمح لنفسه بلبس هذا البرقع. 
هذا السلوك من فئة هذه الرذيلة كانت دومًا حاضرة. ولكنها في العراق ما بعد 2003، طفت إلى السطح وأضحت ظاهرة. بل أصبح منظرُ النفاق أمرًا اعتياديًا في سلوك الحياة اليومية لمعظم السياسيين والعاملين في مؤسسات حكومية أو حتى تلك التابعة لمنظمات مجتمع مدني تدّعي هي الأخرى الحرصَ على إصلاح أحوال المواطن التعبان، المصدِّق كلَّ شيء وأيَّ شيء أحيانًا، ومن دون أن يتحقّقَ من كلّ هذه، أو من دون أنْ يسعى بجهده للتمييز بين الغثّ والسمين لدى محاوريه من سياسيّي آخر زمان ممّن نخر الفسادُ ضمائَرَهم وقلبَ وجوههم وسوّدّ قلوبَهم. لذا لا عجبَ أن تسمع أو تتطّلع أو تشهد بأمّ عينيك، نماذجَ حية وصاخبة من متشحي هذا النوع من الرذيلة التي تسيّدت المشهد. بل إنّ بعضًا من هؤلاء قد أتقنوا الصنعة وأجادوا ترويجها والتعاملَ بها وإقناع الغير بما يعرضونه من أشكال السلوكيات والأفعال، التي تخفى حقيقُتها على البسطاء، فيصدّق هؤلاء بهم ويرضخون لمجاملاتهم الساحرة في سرد ما يحلو لهم من روايات مضللّة ومن إجادة بتتابع الأحداث وصناعة الإقناع عبر طروحاتهم. وما أكثر ما نشهد من مثل هذه السلوكيات.
في إحدى المناسبات، كنتُ مشاركًا في استقبال مهنّئين في مركز دينيّ أصبحت له خصوصية عند أهالي بغداد، خاصة بعد تعرّض كنيسته المتميّزة لجريمة إرهابية بشعة في 31 تشرين أول 2010، وطالما قصده ومازال يقصده السياسيون وأصحاب الجاه والفكر، لأهداف متنوعة. سمعتُ كلامًا معسولاً، ضحكتُ له في سريرتي، ولعنتُ ذلك اليوم الأسود الذي أوصلَنا إلى هذه المساحات من الكذب والنفاق والرياء. كلّ الزوّار أشادوا، بل تفنّنوا بالمديح بالدور الحضاري والريادي للجماعة المسيحية في العراق ونصارى العراق، مؤكدين أصالة هذا المكوّن وتميّزهم في كل المجالات، ولاسيّما في أخلاقهم وأمانتهم وإخلاصهم ومثابرتهم وانتمائهم للوطن والأرض وحبّهم للآخر المختلف عنهم في الدين والمذهب والعرق والفكر والتعبير. وهذه من أسمى سمات الإنسان المتحضّر، بل أفضلُ ما يتمناه المرء العاقل والإنسان المعتدل الباحثُ عن الأمان والسلام والاستقرار في مثل هذا الزمن الصعب الذي اختفت فيه محبة الغير وإكرام الجار، كما توصي به الشرائع والعادات والتقاليد. ومثل هذا الحديث ما زال يتكرّر في كلّ مناسبة.
وبالعودة إلى مطابقة القول مع الفعل، نرى العجب العجاب. فأكثر القرارات والقوانين التي يشارك في وضعها هؤلاء السياسيون وممثلو أحزابهم وكتلهم بالضدّ من حقوق المكوّنات الصغيرة اليوم، تناقض أقوالَهم وتكذّبُ تصريحاتهم. وحين المحاجة بشأن مثل هذه الازدواجية في التعامل وفي اقتراح التشريعات وسنّها وتطبيقها لغير صالح هذا المكوّن وغيره من المكوّنات المظلومة والمهمّشة الأخرى، يخرجون إلينا بذرائع وحجج واهية. ولعلّ آخرها، ما كشف عنه بصراحة، زعيمُ التحالف الوطني حين تقديمه ورقة التسوية وعرضها على نخبة من رؤساء هذا المكوّن وبعضٍ من ممثلي الشعب والمثقفين من العلمانيين والمدنيين في أيار 2017. فقد ردّ على سؤالٍ محرج من قبل أحد الحضور، فيما إذا كان التحالف وشركاؤُه في العملية السياسية يعدّون الأقليات ومنهم المكوّن المسيحي شركاء حقيقيين لهم". وعند إجابته بالإيجاب، وهذا جانبٌ إيجابيّ، أعقبه السائل بسؤال أكثر حراجة، عن الغاية من إعادة البعض بين فترة وأخرى لنصّ قرآني، "يخيّر النصرانيّ بين ثلاث" لا غيرها، وكأنّه تذكيرٌ أو تحذير أو تفعيل لقانون أو دستور قائم مدى الأزمان والدهور. فكان الردّ صاعقًا: "لن نستطيع تغيير كتاب الله وسنّته... هذا شرع الله"، بالرغم من قناعة الكثير من المتنورين والمثقفين بأنّ ما ورد وما جرى وما طُبّق في سالف الأيام الغوابر، لا ينسجم مع مقتضيات العصر وتطوّر الزمان والفكر والأداة. وعليه ينبغي تجديد الفكر والتأويل والتفسير بحسب العصر والحداثة وتطور الزمن. لذا، عبثًا يسعى مَن يسعى لجبر الخواطر وتطييب النفوس وتهدئة القلوب. فما كُتب قد كُتب، ولن يفلح زيدٌ ولا عمرٌ في تغييره أو تحييده أو إلغائه. بل إنّ ما نسمعه في هذا الخصوص من كلام معسول، لن يكون إلاّ ضمن دارة الرياء والنفاق السياسيّ القائم على قدم وساق، ولن يزيغ عن الهدف المرصود أساسًا، بالرغم من تخفيف مفعوله وترطيب لهجته وتعويم غرضه وعدّه "تراثًا" من الماضي غير قابل التطبيق في أيامنا هذه، كما صرّح قياديّ من التحالف الوطني كان حاضرًا، فأجاد وصدق بقوله "مثل هذا القول أصبح من التراث"، وعليه أن يفي بما قال.
على شاكلة هذه الرواية، يتكرّر المشهد عند طغمة سائر الساسة والزعماء والمسؤولين من مختلف الكتل والاتجاهات والتيارات في الدولة العراقية المنهارة. وكلّ ما نشهده لا يعدو سوى ممارسةٍ منافِقة ومراوَغةٍ ذكية و"شطارةٍ أستاذية" ضمن أداة الاستهلاك السياسي الجارية، ونوعٍ من أدوات اللعب بمشاعر العامة بعد كسب ودّ شرائح خاصة رضيت بيعَ ضميرها على حساب العامة ومصلحة الوطن العليا. وهذا ينطلق بطبيعة الحال على حال مَن ركب قطار السياسة حديثًا من أتباع المكوّن المسيحي ومثلهم من سائر الأقليات المهمّشة الأخرى، التي ترفع شعار المدافعة عن حقوق شعويها في العلن، في حين لا يشكّ المتبصّر والعاقل والعارف بارتمائها في أحضان أصحاب النعمة وأولياء الأمر، سواء في الإقليم أو المركز. وهذا جانبٌ خفيٌّ من ممارستها أساليب النفاق والتخبّط. وخير دليل على ما ذهبنا إليه، المشاركة أو المقاطعة لسيل المؤتمرات واللقاءات والندوات العديدة، المحلية منها والإقليمية والدولية التي عُقدت وما تزال تُعقد، حيث تتسابق الأحزاب والشخصيات والمنظمات للمدافعة أو التنديد بها وبمنظميها وبالواقفين خلفها والداعمين والممولين لها، كلّ بحسب الانتماء والولاء ونوع المنفعة التي يرتجيها منها.
ما يمكن التحقق منه اليوم من دون صعوبة، بروز مفهوم سارٍ بين السياسيين، قائمٍ بذاته يتخذ من المواربة والنفاق والكذب على زملائهم وأترابهم كما على بسطاء الناس، منطلقًا في عالم التنافس الذي يشتدّ ويحتدّ لاسيّما إبّان فترة الانتخابات ومع اقترابها، ونحن نقترب من أجوائها. أمثال هؤلاء الساسة لا يمكنهم الاّدعاء ما ليسوا عليه من حملهم للفكر الإقصائيّ لأية جهة منافسة في هذا السلوك الشائن، حتى في صفوف أتباعهم أو أحزابهم أو طوائفهم، كما هي عليه الحال في أحداث العراق. فالتنافس بين شخصيات السياسيين، سواءً المشاركين في الحكم منهم أو المتنفذين في السلطة، واضحة المعالم في الذي يُلاحظ من شعور بالغيرة والتخوين والتسقيط عمومًا. وهذا الشعور أو المفهوم المبنيّ على إرادة داخلية وذاتية نابعة من روح الأنانية وشيء من غطرسة الأنا المتحكمة في ضمير أمثال هؤلاء، يبقى عنصرًا ذاتيًّا معشعشا في ثنايا الصدور المنغلقة التي لا تقبل بالآخر ندّا في ميزان العدل والمساواة والحياة. ومن ثمّ لم ولن يكون ممكنًا لمثل هذا التطبّع بهذا الشعور القاصر أن يخلي الصدور المريضة لساسة يرفضون التعلّم من دروس الشعوب وأحداث البلدان وكوارث الزمان والمكان ونصح الأديان.
في حياتنا العراقية، شهدنا وما زلنا نقارع ونتصدّى لهذا النوع من الآفة المتغلغلة في كلّ خطوة وكلّ مسار في الحياة الصاخبة التي أدخلتنا فيها الفوضى الخلاّقة قبل وما بعد الغزو الغربي الخبيث للبلاد. فالنظام السابق لم يتورّع الأسيادُ الطغاة فيه في استخدام أقصى وسائل الكذب والنفاق السياسيّ والاجتماعي إزاء الشعب الذي لم يكن له لا حول ولا قوّة، سوى العياذ بالله والصبر على الشدّة حتى يأتي الفرج. ومع التغيير الذي انتظره الشعب المظلوم بفارغ الصبر، إلاّ النزر اليسير من حديثي النعمة آنذاك، شاءت الأقدار أن تدفع سفينة البلاد والعباد للرسو بأيدي طبقة جديدة ومن نوعٍ جديد من الفاسدين الذين لم يتورعوا بالإيغال بنهب المال العام والاستيلاء على عقارات الدولة وتهديد السلم المجتمعي بسبب شبه غيابٍ للقانون والعدالة التي أخفقت منذ السقوط بردع مَن سوّلت له نفسُه العبث بمقدّرات البلاد والعباد من دون ذرّة ضمير ولا خجل ولا خوف من حُكم السماء يومَ الدّين. فقد مارس الكثير من أمثال هؤلاء أشباه الساسة الجدد، حديثي العهد والنعمة بفعل السطو المسلّح الذي يمارسونه وبفضل ما تقدّمه إرادة المتنفذين في السلطات الثلاث من دعم وتغطية وشراكة في السرقة والسلب والنهب والضحك على ذقون البسطاء من أبناء الشعب الراضخ لولاية القائمين عليها من دون رادع. والسبب بسيط، لا يقبل الجدال، وهو أنّ الكلّ مثل الكلّ، "في الهوى سوى"، سائرون ومواظبون على ذات النهج "طمطمْ لي وأطمطم لك" فالكعكة كبيرة وستظلّ كذلك إلى أن يأتي المنقذ! ولكن إلى متى الانتظار؟
بل إنّ البعض من أركان الفساد او مَن يسعى للتغطية على الفاسدين والمزوّرين، يعتقد أنّ مثل هذا السلوك في النفاق والكذب على الشعب يبقى في جزءٍ منه ضمن عملية رأى فيها البعض دخولها ضمن عملية "موازنة" أو "توازن" بين القوى المتنافسة التي لا تعير أهمية للانتقادات والرفض الصادر من مواقع ومصادر حريصة على سمعة الوطن ومصالح الشعب والسلوك العام لبلدٍ مثل العراق كان يوضع ضمن الدرجات المتقدمة حضاريًا وعلميًا واجتماعياً وصحيًا واقتصاديًا. إلاّ أن السياسة قد خذلته، وأوقع به مفسدوها في أتون صراعات عقائدية وطائفية وعرقية، كان لها بداية ولا نعرف نهاياتها! فليس أمامنا نحن الصابرين المثابرين الرافضين سوى انتظار حلّ هذه العقدة التي لن تكون ممكنة إلاّ ببروز تيار التغيير المدنيّ المؤدلج بالعصرنة والتمدّن والحضارة والتجديد في الروح والفكر والرؤية. مثل هذا التيار المدني- العلمانيّ، هو المعوَّلُ عليه من أجل تعزيز روح الوطنية والمواطنة والانتماء للوطن الذي يعيد للدولة هيبتَها ويرسم نجاتَها من جديد بعد فرز الزؤان عن الحنطة الأصيلة ورفض السارق ومحاسبة القاتل وإخراج الداعم لكلّ أعمال الشرّ والكراهية والإرهاب من صفوف هذا الشعب الطيّب في عمومه. ولا خيارَ آخرَ لدينا، إن عشقنا طيبَ الحياة، ونَشَدنا حسنَ المعشر، وأردنا إكمال إرادة الخالق في خلقه في أن يكون الجميع متساويين في سلّم الاستحقاق المجتمعي الذي ينصف الجميع من دون تمييز ولا إقصاء ولا عداء.
ما ينطبق على النفاق السياسيّ، ينسحبُ طبيعيًا على النفاق الاجتماعي الذي قد لا يقلّ ضررًا وسوءًا عمّا يقترفه الساسة في ميدان السياسة وإدارة البلاد والعباد. فكما أنّ السياسيّ لا يتورّع بالتلوّن بحسب مزاجه ووفق ما تتطلبُ مصالحُه وتوجهاتُ كتلته أو قوميّته أو حزبه أو طائفته أو الجهة الداعمة لكيانه ولوجوده ضمن الدائرة التي يعمل فيها، هكذا الفرد الذي نزعَ عنه كلّ اشكال الإنسانية والخُلق الحميدة وخرج عن صفاء النصح الذي يأمرُه به دينُه ويوجبُه ضميرُه ويفرضُه واجبُه الوطني والإنسانيّ معًا. ومثل هذا السلوك الاجتماعي بالتالي، ينسحب على سائر المجتمعات، بغض النظر عن طبيعة الشخص، رجلاً كان أم امرأة، صغيرًا أم كبيرًا. فالمجتمع، أيّ مجتمع، من طبيعته أن يخضع هو الآخر، لتجاذبات ومصالح ومنافسات تجسّدُ ما هو عليه في فكره وأخلاقه ونظام حياته، من دون تحديد مجال معيّن أو قطاّع خاصّ بذاته. لكنه يختلف في حجمه ودرجاته بتقمّص هذا السلوك بحسب الظرف، زمانًا ومكانًا وثقافةً واستعدادًا.
لقد تغيّرت المجتمعات هي الأخرى وأخذت تقفل على ذاتها أكثر فأكثرَ، متخذة مسارات معوجّة في التعامل والسلوك غير الحضاري الذي ساد أوساطَها، ولاسيّما التعبانة منها التي أقفلت عليها أنظمة وحكومات فاسدة وسياسيون طغاة لا يعبؤون بمصالح مجتمعاتهم ورفاهتها واستقرارها، تمامًا كما هي الحالة في البلدان الإسلامية بصورة عامة، والعربية ومنها دول الجوار بصورة خاصة. فالكلّ يعيش حالات من النفاق والرياء والكذب على الآخر، حتى في البيت الواحد، والمجتمع الواحد، والحيّ الواحد، والبلد الواحد. وهذه آفة تنذر الإنسانية بانفصام عرى الاحترام والعيش الآمن والحق في الحياة، كلّ وفق ما يراه ويرتئيه. إنها لسعة العصر المارد، آفة المواسم التي أوجبتها الموضة السائرة في ركاب الفساد والمفسدين، في السياسة والمجتمع، في الشارع والعمل، في المدرسة والمعهد والجامعة، في البيت وفي المؤسسات المختلفة الأهداف والمناهج والأغراض، على السواء.
هناك دومًا، أناسٌ يتخفّون تحت ستائر كاذبة وشخصيات منافقة تجيد الرقص على مصالح العامّة وتنجح بالقفز على جروح الآخرين والمتاجرة بمعاناتهم، سواء بالتمويه أو التسلّط أو الكذب الذي يتخذونه سبيلاً لتحقيق المآرب والغايات من دون تحديد الزمان والمكان والنوع والكميّة. فما يهمّهم هو الهدف وبلوغ الأرب حتى لو كان تحقق على رؤوس الجماجم وفقر الفقراء وعوز المعوزين وفاقة المحتاجين. فما يُستخدم من كلام معسول كفيلٌ في أسراره وطياته أن يوصل أمثال هؤلاء إلى الهدف المنشود. من بين هؤلاء مَن يدّعون بُعدَهم عن السياسة والسياسيين، ولكنهم في واقع الحال، لا يختلفون عن الصنف الأول في أكاذيبهم ومراوغاتهم وأساليبهم الملتوية التي بإمكانها إذابة جليد النقمة المتفاقم بشيْ من مثل هذا النفاق المجتمعيّ الصارخ الذي يجيد التعاطي معه نفرٌ ضالٌّ يعيش على هامش الأخلاق، وهو لا يتورّع بضرب كل العناصر الطيبة التي تدعو لها الأديان المؤمنة بإرادة الخالق وقدرته على إدامة حياة البشر وإنهاء كلّ أنواع الشرّ بإشارة منه. فهو القادر الجبار الذي لا يُقهر بالتالي، مهما تجبّر وطغى الطغاة وأفسد المفسدون على الأرض.
في الحياة قيم، ولعلَّ إحداها احترامُ الآخر المختلف، جنسًا ودينًا وطائفة ومجتمعًا وعِرقًا ووضعًا قائمًا، أيًا كان هذا الأخير. ومَن يرفض عناصر هذه القيم، فهو يقيم جبلاً من ثلوج يصعبُ إذابتُها، وكتلاً صلدة من الخرسانة الصمّاء التي لا يسهلُ كسرُها، طالما أنّ ديدنَه الكذب والنفاق والرياء والاستغلال المجتمعي بأبشع صوره. وهذه الأخيرة، بما فيها من أذى وخروجٍ عن الصراط المستقيم الذي رسمه الخالق للبشر جميعًا، لا يمكن أن تُعتمد كشرّ لا بدَّ منه في حياة الإنسان. ببساطة، لأنّ الخالق قد أوصى خليقتَه الجميلة أن تكون بمستوى صداقته لها وعنايته بها وبُنوّتِه تجاهها، بالرغم من علوّ شأنه. فطالما أنه قد خلقَها على صورته وشكله الحسن واستحسن خلقَها، فتلكم إشارة على ضرورة السير وفق إرادة هذا الإله الطيّب، الغيور والمحبّ للبشر جميعًا دون تمييز في الشكل واللون والعرق والزمان والمكان. وهذه مدعاة كافية للسير بموجب قوانين السماء كما رسمتها دساتير الأديان ووصاياها وتعاليمها المستوحاة من كلام الله ومن محبته للبشر، حبًا بالحياة وليس قتلاً وأذيةً وكبحًا لها. أليسَ الدينُ نصحًا وخُلقًا وحبًا للقريب، حتى سابع جار؟
لقد علمتنا الحياة، أنَّ المواقف التي تمرّ بالإنسان كثيرة، وأفضلُها متعة وأشدّها قربًا من رضا الله، تلك التي تحترم الآخر وترضى لغيرها ما تهواه لذاتها: "أحببْ لغيرك ما تحبُ لنفسك". وتلكم هي المصلحة العليا والمنفعة الحقيقية للذات وللغير عندما ينطلق كلّ شيء من حب الآخر المحتاج أولاً وقبل كلّ شيء وينتهي إليه. فهذا الآخر هو صورة الإله الخالق، صنيعتُه الجميلة على الأرض، الصغيرُ المهمَل والفقيرُ المهمَّش: "فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كلّ ما فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الصغارِ، فَبِي فَعَلْتُموه." (إنجيل متى 25: 40).
فهل مِن ناشدٍ للنصح ومتعلّم للدرس الأخلاقي البليغ؟ حينها سيصلح الجزء الكبير من سلوكيات المجتمع المعوجّ بوقفة صادقة وجادّة ضدّ الفاسدين والمفسدين للمجتمعات بسلوكياتهم الخاطئة التي ترفضها الأديان والمجتمعات الصالحة. فالمجتمع الذي لا دينَ له كي يقدّم النصح ويرسم الطريق للإنسان المخلوق باعتدال ووفق معايير إنسانية متحضّرة ومعاصرة، أو لا يحترمُ فيه الأديان والمتديّنين الصادقين مع الله والقريب ومع الذات، يبقى مجتمعًا لا خيرَ فيه يُرتجى. فأفضل المجتمعات وأكثرُها رفاهة وسعادة تلك التي يسودُها القانون والأخلاق قبل المادة والأكل والمشرب، ولا تقبل بالفساد، وتشيد بمساعدة الآخر واحترام خصوصياته وحريته في الفكر والتعبير والمعتقد، وليس بالثروة والعقارات التي يكتنزها الفاسدون ويحصلون عليها بشتى الوسائل الملتوية، ولا في الجاه الذي يتباهى به روّادُه، ولا في السلطة التي تُستخدم للنيل من كيان الآخر وهويته وحريته، ولا بمصادرة حقوق الشعوب وحريات البشر والبلدان، ولا بتشويه المعالم والآثار والتراث، ولا بقتل النفس البريئة.
من هنا، نعتقد أن إنقاذ البلاد والعباد من مثل هذه الآفة ومن غيرها، يكمن بإرساء مبدأ المواطنة واحترام الآخر المختلف والتخلّي عن كلّ ما من شأنه دقّ الأسفين بين المكوّنات التي تشكل فسيفساء المجتمع العراقي منذ قدم التاريخ، وأنّ النفاق مهما استشرى لا يمكنه أن يدوم إلى ما لا نهاية. والحلّ يكمن بالمضيّ في مشروع المصالحة الوطنية الحقيقية التي تبني البلاد وترسي السلام والأمن في المجتمع وتغيّر أخلاق الإنسان وتقوّم المعوجّ فيه فكرًا ونهجًا وتطبيقًا. وبعبارة أخرى، لن تنهض البلاد ولن تستقيم أخلاق الشعب إلاّ في تطبيق دولة المواطنة التي ليس فيها لا غالب ولا مغلوب، لا سيّد ولا تابع، لا أمير ولا خادم، بل الجميع متساوون أمام القانون. وفي ضوء الكفاءة والولاء الخالص للوطن والأرض والشعب يكون الاستحقاق.



28
بابا السلام في مصر السلام
لويس إقليمس
 بغداد، في 1 أيار 2017
رحلة بابا الفاتيكان، فرنسيس الأول، للفترة من 28-29 نيسان 2017، إلى "مصر أمّ الدنيا"، كما أسماها في خطابه الرسمّي ونطقها بلغة الضادّ، مع تحيته للحضور في مؤتمر الأزهر للسلام العالمي بعبارة " السلامُ عليكُم"، ذات معاني روحية غزيرة، وأبعاد إنسانية وسياسية كثيرة، إلى جانب ما تحملُه من تصوّرات وآمال وبشائر رجاء راعوية ومستقبلية لخير المسيحية فيها وفي المنطقة، ولصالح الكنيسة القبطية وشقيقاتها. فهي، إضافة لكونها تأتي بُعَيد أيامٍ لحادثتي الكنيستين القبطتيتين المأساويتين في طنطا والاسكندرية، وما تستحقه من تعاطف أخوي وإنسانيّ وكنسيّ، فهي تحمل أيضًا تباشير خلاص وسلام وانفتاح ورؤية ثاقبة لرأس الكنيسة الكاثوليكية، وهو اليسوعيّ المنهج في الفكر والعطاء، والمسكونيّ التوجُّه في اللقاء والحوار، والإبراهيميّ الطريقة في التقرّب من الخالق ومن خليقتِه، والإنسانيّ في التعاطف مع الفقراء وأصحاب الحاجات الخاصة والمهمَّشين والمحتاجين إلى الرحمة، رحمة الله والبشر معًا.
زيارة البابا لمصر الثقافة والحضارة، لها دلالاتُها أيضًا، في زمن الفوضى الخلاّقة وعمل المفاهيم المتطرّفة والمتعصّبة، المنغلقة والبعيدة عن روح الله ومحبته الكبيرة لخليقته التي تعاني من سكرات الحبّ الإلهي الجَمّ الذي تنكرت له في أوجه قاسية وأحداث عنف دموية غير سارّة تحزّ النفس وتقطع القلب وتصمّ الأذن. لم يعبأ بالهواجس المثارة ولا بهمسات التهديد المتصاعدة. فهو ليسَ بأقلَّ من الشهداء التسعة والعشرين الذين سقطوا يوم الجمعة العظيمة، ولا بغيرهم ممّن سبقوهم على مذبح الشهادة وأضحوا بذارًا للمسيحية ورووا بدمائهم الأرضَ لتزهر في زمن الحقد والكراهية وتنمي ورودًا وزهورًا في الأخوّة والإنسانية وفي التواضع والتنازل عبر الحوار والنقاش، لا عوسجًا وحسكًا من الغلّ والحقد والكراهية والتعصّب الأعمى الذي لا يعرف غير ثقافة الموت والقتل والهمجية والبربرية وإلغاء الآخر.
هذه الزيارة، أضفت أشعة من نور على مصر الصعايدة "والجدعان"، وحاضرة المعادي والسويس والاسكندرية، وبالذات على الكنيسة المرقسية الرائدة ومعها برّية النسك والترهّب المسيحي في سيناء والعريش. انحنى له أصحابُ القلسنوات و"القلّوزات" والعمائم والطرابيش والهامات الكبيرة على السواء.  صفّق له كلُّ مَن أسعدَهُ لقاؤُه، لتكتحل عيونُه بعنفوان رَجُلِ العصر، الكبيرِ بين الإخوة مسكونيًا، والمتميّزِ بين الحشود روحيًا، والعظيم بين الأحبار كنسيًا، والبسيط المتواضع المتنازلِ بشريًا. وكلّ هذا كي ينشرَ عطرَ السلام وسط عواصف العنف الهوجاء التي ضربت مصر الكنانة، "أمّ الدنيا"، تمامًا كما آذتْ وجرحتْ بلدانًا غيرها في المنطقة كالعراق وسوريا ولبنان وفلسطين بسبب الغلّ الأعمى والكراهية الفاشية في نفوس كارهي الحياة من المعتقدين بزنى المحارم ونكاح الحوريات والحكم باسمِه وهو الرحمن الرحيم، محبّ البشر الذي يُروَّجُ نفرٌ ضالٌّ لعبادته والتكبير باسمِه عبر القتل وحزّ الرقاب ونحر الرؤوس البريئة من دون وجه حقّ.

صوتُ صارخ في البرّية
على خطى العائلة المقدسة، حجّ البابا فرنسيس إلى مصر أبي الهول، لتتقدس أرضُها ثانية، كما تقدّست قبل أكثر من ألفي عام، عندما حلّت فيها العائلة المقدسة، يوسف ومريم ومعهما الطفل يسوع، لجوءً وهرَبًا من ظلم وقساوة وعنف هيرودس، الذي تتمثل به اليوم، الأيادي القذرة لجماعات التيار السلفيّ الإخوانيّ، بتكفيرِها كلَّ مختلف عنها، وبعدائها لكلّ مَن لا يسيرُ على هدى أفكارها الخبيثة المنغلقة على الذات وعلى الروح وعلى الإنسان وحقه في الحرية والعيش الآمن ضمن الحدود الإنسانية التي حباه بها الخالق.
في عالم اليوم، حيث اختلطت أوراق العولمة مع تأثيرات التيارات الإسلامية في المصالح القومية لأسياد العالم، لتتلاقى في الكثير من هذه الأخيرة مع سياسات غارقة في الفساد والكراهية وحبّ الثروة، حتى لو كانت خارج الأطر المقبولة في مجمعات سوية. ضمن هذه الأجواء، جاءت مشاركة البابا في مؤتمر الأزهر للسلام، ليعلنَ صرختُه المدويّة بوجه الظلم وبضرورة الحوار بين أتباع الأديان والمذاهب والثقافات والحضارات لتلافي الاصطدام بينها. فالتحديات كثيرة وكبيرة، كما أشار إلى اثنين منها البطريرك لويس ساكو الذي ترأس الجلسة الأولى للمؤتمر. "أول التحديين يتمثل بالسياسة التي تبحث عن المنافع الاقتصادية من دون النظر الى الانسان، فهي غاشمة تحتاج الى أنسنة، والتحدي الثاني وهو أكثر ضراوة على مستوى الفكر الارهابي ويحتاج الى تجفيف منابع التمويل المالي والعسكري وتقديم فكر معتدل ومنفتح يقبل الاخر من خلال المنبر الديني ووسائل الاعلام وإصلاح البرامج التعليمية."
مثل هذا التوجه المنفتح الجديد، لو صدقت نوايا المؤتمرين، سيأخذ بالمنطقة وبشعوبها نحو برّ الأمان والعيش المشترك خارج السياقات العنفية ووصمات الكراهية والحقد وأعمال القتل والتهجير على الهوية والدّين التي تجري في هذه السنوات العجاف. منطقة الشرق الأوسط تحتاج إلى مثل هذه الثورة الحقيقية ضدّ مفاهيم الكراهية التي ضربت مجتمعاتنا الشرقية، وقد ضاقت ذرعًا بحمامات الدمّ الناجمة عن ثقافة إلغاء الآخر، بسبب خروج نفرٍ ضالّ عن التعليم القويم للدين الإسلاميّ الحنيف الذي تأسّس على كلمة "السلام"، حالُه حال الأديان التوحيدية "السلامُ عليكم ورحمة الله وبركاتُه". فالدّينُ سلامٌ ورحمة وبركة! وأيُّ دين يخرج عن هذه، فهو ليس بدين، ولن يبقى دينًا، بلْ سمِّهِ ما شئتَ من ألقاب الكفر والعنف والقتل ومفرداتٍ كثيرة شاعت عنه كالنكاح وطلب الحوريات عبر تقديس الموت وكراهية الحياة حبًا بهذه الترّهات التي لا وجودَ لها البتّة، إنّما هي من خيلاء مشايخ الحقد والتحريض والكراهية! أيّةُ أيديولوجية فاسدة هذه التي يروّجُ لها هؤلاء؟ ونحن نقول مع أصحاب الفكر المعتدل: لا يمكن الجمع بين الإيمان والسلام وبين الحقد والكراهية، كما لا يمكن تصوّر ما يجري من أعمال قتل وتكفير جارية بسبب الاختلاف في الدّين وفي الرؤية وفي المذهب. فإلهُنا الواحد الأحد، ليس إلهَ موت وقتل ولّذة، بل إله محبة وسلام وفرح. ونحنُ مع إله المحبة هذا، نسير في طريق بناء الإنسان وسعادته من أجل بلوغ الملكوت الأبدي الذي في انتظار الأخيار من البشر. والإنسان القويم هو الذي يبني بيتَه السماوي من على الأرض، بأشكال الخير والمحبة والرحمة وليسَ بالقتل والحقد والكراهية.
كلمات البابا، نداءٌ صارخ "صوتُ صارخٍ في البريّة، أعدّوا طريق الربّ واجعلوا سبلَه قويمة". لا يمكن تقديس الموت بقتل الآخر الذي لا ذنبَ له، إنّما فقط لاختلافه في المنهج والدّين والمعتقد. هذه شريعة الغاب، وليست شريعة دينٍ توحيديّ يدّعي الإيمان بإله واحد رحمن رحيم وجبارّ خالق السماء والأرض والعناصر وما عليهما وما بينهما. إنها أزمة أيديولوجيا بحاجة إلى مراجعة وتقويم وتشذيب الدخيل على ما اعترى الدّين الإسلاميّ من أحاديث وإضافات غير موفقة في أزمنة لاحقة للدعوة الإسلامية، لأغراض دنيوية ومن أجل تثبيت سلطات طارئة. مثل هذه الأعمال وهذه الأفكار الهدّامة، هي لعبٌ بالنار، عندما يتمرّدُ الإنسان ويوغل في قتل أخيه في الإنسانية وينوي إلغاءَه بشتى الوسائل. كيف لمدّعي الدين أن يقيم العدالة، وهو نفسُه ظالمٌ لنفسِه وللغير؟ أليسَ هذا اغتصابًا باسم الدّين؟
بكرٌ بين الإخوة
ضربَ الباب فرنسيس مثالاً آخر في التواضع والغيرة على وحدة كنسية المسيح، عبر التفاهم المسكونيّ مع باب الاسكندرية والكرازة المرقسية، تواضروس الثاني، بابا النسك والترهّب المعاصر. وقمّة هذا التفاهم تصاعدت في الصلاة المسكونية بصحبة أحبار الأرثوذكسية، العنيدين المعاندين تاريخيًا. لكنّ البابا عبر دوائره وإرشاداته كأخٍ "بكرٍ" بين الإخوة، كسرَ حاجزَ الصمت والعجرفة والزعامة كي يثبت وحدة الإخوة في المسيح "نحن مع الرب واحد". ومن هنا كان حرصُه على تلافي أخطاء الماضي والتأكيد على مقررات المجامع الثلاثة الأولى للكنيسة الجامعة التي جمعت المسيحية على مبادئ ثابتة غير متزعزعة بمحاربة السفسطات والبدع التي أرادت تمزيق وحدة الكنيسة في مجامع لاحقة مغرضة متأثرة بمصالح سلطوية دنيوية لنفرٍ من المغترّين المارقين على طريق الرسالة المسيحية الرسولية الأولى.
في هذه الزيارة التاريخية التي تعيد إلى الأذهان زيارة البابا الطوباوي بولس السادس في 10 أيار 1973 ولقائه البابا الراحل شنودة، يعيد البابا فرنسيس النهج المسكوني المتنامي بين الإخوة الذين تجمعُهم شركة واحدة في المسيح في عقيدة اتفقوا عليها وآمنوا بها وساروا على ضوئها في القرون الأولى لانتشار المسيحية، ولم يتفرّقوا إلاّ بُعَيد المجمع الثالث. فأوجهُ الاختلاف في الرأي وفي النهج وفي أسلوب العلاج والعيش، من دون أن يقوّض أساسَ البناء، أمورٌ طبيعية، تمامًا كما حصل من اختلاف بين بطرس هامة الرسل واالرسول بولس في معالجة شؤون المسيحيين الأوائل. قد تتلاقى الأفكار وقد تختلف من دون أن تصل إلى حدّ الخلاف. وهذه ظاهرة إيجابية في التعبير وفي إبداء الرأي والمعالجة. فلقاء "بطرس" الجديد مع أخيه "مرقس"، أضفى على الزيارة بعدًا مسيحيًا ومسكونيًا تاريخيًا، نأمل قطف ثماره من أجل خير الكنيسة وسعادة مصر وسلام المنطقة.
 ولعلّ من نتائج تواصل الانفتاح المسكونيّ بين الكنيستين، ما صدر من وثيقة أو بيان وقّع عليه بابا الفاتيكان وبابا الكنيسة المرقسية ب"السعي" للاعتراف بسرّ العماد بين الطرفين. وقد كان هذا من أدبيات الجهود الرسولية الأولى التي شهدتها المنطقة منذ القرن الأول الميلادي عندما دخلت المسيحية بسواعد الرسل وتلاميذهم الذين جابوا القفار والبراري وتجشموا عناء السفر والتعب والجوع، لحدّ الاستشهاد حبًا بنشر تعاليم المسيحية وإنشاء كنائس وأديرة طغت على المنطقة ونمت وترعرت في ظلّ حراسة الرب ورسلِه وتلاميذهم من بعدهم.
رسولان للسلام
من حق الدموع أن ترسم سيولاً على وجنات المحبين للسلام والمحبة والوفاق. ما أجلَّ وأهيبَ المنظر، حينما تعانق الجبلان، المسيحي والمسلم، ليرسما تباشير فرح وسلام وتفاهم وتوافق بحق الإنسان كي يعيشَ حرًا بمعايير إنسانية تلزمُه احترام الآخر مهما اختلف معه. عناقهما الساخن والمتكرّر وسط ترحيب وتصفيق الحضور، أضفى على اللقاء شعلةً مستديمة من الأمل والرجاء ببدء صفحات جديدة بين مختلف الأديان التي مثَّلَ أكبر دينين منها الرجُلان المبتسمان الطافحان فرَحًا وبهجةً ونيةً صافية لطيّ صفحة الماضي الأسود وإدانة كلّ أشكال العنف والقتل الناجمة عن إساءة البعض للتأويلات غير الموفقة لنصوص دينية.
من هنا كان مؤتمر الأزهر للسلام العالمي، مناسبة للدعوة للانتقال من فكرة تهديم الحضارة وقتل النفس البريئة إلى مفهومٍ آخر للرقيّ بالإنسان وأهدافه في الحياة البشرية القصيرة على الأرض، استعدادًا لرسم مصيرٍ أبديّ يدوم في السماء. قالها" لنكن صانعي سلام" وليسَ رافضين للعنف قط، أو مقاومين لأشكال العنف والقتل والظلم. تلك الصراحة في طرح فكرة رسالة نبذ العنف وتقاسم تباشير الحياة الإنسانية والعيش المشترك على أساس المواطنة المتساوية واحترام الآخر المختلف والقبول به أخًا في الإنسانية وفي الوطن وفي المصلحة المشتركة، كان لها صداها الواسع في أوساط المعتدلين ودعاة السلام والمحبة والتآخي. "طوبى لفاعلي السلام، فإنّهم أبناء الله يدعون".
وإنْ كانت هذه الصرخة قد أغاضت "صفّ الشيوخ والفرّيسيين المعاصرين"، من حاملي الأفكار الهدّامة للإسلام والبشرية ومن دعاة التحريض والكراهية، تمامًا كما اغتاظُ صفُ الشيوخ والفرّيسسن عندما دخل يسوع إلى أورشليم وطردَ الباعة من هيكل الله الذي حوّلوه إلى مغارة لصوص، إلاّ أنها قد لاقت صداها الواسع والعميق وسط الحضور وكذا في الأوساط الإعلامية. فالبابا فرنسيس دخلَ مصر حاملاً غصن الزيتون علامةَ السلام، وشاهرًا سوط الغضب إزاء أعمال القتل والعنف التي تُرتكبُ باسم الدّين، والدينُ كما أشار المؤتمرون، براء من كلّ ما يجري.
لا حضارة وسط العنف
بهذه الكلمات القوية، خاطب البابا جمعًا من السلطات المدنية والمنظمات والسلك الدبلوماسي في فندق الماسة، بحضور رئيس أكبر دولة عربية تشهدُ تحولاً في مفهوم المواطنة وتعزيز الديمقراطية والمساواة. فلا حضارة وسط العنف!
    كيف يمكن بناء حضارة في وسط تعشعشُ فيه أيديولوجية منحرفة تدعو للتطرّف أو في وسط بشرٍ يمارسون شتّى أعمال العنف والقتل الممنهج ضدّ إخوتهم في الوطن وفي الإنسانية؟ تمامًا، كما لا يمكن الجمع بين الإيمان الحقيقي والعنف المستشري كواجب الوجوب بحسب شرع نفرٍ من المتطرّفين الذين يقيمون الحدّ باسم ما يُسمّونه شرع الله، والله بريء من أفعالهم النجسة، براءة الذئب من دم يوسف. إنّه واجب البشر المعتدلين المؤمنين بإله واحد خالق السماء والأرض وما عليهما وما فوقهما وما تحتهما. فهوّ الديّان وحده لاغيرَ سواه. فهو لمْ يُنَصِّبْ حثالةَ البشر كي تنطق باسمه القدّوس. لأنه إله جبار عظيم، وهو أيضًا سلام ومحبة وليس إله قتل وضغينة.
وأخيرًا، السلام الذي تحدث به البابا، هو سلام النفس والإنسانية المتعذبة بسبب أعمال العنف وأدوات القتل والإرهاب التي انتشرت بسبب أيديولوجيات منحرفة زاغت عن السبيل القويم الذي أتت به الأديان السمحة في بادئ الرسالة. وهو هبة من الله للبشر، جميع البشر، كي ينعموا بقوة القانون العادل وليس بقانون القوّة الذي يريد نفرٌ ضالٌّ فرضَه على الغير من دون وجه حق.

29
مصير "الأقليات" والحقيقة المرّة
لويس إقليمس
بغداد، في 12 أيار 2017
مع تواصل عمليات تحرير مدينة الموصل القديمة (أو ما يُعرف بالجانب الأيمن منها) على قدمٍ وساق وبجدارة ملفتة للجيش ومَن تجحفلَ معه من نشامى الوطن ومحبيه، بعد الانتهاء المقتدر من تحرير بلدات سهل نينوى والجانب الأيسر من المدينة، يتكرّر السؤال اللغز عن مصير المكوّنات الوطنية الأصيلة التي أحالَها الزمنُ الغادر إلى أقليات عددية صغيرة، هزيلة القدرة، كثيرة الشجون وفقيرة الأمل الذي تتعلّق به كالنملة بالقشّة النحيفة. فهذه المكوّنات آيلة اليوم إلى الانقراض، بحسب ما تشيرُ إليه الأحداث والوقائع على الأرض، وكما تدور الأحاديث في دكاكين تجار السياسة والمتلاعبين بمصائر البشر والمستضعفين منهم بخاصّة، وهي التي قطنت أرض هذه الولاية التي تُعدّ مناطقها التقليدية منذ مئات بل منذ آلاف السنين. وعليها وانطلاقًا من أراضيها الخصبة بكلّ شيء، بنت هذه الشعوب المستضعفة جزءًا كبيرًا من حضارة العراق وطبعت فيه ثقافتَها وأثرتْ تاريخ البلاد بإرثها وجدارتها وانتمائها الوطني الحر الصادق من دون رتوش ولا تصنّع. وانقراضُها خسارة كبيرة، لن يعوّضها البتة تحوّل العراق إلى كيانٍ بلون شاحبٍ واحد، وبطعمٍ مرُّه كالعلقم، وبرائحة ستفوح جيفتُها وستزكم الأنوف مع توالي الزمن وتتالي الأيام. فالطامعون في هذ المكوّنات الصغيرة، كثروا اليوم، وتنوعوا وتوزعوا بين فاسد ومفسد في الأرض، وبين لصٍّ في الليل وناهب في النهار، وبين مروّج لأيديولوجية تتخذ من الشرع وتجلياته والجهاد وتجنيّاِه في المنطقة والعالم سبيلاً لإعلان قطع الأرحام وكسر الأشكال وتغييب النفوس والأجسام بطريقة فَضّة وهمجية تتناقض مع تطوّر الزمن وعصر الحداثة ورواج الفكر المنفتح الذي يشترط فيه قبول الآخر المختلف، مهما كان لونه وجنسُه ودينُه وملّتُه وعقيدتُه وفكرُه.
لقد واصل وجودُ هذه المكوّنات الأصيلة في النسيج العراقي والإقليمي، وكذا تواجدها في المنطقة ككلّ، واصلَ التدحرج والتراجع والتناقص على مرّ السنين الغوابر التي بقيت على مداها المتعاظم هدفًا سهلاً لتجار السياسة المتضلّعين منهم والهواة على السواء، إلى جانب المراهقين الطامعين الذين فرزتهم الأحزاب الدينية بصورة خاصة ما بعد الغزو الأمريكي في 2003، كي يوجّهوا اهتماماتهم العقارية الجشعة ومشاريعَهم التوسعية باتجاه الأرض الخصبة للآباء والأجداد الغيارى من قاطني هذه المناطق، مستخدمين شتى الوسائل لتحقيق هذا الهدف، ومنها استخامهم أدوات النفاق كسلوك للتخدير والتناسي والتغافل وإظهار أشكال التمييز والاستهانة بحق هوياتهم المختلفة عن دين الأغلبية عن طريق اٌيهام بتقدين مشاريع للتسوية والمصالحة المجتمعية التي إنْ هي إلاّ نتاج منهج سياسيّ معيّن يُراد الترويج له وتصديرُه بأي أدوات متاحة.     
الهجمة الجديدة القديمة، تتخذ اليوم طابعًا ممنهجًا ومنظمًا أكثر من سابقاتها. وآخرها تجريحٌ رُوِّجَ له حديثًا في مواقع التواصل الاجتماعي، لأحد شيوخ الشيعة المتقدّمين والمحسوبين على القيادات الشيعية، في محاضرة أمام أتباعه تطرّق فيها إلى تأييد النصوص القرآنية "المدنية" للجهاد بحق النصارى واليهود، وما ينبغي على أهل الذمّة من الكفّار، بحسب الوصف، من واجب الوجوب تجاه المسلمين من أداء الجزية، أو الإسلام أو القتال، بالرغم من كوننا نعيش في القرن الواحد والعشرين، وندّعي الشراكة في الوطن وأنّ "إلهَنا وإلهُكم واحد". ومثل هذا المنهج غير السليم الذي يتقاطع مع دعوات وطنية للعيش المشترك وإصلاح اللحمة المجتمعية المنفرطة وتحقيق المصالحة، لا يختلف عمّا يفعله شيوخُ القتل والتحريض الوهابيون والإخوالنيّون وأمثالُهم من المتشدّدين المنغلقين من نماذج الدواعش ومَن على شاكلتهم، الذين يملأون مواقع التواصل الاجتماعي ويغسلون أدمغة العامّة في قاعات المحاضرات والمؤتمرات والمضافات الخاصة. وهذا مردُّه أن العقلية هي هي لا تتغيّر. فلا تغيير مرتقب، كما يبدو، في إصلاح الاجتهادات والتفسيرات المنغلقة التي صلحت أو كادت، في زمن الجاهلية وبداية الدعوة، ولم تعد صالحة في زمن العولمة والتكنلوجيا المتطورة والفضاء. وعند السؤال والاحتجاج على مثل هذه المواقف غير المتزنة والمنافقة، تأتي التبريرات والاستجابة للرفض والاحتجاج من الطرف الآخر، أكثر خجلاً بدلاً من اتخاذ قرارات شجاعة للحدّ من مثل هذه التجاوزات بحق المختلفين في الدّين ومن دون أية إدانة صريحة لأشكال هذا الخطاب التحريضيّ الذي يأخذ شكلاً متجدّدًا بين فترة وأخرى. بل إنَّ مثل هذا السلوك الاستفزازيّ الواضح، يعبّر عن رغبات مستورة ونوايا دفينة مخفية لحينٍ، لأسباب دعائية وانتفاعية مرحلية، كي يتغوّل المتسلّطون على ما تبقى من آثار وجود وبقايا تراث هذه الأقليات التي يزدادُ تكفيرُها ومضايقتُها كلّما تتطلّب أمرُ تناقصها بحسب إرادة الأسياد المتقاولين مع إرادات الشرّ حرصًا على مصالحهم الشخصية والقومية والمرحلية. فاللسان بنطق بما في القلب، "من فضلات القلب يتكلّمُ اللسان"!
وهكذا تبقى الأقليات ومصيرُها، رهن مثل هذه السلوكيات غير الحضارية التي ترنو إلى الماضي التعيس في كلّ شيء، وسط تعالي صيحات البشر من ذوي الإرادة الطيبة والنَّفَس الوطنيّ الصادق بقرع أجراس الإنذار الكثيرة، في كلّ يوم وكلّ ساعة، خوفًا من مستقبل غامض. وهذه من دواعي مخاطر الانقراض الممكن والتراجع في دورها الحضاري والوطني والاختفاء المتنامي لهويتها الوطنية والدينية والقومية.
تشير السير التاريخية والوقائع، عن عناد ودفاع مستميتين للآباء والأجداد على مرّ عقود مضت وقرون ولّت، وهم صامدون ومصمّمون في الدفاع عن مناطقهم التاريخية وحمايتها من غول الأشرار والطماعين والسرّاق واللصوص وسائر المتربصين من كلّ فرصة سانحة على مدى التاريخ الطويل. وما أكثر ما يسردُه هذا الأخير عن أحوال أتباع هذه الشعوب المقهورة والمهمّشة والمضطهدة، ولاسيّما المختلفة في دينها ومعتقدها وأصولها عن دين الأغلبية في عموم البلاد والمنطقة، في سياق حملات تكالبت على البلاد في فترات سوداء من تاريخ الغزوات والغارات والمداهمات المحلية والغريبة على السواء. لقد ظلّت أمثال هذه المكوّنات التي لا تدين بدين الأغلبية، كالمسيحية والإيزيدية والصابئية والكاكائية والبهائية واليهودية، وتلك التي تختلف في العرق كالسريان (الآراميين) والشبك والتركمان والشركس أو في اللّون من ذوي البشرة السوداء الذين اعتاد أهل الجنوب إطلاق تسمية "العبيد" التمييزية عليهم من دون وجه حق، وما سواها إن وُجدت، ظلّت دومًا هدفًا سهلاً للمتجاوزين على حق الشعوب في العيش الكريم، وصيدًا رخيصًا للأقوياء الذين نصبوا أنفسَهم أسياد الشعوب المغلوبة والمقهورة والضعيفة، على مدى التاريخ السحيق. وهذه كلّها وقائع مدعومة بحقائق على الأرض وبشهادات موثقة ومتناقلة، شفاهيةً وكتابةً.
إنها لمناسبة جديرة مع اقتراب النصر المبين على برابرة العصر الذين اتخذوا من جلباب الدين سبيلاً لكلّ أنواع الشرور التي تنأى عنها سائر الأديان وترفضهُا الإنسانية وأصحاب العقول المنفتحة المستنيرة، أن نشدّ الأكفّ ونتسامى في الرؤى والفكر ونتنادى لانتصار وطنيّ حقيقيّ موازٍ. ولكننا نريدُه انتصارًا من نوعٍ آخر، على كلّ التركة الكارثية التي خلّفها ويخلّفها الفكر الداعشيّ المتخلّف ومَن أيّد والتحق بأيديولوجيته المنحرفة في المنطقة والعالم، وفي العراق بالذات. وهذا الصنف الآخر من النصر المنتظَر، ينبغي أن يأخذ مديات عديدة وكثيرة ومتشعبة من مختلف الجهات، الحكومية منها والمجتمعية والدولية، عبر التكثيف في وسائل الإعلام المتنوعة، المرئية منها والمسموعة والمقروءة وكذا في وسائل التواصل الاجتماعي المتنامية، تمامًا كما في المناهج التعليمية التي تتبناها الدولة أو تشرفُ عليها مؤسسات دينية تتمتع بشيء من الحرية المطلقة في التعبير وإطلاق المناهج الخاصة بها. ولا يخفى على أحد، ما تشكله مجالات التثقيف والتربية العامة الأخرى، ولاسيّما إعادة النظر في وضع مجمل المناهج الدراسية السارية لكافة المراحل والتي يتطلب مراجعتها كي تنسجم مع الطموح الأسمى بالوصول لتحقيق دولة مدنية معاصرة تسير وفق الركب المتطوّر والمتمدّن للشعوب الديمقراطية الحرةّ. يُضاف إلى كلّ هذا، ما يمكن أن تحققه وسائل التواصل الاجتماعي المتيسرة حاليًا من تأثير في النفوس والعقول والقلوب، عبر الرسالة الإنسانية والإصلاحية التي يحملُها أصحاب النخب المنفتحة والباحثة عن مجتمعات نموذجية تحترم الإنسان وتقدّرُ خياراته، حتى في حالة الاختلاف.
وهذا أقلُّ ما يمكن أن يرضى به أتباع هذه الجماعات المسالمة وسط الفوضى التي تضربُ أطنابَها في الوسط السياسيّ المراهق المتعثّر من دون بروز ما يمكن أن يشير إلى صحوة حقيقية وسط الشعب الذي اعتاد السير كالخراف وراء مَن فرضَ نفسَه قائدًا، بما يُسمّى بصوت صناديق الاقتراع المسيّسة أو بغيابها. لقد كان على الشعب الذي لدغته لسعات الساسة المتاجرون منذ الغزو الأمريكي-الغربيّ للبلاد، أن يصحو من غفوته اللعينة، ويستفيد من تجربة السنين العجاف التي تراجعَت فيها أحوالُه ورفاهُه وصحتُه وخدماتُه وأمنُه وتعليمُه وشخصيتُه، من دون بيان بصيص أملٍ في النفق المظلم الذي صارَ إليه مذ ذاك.
    من هنا يأتي دور المستنيرين والمثقفين والعقلاء والحكماء في اتخاذ المبادرة، أو بالأحرى في استكمال ما بدأه الأحرار الوطنيون من النخب المدنية التي لم تتدنّس أو تتلطخ أياديهم بالفساد بكلّ أشكاله وألوانه، من سرقة المال العام، ونهب ثروات البلاد بحجة إحلال المحرَّم، وكذا من عمليات السطو والخطف والقتل والتسليب والتهديد التي أزكمت رائحتُها الأنوف. فهذه مجتمعة، كانت وما تزال من الأسباب الدافعة لاتخاذ الأبرياء ومَن لا نصيرَ لهم في الحكومات التنفيذية السلطوية والتشريعية الطائفية والقضائية المسيَّسة، القرار الصعب بمغادرة البلاد والبحث عن الأمن والسلام والاستقرار النفسي والجسماني، والنجاة بجلدهم بسبب ما يجري في البلد منذ الغزو الأمريكي من فوضى في ظل غياب القانون والعدل والمساواة، وتعطيل عمل المؤسسات الرصينة التي كانت تضمن آنفًا، حرية المواطن وأمنَه وحركتَه وطموحاته بعد التغيير الدراماتيكي المشبوه.
إنَّ بازارَ الأحزاب وزعماء الكتل السياسية الطائفية والفئوية من دون تمييز، ما يزال ساخنًا، بل زاد تأجيجُه مع اقتراب القضاء على أدوات الإرهاب ودحره. بل إنّ جزءً من هذا التأجيج الإعلامي بين الكتل السياسية المتصارعة على السلطة والثروة والزعامة، له صلة ببشائر الانتصارات القادمة في لاحق الأيام.، لاسيّما مع اقتراب سوق الانتخابات الساخن. وجميعنُا مدركٌ للأسباب التي تقف وراء التصعيد بين الزعامات الفاشلة التي أوصلت البلاد إلى حالة من الفوضى في كلّ شيء، بل إلى شفير الإفلاس الاقتصادي والمجتمعي والعلمي والصحي والخدمي وفي قطاعات الحياة المتنوعة. كما تشير حالة تبادل الاتهامات بين الإخوة المتصارعين على الكعكة، شركاء الأمس وأعداء اليوم، إلى نتيجة مفادُها مشاركةُ الأحزاب التي تولت السلطة، في قدَر العراق وبلوغه هذه الدرجة من التعاسة والتخلّف عن ركب الدول المتحضّرة، بعد أن كانت بغداد عاصمة العرب وقبلة الزوّار وباحة المشتاقين وأرض الثقافة والعلم والتطوّر بلا منازع.
هناك حقيقة أثبتت واقعَها الذي لا مهرب منه. فمَن همْ قائمون على الحكم الطائفي بعد الغزو الأمريكي للبلاد، لا يريدون بقاء التنوّع الديني والعرقي والمذهبي في عراق عُرف بمثل هذا التنوع الثري منذ القدم. هؤلاء يريدونه أرضًا جدباء بلون الصحراء، لا تنمو فيه خضرةٌ ولا فاكهةٌ ولا شجرةٌ مثمرة. فما يبدر عنهم اليوم من قرارات ومن سنٍّ لقوانين مجحفة بحق مكوّنات قليلة العدد، أي الأقليات مصطلحًا، سواء في مؤسسات الدولة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية، تتناقضُ تمامًا مع ما يُصرّحُ به عبر وسائل الإعلام الرائجة بكل أشكالها وفي أدوات التواصل الاجتماعي المختلفة. ولعلّ إحداها، تأجيل التصويت ثلاث مرّات، على مشروع تقدّم به ممثلو هذه المكوّنات في السلطة التشريعية حول اعتبار ما تعرّضت له مناطق هذه المكوّنات من تهجير وقتل وسبي واغتصاب وتدمير ونهب وحرق، جرائم ترقى إلى اكتسابها صفة الإبادة الجماعية. فهل أكثر ممّا حصل أن تُقلع مكوّنات من جذورها وتبقى بلا مأوى ولا مال ولا بشر، وتُشتّت عوائل وأُسر، أو أن ينتهي بها الأمر في متاهات بلدان الاغتراب تستجدي المساعدات والمنظمات، وبلدُهم قابعٌ على بحيرات من الثروة الوطنية التي تُنهب في وضح النهار، سواء من قبل الإرهاب أو أذناب الكتل السياسية المتنفذة؟ فلا فرق بين هذا وذاك. فالاثنان سيّان، يتشاركان في قتل الرفاهة المجتمعية وفي وأد الروح الوطنية وفي سرقة المال العام وفي نهب الثروة الوطنية التي هي ملك الشعب الذي أُريد تهجيرُه واستغلالُه لمصالح فئوية ولحساب شرائح ضيقة أخذت تبني لها مستعمرات طائفية وحزبية وسط الأحياء التقليدية في بغداد وسائر المحافظات.
مَن يقرأ تاريخ هذه الجماعات التي تُسمّى ظلمًا وإجحافًا بالأقليات، يعي صدقًا حقيقةَ تهميش مصيرها ووجودها والاستخفاف بهوياتها وحقها في المواطنة المتساوية والعادلة، حالُها حال المستفيدين من القائمين على السلطة وأتباعهم المتزايدين على حساب شرائح هذه الجماعات الطيبة في المعشر، والمتميزة في السيرة والأخلاق والوطنية. فأتباع القائمين على السلطة، كلّ بسطوة أحزابه وقدرة ميليشياته وما يدرّ عليهم من ثروات ومداخل مالية، سواءً تمويلاً من جهات خارجية أو نهبًا لثروات وطنية من دون وجه حق، هؤلاء تتزايد أرصدتُهم جميعًا وتتنامى ثرواتُهم وعقاراتُهم يومًا بعد يوم، في مصارف محلية وأخرى إقليمية وحتى دولية. بل إنّ المستحوذين على السلطة بدعم الراعي الأمريكي والغربي، بحجة الأكثرية العددية والمظلومية التاريخية، لم يتورعوا في مناسبة ومن غيرها، بتسخير جهد الدولة بكامله لصالح أتباعهم وصرفهم الأموال الطائلة لشعائر موسمية ومناسبات لا حصرَ لها، بالرغم من أنّ مثل هذه الوسائل والأدوات قد أخذت طابع الاستفزاز أحيانًا عندما يتوقف واجب المؤسسات بأداء أعمالها الخدمية اليومية للمواطن، على هزالتها وضعف أدائها. وهذا السلوك الذي يتجاوز في أحيانٍ كثيرة سقف المعقول، يثير السخط والريبة بل والخوف من خروج الأمور عن نصابها، ما يؤدي لانكفاء شرائح "الأقليات" في مواقعها والاكتفاء بحماية موقفها وحياتها بعدم الخروج من المنزل وإيقاف أعمالها التي قد تكون موضع باب رزقها لأيامٍ بل لأسابيع. أليسَ في هذا، شيءٌ من الاضطهاد الممنهج الذي تصرّ عليه جهات متنفذة ومتسلطة في السلطة والشارع؟
أسئلة كثيرة، لا بدّ من توجيهها لأصحاب الشأن وأرباب النخب وكلّ مَن يهمّه شأن العراق، وطنًا وشعبًا وحضارة. وهذه تحتاج إلى معالجات جادّة وعملية لإحقاق الحق ووضع الأمور الوطنية في نصابها، وليس إلى ردود دبلوماسية ومجاملية كما اعتدنا عليه من تلقي مجاملات وسماع تزويق كلاميّ معسول في المناسبات والزيارات واللقاءات والفبركات الإعلامية التي لا تنصف هذه الجماعات، بقدر ما تلصق بها الكثير من صفات الاستخفاف والإهانة والضحك على الذقون، بدل إيجاد حلول جذرية إزاء ما تعانيه من مصاعب وما تنشده من حق وعدل وإنصافٍ. ففي الوقت الذي نسمع فيه كلامًا معسولاً عن دور المسيحيين الحضاري، نرى في المقابل أصواتًا ناشزة وخطابات تحريضية تخرج بين الفينة والفينة من قبل بعض شيوخ التحريض والفتنة من المذهبين بتكفير المختلفين عن دين الأغلبية التي تدّعي عبادة إله الحق. ونحن نعلم أنَّ إله الحق هو صاحب المحبة والرحمة والعدل وليس إله القتل والغصب والسيف! وإن كان تصرّف أو رأي بعض هؤلاء شخصيًا، إلاّ أنّه ينمّ عمّا يضمرُه المقابل في القلب والروح والفكر والمنهج. مثل هذا الخطاب التحريضيّ الذي يثيرُه البعض  تذكيرًا باالأحكام الإسلامية بحق أهل الذمّة، يُعدّ توجهًا لمرحلة خطيرة قادمة، لأنه كلام لا يختلف عمّا يفعله "داعش" وأخواتُها من أمثال القاعدة وبوكو حرام وشباب الصومال ومثيلاتُها، ومَن يدري ما بعدَها. مثل هذا المنهج الجديد، يحتاج إلى وقفة شجاعة وصارمة واعتراض رسميّ، تمامًا كالذي صدر عن الصرح البطريركيّ الكلداني، على أن يلحقه بيان واضح من جميع أركان وزعامات الأديان المختلفة، إلى جانب إدانات واضحة تصدر عن زعامات ورئاسات وقيادات المذهبين الشيعيّ والسنّي ضدّ كلّ مَن يثير مثل هذه الخطابات التي باعتراف المستنيرين من أتباع هذه المذهبين، قد أصبحت هذه من "تراث الماضي"، ولم تعد تصلح لزماننا ولا لبشرنا ولا لشجرنا ولا لحجرنا.
ونحن نتساءل مع غيرنا: كيف يمكن تصوّر بقاء جماعات وطنية أصيلة ومتسمة بكلّ السمات الوطنية والإنسانية، أسيرةَ الاضطهاد في وطنها ووسطَ أبناء جلدتها وفي موطن آبائها وأجدادها، أصحابِ الحضارات التي سادت العالم ورسمت تاريخ البلاد والمنطقة والعالم بأدقّ تفاصيل الصورة الحسنة التي ماتزال تتزينُ بها متاحف البلاد والعالم وتذكّر بها الخلف عن السلَف؟ وهل يُعقل أن يبقى مصير أتباع هذه الجماعات رهن المخططات الأجنبية التي تعمل وفق أجنداتها المصلحية والقومية، ضاربةً عرض الحائط كلَّ الحقوق التاريخية والحضارية والإنسانية التي تتميز بها هذه الجماعات المسالمة والتي لها الحقّ بتفعيلها وترويجها واستغلالها لصدّ أطماع المغرضين وعملاء الأجنبي ومزدوجي الجنسية من الذين تربعوا وسكنوا القصور الرئاسية ونزلوا في الفلل الفخمة واستحوذوا على المنازل والدور الفارهة بالقوة ومن دون وجه حق؟ وكيف لنا أن نتصوّر بروز صراعات واحتدام نزاعات مع اقتراب حسم النصر لصالح الوطن وأهله، بين الفرقاء السياسيين الذين تسببوا هُم، بمعاناة هذه الجماعات حين تعرّضِهم لصفحة الإرهاب المتوحش الذي نجح بقلع شرائح من أتباعهم من جذورهم وفي مواطن سكناهم الأصلية التي قطنوها منذ آلاف السنين؟ وهل يمكن الرضوخ للتجاذبات الجارية من خلف الكواليس وفي مطابخ الساسة العفنة وزعماء الكتل بشأن حق عودة النازحين والمهجَّرين إلى دورهم وبلداتهم وأملاكهم؟ أإلى هذه الدرجة بلغت صفاقة البعض من السياسيين في تقرير مصير العودة من عدمه كي يتسنى لهم إحداث ما ينوون القيام به من تغييرات ديمغرافية ظالمة ومجحفة؟ فالدلائل تشير إلى نوايا سيئة لبعض الساسة والزعماء بالتحكم الديموغرافي في مناطق النزوح وفي مصائر النازحين من أجل تحقيق مصالح قومية وعرقية وفئوية وطائفية ضيقة.
ولكن يبقى القرار الأهمّ في رأيي للشعب نفسه: كي يثور حين تُصدّ بوجهه كلّ الأبواب وتُغلق النوافذ، وكي يصول صولتَه حين يصرُّ البعض على الاستخفاف بحقوقه والاستهانة بوضعه واستدرار عواطفه بالزيف والكذب والنفاق، وليقول كلمتَه بوجه أدعياء "الخير والرحمة والمودّة" الكذابين والمنادين بالحرية غير القائمة وأدعياء الديمقراطية المزيّفة وحرامية الليل والنهار، وكلّ مَن يتشدّق بالدفاع عن المظلوم ضدّ الظالم ويدّعي محاربة الفساد وقلعَ الفاسد، وهو نفسُه غارقٌ في دياميس الفساد ودهاليز الظلام ودياجير الفسق والمجون.
 وأخيرًا، لن يصحَّ إلاّ الصحيح. فالبسطاءُ من الشعب يسعون لحياة آدمية آمنة وإلى سلام وشراكة مع الجميع وللجميع. فيما المتنوّرون والمثقفون يسعون إلى هذا وذاك، عبر تغيير في الخطاب السياسيّ والدينيّ والمجتمعيّ، والابتعاد عن الخطاب التحريضيّ وإدانة كل أشكال العنف والإرهاب والتهديد والتسلّط، وبما تتيحه وسائل التحضّر والتمدّن في إطار دولة مدنية لها دستور جامع شامل إنسانيّ بعيدٍ عن الشرع الظالم وغير المنصف. نريدُها دولة مدنية تطبّق القانون على الجميع ومن أجل مصلحة الجميع بالمساواة والعدالة والاستحقاق والجدارة، بدل فرض واقع المتسلطين عبر منهج المحاصصة المدمّر للبشر والحجر والشجر. ومّن أعلنها "شلع قلع"، يعي حقًا ما يريد وما ينفع للبلاد الغارقة في شتى أنواع الفساد والظلم. وهذا دور النخب والمستنيرين ورواد التواصل الاجتماعي لتحذير الطبقات المستضعفة من مغبة إعادة توليف وإنتاج ذات الوجوه الفاسدة والفاشلة والفئوية والطائفية التي لا يهمّها مصلحة الوطن العليا ومصير أبنائه المتجه نحو التقهقر والتراجع والأفول يومًا بعد آخر.

30

ألدّين والمسؤوليات التاريخية والأخلاقية
لويس إقليمس
بغداد، في 1 أيار 2017
شهدت العقود المتوسطة من القرن العشرين، والأخيرة منه على وجه الظاهرة، موجة من التأسلم والتجلبب بأطراف الدّين وشرعه ، متأثرة بأفكار نفرٍ من المنظّرين السلفيين الذين اتخذوا من تطبيقات الدّين وتفاسيره القديمة الضيقة، كتابًا وأحاديث ونقلاً، منهجًا وتوكيلاً في تطبيق ما بدا لهم شرعَ الله على الأرض. وهذا ممّا كان له أثرٌ بسبب إساءة التأويل أو التفسير المنقوص غير مكتمل الأطر في النصوص الدينية على حياة الإنسان والدول والشعوب. وإنْ كان هذا النهج السلفيّ المائل إلى التشدّد والانغلاق والتعصّب في الفكر والتطبيق والتفسير، لدى أتباع كلا المذهبين السنّي والشيعي على السواء، في أدواته ومناهجه وطرائقه وشخوصه، من السمات التي انساق لها هؤلاء المنظِرون من دون التمحيص بالنتائج المترتبة على أفكارهم المتطرفة في معظمها، إلاّ أنّ إيغالَهم في مسألة تكفير الغير المختلف عنهم منهجًا، أيًا كان دينُه أو مذهبُه أو عرقُه أو مرتبتُه، والدعوة إلى رفض ما لا يتطابق مع أفكارهم وسلوكياتهم وتوجهاتهم، واستخدامَهم شتى أنواع التصدّي لكلّ مَن يرفض هذه كلّها، قد وضعهم في زاوية حرجة، لاسيّما حين خروج الأتباع مؤخرًا عن السيطرة، سيطرة الدين والدولة والحياة الطبيعية الإنسانية كباقي البشر على وجه الأرض. "فمَن شبَّ على الشيء شابَ عليه، ومن شاب على شيء مات عليه، ومن مات على شيء حُشِر عليه". هكذا أمثالُ مَن يغالون ليس في تفسير ما كُتب، بل في عيش ما قيل وفي ما يقرأون وما يسمعون وما ينسجون في أخيلة مريضة تحتاج إلى العلاج الاجتماعي والفكري والعقائدي المنفتح على الآخر والمستفيد من تجليات العصرنة وفوائدها ومن دروس الحياة عبر التاريخ. فاللهُ حبا بني البشر بعقل لإدراك ما يشعرون، وبروية للتبصّر بما يفعلون، وبعيون لتقييم ما يشهدون.
الشريعة، أية شريعة، لا يمكنها أن تخرج عن أدبيات الحياة الدنيا المتشكلة من جسد وعقل وروح، وأيضًا من رؤية معاصرة تساير تطور الزمن وتسمو بالإنسان وبالبشرية نحو سلّم السلام والرفاه والتقدّم. كما لم يعد مقبولاً الاستغلال الفاحش لما حلّله الخالق للبشر بحق، ولا التجاوز على قوانين الحياة بحجة إكمال وتطبيق شريعة خاصة بشريحة على حساب الغير من البشر، وإنْ كانوا أغلبية والآخرين أقلية. فلا دينَ لنفرٍ يعلو على دين غيرهم مهما كانت الأسباب، ولا شريعة تسمو على غيرها من الشرائع والقوانين التي تتعاطى بها مختلف الشعوب والأمم، ولا شعوبَ مخلوقة بأمر الخالق بأفضلَ من غيرها. فتلك كذبة أطلقها ويحشّدُ عليها ضعافُ النفوس، ويسعى المندسّون كما سعى غيرُهم من قبل، في هذا الدّين أو ذاك، أو في هذا المذهب، أو هذا المعتقد أو ذاك، كي يحصدوا ما في ذواتهم من طمع وخبث واستغلال، ويحققوا من غايات وأهدافٍ ما لم يحلّلُه الخالق الذي خلق الشعوب والأمم والبشر، ذكورًا وإناثًا، متساوين، إلاّ في المودة والرحمة ومحبة الله وحب الغير وإكرام الغريب واحترام الجار والتمنّي للغير أيِّ كانَ، كلَّ خير وفرح وسلام وطمأنينة وراحة بال. ثمّ إن الدّين الذي تخلو مفرداتُه من سمة المحبة الإلهية، لا يمكن أن يندرج ضمن الأديان التوحيدية ولا الإلهية، ذلك أنَّ "الله كلُّه محبة"، ولا يبغي للبشر من مخلوقاته غيرَ المحبة! وهذه الأخيرة إلزامية وليست اختيارية في العُرف الإلهي!
من هنا، يبقى الدين، بل ينبغي أن يكون بالتالي ضمن دارة العلاقة الشخصية بين الله وبني البشر، بين الخالق والمخلوق، بين المعبود والعابد الذي وحده يحقُّ له تقرير مصير البشر وإحلال الحكم السماوي العادل، وهو مسيِّرُ الأكوان والأجرام، والمتحكّمُ بأسماء البشر وأشكالهم، وبالأرض والعناصر بحكمته وقدرته وطيبته ومحبته. فليس الدّين إذن، مجرّد كتاب للحفظ والختم والمهر، بقدر ما هو حياة ونصح وأخلاق، وتطبيق لمبدأ محبة الله لبني البشر، من أي عرق أو جنس أو لون، أم دين او معتقد أو فكر، ومن ثمّ التعبير عن هذه المحبة التي هي من سمات الأديان التوحيدية "السماوية" للغير من البشر مهما كانت الاختلافات البشرية والعرقية والشكلية والفكرية والدينية والمذهبية. حتى أصحابُ الأفكار الملحدة والّلاأدريون والّلادينيون، ليس من حق البشر الحكمَ عليهم أو إدانتَهم. فهذا الخيارُ إنْ هو إلاّ حقٌ لكلّ بشرٍ بعيش نهج الدّين او المعتقد أو المبدأ الذي يختارُه لنفسه ليعيشُه على هواه من دون إكراه "لا إكراهَ في الدّين"، طالما كان ملتزمًا بقوانين الطبيعة في احترام الآخر بكلّ ما في الأديان من إيجابيات أو وصمات وفق الفكرٍ أو المنهج وما سوى ذلك ممّا يختارُه الإنسان بحريته. وليسَ بعيدًا، أن تكون روحانيّة هذا الّلاأدري أو الّلادينيّ أكثر توفيقًا وتطويعًا للنفس إزاء الخالق والبشر معًا من حافظ الكتاب أو من الذي لا ينقطع عن الصلاة ومَن لا تغادر السبحة أناملَه ولا يفوّت ركعة أو شعيرة، فيما قلبُه مليء حقدًا وغلاًّ وخبثًا، وفكرُه متعطّش للسفح والشرّ والقتل والفساد والإفساد وسط خلق الله والوطن والأرض. هذه هي حرية البشر المعقولة، فهي "تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين". وفي نهاية المطاف، يبقى الدّينُ، أيُّ دين، مسؤوليةً اجتماعية وإنسانية وروحانية وتربوية، بل منهجًا للنصح والإيثار والخُلق الحميد، وليسَ أداة للترهيب والتأديب والغصب والسَّوق للصلاة بالسوط وبالجَلد والتهديد.
لقاء بابا الفاتيكان الحار والعناق الأخوي والإنسانيّ معًا مع شيخ الأزهر أحمد الطيّب، ومواجهتَه الحضارية والإنسانية مع المؤتمرين في المؤتمر العالمي للسلام يوم 28 نيسان 2017، من شأنه أن يُحدث ثورة في المفاهيم وفي الحوار وقبول الآخر، للسير معًا في بناء السلام وتحاشي الظلامية وأشكال التخلّف وأدران التعصّب والانغلاق وإدانة ورفض كلّ ما لا ينسجم مع حق الكائن البشري في العيش بسلام في المكان والزمان الذي يبغيهما. كما أنَّ ما طرحه البابا فرنسيس، الذي حيّا مصر ب "أمّ الدنيا" وتحيتُه لشعب مصر بكلمات عربية فصحى "السلامُ عليكم"، له مدلولاته على صعيد الهوية الدينية والمجتمعية لكلّ مجتمع من دون إهمالٍ لصدق النوايا لدى كلّ الأطراف المطلوب منها أن تتحلّى بشجاعة الاعتراف بواقعية الاختلاف وبكون الأخير غنى وليسَ خلافًا أو خروجًا عن المنطق والواقع، وكذا بروحية الإنسان المخلوق متساويًا عند الشعوب، على صورة الخالق ومثاله الحسن. فكلّ ما خلقه الله حسنٌ وينشد باسمه كما يخضع تمامًا لجبروته وليسَ لغيره وفق مقاساتٍ شاذّة دينيًا ومجتمعيًا وروحيًا. كما أنّ هذا الخالق الطيّب، الرحمن الرحيم، لم يوكل أحدًا للحكم بدَلَه أو عوضًا عنه، إلاّ بحسب ما تشرّعُه قوانين الأمم المتحضّرة وفق لائحة حقوق الإنسان، التي اعتمدت وصايا الكتب المقدسة، وعل سبيل الخصوصية ما تضمنه العهد الجديد من الأخلاق المسيحية السمحة التي أتى بها عيسى، المسيح الحيّ.
تلكم هي التربية الأساسية للبشر العاديين، أحباب الله على الأرض بانفتاحهم على سمة احترام الآخر المختلف، مهما كان دينُه أو لونُه أو مذهبُه أو عرقُه. ومن شأن هذه الثقافة أن تزيد من فرص خلق عالم نظيف في كلّ شيء، في السياسة والبيئة والاقتصاد والإنسانية، تمامًا كما في تحقيق الرفاهة للجميع وفي استغلال الثروات لصالح الإنسان والبشرية والأرض قبل أن تجدبَ وتجفّ ثرواتُها بسبب قساوة نفرٍ مغترٍّ أعمتهم الغيرة والغلّ والكبرياء وحبّ الجاه والثروة وإيذاء الآخر من دون مبرّر. فاللهُ قادرٌ أن يقيم لإبراهيم نسلاً جديدًا عتيدًا معجونًا بأطايب المزايا الإلهية الصادقة عوضًا عن آفات غلاظ الرقاب المهووسين بقتل الأبرياء وحزّ الرقاب ونحر الأجساد. فالدّين، كما أشار بابا الفاتيكان فرنسيس، ليس بمشكلة، بل هو جزءٌ أساسيٌّ من الحل، يساعد البشر في بناء مدينتهم الأرضية وفق أسس المساواة والعدالة والاحترام. كما أن الله الخالق، يحب البشر، وقد أعلن هذا الحب مرارًا، عبر أنبيائِه وخدمِه وعمّاله وأئمّته على الأرض، ومنهم مَن يُفترض به من رجال الدين، أن يوجّه الناسَ نحو الخير وبناء الإنسان والمصالحة والحوار، وليس في تهديم ثقافة الحوار وضرب شرعة حقوق الإنسان والتحريض ضدّ الآخر المختلف. وهذا هو طريق الإنسان الحقيقي الناضج والمنطقي في وضع حدّ للصراعات الثقافية والحضارية والدينية واستبداله بمعايير منفتحة من أجل الخير العام وبناء كرامة الإنسان وبيته الأرضيّ، تمامًا كما يريده الخالق. فالبيت السماوي الذي يرنو إليه البشر، ينبغي ألاّ يختلف عن مثيله الأرضي، لأنّ المثوى السماوي يبتدأ من الأرض.
من هنا، لو عدنا عودة لسِيَر المتصوّفة والنسّاك، أحبابِ الله من كلّ الأديان والألوان، تعيدُ إلى اذهاننا ذلك النموذج الناصع لعيش نمط الحياة الزهدية والروحية الصريحة بين الله ومخلوقاته الضعيفة، ليس في شكل التزهد والنسك أو الانقطاع عن المأكل والملبس فحسب، بل في حفظ وصايا الخالق في أمر مخلوقاته وفي إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه وفي تجنّب المعصية وإيذاء الغير وبالتفكير في المصير بعد سحابة السنوات الضئيلة فوق الفانية التي لا تدوم، وفي إدامة ذلك النهج الصحيح والمضيّ في سبيله بكلّ إصرار وعناد كونَه طريق الصواب الذي لا يخالف أمرَ الله. فالصوفيّة في الإسلام كما في المسيحية واليهودية والبوذية والفارسية وما سواها إن وُجدت ولو بأشكالٍ مغايرة، هي الصورة الفضلى لحياة البشر على الأرض وفي تعامل بعضهم مع البعض من دون تحسّسات ولا إيغالاتٍ ولا مراءاة في تبادل العيش المفترض. وهي بحدّ ذاتها نوعٌ من الحكمة التي عرفها قدماء اليونان في تواصلهم وفي غاياتهم في فهم الله وخليقته وفي التعامل وفق هذا المنظور، ضمن إطار تربوي وأخلاقيّ محمود. وكانت هذه الطريقة هي كذلك في بدايات الإسلام، علمًا وعملاً وموهبةً، بل دلالةً على علامة رضى الخالق عن معبوديه في تقويم النفس من الاعوجاج والتقرّب منه بأعمال البرّ والخير والإحسان، وفي مواجهة فساد الحكّام والولاة والملوك بسبب نوازع هؤلاء، الشخصية والفئوية والطائفية. ولنا في التاريخ عبرٌ وأمثلة كثيرة، راح ضحية تلك الفوضى في الحكم، العديدُ من الأئمة الكرام ممّن ذاقوا الأمرّين والعذابات في غياهب سجون أمثال أولئك الحكّام القساة الغلاظ الذين مرقوا وحادوا عن أخلاق الدّين وأركانه الواضحة وأوغلوا في تأنيب الآخر المختلف عنهم وفي تكفيره ونعته بالمروق، وفقًا لمقاساتهم المنحرفة.
 الحياة لم تدم لأحد، كي تدوم للأشرار والفاسدين والمراءين في الدين والمذهب وفي التنظير باتجاه المغالاة والمناهج التي أضحت في زمن كان، ولم تعد صائبة ولا مقبولة ولا محبّذة في عصر العولمة الذي أحالَ العالم إلى قرية صغيرة. كما أنّ "ما زاد عن حدِّه انقلبَ ضدّه"، بالتالي. هكذا في ميزان المزايدات الدينية والتأويلية والتفسيرية، وكذا الشعائرية المذهبية التي نشهد فصولَها اليوم في بلادنا في جميع المناسبات، وما أكثرَها، والتي صارت تخرج عن المعقول وتستغلُّ القائم الموجود لصالح شريحة متسيّدة دون غيرها، مضيفة أشكالاً من لوعة الاستفزاز، الذي بقصدٍ أو بدونه، ينعكس على مجموع البشر المحيطين بمثل هذه المسالك والشعائر والممارسات التي تحوّل مناسباتٍ عديدة في السنة ولأيامٍ طوالٍ، إلى ساحة لجمع القمامة ومناظر بشعة للنفايات التي تفترش الطرقات والشوارع والأزقة وتقطع الكثير منها، وتتلف الحدائق العامة وتوقف مصالح الدولة وتؤخر معاملات وحاجات المواطنين وتتوقف فيها عجلة البناء والصناعة والاقتصاد، مضيفة أعطالاً جمّة على المتراكم منها في الحياة اليومية الرتيبة.
هناك طريقة حسنة مرغوب فيها وأخرى سيّئة مرغوب عنها، للتعبير عن حبّ الناس للخالق وعباده الأولياء من أصحاب الكرامات والقداسة والبرّ. وحبّذا لو يُعاد النظر في وسائل أكثر عصرنة في طرق التعبير عن حبّ الإنسان لمَن يجلّه ويقدّرُه ويسمو بنفسه لبلوغ الأرَب في أسلوب التربية المُجدي الذي ينفع في الزمان والمكان وحسب تطوّر المجتمعات وبما يتوافق مع السلوك اليومي المعاصر والأخلاق الثابتة التي لا تتبدّل، لكنّها ترتبط دومًا بنهج الذوق والتربية المجتمعية التي تأخذ بالعلوم وتتأثر بها مع تقدّم الزمن وتطوّر أدواته.
من هنا، لا يمكن لمجتمع فيه حضارة ولديه مثقفون وأسياد وأصحاب شهادات عليا وخبرات حقيقية أن يقبل بمثل ما يجري في بلدٍ أتعبتهُ عوادي الزمن وأمضى سنيّ عمره في حروب ومعارك ونزاعات داخلية محلية وخارجية، بحيث أضحت ثرواتُه لغير أهلِه، إلاّ مَن ساورَه الطمع والجشع وامتهن الفساد سبيلاً في سلوكه لبلوغ مآربه التقويضية للبلاد والأرض، حجرًا وبشرًا. فمثل هذه الصنو من البشر، ليسَ له وطن، كما أنه لا يتشح بثوب المواطنة التي تفرض فيما تفرضُه، نظافةَ الذيل في الحكم ونزاهةً في العيش مع الغير ومراعاة في احترام الخصوصيات والمشاعر والمصالح العامة.
إنّ ما يجري اليوم من ممارسات ومن مزايدات في مناسك الشعائر للإخوة الشيعة في العراق، قد شابه المزيد من المغالاة والمزايدات في استعراض ما يسعى القائمون على المواكب من تقديمه للزائرين. وأنا في اعتقادي، أنّ مثل هذه المزايدات المتفاقمة سنة بعد أخرى، قد تفقد القائم والزائر معًا من أجرهما السماوي أو "الإلهي" أو "الإمامي" الذي يصبو إليه الطرفان، أو ما يعتقد به هذان الطرفان الحصولَ عليه من خلال هذه الشعيرة التي هي في حدّ ذاتها من دواعي الفخر والطيبة والجودة، إذا ما سارت بعفويّة وبِحُريّة وبدون قطع للطرقات وإيقافٍ للحياة العامة وإجبار مواطنين من إخوتهم في الوطن على تحمّل ما يُرغمون عليه غصبًا وإكراهًا وقسرًا، رغمًا عنهم. ليست هذه من أساسيات الحريات والكرامات والمقدّسات التي لو عاد أصحابُها اليوم، لما رضوا بما يجري وما يُقام من إفراط في كلِّ شيء، في البذخ بالصرف بميزانية مفتوحة على حساب حق سائر المواطنين، وفي إيذاء أصحاب المصالح الذين يضطرون لإيقاف عجلة الحياة اليومية المساهمة في بناء بلدٍ عانى ومازال من آثار التخلّف ومن أزمات متلاحقة ومن حروب خارجية ونزاعات داخلية بين المتصارعين على الجاه والثروة والسلطة.
هذه دعوة للمعنيين والقائمين على تنظيم هذه المناسبات، لمراجعة ذاتية لما اعتادت البلاد أن تشهده في كلّ مناسبة تفرضها قوةٌ مهيمنة على مقدّرات البلاد كي تجعله أسيرًا لمثل هذه السلوكيات التي ليسَ لها مثيلٌ في البلدان المجاورة، ومنها الجارة إيران التي تستغلّ هذه المناسبات للترويج لشتى أنواع الدعايات والعروض واستهلاك المنشورات والصور التي تدرُّ عليها أموالاً طائلة من جرّاء هذه الاستخدامات غير المقيَّدة والمفتوحة من دون تبصّر ولا تحكيم للعقل والرويّة. وعلى مَن يتصوّر أو يخال نفسَه الولاية على الغير بهذه الأساليب التي خرجت عن إطارها التقويّ المتديّن باتجاه المتاجرة وحصد المغانم والمنافع التي تسرف فيها الدولة بلاد رقيب، عليه أن يدرك بالمقابل أنه عاجلاً أم آجلاً، سيصطدم بواقعٍ يرغمُه على التفكير بمصلحة الوطن العليا قبل أن يفوت الأوان وتسقط الصورة الطيبة التي يكنّها سائر أفراد الشعب، ومنهم المثقفون وأصحابُ الفكر المستنير وأتباعُ الحريّة والمؤمنون بالاعتدال في كلّ شيء من أجل البلوغ بالبلاد إلى مرافئ الأمان وبناء الذات وفي إعمار المتهالك والمدمَّر، أرضًا وبشرًا وفكرًا ومؤسسات.
هذه هي الرؤية الوطنية التي ينبغي أن نتصارح بها جميعًا، بالرغم ممّا قد تنطوي عليه من ضربٍ وأذى لمصالح فئة أو شرائح تستغلّ هذه المناسبات، وما أكثرها، لتحقيق منافع ذاتية أو حزبية أو شخصية. وهي تبدأ من مثل هذه الخطوات التي تنكر الذات وتضعُ مصلحة الأمّة والشعب والوطن وبناءَه ورفاهَه وراحة أهلِه في مقدمة كلّ خطوة قبل الإقدام عليها. فالأولى بنا جميعًا أن نحثّ الخطى بإصلاح المنابع التربوية التي تنطلق من مناهج دراسية معتدلة تتحدث عن المواطنة ومحبة القريب واحترام الآخر المختلف بدل الإيغال في شروحات الأزمنة الغابرة التي عفا عليها الزمن ولم تعد تنفع في زمن العولمة والتكنلوجيا المعاصرة والأفكار المستنيرة. ولكن قبل أيّ شيء، لنبدأ العمل من البيت الأسري كي يكون مفتاحًا لثقافة تربوية منهجية في مدارس ومؤسسات الدولة التي نتوقع تغيير مناهجها كي تتعامل مع هذه المبادرة الحضارية. فالعودة إلى الوراء في عيش الماضي بكلّ ترسباته المتخلّفة والانكفائية، من شأنها التراجع في القيم وفي الفكر وفي التطور وفي البناء وفي كلّ شيء. وبعكسها يكون التطلّع نحو تقييم أرفه وأسمى ومتحضّر في فهم ذلك الماضي وما احتواه من فكرٍ كان نافعًا وممكنًا بالأمس في أوانه ومكانه، ولم يعد كذلك وفق حياة اليوم ومتطلباتها وتطورها وتقدمها في العلم والمعرفة والرؤية الشاملة للأشياء والأحداث.
أمّا بعدُ، وقد نضجت الفكرة وتوضحت الصورة وبانَ ما يعكّرُ صفو الأجواء وسط البشر في الوطن الواحد، فلا بدّ من شجاعة ومقدرة حكيمة في أصحاب الشأن، كي يعيدوا التفكير بتغيير المفاهيم العتيقة في التأويل والتفسير والعيش المشترك. كما على الإكليروس الشيعيّ أن يعيد النظر في أسلوب الشعائر الجاري، والتي نأمل بقاءَها وطنية وليسَ مذهبية أو فئوية أو طائفية كي يشارك في إحيائِها مجموع الشعب، ولكن ليسَ بهذه الأساليب وهذ الصيغ "المتخلّفة" وغير الحضارية، وعذرًا على الصراحة في الطرح. فإننا شعبٌ متديّنٌ نحب الله والبشر، وتلكم بركةٌ من السماء أن يكون لنا نصيبٌ في حبّ الله والأئمة والقديسين، ولكن بأسلوبٍ حضاريّ مقبول لا يعيق أحدًا ولا يغيرُ أحدًا ولا يمتعض منه أحدٌ. فالشعب الذي لا متديّنون فيه لا يستحقّ أن يكون وريثًا لأرض الله! والوطن الذي لا يؤمن بحريّة الغير المختلف واحترام خصوصياته وخياراته لا يستحقّ أن يُكنّى بالبيت الجامع لمختلف الأطياف والمكوّنات! والدّينُ والمذهبُ اللذان لا يحترمان حرمة الغير من الأديان والمذاهب لا يستحقّان أن يُسمّيا بالدّين أو المذهب، طالما أنّهما مفترَضٌ بهما أن يسيرا وفق شرع الخالق من دون المساس بحرية الغير المختلف ولا استغلال الظروف لصالح منهجه وفكره ومنفعته! فرقابة الخالق هنا على أداء البشر وسلوكهم، أشدُّ من المخلوق الذي يناطح السحاب للتباهي والمزايدة فيما فعله في هذه المناسبة أو تلك. فلو عاد اليوم أصحابُ الكرامة والقدسية ووجدوا ما يجري بحجتهم، لما صبروا على الكثير من الممارسات التقليدية غير المؤتلفة مع روح العصر والمخالفة لبنود الشرع وأصحاب المنهج، كما كانت في البدايات.
إنّ السلوك الدّيني وحريّة التعبير في تطبيقاته وممارساته، أمرٌ يتطلّبُ قدرًا واسعًا من المسؤولية، الفكرية والروحية والمنهجية والتربوية إلى جانب ما يليق لأصحاب الكرامات والقداسة من أفعال تقويّة في صميم الروح والنفس، وليس في المظهر والتبذير والبذخ غير المسؤول وغير المقبول أو في إعاقة حياة الغير وإيقاف عجلة الحياة العامة بحجة حماية زائر الكرامة. فتلك ينبغي أن تبقى في إطار العلاقة الخاصة والفردية بين الخالق والمخلوق. ومثلها ينبغي على الدولة أن تكون خيمة الجميع ولا تفرّق في تطبيق الدستور والقانون، وكذا في حصّة الثروات العامة كما في ممارسات الحياة اليومية، وترك شؤون العباد الدينية والروحية لأهلها من دون تدخل في النهج والتطبيق والتسيير. ف"ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، لمْ تُلقى على عواهنها ولم تكن مجرّد أقوالٍ، بل ينبغي أن تُعاش في الواقع اليوميّ، كي تبقى سلوكًا لثقافة مجتمعية راسخة جامعة وليسَ غاية للتضليل والاستفزاز وفرض واقع الحال. وهذا جزءٌ من ضرورات العودة الى الأفعال الحضارية التي يفرضُها تطور الزمن المتقدم، تمامًا كما حصل مع سلوكيات التجديد والتطوّر في الأفعال والممارسات الروحية والجهادية في المسيحية عندما انحسر دور الكنيسة ورجالاتُها في التدخل في الأمور الزمنية حينما حان وقتها.
وليكن مؤتمر الأزهر للسلام في العالم، بداية المبادرة التي تكفل العيش المشترك وتتصدى للأفكار الهدّامة والتكفيرية الخاطئة من أجل بناء الإنسان والأوطان وتقريب الشعوب وتحضّرها وقبول بعضها البعض بالاستفادة من أشكال الاختلاف بينها، تمامًا كما في تنوّع أزهار الحدائق وأشجارها وورودها ورياحينها العطرة.

31
رئاساتنا الكنسية: رعاة أم زعامات؟
لويس إقليمس
بغداد، في 18 نيسان 2017
جاءت زيارة وفد عالي المستوى من مجلس "رؤساء الطوائف المسيحية" بالعراق، مساء يوم الاثنين 17 نيسان 2017، لتقديم التهاني لغبطة البطريرك لويس ساكو، رئيس الكنيسة الكلدانية، لمناسبة عيد القيامة، جاءت لتكسر حاجز الجمود والتوتر القائم منذ أشهر بين الطرفين، بعد انسحاب الكنيسة الكلدانية رسميًا من تشكيلة هذا المجلس. وكان الوفد على قدرٍ من الأهمية والثقل ليعطي لمبادرة التقارب والمصالحة بعدًا مسكونيًا آخر، كنّا في انتظاره. وقد اضطررتُ لتعديل مقالتي المسطورة منذ أكثر من شهر، بعد تأجيل نشرها متوقعًا بروز ضوءٍ في هذا الاتجاه الميمون. ضمّ الوفد كلاًّ من اصحاب الغبطة والسيادة: قداسة مار آداي الثاني بطريرك كنيسة المشرق الأشورية القديمة، والمطران يوسف عبّا رئيس أساقفة بغداد السريان الكاثوليك، والمطران آفاك أسادوريان رئيس أساقفة بغداد للأرمن الأرثوذكس، والمطران جان سليمان رئيس أساقفة بغداد للاتين.
وحسنًا فعلها الوفد، بتضمين مناسبة تقديم التهاني بعيد القيامة المجيدة، عيد الانتصار على الموت، طلبًا بضرورة عودة الكنيسة الكلدانية إلى المجلس نظرا لثقلها وامكانياتها. يعني أنّ هذه المناسبة، قد أعادت فتح الأبواب للحوار الهادئ، والعودة إلى الحكمة المسكونية والرؤية الوطنية والاستعداد للتعاون لما فيه مصلحة الجماعة المسيحية، من دون الالتفات إلى المعايير المتآكلة بخصوص الأكثرية والأقلية والزعامة والتبعية. ونفهم من طريقة طرح الموضوع بصيغة بعيدة عن الدبلوماسية والمواربة، أنّ في الأفق نورًا بل أنوارًا ستضيء للمساكين من أبناء هذه الجماعة، من التائهين في ظلمات القهر والتهجير والمصير المجهول.
حالة الجمود القائمة منذ أشهر، بين رئاسة الكنيسة الكلدانية من جهة، وباقي رئاسات كنائس العراق، عبّرت بحق، عن هوّة كانت تتعمّق بمضيّ الأيام، وعلى ضوئها كانت تتباعد فرص التراجع عن المواقف المشروطة والمطروحة مسبقًا لكلّ طرف. لذا تأتي هذه المبادرة، إشارة خير ستلقي بظلالها الإيجابية على مشاريع إعادة إعمار البلدات المستباحة لأكثر من عامين على أيدي عصابات داعش الإرهابية المتطرفة، التي قلعت أبناء هذه البلدات من أصولها وهجّرتهم وشرَّدتهم وأرهبتهم بلا رحمة، في انتظار المصير المجهول!
فمِن مأساة حقبة الانشقاقات والانقسامات والحرومات والنزاعات، إلى فترة الاضطهادات القاسية والهجمات العاتية التي لم تتوقف لحين الساعة، بمختلف أشكالها ووسائلها وتجلياتها، سواءً بسبب سياسات شوفينية، تعصبيّة، طائفية، قومية ودينية، أو بسبب غياب رؤية موحدة لرؤساء الكنائس الذين تحولَ بعضُهم إلى زعماء مادّيين ودنيويين ينشدون الزعامة الدنيوية بدل الرئاسة "الخادمية" و"الراعوية" التي أوصاهم بها رأس الكنيسة الأول عندما أوصى تلاميذه: "مَنْ أراد أن يكون فيكم عظيمًا، فليكن لكم خادمًا، ومَنْ أراد أن يكون فيكم أولاً، فليكن لكم عبدًا» (متى 20: 26،27). وهذا كلامٌ لا يقبل الجدال في ما ينبغي أن يكون عليه طالب الرئاسة، ليس من أجل التسلّط وفرض الذات على الغير، بل من أجل الخدمة بالمحبة وطيبة القلب وتسامي النفس وانفتاح الروح والقبول بالحوار الهادئ مع المختلف معه، حتى لو كان من الأقلية المنسية أو التي لا شأنَ لها. فمَن يرغب الرئاسة، يشتهي عملاً صالحًا. فهو كمثل "مَن يشتهي الأسقفية، فقد عملَ عملاً صالحًا"، كما يقول رسول الأمم بولس الرسول في رسالته الأولى إلى طيمثاوس (1:3)، بالرغم من أنّ موقع الأسقفية كان يعني في زمان الأقدمين وفي بدايات الكنيسة الأولى، كما يعلّمنا التاريخ، الاستعداد للشهادة والتضحية من أجل الرعية، وليس للتمتع بالمنصب الدنيوي الذي يقدّمُ الامتيازات ويؤمِّنُ المكاسب ويجعل الموقع دارةً للمقرّبين والعائلة "المالكة".
إننا ندرك تمامًا، سعي البعض من رؤساء كنائس العراق بخاصة، لحصر أعمال الخير والمساعدات والمكاسب السياسية منها والمادية وحتى الإعلامية والدعائية، في ظلّ الفوضى العارمة في كلّ شيء، كلٌّ ضمن أسيجة الطائفة والكنيسة والمنطقة التي تعود ضمن كرسيّه وملّتِه، بسبب ظروف البلاد الاستثنائية الحالية، كونَها حالة شاذة لا يُحتذى بها، وكذا بسبب الإغراءات المادية التي تأتمر بها النفس الأمّارة بالغيرة والحسد وحب الظهور والمال، أو بقصد المتاجرة بمآسي الأتباع.
وهذا جزءٌ من التفاعل والجدال القائمين في جسم تشكيلة مجلس رؤساء الكنائس (الطوائف) الذي أربكَ العمل المسكوني والكثير من أشكال التعاون والتنسيق بين مختلف الرئاسات الكنسية، بغضّ النظر عن حجمها وشكلها، عادّين جميعَ مسمّياتها أعضاءَ فاعلين في جسد الكنيسة، عروسة المسيح، بطريقة أو بأخرى. ومن ثمّ، كان لا ينبغي أن تتحول اختلافاتٌ في وجهات النظر بين القائمين عليها إلى خلافات مستعصية غير قابلة التفاهم والنقاش والحوار، أو إلى انعزال في زاوية حرجة، أو أن تُضحي حجرَ عثرة كأداءَ أمام تضافر جهود العقلاء لرأب الصدع ولمّ الشرخ ومداواته بالمحبة والتواضع والاستعداد للخدمة الرسولية من دون تحزّب ولا تعصّب ولا توظيف موقع لفرض الرأي والهيمنة وفرض الذات.
لقد كان الأجدر منذ البداية، ترك مسألة الرئاسة "الخدمية" وليس "الزعامية" التي نادى بها غبطة رئيس الكنيسة الكلدانية، ذي الكاريزما المتميّزة، أنْ تُقدّرَها عقولُ باقي الرؤساء أنفسهم بحكمتهم وتقييمهم واسترشادهم بنشاط الأجدر فيهم على الساحة الوطنية أولاً والمسيحية ثانيًا، والشخصية ثالثًا وليسَ آخرًا، وهو الأجدر في وسطهم جميعًا في ظلّ المعطيات القائمة الحالية. فما جرى من توسيع للشرخ القديم، بانسحاب رئاسة الكنيسة الكلدانية من مجلس رؤساء الكنائس بتلك الطريقة غير المقبولة طيلة تلك الفترة، لم يكن أوانُه ولا تبريرُه بالرغم من بروز ضعف واضحٍ في الأداء والتقييم وإصابة الرأي في جسم المجلس. إذ إنّ مثل هذا الإجراء، مع ما فيه من تبريرات ومسوّغات، لمْ يصبّ قط، في خانة مصلحة الشعب المسيحي، بعد أحداث العنف التي ابتدأت منذ الغزو الأمريكي في 2003، وما لحقها في تسونامي الإرهاب الذي طالَه ومازال تأثيرُه وأحداثُه ضاربة في جسم أتباع هذه الجماعة المتناقصة باضطراد شبه يوميّ.
 لستُ هنا أعبأُ بما يثيرُه هذا القول وهذه الصراحة وهذا التحليل وهذه الرؤية في الطرح، من منغصات أو زعل من هذه الجهة أو تلك. فالمصلحة العليا للوطن والكنيسة والشعب، ينبغي أن ترتفع فوق كل الحسابات الخاصة والفئوية والطائفية، وأن تسمو بالنفس فوق المصالح والطموحات والمكاسب الشخصية والخاصة. فكما أنَّ هناك دومًا مَن يسعى لترميم البيت الوطني وتقديم فرص الإصلاح على الفساد والكساد، بالرغم من المصاعب والمشقات والتحديات التي لا حصر لها بسبب الإيغال في آفة الفساد الضارب أطنابَه في كلّ موقع ومؤسسة وفي الشارع، كذلك لا بدّ من بروز أصواتٍ مسيحية وكنسية حريصة على ترميم البيت الكنسيّ والمسيحيّ، بالرغم من تنامي الهوّة بين "خدام" الشعب و"رعاتهم"، ممثلي المسيح على الأرض، بسبب ما جرى من مواقف غير مقبولة في صفوف المجلس الأسقفي المذكور، حتى لو كان أتباع هذه الكنيسة أو تلك أغلبية وأكثرية. فالخدمة "المجانية"، لا تعرف الأغلبية والأقلية ولا تعترف بهما مبدأً وغاية ووسيلةً، بل تقرّ حصرًا بروح الاستعداد للخدمة بالمحبة والتواضع والإيمان، وفق الجدارة واعتراف الآخرين بما لهذه الأخيرة من تأثيرٍ وقدرة على إقناع المتحاورين والمطالبين بضمان حقوق الأتباع والحرص على البناء الكنسي للبلاد من دون تمييز أو تحديد أو تكابر. فإذا كنّا نقيسُ الأشياء وفق هذا المنظور القاصر، فنحن لا نختلف عن الفرقاء السياسيين في البلاد، أصدقاء الأمس وأعداء الساعة، من الذين يُؤثرون مصالحهم الفئوية والطائفية الضيقة ويسعون للزعامة بشتى الوسائل، أو بتخريب الملعب السياسيّ في حالة عدم تلبية مطالبهم وطموحاتهم وإغراءات السلطة والجاه والمال. ونحن نقول، سواءً كان مثل هذا الادّعاء بالأكثرية والأغلبية، دقيقًا من عدمه، إلاّ أنّه في ذات الوقت، يتطلّب موقفًا عاليًا من الحكمة والرزانة بذات الحجم الذي تمثلُه كنيسة ما، وتسعى لزعامة غيرها وفق هذا المنظور أو غيره. 

هل من علامة رجاء؟
كلُنا في هذه البلاد، ندعم توجهات الروح المسكونية التي أتى بها المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، وفيها شدّد على خلق أجواء الروح المسكونية بين الكنائس المختلفة حين قرّر الانفتاح على جميع الكنائس. لم يدعُ المسكوني الثاني للزعامة والتسلّط، بقدر ما وضع وصية المحبة فوق كلّ اعتبار في التعامل بين الكنائس وفي الأوساط المسيحية عامة. وفي غياب هذه المحبة، يُعدّ كل عملٍ باطلاً. ف"الإيمان بدون أعمال باطلٌ"، يقول مار يعقوب (2: 14). لقد كان الهدف الأساس من تشكيل المجالس الحبرية، سواءً من قبل الدوائر الفاتيكانية أو من جانب الكنائس التي لا تخضع لسلطة البابا، تقديم التقارب بين أتباع كنيسة المسيح، والتقليل من الاختلافات والخصومات والفوارق بشأن العقائد وتقريب الأفكار والرؤى في اتجاه تطوير الوحدة المسيحية المنشودة. ومن دون شكّ، كان هذا هو الهدف من تشكيل مجلس أساقفة كنائس العراق، في اتجاه التقارب وليس التباعد بسبب نزعة استعلائية وطلبٍ للزعامة استهجنَ فيها جميع الأعضاء طريقة اشتهائها واعترضوا على عدم مراعاة أصولها، بالرغم من غياب الجدارة والكفاءة والمقدرة في معظم هؤلاء المعترضين على طريقة طرح الموضوع في حينها. وربما تكون الغيرة والهاجس الطائفي معًا، إزاء ما يتمتع به رئيس الكنيسة الكلدانية الحالي من شخصية مرموقة ومقدرة على الإقناع والكلام وإدارة الحوار، من جملة ما ورد في اعتراضات البعض ورفضهم المطلب، في حينه.
إنّ روح الاستعداد التي توضحت في الردّ الإيجابيّ من جانب البطريرك ساكو، بإمكانية عودة الكنيسة الكلدانية إلى تشكيلة المجلس بعد إجراء التعديلات الضرورية عليه، حفاظًا على دوره وأهميته ودعمًا لتفاعله الوطني والجماعي معًا، تعطي بشائر أملٍ كبير في الأفق. فغبطته لا يتوانى دومًا، بوضع إمكانيات كنيسته وقدراته العديدة الخاصة في خدمة "المكون المسيحي" وخدمة الوطن. وتلكم من معاني الرجاء بقيادة أكثر حكمة ورويّة وبعد نظر للمستقبل، مجبولة بروح التفاني وبعطاء المحبة ومواجهة الصعاب والمجهول معًا. وهذا من ضمن ما تحتاج اليه قيادة الجماعة مجتمعةً، عبر توحيد خطابها ومواقفها وصولاً لإيجاد الوسائل الكفيلة لممارسة الضغط المطلوب من أجل تحقيق مطالبها كقوة اصيلة فاعلة في المجتمع العراقي، وليس كمكوّن ضعيف، خانع، خاضع، مستجير، مستجدي أو متلقّف للفتات.

إنني أدعو، من منطلق تقديم علامة شهادة مسيحية نموذجية للخدمة المجانية وعلامة أمل ورجاء بوحدة الصفّ والكنيسة العراقية، لإعادة النظر في شكل الخلاف القائم الحالي في اللقاء القادم المقترح الذي نتج عن هذه المبادرة الأخيرة لوفد المجلس. كما أنادي وبقوّة، بضرورة مقابلة مبادرة حسن النيّة هذه، بروح الغيرة المسيحية من جميع الأطراف لرأب الصدع الذي أوشك بحصول قطيعة. والمراجعة الذاتية اليوم، تكفل ترميمه بالوداعة والتواضع والمحبة وروح الخدمة والتنازل وغسل الأرجل، الواحد منهم للآخر، تمامًا كما فعلها سيدُهم في ليلة العشاء الأخير حين أقدم على غسل أقدام تلاميذه. وكما فعَلَها بعدَه رؤساءُ كنائس عظام وقديسون، ومن أواخرهم البابا القديس يوحنا بولس الثاني والبابا المالك سعيدًا برغوليو (فرنسيس الأول).
وبهذه المناسبة أيضًا، أتمنى من صاحب مبادرة تشكيل "مرجعية مسيحية مستقلّة موحدة" من المدنيين، التي رعاها شخصيًا، غبطة البطريرك الكلداني لويس ساكو قبل أكثر من سنتين، أن يعيد النظر بتجديد فاعلية هذه المبادرة التي تنصّلَ منها في وقت لاحق، ليلقي بثقلِه الجمّ وبكلّ طاقاته على كنيسته من أجل ترتيب أوضاعها لأغراض انتخابية بحتة تحفظ تمثيلاً مريحًا لجماعته. ونحن هنا لسنا نعترض على طموحات أتباع هذه الكنيسة العريقة، بقدر ما يهمّنا مصلحة كنيسة العراق الشاملة ككلّ وبالتنسيق مع الكلّ كي يبرز العمل الجماعي ويتحقق الهدف الأسمى ويعمّ خيرًا على الجميع بعد التفاهم على الخطوات الواجب اتخاذها والتي تضمن تحقيق هدف الجماعة بالاحتفاظ بالأرض والتراث والممتلكات والاستقلالية في تقرير المصير. فنحن ندرك مدى الضغوط التي تلقاها رأس الكنيسة الكلدانية من لوبيات مؤثرة ومن شخصيات مهجرية ومغتربة تدّعي التهميش في الوضع السياسيّ وفي الحصص وكذا في موضوع التسمية القومية التي يسعى نفرٌ لفرضها على غيرهم، نكاية بالطرف الآخر من الكنيسة النسطورية (الآثورية). وهذا مربط الفرس. فغبطتُه من دون شكّ، يمثل اليوم واحدًا من أهمّ مفاتيح اللعبة وألغازها، كنسيًا ووطنيًا وكلدانيًا، ولا ينبغي له الانجراف وراء أفكار تعصّبية لا تليق بكارزميته المتميزة وبثقافته العالية ورزاته دوليًا ووطنيًا وكنسيًا.
أنتظر، ومعي كلّ الطيبين وذوو الإرادة الصالحة، ونحن بعد في أجواء الفصح الكبيرة، مبادرة تنازلية ، أولاً من رئيس الكنيسة الكلدانية البطريرك لويس ساكو بسبب ما حباه الله من مواهب وجدارة وعلم وكاريزما جذابة ومؤثرة، ومن بعده سائر الرؤساء كي يعوا حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجميع بسبب ما يعتري أتباعَهم من تحوّل في مصيرهم ويهدّد مستقبلهم ومستقبلَ كنائسهم على السواء. وهي دعوة ايضًا، لإعادة النظر بالشكل الحالي للنظام الداخلي لمجلس رؤساء الكنائس، كي يكون أكثر تأثيرًا وقوّة وفاعلية ضمن تراتبية معاصرة تمنحه، ليسَ التسلّط وفرض الرأي، بقدر ما تعطيه زخمًا في الإفادة والاستفادة من موقع البطريرك الكلداني وعلاقاته الواسعة من أجل مصلحة كنيسة العراق قاطبة، وليسَ كنيسته حصرًا في ضوء تركيزه الأخير على إعادة تنظيم صفوف هذه الأخيرة لأغراض انتخابية تكسبّية ضيقة، شأنُهُ فيها شأن باقي الأحزاب والمذاهب والكتل السياسية التي تسعى من دون توقف لترسيخ نظام الطائفية والعرقية والفئوية من أجل إدامة المكاسب والمنافع على حساب الغير الخانع. فإذا كنّا نحن ومعنا الشعب العراقي نرفض مثل هذا التوجه من جانب زعماء الكتل من السياسيين الطائفيين، فكيف بنا نقبل ونوافق ونرضخ لشيء من ذات السمة من قبل جماعة كنسية لها تاريخُها وتأثيرُها وإمكانيتُها؟ وبغير هذا وذاك، فنحن ماضون إلى الاندثار والأفول، لا محالَ، إذا بقينا على نزاعاتنا وخلافاتنا وخصوماتنا الطائفية.
أختم حديثي، بالدعوة كي يتحمّل كلّ رئيس كنيسةٍ مسؤولياته الخدمية والراعوية بما يتوجب عليه، بحسب وصية معلمه الأول عندما دعا الرؤساء كي يكونوا رعاة صالحين لغنمه، وأن يعرفوا خرافَهم بحق، ويحثوا الرعية للتوجه إلى المرعى الصحيح المفيد والمثمر، والاستفادة من دروس الحياة والتعلّم مِن عبر الأحداث والوقائع. ف "الحياة مدرسةٌ تُساهم في تنشئتنا وبناء شخصيتنا، وأحداثُها دروسٌ نتعلم منها العِبرَ لنتقدم ونرتقي فنكتسب عقلاً يقضًا وقلباً سخياً وإرادةً مطواعةً وهدايةً متواصلةً. وجودنا يمكن جعله عبورا دائما إلى فضاءات أكثر رحابة ونضجا وعمقا وروحية… وهذا مطلوب من رجل الدين، ومن الوالدين: الأب والأم ومن المربي المعلم، والمسؤول. كلٌ في مجاله هو راعٍ!"، كلامٌ جميلٌ أخرجه غبطة البطريرك لويس ساكو، ونشره في موقع البطريركية الكلدانية بتاريخ 29 آذار 2017، حيث تعوّدنا مثل هذا الكلام الموزون والحريص والمسؤول منه دومًا. وهي دعوة صادقة لغبطته أولاً ولأخوته ثانيًا، كي يثبتوا هذا القول بأفعالهم الطيبة في الحياة اليومية ووسط الشعب وفي الوطن، بذات الإيمان والرجاء والمحبة وبشيء من التواضع والتنازل، الواحد للآخر إذا اقتضت المصلحة العامة للكنيسة والشعب والوطن.   
ونحن أيضًا نقول: لابدّ من الانفتاح للآخر والتفكير بالخروج من الضبابية القائمة، عبر "حضور تراتبي كنسي رسمي"، وتدارس كل الواقع القائم لما فيه مصلحة الحفاظ على ما تبقى من تعداد المسيحية عبر آليات الحوار والتفاهم بعيدًا عن منغّصات التعصّب وترّهات الأكثرية والأقلية. حينها الرب، سيبارك الجهود الخيّرة، سواء أتت من جانب أتباع الأقلية أو الأكثرية أو من بشرٍ منسيين لا أحدَ يتنبه لهم. وبهذه الروحيّة المستنيرة والمنفتحة، سيبقى الباب مفتوحًا لعودة أعدادٍ مهمّة من المهجَّرين والنازحين إلى بيوتهم ومناطقهم، في حالة رؤية رعاة صالحين يعرفون خرافَهم وينادون الواحدَ منها بأسمائها ولا يتركونَها بأيدي الذئاب والحرّاس غير الأمينين من تجار الأحزاب ودكاكينهم، المسيحية منها أو التابعة لاتجاهات سياسية غير رصينة لا تعترف بقدرة الله وصيانة الوطن وحبّ الشعب ومصلحة الأمّة.
كان اللهُ في عون البؤساء والبسطاء والفقراء ومّنْ لا حيلةَ لهم ولا حولَ ولا شفيعًا!


32
للألم معنى: صناعتُه، هدفُه؟
بغداد، في 11 كانون ثاني 2017
لويس إقليمس
من طبيعة الأديان، التوحيدية منها بقصد الإشارة، تقديمُ مفردات الأمل والرجاء، سلاحًا وحبلاً للضعفاء، يعزّي النفس ويهدّئ الروح وينقل الفكر إلى باحة النسيان، ولكنّه لا يسند القلب المجروح بذلك القدر من الشفقة والرحمة أو يدعم الجسد المنهك أصلاً بسبب عوادي الزمن، وما أكثرها عبر التاريخ. ففي المسيحية مثلاً، تُقَرّ (بضم التاء وفتح القاف وضمّ الراء) فضيلتا الإيمان والرجاء، اللتان بواسطتهما تضحي التعزية اللفظية والروحية معًا، سبيلاً لبلوغ الأمل والهدف والرضا بقبول القدَر المجهول والمقسوم المحتوم. فعندما نقرأ مثلاً، "لا تخف أيها القطيع الصغير" (إنجيل لوقا 12: 32 وما يليها)، فهذا الكلامُ فيه سلوان لفظيّ وسلاحٌ روحيّ وارتقاء رمزيّ سرمديّ، رغمَ أنه لا ينفع في زمن العولمة واقتصاد السوق وتنافس الأقوياء من الأسياد على كلّ شيء، بما فيه البشر والحجر. ومثل هذا القول في كلّ الأحوال، يبقى ساميًا ضمن القياسات البشرية، بحملِه أملاً ورجاءً ناقصَين في عالمٍ متلاطم المصالح والمطامع الذي فيه تُمارس كلّ أشكال الاستغلال.

العهد القديم
في العهد القديم، تعرّض أيوب البارّ لشتى أنواع العذاب والآلام التي ابتلاه بها إلهُه، فتحمّلها راضيًا شاكرًا الرب على نعمته وتجربته التي خرجَ منها بارًّا مبرَّرًا ومعافى من الخطيئة. لم يكن أيوب يتلذّذُ في مدى الألم الذي لحقه وخبرَه وقاساه، كما يفعل الماسوشيون، فيجدون فيه نشوتَهم المنشودة ضمن دارة الانحراف التي تطبّعوا عليها. ولكنَه قبلَه وتعاملَ معه على أساس اختبار من إلهه في قدرته على تحمّل المصيبة وفي استحقاقه للبرّ والتبرير على غيره من البشر.
وعلى مدى التاريخ، نقرأ قصصًا ورواياتٍ تتحدّث عن آلامٍ تحمّلتها شعوبٌ أو أفرادٌ بشتّى الحجج والأسباب والظروف. وفيها، اختبرَ أصحابُها قيمةَ الألم وبركاتِه وما أنعمتْ عليهم من قوّة في التحمّل والمرابطة والمعاندة في البقاء على أمانة الرسالة أو التجربة أو المهمّة التي دخلوها وخرجوا منها بنجاح وكرامة تستحق الثناء والاقتداء. فالمسيح نفسُه تعذّب وأُهين وصُلب. لكنّ اللهَ أباه الذي رضي بتعرّضه لتلك المصيبة، أكرَمَه وأقامَه من بين الأموات في اليوم الثالث، كي يتمجد اسمُ الله، أبي البشرية وخالق الكون وما فيه من عناصر. والحسين نموذجٌ آخر من الأئمة الصالحين والرجال الأبرار والقديسين الذين تعذبوا وقاسوا الآلام المبرحة حبًا بالله أو لهدفٍ في ضمير كلّ منهم. وهؤلاء وآخرون غيرهم، كلٌّ منهم عاشَ وتألّمَ وقاسى وتحمّل، كلٌّ على طريقته وحسب نياته نالَ خيارَه واستحقاقَه وجزاءَه.

الألم سوسيولوجيًا
الألم من منظور سوسيولوجي ونفسيّ، يعني شيئًا من الإحساس بالغبن والشعور بالظلم وعدم السعادة التي تجلب الحزن والغمّ والقلق والتوتر إلى حياة الإنسان. ويختلف استعداد تقبّل الألم وتأثيراته من شخص لآخر، بحسب طبيعة النشأة والانتماء والاستعداد والتهيّؤ الفكري والاجتماعي والدّيني وحتى الوراثيّ. وهناك من الآلام ما طالَ في تأثيره بسبب عمقِ فداحته. لكنّ نعمة النسيان التي حباها الله لخليقته، تساعد في التقليل من آثارها. وهناك مَن يرى أن تأثير الألم عند الأنثى أكثر منه وأطوَل فترة ممّا لدى الرجل، لأسباب بيولوجية وتكوينية في طبيعة الجسد في كلّ منهما. ومنها أنّ الألم العاطفي الذي يخلّفه فشلٌ فيها، يبقى في الذاكرة أكثر من غيره. ونترك ذلك للمختصّين لمزيدٍ من الإيضاح والتوجيه، فهناك من أنواع الألم، ما يحزّ في النفس ويديم الجرح فيها ويأبى المغادرة.
والألم أو المصاب أو المحنة، التي يتعرّض إليها الإنسان في رحلة عمره القصيرة في هذه الدنيا، ينظرُ إليها البعض، سواءً كانت جسدية أو نفسية أو معنوية، بمثابة بَرَكة أو تجربة من الله الخالق، كي تظهر أعمالُ الله في بني البشر خلقِه، وتساعدهم في مسيرتهم نحو الملكوت المرتقب أو الجنّة التي في انتظار الأخيار والصالحين. إنها خلاصة فلسفةٌ روحية للأديان السماوية، ومنها المسيحية بصورة خاصة، تعطي للألم نوعًا من القدسية. وهذه الفلسفة التي لا تخلو من تصوّف وسموّ في الروح تجاه رب الأكوان وفي التعبير عن خضوع المخلوق للخالق، تكتسب صفة النار التي تمحّص أدران النفس البشرية والجسد الهزيل الذي يحمله الإنسان، بالرغم من الجدليّة الصائبة القائمة في الأسباب والأهداف والنتائج.

وجهة نظر علم النفس
في الألم، يجد علماءُ النفس مسارين: الواحد جسديٌّ والآخر نفسيٌّ يقتنص شفاءَه من القبول الإراديّ للأول وبالتغلّب عليه بقدرات الإنسان الطبيعية وبإرادتِه. وهذا الأخير، قد يفوق في تأثيرِه ما يصيبُه الألم الجسديّ أحيانًا، عندما يبقى محفورًا في الذاكرة وغير قابل الزوال على المدى البعيد أو المتوسط أو القريب، وفقًا للمعطيات والأسباب والظروف. وفي عالمنا اليوم وفي زمن العولمة القائم، تكثر أنواع الألم المعاصر، تأسّفًا وحسرةً على ما تقع عليه العين من مظالم تَنهى عنها جميعُ الأديان وترفضُها البشرية وكلّ ذوي الإرادة الصالحة والضمائر الحيّة.
ولمّا كانت العولمة، ليس من بناتِ مفرداتِ أخلاقها الدفاع عن المظلوم ومحاسبة الظالم، والبحث عن حقوق الشعوب المستضعفة وطموحاتها، فقد لفظتها هذه الأخيرة وأصدرت حكمَها على ما يُقترف باسمها من فظائع، ومن أشكال الاستغلال والمتاجرة بالبشر وبحقوقهم وبثروات بلدانهم التي هي من حقّهم وليسَ لغيرهم. وهي بذلك، تشكّلُ آلامًا مضافةً للبشرية، غير قابلة الحدود. من هنا، فالعولمة بالرغم من الأهداف العليا المبدئيّة التي رُسمت لها كي تقرّب البلدان والشعوب والأمم من بعضها البعض وتجعلها أشبه بقرية جامعة للجميع بما أتت به من تكنلوجيا وأدوات ساحرة، إلاّ أنّ من ضمن أهدافها أيضًا، محاولة أساطين السياسة والاقتصاد استغلالَ البشر والأرض والحدّ من مطالباتٍ بالمساواة مع مَن يمسك بزمام المال والاقتصاد وإدارة شؤون الكون. فالعالم اليوم، ليسَ أكثر من غابة لصراع الكبار ووحوش السياسة فيمَن يقتنص أكثر الأموال ويكدّس أعلى الثروات ويستغلّ أفضلَ الشعوب. 

في العراق
السياسيون في عراق اليوم، بحسب ما يبدر من عددٍ كبيرٍ منهم وحسبما تتفاعلُ معه وسائل الإعلام المتعددة ووسائل التواصل الاجتماعي، ليسوا بمنأى عن هذه الصفات في إحداث الألم لمجتمعاتهم وشعبهم بسبب أنانياتهم وتساميهم عن رفع الظلم عن المظلوم. أمّا نكران هذه الحقيقة والهروب من هذا الواقع، فهو بمثابة الاصطفاف مع الظلم والظالم على المظلوم والوقوف مع القاهر المتجبّر على المقهور. والعاقل الصالح ينأى بنفسه عن هذا الفعل الخسيس ويعرضُ عن الأهدافِ والنوايا غير الإنسانية التي تأتي بها هذه كلُّها. واقع اليوم يوحي بوجود كبارٍ وصغار، مستغِلّ (بكسر الغاء) ومستغَلّ (بفتح الغاء). وبهذا السلوك يسوسُ أقوياءُ الغابة مَن في وسطها وبين أشجارها وحناياها.
أمام هذه الحقائق على الأرض التي ضاقت من شدّة الألم والمآسي المتلاحقة، يقف أصحابُ الأمل والرجاء من المستضعفين البسطاء، وهم الغالبية العظمى من البشر، ومعهم كلّ مفردات العزاء الروحية وأشكال السلوان اللفظي الفارغ من نفحة الحقيقة في أغلبه، عاجزين أحيانًا عن لملمة الجراح وطيّ المآسي بشتى أشكال التعازي والمواساة التي لا تنفع في زمن المظالم وسيادة المادة على الروح وسموّها. والسبب بسيط، لا يحتاج إلى تعقيد في التفكير. فالأسياد لا تهمّهم متلازمات الروحانيات وما يعنيها ويتخللُها من صلوات وتضرعات وطلبات الفقراء الذين يشكلون شريحة واسعة في مجتمعات العديد من الدول النامية، بقصد التقليل من الألم الذي يحزّ في نفوسهم وأجسادهم وطموحاتهم. فبقاء مجموع عدد الفقراء المدقعين لغاية الساعة بحدود مليار شخص، عارٌ على البشرية وقادتها وسط رفض الأسياد تقاسم الثروات وتكريس مبدأ إبقاء الشعوب المقهورة في خانة المتلقين للمساعدات والوقوف في طوابير الاستجداء والمذلّة.   
لقد بقي الألم سيّدَ العالم على مدى الأزمان، ينظرُ إليه الأسياد من ثقب إبرة، وسط ابتعاد مترادف لأيّ انفراج يعوّلُ عليه الضعفاء والفقراء والمهمّشون في تطلعهم إلى كلّ ما يمكن أن يقودهم إلى شيءٍ اسمُه الأمل المفقود والرجاء الموعود.

الخاتمة 
في العراق، تقاسمنا ذات المصير مع شعوبٍ بالمنطقة وفي العالم. صورتُنا مازالت مشوّشة لدى غيرنا، حتى من قبل دول الغرب الطامع في ثروات بلدنا وقدرات كفاءاتنا، بالرغم من كبر المعاناة وشدّة ما نحنُ فيه من ويلات متلاحقة عبر حكومات افتقرت لميزان الوطنية والإنسانية وخدمة الشعب. فما زال أشكال الألم والفقر والفاقة تعتصر في طيات غالبية طبقات الشعب بأشكال وصيغ عديدة لا تخلو من مآسٍ متراكمة وأحزان متزايدة في مستويات الحياة اليومية الدنيا. أمن المعقول في بلدٍ يطفو على بحارٍ من ثروات وطنية وأخرى طبيعية تقدّمها أرض السواد هدية لبنيها، أن نجد البؤس والفقر والألم في وجه وقلب ونفس عموم أبنائِه، إلاّ الفاسدين المنغمسين في نهب المال العام وسلب البيوت والعقارات والاستيلاء على أملاك مَن لا حولَ ولا قوّةَ لهم إلاّ الاستعانة بأصحاب النفوذ طلبًا للمساعدة أو لإنقاذ ما يمكن إنقاذُه ممّا استُقطع أو نُهب أو سُلب أو هُدِّدَ. فالدولة سُلخت عنها مؤسساتُها وغاب عنها القانون وأُفرغت من هيبتها. وهي اليوم تعاني من أزمة إدارة في كلّ مفاصلها، تديرُها قوى جانبية موازية تتحكم في قراراتها وفي مصير أبنائها، قوى لا ترحم ولا تخجل ولا تشبع، تنفّذُ ما تُأمرُ به وتلقنُهم إياها قوى خارجية إقليمية ودولية لها أجنداتُه، ما زاد من نوافذ الألم وأبوابه في شتى مجالات الحياة، الاجتماعية والخدمية والعلمية والتربوية والاقتصادية والمالية والإدارية والوظيفية، بل في كلّ شيء.
لم يعد بدّ للخروج من سطوة هذا البؤس المستفحل. فقد طال الانتظار النظري للفرج الوهميّ. ولابدّ من وثبة ثورية في وجه مسبّبات هذا الألم المستفحل بسبب ظلم الزمان وقسوة الأسياد وإهمال صوت الحقّ الذي تنقصه فورة صادقة من الشجاعة ويقظة الضمير وإناء العدل والرحمة والمحبة.



33
مسيحيّون أمْ نصارى؟
الجزء الثالث والأخير
لويس إقليمس

تطرقنا في الجزء الأول من هذه المقالة، إلى المقصود بلفظتي المسيحيين والنصارى وما شكلته هذه التسمية من إشكاليات في الفهم والموقف بسبب التصور الخاطئ لعقيدة أتباع المسيحية وتمسك المقابل بقصور فهمه واستيعابه للمسيحية الحقيقية، وقبول عقيدة البدعة النصرانية التي كانت سارية أيام انتشار الدين الجديد المتمثل بالاسلام. كما تطرقنا إلى المشتركات بين الديانات التوحيدية، وما اقتبسه الإسلام من البدعة النصرانية بما تيسر لصاحب الدبن الجديد من تلقين على يد مصدر الوحي، ورقة بن نوفل، الذي كان بين يديه نصّ الإنجيل العبراني المنقوص.
في الجزء الثاني أتينا على ذكر ما كان سائدًا في الجزيرة العربية من بدع في عهد الإسلام، وتأثير ذلك على الحياة الاجتماعية ومجتمع البداوة فيها.
في هذا الجزء الثالث والأخير، سوف أتطرق إلى مسألة طغيان تسمية النصرانية مذاك ولغاية اليوم، مع خلاصة بشرح المفاهيم غير السليمة التي تم اعتمادُها آنذاك، والتي أضحت من مقدسات الدين الجديد، بالرغم من قصورها وعدم صحتها، ما جعل كل ما يتناقض مع ما ورد في قرآن الإسلام، كفرًا وخروجًا عن دين الحق. أرجو أن أكون قد وفيتُ ونقلتُ ولو جزءً من الحقيقة، بالرغم من صراحتها ومرارتها بالنسبة للبعض غير الملمّ بحقائق التاريخ.

طغيان تسمية النصرانية
من المؤكد، أن كلمة النصرانية طغى استعمالُها على عهد الدين الجديد أي في العصر الإسلامي تحديدًا، للأسباب التي ذكرناها في السطور السابقة. وكما ذهبتُ إليه، مستفيدًا من النتف المتيسر من المعلومات بخصوص هذه البدعة ومثيلاتِها من الشيع الأخرى التي سادت الجزيرة العربية تحديدًا والمناطق المجاورة لها بفعل حركة التجارة ونقل الفكر والفلسفة، فقد كانت أفكارُها هي السائدة في منطقة الجزيرة العربية. والنصارى فيها، كانَ جلُّهم من يهود متنصرين إلى المسيحية، سكنوا المنطقة في يثرب والحجاز وخيبر وتيماء ومكة واليمامة ووادي القرى، إلى جانب أقرانهم من يهود قنيقاع وبني النضير وقريظة وغيرهم من الذين كانوا نزحوا عن ديارهم العبرانية الأصلية وسكنوا الجزيرة. وإنَّ عددًا من هؤلاء تنصروا مع حفاظهم على أغلب تقاليدهم اليهودية السابقة وبقائِهم على أفكارهم الناقصة عن حقيقة المسيح. فبنوا لهم شريعة جديدة مستفيدين من رهبان وقساوسة خارجين عن الطاعة في ذلك الزمن، مّمن تزعموا تلك الفرق. وهذه التسمية، أي النصرانية، لم ترد قبل ذلك الا في القرآن، بإيحاء من القس ورقة بن نوفل الذي صاحبَ رسولَ الإسلام، لكونِه عمّ السيدة خديجة زوجة الرسول محمد آنذاك. وظلَّ "ورقة" مرافقًا للرسول حتى مماته، حيث انقطع الوحي فترة، وبعدها تغيّر مسار الجماعة الجديدة وشرائعُها وطريقة التعامل مع الغير تمامًا، بعد استقوائها والهجرة إلى المدينة.
أمّا لماذا شاع استخدام كلمة "نصرانيّ" و"نصارى" في بلدان عربية وإسلامية بالذات، ذلك لأنّ رسولَ الإسلام لم يعرف مسيحيّين حقيقيين في زمانه ولم يتعامل معهم على كونِهم أتباعَ المسيح، "مخلّصًا وإلهًا ابنَ إله"، بسبب أنَّ الشيعة أو الجماعة التي كانت قائمة آنذاك في الجزيرة العربية كانت فريقًا يهوديًا موسويًا متنصرًا خارجًا عن تعاليم العقيدة المسيحية الصحيحة، كما أسلفنا. وهذه الشيعة لم تكن تؤمن بقيم العقيدة المسيحية الحقيقية، كما أتى بها المسيح وأكملَها تلاميذُه "الحواريون" والرسل من بعدِه. فقد ثبت أتباعُها على الكثير من العادات والقيم اليهودية القديمة بحسب التلمود، ولم يتغيروا في سلوكهم، فاحتفظوا من العقيدة المسيحية بالقشور، فحسب. أي أنهم مازجوا بين اليهودية والمسيحية، بحسب الظرف والزمان. وهناك ما يشير لكون النصرانية، بدعة ناشزة وعالّة عن المسيحية أساسًا حاملةً أفكار الفرقة الأبيونية المذكورة.
إنه وبسبب ظروف المنطقة آنذاك والأرضية الخصبة لتقبّل رياح التغيير، فقد كثر نشاط أهل هذه البدعة واتخذوا لهم منحى مغايرًا، بسبب خلافاتهم الكثيرة حول العقيدة والإيمان والإدارة مع الكنائس الرسولية المعروفة آنذاك في كلّ من أنطاكيا والقسطنطينية والإسكندرية وروما. وقد دخل هذه البدعة يهود كثيرون، كما انضوى إليها نفرٌ من رهبان قمران، بعد خراب هيكل أورشليم، ما اضطروا للهجرة إلى قريش ومكة والحجاز، بعد أن شقوا عصا الطاعة لرؤسائهم وانتهجوا خطَّ العداء والتلفيق والتزوير، حالُهم حال سائر الهرطقات التي ظهرت آنذاك بسبب انشقاقات متتالية في الكنيسة الأولى. وكان من أتباع هذه البدعة، ورقة بن نوفل الذي انتهى به الأمر أسقفًا (كبير قسس) لهذه الجماعة في مكة. فهو الذي شهد، بل قام بتزويج بنت عمه السيدة خديجة من رسول الإسلام محمد بن عبدالله، لقرابةِ عمومةٍ بينهما، وهي كانت تعمل في التجارة. وقد حافظ الزوجان، أي الرسول محمد والسيدة خديجة، على عقيدتهما الأبيونية النصرانية، حتى وفاة السيدة خديجة وابن عمها ورقة. فقد كان الثلاثة على ذات البدعة، حتى تحوّلت إلى حركة جديدة ظهرت في قريش، تنادي بالإسلام دينًا جديدًا. وكان الرسول محمد قد أظهر ذكاءً في التجارة، كما أظهر براعةً في كسب ودّ القبائل إلى جانب دعوتِه، بمساعدة القس ورقة الذي كان يوحي إليه بما في إنجيل متى العبرانيّ المعروف آنذاك في المنطقة، وليس بغيرِه. وساعدته في ذلك أجواء قريش ومكة غير المستقرّة، كي يبرز ويخلف ورقة في زعامة الجماعة، وهو ما كان يهيّئُه لها ورقة حتى وفاتِه. إلاّ أنَّ الأمور سارت بغير ذلك!
نذكر أنه من بين القبائل القريشية المعروفة التي دخلت دينَ النصرانية آنذاك، بحسب كتاب تاريخ اليعقوبي، قبيلة بني أسد بن عبد العزّى، التي ينتمي إليها ورقة وخديجة، وهما من عمومة الرسول محمد. (تاريخ اليعقوبي، 1/257). كما يؤكد بن قتيبة الدينوري في كتاب المعارف أيضًا شيئًا من هذا القبيل، من أن "النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض قضاعة" (المعارف لابن قتيبة الدينوري ص621). وفي قريش، التحق بهم حشدٌ من قبائل عربية معروفة، سبق سرد بعضٍ منها.
ولعلَّ هذا ما يدعو اليوم العديد من علماء الدين الاسلامي والمسلمين إلى رفض تسمية "المسيحي" والتشبث بكلمة "نصارى"، تعميمًا على المسيحيين، استنادًا إلى ما ورد في القرآن آنذاك. وهذا خطأ بالغ، عرّض المسيحيين ظلمًا ومازال، للكثير من المتاعب والمشكلات والمخاطر، لعدم التمييز بين التسميتين والتطبيق بحقهم، كلّ ما خرج به القرآن وأوردهُ عن أتباع تلك البدعة المنشقّة، على أنهم همْ أتباع المسيحية. فمازالَ المقصود بهم دومًا، هم المسيحيون أمس واليوم وغدًا.
ومع أنه هناك العديد من الآيات التي يذكرهم فيها القرآن بالخير في طلائع الدعوة الإسلامية، كما وردت في الآيات المكية على عهد القس ورقة، إلاّ أنه انقلبَ عليهم بعد وفاة الأخير ووفاة ابنة عمّه خديجة. فقد كان الرسول يعامل الصابئيين والنصارى بمودة وإحسان، إلى حين استقوائِه وجماعتهِ، ونزول آياتٍ قاسية بحقهم، معتبرة إياهم "ذميين". فاختلف التعامل معهم لاحقًا، آخذًا شكلاً مغايرًا بعد الهجرة إلى المدينة وزوال تأثير صاحب الوحي (ورقة)، حيث يعدّهم مشركين يستوجبون القتال أو الجزية أو الإسلام ويحرّم توليتهم في المؤسسات، بل ويشرعنُ استباحةَ أموالهم وحرائرهم وما إلى ذلك.
وهذا ما نشهده اليوم من تطبيقات مضللة لتلك التعاليم المتناقضة أساسًا في القرآن في مواضع عديدة. فمن الآيات التي تذكرهم بالخير والمودة، ما يرد في سورة المائدة: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" (سوره البقرة 62). وبعكسها، نجد ما ورد في سورة المائدة أيضًا"وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّـهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ" (سورة المائدة:13). وهذا عين الظلم في دينٍ يدّعي أتباعُه التسامح والرحمة وطاعةَ الرحمن!
ومن المثير، أن بعض البحاثة والمهتمّين، يشيرون إلى أنَّ كلمة "نصراني" في الإسلام، كانت وماتزالُ تُطلق على حاملي الثقافة المسيحية، لغاية اليوم. بل وبسبب الجهل بأصول المسيحية، هناكَ مَن يُطلق كلمة "نصرانيّ" على كلّ صاحب بشرة بيضاء! وليسَ غريبًا أيضًا، أن نسمعَ نعوتًا سلبيةً غيرَها، وفيها شيءٌ من التحريض والرفض من منطلق سياسيٍّ بحت، حينَ نعتِ كلّ ما هو غربيّ ب "الصليبيّ" و"الكافر"، بسبب الجهل بالحقيقة التاريخية. فلو كان المقصود بتسمية المسيحيين بالنصارى تاريخيًا، كونَهم أتباع يسوع الناصري الذي عاش في هذه المدينة، فلا بأس ولا اعتراض عليه. وبعكسه، فإنّ ما قصده القرآن بتسميته المهينة للنصارى (المسيحيين) وحسب تصوّره الناقص لهم ولعقيدتهم الجوهرية كما توردها آيات تنتقص منهم ومن عقيدتهم، فهذا غير مقبول البتة. ولابدّ من إعادة قراءة التاريخ والتفسير بموجب الحقائق والوقائع والكتب الصحيحة وليس المنحولة.

مفاهيم غير سليمة
من المؤكد، هناك حالات تشويه للحقائق التاريخية بسبب الجهل بالماضي أو في تفسير غيرها، سواءً بسبب النقص في الأصول التي تؤمّن الحقائق والمصادر الملتزمة، أو بسبب الفهم الخاطئ والشارد لتلك الحقائق لعدم الاستعانة بالمراجع والكتب القانونية الموثوقة. وهذا التشويه ينسحبُ مثلاً، على الإرباك وعدم الفهم القائم في إشكالية التثليث التي يرى فيها القرآن، ومن ثمَّ المسلمون عامةً، أنها إشراكٌ في الإله الواحد. فيما أنَّ التثليث أو الثالوث القدّوس الذي يؤمن به المسيحيون، أتباع المسيح، لا تنكر وحدانية الّله، بلْ تعدُّ المسيح إلهً وابنَ إله مشاركًا ومساويًا له في الجوهر عبر الروح القدس المنبثق من الآب والابن، كما يشير إلى ذلك قانون الإيمان المسيحي. فالأقانيم الثلاثة هي جوهرٌ متحدٌ واحدٌ في شخص إلهٍ. والمسيحية لا تؤمن بغير إلهٍ واحد قادرٍ على كلِّ شيء وخالقٍ للسماء والأرض وما فيهما.
 وبالرغم من صعوبة إدراك سرّ التثليث، إلاّ أنَّ الإيمان وحدَه كفيلٌ ببلوغ هذا الإدراك العجيب، بسبب عمق العلاقة بين الأقانيم الثلاثة، تمامًا كما أنّ للنار ثلاث خواص: فالنار بوحدتِها وذاتِها، تتولدُ منها حرارة، كما ينبثق منها نور. وهذه ليست ثلاثًا، بل وحدةً واحدة غير منفصلة، كما يرى أحد آباء الكنيسة. هكذا الثالوث الأقدس، بحسب آباء الكنيسة ومفسّري العقيدة.
والإشكالية الثانية تلحق بعبادة سيدتنا مريم العذراء الذي يراه القرآن بمثابة الشرك، بسبب الفهم الخاطئ لصلة العذراء بالمشروع الخلاصيّ ومرتبتِها عند الله وابنها المسيح، الذي شاركته في المشروع الخلاصي من وجهة نظر مسيحية. من الجدير بالذكر، أنه لا يوجد في العقيدة المسيحية أيةُ إشارة إلى آلوهية مريم العذراء، أمّ المسيح، كما يقرأه البعض، أو كما يشاء آخرون الاّدعاء بورودها في بدعٍ ونحلٍ شاعت على عهد نشأة الإسلام أو قبلَه أو وردّ ذكرُها في كتب منحولة لا تعترف بها الكنائس الرسولية. فهذا ما كانت تنادي به بدعة المريمية (المريميين) التي اندثرت تمامًا مع مطلع القرن السابع، والتي تجعل من مريم العذراء أمّ المسيح، مشاركةً له في الآلوهة، تمامًا كما في الأساطير القديمة التي تشارك فيه إلهة إلهًا آخر. وهذا ما ترفضه وتشجبه الكنيسة منذ نشأتها، من دون أن تنتقص من منزلة مريم. فحاشا لله أن يتخذ له صاحبة، كما تورد بعض التفاسير الخاطئة!
بعد هذه الشذرات، وما تشهده المنطقة من غلوّ في التفسير والتطبيق لتعاليم الإسلام، هذه دعوة ملحة لنشر الوعي وتفعيل سبل الحوار بين الأديان والحضارات بمختلف الوسائل والطرق وبنية صافية وإرادة طيبة، سعيًا وراء خلق مجتمعات متحاورة متحابة تقبل الآخر المختلف، كلّ على دينه وتعاليمه وتقاليدِه ومن دون الانتقاص من هذه كلّها. فالمجتمع مختلف الأطياف ومتعدد الأعراق والأديان والمذاهب، هو غنى وليسَ فقرًا أو نقصًا. فهذه جميعًا باختلاف أفكارِها وتراثها وعقائدها ومذاهبها، يمكن أن تشكل دائرة متحابة متجانسة باسم الله الواحد الأحد، الذي يرعى الجميع ويهدي مَن يشاء إلى طريق الخير والقداسة، لمدح اسمِه القدوس وليسَ لتشويهِه والقتل باسمِه وتنصيب الذات حاكمًا بدلاً عنه. فهو الديان الكبير وهو الحافظ للجميع والهادي للجميع دون سواه.

لويس إقليمس
بغداد، في 21 حزيران 2015



34
مسيحيّون أمْ نصارى؟
لويس إقليمس
تطرقنا في الجزء الأول من هذه المقالة، إلى المقصود بلفظتي المسيحيين والنصارى وما شكلته هذه التسمية من إشكاليات في الفهم والموقف بسبب التصور الخاطئ لعقيدة أتباع المسيحية وتمسك المقابل بقصور فهمه واستيعابه للمسيحية الحقيقية، وقبول عقيدة البدعة النصرانية التي كانت سارية أيام انتشار الدين الجديد المتمثل بالاسلام. كما تطرقنا إلى المشتركات بين الديانات التوحيدية، وما اقتبسه الإسلام من البدعة النصرانية بما تيسر لصاحب الدبن الجديد من تلقين على يد مصدر الوحي، ورقة بن نوفل، الذي كان بين يديه نصّ الإنجيل العبراني المنقوص.
في الجزء الثاني نأتي على ما كان سائدًا في الجزيرة العربية من بدع في عهد الإسلام، وتأثير ذلك على الحياة الاجتماعية ومجتمع البداوة فيها. قراءة ممتعة.

شيوع البدع في عهد الإسلام
كانت المنطقة العربية (شبه جزيرة العرب) خاضعة للإمبراطورية الرومانية، وفيها عاش اليهود والمسيحيون والوثنيون من الرومان واليونانيين والعرب قبل الإسلام، وما سواهم من قبائل، معًا ضمن ذات الأجواء الصاخبة. بل إنّ عددًا غير يسير من القبائل العربية كانت قد تنصّرت، مثل تنوخ وحمير وتغلب وغسان وكلب وأياد وبكر وشيبان وطي وتميم وكندة والحارث وغيرها كثيرٌ، إذا ما رجعنا إلى التاريخ المجهول لنا. وقد "تلاقت المسيحية لأول مرّة بالإسلام في جزيرة العرب، لكنها كانت مسيحية غير صحيحة ومشوّهة، كان يمثلها تقليد شفهيّ منطبع انطباعًا قويًا بالأناجيل المنحولة"، بحسب الأب جورج شحاتة قنواتي (أنظر كتابه: المسيحية والحضارة العربية ص 96)، وهو من المؤرخين والباحثين التقاة. ويضيف الكاتب في ذات السياق: " كان للبيئة التي نشأ فيها الإسلام في بداية الدعوة بعض الاطلاع على الكتاب المقدس. لكنَّ هذا الاطلاع تناولَ كتبًا منحولة فقط"، مثل إنجيل متى العبرانيّ المنحول، الذي اعتمده القرآن بحسب إيحاء ورقة بن نوفل.
كانت الأرضية في جزيرة العرب والمنطقة، مرتعًا للعديد من الفلسفات والشيع والبدع والفرق والهرطقات التي كثرت آنذاك. من هنا يمكن عدّ النصرانية مثلاً، بمثابة فلسفة فكرية قائمة إلى جانب غيرها من البدع أو الفلسفات السائدة آنذاك، كالغنّوصية والمرقيونية والآريوسية والمانوية والمريمية والكسائية والأبيونية (وتعني الفقراء-المساكين)، وشهود يهوه والأحناف والداوودية (ذكرها الأب أنستاس ماري الكرملي في إحدى مقالاته في الشرق، ويعودون بها إلى يهودية داود الملك مع اقتباسات عن المسيحية) وغيرِها. فقد تأثر القس ورقة بن نوفل نفسُه مثلاً، ببدعة الأبيونية، كما يبدو، والتي كانت ترى في المسيح نبيًّا عظيمًا كسائر الأنبياء، جاء ليكمل ناموس موسى، لا أكثر. ومعروف عن ورقة، تبحّرُه في العلم وتتبعُه للكتب وتفسيرها مستفيدًا من خلفيته الغنوصية الكسائية التي كانَ متأثرًا بها أيضًا، بحسب البعض. ومنهم مَن يقول إنَّ فرع عبد العزّى بن قصي، ألجدّ الرابع لرسول الإسلام وآخرون أحناف من قريش، كانوا من أتباع هذه الفرقة المؤمنة بالنصرانية، أي المسيحية المنحرفة (أنظر أبو موسى الحريري، قس ونبي).
 لذا، جاء فهمُ أتباع هذه الجماعات وإيمانُهم بالمسيح من منطلق بشري ناقص لا يرى في رسالتِه، قدرتَه الإلهية ومشروعَه الخلاصيّ كابنٍ لله، وُلد وعاشَ وتألمَ وصُلب وقام وصعد إلى السماء. وربّما هذا ما حتّمَ على القرآن أن يتعاملّ مع أتباع هذه البدعة فقط التي كانت سائدة آنذاك في المنطقة أكثرَ من غيرِها، من منطلق بشريّ ومادي لا يتعدّى القبول الحرفيّ بماهيّة المسيح وتشبيهه البشري. وعدَّ كلَ ما جاءَ خلافًا لتعاليمِها بمثابة التحريف والكفر والإشراك، تمامًا كما كان فعَلَ اليهود المتنصرون بقبولِهم للمسيح من وجهة نظر ناقصة وعلى مقاس أفكارهم اليهودية المنحرفة. والقرآن نفسُه يشيرُ إلى تكاثر الأحزاب والشيع والفرق والبدع في مكة والحجاز على أيام الرسول محمد في مواضع عديدة (القرآن 19/37 و43/65، و2/136 و3/84). وقد ظلّ اليهود يناصبون المسيحية العداء ويكيدون الدسائس ضدّهم، تارة مع العرب وتارة مع الفرس وأخرى مع الرومان، ولم يعملوا بالتسمية المسيحية، بل ظلّت التسمية النصرانية على ألسنتِهم، وشايةً بهم وانتقاصًا من سيدهم الذي عاشَ في مدينة الناصرة، ومنها أتت التسمية (ناصري ونصراني).
وعلى ذكر الأبيونية على وجه التحديد، لا الحصر، كانت قد ظهرت في القرن الأول الميلادي، مع اليهود المتنصرين الجدد وخلقت إرباكًا في الرسالة الإنجيلية، ما اقتضى ردعَها وإدانتَها من قبل الرسل وتلاميذهم من بعدهم. ويقول أبيفانوس أسقف قبرص من أواخر القرن الرابع (310-403م) بحقهم، أنهم" ليسوا مسيحيين ولا يهود ولا وثنيين، بل هم يقفون في منتصف الطريق، فليسوا هم شيئًا". ويضيف المؤرخ يوسابيوس القيصري: "لقد دُعوا أبيونيين، لأنهم اعتقدوا في المسيح اعتقادات فقيرة ووضعية، فهم اعتبروه إنسانًا بسيطًا عاديًا قد تبرّرَ فقط بسبب فضيلتِه السامية، وكان ثمرةً لاجتماعٍ رجلٍ معيّن مع مريم. وفي اعتقادهم أنّ الاحتفاظ بالناموس الطقسيّ ضرورة جدًّا، على أساس أنهم لا يستطيعون أن يخلصوا بالإيمان بالمسيح فقط وبحياة مماثلة". والقديس إيرونيموس يقول مخاطبًا القديس أغسطينوس في إحدى رسائلِه: " ماذا أقول عن الأبيونيين الذين يدّعون أنهم مسيحيون؟ أرادوا أن يكونوا يهودًا ومسيحيين في وقت واحد، وما استطاعوا لأن يكونوا يهودًا أو مسيحيين". وهذا كلامٌ واضحٌ على ضحالة إيمان أتباع هذه البدعة التي كان عليها القس ورقة بن نوفل وأتباعُه في الجزيرة العربية أيام رسول الإسلام. وقد انقرضت تمامًا.
 مّا لا شكَّ فيه، أن أحد زعماء هذه البدعة كان القس ورقة بن نوفل الذي لعبَ دورًا رائدًا في ظهور الدين الجديد المتمثل بالإسلام. فهذه البدعة التي لم تكن تعترف سوى بإنجيل متى العبرانيّ، كانت تدين هي الأخرى ب "النصرانية" بدعةً وليس عقيدة مسيحية رسولية. أي أنَّ عقيدتُها كانت ناقصة، من حيث خروجها عن تعاليم المسيح والرسل من بعده، كما وردت في الأناجيل الأربعة الصحيحة التي حافظت على مصداقيتها وصحتها من تأثيرات جماعات منتفعة وخارجة عن التعاليم الرسولية الصحيحة. ف"النصرانية"، التي أتت بها الأناجيل المنحولة، هي التي يقصدها ويتحدث عنها القرآن حتمًا، وليس المسيحية الأصيلة في تعاليمها الأولية. وهذا ما يشيرُ إليه أبيفانوس أيضًا في موقع آخر، الذي "يعدّ النصارى في ذلك الزمن، بأنهم هراطقة ينحدرون من أصل يهوديّ، بعد تنصّرهم، مع التأكيد على تمسكهم بعيش الشريعة اليهودية وتطبيقها، معتبرين أن الإيمان ليس كافيًا للخلاص وأنّ المسيح ليس الله!". وهذا ما يؤكده آباء الكنيسة من أنَّ الكثير من نصارى الجزيرة العربية، لم يكونوا مستقيمي العقيدة، وإنّ إيمانَهم كان ناقصًا لعدم اعترافهم بآلوهية المسيح وبكونِه ابنّه الوحيد، إلهًا وإنسانًا في ذات الوقت، ومساوٍ للآب في الجوهر، كما تقول العقيدة المسيحية المستقيمة. ويرى ذات المعنى فيما ذهبنا إليه، الحسنُ البصري، بقوله: "أنهم (أي النصارى) ابتدعوا النصرانية وتسموا بها، ولم يكونوا على منهاج الذين اتبعوا المسيح في زمانه من الحواريين".
ومع قدوم الفاتح الجديد المتمثل بالإسلام، حاول المسيحيون التأقلم مع الوضع الجديد، ودخلوا فيما بعد، في دواوين الخلفاء وفي الخدمات العامة، وارتقوا مناصب مهمة، ونقلوا حضارة اليونان والفرس والهنود عبر تآليفهم وتراجمهم الكثيرة وعبر التطبيب والعلوم والفلسفة والحكمة التي مارسوها من دون منازع. فكانوا أهل ثقة الخلفاء والولاة والأشراف في العمل والعبادة والأمانة والمحبة، أينما حلّوا وارتحلوا. كما حافظوا على كنائسهم وعباداتهم ومواسمهم في المناسبات والأعياد. بل إنّ الكثير من الخلفاء والوزراء وأتباع الإسلام، كانوا يشاركون في مثل هذه المناسبات، بل صاروا يتقنون السلام بالسريانية، ويقولون (بارخمور، أي بارك يا سيّد)، كما يشير إلى هذا ابن العبري، بل واصبحوا يدركون معاني الديانة المسيحية وأسرارها.
كما قامت مناظرات جدلية صريحة بين الطرفين، مثل المناظرة المشهورة للخليفة المهدي مع البطريرك طيماثاوس الأول الشهيرة. وهذا ما يفسّر التلاقح بين الديانتين المسيحية والإسلام في بطون القرنين الأول والثاني لقدوم الفاتح الجديد للمنطقة. إلاّ أن الحالة الطيبة لعموم المسيحيين، لم تسرْ دومًا ضمن هذا السياق الهادئ المتسامح. بل شهدت اعتراضات وكبوات كثيرة قائمة على تطبيق حرفيّ لما أوردته آياتٌ قرآنية مدنية ناسخة تقلّل من شأن المسيحيين (النصارى بالتعميم) ومن ديانتهم، وترفض توليتهم في مواقع الدولة. بل شهدت المسيحية وماتزال ونحن في الألفية الثالثة، اضطهادات عديدة وتصفياتٍ بحدّ السيف أو أداء الجزية المهينة أو إنكار الدّين والتحول للإسلام، استنادًا لما كان أورده القرآن بحقهم في حقبة غابرة معينة من الزمان، تختلف تمامًا عمّا تعيشه الإنسانية اليوم من تحوّلات ورقيّ وتطور علمي وتكنلوجي، لا يمكن أن يعود بها الزمن إلى أيام الجهل والظلامية والقتل والسيف والفوضى. وليسَ هناكَ من قادرٍ أو شجاعٍ أو مجازف لتبيان أنّ طبيعة الحياة قبل أكثر من خمسة عشر قرنًا وكذا طبيعة الشعوب والوضع الاجتماعي تختلف تمامًا عن أيامنا، بسبب تطور العصر وزيادة القدرات البشرية والعلمية والفكرية هذه، بل وفي نوعيّة البشر.

-   يتبع الجزء الثالث والأخير

35
أوربا: هل هي بحاجة إلى إعادة بناء؟
بغداد، في 28 كانون أول 2106
لويس إقليمس
يبدو أن القارة الأوربية، ستظلّ في مرمى الإرهاب الدولي المتنامي الذي رأى فيها خير حاضنة لمؤيديه، وأفضل أرضية خصبة لتنفيذ عملياته الدموية المتزايدة، طالما بقيت الأسباب والذرائع قائمة. وهناك مَن يعتقد أنها هي التي جنت على نفسها، كما فعلت "براقش"، حين بادرت لاحتضان عددٍ غير منظورٍ من المتسلّلين، بينهم متشدّدون ومتطرّفون، عبر موجات الهجرة الكاسحة، المنظمة منها وغير المنظمة، وإيواء غيرهم من المغضوب عليهم في بلدانهم على يد حكامهم المتسلّطين. فهؤلاء أصبحوا قنابل موقوتة، قد تنذر بالانفجار في أية لحظة حينما تتسنى الفرصة. وأوربا عمومًا، يُؤخذُ عليها، تنفيذُها برامج إعادة توطين عشوائية لم تأخذ في نظر الحسبان خلفياتِ بعض هؤلاء المنغمسين في أعمال الجريمة المنظمة والكراهية المتنامية ضدّ كلّ شيء فيها وفي تركيبتها الغربية الحضارية التي تحملُ بصماتِ أخلاق لا ينتمي إليها أصحاب هذا الفكر المنحرف. فالإرهابيون ضمن منهجهم هذا، يَعدّون القارة العجوز أرضًا صليبية واجبة الجهاد والقضاء عليها وعلى عقيدتها، بالرغم من أنّ معظم بلدانها لا تعير للدين وللمعتقد اهتمامًا في أنظمتها ودساتيرها العلمانية، بحيث يخجل حكامُها أحيانًا أو يتهرّبون أحيانًا أخرى، حتى من ذكر اسم الله في حياتهم العامة والخاصة وفي العمل والشارع. 
إنَّ تنامي المنهجَ التكفيري الذي يحملُه الإرهابيون من أصحاب الفكر المنحرف، ضدّ كلّ مَن يختلف معهم في المنهج والرؤية والتطبيق للعقيدة التي يؤمنون بها، قد جعله في تصاعد متنامٍ بسبب غياب وسائل الردعٍ الدوليّة الصارمة ضدّ انتشاره الواسع وتهيئة الأرضية له من قبل دول كبرى قوية الاقتصاد، لاستخدامه ورقة في شنّ النزاعات من أجل تحقيق مصالح قومية ضيقة تخدم أسياد هذه البلدان الاستكبارية. كما ساهم في جبروته واتساع رقعة عملياته وتوسعة مشاريعه، الدعم اللاّمحدود الذي قدّمته وما تزالُ تقدّمه بعض الدول الراعية والجهات الممولة والساندة له، ومن ضمنها مراجع دينية غير رصينة وشيوخ الكراهية والقتل، الذين يساهمون في غسل أدمغة البسطاء من الشباب المغرَّر بهم بذرائع خرافية بنوال الجنّة وحور العين ومن العذارى ما طابَ لهم ومن حلقات الخمر الطيب، في حلقات الجوامع والمراكز الدينية غير المرصودة التي لا تخضع للرقابة.
ليلة الثلاثاء 20 كانون أول 2016، تكرّرَ ذات الفعل الإرهابي في برلين الألمانية، بطابعه العنصريّ المتنامي، لشبيه الجريمة التي اقترفت في مناطق أخرى من أوربا، ومنها مدينة نيس الفرنسية قبل أشهر، وبالذات في 14 تموز من العام الجاري، ضدّ حشد من المواطنين الأبرياء كانوا يحتفلون بالعيد الوطني لفرنسا. في حينها، راح ضحية ذلك الاعتداء الإجراميّ، 86 قتيلاً وأكثر من 400 جريح، لتضاف إلى قافلة قتلى سبقوهم قبل عام في أحداثٍ شهدتها مدنٌ فرنسية أخرى، لا تقلّ مأساوية حين حصدت أكثر من 230 قتيلاً أيضًا. وبالرغم من ضآلة الضحايا في اعتداء برلين، حيث تتحدث مصادر عن مقتل 12 شخصًا فقط وجرح أكثر من 40 آخرين في عملية دهس بشاحنة اقتحمت سوقًا تحتفل تقليديًا بعيد الميلاد، إلاّ أنَّ الحادثة الجديدة، قد أعادت مرة أخرى، أشكالاً من مشاعر الغضب والرعب والاحتجاج على سياسات بلدان الاتحاد الأوربي غير المنضبطة، ولاسيّما سياستَها في استقبال موجات اللاجئين من دون تمحيص للهوية أو اهتمام بالنوعيّة، من الذين لا تعنيهم فكرةُ الاندماج التي تتوخاها بلدان المنظومة الأوربية في سياساتها وفي توقعاتها الخاطئة. فجلُّ اهتمام أصحاب الفكر المنحرف من المتسللين ما بين اللاجئين االفارّين من بلدانهم التعبانة، غزوةُ بلد الكفّار والعيش فيها أفرادًا وجماعاتٍ على هامش المجتمع ما طابَ لهم، ليكونوا عالّة على دافعي الضرائب وحكوماتهم المهزوزة، اقتناصًا لأية فرصة سانحة للسطو على الحكم فيها متى ما زادت أعدادُهم واستقووا بمواردهم البشرية التي لا تعنى بالنوعية بل بالعدد والكمية.
مثل هذه السياسات المتراخية أحيانًا، وغير المتزنة في أخرى كثيرة، من جانب حكومات بعض الأقطار الأوربية والأحزاب القائمة في السلطة، بحاجة دائمة وجادّة للمراجعة والتغيير بحسب المستجدات والهواجس والأحداث، قراءةً لواقع الحال وفي مواجهة ما يصدر من عربدات ووثائق وتغريدات ومروّجات منشورة، السمعية منها والبصرية والمرئية، عن هذه التنظيمات الإرهابية الدولية. وهذا ما يدعو ساسة وعقلاء هذه البلدان المتحضّرة لإجراء مراجعة شاملة لسياساتها وخططها وبرامجها بهدف احتواء الضعيف منها واتخاذ خطوات جادّة تهتمّ بمصالح شعوبها قبل أي شيء.
صحيحٌ أنّ الأسس القائمة عليها القارة العجوز، تقليدية وقوية وراسخة. لكنّ الأساس الذي لا يُصانُ بعناية في كلّ موجة مطر قوية، وبردٍ قارسٍ، وعاصفة شديدة، يمكن أن يتآكلَ بفعل عوامل التعرية العولمية القائمة والتجريف السياسيّ والاجتماعيّ الذي بإمكانه تقويض أكبر ممالك العالم، مهما تجبّرت واعتدّت وتفاخرت. فإذا كانت بلدان هذه القارة الجميلة ترى في بنائها الديمقراطي "العلماني"، طريقًا آمنًا لمستقبل أجيالها من دون مراعاة ما يُحاك ضدّ تركيبتها وبنيتها المجتمعية من دسائس من قبل الطامعين من أصحاب الأفكار المنحرفة، فهي مخطئة وعليها أن تدرك مدى خطورة هذه كلها. أمّا ما تراه من جانبٍ واحد، من مساهمتها المميزة في تغيير الزمن وتسريع العلوم والتكنلوجيا وفرض العولمة وقوانينها وفق مقاساتها، فهذه جميعًا تصبّ اليوم في خانة مستقبلٍ غامض مشكوك فيه وسط ضبابٍ كثيفٍ أحالَ فكرة سعادتها التقليدية إلى كابوس أمنيّ لن تتوقف آثارُه عند حدود ما تشهدُه من عمليات إرهابية، فحسب. وعليها أن تعي حجم هذه الاثار وتبادر إلى دراسة موجباتها الإشكالية، فتجد لها ما يوازي هذه المشاكل من حلول فاعلة لا تتقيّد بعاملَي الحرية والديمقراطية اللذين أصبحا شمّاعة تعلّق عليهما تراجعها ونهيَها عن اتخاذ ما يلزم بل ما يحتّم من إجراءات احترازية. وهذا ما يوصيها بالعودة إلى الينابيع الأولى التي أُقيمت عليها هذه الأسسُ التقليدية القوية المميَّزة. وإذا اعتقدت جزافًا، أنَّ دارَها مازالَ محتفظًا بصلابته وتماسكه، فإنّ صورتها اليوم، قد اهتزّت، وسقف دارها منذِرٌ بالسقوط فيما لم يعد شكلُها مقبولاً، كما كان بالأمس. فالمواطن الأوربي الأصيل، بدأ يعي حجم التحديات التي تنغّص حياته، وهو أيضًا مثلنا في الشرق بعض الشيء، لم يعد يشعر بالأمان وهو في العمل أو الشارع أو حتى في داره أو مصلحته.
إنّ الإرهاب وأدواتِه قد تمكنوا من اختراق أبواب أوربا من أوسعها عندما رضخ الساسة فيها ومَن في الحكم، لتهديدات مصدّري الإرهاب المعروفين، ومَن على شاكلتهم بفتحهم هذه الأبواب مشرعة، بحجة تفادي صِدامِ معيّن أو حفاظًا على مصالح قومية أو آنية أو شخصية. فنالوا بذلك، موقفًا معارضًا بعض الشيء، بل متشدّدًا أحيانًا، من شرائح في مجتمعاتهم الشعبوية التي زاد قلقُها على مصيرها وحياتها وهويتها الوطنية المهدّدة بفعل مثل هذه التنازلات غير المبرّرة. ومن المؤسف، صدور دعوات من مستويات سياسية عالية في السلطة، تستجدي مواطني بلدانها بعدم النزوع إلى شكوك بمَن تحوم حولهم رعاية الإرهاب وتمويله وتصديره، بالرغم من وضوح الرؤية وبروز الوقائع.
اليوم تقف أوربا أمام تحديات كبيرة، زادت من همومها في مواجهتها، بعد أن تنوعت وتشعبت وأخذت مسارًا ممنهجًا بدقة وعناية. فالهجمة الشرسة التي تضربها بين فترة وأخرى في عقر دارها، في المجال الأمنيّ قبل كلّ شيء، قد دقّت في دوائرها ومؤسساتها المتطورة ناقوسَ الخطر. وهي اليوم في موقف لا يُحسد عليه، بالرغم من التعاطف الدولي الذي يحيطُ بها، حتى من الدول والزعامات التي تخرّجت منها مدارس الإرهاب، تمويلاً وتدريبًا وعقيدة. فعندما يتمكن السارق من دخول بيت آمن ويعبث بممتلكات صاحب الدار ويسرق ويغتصب ويقتل ويختفي من دون رقيب ولا حسيب، فهذه قمّة الضعف وبداية الانحدار نحو الهاوية.
في تفكير الغرب المتقدّم الراسخ على مبادئ إنسانية وأخلاقية تسامحية تربى عليها منذ قرون بفعل التربية المسيحية التقليدية، هناك نوع من اللامبالاة في الأحداث الدراماتيكية التي تحلّ عليها بين فترة وأخرى. أو لنقل بعبارة أكثر دقة، هناك تقليلٌ من وطأة ما يحصل لها بفعل الاختراقات الأمنية، بالرغم من جسامة الفعل والحصيلة وما يترتب على ذلك من هزّة إعلامية تُجنّد لها مؤسسات وتُعقد مؤتمرات واجتماعات وتتوالى لقاءات لكشف الدليل والوقوف على المستور. فالزعاماتُ ومعها دوائرُ دولهم الاستخباراتية، تنفعل وتنشط وتغضبُ حينًا، ثمّ تهدأ مع هدوء العاصفة. ربما، تلكم هي من بركات الخالق الذي منح البشر نعمة النسيان والعفو عمّا سلف!
لقد نعمت أوربا عمومًا، بشيء كبيرٍ من الاستقرار النسبي لسنوات طوال، منذ نهاية الحرب الكونية الثانية، حيث تعمّرت بعد دمار رهيب، وسادها الرفاه والسعادة بفعل دفع عجلتها الاقتصادية وتطورّ إنتاجها وإصدار قوانين تمتثل لدساتير تأخذ في نظرها القيم الإنسانية العليا في أقصى تجلياتها. وفي السنوات الأخيرة، زادت أزماتُها الاقتصادية، كما ارتفعت فيها أعمال الإرهاب والتخريب والجريمة، بفعل سياسات غير متزنة في معالجة الثغرات والمشاكل. فساهمت بطريقة أو بأخرى، ببروز تنظيمات متطرفة، كان الغربُ نفسُه مسؤولاً عن إخراجها إلى مواقع العمل الحقليّ وإلى تزايدها وتنوعها، ما أدخلَها في حالة إنذار وطوارئ يحتّم عليها اتخاذ المزيد من الحذر ووسائل الدفاع لمواجهة هذه الأدوات الغريبة عنها.
لكن، تبقى الأسس التي بفضلها ما تزال هذه الدول تقود شعوبَها بامتياز حضاري، هي الأساس في تواصل تقدّمها وحضارتها ورسم أبعاد خططها للحياة والسيادة بالرغم من كلّ التحديات والهموم. وهذا هو الأساس في نهاية المطاف. فالديمقراطية التي تنعم بها، على اختلاف خلفياتها ومبادئها وتطبيقاتها، قد مكنتها من تطوّر أنظمتها وتحديث علومها وتقنياتها المتسارعة باستمرار، في كل يوم بل في كلّ ساعة، ومنها تبنّيها سياسة العولمة التي أرادت بها فتح الحدود على مصاريعها وجعل العالم مطواعًا سهلَ الانقياد والمرور في تنقل البشر والمادة والمنتج من مجمل هذه جميعًا. بالمقابل، هذا التطور قد جلب نتائج لم تكن في الحسبان، عندما ازدادت كثبان الصحارى الفكرية المترعة بضباب كثيف زاد من وطأة جمال الرؤية ومديات التفاعل المجتمعي والإنساني التي ارتبكت أسسها هي الأخرى، بسبب تنامي تراجع أركانه، التي من بين أسبابها، فساد الساسة وسطوة دكتاتوريات الجمهوريات والممالك والإمارات التي أعاقت فكرة تطوير ما هو متخلّف.   
    هناك مَن يعتقد، أنَّ بداية الانحدار في سلّم الاستقرار الغربيّ في عمومه، قد أشرتها أحداث الحادي عشر من أيلول 2001. وحينها دخلت أوربا مثل أمريكا، في غرفة عمليات بالسهر الاضطراري على مصالحها وكياناتها وحكوماتها ومؤسساتها ومواطنيها على السواء. لكنّها لم تستطع قطّ، إحكام قبضتها على مقاليد الأمور، بالرغم من اتساع رقعة المراقبة عندها وتنوّع أدواتها وزيادة ملاكاتها الاستخباراتية وميزانياتها الوطنية في مجال الأمن والمراقبة. والسبب واضح لا غبارَ عليه، وهو تطوّر الأدوات التي يستخدمها العدوّ اللدود الجديد، الإرهاب الدوليّ المتنامي، ردًّا على سياسات غير مقبولة أو على أحقاد دفينة لما اقترفه الغرب إزاء دولٍ سبق له استعمارها واستغلالها ونهب مواردها وسلب حرياتها وحقوق شعوبها لسنوات.
أخيرًا، عندما يتساءل العاقل، هل يمكن إعادة عقارب الساعة إلى ما كانت عليه بالأمس؟ هنا، لا يمكن أن نسمع ما هو إيجابيّ في الموضوع، لأنّ إعادة الماضي غير ممكن من جميع النواحي، التاريخية والجغرافية والطبيعية والاجتماعية وحتى الجيوسياسية. وهذا يعني أيضًا، أنّ الفكرة بإعادة البناء، مهما دخلتها جوانب تطويرية واحترازية، فهي تبقى في ضمير المحتمل غير قابلة التطبيق من منطلق التكامل والنجاح، مهما بلغت الجهود والتخصيصات والمروّجات.


36
مسيحيّون أمْ نصارى؟
الجزء الأول 1/ 3
لويس إقليمس

مسيحيون أم نصارى؟ لفظتان تثيران لغطًا كبيرًا وإرباكًا واضحًا في صفوف أتباع الديانة المسيحية وسواهم على السواء. فالنصارى المذكورون في القرآن والمقصود بهم في آياتٍ عديدة، ليسوا البتة من المسيحيين الحقيقيين. بل يُقصد بهم أتباع إحدى البدع التي استفادت من بعض مبادئ المسيحية آنذاك واستغلّت هذه الصفة في تعاملِها مع المحيط الذي ظهرت فيه الرسالة المحمدية، مستفيدة من خلافات إدارية كنسية وديرية لنفرٍ من الرهبان خرجوا عن طاعة تعاليم كنائسهم وأديرتهم ليشكلوا أمثال هذه البدعة في أرضية كانت مهيّأة لتسهيل خروجهم عن عصا الطاعة. ومن ثمّ فالتسمية الشائعة عن المسيحيين بكونهم نصارى، خاطئة. وقد جلبت لهم هذه، مآسي كثيرة وسوء فهمٍ من لدن إخوتِهم المسلمين، حين تفسير الأغلبية للنصوص التي يأتي القرآن على ذكرهم فيها في كيفية التعامل معهم، ولاسيّما في الآيات المدنية الناسخة لسابقاتِها المكّية للأسباب التي سنأتي على ذكرها.
فالحقيقة المخفية، هي في الجهل القائم في التفريق بين نصرانية الأمس أيام نشأة الإسلام وبين المسيحية الرسولية على حقيقتِها المطلقة، كما وردت في الأناجيل الأربعة الرسمية وكما نقلها التقليد وقصص التلاميذ الحواريين والرسل مع بدء انتشار المسيحية. وهذا يقابلُه جهلٌ آخر في الإسلام الذي أتى به الرسول محمد وبين إسلام اليوم، ولاسيما في التطبيق، دون الأخذ بنظر الاعتبار أوضاعَ وطبيعةَ أهلِ الأمس وسيرتَهم وأحوالَهم والظروف التي أحلّت نشأة الإسلام ومصدر الوحي (ونقصد به القس ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن قصي، عمّ السيدة خديجة، زوجة الرسول محمد الأولى والوحيدة على أيام عمّها القس)، الذي بانتهائه وموته انقطع الوحي فترةً، وتغير بعده شكلُ نزول الآيات، وغاياتها ومقاصدها. فالإسلام، كما يرى المؤرخون قد نشأ ونما على أنقاض النصرانية التي كانت معروفة في مكّة والجزيرة آنذاك. وهذه كانت ديانة مشوّهة عن المسيحية الحقيقية، أراد بها القس ورقة، وبسبب قرابته من السيدة خديجة، أنْ يجمع شتاتَ أهل مكّة الموزَّعين بين بدع وأحزاب ونحل كثيرة في دين واحد وتحت راية زعيم واحد، هو الرسول محمد، الذي حثَّ وجاهدَ من أجل تهيئتِه لهذه المهمة الصعبة. وهذه حقيقة تاريخية لمن يرغب في البحث عنها في بطون الكتب والمؤلفات التقاة.
 في هذا السرد التوضيحي البسيط، سنحاول أن نكتشف مَنْ همْ المسيحيون، وعلى مَن أُطلقت تسمية النصارى؟ وذلك تفسيرًا للفظتين وتوضيحًا لما قد يفيد في هذا الشأن، تحاشيًا لكلّ سوء فهمٍ وغموض معنى.

من هم المسيحيون؟
ألمسيحيون، ومن دلالة التسمية ذاتها، هم أتباع المسيح، يسوع الناصري (ناصرة الجليل بفلسطين)، التي ينتسب إليها بسبب عيشِه فيها سنوات عديدة. ومن هذه الأخيرة، جاءت تسمية يسوع ب "الناصري" أيضًا، لكونها كانت كورتَه وبلدتًه. وقد كانت هذه التسمية تحمل شيئًا من الاحتقار والدونية في ذلك الوقت، بسبب انتماء الناصرة إلى منطقة الجليل. والمعروف عن الجليليين، أنهم كانوا شعبًا خشنَ المعشر وغير لطفاء. والمسيح الذي عُرف لدى اليهود ب "ماشيحا"، كما تسمّيه الآرامية القديمة و "مشيحا أو مشيحو" بالسريانية، كان يهوديًا، وقد عاش ديانتَه اليهودية بحسب الشريعة وطبّقها كسائر أبناء جلدتِه لحين بلوغِه سنَّ الرسالة في الثلاثين من عمرِه. والمسيح لم يأتي ليحلَّ الناموس والأنبياء، بل ليتمّمَهم (متى5: 17). وكلمة "المسيح" تعني الشخص الممسوح للرب بالدهن المقدّس، والمقتصر على الملوك والكهنة والأنبياء حصرًا، وهي صفاتٌ ثلاث اتسمَ بها المسيح، كما تنبأ بذلك، الأنبياءُ قبلَه وأعلنوا عن قدومِه في ملء الزمان. ومازال اليهود في ضلالتِهم بحسب تلمودِهم، في انتظار هذا "الماشيحا" مخلّصًا لهم، لعدم إيمانهم به حين وافاهم مولودًا في مغارة، بسبب نفاقهم وقساوة قلوبِهم وعماوة عقولِهم وسخافةِ أفكارِهم، ذلك لأنّهم كانوا يريدونه مسيحًا ملكًا دنيويًا يتولى تقويض أركان الإمبراطورية الرومانية ويخلّص الشعب اليهودي من جبروتها وقسوتها وظلمها آنذاك. ومن ثمَّ لم يستوعبوا ما ذُكرَ في كتبهم على أيدي الأنبياء.
المسيحية، ديانة تاريخية، أسسها المسيح. ومن ثمّ فليست أيديولوجيا أو بنية فكرية أو فلسفة دخلت المجتمع من باب التبجّح أو الزوغان عن الطريق الصحيح أو لتحريف دين. بل وُلدت مع ولادة المسيح مؤسِّسها، الذي شاء التجسّد بشخص إنسان لينقذ هذا الإنسان ويصالحَ البشر مع اللّه بهذا التجسد، ومن ثمّ الموت، شرَّ ميتة، مصلوبًا بسبب حبّه الكبير لبني البشر، وفقًا للمشروع الخلاصيّ، وتمامًا كما تنبّأ به الأنبياء في العهد القديم من أجل تأسيس ملكوت سماويّ.
 كانت ولادة المسيح، في بيت لحم أفراطَ باليهودية في مذودٍ وضيع، حينما لم يجد والداهُ، يوسف النجار ومريم العذراء، وهما في طريقهما للاكتتاب العام، مكانًا لتلدَ فيه ابنَها البكر يسوع. وجاءَ في بشارة الولادة أنّ ملوكًا من الشرق رأوا نجمَ وليدٍ عجيبٍ وملكٍ عظيمٍ، فجاؤوا للسجود له في موقع المذود حيث وُلد. وقد شاهدوا وعاينوا بساطة الربّ الإله، "ملك إسرائيل" وليدًا بين حيوانين، ليتمّ ما قيل في الكتاب المقدّس، " الثور والحمارُ عرفا ربَّهما، وأمّا إسرائيل، فلمْ تعرفْهُ"، دليلاً مادّيًا على جحود شعب إسرائيل لربّه الذي رافقه في خروجِه من مصر وأنقذَه من سلطان فرعون وأعانَه في سبيِه في بابل.
عاشَ المسيحُ رسالتَه في فلسطين لثلاث سنوات، أمضاها في التبشير والتعليم. واختارَ اثني عشرَ تلميذًا لمرافقتِه، أغلبُهم من بسطاء الناس، وعلى رأسهم الصيّاد "بطرس"، الذي بشّره المسيحُ أنّه سيصيرُ صيّادًا للناس، وهامةَ الرسل. ولكي يتمّ الكتاب وتتحقّق أقوالُ الأنبياء التي تنبأت به وبالمشروع الخلاصيّ، وكي تكتمل إرادةُ الآب السماويّ أبيه، اتهمَهُ اليهود بنقض شريعتِهم وبالتجديف بكونِه إلهًا، ممّا كان يستوجبُ الموت. فالمسيح، لم يتحمّل أن يتحوّل هيكلُ الله (الهيكل الذي بناه سليمان الملك) المخصَّص لعبادة اليهود لإلههم، إلى مغارة للتجارة واللصوصية في وضح النار. فما كان منه إلاّ أن أعملَ السوط وطردَ الباعة من الهيكل، ما أغاض اليهود ورؤساءَهم.
وبسبب الفوضى هذه التي أتى بها المسيح لتنظيف بيت الّله، والأعاجيب الكبيرة التي اجترحَها في صفوف الشعب اليهوديّ في سنيّ رسالتِه الثلاث، ولما شكّله ذلك من غيضٍ في صفوف الطبقة الحاكمة المتمثلة برؤساء الكهنة والفريسيين والمشايخ الذين رفضوا ما أتى به من شريعة جديدة مكمّلة لسابقتِها، شريعة تنتقد وترفضُ وتكشف أعمالَهم الخبيثة وابتعادَهم عن الوعد والعهد الذي قطعهُ الله، إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، لذا اتجهوا لاتهامِه بالتجديف والخروج عن المألوف وبمنافسة القيصر الرومانيّ آنذاك. فوشوا به لدى الحاكم الروماني بيلاطس الذي قضى بموتِه، بالرغم من عدم اقتناعِه بالأسباب التي قدّمها رؤساء اليهود ضدَّه. لم يقتلْهُ بنفسِه، بل سلّمَه إياهُم، غاسلاً أيديَه أمام الشعب اليهوديّ في دار الولاية، دلالةً على براءة المتّهم من ذنبٍ لم يقترفه وتبرئةً لشخصِه من الحكم الذي اضطرّ للنطق به لترضية اليهود. وبعد صلبِه يوم الجمعة العظيمة، اظلمّت السماء وكسفت الشمس، لأنّ ملكًا عظيمًا، هو يسوع المسيح، "إبنُ اللّه" (الأقنوم الثاني)، قد مات! وقد دُفن في قبرٍ جديد، تبرّعَ به أحدُ سادة اليهود من الأشراف. وبعد ثلاثة ايامٍ قامَ من القبر بإرادة الّله أبيه، وظهر للمريمات وللرسل مرارًا، حتى صعودِه إلى السماء في يوم الأربعين. وهنا ظلَّ التلاميذ والرسل في حيرة منكمشين على ذواتِهم ومختفين خائفين، لحين انقضاء اليوم الخمسينيّ الذي فيه نزل الفارقليط (المعزّي)، أي الروح القدس عليهم، كما كانَ وعدَهم المسيح، ليقوّي من إيمانهم ويثبّتَ من عزمهم ويشجّعهم على إكمال رسالتِه على الأرض من بعده. وهكذا، بعد امتلائِهم من الروح القدس والنار التي حلّتْ عليهم، أخذوا يبشرون بالإنجيل وبيسوع المسيح مخلّصًا للبشر. فطافوا في أرجاء فلسطين، حيث مسقط رأسهم وموطن سيدهم، ثمّ تبلبلوا وانتشروا في أرجاء المسكونة كلّها. فنمت المسيحية وانتشرت، بفضلهم، وهم كانوا من أبسط الناس. لكّن الروح القدس حوّلهم إلى دعاة شجعان للإنجيل وأصحابِ حجّة قوية، لهم قضيّة وهي نشر بشارة المحبة والسلام والمسرّة وسط الناس. وكان لاهتداء شاول الطرسوسيّ (بولس الرسول)، ذلك الفرّيسي العنيد، الذي حاربَ المسيح في بداية التبشير الرسوليّ، الأثر الكبير في سرعة انتشار المسيحية خارج المناطق اليهودية، وفي عموم أرجاء الإمبراطورية الرومانية، لأنّه كان مواطنًا رومانيًا ايضًا.
بعد سنواتٍ من التبشير بالدّين الجديد، بدأت تسمية المسيحية (ويقالُ إنّ أول تسمية للمسيحية صدرت من كنيسة أنطاكية)، حيث عُرف أتباعَ المسيح بها وليسَ بغيرِها، تحقيرًا لهم في البداية ونكايةً بمَن كان يهتدي إلى الديانة الجديدة المحظورة آنذاك من الإمبراطورية الرومانية التي ناصبتها العداء في بداية انطلاقِها. ولمْ يكن المسيحيون الأوائل يهابون السلطات ولا الموت، بل عاشوا متآزرين ومتعاضدين لبعضهم البعض. بل إنّهم طبقوا نوعًا من النظام الاشتراكي في حياتِهم المشتركة اليومية على عهد الرسل والتلاميذ الأوائل، كما يشير كتاب أعمال الرسل. ولم يأنفوا أو يخجلوا من هذه التسمية التي كانوا يُنعتون بها بغرض التهكّم والتحقير أحيانًا كثيرة، حيث اعتبروا صليبَ المسيح فخرًا ووسامًا، بحسب قول رسول الأمم بولس الرسول: "وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ." (غلاطية 5،14) وكانت السمكة رمزًا لوجودِهم وبقائِهم ورسالتِهم.
واليوم، تُعدّ المسيحية من أكثر الديانات انتشارًا في العالم، ويفتخرُ أتباعُها بكونِهم من المؤمنين بالّله وابنِه الوحيد الذي سُرَّ به، ذبيحةً حيةً من أجل خلاص العالم، ومن حاملي بشرى السلام والمحبة التي هي من أهمّ وصايا ربّهم المسيح التي أوصاهُم بها. فهي تُعدّ أكثر من ملياري ونصف نسمة منتشرة في عموم القارات وبلدانها المترامية.

مشتركات للديانات التوحيدية الثلاث
لم تخرج المسيحية عن الاعتقاد اليهودي بإله واحد، كما تشير إليه نصوص الكتب المعترف بها في العهد القديم، أي التوراة. جاء في سفر تثنية الاشتراع مثلاً "الرب هو الله، وليس إله سواه" (تثنية 4: 35 ). وهذا ما أكدته تعاليم المسيحية التي تُختصر بقانون الإيمان الواحد "نؤمن بإله واحد، آبٍ ضابط الكلّ، خالق السماء والأرض، كلّ ما يُرى وما لا يُرى). وهذا ما يؤكّده القديس بولس في رسالتِه إلى أفسس "للجميع رب واحد، ومعمودية واحدة، وإله واحد، وآب واحد هو فوق الجميع ومع الجميع وفي الجميع" (أفسس 4:5-6). وجاء في القرآن في سورة الإخلاص أيضًا، ما يؤكد وحدانية الله " قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤًا أحد" (112: 1-4).
في الديانات الثلاث، أي اليهودية والمسيحية والإسلام، مشتركات إيمانية عميقة توحي بل تؤكد نفيًا قاطعًا لأية علامات للشرك بالإله الواحد، خالق الكون وما فيه من عناصر. كما تتجسد سمات الحب والرحمة والغفران والقوة والعظمة في سلوك الإله الذي يؤمن به أتباع هذه الثلاث من دون اختلاف، إذا عدنا في الأساس إلى الإيمان الأولي من دون تشويه. فالله "هو الحكم والحاكم، وهو العدل المقسط، يحب البر والعدل"، كما يقول المزمّر داود النبي (سفر المزامير 32:5). هناك إذن إجماع، على عدل الله وحكمه في يوم الدّين، ومن وجودٍ للثواب والعقاب والجنّة والنار، مع اختلاف الرؤية والتصوّر، ربما. وأيًا كان الاختلاف، فالموصى به عدمُ الخروج عن مشيئة الله وعبادته وإطاعة إرادته، لكونه خالق البشر جميعًا أحرارًا ومتساوين في حق الفكر والرأي والحركة. ولاريبَ في المسيحية، أن وصلت الطاعة للمسيح وفي اتّباع تعاليمه حدَّ الاستشهاد، أيامَ الاضطهادات منذ بدء تاريخ المسيحية ولغاية اليوم.
الأديان الثلاثة تتحدث عن مسألة الثواب والعقاب للأعمال التي يستحقها كلّ إنسان في حياته الفانية القصيرة على الأرض، ومنها إيمانُه بالحياة الأبدية وبوجودٍ للآخرة حيث الحاكم الديّان، إله البشر، ينطقُ حكمَه على الأبرار والأشرار. فيذهبُ الأبرار إلى الملكوت والجنة (باختلاف شكلِها لدى أتباع الديانات)، فيما الأشرار يُدفعون إلى النار حيث الهاوية واصطلاؤهم بنيران جهنّم، جزاءَ أعمالِهم.
اليوم، ومن حيث المبدأ، هناك شبه اتفاق بين المتنورين في الديانات الثلاث وخارجها، على ضرورة احترام الآخر وعدم الازراء بالمفاهيم التي أتى بها كلّ دين، من الناحية الإنسانية والاجتماعية، انطلاقًا من حقيقة كون جميع البشر مخلوقين على صورة الله ومثالِه من أجل تمجيد اسمِه القدوس. كما يدعو العقلاء فيها إلى نشر مفاهيم التقارب والتآلف والمحبة والسلام والتعاون بين جميع الأديان وبين جميع البشر، مع الاحتفاظ، كلّ بخصوصياته ومبادئه وعقائدِه وقيمه وطريقة سلوكه باحترام المختلف وعدم التحريض، بل بجعل الحوار والتفاهم قاعدةً للعيش المشترك. فاللهُ واحدٌ للجميع!


-يتبع ج2 و3

37
سيدي البطريرك ساكو: كنيستُنا بحاجة لوحدة الصف والكلمة والموقف لا التشظّي والتشرذم والتباعد
بغداد، في 16 كانون ثاني 2017
لويس إقليمس
لو بحّت الأصوات وخفتت، فإنّ الأقلام الصادقة الشجاعة المؤمنة بمصلحة الشعب والوطن، والأمّة والمواطن، والكنيسة والجماعة، لن تركنَ الحقيقة المطلوبة جانبًا، أو تتخلّى عن الواقع المؤلم القائم، أو تغادر الطموح المرتجى.

 بمناسبة اللقاء الثالث لكهنة العراق الكلدان حول "التنشئة المستدامة" في عينكاوا 23-25/1/2017، كتب غبطة بطريك الكنيسة الكلدانية لويس ساكو، أفكارًا جميلة، "تعبر عن محبته للكنيسة والبلد والناس" بحسب وصفه، "كي يدرك المعنيون أبعادَ هذه الكلمات الجميلة ويتفاعلوا معها بعمق ومسؤوليّة".
ولعلَّ ممّا جاء أيضًأ من كلام منير، أنّ "كنيسة المسيح هي كلُّ المؤمنين الذين يجمعهم الروح الواحد في أخُوّة شاملة، ويجدِّدُهم يوميّاً حتى اكتمال بنوتهم لله أبيهم. الكلُّ أخوة، وتلاميذُ الرب الواحد، ولكلِّ واحدٍ موهبة خاصة للإسهام في بنيان الكنيسة (الجماعة)، مع التأكيد أن الرئاسة هي أبُوّة لضمان الوحدة والتنشئة، ورعاية لتسيير الأمور، لكنْ يبقى "الأكبر فيكم يكون لكم خادماً (متى 20/26). الأنسان ليس عظيمًا لأنه يحتلّ هذا المنصب أو ذاك، بل يبقى متميزاً عندما يرسم ملامحه الخاصة بعمله وجديّته ومثابرته ومحبته وبذل ذاته بفرح."
يسرّني أن أتخذ من هذا الكلام الجميل، مدخلاً لمقالتي بخصوص الحدث المؤلم المتمثل بانسحاب رئاسة الكنيسة الكلدانية من مجلس رؤساء الطوائف (الكنائس)، أيًا كانت الأسباب والحجج والذرائع. فالقرار صادم ووقعُه قاتل ونتائجُه أكثر ضررًا من فوائده. "مَن اشتهى الرئاسة، فقد اشتهى عملاً صالحًا". ولكن لهذه أصول وشروط وسياقات، لاسيّما ونحن نعيش في الزمن الصعب الذي فيه هويتنا ووجودُنا ومسقبلُنا المسيحي أصبح على المحكّ.

مرجعية مسيحية منشودة متعثّرة
أبدأُ حديثي بحقيقة ذي صلة بالقرار الصادم لرأس الكنيسة الكلدانية، ولابدّ أنه كان الخيار الصعب أمام رأسها، تاج رأس الجماعة المسيحية في عموم العراق، وليس للكلدان فحسب، تمامًا كما الجميع يوقّر ويحترم ويلثم أيادي سائر الرئاسات، كلّ حسب مقامه ورتبته وشخصه.
كتب العديدون فيما مضى، عن ضرورة قيام مرجعية مسيحية مستقلّة مدنية موحدة تتبناها الكنيسة ورئاساتُها في العراق، كي تتولّى المطالب الوطنية المشروعة الموحدة لشعبنا المهمَّش، بعد الإدراك بتواصل تهميشه وإذلالِه بفعل الإرادة الشريرة للقائمين على الحكم وأحزابهم الطائفية الجشعة المنتفعة من الوضع القائم والممزّق. ولهذا التوجه كانت له مبررات وحيثيات ودواعٍ ملحة، تكمن في تشرذم مرجعياتنا الكنسية حينًا، وتحسّسها مع بعضها البعض فيما بينها، ما نجم عن عدم اتفاقها على توحيد الخطاب الكنسي والآخر العام بشقيه السياسي والدينيّ.
 وفي مناسبات عديدة، أعربتُ شخصيًا، عن الضرورة الملحة لتشكيل مثل هذه المرجعية (راجع الروابط كما نُشرت في عدة مواقع إلكترونية: في تموز 2016، وفي كانون أول 2016 وفي تموز 2015، وفي أيار 2015 وفي أيلول 2013). وقد ساهمتُ مع غيري من أصحاب النوايا الطيبة بدفع هذه الفكرة إلى الأمام قدر المستطاع، خاصةً من خلال لجنة التنسيق الخماسية التي شرفني أن أكون عضوًا فيها، والتي كانت انبثقت عن هيئة الرأي المشكلة بموجب مبادرة غبطة البطريرك لويس ساكو في صيف 2015، وضمّت آنذاك رؤساء طوائف وكنائس وشخصيات كنسية ومدنية وممثلي أحزاب مسيحية. فقد دأبت هذه اللجنة المصغرة على المثابرة في عملها وكثّفت من لقاءاتها مع رؤساء الكنائس والطوائف. لكنّها حين اقتربت من قطف الثمار بتطويع إرادات الرؤساء الكنسيين جميعًا وإقناعهم بها خدمة للصالح العام، جاءت الصدمة. فقد تفاجأنا على حين غرّة، بقرار ارتجالي من جانب غبطة البطريرك ساكو، يوجّهُنا فيه بالاعتماد على إمكانياتنا وقدراتنا في موضوع تشكيل هذه المرجعية المسيحية المستقلة. وقد أدركنا أنَ مردّ هذا التوجّه المستجدّ بالتنصّل عن دعم المبادرة، أتى انطلاقًا من نية غبطته كرئيس أعلى للكنيسة الكلدانية بالانسحاب من تشكيلة مجلس رؤساء الطوائف المسيحية، بسبب خلافات على رئاسته وبحجة عدم فاعليته، انطلاقًا من واقع الكمّ العددي لأتباع هذه الكنيسة في العراق، وربما بسبب تأثير اللوبي الكلداني في دول الاغتراب، ناهيك عن أسباب ذاتية ظلّت طيّ الكتمان لا يعلمُ دهاليزَها سوى مَن اختبروا الزمنَ وأحداثَه وتأثيراته. ونحن نعلمُ جيدًا، أن الشعب والجماعة ينظرون إلى المراجع الدينية، والكنسية منها بصورة خاصة، كونها رموزًا واجبة الاحترام والإجلال والسمع. وبموجب هذا التوجيه الجديد، أدركنا أنّ الكنيسة قد تنصلت عن هذا المشروع المصيريّ وسلّمت الراية للمصير المجهول مرة أخرى، مسترخية في سراديب النوم والغفو العميق واللامبالاة بشأن ما يحدث ويجري. وحسَبنا أن مثل هذا التنصّل يجري بالتوازي مع آراء وأفكار جهات تدين بالولاء لأحزاب مسيحية متلكئة وهزيلة في الساحة السياسية، ترى في هذه المبادرة، سحبًا للبساط من تحت اقدامها، وصدًّا لمصالحها ومكاسبها ومشاريعها الفئوية الخاصة التي ينعمون بها منذ 2003.

تداعيات انسحاب الكنيسة الكلدانية من مجلس رؤساء الطوائف
كتبَ بعضُ الإخوة في هذا الاتجاه، أي في مسألة انسحاب الكنيسة الكلدانية من مجلس رؤساء الطوائف المسيحية في العراق، كلّ حسب رؤيته للأحداث والهدف الذي يرمي إليه وبحسب قناعاته وموجباتها. وظهرت ردود فعل عديدة متباينة، بين مؤيد ومعترض، بين ناقد وداعم، بين ذاتيّ وموضوعيّ. فيما آثر آخرون السكوت والانتظار والترصّد. وهذا الموقف الأخير، ليس من طبعي. فحاملُ الفكر والرأي والمبدأ، يقول ما يمليه عليه ضميرُه، مهما كان وقعُه على المقابل، صديقًا أم غريمًا أم ندّا أمْ عامًّا، سلبًا كان أم إيجابًا. لكنْ في اعتقادي، يبقى الرأي الأهمّ للجماعة المسيحية بكافة تشكيلات كنائسها للردّ الموضوعي وإبداء الرأي فيما حصل والتحرّك بصدق النوايا كلٌّ من موقعه وشخصه، درءً لطامة كبرى أخشى مع غيري وقوعَها، مع تناقص أعدادنا يومًا بعد آخر.
قد لا يُحمّلُ الفردُ من البشر الضعيف أكثر من طاقته، مهما عظمَ ودافعَ وحاججَ. فالقرار بالانسحاب، بحسب بيان البطريركية الكلدانية المنشور على موقعها الرسميّ، يحملُ الكثير من التجنّي عبر أداة غير مقبولة لفرض الرأي وإملاءِ واقعٍ غير معهود، نَشَرَ الأسى والانزعاج في نفوس الطيبين الحريصين على ما بقي من أتباع كنيسة العراق المتألمة. حيث جزءٌ من هذا الألم الذي يعتصر القلوب والنفوس قادمٌ، بل سببُه عثرات كنسية كارثية ناشئة من رجالات الكنيسة بمختلف درجاتهم. لستُ أتجنّى على أحد. فهذا واقعٌ لا يُنكر وحقيقةٌ لا يمكن تغطيتٌها بغربال المجاملة والنفاق والرياء والسكوت عن الأخطاء التي تتراكم مع تقادم الزمن. فالقرار رأى فيه المنصفون، انفرادًا استعلائيًا من جانب رئاسة الكنيسة الكلدانية ومَن يقف وراء مثل هذه التطلّعات والضغوط والأفكار التي لا تقلّ في بثّها عمّا هو جار بين الكتل السياسية من شحن طائفيّ بموجب لزوم سيادة الأكثرية على الأقلية في هذا الزمن التعس الذي جفّت فيه المحبة الصادقة والإيثار والتواضع، حيث "عظيمُ القوم خادمُهم"(متى 26:20)، والساعي إلى الجلوس في رأس المتّكأ بحثًا عن كرامات، لا يمكن أن يُحسب من أتباع يسوع الذي يوصي الإنسان العاقل المؤمن ب "الاتضاع كي يرتفع." (لوقا 14:11). ما سردتُه ليس وعظًا، بل هو جزءٌ من موجبات تطبيقاتنا لكلام صاحب وصية المحبة والتواضع والطريق والحق والحياة.
هناك سياقات وخطوات وتفاهمات، لا أعتقد بخروجها عن حقيقة مَن يجدرُ أن يكون الأحقَ والأكثر ملاءمة واستحقاقًا لتمثيل الجماعة المسيحية في هذا البلد. وهذا الأمر تعكسُه حقيقة الشخص الأكثر كفاءة وجدارة وتفوّقًا، بل الأكثر كارزميةً وموهبةً واستعدادًا من غيره للعمل والتعبير والمحاجة. وفي هذا لا أرى شخصيًا في غير شخصية صاحب الطلب، أي غبطة البطريرك ساكو، لتمثيل كنيسة المسيح أمام السلطات والعالم. ولكن الاعتراض قائم لكون الطلب جاء بصيغة الفرض والإملاء على سائر الأشقاء المتفقين والمتوافقين على منهاج المجلس المُقَرِّ، بالرغم من الثغرات العديدة القائمة في نظام هذا المجلس.
نحن لا نقف بالضدّ من ضرورة إعادة هيكلة مجلس الطوائف المسيحية، أو بالأحرى "مجلس الكنائس العراقية"، بسبب ما تشكله لفظة الطائفة من قرفٍ واشمئزاز ورفض وطني، لأنها أصل البلاء فيما حصل للبلاد والعباد. بل من الضرورة إعادة هيكلتِه بطريقة أصولية وقانونية كي يكتسب الصفة الرسمية التي يحتاجُها في مؤسسات الدولة العراقية، لاعتماده في المخاطبات الرسمية والحكومية في الداخل والخارج. وهذا ما سيمنحه هيبة وقوة وفاعليةً، لها فعلُها عندما تكون جميع الكنائس مجتمعة على قول واحد وفعل واحد وقرار واحد لعموم الجماعة. فالغاية فيه والهدف، إنما اصطفافُ المكوّن المسيحي، أو ما تبقى من آثاره، حول "خطاب سياسيّ ودينيّ مسكونيّ موحّد ومستقلّ".
عمومًا، أنا لم ولا أرى انحرافًا في مسيرة ما سُمّي بمجلس رؤساء الطوائف المسيحية بالعراق، من حيث الهدف من إنشائه في ظروف استثنائية تطلبتها المرحلة. فبالرغم من هشاشة مرحلة التأسيس وغياب الفعل الحقيقي المرجو منه طيلة هذه السنوات وضعف الأنشطة التي تولاها، إلاّ أنه كان علامة رجاء للمّ الصف المسيحي والتقريب في وجهات النظر بين المختلفين حول طبيعة إدارته التي بقيت مثار جدالات وخصومة، إن كانت معلنة أم غير مرئية. في اعتقادي، أنّ هذا المجلس، كان ينبغي له أن يُصار إلى تسجيله كجمعية أو منظمة مستقلّة بموجب لوائح تسجيل المنظمات غير الحكومية التي تعتمدها الدولة العراقية من أجل أن يكون أكثر فعالية وأشدّ تأثيرًا في المشهد السياسي والوسط المسيحي، على السواء. كما أنّ هذه الخطوة الرسمية كانت ستجعلُه جهة وطنية مسيحية رسمية موحدة أمام الحكومة العراقية والدول والمنظمات الدولية، الرسمية منها والشعبية والإنسانية، لاسيّما لو تمّ تطعيمُ هيئته العامة، بعقلاء من مدنيين وأكاديميين وعلمانيين مشهودٍ لهم بمواقف حيادية مستقلّة لا تخضع لقياسات الأحزاب الطائفية ومغرياتها المادية، التي تدمّر كلّ مشروع وطنيّ مستقلّ لصالح الشعب. وهذا ما كنّا نتأملُه لاحقًا، من وراء تواصل نشاط لجنة التنسيق المشكلة ضمن مبادرة البطريرك لويس ساكو، والمختارة في أول لقاء لهيئة الرأي المجتمعة لمشروع تشكيل المرجعية المسيحية المستقلة بموجب تلك المبادرة حينها.

ظاهرُ المشكلة وباطنُها رئاسة
إن المشكلة وما فيها باختصار، صراع زعامات وخلاف على رئاسات. أنا لستُ مع المنظّرين أو الداعمين لفكرة أحقية أو أسبقية أو أولوية صعود ممثل أو رئيس الأغلبية العددية في كنائس البلد إلى موقع الصدارة والرئاسة، او المطالبة به جهرًا. فالدول الصغيرة والكبيرة لها في الجمعية العمومية للأمم المتحدة وفي مؤسساتها الدولية نفس الحقوق في التصويت والانتخاب والرئاسة. وكذا هي الحال في المنظمات الدولية والتحالفات، إلا فيما هو خلاف السياق الديمقراطيّ المعهود. وما حصل بشأن مجلس رؤساء الطوائف كان خارج السياقات المعتادة في النهج الديمقراطيّ والكنسيّ، طالما أنَّ الجميع أبناءُ الله، يعملون لخدمة المذبح ولصالح الشعب والوطن على السواء، وليس لفئة معينة أو شريحة مستقطعة من كنيسة العراق. فالبطريرك ساكو نفسُه، قالها مرارًا وصرّح بها، أنه منفتح على الكلّ ويتعاون مع الكلّ ويعمل لصالح الكلّ من دون تمييز في الطائفة والمنطقة. لكنّ مثل هذا التوجّه الغريب بعض الشيء، في طلب الزعامة غير مقبول ولا يليق بمقام صاحب الطلب، إنْ كان صادرًا من غبطته شخصيًا، أو عن قلايته الإعلامية والاستشارية التي تفتقر إلى المرونة وتقدير الأمور والكياسة. فما صدر في البيان الرسمي، هو في كلّ الأحوال، مطالبةٌ لا تعبّر عن روح الانفتاح في الطوية والبساطة في العمل الرسولي، والتواضع المطلوب في شخص الراعي الصالح، واللياقة في الوسط الكنسيّ التي عُرف بها غبطتُه، من كاريزما معهودة أعرفها شخصيًا عنه عن قرب، كما يعرفُها غيري، وهم كثيرون. فما يجعل الشخص يتفوّق في الفعل والعمل، ينعكس من خلال النشاط والكفاءة وحسن الأداء وبعد النظر والرؤية السديدة إلى الأشياء والحياة، للمسؤول عن الرعايا، سواءً على الصعيد الداخلي او الدولي أو الإقليمي، وليس بفرض الرأي وليّ الذراع، كما يقول المثل "ألعب، أو أخرّب الملعب". وكان يمكن للإخوة المجتمعين، بعد فرز الأنشطة وتحكيم العقل وطلب عون الروح القدس وصلاة المؤمنين وتوفر النيات الصافية والرؤية المسيحية الثاقبة، أن يروا في شخص البطريرك ساكو، ما يعزّي ويمنح الثقة له دون غيره، نظرًا للكاريزما التي يتحلّى بها ولجهوده الشخصية ومثابرته في حثّ الدول والمنظمات على وعي دورها في إنصاف المظلومين والمهمّشين والنازحين ومَن اقترف بحقهم جرائم وصلت لحد الإبادة الجماعية. فهو أشدّهم قربًا من الزعامات الروحية والرئاسات الدنيوية والقيادات الحزبية في الوطن، وأكثرُهم قربًا من صنّاع القرار والساسة والأحزاب، بسبب كلمته المسموعة وسمعته المحترمة وإجادته للحوار مع المقابل في التعبير والإقناع والحجّة. ومَنْ يُنكر عليه دوره ومثابرته في تعزيز اللحمة الوطنية والتقريب في وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين؟ وكذا دورُه المرتقب بإمكانية تولّي مبادرة مشروع المصالحة المجتمعية وتعزيز الحوار بين الأديان والشعوب؟ وفي انتقاده البارع لزعماء الدول والأحزاب في الداخل والخارج؟ وكلّ هذا وذاك، سعيًا منه وراء تعديل مناهج هذه الجهات غير الرصينة وتغيير سياساتها غير الأمينة، التي لم ينل من ورائها الشعبُ العراقي وشعوب المنطقة سوى الدمار والخراب والتراجع في كلّ شيء.
لستُ هنا فقط أنتقد ما بدر من موقف صادم وغير رصين من جانب رئاسة البطريركية الكلدانية بالانسحاب من مجلس رؤساء الطوائف بهذه الطريقة التي فاجأتني، كما صدمت الكثيرين من المتابعين لأوضاع كنيسة العراق ومصالح الشعب، ممّن يستبعدون ويمقتون ما هو قائم من أطماع ونوايا لأحزاب قائمة على الساحة السياسية، ومنها الأحزاب المسيحية ذاتُها وزعماؤها ونوابها من التابعين في مجملهم والخاضعين لأجندات غيرهم، إلاّ ما ندر. فقد كان الأجدر بغبطته، كراعٍ صالحٍ لكنيسة وطائفة يعدّها كبيرة عدديًا، المشاركة في الاجتماع الأخير والمصارحة والمكاشفة علنًا، عوض اتخاذ موقف مسبق، تمّ الهمس به في الأروقة واللقاءات منذ فترة ليست بالقصيرة، وأنا شخصيًا على اطلاع بالنية. وكنتُ قد عبّرتُ مع عقلاء آخرين، باعتراضنا على سلوك مثل هذا الطريق الشائك المشكّك، من دون رتوش ولا مجاملة. هذا في ذات الوقت الذي أؤيد ما تمّ طرحه من إعادة النظر في النظام الداخلي للمجلس المذكور وفي التسمية كي تتجانس مع العمل والنشاط والهدف الوطني والروحي معًا.
وبذا، كان يمكن تفادي مثل هذا الانشقاق الذي أقلُّ ما يمكن القول فيه وإشاعتُه، أن رأس الكنيسة الكلدانية بشخص بطريركها الجليل الثاقب البصر وصاحب الرؤية الوطنية والداعي في كلّ تصريحاته ولقاءاته إلى تشكيل دولة مدنية متحضرة تدعم السلم الأهلي وتساوي بين مواطنيها، قد اختارت بشخصه الوقتَ المناسب لاغتصاب رئاسة الكنيسة في العراق بهذه الطريقة، بالرغم من كونه أهلاً لها من دون منافس، للصفات التي أوضحناها في أعلاه. فالأقاويل كثرت والهمسات فاحت رائحتُها من أنّ الكنيسة الكلدانية، بعد تشكيلها للرابطة الكلدانية وزجّ كل طاقاتها وإمكانياتها الإعلامية والشخصية سائرة في تكوّشها وسطوتها على ما يردُ للمسيحيين من مساعدات وأموال ودعم معنوي ومادّي، بسبب سمعة رئيسها الطيبة وعلاقاته الواسعة وتأثيره في الأوساط الكثيرة أكثر من غيره من رؤساء الكنائس. فهذا ما شاع ويُقالُ بين الناس في هذه الأيام، بسبب من شخصية رأس الكنيسة الكلدانية، التي خدمتها الأحداث لتتفوّق على غيرها من رؤساء الطوائف (عفوًا الكنائس الأخرى)، بفعل السمعة الكبيرة التي نالها محليًا ودوليًا، والهالة التي أحاطت بشخصيته الكاريزماتية التي لا تُنكر. أمّا أنا فقد عرفتُه، إنسانًا منفتحًا على الجميع ويعمل مع الجميع ولأجل الوطن وأهله، تمامًا. كما أننا نتشارك أفكارًا كثيرة تصبّ في مصلحة الوطن والأمة المسيحية وكنيسة العراق، إلى جانب وقوفنا الصارم بوجه الانتهازيين حتى لو كانوا من أبناء شعبنا من الخانعين لأجندات الغير.

مجرّد رأي على طريق الصواب
لستُ هنا بصدد تقريب وجهات النظر. فمَن أنا إلاّ عبدٌ ضعيفٌ أكتب ما يملي عليّ ضميري وأنشر ما يحتّم عليّ كمواطن عراقيّ أصيل لا أرضى بالظلم لأحد، ولا أجاملُ على حساب الحق، ولا أقبل ظلمًا عليّ من أحد. فمثل هذا الكلام، قد يقوّض العلاقة بيني وبين غبطته أو أتباعه ومؤيديه. ولكنّي مقتنع في قرارة نفسي، أن غبطتَه سيولي ما ورد في هذه الأسطر البنوية الصادقة، ما يليق بها من همّة وحيادية ورويّة خبرتُها عنه وتعلمتُها منه. فالمكاشفة بيننا قائمة، ورأيُه فيما أكتب وأنشر مقبول بل أضعه فوق رأسي وبين مقلتيّ. فكلانا تشرّبنا من معين رفيع واحد، وتعلّمنا على أيدي أفضل المعلّمين والمرشدين والروحيين، وتثقفنا عبر رجال ونساء عشنا وتعايشنا معًا بروح الأخوّة والاحترام خلال فترة دراستنا في معهد مار يوحنا الحبيب في سنوات الخير والمحبة والاحترام وأدمنا العلاقة الودّية الصريحة حتى هذا اليوم
وهذه مناسبة للعودة للفكرة الأساس الأخرى التي تعثّرت بسبب الشرخ الجديد بين رؤساء الجماعات المسيحية في عراقنا الجريح، والمتمثلة بالسعي لتشكيل مرجعية مسيحية مستقلّة. قلتُ في هذا الصدد، في مقالات وطنية سابقة، أنَّ قيام مرجعيات دينية ومذهبية جامعة في هذا الوقت الحرج من تاريخ العراق المتضعضع وغير المستقرّ، سيخلق نوعًا من وضوح الرؤية باتجاه تقييم الأوضاع وتعديل نهج المسيرة الوطنية، عندما تنصهر الأفكار وتتوحد الإرادات في خطاب موحّد بدل التشظّي وهدر الوقت والجهد وفقدان الثقة بين الشركاء، سواءً في الوطن الواحد أو فيما تتطلبه خصوصيات كل دين أو مذهب أو كنيسة. وبخصوص ما يتعلق بمرجعية كنسية، فهذا كان ومازال الأملَ الأخير، لما تبقى من مسيحيين في هذا البلد التائه بسبب الضياع في الهوية والوطنية والشخصية. في حينها، لم تخرج ورقة العمل التي كان أعدّها غبطة البطريرك لويس ساكو عن هذه الفكرة في مبادرته الطيبة. لكنّ انصباب اهتمام رئاسة الكنيسة الكلدانية في تلك الظروف على تأسيس الرابطة الكلدانية والتسريع بانتشارها والتعريف بها محليًا ودوليًا بتلك الموجة العارمة بسبب ما لقيته من ضغوط من جانب اللوبيات الكلدانية في بلدان الاغتراب ومن أفرادٍ شعروا بالغيرة من غرمائهم وأندادهم القوميين في "الكنيسة المشرقية الآثورية"، قد قلب المشروع وزاغه عن السكّة الجامعة بحججٍ تبقى طيَّ الكتمان لحين إماطة اللثام عن خفاياها وخباياها.
 عمومًا، فقد توسم العراقيون خيرًا بطرح فكرة توحيد المرجعيات في العراق، دينية كانت او سياسية. فالسياسيون من أتباع المرجعية الشيعية كادوا أن يقتربوا من مشروعهم الخاص كي يتهيؤوا لمحاورة أندادهم من مكوّنات تنتمي لمراجع أخرى. تمامًا، كما تبشّر المسيحيون خيرًا بحصول تقارب في لقاءات أربيل نهاية العام المنصرم، بهدف إحياء مشروع المرجعية السياسية الذي ابتدأ مشوارُه قبل أكثر من عام ونصف في أولى خطواته من بغداد، بمبادرة من رأس الكنيسة الكلدانية التي تُعدّ ذات الأغلبية بين شقيقاتها. وما يُفرح اليوم، وجود توجّه من جانب المكوّن الإيزيدي بمرجعيته الروحية الموحدة، للتقارب مع المكوّن المسيحي ومن مرجعيات كنائسه، سعيًا من أجل مزيد من توحيد الكلمة والرؤية والمنهج في الوطن الواحد والمصير الواحد، لاعتبارات عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر، سلميّة المكوّنين وتعرّضهما لإبادة جماعية وتهميشٍ وإقصاء ملحوظين على تعاقب الحكومات، والرغبة لدى كلاهما بالعيش بسلام وأمان وعدالة ومساواة، كمواطنين متساوين مثل سائر المكوّنات الأخرى المهيمنة على مقدّرات الدولة وسياستها ومنهجها.
قد يكون العراق، من أكثر البلدان في المنطقة، لم تتوافق فيه الإرادات الدينية والسياسية لتشكيل مرجعيات موحدة لكلٍّ منها لغاية الساعة. فراعي العملية السياسية في العراق والمنطقة، منذ التخطيط لإحداث زلزالٍ عظيم ينسجم ويتوافق مع مصالحه القومية ويتفق مع مخططات اللوبي الدولي الذي يحرّكه، كشّرَ عن أنيابه مرارًا، في السرّ والعلن، من أجل تفتيت ما تبقى من وحدة هذا البلد والمنطقة. فقد رأى فيه أرضيةً خصبة وحاضنة جيدة لمثل هذا التفتيت والتشرذم عبر إحداث صراعٍ في الإرادات والزعامات، المدنية منها والدينية. وشعبنا المسيحي كان طبعًا، ضمن هذا المخطَّط العدواني، بجعله يقع ضحيةً، وسط صراعات لم يكن له فيها لا ناقة ولا جمل. فقد أعطى مَنْ لا يملكُ (الغازي الأمريكي) مَنْ ولاّهم على البلاد (الساسة الجدد)، الجملَ بما حمل، عندما سمح لأشخاصٍ أغرابٍ عنه من مزدوجي الجنسية وغير المشهود لهم بالانتماء الصادق للوطن منهم، كي يصولوا ويجولوا تحت رعاية أميركية وأخرى أوربية تدين للأولى بالطاعة والانحناءة، مهما كان الثمن الذي يمسّ شرف ومصير وممتلكات شرائح مسالمة من الشعب العراقي البسيط الذي كان جلُّ همِه أن يضمن له ولأجياله مستقبلاً آمناً وحياة آدمية هانئة، بعيدًا عن إرادات الأشرار القادمين من خلف الحدود للنهب والسلب والسرقة والقتل والاغتصاب من دون محاسبة ولا رقابة ولا نهي عن المنكر الحاصل على نطاق واسع. 

دور الغازي الأمريكي في شقّ الصفوف
في ضوء الواقع المرير لعموم البلاد، كانت كنيسة العراق في المرمى. فالراعي الأمريكي الغادر، الذي سار وفق مخططاته بخطى خبيثة وحثيثة، كان قد وضع بالتأكيد مصير أبناء المكوّنات الصغيرة الأصيلة المتجذّرة في الهوية العراقية في الحسبان، ومنهم بطبيعة الحال المسيحيون والإيزيديون والصابئيون وما سواهم من أقوام أخرى ظلّت تحت مطارق حكومات ظالمة متعاقبة في عهود الاحتلال السابقة وما بعد تشكيل الدولة العراقية، لغاية الغزو الكافر لهذا البلد في 2003 بحجج واهية. وقد اعترف الرئيس الأمريكي الجديد المنتخب دونالد ترامب مؤخرًا، من أنّ أسوا ما شهدته أميركا في العصر هو غزوُها للعراق من دون وجه حقّ.
 بعد الغزو الأمريكي مثار الجدال للبلاد، كان لا بدّ للرؤساء الروحيين القائمين على رأس الجماعات المسيحية في البلاد، من تسجيل وقفة صارخة لجماعاتهم بوجه الظلم والتهميش والإقصاء والإهمال. وبموجب النفور القائم أصلاً بين كنائس العراق المتعددة وما بينها من حساسيات، كانت هناك مبادرات لرتق الممزّق التقليدي ورأب الصدع وتقريب وجهات النظر بين العقلاء من أبناء الجماعة مع رجال الكنائس. فتعشّم المسيحيون على اختلاف انتماءاتهم الكنسية حينها خيرًا، بتشكيل مجلس رؤساء الطوائف في 2010. إلاّ أنَّ ما يُؤسف له، فقدانُه لرؤية بعيدة وقرارات مؤثرة إلاّ ما ندر، وفقط حين كانت تشتدّ وطأةُ المآسي ليخرج هذا المجلس ببيان ضبابيّ غير فعّال بسبب فقدانه للصفة الرسمية وافتقاره لوحدة الكلمة والصف خارج نطاقه. وكاد نشاطُه يقتصرُ على لقاءات تقليدية باردة وتبادل التهاني والزيارات في مناسبات ولقاءات للصلاة المظهرية، مثل أسبوع الصلاة لأجل وحدة المسيحيين الذي يفتقر إلى النية الطيبة والإرادة الحسنة لجمع المؤمنين حول كلمة واحدة وراعٍ واحد، كما أرادها الربّ " احفظهم في اسمك الذين أعطيتني، ليكونوا واحدا كما نحن" (يوحنا 17: 11). ففي هذه المناسبة التقليدية التي تقترب منّا هذه الأيام، اعتاد الحضور ترديدَ ذات الأمنية في شفاههم، وسماع ذات الدعوة الملحة إلى وحدة الكلمة ورصّ الصفوف. لكنها بقيت وتبقى كلمات ترددها الشفاه وترفضها القلوب والنفوس المريضة. فما زلنا بعيدين عن تحقيق هذه الأمنية، وأبسطُها توحيد الأعياد الرئيسة.   
سأظلّ أناشد الرئاسات الكنسية في العراق، كي تضع المصلحة العليا للشعب العراقي عامة والمسيحي بخاصة، في بؤبؤ وحدقات عيونهم وعلى رأس أولوياتهم. أمّا المناصب والزعامات، فهي للاهثين وراء السراب الذي يزول والجاه الذي يؤول والمال لا يدوم. وكفانا نفاقًا وضحكًا على الشعب وتلاعبًا بمصيره، وأعدادُنا وحضورُنا في تناقص وزوال، وكنائسنا تُحرق وتفرغ، وبلداتُنا تُدمّر، ومنازلُنا تُنهب وتخرّب، وأهلُنا يتوزعون في دول الشتات لتختفي كلّ حضارتنا ويزول تراثُنا وننسى أسلافنا.
عذرًا، لم أقصد جرح أحد، بل تضميد ما هو قائم من جراح. فأنا الضعيف دومًا، لكوني أحب وطني وأعتزّ برئاسات كنائس بلدي وأفتخر بلقائهم وطلعاتهم البهية، تمامًا كما أعشق كنيستي العراقية المشرقية السريانية!
 



38
رسالة قصيرة: شعورٌ مشترك يجمع العراقيين في 2017
بغداد، في 7 كانون ثاني 2017
لويس إقليمس
استهل العراق عام 2017، بموجة دامية من التفجيرات وأعمال العنف، طالت العاصمة بغداد بصورة خاصة، ومدنًا أخرى، موقِعة العشرات من الضحايا بين قتلى وجرحى، ناهيك عن خسائر شهدائنا الأبرار في حرب الشوارع الضروس الجارية في مدينة الموصل لتحريرها من براثن الدواعش وأعوانهم من أهلها.
 وهذه أولى الرسائل القصيرة والمفيدة التي حملتها لنا السنة الجديدة، ومفادُها أنّ مصيرَ الوطن والمواطن واحدٌ، وأنَّ القواسمُ مشتركةٌ بين الجميع. وهذه إن لم تتعزّز باللحمة الوطنية والمصالحة المجتمعية، فباطلاً يعمل البنّاؤون وذوو الإرادة الطيبة. كما أنّ، من جملة ما نستخلصه، أنَّ أمنَ الوطن والمواطن سيظلُّ يشكّل معضلةً عصيّة، حتى مع دحر الإرهاب. ذلك لأنّ فكرَه وآثارَه ومسبباته، ستبقى قائمة ومؤثرة طالما لم ولا يتمّ التخلص من العناصر والأدوات التي ساهمت بنشأته وتناميه عبر إضعاف أركان الدولة وتفكيك النسيج المجتمعي وزرع أشكال الفساد، وتكريس الطائفية وبالإصرار على تفضيل المصالح الفئوية والحزبية والمذهبية والعرقية الضيقة على مصلحة الوطن العليا. وهذا يعني أيضًا، سريان تأثير كلّ هذا وذاك على الواقع الاقتصادي المتردّي في البلد، وإبقاء شرائح كثيرة ومتنامية من جيوش العاطلين، إلى جانب الزيادة في خانة الفقر والعوز والتهميش والإهمال بسبب ما تخلّفه الأزمة المالية وانشغال الدولة في دحر داعش، وغيرها من دواعي النقص في الخدمات والأمن وتعطيل الإعمار وما سواها. وهذا ما يعني بالتالي، إدامةَ الفرص لزيادة حواضن العنف والنزوع إلى فكر التشدّد والتماهي مع أشباهه واتخاذ وسائل الإرهاب والقتل والانتقام سبيلاً متبقيًا للعيش، بالرغم من كونه ليس سبيل الكرامة والحرية التي ينشدها المواطن العراقي في عيشه التقليدي.
إلى جانب هذه السمة السوداوية، تظهر في الأفق الوطني علامات رجاء وأمل، تتمثل على نطاق متباين بإصرار العراقيين الأوفياء وبعض الساسة والمراجع المستنيرين والمعتدلين، للتفاعل مع خيارات النخب المدنية والديمقراطية النشطة منذ زمن والمطالِبة بالإصلاحات المتعثرة للأسباب ذاتها المشار إليها في أعلاه. كما أنَّ ما شهدته العاصمة بغداد ومدنٌ عراقية غيرُها، ليلة طيّ السنة الفائتة وبدء العام الجديد، وقبلها المشاركة المجتمعية الوجدانية مع المسيحيين في إحياء مناسبة عيد ميلاد رسول المحبة والسلام، فيها إشاراتٌ ودلالاتٌ عديدة على تلاحم النسيج العراقي المتآلف والمتآزر والمتكافل على مرّ السنين والعهود والأزمان. وما أكثر مثل هذه المبادرات الجميلة والمشجعة من جانب شرائح واسعة من المسلمين، بصفاتهم الدينية والسياسية والوظيفية والمجتمعية على السواء، من الذين نصبوا الأشجار التقليدية، رمزَ الميلاد، وهمّوا بتقديم التهاني وحضور الشعائر الاحتفالية من قداديس واحتفالات خاصة. فهذه من "علامات الرجاء بغدٍ أفضل للعيش المشترك"، وترنو لرأب نسيج اللحمة المجتمعية المتمزّقة التي اختلّت وتراجعت صورتُها وفترت أواصرُها بعدَ أنْ قوّضتها الأحداث بفعل الغزو الأمريكي للعراق في 2003. بل في هذه المبادرات، شعرَ المحتفلون المتجذّرون في أرض شنعار (العراق)، من أحفاد سومر وبابل وأكد وآشور من العراقيين المسيحيين بمختلف طوائفهم ومللهم، أنّ العراقيين عادوا إلى رشدهم في تقدير أهمية التعددية واحترام المختلف عنهم، والذي رأوا، بل ينبغي أن يروا فيه، غنى وثراء وزيادة في الثروة الوطنية التي يشارك الجميع في استثمارها واستغلالها لسعادة الإنسان، ولصالح العراق وأهله، ومن أجل رقيّهم ونمائهم وعودة عهده إلى عصور الحضارة والرقيّ والتقدّم. فالشعور، مهما كان وكيفما حصل، إنْ كانَ موصًى به سياسيًا أو بتوجيه من مرجعيات معتدلة أو عفويًا تضامنيًا، فقد بدا شعورًا مشتركًا جامعًا العراقيين في ظلّ خيمته وارفة الظلال، حين استقبال العام الجديد!
كلمةٌ لا بدَّ منها، كي لا تمرّ الإطلالة من دون تعليق ولا تصويب ولا تقويم. فمع بداية الأحداث المتشابكة بالفرح والمآسي بمقدم العام الجديد، هناك مَن يرى أنَ حكومة بغداد بهذه المشاركة العفوية أو المدفوعة، تسعى من جهتها في ظلّ الارتباك الذي يكتنف عملَها والصراع القائم بين الأحزاب والكتل السياسية المشاركة في العملية السياسية، إلى إقناع دول العالم بسيطرتها على الأوضاع وبعودة اللحمة الوطنية إلى مجتمعاتها وبتغيير فكرها المتجمّد والممتزج بمصالح متناقضة داخلية وإقليمية. أي بعبارة أخرى، قد تكون المشاركة الوجدانية والوطنية الواسعة في صفوف المجتمع العراقي بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية هذا العام، مناسبة لتحريك الساكن في كلّ ما يجري في البلد والارتقاء به نحو الأفضل عندما تتحقّق المصالحة الوطنية الصادقة وليس المظهرية الكاذبة المجامِلة أمام وسائل الإعلام والفضائيات، وبعدها تعود حليمة إلى عادتها القديمة وإلى نفس النهج الطائفي والعرقي والتمييزي بين المواطنين ومكوّناتهم.
وهذا بحدّ ذاته، من شأنه أن يضع دولَ الجوار والعالم الغربيّ أمام حقيقة لا مفرّ منها، هذا إن لم يكن فعلاً قد حصل، وهي حاجة هذا البلد خصوصًا والمنطقة عمومًا، إلى جميع دول العالم كي لا تدّخر جهدًا أو تتراخى بتقديم المزيد من الدعم والمساعدة، المعنوية والمادية والعسكرية والمالية، بقصد مواجهة ظاهرة الإرهاب الذي يهدّد الجميع، والذي عاد في الأيام الأخيرة ليؤكّد وجودَه وقدرتَه على ضرب أهداف ينتخبُها في المكان والزمان الذي يختاره، عبر خلاياه النائمة التي تستيقظ في مثل هذه المناسبات، كما حصل مؤخرًا، في برلين وإسطنبول ومدن عراقية عديدة.
من هنا، جاءت زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أيضًا إلى العراق وكردستان، ضمن هذه الإشارة التي أعطت زخمًا للعراق ولقواته المسلحة الشجاعة ومَن يتجحفلُ معها، كي تمضي في عملياتها الشاقة بقطع دابر التنظيم الإرهابي ومَن يساندُه ويموله ويدعمه. فقد رأى هولاند، أنّ محاربة داعش في العراق، من شأنه أن يمنع هجمات محتملة ضدّ فرنسا وشعبها.
 في الجانب المقابل، رأت نخبٌ ومراجع دينية وسياسية، أن مثل هذه الزيارة، لم تكن لتعطي ثمارَها لولا إصرار فرنسا على ضرورة تقويض الفكر المتطرّف وأتباعه أينما كانَ وكانوا. وفرنسا، هي إحدى أهمّ دول الاتحاد الأوربي المكتوية بأعمال الإرهاب الناجم عن خلايا تكفيرية ومتطرفة نائمة فيها، كما في غيرها من دول الاتحاد. كما أنها بهذه المبادرة المتميّزة، أثبتت قدرتَها وإرادتَها السياسية والاجتماعية المستقلّة عن القرار الأمريكي. حيث تشير تقارير أنّ الإدارة الأميركية كانت تفضّل بل وتسعى جاهدة لتأخير حسم الصراع مع داعش لسنوات أخرى، بهدف إطالة الحرب معه وبقائه أداة بأيدي "الديمقراطيين"، لاسيّما وأنّ الرئيس المنتهية ولايتُه، "باراك (بارق) حسين أوباما"، يُعدّ الأب الروحي لداعش وأمثاله من التنظيمات الإرهابية التي طفت على السطح أكثر بعد غزوها للعراق، ونشرِها لربيعها الفاشل في دول عربية أخرى، ومنها الجارة سوريا وليبيا، ولاسيّما في فترة ولايته.
إنّ المكوّنات الصغيرة ولاسيّما المسيحية منها، ترى في المبادرة الأخيرة لأركان الدولة والمراجع الدينية العليا، بالمشاركة في الأفراح والمناسبات الدينية الخاصة بها، وكذا في زيارة الرئيس الفرنسي للبلاد، فرصةً للاصطفاف حول الوطن والذود عن مصالحه ومستقبله وإعادة رسم معالمه من جديد، كي يبقى بلدَ الأنبياء والأصفياء والحضارات والتآخي والمساواة، يسوده قانون إنسانيٌ لا تخلو بنودُه من نفحات متديّنة تعطي قيمة للكائن البشري، مهما كان دينُه أو عرقُه أو جنسُه. فالبشر جميعًا متساوون أمام الله خالق الجميع.
 "فلنكتب في القلوب وعلى الجدران: كلُّ البشر إخوان". هكذا تقول أغنية جميلة أجهلُ ناظمَها ومغنّيها. وليعدِ الحمامُ الذي غادر وطنَ التآخي التعايش، إلى عشّه مرفرفًا فوق البلاد الجريحة، كي يضمّد مع الطيبين تقرّحاته الكثيرة وجراحاته المفتوحة بفعل عوادي الزمان وجحود الإنسان. ولنحاصر الأشرار وأصحاب العدوان في جحورهم السوداء الداكنة. فحبُّ الوطن من الإيمان! وتجسيدُه يكون بالعمل المشترك لإنقاذ البلاد والعباد من واقعهم المزري بالتخفيف من الظلم والجهل والفقر والمرض ومعالجة البطالة واحترام حرية الناس وكرامتهم.
عسى أن تضحي كلُّ الأفراح والمناسبات في العراق، مناسبات للعراقيين جميعًا، وأفراحًا دائمة للوطن الغارق في الآلام والجروح والدماء، فيتحوّل العام الجديد إلى سنة نصر وعيد واحتفال. فالقواسم المشتركة كثيرة، والأعراف المتداولة عديدة، والتقاليد المتوارثة التي نحيي الكثير منها معًا من دون أن نفطن لها نتشارك فيها بروح الألفة والجيرة والمحبة.
أمّا الوجود المسيحي في البلد والمنطقة، فقد أضحى أيضًا بعد كلّ هذا الذي خبرناه، قضيةً إسلامية واجبةَ الدفاع عنه، لأنه ببساطة، جزء من الهوية التاريخية والحضارية والبشرية لشعب العراق والمنطقة وليس للمسيحيين فحسب.



39

مانديلا عادل بمواصفات عراقية
بغداد، في  15 كانون أول 2016
لويس إقليمس
لا أحد ينكر ما حققه الحراك النخبوي في الشارع العراقي من تأثير في نفس المواطن على المستوى الوطني منذ انطلاقته الصحيحة بفضل حرص التيار المدني الديمقراطي وأتباعه، ومَن لحقه تباعًا. كان ذلك، انطلاقةً صادقة بانتظار أن تتبعه خطوات أكثر حراجةً للفئة السلطوية التي تأبى مغادرة معاقلها الطائفية والمصلحية الضيقة. فهذه الأخيرة، ولاسيّما القريبة منها من المسوّغ الدينيّ والطائفيّ، كلّما اشتدت نقمة العامّة على أدائها واختراق صفوفها وفضح مفاسدها ومحاجة مآخذها ومبرّراتها الانتهازية، ازدادت تمسكًا وتعلّقًا بمنهجها وسلوكها السلطوي على رقاب البسطاء من الذين يستسلمون من دون وعيِ لتشريع المقدّس في وعظ سلاطين الدين والطائفة والمذهب ضمن الحلقات المشبوهة التي يقيمونها لكسب صوت الناخب وتوجيه يقينه وتصوراته وفق ما تقتضي مصلحة أصحاب الشرع والحلال والحرام. إلاّ أنّ هذا الحراك، بالرغم من أهميته وتاثيره، ما يزال دون المستوى المطلوب، كي يأتي بثمار أكثر وأكبر. فهو بحاجة إلى تطعيمٍ متواصل من وسائل التواصل الاجتماعي وسائر الفعّاليات المجتمعية والمنظماتية، إلى جانب نخبة الأكاديميين والمثقفين والكتاب وأصحاب الغيرة الوطنية التي تقتضي تلاحمًا أوسع في صفوفها، تخطيطًا وتنسيقًا ومنهجًا برؤية قصيرة ومتوسطة وبعيدة على السواء. وهذا هو عمل التنسيقيات النشطة بتنوّعها، من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها.
من شأن تواصل هذا الحراك الوطنيّ، تقييم المسيرة السابقة وتحديد مكامن القوة التي ما يزال السلاطين في قمة الهرم السياسيّ ووعّاظُهم يستقوون بها ويتخذون منها منهجًا واستكمالاً لمشاريعهم الطائفية التي أسسوا لها منذ الغزو الأمريكي الذي أتاح لهم مثل هذه السلطة عن غير وجه حق، حينما جعل الكثير من أمثال هؤلاء يتربعون على عرشها من غير استحقاق وطنيّ ولا جدارة، إلاّ لكونهم أسيادًا في دين وطائفة وحزب وكتلة سكتوا ومازالوا يسكتون عن الضيم الذي لحق بالشعب المقهور وعن الحيف القائم لغاية الساعة بنهب ثروات البلاد وفي التغافل عن المصلحة العليا للوطن، حفاظًا على مكاسبهم ومصالحهم وخوفًا من زوالها ونقصانها وخسارتها.
بعد بلوغ العملية السياسية مرحلة من الكساد والعجز في كلّ خطواتها، اتجهت الأنظار نحو ترقيعات في إصلاح ما تمزّق وتعثر وفشلَ، دون التنبه إلى جذور المشكلة ومن دون الإقرار بالخطيئة الكبيرة التي لم ولن تستطيع أجيالٌ قادمة ولاحقة من محوها والصفح عن مرتكبيها، من جانب ذوي قساة الرقاب وغلاظ الطباع ومتشحي النفاق، في السياسة والدّين والمذهب. حتى حزمة الإصلاحات المفترَض تصريفُها وإخراجُها بالطريقة التي وُعد بها إتيانُ رئيس الحكومة الحالية، لم تأتي بثمارها إلاّ جزئيًا وضمن نطاق محدود، ذرًا للرماد في العيون! فقد تراجعت هذه، هي الأخرى، وهمدت بحجة الانشغال في مقارعة معاقل الإرهاب ودحرِه وإنهاء وجوده على الأرض التي كان للشركاء في حكومته فضلٌ ومساهمة مباشرة أو غير مباشرة في استقدام هذا التنظيم المتوحّش وفي تعزيز قدراته وإطالة وجوده لأكثر من عامين. 
ومن حق السائل أن يستنفر ويستحثّ ضمائر الساسة التي ضعفت بفعل انهماك الكثير منهم في نيل المبتغى وفق شريعته ومنهاجه وبرنامج مرجعيته. فأين كان حماة الوطن بكل فصائلهم، من الذين صرفت الحكومات المتعاقبة على تعيينهم وتدريبهم وتسليحهم ما فاق صرفيات جيوش العديد من الدول لسنوات عديدة؟ جملة استفسارات وتساؤلات غيرها، ترتكض في مخيلة الشرفاء وحتى البسطاء من أبناء الشعب من أجل معرفة الأسرار الكامنة وراء الإخفاقات طيلة السنوات المنصرمة من بناء قدرات الجيش العراقي المتهاوي الذي أنهى الغازي الأمريكي صفحاتِه المشرقة بإشارة وقبول بل بتحريض من مراهقي السياسة القادمين بعد السقوط المأساوي للشرف العراقي، وطنًا وجيشًا وشعبًا وتاريخًا وتقليدًا!
أمام هذه التصورات الوطنية المحقة، كان الأجدر بمن تلطخت أياديهم بفساد المال العام منذ السقوط وبتدمير البنية المجتمعية للشعب، أن يخشوا خيفة الله ويحفظوا ماء الوجه بتغيير السلوك الماكر ومغادرة نهج التشبث الأعمى بالمنهج الذي جلب الوبال والدمار على البشر والحجر في البلاد. فالنوايا ما تزال خبيثة، والإرادة ما تزال قوية للمضي في الطريق الشائك الذي يرسّخ للهوية الطائفية ويحاول إطالة ما أمكن في مشروع المحاصصة في الطروحات الجديدة لبعض القوى، التي اعتقدت مخطئة أنها بهذه الطروحات الحديثة- القديمة لمشروع التسوية مثار الجدال، ستتمكن من إزاحة جدار الغضب من أمام مشاريعها الانتهازية بالإبقاء على المغانم ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وإلى ما شاء القدر وارتضت يد الفساد ومَن يقف في الصفوف الخلفية الداعمة والساندة بغية شرعنته وتعزيز بقائِه. 
إزاء كلّ هذا الكمّ من الفساد المتفاقم الذي تسعى قوى سياسية ودينية وطائفية للإبقاء عليه لدورة قادمة من حكم العراق، بهذه الطريقة المخجلة من توليفة التسوية غير الناجعة المطروحة، لا بدّ من سعي مواطنيّ وشعبيّ ونخبوي على كافة الأصعدة، فيه يتمّ تصعيد المطالب بالإصلاح الجذريّ الحقيقي وليس الترقيعيّ الذي لا فائدة مرجوة منه على المدى المتوسط والبعيد. فموضوعة الاستحقاق الانتخابي التي يعلّق على شمّاعتها بعض الساسة المستفيدين بإبقاء منهج المحاصصة ساريًا، لم تعد مشروعة ولا بدّ من إنهاء أسطورتها في شكل القانون الجديد للانتخابات الذي ينبغي أن يضع حدًا لمثل هذا الطغيان والتسلّط بسبب الوضع السابق الذي تبنته هذه القوى الفاشلة وفق مقاسات مصالحها والطريقة التي تحفظ مكاسبَها لأطول فترة ممكنة من خلال القانون الانتخابي المتحيّز لجانب الكتل الدينية والطائفية صاحبة المشاريع الإسلاموية التي لا تقرّ بمطالب الشارع بإرساء سياسة منفتحة لدولة مدنية متحضّرة تحترم الجميع وفق مبدأ المساواة والعدالة والحقوق المواطنية الكاملة وغير المنقوصة للجميع. وكفى سماعنا لأصوات نشاز تدّعي ما لم يعد يتحملُه الشارع العراقي الثائر المترَع بالمشاكل والمظلّل بضلالات تستقوي شرعًا بطاعة المحكوم للحاكم الظالم في ظلّ يافطات دينية وأخرى طائفية وغيرها عرقية أو تحت رايات استعلائية تتخذ من حاجة الناس وعوزهم عذرًا لفرض أسلوب للحياة وفق مقاسات الأسياد ومصالح مَن في بطانتهم من المستفيدين الفاسدين. لقد أضحت هذه الفئة التي تكاثرت ونمت كالأميبا تحت خيمة شخصيات متنفذة في الحكومة وفي الأحزاب المهيمنة على الحياة السياسية، ظاهرة مقلقة يصعب الخلاص منها في اقتفاء أثر أصحاب الأموال والعقارات وأرباب الشركات بملاحقتهم بغاية الابتزاز والسطو وفرض الإرادة من دون أن تبدر من الجهات الأمنية ردود صارمة ومن الدوائر العدلية إجراءات رادعة.
لا شكّ أنّ إدارة البلاد تتطلب من جميع ذوي الإرادة الطيبة أن يتكاتفوا مع جهود الدولة بجميع مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والرقابية على بطء فهمها ونهجها الوطني، للسير بالبلاد نحو برّ الأمان والاستقرار والطمأنينة. فالسفينة العراقية الكبيرة، تتقاذفها أمواج عاتية داخلية وخارجية تستدعي وقفة مواطنية واحدة موحدة بعيدة عن رؤى ضيقة الأفق، قد تخدم نفرًا أو شريحة على المدى الحاضر، لكنها تضرّ بمصالح شعب وجدارة أمة وحضارة مكوّنات مجتمعية أصيلة تشكّل أعمدة الهيكل الساند للبلاد على مدى الأجيال. وهذا ما يستنفر ويحث الجهات التي ابتدأت بالحراك النخبوي في الشارع العراقي ومَن التحق به لاحقًا، أن يواصلوا المسيرة حتى تحقيق الرؤية الوطنية الصحيحة في بناء دولة المواطنة، الدولة المدنية التي تحترم الجميع باختلاف أطيافهم وتوجهاتهم ومللهم ونحلهم، وتعدّ الجميع مواطنين على قدم المساواة في مقياس التساوي والعدل والإنصاف من دون تمييز في أيّ شيء وفي كلّ شيء.
إنّ الحاجة والضرورة إلى اجراء تغيير فعلي وجوهري في بنيان الدولة العراقية، بات حتميًا غير قابلٍ للطعن أو الرفض، مهما حاولت جهات متنفذة وضع العراقيل امام صحوة كاسحة للفساد والفاسدين، عبر ترقيعات هنا وهناك، لا تغني ولا تسمن. فهذه أضحت من هموم الشارع الثائر، يجري استحثاثُها بمناسبة ومن دونها بالدعوة لفكر جديد في الرؤية البنائية للقدرات الوطنية الصادقة وفي استبعاد مَن وما لا يتوافق مع مطالب التغيير الجذري المطلوب. وهذه الاسترتيجية المطلوبة في إيجاد منهجية متكاملة تسعى لبناء مثل هذه الدولة المدنية، ينبغي مناقشتُها وتداولها من دون خجل ولا تردّد ولا تشكيك. وما يجري الحديث عنه عن استحقاقات دينية وطائفية وحزبية فرضتها ظروف الغزو الأمريكي للبلاد ، كلّما شغرت حقائب وزارية، ليست سوى معوقات على طريق بناء هذه الدولة المدنية المنشودة. فالحديث عن مثل هذه الاستحقاقات المشبوهة وغير المجدية بعد الفشل الذريع في إدارة أصحاب الاستحقاق لشؤون البلاد بكلّ المقاييس، لم يعد مقبولاً في الشارع المنتفض ولدى الشعب المظلوم وكذا في صفوف المتعلمين والمثقفين والأكاديميين بالرغم من تناقص فورة هؤلاء لأسباب معروفة أمنيًا وأخرى مجهولة ضمنيًا.
إنّ ما بات أكيدًا، أنّ الشارع العراقي بمعظمه، رافضٌ لسلوك مبدأ المحاصصة في إدارة الدولة، إلاّ من قبل السياسيين وأصحاب النفوذ في الكتل السياسية، التي تنافِقُ لأجل منافع ومكاسب حصدتها وما تزال تنالُها من جرّاء التشبث بهذا المبدأ الذي دمّر البلاد وفرّق العباد وسوّس العقول وأثقلها جرمًا وغيلة وجرمًا. وما زلنا نتطلّع لجهد وطنيّ مخلص وجامع لأفكار الجميع على اختلافها من أجل تكوين مثل هذه الرؤية الصحيحة الضامنة لمستقبل الوطن وطمأنينة أبنائه وسعادة أجياله بعد زوال الغمّة السوداء. وهذا قد يتوق لبروز شخصية كارزماتية تحمل صفة المدبّر والراعي والرائد في التصورات والإداريات وفي تحقيق العدل وسيادة القانون وإنصاف المقهورين ومحاسبة الفاسدين والمقصّرين. أي أننا، بحاجة إلى "مانديلا عراقي" قويّ وصارم وعادل، بمواصفات وطنية عراقية حضارية، يأمر بنيل كلّ مواطن ما يستحقّه، وينهى عن اية انتهاكات ضدّ أفراد وجماعات وشرائح تشارك في المواطنية وفي الاستحقاق. عراقُنا وأهلُنا ينتظرون زعيمًا وطنيًا مخلصًا للوطن والشعب، لا تأخذه في الحكم سنّة ولا نومٌ، ولا ينجرف وراء الفساد أو يغطّي على الفاسدين ومَن يستقوي بجنسية مزدوجة أو بأسياد من خارج الحدود، ولا يتعالى على القوم أو يستخفّ بقدرات مواطنين ومثقفين وكادحين على السواء.
وإلى أن يأتي هذا الرجل، القائد العادل، السياسيّ المنصف، الإنسان المنفتح في الفكر والرؤية والمنهج، الوسطي المقبول من الشارع البسيط ومن دهاليز السياسة الماكرة، يبقى عزاؤنا الآنيّ في دحر وانتهاء صفحة الإرهاب وفكرِه المدمّر، الذي ضرب أطنابَه في أرض السواد منذ تهيئة ساسة العملية السياسية لتكوينه وتشكيله بفعل سياساتهم الخاطئة، والمساهمة بتسهيل قدومه بفعل سلوكياتهم الطائفية، وفي استفحاله وتأخير دحره بفعل انقساماتهم وعدم وجود الرغبة الصادقة لتسوية خلافاتهم، وكذا بسبب غياب الإرادة الصارمة لمغادرة أسلوب المحاصصة.
فالشعب يترقب بصبر كبير في الأيام القوادم، بروز هذه الشخصية الكاريزماتية مع قرب الدورة الانتخابية القادمة، كي يكون خادمًا للشعب وليس العكس، قائدًا قديرًا يدير مشروع المصالحة المعطَّل ويهيّءُ الطريق للسلم الأهلي الدائم في ربوع البلاد. لكننا، نريده شخصية عراقية أصيلة تزرع الراحة والطمأنينة في القلب والنفس والفكر، وتضع نهاية أكيدة للفساد، وتحاسب الفاسدين والمتلاعبين بثروات البلاد والمتاجرين بمستقبل العباد. وهذا ما يستلزم تعديلات أساسية في القانون الانتخابي الذي ما زال تحت رحمة نفوذ الكتل السياسية المتنفذة والسلطات الحاكمة التي روّضت وتروّض هذا القانون ليتماشى مع طموحاتها واستمرار هيمنتها على صناديق الاقتراع بالصيغة التي أقرّ بها لغاية الساعة.




40
جعبتنا للعام الجديد   2017
بغداد، في 21 كانون أول 2016
لويس إقليمس
قبل أيام قلائل احتفل العالم الإسلامي بعيد مولد رسول الإسلام. وفي هذه الأيام يحتفل العالم المسيحي بعيد ميلاد المسيح، رسول المحبة والسلام، حيث أنشدت الملائكة نشيدَها المشهور: "المجدُ للّه في العلى، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرّة الصالحة". وستليها احتفالية العالم أجمع بمقدم عام ميلاديّ جديد آخر 2017، في أجواء صاخبة وسعيدة ومنفتحة كالعادة، ولكن وسط هواجس ومخاوف أمنية قد تعكّر صفو هذه الاحتفالات. وكالعادة، لم يكن العراق، بعيدًا عن هذه الأجواء. فقد اعتلت شجرة عيد ميلاد باسقة بارتفاع 25 مترًا حدائق متنزه الزوراء الجميلة، وقد تكون أكبر شجرة تُنصب في الشرق الأوسط، تضامنًا مع ما تبقى من مسيحيي هذا البلد المغدور من الأصلاء في ولائهم وجدارتهم وأخلاقهم. هذه الاحتفالية الجامعة الأخيرة التي نسّقت لها أمانة بغداد، تأتي إيمانًا من منظميها بتقاسم الأفراح والمشاركة الوجدانية في المناسبات الدينية السعيدة التي اعتاد عليها العراقيون الأصلاء وسط مجتمعاتهم على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم. وهي دعوة جمعية وطنية بتحويل الأعياد والمناسبات الدينية المسيحية والإسلامية والإيزيدية والصابئية وأخرى غيرها، إلى أعياد وطنية تعزز من الاخوّة وتزيد من العيش المشترك وتفتح صفحات جديدة ناصعة من المحبة والتآخي والتآزر، عندما يلتفّ الجميع تحت خيمة الوطن الواحد، ويتطلّعون لمستقبل زاخر، فيه يرتفع البناء والإعمار من جديد وتعود إليه اللحمة المنفرطة.     
في نهاية كلّ سنة ميلادية، اعتاد الناس تبادل التهاني والهدايا والعطايا لمناسبة طي عام واستقبال عام آخر جديد. وفي كلّ سنة تتكرّر ذات الكلمات والأمنيات المتلونة بالطموحات الوردية لرؤية عام أفضل ممّا سبقه. وفي هذه الكلمات الرائعة، يعيش المرسِل والمتلقي معًا، أجواءً حالمة ممتزجة بالنشوة، قد تدوم وتثمر وتتحقق رغبات أو جزءٌ من أحلام هذه الأمنيات أو تتلكّأُ فتخيب. ولكن بالتأكيد، أياً كان نوعُ ما يتحقق منها وشكلُها، فهي تنزل بلسمًا وشهدًا في قلب العزيز وتمنحه قدرًا من الاستحقاق البشري والإنسانيّ الذي يستحقه، باعتباره خليقة الله الرائعة في جمال الصورة والمنظر، وأقرب إلى القلب في مثل هذه اللحظات المفرحة. وما أروع أن تجتمع في هذه المناسبة العالمية، الكلمةُ الطيبة مع حسن الصورة وجمال الخلق وطيبة النفس والفعل الحسن. لكنّ الرياح العاتية تأبى أحيانًا، إلاّ أن تسيّرَ سفينة هذا العالم المارد بعكس تيار هذه التمنيات والطموحات. 
عندما تحتفل البشرية بمقدم كلّ عام جديد، فهي تقدّم أدوات الشكر اللازمة لخالقها، لأنه بأمرته يسمح لها بإكمال ما بدأتْهُ من حياةٍ يومَ ولادة كلّ كائن بشريّ فيها. وفي مثل هذه المناسبة السنوية، تتنوع الأماني وتكثر الرسائل وتُرفع الصلوات والأدعية من البشر في جميع أرجاء المعمورة من أجل سعادة مفقودة خاصة، أو عودة غائب عزيز أو مهجَّر أو نازح إلى دياره، أو شفاء مريض متألم، أو إعادة حقّ مغتصب، وما إلى ذلك من أمنيات ورغبات ومرامات، منها ما يبدو ممكنًا، وأخرى غيرُها ما لا تطاله اليد مهما تمنّت وسعتْ ودعتْ. وأمثالُ هؤلاء الذين ينتظرون مثل هذه المناسبة العالمية التي لا تتكرّر إلاّ مرةً كلّ بداية عام جديد، هم كثر ولا حدَّ لشوقهم للاحتفال بها بشريًا وإنسانيًا، مقابلَ مَن ينكر مدى الفرح والسعادة التي تجلبه هذه المناسبة على قلوب البشر وتزرع فيهم غرسة الخير والسلام والمحبة التي يفتقر إليها نفرٌ من المغالين والمتشدّدين في الفكر النافق الأجدب الذي لا طعمَ له ولا رائحة ولا لون كي يبتغيه الخيّرون والطيبون على أرض الله الواسعة.
في كلّ عام جديد، تتجدّد المناسبات بتقليدها المتعارف عليه في كلّ بلد ومنطقة ومجتمع، باكتشاف أجواء جديدة وآفاق تستحق المتابعة والتمنّي ببلوغها بنجاح وسعادة. والتقليد بالاحتفال بهذه المناسبة، مختلف من حضارة لأخرى، ومن بلد لآخر ومن مجتمع لآخر. لكنها جميعًا، تلتقي في الأماني الطيبة والأدعية الرائعة والأمل بعام أفضل من سابقه من أجل تحقيق الأماني المتعثرة وسدّ الثغرات والإخفاقات التي رافقت الإنسان والبشرية في السنة الفائتة. فهناك من يجدّ للسفر بعيدًا لاكتشاف بلدان ومدن وأراضٍ جديدة ويقضي أيامًا سعيدة بعيدًا عن صخب العمل وضغوطات المكاتب والمراسلات والالتزامات المتعددة. وغيرُه مَن يسعى لنزع غبار الأحزان عن سيرته ويقرّر شق طريق جديد، يهيئ له ما فقده فيما مضى من مسيرة الركب. في حين، يترقب نفرٌ آخر هذه المناسبة لزيادة العربدة وإفراغ ما في جعبته من متع الحياة التي يحلم بها طيلة الأيام الخوالي عبر الرقص والموسيقى وما تيسر من أدوات الاستمتاع المعاصرة. فيما غيرُهم يحتفلُ عائليًا في بيت العائلة الكبير، حيث يتفنّن المحتفلون ويستمتعون بما يقدّمونه أو يتناولونه من أنواع الأطعمة الطيبة التي لا تعوّض ولا تتكرّر إلاّ نادرًا. وآخرون يتشاركون الأحزان والأحداث والمآسي، وسط أملٍ مهزوز بعودة ميمونة للبسمة على وجوهٍ صبغتها الأيام بسحنات الحزن والألم واليأس.
ونحن في العراق والمنطقة، عشنا وخبرنا الحياة، كما فعلَها غيرُنا قبلَنا. وقلنا كلماتٍ وكتبنا أخرى كثيرة، كما قالَها وكتبها آخرون. تمنينا لأحبتنا ولعراقنا ولأصدقائنا كلَّ خيرٍ في بداية كلّ عام قادم جديد.  واليوم نعيد ذات الأماني لنا ولغيرنا كي تعود البسمة إلى وجوه العراقيين الطيبين المكتحلة عيونُهم والممتلئة أفئدتُهم والعامرة نفوسُهم بطعم الإخاء والعيش المشترك والتكاتف المجتمعيّ الرائع الذي طبعوا عليه منذ عرفهم التاريخ والمجتمع. واليوم مجتمعين، هل من أمنية أفضل وأغلى من إزاحة خطر الإرهاب عن أرضنا المدنّسة، ونزع فكره السيّء عن المجتمعات التي فتك بها وأحالَها إلى أدوات للقتل والسبي والاغتصاب والتهجير والحكم باسم الله البريء من أفعالهم وسلوكياتهم المنحرفة؟ عسانا نحسبُ جميعًا، قيمة كلّ عام قادم، ونعطي حقَّه كما ينبغي في صواب الخير والفعل الحسن والكلمة الطيبة والسيرة الفاضلة والاحترام المتبادل والمحبة من إنسان لأخيه الإنسان ومن جارٍ لجاره في الحياة والحيّ والمنطقة. فالعام الجديد، ونحن نحتفل به بمثل هذه السعادة، محسوبٌ من عمرنا، كلّما تقدمنا في هذا الأخير سنة بعد أخرى، ولا يتبقى منه سوى الأحاديثُ والذكرُ الطيب وحُسن الأفعال.
مع قدوم كلّ عام جديد، ماذا لو افتكر البشر أنَّ نظام الحياة الأزليّ لا يتوقف، ولا مسيرة الأيام تتعثّر لأنها سائرة ضمن منظومة كونية دورية لا يجيد ولا يقوى على تغييرها سوى ربُّ الأكوان، خالق السماء والأرض والعناصر وما فيها من حجر وبشر وماء وثروات أعدّها الخالق الرحمن في خدمة البشر وسائر الكائنات، من أجل سعادتها ورفاهتها وراحتها. إنّما العثرة في إرادة الإنسان الذي لا يجيد الرقص في حفلة مهرجانية يومية لا تعرف الزمن ولا المكان، حفلة يعدّها هذا الخالق الجبار لمتعة خليقته الناكرة الجميل في مواقف كثيرة. فمن الممكن جدًا، أن تتحوّل أيام البشر كلّها إلى أعياد ومناسبات سعيدة، كاحتفالهم بمقدم العام الجديد المتميّز، إذا أحسنوا الفعلَ وعملوا الخير وساروا بموجب شرع الله الصحيح غير المنحرف وقوانين السماء ونظام الأرض من دون مغالاة ولا مجاملة ولا محاباة ولا خرق لحرية المقابل ولا تهميش أو تجاهلٍ لوجوده.
إحتفال العالم في نهاية كلّ سنة وبدء عام جديد، يذكرنا بقوله تعالى: "أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض، وأخضعوها، وتسلّطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كلّ حيوان يدبّ على الأرض" (تكوين 1:28)، إيذانًا بحقّ البشرية بالاستمتاع بالزمن وما يدور حوله من تفاصيل الحياة ضمن شروط اللياقة العامة وبما لا يتنافى مع مشروع الخالق في خليقته. لستُ هنا بصدد مناقشة سرّ الخليقة العظيم لمناسبة قدوم العام الجديد. فالمناسبة جديرة أن تتحدث عن نفسها على ألسنة البشر باختلاف أعرافهم ومللهم واعتقاداتهم وأعراقهم. فهؤلاء يشتركون جميعًا بفضل عميم أنعمه عليهم الخالق ليكونوا صورتَه الحسنة أينما حلّوا وارتحلوا في الزمان والمكان، كي ينموا ويكثروا ويعمّروا، لا أن يدمّروا ويقتلوا باسمه بحسب قياسات خائبة خارجة عن قانون الطبيعة والعصر والظرف المتجدّد مع الزمن ومع البشر على السواء. فالّله العظيم الشأن، لا يعرف للزمن حدود، كما ليسَ لمحبته للبشر من سقف زمكانيّ معيّن. وهو يعمل في حياة الإنسان ليجعل منه وعاءً سرمديًا في احترامه لنسمة الحياة هذه ولمَن وهبه إياها من أجل إسعاد هذا الإنسان ورفعه لآيات الشكر والعرفان للخالق بحُسن الأفعال، ما عاش من أيام وسنوات. فهذه الأخيرة مهما طالت أو قصرت، تبقى لحظات معدودات في حسابات الخالق ونظامه الكونيّ الجبّار المليء بالأسرار والحكم. 
في كلّ عام جديد، تشهد الحياة البشرية كما اعتادت على مدى تاريخها، تقييمًا لسلوكيات مختلفة مرّت بها وعليها. والبشرية مدركة أنّ الصالحة منها تكون قد نالت رضا الله الخالق وإعجابَ خليقته وإطراءَها، فيما الزائفة فيها والمارقة والسيّئة والمنحرفة منها أضحى مكانُها مزابلَ التاريخ. وهذه الأخيرة، مهما طغت واستبدّت وتجبّرت، فستلاحقها نقمةُ الشعوب والمدافعون عن القيم الإنسانية وحقوق البشر من أي نوع أو دين أو معتقد أو لون أو عرق. وشتّان ما بين السلوكين والطريقين. أن تكون الشجرة يابسة مجدبة لا ثمرَ منها، شيءٌ. وبعكسه أن تبقى طرية كثيرة الثمر، شيءٌ آخر مختلف تمامًا. ففي الأولى، تنزل لعنة الله وتحرق الروح والقلب، فيبقى الإنسان اليابس بلا قلب ولا روح، كما العنصر الذي بلا طعم ولا رائحة ولا لون. وهذا لا نفع منه سوى للرمي في القمامة أو للحرق، ومصيرُه النار الأزلية وصريرُ الأسنان في الآخرة التي لا نهاية لها، لأنه لم يقدّم في حياته سوى شوكًا وحسكًا وعملاً سيّئًا. أمّا الأخيار الصالحون، الذين يلبون نداء الخير، نداء الله الخالق الرحمن الرحيم الطيب الحكيم، بالفعل الحسن والعمل الصالح وليس بكلمات فضفاضة بالتمتمة الحرفية التي لا تنفع ولا فائدة مرجوة منها لخدمة البشر والإنسانية، فهؤلاء هم أحبابُ الله وأصدقاءُ البشر والمدافعون عن الإنسانية المتألمة بعمق. هؤلاء مَن ينالون بركة الله ورضاه، لأنهم خدموا الإنسان الذي خلقه الله أداة حسنة لتمجيد اسمه المقدس. هؤلاء مَن يرثون الأرض لأنهم شربوا وانتعشوا من مطر السماء، من بركات الخالق الذي رفعهم طيورًا محلِّقة بريئة في فضاء الكون الواسع، بحسب استحقاقهم ومتاجرتهم بالوزنات التي منحهم إياها هذا الخالق، ليقدّموا عنها حسابَهم يوم الحساب، بوزنات إضافية كسبوها بفعلِ جدّهم وسيرتهم الطيبة وأعمالهم الصالحة.
في بداية كلّ عام جديد، يتمنى الحبيب لحبيبته والعزيز لمحبّيه وأصدقائه ومقرّبيه ومَن يتشارك معه العمل والمصير، أيامًا مليئة بالسعادة الغامرة التي لا يحدّها سقفٌ ولا حدود. ومَن منّا ليست له حبيبة أو عزيز أو غالي؟ فعندي أنا، كلّ الشعب العراقي، بل البشرية جمعاء، أحبابي وأعزائي وإخوتي في الإنسانية، باستثناء الأشرار والقتلة وسفّاكي الدماء البريئة والمتاجرين بمصائر الناس وحقوق البشر وناكري الجميل وسرّاق المال العام وناهبي ثروات الشعوب والمنافقين ومَن على شاكلتهم. فأمثال هؤلاء، بفعل أفعالهم الشريرة الخبيثة الماكرة، لم يتركوا مجالاً للبشر والمجتمعات كي تتعاطف معهم وتنساق مع جنوحهم إلى سكّة الشرّ وإيذاء البشر والأوطان والمجتمعات، بل إلى تدمير الإنسانية بكلّ صورها وشرائحها وتقديراتها. ولكنّي مع ذلك، لا أكنّ لأمثال هؤلاء حقدًا أو كراهيةً، ذلك أنهم خليقة الله، وقد يهديهم إلى سواء السبيل يومًا، فيعودوا إلى رشدهم وعقلهم فتطمئن قلوبهم وقلوب مجتمعاتهم وأُسرهم وعوائلهم بفعل رحمة الإله الرحوم الغفور المحبّ لكلّ البشر.
 والعام الجديد، مناسبة أيضًا، للتذكير بكلّ عمل صالح وأيّ فعل خير متاح في جعبة الإنسان المتحضّر العاقل الذي يعرف خيرَه وخيرَ الآخرين من خلائق السماء. هكذا نكون في أجواء الاحتفال بهذه المناسبة التي ينتظرُها الكثيرون، عندما نترك العَبث بمقدّرات البلاد والعباد والشعوب، ونمحو البغض من النفوس، وندفن الكراهية في جبّ النسيان، ونجفّف الدموع من عيون طفل أو طفلة فقدت معيلاً، ونكسو عريانًا ثوبَ حبّ، ونعود مريضًا بائسًا، ونُطعم جائعًا قتله جوع الروح والقلب والفكر، ونسقي عطشانًا كأسَ ماء قراح، ونملأ القلوب بالرجاء والأمل، ونقبّل جارَنا ورفقاءنا من دون غشّ ونفاق، ونضمّد جراح مريض أو غريب كما فعلها السامري الطيب في درب الحياة الشاقّة.             
ليكُن العام الجديد القادم 2017 في عراقنا، مناسبة لربح درجة إضافية في سلّم المواطنة الصالحة وفي درجات الإنسانية وفي أخلاقيات الخير والتقدم والنجاح والسلام، بالتأكيد على إعادة بناء الوطن على أسس مدنية ومؤسساتية، واحترام خيار الآخر المختلف. فالاختلاف، مهما كان حجمُه ولونُه، إنّما هو غنى مضافٌ للوطن والمجتمع، وورقة ملونة أخرى تنشر السعادة والأمل. وهذه من دواعي كل أصحاب الإرادة الطيبة والنوايا الحسنة، بالتأكيد على كرامة الإنسان وحريته وحقوقه التي حبا الله بها جميع البشر وفق سلّم المساواة والعدل والحرية! وليكن فرصة أيضًا، لمزيد من التلاحم والتكاتف والتعايش بين مكوّنات الشعب العراقي، صيانةً لوحدة ترابه وحفاظًا لتراثه وحضارته وخصوصياته وعامًا للسلم الأهلي والمصالحة الحقيقية وسدّ الثغرات الأمنية والخدمية ووقف نشاط الميليشيات غير المنضبطة.
نريدُه عامًا جديدًا بكلّ المقاييس، يندحرُ فيه الإرهابُ إلى الأبد، ومعه شبيهتُه الطائفية المقيتة التي نخرت أساسات المجتمع العراقي المتآلف عبر الدهور، ونشهدُ فيه انسحاب الفاسدين عن المشهد السياسي، وعودة الأمن والأمان والخدمات المفقودة في الشوارع والمؤسسات والأحياء السكنية.
نتمناه عامًا سعيدًا حافلاً بالمسرات والأخبار الطيبة والأماني بعودة النازحين والمهجَّرين إلى ديارهم وقراهم وبلداتهم بعد إعمارها وتعويض المتضررين منهم، وهم كثيرون.
نتمناه عامًا مليئًا بالبهجة والأفراح، تعود فيه البسمة إلى وجوه الأطفال وشفاه الثكالى وقلوب الأرامل واليتامى والمشرّدين وجيوش العاطلين. أللهمّ آمين.
وكلّ عام وعراقنُا وأهلُنا وأحباؤُنا بألف خير

41
المنبر الحر / هواجس ما بعد داعش
« في: 19:03 18/12/2016  »
هواجس ما بعد داعش
بغداد، في 5 كانون أول 2016
لويس إقليمس

مع اقتراب انحسار التنظيم الإرهابي الداعشي من العراق وأفول أسطورته وزوال سطوتِه، بدأ الكثيرون بوضع علامات استفهام حول شكل البلاد ووضعها السياسيّ المرتقب، من خلال وضع سيناريوهات عديدة. في بعض هذه الأخيرة، دلالات وإشارات وتلميحات على قراءة الأحداث من الواقع السياسيّ الراهن والخوف من فرض واقع الحال على المناطق المحرّرة من أطرافٍ في النزاع على طبيعة الأرض ونوع الإنسان. وفي أخرى تصوّرات ضامرة يشوبُها الكثير من التشاؤم والسوداوية، وقد لا تبعث على الارتياح، لاسيّما بعد نجاح الكتلة المستقوية مجتمعيًا بشرعنة قانون الحشد الشعبي الذي خلق هواجس لا تخلو من نبرة طائفية. فيما يرى آخرون أنّ مسألة فرض واقع الحال، فيه استقواء طائفي وإتني قد يعزّز من هوّة هذه الآفة ومن اتخاذها مستقبلاً نهجًا استراتيجيًا ثابتًا في كلّ خطوة وبادرة وسياسة.
بالمقابل، يتوسم فريقٌ مغاير غيرُهم، خيرًا بمفاجآت إيجابية تقف في قافلة الانتظار. وهذه الأخيرة، بالرغم من قلّتها، تعطي أملاً بصحوة وطنية خفية تدعو لطيّ أخطاء الماضي واستقبال صفحة جديدة تعتمد على الشعب والشارع وهمومه. ومثل هذا الأمل على بهاتة أضوائه لغاية الساعة، سيبقى بريق الرجاء بإعادة توظيف التوليفة الدولية الناهضة والساعية إلى محاولة بناء اللحمة الوطنية، وإعادة إعمار ما دمّرته الحملة الدولية على داعش وما خلّفه هذا الأخير وأشباهُه من الداخل من الذين لا يقلّون ضررًا وجرمًا عنه، في الفكر الرجعيّ وفي الشعار وفي الفعل العنفيّ الذي فتك بالمجتمع وأهله وأرضه وبنيانه.
وفي اعتقادي، هذا التوجه الأخير لهذا السيناريو الضعيف المشوب بشكوك محتملة، قد تُتاح له فرصة جيدة قابلة للبروز والتنامي على غيره. ويكفي ظهور تباشير هنا وهناك، وعلامات واضحة أو أضواء لعلامات تبشرُ بصعود صحوة وطنية إيجابية تدعو لبناء دولة مؤسساتية قوية تحترم الإنسان العراقي وتضمن حقَه في العيش الكريم على مبدأ المساواة والعدل. فالأحداث والفعاليات المختلفة، دوليًا ووطنيًا ومنظماتيًا وشارعًا، تتحدث عن مداولات ونقاشات وحوارات من هذا القبيل تجري في أروقة السياسة وما بين السياسيين، إنْ سراًّ أو في العلن.
وما خطوة التحالف الوطنيّ وجهودُه الأخيرة لرتق الصدع مع الشركاء المشكّكين في النيات، إلاّ ضمن سياق هذا الأمل المعقود والمعقول. فالنعرات الاستفزازية والمثيرة التي بدرت وماتزال من أطراف في الكتلة الأكبر، بقصد أو بدونه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، حمل الشعارات والأعلام الطائفية في الحرب ضدّ داعش في المدن المعروفة في وطنيتها، كلها إشارات على التشكيك في النيات المعقودة على مشروع التسوية وشرعنة الحشد الشعبيّ وما في بواطنهما. كما يمكن إضافة مسببات أخرى بعيدة عن الطابع الوطني العراقي الخالص، وهذه تدخل أيضًا، ضمن هذا التشكيك ذاته، بالإبقاء على شعارات شعائرية خاصة في الشوارع والأبنية ودوائر الدولة، بعد غزوها جميعًا من دون رقيب ولا حسيب ولا مراعاة لمشاعر الغير المختلف. هذا إضافة إلى تصريحات استفزازية من جانب مسؤولين ونواب، ومعظمها تصبُّ في تهديدها بحسم الصراع بالذهاب إلى استحقاق الكتلة الأكبر.
   على أنَّ التشكيك الوارد بمشروع التسوية الذي تقدّم به التحالف الشيعيّ، باعتباره الكتلة الأكبر، قد يحمل في طياته احتمالين قابلين للتطبيق أو المواجهة: أولُهما الخوف والحيطة من محاولة إعادته للمشروع الطائفي الفاشل ونظام المحاصصة المرفوض من الجميع مجتمعيًا وإعلاميًا ودوليًا. وهذا ما يُستشفُ في الكثير من بنوده وفي طريقة طرحه وأدواته وتبويبه. وإن صحّت مثل هذه التحوّطات والمخاوف، فتلك ثغرة فاسدة وسلبية في نية القائمين عليه، تخطيطًا وتنفيذًا وهدفًا. فذلك يعني من جملة ما يعنيه، بقاء البلاد أسيرة بيد الجهة والدولة التي ترعى الفصائل المسلحة المنضوية في لواء التنظيم العسكري الجديد الذي اتخذ تسمية الحشد الشعبي، ليكون قوّة موازية للمنظومة العسكرية الرسمية الوطنية في البلاد. وهذا من شأنه خلخلة النظام المجتمعي لما فيه من استقواء واضح بجهة إقليمية راعية تسعى لإبقاء البلاد رهنَ سياستها الخارجية في الانتماء والتوجه والقرار. وفي الثاني، يمكن لهذا المشروع في حالة اصطفافه مع الشعب ومع الشارع المتذمّر الهائج منذ أكثر من عام ضدّ سلوك رجال الدولة من المترعين الغائصين بالفساد، يمكن له أن ينال رضا الشعب، فقط في حالة إيثاره مصلحة الوطن العليا على غيرها من المصالح الفئوية والدينية والطائفية والشخصية الضيقة التي يُتهم بها ساسةٌ منضوون في صفوف هذا التحالف ذاته. وهذا إن صحّت التوقعات، فإنّ نتائجَه مرتبطة بمدى حسن النية لدى ساسة المكوّن الشيعي وقياداته وفي استقلاليتهم للقرار الوطنيّ والمجتمعي العراقي الصرف. ففي حالة إثبات الرؤية الوطنية في تطبيقه انتماءً وتوجهًا وإجراءً، فذلك قد يغيّر من السلوك النمطيّ الطائفي الذي طبع تشكيلة كتلته وجلب عليها النقمة وشتى أنواع النقد والاتهام باصطفافها المعروف لجانب الجهة التي ترعاه وبها يستقوي في سياسته وطروحاته.
على جانبٍ إيجابيّ آخر من أجل حلحلة حالة النفور والريبة والغيرة، تبدو في الأفق بوادر مغايرة صادرة عن بعض الساسة السنّة المعترفين بالفشل في سياستهم ومنهجهم منذ الغزو الأمريكي للبلاد، عبر تصريحات أخيرة لا تخلو من المصداقية والواقعية، بالرغم من فقدان ميزان الثقة بين الحكومة ورجالها مع الشعب الحائر. ومن جملة ما بدر من نفر من بعض هؤلاء، دعوتُهم إلى ضرورة مراجعة الذات والمنهج والأدوات التي تحمي الوطن والمواطن من التلاعب بمصائرهم، بعيدًا عن إملاءات دول الجوار وغيرها من المتربصين بمصير الوطن وأهلِه. وقد ذهب البعض في تعويلهم للاهتمام أكثر بالشارع المجتمعي الغاضب وبالعودة إليه في نهاية المطاف، بسبب ما أصابه من النكبات والمآسي التي تعرّضت لها مختلف شرائح المجتمع. ومثل هذا التوجه الفكري والوطنيّ المعقول، فيما لو اقترن بحسن النية وصلاح الإرادة، سيعني الكثير لمَن يتابع عن كثب مسار العملية السياسية ويحاول إعادة قراءة المسار السياسيّ المضطرب.
إنّ مجرّد بروز مثل هذا الشعور بالفشل والخطأ من جانب هؤلاء الساسة، دليلٌ قبل أي شيء على توجس الأطراف السياسية من تصاعد نقمة الشارع الهائج وعدم رضا هذا الأخير ممّا يجري من أحداث وتراجع في كلّ شيء. بل هو إقرارٌ من أطراف شريكة في العملية السياسية بالسير بعكس التيار الذي يتوخاه الشارع العراقي المناهض في الاستجابة لطموحاته وحقوقه. ناهيك عن كونه إشارة همزْ وغمزْ بضرورة تنحّي الفاشلين ومحاسبة المتسببين بتمزيق النسيج المجتمعي وبروز النَفَس الطائفي وهدر المال العام وسرقة أموال الشعب والاستيلاء على عقارات الدولة والسماح بتكوين وانتشار الميليشيات السائبة بحجج مختلفة لا تخلو من روحٍ طائفية نتنة. هذا إن كان بقي لمثل هؤلاء الساسة الفاشلين شيءٌ من الخجل لحفظ ماء الوجه بسبب وصمة العار التي لحقت ببعضهم وبسلوكياتهم منذ سطوتهم وتسلّطهم على شؤون الوطن، دينًا ودولةً.
قبل أيام حدّثني طويلاً عبر الهاتف، مسؤول حكوميّ يحتلّ موقعًا قياديًا في حزب سنّي متنفذ مشارك في العملية السياسية. ولشدّة ما أسرني به، حديثُه عن شعور قائم وصريح لدى مكوّنهم، باعتراف قياديين في الجهة التي ينتمي إليها، بأخطاء ارتكبها قادتُها منذ الإطاحة بالنظام السابق، حينما رفض بعضهم التعاطي مع الواقع الجديد كما ينبغي والقبول بالمستجدات التي فرزها مشروع الشراكة، ما كانَ له أثرٌ واضحٌ على عقد مسار العملية لجهة دون غيرها حين استفراد الأخيرة بكلّ شيء من غير رقابة. ولعلَّ من جملة ما يبدو قد بدر من مقترحات لبعض العقلاء في هذه الجهة، بحسب محدّثي، هو الإقرار بالظلم الذي نالته الأقليات عامة والمسيحيين خاصةً، بسبب ممارسات استعلائية غير متزنة وعشوائية، إنْ لمْ تكن منتقصة من وجود هذه الجماعات المتأصلة في نسيج الشعب العراقي وفي أرض الوطن. وقد كان متحمّسًا لطورٍ جديد في النهج والفكر والأداء، ومنها ما ارتآهُ نفرٌ ضمن هذه الكتلة بضرورة إيلاء الأقليات ما تستحقه من حقٍ واجب بإدارة مناطقها بنفسها على شاكلة يتمّ الاتفاق عليها، ليسَ منّةً من أحد، بل ضمن إطار وطنيّ يعطي استحقاق هذه المجتمعات من حقوق ومطالب طالما تجاهلتها الأنظمة المتعاقبة، وآخرُها نظام الحكم الطائفي القائم على المحاصصة حاليًا. ولعلَّ ما دعا مثل هذه الأطراف لسلوك هذا النهج الجديد في سياستها وتوجهاتها، ما تعرّضت له مجتمعات هذه الأقليات من غبنٍ وظلم وتهميشٍ وقتلٍ وسبيٍ واغتصاب وتهجيرٍ قسريّ وتشريد ونهبٍ لممتلكات وحرق البيوت والمحلات، وكذا من أعمالٍ عنفٍ إجرامية ترقى إلى الإبادة الجماعية باعتراف منظمات ودولٍ وهيئات عالمية.
وللحقيقة أقول، أنّي توسمتُ بتطرُّق هذا المسؤول الحزبي والحكومي، رؤية وطنية جديدة مختلفة عن سابقاتٍ سطحية وأخرى رافضة لمثل هذا التوجه أو معاندة من دون وجه حقّ. بل إنّ حديثَه المسترسل قد جرّني لتصديق قيام رؤية تبرز للساحة حديثًا، وهي مؤمنة بضرورة رسم خارطة طريق جادّة تقدّمُ صورة مختلفة عن خطابات سابقة متزمتة ومعاندة لمْ يكن لها هدف ولا حدود لسقف المطالب التعجيزية لأجل المضيّ قدمًا في نهج المشاركة في العملية السياسية. أي أنها ذات طابع انفتاحي أكثر للآخر المختلف بحملها بوادر جديدة للتعايش المجتمعي السلميّ بعد انحسار الظاهرة الداعشية.
وحبذا، لو اقتفت أثرَ هذا التصوّر والتوجّه الجديد الذي يستحق الثناء والتأييد من باقي الأحزاب والكتل السياسية المتسلّطة، ولاسيّما تلك الحاملة منها للمشاريع الإسلامية والطائفية، بالإقرار هي الأخرى بضرورة تصويب مسيرتها ولفظ تركة السنوات السوداء من الفساد والتسلّط والطائفية المثيرة للاستفزاز والاشمئزاز والقرف. وهذا ما ينبغي السعي إليه جميعًا، سياسيين ومثقفين ومنظمات وآكاديميين، لإبراز الوجه المختلف في شكل التوجّه الطموح الذي يصوّرُه لنا السيناريو التسامحي الثالث المطروح هذه الأيام عبر مشاريع التسوية، ليُضاف إلى المشاريع الوطنية الصادرة عن شخصيات متزنة ومن عقلاء مجتمع وحكماء ومثقفين مستقّلين في الرأي والمنهج والفكر. وهذا لن يكون قابلَ التطبيق والقبول، إلاّ إذا رست النية لبناء دولة مدنية حديثة ذات سيادة وطنية تحترم حقوق الجميع سواسية، وتتمثّلُ بمؤسسات دستورية رصينة قائمة على حكم الشعب وليس تابعة لجهات إقليمية أو نوازع دينية أو طائفية أو خاضعة لتأثيرات تيارات متطرفة ترفض وجود الآخر المختلف وتختزل حقوقَه بمواطنة دنيا وتذكّرُه بمناسبة ومن دونها بدونيّتِه مقارنة مع الأغلبية المتسلّطة. 
وفق هذا المنظور المعقول، كان الأجدر بممثلية الأمم المتحدة أيضًا، وهي الراعية لإيجاد تسوية سياسية وطنية تحظى بمقبولية لدى جميع مكّونات الشعب، أن تراعي مثل هذا التصوّر النابع من صميم الروح الوطنية للشعب العراقي، وبموازاة تعلّق الأخير بالوطن وبالحرص الشديد على مصيره ومستقبله. إلاّ أنها مارست سياسة ثعلبية حين تغليبها لتسامي مبدأ الأكثرية على الأقلية، بل وإهمالها حق المكونات قليلة العدد التي تسميها بالأقليات، بالتساوي في المواطنة وحقوقها مع المثلث الذي يتولى السلطة. وهذا التغاضي في المشروع المطروح عن مثل هذا الحق الوطني في التأكيد على مبدأ التساوي في المواطنة، تعزيز واضح لمبدأ المحاصصة الذي استنبطه الحاكم المدني بريمر، ومن ورائه جاء الدمار والخراب لغاية الساعة. فالظرف الذي جرى فيه تمرير قانون الحشد الشعبي ورعاية المنظمة الدولية لمشروع التسوية المطروح من الكتلة المتسلطة الذي يتركز أساسًا على أحقية مكونات ثلاث رئيسية في المجتمع العراقي دون غيرها، وما سيلي ذلك من توزيع السلطة والثروة على هذا المثلث، كما اعتدنا خلال الفترة المشؤومة الفاشلة السابقة، كلها إيحاءات بعدم وجود النية للتخلي عن سياسة المحاصصة في الأمد القريب والمتوسط. وبالرغم من صدور تصريحات ودعوات من أطراف متسلطة ومشاركة في السلطة بشأن هذا الآفة، إلاّ أنها جميعًا تخلو من إرادة لمغادرة نوازعها ومكاسبها. بل إنّ مشروع التسوية ذاتُه، الذي ترعاه ممثلية الأمم المتحدة، يكاد يكون صيغة حديثة لنسخة قديمة تشرعنُ مبدأ الطائفية وترسخ لمبدأ المحاصصة المعمول به. لقد عارضته أطراف شريكة ورأت فيه أخرى نسخة مكرّرة لمشاريع تسوية مطروحة سابقة، ولا جديدَ فيها.
إنّ الإنصاف الوطني يكمن بالتروّي في تمرير مشروع التسوية كي يراعي الهاجس الوطني والمجتمعيّ المتمثل بضمان حرية الفرد، أيَا كان، في الدين والمعتقد والفكر والعمل والرأي والملبس والسفر والتنقل والاسترزاق، أي بالعيش الكريم لكل العراقيين من دون استثناء ومن دون تمييز على أساس الدين والطائفة والاستكبار. وهذا لن يكون ممكنًا إلاّ بسيادة الدولة على كلّ مفاصل الحياة، والتعويل على القضاء العادل غير المسيَّس، ووضع حدود وقوانين صارمة لمحاسبة المقصّرين والفاسدين والجلاّدين والمستقوين باسم الدين والطائفة من المكوّن المتسلّط قبل غيره، عبر الكيانات الميلشياوية غير المنضبطة التي تصول وتجول وتؤدي دور الرقيب والحسيب والحاكم والجلاّد وتقرير مصائر الناس والحكم على الأشخاص وتولّي معالجة الحالات والظروف وفق ما تتلقنه من مصادرها ومراجعها في غيابٍ واضح للدولة وأجهزتها الأمنية والرقابية والقضائية.
في هذا السياق عينه، نكرّر الأسف المشوب بالحذر، للدور المتخبّط والانتهازيّ والمتحيّز للأمم المتحدة بالوقوف مجدّدًا إلى جانب مثلّث المكوّنات المتسلّط الذي أوجده الغازي الأمريكي، والذي تسبب بدمار اللحمة المجتمعية والحضارية والنفسية لعموم الشعب بالقفز على حقوق الغير من هويات ومكوّنات لم تعرف في تاريخها معنى للتعصّب والعنف والإرهاب والقتل والاعتداء على الغير وعلى الممتلكات العامة والخاصةّ، كما هي حال البعض من أتباع المتسلطين من هذا المثلّث الحاكم. وبطبيعة الحال، لا نقصد في هذه الملاحظة الواقعية، نخبة العقلاء والمثقفين والمواطنين الأبرياء من الذين تجري في عروقهم دماءٌ وطنية خالصة وممّن تهتزُّ قلوبُهم حبًا للوطن وأهلِه الأصلاء. 
إن لحظات الشعور بالنصر على الآخر المهزوم ملحميًا واجتماعيًا وواقعيًا، ليسَ مدعاةً لنسف السلم الأهلي وفرض شروط المنتصر على القائمين على مجتمعاتهم سياسيًا، أي فرض الواقع على الأرض، مهما كان الإنجاز ومهما كانت التضحيات. فهؤلاء ليسَ بالضرورة أن يكونوا في موقف صحيح لتمثيل شعوبهم. بل الأحرى بمَن استفاق لتوه واكتشف قدرات نصره المدعوم خارجيًا، أن يتعلّم من دروس الماضي ومن الضرر العام الحاصل بسبب إهمال الأنظمة المتعاقبة لحقوق الشعوب ومصالحها وتاريخها. فالسياسة الخاطئة تولد من بعدها سياسات أكثر تعاسة وأعظم خرابًا وأشدَّ ضررًا من سابقاتها، عندما لا يرعوي المتسلّط ولا يريد الاستفادة من دروس الشعوب والأمم.
لقد عانت المجتمعات العراقية من اهتزاز وانهيار وتشتّت في رؤيتها الوطنية وفي سلوكها اليوميّ، بسبب انعدام الثقة بين الإخوة الأعداء. وهذا هو الخوف، كلّ الخوف من مشروع المصالحة الوطنية الذي بدأت أولى تباشير فشله في الأفق بإقرار قانون الحشد الشعبي بهذه التوليفة وبمشروع التسوية غير الناضج الذي يعيد العملية السياسية وفق منظور المحاصصة اللعين. بل إن هذين الحدثين، من شأنهما الإطاحة بكلّ الجهود الرامية لرأب الصدع بين مكوّنات الشعب العراقي كافة، والمتشبث بأمل بناء دولة مدنية تراعي حقوق الجميع وتُبنى على أساس حضاري متمدّن وبمؤسسات دستورية قوية يسودها النظام والقانون والاحترام من الجميع وللجميع.
وأخيرًا، ضمن سياق التصحيح والإصلاح المتعثّر، لا بدّ من حسم ملف الخلافات بين حكومة المركز والإقليم، عبر بناء علاقات وطنية وعقلانية قائمة على مراعاة وتنفيذ حقوق كلّ طرف، من غير غالب ولا مغلوب، ولا مجاملة على حساب حقوق باقي المحافظات. فالنقاط الخلافية مثار الجدال العقيم بين الطرفين، سببُها الدستور وبنودُه غير الواضحة التي تحمل تفاسير متباينة لحساب طرف على آخر. كما تنتظر المكوّنات الأخرى من خارج المثلّث الحاكم، إنصافَها على أساسٍ التساوي الوطني الذي لا جدالَ فيه ولا مجالَ للتأويل فيه خارج النطاق الوطنيّ. وهي في انتظار إقرار ما يثبت حُسن النية، بمنحها إدارة ذاتية بعد استكمال صفحة تحرير مناطقها وإعمار بنيتها التحتية وتعويض أهلِها جرّاء عمليات النهب والسلب والحرق والتدمير الذي تعرضت له من قبل التنظيم الإرهابي، وكذا من قبل قوات التحالف جرّاء العمليات العسكرية ضدّ داعش.
إنَّ جلَّ ما تخشاه شرائح الأقليات اليوم، التأخيرُ في إعادة إعمار مناطقها وغياب البرنامج الحكومي الذي يؤمّن دفع التعويضات المستحقة جرّاء تدمير المساكن والبنية التحتية، إضافة إلى استمرار عمليات النهب والسلب والحرق حتى بعد دحر التنظيم الإرهابي منها. والسبب واضح لا يقبل الشك: ثنيُها عن العودة إلى مناطقها التاريخية، ومن ثمّ وجود نيات شاخصة بإجراء تغييرات ديمغرافية فيها، بحسب الهواجس القائمة في هذه الأيام.



42
في أحدث صحوة عراقية: عودة المرجعيات الموحدة، هل تقود الوطن إلى برّ الأمان؟
بغداد، في 10 تشرين ثاني 2016
لويس إقليمس
جميلٌ جدًا أن تنال مبادرتان "وطنيتان" بتوحيد الكلمة، صدرتا لغاية الساعة، ما تستحقّان من اهتمام شعبي وإعلامي وسياسيّ، لكونهما تبثان نوعًا من بصيص أملٍ بتسوية وطنية في نهاية النفق المظلم. ومثل بصيص الأمل هذا، بالرغم من التشبث به فكرًا عقائديًا وهاجسًا لا شعوريًا في آنٍ معًا، إلاّ أنه بالتالي، يبقى عنوانًا محفوفًا بشيء مختلطٍ من الرجاء والخيبة والحذر والريبة، أيضًا. فالمبادرات السابقة، ولا سّيما الصادرة عن الكتل السياسية المنتفعة من العملية السياسية، ما أحوجنا للتذكير بركاكتها وعدم وضوح رؤيتها وفقدانها للمصداقية الوطنية وقصر نظرها في رسم سياسة متزنة ومستقرّة لبلدٍ عانى طويلاً من ويلات كثيرة ومن حروبٍ مدمّرة للبشر والحجر، للفكر والحضارة، للثروة الوطنية والتنمية البشرية. كما أنّ العديد من تلك المبادرات المنقوصة، على العموم، لم يُكتب لها النجاح بسبب أزمة التقة القائمة بين الشركاء الفرقاء، وتجاهل معظمها إيثارَ المصالح العليا للوطن والشعب، وتشبثها بأنانية المكاسب الدينية والطائفية والمذهبية والفئوية والحزبية والشخصية الضيقة التي كانت السبب وراء تفاقم آلام العباد وتأزم أحوال البلاد وتعرّض مصالحها لأزمات متلاحقة أمنيًا وسياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وزراعيًا وعلميًا وتربويًا وفكريًا وتعليميًا واجتماعيًا وكل ما له صلة ببناء الأوطان ورفاهة الشعوب وحقها بالعيش الآمن.
ويأتي طرح مشروعي المبادرتين "الصحوتين الحديثتين"، الشيعية والمسيحية، في هذا الوقت الحرج من تاريخ البلاد المتأرجح بين الفوضى في العمل والصحوة بضرورة التغيير، بمثابة إشارة واضحة ببلوغ أزمة مصير العراق مفترقَ طرق صعبة: إمّا التكاتف والتصالح وتصحيح مسار العملية السياسية الأعوج بالقضاء على مكامن الفساد والفاسدين وطيّ صفحتهم وصفحة أحزابهم المتاجِرة (بكسر الياء) بالوطن وبالشعب المقهور، أو بقراءة الفاتحة على شيء كان يُسمّى العراق (شنعار)، بلدًا للحضارات التي دوّخت العالم وسادت المنطقة وأعطت من العلم والعلماء ومن القوانين ومن الأدب والشعر وما سواها ما انحنت له الرقابُ إجلالاً وما تزالُ تتذكره الأمم والبلدان وشعوبُ العالم بشيء كثير من الفخر والاعتزاز والإجلال.
من هنا، نحن نعتقد أنّ "مبادرة التحالف الوطني للتسوية الوطنية" -هذا إنْ كان الأخير صادقًا في أساريره- والباحثة عن تسوية وطنية لا تغفل في تطرقها لمجمل التحديات الرئيسية في البلاد، ومنها السياسية والاجتماعية والتاريخية والاقتصادية وحتى الأمنية التي تقضّ مضاجع المواطن البسيط، فهي تعطي إشارة واضحة بالشعور بخطر داهم. وعسى أن تكون ردٌّا شافعًا للباحثين الحقيقيين عن حلول للسلم الأهلي المفقود ولمشاكل الوطن والمواطن التي تفاقمت بسبب صراعات الأحزاب والكتل، جرّاء توجهها الطائفي الذي تبنته أحزاب الإسلام السياسيّ المتجلببة بالدين وأذيالِه بخاصة، وذلك بدعمٍ وتغطية  من الغازي الأمريكي منذ بداية الغزو في 2003. فهذا المنهج الشيطاني في زرع نار الفتنة الطائفية قد نجح فيه الغزاة كالعادة وبجدارة، إلاّ أنّ البلد بالنتيجة، غرق بسببه في عواصف هوجاء من نيران الطائفية والمذهبية والعرقية وفي الفساد الذي نما وطغى وتأصلّ في مفاصل الدولة ومؤسساتها. ومن ثمّ، لم يحصد المواطن البسيط، ولاسيّما من أبناء المكوّنات الأصيلة، العرقية والدينية القليلة العدد، سوى الكراهية والتهميش والإقصاء. لا بل جرى استخدامُهم واستغلالُهم بأبشع الأساليب في صفقات ومساوات بين الكتل والأحزاب عبر التآمر من خلف الكواليس مع الغزاة ومَن معهم مِن داعمي العملية السياسية العرجاء الآخرين. وهذه هي الحقيقة التي يحاول راعي العملية السياسية ومعه الساسة المعنيون، تحويرَها وإنكارها ودفعَ التهم عنهم، كالعادة.
وبالتوازي، جاء طرح مشروع مبادرة المراجع المسيحية، كخطوة استباقية للتحذير من مغبة تجاهل المكوّن المسيحي الذي لم يحظى كغيره من المكوّنات القليلة العدد الأخرى، إلاّ بجزئيات من حقوق مواطنية من الدرجات الثانوية في سلّم الحكم بالعراق، سواء بالأمس البعيد أم القريب. فحكومة التغيير الدراماتيكي الأخير، بساستها "المراهقين" من مزدوجي الجنسية ومن أصحاب المصالح الخاصة، ومن الملتحفين بجلباب الدّين وبطانته ومن المصرّين على تكرار روزناماتهم الطائفية، والمتاجرين بآلام شعوبهم وفقرهم، والمتجاهلين أوضاعَهم المأساوية بل وكيانَهم إلاّ في أوقات الانتخابات كسبًا للأصوات، لم تقوى هذه الحكومة على إحداث تغيير في منهجها الإصلاحي المتعثّر وإنصاف هذه المكوّنات الصغيرة منذ انفجر الشعبُ وثار واحتلّ منصات التظاهر وجالَ الشوارع مطالِبًا بمقاصصة الفاسدين واستبعادهم، وإيكال العملية السياسية إلى أناس تكنوقراط ومتخصصين ووطنيين مستقلّين بعد فشل الفريق الحاكم برمّته لبناء دولة مدنية متمدنة. والسبب واضح، وهو عدم وجود نية حسنة وإرادة طيبة للتفاعل مع مطالب الشعب عامة، ومع حقوق أبناء المكوّنات الصغيرة ومساواتهم في المواطنية والحقوق على أساس مبدأ المساواة والعدل والحق مع غيرهم من أبناء الوطن. كما أنّ الدستور الذي صارَ شماعة متهرّئة للكتل والأحزاب المتنفذة في التشبث به وعدم وجود رغبة في تعديل الكثير من بنوده المجحفة بحق هذه المكوّنات المقهورة والمهمَّشة، لم ينصفها لدى كتابته بسبب سطوة الكتل الكبيرة وقادة الأحزاب على مقاليد السلطة وأدوات التشريع. يُضاف إلى هذا، تركُ الغازي الأمريكي راعي العملية السياسية، الحبلَ على الغارب عندما لم يجهد النفسَ بردع فساد الساسة وسطوتهم، وعدم فرضه الرأيَ التشاركي في العملية السياسية لجميع المكوّنات من دون تمييز من خلال تقديم المنطق الإنساني والوطنيّ في كتابة بنوده، ما قد أسهم هو الآخر بتهميش هؤلاء "المقهورين". وهذا من ضمن أسباب أزمة الثقة المتنامية من طرف العقلاء والبسطاء من عموم الشعب إزاء السلوكيات المشبوهة للغازي الأمريكي والسائرين في ركابه من دول وشعوب ممّن لم يجهدوا النفس بردع أساطين الحكم ونهيهم عن الفساد والاستئثار بكلّ شيء وحثّهم للابتعاد عن آفة المحاصصة القاتلة بسبب توجهاتهم الدينية والطائفية والعرقيّة، وتركهم يتقاسمون الكعكة بين ثلاثيّة متلازمة لغاية الساعة: العرب الشيعة والعرب السنّة والأكراد، حصرًا.  لذا، لا يصحّ التركيز في رسم مبادرة التسوية الجديدة المقترحة للتحالف الوطني، على أساس خيارات سابقة أثبتت فشلَها حينما تجاهلَت أحقية مكوّنات أخرى من خارج المثلث الحاكم في الشراكة الكاملة بالوطن وسلطانه وثرواته وسياساته. وما على ذوي الشأن والدراية والسلطة إلاّ أن يصححوا الخطأ السابق، ويضمنوا الوجود التاريخي والإنساني والحضور البشريّ للمكوّنات الدينية والعرقية المختلفة عن هذا المثلث الحاكم الذي لم ينصفها فيما مضى.
وللتذكير فقط، كانت هناك قبل أكثر من عامٍ، مبادرةٌ سابقة لمراجع مسيحية معتدلة ومنفتحة للمّ وحدة الكلمة وتوحيد الخطاب المسيحي بمرجعية مسيحية سياسية مستقلّة جامعة لأحزاب متواجدة على المشهد السياسيّ ولنشطاء مدنيين مستقلّين ومثقفين وأكاديميين وأصحاب فكر. لكنّها اصطدمت بإرادات أنانية، كنسية ومدنية، وكذا من جانب أحزاب وممثليهم ممّن يعرفون فقط قولَ ما يُلقَّنون إياه من مرجعياتهم والتمسّك به بأسنانهم وبكعبِ أرجلهم خوفًا من فقدان مواقعهم ومكاسبهم وامتيازاتهم الطائفية والخاصة. وتأتي مبادرة البطريرك لويس ساكو في عينكاوا، في الأيام الخوالي، بجمع الرؤساء الروحيين لكنائس العراق وبمشاركة رؤساء الأحزاب المسيحية، للتباحث بشأن مستقبل المسيحيين، كخطوة متكررة ومؤكِّدة (بكسر الياء) لمبادرته السابقة التي استجاب لها آنذاك ذوو النوايا الطيبة، وكادت ترقى إلى مستوى تحقيق الهدف بتشكيل مرجعية مسيحية سياسية جامعة مستقلّة، تأخذ على عاتقها تسيير دفّة المكوّن المسيحي وتوحيد خطابه ومطالبه. فذات الفكرة التي سعت إلى تحقيقها لجنة هيئة الرأي سابقًا، وكاتب هذه السطور كان من بين أعضائها، ها هي تتبلور من جديد للترويج لتشكيل هذه المرجعية، تماشيًا مع مقتضيات الظرف المصيري الحالك الذي من شأنه رسم مستقبل "هوية المكوّن المسيحي" في هذا البلد، لاسيّما بعد تحرير المناطق االمغتصَبة من قبل داعش الإرهابي التي كان استولى عليها قبل أكثر من عامين في الموصل وسهل نينوى حيث التواجد الأكبر لأتباع هذا "المكوّن" المسالم. ونظرًا للأجواء المشحونة و"التكَأكُؤ" والتكالُب الباديين من جهات عديدة متنافسة تسعى للانقضاض على مناطق هذه المكوّنات، باستغلالها للظروف الأمنية وفراغ السلطة وهشاشة المواقف السياسية لدى شرائح أخرى تجهل التعامل مع حقوقها كما يجب، فقد جاءت هذه المبادرة من رئاسة الكنيسة في العراق، كي تسعى لإنقاذ ما يمكن وتضع حدودًا للصعوبات والمناكفات والسجالات بسبب تقاطع مصالح أطراف تحاول الاستئثار بالواقع الراهن. ونأمل أن تتوصل اللقاءات الأخيرة، إلى اتفاق مشترك ومقبول يسهّل التفاهم والتحاور مع شركاء الوطن الآخرين على أساس المواطنة الكاملة وغير المنقوصة وفرض وجود "المكوّن المسيحي" قبل غيرِه من التسميات، فعلاً وليسَ قولاً، فحسب.
ومع ترقب صدور اتفاق حاسم يرسم ملامح مصير هذا المكوّن الأصيل في نسيج الشعب العراقي، لينضمّ إلى مشروع مبادرة التسوية الوطنية المطروح للتحالف الوطني، يتطلّع العقلاء، مبادرةً من باقي المكوّنات الأخرى التي لم تحسمْ تشكيل مرجعياتِها بعدُ، تسهيلاً للتفاهم والتحاور وبلوغ مأرب التسوية الوطنية الشاملة والمصالحة المجتمعية الصادقة، إنْ صدقت النوايا وحسنت الأفعال لا الأقوال. فما زال المكوّنُ السنّي منشقًّا على ذاته، غيرَ جامعٍ لكلمتِه، متأرجحًا بين الردّ والصدّ، غارقًا في أحلام فقدان الحكم وعدم قبول الواقع الحاضر. فالحاضر هو الذي يبني المستقبل وليسَ الماضي القديم الذي فات وماتَ. فهذا الأخير قد أفلَ ولن يعود كما كان بصيغته السابقة. بل من الممكن عودتُه بحلّة قشيبة وهيئة عصرية مجدِّدة للفكر والروح والذهن من خلال الشراكة الكاملة، إنْ صلحت الإرادات واجتمعت الآراء حول فكرة البناء والإعمار ورأب الصدع القاتل وزوال أزمة الثقة القائمة بكلّ قوتها. وهذا ما هو مطلوب من باقي المكوّنات الأخرى التي يتشكّلُ منها نسيج المجتمع العراقي، كي يعود فاعلاً متجدّدًا قاهِرًا لكلّ العوارض القديمة التي أعاقت تقدّمَه وقطعت طريقَ تطوّره بسبب الأنانيات المقيتة وتنامي الغيرة والنفاق والرياء. علّ المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة التي تعهدت بضمان أي اتفاق وطنيّ يدعم السلم الأهلي والمصالحة، تحافظُ على وعودها، وتسعى من جهتها لتذليل الصعوبات التي تعترض ممرّات هذا الطريق الشائك.
وهذه مناسبة جديرة بدعوة أصحاب المبادرات التصالحية الحديثة، للبحث عن تسوية سياسية وطنية جامعة حقيقية وغير مرحلية، تتضمن إصلاحات جادّة تؤثر المصالح العليا للوطن والشعب على غيرها من المكاسب الطائفية والحزبية والخاصة التي تربّوا عليها وتشبثوا بها ويصرّ البعض على المضيّ فيها، بالرغم من فشلها الذريع. لقد آن الأوان أيضًا، وجدَّ الجِّدّ في هذه المرحلة المصيرية التي تقترب فيها البلاد من القضاء على أعتى تنظيم إرهابيّ أحكمَ سطوتَه على أكثر من ثلث الأراضي العراقية، للابتعاد عن البكاء على المظلوميّات الحصرية السابقة، التي أصبحت من الماضي. فمَن كان بالأمس خارج السلطة مظلومًا، قد تهيّأت له فرصة الحكم، وعليه إثبات الجدارة فيها وليسَ البكاء وزيادة وسائل اللطم والإيغال في الأدوات التي تصاحب هذه الممارسات الاستفزازية وما سواها، ممّا يزيد التخلّف والتأخر في تقدّم البلاد وتطوّرها ونمائها وكذلك في إبقائها في دائرة الفكر المتأخر عن ركب العصرنة والتمدّن. فمثل هذه الأفعال والمظاهر التي أُفرغت من محتواها العقائدي ومن قيمها الشعائرية المقدسة، لم تعد تستقيم مع ظروف البلد المصيرية، ولا تتجانس مع الحاجة لرصّ الصفوف وحشد الطاقات اللاّزمة من أجل البناء والإعمار التي تحتاجها البلاد المجروحة والغارقة في الفوضى التنفيذية لمؤسسات الدولة وغياب القانون. وهذا ما يشير إليه فراغُ المشروعات والمبادرات التقليدية المقدمة من الأحزاب والكتل الحاكمة من نفحة وطنية ثاقبة للبناء ومن غياب بُعد الرؤية لمستقبل وطن وشعب فقدا الثقة بمَن أتى بهم الغازي الأمريكي كي يحكموا بغير جدارة ولا كفاءة ولا حرص على البلاد والعباد. 
هي فرصة أيضًا، للكفّ عن النفاق ووسائله المستهجنة، والابتعاد عن المزايدات الماكرة وتزايدها، والاستحياء من ممارسات صبيانية بمسح الجلابيب وإطالة الصلوات الباطلة والتنافس في المناسبات الدينية والمذهبية التي أخذت طابعًا دعائيًا لتحقيق مكاسب ضيقة وطائفية وفئوية على حساب قدسية هذه المناسبات. لقد قالت الكثير من المرجعيات الدينية المتزنة كلمتَها وأبدت رأيها فيما يجري أمام الأنظار، بل واستهجنت بعضُها مثل هذه الممارسات والطريقة التي تحاول بها أطرافٌ سياسية انتهازية توظيفَها لصالح مصالحها الخاصة على حساب الوطن والشعب. لقد كان الأجدر بالساسة بعد السقوط ومَن يقف وراءَهم، أن يكفّوا النحيب والبكاء بسبب شمّاعة المظلومية. فالجميع كان مظلومًا، هذا إنْ لمْ يكن مثلُ هذا النفر من الباكين اللاّطمين على مدار السنة، هو نفسُه قد ظلمَ نفسَه وجارَ عليها بفعل تصرّفات بالية ومتخلفة وطائفية لا تُؤكل ولا تسمّن.
 كفى تذكيرًا بالماضي؟ ولنعش الحاضر ونفكر بالمستقبل. فإلى متى يبقى زعماءُ الشعب وحكّامُه يتغنون بالمظلومية وينتحبون، فيما الحكمُ والمال والجاه والثروات كلّها بأيديهم، وشعبُهم خالي الوفاض من خدمات أساسية ومن أمن واستقرار وراحة بال؟
هي فرصة بالتالي، للمكوّنات السائرة في ركاب المثلّث الحاكم أو خارجه، كي يقولوا كلمة حق بوجه الظالمين والفاسدين وناهبي الثروات الوطنية أمام أعين الشعب والمرجعيات، من دون أن ينال القضاءُ من واحدٍ كبير ومتنفذٍ من بين صفوفهم، بسبب ضعف موقفه وعدم استقلاليته والضغوط التي تُمارس عليه. فهل نترقب سياسة جديدة للأحزاب الحاكمة تُؤسّس لعصرنة "دولة مدنية" بإمكانها الخروج من النفق المظلم الذي وقعت فيه وغرقت بسببه في فوضى خلاّقة اكتنفها العنف والظلم والقهر والتهميش والقتل على الهوية والتزوير والتهديد والاستيلاء على عقارات الدولة وعلى منازل المواطن البسيط بشتى الطرق والوسائل؟ وهذا لن يحصل إلاّ بشراكة حقيقية وفاعلة لجميع الفعّاليات الاجتماعية ومكوّنات الشعب بغض النظر عن دينها وعرقها ومذاهبها وطوائفها ومسمّياتها الأخرى. فالمعادلةَ السياسيةَ للبلاد والسلمُ الأهليّ لم يكن ليكتبَ لها الانهيار إلى المدى الذي شهدناه بعد السقوط ولغاية اليوم، لولا ما حصل من اختلالٍ في العملية السياسية وسوء احترامٍ في العلاقةِ بينَ السلطةِ الفاسدة وأحزابها الانتهازية إزاء الشعبِ المقهور، وخاصة تلك التي انتهجت خطً الأيديولوجيا الدينية أو تجلببت بنهج طائفيّ مقيت كسبًا للأصوات وتقرّبًا من المرجعيات ذات التأثير الواضح في العملية السياسية.


43
القومية الشعوبية تهدد حقوق الإنسان والأمن في أوروبا
بغداد، في 20 أيار 2016
لويس إقليمس
دخلت أوربا بعد عام 2015، مرحلة حرجة من حياتها "الغربية" التي تطبعت عليها منذ تشكيل هيئتها تحت ظلّ مسمّى الاتحاد الأوربي في 9 ايار من عام 1951 والسنوات التكميلية اللاحقة بمؤسساتها، كقوة سياسية واقتصادية ونقدية لها وزنُها وثقلُها على صعيد الأسرة الدولية. فقد شهدت مرحلة التأسيس، محطات كثيرة من الاندفاع حينًا والتأنّي حينًا آخر، ومن التقدم والتراجع في غيرها، لغاية بلوغها ما وصلت إليه، حين توحيد وحدتها النقدية "اليورو" في عام 1999 والتي تعمل بها تسع عشرة دولة عضوًا في هذا الوقت. ونتيجة لنوع الحياة المستقرّة في معظم أراضيها، إلى جانب الرفاهة والحرية الشخصية والمعتقداتية والفكرية التي تتمسك بها عنوانًا لسياستها العلمانية -المدنية من حيث المبدأ، فقد أصبحت دولُها مناطق جذبٍ مستثارة وحلمًا  ورديًا لطلاّب الراحة والاستقرار بالنسبة لمواطني بلدان تزايدت فيها المظالم واشتدت الحروب وكثرت أعمال القتل والتهميش، ما دفع جيوشًا من اليائسين والناقمين على حكام السلطة في هذه البلدان "التعبانة"، كي يديروا ظهورهم لأوطانهم المثقلة بالمشاكل والأزمات وينشدوا أرض الحرية والديمقراطية ونظارة الأرض وتسامح البشر واللقمة النظيفة.
يعبّرُ السكرتير العام للمجلس الأوربي جاغلاند، في تقريره السنوي الصادر مؤخرًا، عن مخاوف متزايدة من تعرّض قاعدة حقوق الإنسان والديمقراطية والأمن في القارة الأوربية إلى تهديدات خطيرة قائمة على أصعدة عديدة. فدول الاتحاد الأوربي مجتمعةً، وجدت نفسَها واقعة في دوّامة جدلية حول مستقبلها ومصير اتحادها وأراضيها وبشرها على السواء، حيث تشير أحداث السنة الماضية التي مرّت على عموم أوربا، إلى تفاقم مشاكلها المتعددة، ومنها تلك الأمنية التي أخذت مديات متفاقمة ومقلقة للغاية، بعد الهجمات الإرهابية التي ضربتها في عقر دارها وفي مؤسساتها ومراكز فنونها ومواقعها التربوية والفكرية والحضارية والدينية والاقتصادية، من دون استثناء. وبالتأكيد، فإنَّ من نتائج ما أحدثته تلك الأحداث الدامية من بلبلة ورعب وخوف مبرّر وسط العامة، جعلت بعض زعامات أوربية وحكوماتها ومنظماتها تلجأ لإعادة حساباتها بسببٍ من ضغوط شعوبها الأصيلة التي انحازت لأوطانها قوميًا ووطنيًا ودينيًا بعض الشيء، ومنها ضغط الشعوبيين واليمينيين.
قصارى القول، أنّ القارة العجوز، قد دخلت غبّ تلك الأحداث في معركة من نوعٍ جديد في مقارعة أزمات ومشاكل عديدة، ومنها تلك التي أُقحمت بها، سواءً بفعل سياساتها بين الشعوب ومع الدول والحكومات أو من دون رغبتها. فقد أُضيف إلى شبح الإرهاب الذي طالها وأصبح من أكثر الهواجس لديها، كابوسُ الهجرة الشرعية وغير الشرعية الذي غزاها على شكل موجات بشرية هائلة غير قابلة السيطرة والتنظيم قبل عام وما زال قائمًا بوتيرة أخفّ. وفي مراجعة دقيقة للحدث، يبدو للعيان أنّ ذلك وقع وفق فعلٍ ممنهج من خلال تدفق طالبي اللجوء وبتحريض من جهات دولية ودول إقليمية، بالرغم من عدم خلوّ هذا الغزو البشري الهائل من إشكالات واندساس لعناصر أرادت الانسلال بهدف إلحاق تغييرات في الديمغرافيا والواقع والفكر والمعتقد، على السواء. فما أُعلن على لسان بعض مَن اقتحموا حدود الاتحاد عبر الممر الرسميّ في تركيا مثلاً، كفيلٌ بشرح ما في جعبة هؤلاء وفي كشف النوايا والرغبات والطموحات، سواءً بدراية من دول الاتحاد أم بغفلةٍ منها ومن دون أن تعي حجم الكارثة التي ستتعرّض لها لاحقًا.
من دون شكّ، هؤلاء الهاربون من جحيم بلدانهم، هم بشرٌ في نهاية المطاف، ومن حقهم اللجوء وطلب الأمان إلى الأرض التي تحترم خصوصياتهم وأمنياتهم وتؤكلُهم وتشربهم وتحنو عليهم كبشر، وليسَ مثل حثالة البشر والمهمّشين وفاقدي الحقوق، وهي الصفة التي يُعاملون بها في أوطانهم الأصلية. فهذه الحشود المهاجرة قسرًا، قد أدركت بما لا يقبل الشكّ، أنَّ البلد الذي لا يحفظ لهم كرامتَهم ويمنحهم حقوقًا آدمية وإنسانية، لم يعد لهم أرضًا صالحة ولا وطنًا يستحق الاحترام، طالما أنه غير قادر على الدفاع عنهم ومنحهم الحقوق المترتبة عليه كبشر. بل هؤلاء يكونون قد وجدوا ضالّتَهم في هذه الأرض الأخيرة التي ضمنت لهم الأمان والحرية والكرامة ولقمة العيش الرغيد. من هنا، توجب هذه لهم هذه الحقوق واجبات الضيافة الدنيا، بالتصرف وفق مبدأ احترام مَن فتح لهم الأبواب وقدّم لهم المأوى ومنحهم المأكل والملبس والحرية والكرامة التي فقدوها في بلدانهم الأمّ. لكنّ واقع الحال، يشير إلى استغلال هذا الوضع المتسامح وسياسة فتح الأبواب والحدود من جانب نفرٍ من المهاجرين المغرضين، من أجل تحقيق ما يعتقدهُ هذا النفر الضالّ من مآرب وغايات دينية وطائفية وشعوبية وقومية "نازية" بنسختها المعاصرة التي يسعى إليها أصحاب الأيديولوجيات المتشدّدة ودعاة التطرّف في الدين والمعتقد والقومية على السواء. وهذا من شأنه أن يضعف الثقة في المؤسسات الوطنية والأوروبية، إن لم تعي خطورة الموقف وتضع الاستراتيجيات الضرورية لمعالجة مواقع الخلل في سياساتها إزاء الهجرة غير النظامية في الأسلوب والاختيار والتوطين.
ربما، شرعت مؤخرًا، بعض الدول التي شملتها موجات الهجرة واكتوت بنشاطات إرهابية، شارك فيها نفرٌ من المهاجرين الذين تم استقبالُهم بغفلة ودون تمحيص، بكشف الثغرات وفي معالجةٍ، ربما لا تتفق مع المعايير الدولية التي تنشدُ المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، ومنها ما يشتمل على حرية التعبير والفكر والتنقل وحرية التجمع واحترام الخصوصيات. والهدف واضح ومبرّر، وهو الحدّ من محاولات تعكير صفو الأمن العام والحياة المسالمة لشعوب بلدانها، في محاولة للتهدئة والتطمين، مقابل صيحات الغضب والرفض من الشعوب الأصيلة إزاء موجات الهجرة الجارفة التي غزت الأرض والاقتصاد والفكر وطبيعة الحياة المنفتحة.
لكنّ راصدين للموجة ومسبباتها وحيثياتها وبسبب من المعالجات غير الحريصة وغير المطمئنة من جانب بعض دول الاتحاد في بعض الأحيان، من جهة أخرى، يرون أنّ بعضًا من هذه المعالجات غير الرصينة، إنما هي من علامات الانحلال والضعف في النظام الأوربي. وبحسب غيرهم، فهي تشير إلى قصر نظر في رؤية المشكلة وفي المعالجة، لكونها لا ترى المشكلة في بُعدها الأبعد والأوسع وفي نتائجها الكارثية لاحقًا. بل إنّ البعض يرى في القوانين الأوربية التي تتطرّق إلى هذه المعضلة، خطورة وعلاجًا غير مقبول، في حالة عدم الأخذ بكامل حيثياتها والتوقعات في نتائجها. وهي بالتالي، أي هذه المعالجات، لا ينبغي أن تخرج عن إطار الرؤية الواضحة في كيفية احترامها لخصوصيات شعوبها الأصيلة وبما لا يتناقض ولا ينعكس سلبًا على موضوعة حقوق الإنسان، الذي ينبغي التطلّع إليه والالتزام به بمقدار ٍ من الحذر الواجب، بالرغم من كلّ ما يعتري هذا الموضوع من منغّصات ومزالق ومخاطر. وهي بالتالي تتطلب معالجة مجتمعة وموحدة في الموقف والرؤية والسياسة التي تحقق المصلحة العليا لبلدان الاتحاد، كي لا يفقد هذا الأخير توازنَه وثقلَه الدولي ومصداقيتَه لدى شعوبه الأصيلة، فيخسر بالتالي دورَه الريادي في تطبيق مبادئ الحرية والديمقراطية والعلمانية، الحلم الذي ينجذبُ إليه المهاجرون، من دون تحديد المواقف والأهداف.
في المجمل، بروز هذه المشاكل وما لحقها من نتائج، قد استدعت إصدار حزمة من القوانين والتعليمات بهدف المعالجة الآنية، ولكنها لم تحلّ المشكلة تمامًا، ولن تستطيع ذلك. والسبب ببساطة، لأنّ الأحداث الدامية والرهاب المتكوّن بسببها قد شكّل أرضية خصبة لتنظيمات قومية شعوبية ويمينية ترفض ما حصل وتقف بالضدّ من تغلغل الغرباء في مجتمعات كانت حتى الأمس القريب محافظة على سلميتها وحضارتها وعاداتها وتقاليدها وعلمانيتها ونظامها المدني الذي أُريدَ ضربُه في العمق بهدف الإلغاء والقضاء عليه لأسباب متباينة. وهذا استدعى أيضًا، استحثاث النظام القضائي ليأخذ دورَه في إيجاد معالجة وسطية بين ما حصل وما يريدُه شعبٌ آمنٌ تطبَّعَ على حياة الديمقراطية المفتوحة والحرية والفنّ والجمال والرفاه واحترام الآخر.
نقول مثلاً، لا مجال للشكّ في قدرة النظام القضائي في أوربا، بالبقاء ضمن خانة الحيادية والاستقلالية، باعتبار المبدأين من الأقطاب الأساسية التي تكشف وتسلط الضوء على أشكال التدخلات السياسية غير المقبولة وأنواع الفساد الموجود وحالات عدم احترام للأعراف التقليدية، التي هي من بين العديد من الهموم ومصادر القلق التي تحيق بدول الاتحاد. ولعلّ من بين النقاط مثار الجدل، وممّا طفا على السطح في نموّ متزايد، ما يسمّى بظاهرة "القومية التشريعية" التي تحاول اجتياز المعايير المتعارف عليها دوليًا، إزاء معالجة موضوع اللاجئين والمهاجرين بصورة أكثر استحثاثًا. فهذه، من وجهة نظر البعض، تتعارض جزئيًا مع معايير المبادئ التي عُرفت بها دول وشعوب القارة، بالرغم من كون الأسباب والهواجس تمنح لها مثل هذه الإجراءات الاستثنائية بعض الشيء.
في جانبٍ آخر لا يقلّ أهمية عن سابقه، تشير مراكز الرصد للحريات الصحفية والإعلامية، أن هذه الأخيرة قد تراجعت بعض الشيء في العام المنصرم في أكثر من نصف دول الاتحاد الأوربي (47 دولة)، من حيث تزايد أساليب القمع وإلحاق الأذى بالأسرة الصحفية بوسائل متنوعة. إضافة إلى حشر جهات منتفعة، سياسية واقتصادية وسلطات حاكمة، لنفسها في عمل الأوساط الإعلامية وبتدخلها بصورة مباشرة أو غير مباشرة في عملها وفي عرض ما تراه من أحداث وفق رؤياها على الأرض. ولم تخلُ مواقع التواصل الاجتماعي من بعضٍ من هذه المنغصات في المراقبة والملاحقة والمصادرة والمحاسبة!
بالتالي، عندما يحصل التأكيد على دور القضاء المستقلّ في النظر إلى هذه المسائل المقلقة، فلكون هذا القطاع هو الضامن للاستقلالية والحيادية في الحكم على ما يجري بعد اختلال التوازن في سلسلة من الممارسات اليومية التي غيّرت في واقع حال دول الاتحاد. من هنا، ترتب على المجلس الأوربي أن تتضامن دولُه وتضع حكوماتُه خططًا ثاقبة وشفافة من أجل تعزيز دور القضاء وسلطاته في الحياة اليومية لشعوبه المتنوعة دينيًا وإتنيًا ولغويًا. إذ لا بدّ من التعاون مجتمعين من أجل إزالة هواجس الخوف والرهاب والتمييز والتعصب التي احتلت مكانَها بدلاً من التماسك والتسامح والتضامن والانسجام والاندماج، نتيجة لصعوبة تطبيق هذه الأخيرة، أو لعدم إيمان القادمين الجدد بهذا السلوك في الحياة المختلف عمّا خبره المهاجرون المختلفون في الأصول والمبادئ والاستعداد للاندماج المطلوب مع المجتمعات الجديدة.
باختصار الكلام، هناك ثغراتٌ كثيرة قد خلقتها الأحداث الأخيرة منذ عام، وماتزال وتيرتُها ومعالجاتُها غير مستوفية للقدرات وغير متمكنة من احتواء جلّ المشكلات التي تحيط القارة الأوربية. وهي تستدعي سيلاً من العلاجات التضامنية والتعاون على أصعدة عديدة، من دون أن تنتهك هذه الأخيرة نظام الحياة الخاصّ الذي تطبّعت عليه شعوبُها، أو أن تخرج عن القيم الدينية والإنسانية المعروفة بها، بحجة الالتزام بمعاهدات حقوق الإنسان على حساب شعوبها الأصيلة ومصيرها ومستقبلها. وإلاّ، فإنّ تيارات اليمين المتطرف والقوميين الشعوبيين سيكون لهم كلمتُهم الفصل في مستقبل ومصير القارة.

44
دائمًا، من أجل بيئة نظيفة
بغداد، في 20 تشرين ثاني 2016
لويس إقليمس
أنهت قمّة المناخ العالمية السنويةCOP22 ، المنعقدة للفترة من 7-18 تشرين ثاني 2016، في مراكش العاصمة المغربية، أنهتْ أعمالَها بإشرافٍ من المنظمة الدولية. وقد وصفها وزير البيئة المغربي بقمّة تنفيذ قرارات قمّة باريس، من خلال التوصل لإقرار خطة عمل لتطبيق الاتفاق المذكور، والهادف لتقليل نسبة الاحتباس الحراري على الكرة الأرضية دون درجتين مئويتين، من أجل خلق بيئة نظيفة للبشر على الأرض حتى عام 2018. 
ويأتي هذا الحدث المهمّ على الصعيد الدوليّ، تتمّة ومتابعة لقمّة باريس الناجحة بكلّ المقاييس 1COP2، التي عُقدت قبل عامٍ من ذات الشهر، والتي اختتمت آنذاك في 12 كانون أول 2015، بتوقيع 175 دولة من مجموع الدول ال 195 المشاركة، على الاتفاقية التاريخية إجماعًا وإقرارًا. ونصت الاتفاقية الموقعة آنذاك، على احتواء ظاهرة الاحتباس الحراري دون معدّل 2 درجة مئوية عمّا كانت عليه قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة تكثيف الجهود للوصول إلى تحديد وتقليل ارتفاع درجات الحرارة دون 1,5 درجة مئوية. ومع نجاح المفاوضات المكثفة بين الدول المشاركة فيها آنذاك، فقد تُرك لكل دولة وضمن حدود إمكانياتها، بذلَ جهود للعمل على التقليل من نسبة الانبعاثات الحرارية ومن مصادرها. 
في الواقع، وعلى الصعيد الدوليّ، تكون قمة باريس، قد وضعت حدّا لأشكال المراوغة والمماطلة والتردّد التي سادت القمم السابقة من غير نتيجة حاسمة وواضحة للمشاركين بسبب خلافات وتقاطعات. لذا كان دخول اتفاقية باريس للمناخ حيّز التنفيذ في 4 تشرين ثاني 2016، انتصارًا كبيرًا لأنصار البيئة وللكرة الأرضية في مواجهة التحديات المناخية التي تهدّدها بسبب التكنلوجيا الملوّثة وأدواتها ومصادرها الكاربونية التقليدية القديمة التي تنتظر التجديد والابتكار، إلى جانب الحروب المدمّرة للحجر والبشر، التي تستخدم شتى انواع الأسلحة التي من شأنها إصدار الإشعاعات وتلويث البيئة من دون حسيب ولا رقيب ولا رادع.
السلطات المغربية المعنية التي استضافت القمة الجديدة بنسختها 22، أشارت في حينها إلى أنَّ من بين أهدافها، متابعة العمل على التخفيف من آثار التغيير المناخي السالبة وتقليل الاحتباس الحراري، وأيضًا البحث عن ابتكارات جديدة تتعاطى مع ضرورات التكيف للتطورات المناخية السائدة والمتوقعة. هذا، إضافة إلى سعيها لتطوير أدوات عملية قابلة التنفيذ تمّ الاتفاق عليها في القمتين المناخيتين السابقتين: في ليما، عاصمة بيرو 0COP2 عام 2014، وفي باريس 1COP2 عام 2015.
يذكر أنّ مراكش، العاصمة المغربية، كانت قد استضافت القمّة السابعة أيضًا، في عام 2001. والمغرب يُحصى من بين الدول الأربع الأولى عالميًا في تحلّيه بصفات النقاوة البيئية إلى جانب كلّ من كوستاريكا والبوتان وأثيوبيا، من حيث التخطيط لاستخدام الطاقة المتجددة على مراحل لغاية 2030، ومنها الاستفادة من الطاقة الشمسية في مشاريع البلاد المتنامية. 
إزاء هذه الإشكالية البيئية العالمية، التي يبقى البتّ قائمًا بوضع حدودٍ لأدواتها ومصادرها، لا بدّ للقوى الكبرى المهيمنة على صناعة القرار، أن تعي حجم الدمار الذي تلحقه ماكنتُها العسكرية والصناعية ضدّ إنسان اليوم والأرض التي تضمُّه، باستخدام هذه الأدوات وغيرها من المصادر غير النظيفة، ما أرَّقّ حياتَه ووضعَ صحتَه والهواء الذي يستنشقُه والطعامَ الذي يتناولُه على المحكّ. فزادت الأمراض وتعسرّت غيرُها وظهرت أخرى لم تكن في الحسبان. وهذا ما يتطلبُ تكاتفًا وتنسيقًا دوليّين للحدّ من مثل هذه الظواهر القاتلة، كما حصل تمامًا في قمّة باريس للمناخ، التي عُدت قمّة القرارات. 
لقد ترقب العالم ومعه جميع أنصار البيئة أن تتولى قمة مراكش وضع ما تمّ الاتفاق عليه في نسختها السابقة، حيّز التنفيذ، تمامًا كما كانت تطلّعت إليه الدولة المضيفة، فرنسا، وكما طمحَ منظمو هذه النسخة الجديدة كي تكون قمّة الأفعال والتنفيذ والتطبيق للاتفاق التاريخي الموقع في 2015. وبحسب مصدر في برنامج الأمم المتحدة للتنمية، أنّ باريس التي تولّت التصميم والتخطيط، وجدت مراكش تشمّر عن ساعدها لتطبيق الاتفاق وتنفيذه بالإجماع لصالح الجميع. وهذه إشارة مهمّة لبروز نضج ٍ دوليّ بخطورة التصاعد المخيف في درجات الحرارة بصورة مطّردة، ما أصبح يهدّد الكون وما فيه من ماء ونبات وأرض وبشر. ومثل هذا التخوّف والتحذير من تفاقم خطورة المناخ العالمي، يأتي عبر الإجماع الدولي على تنفيذ اتفاق باريس الذي توسّم فيه الجميع خيرًا، بعدِّه قرارًا دوليًا صائبًا لا رجعةَ فيه، وأنّه آخِذٌ طريقَه إلى التنفيذ بعد إكمال جميع فصوله في القمة المناخية الأخيرة في مراكش. حيث من المؤمَّل الانتهاء من تفاصيل تقنين اتفاق باريس في 2018، الذي تحدّدَ فيه إكمالُ الإجراءات الوقائية للجولة الأولى من تطبيق الاتفاق المذكور الذي دخل حيّز التنفيذ بداية تشرين ثاني 2016 بترجمة الأقوال إلى أفعال واقعة. 
من هنا، تكون خارطة الطريق قد ضمنت للعامين المقبلين فترة من الاستعداد الكلّي لما يترقبه الجميع في القمة بنسختها ال 24، التي ستعُقد بعد عامين، والتي ستشهد تنفيذ الآليات المتفق عليها في قمّة باريس بكلّ تفاصيلها وإجراءاتها، عندما ينبري الجميع للضغط على اتخاذ ما يلزم من أجل تقليل نسبة الارتفاع في درجات الحرارة، كلّ حسب مقدرته وما يسمح به الظرف. وإنَّ أيَّ تقاعس في هذه الجهود، سوف يحيل مشروع الاتفاق الموقع عليه إلى كارثة بيئية تنذر بالخطر الداهم الذي قد يرفع درجات الحرارة إلى 5 درجات مئوية، كما يتوقعه خبراء البيئة، انطلاقًا من واقع حال النشاط الصناعي المتنامي للدول والشركات التي تتبارى وتتنافس صناعيًا من أجل المزيد من الأرباح والتفوّق.
إنّ هذه المعركة البيئية، تواجه اليوم تحديات كبيرة من جانب الدول النامية بسبب قلّة الأموال المخصصة لمشاريع التخفيف من الاحتباس الحراري، وبسبب عدم قدرة بعضها على تمويل هذه المشاريع الضرورية. كما أنّ الأزمة الاقتصادية العالمية، قد تقف حائلاً دون تنفيذ جميع بنود الاتفاقية، في حال تواصلت هذه الأزمة وتخفيض الميزانيات المخصصة التي تحتاجُها الدول الفقيرة التي ستتأثّر بسبب تعطيل ماكينتها الصناعية للمشاريع التي تعتمد على الوسائل التي من شأنها التأثير على المناخ وأدواته، والتي تشكل مصدرًا مهمًّا في ميزانياتها. فالتمويل، من أهمّ أدوات هذه المعركة، لا بل هو عصبُها الرئيسيّ، من دون شكّ. 
وللتذكير فقط، فقد كانت قمّة كوبنهاغن المنعقدة في 2009، قد وعدت بتقديم مبلغ 100 مليار دولارًا تُصرف سنويًا لغاية 2020، من قبل الدول المتقدمة في الشمال لتشجيع الدول النامية في الجنوب، بهدف التعاطي الإيجابيّ مع تأثيرات تطبيق الاتفاقات المناخية وما قد تلحقه هذه باقتصاد الدول الفقيرة من نقص في الموارد وفي الإنتاج الصناعي البدائيّ فيها وفي تحوّلها التدريجي المنتظّر إلى مشاريع الطاقة المتجدّدة. إلاّ أنّ الأزمة العالمية التي يمرّ بها اقتصاد العالم، ولاسيّما في الدول المانحة، تثير الشكوك بإمكانية جمع مثل هذه التخصيصات. فما تزال جهود المنظمة الدولية والجهات الساندة متعثرة في جمع الأموال الّلازمة. هذا إلى جانب بروز خلافات حول ضرورة صرف الأموال الموعودة بالتساوي في مجالين يحتلان الأولوية، أي في التكيّف أولاً، مع مسألة الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري والثاني في التخفيف من تأثيراتها. وهاتان الجزئيتان ما تزالان موضوع خلاف بين الشمال والجنوب، حيث تشكو الدول النامية من انخفاض التخصيصات بشأن موضوعة التكيّف مع المشكلة، بحيث لا تتعدّى هذه ما معدلُه 16% من التمويل الإجمالي الموعود للاتفاقية.
ويبدو أن الأزمة الاقتصادية العالمية وما يمرّ به العالم ومناطق عديدة من صراعات وحروب وانخفاض الواردات بسبب تهاوي أسعار النفط العالمية منذ أكثر من عام، قد ألقت بظلالها على قمة مراكش. فقد تميزت القمّة، كما لاحظت أوساط مطّلعة، بأنّ ممثلي الدول الصناعية الكبرى المعنية بموضوع أزمة المناخ أكثر من غيرها، قد شاركوا فيها خالي الجيوب ومن غير إعلانات برّاقة وواضحة تحمل مشاريع للتمويل. وإذا كانت بعض دول الشمال تتطلّع في تقديراتها بمساهمات قادمة من جهات غير حكومية أو من شركات كبيرة أو أفراد أو منظمات، فإنّ التقديرات في هذا الجانب غير مشجعة. ذلك أنّ مثل هذا المشروع العالميّ الكبير يتطلب زجَّ ثقل دولٍ كبرى وأخرى غنية للمساهمة في تحقيقه من جميع أوجهه. فمسألة الانتقال إلى عالمٍ بمصادر طاقة متجددة بنسبة 100%، من اختصاص الدول والحكومات، نظرًا لضخامته وحاجته إلى وضعه في إطار قانون أمميّ قابل التنفيذ والتطبيق برعاية المنظمة الدولية، الساهرة والمتابعة للتطبيق والتنفيذ والإخراج.
لقد حرص العراق، بالرغم من انشغاله في وضع نهاية للإرهاب في آخر معاقله بالموصل، أن يكون حاضرًا في هذه القمّة بشخص الرئيس العراقي فؤاد معصوم، الذي شارك في أعمالها يوم الثلاثاء 15 تشرين ثاني 2016، على رأس وفد حكومي مهمّ. وكانت مناسبة لإعلان انضمام العراق إلى اتفاقية باريس حول التغييرات المناخية. في ذات السياق، يكون البلد قد حقق خطوات متقدمة في اتجاه التقليل من التلوث البيئي في جنوبه بإحياء مناطق الأهوار وزيادة الاهتمام بالرقعة المائية والأحياء فيها، بعد فوزه بتسجيل الأهوار ضمن التراث العالمي لليونسكو. إلاّ أنّ تقنين حصصه المائية وتحديدها من قبل دول الجوار، ستكون له آثارٌ سلبية على إمكانياته الوضيعة أصلاً، في إحراز تقدّم في مجال مكافحة التصحّر وتحوّل مناطق خضراء وأخرى صالحة للزراعة إلى أراضي بور بسبب النقص في المياه وغياب الخطط الجادّة للاستفادة من مياه الأمطار. وكلّ هذا ناجم عن ضعف الإمكانيات الوطنية وتضاؤل خبرة الكوادر وضعف الشعور الوطني والّلامبالاة وانتشار الفساد، إضافةً إلى انخفاض التمويل الوطني للمشاريع الإروائية والزراعية.
وإلى القمةّ المقبلة التي اعتذرت فيجي عن استضافتها في بلدها الصغير في العام المقبل لأسبابٍ لوجستية، ستكون مدينة "بون" الألمانية التي اتخذتها بديلاً لرئاستها، محطَّ الأنظار في تقييم مدى الالتزام بقرارات قمة مراكش التي اتصفت بتنفيذ ما أقرّته قمّة باريس.


45
شمائيل ننو مناضل من طراز خاص
بغداد، في 17 تشرين ثاني 2016
لويس إقليمس
عرفتُه متأخرًا بعد السقوط المأساوي في 2003، عندما زرت لأول مرّة مقرّ الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا)، واستقبلني ببسمته التي اعتدته فيها كلّما تلاقينا، وبشاربيه الكثّين اللذين بدا لي أول مرة أنّي أقف أمام مناضلٍ صنديد من طرازٍ خاصّ. ومنذ اللقاء الأول، توسمتُ فيه القوة والصلابة والعناد في النزال القوميّ لأمته الآشورية. وتتالت اللقاءات بعدها في مناسبات وطنية وخاصة، فيها كنتُ أعُدّ ما تقوم به زوعا، يمثّل بداية لنشوء صحوة مسيحية تركز على الهوية المسيحية قبل التأكيد على غيرها من الأولويات الثانوية الأخرى، ومنها القومية، التي أثبتت عدم فاعليتها بل وفشلَها، بالرغم من أهميتها. ذلك أنّ هوية المسيحيين المهمَّشين والمستغلّين (بفتح الفاء) طيلة العقود السالفة من حكومات العراق المتلاحقة بعد تشكيل الدولة العراقية، لم تحظى بما كان يتناسب مع قدراتهم وحضارتهم وأخلاقهم وفعّالياتهم. ومثل هذا التشبث العنيد في تقديم الفكرة القومية من جانب فصائل مسيحية جبلية (نسبة إلى شمال الوطن) على حساب هوية الكيان المسيحي الجامع للطوائف والكنائس من دون تمييز، قد ساهم لغاية الساعة في ضياع رصّ الصفوف وتوحيد الخطاب والظهور كقوّة فاعلة وليس خانعة، خاضعة، تابعة للغير، كما اعتادت.
وشمائيل ننو، رحمه الله على طيبته الكبيرة، كان ضمن سياق هذا الصنف من المناضلين الذين أولَوا الهمَّ القوميّ أولى أولوياته قبل غيره من الاهتمامات. كان حين حديثه عن الشأن القوميّ، يجعلُ محاورَه ينجذبُ لكلماته رغمًا عنه، ويندمجُ مع طروحاته النابعة من صميم كيانه المتسربل ب"المقدَّس الآشوري" الذي لا غنى عنه في مسيرة النضال، بالرغم من العثرات التي تحيق به. كنتُ أحترمُ رأيَه ورؤيتَه التي يحملُها تنظيمُه  وتنظيماتٌ شبيهة منطلقة من طموحات قومية لهذه الفئة من الجماعة التي عرفت فنّ السياسة قبل غيرها من الجماعات التي بقيت في سباتٍ بسبب الظروف المختلفة لهذه عن تلك التي خبرها أهل الجبل، كما كنّا نطلقُ على إخوتنا هؤلاء الذين عانوا عسر المعيشة وتهديد النظام السابق  وقسوة الحياة وشرّ الخيانة من الإنكليز الذين خذلوهم، شرّ خذلان أيام الحرب الكونية الأولى. وهذا ما جعلَ عودَهم صلبًا، فكان منهم أن خبروا سنوات من النضال التي طبعتهم ضمن الفكر المحصور بأمّة مفقودة يجري البحثُ عنها في كواليس الفوضى الخلاقة التي أتى بها الغازي الأمريكي في 2003. وهذا ربما، ماكنتُ أتقاطعُ فيه مع التنظيم الذي كان ينتمي إليه، ومع تنظيمات غيره لم أشأ التقرّب منها والتوغل في كواليسها المتاهية. وما أزالُ أعتقد كذلك، في هذه المرحلة الحرجة من مشروع بناء الدولة العراقية على أساس دولة عراقية مدنية بعيدة عن الكانتونات القومية والطائفية التي لم تأتي إلاّ بالخراب والدمار، حتى على صعيد المكوّن المسيحي المتشرذم بسبب أولوية التسميات لدى بعض المعاندين، التي أضاعت الحقوق والوجود والجهود والهوية على السواء.
شكّل المرحوم ننو مع خيرة زملائه المناضلين الحاليين في الحركة، ومنهم مَن سبقه إلى الأخدار الخالدة، حلقة متكاملة في عشق النضال لغاية التضحية بالمصلحة الشخصية، وربما الكنسية على حساب الهمّ القوميّ. وحتى حين اختلف مع زملاء المسيرة الزوعاوية، حافظ على طيبته ورزانة انفعالاته إزاء ما كان يعتقد به مع غيره، زوغانًا عن الخطّ الأصيل لمسيرة الحركة. فأثبتَ وفاءَه للمبادئ التي تربى عليها وحصد منها بعضًا من أمنيته. وحين شقّ عليه التلوّن الحزبيّ الجهاديّ على حساب تلك المبادئ، لم يترك المسيرة النضالية، بل أكملَها وفق منظوره الذي شاركه فيها رفاقٌ حملوا ذات الفكرة وذات الرؤية من دون لفّس ولا دوران ولا مجاملة.
والرفيق (لويا شمائيل)، كما كان يناديه رفاق الدرب، ظلّ على ابتسامته المعهودة وطيبته وصراحته في العمل، في موقعه الجديد. والدليل على ذلك، احتفاظُه بعلاقات الطيبة والذكريات الجميلة حتى مع المختلَف معهم. وبالرغم من ابتعاده عن بغداد، لم تنقطع اتصالاتُنا وسؤالاتُنا عن بعضنا. كيف لي أن أنسى اتصالَه وأنا في محنة الاحتجاز القسري في مأساة كنيسة سيدة النجاة ليلة 31 تشرين أول 2010، واللقاء للتهنئة بالسلامة، وقد عانقني عناق الأخوّة والوفاء للهدف المشترك الذي جمعنا من غير ميعاد، بالرغم من تقاطعنا في التفاصيل وفي الأولويات؟
آخر ذكريات لي معه، كانت عبر الهاتف قبل أشهر عديدات، للسؤال عن صحته ورؤيته بشأن ما يبدر على الساحة العراقية والمسيحية (القومية من وجهة نظره) بصورة خاصة. رحمه الله وألهمَ عائلته وذويه وأصدقاءَه الصبر والسلوان.

46
زرتُها بعد التحرير، واعِراقاه!
بغداد، في 15 نشرين ثاني 2016
لويس إقليمس
في الطريق المتعثّر بين منطقة الخازر الفاصلة بين أربيل عاصمة إقليم كردستان، ومفرق برطلة -الحمدانية، الذي يبعد عن الموصل مسافة لا تتجاوز 20 كيلومترًا شمالاً، لا تتلقف العين على مرأى البصر، غير الخرائب وآثار الدمار وأدوات الحرب والتحصينات التي تركها تنظيم داعش الإرهابيّ الذي أحكمَ سيطرتَه على محافظة نينوى بأكملها واستماتَ في احتلالها لأكثر من سنتين منذ اجتياَحها في حزيران 2014 بشراذم قليلة من مقاتلين لا تجمعُهم سوى صفة التنظيم المتشدّد وأيديولوجية الانتقام والفكر المنحرف  الداعي للقتل والغلّ والكراهية تجاه مَن يقف أو يخالف أفكارَه وتوجهاتِه السلفية المتشددة.
ولأنّ موطنَ أيّ عراقيّ صادق في عراقيته ووطنيته، تبقى نافذة في ضميرِه ومحفورة في كيانِه ومغروزة في فؤاده، تمامًا مثل وطنه الأكبر، العراق، لذا لمْ يكن بدٌّ من القيام بزيارة بلدتي قره قوش، بعد أيام معدودات على تحريرها على أيدي القوات العراقية الوطنية الشجاعة، بالرغم من عدم انتهاء العمليات العسكرية في بعض أركانها بعدُ، وبالتحديد يوم الجمعة المصادف 4 تشرين ثاني 2016. وبلدة قرقوش، المعروفة تاريخيًا بالتسمية الآرامية "باخديدا" (الأصل من بيث خديدي)، أو كما اعتاد عليها الأهالي بلفظها" بغديدا"، فهي تعني "بيت الشباب". أما التسمية الحديثة "قره قوش"، فقد طالتها على زمن حكم السلاطين العثمانيين، وهي تعني "الطائر الأسود"، استنادًا إلى تسمية آرامية ثانية عرفتها البلدة (بيث ديتا) التي تعني (بيت الحدأة) بحسب البعض، ويُعتقد أنّه انطلاقًا من هذه اللفظة جاءتها التسمية الحديثة على زمن العصملّية.
وهناك مَن يعتقد أنّ باخديدا هي ذاتُها مدينة "راسن" المذكورة في كتاب العهد القديم المقدس، أي التوراة، بحسب البحاثة الفرنسي أوبيرت، أو أنها قريبة من موقع آشوريّ قديم آخر يحمل نفس الاسم ويتبع البلدة إداريًا. ذكرها ياقوت الحموي في كتابه الشهير "معجم البلدان"، وقال فيها: "باخديدا قرية كبيرة كالمدينة، ومن أعمال نينوى، في شرقيّ مدينة الموصل، والغالب على أهلها النصرانية". تقع هذه البلدة المسالمة جنوب شرقيّ الموصل وعلى مبعدة 32 كيلومترًا منها تقريبًا. تحيطُها بلدتا كرمليس وبرطلة المسيحيتان وقرى شبكية وعربية كثيرة. واعتاد أهلُها العيش بسلام مع جيرانهم منذ أجيال وقرون وفي جوّ من الألفة والتفاهم والتعايش السلميّ إلاّ ما ندر. وحين احتلالها في 6 حزيران 2014، كان تعدادُها يربو على خمسين ألف نسمة. وهذا يُعدّ أكبر تجمّع مسيحيّ في العراق والشرق على الإطلاق. بل كانت قلعة السريان وقبلة جميع المسيحيين، وعليها جرت بالأمس، وتجري اليوم المراهنات والمساومات وقصص بيعها واقتطاعها مع جيرانها في البلدات المجاورة في سهل نينوى المانازَع عليه.
اليوم هي أشبه بمدينة أشباح، تبكي حظَّها العاثر وتعيد في ذاكرتها ما تعرّضت له عبر التاريخ منذ قرون خلت، من حملات وهجمات وغارات من جيرانها المحليين والإقليميين من عرب المنطقة، وأكراد شمال العراق، وأتراكٍ على عهد الدولة العثمانية سيئة الصيت، والأسيويين المغيرين الغزاة من المغول على أيام جنكيزخان وهولاكو. هجرها سكّانُها قسرًا وتشتتوا في الداخل وفي بلدان الاغتراب، أملاً بعودة سريعة وميمونة، إلى أرض الآباء والأجداد، حيث ذكريات الأمس الجميل وقهقهات قهاويها النابضة بالحركة الدؤوبة اليومية، ومراكزها الأدبية والفنية المتميّزة، وكنائسها الممتلئة بالمصلّين أيام الآحاد والمناسبات، تمامًا كما في الأيام الاعتيادية من الأسبوع. أصبحت بعد السقوط، لقمة سائغة للفرقاء السياسيين وبضاعة للمتاجرة والمساومات بين الكتل السياسية والسياسيين والمتنفذين فيها بحسب الأجندات التي يوالون لها ويتلقون منها التمويل والتلقين والمقسوم. فهي عراقية سريانية في هويتها، ولا تمتّ بصلة إلى أصلٍ فرضَه ويسعى لفرضه الأسطونُ الكرديّ بشتى الوسائل، لا لغة ولا توجهًا ولا فكرًا ولا سياسة، بل هي أقرب إلى العربية منها إلى الكردية. فاللغتان السريانية والعربية من اللغات السامية، وفيهما تداخلٌ في اللفظ والطعم وعذوبة الكلام وفي التعبير وفي مختلف الفنون. لكنّ عربَ الجوار، قد خانوا الخبز والملح وأصول الجيرة وأغاروا عليها وشاركوا في سلبها ونهبها وتدميرها حالَ اجتياحها من قبل تنظيم "داعش" الإرهابي الذي أحالَها إلى مصيرٍ مجهول، بعد تخلّي حارسها الدّعيَ وتسليمها لقمة سائغة لمَن سالَ لعابُه لها ووجدَ فيها ضالَّتَه المنشودة، انتقامًا وقهرًا ونهبًا وسلبًا وحقدًا وكراهيةً وحرقًا وتجريفًا. بل، وراح يسمّي حتى الشوارع فيها والأحياء التي تدنّست بأقدامهم بأسماء مجرميها وقيادييها الأغراب.
لستُ هنا بصدد وصف هذه البلدة العراقية الأصيلة التي تعرّضت مثل غيرها من قرى ومدن وقصبات محافظات عراقية عديدة على أيدي تنظيم داعش الإرهابي الذي عاث في الأرض فسادًا وتحطيمًا وتدميرًا وقتلاً وذبحًا وسبيًا واغتصابًا وتشريدًا وتهجيرًا لمواطنين وبشر لا ذنبَ لهم سوى اختلافُهم في الرؤية والفكر والأيديولوجية المتخلّفة التي يحملُها أتباع هذا التنظيم الدوليّ المجرم. فالجرائم التي اقترفها أفرادُه المقاتلون الذين لا تجمعُهم سوى سمات القتل والدمار والحقد والكراهية ضدّ المختلفين عنهم، ترقى إلى الإبادة الجماعية والفصل العرقيّ والدينيّ معًا، كما ورد هذا الوصف في قرار مجلس الوزراء العراقي بجلسته العاشرة في 18 تشرين ثاني 2014، وفيها عدّ ما تعرض له أتباع الأقليات من آيزيديين وشبك ومسيحيين وكاكائيين في سهل نينوى وسنجار، جرائم إبادة جماعية. 
وما يحزّ في النفس، أنّ التنظيم وأتباعَه من قرى الجوار، لم يتركوا بابًا مغلقًا في جميع المنازل والمؤسسات من دون استثناء، إلا وفتحوه بشتى أدوات التخريب والتدمير. بل زادوا من شدّة الغلّ والكراهية بقيامهم بحرق الدور ومؤسسات الدولة على تنوّعها، وتدنيس مساكن الله وتحطيم وتكسير رموزها التي تستغيث بالخالق الطيب الذي يدّعي هؤلاء الأوباش عبادتَه والتلفّظ بصفته الجلالية كلّما اقترفوا إثمًا بقتل النفس البريئة التي حرّمها: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [سورة المائدة ـ الآية 32] و(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [سورة النساء ـ الآية 93]. فالنصارى (المسيحيون) مؤمنون بالله الواحد الأحد، هذا الذي يدّعي عبادته هؤلاء وأمثالُهم. لقد ضرب هؤلاء المغالون في الدّين وتطبيقاته، أعداءُ الإنسانية، كلّ نداء إنسانيّ وإيحاء قرآنيّ يدعو للرحمة عرضَ الحائط. بل وأنكروا كلّ التعاليم السمحة التي نادى بها الدّينُ الحنيف أيامَ نشأته الأولى في مكّة، دينًا صحيحًا للإسلام المعتدل وللمسالمة والعدل والمحبة والتعايش والأخلاق، وتشبثوا في غيّهم بالناسخ منه الذي ورد في المدينة فقط، تاركين الأصل كما ورد في أيام "الوحي" المدّعى. وراحوا ينتقون ما يحلو لأفكارهم المنحرفة مستندين إلى أحاديث منقولة مشكوك في صحة نقلها وشخوصها ومواقعها وأسبابها وظروفها. وكلّ ذلك ضمن اجتهادات انتقائية لا تخلو من كراهية في عمومها، تجاه الغير المختلف عنهم. بل إنّ بعضًا منها تناقلتها شخوصٌ متأخرة، وزيد عليها ما يتفق مع ظروف الحاكم والمحكوم، ما يحيلُها إلى مادة تفتقر للرصانة والمعقولية.
 لقد كانت صدمة الزيارة للقاطع والبلدة كبيرة، بهولها وفي بشاعة الجرم ومدى الدمار والخراب الذي لاحظتُه على مرمى البصر، حين تجوالي في هذه البلدة المعروفة بأصالتها التاريخية المتجذّرة في حضارة نينوى الآشورية، وبهويتها العراقية المعاصرة، وبتراثها المتميّز وتاريخها الزاخر، شأنها شأن أية قرية أو بلدة في نينوى العريقة، تمامًا كما بتميّزها في مختلف فنون الإبداع، ثقافةً وأدبًا وشعرًا وكتابةً ومسرحًا وما سواها. ولا أكتمكم الوصف، أنّي لم أعد قادرًا للتحقق من الكثير من ملامحها التي غارت واختفت، وغيرها التي افترشتها كومُ الخرائب وأبدان السيارات المحترقة، وانتشرت فيها السواتر الترابية في الشوارع الرئيسة والفرعية وفي أحيائها المتقطعة بشتى العوارض. مناظر مأساوية بحقّ، تحكي قصة بلدة منكوبة، هي مثالٌ لكثير من أمثالها التي نالت قسطَها من الدمار على أيدي غول العصر، كارهي الحياة والإنسانية، نعمةً وحجرًا وبشرًا. 
تلكم كانت فألَ سيّء بما سألقاه من دمار ومآسٍ من نوعٍ آخر حين تفحصّي مساكن ودور وبنايات كانت بالأمس آهلة ببشرٍ مسالمين يحبون الوطن، أرضًا وشعبًا، واليوم وجدتُها ركامًا أو هياكل عارية وفارغة تعاني من آثار نيران حديثة الاحتراق، أشعلَها أعداء الإنسانية زيادةً في غلّهم وحقدهم وكراهيتهم، بعد أن سكنوها طيلة فترة اجتياحهم لها. وكلّ هذا بسبب انتماء أبناء هذه المدينة وما حواليها إلى دينٍ مختلف عن المعتقد الذي يتبنّونه ويعدّونه الأصحّ والأولى بالاتباع دون غيره. وحين تفقدي لداري، لم يساورني الشك أني سألقاه منهوبًا ومسلوبًا ومحترقًا، إلا من هيكله وبعض جنباتِه التي كُتب لها الخلاص من الحقد الأسود.   
أهكذا يقرأ السلفيون المغالون المدّعون عبادة الله الواحد الأحد، ويفهمون تعاليم الدّين الذي يدّعون تنزيلَه من السماء حكرًا وحصرًا دون غيرِه؟ حتى بيوت الله لم تسلم من فضاعة مسلّحي هذا التنظيم الإجراميّ الأسود في ضميره وقلبه، هذا إن كان لأتباعه الأوباش ومَن يواليهم ويمولهم ويساندهم من صفةٍ لضمير وقلب وبشر! لقد حوّلوا باحة أكبر كنيسة في العراق وربما في الشرق، كنيسة الطاهرة الكبرى، إلى ميدان للرمي والتدريب، فتحطمت الجدران وسقطت الأعمدة وزالت المعالم. أما داخل هذه الكنيسة، فحدّث ولا حرج. فقد تمّ حرقُها بالكامل بما فيها وتفحمت الجدران، فتعالت أدخنة السُخام الأسود بين جنباتها لغاية سقفها العالي الذي يرتفع لأكثر من خمسة عشر مترًا وسط أعمدة رخامية هائلة تم تشويهّها بكتابات وعبارات تريد القول: "لا كنائس بعد اليوم". فيما تمّ تحطيم الصلبان وتدنيس الرموز الكنسية بطريقة ملفتة، ومنها المجرسة الكبيرة، عنوان البلدة التي كانت تضاهي ساعة كنيسة الإباء الدومنيكان في منطقة الساعة بالموصل، التي سبق أن حوّلها التنظيم في وقت سابق إلى ركام وجرفها ومسحها مع الأرض، دلالة على مدى الكراهية والغلّ والحقد ضدّ النصارى/ المسيحيين، الذين بهم وبغيرهم من اليهود والصابئة، أوصى الرسول خيرًا، وبعده الخلفاء الراشدون ساروا على ذات النهج التسامحي.
 والأنكى من هذا وذاك، حين تطال يد الحقد الأسود التراثَ والثقافة والعلم. فلم يتورّعوا إذ حوّلوا وسط باحة الكنيسة الكبرى التي فيها يجري احتفال شعلة سهرة عيد الميلاد سنويًا، إلى محرقة للكتب المقدسة وكراريس الصلوات والمخطوطات الثمينة التي لا تقدّر بثمن، من سريانية وعربية. وقد تمكنتُ من نبش الركام المحترق لأعثر على بقايا كلمات نيّرة تنطبق على أمثال هؤلاء وممّا فيه القول: "بل تجاهلتَ فأطبقتَ عينيك وسددتَ أذنيكَ وأغلقتَ قلبَك لئلا تبصر بعينيك، وتسمع بأذنيك، وتفهم بقلبكَ وتتوب. واحسرتاه! لقد خسرتَ الحياة من حيث ظننتَ ربحتُها". وسوف أحافظ على بقايا هذه الوريقات المحترقة شهادة للذكرى لأجيالٍ قادمة، كي لا تُنسى آثار الجريمة.
أية إشكاليّة في الفكر والمنهج والتطبيق، هذه التي يعتقد بها هذا التنظيم المجرم وأشباهُه بكلّ القياسات، في زمن العولمة والعصرنة والحداثة والتطوّر؟ وأيّ فكرٍ منحرفٍ هذا الذي ينوي إلحاق الأذى بكلّ ما تقع عليه أعينُهم العمياء وقلوبُهم السوداء وآذانُهم الصمّاء، في سلوكياتهم الإجرامية اليومية، وبسببه يصرّون على إلغاء الآخر المختلف، ورفض لغة الحوار والتفاهم والإنصات لصوت العقل والحكمة والرويّة؟ فمن أين أتى هؤلاء الأغراب عن الإسلام وايّ معتقد يعتنقون وأية أفكار بالية يحملون؟
نحن اليوم على مفترق طرق، إمّا الحياة الشريفة ولغة الحوار والتفاهم والتعايش والرفاه وبناء دولة مدنية خالية من الأفكار الظلامية في المناهج الدراسية وفي سلوك الحياة اليومية ومن ثقافة إلغاء الآخر المختلف، أو الموت الزؤام على أيدي غول العصر وأمثالهم، من الذين فاقوا المغول في وحشيتهم وكراهيتهم وحقدهم. إنها دعوة صريحة لمراجعة مكامن الخلل وتحليل الأسباب التي أتت بأمثال هذا الوحش الكاسر ليقتل الفكر ويغسل الدماغ ويحطّم العقل ويغيّب العلم والثقافة والفنّ والحضارة بأفكار بالية وخرافات دينية لا تمتُّ للعقل والحكمة والمنطق والإنسانية بصلة. وهذا يستدعي ضرورة تبني نظام مدني يحترم القيم الدينية والإنسانية والمجتمعية المختلفة من غير أن يقحم الشأن الديني ويقرنها في السياسة.
            ولهؤلاء أوجه نصحي، وأقول لهم: أنا ما أزال أحبكم كما أوصاني معلّمي وربّي، رسول الإنسانية والمحبة منقذ البشرية، المسيح الذي شوّهتُم رموزَه وكسرتم صلبانَه وحرقتم كتبَه بكثيرٍ من الحقد الأسود. فقد أوصى: "أحبوا أعداءَكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مَن يبغضكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، "، وهذا بالرغم مما اقترفتموه من جرائم، كونكم خليقة الله الجميلة التي لوّثتموها بأفكاركم وشوّهتموها بأعمالكم ودنّستموها بأرجلكم. لا لشيء، بل لأنّي أرثي لحالكم المهلهل وأبكي لفكركم الخائب وأترجى لكم عودة إلى الرشد والعقل والمنطق والحق، تجانسًا مع تقدّم العصر وتطوّر الزمن ورجاحة الفكر. ولكنّي أوصيكم بهذا:
-   إن الإله الذي أعبده ويشاركني في عبادته أهلي وأصدقائي ومواطنو بلدي وفي العالم، والمعتدلون والناضجون والمثقفون والقارئون لدروس التاريخ وعبرِه والمؤمنون برحمة الأديان واعتدالها في العالم أجمع، لا صلةَ له بالإله الذي تدّعون عبادته، وتقتلون تحت رايته المثيرة للشفقة، وتحزّون الرؤوس حين التكبير باسمه العليّ، وتغتصبون الحرائر بحجج وأحاديث مضى على تاريخها قرونٌ من التخلف والقبلية والبداوة، وتسبون نساء غيركم بحجة تسويغ ذلك بحقوق الغزوة، كذبًا وبهتانًا كما يحلو لكم ولشيوخكم المنغمسين في الرذيلة والتفسير الأسود القاتم والتحريض والفتنة.
-   سيدي وإلهي الطيب، الرحمن الرحيم، والعليم الحكيم، يحبّ البشر، كلَّ البشر الذين خلقهم أسوياء متساوين، ذكرًا وأنثى، في العرق والدين واللون والشكل، ولا سموَّ لدينٍ أو لفردٍ على غيره إلاّ بالتقوى ومحبة الناس وفعل الخير وغوث المحتاج واحترام الجيرة والإبداع والتطوّر والإخلاص في المنزل والعمل والمكتب والدائرة ودعم الدولة ومؤسساتها في الوعي والنظافة واحترام القانون وسيادة الدستور.
-   سيدي وإلهي الحنون المارد في آنٍ معًا، لا يرضى بإذلال خليقته الجميلة التي خلقها على صورته ومثاله، كما يرفض قتل النفس التي نفح فيها الحياة كي تسبحه وتعبدَه وتمجد باسمه آناء الليل وأطراف النهار.
-   سيدي وإلهي المحبوب، الغفار الرحيم، يفرح بعودة الابن الضالّ وبتائب واحد وآثمٍ فاضحٍ من أمثالكم المغرَّر بهم، أكثر من الخراف التسعة والتسعين التي بحوزتِه وتحت جنحيه من الذين يتبعونه بالهداية الحقيقية، ويعبدونه خفيةً وظاهرًا ليلاً ونهارًا وفقًا لقوانين الكون الإلهية التي توصي باحترام النفس والفكر والرأي والعقيدة والأرض التي فرشها لهم هذا الإله العظيم ليتمتعوا بجمالها ويأكلوا من ثمارها ويطوّروا نظامَها نحو الأفضل وليس بالتراجع قرونًا متخلّفةً إلى الوراء.
-   سيدي وإلهي الجبار، يوصي بني الإنسان وأتباعَه الأوفياء، ألاّ يخافوا ممّن يقتل الجسد، بل ممّن هو قادر على قتل النفس والروح التي تأتمر بالسوء بسبب نزعات البشر البغيضة وحقد الجماعات المتزمتة والمنغلقة على الذات وعلى العقل والفكر والرؤية. ف"الجسد فانٍ، فيما الروح تبقى: "إنْ خيرًا فلها الجنّة، وإنْ شرّا فمصيرُها النار وصريرُ الأسنان".
-   سيدي وإلهي الذي أُجلُّهُ احترامًا أبويًا وخوفًا سماويًا، يوصي بتعاون جميع الأمم والشعوب على البرّ والتقوى، وعلى حفظ نواميس الأديان من دون تمييز أو استعلاء بعضها على بعض، وبالتسامح والمحبة، حتى بمحبة الأعداء كي يعود هؤلاء إلى رشدهم وإلى سواء السبيل واعتدال الشرائع وتطبيقها بحسب الظرف والزمان توافقًا مع تطور العصر.
-   سيدي وإلهي العطوف، قدوسٌ وكلّيُ القداسة، لا تأخذه سنّة نوم ولا يسأم أو يغتاظ إلاّ من الفاسدين والظالمين والطماعين والفاسقين والمفسدين في الأرض والطاعنين في العرض. فهو دائم السهر على خليقتِه ورعاياه، لا يرضى بالتجارة بالبشر على حساب سعادة الإنسان والإنسانية.
-   سيدي وإلهي العادل، مرتب في خليقته وفي تدبير شؤونها، وهو يدعو البشرية لفرز الزؤان وحرق الشوك من البيدر الذي يريدُه نظيفًا معافىً كما أراده.
-   سيدي وإلهي قد أوصانا من ضمن وصاياه للبشرية المتألّمة:" أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله للّه"، تمامًا كما أوصانا جميعًا بنشد السلام والمحبة والغفران "طوبى لفاعلي السلام، فإنهم أبناء الله يُدعون".
وهذا مسكُ الختام!



47
حياتنا الالكترونية، مرض العصر
بغداد، في 15 أيلول 2016
لويس إقليمس
رأيتُه قبالتي جالسًا متأبطًا جهازه "المحمول" أو كما يطيب للبعض تسميته ب"الجوّال" أو "الهاتف الذكيّ"، وكأنَّه حبيبةٌ أو وصيفةٌ يصعب فراقُها. سئمتُ المشهد وشقَّ عليَّ عدمُ اهتمامِه بما كنتُ وددتُ الحديثَ عنه ومناقشتَه معه، بعد أن حَرمتُ نفسي من لقاءٍ آخر عزفتُ عنه نظرًا لاعتقادي بأهميته الدنيا مقارنة بلقاء نديمي. عدتُ إلى نفسي، وقد تذكرتُ صورة شبيهة لما تلمحُهُ عيناي من مشهدٍ يتكرّرُ كلّ يومٍ تقريبًا في منزلي. فجهاز المحمول، قلّما يغيب عن أنامل أفراد العائلة عندي. حتى حفيداي يزعقان ويسعيان بحثًا عن هذه الأجهزة المتناثرة في أرجاء الدار كي يغوصا في أسرارها ويستمتعا بالنقر على أزرار لوحة المفاتيح. وبالرغم من صغر سنّهما الذي كاد يتجاوز السنة بقليل، إلاّ أنّهما يدركان تمامًا أنّ انطفاءَ الجهاز يعني التعمّد بحرمانهما من اللعب بالأزرار التي تشغّل الجهاز بقصد حملهما للعزوف عنها ونسيانها.
 وربّما المنظرُ ذاتُه، لا تغيبُ أو تختلفُ صورتُه عن غيري، في الشارع أو المنزل أو العمل أو السيارة أو المدرسة. فقد انتشر استخدامُه في كلّ مكان، حيث يمكن أن تجده لدى الكبار والصغار ومن كلا الجنسين بدون استثناء، وتلاحظ استخدامه في أي مكان وأيّ زمان. بل أصبح مدعاةً للتباهي من حيث الشكل واللون والحجم والبرمجة والمواصفات وبأشكالٍ تجارية غزت الأسواق. 
    باختصار الكلام، لم تعد استخدامات الهاتف النقّال في الزمان والمكان مشكلة، بقدر ما أضحت ظاهرة سلبية مجتمعيًا، بسبب الإدمان عليه وانشغال مستخدميه بوسائل اتصالهم المتنوعة الكثيرة التي لم تترك مجالاً للحياة الاجتماعية في الأسرة والعائلة كي تأخذ مداها. وحيث إنَّ لغة الالكترونيات والتكنلوجيا قد سطت على ذهنية الإنسان فجعلته أسيرَ الحياة الالكترونية الحديثة من حيث يدري أو لا يدري، فقد ضعفت بسببها بالتالي، آليةُ التواصل والتفاهم بين أفراد العائلة الواحدة في المنزل، حينما ينشغلُ هؤلاء كلّ بجهازه مستغرقًا ومنكبًّا على هاتفه ينبش ما فيه من برامج وتسالي ورسائل واتصالات تأخذُ بعقلِه ووقته وكلّ فكرِه وكيانه، ولا تبقي للحديث العائلي الودّي مجالاً.
بقدرِ ما لا ننكر أهمية الاكتشاف الحديث في حياة البشر المعاصرة الذي قصّر المسافات وقلّلَ الجهود ووفّر الأموال والأتعاب والتنقلات، لكنّ واقع الحال فيه مؤشرات سلبية في استخدامات هذه التقنية الحديثة للاتصالات حينما تخرج عن إطار فائدتها وتغالي في طرق استخدامها والوقت المصروف فيها وما يلحقه ذلك من نتائج غير محمودة في بعض الأحيان.
 صحيحٌ أنه أصبحَ حاجة ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها. بل أصبح رفيقَ الإنسان الدائم، أينما حلّ وارتحل، ينقل الخبر ويقرّب الصورة ويقدّم المعلومة الجديدة وكلَّ ما في نفس الكائن البشريّ من مستجدّات ومتع وانغماسات. بل هناك مَن شبّه هذا الجهاز بالطير الزاجل الذي كانت مهمتُه نقل الرسائل بين الأفراد، بما فيها ما يدخل ضمن ممارسات الأمم والدول والشؤون العسكرية وتحرّكات الجيوش الغازية، وما إلى سواها من أسرار تخصّ حالات السلم والحرب. وهناك مَن يدخل إلى تفاصيل جانبية أخرى تتعلّق بطبيعة الجهاز وتفسير الرؤى والأحلام التي تثقل دماغ الإنسان ليلاً ولا تفارقُه نهارًا. فهذه لها تفاسيرها لدى البعض، وقد يُستخرجُ منها معانٍ ودلالات، أو قد تحيطُها هالات من الخوف أو الفرح أو الحيطة والحذر معًا.
وحيث إنّ فوائد الجوّال كثيرة كما أسلفنا، بل يُعدّ نعمة للإنسان حينما تقتضي الحاجة والظرف، من حيث تقريبه للمسافات وتسهيله للاتصالات وتوفيره للجهد والمال والوقت في التنقل غير الضروري، كما أسلفنا، إلاّ أنّ هناك مَن يسيء استخدامه في الكثير من المفردات، ومنها المبالغة بإطالة المكالمة، والإفراط في الاستخدام غير المبرّر، وانتهاك الخصوصيات، والخروج عن اللياقة والآداب العامة في الكثير من الأحيان. أمّا الخروج عن السياق المرسوم ضمن حدود اللياقة في الاستخدام الأمثل، فهو يدخل ضمن نوعٍ جديد من الأمراض التي أصابت المجتمعات البشرية بسبب سوء استخدام التكنلوجيا الحديثة. وما أشدّ الحرج حينما لا يتورع البعض من إبقاء هواتفهم الجوّالة مفتوحة أثناء لقاء عام أو اجتماع أو مؤتمر أو في أثناء الصلاة في الكنيسة أو الجامع أو المعبد أو المدرسة أو المركز الديني أو التعليمي. فتتجّه الأنظار الغاضبة نحو صاحب الرنّة مؤنِّبةً ومعاتبةً دلالةً على عدم الرضا بسبب التشويش على خشوعهم وقطع توجّه أفكارهم وقلوبهم إلى صاحب الأرض والسماء في لحظة شغف متميزة. حتى سوّاق سيارات التاكسي داخل المدن وخارجها، لا يتورعون باستخدام أجهزتهم، بالرغم ممّا قد يحملُه استخدامُها أثناء السوق من مخاطر ومضايقات للركاب أو للمقابل من سالكي الطرق.
ولن أتطرّق إلى قائمة الأضرار الأخرى الكثيرة والعديدة التي يمكن لمستخدمي الجوّالات إلحاقَها بأنفسهم وصحتهم أولاً، وبالغير أيضًا، سواءً برصد المكالمات أو تسجيلها أو تصوير لقطات ومحادثات خارج أصول اللياقة والآداب، لاسيّما من دون علم أصحابها. فهذه من أنواع الخيانة التي لا تقلّ شناعة وبذاءةً في الأذى والضرر. وما أتعس المشهد الذي يتكرّر في المجالس العامة حينما يسمح الشخص بتقليب أزرار هاتفه يمنة ويسرة مستعرضًا برامج وصورًا وقوائم في حضرة الجالسين، غيرَ عابئٍ بحرمة المجلس الذي يتواجد فيه ولا بنوعية الحضور وظروفهم والمناسبة التي تجمعهم. فهذا من الأمور التي تقع خارج اللياقة الأدبية وتضع المستخدِمَ المسيءَ في خانة أجواء التندّر والاستهجان والاستخفاف واللوم.
فلنرحم أنفسَنا قليلاً ولنرحم غيرَنا كثيرًا باستخدامنا الأمثل للهاتف الذكيّ الذي قدّمته لنا التكنلوجيا الحديثة على طبق من ذهب كي نستمتع به وبالفائدة التي يقدّمها للبشرية، ونتجنب ما يسيءُ إلى أنفسنا وصحتنا وما يمكن أن يزعجَ غيرَنا وأفرادَ أسرنا ومجتمعنا. فالحفاظ على نعمة الرفاهة والمتعة وكلّ ما يجلب السعادة للإنسان من هواءٍ وماءٍ وأدوات وتكنلوجيا، مسألة أدبية وأخلاقية ومجتمعية، على المستخدمِ صونَها قبل أن تنقلبَ عليه وبالاً ووصمة شيطانية وأداةً لأذى النفس والناس على السواء.
من هنا، لا ينبغي القبول باحتلال هذا الجهاز "النعمة"، صدارةَ أعمالنا وقوةَ شخصيتنا وديناميكيةَ علاقاتنا الأسرية والاجتماعية وتركيبتنا الإنسانية. فحينها سنتحول إلى عبيدٍ بطالين كسالى، وعبدة آلة خُلقت للتفاعل الإيجابي والتواصل الودّي من أجل استقصاء المعلومة حين الضرورة لخدمة الإنسان وتمجيد الله في خلقه المبدعين.


48
مشهد ومشاهد: استذكارًا لفاجعة كنيسة سيدة النجاة في ذكراها السادسة!
بغداد، في 20 تشرين أول 2016
لويس إقليمس
مع حلول الذكرى السنوية السادسة لحادثة كنيسة سيدة النجاة المفجعة التي اقترفت في 31 تشرين أول 2010 من قبل زمر الإرهاب المتطرفة والمتزمتة حدّ النخاع، وبالتعاون مع أدوات فاقدة للوطنية وللضمير الإنساني، أقفُ حائرًا متسمّرًا كيف خرجتُ سالمًا مع غيري من الناجين من تلك الكارثة.  وما زال السؤالُ لم يختمر بعدُ في أذهاني ولا يريد المغادرة، مثل غيري من عباد الله، الملتزمين بحدود العقائد وحرياتها وتعاليمها السماوية، صافيةً غير مخترَقة، والمؤمنين بحرية الرأي والفكر والإبداع من دون ضغوط ولا رتوش، والمصرّين على التمسك بسِمة الالتزام الوطني والتمنيّ بعودة بنيان البلد شامخًا وبتراصّ نسيجه الاجتماعي وبقاء فسيفساء تنوعه الاثني والديني والمذهبي فيه سالمًا ومتعايشًا.

ديمقراطية الفوضى
أتساءل اليوم في خضمّ فوضى الديمقراطية الخلاّقة التي أوجدتها التغييرات الدراماتيكية في 2003، ومن حقّ كلّ مَن يحمل هذا الصنو من الأفكار المنفتحة والمفاهيم التنويرية والمنطلقات الوطنية والإنسانية أن يوجّه ذات السؤال: إلى متى يبقى العراق رهينة بيد أعدائه والطامعين فيه، وفريسة للدخلاء والفاسدين والمفسدين، ومطيةً لكلّ مَن هبَّ ودبَّ من دون رقيب ولا سلطة رادعة، غائبًا في وجدانه الوطني، خاليًا إلاّ ما ندر من سمات الوطنيين الأحرار الذين يؤثرون المصلحة العليا فيه على ما سواها من منافع ومكاسب شخصية ودينية وطائفية وحزبية وإقليمية؟ ألا يكفي ما حصل من عبث بمقدّراته ومن تدمير في مؤسساته وسلبٍ لهويته الحضارية والوطنية والاستهانة بهيبته العربية ونزوله إلى الدركات السفلى في الإنسانية، ليقف في الدرجات الأخيرة في سلّم العطاء والتطوّر والتنمية، وأولاها في استشراء الفساد واللصوصية وهدر المال العام والاستحواذ على عقارات الدولة والسطو على حقوق الأجيال القادمة من الثروات الوطنية الطبيعية التي يتمّ سرقتها واستغلالُها بأبشع الوسائل والطرق؟ جملة طويلة، لكنّها نابعة من كيان مجروح، وقلبٍ مفطور، وصدرٍ مفجوع بما يرى ويجري ويصير.
وتهرول الأيام متراكضةً من شدّة العسر والخوف والهلع المتلازم حول المصير والمستقبل، لتعيد على الملأ ذكرى الفاجعة، بل حقيقة تلك القصة التي أعيدَ ويُعاد سيناريوهاتها ثانية وثالثة ورابعة وعاشرة مع تسارع الزمن الغادر في كلّ يومٍ وفي كلّ شبرٍ من أرض السواد في الوطن المغدور. وآخرُها مشاهد الجريمة البشعة التي ضربت العمق الإنساني والنسيج "المواطنيّ المدنيّ" في الكرّادة، أقدم حيّ سكنيّ عرفته بغداد، عاصمة الرشيد الأبيّة، ومدينة الأنس النؤاسية، وحاضرة الجمال العربية التي كانت حتى الأمس القريب عصيّة على أعدائها، أبيّة في مبادئها وقاهرةً في ردود أفعالها حينما كان يُحسب لها ألف حساب وحساب، "قلعةَ للأسود"، و"منارةً للمجد والخلود"!
في هذه الأيام الرتيبة المربكة في مسيرة "شبه الدولة" العراقية، وهي تخوض معركة مصيرية لتحرير أعرق مدينة عراقية، الموصل الحدباء، من دنس حثالة المجتمع، داعش الإرهابي، تعود تلك الذكرى الأليمة لفاجعة كنيسة سيدة النجاة بحسراتها وتنهداتها وانفعالاتها. فبضربتها القاسية تلك، قوّضت تلك الحادثة من دون شكّ، عمقَ الجماعة المسيحيّة وقصمت ظهرَ أتباعها وأربكت هويتَها وأضعفت من وجودها التاريخي والجغرافي والديمغرافي، وهي التي كانت تحظى حتى عقود متأخرة من الألفية الثانية، بحقيقة كونها من المكوّنات الأصيلة والجامعة والمهمّة، عددًا وفعلاً ونوعًا، في نسيج المجتمع العراقي. عيوننا جميعًا، مواطنون أصلاء من جميع شرائح المجتمع العراقي، ترنو هذه الأيام، إلى هذه المدينة وسهلها المطعون في الظهر، حينما تمّ تسليم المدينة وسهلها، بتلك الطريقة المشبوهة والمشينة بأيادي عصابات ملوثة بالجرائم البشعة، والتي لم ولا تعرف غير لغة الدم والقتل والسبي والاغتصاب والنهج التكفيري سبيلاً لفرض أيديولوجية منحرفة لا تمتّ بصلة لأيّ دين أو مجتمع إنساني يعترف بربٍّ خالق الكون، وهو وحده الديّان العظيم، وليس بحاجة لبشرٍ ضعيف للدفاع عنه وعن قدراته العظيمة.
ليسَ هناك أدنى شكوك، من أنّ تسليم الموصل وبلداتها مثل غيرها من المناطق التي تدنست بأرجل داعش وأفكارهم المسخ، كانت ضمن سيناريو مخطَّط له ومعَدّ من قبل الأسياد، رعاة البقر، الذين نشروا الفوضى الخلاّقة في أرجاء المنطقة، ومنها العراق، من أجل تسهيل تنفيذ المخطط بإجراء تغييرات ديمغرافية بحسب الأهواء والمصالح الضيقة لراعي العملية السياسية الأول. فالأسياد قلّما يعبؤون بأحوال البشر وقناعاتهم وطموحاتهم وحقوقهم، إلاّ إنْ حصلَ ذلك ضمن إطار المصالح العليا، وتناسقَ مع الرغبات والإرادات. فهُم يقتلون القتيلَ ويمشون في جنازته، يعتذرون أو لا، ثمّ يقدّمون المعونة والحسنة بحجة العطف والتضامن والتعويض! والعتب في كلّ هذا، يقع على مَن ائتمنهم الشعب الخائب والبائس ليكونوا أمناء للمبادئ والشعارات التي رفعوها والوعود التي قطعوها قبل الانتخابات، ونسوها أو تناسوها بعد جلوسهم على الكراسي واقتسامهم الكعكة مع الفاسدين والمفسدين في الدولة وأركانها على السواء.

    سقوط ورقة التوت
     اليوم، كلّما أمعنتُ التفكير فيما جرى ويجري في أرضنا الآيلة للجدب والقفر، ومدننا الجريحة التي تنزف في كلّ يوم وكلّ ساعة، دماءً حمراء تسقي الأرض شهادةً ووفاءً، أكاد لا أصدّق أنَّ مشروع الدمقرطة الذي ارتهنت له بلادُ الحضارات وموطنُ المسلّة الحمورابيّة العريقة، كان مجرّدَ مشروع ٍ تآمريّ واستثماري وتجاريّ، ليسَ إلاّ. فقد أثبت تقرير تشيلكوت البريطانيّ، وهي إحدى الدول الأكثر تحمّسًا لغزو العراق، والأشدّ تبعية لصاحبة القطب الواحد، والحالمة دومًا بإهانة أرض "شنعار" وقطعِ أوصاله، أثبت هذا التقرير أنّ الحرب التي شنّها الغزاة الطامعون بقيادة أمريكا عدوّة الشعوب وحليفتِها المتلونة بريطانيا، وبدعم من اللوبي اليهوديّ الخفيّ، لم تكن شرعيّة. وبذلك تسقط كلّ الحجج المفبركة والأعذار المهيّأة سلفًا، ما يترتب عليه بالتالي بطلانُ قرار مجلس الأمن الذي سوّغَ الغزو والتدخل الهمجيّ للتحالف الدولي في عام 2003. فالواقعة قرائنُها باطلة، ومن ثمّ يستوجب ذلك محاسبة القوى التي اخترقت القانون الدوليّ بغزوها وتدنيسها لأرض الوطن، وبالسماح لسيول الدماء كي تجري مدرارًا، لمجرّد رغبة الأسياد بكسر شوكة أمّة عريقة ودقّ الأسفين في أوصالها وتقسيمها ضمن مشروع استعماريّ قديم-جديد، لا يستند إلاّ لمصالح قومية للمستعمر الطاغي. "فما يُبنى على باطل، يكون باطلاً ويبقى كذلك، مهما طال الزمن وتوالت الأيام والسنين". والأيام حبلى بأنباء سقوط الجبابرة مهما تجبروا وطغوا وعاثوا في الأرض فسادًا وقتلاً ونهبًا واستغلالاً.
من هنا، يدرك الكثير من المراقبين وأرباب الفكر، اليوم في الوطن والعالم أكثر من أي وقت مضى، أنَّ الغربَ الاستعماريّ الجديد بقيادة أمريكا، بكلّ ما أوتيت هذه من طغيانٍ وتبجّح وكذب ورياء ونفاق، لا يمكن أن تسلم مشاريعُه أو فعّالياتُه السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، من نفحة استغلاليّة واضحة تُؤثر المصالحَ القومية لبلدانه على أيّ شيء آخر، حتى لو حصل ذلك بالدوس على الرؤوس الثائرة وقمع الحركات التحررية وتصفية أصحابها وقطع شرايين الحياة عن الأحرار فيها.
إلاّ أنَّ مصيبة العراقيين، انقسامُهم حول فحوى الرسالة التي حملها الغازي الأمريكي منذ بدء الغزو، والتي تمثلت بالقرارات المجحفة لرئيس الإدارة المدنية المؤقت بول بريمر، الذي استحق بجدارة تلقّي حذائين من الصحفي المغمور، تمامًا مثل سيده جورج بوش الابن. فإصرارُه على حلّ الجيش السابق، وهو جيشٌ عقائديّ مدرَّب وفاعل، بدعوى انتمائِه إلى العقيدة البعثيّة الصدّامية، والذي جاءَ بحسب بريمر نفسه، باستشارة من طرفين سياسيين محلّيين يحملان أجندات طائفية (الشيعة) وإتنية (الكرد) واضحة لا لبسَ فيهما، هذا الإصرار على هذه الفعلة القذرة من الأطراف جميعًا، قد أسقط ورقة التوت وكشف عورة الغزاة ومَن تحالفَ معهم من ساسة الصدفة الذين ركبوا موجة التغيير العبثية وانتقلوا مع الغزاة على ظهور دباباتهم الزاحفة، وذلك حينما جرى فتحُ الحدود وتحوّلتْ أرضَ العراق مشاعًا وساحة لقوى وتنظيمات ومنظمات إجرامية وتدخلات سياسية مشبوهة من دول الجوار وأخرى إقليمية وأجنبية عاثت في الأرض فسادًا، كلّ وفق مصالحها وأجنداتها. وقد حصدنا ما زرعه الساسة وزعماءُ كتلهم!
وفي الحقيقة، إنَّ ما شهدته البلاد بعد فتح الحدود على مصاريعها، وغبّة حلّ المؤسسة العسكرية وهي الضامن المفروض لحماية البلاد والعباد، وكذلك ما حصل من إرباكٍ عام بعد عمليات سلب ونهب الوزارات ومؤسسات الدولة التي تمثلُ هيبتَها وفيما عُرف ب"الفرهود"، وما خلّفته هذه كلّها من حالة فلتان شوارعيّ ومناطقيّ وطائفيّ شاعت وتعززت وتواصلت لغاية يومنا هذا، إلى جانب القصور الواضح في تحديد الأهداف، سواءً من الطرف الغازي أو من الشلّة الطامحة للجاه والسلطة والمال، وغياب المشروع الوطنيّ لدى الحكّام والسياسيّين "المراهقين" ، وإيثار المصالح الطائفية والمنافع الشخصية على المصلحة العليا للوطن، والجشع الشديد للغَرف من المال العام، وسيادة الفساد في مفاصل الدولة فيما بعد، هذه بأجمعها كانت خيرَ عنوان وأطيبَ فرصة وأتعس بشيرٍ لبروز تنظيمات إرهابية قفزت على الساحة بين ليلة وضحاها لتشكّل سلسلة في طوابير انتحارية استخدمت معها كلّ وسائل الإجرام من مفخخات وأدوات وبشر وفكر متطرّف نما بفضل دعاة الشرّ والقتل والإرهاب والجهاد وبتمويل عالميّ ومحلّي وإقليمي على السواء. طرفٌ يهندس ويخطّط، وآخر يموّل ويشجّع، وغيرُه يدعم ويسوّق، فيما جهات أخرى تُغسل أدمغة السذّج من عباد الله كي ينفّذوا ما لا يرضي الله بجرمهم الفاضح، قصدًا للقاء الرسول والاستمتاع بصحبة الحوريات اللاّئي يستعدن جمالهنَّ وقدراتهنّ أفضل من السابق في كلّ مرّة يحظى الانتحاريّ المغمور بنكاحهنّ، بحسب ما يزرعه شيوخ القتل والفتنة والتحريض في صدور هؤلاء السذّج الذين يتم التغرير بهم بهذه الترّهات والتلفيقات على الدين الحنيف.

الغرب مَن أيقظ التكفيريين وشجّعَ الفكر المتطرّف
لقد ساهم الغرب بقيادة أمريكا، في ظهور الظلاميين من الجماعات المتطرفة وفي بروز تنظيمات إرهابية تحمل أيديولوجيات ديماغوجية متشددة لا تقبل بالآخر المختلف عن خطّ تفكيرها المنغلق على الذات وعلى الدّين وتفاسيره القبلية المتخلّفة في بداوتها وبداءتها وقصور فهمها لدورة الحياة المتطورة والمتجددة مع الزمن والفكر والعلم. فقد فعل الغربُ ذلك، سواءً مع سبق الإصرار أو من غير إدراكه للنتائج المترتبة على تلك الخطوة الشنيعة، باستغلاله الأرضية المهيَّأة لمثل تلك الأفكار الظلامية بوجود حاضنات عديدة وكثيرة لها في دول الشرق الأوسط ولاسيّما العربية منها والإسلامية، كي يلعب دور المحرّض باستخدام دعاة الفتنة إرضاءً لله والدّين، والأخير بريء براءة الذئب من دم يوسف البار! لقد كشفت اتهامات وردت على ألسنة شخصيات مرموقة في وزنها، تشير صراحة ووجاهة وتلميحًا إلى الدور القذر الذي لعبته الدولة الغازية، أمريكا، قائدة الشرّ في العالم، برعايتها لإخراج تنظيم الدولة الخرافية إلى الوجود. وآخرها اتهام المرشح الجمهوري دونالد ترامب، لإدارة أوباما بتأسيس هذا التنظيم وزجّه في صراعات إقليمية في المنطقة بهدف تسهيل السطو على مقدّرات بلدانها وإعادة تقسيم أوصالها وفقًا لأجنداتها ومصالحها وحبًا بثرواتها وليسَ لنشر مبادئ الإنسانية والديمقراطية كما تتبجّح.
مجمل هذه الظروف والقرارات والإجراءات، قادت البلاد والعباد إلى حافة الهاوية، وجعلت من أبناء الجماعات المتنوعة في النسيج العراقي التقليديّ المتعايش من دون استثناء، لقمةً سائغة بيد هذا الإرهاب وأدواته التي تعددت وانتشرت وتفاقمت، إلى جانب الصيت السيّء لمَن أتى بهم الغزاةُ لحكم العراق من دون خبرة ودراية واستراتيجية وهدف وطنيّ. والطامة الكبرى، كانت في تنصّل الغازي الأمريكي من تطبيق استراتيجيته في بناء السلم الأهلي وتعزيز الديمقراطية وبناء مؤسسات الدولة على أسس حديثة، بعد الاتفاق على انسحاب قواته في الاتفاقية الموقعة مع الحكومة العراقية في نهاية 2011. وقد خلق ذلك الخرق ثغرات كبيرة وكثيرة زادت من انتهاك سيادته واستقلاله السياسي ووحدة أراضيه ومياهه وأجوائه. كما تهدّد نظامُه الديمقراطي الحديث الولادة، وتفتّتت وضعفت مؤسساته وهيئاتُه بسبب تعزيز مبدأ المحاصصة وبروز النعرة الطائفية والمذهبية التي غذّاها الغزاة وزرعوها في عقول وقلوب ونفوس الساسة المراهقين الذين لم يتورعوا بالتملّق لراعي العملية السياسية الخرقاء، إن ظاهرًا أو في الباطن، تاركين مصلحة البلاد والشعب على كفّ عفريت نتيجة للفساد الذي استشرى في جميع مؤسسات الدولة، بسلطاته الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية. ولولا هذه السياسة الخرقاء والتواطؤ الفاضح من جميع اللاعبين على المسرح العراقي، لما تمكن الإرهاب من بسط نفوذه على مناطق شاسعة من الوطن والتحكم بمقدّرات مدن وبلدات وقرى كثيرة امتدت على أكثر من ثلث أراضي البلاد بين عامي 2014-2016 على أيدي دولة الخرافة الإسلامية.

مَن ينصفُ الأٌقليات؟
لقد شكلت حادثة كنيسة سيدة النجاة الإجرامية مثل مثيلاتها التي ضربت كلّ شبرٍ من أرض العراق، حين بلغت هذه أوجَها بفعل ما اقترفته التنظيمات الظلامية لاحقًا من أعمال ترقى للإبادة الجماعية في مناطق عديدة من العراق وفي المنطقة بعد سيطرة دولة الخرافة على مناطق شاسعة من البلاد، شكّلت هذه نقطةً سوداء في جبين الإنسانية ودول الغرب، نتيجة لسياسات هذه الأخيرة العبثية الكارثية اللاّمبالية بمصالح الشعوب المقهورة والمستضعفة. والأنكى من هذا كلّه، استمرار زجّ البلاد في أتون صراعات داخلية متناقضة المصالح ومتعددة المفاسد في أوساط الكتل السياسية وأحزابها وشخوصها الذين اعتادوا تبادل التهم بالفساد والقتل والتآمر، من دون تعرّض معظمهم للحساب والقصاص والمقاضاة، بسبب تسييس القضاء وخضوعه لنظام المحاصصة الطائفي الذي يمنح نظامَ التوافق سلطةً فوق بنود الدستور وتطبيقاته. فالذين يحكمون البلاد، مازالوا خالو الوفاض من شيءٍ اسمُه "بناء الوطن"، و"سيادة القانون"، و"المساواة والعدالة، و"الأمن والخدمات" و"وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وحسب الاستحقاق الوطني وليس الانتخابي المشبوه"، تطبيقًا لدستور توافقيّ وُلد أساسًا معاقًا بعملية قيصرية. ومثل هذا المشهد السياسيّ المتأزّم ما يزال قابل الانفجار في أية لحظة، بسبب "لعبة جرّ الحبل" المتفاقمة بين الشركاء الفرقاء، أصدقاء الأمس وأعداء اليوم.
واليوم، استذكارًا للذكرى السادسة لفاجعة كنيسة سيدة النجاة، نتذكّر وبكثيرٍ من الحسرة واللوعة، شلّة الشهداء الخالدين ال 46 من المصلّين الأبرياء من الجماعة المسيحية، بينهم كاهنان شابان عرفتهم كنيسة العراق ومنطقة الكرادة بالذات، بغيرتهما الرسولية ومواقفهما الوطنية وطيبتهما وسط سكان الحيّ، بشهادة مسلمي الحيّ أنفسهم. والخطيئة الكبرى لهؤلاء المصلّين والمسالمين من عباد الله، من الشهداء الذين أضحت دماؤُهم بذارًا لأرض الوطن، والجرحى الذين نجوا بأعجوبة، أنّهم كانوا عصر ذلك الأحد المقدس، يبتهلون إلى الباري، إله الحق والمحبة والتسامح والطيبة والرحمة، كي يزيل الغمّة عن الأمةّ الجريحة، ويهدي الحكّامَ وأصحابَ الجاه والقوى المستحكمة في العملية السياسية إلى سواء السبيل والعودة للاحتكام إلى العقل ونزع بذور الطائفية التي نخرت جسد الوطن ونهشت أحشاءَه وأثخنت جراحاته. فقد توالت بعدها النكبات وتعددت المصائب وساءت الأحوال في المال والاقتصاد والخدمات والأمن، وكثرت الضغائن والأحقاد بين أبناء الأديان والطوائف، واشتدت الصراعات بين الأحزاب والكتل والعشائر بسبب تناقض المصالح وفظاعاتها. وكان فيها الشعب المغلوب على أمره دومًا الضحية الكبرى، فيما الباحثون واللاهثون وراء الجاه والمال والسلطة يقبعون في أخدار المنطقة الخضراء ويتسامرون في أروقة الفنادق الفخمة وصالاتها ومنشغلون في تهيئة ومراجعة صفقاتٍ ليسَ للوطن فيها ولأبنائِه من مصلحة.
ومذ ذاك، والجماعة المسيحية، مثل غيرها من الأقليات الاتنية والدينية المهمَّشة في الحكومات المتعاقبة، تشهد انحسارًا في الوجود وتناقصًا في العدد بسبب نزيف الهجرة القاتل ومواقف الغرب الصادمة ممّا يجري ويحصل أمام أنظار الملأ. فقد فتح هذا الموقف اللاّمبالي بما حصل ويحصل، للفئات المكوّناتية القليلة العدد في البلاد، ومنهم المسيحيون، فتحَ جراحًا عميقة في جسد البلاد المثقل بالطعنات الداخلية والخارجية والإقليمية على السواء، عندما سمح بارتكاب جرائم إبادة جماعية بحقّ مواطنين آمنين جرى تهجيرُهم وطردهم من بلداتهم وقراهم وسلب ممتلكاتهم وأموالهم وحلالهم في أبشع كارثة شهدتها الإنسانية على أيدي جماعات إرهابية متطرفة وظلاميين استخدمهم الغرب وأمريكا أداةً لتحقيق أجندة إعادة خارطة البلاد والمنطقة وفق منهج مشبوه، اشتركت فيه عناصر مشاركة في العملية السياسية، تجاذبت فرضَ مصالح دينية وإثنية وطائفية فيما بينها.
وما يزال المشروع الأمريكي في طور الإنجاز والحركة والتفاعل. والخوف الذي تحتاط منه هذه الأقليات الدينية والإثنية يكمن في وقائع ما بعد تحرير مناطقها المغتصبة التي يُخشى تغييرُ ديمغرافيتها، لاسيّما بسبب فقدان الثقة بالراعي الدولي وضعف الإحساس الوطنيّ لدى صنّاع القرار وحكّام السلطة الفاسدين حتى الثمالة وصعوبة عودة المهجّرين والنازحين إلى مناطقهم من دون ضمانات دولية، وأخرى محلية، وطنية وأمنية وخدمية. فهلْ يكفّرُ الغرب باعتباره المتهم الأول بالجريمة، عن الذنب ويعيد تلك المناطق إلى أصحابها الشرعيين، ويعوّض المواطنين ما فقدوه؟ وهل ستبادر الدولة إلى اتخاذ خطوات وإجراءات وطنية خالصة لتعويض الناس بعدالة، وفي بسط الأمن والأمان وإعادة دورة الحياة إلى هذه المناطق بعد تحريرها المؤمَّل قريبًا، وتكفّر هي الأخرى عمّا اقترفه الشركاء السياسيون فيها بحق مواطنيهم حين تخلّوا عنهم وفق مساومات وصفقات تقتضي استقدام داعش الإرهابيّ لتنفيذ المخطّط الشيطاني الذي يضمن لكلّ فريقٍ حصتَه من الكعكة؟
إلى ذلك اليوم المنتظَر بالعودة الميمونة إلى الديار المسلوبة، نسأل الرحمة لشهداء كنيسة سيدة النجاة بهذه الذكرى المؤلمة، ولشهداء العراق جميعًا الذين خلّدوا أسماءَهم في سفر التاريخ. ولتكن عودة نينوى وبلداتها إلى حياض الوطن مدعاة للوحدة الوطنية، والنازحين عنها والمهجَّرين منها قسرًا دليلًا لوحدة الصفّ ونهجًا للساسة والحكومة ومؤسسات الدولة الأخرى على السواء، من أجل إعادة ترتيب البيت الوطنيّ ووضع الأمور في نصابها العراقي الخالص وتطبيق الديمقراطية والعدالة والمساواة بعيدًا عن الأنانية الطائفية والتوجهات الدينية والمذهبية التمييزية بين المكوّنات. الّلهمَّ آمين.





49
غزوة المشروبات الكحولية في كواليس البرلمان الخفية
بغداد، في 25 تشرين أول 2016
لويس إقليمس
أثار القانون الغريب والمثير للجدل الذي أقرّه البرلمان مؤخرًا ضمن فقرة واردات البلديات، حول منع إنتاج وتوريد وبيع المشروبات الروحية، العديد من التساؤلات والاستفهامات حول توقيت طرحه وفرضه في هذه الظروف بالذات التي تشهد فيها البلاد آمالاً بانفراج سياسي وأمني ومجتمعيّ وربّما تصالحيّ، حين تكاتفت كلّ قوى الخير الوطنية ضدّ قوى الظلام والشرّ المتمثلة بالسرطان الخبيث "داعش"، الذي استفحل فكريًا وعسكريًا وأمنيًا واجتماعيًا لأكثر من عامين بين ظهرانينا. فقد نال هذا الحدث الذي طفا على الساحة العراقية وتفاعلت معه مختلف وسائل التواصل الاجتماعي التي جرّمت مثيريه مجدّدًا، نال القسط الوافر من النقد والتهكم والاتهام بفضح المستور وما كان أعظم، سواء في التعاطي بهذه المادة أم باحتسائها أو بمحاولة احتكارها، ومع ما يساعد على ترويجها في صالات الملاهي الليلية ال 72، التي كشف عنها أحد النواب الجريئين والصادقين والمنتقدين لمَن يرعوها ويتقاضون مقابل حمايتها المقسومَ المزعوم. ليس هذا من عندي، بل هذا ما عرضته إحدى قنوات الشعب وتناول بالتعليق والمداخلة فيه بالتفصيل نوابٌ وأكاديميون وسياسيون.   
لا يخفى على أحد، هناك قوى ظلامية من داخل قبة البرلمان حامي اللصوص والفاسدين، والذي يفترض تمثيلُه للشعب كلّ الشعب وليسَ جزءًا طائفيًا منه، هذه القوى تسير على ذات المنهج الذي سار عليه تنظيم دولة الخرافة الآيلة للسقوط والزوال إلى مزبلة التاريخ. وهذه تعتقد من جانب أحاديّ واحد، أنها بغزوتِها هذه، قد حققت بها إنجازًا كبيرًا واحتارت برفع آيات الشكر لمَن صوّتَ لصالح القانون وبرفع التهاني للمرجعيات. وهي واهمة إن اعتقدت تحقيقها مثل هذا الانجاز الطائفي الحاقد بهذا التصرّف وهذا السلوك التمييزي المخالف للدستور والرأي العام والمناقض للحريات، حيث مع الثوابت الإسلامية لا تقاطع مع الحريات والدمقراطية. هكذا يقول الدستور الأعرج.
إنّ الوطنية لا تُقاس بالانغلاق على الذات وبتهميش الغير من شركاء الوطن، مهما كانوا عددًا وحجمًا، أو بفرض ما تعتقد به الأغلبية المتسلطة على المختلفين عن أتباعها دينًا ومذهبًا وقومية وعرقًا. فأمثال هؤلاء المنافقين بفعلتهم التمييزية الفاضحة هذه، لا يقلّون بشاعة وفداحة عن "الدواعش"، الذين عاثوا في الأرض فسادًا وهجّروا المختلفين عن منهجهم وفكرهم ولاسيّما من أتباع المكوّنات غير المسلمة، كما أفصح ذلك أحد النواب المسيحيين الذي طاله تهديد مباشر من معمّم داخل قبة البرلمان. فيما اعتقد أحد النواب المخضرمين والعقلاء أنَّ مثل هذا الفعل غير الموفَّق لا يساعد على تعزيز أسس الديمقراطية وترسيخ أركان الحريات الفردية والمجتمعية وأعمال التنمية والتقدّم وفتح آفاق للاستثمار وتشجيع السياحة. فالبلد الذي يكمّم الأفواه ويخنق الحريات ويحدّ من الإبداع والتعبير لا يشجع أن يكون جديرًا بجذب رؤوس الأموال والاستثمار وتفعيل المرافق السياحية وتنويع المداخيل لصالح الشعب والتنمية. بل بعكس ذلك كلّه، مثل هذا الإصرار على تقييد حرية المواطن يساهم باستمرارِ بكسرِ اللحمة الوطنية والمجتمعية بمثل هذه الأفعالٍ الطائفية التي "ترقى إلى آفة التعسّف"، كما وصفتها شخصية آكاديمية وسياسية فاعلة.
 لكن يبدو، أنّ مَن أثار هذا الموضوع مجدّدًا، بعد محاولات يائسة سابقة وفاشلة، قد فعلها بداعي المزايدات الدينية والطائفية، وتقرّبًا من قيادات دينية وسياسية ترعى الطائفية وتسعى إلى تكريسها بمشروع إسلاميّ طائفيّ، بدلَ قيام دولة مدنية متطورة "تعطي ما لقيصر لقيصر، وما للّه للّه". وهذا ما تطالبُ به قواعد المجتمع المتنورة والمتطلعة إلى عراقٍ جامع لجميع الجماعات والمكوّنات والأديان والمذاهب والأعراق من دون تمييز. هكذا كان العراق ولن يقبل بغير هذا النهج بديلاً لبنائِه وتطوّره ورقيّه وسعادته وسلامه وأمنه. فوحدة الصف وسعادة المجتمع ورفاهه واحترام الآخر المختلف هي الضامن الوحيد لاستقراره وأمنه ورقّيه. 
مَن يعود إلى الوراء قليلاً، ومع بدء التغيير في الأحداث السياسية في العراق، قامت ميليشيات مشبوهة تنتمي لأحزابٍ دينية متنفذة في العملية السياسية بعدة حملات، أسموها ب "الغزوات" ضدّ مرتادي مخازن بيع الخمور وأصحابها وبشكل منهجيّ في عموم محافظات العراق، ومنها بالذات بغداد العاصمة والبصرة والموصل بصورة خاصة. بل كانت تلك الحملات مقرونة بدعم من جهات حكومية وسلطات محلية يقودها أشخاص متنفذون من الأحزاب الدينية ومدعومة بقوات من الجيش والشرطة كي تأخذ تلك "الغزوات" مفهومًا رسميًا ودينيًا ومنهجًا طائفيًا ضدّ الجماعات التي تتعامل في عمليات المتاجرة الرسمية والتقليدية بأنواع المشروبات الروحية وفق القانون والتعليمات النافذة.  وقد راح ضحية تلك الحملات المتكرّرة والمتلاحقة في فترات متعاقبة، العديد من الضحايا، من كسبة الرزق اليومي الشريف بعد أن سطت أحزاب دينية وأخرى طائفية وغيرُها ذات مصالح فئوية ضيقة على مقادير الأمور في البلاد وسط ضياع القانون، وفراغ السلطة وضعفها إن وجدت، وغياب القضاء المستقلّ، وشحة فرص العمل التي تؤمّن الخبز اليومي للمقهورين والمظلومين والمهمَّشين لمواطنين شرفاء وأصلاء من أتباع الديانات الأخرى، وأخصّ منها بالذكر الآزيديين والمسيحيين والصابئيين. وهذه الجماعات الثلاث حصرًا، أكثر من اية جماعات سواها، كانت وما تزال الأكثر تضرّرًا على جميع الأصعدة، ومنها أنَّ أتباعها قد ألصقت بهم تهم التصنيع والمتاجرة والاحتساء، دون سواهم.
ما حدث في البصرة مثلاً، ولحقها في بغداد والموصل ودهوك بصورة خاصة، مع بداية التغيير الدراماتيكي في البلد، من هجمات متكررة على باعة الخمور فيها، وجلّهم من هذه الطوائف والجماعات المسالمة، كان وصمةَ عار في جبين السياسيين الذين يقف بعضهم وراء تلك الحملة الظالمة والخسيسة. فقد تمّ الاستيلاء على كميات هائلة من المشروبات في حينها، بالسطو على المخازن وسرقتها وإعادة بيعها في السوق السوداء بأثمانٍ مضاعفة، درّت على قادة الميليشيات في هذه المحافظة حصرًا، مبالغ سال لها لُعابُهم، فتفنّنوا في كيفية السطو والسرقة والبيع واستقدام المزيد منها من مناطق أخرى لتأخذ طريقَها إلى السوق السوداء. ومّن لا يتذكر حادثة الإغارة على جمعية آشور بانيال الثقافية بالمسبح في بغداد، وما تركته من تخريب بالممتلكات وإهانة للجمعية وأدارتها التي كانت من المنابر التي يُشهد لها في مجال الثقافة والتعبير عن الرأي والرأي الآخر وفي التنوير؟ 
اليوم، يعود أصحاب الفكر الضيّق والأفق المحدود ليكرّروا ذات الخطأ بالاعتداء على خيار المواطن وحريته في العيش بالطريقة التي يرى فيها صلاحَه وراحتَه ويعبّر فيها عن تفاعله مع محيطه من دون أن يؤثر سلبًا على عامة المجتمع. في الوقت عينه، يرى الكثيرون، ومنهم برلمانيون سرًا، أن هذا القانون الذي جاء من لجنة الخدمات، غير دستوري ويتنافى مع الحقوق والحريات العامة ويتناقض مع مبادئ الديمقراطية التي ضربها المشرّع العراقي مجدّدًا عرض الحائط، إنْ مجاملةً أو مسايرةً أو إرضاءً لجهات سياسية ومراجع إسلامية وطائفية، على شكل مزايدات دينية وطائفية وولائية لهذه أو تلك. كما أنّ هذا القانون التمييزي الواضح، يتعارض أساسًا، مع الفقرة الثانية من الدستور الضامن لحقوق جميع العراقيين من دون تمييز، حيث تتضمن هذه المادة عدم جواز تشريع أي قانون يتناقض مع الحقوق والحريات الفردية ومبادئ الديمقراطية. وهذا ما حدا بأحد النواب عن المكوّن المسيحي بعزمه رفعَ طعنٍ في المحكمة الاتحادية، وأيّده العديد من النواب المتنورين والعقلاء، لردّ هذا القانون الظالم والمجحف بحقّ كلّ العراقيين، إلاّ المنافقين الذين يبحثون عن مطامع خاصة ويتفاخرون بالتقرّب من المرجعيات وقادة الأحزاب الدينية التي ترفع شعار مشروعٍ إسلاميّ طائفيّ واضح، إنْ تودّدًا أو خنوعًا أو بحثًا عن رضا وجاه فارغين. وأمثال هؤلاء الأقوياء طائفيًا، والضعفاء مجتمعيًا ووطنيًا، بهذا النهج يشبهون أنفسَهم ب"كهنة" السلاطين والمراجع، الذين اعتادوا بمختلف أنواعهم ومشاربهم، العيش في جلباب الغير وتلويث الحياة بأكاذيب ودجل ونفاق لا تقلّ مفسدةً وتعسفًا عمَا اقترفه "داعش" وأشباهُه ضدّ جماعات عراقية أصيلة، تعرّضت وماتزالُ لذات الظلم وذات التعسّف بسبب أفكار متخلّفة وعقليات متزمتة لا ترقى إلى مستوى مفهوم "الدولة المدنية" الذي يتطلّع إليه جميع العراقيين. وهذا المفهوم عينُه، قد أكده في مناسبات عديدة معظم هؤلاء النواب الذي خالفوا آراءَهم الاستعراضية الكثيرة بخصوص "الدولة المدنية" المنشودة التي ينبغي أن تُبنى عليها سياسة البلد الغارق في مفاسد وسرقات الفاسدين من السياسيين ما بعد التغيير!
 إنّ العراق لا يمكن أن يكون مشروعًا لدولة ثيوقراطية يتحكم بها دينٌ معيّن أو طائفة معينة. ف "الدّينُ يبقى في أصلِه وشريعتِه وفي مفهومِه الأوسع للّه، فيما الوطن خيمةٌ وجنينةٌ للجميع". أمّا ما كان غيرَ ذلك، فهو منافٍ لأصول الحرية والديمقراطية والإنسانية التي ارتضى بها البلد وساستُه يوم القبول بغزوه من قبل الغرب، صانع الديمقراطية ومصدّرُها على طريقته الخاصة.   
لذا، فإنّ مَن تعذّر من نواب الشعب بحجة تطبيق شريعة السماء، عليه أن يعيد قراءة ما كُتب والتفسيرات المتناقضة والكثيرة التي شابت هذا الذي كُتب ونُقل ورويَ منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا خلت، حينما كانت عادات الصحراء وتقاليد البداوة وقوانين القبيلة وشريعة وأد البنات تتحكم بالعباد وسلوكهم اليوميّ. وما هذا الإصرار المتعاظم من قبل البعض للعودة إلى الزمن الغابر في لحظة نفاق ومكر وكراهية، سوى للتعبير عن الرفض المبيّت الواضح لكلّ مختلف عنهم في الفكر والمنهج والسيرة والدين والمذهب. فقد أثبت الكثير من النواب أنهم مجرّد أدوات، قد استخدموا ليقولوا ما يُلقنون إياهُ من جانب رؤساء كتل وزعامات دينية تسعى لفرض "شريعة دين ودولة" على مواطنيهم، بالرغم من تعدد أديان البلاد وتنوع القوميّات واختلاف الثقافات والعادات والتقاليد والمناهج في الحياة. أمّا ما يقوله هؤلاء وزعاماتُهم علنًا، وما يعدون ويصرّحون به للشعب المقهور ولزعامات وممثلي هذه الجماعات في المؤتمرات واللقاءات وعلى الفضائيات عبر التسابق والتبجح باحترامهم وتقديرهم لأتباع الديانات الأخرى والإشادة بأصالتهم في الأرض، فليس ذلك إلاّ رياءً ونفاقًا وضحكًا على الذقون وتخديرًا لمَن يصدّق الأكاذيب المتكرّرة. فهم يضمرون ما لا يقولون، ويقولون ما لا يفعلون. وكلّ ذلك، طمعًا بكسب الأصوات والتأييد، وتودّدًا للغرب الذي يصدّق كلَّ ما يقولون في وسائل الإعلام المختلفة وفي اللقاءات والمفاوضات والمؤتمرات الرسمية والدولية والمنظماتية.
من هنا، فإننا نعتقد أنّ جزءًا كبيرًا من مفهوم الديمقراطية والحرية يقوم على سياسة التسامح والتصالح والرحمة التي نردّد لفظتها ملايينَ المرات في كلّ يوم. وما أحوج الشعب العراقي اليوم أكثر من ايّ وقت مضى لهذا المفهوم وهذه السمة التي كانت تطبع معظم طبقات الشعب قبل اختلال الموازين وصعود تيارات الإسلام السياسيّ إلى السطح منذ ثمانينات القرن الماضي وعبثها بمقدّرات الشعوب والأمم والدول، لاسيّما في منطقتنا الشرق أوسطية، والعراق من ضمنها، والتي استغلّت كحاضنة جاهزة لتقبّل مثل هذا الفكر التكفيريّ المتخلّف والترويج له في ضوء تصارع مذهبين غريمين، يحاول كلّ منهما إثبات أولويته وشرعنته وجبروته. ثمّ إنّ جرّ البلاد والعباد إلى معارك جانبية وصراعات طائفية ومذهبية في هذا الوقت بالذات، كما صرّح أحد عقلاء البرلمان، ليس من مصلحة الشعب والبلد الذي يخوض معركة مصيرية مع أعتى تنظيم إرهابيّ سطا على ثلث مساحة البلد قبل أكثر من عامين. وكان ذلك بفضل مثل هذه الصراعات الطائفية التي أوجدتها وحرّكتها وأيدتها حكومة طائفية لفترتين برلمانيتين، وبهما ساد الفساد وطغى الظلم ونُهبت ثروات الوطن وحصل القتل والدمار ونقص الخدمات وفرغت الخزينة وانهار الاقتصاد وهُجرت جماعات وسبيت نساء واغتصبت غيرهنّ.
ولو نظرنا إلى دول الجوار، وبعضها تنتهج نهج الشريعة الاسلامية، لعرفنا أنّ تقدّمها واستقرارَها حصلا بفضل انفتاحها وعدم تعرّضها للحريات العامة ولمنافذ الديمقراطية، ومنها حرية السلوك والمتاجرة بأنواع الخمور، وفق قوانين مرعية تحافظ على الذوق العام والنظام ولا تخلّ بحرية الآخر وخياراته. وهذا ما ساعد كي تنهض سياحيًا ويتعزز اقتصادُها بفضل مثل هذا الفكر وهذه السياسة الانفتاحية التي لا تتقاطع مع الحريات العامة ومع الديمقراطية وحرية الفرد. ومن حقنا أن نتساءل: أيهما أفضل، أن ينعم الفرد بحريته في تناول الخمر من دونه أم زجّ الشباب في أتون تعاطي المخدّرات التي كادت تغزو الشارع العراقي من إحدى دول الجوار، كما تشير إحصائيات أمنية ومخابراتية وجهات نفسانية وطبية؟ وأيهما أفضل: شاربو الخمر الذين ينتشون في دُورِهم وفي صالات ليلية مسيطَر عليها وفق القانون والضوابط الرسمية، أم الفاسدون في البرلمان ومؤسسات الدولة التي غزتها الطائفية والمحسوبية، وغذّاها أمثال هؤلاء النواب المنافقين الذين صوّتوا لصالح حظر المشروبات من دون التحسّب للأسباب والنتائج؟ دروسٌ بليغة للتعلّم، فهل من سامع أو مجيب؟
من هذا المنبر الحرّ، ندعو بدورنا، المحكمة الاتحادية كي تأخذ دورها القضائي الوطني وتردّ هذا القانون الظالم وتضع حدًّا لأمثال هذا السلوك الذي لا يريد الاعتراف بحرية الآخر، ويسعى في مناسبة وبدونها للإيغال في تهميش الآخر المختلف واستبعاده والاستخفاف بحجمه ودينه وطائفته وإنسانيته. كما ندعو أصحاب الأفكار المنغلقة في السلطات الثلاث، كي تتعظ من دروس الماضي والحاضر، وتتطلّع عوض ذلك للمستقبل، وتعيد رسمَ الأولويات الوطنية التي تجمع ولا تفرّق، وتضع في منهاجها عناوين الحرية جميعها من دون استثناء، ومنها عنوان الانفتاح والسماح للفرد بالانتشاء بما يعتقدُ أنه يوفرُ له السعادة والارتياح والراحة حين احتسائه الخمر بتعقّل ومن دون فقدانٍ للوعي والإرادة. فسواءً قبلت الأغلبية المتسلطة أو رفضت، وسواءً امتعضت الأقلية المقهورة أم رضخت للأمر الواقع، يبقى المبدأ المطروح من قبل هذه الشلّة من النواب المنغلقين، مغلوطًا يشوبه الكثير من التعسف والظلم والتخلّف والتراجع في الحريات وفي الأفكار والآراء. وليس من المعقول، أن يبقى البرلمان في وادٍ والحكومة في آخر والشعب بين هذا وذاك يجرّ أذيال الخيبة فاقدًا الأمل في الراحة والاستقرار والسلام والطمأنينة والإنسانية.
 وسيبقى عرق بعشيقة وخمرة ألقوش وقره قوش، بعد عودتها إلى حضن الوطن وعودة أهلها إلى دورهم وأملاكهم، عنوانًا آخر للحرية والديمقراطية التي حاول التنظيم الإرهابي المتشدّد وأشباهُه، حرمانَهم ومعهم كلّ العراقيين، من نشوتها ومتعتها وإيجابياتها التي تزيد كثيرًا عن سلبياتها.
 


50
قيم الشكّ واليقين في سلّة السياسة والسياسيين
بغداد، في  8 تشرين أول 2016
لويس إقليمس
ليس هناك ميزانٌ واضح أو ثابت بين ما يشكله مفهوم الشكّ، سلبًا أو إيجابًا، مقارنة مع نظيره شبه المستقرّ "اليقين". فالشكّ قد يكون سمة أخلاقيّة واجتماعية بالدرجة الأولى. وهو بذلك يدلّ على موقف عقلانيّ حرّ وواعٍ يتخذه الإنسان اتجاهَ حالة معينة. أي بمعنى أكثر سعة، وكما يرى البعض، هو نوع من الاتجاهات الفلسفية التي تتطلب التفكير والتمحيص، ومن ثمّ اتخاذ القرار المناسب وفق الظرف القائم. والشكّ في جزءٍ كبيرٍ منه مردُّه الظنون والتخيّل، التي بمجملها، قد تجعلُ الإنسان يتيه في فضاءاتها الكثيرة والكبيرة. فمنه ما هو إيجابيّ حينما يدفع الأمور باتجاه الأفضل والأحسن. وهذا من شأنه أن يقود صاحبَه للتفاعل إيجابيًا مع الأحداث والأشياء، كلّما اختمرت عنده بذرة البحث نحو الأفضل ضمن دارة الإيمان بإيجابية الإصلاح في كلّ ما حواليه.
عندما يبحث الإنسان عن حلول لمعضلة معينة قائمة يصعبُ تفكيكُ رموزها، فهذا شيءٌ جيّد وحسن، لأنّه يعملُ خيالَه وفكرَه من أجل بلوغ الأفضل. وهذه قيمة إيجابية بحدّ ذاتها. وكلّما أمعنَ الإنسان في اكتشاف أدواتٍ تسهلُ الحصول على حلول إيجابية، زادت قيمةُ الشكّ عنده إيجابًا، بسبب اكتشافه مقوّمات جديدة في البحث عن شيءٍ اسمُه الإبداع الفكريّ والدقّة في التعامل مع الأشياء. ومثل هذا الإبداع الفكري والسرحان في الخيال لن يكون بمستطاع كائنٍ مَن كان، بل هي البيئة النخبوية التي تخرجه إلى البيان بانتظار مَن يطبّق ومَن ينفّذ. وعكس ذلك، يصبح الشكّ ذا قيمة سلبية عندما يقود إلى التشاؤم والسوداوية في الحياة. حينئذٍ يصبح كلّ مشهد أو حدث أو أداة، غير نافعة وغير ذي قيمة لديه، فيسلّمُ الراية ويدلف جانبًا كالغراب الذي ينعق.
وبين الظاهرتين، الإيجابية منها والسلبية، يبرز دور التفاعل اليومي في الحياة عند الإنسان السويّ، وما يقوم به الفرد الاعتيادي من عملٍ يحرّكهُ فيه اليقينُ الثابت، نوعًا ما، في النظر إلى المسائل والأحداث. ولابدّ من اعتماد هذا اليقين الظاهر، على فكر قويم وصلد ضمن المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان. وهذا هو السلوك الآمن الذي يمكن أن يُكتب له التوفيق ويقود إلى الصالح العام الأفضل خارج دارة الشكوك التي يمكن أن تحوم حوله بغير ذلك أو حينما تغلقُ عليه المنافذ. ومن الشكّ ما يقود إلى اليقين بعد التأكد من القرائن والبراهين والإثباتات الحاضرة والمستنبطة من الخبرات والأحداث والوقائع. وهذا ما ذهب إليه كلٌّ من الفيلسوفين الفرنسي ديكارت والعربي أبو حامد الغزالي في مخرجاتهما الفلسفية حول السمتين المتلازمتين.
سأضرب ثلاثة أمثلة قريبة من واقعنا ضمن هذا السياق، في الأسطر التالية.
كما نرى ونشهد، التقويم العالميّ القائم اليوم، مليء بالثغرات الكثيرة والكبيرة من هذا النوع الذي يتراوح بين الشكّ واليقين. من أحدث الأمثلة الماثلة أمامنا على صعيد السياسة الدولية الفوضوية هذه الأيام، قائمة الشكوك المتراكمة بين القطبين الرئيسيين، أمريكا وروسيا، والتوترات المتواترة التي تنمّ عن شكوك متراكمة ومتجدّدة بين فترة وأخرى بين العملاقين اللذين يديران دفة النزاعات والصراعات في العالم، ومنها منطقتنا الشرق أوسطية المبتلاة بمصالح هاتين الدولتين الندّيتين. إذ كلّما اقترب الطرفان من إنجاز اتفاق دوليّ مهمَ، أو أصبحا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق السلم الأهلي في منطقة ساخنة والإتيان بالوفاق المنتظَر، تبرز شكوكٌ بينهما لاعتبارات عدّة تنسف كلّ مقّومات تلك المشاريع التي ينتظرها المجتمع الدولي بفارغ الصبر.
العالمُ بأسره، يدرك اليوم أنَّ الحلّ والربط، كلاًّ وليسَ جزءً بأيدي هذين اللاّعبَين الكبيرين في توجيه السياسة الدولية وتقرير مصير الشعوب. مثلاً، حديثًا بعد الاتفاق على وضع حدّ للنزاع السوريّ، الذي أغرق البلدَ بدوّامة دماءٍ نازفة من دون رحمة بفضل ما تقدّمه الدولتان من جديد الأسلحة الفتاكة ودعمٍ للأطراف التي تخدم مصالح كلّ من العملاقين، برزت شكوك بين الأخيرَين في مدى التزام أيّ من الطرفين ببنود الاتفاقات التي يتقاسم فيها الطرفان المسؤولية السياسية والأخلاقية، ومردُّها عدم الثقة الدائمة في مسارهما منذ الحرب الباردة ولغاية الساعة. وهذا ما دفع الطرف الروسي من جانبٍ واحد، لاستعراض تاريخ غريمه الأمريكي ووضعه في قفص الاتهام بنكله مثلاً، باتفاقات سابقة يعدّها الأول مهمة وخطيرة. وعلى ضوء هذا الخلاف، أقدَمَ هو الآخر، بل هدَّدَ بنسف اتفاق قديم سارٍ يلزم الطرفين بالتخلّص من كمياتٍ من البلوتونيوم الذي يدخل في مجال صناعة القنبلة النووية، وذلك كردّة فعل لأساليب التحايل التي تستخدمها الإدارة الأمريكية بدعمها أدواتِ الإرهاب المتمثلة ببعض تنظيمات ما يُسمّى بالمعارضة، وهي في الحقيقة ميليشيات تستخدمها أمريكا لتنفيذ خططها في المنطقة. فالجانبُ الروسيّ في استعراضه لشكوكه المراودة حيال عدم التزام الأمريكان بتنفيذ بنود هذا الاتفاق بكلّ حذافيره من خلال الإبقاء على شيءٍ احتياطيّ منه، يرى في هذا التحايل خرقًا للاتفاقية ولروح الانفراج الدولي وتهديدًا للسلم العالميّ. بالمقابل، فقد رفض الأمريكان مثل هذه الاتهامات ووجهوا خطاباتهم اللاّذعة والصاروخية كالعادة ضدّ غرمائهم الروس الذين بطبيعتهم، لن يقبلوا بالإذلال أمام سطوة الإدارة الأمريكية التي سعت وما تزال كي تكون أداة القطب الواحد تديرُ العالم كما تشاء بقبضة حديدية وبكلمة من اللّوبي الذي يُحرق الكون ويشعلُ النزاعات في كلّ مكان تحقيقًا لمصالحه القومية وما وراءَها. أي أنّ الشكوك هنا، ليست إيجابية، بقدر ما هي سلبية من حيث إنها لا تتعاطى مع معطيات مصالح البشرية، بقدر ما ترى أنها ترسم للقويّ مصلحة ضيقة وتتيح لهُ إدارة الملعب بحسب أهواء اللوبي الذي يمسك بمرساة السفينة الهائجة وسط المحيطات الساخنة.
على صعيدٍ آخر، ما يجري في القارة الأوربية من تنامي خطوط الريبة والشك بين أعضائها، يثير الاهتمام. فقد بدأت الشكوك بين الدول والشعوب التي تنتمي إليها تترامى وتتسع وتأخذ مديات لم تعتدْ عليها، لاسيّما بعد خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد، وموجات الهجرة الشرعية وغير الشرعية التي تفاقمت وشكلت كابوسًا للقارة المنهكة. وهذه بطبيعة الحال قد تكون نتيجة ما يحصل في العالم من سياسة الكيل بمكيالين بين الكبار، لصالح الأسياد حصرًا. والأسياد التقليديون هنا، هم البريطانيون والأمريكان، ذوو الأصول الإنكليزية حتمًا. فهُؤلاء يَعدّون ما سواهم، بيادق في لوحة الشطرنج، أو رعايا يقتادهم الراعي ذي العصا الغليظة حيث يشاء وكيفما يشاء، حتى لو كان من بين هؤلاء أسيادٌ من نوعٍ آخر ممّن يقودون القارة العجوز اليوم. فهذه الأخيرة، لم تقوى على الوقوف فوق رجليها بسهولة، بلْ لم يُسمح لها ذلك، عندما سعت لانتهاج سياسة مستقلّة خاصة بها حين تقريرِها تشكيلَ اتحادِها الخاص وبعملتها الموحدة كي تكون قوّة اقتصادية متينة منافسة لأمريكا. فالأخيرة لم تسمح لها تجاوز الحدود التي تخرج عن طاعة القطب الواحد. وبالنتيجة، اضطرّ رؤساؤُها وقادتُها للزحف زحفًا نحو البيت الأبيض لينالوا رضا العم سام واللوبي الذي يقوده، من دون سؤال أو استرحام.
وها هي أوربا اليوم، غارقة في موجات من الأزمات، اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وصناعيًا وتنمويًا، وتلفُّها تحديات جديدة أثقلت كاهلَ مواطنيها الذين نالهم ما نال المناطق الساخنة التي أحرقها الأسياد من إرهاب وعنف وبطالة وتمزيق للنسيج الاجتماعيّ. لقد سرت الشكوك بين مواطنيها أيضًا، حين فقدوا الأمنَ والأمان وحين بدأت مسيرة حياتهم وأسلوبُ عيشهم يكتنفها الغموض بسبب السياسة التي يتبعها قادة الاتحاد الذي بدأت أركانُه تتخلخل وتضعف. كما لم يخفي ساستُها وقادتُها ما ساورَ بلدانَهم واتحادَهم من حصة هذه الشكوك بسبب ما خلقته موجات الهجرة الشرعية والخفية وما صاحب ذلك من اتفاقات مريبة زاحفة مع دولٍ شريكة مثل تركيا التي فرضت صوتَها وإرادتَها رغمًا عن قوة الاتحاد وبالضدّ من إرادة شعوبه التي استسمجت الاتفاق المبرم مع هذه الدولة السائرة في تصدير أيديولوجيتها المتطرفة في المنطقة كما في صفوف دول الاتحاد على السواء. ومن الغريب أن قادة الاتحاد وساسَته لا يريدون أن يدركوا أو يقرّوا باليقين وليس بالشكوك، بالنوايا الخفية السلبية وراء إصرار تركيا على تنفيذ الاتفاق وفتح أبواب أوربا على مصاريعها لمواطنيها من غير سؤال أو تحديد، كي يكملوا غزوَ بلدانها ضمن هذه الصفقة المريبة التي تقف وراءَها دواعٍ سياسية في بعض دول الاتحاد المهمة ومكاسب انتخابية في صفوف أحزابه التي تحكمُ بلدانه، ومنها ألمانيا تحديدًا.
إنّ عودة الشكّ بين دول الاتحاد الأوربي، ما هي إلاّ تعزيز لأصوات الحيطة والحذر ومَن قرعوا أجراس الخطر في وجه سياسة الاتحاد الأوربي المتزعزعة التي تنفذ روزنامة البيت الأبيض وإدارتَه، كما يبدو. فمروجّو العلمانية حدّ النخاع الذين يرفضون حتى ذكرَ الله الخالق على ألسنتهم، والانتهازيون الذين قرروا الخروج والفسحة خارج قفص الاتحاد، والمتهالكون على فتح الحدود من دون رقابة ولا تمييز، والآخرون من أصحاب المواقف المتذبذبة والضبابية والسلبية في القرارات السياسية وغيرُهم من المنتفعين ممّا يجري، هؤلاء جميعًا قد أضفوا على سلوك قارتهم أكوامًا من الشكوك حول أصالة بلدان الاتحاد والنوايا الاقتحامية ضدَّ خصوصياتها وبهدف تغيير مسارات عيشِ شعوبها التقليدية وأسلوبِها الديمقراطيّ في الحياة. وهذا بحدّ ذاته، من أكبر التحديات التي تواجهها القارة العجوز اليوم أكثر من أي وقت. ولعلّ من أولويات هذه التحديات المرافقة لهذه السلوكيات، هو الهاجس الأمني الذي أيقظ العقول وحرّك الأفكار وخلطَ الأبعاد باتجاه ضرورة تحقيق قدرٍ وافٍ من التضامن بين دول الاتحاد وشعوبه من أجل إعادة الأمور إلى نصابها والحفاظ على نظافة القارة من الأتربة الغريبة والموجات الهجومية المتعمَّدة لأراضيها المصحوبة بأيديولوجيات غريبة عن أخلاقها وعن طبيعة عيشها بهدف تغيير ديمغرافيتها وشكلها وأصولها.
نضيف على ذلك مثالَنا الثالث، وهو ما تتصف به منطقتنا الشرق أوسطية والإسلامية تحديدًا، من التصاق سمة الشكّ في صفوف بلدانها، شعوبًا وسياسة ونوايا. فالمفهوم الطائفيّ لبعض الأطراف، المصاحب لأيديولوجيات يُراد فرضُها على الغير بأية وسيلة كانت، قد فتحت الأبواب مشرعة لتنامي بذرات من الشكك الغالب واليقين المبطن بين الدول الإقليمية بالمنطقة سلبًا أو إيجابًا، بحيث كاد الصراع المناطقيّ ينحصر في كونه طائفيًا بين ندّين تعمّق عداؤُهما، وراح كلّ طرف كأنّه يدعو لدينٍ آخر بمفهومٍ مختلف، طابعُه طائفيّ وعنصريّ ومغالٍ في الانتماء والتطبيق. وهذا بطبيعة الحال، حصل بسبب تنامي الشكوك بين أقطاب السياسة في البلدين المتصارعين مذهبيًا، وضمن المعسكر الذي شكّلَه كلّ منهما في المنطقة للتأييد للمذهب الذي ذهب إليه وراح يروّجُ له ويجنّد ما استطاع من قوى وبشر ومال. 
لذا، لا عجب أن نسمع مثلاً، أصواتًا تنادي علانية بمشاريعَ ل"تشييع" دول المنطقة وما يترتب على ذلك من فرض شعائر وتقاليد وممارسات مظهرية غريبة وانتماءات مرجعية، ردّاً على اتساع رقعة البلدان المؤيدة والداعمة لنهج التنظيمات والمجاميع السلفية المتشدّدة من أمثال القاعدة وداعش وشباب الصومال والنصرة وأمثالها، من التي تحكم قبضتَها على حكومات تؤكّد التزامها بالأحاديث والسنّة النبوية أكثر من تطبيقها للشرع القرآنيّ. وهذه الشكوك بين الأطراف جميعًا، قد جلبت الوبال على شعوب المنطقة بإثارة صراعات جانبية، ظاهرُها سياسيّ وجوهرُها طائفيّ ومذهبي ومرجعيّ لا يخلو من أيديولوجيا متطرفة في أحيانٍ كثيرة.
من المعلوم، أنَّ طابع الشكّ المخفيّ والكامن بين أصحاب المذهبين في المنطقة، قد أخذ مداه الواسع في نهاية حقبة السبعينيات من القرن الماضي، عندما تخلّت أمريكا عن أقدم حليفٍ أصيلٍ لها في المنطقة، ونقصد بها النظام الشاهنشاهي. وبتلك الخطوة، تكون قد أغرقت المنطقة في بحارٍ من الشكوك والنزاعات الدينية والصراعات المذهبية التي، ربّما لن تكون لها نهاية على المدى المتوسط. فقد أدت تلك الشكوك في النوايا بين القطبين المسلمين، إيران والسعودية وأتباع كلّ منهما معًا، إلى يقين باستحالة التعايش بين مذهبين مختلفين ومتباعدي