عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - لويس إقليمس

صفحات: [1]
1
دروسٌ في الحياة لا يفقهُها تجارُ الشعوب

لويس إقليمس

كثيرة هي التجارب والدروس التي تمرّ على البشر والشعوب. لكنَّ مَن يعطي نفسَه فرصةَ التعلم منها والاقتناع بها، سيأخذ المفيدَ فيها من أجل حياة أفضل له ولغيره. إلاّ أن المشاكل التي مرّت بها دول الشرق الاوسط، دعت إلى إعادة قراءة وتحليل الاحداث وفقًا للتداعيات والمتغيرات السياسية والاجتماعية الجديدة التي دفعت سكان هذه المنطقة الى الهجرة تاركين خلفهم ماضيًا وإرثًا حضاريًا زاهرًا، متوجهين نحو المجهول.
ما جرى ويجري هذه الأيام في عدد من دول المنطقة، ومنها بلدنا العراق، وما شهدناه من تزمّت وعنادٍ لدى عدد من قادة وزعماء هذه الدول المطالَبين بالتنحي عن السلطة والزحزحة عن الكراسي التي يعتبرونها ملكهم وملك ذويهم، تستحقُّ وقفةً جادّة. فلقد شاء هؤلاء "المتأبّدون"، أن ينصّبوا أنفسهم "سلاطين" مدى الحياة متسلطين على شعوبهم وخيرات بلدانهم، ولم يتقبلوا فكرة "تداول السلطة سلميًا"، التي من جملة منافعها، فسحُ المجال للغير كي يقدّم عطاءَه ويعرض ما عنده من كفاءة عملية ومزايا إدارية وخبرات في الحياة قد تختلف عمّا لدى هؤلاء الزعماء المتقادمين، الذين بسببهم توقفتْ عجلةُ الإبداع لديهم، وبطلتِ الحكمةُ المطلوبة والكفاءة في التفاعل مع الأحداث وفي تصريف شؤون البلاد.
 فالدلائلُ تشير، بأن معظم هؤلاء الزعماء، بدلاً من أن يقوموا ببناء الإنسان المنهار نفسيًا واجتماعياً وأيضًا تقوية المجتمع المتصدع، قاموا باستخدام كل ما لديهم من أحكام قاسية وقمعية في قيادة شعوبهم طيلة فترة تولّيهم السلطة، وكذا في استنزاف طاقات بلدانِهم بوسائل فساد مستنبطة والثراء على حساب شعوبهم المغلوبة. ولأجل هذا، فقدوا كل مصداقية في التعامل الإنساني مع شعوبهم، ما لأفقدَهُم شرعيّتَهم. إنَّ أهمَّ أسبابِ هذه الإشكالية، هو بسبب طبيعة البيئة الاجتماعية القبلية المتشددة وأيضًا الخلفية الدينية المتعصبة والمتمثلة بقِصَر نظر هؤلاء الزعماء حول الأحداث، ورفض الإقرار بضرورة الاستجابة لمطالبِ الشعب واحتياجاته المتناغمة مع تطور الحياة ورقيّها. ناهيك عن إصابتهم بالعمى بسبب حضور دائم "للأنا" التي استفحلت في سلوكياتهم وما يلحقها، من أشكال طمع وعجرفة وحب دنيا وسلطة. ومثل هذه السلوكيات تتحولُ أحيانًا داءً يُسمّى "جنونَ العظمة". وهذا في حقيقة الحال جزءٌ من تركيبة سادت اليوم، الكثيرَ من البلدان وليس العربية فحسب. فالقادة الطغاةُ و"الطارئون" على السياسة، كلّما تقدموا في السنّ، عوضَ أن تتعمّق لديهم الخبرة والكفاءة والعطاء والحكمة، تراهُم يتشبثون في حبِّ السلطة والتسلط ويوغلون في أنواع الفساد، والأنكى من هذا يصبحون "نرجسيين" لا يحبون ولا يؤمنون ولا يعتقدون إلاّ بشخصهم وبكفاءتهم وحكمتهم فقط. والنتيجة هي أنهم لمْ يتعوّدوا على ثقافة تداول السلطة وانتقالها السلمي لمن هو أكفأ وأنشط، وكأنّ كراسي حكمهم، سُجّلت بأسمائهم، والأكثر من هذا يجيزون لأنفسهم، رغمًا عن الكلّ، بتوريث السلطة لمنْ يأتي من بعدهم من العائلة والعشيرة والمدينة! فهذه قمّة الاستخفاف بالشعوب وبإمكاناتها وحقها في حرية اختيار شخص رشيدٍ وفقَ أساليبَ حضارية تتحكمُ فيها الديمقراطية الحقيقية وليسَ الصورية، وصناديق الاقتراع.

إنتفاضة مشروعة وثورة مدعومة

لقد انتفض المواطن العربي في عدد من دول المنطقة في ثورات، هي منْ حقِّه منذُ زمن، لأنه ببساطة إنسانٌ خُلق حرّا وسيّدًا على صورة الخالق ومثاله، ذكرًا أو أنثى. فالناسُ سواسية لدى الله، وليس من حقّ أي كائنٍ بشريٍّ الانتقاصُ من أخيه وجاره ورفيقِ عمره، ذلك لأنَّهُ مخلوقٌ وفقَ مشروع إلهيٍّ يتيحُ له الحقَّ في حياة حرةٍ كريمة، ينشدُ فيها الاستقرارَ والعدلَ والمساواة والرفاهية في إطار نظام عادلٍ في الحكم والحياة.
ولمّا كانت ثورةُ الشعوب على اللاعدالة والظلم والفساد وكلّ أصناف التعسف في الحكم والحياة، هي منْ حقِ الشعوب المبتلاة بهذا الصنف من القادة والرؤساء المتسلطين، فما على الحكماءِ منَ الشعب والحريصين على احترام القانون والناس إلاّ أن يؤازروا هذه الثورات ويساندوا القائمين بها، لأنهم أصحاب حق.
 
وأمامَ السيل الجارف من المطالب المشروعة للثائرين الوطنيّين، وقفَ الشرفاءُ من بني هذه الشرائح الحكيمة الثائرة وغيرهم من الساندين لها، من شعوبٍ وأصولٍ وطبقاتٍ وفئاتٍ، وقفةَ المؤيّد والساند لحقِّ هؤلاء البشر في العيش بكرامة وأمان في بلدانهم، كي لا يبقوا أو يتحولوا ضحايا لأنواع الاستغلال السياسي والمادي والطائفي والمذهبي. لقد كانَ لتأييدِ مجمل الانتفاضات التي حصلت في عددٍ من دول الشرق الأوسط صداهُ الواسع في فتح أعينِ الناس على حقيقةِ حقوقهِم المشروعة التي ظلّت مفقودة وأسيرةَ تقاليد بالية والتزامات شرعية غير عادلة وقوانين ردعية ووضعية غير مقبولة إنسانيًا ومجتمعيًا ودوليًا. فالظلمُ، لمْ ولا يمكن أن يدوم، طالما أنَّ هناك مَنْ يسعى لتحريرِ القيد المنغلق الذي أسرته به هذه القوانين وهذه التقاليد وغيرُها مِن أصولياتٍ لمْ تعُد تنفعُ مع التطور العلمي ونماء الفكر الإنساني والتنمية المستدامة التي تسعى إليها البشرية جمعاء.

وداعًا للستار الحديدي
كانت وقفةُ العالم مشرّفةً لاسمِ الإنسانية ولاسم الحقِ والعدالة، في تأكيدِ حقِّ الناس بالعيش بحرية وكرامة، أينما كانوا ومتى أرادوا ذلك، لأنهمْ ببساطة، صنيعةُ اللهِ الخالق منذ البدء. كما أن لهذه الشعوب المظلومة، قدمُ التساوي مع باقي شعوب الأرض بالحياة والرفاهية، وبكلِّ ما مِنْ شأنِه أنْ يسهّلَ حياتَهم بلا صعوبة. لقد اختبر العالمُ الغربيّ، وخصوصًا في أوربا مثل هذه الانتفاضات، ومنها كانت ثورات كبيرة استمدّت قوَّتَها منْ عزيمة الشعوب الحريصة على قيمة الإنسان وحقّه في المساواة على أرضه ووطنه، والاحتماء من شرور القريبين والبعيدين. فما حصلَ مِن انتفاضات في أوربا في حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، عندما نفضتْ شعوبُها غبارَ سنواتٍ عجافٍ مِن سطوةِ الشيوعية وأساليبِ قادةٍ طغاةٍ استخدموا كلَّ أساليب الترويع والترهيب ضدّ شعوبهم على مدى عقود طويلة. لذا، لَمْ يكنْ أمام تلك الشعوب في نهاية المطاف، وبعدَ أن بلغَ السيلُ الزبى، إلاّ أن يطردوها ويتمكّنوا منها، في أقرب فرصة أُتيحت لهم، ففعلوها بلا تردد، حين أسقطوا الستار الحديدي إلى الأبد. ما حصلَ وما زال يحصلُ اليوم، هو بالتأكيد، تشبّهٌ سليمٌ لما حصل لتلك الشعوب والبلدان التي سبقتنا في التجربة. بل هذا يؤشّر تطوّرًا صحيحًا في بناءِ العلاقات الإنسانية بالاستفادة من تجاربِ الغير. وهو أيضّا، استمرارٌ لما يمكن اعتباره صرخةَ حقٍّ بوجهِ الباطلِ وضدَّ أساليبِ القسوة والعنف غيرِ المبرّرين بينَ البشر. وهذا أمرٌ طبيعيٌّ. فالشعوبُ عندما تصل حدّا من الوعي المقبول، تتمثّل بتجارب الغير لتأخذ منها ما ينفعها ويساعدُ في بناءِ مستقبلها، وتلفظُ ما تراهُ غير مقبولٍ لديها.
لقد أعجبني تصريحُ فاكلاف هافل، الرئيس التشيكي السابق، وداعية حقوق الإنسان والمدافع عن الشعوب المغلوبة وعن الديمقراطية، حين تحدّث مرّةً إلى صحيفة "سي تي كي" الجيكية، بقولِه: "هناك حدودٌ دنيا لمعايير ثقافية عامة مشتركة بين كل الشعوب في ارتكانها إلى الأخلاق الأساسية وإلى الأسسِ في تطبيق السياسات العامة للحكومات. كما أنَّ ما يحصلُ اليوم في المنطقة العربية، لا يختلف عمّا شهدته بعض دول أوربا، ولاسيّما الشرقية منها حين كسرت "طوق الستار الحديدي" والتحقت بركب الديمقراطية الذي تخلّفت عنه".
إنّ الحديثَ عن "ستار حديدي" حطّمته شعوبُ أوربا بصحوتها الإنسانية مع ختام القرن المنصرم، وضَعَ بلدانَها وقادتَها على مسارٍ إنسانيٍّ صحيح. هكذا أيضًا بدأت تسعى إليه شعوبُ منطقتِنا التي اكتوت بنيران حروب أزلية وابتلت بمسؤولين لا تهمّهم مصالحُ شعوبهم ورفاهيتُها. فقد نسي هؤلاء، أو تناسوا، أنّ ما له بداية، لا بدّ أن تكونَ له نهايةٌ في الزمن والمكان. هي صرخةُ الحق، يطلقها روّادُ الإنسانية ومدافعو حقوق الإنسان في كل مكان وبلد ومجتمع. هي صرخةٌ مدويّة أيضّا تدعو إلى التخلص من كل ظلم وفساد وتسلط. فالشعوب أفاقت واستفاقتْ على صوتِ حقٍّ بلا حدود، وانتفضَ الناسُ على اختلاف طبقاتهم وفئاتهم ومكوّناتهم، ضدّ كلِّ مَن كانَ سببًا في أن تكونَ بلدانُهم متخلّفةً، ذلكَ لأنَّ الحكمَ الصحيح مبنيٌّ على الحكمة والتروي والشفافية والمصداقية. لهذا فالثورة "الحقيقية" هي التي تحققُ العدلَ وتفرضُ سلطةَ قانونٍ مدنيّ عادلٍ يسايرُ التطورَ البشري ويراعي شرعةَ وقوانين حقوق الإنسان ولا يحصرُها في زاوية تداعياتٍ شرعيةٍ ضعيفة الحجة.
 
تركة ثقيلة للحربين العالميتين
إذا كانتْ مقارعةُ الأنظمة الفاسدة في بلدان الشرق الأوسط، قد دعت إليها قيادات متنورة وحكيمة في المجتمعات، فهذهِ لا ينبغي وأدُها والتشويشُ عليها أو تحجميها أو تجاهلُها. بل هي تتطلب من كل الشرفاء دعمًا وتأييدًا وتأليبًا للرأي العام من أجل تنوير المنطقة ووضعِها في الإطار الصحيح للعلاقات الإنسانية مع شعوبٍ سبقتنا في هذه المحنة، هي الأخرى، كانت أيضًا ضحيةَ حروبٍ عالمية فتكتْ بالملايين من أبنائها في القرن الماضي. ومِن هذه الشعوب، علينا تعلّم الدروس لحياة أفضل. فقيمُ الديمقراطية الحقيقية، لابدّ أن ننتصرَ لها لتنتصرَ بنا، مهما كان الثمن. فالأوطانُ لا تُبنى إلاّ على تضحيات أبنائها وتصرّفهم الصحيح والناضج إزاء الأحداث، وبشيء لا يخلو من الرويّة والصبر والثبات والتواصل وديمومة النضال ضد التخلّف والعنف والظلم واللاعدالة والطائفية في مناطقِنا، وفي الحثِّ على بناء قيمٍ إنسانية صحيحة. إنَّ الأحداثَ التي عصفتْ بأوربا نهايةَ القرن الماضي وانتقلتْ عدواها، إلى المشرق، هي نتيجةُ تراكماتِ الحرب العالمية الثانية وما قبلها، وما خلّفتهُ هذه وتلك منْ تركةٍ ثقيلة. وما يزالُ العالمُ كلّه يعاني مِنْ تراكماتها وآثارها المدمّرتين حتى يومنا. ولا يُستبعدُ أن تقومَ أحداثٌ مصيريّة تشهدها المنطقة برمّتها، ومعها ربّما العالم كلّه، بسبب قراءتنا لأحداث وتطوّرات لاحقة بسبب ما يجري اليوم في المنطقة، وفي بلدنا بالذات، بعد التدخل السافر للقطب الواحد وأتباعِه دول الغرب في الشأن العراقيّ واستقدامِهم لأدوات التطرّف لتدمير إرث العراق وإنسانِه وتفتيت نسيجِه ونهب ثرواتِه بأساليب وطرقٍ شتّى. فالمخطَّطُ المرسومُ الذي طُبخ على نارٍ هادئة لسنواتٍ، يجري تنفيذُهُ هذه الأيام، غصبًا عنّا جميعًا، وتشتركُ فيه دولٌ وزعاماتٌ وسياسيون في الخارج والداخل، من حيثُ يدرون أو لا يدرون. فما كُتبَ وقُرّرَ، لا بدّ أن يتمّ.   
والسؤال هو، ما هي الخطوة القادمة وفي أي اتجاه نسيرُ وتسيرُ المنطقة؟ وهل ما يحصلُ آتٍ بنذير شؤمٍ أو بكارثة وراء هذه الأحداث كلّها، أمْ سيلجأ الجميع إلى العقل والحوار واستخلاص العبر والعودة إلى رشدِ الولاء للوطن، وليسَ لغيرِهِ؟

الحذر واجب

إذن، ما تشهدُه المنطقة اليوم، مِن أحداثِ عنفٍ، أدتْ إلى اختلال توازنٍ متوقعٍ من حيث خروج القطار عن سكته التي جاء من أجلها. وهنا ينبغي مراقبةُ الأمور والأحداث بعناية. فلا تخرجُ الانتفاضات والاعتراضات والمطالباتُ عن غاياتها المشروعة؛ بل ينبغي أنْ يسودَ القانونُ ويتمتعَ المواطنُ بحريته في العيش كما تحتمُه إنسانيتُه وفقَ أعرافٍ دولية وديمقراطية متمدّنة ينبغي أن يكفلَها دستورُ عادلٌ حرٌّ ومتحضّرٌ لا يقصي ولا يهمّشُ أحدًا.   
 لذا، فهذا الخوف مشروع، في إمكانية تسلّل عناصرَ تحملُ أفكارًا متطرفة ومتشدّدة أصولية متسيّدة على الساحة العربية عامة في هذه الأيام الصعبة، فتعملُ على فرض إرادتِها وقوانينِها وطرقِها وشرائعِها بأساليب ملتوية عديدة، على الجماهير المغلوبةِ على أمرها، التي قد تتراجع في غفلة منها، وفي ضوء التخويف الديني والترهيب الشرعي والإفتاء الجارف، لتسلبَ منها هذه الصحوة وتسرقَ ثورتها، فتضيعُ الجهود سدًى، وكما يقول المثل: "كأنك يا زيد ما غزيت". وهذا ما نخشاهُ في ضوء الأحداث المأساوية المتسارعة على الساحة الوطنية والإقليمية والدولية على السواء.

حصة العراق

لم يكن بلدُنا يومًا، خارجَ حساباتِ هذه الخارطة أو خارج هذه التراكمات. فقد تآكلَ عراقنا ومعه قيمُه المجتمعية والوطنية بفعلِ فاعلٍ، فضاعَ فيه الشعب بين فساد واستبداد الحكام السابقين واللاحقين ووسط نواياهم القومية والطائفية والذاتية والمذهبية وبين نوايا الغازي الجديد. لكنَّ عيبَ شعبنا أنه متقلّب المزاج، بشخصيتين مزدوجتين، على حسب الباحث الجليل الراحل، علي الوردي. فهو، سريعُ الغضب والحنين، كثيرُ الفوران والتسامح مجاملةً، في آنٍ واحد. وتلكم، معادلة غير سهلة العلاج، ما لمْ تسلم النوايا ويُزالُ عنه كشحُ الجهلِ وأصنافِ الممارسات المتخلّفة والعشائرية البالية التي لا تتوافق مع أهداف المشروع الوطني الحقيقي الذي ينبغي أن يسعى الجميع إلى بنائِه التنمويّ الصادق، بعد الذي حصل.
إنني أعتقدُ، أنه لا بدّ أنْ تشملَ صحوةُ الشعب في العراق أيضًا، شيئّا كثيرًا من الحكمة والرويّة والشجاعة في آنٍ معًا من جميع الأطراف، من أجل الحدّ من مثل هذه الممارسات غير الديمقراطية، وغيرها كثيرةٌ، من التي لا تقدّمُ المجتمعَ، بقدر ما تعملُ على تباطئه وتخلّفه عن الركب الحضاري الذي يستلزمُ تحقيقَ أفكارٍ جديدة متنورة تبني المجتمع والإنسان. كما تتطلبُ الحالة، البحثَ عن وسائلَ آنيّة، أكثرَ رصانةً وجدّية في التعامل مع هذه المطالبات المشروعة والبدء فورًا بتطبيقها بجدّ ومحاسبةِ الجهات المتلكئة والفاسدة وسارقةِ قوتِ الشعب.

وقفة إجلال لصوت الحق
خلاصةُ الكلام، نقولُ للشعوب المناضلة من أجل استعادة حقوقها في العيش الرغيد الكريم، أننا نكنّ لها كلَّ احترام وتقدير، وهي تستحقُ الثناءَ وتلقّي الدعم من كل حرٍّ شريف. فطريقُ النجاة من كلِّ ظلم وتعسُّف واضطهادٍ، ليسَ سهلاً، بل هي طريق محفوفة بالمخاطر، ولكنها سبيلٌ لابدّ منه من أجل تحقيق الذات ونيل الحريّة والديمقراطية الصحيحة وغير المغشوشة، التي يتظاهر بالمنّ بها، قادةٌ متاجرون بشعوبهم. إنَّ هؤلاء لا يفقهونَ معنى الحياة الإنسانية الحرة ولا سبل العيش تحت كنف الحرية الغريزية التي وُلد عليها جميعُ البشر. لذا، فإنّ تقاعسَهم واردٌ، في السعي للارتقاء بشعوبهم وأوطانهم على حساب المصالح الذاتية الضيقة. أمّا سبيلُ الديمقراطية الصحيح، فهو الضمانةُ الوحيدةُ لاستقرار البلدان وتطورِ شعوبِها وتنميتِها المستدامة بما يخدمُ الإنسان، وهو الغايةُ في هذا النضال. وعلى مَنْ يتشبثُ بسلطةٍ نالَها في غفلة من الزمن أو حتى بحقٍ مكفولٍ ظاهريًّا، عليه أن يتذكر، أنها "لو دامتْ لغيرِه، ما آلتْ إليه". فالذي صنعَ من هذا الشخص مسؤولاً أو حاكمًا أو زعيمًا أو رئيسَ دولة أو خليفةً، قادرٌ أنْ يخلقَ غيرَه أحسنَ وأفضلَ منه.
 وهكذا الحياةُ، تعطي دروسًا، كي يعتبرَ بها البشرُ ويتمعَّنوا في معانيها وينقلوا تجاربهم لغيرهم، لا أن يتعالوا على شعوبهم ويستخفوا بعقولهم ويستخدمونهم أدواتٍ مسخَّرة لمآربهم وحاجاتهم ونزواتهم. فتجّارُ الشعوبِ، لا ولنْ يتمكنوا من تعلّم دروس الحياة الكثيرة بهذه الأفكار الهدّامة.

لويس إقليمس
بغداد، في 28 شباط 2015



2
تحديات الهوية المسيحية:
 بين النشوة في الآشورية والنزعة إلى الكلدانية والعثرة في السريانية
لويس إقليمس
-الجزء الثاني-
خلافاتٌ تساهم في دوّامة مأساة الشعب المسيحيّ
في مأساة الشعب العراقي، المبتلى اليوم كغيرِه بالتنظيم التكفيري الداعشيّ، وبسبب بطء تقويم فساد الإدارة وعدم تخلّي الساسة عن مصالحِهم الفئوية الضيقة وطموحاتِهم الحزبية الخاصة، ونظرًا للنتائج السلبية للمحاصصة الطائفية المنبوذة، لم تخلو صفوفُ المكوّن المسيحيّ من جهاتٍ ادّعت الحرصَ والتفاني والتضحية والخدمة من أجلِه ولصالحِه. وكلَّ يومٍ، يخرجُ البعض من الكتاب أو أصحاب المداخلات الركيكة بتسريبات وتصريحات وكتابات، موقعة بأسماء معروفة أو مستعارة، تصبُّ بعضها في خانة التعصّب والانكفائية وغيرُها مجاملة على حساب الوطن الواحد من دون حسابٍ دقيقٍ لنتائج مثل هذه السلوكيات الناشزة. وهذه تتراوح بين النشوة والنزعة والعثرة في تحديد سقف الهوية المسيحية لهذه الجماعة او تلك، على حساب تثبيتِ حقوق أتباعِها وأصالتِهم وبقائِهم ضمن كنف الوطن الأمّ، متناسين وجودَ غيرهم من أتباع كنائس أخرى يتمّ التغافل عنها وتجاهلُها، إنْ عمدًا أو تغافلاً أو جهلاً. والغريب أنّ مَن يحشرُ نفسَه حتى العمق في مثل هذه السجالات العميقة والسقيمة أحيانًا، همْ في الأغلب من الإخوة الذين هجروا الوطن والأهل والقرية والأصدقاء إلى بلدان المجاهيل الواسعة. لكنَّ الحنين يقودُهم دومًا للوطن ولحكايات الأمس وحفلات القرية (الشيرا) ونواقيس الكنائس وما إليها من ذكريات تبكي لها القلوب وترتخي لها النفوس لأنها أصبحت من الماضي، ولن تعود! وعلى هؤلاء الإخوة، أن يتيقنوا أنَّ ترتيبات الحياة خارج أرض الوطن، ليست كالتي عاشها ويعيشُها الباقون في كنف أمّ حنون وراعٍ غيور وعينٍ ساهرة، بالرغم من تخبطات الساسة وضئالة حرصهم على الوطن والمواطن.
مرةً أخرى، ففي الشأن المسيحيّ، الدينيّ منه و"القوميّ" حصرًا، تتبنّى جهات حزبية "مسيحية" وأقلامٌ "قوميّة"، خطًّا مطّردًا للتذكير بالأمّة "الآشورية" والحضارة "الآشورية" الساقطة عن الزمن والمكان منذ آلاف السنين. وهذا النفر المعاند يصرُّ إلحاحًا ويلحُّ إصرارًا على انتماء جميع المسيحيين إلى الجذر الآشوريّ، بالرغم من إثبات الباحثين من انحدار عموم أبناء المنطقة من جميع أسلاف الحضارات البائدة، ومنها أيضًا انحدارُ بعضِهم من أصولٍ عربية ومن قبائل عريقة مثل تغلب وكندة وطيّ وما سواها، كما كان يرى مثلث الرحمة مار إغناطيوس زكا عيواص، بطريرك السريان الأرثوذكس في العراق والعالم، وغيرُه ممّن عاصروه وشاركوه ذات الرأي، وبعضٌ منهم مازالوا على قيد الحياة. وبالرغم، من عدم اتفاقي تمامًا من التعميم الذي كان صدرَ عن البطريرك زكّا عيواص وعن غيرِه بهذا الشأن، بسبب مغالطةٍ بشأن نَسَب جميع المسيحيين في العراق وسوريا ولبنان وما في جوارها إلى الأصل العربي في لحظةٍ طارئة، كما نشرته جريدة النهار اللبنانية في 12 حزيران 2005 عندما قال: "فنحن شعب عربي واحد، دمُ العروبة يجري في عروقنا، فلنوطّد الوحدة الوطنية في الوطن العربي كله، لنرفع راية العروبة عالياً". فمثل هذا التصريح وبهذا الجزم، لم يكن موفقًا واحتاج إلى تفنيد ومرا جعة بسبب ظرف الحدث الذي خرج فيه مثل هذا الكلام الخطير آنذاك. وكانت الفرصة أنْ استعاد البطريرك الراحل زكّا، ذاكرةَ التاريخ وتنبّه لتلك المغالطة في رأي لاحق في مؤتمر التراث السرياني التاسع، الذي أقيم في مكتبة الأسد بدمشق من 13-15نيسان 2004، برعاية الرهبنة المارونية اللبنانية، وبحضور نخبة من الباحثين والمهتمين بالتراث والثقافة السريانية، من مختلف أنحاء العالم، عندما همّ بالقول:"نحن السريان نفتخر بأننا أحفاد أولئك الذين وهبوا العالم الأبجدية وشقوا الطريق إلى الحضارات والعلوم". وبتأكيدِه أيضًا ضمن البيان الصادر بخصوص شؤون الناطقين بالسريانية في العراق في 1973: "إن الناطقين بالسريانية الآشوريين، من آثوريين وكلدان وسريان يمثلون القومية التي انحدرت من الآشوريين القدامى وذلك من نواحي الأصل واللغة والتاريخ والتراث الحضاري."
مثل هذين التصريحين الأخيرين الموفَّقين بعض الشيء والموضوعيّين من قائدٍ دينيّ وتاريخي وباحث مثابر لهُ وزنُه على الساحة الدينية والثقافية وفي محفل ثقافيّ وفكريّ، بالرغم من خلطِه المسمّيات إن تجميلاً أو مجاملةً، إلاّ أنّه كان كافيًا لتأكيد الهوية الحقيقية "السريانية" لجميع المسيحيين في المنطقة، وليسَ للآثوريين وحدهم الذين يدّعون الانتسابَ للآشورية هويةً حديثةً فحسب. فإلى جانب هذ الكيانات الثلاث، هناك غيرُهم ممّن يعتقدون بحقّهم أن يكونوا جزءًا من المنظومة المسيحية الوطنية ومن المكوّن المسيحي الوطنيّ، والتي لا يختلف عليها المثقفون الواعون والباحثون الثقات وأصحاب النظرة الرفيعة في قراءة التاريخ.
بالضدّ، هناك مِن الكتاب المسيحيين، مَن يتردّد ويتذبذب في تحديد هذه الهوية أو تلك، كما هو الحال مع واحدٍ من الكتاب الآثوريين المرموقين سليمان يوسف السوري، إذ يقول في إحدى مقالاتِه: "فقد توالت على السريان (الآشوريين)، منذ سقوط آخر كيانهم السياسي 612 ق.م في بلاد ما بين النهرين، حكومات و شعوب وجيوش عديدة لها لغاتها وثقافتها المختلفة، غزت بلاد السريان (الآشوريين) واستعمرتها لقرون طويلة، وهذا يفسر حالة التنوع الثقافي واللغوي والديني التي نجدها اليوم لدى (السريان)، حيث توجد مجموعات سريانية/كلدانية/آشورية، تتحدث العربية وأخرى تتحدث التركية ومجموعات تتحدث الفارسية وأخرى تتحدث الكردية، وهكذا بحسب توزعها الديمغرافي، مع احتفاظ أغلبية الآشوريين (سريان/كلدان) بلغتهم القومية الأم الواحدة وهي (السريانية)، كما هناك الكثير من السريان (الآشوريين) اعتنقوا الاسلام، إبان (الحكم الاسلامي) للمنطقة ذابوا وانصهروا كلياً في الشعوب والقوميات الإسلامية". مثل هذا الكلام غير الدقيق والقافز من مسمّى لآخر، سواءً بعفوية أو بعدم إلمام أو بعدم تركيز، لا يساهمُ في تحديد الرؤية ومعرفة حقائق التاريخ والجغرافيا.
فيما آخرون من أترابِه، يوغلون في نسب أصل جميع المسيحيين إلى الآشورية، وهم يقصدون أتباع الكنيسة المشرقية القديمة أي المعروفين بالآثوريين حصرًا، ويحاولون فرضَها على غيرِهم وإيهامِ محدّثيهِم من الغرب وأبناء بلدان الاغتراب بخاصّة، بأنّ كلَّ شأنٍ مسيحيٍّ قائمٍ حاليًا، يعودُ في أصلِه إلى الآشورية وإلى الآشوريين القدامى، وهم مَن يتولون تمثيلَها اليوم. ففي أية مناسبة، هُؤلاء يبرزون ويثيرون أمام المحافل الدولية ما يُسمّى بالقضية الآشورية، مختزلين الهوية المسيحية والوجود المسيحي بلفظة الآشورية التي يريددون فرضَها هويةً قومية على غيرِهم من أتباع المسيحية. ومثلُ هذا الكلامٌ المثير للجدلٍ لا يستقيمٍ مع حرية الرأي والتعبير والفحص والتدقيق. فهناك مَن لا يشكّلُ فرعًا أو جزءًا من هذا التعميم غير الدقيق. فكلُّ طرفٍ يميل بطبعِه، في استشهادِه بحقائق وأدلّة تثبت رأيَه وتوجّهَهُ وأجندتَه.
وعودة سريعة لمراجعة ما أوردَه العديد من جهابذة السريان بشأن اللغة والتسمية، يمكن تصفّحُ ما أوردَه عبديشوع الصوباوي مثلاً، في مقدّمة مؤلّفه المشهور "فردوس عدن"، بشأن ذكر اللغة السريانية. ومثلُه ما جاءَ في قاموس المطران توما أودو الذي يشير في عنوانِه إلى اللغة السريانية هو الآخر، وكذلك كتاب إقليمس يوسف داود في كتابه " اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية "، وآخرون يشيرون إلى ذات التسمية في توصيف لغة مسيحيي الشرق، وليسَ اللغة ألآشورية أو الكلدانية التي يحاول البعض لصقَها من غير استنادٍ إلى أصول انتساب الشعوب تاريخيًا وحضاريًا إلى لغة النطق والحديث والكتابة والشعر. وإنّه لَمِنَ النتيجة المقنعة أن يتسمّى الشعب المسيحي المشرقيّ "سريانًا" أيضًا. حتى المحدَّثون منّا، لولا النعرة الطائفية والتعصّب العقائديّ، لاختاروا الهوية "السريانية" وما في معناها "سورايي" مقترَحًا وسطيًا، تلافيًا لدوام الانقسام في الكلمة وفقدان سرّ الخطاب الموحّد في المطالب والعيش والمواطنية.
لا نريد أن تصل الحالة إلى طريق مسدود من فقدان الأمل والرجاء، كي لا نتجاوز عتبةَ فقدان الإيمان أيضًا، بسبب سجالات عقيمة ونقاشات غير مجدية، ماتزالُ جارية ومثارة بين الفينة والفينة، في مَن هو الأحقّ أو الأصل أو الأصحّ ؟؟؟ فبفقدان كلّ هذه، حينئذٍ لا الهوية القومية تنجع، ولا التسمية الفلانية تشفع، ولا الترنيمة الحزبية لهذه الجهة تنفع. فهذه جميعًا، لن تكون بعدُ في مأمن، ولا المسيحية سيبقى لها من أصولٍ وحضورٍ مشرقيّ تُطربُ وتطوّر وتخمِّر. فالملحُ ماضٍ للفساد بفعل التقادم وفقدان الغيرة والّلهاث وراء فتات الأسياد. كما أنَّ الخميرة ستفقدُ مفعولَها وتأثيرَها، هذا إنْ لمْ تكن قد فقدته هي الأخرى فعلاً، بسبب تراكم الأخطاء وتناحر تيارات التبعية والولاء الفارغة لهذه أو تلك من الجهات القاهرة.
كما أنّ تسليم الأمر للغير المقتدر، كواقع حالٍ مفروضٍ، بدل البحث عن مخرَج وطنيّ أمينٍ مستقلّ لحالة الضعف والفوضى والاختلاف في التصوّر والرؤية والحكمة في التصرّف، سينقلبُ وباءً على الجميع، كما هي حالُنا اليوم. لذا، لا خيارَ لدينا سوى بوحدة الصفّ واتفاق الرأي حول أولوية "الهوية المسيحية" في الفترة القائمة من أجل فرض المطالب أمام الحكومة المركزية كما فعلَ غيرُنا ونالوا مبتغاهُم.

ألنشوة في الآشورية والنزعة إلى الكلدانية من المعوّقات
كلُّ الشعوب لها ماضٍ وحاضر وسيكون لها مستقبل، قد يختلف عن الحاضر والماضي بالتأكيد. فقهرُ الزمن ومتاعبُه وأسرارُه، لا أحدَ يعلمها غيبًا ولا نبوءةً. فما من شعبٍ صافٍ خالصٍ في أصلِه وفي جذورِه ورواسبِه، لأنّ دائرة الزمن لا تترك حجرًا على حجر، ولا بيتًا على بيتٍ، ولا حضارةً على حضارة ولا ثقافةً على ثقافة من دون تغيير وتفعيلٍ وتحويلٍ. 
أليوم، المنتشون من دعاة الآشورية، لو ركنوا إلى العقل والحكمة والرويّة، ومعهم متعصّبو الكلدانية بسبب السجالات المتواصلة فيما بينهم، وخاصة في هذه الأوقات الحرجة من تاريخ شعبٍ مسيحي مهدَّدٍ بكاملِ هويتِه ووجودِهِ في أكثر مناطق العراق كثافةً وتواجدًا كنسيًا، وأخصّ في هذا مدينة الموصل وسهلِها المثخَن بالأوجاع، لأيقنوا أنَّ بذور الحقد بين الطرفين والمشاحنات القائمة على قدمٍ وساق ٍعبر وسائل التواصل الاجتماعيّ والردود المحمومة على المواقع الالكترونية، لمْ تعدْ تُؤكِلُ خبزًا أمام التيار الجارف الذي يستهدف اليومَ مصيرَ وحياة بني شعبِهم والهوية "القومية" التي يتعصّبون لها، ومعها الدينية معًا. فأين الحرصُ في كلّ هذا وذاك؟ وأينَ الثقافة في هذا وذاك؟ وأينَ المحبة المسيحية في تخوين الآخر والانتقاص من وجودِه ومحاولة محوِه وطمس كيانِهِ بدون وجه حق؟ وهل نحن في وضعٍ يعينُنا على تحمّل أعباء وأثقالٍ ومتاعب إضافية لما نحنُ عليه اليوم؟ فالطرفان يتجادلان من دون إيلاء اهتمام لكيانٍ كنسيّ شرقيّ ثالث له وجودُه، وأعني به "السريان"، الذين يشاركونهم طقوسًا سريانية مشتركة في الكثير منها، ولغةً واحدة بلهجة غربية هي اللغة السريانية. أليسَ في هذه المفردة من التغييب القسريّ والتغافل المتعمَّد انتقاصًا من الآخر المتشارك في الدّين والطقوس والمصير والظروف؟
إنّ بعض هذه الدعوات المتعصّبة المفتقرة إلى الكياسة وضبط النفس وإلى الحقيقة التاريخية والوضعية في الكثير منها، تأتي في أغلبِها من القابعين في ديار العمّ سام وبلدان المجاهل المتعددة، كما أوردنا. فهؤلاء لا شغلَ شاغلٍ لهم، سوى التغنّي بماضي الأمس وتذكر سهرات القرى وصلوات الكنائس ومجرسات النواقيس الأثرية الجميلة، هذا إن كانت بقيت صامدة إلى اليوم، والمقاهي القديمة وروّادها وما كان يعتمرُها من قيلٍ وقالٍ ونوادر، ومعها زيارات الأهل وتجمّعاتهم في مناسبة ودون مناسبة. وهذا حقٌّ للجميع أن يستذكرَ ويتذكّر ويجدّ في الحنين إلى ماضيه الذي، للأسف، لن يعود ولن يتكرّرَ لغيرِه. لكنَّ الأهمّ في هذا وذاك، تضافرُ الجهود لخلق كيانٍ مسيحيٍّ قويّ مستقلّ الرأي والفكر، ناضج وقادرٍ وجديرٍ بالتحدّي للمصاعب الوجودية التي تهدّد بقاءَه وديمومتَه واستمرارَ تمسّك مَن آثرَ البقاء في أرض الوطن وعدمَ تركِ أرضِه وتراثِه وكنيستِه وبني جلدتِه! هذا هو التحدّي الأكبر وليسَ الإملاء من فوق أبراجٍ عاجية والتنظير في القومية التي لم تعد بضاعة رائجة!!!
ونحن نرى أنْ لا باس بالإقرار بانحدار نفرٍ من المسيحيين في العراق وجزءٍ من المنطقة من جذورٍ آشورية أو غيرها "قوميًا"، دون أن تعني اللفظة ما يريد أتباعُ كنيسة المشرق الآثورية نسبَها وإلصاقَها بهم حصرًا كمكوّن قوميّ حصريّ وفرضَها على غيرِهم، من الكلدان والسريان على وجه التحديد لا الحصر، بعد يقظتِهم السياسية المبكرة قبلَ غيرِهم للأسباب التي نعرفُها. فالشرفُ للجميع أن تكون جذورُنا عريقة وعميقة في قدم التاريخ في السومرية والأكدية والبابلية والكلدانية (الكلدية) والآشورية والآرامية والسريانية وما في اصطفافِها. فمَن لا جذورَ له، لا حضارةَ له، ومِن ثمَّ لا تاريخًا ولا عمقًا فكريًا له، شريطةَ ألاّ يشطحَ أصحابُ هذا الرأي نحو مزالق التعصّب والتخوين ورفض الرأي المقابل وخيارَه المحترَم، أيًا كان. 
فمن منّا مثلاً، يرفض اليوم في ظلّ هذه الظروف القاهرة، إقامة إقليمٍ أو محافظة باسم إقليم أو محافظة آشور برعاية دولية وحرصٍ وطنيٍّ صادق، ترتبط بالحكومة المركزية. فمثل هذا التشكيل، لو تحقّق على أساسٍ جغرافيّ، وليسَ دينيّ فحسب، لجمعَ أبناءَ سهل نينوى المغتصَب حاليًا، والمتنازَع عليه بين حكومتي المركز والإقليم طمعًا بطيبِة ساكني أهلِه وكفاءة أبنائِهم وحرصهم وولائِهم للوطن والحكّام العادلين دون سواهم. مِن هنا، يكون الحرصُ على وحدة الوطن وإكمال سيادتِه ليحتضن الجميع دون تمييز وخارجَ مزالق المحاصصة الطائفية. وهذا يتطلبُ من أبناء المكوّن المسيحي بالتالي، رصَّ الصفوف وجمعَ خطاب المختلفين حول شكل وتسمية كيانهم الموحد واتخاذ الأقرب فيها، حضارةً وتاريخًا وهويةً، بحيث تجمعُ الجميعَ من دون تحسّس واستئثار واستصغار.   
         وإنّي أرى من وجهة نظري أيضًا، أنّ الهوية "السريانية"، التي عُرف بها مسيحيو الشرق دوليًا كتسمية شاملة، هي الأخرى، الأقرب من هذه أو تلك، من حيث وجود عنصرين هامين: أولُهما انتساب المسيحيين إلى اللغة "السريانية" التي تقرّ وتقبل بها جميعُ الأطراف المعنية لغةً لمسيحيّي كنيسة المشرق ودويلات المنطقة لفترات طويلة نسبيًا. والثاني لكون تسمية "السريان" جاءت بالترافق مع تحوّل الشعوب الآرامية الوثنية القديمة إلى المسيحية، واقتران الهوية المسيحية مذ ذاك ب"السريان" ومنها اشتقاق "سورايي" الذي تعارفنا عليه حين الدلالة على ديانتنا ولغتنا معًا لغاية الساعة. إضافةً إلى عناصر أخرى حديثة، ومنها سياسية وتنظيمية وتاريخية، أصبحت مألوفة بسبب ورودها في مؤلفات جهابذة العلم وتداولِها في أروقة دول الخلافة الإسلامية المتعاقبة بعد قدوم الدّين الجديد واشتهار السريان فيها بجهودِهم المتميّزة في الدواوين والمؤسسات، بسبب علومهم وتراجمهم ومؤلفاتِهم ونقلِهم إياها من كتبِ شعوبٍ أخرى في سائر مجالات الحياة آنذاك دون استثناء! فكلّ الإشارات التاريخية مذ ذاك تورد اسمَ السريان وجهود السريان والمترجمين السريان والأطباء السريان وما إلى ذلك في شؤون الدّين والدولة.
لذا، فالتخبّط في طرح الحقائق والتسميات، اقلُّ ما يمكن القول فيه، أنّه ضعيف السنَد في شأن "الهوية القومية" خارجًا عن التسمية السريانية المألوفة لغةً، والتي بسببها وبسبب السجالات بشأنها، قد أضعفت من فاعلية "الهوية المسيحية" طيلة السنوات المنصرمة، وزادت من مأساة المسيحيين في المنطقة بسبب عدم إجماعِهم على كلمة واحدة وخطابٍ واحد. ففي الوقت الذي يتحدّث فيه كثيرون مثلاً، بكون "السريانية" لغةَ مسيحييّ الشرق، يغالطُ آخرون بكون الآشورية أو الكلدانية تسمية قومية لهذا الشعب، في سجالٍ محمومٍ بين الغريمين القوميّين، مستبعدَين الطرف الثالث من المعادلة، أي السريان الذين لا علاقةَ لطقوسِهم الكنسية السريانية بهذه التسمية والتي بسببها يحصل التحسُّس الذي لا مبرّرَ له البتّة لدى البعض. 
نحن نعلم، أنَّ الشعوبَ تُسمّى نسبةً إلى اللغة التي تتحدّثُ وتكتبُ بها شعوبُها، كما أوردنا في فقرة سابقة. وهذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان. فلماذا التحسّس من لفظة السريان ووضع العثرات أمام تسمية المسيحيين بالسريان مثلاً، طالما أنّ الجميع يعتدّ ويعترف باللغة ذاتِها التي مازال البعض يتحدثون ويمارسون طقوسَهم بها، شرقيةً اللهجة كانت أم غربية؟ وإنّي لأُعجبُ بسعة النشوة التي تعتمرُ اليومَ قلوبَ ونفوسَ الآثوريين حينَ المناداة بالتسمية الآشورية مثلاً، فيما الكلدان مصرّون من جانبهم إلى النزعة للكلدانية التي لا أساسَ لها لغةً وهويةً في التاريخ بحسب الثقات، إنما وردت التسمية من باب التمييز عن شقّهم الأول من الكنيسة النسطورية الأولى مذ زمن التحوّل إلى الكثلكة.
وفي هذا الشقّ، من حقّ أتباع كنائس السريان أن يطرحوا مثل هذا السؤال أيضًا. وهنا تُسعفني الذاكرة، لتعود بي إلى سنة 2005، حينما قصد وفدٌ من المجلس القومي الكلداني- الاشوري- السرياني، الذي كان بعدُ فاعلاً آنذاك لكونِه الممثل الشرعيّ للطوائف المسيحية الثلاث باتفاق أتباع كنائسِه، وكنتُ أنا ضمنَه، للسلام على المطران الكلدانيّ سرهد جمّو، مثير الجدل. فقد شُدهنا جميعًا برفضِه سماعَ أيّة إشارة إلى ما أسماه حرفيًا: "س ر ي ا ن"، وأنّه لا يوافق بغير الكلدانية تسميةً قومية لمسيحيي العراق، وقد يقبل مرغمًا بالتسمية المركبة المطروحة آنذاك "كلدو- آثور". هذا الكلام، إن تذكرَّهُ زملائي السابقون، إنْ دلَّ على شيء، إنّما يدلُّ على روح المكابرة وإلغاء الآخر والاستصغار من جماعات لهم علماؤُهم وجهابذتُهم ومثقفوهم المساهمون في مسيرة كنيسة العراق والشرق، حالُهم حالُ غيرهم من أتباع الكنيستين المشرقيتين "النسطوريتين" أصلاً، قبل انشقاق الكنيسة الكلدانية وانتمائِها إلى الكثلكة على عهد بطريركها يوحنا سولاقا في 1553، كما يعلم الجميع.
يمكن أن نخلص إلى القول، باستمرار بقاء الإشكاليّة في "الهوية القومية" للمسيحيين بسبب هواجس وتداعيات سابقة بين المختلفين على طبيعتِها، إلى ما شاء القدر، ولن تكون لها حلولٌ سحرية، في ظلّ شذوذ نفرٍ من المغالطين وإثارتهم المتواصلة لخلافات ساذجة وناشئة عن جهلٍ بالتاريخ والجغرافية، وإيغالاً من بعضِهم في العناد أيّا هو الأصل والأجدر بحمل تسمية الجماعة. والأجدر أن يحتفظ كلٌ بشكلِه القائم وصوتِه وصورتِه أمامَ الكاميرا، خفيةً كانت أم ظاهرة، لحينِ ترتيب البيت الوطنيّ العراقيّ، وعودة المستلَب من المناطق إلى الوطن الأمّ برعاية حكومة المركز عندما تعودُ هذه إلى رشدِها وقوّتِها واحتضانِها لجميع مواطنيها ومعاملتِهم بالتساوي في الحقوق والواجبات دون تمييز. وهذا لن يكون له موضعٌ إلاّ عندما ينكرُ الساسة ذواتِهم، ومنهم مروّجو القومية ضيّقو الأفق ومدّعو السياسة من المكوّن المسيحي أيضًا، من الذين لم يتفقوا ولن يتفقوا بسبب تضارب المصالح والانتماء والتبعية والولاء. وفي هذه المفردة، لا تخلي الأحزاب المسيحية ولا رعاة الكنائس أيضًا، مسؤوليتَها عمّا يحصل. هؤلاء جميعًا، تقع على عواتقهم مسؤولية مصير شعبٍ بأكملِه وتاريخه وتراثِه ووجودِه عبر الزمن. فعندما يصلحُ الوطن ويتعافى فقط، لن يعود المسيحيون أيضًا بحاجة إلى المتلازمة المتعصّبة.

لا لفرض الآراء
إنّ أصول اللعبة لا تكون بهذه الطريقة، أي بفرض رأيٍ وإسقاطِه على الغير المعترض. أليسَ من حقّ أهالي بلدات سهل نينوى، وجلُّهم من السريان والكلدان، الاعتراض مثلاً على نوع الدعوات الاستفزازية، بأسلوب استيطانٍ سكنيّ "آثوريّ" حديث بعد أحداث 2003، في مثل هذه المناطق التي لم يكن لأتباع كنيسة المشرق فيها موطئ قدم كنسيّ مهمّ، إلاّ ما ندر. فمواطن الإخوة الآثوريين (من أتباع كنائس مشرقية قديمة) هي الجبال، وهناكَ ينبغي لهم المطالبة بحكمٍ ذاتيّ وبدولةٍ تاريخية ذات سيادة، وليسَ في مواطن سكن غيرِهم. فبحجة الدفاع عن السهل وأهلِه، تهافتوا مع غيرِهم إلى قراهُ وبلداتِه من أجل فرضِ واقعٍ جديد من حيث يدري أو لا يدري المنتفعون والانتهازيون من أبناء السهل الذين فتحوا أبوابَهم بعفوية تامة ومحبة للجميع وبحسن نية، فيما الغرض الأبعد كان تنفيذَ أجندات غريبة لتغيير واقع القرى والقصبات المتسمة بسمات تاريخية وطقسية معروفة بثقافتِها العربية حصرًا لقرونٍ عديدة.
لقد ابتلي الشعبُ المسيحيّ في سلوك حياتِه، سواءً بسبب النظام السياسيّ القائم الضاحك على ذقوننا وذقون رؤساء طوائفِنا الذين لم يعد لهم لا حولَ ولا قوّة بعد فقدان أهمِّ سرَّ قوتِهم في شعبهم المهجَّر، التائه داخليًا أو اللّاجئ في أرض الله الواسعة، أو بسبب أحزابِه الهزيلة، وفي معظمِها تابعة خانعة لا استقلاليةَ لديها ولا تلبّي تطلّعاتِه.  أنا لستُ آشوريًا، رغم تحمّلي اتهامات بذلك. ولن أقبل أن أُسمّى آشوريًا في ظلّ المفهوم الذي تحملُه هذه التسمية المفروضة حاليًا، من أجندة قومية متعصّبة يريد نفرٌ من السياسيين الآثوريين من أتباع كنيسة المشرق فرضَها بأيّ ثمن. لستُ أنكر تاريخية الحضارة الآشورية التي يمكن أن تصلح في الانتماء لكلّ عراقيّ، ليس للمسيحي فحسب، بل لغيرهم أيضًا. فالعراق كان ومازال وطنَ جميع هؤلاء بدون منّة من أحد. فهل يقبل الكلدان فرض مثل هذه التسمية على كنيستهم وكيانِهم؟ لا أعتقد ذلك. وإذا قبل بها نفرٌ من الانتفاعيين والانتهازيين، فلأجل مزاوجة مصالحهم الآنية، لكنها ستنقلبُ وبالًا على الأجيال القادمة. فلتحتفظ كلُّ جماعة بتسميتها ولا هم يحزنون.
كما لم يعد مقبولاً استغلال المنابر الدولية للترويج للآشورية وحدها، فحسب، كما حصل في الدعوة الأخيرة لأعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي لوزير الخارجية جون كيري بدعم جهود الحكومة العراقية لإنشاء محافظة في سهل نينوى تضم الآشوريين والأقليات المسيحية الأخرى التي تقطن المنطقة، بحسب ما ورد في التصريح للمشروع المذكور. مثل هذا التصريح، غيرُ مقبولٍ وفيه انتقاصٌ من مسميات مسيحية أصيلة أخرى، "آرامية – سريانية" كانت أو غيرُها. فليسَ مقبولاً اختزال المسيحيين بالآشوريين وبالتسمية الآشورية، لمصلحة طرفٍ دون غيرِه في غفلة من الزمن غير الناضج، كما حصلَ ذلك مثلاً في الدستور العراقي الأعرج.
أجدادنا ظلوا محافظين على تسميتهم بالآراميين. وهنالك نصوص سريانية من القرن الثالث عشر تثبت حفاظهم على اسمِهم الآرامي هذا، بحسب البعض من الباحثين! كما أبقى الكثيرون على ترادف التسميتين "السريانية والآرامية" معًا حتى قرون ميلادية متأخرة. من هنا، لا أجد مبرّرًا من الإخوة الكلدان أو الآثوريين من كنيسة المشرق بالتهرب من هويتهم الآرامية -السريانية! فالادّعاء بالحرص والعمل والحفاظ على هوية الأجداد العظام دون غيرِهم، ليسَ في محلِّه، كما لم يعدْ مقبولاً. فالتاريخُ هو الشاهد المقبول على صحة الادّعاء.
بين هذه وتلك، تبقى الهوية المسيحية، هي الأقرب للتفاعل مع الحدث والأكثر قبولاً في هذا الظرف الحرج، بغض النظر عن التسميات "القومية " المثارة وغير المتفق عليها، والنابعة من اختلاف في الطقوس والمعتقد لهذه الطائفة أو تلك. فالدّينُ يجمع، فيما المذاهب والتسميات تفرّق، لا بل تدمّر.


لويس إقليمس
بغداد، في 12 شباط 2015


3
تحديات الهوية المسيحية:
 بين النشوة في الآشورية والنزعة إلى الكلدانية والعثرة في السريانية
لويس إقليمس
-الجزءالأول-
بدءًا، لا أجد حرجًا في كتابات العديد من الكتّاب والمثقفين وأصحاب المداخلات والتعليقات التي تتصدّر مواقع التواصل الاجتماعي على تنوّعها، بالرغم من خروج بعضها عن سلوك أخلاقيات الكتابة والردود غير المستساغة أحيانًا. فحرّية التعبير والرأي مقدّسة، طالما ارتضى الواحدُ منّا بمبدأ التفاعل مع الكتابة وإبداء الرأي وعرض ما لديه في جعبتِه.
 أنا بطبعي، حريصٌ على متابعة ما يستجدّ على الساحة السياسية الوطنية من كتابات وتعليقات، وما يخصّ الهوية المسيحية و"القومية" فيها بالذات، كما يطيبُ لجهاتٍ التشبّث بدور هذه الأخيرة، بالرغم من الخلافات القائمة حولَها والتي لا يخفي فيها دعاتُها فرض الإرادة والرأي في أغلب الأحيان، ولاسيّما في المحافل والمؤتمرات. وأجزم القول، أنَّ مجملَ التعليقات والمداخلات لا تعنيني كثيرًا، لأنّها في أغلبِها سطحية، بل رغوة طافية لا تستندُ إلى عمق فكريّ واتّزان في إبداء الرأي وفي النقاش المتحضّر. فهذه تعبّر عن آراء حامليها، وليس بالضرورة عاكسة لآراء وأفكار الجهات التي ينتمون إليها.
لذا، أرتئي ألاّ أدخل في تعرجاتها الخطرة التي قد ينزلقُ إليها أصحابُ المبادئ، إنْ تيهًا أو إسفافًا. كما أدعو ألاّ ينجرّ إليها الكاتب الرصين، صاحبُ الفكر البنّاء الذي يبحث عن الحلّ وليسَ تأجيجَ المشكلة، لخروج بعضها عن إطارِ أدب الكتابة والرصانة في النقل والرأي. وهنا يكون عدم التعليق والمداخلة على ما يُطرح، فيه حكمةٌ وروية، إلاّ من خلال المشاركة في إطار مقالات ومواضيع دسمة وجادّة وهادفة تستوفي شروط البحث والدراسة، والتي أجدُها أكثر رصانة وثقلاً من حيث الكتابة الأدبية وفنونِها وتعمّقها في معالجة الحدث والمشكلة، وما أكثرَهذه عندنا. فما عندي من خزين فكريّ متنوّع وطروحات وآراء في مواقف ومجالات متنوعة، أراهُ يلبّي ما أريد تقديمَه للقرّاء عندما أدلو بدلوي في شؤون الساعة، وطنيًا ومسيحيًا وكنسيًا واجتماعيًا وسياسيًا وما يُسمّى "قوميًا" أيضًا، بالرغم من إيماني الضعيف بفاعليّة العنصر الأخير وتعرّضه للقرصنة والاستغلال من قبل طارئين على شأنِه وعلى شؤون السياسة بالسواء! كما أنّي أحترم الرأي الآخر، متفقًا معي أو مختلفًا، طالما أنّ الهدف والغاية يكمنان في إيجاد لغة تفاهم مشتركة وخلق حوار إيجابيّ يخدمان مصلحة الوطن والمواطن أولاً، والشأن المسيحيّ بخاصّة، فيما يخصّ هذا المكوّن الهشّ المقبل على عتبة الانقراض بسبب تناقصِه وتشرذمِه وعدم تماسكِه وتعصّب نفرٍ من روّادِه واضطراد ترك أبنائِه وطنَ الآباء والأجداد تحت أية ذريعة كانت.

شيءٌ من التاريخ
بحسب معلوماتي البسيطة التي استقيتُها من كتب التاريخ، تكون الدولة الآشورية قد سقطت في العام 612 ق. م. على أيدي قبائل بابلية وميدية، بتدميرنينوى،عاصمتِها القوية، تلك المدينة الآشورية العظيمة التي بنت حضارة ماتزالُ آثارُها ماثلةً لغاية الساعة، والتي ينوي داعش تدميرَها مثلَ غيرِها من الرموز الحضارية والدينية في المدينة وما حواليها. وبذا، كان ختامُ تلك الإمبراطورية العظيمة التي حكمت المنطقة إلى جانب مثيلتِها وحليفتِها المصرية، واللتين كانتا تتنازعان سيادة العالم آنذاك. هنا ينتهي عهدُ الآشوريين كسلالة حاكمة في الكتب التاريخية، بفعل الانتشار الكبير لأقوامٍ آرامية (أجداد السريان) من المنطقة واستقرارِهم في بلاد آشور، بحسب ما تصفه وثائق وألواح طينية تصف شيئًا من العلاقات القائمة آنذاك بين الآراميين والآشوريين في السنوات الاخيرة من حكم الملك تغلاتفلاسرالاول (1115-1076). ومن هنا جاء دورُ الآراميين من بعدهم وتأثيرُهم في مسرى الأحداث بعد أن أصبحوا يشكلون الغالبية من السكان في الدولة الاشورية لأسبابٍ عديدة، منها المجاميع الكبيرة التي كان يستقدمُها ملوكُ الآشوريين في غزواتِهم ضدَّ دويلات الآراميين في المناطق المجاورة في عمليات سبي وأسر، حيث لمْ يكن بوسع قادة تلك الدويلات أن يشكلوا دولة عظمى، بل ظلّتْ تشكيلات صغيرة أومقاطعات متناثرة تدور في فلك بلاد آشور، كما يوردُه ألبير أبونا في مقالةٍ  له (الآراميون والآرامية) المنشورة في مجـلة صـدى النهريــن – في العدد التاسع/ حزيران 2009. كما طغت لغتُهم أي"الآرامية"، لتصبح لغة العامة والدولة معًا، ما يعني ترسيخَهم لثقافة وحضارة اختصّوا بها في أوساط الدولة الآشورية المتهالكة آنذاك.
 هذا شأن الحضارات والشعوب. حضاراتٌ سادت ثمّ بادت، لتليها أخرى أكثر قوّة ومنَعَة وشكيمة في الحكم والسياسة وتدبير الحياة اليومية. ولكنّ هذا لا يعني البتة، زوال شعوب تلك السلالات والحضارات. فهذه تندمج مع غيرها من الشعوب الجديدة القادمة وتنصهرُ فيها. وهذا ما يُجمعُ عليه الباحثون والدارسون والعقلاء، أن لا وجود لعرقٍ بشريٍّ صافٍ وخالصٍ من دون مصاهرة وتزاوج وامتزاج مع الغير، بسبب الغزوات الكثيرة التي ضربت المنطقة عبر التاريخ البشري وما تلاها من سبيٍ وتهجيرٍ وخطف وقتلٍ ومصاهرةٍ، وكذلك بسبب ضرورات الحياة ومقتضياتِها بعد التطوّر المستمرّ والنموّ السكّاني الحاصل عبر الزمن. ومَن يقول بغير ذلك، فهو مغالِطٌ بوجه الحقيقة، إنسانيًا وعلميًا واجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًّا.
هذه المقدّمة، ليس المقصود بها التقليل من شأن عظمة دولة آشور، أو ردعُ رغبةِ بعض الأدعياء من التماهي والتفاخر بتلك العظمة والانتساب إليها حصرًا دون غيرِهم. فالتاريخ مزيجٌ متكاملٌ ومتواصلٌ من الحياة والاختلاط والامتزاج والمصاهرة والتزاوج بسبب الحروب والهجرات المتكرّرة والكوارث والتنقل وما سواها كما أوردنا، والتي اشتدّت مع تطوّر الزمان والاحتكام إلى المكان. من هنا، لا يمكن أن يكون الشعبُ الآشوري المعروف عبر التاريخ الذي سقطت مملكتُه العظيمة قد انتهى وانقرضَ تمامًا، كما يتصوّرُ البعض، وإلاّ لما كنّا نشهدُ سجالات وجدالات ونقاشات من أيِّ نوعٍ كانت بعد هذه القرون الطويلة على زوال تلك الإمبراطورية. وبالمفترَض، مثل غيرِه من الشعوب التي شاختْ وضعفتْ وتقهقرتْ لأسبابِها الداخلية، تراجعت شعوب آشور وامتزجت مع غيرها من الشعوب وخرجت بحللٍ كثيرة وشعوبٍ متعددة مختلطة مع تطوّر الزمن. وبما لا يقبلُ الشكّ، هناك بقايا للشعب الآشوريّ قد اندمجوا مع غيرِهم من الشعوب الغازية لمناطقِهم أو تلك المجاورة لهم بالنسبة لمَن اضطرَّ لترك الديار، تمامًا كما يحصل اليوم لشعوبٍ مماثلة، ومنها شعبنا المسيحي الذي ضاقَ به الوطن على وسعِه واضطرّ لطلب الأمان في بلدان الاغتراب والمجاهيل. 
هكذا أيضًا، كان مصير الشعب الآشوريّ الذي سقطت ممالكُه الواحدة تلك الأخرى بفعل قيام حضارات أقوى منه. والحالُ هذه، يكون من حقّ جميع البشر الذين ينتمون إلى هذه البقعة من الأرض ويعيشون عليها، أن ينسبوا أنفسَهم إلى حضارة آشور أو غيرِها، وأن يتفاخروا بأسلافهم الجبابرة، كلّ على هواه وعلى وسع مدارِكه ورغباتِه. ومن ثمَّ لا يمكن لهذه الحقيقة، أو بالأحرى لبقايا هذه الحقيقة، أن تكونَ حكرًا على جماعةٍ دون غيرِها. فلماذا كلُّ هذه المكابرة وهذا العناد وهذا الموقف غير المتزن في ادّعاء بعض "الآثوريين" (من أتباع كنيسة المشرق بشقّيها) بكونِهم ورثة تلك الحضارات منسّبين أصلَهم إليها حصرًا، وفارضين هذا المفهوم على غيرِهم من إخوتِهم المسيحيين الآخرين المختلفين في بعض تفاصيل العقيدة اللاهوتية والرئاسة الكنسية؟ فهذه التسمية التي ألصقوها بهم ذاتيًا، أو بالأحرى، التي أقحموا بها أنفسَهم في غفلةٍ من الزمن، حديثة العهد من حيث المطالبة بها سياسيًا، ليست حكرًا على أتباع الكنيسة المشرقية القديمة بحدّ ذاتِها، بدليل أنّ الكلدان المنشقّين عنها رافضون لهذا الفعل المقحم. ثمّ ماذا سيزيد الهوية القومية أو حتى المسيحية من حقوقٍ وامتيازات إذا قلّ وجودُهم وتناقصوا وانحسروا وتشتتوا في أصقاعِ الأرض الواسعة؟ أليسَ للمواطن الذي ينتمي إلى بلاد وادي الرافدين وما بين النهرين من غير المسيحيين "الآثوريين"، حقٌ أن يدّعيَ هو الآخر نَسَبَه وانتماءَه إلى هذه أو تلك من الأقوام والحضارات وسلالات الأبطال الشجعان من القادة والملوك والحكّام والجنود والبشر؟ هذا إذا أدركنا، أنْ ليس في التفاخر بالسلف الأول من عظام القوم أيُّ تحسّسٍ من الانتساب إلى تلك الحضارات الراقية والقوية، إن حصلَ ذلك من دون عنادٍ وتكابر وتحامل وتجافي واستصغار للغير الذي لا يقتنع بالحجج والأماني والتمنيات! فلكلٍّ رأيُه وحرّيتُه في التعبير والإيمان والقناعة. وفي الحقيقة، إنَّ التاريخ لا يعود إلى الوراء، كما لا تنفعُ بطولات السلف ولا أصلُ الشعوب وفصلُها مهما كان، إزاء واقع اليوم وحركة الدهر السريعة المتغيّرة كالتسونامي. وهنا يكفي تذكر قول الشاعر زين الدين عمرالورد:
لاتقل: أصلي وفصلي أبداً       إنما أصلُ الفتى ما قد حصل
بالمقابل، فللكلدان أيضًا "صولةٌ وصورةٌ"إزاء غرمائِهم من "الآثوريين" وغيرِهم، في مسألة الانتماء لحضارة الكلدانيين الغابرة. وكلا العنصران في الصورة والصولة، يقتضيان شيئًا من الفطنة والتروّي والتقدير للأمور أحيانًا  كثيرة. فالطرفان يتربصُّ أحدُهما بالآخر، لكلّ شاردة وواردة، ويتقارعان أيٌّ أحقُّ وأقدمُ بهذه التسمية أو تلك. بل إنّ كلَّ طرفٍ، أصبح يتحسّسُ من أيّة كلمة تخرج عن هذا أو ذاك، بالرغم من الحالة المأساوية التي وصلَ إليها الشعب المسيحيّ عامةً في عقرِ دارهم، في نينوى المسلوبة والمظلومة والجريحة عبر التاريخ.
 هناك من الباحثين والدارسين والمؤرخين والمتتبعين لمسيرة الشعوب والحضارات، ما يعتقدون أنّ الكلدان أو الكلديين، ينتسبون إلى شعوبٍ ترقى إلى الآراميّين أيضًا. وبالتالي فهم شعوبٌ سريانية لاحقة أيضًا، بعد اعتناق الآراميين للمسيحية من أجل تمييزهم عمّن بقي منهم على عبادة الأوثان والأصنام ومن أمثالِهم من "الكلديّين" ممّن اشتهروا بالتنجيم والعرافة والسحر على السواء، بالرغم من وجود اعتراضات في هذا المسند البحثيّ من البعض. كما أنّه، لا توجد علاقة بين مَن ينسبون اليوم أنفسَهم للكلدان مع تسمية الدولة الكلدانية التي أسسها زعيم قبيلة "كلدة" أو "كلدو" الآرامية "نابو بلاصر" وابنه "نبوخذ نصر"، أو بينها وبين تسمية أور الكلدانيين التي وردت في العهد القديم، ومنها خرج أبو الأنبياء إبراهيم، حيث يشيرُ العهدُ القديم إلى أصلِهم بتسمية "كسديم" أو "كشديم"، التي تحولت إلى "كلدو" بفعل تغيّر لغة الشعوب والتاريخ، كما نقرأ في كتيّبات التاريخ. واللفظتان تعنيان الرجال الأشداء أو الجبابرة أو المُنتصِرين. فيما نُوّهَ إليهم في بلاد اليونان وما جوارَها بالكلديّين أو الكلدان، وبالسريان أحيانًا أيضًا. وشاء البابا يوليوس الثالث إلحاق هذه التسمية التاريخية بالطائفة المتحولة من النسطورية (كنيسة المشرق القديمة) إلى الكثلكة في عهد البطريرك الجديد المنتخَب آنذاك، شمعون الثامن يوحنان سولاقا، بطريركًا على الكلدان في تموز 1553، لتفرقتهم عن أتباع كنيسة المشرق "النسطورية" التي انفصلوا عنها في حينِها.
 أنا هنا، لستُ بصدد البحث عن تاريخ هؤلاء أو أولئك. فالنقاشات التي تُثارُ بين فترة وأخرى في هذا الصدد بهدف فرض آراء طرفٍ على آخر بغية الاستئثار بمنافع دنيوية ومادية أو مناصب هنا او هناك على الحساب العددّي لهذه الجماعة أو تلك في النظام السياسيّ المتهرّئ في البلاد أصلاً، لن تُجدي نفعًا.   ويكفي أن أشير إلى رأي المطران صليبا شمعون، المتمعّن في التاريخ القديم الذي يرى أنّ أصلَ الكلدان من نفس منبع الآراميين، حيث يقول في كتابه "الممالك الآرامية ص 136": "أمّا كونُ قبيلة كلدو هي آرامية، فأمرٌ يكاد يُجمع عليه الباحثون، لاسيما التوراة التي تشير إلى آراميتها".وهذا ما أرمي إليه في محاجتي. وهذا ما يؤكّدُه أيضًا شيخ المؤرخين الآراميين، "ألبير أبونا" بكون أصل الجماعات المسيحية الشرقية من الشعوب الآرامية، والتي تسمّت فيما بعد بالسريان بعد تنصّر الكثير من شعوبهم بحسب البعض، ومنها اتخذوا طقوسًا من ذات اللغة ولكن بلهجاتٍ مختلفة، شرقية وغربية وبخطوط عديدة أيضًا، فيما المنبع واحد!!!
من هنا تكون الآرامية منتشرة حتى على العهد الآشوري. فالنصف الغربي من الإمبراطورية الاشورية، كان في الأصل آراميا. كما أنّ المراسلات الرسمية بين إمبراطوريات ذلك العصر كانت بالآرامية أيضًا. ومنها أنّ أركانَ الدولة الكلدانية القديمة كانوا يتحدثون الآرامية القديمة آنذاك. ومنهم أيضًا المسبيّون اليهود على عهد نبوخذ نصر. هؤلاء حينما عادوا إلى أورشليم بعد السبي، كانوا يتكلمون اللغة الآرامية وليس سواها. وهذه اللغة ارتبطت لاحقًا، باللغة السريانية نسبة للتسمية الجديدة للآراميين المتحوّلين إلى المسيحية لتمييزهم عن أصلهم الوثنيّ. والتسمية الأخيرة ماتزال ماثلة ومتداولة في أوساط المثقفين والباحثين والمستشرقين، حين الإشارة إليها بتسمية لغة آرامية أو سريانية. حتى على عهد النظام السابق في العراق، لم يصدر قانون الاعتراف بالناطقين باللغة "السريانية" عبثًا. لذا، أرى أن الزوغان عن هذه التسمية وعدم النزوع إليها أو القبول بها من قبل الفريقين، أي بتسمية بقايا الشعب المسيحي ب"السريان"، نسبةً إلى اللغة المتداولة، ليسَ مقبولاً ولا منطقيًا. ومن ثمّ فإنَّ تحسّس البعض من اتخاذِها تسمية قومية من أجل تسهيل الأمور والحدّ من النزاعات والجدالات والمشاحنات، ليس فيه ولا قيراطٌ واحد من الحكمة والروية والاستعداد للقبول بها حلاًّ وسطًا بسبب سهولة مقبوليتِها واعتمادِها عالميًا، انتسابًا لتسمية اللغة التي نعتمدُها. فالشعوب تُسمى نسبةً للغة التي تتحدّث بها.
فإذا كنّا فعلاً جسدًا واحدًا وشعبًا واحدًا وحضارةً واحدة، كما يصرّح به الكثيرون،  فلابدّ أن نكون برأيٍ واحد قبل أن نخسر هذه وتلك. وهذا لن يكون إلاّ بالتخلّي عن دعوات "الأشوَرة" و"الكلدنة" القائمة منذ السقوط الدراماتيكي في 2003 ولغاية الساعة، حتى بعد احتلالِ مناطقنا التاريخية في سهل نينوى من قبل الدواعش وأتباعِهم ومواليهم في المنطقة.

جدالات حامية لا تخلو من تعصّب
في ضوء تسارع الأحداث غير المبشرة بخير وإزاء المستقبل الغامض الذي يكتنف وجود بقايا الجماعة المسيحية بأصالتِها التي يعبّر عنها اليومَ ساسةُ البلاد وقادتُها في كلّ مناسبة، ولا يتورعون الإفصاحَ بها أمام مَن يهمُّهم أمرُها مِن رؤسائِها في الداخل ومحبيها والمشفقين عليها في الخارج، كان لابدّ من وقفة جريئة لتبيان الأولويات إزاء ما يجري. فالسجالات الداخلية القائمة بين الأطراف المسيحية النشطة المختلفة، سواءً في الكتابات أو في مواقع التواصل الاجتماعي في الشأن الكنسيّ والقوميّ هذه الأيام، لا تخدم مصلحة هذا المكوّن وإدامة حياتِه وتثبيت هويتِه واستمرار وجودِه، طالما بقي التشرذم قائمًا وناصيةُ التحكّم بالمصير بيد الغير الغريب الذي يتحرّك ويوجّه وفق مصالِحه القومية على الأرض، ولا يهمّه مستقبلُهم ولا بقاؤُهم على المدى البعيد، إلاّ في الدعاية والإعلام من أجل كسب المزيد من التأييد والأموال والحشد لصالحِه.
 هذه هي الفرصة القائمة لإثبات التسامي فوق المصالح الذاتية والطائفية الضيّقة وإثبات الاستقلالية في الرأي وفي المطالب وفق ميزان المواطنة الذي يقرّه الدستور. والأخير خيرُ شافعٍ للجميع، إن عُقد العزمُ وشاءت الإرادات واتفق المختلفون على وحدة المطالب وتوحيد الخطاب للوقوف بوجه مَن يعرقلُ ويحجب ويعترض في أسفل دهاليز السياسة. فالأولوية اليوم بالنسبة للمسيحيين كأقلّية مهدَّدة بالانقراض، هي من دون شكّ "للهوية المسيحية" التي تصارع من أجل البقاء في أرض الأنبياء والرسل والقديسين والديارات والكنائس، قبل التشبث بأية مصلحة أخرى، ومنها مسألة التسميات القومية التي طفت مؤخرًا ثانيةً على الأرض، مع انطلاقة مبادرة الكنيسة الكلدانية بتأسيس الرابطة الكلدانية تحت ضغط أتباع الكنيسة والظروف الحرجة، الداخلية منها والإدارية والتنظيمية التي تمرُّ بها اليوم من دون حسد!
وهذه فرصة لتذكير رئيس كنيسة العراق، بشخص البطريرك الكلداني لويس ساكو، الذي بيدِه تحريك ملف تشكيل "مجلس سياسيّ مسيحيّ" يتولى الدفاع والمطالبة بحقوق أبناء هذا المكوّن وتثبيت وجودِه الوطني أولاً، كمكوّن أصيل فعلاً وتطبيقًا، ووضع سكّة المواطنة للجميع على الطريق الصحيح، حيث لن يصحّ إلاّ الصحيح إذا عقدنا العزم لوضع حدٍّ للسجالات والإخفاقات المتكررة والجهود الضائعة سدىً بين الأحزاب المسيحية المتهالكة والجهات المتصارعة بسبب التسمية منذ السقوط في 2003. فرعاية الكنيسة ستبقى الضامن الأول للوجود المسيحي في البلاد، كما أثبتت ذلك في الأزمة الأخيرة المستفحلة، باستنهاضِها للهمم وتسخير قدراتِها لتقديم العون السخيّ لجميع النازحين والمحتاجين العراقيين دون تمييز. فالكنيسة وحدها، هي التي جمعت أبناءَها وما سواهُهم من العراقيين، من كلّ الطوائف والملل تحت كنفِها تمامًا كما تجمع الدجاجة فراخَها تحت جناحيها. هي كانت وماتزالُ الأمَّ الحنون للجميع. والحقلُ الواسعُ كفيلٌ بمشاهدة هذه التجربة.
من هنا، نأمل أن تجمع الرابطة الكلدانية المرتقبة كلمةَ أبناء هذه الجماعة كي تصبَّ هي الأخرى ضمن تطلّعات كنيسة العراق لتشكيل "المجلس السياسيّ" المنتظَر، الجامع جميعَ المسيحيّين بطوائفهم المتعددة، وبغضّ النظر عن الاختلاف في الرؤى في الشأن القوميّ الذي سيظلُّ قائمًا بوجود جهاتٍ انكفائية متعصّبة لا تقبل بحقّ الغير في اختيار ما يراهُ موائمًا لهوية ملّتِه وكنيستِه وتاريخِه وتراثِه. فالمسيحية في العراق والمنطقة، لا يمكن اختزالُها حصرًا، بالكنائس الكلدانية والآثورية والسريانية، وإهمال ما سواها من القائم على الأرض من ابناء الكنائس الأخرى.

هشاشة في الفكر والرؤية

بسبب ما يجري محليًا ووطنيًا وإقليميًا ودوليًا، تطلعُ علينا بين فترة وأخرى وفي هذه الأيام بالذات، أفكارٌ جديدة "قديمة"، يستحدثُها شخوصُها ويستعرضُها كتّابُها تحت مسميات عديدة، فاتحين النارَ في جزئياتٍ منها على مَن يُعدّون خصومًا تقليديّين في مسيرة هذه الأحداث. على أرض الواقع، وبعد فترة من احتلال المناطق المسيحية في سهل نينوى، التي كانت وديعةً بعهدة سلطة الإقليم، نشطَ مؤخرًا نفرٌ ممّن كانوا سببًا في إعاقة استقلالية هذه المناطق بسبب تبعيتِهم لأحزاب متنفذة في الإقليم من دون وجه حقّ. وكأنّي بهؤلاء، يسعون مجدَّدًا لاستباق حجوزاتِهم لاحتلال مواقع في جنّة المحافظة الجديدة التي شاع الحديث عنها في سهل نينوى والتي استولتْ على عقول وكيانات وأفكار هذه الشخوص الحالمة، تمامًا مثل سياسيّينا سواء في المركز أو في الإقليم. فبعد انخراط نفرٍ من أبناء هذا المكوّن إلى جانب مكوّنات أخرى، في معسكرات للتدريب تهدف لطرد الدواعش والتخليص من شرورِهم، شرع ممثلو أحزاب مسيحية هزيلة معروفة الولاء والتبعية لأحزاب كردستان في أغلبِها ومعها أطراف أخرى ذات تبعية معروفة، بالتهافت والجري السريع نحو هذه المعسكرات بشيْ من النشوة والمكابرة وبشكلٍ يوهمُ به هؤلاء التابعون مجتمعاتِهم بضلوعِهم ومسؤوليتِهم ومساهمتهم وإشرافِهم على تشكيل مثل هذه القوّة التي ستحققُ لهم إنجازَ مشروع هذه المحافظة الموعودة. فيما الوقائع أثبتت أنّ نفرًا منهم يتحمّلُ جزءًا من مسؤولية ضياعِها أصلاً وتسليمها للقوى الظلامية بين ليلةٍ وضحاها، بسبب الاستمرار في الوهم بقدرة سلطة الإقليم على حمايتِها والدفاع عنها بالدم، حسب رواية رؤساء كنائس هذه المناطق بموجب وعود تلقّوها حصرًا وتوكيدًا. فكلُّنا نعلم، أنَّ تسليم مناطق السهل، تمامًا مثل الموصل وغيرها من البلدات والقرى التابعة لها، قد تمّ بالاشتراك مع أدوات رسمية حكومية وعسكرية من المركز والإقليم ضمن صفقة سياسية.
في الواقع، في بعضِ التصريحات والتسريبات الصادرة من جهاتٍ مختلفة، نشمُّ طيبَ أملٍ وغيثَ رجاء من الواعين في الفكر والتحليل ومن الصادقين في معالجة ما حصل من تهجيرٍ قسريٍّ بسبب تخلّي الإقليم عن المناطق التي كانت تحت سيطرتهم منذ السقوط في 2003. وهؤلاء قليلون مقارنةً بحشود منتفعة من المشكلة. إلاّ أنَّ جهودَ هؤلاء الحريصين على البيت العراقي أولاً والشأن المسيحي ثانيًا، تعكسُ الروحَ الإيجابية المتفائلة عند مروّجيها. ونحن ندعمُها ونشجّعُ أمثالَها ونشدُّ من أزرِها، بعكس أخرى غيرِها محبطة ومثبّطة للعزائم بسبب الريح الصفراء التي بداخلِها، لأنها تنفثُ سمومًا قاتلة لا أملَ منها وفيها ولها وبها البتة. هذه النماذج الأخيرة المنتفعة والتابعة في سلوكِها اليومي للغير والمعطِّلة لإثبات الذات، كانوا وسيبقون خدّاماً خانعين وتابعين أذلاّء للغريب القادم من خارج بلداتِهم التاريخية ومجتمعاتِهم الكنسية، لأنّهم ببساطة يفتقرون إلى الرؤية السديدة وبعد النظر، والأكثر من هذا وذاك، إلى الاستقلالية في الرأي وفي القرار بسبب محدودية ثقافتهم التي لا تعدو كونها رغوة طافية على سطح بركانٍ متفجّرٍ في أيّ وقت.  وفي هذه الأخيرة، يبدو أنّ أمثالَ هذه الطبقة الفضفاضة الطافية، لم يتعلّموا الدروس والعبر من الماضي، البعيد والقريب والقائم الحاليّ على السواء، بالرغم من المصائب والشدائد والتجارب السلبية القاسية التي مرَّ بها أقرباؤُهم وأهلُهم وعائلاتُهم عبر الزمن والمكان، آنفًا واليوم.
من حقّ الإنسان الحريص في نينوى بالذات، أن يتساءل اليوم عن سبب هذا التهافت الجديد من ذات الأدوات التي أثبتت إخفاقَها وعدم أمانتِها، بعد كلّ المستجدّات، منذ احتلال مناطق واسعة فيها وطرد السكان الآمنين من بلداتهم وخسران أملاكهم ومساكنهم وأراضيهم، وجلُّهم من أبناء الأقليات المستضعفة التي لا قوات مدربة لها ولا ميليشيات. أينَ كان هؤلاء مِن أمر تدريب أبناء مناطقهم ومكوّناتِهم المهمّشة طيلة الفترة المنصرمة منذ اشتداد وطأة الأحداث عليهم؟ ولماذا وقفوا مع المعترضين والرافضين لتشكيل قواتٍ محلية مدرَّبة تدريبًا وطنيا ضمن الجهد الدفاعيّ الوطنيّ كي تساهم في الدفاع عنها وقتَ الشدّة؟ ألا تعكس اعتراضاتُهم بالأمس على تشكيل مثل تلك القوات آنذاكَ ومنذ المطالبة بها في عام 2007، قصرَ نظر القائمين على مصالح تلك المناطق وهم يقدّمون الولاء الواجب للغير؟ واليوم، بعد السماح بتشكيل هذه القوات، أليسَ من المخجل أن ترتبطَ هذه المناطق ثانية بما كانت تُسمّى ب"الحراسات" وراعيها "المجلس الشعبيّ القطاريّ"، التي يشرف عليها أحد الأحزاب الكردستانية، وهو المتّهم ببيعها والتخلّي عنها بعد الانسحاب المخجل منها عقب أوامر مستلمة من قوى الشرّ في أمريكا؟؟؟
 إنه لَمِن المعيب أن يعود المنتفعون وذاتُ الأدوات السابقة المنفذة للأجندة الكردية إلى ذات الحالة بحلّة جديدة ويستعيدوا ذات الدور المقرف. كما ليسَ من المقبول من الرئاسات الدينية لجميع المكوّنات، ولاسيّما المسيحية منها، وهي الأكثر فاعلية وحركة، أن تسمحَ بمثل هذه الترتيبات بحجة التبعية المالية الخاصة للحراسات القديمة المرتبطة بهيئة شؤون المسيحيين، لميزانية الإقليم خارجَ سيطرة الحكومة المركزية، وغدقِ الأولى للأموال على هذه الأدوات وتحرّكاتِها وأنشطتِها خارج الإطار الوطنيّ لحكومة المركز
. والآن نحن نعتقد، أنّه بعد خضوع هذه القوة الجديدة لموافقة الحكومة الاتحادية وربطِها بجهود الحشد الوطني، ما يعني اعتمادها ضمن قوات الدفاع الوطنية، لم يعدْ بعدُ من مبرّر أن ترتبط كما في سابق عهدِها بما يُسمّى ب"المجلس الشعبيّ" التابع للديمقراطيّ الكردستانيّ لحمًا وشحمًا، فيما يخصّ مناطق المسيحيين. فقد آن الأوان لسلك طريق أكثر أمنًا وضمانًا بالتمسك بالثوابت الوطنية بدل الامساك بجلباب الإقليم الذي فُقدت به الثقة ولم يعد ضامنًا وكفيلاً لمصالح الأقليات عمومًا، بعد المذلّة التي اختبروها على أياديه وأيادي أدواتِه من أمثال أتباع "المجلس الشعبي القطاريّ" الذي أوهمَ الناسَ بالحرص الكاذب بقدومِه كالذئب بلباس الحملان! ومثلُه تقف مجموعة الأحزاب المنفّذة لأجندتِه المشكوك في حرصِها على الشأن المسيحيّ. حتى "زوعا" وهي أكثر الأحزاب المسيحية استقلالية لمْ تستطع إظهارَ حسن النوايا وتفسيرَ ما حصل والخروج من عموم الحدث ببراءة!
في اعتقادي، لو تنبه العراقيون جيدًا، للحال الذي وصلوا إليه بعد احداث 2003، لأيقنوا أنّ كلَّ شرٍّ أصابهم، كان بفعل قوى الشرّ المتمثلة بسيدة القطب الواحد أميركا،صاحبة الذراع الأكبر بتصفية الشعوب المستضعفة، ولاسيّما الصغيرة منها، وإذلالها خدمةً لمصالحها القومية الأنانية. فلا شيءَ اليوم، يتحرّك أو يسير، يرتفع أو ينزل من دون علمِها والاستئذان منها. واستنادُنا في ذلك، ما شهده العراقيون من تفرقة وتشظية وانقسامات، ليس بين شركاء الوطن الواحد فحسب، بل في داخل الكيانات والمذاهب والأعراق، بسبب سرطان الطائفية والمذهبية الذي زرعته هذه القوة العظمى الغاشمة بلا حياء ولا أخلاقية في التعامل مع أبناء الوطن الواحد بتنوّعهم الخلاّق، إلاّ بما يخدمُ مصالحَها القومية وعملاءَها وأدواتِها في المنطقة. لقد كان الأجدر بالأدوات المسيحية المنتفعة التابعة والمنفذة لأجندة الإقليم بسبب ضيق أفقها في الرؤية والفكر في المناطق المنتزعة المحتلة حاليًا، أن تتآزرَ مع أصحاب النيات الحسنة الوطنية الصادقة والمثقفين وأصحاب الخبرة والرؤية البعيدة، من أجل إيقاف المدّ التقسيميّ للبلاد، الذي لم نحصد من ورائِه غيرَ الخذلان والمآسي والويلات، وليسَ الاصطفاف في طابور التأييد الأعمى لأجندة الإقليم. وهذه هي النتيجة، بعد السماح بدوس أرض العراق من قبل عصابات التنظيمات التكفيرية الداعشية التي زرعتها قوى الاستكبار العالمي بالتشارك مع زعماء وسياسيين في الداخل، تمامًا كما زرعت بذور الفتنة عبرَ تنظيمات طالبان والقاعدة وبوكو حرام، وما سبقها ويليها في مناطق أخرى من أجل بسط نفوذها بوسائل التقسيم الفاعلة.
إن المسؤولية التاريخية تحتّمُ تحكيم الضمير والاسترشاد برؤية بعيدة النظر تضع الميزان الوطني قبل أية مصلحة أخرى. فالوطن هو الباقي، وما سواه زَبَدٌ طافٍ وفرقعاتٌ خاوية، سرعان ما تتلاشى حينما يتحكمُ العقل بأصول اللعبة ويعود كفّ الميزان لصالح الوطن الواحد الذي لا يقبل القسمة، مهما حاول ضعافُ النفوس النيلَ من قدراتِه وتثبيط عزم أبنائِه عبر ولاءات مدفوعة الثمن، مشكوكٍ فيها وغير محمودة. فهذه تصبُّ دومًا في خانة الغريب الطامع وأجنداتِه التخريبية محدودة الرؤية.

- يتبع -

4
حوار الأديان جسرٌ أمينٌ للعيش المشترك
-الحزء الثاني-
لويس إقليمس

احترام ثقافة الآخر المختلف فضيلة

إنّ القيمة الثقافية والحضارية للشعوب، لا يمكنها أن تحقّق ذاتها إلاّ من خلال الاعتراف بثقافة الآخر وقبول خياراته كما هي، وليس كما يريدها المقابل وفق معاييره ومقاساته وموازينه، دينية كانت أم مذهبية أم عقائدية. ويبقى التعايش ذلك الخيار الإيجابيّ الذي لا رجعة عنه والذي يصون حق الآخر في الفكر المستقلّ والإيمان الحرّ بما يعتقد، وليس كما يريده له غيرُه. إذ لابدّ أن يكون مثل هذا الخيار في العيش المشترك، قائمًا على الندّية والتساوي والشراكة في الوطن والأرض والمصالح في التعامل الإنسانيّ وليس خنوعًا او خضوعًا للآخربحسب ما يفرضهُ طرفٌ على آخر. حينها يصير الحوار متاحًا وأكثر استعدادًا للقبول بالرأي والرأي الآخر بأسلوب حضاريّ بنّاء وفاعل من أجل بناء مجتمع متكافل ومنسجم.
لقد خلق الله البشر والشعوب لكي ينموا ويكثروا ويتعايشوا ويتصاهروا في الأرض التي وهبها لآدم وحواء منذ بدء الخليقة. وهذا لن يكون ممكنًا إلاّ في حدود مبادئ العيش المشترك الملتزم بمبادئ المحبة والسلام والانفتاح واحترام حسن الجيرة، وليس بالاعتداء والتكفير والانغلاق على الذات. فالدّين أو الجماعة التي تنغلق على نفسها، تموت وتتوارى وتنتفي الحاجة إلى وجودها، ذلك لأنّ وجودَها أو عدمَه سيّانِ. بل الأجدى ألاّ يكون لها مثل هذا الوجود لأنّه يعطّل الأرض ويُتعب الزارع والحاصد معًا.
إنّ ما يمكن أن يساهم حقًا، في تعزيز التعايش السلميّ بين شعوب المنطقة والعالم، أن يتمّ التعامل بين البشر بمساواة وعدل بعيدًا عن إرهاصات الاختلافات في الدّين والعقيدة والمذهب. ف"الدين لله والوطن للجميع". وهذه المقولة ستبقى مفتاح السرّ في تعزيز التعايش السلميّ وتعميق الحوار المبنيّ على احترام خيارات الآخر، ليسَ داخل الوطن الواحد فحسب، بل لدى جميع شعوب العالم. فلكلِّ إنسان حقٌّ في اختيارِ وممارسة دينِه ومعتقدِه وبما يعتقدُه ملائمًا لحاجاته وتطلّعاتِه وحرّيتِه الشخصية دون غصبٍ أو إكراهٍ أو تهديد. ف"لا إكراهَ في الدّين"! وانطلاقًا من هذا المفهوم القرآنيّ، يصير التسامح بشأن الأمور المختلف عنها عقائديًّا، أمرًا ميسِّرًا للحياة من خلال قبول هذه التعددية العقائدية لكلّ فردٍ بعيدًا عن التعصّب والتشدّد. فالذاكرة التاريخية تنقل لنا شيئًا من المواثيق والمعاهدات التي عقدها الإسلام مع أتباع الديانات التقليدية السابقة له، اليهودية والمسيحية (النصرانية   في زمن رسول الإسلام محمّد) منذ عهد رسول الإسلام ومرورًا بالخلفاء الراشدين والأمويين والعبّاسيين. كما لا يوجد نصٌّ قرآنيٌّ ينبذ نبيًّا من الأنبياء السابقين للدّين الجديد. من هنا ينبغي على المسلم قبل المسيحي أن يفهم أنّ الحضارة الإسلامية منفتحة منذ نشأة الإسلام، على الأديان والثقافات الأخرى التي سبقتها، حيث تأثرت هذه ببعضها البعض وتمازجت مصالحُها المشتركة أحيانًا من أجل خير الأمّة والبلاد في أحداثٍ من التاريخ والعيش المشترك.وهكذا إذا فُقد التعايش السلميّ، فُقد السلمُ الأهليّ!

التنوّع بكلّ أشكالِه غنى وليس عقبةً

يشهد التاريخ أنّ جذور المسيحية قائمة وعريقة في المنطقة حيث كان منطلَقُ ديانة المحبة هذه من هنا، من الشرق، من فلسطين وأنطاكيا حتى بلغت جزيرة العرب وآسيا الصغرى وصولاً إلى الصين شرقًا، كما كسحتْ بلادَ الغال والامبراطورية الرومانية بوقت يسيرٍ فيما بعد. هذه حقيقة تاريخية، لا ينبغي التغافل عنها. بالمقابل، فإنّ الجهل بدين الإسلام وجوهرِه، من شأنه أن يخلق نوعًا من الخوف والتردّد في قبول الآخر المنتمي لهذا الدّين. من هنا يكون اكتشاف الوجه الإيجابيّ الآخر في المختلف عنّا في الدّين، مفتاحًا جيّدًا وأداةً لقبول هذا الاختلاف واللقاء في حوارات مجدية تُسقط الحواجز النفسية المتخذة أحيانًا بأفكارٍ وقوالب مسبقة ليس لها اساسٌ في جوهر الدّين.
هناك وسائل متعدّدة للحوار، يمكن أن تسفر عن تفاهمات جادّة في تنشيط روحيّة هذا الحوار المبنيّ قبل كلّ شيء على قبول فكر الآخر المختلف. فالتعدّدية الدّينية القائمة اليوم تقتضي العيش المشترك بين المختلفين دينيًّا من أجل المضيّ في مسيرة الحياة اليومية الغائصة في مشاكل اجتماعية واقتصادية وأخلاقية تتطلب تضافر جهود الجميع لرفع الغبن عن الإنسان البسيط وإنصاف المحرومين والمهمّشين والفقراء والمظلومين. ومهما كانت هوّة الاختلافات، فللعقلاء في أوساط هذه الأديان وخبرائها ولاهوتيّيها مِنَ القدرة والمسؤولية ما يتيحُ لهم تفعيلَ التقارب رغم الاختلافات في التفاصيل والوسائل والآليات.
لمْ يعدْ من المقبول أن تتصارع الأمم والشعوب بسبب الاختلافات في طبيعة كينونتها الدينية أو المذهبية أو العقائدية. فالاختلاف في هذه وغيرها، إنّما يُعدُّ من مزايا الخير والبركة والغنى في الثقافة والحضارة والتراث، ليس للشعب الواحد والبلد الواحد والمنطقة الواحدة فحسب، بل لكلّ العالم. والسبب لأنّ الله الخالقَ أرادُه كذلك لمجدِ اسمِه وتعظيم جبروتِه في خلق العالم بشرًا وعناصرَ. وهذا الاختلاف عينُه كفيلٌ بأنْ يساهم بارتقاء هذا العالم المتنوّع نحو درجات الرقيّ والتنمية والتسامي فوق كلّ الخلافات والاختلافات والصراعات التي لا فائدة منها، بقدر ما تأتي من بلايا ومآسي وانتكاسات على جميع الأصعدة. فالدّين ينبغي أن يكون ذلك الدرب السليم الناصِح الذي يقود البشرَ نحو شيءٍ أسمى يليقُ بفعلِ الخالق الجبّار الذي "خلق البشر، ذكرًا وأنثى، حسَنَينِ على صورته ومثاله". فهلْ أجمل مِنْ أن يكونَ الإنسانُ، على صورة الخالق الذي يدّعي الجميع عبادتَه وتبجيلَه وتكبيرَه كلَّ يوم وكلَّ ساعة آناء الليل وأطراف النهار؟؟؟أمام هذه الصورة الجميلة، ألا يليقُ أن يحضرَ الدّينُ كي يكونَ حلاّ وليس طرَفًا في مشكلة بين البشر الذين تحوّلعالمُهم الذي يعيشون فيه إلى قرية صغيرة تجمعُ المختلفين على طاولة واحدة في غضون ساعات وليس أيّامٍ؟
لكلّ دين رسالتُه دون أن ينتقص من غيره أو يحوّل دينَ الآخر إلى أداة للخلاف والسخرية والإساءةوالعدوانية والانتقام. وبالرغم من حساسية الاختلاف في طبيعة الأديان في عصرنا القائم، إلاّ أنّ هذا الموضوع كان وما زال يتفاعل ولم يخلُ يومًا من مشاكل وإفرازات عدائية بين المختلفين، بل حفلت حياة المؤمنين من جميع الأديان بجراح مثخنة نتيجة الانغلاق والتعصّب الأعمى ورفض الآخر. "فالآخر، إن لم يكن أخاً لكَ في الدّين، فهو نظيرُك في الخلق"، كما يقول الإمام علي.
إنّ البشر لا يمكن أن يرتقوا في سلّم الرقيّ والإنسانية إن لاذوا داخل قوقعة الانعزالية والانغلاق على الذات. فما مِن ثقافة مجتمعية ولا مِن تطوّر فكري وعقلانيّ وإنسانيّ، ولا مِن تنمية اجتماعية وعلمية في غياب الاحتكاك الحضاري والدّيني المتشابك والساعي لتطوير المجتمعات والأمم والشعوب. أليسَ هذا ما تشهدُه البلاد والمنطقة من بعض إفرازات هذا الفكر المتخلّف المنغلق هذه الأيام؟ وحدَها أساليبُ الانشقاق والعنصرية والضغينة والتطرّف الأعمى هي الخاسر الأكبر في المعادلة الإنسانية التي لا يمكن أن تنجو بنفسها في ظلّ هذه الآفات المستحكمة والمتعشّشة في أحضان جماعات تكفيرية لا تقبل بوجود الآخر المختلف وتنظرُ إليه شزرًا بنظرةٍ دونيّة و"ذمّية" غير مقبولة لغاية اليوم. فجميعُ البشر متساوون أمام عدالة الله، خالق البشروديّان الجميع يوم القيامة. وما داموا كذلك، فمَن ذا الذي أوحى أو خوّل أو أمرَ فئات ضالّة وغير مرتكزة على كلامِ الله في الكتب المقدّسة كي تحكم باسم الخالق هذا وتُصدرَ الأوامر بالنهي والقطع والنفي والتكفير؟ ومادام الله قد خلق البشر جميعًا على ذات القاعدة وأعطى لهم شكل إنسانٍ عاقلٍ موحّد، فهو لم يخلقهم درجاتٍ ومراتبَ في الحقوق والواجبات والمواطنية، بل إنّما "خيرُ الناس مَن عاش حياتَه برضى الله ورضا الناس"، وهو خيرُ الماكرين!
لو تمعنّا في رسالة المسيح التبشيرية، لرأينا أنهاتلخصتْبرسالة محبة وسلام ومصالحة لجميع البشر، كما كانت تمجيدًا لهذا الخالق الجبّار الرحمن الرحيم: "المجدُ لله في العلا وفي الأرض السلام، والمسرّة الصالحة لبني البشر". فهلْ أصدق وأروع من هذه البشرى التي زفّها الملائكة يوم ولادته العجائبية التي يقبلُها الإسلام والمسيحية على السواء؟ ألمْ يردْ في القرآن آياتٌ تشيرُ إلى الرحمة والمودّة والتسامح، بفضل أخلاق وعادات جماعات "النصارى" الحميدة والمسالمة من الذين تعايشوا مع المجاميع الأولى للدّين الإسلامي آنذاك؟ ألم يقلْ رسول الإسلام للمختلفين معه: "لكم دينُكم ولي ديني"؟ فلماذا تُهمل إذن، مثل هذه الإعلانات الصريحة التي أوردها القرآن على لسان رسول الإسلام نفسه؟ أليسَ فيها نقضًا واضحًا لميثاقٍ وخرقًا لاتفاقٍ بين الديانة الجديدة وسابقاتِها؟؟؟

الصراعات لا تحلّ المشاكل
إنّ الصراعات والخلافات والتجاذبات بسبب الاختلافات لم تأتي يومًا بحلولٍ منطقية ولا سلميّة ولا حضارية ولا ثقافية بين المختلفين. بل وحدَهُ الاستعدادُ للقاء الآخر المختلف والنية والرغبة والإرادة الصادقة بنبذ كلّ اشكال العنف والتعنّت الأعمى وتحاشي فرض الإرادات والأصوليّات والنظرة الدونيّة لهذا الآخر المختلف، هي الكفيلة بخلق مجتمعات متفتحة، متحضّرة، متطوّرة قائمة على احترام هذا الآخر، مهما كانت درجة الاختلاف التي لا ينبغي أن تصل مرحلة الخلاف بسببه. أمّا "الأصوليات" المتفجّرة مؤخرًا، فهي لا تعدو كونها أيديولوجيات متعصّبة تجهلُ أصولَ الدّين وتصرُّ على اقتضاب عبارات وآياتٍ مستقطعة هنا وهناك دونَ أن تضعها في السياق العامّ الذي وردت فيه. فهناك الكثير من الآيات القرآنيّة التي تتحدث إيجابيًا وباعتزاز وبمودّة عن أهل الكتاب، يهودًا أو "نصارى" (مسيحيين). لذا لا ينبغي السماح بتشويه قيم العيش المشترك بين أتباع الديانتين بصورة خاصة، بل على العقلاء والمعتدلين أن يرسّخوا هذه القيمويعملوا على تفعيلها مِن أجل خير الإنسان والوطن والإنسانية. فطوبى لمَن يسعى لتقريب وجهات النظر بين المختلفين وسعيدٌ مَن يدعو للتكافل الاجتماعي والبناء الحضاري واحترام المقابل، فإنّ أجرَه عظيمٌ عند ربّ السماوات وهو من الصالحين!
ما أجمل أن يتواصل البشر جميعًا في لقاءات ثنائية وثلاثية ورباعية ومجتمعية في كلّ مناسبة وموسمٍ. وما أجمل أن يلتقي المختلفون لتدارس حالاتهم وأوضاعهم وأحوال مجتمعاتهم معًا، من أجل البناء وتعزيز العمل المجتمعي المشترك بين أتباع الأديان المختلفة، جماعاتٍ وأممًا وشعوبًا ودولاً! إنّ الخطابات الرنّانة لا تكفي إذا لم تصاحبها أفعالٌ جادّة على أرض الواقع تشحذ الهمم من أجل تغيير الصورة القاتمة التي تطبّع عليها البعض من المنغلقين على الذات وعلى الفكر والعقيدة وصمّوا الاذان عن سماع رأي المختلف عنهم. فليس هناك أمّة أوجدَها الخالق أفضلَ مِن أمّة غيرِها، وليس هناك شعبٌ أنزلَه الله في أرض الشقاء أفضلَ من آخرَ غيره، وليسَ هناكَ بشرٌ تكرّمَ اللهُ بولادتِه أفضل من غيرِه إلاّ بحسن السيرة ونقاء الضمير وصفاء النية وطيبة القلب وممارسة المساواة والعدل وحبِّ الله وإخوته البشر المخلوقين جميعًا "على صورة الله ومثاله".

ألتنشئة المنزلية أفضل خبز للإنسان

إنّ مثل هذه المبادئ، ينبغي أنْ تُغرس في عقول وضمائر الصغار منذ الولادة، في التنشئة المنزلية أولاً ثمّ في المؤسسات التعليمية بدءًا من الحضانة ورياض الأطفالوالمدارس بكلّ مراحلها وصولاً إلى الحرم الجامعي. من هنا، تكون هناك حاجة ملحة لمراجعة المناهج الدراسية هذه جميعًا كي تسير في اتجاه تحرير الإنسان من عقدة الاختلاف وجعلهذا المفهوم محفّزًا وأداة لاحترام خيارات الآخر المختلف ومجالَ ثراءٍ لثقافة الحوار التي تعزّز مِن الاعتماد على عناصر توعوية وتثقيفية وتنشئوية متواصلة. إن التربية المنزلية بحسب الخبرة، تكون هي الأداة الراجحة لتأمين الانتقالة السليمة من وضع الانعزال والانغلاق في الدّين وعلى الذات القاصرة نحو آفاق رحبة ومساحات واسعة من الألفة والمحبة والتفاهم وقبول الآخر على ما هو عليه وليس وفق ما يريدُهالآخر المختلف أن يكون. فإذا أردنا أن ننصف بني البشر وكذا الآخر المختلف عنّا، لابدّ من التعرّف أولاً على خياراته وليس الحكم عليه منذ الوهلة الأولى بسبب اختلافه عنّا. هذه ليست وسيلة متحضّرة للحوار ولعيش الروحيّة الدينية التي تأمرُ بها الكتب السماوية. فهذه الأخيرة، لا يمكنها أن تأتي في جوهرها بما يثير الصراع والخلاف مع الغير المختلف أو أن تخرج عن السياقات الإنسانية للديانة التي ينتمي إليها هذا أو ذاك من البشر. فكلا الديانتين، المسيحية والإسلام، تأمران بتمجيد الله وتكبيرِه وتعظيمِه وتحثّان أتباعهما على فعل الخير ونكران الشرّ. وما أكثر الجسور الممتدّة والمستشعَرة للحوار بين أتباعهما!

خلاصة
لا بدّ من توسيع مظلة الحوار بين الأديان المختلفة، ومنها بصورة خاصة بين المسيحية والإسلام، اللتين تعانيان من تداعيات متنامية في قاعدة اللغة المشتركة بسبب غياب مرجعية إسلامية موحدة تقدّم مفهومًا رساليًا منفتحًا نحو الآخر وتصون ما شاب الدينَ الإسلاميّ من تأثيرات بسبب الاختلاف والخلاف في التفسير والتأويل بين المذاهب المتعدّدة
. وهنا لابدّ من قبول الطرف المحاور بالاختلاف القائم مع المقابل، من دون نكران وجوده والقيم التي يؤمن بها. أمّا الإطار الأصلح لديمومة العيش المشترك بين المختلفين دينيًّا، فإنّه يكمن باحترام الآخر المختلف والقبول به كما هو على دينه وعقيدته من دون ضغوطٍ أو انتقاص أو ازدراءٍ. فكلُّ إنسان قد أتاه خالقُه حرّيةَ ما يعتقد به دون نكران حقِّ غيره. وهذا الاختلاف عينُه، هو من صنع الخالق الذي يأمر خليقتَه بسلوك طريق الخير وينهاها عن الشرّ، وهو الأجدر بالحكم على خليقتِه دونَ غيرِه. كما أنَّهُ قادرٌ على الدفاعِ عن نفسِه ولمْ يُجزْ لأحدٍ أن يكون محاميًا عن عظيمِ جلالتِه. وهناك حقيقة أخيرة، وهي أنّالحوارَ لا يكون بالتنازل عن شيءٍ من الدّين والإيمان إرضاءً للآخر، بل بالإنصات لهذا الآخر والقبول به كما هو على دينِه في جوٍّ من الاحترام المتبادل والألفة والتسامح. فما يجمع البشرية أكثر بكثير ممّا يفرّقها.

لويس إقليمس
بغداد، في 21 كانون ثاني 2015


5
حوار الأديان جسرٌ أمينٌ للعيش المشترك
-الحزء الأول-

لويس إقليمس
 لعلَّ أولى نقلة نوعيّة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية للحوار، كانت مع انبثاق "المجلس البابوي للحوار مع الأديان" في19 أيار 1964، بمبادرة من البابا الراحل بولس السادس الذي كان له الأثر الكبير في التأسيس للحوار، ليس مع غير الكاثوليك فحسب، بل مع غير المسيحيين أيضًا، ولاسيّما المسلمين. ذلك المشوار الطويل الذي كان بدأه سلفه البابا "الطيّب"، طيّبُ الذكر يوحنا الثالث والعشرون كأحد المحاور الرئيسية في المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني (1962-1965). وقد نُعت بولس السادس ب "بابا الحوار والمصالحة" بسبب انفتاحِه الجادّ على كنائس غير كاثوليكية وعلى غير المسيحيين، وإصدارِه الوثيقة المشهورة "في علاقات الكنيسة مع الديانات غير المسيحية، التي تطرّقت إلى حرّية الإنسان و "حقّ الشخص البشري بالحرّية الدينية".
ومن يومها، تناول العديد من النشطاء والمثقفون والمنفتحون، مِن مرجعيات دينية وشخصيات سياسية ومدنية وعلمانية على السواء، موضوع الحوار بين الأديان والثقافات والحضارات. كما شهدت أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الدول والمنظمات لقاءات متعددة الأطراف لممثلي أديان ومذاهب على مراحل مختلفة مذ ذاك اليوم ولغاية الساعة. وجميعُها كانت تصبّ ضمن مساعي خلق حوارٍ بنّاء بين المختلفين في الدّين والثقافات لتقديم شهادات حيّة عن روحيّة الأديان التي تنتمي إليها جماعاتُهم المؤمنة والسعي لفتح آفاق جديدة منفتحة فيما بينهم من خلال تبادل الخبرات وعرض تلك الشهادات بروحيّة تقديم الحقيقة للآخر، وبلغة إيمانية بحتة وليس بفرض الرأي والدّين بروح متعصّبة ومنغلقة.
وفي العراق، تمّ في 15 آذار 2013، الإعلان عن تأسيس المجلس العراقي للحوار بين الأديان بمبادرة من مؤسسة الخوئيّ والآباء الدومنيكان. والمجلس المذكور، بمثابة نواة للحوار بين الأديان ومدّ الجسور بين الثقافات الثرية التي يحتضنُها هذا البلد الجريح المبتلى بنيران الطائفية والتطرّف والتشدّد الغريبة والدخيلة على أبنائِه ومجتمعاتِه المتآخية منذ قدم الدهر. نأمل أن تُنعش هذه المبادرة الآمالَ بإعادة لحمة المحبة والتسامح والتكاتف بين جميع مكوّنات الشعب العراقيّ بمختلف أديانٍه ومذاهبِه وأعراقِه، بعد أنْ تمزّقتْ بفعل التدخلات الخارجية في الشأن الوطنيّ وسطَ غيابٍ ملحوظ مأسوفٍ له للحسّ الوطنيّ لساسة البلد الذين هرولوا وراء مصالح حزبية وفئوية وشخصية ضيقة وآثروها على المصلحة العليا.

الحوار المسيحي-الإسلامي ضرورة حياتية
هنا يأتي موضوع الحوار المسيحي-الإسلامي على رأس هذه جميعًا، نظرًا لخصوصيته وللقواسم المشتركة القائمة بين الديانتين، إلى جانب الأثر الذي تركه المسيحيون في كلّ المجالات في جسد منطقة الشرق قبل وبعد ظهور الإسلام، وكانوا فيها خيرَ خميرة وأفضلَ ملحٍ طيّبَ المنطقة وأهلَها بعطرِ المحبة والإيمان الصادق والعشرة الإنسانية وما زالوا كذلك.
لقد تناول جميع باباوات الفاتيكان أهمية الحوار بين الأديان على خلفية المسكوني الفاتيكاني الثاني ونتائجه ومسبّباته. فقد حدّد البابا بولس السادس في حينِها، نظرة الكنيسة إلى الإسلام من زاوية الاحترام لإيمانهم بالإله الواحد، خالق السماء والأرض، الذي يعبدونه ويسلّمون إليه أمرَهم، تمامًا كما سلّم إبراهيم أبو المؤمنين أمرَه إلى خالقه. كما دعا في وقتِها إلى الاتحاد بين أتباع الديانتين والعمل على المصالحة والسلام، تمامًا كما تأمرُ الد يانتان في الإنجيل والقرآن.
وجاء سلفُه البابا القديس يوحنا بولس الثاني ليكمل المشوار بإعادة تسمية المجلس الحبريّ وصياغتِه وفق أسس متجّددة في 28 حزيران 1988. فهو رأى في الحوار المسيحي-الإسلامي جزءًا من رسالة الكنيسة التي يستند إليها شهودُ المسيح في رسالتهم للعالم.
فيما يذهب البابا المتقاعد بندكتس السادس عشر إلى اعتبار الحوار بين الأديان والثقافات "ضرورةحياتية"، وهو يعدّ المسلمين إخوة للمسيحيين ويحثّ على التحاور معهم من أجل خلق رؤية مشتركة. ففي 26 أيلول 2006، قال البابا بندكتس في لقاءٍ خاص أمام دبلوماسيين مسلمين في الرباط: "في عالم تطبعُه النسبية وغالبا ما يلغي سموَّ كونيّةِ العقل، فإننا بحاجة ملحة لحوار   حقيقيٍّ بين الديانات والثقافات، حوارٍ يمكّنُنا سويًّا من تجاوزِ جميع الصعوبات بروحٍ منَ التفاهم المثمر". وأكد البابا في حينها، مواصلتَه الجهود التي قام بها سلفُه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، معربًا عن أمله في "مواصلة علاقات الثقة التي ربطت بين المسلمين والمسيحيين منذ سنوات، بل وتطويرِها بروحٍ من الحوار الصادق القائم على الاحترام وعلى التعارف المتبادَل، حوارٍ يركز على القيم الدينية المشتركة، ويرمي بأمانة إلى احترام الاختلافات".
أمّا قداسة البابا فرنسيس الأول، بابا روما المالك سعيدًا، فقد دعا في 14 تشرين أول 2013، خلال لقائه المشاركينَ في الجمعية العامة للمجلس الحبري لتعزيز التبشير الجديد في الفاتيكان، الى الالتزام بالسعي للقاء الآخرين ومحاورةِ أتباعِ الأديان الأخرى منْ دونِ خوفٍ أو تردّد، موضحا "أنَّ التبشيرَ الجديد حركةٌ متجددة نحو أولئك الذين فقدوا إيمانَهم، والمعنى العميق للحياة". كما أشارَ قداستُه، إلى أنَّ "كلَّ مسيحيٍّ مدعوٌ للتواصل مع الآخرين، وإقامة الحوار مع أولئك الذين لايفكرون مثلنا، والذين يؤمنون بعقيدة مختلفة، أو الذين ليس لديهم إيمانٌ مطلقا". وأضاف: "علينا لقاءَ الكلّ، لأنَّنا جميعًا نشتركُ في حقيقة كوننا خُلقنا على صورة الله ومثاله". وخلصَ قداستُه الى القول: "بإمكاننا أن نخرجَ للقاء الجميع دونَ خوفٍ ودونَ التخلي عن أصولِنا"، مضيفًا: "آمل حقا أنْ تستمر علاقات الثقة، التي نمت بين المسيحيين والمسلمين، منذ سنوات طويلة، لا بل أن تنمو بروحِ الحوار الصادق والاحترام المتبادل، على أساسِ المعرفة المتبادلة والحقيقية، التي تقرُّ بفرحٍ بالقيم الدينية المشتركة بيننا والتي تحترمُ بصدق الاختلافات". وفي لقائهِ يوم 8 كانون ثاني 2014، مع وفد مِن جمعية سانت أجيديو الإيطالية، شدّدَ البابا فرنسيس على أنَّ"الحوار لابدَّ أن يكون في جميع الاوقات وليس في الازمات او الحروب" مذكِّرًا أنَّ"العالمَ سوف لا يرى السلام إلّا بالمحبة واحترام الرأي الاخر والحوار الديني والعلمي البناء".
وفي رسالة وجهها الى مسيحيي الشرق الاوسط في 23 كانون أول 2014، دعاهُم فيها الى الحوار مع الأديان الاخرى على الرغم من الصعوبات مؤكدًا أنّه " لاسبيل آخرَ من أجل تسوية المشاكل". وهذه الرسالة التي نشرت في حينِها بسبع لغات بينها العربية، ركّزتْ على قول البابا برغوليو (فرنسيس) من أنَّ "الحوار ما بينَ الأديان يكتسبُ أهميةً أكبر، بقدرِ ما تزدادُ الأوضاعُ صعوبةً. وليس من سبيل آخر، لكون الحوار المرتكز إلى مواقف الانفتاح في الحقيقة والمحبة، يشكّلُ أيضًا أفضلَ ترياقٍ لتجربةِ الأصولية الدينيّة التي تُهدّد مؤمني كلّ الديانات. والحوارُ هو في الآن معًا خدمةٌ للعدالة وشرطٌ أساسيٌّ للسلام المنشود". وكان البابا فرنسيس قد تحدّثَ بذات الرؤية، خلال مؤتمر صحفيٍّ جمعَهُ بالرئيس التركي "أردوغان" في القصر الرئاسي في انقرة في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، بدعوتِه لتركيا المسلمة الى"حوار بين الاديان" أمامَ التعصب الذي يعصفُ بالمنطقة، وكي تكون "جسرا طبيعيا بين قارتين وبين تجليّات ثقافية مختلفة"، موضحا أنَّ "مساهمةً مهمة يمكنُ أن تصدر عن الحوار الديني والثقافي بطريقة من شأنها منعَ كلِّ أشكالِ الأصوليّة والإرهاب".

الحوار يعني قبول الآخر المختلف
إنَّ أيَّ حوار لا يقوم على مبدأ قبول الآخر واحترام خصوصياتِه وخياراتِه يبقى في خانة حديث الطرشان، لأنّ أساس الحوار هو الإنصات للآخر، لهذا الغير المختلف، ربّما في الفكر والدين والعقيدة واللون والعرق واللغة، وما إلى ذلك. كما أنّ الحوار يُبنى على شيء اسمُه التفاهم كي يكون مثمرًا وقابلاً للتطبيق في الحياة اليومية. فهو دومًا، جسرٌ للتواصل وصمّامُ أمانٍ للمختلفين في كلّ هذه وتلك من الأمور والشؤون الخاصة والعامّة. وإنّه من دون وجود قاعدة بيّنة لهذا التفاهم حول الاختلافات الفكرية والعقائدية، لن يكون من الممكن مدُّ مثل هذه الجسور للتواصل المستمرّ كي يأتي بثمارِهِ. فالاختلاف في وجهات النظر أمرٌ مقبول مِن دون أن يؤدّي ذلك إلى تحوّله إلى خلافات وجدالات وصراعات عقيمة، لا تخدم أيّا من الأطراف المختلفة، أيّا كان نوع الاختلاف هذا. بل المنطق والعقل يوصيان بمدّ مثل هذه الجسور في الحياة العصرية المعقدة بتفاصيلها، حيث يسهم الحوار بشكل فاعل في اكتشاف الآخر والتعرّف إلى وجهات نظره، ربّما المختلفة عن محاوِرِهِ المتربّص أحيانًا. كما أنّه مفتاحُ الأمان لأسس الحياة المعقدة، في عالمٍ تسوده الأنانية والعولمة الاستكبارية والمفاهيم الاستعلائية والتهميش والإقصاء والنظرة الدونية للآخر. فهو إذن، مِن وجهة نظر المجتمعات المتعايشة سلميًّا، ذلك الطريق السليم للاطمئنان على سيادة الاحترام بين الثقافات المختلفة، حضاريًا ودينيًا وعقائديًا، ومنها سيادة العلاقات الصحيحة والمقبولة في أوساط المجتمع بكلّ اختلافاتها ومبرّراتها وهواجسها.
إنّ القرآن يتطرّق بصورة خاصة إلى أتباع الديانتين اليهودية والمسيحية (النصرانية) التي سبقت انتشار الإسلام، بمودّة وحسن معاملة ووعدٍ بالخلاص بسبب كونهم أهلَ الكتاب " ولا تجادلوا أهلَ الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن" (العنكبوت 29:46)، في إشارة إلى خصائص إيمانية مشتركة بإله واحد. وقد وردت آياتٌ عديدة في هذا السياق، ولاسيّما في الحقبة "المدنية" لنزول الوحي التي اتسمت بتوجيه خطابٍ مباشرٍ لأتباع الديانتين السابقتين للإسلام: " إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئيّين مَن آمنَ باللّه واليوم الآخر وعملَ صالحًا فلهُم أجرُهم عندَ ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هُمْ يحزنون" (البقرة 2:62).
من هذا المنطلق وبعيدًا عمّا ذهب إليه الدّينُ الجديد آنذاك بعد استقوائه وضمّه قبائل وعشائر إليه بوسائل متعدّدة، ترغيبية وترهيبية، وفي ضوء ما يشهدُه العالم اليوم من صحوة سلبية أصولية متطرفة، رأت الكنيسة، أنَّ الحوارَ هو أفضلُ خيارٍ لتقريب وجهات النظر ومحاولة فهم الآخر بهدف السّير في طريق آمنٍ تشترك فيه الديانتان مع غيرِهما في عبادة نفس الإله وتؤمن بذات الخلاص الموعود، وإنْ اختلفت الصورة والشكل والوسيلة! والتاريخ يحدّثُنا عن حوارات جادّة بين أتباع الطرفين من منظور احترام كلِّ طرفٍ لعقيدة الآخر، تمامًا كما حصل في غابر الأزمان من حوارات مثمرة، ومنها تلك المحاورة المشهودة بين الخليفة المهدي والجاثاليق المشرقي طيمثاوس في القرن الثامن الميلادي، والتي جرت في جوٍّ من المودّة والمحبة والتفاهم والانفتاح من غير مجاملات ولا مداهنات ومن دون أن يفرض طرفٌ نفسَه وفكرَه وعقيدتَه على الطرف الآخر. فقد كانت بحق، تقليدًا حضاريًا جديرًا بالتكرار وفعلاً ثقافيًا رفيعًا في مستواهُ وكذا في السؤال وفي تلقّي الرّدود المقنعة. كما يذكر التاريخ حوارات مهمّة أخرى على عهد رسول الإسلام والخلافة الراشدية والأموية والعباسيّة، حيث كان الاعتماد على العلماء من المسيحيين (النصارى) في دواوينِهم وطبابتِهم وأمانتِهم لبيت المال وتراجمِهم ونقلِهم لعلوم شعوبٍ وأممٍ متقدّمة آنذاك، طلبًا للعلم والثقافة.
  لعلَّ من سمات الجانبِ المتحاوِر، الاتّسامُ بالحكمة والنية الحسنة والعلمِ الوفير في بسط الأمور وتفهّمِها بحسب معايير لا تفتقر إلى الفطنة والبصيرة ومبدأ القبول بالرأي الآخر، حتى لو اختلف الجانبان فكرًا ورؤيةً وعقيدةً. وهكذا، يبقى الحوارُ أفضلَ السبل لتحاشي التوترات وحقن الدماء ووأد العنف المتزايد بسبب سوء فهمٍ في تفسير الكتب السماوية وقصورٍ في تمييز الحلال عن الحرام والمعروف عن المنكر، بحسب الاجتهادات والأهواء. كما لا ينبغي أن تتحول الاختلافات الّلاهوتية والعقائدية والأخلاقية إلى شكل نزاعات، مادامَ الفرق في مقياس الله ورؤيته هو الإيمانُ والأعمال وحسنُ السيرة وليس الهويّة الدينية.
لكنّ المرحلة المظلمة حصلت مع فترة الحروب الصليبية التي كانت نتائجُها كارثية على مسيحيّي المنطقة بسبب تركها آثارًا سلبية في عقلية الإسلام الأصوليّ المتشدّد الذي جابه "الجهاد الغربيّ" غيرَ المبرّر بجهادٍ متزمّتٍ أوسع وأشدّ ومدمّر، بالرغم من وقوف المسيحيّين بمختلف فرقهم ومذاهبهم إلى جانب إخوتهم العرب في الدفاع عن أوطانهم وأراضيهم من الغازي الغريب. فماتزال تلك الفترة تشكّلُ وصمةً سوداء لدى الكثيرين من حيث نسبُ كلّ ما يتعلّق بمسيحيّي الشرق اليوم إلى الغرب "الكافر" وتبعيتهم له، رغم أنّ مثل هذه الأفكار ليست سوى هراء ولا تعكس الحقيقة. وقد آن الأوان، إنْ لم يفت، أنْ يكفّ حاملو مثل هذه الأفكار المتزمّتة عن هذه الترّهات ويعودوا إلى رشدهم وجوهر عقيدتهم الإسلامية واليقين بوجود آياتٍ خلافيّة ناقضة وناسخة لبعضها قد وردت في حينها بهدف معالجة قضايا آنيّة، وهي اليوم غير ممكنة التطبيق ولا تصلح في عصرالعولمة والعلم وعجلة التقدّم الجارفة. فما صَلُحَ وجازَ وكانَ مقبولاً بالأمس وقبل أربعة عشر قرنًا، لم يعدْ مقبولاً في عصر الحداثة والتقدّم ونحنُ في الألفية الثالثة!!!

أهمية التعايش السلمي بين الشعوب والأمم
إنّ أيَّ حوار اليومَ، كما سبق الإشارة إليه، ينبغي أن يجري بقلب رحبٍ وبنيّة صافية وإرادة صالحة، بعيدًاعن التعصّب، أيّا كان شكلُه أو نوعُه أو غرضُه، إذا أُريدَ له خلقُ أجواءٍ طيّبة للتعايش السلميّ وتنمية المجتمع على أسسٍ رصينة عادلة ومعتدلة في آنٍ معًا. هنا، لابدّ للطرفين المتحاورين أن يخرجا أولاً عن خانة الأحكام المسبقة الواحد ضدّ الآخر وأن يعتمدا نظرةً منفتحة في أسلوب فهم الآخر ونواياه، من دون مجاملة أو رياء على حساب عقيدة أيّ من الطرفين. فالهدف هو فهم الآخر ومحاولة القبول به كما هو في اختلاف عقيدته ورؤيته الّلاهوتية والعقائدية والمذهبية، وليس بالجدال العقيم المتعصّب الذي يسعى لفرض الرأي والاستعلاء والاستكبار بالأفضلية على الآخر المختلف. حينه يمكن للطرفين أن يعمّقا المعرفة ببعضهما البعض ويختبرا عقيدة بعضهما البعض بالرغم من اختلافها. فمعرفة الآخر المختلف تبقى أفضل رهانٍ لفهم الآخر والقبول به كما هو، بدل الانغلاق والانكفاء على الذات والتعصّب التي لا تجلب جميعُها غيرَ اليأس والبؤس والعنف والخلاف الذي يمكن أنْ يولّد بدوره صراعات ونزاعات مدمّرة، كما يحصل اليوم.
وهذا هو دور النشطاء والمعتدلين والمتفتّحين والمثقفين اليوم، والذين عليهم تقع مسؤولية خلق هكذا حوارات متحضّرة ناضجة تضعُ الأسسَ الحضارية للنقاش المثمر بهدف خلق مجتمعات متعايشة سلميًا، بالرغم من تعقيدات الحياة المعاصرة وتجاذباتها وحيثياتها. فالسلمُ الأهلي، أصبحَ اليومَ، قابَ قوسين أو أدنى من تعرّضه لتمزّق اجتماعيّ قاسٍ، قد يخلُّ بنظام العيش المشترك ويطيح بكلّ آمال المجتمعات الساعية للتعاون والتكاتف وتلك الطامحة لبناء جسور من الألفة والتسامح والمحبة بين أتباع الديانات والمذاهب والمعتقدات والثقافات المختلفة التي يُفترض أن يجمعها حبُّ الله والإنسانية وتنمية مواردها البشرية وتطوير قواعدها الاجتماعية لتتلاقى وتنسجمَ مع تطور الحياة المتواصل، بدل خلق صراعات كارثية. فما يجمعُ الأطراف كافة أكثرُ ممّا يفرّق!
لقد نبَّهَ المرجعُ الدّينيّ العراقيّ علي السيستاني بدورِهِ، إلى "عدم اعتبار الحوارِ حالةً وقتية أو حينما تحدثُ مشاكل، بل أرادَ للحوار أن يصيرَ جزءًا مهمًّا في الحياة الانسانية الحقيقية، ولايوجد مشكلة للقاء الانسان مع الاخر بما أنَّه تربطنا دياناتُ السماء. والإسلامُ والمسيحية هما من ديانات السماء". كما أكَّدَ لوفد منظمة سلام الإيطالية في 9 كانون ثاني 2014 في النجف، على "ضرورة الحوار والتواصل السليم والاحترام بين الأديان الذي من شأنِه أن يعزّز أطرَ الثقة بينهم ويصل إلى قلوب الناس بما يعزّز مفهوم السلام". وهذا الحديث ينمُّ عن حكمة نطق بها شيخٌ له رؤية إنسانية شاملة تبحث عن الاحترام المتبادل بين أتباع الديانات وعلى التعاون والتعاضد والتعايش الذي تكفلُه عقائد الديانات على اختلافِها.
إنّي أعتقد أنَّ من بين السبل الكفيلة بتعزيز التعايش بين المجتمعات، يكون بالسعي الجادّ من الجميع لتضافر الجهود العالمية بخلق قاعدة واسعة تكفل قبول الآخر المختلف وتضع مبادئ أساسية في التلقين والتعليم والخطاب الموجّه كي تكون هذه جميعًا بمستوى الطموح الإنساني الذي توصي به الديانات السماوية وتعزّزه مختلف الصكوك والقوانين والتشريعات الدولية التي توصي جميعًا خيرًا بالإنسان والإنسانية. إنّ الجهود التي تُبذل في هذا المجال كثيرة وكبيرة، ولكنّها تبقى في حدود التمنيات الطوباوية. فالمبادرات العديدة الصادرة من مراجع دينية بخاصّة -لكونِ الأخيرة هي عقدة القضية-، وكذا من نشطاء ومنظمات دولية مهتمة، جميعُها تسعى لخلق عالمٍ منفتح يقبل بخيارات الآخر وحرّيتهِ في عيش معتقدِه ودينِه بحسب خيارِه الفرديّ من دون تأثير خارجيّ أو ضغوطٍ جانبية أو تهديدات، مهما كان نوعُها أو مصدرُها. وهذا يتطلب جملةً من ترتيبات تعاون وتنسيق بين جهاتٍ مختلفة يمكن أن تضطلعَ بدورٍ رياديّ وحاسم في تعميق مفهوم السلم الأهلي الصادق والعيش المشترك المتكافل بين مختلف الشرائح القائمة المتحاورة. فاحترامُ خيارِ الآخر والإيمانُ بفاعلية التنوعهي السبيل الأمثللمواجهةالتطرف والأيديولوجيات المريضة التي ظهرت تباعًا.
هناك جانبٌ آخر شديد الأهمية. فالخطابُ الدينيّ، في المعابد والجوامع والكنائس ينبغي أن يهدفَ، هو الآخر، لبناء الأوطان ولوحدة الصفّ التي من شأنِها تأمين مناخٍ يقدّس ثقافة الحياة ويبشّر بعظمة المحبة والرجاء والتسامح التي على ضوئِها أوجدَنا الخالقُ محبُّ البشر. فقد أودَعَنا فردوسَه الأرضيّ وثرواتِه الكثيرة، كي نقدّسَ نعمتَه فيها ونبجّلَ اسمَهُ القدوس عليها ونكبّرَه آناءَ الليل وأطراف النهار بسببها، وليس من أجل ممارسة العنف والقتل واحتقار الغير وتهميش الآخر والانتقاص من قيمتِه البشرية ومن دينِه ومعتقدِه وخياراتِه. فالدّين، أيًّا كان مصدرُه، لا ينبغي أن يتحوّل إلى أيديولوجية سياسية تقتلُ وتسبي وتكفّرُ وتهجّر وتهدّد باسمِه، لاسيّما ونحنُ في الألفية الثالثة، عصر التنمية والتقدّم والتطوّر. فهل الدهرُ يعودُ بنا إلى الوراء، إلى زمن التخلّف وركوب الجمال وعبادة الأصنام وغزوات القبائل ووأد البنات ورجم الزناة وما إليها؟ فاليوم، أصبحنا ندرك أنّه ليسَ من حقّ أيٍّ كانَ من خلائق الله الكثيرة على وجه البسيطة، أن يعمدَ إلى فرض دينٍ معيّن أو شريعةٍ ما على غيرِه من الكائنات. فكلٌّ يعبدُ على طريقتِه ووفقَ خياراتِه التي منحه إياها الخالق في عيشِها وتقويمِها وتأييدِها ونشرِها، شريطة عدم التجاوز على غيرِه من الكائنات أو بفرضِ ما لا يتوافقُ مع هذه الخيارات المقدسة.
هناكَ مسألةٌ أخرى، ينبغي التقيّد بها احترامًا لقدسية الخليقة وطبيعة الأديان القائمة التي تدعو جميعًا إلى الألفة والمحبة والتسامح. فكلّ ديانة تدّعي هذه السمة السمحة في تعاليمِها. فأينَ المشكلة إذن؟ إن كانت في قراءة النصوص، كما وردت في أساسِها وفي زمنِها وفي مكانِها، في غابر الأزمان، فهذه لم تعد تنفع في عصر العولمة والتقدّم وتطور الشعوب وأساليب حيالتِها الوضعية القائمة. بل الضرورة تقتضي فكرًا مستنيرًا متطورًا في التفسير والتأويل والبسط والنشر والخطاب يتناسب مع تطوّر الزمن والتكنلوجيا وآلتِها الجديدة دائمة التطور والتجديد والتغيير. وهذا واجب القائمين على المنابر وفي وضع المناهج الدراسية العامة والخاصة في مختلف المراحل، مع آلية جديدة متطورة لوضع حدود للمناهج الخاصة التي تدعو للتكفير والتشدّد والتطرّف في جزئياتِها وفي نقلِها غيرِ الموفق للنصوص الدينية، لاسيّما المتناقضة فيما بينها وفي التفاسير التي لم تعد تنسجمُ اليومَ مع تطوّرِ الحياة وتنوّر الفكر وتقدّم العلوم والرغبة بالتحرّر المعتدل الذي يحترم حياة البشر، مهما كان دينُه أو عرقُه أو جنسُه أو لونُه أو خيارُه الشخصيّ.
في كلمتِه التي أُلقيت بالإنابة عنه في المؤتمر العراقي لإدارة التنوع، الذي أقامهُ المركز الوطني للتقريب الديني، بمناسبة اليوم العالمي للأديانللأيام 19 و20 كانون ثاني 2015، في فندق فلسطين ميريديان، ذكّرَ البطريك الكلداني ورئيس كنيسة العراق روفائيل الأول ساكو المؤتمرين بالقول: "التهديد الأكبر ليس إرهاب داعش، وإنما منظرو الفكر التكفيري ودعاتُه ومروّجوه وكذلك بعض القوى المتنافسة على السلطة التي توظفّ الدين". وهذه تأتي ضمن دعواتِه المتواترة للسياسيّين والعقلاء والمعتدلين والزعماء الروحيين والدينيين، وعبر مبادراتِه الفكرية المتجدّدة بضرورة تجاوز الشحن الطائفي والابتعاد عن لغة التكفير واعتماد مشروع مشترك لتفكيك هذه الأيدولوجية التكفيرية وأيةٍ أخرى تحمل ذات الفكر المريض. فالأيديولوجيات المريضة، دينية كانت أو سياسية أو اجتماعية، ولاسيّما المتعصّبة والمتشدّدة والأنانية منها، لا تخلق أجواءً طيبةً للتسامح والتعايش المشترك الآمن. كما أنها تفتقر إلى روحية المحبة والسلام ولا تساهم في زرع الأمان والاستقرار في صفوف الشعوب وبين الأمم والدول.
-يتبع-




6
رسالة من صحفية فرنسية:
 إلى "محمد موسوي" رئيس المجلس الإسلامي في فرنسا
لويس إقليمس
(الرسالة مترجمة عن الفرنسية)
ملاحظة: ترددتُ كثيرًا في نشر هذه الرسالة، لعدم رغبتي بإثارة مثل هذا الموضوع الاستفزازي للبعض، بعضَ الشيء، بعد جريمة "شارلي إيبدو"، الموجّهة ضدّ حرية التعبير، بالرغم من عدم تبريرها. إلاّ أنَّ ما عاينتُه فيها من مفردات وأسئلة موضوعية ومحاججة تعزّز من حرّية التعبير في  بلدٍ يقدّس العلمانية لحدّ الجنون، دفعني لنشره للرأي العام والمثقفين والمتنوّرين ومحّبّي الحرية والديمقراطية والحالمين بوطئ أرض الجمال والعطور، بلد الحرية والمساواة والتآخي.
المترجم

... هذه ترجمة لنصّ الرسالة التي نشرتها صحفية فرنسية والموجَّهة إلى رئيس المجلس الإسلامي في فرنسا، السيد محمد الموسوي:

(( السيد موسوي،
صدر العدد الجديد من "شارلي إيبدو" والمتضمن رسمًا ل"محمد"، متيحًا من جديد، فرصةً لردود أفعالٍ مؤسفة من قبل أفرادٍ يُنظرُ إليهم بغير المستنيرين، ما يترتب على السيد "رئيس المجلس الإسلامي لمسلمي فرنسا"، الإرشادَ والتوجيه.
 في العدد الصادر من جريدة "لي موند" يوم الأربعاء، أكّدتُم عدم وجود صلة بين الانتخابات في تونس وليبيا والإساءة الكاريكاتيرية. وهذه تذكر بطريقة أو بأخرى، ما تمثّلُه الشريعة أو في الأقلّ الجزء الأكثر دراماتيكية منها للمواطن الفرنسي، ومنها في الأساس، ما يجري على أراضيه.
إنّي أعدُّكَ شخصًا ذكيَا ومثقفًا. من هنا، كان عليكَ أن تدركَ أنّ الكاريكاتير في فرنسا، فنٌّ تقليديٌّ قديم جدا، بالإضافة لكونِه فنًّا شعبيًّا، ولا يستثني أحدًا، ولاسيّما كلّ ما يتعلّق بمواضيع الساعة. ثمّ أنّ إحياء الشريعة في بلدٍ عرفَ العلمانية منذ أمدٍ بعيدٍ يبقى موضوعًا خطيرًا ومثيرًا للقلق بما فيه الكفاية كي لا ينتكس القانون.
الشريعة هي نظام قديم قائم منذ أربعة عشر قرنًا خلتْ، اتسمتْ بمجملِها بالشناعة، وحب الجنس، والتخلّف، والتمييز والمعاداة للديمقراطية.
لذا فإنَّ رفض مثل هذا النظام عبر الرسم الكاريكاتيري، هو وسيلةٌ للتعبير عن كلّ هذه الدناءة.
إنّ إدانة الشريعة، يا سيدي، هو عملٌ من أجل السلامة العامة الضرورية لصيانة الديمقراطية التي تتمتعون بها، وأنتم تعيشون على التراب الفرنسيّ في أجواء الحرية الكاملة.
وإنّي أسألُك: هل أنتَم تتمتعون بذات الحرية في المغرب؟
أنا أشك كثيرًا في هذا، وإلا كيف نفسّرُهذا العدد الكبير من المغاربة الذين يتخلّونَ عن بلدهم المغرب للعيش في فرنسا؟
إنها من دون أدنى شك، عائدة في أسبابِها إلى الأجواء الطيبة والحرية الموجودة هنا.
إن الشريعة التي يدعو إليها القرآن، والتي أضحت جزءًا متمّمًا للإسلام (القرآن هو أساس الإسلام، فيما الأيديولوجية الإسلامية ليست سوى التعبيرٍ الأكثر عنفًا فيه)، بدأت تثير القلق، ولاسيّما من جانب عددٍ كبيرٍ من الذين أجازوا هذا الفعل الشنيع المضادّ للديمقراطية من المقيمين على أراضينا، وآخرين من "أهل الذمة" المنتخَبين كما تسمّيهم عقيدتُكم وهم ينادون بحقّ هؤلاء المروّجين للشريعة بالتقدّم للترشح للانتخابات مع العواقب الرهيبة التي في تصوّرهِم.
أنتُم تصرّحون بأنَّ"مجرَّدَ عمل صورة كاريكاتيرية للنبي، هو في حد ذاته أمرٌ غير مقبول وجارح، بالنسبة للمسلمين".
عملٌ جارحٌ، ربّما نعم، ولكنْ غيرَ مقبول، كيف؟
ما هو غير مقبول، هو حظر الطلاق،"بما في ذلك في فرنسا."
ما هو غير مقبول، هو السماح بتعدد الزوجات،"بما في ذلك في فرنسا."
ما هو غير مقبول، هو اعتبار أنَّ المرأة هي أقل شأنا من الرجل،"بما في ذلك في فرنسا."
ما هو غير مقبول، هو حبس النساء بأكفانٍ من السواد، "بما في ذلك في فرنسا".
ما هو غير مقبول، هو منع المرأة من الزواج من رجل تختارُه، وإجبارُها على الزواج من رجل تختارُهُ لها عائلتها، "بما في ذلك في فرنسا."
ما هو غير مقبول، هو وجود "المجلس الأوروبي للبحوث والفتوى الذي يُصدرُ فتاوى تدعو لتطبيقها في فرنسا".

في فرنسا، لا يوجد قانون يعاقِبُ على التكفيرأو الإساءة، كما أظهرَتهُ الحالة الأخيرة من إحراق القرآن، وشهدت الإفراجَ عن الفاعل.
لذلك في فرنسا، يا سيد موسوي، إن رغبَ أحدٌ بحرق القرآن، فهو مسموحٌ لهُ. كما يسري هذا تمامًاعلى رسّام الكاريكاتير والساخر من النبي، الذي تتبعهُ أنتَ. كما أنَّ التظاهرات المتعددة المعادية لصدور هذا العدد من مجلّة "تشارلي إبدو"، لم تتوقف على المنتديات والمواقع، وفي بعضِها إساءة كبيرة للفرنسيين، والبعض الآخر يطالبُ بصوتٍ عالٍ برسوم كاريكاتيرية لمذبحة اليهود في الأربعينات"، وهو ما يبدو بعيدا جدا عن تمنياتكم بحصول "خلاف في مدى احترام القوانين واندماج الأشخاص في المجتمع".
كان الأجدر بكم، تذكيرَ أتباعِكم في الدّين، لو كانوا تحلّوا بشيءٍ من فضل المعروف والمحبة إزاء مَن استقبلَهُم من المواطنين، بأنَّ عيد الأضحى الذي سيحتفلون بهِ في غضون أيام قليلة، هو تكريم متميّزٌ لإبراهيم، وهو يهودي!
في رأيي، على البعض أن يتجاهل مثل هذا التفصيل، نظرا للمستوى الفكري الواطئ في تعليقاتهم.
في المقابلة التي أُجريتْ معكم، أثارتني عبارة على وجه الخصوص: "في ذات الوقت،عليهم القبول والفهم أنَّ الإشارة إلى المقدَّس في مجتمعاتنا، ليس ذاتُهُ للجميع."
وأريد أن أعرف عن أيّ مجتمع تتحدثون؟
هل هو المجتمع المسلم؟
هل هو المجتمع الفرنسي؟
أم هل هو المجتمع المغربي؟

إذا كان المقصود، هو المجتمع المغربي، فلأنّكم لا تشعرون بالمواطنة الفرنسية.
وإذا كان المقصود هو المجتمع المسلم، فلأّنكم لا تشعرون بالديمقراطية.
أمّا إذا كان المقصود هو المجتمع الفرنسي، فإنّي أودُّ التذكير بأن ليسَ ثمّةَ علاقة مع المقدس، طالما أنّهُ منفصلٌ عن الدّين منذ إقرار القانون الشهير في 1905، ما يجعلكُم بوضوح، غيرَ قادرين على الاندماج  على الرغم من حصولكُم حديثًا على الجنسية.
من ناحية أخرى، وكما ظهر في الوثيقة التي تشير إلى المسالخ المختلفة المستخدمَة للعيد، أنتُم توضحون تماما الصعوبة التي تعتمدونها باعتباركم مواطنين فرنسيين  بالتمام والكمال، طالما توجهون نذوراتكم " إلى المسلمين في فرنسا"، وليس إلى المسلمين الفرنسيّين؟
لذا، فإنّي أدعوك،  أنتَ وأتباعَك "في فرنسا"، للاستفسار عن دوركم في مجتمعنا الفرنسي ومدى قدرتكم على الالتزام بقيمنا العلمانية والديمقراطية، وإمكانيّتكم أيضًا على ممارسة السخرية الذاتية؛ بسببِ حصر ذاتكم بالعمامة.
إنني أتطلع إلى تقريركم حول ما تُلحقهُ الإسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام) من الأعمال التي أشرتُم إليها، ولن أتوانى من جانبي من تجميع ونقل ما يحصل من  أعمال بسبب الفرنكوفوبيا (الخوف من الفرنكوفون).
إلى جانب هذا، وأنا في بحثي (عبثًا) عن عنوانكم، وقع بصري على الفور على مقالة على موقع المجلس الإسلامي في فرنسا، وهو يسيءُ بصورة خاصّة، إلى المواطنين الفرنسيين.
لقد صدمت كثيرًا، بالإشارات التي تتطرّقُ فيها إلى رهاب الأجانب في هذه المقالة، وهي تتعلّق بشيءٍ يخصُّ فرنسا التي تصفها ب"الجمهورية المريضة والشيطانية" و"الحامية الطيبة لسلطة غامضة"، والتي "تجد متعتَها في المشهد المأساوي لطرفٍ غيرِ مرغوبٍ فيه في تركيبتِها السكانِية"، والتطرّق إليها ب "فرنسا، ضحية العجرفة والكبرياء".
باعتباركم، ممثلاً للمسلمين في فرنسا، وتقديرًا للبلد الذي رحَّبَ بكم وقبلَكُم مواطنين، كان يُفترضُ بكم عدم تحقيرِه وتمريغ سمعتِه من قبل مجتمعِكم في الوحل. ففي حال عدم وجود قانون يجرّمُ التكفير، فإنّ قانون التشهير والقذف قائمٌ على قدمٍ وساق.
ولذلك، فإنني أطالبكم بكلّ جدّية، القيام بتصحيح هذه المقالة الجارحة، بهدف عدم خلق المزيد من التوترات.
وتفضلوا، يا سيد موسوي، بقبول تحياتي العلمانية الخالصة.))

كارولين ألاماشير
صحفية فرنسية

- إنتهى-


7
فرنسا الحرّية والجمال لا تخاف!

لويس إقليمس
لم تهدأ بعدُ فورةُ الصدمة من حادثة الإرهاب على صحيفة "شارلي إيبدو" والمتجر اليهوديّ يوم الأربعاء 7 كانون ثاني الجاري. فقد، أيقظت هذه الجريمة الرأيَ العام الفرنسي والأوربي والدولي على السواء من شيءٍ مخيفٍ يجري من تحتهم، من حيث يعلمون أو يغفلون. فالكلُّ مجمعٌ هذه المرّة، على ضرورة اتخاذ التدابير الحاسمة والفورية لمعالجة وضع الإرهاب المتطرّف المتنامى يومًا بعد آخر باسمِ الدّين والدّينُ منه غيرُ مدرِك لمسالكِه!
في "شارلي إيبدو"، دقّتْ نواقيسُ الخطر من جديد، مقابلَ ضخامة الجريمة وهي تُرتكبُ في بلدٍ ديمقراطيّ يقدّسُ العلمانية، ومنفتحٍ على كلّ الأديان والمذاهب والأعراق والألوان. الحدثُ الجلل، أبانَ وبما لا يقبلُ الشكّ، ضرورةَ مقابلةِ شرِّ أوكار إرهاب المتطرّفين بحملةٍ شاملة وكاسحة لدكّ أوكارِهم  والقضاء على خلاياهُم النائمة في دول فتحت أبوابَها من منطلق الحرّية والإنسانية وحقوق الإنسان. هذه الخلايا النائمة، وما أكثرَها في بلدان الحرّية ومنها فرنسا بالذات، قد استفادت من مساحة التسامح والانفتاح لتنفث سمومَها الكامنة في أية مناسبة متيسرة بوجه هذه الدول الديمقراطية التي كما يبدو، لمْ ولنْ تتعلّمَ الدروسَ البليغة التي سجّلتها هذه الخلايا وعناصرُها المتشدّدة في سابقات غيرِها والمتمثلة  بأعمالٍ إرهابية واضحة. والعاقل يتساءل دومًا: متى ستتعلّمُ الدول الديمقراطية المتحرّرة الغربية أن تردَّ بالحسم الجازم أمثالَ حاملي الأفكار المتطرّفة الذين يهدّدون كلَّ يومٍ أركانَ دولها باجتياحها إسلاميًا، بالسرّ والعلَن، وسط تفرّج زعماء الغرب وأحزابِهم المتخاذلة والخانعة لطموحات التشدّد والتطرّف الذي يسري من تحتهم كالأنهار، ويهدّدُ بطوفانٍ لا تُحمدُ عقباه؟
الصدمة التي ولّدها إرهابيّو الأربعاء 7 كانون ثاني 2015 وسط المجتمعات الغربية المتسامحة، ما تزال ماثلة، بسبب الخوف المتزايد من العيش وسط خلايا إرهابية محتملة من شأنِها أن تستيقظ لأية مناسبة وتدكّ مواقع ومكاتب ومؤسسات، دينية وعلمانية وحكومية، عامة وخاصة على السواء. والحادثة الأخيرة قد تركت الباب مفتوحًا لخوف الجار من جارِه، والزميل من زميلِه، والجماعة من غيرِها المختلفةِ في الدّين والمذهب والعرق والهوية والجنس. أمِن خوفٍ وإرهابٍ أكثر من هذا؟ أليست هذه هي عينُ "الفوبيا" التي حذَّرَ منها الكثيرُ من العقلاء، بعد أن انتشرت في العقود الأخيرة وأصبَح روّادُها يسرحون ويمرحون، ولا خوفٌ أو إجراءٌ جدّيٌّ على تحرّكاتِهم وتخرّصاتِهم وتهديداتِهم العلنية والسرّية على السواء؟
لغاية اليوم، لمْ يلحظ العالمُ، مِنْ جدّية كافية في مكافحة آفة الإرهاب التي خلقَها الغربُ نفسُه، وها هو يكتوي بنيرانِها المستعرة، ويعضُّ أصابعَ يديهِ ورجليهِ متحسِّرًا على فعلتِه الشنيعة وخطيئتِه العظمى. والقادم أعظم! فماعدا النزر اليسير من فبركات الضربات الدولية القائمة حاليًا في هذا المجال في مساء العراق وسوريا، ودعوات بعض زعماء الدول والأحزاب التي تبحث عن دولارٍ إضافيٍّ يدخل جيبَها بحجة تعزيز الاقتصاد الذي لن يتعافى أبدًا، لم نجدْ فعلاً حاسمًا لطرد "داعش" وإنهاء شرورِه بالسرعة التي يتطلبُها الموقف المعبشيّ المزري لملايين النازحين في كلا البلدين. فالتحالف الدوليّ الذي اضطرَّ خجلاً وتحت ضغوط ذوي الإرادة الصالحة، لمقارعة الإرهاب في هذبن البلدين مؤخرًا، لا ينوي القضاء على أحد أكبر رموز هذا الإرهاب دوليًا، بسبب عدم جدّيتِه في الفعل وحسم الأمر لصالح هؤلاء المهجَّرين من ديارهم والمسلوبة ممتلكاتُهم والمطرودين من قراهُم وبلداتِهم ظلمًا. وتصريحاتُ قادة التحالف واضحة وضوحَ الشمس، وهي لا تعكس تلك الإرادة الصادقة بالقضاء عليه نهائيًا. ألمْ ينتقد رئيس الوزراء العراقي في زيارتِه الأخيرة لمصر، ضعفَ الضربات وعدمَ الجدّية في عمل هذا التحالف وعدم قناعتِه بنتائجِه لغاية الساعة؟ وإزاءَ هذا وذاك، تنادى العقلاء والحكماء للتضامن والدعوة لتغيير السياسات غير الحكيمة لعدد من دول الغرب، بما فيها فرنسا، وحثّ زعاماتِها من أجل التفكير جدّيًا برفض احتواء وإيواء ومجاملة المنحرفين والمشبوهين والمغضوبِ عليهم في دولِهم بسبب المواقف المريبة لتحرّكاتِهم وأفكارِهم العدوانية المتطرّفة. فقد دعا اليمينُ وزعماء سابقون، بتحوّطات أكبر في                  قبول طلبات اللجوء وعدم التغاضي عن الهجرة غير الشرعية التي يستخدمها أمثالُ هؤلاء المريبون بطريقة أوقعت هذه الدول الديمقراطية في شراك هؤلاء"الفاعلين والقاصدين عكسَ ما يضمرون"!!!
أمام هذه المحطة الجديدة من الإرهاب في دولة تعشقُ الحرية والجمال والانفتاح، انتفضَ الحكيمُ والجاهلُ، العاقلُ والمجنونُ، الواقعيُّ والخياليُّ، العلمانيّ والدّينيّ، الراقصة والسياسيّ، الكبير والصغير ومن كلا الجنسين ومن أديان وقوميات وهويات مختلفة، لتحتضنَهُم تظاهرةُ باريسَ المليونية يوم الأحد 11 كانون ثاني الجاري، لتقولَ بصوتٍ واحد: لا للإرهاب، ومن ثمَّ إدانةَ كلّ فكرٍ ناتجٍ من أيديولوجية إرهابية تتخذ من الدّين مصدرًا ومرجعًا وإلهامًا.
اليوم، يقف الإسلام في قفص الاتهام، بسببٍ من ارتكابِ معظمِ الأعمال الإرهابية باسمِه وتحت رايتِه و"للانتقام من نبيهَ"، كما سمعنا وعاينّا وشاهدنا على الشاشات. وهذا التصريح من هؤلاء الشواذ في صفوفِ رعاياه، مستنكَرٌ ومرفوضٌ جملةً وتفصيلاً من العقلاء وعبادِ اللّه الأصفياء ومن أوليائِه الميامين ومراجعِه الحكيمة التي ادانته وتدينُ أمثالَه. فالمسلمون ليسوا جميعُهم إرهابيين! لكنّ الإرهابَ، وإن كانَ لا دينَ له، إلاّ أنّ غالبية الأعمال المرتكبة في العالم باسم الدّين، قادمة من أتباعِ الإسلام، وأصبحت تزكّمُ أنوفَ العقلاء فيه إلى درجة الخجل والتبرئة ممّا يقترفُهُ هؤلاء الشواذ من المتطرّفين. والحقُّ يُقال، أنّ الكلمة تواجَهُ بالكلمة، والإبداع بالإبداع، والحجّة بالحجّة، وما على الرسول إلاّ البلاغ! أمّا الإرهاب والقتل والفساد والاغتصابُ والسبي والتدمير وكلّ أنواع الشرّ والفتنة، فهي سلاح الجبناء وشواذ العقول والعاجزين عن مواجهة العالم وتحدّياتِه بما أنعمَ عليهم الخالق من طاقة وقدرات بشرية وإنسانية.
إنّ الإرهابَ، وبسبب من استفحال سرطانِه الخبيث وانتشار أيديولوجيتِه المنحرفة كالنار في الهشيم، قد عصيَ على سياسات العالم وزعاماتِه. فبعد أن خلقتْهُ هذه وزرعتْهُ وروتْه بسيلِ الدولارات وثروات النفط الجارية كالأنهار، لم تعدْ تستطيع إيقافَ مدِّه ومنعَ انتشارِه، تمامًا كالسرطان الخبيث المستفحل. ومتى ما قُضي على هذا الخبيث بدواء شافٍ وناجع، حينئذٍ يمكن أن يُقال، سيُقضى على آفة الإرهاب أيضًا!
في تظاهرة الأحد في باريس، عاصمة الحرّية والجمال والديمقراطية والعلمانية، الجميعُ بلا استثناء، ندّدَ واستنكرَ وتظاهر، كلٌّ وفق رؤياهُ ومصالحِه وتوجّهاتِه تحت شعار " لا للخوف، نعم لوحدة الصفّ". أكثر من خمسين من قادة وزعماء العالم المتحضّر شاركوا فيها، ومنهم رمزان متناحران تاريخيًّا يُعدّان أساسَ الكثير من مشاكل المنطقة بل ومن أساس مشاكل الإرهاب الذي ضربَ أطنابَه في عموم بلدان العالم: إسرائيل وفلسطين! أمنْ تعبيرٍ تضامنيّ أكبر ممّا شهدتهُ هذه المدينة الحالمة والساكنة في بحار العطور والجمال والحب، ومعها مدنٌ أخرى حيال جريمة الأربعاء، مستنكرةً ورافضةً للفكر الأيديولوجي السلفيّ المتطرّف الذي لا يقبلُ الآخرَ المختلف وينوي تسييرَ العالم وفق رؤاهُ في العودة إلى أربعة عشر قرنًا خلتْ كانت شاهدة على التناقض الواضح في التأويل والتطبيق والدعوة!؟
 لقد أثبتت فرنسا بهذه الحشود الدولية المتظاهرة لساعات، أنّها بوّابة الديمقراطية وقبلتَها وحافظتَها والساهرة دومًا على صيانتِها بالرغم من الكمّ الهائل من محطات الإرهاب الذي يطالُها بين فترة وأخرى. لكنّها أثبتت بقاءَها محطَّ أنظار وتطلّعات الباحثين عن الجمال والحرية والديمقراطية! ومع ذلك، تبقى الحيطة والحذر درسَين للعمل بموجبهما والإصغاء للعقلاء الذين اكتووا بنار هذه الآفة التي تنتشرُ كالأميبا وسط الشباب العاطل واليائس من حكومات فاسدة ولصوصٍ وتجّار حروبٍ عالميّين ضربوا كلَّ الأعراف والمبادئ والحقوق. لقد خبرتُ أعمالَ الإرهاب شخصيًّا ثلاثًا وعرفتُ قساوتَه مثل غيري وتيقنتُ أنَّه من عمل تجّار الحروب والشعوب!
في التظاهرة  الباريسية التي تُعدّ الأوسع والأشمل، هناك الكثيرون ممَّن رفعوا شعار: "أنا شارلي إيبدو"، و "لا للإرهاب". ونحن معهم نقفُ ونصرخ: "كلُّنا شارلي إيبدو" و " كلاّ كلاّ للإرهاب". ولكن، مع فارق أنّنا في العراق وسوريا ولبنان ومصر حصرًا نعي جيّدًا، معنى هذه العبارة التي شوّهت اسمَ الإسلام الذي باسمِه ولأجلِه نُقتلُ ونُضطهَدُ ونتعذَّبُ كلّ يومٍ ومنذ سنواتٍ كثيرة من دون رحمة ولا شفقة، لا من منفّذي العمليات الإرهابية ولا مِن مموّليهِ وصانعيهِ على السواء! لقد أثبتت فرنسا أنّها بعدُ قوية بوحدة صفوفِ الشعوب التي تحتضنُها، وهي قادرة على لفظ الأشرار وتمييز الغثّ من السمين، وحماية نظامِها الديمقراطيّ، هذا إنْ فعلتْ ذلك من دون مجاملة ولا مهادنة ولا مماطلة. فرموز الديمقراطية لديها قد جُرحت هذه المرّة بشدّة، ولا بدّ من وضع الأمور في نصابِها الصحيح. فحرّية التعبير، ستبقى مصانة، ولكنّها لا تجيزُ الإساءة للمعتقدات، كما يقول البابا فرنسيس الأول.
فرنسا صُدمتْ يوم الأربعاء الدامي، ومعها كلُّ الحالمين بها وكلّ محبّيها حينَ طالَ الإرهابُ هذه المرة ايضًا، رمزًا من رموزِها الديمقراطية في حرّية الرأي والنشر والتعبير. كيفَ لا، وهي رمز الجمال وبلد الديمقراطية ومآل الحرية المنشودة التي يحلمُ بها الإنسان البسيط، المسالمُ والمغرَّرُ به بالإرهاب على السواء. صدمة كبيرة لكلّ عاشقٍ للإنسانية ولكلّ امرئٍ يشعر بذرّة من هذه الإنسانية التي باركَها الخالق وأعطاها للبشرية نعمةً كي تعكس صورتَه الحسنة والجميلة في خلقِه من أجل تمجيدِ اسمِه وليس من أجل قتلِها وتشويهِها ووأدِ رسالتِها المقدسة وتشويه اسم اللّه على الأرض.
بهذه الحادثة الأليمة السافرة، أفاقتْ دولُ الغرب الديمقراطيّ وأيقنتْ شعوبُها أنَّ العالم في الجانب الآخر، يعاني كلّ يوم وكلَّ ساعة "شارلي إيبدو" جديدة، مع اختلاف الوسائل والمبرّرات والأهداف. وبالرغم من امتعاضِ البعض من الخطّ الإعلاميّ الساخر الذي تسير عليه " شارلي إيبدو"، إلاّ أنّ المبرّرات بالإرهاب لا ترقى لحدّ اقترافِ جريمة بهذا الحجم، وقد أرادَ بها متطرّفون متخلّفون اغتيالَ الكلمة الحرّة "المقدّسة" التي تؤمنُ بها دولة فرنسا والغربُ عمومًا. فالصحيفة المتهمة بالإساءة، ومثلُها غيرُها، توجّه سخريتَها للجميع وتطالُ كلّ الأديان والأحزاب والشخصيات. ولكنْ لم نسمعْ أنَّ نفرًا ممّن كانوا هدفَها من غير الإسلام، قد ناصبوها العداء لفظًا أوفعلاً وانهالوا عليها ضربًا أو رصاصا، ووجّهوا لها تهديدًا أو اغتيالاً، إلاّ من حثالة قومٍ ركبوا موجةَ التخلّف وأهانوا همْ أنفسُهم دينَهم قبلَ غيرِهم، بتشويهِ نظرتِه للبشر وتسامحِه وقبولِه التعايشَ على أساسٍ إنسانيّ متمدِّن ينسجمُ مع الحياة المعاصرة ولا يتقاطعُ مع أحكام الحقوق العامة والخاصة التي رسمها العالم المتحضِّر وفق شرعة حقوق الإنسان في كلّ زمانٍ وكلِّ مكانٍ، ولكلّ زمانٍ وكلِّ مكان. لقد أثبت الإرهابيون أنّهم في مكانٍ لا يليقُ بهم ولا يستحقونَه، بسببٍ من عدم إيمانِهم بمبدأ العلمانية التي يؤمنُ بها هذا البلد ودولُ الغرب عمومًا. ومَن كانَ لا يقوى الانسجامَ في مثل هذه الأجواء الدميقراطية المتحرّرة في هذه البلدان، لما التكالبُ من جانبِه على دوائر الهجرة والسعي لبلوغ أراضيها بكل السبل والوسائل؟
   عمومًا، إذا كانت هذه الأعمال الإرهابية تُقترَفُ باسم الدّين ودفاعًا عن اللّه، فالدّينُ منهم براء، والّلهُ يعتذر بقبول هذا المنكر ويخجل من هذا السلوك الذي يشوّهُ اسمَه حين اقتراف الأعمال الإرهابية باسمِه. ألعلَّ الخالقَ بحاجة لمعولِ وسيفِ وبندقيةِ وسلاح حثالى البشر من متطرفين وموغلين في التخلّف والرافضين لثقافة الحياة والعصرنة والتطوّر والتقدّم والعلاقة السليمة بين أتباع جميع الأديان كي يدافعوا عنه؟ إن كان سبحانَه بهذا الضعف، فلماذا نعبدُه، وأينَ قدرتُه وأناتُه وحكمُه العادل، إذن؟ جميعُ أديانِنا علّمتنا أنّه هو الواحدُ الأحد، الواحدُ الصمَد، القادر على كلّ شيء، الضابطُ الكلَّ، ربُّ الأديان والشعوب، وفاحصُ الكلى والقلوب والديّانُ الأعظم في موقف الدينونة. وهو من ثمَّ ليسَ بحاجة لمتخلّفي العصر كي يدافعوا عنه ويحموا قدرتَه على فعل المعجزات ووضع الكواكب والأشياء في مسارها. فلا دينَ أرفعَ من غيرِه، ولا قومَ أسمى من غيرِه، ولا أمّةَ أفضل من غيرِها إلاّ بما تقدّمُه هذه من خدمة للإنسانية ومن علومٍ وثقافةٍ وأعمالِ خيرٍ ورحمة للبشر والبشرية. والّلهُ فوق هذا وذاك، لا يرضى بالدم والعنف والقتل  والدمار والذبح والسبي والاغتصاب والطرد والتهجير والنكاح بفتوى أو بنزوة، بل "يريدُ رحمة لاذبيحة". فكيفَ بهؤلاء الإرهابيّين يعتقدون بأنّ مَنْ خلَقَهُم أحرارًا حسَني الصورة على صورتِه ومثالِه، يطالبُهم بالانتقامِ لهُ من المختلفين عنهم في الدّين والمذهب والعرق واللغة وما إلى ذلك، وهو خالقُ الجميع وواهبُ الجميع وراحمُ الجميع؟؟؟ أليسَ بالرحمن الرحيم، مالكِ يومِ الدين، إياهُ نعبدُ وإيّاهُ نستعين؟؟؟ فكيفَ يريدُ الشواذ من البشر تحويلَه إلى قاتلٍ ومجرمٍ ومفجِّرٍ برفع راية القتل السوداء في أعمالِهم والمناداة باسمِه حينَ حزّ الرقاب والاغتصاب والسرقة والتفجير وسط أناسٍ أبرياء وتدمير وجودِهم وإنهاء حياتِهم التي وهبها إياهم خالقُهم المحبّ وأتاحَ لهم الأرضَ والسماءَ وما فيهما من خيراتٍ لخدمة الإنسان وراحتِه؟ أليسَ هذا من سخرية الأقدار ومن سقامة الفكر ودناءة النفس والجسد معًا وتخلّف العقل الذي ينشدُ الموتَ جريًا ويرفض الحياةَ قهرًا ولا يقبلُ الحداثة رضىً وشكرًا، بالرغم من استخدام هؤلاء لأرقى أساليب العصرنة في الحياة اليومية، في تناقض فاضح!
وأخيرًا، تعاطفُنا مع الضحايا يأتي من قبيل احترام الرأي والرأي الآخر والقبول به كما هو وليسَ وفق مقاساتِ البعض من كارهي الحياة وراجمي الديمقراطية ورافضي الحرية والجمال. وستبقى فرنسا، ومعها دول الغرب المتحضّر ساريةَ علمِ جميع الأحرار في العالم، وناشدي الديمقراطية والمتطلّعين لحياة أفضل تحت خيمة الحرّية والمساواة والأخوّة.

لويس إقليمس
بغداد، في 13 كانون ثاني 2015



8
فصلٌ جديدٌ مع لعبة تحرير المتنازَع عليها

لويس إقليمس
كان الحدسُ في محلّهِ حين أشرنا مثل غيرِنا، أنّ تداعيات قضية سقوط الموصل وبلداتِها بيد "داعش"، كانت مؤامرة سياسية من داخل الوطن، أي من أحزاب تتبع مكوّناتٍ كبيرة ومن شركاء في العملية السياسية. وبموجب المتوفر حاليًّا من المعلومات والحقائق والبيانات، فقدحصلت المصيبة بموجب اتفاق سياسيّ، كما أورد ذلك رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بعظمة لسانه. وقد أشار إلى جزءٍ كبيرٍ من خطوطِها، قائد عمليات نينوى الفريق مهدي الغرّاوي، مؤخرًا وهو في حالٍ يُرثى لها خلال دفاعِه على شاشة قناة البغدادية في ثلاث حلقات متتالية.
 وبما أنّ القضية لمْ تزل تداعياتُ تحقيقاتِها هذه تُبحث في أروقة مجلس النواب وسط احتدام جدالات، وربّما سيتلقفُها الادّعاء العام إن كان حريصًا على انتهاج الاستقلالية في عملِه، فهي قد لا تفضي بنتيجة مقنعة حتى مع الإجراءات الإصلاحية التي اتخذها رئيس الوزراء بتنحية قادة وإجراء تغييرات وتنقّلات أمنية واسعة. فالمتورطون فيها عديدون، ومنهم من العيار الثقيل، واللعبة تنكشف خيوطُها يومًا بعد آخر. فما بعدَ التحرير رهنٌ بما قبلَ التحرير وعبدٌ لاتفاقاتٍ بين "الإخوة الأعداء". لذا، من الصعوبة بمكانٍ أن يتمّ كشف المستور كلِّه وراء دهاليز السياسة الداهية واتفاقات الساسة والكتل، حالُها حال باقي القضايا التي طوتها الرفوفُ وامتلأتْ بها الخِزانات. فما خفي كان أعظم!
وسط الكمّ الهائل من المشاكل السياسية المتوارثة عن الحكومة الطائفية السابقة، ومنها المعلَّقة لغاية الساعة مع إقليم كردستان المفاوض العنيد والفارِض أجندتَه على العملية السياسية بقوّة فاعلة مدعومًا من الغرب ومن الذئب الأمريكي راعي العملية السياسية، وتلك الاقتصادية الناجمة عن تهاوي أسعار النفط دراماتيكيًّا، بالإضافة إلى معضلة النازحين والمهجَّرين التي لم تستقطب سوى النزر اليسير من اهتمام الدولة، وكذا صعوبة القضاء الحاسم على مواقع الفساد المستشري بلا هوادة في مؤسسات الدولة، ناهيك عن استمرار اهتزازواقع الأجهزة الأمنية بأصنافِها، كلّ هذه الأمور وغيرُها تفرضُ حساباتٍ صعبة الانقياد، بالرغم من المكاسب التي حققتها الدبلوماسية العراقية في ظلّ العهد الراهن. فالانتصارات المتلاحقة التي حققتها الأجهزة الأمنية المشاركة في محاربة تنظيم "داعش" الإرهابيّ، وإنْ كانت جديرة بالملاحظة، إلاّ أنّها لا تشفي بعدُ، غليلَ المواطن العراقيّ الذي قاسى آلامَ التهجير والسلب وانتهاك الحرمات والاغتصاب والعبث بالممتلكات والعقارات والمقتنيات الخاصة والعامة. فيما لا يزال السياسيون في المثلَّث الحاكم، لم يكلّوا من اللهاث وراءَ آفة المحاصصة الطائفية التي استنكرها الجميع قولاً ودعايةً وتشبثوا بها فعلاً وتطبيقًا وتنفيذًا. وآخرُها، صدورُ مرسومٍ جمهوريٍّ بتعيين نائبين لرئيس ديوان الرئاسة، شيعيّ وكرديّ، بالرغم من إمكانية الاستغناء عن هذه الصفات والدرجات تقنينًا للنفقات. وماذا لو كانَ بادر الرئيسُ معصوم بحَنَكتِه، واختارَ شخصية من مكوّنات الأقليات المهضومة الحقوق والمهمَّشة على طول الخط، والتي يتباكون عليها جميعًا في وسائل الإعلام وفي الاجتماعات التي لها بداية وليس لها نهاية أو في اللقاءات والزيارات المكّوكية لدول العالم متبجّحين بإيلائِهم اهتمامًا بحقوق الأقليات والسهر على تشجيعِهم التشبّثَ بالأرض والوطن. فيما كلّ الدلائِل تشيرُ إلى تهميشِهم واستكثار منصبٍ سياديٍّ يتيمٍ لهم والتقتير عليهم بمناصب أخرى عامة أو وظائف اعتيادية. فأينُ الحرصُ الوطنيّ في هكذا إجراء؟ وكيف يتسنى للمواطن المكوي بنارِ الطائفية التمزيقية والمحاصصة البغيضة التي لا تترك فرصةً للكفاءات الوطنية كي تُبدع وتجيد وتنمي؟ ما هكذا تُبنى الأوطان يا ساسةَ العراق! ضعوا كلمةَ الحق والإنصاف في صدورِكُم ولو مرّة! وإن كان اللهُ يمهل، فهو لا يهملُ ولا ينسى عبدَه ليبقى مفجوعًا طيلةَ عمرِه!
وفي ضوء ما حصل ويحصل، يكون الدستور المثقَل بالتناقضات، هو السبب الرئيسي لكلّ الإشكاليات التي أوجدت مثل هذه التناقضات والمشاحنات بسبب ابتعادِه عن السمة الوطنية التي تبني وطنًا على أساس دستوريّ شامل وليسَ ناقصًا وطائفيًا ودينيًا ومذهبيًا وعرقيًا. وهذا ما يتطلّب تغييره ليتسامى فوق هذه الإشكاليات جميعًا.

مفترَق طرق
نحنُ اليوم أمام مفترَق طرقٍ خطيرٍ من موضوع وحدة تراب الوطن، بعد أن اشتدّت حبالُ الجرّ السياسيّ والطائفيّ في محاولة لتعزيز مفهوم الّلامركزية التي نحلمُ بها جميعًا ونراها خيرَ معالجةٍ للتذبذب في مصير الحياة السياسية في البلد، ولكن ليسَ على حساب وحدةِ أرضِه وترابِه ومياهِه. فالمحاولات الجارية في أيامِنا، يُشمّ منها رائحة بدء الانفصال الفعليّ من جانب المكوّن الكرديّ على أساسٍ قوميّ وعرقي، ومن جانب المكوّنين الشيعيّ والسنّي على أساسٍ طائفيّ ومذهبيّ. والخياران أشدُّ إمضاءً من السيف البتّار
. ولو تمهّل الشركاء السياسيون المهيمِنون على مقدّرات البلاد والمستنفذون لثرواتِها الوطنية بوسائل وأشكال واتجاهات مبتكرة في كلّ مرّة، كي يعطوا فرصة لنهضة بلدِهم الجريح بعد القضاء على عصابات "داعش"، لتيقنوا أنّ الغرب بقيادة أمريكا ومَن وراءَها من الكارتل الاقتصاديّ والإعلاميّ المهيمِن عالميًا، لا تهمُّهُم مصلحة الوطن ووحدتَه وتطوّرَه. بل، وليس من اهتماماتهِم البتّة نهوضُه وتعافيه من كبوةٍ، كان لهم فيها أداءٌ وضلعٌ كبيرٌ في إيجادِها وتأجيجِها وإدامة زخمِها وتواصلِها ما شاءَ القدَر. فهُم يريدون العراق سوقًا استهلاكية دائمة وملاذًا للخارجين عن القانون ومؤسساتٍ تعجُّ وتسبحُ في فوضى خلاّقة كي يسهلَ تحريكُها والمناورة بها والسيطرة عليها متما شاء الأسياد.
 لستُ أجني، كي لا أُحمَّلَ ما لا طاقةَ لي به، بل أقولُ واستعرضُ ما أراه مثلَ غيري على أرضِ الواقع، وفي ضوء العمليات التحريرية القائمة حاليًا والاستعدادات الجارية لتحرير مناطق الأقليات المتنازَع عليها والتي خضعت لصفقات سياسية واضحة لا تقبل الشكّ.
 فالجانب الكرديّ، أجادَ إدارة ملفّ إشكاليّات الإقليم مع المركز، بدفعٍ من استشاراتٍ وتوصياتٍ خارجية، إلى جانب الدعم الّلامحدود الذي تلقّاهُ ومازالَ، استعدادًا لإعلان دولتِه القومية المزمعة حين الحصول على معظَمِ مبتغاه. وقد تحقّقَ الكثيرُ ممَا حلمَ به وأرادَه لغاية الساعة، وهو يستعدّ لإكمال الصفحة الأخيرة بإعادة المناطق المسلوبة من عصابات "داعش"، استعدادًا لضمِّها إلى دولتِه العتيدة بعد حصولِه على الضوء الأخضر داخليًا ودوليًا. فالغربُ عمومًا يتعاملُ اليومَ مع الإقليم كجهةٍ ذات سيادة، ولهُ فيها وجودٌ دبلوماسيّ وقنصليّ مستقلّ عن بغداد. كما أنّ الإقليم لا يعود إلى حكومة المركز في اتخاذ قراراتٍ مصيرية وأمنيّة وسياسيّة، إلاّ في حدود الإعلام التنسيقيّ للاستهلاك المحليّ فقط.وهو يديرُ مواردَه المائية والنفطية ومؤسساتِه الإدارية بصورة مستقلّة عن المركز.وما سلوكُ الجانب الكرديّ وتعاطيه مع مسألة سقوط الموصل وتخلّيهِ عن المناطق المتنازَع عليها،التي كانت في عهدتِه من جانبٍ واحد، بين ليلةٍ وضحاها لمصلحة عصابات إرهابيّة، سوى علاماتٍ من تطبيقَه لأجندة محكمَة التخطيط والتنفيذ. وها هو اليوم، وعقبَ الانتصارات الأخيرة في قاطع "سنجار" بدعم سَوقيّ وجوّيٍّ من دول التحالف، يُعلنُ صراحةً بلسان قيادتِهعن أحقيّة مَنْ يحرّر المناطق المتنازَع عليهاوبضمّها لأراضيه، وفقًا للدستور. فهل يا تُرى، أنّ التخلّي عن مناطق عراقية من دون مقاومة لصالحِ عصاباتٍ إرهابية قادمة بأيديولوجية تكفيرية عبر الحدود ليسَ لها وطن ولا أرض، مذكورٌ نصّا في هذا الدستور الذي يُفسَّرُ بحسب مرام البعض؟ وهل إنّ تحرير هذه المناطق ومصيرَها منصوصٌ عليه دستوريًّا أيضًا قبل حصولِ النكبة؟وهل إنّ إعادة توطين المهجَّرين من مناطق سكناهم الأصلية في مواقع أخرى من الإقليم مذكورٌ أيضًا في الدستور الأعرج المليء بالقنابل الموقوتة منذ كتابتِه وإخراجِه والموافقة عليه بطريقة غريبة لا تخلو من مؤامرة، هي الأخرى؟ أليسَ في هذا إصرارًا ورائحة لإحداث تغييرات ديمغرافية فيما تُسمّى بالمناطق المتنازَع عليها؟ أسئلة كثيرة لن نجدَ لها ردودًا، لأنها جميعًا خارج السياقات الموضوعية والمواطنية التي افتقدها الوطن والمواطن معًا، والأخير هو الضحية.
هذا بالتأكيد، ما حرّضَ أوساطًا من السنّة لاستغلال احتجاجاتٍ واعتصاماتقامت في مناطق غربية حصرًا في أوقاتٍ سابقة،نتيجة للتهميش الذي طالَ هذا المكوّن في الحكومات السابقة، ما دعاها كي يحذو حذو خطوات الإقليم الناجحة والمطالبة بإقليمٍ سنّي على أساسٍ طائفيّ. ومثلُهُ أيضًا خطا الشيعة في محافظات الجنوب ذاتَ التوجّه وما يزالون يجدّدون ذات الطلب في هذه الأيام. وهذا من حقّهم كما ينص الدستور على ذلك. والحالُ، وإنْ يكن التصوّر بتشكيل دولة اتحادية من أقاليم لأغراضٍ لامركزية في الحكم وفي إدارة شؤونِها، ما يخفّفُ من وطأة المركز ومن جهدِه ومشاكلِه البيروقراطية.
هناك اعتقادٌ سائدٌ، أنّ ما يحصل اليوم لن يعزّز الوحدة الوطنية ولن يحفظَ وحدةَ البلاد، بسبب كون النَّفَس طائفيًّا والرائحة مذهبيّة والهدف تفتيتيًّا واستقلاليًا في المستقبل. وهكذا، "كأنكّ يا أبو زيد ما غزيت"، كما يقول المثل. فلا نكون قد حقّقنا الديمقراطية الصحيحة بعد إسقاط النظام الدكتاتوري، ولا حصلنا على الحرّية المسؤولةفي ضوء العملية السياسية المريضة المتأرجحة، ولا حقّقنا التنمية المأمولة من الثروات المستخرجة، ولا ساهمنا في إغاثة المناطق المنكوبة والمتخلّفة، ولا قدّمنا ما يستحقُّه المواطن البسيط من أمن واستقرار وخدمات بلدية وحياة كريمة. فالفساد اخترق كافة مؤسسات الدولة والّلصوص تضاعفوا واستفحلوا ومعهُم تزايدت أعداد الميليشيات وأعمالُها غير المشروعة. وكلُّ ذلك على حساب الشعب الأعزل. أمّا ميزانيةُ الدولة الضخمة طيلة السنوات المنصرمة، فحدِّث ولا حرَج! فهذه تُدار بأيادي غير نظيفة وتُنفق في بنودٍ وأبوابٍ مترهلة استهلاكية لصوصية واضحة، ولا أحد يُفلح في إيقاف هذا المدّ الجارف، بالرغم من تعالي الأصوات الصادقة التي تُكمّ بكلّ الوسائل والحجج والبراهين الواهية. كما أنّ الدولة تقف عاجزة عن إيجاد حلولٍ لأهمّ مطالب المواطن، والتي تقتصر على تقديم خدمات آدمية تحفظ أمنَه واستقرارَه وتُؤمِّن رزقَه وحسنِ تعليمِه وتثقيفِه وتربيته على أسسٍ مدنية ومتحضّرة. وما يُؤسفُ له، فإنْ حصلَ وتحقَّقَ مثلُ هذه المشروع التمزيقيّ والتقطيعيّ الطائفيّ والعرقيّ لأوصال الوطن بحسب توجهات بعض الجهات، فإنّه سيكون كارثيًّا. وإن سمحتْ حكومةُ المركز وتغاضت عن وحدة أراضي البلاد وفرّطتْ بها لصالحِ أية جهةٍ انفصالية، فمردُّهُ سيكون إلى ضعفها وضعف الدولة عمومًا ونظامِها السياسيّ وغيابِ قرارِها المرهون بصاحب القوّة والتأثير والدعم على الساحة السياسية.

الأقليات، الضحية الأكبر في كلّ المعادلة

لم تحظى أقليات العراق يومًا، بما يترتبُ لها من حقوق مواطنية، شأنُها شأن سائر أبناء المكوّنات. بل كانت مشاريعَ صفقاتٍ منذ بدء تأسيس الدولة العراقية. فقد استغلَّها المحتلّ البريطانيّ حينَها، أبشعَ استغلال وزجّها في أتون حربٍ لا ناقةَ لها فيها ولا جمل. وما نالتهُ الأقلية المسيحية من ظلمٍ وتخلٍّ عن وعودٍ بإدارة ذاتية في مناطق تواجدِها التاريخية، خيرُ دليلٍ على استمرار تهميشِها وعدّها مواطنة من الدرجة الثانية. وهذا يطال، بطبيعة الحال، الأقليات الدينية الأخرى كالصابئة المندائية والإيزيدية، والإتنية كالشبك والكاكائية والصارليّة والقوقاز وذوي البشرة السوداء والغجر وما سواهمُ إن وُجدوا. فيما عدا التركمان،الذين تمكنوا بدعم إقليميّ من الجارة تركيا ومن شركائِهم في كردستان العراق، مِن تثبيت هويتِهم الإتنية والدفع بصياغة قانون خاصّ لهم يحفظ حقوقَهم وينظّم شؤونَهم.
ومن المؤسف، في العقود السابقة من حكم العراق، لمْ يظهر قادة وزعماء عفيفون ومخلصون ووطنيّون تبنّوا حقوق هذه المكوّنات، بالرغم من أصالةِ بعضِها المتجذّرة والمشهودِ لها بالعفّة المالية والحرص الوطنيّ والرغبة بتنمية البلاد ونهضتِها ورفعتِها إلى مصاف الدول المتقدّمة. ولكنّ محاولاتِها الحثيثة والصادقة، تصطدمُ دومًا بإرادة معاكسة، تريدُ العودة بالبلاد والعباد إلى عصور التخلّف والفلَتان والفوضى التي تُنتجُها أفعال هذه الطبقة غير الحريصة على تنمية الوطن. ويعود للراحل عبدالكريم قاسم، بالرغم من أخطائِه السياسية، وقفتُه الوطنية في هذا المجال والكلمة الحسم، حين اعتراض نفرٍ من مجلس الجامعة ورئيس مجلس السيادة على اختيار العالم الصابئيّ المندائيّ عبدالجبار عبدالله، لخلافة العالم المسيحي الدكتور متي عقراويّ، الأستاذ في علم التربية، على رئاسة جامعة بغداد بعد إحالة الأخير على التقاعد بعدَ قيام ثورة 14 تموز في 1958، وذلك بعد رئاستِه لها منذ تأسيسِها في 1956.فقد نُقل عن الزعيم ما معناهُ " حاجة البلاد إلى عالم لقيادة صرح علميّ، وإلى إمام لإمامة الصلاة في جامع"، وقولُه أيضًا:"الثورة جاءت لإنصاف الناس، لا تفرق بين مذهب ومذهب، ودين وأخر، بل جاءتْ لوضع كل إنسانٍ عراقي مهما اختلف دينُه وقوميتُه وشكلُه في المحلّ المناسب، وإنَّ الثورة ستزيلُ من أمامها كلَّ مَنْ يقف في طريقها لتحقيق هذه الغاية".
وبعد هذا الكلام الواضح وهذا الموقف المشرّف من زعيمٍ وطنيّ نزيهٍ،أمِنْ قولٍ آخر ظهرَ ليصدحَ بالحقّ ويقف إلى جانب موضوعة "الرجل المناسب في المكان المناسب"؟ أمِن مقارنةٍ بين ما جرى في 1958 وما يجري اليوم من تعيينات وفق المحاصصة التي يتسيّدُها المثلّث الشيعي- السنّي- الكرديّ، مخالِفًا للدستور الذي يدّعي المساواة بين جميع المواطنين؟

 أليسَ من سخرية القدَر ونحن في الألفية الثالثة من التطوّر في التقنية والمدنيّة والوسيلة والأداء، أن يذهب فكرُ البعض بعدم جواز تنصيب غير المسلم في منصب سياديّ أو وزارة أو دائرة أو مؤسسة عامة أو خاصّة، وفقًا لشرعٍ سُنَّ قبل أكثر من أربعة عشرَ قرنٍ خلت في ظروفٍ لها مبرّراتُه، يمكن أن تكون نافعة بالأمس وغير مجدية في هذا العصر؟
إنّ استمرار النظرة الدونيّة لأبناء المكوّنات القليلة العدد "الأقليات"، تأتي من واقع عدم الاستنارة وعدم الإيمان بعصر التطوّر الجديد في كلّ يومٍ وكلّ ساعة، وبحقّ الجميع في التساوي بالحقوق والواجبات بسبب "الأنا" الطائفية والفئوية القاتلة.أمّا النفر من الضّالين ومن المغرَّر بهم بضرورة العودة إلى عصور ما قبل التطوّر، عليه إعادة قراءة الأزمنة والتاريخ بروح معاصرة وإنسانية قبلَ أن تفوتَه فرصة الاستمتاع بجمال الصورة التي خلقَها لهُ اللهُ المبدع، وليس بتسخيفِها وتحقيرِها وإهانتِها. فالرجل والمرأة، خلقهما اللهُ ذكرًا وأنثى إنسانَين متساويين، ليحيا وينميا ويكثرا ويبدعا في فردوسِه الكبير، تمامًا كما أذنَ لشعوبٍ ودولٍ كي تتصاهر وتتداخل وتتبادل المنافع والمصالح معًا وفقَ قواعد دولية وأسس إنسانية واجتماعية واقتصادية مقبولة. ومن الغريب أنّ مَنْ يتبنّى مثل هذا الفكر المتخلّف، يقف اليوم من بينالمستخدمين الحريصين لوسائل التطوّر التي أتت بها التقنية الحديثة، كالطائرة والمركبات والمكائن الثقيلة المدنية منها والعسكرية وأجهزة الاتصال المتطورة ووسائل الإنتاج المتعددة للاستخدام اليوميّ والأطعمة وما سواها من مغريات.
هكذا إذن، تتكرّر مأساة أبناء هذه المكوّنات، ويُتاجرُ بها بحسب أهواء القويّ على الساحة. ومَن لا قوّةَ تحميه، ولا سلاحَ يدرأُ عنه اعتداءات غيرِه ويصدُّ همجيّتَهم وتجاوزَهم على استقلاليّةِ قراره، فهو صيدٌ سهلٌ للجميع وصفقةٌ تُمرَّرُ بين الأقوياء.وسوف تتواصلُ هذه المأساة، ولن تتوقفَ حتى قدومٍ زعيمٍ وطنيّ قويّ وعادل يرسم ملامحَ وطنية ومواطنيّة جديدة للوطن وأهلِه، وليعيدَ بناءَ الأمّة العراقية من جديد بالاحتكام إلى دستور عادل وقوانين موضوعية تمارس العدل والمساواة والحق للجميع دون تمييز. ومن المؤسف أن ينساق بعض المثقفين من أبناء هذه الأقليات وعدد من الانتهازيين والمنتفعين وبعض المراجع الدينية على اختلاف ألوانِها وأطيافِها، مناديةً بتوطين النازحين وبتخييرِهم بين العودة إلى ديارِهم وقراهم ومناطقهِم الأصلية، وبين البقاء "غرباء أذلاّء صاغرين"، من خلال المطالبة ببناء وحدات سكنية لهم في المناطق التي نزحوا إليها، سواءً في كردستان أو في مناطق أخرى في عموم الوطن. فهذا الأمر، إِنْ حصلَ، فهو تأييدٌ ضمنيٌّ بالرغبة في الموافقة على الجهات التي ترمي لإحداث تغيير ديمغرافيّ حقيقيّ يساهمُ في قلع شعوبٍ وجماعاتٍ من جذورِها، بل هي مشاركةٌ في مؤامرة تشترك فيها أطرافٌ منتفعة كثيرة "أمريكية-غربية- إقليمية–عراقية" لتعزيز الطائفية والفئوية في العراق والمنطقة.
وإلى ذلك اليوم المأمول بتحرير المسبيّ أرضًا وبشرًا وثروةً، وقدوم الزعيم العادل القويّ، وعساهُ قريبًا، نتطلّعُ لعامٍ جديد يقلبُ المعايير الظالمة وغيرَ المقبولة ويزيلُ الغبنَ عن المظلومين والمهمَّشين ويعيدُ البسمة إلى وجوه الأطفال والكبار والفرحة للشيوخ والثكالى ويشفعُ لعودة السبايا والمقهورين والمغتربين والمهجَّرين والمأسورين والمحبوسين إلى ديارهم وقراهم وأوطانِهم. آمين يارب!

لويس إقليمس
بغداد، في 30 كانون أول 2014



9
زمنُ الميلاد ما قبل التحرير!
لويس إقليمس
بدتْ أولى ملامحِ تحريرِ مناطق غربِ الموصل وجزءٍ من سهل نينوى تظهر في الأفق، في صولات الشجعان من الفرقة الخاصة وقوات البيشمركة مدعومةً بطلعات مكثفة ماحقة وقاسية لقوّات التحالف. وبطبيعة الحال، في قراءتنا للحدث اليوميّ الراهن، لا نتوقّع تحريرًا قريبًا جدًّا لمدينة الموصل وسهل نينوى الشرقيّ، مثل ما حصل ويحصل اليوم في معالجة مناطق سنجار وتلعفر وزمّار وسنوني والكسك وغيرِها أخرى غربَ المدينة. فالوضع في مدينة الموصل أكثر تعقيدًا.كما أنّ تحرير بلدات سهل نينوى، سيكون تحصيلَ حاصلٍ للنتائج المترتبة على أرض الموصل وعمقِها بعد معالجة الثغرات الكثيرة التي تحيط بها وبنسيجِها "المتداعش"، إنْ مُكرَهًا صاغرًا أو راضيًا مرضيًّا.
عيونُنا جميعًا اليوم، ونحنُ على أبواب ذكرى ولادة سيّد الكائنات ومخلِّص الكون ومحبّ البشر ورسول المحبة والسلام، ترحلُ وترنو إلى بلداتنا الجريحة، الأسيرة بأيادي ضباع الدهر السوداء، وهي تشكو ظلمَ الزمن وقهر الذئاب المتعطشة للدماء والّلاهثة وراء ثقافة الموت والدم والقتل والسبي والاغتصاب والنكاح بأيّ فريةٍ أو فتوى أو وسيلة، طمعًا بدخول الجنّة الوهمية التي ليسَ لها وجودٌ إلاّ في المخيّلة الضعيفة والمريضة لقساة الرقاب، مجرمي العصر.حتى رسول الإسلام ذاتُه والأئمّة والأولياء الصالحون، في اعتقادي،سوف لنيقبلوا توفيرَ مفاتيحالجنّة لهؤلاء المخدوعين بدخول الجنّة الوهميّة التي يسعون إليهاوالتي تجري من تحتِها الأنهارُ الغزيرة والمليئة بأنواع الخمور والمسكرات والمجهَّزَة بحور العين والحسناوات المستعدّات للنكاح متى تحترق أجسادُ هؤلاء المرضى في نار جهنّم، بسبب جرائمهم ضدّ الإنسانية واعتداءاتِهم الوحشية التي بلغت مستوى الإبادة الجماعية بحقّ مكوّناتٍ مسالمة بأكملِها. فقد قسا الدهرُ والأهلُ على هذه الأخيرة معًا، وهي التي تفتقرُ أيضًالأبسط الحقوقالمواطنية، من تلك التي يتمتّعُ بها مواطنوهُم منَ أبناء المكوّنات الأخرى المهيمنة على الساحة السياسية وعلى مقدّرات الدولة وثرواتِها وكلّ مفاتيحِها.
ليةَ الميلاد، هذا العام، ستقف مريم أمامَ طفلِها الحزين نائمًا في مذود المغارة الحقير تمامًا مثل الأطفال المشرَّدين الذين لن يُدفئَهم سوى شهيق "الحمار والثور اللَّذين عرفا ربَّهما وإسرائيل لمْ تعرفْهُ" (إشعيا3:1). ستقف مريم أمامَ مذودِ المغارة والدمعة تسقطُ من مآقيها لتسألَ مولودَ المغارة الفقير، كيفَ تسنّى لهُ، وهو القادر أن يسوس البشر جميعًا وأن يطلبَ من أبيه السماويّ أن "ينزلَ نارًا وكبريتًا"(تك 19: 24) (لوقا 54:9)على مجرمي العصر لتفنيَهُم، وأن "يخلق من الحجارةِ أبناءً بررة لإبراهيم" (متى 3:9) عوض مَن شوَّهَ خليقة الّله الجميلة وأساء لصورتِه الحسنة.
سنرى العذراء تبكي أمامَ المذود البسيط وترثي عدمَ احتفال أبناء الّله في أرضِ العراق والمناطق المسيحية التقليدية المتجذّرة في أصولِها العراقية، بهذه المناسبة العظيمة، حيث اختفت أنشودةُ الملائكة "المجدُ للّه في العلى وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرّة الصالحة" (لوقا 2: 14). وسوف يخجلُ الإخوة المسلمون للّه في الحقّ والحقيقة وعبّادُه الصالحون، مِن بشاعة فعلةِ الأشرار الشنيعة وما اقترفوه بحقّ المكوّن المسيحي المسالم وغيرِه، وما فعلوهُ بحقِّ بلداتِهم ومساكنِهم ومقتنياتِهم من جرائم ومن أعمالِ سلبٍ ونهبٍ وبطشٍ وتهجيرٍ، ولن يجرؤوا تقديم التهاني والفرح في هذه المناسبة، كما اعتادوا. فنحنُ وهُم نسيجٌ واحدٌ ومصيرٌ واحد ووطنٌ واحد، ننشدُ وحدتَه معًا، ونتمنّى رفعتَه وتنميتَه ورخاءَهُ وسلامَه واستقرارَهُ وخروجَه من النفق المظلم الذي حَصَرَنا فيه أعداءُ الإنسانية وصنوُهُم من الباحثين عن مصالحِهم الفئوية والدينية والطائفية والإثنية والحزبية الضيقة والساعون معهم إلى الجاه الزائِل والثروة المغرية والسلطة الخدّاعة بأيّ ثمنٍ، حتى لو كان ذلك يشوّهُ صورةَ الإنسانية وخالقِها الذي أراد البشرَ متحابّين لبعضهِم بعضًا وعاكسين صورتَه الحسنة في سلوكياتِهم.
سوف تبكي العذراء أمامَ طفلِها، مآسي شعبِ العراق المتألِّم في الموصل وبغديدا وكرمليس وبرطلة وباطنايا وتلكيف وباقوفا وتلّسقف وبعشيقة وبحزاني. كما ستتألّم لما حلَّ بنظرائِهم المسالمين من إخوتِهم الإيزيدية وجيرانِهم الشبك وأترابِهم من التركمان والكاكائيّين والعرب المستَهدَفين في هذه الحملة الشرسة، من الذين هُجروا بغير حقّ وطُردوا من ديارِهم وسُلبوا ممتلكاتِهم ظلمًا وقهرًا واعتداءً. فالعقيدة التي تستبيحُ القتل والاعتداء بدون وجهِ حقّ، لا تستحقُّ أن ترقى لمستوى الأديان والمعتقدات المتّزنة التي تعترف بحقوق البشر، كلّ البشر، حتى المختلفين في الدّين والمذهب واللغة والّلون والإثنية، كما تنصّ على ذلك شرعة حقوق الإنسان وتوصي به كلُّ الأديان الصحيحة التي تحترم إرادة الخالق والإنسان معًا.
سوف تقف العذراء، مشدوهةً وهي ترثي الحالَ المزرية لمَنْ حواليها من أطفالٍ مشرَّدين ونساءٍ ثكالى وأزواجٍ هائمين بلا عمل ولا رزق،وتشكو أوضاع مئات الآلاف من طلبةٍ بلا مدارس ولا تعليم، وناسٍ بلا مأوى أو سقف آدميٍّ يقيهم قساوةَ البرد القارس وشقاءَ الحياة الصعبة واستغلالَ أهلِ العقارات من أترابِهم ومِن بني دينِهم الذين ضاعفوا إيجاراتِ مساكنِهم وشققِهم وفرضوا شروطًا تعجيزية على المؤجِّرين، ولاسيّما في عينكاوا المسيحية.هؤلاء وغيرُهم من المتاجرين بأحوالِ النازحين والمهجَّرين وبظروفِهم المأساوية، سوف يحاسبُهم طفلُ المغارة بالقول: " كُنْتُغَرِيبًافَلَمْتَأْوُونِي،عُرْيَانًافَلَمْتَكْسُونِي،مَرِيضًاوَمَحْبُوسًافَلَمْتَزُورُونِي (متى 25:43). وسوف يذكّرُهم بهذِه كلِّها حينما تدور الدوائر. فحالُ العالم هي كذلك "يومٌ لكَ ويومٌ عليكَ". وليسَ في هذا من تشفٍّ، بل للتذكير بأنَّ الحياةَ تجارب، والتجربة في زمن المصائب من أفضل الدروس وأكثرِها نفعًا وأشدِّها اقتداءً وأروعِها امتثالاً للحسنى وعملِ الصلاح والخير.
وهكذا، مَن سيقف في حضرةِ مغارة الوليد هذه الأيام، سيبكي هو الآخر قساوةَ العالم وظلمَ أركانِه وسعيَ الزعماء والرؤساء والقوّاد والتجّار للاغتناء ظلمًا على حسابِ غيرِهم والإيغال في قهرِهم واستغلالِهم لمصالحِهم الخاصّة والمتاجرة بقضيتِهم، حتى لو حصلَ ذلك على حساب المعايير الإنسانية. والبشرية مِن هؤلاء براء!
سنقفُ بالتأكيد، أمام المغارة، أيًّا كان شكلُها، لنجدَ الطفلَوأمَّهُ مريم، بوجهَينِ حزينَين يبكيانِ لأجلِ مَن تشرّدوا وتهجّروا وتغرّبوا وعانوا من قهرِ الأيام واستغلال البشر والساسة والبلدان والمنظمات لأوضاعِهم. وسوف نتمتمُ متململين ومتسائلين سرًّا أم علنًا: متى سيكون الفرَج، ياطفلَ المغارة، وأنتَ الإلهُ القادر على كلِّ شيء، ومَن بيدِه هذا المفتاح؟ وسوف نكرّرُ ذات السؤال ونحثُّ ذات الطلب هذه الأيام وما بعدَها حتى قدوم يوم التحرير والخلاص. فهو القائل "إسألواتعطوا،أطلبواتجدوا،إقرعوايفتحلكم،لأنَّكلَّمَنيسأليأخذ،ومَنْيطلبُيجدُ،ومَنيقرعُيُفتحُله" (متى 7:7-8). فالغضبُ الساطعُ آتٍ لا محالة. إنّما للصبرِ حدود!
في الختام سلامٌ وأملٌ. فالحمامةُ التي أرسلتُها رسولاً أمينًا إلى مواقع الزلزالِ والطوفان، لمْ تعدْ بعدُ، عسى بقاؤُهابشارةً بقربِ الفرَج المنتظَر! فيا شاعرَ برطلّة، أسألُكَ بجاه مولود المذود، ما خبرُ حمامتِك أنتَ؟

لويس إقليمس

بغداد، في 23 كانون أول 2014

10
خيبة وخذلان في حضرة بابا الفاتيكان
لويس إقليمس
بدءًا، أعترف أنّي اضطررتُ لإجراء تعديلاتٍ على المقال الأصليّ، للتخفيف من حدّة ردّة الفعل التي انعكست على المقابلة التاريخية الميمونة لآباء سينودس الكنسية السريانية الأنطاكية الكاثوليكية لبابا الفاتيكان بصحبة مؤمنين علمانيّين،والتي جرت في الساعة الثانية عشرة من ظهر يوم الجمعة المصادف 12 كانون أول الجاري 2014، ضمن تقليد درجت عليه هذه الكنيسة كلّ خمس سنوات.
ولتبيان جزءٍ يسيرٍ من ردّة الفعل تلك، فقد بدا على الجمع المؤمن المشارك في تلك المقابلة، انقلابُ لهفتِه وشوقِه للتبرّك بمصافحة يدقداسة بابا الفاتيكان،إلى رسالة تساؤل وعتب واحتجاج مبطن، بسبب الخيبة والخذلان من عدم إتاحة تلك الفرصةلزوّارِه القادمين من مختلف بلدان العالم حيث يتواجد أتباع الكنيسة السريانية الأنطاكية الكاثوليكية. حصل ذلك في غفلة من الحضور ووسط حيرة الجميع من الذين كانوا ينتظرون تلك اللحظات الفريدة والسعيدة، والتي من أجلِها تجشموا عناء السفر وتحمّلوا نفقات الإقامة وما رافق ذلك من صعويات ومعوّقات. وكان لمجموعة صغيرة متلهفة قادمة منالعراق،ومن إبرشية بغداد بالذات، حظٌ بائسٌ من هذا الخذلان غير المقبول وغير المبرَّر، لسبب وجيهٍ، وهو قدومُها للتعبير عن الشجاعة التي كان قداستُه قد وصف بها المسيحيين العراقيين في وقت سابق. كنّا على عدد أصابع اليد ومعنا هدايانا التي تمثل حضارة العراق، التي تؤكّدُ تشبّث المسيحيين بأرض الآباء والأجداد وبتراب الوطن وتراثِه وأهلِه وكنيستِه، بالرغم من تراكم المصائب والصعوبات عليهم من كلّ الجهات. لن أدخل في تفاصيل التبريرات المقدّمة من جهاتٍ عديدة. بل كلّ ما أنوي توضيحَه أن المقابلة لم تكنْ على قدر أهمية الحضور ورمزية الهدفالذي توسّم المشاركون فيها نيلَ شرفِ المصافحة.
تعالت الهلاهل والزغاريد، وأغلبُها صدحتْ بها حناجرُ سيدات عراقيات قادمات برفقة عوائلِهنَّ أو أزواجِهنَّ من العراق ودول الشتات لتترافق مع دويّ التصفيق الحارّ، لحظة إشراقة قداستِه بابتسامتِه العريضةفي إحدى قاعات حاضرة الفاتيكان الفارهة المزركشة بصور وتحف ولوحات نادرة.  وبعد تبادل الخطابات الرسمية بين البطريك يوسف يونان وقداسة البابا باللغة الإيطالية، من دون ترجمة المضمون طبعًا للشعب المستمع الحائر، بدأ فصلٌ آخر من حديث الطرشان باقتصار مصافحة قداستِه من قبل أعضاء السينودس السرياني من رؤساء الأساقفة والأساقفة والخوارنة، ثمّ الكهنة المرافقين لوفود بلدانهم وعدد من الأطفال حصرًا. فيما تمّ إغفال لهفة وأمنية بقية الحضور الذين تجاوز عددُهم المائتين. وقد ذُهلَ المشاركونممّا حصل من فوضى داخل القاعة بسبب سوء التنظيم. ولعلَّ ذلك حصلبسبب عدم تنبيه الجهات المنظمِة لطريقة سير أصول المقابلة، في سهرة الليلة السابقة التي جرى فيها الاجتماع في كنيسة الوكالة السريانية للمشاركة في قدّاس أقيم لمناسبة انعقاد سينودس الكنيسة السريانية الأنطاكية الكاثوليكية.واستشعارًا لأيّ طارئٍ محتمَل، فقد أُحيط غبطة البطريرك وأساقفة العراق والكاهن المنسق مع الفاتيكان علمًاأثاء حفل الكوكتيل المقام في تلك السهرة، بحرصِ المجموعة العراقية على تقديم هدايا تذكارية بهذه المناسبة الميمونة، إثباتًا للشجاعة التي يتحلّى بها مسيحيّو العراق، تمامًا كما وصفهم قداسةُ البابا.
 تلكم كانت رغبتُنا، وذلكم كان هدفُنا من المقابلة، وكذا كان هدف سائرِ الحضور وأمنيتُهم التي أتوا لأجلِها، ولم يتحقّق أيٌّ منها! كما لمْ يحصلْ أيٌّمن الجمع الحاضر من الذين لم يتسنى لهم مصافحة قداستِه، حتى على تذكارٍ من دوائر حاضرة الفاتيكان. وإنّي لأعجبُ من سير تلك الزيارة وذلك اللقاء بهذه الطريقة السريعةوالغريبة. ومن حقنا أن نتساءل، كيف تسنّى لمنظّمي المقابلة إهمالُ هيجانِ الجمع المتلهّف ومغادرة قداستِه للقاعة بتلك السرعة غير المتوقعة!؟!
إنّ النصف ساعة اليتيمة التي أمضاها قداسة الحبر الأعظم وسط جمعٍ من أبناء هذه الطائفة المتهالكة، سواءً في لبنان أو سوريا أو العراق بخاصّة، لم تكن كافية لشفاء غليلِها وإشباعِ لهفتِها، نظرًاللمعاناةوالمشاكل والمآسي والهموم التي تعاني منها هذه البلدان الجريحة الثلاثة على السواء. أمّا نحن القادمين من العراق،فقد شعرنا حقًّا، أنّ في الأمر تجاوزًا على تمنياتِنا وحرصِنا واستحقاقِنا في تأكيد أصالة مسيحيتِنا أمام الحبر الأعظم، في هذه الفرصة النادرة السعيدة. كنّا ننوي تأكيد تلك الأصالة المسيحية المتجذّرة أمام قداستِه، وهو خيرُ العارفين بجذورِها الأولى في أواسط القرن الأول الميلاديّ. تلك الأصالة التي نفخر بها ونجالدُ ونعاندُ بإبقاء جذوتِها في قلوبِنا وفي نفوسِنا وفي كتاباتِنا وردودِنا تجاهَ مَن يستغربُ إصرارَنا على البقاء في هذا الوطن الجريح بالرغم من تكالب الأعداء، داخليًا وخارجيًا، وحتى مِن ذواتٍ في الوسط الكنسيّ، من الذين تورَّطوا مع غيرِهم، من حيث يدرون أو لا يدرون، بحجم مشروع المخطَّط الذي نُسجت خيوطُهضدَّ أهلِهم وعلى بلداتِهم ببيعِ هوية مناطق سكناهم العراقية الأصيلة والتلاعب بمصيرِها بتسليمِهاب"ثلاثين من الفضة" وعلى طبقٍ من ذهب لدولة كردستان العتيدة. وقد باشرت ملامحُ هذا المخطَّط بالظهور هذه الأيام، بعد البدء بعمليات تحرير المناطق المتنازَع عليها،والتي جرى التخلّي عنهاوتسليمُها ل"داعش" قبل أشهر، ضمن صفقة سياسية بدأت إشاراتُها وصورُها هي الأخرى تتكشّف شيئًا فشيئًا، بعد تعرية رموزِها وقادتِها ومَن يقفُ وراءَهم. وها هي اليوم الفرصة قد سنحتْ، لتصريح البعضِ في الإقليم، بأحقية مَن يقومُ بالتحرير الحصولُ على هذه المناطق وضمِّها لكردستان، ضمن ذات المخطَّط الذي نسجتْهُ الاستخبارات الغربية وزعماؤُها وتؤيّدُه اليومَ دولُها ضمنَ إطار التحالف الدوليّ لمحاربة "داعش".
مهما كانَ من أمرٍ، فلنْ اقولَ أنّ في تلك المقابلة، شعورًا بالاستصغار تجاه الحاضرين. ولكنّي أودّ التوضيح أنّنا أيضًا، لسنا أبناء الأرملة، ولا أولادَ الأمة، كي نُحرَمَ من بركة أعظم رجالِ العالم وأكثرِهم تأثيرًا ووضوحًا، حين هزَّ صوتُه الهادر حكوماتٍ وعروشَ دولٍ بأسرِها حينما انبرى بمطالبتِها بإدانة صريحة للأعمال الإجرامية والّلاإنسانية التي قامت وماتزالُ تقومُ بها تنظيمات "داعش" الإرهابية وأمثالُها في كلّ بقاع العالم، أمام مرأى ومسمع الزعماء والقادة والرؤساء. ونحنُ مُسَلِّمون أنّهُ لولا قداستُه وتحرّكاتُه الكثيرة، لما شهدَ العالم هذه الحملة الدوليّة لتجريم هذه العصابات ومحاربتِها بكلّ الوسائل. وهو المصرِّح أيضًا، بجواز استخدام القوّة ضدّ كلّ التنظيمات التي تعتدي على البشر الآمنين وتغتصب وتسبي وتخرق وتستغلّ الإنسانَ الأعزَل من دون وجهِ حقّ. كما نؤكّد، أنّنا سنبقى نعاجًا وخرافًا شجاعة وحرّة لكنائسِنا المشرقية الأصيلة، في القولِ والفعلِ والأداء والنظرة إلى الحياة وتجاربِها، من دون الانزلاق أو فقدان الإرادة وحرّية التعبير وإبداء الرأي إزاءالخلَل أو الخطأ هنا أو هناك. فالشجاعة تقضي أحيانًا كثيرة، إجراءً وقائيًّا وتعبيرًا واضحًا وردّا صريحًا قد لا ينسجمُ مع المعروض القائم، ولكنّهُ مطلوبٌ في كلّ زمان ومكان!
بغداد، في 22 كانون أول 2014

11
زلزال العراق والموقف الدوليّ

لويس إقليمس

أصابَ العراق زلزالٌ شديدُ القوة والقساوة بعد اجتياح مسلّحي الدولة الإسلامية، "داعش"، لمدينة الموصل الحدباء في 6 حزيران 2014 وسقوطها من دون مقاومة في أكثر أحداث الساعة غرابة ووسط ذهول وحيرة وتساؤل عموم الشعب العراقي والعالم. وقد توالى سقوط القرى والبلدات والمدن الأخرى التابعة لمحافظة نينوى في وقت لاحق من شهر آب 2014، ولاسيّما تلك التي كانت أمانةً في أعناق إقليم كردستان، الذي سبق واحتلّها في محاولة لضمّها لأراضيه باعتبار كونها من الأراضي المتنازع عليها، وله عليها حقُ القيمومة والتملّك من طرف واحد. عدّ الكثيرون تضحية الإقليم بهذه المناطق، تخاذلًا لقوات البيشمركة الكردية وقيادتها المناورة الانتهازية بسبب عدم صمودها والتزامها الدفاع عن تلك المناطق، بالرغم من الوعود العديدة التي قطعوها على أنفسهم لممثلي المكونات الاتي تشكلها، لاسيّما وأنّ ساكني هذه المناطق جلُّهُم من مكوّنات أقلّية من أديان وإتنيات مختلفة، من المسيحيين والإيزيديين والكاكائيين والتركمان والشبك وغيرهم، من الذين لا يملكون وسائل ولا ميليشيات للدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم وأراضيهم.
 هناك مَن يعتقد أن قيادة الإقليم قد فرّطت بهذه الأقليات فاضطرّت لبيعها لقوّة عاتية مقابل ضمانات فئوية وتبادل مصالح سياسيّة رخيصة، تمامًا كما فعلتها من قبل، الحكومة الاتحادية حينما ضحّت بها هي الأخرى لمصلحة الكورد في صفقة بين القوى السياسية والكتل المتصارعة منذ السقوط الدراماتيكي في 2003. وهذا ما استشفَّ مؤخرًا من تصريح رئيس الوزراء السابق، الذي مارسَ نظريتَه الطائفية وتهميشَه للمحافظات السنيّة عمدًا ومع سبق الإصرار. وأيًا كانت الأعذار لهذا الموقف غير الرصين والانتهازيّ، فقد سقطت هذه كلُّها على صخرة الاندفاع غير الاعتياديّ لإرسالٍ قواتٍ متمرّسة كردية من الإقليم للدفاع عن مدينة كوباني – عين العرب الكردية في سوريا والعمل على  تحريرها من أيدي داعش، بالرغم من كونها أراضي خارج حدود العراق الاتحادي وخارج أراضي الإقليم على السواء. والسبب واضح وضوح الشمس. فالعرق الكرديّ تنادى لمثيلِه، فيما قاطنو المناطق المتنازَع عليها، مواطنون من الدرجة الثانية لدى قيادة الإقليم. وإن كان من تفسيرٍ آخر، فلنسمعْه ياسادتي الكرام!
مَن يتابع عن كثب حجم المؤامرة التي تُنفّذ في المنطقة، وفي العراق بصورة أخصّ، وفق أجندة محكمة التخطيط والتطبيق والتنفيذ عبر أدوار موزّعة بعناية فائقة، سوف يلحظ عدم استثناء أيّ من الأطراف الطامعة والمتنازعة على مقدّرات هذا البلد المبتلى ببعض الساسة الحاليّين البعيدين كلَّ البعد لغاية الساعة، عن أيّ إحساس وطنيّ ومواطنيّ بما آلَ إليه حالُ الكثير من المواطنين ومنهم أبناء الأقليات على وجه الخصوص. فالأطراف الثلاثة المتصارعة والمتمثلة بالمثلث السنّي- الشيعي- الكرديّ، شريكةٌ فيها بطريقة أو بأخرى. وإلاّ كيف يكون تسليمُ الموصل وبلداتِها، وهي ثاني أكبر مدينة عراقية عريقة بأصالتِها وحضارتِها وبشرِها المتميّز، في ساعاتٍ، وباتفاقٍ سياسيٍّ، كما صرّح رئيس الوزراء السابق المتهم الأول في هذه الكارثة، باعتبارِه القائد العام للقوات المسلحة ومنه تصدرُ جميعُ الأوامر والتعليمات؟
الكلُّ أصبحت له قناعة وافية، في أنّ الأطراف الثلاثة المهيمنة والمتنافسة على السلطة في العراق، تحاول كلٌّ منها السطوَ على ما أمكنها من مغانم وامتيازات وحصص تعتقد أنها مِن حقّها. في هذه الحال، أين موقعُ حقوق باقي المواطنين الذين لا حولَ لهم ولا قوّة، وليس في حوزتِهم من ميليشيات أو أموال أو وسائل، غير الصبر الذي نفذَ والأمل الذي طار والرجاء الذي انطفأَ، بحيث يكون بمقدورِهم وضعُ حدودٍ دنيا للتجاوز على حقوقهم وطبيعةِ آدميّتِهم؟ حتى في مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة، لم تخفي الأطراف السياسية الثلاثة أطماعّها، وراح كلٌّ مكوِّنٍ منها يرفع سقفَ شروطِه ومطالبه المذهبية والقومية والسياسية، في صراعٍ واضحٍ على السلطة وبحثٍ مستميتٍ عن الجاه والمال والمغانم وفرض الوصاية الاستعلائية على غيره. فالمحاصصة كانت حاضرة وبقوّة في تشكيل حكومة العبادي، بالرغم من محاولاتِ الأخير العنيدة والصادقة ظاهريًا، بالحدّ منها والخروج بتشكيلة أقرب إلى التكنوقراط والشخصيات المشهودة بالكفاءة والحسّ الوطنيّ. ومع ذلك، فما تزالُ الفرصة، ربّما مؤاتية، لإخراج البلاد من النفق المظلم الذي ركنت إليه بسبب الأخطاء القاتلة والمتكرّرة لرأس الحكومة السابقة لولايتين متتاليتين. فالتحوّل الحاصل في الموقف الدوليّ حول محاربة تنظيم "داعش" الإرهابيّ، وكذا النقلة الوطنية والشعبية في أخذ المبادرة الهجومية بتحرير مناطق كان هذا التنظيم قد سيطرَ عليها في وقت سابق، قد تكون الخطوة في الاتجاه الصحيح نحو إعادة خلق قاعدة وطنية تلمُّ شمل الفرقاء والمتخاصمين وتعيد اللحمة الوطنية للنسيج العراقيّ المتفتّت والفاقد الثقة ببعضِه البعض.
مَن يتابع مجمل الأزمات التي عصفت بالعملية السياسية منذ ثماني سنوات تحديدًا، يلحظ بما لا يقبلُ الشك مدى تمسّك الأطراف المتسلّطة جميعًا الواقعة بمستنقع "الأنا"، بتلك المحاصصة البغيضة التي أوصلت البلاد إلى هذا النفق المظلم وإلى هذه النتائج المخيّبة للآمال التي فيها تحوّلت البلاد إلى كانتونات ومحميات قومية ومذهبية، لتعلن عن تقسيمٍ وتفتيت وتشظية أراضي العراق وترابه الواحد، وعن فصلٍ مذهبيّ وقوميّ لسكّانه على حساب وحدة الوطن وتماسكه، وذلك في خطوة لمحو حضارته وقلع شعوبٍ ومكوّنات من تاريخه ومن حياته. ومن الغريب، بل من المعيب أنّ أغلبية هذه الأطراف، تندّد وتتشدّق وتشدّد وتطالب بالتخلّي عن سياسة المحاصصة هذه، ولكنّهم في حقيقة الأمر والواقع، هُمْ مَن يسعون إليها والتمسّكِ بها بأرجلهم وفكرِهم وفي لهاثِهم تجاهّها بكلِّ جوارحِهم وقوّتِهم. غرابةٌ ما بعدها غرابة في الموقف وفي الفكر وفي الضمير!

كلٌّ يبكي على ليلاه!

جاءَ فقدان سيطرة الحكومة المركزية على مناطق واسعة اعتبرتْ مناطق متنازّع عليها، منذ السقوط الدراماتيكي في 2003 لصالح المكوّن الكرديّ المتعنّت والمدعوم دوليًا لغاية الساعة، ليؤشّر خللًا كبيرًا في المعادلة الوطنية وفي صيانة وحدة البلاد. فقد كان له أكبر الأثر لاحقًا، في تواصل تفتيته على أسس مذهبية وإتنية وفق مصالح الأطراف المشاركة في العملية السياسية العرجاء. إنّه وبسبب النهج الطائفيّ البغيض للولايتين المتتاليتين للحكومة السابقة وإصرار الأخيرة على استبعاد النهج الوطنيّ في منهاجها وسياسة التهميش والإقصاء الواضحة، فقد فتحت الباب أمام أطراف مشاركة، وليست شريكة، كي تنتفض وتعترض وتنسحب من العملية السياسية أحيانًا، بسبب شعورها بالتهميش والتسلّط والإقصاء في اتخاذ القرار الوطنيّ، بحسب الاتفاق بينها لتقاسم السلطة وفق منهاج وطنيّ شفّاف، لا يستبعد أحدًا، حتى الأقليات من أبناء الشعب.
لكنّ ما حصل، أن الجانب الشيعيّ قد تسيّد الموقف وفرض أجندتَه وسخّرَ الدولة ومؤسساتها لصالح مكوّنه، منطلقًا مِن رؤية ضيقة الأفق، بأنّ الدور اليوم لهم، وأنَّ اليومَ يومُهم للانتقام ممّا كانَ ومازالَ يعتقد بتسيّد غرمائهم السنّة طيلة السنوات المنصرمة، متناسين أنّ الشعب العراقيّ برمّته كان مُغيَّبًا ومستبعَدًا ومضطَهَدًا،وليس هم وحدهم.
فيما ركبَ السنّة فكرَتهم العنادية ولم يحكموا العقل والحكمة في كيفية استثمار قدراتهم من خلال المشاركة الفعليّة في الحكومات المتعاقبة التي ترأسها الجانب الشيعيّ. كما أنّهم لم يستطيعوا تحويل تهميشهم السياسيّ أحيانًا، واستثماره ما أمكنَ في الأروقة السياسية المختلفة مثل الأكراد، ومنها العربية والدولية والصديقة، لكسب الودّ والتحشيد لصالح تهميشهم، إلاّ مؤخرًا. وما عدم مشاركتهم في كتابة الدستور الأعرج، سوى القشّة التي قصمت ظهرَ مطالبهم وحقوقهم التي ذهبت أدراجَ الرياح، حين كتابتِه لصالح غرمائهم الشيعة والانتهازيين من أصدقائهم من المكوّن الكرديّ، بعد تضمينه مطبّات عديدة وقنابل موقوتة انفجرت وما تزال نتائجُ انفجارِها المفجع تتجسّد في حياة المواطن. فقد أذنبوا، ليس بحق مكوّنهم  السنّي فحسب، بل بحق المكوّنات قليلة العدد، أي الأقليات التي نالت قسطًا وافرًا من ذلك التهميش والاستبعاد والخيبة والخذلان لغاية الساعة، هي الأخرى.
كما أنّ الجانب الكردي، من طرفه، لم يدّخر جهدًا بانتهاز الفرص والمناسبات لتجيير ما استطاعَ لصالح قوميته الكردية واستدرار عطفِ دول العالم لاقتناص المساعدات الوافدة وتعزيز مقدّرات الإقليم التسليحية والمادية ووضع اليد على الثروات الطبيعية المستخرجة من أراضيه لصالحه، خلافًا للدستور الذي يحتّم أن تكون الثروات الطبيعية من حقّ المركز في الاستخراج والإنتاج والتوزيع والتسويق. لقد نجح الأكراد في عنادِهم مدعومين باستشارات دولية في كسب ودّ الغرب المتحيّز دومًا ولغاية الساعة لجانبهم، تمهيدًا لتشكيل دولتِهم المستقبلية الجامعة التي ستتضمن بالتأكيد مغانم من كلّ من سوريا وإيران وتركيا على التوالي، بحيث سيُخلقُ كيانٌ طائفيٌّ وعرقيٌّ جديد في المنطقة إلى جانب دويلات طائفيةٍ سنّية وأخرى شيعيّة، لتنضمّ هذه جميعًا إلى ذات شكل الكيان الصهيونيّ العنصريّ الذي خطَّطَ له وهو يتطلّع اليوم الذي فيه هذه جميعًا، تُبصرُ النورَ وقد تحقق مشروع الشرق الأوسط بحلّتِه الجديدة كي يسهل على الغرب وأعوانِه السيطرة على منابع الثروات االهائلة في المنطقة. كلُّ هذا تمّ التخطيط لهُ منذ سنوات وهو يجري سرّيًا بالاتفاق مع عدوّة الشعوب المستضعفة أميركا وأعوانِها الغرب التابع الذي استساغَ اللعبة وهضمَها وصفّقَ لها بكلِّ جوارحِهِ.
مجمل هذه الأحداث، وغيرُها كثيرٌ، قد ساهمت في الزلزال الذي أوصلَ البلاد إلى ما هي عليه اليوم، من مآسٍ وتهجير ونزوح جماعيّ من مناطقها الأصلية الساخنة، ومن مناطق أخرى غيرها من التي تزداد سخونة بسبب استمرار سيطرة ما تُسمّى "دولة الخلافة الإسلامية"، داعش، على مناطق شاسعة من البلاد وتهديدها العاصمة بغداد أحيانًا، بل وكردستان التي كانت تعتقد أنّها ستكون آمنة، ما شاء القدر. وما جرى من عمليات تهجير قسريّ ونزوح جماعيّ بسبب أعمال بربرية أعمل فيها التتار الجدد السيفَ بعد رفعهم راية "لا إله إلاّ الّله"، وما ارتكبوه من جرائم إنسانية ومن أعمال قتل وسلب ونهب وسبي نساء من مناطق تواجد أبناء الأقلية الإيزيدية في سنجار وزمّار وتلعفر وشنكال وما حولها، وكذلك في سهل نينوى في مناطق قضاء الحمدانية في بلدات قرةقوش وبرطلة وكرمليس وبعشيقة وبحزاني وتلكيف وباقوفا وباطنايا وتلّسقف وأخرى غيرُها، كلّها نتائج للصراع السياسيّ على السلطة بين أطراف المثلّث المتسيّد على الساحة العراقية لغاية الساعة. وما لم يخرج العراق تمامًا من الحلقة الطائفية المفرغة ونهج المحاصصة الطائفية في حكم البلاد والعباد، فلنْ تقومَ له قائمة بعد الآن. فأيامُنا ووجودُنا وهويتُنا العراقية الوطنية على المحكّ، ولا خيارَ لنا جميعًا سوى التكاتف معًا لقلع الآفة الكبرى المتمثلة بعصابات "داعش" واجتثاث سرطانِها من أصلِه كي ينعَم الوطنُ والعبادُ والمنطقة والعالم بسلام واستقرارٍ مقبولَين.
إنّ الأحداث المأساوية الأخيرة بعد سيطرة داعش على ما يقرب من ثلث أراضي العراق، قد تركت أكثر من مليونين من السكاّن الآمنين، وجلُّهم من أبناء الأقليات التركمانية والمسيحية والإيزيدية والشبك، ناهيك عن مجاميع من مناطق عربية ساخنة، تُركوا في مهبّ الريح، بعد أن هاجمتهم الذئاب والضباع وأصبحوا بين ليلة وضحاها بلا مأوى ولا مال ولا أمل . لقد اضطرّ هؤلاء جميعًا، لترك مناطقهم وبلداتهم وأملاكهم ومساكنهم للعصابات المسلّحة القادمة من خارج الأسوار، والتي تتشدّق وتزعم بعملها بحاكمية الله وتطبيق الشرع الذي يقرُّ اغتصاب النساء واعتبارهم سبايا وجواري، وكذلك قتلَ الناسَ ونحرَهم بدماءٍ باردة، وتهديد غيرِهم بترك دينهم المختلف أو الموت حدًّا أو دفعَ الجزية، وكأننا نعيش في زمن التخلّف والجهل والظلمات.
 لقد تبدّدت وتبعثرت وتشرذمت شعوبُ هذه المكوّنات المقهورة في أرض الله الواسعة التي ضاقت بهم، بسبب الحاجة ونقص الغذاء والدواء والمأوى اللاّئق والأمراض المتفشية. فما زال العديدُ منهم يفترش الخيم في الساحات العامة أو في هياكل الأبنية وقاعات الكنائس التي فتحت أبوابَها مشرعة أو مكرَهة. ومَن وجد خيمة تقيهِ حرّ الصيف الّلافح وبردَ الشتاء القارس، أوغرفةً في فندق أو مأوى يدفع ثمنًا باهضًا لإيجارها، فهذا محظوظٌ. ولكن، مع تأخر الجهات المعنية في معالجة قضية السكن المهمّة وقد أطلَّ الشتاء بكلِّ عتوِّهِ وزمهريرِه وأمطارِه، اصطدمَ النازحون والمهجَّرون بالواقع المرير، وهم اليوم أمام معطيات جديدة ومريرة حيث استؤنفت الدراسة في عموم البلاد ولاسيّما في أراضي الإقليم الذي آوى أغلبية هؤلاء النازحين الذين فاقت طاقتَه بهم. فماذا يا تُرى أصبحَ مصيرُهم؟ حتى مشروع "الكرفانات" المقترَح لم يكتمل بعد، والناجز منه ما زال خارجَ المواصفات الآدمية. فإلى متى المعاناة؟ وحتى متى الكربُ والضيقُ وشظفُ العيش؟ وكمْ ستستمرُّ الإهانات؟
ولا ننسى، مَن ضاق بهم الوطن، فآثرَ تركَه للذئاب المستعرة والضباعِ السوداء الكارهة للحياة. فمَن تركَ الوطن، فقد فعلَها مكرَهًا ونافضًا الغبار الذي علَق في أرجله طيلة السنوات المضنية من حياته فيه وبين حناياه. هؤلاء تركوه جريحًا، ليسَ تمامًا كما سبق وفعلَها غيرُهم قبلهم. بل فعلوها بعد أن ضاقَ بهم الوطن وفشلت الدولة بمعالجة أوضاعِهم بالسرعة المرتجاة. تركوه جريحًا بين أنياب عصابات خارجية أوغلت بالفتك به، بسبب صراعاتِ ساسةٍ غير حريصين على مستقبله وغير أمينين للحفاظ على النعمة والوديعة التي أولوها إيّاها يوم انتخبهم الشعب ولم يفوا الوعد. إنْ هؤلاء، إلاّ تجاٌر بشعوبهم، لم يستوعبوا دروس الحياة! فالدائرة تدور طالما أن الحياة قصيرة ولا مناصَ من الإفلات من المصير المحتوم المرسوم للبشر، مهما طغا واستأسد وفسد. وكلُّ ما ردَّدُه المهاجرون السابقون وما يردِّدُهُ النازحون والمهجَّرون قسرًا اليوم، وغيرُهم كثيرون من فاقدي الأمل والرجاء، أنَّ الوطنَ الذي لا يقدّمُ الكرامة اللاّئقة والخبزَ الأمين والعملّ المشرِّف اعتمادًا على الكفاءة والجدارة والأحقيّة،  فمثل هذا الوطن، بحسب هؤلاء، لا يستحقُّ خدمة المواطن الطيّبِ النيّة وحرصَه ومحبتَه وتضحيتَه وسفكَ دمائِه من أجلِه ومن أجلِ الفاسدين فيه ممَّن يعيثون في الأرض فسادًا. ومن ثمّ فإنّ هؤلاء القادمين الجدد والغرباء عنه، لا يستحقون التنعّم بخيراتِه، لأنهم ببساطة غير جديرين بها وليست من حقِّهم.
أمّا موضوع الهجرة، موضوع الساعة، فما أشدّه ألمًا لو حصل وفرغت البلاد من مكوّنات أصيلة كانت فيه بمثابة ورود مختلفة الأشكال والألوان والعطور، تزيّن حديقة العراق الوارفة آنفًا. لقد خرجت هذه الظاهرة عن السيطرة، بعد الاسترخاء الواضح لزعماء الدول المشاركة في التحالف الدوليّ وعدم كفاية الضربات الجوية التي يشّنها هذا التحالفُ  مكرَهًا، ونيّة هؤلاء الزعماء المغرِضة بتأجيل تحرير المناطق المحتلة من قبل عصابات "داعش" الإرهابية. وهذا ما يشيرُ بشيءٍ من الأسى، إلى كون هذا التأخير يصبُّ في صالح المخطَّط المرسوم دوليًّا لدفع النازحين والمهجَّرين إلى قطع الأمل والرجاء بالعودة إلى ديارهم وقراهم واستعادة أملاكهم على المدى القريب. فكلّ الدلائل تشير إلى هذا الاتجاه، وهذا ما أكّدَه قائد التحالف الدوليّ وأركانُه وسائرُ الزعماء المتورطين في المشروع، من كونِ حملة التحرير قد تستغرق عامين إلى ثلاثة بحسب تقديراتهم، بالرغم من اعتقادِنا أنّ المسألة لا تستحقُّ الإطالة لأكثر من 3-6 أشهرٍ، فيما لو عُقدت النيات الحسنة وعزمَ أهلُ النخوة ومحبّو الإنسانية والوطن للخلاصَ من عدوٍّ عاتٍ كادَ يهدّدُ الأمنَ والسلمَ الدوليّين أيضًا.
أخيرًا، نحن واثقون جميعًا، أنّ الهجرة ليست الحلَّ الأمثل والأصلح والأفضل. قد تكون ملاذًا مؤقتًا للبعض، ولكنها بطبيعة الحال لن تشكل خلاصًا للمشكلة. وما أجلَّها من معضلة حين يصطدمُ المهاجرُ بواقعٍ جديد مختلفٍ تمامًا عمّا عاشَهُ وشهدَه! ولكنْ، من حيثُ لا مناصَ من التخلّص من وبالِ التهجير وأوضاعِه المأساوية لمَن يبقى بلا مأوى ولا مورد ولا كرامة، فهو كمَن يعيشُ خارجَ الزمن بلا وطن يأويه ولا أرضٍ تحويهِ. فالهجرةُ هنا تبقى أمرًا مباحًا وقرارًا شخصيًّا يتخذُهُ الواحدُ فردًا أوجماعةً.
إنّ الهجرة الجماعية، إنْ حصلت، ستكون وبالاً على الوطن والمنطقة. كما أنّها ستعني انتصارًا للقوى الطاغية والعصابات المتاجرة بدماء الشعوب وأرواحهم على المستوى التاريخي والثقافي والحضاري والإنسانيّ والاجتماعيّ والتراثيّ. وما يُثارُ عن فكرة "لا مستقبل للأقليات في العراق"، ليس مقبولاً البتة. فلا يمكن اقتلاع شعوبٍ من جذورها بهذه السهولة. فذلك من سخرية الأقدار لو حصل. بل سيذكرها التاريخ في سجلّ جرائم الدول الكبرى التي تدير مثل هذه المزادات والصفقات في عصر العولمة الجارف، عصراللّاحضارات والفوضى الخلاّقة وغياب الأخلاق والآداب.

لويس إقليمس

بغداد، في 24 تشرين ثاني 2014

12
بين الدّين والإيمان، "داعش" خارجًا
لويس إقليمس
في تاريخ علم الأديان، نتتبّع حركتها ونشأتَها ونبوغَها وانتشارَها بمقارنة "زمانيتها" أي تاريخ قيامها وتقويمها وبلوغها إلى ما آلت إليه ضمن حقبة زمنية وظرف معيّن. ولقد تعلّمنا أيضًا، أنَّ الظاهرة الدينية هي ظاهرة حقيقية، تمامًا مثلُها مثل ظاهرة الأنبياء والأولياء والمرسَلين، بحسب زمن الظهور والمحيط الذي نشأوا عليه وفيه. من هنا، فهي تشكل حقائق لها تاريخيتُها وواقعيتُها، غيرُ ممكنة الإنكار والنفي. هناكَ أديانٌ قائمة لغاية اليوم، منذ قدم التاريخ وظهور البشر على الأرض، كان لها وقعُ حضاريٌّ وتأثيرٌ بشريٌّ، ما يعني قيامَ تلك الأديان بتأثيرٍ في حضارة الشعوب التي قامت وسطَها وأسّستْ لتلك الديانة التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لشعوبها وحافزًا لنوعيّة معينة من الحياة، رسمت لها حضارة تطبّعت بأسسها وكانت عاملًا لانتشارها وممارستها.
   منذ النشأة، كان للأديان تأثيرٌ مباشِر وغير مباشِر على حياة الناس وطريقة عيشهم وملازمتهم لحاجاتهم البشرية والمادية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية، باعتبار أنَّ الدين ومفرداتِه، إنّما يرسم سياسة حياة الناس ويوجّهها نحو الوجهة الصحيحة والأمينة التي تحفظ للإنسان سلامَه الداخلي وترسم علاقتَه مع الخالق أو الإله الذي يتبعُه. وهذا في اعتقادي، كان ولايزال قائمًا لغاية الساعة متمثِّلاً بتأثير أركان الدّين ومرجعياتِه في حياة البشر ونصحهم بتوجيهها الوجهة الصحيحة والنافعة وسط هيجان الحياة القائم.فالدّين نصحٌ وأخلاقٌ ومحبةٌ وإيمانٌ ورجاءٌ بما نؤمن به وما نبتغيه في الحياة الدنيا وما نختزنُه منها للآخرة.
 يحدّثنا التاريخ قيام "أنبياء" أو رجالٍ صالحين تمكنوا من تأسيس منظومة بشرية متلازمة لتعاليمهم، ولم ينتهي تأثيرُهم مع غيابهم أو موتهم، بعد أن خلقوا لهم أتباعًا، بغضّ النظر عن الطريقة التي أتوا بها ونشروا عقيدتَهم وسط الناس. بعضٌ من هؤلاء كانوا من الأولياء الصالحين حين نقلوا رسالة من السماء لبني البشر تعينُهم على الحياة كما ينبغي ووفق المشيئة والهدف اللذين خُلقوالأجلهما. فيما أفرزتْ دياناتٌ أخرى عدمَ ارتقائها للهدف الذي وُجدت من أجله حين عطّلت مشيئة الخالق في محبة الجنس البشري بعضهم لبعضٍ، بحيث خرجت عن السياق الذي تأسستْ عليه بانكفائها على ذاتها وتعتيم تعاليمها من دون محاولة للتطوّر مع الزمن. فأصبح مؤسسُها لا يعدو كونَه مصلحًا اجتماعيًا لفترة طارئة من الزمن، لم تعد تنفع في ظلّ التطورات المعاصرة والعولمة والحداثة وكلّ أشكال التطور عبر الزمن. بالمقابل، نقرأ العديد من الأديان قد تلاشت بمجرّد موت صاحبِها أو اختفائِه عن الوجود. لكنّ مجمل هذه الأديان تبقى جميعًا ظواهرَ لها شأنُها وتأثيرُها، ولو بعد حين. فالزمن يدور بعجلة، قد تعود به إلى تلك الأوّليات، ولو بعد حين، حتى لو طال هذا الأخير!

الفكران الإلحاديّ والمتشدّد: ردّ فعل للشرود عن الصحيح!!!
يهمُّنا في هذه المرحلة أن نتحرّى قيمةَ الأديان في عالم اليوم، وما يمكن أن نستخلصّه من القائم منها حاليًا، والتي نختبرُها ونعيها ونمارسُ شعائرَها ونتّبعُ أنبياءَها ومؤسّسيها، كلٌّ منّا على طريقتِه ووفق معتقدِه، ولاسيّما الموحِّدة منها. فالإيمان بالله في منطقتنا حصرًا، يشكل موقفًا مشتركًا لشعوب المنطقة. أمّا في الغرب المارد، فهناكَ مَن شكّكَ بوجود الله وقدرتِه على إدارة الكون اللغز لغاية اليوم. وقد يكون حصل شيءٌ من هذا الطارئ، في حدود المنطقة التي نعيش فيها أيضًا، بسببٍ من تأثّرِ البعض بسفسطات وفلسفات الغير، سواءً القائمة أوالمستوردة منها. إلاّ أنَّ أصحاب هذا الفريق بفكرِه الإلحاديّ المطروح هنا وهناك، لم يتمكّن بجهودِه وحججه من إثبات نظرية أو حقيقة عدم وجود الّله.فيما أثبت الفريق المؤمن الآخر "الموحِّد"، أنّ هذا الكون الكبير لابدّ أن تكون هناك قوّة خلاّقة وجبّارة تديرُه وتوجّهه مع ترك الخيار في الاختيار للإنسان نفسِه. وهكذا أصبح اللهُ والإيمانُ به وبتعاليمِه، متلازمةً للديانات الموحِّدة، مع فارقٍ طبعًا، في كيفية فهم عظمة الخالق والعمل وفق وصاياه وفي كيفية ترويض الأتباع والمؤمنين، بل وطريقة فهم وتأويل ما أتت به الكتب التي تتحدّث عنه وتنقل هذه التعاليم.
قد تكون انطلاقةُ الفكرة "غير المؤمنة" بوجود الّله، أتتْ من منطلق تركِ الّله لخليقتِه مخيَّرةً وليسَ مسيَّرةً، حيث يستغلّ الإنسان طاقتَه ويوجّه إرادتَه نحو مايؤمنُ أو لايؤمنُ به وما يراه مناسبًا في تسيير دفّة شؤونِه الروحيّة والمادّية بكلّ الحرّية التي أولاهُ إياها الخالق. فالعلاقة هنا، تبقى في حدود الشخصيّة بين الله الخالق والإنسان، خليقتِه الضعيفة! وهذا ما ننادي به اليوم، بكونِ الدّينِ وكلِّ ما يمسّ الشعور الإيمانيّ باللّه، أي تكريس العلاقة بين الله وخليقتِه، مسألةً شخصيّة بحتة يعبّرُ عنها سلوكُ البشر وفق ما يراها ملائمة له في حياتِه ومسايِرةً لرغباتِه وشعورِه، جامحًا كانَ هذا الأخير أمْ متعقّلاً متروّيًا.
 ربّما يكونُ التفكيرُ بعدم وجودِ "إلهٍ"، يعود إلى بدايات الخلق أو ما بعدها. وربّما يكون مثل هذا التفكير حديثًا، لاسيّما في العصور الوسطى، قد نشأَ في فترة سطوةِ المؤسّسة الكنسية على مقاليد الحياة في أصقاعَ معينة بحيثُ وصلَ تأثيرُها إلينا في الشرق. وهذا ما يشرحُه سببُ ردّ فعلِ أصحابِ الفكر الإلحاديّ، على ما شهدته أوربا من أنواعٍ الظلم الاجتماعي الذي مارسته سلطة الكنيسة في الغرب مثلاً، فيحقبةٍمظلمةمنمسيرتِها على أتباعِها. فقد يكون حصلذلك من خلال شبهاتٍ مسّتْ حياةَ بعضِ رئاساتِها في فترةِ الانحطاطِ الأخلاقيّ والماديّ والمجتمعيّ حينَ تحالفتْ مع جماعاتِ الإقطاع وسخّرتْ جهودَ البسطاء من الفلاحين لخدمتِها منْ دونِ وازعٍ. وهذا ما يشرحُ أيضًا، نوعيةَ الغضبِ الجارف الذي وُجّهَ آنذاك، نحو مؤسساتٍ كنسية ورجالِها على السواء. إذْ، سرعانَ ما تراجعتْ عددٌ مِن تلك المؤسسات عن أشكال تلك التصرّفات الهوجاء، فعادتْ إلى رشدِها وانتهجتِ السلوكَ الصحيح الذي أوصى به ربُها، نخبةَ التلاميذ والحواريّين حينَ أرسلَهم للتبشير باسمه القدّوس "إذهبوا وتلمذوا جميعَ الامم وعمّدوهُم باسم الاب والابن والروح القدس وعلّموهُم أنْ يحفظوا جميعَ ما أوصيتُكُم به ..وها انا معكم كلَّ الأيّام إلى انقضاءِ الدهر" (إنجيل متى 18:28-20). فاللّه لا يترك أبناءَه فريسةً للشرّ والأشرار، إذ طالما تبقى نتفٌ مِن الغيرةِ والرحمة والإيمانِ في قلوبِ البشر. وهذه هي التي تثمرُ وتنمو بعدَ اهتداءٍ مرتقب. فإنَّ " قَلْبَ الإِنْسَانِ يُفَكِّرُ فِي طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ يَهْدِي خَطْوَتَهُ" (سفر الأمثال 16:9). من هنا نرى قوّةَ الإيمان واتباعَ مشيئةِ الخالقِ قد تعزّزت بفعل الرجوع إلى الصواب وفي ممارسة ما يتطلّبُه مثلُ هذا الإيمان في حياةِ الإنسانِ السويّ والعاقل الذي ينشدُ عبادةَ ربّه بصدقٍ مِن دونِ مواربةٍ ولا تعقيدٍ ولا تشدّد ولا تطرُّفٍ ولا زوغانٍ عن الطريق الصحيح والصراطِ المستقيم الذي لا يستقيمُ أبدًا مِن غيرِ إرادةِ الخالق ووصيّتِهِ المتمثلة ب "المحبة"، محبةِ جميعِ البشر بعضهِم لبعضٍ والقبوُل بهم كما هُم على طبيعتهم وكما خُلقوا.
مِن هنا، يكونُ الخروج عن هذه الطريق السويّة، بمثابة انتحارٍ بشريّ بسبب سلوكٍ عدائيّ مفرَط غيرِ مقبولٍ، حين يفرضُ مثلُ هذا السلوكِ عليه تكفيرَ الآخَر وردَّه وعدمَ الاعترافِ به، بالرغمِ مِن سواسيّة الخلق وعدالةِ الخالق في توزيع خليقتِه كما شاءَ هو، ووفقَ إرادتِه وقدرتِه وغاياتِهِ. ثمّ إنَّ اللّهَ الخالق، لمْ يخوّلْ أحدًا على الأرض، للحكمِ على خليقتِه وإنزالِ القصاصِ ظلمًا وعدوانًا بعقيدةِ تستبيحُ كلَّ فعالِ الشرّ وممارسةَ العنف، خارجًا عمّا تحكمُ به الشرائعُ السماويّة الصحيحة المتسامحة والقوانينُ الوضعية التي تساوي بين البشر ولا تفرّق. فهذه الأخيرة، لا يمكن أن تخضعَ نزولاً عندَ رغباتَ وشهواتَ ونزواتَ مَنْ تسوِّلُ له نفسُه الحكمَ على خليقة اللهِ بطريقةٍ بدائية لا ترقى إلى القيم الشرعية الصحيحة والمنطقِ والقانونِ الإنسانيّ الذي يجبُ أنْ يتحدّدَ وفقَ مبادئِ العدالةِ الاجتماعية والمساواة واحترام الحرّيات الشخصية في العمل والتفكيرِ والتصرّفِ ومِن دونِ المساسِ بحرّية الغيرِ وإلحاقِ الشرّ به.
أمّا ما يبرّرُ أفعالَ العنفِ القائمة هذه الأيام، والمشتدّةِ مِنْ دونِ هوادة، فبعضٌ منه تحصيلُ حاصلٍ لأنواعِ الظلمِ الذي مورسَ مِن أنظمةٍ وسلاطينَ وزعاماتٍ قستْ قلوبُها واهترأتْ عقولُها وضمائرُها بانغماسِها في ملاذِ الدنيا وأباطيلِها تاركةً الشعوبَ المقهورة والمستضعفة في وادٍ سحيقٍ يفتقرُ إلى أبسطِ أنواعِ الحياة الآدميّة. فما بالُكَ أنْ يعيشَ أكثر من ثلثي العالم في حياةٍ بسيطة من الفقر والفاقة، فيما لا يتعدّى كبارُ الأثرياء المتخَمين المتحكّمين بثروات العالم 1%، إن لمْ يُعدّوا بضعة عشراتٍ منَ الآلاف أو ربّما أقلَّ من ذلك. فأينَ العدلُ في البشر، الذي أوصى به الخالقُ والذي لا تكفُّ المراجعُ المعتدلة والعقلاءُ وأصحابُ الإرادات الصالحة يوصونَ بهِ الأتباعَ وكلَّ البشر لينتهجوا الطريق السويّ في الحياة والذي يُرضي اللَّه وأولياءَه ورسلَه الصالحين. ومهما يكنْ مِن أمرِ هذه الطبقات الحاكمة الضالّة، فهذا ليسَ منَ المبرّرات المكتسبة الشرعيّة كي يخرجوا عنْ جادةِ الصوابِ وينحلوا طريقَ الإلحادِ أو التشدّد في الحياةِ وفي الفكرِ والمنهج. فالديانةُ التي تقبلُ عقيدتُها استباحةَ التكفير والشرّ والتقتيل والسبي والاغتصاب والتنكيل ظلمًا وعدوانًا ودونَ وجهِ حقّ، فإنّها لا تسمو أن توضعَ في مصافِ الأديانِ التي تنشدُ عبادةَ اللهِ، الرحمنِ الرحيم، الذي يحبُّ بني البشر، كلَّ البشر دونَ تمييزٍ أو تفرقةٍ.

الكنيسة منبع الفلسفات
سقتُ مثالَ الكنيسة كمؤسسةٍ دينية بشرية عانتْ مِن ضعفٍ بشريٍّ في فترة معيّنة، وليسَ المقصودُ به الدّيانةَ المسيحّية ومعتقداتِها الإلهيّة الثابتة. فالأخيرة، كانت وماتزالُ الأكثرَ تأثيرًا في حياةِ الشعوب تاريخيًّا، والأعلى مصداقيّةً إيمانيًّا، والأقربَ إلى علاقةٍ روحيّة وأخلاقيّة وتعايشيّةٍ وسلميّةٍ وواقعيّةٍ والأشدَّ تعلُّقًا بالوطنِ والأرضِ من غيرها مِن الأديانِ القائمة. قد تكونُ هذه الرؤية لدى البعضِ نسبيةً بعضَ الشيء. إلاّ أنَّ تلك المرحلة مِن الضعف أيضًا، والذي عانت منهُ مؤسساتُها، كانتْ بحقّ بداياتِ نشوءِ نظامٍ محايدٍ بل ومستقلٍّ أحيانًا عنْ كلّ ما يشيرُ بصلةٍ إلى الدّين ورئاساتِه، بحيثُ قادت الغربَ إلى ما يشبه التحدّي في الفكرِ والرؤية بسبب رياحِ العلميّة والعصرنة التي اجتاحتها وفتحت نوافذ لفلسفات جديدة إلحادية ولا أدرية ومادّية ولا أباليّة واستدلالية لنظريات حتميّة ولاحتميّة وفردانيّة وما شابهَها.
مجمل هذه الفلسفاتِ الجديدة مثارِ الشكِّ واليقين، التي نبعتْ في الغرب بصورة أخصّ، وارتبطتْ بالمسيحيّة أو بالأحرى بمراكزَ لزعاماتِ الكنائس في صياغتِها وقولبتها، حاولتْ ما استطاعتْ إبعادَ الكائن البشري عن إيمانِه بخالقِ الكون، ذلك الإيمانِ التقليديّ الذي تعلّمَه وتلقَّنَه الإنسانُ في صغرِه، وعندما كبرَ تزعزعتْ صورتُه بهوبدينِه وبخالقِه على السواء. وهذه كانت مشكلةُ العصر المتأثِّر بقوانينِ العلوم الجديدة بعدَ الثورة الصناعية وتوالي الثوراتِ في الغرب على الأنظمة المَلَكية القائمة آنذاك، بحيث أصبحَ لا مكانَ للّه في حياة الكثيرين، وهو الذي خلقَ الكونَ وارتاحَ في اليوم السابع، تاركًا مصيرَه بيد القدر وأصحابِ العلمِ والنظريات والفلسفات والأفكار الجديدة التي انتشرت فيها انتشارَ الهشيمِ في النّار.
إذا كانتِ المؤسساتُ الدّينية عمومًا، قد تحدّتْ فكرةَ الإلحادِ التي لمْ تستطعْ تقديمَ بياناتٍ وإثباتات مقنعةً للرأي العام ولأتباعِها ومواليها، فهذا دليلٌ على خسارةِ هذه الأخيرة، الرهانَ بعدمِ وجود اللّه. "قال الجاهلُ في قلبِه ليس إله" (مزمور14: 1 وأيضاً مزمور 53: 1)، كما ورد في مزامير الكتاب المقدّس. والجاهلُ هنا، ليس هذا الملحدُ الذي أنكرَ وينكرُ وجودَ الله الخالق في حياةِ البشرِ والكونِ مِن موقع الغباء والجهل. لأنَّ "الملحدَ ليسَ بالضرورة أنْ يكونَ غبيًّا وجاهلاً وناقصًا للذكاء، بل بالعكس هناك منهم مَن يقيس عقلُه ذكاءً لا يُعدّ بقناطير مؤلَّفة". لكنَّ جهلَه يتلخّصُ بعدم إيمانِه بهذا الإله، مسيِّر الكونِ ومديرِه بقوّتِه وجبروتِه. والمسألةُ هنا، بحسب العقلاءِ والحكماء، أخلاقيّة بحتة تَلصقُ الإنسانَ غيرَ السويّ والشاردَ، عندما ينكرُ هذا الوجودَ ويتصرّفُ رافضًا الإيمانَ بالله، خالقِ هذا الكون الذي يدعو البشر، جميعَ البشر للالتزام بالأخلاق والمحبة والسلامِ مع بعضِهم البعض. وهذا ما يفسّرُ فراغَ الغربِ ممّا نسمّيه بالأخلاق وتصرَّفَهم على سجيّتهم بطريقة مختلفةٍ أخلاقيًّا ومجتمعيًّا، لا تقبل بها غيرُهم مْن مجتمعاتٍ وشعوبٍ مؤمنة أخرى. إذْ هناكَ شرائحُ وافية ترغبُ العيشَ على هواها مْن غيرِ التزامٍ أخلاقيّ وتعدُّهُ شأنًا خاصًّا ليس للمجتمع أنْ يحاسبَها على ما تفعلُه.

الإسلامُ هاجسٌ دائمٌ للسلطة والسطوة
بالمقابل، كانَ هاجسُ حيازةِ السلطة وحظوةِ السطوة والطمعِ في توسيع الممالكِ واقتناءِ المالِ والجاهِ والعظمة مِنْ أولويّات الإسلام بعدَ سنواتٍ مِن انتشارِه في الجزيرة العربية، متأثِّرًا بثقافة البداوة والقبيلة والعشيرة التي كانت سائدة آنذاكَ، ما كانَ يحفّزُ أتباعَ الإسلام وسلاطينَهم لممارسةِ أعمالِ العنف والعدوانِ لبلوغِ تلكَ الغايات
. ولمْ يستطعِ الإسلامُ التخلّصَ مِن بقايا تلكَ الاثار جميعًا لغاية الساعة، ما جعلَ سمة العنف والقتل والغزو مرتبطًةً بالعقيدة الإسلامية، بالرغمِ مِن إنكارِ المعتدلين وحكماءِ الدّين ومراجعِهم المتنوّرة هذهِ التشخيصات المشوِّهة التي لا يعتقدونَ بصحّتها ومقبوليتِها وإمكانيّة تطبيقِها في الألفيةّ الثالثة.
على الصعيدِ ذاتِه، يكونُ الإسلامُ قدْ غيرَّ مسارَ العقيدةِ "المحمّدية" وابتعدَ عمّا وردَ في القرآن أو بالأحرى ما أرادَه القرآن لأتباعِه في تلك الحقبةِ مِن التاريخ وما تسرّبَ عن السنّة النبوية ليكونَ مكمِّلاً للقرآن آنذاك وللأجيال فيما بعد. فكانَ اعتمادُ المسلمين في فترة مظلمةٍ على أفكارٍ إلغائيّة وسلفيّة متشدّدة حدّدَها ورسمَها منظِّرونَ مِن أمثالِ "إبن تيميّة" الذي اقترنَ ظهورُه معَ ظهورِ فتنٍ، إبّان انحطاطِ الدولة العباسية في نهاية القرنِ السابعَ وبدايةِ القرنِ الثامنَ الهجريّ. وكذا ما نقلَهُ "صحيحٌ ومسلمٌ" وغيرُهما من رواياتٍ قيلتْ عنِ السلفِ ونُقلتْ إلى الخَلَف بعدَ مرورِ قرونٍ، ما يجعلُها غيرَ موثوقةٍ ومحكمَةٍ تمامًا عن الأصلِ في نقلها عنْ أولئك السَّلَف أو مِن أيامِ نبيِّ الإسلامِ ومِنْ بعدِه مَن كانَ مِنَ الصحابةِ الأوائل حتى بلوغِها إلى ما وصلَ إليه "محمد عبد الوهاب" بالسعودية ومنظّرو الإخوان وآخرون غيرُهم من بعدِهِ. هذه وغيرُها، كانت هي البداية للسقوط في فخاخ التعصّب والتشدّد والتكفير وما تبعَها مِن إجازةِ أعمالِ القتل والسبي والغزو والاغتصاب والنهبِ والسرقة بحجةِ كونِ ما يُستولى عليه إبّانَ الغزواتِ حلالاً محلَّلاً باسمِ الدّين والشّرعِ. هكذا كانت العربُ تفعلُ لتعيشَ! واليومَ، كلّ مَنْ يختلفُ عن نهجِ التنظيماتِ السلفيّة المتشدّدة بالفكرِ والفعلِ أصبحَ مشروعًا للغزوة ويجوزُ التصرّفُ به باعتبارِه مشركًا ومرتدّا وواقعًا عليه الحدّ.
ما نشهدُه اليوم حقًّا، يعودُ بنا إلى فترات مظلمة من حقب الخلافة الإسلامية التي ابتعدتْ عن سلوكِ الدّين القويم وسيَّسَته لصالحِ أشخاصٍ ومجاميعَ وفئاتٍ حاكمة. هناكَ مَنْ يرى أنَّ مثلَ هذه التنظيمات الضالّة لا تمتّ بصلة للإسلام والمسلمين. ولنا أنْ نتساءل، إذا كانتْ كذلك، فلماذا هذا الانقسام في الردّ وتسويةِ ما شذَّ وخرجَ عن القاعدة، أي عن أصولِ القرآن والسنّة النبويّة؟ وإنْ كانَ هذا هو رأيُ العديد من المعتدلين والمدركين لقيمة الإسلام المتسامح، فأين موقعُ تنظيماتٍ إسلامية مسلّحة إرهابيّة، سنّية أم شيعية، عاملة في الساحة الإسلامية والمنطقة هذه الأيام، من أمثال حماس وطالبان وبوكو حرام والقاعدة وأنصار بيت المقدس وداعش وجبهة النصرة والشباب الصومالية وكتائب القسّام وجند الشام وحزب الله والتشكيلات الإخوانية المتعدّدة وخراسان وكتائب وميليشيات حديثة عديدة تعمل باسم الدّين؟ وماأدرانا ما في الكواليس غيرُها! هل هذه جميعًا تنطلقُ مِنْ مبادئَ إسلاميةٍ تسامحيّة لدينٍ حنيفٍ وتحتفظ برؤية دينية وإيمانية يدعمُها الشرع الصحيح والعقل والمنطق في عصر العلم والتكنلوجيا، ونحن اليوم في القرن الحادي والعشرين؟ أمْ إنَّ الشرعَ والدينَ يقضيان العودةَ بالإنسانِ والبشرية إلى عصرِ البداوة والظلمات والاقتتال الدّيني والمذهبيّ والطائفيّ، لمجردِ الرغبة بالسعي للجاه والمال والسلطة التي يعتمدها بعض فقهاء الدين الإسلاميّ في أدبياتِهم وقواعدهم وأصولِهم التي هي مثارَ الشكّ والريبة؟ هذه مجرّد تساؤلات تقتضي الإجابة عليها من أصحابِ الشأن.

"داعش" وحشٌ كاسرٌ بلباسٍ دينيّ زائف
يُعزى خروجُ فئاتِ مجتمعية عنْ جادة قوانينِ المؤسساتِ الدينية القويمة في غفلةٍ مِن الزمن، أيًّا كانتْ هويتُها، إلى ضعفِ المسؤولية الأخلاقية والإيمانية المؤتَمَنين عليها وإلى انحطاطٍ بالسبلِ الصحيحة في الإيمان القويم بالّله وبالنظام الذي خلقَه وأتاحَه للبشرِ كي يعيشوا وينموا ويكثروا ويتحابّوا في أرضه الواسعة، وكذلك إلى خللٍ في التركيبة البشرية لمَن يديرون هذه المؤسسات. فمعَ تنامي البشر وتكاثرِهم العشوائيّ وحشرِهم مِنْ أجلِ لقمةِ العيش، والنزعة البشرية لدى البعض للتفرّد بخيرات الأرض وإدارتِها، كلُّ على هواه ووفقَ مصالحِه، نزعتْ فئاتٌ أمّارةٌ بالسوءِ للخروجِ عن قانونِ السماء واتجّهتْ لضربِ قاعدةَ عدالةِ الله في المجتمع. تنظيماتٌ كثيرة وقعتْ في فخّ التطرّف واتجهتْ للتنظير لأفكارِها وأيديولوجيتها والترويج لكسبِ التأييد لها مِنْ أجلِ تحقيق مصالحِها على حساب الدّين والمذهب الذي اتخذته غطاءً ولباسًا لتحقيق مآربها.
هناك مّن يرى أنَّ أجهزةً استخباراتيّةً عالميّة هي التي تتولّى خلقَ تنظيمات متطرّفة أمثالَ "داعش" ومثيلاتها، هنا وهناك، لمقاصدَ إقليمية أو دولية، ومِنْ ثمَّ تتولّى معالجتَها بعد استنفاذِ مقاصدِها. ومن الملاحظ أنَّ هذا التوجّه قد اشتدّ في عصرِنا مع انتهاء الحرب الباردة بغيةَ تصنيعِ أعداءَ جددًا لخلافة ما قام به الفكر الشيوعيّ قرابةَ سبعة عقود ونيّف. والهدفُ هو بلا شكّ، استمرارُ صراعِ الحضارات والأديان وتشغيلُ الماكنةِ التصنيعية الحربية وتطويرُ منتجاتها وتسويقُها في مناطقَ تمّ اختيارُها بعنايٍة لتبقى ساخنةً بسببِ توفر الاستعداد لديها.وهذه التياراتُ المتطرّفة جميعًا، تتخذُ ذاتَ النهج العنفيّ في بلوغِ غاياتها، مستخدمةً غطاءَ الدّين والتديّن في وسائلها. ولعلَّ اشتدادَ هذا النهج في السنوات الأخيرة المنصرمة منذُ تولّي القطب الواحد زمامَ أمورِ العالم وتسيّدِه الساحةَ السياسيةَ والاقتصادية، قد أوقعَ العالم في فخاخِ الحيرة مِنْ أمرِ دينِهم. فهلْ كانَ السلفُ الصالحُ ليقبلَ ما يقترفُه الخلَفُ الشاردُ مِن أعمالٍ وشذوذٍ وتحريفٍ وتسييس للدّين وتأويِلاته على حسابِ سلامِ الجماعة والبشرية؟ فيما غايةُ الدّين، أيِّ دينٍ، محدَّدَة لا اجتهادَ فيها، ألا وهي عبادةُ الله، حيث لا يمكنُ القبولُ باتخاذِ القوةِ والقتل والعنفِ سبيلًا لتطبيقِ بنودِ الدّين والشريعة، لأنّ اللَّهَ إنّما خلقَ جميعَ البشر متساوين، "خلقهما ذكرًا وأنثى" ليعيشا ويكثرا وينميا معًا. فالأرضُ تكفي لجميعِ وتتسعُ لعبادِ الخالق على اختلاف تلاوينهم ومكوّناتهم وأعراقِهم ولغاتهم، وليستْ محدَّدةً لدينٍ دونَ آخرَ.
"داعش" مثالاً لهذا الشذوذ، كانتْ ولادتُها لظروفٍ ولها أسبابُها في الظهور بما ظهرتْ عليه مِن تشدّد وتطرّف في الفكرِ والإيديولوجية والتطبيق الذي نالَ حظًّا وافرًا لغاية الساعة، لاسيّما وسطَ الشباب المهزوز العاطلِ الغاضبِ على الأنظمة الدكتاتورية السلطوية في مناطق ساخنة في الشرق وأفريقيا الجائعة. وليس غريبًا أنْ يستولي مثلُ هذا التنظيم على ألباب وأفكارِ هؤلاءِ الشباب العاطلين واليائسين من قسوة الحياة وظلمِها، ومن كلا الجنسين بحججٍ وتبريراتٍ وأشكالٍ عديدة، مِن ضمنها تهافت فتياتٍ مراهقاتٍ ونساءَ يائساتٍ وبائساتٍ لتطبيق ما يُسمّى بجهادِ النكاح الذي شاعَ وانتشرَ وسطَ المقاتلين، فيما استهجنتْه المراجعُ الرشيدة وعقلاءُ الدّين وحكماؤُهم والمتعلّمون من عبادِ اللّه. وكلُّ هذا يجري بلباسٍ دينيّ وغطاءٍ إسلامويّ مستهجَن. وما لم يتمَّ القضاءُ على هذا الفكر المتطرّف المتنامي بسببِ المكاسب الكبيرة الجديدة التي تحتَ حيازتِه والدعمِ الماليّ المتلقَّى مِن أساطينِ الشرّ والحاقدين على الإنسانية، فإنّ مصيرَ العالم سيكونُ الفناءُ، لا محالَ. بل ستتوسعُ ساحةُ المعركة لتشملَ بلدانًا وقاراتٍ جديدة، و"هناك سيكون البكاء وصريرُ الأسنان".
كلُّ الآراء، تتجهُ نحو تحوّلِ "داعش" إلى سرطانٍ خبيثٍ، يتطلّبُ صدًّا دوليًّا قويًّا وحاسمًا إلى جانب استخدام القوّة المضادّة ضدَّ ماكنتها الإعلامية الضخمة الناشطة بجذب الموالين والأنصار وأصحاب الفكر العقائديّ المهزوز، كي تفقد أيديولوجيتُها البريقَ الإعلاميّ القائم ولتنهارَ في الآخِر. لقد تمكّنَ هذا التنظيم مِن كسبِ التأييد الواسع لانتشارهِ فقط، بسبب الأنظمة السلطويّة وممارساتِ الحكومات الطائفية السابقة المتتالية في العراق، وبالذات ولاية المالكي التي امتدّت لحقبتين كارثيتين اتسمتا بتكرار المآسي والأزمات المتلاحقة مَع الشركاءِ السياسيّين الذي استبُعدوا، ولاسيّما المكوّن السنّي بالذات. فقد استفادَ التنظيم مِنْ حالةِ الفوضى والنقمة وعدم الرضى التي سادتْ مناطقَ تواجدِ هذا المكوّن ومكوّناتٍ أخرى، ليزرَع بذورَ الشكّ في أيّ تحسّنٍ وعودةٍ لتماسكِ نسيجِ الشعبِ بجميعِ مكوّناتِه. وقد راهنَ على هذا النهجِ منذُ البداية وحصلَ على ما أرادَ مِنْ مكتسباتٍ بسببِ الضعفِ المتواصلِ في رأبِ الصدع بين الشركاء أو المشاركين. واليومَ، لنْ يكونَ هناك حلٌّ بغير تمكّن السنّة مِن استعادة دورِهم الوطنيّ الحقيقيّ في الساحة السياسية في كلّ من سوريا والعراق كي ينسجمَ مع الجوّ العام العربيّ.

تقليدُ السَّلَف
إنّ "داعش"، ترتدي الزيَّ الإسلاميّ في تقليدِها للسلفِ باتشاحِها السواد وحملِ ذاتِ الرايات السود في ما تسمّيه بالغزواتِ التي تتولاّها ضدَّ كلّ مَنْ لا يناصرُها أو يواليها في نهجها العقيم وفكرِها التكفيري للمختلفين معها.
وإذ تأخذ مسارَها ومقوّماتها مِنَ الصحابة وطريقةِ تسييرهم وتأويلِهم لقواعدِ الحكم الإسلاميّ الخاضعة في أغلب بنودها وتطبيقاتها لمقوّمات عشائرية وقبليّة في الأزمنة الغابرة تلك، فهي تريدُ للبشرية والمجتمعات جميعًا أنْ تعودَ إلى عقليّة الحياة البدائية البدويّة التي كانتْ سائدةً قبل أكثرَ مِن خمسةَ عشرَ قرنًا خلتْ، أي قبلَ العصرنة واكتشاف العلوم وأدواتِها ونتاجاتِها إلى حيثُ ما نحنُ عليه اليوم. تلكمْ كانت الحالُ أيامَ الحروبِ بل الغزوات المتكرّرة والمكائد والدسائس التي كانت تُحاك منذ عهد الخلافة الإسلامية الراشدية مرورًا بالأمويين والعبّاسيين والسلاجقة والقرامطة والمماليك وغيرهم، ووصولاً للعثمانيين ولغاية يومنا هذا، والتي تؤكّد على صفةِ الصراع السياسيّ مِنْ أجلِ الحكم بلباسِ الدّين. فالمظاهرُ التي عليها أتباعُ هذا التنظيم وغيره مِن التنظيماتِ المسلّحة التي تتخذُ الترهيب والرعب سبيلاً لفرضِ نوعيّة الحكمِ على الغير، هي هي ذاتُها ما كانَ قائمًا وسائدًا أيامَ الحروبِ الطواحن بين المتنافسين والساعين للسلطة. فكلُّ خليفةٍ كانَ يسعى لتثبيتِ أحقيتِه الشرعية بالسلطة وإقصاءِ غيرِه المتنافسِ معَه باستخدامِ السيف وأدواتِ التكفير والاتهام بالردّة لكلّ مَنْ يعترضُ أو يخالف الرأي. ومِنَ المؤسفِ أنْ يتحوّلَ الدّينُ الإسلاميّ إلى أداةٍ سياسية للقتل وتطبيقِ المفاهيم البدوية القبلية في تحقيق الغلبة على الغير، ومِنْ ثمَّ ممارسةُ ما نستهجنُه من عملياتِ قتل وغزو واغتصاب واستعباد ونكاح نساء وسبيهنّ وبيعهنّ في سوق النخاسة باعتبارهنَّ سبايا وشيئًا مِن مغانم الغزو، وكأننا نعيشُ حياة البداوة القبلية السائدة ما قبل قدومِ الإسلام.
ألسّلفيّة، كما نفهمُها هي السّير على منهج قدامى الصّحابة الذين نهلوا مِن طيبةِ سيرة نبيّ الإسلام ومِن سنّتِه وأتباعِه الصالحين المتمسّكين بهداية القرآن مِنْ دونِ ما شابَهُ مِن تعديلٍ وتناقضٍ في آياتٍ منقولة بعدَ إعادةِ جمعِها وتوحيدِها على يد الخليفة عثمان بن عفّان. واتّباعُ هذا النهج بعيدًا عن العصبيّات والشيعِ والطوائف هو الكفيلُ بفهمِ ما ينقلُه القرآن للناس ولأتباعِه مِنْ أجلِ صيانة وحدةِ الأمّة الإسلامية وتعايُشِها بسلامِ مع غيرها مِنَ الأمم والشعوب. فيما الابتعادُ عنْ هذه الطريق السليمة والزوغانُ عنْ جوهرِ الإسلام وروحِه، يعرّضُ هذه الأمّة للتمزّق والتفكّك والانهيار معَ تواتر الزمن وتطوّرِ الحياة، لا محالة. وهذا ما هو قائمٌ أمامَ الأنظار في هذه الأزمان.
إنَّ الإسلامَ بحسبِ البعض، يعيشُ حالةَ احتضارٍ في العديد مِنْ جوانبِه الفكرية والاجتماعية والأخلاقية على يد فئاتٍ ضالّة شوّهتِ الدّينَ وقوّضتْ أسَسه وعرّضت أتباعَه المعتدلين العقلاءَ والراشدين بهداية الخالق، إلى حالة من اليأسِ والاستهجانِ لما يجري وما آل إليه مِن تشويهِ لأصوله وتعاليمه بسببِ فتاوى التّكفير وأدواتِ الرعب والترهيبوالإرهاب الجارية التي اتخذتْ سفكَ الدماء لغةً والتكفيرَ بيانًا والقتلَ والسلبَ والسبيَ والنكاحَ منهجًا. إنّ مثل هذا الأسلوب في فرض منهجٍ متعصّب منحرفٍ على الغير، لنْ ولا يمكنُ أنْ ينفعَ في عصرِ التطور والتقدّم والعولمة التي فتحتْ أبوابَ الدول والأمم والشعوب مشرَعةً وحوّلت العالمَ إلى قريةٍ صغيرةٍ يمكنُ بلوغِ حدودِها وأركانِها في غضونِ ساعاتٍ قلائل.  إنْ هذه التصرّفاتُ، سوى إيغالٍ في حبِّ ثقافةِ الموتِ بسوادِها القاتم الواحد، وكرهِ ثقافةِ الحياة بألوانها العديدة الزاهية. وإذا كانتْ هذه كلُّها قد أتى بها ما يُسمّى بالربيع العربيّ، فهذا الأخيرُ لمْ يكنْ في سرّهِ سوى خريفٍ زمهريرٍ قاتلٍ على العرب والمسلمين أولاً قبلَ غيرِهم، بعد أنْ شقَّ صفوفَهم وجعلَهم مثارَ اشمئزازٍ بسبب ما يجري على أيدي خوارجِ العصرِ، الذين أساؤوا إلى الإسلام والمسلمين والعالم أجمع.
مَنْ أراد تسويقَ الدّين بغيةَ ترجمةِ أفكارِه الشّاذة المتطرّفة في عالمِ اليوم المختلف كلّيًا عمّا كانَ عليه العالمُ قبل أكثرَ مِن أربعة عشر قرنٍ خلتْ، إنّما يسيء إلى الإسلام في جوهرِه ولا ينتقي سوى إيحاءات الشرّ الواردة في آياتٍ قيلت أو نزلت في مناسبات معيّنة وفي ظرفٍ معيّن ولأسبابٍ "زمكانية"، ولا يمكن بأيِّ حالٍ مِن الأحوالِ تعميمُها واتخاذُها نهجًا في عالمِنا القائم وتاريخِنا المعاصر. فما كانَ سائدًا ومقبولاً في ذلك التاريخ، لن ولا يمكنُ القبولُ به أو تطبيقُه في عصرِنا الحالي. ونحنُ نعلمُ ونقرأ أنّ مِنْ شيمِ السلفِ الصالح والمراجعِ الراشدة، التسامحُ والتعاونُ والتكافلُ والعيشُ بحسبِ الزمانِ والمكان والظرفِ والحالة، واستبعادِ نهجِ التطرفِ الأعمى الذي لم يكنْ قائمًا حتى في زمن النبّوة وعصرِ الصحابة وعهودِ الخلافة، إلاّ ما ندر وفي حالات شاذّة ومحدّدة، منها بخاصّة اتجاه اليهود الذين كانوا يناصبون النبيَّ محمدًا وأتباعَه العداء. ومع ذلك، فقد ورد: (فمَن شاءَ فليؤمنْ ومَنْ شاءَ فليكفرْ)، وكذلك: (لكُمْ دينُكم ولي ديني). وهذا دليلٌ على سمة التسامح القائمة التي لا تجد اليوم تطبيقًا في قاموس المتطرّفين والمتشدّدين الذين يجيدون التأويل والتفسير كيفما شاءوا ومتما شاءوا.
والسؤال المطروح، هل سنجدُ في القريبِ العاجل انفراجًا إسلاميّا في الفكر والنهج يستبعدُ أمثالَ هؤلاء الخوارج مِن السلفيّين الجدد المُغالين في الدّين وأصولِه؟ أعتقدُ أنّ الأملَ قادمٌ، بعد التحاق عدد من الدول العربيّة، ولاسيّما المكتوية منها بالإرهاب وأدواتِه، بالتحالفِ الدوليّ لمكافحة هذا السرطان الخبيث واستعداد الحكومة العراقية الجديدة وتعاونِها مع المجتمع الدولي والحرص الوطنيّ في القضاء عليه وتجفيف منابعه وأصولِه، كي يرتاح العراق وأهلُه والمنطقة والعالم مِنْ شرّهم. فالتغييرُ قادمٌ بإذن الله وبعِزم الشرفاء ومحبيّ الله والأوطان ومناصري الإنسانية.

لويس إقليمس

بغداد، في 20 تشرين أول 2014


13
حادثة سيدة النجاة، جرحٌ عميقٌ لا يُنسى!
لمناسبة الذكرى الرابعة لمجزرة كنيسة سيدة النجاة، في 31 تشرين أول 2010
كلّما قربَ تاريخ تلك الحادثة المأساة، اشتدّ عندي البكاء على وطني الجريح، وأهلِه الطيبين بأصالتهم، والمظلومين بفعل الزمن الغادر الذي غيّبَ تلكَ الطيبة العراقية في أجزاءَ عديدة من مفاصلِها. فالمجزرة الرهيبة التي اقترفها نفرٌ ضالٌّ مغرَّرٌ بهم، أيًّا كانت انتماءاتُهم الدينية أو المذهبية أو العرقية، ستبقى حدّاً فاصلاً في مصير مكوّنٍ أصيلٍ مسالمٍ وفاعلٍ من نسيجِ الشعب العراقي وفي المنطقة، بفضل ما قدّمَه هذا المكوّن من تنمية وفكرٍ وبناءٍ في بناء الدولة العراقية ودول المنطقة عمومًا. ولا أخفي سرًّا، أن تلك الحادثة الأليمة، زادتني وتزيدني تعلّقًا بوطني وأرضي وأهلي وأصدقائي وأحبتي وكنيستي التي كنتُ أحد مشاريع الاستشهاد فيها مع ابني الصغير ومعنا مؤمنون آخرون، شاءت الأقدار أن تكتب لنا حياة جديدة في ذلك اليوم المؤلم، الأحد 31 تشرين أول 2010.
إنّه، وبسبب نظرتي وبقائي وإصراري على هذا الموقف، فإنّ البعض يلوموني. بل هناك مَن يصفني بصفاتٍ تحزُّ في نفسي، ومنها الرؤية القاصرة وقلّة العقل في العيش في بلدٍ تكادُ الأحداث تتحدث عن لسانِ أنّ ناسَه أو شرائحَ منه بدأت تضيق ذرعًا ببقائهم ووجودهم في أرض "سنعار"، بلد الحضارة والإيمان والتعايش سابقًا! وإنّي شخصيًّا في قرارة نفسي، لا أستطيع فهمَ طبيعة إصراري هذا بالتشبث في أرضِ الوطن. أحادثُ نفسي أحيانًا بالقول: ما هذا الهراء؟ أهو غشاءٌ مبطَّنٌ تكتحل به عيناي كِبَرًا وتيمّنًا وشموخًا وتهيُّبًا؟ أم هو الأمل والرجاء والتيقّنُ الباطن بإمكانية استعادة العراق لعافيتِه بعد أزمة أخلاق وسمومِ طائفيةٍ ومذهبيةٍ صدّرها أعداءُ العراق من أجل تفتيت نسيجِه الاجتماعي والاستمرار بنهب ثرواتِه بطرقٍ ووسائل مستنبطة شتّى بسبب قصر نظر الساسة الجدد والتشبّث كلٌّ بمصالحه الفئوية والشخصية والمذهبية والعرقية الضيقة؟ ولما لا هذا اليقينُ، والعراق، بلدُ الأصالة والحضارة والمساجد والمعابد والأديرة والكنائس العامرة بفعل وجود أجدادِنا من شعوب "السريان" بكافة طوائفهم وطقوسهم ومشاربهم الذين نقلوا للعالم شتّى أنواع العلوم والمعارف والثقافات عن شعوبٍ وحضاراتٍ أخرى، قبل قدوم الإسلام، وبعدَه أيضًا على عهود الدولة الإسلامية لغاية قدوم مدمّري الحضارات والثقافات بفعل تفكيرهم التكفيريّ العقيم والمتخلّف الذي لا يقبلُ وجودَ الآخر ولا يؤمنُ به خليقةً متساوية في الكرامة والحياة.
إنّه هذا اليقين منّي إذن، أنّ أرضَ العراق واسعة وطيبة وكثيرةُ الخيرات والنعم والبركات. أوَليسَتْ بلدَ إبراهيم الخليل، أبي المؤمنين، الذي نُديمُ جميعًا ذكراهُ ونفخرُ بعبادته للّه الواحد الأحد، الرحمن الرحيم، مالكِ يومِ الدّين، وما على الأرض من بشرٍ وحجرٍ وماءٍ وهواء عليل؟! وهل مِن منكرٍ أنّ أرض "سنعار" (العراق) لمْ تكنْ جنّةَ أحلام الكثيرين؟ ألمْ يزلْ مَن شاءَ وغادرَ أرضَه، يحنُّ إليه ويتغنّى به ويبكيهِ في الغربة، كَمَنْ فقدَ أكثرَ من عزيزٍ عليه؟ فمَن يفقدُ الوطن، كمَن فقدَ إحدى حواسِّه، فيدورُ ويجولُ ويصولُ كالأعمى، فلا يجدُ ذلك الوطن، مهما غاصَ في رفاهِ الاغتراب ورغدِ المهاجر وسعادة الأشياء! ألمْ يزل المغتربون يتغنّون ويبكون على هذه الكلمات:
"اللي مضيع ذهب بسوق الذهب يلقاه
                   واللي مضيعحبيب تمرّ سنة وينساه
                            بس الّلي مضيع وطن وين الوطن يلقاه"

اليوم، يؤلمني كثيرًا، أن تنتقل عدوى الهجرة إلى أصدقائي وأقاربي وأهلِ بيتي. فهلْ مِن ظلمٍ أكثر مِن أن تغيّبَ الأحداثُ المأساوية الأخيرة أحباءَ وأصدقاءَ وأقرباءَ لنا وسطَ تفرّج العالم والقوى العظمى التي سمحت بمثل هذه الأحداث، بل وقد خلقتْها وأوجدتْها لتحقيق مصالِحِها القومية على حساب الشعوب المقهورة، ثمّ عادتْ لتعالجّها وفق مصالحِها. والأنكى مِن ذلك، تصرّفُ اللاّعبين الكبار في السياسة العراقية، كلٌّ حسب مصالحِه هو الآخر. فالأكرادُ يسعون بلْ يعملون على "تكريدِ" المسيحيين وغيرِهم من الأقليات في سهل نينوى، بأيِّ ثمنٍ وبأيّة وسيلة كانت على حساب الحفاظ على طبيعة سماتنا المسيحية المتميّزة حتى لو حصل ذلك بشراء الذمم وإسكات الأصوات والكذب المتواتر. فيما الشيعة يخدّرونَنا بالكلام المعسول والحديث المدافع الذي لا يأتي بنتيجة فاعلة باتجاه تثبيت وجودِنا وتعزيز كيانِنا، طالما أنّ ميليشيات من أتباعِهم تصرُّ على محاربة أتباعِ المسيحيين في أرزاقهِم ومراكز تثقيفهم وترفيهِهم التي تعدّه هذه ضمن المنكرات وواجبةِ الإلغاء. أمّا السنّة، فهُم مرتاحون كما يبدو، لما يجري من أعمالِ عنفٍ وعملياتٍ تستهدفُ هذا المكوّن المسالم، فيما يشدّدُ أترابُهم الخناق عليهم جانبيًا من أجل حملِهم على تركِ قراهم ومساكنِهم ومناطقِ تواجدِهم بدعمٍ وتحفيزٍ خارجيّ. فمَنْ يتولى اليوم، التهجيرَ وأعمالَ السرقة والسلب والنهب في المناطق التي غادرها المسيحيون في سهل نينوى، همْ أبناء السنّة من المناطق المجاورة الذين غدروا بجيرانهم و "لم يغزّر الخبزُ والملحُ فيهم"، كما يقول المثل الشعبي.

مشروع استشهاد
في ذلك المساء من يوم الأحد الحزين، المصادف 31 تشرين أول 2010، كنتُ برفقة ابني الصغير نهمُّ بالذهاب إلى قدّاس الأحد المعتاد بعد تردّد، بسبب انشغالنا جميعًا، بتوضيب البيت استعدادًا للشتاء القادم على الأبواب. وبذلك، تعذّر على باقي العائلة القدوم معنا. كما أنّ تردّدي كان بسبب التزامي بالتواجد المبكر في دار السفارة الفرنسية استعدادًا لحفل استقبال كبير يُقام على شرف ضيوف دورة جديدة لمعرض بغداد الدولي بوجود وزيرة فرنسية وكبار المسؤولين في الدولة وأرباب الأعمال والشركات والضيوف. على أية حالٍ، هكذا كان قدَري! فقد غيّبني عن الحدث، أولئك الأشرارُ الذين اقتحموا كنيستي، سيدة النجاة، في الساعة الخامسة والثلث بالتمام والكمال. وكان ذلك خلال قراءة نصّ من الإنجيل على لسان القس الشهيد "ثائر"، طيّب الذكر، وكنتُ أنا أدير القدّاس، كعادتي.
في تلك الأثناء، كان جميعُ مَن في الكنيسة، مشاريعَ استشهاد في أية لحظة، بيد الإرهابيين الخمسة ومَن يؤازرهم. مرّت الدقائق الأولى الحرجة طويلة وكأنّها فيلمٌ هنديٌّ أو ما شابهَ ذلك. فقُتل مَن قُتل واحتمى مَن استطاعَ السبيلَ لذلك. وكنتُ أنا مِنْ بينِ أكثرَ مِنْ خمسينَ مصلّيًا احتمينا في الغرفة المجاورة "السكرستيّا"، بالرغم مِن هشاشة الباب الذي كان يفصلُنا عن أحدِ الإرهابيّين القابعين أمامَها. وإنّي لغاية اليوم، لا أفهمُ السرَّ الذي لمْ يدعْ ذلك الإرهابيّ مِنْ فتح النارِ علينا أو حتى منْ اقتحامِ تلك الغرفة البسيطة التي لمْ تكنْ عصيّةً عليه، بالرغم منْ أننا نلنا قدَرًا وافيًا من القنابل والرصاص. إنّها أيضًا يدُ القدَر، أو إنْ شئتَ أيضًا إرادةُ القدير، الذي أومنُ بتدابيرِه ومخطّطاتِه مِن دون نقاش!
سارَ الوقتُ بطيئًا. وحسبتُ الأربعَ ساعاتٍ التي أمضيناها بهولِها ورهبتِها، سواءً في حضنِ تلك الغرفة الصغيرة أو في صحنِ الكنيسة وجنباتِها لمَنْ بقي متشبثًا بحبل النجاة، وسطَ قرقعةِ الأسلحة وأصواتِ التفجيرات المتواصلة، مرّتْ وكأنَّها أيامًا بلياليها وحلكتِها وسَوداويّتها ونزفها المستمرَ، وسطَ بكاءِ وعويلِ وندامةِ ومختلفِ أنواعِ الأفكارِ المختلجة التي اتسمَ بها الحضورُ ذلك اليوم.
أحيانًا أقولُ، كنتُ محظوظًا لأنْ أشاركَ في آخر ذبيحةٍ أقامَها الشهيد "القس ثائر"، بشبابه اليافع وعفويّتِه المعتادة واندفاعِه لخدمة خورنتِه وأبناء منطقتِه والسائلين حاجةً من أبناء الكرّادة وما جاورَها. فقد كانَ رحمَه اللّه، محبوبًا ومعروفًا بتعاطفِه واستعدادِه لتقديم أوجه المساعدة دون تفرقةٍ بين مسيحيّ ومسلمٍ طيلةَ السنواتِ التي أمضاها في خورنة سيدة النجاة. كما أنّه كانَ مترفعًّا وعزيزَ النفسِ، لا يقبلُ ما يسيءُ إلى خدمتِه الكهنوتية ونزاهته المشهودة التي لم تكنْ تقبلُ النزعةَ المستشرية بشراءِ الذممِ والصمتِ التي كانتْ طاغية في بعضٍ من مسالك الحياة. ومثلُه، كان القس "وسيم"، بسيطًا ومحبًا للشباب، غيرَ حاسبٍ شخصَه سوى واحدٍ منهم. كانَ، مثلَ زميله "ثائر"، يحنو على الطفل في دروسِ التعليم المسيحي ويساعد هذا وذاك من أهل المنطقة. وهذه شهادةٌ شخصية للأب ثائر لا تُنسى، فقد كانَ يساعدُ السائلين حاجةً مِن جيبه الخاص أحيانًا، حينما كانت تضيقُ دارُ مطرانية السريان بالمالِ والمساعدات! لقد نالا الشهادة، وحُسب لهم ذلك بِرًّا، ودُعيا إلى وليمة الحمل السماويّ، بالطوبى التي وعدَ بها ربُّهم الفَعَلة النشطين بمتاجرتِهم بالوزنات التي نالوها يومَ تكريسِهم ذاتَهم لخدمةِ الكنيسة والشعب.
هكذا، نحنُ أيضًا، مَنْ كنّا شهودَ تلك الحادثة ووسطَ نيرانِها المحتدمة، كانَ يمكنُ أنْ نكونَ أيضًا مشاريعَ استشهاد مثل الكاهنين الغيورين والخمسةٌ والأربعين شهيدًا، الذين روتْ دماؤُهم أرضيةَ كنيسةِ سيدة النجاة. وبذلك أثبتوا أنّهم بذارُ الحياة ليكونوا قدوةً لغيرِهم وأداةً للشجاعة والعطاء وشعلةً للإيمان من أجل سيدهم المسيح، الذي سبق وأنْ أوصاهمْ "ألاّ يخافوا مِنَ الذي يقتلُ الجسدَ، بلْ مِنَ الذي يستطيعُ أنْ يقتلَ الروحَ والجسدَ معًا". فالروحُ باقيةُ، وأمّا الجسدُ، فهو زائلٌ، يذهبُ بسرعة الهباء! شهداءُ سيدة النجاة، ماتزالُ أسماؤُهم مثلَ ذكراهم، ماثلة في عقولِ وتفكير كلّ مَن يتذكّرُ تلك المأساة المؤلمة. وقد خلّدت الكنيسة أسماءَهم محفورةً على جنباتِ نوافذها كي تذكّر دومًا بهول المجزرة والنعمة التي حظيتْ بها هذه الكنيسة المتميّزة وسط العاصمة بغداد، والتي يؤمُّها إخوةٌ من المسلمين أيضًا، للصلاة والتبرّك والطلب من "مريمانة" أي مريم العذراء، سيدة النجاة، حاجاتِهم. وما أكثرَ مَن نالوا مرامَهم بحسب الشهادات والحقائق.
وبعد هذه الحادثة المؤلمة، ألا يجدرُ أن تُتوَّجَ هذه الكنيسة آيةً وتبقى محجَّا لكلّ العراقيّين، وليسَ للمسيحيّين وللسريان فحسب؟
كم كنتُ أتمنّى مثلَ غيري، أن تبقى آثارُ تلك الجريمة الشنيعة شاهدًا على قباحة تلك الفعلة الخسيسة، لتدينَ الأجيالُ من بعدنا، مَنْ قامَ بالتخطيط والتنفيذ لها، وكذا مَن عملَ على تسهيل المهمّة، ومِن ثمّ مَن مازالَ يخفي سرَّ السكوتِ عن مقترفيها الحقيقيّين والدافعين لمحوِ آثارِها والتغطية على الفاعل الحقيقيّ.

قصمُ الظهر، هلْ بدأَ بها!
حينَ أصبحَ العراقُ بعدَ احتلالِه في 2003، ساحةً مكشوفةً لكلِّ أعمالِ العنفِ التي أتى بها المحتلُّ الأمريكي وسواهُ منْ دول الجوار والإقليمي، اختلطتْ معهُ كلُّ الأوراق السياسية وسادت الفوضى، لاسيّما بعد استفحال آفة الطائفيّة التي أوصى بها وقدمَ مِن أجلها الطاغوت الأمريكي بتبريرِه الزائف لتحرير العراق. حينَها، فقدَ النسيجُ العراقيّ المعتادُ تماسكَه وأصبحَ الكلُّ عدوًّا للكلّ، بعد تقسيم المقسَّم وتجزئة المجزَّأ ونيل اللاّعيين الكبار المتمثل بالمثل السنّي-الشيعي-الكردي، كلٌّ مرامَه وحصّتَه من الكعكة. فالملياراتُ التي صُرفت ونُهبتْ مِن حيث لا يدري الشعب والدولة منذُ الاحتلال ولغاية اليوم، خيرُ دليلٍ على حالة الفلَتان والفوضى التي أرادَها المحتلّ الأمريكي وأعوانُه في الداخل والخارج كي تحصلَ من أجل تسهيل مهمة الفساد والسرقة عبر صفقاتٍ وأسماء وهمية في الإنفاق.
من هنا، لمْ تكن الحالةُ الأمنية بمعزلٍ عن كلّ هذا وذاك. فقدْ فُقِدَ الأمن والأمان، وغابَ الاطمئنان مِن عيون وعقول وخطواتِ المواطن بجميع مكوّناتِه وطوائِفِه وأديانِه. فقد هوجمتْ أو فُجّرتْ كنائس وجوامع ومعابد ومساجد ومراكز دينية واجتماعية وثقافية. والمسلسلُ لمْ ينتهي بعدُ، طالما توجدُ هناكَ ميليشيات وتنظيمات مسلّحة تعمل خارج المنظومة الأمنية للدولة. فهذه ما تزال تصولُ وتجولُ، وبسيارات تعود للدولة بعناوين أمنيّة حكوميّة أو تابعة لكتلٍ مشارِكةٍ في العملية السياسية بحجةِ الحفاظ على أخلاقياتِ الشعب، والشعبُ منهم بريء، وغيرُ راضٍ على ما تقترفُه هذه التشكيلات غير المنضبطة.
على أية حالٍ، لمْ يكن المكوّنُ المسيحيّ خارجًا عن هذه اللعبة، بلْ كانَ مثلَ غيرِه مستهدَفًا وعلى فوّهة المدفع. ولكونِه ممثِلاً لأقليّة حضاريةٍ وثقافية وتراثية وأخلاقيّة مختلفة عن الأغلبية، فقد بانَ الضررُ عليه أكثرَ مِن غيرِه، حالُه حالُ الإخوة من الطائفة الإيزيدية الذين نالوا قسطَهم منْ هذه الفوضى، ولاسيّما في الفترة الأخيرة. إلاّ أنَّ حادثةَ سيدة النجاة، كانتْ الأكثرَ هولاً ورهبةً مِنْ حيثُ الآثار التي خرجتْ بها الجماعةُ المسيحية في العراق. فقد قصمتْ تلكَ المجزرةُ ظهرَ الوجود المسيحيّ في هذا البلد المتعايشِ طيلة الحقب والأجيال والقرون المنصرمة، حينما طُردَ أبناءُ هذا المكوّن منْ مساكنهم واستولي على ممتلكاتِهم وأموالِهم واحتُسبتْ غنائمَ بحسب الايديولوجية التي يحملُها فراعينُ الإسلام المتشدّد بفعل تطبيقهم لمفهوم الشرع، والتي تستبيح قتلَ الأبرياءِ وسبيَ النساء وتهجيرَ العبادِ والاعتداء على كلِّ مختلفٍ عنهم ظلمًا وعدوانًا.
لقد سبق أنْ حصلتْ أعمالُ عنفٍ وتهجيرٍ واعتداءٍ وسلبٍ ونهبٍ في حقبٍ غابرة. ولكنّ هذه الحادثة كانت الأكثرَ عنفًا وتجريدًا للمسيحيّين مِنْ مواطنيّتهم وحقوقهم في المساواة والعدل، مِنْ حيثُ إنّ المخطّطين والفاعلين والمنفذين والحكّام، التقوا هذه المرّة، على هدفٍ مصيريٍّ واحدٍ، ينوي التهجير وقطعَ صلة الجذور لمكوّن أثبتَ ولاءَه للأرض والوطن أكثرَ مِن غيرِه. وهذا بشهادة الغريب قبل القريب! فالجلاّدُ والحاكمُ يبدوان واحدًا في هذه المرّة، ولا مجالَ للتملّص منْ هذا الهدف، مهما قيلَ ويُقالُ وأُذيعَ ويُذاعُ ويُصرّحُ به في المؤتمرات والإعلام. فالنية على التهجير تبدو معقودةً ولا رجعةَ فيها، تمامًا كما حصلَ مع اليهود. فلا مجالَ لدينٍ آخر غير الإسلام في المنطقة. هذا ما قيلَ وما نسمعُه وما يُخطّطُ له في الكواليس وعلى الملأّ. وإلاّ لما اقترفَ أمثالُ هؤلاء تلك الجريمة البشعة في واحدٍ من بيوتِ اللّهِ الذي يعبدونَه وينادون باسمِه خمسًا يوميًا، فيما كانَ المؤمنون، أبناءُ إبراهيمَ الموحِّد يصلّون مِن أجل العراق ومِن أجل استعادة عافيتِهِ. فهلْ مِن منطق آخرَ غيرَ ما نلمسُه؟ ف "مَن لهُ أذنانِ سامعتان، فليسمعْ"!
إنّ الجرحَ في العراق يزدادُ ثخنُه، والنزيفُ مستمرٌّ، ولاسيّما بعد احتلال الموصلَ الحدباءَ، وسقوطِ بلداتِ سهلِ نينوى، المسيحية منها أو التابعة لأقلياتٍ غيرها، بفعل تقاعسِ مَنْ كانَ يُحكمُ سيطرَتَهُ عليها منذ الاحتلال في 2003، وقد باعَها برخص التراب في أقلَّ من ساعتين! إنَّ ما فعلتُه "داعش" مؤخرًا باحتلالِها الموصل في 10 حزيران 2014، تجاوزَ حدودَ طغيانِ المغولِ على أيدي جنكيز خان وبعدَه حفيدُه هولاكو في 1258، ثمَّ تيمور لنك، حينما خيّروا المسيحيّين بين اعتناق الإسلام، أو الجزية أو الموت بالسيف أو المغادرة حفاةً. لقد كانَ صعبًا على مَن تجذّروا في الأرض وبنوا حضارةً وأسّسوا لثقافة متمدّنة وعُدّوا أصلاءَ في الأرض والوطن أن يتركوا كلَّ هذا وذاكَ بفعلِ قدومِ عصاباتٍ لا وطنَ لها، بلْ لمجرّد حملِها عقيدةًعقيمةً "مرفوضة" في الدّين الحنيف، تستبيحُ كلَّ ما هو مختلِفٌ عنْ عقيدتِها ودينِها وأخلاقِها. فالجريمةُ الشنعاء التي اقترفتها هذه الفئة الضالّة التي يتبرّأُ منها الإسلام المعتدل والقارئ الصحيح لكتاب القرآن بروح العصر، إنْ هي إلاّ ضدّ الإنسانية جمعاء. حتى إنّ مسألة إكراهِ الناس على هجر مساكنِهم وبلداتِهم وترك أموالِهم وممتلكاتهم لمجرّد الاختلاف في الدّين أو المذهب أو العرق، أمرٌ محرَّمٌ شرعًا!
إنّ ما تفعلُه هذه العصابات الإجرامية، قد استنكرهُ العديد من المراجع والشخصيات والمثقفين والواعين. فهذا الفعلُ الشنيعُ، لا ولنْ يقفَ في حدودِ المختلفين في الدّين مع "داعش" فحسب، بل "يستهدف العراق، كلَّ العراق، بجميع قومياته وأديانِه ومذاهبه، ولا يقفُ خطرُها وإجرامُها عندَ ديانةٍ أو طائفة أو قوميةٍ معينة. فلا يتوهمُ البعضُ أنهُ سيكونُ بمنأى مِن اعتداءاتها وتجاوزاتها"، تمامًا، كما قالَها الكربلائيّ، ممثل المرجعية الشيعية في خطبتِه ليوم الجمعة في 8 آب 2014.
... مذ ذاكَ، وتصريحاتُ الاستهجان والإدانة والتبرُّؤُ والخجلُ من فعالِ هذه العصابات الإجرامية ومثيلاتِها، فاقت الأسماعَ. لا لشيء، إنّما لأنّها تعكسُ حالة الإخفاق في عيشِ الإسلام بصفحتِه المتسامحة والمسالمة، لو عاد أمثالُ هؤلاء لقراءة النصوص بحكمةٍ ورويّةٍ ووفق تاريخها وصياغتِها وسياقِها الزمنيّ. فلا أعتقد أحدًا يقبلُ أنْ تكونَ عقيدتُه وديانتُه تتصفُ بالعنف وتخلو منَ الطيبة والتسامح والمحبة، محبة اللّه والآخر، الأخ في الإنسانية. يقول الإمام عليّ: "الإنسان إنْ لم يكنْ أخوك في الدينِ فهو أخوك في الخلقة". وهذا الشعار وحدَه كافٍ بضرورة العيش بين الناس كي يحيوا بأمانٍ واستقرارٍ واحترامٍ لبعضِهِم البعض بالرغم منْ كلّ الاختلافات التي أوجدّها الخالق لمصلحة البشر ومن أجل التنوّع الخلاّق لمدحِ اسمِه بلغاتٍ وطقوسٍ وآياتٍ متنوعة ومختلفة، بعيدًا عن أصولِ العنصرية والدعواتِ الطائفية التي تفرّق ولا تجمعُ الناسَ على كلمة الوحدة والتضامن والألفة وفق مبدأ "الدّين للّه والوطن للجميع".
رحِمَ الّلهُ شهداءَ كنيسةِ سيدة وجميَع شهداءِ العراقِ الأبرار، آملين تحوّلَ دمائهم الزكيّة لتكونَ بذارًا لحياةٍ أفضلَ لذويهم وبني جلداتهم ووطنهم الجريح. وعسى الوطنُ الجريحُ يستعيدُ عافيتَه ويعودُ له الأمنُ والأمانُ لتستقرَّ النفوسُ وترفلَ بحياةٍ أفضلَ تستحقُّها ويستحقُّها العراق، بلدُ الحضارات والأمجاد والإيمان!


لويس إقليمس
بغداد، في 28 تشرين أول 2014





14
عاهة الطائفية والطريق المظلم

لويس إقليمس

الشعوب التي تقتاتُ على فتات التقسيم والتجزئة والانكفاء، هي شعوبٌ هزيلة البنية وبعيدة عن صياغة مشروع مفيدٍ للوطن والمواطن. والطائفية التي أثبتت أنها عاهة شعوب منطقتنا العربية والإقليمية خيرُ برهانٍ على هزالة تركيبتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى شخصيتنا البشرية. قُدِّرَ لنا أن نولد من رحم تشكيلاتٍ فئوية وطائفية منذ أجيالٍ، ومازلنا نسير في ذات الطريق الوعر التي لم ولنْ تشهد التعبيد إلى ما شاء هذا القدَر! ومَن يرى غيرَ ذلك، فهو مخدوعٌ بشعاراتٍ طوباويّة وأسيرٌ لأفكارٍ تفاؤليّة تُحمّلُنا أكثرَ من قدرتنا.
عاهة الطائفة طريقٌ مظلمٌ وسرطانٌ خبيثٌ، يخشى العقلاء والمتديّنون المعتدلون السيرَ فيه نهارًا. فكم بالأحرى لو جرّبوا السير فيه ليلاً؟ أجيالُنا قبل الثمانينات لم يكن يدُرْ في خلدِها أبدًا، قدوم اليوم الذي تنتهي فيه الهدنة بين الذئب والحمل، والسهل والجبل لتأتي الطائفية وتأخذ الجمل بما حمل وتفرغَ الوطن ممّا سعى وأمل.
حين تخلّى الأمريكان عن حليفهم الدوليّ شاه إيران، الذي كانوا نصّبوه آنذاكَ شرطيًّا مجاهدًا في المنطقة وإتيانهم بنظام دينيٍّ متزمّت، فإنّهم يكونون قد قلبوا موازين القوى وأثاروا حفيظة حلفائهم في الخليج حين بدأ هؤلاء يشمّون رائحة الانقسام والتجزئة الآتية، لا محالَ، بسبب ما حملَه ذاك الانقلاب من تغييرات جيوبوليتيكية وديمغرافية وسياسية ومجتمعية واقتصادية بنهج طائفيّ واضح. ولم تنفع معها جميع أنواع التطمين والتهدئة ومختلَف الوعود المقطوعة هنا وهناك مع قدامى الحلفاء المحليّين الذين بدأت ثقتُهم تهتزّ بالراعي الدوليّ الرئيسيّ الذي تمكّن بدهاء متميّز من تحصين سياسته دوليًّامن خلال وضع استراتيجية للخلاص من أقوى قطبٍ منافسٍ دوليّ ناصبه العداء منذ الثورة البلشفية لغاية سقوط الأخير الدراماتيكيّ وانتهاء جبروت الاشتراكية، مخدّرة الشعوب والأمم لأجيالٍ وعقودٍ.
من حينها، وبذور الطائفية المزروعة تنمو وتُسقى فتكبرُ جنبًا إلى جنب مع تنامي المدّ الأصوليّ، كواجهة متوازية وندّية مع هذه العاهة. وهذا ما أدّى إلى وأد كلّ توجّه وطنيّ وإلى تحييد الفكر القوميّ الذي بدأ بالتراجع لصالح نموّ جيناتٍ جديدة قرّرتها القوى العظمى ضمن مشروع عالميّ للعولمة الذي اجتاحَ الدول والمؤسسات والشعوب، حتى باتت كلُّ الطرق التي لا تؤدّي إلى هذا النظام الجديد مغلقةً ولا يمكن فتحُها إلاّ به. ومن المؤسف أن ينساق المثقف العربيّ خوفًا أم خجلاً أم مسايرةً للموضة مع هذا السلوك الضيّق، مخدوعًا أم مدفوعًا بإشارات أولياء الدّين والمذهب في مواقع ومؤسسات مهمة.
ما احوجَنا اليوم للتذكير بحالِنا في سبعينيات القرن العشرين وما قبلها، حين كان الحمل يتهادى في سيرِه وسط الذئاب متشحًا ما شاءَ وراكبًا عبابَ البحر ومستغلاّ البلاجات والسواحل والنوادي والحانات ما طابَ له دون أن تجرؤ الأجهزة الرسميةوالأمنية التعرّضَ له ولحرّيتِه المكفولة من الخالق لخليقتِه. فكلُّ ما خلقه الله حسنٌ ولصالح خليقتِه ومن أجل نموّها وتكاثرها وتقدّمها وسعادتها. هذا كان ومازال يقينُ البشر محبّي الحياة وكارهي ثقافة الموت وسفك الدماء وحزّ الرؤوس والتلذّذ بالقتل والتعذيب والتهديد. ومن المؤسف، أنّ يدَ الاستكبار والغلوّ والغيرة وحبّ الانتقام والسيادة على حساب الآخرتكاتفت جميعها لترجيح كفّة التعصب والقهر، أيّ كان نوعُه ولونُه ومواصفاتُه، ما أنزلَ العالمَ إلى الهاوية غارقًا في مستنقع هذا التعصّب الأعمى، المتمثل حصرًا بالتوجهات الطائفية والمذهبية التي اجتاحت الفكر والقلم والقرطاس، كما المادّة والسياسة والمجتمع. ولعلَّ أردأَ اشكالِ هذا الأخير وأقسى صورِه،بكونِه نابعًا من أديانٍ تدّعي هويتَها نازلةً من لدن الخالق، سماويةً وتوحيدية. لقد أخذت هذه الأخيرة مسمّيات ومظاهردينية عدة عبر تنظيمات تدّعي القربَ من الله وباسم الدّين. وإنّ العاقل يتساءل، كيف للّه أن يأمرَ بقتل خليقتِه التي صنعَها وجبلَها على صورتِه ومثالِه، جميلةً كجمالِه وحسنةً كحُسنِه؟ هذه المسمّيات جميعُها، تشترك في صفة العداء لخليقة اللّه الذي تعبده الجماعات الإرهابية أيضًا ومعها مختلف التنظيمات المسلّحة المتشدّدة من أديان ومذاهب مختلفة، كلٌّ على طريقتها الخاصة، وإن كانت تنكر مثل هذه الخاصيّة الترهيبية والمخادعة.
هناك مَن يرى بعدم عقد مشابهة بين مجمل هذه التنظيمات المنطلقة من موقف طائفيّ وفكرة مذهبيّة بحتة، بحجة اختلاف برامجها ونواياها وأهدافها. لكنّنا نعتقد بتقاربها جميعًا من حيث المبدأ والهدف. فأعمالُ القتل وفعالُ الشرّ وأنشطة الترهيب والخطف الشائعة هذه الأيام ومناظر الدماء المسفوكة والرؤوس المحزوزة، كلُّها أدلّة دامغة وشواهد فاضحة على رفض الإنسانية لهذه جميعًا. كما لا يُعقلُ أن ينزل اللهُ، وهو الخالقُ الرحمن الرحيم، إلى منزلة القتل والحقدوالرذيلة بهذه الصورة المكروهة. حاشا له ذلك، من هذه الأدوات الشائنة عدوّة الإنسانية وناقصة الحبّ البشريّ ورافضة العيش السليم والهناء في أرض الله الواسعة. إنّه عصرالأزمةالإنسانية والأخلاقيّة والاجتماعيّة، ليس إلاّ!

كيف السبيل للخروج من الأزمة عراقيًّا؟
أبدأ المقترح بكلمة "لماذا". وهذه ينبغي أن تُوجَّهُ إلى أساطين العالم المتحضّر وأصحاب الزعامات الثريّة المتحكّمين بمصير شعوبهم وفق مقاييسهم ومصالحهم المتناقضة مع رغبات وتمنيات هذه الشعوب المغلوبة. فالمالُ والجاه والسلطة، هي التي غدت سيدة المواقف، حتى لو حصل ذلك بالضدّ من إرادة الشعوب والنخب والمعتدلين في البلدان التي يحكمها هؤلاء. فمن حقنا القول: لماذا لا تضعون الّله وضمائرَكم ودينَكم الحنيف فوق كلّ شيء وكلّ قرارٍ وكلّ نشاطٍ يصدرُ عنكم وعن مواليكم في الحكم؟ ولماذا لا تعبؤون أنّ عشبَ اليوم آيلٌ لليبس اليوم،وغدّا يُقطع وينتهي مفعولُه ويُلقى في النار ليحترق، تمامًا كما الحكم الذي بين أيدكم اليوم وغدًا يُغتصبُ منكم آيلاً لغيركم؟ ولماذا لا تكسبون رضا الّله والناس في حياتكم، كي تعيشوا آمنين وفي سعادة بعد مماتكم بعيدًا عن الوعود بحور العين والليالي الملاح في جنّات وهميّة تجري من تحتها أنهارٌ لا وجودَ لها سوى في مخيّلة الضعفاء والمخدوعين والشّاذّين؟ أسئلة كثيرة وجديرة بأنْ تُثار، والقصدُ منها بالخلاصةً، المحافظة على النظام الإنسانيّ الذي هيّأهٌ خالق السماء والأرض، الطيّب لخلائقه التي خلقها بصيغة ذكرٍ وأنثى متساويين ومتحابّين لمجد اسمه القدّوس ولخدمة البشر والبشرية.
عراقيًّا، كنّا نأملُ أن تختلف التشكيلة الحكومية الجديدة عن سابقاتها بخروجها عن سياق نظام المحاصصة الذي انتقدَهُ ورفضَه الجميع بمن فيهم زعماء الكتل والأحزاب والتيارات السياسية المختلفة والمراجع الدينية والنخب على تنوّع مشاربها. ولكنّ الرياح هبّت بما لا تشتهي السفنُ والسفّان المنقذ! وهذا إيذانٌ باحتمال تعرّض النظام السياسيّ من جديد إلى نكسة أولى، بدت آثارُها واضحة على ما تبقى من حقائب وزارية مختلَف عليها، ولاسيّما الأمنية منها. وهذا يعني أن تمنيات الشعب العراقيّ لم تتحقّق، بعد انتظار طويل وسقيم، طالما أنّ عاهة المحاصصة الطائفية لم تُعالَج، إنْ لم نقل أنّها تعزّزت أكثر من السابق. وهذا ما تشير إليه محاولات التشبّث العنيدة والمعاندة من جانب نّواب الشعب بالحصول على مناصب وجاهيّة فيها يسيل اللعابُ بدلاً من بقائهم تحت قبّة البرلمان، المكان الذي انتُخبوا له ليؤدّوا دورَهم فيه ممثلين لناخبيهم. إنّه وبالرّغم من الوعود والتصريحات الكثيرة بابتعاد خطّ رئيس الحكومة الجديد عن النهج الطائفي، إلاّ أنّه لن يستطيع الهروب من تأثيراتها والضغوط التي ستتراكم عليه لمعالجة ملفّات شائكة، تدخل الطائفية والمصالح الفئوية طرَفًا مهمًّا فيها. والأيام القليلة المقبلة ستشهد ما نراه قائمًا وممكنًا.
إننا نعتقدأنّ القرارات الأخيرة التي طالت قيادات عسكرية متقدّمة أثبتت فشلَها طيلة ثمانٍ سنواتٍ من القهر والظلم وفشل الأداء وضبابية الرؤية العسكرية الخائبة والخالية من أية استراتيجية وتخطيط، والتي نالت قسطًا من انتقادات العراقيين، أحزابًا وشعبًا ومرجعيات، قد أثلجت صدور الجميع. وهناك مَن يعتقد أنها ناقصة، وهو على حقّ، إذ ليس من المعقول السماح بهروب بعضها والتغطية على أخرى وإبراء غيرها للخلاص من معاقبة المقصِّر فيها بحق أبناء الوطن وبحق الضحايا من أفراد الجيش الذين تُركوا لأيامٍ وأسابيع يُعانون من شظف العيش والرهبة والرعب من زمر "داعش" ومواليهم، والتي ضيّقت عليهم الخناق طيلة جهادهم في سبيل الوطن والأرض، فيما هؤلاء القادة ولّوا الإدبار هاربين من الجحيم بحجج واهية أو من دونها. فانهيارُ الجيش وقطعاتٍ منه إزاء الرعب الذي أحاطَ بهم من تنظيمات "داعش" في مناطق عديدة منذ سقوط الموصل وتوالي سقوط مدن وبلدات وقرى عديدة، دليلٌ واضحٌ على الفراغ والفشل الذي كان يحيط المؤسسة العسكرية التي تدّعي تلقّي أوامرَها من مكتب القائد العامّ، وهو المطلوب الأوّل للتحقيق والمساءلة ومَن حواليه في مكتب القيادة العامة، دون تمييز أو غطاء على أيّ مقصٍّر بحق الشعب والوطن والأرض.
لعلَّ من أولويّات الأداء الحكوميّ أيضًا، نفضُ كلّ ما يتعلّق بكونِه خارجًا عن الهوية العراقية والانتماء للوطن ولأرضه ولحضارتِه بعد اجترار هذه الأخيرة من قبل حيتان الكانتونات والكتل الطائفية التي وضعت مصالحَها قبل كلّ شيء ولم تهبْ للشعب ولأرضِه أيَّ شيء غيرَ التراجع إلى الخلف والهرولة نحو التجزئة المجتمعية وتمزيق النسيج المتكاتف تقليديًا. فالهوية التي تفقد كينونَتها الوطنية وتلهث وراء مصالح دينية ومذهبية وفئوية ضيّقة حصرًا، تتهاوى ويطويها النسيانُ حينَ انكفائها واحتمائها تحت مسميّات هذه الأخيرة. وعلى الجميع أن يدرك أن صلة الإنسان بالإنسان تكمن من خلال الهوية الوطنية والأرض التي تأويه، فيما الدّينُ والمذهبُ والطائفةُ التي يؤمن وينتمي إليها أمورٌ شخصية بين الإنسان وخالقِه. وهذا الأخير هو الذي يحاسبُه على وزناتِه وأعمالِه وسيرتِه. وبذلك، يدخل كلُّ مَن يتخذ الطائفية والمذهبية والعرقية في سلوكِه، ضمن خانة أعداء الشعب والأرض، حتى لو تمَّ ذلك تحت مسمّى الشراكة الوطنية وتوافق السلّة الوطنية المجتمعة الواحدة، لأنّ الأخيرة كلُّها مسميّات تمزيقية وتجزيئيّة وتفكيكيّة للوطن، بل تخلقُ من تكويناتها نَفَسًا عنصريًّاقاتلاً. وهذا الشيءُ عينُه، قد خلَقَ، بلْ وسَّعَ ثغراتٍ كبيرة بين أبناء الوطن الواحد والدّين الواحد، ونشرَ نزاعاتٍ عديدة وفتحَ الأبواب لثاراتٍ وصراعاتٍ دينية وطائفية ومذهبية وعرقيّة بين الدول والأديان والمذاهب المختلفة في الوطن الواحد، كما في عموم دول المنطقة. وهذا كلُّه بسبب الجهل بالدّين والمذهب أولاً، والتنكّر للتاريخ ومسيرة الشعوب ثانيًا، وعبادة الجهل بهذا الدّين والركض خلف الفتاوى والتفاسير الانتقامية الترهيبية المغرضة ثالثًا، وليس أخيرًا.
قد يكون التحرّر من الجهل في العبادة وأصول الدّين من أولى الأولويات بإعادة قراءة تاريخ الأمم والشعوب والأديان إلى نصابها والالتزام بما تمليه ضوابط الهوية الوطنية من احترام للآخر المختلف دينًا ومذهبًا وعرقًا ولونًا ولغةً. وهذا هو عينُ العقل وقمّة الحكمة في معالجة الرتق الكبير والواسع الذي نخر أسسَ الهوية العراقية وتشعّب فيها سرطان التوجّه الطائفيّ الذي مزّق البلاد وأرهبَ العباد، وأعادَ البلاد إلى زمن الهزائم والانحرافات والانتكاسات بتكفير الآخر المختلف دينًا ومذهبًا وعرقًا.
هنالك مأزقٌ آخر يحيق بالهوية الوطنية، وهو يتمثّل بشيوع الأراضي العراقية وفتح الحدود والأجواء أمام دولٍ عديدة لتحقيق مصالح إقليمية ودولية بفعل الظروف الأمنية السيّئة التي يمرُّ بها البلد وبسبب غياب أو ضعف الغطاء الجوّي الوطنيّ العراقيّ وهشاشة أجهزته الأمنية. فقد شاءت هذه الدول أن يكون لها نصيبٌ استخباريّ واضحٌ فيما يجري، سواء بتسيير طائرات استطلاع مجهولة الهوية أو طائرات لرصد ما يجري على الساحة المفتوحة الواسعة أو عبر أدواتٍ مخابراتية تصول وتجول تحت مسمّيات متعددة، منها ميليشياوية وأخرى ضمن هيئات دبلوماسيّة أو تحت أشكال ووسائل إعلامية مغرضة. وأمام هذه الاختراقات، ليس أمام الجانب العراقيّ سوى غضّ الطرف وترك المسألة للجهات ذات المنفعة المعنيّة بهذا للأمر، تلافيًا لإشكاليات غير متوقعة. فقد بات البلد ساحة مكشوفة بلا أسرار يحتفظ بها لمصلحته ولشأنِه. وقد يبقى هذا الأمر سرًّا ما طالَ الزمن، إلاّ إنْ تجرّأ أحدُ الشركاء في العملية السياسية بالكشف عن بعض تفاصيله التي بحوزتِه، في حالة الخلاف مع الحكومة أو الجهة المعنيّة بسبب تقاطع المصالح. فالفاعلون في العراق، أمسوا معروفين في مصالحهم. كما أنّ الدول التي تسعى أن يكون لها موطئ قدم في أحداث العراق معروفة أيضًا. فإلى جانب المحتلّ الأمريكي، هناك إيران وتركيا ودول الخليج التي تحارب في العراق، كلٌّ لأجل مصالحها. ويأتي الكشف عن أسلحة مصنّعة في هذه الدول خير دليلٍ لما يراه العديد من المراقبين. كما لا نستبعد غطاءً إسرائيليًا سرّيًا لمراقبة المشهد عن بعد أو عبر طائرات مسيَّرة. فهذه الأمور، أصبحت معتادة في ظلّ غياب القيادة والسيطرة الوطنية العقائدية المحترفة وضعف الأركان والاتصالات بين قطعات الجيش المختلفة التي كادت تعمل من دون خطط استراتيجية عسكرية معروفة أيام الحرب والسلم، وكذلك بسبب غياب منظومة دفاعية تعتمدفي إمكانياتها على وسائل مقاومة متطورة للدفاع عن المجال الجوّي في حالة اختراقه من جهاتٍ خارجية.
أخيرًا، نرى أنّ همّة الحكومة ينبغي أن تتعزَّزَ في هذه الفترة الأولى من تشكيلها بعد اكتمال نصابها في أقرب وقت متاح، كي لا تطول فيقع البلد في أزمة جديدة أبطالُها مَن يدّعون الوطنية والدفاع عن مصالح الوطن والمواطن، فيما الواقع يشير إلى غير ذلك. كما ننتظر من رئيس الوزراء الجديد، اتخاذ قرارات شجاعة ومصيرية وقاطعة بوضع النقاط على الحروف وعدم ترك الغير يتمادون في اللعب بمصير الشعب والوطن. فلا بدّ من محاسبة المفسدين والفاسدين ومَن سرقَ قوتَ الشعب وفرَّطَ بأموال الدولة طيلة السنوات العشر العجاف ونيّف منذ تشكيل أول حكومة مؤقتة. فما صُرف على مشاريع وهمية وتجهيزات عسكرية وورش تدريبية كاذبة ومكارم وإنعامات شخصية، كثيرٌ وكثيرٌ ويوقف عقل العقلاء وضميرَ الحكماء وغيرةَ أبسط الفهماء. إذ لا بدّ من محاسبة كلّ هؤلاء أمام القضاء بعد تنقية الأخير من عناصره المسيّسة كي يبقى جهةً مستقلّة في الرأي والحكم العادل ولا ينجرَّ إلى مصالح السياسة والسياسيّين. فهو المعوَّلُ عليه في بناء دولة العدل والمساواة والحريّة.
كلمة أخيرة أخرى للحكومة الجديدة وسفّانها، قد تُزعج البعض من الأصدقاء وأصحاب الشأن، وهي تتعلّق بعادة الحكومة طيلة السنوات المنصرمة منذ السقوط في 2003، بقيامها بتسخير طاقات الدولة في مناسبات الزيارات الشيعيّة حصرًاوالتي ينبغي التخفيف من مظاهر الاحتفال بها وإيجاد وسائل أكثر حضاريةً ولا تثير مشاعر الغير. إننا نعتقد أن أداء شعائر الزيارات حقٌّ مكفولٌ لأيّ دينٍ أو مذهبٍ أو طائفةٍ، وما أكثرها بسبب تعدّد الأديان والمذاهب والطوائف في البلاد. فإلى جانب كونه من الحقوق الوطنية لأيّ مواطن، يبقى شأنًا شخصيًّا بين الخالق وخليقتِه. ومن هنا، ليس من المنطق أن تتعطّل دوائر دولةٍ ومؤسساتُها بأكملِها من أجل تأمين تحقيق مثل هذه الزيارات والشعائر على حساب مصلحة الوطن والمواطن. والمنطق والعقل يشيران بضرورة إيجاد صيغٍ تكفل تأمين مثل هذه الشعائر مع استمرارية الأداء الحكومي ومؤسساتها وعمل أسواقها ومعاملها وفتح شوارعها وساحاتها للعامّة. فعسكرة الشارع والساحات والحدائق العامة وكذا إغلاق الشوارع ومناطق بأكملها أمام نشاط المواطن في هذه المناسبات الكثيرة، كلُّها إشارات استفزازٍ للغير وسلبٌ لحق المواطن وحرّيتِه بحياة طبيعية. فالعبادة للخالق والتكريم للأئمّة تبقى شيئًا شخصيًّا، ولا ينبغي بأيّ حالٍ من الأحوال أن تؤثرّ في الحياة اليومية للمواطن. كما أنّ إغلاق مؤسسات الدولة وتعطيلَها لأيام عديدة، وما أكثر مثل هذه المناسبات في عراق اليوم، تُعدُّ خسارة وطنية للإنتاج وتوقّف مشاريع التنمية والتطوير. فما أحوجَنا اليوم في مرحلة البناء، إلى وقت إضافيّ للعمل وليسَ للبطالة والانقطاع.كما أنّنا لاحظنا أن الإيغال والمبالغة في مثل هذه الشعائر من شأنِه أن يؤثّر على مشاعر الغير ويخلق شيئًا من الاستفزاز والغيرة والحقد والشعور بالتمييز لجهة حاكمة على حساب مشاعر مكوّنات أخرى ترى في المبالغة بهذه الشعائر، تجاوزًا لحرّية الغير وحقّهم بتواصل حياتهم في الشارع والسوق ودوائر الدولة. إنّها مجرَّدُ شذراتٍ من رؤية وطنية ومواطنيّة، عسى أن تصل إلى سفّان الحكومة العراقية الجديد والمعنيّين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء ومجلس الوزراء الموقر ومَن يعنيه الأمر.

لويس إقليمس

بغداد، في 26 أيلول 2014



15
هواجس مصيرية وأسئلة مشروعة

لويس إقليمس

لا يخفى على أحد، قهر الزمن الحاليّ وما يشكّلُه من هواجس يومية مصيرية، بعد تنامي طبقة خارجة عن الركب الإنسانيّ والطبع البشريّ، تريد العودة بالخليقة وطبيعتها إلى عقلية القرون الجاهلية والتخلّف والبداوة. ومن غير الممكن أن تسود مثل هذه العقليات وتتحكّم بمصير دولٍ وشعوبٍ لها من الطاقة والإمكانية على الصعيد البشريّ والماديّ والفكري ما يتيح لها أفضل الخيارات بالتنعّم بالحياة التي حباها الله لبني البشر، خليقته الضعيفة، التي هي بمثابة "عشب اليوم الذي يجفّ وغدًا يُحرق في النار".
إنّ الإنسان السويّ، المؤمن بوعود السماء وخالق الكون الذي أمرَ أبوينا الأولَين، آدم وحوّاء، كي ينميا ويكثرا ويعيشا في فردَوسِه الفسيح، رجلاً وامرأة، ليكملا ويسعدا بعضهما البعض، أراد لهما ولنسلهما كلَّ خيرٍ وسعادة. وإلاّ لَما أتاح لهما العيشَ في فسيح ذلك الفردوس ونهاهُما عن عمل الشرّ واقتراف الفحشاء وعصيانِه. ولمّا كانت النفسُ أمّارةً بالسوء، فقد زاغَ الإثنان وحادا عن جادّة الطريق السليم الذي رسمه لهما اللهُ الخالق. وبذلك، فقدا الحرّية والمنَعة التي حباهما هذا الإله الطيّب محبّ البشر، فعاقبهما جزاءَ فعلتهما وعصيانهما بطردهما من الفردوس. لكنّه لم يحنق عليهما بسبب تلك المعصية، بل وعدهما بالرحمة والصفح إن هما تابا وعادا إلى رشدهما ليكفّرا عن الذنب الكبير الذي فعلاهُ. من هنا فرضَ عليهما التعبَ والشقاء والبحث عن لقمة العيش والفيء كي يحتميا من شدّة الحرّ وأعارَهما ورقَ التوت ليسترا بها عورتهما بعد أنْ جرّدهما من ثوب الحرّية والنعيم الذي رفلا به.
إنّ قصّة أبوينا الأولَين، ينبغي أن تكون درسًا بليغًا للبشر، كلّ البشر، في طاعة الخالق وعدم المعصية والزوغان والتيه في مجاهل متخلّفة غير آمنة، لا تخدم البشر والبشرية. فما يجري في عالم اليوم المتحضّر، نكوصٌ إلى الوراء وعارٌ بحقّ الإنسانية جمعاء، بعد طفو فئة ضالّة لا ترقى إلى الإنسانية بشيء، وهي تحزّ الرقاب جهرًا وتتنعّم بسفك الدماء علنًا وتستهين بخليقة الّله بطرق بشعة لا يتقبلُها أيُّ إنسانٍ سويّ. فهذه الشلّة الضالة المتشدّدة التي تتبرّاُ منها الأديان كافّة، قد حوّلت أرضَ الله الطيبة إلى مجازروإبادات جماعية يندى لها جبينُ الإنسانية ولا يقبلُ بها إلاّ الضالّون أمثالَهم والمخدوعون بوعود حور العين والجنان الوارفة التي تجري من تحتها الأنهار.
كلُّ الأرض تقف هذا اليوم ومعها البشرية لتقول كلمة "لا" لما تقترفُه عصابات "داعش" الإرهابية التي تلقنتْ دينَها الخاصّ وصاغَته على مرامها ووفق مقاساتها، فشوّهتْه، لحدّ أصبح المنتمون إليه يشعرون بالخزي والخجل ممّا يُشاع ويُقترفُ ويُشاهدُ ويُسمَعُ. أليس هذا الموقف، خيرَ تحدٍّ لهذا التنظيم الضالّ وردّا لرفض أفكارِه وأيديولوجيته الخائبة والخاطئة التي لا يعترف بها سوى الشواذّ وناقصو الفكر والضمير والرأي؟ أترك الجواب للقارئ الكريم لفرز الصحيح من الخاطئ في التعاطي مع ما جاء به أصحاب هذه التنظيمات الإرهابية التي تتخذ من الإسلام دينًا وتجزُّ الرقابَ البريئة باسم "الله أكبر" وترفع راية "لا إلهَ إلاّ الّله" في أنشطتها التخريبية والترهيبية.

تحدّيات قائمة ومخاطر شاهدة
مؤخرًا، تصاعدت وتيرة عقد مؤتمرات دولية تبحث في كيفية الردّ على الخطر الداهم لتوسّع أنشطة تنظيم الدولة الإسلامية في كلّ من العراق وسوريا، وعدّ هذا الخطر ليس على مصير ومستقبل البلدين المبتلَين به فحسب، بل أيضًا هو يشكّل خطرًا على المنطقة والعالم. فقد صحا الغربُ لخطورة فعّاليات هذا التنظيم وطريقة جذبِه لمقاتلين دوليّين من أكثر من 80 دولة بحسب البعض، علاوةً على تحديد أجهزة المخابرات الأمريكية لأكثر من خمسين دولةً ممولة أو تمويلٍ قادمٍ من أفرادٍ على أراضيها. وهذا كلّه كان إنذارًا بخطورة الموقف ومن تنامي قدراتِه المالية والفكرية والسَّوقية واللوجستيّة بفعل أجهزة الدعاية الضخمة التي يروّج بها لأنشطته. والتنظيم ليسَ سوى حركة إرهابية لا ينتمي لبلد وليس له حدودٌ ولا أرضٌ ولا كيانٌ، بل يريد خلق كيانٍ عالميّ لنفسه ومنه يتخذ مسارًا لتوسّعه وطموحاته العالمية. وهذا ما أرعبَ الغربَ ودولة القطب الواحد أميركا، حين بدأ هذا التنظيم الأخطبوطيّ يزحف مهدّدًا مصالح الغرب الغافي الذي صحا على خطورة الموقف متأخرًا، كعادتِه. وهذا ما يُؤسفُ له. إذ لم ينصت منذ البدء للدعوات وطلبات النجدة من البشر والشعوب التي وقعت ضحيةَ هذا التنظيم والتي تشرّد ت وفقدتْ مالَها ومنازلَها ومناطقَ سكناها بسبب أدوات القهر والترهيب والترعيب التي مارسهَا مسلحّوه ببربرية واضحة بحق أبناء المناطق التي احتلّوها أينما حلّوا.
إنّ التحدّيات التي يواجهها عالمُ اليوم بسبب أعمال هذا التنظيم المسلّح الذي يُعدّ أغنى تنظيم إرهابيّ لغاية الساعة، كبيرة وعديدة. وما لم يتعاون المجتمع الدوليّ وتتضافر جهود الدول والمنظمات وأصحاب الأرض للحدّ من نشاطه ودحرِه في أقرب وقت ممكن، فإنّه سيستمكنُ ويتقوّى ويستفحلُ لينتشر بعد ذلك كالسرطان الخبيث الذي لا يتوقف تدفُّقُه، ولن تفيدَهبعدُ جرعاتُ الدواء المسكّن المتمثلة اليوم بضربات جوّية محدَّدة غير قادرة على لوي ذراعِه الطويلة، لاسيّما وأن رأس الحكومة العراقية قد وجّهَ خطأً بعدم استهداف المقرّات والمواقع المدنية التي يحتمي بها مسلّحو التنظيم باتخاذها ملاذًا آمنًا. وهناك مّن يرى في هذا القرار المحرج، تشجيعًا باطنيًّا لتنظيمات مسلّحة أخرى لاستغلال هذه الثغرة في ارتكاب جرائم أعمل عنف تطالُ أناسًا أبرياء.

القضاء على الفكر الإرهابيّ خطوة استباقية
إنّ المنظومة الفكرية التي أتى بها تنظيم "داعش" الإرهابيّ، على خلفيّة تراجع تنظيم "القاعدة" مؤخرًا في المنطقة بصورة خاصّة، قد مكّنته من بسط نفوذ هائلٍ دوليًّا، بفعل ماكنته الدعائية الهائلة والفكر السلفيّ المتشدّد الذي سار عليه وكسبَ به ودّ طبقات كثيرة وحركات عديدة نبعتْ بسبب خلفيّات متخلّفة لطبقات فقيرة من المجتمع تعاني من التهميش والبطالة وشظف العيش.وقد ساعده على انتشار فكره المشوَّه هذا، اتساعُ نقمة الجماعات السنّية في مناطق تواجدها بالمحافظات الشمالية والغربية من البلاد بسبب تراكم أخطاء الوزارة السابقة وانغماسها في تهميش المكوّن السنّي والسعي لإبعاد رموزه وقياديّيه من الواجهة السياسية والشراكة الصحيحة في الوطن. ولا أسهلَ من كسب ودّ البشر، حينما تنقطعُ بهم سبلُ الحياة الكريمة، فيناموا ليجدوا أنفسَهم أسرى بين أيدي مَن يعدُ أو يدّعي إنقاذهم من براثن الحياة المزرية التي يوجدون فيها.
كما أنَّ الفكر الإرهابيّ الذي يتخذه أمثالُ هذا التنظيم في أيديولوجيته وفي تحرّكاته، حالفَهُ الانتشار السريعُ، لاسيّما بين صفوف طبقة الشباب الضائع والتائه في مسارات العولمة القائمة وما أتى به هذا النظام العالميّ الجديد، عندما وجدَ نفسَه عاطلاً بلا عملٍ ولا رزقٍ ولا مأوىً ومرميًّا على قارعة الطريق يلعنُ الزمنَ الغادر ومَن حوّلَه إلى متسوّل وفاقدٍ للأمل بحياة آدمية لائقة. فالجريُ وراء الشرّ أهونُ وأسهلُ من فعل الخير ومن الصلاة والتوبة في نظر هذه الشرائح التائهة الضائعة التي لم تعد تستمعُ لغيرها ولا ترعوي من المآسي تاركةً النصح والهداية في سبيل الخير خارجًا عن أهدافها في الحياة. ف"الممنوع دومًا مرغوبٌ فيه"، وإنْ كان يسيرُ بعيدًا عن ركب الخير والإنسانية وعن الرحمة للنفس ولغيرها.
لعلَّ أولى الخطوات التي تمكّن من القضاء على هذا الفكر الإرهابيّ الآثم، تبدأ من البيت بالتنشئة المنزلية الأولية المعتدلة والإنسانية التي تضع محراثَ الطفل على السكّة الصحيحة، ليقوم منتصبَ القامة في الفكر والخلُق والسيرة الحسنة. ثمّ يأتي دور المؤسسات التعليمية التي تأخذ على عاتقها ترسيخ المبادئ التي خلقتها الأسرة الصغيرة في عقلية وذهن الطفل ليقوم حسنًا في السيرة والأخلاق ونافعًا لأهلِه وبلده وللعالم أجمع. إلى جانب هاتين الجهتين، يأتي دور المؤسسات والمراجع الدينية التي تعزّز وتعدّل وتقوّي ما سبق للطفل أن تلقّاه في صغرِه وفي شبابه ليدخل غمار الحياة الشريفة من أوسع الأبواب وليس من بابٍ ضيّق لا يسعُ سوى نظراتٍ قاصرة ورؤى ناقصة في الحياة. كما لا ننسى دور منظمات دولية وإنسانية ومنظمات أخرى في المجتمع تُعنى بتطوير وتفعيل الروح الإنسانية وتدعو للتعاضد والتكافل المجتمعيّ.
 بهذه الوسائل فقط، يمكن تحصين الشباب وعموم البشر من مخاطر التطرّف ومزالق التشدّد المتنامية بسبب فكرٍ قاصرٍ ورؤية ضبابية للحياة وما فيها. ولا ننسى أن الإرهاب، لو قيل عنه "أْن لا دينَ له"، إلاّ أنّه في أساسِه فكرٌ منحطّ لا يرتقي إلى أبسط قيود الغيرة والأخلاق والضمير. من هنا، نلحظ أنّ غالبيةَ المغرَّرِ بهم من المنتمين لأمثال هذا التنظيم، قد حُرموا من تنشئة منزلية صحيحة لأسبابٍ عديدة، منها بصورة أخصّ، ضعف الآصرة الأسرية بين الأهل وفقدان التناغم بين الزوجين وترك تربية الأولاد للشارع وما يأتي به هذا الشارع من أخلاق واطئة ومشاكل اجتماعية لا حصرَ لها.

استراتيجية متأخرة قد تكون حاسمة

إعلان التحالف الدولي في مؤتمر باريس المنعقد يوم الاثنين 15 أيلول الجاري عن استراتيجية فاعلة لحسم موضوع وجود "داعش"، هو خطوة أولى لدحر الإرهاب وتجفيف منابعه وقطعاليد التي تموله ومَن يؤازرُه ويقف معه عدوًّا للإنسانية. وتأتي موافقة أكثر من أربعين دولة للمشاركة في هذا التحالف ردًّا قاطعًا على نبذ هذا التنظيم وصدّ فكره المريض واستئصال شأفته بعد طغيانه بوسائله الترهيبية وأعماله البربريّة الشنيعة بحق أناسٍ آمنين لمجرّد الاختلاف معهم في الفكر والدّين والرؤية للعالَم القائم ونظامِهالعولميّ. وهذا العدد من الدول المستجيبة، بمقدوره في حالة تكاتفه مع دول الجوار لكلٍّ من سوريا والعراق، أن يلحق الهزيمة بهذا التنظيم الذي يستغلّ الإسلام في أعماله الترهيبية ولأهدافٍ إرهابية ومنافع ذاتيّة تعود به لعصر غزوات البداوة الغابر ولحقبة التخلّف القائمة قبل أكثر من أربعة عشر قرنٍ خلت، أيامَ الجاهلية والسيف والجمل والتيه في الصحراء.
إن مجموع هذا المجهود الدوليّ، بعيدًا عن النوايا الحقيقية للمشاركين والفاعلين فيه، يتطلّب بالمقابل تغييرًا في موقف الدولة العراقية ونظام الحكم فيها، بسبب الصبغة الطائفية التي اتسم بها نظامُه السياسيّ منذ السقوط في 2003، بدعمٍ من الجارة إيران، التي رأت فيه ولايةً إيرانية من دون شكّ وألعوبةً بذراعها السياسيّ في المنطقة. إلاّ أنّ حسابات البندر غير حسابات الحقل! فالواقع الصحيح والعادل، يتطلّبُ خطوة مقدامة على الطريق الصحيح بالانفتاح على محيطه الإقليمي والعودة للحضن العربيّ بكلّ ثقلِه. كما أنّ بعدَه غير الطبيعيّ عن محيطه الأصليّ قد باعدَ بينَه وبينَ شركائِه، ما اضطرّه بالقبول بتدخّل دوليّ بعد تضييق الخناق عليه من "داعش"، صنيعة الاستخبارات الأمريكية نفسها.
قصارى القول، أن تجفيف منابع الإرهاب وحواضنِه، في حالة انطلاقِه من أراضٍ عراقية، كما نتأمّل اليوم، وبعيدًا عن النيّات التي تقف وراء هذا المجهود الدوليّ، لن يكون متاحًا إلاّ في انتفاضة جديدة وجادّة من جانب الحكومة الجديدة التي عليها تغيير استراتيجية الحكومة السابقة الخائبة المتبعة طيلة السنوات الثمان من عهد المالكي. فالعراق انطلاقًا من أراضيه وعلى أراضيه، يخوض اليوم حربًا كونيّة يدفعُ ثمنها بالنيابة عن المنطقة والعالم كلّه، بعد تركيز سمة الإرهاب على نظام الحكم الطائفي فيهوالاعتقاد بإمكانية تحديد أهدافه على أرض العراق تحديدًا، انطلاقًا من سوريا التي هيّأ نظامُها الدكتاتوري لنشأة هذا التنظيم وصعود نجمه. وهذا قدَرُهُ! فالعراقُ يدركُ تمامًا، ازدواجية عمل دول التحالف الجديد في معالجة الكارثة التي أوقعَت الأبرياء ضحيةًللتنظيم المسلَّح ذي الطاقة والقدرات التي تفوق قدرات دولة مثله. إن هذه الازدواجية في التعاطي مع مشكلة العراق القائمة منذ سقوط الموصل في 10 حزيران 2014، يدركُها القاصي والداني. فالدول العظمى ومعها المنظمة الدولية، لم تحرّك ساكنًا حين توالي سقوط المدن العراقية الواحدة تلو الأخرى وتشريد الآلاف من سكان المناطق التي تقطنُها أقليات عرقية ودينية، إلاّ بعد تهديد مصالحها في كردستان. وهذا خيرُ دليلٍ على هذه الازدواجية في التعاطي مع الملف العراقيّ الشائك والخاضع لتجاذبات وخلافات سياسية حادّة بين الفرقاء ومّن يقف وراءهم. فالهدف واضحٌ وليس فيه لبسٌ. لم يكن وراءه خطةٌ ولا استراتيجية قريبة المدى تساهم بعودة النازحين والمشرَّدين إلى ديارهم، بقدر ما كان يرمي بالدرجة الأولى، للحفاظ على مصالح عددٍ من الدول التي شعرتْ بقرب التهديد على أيدي تنظيم "داعش" في العراق والمنطقة.
هنا تكمن الخطوة الّلاحقة للحكومة العراقية الجديدة، بتشكيل أو إعادة هيكلة الجيش العراقيّ القاصر القائم حاليًّا، من حيث العقيدة العسكرية والشؤون السوقية واللوجستيّة والتجهيز والاستراتيجية بحيث يكون بعيدًا عن اية تأثيرات طائفية ومذهبية وعرقيّة. وهذا ليس بالسهل بطبيعة الحال. لكنّ الإرادة الوطنية ينبغي أن تنتصر في النهاية، بإعادة النظر في كلّ ما سلفَ من اجتهادات وسلوكيات وقرارات أبعدت الجيش العراقي العقائديّ التقليديّ عن مهامّه الوطنية وطبيعته العربية. ومن ضمن هذه الاستراتيجيات، التفكير الجدّي بقيام تشكيلات من حرس وطنيّ في كلّ منطقة أو محافظة لها القدرة على الدفاع عن حدودها ضمن تشكيلات الجيش الوطنيّ الاتحاديّ. وحينما تحصل هذه البرامج وتحظى بموافقة الشركاء السياسيّين، يكون البلد قد وضعَ أقدامَه على السكّة الصحيحة التي تنشلُه من واقعه المزري وترتقي به ثانيةً إلى مصافي الدول المتحضّرة بعودة السيادة الوطنية إليه وتعافيه من اقتصاده المثقل جرّاء تفشّي الفساد والمفسدين وإعادة تأهيل وبناء بناه التحتيّة المتهالكة.
ضمن هنا، يأتي قبول العراق للتدخل الدولي الأخير، خطةً مقبولةً وضروريّةً لصدّ الهجمة "الداعشيّة" الشرسة ومَن يقف وراءَها، بالرغم من اعتراض جهاتٍ شيعيّة معروفة بولائها للجارة إيران التي تخشىعلى تهديد مصالحِها فيه. وما التحالف الدوليّ الجديد، سوى فرصة قابلة للاستفادة منها وتطوير توجّهها نحو إعادة بناء البلد من جديد وفق قياسات وطنية، ووصولاً لنهج طريق الدولة المدنية المتحضّرة الديمقراطية. وهذه الفرصة الجديدة قد لا تُعوَّض، ليكفّر المحتلّ الأمريكي ومعه الغرب الغافي، عن ذنوبهم تجاه شعب العراق الجريحوحقِّه في العيش الآمن وكذا تجاه حضارتِه ورموزِه التراثية والدينية التي تُستَباح كلَّ يوم، وتكاد تتراجع وتتقهقرُ مع تواتر الأيام وإطالة الضائقة وسطوة التنظيم المسلّح وحواضنِه ومؤازريه.
هناك مَن ما زالَ يعتقد بأنّ الاستعجال بخروجالغزاة الأمريكان بالطريقة غير الذكية التي انتهجتها الحكومة السابقة، قد أخلّ بمصالح العراق، لا سيّما فيما يترتب على المحتلّ من واجبات الاحتلال والدفاع والصيانة وإعادة الإعمار وحماية الحدود. وهذا ما لم يفي به المحتلّ الأمريكي طيلة غزوه للبلد حتى طردِه مخذولاً مهانًا. ومَن كان يراقب البرامج التدريبية المخصّصة للجيش العراقيّ الجديد، يساورُه الأسى للأموال الطائلة التي صُرفت على أفرادِه ولعدم الجديّة في تنفيذ تلك البرامج التي استغلّها العديدون لواجهة سياحيّة وكسب منافع ومكافآت جرّاءَها ومن ورائها.
وهكذا، حينما أدرك الجميع الخطر الداهم وما كسبه تنظيم "داعش" من تمويل وما حقّقهُ من مكاسب ومآرب مالية وبشريّة ضخمة، تنادوا لتشكيل اتحاد دوليّ ضدّه وللقضاء على منابعه ومروّجي فكرهِ، إن أمكن. وهذا ليسَ بالسهل، كما نعلم. فبالرغم من إعراب 28 دولة من حلف الناتو عن دعمها لإنهاء وجود تنظيم "داعش" الإرهابي، إلاّ أنَّ ما في حوزة هذا التنظيم من مالٍ وسلاحٍ وحقولٍ نفطية وماكنة إعلامية هائلة وتأييد في صفوف الناقمين على حكومات وأنظمة عديدة بالمنطقة، إضافةً إلى ما غنمَه مؤخرًا من أسلحة الجيش العراقي المتخاذل في الموصل ومناطق أخرى ومن البيشمركة أيضًا، كثيرٌ ولا يمكن تصوُّرُه في ساحة المعركة وأساليبها التي تتدرَّبَ عليها. لذا، فمسألة تجفيف الحواضن ووقف إمدادات التمويل الإضافية التي يحصل عليها ومعالجة مشاكل الأرض الخصبة التي نما فيها وعليها، ستكون كفيلة بقلع منابعه والحدّ من نشاطِه لحين القضاء عليه نهائيًّا بعد حين. ويمكن اعتبار هذه الاستراتيجية الدولية برنامجَ عملٍ للقضاء على الإرهاب ذاته، وليس على تنظيم "داعش" فحسب.
ولكن، يبقى السؤال: هل في تقديرنا لما في حسابات التحالف الدوليّ من نوايا وأهداف يتطابقُ مع سيادة بلدنا على أراضيه موحَّدةً واستعادة النسيج المجتمعيّ لطبيعتِه المتآخية وعودة المهجَّرين والنازحين إلى مناطق سكناهُم الأصلية بأسرع وقتٍ متاح؟

لويس إقليمس
بغداد، في 20 أيلول 2014



16
سهل نينوى ومشروع المحمية الدولية
لويس إقليمس

لعلّ عجزَ الدولة الفيدرالية في حماية مناطق الأقليات عمومًا، هذا العجز القائم حاليّا بل منذ السقوط الكبير في 2003، وتوالي الانهيارات الأمنية وتواصل التجاذبات بين الفرقاء، أصدقاء الأمس وأعداء اليوم، المتصارعين مذ ذاك، على تقاسم كعكة العراق،إلى جانب حقيقة فرض الجانب الكرديّ أحقيّته عليها من طرف واحد، هي السبب مجتمعةً في ضياع حقوق وتشرّد عوائل وفقدان منازل وأملاك وخسران مقتنيات وعقارات وتعرّض أعراض نساء وفتيات وأطفال للسبي والاغتصاب وبيعهنّ في سوق النخاسة من قبل أزلام دولة الخلافة الإسلامية بعد استباحتها مناطقهم وتوسعها نحو العمق العراقي بقوّة. هذه الجملة الطويلة، سقتُها كي أدخل في تفاصيل أعمق حول الدعوات القائمة حاليًا لتحقيق رغبة بل أمنية أصحاب الشأن بالمنطقة، والتي هي تحصيل حاصلٍ للنتائج الكارثية المساقة في أعلاه.
منطقة سهل نينوى بالذات، لها تضاريسُها الخاصة، البشرية منها والدينية والمذهبية والجغرافية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية. فهي عراقٌ مصغَّر أكثر من غيرها، وبدرجة تقترب منحال كركوك وكردستان، إن شاء البعض. إلاّ أنّ ما يمّيزها عن غيرها في هذه كلّها، أنّها منطقة احتكاك بين مكوّنين متصارعين أزليًّا، بين العرب بثقافتهم العربية ونزعتهم الاستعلائية على غيرهم والكرد بثقافتهم الكردية وطموحاتهم غير المتوازنة، وما يشكله هذا وذاكَ من اختلاف في الرؤية وفي النظر إلى المستقبل لدى القوميّتين والشعبين المتنازعَين.
إنَّ ما يثير الجدل في نيّة الجانب الكردي المدفونة، أن غالبية مناطق السهل، بعيدة عن ثقافتهم، وهذا واقع حالٍ يُراد تغييره بوسائل متعددة وعبر أدواتٍ منتفعة بالمنطقة. وهذه الرؤية والتحليل حقيقة واقعة عندما ننظر إلى المتحدّثين والمثقفين والكتاب والأدباء والباحثين من أهل السهل، فإنّ غالبية هؤلاء يدينون بثقافة عربية بحتة ولا يجيدون الكردية ولاسيّما المسيحيين منهم، لا من قريبٍ ولا من بعيد، إلاّ القلّة من الإيزيديين والشبك الذين يشيرونبتحدّثهم بلغتهم الخاصة، لكنّ الظروف القاهرة جعلتهم تحت مطرقة الأكراد. وهذا دليلٌ قاطعٌ على سقوط الحجةّ عند مَن يطالب بضمّ السهل ومناطقه المتحدثةوالمتشربة بالثقافة العربية إلى الإقليم.
 أمّا التبريرات المساقة بكون الإقليم وقيادتِه وأهلِه أقربَ إلى مواطني السهل في الرؤية والعشرة والحماية والاهتمام، فقد سقطت هي الأخرى، حينما ضحّت بهم قوات البيشمركة وقياداتُهمبعد أن انسحبت منهزمة خلال ساعات من دون سابق إنذار أمام تهديدات عصابات "داعش". وقد ترتَّبَ على هذا الانسحاب المفاجيءإرباكٌ وخذلانٌ واستياءٌللمؤسسات الدينية وزعاماتها التي كانت تقف في غالبيتها إلى صفّ المتعاطفين من مواطنيهم مع الكردومع ما كانت تسوّقُه دكاكينُ الأحزاب التابعة للأقليات بالمنطقة من وعود وما أظهره أبطالُها الهاربون قبل الرعايا، ممّن يعدّون أنفسَهم في التشكيل الأمامي لأدوات القيادة الكردية ومن العناصر المحلّية المجنَّدة. إنْ هذه، إلاّ علاماتُ عدمِ الانسجام والتخبّط في الرؤية من قبل نفرٍ مخدوعٍ من أبناء السهل ومَن يقف وراءَ استمالاتهم وتحريضاتهم ووعودهم غير الصادقة لأبناء جلداتهم، بدليل ذوبان هذه الأدواتفي سويعات كما الملح في الماء، وشرودهم عن المشهد المأساوي إلى حيث عرين الأسد الذي آواهم معزّزين مكرَّمين دون غيرهم من بسطاء الناس الذين لم يجدوا مأوىيقيهم ولا ماءً يشفي غليلَهم ولا مصرفًا يسدُّ حاجاتهم الإنسانية لغاية الساعة.
على أية حالٍ، هذه حالُ الشعوب المبتلاة بقادة أو بالأحرى بمدّعي قادة ممّن اعتادوا التنافس بالمناكب في أولى الصفوف في المناسبات والدعوات والاستقبالات الرسمية والدينية والاجتماعية والظهور على الفضائيات تبجّحًا واستخفافًا بمن يتحدثون عن آلامهم وهم بعيدون عنهم قلبًا وروحًا.إنَّ جلَّ هؤلاء الذين نبذتهُم شعوبُهم بعد سقوط الموصل في 10 حزيران 2104، وما تلا ذلك من انهيارات وكوارث ونكبات،يُعدّون من خارج صفوف الصفوة المثقفة أو مَن ليسوا من حاملي الشهادات والخبرة أو المشهود لهم بالحكمة والرويّة والاتزان والحرص الوطنيّ قبل الفئويّ والشخصيّ. هؤلاء جمعتْهمحولًهازعاماتٌاستبدادية واستحواذية محليّة تتسمبعقلية انتفاعية ذاتيّةذات عقدة نرجسية ممسوسة بجنون العظمة تدّعي الحرص على تمثيل شعوبها،ولكنها بتصرفاتها غير الحكيمة تكون قد جلبت عليها النقمة وغضب الأرض والسماء معًا. لذا كان اختيارُ هذه الزعامات المحليّةالمنتفعة لأدوات هزيلة منتفعة مثلها وتتسم بصفات عاجزةوغير مؤهلة للقيادة لتكونَ أدواتٍ للتكسّب والتطبيل لأولياء النعم والاستعداد الدائم لفعل أيّ شيء لضمان الكسب الضيّق. وكلُّ هذا وذاك،من باب الحرص الكاذب على مصلحة ناسهم ومناطقهم، بعد استبعاد مَن في جعبتهم ثقافةٌ وحرصٌ وغيرةٌ وعلمٌ ورؤية وطنية شاملة.فهذا الصنف الأخيريصفه المنتفعون من أولياء النعم في المنطقة، بالسائرين عكس التيار. وهم يقصدون به تيارَ الخضوع والخنوع وتقديمَ الولاء الدائم للغريب القادم من خارج الأسوار.
 وباختصار، فإنّ جلَّ المجاميع التي تدّعي قيادة شعوبها في منطقة سهل نينوى بالإجماع، لا تمثّل إلى حدّ كبير هذه الشعوب والقرى والقصبات التي اكتوت بأكاذيب الأدعياء والخانعين والمتاجرين بهم وبمستقبلهم وبمصيرهم إلى المجهول! والسبب ببساطة، كونُهم غير حياديّين وغير مستقلّين في الرأي والقرار وتابعين لأولياء النعم من الأسياد ومَن يدفع لهم على حساب الفقراء والمحتاجين والبسطاء من عامة الشعب. فالحالة تشمل المسيحيين والشبك والإيزيديين بالمنطقة على السواء.

إخفاق وشكوكٌ في ضامن الحماية لمناطق الأقليات
بعد سقوط الموصل في 10 حزيران وتوالي انهيار أقضيتها ونواحيها وقراها وبلداتها بيد مسلّحي دولة الخلافة الإسلامية "داعش"، سقطت معها ورقة التوت عمّن كان يدّعي الدفاع عن مجمل المناطق المسمّاة ب "المتنازَع عليها"، والضامن لحمايتها، بعد أن دامَ احتلالُها من الجانب الكرديّ منذ 2003. فمَن كان يمسكُ أراضي منطقة السهل طيلة هذه السنين العجاف بويلاتها ومشاكلها ومنغّصاتها،لم يستطيعوا الدفاع عنها حين اقتضاء الضرورة، بل تمّ تسليمُها بكلّ سهولة من دون مقاومة تُذكر وفي ظروف يشوبُها الكثير من اللغز واللغط والصفقات التي لا تقبل الشكّ، ومن دون إبلاغ الأهالي وإنذارهم باتخاذ ما يلزم من تحوّطات عديدة نظرًا لضخامة الفاجعة وهول مآسيها.
هذه حقيقة لا يمكن تجافيها أو تغافُلُها. فقد باعنا الأكراد بلمح البصر، تمامًا كما تخلّت عنّا الحكومة المركزية وأهملت الجانب الأمنيّ والخدميّ بحجج واهية وضمن صفقة مع حكومة الإقليم منذ السقوط في 2003. إلاّ أنّ هذه الكارثة أدّت إلى اقتلاع شعوبٍ كاملة من مناطق تواجدهم الأصلية وفقدان مالهم وحلالِهم وممتلكاتهم في ساعات وترك مساكنهم والهيام بوجوههم في المجهولواضطرارهم للنزوح قسرًا إلى مناطق غريبة بالآلاف، في ظلّ غياب الرعاية من حُماتِهم التقليديين الذين كانوا تعهّدوهم بالدفاع عنهم. هذه الواقعة الفاجعة، لا بدّقد غيَّرَت المعادلة إلى واقع جديد سيؤدّي بالتأكيد إلى قرارٍ شجاعٍ يضع النقاط على الحروف، حتى لو تمّ تحرير هذه المناطق بوتائر زمنية، كما المأمول.فالمؤمنُ لا يلدغُ من جحرِ مرتين. فكم بالأحرى إذا تجاوز الثلاث مرّات؟
اليوم، ترتفع أصواتٌ للبحث عن حلولٍ لمأساة آلاف البشر المشرَّدين من أبناء الأقليات في منطقة السهل الجريح، هؤلاء الذين طالَهم التهجير والطرد حينَ خُيّروا بين الإسلام أو الجزية أو حدّ السيف أو ترك كلّ شيء وعدّ أموالهم وممتلكاتهم من أملاك الدولة الإسلامية بموجب قانون الغزوات الجاهلية. ومن ضمن هذه الحلول، مطالبة الهيئة الدولية ومعها الدول ذات القرار والقدرة والتأثير بإنشاء منطقة آمنة تكون بمثابة محميّة لهذه الشعوب المستضعفة والمضطهَدة طيلة حياتِها بسبب غياب ثقافة احترام الآخر ورفض القبول بالمختلف دينيًا وإتنيًا ومذهبيًا وما سواه.
حقًا، إذا كانت حكومة المركز ليست لها القدرة لتأمين حياة سكّان السهل وفرض الأمن والاستقرار وتقديم أفضل الخدمات التي يستحقونها، وكذا الفشل الذريع والخذلان الذي سبّبه انسحاب القوات الكردية بالإقليم، فالأمنية بطلب حماية دولية، تبقى هي الشكل الأوفر والأصلح لأقليات هذا السهل. وهذا حقٌّ مشروع في ضوء المستجدّات والأحداث الصاعقة التي عصفت بالبلاد وأوصلت العباد إلى شرٍّ وكارثة ما بعدها شرّ ولا كارثة، حين تعلّق الأمر بحياة بشر آمنين، وبمصيرٍ شعوبٍ تحوّلت إلى هباء، وبمستقبلٍ غامضٍ لا يبشّر بالخير القادم، مهما كان! فالدول التي هبّت للنجدة وتقديم المساعدة بأشكالها بعد خروجها من صمتها المطبَق خجلاً، لم يكن تحرُّكها ممكنًا لو لم تشعر بتهديدٍ لمصالحها على أرض الإقليم، تمامًا كما قالها رئيس بلاد الشرّ "أوباما حسين". فحينها فقط تحرّكَ الركب الأمميّ وتنادى لصدّ الهجمة الشرسة للتنظيمات الإرهابية التي كادت تصبح على أبواب مصالحها. كما أن الخجل الخفيف الذي ضربَ ضمائرَها وحرّكَ عقولَ بعض زعمائها لم يكنْ ليحصل لو لمِ توجَّه لها انتقادات وتُجابَه بضغوطٍ من جهات حقوقية وإنسانية ودينية، ولاسيّما تصريح بابا الفاتيكان الذي أجاز مقاومة ومعالجة مكامن الشرّ بالطريقة التي تراها الهيئة الدولية مناسبة لدحر الإرهاب ووأدهٍ من أجل سرعة عودة النازحين والمهجّرين إلى بيوتهم وقراهم لممارسة أعمالهم وشعائرهم وواجباتهم تجاه ربّهم ووطنهم وأهلهم وشعوبهم.

ضماناتٌ دولية رصينة
إن موضوع الحماية الدولية التي طفت على السطح كحلّ أفضل لأهل السهل، ينبغي أن يُعالج بعناية فائقة ،كيلا يكون نسخة تابعة وخاضعة لجهة تتربّص بجغرافية المنطقة من أجل توسيع مداها وحدودها على حساب مآسي غيرهم
. فالعرب وضمن أجندتهم بالحلم بتشكيل إقليمهم الخاص على أنقاض المحافظة المتهالكة، وكذا الكرد الطامعون منذ حينٍ بضمّ المنطقة إلى دولتهم المزمعة القادمة لامحال، يتصارع    ون اليوم وعلى قدمٍ وساق للاحتفاظ بمناطق السهل، ليسَ حبًّا بهم وبإنسانيتهم وحفظًا لحقوقهم وهوياتهم، بل إنّما للمقوّمات البشرية والإنسانية والدينية المتسامحة والهوية الوطنية الرصينة والاستعداد للتطور العلمي والتراثي والفنّي والاقتصادي والاجتماعيّ وغيرها من الصفات التي يتمتعون بها دون غيرهم. والحق يقال ، لقدكان الأجدر بمَن سعى لحكم العراق بعد زوال حكم الاستبداد في 2003، أن يترفعوا عن أجنداتهم الدينية والمذهبية والطائفية والتركيز عوضَ ذلك على الهوية الوطنية التي وحدها هي الجامع الفعليّ لأبناء الوطن تحت خيمة المواطنية والإعمار والبناء والتطوّر والتنمية المستدامة. لكنّ جلَّ هؤلاء القادمين على ظهور دبابات المحتلّ الأمريكي أوالمدعومين من دول إقليمية ومجاورة حتى الساعة، لم يكونوا يحملون في جعبهم الخاوية غيرَ عنصرِ الانتفاع من الظروف وضمن نطاق الدّين والمذهب والطائفة التي ينتمون إليها.  ومن هنا، كان تكتُّلُهم واحتماؤُهم ضمن نطاق الكتل التي التفّوا حولَها تحقيقًا لمصالحهم الفئوية والشخصية الضيّقة. وهذه هي الكارثة التي قصمت ظهر الوطن، ولا يبدو في الحكومة القادمة بصيصُ أملٍ بالخروج من قوقعة هذه الشرنقة سالمين ونافضين غبار الطائفية ومحاصصتها البغيضة التي يتكلّم عنها الكثيرون ولكنّهم متمسكون بها حتّى العظم. التشكيلة الوزارية الجديدة التي على الأبواب، لا تخلُ من نَفَسٍ  طائفيٍّ وشرهٍ لحبّ الكراسي والسلطة وماوراء هذه الكراسي من مغانم وامتيازات وفوائد! وسنلمسُ ذلك خلال السويعات القادمة. فهي لن تكون مختلفة كثيرًا عمّا سبقها، كما لن يكون في أياديها أزرارٌ سحرية لانتشال البلد من وهدته.
أمام هذه الحقائق المؤلمة، لن يكون سهلُ نينوى آمنًا بغير حماية دولية بالكاملعلى غرار قوة سلام دولية وبضمانات عهدية أكيدة ولأجلٍ غير مسمّى حتى قدوم ذاك اليوم الذي فيه تتحرّر الذهنّية العراقية من كلّ مخلّفات الماضي الدينية والطائفية والقومية والفئوية الضيقة، وصولاً لبناء دولة مدنية متحضّرة يصونُها دستورٌ وطنيٌّ لا يفرّق بين مواطن وآخر وتحصّنُها قوانينُ داعمة للدستور وتعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. كما المطلوب أن تجمع النسيجَ الاجتماعيّ،ذهنيّةٌمواطنيّة تعرفُ كيفيةَ العيش المشترك وتقدّر أهمية السلم الأهليّ والتكافل والتعايش ضمن النسيج المجتمعيّ العراقيّ الأصيل الذي عهدناه.
وبالمقابل، يجب التفكير بتكوين قواتٍ مناطقية من جميع مكّونات السهل، متمرّسة ومدرّبة تدريبًا جيدًا، تكونُحاملةً لعقيدة عسكرية وطنية خالصة، يكون ارتباطُها بالجيش الوطنيّ الاتحاديّ حصرًا، ولا تخضعُ لأية كانتونات أو تكتّلات متصارعة ومتجاذبة في الساحة بأيّ شكلٍ من الأشكال. وهذه دعوة ملحة لشباب السهل، كي ينخرطوا في هذا التشكيل ويبدؤوا مشوار التفكير بالتعاون مع الجهات المعنيّة في كيفية حماية مناطقهم مستقبلاً على أساسٍ وطنيّيلحين انصهار كافة التشكيلات القائمة حاليًا مع الجديدة منها في جيش وطنيٍّ محترفٍ لا يدين بالولاء لغير الوطن وشعبهِ وحدوده ومستقبلِه. وحينَها يمكن الاستغناء عن الحماية الدولية عندما يزول شبح الخطر وتكون الذهنيّة القبائلية والعشائرية والمذهبية والطائفية قد زالت وإلى غير رجعة. وهذا أمل الجميع، كي يعود العراق سيّدًا في موقعِه وآمنًا بحدودِه وقويًا بجيشه ومتطورًا بعلمائه ومتفتحًا برجالِه ونسائِه على السواء. فمَن يقع على عاتقه مسكُ الأرض بعد هذه التجربة المرّة، يجب أن تكون قوات نظامية تدعمُها قواتٌ محلية من أبناء جماعات الأقليات أنفسهم، في كلّ القرى والقصبات والبلدات التي يتواجدون فيها، وعدم القبول بتولية غيرهم عليهم بعد الآن.

لا للبدائل المطروحة عن الأرض الأصلية
يُشاع هنا وهناك، عن مشروعٍ لبناء مجمّعاتٍ سكنية بديلة لمساكن المهجَّرين والنازحين من منطقة السهل في جزءٍ من كردستان. إن هذا المشروع المشبوه، يساهم من حيث لا يدري المواطن النازح المغلوب على أمرَه، بطريقة أو بأخرى، بقلعِه واستئصالِه من جذوره التاريخية والحضارية والدينية بعيدًا عن أرض آبائه وأجدادِه. ومّن يحاولُ تجميل صورة هذا المشروع، فهو كمَن يسعى معّ المخطّطين له باقتراف خطأ جسيمٍ آخر لا يُغتفّر، بحجة تقديم سكن آمنٍ لهؤلاء الذين طُردوا بفعل فاعلٍ من بيوتهم وقراهم وخسروا تحويشة العمر وأتعاب وشقاء وضنى عمرِ آبائهم وأجداهم، ليأتي الغريب المتربّص ليقطنَ بدلَهم فيها. وبذلك، تُطوى صفحة هذه الشعوب المستباحة، وتزول آثارُهم مع الزمن ومع توالي الأيام والسنين. فمَن يتعوّد السكنى في المجمَّعات المقترَحة في إقليم كردستان، سوف يطيبُ له الاستقرار فيها ولن يفكّر بعدُ في الانتقال منها والعودة إلى ديارِه، خوفًا من إعادة الكرّة بالمأساة التي اختبرها بسبب قدوم تنظيمات "داعش" والخوف من الوقوع في فخاخ مثيلاتها لاحقًا.
إنّي أعتقد، أنّ تشجيعَ مثل هذا المقترَح، ليس من صالح أهل الحق والأرض، لأنّه سيُساهم بشكلٍ أو بآخر على إجراء تغيير ديمغرافيّ في مناطق السهل، وهذا ما يريدُه أعداء الأقلياتالمسيحيةوالإيزيديةوالشبكية خصوصًا، وما يسعى إليه مضطهدوهُم لاجتثاثهممن المنطقة. أمّأ مَن يرى أنّ هذا المشروع، سوف يحدّ من نزيف الهجرة، فهو واهمٌ أيضًا، لأنّ الناس كادتتفقدُ ثقتَها بكلّ مَن كانَ يقف حائلاً بين التخيير بالهجرة أو البقاء صامدًا ماسكًا الأرضَ برغبته وكاملِ رضاه. دعوتي للجهات الدينية والكنسية التي تساند هذا المشروع، عدم الانجرار وراء الوعود التي تُقطع والصورة الجميلة التي تُصوَّر مزدانة بالحياة والرفاهية والترف. فالإنسانُ العقلانيّ الحرّ لا يرضى بغير أرضِ آبائه وأجداده مستقرًّا في حياته ومماته حيث ترتاح عظامُه بالقرب منهم وتحنّ لهم، ليرقد قريرَ العين.
من هنا، فلا شيءَ غير تحرير الأراضي المستباحة يبقى المطلب الأوحد للنازحين من قراهم وبلداتهم والمطرودين من ديارهم. وإننا ندركُ تمامًا، كمْ من الذمم والنفوسستُباع وتُشترى في أروقة الكنائس والمساجد والمعابد في منطقة السهل. كما ندرك تمامًا، حجم التخرّصات الكثيرة والسفاهات المتنوعة التي ستشكّلها أحزابٌ وكتلٌ وتنظيماتٌ وعشائر لوضع العراقيل أمام تحقيق حرّية مناطق السهل وبلداته بعيدًا عن تجاذبات الزعامات والحكومات المتنفذة من جميع الجهات ذات المصلحة بالإبقاء على تبعية المنطقة، كلّ تحت مطرقتها، بسببتعدّدالأديان والإتنيات والمذاهب واختلاف توجهاتها الفكرية والعقائدية والعشائرية وتباين ولائها لأولياء النعم والجهات المنتفعة منها محلّيًا وإقليميًا ودوليًّا.
إنّي أعتقد بإمكانية التفاهم بين الجماعات المختلفة في مناطق السهل، بسببٍ من كون غالبيتِها ذاتَ توجهاتٍ سلمية في نهج حياتها ولا تنزع لأعمال العنف والكراهية والتمييزفي مفردات عقيدتها وإيمانها وتوجهاتها. أمّا تلكَ التي يُشكُّ بنزعتها إلى شيءٍ من النهج الطائفيّ بسببٍ من دعمها إقليميًا ودينيًا وطائفيًا، فيمكن معالجتُه في حينها بالطرق السلمية والحوار كي لا تتقاطع مفرداتُها ومعتقداتُها وشعائرُها وأشكالُ تراثها وتنوّع لغاتها وسائر خصوصياتها مع غيرها في المناطق التي تعيشُ فيها متضامنة ومتكافلة تاريخيًا.
إنَّ القوانين والمعاهدات الدولية تجيز للمجتمع الدوليّ اتخاذ قرارٍ لصالح جماعة أو شعوبٍ مضطهَدة من أجل حمياتها من شرّ أعمال العنف والتمييز التي تستهدفُ كيانَها وهويتَها ووجودَها كشعوبٍ أصيلة. ثمّ إنالدستور العراقيّ يجيزُ تشكيل إدارات ذاتية الحكم، في حالة كون هذا المطمح ذا منفعة للمنطقة وأهلِها بشروطٍ ووقائع لا تتناقض مع الثوابت الوطنية التي لا نرغب التجاوز عليها من أجل رأب الصدع بين مكوّنات النسيج الاجتماعي الذي مزّقته السياسة الطائفية بدعمٍ من قوى خارجية لا يطيبُ لها استقرار العراق وأهلَه والاستفادة من ثرواتِه الغزيرة لصالحهم وليسَ لغيرهم.

خيبةٌ من الأحزاب
لقد خاب ظنُّ العراقيين بالقائم من الأحزاب الهزيلة على الساحة العراقية التي تغلّفت بجلابيب غير وطنية، ومنها أحزاب المكوّنات الصغيرة، المسيحية منها والإيزيديةوالصابئية والشبكية والتركمانية وغيرها، بسبب من تبعيتها لأحزاب كبيرة ذات نفوذ استقطابيّ. فالمثلّث السنّي- الشيعيّ -الكرديّ ما زالَ محتكرًا للسلطة وغير عابئٍ بحقوق الأقليات الأصيلة ووجودها ضمن المنظومة الوطنية التي لا يعترف بها هذا المثلّث الذي بتصرّفاتِه وأنانيّتِه مزّقَ نسيجَ الوطن وجزّأ أرضَه وسماءه وماءه بحسب هواه ومصالح مكوّناته المتصارعة الثلاث على الجاه والمال والسلطة.وهذا ما دفَع أحزابًا محسوبة على جماعات الأقليات كي تكون صوتًا خانعًا لأحزاب هذا المثلّث وتدافعُ عن برامجها الاستعلائية التي لا تخدم الوطنولا أبناء الأقليات ولا تلبّي طموحاتهم.
إنّه وبسبب ضبابية الرؤية واختلاط الأوراق، برزت مؤخرًا، أصواتٌ ناشزة تنادي بفصل عنصريّ بين أبناء منطقة سهل نينوى بحجة استحالة العيش المشترك بين مواطني هذه الأقليات. إنّ هذه النظرة القاصرة، هي بحدّ ذاتها ما يريدُه الأعداء وما تسعى إليه قوى الشرّ بتجزئة البلاد وفق منظور دينيّ وطائفيّ ومذهبيّ.لذا نرى شيئًا من الاستهجان وعدم وضوح الرؤية لدى نفرٍ مغالٍ ممّن تسوّلُ له نفسُه المطالبة بكيان طائفيّ أو قوميّ منفصلٍ عن غيرِه في السهل، متعذّرًا باستحالة عيش المسيحيّ مع الإيزيدي أو الشبكي أو التركماني أو العربيّ أو الكرديّ أو الكاكائيّ أو الصابئيّ وهكذا مع سائر المكوّنات التي تشكلُها حديقة العراق الكبيرة التي تسعُ الجميع وترحبُ بكلّ وطنيّ يحمل في فكرِه وعقلِه وروحِه منهج المواطنة والاعتدال والتكافل والتعايش المشترك. وهذا الأخير، هو ما ينبغي السعيُلبنائه من جديد ضمن أسس الدولة المدنية التي نسعى جميعًا ونطمح لتشكيلها بعد مرورنا بمآسي العنف والقتل والتهجير. كما أنّ افتقار سياسيّينا وحتى بعضٍ من مرجعيّاتنا الدينية إلى روح المواطنة الصادقة ورفضهم للنزعة الطائفية والمذهبية المتعششة في كياناتهم ونبذهم علنًاللعنف القائم، هي من بين الأسباب التي تحول دون حصول المواطن على استحقاقاته الوطنية كاملة.
نأمل أن تعيد الحكومة الجديدة التي تُشكل خلال الساعات القليلة القادمة، النظر في حسابات العراق القائمة ويكون لها الشجاعة الكافية لرفض كلّ التوجهات الطائفية اللّاوطنية وتعيد صياغة برنامجها الوطنيّ مع المستجدّات على الساحة، كي لا تسنح لأعداء العراق فرصةً للنيل من أرضه وشعبِه ومكتسباتِه بالسير نحو دولة مدنية متحضّرة ديمقراطية. فالعراق ٍ باقٍ، أمّا حكّامُه والمتلاعبون بمصيره، فسيُحاسبُهم التاريخ ويلفضُهم الشعب عندما يعود إلى رشده الوطنيّ.

لويس إقليمس
 في 8 أيلول 2014




17
رسالة عاجلة إلى الرؤساء الروحيين والدينيّين المسيحيّين في العراق والشرق
"التساؤل مشروع والتساهل ممنوع"

لويس إقليمس

ألسادة الأجلاّء، أيّدَ الربُّ مسعاكم وسدّدَ خطاكُم وأفرجَ عن ضناكُم

كلّما تقرّبَ الراعي الصالح من رعيّته، والتصقَ بحياتهم اليومية الروحية والمدنية، وشاركهم أفراخَهم وأحزانَهم، همومَهم ومآسيَهم، وخفّفَ من وطأة آلامهم ومصائبهم، وساهمَ بحلّ جزئيّاتٍ من تلك الهموم والمشاكل والكوارث، كانت يدُ الربّ عليه وعلى رعيّته. وإنْ غادرَها وتركها فريسة للمجهول وللذئاب الخاطفة تنهشَ بأجسامها المقدّسة، فهو كمَن ائتمنَه ربُّه على وديعة وخان الأمانة ودفنَ الوزنات ولم يتاجر بها.
 أسوق هذا الكلام، ليس للنقد، لأجل النقد فحسب، ولا لأنقلَ مآسي شعوبٍ مضطهّدة تفترش الأرض ولا تحظى بحياة آدمية منذ ما ألمَّ بها من طردٍ وتهجيرٍ ونزوحٍ قسريّ من بلداتها وبيوتها بعد سيطرة عصابات دولة ما يُسمّى بالخلافة الإسلامية على مناطق تواجد أبناء الأقليات الدينية والإتنية المختلفة بسبب آيديولوجية هذه الجماعات المتطرّفة التي تعيث اليوم في أرض الله فسادًا، ما طالَ لها ذلك. فأنتم أدرى بمآسي هذه الشعوب التي تفقدتّموها واطّلعتم على أحوالها الكارثية بأمّ أعينكم وعاينتم جوانب من مآسيها وطلباتها وأمنياتها، حتى المتقاطعة مع ما تضمرونه في حناياكم وطيّات أساريركم التي نتفهّم جزءًا كبيرًا منها.
السادة الأجلاّء،
 لم تعد رعاياكم، هي هي كما كانت بالأمس. فالعولمة قد أيقظت عقولاً وفتحت عيونًا وهيّجت شجونًا، فتفاعلَ معها الناس على اختلاف أجناسهم وطباعهم وأفكارهم. قد يكون من بين الرعايا، مَن ما زالَ غافلاً ويعيش سباتَ الإيمان التقليديّ التعبّدي والتقويّ الذي يلجمُ أيَّ تجربة لمخالفة الرأي المتعارَف عليه في دينِه وإيمانه وسلوك حياتِه التقليدية، إيمانًا منه بحكمة الخالق في جعلِه يراهن على أولياء دينِه وانطلاقًا من أنَّ أيَّ خروجٍ عن سور الطاعة لهم هو من قبيل الخروج عن الدينِ والإيمانِ، ومِن ثمَّ يكون في عداد العاقّين والخارجين عن طوع هذا الدّين وهذا الإيمان وما سواها. فيما تظهر طبقة ثانية ترفض مثل هذا السلوك الذي لم يعد صالحًا مع تطوّر الزمن وأدواته ومفاعيلِه بكلّ هموم العالم وشجونه. هُمْ نخبة، لم تعد تسمح بصمّ الآذان وكمّ الأفواه وترضى بالقائم الموجود في تسيير العباد كالخراف المطيعة التي تُساق للذبح، أو التي تخشى أن تنبس ببنت شفة حتّى لو كان الدرب الذي يسلكُه راعيها وساديها طريقًا فيه مطبّات وإرهاصات ومنغّصات ما شاء عالمُ اليوم. هذه النخبة من الرعايا المثقفة بدأت بالنضوج الذي لم يكتمل بعد، وهي قادرة إن هي عقدت العزمَ واستقلّت في الرأي وسلوك المسيرة الواعية على تمييز المفيد من الضارّ والجيّد من غيرِه. ما يعوزُها فقط، توجيهات أبوية حانية وتشجيعاتٌ أخوية صادقة كي تسلك الطريق الصحيح وتختار المفيد في حياتها التي تعيشها مرّة واحدة، ولا تعرف إنْ هي ستستعيد شيئًا من حياتها الأرضية حينما تنفصل الروح عن الجسد الذي يندثر هو الآخر، ويزول ولا تبقى له قائمة ولا أثر، ليعود ترابًا ليسَ فيه شأنٌ ولا هيكلٌ ولا ذكرٌ.
سادتي الأجلاّء،
لستُ بصدد النقل لكم أنَّ واقع حال اليوم، مختلف عمّا كان عليه منقبل فحسب، وبالذات قبل تعرّض أهلنا وأحبائنا وأبناء جلداتنا لمصير الطرد والتشريد والعيش المذلّ في أرضٍ غريبة وبين نفرٍ من ناسٍ زادوا في إذلالهم وأمعنوا في احتقارهم وتفرّجوا على مهانتهم وحالهم ومآلهم، وهم لا يستحقون كل هذا وذاك. لم يعدْ أبناء رعاياكم قطعانًا لا تعي ولا تفهم ولا تبصر ما يجري خلف الكواليس من مؤامرات ودسائس وعقد صفقات ومساومات تزيد من تهميشهم وتبعدهم عن نيل ما يستحقونه من حقوق متساوية وعادلة، شأنُهم في ذلك شأن سائر العباد في الأرض التي منحوها فكرَهم وجهدَهم وعلمَهم، فكانوا فيها سادةً وليسَ عبيدًا، لأنّهم ناقلو حضارة وبناة بلدان ومدن ومانحو علومٍ لغيرهم من الشعوب والأمم. فهُمْ باختصار أصلاءُ ويستحقون ما تعنيه الأصالة في حياة الإنسانية وما تحويه بطون المواثيق والمعاهدات الدولية لصالحهم قبل غيرهم. أمّا أنْ يجري بيعُهم وشراؤُهم بمثل ما حصل منذ ظهور عصابات دولة الخلافة، سواءً من جانب العرب أو الكرد المتلاعبين بمصيرهم، كلٌّ على طريقته الخاصة، فهذا هراء، بل خيانةٌ للثقة وكسرٌ للمصداقية، ما لا يمكن القبول به.
 كما لا يمكن القبول بسكوتكم أو مواربتكم أو تقليلكم من شأن حقيقة الفاعلين الحقيقيّين الذين يقفون وراء منفّذي هذا المخطَّط الشيطانيّ الكبير، ولا عن أوجه التبريرات التي قدّمتها الجهات التي تاجرت بمصيرهم وأنهتْ مستقبلهم ونقلتهم إلى العدم بهذه الطريقة المهينة والمتخاذلة والقذرة التي لا يستطيع تقبّلها حتى ذو العقل السطحيّ وغير المتمعّن بما يدور حواليه. أن يُقتلع الإنسانُ من أرضه وتُنزع عنه دارُه وتُنتهك حرماتُه، فهذا يعني نهايةُ حياته وخسارة شقاء عمرِه وقلعه من جذورِه، التي إن التحق بغير جذور أرضه قد لا يثمرُ ذات الثمر الذي كان له في بلده!
إسمحوا لي القول، أنّ تصديقَكم للتبريرات التي سيقت من قيادات بالمنطقة حول تسليم بلدات سهل نينوى إلى عصابات بربرية متطرّفة لم تنطلي على أصحاب الفكر المتنوّر والمثقفين والواعين من أبناء المنطقة. فاللبيب من الإشارة يفهم! إنْ ذلك سوى الضحك على ذقون البسطاء من المؤمنين وسطحيّي الفكر ممّن لا يعرفون قراءة التاريخ والجغرافيا وسلوك السياسة المخادعة. بالمقابل، فإنَّ طريقة تفسيركم لما جرى إلى رعاياكم، اعتمادًا على ما سمعتموه من قيادات عليا في الإقليم ومن قيادات دكاكين الأحزاب المسيحية بالذات والديانات الأخرى وما سواها، ومحاولة إقناع أتباعكم بمثل تلك التبريرات السطحية التي لا ترقى للحقيقة والتي قُدّمت لكم أثناء زيارتكم التفقدّية التاريخية في وقت سابق من آب الجاري للنازحين، ومعايشتكم لهموم ومآسي آلاف البشر الذين يعيشون في ظروف مأساوية غير آدميّة، هذه كلّها قد هزّت ذوي الضمائر الحيّة وأيقظت الشعور بالخذلان والخديعة وخيبة الأمل والإخفاق في معاينة ما حصل وما نُسج من خلف الكواليس من مؤامرات وما حيك من دسائس من أجل الوصول إلى هذه الحالة وهذا الوضع الذي فقد بسببه المواطنُ بيتَه ومالَه وحلالَه وجزءً من شعورِه بالانتماء المواطنيّ والوطنيّ بهذه الطريقة القذرة. فقد تحوّلَ بسبب هذه الخديعة الواضحة إلى متشرّد ينشد المأوى فلا يجدُه، والمأكلَ ليلقاهُ بذلّة، والماءَ ليغتسل أو يشربَ بتقنينٍ، والدواء فلا مَن يعالجُه. حتى النساء هناكَ مِنْ ولدنَ في ساحات عامة وحدائق. يا للعار!أمّا الدفنُ لمَن سُلبتْ منه الحياة، فقد صارَ فريسةً للحيوانات البرّية أو ضحية جاهزة لطيور السماء تنهش في لحمه، وهو المخلوق مقدّسًا على صورة الله ومثاله! أيةُ معادلة هذه التي تنتقص من قداسة الإنسان، خليقة الله وأداته التمجيدية الناطقة! بعد كلّ هذا، هل تصدّقون ما سيق من تبريرات وما تزالون تقفون إلى جانب الباطل ضدّ الحق الذي يُفترض بكم الدفاع عنه أكثر من غيركم؟
إنّي أدعوكم إلى سداد الحكمة وقول كلمة الحق بوجه كلّ مخادع وكلّ متاجر بحقوق وعقول وممتلكات أبناء الأقليات، التي استُخدمتْ أكثر من غيرها في سوق السياسة العراقية الداخلية والدبلوماسية الإقليمية والدولية وحتى من قبل المنظمات الدولية. فقد طفح الكيلُ وبلغ السيلُ الزبى، كما قالها غيري من قبلُ. آن أوان العمل والفعل الناجز لتحقيق أماني ورغبات المؤمنين في ما يرتأونه ونرتأيه مناسبًا للمرحلة الآنيّة، بفضل المكانة البارزة التي يتمتع بها غالبيتُكم في المحافل الاوربية والدولية والدور الذي يمكن أن تلعبوه من دون مجاملة أحد عندما يكون هدفُكم الاسراع بإنهاء معاناة آلاف الأسر النازحة التي أضحت بلا مأوى، سيّما وأنَّ الشتاء على الأبواب، وما أدراكم ما الشتاء في شمال العراق!
من هنا أدعوكم للعمل الفوريّ بالآتي من المقترحات في أدناه، كي تثبتوا حقًّا رعايتكم لخرافكم وأبنائكم، بعيدًا عن الانحياز لجهات قد تكون زادت من إكرامكم والإنعام عليكم بهدف القبول بأجندتها الخاصة على حساب شعبكم المسيحيّ المضطَهَد مع جموع الشعوب الأخرى المهمّشة من الأقليات الدينية والعرقية التي ما تزال عرضةً للعرض والطلب في سوق السياسة العراقية، بالرغم من إدراك الجميع أن المحاصصة الطائفية هي الشرّ الأكبر في البلاد، وأن المواطنة وحدها ولا شيءَ سواها، هي المعوّل عليه في بناء الوطن والمواطن. ولو تذكرنا التاريخ الذي لم ينصفْ شعبَنا المسيحي على سبيل المثال، والوعود التي قطعها الإنكليز لتحقيق الحكم الذاتيّ للآشوريّين بعد الحرب العالمية الأولى وما لحق ذلك من نكوص بالعلاقة ومن مذابح بحقهم على أيدي القائد الكرديّ بكر صدقي في 1936، لاكتشفنا من دون شكّ أنّ التاريخ يعيد نفسَه، وأنّ البطولة تُمنح دومًا للجلاّد.
في السطور القادمة، شيءٌ من أماني ومطالب الناس، توضع أمانةً في رقابكم، وأنتم تتولّون الملف وتجوبون دول العالم وتلتقون المنظمات وزعماء الدول وتعرضون حجم المأساة، ومنها لقاءاتكم في دولة الشرّ أميركا، كما هو مرتقَب. حبّذا لو كشفتم عن السرّ الذي عرفتموه أو تعرفونه والجهة التي تسبّبت بهذه المأساة، أملاً بوضع النقاط على الحروف وإزالة دواعي الفاعل والمنفّذ معًا، حتى لو كانَ هذا مرغَمًا على فعل الخيانة، داخلية كانت أم خارجية، ما أدّى بالنتيجة إلى ىسيطرة الإرهابيين من دولة الخلافة الإسلامية على الأراضي الطاهرة لبلداتنا وتدنيس بيوتنا وتشريد أهلنا من مدنهم ومجمعاتهم وقراهم ودفعهم إلى المجهول والإقامة في الساحات والحدائق العامة والقاعات التي تكدّسوا فيها، إلى جانب قتل الآلاف منهم والاستيلاء على ممتلكاتهم والتبرير بجواز استحلال أعراضهم وسبي نسائهم وبيعهنّ في سوق النخاسة في عودة إلى  الزمن الغابر، زمن الجاهلية والتخلّف.
 وإنّي أتساءل: أهو عصر صراع الآلهة يعود بنا إلى ما قبل التاريخ، لنجد مَن عرفناه خالقَ الكون الواحد ملطخًا أياديه بالدماء ومتجسّدًا بالرايات السود للقتل والدمار والموت؟ إلهُنا الذي نعرفُه، هو إله الحق والمحبة والحياة، إله الرحمة والتسامح والرجاء بصفحة بيضاء ناصعة وطاهرة ويحب كلّ الألوان الزاهية ما عدا حاملات السواد، دلائل القتل والموت والدمار وأدواتُها الشرّيرة. فمِن أينَ جيء بهذا الإله الغريب على كوننا وشعوبنا وبلداننا وحضاراتنا؟

خلاصة المطالب:
سادتي الأجلاّء،
بين أياديكم الكريمة، أضع جملةً مقترحات ممّا جادت به قرائحُ أبنائكم ومثقفيهم ومفكّريهم، تنفع في عرض الكارثة التي ألمّت بشعبنا المسيحي ومعنا سائر الشعوب المضطَهَدة من الأقليات الدينية والإتنية في العراق الجريح، من أجل مطالبة الجهات التي ستقصدونها في لقاءاتكم المرتقبة القريبة مع أصحاب القرار من الدول العظمى وتلك المعنية مباشرة بالمأساة.
1-   مطالبة القوى العظمى ومعها المجتمع الدوليّ عبر المنظمة الدولية، بإصدار قرار تنفيذيّ يلزم الأطراف المعنية بتشكيل تحالف لمحاربة العصابات المتشدّدة والمنظمات الإرهابية المتطرّفة، ليس في العراق فحسب، بل في كلّ دول العالم، حيث تتواجد خلاياها وحواضنُها، وحملُ هذه الجهات على طرد عصابات ما يٌسمّى بدولة الخلافة الإسلامية في كلّ من سوريا والعراق والسماح بعودة سريعة للمهجَّرين والمشرَّدين والنازحين إلى منازلهم وقراهم ومناطقهم التاريخية. إنَّ إطالة هذه المأساة، يعني تكريس الوضع القائم والاعتراف بكيان مسخٍ شاء أن يشكّل دولةً من شيءٍ ليس من حقِّه ولا من ملكِه. وهذا بحدّ ذاته اغتصابٌ لحقوق الغير الذي ترفضُه شرعة حقوق الإنسان التي أصدرتها القوى العظمى واعترفت بها سائر الدول.
2-   العمل بإلحاح لدى حكومتي المركز والإقليم لبدء عملية عسكرية فورية بدعم دوليّ لطرد عصابات دولة الخلافة الإسلامية التي سيطرت على مناطق تواجد أبناء الأقليات الأصيلة المستضعفة، لأنّهما وحدهما تتحمّلان وصول الأوضاع إلى هذه الكارثة الإنسانية الناجمة عن الاختلاف في الرؤى السياسية والمنهجية الدينية والإتنية والمذهبية. إنّ هذه الكارثة قد حصلت نتيجة الانسحاب المخيّب للقوات الكردية التي كانت قد احتلّت مناطق الأقليات في سهل نينوى منذ 2003، بالرغم منَ وعودٍ كاذبة ومخادعة قطعتها مرارًا للمسؤولين الروحيين والدّينيين في وقت سابق للانسحاب المشبوه.
3-   تعويض الأهالي عمّا فقدوه من خسائر معنوية ونفسية وماديّة من خزينة الدولة وإدراج ذلك في موازنة الدولة وتنظيمه بقانون وعدم تسويف المسألة والضحك على الذقون.
4-   محاسبة كلّ مَن ساهم وآزرَ ودعمَ هذه العصابات بشدّة ودون هوادة، حتى لو طالت شخصيات حزبية ودينية ومذهبية وسياسية مشاركة في الحكومة أو مموّليها من الخارج.
5-   مطالبة الزعامات والمرجعيات الإسلامية بإصدار فتاوى تحريم قتل الآخر المختلف في الدّين أو المذهب او القومية والتنبيه بأنّ ما تقوم به هذه العصابات خارجٌ عن أخلاقيات الدّين، حتى لو رفعت راية "الله أكبر" و "لا إله إلاّ الله". أليسَ يُقال" وإلهُنا وإلهُكم واحد"؟ فمِن أينَ جيء بهذا الإله الغريب المتشح بالسواد الكئيب؟
6-   مطالبة الهيئة الدولية ومجلس الأمن والحكومات ذات الثقل بالسياسة الدولية، بإنشاء منطقة حماية دولية لأبناء الأقليات والإشراف عليها من قبل قوات الحماية الدولية من أصحاب القبّعات الزرق لمسك الأرض لفترة لحين استقرار الوضع والاطمئنان لزوال الخطر الداهم المهدّد لها من قبل مَن تُسوّلُ له نفسُه الانتقاص من حقوق هذه الأقليات والعبث بأمنهم وسلامتهم وسلامة أملاكهم ومقتنياتهم. كلّ هذا يكون بضمانة دولية.
7-   منح مناطق تواجد الأقليات حكمًا ذاتيًّا أو إدارة محلية بعيدًا عن خيمة أحزاب الإقليم وتدخلات المركز، بها تدير شؤونَها في إطار توافق مناطقّي بين المكوّنات المتعايشة، كلّ في موقعها الجغرافيّ وليس وفق أسسٍ أو اشتراطات دينية أو مذهبية أو طائفية. وبهذا تكون قد ضمنتْ نوعًا من الحكم الذاتيّ والحكم الّلامركزي الذي تحتاجُه البلاد لتخليصها من حكم المركز الجانح إلى دكتاتورية جديدة ومركزية قاهرة أثقلتْ كاهل الدولة والمواطن على السواء.
8-   تشكيل مجلس سياسيّ لكلّ مكوّن من مكوّنات الأقليات، يأخذ على عاتقه متابعة شؤون أبناء الأقلية التي ينتمي إليها باشتراط كون أعضائه من المستقلّين والبعيدين عن الاحتراب الحزبيّ ومِن خارج الدكاكين الحزبية القائمة الموالية لأجندات أحزاب متنفذة ذات مصالح فئوية وإقطاعيّة ضيّقة. وهذا ممكن للمسيحيّين خاصة، بعد التقارب الكنسي المشهود الحاصل مؤخرًا والقاضي بالسعي لضمان مصلحة المسيحيين وتثبيت وجودهم وعودة المهجّرين منهم إلى قراهم التاريخية وعودة ممتلكاتهم المسلوبة إليهم كاملة وغير منقوصة.وقد سبق أن تمّ طرح الموضوع من قبل رئاسة المرجعية المسيحية في العراق وتناوله الكتّاب والمثقفون بشيء من الثقة والأمل والرجاء بإنقاذ ما يمكن إنقاذُه ممّا سيتبقّى من رصيدنا المسيحيّ في أرض الوطن.

سادتي الأجلاّء،
هذه الرسالة أمانة في أعناقكم، فكونوا على قدر المسؤولة التي ائتمنكم الشعب عليها، واقتحموا المحافل الدولية مستخدمين مواقعكم الدينية والروحية، ليس للتفاخر أمام وسائل الإعلام والفضائيات وصفحات الجرائد والمجلاّت، أو للطوفان في المطارات للنزهة وتغيير الهواء، بل للبحث عن أسرع السبل وأنجع الوسائل للضغط على أصحاب القرار للتعجيل بعودة النازحين قبل حلول الشتاء ودرء ما يعنيه ذلك على عموم النازحين، وعليكم أيضًا كرؤساء روحيين ودينيين.
تقبلوا كل احتراماتي

لويس إقليمس
بغداد، في 1 أيلول 2014

18

لويس إقليمس

بموجب الأعراف الدولية، ينبغي أن تنعمَ الأقليات بنوعين من الحقوق: حق وطنيّ يفرضه مفهوم المواطنة والثاني لكونها أقلية ينبغي الحفاظ على كيانها وهويتها من أجل بقائها وتجديد تراثها والتعريف بأصالتها. لكن الأقليات في العراق مهمّشة ومستبعّدة منالمشاركة في المناصب العليا في الدولة، أي في أن تكون شريكًا أساسيًا وندّيًا له حق المنافسة وإبداء الرأي والأخذ بهذا الرأي. كما أنها كانت وماتزال مستهدَفة من جهاتٍ كثيرة، دون أن تتمكّن الحكومات المتعاقبة، سواء قبل الاحتلال الأمريكي في 2003 أو ما بعده. ومن المؤسف أن الغازي الأمريكي، لم يضطلع بواجباته الاحتلالية، كما تفرضه الأعراف والقوانين الدولية، طيلة بقائه متفرّجًا على الحالة المزرية للشعب العراقي، وهو ينهب ثروات البلاد ويفتّت النسيج الاجتماعي بذات الأسلوب الذي مارسه الاستعمار البريطاني في مبدأ " فرّقْ تسدْ"، حينما اتخذ من الطائفية سلاحًا لتقسيم العراق وتشظيته بهدف إفقاده لسرّ قوته بوحدة الشعب والأرض والمواطنة.هناك مَن يطيب له أن يديم تسمية الشعوب الأصيلة في البلد بالأقليات وأحيانًا باستخدام تسمية الجاليات، بسبب الجهل في المصطلحات وما تعنيه كلمة الأقليات، التي لا ينبغي أن تقلّ في مشروعها وأهدافها وحقوقها عن سائر مكوّنات الشعب، بغض النظر عن العدد والإتنية والعرق والدين والمذهب. إنّ هذه التسمية ما يزالُ يُنظرُ إليها بشيء من المهانة والاستصغار، وكأن أتباعَها نفرٌ جانبيٌ أو ثانويٌّ تنقصه مبرّرات الوجود والحق والشراكة في الوطن والأرض والسلطة والثروة، حالها حال سائر أبناء الشعب الذي يتألّف منه عموم الوطن. ومن المؤسف، أنّ الحالة الديمقراطية لم تتضح صورتُها بعد عقد من التغيير الدراميّ، حيث ماتزال هذه المكوّنات الأصيلة من الشعب العراقي، تُعرض في مزاد السياسة والسياسيّين الذين لا يتورّعون باستخدام أتباع هذه "الأقليات"، في مساومات شائنة وفي صفقاتٍ وللاستهلاك السياسيّ داخليًا وخارجيًا. وهذا كلُّه إنْ يكنْ، إلاّ لتجميل الصورة أمام وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية الدولية والإقليمية والمحلية، وحسب الحاجة والظرف، أحيانًا لأغراض انتخابية وفي غيرها لصدّ مطالبات بالحقّ بشراكة حقيقية وغير رمزية، وفي أخرى لكسب التأييد للأحزاب السياسية والكتل الكبيرة المتنفذة. 

تمثيل الأقلياتضمن الأعراف الدولية، هناك أطر قانونية وأنظمة وآليات دستورية تضعها بعض الدول لضمان حضور وتمثيل وتواجد المكوّنات القليلة العدد، سواء من السكّان الأصليين أو شعوب "الأقليات". وهذا حق مكفول بموجب هذه الأعراف. كما يتوافق هذا العرف مع قوانين ومواد دستورية تضعها أو تشير إليها دول تنأى بنفسها إقامة أو تواجد ثغرات في أنظمة حكمها، سيّما تلك التي تسعى أن ترتقي إلى مصاف الدول المتحضّرة والمتقدّمة. من هنا، تسعى بعض الأنظمة السياسية إلى منح الأقليات في دولها شيئًا من الامتياز لتعزيز تواجدها وعدم فقدان هذا الحضور الذي من شأن غيابه أو ابتعاده أو انقراضه، أن تكون له آثارٌ سلبية، ما قد يفقده عنصرًا مهمًا في نسيجه الاجتماعيّ العامّ الذي يعتريه الهزال والتأرجح وربّما التفكّك والانهيار.من هنا، يسعى العقلاء ضمن الأنظمة السياسية الديمقراطية، أو تلك التي تنوي السير في طريق الديمقراطية، أن تتغنّى بهذه "الأقليات" وبدورها الوطنيّ والحضاريَ والتراثيّ والثقافيّ والعلميّ من أجل تطوير البلد. ولعلّ مشاريع أشكال الحكم الذاتيّ أو الحكم اللاّمركزي الذي يُثار بين الفينة والفينة وفي ظروف متهالكة أحيانًا، يأتي ضمن هذا السياق في الاعتراف بأهمية هذه الشعوب الأصلية التي قد تسمو هويتُها وقدراتُها الفعلية، الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية والعلمية وما إلى ذلك، إلى جانب استعدادها وتفوّقها على غيرها في هذه وفي غيرها، تأتي متوافقة مع استحقاق هذه "الأقليات" والشعوب لتنعم بإدارة ذاتها، ولو شكليًّا. وما الكوتا التي تخصّصُ لهذه الشعوب أحيانًا، إلاّ اعترافٌ بدورها وحقّها في شراكة حقيقية مع غيرها من الشعوب والأقوام والإتنيات والأديان والمذاهب.ولكن، هناك مزالق عديدة تحاول جهاتٌ كثيرة تفريغ استحقاقات الأقليات من حقوقها. وبموجب الخبرة المتيسرة طيلة السنوات المنصرمة، يأتي تهالك هذا الحق وانتفاء الحاجة إليه، عندما يجري تسييسُه أيضًا لصالح أحزاب وكتل كبيرة متنفذة، هي أشبه بحيتان ضخمة تحاول ابتلاع السمك الصغير المسكين، الذي ما أن يحاول تثبيت أسس كيانه، حتى ينبري "الضخام" للالتفاف عليه وخنقه في مهده. وهذا كلُّه بطبيعة الحال، بسبب الجهل بأسس الديمقراطية وبسبب غياب ثقافة الحرية والاعتراف بالآخر والقبول به شريكًا ندّيًا متساويًا بكامل الحقوق والواجبات، وليس مجرّد عدد صغير أو متاعٍ مهملٍ فاقد الأهمية والوجود والكينونة والقدرة الذاتية.هنا يأتي دور الدول التي تدّعي الديمقراطية وتنادي بحقوق الإنسان كي تقول كلمتَها وتفرضَ رأيها وتعزّز حقوق هذه الشعوب بكلّ الوسائل والسبل والإجراءات المتاحة، عندما تضمّ صوتَها وجهودها إلى تلك التي تسعى إليها منظماتٌ دولية رصينة غير ربحية وغير منحازة. وفي كلّ هذا وذاك، لن تكون هذه الأخيرة قادرة للتحرّك من غير جهود حثيثة ومطالباتٍ متواصلة لأبناء الشعوب الأقلية والأصيلة. وهذه الأخيرة، إن لم تتحرّك بوعي ورويّة وحذر وحكمة وإرادة صلبة مستقلّة، لن يكون بمقدور شعوبها أن تنال مُناها واستحقاقَها وتحقق لأبنائها أحلامَهم بشراكة وطنية و"مواطنية" كاملة وغير منقوصة. وهيهاتِ أن يقع ممثلوها في مصيدة الأحزاب والكتل الكبيرة، الطائفية منها والقومية والدينية. حينذاك، ستفسدُ العجينة كلّها وسيفشل مشروع الحقوق الوطنية والديمقراطية الذي اختمر في مخيّلات أصحاب الفكر والثقافة والناشطين الحقيقيين في صفوف المجتمع المدنيّ من المخيَّرين وغير المسيّرين كي يكونوا تبعيّة خانعة وخاضعة للأكبر والأقوى والأصلف!
عقبات وتحديات:من دون شكّ، قد تبدر هنا وهناك عقبات عديدة، وما أكثرها في عراق اليوم، من شأنها الوقوف حائلاً دون تحقيق الغرض الأسمى بتكوين نسيج اجتماعيّ متآلف يتمتع بكامل الشراكة الوطنية والمواطنية على السواء.فالتطرّف، أيًا كان نوعُه أو منبعُه، هو التحدّي الأكبر أمام كلّ الجهود الخيّرة لتحقيق المساواة والعدالة على أسس وطنية صريحة ومتساوية تخدم الجميع وليس فئة معينة. وما يشهدُ الوطن والمنطقة عمومًا، مِن تنامي المدّ الأصوليّ والتطرّف الطائفيّ المقيت لا يبشّر بخير، إذا لم يتم وضع حدود له وتجفيف منابعه وملاحقة عناصره في الداخل والخارج، لأنه لم يجلب للمواطن والوطن سوى الدمار والألم والخراب. لقد دمّر التطرّف والتشدّد الروحَ السمحاء ورغبة التعايش الأخوي بين أبناء الوطن الواحد الذي كان يتمتع به مجملُ النسيج الاجتماعي العراقي، دون تمييز مناطقيّ أو مذهبيّ أو دينيّ أو عرقيّ. فالعراق، من شمالِه إلى جنوبِه، كان حلالاً متاحًا لوطأة قدمِ الجميع دون خوف أو تردّد أو معوّقات، لأنّه كان وطنًا وبيتًا وخيمةً لجميع العراقيين دون الدخول في التفاصيل التي فرّقتهم اليوم بعد التغيير.هناك الفساد المستشري في كلّ مؤسسات الدولة وفي عناصرها وسلطاتها الثلاث دون استثناء. لقد سرى هذا المرض الخبيث كالسرطان في جسم الوطن، وهو اليوم يتطلب وقفة وطنية عارمة وتكاتفًا مجتمعيًا موحدًا لصدّ الهجمة المدمّرة للأخلاقيات العامة والخاصة من أجل إعادة هيبة القضاء وسيادة العدل في توزيع الثروات ونيل كلّ مواطن حقَّه منها بدلاً من سرقتها بأشكالٍ وطرق ملتوية. ما يُؤسف له أنّ بعضًا ممَّن أقامتهُم الدولة وأوكلتْ إليهم أمرَ القضاء على العناصر الفاسدة فيه وملاحقة مروّجيه، هم العقبة الكأداء للخلاص والحدّ منه. وهذا أمرٌ معيبٌ، لا يقبلُه المنطق والعقل السليم.أمّا المحاصصة الطائفية التي أتى بها الساسة الجدد بعد 2003 بدعمٍ من الغازي الأمريكي وبتحريضٍ ورعاية من دول الجوار وأخرى إقليمية، فلا بدّ أن ينتهي مشوارُها المضلِّل لتحلّ بدلَها ثقافة الشراكة الوطنية العادلة التي تضع الرجل المناسب في المكان المناسب، اعتمادًا على الكفاءة والوطنية والاستعداد للخدمة العامة وتسخير الجهود لتنمية الوطن وتطوير المواطن والأخذ بطموحاته في حياة حرّة كريمة. إنّ هذه النقطة، تحتاج لجهود كلّ الطيبين والخيّرين من محبّي الوطن الذين يضعون نصبَ أعينهم المصلحة العامة قبل المصالح الخاصة الضيقة، الدينية والمذهبية والطائفية والعرقية وغيرها. وهي ذاتُها التي تقف حجرعثرة أمام نيل جميع الشعوب والقوميات في العراق كاملَ حقوقها حين يتمّ تهميشُها بسبب أعدادها المتناقصة، ما يحرمُها من الوصول إلى هذه الحقوق المنقوصة.تَواصلُ أعمال العنف بسبب غياب المفاهيم الوطنية والمعايير اللازمة لبناء دولة المؤسسات الموحدة، هو الآخر يقف حائلاً أمام استحقاقات مواطنيّة لكلّ الشرائح. ومن المؤسف لجوء السياسيّين ومعهم مَن يدّعي تمثيل قوميّته ومذهبه إلى خارج الحدود في أخذ الأوامر حول كيفية معالجة مواضيع ومشاكل وطنية تحتاج إلى رصّ الصفوف الداخلية وليس إلى زيادة الهوّة بين أطياف الشعب الواحد. إن الجميع يدرك ويعي أن مايحصل مِن أعمال عنف طائفية، هوفتنة يُراد بها إبقاء النسيج الاجتماعي مفكّكًا إلى ماشاء القدَر، وهذا ما تعترف به الكتل السياسية نفسُها. مِن هنا، ففي حسابات اليوم، أصبح الكلّ ضدّ الكلّ. وهذه مأساة شعب بكامله، في غياب المفهوم الوطني والحوار الحضاري والشراكة المبنية على مصلحة الدولة العليا قبل المصلحة الدينية والمذهبية والعرقية الضيقة!  وهنا يجدر الذكر، أنّه إذا كان العنف قد ضرب الجميع دون استثناء، إلاّأنّه كان أشدّ وقعًا على "الأقليات" بسبب صراع القوى الرئيسة على المال والجاه والسلطة وترك هذه المكوّنات المقهورة أسيرةَ مصالح الكتل الكبيرة الطامعة.

الحوار خير السبل لتحقيق الطموحات المشروعةإن مشاكل البشر المتنوعة والمتشعبة والمتنامية، لا يمكن حلُّها اليوم إلاّ بالإنصات للآخر واحترام رأيه والقبول به كيفما هو وليس كما يرغب البعض أن يفصّله على مقاسه ووفق أجندته ونظرته القاصرة التي لا تؤمن بوجود الآخر. هذا المفهوم الإقصائيّ، لم يعد له مكانٌ في عالم متحضّر انتقل من سبات الظلمات الضيقة والأفكار غير الناضجة إلى عالمٍ جديد كسته العولمة بحلّة جديدة عندما فتحت الأبواب مشرعةً أمام الجميع للعمل والإبداع والتطوير والتنمية، كلّ حسب إبداعاته، بالرغم ما للعولمة من سلبياتٍ على روحية الإنسان وفكرِه وتشعبات طموحاته التي تزيغ أحيانًا عن المعقول. فصاحب الفكر الهزيل وفاقد الإبداع والرؤية الناضجة لم يعد له مكانٌ في عالم العولمة الجديد والتكنلوجيا المتسارعة التطوّر.من هنا تأتي أهمية الحوار المتواصل بين الفرقاء والمختلفين وبين الأسوياء والمتفاهمين على السواء. فالحوار حالةٌ إيجابية وقوّة فاعلة في نقل العالم من حالة كسادٍ إلى حالة نشاطٍ في كل ميادين الحياة.إنالحوار ثقافة متطورة لها القدرة على إنقاذ العالم المتهالك من حاله السيّء إلى حالة إيجابية، يكون فيها الإنسان في أعلى مراحل الاحترام التي يستحقّها، وذلك لسببٍ بسيط، لكونه مخلوقًا آدميًّا، خلقه الله جميلاً على صورته ومثاله. لذا، فهو يستحق حياة سعيدة وصالحة وهانئة، تمامًا كما سبق أن خُلق قبلنا أبوانا الأولان آدم وحوّاء ووضعهما الخالق في الفردوس ليعيشا ويكثرا وينميا ويمجّدا الله سبحانه وتعالى عبر الخلائق المتنوعة والمختلفة التي هي غنى وليسَ فقرًا وخلافًا ومشكلةً.اليوم منطقة الشرق الأوسط تغلي على طبق ساخن، والعراق جزءٌ مهمّ في حسابات دول المنطقة والعالم. والسياسيون بحسب ولاءاتهم، هم الذين يعكسون صورة هذا الغليان غير المبرّر. فهُمْ، إنأرادوا وعقدوا النيات الطيبة، قادرون على إخماد الفتن وتوحيد الصفوف ضدّ التطرّف والتخريب والعنف والفساد والهجمة الشرسة للتنظيمات المسلحة الدخيلة. فالّله لم يضع لهم عقولاً للتخريب والتدمير، بل للبناء وصنع الخير والتفاهم مع بعضهم البعض، كلٌّ في مجتمعه وفي بلده ومع غيرهم من الأمم والشعوب.يمكن أن نعيد إلى الأذهان، أنه على صعيد الحوار، بادرت في وقت سابق، بعض المرجعيات الدينية المسلمة والمسيحية وأديان غيرُها متعايشة في العراق، للتنادي وعقد العزم على تشجيع الحوار ووضعِ حدّ لحالة العنف المستشري الذي ضرب أطنابَه في عموم أوساط الشعب العراقي. ونأمل من اللجنة المنبثقة عن هذا الحوار أن تقوم بدورها الوطني والإرشاديّ وتُنعش اتصالاتها في هذه الفترة الحرجة من تاريخ البلاد، كي تأتي بثمارها وسط الأمواج العاتية التي اكتسحت الأرض والماء والهواء والثروات، والأنكى من ذلك، الفكر والذهنية والرؤية المجتمعية المتعايشة التي تراجعت بعد السقوط. كما أننا نأمل، أن نزيح معًا، طاغوت التهجير القسريّ وعمليات النزوح الواسعة القائمة حاليًّا  بسبب الاختلاف في الدين والمذهب والعرق والطائفة، وأن يعود العراقيون كما كان نسيجُهم متعايشًا ومتآلفا ومتناسقًا وموحدًا لمواجهة كلِّ طامعٍ شرّير، بعد إنهاء وجود التنظيمات المسلحة القادمة من خارج الوطن، وطردها من المناطق التي سيطرت عليها ضمن مناطق تواجد الأقليات الأصيلة التي تم احتلالُها ظلمًا وقهرًا. هذا إلى جانب، وضع حدّ للهجرة المتنامية والمتواصلة، ولاسيّما من جانب أبناء المكوّنات القليلة العدد، أي الأقليات التي تشعر بالغبن والتهميش والإساءة إليها من جانب المتنفذين في الكتل السياسية الكبيرة المتمثلة بالمثلث "السنّي- الشيعيّ- الكرديّ"، المتصارع على الجاه والمال والسلطة. فالأقليات هي الأكثر تضرّرًا من هذه الأحداث السلبية المتلاحقة. والدليل على ذلك، ما حصل في المحافظات الساخنة، لاسيّما في نينوى، التي تحتضن مكوّنات أصيلة من هذه الأقليات المضطَهَدة التي تعرّضت لأشرس ضربة بطردها من دورها ومناطقها وبلداتها من قبل عناصر دولة الخلافة الإسلامية. ففقدت بذلك مساكنَها وحلالَها وأملاكَها وكلَّ مقتنياتها، ما جعلّها في خانة التشرّد لأمدٍ غير معروف. وإذا خلا الوطن منها، سيمنى حينئذٍ، بحالة إحباطٍ اجتماعيّ، ولن يكون له سوى لونٍ باهتٍ يعسر النظر إليه ولا يطيب رؤياه، لأنه سيكون حينذاك بلون واحد متعب وشاحب. وبالعكس، لو تحققالعدلوالمساواةللجميع، فإنّه سيكون للعراق نقلة مشجعة للبناء والتنمية والتطوير وإعادة إبراز دوره الحضاريّ.وبخصوص الهجرة المستمرّة، فقد قرعت بعض الأطياف الوطنية الأصيلة أجراس الخطر والإنذار بالنكبة، منذ فترة. وهذا وحده كافٍ لاتخاذ الساسة والمراجع الدينية بمختلف أديانها ومذاهبها، خطوات حاسمة لوقف نزيف الهجرة والعمل على عودة النازحين والمغتربين إلى أرض الوطن بعد استتباب الأمن والطمأنينة فيه، حينما تتبع الدولة منهاجًا وطنيًا واضح المعالم في قيادتها وسياستها، وبوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، بالاعتماد على كفاءته وقدراته في خدمة الوطن والمواطن. كما يترتب على الدول الغربية التي تشجّع تفريغ العراق والمنطقة من بعض مكوّناتها الأصيلة، ولاسيّما المسيحيين والصابئة المندائيين والإيزيديين والنخب من المثقفين والمهنيّين من سائر الأطياف الأخرى، سواء من الأغلبية القومية أو الأٌقلية، على السواء، أن تكفّ عن هذه الألاعيب، إذ لايمكن القبول بهذه السياسة الخرقاء التي تسعى لإفراغ البلاد من مواطنيها وكفاءاتها. وهنا، يترتب على المجتمع الدولي عوض ذلك، أن يقوم بما يملي عليه الواجب الآنيّ بتخليص البلاد من العصابات الإسلامية المسلحة التي اجتاحت مناطق واسعة وفرضت قوانينها الخاصة الغريبة عن روحيّة وذهنيّة أطياف النسيج الاجتماعيّ التقليديّ المتعارَف إلى جانب ممارسته ضغوطًاعلى السياسيين كي ينصفوا الأقليات ويدخلوهم في العملية السياسية بشراكة شريفة كمواطنين متساوين مع أعضاء المكوّنات الكبيرةالحاكمة وأن يحدّوا من عمليات العنف المستمرّة التي تستهدفهم.هنا أيضًا، يأتي دور منظمات المجتمع المدني التي ينبغي أن تلعب دورها، بالعمل جاهدة لزرع بذورالمحبة والتآلف والتعايش بين أطياف الشعب المختلفة دون تمييز. جميلٌ أن تتضامنَ فئات من الشعب العراقي مع آلام ومآسي مئات آلاف النازحين من عموم محافظة نينوى ومحافظات أخرى ضربتها أيادي الحمقى من المتشددين الأغراب وعصاباتهم التي لا تعرف غير ثقافة الموت والقتل والذبح والعنف والسبي والاغتصاب والبحث عن أنواع متع النكاح سبيلاً للحياة. والمؤلم أن ينضمّ إلى هذه العصابات مواطنون كانوا بالأمس جيرانًا وإخوة وزملاء وأصدقاء لهؤلاء النازحين. والأنكى من ذلك كلّه، أن يشارك نفرٌ من هؤلاء الرعاع في نهب وسلب وتحطيم واغتصاب منازل وأملاك ومقتنيات مواطنيهم بعد عِشرة عمر وتعايش سنين ومقاسمة الخبز والماء والدم معًا. وَيا لها من خيانة عظمى ومن دناوة أخلاق وحقارة آداب، بعدَ أن ظهر هؤلاء بهذه الأعمال الدنيئة عل حقيقة مجتمعهم وأخلاقيات عوائلهم وضحالة شخصيتهم. وللتذكيرأيضًا، أنّ خطرالميليشيات الطائفية المتزايدة في البلاد باطّراد، قد تشكّل هي الأخرى عائقًا أمام سعي الدولة الجادّ لبسط سيطرتها على حالة الفوضى القائمة. ولا شيءَ غير مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية المتعددة المتسمة بالعقيدة العسكرية الصحيحة، بإمكانها فرض الأمن والاستقرار وحماية المواطن من كلّ مكروه أو عدوّ أو مخرّب أو سارق أو عابث بأمنه وسلامته. نأمل أن تكون الحكومة القادمة قادرة علىتغيير الاستراتيجية المتبعة منذ ثمان سنوات والتي أثبتت فشلَها بامتياز في رسم الخطط واتخاذ الإجراءات الصحيحة الكفيلة بتحقيق الأمن والأمان في كلّ أرجاء البلاد، بما فيها المناطق الساخنة.
أمل ورجاء!نحن  اليوم، بحاجة لإحداث تغييرفي الفكر والرؤية والإنسانية والبعد الوطني الذي يحفظ وحدةالدولة العراقية لتكون دولة مدنية متقدمة ترفل بالحرية والديمقراطية والمساواة والإخاء وتصون كرامة وحقوق الجميع دون تمييز ضدّ أحد. وهذا ليس قائمًا معا لفوضى السياسية الحالية والتوجه الطائفي المرفوض وفقدان الأمن والخدمات ونقص فرص العمل رغم خيرات البلد الكثيرة.دعوتي ومناشدتي للدول المتورطة في إبقاء أوضاع العراق غير مستقرّة ومرتبكة، أقول: إذا كانوا مؤمنين وجادّين بتطبيق شرعة حقوق الإنسان، عليهمأن يكفّوا التدخلَ في شؤوننا الداخلية، ويساعدوا بحلّ مشاكلنا من خلال تشجيع سبل الحوار المتحضّر بدلَ تحريض طرف على آخر، وكذلك من دون تقوية طرف على آخر. وليكنْ معلومًا، أنّ العراقي رغم اتّصافه بطبيعته الإشكالية وتعقيده للأمور من جهة، وبازدواجية شخصيته من جهة أخرى، إلاّ أن روح الرحمة والكرم والضيافة والغيرة والألفة الوطنية لم تغادره إلى غير رجعة. أمّا الخطوة الأولى والآنيّة المنتظَرَة اليوم قبل الغد، تكمن بالتحام الرؤية الدولية باتجاه اتخاذ القرار الفوريّ بطرد العناصر المسلحة لدولة ما يُسمّى بالخلافة الإسلامية، باعتبارها كيانًا غريبًا مسخًا قاتلاً توسعيًا لن يكون لها حدود، إذا ما سرَتْ في طغيانها وتوسعها. كما أنّها إحدى الأدوات الحديثة المستخدمة للتشويه ليس الدّينَ فحسب بل الإنسانية وحقوق البشر أيضًا بوسائلها الدنيئة التي يندى لها جبين الإنسانية. فالتنظيم المسلّح الذي قهرَ ثلاث فرقٍ للجيش العراقي لدى استيلائه على الموصل، وبعدَها تقهقرُ قوات البيشمركة الكردية من أمامِه في غضون ساعات، قد تحوّل في غفلة من الزمن من تنظيم بلا وطن ولا حدود ولا هوية وطنية إلى كيانٍ مسخٍ يتحدّى الدول ويفرض سيطرته على أراضٍ ومدن ومؤسسات دولة مثل العراق وسوريا، ويتحكم بموارد هائلة مادية وطبيعية وإنتاجية. أليسَ كلُّ هذه الوقائع والحقائق إثباتات دامغة لنية التنظيم بالتوسع على حساب غير هذين البلدين والوصول بأفكاره وطموحاته ونواياه إلى دول العالم المتفرّجة التي لم تحسب حسابَها لهذه الورطة الكبرى؟ إنّي أعتقد أن الرغبة التي أبدتها دول حلف الناتو مؤخرًا، عن استعدادها لمساعدة العراق عسكريًا بالقضاء على تنظيم "داعش"، إذا ما تمّ ذلك وصدقت في نياتها ضمن إطار الشراكة بين الطرفين، ستضع حدًّا بالتأكيد، للشهوة الجامحة لهذا التنظيم باجتياح مناطق أخرى بذات الوسائل والأدوات مستخدمًا ما لديه من وسائل ترويعية وإعلامية وتسخير فتاوى تحريضية لصالح دولة الخلافة المعلنة. هذه الفتاوى، ينبغي أن تقابلَها فتاوى واضحة وصارمة وقاطعة من المرجعيات الدينية المعتدلة في العراق والمنطقة كي تحدّ من انتشار الفساد والمفسدين في الدّين وتدعو ذوي الإرادات الصالحة من المسلمين الحقيقيين لكشف زيف المتاجرين بهذا الدّين ورفض كلّ انواع التطرّف ورفض الآخر المختلف وتوعية الناس بمساواتهم أمام الخالق إلاّ في العمل والنيات والإيمان والصلاح.إن الانتخابات البرلمانية للدورة 2014، رغم ماشابها من خروقات واضحة وعمليات تزوير، ومايدور اليوم من حراك سياسيّ بغية تشكيل حكومة جديدة، بالرغم من اعتقاد البعض بكونها تبديلًا لوجوه ليس إلاّ، كفيلة بأن تجمعَ الفرقاء المتخاصمين لما فيه المصلحة العليا للوطن والمواطن. ونحن مثل غيرنا، نأمل أن يكون فكّ العقدة برفض التداول السلميّ للسلطة، مفتاحًا متجدّدًا لأمل ورجاء كلّ عراقيّ ينشدُ طيَّا للصفحات المظلمة والانحرافات السابقة وبدءَ مرحلة جديدة من الوحدة والبناء واحترام الآخرالمختلف وعدم تهميش أي كيان أو مكوّن أو مجتمع أو شعب يعيش على الأرض العراقية الغنية بثرواتها وببشرها وبعقول أبنائها ومراجعهم وحضاراتهم الموغلة في القدم، تلك التي علّمت الإنسانية وكانت لها نبراسًا ومنارًا يُهتدى به. وبالرغم من صعوبة خلوّ البلد،من تحشيد سياسيّ طائفي هنا وهناك، إلاّ أننا نأمل إزالة هذه العقبات من خلال النوايا الحسنة بتغيير العقلية السياسية الطائفية إلى أخرى وطنية قادرةعلى لمّ الجراح ورصّ الصفوف من أجل البناء والتطوير وردم الهوة بين المتصارعين، ورتق التمزّق الكبير وسط المجتمع. وهذا لن يتمّ إلاّمن خلال تعزيز المصالحة الوطنية واتخاذ الاعتدال والمعقولية في السياسة الداخلية والخارجية، وفي توجيه الأديان لخير البشروعبرالإيمان والنصح وصولاً إلى تعزيز بناء المجتمع المدنيّ الذي يمنح الأجيال الحالية والقادمة دورًا أساسيًا في بناء السلام والاستقرار.أملي أن يتحقق حلمُ كلّ عراقي ووطنيّ أصيل،بعودة الوطن أرضًا وشعبًا، كيانًا موحدًا متحضّرًا ورافلاً بالخير والعزّ والأمان والهناء للجميع، عبر الصبر والمثابرة والعناد والعودة إلى الحوار والتعايش والسلم الأهليمن خلال سيادة القانون
وتطبيق العدالة والمساواة للجميع. 
لويس إقليمسبغداد، في 31 آب 2014

19
أمريكا بلا حياء: صمتٌ متعمَّد وتصريحات مغلَّفة وفعلٌ خجول
لويس إقليمس

ألصمتُ عن فضح المعصية وكذا التمهّل بإدانة الجريمة والتنديد بها وإبراز تأثيرها السلبيّ المدمّر على البشر، تُعدّ تواطؤًا ومشاركة ضمنية بفعلها وتشجيعًا لفاعليها. وهذا ما حصل ومازال يحصل من جانب أمريكا والسائرين في ركابها. فقد أثبتت هذه القوّة الجبّارة قاسية الرقبة وفاقدة الحضارة وشرهة المطامع، أنّها حقًّا عدوّة الشعوب المستضعفة وسالبة حرية أبنائها وخياراتهم، هؤلاء الذين انخدعوا بوعودها الحامية للحرية المزيّفة والديمقراطية الّلاأخلاقية التي تصدّرها لبلدانهم ذات الحضارات العريقة. ولكنّ هذه الشعوب المغلوبة على أمرها،وبسببٍ من واقع حالهاالفكريّ والدينيّ والمذهبيّ محدودِ الأفق وقاصر الرؤية، تبدو ما تزال في غالبيتها متعطّشة للبحث عن حرّية مفقودة وباحثةً عن رؤية ليبرالية ومدنية تتوافق وتنسجمُ مع تطوّر البشرية وتقدّمِها إلى جانبحلمها وأمنيتها بهامشٍ من الاستقرار الذي يستحقُّه مواطنوها. كلُّ هذا وغيرُه من الرغبة في التغيير، يأتي كنتيجة حتميّة للمآسي التي تعاني منها المجتمعات المبتليةبسبب الغزو التتاري والبربريّ المعاصر المتمثل بالتنظيمات المسلّحة المتشدّدة التي تتشدّق بالدين الإسلاميّ، والإسلام المعتدل بريء منها، إن هو تفاعلَ مع العصرنة وتطوّر مع الكون وتقدّم مع العلوم لصالح البشرية دون تمييز!
 أمّا الوعود التي لهث وراءَها المغتربون والمهاجرون إليها من كلّ بلدان العالم، فقد انكسرت هذه على صخرة فقدان السمات الوطنية والدينية والتراثية لهؤلاء، في ضوء ما يبدر اليوم من هذا القطب الواحد المتجبّر على المسكونة وساكنيها وساستها وعلى اقتصادها وعلى ثروات البلدان المستضعفة الغائصة في وحلِ التخلّف والجهل والطغيان. فقد آثرت الأغلبية المهاجرة التي ابتلعت الطعم وقصدت بلد العام سام، الصمتَ وعدمَ الحديث عن واقعها الحالي الذي آمنتْ وقبلتْ به صاغرة، بعد تركهم الأوطان خلفهم وبيع ممتلكاتهموالتضحيةبتحويشة العمر مقابل راحة البال والترف الحالم في بلدٍ غادرَهُ الحياءُ وأنكرَ قادتُه الأخلاقَ والآدابَ. لكنّ هؤلاء المهاجرين في ذات الوقت، لا يخفون مخاوفَهم من الواقع الجديد بعد تغيّر أحوالهم وانقلابها من حيث يدرون أو لا يدرون. كما أنّ العديدين، يجرّون اليوم الحسرات على فقدانهم للوطن الأمّ وهم مازالوا يحنّون بعفوية إلى أسلوب حياتهم السابق حينتذكّر أصدقاء الأمس و"درابين" المدن والقرىومجرساتالكنائس ورفعالأذان من الجوامع والحسينيات وجلسات الطربوالترفيه أيّام زمان وأماكنها وأبطالَها. فقد أيقنوا أنّ الجهة الرئيسية التي خلقت الأوضاع الجديدة في بلدانهم ومناطقهم والعالم، هي ذات الجهة التي تأويهم اليوم. وهذا ما يضطرّهم للسكوت عن الأفعال الشنيعة التي تقوم بها الإدارة الأمريكية إلاّ على خجل، ولا سيّما بعد حقبة الثمانينات وبصورة أكثر بعد أحداث 2003 واحتلال العراق بحجج واهية، حيث كان يمكن لهذه الإدارة معالجة الأزمة بتنحية القيادة الظالمة السابقة بوسائل بديلة، تجيدهاوتتقنها جيدًا دون غيرها في التعاطي في مثل هذه الأزماتعبر استخباراتُ ال "سي آي أي" والقيادة المركزية، تمامًا كما حصل في بلدان عاتية مثيلة للعراق.
إنّ مواقفالصمت والترقّب والتجاهلالّلاأخلاقية التي أبدتها الإدارة الأمريكية والسائرون في ركبها من دول الغربإزاء ما تعرّض له العراق وعدد من مدنه منذ بدء الأزمة التي طالتْ، ولاسيّما في أحداث الموصل المأساوية، وحدها كافية لإدانتها ووصفها بالوحش الكاسر الذي لا يختلف عمّا يقترفُهُ "الدواعش" البرابرة بحق المسيحيين بالموصلومقترباتهاوسائر الأقليات الأخرى بالمنطقة التي تعاني من ذات المصير المحتوم الذي لا يقلّ وصفًا عن الإبادة الجماعية المرفوضة إنسانيًا ومجتمعيًا ودينيًا. ومن يراقب الأحداث في العالم بعد تولّي "أوباما حسين" الرئاسة الأمريكية،وهو المناصر والموقظ للتشدّدمن مكامنه، يمكن أن يقف على حقيقة المخطّط الشيطانيّ الذي ينفذّه بتأنٍّ ومنهجية بالرغم من صيحات واحتجاجات العالم، فيما الشعبُ الأمريكيّ الغارق في مفاسد العولمة راضخٌ لهذا المخطَّط، إنْ لم يكن لا أباليًّا من الدرجة الأولى أو مشاركًا ضمنًا. بل حتى المغتربون من العراق ودول المنطقة الّلاجئون إلى أمريكا، لم تبدرُ منهم تحرّكاتٌ فاعلة وإدانات ثورية وانتقادات واضحة للمخطّط الاستراتيجي المنهجيّ لهذه الإدارة والعمل على فضحه وإيقاف ما تبقى المقصودِ به طيّ صفحة الهوية المسيحية في سوريا والعراق ولبنان بخاصّة، واقتلاع شعوبٍ مختلفة في الديّن والمذهب من عموم المنطقة. إنّها لمعادلةصعبة في كيفية العيش على أرضٍ غريبة والقبول بمخطّط يستهدف هوية ما تبقى مِن أبناء وأهل وأقارب اللاجئين والمغتربين. فهمٍ بين فكّي كمّاشة: هل يسكتون صاغرين للمخطّط ويقبلون بالسياسة الجديدة هويةً لسلامتهم وتمتّعهم بالنعيم الجديد بديلاً عن المخاوف الترهيبية التي قاسوها والأيام البائسة التي عاشوها في ظلّ أكثر من خمسة عقود من الثورات الهمجية والحروب التي لم تأتي سوى بالمآسي والويلات والّلاإستقرار والقتل والتدمير والسلب والاغتصاب، أم يعبّرون عن رفضهم لهذه السياسة الخرقاء ويسعون جاهدين لتوجيه البلاد وسياستها إلى السكةّ الصحيحة؟ ربّما اللوبيّ الذي تمكنوا من تشكيلِه، هو بالفعل غيرُ قادرٍ لتخطّي العتبة المسموح بها. وهنا الطامة الكبرى!

بين الحقّ والظالم جولة
إنّ أعمال العنفَ والقتل والتدمير والإبادة التي اتخذتها العصابات المسلحة المتشدّدة المرتزقة العالميةمنهجًا، والتي سمحت بها أمريكا، عدوّة الشعوب المستضعفة، وأوجدت لها قيادة وتنظيمًا وتمويلاً، تُعدّ وصمة عار في جبين الإنسانية والمنظمة الدولية التي لم تقرّر بعد أوانَ التخلّص من الحماقات التي ارتكبتْ وما تزال متواصلةً أمام أنظار المجتمع الدولي. ربّما تكون الإدارةالأمريكيةهي ذاتُها التي خلقتْ هذا التشكيل المسخ في المنهج والأسلوب والتعامل، تمامًا كما فعلت بصنويهالسابقين المتمثلين ب"طالبان أفغان" و"القاعدة"، بهدف معاداة روسيا ومحاربتها وكبح جماح ثورتها الحمراء على مساحات شاسعة من دول العالم ومنها أوربا الشرقية في حينها.
أليوم، يُهجَّر أبناء الأقليات الدينية والإتنية من مناطق تواجدهم التاريخية في أرض الرافدين لأسباب دينيّة عنصريّة بحتة. وهذا كلُّه يجري ضمن مخطَّطٍ ممنهج أصبح القاصي والداني يتحدّث به ويشجبُه.فالإيزيديون يُهجّرون ويُقتلون ويجوَّعون وتُغتصبُ فتياتُهم وتسبى نساؤُهم ويُبعن في سوق النخاسة بسبب دناوة وحقارة مَن يتولّى ويحمل ذلك الفكر المتشدّد الذي يعود لأكثر من خمسة عشر قرنًا خلتْ من التخلّف والجهل. والمسيحيون يُطردون من ديارهم وقراهم وبلداتهم بالرغم من تاريخيتهموجغرافيتهم وحضارتهم المتأصلة، فيما تُحرقكنائسهمويُجبرون علىتركأرض الوطن ونسيان ذكرياتهم وقطع صلة الرحم بكلّ ماضيهم ويُخيّرون بين ترك الدّين أو الجزية أو حدّ السيف. أمّا أمريكا، فقد وقفتْ أيامًا وأسابيعَ وأشهرًا، تتفرّج وتترقّب كي ترسو على قرار، تمامًا كما سبقت وفعلت إزاء أحداث مماثلة في مناطق أخرى. فقد سبق لها أن دعمتالحكومة الإخوانية،وهي من ذوات فصيلة "داعش" و"القاعدة" و"جبهة النصرة" وما تحت ظلالها جميعًا. وهذه بمجملها يُعتقد ارتباطُها إلىحدّالعظم بطريقة أو بأخرى، بأدوات الإدارة الأمريكية المختلفة. إلاّ أنّ طبيعة الشعب المصريّ الفرعونية، قد أفشلت المخطَّط،ما حملَ هذه الإدارة للعودة لأكل مخلفات "روثها"، بعد أن ثار الشعبُ المصريّ في 25 يناير وقال كلمته الوطنية الفصل "لا للمخطّط الأمريكي-الصهيونيّ" بتقسيم البلاد وتقتيل العباد، ما خيّبَ ظنَّ الظالمين! وقد كشفت عن هذه المعلومات الخطيرة، لولب الخارجية السابقة في الإدارة الأمريكية، هيلاري كلنتون في مذكراتها.
إنّ أمريكا المكابرة ومعها الغربُ الخانع لإرادتها، لا تدرك حجم الجريمة والمخطّط الذي ترتكبُه عبر التنظيمات المتشدّدة المسلحة التي سمحت لها بالعمل وتطوير أدوات القتال وفنون أدوات الإبادة الجماعية التي تركبُها في بلدان عديدة في المنطقة والعالم. فدولة الخلافة الإسلامية المعلنة أخيرًا في العراق والشام، تحمل نوايا عدوانية للعالم كلّه ومنها أمريكا والغرب، وكلِّ مختلف مع منهج هذه التنظيمات السلفيّة المجرمة. فهي قائمة على أساسٍ دينيّ متزمّتٍ حرفيٍّ بحت، وليس للقوميّة والحضارة والأخلاق موقعٌ في قاموسها ومنهجها. إنّما منطلقُها الأساس يكمن في تكفير كلِّ مَن لا يبايعُ الخلافة، وما سوى هذه يبقى حقًا تفرضُه قوانين الغزوات القبلية أيام الجاهلية من قتلٍ وتدميرٍ وسبيٍ واغتصابٍ وما ملكتْ أيمانُهم.
حقًّا، إنْ كانت أمريكا ومعها الغرب تعدُّ الدّينَ حرّية شخصية مقدّسة لا تريد المساسَ به أو التعرّض له بحجة الديمقراطية والحريّة الشخصية التي تتذرّع بها بموجب شرعة حقوق الإنسان، إلاّ أنها بالمقابل عليها أن تدرك أن مثل هذه التنظيميات، تستغلّ هذه الثغرة وهذا التسامح من أجل تدمير العالم وشطب كلِّ مختلف عنها وزائغٍ عن فكرها المتخلّف العفن، بحسب آيديولوجيتها القاصرة. فقد تدور الدوائر ويلحقُها ما لحق بنا وبأوطاننا وأهلنا ذات يوم، وهو ليس ببعيد!والغريب أنّها لمْ تتعظ من أحداث أيلول 2001 وما أحدثته من رعب ودمار وكسر شوكة أكبر وأقوى دولة في العالم. بل عادت وأتت بإدارةٍذات خلفيةّإسلامية متساهلة مع التشدّد ومتواطئة مع أركانه، مكرّرة ذات الخطأ مرتين. وهذا إنّ دلّ على شيء، فإنّما هو دليلٌ قاطع على مشاركة هذه الإدارة بما يجري وفق مخطّط منهجيّ لرسم خارطة جديدة، عرفنا بداياتها، لكنّنا لا نتكهّن بنتائجها، بسبب غموض المواقف وضعف التحرّكات لوأد تجاوز عمل هذه التنظيمات وعبورها المحيطات وتجوالها بكلّ حرية بعد فتح الحدود على مصاريعها.
لعمري، متى تفقه الإدارة الأمريكية المشهود لها بالتقدّم والتطوّر والحريّة والديمقراطية وهي صاحبة فكرة العولمة المدمّرة للشعوب والأمم، أنها بغبائها بدعم أشكال الإرهاب وأدواته وبمكابرتهاوادّعائها المبطَن بمحاربته على طريقتها الهوجاء وغير السليمة، هي تسير في طريق وعرة وغير سالكة، من شأنها أن تجعل الدوائر تدور عليها وعلى حلفائها ومواليها؟ وهل بإمكانها أن تدرك أنّ حضارتَها وكيانَها قد تأسسا على أخلاقيات وأفكار اليهود والمسيحيين اساسًا، وليس غيرهم؟ حتى إنّها قد أنكرت في حينها ما للسكان الأصليين من حقوق ونوازع وطموحات إنسانية وقومية.ولكنّها ضحّت بهذه جميعًا وتركت الأخلاقيات المسيحية بخاصة لتسمح للاّأدريين والملحدين وقطاع الطرق والسرّاق وعبدة الأوثان الجديدة ومناصري الجنس والمثليّين وأصحاب الأفكار المقفلة أن تسرح وتمرح على مسرح الأحداث دون وازع، فقط من أجل تحقيق طموحاتها ومصالحها القومية، ومِن بعدها الطوفان.
إنّالسياسةالخارجيةللإدارةا"لأوبامية" التي تتعمّد عدم التعرّض جدّيًا وحدّيًا لجرائم الإبادة الجماعية بحق المسيحيينوأقليات أخرى في العراق وسوريا ولبنان ومصر بالأخص، تشير إلى خللٍ اتجّاهَ هؤلاء جميعًا في المنطقة بصورة لا تقبل الشكّ، لاسيّما المكوّن المسيحيّ بالذات،الذي ينزعُبطبيعته إلى السلام والتعايش بحسب وصية المحبة التي ينتهجها ولا يؤمنُ باستخدام السلاح وسيلةً للعيش وكسب الحقوق المواطنية بحسب القانون والأعراف. لكنّهذا الأخير في الوقت ذاته، بحاجة اليوم إلى قائدّ لا يدّخرُ جهدًا بالتفكير الجدّي بالبحث عن موطئ قدمٍ سياسيّ في أرضٍ تحمي مصالحَه وكيانَه وتديمُ بقاءَه وتصون هويتَه، ولكن ليس كما يحلو للبعض بإعادة أمجاد دولة آيلةعفا عليها الزمن، بل بمنهج الشراكة السياسية المواطنية مع سائر المكوّنات وبعيدًا عن حجّة الأكثرية والأقلية.
إنّ أبناء المكوّن المسيحي، ومثلهم أقليات أخرى مقهورة و"مكفوخة" في أرض الوطن، ينتظرون اليوم نهوض قائد على غرار "ناتانياهو" و" بيريز" و"شامير" و"غولدامائير" وغيرهم من الذين أوقفوا حياتَهم لحماية الشعب اليهودي وتحقيق طموحاته، المشروعة وغير المشروعة، وصون أراضي الكيان المسخ الذي حصلوا عليه بدعم من المستعمر. وإنّي لا أجد ضيرًا، استثنائيًا، أن يظهرَ قائدٌ من صفوف رجال الكنيسة حتمًا، كما فعلَها مكاريوس، في حالأقفرتْ صفوفُ العلمانيين وتعذّرَ بروز الرأس المدبّر المسنَد على صعيد الكنيسة والشعب في آنٍ معًا، بحيث يتحرّى الاستقلالية في التوجّه والتحرّك ولا يكون أداة بأيدي أحزاب أو كتلٍ صاحبة مصالح فئوية ضيّقة، كما نحن عليه اليوم.وإنّي أعتقد، أن الزخم والتأييد الدوليّين التي تلقاها الأقليات المهمّشة والمقهورة في العراق في هذا الوقت بالذات، جديرة أن تشحذ الهمم وتنجبَ رجالاً صناديدَ يستلهمون من حرص والأقدمين ونخوتهم وتضحياتهم، ما يساعد على إكمال مشوار أولئك الجهابذة الأبطال الذي دافعوا وعاندوا وصابروا لحين نيل مبتغاهم، كما حصل في قضية بلدة "بغديدا"/ قرةقوش المعروفة التي بلغت آنذاك دوائر "الأستانة" في الدولة العثمانية.
يأتي صراخ رأس الكنيسة الجامعة الأخير، بابا الفاتيكان فرنسيس الأول،مدويًّاحينماخرج عن صمته وتوجّه إلى الضمير العالمي والمنظمة الدولية بالذات، حامية السلام والحرية والحقوق،فأتاح لها اتخاذ ما يلزم من دول العالم لوضع حدٍّ لمأساة شعوبٍ كانت بالأمس آمنة وهي اليوم مطرودة خارج أسوار مناطقها وفي العراء بعد سلب مساكنها وتدنيس كنائسها ومعابدها وسلب ممتلكاتها وسبي نسائها واغتصاب أعراضها علنًا أمام صمت المجتمع الدوليّ المتباطئ في اتخاذ ما يلزم. فلم تعد الإدانات وأصوات الاستنكار تنفع، إنّما العمل الفعليّ الحقيقيّ للحفاظ على ما تبقّى من الهويّة الدينية والإتنية للجماعة المسيحية وسائر المكوّنات الأخرى الشريكة في الوطن والمصير،وحفظ تراث الآباء والأجداد تحت خيمة وطن موحّد متعايش يحترم المواطنية وتعلو في سمائه سمات العدالة والمساواة والتآخي إلى جانب الحرّية الشخصية والفكرية والمعتقد والدّين له ولغيرهِ من المكوّنات المسالمة الأخرى. إنّ على الرؤساء الروحيّين قبل غيرهم، توبيخ القوى الكبرى وتعنيف قادة الغرب على تخلّيهم عن الأساس الدّينيّ والأخلاقيات المسيحية التي غيّبوها بغباء، في غفلة من الزمن. ولعلَّ خيرَ مَن قام بمثل هذه المهمة حديثًا، كان قداسة البابا الأسبق، القدّيس يوحنا بولس الثاني الذي عنّفَ الغربَ لتخلّيه عن مبادئ الدّين، ولاسيّما فرنسا التي عدّها في حينها "إبنة الكنيسة المدلّلة".
فهل سنشهد قريبًا جدّا، صحوة جديدة للعودة بالأخلاقيات الأصيلة إلى الدول التي تساهلت مع ما جاءت به العولمة من دمارٍ في الفكر والرؤية والأخلاق على حساب إنسانية المجتمع البشري والهدف الأسمى من خلق الله للبشر ليكونوا إخوة ينمون ويكثرون ويعيشون في مناخٍ آمنٍ من التآخي والتعايش السلميّ لمجد الله خالقهم على صورته ومثالِه؟؟؟

لويس إقليمس
بغداد، في 26 آب 2014

20
ألقذى الأبرش لا يُرى!
لويس إقليمس
أمام ضخامة الحدث، ومأساة شعوب العراق، وخطورة نتائجه الآنيّة والّلاحقة، تقف جميع الجهود عاجزة عن توفير وسائل العيش الّلازم والأمان المفقود والكرامة الضائعة لمَن تقطّعت بهم السبل ولم يتوصلوا لإيجاد مأوى يقيهم حرّ الصيف الّلافح ومخاطر الليل الجانح وسخرية القدَر المتفرِّج على أحوالهم الكارثية والسلطات العاجزة عن صدّ الهجمة الشرسة. وهؤلاء يعيشون اليوم بؤسًا ما بعدَه بؤسٌ ومذلّة ومهانة لا يستحقّونها، كما لا تستحقُّها أيةُ خليقة لله. فكم بالأحرى، إذا طالت أناسًا مسالمين من أبناء الأقليات في مدينة نينوى العظيمة، كانوا حتى الأمس القريب قابعين في منازلهم آمنين ومتأملين انفراجَ الأزمة السياسية ومتكّلين على الجهة التي تعهّدت بحمايتهم ورعايتهم والدفاع عنهم: "إمّا العيش أو الموت معًا"، كما تعهّدها فخامة رئيس الإقليم. ولكنّ هذه الوعود مثل غيرها، تبخّرت واختفت تمامًا بالتضحية بآلاف مؤلّفة من أبناء الأقليات التي طالَها التهجير والقتل والسبي والخطف والاغتصاب والنهب والسلب والطرد بل والدفن أحياء، كما حصل مع المكوّنين المسيحي في سهل نينوى بقصباته وبلداته والإيزيدي في مأساة سنجار وشنكال وكوجو وغيرها. هذه الكارثة وهذا الموقف المفاجئ كانا وسيظلّان لغزًا محيّرًا كما سبقته مفاجأة تسليم الموصل في غضون ساعتين، وبانتظار انكشاف أسرار تقف خلفها صفقات مشبوهة كثيرة ومتشعبة.
عندما هبّت الرئاسات الروحية، مسيحيّة ومسلمة (ولاسيّما الشيعية منها)، لإغاثة المنكوبين وتقديم العون وحثّ الناس لاستقبال النازحين وتسهيل إيوائهم وبلسمة شيء من جراحهم الكثيرة، بعد أن فقدوا بيوتَهم ومالَهم وحلالَهم وكلَّ أملِهم المتبقي في زوايا جعبهم الصغيرة، فإنها تكون قد أدّت شيئًا من مسؤوليتها الروحيّة والإنسانية والاجتماعية والإيمانية، سيّما وأنّ المعاناة اشتدّت وهي في تعاظم متواتر. كلُّ هذا يجري، وسط جهد دوليّ هزيلٍ وخجولٍ لا يرقى لغاية الساعة، للمسؤولية الملقاة على عواهن الرؤساء والساسة والمسؤولين من أجل إنقاذ العائلات التي تعيش البؤسَ عينَه والمذلّةَ عينَها والفاقةَ عينَها. وهل أوضح وأنقح وأفصح ممّا تنقلُه شاشات القنوات الفضائية ال"سي إن إن" و"عشتار" والشرقية" وال"بي بي سي" وال"آر تي" وغيرها من التي تعرض مناظر بائسة وشواهدَ محزنة تدمي القلوب وتبكي الحجر لشواهد من نازحين مشرَّدين يعيشون الفاقة ذاتَها وهم يفترشون العراء من غير أن تصلُهم يدُ العون والرحمة إلاّ على مضض. وحتى هذه الالتفاتة يستغلُّها المتاجرون للدعاية لمَن يقف وراء هذه التي تُسمّى مساعدات!
وما زاد الطّين بلّة، ضعف استيعاب الغرب والدول المانحة حقيقة المأساة وعدم إدراكها اختيار الجهات الحريصة والنزيهة التي بإمكانها تنظيم المساعدات القادمة لمَن يحتاجها. وفي بلدٍ مثل العراق، الذي ابتلي بمآسي وأزمات عددية لا حصرَ لها، أصبحنا ندرك تمامًا أن المساعدات التي تُقدّم لجهات رسمية وللسلطات، وما يصل منها إلى المحتاجين الحقيقيّين، لا يعدو إلاّ الجزء القليل بل لا يتجاوز ربّما الثلث، والباقي يذهب إلى جيوب القائمين على العملية. فالغرب بتركيزه على حكومة كردستان حصرًا، سواء في تبرير دفاعه عنه عبر الضربات العسكرية غير الفاعلة لغاية الساعة والمنفّذة حول أربيل وحدود الإقليم حصرًا، أو في تقديمه المساعدات الطارئة السخية، فهو في هذه وتلك لا يأخذ غير مصالح الأكراد القومية في استراتيجيته وسياسته الانتقائية.
إنّ غيابَ الجهد الحكوميّ المنظَّم، سواءً من الحكومة الفيدرالية او الإقليم، ينسجم مع الفوضى التي تعمّ الوسط السياسيّ العام. وهذا لا يمكن التعويل عليه، إلاّ بالتنسيق مع الجهات التي تمثّل أبناء المكوّنات الذين تعرّضوا للتهجير القسريّ والنزوح الجماعيّ مكرَهين. وهؤلاء همُ الأَولى بطلب الاستشارة لمدّ يد العون الحقيقية كي تطال الجميع دون تمييز وبذل الجهد الكافي للوصول إلى جميع المحتاجين عبر منهجية وبرنامج عملٍ بعيدٍ عن الروتين والحلقات الاستعلائية المفرغة. فيما تقف معظم الكنائس ورجالُها، إلاّ ما ندر، في مقدمة الجهات الساندة التي أعلنت حالة الطوارئ وفتحت الأبواب مشرعة للجميع دون تمييز في خطوة للتخفيف ما استطاعت عن كاهل النازحين المتألمين والعطشى والجائعين الذين فقدوا كلَّ ما يملكون إلاّ لفحات الشمس الحارقة والهواء الساخن والعراء المجّانيّ وكلَّ آدميةٍ كانوا يكابرون بها وهمْ آمنون في قراهم ومنازلهم قبل الغزوة الهمجيةّ باسم الدّين وتحت راية "لا إلهَ إلاّ الله"!
وهنا أسوق ملاحظة مهمّة للتنبيه والدراسة. إنّ ما يؤسف له، أنّ مجمل هذه الجهود اليومية الحيوية الصادرة من قبل جهات عديدة مساهمة في التخفيف عن مآسي النازحين، يقابلُها إعاقة ومماطلة وإشكاليّة من جانب بعض الجهات التي تريد حصر جميع المساعدات الواردة، الرسمية منها والقادمة من منظمات دولية ودول وهيئات، حصرًا تحت مسؤوليتها. وهذا أمرٌ غير مقبول بتاتًا. فهذا يعيدُنا إلى الفكر الإلغائي الممقوت ثانية. قد يكون ذلك مقبولاً في حالة رغبة منظمات إنسانية تكليف جهة معينة بالذات دون غيرها بالقيام بتوزيع معونات معينة حسب معرفتها. ولكن ليس من حقّها ولا غيرها التدخل في برنامج حكوميّ تتولى دائرة رسمية مشهودة بنشاطها بتنفيذه، لا سيّما إذا كان متعلّقًا بمشكلة السكن المعزَّز بمعونات غذائية ومنزلية يومية عبر لجان ومراكز مستقلّة تؤدي هذا الدور التطوّعي برحابة صدر واستعداد للخدمة.
إنّ ما يقوم به ديوان أوقاف المسيحيين والإيزيديين والصابئة مثلاً، من جهود مباركة في هذا الخصوص وما لاقاهُ برنامجُه الطموح من ارتياح وسط العوائل النازحة لغاية الساعة، ينمّ عن شعور هذه المؤسسة بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقها وهي تمدّ يد العون المباشرة للمحتاجين وليس عبر حلقات روتينية تكرّس الفكر الدكتاتوري الذي عفا عليه الزمن، ولنا منه تجارب كثيرة فاشلة. وعلى مَن يسير في هذا الطريق غير السالك أن يتذكر المآسي التي أودت بالبلاد إلى ما هي عليه اليوم بسبب حصر الصلاحيات بيد حكومة المركز وتهميش وإقصاء الإدارات المحلية عن أخذ دورها الوطنيّ في أوساط المجتمع. فكلّ مَن يستطيع تقديم يد العون من جانبه، يباركُه الله وعلينا أن نقوّي عزمَه ونبارك له جهودَه، وليس أن نضع العراقيل أمام نشاطه أو نردَعه لكونه يقدّمُ أفضلَ ما لديه لأناس بائسين هم بحاجة إلى الحنوّ والمساعدة والوقوف إلى جانبهم والتخفيف عن آلامهم، وليسَ بالتلذّذ بمهانتهم والشعور بكون ما يُقدّمُ لهم بمثابة صدقة.
هذا حق هؤلاء الذين انقطعت بهم السبل ووصلوا إلى هذه الحالة الكارثية بعد فقدان بيوتهم ومالهم وحلالهم، ولم يعد لهم ما يملكون غير هذا الحق الذي يصلُهم على مضض، سواءً من الدولة أو المنظمات. ونحن على يقينٍ أنْ ليسَ كلّ ما يأتي من مساعدات ومنح تصل بالضرورة جميعُها إلى ذوي الحاجة حصرًا. ومن خلال متابعتي اليومية عن بعد أو قرب للآلام والمآسي التي تعرّض لها النازحون عمومًا من جميع مناطق سهل نينوى ومن جميع الطوائف والأديان والقوميات، تلقيت ملاحظات مؤلمة بهذا الخصوص، ولم أبادر بالكتابة في هذه الإشكالية، إلاّ بعد التأكّد من المصادر والاتصال بأصحاب الشأن للوقوف على الحقيقة.
من هنا أدعو الجهات المعنية دون تسميتها، لمراجعة ما بدر من جانبٍ منها والعدول عن الرغبة والقرار بحصر المعونات بها دون غيرها، وإلاّ فإنّ برنامج المعونات والمساعدات سيتحوّل إلى مؤسسة دكتاتورية نفعية وربحية. وهذا ما يُخشى. لقد سبق وكتبتُ في مقالة سابقة وصريحة، أنّ شعبنا يرفض المذلّة ولا نقبل به أن يعيش في خيم ما شاء أمثالُ هؤلاء. وطالما هناك خيارات قائمة بتأجير قاعات ومراكز ومواقع في أندية ترفيهية قائمة وهياكل أبنية في مناطق عديدة وتأهيلها للسكن الآدميّ، من خلال تأمين دفع تكاليف إيجارها من جهة حكومية، فلماذا تضع جهاتٌ معنية عراقيلَ أمامَ تنفيذ هذه الفكرة مدفوعة الأجر، لاسيّما وأنّ مثل هذه الجهات قد تقدّمت لتكون واجهة رئيسية لتلقي المساعدات والإعانات؟
 إن مثل هذا المشروع الإنسانيّ الذي اقترحه ديوان أوقاف المسيحيين والإيزيديين والصابئة، من شأنه حلّ الكثير من الصعوبات والمشاكل التي يواجهها النازحون اليوم وغداً، لاسيّما وأنّ المدارس على الأبواب. ومع بدء الدوام في كردستان، سيضطرّ النازحون لتركها قسرًا والبقاء في العراء بانتظار قدوم الشتاء الصعب. إنّها مجرّد رؤية للمراجعة وكسب الوقت وخيارٌ مقبول للتخفيف من وطأة الزمن الغادر.

بين "داعش" والسامريّ الطيّب، خذلانُ شعوبٍ
يتبارى عددٌ من الكتّاب بتحليل الأوضاع وتوجيه انتقادات، كلّ على شاكلته ووفق ولاءاته وتوجهاته والرؤية التي كوّناه حول الأحداث، ما قبلها وعلى حقيقتها وما بعدها. وكلّ قلمٍ يكتب ما يرتئيه، ولا منعَ أو تحريمَ لما يكتب. والقارئ اللبيب، هو الذي يمحص ما يُكتب ويغربلُ في فكرِه وعقلِه وقلبِه معًا. ولكن، ليس الوقت للتباهي والمكابرة والتشاحن والتشفّي أمام مأساة شعوبٍ ومكّونات بأكملها. فكلّ مَن يستطيع فعلَ شيء لإغاثة المحتاج وكسر خاطر اليائس وشفاء بلسم الجريح، سيكافئُه الله اضعافَ عملِه، تمامًا كما فعلَها السامريّ على قارعة الطريق عندما اهتمّ بالضحيةِ المجهولة التي اعترضها اللصوص الذين أوسعوه ضربًا وسرقوا جعبتَه وتركوه جريحًا يئنّ من الألم والفاقة. تلكم هي حالُ النازحين الجدد اليوم الذين طردتهم عصابات "داعش" الإرهابية المتشدّدة، عندما اضطرّتهم لترك منازلهم وحلالهم ومغادرة قراهم وبلداتهم مكسوري الخاطر يلفّهم البؤس والحزن وخيبة الأمل من كلّ شيء، حتى من عناية السماء! فهلْ من بؤسٍ وخذلان ويأسٍ أكثرَ ممّا يجري اليوم؟
على الصعيد المسيحيّ حصرًا، ووسط هذه المنغّصات والمآسي، ما يزال أدوات ما يُسمّى بتجمّع التنظيمات المسيحية ودكاكينُها الخائبة، و"المجلس القطاري" بالذات، يتكابرون على الغير ويرفعون أعلامَ الغيرة والحرص والمصداقية على غيرهم من التنظيمات والجمعيات والأحزاب والجهات الكنسية التي حشّدتها الرئاسات الروحية لأداء واجبها الإنسانيّ والروحي إزاء الرعايا والأغراب معًا، دون تمييز. فهل فكَّرَ نفرٌ من هؤلاء المتبجّحين الخائبين بإخراج "القذى الأبرش" من عيونهم قبل أن يطلبوا تنظيفَها من عيون غرمائهم التقليديّين؟ وليكن كلامي أكثرَ وضوحًا. إذا ما قيس ما يقدّمه جهد "المجلس القطاريّ" مع جهد الكنيسة الّلافت وفعّالياتها الحيوية وأنشطتها وكلّ تحرّكاتها عبر متطوّعيها على جميع الصعد، فالمجلس المذكور لن يقف إلاّ في آخر الطابور، لأنّ غالبية أدواتِه في ما يُسمّى بلجان "شؤون المسيحيين" تنتهج الدعاية وتسخّر الإعلام في تحرّكاتها، وهي إن تلقاها في خضمّ هذه الأزمة، فهي قابعة في القصور والفلل والمنازل التي حُجزت لهم ولعوائلهم في المواقع المخصّصة لهم من قبل الأسياد والرعاة الكبار لمشروعهم الخائب. ولو أنّ ربعَ ما صرفه "المجلس القطاري" على الدعايات الانتخابية لمجالس المحافظات والبرلمان في دورتيهما الأخيرتين، لكانّ آوى به العديدين من أبناء شعبنا التائهين في العراء من الذين لم يجدوا سقفًا يأويهم وأطفالَهم ونساءَهم وأمّهاتهم وبناتَهم، وحتى ممّن غُرّرَ بهم في ما يُسمّى بالحراسات الشكلية، من الذين لم يتلقوا لغاية الساعة "إكرامياتهم" المستحقّة منذ ثلاثة أشهر، لقاء تسخيرِهم وعوائلِهم للتحشيد لمرشحي هذا المجلس في تلك الانتخابات وما قبلها. فهلْ مَن ينكرُ هذه الحقيقة؟
 لقد كان الأولى بمّن يتهجّم على النائب الفلانيّ والمسؤول الفلانيّ، سواءً في الدولة الفيدرالية أو في حدود الإقليم، أن يسخّر جهودَه ومّن يواليه ويساندُه، من أجل بلسمة جراح مَن قسى عليهم الدهر وجعلَهم يفترشون العراء سكنًا والرصيف منزلاً والحدائق سقَفًا مفتوحًا للفرجة، ناهيك عن تكدّس غيرهم في قاعات كنائس ومدارس وأبنية مهجورة، وهؤلاء من المحظوظين، فيما أدواتُ هذا المجلس ومنتمو الدكاكين التي تحت إبطه في الصف القياديّ الأول يسكنون القصور والفلل الفارهة والبيوت المؤثثة. وإنّي لمتأكّد، أنّه لولا عون الكنيسة ورجالها والمتطوّعون من الراهبات والشباب الواعي، لكانت الحال أسوأ ممّا هي عليه الآن. لقد سقطت ورقة التوت وتبيّن الحرصُ من الكذب، والمكابرة من الخدمة، والادّعاء من الحقيقة.
إنّ مأساةً بحجم هذه الهجمة الشرسة الأخيرة، كانت لتتطلّبَ ردودَ أفعالٍ قوية وشديدة على قدَر شدّتها وعنفها، وليسَ مجرّدَ حركة تعدُّها بعض الجهات الموالية للسلطات هنا وهناك ملفتة لتدرُّ عطف شعبٍ ابتلي بكذب مَن يدّعونَ أنهم ساستَه وممثليه وقادتَه. إن هذه المأساة قد كشفت زيف ادّعاءات الكثيرين الذين ادّعوا تمثيل الشعب عامة، وخاصةّ أبناء المكوّنات المقهورة من المسيحيّين والإيزديين والشبك والكاكائيين في سهل نينوى المنكوب، والذين كانوا لغاية الأمس القريب يتبجحون بالوعود الكردية ويعدّونها حامية حمى مناطقهم دون غيرها. ولكنّ كلّ تلك الوعود، ذهبت هباءً ومعها مكابرتُهم مع تسليم الكورد لمناطق هذه الأقليات دون مقاومة، بل بمجرّد اتفاق بينهم وبين قيادات داعش، تمامًا كما كان يحصل في الحروب القديمة، عندما يقبل العدوّ ويطلب تسليم مفتاح مدينة أو قرية دون مقاومة. وهذا ما حصل فعلاً عندما انسحبت قوات البيشمركة والجهات الساندة لها والتي كانت تمسك الأرض منذ 2003 وكانت تعهدت بحمايتها أمام الملأ، إلاّ أنّها ضحت بها أمام مصالحها القومية الضيقة ولم تُرد أن تفرّط بقواتها التي احتفظت بها لحماية شعبها الكردي حصرًا. ويظهر ذلك جليًا من المساعدات التي طلبتها حكومة الإقليم للإقليم حصرًا عندما استدرّت عطف أمريكا والغرب بحجّة حماية الإقليم والنازحين فيه. لقد غيّر مثل هذا الموقف المتخاذل رؤية الكثيرين وبدأوا بإعادة تقييم حساباتهم وتغيير مواقفهم بعد التضحية بهم وببلداتهم وقراهم التي استُحلّت منذ 2003 بحجة كونها مناطق متنازَع عليها، فيما الغالبية منها لا علاقة له بجغرافية الإقليم ولا بتاريخه ولا بثقافته.
 أمّا حركة معالي وزير النقل في كردستان، فهي إنْ دخلت في رواق الدعاية والإعلام المبطّن لكسب الودّ ونيل رشقات إضافية من التصفيق والتطبيل بحجة الحرص وإبداء الاستياء الظاهريّ من عجز حكومة الإقليم في يدّ العون الحقيقية للمنكوبين وإغاثة النازحين دون تمييز حيث وُجدوا، فهي غير مقبولة، بعد سقوط ورقة التوت. إنّ مثل هذه الحركة لن تقدّم ولن تؤخر في شيء. فالوزير المستقيل المحترم في الإقليم يبدو بدون صلاحيات، تمامًا مثل غيره من المسؤولين ممثلي الأقليات الدينية غير المسلمة في الحكومة الاتحادية أو في الإقليم، من الذين وُلّوا مناصب لذرّ الرماد في العيون ولغرض الدعاية الديمقراطية في الحكومات الطائفية المتلاحقة.
فهلْ سألَ الوزير المستقيل وغيرُه من المسؤولين، لماذا، كانت حكومة الإقليم ترفض دائمًا، تشكيل قوات نظامية من أهالي مناطق الأقليات يكونون أساسًا مرتبطين بالجيش والشرطة الاتحادية لكي تتولّى حماية مناطقهم بأنفسهم؟ وهل سأل هؤلاء عن الإجراء الذي كانت اتخذته قوات البيشمركة والزريفاني مؤخرًا، بتفتيش المنازل ومنع امتلاك المواطنين في المناطق المستباحة لقِطَعِ السلاح الشخصية للدفاع عن البلدة والمنازل، فيما لو حصل اقتحامٌ مفاجئ؟ وهذا ما حصل فعلاً. فلو تُرك الأهلون بدون ضغوطٍ من جانب القوات الكردية التي ادّعت حماية المناطق تلك، لكانوا دافعوا عن بلداتهم وربّما استجمعوا قواهم وإرادتَهم من أسلافهم الشجعان وكانوا صدّوا الهجمة أو تفاوضوا.
إنّه لمن العار أن يذهب كتّابٌ يدّعون القلم القوميّ الحرّ، للتصفيق والتهليل لقرار معالي الوزير المحترم الذي يدخل في إطار الحرص الدعائيّ الفارغ والتعاطف الظاهريّ بعد انكشاف "المجلس القطاريّ" على حقيقته مثل غيرِه من التنظيمات الي تُسمّى با"لقومية" وعدم فاعليّته في فرض أجندة مسيحية واضحة إلاّ فيما يخصّ المصالح العليا لأولياء النعم في الحزبين الكرديّين اللذين يتسيّدان الساحة في الإقليم. وللتذكير فقط، كنتُ في لقاء خاصٍ لي مع راعي "المجلس القطاري" في بدايات تأسيسه في عام 2008، قد تلقيتُ تطمينًا منه بتطبيق حكمٍ ذاتيّ في القرى المسيحية القائمة في كردستان، حسبما ينصّ عليه دستور الإقليم. ولكنّ المشروع بقي في خبر كان بسبب رفضه من حكومة الإقليم أو تسويفه من أجل كسب الوقت والمزيد من المكاسب على حساب حقوق الأقليات، عندما حوّلَ المجلس أنظارَه صوبَ سهل نينوى، وبالذات نحو قرةقوش والبلدات المجاورة لها لتكون نواةً للمشروع حيث يتواجد أكبر تجمّع مسيحيّ فاعل الحضور. ومنذ ذاك الحين، والمؤامرات تُحاك ل"تكريد" هذه المناطق وغيرها على خط تلكيف – ألقوش، للاستحواذ عليها وضمّها للإقليم. وللإقليم في هذه المناطق وكلاء ومأجورون ومنتفعون ودجالون في صفوف بعضٍ ممّا يُسمّى بأحزاب شعبنا القومية ودكاكينها، يقومون بالترويج والتبرير لهذا المشروع الاحتلاليّ الواسع. ومن المؤسف أنّ بعضًا من هؤلاء، من الطبقة المثقفة ومن رجال دين يتقاضون مرتبات وإكراميات وينعمون بامتيازات وهدايا يسيل لها اللعاب، مكّنتهم من تغيير واقع حياتهم المعيشية مقابل تطبيلهم وتزميرهم وتأييدهم للمشروع الاحتلاليّ. أمّا اليوم، بعد النكث بالوعود وترك هذه المناطق فريسة بيد العصابات الإرهابية وتضحية الكورد بها والتخلّي عنها بهذا الخذلان لصالح فكرهم القوميّ ومصالحهم الإقليمية، ماذا يا ترى يكون ردُّهم؟ وهل من رأس يرتفع ليقول عكس الحقيقة؟ وما هو التبرير بهروب القوات التي كانت تمسك الأرض والمفاجأة بنكوصها بتحمل المسؤولية بحماية هذه المناطق وحالة الفزع والهروب من الساحة تاركين آلاف المنازل مباحة للعصابات واللصوص والسارقين الذين يصولون ويجولون ويقتحمون المحلات والمنازل وينهبون المتاجر؟  أمِن خذلان أقوى وأفصح وأوضح ممّا جرى؟
عتبي على أصحاب الاقلام الزائفة التي تزمّر وتطبّل وترقص على معاناة الشعوب وهي ما تزالُ مصرّة، كما يبدو، على حكمة "المجلس القطاري" ومبادئه وأدبياتِه دون غيرِه، بالرغم من الحالة المزرية للنازحين من أطفال ونساء وشيوخ ممّن ما يزالون لغاية اليوم بلا مأوى ولا سقف يحميهم حرّ هذا الصيف الّلافح، وهم يفترشون الحدائق والأرصفة يحكّون جلدَهم المتسخ الذي لم تمسّه قطراتٌ من الماء منذ أيام! فالمجلس المذكور، مثل باقي الدكاكين الأخرى، لم يحصلوا جميعًا غيرَ خيبة الأمل والخذلان من جانب مّن حرّرَ لهم صكوكَ الوعود المجاّنية الواحدة تلو الأخرى، سواءً من الحكومة المركزية أمْ من جانب الإقليم، وهي أساسًا غير قابلة للصرف سوى على شاشات الدعاية مثل غيرها! فالحقيقة أنّ هؤلاء جميعًا " في الهوى سوى"، كما يقولون!

نداءات استغاثة صارخة
يزور كردستان هذه الأيام، شخصيات سياسية ودينية وأممية، وإنّ جلَّ همّها منح تأييدها للإقليم حصرًا، غيرَ عابئة بحكومة المركز الذي يعيش أشبَهَ بحالة طوارئ، بالرغم من فكّ عقدة رئيس الحكومة المنتهية ولايتُه أخيرًا، وتنحّيه عنها بعد أن كانَ ركبَ العناد "الدعوويّ" بالتشبّث بالسلطة، بالضدّ من تحذيرات المرجعية الدينية والتأييد الجارف للخطوة الجديدة بتكليف شخصية أخرى لرئاسة الحكومة. وذلك التشبّث، وما بدرَ من المحكمة الاتحادية التي لا تؤدّي واجبَها الوطنيّ باستقلالية، عندما أجّلت النظر بدستورية الإجراء الرئاسي بتكليف مرشح بديل، إنّما أعطى دليلًا وافيًا لإفساح المجال للرئيس المنتهية ولايتُه كي يصفّي الملفات العالقة التي تفوح منها رائحة فساد ويؤمّنَ على نفسِه ومَن معه بطمس    وسط الصمت الدوليّ المبكي والمخيّب للآمال بالرغم من مرور أيامٍ على الكارثة الإنسانية، جاء نداء البابا فرنسيس الأول، بابا الفاتيكان، مدوّيًا وفاعلاً حينما استصرخً الضمير الإنسانيّ وطالب دولَ ورؤساءَ العالم والهيئة الدولية ومنظماتها لإيجاد حلّ جذريّ لمعاناة المهجّرين والعمل على إعادتهم لمنازلهم وبلداتهم وقراهم ومناطقهم بالعمل على تحرير المناطق المحتلّة وطرد العصابات التكفيرية خارج البلاد والقضاء على الشرّ القادم منها بفعل فكرها النتن والمتخلّف، وتجريم كلّ مَن يموّلها ويحتضنُها.
بعد هذا النداء الصارخ ونداءات وتدخلات كنائس عديدة في دول العالم التي استصرخت الضمير الإنساني، تسابق رؤساء الدبلوماسيات الأجنبية في الداخل والخارج، للإعراب عن تضامنهم مع الفئات المقهورة وآلاف النازحين الذين تشرّدوا بفعل الأعمال الإجرامية للتنظيمات المسلحة وحواضنها. وقد عدّ البعض ما جرى، بكونِه زلزالًا يسترعي انتباه العالم أجمع لنجدة آلاف المنكوبين، ونداء يستصرخ الأخلاق والضمير العالمي لوضع حدّ سريعٍ للنكبة الكبرى. فما يحصل اليوم، يدخل خانة الإبادة الجماعية لمكوّنات أصيلة لها تاريخُها العميق وإرثها الثقافي المتميّز وديانتُها المسالمة والبنّاءة!
ولكن، من المؤسف أن تصبّ جميع هذه المساعدات العينية منها والمادية وكذا النداءات ضمن نطاق إقليم كردستان في معظمها. حتى الضربات الجوية والتدخلات الدولية العسكرية والعروض التسليحية، كلُّها تتركّزُ اليوم في مصلحة إقليم كردستان وعلى حدودهِ.
ما يؤلمُ كثيرًا، عدم صدور إدانات للأعمال الإرهابية وجرائم التهجير الجارية، كما لم نلحظ جهودًا واضحة من جانب أطرافٍ سنّية مشاركة في العملية السياسية لها روابط ووشائج مع جماعات مسيحية وأقليات غيرها في المناطق التي تتواجد فيها. وهذا دليلٌ على مساندتها ومشاركتها أو موافقتها على ما يحصل في الباطن. وإنْ لمْ يعملوا الحكمة والروية فيما يحصل، فإنّ هذه الأعمال ستنقلبُ عليهم وسوف يطالُهم شرُّها، عاجلاً أو آجلاً. وعليهم أن يراجعوا حساباتهم جيدًا، لانَّ الخطر يستهدف الجميع ويطال الكلّ دون استثناء حينما يستفحل ويستحكم.
وخلاصة القول، أنّ المشكلة عميقة وجذرية وكبيرة. فمَن يخسر المنزل الذي يأويه ويُطرد من بلدته وأرضه بمثل هذه الوسيلة المزرية وبفعلٍ قادمٍ غريبٍ وكيانٍ مسخٍ لا يؤمن بالضمير والأخلاق ويتخذ الدين أداةً لبلوغ المقاصد والغايات، فإنّه كمنْ يفقد ذاتَه وتُنزَعُ عنه أحشاؤُه وأعضاؤُه قسرًا. والإنسان السّويّ، إن فقد هذه كلّها الواحدة تلو الأخرى، فلنْ يبقى لديه من شيء اسمُه الوطن في قلبِه وضميرِه وفكرِه. ومن ثمّ فكلّ ما بدرَ من تمسك بالوطن وتشبّثٍ بالأرض، فإنّه لن ينفع بعد أنْ يلفظه الوطن ولا يستطيع تأمين الحماية الّلازمة التي بها وعلى ضوئها ينبغي له العيش بسلام وأمان وطمأنينة. فإذا فقدت هذه كلّها عند الإنسان، فحينئذٍ تسقط كلّ مبرّرات البقاء في وطنٍ لا يستحقّ أن يخدمَه المواطن الشريف الغيور.
العراقيون اليوم، أمام امتحان عسير، والأقليات منهم بصورة أدقّ. في التشكيلة الحكومية القادمة، إذا لم يستقم مسار العملية السياسية ويُصار إلى اعتماد "دولة المواطنة" مقياسًا للعيش المشترك، التي وحدها كفيلة عبر التآلف والتكاتف والمصالحة الوطنية، بصدّ الهجمة الشرسة للتنظيمات الإجرامية الدخيلة على الوطن ودحرها وتحرير البلاد من براثنها، فإنّ خيارات صعبة ستُفتحُ للمستهدَفين من شعوب المكوّنات المستضعفة. ولن يكون من مناصٍ أو خيارات غيرُها. فلا أحدَ يبقى منتظرًا مَن يُصعدُه من الهاوية، ولا أحدَ يظلُّ يعيشُ مصيره في الرعب وفي المجهول. فليكن الجميع على قدر جسامة المسؤولية بالتخلّي عن المصالح الطائفية والفئوية والشخصية الضيّقة من أجل المصلحة العليا للوطن والترويح عن المواطن المعذّب منذ عقود. جهدٌ منكم وجهدٌ منّا، وسيصل البلد إلى ميناء الأمان بعناية السماء ويعيش المواطن في سلام وأمان وكرامة.

لويس إقليمس

بغداد، في 18 آب 2014

21
شعبنُا يرفض المذلّة: لن نقبلَ الشوارع ولا الخيام مآوي بديلة لمساكننا!
لويس إقليمس

تغّنينا ونتغنّى كثيرًا بالوطن، كما تغنّى ويتغنّى به أبناء جلدتنا في بلدان الاغتراب وهو يسوقون الحنين إلى صغائر الأمور وأطراف الذكريات، جميلةً كانت أم من ذوات الهموم. وما أكثر الهموم هذه الأيام! لكنّ المغنّي تنقطع حبالُه الصوتية ويتوقف لديه الغناء، يوم يلفظُه هذا الوطن بأيّ شكلٍ، بالرغم من غلاء وحلاوة الأخير في طيات قلبه المكسور. ولكنّ هذه الحلاوة، إذا ما انقلبت ويلاتٍ عليه وزرعت في نفسه آلامًا وحصدتْ من ثناياه مآسٍ، كما يحصل اليوم، فلن يعود من مخرجٍ ولا ملاذٍ آمنٍ فيه بعدُ. وهل من مآسٍ أقوى وكوارث أقسى وجرائم أقبح ممّا يعانيه عموم الشعب، والأقليات الدينية والإتنية فيه على وجه الخصوص، هذه الأيام؟
إذا كانت النائبة الإيزيدية فيان دخيل، قد أثارت حسّاسّية وزعل بعض من زملائها النواب تحت قبة البرلمان، وهي تقول كلمة الحق، حيث القتل والذبح والتهجير وما شاكلها من جرائم تحصل تحت "راية ألله أكبر"، فإنها بالمقابل، قد أبكت ملايين المشاهدين ورقّت لها دموع الثكالى وترجرجت بها دمعات الشرفاء، رجالاً ونساءً، وأنا واحدُه، إذ كلُّنا نتعاطفُ مع دموعها التي تحكي مأساة شعبٍ بائس. ولقد بلغني ذات الصوت المبكي والمحزن من زميلها، النائب السابق وصديقي من "شنكال"، وأنا أتواصل للاطمئنان عليه طيلة أيام هذه المعاناة. فقد جاء صوتُه المبحوح كالصاعقة أيضًا، وهو يبكي ويتحسّر ويتأفّف للخذلان الذي صعقه هو الآخر، عندما تخلّت قوات البيشمركة عن مناطقهم في ساعة سوداء، فوقعوا ضحايا بين أنياب العصابات القاتلة، التي قتلت وهدّدت وذبحت، كما اغتصبت نساءَهم واقتادت فتياتهم وحرائرَهم ليُبعن في سوق نخاسة بدعوى بدعة "نكاح الجهاد". لقد أبكاني هذا الرجل الأمين لشعبه والوفيّ لجماعته وهو الذي أضنى ذاتَه وهو يدافع عن مكوّنه تحت خيمة "البارتيّ الكردستانيّ"، وإن يكنْ! كنتُ أنصتُ له على الهاتف وهو يستغيث بقشة نملة شاكيًا الحال المرير لأبناء منطقته وما آل إليه الآلاف منهم وهم يصارعون الموت من القيظ الّلافح وانعدام الماء والطعام في طيّات جبل سنجار ومغائره ووديانه تحت رحمة السماء وضربات المسلّحين قساة الرقاب وتهديداتهم الّلاإنسانية.
وللحق، تألمتُ كثيرًا أيضًا، وأنا أتابع أحوال صديقي "التركمانيّ صبري" في تلعفر منذ اجتياح مسلّحي داعش لمدينتهم بعد انهيار الموصل وتخاذل فرقها العسكرية والأمنية الثلاث التي انهزمت مكسورة مهانة مِن أمام عدة مئات من عصابات تحمل الأعلامَ السود مدجَّجةً بإعلامِ الترهيب والوعيد والتهديد سلاحًا فتّاكًا، تمكنت بواسطته القضاء على جحافل عراقية جرّارة، يُحسبُ لها حساب في المنظور العسكري والسّوقيّ والتعبويّ.
وها هو صديقيّ الآخر "الشبكي سعد"، وهو يروي مشاركة عناصر من أبناء جلدته في الأعمال الوحشية التي ترتكبها "داعش" في قراهم المجاورة للموصل والقرارات التي تصدرها المحكمة الشرعية التي أنشأها هذا التنظيم في قريته للانتقام مِن كلّ مَن لا يبايع الخليفة المستحدث.
أيَّ عصر يعيشه العالم الإسلاميّ اليوم؟ هل هو عصر التقهقر والانهيار الخلقيّ والدينيّ والاجتماعيّ بأيدي أدعياء دينٍ جديد، استوحوه مِن جبال أفغانستان وثنايا الشيشان ودهايز باكستان وكهوف تركستان مرورًا بأودية إيران وتعرّجات كردستان وتبريكًا من فيافي جزيرة العرب "الّلاعرب"، البعيدين عن عروبة حاتم الطائي والأعشى وقسّ بن ساعدة وأبي نؤاس والمتنبيّ وأبي تمّام وبني العباد وتميم وتغلب وما سواهم؟ ما للعراقيين اليوم، وقد غابَ عنهم الحسّ الوطنيّ وأغشاهم التقاتل الإتنيّ واستقوى بهم القياس المذهبيّ واستعَرَ عندهم الهوس الطائفيّ بعد أن أصبحَ همَّهم الأوحد، ولا شيءَ آخرَ سواه؟ أيُعقل أن ينهزم جيشٌ دولة أمام شرذمة لا تتجاوز بضعة آلافٍ ويستسلم بكلّ ما يملكُه من عدّة وعتاد، خفيف ومتوسط وثقيل، في غضون بضعة ساعات، لمجرّد السماع بقدوم طلائع "داعش" على أبواب مدينة عظيمة مثل نينوى؟
ويأتي السؤال ملحاحًا: هل سنواصل الغناء والتغنّي بالوطن بعد كلّ هذا الذي عشناه وذقناه وشهدناهُ؟ أمْ سنسلكُ الطريق الأسهل ونلتحق بمَن سبقَنا مهاجرين إلى بلدان الاغتراب التي خطّطت ونفّذت جريمة تفريغ بلدنا من كلّ ما هو مختلف عن رؤية الأسياد وبرامجهم؟ إنها لمعدلةٌ صعبة حين اتخاذ القرار. ولكنْ، إنْ كان لا مفرَّ منه، فليكنْ. فالإنسانُ وُلدَ حرًّا كي يقرّر ما ينفع حياَته وما يستوي به مستقبلُه ويرتاح له مصيرُه. فالظروف هي التي تحكمُ وتتحكّمً أحيانًا بصمير ومستقبل الإنسان، بالرغم من بقاء الوطن وذكرياته في حدقات الأعين وطيّات القلوب وثنايا النفوس الحانية.
   
سخرية القدر!
عندما استبيحت مناطق الأقليات التي تمسكّت بها حكومة الإقليم بأسنانها وأدواتها وسطوتها منذ 2003، وتقهقرت عنها بين ليلةٍ وضحاها، صدقَ البسطاء ما أُشيع عن كون ذلك التحرّك مجرّد تكتيك حربيّ، سرعان ما تستعيد قوات البيشمركة المبادرة وتطرد الدواعش ومَن يلفُّ لفَّهم. كما سبق هذه الحركة، مفاوضات ونقاشات ولقاءات بين ممثلي شعب هذه المناطق وقيادات كردية، وعلى رأسها فخامة رئيس الإقليم الذي صرّحَ مرارًا وتكرارًا، "نعيشُ أو نموتُ معًا"، فيما وعدَ النازحين من الموصل بزيارتهم بُعَيد أيامٍ على مغادرتهم مدينتهم منكوسي الرأس وبائسين! وأسفي على الوعود الكثيرة التي استقاها ممثلو هذه المناطق، من مسيسحيين وإيزيديين وشبك وكاكائيّين وصابئة وآخرين، من لدن قيادة الإقليم، التي لم تبرّ بما وعدت، بل تخلّت عن ساكنيها ومناطقهم، وهي التي ادّعت ملكيتَها منذ السقوط حينما عدّتها مناطق متنازَع عليها وضمن أراضيها بغير وجه حقّ. وهي بتلك الفرية التي اُقحمت في بنود الدستور الأعرج، كانت حقًا قنابل موقوتة، وقد آن وقت انفجارها حينما انكشفت حقائق كثيرة وصفقات ومساومات كانت تجري من خلف الكواليس بحق هذه المناطق وساكنيها. وبذلك تكون حكومة الإقليم بسيطرتها على تلك المناطق منذ السقوط، قد حرمتهم من حماية الدولة الفدراليّة التي تنازلت عنها هي الأخرى مرحليًا لصالح الإقليم. والسبب واضح يعود في مجمله إلى ضعف الحكومة المركزية وعدم اهتمامها بتلك المناطق، لا لشيء إلاّ لكون أبناء هذه المناطق من مسمّيات أخرى وفصائل مختلفة، وهي بالتالي بعيدة عن اهتمامات نهجها عبر مسيرتها التي استمرّت ثماني سنوات عجاف بلياليها ونهاراتها المؤلمة المليئة بالأزمات المتلاحقة والمشاكل المفتعَلة المائلة جميعًا لخلق دولة طائفية وليس دولة المواطنة.
عندما سخر إقليم كردستان من أشكال التصرّف التخاذليّ الذي ظهرَ عليه الجيش الاتحاديّ، أعطيناهم الحق، ظنًّا منّا أنّ ما ستحقّقُه قوات البيشمركة "المحترفة"، سيكسر شوكة المهاجمين عندما يتخّذ المبادرة ويتولّى الدفاعَ عن أراضي الوطن جميعها، لكونِه جزءًا منها وما يصيبُ عموم أراضي الوطن يصيبُه هو أيضًا. دارت الأيام وتوالت اللّيالي سوداوية قاتمة والتنظيم المسلّح يتقدّم بخطى واثقة "يمشي ملَكًا" ويتسع ويتوسع على حساب الحكومتين الفيدرالية والإقليم، حتى بات يهدّد الأخير هذه الأيام. ويتساءل الناس: أينَ وعود رئيس الأقليم التي تبخرت أسرَع من الغيوم الخفيفة، على ثقلِها وقتامتِها وسوداويتها؟ أيُعقل أن يتراجع جيش البيشمركة والزريفاني وتشكيلات أمنية وعسكرية مساندة غيرُها بهذه السرعة وتترك مواقعَها التي احتلّتها منذ 2003 والتي من أجلها عاندت وأصرّت وتكابرت طيلة هذه السنين العجاف؟
في حينها، تابعت وسائل التواصل الاجتماعيّ والأوساط الشعبية وعود فخامة رئيس الإقليم وعدّتها وثيقة شرف يمكن الاعتماد عليها، لكونها صادرة من أعلى قمّة في هرم السلطة بالإقليم. ولكن سرعان ما تهاوت معاني هذه الكلمات وفقدت مصداقيَتها عندما خذلتها قوات البيشمركة المتواجدة على حدود جميع المناطق المتنازَع عليها التي تسكنها أقليات إيزيدية ومسيحية وشبكية على وجه الخصوص، بدءًا من أقضية الحمدانية وتلكيف والشيخان وسنجار ومناطق ربيعة وزمّار ووانة وسنوني والسدّ وبادوش حتى فيشخابور على الحدود السورية. بل إنّ الزيارة التي وعد فخامة رئيس الإقليم لأهالي الموصل النازحين بعد لقائه إياهم، لم تُنجز أو تتحقّق. وعوضًا عن ذلك، خسر الإقليم ما احتفظ به من أراضٍ وبلداتٍ طيلة تلك السنوات العجاف، وأصبح قابَ قوسين أو أدنى من سقوط محافظاته الثلاث بفعل الضربات الموجعة والتقدّم الجارف لمسلّحي داعش سريعي الحركة والبطش. ولولا الالتفاتة الدولية لحلفاء كردستان وتحرّكهم في الوقت الضائع المتاح، لكانت أجزاء من أراضي الإقليم قد سقطت بأيدي هؤلاء البرابرة، بعد وصولهم منطقة الخازر واحتلالهم مخمور وبلدات غيرها الواحدة تلو الأخرى. لكنّ الوضع ما زالَ حرجًا. فنحن نقرأ الأحداث أحيانًا من حركة الشركات الأجنبية العاملة والسلك الدبلوماسيّ المعتمَد وحركة المطارات عمومًا. وهذه كلُّها لا تنبئ بخير قريبٍ، في الأقلّ في القريب العاجل.
إن الوضع المنهار لقوات البيشمركة بعد الجيش الفيدرالي، لهو دليلٌ قاطع على توجّه الوطن نحو شفير الهاوية، إن لم يكن قد فقد سرَّ قوته المعنوية بعدُ. وها هو اليوم، يقف على عتبة مفترق طرق: إمّا أن تقوم له قائمة من جديد إن أُنعمَ بحكومة ذات توجهات وطنية نزيهة وصادقة بعيدة عن كلّ أشكال الطائفية والتخندق الفئويّ الضيّق، أو يسقط ويتهاوى كلُّ شيء فيه بانتظار مصير محتومٍ لا ولم يستحقّه إلاّ بفعل الأغراب عنه من الذين نزعوا لباس الوطنية واتشحوا ببردعة طائفية ومذهبية وشخصية، عوض وشاح الوطنية والمواطنة.
لقد فقد قادة الإقليم مصداقيتَهم أيضًا، كما القادة السياسيون في البلد. فلا الوعود التي قطعوها أوفوا بها، ولا تمكنوا من صدّ هجمات التتار الجدد ولا حرصوا على حسن إيواء النازحين الذين مازالوا يفترشون الأرض وينتشرون في الساحات والشوارع تائهين وهائمين على وجوههم وسط استجابة محصورة وضيّقة بتقديم وجبات خفيفة ومواد غير ذات قيمة تُحسب عليهم وليمةً كبرى ومنّةً فضلى. إنّ ما يعانيه مواطنونا من رعاية دنيا ونظرة ازراء بتواجدهم في مدن وبلدات كردستان، ومنها مدينة عنكاوا المسيحية بالذات، لهو عارٌ على جبين المسؤولين والأدوات القائمين في هيئات شؤون الأقليات من المتبجّحين على رعاية المشرّدين والنازحين من بلدات معروفة بكرمها وأنفتها وتراثها مثل قرقوش وكرمليس وبرطلة وتلكيف وبعشيقة وبحزاني وتلكيف وباطنايا وتللسقف وباقوفا وأخرى غيرُها. وكذا الحال ينطبق على القرى والقصبات العائدة لمكوّنات من غير المسيحيين.
 إنّ العجز بإيجاد مأوى لائق لهذه العوائل المشرّدة وترك العديد منها في العراء تحت لفحة حرارة الصيف القاسية، لهو علامةٌ على لا مبالاة القيادات القائمة أو تهاون أدواتهم ومَن يُفترض بهم من القيادات الدعية الذين كانوا اوّلَ مَن أسكنوا عوائلَهم في فللٍ وقصور ومآوي آمنة، في حين تركوا المتعَبين ومَن لا معارف لهم يفترشون الشوارع وفي العراء أو محشورين داخل باحات الكنائس والمدارس والساحات المكشوفة. إن المشاهد التي تنشرها وتعرضها قنواتٌ فضائة مهمة، مثل قناة عشتار، لهي دليلٌ ساطع على مدى الإهمال الذي يلاقيه النازحون. وهذا ما لا يليق بشعبٍ ذي حضارة ولا نقبله نحن المسيحيين الأباة، ولاسيّما في قرقوش التي سبق أن فتحت أبوابَها زمنَ حرب الشمال في الخمسينات والستينات وحتى أخيرًا بعد الأحداث في 2003 ولغاية سقوطها في 6 آب الجاري. شعبُنا وأهلُنا لا يستحقون مثل هذه المعاناة البائسة، ولا نقبل أن يعيشوا في بلا كرامة ولا خدمات في خيم أو في العراء، ولا مِن مبالٍ!
لقد سجّلَ العديد من النازحين الذين قصدوا بلدة عنكاوا "المسيحية" ملاحظات مؤسفة وتصرّفات محزنة بل مخجلة لا تليق بالمسيحيين، من الذين استغلوا حاجة الناس إلى مأوى، فطلبوا إيجارات خيالية وآخرون رفعوا الإيجارات السابقة دون وجه حق. أقولها وبكلّ أسف، لم يعد حتى في أوساطنا مَن يهتمّ للأخلاق التي تربينا علينا وعلّمنا إياها الإنجيل. أنقل لكم حادثتين من هذا القبيل.
في الحادثة الأولى حين قصفِ قرقوش بالهاونات ومغادرة الأهالي باتجاه عنكاوا، اتجّهت عائلة أحد الشباب الذي كان لتوّه قد أجّرَ شقّةً مفروشة بألف دولار شهريًا. ولكن ما أن رأت صاحبة الشقة (وهي طبيبة ولها إقامة كندية) مجموعة النازحين والفارّين من نيران الظالمين يدخلون الشقّة، اعترضت وامتعضت بحجة أنّ الداخلين "أناسٌ شعبيّون"، ومن ثمَّ لا يليق بمقامها أن ترى أمثالَهم في مُلكها، وهي أساسًا طبيبة نازحة من الموصل آوتها عنكاوا واشترت ملكًا فيها.
والحادثة الثانية، فيها رفعت صاحبة ملكٍ إيجارَ شقّة صغيرة بغرفة واحدة وحمّام وهول صغير من 500 دولار إلى 750 دولارًا لأسرة مكوّنة من شابين متزوّجين حديثًا.
وهناك أمثلةٌ غيرُها سمعنا ونسمع بها. ولكنّي اقتصرتُ في روايتي على ما شهدتُه شخصيًّا أمام ناظريَّ. وليسمع مَن له أذنان سامعتان. ومَن يأبى، فليذهب إلى الجحيم، فهو بفعلتِه شريكٌ في التشريد والجريمة ولا يسمع قول الربّ الواضح: "طوبى للرحماء، فإنّهم يُرحمون". ولنتذكّر فقط ما قام به السامريّ الطيّب، حين داوى جراحَ اليهوديّ وطلبَ من صاحب النزل أن يأويه ويقدّم له الطعام والشفاء على نفقتِه. إنها مجرّد مقارنة بما يحصل اليوم، واللبيب من الإشارة يفهم!
في ذات الوقت، تجدر الإشارة بشيء من الامتنان والتقدير لما تقوم جهات كنسية وخدمية وشباببة من متطوعين في هذه البلدة من أجل إزاحة جزءٍ من هموم النازحين وبلسمة جراحهم وآلامهم. فشعبُنا لا يستحق مثل هذه المهانة التي يلقاها من طرف بعض المستغلّين والمتاجرين بهمومهم ومآسيهم.

أمل ورجاء جديدان
ما نحنُ عليه اليوم، حقيقة واقعة. ألم ومأساة لجماعات يُراد اجتثاثُها من جذورها وقلعها من أصولِها وعن بكرة أبيها ضمن مخطَّط شيطانيّ تقوده وترعاه دول شرسة وسافرة برعاية أمريكية - صهيونية - إسلامية. وما تتناقلُه بعض وسائل التواصل الاجتماعيّ والأخبار التي تترشّح هنا وهناك من تأمين اتصالات مع خليفة المسلمين الدعيّ، أبو بكر البغدادي، ولقاءاته في أوقات سابقة مع شخوصٍ بالإدارة الأمريكية وعناصر من الموساد وشخصيات إخوانية وأخرى متشدّدة داخلة على ذات الخط، كلّها دلائل على تنفيذ مخطَّط إفراغ العراق والشرق الأوسط من المسيحيّين. كما أنّ رفض الإدارة الأمريكية، و"أوباما حسين" بالذات، بالتدخل السريع لمقارعة "داعش" ووقف توسّعها، والتريث ومراقبة الأوضاع لما ستؤول إليه في العراق، هي الأخرى من سمات هذا المخطّط الشيطاني الدوليّ. وإذا حصل تنديد واستنكار علنًا هنا وهناك، فقد حصل على خجل ولرفع العتب بسبب ضغوطات المجتمع الدولي والدول التي ما تزال فيها ذرّة من الأخلاق، في شعبها وليس في حكوماتها غير المبالية.
أمّا النواب في العراق، فيا بئس مواقف العديدين منهم! فقد وقف بعضٌ من هؤلاء وقفة المتفرّج بسبب وقوعهم تحت سطوة الحكومة السابقة يخشون فقدانَهم شيئًا من امتيازاتهم أو من الوعود التي قطعتْ لهم في حال عدم انصياعهم لتجديد الولاء. وبذلك لا يختلف وصفُهم عن صفة الشعب البائس الذي لا يؤمن إلاّ بجلاّدِه الذي لا بديلَ عنه، لسببٍ بسيط، وهو كونُه الخائب والخاسر الأكبر في كلّ هذا وذاك! فالنائب الذي لا يحفظ الوديعة التي ائتمنهُ الناخب فيها على حاله وماله وعرضه ومستقبلِه ووطنيّته، لا يستحقّ أن يمثّل الشعب، طالما أنه يرفض مقارعة الشرّ والفساد ومحاسبة غير المؤمنين بشيء اسمُه الوطن والمواطن!
لقد راقب عموم الشعب العراقيّ يوم الاثنين 11 آب الجاري، تلك اللحظات الحاسمة التي بها تمكّنت البلاد من الخروج من عنق الزجاجة بفعل عملية قيصرية شديدة القسوة والألم، تمخّض عنها الإعلان عن اتفاق كان لابدّ منه، وهو الذي رجته المرجعية الدينية الرشيدة وعموم الشعب دون استثناء إلاّ من المنعَمين عليهم من الانتهازيّين الذين افترشوا أرضَ العراق فسادًا طيلة ولايتين قاسيتين أودتا بحياة الأبرياء ونقلتا البلاد إلى أسوأ مرحلة كارثية مليئة بالأزمات المتعاقبة. إن تكليف شخصية بديلة لرئاسة حكومة البلاد، من شأنه أن ينزع فتيل الأزمة ويهدّئ الأوضاع ويقود الحكماء من السياسّيين لكسر طوق وضع الاقتتال الذي آلت إليه البلاد والعباد معًا. أمّا ما يحاول افتعالَه رأس الحكومة المنتهية ولايتُه وأتباعُه من المنعَمين عليهم والفاسدين في صفوفهم، من منغصّات وقلب الحقائق والتهديد بفتح نار جهنّم على المعترضين، فلن تكون سوى زوبعة في فنجان، كما قالها البعض، بعد فقدان الحكومة السابقة لأبسط أنواع الشرعيّة واشتداد غضب الله والمرجعية والناس عليهم وعلى أدائهم طيلة ثمانٍ سنواتٍ من المكر والفساد والكذب والخداع والاستغلال على حساب الوطن والمواطِن والمواطَنة بكلّ أوجهها واستحقاقاتها.
هنيئًا للمرجعيات الدينية العراقية الصادقة والجريئة التي استطاعت ان تقول "لا" و"كفى"، للظلم والقهر والخداع والتقسيم والتخاذل. إنّه أوان المطالبة بمرحلة جديدة وعهد جديد ورؤية جديدة فيه تقوم قائمة المواطنة الحقيقية التي تعطي لكلّ ذي حقٍّ حقَّه على عهد حكومة عادلة تسود بالعدل والمساواة وتعزّز أواصر المحبة والتآخي والسلام وتنزع إلى الاستقرار والترويح عن المظلومين وتأوي المشرّدين وتداوي جراح النازحين وتعيد لهم ما فقدوه من أمنٍ ومالٍ وعقارٍ على السواء.
إن أملاً جديدًا ورجاءً عتيدًا يحدونا جميعًا، فيها تنتقل البلاد إلى حالها المستقرّ الآمن، لتعود خيمةً وارفة الظلال لكلّ أبنائها وبناتها، بجميع مكوّناتهم وعلى اختلاف تلاوينهم الدينية والمذهبية والاجتماعية. فما أصابَنا من ألام وأحزان ومآسي، كثيرٌ يستدعي صحوة الضمير الإنساني والمنظمة الدولية التي تحرّكت على خجل لمداواة نزيف الهجرة والنزوح وما يُقترف من جرائم إبادة جماعية بحقّ مكوّنات أصيلة لها جذورُها وحضارتُها وإيمانُها وبصماتُها في بنيان الوطن وصيانة الأرض والدفاع عن حدود البلاد واستقرارها. ولنْ يُقبلَ بعد اليوم، السكوتُ عن مثل هذه الجرائم التي تُرتكب بحق الإنسانية جمعاء من عصابات متشدّدة تريد العودة بالبشر إلى قرون التخلّف والظلام. وعلى الدول التي ترعى هذه التنظيمات أو تلك التي تسكتُ عنها أو تموّلها، أن تدرك أنّ الدوائر ستدور عليها، لا محالة، إنْ هي لم تدرك الكارثة منذ الساعة وتحلّل أفعال وتوجهات هذه العصابات التي شوّهت الدين وجعلته أسيرًا بيد شلّةٍ لا تعرف أساس هذا الدّين من أساسه. لعمري، كيف يقبل أصحاب هذا الدّين الأصلاء أن يتلقّوا أدبياته وتفاسيره وشروحاته على أيدي شلّة ضالّة قادمة من بلدان "الجوج والماجوج" التي شوّهت اساسيات هذا الدّين الذي قام في جزيرة العرب أصلاً؟
في الأخير، لا يمكن القبول بما آلت إليه أحوالُ شعبنا عمومًا، من شعورٍ بالمذلّة والنسيان والتسويف في قضيته واقعًا بين فكّي تسوية حسابات داخلية وأخرى خارجية وغيرُها قائمة على موازنات دولية منتفعة. فاللاعبون فيه كثيرون وهم في تزايد مستمرّ.
مشكلة العراق والعراقيّين، أصبحت أكثر تعقيدًا. قد تبدأ عقدتُها بحلّ بالتغيير القائم الذي نأمل أن يكون سريعًا وفاعلاً. فلا شيء غير المواطنة واحترام الآخر المختلف وتقييم الفرد على أساس الولاء للأرض والوطن يمكن أن يكون العلاج لحالنا. وهذا وحده كفيلٌ بوحدة البلاد والأرض وليس بتقسيمها وبتشريد الأبرياء والتفرّج على معاناتهم.
هذا أملُنا وذلك رجاؤُنا. وكان اللهُ في عون المتضايقين والمتألمين ليعودوا قريبًا جدًّا إلى مساكنهم وينالوا تعويضًا عادلاً عن حلالهم المفقود وأمانهم الموعود.

لويس إقليمس
بغداد، في 12 آب 2014

22
في زمن داعش: نعمة النفط نقمة، فما العبرة؟
لويس إقليمس

بعد انكشاف أسرارٍ وظهور حقائق وخفايا في دهاليز السياسة ونوايا أباليس، الباحثين عن مصالح فئوية وقوميّة وشخصية، اتضّح بما لا يقبل الشكّ أن أحد الأهداف غير المعلنة رسميًّا هو الوقوف على منابع النفط الغنية والثروات الطبيعة في دول منطقة الشرق الأوسط والسيطرة على إنتاجها وتسويقها بأيّ ثمن. ودليلُنا في ذلك، ما يحصل إزاء مناطق ومواقع نفطية قائمة في كلّ من سوريا والعراق حيث تنشط تنظيمات دولية إرهابية سيطرت على مواقع منها، وبالتالي ليس لها من همّ سوى الحصول على ثروات هذه الحقول خارج بلدانها. وهذا ما تعنيه هذه الفوضى الخلاّقة التي خلقها الاستعمار الأمريكي الحديث بعد تسيّده على العالم قطبًا قويًا ومتسلّطًا على سياسات الدول، حتى التي كانت بالأمس القريب، تعدّ سياساتها مستقلّة عن الطغيان الأمريكي - الصهيونيّ الفاعل.
ولا عجبَ أن تكون المنظمة الدولية بدورها، وبسياساتُها متطابقة، بل متعاونةً مع المطامح القومية السافرة لهذه الدول ذات السطوة القائمة على عالم اليوم وتخشى الخروج عن نطاق توجهاتها، حفاظًا على مصالحها وامتيازاتها هي الأخرى. وقد وجدت الإدارة الأمريكية، ولاسيّما بعد تولّي "باراك أوباما حسين" السلطة بسبب كاريزماتيتَه الخطابية التي أقنع بها الشعبَ الأمريكي الّلاأبالي إلاّ بغروره وملذاته وتكابره وترفه المتخَم، وجدتْ في دول الشرق الأوسط، وأخرى ذات التوجهات الإسلامية تحديدًا في المرحلة الأخيرة، خيرَ مطيعٍ ومنفّذٍ لسياستها الهوجاء بتسهيل نوالِها من ثروات البلدان المقهورة ما أمكن عبر سياساتٍ خرقاء وانتقامية ضدّ كلّ مختلفٍ في الدّين والطائفة والنهج والرؤية. وها هي لولب الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلنتون، تكشف مؤخرًا، عن أقبح مؤامرة للإدارة الأمريكية -الإسرائيلية- الإسلامية الجهادية، وكيف كان مقرّرًا اعتراف الحكومة الإخوانية المطرودة في مصر وأخرى غيرُها،  الاعتراف بدولة داعش في 2013، لكنّ إرادة الشعب المصري كانت الأقوى بوأدها.
كلّ الدلائل إذاً، تشير إلى صيدٍ كبير وقائمٍ، كان لابدّ أن تقتنصه هذه الإدارة المكابرة لتحوّل المنطقة إلى ثكنة عسكرية تتزيّن، ليس بالسلام والفرح والآمال الكبيرة بحياة إنسانية تستحقّها وهي المجبولة حسنةً على صورة الله ومثاله، بل بأكوام السلاح الفتّاك المتنوع الأشكال والأهداف. وهذا ما دعا قادة هذه الدول المتهالكة إلى اقتناء كلّ جديد منه، طالما أنّ آبار النفط مستمرّة في تدفّق وزيادة هذه النعمة التي تحوّلت إلى نقمة، بسبب الإصرار على استقطاعها عن أفواه مواطني هذه البلدان المعدَمين والمحرومين منها والمكابدين بسببها. ويا ليتها تنفذُ وتختفي كي يعي المسؤولون عن معاناة الناس خطأَهم وانحرافَهم عن المبادئ والأخلاق التي خُلقتْ هذه النعمة على أراضيهم لما هو صالح وخير مواطنيهم وليس لتجويعهم وتشتيتهم والنكاية بهم بسببها.
لقد تحوّلت نعمة الموارد الطبيعية، ولاسيّما النفطية منها مؤخرًا، في عدد من بلدان الشرق الخائب والمتعثّر في تغيير الفكر وفهم الدّين والأخلاق وفي طريقة العيش الآمنْ، تحوّلت إلى نقمة حقيقية على قاطنيها ومواطنيها. إنّ تبديد هذه النعمة، ليس لها من معنى، سوى سيرِ مَنْ يسيء استخدامَها في طريق الشيطان والشرّ الأثيم الذي لا تقبلُه أيّة ديانة أو مجتمع معتدل وسويّ في فكره الدّينيّ والحضاريَ والاجتماعيَ والأخلاقيّ، إلاّ ألّلهم مَن ليس لهم حضارة البتة ومَن لا يؤمنون لا بالأخلاق ولا بالحياة الكريمة المشروعة التي أرادها الخالق لخليقته الضعيفة.
إن انجرار عصابات مسلّحة مؤخرًا، إلى التجارة بالنفط ومشتقاته، إنتاجًا وتسويقًا، يُعدّ مؤشرًا غاية في الخطورة. فهو من جملة ما يريد قولَه وما يعنيه أنّ هذه النعمة، إذا ما استولت عليها هذه العصابات وتاجرت بها عبر سماسرة معدومي الأخلاق وخالي الوفاض من أية أخلاقٍ أو نوايا وطنية أو مشاعر إنسانية، سوف تتحوّل تمامًا إلى كارثة تحرقُ الأخضرَ واليابسَ معًا وتُنذرُ بشؤم محتومٍ سيكون وبالاً على كلّ مَن يتعاطى الاتجار به وحرمان أهلِه وأصحابه من نعمتِه وبالحق بالتنعّم بخيراته.
بالتوازي، فقد أضحت المادّة والكسب غير الشريف والتعامل بالسحت الحرام وسرقة الناس وسلب البيوت الآمنة والسطو على المحلاّت واختطاف البشر لغرض الحصول على الأموال، ديدنَ الكثير من العصابات التي كثرت وتعدّدت، في عموم البلاد بأشكالٍ وطرق متنوعة. منذ السقوط في 2003 ولغاية اليوم، هناك عصابات مسلّحة تجول وتصول بأسماء وهمية، وأخرى بأقنعة ذات واجهات حكومية وهويات أحزاب نافذة، في معظمها دينية. فيما تقف الدولة عاجزة عن تبرير مثل هذه الأعمال غير المقبولة ووضع اليد على الفاعلين، ذلك أنّ منهجَها وهدفَها وغايتَها تتطابق مع وضع الحكم القائم ومنهجه ومَن يسودُه ويقودُه.
إنَّ ما يحصل في مواقع ومناطق تزخر حقولُها بنعمة النفط في أيامنا هذه، خير الدلائل على النية المبيّتة لمثل هذه العصابات الدولية التي تعمل من دون شكّ تحت غطاءات دولية معينة حامية لها أو تدّخر الصمت لحينٍ وأجلٍ. إن منهج عصابات الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" ومَن على شاكلتِها من تنظيمات دولية مسلّحة متشدّدة بالسيطرة على منابع النفط، تعني وجود كارتلٍ عالميّ ينوي الاستحواذ على هذه النعمة ومواردها لأغراضٍ مشبوهة تُستخدم في تمويل أعمال عنف وقتل وتهجير وترعيب وترهيب أناسٍ آمنين. ولكن عندما تحدث مثل هذه الأعمال الإرهابية وسط صمت المجتمع الدوليّ وعدم اكتراث الدول والحكام لجسامتها وفظاعتها ولا أخلاقياتها، فهذا نذيرُ شؤمٍ بتفريغ البعد البشري للإنسان عمومًا من إنسانيته وبراءته. وهذا الصمتُ عينُه إثباتٌ قاطعٌ على التواطؤ والمشاركة في مثل هذه الفظائع، بأية مسمّيات كانت، دينية أو عرقية او طائفية أو باسم الحرية والديمقراطية التي جلبتها العولمة وبالاً على الأرض وساكنيها، بسبب عدم الاستفادة من خيرها والاكتفاء بما تأتى به من شرّ وغدرٍ وقتل وبطش وتهجير بمسميات عديدة. كما أنّ الرابح الأكبر في هذه جميعًا، هو الاستكبار العالمي وربيبته إسرائيل التي تسعى لإنشاء دولتها الكبرى من النيل إلى الفرات، كما نقرأ في الأدبيات.

داعش، تنظيمٌ مسخٌ مدعومٌ دوليًا
إنّ وجود تنظيم داعش الإرهابيّ، الأعتى والأغنى والأرعن، في كلٍّ من سوريا والعراق، وعبر حواضن سرّية له في عموم المنطقة، قد يحوّله إلى كيان مسخ فيها، تمامًا كما حصل بخلق الكيان الصهيوني في بؤرة المنطقة من قبل الاستعمار البريطاني وأعوانه. فهذا التنظيم، بمثل هذه القوة وهذه السطوة وهذا التأثير، كان لا يمكنه المقاومة والصمود لو لمْ يكن مدعومًا ويسير بحسب خطط سديدة ومرسومة من قبل الأسياد. إن زرع هذا الكيان بهذه السرعة في المنطقة، لا يختلف أيضًا برأيي، عمّا عانته أوربا والعالم من تأثيرات النازية التي سلبت العالم حريّتَه ونزعتَه الأخلاقية وطبيعتَه البشرية المسالمة، فتحوّلت أوربا بموجبها إلى كيانات صاغرة وخانعة وخارجة عن أصول الأخلاق المسيحية السمحاء، وهي ما تزال تعاني ذاتَ التأثير بتخلّيها عن المعتقدات المسيحية والإيمانية الصادقة التي كانت مترافقةً لها في سياساتها ومناهجها وتطلّعاتها على السواء. وهكذا المنطقة، ستتحولّ إلى بؤرة إرهابية للقتل والتدمير والفساد تحت راية "ألله أكبر" التي يرفعها البرابرة الجدد.
اليوم، فيما ينشغل السياسيون والانتهازيون في الحكومة الفاسدة، بل في الدولة الغارقة في الفساد والمصالح الفئوية والمحاصصة الطائفية المقيتة المرفوضة من الجميع إلاّ من القادة والأحزاب والطوائف، نلمس تقدّمًا للتنظيمات الإرهابية على الأرض بتحقيقها مكاسب متتالية، غير مبالية للرفض المحلّي والدولي، لكونها تسير وفق مخطّط واستراتيجية منهجية وليس من فراغ، بل بدعم وتنسيق دوليّ كبير، لا نفهم سرَّهَ ولا أمَدَه.  بينما الحكومة العراقية، لم يخرج من مكاتبها غير ضمانات وتأكيدات وتطمينات لشيءٍ اسمُه الطائفية والكتلة الأكبر، وبجدارة، ومن ثمّ المماطلة في الإبقاء على هذا الدّاء. فيما ما زال رئيس الوزراء المنتهية ولايتَه يصرّ على ولاية ثالثة ويتشبّثُ بالكرسيّ، بالرغم من اعتراض شعبيّ ساحق وتوجيهات المرجعية الشيعية الصريحة، ووسط اجتياح تنظيمات داعش للقصبات والبلدات وسقوطها الواحدة تلو الأخرى. فقد أوصلَ البلادَ إلى شفير الهاوية وعزّز الميليشيات وسمح بالفساد وسكتَ عنه وفتّتَ البلاد وشظّى نسيج الشعب الواحد وفسّر بنود الدستور والكتلة الأكبر كما يحلو له. أينَ كان هو والمحكمة الاتحادية التي يهيمن على قرارها، حينما فاز غريمُه في العراقية بأكثر المقاعد عددًا في 2010؟ ولكنه بالتآمر مع قوى منتفعة أخرى، ابتكروا لعبة الكتلة الأكبر على طريقته وشكل حلفائه؟ لماذا لا يقبل بكتلة المواطن الشيعية أن تكون اليوم هي الأكبر بحسب التفسير السابق للمحكمة الاتحادية الّلا-مستقلّة، طالما أنّه جزءٌ منها وقد دافع عن هذا الرأي الذي كان استخرجَه منها قسرًا آنذاك؟
أقول، مادام القائمون على سياسة البلاد أغرابًا لا يحملون في جعبهم سوى حبّ الكراسي وتكديس الأموال وتقديم مزيد من الضمانات بالسيطرة على مقدّرات الدولة ووزاراتها ومؤسساتها، بحيث أضحت هذه الأخيرة تُباع وتُشترى في سوق نخاسة الساسة العراقيين الحاليّين دون خجل ولا وجل، لا من ربِّ العالمين ولا من دعوات الثكالى والمحرومين والمعدَمين وأصحاب الحق من جميع المكوّنات العراقية الأصيلة، فإنّ البلدَ لن يشهدَ راحةً ولن يعود خيمةً لجميع المتعّبين والثقيلي الأحمال الذين وصفهم المسيح ذاتُه في رسالتِه بعد اطّلاعه على خراب العقل البشري وظلم الحكّام وقهرهم. فابنُ البلد الأصيل في الشعب والأرض والتراث والحضارة، لم يعدْ له اليوم أكثر من السابق، مقامُ في إدارة البلاد ومواردها والتي سادتها الفوضى بفضل تقاعس هؤلاء الساسة المراهقين ودجلهم ومواربتهم وانسياقهم وراء مصالحهم الشخصية والفئوية وفق مخطّطات دولية وإقليمية مغرضة.
 إننا نعتقد، أنه ما دامت المحاصصة قائمة على قدمٍ وساق، وما دام التشبّث بالمناصب والمواقع حاضرًا بالرغم من تحذيرات المرجعيات الدينية، ولاسيما الشيعية منها بضرورة التغيير، فلن يحصل المواطن العراقي سوى خيبة أمل وتراجع في الحقوق جميعها وفي الوضع المأساويّ والحرمان. فالحكومة القائمة ومَن يشاركُها، ستظلُّ مهتمّةً بما ينفعُ مصلحة مواليها وما يدخل إلى جيبوِهم المترعة ويعزّزُ من رصيدهم الفئوي والشخصيّ والطائفيّ على السواء. فيما ستواصل "داعش" ومَن على شاكلتِها ومَن يواليها ويبايعُها، اجتياح المدن والبلدات، والاستيلاء على حقول النفط والغاز وضمان بيعِه بأبخس الأثمان عبر سماسرة، جلُّهم ممّن في الحكم أو مشاركون فيه بطريقة أو بأخرى عبر أدوات محميّة. وبذلك تكون هذه النعمة قد تحولت إلى نقمة بفعل إرادة الشرّ المتزايدة لدى نفرٍ من الأنانيّين والمفتقدين للحس الوطنيّ وغير العابئين بمصلحة الشعب العليا قبل مصالحهم. وإن لم يستدرك الساسة بسرعة مجمل هذه التهديدات بالغة الخطورة القائمة ويستعجلون تشكيل حكومة شراكة ووحدة وطنية عراقية خالصة تبتعد عن الأخطاء القاتلة والأزمات المتتالية التي جلبت الويلات طيلة ولايتين بالتحديد، فإنّ البلاد آيلةٌ لمزيد من الانهيار وللفناء وللتجزئة والتفتيت وفقدان الهويّة العراقية الأصيلة.
لويس إقليمس
بغداد، في 4 آب 2014

23
راجعين إليكِ يا موصل!
لقاء الشبيبة الكاثوليكية في بغداد من أجل الموصل : لقاء صلاة وتأمّل وتبادل خبرات 
(31 تموز – 2 آب 2014)
نظمت الشبيبة الكاثوليكية في بغداد لقاءً ثلاثيَّ الأيام، تضمّن برنامجًا حافلاً بالصلاة والتأمل وتبادل خبرات عايشَها مسيحيون وسط آلام ومآسي وعنف متواصل وتهجير واضطهاد مبرمَج ضدّ مسيحيين ومكوّنات أقلية وشعب كامل. هذه المآسي متواصلة منذ غزو العراق في 2003، ومتطوّرة في المنهج الجديد وما آلت إليه مؤخرًا بعد السماح الدوليّ السافر لمجاميع إرهابية مسلّحة متشدّدة باستباحة أرض الأنبياء ومراقد الأولياء وكنائس وأديرة وجوامع ومعابد، وآخرُها تهجير مسيحيّي الموصل. كلُّ هذا وذاك، عائدٌ في أسبابه، إلى  الفوضى الخلاّقة التي أتى بها الغازي الأمريكي ومعه قساة الرقاب من دول مجاورة وإقليمية، والتي اأشعلت منذ البداية، صراعًا طائفيًّا مقيتًا عشقهُ سياسيّو العراق بعد الغزو وتشبثوا به وما زالوا حتى وقوع خرابه، بموجب الأجندة المرسومة.
في اليوم الثاني للقاء، قدّم عددٌ من الحضور شهادتَهم الشخصية، وكان لي الشرف أن أكون أوّلَ المتحدّثين. ولاعتقادي بأهمية ما طرحتُه من خبرة شخصية، فقد ارتأيتُ نشرَه من أجل تعميم الفائدة. وهذا هو النص الكامل للخلاصة التي تقدّمتُ بها في هذا اللقاء الشبابي المتميّز، علمًا أن اليوم الثالث والأخير، شهدَ قداسًا أقامه غبطة البطريرك لويس ساكو بحضور جمع غفير من المؤمنين.

نص الخبرة الشخصية
-   الإنسان وليدُ يومِه... ولكنّه لا يمكنُه نسيان ماضيه وماضي المجتمع الذي يعيش فيه... إلاّ أن الاعتماد على الماضي وحده والتشبث به بدون منطق الحياة لا ينفع، لأنه يجعل الشخص يراوح في مكانه ويحدّ من تنويره وتطلّعاته المشروعة.
-   الخبرة الإيمانية التي نقدّمها، إن لمْ تمتزج بخبرة حياة يومية، ستكون ناقصة وغير فاعلة.
-   كلنا نستطيع أن نصلّي في بيوتنا ونشهد لإيماننا، ولكن من دون امتزاج هذا كلّه بتقديم فكر مستنير وشهادة حياة ناطقة بما يحدث حوالينا وحول معالجات لمشاكلنا وصعوباتنا والهدف من اضطهادنا علنًا وبالسرّ، فإن ذلك يبقى في حدود تخدير المؤمنين والعجز عن تقديم معالجات جذرية ومفيدة وفاعلة.
-   اليوم تتزايد الضغوط على المسيحيين في العراق وفي المنطقة بحسب أجندة منهجية يتمّ تطبيقُها من قبل دول عظمى وأخرى متعاونة وراعية، معتمدةً على عملاء وأدوات يمهدون السبيل سواءً بالسكوت والتغاضي عمّا يجري أو بتقديم الدعم اللوجستيّ عبر حواضن مشبوهة، بعضٌ منها مشاركٌ في سياسة البلد وقيادته.
-   هذا المخطّط، بات معلومًا، والجميع يتحدّث عنه علنًا، لأنّ الصورة اتضحت والعوامل عُرفت والدوافع كُشفت. الدول الاستعمارية الجديدة منها والقديمة ومَن يرتمي تحت أجنحتها، وبصورة أوضح، أقصد أميركا وبريطانيا ودول غربية محسوبة ظلمًا على المسيحية وعبر أدوات إقليمية في تركيا وقطر والسعودية ودول خليجية أخرى، تدعم المشروع الأمريكي – البريطاني - الإسرائيلي المشبوه الذي يرمي لتفريغ الشرق الأوسط من المسيحية.
-   لكنّ المسيحية ليست وليدة اليوم ولم تأتي من فبركات وترّهات خالية القيمة الاجتماعية والأخلاقية والإيمانية.
-   كنيسة المسيح مبنية على صخرة إيمانية قوية وقويمة، قادرة على التعامل مع مثل هذه الأقدار ومع الاضطهادات " سيضطهدكم العالم وستُسلّمون إلى المجامع والمحافل ويُعتدى عليكم، ومَن يصبر فذاك يخلص"، هذا ما حذّرَنا منه المسيح.
-   بولس الرسول، اضطهد المسيح والمسيحيين، وبأعجوبة ربّانية، تحول من شاول قاسي القلب ومضطهد إلى بولس، رسول الأمم ومبشّر، فدى نفسه عن ربّه الذي هداه. وإليه يعود الفضل الأكبر في بواكير التبشير. وهو أيضًا اضطُهد وعُذّب وصُلب من أجل المسيح وكنيسته. لذا فإنّ مفهوم الاضطهاد قائم في المسيحية منذ نشأتها قبل أكثر من ألفي عام.
-   شعارُ المسيحية هو المحبة. لكنّه لا يعني أبدًا التخاذل وطأطأة الرأس لكلّ مَن هبَّ ودبّ ويريد تقويض مبادئها واستغلال طيبة المنتمين إليها.
-   سادت المسيحية بطرق سلميّة وليس بالسيف، بل بقوّة الروح الذي دفع الرسل وتلاميذهم للبشارة في بلدان العالم وشعوبها حيث بلغت البشارة أقاصي المسكونة، بفعل الروح القدس الذي كان معها يرافق بنيها وبناتها... هل سيتخلّى عنّا اليوم؟ هذه مخاوف وأسئلة تُطرح من قبلنا جميعًا، لأنّنا ضعافٌ في الإيمان. "مَن كان له إيمانٌ بقدر حبّة الخردل، لاستطاع نقل الجبال من مكانها".
-   الكنيسة، أمُ رؤومٌ كالوطن الذي يبسط جناحيه لأبنائه. هي مؤسسة تجمعُ أبناءَها تحت كنفها ولا تفرّطُ بهم... وإن فعلَ ذلك بعضُ قادتها في غفوة من الزمن وفي حالة ضعفٍ، فذلك ليس مقياسًا، لأنّ الأصحّاء والمؤمنين الصادقين يجتمعون مع عريس الكنيسة، ليسَ بتقرّبهم من جسد الرب ودمه، بل في حياتهم اليومية التفصيلية، ذلك أنّ المسيحي يعيش شهادة حياة مسيحية تتخذ من المحبة واحترام الآخر المختلف سلوكًا يوميًا من غير رتوش. هذه أحلاقُنا التي نختلف ونتميّز بها عن دين الغير.
-   أمّا ما حدثَ بالأمس ويحدث لنا اليوم، فدعونا نبحث معًا في الأسباب والحيثيات لنصل إلى درس بل إلى دروس مفيدة لليوم وللغد.

كنيسة سيدة النجاة شهيدة وشاهدة
-   الجريمة الكبرى التي قصمت ظهر المسيحية كانت في حادثة كنيسة سيدة النجاة في 31 تشرين أول 2010. هذه المأساة زعزعت ثقة المؤمنين بانعدام فرض العيش وسط مجتمع بدأ يتحول لمجتمع يتسم بثقافة الموت والعنف اليوميّ لأسباب طائفية، ليس لنا فيها ناقة ولا جمل.
-   حادثة سيدة النجاة تمثل لنا شهادة قديمة حديثة، قرأنا وشهدنا فصولاً منها منذ نشأة المسيحية في الاضطهاد والقتل والتهجير.
-   صليبُنا ثقيل، على عسر المأساة، وقد ازداد ثقلُها بعد الحادثة المشؤومة، ليصل في أحداث الموصل وما حواليها أشدَّ ما عاناه المسيحيون في العراق، ربّما يوازيه ما عانوه في سوريا الشقيقة.
-   في تلك الحادثة فقدنا أعزّاءَ لنا، 45 شهيدًا بينهم كاهنان شابّان، كما كنتُ أنا وغيري شهودًا بل مشاريع شهادة فيها حين كنّا تحت رحمة عصابة متطرّفة حاقدة.
-   لا أنسى مشهد ذلك الشاب زميلكم في الشبيبة، أيوب، المضرَّج بدمائه في غرفة السكرستيّا وهو يصلّي سبحة الوردية حتى نهايتها ويرسم إشارة الصليب بعد نهاية كلّ سرّ للوردية، حينما انقطعت أنفاسُه ونال الشهادة. كنتُ حريصًا أنا وابني اليافع سقيَه بالماء المتيسّر حتى نفاذه بسبب انكسار الإناء المبرّد. هذا إيمانُنا وهذه شهادتُنا نحن المسيحيين، لا نقبل غير المسيحية دينًا، وغير يسوع ربًّا.
-   منذ التغيير المأساوي في 2003، تعرّضت أكثر من 60 كنيسة ودير ومؤسسة ومؤمنين إلى أعمال عنف وتفجير وخطف وقتل. لكنّ في كلّ تلك الجرائم، صمد المسيحيون وبقيت الكنائس مفتوحة للصلاة والعبادة، بالرغم من هجرانها من البعض لأسباب لا نريد الدخول في تفاصيلها.
-   لكنّ سقوط الموصل، مدينة نينوى العظيمة بهذه الطريقة وما تبعها من تهجير قسريّ بسبب الاختلاف في الدّين، فهذا أمرٌ جديد في بلادنا. لأول مرّة في تاريخ الموصل تخلو الكنائس وتفرغ الأديرة من المسيحيين. حتى التتار والمغول، لم يفعلوا ما فعلته العصابات المتشدّدة.

واقعٌ ما بعده مهادنة
-   بدءًا أقول، كفانا مجاملات وطأطأة رؤوس للغريب والمستغلّ والمتاجر بحقوقنا وبهويتنا وبشعارنا في المحبة. كفانا تصديق مَن لا يصدُقُ معنا ويريد اجتثاثنا.
-   بعد سقوط الموصل والاعتداءات السافرة على عدد من بلداتنا، سمعنا واطّلعنا على نداءات خجولة وبيانات استنكار وإدانة... هذه جميعًا ليست كافية وهي بالتالي غير مجزية إزاء تهديدٍ قائمٍ بفقدان الهوية. وتعلمون ما المقصود بالهوية أي تغييب الكيان وقتل الروح والجسد معًا، وبالتالي تفريغ كنائس وبلدات وقرى من مواطنين أصلاء متجذّرين في الأرض منذ البشارة الأولى على أيدي مار توما الرسول وتلميذيه أدّي وماري. وكنيسة كوخي في قطيسفون شاهدة على أصالة المسيحية في العراق.
-   حتى قرار بعض الدول، ولا سيّما الأوربية منها، المتعاطفة خجلاً مع مأساتنا، حين أبدت استعدادها لتسهيل هجرة مسيحيّي الموصل وتوطينهم على أراضيها، لا يبدو لنا حلاًّ فاعلاً ومجديًا. قد يكون حلاً مؤقتًا، إلاّ أنه يفتح أبواب الشكوك بتواطؤها ومشاركتها بطريقة أو بأخرى بمخطَّط تفريغ العراق والشرق من المسيحية والمسيحيين.
-   الحلّ يكمن بقطع مصادر العنف والتشدّد والعنف القادم من الخارج والتي تشترك بها دول عظمى وإقليمية. بهذا تتعزّز المسيحية عندما يحترم المختلفُ معنا خيارَنا بالإيمان المسيحي ويقبلُنا كما نحن في إطار دولة المواطنة والعدل والحرّية الفكرية والدينية والاجتماعية.
-   تاريخُنا المسيحي في العراق يقارب الألفي عام، وربّما تاريخُ هويتنا السريانية – الآرامية أبعد من ذلك بكثير، يعود لحضارات سادت في نينوى وكالح وخورسباد وراسن والحضر وما سواها.
-    نحن اليوم بحاجة إلى أفعال واقعية لصيانة هذه الهوية الأصيلة، بحاجة إلى رجال كاريزماتيين شجعان ومتنوّرين على قدر وافٍ من المسؤولية وعلى قدر ضخامة الجريمة التي تُرتكبُ بحقنا. نريد قادة كنسيّين واعين ومتفهّمين للمشكلة وأبعادِها، بل أقول للأزمة الراهنة ونتائجها، رجالاً بحق يقولون "لا" لمَن يتجرّأ ويرتكب أو يحاول مجدّدًا ارتكاب حماقات تريد قلعَنا من أصولِنا وقرانا وتفريغ كنائسنا.
-   نريد اليوم رعاةً حريصين فاعلين على الرعايا، يرعون الخراف والكباش معًا بهمة ولا يغادرونها أو يتركونها فريسة للذئاب الخاطفة، وما أكثرها حين تجتمع علينا!
-    نريد أفعالاً تحدُّ من معاناة المؤمنين وتساهم في تجّذرهم وتقف إلى جانب معاناتهم وإيجاد الحلول الفورية والبعيدة الأمد لمستقبلهم، وليس بتشجيع تهجيرهم وحملهم لترك الوطن وخيانة الوديعة التي أؤتمنوا عليها.
-   لا نقبل أن تتحول كنائسًنا في يومٍ من الأيام إلى متاحف أو قاعات تنفخ هباءً بلا رائحة ولا طعم.
-    الكنيسة ليست حجارة مرصوصة. هي أنا وأنتَ وأنتِ، معاً نعيش إيماننا بالمسيح بقوة الروح وتكاتف المؤمنين جميعًا وعون الرؤساء الروحيّين الذي قبلوا الأمانة وتعهّدوا بالسهر والحنوّ على الرعية والوقوف إلى جانبها للحماية من مكايد الشياطين، وما أكثرهم اليوم!
-   إذا فقدَ المسيحيون وجودَهم وضاعت هويتُهم وسط هذه الإرهاصات الأخيرة، فذلك يعني إنذارًا بالشؤم والاحتضار، وحاشا لكنيسة المسيح أن تحتضر، لأنّها سليمة ومتجدّدة "أرسلْ روحَك فيخلقوا، وتجدّد وجه الأرض".
-   نحن اليوم، أمام أزمة وجود، وهذا يتطلّب رفع الأصوات... صرخة بل صرخات استغاثة.. وما أكثر الصرخات التي رُفعت في هذا الجانب، ولكّن الترهّل في المطالب وعدم الإلحاح بإيجاد مخارج للأزمة والجريمة هي من الأسباب التي جعلت الأعداء يتمادون في غيّهم والدول العظمى تستغلُ طيبةَ المسيحية والمسيحيين ومهادنة رؤسائهم من أجل إعادة جولات الاعتداء بين الفترة والأخرى دون خجل وحياء، ومنها دول تتبجّح بحماية المسيحيين حصرًا وسائر الأقليات.
-   علينا إيجاد أبواب ونوافذ ندخل منها وإليها من أجل الضغط الفعليّ على المجتمع الدوليّ ليجد لنا حلاًّ، كما فعل ذلك مع أزمات كوسوفو وصربيا وتيمور الشرقية وكردستان. ومن حقّنا الدفاع عن أنفسنا مثل غيرنا، إذا غاب الغطاء الوطنيّ وانعدم الاستقرار والأمن والسلم الأهليّ، وليس من المعقول ترك هذه المهمّة للغريب. فهذا مهما كان الحرص الذي يعلنُ عنه والتشدّق بالتعاطف، فإنّه بالتالي سوف لن يراعي في ذلك إلاّ مصالحَه وسيتركُنا وقت الشدّة فريسة للغير وللوحش الكاسر.

مجلس مسيحّي موحّد مستقلّ وشجاع، خيارُنا للمرحلة
-   هل يستكثرون علينا تمتّعنا بحماية دولية ضمن وحدة إدارية أو حكمٍ ذاتيّ كما هي كردستان اليوم؟ ولكن من دون تدخلٍ من الأغراب المرتبطين بأجندات محلية من جيراننا بالمنطقة.
-   توحيد خطابنا السياسيّ في سهل نينوى لساكنيه فقط، ورفض أيّ تدخلات إدارية وسياسية من الإقليم أو غيره، سيزيد فرص حصولنا على هذه الحماية وهذا الاستقلال الجزئيّ، فقط عندما ننتهجُه ضمن وحدة الوطن وليس وفق أجندات التجزئة والتقسيم والتفتيت المطروحة.
-   هذا العمل الجبّار بحاجة لإبراز دور المسيحيين في الولاء للوطن، وهم أكثر من غيرهم أشدّ تعلّقًا بالأرض والماء والهواء، وبشهادة الجميع.
-    هناك قادة وزعماء وناشطون دوليون مؤمنون بقضايا مواطنيهم، تمكنوا من طرق أبواب المنظمة الدولية والحكومات بشجاعة يُحسدون عليها، واستصرخوا الضمير الإنساني وحصلوا على مبتغاهم. هل لنا أن نشهد قريبًا مثل هذه الاستغاثة والصرخة المدوّية؟
-   لماذا سقطت الموصل؟ لماذا استبيحت نينوى يونان؟ هل من أجل تأديب ساكنيها ثانية؟ إن كان كذلك، فلنجلس بالمسوح والرماد ونطلب من ربّ العباد أن يغفرَ لنا ويعيننا على الخروج من فم الحوت الطاغي، هذا الحيوان الكاسر الجديد المتمثل بعصابات داعش السلفية والجهادية الجديدة التي كادت تغزو العالم، فيما الدول العظمى تتفرّج على المأساة التي جلبتها أياديها الينا.
-   الرياء الذي يبرز هنا وهناك بحجة حماية المسيحيين، هو الذي يعمّق مبتغى التمتّع بهذه الحقوق.
-   حتّى إعلامُنا ليس موفقًا في طرح المشكلة والأزمة، بل إنه لا يرتقي إلى مستوى الجريمة المنهجية بحق الشعب المسيحي. وهو لم يثبت تحرَّره من عقدة الولاء لأولياء النعم وكيل المديح والإطراء والإشادة بشخوص هذا أو ذاك من المدّعين بالدفاع عن حقوقنا التي تراجعت من سيّء إلى أسوأ. نأسفُ أن يستغلّنا بعض هؤلاء الأدعياء بوسائل وطرق مشوّهة لا تمتُّ لأخلاقنا المسيحية والإيمانية.
-   لماذا تهمل بعض وسائل الإعلام وعدد من المواقع الالكترونية التابعة للمكوّن المسيحي بالذات، المستقلّين من ذوي الأفكار المستنيرة والمتفتّحة والصادقة التي تنشد البناء والتنمية وتستطيع المساهمة في رسم مستقبل واعد ومستقرّ للمسيحيين؟ فولاءُ هؤلاء المتنوّرين الشجعان، ليس إلاّ للوطن وللمكوّن المسيحيّ وليس لغيرهما.
-   أقول، حتى كردستان التي آوت وتأوي المسيحيين مشكورة، ليست بعيدة عن تفاقم الأزمة وعن مخطّط التهجير والتقسيم لأسباب قومية وتوسيعية بحتة، وإلاّ لكانت واجهت العصابات قبل دخولها الموصل.
-   بالمحصّلة، آن الأوان للإسراع بتشكيل مجلس مسيحيّ سياسيّ موحّد في خطابه وكلمته وقراراته التي لا ينبغي أن تحيد عن الرؤية الشاملة للكنيسة، دون أنّ يحاول البعض جرّ الرؤساء الروحيّين إلى لعبة المصالح السياسية التنظيمية والمادية. علينا إبقاءُ دورهم مرجعيًا محترَمًا في إطار الاستشارات التي تراعي المصلحة العليا لعموم مسيحيّي العراق وشعبه على أساس المواطنة والكفاءة وبعيدًا عن سفاهات المحاصصة التي تتعمّق يومًا بعد آخر، بالرغم من انتقادها من الجميع على السواء.
-   أليوم إمّا أن نكون أو لا نكون. وعلى هذا الأساس ينبغي أن نعمل جميعًا. فالبركة فيكم أيها الشباب الواعي. تمسكوا بالحيادية في تقدير الأشياء والنظر إلى الأحداث التي ينبغي أن تقرأوها بروية وبهداية الروح، وبالإيمان الممزوج بالرجاء والأمل.
-   تيقنوا ونحنُ معكم، أنه بالإيمان وعيش رسالة الإنجيل، كما يجب، استطاعت المسيحية قهرَ العالم.
-   أمّا الواقع الجغرافيّ والديمغرافيّ الراهن، فلن يغلبَ حقائق التاريخ أو يتمكّن منها.
-   المسيحيون لهم تاريخ ولهم جغرافيا... هم قلبُ الشرق وأساسُه وبناتُه وهم الأصلاءُ فيه. فإذا فقد الشرق هذا القلب سوف يتوقف نبضُه ويضمحلّ مع الزمن.
-   لنا أملٌ ولنا رجاء. كلاهما لم يموتا، حتى لو شكّك البعض في ذلك. واليوم نؤكد سويّةً اعتمادنا عليهما معًا.
-   الحمدُ لله أننا ما زلنا نحتفظ بشيءٍ من سمات هذا الإيمان وهذا الرجاء وهذا الأمل، وهي كفيلة بإنقاذنا وانتشالنا من المأساة والمصير الذي يحيطُ بنا ويهدّدً هويتَنا ووجودَنا.
-   دعاؤُنا من الرب يسوع أن ينجينا من محنتنا بجاه والدته التي حفظت الموصل من تدمير موجات الجوج والماجوج قبل قرونٍ خلت، ولكنها لم تتدخل هذه المرّة. لماذا؟ إسألوها، إذا شئتُم.
-   أخيرًا، لنردّد معًا: راجعين إليكِ ياموصل.. راجعين إليكِ ياموصل.. راجعين إليكِ ياموصل..


لويس إقليمس
 بغداد، في 1 آب 2014

24
بغديدا - قرقوش في قلب الحدث
لويس إقليمس

بعد سقوط الموصل في 10 حزيران المنصرم، دخلتْ قرقوش/ بغديدا هي الأخرى، بتاريخ الأربعاء 25 حزيران 2014 في مأساة كبيرة لا تُحسدُ عليها، أعادتها إلى حقبة هجمات التتار والمغول والعصمليّة (العثمانيين)، الذين كانوا يدمّرون ما تقع عليه أياديهم القذرة وإراداتُهم الجامحة وأحقادُهم الكريهة ضدّ كلِّ ما يصادفونه من بشر ومادة وحجر. فهي اليوم بين نارين، تمامًا كما توقعناه ورآه غيرُنا في وقت سابق، بعد أنْ أُقحمتْ في صراعٍ كرديّ-عربيّ، لا ناقة لأهلها فيه ولا جمل. الواقع الجديد إذن وبسببٍ من ضعف الحكومة المركزية وخوار عزيمة الجيش الوطنيَ، جعلَها تقبع حائرة بين مطرقة تنظيمات مسلحة مجهولة الهوية والأصل تناغمت في غيّها مع أبناء عشائر عربية على محيطها من ناقمين وقساة رقابٍ وحاقدي حالٍ وضيّقي فكرٍ، وبين سندان الكرد الطامعين في موقعها وأهلِها. ومن حق أبناء بغديدا، أن يخشوا تكرار ذات السيناريوهات التاريخية السوداء السابقة وذات المآسي والجرائم التي اقترفتْ في غفلة من التاريخ، على أيدي برابرة جدد من "داعش" ومِن تنظيمات مسلّحة همجية ترتمي بين جناحيها. فبعد إسقاط هذه التنظيمات الترويعية والترهيبية مدينة نينوى العظيمة في ساعات، يُخشى منهم أن يعيثوا في أرض بغديدا ومقترباتها وغيرها فسادًا وقتلاً وبطشًا وتدميرًا وفرضًا لأحكامٍ لا تنسجم مع طبيعة أهلها في التعدّدية الدينية والإتنية واللغوية والقومية.
قد يقول قائل، إذا كانت محافظة نينوى بكلّ قواتها المتكونة من ثلاث فرق من الأجهزة الأمنية والعسكرية المختلفة، لم تستطع الصدّ والردّ والمقاومة لأسبابٍ ما تزالُ غير واضحة ويعتمرُها اللغز والأسرار التي تعشعش في كواليس إدارتها السابقة وملفات الحكومة الفيدرالية ونوايا قوات البيشمركة التي تحيط بها انطلاقًا من مبدأ مناطق عديدة متنازَع عليها، فكيف بأهاليها وبنيها من الذين يمسكون بأهداب ما تُسمّى بحراسات بغديدا الهزيلة، أن يقاوموا ويصمدوا بوجه هذا العدوّ العاتي؟ والجواب آتٍ كالسؤال، حيث الإثنان يتلاحمان وينسجمان حينًا، وقد ينسف أحدهما الآخر في ذات الوقت، نظرًا لاختلاف الرؤى وتباين النوايا لدى مَن يمسكون الأرضَ أو مَن يبغون بها شرًّا أو هدفًا طيَّ الكتمان.

خلوّ المنطقة مِن قواتٍ نظامية
بدءًا نقول، إنّ مَن أعاق دخول قوّة للجيش الوطنيّ منذ السقوط في 2003، تكون مرتبطة بالحكومة المركزية أو حتّى تشكيلَ فوجٍ مختصّ من أهالي المنطقة مدرَّب تدريبًا وطنيًا وعقائديًا لحماية المنطقة، يتحمّل هو نفسُه المسؤولية الكاملة برفض ذلك المقترح والقرار الصادر من الجهات ذات الصلة. وهي ذات الجهة المغرضة التي أوكلَت نفسَها مهمّة حماية سهل نينوى، متمثلةً ب"المجلس الشعبيّ" الذي خرجَ للمجتمع المسيحيّ كمدّعٍ أوحد وجامعٍ وحامي حمى المسيحيين، باتكائه على حكومة إقليم كردستان المموِلة لأنشطته من أجل تنفيذ أجندة قيادة هذا الأخير، الطامع بأراضي سهل نينوى علنًا، وبالذات مناطق تواجد المسيحيين. لقد اجتهد المجلس المذكور وبتوجيهٍ مباشرٍ من جهاتٍ معينة بحكومة الإقليم أو بغيرها، بقطع أوصال السهل عن الحكومة المحليّة والمركزية على السواء، سواءً بالترغيب أو بالترهيب أو بإطلاق الوعود وتحرير الصكوك ومنح الامتيازات وشراء الذمم، التي لم ينجُ مِن مخالبِها حتى بعضُ رجال الدّين والكنيسة، سواءً بالتورّط بأجندتِها مباشرة أو بالسكوت عمّا يجري أو بالتغطية على عامليها والناشطين فيها أو بمباركتها في أحيانٍ أخرى في لقاءات تشاورية مريبة تجري في دهاليز القصور والفلل الفارهة.
لقد أثبتت المحنة الأخيرة، أنّ أفراد الحراسات التي تبنّاها "المجلس الشعبيّ" تمويلاً وتوجيهًا وما يزال، ترشّحت عن كونِها مجرَّد أدوات أو واجهة أو ديكورٍ يتمّ استغلالُه وقت الحاجة وعند الضرورة لتأليب المنتسبين إليها أو توجيههم نحو هدفٍ مقصودٍ يتمثل بضمان دعمهم وكسب أصواتِهم وأصوات عائلاتهم وأقربائهم في صناديق الاقتراع التي تضفي لهم الشرعيّة بالعمل في مناطقَ ليسَ لأسياد هذا المجلس الحقّ بدخولها والتحكم بها ومصادرة رأي أبنائها في كلّ شاردة وواردة. إنّي لأعجبُ، كيف يحتملُ رجالُ بغديدا وسيداتُها وعشائرُهم، مثل هذا الذلّ بالخضوع دومًا للغريب القادم من خارج الأسوار ومِنْ غير أهلِهم وأبناء منطقتهم. ولكن، يبدو أنّ الأمر سيّان. إذ عند اللّاأُبالي والباحث عن لقمة العيش كيفما كانت ومِن أينما تأتي، لا فرقَ فيهما. وهذه مأساةٌ كبرى! فمتى يستفيق الأحرار من هذا السبات الذي يُعدُّ فيه كلُّ غريبٍ أفضلَ مِن ابن القرية وابن المنطقة وابنِ البلد؟؟؟ وهل حقًا أنّ مغنّيَ الحيّ لا يُطرب؟ ألمْ يقمْ بيننا بعدُ سادةُ قومٍ لهم كلمتُهم الفصلُ ولهم الشجاعة لقول كلمة "لا" لكلّ مَن هبَّ ودبَّ واخترق أسوار البلدة ليفرضَ كلمتَه وأوامرَ أسيادِه على أهلِها وبنيها وبناتِها ويضع حدّأ للمتخاذلين وبائعي أراضيها وإرادة أبنائها لكلّ قادمٍ غريب؟
قد يكون كلامي قاسيًا بعض الشيء. ولكنّي تألمتُ كثيرًا وسكبتْ عيوني دموعًا، شاهدها مَن يشاركني العمل في المكتب الذي أعملُ فيه، حينما اطّلعتُ على حجم مأساة النزوح يوم الأربعاء الأسود ذاك وما بعده. والأنكى من ذلك، حينما سمعتُ بتسريح ما تُسمّى بحراسات بغديدا الذين انهزموا متخاذلين مرعوبين مع بدء أصوات قرقعة النيران والإشاعات الأولية التي رافقتها، ما حدا بأفرادِها لترك السلاح والفوز بأوّل فرصة لمغادرة البلدة التي خلت في ظرف ساعاتٍ من معظم ساكنيها في اليوم الأول للأحداث وأكملتها في اليوم الثاني، لحين هدوء العاصفة في اليوم الثالث، مقتفين أثر مَنْ يدّعون أنفسَهم أسيادَ البلدة وزعماءَها وممثليها، إداريًا وحزبيًا ونيابيًا ودينيًا، إلاّ مِن قلّة قليلة.



مواقف وحقائق
معادنُ الرجال تخرجُها فعالُهم على الأرض، وقت الشدّة والحسم والأزمات!
ما يدعو للفخر والاعتزاز، بقاءُ الراعي قريبًا من رعيّته حينما تحيطُها ذئابٌ خاطفة تريد النيل من فلذات الأكباد، أبناء الرعيّة. فشجاعةُ المؤمن تأتي من شجاعة الراعي. لقد أثبت المطران بطرس موشي ومَن صمدَ معه من كهنة الرعية، هذه الحقيقة، حينما حرصوا على البقاء ثابتين على ما تبقى من الغنم الشارد الذي توجه في غالبيته من حيث لا يدري، نحو المجهول. ولقد كانَ لحرص المطران الشديد، بإدارة مفاوضات عسيرة بين الأطراف المتنازعة، الأثر البالغ في التخفيف عن المعاناة الكبيرة، بالرغم من عدم إفلاحه بالتالي بوأد الهجمة الشرسة التي كانت تهدّد البلدة وما حواليها بعواقب لا تُحمدُ عقباها، فيما لو لم تُصدّ بهجمة مقابلة من قوات البيشمركة التي تمسك الأرض منذ 2003. وبذلك، يكون من واجبها حماية المنطقة التي تحتلُّها منذ تلك الحقبة، بموجب الأعراف التي تحتّمها أشكالُ احتلال المناطق خارج الحدود. فيما تهاونت ذواتٌ تدّعي القيادة وأخرى في مواقع المسؤولية بهروبها من ساحة المعركة، إن صحّ التعبير، ولمْ تعدْ للبلدة إلاّ حبَا بالظهور والتبجّح مع قدوم رأس الكنيسة السريانية الأنطاكية الكاثوليكية البطريرك يوسف يونان الذي زار البلدة في وقفة تضامنية مع أهلها الذين يمثلون قلعة السريان في العالم. وهذه مواقف تُسجل للرجال على أشكالهم! وقد قالها لهم مؤنِّبًا، المعاون البطريركي في كلمته التضامنية: "موقعكم بين صفوف الشعب والناس وليس في الصفوف الأولى".
إنّي هنا، لست بصدد التعرّض لهذا الموضوع الشائك. ولكن للتوضيح ولقطع أشكال التدخّل بشأن مستقبل منطقة سهل نينوى، وبالذات قضاء الحمدانية ومركز بغديدا/ قرقوش التي أنتمي إليها، هناك حقيقة ينبغي أن يعرفها مَن يريد إبداء الرأي أو تقديم مقترح أو إقحام جهاتٍ لا تنتمي إلى السهل في رسم مستقبلها. إنّ منطقة سهل نينوى بالكامل، مزيجٌ من مكوّنات متعدّدة: مسيحييون بطقوس وملل مختلفة، وإيزيديون وشبك سنةّ وشيعة، وعرب سنةّ وشيعة، وصارليّة وكاكائيون وتركمان وعدد من الأكراد على تخوم محافظة نينوى وما سواهم. هذا السهل محتلٌّ عسكريًا وأمنيًّا من قبل حكومة كردستان منذ السقوط في 2003، مع بقائه مرتبطًا إداريًا بالحكومة المحلية. وقد بقي مهمَّشًا من الحكومة المحلية والمركزية لغاية فترة السنتين الأخيرتين، حينما شملُته مشاريع بدائية لأوّل مرة، ومنها، مشروع مياه الصرف الصحّي "الفاشل" بامتياز، في عدد من بلداته. أمّا مشروع معالجة المياه القائم منذ سنوات في "السلاّمية"، فقد شابَهُ العديد من المعوّقات في السابق، وهو اليوم معطّلٌ عن العمل بسبب العمليات العسكرية القائمة والوضع الحرج الراهن بسبب انقطاع الكهرباء والوقود عنه تمامًا، ما جعل المنطقة بأسرها محرومة من هاتين النعمتين بالتمام والكمال. وما يقوم به أبناؤُها البررة لتفادي الكارثة الكبيرة، ليس سوى إيفاء دينٍ لها عليهم، بغضّ النظر عن الجهات المساهمة والمتعهدة التي تقف وراء مشروعٍ بديلٍ لتجهيز الماء الصافي لأهاليها. فالجميع هنا، رزحوا تحت نير كارثة، كان لابدّ من تجاوزها، من دون أنْ يُجيَّرَ هذا العمل لصالح جهة أو جهاتٍ لأغراض الدعاية والتبجّح والتعالي.

مصير السهل
ألجميعُ يعلم اليوم، أن مصير مناطق سهل نينوى على المحكّ في هذه الفترة الحرجة من تاريخ العراق. إذ حينما تهدأ الأوضاع الساخنة القائمة، بعون الله ودعاء المؤمنين ودعاة السلام والمحبة، وعودة كلّ ما هُدّم إلى نصابه، سيكون لأهالي المنطقة وقفة تاريخية حاسمة، لا تقبل الجدال، عندما يقرّرون مصيرَهم بإبقاء ارتباطهم بحكومة المركز أو التفكير بالانضمام إلى حكومة الإقليم، دون ضغوط أو إكراهٍ. ففي حالة استمرار تردّي الأوضاع وتواصل إهمال المنطقة من جانب الحكومة المركزية والمحلية على السواء، سيكون من المنطقيّ أن يُصار إلى تفكير جدّيٍّ بتقرير المصير، الذي لنْ يكون سهلاً. فالضغوط الكبيرة من الجانب الكرديّ عبر أدواتِه في المنطقة، والعُقَد المادّية التي يتحكمون بها، وضحالة الشخصيات القيادية لدى أبناء المنطقة، وتبعيّة العديدين ممّن يدّعون القيادة وعمل السياسة ونفرٍ من رجال الدّين المغرضين أصحاب المصالح الذاتيّة، كلّ هذه وعوامل أخرى جانبية من أحزاب ومنظمات ورجال كنيسة سيجعلون المهمّة عسيرة لدى تقرير الأفضل والأنسب والأحسن لأبناء المنطقة.
أمّا سياسة الأمر الواقع التي تتحدّث عنها جهات محلية أو من الإقليم ومعها وأمامَها أبواقٌ مستفيدة من هذا الوضع، فهي ليست ولن تكون في صالح الجميع. ليس بهذه الطرق تُبنى البلدان، ولا بهذه الديمقراطيات الزائفة تُعالج المشاكل. وليس سوى بالحوار والاتفاق والجلوس على مائدة المفاوضات والتفاهم، تأتي الحلول المبتغاة والمقبولة من الجميع. وأنا سأكون أوّل مَن يطالب بالانضمام إلى كردستان، في حالة تواني الدولة الفيدرالية الاتحادية والمحليّة وتقاعسهما عن تلبية مطالب المنطقة وتطوير السهل وتنمية موارده وازدهاره، ليس بالقوّة والسبل الملتوية، بل بالقناعة والدراسة والتحليل للمستجدّات ووجود رؤية صائبة لآفاق المستقبل وضمان مصير المنطقة من عبث العابثين. وفي كلّ الأحوال، لنْ يكون هناك استغلالٌ للحال، سواءً بهذا أو ذاك، من قبل جهاتٍ مغتربة وغريبة قادمة من خارج أسوار أهل المنطقة، كما يجري حاليًا. ولو حصل الانضمامُ أو عكسُه، فكلُّ ما ترشّح من الفوضى بعد 2003 واجتياح وتكالب الغرباء، سيوقَفُ عند حدّه، ولن يقبل أهلُ المنطقة أَن يُساقوا خانعين من دون إرادة وموقف ورأي مستقلّ! ولكن، هذا لن يكون مقبولاً إلاّ حين عودة الأمور إلى نصابها وبسط الدولة الفدرالية سيطرتَها على كامل أرض الوطن، بإذن الله، في ظلّ حكومة رشيدة، عادلة، واعية، غير طائفية وغير حاقدة على مكوّنات مختلفة معها في الرؤية والمنهج والمذهب، عندما تتخذ من المواطنة والولاء للوطن هدايةً ومنهجًا وهدفًا.
 لقد كانت للمسيحيين تجربة سابقة عبر التاريخ مع المكوّن الكردي حيالَ اعتداءات متكرّرة على قرى وأراضي ومناطق وأديرة وكنائس في شمال العراق (كردستان حاليًا) لمْ تُحسم لغاية الساعة. وماتزال القيادة الكردية اليوم تماطلُ أيضًا بإعادة المئات من تلك القرى وآلاف الدونمات التي تمّت السيطرة عليها بطرق ملتوية، كما حصل مثلاً لعينكاوا بالاستيلاء على عقاراتها والترويج لاستثمارات فيها بهدف التغيير الديمغرافيّ. كما أنّ ما ادّعاه الموالون للكرد وما يزالون في أدبياتهم وتصريحاتهم مِن تفهّم القيادة الكردية لموضوع حقّ المسيحيين بالحكم الذاتيّ في البلدات والقرى التي يتواجدون فيها في كردستان بالذات، لم يتحرّك قيدَ أنملة رغم المناداة به والتطبيل له من قبل ما يُسمّى ب"تجمّع القوى المسيحية" الذي يقوده "المجلس الشعبيّ". بل هناك أصواتٌ طفت على السطح في هذه الأيام، صادرة من أبواق موالية قابعة في دول الاغتراب، تبشّر المسيحيين بقرب تحقيق هذه الأمنية في منطقة سهل نينوى، وكأنّهم أوصياء على مناطق هذا السهل. ولماذا لا يحوّلون هذا الحرص بالحكم الذاتيّ إلى واقع وحقيقة في القرى المسيحية التي يعجّ بها كردستان؟ فهذه أقرب إلى تحقيق ذلك الحلم الورديّ، سيّما وأنّ هؤلاء المدّعين يتبجّحون بامتلاكهم باعًا طويلة في دهاليز الإقليم وبقربهم من قياداته المتنفّذة. مَن يا ترى خوّلّ هؤلاء التحدّث باسم سكنة مناطق هذا السهل وأهله الأصلاء فيه؟ إنْ أمثالُ هؤلاء إلاّ شرذمة من الخائبين القابعين في دول العمّ سام الذي خرّب الوطن وفتّتَ نسيجَه وأوصله إلى حالته التي يُرثى لها اليوم، وهو على شفير حربٍ أهلية طائفية بسبب مشاريع هذا المحتلّ الجبّار القاسي الذي لا يعرف غيرَ لغة مصالحه القومية والدولار فحسب. فما يجري من تدمير لرموز مدينة الموصل وتراثها وكنائسها وجوامعها ومراقدها، أمام أعين وأنظار المجتمع الدولي المتفرّج والصامت، خيرُ دليلٍ على عدم مبالاة الغازي الأمريكي، ليس لمستقبل المسيحيّين فحسب بل لعموم الشعب العراقيّ.
في ضوء ذات السياق، لن يكون في صالح هذا السهل سوى الالتجاء إلى المجتمع الدوليّ لجعله منطقة آمنةً، تمامًا كما تصرّف وتجاوبَ مع طموحات الشعب الكرديّ إبّان محنتِه التي وقفَ غالبيةُ الشعب العراقيّ إلى جانبهم، ومنهم نحن المسيحيين. إن الوضع الرّاهن يتطلّبُ من الإخوة الأكراد وقياداتهم أن يقفوا إلى صفّ مطالب السهل المشروعة بالأمن والسلام والتنمية والحماية، وليس بممارسة الإكراه والتهديد عبر الأدوات المستخدمة لترويع الناس وإرغامهم للقبول بما لا يرغبون به، لتعارض النية مع واقع الحال وحقائق الجغرافيا والتاريخ. فالمنطقة تاريخيًا آشورية (ليس القصد مَن يدّعي الآشورية المسيحية)، واليوم تدين بثقافة عربية في ضوء نوعية العشائر والقرى العربية والمسيحية والشبكية التي تحيط بها، ولا علاقة لها مع الطابع الكرديّ أو ثقافته، لا من قريبٍ ولا مِن بعيد! كما أنّ لغة المسيحيين فيها سريانية وعربية، كما هي حال الشبك جيرانهم ونفرٍ من التركمان والإيزيدية وأقلّيات أخرى، من الذين لديهم لغاتُهم الخاصة بهم إلى جانب العربية. من هنا، نعتقد أن تقرير مصير السهل لا يمكن أن يأتي عبر التمنيات والقرارات المستعجلة في ضوء الفوضى الخلاّقة التي أوجدَها المحتلّ الأمريكي وأدواتُه في العراق ومنطقة الشرق الأوسط عمومًا، بهدف تجزئة البلد ورسم خارطة جديدة تُسهّل عليه سرقة ثرواته واستعباد العباد بأساليب جديدة وطرق عديدة.
باختصار، ما يلزمُنا في المرحلة الراهنة، أن نتخذ من بلدتنا بغديدا ـ قرقوش، التي تتوجّه الكثير من الأنظارَ نحوَها، أن يكون لها الأولوية في همومنا وأفكارنا ومشاريعنا ووساطاتنا وأنشطتنا مع الدوائر المعنيّة والمنظمات الدولية، وأن يتقدّم ذلك على كل انتماء أو موالاة أو مصلحة ضيّقة وشخصيّة. وليس مقبولاً بعدُ، أن يحدّدَ الأغرابُ مصيرَها ويتحدثوا باسمها وكيف يجب أن تكون أو أن تؤول. فنحن أدرى بمستقبلنا ونحن فقط مَن يقرّر ما يناسب الوضع الراهن مع السابق واللاّحق. وفي قوادم الأيام، كما سبق وقلتُ في مقالة سابقة (السقوط الكبير)، سيعود كلّ شيء لحاله: الطيرُ لعشِّه والحيوانُ لجحره والإنسانُ لأرضِه والغريبُ بدعوات الحفاظ على مسمّى القوميّة سيُطردُ ليعود خائبًا بما أتى به أو جاء من أجله لتنفيذ مشاريع تمزيقية وتفتيتية وتجزيئية لأسيادِه ودافعي أرزاقِه. أمّا أهلُ المنطقة، فسيحتفظون دومًا بعلاقة طيبة مع إخوتهم الأكراد، تمامًا كما هي مع العرب وغيرهم. بل سيعزّزون هذه العلاقة مع الشعب الكرديّ، بعد استتباب الأوضاع وعودة السلام والأمان، سواء بالانضمام إلى كردستان أو بعدمه. كما لن ينسوا مواقف قياداتهم الإيجابية، حتى لو خابَ ظنُّ هذه القيادة، بسبب عدم التجانس والتقاطع في مواقف وأهداف ونوايا وإرادات. والغد لناظره قريب!

لويس إقليمس
10 تموز 2014


25
إشكاليّة البكاء على الأطلال

لويس إقليمس

قائمة الإنسان في الزمان والمكان، تُحسب بمدى تفاعله ونشاطه وسط المجتمع الذي يعيش فيه وينتمي إليه وليس بما كان عليه آباؤه وأجدادُه القدامى، أيامَ زمان. إذ لا يُعقل لإنسان عاقل وهو في زمن العولمة المتسارع الحركة أن يجلس مثنيَّ الركبتين في الأزقة والشوارع أو أن يتسامر، في وقته أو في غيره، في النوادي والمقاهي، كمَن لا شغلَ لديه ولا عملَ، سوى الإتيان بحكايات أيام زمان والتغنّي بأمجادِ الأسلافِ، وكأنها ديدنُه في الحياة. فالأمم المتحضّرة لا تبكي على الأطلال، والإنسان السويّ مَن يتعامل مع الزمان والمكان بإرادة حرّة متطورة وطاقة متجدّدة، لا تقبل العودة إلى الماضي، إلاّ للاستفادة من دروسه والاتعاظ من الكبوات والهفواتِ، وما أكثرَها لو جُمعت! فهو يأخذ من الماضي ولا يعود إليه للعيش في ذات الزمان والمكان، إلاّ لاكتساب الخبرة منه وأخذ العبرة من عظمته والإنجازات المتحققة منه آنذاك لأجل العبور بها نحو الأفضل، وليس إلى الأسوأ.
ذاتُ المنطق ينطبق إذن، على المفاهيم الاجتماعية والدينية والاقتصادية والسياسيّة وما إليها من مشاغل الحياة الكثيرة وهمومِها وسط الهرج والمرج الذي يطغى على عالم اليوم. فيا بئس هذا العالم وروّادِه عندما يفقد هؤلاء طعمَ الحياة الطبيعية ويُخلّون بالنظام الذي جبلَه لهم الله الخالق، كي يسعدوا في الفردوس الموعود الذي لم يحترموا قدسيّتَه ولا خالقَه، فأضاعوا المشيتين معًا وخسروا الدنيا والآخرة.
مَن استغلَّ ويستغلُّ الدّين لشهوة عابرة أو لرغبةٍ دنيئة أو مصلحةٍ ضيّقة، فإنّما يحكم على نفسه بالخروج على قانون الله وطاعتِه. فالله لم يخلق البشرية إلاّ لتنعم بالأرض التي وضعها تحت تصرّف أبنائها حينَ أقامَهم أولياء وأربابًا على ما فيها لمدح اسمه القدّوس وللعيش إخوةً على اختلاف المشارب والتكوينات والأشكال والألوان. فالعلاقة بين الله والبشر، أمرٌ شخصيٌّ. وطالما أنّ المخلوق لا يخرج عن معصية الخالق، فهو حرٌّ في تصرّفه، شريطةَ ألاّ يزيغ عن طريق الصلاح ويخلط الأوراق ويؤذي غيرَه من البشر. إذا كنتَ تريد أن تكون متديّنًا تعبدُ الربّ الذي تهواه، فأنتَ حرّ، ولا إكراهَ لغيرِك عليكَ، كما لا إكراهَ منك على غيرِك، ما دمتَ لا تتجاوزَ حدود غيرِك وتسلبُه حرّيَته وتعيقُ خياراتِه. وبذلك يبقى الدّينُ والصلاة والتعبّدُ لله، أيّ إله، من شأن خيارات البشر، ومن ثمَّ لا يمكنُ فرضُه عليه وعلى سواهُ.
تصرّفات نفرٍ من المتشدّدين الذين ابتلي بهم العالم في زمن العولمة الجديد، واكتوت بهم البشرية جمعاء، قد أساءت إلى دين هؤلاء المعاندين الذين يفرضون شكلَ العبادة على أتباعهم في الدّين وعلى مَن هُمْ خارجَه على السواء، بموجب مقاساتهم ومفاهيمهم وأمراضهم. فهم أثبتوا أّنهم لا يمتّون إلى الحضارة بصلة، بل يعودون في تركيبتهم إلى عصور الظلام والهمجية.  وبالرغم مِن أنّ الله خلقَ الإنسان حرًّا ودعاه للصلاح وفعل الخير، إلاّ أنّ هذا النفر الضالّ الذي طفا على السطح بفعل فاعل وبتحريض مَن نشزوا عن المألوف وما أتى به الدّينُ الإسلاميّ الحنيف، فهو لا يقبل أيَّ تصوّر آخر خارجَ ما يعتقدُه في السلف الآفِل منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا خلت، فيها كانت الإبل والماشية سيدّة الصحراء وحادية الطرقات والأزقة وعابرةً الأرض، وقد كانت هذه هي الأخرى بلا حدود. والعجيب في أمر هؤلاء أنّهم مِن أوائل مَن يستخدمون أكثر الأجهزة والأدوات تطوّرًا ويفتكون بالناس الآمنين بأكثر الأسلحة فتكًا، بالرغم مِن أنها من صنع مَن يُتّهمون بأدوات الكفر والخارجين عن دين السلف. إذا كان هؤلاء مِن دعاة السلف الصالح إلى هذا الحدّ، لماذا لا يستخدمون إذن أسلحةَ وأدوات الأمس وبيوتَ الشَعر، تمامًا كما كانوا بالأمس شاردين في صحاري الحياة الآيلة، بدل الاستيلاء على أفخم القصور والسطو على أعلى البنايات ووضع اليد على المصارف ومحطات النفط والتصفية وسائر المشاريع المتقدمة التي تخدم المجتمعات الراقية؟ أليسَ في هذا تناقضٌ واضح ما بين السبب والنتيجة، وبين التبرير والهدف، وبين القول والفعل؟

الوطنُ للجميع

عراق اليوم، ليس ملكًا لأحد، كما لم يكنْ مسجلاً "طابو" لأحد. فهو بلد السلف الصالح كما هو بلد الخلف الحاضر، بجميع التلاوين والأديان والقوميات. هو عراق الكرد والعرب والتركمان، سنّةً وشيعةً، كما هو عراق الإيزيديين والمسيحيين من سريان وأرمن وآشوريين وكلدان وسواهم، وهو بلدُ الصابئة والكاكائيين واليهود والشبك والغجر والفيليّين وسواهم أيضًا. لذا، ليس مِن حقِّ أيّ مكوّنٍ أن يدّعي امتلاكَه بما فيه من بشر ومادة وثروات لصالح مكوّنه ودينه ومذهبه وعشيرته وعائلته. فالأفضل في عيون الوطن والشعب، مَن يحرص على وحدة ترابه ونسيجه ومَن يجهد لأجل تطويره وإنقاذه مِن مأساته التي طالت وحالت دون تقدّمه وتمتّع أبنائه بخيراتِه الوفيرة التي لم يحظى بها أبدًا، بل كانت حلالاً لغيره وحرامًا عليه. ف"الفتى مَن قال ها أنذا وليس الفتى مَن قالَ كانَ أبي"، كما يقول الشاعر. الوجوه تزول وتندثر وتُنسى، ولا يبقى منها سوى ذكريات وتاريخٍ يُسطّرُ لهم نجاحَهم وفشلَهم، صلاحَهم وخبثَهم، وطنيّتَهم وطائفيّتَهم، أمانتَهم وخيانتَهم، تضحيتَهم واستغلالَهم لغيرهم ولوطنهم ولظروفه. لكنَّ الوطن باقٍ، كما أنّ جبالَه وسهولَه وروابيه وماءه وهواءه وسماءَه جميعُها باقية تشهدُ على عظمة تاريخِه وتراثِه وناسِه، ليس من أجل البكاء على أطلالِها وضرب الكفّ بالكفّ، بل لاستلهام العبر والدروس والسعي للأفضل بالخروج من الأزمة التي حصرتْهُ فيها جهاتٌ دولية وإقليمية عديدة بالتعاون أو بالتهاون مع نفرٍ ضالٍ من أهِلهِ الذي ارتضوا بيعَه ب"ثلاثين من الفضة" ثمنًا للخيانة. قد تخسر حبيبًا وتسبدلُه بآخر في وقت لاحق، أو تفقد حليةً أو شيئًا ثمينًا ثمَّ تجدهُ بعد حين، لكنْ مَنْ يفقد وطنَه وأرضَه و أهلَهُ وأصدقاءه، فهذه غير قابلة الاسترجاع، لأنَّ بدائلَها غير أصيلة وإنّما مصطنعة.
حضارةُ العراق الموغلة في قِدم التاريلخ جميلةٌ، وهي قد تشهد لبطولات السلف في أوانها وظروفها، كما تشهد لهم في ذات الوقت، بإخفاقات عديدة ومؤلمة أيضًا. فما نعاينُهُ اليوم قد يعيدُنا إلى جزئيات ذات التاريخ. وهذه وتلك قد تتشابه في بعضٍ منها، لأنّ التاريخ يعيد نفسَه أحيانًا. إلاّ أنّ الاستمرار بالبكاء عليه قد يعني الانجرار إلى مآسٍ وويلات قابلة العودة والتجدّد في الوقت والزمان أيضًا. وهذا ما نحصدُه مِن خلف ابتلائِنا بمثل هذه العقليات المتخلّفة الموسومة بالفشل والتراجع لذات السبب الذي يشكّل المأزق الذي وقعنا فيه اليوم. فالجماعات التي ترفض التجدّد والتطوّر والتمدّن، هي ذاتُها التي أودت بحياة شعوبِها وقادت أممَها إلى التراجع في اصطفافها عالميًا، لأنها رفضت الانسجام مع التطوّر والتفاعل مع الحياة المتجدّدة والقبول باختلاف الآخر وبحقه في الوجود في الزمان والمكان.
فهلْ مِن مستجيبٍ لمراجعة الحياة واختيار الأنسب والأفضل لمصلحة البيت والمجتمع والوطن؟

لويس إقليمس
بغداد، في 9 تموز 2014


26
تبًّا للمتعصّبين دينيًّا وقوميًّا
لويس إقليمس
يُخطئ مَن يعتقد أنّ الإيغال في التمسّك بأهداب الماضي قد يأتي بنتيجة إيجابية. بل ربّما، العكس صحيحٌ أيضًا، إذا لم يحسن الإنسان كيفية الاستفادة من عِبَر التاريخ ولواعجه وشجونِه. فقد أثبتت الحياة، أنّ مثل هذا التزمّت وهذا التشدّد على حساب تدفّق الحياة على نوافذها المفتوحة الكثيرة ستكون وبالاً على سالكيها. رأينا بأمّ أعيننا ما آل إليه الوضع حيث التشدّد الدّينيّ يلقي بظلالِه في منطقة أو دولة أو بلدةٍ بحدّ ذاتها، وكيف تختلف الأوضاع في هذه مقارنة مع غيرها خارج هذا الإطار الضيّق.
في هذا الظرف بالذات، فإنّ كلَّ مَن يتحدّث أو ينساق للحديث عن أشكال التشدّد الدّينيّ كما القوميّ والإتنيّ والدعوة أو التأييد له، فهو مغالٍ إلى حدّ التطرّف والكفر بنعمة الحرّية، حرّية الحياة وهبة الفكر والعقل، التي أنعم اللهُ بها على بني البشر أجمعين. إنّ عبادة الله لا تُبنى بآيات التكفير وصياحات التكبير اثناء قتل الأبرياء ولا بأسواط الجلد ولا بأدوات التشدّد التي يتّبعها أصحابُ الفكر الضالّ، من أيّة ملّة أو طائفة. كما أنّ الأوطان لا تُبنى بعقليات المضلِّلين والتكفيريّين والمتعصّبين بالدّين والقوميّة.
في أوساط الشعب المسيحيّ أيضًا، ما زال البعض يرتكن إلى شيء من الماضي، ربّما كان له ماوجود في ظرف "زمكانيّ" معيّن، إلاّ أنّه ليس بالضرورة أن يكون الأصلح والأصحّ والحقيقيّ، في ذلك الزمان وذلك المكان. هناك مَن ينادي ويستقتل لاستدعاء زمن الدولة الآشوريّة، وكأنّ الاشوريةَ كانت ملكًا للمسيحيّين حصرًا قبل ستة آلاف أو سبعة آلاف سنة خلتْ دون غيرهم، في حين أنّ المسيحية لا يزيد عمرُها عن ألفي سنة ونيّفٍ. ثمّ، مَن ذا الذي يستطيع تحديد الأصل النظيف والطاهر لأسلاف الدولة الاشوريّة الآيلة المعنيّة. ألا يمكن القول، بل الجزم، مِن باب التاريخ المفتوح أن كلّ العراقيّين ومَن يجاورهم في الأرض والجغرافيا، هم أسلاف الآشورية كما هم أسلاف السومرية والأكدية والبابلية والآرامية وربّما غيرها ايضًا؟ قد يكفينا أيضًا، استدعاؤُنا للماضي ولأمجاد الدويلات المسيحية المشتّتة هنا وهناك التي لم تستطع الصمود بوجه الغزاة والطامعين فترة طويلة، كما لم تستطع تشكيل دولة موحدة قوية تحمي أتباع الدّين الجديد، منذ تحوّل شعوبٍ آرامية في المنطقة إلى النصرانية (المسيحية) مع بدء انتشار هذا الدّين في القرن الأول الميلاديّ. فقد بقيت الشعوب الآراميّة هذه والتي عُرفت بالسريان بعد تنصّرها، حبيسة مناطقها ولم تتمكّن من التطوّر والتوسّع، كما كانت الحال مع مملكتي المناذرة والغساسنة ور بما أخرياتٍ غيرهما، ولا نعرف أسباب ذلك بالتحديد.
إنّ صدور دعوات هنا وهناك بتشكيل دولة آشوريّة في منطقة سهل نينوى التي تدين بثقافة عربية منذ حقب زمنية طويلة، محض خرافة وانتحار سياسيّ ودينيّ و"قوميّ" معًا. والسبب واضح، لكونها في غالبيتها دعواتٌ قادمة من أناسٍ قد اتخذوا من المهاجر وبلدان الشتات منبرًا وملجأً يقتاتون منها، وليس لهم مِن شغل شاغلٍ سوى ركوب موجة البكاء على الأطلال واستدعاء ما يُسمّى بأمجاد الأمس التي لا تستقيم إلاّ في أفكار وعقول الحالمين في مرابع الغرب اللاّأدريّ والملحد واللاأباليّ، رغمَ أنّ الحلمَ واردٌ ومشروعٌ وقائمٌ عندما يكون في إنائه الصحيح! إلاّ أنّ المعادلات، ليست في محلّها ولا في قوائمها المضبوطة تاريخيًا ولا جغرافيًا ولا ديمغرافيًا. بل إنّ وقائع التاريخ والجغرافيا تتغيّر مع تتطوّر الزمن، ولا أحد يستطيع أن يوقف عجلتَهما، وتلكم طبيعة الحياة. فكلُّ شيء يبقى مرهونًا بالنسبيّة، ولا شيء ثابت أو مفروض، وإنّما الإيغال في التشدّد والتعصّب دلالةٌ على عدم وضوح الرؤية ووجود قصر نظر لطبيعة الحياة القائمة وللمستقبل. كما أنَّ مثل هذه الدعوات، إنّما تُثارُ أحيانًا لأغراض طائفية ضيّقة تريد ضربَ البنية الوطنية وإضعافَها وتسهيل السطو عليها بموجب أجندات مصدَّرة.

زمن القوميات ولّى
إنّ مَن يبحث اليوم عن أدواتٍ أو أصولٍ للقومية، عليه أن يدركَ أن زمنَ القوميّات لم يعدْ قائمًا، بعد أن دخلت مرحلة الاحتضار منذ فترة سقوط الدول والحكومات التي كانت تتعكّز عليها. وقد اكتوت الشعوب المقهورة في منطقتنا بالذات بسببها وما تزال عندما أوغل دعاتُها في التشدّد والتعصّب لها وبإدانة وتكفير وتخوين كلّ ما سواها. حاضرُ اليوم هو الناطق باسم الشعوب الحيّة وليس الدويلات المنقرضة أو القوميّات التي سادت ثمَّ بادت في غفلة من الزمن، وهي اليوم غير قابلة الإحياء، لأنّ زمانَها قد ولّى إلى غير رجعة، وبذلك انتهت مرحلتُها منذ سقوطها، سواءً بسبب عجزها أو لعدم صلاحيتها لتكون الأكسير الفعّال لشعوبٍ حيّة متحضّرة أقامت لها عناوين جديدة للحياة والحضارة القائمة والمتجدّدة بالرغم مِن إرادتنا.
إنَّ أية عملية بناء جديدة للأوطان والشعوب الناهضة، لا بدّ أن يتخلّله إجراء صعب وفاعل بتكوين ذات جديدة وليس بالعودة للماضي. فللماضي همومُه ولا يمكن له أن يكون خارطة طريق لمسار جديد متحضّر للشعوب إلاّ بقدر ما يستفيد من دروسٍ إيجابية من ذلك الماضي، ولا يعود لتكرار هفواتٍ وأخطاءَ، أضحت من الزمن الفائت. إنّ الزمن يتغيّر، يتقدم، يتطور، يتفاعل، لكنّه لا يرجع للماضي أبدًا.
مَن يختار شيئًا أو ينشد مصيرًا، إنما يريده قانونًا لنفسه ومستقبله. فلا أحد يرسم خارطة مستقبلٍ لسواهُ. اليوم، كلّ مَن يتحدّث عن القومية يقع ضمن خانة الطائفية. والطائفيّة أضحت سمة الفاسدين والمفلسين والمتلاعبين بمصائر الشعوب المغلوبة والمقهورة التي أصبحت تُباعُ وتُشترى في مزادات المساومات المحلية والإقليمية والدولية. وإنّ مَن يقبل على نفسه التحدّث بمفهوم القومية بالمعنى التجزيئيّ والانقساميّ، إنّما ينشد تقسيم المقسَّم أصلاً وتجزئة المجزَّأ في الأمّة. ألم نتعظ ممّا فعلَه الفعل الطائفيّ في المنطقة وفي العراق بالتحديد؟ أم ننتظر الكارثة اللاحقة التي قد تهلكُنا ونحن أحياء فاغرين أفواهَنا للسماء القاسية التي أمطرت علينا في لحظات خائبة من الزمن، تفاهاتٍ وسخافاتٍ مثل داعش ومَن يلوذُ تحت كنفها الإرهابيّ، وكادت توصل شعوبَ الأرض الهادئة إلى شفير حربٍ كونيّة قادمة، لا سمح الّله!
إنّ تشظية المجتمع بهذه الطريقة الطائفية وبحجة الحفاظ على الحقوق المذهبية والقومية، يعني تفكّك نسيجه وانهيار قيمه وقرب زوال مصيره. بذات المفهوم الخاطئ والنهج الطائفيّ المؤسف، يسير عراقُنا في هذه الأيام. هناك مَن اتفق ووافق وساندَ تفتيتَه وتقسيمَه على أساسٍ دينيّ وطائفيّ وقوميّ. وتلك كانت مصيبتُنا، عندما صدّق القائمون على الدّين والحكم معًا ما تناقلَه المغرضون والشامتون بالوطن وحضارته وأهلِه، وما زرعهُ هؤلاء وسط الناس من شكوكٍ بالتخوين والتخويف والتحذير بين أبناء الوطن الواحد المختلفين في الدّين والقومية والمذهب، رغمَ تعايشهم المشترك سحابةَ دهور، لحين تغلغل الفكر الشيطانيّ الغريب بفعل الغازي الأمريكي وأدواته.
أنا لستُ بالضدّ من تنوّع الأفكار والتشكيلات الحزبية والروابط المجتمعية والتنظيمات بكلّ اتجاهاتِها، عندما تكون لصالح الوطن والإنسان والشعب. إنّ هذه الأنشطة، تدلّ على حيوية الشعب وارتقائها لمستوى تطوّر العصر الذي آلتْ إليه. إلاّ أنَّ الخوف المحيق ببعض هذه، عندما تخرج عن إطارها الصحّي وتنزع إلى الانعزالية والانكفائية على الذات وتعدّ ما سواها خارجًا عن المشروع، إلاّ هي! لذا فالمتعصّبون قوميّا من أبناء شعبنا المسيحيّ أيضًا، لن يحصدوا غيرَ خيبة الأمل التي سيحصدُها في يومٍ من الأيام القوادم، وعساها قريبة جدّا، مجاميعُ المتشدّدين دينيًا من الذين يعيثون في الأرض فسادًا وتخشاهُم الجيوش الجرّارة وغيرُها من التي تفرّ كالفئران المذعورة من مجرّد السماع باسمها.
إنّ التشدّد سمة المفلسين، بسببٍ من أنّ أمثالهم يخشون السير في الطريق السالكة التي تتطلّع للإصلاح والبناء والتجدّد وللحياة الطبيعية التي رسمها اللهُ للإنسان منذ الخليقة. وإنّني لأعتبُ على نفرٍ من أبناء شعبنا، ممّن لا يزال يحاجُّ بدون دليلٍ أو إثباتٍ تاريخيّ، ما يسعى لإقناع غيرِه بفكرهٍ ورأيِه في مسألة قوميّتهم ولغتهم مثلاً. ففي الوقت الذي يعترف فيه العلماء والباحثون والمستشرقون ب"سريانية" أو "آراميّة" اللغة التي يتحدث بها شعبُنا المسيحي، نرى نفرًا متعصّبًا ممّن يثير تسمياتٍ أخرى، لا لشيْ إلاّ لأجل النشاز عن الركب والخروج عن اتفاق الكتب والأبحاث والأسفار. وهذا جزءٌ من ضعفنا، عندما يتحزّبُ نفرٌ لهذا الحزب أو ذاك الشخص أو تلك الطائفة بحسب المصالح وما تنالُه اليد والجيوب من فوائد ضيقة. إنّه لمن المؤسف أن ينساق المثقفون، أو المدّعون بالثقافة إلى مثل هذه الترّهات التي لا تغني ولا تفيد، بل تساهم في تعميق الانقسام وزيادة الحقد والكراهية. فما نقرأُه في أدوات التواصل الاجتماعيّ في كتابات أو ردود أحيانًا لدى مناقشة مثل هذه المواضيع الحسّاسة، وما يردُ فيها من تجاذبات وتنابس وتخوين بين أبناء الشعب الواحد، لا يسرُّ ولا ينمُّ عن شعورٍ بالمسؤولية أو رغبة جادّة بتقويم العمل الجمعيّ الذي ينشد وحدة الخطاب والكلمة والتقارب بين الإخوة.

في مركب واحد
هنا وفي هذا الوضع القائم، ما علينا سوى التذكير، أنّنا جميعًا في مركب قلق ومقلق واحد معًا، تتجاذبُه قوى شحن طائفيّ داخلية وخارجية. ولكوننا أبناء شعبٍ واحد هو الشعب المسيحيّ، وأبناء لغة واحدة هي اللغة السريانية/ الآرامية، وبناة حضارة عريقة هي الحضارة السريانية، وأصحاب تراث ثر وورثة ونقلة هذا التراث السريانيّ إلى المنطقة والعالم، فهذا يحتّمُ علينا وحدة الكلمة ورصّ الصفوف بدلَ تفتيتها وتعرية بعضنا البعض من دون منطق ولا إثبات، واحترام الخصوصية الثقافية للمحيط الذي تعيش فيه شرائح مهمّة مِن شعبنا في سهل نينوى. وعلى العقلاء، كبح جماح الأصوات الناشزة الصارخة التي تثير حفيظة المعتدلين وتسعى لدقّ الأسفين بين الإخوة وشقّ الصفوف من خلال نداءات تدعو لأفضلية جماعة على أخرى أو لأحقية هذه على غيرها باستخدام أدوات الدّين أحيانًا وإقحام الرئاسات الكنسية في أحيانٍ أخرى بأمورٍ هي من اهتمام العلمانيّين أصلاً.
أقول: كفانا بكاءً على الماضي، الذي لم ولنْ نحصد منه سوى خيبة الأمل والتخلّف والتراجع، بسبب انصباب الفكر والطاقات والجهود عليه وليس على الحاضر المرير والمستقبل الغامض. وإذا كان لنا، كما لغيرنا من الشعوب والأمم ماضٍ أثيل وحضارة عريقة أرست العلمَ والثقافة والعلوم وسط مجتمعات وأمم، فما علينا في ضوء هذه الحقيقة، إلاّ أن نسخّر هذا الماضي الجميل ونوجّهه من أجل الحاضر والمستقبل، لكونِه لم يكن يومًا امتيازاً لأحد أو لجهة دون سواها. فهذا واجبُنا في الانتقال من أيّ تعصّب إلى حقل العمل والبحث عن مرفأ أو مرافئ تبقي ما تبقّى من وجودنا وهويتنا وكياننا السريانيّ المسيحي في المنطقة، بمعناه الواسع وليس الحصريّ بطائفة معينة وعلى ضوء الحقيقة القائمة وليس الحالمة.
لذا، فلندع رجال الكنيسة يهتمّون بما عليهم من رسالة دينية واجتماعية وسياسية وسط المؤمنين ولمصلحة كنائسهم التي يتوالى فراغُها من صفوف المؤمنين، ليس بسبب الأحداث الساخنة فحسب، بل بسبب ابتعاد نفرٍ منهم عن روح هذه الرسالة التي أوكلت إليهم، وكذا بسبب فكر البعض الآخر المتوجّه صوب بلدان المهجر بحجة الخدمة فيها، والسبب تلك الرغبة الجامحة لترك الوطن وهمومِه وراءهم. كما لا نودّ ممّن آثروا البقاء وصمدوا من أجل خدمة الرعايا، أن يعملوا على الانكفاء على الذات وفي حدود كنائسهم والابتعاد عمّا يحصل في البلد وللعباد، لأنّ ذلك تهرُّبٌ من مسؤولية جسيمة يفرضُها الوضع الحرج الراهن. اذا لا بأس أن يكون هناك اهتمامٌ وتوجيه في شؤون السياسة، لأنّ "الخميرة القليلة تخمّر العجينة كلَّها". لستُ أقصد هنا، ما يبدرُ في أحيانٍ كثيرة من مجاملات غير مقصودة من نفرٍ من رجال دينٍ ممّن يسعون للعيش في جلباب غيرهم أو يتملّقون الساسة وأصحاب القرار ويقرعون أبواب الوجهاء والأغنياء، ليس للدفاع عن أبناء الرعايا وحقوقهم، بل في أغلب الأحيان يكون ذلك طمعًا بالوجاهة ونيل المآرب والمكارم وحبّ الظهور أمام الفضائيات ووسائل الإعلام. هذا الصنف من رجال الدّين، ليس ما يفيدنا ويشفي غليلَنا. إنّما المرغوب به، رجالٌ ذوات كاريزما وطنية ودينية ومجتمعية معًا قادرون على قول الحق وإشهار الاعتراض بوجه الظالمين دون خوفٍ أو خجلٍ أو مجاملة، تمامًا بموجب الوكالة التي مُنحوا إياها يوم وضع اليد والوديعة التي أتمنوا عليها كرعاة أمينين لغنمهم، يبعدون عنها الذئاب الخاطفة والعيون المتربصة.
 أمّا السياسيين المسيحيّين بكافة مشاربهم، فلا بدّ أن يسموا فوق المصالح الحزبية الضيّقة والشخصية المقيتة والتبعيّة الضالّة، لأنّهم واجهة الشعب السياسية وقدوتُها والمدافعون العنيدون عن مصالح هذا الشعب ومستقبل وجوده وضمان بقاء أبنائه حين حصول هؤلاء جميعًا على حقوقهم المدنية والسياسية غير المنقوصة وتمتّعهم بها كسائر مواطني باقي المكوّنات. وهذا الحرص من رجال السياسة أيضًا، يحتّم عليهم الأخذ بنصيحة رجال الكنيسة على اختلاف جماعاتها، وكذا الاستئناس بآراء العلمانيّين المستقلّين منهم في تنويرهم وإبداء ملاحظاتهم على ما يجري. فالكنيسة ما تزالُ تمسكُ بيدها مفاتيح كثيرة باعتبارها مؤسسة لها قوّتُها وحضورُها وفاعليّتُها وكلمتُها لدى السلطات والمؤمنين على السواء.
هنا، لابدّ من التنويه بضرورة عدم القبول بتجاوز نفرٍ متعصّبٍ من أبناء المهجر على حرية الجماعات الباقية والصامدة في البلد وفرض الرأي عليهم أو اتخاذ قرار باسمهم في دوائر خارجية، لأنّ هؤلاء بخروجهم وهجرتهم، كيفما كانت أو حصلت ولأيّ سبب كان، قد اختاروا قطع الحبل السرّي مع الأهل والأصدقاء والبلدة والكنيسة في داخل البلاد. لذا لن يُقبل أن يكون دورُهم تجاه أهل الداخل سوى في حدود التشاور وإبداء الرأي والنصح وحثّ مصادر القرار في الخارج لإيلاء اهتمام أكبر بأهل الداخل وحمل الجهات الرسمية لإنصافهم وفق مبدأ المواطنة العادلة. وبغير ذلك، يُعدّ ما تجاوزَ هذه الحدود تدخلاً في شؤون الجماعة الأمّ وخرقًا لحريّة مَن آثر البقاء والصمود لغاية الساعة. إنّ هذا الرأي ليسَ مدعاةً للنفور والاحتجاج من قبل مَن ما زالَ الحنين يساورهم لأرض الوطن، بقدر ما هو حكمة أو طلب أو نزعةٍ للتروّي فيما يُقالُ ويُكتب ويُنشر في مواقع التواصل الاجتماعيّ وفي الفضائيات ووسائل الإعلام. فنحنُ اليوم أحوج ما نكون للوقوف بوجه الهجمة الشرسة التي تستهدف باقي هويتنا وكياننا ووجودِنا. ولا مجال للمجاملة والمساومة على حساب الحقوق والهوية والوجود، مقابل حفنة من المغانم والامتيازات الخاصة التي ترد لمستفيدين من هنا وهناك على حساب قول كلمة الحقّ والموقف العنيد باستقلالية الهوية والكيان والرأي.


لويس إقليمس
بغداد، في 8 تموز 2014

27
السقوط الكبير والامتحان العسير
لويس إقليمس
بغداد، في 22 حزيران 2014

الأيام والأسابيع القادمة ستكون حبلى بالكثير من المفاجآت والفواجع الحاصلة مع سقوط مدينة الموصل. وهي كفيلة أيضًا، بفضح ما حصل من تواطؤ من جهاتٍ عديدة في الداخل ارتضت لنفسها الاشتراك في مؤامرة كبرى مع عناصر في الخارج، ضربت الهوية الوطنية عرض الحائط وساهمت بتفتيت الوحدة المجتمعية ومالت لصالح اتفاقات فئوية لغاية تقسم العراق، تمامًا كما كان مخطَّطًا له. أبطالُ هذه المؤامرة، منهم شركاء طامحون بمشروع توسّعي لا يعرف الحدود، وآخرون ناقمون على النهج الطائفيّ للحكومة الفاشلة لولايتين كاملتين، وتريد إتمامَها بثالثة بالضدّ من اعتراض قطاعات واسعة من الشعب ونخبة المثقفين وتنظيمات وأحزاب ومكوّنات انضمّت إلى قافلة الناقمين على الوضع المتردّي بخطورة. فالحكومة العراقية طيلة السنين الثمان المنصرمة، لم تثبت ولاءَها المطلَق للوطن وللمشروع الوطنيّ إلاّ بالكلام فقط. في حين أنّ الأعمال وكلَّ التصرّفات والتوجّهات مالت لصالح تأسيس المشروع الطائفيّ فكرًا وعملاً وتطبيقًا، من خلال استفزاز المكوّن السنّي وعدم حسم المشاكل المشتركة المعلّقة مع الحليف الكرديّ الطموح منذ عام 2006 ولغاية الساعة. 
لكنّ المخيف في التوجهات العتيدة، يكمن ببروز هيمنة إيرانية وشيكة على القرار السياسيّ العراقي، وهذا ما يمكن قراءتُه في رسائل الزجل والمجاملات بين الراعيّ الرئيسيّ "أمريكا" لشؤون العراق الذي قد يقدم على صفقة وشيكة مع غريمِه الشرقيّ بالمنطقة "إيران"، ضمن صفقة ثنائية وربّما ثلاثية ورباعيّة للخروج بتوليفة جديدة للحلّ في المنطقة الساخنة منذ 2003. فمع قدوم الرئيس الإصلاحيّ الجديد على رأس السلطة في إيران، أبدى استعداد بلاده للتفاوض والتعاون مع مَن كان يوصف بالأمس ب"الشيطان الأكبر"، خدمةً لمصلحة بلاده وتثبيتًا لموقع التشيّع في المنطقة واستمرار استدرار عطف المجتمع الدوليّ لصالح المكوّن. إنّ التحرّكات القائمة حاليًا، بين اللاعبَين الدوليّيَن الرئيسيّيَن المذكورَين ومعهما مَن يطمح أن تكون له بصماتٌ خبيثة من دول الجوار مثل "تركيا" و"السعودية" وراعية الإرهاب "قطر"، كلّها تشير إلى تواطؤ هؤلاء بما آلت إليه أوضاع العراق الخطرة إلى التهلكة والانتحار والانقسام. وسيكون لنا وقفة تذكيرية بتكرار ذات السيناريو الذي مُرّر على لبنان وسوريا بزرع أدوات إضافية للتشيّع، ولكنْ في مظهرها العسكريّ والتسليحيّ والعنفيّ هذه المرّة. فلا نستبعدَنّ وجود قواتٍ إيرانيّة بأشكالٍ وفصائل متنوعة، بحجة الدفاع عن المقدّسات والطائفة والمصالح، كما سمعنا وعاينّا. فلا ريبَ أنّ البلاد تمرُّ في امتحانٍ عسير قد يكون الأخير المنبِئ بسقوطها الكبير. فالأمم والدول والحضارات لا تبقى ولا تدوم. وهذه عجلة التاريخ.

الطاغوت الأمريكي ودجلُهُ

منذ سيادة سياسة القطب الواحد والطاغوت الأمريكي يتحكم بمصائر الشعوب على طريقته ووفقًا لمصالحه القومية دون أن يعير عنايةً منطقية وإنسانية للمشاكل ولأنواع البؤس والدمار والتخلّف التي يخلّفُها أينما قصدَ أو عرّجَ، بسبب سياساته الهمجية والأنانية وغير الأخلاقية. ولم يعد لهذا الطاغوت من همّ أو شغل شاغل غّير تأليب شعوبٍ وأممٍ كانت بالأمس مستقرّة، سالمة ومتعايشة، لحين حوّلَ برعونته السياسية، نسيجَها الاجتماعيّ المتماسك إلى أشلاء وقطّع أوصال بلدانها إلى شظايا وتقسيمات طائفية وعرقية وإتنية ومذهبية، بحيث أفرغها من أية هويّة وطنية.
مصيبتُنا، في الشرق أنّنا نصدّق كلّ شيء قادمٍ من الخارج ومن الأجنبيّ الطامع، ولا نعير اهتمامًا للجهود والمشاريع والتوجهات الوطنية الخالصة التي تخرج صافية ونزيهة من نخبٍ وطنيّة صادقة وغير مغرضة أو تابعة أو خانعة لكلّ غريبٍ أو دخيلٍ على ثقافاتنا وحضاراتنا وتقاليدنا.
في العراق، الذي بات اليوم ساحة حربٍ بالوكالة عن دولٍ إقليمية طائفية ومذهبية متصارعة لحدّ العظم، لم يعدْ في الأفق القريب مِن أملٍ يُرتجى للنهوض من كبواته المتلاحقة، بعد أن زادت طعنات الغدر والخيانة في جسده المنهك بفعل توالي الحروب والصراعات الدينية والمذهبية والطائفية المقيتة التي أتت على ثقافته وحضارته وسلبت منه آمالَه بغدٍ متمدّن مشرق كما سلبت له ثرواته الغزيرة التي حُرم منها طيلة عمرِه منذ نشأته في العصر الحديث. فلم يمرّ عقدٌ في تاريخه الحديث إلاّ وشهدَ انقلابًا أو خاض معركًةً أو حربًا، سواء بالنيابة عن غيره أو الأصالة عن مستقبلِه.
 ما هذا الفأل النحس الذي ينخر بك يا عراق، يا بلد الأنس والثقافة والحضارة، يا آيةَ شهرزاد وشهريار، يا موطن الشعر والشعراء والأدباء، يا حاضنَ أبي نؤاس والرصافيّ والجواهريّ وما سواهم، يا مربعَ الأئمّة والقدّيسين والأصفياء الخالدين، يا بلدَ الخالدَين دجلة والفرات وما بينهما، يا سارق النوم من عشّاق شارع الرشيد وقهاوى العزّاوي والزهاويّ والشابندر وأم كلثوم، يا مربض المقام والتخت والطرب الأصيل على صوت الناي والعود والسنطور والقانون. ألا تكفيك الجراح المثخنة القادمة من كلّ صوبٍ وأوبٍ من الحاقدين من خارج الأسوار لتُطَعنَ من أهلك وأبناء رحمكِ في الداخل أيضًا، في سابقة لم تشهدْ لها مثيلاً؟
مَن يقرأ في الخطاب الرسميّ لحكومة واشنطن، يدرك تمامًا أنَ إدارة هذا الطاغوت ماضيةٌ في تنفيذ مخطَّط الشرق الأوسط الجديد. فكلّ الدلائل تشير إلى عقد الّلاعبين الأساسيّين الكبار النيةَ لإعادة تشكيله وفق مصالحهم وتوجّهاتهم وبما ينزع عن العراق قوّتَه وينتقص من دوره العربيّ والدوليّ ويحيلُه أشلاء متقطّعة تنهشها أنياب ذئابٍ داخلية وخارجية حدّتْ أسنانَها على سوء أداء الحكومة القائمة منذ ثمان سنوات. فبموجب اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين العراق والولايات المتحدة، كان يترتب على هذه الأخيرة أن تتدخلَ فورًا لوقف التردّي في الأوضاع وما آلت إليه بسبب الهجمة الشرسة التي تعرّض لها من مجاميع مسلّحة غريبة على جسده وثقافته ونهجه وسياسته. كما أنّ الاتفاقات التسليحية لم تُفعَّل، بل كانت هناك نيّة مبيّتة لتعطيلها وعرقلتها بتسويفها مرارًا وتكرارًا. والعتبُ بطبيعة الحال يقع على كاهل الحكومة الهزيلة التي كان يمكن لها أن تتسلّح من دولٍ وجهاتٍ غير أمريكا الدجّالة، طالما أنّها تدفع وتستقطع أثمانَها من ثروات الشعب الذي لم يعرفْ طيلةَ حياتِه أن يستفيد منها، لا مِن قريبِ ولا مِن بعيد. فكلُّ نظام أو حكومة حكمت البلاد منذ تأسيسها ولغاية الساعة، يجيّر قادتُها هذه الثروات لأحزابها ودينها ومذهبِها وطائفتها وقوميّتها، فيما الشعبُ محرومٌ ولا يصيبُه غير الفتات والقهر والجوع والحرمان. 
لذا، لا عجبَ أن تتصرّف الإدارة الأمريكية على هذه الشاكلة، لأنّها تعلم أن القيادات السياسية في العراق غير مهتمّة بمصالح شعبها بالدرجة الأولى، وهي لا أبالية بمصالح الوطن ومصيره ومستقبلِه. فكلُّ جهة تأتي لتغرف من هذا المعين الغزير لفترة ثمّ تليها الثانية وهكذا دواليك. فمتى كانت ثروات البلاد للعباد كي يهنأ بها الشعب ويعيش حياة آدميّة طبيعية كباقي الشعوب! لذا جاء قرارُهم بترك العراق غارقًا في أوحال الكراهية وفقدان الثقة بين الفرقاء، تاركين أبواب البلد مفتوحة وسائبة لكل من هبَّ ودبَّ. فكانت النتيجة هذه الفوضى الخلاّقة بعد سقوط الموصل الغادر، وهي ثاني أكبر مدينة في العراق، لها تاريُخا ونضالُها وسمعتُها عسكريًا وأمنيًا وسكّانيًا.
إنّ أميركا بانتظارِها وترقّبها لما ستؤول إليه الأوضاع المأساوية، تعيد تكرار ذات الأخطاء عندما تحتلّ بلدًا، وتربطُه بشروط واتفاقيات يصعبُ التنصّل منها. وهذا تخاذلٌ ونكوثُ عهدٍ، إذ بموجب هذه، يترتّب عليها دوليًا حماية هذه الأوطان وشعوبها عندما تتعرّض للغدر وللهجمات وأية أعمال عنف خارجيّة تهدّد كيانَها وتفتّت نسيجَها وتعرّضها للانهيار والسقوط في الهاوية.

قبل التغيير سببٌ وتبريرٌ وما بعده عتبٌ وتدميرٌ
عاش العراق سنينًا عجافًا، ولم ينعم بفترات راحة واستقرارٍ نسبيّة، إلاّ فترات محدودة وقليلاتٍ. وما كاد يخرج من مشكلة أو أزمة إلاّ ودخل أو أدخلَه أهلُ الكفر والنفاق والدجل والشقاق، في أخرى أعمق وأكبر وأتعس منها، بحيث وصلَت رقبتُه حدَّ الاختناق. وعندما، صحا الفكر الوطنيّ ونما الشعور بضرورة الخلاص من زمن الأزمات والشموليات والدكتاتوريات، تنفس الصعداء بتباشير التغيير القادم. إلاّ أن ذلك التغيير، جاء أعسرَ وأعرجَ وناقصًا، حينما تكفّل به طاغوتٌ دجّالٌ ظالمٌ للشعوب المقهورة وناهبٌ لثرواتها وسالبٌ لإراداتها، بإتيانهِ بتبريرات منقوصة وكاذبة وغير رصينة، مستهدفًا شعبًا بأكمله ودولةً قائمة كان يحسب لها الجميعُ ألفَ حساب. فقد واصلَ الاحتلال سياستَه الخرقاء عبر أدواته الإقليمية والداخلية بزرعَ سموم الطائفية في صفوفه وشقِ النسيجِ المتآلِف فيها وإشعال فتيلِ حرب طائفية مذهبية، لها أوّل ولا يبدو لها آخر. وهو ما زال يؤجّجها بوسائل وطرقٍ شتّى، كانت آخرُها بالسماح ب"دعشنة" البلد وابتلائه بنهج هذه التنظيمات الأصولية المتطرّفة التي توغلت بصور متعددة وبأشكال وتنظيمات غريبة على المجتمع وثقافته وحضارته، وهو بلد التعدّدية والخير الوفير والقلم والقرطاس والسيف!
عندما صحا الشعب على أوتار تغيير مرتقبٍ، هبّ مبتهجًا ليزيل عنه آهات الدهر الغادر والسنين المريرة عن حقبة دكتاتورية بغيضة، أسرتْه وجعلتْه حبيسَ المخدَع والمدينة والوطن، من دون أن يتمكن من رفع رأسه ليشاهد نجوم السماء وطيورَها وهواءَها على علاّتها وطبيعتِها. فالمصيبة جلبتها أميركا بدجلها ومَن يقف من خلفها في التنظير والتخطيط، ومن أمامِها في التنفيذ واتخاذ الّلازم. ولعلَّ أولى الخطايا الكبيرة التي اقترفتها إدارة الشيطان الأكبر بشخص الرئيس غريب الأطوار بوش، قرارَه تغيير النظام في العراق بتلك الطريقة الشنيعة والجائرة. فبدلَ أن يحسمَ أمرَه ويساعد الشعب العراقيّ المبتلَى والغارق حتى الثمالة في أطيان الدكتاتورية والحزب القائد والزعيم الأوحد، جاءَ تدخُلُه الواهي وغير المنسجم مع الذرائع المعروضة للعالم، والتي أثبتت الأيام عدم صحتها وخواء صدقها.
ثمّ كانت خطيئة اليهوديّ المحنَّك الحاكم المدنيّ "بريمر" سيّء الصيت، أكبرَ عندما حلّ الجيش العقائديّ وفكّك مؤسسات دولة بأكملها وجعلّ مصيرَها ومستقبلَها وحياتَها في مهبّ الريح تتقاذفُها شهوات سياسيّين مراهقين على الساحة، ممَّن لمْ يكن يدُرْ في خلدهم يومًا أن يسبحوا على أنهار ثرواتِ بلدٍ بأكملِه وليوزّعوها يمينًا وشمالاً في صفقات مشبوهة تقاسموها بين مكوّناتهم وأحزابهم وطوائفهم، كلٌّ بحسب ما تتسعُ به أيديهم وطاقاتُهم.
في ظلّ هذه الأوضاع المأساوية، هناك مَن يرقص على آلام العراقيّين ويتفرّج على المآسي التي أصابتْهُم، مقابل أطرافٍ قد تستخدم ما جرى لفرض الأمر الواقع على الأرض، وأخرى قد تستغلّ الثغرات الأمنية وإخلاء مواقع عسكرية لصالحها من خلال زجّ ميليشيات بمسلَّحين عقائديّين ينتمون لطوائف أو جهات مذهبية كي تصيرَ بديلاً للمؤسسة العسكرية الوطنية. لقد جاءت دعوة المرجعية الدينية الموقرة واضحة وصائبة عندما استبعدت وحذّرت من مغبة استغلالها من قبل جهات لتأجيج الصراع الطائفيّ، بل شدّدت على عدم بروز أية مظاهر عسكرية خارج الإطار القانونيّ للدولة والجيش الوطنيّ. والخوف، كلّ الخوف، استغلال هذه الفتوى الكفائية لتجييرها لصالح الطائفة الشيعية حصرًا، وإفراغها من دعوتها الوطنية وهدفها الساميّ بالدفاع عن حياض الوطن وهو يتعرَّض لأبشع هجمة خارجية وداخلية مغرضة تريد هبوطَه إلى الهاوية. وهذا بحدّ ذاته، بداية السقوط في المطبّ الكبير الذي أرادَ له الأعداء كي يفتّ من نسيج الشعب العراقيّ ويخلق حربًا طائفيةً لا تُعرف نتائجُها، وقد تمتدّ لتشمل المنطقة بأسرها وتلحق دمارًا شاملاً يشعل الأخضرَ واليابسَ.

أسبابُ الوهن والسقوط
ممّا لا شكّ فيه، أنّ ما آلَ إليه الوضع الحاليّ بنقل جزءٍ كبيرٍ من ساحة المعركة الشرسة من أعماق سوريا وأطرافها إلى العراق، يُعدُّ مؤشرًا خطيرًا على عقد بعض الجهات النيّة لتدمير مدن العراق، تمامًا كما حصل في سوريا. ونحن ندعو أصحاب العقل والحميّة وأربابَ الحكمة والشهامة ومَن بقي في جعبتِه شيءٌ من سجايا حبّ الوطن والشعب أن يضع جانبًا سلاح الطائفية البغيض الذي كان السبب في هذا الانهيار المجتمعيّ منذ عهد التغيير الدراماتيكيّ. إنّه لَمِنَ الخطأ اعتقاد البعض، أنّ يصير حكمُ العراق على أساسٍ دينيّ أو طائفيّ، ذلك لأنّ الدولة ليستْ، كما لا لا ينبغي أن تكون ملكًا لأحد أو لدينٍ أو طائفةٍ أو حزبٍ أو قوميةٍ أو مكوِّنٍ. إن العراق هو للكلّ، ومن ثمَّ فإنَّ ثرواتِه وأرضَه وحضارَتَه ينبغي أن تكون للجميع بالعدل والتساوي، ولا امتيازَ لأحد إلاّ بما تجود طاقتُه ويبانُ حبُهُ وتعلُّقُه بالأرض وولائِه له، وليسَ لغيرِه.
لقد أثبتت التحرّكات الجارية، وقوع العراق ضحيّةَ مشروع استراتيجيّ كبير، لاعبوه الكبار أصحابُ مصالح كبرى اتفقوا على تقسيم البلاد وتشظيتها وفق نهج طائفيّ تتقاسمُه أطرافٌ شيعيّة بعهدة التشيّع الإيرانيّ وأخرى تتولاّها دولٌ خليجيّة راعية للإرهاب منذ نشأتِه في أراضيها. وما تنظيمُ داعش الإرهابيّ الذي تتبجّحُ أطرافٌ بثوريّته، غير تحصيلِ حاصلٍ للأطراف المشتركة بمؤامرة كبيرة، ليس لإسقاط الحكومة الحالية المنتهية ولايتُها فحسب، وإنّما هناك أهدافٌ أكبر وراء هذه المشاريع التقسيميّة. وإلاّ كيفَ يُفسرُّ تخاذلُ أكثرَ من ثلاث فرق عسكرية بكامل تجهيزاتها ومنتسبيها ومعها أفواجٌ للطوارئ وأخرى ساندة في مدينة مثل الموصل، وكلُّها تهاوت في غضون ساعات؟ فهل ستكشفً الأيامُ القوادم شكلَ وطبيعة هذا التخاذل وهذه المؤامرة التي حيكت خلف الكواليس؟ أنا لا أشكّ البتّة، علمَ الجهات الاستخبارية الأمريكية بنسجها وتغاضيها الطرَف، إن لم أقل مشاركتَها ببعض خيوطِها، داخليًا وخارجيًا، قبل وقوعها بأيامٍ. صحيحٌ، أنّ شركاءَ في الحكومة، كانت لهم بصماتٌ واضحة في إضعاف المؤسسة العسكرية، بل إزالة العقيدة العسكرية من العراق، كي لا تثير أيةَ مخاوف محتملة ضدّ جهات داخلية أو مكوّنات، بسبب استخدام الأنظمة السابقة لهذا الجيش في حماقات عديدة في السابق. ولكن الأيام أثبتت، خطأ هذه الفرضية وخبث هذه النظرية، ذلك لأن الجيش سورٌ للوطن ورايتُه وشرفٌ للشعب وحمايةٌ لأرضه متى فكّر الأعداء باغتصابه واستباحته، كما حصل منذ التغيير في 2003، عندما استبيحت أرضُ العراق وصارتْ مداسًا لكلّ مَن هبَّ ودبَّ.
إنّ مأساة سقوط الموصل، وبعدها تكريت ومدن وبلدات أخرى وقبلها الأنبار والفلوجة، كلُّها دلائل على توفر أسبابٍ لمثل هذا السقوط الكبير. فالحكومة الحالية تتحمّل الوزر الأكبر في الذي أصابَ البلاد والعباد من نكسات بسبب الأزمات الكثيرة المتعاقبة التي خلقتها أو اختلقتها على حساب الاستقرار وأمن وسلامة الوطن والمواطن. وكلُّ هذا بسبب عوامل عديدة من الغبن والتهميش والإقصاء لمكوّنات وشرائح وطنية أصابَتها خيبة الأمل من تكرار ذات المشاكل في ولايتين متتاليتين لحكومة أزمات متعاقبة لمدة ثماني سنوات، لم تستقم فيها الأمور، بل ساءت وتفاقمت وتعاظمت إلى الأسوأ. كما أنَّ انعدام الثقة بين الشركاء الأفرقاء وانهيار أساس الشراكة الوطنية المعتمدة، كلُّها ساهمت في وصول الأوضاع المأساوية إلى هذه الحال بانهيار هذا البنيان، بسبب النهج الطائفيّ الذي سلكته الحكومة القائمة طيلة فترة حكمها، حينما أرست لهذه الطائفية بالقول والفعل والإكراه والاستفزاز في أحيانٍ كثيرة.

نداء وأمل
إنّ توزيع اللومِ اليومَ، لن ينفع في هذا الظرف الحرج. فالكلّ المشارك في العملية السياسيّة العرجاء، مقصّر لأنّ الجميع من دون استثناء، آثروا مصالحَ دينهم وطائفتهم وقوميّتهم ومذهبهم ومصلحة فئتهم الضيّقة والشخصية على المصلحة العليا للوطن، وتركوه يئنّ تحت مشاكل وأزمات وأمراض سياسية واجتماعية واقتصادية قاتلة قادته إلى ما وصل إليه اليوم. إنّ الوطن والعرض والشعب أهمّ من وجود أيّ شخص. فالوطن باقٍ والأرض قائمة، لكنّ الأشخاص يزولون ويُستبدلون لمصلحة الشعب والوطن ولاستقرار الأرض وحفظ العرض. إنَّ العراق اليوم، أمام امتحان عسيرٍ ولحظةٍ تاريخية تحدّد مصيرَه، فإذا انساق للتقسيم، فتلك ستكون نهاية وحدة أراضيه وقوتها بتعدّد مكوّناته، التي هي غنى وثروة قلّما تتواجد في بلد غيره.
كما أنَّ التقسيم لن يشكّل حلاً، كما تريد ذلك دوائرُ استعمارية وأخرى طامعة قادمة بلباس الحملان ووضع الحلول الوسطية، ذلك لأنّ مكوّناته وأراضيه، جغرافيًا وديمغرافيًا، متداخلة مع بعضها. فعلى أية شاكلة يصوّرون هذا التقسيم ويقترحون هذا الإجراء؟ كما أنّ الحلَّ العسكريَّ لن يقود إلى تسوية سياسيّة أو يهدّئ الحال، ذلك أنّ المكوّنات الأساسيّة الثلاث المختلفة تستطيع أن تجيّش ما يسعهُا وتزجّ بهم في أتّون نيران قائمة، ينتظرُ أعداءُ البلد مَن يؤجّجُها. لذا، فالحلّ الأمين الوحيد، هو رصُّ الصفوف ضدّ هذه الهجمة الإرهابية الشرسة، ووضع النقاط على الحروف، بتقديم تنازلات مشتركة من جميع الأطراف من أجل الحدّ مِن أطماع بعض الشركاء في الداخل وردّ كيد الغادرين في الخارج إلى نحره.
فيا شيعة العراق، اتّعظوا وكفّوا عن استفزاز إخوتكم السنّة في الإسلام وباقي مكوّنات الشعب، بعدم استغلال مؤسسات الدولة وتجييرها وتسخيرها لصالح طائفتكم ومناسباتكم وشعائركم، لأنّ تعطيل دولةٍ بأكملها في هذه وفي غيرها، يجرح شعورَ غيرِكم ويزرع بذور حقد وكراهيّة لديهم ويشعرُهم بالتهميش والدّونيّة والإقصاء، لخروج هذه المظاهر عن حدود المعقول!
ويا سنّة العراق، تعقّلوا وأعملوا الحكمة ورجاحة الفكر، وتعاملوا مع الوضع الجديد على أساسٍ وطنيّ وابحثوا عن وسائل أكثر قبولاً وسلميةً للتعبير عن هضم حقوقكم وإقصائكم. فالخطأ الأول والأكبر، كان حينَ تخلّيتم عن حقوقكم في أول انتخابات دستورية ولدى كتابة الدستور الأعرج الذي تجنون نتائجَه السلبيّة ومعكم باقي المكوّنات مهضومة الحقوق لغاية الساعة!
ويا أكراد العراق، تحلّوا بمزيدٍ من اللحمة الوطنيّة ولا تستغلّوا الأوضاع المتهالكة للوطن وتساهموا بوضع مصيره ومستقبلِه على المحكّ، لئلاّ يشمتَ به أعداؤُه، فهو لا يستحقّ منكم ومن سائر الشركاء هذا النكوص وهذه الوقفة الانتهازيّة.
انّ الحلّ اليوم، بين أيدي المنتخَبين الجدد، الممثلين للشعب سواءً باستحقاق أو بغيرِه، كي يتساموا فوق المصالح ضيقة الأفق ويرسّخوا مفهوم المواطنة والوطنية سريعًا والعمل معًا كشركاء حقيقيّين على تشكيل حكومة وحدة وطنية تحظى بقبول جميع المكوّنات وتتدارك أخطاء الماضي وتتجاوز الخلافات وتنسى الذي قاد البلادَ والعبادَ إلى شفير حربٍ أهليّة. وهذا يتطلّبُ من جميع الساسة والفرقاء أن ينصتوا إلى صوت العقل القادم من المراجع المعتدلة، السنّية منها والشيعية والمسيحية والإيزيدية والصابئية على السواء، ويعملوا الحكمة والمشورة ويتحلّوا بكلّ آيات الصبر والروح الوطنية الصادقة.
إنّ هذا المبتغى لن يتحقّق إلاّ بالتخلّص من مفهوم التخوبن والشكّ والإقصاء وإسدال الستار عن شعار حكومة المحاصصة الطائفية واستبدالها بحكومة وطنية ديمقراطية قائمة على أسس دولة مدنية ترفع شعارات التآخي والمساواة والعدل والتعايش، دولة مدنية فيها يتساوى كلُّ العراقيين في ظلّ القانون وبرعاية دستورٍ تُعادُ مراجعتُه وكتابتُه ليضمن كلَّ المفاهيم الوطنية والأخلاقية التي تُحترَمُ فيها الحريات الشخصية والفكرية وتؤمن بالتعددية الدينية والاثنية للمجتمع العراقي كافة.  وعندما تتحقق كلُّ هذه، سيقف الشعبُ مع الحكومة الجديدة المرتقبة وقد تعلّمَ درسًا قاسيًا في الوطنية وفي كيفية التعايش السلميّ بين جميع المكوّنات، حين العودة بالبلاد إلى نكهة الروح العراقية الأصيلة الطيّبة بتعدّد أطيافها وتنوّع شرائحها  ومكوّناتها، تلك العَبِقة بطيبة أزهارها وورودها المتنوعة في حديقة العراق الكبرى.

لويس إقليمس
بغداد، في 22 حزيران 2014


28
الحب والعقل في زمن العولمة: هل يجتمعان؟

   هل يمكن للحب والعقل أن يجتمعا في عصر العولمة؟ سؤالٌ بحاجة إلى مزيد من التمحيص والتحليل والدراسة والخبرة أيضًا،  مِن أصحاب الشأن من الذين اختاروا عيش الحياة الزوجية بكلّ قيمها ومفاهيمها ومفاعيلها على السواء.
   هذه رؤية عامة وشخصية أطرحها للبحث ولمزيد من الرأي والتعقيب، لا سيّما ونحن نعيش  في أجواءٍ مشحونة بمشاكل وصعوبات في الحياة اليومية التي تتفاقم تعقيداتُها يومًا بعد آخر، وفيها تتزايد مشاكل الأسر إلى حدّ الانفراط في عقدها مشتكيةً من أدنى مشكلة تواجهُ الأزواج، بحيث تكاد تقضي على العشّ الأسري.

شراكة آدم وحوّاء!
   لقد خلق اللهُ حوّاء مِن ضلع آدم، وفي هذا تعبيرٌ مجازيّ أكثرَ منهُ تعبيرٌ حرفيّ في كيفية خلق البشر. يقول سفر التكوين :"خلق اللهُ الإنسان على صورته، على صورة الله خلقَه، ذكرًا وأنثى خلقهم" (تكوين 1 :27). أي أنّ الله خلق الرجلَ والمرأة ليكونا معًا، كائنين جميلين على صورته ومثاله ولكي يعكسا تلك الصورة الجميلة في حياتهما من خلال دورهما المشترك كزوجين وأبوين متحابّين يسعيان لإنماء ذريّتهما بالعلاقة الحبّية والودّية التي تجمعها. ويشير سفر الخليقة، أنّ الله خلق المرأة إلى جانب الرجل "عونًا بإزائه" (تكوين 2:18)، كي يحبّها الرجل وليتفاهما على العيش المشترك في إطار القانون الذي وضعه الخالق. ولمّا كانت عملية الخلق هذه تحملُ في طياتها معانٍ كثيرة للرؤية الإلهية في كينونة البشرية واستغلالها للأرض وما فيها من أشكالٍ وألوانٍ في الحياة، في الماء والسماء والهواء، وفي المادّة التي تكوّنت منها ووضعتْها القدرة الإلهية في خدمة الزوجين الأولَين، لذا كانَ على هذين الأخيرين أنْ يُحسنا التصرّف تجاه الخالق الذي أراد لهما السعادة. يشير البابا يوحنا بولس الثاني بهذا الصدد إلى شراكة الرجل والمرأة في اتحادٍ يجمعُ الإثنين من خلال "الزواج المقدّس الذي أنشأه الله في إطار خلقه للرجل والمرأة، وكأنّه شرطٌ لا غنىً عنه، لنقل الحياة إلى الأجيال البشرية القادمة، علمًا أنّ الطبيعة قد ربطت الزواج والحبّ الزوجي بنقل هذه الحياة" (رسالة البابا في كرامة المرأة لمناسبة السنة المريمية 1988). فالحبُّ هنا، وكما نفهمُه في المسيحية، مرادفٌ لعملية الاقتران بين الرجل والمرأة بموجب وصية الخالق الذي وفّرَ لهما أجواءَ السعادة كي يعيشا معًا ويصيرا "جسدًا واحدًا" وينجبا البنين والبنات "أنموا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها"( تكوين1: 28). من هنا نعي أنّ كلاً من الرجل والمرأة مدعوّان منذ البدء، ليس فقط للعيش الواحد بجانب الآخر فحسب، بل أيضًا للعيش كلٌّ منهما للآخر بفاعلية الحبّ الذي ينبغي أْن يجمعهما، وإلاّ فلا معنى لحياتهما المشتركة إذا خلتْ من عنصر الحبّ الذي يعزّز مسيرة هذه الحياة وينعشها بفيتامين المودّة والرحمة والاحترام.                                                                                                                                                                                                            نظرًا لخطيئة آدم وتجاوزه على وصية اللّه الخالق وانزلاقه وراء تجربة رفيقته حوّاء التي وهبَها إيّاه الله لتؤنسَه وكي يعيشا معًا في الفردوس لمدحِ اسمِه القدوس والتمجيد بقدرته الفائقة الإدراك، لذا كان لابدّ له أنْ يُعاقَبَ هو وشريكته حوّاء التي أغوتها الحية، على فعلتهما وعدم إطاعتهما أوامرَ الله. وهكذا بدأت متاعب الحياة عند آدم وحواء معًا ومشتركًا، وانتقلت عبرَ الأجيال المتعاقبة لغاية يومنا هذا. وعلى ضوء تلك الخطيئة نشأتْ علاقةُ الشركة ومشاكلُها بين الرجل والمرأة وتجلّت من خلالها في الوقت عينِه، وحدةُ الاثنين وكرامتُهما الشخصية، كما يقول البابا يوحنا بولس الثاني في ذات الرسالة، رغم أنَّ الله قد جعلَ الرجل متسلِّطًا على المرأة بسبب إغوائها للرجل الأول، بحسب الكتاب المقدّس "إلى بعلكِ تنقادُ أشواقُك وهو يسودُ عليك" (تكوين3: 16). وبالرغم من كون هذا القرار الإلهي فيه شيءٌ من الصرامة والقسوة الإلهية، إذ فيه نفهم وجودَ شيءٍ من التصدّعٍ في اتحاد الزوجين الأولين مع شيءٍ من الانحيازٌ للرجل على حساب المرأة التي يطالبُها الخالقُ أنْ تطيعَ بعلَها، إلاّ أنّه لا يشكّل إرباكًا في إرادة الخلق وهدفها ولا إخلالًا بمبدأ المساواة في الخلق بحسب المخطَّط الإلهي، إذ كلاهُما خُلقا جميلين على صورة الله ومثالِه، "ورأى اللهُ أن ذلك حسنٌ".(تكوين : ). وهذا، ما أتى به المسيحُ بتأكيده على وحدة الزوجين وعلى قدسيّة الاقتران بينهما، ذلكَ الزواج الذي رفعهُ إلى أسمى الدرجات بقولِه: "من أجل ذلك يتركُ الرجل أباه وأمَّه ويلصق بامرأته... فليسا هما إثنين، ولكن جسدٌ واحد" (مرقس 10:7). ويفسّرُ البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته المذكورة، هذا الإجراءَ الإلهيّ القاسيّ، بكونه إشارةً إلى "العلاقة المتبادلة بين الرجل والمرأة كزوجين، وإلى الشهوة الناشئة في نطاق الحبّ الزوجي، بحيث إنَّ هبةَ الذات المجّانية مِنْ قبل المرأة تنتظرُ بالمقابل أنْ تكتمل بهبةٍ مماثلةٍ من قبل الزوج، ولا يستطيع الزوجان، ولاسيّما المرأة، أنْ يتواجدا في وحدة الاثنين الحقيقية التي تقتضيها الكرامة الشخصية إلاّ استنادًا إلى هذا المبدأ". وفق هذا المفهوم الواسع، تُحفظ كرامة الزوجين وتبلغ كمالَها دون أن ينتقص أحدهما من دور الآخر، ودون أن يستغلّ الزوجُ ضعفَ المرأة من أجل استمتاعه وفرض سيطرته، لأنّ كليهما مشتركان بالخطيئة الأولى التي اقترفها أبوانا الأولان وكلاهما مخلوقان بأمرٍ وغايةٍ ربّانية.
   إنّ نزعة السيطرة كائنة في وجدان البشر دون تمييز. وهي ذات النزعة التي تُفسدُ وتحاولُ الإخلال بالنظام الأخلاقي البشري. ولكن هذا الإجراء الإلهي تجاه صورة المرأة وشخصّيتها، ليس البتّة، مدعاةً لها كي تنتفض وتسعى إلى انتحال صفة الذكورة على حساب ميزاتها الأنثوية التي حباها الله إياها ثروةً عظيمةً ومميزةً تتجانسُ وتتفاعلُ بها مع صفات الذكر كي يعكسا معًا صورة الله الجميلة في خلقه. فالفكرةُ بجمعهما معًا قائمةٌ في مخطَّط الله، وعلى ضوئها نما وتكاثر الجنس البشري. فكلّ الحضارات والأمم والشعوب، وفق ذات المنظور، عاشت وتناسلت وتفاعلت مع ظروف الحياة، كلّ في عصرها وفي إطار الزمن الربّاني الذي خُلقت فيه كي تؤدّي الرسالة المرجوّة منها. حضاراتٌ وأقوامٌ وشعوبٌ ودولٌ سادت ثمّ بادت، وهي ما تزال تسير وتعيش في ذات السياق، محصورةً بين حقيقة خلقها ووسائل عيشها، وما بينهما من قيمٍ وأدواتٍ يسيرة أو عسيرةٍ في العيش والأداء، ومتأرجحة بين كلمتي الحبّ والعقل. فهل يمكن لهاتين الأخيرتين أنْ تجتمعا وتثمرا وفق مخطّطِ الخالق للإنسان منذ البدء؟ لنرى ذلك معًا.
الحبُّ وثمارُه في حياة الزوجين
   يقول العقلاء: "إنَّ مَن يحبّ، يحبُّ إلى الأبد". فالحبُّ فضيلةٌ أغدقها اللهُ على الإنسان الأول آدم، حين رآه وحيدًا، فأشفق عليه بأن صنعَ له شريكًة تؤنسُه وتُسعدُه في الفردوس الكبير الذي كان أنزلهُ فيه. وهكذا كانت حوّاء شريكةً لآدم، فعاشا حياةً هانئة مليئة بالحب والرحمة والمودّة والصداقة، إلى أن أفسدت الحيّة حوّاء واقنعتها بالتجاوز على وصية الخالق بوحيٍ من محاولة إغوائها وكشف غرورها كي تتمكّن من بلوغ مرتبة الخالق. فأدّى ذلك التجاوز على وصيّة اللّه، إلى ارتكاب المعصية وبدء هموم المخلوقات منذ تلك اللحظة. تلكم، هي القصة التي تعلّمناها من الكتاب المقدّس، وما نزال نعتقدُ بها، والسبب ببساطة، لأنّها تدخل في مخطّط الّله الخلاصي، الذي لابدّ منه كي يأتي ابنُه المخلّص لينقذ البشرية من تلك الفعلة الشنيعة التي ارتكبها أبوانا الأوّلان في الفردوس في بدء الخليقة، والتي اعتدنا على تسميتها بالخطيئة الأصلية. من هنا، تكون أولى بذرات الحبّ الإلهي المتمثلة برحمة الخالق على أبوينا الأولَين قد كُسرتْ وأُسيء استخدامُها وجوبهتْ بفعل المعصية التي تعني أيضًا، رفضًا ضمنيًا للحب الالهي الأبوي الذي أظهرهُ الخالق للبشرية التي ما تزالُ تعاندُ وتكابرُ وتتصارُع ضدّ كلّ رموز هذا الحبّ، والمتمثّلة بالحروب والنزاعات وأعمال العنف والكره والبغض المتكرّرة التي تغيض الخالق العظيم.
   لقد كان الأجدر أن يلقى الحبُّ الإلهي لبني البشر تجاوبًا متبادلاً كي يتسنّى له أن يرتفع إلى سموّ الخالق، لا أن يغوص في أطيان الحقد والكره والغضب والحزن. فالحبُّ، إنّما يعني حلاوةٌ في الشعور بالعاطفة تجاه مَنْ تحبّ وتنجذب له لأنّه يحلو لكَ بسببٍ من جمالِ صورتِه وكياسة أدبه وصفاء نفسِه ورجاحةِ عقلِه وطيبةِ قلبِه وجاذبية جسده. وفي هذه دلالةٌ على ضيق المسافة وعمق التفاعل بين جميع الفضائل الجميلة التي أرادها اللهُ الخالق أن تتحلّى بها خليقتُه منذ الأزل، إنطلاقًا من هذا الحُبّ الكبير. والحبّ الصادقُ يظهرُ من خلال المشاعر التي يبديها الشخص تجاه مَن يحبُّه، ليس من خلال العاطفة أو القلب لوحدهما، بل بتوجيه من العقل المتزن الذي يدير دفّةَ الكائن البشري والتي مِن المفترَض توجيهُها نحو الوجهة الصحيحة وفق قناعة متزنة، تخلق لدى المحبّين الراحة والطمأنينة. وهذا الحبُّ عينُه، لن يكون ممكنًا بين طرفي المعادلة الزوجية حصرًا، إلاّ من خلال وسائل وأدوات معيشية مشتركة ومقبولة بين الطرفين، يكون من ضمن أسسِها الحبُّ المبنيّ على التفاهم والصدق والنضج والاحترام المتبادل والإحساس بوجود الآخر في حياة الطرفين، وليس بالخوف من الشريك الآخر أوبفرض وصاية عليه، إذا أراد الإنسان أن تبقى روحُ المحبّ تعيشُ في كيان ووجدان مَن يُحبّ، فلا تغادرهُ إلاّ في حالة انتهاء حياة أحد الطرفين. يقول آرسطو: " لا أحدّ يحبُّ الإنسانَ الذي يخافُهُ".

الذات تسليم ومسؤولية
إنّ القوامة أو محاولة السيطرة، أيّا كان الطرف الذي يبتغيها أو يحاول فرضَها قسرًا، فإنّها لا تعني خضوعًا واستسلامًا ورضوخًا لطرف على آخر، بقدر ما ينبغي أن تكون نابعة من إيمانٍ بمَن اتئمنَ شريكَه بسببٍ من صدقٍ في العلاقة الزوجية الصحيحة المبنية على الوفاء والشجاعة والإخلاص وحرمة الكرامة. وفي غير ذلك، لا يمكن لأحد الطرفين، أن يسلّم حريَتَه وأمرَ حياته للطرف الآخر، إلاّ في حالة تأكّده من استعداد المقابل لتحمّل تلك المسؤولية، وهي جسيمة إذا ما قيست من منظار هامش الحرية التي يُفترَض أنْ يكون عليها الشريكُ المقابل. فبالنسبة للرجل الذي ينظر إلى شريكته من خلال هذا المنظور، يتحمّل مسؤولية زوجية إضافية، علاوة على مسؤوليته الأخلاقية والمعنوية إزاء شريكته التي منحتهُ ذاتَها وفوّضت أمرَ حياتِها بسببٍ مِن إيمانها المذكور المبني على مبادلتها مشاعرَ الحبّ الصادق لزوجها انطلاقًا من إيمانها بفعل أنوثتها وما تعنيه هذه الأخيرة من إشاعة أجواء السعادة في حياة زوجها وأسرتها.
    إنّ هذا التسليم الذاتي مِن جانب المرأة للرجل، ينمُّ عن فعلٍ عقائديّ بالرضى المتبادَل بين الزوجين عندما يكون مبنيّا على أسس راسخة. وهو بهذه الصورة يشكل منعطفًا في حياة الاثنين، عندما يبدآن حياتهما بالشكل الصحيح. حينئذٍ، يكون لمثل هذا التسليم للآخر، متعةٌ وسعادة تتجلّى من خلالها روعةُ الحياة الزوجية بحلوها ومرّها، بصعوباتها وأطايبها، وكي تدور في دائرة الإخلاص والثقة والأمان والانتماء كلٍّ منهما للآخر، دون انفصالٍ أو انعزالٍ أو قهرٍ أو تسلّطٍ أو أنانية، ومن دون أن يسلبَ الواحدُ منهما حرّيةَ الشريك الآخر وحقّه بالتمتّع بآرائه وفكرِه في الحياة العامة والخاصة. وهكذا، تبقى مسألة تسليم الذات بالنسبة للمرأة، محلَّ قدسية وتسامٍ من جانب الزوج المحبّ الصادق في مشاعره والواثق مِن ميزان حبّه، والذي عليه أن يشكر اللهَ على هذه الهدية التي أنعمَ بها عليه. يقول يشوع بن سيراخ في الكتاب المقدّس: "المرأة الفاضلة تُسعدُ زوجَها فيقضي حياتَه بالسّلام، والمرأة الصالحة، نصيبٌ وافرٌ يعطيها الربّ لِمَن يخافُه" (يشوع بن سيراخ 26:2-3). ففي ضوء هذه الهدية التي أنعمَ اللهُ بها على الرجل وموقف تسليم المرأة ذاتَها بهدف إسعاد زوجها، يستطيع الرجل الصادق أن يشعر برجولته التي ستكون بالتالي محلَّ تقدير من جانب زوجته التي تصدقُه في حبّها ومودّتها وتحرصُ على إسعادِه، لو توفرتْ لديها حقًا هاتان الصفتان وما تعنيانه. كما سيوفّرُ هذا الموقف للمرأة بالتالي، أداةً وفرصةً للشعور بأهمية أنوثتها من قبل الرجل الذي منحتْه ثقتَها وسلّمت نفسَها وجسدَها له تمامًا، مطمئنّةً وليست صاغرة أو منهزمة أو مقهورة. تلكُم، هي السعادة الحقيقية، في أنْ يعي كلُّ شريكٍ بأهمية دوره ودور شريكه في العلاقة الزوجية التي تهدف لبناء بيتٍ سعيدٍ وتكوين أسرة متعافية.

الكنيسة وكرامة الزواج   

نقرأ في الوثيقة الصادرة عن المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في رسالته إلى المرأة تأكيدًا على دور المرأة وأهميتها في الحياة البشرية، إذ تقول :"إن الوقت قد أوشك، بل حان كي تؤدي المرأة رسالتَها كاملةً. فقد أصبح لها نفوذٌ وإشعاعٌ وسلطةٌ لمْ ترقَ في يومٍ من الأيام إلى المستوى الذي بلغتهُ اليوم. لذلك نرى، في هذا الزمن الذي عرفتْ فيه البشرية تحوّلات عميقة، أنّ النساء المتأثرات بروح الإنجيل يستطعنَ الاضطلاع بدور كبير في مساعدة البشرية على وقف تدهورِها". (راجع رسالة المجمع إلى النساء، 8 كانون أول 1965: كتاب أعمال الكرسي الرسولي 58 لسنة 1966، ص 13-14). لقد أولى المسيح للمرأة، طيلةَ رسالته التبشيريّة، شخصيّتَها المتميّزة وشدّد على كرامتها وحقِّها المتساوي مع الرجل. فالقصص  والأحداث التي ترويها لنا الأناجيل المقدسة عن رأي المخلّص الإلهي بقوّة المرأة ودورها في الحياة وبصفتها إنسانًا كامل المسؤولية، كثيرةٌ وعديدة. فقد عدّها مدعوّة، كما الرجل، إلى رسالةٍ نابعةٍ من قلب الله الخالق، قابلةَ التحقيق في منظور البعد الإنساني الذي على ضوئِه منحَها الكرامة التي تستحقُّها، كما فعل مع المرأة الزانية والأرملة ومريم ومرتا أختي لعازر وأمّ الطّيب والسامرية التي كشف عن أفعالِها دون أن ينتقص من كرامتها وشخصيتها. ولعلَّ موقف المسيح الواضح من حكمه الإنساني على العلاقة بين الرجل والمرأة، ينمُّ عن رؤيته الثاقبة وأخذه للأمور من مسار واقعها التاريخي الملموس المثقل بإرث الخطيئة التي يشترك فيها الإثنان دون تفرقة.
   ومن ذات المنظور، يكون الله الخالق قد جعل الواحد منهما في عهدة الآخر. بل إنّ حبهما الزوجيّ، الواحد للآخر، سوف يُقاسُ من معيار عطاء كلٍّ منهما لشريكه وبصيانة الكرامة والمودّة وتعزيز الوفاء بينهما، ما يعني أيضًا مساواتهما أمام الله ليس في الخلق فحسب، بل بالفعل والسلوك والهدف. وهذا نابعٌ أيضًا من شراكتهما في سرّ قدرتهما على الخلق مع الله عندما يتبادلان هبة ذاتهما الواحد للآخر من خلال اتحادهما الزوجي بالجسد والذي يثمر عن ولادة كائن جديد يَفرحُ به الشريكان والأهلُ والأقارب ويستقبلُه العالم برحبة كبيرة. فالأمومةُ مِن المرأة، كما البنوّة من الرجل، سلوكان متكاملان لا يتجزّآن، وكلاهما نابعان من سموّ الحبّ المعقود بين الإثنين بمثابة عهدٍ سرمديّ مقدّس لا انفصامَ فيه ولا انفصال. وهذا ما يوصي به المسيح حينما يطالبُ الزوجين بحبّ بعضِهما بعضًا كي يعكسا محبة خالقهما للبشرية. إنّ كلام مار بولس الرسول واضحٌ لا نقضَ فيه: " أيها الرجال أحبوا نساءَكم، كما أحبّ المسيح الكنيسة وبذل نفسَه دونها ليجعلّها كنيسة مجيدة لا عيبَ فيها ولا غضنَ ولا شيءَ يشبهُ ذلك... أيتها النساء، إخضعنَ لأزواجكنَّ كما للربّ لأنّ الرجلَ هو رأس المرأة، كما أنّ المسيح هو رأس الكنيسة" ( أفسس 5: 22-23). أي أنّ المسيح يطالبُ الزوجين معًا بتبنّي نمطٍ مبنيٍّ على كلّ مقوّمات الحياة الزوجية الصادقة وعلى بذل الذات واحدهما للآخر، تمامًا كما المسيحُ أحبّ الكنيسة. وهذا رفعةٌ للعلاقة الزوجية وسموٌّ لقدسيّة سرّ الزواج المبنيّ على استعداد الطرفين للتعبير عن مبادلتهما الحبّ والخضوع معًا لبعضهما البعض كأحرارٍ وليس كعبيد. أليسَ هذا بحدِّ ذاتِه، يُعدُّ بُعدًا عميقًا في قداسة الحبّ الزوجيّ عندما شبّهه الرسول بارتباط المسيح بعروسه الكنيسة؟ من هذا التوجيه الربّاني، يأخذ الحبُّ الزوجي البشريّ مداه الواسع الشبيهُ بحبّ المسيح العريس، للكنيسة عروسِه. فالعريسُ عادةً هو مَن يحبُّ، والعروسُ هي المحبوبة التي تتلقى هذا الحبّ، وهي مدعوّة كي تحبّ هي أيضًا بدورها وتشارك الحبّ عينَه، دون أن ينتقص ذلك مِن كرامتها وشخصيّتها. ف"كرامةُ المرأة تُقاس بمقياس الحبّ الذي هو في الأساس، مقياسُ عدالةٍ وبرّ"، كما يقول القديس أوغسطينوس.

العقل ودورُه في حياة الزوجين
   يبقى العقل دومًا، محورَ جميع المدركات والقابليات والأفعال التي تساعد الإنسان في تكوين تفكيره وإدراكه وإسعاف ذاكرتَه للقيام بما هو مطلوبٌ منه في مسيرة حياته بوعيٍ وإدراكٍ كاملين. لقد تطرّق العديد من الفلاسفة الكبار إلى مسألة العقل، وعالجوا وظائفَه وحركاته وخرجوا بنظريات عن أهميته في حياة الجنس البشري، كأفلاطون وآرسطو لدى الإغريق والمحدّثين منهم مِن أمثال كانت وديكارت وفرويد، وغالبيتُهم يرون بأن العديد من الجوانب العقلية والعاطفية ترتبط ببعضها البعض، ومن ثمّ لا يمكن فصل بعضها عن الأخرى، لأنها تشكل حزمةً موحدةً في سياق التهذيب الروحي والمادي في حياة الكائن البشري.
   ولكن، هل للعقل فرصةٌ كي يقرّرَ أن يحبّ أو يصدرَ إيعازًا بالحبّ؟
   قد يعتبر البعضُ، وهو محقّ، أنّ العقلَ زينة الرجل الراجح ودفّة المرأة المتعلّمة، حين الاحتكام إلى صغائر الأمور وكبائرها في الحياة الزوجية التي تتقاذفُها المشاعر وتتجاذبُها المصاعب في لجّة بحار الحياة البشرية دون هوادة. فما مِن حياة هادئة على مسار الخط، وما مِن أخرى ماردةٍ على الخطّ عينِه. فمِن خلال العقل، يحاول الإنسان أن يرسم ملامح حياته ويُنضج خططَا يعتقدُها صائبة وقابلة النجاح والتحقيق. ومَن لا يعمل على ذلك، بل ويتركُ الحبلَ على الغارب، فهو بمثابة حيوانٍ سائبٍ كسائر البهائم التي تعيش في الغابة، لا همَّ لها ولا هدف، سوى الأكل والنوم والجري وراء الغريزة الفطرية. وحيثُ يتسّمُ العقل بالاتزان والرجاحة في كلّ شيء، يضحي دليلاً هاديًا لخطوات الإنسان. وهنا في موضوعنا، هذا ما يتبنّاه الزوجان لتسيير دفّة حياتهما الزوجية.  فالحبُّ الخالي من سمة العقل، يكون ناقصًا، بسبب افتقاده إلى أحكامٍ واقعية تعينُه على تقبّل الآخر على حقيقته، وليس على ما يظهرُ عليه من صفاتٍ وملامح. لذا، لا بدّ من ترصين الثاني أي العقل، كي يستقرّ الأول أي الحبّ، ويأخذ مداهُ في ترسيخ علائق الحياة الزوجية الصحيحة المبنية على الألفة والرحمة والمودّة والتفاهم والتضحية، والتي تعزُّزُها في الوقت ذاتهِ وتنعشُها أوقاتُ العلاقة الحميميّة المتزنة بين الشريكين.
   هناك، أمورٌ بديهية، لابدّ من توفرها، حين الاحتكام إلى مسألة ترجيح العقل في مفهوم العلاقة الزوجية واختيار الشريك. ولعلّ أهمَّها يكمن في التوافق النظري والأخلاقي والمعنوي والمجتمعيّ الذي يشمل المستوى الثقافي والأسري والاجتماعي والعمري أيضًا، وهي سماتٌ تكفلُ نوعًا مقبولاً ومنطقيًا من التكافؤ والتقارب بين الشريكين. أمّا التجاوز على هذه المعايير، فقد يخلق هوّةً، ولو بعد حينٍ، بين المحبّين بسبب غياب الاحتكام إلى العقل في مسألةٍ مصيرية. فالزواج، إذْ أراد به الخالق تكوينَ سعادة بين كائنين جميلين قرّرا الاجتماع والاتحادَ معًا، لا يمكن أن يتحوّل إلى صيغة ميكانيكية لإشباع الغريزة الجنسية أو للإنجاب وتكثير النسل للأمم والشعوب، فحسب. بل يبقى محتفظًا بتلك القداسة التي كرّسها الخالق لبني البشر "لينموا ويكثروا ويملؤوا الأرض"، كما جاء في سفر التكوين. ثمّ جاء المسيح ليزيد من قدسيّته، بجعله رباطًا مقدّسًا ثنائيًا أبديًا لا ينفصم إلاّ بموت أحد الشريكين "فيكونان كلاهما جسدًا واحدً، فليسا هما اثنين ولكنْ جسدٌ واحد" (متى 19:6). فهل أقوى وأسمى من هذا القول الذي رسّخ مفاعيل الزواج المبني على القبول والتراضي بين رجلٍ وامرأة بعد قرارهما الارتباط برباط المحبة الذي يرسّخُه العقل؟
   إنّ العودة إلى العقل في اختيار الشريك وفي إدامة الحياة الزوجية بعد وقوع الزواج، ينبغي أن تولى أهمية كبرى، لأنه السبيل الأوفر حظًا في تركين تلك العلاقة وتعزيز مفعولها. فالحياة لا تخلو من صراعات واختلافات عديدة، وهذه طبيعيةٌ في حياة الزوجين وفي داخل الأسر، وإلاّ لَتحوَّلَ العالم إلى كيانٍ كسيحٍ مقعَدٍ غير مؤهَّلٍ لمواجهة الأقدار والمصائب، أيًّا كان مصدرُها وأيًّا كانت وُجهتُها. فاللّه خلق الإنسانَ ومعه خلقَ فيه عقلاً يهديهِ إلى السبيل الصحيح ليدبّرُ شؤونَ حياته اليومية. وتلك نعمةٌ كبيرة أنعمَ بها الله على الإنسان لتحقيق هذا الهدف وكي يميّزه عن الحيوان وأشكال المادة وباقي الأجناس من الخلائق غير العاقلة. ألا يصدقُ القولُ: إنَّ العاقل يميّز بين الخير والشرّ وبين الصالح والسيّء وبين الحقّ والباطل؟ فكم بالأحرى، إذا استخدمه الزوجان ليكون هاديًا ومنيرًا لدربهما ومفتاحًا لسعادتهما التي تكتملُ براحة البال وتعزيز الثقة بينهما مع مرور الأيام. كما أنه السبيلُ الأوفر حظًّا لتنمية آصرة الزواج بين الشريكين وديمومة الدفء والمودّة بينهما. وقد يكون هو ذاتُه، منبعًا صالحًا لإحياء مكامن العواطف والمشاعر والأحاسيس المختلفة في مسيرة حياة الزوجين حينما يوجّهُها في اتجاهِها الصحيح الذي يرضي خالقَه ومحبوبه ومحيطَه في آنٍ معًا. لذا، فاستخدامَ العقل الراجح، يعني ايضًا، توجيه دفّة الحياة في وجهتها الصحيحة بوعيٍ وإدراكٍ كاملين بالاشتراك مع مزايا وعناصر أخرى لا تقلُّ في أهميتها من أجل إعطاء الحياة بعدَها الإنساني المعقول.

بالحبّ والعقل معًا، تُبنى شراكة الحياة

   لستُ ممّن يعتقد بأنّ بدايةَ الحُبّ نهايةٌ للعقل. سابقًا، قالها آرسطو: "قوة العقل هي روح الحياة". فمَن يمتلك قدرًا من التفكير والاتزان الذهني، فهو في ضوء هذه الفلسفة، قادرٌ على تداول الأفكار وتقبّلها أو عدمها، لأنّه ينطلق من منطق العلم والمعرفة وليس الجهل، وشتّان ما بين الاثنين! وقدرتُه هذه، تمكّنه مِن حسن الاختيار والمناورة والبحث عن شريكٍ مناسبٍ يؤمّن له السعادة وهي تخلق لديه أيضًا، القناعة بإمكانية التفاهم ومبادلة الحبّ على أساس الاحترام المتبادل والفائدة المشتركة في مشروع بناء البيت الأسري على أسس قوية ومتينة.
    إنّ رابطة الزواج لا يمكن بناؤها على عنصر الحبّ وحدَه أو المشاعر التي يصدرها القلب الذي ينجذبُ لجمال الطرف الآخر أو لبعضٍ من صفاته. فعنصر العقل، يبقى مهمّاً في أية بادرة من هذا النوع، وهو ينمُّ عن مقدرة جمالية في النظر إلى الأشياء وإلى الغير على السواء، إنطلاقًا مِن مكنونٍ إبداعيّ، كما يراه أفلاطون أيضًا. فالعقل أيضًا، ينبغي أن يكون حاضرًا منذ انطلاقة الشرارة الأولى أو من النظرة الأولى التي يتيه بها الهائم بحبّ شريكه. وبصورة أعمق، لو أراد أحد الطرفين أن يغوص في معرفة الطرف المقابل، لا بدّ له مِن معرفة نفسه أولاً، كما يرى سقراط، ومن ثمَّ الغوص في أعماق طبيعته وجوهر كيانه ليحدّد تمامًا ما يراه مناسبًا في ضوئها، ويسلك بموجبها كي يحقق السعادة بالتالي. ويضيف الفيلسوف سقراط في هذا الصدد:" لاريب ان بعض الناس ينغمس في السعادة مصادفة، وأولئك هم سعداء الحظ، غير أن الحصول عليها باستخدام الذكاء و الإرادة هو عين الحكمة". فالسعادة هنا، هي مقدار ما يمنحه الحبيب مِن حبّ ومودّة وعاطفة لشريكه باتزان عقليّ وانسجامٍ مشوّقٍ وفق القوانين الإنسانية التي منحتها السماء والطبيعة منذ بدء الخليقة بأبوينا الأولّين آدم وحوّاء. وما دام الإنسان، ليس له مِن غاية في الحياة، سوى تحقيق السعادة وعيش حياة الطمأنينة والسلام في البيت وفي المجتمع الذي يتواجدُ فيه، لذا عليه البحث عنها بكلٍّ من قلبه وعقله على السّواء. وهذا ما حدا بالفيلسوف الإغريقي سقراط أن يعلن بوضوح فلسفتَه في الحب بكلمات ومعانٍ خالدة بالقول: "الحبُّ من بوابة العقل وحده يفقد إثارته، والحبُّ من زاوية القلب وحده يفقد اتزانه، والحبُّ عن طريق اتفاق العقل والقلب معا يعني البقاء والخلود. مَن يحبُّ بعقله فقط، لا يتمتع بسحر الحبّ وجمالِه، ومَن يحبُّ بقلبه فقط، لا يأتي من حبه إلّا الألم والندم.  لكنْ، مَنْ تتّحدُ نبضاتُ قلبه مع ذبذبات عقله في اتجاه واحد في زمن واحد لشخص واحد، فهو بذلك يحقق قمّة الإنسانية وشفافية العاطفة واكتمال الحب وجمالية الرضى والاكتفاء وتطابقَ الصورة الخفية الساكنة في منطقة اللّاشعور مع الصورة الظاهرة لشخصِ مَنْ يحبُّ، فلا يجدُ أيَّ اختلافٍ يُذكر بين الخيال والحقيقة والعاطفة والمنطق والقلب والعقل .في الحبّ، نبحثُ عن نصفنا الآخر المكمِّل لذواتنا وإنسانيتنا بملامح ذاتية وصفات معينة وخصائص غامضة وغائمة وحالمة، قد نجده مبكرا في بدايات المراهقة فيبقى هو الحب الأول والأخير مهما أحببنا أو عرفنا أو شاركنا سواه وقد نعثر عليه متأخرًا في مرحلة النضج فنفرح ونحزن معًا، لأنّ الأوراق تغيرت والظروف تبدلتْ، فلمْ نعُدْ مهيَّأينَ لاستقباله ولا لاحتضانه . فننظر إليه من بعيد كالقمر نترقبُ إطلالتَه وزيارتَه ليضيء الغرفة المظلمة، غرفةَ القلب ، وقد يمضي العمرُ كلُّه ونحنُ لا نزال في رحلة البحث عن نصفنا الآخر المفقود الذي لم نلتقي به أبدا".
    على الصعيد ذاته، يرى بعض خبراء علم النفس وعلم الاجتماع معًا، أن السنوات الأولى من اقتران الأزواج، ربّما تكون من أصعب الفترات، إذ إنّها ترسم ملامح مسيرة الحياة المشتركة بين الزوجين وتحدّد نجاح تلك العلاقة مِن فشلها. الكاتب "يوسف أسعد"، في كتابه الموسوم "الشخصية المحبوبة"، يُرجع السبب إلى كون تلك العلاقة هي حصيلة تفاهم بين عقلين وانسجام بين قلبين إلى جانب الجاذبية الجنسية بين الأزواج التي لا تقلّ أهمية في تحديد مصير العلاقة المشتركة. أي بمعنى أدقّ، يكون الحبّ الصادق والاحترام المتبادل والتفاهم الروحي والجسدي معًا، من الأدوات المهمة في الاستقرار النفسي والتوازن في أية حياة زوجية، وعليها تُبنى حياة الزوجين، سعادتُها وشقاؤُها. فهذه جزءٌ مهمٌّ من الأركان الأساسية الأخرى التي تقوّي حياة الزوجين وتدعم مسيرة  حياتهما. من هنا، يشكّل العقل ركنًا مهمًا أوَّلَ في حياة الزوجين. إذ لا بدّ من تفاهمٍ بين عقلين مختلفين قرّرا الاجتماع والاشتراك في مشروع جديد يجمعهما معًا، وصولاً إلى انسجام مقبول ومع افتراض وجود اختلافٍ في وجهات النظر أو البيئة التي نشأ فيها كلٌّ من الزوجين وما يرافق هذه البيئة من عناصر مختلفة مِنْ بشر ومادة وروحيّة ومِن استعداد لتقبّل وجهات نظر ورغبات وتطلعات مختلفة. فيما الركن الثاني، يتمثل بالحبّ ومقداره في عملية تعزيز الركن الأول. فعندما تلتئم القلوب على بعضها وتنسجم المشاعر والأحاسيس وتتفاعل في خضمّ أحداث الحياة بحلوها ومرّها، يُفهم مِن ذلك نجاحُ العلاقة الزوجية، وفشلُها بعكس ذلك. إذن انسجام القلوب كفيلٌ بتعزيز روح الحياة المشتركة بين الأزواج ودافعٌ إضافيّ من أجل نجاح العلاقة الزوجية. غير أنّ هذا الانسجام لا يمكن أن يأتي مفاجئًا أو من فراغٍ أو لمجرّد الاقتران. فهو قد يأخذ مدى من الأيام بل سنينًا، حتى يحصد نتائج إيجابية بحيث يخلق من الشريكين معادلةً متلازمة لا يمكن التفريقُ والابتعاد بينهما إلى حدّ بلوغ درجة الهيام والكلف والوله اللاشعوري أحيانًا، ما ينعش حياتهما معًا. فيما لا تقلّ الجاذبية الجنسية والتكامل الجسماني بين الشريكين أهمية في تحقيق الانسجام بي العقلين والقلبين. وهذا ممّا يمكن عدُّه، ركنًا آخر من أركان الزواج الناجح. وهذه إذا اجتمعت معًا، حينذاك يمكن الحكم على علاقة زوجية بالنجاح والتوفيق لإكمال المسيرة المشتركة.
   من دون شكّ، هناك إذن، معادلةٌ بين القلب الذي هو منبعُ الحبّ وبين العقل الذي يوجّه تصرّفات الأوّل ويتحكّم بها مِن منطلَق "الأنا العليا" التي تردعُ "الهو" المسؤولة عن كلّ التصرفات الحسيّة وتضع حدّاً لرغبات "الأنا" العديدة. وفي ضوءِ هذه الخصال، تتحدّدُ معالمُ الشخصية البشرية والإنسانية للمخلوق. فالقلبُ والعقل ركنان اساسيّان من أركان حياة الكائن البشري، وبغيرهما لا تستقيم الحياة. فلو قُدّر لهما إبقاء الصراع بينهما، لما تمكنا من العيش السويّ في جوٍّ من الشراكة في كلّ شيء، والتي تعني من جملة ما تعنيه الابتعاد عن كلّ ما يغيض الخالق والإنسانية على حدِّ سواء. فهُما إذن، مكمّلان لبعضهما البعض، وهكذا يجب أن يكونا دومًا.

من مشاكل العلاقات الزوجية

   رابطة الزواج تعني التزامًا أخلاقيًّا قبل كلّ شيء، ببدء حياة جديدة بين إنسانين اتفقا العيش معًا في اتحادٍ، كما يشير إلى ذلك العقد الذي يجري بين الشريكين. والعلاقة الزوجية، هي أجمل ما في الحياة، إذا كانت مبنية على التفاهم والمحبة والدفء والعاطفة المتزنة والثقة المتبادلة، وليست سجنًا كبيرًا كما يشيع بعض ضعاف النفوس الذين لم يحكّموا العقل والقلب في اختيار الشريك المناسب. ولكنْ، قد تتعرّض الحياة الزوجية بين فترة وأخرى إلى فتراتٍ من الركود والفتور وبعض المشاكل اليومية نتيجة لمنغصّات طارئة أو بسببٍ من مشاعر سلبية ناجمة عن أنانية أحد الشريكين أو كليهما معًا، والتي قد تفسد تلك العلاقة الجميلة بينهما. وهذه، إن لمْ تُعالج اسبابُها فورًا بالمصارحة والتنازل لبعضهما البعض، فإنّها قد تستفحل فيصعبُ مِن بعدها معالجة الضرر والشرخ الناجم عن تعكير صفوها، بسبب تجاوزها عتبة الثقة التي تتزعزع بين الطرفين. والمشاكل الزوجية في عمومها، تأتي من عدم الانسجام الفسيولوجي والديني والمذهبي والعرقي والنفسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والنظرة إلى الحياة من وجهة نظر سياسية في بعض الأحيان. وتشير أغلب تقارير الباحثين، إلى عزو أسباب المشاكل في العلاقات الزوجية إلى الإخفاق في التوافق الجنسيّ أولاً، ثمّ تأتي باقي الأسباب الجانبية الأخرى التي لا تقلّ في تأثيرها على سلوك الأزواج. هناك مشاكلُ شائعة الأسباب بين الأزواج. فإنْ كانَ الزواج مبنيًا على صخرتي العقل والحبّ، فإنّه ليس من السهولة تعرُّضُهُ للانهيار، ذلك لأنّ أساسَ بنيانِهِ أقوى ممّا قد يتعرّض له الزوجان من مشاكل عارضة، يمكن حلُّها بالتفاهم والتنازل الواحدُ للآخر رغبةً بإدامة جانب المودّة والرحمة والحبّ الصادق الذي يمكن أن يجمع بين المحبَّين. وبعكسه، لو افتقر إلى أساسٍ صحيح في بنيانه، لانهار، وكان انهيارُه كبيرًا ومدمّرًا للرباط الذي يجمع الطرفين بغير هديٍ وبعيدًا عن اتزانٍ في العقل ورويّةٍ في القلب. وإنّ مثل هذا الزواج المفكَّك أصلاً، لنْ يستطيعَ مقاومة عتوَّ الحياة وقسوتَها إذا ما هاجمته عوائد الدهر وتمكّنت من اختراق أسرارِه بسرعة.
   ولعلَّ من المشاكل التي تواجه حياة الزوجين، والتي يمكن التطرّق إليها بشيءٍ من العجالة، من أجل التذكير ليس إلاّ، والحثّ على تجاوزها وتجنّبها، نذكر:
-   محاولة الزوج فرضَ سطوته وقوامته على المرأة في المجتمعات الذكورية خاصةً، دون مراعاةٍ لشعورها وتطلّعاتها وحقّها في التعبير والحركة وإبداء الرأي، كإنسانة مساوية له في الخلق وليس كعبدة أو كشخصٍ ثانويّ أو كمجرّد تحفة جميلة استملكّها الرجل لتكون تحت تصرّفه متى وأينما وكيفما شاء.
-    وفي ذات السياق، يمكن للاختلاف في الرأي حول تصرّف الأهل وذوي أو أقارب الزوجين وتدخّلهم أحيانًا في شؤونهما، أن يكون له دورٌ كبيرٌ في إثارة المشاكل بين الطرفين وفي تفاقمها، حيث لا يمكن حلّها أحيانًا إلاّ بالابتعاد عن عائلتيهما والعيش في سكنٍ لائقٍ مستقلّ.
-   الجانب المالي، قد يكون حاسمًا في إثارة المشاكل بين الزوجين. هناك من الأزواج من يعاني من شرهٍ ومتعةٍ لا حدود لها بالتسوّق وارتياد المولات والبحث عن الموضة وآخر الصيحات الإلكترونية المنتشرة هذه الأيام، ولاسيّما مِن قبل الزوجة، ما يثير سخط الزوج عليها، عندما لا تساعدُ أوضاعُهم المادية الضعيفة لسدّ الحاجة اليومية والمصاريف المتراكمة بسبب عسر المعيشة. فالمرأة المتطلّبة، تكون صعبةَ المراس، ما قد يحمل الزوج المسكين للبحث بطرق ملتوية وغير مشروعة أحيانًا، عن موارد إضافية من أجل ترضية زوجته التي قد تهدّدُه بأشكالٍ وألوانٍ من التحريم والمنع والعقوبات التي تتفنّنُ بإخراجها. كما أنّ إدمان الرجل على التفريط بماله في حالة إدمانه على ارتياد أماكن التسلية والمتعة والقمار، من شأنه أنْ يدمّر العلاقة الزوجية.
-   الاختلاف في الرؤية الثقافية والدينية والاجتماعية، من شأنه أن يشكّلَ عائقًا في استمرار الرباط الزوجي، لعدم تناغم الطرفين وبسبب فقدان الانسجام بينهما، بحيث يصل التفاهمُ عليها إلى طريقٍ مسدود.
-   موضوع الإنجاب وتوقيتُه ووسائل تربية الأبناء، هو الآخر، قد يختلف عليه الزوجان ليشكّل وسيلة إضافيةً لطلب الانفصال والابتعاد عن بعضهما البعض.
-   الوضع النفسي والهيأة العامة لأحد الطرفين وكذلك عدم التوافق أو النفور الذي يمكن أن يشكّله أحد الأزواج لشريكه، ولاسيّما الذين لم يتسنّى لهم التعارف مع بعضهما عن قرب قبل الاقتران. والخوف هنا، عندما يصعب مشاركة الطرفين سرير العش الزوجي، ما يعني فقدان أهمّ حلقة في رابطة الزواج وهي الانجذاب الجسديّ الذي يجمع الشريكين ويشدّهما لبعضهما البعض.
   هذه وغيرُها وكثيرٌ من الأسرار الزوجية المستعصية، كفيلةٌ بفتق الرابطة الزوجية بين الشريكين في حالة افتقارها لاستخدام العقل والحكمة في رأب الصدع في العلاقات. فهي تحدّياتٌ جديرة بالاهتمام والمعالجة مع بدء ظهورها.
تحديات ووقائع

   إنّ الزواج عامةً، تكفلُه الشرائع الدينية والإنسانية والوضعيّة. لقد لوحظ في السنين الأخيرة بخاصة، ميلٌ لكفّة انهيار العديد من الزيجات، والأسباب كثيرة، كما رأينا في السطور أعلاه. هناكٌ أديانٌ أجاز فيها الشرعُ الطلاقَ بين الزوجين بكلّ سهولة، بسبب تباين الرؤى حول الرباط الذي يجمع الرجل والمرأة، وكذلك بسبب نظرة الدّين إلى الغاية من فعل الزواج نفسه. ففي المجتمعات الذكورية، العربية منها والإسلامية بصورة خاصة، تختلف نظرة الرجل إلى المرأة التي يعتبرها أحيانًا سلعةً أو تحفةً كباقي السلع والتحف التي يرغب باقتنائها وشرائها بماله، حيث تكون له قوامةٌ كاملةٌ عليها وعلى تحركاتها وسلوكياتها، دون إيلاء اعتبار لإنسانيتها وحريتها وكرامتها ككائن بشري جميلٍ مساوٍ للذكر ومخلوقٍ على صورة الله ومثالِه، كما أراده الخالق.
    إنّه، ومع كلّ الجهود التي تبذلها جهاتٌ توعوية ومنظمات إنسانية ونسائية محلية وإقليمية ودولية من أجل تغيير نظرة المجتمع إلى وضع المرأة في هذه المجتمعات النامية المتخلّفة في نظرتها إلى المرأة بصورة خاصّة، إلاّ أنها مازالت تصطدم بمعوّقات، في غالبيتِها تقف وراءها مراجعُ دينية تخشى مِن ضياع سطوتها وسيطرتها على المجتمعات التي تطالب بتغيير نظرة المجتمع إلى حقوق المرأة، واعتبارها كائنًا إنسانيًا يستحق التقدير والكرامة في مسألة الزواج وتكوين الأسرة وفي حرية التعبير وإبداء الرأي والقيادة.
    فيما يأخذ في المسيحية مدى ارتباطيًا مصيريًا غير قابل التفكّك والانفصال. فقد رفعته الكنيسة إلى رتبة مرتفعة الشأن وعدّته سرًّا من أسرارها المقدّسة، لا يمكنُ انفصالُه أو إبطالُه إلاّ في حالات استثنائية يجيزها الشرع المسيحي، بعد تقديم وثائق وبيّنات دامغة قابلة للطعن في المحاكم الكنسية في حالة الشكّ بصحتها. لذا فهو يسدّ الطريق تمامًا، أمام مَن يحاول تعطيله والاستخفاف بمفعوله وقانونيّته. بالزواج المسيحي، يصبح الزوجان واحدًا، ف"ليسا هما اثنين ولكنْ جسدٌ واحد". من هنا نفهم شدّة الآصرة التي تجمع الشريكين في هذا السرّ المقدّس غير قابل الانفصام إلاّ بالموت، ف"ما جمعهُ الله، لا يفرّقُهُ إنسان" (متى 19:6). ومِن ثمَّ لا مجالَ للطلاق والانفصال، بل كلُّ ما هو مسموح به، لا يتعدّى السماحَ بالافتراق بين الزوجين في حالة استعصاء المشاكل بينهما ووصولها لطريق مسدود. وهذا، ليس طلاقًا، بل افتراقًا، لا تجيز الكنيسة بموجبه لأيّ طرفٍ منهما بالزواج من جديد. أمّا الخروج عليه، فيعني خروجًا على قانون الكنيسة وعن صفوفها أيضًا. فليسَ مقبولاً، أن يلهث المتزوجون نحو طلب الطلاق، لأتفه الأسباب وأبسطِها، أو لمجرّد الاختلاف في الرأي أو بسبب هفوة يمكن أن يتعرّض لها الزوجان في أية لحظة أو موقف أو ظرف طارئ بشأن ما، ذلك لأنّ الحياة الزوجية بطولها وعرضها، مليئة بالكثير من الإخفاقات والنجاحات، والصعوبات والسعادات، وعلى الطرفين أن ينسجما ويتوافقا بالقضاء على الغضب والأنانية وحبّ الذات باستبدالها بالمصارحة والتضحية ومشاعر الحب وبالصبر والإرادة القوية وإيجاد البدائل التي من شأنها إنعاش الحياة الزوجية بشيء جديد في كلّ أزمة تستجدّ.

خلاصة

   يُفترض بالعلاقة الزوجية أن تكون تكامليّة مشتركة وليس ندّية وضدّية بمعنى التصارع والتنافس لِمَن تكون السيادة والسطوة والقوامة. فإذا اجتمعت مجمل هذه الأركان والصفات، انتعشت حياة الزوجين، ولن يكون بالإمكان استغناء أحدهما عن الآخر طيلة مشوارهما المشترك الذي سيتصفُ بالحبّ والمودّة والرحمة والتفاهم والتعاون والاحترام وإدارة البيت وتقرير وجهته بأفضل ما يمكن. فهذه جميعًا سلوكيات إيجابية وثمار لمفهوم صادق للحياة الزوجية بحلوها ومرّها. وفي حالة فقدان هذه العناصر مجتمعة أو منفردة، فإنّ الحياة تصبح جحيمًا أزليًا لا يُطاق ومن دونها لا يستقيم الزواج. وهنيئًا لمَن يستطيع الحفاظ على عنصر الصداقة مع الشريك بعد تحقيق مرحلة الزواج. وإذا كان الحب عمومًا، لا يخضع الى القياسات والحسابات التي يضعها العقل، إلّا أنّه لابدّ للقلب، مصدر الحبّ التقليديّ، أن يستشير العقل في مسألة اختيار الشريك وفي كيفية الانسجام معه، كما العكس صحيحٌ، كي يتوّجَ الاختيار بسيلٍ من السعادة التي يتمنّاها الجميع، ويمكن للحبّ حينئذٍ، أن يأتي لاحقًا، وليس العكس، لأنّ العلاقة التي  تخلو من الحب لا تدوم وتظلّ مهدّدةً بالانهيار.

لويس إقليمس
بغداد، في 20 أيار / 2014

29
عذرًا سيدي البطريرك:
 الكنيسة العراقية كلّها منكوبة، كما الشعبُ!
لويس إقليمس

قرعُ أجراس الخطر هنا وهناك، بين فترة وأخرى، سواء من جانب الرئاسات المسيحية أو مِن أوساط المكوّن ذاته، أصبحَ لازمةً غير مجدية. فالتيار الجارف، وليكنِ اليومَ شكلاً من أشكال تسونامي طائفيّ أو عرقيّ أو دينيّ، حينما يحين وقتُه، لا أحد يمكنه أن يردّه أو يدحره. قد تنفع معه بعض أشكال التهدئة أو التخفيف عن معاناة. ولكنّه ماضٍ في طريقه المرسوم له متى شاءت قدرات القوى الظاهرة المعروفة أو تلك المخفية المجهولة الهوية.
هكذا أصبح حالُ العالم في زمن العولمة التي اجتاحت المادة والفكر والعلم، والشجر والماء والهواء، كما أثرت في حركة البلدان والعباد برسم التوقعات وتعديل الفلسفات وتأويل السياسات. ونحن في العراق، لسنا شذوذًا عن هذا وذاك. ولكنّي لن أتحدّث إلاّ عن حالة المكوّن المسيحيّ الذي وصل إلى حالة مزرية، واقعًا في مأساته المضاعفة بين نفرٍ قابعٍ في بلاد الغربة يُصدرُ ويصدّرُ تعليماته وتوجيهاته وأفكارَه المسمومة، ضاحكًا على عقول البسطاء. فهو حينًا، يحرّضهم على ترك أرض الوطن من أجل أمان أفضل ومستقبلٍ أوفر، وفي أخرى مرائيًا يدعوهم للبقاء في أرض الآباء والأجداد في تناقض صريح مع الذات ومع الغير. والثانية بين مُدَّعٍ في الداخل بالاعتصام بحبل الرجاء والأمل، دون أن يقدّم ما هو ملموس للصمود والبقاء. ولكنْ "حتّى متى، وإلى متى يبقى البعيرُ على التلّ" شاخصًا عينيه المنهكتين نحو سراب الصحراء التي كانت بالأمس أرضًا خصبةً ولودة، واليوم أجدبتْ بعد أن أقحطتها السياسات الجوفاء المتتالية والأحقاد التاريخية المتكرّرة منذ عقودٍ، بل منذ قرون؟؟؟
متى دُقّت أجراس الخطر!
كثيرة هي أجراس الخطر التي دُقّت على مرّ القرون والعقود والأعوام. حديثًا وبعد السقوط مباشرة في 2003، أجراسُ الخطر دقّت منذ أن سلّم مّن ادّعى تمثيل المسيحيين (أيًّا كان شخصُه أو موقعُه) أمرَه للغريب الطامع وتقاعسَ عن أداء واجبه الكنسي والوطنيّ، فأصبح بذلك ذيلًا تابعًا لهذه الجهات، يأتمرُ بأمرها ولا يزيغ عن توجيهاتها، لأنّها اشترتْهُ ومعه أتباعَه رغم أنف المعترضين. فمتى سيكون قرارُنا مستقلًّا وإرادتُنا ثابتةً راسخة وتصوّراتُنا صائبة وغير مهزوزة بفعل التأثيرات الجانبية، التي في أغلبها هي معيبة وغير مجدية؟ وإذا كان البعض من هؤلاء، ومنهم مَن كانوا ومازالوا في مواقع كنسية مهمة ومؤثرة أوفي أحزاب هزيلة صوريّة، قد عشقوا التبعية والخنوع وتفضيل الغريب على أهل الدار، أليس في هذا الأمر الجلَل من "نكبة" حقيقية على تاريخ مسيحيتنا وحضارتنا وثقافتنا، وخطرًا على وجودنا وهويتنا وكياننا؟ فكيف لهؤلاء الأتباع الصاغرين أن يدفعوا ويوقفوا شرَّ الهجرة ويجاهدوا في تجذير المتردّدين في البقاء في أرضهم ووطنهم، وهم ينفذون أجندات أسيادهم في الداخل والخارج؟  لقد قرعنا جرس مثل هذه المخاطر منذ زمن، ولكن، لا مِن مجيب أو مستجيب!
جرس الإنذار، دُق أيضًا منذ حين، عندما بدأت جهاتٍ متنفذة بفرض كيانات طارئة بمسمّيات غريبة على إرادة شعبنا منذ السقوط في 2003. لقد كان لظهور المجلس الشعبي الطارئ مثلاً، وبتسميته القطارية فيما بعد، بداية الانحطاط عبر تحجيم القرار السياسيّ المسيحي المستقلّ. بل كان إنذارًا بالبدء بتقسيم شعبنا بحسب الولاءات لهذا الكيان أو ذاك، وحسب التمويل والدفع المسبق والوعود، وما أكثرها!
 قلناها في حينها، كما قالها غيرُنا: لا تلقوا جواهرّكم قدّام...(الغرباء)"، فإنّ لنا مع الطارئين والمتبجحّين عبر الزمن تجربة مريرة! حينها، بدأ هذا الكيان مجلسًا شعبيًا طرحَ ذاتَه "فارسًا كبيرًا" في خدمة القرى المتضرّرة وفي معاونة الناس الذين عانوا الأمرّين جرّاء الاستحواذ على أراضيهم وقراهم في شمال الوطن الغالي. وكان له ذلك، بعد أن أزاح من أمامِه تنظيمًا وليدًا موحدّا أقرّته الرئاسات الكنسية والأحزاب والمثقفون مباشرة بعد السقوط في 2003، حين تشكيل المجلس القومي الكلدو-آشوري سابقًا، والذي اتخذ تسمية أكثر شمولية حين إضافة مكوّن "السرياني" عليه، بعد اعتراضنا المضني لمرّات، وملاحظاتنا على محاولة جهات معينة السطوَ عليه بالضدّ من الإرادة العامة بهدف جعله تنظيمًا تابعًا. لكنّ الأخير تهاوى بسبب الدسائس التي حيكت ضدّ وجودِه وبالضدّ من استمرار نشاطه، كما كان مرسومًا له تمامًا. والغريب أن التحق في صفوف المجلس الشعبي القطاري الجديد هذا، أغلبُ الأعضاء النشطين في المجلس القومي السابق، في سابقة مدسوسة ومخطَّط لها بعناية!
واليوم، تتكرّر ذات المأساة، بظهور كيانات جديدة من صنيعة ذات الجهات المتنفذة أو غيرها. فالجهة التي أتت بالمجلس الشعبي القطاري مثلاً، لاحظت مقدارَ الاعتراض الكبير على تنظيم هذا المجلس المذكور وكذا على تصرّفات بعض أفراده، ما يجعله في الأيام القادمة في حكم الآيل إلى الزوال، عاجلاً أم آجلاً. من هنا يأتي اعتراضُ المجلس المذكور الأخير على نتائج الانتخابات البرلمانية بسبب مزاحمة الكيان الجديد " شلاما" لموقعه، رغم أنّ الكيانين من صنيعة ذات الجهة! هكذا هي لعبة الكبار، يصنعون من لا شيء شيئًا، ثمّ ما يعتموا ينهون ما بدأوه بحسب المصالح والظروف والأوقات. مثلاً، كيان "شلاما" الجديد، من حقه أن يدخل حلبة السباق، طالما أنّ الديمقراطية والحرية تتيح للجميع ذلك، وعليه اليوم إثبات هويته الصريحة كي يتمكّن من إزاحة المجلس الشعبي القطاري، الذي انتهت صلاحيتُه وانطفأت شعلتُه السياسية، كما يبدو، بعد أن أدّى دورَه بكلّ إخلاص وتفانٍ وخنوع، وقد آن الأوان لاستبداله بجديدٍ آخر بدماءٍ جديدة لتمرير متطلبات جديدة تحتّمُها المرحلة القادمة! أمّا الكيانات الجديدة (شلاما، وبلاد النهرين، وأبناء النهرين المنشق عن زوعا (الرافدين) النضالي، وسورايي، وأور، والوركاء، وبابليون، وربّما أخرى غيرُها) والتي وصفها البعض بالطارئة وجنى عليها أيضًا، فهذا الاتهام غير مقبولٍ. فهذه أيضًا حالُها حال المجلس الشعبي القطاري، كان لها كلّ الحق في دخول حلبة المنافسة. ومن ثمّ ليس المهمّ مَن يمثلها، بل الأهمّ مَن ستمثل هذه الكيانات وكيف، وهل سيكون قرارُها مستقلاًّ بعيدًا عن تأثيرات مَن أتى بها إلى الساحة السياسية المضطربة؟ وباختصار، هل ستتمتّع باستقلالية قرارها في إظهار قدرتِها على المناورة والاصطفاف إلى جانب حقوق جميع المسيحيين، أم ستكون تابعًا آخر ليضاف إلى سابقاتها واختصار دورها على احتلال منصب هنا وهناك؟
هنا القول الفصل. أليس في هذا التشظّي الجديد "نكبة" حقيقية تستحق قرع أجراس الخطر وليس جرسًا واحدًا؟ فهذه جميعًا، نادت وتبجّحت في برامجها عن دفاعها ضدّ التجاوزات على أراضينا وممتلكاتنا مثلاً، ولا أدري كيف ستفعل ذلك.
هل الكنيسة الكلدانية وحدها منكوبة!؟!
جميلٌ أن يُعاد قرعُ أجراس الخطر بين فترة وأخرى. والأجمل اليوم، أن يصدر ذلك مِن رمزٍ دينيّ ووطنيّ شجاع، نعدُّه رأسًا للمسيحية كلّها وليس لطائفته "الكلدانية" التي يراها لوحدها "منكوبة". ولكن، ألمْ يكن الأجمل أن يكون قرعُ هذه الأجراس تعميمًا لحالة التهرئة والتشظّي والانقسام التي أوصلت البلد إلى حافة حربٍ أهلية، لا ناقة للمسيحيين فيها ولا جمل؟ وبالتالي، ألمْ يكن الأجمل أن يُشار إلى مأساة الشعب المسيحي كلّه، المنقسم على ذاته بين "كلدانيّ" متعصّب، منغلق ومنكفئ على طائفته و "آشوريّ" متزمّت يبكي على أطلال حضارة سادت ثمّ بادت ولم يعدْ لها مِن فرصة وجود إلاّ في وجدان وأخيلة هذا النفر المضلِّل والمضلَّل معًا؟
وفي الطرف الآخر يقف نفرٌ من "السريان"، بعد أن نما لبعضهم ريشٌ وتَفَرْعَنَ بفعل منشطات مادية قادمة من أطرافٍ مغرضة، طامعة بأرضهم وطيبة أهلهم وتفتّحهم، حيثُ معرفة هذه الأطراف المتنفّذة باستعداد نفرٍ ضعيفٍ وجبانٍ من أوساط أبناء المنطقة لبيع أرض آبائهم وأجدادهم برخص التراب، تمامًا كما باع يهوذا معلّمَه المسيح بثلاثين من الفضة! في حين لم يستطع العتاة "البكّات" أي "الجليليون" بكلّ ما أوتوا من سطوة وجبروت من صدّ إرادة الأصلاء في باخديدا /قرقوش مثلاً، بالعناد بالمطالبة بحقهم في أرضهم واستعادة صكّ بلدتهم، حين قصد الأبطالُ منهم "الأستانة" العثمانية متحمّلين جمَّ المخاطر ومتجشّمين عوادي الزمن الغادر. ولولا أولئك الجبابرة من الرجال الرجال، لما كان بقي لهذه البلدة السريانية العريقة مِن أثرٍ مسيحيّ، بعد أن أصبحتْ اليوم بفضلهم فقط، مركزًا يُحسب له حسابٌ على الصعيد الوطنيّ والمسيحيّ معًا! فهل سيأتي ذلك اليوم المشؤوم الذي يضحّي فيه أحفاد أولئك الجبابرة ببلدتهم ويبيعوها للغريب الطامع بحفنة من الورق الأخضر لسدّ نفقات مشاريعهم الخاصة الضيقة التي تتعاظم وغنائمهم الشخصية والعائلية دون وازع أو ضمير؟ إنّني من جانبي أعيد قرع جرس الخطر على بلدتي أيضًا!
 وعلى ذات الصعيد أيضًا، هل يمكن لغبطته، نسيان أصالة الشعب الأرمنيّ المناضل الذي ذاق الأمرّين على مذابح العثمانيين في الهلوكوست التاريخي الشهير؟ أليس له الحقّ أن يقرع هو الآخر أجراس خطر فقدان هويته ووجوده؟
كلّنا إذن "في الهوى سوى" وفي النكبات إخوة متضامنون وفي الأفراح متنادون!
هذه وأخرى، كنتُ أتمنّى أن يحسبها غبطة رأس كنيسة العراق حسبًة واحدة دون تفرقة في العناصر المكوّنة للمكوّن المسيحي ككلّ حين قرعَ نواقيس الخطر على طائفته دون غيرها. قد يقول قائل، باقي الملل والطوائف لهم رئاساتُهم التي يُفترض بها الدفاع والتحدّث عن مرؤوسيهم وكنائسهم. نعم، لا شكّ في ذلك. وقد يقول غيرُه إنّ الملّة الكلدانية هي الأكبر. وهذا أيضًا صحيح، ولكنّنا في العراق لا يمكن أن نحسبها حسبة الكبير والصغير والأكثرية والأقلية والمتصدّرة والمتأخرة. إذّ المعوَّل في كلّ هذه وتلك، على غبطته، لما عرفناه فيه من شجاعة وطول باع وبُعد نظر وانتماء للوطن وأصالة وتجذّر ووحدة كلمة إزاء الغير المعروف والمجهول على السواء، في توحيد الصفوف وليس في الفصل والتقسيم والتمييز!
أرجو ألاّ أكون قاسيًا في هذا السرد وهذا التعبير، بقدر ما يحزّ في نفسي هذا التشظّي وهذه المباعدة وهذا الحقد وهذه المشاحنات بين أطراف مسيحية عبر الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي وما يصدر من كتابات وانتقادات لا تخلو من تجريح ونشر غسيل شخصيّ وترسيخ لمفهوم طائفيّ متعصّب، وكأنّي بفرسانها في صراعٍ أزليّ كما في ساحة قتال "ديكة" مستميتة لنْ يهدأ لها بالٌ إلاّ إنْ سالت دماءٌ وكُسرت جرارٌ وهُدّمت أركانٌ لا يُعرف ما لا تحمدُ عقباها!
إنّي أرى أن يكفّ أو على الأقلّ، أنْ يهدّئ مَن اختار المهجر من جميع الملل والطوائف أولاً، مِن تدخلاتهم في شؤون أهل الداخل، ومِن كلّ ما مِن شأنه فيه حضّ وتلفيق وتحريض وكذا من تهويلٍ وتزويق وتنميقٍ للحياة في دول الاغتراب، مقابلَ مَن اختار البقاء أمينًا لأرضه وبلدته ووطنه وصادقًا مع نفسه وأهله وأبناء جلدته. هذه كلُّها من جانب هؤلاء المحرضّين المغتربين، هي من دواعي التشجيع على استمرار نزيف الهجرة وإفراغ البلاد من مسيحيّيها. وأقول كفى للأقلام المأجورة وهي ترفع وتكبس دون وازع من ضميرٍ بسبب فقدانٍ التوازن الشخصي وإيثار مفهوم الأفضل والأجدر والأكبر على الساحة والأَوْلى بالامتيازات على غيرها. فالتناقض لدى هؤلاء واضح. ففي الوقت الذي يمقت فيه الجميع نزعة الطائفية ومفهوم المحاصصة الفاشل الذي أدخل البلاد والعباد في نفق مظلم لكونه مشروعًا مفروضًا من الأسياد الأمريكان المحتلّين، يبرز من بين ظهرانينا من أبناء المكوّن المسيحي ذاته مَن يُرسي ويدعو لتخصيص حصص لهذه الطائفة أو تلك ولمنح منصبٍ للعنصر الفلاني أو ذاك من هذه الملّة وليس لغيرها. إنّ هذه النماذج من أبناء شعبنا المسيحي تنقصهم الرؤية الوطنية والمواطنية على السواء. فكيف بهؤلاء وبهذه الأساليب غير الديمقراطية سينتصرون لوحدة البلاد وسيادة القانون على الجميع ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب من دون فرض أجندات ومساومات مسبقة الفبركة في مطابخ مظلمة من أطرافٍ لا يسرّها الكفّ عن ترسيخ نظام المحاصصة البغيض واستمرار استشراء الفساد وشراء الذمم وما شابهها من منغّصات لا تخلو من مساوئ؟ أليست هذه جميعًا من أدوات تشجيع الهجرة التي يساهم بها نفرٌ من أبناء شعبنا في الخارج بوسائل وطرق شتّى، وفي ذات الوقت يبكون ويتباكون على أرض الآباء والأجداد ويحثون الغير للبقاء في الوطن ثابتين في الإيمان والرجاء وعلى مواعيد عرقوب؟
إنّ بعض هذه الأقلام المأجورة وغير الحريصة على الهوية المسيحية، هي التي تساعد وتساهم في إدامة نكبة أهل الداخل. فالكلدان ليسوا وحدهم منكوبين، بل العرق كلُّه منكوب والمسيحيون جميعُهم منكوبون! لذا فإنَّ لغة الفصل العنصري والتمييز في الحقوق قد ولّت إلى غير رجعة، ولن نقبل بها البتّة حتى لو كان على رأس البعض ريشة! ولتكن البداية مع ممارسة الديمقراطية في الوسط المسيحي قبل غيره من المكوّنات الوطنية الأخرى بالتصدّي لأهل الفتنة المذهبية والطائفية عبر مشاحناتهم المخجلة في مواقع التواصل الاجتماعي والانترنت. وعلى الأصلاء والمثقفين ألاّ ينساقوا لمثل هذه المهاترات والمشاحنات التي تفقد الكاتب والناقد مصداقيتَه وتعاطفَه مع الحق وصاحب الحق.
خطر الهجرة، نكبة!
شئنا أم أبينا، فالهجرة أضحت ظاهرة عالمية. والظاهرة قد تكون إيجابية أو سلبية. أمّا في العراق كما في منطقة الشرق، فهي سلبيةً بكلّ مفاهيمها، بل مأساةً حقيقة لأنّها اقتلعت جزءًا كبيرًا من الزرع الطيب الأصيل من جذوره. فبدون ثقافة مسيحية ومن دون خيوط لحضارة مسيحية بارزة عبر الزمن، لن يكون هناك عراقٌ أصيل ولا شرقٌ أثيل، بل أرض جدباء وصحراء حارقة تفقد رطوبة الحياة وجدواها.
نحن جميعًا، نعي اليوم خطر الهجرة الذي أضحى مادة إعلامية دسمة للبعض ولقمة يستسيغها مَن يريد الضحك على ترّهات الزمان التي أتى بها أعداء الشعوب المستضعفة بطرق استعمارية جديدة من خلال غزو الفكر والبشر والأرض وما عليها لوضعها تحت تصرّف جبابرة العولمة. لقد حوّل الاستعمار الجديد أرضنا وأوطانَنا وبشرَنا إلى أدوات خانعة تؤدّي وظيفتَها في الحدود التي تُرسمُ لها لا غير. لذا لا عجبَ أن يعشعش التصحّر في أوساطنا نحن أيضًا أتباع المكوّن المسيحي، بحيث أفقدَنا هويتنا الدينية و"القومية" والوطنية على السواء. أليست المشاحنات التي تعوّدنا عليها بين قرّاء ومتصفحي المواقع الالكترونية والتواصل الاجتماعي جزءًا من هذا التصحّر عبر مهاترات وتعقيبات وسجالات عقيمة في أحيانٍ كثيرة، لا تثري ولا تنفع بقدر ما تفسد الذوق العام وتسيء إلى سمعة هذا وذاك عبر نشر الغسيل القذر وفضح سجلاّت وتواريخ أشخاص بسبب الاختلاف في مواضيع هامشية لا تخدم شعبَنا ومنها ما يتعلّق بموضوع التسمية والأغلبية والأفضلية والأصالة؟
إنّ الهجرة موضوع عام وخطير على صعيد العالم كلّه، وليس في بلدنا فحسب. مَن هاجرَ وفرَّطَ بأرضه وأهله وأصدقائه وبلده، كان الله معه وكلّ التمنيات له ولغيره بالتوفيق. فقد اختار طريقَه بموجب أسبابه وحيثياته وقناعاته. ولا أحد يستطيع سلبَه هذه القناعة وهذه الحرّية. ولكن بالمقابل، ليس من حقه غرسُ مفاهيم عدائية وتحريض قناعات وخلق فتن لمَن بقي متشبثًا بأرضه، ومتعلّقا بوطنه الذي لم يبعْه برخص التراب، وظلَّ قنوعًا بحاله، وقابلاً بواقعه رغم مرارته أحيانًا. فهذه القلّة القليلة التي سيُكتبُ لها البقاء صامدة، سيكون الله في عونها أبدًا وستصبرُ وتجاهدُ لنشر خميرتها الصغيرة في عجينة العراق الواعدة ونثر ملحها الصالح وسط الكمّ الهائج من الأمواج التي مهما تقاذفتْنا، لن تقدر علينا لأنّ أساسَنا مبنيٌّ على الصخر، مثل صخرة الكنيسة العراقية الأولى التي ما تزال شواهدُها باقية لغاية اليوم ولم تندثر، رغم عوادي الزمن وتقلّبات الدهر وحماقات الأعداء، وما أكثرهم بالأمس واليوم!
إنّ ما يسعى إليه الغرب اللامبالي بمصلحة شعوب غيره من البلدان، أن يستقطب دماء جديدة نشطة جاهزة لخدمة شعوبه العاقرة بعد أن دبّ العجز والعقم في صفوفها. هذه هي الحقيقة من وراء هاجس الهجرة الذي أخذ يثير اليأس والحيرة في أوساط شعبنا المسيحي المتحمّس لحياة أفضل، ومستقبل واعد لأولادهم. وهذه كذبة وتبريرٌ ساقها العديدون من دون أن تنطلي على الكثيرين الصامدين. فقد طاب للكثيرين ممّن باعوا الأرض وضحّوا بالوطن أن يعيشوا على فتات الغرب من دافعي الضرائب الذين ضاقوا ذرعًا بحكوماتهم وسياساتها الاستعمارية الجديدة في استقطاب عمالة جاهزة لفعل أيّ شيء بعد أن أُغلقت بوجه القادمين الجدد (أي المهاجرين) الوظائف المحترمة واضطرّوا للعمل في أسوأ الظروف وحُرموا من حياة اجتماعية طبيعية بحسب التقاليد الشرقية التي اعتادوا عليها في بلدانهم. وقد حصل هذا للكثيرين دون وعيٍ منهم، أو ربّما غشّوا بوعود وامتيازات و"بهرجات" الغرب الفارغة التي لا تتجاوز حدود المادة واللذة وما سواهما.
كان دور المسيحيين في العراق دومًا كبيرًا وفاعلاً على مدى الأزمان والدهور. فهُم تلك البذرة التي أنبتت المحبة والرجاء والأمل في عيون وحدقات المنكوبين والطالبين عونَ السماء بسبب أصالتهم الروحية والوطنية و"القومية". ولو لم يكونوا كذلك، لما بقيت آثارُهم لغاية الساعة ولما رأينا لهم مَن آثرَ البقاء صامدًا رغم الأحداث والتحوّلات وتعدّد النكبات. لقد كانوا وسيبقون ذلك الجسر الذي ينقل حضارتًهم المتمدّنة ومبادئهم المتميّزة لغيرهم عبر الزمن من خلال تمسّكهم بأرضهم وشهادتهم للمسيح وكنيسته إيمانًا منهم بدور المسيحية في إشاعة روح المحبة والسلام والوفاق أينما حلّت وارتحلتْ. لكنّ ما يؤسفُ له في فترات وحقبٍ معينة وفي غفلة من الزمن، أن تكون رؤية رئاسات كنيسة العراق، في هذا الصدد غير واضحة ومتذبذبة طيلة العقود المنصرمة منذ تفاقم الهجرة في تسعينيات القرن الماضي ولغاية وقت قريبٍ. والسبب واضح، وهو ضعفُ هذه الرئاسات في مواجهة التحديات والتأقلم مع المستجدّات والدفاع عن حقوق أتباعهم إلى جانب حالة الترهّل والّلامبالاة لدى البعض وترك الحبل على الغارب لكلّ مَن هبّ ودبّ من الدخلاء سواءً في سلك الكهنوت أو في العمل السياسيّ ليحشر أنفَه في قرارات الملل والطوائف التي ينتمي إليها هذا الدعي أو ذاك العنصر الغريب على جسم الكنيسة أو من المحسوبين عليها. وقد فرزت كنيسة العراق العديد من هؤلاء الأدعياء ولغاية الساعة، من الذين قفزوا على حقوق الغير ومنهم من رجال دينٍ ركبوا موجة الهجرة قبل المؤمنين بحجة رعاية كنائسَ في دول الاغتراب. بل إنّ نفرًا منهم كي ينال مبتغاه، هدّد وتوعّد وخالفَ واحتدّ وتوسّط وعصا، لحين أزوف ساعة الحساب التي بدأت في الكنيسة الكلدانية مع الرئاسة الجديدة قبل أكثر من عام.  ونأمل أن تلحقها بقية الكنائس في وضع حدود لحالة الترهّل والعصيان وفرض الأمر الواقع في عدد من المواقع الكنسية.
إنّ صرخة غبطته بكون كنيسته الكلدانية "كنيسة منكوبة"، لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة بسبب تواصل فعلِ الهجرة وتأثيراتها على الوجود المسيحي في البلاد وفي المنطقة. لكنّ الواقع شيءٌ والتمنيات شيءٌ آخر! فالعراق مقبلٌ على استحقاقات، أقلّ ما يُقالُ عنها أنها بعد الانتخابات سترسو على قاعدة جديدة في الرؤية الوطنية باستقطاب شيءٍ من تيارات ليبرالية وعلمانية ومدنية قادمة لا محال، لتشكل منعطفًا في مسيرة هذا البلد الجريح. وكلُّنا نعلم أنّ من الأسباب الرئيسية لهذه الهجرة المتزايدة الموقف المخزي للاحتلال الأمريكي للبلد وسياساته الخاطئة التي أدّت إلى اضمحلال الدولة ومؤسساتها وفقدان الأمن والخدمات تمامًا، ما اضطرّ الكثيرين لنشد الأمان في بلاد الله الواسعة. وهذا هو التشتّت الذي لا يختلف عن تشتّت البشر في بابل حين بلبلهم الله من حيث لا يدرون، لحين تغيُّر المفاهيم وموازين القوى والسياسات وزوال الأسباب، التي نأمل قربَها ووشكها على الحدوث، كي يشهد البلد هجرة معاكسة تعيد لأهل الوطن الأصليين نصاعتَهم وأصالتَهم وهيبتَهم وتأثيرَهم وحقوقَهم وامتيازاتهم التي يستحقونها.
إنّ التغيير الذي حصل في العراق، لم يأتي بالجيدّ، بل بالأردأ من سابقهِ. وهذا كان كارثة على أهل العراق وعلى ترابه الذي تصحّر هو الآخر وعلى مائه الذي سرقه الأعداء الكثيرون، مثلما سرق القادمون الجدد نفطَه وثرواته وباعوه بأجرٍ بخس لهذا وذاك من دول الجوار وبلدان الغرب الطامعة.
لما التعالي من جانب الكلدان؟
من المؤسف أنّ نفرًا من الكلدان "الأقحاح"، الذين تطيب لهم هذه التسمية، أن يروا في غيرهم عناصرَ دونَهم في الحقوق والامتيازات والتمثيل، وقد أخذت تسميتهم "الكلدانية" وأسلوب التعالي والتشبث والانفراد بها دون غيرها، مأخذًا في تأكيد هذه الأحقية غير المبرّرة على غيرهم. بل مّما زاد في العتوّ والغلوّ والانكفاء أن تشهد الساحة السياسية مؤخرًا بروز تنظيمات بهذه التسمية لا تمتّ لحقوق الكلدان كمسيحيين بصلة، سواء في الداخل أو الخارج. وهناكَ مَن أقامَ الدنيا ولم يقعدْها في ضوء الفشل المتكرّر الذي صاحبَ ممثلي هذه الطائفة في دورات برلمانية سابقة لم يحصدوا منها شيئًا، بالرغم من الترتيبات المسبقة والمؤتمرات المتوالية التي تحققت في الداخل والخارج. لكن، ما يؤسف له أن تدخل كلّ هذه الجهود في نطاق صراعٍ طائفيّ مع الجناح "الآشوري"، الغريم اللدود سياسيًّا وقوميًّا قبل كلّ شيء.
إنّي أعتقد أنّ مثل هذا النوع من الاتجاه المتزمّت، لن يكون في صالح الجميع. وكما أشرتُ في العديد من كتاباتي وفوق هذه السطور، من الأجدى أن يكفّ المتنازعون المختلفون عن التقاذف والخصام والتخوين والتشكيك. فالاختلاف مهما امتدّ وطال، لا ينبغي أن يتحوّل إلى صراعٍ "قوميّ" أو عقائديّ أو كنسيّ مصحوبٍ بشتائم وتجريح بين الإخوة، رغم أنّني لا أعير أهمية للجانب "القوميّ"، بسبب كونه سرطان الثقافات الذي ينخر الشعوب. ولا شيء غير المواطنية هي الكفيلة بتهدئة الخواطر وجمعِ أبناء الوطن الواحد حول دولة مدنية تحتضن الجميع، كما الدجاجةُ تحتضن تحت جناحيها الكبيرين فراخَها دون تمييز أو إقصاء لأيٍّ منها.
إنّ الخطأ، كلّ الخطأ، أن تتحول حقوق المسيحيين إلى حقوق طوائف وكيانات، كما هي الحال بين المتخاصمين السياسيين اللدودين في الحكومة الحالية التي تتعامل بداعي الكيانات. وهذا دور المؤسسة الكنسية الكلدانية في رصد هذه التوجهات الخاطئة وتوجيه أبنائها للاتّسام بروحية مسيحية قبل أية متاهة أخرى من شأنها إثارة نعرات وخلق صدامات متعددة الأشكال. كما عليها التخفيف في إبراز الدعوات التي تصدر من هنا وهناك ولاسيّما من عناصر مقيمة في المهجر، ليس لها مِن همّ سوى تحريك النار من تحت الرماد بين فترة وأخرى. إنّ أية روحية انفصالية أو انقسامية، ستطيح بحقوق الجميع، بل بالهوية المسيحية ذاتها، وحينه لن تكون لنا كلمة موحدة جامعة للحقوق والمطالب بسبب تشتّت جمعنا وكلمتنا. اليوم، لا يمكن لجهة واحدة أن تنكفئ على ذاتَها وتعدّ نفسَها الأجدر والأفضل والأَوْلى، إلاّ من خلال أداء أفرادها وتبيان فعالِها وفاعليّة هذا الأداء وسط المجتمع الواحد.
إنّ امتداد تأثير العولمة قد هزّ بلدانًا وشعوبًا كثيرة، والعراق لمْ ولن يكون استثناءً. وإذا كان شيءٌ ممّا يخافُه البعض، فهو ليس في العولمة فحسب، بل في النيات والإرادات والمصالح التي تنحني أحيانًا كثيرة، للجبابرة الذين يدفعون أكثر ويشترون بالمال الحرام ذممَ أبناء شعبنا هنا وهناك، ومِن بينهم رجال كنائس خاروا وضعفوا أمام مثل تلك المغريات. لقد كان وعدُ رأس الكنيسة الكلدانية الكاريزما، البطريرك الجليل ساكو، بتنقية البيدر "الكلداني" من الزؤان، على رأس الأولويات في ولايته والتي تناقلها الكثيرون بتفاؤل كبير. وهذا بحدّ ذاته، جزءٌ من مشروع تنقية المؤسسة الكنسية في العراق من العناصر والشوائب التي أعاقت مسيرة المسيحية في بلدنا. ونحن ما زلنا نعوّل عليه في إحداث نقلة نوعية، ليس في صفوف الكنيسة الكلدانية التي يرأسهُا فحسب، وكنيسة العراق على غرارها، بل أيضًا قدرتُه على اختراق حاجز التناحر بين الساسة، أصدقاء الأمس وأعداء اليوم. فهو قادرٌ على لعب دور الوسيط المُصالِح لهذه الأطراف المتناحرة وجمعِهم على مائدة المحبة كي ينسوا خلافاتهم ويشدّوا العزم والبناء لصالح الوطن والمواطن. هذا خيارُنا وهذا أملُنا وهذه رؤيتُنا لمستقبلٍ زاهرٍ، بإذنه تعالى وبجهود الطيّبين من ذوي النوايا الصالحة.

لويس إقليمس
بغداد، في 5 أيار 2014

30
"تنصيب المؤسسات ومأسَسَة المناصب"

مصطلَحٌ جديدٌ، رأيتُه عنوانًا جميلاً ولائقًا لمقالتي، وقد استقيتُه من مادة دسمة كتبها الدكتور عامر حسن فيّاض، أحد أعمدة السياسة، في رسالة جريئة إلى عشّاق حكم العراق في 23 نيسان الجاري في جريدة الصباح. لقد أبدى الرجل رأيه الجريء فيما يجري على الساحة السياسية، من خلال تحليلٍ دقيق لمجريات الأمور مبيّنًا مقدارَ الاستحقاقات المطلوبة، عبر رسالة أرادَها أن تكون عراقيّة "قحّ"، غير مستوردة من دول إقليمية أو قادمة من بلدان ذات سطوة. قد يكون أزاح بصراحته شيئًا من غمّ بعض الناس، لكنّه بالتأكيد سيشكّلُ مثل هذا الكلام القاسيّ وبالاً عليه لكونِه لا يخلو من أشواكٍ.
هذا ما أستسيغُه عندما أكتب أنا أيضًا. ليس المهمّ أن يرضي قلمي الناسَ أو فئةً منهم، بل الأهمّ أنَ ما أكتبُه يرضي ضميري وينقل مبادئي دون تشويه أو مجاملة. فقول الكلمة التي أعتقدُ أنّها صائبة، تزيدني فخرًا، بل تزيد من التزامي القلمَ الرصين والرأيَ الجريء ومواجهة المحتمَل مِن الذمّ وعدم الرضا أحيانًا مِن قبل نفرٍ ينقصُه مثل هذا الحرص وهذه السمة بحبّ الوطن والتمسّك بالمواطنة.

حُكمُ البلد والعباد مسؤولية
إنّ مَن يحكم أو يسعى لحكم البلد، لا يمكن أن ينطلق من فراغٍ. فحكمُ البلاد ليس تشريفًا ولا امتيازًا بلا شروط أو قيود أو  من دون جدارة. إنّما يتطلّب توفرَ شروطٍ مواطنية متكاملة واستعدادًا لتحمّل المسؤولية وآفاقًا واسعة ورؤية سياسية واقتصادية واجتماعية مدروسة، أي برنامجًا انتخابيًا وافيًا ومقنعًا. العديدون يتطلعون إلى أخذ موطئ قدم في الحكومة المقبلة. وهذا واضحٌ مع اشتداد وطيس المعركة الانتخابية، ومعها اشتدت الوعود والأكاذيب على الناس الأبرياء الذين يصدّقون كلّ كلمة وكلَّ قولٍ وكلّ دعايةٍ مِن دون أن يفقهوا شيئًا ممّا يجري من حولهم ومِن تحتهم.
إنّي إذ أضمُّ صوتي إلى أصوات الناخبين المثقفين ومعهم الراغبين والدّاعين إلى التغيير في قاعدة التصويت وفي كيفية اختيار الرجل المناسب، أقول أنا أيضًا: كفى للمنافقين وسارقي قوت الشعب والمتلاعبين بعواطف البسطاء. فقد آنَ أوانُ التغيير نحو الأفضل وليس نحو الأسوأ. وكفانا حكومات أزمات متعاقبة، ولننتقل إلى المرحلة الجديدة الجديرة بالتقدير، مرحلة الكفاءات والتكنوقراط والمثقفين ورافضي المحاصصة والأساليب الرخيصة في كسب عطف الناخب واستدرار عواطفه بهدايا ومغريات ومواعيد عرقوبية خائبة.
إنّي أعتقد أنْ، لا أحدَ غير هذه الفئة وهذه النخبة قد تنقذ البلاد والعباد من حفرة الأزمات العميقة التي حلّت بالبلد وأوصلته إلى اقتتال بعد تمزيق نسيجه الاجتماعي وطرحه إلى هاوية التقسيم وقذفه في عباب بحر هائجٍ ومائج لا يُعرف أوانُ هدوئه وسكونه.
إنّ الكلَّ يتحمل اليوم مسؤولية ما آل إليه حالُ العراق والكلّ في المؤسسات السيادية الثلاث موغلٌ في دائرة الكذب والفساد مهما تعذّر أو انسحب أو تنصّل أو تأسف. فالساكتٌ عن الحق ايضًا، لا تقلُّ مسؤوليتُه عن السارق والفاسد والكاذب!  لذا، لا بدّ أن يتخذ الرجل المناسب موقعَه في المكان المناسب في مناصب الدولة التي لا يمكن أن تكون حكرًا على مثلّث نصّبه المحتلّ الأمريكي ليلعب بمقدّرات البلاد وبمصيرها بالطريقة التي نراها ومن جانب أشباه قيادات سياسية ماتزال في فترة مراهقة غير ناضجة.
هذه دعوة للناخب المواطنيّ، محبّ الوطن والشعب، أن يحرص للابتعاد عن تكرار ذات الوجوه بغية تجاوز الأزمة في أسرع وقت وعدم تكرار المأساة في الانتظار للتوافق على الرئاسات الثلاث وتشكيل الكابينة الوزارية القادمة في أسرع وقت متاح. إنّ حسم موضوع الرئاسات الثلاث بعد الإعلان عن النتائج النهائية بسرعة، سيكون عنصرَ هدوءٍ وأمانٍ للجميع. ولا يمكن بعد اليوم، القبول بخروج عباقرة السياسة الجدد بتفاسير ومصطلحات جديدة للتوعية والتثقيف وتأويل ما يتحدث به الناس وما تُصدرُه المرجعيات الموقرة بهذا الخصوص. فمتى تصالحَ الساسة مع الناس! ومتى عرفوا قدرَهم وتلمّسوا حاجاتِهم وتعرّفوا على مشاكلِهم، إلاّ في فترة الانتخابات! إتقوا الله بالفقراء وعامة الناس، واهتمّوا بحاجاتهم ومصالحهم واحتياجاتهم كلّ يوم، وليس في فترة الانتخابات بدغدغة مشاعرهم الدينية والمذهبية والعرقّية والطائفية!

دولة مؤسسات وليس دولة تشريف
السلوكُ الانتخابيّ سلوكٌ أخلاقي قبل كلّ شيء، وهو شعور بمسؤولية عليا ومشرِّفة بالوطن والمواطن على السواء، لأنه يخصُّ أمرَ البلاد والعباد ومصالحَهم وصيرورةَ البلد في النجاح والإخفاق حينما يصل الناخب قبّة البرلمان. فلا يمكن بلوغ هذه الأخلاقيات إذا لمْ يتسم المرشح والناخب بمستوى مقبولٍ من الوعي بمسؤولية المواطنة بعيدًا عن ممارسة أيةِ ضغوط أو التسبّبَ بتأثير على حريّة هذا الناخب أو ذاك وعلى قناعاتِه. إذ من رحِمِ هذه المؤسسة التشريعية، سيخرج حكّامُ البلاد ومنها ستصدر القوانين واللوائح والتعليمات بعد صعود النواب قبّةَ البرلمان. وهؤلاء، إن لم يكونوا على قدرٍ وافٍ من المسؤولية ومن النزاهة وحبّ الوطن والالتزام بالتعهّدات التي قطعوها للناخب، حينئذٍ لن يكون بالإمكان التأسيس لدولة مؤسسات وإخراجِ مناصبِها أيضًا بهوية مؤسساتية وليس فردانية أو تشريفية أو تجميلية، بحيث لا يمكنها تحقيق شيءٍ من المشروع الانتخابيّ الذي نادت به ووعدت بتطبيقه في فترة الدعاية الانتخابية. فحكم البلد يقتضي من جملة ما يقتضيه، العمل وفق نظام مؤسساتيّ يحفظ هيبة الوطن وحقوق المواطن على السواء. فهو مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون منصبًا للتبجّح والكسب غير المشروع والتلاعب بمقدّرات البلد والضحك على عقول البساط من الناس الأبرياء.
ممّا لاشكَّ فيه، أنَّ السلوك الانتخابي الشريف يضمن حقوق الجميع، الناخب والمرشح، والدولة ومؤسساتها معًا. وإنّي أعتقد، أنّه طالما لا يوجد قانون نافذ للأحزاب يعطي لكل ذي حق حقه، ستسمر لعبة الشد والضغط على إرادة المواطن، ومعها تستمرُّ أيضًا ذات الاسطوانة المشروخة بالدوران الفاشل على ذاتها وعلى فاعليها ومفعوليها بسبب غياب هذا القانون. 
إنّ المضحك المبكي، أن نرى المئات من الأحزاب غير النظامية، ومنها الهزيلة "الكارتونية"، قد سادت الساحة السياسية بلا رقيب ولا طبيب. وقد يكون العراق أول بلد بهذا الحجم من كميّة أحزاب، أغلبُها غيرُ رصينة دخلت اللعبة من باب نشد الجاه والمال والسلطة، وليس من بين همومها معالجةُ حالة البلد المزرية والاهتمام بحقوق الناس وراحتهم وخدمتهم، كما يستحقّون.
من المؤسف أنّ مَن يصعد إلى قبة البرلمان، ينسى في ثاني يوم له وهو تحت هذه القبة، مصالحَ الناس وهمومَ الوطن... هكذا كانت حال العديدين في الدورات السابقة. فهل سيعيدُ ذاتُ الأشخاص مواقعَهم ولن يغيّروا من مواقفهم إذا ما صعدوا ثانيةً وثالثةً بفعل فاعلٍ أو بسبب جهل الناخب؟

دعايات طوباويةّ وعزوفٌ غير مبرَّر
إنّ غياب دولة المؤسسات، وسطوة الأحزاب الكبيرة على حصصها من مناصب الدولة قد فسح المجال للطارئين أن يدخلوا سباق الانتخابات التي تحوّلت إلى موضة عراقية مربحة، بسبب الولاء لهذا الحزب أو ذاك المسؤول. هناك مرشحون تجاوزوا في دعاياتهم الانتخابية حدود اللياقة والديمقراطية، بسبب الجهل أو عدم الوعي بالمنصب الذي يحلمون بالصعود إليه عبرَهُ... شعارات العديد من هذا النفر طوباوية وغير رصينة، بل غريبة في الطرح واللغة المستخدمة. فالدعاية الانتخابية جزء من العملية الديمقراطية، وهي لها فلسفتُها وأصولُها وحدودُها، غير متقاطعة مع المصداقية في تنفيذ ما وعد به المرشَّح ناخبيه في حدود إمكانياتِه التي أقرَّ بها.
في استطلاع إجماليّ، للشارع الانتخابيّ، يمكننا أن نستشفّ عزوف العديدين عن المشاركة في العملية الانتخابية، منطلقين مِن حقيقة أنَّ مَنْ تمّ انتخابُهم في الدورتين السابقتين، قد زادوا من هموم الشعب المجروح، بدل إسعافِه وتحسين ظروفهٍ وإسعاده. وبالرغم أنّ قرار العزوف هذا، ليس الحل الأمثل للمشكلة، إذْ لا بدّ من التعبير عن الرأي في صندوق الانتخاب وقول كلمة "لا" العجائبية، لناكلي الحق والمتجاوزين على حقوق الوطن والمواطن وسارقي قوت الشعب ومهرّبي ثروات البلد والمتقاعسين في إيصال صوت الناخب الذي أوكلهم مسؤولية تمثيله في هذه المؤسسة.
 فالدولة الديمقراطية الحديثة، ليست مزادًا ولا مكتبًا لتنصيب الأشخاص والاستحواذ على المواقع مِن قبل أُجَراءَ مدفوعين أو مِن أتباعَ للغير مِن خارج أسوار البلد ومِن غير أهلِه ومن خارج رحِمِه الشريف! كما أنّها لا ينبغي أنَ تقعَ أو تكون تحت رحمة كتلٍ أو أحزابَ، عبر شخصنة هذه المناصب، لهذا أو ذاك من الذوات من ذوي القربى ومن الدخلاء على الوطن والمواطنة ومن مزدوجي الجنسية الذين طلّقوا الوطن بالثلاث وتركوه يُنهش من وحوشٍ كاسرة ومن الذين لا همّ لهم سوى انتظار المرتبات الضخمة في نهاية كلّ شهر، والتمتع بامتيازات السفر والمآدب والتشريفات التي تزيد من تخمة هذا النوع من نوّاب الشعب الخائبين والفاشلين مقابل زيادة في فقر العامّة وتراجع في الخدمات والأمن وطمأنينة النفس.
 هذا دور المواطن الحريص في التقدّم لصندوق الاقتراع وقول كلمة الفصل في هذه الدورة المهمّة من تاريخ العراق بهدف بناء دولة مدنية معاصرة تنسجم مع تطلعات شعبٍ عريقٍ يستحقّ أفضل من هذه الحال التي صار إليها ظلمًا. ولعلّ السبب، يكمن بفقدان الدولة هيبتَها وضعف أداء أجهزتها الأمنية ودخول الطارئين إليها من دون توفر أدنى متطلبات الجنديّة الأصيلة وما تقتضيه هذه من استراتيجية أمنية وعسكرية ودفاعية متطورة مع التقنيات المستجدّة التي تخلّف عنها البلد، بسبب فعل الاحتلال وأسره باتفاقية استراتيجية أمنيّة مذلّة، لم يفي المحتلّ الأمريكي بتعهّداته تجاهه.

مّن الأحقّ بتولّي منصب تشكيل الحكومة؟
هناك ملاحظة مهمّة، هي بمثابة أمل ورجاء وطلب في آنٍ معًا يقع على عاتق الجهة التي تتولى العملية الانتخابية، التي يُفترض أن تكون مستقلّة، رغمّ أن هذه المفوضية لمْ تستطع إثباتَ استقلاليتَها تمامًا! فمِن بين مَن تمّ استبعادُهم من الترشيح، هناك مَن تمّ استبعادُه لأسبابٍ سياسية وأخرى كيدية وغيرُها طائفية. وهذا السلوك غير المقبول من جانب المفوضية، يشير تمامًا إلى تسييس مهامّها. هناك على سبيل المثال، مَن كان يرتدي "الزيتوني" أيام زمان، ممّن سُمح له بالترشّح بسبب دعم كتل كبيرة له، في حين تمّ استبعادُ زميلٍ له لغياب مثل هذا الدعم. وهناك أصواتٌ ارتفعت بكشف الزيف والفساد ولاقت رواجًا في أوساط العامة من الشعب، وبسبب تجاذبات سياسية، تمّ استبعادُها من سباق الانتخابات!
على أية حالٍ، ما بعد العدّ وفرز الأصوات، وبموجب الأصول الديمقراطية، يُفترض بالكيان الذي حصد أعلى الأصوات، أن يتولّى مسؤولية تشكيل الحكومة القادمة وليس الائتلاف أو الكتلة التي تجمع أو تشكّل أكبر تحالف نيابيّ، كما ارتأت المحكمة الاتحاديّة. هذه ليست ديمقراطية حقيقية. الأصول الانتخابية تقتضي تكليف الكيان الفائز الذي حصل أعلى الأصوات بتشكيل الحكومة، وفي حالة إخفاق الفائز الأول هذا، بتشكيل تحالف أو ائتلاف كبير، يُصار إلى الكتلة الثانية بعده. وهكذا دواليكَ. هذه هي ديمقراطيات العالم.
إنّ العملية الانتخابية هي من إفراز صوت الشعب ومن صناعته.  لذا لا بدّ أن يكونَ عنصر التفويض من صناعة الشعب أيضًا وفقًا لقدرة البرنامج الانتخابي وسمعة المرشّح في الوسط الاجتماعيّ ومقدّراته العلمية والسياسية، إلى جانب جدارة المسؤول الأول في الكتلة التي ينتمي إليها، والتي لا بدّ أن يلتزم مرشحوها بالبرنامج الانتخابي المرفوع. وحالما تنتهي فترة التفويض، تنتهي مهمّة النائب بتمثيل ناخبيه.

وعودٌ كثيرة
الوعود الانتخابية كثيرة وكبيرة ومنها ما يتجاوز صلاحية المرشح وقدرتَه وطاقتَه واستعدادَه وواقعَه. ولنا أن نقيّم، كمْ هي الوعود التي يقطعها المرشحون في فترة الانتخابات وما النسبة التي تتحقق منها فعلاً وواقعًا!؟؟؟
فهل يُصلح بعضُ المرشحين الجددْ، حقًا ما أفسده الأخرون في دوراتٍ سابقة؟
وهل ستبقى أصوات البعض أصواتًا لا تُهادن ومواقف لا تُساوَم؟
وهل يبقي غيرُهم على ما تعهّدَ به وما عاهده على نفسه، أن يكون خادمَ الشعب؟
وكيف سينقل البعض الثروةَ من الحكومة إلى الشعب؟
وكيف تستحق هذه المدينة أو تلك أكثر من غيرها؟
ولماذا يصرُّ البعض على العزف على أوتار الطائفية في تحقيق أمل الناخبين؟
وهل ستصرُّ بعض الأصوات على بقائها صوتًا صادحًا لفضح الفاسدين ومحاسبة المفسدين؟
وهل سيحقق آخرون حقًا، دعمًا ورواتب تقاعدية لَمنْ ليس لهم وظائف في الدولة؟
وعودٌ كثيرة ونوايا مبطنة، وكلّ هذه في حسابات الغد. والغدُ قد يكون حلمًا، إنّما الحاضر قد يكون أحلى مِن مرّ الغدِ الذي لا نعرفهُ وليس في جعبة الغير تقديرُه.
 فسفينتُنا ما تزالُ رابضة ومرابطة في عباب بحرٍ هائجٍ مائجٍ، تنتظرُ مَن ينتشلُها ويقود دفّتَها إلى الميناء الهادئ، ميناء المواطنة والمحبة والسلام!

لويس إقليمس
بغداد، في 25 نيسان 2014

31
سباق الانتخابات النيابية:
 جدارة واجتهاد واستحقاق

دورتان انتخابيتان لمجلس النواب العراقي (البرلمان) تجاوزهما العراق والعراقيون، في ظلّ سياسة مقيتة لتوافقات مصلحية ومساومات بين مكوّنات لم تثبت جميعُها حسنَ نيتها بالانتماء الحقيقي للوطن وتسخير طاقاتها لخدمة المواطن. إنّها لتجربة كافية كي يزيح الناخب العراقي الغمائم السوداء والرمادية التي خيّمت على مفاصل الحياة من دون تحقيق الأدنى ممّا يستحقّه ابنُ الحضارات والثقافات والأديان المتعدّدة. وفي الدورتين معًا، توضّح المشهد الهزيل للخارطة السياسية التي قيّدت البلد بمفاهيم أحزاب "متجلببة" بالفكر الديني والمذهبيّ والقوميّ والإثني دون تحقيق ما كان يرجوه ويتمناه المواطن المغلوب على أمره. وها هي ذي ذات الأحزاب تخرج للواجهة ثالثةً، وهذه المرّة، بقوّة القاهر المغتصب لإرادة الناخب وفكره ومن دون خشية ربّها، آسرةً إياه بتبريرات ووعود وأكاذيب، قد تنطلي بالتأكيد على الناخب الضعيف الإرادة الذي يصدّق كلّ شيء ويحلمُ بكلّ شيء ولكنّه لا يعرفُ أيَّ شيء عن حقيقة هذه أو تلك، إلاّ ما يُعرض أمامَه آنيّا.
لكنّ هذه الألاعيب لا ولن تستطيع اختراق إرادة المواطن الذي أثبت انتماءَه للوطن وكرّس طموحاته للتطوير والتنمية والازدهار. فهل يُلدغُ المؤمن من جحره ثلاث مرّات؟ إن كان قد فعلها في أولاها، فالعتبُ على الجاني الذي لمْ يفي بوعوده لظروف قد تكون مقبولة حينها. وفي الثانية، إن كان استسلمَ للواقع وعذّرَ موكّلَه، فالعتبُ واقعٌ عليه لأنه لم يتعلّم الدرس. أمّا أن يكرّرها ثالثة، فذلك قمّة الجهل وبيانُ التخلّف وضحالةُ الفكر والموقف.
لقد هيمن الفكر الطائفي والإثني والقوميّ بين المتسيّدين على المشهد السياسيّ طيلة السنين العجاف الثمان. بل، وتفاقم العنفُ متجاوزًا حدود المعقول حين استهدف جماعاتٍ ومكوّناتٍ لا ناقة لها في السلطة ولا جمل، إلاّ ما تحملُه من بذرات مواطنة طيّبة وعيشٍ مشترَك رأى فيه "المثلّث الحاكم"، خيرَ بردعةٍ يركبُها لتمرير العديد من المخطّطات والقفز على الدستور الأعرج الناقص الذي قدّمه الغازي المحتلّ في حينها كي يكون قنابل موقوتة تنفجر متى شاء وأينما شاء ومثلما شاء. فلا يمكن أن يحصل شيءٌ مِن غير أمرٍ أو إشارةٍ من الوصيّ الأمريكي القاهر وبالتشاور مع الجار الشرقيّ، راعي مصالح العراق، إلى أجل غيرِ مسمّى.
أمّا ما يميّز صورة المرشحين لهذه الدورة العجيبة الغريبة، فهي تعكّز الائتلافات القديمة على المقرّبين من الأهل والأقارب والأصدقاء، رغم كون العديد منهم من خارج السرب السياسيّ والاجتماعي ومن غير المعروفين أساسًا في كلا الجانبين. والهدف واضح وضوح الشمس، مِن أجل سدّ الثغرات الحاصلة بسبب الانشقاقات الكثيرة في صفوف هذ الائتلافات والكتل السابقة ومن أجل كسب المزيد من الدعم من العشيرة والعائلة التي تربط هؤلاء برؤساء القوائم والكتل.
ديمقراطية وحريّة من دون غطاء مواطنيّ
رداء الحريّة والديمقراطية الرثّ الذي قدّمه الغازي الأمريكي، لم يستطع العراقيون، أو بالأحرى لم يرتقي السياسيون الذين حكموا منذ السقوط الدرامي في 2003، أن يرتقوا ويخيطوا ويعدّلوا الجوانب "المثلومة" أو المجعّدة فيه. وببساطة، يعود السبب في هذا، لأنّ هذه الحرية وتلك الديمقراطية الزائفة، جاءت من خارج الحدود منقوصة وغير منسجمة مع الواقع. وكلّ شيء مستورَد وغير نابعٍ مِن إرادة أهل الدار الأصلاء والأمينين على سلامة البلاد والعباد، لا يمكن بطبيعة الحال أن يصير دواءً وعلاجًا شافيًا للقلب المتعَب بالخبرات الحزينة والمنهَك بالصفقات المشبوهة التي مُرّرت على حساب المواطن البسيط بل والساذج أحيانًا. كما أنّه بسبب طيبة قلب العراقيين وبساطة فطرتهم بالتصديق بالوعود الكاذبة، تكرّرت حالة الخذلان عندهم مثنى وثلاثًا ورباعًا. وهنا الطامة الكبرى! فالعراقي موصوفٌ بازدواجية شخصيته وطيبة سريرته حتى السذاجة أحيانًا، كما أشار إليه عالم الاجتماع "علي الوردي" في وصفه للشخصية العراقية، وقد أُنّب على ذلك بسبب هذا الوصف الواقعيّ. ولكنها الحقيقة، رغم أن هذه الحقيقة مرةً!
  ما أكثر ما يُقترف اليوم، من جرائم وأعمال عنف وتمرير مفارقات ومشاريع وهمية فاسدة ومفسدة للبشرية، باسم الحرية والديمقراطية! مَن ذا الذي لا يسعى إلى فضاءات الحرية والديمقراطية كي تكون جسرًا رابطًا بين الجماعات المختلفة والمتعدّدة في أديانها وأعراقها وقوميّاتها وألوانها ولغاتها؟ وهلْ أجمل وأحلى مِن سلام النفس وطمأنينة الفكر في ظلّ حرّية حقيقية وديمقراطية غير مزيّفة! 
إن التمترس الدينيّ والطائفيّ والتخندق القوميّ والإثنيّ المنغلقة جميعُها على الذات، هي العدوّ الأكبر لممارسة مفهوم الحرية وتطبيق الديمقراطية اللتين يمكن أن تساهما جدّيًا بترسيخ مفهوم المواطنية حيث الضمانة الأكيدة لنيل المواطن لحقوقِه مكتملةً غير منقوصة من دون الإخلال بواجب حق الوطن على الفرد في صيانة هذه الحقوق. وهذا ما يتطلّب تغييرًا في الرؤى وفي تقييم الأحداث على ضوء ما شهده العالم من تطوّر ومعاصرة وتقدّم. إذ لا يمكن العودة إلى الوراء والجزم بالعيش في نمط قديم من الحياة عفا عليها الزمن، لأنّ الحياة تتطوّر إلى أمام وليس إلى الوراء! وهذا التطوّر عينُه، قادمٌ بسبب الفضاءات الواسعة من الحرية والديمقراطية التي توفرت للعالم، وأصبحت في ميسور أيّ كائن على وجه الخليقة.
لقد أضحى المفهومان، من ضرورات العصر، حتى الأحزاب الدينية والائتلافات التي كانت تصمّ الآذان أو تخشى التطرق إليهما، راجعت ذاتَها وتيقنت من وجوب حضورهما في المجتمع. لذا كان توجُهها في الدورة الأخيرة نحو الانفتاح على عناصر متحرّرة ومستقلّة كي تكون لها سندًا في تنفيذ برامجها بلغة الانفتاح والقبول بالمختلف عنها. وهذا عينُ الصواب، بل هو جزءٌ من الحوار والمصالحة الوطنية المطلوبة بين أبناء الوطن الواحد، الشركاء في السرّاء والضرّاء.
لمحة عن القوائم المشاركة في السباق الانتخابيّ
لولا فضاء الحرية والديمقراطية المتاحَين للجميع، لما تسنّى لهذه الأعداد الكبيرة وغير المتجانسة من المرشحين لدخول معركة الانتخابات في هذه الدورة التي تشهد دخول أشخاصٍ دخلاء ومجهولي الشخصية مجتمعيًا وسياسيًا واقتصاديًا إلى جانب النخب المعروفة بدهائها وحنكتها وتميّز بعض منها بحسٍّ وطنيّ صادق لإنقاذ الوطن من الحالة التي وصلَ إليها. لكنّ المؤسف له، أن يسيلَ لعابُ نفرٍ من المرشحين السابقين بتكرار ترشحّهم، بالرغم مِن فشلهم وعدم الإيفاء بوعودهم لمَنْ وكّلهم لتمثيلهم في الدورات السابقة. بل إنّ بعضًا مِن هؤلاء الأدعياء، لا يتورّع في التبجّح بتحقيقه مآثر كبيرة لشعبه ومجتمعه وجماعته، وأنّه يعيد ترشَّحَهُ من أجل مصلحة شعبِه لإكمال منجزاته "العظيمة" في الدورة القادمة. ناهيك عن الوعود التي يقطعُها البعض للناخبين، وهم أدرى أنها مجرّد ضحك على ذقون الناخب البسيط الذي سيقع بالتأكيد أسيرًا لهذه الفخاخ والمصائد لأسباب عديدة، منها العشائرية وغيرُها الآتية بسبب ضغوط أحزابٍ وكتلٍ متنفّذة، وبعضٌ منها يدخل الدّين ورجالُه في اللعبة الانتخابية القذرة ضاربين عرض الحائط الحرّية الحقيقية المتاحة للمرشّح والناخب معًا!
عمومًا، كما نقرأ المشهد، هناك رغبة عامة بالتغيير، وتوجّه واضح باختيار وجوه جديدة من ذوي الخبرة والاختصاص سياسيًا واقتصاديًا، ومن النخب التكنوقراط ومِن أصحاب الكفاءات العلمية ممن يمتلكون المؤهلات والاستعداد لخدمة البلد وانتشاله من براثن الدخلاء والطائفيّين والمنتفعين فئويًا وعرقيًا ومذهبيًا. كما أنّ استطلاعات الشارع العراقي وهمسات النخب المثقفة ومجاميع الطلبة، تعطي التيارات الليبرالية والوطنية والديمقراطية المدنية والنخب المستقلّة والعلمانيين ممّن ينشدون تأسيس دولة مدنية حديثة مؤسساتية تعيد للوطن حضارتَه ومكانتَه وثقافتَه واحترامَه في مصافي الدول عالميًا. وباعتقادي، سيكون هذا الخيارُ المنتظَر، هو المعوَّل عليه في صناديق الاقتراع يوم 30 من نيسان.
أرجو ألاّ يخيب ظنُّ هذه الجماهير التي سئمت الوعود الكاذبة لبعض النواب الذين تتحكّمُ بهم نزعات ومصالح الكتل التي ينتمون إليها ويأتمرون بأمر رؤسائها، وبذلك تُسلبُ إرادة البعض منهم، بسبب هذا الالتزام المقيِّد للحرية الذي بسببه تعطّل سنُّ العديد من القوانين المهمة التي تخصّ حياة المواطن، والتي بسببها أيضًا، كادت الحياة العامة نفسُها تتعطّل وتتوقف عجلة اقتصاد البلد وتتلكّأ المشاريع التي ينفّذ أغلبَها مقاولون فاسدون وغير مهنيّين بدعمٍ وإسنادٍ من كتل متنفّذة ومسؤولين بالدولة أعماهم الفساد والكسب غير المشروع. وبالرغم، من أنه ليس من السهل التكهنُ بما ستؤول إليه صناديق الاقتراع، إلاّ أنّ الواجبَ الوطنيّ يناشد الناخبَ العراقي كي يقول كلمة الفصل ويختار الأصلح والأكفأ والأجدر بتمثيلِه، كي لا يدع مجالاً للصوص وسرّاق الشعب والمال العام والفاسدين إداريًا وسياسيًا واقتصاديًا ومدنيًا أن ينفذوا ثانية إلى هذه المؤسسة التشريعية التي تُعنى بصياغة الدستور والقوانين واللوائح التي تخصّ حياة الوطن والمواطن ومستقبلهما ومصيرَهما معًا. 
إنّنا نأمل أن تضع المفوّضية "المستقلّة" للانتخابات نصبَ أعينها، خوف الله في رقاب مسؤوليها وأدواتها وعدم تسييس عملها، بل المباشرة بعمليات العدّ والفرز مباشرة وعدم تأخير إصدار النتائج لأكثر من يومين أو ثلاثة كحدّ أقصى، لتجنّب التلاعب بالنتائج، كما حصل في الدورتين السابقتين وأمام الملأ.
للأسباب السابقة، نقول إنه من العسير رسمُ صورة للخارطة السياسية لفترة الأربع سنوات القادمة، بسبب احتدام المنافسة واشتداد الصراع ومحاولات "التسقيط" غير الديمقراطية بين الكتل، لاسيّما الكبيرة التقليدية منها، والتي هي السبب في مآسي العراق وشعبه دون غيرها، بسبب تقاطع مصالحها وعدم الاهتمام بالمصلحة العليا للبلد والشعب. فكلّ الاحتمالات قائمة وكل المفاجآت واردة، والحديث عن تحالفات محتملة سابقٌ لأوانه، بالرغم من ورود أو نشر أو الاطّلاع على نتفٍ منها هنا وهناك. فكلّ هذا وذاك منوطٌ بمصالح وتسويات ومساومات وتحالفات عجيبة غريبة، قد تفاجئُنا في الوقت الإضافي لهذه اللعبة! لكنّ ما هو مؤكّد هو أنّ الرغبة في التغيير قائمة وقادمة كما تأمل شرائح كبرى من الشعب.
مَن الأجدر بتمثيل الشعب؟
إنّ البلد لا يمكن أن يُختزَل اليوم بشخص واحد أو حزبِ واحد أو مجموعة واحدة، سياسيًا أو دينيًا أو إثنيًا أو عرقيًا وما شاكلَ ذلك. فالمواطنة الحقيقة هي نوعٌ من الشراكة يتشاركُ فيها الجميع، كلٌّ حسب قدراته واستعداده لخدمة البلد والشعب وتيسّر الرغبة الصادقة للعمل ضمن فريق تقوده الكتلة الأجدر التي تأتي بها صناديق الاقتراع النزيهة من أصوات الناخبين الأحرار في اختيار الشخص المناسب. لكنّها دعوة ملحّة للناخب، لمراجعة ملفات وأداء النواب السابقين وتقييم نشاطهم كي لا يعيدوا ذات الخطأ في عدم اختيار الأفضل والأكفأ والأجدر والحريص غير المفرّط بمصالحهم ومصالح بلدهم وبثرواته.
 لذا كان التغيير مطلوبًا وبقوّة مِن أجل إحداث نقلة نوعية في نظام الحكم الذي نخره الفساد وأتعبته الوعود والجدالات والصراعات الطائفية والمذهبية وأضعفته المحاصصة التي قيّدت حركة الدولة ونشاطَها. كما آن الأوان لأن تتشكّل معارضة قويّة وفاعلة في هذه المؤسسة التشريعية، وتثبت فاعليتَها في مراقبة أداء الحكومة والعمل على إسقاطَها في حالة الإخلال ببرنامجها الوطني. وقد قرأتُ هذه التلميحات في عيون الكثير من المواطنين الذين لم يخفوا الرغبة الصادقة والخالية من أشكال الرياء المبطّن والمجاملات القاتلة غير المبرّرة في اختيار الأصلح والأكف لتمثيلهم.
إنّ تكرار ذات التحالفات وذات الوجوه بات أمرًاً مستهجَنًا وغير مقبول، بل مرفوضًا من قبل الغالبية في صفوف أبناء الوطن. لذا ينبغي وقفة شجاعة لقول كلمة "لا" العجائبية للتحالفات السابقة لأنها فشلت في بناء الإنسان العراقي وحطّمت نسيجه الاجتماعي ودمّرت بنيته التحتية التي كانت لمّا تزل صالحة وأفضل مِن التي أتت بها الحكومة الحالية في دورتيها النيابيتين على التوالي!
إنه ولأجل مدّ جسور الألفة وإعادة اللحمة إلى هذا النسيج المتفتّت بسبب تقاطع مصالح "المتسيّدين" على الحكم، لا بدّ من طيّ صفحة الماضي البغيض، ومعها لا تنفع كلّ التوسلات ولا الوعود العرقوبية ولا التبريرات بمسمّيات لا تُقنع ولا تثري. فالحكم الأفضل لن يكون إلاّ بيد التكنوقراط والمستقلّين غير النفعيين والمهنيّين الصالحين وأتباع التيارات الديمقراطية والوطنية والمدنية التي تنادي بدولة مدنية متحضّرة منفتحة وغير منغلقة على الدين والمذهب والقومية والإثنية والفئوية القاتلة جميعُها. فهي جميعًا، تبقى المرشّح الأوفر حظًّا والأكثر جدارة في تسيير دفة البلاد، بعد أن يئس الشعب من وعود الأحزاب والكتل والائتلافات الدينية والطائفية والقوميّة والفئوية والعشائرية التي أثقلت كاهل الدولة والمواطن معًا. ولنا في 30 من نيسان عودٌ على كلّ الاحتمالات.
الاجتهاد مطلوبٌ في نائب الشعب
ليس خافيًا غيابُ مفهوم الواجب المترتب على عضوية النائب في البرلمان لدى فرز الغثّ من السمين، في نوعية المرشحين لسباق الانتخابات النيابية،. هناك خبط وخلطٌ لدى بعض المرشحين وعدم تمييز في مهامّ النائب عن مهامّ أيّ مسؤولٍ آخر في الدولة. لذا ليس غريبًا أن يخلط المرشح الجاهل وغير الفطن بواجب النائب مع وظيفة أيّ مسؤول حكوميّ. وهذا يتطلّب من المرشّح القدير أن يلمّ بواجبه المستقبلي، وقبل ذلك أن يجتهد في فهم المطلوب منه تمامًا وتنفيذ ما يعِدُ به ناخبيه فيما لو حقق الفوز الانتخابيّ. فهو مسؤول بمؤسسة تشريعية تُعنى بسنّ قوانين ومراجعتها، وليس في جهاز تنفيذيّ.
إنّ أحد أسباب الجهل بواجب النائب حين صعودِه إلى قبّة البرلمان، يكمن في افتقاره المسبق إلى الاجتهاد بمعرفة واجبه قبل وبعد الفوز بالانتخابات. لذا يأتي سَوقُه للوعود والتصريحات في فترة الدعاية، غير مكتملة الأسس والجوانب الملمّة بمهمّاته. فهو لا قِبَلَ له بمسؤوليات الجهاز التنفيذيّ وليس من حقّه التدخّل فيه، إلاّ من خلال قبّة البرلمان كجهاز رقابيّ على الأداء الحكوميّ من هذا الموقع حصرًا. إذ هنا يكمن اجتهادُه في متابعة أداء هذا الجهاز وتقويمه بطرق ديمقراطية تخلو من التشهير والتخوين والاتهام، ذلك لأنّ مؤسستَه التشريعية التي يرفع بواسطتها صوتَه الرافض للأداء الضعيف للجهاز التنفيذي والمخالفات التي تقترفها الحكومة، هي التي تسبغُ عليه مثل هذا الواجب الوطنيّ الشريف. وهذا هو الحرص المطلوب من النائب في قبة البرلمان، أن يشخّص حالات الضعف والمخالفات والتراخي في تنفيذ الحكومة لبرنامج عملها الذي قدّمته للناخب عبر الكتلة الفائزة والتي على ضوئه تمّ انتخابُ أعضائها.
إن المودّة والمجاملة في اختيار نواب الشعب، ليست الصيغة العملية الفضلى في الحرص على مصلحة الوطن والمواطن. فالنائب الجاهل لمهامّه النيابية وغير المكترث لبرنامج عملِ أهمّ مؤسسة تصيغ دستور الدولة وتضع قوانينها لا يستحقّ هذا الشرف الرفيع، لعدم اجتهاده في فهم هذه المهام ومتابعة أداء الحكومة التي تخضع لمراقبة الجهاز التشريعي الموكَل من الشعب في هذا الأمر العالي القدر. فالأداء النشط والمتواصل هو مفتاح نجاح النائب الحريص، وهو وحده كفيلٌ بتمتّعه بسمعة سياسية بين موكليه وناخبيه ومحبّيه، وليس العكس. لذا عليه أن يبدي بكل ما أوتي مِن قدرة مهاراتِه في إقناع المقابل بصحة تشخيصه للخلل المشار هنا وهناك واقتراح العلاج الناجح لمعالجة الإخفاقات في تنفيذ البرامج والمشاريع، ليس بهدف التشهير والتسقيط، بل بروحيّة النائب الحريص على مصالح الشعب والوطن بمفاهيم ديمقراطية مقبولة ومحترَمة. حينئذٍ، لا أحد يمكن أن يشكّك في وطنيّته ومصداقية تشخيصه لمكامن الخلل والضعف والترهّل.                                             
لِمَن الاستحقاق؟
ليس من السهل الولوج في هذا البند الصعب. فالاستحقاق مسألة تقرّرها سلسلة متعددة من الأمور الخاصة والعامّة. وتأتي الرغبة والإرادة الصادقة والاستعداد بتقديم خدمة للمجتمع والوطن قبل أيّ استحضارٍ آخر للوصول إلى هذا الهدف، بعيدًا عن أية أهدافٍ وأغراضٍ فئوية وشخصية ضيّقة. هناك شخصيات مستقلّة ليبرالية ومدنية وعلمانية من التكنوقراط المفضَّل، تتمتع بمهارات وكفاءات علمية واقتصادية واجتماعية قد انخرطت ودخلت ضمن قوائم تقليدية كبيرة تهيمن على الساحة السياسية. وهذه الكفاءات يمكن أن يكون لها دورُها الفاعل والمتميّز في إحداث تغيير بميزان القوى بعد أن تأكدت صحة مطلوبيّتها وأهميتها وأفضليتِها في صفوف الشعب. لذا ارتأت بعض الكتل الكبيرة الخائبة من نتائج عملها في الدورتين السابقتين إلى كسب تأييد هذه النخب وضمّها إليها والاهتمام بها لما لها من وزن وقبول لدى عامة الشعب. ولكنّ الخطأ الأكبر أن تقع هذه الكفاءات من التكنوقراط والمستقلّة منها بخاصّة، تحت ضغط زعامات الكتل الكبيرة بتسييرها وفق أجنداتها المذهبية والفئوية الضيقة. حينئذٍ، تفقد مصداقيتَها ويضعف أداؤها وتقع رهينة هذه الكتل، و "كأنّك يا أبو زيد ما غزيت"، كما يقول المثل!
إن الناخب النبيه، كما المرشح الواعي من صفوف هذه النخب، يرى اليوم في الهوية الوطنية وفي مصلحة الوطن والمواطن، أولى أولوياته. ف"الوطن والمواطن" أولاً، أحلى شعارٍ رفعه بعض المرشحين!  وهذا يتطلّبُ تفهمًا مشترَكًا بين العنصرين الأساسيّين في العملية الانتخابية. وعلى المرشح أن يجتهد لإقناع الناخب بجدّية رغبته وحسن نواياه لخدمة الأخير وصيانة حقوقه وتأمين مطالبه المشروعة وليس الوصول إلى قبّة البرلمان على حسابه بأيّ ثمنٍ فحسب، والتمتع بالامتيازات التي أضحت هاجسًا وهدفًا وطموحًا للبعض غير الناضج.
لقد تباينت أساليب الدعاية ومحاولات كسب صوت الناخب بوسائل متنوعة، رغم أن القسم الكبير منها لا يرتقي إلى مستوى المرشّح الساعي لخدمة المواطن وانتهاج المواطنة. وربّما يأتي العراق، ضمن البلدان الأكثر استهلاكًا للدعاية الانتخابية، كما يتوضح ذلك من الملصقات مختلفة الأحجام والألوان والأساليب، إلى جانب التقنيات الأخرى المرئية منها والمقروءة والسمعية. بل هناك مرشحون فاقت دعايتهم تلك التقليدية المتعارفة، مِن خلال استخدام شاشات عملاقة ناطقة، أشخاصًا وأحزابًا وكتلاً، إلى جانب الاستفادة من تسهيلات شبكات الاتصال الجوّال والتواصل الاجتماعي عبر الرسائل متعدّدة الوسائل والأغراض. وهذا خيرُ دليلٍ على عدم تكافؤ الفرض بين القوائم الانتخابية، ما كان له الأثر في ضعف إيصال صوت الأشخاص المستقلّين غير المموّلين وعلى برامجهم الانتخابية إلى الناخب. إن هذه المسألة ذات أهمية كبيرة، وكان يتوجّب على المفوضية العليا "المستقلّة" للانتخابات أن تضع ضوابط لمسألة الدعاية كي تنصف الجميع ولا تظلمَ أحدًا.
مهما، يكن مِن أمرٍ، فالدعاية الانتخابية التي يصنعها الناخب، أفرادًا مستقلين وكتلاً وائتلافات، لا ينبغي أن تُقاس باستحقاق صانعِها ومنتجيها وأصحابِها، لهذا المقعد أو ذاك. فالذي يهمّ، هو مقدار ما يستطيع أن يقنع به الناخب بصدق نواياه ومدى استقلالية قراره وتواصل نشاطه حتى لو انضوى تحت مظلّة كتلة كبيرة أو ائتلاف معيّن.
الكوتا
الكوتا، وما أدراكَ ما الكوتا!
من حيث المبدأ، تم إقرار الكوتا لعدد من المكونات قليلة العدد، أي الأقليات، على أساس ديني وإثني. لكنها دخلت في صراع مستميتٍ لقوى كبرى مهيمنة على الساحة السياسية.
 لستُ أقف بالضدّ من تخصيص مقاعد للمكونات التي كادت تفقد أهميتَها، حين ظهرت ضعيفة الإرادة وأسيرة توجّهاتِ "مثلّث "القوى السياسية التي تسعى كلٌّ منها للتلاعب بمصير هذه "الأقليات" وفي رسم مستقبل مناطقها، شاءت هذه المغلوبة على أمرها أمْ أبتْ. لكنّ الظرف الراهن، يقتضي استمرارها، بالرغم من قلة مقاعدها لبعض المكوّنات والتي لا تتناسبُ مع أعدادها الحقيقية. والملاحظ والجاري حاليًا على الساحة السياسية، محاولة الكتل الكبيرة الاستحواذ على هذه المقاعد اليتيمة بوسائل عديدة مبتكرة، لا تقلّ في فسادها وجبروتها وسطوتها، ما يفقدُها الهدف الذي مُنحت على أساسه. إنّ التقاطع في مصالح "المثلّث" السياسيّ القائم، كاد يقضي على أهمية تواجد ممثلي "الأقليات" في المؤسسة التشريعية، بسبب محاولات الاستحواذ على إرادة ممثلي هذه المكوّنات الوطنية وتجييرها كلٌّ لمصلحته الفئوية الضيقة. وهذا ليس بخفيّ على القاصي والداني.
بودّي التطرّق إلى أهمّ كوتا تخصّ المكوّن المسيحي لما فيها من إرهاصات ومنغصات ومطامع يحاول البعض تفريغها من أهميتها. والغرض بطبيعة الحال، ليس سوى تحجيم المساحة التي يُفترَض أن يعمل فيها ممثلون مستقلّون يمثلون فعلاً هذا المكوّن، وليس العمل تحت مظلّة أحزاب أو كتل كبيرة لها أجنداتُها وغاياتُها المبطّنة.
لا يمكن إنكار، الجهود التي بذلتها أحزابٌ وحركات للمكوّن المسيحي والتي انخرطت في النضال ضدّ الكابوس الذي كان جاثمًا على صدور العراقيين جميعًا، والمسيحيين بصورة خاصة، لما لهذا المكوّن من دورٍ إيجابيّ مشهود، داخليًا وخارجيًا. ومهما يكن من أمرِ العديد من القيادات التي ناضلت وقاتلت وطالبت بحقوق المسيحيين قبل وبعد السقوط في 2003، حتى وإن كان البعض منها قد انشقّ عن الأصل وشكّل تنظيمًا جديدًا في الفترة الأخيرة، إلاّ أنّ هؤلاء جميعًا يبقون مناضلين أبرار تشهد لهم الساحة باعتزاز كبير. كما نذكر باعتزاز وفخرٍ رفاقَهم الذين نالوا الشهادة ومهّدوا الطريق لفسحة اليوم وما ينعم به رفاقُهم اليوم.
لكنّ المؤسف حقًا، بروز كيانات جديدة غير مستقلّة بعد 2003، كادت تكون مرتبطة كلّيًا بأحزاب وكتل كبيرة في الدولة الفيدرالية أو في كردستان والتي تتولّى توجيهها وفق أجنداتها، ما جعلها تابعة خاضعة منقادة. لقد فقدت بعض هذه التشكيلات مصداقيتَها بعد حينٍ، بسبب الوسائل والأساليب الترغيبية والترهيبية والتزييفية التي اتّبعتها في أسلوب تعاملها مع الحدث بعد السقوط، في أوساط أبناء القرى والقصبات التي يسيطر عليها مموّلُها الأساس قسرًا منذ 2003. وإنّ قسمًا من هذه الكيانات تعمل اليوم علنًا وبالسرّ، على تنفيذ أجندة الأحزاب الكردية التي تسعى للهيمنة على القرار المستقلّ لأبناء هذه المناطق، لاسيّما في سهل نينوى، بدعمٍ من أدواتٍ وأشخاصٍ محليّين، ومنهم رجال دين وممثلو أحزاب صغيرة، سُخّروا لتنفيذ مخطَّطات مقابل أثمان.
لقد أصبح الكذب المتكرّر، واحدًا من الأساليب التي يلجأ إليها المجلس الشعبيّ مثلاً، والقوى التي تأتمرُ به بسبب التمويل اللاّمحدود الذي تحظى به هذه الأحزاب الصغيرة التي تعمل كواجهة لإمارة كردستان القادمة. وهذا الأمرُ لم يعد خافيًا على أحد. بل إن الحقد الدفين والمستعصي ضدّ القيادات التاريخية للحركة الديمقراطية "الآشورية" النضالية، قد أعمى عيون البعض وأغشاها كي تغمض العين عن المنجزات التي حققتها هذه الحركة. ويبدو أنه لم يعد أمامَ منظّري هذا المجلس، وغالبيتُهم من الأتباع القابعين في بلدان الشتات أو الأُجَراء المنتفعين من قدامى المنتمين لحزب السلطة الحاكم في بغداد وغيره من الأحزاب التاريخية العاملة الأخرى على الساحة، غيرُ توجيه الانتقادات وكيلُ التهم وإمرار الشتائم غير المقبولة على القيادة التاريخية المناضلة، رغم أنّ بعضًا من الملاحظات والانتقادات الموجهة لهذه القيادة، صحيحٌ، وقد سجّلناه عليها في مراحل سابقة ومتأخرة. وهذا أمرٌ طبيعيٌّ. فمَن يعمل يمكن أن يُخطئ أو يصيب! أمّا مَن يجلس كسولاً "على تلّ السلامة"، كما يُقالُ، فليس للغير ما يوجهونَه له من هذه وتلك.
هناك أفرادٌ مغرضون ليس لهم سوى التربّص بأخطاء الغير، بمراقبتهم لكلّ صغيرة وكبيرة لهذا أو ذاك من هذا التنظيم الأصيل. وإنّي متأمِّلٌ من التنظيم الجديد، المولود من رحم هذه الحركة، أن تكون له ذات الروحية وذات السمة النضالية في العمل الدؤوب لمصلحة العراق، أولاً والمكوّن المسيحي ثانيًا. وإنْ كنتُ قد وضعتُ كلمة "الآشورية" بين معقَّفَتَين في إشارتي لتنظيم الحركة التاريخي، فلأنّي أبديتُ وما أزالُ، امتعاضي من الاستمرار على نهج القيادة التاريخية الحالي في عدم اتخاذها، ما يُمكن أن يُخرجها من مستنقع تكرار ذات الأخطاء وعدم الاستفادة ممّا يوجّه إليها من انتقادات بنّاءة ترمي لتحسين صورتها. ولكنّها تبقى الأكثر فعّالية بين سائر التنظيمات الأخرى التي أتمنّى لها جميعًا، هي الأخرى، التوفيق في مساعيها، إنْ كان الهدف من إنشائها طبعًا، خدمة الشعب العراقي عامة والمسيحي بخاصّة.
 إنّ الحركات النضالية، كالحركة الديمقراطية "الآشورية"، لا يمكن أن يخمد أوارُها وتنتفي الحاجة إليها، وإن كَبَتْ حينًا أو رافقها شيءٌ من الترهّل أو التراجع لأيّ سببٍ، وستبقى قائمة وفاعلة مهما حيكت ضدّها من دسائس. وكلّ المطلوب منها أن تستفيد من الأخطاء وتراجع ذاتَها لتعيد مجد نضالها وتسمو فوق الخلافات وتحل الاختلافات مع غيرها على الساحة بروحٍ وطنية ومسيحيّة، طالما أنّ الكوتا المخصصة لها مرحليًا هي على أساسٍ دينيّ!
إنّي أعيد إلى الأذهان، أنّ أسلوب التخوين والتجريح والاتهام القائم اليوم بين الكتل المتصارعة والمتنافسة على هذه الكوتا، لا ولن ينفع، مع إعطاء الحق لمن يسعى فقط لكشف الحقائق وتوعية الشعب بسعي بعض هذه الأحزاب والتنظيمات ومجالس "الألوان"، عفوًا الأعيان الشكلية، للكذب على الناس والتأثير بقرارها بوسائل رخيصة تستغلّ حاجتَهم الماديّة. وكلّ المطلوب هو الاستقلالية في الرأي وعدم غشّ عقل الناخب والشعب بأكاذيب ودسائس يطلع بها متعهدو المجلس "القطاري" بمناسبة ومن غيرها. فقد انقشعت الغيمة وطلع الفجر الصافي. فما من مكتومٍ إلاّ ويُعلم وما من مجهولٍ إلاّ ويُعرف. وسيصدقُ حدسُنا، بعد أن ينقطع سيلُ التمويل وتُغلق صنابير الأموال عن فروع هذه القنوات العديدة الزائفة العائدة لبعض الأحزاب الهزيلة التي سعت وما تزال في مشوارها، لقطع المياه عن الأنهار الأصيلة وتحويل مجاريها لصالحها من دون وجه حقّ.

لويس إقليمس
بغداد، في 17 نيسان 2014

32
الدجل الأمريكي وحقوق المسيحيين في العراق والمنطقة

   رهان المسيحيين المستضعفين في العراق والمنطقة تجاه ما يبدر من قبل الإدارة الأمريكية والغرب السائر في ركابها، بين الفينة والأخرى، بإبدائها حرصًا خجولاً أحيانًا، على مصلحة المسيحيين في العراق والشرق الأوسط، ما هي إلاّ اضغاثُ أحلامٍ، سرعان ما تبدّدها غيوم المصالح القومية العليا لهذه وتلك. فالدولار هو الذي يتحكّم بهذه المصالح وليس حقوق الشعب المستضعف الذي يتعكّز عل مثل هذه الوعود الكاذبة. وإن فعلت الإدارة ألأمريكية ذلك أو دول الغرب أحيانًا، فذلك يأتي بسبب هبوب عاصفة خفيفة هنا وهناك، للمطالبة بحقوق المسيحيين لأجل أصالتهم التي لا تُنكر في المنطقة وحقّهم بأرض الآباء والأجداد.
أمّا مثل هذه التحرّكات المتباعدة والقاصرة في معظمها، فليست إلاّ لتغطية الوجه القبيح لهذه الإدارة أمام الرأي العام أو لسدّ غطاء الريح النتنة الذي يفتحه بعض الناشطين دوليًا أو إقليميًا أو محليًا. ولعلّ آخرَها، كان نزولاً عند ضغوط بابا الفاتيكان "الفقير لله"، فرنسيس الأول الذي وبّخها على تراخيها ومساومتها على مسيحيّي العراق والشرق. أمّا بعض الأصوات المسيحية "القومية" منها والوطنية، والمدّعية أنها تتحدث باسم المسيحيين وتحرص على نيل حقوقهم كاملة، فهي في مجملها تتوزع بين فئوية وطائفية ودينية، إلاّ تلك التي تحمل صبغة المواطنية الحقيقية المستقلّة الرأي والانتماء، وما أقلّها هذه الأيام!. وللأسف أقول، إنّ الصفة الطاغية لغالبية هذه الأصوات، تتميز بتقاطعِها مع بعضها البعض بسبب تباين الولاء والموالاة لهذا الطرف أو ذاك.

وعودٌ عرقوبية وآمالٌ هوائية
في الحقيقة، إنّ مثل هذه المبادرات، سواء الفردية منها أو الحزبية أو "الوطنية" الصادرة عن ممثلي المكوّن المسيحي، لا تعدو كونها فقّاعات للاستهلاك المحلّي ولتحقيق مآرب ضيقة في نفس يعقوب، لدى بعض هؤلاء من المغشوشين بالوعود "العرقوبية" التي يمنحها الأمريكان ومَن يسير في نهجهم الحرباوي! وقد تمثلت هذه الحقيقة الدامغة بشكل مأساويّ في سباق الانتخابات الحالية لنيل مقاعد الكوتا اليتيمة الخمسة التي أذنَ بها العمّ سام لإدراجها في الدستور وقانون الانتخابات بعد كشف زيف حرصه. إنّ الصراع لنيل مقعد في المؤسسة التشريعية العراقية القادمة، لهو على أشدّه في هذه الدورة. وقد تبيّنَ الخيط الأسود من الخيط الأبيض وانكشفت حقيقة المصالح الطائفية والفئوية لدى البعض ممّن دخلوا هذا السباق، حتى لو لم يكونوا على قدر المسؤولية والكفاءة والجدارة وإدارة السياسة في هذه الفترة العصيبة من الحقبة السوداء التي يمرّ بها البلد. بل هناك، مَن حلا له المقعد لما حظي فيه من مكاسب ومغانم وامتيازات لم يكن يحلمُ بها. وآخَرُ مَن سال لعابُه لمثل هذه الامتيازات التي حرّمتها القوى الوطنية الشريفة والمرجعيات الدينية المتعدّدة. في حين دخل أغرابٌ ومجهولو الهويّة في هذا السباق الماراثونيّ، علّ المفوضيّة "الّلامستقلّة" للانتخابات تُخطيء في العدّ والفرز أو بالإسم، فيحظى هذا النفر بما حلمَ به في نهارٍ ساطع الشمس! وما أدراكَ ما الأحلام في زمنٍ تهاوت فيه القيم والمبادئ وغاب الضمير وانقطع حبل المودّة واشتدّ عاملُ الخنوع للأقوى على الساحة!
هناك في أوساط شعبنا المسيحي، مَن يصفّق ويرقص على أنغام مبادرات مستوردة عفا عليها الزمن ولا تقبع إلاّ في مخيّلة السذّج الذين يعتقدون بإمكانية تحقيقهم حلمَ امبراطوريةٍ بادتْ ولا يمكن أن تقوم لها قائمة ثانيةً، لأنّ التاريخ يتغيّر والزمن يُسرع ولا يتراجع. وثمّةَ نفرٌ آخر يسعى لطموحات خائبة سعى أو يحلم بإطلاقِ مثيلاتها في مثل هذه الأيام، مع إقبال العراقيين على استحقاق انتخابيّ بهدف ضمان تواجد وموطئ قدم في هذه المؤسسة التشريعية التي تحوّلت إلى منبر لتقاطع المصالح وتبادل التهم ومسرحًا للمزايدات والمناكفات والسجالات العقيمة التي لا تغني ولا تخدم المواطن البسيط الذي لا يحلم سوى بالأمان وكسرة الخبز الحلال والسكن اللائق الذي يقيه برد الشتاء وقيظ الصيف الكافر والسكن الدافئ له ولأهله وأبناء بيته.
أحلام وردية تتجدّد وتنتعش بفعل فاعل، في كلّ مناسبة تستجدّ فيها أزماتٌ داخلية أو تتقاطع فيها مصالح بين الإخوة الحالمين بكيانٍ خاصٍ بهم، جعلَه البعض مسبَقًا مِن أملاكِ إمبراطوريتهم البائدة، ولاسيّما من لدن عابري الحدود والمضحّين بالأرض والأصل والوطن من المقيمين في أبراج عاجية في بلاد الشتات والمقتاتين على فتات المعونات هنا وهناك في أرض الله الواسعة. فالحكم الذاتي الموعود في إقليم كردستان، لم يتحقّق شيء منه لغاية اليوم. كنّا نتمنّى مِن الناشطين والفاعلين والمطالبين بهذا الحقّ أن يسعوا إليه اساسًا، قبل تجاوز صلاحيتهم على حقوق مناطق غيرهم في سهل نينوى والقفز على استقلالية قرار أبناء هذا السهل والتدخل في شؤونهم المناطقية ومحاولة السطو على قرارهم ومصيرهم في أرضهم وقراهم. فممّا لاشكّ فيه، أنّ جغرافية سكن أبناء المكّون المسيحي في كردستان، تساعد لتحقيق طموح الحكم الذاتي الموعود في منطقتهم، إذا أخذنا بنظر الاعتبار رؤية القيادة الكردية التي تدّعي في كلّ مناسبة تأييدَها لتحقيق المساواة بين أبناء الشعب الكردي الواحد ومنهم بخاصّة، المكوّن المسيحي، الذي تشير إليه هذه القيادة في مناسباتها الوطنية والرسمية، بالشعب " المسيحي الكردي". هذا في الأقلّ، ما نسمعه ونتلقاه من بيانات بهذا الصدد سواءً من القيادات الكردية أو من المسيحيين ذواتهم الذين يؤكدون قوميتَهم الكردية دون إحراج أو خجل! أمّا القفز على جغرافية سهل نينوى مِن قبلِ مَن سمحوا لأنفسهم باختراقه بفعل حواضن هزيلة محليّة، ولاسيّما من المستفيدين مادّيًا، فهذه سابقةٌ خطرة قد تؤدّي لانهيار النسيج النوعيّ المتكاتف في بلدات وقصبات السهل وتنخرُ جسدَه بفعل تآكلِه من الداخل مِن حيثُ لا يدري ولا يعي لنتائج تغيير طبيعة مجتمعه، بأية أعذارٍ كانت.

لا تنغشّوا بالقادم االغريب
إطّلعنا وشاهدنا بأمّ أعيننا، ما يقوم به أُجَراءُ بمختلف الوظائف والمسؤوليات، من رجالات دين كبار وصغار، ومن أتباع أحزاب هزيلة ومن موالي منظمات مدفوعة الثمن من أجل بلوغ مآرب يخفى على عميان البصر وفاقدي البعد المستقبلي، معرفةَ الغاية من تسخير كلّ هذه الجهود لتحقيق حلم مجهول رسَمَهُ الأغرابُ لمنطقة سهل نينوى بالتعاون والتشاور والخنوع لقوى متنفذّة. فالمحافظة الخاصّة الموعودة للمسيحيين في هذا السهل، بحسب الوعد الذي قطعه المحتلّ الأمريكي ل"مام جلال" بشأنها أو الإيعاز بها للحكومة بإخراجها بطريقة بهلوانية، والتي يخفي حقيقتَها مَنْ يدّعون قيادة الشعب المسيحي في الإعلام وأمام ممثلي مكّونات المنطقة (راجع تصريح برِّتْ ماكورك، مُساعد وزير الخارجية الأمريكية المسؤول عن العراق وإيران، في 5 شباط 2014 ضمن جلسة استماع للكونغرس الأمريكي)، لن تخدمَ أبناء المنطقة، في الأقلّ في هذه الفترة غير المستقرّة. وإن يكن هذا الإجراء وغيرُه ممكنًا في قادم الأيام، إلاّ أنه لا يلبّي الطموح إن حصلَ بالطريقة والغاية المقصودة في هذه الأيام الحوالك. فكلُّ ما يُبنى على باطل يبقى باطلاً، وكلُّ ما يُغتصب قسرًا يبقى ظلمًا وتعسّفًا.
إنّي، لأُعجَبُ من أبواقٍ وأدوات تحرّكها أيادي خفية تشيد بهذا أو ذاك مِن الذوات الذين نكنّ لهم كلّ الاحترام، حين يتحدثون ويعملون ويتحرّكون فقط بمسؤولية وطنية جامعة لا تقبل التشرذم والانقسام والتفتيت والتجزئة، بل في إطار وحدة البلاد وصيانة قدسية الأرض والاستقلالية في القرار والطموح. وما لا يخفى على اللبيب المتابع، أنّ هذه الأيادي الخفية، ماتزال تلعب صفة البيادق بيد المحتلّ الأمريكي وأتباعه الغرب وأعوانُهم في البلد، والذي لم يرفع بعدُ يدَه عن إرادة العراق ومصيرِه. فالاتفاقية الأمنية طويلة الأمد سوف تقيّدُه لسنواتٍ عجاف وتسلبُ منه الإرادة والحرّية والاستقلالية في القرار، إلاّ إذا شاءت الأقدارُ وقدمَ "صدّامٌ جبّارٌ مواطنيٌّ مستقلُّ يحكم الجميع بالعدل والمساواة"، كي يزيح هذا "الماموث" الجاثم على صدور العراقيين ويلقّنه درسًا في الأخلاق والضمير واحترام الغير.
 إنّ الأحلام الوردية والطموحات المنطقية المعقولة لا تُبنى على حساب حقوق الغير وفي مناطق هذا الغير التاريخية وفي رسم مصير مستقبل أبناء جماعته. فهذا ليس مِن شأنهم، إنّما يمكن أن يوصف ببساطة تدخلاً بشؤون أهل الدار في هذا السهل. إنّ التكالب الحاصل حاليًا ومنذ السقوط الدرامي في 2003، على مناطق سهل نينوى بالذات، ليس سوى تدخلٍ سافر وتعدٍّ واضح وغير مقبول من جماعات، وأفرادٍ ومنظمات وأحزاب، قدمت من خارج المنطقة وتريدُ رسمَ مستقبلها باستقطاعها أوصالاً ومقاطعات، أيّا كان الهدف. فهذا المشروع يدخل بالتأكيد ضمن ذات الهدف الأكبر الذي رسمته السياسة الأمريكية ودوائرُها وأجراؤُها بالمنطقة لتفتيت النسيج العراقي وإكمال مشروع "بايدن" بتقسيم العراق على أسس دينية وطائفية ومذهبية، بل وضمن الدين الواحد والمذهب الواحد والطائفة الواحدة.
لذا، اقول، إنّ أهل الدار أدرى بمصيرهم ومستقبل تاريخهم، وليسوا بحاجة إلى تدخلٍ مِن غريبٍ، أياً كان دينُه أو طائفتُه أو قوميّتُه، لكي يعلنَ حلمَه باستعادة إمبراطورية بائدة يدّعي الانتماء إليها هوَسًا، أو غيرُه ممّن يسعى لاستقطاع أجزاء من نينوى العظيمة تاريخيًا، بحجّة خلق منطقة آمنة، لن تكون سوى بمثابة محميّة تحيطها "ذئابٌ خاطفة من خارج المحلّة"! إنّ على أمثال هؤلاء أن يضعوا خوفَ الله في رقابهم ويراجعوا أنفسَهم ويتحلّوا بشيء اسمُه حبّ الوطن ووحدتُه وازدهارُ شعبه ووحدته وتنميته، وليس العمل مع الشيطان لتقسيمه وتشرذمه وتفتيته.
لقد بدأت خيوط اللعبة القذرة تنكشف، والتي تمّ لها تجييشُ أناس لا يمتلكون عمقًا وطنيًا ولا مواطنيًّا ولا بعدًا اجتماعيًا ولا مصداقة دينية، بعد أن وقعوا في حبائل مغريات مادّية ادّعوا ويدّعون دومًا أنّ واهبيها ومانحيها أناسٌ طيبون جدّا ولم يتطرّقوا قطّ إلى شروط أو غايات مبتغاة من وراء هذه الهبات السخية والعطايا الجزيلة التي أٌجزلت وما تزال على نفرٍ يسيل له اللعابُ. وهذا ديدنُهم منذ نشأتهم. فمَنْ لا يولي أهمية لكرامة آدميّته ورصانة أدائه المجتمعي ونزاهة فعالِه، يمكن أن يفعل أكثر من هذا الشيء ويجازف بكلّ هذه وتلك، بسبب ضعفه البشريّ، ولما لهذه المغريات من تأثير فعّال. أمّا المصلحة العليا للوطن والبلدة والدين، فهي عندهم "مِنْ بعدي الطوفان"!

أمريكا والغرب، قمّة الدجل والفتن والبدع
إنّ أحقيّة الشعوب في تقرير مصيرها، حقٌّ مكفولٌ فقط، حينما يعرف كلُّ ذي حقٍّ حقَّه ولا يخرج عن مسار المصلحة العامة للوطن قبل كلّ شيء، لأنّ ما بعدَ هذه المصلحة، كلُّ شيءٍ يهون ويركع رغم أنف المعترضين الخائبين الذين يغنّون خارج إطار السرب المواطنيّ، ولكنّهم لا يُطربون! ومهما يكن، فإنّ توظيف الفرص، لا يمكن أن يحصل خارج أسس هذا السياق المواطنيّ. ومّن يدّعي غير ذلك، ليس من الوطن والمواطنة بشيء. بل ليس سوى طفوٍ عابرٍ وغمامة آيلة للاختفاء مثل "مزنة الصيف" العابرة، كما هي حال السياسيّين الجدد القادمين من خلف الحدود بحراسة حراب المحتلّ الأمريكي الذي عبث بمصير العراق وأهله وفتّت اللحمة الوطنية وجزّأَ المجزَّأ منه أصلاً، من أجل بلوغ غايته في احتلال البلد والسيطرة على منابع ثرواته والقضاء على ما كان فيه من علمٍ وأدبٍ وفنّ وبقايا حضارة.
 بهذا السلوك العدائيّ لشعب الرافدين والحقد الدفين الذي كنّه الغازي الأمريكي ومّن وراءَه مِن قوى عالمية خفية، لحضارة العراق وما كان أحرزَهُ هذا الأخير من تقدّم على طريق التطوّر دون سائر دول المنطقة، قد قرّر المحتلّون الجدد ومع سبق الإصرار على إعادته قرونًا إلى فترات الجهل والتخلّف الحضاري، من خلال نزع كلّ أداة مدنية وآدميّة وإنسانية وعلمية حقّقتها الأجيال السابقة بدماء أبنائها وبعصارة عقولهم ورهافة وطنيّتهم التي اتسموا بها قرونًا وسنينًا طويلة.
رُبّ سائلٍ، أين كان "العمّ سام"، حينما اضطُهد أبناءُ المكوّن المسيحي مثل غيرِه من المكوّنات قليلة العدد "الأقليات"، وتمّت معاملتُهم بعد السقوط مباشرة ك"أهل الذمّة"، وما يزالون كذلك في نظر البعض، في مناطق عدّة. ألمْ يتمّ تهميشُهم حين استنباط الحاكم المدنيّ، "بريمر" سيّء الصيت، نظامَ المحاصصة مستبعدًا كفاءَاتهم ومواطنيّتَهم وولاءَهم الذي يعرفه القاصي والداني؟ وإلاّ، لماذا هذا السيل الجارف من طالبي الهجرة من أبناء شعبنا وغيرهم، والتي لم ولن تنتهي، مادام الفكر اللّوبي الصهيونيّ الذي يتحكّم بمقاليد الاقتصاد الأمريكي والعالم، يحشرُ أنفَه في كلّ دهاليز السياسة ويتدخل في صغيرها وكبيرها ويُبقي ويديمُ فكرةَ تجزئة البلد بصيغه وأساليبه الاستعمارية الحديثة بدعمٍ مباشرٍ من أدواته وأُجَرائه؟ لماذا لم يقرّر فرضَ الأمن منذ قدومه واحتلاله البلاد، بل ترك دوائر الدولة تُنهب وتُسلب أمام ناظريه، وأبناءَ الوطن يُقتلون بدماء باردة؟ وحينما، كان يُطلب من جنوده المرتزقة فعلَ شيء حيال تلك الجرائم والمآسي، كان ردُّهم واضحًا: هذا ليس من شأننا وليس مِن واجبنا!
لقد تمادى المحتلّ الأمريكي كثيرًا بضربِ عرض الحائط، كلّ الواجبات المترتبة على الجهة الغازية التي تقرُّها المعاهدات والأعراف الدولية التي تُلزمُ الجهة الغازية بضمان أمن واستقرار وحيا ة المواطن في البلد الذي تحتلُّه. هذا ما نعرفُهُ ونقرأه وتوضحّه مثل تلك المعاهدات، إزاء الشعوب المقهورة والمهمّشة والمستضعفة، ومنهم المسيحيين الذين استهدفت كنائسُهم وتعرّض رؤساؤُهم وابناؤُهم للذبح والقتل والتشريد أكثر من غيرهم، بسبب طبعهم المسالم وعدم امتلاكهم ميليشيات وكرههم لاستخدام السلاح.

يقظةٌ زائفة للإدارة ألأمريكية
إنّ اليقظة التي صحا عليها الكونغرس قبل أشهر مطالبًا على ضوئها بسنّ قوانين للمحافظة على مسيحيّي العراق وحمايتهم، قد جاءت متأخرة وغير فاعلة، طالما المصالحُ العليا للقطب الواحد لا ترى في هذا الاتجاه ما يقوّي هيمنتَها ويفرض سطوتَها على البلد الذي يتواجد فيه أبناء هذا المكوّن. لذا، فإنّ ادّعاء الأمريكيين بكونهم "اللاعب المُحايد"، لا يمكن أن ينطلي على اللبيب المتابع. فالذي انتهجه الرئيس الحالي "أوباما حسين" واضح، لا يقبل الخطأ والصواب ومتطابق مع مشروع نائبه "بايدن" بتقسيم العراق على أساسٍ دينيّ ومذهبي وطائفيّ. فقد هادنَ التشدّدَ، إن لم يكنْ قد دعمَه عبر مجلس الأمن القوميّ واستخباراته التي يتحكّم بها نائبُه القويّ "بايدن"، راعي تكوين "شرق أوسط جديد" بكلّ حيثيّات وغايات هذا المشروع "الكيسنجري اليهوديّ" الذي كان بدأه وزير خارجية أمريكا مطلع الثمانيات.
 من هنا، فقد بقي هذا القانون الذي صاغهُ الكونغرس في حينها، غافلاً تمامًا عمّا يجري على أرض الواقع في العراق خاصة وفي دول الشرق الأوسط عمومًا بعلمٍ ودراية، بل بتوافق ومساومات أمريكية وغربية مع بعض دول المنطقة الإقليمية التي فرضت قوّتَها وإرادتَها رغم أنف الغرب. كلّ هذه الاتفاقات والمناورات تجري مع دولٍ نما فيها التشدّد ولاسيّما دول الخليج وتركيا التي تراهن جميعُها، على كبح جماح إيران الشيعيّة التي تناصبها العداء، وتقف كالطود العنيد الشامخ بفرض ما تريدُه وما ترتئيه وما تشتهيه في تسيير شؤون دولٍ سطتْ هي على إرادتها وما تزال تخطّط لسياساتها، بل وتقودُها وتدعمُها من خلف الكواليس، وبالاتفاق مع العم "ىسام" نفسه والغرب الخاضع له.
أسفي على مَن مازال يراهنُ في صفوف أبناء شعبنا المسيحي والعراقي عامةً، على دورٍ إيجابيّ يعتقدُ أنّ الإدارة الأمريكية ومعها الغرب الّلامبالي يعتمدونه ويلعبونه لأجل مصلحة هذا المكوّن أو المكوّنات الأخرى الموعودة خيرًا من العملية السياسية برمّتها. إنّ الإدارة الأمريكية والغرب معها، يتاجرون بالقضية المسيحية كما يتاجرون بالمصير الشامل لأبناء العراق والمنطقة ككلّ. أمّا ما يصدرُ بين الفينة والأخرى في أروقة السياسة والإدارة من لقاءات واجتماعات وتنسيقات وجلسات استماع ليست سوى وسائل وترتيبات لوضع استراتيجية محدّثة لنهب ثروات العراق وتغيير السياسات وتوجيهها نحو أرباح أكبر ومصالح أوسع وبطرق مستجدّة وحديثة. فادّعاء محاربة القاعدة وسائر التنظيمات الإرهابية قد خرج عن المألوف ولم يعدْ خفيًّا. فالذي أوجدَها ودعمَها ومازالَ، هو نفسُه الذي يدّعي محاربتَها بعد أن استقوت وخرجت عن طاعة راعيها، مِن إدارةٍ وجهاتٍ استخبارية وأمنية ودفاعية وداخلية، وما أدراك ما غيرُها مِن الداخلين في اللعبة الدولية القذرة!
أترك الحكمَ للقارئ اللبيب كي يستشفّ من الأحداث المأساوية في العراق والسائرة نحو الهاوية بسبب الصراعات الطائفية المستحكمة في كلّ مفاصل الدولة الهزيلة التي نخرها الفساد حتى العظم وأغرقتها المصالح الفئوية الضيقة في دوّامة عنف متواصل لا نعلمُ مداه. فلا نتوقع خيرًا من أية جهودٍ من خارج الحدود، لأنّ الحلّ الصحيح الشافي لن يكون إلاّ داخليًا وبالمصالحة الوطنية وتغليب المواطنية على أيّة أجندة مستوردة.

لويس إقليمس
بغداد، في 10 نيسان، 2014



33
المنبر الحر / غيرة بيتك أكلتني!
« في: 23:17 01/04/2014  »
غيرة بيتك أكلتني!

مِن أعماق القلب أحيّي غيرةَ الشبيبة المسيحية في قرقوش، البلدة العراقية الأصيلة التي لن تذوي جذوتهُا ولن تنطفئ شمعتُها بإذن الله وبدعاء الخيّرين الطيّبين وبهمم السعاة النزيهين، غير الانتهازيين وغير الصاغرين للغريب القادم من خلف الأسوار ومن خارج نسيجها الأصيل.
بهذه الوثبة الشجاعة بالتظاهر، ضدّ ما يلحق بهذه البلدة المسالمة والمتميّزة، وكذا على مثيلاتها القريبة منها، من مظالم ومثالب وإخفاقات إدارية متتالية وعجز في رفع الغبن وفشل في فرض الرأي المستقلّ الصائب، أثبت الشباب قدرتًهم في التعبير عن طموحاتهم وحقوقهم. هذه كلُّها وغيرُها قد حفّزت غيرة منظمي تظاهرة الأحد الماضي 30 آذار 2014، بدءًا بالترتيب لها قبل أكثر من ثلاثة أشهر، وبالتحديد في نهاية كانون أول 2013، حين تقديمي مقترحات تسهّل وتستعجل مثل هذه المبادرة الشجاعة لتكون سابقة في تغيير مسار المطالبة المشروعة بحقوق مواطنية كاملة، بما في ذلك خدمات البنية التحتية وتنمية المنطقة ووضع حدّ للمجاملات للغريب الطارق ضيفًا ثقيلاً: قادِمًا حَمَلاً وديعًا بوسائل وتبريرات حربائية، وباقيًا فيها ذئبًا كاسرًا ينخر نسيجَها ويفتّت أهلَها وينهبُ أراضيها.
تلكم، رسالة واضحة للإدارة الحكومية الضعيفة فيها ومجالسها المترهلة من حكومية وشعبية قاصرة في فرض المطالب إلاّ على خجل وبأصوات بائسة لا تسمعُها حتى الجرذان المتسكّعة هنا وهناك من الذوات الذين خنعوا فأفسدوا وخضعوا فأخفقوا ورحّبوا ففشلوا.
وعودٌ كثيرة سوّقها مسؤولون محليّون ومَنْ همْ في مواقع تمثيل الشعب ومَن يدّعون أعيانًا أعوانًا لأهالي البلدة. لكنَّ أيًّا مِن هذا أو ذاك الوعد لم يفلح منذ حينٍ.
أحيّي مَنْ نقَلَ تكرارًا، المعاناة إلى مكاتب الجهات المسؤولة في بغداد منذ فترة ليست بالقصيرة. وقد صادفتْ آخرَها مِن قِبَل النائب خالص إيشوع، الذي كنتُ أعلمتُه قبل يوم واحد فقط من لقائه بمعالي وزير البلديات والأشغال العامة المحترم، بثالث رسالة أطلقتُها شخصيًا إلى معاليه، نظرًا للعلاقة الطيبة التي تربطني مع المكاتب والمديريات المتعددة ذات العلاقة بهذه الوزارة. كنتُ قد وضعتُ في حينه بالصورة، العديد من مسؤولي الدولة والأمانة العامة لمجلس الوزراء والبرلمان والحكومة المحلية بالموصل إضافة إلى ممثلي أهلنا ومعالي وزير البيئة عبر البريد الالكتروني، كي تكون لهم حافزًا للضغط على الجهات ذات العلاقة لإنهاء معاناة الأهالي وطلبة المدارس ومرتادي الكنائس والمتبضّعين من الأسواق. وأرجو ألاّ يكونوا قد ضاقوا ذرعًا بما كتبتُه، لاسيّما وأنّ معالي وزير البلديات قد أحال رسالتي الثالثة الأخيرة إلى الجهة ذات العلاقة لإجراء تحقيق وتقديم مذكرة بالوضع البائس للبلدة، تمامًا كما وصفتُه لمعاليه وللذوات المعنيّين بالوزارة. وقد أُحِطّتُ علمًا في اليوم التالي، بجهد النائب "إيشوع" لدى الوزارة المذكورة، تأكيدًا على مضمون رسالتي.
إنّي، حين أكتب هذه الحقيقة كما هي فحسب، ليس المقصود بها نشر دعاية إعلامية، إذ لا أزالُ وسأبقى استقلاليَّ القرار والانتماء والفكر والتشخيص والطرح والحركة حين تقتضي الظروف. في هذه الرسائل الثلاث التي تخصّ مشروع المجاري المتلكّئ، نقلتُ فيها معاناة البلدة كما كنتُ أشاهدُه في كلّ مرّة أزور بها بلدتي وأغوص في أطيان شوارعها وأتعثّر في حفرها وخنادقها بسبب سوء عمل الجهة المقاولة، غيرِ الهندسي تمامًا، وكذا بسبب تراكم النفايات والأنقاض في كلّ أركان البلدة بسبب عجز الدائرة البلدية المتعذّرة بقلّة الكادر والآليات. وهدفي من هذا الطرح، يأتي في نطاق ما ورد من كلامٍ غير مقبول وتبرير غير حكيم من جانب رئيس الدائرة الحكومية المتمثلة بالسيد القائممقام الذي طُبع عهدُه بالعجز في تطوير البلدة وتوفير ما تحتاجُه من وقود وفرض هيبة دائرته ومعالجة الإخفاقات الخدمية الدائمة، بالرغم من قلّة الكادر البلدي والعجز في أعداد الآليات، كما تتذرّع دائرة بلدية القضاء!
على أية حال، كنتُ أتمنى على السيد القائممقام، أن يستنفر هو شخصيًا كادرَه الحكومي في دائرته ودائرة البلدية للقيام بأدنى ما ينبغي عملُه يوميًا عبر جولات يومية في الأزقة والشوارع غير السالكة للعربات والمركبات، وليس الجلوس خلف المكاتب، أو الطلب من الشباب الثائر "أن يقود مظاهرة للعمل والتنظيف لمدينتهم التي هي بحاجة إلى جهودهم واندفاعهم لحملة طوعية وإظهار حرسهم لمدينتهم بهذا الأسلوب والاتجاه وبالإمكانيات البسيطة لدى البلدية وكذلك القيام بمساعدة المقاول بالعمل لديه بغية سرعة الانجاز وزيادة فرق العمل لأنه بحاجة إلى عمال وفنيين ولقاء أجور."
أقول، كيف لمسؤولٍ أول على رأس قضاء، أن يطالب هؤلاء الشباب أن يعملوا لدى المقاول ويقوموا بمساعدته من أجل زيادة فرق عمل؟ هل سأل المقاول نفسًه، كيف أصبح مقاولاً وهو لا يجيد صناعة مشروع المجاري الذي اُحيل إليه؟ وكيف أُحيلت المقاولة إليه وهو غير قادر على إيجاد عمال مهرة ومهندسين لإنجاز المقاولة؟
 ثمّ على ذقون مَن تضحكون، بالقول بإنجاز "مراحل متقدمة وإن شاء الله سوف ينتهي العمل في نهاية صيف هذه السنة حسب التعهد الذي قطعه المقاول على عاتقه بالعمل". لقد سئمنا هذه الوعود التي سمعها أهالي البلدة وأنا سمعتُها شخصيًا من المقاول نفسه خلال أكثر من ثلاث زيارات قمتُ بها إلى مقرّ الشركة خلال السنتين المنصرمتين. أنا، مع الودّ والاحترام الذي أكنّه لمقاول شركة العمران، إلاّ أنّي ألومه لعدم كفاءته وعجزه الإيفاء بالعديد من تعهّداته التي قطعها للكثيرين مِن حكوميين ومدنيين وأصدقاء. أمام الحق، لا يمكن للباطل أن يقف ويثبت!
حبّذا لو يطلعُنا المسؤولون في المحافظة أو القضاء على الأمور التي لا نعرفُها، كما يقول السيد القائممقام. لكنّنا نعلم بحسب ما وصل إلينا، أنّ المجاملات والاسترخاء ووسائل التخدير والمماطلة، ولا نزيد أكثر، هي من بين الأسباب التي لا يعرفها الجميع والتي ساهمت في تلكّؤه بتنفيذ المشروع حسب ما كان مقرَّرًا له!
ثمّ ما فائدة "العديد من الاجتماعات مع المقاول والمراسلات التي أرسلت من قبلي إلى المحافظة وتم إرسال لجان المتابعة من المحافظة"، بحسب تصريح السيد القائممقام، إنْ هذه جميعًا لم تحقّق إنجاز المشروع ضمن الفترة المحدّدة ولم تنهي معاناة الأهالي الذين أولوكَ أنتَ وغيرَك مسؤوليةَ الحرص على مصالحهم؟ وهل الحرص المطلوب والمسؤولية الإدارية والأخلاقية تكون بعذر المقاول بالتلكّؤ بالمشروع ورمي أسباب الإخفاقات على "المواطن والشؤون الإدارية والوزارية والعملية وما يواجهه من أمور كثيرة"؟ ما هذا الهراء؟
هذه الأعذار جميعُها وغيرُها ليست مقبولة. عليكم شحذ الهمم وممارسة الضغط على الشركة المقاولة، عبر جميع الوسائل المتاحة كي يزيد من زخم العمل بزيادة الآليات والعمال، ليس بهدف الانتهاء من العمل بطريقة كارثية، مربكة وغير فنّية، بل بزيادة فرق العمل الماهرة وبإشراف مباشر من المقاول نفسه والجهات الساندة في البلدية وفريق المهندسين المختصين، كي يكون الإنجاز على قدر المعاناة والانتظار المرير.
مرّةً أخرى، أوجّه تحياتي إلى جميع الجهود الساندة لتحقيق هذا المشروع، بدءًا من إحالته، ومرورًا بمَن جاهدَ ليكون هذا المشروع في خدمة البلدة التي تستحقّ أكثر من ذلك. وأسوق أسفي لمداخلتي بصدد ما واجهتْه التظاهرة الشبابية التي تنمّ عن حرص وغيرة حقيقية على البلدة وساكنيها، بعيدًا عن هموم دوائر الدولة وترهّلاتها وعجزها وعدم أهليّة بعض مسؤوليها. أرجو ألاّ يكون نفرٌ قد استغلّها لتحقيق دعاية انتخابية لنفسه أو تجمّعه أو حزبه أو فئته. فإرادة الشباب أقوى مِن كلّ هذه المغانم الشخصية الضيقة.
لكم تحياتي ومودّتي يا شبيبة قرقوش الغيارى. فأنتمْ أهلٌ لها حين يجدّ الجدّ ويحضر الحرص والضمير والفأس! وعتبي كبيرٌ على مَن وقفَ جانبَ المتفرّج ممازحًا أو منتظرًا أو لا مباليًا بما آلت إليه حالُ بلدتِه. لقد كان الأجدرُ بهؤلاء جميعًا أن ينضمّوا إلى مسيرة الغيرة الشبابية المستقلّة تلقائيًا وعفويًا دعمًا لنشاط الشبيبة المستقلّ. فهلْ غيرةُ البيت أصبحت اليوم في نظر البعض تقتضي قراراتٍ واستراتيجيات مِن جهات نصّبت ذاتَها أمينًا عامًاعلى مصير البلدة كي تقرّر أسلوبَ التخلّص من الأوضاع المزرية التي آلت إليها منذ أكثر من عامين؟ ومتى كان الحرصُ على الأرض والمصلحة العامة أسيرَ مزاجاتِ مَنْ نصّبَ نفسه ناطقًا باسم البلدة وحاميًا لها بعناصر مسيّرة وإدارة خانعة تُلزم أتباعَها بالمشاركة في احتفالات كانت تعدُّها بالأمس محرّمةً واليوم تجيّش لها وسائط نقل لتسهيل المشاركة بها خارج البلدة؟ فهلْ أوضحُ وأبلغُ من هذا التناقض في الموقف والرأي والتخاذل؟

لويس إقليمس
بغداد، في 1 نيسان 2014

34
ألمرأة صرخة استغاثة بوجه الظلم والتخلّف
"لمناسبة الاحتفال بعيد المرأة"
استهلال:
   أوضاع المجتمع العراقي اليوم، لا تُسرُّ، وهي تكاد لا تختلف عن الأوضاع التي تمرّ بها دول المنطقة منذ عقود، بعد انحسار الفكر التقدّمي المنفتح على الآخر الذي كان قد خلق مجتمعات متنوّرة نوعًا ما، كانت قد واكبت شيئًا من أدوات التطوّر بكلّ أشكالها، بدءًا من التربية المنزلية، ثمّ المدرسة، فالفنون، فالمؤسسات التعليمية العالية من معاهد وجامعات، مرورّا بأنشطة منظمات المجتمع المدني والأحزاب التي كانت تتخذ في أيديولوجياتها مساراتٍ معتدلة تأخذ في الحسبان الولاء للمواطنية ومصلحة الفرد والمجتمع معًا.
   يمكن عدّ هذه الظاهرة في أيامنا هذه، بمثابة أزمة مستفحلة تنخر جسد مجتمعاتنا التي ابتليت بذواتٍ أعماهُم الانغلاقُ على الذات وعلى الدّين والمذهب والطائفة والقومية التي لم يعدْ لها مكانٌ في الساحة الواسعة للعولمة التي يُفترض بها أنْ ألغت الحدود وقرّبت المسافات وفعّلت المجتمعات المتقدمة نحو تطوّرات غزت العالم بقوتها وفاعلية اختراقها للمجتمعات المفتوحة التي ترغب بالتقدم والتطور وخدمة النفع العام. هذه الأزمة، تشكل اليوم جرحًا عميقًا في خاصرة العديد من المجتمعات التي حدّتها الأفكار المتخلّفة المرتبطة بتسييس الدين لصالح فئة، ولا همّ لها سوى فرض أجنداتها وأفكارها وفق مقاساتها التي تتطابق مع المعايير التي تريدها هي، وليس تلك التي هي عليها بفطرتها وطبيعة تكوينها ونشأتها ووفق الخيارات والحرّيات الطبيعية المكتسبة.
   إن هذه الأزمة التي يتفق عليها اليوم، العديد من الاختصاصين بدراسة ظواهر الشعوب والأمم والدول في العالم، تكاد لا تخلو من مفاهيم اجتماعية واقتصادية ودينية وثقافية وحضارية في مجمل تقديمها واستعراضها وفعّاليتها. فهي تمثل الخيط الحرج والنقطة الحاسمة التي تحدّد مصائر الشعوب والأمم وتحفظ لها طاقاتها وتمحورُ مصيرَها بالقبول بالتطور ومفاعيلهما، أو بالتراجع إلى الوراء مع ما يمكن أن يحمله هذا التراجع من تخلّف وتقوقع مليء بأنواع المآسي والفقر والتخلّف والموت للشعوب بدلَ ارتقاء سلّم التطور والقبول بالحياة التي يجلبُها الانفتاح والتقدّم. مثل هذا التقوقع والانكفاء على الذات، سيكون انتحارًا لسالك هذا الدرب المليء بالألغام والمطبات على جميع الأصعدة.
   والتخلّف الذي نقصده قد يصل جميع مفاصل الحياة، المنزل الأسري والمدرسة والشارع وموقع العمل والسفر. كما قد ينسحب ليس على قرية أو مدينة أو عاصمة، بل قد يضرب دولة بكاملها ومنطقة بمجملها. وهذا، ما نحن عليه اليوم في بلدنا العراق، حيث تستفحل هذه الآفة في عموم مجتمعاتنا، دون بروز ما يشبه الضوء في آخر النفق الطويل المظلم. فهل هذا ما يستحقه شعب الحضارات والإنجازات والبطولات والخيرات؟
   نحاول في هذا البحث، التطرّق إلى هذا المنعطف الخطير وتحليل أسبابه والخروج بنتائج قد تنفع لدرء خطره فيما لو بقي دون معالجات جدّية، سواء من الدولة وساستها، أو من المراجع الدينية التي تقع عليها مسؤولية التوعية المعتدلة أو من الأصول الثقافية والعلمية التي تُعدّ راعية الثقافة وعليها تقع مسؤولية التثقيف والتعليم بالتعاون مع الأسرة والمنظمات التي تُعنى بتطوير المجتمعات. وسنخصّص الجزء الكبير من البحث عن تخلّف المرأة في مجتمعنا العراقي والشرق- أوسطي عمومًا
ميادين التخلّف، كيف ولماذا؟
    تعرّض المجتمع العربي ومنه العراقي، عبر تاريخه إلى مراحل متداخلة ومتصارعة من التقدم والتراجع تبعًا للظروف التي عاشها منذ قيامه. فهو بعد الحضارات العامرة الأولى التي بناها وسادت العالم قرونًا، تعرّض مثل غيره للإبادة والتراجع في تاريخه. وهذا أمرٌ طبيعيٌ بسبب محدودية المساحة التي سبح فيها وكذلك بسبب أسرِه في دهاليز الفكر البالي الذي يصرُّ البعض في هذه الأيام بالذات لإعادته إلى أيام القهر الظلامي الأوّل قبل أكثر من أربعة عشر قرنٍ وما قبله، حيث ساد فيها عملُ السيف والترهيب والتحايل على بسطاء الناس، ممّن عانوا آلامًا وأزمةً وعجزًا أمام قوى الطبيعة والسلطان الذي تحكّم بها وبهم على السواء.
   جميع المحلّلين لظاهرة التخلّف، يرون في أسبابها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والدينية والسياسية، أنها قد ألقت بثقلها على مرِّ العصور والسنين على الناس دون تمييز. وكان من ضحاياها، الرجل والمرأة، الشاب والفتاة، الطفل والشيخ، اي أنها لم تستثنٍ أحدًا البتة. وما زاد الطين بلّةً، أن أدواتها ومرتكبيها قد توارثوا هذا النهج المتخلّف باستمرار وعزّزوا بطريقة أو بأخرى، ترسيخَ الظروف المؤدية إلى هذا التخلّف بأنواعه وبوسائل قهرية وتسلّطية وترهيبية متنوعة. فالإنسان بطبيعته، يميل إلى الاقتداء بمن يراه أو يدفعُه للتوجه في سياقٍ معيّن وفي فترة معينة من حياته ومسيرته وسطَ المجتمع الذي يعيش فيه. وهو بذلك، قد يكون وليدَ البنية والبيئة التي يعيش فيها مع ما في هذه من أنماط الحياة المتنوعة في خيرها وشرّها. ولكن، أنْ يستفحلَ مثل هذا التخلّف ويصبح قوة فاعلة ومؤثرة في نمط حياته اليومية المعيشية، فهذا أمرٌ فيه الكثير من المنزلقات الخطيرة، سواءً على الصعيد الشخصيّ أو العام. كما ساهمت الازدواجية في شخصية الإنسان العراقي والعربي عامةً من فئة المغالين والمغالطين وغير المعتدلين بتعميق الهوّة بين الجلاّد وضحيّته وبين المتربعين على السلطة وعامة الناس.
   ولعلّ مِن أصعب مراحل الانغلاق على الذات والغير، أن يجد الفردُ المحاصَرُ في شباك التخلّف، نفسَه في وضعية مأزقية حرجة، قد لا يجد منها مفرًّا لطرد أدوات القهر الذي وقع فيه أو الذي حاصرَه مِن حيثً لا يدري، لا سيّما في مواجهة القائمين على السلطة، دينيةً كانت أم سياسية أم دنيوية. وهنا يقع الطرفان، الفاعل والمفعول به في فخّ التخلّف والمغالاة على السواء، نتيجة هذا التسلّط  الخالي مِن أية معايير اجتماعية منفتحة على ما يجري من حوله والافتقار لأية رؤية واعية بحقوق الإنسان، رجلاً أو امرأةً ككائنٍ بشريّ محترم، رغم مشاهدته واطّلاعه على الآليات والوسائل والأدوات المتفتحة التي تعيشُها أممٌ ودولٌ وشعوبٌ متنورة اجتازت عتبة الانغلاق بكلّ أشكاله، الفكري والديني والعرقي والمذهبي والاجتماعي.
   وإذا كان التخلّفُ لدى النظر إليه من مواقع متباينة وجوانب متعددة، نرى أنه لم يترك مجالاً حيويًا في حياة الإنسان، إلاّ وتوغل فيه وبدأ ينخر جسدَه بلا هوادة ودون تمييز أو مراعاة لأية ظروف أو شروط تمليها الحياة المعاصرة، فقد طال من حيث فاعليتِه ونشاطه، جوانب عديدة ومتنوعة في حياة البشرية. لقد مسَّ جانبَ الأسرة والشارع وميادين العمل والمؤسسات التربوية والتعليمية ودهاليز الدولة، بحيث لم يترك جانبًا لم يدخلهُ أو يؤثر فيه. وأكثر من ذلك، عندما أوغلَ في غيّه، بضرب كيان البشر ونخاعه الإنساني، حيث طال الإنسانَ وعقله وفكرًه وديانته ومذهبَه وأساسَ تفكيره وحرّيته، وكيانَه ككلّ.
   إنحسارٌ علميّ وثقافيّ وخدميّ
لقد مسَّ التخلّف إذن، حياة العراقيين بكلّ جوانبها وبسببه تراجعت مؤسساتٌ بكاملها وتعطّلت مهنٌ وتوقفت معاملٌ ومصانعُ وشلّت حياة المجتمع الذي انتقل من عتبة حضاريّة مزدهرة ومتميّزة بعض الشيء في بجانبٍ من مراحلها عن غيره من المجتمعات في المنطقة، إلى شبح الخواء في أركان الحياة العامة في غضون عقودٍ قليلة. وهو اليوم سائرٌ من سيّء إلى الأسوأ، لاسيّما بتراجعه في أهمّ مرافق الحياة التي تُعدّ سارية ثقافة البد، تلك التي تُعنى بالتربية والثقافة والتوعية والتعليم والفنون بكلّ أنواعها. فما أصابَ المؤسسات التعليمية،  كبيرٌ وكثيرٌ، فحدّثْ عنه ولا حرّج. فلمْ تعد المادة العلمية التي يتلقاها الطالب تفي بما يحتاجهُ من علمٍ ومعرفة أو تنمّي عنده قدراته العقلية والخيالية، بسبب تراجع سائر المؤسسات التعليمية، بعدّ أن كان العراقُ يُحسب من ضمن البلدان الأكثر علميةً وتطوّرًا في مجال التعليم والتربية، حتى بات البلد يعاني من تهدّمٍ واندثار لمؤسسات تعليمية ونقص حادٍ فيها، بالرغم من الميزانية الكبيرة التي تدّعي الدولة تخصيصها لهذا الجانب. فهل يُعقل في بلدٍ يسبح على محيطٍ من نفط ويمتلك ثروات معدنية وطبيعية زاخرة، أن تجد فيه اليوم مدارس من طين وقصبٍ وأخرى تضربها الرياح يمينًا وشمالاً لخلوّها من شبابيك  أو أبواب أو وسائل تكييف، تقي الأطفال برد الشتاء وعصف الرياح ولفحة الشمس القاتلة صيفًا؟ ناهيك، عن مختلف أنواع الفنون التي تراجعت بشكل كبير وتكاد تفرغُ منها، بسبب ما تلقاه من معارضة ومحاربة مِن أصحاب العقول المنغلقة التي ترى فيها، تأليفًا وإنتاجًا وأداءً ونشرًا، نوعًا من الكفر والحرام المخالف للشريعة. فالبلدُ الذي يخلو من فنون بمختلف أشكالها وألوانها، يفقد رونقَه وجمال أهلٍه، تمامًا مثلما يفقد روّادَه ومعجبيه وحظوظَه في حياة مترفة ومستقرّة ومزدهرة. ولكن هذا ما حصل في العراق. لقد خلا البلدُ تمامًا، من مسارح ومن دور للسينما مثلاً، إلاّ من واحدٍ وحيدٍ، بعد أن كان رائدًا في المنطقة وراعيًا للعديد من بلدانها، رغم أن هذه المظاهر والصروح الثقافية وغيرُها هي من علامات التقدم والوعي الحضاري وعلوّ الثقافة لدى الشعوب المتفتحة المؤمنة بتطوّر الحياة نحو الأفضل.
   لا ننسى ما آلت إليه البنى التحتية والخدمات العامة بمجملها من تراجع في القدرة والطاقة بالنوعية والكمية في آنٍ معًا، إلى جانب مغادرة أصحاب العقول والكفاءات ليس دوائر الدولة فحسب، بل والبلد أيضًا، بهدف البحث عن الأمان بعد ان انقطعت بهم السبل وتعرّضوا للتهديد والقتل وكلّ أنواع المضايقات. فلم تعد دوائر الدولة تحوي مهنيين ومحترفين في أعمالهم، بعد أن كسحتهم أدوات الغازين الجدد للمهن والوظائف التي تتطلب الشيء الكبير من المهنية والكفاءة والضمير الحي الذي غاب عن الحكومات المتعاقبة منذ السقوط في 2003. وهناك ملاحظة مهمة، وهي أن يصل الانسان المقهور في المجتمع المتخلف للإحساس بالغربة في بلده، عندما يصل إلى شعورٍ بأنه لا يملك شيئًا، حتى المرافق العامة والخدمات والأبنية يحسّ أنها ملكٌ للفئة الحاكمة في السلطة وليس للشعب، أو أن تكون بمثابة تسهيلات حياتية لعموم الناس. وبذلك تتوسّع الهوة بينه وبين السلطة التي تترفّع عن تقديم أفضل الخدمات التي تعدُّها مقدَّمةً كمنّة أو فضلٍ عليه، وليس كواجب يستحقه.
المرأة ضحية المجتمع المتخلّف:
   الملفان السرياني الكبير يعقوب السروجي، في إحدى أروع مقالاته عن المرأة والرجل، يشير بحرارة، إلى إيمانه القويّ بالمساواة بينَ الرجلِ والمرأة ويطالبُ الإثنين بالمشاركةِ في حلوِ الحياة ومرّها، لأنَّ المرأةَ في عُرفِه هي نصفُ الرّجُل، بحسب تعاليمِ المسيح، ولا تنقصُها الحكمةُ البتّة.
   من هنا، لا يمكننا فصل قضية المرأة وما تعانيه من ظلمٍ وتخلّف في مجتمعاتنا العربية عامة، والعراقية بخاصة، عن ما تتعرّض له بلدان المنطقة من أزمة حضارية واجتماعية ودينية وطائفية، بسبب سيادة ذكورية المجتمع العربي والإسلاميّ. كما أن للتخلّف الحضاري أسبابَه ونتائجَه ومفاعيلُه، هكذا يمكن أن تنعكس كلُّ هذه على شخصية المرأة وقدرتها على مواجهة هذه الأزمة وتحمّل تبعاتها، رغم ثقلِها الجائر على طاقتها، وهي الإنسان الأكثر قهرًا في المجتمع ولكن الأجمل خلقًا!
   يقول الدكتور مصطفى حجازي، أكاديمي ومفكر لبنانيّ:" إنّ مسألة التخلف هو بنية تتصف بالقمع والقهر، بالتسلط والرضوخ، أي بحرمان الإنسان من إنسانيته".1 وهذا ما يجري حاليًا من جرمٍ بشريٍّ بحق النساء في عموم المجتمعات العربية و"الإسلامية" بخاصّة، والتي  تنكرُ لها شخصيتَها وآدميّتَها وكفاءتَها، بل وتخنق حريّتَها وتدعها سلعة تُباعُ وتُشترى في سوق النخاسة لأجل جسدِها فحسب، وكأنَّ خالقَها لم يضع فيها بصماته الإلهية تمامًا كما صنع ما للرجل من حياة وحركة وحرية في الرأي والعمل والتفكير وما إلى ذلك. لقد أفقدها المجتمع الظالم وبعض قياداته المستجدّة المتخلّفة، سواءً الدينية منها أو السياسية أو العشائرية، جماليتَها بعد استفحال دارة الشهوات والسطوة عليها واستغلالها بحجج الحلال والحرام والستر. وهناك مَن يصرّ على بقائها في خانة التخلّف والجهل وينكر عليها حقَّها في التعليم والإدارة والقيادة وتبوّء المناصب والتدرّج العلمي والتحرّر الفكري والاجتماعيّ والإنسانيّ وما إلى ذلك بمسميات تبريرية واهية يفرضها الشرع والتقاليد، بحسب البعض. فالمجتمع الذي يخلو من نساء بارزات في العلم والثقافة والعمل والإبداع بكلّ صوره وأشكاله، هو مجتمع عقيمٌ غير قادرٍ على التواصل الإنسانيّ بسبب روح الظلامية الذي يسودُه. والأسوأ، أن تُقرّ بعض الدول في المنطقة، دساتير وقوانين تفرضُها فئاتٌ رجعيةُ الفكر والرؤية من أجل الحدّ من قيمة المرأة وقدرتها البشرية على تحقيق إنجازات لا تقلّ عن نشاط وطاقة الرجل، والسبب ببساطة لكونها نصفَه الثاني المخلوق على صورة الله ومثاله، لخدمة المجتمع ولتمجيد قدرته تعالى فيها.
   نقرأ للإمام محمد باقر الصدر وهو يتطرّق لنظرية المثل الأعلى في القيادة المجتمعية حيث يرى "أن الأمة تتحرك بمقدار ما يملك مثلُها الأعلى مِن طاقة للدفع، فإذا كانَ مثلها الأعلى هابطاً فإنَّ الأمة تعيش همومَها اليوميّة التافهة وتراوحُ في مكانها. أمّا إذا كان ذلك المثلُ الأعلى كبيراً فإنه يدفع الأمةَ إلى أهداف كبرى. والدّينُ الحقّ يدفعُ بالمسيرة الإنسانية لأنْ تتجه نحو الله سبحانه. والإنسان في حركته نحو الله يسير على طريقٍ غير متناه، ومجالُ التطور والإبداع والنمو متواصل دائماً دون توقف".2
    إنّ هذا الكلام الأخير، لهو من دواعي القول الذي يشير إلى بروز ظواهر كثيرة للتخلّف  في مجتمعاتنا، تؤكّد وجود هدرٍ بقيمة الإنسان وتجلياته من جانب الإدارات والقيادات التي تدير دفة المجتمع والدولة، بحيث تحرمه من الارتقاء إلى درجات التطوّر بكلّ أشكاله. والسبب بكل بساطة، لكونه مجتمعًا ذكوريًا، وأسيرَ عادات وتقاليد وأعراف مجتمعية وعشائرية ودينية بالية عفى عليها الزمن ولم تعدْ نافعة لا للبشرية ولا للمجتمعات التي تنشد الحرية واعتدال أساليب الحياة وسط مجتمعاتٍ تتطلّع للتعايش الاجتماعي والسلم الأهلي. فالإنسان الذى تفقدُ إنسانيتُه قيمتَها وقدسيّتَها والاحترامَ الذي يستحقه، كيف له أن ينطلق سليمًا في عالمٍ يقتصُّ من نصفِه ويحيلُه إلى سلعةٍ تُستملكُ متى شاء وتُهدرُ متى شاء وتُرمى متى شاء؟
    مِن هنا، يبقى مثلُ المجتمع المتخلف، ذلكَ العالَم الذي يفقد كرامتَه الإنسانية بمختلف صورها وأشكالهِا وثناياها، بحيث يضطرّ للتحوّل فيه إلى أداة لا قيمة لها، إنْ لم تكن نافية الحاجة. كما أنّ  التشريعات الوضعية التي تتخذ من الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًا، قد وضعت مصيرَها بيد الرجل الذي تداعبُه فتاوى وتوجيهات بعضٍ مِن مرجعيات منغلقة موغلة في السلفية والتشدّد لصالح الذكر. فهو الآمرُ الناهي في المنزل، وهو الذي يحقّ له الاختيار والزواج والتطليق والطلب لبيت الطاعة. كما تتيح له الشريعة كلّ أنواع المتع مع المرأة بدواعٍ مثيرة وطرقٍ مستنبطة لا تخلو من الظلم والتعسّف والقهر. وبذلك تثبتُ قهريةُ المرأة، من هذا المنظور الذي يحرمُها حق الرفض والاختيار والتنقل وحرية التعبير عن رأيها في مصائر عائلية وزوجية. فهي إنْ اعترضتْ، طالتها كلمةُ التطليق بالثلاثة، وبذلك تكون مضطرّة للرضوخ لأمر الرجل وغرائزه وميوله ورغباته، شاءت أم أبت، بغية الابتعاد عن شيءٍ اسمُه العنوسة او الطلاق الذي يُعدّ عارًا في الأعراف الاجتماعية، لا تتقبلُه العائلات الأصيلة.
   لقد صبَّ المجتمعُ الذكوري، جامَ غضبه على ألطف كائنٍ خلقه الله، أي المرأة، التي هي انعكاسٌ لجمال الله في خلقه. فقد طالها التخلّف بكلّ أشكاله وحوصرتْ إرادتُها وأُسرتْ رغبتُها وضُيّق عليها الخناق في مجتمعاتنا، بسبب رؤية متخلّفة حسبتها ناقصةَ دين وعقل وكلَّ شيء فيها عورة! فكيف لمثل هذا المجتمع الذي يسوقُه تفكيرُه إلى هذا الإسفاف من التخلّف والظلاميّة أن يتقوّم وينهض ويرتقي، ونصفُ مجتمعِه يكادُ يكون مغيَّبًا بمجملِه، وهي التي تأتي بالحياة إلى هذه الدنيا مِن وعائِها المقدّس؟
   في عددٍ من المجتمعات العربية، ما يزال الحظر ساريًا على مشاركة المرأة في أعمالٍ تُعدّ ضمن ملكيّة الرجل ودارته، من منطلق فرض السطوة الذكورية على مثل هذه المجتمعات، ومنها قيادة السيارات كما في السعودية التي تحظر أيضًا كلّ أشكال الاختلاط بين الجنسين في الأماكن العامة وفي المؤسسات الحكومية والخاصة وتلاحق كلّ مَن يخالف هذه القوانين الجائرة عبر فرق متشدّدة من عناصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عديمة الرحمة والشفقة. كما أنها حُرمت من التنقل والسفر بغير محرَم، تحاشيًا للفتنة، كما يدّعي غلاة الشريعة.
   وفي السودان أيضًا، اطّلعنا على ممارسات غير إنسانية يندى لها جبين الإنسانية حين حكمتْ أمثال هذه الفرق المتشدّدة أو ما تُسمّى بالمحاكم الشرعية، على فتاة ارتدت بنطال الجينز، وكيف تمّ جلدُها في الشارع وأمام المارّة. وما أكثر مثل هذه الممارسات التي تحطّ مِن قدر هذا المخلوق الجميل في غير هذه من الدول الإسلامية والعربية.
   وقد أُشيع في مواقع الكترونية، صدور  فتوى جديدة بتحريم المرأة من دراسة الهندسة بسبب ما يرد في هذه الأخيرة من مصطلحات تدعو لارتكاب الفاحشة، مثل متساوي الساقين والزاوية المنفرجة ومنحني ومنحنية ونقطة التلامس، بحسب بعض الدعاة!
    هذه النماذج، أسوقُها على سبيل فتح الباب على مصراعيه حول ما يجري على المرأة من ظلمٍ وقهرٍ في المنطقة عمومًا، ومنها ما يطالُ العراق أيضًا في بعضٍ منها.
المرأة العراقية، هل تستحقّ هذه النظرة الدونيّة؟
   من المؤسف بروز أصواتٍ ناشزة ومرتفعة في السنوات الأخيرة بالعراق، مؤيدة لهذا التوجه المتخلّف، من منطلق دينيّ بحت. لذا لم يكنْ غريبًا، الاستماعُ إلى مثل هذه الأصوات المتخلّفة، في هذا البلد الذي كان يُعدّ مِن الدول العلمانية والمدنية المتحرّرة، حتى العقدين الأخيرين من القرن المنصرم. فقد صُدم المجتمع العراقي والمجتمع النسائي بخاصّة، قبل أيامٍ طويلة خلت، بالوزيرة المكلّفة شؤون المرأة وهي تؤيد صحة تطبيق الشرع على المرأة كما كانت عليه  قبل أربعة عشر قرنًا خلتْ، رغم افتراض كونها أمينة على صيانة حقوق المرأة العراقية وكرامتها أكثر من غيرها. وقد تيّقن الجميع أنّ تلك التصريحات غير المقبولة تأتي في قافلة الأصوات المنادية بتحجيم المرأة وهدر حقوقها وتقزيم دورها في مجتمعها، إلى حدّ جعلَها البعض أداة للتفريخ في المنزل ولخدمة الرجل ليس إلاّ، أو مزهريةً يمتّع بها نظرَه وتقوم على تلبية غرائزه الجنسية، إن لم تكن مستودَعًا لتفريغ شحناته العدائية عليها بعد عودته للمنزل منهكَا من آثار العمل أو العبث.
   إن الغضب الذي أُثير على تلك التصريحات بسبب ما حملتهُ من أفكار مقلقة بحق المرأة العراقية في أوساط المجتمع العراقي قاطبة والنسائي بخاصّة في حينها، قد عاد من جديد ولكن بشكلٍ آخر. هذه المرة، مع مقترح وزارة العدل الداعية للعمل بمشروع قانون الأحوال الشرعية الجعفري، الذي بحسب آراء نسائية عديدة، "سيعيد المرأة العراقية إلى الوراء، أو إلى عصر الجواري والإماء". إنّ مثل هذا القانون يسمح، كما يبدو، باستخدام العنف ضدّ الزوجة بهدف تقويمها، وما عليها إلاّ إطاعُة بعلها طاعةً عمياء. في حين، تسعى منظماتٌ نسائية عديدة للمطالبة بفتح آفاقٍ إنسانية واسعة أمام المرأة لتخليصها من النظرة الدونيّة والوصاية عليها، لكونها مخلوق كاملٌ ومتكاملٌ كالرجل. وحين تعرف حقّ قدرها ومكانتَها الطبيعية في المجتمع، فإنّ ذلك سيكون دليلاً بل أداةً لثني الرجل عن إسقاط عقدِه على هذا المخلوق.
   ولعلّ من جملة المظاهر المتخلّفة في مجتمعنا في هذه السنوات الأخيرة، بروز توجّهاتٍ في عدد من المؤسسات التعليمية في الدولة العراقية بعد التغيير الدراماتيكي في 2003، من أجل فصل الذكور عن الإناث ابتداءً من رياض الأطفال حتى التعليم الجامعي، من منطلق أنّ أيَّ اختلاط بين الجنسين فيه فتنة ومدعاةً للإثارة والشهوة ويجرُّ إلى فساد الأخلاق. ونحن نتساءل، ما هذا الهراء في مثل هذه الأفكار الهدّامة التي تؤخر ولا تقدّم، وتدمّر ولا تبني، وتوسّع الهوةّ ولا تغلق أبواب الفساد الحقيقي، كما يدّعي أصحاب هذه الفرية؟ أليس في حمل هؤلاء لمثل هذه الأفكار المتخلفة، تأكيدٌ على إصابتهم بأمراضٍ مجتمعية تنخر المجتمع والدين والمذهب الذي هُمْ عليه، وهُمْ بهذه الممارسات والدعوات يسعون لنقل حقيقة شخصيّتهم ودينهم ومذاهبهم وإسقاطِها على غيرهم، غصبًا عن المجتمع؟ بل إنّي أعتقد، كما يعتقد غيري أنّ هذا السلوك، ليس سوى عملية ممنهجة لتحويل مجتمعاتٍ مدنية منفتحة إلى أخرى منغلقة على ذاتها لا تقبل التطوّر والارتقاء، لأنّها ترى في هذه الأخيرة فضحًا لسلوكها المتخلّف وتعريةً لفسادها المستفحل، وإيغالاً في تحقير الجنس الآخر والسطوة عليه واستلاب حقه في الاختيار وقول كلمة "لا" إزاء انتهاك حقها المشروع. لذلك، فدعاةُ هذا المنهج المنغلق مِن المتشدّدين، يوغلون في المطالبة بأسر المرأة في صندوق المنزل وحصرها في أداة المتعة لخدمته كعبدةٍ تسهرُ على مطالبه ونزواتِه ورغباته وحده، بغضّ النظر عن حقها الإنسانيّ المشروع الذي تضمنه كلّ القوانين والصكوك والمعاهدات الدولية وشرعة حقوق الإنسان.
المرأة بلا حماية قانونية:
   من جهة أخرى، ما تزال المرأة تعاني من نقص حقيقي في الحماية من العديد من الانتهاكات بحقها. فهي ما تزال تتعرّض لأعمال عنف وواجبات قسرية تنال من كرامتها البشرية في العديد من الميادين، سواءً في المنزل أو العمل أو الوظيفة او على مقاعد الدراسة دون تمييز. ويبدو واضحًا أن الدستور العراقي لم يحمي المرأة بما فيه الكفاية. فقد وردت بنودُه فضفاضةً وغير مكتملة النتائج والأهداف بما يجعلُه ملبيًا لما تدعو له الصكوك والقوانين والتشريعات الدولية وكذا المعاهدات التي صيغت من أجل حماية حقوق المرأة ودعم مطالبها.
    ولعلّ أهمّ حقٍّ سلبته إياها التشريعات المقتبسة من الشرع الإسلامي، هو حرية الاختيار إلى جانب رضوخَها لأعراف تحكمُها بها العشيرة والقبيلة. فهي ما تزالُ ترضخ مثلاً، للزواج الإجباري الذي يلاحقُها مِن ابن العمّ، مهما كان عمرُه أو وضعُه. وهي إن رفضتْ، فمنْ حق ابن العمّ أن "ينهيها" بما يسمّى عرفيًا بظاهرة "النهوة" التي تحرم عليها الزواج إلاّ بكلمة مِن ابن العمّ هذا. وقد لا يلفظُها أبدًا. وبذلك، ستبقى المقهورة بدون زواج طيلة عمرها، مسلّمة أمرَها لله ولابن العمّ الظالم هذا. فلا قانون يحمي المرأة من مثل هذه الحالات والأعراف الشائنة التي ما زال يتمسك بها بعض الناس بسبب الفشل، ربّما في الاندماج بالمجتمعات المتحضّرة والحياة المدنية التي لا يتأقلمون معها، بل يصرّون على بقائهم أسرى تلك الأعراف والتقاليد التي عاشتها البشرية في عصور الظلام والتخلّف، والدولة ليس لها حكمٌ عليهم بسبب غياب القانون في مؤسساتها وضعف تطبيقه، هذا إن وُجد بعضٌ منها. كما أنّ الشخص الذي يتجرّأ لخطبة الفتاة "المنهى" أي التي نهاها ابنُ عمّها، لا يحقّ لأهلِه المطالبة بفدية أو ما يُسمّى ب"الديّة" في حالة تعرّضه للأذى أو القتل، لأنّ العشيرة التي ينتمي إليها ابنُ العم الناهي، غير ملزَمة بدفع التعويض إلاّ مِن باب الإرضاء لأهل القتيل والعشيرة، لأنّ دمَه مهدور منذ "نهوة" الفتاة المسكينة.
   كما يشيع زواج التبادل المصلحي بين العوائل والعشائر، بمنحها هديةً وإكراميًة لضيفٍ أو لأحد أبناء العشيرة دون أخذ رأيها، أو إنها تُعطى بالتبادل بما يُسمّى بزواج "الكصة بكصّة". وفي ذلك، تعسّفٌ للطرفين، وبخاصّة للفتاة التي تُجبرُ على زواج غير متكافئٍ في أغلب الحالات. بل إنّ كثيرًا من الأشخاص لم يُتح لهم التعرّف على زوجاتهم إلاّ في ليلة الزفاف. ناهيك عن زواج القاصرات، حيث تُحرم الفتاة القاصر من متعة عيش مرحلة طفولتها بسبب إجبارها للزواج من شخصٍ قد يكبرها كثيرًا وليس بينهما من مشتركات دنيا لقضاء حياتهما معًا.
   فيما استنبط بعض الشيوخ والدعاة وسائل جديدة لتسهيل حصول الرجل على متعته بوسائل عديدة، يشيعون بشرعيّتها. لكنها جميعًا، تحطّ من قدر المرأة وكرامتها، وتجعلُها سلعة رخيصة أمام رغبات الرجال، ومنها زواج المتعة حتى لو كان ذلك لساعة، والزواج العرفي وزواج المسيار وما ملكت ايمانُهم، الذي من شأنه فتح الباب على مصاريعه للزواج من أربع نساء شرعيًا، وغيرهنّ خارجه، وجميعُها ليست مكتملة الأركان، حتى لو قيل عكس ذلك. وآخرُ تقليعة تلك الفتوى التي تأمر وتحثُّ على نكاح الجهاد. وهذه كلُّها مفاسدُ وإباحةٌ غير أخلاقية، توغلُ في إلحاق الظلمِ بالمرأة وتحطُّ من قدرها ومن كرامتها، وتحرّمُ عليها حرّيةَ الاختيار والتعبير عن رأيها الإنساني ككائن بشري من لحمٍ ودمٍ.
   يشير رجل الدين الشيخ محمد النصراوي، أحد أئمة المساجد في مدينة الشعب، "أن الدين الاسلامي قد نهى عن مثل هذه السلوكيات، لأنها خارج حدود الشرع الذي لم يقرّ بها، لكون الزواج لا يمكن أن يكون بالإكراه، بل بالرضى وموافقة الطرفين. ويضيف، إنّما هذه عادات أوجدتها العشائر وهي تقاليد بالية تعود لأيام الجاهلية. ومن المؤسف أنّ أغلب الزيجات في المناطق العشائرية تتمّ بهذه الطريقة تحت تهديد الأهل وخوف الفتاة. ومِن هذا المنطلق، لا بدّ من تشريع قوانين مدنية صرفة تنهى وتمنع مثل هذه التصرفات والسلوكيات، وكي تحدّ من استفحال مثل هذه الحالات التي تتكرّر بسبب غياب القانون وارتفاع صوت العشيرة والقبيلة على صوت الدولة والقانون"3. وقد نرى في كلام هذا الشيخ الجليل، شيئًا من الاحترام لخيار المرأة، إلاّ أنّ واقع الحال هو عكس ذلك تمامًا، عندما تعلو كلمة الأب والعائلة والعشيرة والقبيلة على كلّ الآراء والخيارات. حينئذٍ، تذهب كلّ هذه التمنيات والإيحاءات أدراج الرياح، وما على الفتاة المسكينة والمغلوبة إلاّ الرضوخ للفعل تحت سطوة القوة الجبارة التي تتحكم بها دون رغبتها.
    ناهيك عن المشاكل التي يفتعلُها أصحاب هذه الأفكار المتخلّفة في حالة رفض الفتاة الاقتران الاضطراري بهذه الأساليب القسرية الجائرة وغير الحضارية الشائعة في عدد من التقاليد العشائرية التي ما تزال جارية في مناطق عديدة من البلاد. فالتهديدات باستخدام أعمالِ عنف، بل والقتل أيضًا، شائعةٌ هي الأخرى، وبدم بارد جدًا. كما هي عليه الحال فيما يُسمّى بحالات غسل العار التي تذهب المرأة ضحية غيرها، حتى وإن لم تكن قد اقترفت ذنبًا أو فعلتْ ما يدّعيه أهلُها وعشيرتُها، حين يعدّونها عارًا وجب قتلُها بسببه. وهذه الآفة الأخيرة، قد ازداد رصيدُها في الآونة الأخيرة ولاسيّما في مجتمعات منغلقة لا تقرُّ ولو بحرّية جزئية للفتاة في مجتمعها. وتشير تقارير حقوق الإنسان، إلى انتشارها في المجتمع الكردي في شمال العراق، ولاسيّما في السليمانية وفي أوساط المجتمع الإيزيدي أيضًا، حيث تبيّن أن المسار الأفضل لغسل العار هو قتل الضحية، أي المرأة التي ارتكبت الفعل الجنسي، حتى لو كان برضاها ورضا شريكها.
إن الحديث عن العنف ضدّ المرأة، له بداية وليست له نهاية. فالعنف الذي يطال المرأة ذو أشكالٍ وأنواعٍ متعددة. فهو عنفٌ نفسيٌّ وجسديٌّ ومعنويٌّ وأخلاقيٌّ واجتماعيّ، في الأسرة وفي الشارع وفي العمل وفي الدائرة وفي السفر، مع ما يلحق ذلك من إذلالٍ وتشويه للسمعة وأفعال اغتصاب وتحرّش واستلاب قهريّ للفكر والرأي والرغبة والإرادة. وما أكثر النساء اللواتي اضطررنَ للعمل بالتسوّل أو بأعمال دونيّة لا تليق بهنّ، فقط من أجل توفير لقمة العيش للأسرة والأبناء.
إسقاطاتٌ واستلابات:
    ألمرأة، إناء مقدَّسٌ مخلوقٍ من الله، تمامًا كما هو الرجل، كما سبق أن قلنا. وهي تستحق كلَّ الاحترام وأن تتمتّع بكل الحقوق، داخل وخارج المنزل وفي كلّ مرافق الحياة دون تمييز. لذا، ومن هذا المنطلّق، كان لابدّ من تغيير في العقلية الاجتماعية والذهنية الدينية التي لا ترقى مثلاً، إلى اختلاط بين الجنسين، والتي ترى فيه فتنة وانتهاكًا لكرامة هذا الكائن الضعيف بحجة حمايتها من نظرات الرجل الزائغة وسطوته عليها، رغم أنها أشبه بزهرة متفتحة في حديقة كبيرة تجمع زهورًا وأورادًا، مِن حق جميع الخلق أن يمتّعوا النظر البريء فيها. إلاّ أنّ الحاصل، أنّ مثل هؤلاء الدعاة المرائين، هم أنفسُهم مِن ذوات الأفكار الشرّيرة والنظرات الزائغة، التي تُلهب فيهم شهواتٍ حيوانية لا رادعَ عندهم عليها بسبب المرض الذي يستفحل وسط مجتمعاتهم المريضة أصلاً. كما أنّ هؤلاء أنفسَهم، يشكّلون فى مرحلة ما، إحدى العقبات الأساسية لانتشال المجتمعات المتخلفة من براثن الجهل، بل يقفون عقبةً أمام أيّ جهدٍ للتغيير بسبب ما تعرض له العنصر النسائي من استلاب لإنسانيتهنّ وحقوقهنّ في المجتمع. فالمرأة، هي التي يقع عليها عادة الظلمُ الأكبر ويفرض على كيانها القسطُ الأوفر من الاستلاب، من خلال ما تتعرض له من تسلط وما يفرض عليها من رضوخ وتبعية وإنكار لوجودها وإنسانيتها وحقها في التعبير عن رأيها وخياراتها.
   ولعلَّ من الأمور التي اعتدنا عليها في مجتمعاتنا، القيام بإسقاط كلّ أنواع الفشل أو العجز في تحقيق الذات والنجاح في المشاريع وفي الحياة، على المرأة "الحائط المنخفض" لدى المجتمع الذكوري. وهناك مَن يجعلُها بل ويحدّدُها كمعبر وجسرٍ لمختلف النزعات التي تحوم حول بعض الرجال، فيقومون بإسقاطها على غيرهم، ولاسيّما على المرأة في المنزل التي عليها تحمّل مثل هذه التبعات صاغرةً، إنْ لمْ تجد ما يعينُها على الإفلات من غضب السيّد الآمر والناهي في المنزل.
   بهذا الصدد، يقول مصطفى حجازي في نفس المصدر السابق" إنّ الرجل، يتهرب في أحيانٍ كثيرة من مأزقه بصبّ جامِ غضبه على المرأة من خلال تحميلها كلَّ مظاهر النقص والمهانة التي يشكو منها في علاقته مع الغير، ولذلك يُفرض على المرأة أكثر الوضعيات غبنًا في المجتمع المتخلف، لكونها تصبح محطَّ كل إسقاطات الرجل السلبية والإيجابية على حد سواء. وهي تُدفع نتيجة لذلك الى أقصى حالات التخلف، ولكنها من هوّة تخلفها وقهرها ترسّخ تخلّفَ البنية الاجتماعية".4
   وهناك ظاهرةٌ أخرى، لا تقلّ انتقاصًا من حق المرأة، إذ تعدّها بعض المجتمعات الذكورية ضمن خانة ملكيّة الرجل، الذي يتملّكُها كلّيًا، وهي بذلك قد حُرمت امتلاك نفسها وجسدها وكيانها، اي أنها حُرمت من فرصة أن تكون شخصًا استقلالياً يحظى ولو بجزءٍ من إرادته الحرة في القرار وفي الحياة، أي شخصًا حرّا  قائمًا بذاته، كما صنعَهُ الخالق. والخوف، أنْ تصدّق المرأة أنّ هذا التملّك من جانب الرجل هو قانون للطبيعة أو شيءٌ يفرضه الدّين أو المذهب أو المجتمع بسبب التهديدات التي تلقاها أو الإشاعات الدينية والعرفية التي تحشوها في عقلها المتقبّل لمثل هذه الأفكار. والأنكى من ذلك، في حالة كونها غير واعية لحقيقة حقوقها، أن تقوم بنقل مثل هذه الأفكار المتخلّفة خطأً، في نفوس أطفالها ومَن حواليها بشيءٍ من الخرافة والانفعالية المفرطة والرضوخ للأمر الواقع والحثّ على القبول به لكونه نازلٌ من عند الخالق ويأمر به الشرع.
   إن مثل هذا التخلّف والنقص في الوعي، كلُّه يوقع المرأة في وضعية حرجة وفي حالة تناقض مذهل بين اختزال كيانها إلى مجرد جسد جنسيّ، وما يمكن أن يفرضه القمع المفرط الذى يُفرض على هذا الجسد وعلى إمكاناته التعبيرية. ويزداد الموقف حدة والتناقض عنفًا نظرا لموقف الرجل الذي يبقى الآمر والناهي والمتحكِّم في الوضع. فهو، من جهة ينجذب نحو الجسد الذى يضجّ بالحياة والجاذبية، لكنه لا يتحمل مسؤولية نتائجها في أحيانٍ كثيرة، إذ تقع المسؤولية على المرأة، بل ويقع الجرم كله عليها، وعليها أن تتحمّل نتائج ذلك الفعل.
   كما أنّ المرأة، قد تكون ضحية عدد من أنواع الاستلاب، إلى جانب ما ذكرناه في الفقرة السابقة. فهناك أنواعٌ من الاستلاب التي تجعل المرأة كائنًا ضعيفًا معرَّضًا للميول والتأثيرات العديدة التي تنتهك كرامتَها وتقلّل من قيمتها الآدمية. فالاستلاب العقائديّ، في رأي العديدين، هو الأكثر إيذاءً للمرأة والأكثر خطرًا على شخصيتها وكيانها. هنا يمكن أن تقع المرأة في فخّ الأساطير والاختزالات التي يحيطها بها الرجل المسيطر عليها والذي تملّكَها، فتتقبل مكانتَها خانعةً وترضى بوضعية القهر الذى تعانى منه، كجزء من طبيعتها، اي بعبارة أخرى، يترتبُ عليها أن ترضى بما آلتْ إليه وأن تتكيَّف بوجودها بحسب ذلك. وهذا التغيير في حياتها، يُعدُّ خروجًا على طبيعة الأمور وعلى اعتبارات الكرامة والشرف عندها. لذلك فهو أخطر بكثير من أنواع الاستلاب الجنسي والاقتصادي والاجتماعي وغيره، بحسب البعض من الاختصاصيّين الاجتماعيّين.
   باختصار، نرى أنّه من المؤسف هنا، أن تتحول المرأة إلى مجرد جسد خاوي من الآدمية الحقيقية وحاوي لكلّ العقد والمشاكل والتصورات والمخاوف والرغبات والإحباطات المكبوتة التي تسيطرُ عليها. وفى كل الأحوال، فهي محرومةٌ، إن شاءت أمْ أبتْ، من الاعتراف بوجودها ككائن قائم بذاته، لاسيّما حين تُستخدم كوسيلة للتعويض عن النقص الذي تلقاه من جانب الرجل المقهور اجتماعيا.
دور منظمات المجتمع المدني:
   لقد ساهمت منظمات المجتمع المدني في العراق بدورها، برفض المنهج المعادي لتطلّعات المرأة العصرية وفضح مساوئه والمطالبة بإنصاف النساء في الدستور الذي ظلمهنَّ حقوقهنّ وكرّس عملَهنّ في معظمه لصالح الرجل القوّام عليها. فهذا تمامًا، ما أوحتْ لهم مشاربُهم الدينية ومناهجُهم المذهبية ومصالحُهم الضيقة التي لن تنجح، طالما تقف وراء مثل هذا المشروع إرادةٌ نسائية قوية تتشبثُ بحقها وصيانة كرامتها وحقها بالمشاركة في كلّ أشكال الحياة العامة، أسوةً بالرجل، نصفها الآخر ورفيق حياتها مهما تجبّرت إرادة الظلم والتخلّف بحقها.
   في تقرير مشترك صدر في 2010، لمجموعة حقوق الأقليات الدولية ومقرُّها لندن، ومجلس الأقليات العراقية بالعراق، تمّ تسليط الضوء على ما تعانيه النساء عامة ونساء الأقليات بصورة خاصة من مستويات عالية من العنف المستند على الجنس، بضمنه العنف الجنسي والتهديد وأعمال الترهيب، وما يلحقها من اغتصاب بدون اللجوء إلى العدالة المفقودة في هذا البلد منذ حين. مثل هذه الأعمال، تهدّد كيان المجتمع وتحدّ من حرية حركة المرأة فيه. وقد اشار التقرير المستقلّ إلى أنّ 69% من المشاركين في استبيان أقيم لهذا الغرض، يعتقدون بوجود تحديدات على حرية حركة النساء في عموم العراق5. وهذا من شأنه ايضًا أن يقلّل من فرص حصول المرأة على الخدمات التي تحتاجُها، الصحية والمنزلية والتعليمية وفي العمل أيضًا، إن كانت تعمل. ويؤكد هذه البيانات، مجاميع كثيرة من منظمات عاملة في مجال حقوق الإنسان، التي تشير إلى ظاهرة الخوف المستشري من مغبة خروج المرأة خارج المنزل، ولاسيّما المتحرّرة منها والتي تؤمن باستقلاليتها ككائن قائم بذاته.
   هناك معضلة أخرى، كشفتها تقارير عدد من منظمات المجتمع المدني وهيئات حقوق الإنسان العاملة في العراق، وهي كثرة الأرامل نتيجة حروب متعاقبة وأعمال قتل واغتيالات حصلت بعد 2003.  وهناك العديد من الأسر التي تتولى رعايتَها نساء في غياب رجل البيت، لأسبابٍ عديدة، تدخل ظاهرة الطلاق المتزايد من ضمن أسبابها، ولاسيّما في السنوات الأخيرة التي تفككت فيها أسرٌ كثيرة. وهذا بحدّ ذاته يجعل المرأة فريسة سهلة للابتزاز من أجل تأمين لقمة عيشها وملجأً للسكن. وقد دعت منظمات مجتمع مدني عديدة، السلطات الحكومية لتأمين حياة مقبولة للأرامل والمطلّقات والعوانس بهدف تحديد تعرّضهنّ لحالات الابتزاز وصون كرامتهنّ وعدم الانزلاق وراء ظاهرة البغاء والدعارة التي تنامت، ولو في الخفاء، ومنها اللجوء والقبول بالزواج العرفي أو زواج المتعة التي كثرت ودخلت المجتمع العراقي مع نهاية القرن المنصرم وتعزّزت بعد أحداث السقوط في 2003. وتشير عدد من التقارير، أن العديد من النساء يوافقن على هذا النوع من الزواج بدافع الحاجة المادية والفاقة المتزايدة لمجابهة الحياة المعيشية الصعبة، رغم أنّ هذه الزيجات غير الشرعية لا تعطي ضمانات أو حماية مجتمعية. وهذا مناقض لمعاهدة "سيداو" الدولية، التي تنص على حماية النساء اللواتي يواجهن تمييزًا في الزواج وفي العلاقات العائلية.6
خلاصة:
      ما يمكن قولُه، أنه رغم انتشار التعليم وبلوغه درجات متقدمة في الدراسة لدى شرائح عديدة، إلاّ أنّ الخرافة والتقليد والعرف العشائري مازالت تعشش في أعماق نفسية الإنسان العراقي كجزءٍ من المجتمع العربي والإسلاميّ عمومًا. وهذه الممارسات ماتزالُ تؤثر على ممارسته ونظرته للأمور المصيرية ولاسيّما تجاه المرأة، التي تبدو مغلوبة الإرادة في مجتمع ذكوريّ واضح. وهذا دليلٌ على أنّ التعليم ظلَّ في الكثير من الأحوال قشرة خارجية تنهار عند الأزمات. فالإنسان العراقي، كما يصفه د. علي الوردي، مزدوج الشخصية، وهي ذات الازدواجية القائمة لدى الإنسان المتخلّف الذي يعاني من انفصام أو انشطار في شخصيته، ما ينعكس على تصرفاته تجاه المجتمع ولاسيّما تجاه نصفه الآخر الذي ينتقص من حقوقه وكيانه ويسلبُ استقلاليتَه الفطرية التي غيّبَها المجتمع بسبب الشرع والفتاوى التي تؤيّد تسيّدَ الذكورية في الدين الإسلامي الذي يحكم المنطقة ويريد التحكّم بالعالم أجمع.
   من هنا، لا يمكن للمجتمعات أن تتقدّم وتتطوّر بسيادة مثل هذه الأفكار المتخلّفة التي ترفض القبول باستقلالية الجنس الآخر الذي يشكل نصف المجتمع. كما لا يُمْكِنُ للمجتمعات أن تتطوّر وتتقدّمَ، إلاّ بتغيير عقلية الرجل كي تتسايرَ مع تطوّر الأحداث والمجتمعات ومع التفتّح نحو الآخر، حتى لو اختلفَ معه في الفكر والدّين واللون والعرق. وهذا الأخير، اي الرجل، لا يمكنه هو الآخر أن يتحرر ويتطوّر إلا بتحرر المرأة التي هي نصفه الآخر. وباختصار، لا يمكن للمجتمع أن يرتقي إلاّ بتحرر وارتقاء أكثر فئاته غُبنًا، وهي المرأة المقهورة دومًا في المجتمعات المتخلّفة ومنها الإسلامية عامة وليس على وجه الحصر. ف"الارتقاء إمّا ان يكون جماعيًا عاماً، أو هو مجرد مظاهر وأوهام"، بحسب المفكر مصطفى حجازي.7 ف"لا تطوير مجتمعيّ، دون تغيير وضعية المرأة، ولا تغيير لوضعيتها دون تمزيق حجبُ الاستلاب العقائدي الذي يمنع عنها رؤية ذاتها، ورؤية العالم على حقيقته". 
   ومن المؤسف في مجتمعاتنا، أنّ المرأة التي تنبغ تُسحب منها صفة الأنوثة، بسبب شيوع أنّ التفوق والنبوغ صفةٌ للرجل حصرًا. فإذا ما أثبتت امرأةٌ ما نبوغَها بما لا يدع مجالًا للشك، حتى لو اعترف المجتمع بنبوغها، فإنّه يسحب منها شخصيتها كامرأة ويضمّها إلى جنس الرجال.
   نضالُ المرأة شاقٌّ وطويلٌ، ومن حقّها البحث عن هويتها وتكوين شخصيتها وتمتّعها بكافة حقوقها. إلى ذلك اليوم الذي سيتحقق حلمُها، يقف معها أصحاب الفكر المتحرّر ويدعمون خياراتها كي تجد مكانتَها التي تليق بها والتي بموجبها خلقَها الله نصفَ المجتمع لتعكس وجهَهُ الحسن.
المراجع:
1-   التخلّف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور/ د. مصطفى حجازي/ المركز الثقافي العربي 2013
2-   محمد باقر الصدر: مقدمات للتفسير الموضوعي للقرآن، ط 1، بيروت 1400هـ ، ص 129 – 152.
3-   "ألنهوة، ظاهرة تبحث عن تشريع قانوني رادع"- مقالة نشرتها جريدة الصباح/ الثلاثاء12 تشرين ثاني 2013
4-   التخلّف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور/ د. مصطفى حجازي/ المركز الثقافي العربي 2013
5-   تقرير مشترك/ المجموعة الدولية لحقوق الأقليات ومجلس الأقليات العراقية/ ممتاز لالاني/ 2010
6-   بيانات لمعاهدة سيداو، آذار 2010
7-   التخلّف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور/ د. مصطفى حجازي/ المركز الثقافي العربي 2013



لويس إقليمس
بغداد، في 6 آذار 2014
بحث أكاديمي/ أكاديمية بغداد للعلوم الإنسانية- بغداد

35

هل يفلح رفض الشعب
ما افسدهُ النواب في قانون التقاعد الموحّد؟

   يوم السبت الماضي 15 شباط، تظاهرَ الآلاف من العراقيين في قضية عامة تخصّ خيانة الثقة التي أولاها الناخبون للنواب، والتي تكلّلت دورتُهم المقاربة للانتهاء، بإصدار قانون التقاعد الموحد الذي طال انتظارُه. إحدى عشرة محافظة تنتفض بحدّة ضدّ امتيازات أُقرّتْ للرئاسات الثلاث، مرّرتها كتل نيابية وسياسية عبر إقرار امتيازات خيالية للرئاسات الثلاث، بتعديل المادتين 37 و38 من القانون المذكور، بالتوافق وبطريقة مخادعة وبأسلوبٍ مسرحيّ لا يخلو من الضحك والبكاء معًا، في غفلةٍ من الشعب الصابر البائس. وإنّي أتفق مع النائب الذي قامت الدنيا ولم تقعد ضدّه، عندما وصف الشعب العراقي بالبائس في أحد الأيام. فالأخير، أي الشعب الذي وصفه العالم الاجتماعي الكبير "الدكتور علي الوردي"، بتميزه بازدواجية الشخصية، وبالرغم من الوقائع والحقائق التي تنجلي أمامَه قبل كلّ دورة انتخابية، إلاّ أنّه ما زال يقع في ذات الهفوة وذات الخطأ القاتل عندما يعيد انتخاب نفس الوجوه التي لم تجلب له سوى التخلّف والبؤس والفقر وتردّي الأوضاع المعيشية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية والخدمية، بل والتراجع في كلّ مرافق الحياة. فالحكومة منذ تشكيلتها الثانية وما قبلها، ما تزال تدخل وتخرج في دوّامةٍ مِن أزمات متلاحقة. فماذا حصد هذا الشعب من دورتين انتخابيتين متتاليتين، غير خيبة الأمل والتراجع ومزيدًا من الضياع وهدر المال العام والاستخفاف بإرادتِه؟
   لعلَّ المبرّرات التي ساقها بعض النواب والمسؤولين في الدولة وتفنّنوا بشرعنتها حينما أدخلوها في خانة "الخدمة الجهادية "وباستحقاقهم إيّاها وفق الدستور والقانون الذي صاغوه على مرامهم ووفق قياساتهم ومعاييرهم، وليس وفق ما تمليه عليه ضمائرُهم وحسُّهم الوطني غير النابض بالحياة، كما يبدو. لقد حملت بعض اليافطات المرفوعة في تلك التظاهرات، شعاراتٍ قاسية تجمع بين "مسلّحي داعش الذين يقتلون" و"النواب الذين يسرقون". إنها لمقاربَة ومقارنة مذلّة في توصيف العلاقة بين الاثنين. فالانتفاضة قد نالت من هيبة هذه المؤسسة التشريعية ومن قدسيتِها، مِن حيث اتهامها بخيانة الأمانة وسرقة ثروات البلاد بطرق ووسائل مخادعة. وحيث إنّ القانون الذي أخذ طريقَه للمصادقة عليه من قبل الرئاسة، رأى فيه الكثيرون من المنتفضين الشجعان التفافًا على إرادة الشعب، لذا طالبوا النواب بردّ ما سرقوه وبإلغاء هذه الامتيازات غير الدستورية وغير المشروعة. كما سبق وذهبت إلى ذلك المحكمة الاتحادية والمرجعية الدينية الرشيدة التي ضربت مثلاً في الإباء والحكمة والإنصاف. ولمزيد من التندّر ومن وفاء الشعب لممثليهم في البرلمان والرئاسات الثلاث، فقد نسّق المتظاهرون ونظموا حملة جمع تبرّعات لأصحاب الرواتب الإسطورية في الرئاسات الثلاث، علَّها لا تكفيهم، كما سبق أن أعلنت إحدى الشخصيات النسوية في أحد مجالس المحافظات، مِن أنّ مرتّبها الشهري لا يكفي وهو ينفذ مع منتصف الشهر! ولمزيد من السخرية، اختصرتْ إحدى الشعارات ميزات نائب الشعب بثلاث: "إذا تحدّثَ كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا عاهدَ خان"!
   إنّي أعتقد، أنّ هذا القانون، إنْ تمّ إقرارُه من قبل رئاسة الجمهورية، وهذا ما أتوقعه مثل غيري، من شأنه أن يكون القشّة التي ستقصم ظهر البعير، وتعِدُ بتحوّلاتٍ غير مسبوقة. أمّا بداياتُها، فقد تمثّلت – إنْ صدقتْ- بصحةّ قرار السيد مقتدى الصدر باعتزال الحياة السياسية، ليقول كلمة "لا" لما يجري من إجحاف واستهتار بحقّ مقدّرات الشعب ومطالبه المشروعة وتنديده بشلّة الفساد والمتاجرين بمصالحه وحقوقِه. في حين رأت قياداتٌ سياسية أنَّ اعتزال السيد الصدر الحياةَ السياسية كارثةٌ، وهي ناجمة بسبب العملية السياسية البائسة وتردّي الأوضاع الأمنية. كما أنّها تصبُّ في مصلحة الحكومة الحالية التي تسيطر على مقاليد السلطة بأسنانها. إنَّ اتفاق السلطات الثلاث للالتفاف على قرار المحكمة الاتحادية الرافض للامتيازات التقاعدية الخاصة والمتجاهل لرأي المرجعية الدينية الرشيدة والضارب إرادةَ الشعب الذي انتفض زائرًا كالأسد، تأكَّدَ افتقادُ هذه السلطات للحسّ الوطني الذي يُفتَرض توفرُه لدى نواب الشعب خاصةً، حين اختارهم لتولّي مهمّة تمثيلِه والحرص على مصالحه الوطنية العليا قبل أية مصلحة ضيقة وخاصة. وإنْ حصل ذلك وتمّ تمريرُه رغم أنف الجميع، فهذه سابقة خطيرة، ولن يكون أمام المثقفين ومنظمات المجتمع المدني والتكنوقراط وكلّ وطنيّ شريف، سوى تحشيد طبقات الشعب كافة، بمن فيهم شريحة المتقاعدين والمقهورين الذين يتقاضون فتات الرعاية الاجتماعية والموظفين الصغار كي يهبّوا بوجه أدوات الفساد ويعلنوا اعتصامَهم المفتوح بوقفة احتجاجية، كما فعلها الشعبُ المصريّ الأبيّ وعرفَ انتزاعَ حقّه رغم الهجمة الشرسة التي كانت التفّت عليه من القوى الانتهازية بدعم من الموساد والطغيان الأمريكي، عدوّ الشعوب المستضعفة!
   بعيدًا، عن كلّ أشكال الرفض التي توالت ضدّ تمرير المادتين الخلافيتين، كان الأجدر برئاسة البرلمان ورؤساء الكتل والنواب على السواء، أن يصغوا لرأي اللجان البرلمانية التي حذّرت من ارتفاع عجز حقيقيّ بموازنة هذه السنة بنسبة 35% التي تُقدّر ب 174 ترليون، بحسب أحد النواب باللجنة الاقتصادية. وبالتأكيد، سيزداد العجز سنويًا مع إقرار قانون امتيازات الرئاسات الثلاث التي ستثقل كاهل الاقتصاد الوطني، إلى جانب ما ستحصل عليه المحافظات المنتجة والمكرّرة للنفط والغاز في إطار قانون البترودولار. هذا، إذا ما أُضيفت إليها ما يُسمّى باستحقاقات السجناء السياسيين وعددٍ من المؤسسات التابعة للأحزاب المتسلّطة التي تنهب كلٌّ مِن جانبها جزءًا مهمّاً من ميزانية الدولة السنوية بحجة الغبن الذي لحقها في الزمن الماضي. إنّ هذه المؤشرات جميعًا تنذر بشؤمٍ وبتدهور اقتصاد البلاد وسقوطه في الهاوية، لاسيّما إذا علمنا أن السقف الانتاجي للنفط الوطني، من الصعوبة بلوغُه الكميةَ التي يتوقعها أصحاب القرار حينما وضعوا موازنة وهمية وفق تصوّر إنتاجيّ خياليّ عسير التحقيق، وفي حالة أصرّت حكومة كردستان عدم وضع مسألة تصدير نفطها تحت سيطرة الدولة الفدرالية. وهذا العجز في الموازنة لهذا العام، سيكون قياسًا لعجزٍ متكرّرٍ سنويًا، ما يضطرّ الدولة للتقليل من المبالغ التي يحتاجُها البلد للاستثمار والتنمية ومشاريع الخدمات، ولاسيّما ما يتعلّق بالبنى التحتية التي تراجعت بسبب التقادم وكذلك بسبب أداة التخريب التي طالتْها من الإرهاب ومن العبث البلدي الذي غايتُه إعلان تنفيذ مشاريع ناقصة وإحالة عقود على شركات وهمية وغير رصينة غايتُها الاستئثار بالمال العام.
   بإقرار القانون على وضعه الحالي، ستكون الحالة قد وصلتْ إلى قطيعة بين الشعب وممثليه. فقد بدا الغضب وأدوات الاستهجان المتنوعة التي أظهرتْها وسائل الإعلام التي غطّت تلك التظاهرات، من خلال السخرية الشعبية التي أظهرتها شعارات وكتابات لاذعة نالت من جميع النواب ومَن لفَّ لفَّهُم من المناصب الخاصة بالرئاسات الثلاث. بهذه الوقفة الغاضبة، إن تواصلت كما فعلها الشعبُ المصريّ المغامر، يكون المسؤولون المعنيون بتمرير القانون بصيغته الحالية قد وُضعوا على المحك بعد كسر حاجز الثقة بينهم وبين طبقات الشعب التي وجّهت صفعةً للنواب أولاً، من الذين خانوا الثقة وأعادوا لدغهم للأحرار في غفلةٍ منهم.
   لقد كان الأجدر بالقانون المذكور أن ينصبَّ على إنصاف شرائح متهالكة  "تعبانة" من الشعب ممّن أهدروا سنيّ عمرهم في خدمة الدولة، لا أنْ يكرّس مصلحة فئة قليلة سعت لتثبيت مصالحها الخاصة قبل كلّ شيء بإعطائها الحق بتشريع قوانين تتيح لها الاحتفاظ بمنافع إسطورية للرئاسات الثلاث المتسلّطة على الشعب المغلوب على أمره من حكّامه المراهقين دون رقيب.
   ولكي تكتمل المسرحية، ويؤدّي كلّ فريقٍ دورَه، بدءًا مِن اللجنة التي  اجازت لنفسها تشريع المادتين في هذا القانون، إلى توافق الكتل السياسية لتمريره، وقراءته في مجلس النواب القراءة الأولى ثمّ الثانية، والتصويت عليه، خرج إلينا نوّابٌ تنصّلوا مِن الموافقة عليه. وساد الهرج والمرَج، حين تسارعتْ كتلٌ سياسية ونوابٌ بتبادل الاتهامات والتلاسن  والتخوين على الفضائيات وغيرها من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة. وهم كما يبدو، مطمئنّون برغم هذا وذاك، أن القانون ستصادق عليه الرئاسة بحجة أن ممثلي الشعب هم الذين صوتوا لصالح تمريره، ومن ثمّ، فهو في عهدة الشرعنة. والأيام القوادم، ستكون حبلى بما لا نتوقعُه من أحداثٍ مع اقتراب موعد الانتخابات. فهل سيُلدغُ الحرّ من جحره للمرة الثالثة؟


لويس إقليمس
بغداد، في 16 شباط 2014

36
المسيحيون في أجندة محافظة سهل نينوى

   توالت ردود أفعال متباينة حول الموافقة المبدئيّة لمجلس الوزراء باستحداث محافظة لسهل نينوى، اسوةً بمناطقَ أخرى، حيثُ كنتُ قد تطرّقتُ إلى هذا الموضوع في مقالة سابقة، وأكملُه بهذه المقالة بوجهة نظر حول وضعية المسيحيين في خضمّ هذا التشكيل الجديد. هناكَ مَن صفّقَ لمثل هذا القرار المتسرّع، وهناكَ مَن يُطالب بالتأنّي لحين توافر الشروط والظروف الملائمة لتحقيق هذا المطلب المشروع ضمن المعايير والسياقات الدستورية، بحيث يحفظ وحدة الأرض العراقية ويصون هيبتَها ويعزّز من هامش الحرية والديمقراطية فيها، لا أن يعرّضها للتهلكة والتشظية والتفكيك.
   ولكون سهل نينوى، ذا خصوصية تكوينية بسببٍ من فسيفسائه الديني والعرقي والمذهبي، شأنُه شأن كركوك التي تعاني انقسامًا وتناحرًا صعبَ التفاهم بين المكوّنات التي تسكنُها والتي تصطدمُ دومًا بالرغبة الملحّة من جانب الكورد بضمّها إلى دولتهم المزمعة. لذا نتوقع صراعًا مماثلاً مع مقترَح تبنّي مشروع استقطاع هذا السهل من محافظة نينوى، والذي يدين عمومًا "بثقافة عربية" مع خصوصيات ثقافية ودينية لكلّ مكوّن فيه، إضافة إلى القرب الجغرافي لبعض قصباتِه من مركز المحافظة، وتباين الآراء بشأن رغبة الجانب الكوردي أيضًا بضمّه إلى دولتهم العتيدة بدعمٍ من المرتزقة المستفيدين من مثل هذا المشروع في المنطقة ومن الأُجَراء مدفوعي الثمن.
   في مقالة سابقة، قلتُ إنّ من حقِّ أية منطقة تستشعرُ خطرَ إهمالِها وتهميشها خدميًا وسياسيًا واقتصاديًا، أن تطالبَ بإنصافِها ومعاملتِها على قدم المساواة والعدل مع غيرها. ونحنُ في سهل نينوى، عانينا الأمرّين من إهمالٍ حكومة المركز ومِن نظرة استعلائية مِن جانب حكومة نينوى المحلية ، سواءً أيامَ النظام البائد أو بعد الاحتلال الأمريكي في 2003. وبسببٍ من ذلك، صدرتْ مطالبات كثيرة من جهات ومرجعياتٍ عديدة، دينية وسياسية وحزبية ومن منظمات مجتمع مدني ومثقفين مستقلّين، وكلُّها كانت تصبّ باتجاه إنصاف مناطقنا المسيحية من خلال المطالبة بشيءٍ من حكمٍ  ذاتيّ يرفعُ من شأنِها ويمنحُها ما تستحقُّه من رعاية واهتمام وتنفيذ مشاريع استثمارية وخدمية، هي أهلٌ لها، بسبب أصالتها وتجذّرها في الأرض وكذلك بسبب كفاءة أبنائها وولائهم الدائم للوطن. وهذا ما لا يستطيع كائنٌ مَنْ كانَ أن ينكر مثل هذه الحقائق بحقِّها.
جغرافية غير متناسقة   
   لكن هذه الرغبة الملحة من جانب البعض من المتسرّعين للرقص على أوتار ما يحلمون به من مناصب ومكاسب فيما بين المتنافسين التقليديين للحصول بل لتثبيت على موطئ قدم في مناطق لا تمتّ لهم بصلة من حيث الجغرافية والديمغرافيا المتعارفة مناطقيًا، وإذا ما أُضيف إلى هؤلاء ما استجدَّ من  كيانات سياسية مسيحية مستحدثة مؤخرًا طابت لها العملية السياسية وسال لها اللعاب، هذه الرغبة قد تصطدم بمعوّقات وصعاب ليست في بالهم. فإنّه لكون المنطقة المرادُ استقطاعُها من جغرافية محافظة نينوى متباعدة فيما بينها و تقع على خطّ طوليّ غير متناسق في مناطقيّته الجغرافية، فهذا قد لا ينسجم بل يتعارضُ مع التشكيل الجديد. ولكون هذه المنطقة أيضًا مسكونةً من مكّونات مختلفةٍ عرقيًا ودينيًا ومذهبيًا، فإنّها تتطلّبُ مزيدًا من الرويّة والاستكانة والتفكير والهدوء لغاية انجلاء الظروف الاستثنائية التي يمرّ بها البلد أمنيًا وسياسيًا. والسبب في ذلك، أنّ البلاد مقبلةٌ على استحقاقٍ انتخابيّ، ربّما سيكون مصيريًّا، نأملُ من خلالِه تغييرًا في القيادة السياسية والعسكرية والأمنية، والتي فشلت الحكومة الحالية بتأمينها لولايتين متتاليتين بسببٍ من ضعف تشكيلتها المحاصصية بالأساس، ونهجها الذي طبعتهُ سياسةُ الطائفية والفساد والتغطية على الفاسدين والمفسدين وكذا في التعيينات وتولية المناصب في الدولة وعدم إنصاف المستحقّين. ونحن لا ننكر أنّ من ضمن الأسباب التي تقف وراء فشل الحكومة الحالية، إضافةً إلى ما سبق، تقف التوافقات السياسية غير المجدية والشراكة الحكومية الفاشلة والمحاصصة المقيتة التي شلّت دور مؤسسات الدولة وأبعدتها عن الاحترافية ومحاسبة المقصّرين  ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
   إنّه وبالرغم من اعتراف الجميع، ساسةً ومثقفين ومراجعَ متعدّدة بفشل هذه السياسة، والمطالبة بحكومة أغلبية تقابلُها معارضة فاعلة وقوية لمراقبة الأداء الحكومي، إلاّ أنّ السياسيّين راوحوا في مقاعدهم وسط شلل شبه كامل للبرلمان الذي فشل هو الآخر بالقيام بخطوة استباقية لتعديل الدستور الأعرج و صياغة قوانين مدنية متوازنة مؤهلة لحلّ الإشكاليات الرئيسة القائمة التي ظلّت معطّلة لغاية اليوم، والتي بسببها استقوت أطرافٌ فاعلة في العملية السياسة على حكومة المركز وفرضتْ هذه أجندتَها على السياسة العامة للدولة بسببٍ من ضعف الحكومة الفيدرالية.
تباين الرؤى حسب المصالح   
   بالعودة إلى مشروع محافظة سهل نينوى المقترَح، لم يكن المكوّن المسيحي بمنأى عن الإرباك الذي أصابَه وشقّ صفوفَه، أكثر ممّا كان عليه في سابق الأيام. فراحَ كلُّ فصيلٍ سياسيّ و حزبيّ يدّعي عائديّة هذا المقترح لكتلته وحزبه وتبنّيَه المطالبة بهذا الوضع أو مبادرتَه القيام بالإجراءات الأصولية لتنفيذ هذا المطلَب. كما توالت الاتهامات وتصاعدت أساليب التخوين بين الفصائل المسيحية المتكاثرة ك"الأميبا "، بين كلّ دورتين انتخابيّتين لتزيد من فرقتهم وتباين ولائهم لهذه الجهة أو تلك بحسب المصالح والأجندات والوعود. والحقيقة في بادئ الأمر، أنّ الجميع كان يهدف بحراكه السياسيّ والمجتمعيّ أنْ تحقّق المناطق التي تتواجد فيها تجمّعات مسيحيّة غايتَها بإدارة مناطقها ذاتيًا وبعيدًا عن التهميش والإهمال والنظرة الدونيّة السائدة تجاهَهم من الحكومة المحلية، كما هي الحال في البلدان المتحضّرة. فالتحديات كانت وستبقى كبيرة، وكذا الانتهاكات بحقّها، بشرًا وأرضًا وتراثًا ودينًا. فما شهدتْهُ وتشهدُه اليوم من انتهاكات ديمغرافية، قد وضعَ مصيرَها على المحكّ وحرّك غيرةَ العقلاء لإيجاد مخرجاتٍ معقولة تصون مناطقَها وهويتها الدينية والقومية والتراثية والثقافية، على السواء.
   إلاّ أنّه من ضمن التحديات التي تواجهُها، كونُ مناطق تواجد المسيحيين تقعُ وسط مكوّنات متعايشة معها منذ مئات السنين، وليست بمعزلٍ عن غيرها من الشعوب والأقوام والأديان. وهنا لابدّ من أسسٍ للتفاهم المشترك مع هذه المكوّنات دون فرض أجندة جاهزة تنغّصُ عليها هذه الفرحة. فالفصائلُ المسيحية، بأحزابها القائمة المتناحرة والمتنافرة طبقًا للأجندات التي يمثلها كلٌ منها، لا تستحقُّ قيادة مثل هذه المحافظة الخيالية، بسبب فقدان غالبيتها للمصداقية التوافقية من جانب الشعب المسيحيّ في هذه المنطقة وفي هذه الفترة بالذات. كما أنّ غالبيتَها، إن لم تكنْ جميعُها، لا تتحلّى بصفة الاستقلالية في الرأي وفي العمق الوطني وبرؤية صافية لمستقبل الشعب الذي تدّعي تمثيلَه، من حيث تبعيّتِها لأجندات أحزاب وكتل نافذة تريد الاستحواذ على هذا الاستحقاق بأيّ ثمن، رغمَ أن هذا الاستحقاق مكفولٌ للجميع من أجل إعادة بناء جميع مناطق الوطن على أساسٍ جغرافيّ وإداريّ وطنيّ ليصل إلى مصاف الدول المتحضّرة ويعيدَ أمجادَه بفضل ثرواته الهائلة من مادة ومعادن وحضارة ومن بشرٍ قادرٍ على البناء متى شحذ الهممَ واستفاق من غفوة الزمن الغادر.
   من هنا، ليس من المعقول، أن تختلف الفصائلُ المسيحية، حول أحقيّة تولّي أمر هذه المحافظة منذ الآن، لأنّ ولادتَها - إن حصلتْ- ستكون عسيرةً، من دون شكّ. وكما يقول المثل " خلّي نشوف الصبيّ، حتّى نصلّي على النبيّ". لذا في رأيي، أنّ ما يجري على صفحات التواصل الاجتماعي، وربّما حتى في وسائل الإعلام ومن انتشار دعايات ويافطات "تحمل ريحًا انتخابية" تقوم بها تشكيلات مسيحية منذ الآن، ليس صحّيًا ولا ينبئُ خيرًا، خاصةً عندما يتعلّقُ الأمر بمسألة مصير شعب وأمّة عانت من غدر وأطماع الجوار. كما أننا اليوم نخشى أن يقع مصيرُنا  فريسةً لكتل سياسية وجهاتٍ نافذة من خارج المنطقة تريد تجييرَ حقوق هذا الشعب، كلٌّ لمصالحِها بسبب هذا المشروع المقترح، سواءً من جانب إقليم كردستان الطامع بموقعها عبر ضخّ أموالٍ لأُجَرائِه مدفوعي الثمن مقدَّمًا أو من العرب والمكوّنات الأخرى من المتربّصين بهم وبمناطقهم الحيوية، مستغلّين طيبتَهُم وطبعَهم المتسامح وأخلاقَهم العالية وتفتَّحَهم وكفاءتهم وولاءَهم الذي لا يُعلى عليه. وممّا لا يخفى على اللبيب، أنّ الطامعين في مواقع ومناصب محافظة هذا السهل من خارج أهل المنطقة منذ أمدٍ، قد ازدادوا وتكاثروا وتفاعلوا وتقاطروا وتهالكوا وتهامسوا وتعاقدوا منذ الإعلان عن المقترَح، كي يكون لهم لقمة طيبةٌ في الوليمة، إن حصلتْ!

أحلامٌ وردية بفكّ العقدة   
   إذا كان اقتراح إنشاء وحدة إدارية جديدة على مستوى محافظة في سهل نينوى، قد حظي بدعم معيّن من قبل ممثلي شعبنا في البرلمان أو في مواقع أخرى وزارية أو مجالس محافظات ومنظمات مجتمع مدني ومستقلّين ومثقفين ورجال دين على تنوّع مشاربهم ومذاهبهم وتوجهاتهم، فلعلَّهم- بحسب قراءتهم- يجدون فيه مفتاحًا لوقف نزيف الهجرة المتواصل، الذي سيستمرُّ بحسب رأينا، بالرغم من كلِّ هذا وذاك، شئنا أم أبينا، بمقتضى الظروف والتوقعات والأجندات. هناكّ مَن يحلم، رغم أنّ الحالمَ لا لومةَ عليه، بأن المشكلة قد حُلَّتْ والعقدة قد فُكِّكَتْ وصارت مناطقُنا من جنان فردوس لندن وباريس وجنيف وأوسلو ولوس أنجليس، ناسين أو متناسين أن استحداث مثل هذه الوحدة سيخضع لاختبارات عسيرة وستُمارس عليها ضغوطٌ من كلّ صوبٍ وأوبٍ من باقي المكوّنات، سواء  من أهل المنطقة أو القادمين الأغراب، في مسألة اقتناص مناصب هنا وهناك أولاً كما قلنا، وفي اختيار موقع السكن الذي يرتئيه القادمون الجدد  بفضل الطابع الوظيفي والحق الشخصيّ في السكن في البقعة التي يرتئيها هذا القادم  الجديد في أيٍّ من البلدات أو القرى المسيحية، دون أنْ يجدَ ما يمنعُه من ذلك.
    نعم، قد تتمتع مناطقنا المسيحية في ظلّ هذه الوحدة الإدارية الجديدة، بميزانيتها الخاصة بها وبنوافذها الإدارية والأمنية والاقتصادية. ولكنَّ الخوف، كلُّ الخوف، أن تنزلقَ في متاهات الانغلاق على نفسها أيضًا، وبفقدان طابعها الديني والتراثي بسبب هذا التطوّر الإداريّ، إلى جانب التحسُّس من كلّ شاردةٍ وواردةٍ قادمة من خارجها، بحجة الحفاظ على هويتها والخوف من فقدان خصوصياتها المشار إليها. فالموافقة على التشكيل الجديد، تقترن باستحداثها على أساسٍ جغرافيّ وليس دينيّ أو عرقيّ أو مذهبيّ، كما شاء البعض أن يتصوّروا ذلك واهمين. إنَّ هذا التوجّه الهزيل، إنْ شاءَ  وحصل، فإنّه سيقضي على روح التعايش السلميّ ويقطع حبل المواطنة الذي يجمع بين الإخوة المختلفين ولا يفرّق بينهم. وبمعنىً أدقّ، سيوسّع الخلافَ أكثر ممّا يضيّقُه من خلال تكريس روح التجزئة والتمييز والتفكيك والتقسيم داخل المجتمع.
أبواق الشتات طوباوية
   ما يُؤلم، أن نسمع أبواقًا خارجية في الشتات، سواءً من أهلنا وأحبتِنا المغتربين أو من أقلامِ مكوّناتٍ أخرى تعيش الحلم السرمديّ وهي قابعة في أبراجها العاجية في الغربة، محاولةً الإيهامَ بأنّ محافظة سهل نينوى العتيدة، إنّما ستكون "بروحيّة مسيحية". بل ذهب البعض بأنها "اعترافٌ بقضية المسيحيين المشرقيين المضطهّدين وبكونها بداية العلاج لمشاكلهم". مساكينٌ هؤلاء، كم أرثي لسذاجة تفكيرهم وتوهّمهم  لما اخترعوهُ ونسجوا منه في خيالهم منذ اليوم، قصصاً وبنوا عليه آمالاً وردية لا تعدو نتفًا من فكرٍ طوباويٍّ ضحلٍ لا يمتّ لواقع الحال بصلة. فالمسألة أكثر عمقًا من ذلك. هناك روزنامةٌ دولية تشارك بها كلُّ الدول، حتى المتبجحّة المتباكية  منها على مصير مسيحيّي الشرق وأحوالهم التي لا تُسرّ البتة، منذ قرون وليس منذ سنين وأشهر وأيام. إنَّ ما جرى ويجري، هو مؤامرةٌ دولية، يتحدّث عنها الجميع، وهذا ليس من عندي أو مِن بناتِ أفكاري فحسب. هناك، في المنطقة وبتحريض خارجيّ، مَن لا يسرُّه تعميمُ ثقافةٍ تساوي بين الجميع وتعدلُ بين المختلفين في الدين والمذهب والعرق واللون واللغة. فالمسألة، سواءً في العراق أو في المنطقة عمومًا، هي مسألة صراع ثقافات وتنافر حضارات ورفض الاعتراف بالحقوق العادلة التي تقرّها كلّ الشرائع والأعراف، بالعودة إلى مفهوم خلق الله للجميع متساوين و"جميلين على صورتِه ومثالِه". هناكَ مَن يرفض الإقرار بهذا الجمال المخلوق وبهذا المفهوم الدولي العادل، بدعوى التعالي والسموّ والارتفاع على غيره من الشعوب والأديان. إذن، المسألة ليست ولن تتوقف باستحداث هذه المحافظة الخيالية!
   هنا، تكمن المشكلة في مصيبة المسيحيين وغيرهم من الأديان والمذاهب، المختلفة عن دين الأغلبية في الشرق، إذ أصبحوا عملةً غيرَ مرغوبٍ بها في نظر التيار المتشدّد الذي خلقَهُ وأنماهُ اللوبيّ المسيّر عبر الكارتل الأمريكي- الصهيونيّ العالميّ، ولاسيّما تجاه المسيحية، كما أسلفتُ في مقالةٍ سابقة. فالمسيحيّون عمومًا، سواءً في العراق أو في منطقة الشرق، واقعون اليوم، بين فكّي كمّاشة ولاسيّما باتهامهم  بالولاء للغرب. في حين أن الغرب الذي يُتّهمُون بانتمائهم وتبعيّتهم له زورًا وبهتانًا، قد طلّقَ المسيحيةَ منذ تبنّيه خطَّ ما يُسمّى بالعلمنة الذي لا يعدو كونَه جانبًا من الإلحاد المبطّن والمغلَّف بأعذار شرعة حقوق الإنسان المدنية وما يلحقُها من ممارسات، قد آذت المسيحية والمسيحيين في الشرق عامّة.
لا تخفْ أيها القطيعُ الصغيرُ   
   حين ترك المسيحيون بلداتهم وتشتّتوا في بلدان الغربة، أيًّا كانت أسبابُهم للجوء إلى مثل هذا القرار المصيري، لم يكترثوا، بل بالأحرى لم يحسبوا ما ستؤول إليه أحوالُ مناطقهم التقليدية وجذورهم التاريخية والجغرافية. بل فرّطوا بهذه جميعًا ولم يفكروا إلاّ بأنانية، براحتهم ومصلحتهم. وها همْ اليوم يتباكون من خلف أسوار الوطن على هذا التراث وهذا التاريخ، بل ويُملون على أهل الداخل أحيانًا أفكارَهم وآراءَهم، يشدّهم في ذلك، الحنينُ إلى بيوتهم القديمة وقراهم وبلداتهم وكنائسهم التي تركوا فيها جميعًا ذكرياتٍ، كانت لهم بمثابة كنزٍ لحياتهم. قد تكون دغدَغَتْهُم فكرةُ استحداث محافظة في منطقة تطبّعت بتراث ووجودٍ مسيحيّ منذ دخول المسيحية في بداية القرن الأول الميلادي. وبهذا يعتقدون أنها ستكون ملاذًا آمنًا لمَن بقي من أهلهم وذويهم صامدًا ويزاول حياتَه الطبيعية. ولكنْ، هل فكّروا أنّهم بتغرّبهم عن الوطن، بغضّ النظر عن مشروعيته وتبريرات كلّ واحد منهم، قد قطعوا الحبل السرّي بينهم وبين وطنهم وأهلهم؟ أمّا الاتصالات الهاتفية والتقنيات الالكترونية التي قرّبت المسافات بين الأمم والشعوب، فهذه ليست كافية وكفيلة بسدّ الفراغ والثغرات التي تركها أهلُنا وأحبّاؤُنا وأصدقاؤنا في عموم الوطن. فالوطن والالتصاق بأرض الوطن ليس بالحنين إليه وبالتمنيات والحسرات، بل بالعيش فيه وبمقاومة الظلم وبالصبر والإصرار على استرجاع حقوق تاريخية ووطنية بالنضال وتكرار المطالبة مرارًا حتى نيلها كاملةً. ف "مَنْ جدَّ وجَدَ" يقول المثل. و"اطلبوا تجدوا، واقرعوا يُفتَحُ لكم" يقول الإنجيل المقدس.
    ممّا لا شكَّ فيه، أنّ مَن ترك الوطن واختارَ الغربةَ والتشرّد – أو سمّها هجرة أو لجوءً أو ما شئتَ-، قد ساهم بتقليص الوجود المسيحي في بلد الجذور الاشورية والبابلية والكلدانيّة والآرامية والسريانية، بحيث طاب للبعض من المكوّنات الأخرى أن ينتقص من أهميتنا العددية، بحيث أصبحنا قطيعًا صغيرًا مقهورًا يستجدي التأييد والدعم في الداخل والخارج. ولو فكّر المهاجرون المسيحيون بعمق، لأدركوا أنَّهم بهذه المساهمة وبهذه الطريقة في التقليل من الشأن المسيحي بالعراق الذي كان حتى السبعينات من القرن الماضي يبلغ ما يعادل 5-7% وربما أكثر من مجموع سكان لعراق، قد نفّذوا من حيث لا يدرون أجندة ً خارجية تمّ التخطيط لها بعناية منذ أجيالٍ وسنين. وها نحن اليوم، نجني نتائج هذه الأجندات الدولية والإقليمية التي مزّقت النسيج التعايشيّ التقليدي بالمنطقة التي تغلي على صفيحٍ ساخن، والمستهدَف الأول فيها هم المسيحيون. ولكننا لنْ نخاف نحن الصابرين المرابطين في الوطن، حتىّ لو كنّا "قطيعًا صغيرًا"، فقد شاء اللهُ أن يعطينا الملكوت بصمودنا وصبرنا وتجذّرنا وانتمائنا لكنائسنا وأمانتنا لشعبنا. ويبقى الهروب من الشدائد والمظالم، سلاحَ الضعفاء الذين لم يصبروا ويصابروا، بل تهاونوا بالمطالبة بحقوقهم العادلة والمتساوية وتنازلوا عنها ليستسهلوا العيشَ أغرابًا في بلدان الشتات على فتاتِ ذاتِ الأجنبيّ الذي حرّض على تهجيرنا وقتلنا وترك أوطاننا. إنها لمعادلةٌ غريبة، ليس من الصعب فكُّ رموزها.   
مشوارُ الصحوة، علامة جيدة
   كلُّنا نأملُ أن يتمتّع جميع المواطنين على أرض الوطن وفي الشتات بروحية وطنية عالية ومتزنة تجيد قراءة الأحداث في سياقها الواقعي وتخدم مسار العملية السياسية وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن. فالاعترافُ بالتنوع والتعدد في بلد الحضارات ومهد الديانات ليسَ منّةً من أحد، بقدر ما هو حقٌّ مواطنيٌّ تفرضه المواطنة ومبادئ الانتماء. ومن ثمَّ، فإنّ مجرّدَ وضع سهل نينوى في أجندة الحكومة باعتبارها منطقة مغبونة تستحقّ مزيدًا من الرعاية والاهتمام، ليس انتصارًا كما يتصوّرُه البعض فحسب، بقدر ما هو اعتراف بإثمٍ اقترفته حكومات متعاقبة بحق هذا الشعب المكافح عالي الهمّة وجدير الثقة بالانتساب لأرض العراق وهوائه ومائه وبشرِه.
   من حقنا أن نعتبَ على سياسيّينا وبالأخصّ على نواب الشعب الذي ائتمنهم الأخير ليصونوا وحدتَه، أرضًا وشعبًا، ويعزّزوا فيه روح المواطنة والغيرة على مصالحه العليا قبل المصالح الفئوية والحزبية والعرقية الضيقة. لذا، نعدّ تحرّك الحكومة الأخير، علامةً على صحوة جديدة أخرى في مسار تصحيح العملية السياسية، إنشاء الله، بالرغم من الفترة القصيرة التي بقيت لها في الحكم. وعلى أية حالٍ، نأمل أن يكون هذا المشوار صحوةً من غفوةٍ وعلامة رجاءٍ لبداية جيدة قادمة، ما بعد النتائج التي ستفرزُها الانتخابات العتيدة. هناك مَن يعلّقُ عليها أملًا جديدًا لوقف نزيف الهجرة المستمرّ وإنصاف كافة المكوّنات في منطقة السهل دون تمييز، إذا عرفنا أن ندير شؤونَنا ذاتيًا ولا مركزيًّا بأيدينا وبالتوافق مع سائر المكوّنات المتواجدة بين ظهرانينا، حتى بلا تحقيق حلم كيان المحافظة الذي يرقص له الكثيرون دون وعيِ وإدراكٍ ودراية بما ستؤول إليه المنطقة، فيما لو تحقّق. وأعتقد، أنّه لمجرّدَ تولّد نوعٍ من الإحساس من جانب الدولة، حكومةً وساسة، بالتقصير إزاء استحقاقات جميع المكونات، في السهل أو في غيره من المناطق، وفتح الباب لمنحها مزيدًا من هامش الحرية لإدارة مناطقها بأسلوب الحكم الذاتيّ أو باستحداث وحداتٍ إدارية جديدة، فإنّه بحدّ ذاته يشكّل تحدّيًا كبيرًا لسائر مؤسساتنا ومرجعياتنا، الحزبية منها والسياسية والدينية والثقافية والمجتمعية. فالخوفُ، كلُّ الخوف، أن ينساق البعض لمشاريع التقسيم والتجزئة والتفتيت من خلال التفريط بوحدة البلد، أرضًا وشعبًا وفسيفساءَ جميلة على أساسٍ عرقيّ أو طائفي أو دينيّ، لأنَّ غيابَ أحد أطراف هذا الفسيفساء الجميل أو عزلتَه يعني اقتلاع عضوٍ أساسيٍّ من جسم الوطن، ما يعرّض الأخير للمرض والزوال مع تقادم الزمن.
وحدة الوطن خطٌّ أحمر   
   إنّ الحرصَ على هاجس وحدة البلاد، لا يعني كما يبدو للبعض، ممانعةً لتحقيق الحلم المشروع "بحكمٍ ذاتيٍّ لا مركزيّ" لكلّ منطقة وبلدة وقصبةٍ عراقية ضمن عراقٍ موحَّدٍ، دون اللجوء إلى تجزئته بهذه الوسائل الرخيصة. فالعراقُ إنّ أردناهُ قويًا عزيزًا متضامنًا، لا يمكن أن يتفتّتَ ويتجزَّأَ ويتفكّك ويُقسَّمَ بحسب رغبة هذا النفر أو ذاك من الخانعين للأسياد في الداخل أومن خارج الحدود، لأنّه على هذه الشاكلة، سيأتي اليوم الذي نصحو فيه على دويلات عديدة داخل دولة لا هيبةَ لها، تتقاذفُها الأحقاد والكراهية والضغائن بسبب غياب الروح الوطنية والتسامح الأهلي والرؤية الجماعية في الحكم والعيش الكريم. أليسَ هذا واقعَ ما نراه ونعيشُه بمطالبة مدن وبلدات عديدة بالانفصال عن محافظات والدعوات المتهالكة لإقامة أقاليم؟
    لذا، مفتاحُنا الأساس يكمنُ برفض نهج الطائفية والابتعاد عن المذهبية وطرد الاستعلائية والكفّ عن الاستغلالية والتهميش ووضع حبّ الوطن والسلم الأهلي وخدمة الشعب، وإنصاف الجميع بالعدل والمساواة والحقوق، في أولى الأولويّات. وبغير هذه، لن ننهض ولن نتقدّم ولن نتصالحَ ولن نتحاورَ، طالما لا نمارسُ حبَّ الله والوطن والشعب ونصون وحدة الأرض والماء والسماء!

لويس إقليمس
بغداد، في 4 شباط 2014



37
مهزلة المحافظات الجديدة، إنْ تحقّقتْ؟

   تردّدتُ في الكتابة بهذا الموضوع، لحساسيته. ولكنّي توكلتُ على الله، كي أدلو بدلوي في مسألة تتعرّضُ فيها وحدة البلاد إلى شرخ كبير، قد يضعُ هيبتَها على المحكّ. فمصيبة العراق كبيرة، وهي قديمة قِدَمَ الأزل. لكنّ مصيبةَ بعضٍ من مكوّناته اليوم أعظم، فهي تتفاقم كلّما مرّت الأيام وتوالت السنين وتتالت الأجيال. ولعلَّ القادمَ المنتظَر، سيكون أكثر قتامةً. ألّلهمَّ، إني أكره التشاؤم! وقلْ: "تفاءلوا بالخيرِ تجدوه"! آمين. لكنّ قراءةَ الأحداث تبدو غيرَ ذلك.
   قبل أيام، أطلّت علينا الحكومة العراقية الهزيلة، بكلّ قواها، وهي تتدافع بالمناكب والكلمات الطنّانة والأحلام الوردية، لتخرج بما جادت قريحتُها الطائفية بتمثيلية جديدة، بها تعمّق الهوّة بين أصدقاء الأمس وأعداء اليوم، ولتأسرَ الشعبَ المسكين البائس وتوثقَ إرادتَه مرّةً أخرى، فيما البلدُ يخوض امتحانًا عسيرًا مع فصائل إرهابية وعلى شفا انتخابات برلمانية مصيرية. تُرى، ما الحيثيات، وما الأسباب، وما الأهداف من كلّ هذا وذاك، في هذه الفترة بالذات؟
   ألعقلاءُ، يرون أن التوقيت متسرّعٌ وغير موفَّق، لأنّه، كما يبدو لهم وللكثيرين، قائمٌ على أهدافٍ لا تخلو من ريحٍ طائفية ومذهبية مقيتة، اكتوى بها الشعبُ عامةً. وهذه، كما رأينا، لم تعُدْ تجدي نفعًا. لقد أُرغمَ العراقيون للتخلّي عن الحسّ الوطني بعد السقوط الدراماتيكي في 2003، بتوجيهٍ من المحتلّ الأمريكي الذي لم يزِغْ عن تعهِّدهِ بتولّي مسؤولية تفتيت العراق وتقسيمه على أسس طائفية من أجل إضعافِه، كمنطلَقٍ للتصيُّدِ العكر في دول الجوار والمنطقة عمومًا. وهذه ليست معلومة جديدة، والدليلُ على ذلك ما ارتُئي أن يكون ربيعًا عربيًا قتلَ الأخضر واليابس باستقدام جماعات تكفيرية وسلفية لتصفية ما بقي من حضارات الأمس ومن ثقافات متمدّنة تختلف عن دين الأغلبية. ومَن عاصرَ السياسة الكيسنجرية -  اليهودية الأمريكية في بداية الثمانينات من القرن الماضي، يعي هذه الحقيقة، كما يؤكّدها الساسة والمثقفون ومتتبّعو الأحداث دون إجراء رتوشٍ عليها أو ظلمِ عناصرها.
   العراق العصريّ المتمدّن، لا يُبنى بكثرة الوحدات الإدارية المستحدثة، ولا بعدد المسؤولين الفاسدين الذين تولّى العديدُ منهم وما زالوا يتولَّونَ مناصبَ هامّة في مفاصل الدولة ليست من استحقاقهم، بعد أن كانت الغالبية العظمى مِن هؤلاء، أفرادًا متسكعّين على قارعات الشوارع في دول الشتات. هذا باستثناء أصحاب الكفاءات الذين لمٍ يُنصفْهُم النظام البائد واضطُرّوا مرغَمين لمغادرة البلد بسبب أساليب التضييق عليهم بلا هوادة. فالحكومة التي تبجّحت على لسان رئيسها قبل أيام مطلاًّ من على شاشات الفضائيات بفرحته - والحمدُ لله- بنيل كلّ عراقيٍّ حقوقَه، قد فقدتْ مصداقيتَها منذ أمدٍ، لأنّ صاحبَ المقال هذا نفسُه لم تنصفْهُ هذه الحكومة، بالرغم من استحقاقه الإنصافَ أكثرَ من القادمين عبر الحدود ومِن بلدان الشتات، من أمثال مزوّري الشهادات الذين استوزروا وتسلّموا مناصب حساسة ومهمة في الدولة العراقية بعد السقوط في 2003، في حين هو وغيره من الصابرين، آثروا الإصرارَ بالتجذّر في الأرض والوطن وبين الأهل والأصدقاء. على أية حالٍ، هكذا جرت الأمور، ولنْ تكون أفضلَ حالاً ممّا كان!
لا للفكر الطائفي:   
إنّ مسألةَ الوقوف مع أو بالضدّ من مقرَّرات أو مقترحات مجلس الوزراء باستحداث محافظات جديدة، ليس له من قيمة وطنية في هذه الفترة الحساسة، بسبب التحدّيات التي يتعرّض لها البلد، أرضًا وشعبًا، إذا لمْ يكن الهدفُ منه إصلاحُ ما كسرتْهُ التوجّهات الطائفية طيلة السنوات المنصرمة منذ سقوط النظام الدكتاتوري الملتزِم - آنذاك نوعًا ما- جانبَ الوطنية والعلمانية، في سلوك الدولة العام وفي الحراك السياسيّ بالمنطقة.
   كلُّ الشعبِ العراقي، من صغيرِه إلى كبيرِه، يتمنى اليوم الذي يُطبّق فيه وعليه دستورٌ مدنيّ وطنيٌّ يبسطُ أجنحتَهُ العادلة بالتساوي على كلِّ مكوّناته، من منطلَق وطنيٍّ بحت، وليس مصبوغًا بكحلة دينية أو عرقية أو طائفية أو مذهبية أو عشائرية وما إلى ذلك من تسمياتٍ تمييزية عنصرية قطعتْ صلة الرحم بين المواطن وأرضهِ، وبين أهلِه وشعبِه وبين مكوّنِهِ وسائر المكوّنات التي صارت تتحسّسُ من ذكر غيرها في الشارع وفي المجالس والدوائر والاجتماعات، وأينما تواجدتْ.
   من حيث المبدأ، يرى الجميع أنّ مثل هذه المطالبة، سواءً من جانب الشعب أو المناطق أو المكوّنات، كما العملُ من جانب الحكومة بالنظر في التشكيلات الإدارية الحالية وبإمكانيّة مراجعتها، لهوَ أمرٌ جديرٌ بالاهتمام، إذا كان ذلك مكتفيَ الشروط، دستوريًا وقانونيًا وجغرافيًا وطوبوغرافيًا. هذا إذا اعتبرنا الحاجة الفعلية لاستحداث مثل هذه التشكيلات بموجب الضرورة التي تقتضيها الظروف الصعبة والآنيّة لعلاج ذات البين أو لسدّ الثغرات في الإخفاقات الإدارية والخدمية والأمنية التي لم تعُدْ تُطاق. ولكن ليس بالضرورة أن يحصل ذلك بتغييرات ديمغرافية أساسُها حسٌّ طائفيٌّ به يجري تقسيم المقسوم وتجزئة المجزّأ أصلاً. فالدول المتقدّمة، تخطّت هذه المرحلة الصعبة، واقتنعتْ بضرورة إدارة كلّ وحدةٍ أو منطقةٍ شؤونها الوظيفية والخدمية والإدارية بنفسها، بأسلوب اللامركزيّة الديمقراطي، الذي يصون حقّ تلك الإدارة في اختيار الأنسب لتنميتِها وتطويرها، دون أن تسبب شرخًا في النسيج الوطني وعلى وحدة البلاد. وهذا الأسلوب الناجح في هذه الدول المتطوّرة، يمكنُ أن يُتخذَ نموذجًا يُحتذى به في بلدٍ متعدّد الأطياف والمكوّنات والأديان والمذاهب واللغات، مثل العراق. بل إنّ مثل هذا الفسيفساء، من الأصلحِ له أن يتبنّى ساستُه سياسةَ اللامركزية في حكم البلاد، كي  يُتاحَ لكلّ منطقة أن تسلك السبيل الأصلَح لتطويرها وتنميتها والذي يتناغمُ مع طبيعة المكوّنات التي تقطنُه بحيث تنسجمُ مع تراثها وثقافتها وطريقة عيشها وبها تحفظ وحدة البلاد وتنمي الحسّ الوطنيّ دون تشظية المجتمع.
   إذن، أين المشكلة في هذا الشأن؟
   بدءًا، وكما ورد في مقدمّة المقال، لم يكن طرحُ مثل هذا المشروع الكبير موفَّقًا في هذه الفترة الحرجة، لاسيّما وأنّ الحكومة العراقية برئاستها الحالية، على أبواب الأفول، بإذن الله، بسبب تراكم المشكلات والإخفاقات التي كان لها أولٌ وليس لها آخِرٌ، من دون أن يلمسَ المواطن تقدّمًا. فالحكومة الحالية مثلاً، قد فشلت في مكافحة الفساد المستشري في كلّ ركنٍ من أركان الدولة التي تتحمّل هي الجزء الأكبر من هذه المسؤولية وذلك بغضّ الطرفِ عن روّاده ولصوصه. كما أخفقت في الجانب الأمني الذي أثبتت استراتيجيات العسكر والشرطة فشلَها وقصورَها بل وتقاعسَها في أحيانٍ كثيرة. والأمرُ ذاتُه ينطبق على الجانب الخدمي الذي فقدَ قاعدتَه الأساس من المحترفين والمهنيّين بسبب مزاحمتهم من قبل القادمين الجدد الذين استوطنوا معظم دوائر الدولة وهم فاقدو الخبرة العملية والرؤية الخدمية والعلمية في التخطيط والتنفيذ والمتابعة. والحكومة الحالية ايضًا، وُصفت أكثر من مرّة بحكومة أزمات، لازمتها في مسيرتها، ومهما حاولت بتقديم حلول ترقيعيه لتهدئة النفوس وجبر الخواطر، فهي لن تستطيعَ رأب الصدع، لأنّ الشرخَ كبيرٌ بعدَ أن وصلَ حدّ العظم وقطعَ الأرزاق!
   والحالُ هذه، لم يبقى من هدفٍ، سوى طرح مثل هذا المشروع لأسبابٍ انتخابية بحتة، أو لتلطيف الأجواء ومجاملة أطرافٍ تحرّجت الحكومة الحالية إزاء ما تعرّضت له مكوناتُ مناطقهم من مآسٍ وويلات ومصائب لم يشفعْ معها غيرُ فتح هذه النافذة للتخلّص من ضغوطٍ قديمة أو قادمة أخرى. ولو كان الوقتُ مناسبًا، لَما لقي مثل هذا المشروع ردودًا متباينة صبَّتْ معظمُها جامَ غضبها على الحكومة وتوقيتها بسبب انتقائها الطائفيّ، كما أفرغَتها من فرحةٍ طالَما سعى إليها أبناءُ تلك المناطق، ولاسيّما البسطاء منهم وأصحابُ الرأي المتذبذب والفكر السطحيّ الذي لا يفقهُ ما ستؤول إليه مناطقُهُم، جغرافيًا وديمغرافيًا وتاريخيًا بموجب الأجندات الموضوعة لكلّ منطقة، فيما لو تحققت مثل هذه الطروحات.
   ألعلَّ الخاسرَ الأكبر في مثل هذا المشروع وفي هذه الفترة بالذات، هو العراق، بسبب تفتيت أرضه وتقويض وحدتِه وتجزئة شعبِه وتمزيق نسيجه بهذه المشاريع الطائفية المستحدثّة! إذ سرعانَ ما انتفضت مناطقُ أخرى مطالبةً بمثل هذه الاستحداثات غير الموفقة في هذه الفترة العصيبة، والعراقُ يخوض امتحانًا عسيرًا في محاربة آفة الإرهاب التي استفحلتْ بالمنطقة الغربية على مرأى ومسمَع وبعلمٍ ودراية من الحكومة المركزية والساسة الغافلين أو المتقاعسين في الشراكة الوطنية طيلة أكثر من سنة. وبإحالة ملفّ تلعفر إلى مجلس النواب للمصادقة على تحويله إلى محافظة بعد نموذج حلبجة، وبصدور الموافقة المبدئية على استحداث محافظات طوزخرماتو والفلوجة وسهل نينوى، يكون الساسة قد أوغلوا بإشعال نار الفتنة الطائفية، فيما المواطنُ وحدهُ فقط هو الذي يتحمّلُ أوزارَها الكارثية. هم يدّعون محاربة الطائفية، ولكنّهم، همْ أنفسُهُم مّنْ يُصلي نارَها ويحرّك هشيمَها بلا هوادة، بحيث لم يركنْ بالُ العراق وأهلِهِ منذُ دنّسُه الغازي الأمريكي وفعلَ به قباحتَه وأنزلَ عليهِ شرورَه ولمْ يشأ البتة كفكفة دموع الثكالى والمرضعات ووقفَ نزيف الدمّ الذي بدأه منذ أيام النظام البائد بتشجيع دخولِه حروبًا كارثية حتى احتلالِه في 2003 نتيجة حماقاتِه المتكرّرة.
نكتة المرحلة   
   والحالُ هذه، وبشيءٍ من الفكاهة والتندّر، يرى البعض أن العراق وساسةّ العراق، قد يلتزمون في النهاية، الدستور الأمريكي نموذجًا في رسم مستقبلِه ليصل بعدد محافظاته عددَ الولايات الأمريكية أو قد يتجاوزها، إذا ما أُضيفت إلى المطالبات الرسمية الخمس الحالية، طلباتٌ شعبية أخرى حرّض عليها سكانُ عدد من المناطق مثل مدينة الصدر والأعظمية والكاظمية وربما لاحقًا، الكرادة والزعفرانية والشعب والمنصور بغية الانفصال عن مركز العاصمة مثلاً، ومدن وقصبات غيرُها مثل خانقين وسنجار والرفاعي والشطرة والمسيّب والعزيزية وسوق الشيوخ. ومَن يعلم، فقد تلحقها مناطق مرشحة أخرى لأسبابٍ عرقية وطائفية ودينية أيضًا، مثل راوة وعانة وكلك ياسين والكوفة ومنارة شبك وعلي ره ش الشبكية وربيعة الشمّرية والصقلاوية وأبو غريب وزاخو وسنونو وقلعة سكر ومخمور والشرقاط والحويجة وبرطلة والشيخان وباعذرا وراوندوز والدير والزبير وربّما غيرُها ممّن قد تدغدغهم فكرة الغيرة ذاتُها. وفعلاً، فقد هدّدَ سكان عددٍ من هذه المدن برفع مثل هذه المطالب إلى السلطات العليا. كما صدرت تهديدات من مسؤولي عدد من المحافظات بتحويلها إلى أقاليم في حالة إقرار استقطاع مناطق منها وتحويلها إلى محافظات جديدة، بوعيٍ أو من دونه. ومهما كانت الدوافع لهذه الأخيرة، فإنّها تصبُّ في خانة رفض إحداث تغييرات ديمغرافية بهذه الصيغة الطائفية، لكونِها عاملاً في إضعاف صلة المواطنة وخطوةً نحو تجزئة وتفكيك البلد إلى دويلات هزيلة داخل دولة، هذا إن كان سيبقى لدولة العراق من هيبة، فيما لو نُفّذت هذه جميعًا. وهذا ما يريده الأسياد في هذه الحقبة العصيبة من تاريخ العراق المتهرّئ. ألمْ يقوّضوا دولة يوغسلافيا المتحدة بعد إدخالِها في صراعات دينية وطائفية وعرقيّة وحوّلوها إلى دويلات هزيلة وضعيفة كي يسهلَ التحكّم بها وتوجيهها بحسب رغبة الأسياد؟ فهلّا نتعلّمُ الدرس؟ أمْ رغبةُ الأسياد أمرٌ غيرُ قابل النقاش؟ فلو كان شعبُنا العراقيّ أبيًّا مثلَ شقيقه المصري، لقالَ بصوتٍ واحد:" لا" لهذه المهزلة!
    قد يكون ذلك مضحكًا فعلاً، ولكنْ فيه من النكتة ايضًا ما يبكي، إذا سار الأمر على هذا المنوال دون الالتفات إلى الأسباب الحقيقية للفوضى والإرباك الشعبي والأمني والسياسي التي رافقت هذه المطالبات والمقترحات. ولنتحدّث بصراحة أكثر، هل شقّت هذه المقترحات طريقَها في دواوين ومكاتب مجلس النواب الذي ائتمنَه الشعب على مصالحِه قبل أن يتخذ مجلسُ الوزراء قرارَه؟ وهل تمّ التداول بصددها بين الناس وعقلائها ووقفوا معهم على فرز السالب لدى تحقيقها عن الإيجابيّ بحصولها، كي تكون هذه المطالبات ناضجة قدرَ المستطاع؟ أمّا أنْ يتخذه الأخير ويحيلَه إلى نواب الشعب، فهذا قصورٌ من ممثلي هذا الشعب، ودليلٌ على التقاعس في حقوق مَن انتخبهم لمتابعة أوضاع مناطقهم وتطويرها ودراسة احتياجاتها والبحث عن أسباب تخلّفها، بعد إيصالهم إلى قبة البرلمان. كما ينمّ عن شمّ رائحة مساومات واتفاقات وتمريراتٍ من خلف كواليس السياسة بين الخصوم الذين لمْ يكتفوا بعدُ مِن نهب قوت الشعب البائس وتحويل ثرواتِه في حسابات أجنبية عبر صفقاتٍ وعقودٍ ومقاولاتٍ لا تخلو من الوهمية والفساد، وإلاّ لكان البلد قد وجد طريقَه إلى الحداثة والتطوّر وإلى الأمن والأمان وحسن الأداء في مؤسساته الهزيلة المتعبة وفي نوعية الخدمات التي يقدّمها وفي مشاريع التنمية الفاقدة لاستراتيجياتها. ودليلُنا إلى ذلك، التخبّط وعدم اتفاق الساسة على مفردات رصد الميزانية العامة لغاية اليوم بالرغم من ضخامتها، وذلك بسبب أبوابِها الغامضة أحيانًا ووسائل صرفها الموجهة في غالبيتها للجانب التشغيلي وليس الاستثماري الذي يبني ويعمّر ويخدم ويُصلح، وكأنّي بهم وحوشًا كاسرة وهي تنقضُّ على فريستها. ولو سعى الساسة والحكومة الحالية إلى منح مزيدٍ من اللامركزية في إدارة شؤون هذه المحافظات والمناطق، لما اضطرّت هذه إلى التمرّد والعصيان والمعارضة.
   إنّ عهد الدكتاتوريات قد ولّى إلى غير رجعة، وجديرٌ بالجميع احتواء الأزمة برؤية وطنية ووضع المصلحة العليا للوطن ووحدته قبل كلّ مصلحة ضيّقة قد يستخدمُها البعض لدعاية انتخابية رخيصة أو لكبح جماح المعارضة التي لم تعدْ تطيق الصبر والاصطبار والانتظار المرير بفرجٍ ربّانيّ عجائبيّ. فقد طفح الكيلُ وبلغَ السيلُ الزبى!
   في الأخير، لنتساءل: لصالحِ مَنْ، كلُّ هذه التحرّكات غير الحكيمة وهذا الحراك التشظوي الذي يبدو في غير أوانِه؟
-   للمقال صلة-
لويس إقليمس
بغداد، في 28 كانون ثاني 2014

38
منتدى حقوق الأقليات
يعقد دورته السادسة
 في قصر الأمم المتحدة في جنيف للفترة من 26-27 تشرين ثاني 2013
حول حرية الدين والمعتقد: ضمان حرية الأقليات الدينية

*****************
عقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، دورتَه السادسة بقصر الأمم المتحدة في جنيف للأيام 26 و27 تشرين ثاني 2013، وقد خُصّص موضوعُ هذه الدورة، للحديث عن شؤون الأقليات، والتأكيد على موضوع حرية الدين والمعقد بشكل خاص، وكيفية العمل على ضمان حرية الأقليات الدينية وسط تحديات كثيرة تتقاطع مع شرعة حقوق الإنسان والصكوك والمواثيق والمعاهدات الدولية التي تدافع عن حقوق البشر ولاسيّما المقهورة منها وتلك المعرَّضة للتهميش والاقصاء والاضطهاد والقتل والتشريد وكلّ أنواع العنف والمظالم.
احتضنت القاعة الرئاسية XX، ممثلين رسميّين عن دول وهيئات دولية ومنظمات مجتمع مدني وخبراء في حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، تجاوز عددهم الخمسمائة شخصية، مثلوا أغلبية الدول الأعضاء في المنتدى. وقد لوحظ تقاطع في الأفكار وفي نقل صورة ما يجري، حيث دافعت بعض الأنظمة والدول ، حتى الكبيرة منها، عن سياسة بلدانها واعترضت على عدد من المداخلات التي اعتبرتها بعيدة عن الحقيقة والواقع.
أدار الجلسات السيدة هيدينا سيديريجي، رئيسة منتدى حقوق الإنسان. وشارك في الحديث في هيئة الرئاسة، كلٌ من السفيرة إيروثيشام أدم، نائب رئيس مجلس حقوق الإنسان؛ والسيدة جين كونورز، المندوب السامي لحقوق الإنسان؛ والسيدة ريتا أسحق، الخبير المسقلّ في مجلس حقوق الإنسان؛ والسيدة هيدينا سيديريجي، رئيسة منتدى حقوق الإنسان؛ والسيد آداما دينغ، الخبير الخاص بالأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية والسيد رالستون ديفينبوغ، مساعد الأمين العام للشؤون الدولية وحقوق الإنسان.
توزّع البرنامج في ست حلقات أو مواضيع رئيسية، خُصّص القسم الأول، للإفتتاحية وكلمات هيئة الرئاسة ومجلس حقوق الإنسان. والقسم الثاني، عن الإطار القانوني والمفاهيم الأساسي، والثالث عن حماية وجود ومنع العنف ضدّ الأقليات الدينية، والرابع تناول موضوع الارتقاء وحماية هوية الأقليات الدينية، والخامس تطرّق إلى كيفية الارتقاء بالحوار الديني البنّاء والتشاور وتبادل الرأي، وأخيراً، اختتم بملاحظات ملخصة من قبل رئيس المنتدى والخبير المستقل.
تطرّقت هيئة الرئاسة في خطاباتها وملاحظاتها الافتتاحية، إلى المعايير الدولية والمبادئ ذات الصلة بحقوق الأقليات الدينية والإشارات إليها في المواثيق والمعاهدات الدولية المشرّعة والموقعة من أعضاء المنتدى الدولي لحقوق الإنسان. كما تناول المتحدثون مفهوم حقوق الأقليات وكيفية تطبيقه لضمان حماية الأقليات ومعالجة مكامن التمييز وملاحظة التقصير في الأداء والذي يولّد صراعات طائفية ودينية وإتنية، ونقلها عبر تقارير إلى الجهات الدولية المعنية، لغرض مفاتحة الدول والأنظمة التي تغضّ الطرف أو تنتهك مثل هذه الحقوق.
تخلّل كلّ بند رئيسي، خطابات لعدد محدود من ممثلي منظمات مجتمع مدني عاملة في مجال حقوق الأقليات في عدد من الدول، تمّ اختيارُهم من هيئة الرئاسة بعناية لضمان المشاركة في نقل خبراتهم ضمن المنظمات التي يعملون لها في موضوع المنتدى لهذا العام. وقد أُعطي لكلّ واحدٍ منهم سبع دقائق للحديث كحدّ أقصى. كما تخلّلت المناقشات مداخلات جانبية من لدن ممثلي دول وممثليات بالأمم المتحدة وممثلي منظمات وجمعيات مدنية عاملة في مجال حقوق الإنسان والأقليات. وقد تشرّف السيد لويس إقليمس أن يكون خاتمة المتحدثين الرئيسيين في اليوم الثاني والأخير من المنتدى، وقد كان موضوعُه: "الأقليات في العراق، ضحايا الصراع الديني والطائفي والإتني". وقد اختير من هيئة الرئاسة لنقل خبرته بالعمل في منظمات المجتمع المدني وفي مجال حقوق الأقليات بالذات في العراق والحديث عن التحديات التي تواجهها في موضوعة حرية الدين والمعتقد.
كما كانت حصّة العراق في المشاركة واضحة، من خلال العديد من المداخلات التي تفضّل بها ممثلون عن منظمات عاملة في مجال حقوق الإنسان، منها مركز نينوى للدراسات والتطوير بمداخلة للشابة رنا، ومجلس الأقليات العراقية بشخص رئيسه حنين القدو، ومنظمة حمورابي لحقوق الإنسان بشخص نائب رئيس المنظمة لويس مرقوز وآخرين.
إختتمت الدورة السادسة في اليوم الثاني والأخير، بملاحظات لرئيسة المنتدى والخبيرة المستقلّة، وسوف تُرفع توصيات عديدة من خلال إثراء هيئة الرئاسة بها من قبل المتحدّثين ورفعهم إياها، لتلخيصها واختيار الأصلح منها، ومن ثمّ رفعها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة والمنظمات المعنية لحثّ المجتمع الدولي بضرورة الالتزام بالمعايير والمواثيق والصكوك والمعاهدات الدولية التي تضمن حق المواطن وحريتًه في اختيار وممارسة الدين والمعتقد الذي يراه ملائمَا له، وليس فرضَه بالإكراه أو اضطهادَه بسبب  الاختلاف في الدّين والمذهب واللغة والإتنية واللون وما إلى ذلك.
متابعة
لويس إقليمس
جنيف، في 27 تشرين ثاني 2013

نص الكلمة:

منتدى جنيف السادس حول حقوق الأقليات
 (26-27 تشرين ثاني 2013)
مكتب المندوب السامي لحقوق الإنسان/ قصر الأمم- جنيف/ سويسرا
"حرية الدين أو المعتقد: ضمان حقوق الأقليات الدينية "

 السيدة رئيسة الجلسة المحترمة
السيدات والسادة الحضور الكرام، ايها الأصدقاء،

موضوع الخطاب:
"الأقليات في العراق، ضحية الصراعات الدينية والطائفية والعرقية"
*************
-   اسمحوا لي أن أنقل لكم صرخة العراق والعراقيين جميعًا، الذين يعانون من شيء اسمُه غياب ثقافة الحوار منذ 2003.
-   اليوم منطقة الشرق الأوسط تغلي على طبق ساخن، والعراق جزءٌ مهمّ في حسابات دول المنطقة والعالم.
-   بموجب الأعراف الدولية، ينبغي أن تنعمَ الأقليات بنوعين من الحقوق: حق وطنيّ يفرضه مفهوم المواطنة والثاني لكونها أقلية ينبغي الحفاظ على بقائها وتراثها وأصالتها. لكن الأقليات في العراق مهمّشة ومستبعّدة من المشاركة في المناصب العليا في الدولة،  وهي مستهدَفة من جهاتٍ كثيرة. بل يُنظرُ إليها بشيء من المهانة والاستصغار بسبب هذه التسمية. وهي تُستخدمُ فقط للاستهلاك السياسي والمساومات، إلاّ أمام وسائل الإعلام، لأغراض انتخابية و لتجميل صورة الأحزاب السياسية.
-    الجميع يدرك ويعي أن ما يحصل مِن أعمال عنف طائفية، هو فتنة يُراد بها إبقاء النسيج الاجتماعي مفكّكًا إلى ما شاء القدَر، وهذا ما تعترف به الكتل السياسية نفسُها. مِن هنا، ففي حسابات اليوم، أصبح الكلّ ضدّ الكلّ. وهذه مأساة شعب بكامله، في غياب المفهوم الوطني  والحوار الحضاري والشراكة المبنية على مصلحة الدولة العليا قبل المصلحة الدينية والمذهبية والعرقية الضيقة!
-    إذا كان العنف قد ضرب الجميع دون استثناء، إلاّ أنّه كان أشدّ وقعًا على "الأقليات" بسبب صراع القوى الرئيسة على المال والجاه والسلطة.
-   على صعيد الحوار، فإنّ المرجعيات الدينية المسلمة والمسيحية وسائر الأديان المتعايشة، على قدر حكمتها وحرصها على تشجيع الحوار ووضعِ حدّ للهجرة والتهجير القسريّ الذي يطال الأقليات بصورة خاصّة، وتنادي دومًا بتحقيق العدل والمساواة للجميع، إلاّ أنها في الواقع، لا تلقى آذانًا صاغية من الدولة وساستها.
-   أليوم، لا يمكن القبول بسياسة الغرب بتشجيع هجرة العراقيين بالطريقة الحالية من أجل إفراغ البلاد من مواطنيها وكفاءاتها. عوض ذلك، على المجتمع الدولي أن يمارس ضغوطًا على السياسيين كي ينصفوا الأقليات ويدخلوهم في العملية السياسية بشراكة شريفة كمواطنين متساوين مع أعضاء المكوّنات الكبيرة الحاكمة وأن يحدّوا من عمليات العنف المستمرّة التي تستهدفهم.
-   منظمات المجتمع المدني بدورها، تعمل جاهدة لزرع بذور المحبة والتآلف. أحيّي تضامنَ فئات كثيرة من الشعب العراقي مع مأساة وضحايا كنيسة سيدة النجاة التي وقعت في 31 تشرين أول 2010، والتي أنا واحدٌ من شهودها وضحاياها، وقد قتلَ فيها الإرهابيون المتشدّدون 45 مصلّيًا مسيحيًا أثناء صلاة القداس، بينهم كاهنان شابان. وما زال هذا التقليد التضامني جاريًا للسنة الثالثة على التوالي. وهذه بادرة طيبة ومشجِّعة. كما أحيّي تضامن طلبة إحدى الكليات مع زميلتهم المسيحية التي فقدت آنذاك أحد أفراد عائلتها بوقفة حداد في كليّتها قبل أداء الامتحان، وقد جرى ذلك بتعاطف من جانب عمادة الكلية، ما يدلّ على أن التضامن المجتمعي مازال قائمًا في صفوف الشعب. وبالمثل، يتضامن أتباعُ باقي المكوّنات الدينية والإتنية ويتعاطفون مع إخوتهم في الإسلام في مناسباتهم وشعائرهم على السواء. فالمشكلة ليست في الشعب بل في الساسة.
-   نحن بحاجة لإحداث تغيير في الفكر والرؤية والإنسانية والبعد الوطني الذي يحفظ وحدة الدولة العراقية لتكون دولة مدنية متقدمة ترفل بالحرية والديمقراطية وتصون كرامة وحقوق الجميع دون تمييز ضدّ أحد. وهذا ليس قائمًا مع الفوضى السياسية الحالية والتوجه الطائفي المرفوض وفقدان الأمن والخدمات ونقص فرص العمل رغم خيرات البلد الكثيرة.
-   إنّ الظلمَ مازال أيضًا، يتحكّم بحرية المرأة  في العمل والطالبة في المؤسسات التعليمية التي تفرضُ عليها ممارسات حياتية ضيّقة مثل وضع الحجاب، كما تضايقُها في ارتيادها الأماكن العامة أو في السفر. كما لا يزالُ غيرُ المسلم يُحاربُ في رزقه وفي مهنتِه، سواءً في الدولة أو في القطاع الخاصّ. وأفضل دليلٍ على ذلك، الهجمات التي تعرّضت لها نوادٍ اجتماعية وثقافية ومحلات بيع المشروبات الروحية التي يديرُها غيرُ المسلمين من الأقليات، والتي أُغلقتْ معظمُها من قبل ميليشيات تابعة لكتل سياسية متنفذة في الحكومة.
-   كما أن قانون الأحوال الشخصية قد ظلم أتباع الأقليات وفرضَ عليهم شريعة الأغلبية وحرمَهم من حرية المعتقد واختيار الدين الذي يقتنعون به، ولاسيّما في حالة تغيير ديانة أحد الأبوين من غير المسلمين.
-   دعوتي ومناشدتي للدول المتورطة في إبقاء أوضاع العراق غير مستقرّة ومرتبكة، أقول: إذا كانوا مؤمنين وجادّين بتطبيق شرعة حقوق الإنسان، عليهم أن يكفّوا التدخلَ في شؤوننا الداخلية، ويساعدوا بحلّ مشاكلنا من خلال تشجيع سبل الحوار المتحضّر بدلَ تحريض طرف على آخر، وكذلك من دون تقوية طرف على آخر. وليكنْ معلومًا، أنّ العراقي رغم اتّصافه بطبيعته الإشكالية وتعقيده للأمور من جهة، وبازدواجية شخصيته من جهة أخرى، إلاّ أن روح الرحمة والكرم والضيافة والغيرة والألفة الوطنية لم تغادره إلى غير رجعة.
-   وأخيرًا، مثلما صدح صوت مارتن لوثر كينغ في يومٍ ما بالقول، "لي حلمٌ". وقد تسنى لهذا الحلم أن يتحقق بالصبر والمثابرة والعناد، أقول أنا أيضًا: "لي أملٌ، ولي رجاءٌ"، باستعادة بلدي عافيتَه والعودة إلى الحوار والتعايش والسلم الأهلي من خلال سيادة القانون. بهذه الكلمات الإيجابية والتفاؤلية أنهي مداخلتي. قد لا تتحقق أمنيتي فورًا أو حتى بعد حين، لكنّي لي الثقة بالقويّ الذي يقوّينا جميعًا، أن يتحقّق ولو جزءٌ منها بعد فضّ هذا المنتدى أعمالَه.
-   على صعيد المقترحات، فإنّ أهمّ مقترح يكمن بالدعوة لإجراء مراجعة عامة في الدستور العراقي وتعديلِه لينسجم مع الرغبة ببناء دولة مدنية متحضرة قائمة على اساس مساواة جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، و حث الجميع على تحريم الدم العراقي، والقبول بالآخر المختلفِ في الدين والمذهب والإتنية.
أشكر لكم حُسنَ الاستماع وتقبلوا فائق احترامي وتقديري.

                                   
لويس إقليمس
مجلس الأقليات العراقية (منظمة مجتمع مدني)/ نائب الرئيس
جنيف، في 26- 27 تشرين ثاني 2013











39
مجلس الأقليات العراقية
 عقد  دورة (ورشة) عن حرية الدين والاعتقاد والآليات الدولية لحقوق الأقليات

عقد مجلس الأقليات العراقية IMC بالتعاون مع المجموعة الدولية لحقوق الأقليات MRG، وبدعم من الحكومة الهولندية، دورة عن حرية الدين والاعتقاد والآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان، للفترة من 17 – 22 تشرين أول 2013، على قاعة فندق المرجان بلازا  في مدينة أربيل (كردستان). وضِمن آلية جديدة للمشاركة تولته خلية مختصة بالمجموعة الدولية لحقوق الأقليات، تم اختيار 27 مرشحًا، بعضهم واضب في دورة عبر الإنترنت (أون لاين) لمدة ثلاثة أشهر، بحيث تم مراعاة مشاركة واسعة جمعت في آنٍ معًا متدربين من مختلف الأديان والمذاهب والمكوّنات العرقية والقومية واللغوية، وغالبيتُهم ينتسبون إلى منظمات وجمعيات ناشطة في المجتمع المدني العراقي.
أدار الدورة، كلٌ من السيد كريس شابمان، ممثل المجموعة الدولية لحقوق الأقليات، والسيد لويس إقليمس من مجلس الأقليات العراقية، مدير المشروع في العراق.
 تطرّق السيد كريس شابمان، في تقدمته إلى عنوان الندوة، وهو كيفية الترويج لحرية الدين والمعتقد والأساليب الممكن اتباعها للدفاع عن حقوق الإنسان ومنها حقوق الأقليات. كما أشار إلى العهود والمواثيق والاتفاقات الدولية العديدة التي تضمن حرية المعتقد والدين. وذكّر بالتعاون الجيّد القائم مع شريكه العراقي، مجلس الأقليات العراقية منذ عام 2006، من خلال تنفيذ الأخير للعديد من المشاريع التي تخص العراقيين من جميع المكوّنات، وعلى سبيل الاختصاص، ما يتعلّق بحقوق الأقليات.
 فيما اشار السيد لويس إقليمس في كلمته الافتتاحية إلى التحديات الكثيرة التي تهدّد الكيان الوطني العراقي وتحاول تفتيت نسيجه الاجتماعي بسبب الصراع الديني والمذهبي الذي تسعى بعض الجهات لاستخدامه بجرّ العراق إلى فتنة طائفية، ومنها تصاعد العنف  ضدّ جماعات الأقليات، ولاسيّما في سهل نينوى وبغداد وكركوك وديالى والبصرة. كما حذّر من محاولة تجاهل النظرة الإنسانية والوطنية ومن أسلوب التهميش والإقصاء الجاري في بعض مفاصل الدولة العراقية، مشيرًا إلى ضرورة الالتزام بالرؤية الوطنية الصادقة الكفيلة وحدها بجمع أبناء الوطن الواحد حول حبّ العراق ككيان وطني موحد يفتخر بجميع أبنائه المنتمين إلى حديقة واسعة جميلة اسمُها حديقة العراق الكبرى، باختلاف أعراقه وأديانه ومذاهبه وطوائفه.
شارك في إلقاء المحاضرات، كلّ من السيد كريس شابمان والمحامية ليلى العودات من المجموعة الدولية لحقوق الأقليات MRG ، إلى جانب السيدة ليندا إنكفال وجميلة صالح من    اليونامي UNAMI، والسيدة سماح سرمد علي من معهد صحافة الحرب والسلام، والسيد كارل هندريكس من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بالأمم المتحدة.
تشرّفت الدورة بزيارات ممثلين من الأمم المتحدة، وعلى رأسهم السيدة جيتراليخا ماسي، مسؤولة مكتب حقوق الإنسان في إقليم كردستان.
تناولت المحاضرات جملة من المواضبع التي تعنى بالتعريف بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات وكيفية الدفاع عن هذه الحقوق بالآليات والوسائل السلمية المتاحة. وتم التشديد على مسألة التثقيف بالمواثيق والعهود والقرارات والقوانين الدولية التي تؤسس لبناء مجتمع إنساني واسع يدعو لحماية كافة المواطنين المنتمين إلى أديان وأعراق مختلفة دون تمييز. كما تمّ التأكيد على أن الدين أو المعتقد إيمانٌ بل مسألة شخصية، وليس من حق الإنسان، أيّ إنسان، أن يفرضها على الآخر أو أن يُصار إلى قولبة الغير وفق المقاسات والمعايير التي يحاول فريقٌ ما فرضَها على آخر غيره، من خلال استبعاد الخيار الشخصي الذي هو حق مكفول في الشرائع والقوانين المجتمعية وفي النظرة الإنسانية. كما خُصّص لموضوع الإعلام، مساحة واسعة لأهميته ودوره في نشر ثقافة التسامح والتثقيف الوطني والإنساني.                                                                                                                         
ومن الجميل في الجلسات التي تخللتها الدورة، أن تتضمن تشكيل فرق متناسقة من منتمين إلى مكوّنات دينية وعرقية متنوعة ومن مناطق مختلفة من شمال العراق إلى جنوبه، وفيها تم دراسة حالات معينة ونماذج محدّدة من مشاكل وانتهاكات تعرّض ويتعرّض لها أبناءُ هذه المكوّنات، وتقديم المقترحات لتسهيل حلّها بالوسائل التي يمكن معالجتها قانونيًا، دون تدخل خارجي أو تعقيد عرقي أو طائفي.
اختتمت الدورة في يومها الرابع بتقييم عام، حيث عبر ممثلو المجموعة الدولية عن ارتياحهم العام وامتنانهم لإدارتها وإعجابهم بالمشاركة الفاعلة والاندفاع الطوعي للعمل في مجال المجتمع المدني من جانب عموم المشاركين.
وبهذه المناسبة يشكر مجلس الأقليات العراقية الحكومة الهولندية لرعايتها لهذا المشروع وتقديمها الدعم المادي المعنوي عبر شركائنا في المجموعة الدولية لحقوق الأقليات لإكمال هذه الدورة وفق الأهداف المرسومة لها. كما يقيّم الجهود المبذولة من جهات أخرى من أجل إنجاح هذه الورشة، سواء من النخبة المختارة من المشاركين أو بالحضور المتميّز والفاعل لمختلف مممثليات الأمم المتحدة العاملة في كردستان، التي أعربت عن إبداء تعاونها مع مختلف منظمات المجتمع المدني دون تمييز واستعدادها للاستماع إلى استقساراتهم وتساؤلاتهم والعمل على تسهيل ونقل طلباتهم وملاحظاتهم إلى الجهات المختصة في الوطن أو في أروقة المنظمة الدولية عبر ممثلياتها ومكاتبها في عموم العراق.

لويس إقليمس
مجلس الأقليات العراقية









40
في الذكرى السنوية الثالثة لمأساة كنيسة سيدة النجاة : أملٌ ورجاء!

 31 تشرين أول 2013
في حياة الإنسان محطات، ولكلّ محطة وزرُها وتحدّياتُها، رغدُها ومسرّاتُها. هذه الأخيرة، اي  الرغد والمسرّات، فهي تبقى عادة طيّ الكتمان، ذلك لأنّ التصريح بها على الملأ قد يشوبه شيءٌ من الغيرة والحسد لصاحبه. وببساطة، لأن هذه الأخيرة ملكية شخصية، ومن ثمّ ليس من حق الآخرين الولوج إلى أسرارها.اوأمّا الأولى، فبسبب ما تحمله من طيّات الألم والثبات والعناد والمثابرة وكلّ اشكال التحمّل الذي تقوى أو لا تقوى عليه الذات البشرية، فهي في أغلب الأحيان لا يمكن أن تبقى مطوية النسيان أو ملكًا للشخص الذي تعرّض لها.
حادثة كنيسة سيدة النجاة، كانت بحق مجزرة رهيبة ووصمة عار كبرى بحق الإنسانية وكلّ مَن يتشدّق بحرية الرأي والمعتقد والدين وحقوق الإنسان، مِن دول ومنظمات ومؤسسات خاصة وعامة. وقد لا يتصوّر مأساتَها وواقعَ حدوثها إلاّ مَن شهد حقًا هولَها ورهبتَها وتفاصيل أحداثها التي طالت زهاء أربع ساعات من الخامسة والثلث عصر الأحد 31 تشرين أول ولغاية الساعة التاسعة والثلث تقريبًا من مساء نفس اليوم. حينها، انتهت بمقتل أو تفجير الانتحاريين الأربعة الذين كانوا اقتحموا في وضح النهار صحن الكنيسة بعد ارتكاب جريمتهم الكبرى بحق مصلّين آمنين، ومن بينهم كاهنان شابان وأكثر من أربعين مؤمنًا.
شريط الحدث المأساوي يراودني دومًا، ولا يريد مغادرة ذاكرتي. كلّما أُسأل، وما أكثر ما أُسأل: هل تتذكر ما حصل في ذلك اليوم المشؤوم؟ يكون جوابي: وهل تنسى الأمّ ولادتَها القيصرية بعد طول معاناة وساعات آلامٍ كادت تؤدّي بحياتها في أية لحظة؟ هكذا كنّا نحن الذين اتخذنا من غرفة الخدمات "السكرستيّا"، ملجأً لنا، حسبناه آمنًا ولو لحين، لكنّه في حقيقة الأمر كان أشبه ببناءٍ من قشّ رقيق يمكن لصاحب الأمر أي الانتحاري الجالس أمامنا وعلى بعد خطواتٍ منّا، أن يفجّره برمّانة أو يقتحمه ويسقطُ علينا وابل رصاصه الملعون. وقد فعلها حين أقدم على إلقاء قنبلة أو رمّانة على مقربة من الشاب اليافع "أيوّب" المضرّج بالدماء والذي كان يرقد إلى جواري يصلّي مسبحتَه، فأسكتتْ تلك القنبلة روحَه إلى البد وأصابت أجزاء من جسمي وأعاقت طبلة أذني اليسرى، وما تزال شظية صغيرة تسكن وجنتي اليسرى، كما أصابت غيري.
كنّا نعدّ الدقائق بل الثواني وهي تسير ببطء خلناها ساعات بل سنواتٍ من كابوس ظالم جثم على صدورنا وأرعبَ أفئدتنا، هذا إذا كان قد بقي لنا قلوبٌ تنبض وصدورٌ تشهق وألسنة تلهث. هكذا دارت تلك المجزرة! أربع ساعات من إرهاب قسريّ فرضه أصحاب القلوب القاسية على مصلّين، جلُّ ذنبهم أنهم يختلفون في الدين والمعتقد عن مجموعة إرهابية سلفيّة متحجّرة الفكر وجافية القلب تريد ترتيب العالم وفق مقاساتها ومعاييرها المتخلفة والمتزلّفة. أيّ دين هذا الذي يأمر بقتل نفس آمنة من دون ذنب! وأية أمة هذه التي تسمح لأتباعها بخرق كلّ الأعراف الإنسانية وتنصّب نفسها حاكمًا باسم الله! وأيُ نظام هذا الذي يتساهل مع الجريمة ومرتكبيها ويفسح المجال للإرهاب كي يقتل ويعيث في الأرض فسادًا!
تلك الحادثة، كانت لي كما لغيري من الذين قضوا شهداء أو نجوا بأعجوبة من هول مأساتها، شهادة حيّة ناطقة يمكننا الافتخار بوسام الشهادة أو الاعتراف الذي نلناه. وليس من الجميل ومن الأخلاق أن تُستغلّ  من ذواتٍ تاجروا بها بل نصّبوا أنفسهم شهداء للحقيقة ونالوا كيلَ المدائح من دون وجه حق!
دروسُ حادثة كنيسة سيدة النجاة ونتائجُها كثيرة وعميقة، ليس على الصعيد الكنسي والجماعة السريانية فحسب، بل أيضًا على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي. ولعلّ من أولى تلك الدروس التي تعلّمناها، أن المسيحي يبقى دومًا مشروعًا للشهادة بدينه وربّه ولأجل كنيسته وجماعته. رُبَّ سائلْ متشكّكٍ بقدر الحادثة وترتيباتها الربّانية، فهذا شأنُه. لكنّ التاريخ والشواهد الكنسية منذ بدايات نشأة الكنيسة، يعلّماننا أن أتباع الديانة الجديدة كانوا مشاريع للشهادة والاعتراف بالمسيح، عانوا من ضيقات وعذابات واضطهادات وتهجير وقتل، بل ذاقوا أمرّ العذابات وتلقوا أشرس أدوات الاضطهاد من صَلبٍ وتنكيلٍ ورجمٍ وما إلى ذلك. والمسيح ذاتُه قالها صراحة: "سوف يضطهدونكم ويقتلونكم ويقدمونكم للمجامع والمحاكم باسمي.... ومن يثبت فذاك يخلص...لا تخافوا من الذي يقتل الجسد ولا يستطيع قتل الروح...".
ومن دروسها الأخرى، أنّها علّمتنا الثبات والثقة وفتحت باب الرجاء لمن أراد تقوية إيمانه وتعزيز رجائه بمخلّصه والتشبّث بكنيسته وربط مصيره بها وبأرضه وبوطنه الجريح. فبعد الآلام والصلب، يأتي فرح القيامة وانبعاث الأمل من الموت، ذلك لأنّ حياتنا مرحلة ومحطة فانية يمكن توقّع كلّ شيء فيها من طيب إلى سيّء، ومن سارّ لمرير، ومن إيجابيّ لسلبيّ. تلكم هي الحياة، مزيج من هذا وذاك!
والدرس الآخر، أن تلك الحادثة قد رفعت من شعور ضمير الدولة بما ألحقته هذه المصيبة، ليس في أوساط مرتادي هذه الكنيسة، بل أيضًا في ضمائر العراقيين الشرفاء من جميع الأديان والمذاهب والملل، إلاّ القلّة القليلة الفاسدة، حيث تناخى الجنوب والشمال والشرق والغرب لنصرة أبناء هذه الكنيسة والتعاطف معهم وبهم مع أتباع كنيسة العراق الكبير. ويكفي أن هذه الحادثة المؤلمة، يتذكرها العراقيون جميعًا، عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة وتتناقلها وسائل الاتصال الاجتماعي من دون حرج. بل إنّ هذ الكنيسة قد أصبحت محجًّا ومزارًا لمَن لهم رجاء وغيرة وأمل بقدرة الله وثبات الشهداء والمعترفين.
أمّا نتائجُها السلبية، وبسببٍ من عدم وضوح الرؤية أمام المؤمن المسيحي وعدم نضوج الرسالة لدى الكثيرين، فقد كانت الحادثة علامة لنزع ثوب الرجاء والابتعاد عن رسالة المسيحي التي تطالبُه بالبقاء خميرة صالحة في العجينة الكبيرة، مستبدلاً إياها بالبحث عن نوافذ أكثر أمنًا وترفًا وتخليًا عن واجب ديني وأخلاقي ومعنوي. وهكذا كانت الهجرة، أيسر سبيل للتخلّي عن واجب الرسالة، ما أصاب المكوّن المسيحي بعجزٍ وفقرٍ ونقصٍ في العدد والعدّة، في الفكر والكفاءة، في التأثر والتأثير بالمحيط الذي انتقاه ضمانًا لعيشه واستقراره. ورغم أنّ هذا الخيار محترمٌ ولا اعتراض عليه، لأنه يبقى شأنًا شخصيًا، إلاّ أن الوقائع والتاريخ والمواقف يصيغها الرجال الأمناء والرعاة الهمامون والأبناء البارّون من خلال المثابرة والثبات والعناد والصبر والتجذّر المرهونة بالأمل والرجاء بفرح القيامة النافضة لغبار المتاعب اليومية التي تعتري سياسة الدول وتختلج فيها الإرادات الشرّيرة لجماعات التطرّف والتزلّف والاستكبار.
قولٌ أخيرٌ أسوقه لمن يسرّه سماع ما في جعبتي من أمل وتفاؤل ورجاء: شهادتي في تلك الحادثة المريرة، ستبقي لي سلاحًا أحمله أينما قصدتُ أو تحدثتُ. وكلّما حُملتُ أو أردتُ الحديث عنها، فتفاصيلُ أحداثها باقية محفورةٌ في فكري وشجني ووجداني. هي ألهمتني كيف يكون التجذّر والالتحام بالأرض، أرض الآباء والأجداد. عجبي، هل بهذه السهولة يُضحّى بالوطن والأرض وبإرث أوليائنا وربابنتنا ورؤسائنا، والأهم بمن حمل شعلة الرسالة المسيحية الأولى؟ أترك لكم الخيار في الردّ والتقرير والعودة إلى حديث جوهرة كنيسة العراق، البطريك لويس ساكو، في رسالته الأخيرة إلى الذين اختاروا الاغتراب، ودعوته لهم للعودة إلى أرض الوطن والمشاركة في بناء الحاضر والمستقبل، بدل الضياع في المجاهيل والبقاء أقليات وجاليات غريبة خاوية من مقومات الجماعة بعد جيلين أو ثلاثة.
الرحمة لشهدائنا الأبرار وتحية للمعترفين الذين خبروا أحداث المجزرة والعون والهداية للذين تأثروا بأحداثها وانقلبت أحوالُهم، إنْ غيرةً و حسدًا أو خوفًا وتكابرًا.

لويس إقليمس
بغداد، في 30 تشرين أول 2013


41
مجلس الأقليات العراقية يلتقي ممثل مكتب الارتباط بالسفارة الهولندية

على هامش الدورة التي أقامها مجلس الأقليات العراقية في أربيل عن "حرية المعتقد والدين وكيفية حماية حقوق الإنسان"، للفترة من 19-22 تشرين أول 2013،  التقى السيد كريس شابمان من المجموعة الدولية لحقوق الأقليات، يرافقه السيد لويس إقليمس نائب رئيس مجلس الأقليات العراقية، بالسيد جيروين كيلديرهويس، رئيس مكتب ارتباط السفارة الهولندية في أربيل. دار اللقاء حول مشاكل أبناء المكوّنات الدينية والعرقية قليلة العددد "الأقليات"، التي ما تزال تتعرّض لضغوط كبيرة وأعمال عنف متلاحقة للنيل من كيانها وهويتها ومن أجل حملها على ترك مواقع تواجدها الأصلية ونسيان تاريخها وتراثها وقطعها عن أصولها. كما جرى التطرّق إلى المشروع الذي ينفذه الشريكان عن حرية المعتقد والدين وكيفية استخدام الإعلام لحماية حقوق الإنسان من حيث البعد القانوني والإنساني.

لويس إقليمس
نائب رئيس مجلس الأقليات العراقية


42
التسلّط، ظاهرة جديدة أم آفة استغلالية!

لأسباب عديدة ومتغيّرة، تفاقمت ظاهرة التحكّم الظالم بالآخرين، من دون وازع أو سبب، إلاّ من حيث العطش بفرض إرادة التسلّط وهوس جنوني بالتحكم برغبات الغير وامتلاك رقابهم  بطرق ملتوية لا تخلو من عنف وقهر وقسرية. فهل أصبحت حرية الآخر أمرًا مباحًا في أزمنة الزمن الغادر الذي استشرى فيه الفساد والغيرة والحسد والتكفير والتخوين، وأخذ مساحته الفسيحة الواسعة وسط مجتمعات متعايشة لم تألف مثل هذه الظاهرة الآفة معًا؟
لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى، وما على العقلاء والمعتدلين والمثقفين سوى قليلٍ من الجرأة الوطنية والشجاعة الدينية المتسامحة لوأد الفتنة والحدّ من امتدادها، قبل أن يستفحل الداء، هذا إنْ لم يكن قد استفحل أصلاً. فما تشهده مدن العراق عامة وبغداد خاصة، لا يفرح ولا ينبئ بخير، حتى بلغ الإثم عاصمة العراق الصيفية، أربيل، الهادئة والعامرة بأهلها وقيادتها الحريصة على إبقاء شمال العراق (كردستان) هادئًا، بعيدًا عن التجاذبات السياسية التي تطحن باقي مناطقه بسبب صراعٍ طائفيٍ مرير نخر الدين والدنيا والعباد دون هوادة.
وسط الكمّ الهائل من التفجيرات الأخيرة التي ضربت مدن العراق، من شماله إلى جنوبه، بطرق وأساليب مبتكرة: من سيارات مفخخة، وعبوات ناسفة واغتيالات بكواتم، إلى جانب عمليات التهجير القسري والتهديد بغيرها، ماتزال الأجهزة الأمنية عاجزة وغير فاعلة في صدّ أو في الأقلّ بالحدّ من أمثال هذه العمليات. بل بالعكس منه، قد اشتدّت وتزايدت وتنوعت، بل منها ما يقع أمام أنظار دورياتها وأفرادها الذين يملؤون شوارع بغداد وباقي المدن كديكورات للأذى وإعاقة مسالك الطرق أمام السيارات والمارة وما يشكلونه من تأخير وإزعاج، بحجة الحرص على أمن المواطن. وكلّ ذلك، ليس سوى أوجه من إرادة التسلّط وحبّ التحكّم بالآخرين من دون وجه حق.
 أيّ حرصٍ هذا الذي تتبجّح به الحكومة وأجهزتُها الأمنية حيال أمن الوطن والمواطن بالضحك على الذقون بأجهزة السونار الفاشلة التي ما تزال لم تُعالَج رغم أن الدولة التي باعتها قد أدانت الشركة المصنّعة وحكمت على البائع!
وأيّ حرصٍ هذا، ونحن نرى عدم فاعلية أفراد نقاط السيطرة الذين لا همّ لهم سوى قضاء فترة واجبهم بالضحك والقهقهات وسرقة النظر من على وجوه الجنس الناعم، لاسيّما إن كانت تقود هي المركبة!
واي حرصٍ هذا، وتبريرُهم بغلق مسارب السير إلاّ من مسرب واحد زيادةً في إذلال سالكي الشوارع والطرق الخارجية، لاسيّما بين بغداد وكردستانّ!
 وأيّ حرصٍ هذا، أمام عدم الجدّية في حلّ أهمّ عقبة لكل الإشكالات الأمنية، التي سببُها الأساسي عدم تحقيق مصالحة صادقة وحقيقية بين شركاء العملية السياسية برمّتها!
وأيّ حرصٍ هذا الذي أفقد الشراكة الوطنية مقوّماتها وأحالَها إلى تسلّط فئوي غير مقنع!
إن المواطن لم يعدْ يقتنع بعدُ، بمثل هذه التبريرات الهزيلة وغير المقنعة التي تقدّمها "كونسورتيومات" الحكومة بأجهزتها المتعددة، لأنها ببساطة، لم تعد رائجة وفاحت نتانتُها لهزالتها ونفاذ جدواها الإعلاني.
مجمل هذه التبريرات إذن، تدخل في نطاق ظاهرة جديدة "قديمة" تسعى لفرض السطوة والسلطة على الغير رغم أنف المعترضين، ضاربين سيادة الشعب ومصلحته وطموحاته عرض الحائط. فالأجهزة الأمنية الفاشلة في فرض الأمن وصدّ موجاته العديدة المتكررة يوميًا، لا تقلّ في أذاها ما يسعى إليه جاهداً، مَن ينصّب نفسه حاكمًا بأمر الله وقاضيًا باسمه ووكيلاً وظلاًّ له على الدين والدنيا والعباد. فأيًّ دينٍ هذا الذي يقبل بتسلّط أفكار متشدّدة ومتطرّفة حدّ العظم، تدّعي وحدها صلاحية التفسير الصحيح وعلميّته ومشروعيّته، وما عداها ليس له سوى الطاعة والخضوع دون نقاش أو اعتراض أو مجانبة!
لقد تمادى الوقت كثيرًا في فضح مثل هذه السلوكيات غير المقبولة، وآن الحينُ لتراصف جميع القوى الخيّرة وفرز المغرضة منها والمجانِبة للحق والرافضة للخير ولوسائل التسامي بالدين المتسامح. فالكلمة الصادقة وقول الحق مطلوبان من قلم كلّ من يدّعي الثقافة والمدنية والديمقراطية والحرية، من دون مجاملة أو هوادة أو رياء.
 عسى الله يسمعُنا ويجنّبُنا الأسوأ. فالقادم أظلم، كما يبدو.

لويس إقليمس
بغداد، في 1 تشرين أول 2013

43
في ضوء مبادرة البطريرك ساكو:
معًا، نحو "مجلس وطني مسيحي عراقي مستقلّ"

كنتُ متوقعًا مثل هذه المبادرة الرائعة أن تصدر في أية مناسبة قريبة، على العهد الجديد لكنيسة العراق، سيّما وقد أفصح بها لي البطريرك ساكو في أول لقاء لي مع غبطته بعد توليه دفة الكنيسة الكلدانية. وقد دار الحديث في حينها حول ضرورة إحياء الدور المسيحي الإيجابي المؤثر في محيطهم، كما كان عهدُهم في سابق السنين. وكما كتب وأشاد كتّاب رصينون ومتنوّرون بهذه المبادرة حال صدورها، فإنني أضمّ صوتي إلى أصواتهم التي قيلت والتي ستُقال من أجل إنضاجها بتشكيل "مجلس وطني مسيحي عراقي مستقل"، برعاية  كنسية أبوية نقية،  خالية من التدخل في شؤونه السياسية والعلمانية، إلاّ فيم يقتضيه التوجيه الأمثل نحو خدمة الصالح العام للوطن والجماعة وترسيخ مفاهيم العدل والسلام والأخوّة والتعايش السلمي والحوار مع باقي المكوّنات في الوطن. وأشدّد، كي يكون مثل هذا التشكيل المسيحي العتيد مستقلاًّ وغير منحاز لجهات سياسية وقومية، أن يُصار إلى تشكيله من جميع الجماعات المسيحية دون استثناء ويفتح فيه باب الانتماء الطوعي بعد اختيار قاعدته التحضيرية في اجتماع أو مؤتمر يدعو إليه غبطة البطرير لويس ساكو بمعية إخوته في مجلس الطوائف المسيحية الذي يمكن أن يكون للأخير بصماتٌ توجيهية إضافية مثمرة.
الهوية المسيحية سبيلُنا الأمثل لتحقيق حقوقنا وثباتنا في الوطن
قرأنا وسمعنا العديد من الأفكار والطروحات والمشاركات والمقترحات حول كيفية الحفاظ على كياننا المسيحي نقيًا وفاعلاً في بلد الآباء والأجداد، بلد الحضارات والبطولات، العراق الجريح حتى النزف. وأنا أيضًا، كنتُ قد كتبتُ في الشأن المسيحي وما يمكن أن تشكله الهوية المسيحية من أهمية وقوة في مسار الحياة الوطنية والكنسية لعموم المكوّن المسيحي، من دون استثناء، بحيث تحفظ وتحافظ كلّ  جماعة (طائفة أو ملّة) على خصوصيّاتها الفكرية والطقسية ضمن المسار الخاص لكلّ منها. فالهدف الأسمى ينبغي أن تكون من أولوياته، كيفية الحفاظ على هذا الوجود المسيحي قويًا وفاعلاً وإيجابيًا، وليس هزيلاً تابعًا. وهذا في اعتقادي، ممكنٌ ومُتاحٌ، بوجود النية والإرادة والقوة الدافعة لتحقيقه. وكما يقول المثل الدارج "منك حركة، ومنّي بركة". فالحركة موجودة وقائمة بفضل العناية الربانية التي أهدت فعلة نشطين في كرم الرب، وهمْ عازمون على عقد النية لتحقيق مثل هذا الهدف بعد ترسّخ التحديات الكثيرة واستحالة إزالتها بالاعتماد على بعض القوى السياسية "اللّاوطنية"، من مكوّنات وأحزاب فئوية وطائفية، تمسك بزمام الحكم في البلاد بـأسنانها وترفض التنازل والتراجع لغيرها بعد ثبوت فشلها في تأمين الحياة الآمنة والعيش الكريم لشعب قضى عمره في التهلكة والغمّ والبؤس. وأنا لا أستثني، فشل أحزابنا المسيحية أيضًأ،  في المطالبة بتوفير الحدّ الأدنى من حياة وطنية حرّة، كريمة، آمنة، وفاعلة وسط الخضمّ الهائل من المعوّقات والتدخلات والمماحكات والسجالات، والأنكى من ذلك، في غياب صوت وطنيّ مسيحي قويّ موحّد، مستقلّ في آرائه وتوجهاته وأفكاره ولا يكون تابعًا ذليلاً وخاضعًا خنوعًا لفئات وأحزاب ومكوّنات ترى فينا نحن المسيحيين، خير أداة لتحقيق مآربها وتوجهاتها ومخططاتها التي لم تعدْ تنطلي على العقلاء والفهماء والحكماء والمثقفين المدركين لمجريات الأحداث، من "ساسها إلى رأسها".
المسيحي قوّة إيجابية في مسار الأحداث
أعود للقوة الإيجابية الفاعلة التي يمكن للمكوّن المسيحي أن يفعّلها ويستفيد من رعاة مختلف الكنائس، وعلى رأسهم غبطة البطريرك لويس ساكو، الذي عوّدنا، كما كان ومازال عهدُنا فيه، على إطلاق المبادرات التي يمكن أن تلد رهانًا جديدًا على الساحة السياسية الوطنية والمسيحية معًا. وأنا قد وضعتُ شخصي وقلمي وفكري تحت تصرّف غبطته ورئاسة طائفتي، من أجل تحقيق الهدف الأسمى، حلم المسيحيين، الذي يمكن أن يكون حلمَ جميع العراقيين بالتالي، وهو "تحقيق الحرية الحقيقية والعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات والعيش الكريم الذي يليق بشعب أصيل ومتألّم". وهذا، كما قلتُ في كتاباتي السابقة، غير ممكن التحقيق إلاّ في حالة التأسيس لدولة مدنية متحضّرة تأخذ من الديمقراطية الوطنية الصادقة سبيلاً للعيش المشترك وتحقيق السلم الأهلي وليس للمتاجرة بها. فالديمقراطية الخائبة التي أراد المحتلّ الأمريكي ومعه الغرب الفاسد المغرض، أن ينقلوها ويفرضوها على الشعب العراقي، أثبتت خيبتها لآمال جميع العراقيين، لأنها لا ترتكز على أسس حضارية وطنية عراقية خالصة. فالحضارة التي يملكُها شعبُنا والأصالة في تاريخه العريق والتي تغيب في تلك المجتمعات، يمكن تجديدها بفعل انبعاث حركة بل حركات تجديدية على صعيد الوطن الأم، وليس على اساس فئوي وطائفي ضيّق الآفاق أو مشاريع مصدّرة، كما أرادته معظم حكومات الغرب الملحدة ومعها الطاغوت الأمريكي الفاسد والمفسد.
لقد عوّدنا البطريرك ساكو ضمن نهجه الوحدوي وسعيه الدائب للحوار والنقاش من أجل إيجاد قاعدة قوية وراسخة للعيش المشترك بين جميع الأديان والطوائف والأعراق. وهو مصمّم على وضع شعاره البطريركي "أصالة، تجدّد، وحدة" حيّز التطبيق في كلّ خطوة يخطوها، حتى لو كانت بمثابة "حبوة طفلٍ" في بدإها، لكنها بخطوات واعدة ومؤثرة وفاعلة ومتزنة ومتواصلة، لا مهادنة ولا تهاون ولا توانٍ فيها. ف"من ثمارهم ستعرفونهم".
السياسة في مفهوم الكنيسة
لم تعد السياسة طوطمًا أو ماموثًا يُخشى منه، بل غدت زادًا وقوتًا في حياة البشر. ولكنها كالسيف البتّار، إنّ لمْ تتروّض وتوجّه لصالح البشر وحقوقهم المشروعة وكرامتهم الإنسانية ونصرةٍ لشعوبهم من أجل حياة حرّة كريمة، لتراجع فهمُها وارتدّت حبلاً خانقًا وسيفًا قاطعًا لكلّ طرحٍ لمشروع وفكرٍ إيجابيٍّ. لذا، من حقّ الكنيسة أن تشجّع المؤمنين العلمانيين لدخول معترك السياسة، طالما كانت الأخيرة مسؤولة عن تحديد مسارات الناس والشعوب وتقرير مصيرها عبر آليات الحكم وتداول السلطة، أيًا كانت وسائلُها وآلياتُها. لكن الكنيسة، تنأى بنفسها دخول رجالها في دهاليز السياسة المظلمة، لما فيها من كواليس شائكة ودهاء ومكر، لا يعرفها إلاّ مَن خاض غمارَها وخبرَ سجالاتها وتأصّل من جرّاء تلوّنها وتنكّرها. والجانب المسيحي، أحوج ما يكون اليوم إلى أناسٍ عقلاء وحكماء ومتنوّرين ليخوضوا هذا المعترك، ليس بهدف تحقيق أغراضٍ ومصالح فئوية ضيّقة على حساب الشعب، بل من أجل قول كلمة الحق وتثبيته، سعيًا وراء خلق مجتمع وطني متعايش، متكامل و قادر على ترويض الساسة المغرضين ووضعهم في حدودهم ودفعهم على مغادرة المواقع التي نالوها دون وجه حق، إلاّ من أجل مصالحهم الطائفية والشخصية الضيقة.
مشكلتُنا نحن المسيحيين، أننا نحبّ أن نكون أتباعًا خانعين وخاضعين لغيرنا. ف"الغريب دومًا على العين والرأس"، فيما النبي يبقى مستبعَدًا وغير مقبولٍ ومرغوبٍ في بلده وفي موطنه وبين أهله وأبناء جلدته! فمغنيّ الحيّ لا يُطرب! قد يكون ذلك من طبعنا المتسامح وتميّزنا عن غيرنا من أتباع الأديان الأخرى بغياب جانب السطوة وعامل السيطرة لدينا وفي تصرّفاتنا. ولكنّها الحياة! ومِن ثمّ ليس من الممكن القبول بعرض الخدّ الآخر للمقابل المعتدي في حياتنا اليومية، في الأقلّ عمليًا وفعليًا ، أو التنازل عن حق مكفولٍ في الدستور والتشريعات الإنسانية التي يقرّها المجتمع  الدولي. فالهدف من المثل الذي ضربه المسيح في الإنجيل، لم يكن المقصود به ما يصرّ الغير المسيحي الاعتقاد به وتطبيقه على رأس المسيحي، كلّما فكّر في النيل منه وفي ترويضه وترويعه وإخضاعه له ليبقى ذليلاً مدى الحياة. يخطئ مَن يعتقد باتخاذ هذه العبارة ذريعةً لديمومة الخضوع للغير!. وبالتالي، لا يمكن القبول بتبعية جهات من مجتمعاتنا المسيحية لغيرها مِن الكتل والأحزاب والكيانات، حتى لو كانت هذه الأخيرة فاعلة ومؤثرة على الساحة السياسية اليوم. في هذه، نحن نفقد استقلالية هويتنا الوطنية المسيحية أولاً، ومعها تضعف قوتنا الإيجابية التي نتمتع بها فطريًا ومسيحيًا، بسبب سعي بعض هذه الأطراف المسيحية الخانعة لتحقيق أجندات هذا الغير المستغلّ لتسامحنا وضميرنا الحيّ وطيبتنا الاجتماعية. وهذا ما يساهم في فقدان جزء كبير من استحقاقاتنا الوطنية والمسيحية، كما يحصل اليوم في عدد من بلداتنا المسيحية، سواءً في سهل نينوى المرهونة بأيادي غير أمينة، أو في قرى وبلدات كردستان المستغلّة والمغتصَبَة منذ سنوات لغاية الساعة.
إن السياسة، ليست شيئًا سيّئًا، طالما أنّ تعاطيها سيكون من مصلحة الدين والكنيسة والمؤمنين والجماعة. فهي، من شأنها رسم الملامح الواضحة والدقيقة في حياة المواطنين، أينما ومهما كانوا. وهي أيضًا مطلبٌ منطقي وضروريّ من أجل ترصيع حياة الجماعة بأشكالٍ وألوانٍ مقبولة وقائمة بمفردات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية وما إلى ذلك. وفي اعتقادي، من شأن هذا التزاوج في الأدوار وفي الحقوق المشروعة بطَرق جميع الميادين والأبواب المفتوحة، من شأنه أن يعزّز الدور المسيحي في التأثير على مجريات الأمور في الساحة الوطنية، وليس بمعزلٍ عنها والانكفاء والانعزال في زوايا قاتمة ضيقة. فالانفتاح إلى تشكيلات وأحزاب وقوائم أخرى، بات أمرًا مطلوبًا أيضًا هذا اليوم، وبه ومعه يمكن إثبات وجودنا وتحقيق الأفضل، ليس من حيث نتائج الانتخابات التي تجري في البلد، بل على صعيد التفاعل مع مكوّنات المجتمع الفاعلة والمؤثرة الأخرى على الساحة.  ومِن ثمّ، لا أرى غرابة أن ينتمي المسيحي إلى قائمة أو أحزاب غير مسيحية، حتى لو كانت ذات بعد ديني مختلف. بل بالعكس، هذه ستكون وسيلة لتفاعل أكبر وتناغم أوسع وتكاتف أروع من أجل خلق الأجواء المناسبة للتأسيس لمجتمع متحضّر و متكاتف ومتعايش، كما "الخمير في العجين"، فهي لا يمكنها التفاعل إلاّ وسط العجين وليس إنْ بقيت منعزلة ووحيدة ومنكفئة على ذاتها. ولا أكتمكم سرًا، أنّي تلقيت ومنذ سنوات ولغاية الساعة، العديد من الدعوات للانتماء إلى تشكيلات لا تمتّ للمكوّن المسيحي بصلة، ولكنّي اعتذرتُ بسبب إيماني أن العمل المستقلّ يفتح لي شخصيًا آفاقًا أوسع لحركة أكبر من أجل مصلحة الوطن أولاً والمكوّن المسيحي عمومًا، وليس طائفتي فحسب. وكلّكم تعلمون السبب وراء مثل هذه الدعوات لضمّ أفرادٍ متنوّرين من المكوّن المسيحي في مثل هذه التشكيلات وفي القوائم الانتخابية، بل حتى في مكاتب التوظيف، العامة منها والخاصة. فأينما يتواجد المسيحي، تكون هناك النعمة والفرحة والبسمة والفأل الحسن! وهذا ينطبق حتى على مستوى السكن.
خطابُنا المسيحي، كيف نصيغه؟ ولمَن نوجّهه؟
الجميع مقتنع بسماحة الخطاب المسيحي وهدوئه وتأنّيه واحترامه للآخر في أغلبه، ذلك لأنّ ثقافتنا هي ثقافة حياة واحترام وقبول للآخر وليست ثقافة موت وقتل وترويع! ومِن ثمّ، فإنّ حقوقنا واحدة وكذلك أهدافُنا، ولا يمكن أن تشوبَها شكوكٌ أو مكابرة أو مزايدة، طبعًا مع حق احتفاظ كلّ جماعة بطريقة تفكيرها وطقوسها وخصوصياتها وبرامجها الكنسية والوطنية، ومن دون أن تتقاطع مع السقف المشترك لهذه الأهداف والحقوق. كما أنّ ايّ مساس بحق هذه الخصوصيات لن يكون مقبولاً البتة، لأنّ ذلك ينتقص من تراصف قوتها ومن فاعليتها. ففكرة إبقاء السيادة لجهة معينة ومحاولة فرضها على الأخريات، مهما صغرت أو كبرت، ليست مقبولة أيضًا، ذلك لآنّ أي تهميش أو إقصاء أو استبعاد أو انحيازٍ، يُعدّ استئثارًا واحتكارًا بواقع يُفرض بالقوة، وهو ما ليس مقبولاً أيضًا. فما ينفع في بلدة أو مجتمع أو محيط ما، قد لا يساير توقعات وآمال وتطلّعات غيرها، بسبب الاختلاف في الذهنيات وطبيعة تلك المجتمعات ومحيطها الذي تدور أو تعيش فيه. وهنا، لا بدّ من التذكير بضرورة سحب البساط من أرجل اصحاب المشاريع من التابعين بغير حكمة ودراية للغير المغرض والطامع، بسبب افتقارهم القرار المستقلّ في الرأي والفكر والتوجه. فمثل هؤلاء يشكلون اليوم، عقبة حقيقية كأداء أمام تحقيق أهدافنا وترسيخ حقوقنا الوطنية كاملة، وغير منقوصة. فنحن أيضًا نستحق جزءًا طيبًا ومقنعًا من الكعكة الوطنية، وليس الفتات الذي يُلقى به علينا منّةً وجزافًا وتفضّلاً. وهنا كلمة الحق بحقّ أمثال هذه الأطراف الخانعة تبقى واجبةَ القول، رغم حراجة المواقف وضربها لمصالح مادية أو لامتيازاتٍ شخصية هزيلة ونفعية لنفرٍ من المستفيدين من هذا الواقع المزري.
عمومًا، سيكون من المفيد بمكان، أن تتسامى جميع القوى فوق مصالحها الضيقة وخلافاتها الذاتية لصالح النفع العام، الوطني والمسيحي معًا. ولقد آن الأوان بعد فترة التجربة التي مرّت بها أحزاب وقوى مسيحية، أن تتعلّم النافع من الدروس، سواء تلك التي فرزتها المرحلة السابقة لسقوط النظام السابق أوفترة العشر سنوات من بعدها. من هنا أعتقد برجاحة الفكرة "المبادرة" الي أطلقها البطريرك ساكو في رسالته المختصرة الموجهة إلى كلّ القوى السياسية والاجتماعية العاملة في العراق، في الداخل وفي المهجر، في 16 ايلول الجاري، وفيها يدعو إلى تشكيل "مجلس أو تجمّع سياسيّ مسيحي وطني عراقي صرف، وليس فئوي" ومغرض الأهداف بحيث تكرّس التبعية والخنوع والظهور بمظهر الضعيف أمام الغير. فالمسيحيون، لا تنقصهم الخبرة ولا الثقافة ولا الكفاءة ولا الإيمان ولا الوطنية، والأكثر منذ لك كلّه، تميّزهم بضمير حيّ في الغالب. ومن الممكن البدء بهذه الحملة الوطنية، كلّ جماعة في كنائسها أولاً، وكلّ جمعية أو كيان حزبيّ من مواقعه باتجاه تشكيل مثل هذا التجمّع الوطني الجديد ليكون الذراع القوي الإيجابي المؤثر في الساحة السياسية، بفكر وتوجه مستقلّين، لا غبار عليهما. إن هذا التشكيل المفترح الجديد، من شأنه لمّ شمل االفكر المسيحي وتوحيد خطابه المستقلّ، وليس كما هي الحال فيما نشهده ونعيشه ونختبره اليوم أمام أعيننا، من تشرذم طاقاتنا وتشويه حقوقنا وضياع أهدافنا في خضمّ المصالح المتقاطعة بين الأحزاب الهزيلة المتواجدة على الساحة الوطنية السياسية. حتى إنّ الرصينة من هذه الأخيرة والمشهود لها بالنضال القومي مثل "زوعا"، قد شابها الضعف وضربها المكر والحسد بعد اختلاط الذاتي بالموضوعي، والشخصي بالقومي، ما أدّى إلى حزازات بين رفاق نضال الأمس ومتصارعي اليوم. فهي اليوم في موقف لا حتُسد عليه!
إن انتهاج الكتل السياسية الحاكمة، ومنها بخاصة المثلث السنّي – الشيعي الكردي، سياسة الإملاء والمكابرة والتهميش والإقصاء والاستهانة والاستحواذ على الكعكة لوحدهم وتركهم الفتات الهزيل للغير، من شأنه أن يوحّد خطابنا المسيحي، لنبدأ مرحلة جديدة، طالما أن رأس الكنيسة في العراق، وبمباركة من إخوته رؤساء الكنائس المسيحية مقتنع بإمكانية تحقيق مثل هذا الهدف، لتيسّر الإمكانيات وتوفر الدعم المطلوب من الشعب وكنائسه. وهذه دعوة للمتنوّرين من ابناء شعبنا المسيحي للتفكير الجدّي بهذه الأمنية، فقد يلهمنا الله ما فيه خير شعبنا وتحقيق الطموح ونيل الحقوق كاملة، ومِن ثمّ وقف نزيف الهجرة الذي نخر جسد كنائسنا والتي لا نتمنى تركها فارغة تصفر الهواء في المناسبات والاحتفالات. فإيمانُنا التقليدي وكنائسنُا الشامخة بصلبانها ومسيحيتُنا المشهودة منذ القرن الأول الميلادي، كلّها أمانة في أعناقنا ولا ينبغي التفريط بها، مهما اشتدّت الحالة وكثرت الشدائد. فالهروب من الشدّة سلاح المفلس وغير المؤمن بالقدَر والرسالة التي ائتمنها من ربنا. ألم يقلْ مار بولس" مَن يفصلني عن محبة المسيح؟ أضررٌ أم ضيقٌ أم شدّة...لا شيء البتة". هنا الصمود أولى ومطلوبٌ حتى النهاية. عسى أن تردّ هذه الأمنية شيئًا ممّا فُقد!
رجال الكنيسة ولعبة السياسة
عمومًا، أنا لستُ بمؤيّدٍ لفكرة ممارسة رجال الكنيسة للعبة السياسة الماكرة. كما لا أبتغيها لرجال أيّ دين، لأنّ" ما لقيصر يبقى لقيصر وما للّه للّه"، وكفانا شرٌ الظالمين!. فليس من مصلحة أي دين أن تتداخل فيه السياسة بالدين، وإلاّ فسدَ الإثنان معًا. فقد يقوم هذا على ذاك وتتقاطع المصالح وتتنافر الأهداف وتشتدّ وسائلُها، فنفقدُ بسببها الدّينَ والدنيا معًا! لقد وُجد الدين لنصح الملأ بالتقرب من الله وعمل الخير وتوجيه الخارجين عن السراط المستقيم والإيمان وقول كلمة الحق من دون انحياز أو مجاملة أو مخاتلة. وبإمكان الكنيسة عبر رجالاتها الحكماء والمثقفين المسلّحين بدرع الإيمان والصلاة والمحبة، أن يقوموا بتقريب المسافات بين الناس المختلفين وإبداء وجهات نظر معقولة حول سير الأحداث وإرشاد المؤمنين وقادتهم المدنيين إلى صوت الحكمة في التعامل مع ملفات شائكة تخصّ الوطن والمواطن، كما تخص الكنيسة ومؤمنيها، من دون الإخلال بالأنظمة والقوانين الكنسية. فليس من المقبول تكرار مآسي الكنيسة إبّان القرون الوسطى وما جلبته من انتكاسات إيمانية وسلبيات على صعيد الدين والمجتمع على السواء. وهي أسمى مِن أن تتدخل في الشأن السياسي الذي هو شأنٌ دنيوي. فالأخير متروكُ دورُه للعلماني كي يحكّم عقله ويفرزن النافع لدينه ووطنه وأبناء بلدته، وفق السياقات المقبولة والظروف المحيطة بكل طرف. كما لا يمكن القبول بمبدأ المتاجرة بالدين. هناك اليوم من يستغلّ الدين لتحقيق أهداف غير نزيهة. لننظر ما تصنعه الميليشيات والأحزاب المتستّرة بجلباب الدين. أين أوصلت البشرية؟ أليس إلى الهاوية، وبئس المصير؟  نعم، نحن بحاجة إلى رجالٍ ونساء وساسة وعلماء وتجار ومعلمين وطلبة متديّنين، وليس إلى تجار بالدّين وأدواته!
إنّ الاحترام واجب الضرورة للدين ولرجاله، إذا صانوا الأمانة الرسولية التي أوكلت إليهم  يوم قبولهم الرسامة الكهنوتية و تكريسهم حياتهم للكنيسة والمجتمع. ومن يخرج عن هذه الجادة، لا يستحق مثل هذا الاحترام، بل تلحقه لعنة الله والمسيح والكنيسة والشعب المؤمن. وهناك امثلة كثيرة. بل إنّ الكنيسة تحتاج اليوم، لمراجعة نفسها وحركة وكلائها وأنشطة كهنتها للتأكد من صحة سيرهم ضمن النهج الذي قبلوا باتباعه، وليس الانخراط في السياسة وجني الأرباح من مال السحت الحرام والامتيازات التي تغمرُهم بها مغازلةُ بعضهم ومجاملتُهم ودفاعُهم ودعمُهم المنحاز وغير المقبول لهذا الطرف أو ذاك، دون وجه حق. وهذا ما يدعونا لعدم جرّ الكنيسة، بسبب تصرفات بعضٍ من رجالاتها، إلى خلافات إضافية لتعميق الهوّة بين الكنائس وجماعات المؤمنين عبر كياناتهم وأحزابهم وتجمّعاتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. بل يمكن لهؤلاء جميعًا، أن يعملوا بنسقات متفق عليها، كلّ من موقعه، ولكن في خطّ موازٍ بحيث لا تكون هناك خطوطٌ متقاطعة. فالكنسية تبقى معنويًا هي السند السامي الأساسي والقوي لأيّ تحرّك أو نشاط وطني، سياسي، اجتماعي، قومي، وقلْ ماشئتَ.
هزالة أحزابِنا على الساحة السياسية
كم أتمنى مثل غيري، إنْ تسامى السياسي الذي أتعبته الأيام ولم تعدْ لديه القدرة على تقديم الجيد والأفضل لشعبه، بفسح المجال لغيره! فالاعتراف بنضوب القدرة على التواصل الحثيث مع مستجدّات الأمور، من شيم العقلاء والحكماء، بعد أنّ يرقصوا رقصتهم ويؤدّوا دورهم ويتركوا الشعب والتاريخ يقرّران حكمهما على نتائج أفعالهم ومنجزاتهم. وهذا ليس فشلاً، بقدر ما يعني الحاجة إلى القبول بالتجديد والتغيير تسايرًا مع مستجدّات الحياة ومتطلّباتها. فعالمُ اليوم، يحبّ التغيير كثيرًا، ولا يمكن البقاء في العيش على وتيرة واحدة. إنّ السياسيّ المحبّ لشعبه، ينبغي له قبول كلّ الخيارات كي تبقى مفتوحة أمامه. فلو دامت لغيره، ما آلتْ إليه. فهناك دائمًا، حدود للخدمة وطاقات لتقديمها في أفضل الظروف. وحين تنعدم أو تختفي هذه الظروف، يتعيّن التفكير بالتغيير الضروري والتجديد بأية وسيلة متاحة.
لم يكن بودّي التطرّق إلى طبيعة عمل أحزابنا المسيحية (القومية، كي لا يزعل البعض)، لكنّ ما يطفو اليوم على الساحة السياسية لا يُنبئ بفألٍ حسن. لذا كانت دعوتي المترافقة مع مبادرة البطريرك ساكو التي سبق أن ناقشتُها مع غبطته في لقائي الأول معه بعد تسنّمه السدة البطريركية، بضرورة التأكيد على الهوية المسيحية الوطنية قبل كلّ شيء، في أدبيات أحزابنا المسيحية. فهذه وحدها كفيلة برصّ الصفوف ونيل الدعم الكامل من رئاسات كنائسنا، لأنها محور وجودنا في البلد وفي الشرق. وخير درسٍ لنا، ما تشهده المنطقة عمومًا، ومنها في العراق، من اعتداءاتٍ واستهدافاتٍ باسم الدين، ولا من سببٍ آخر غير الاختلاف في الدين.
إن العمل النضالي التاريخي للحركة الديمقراطية الاشورية "زوعا" مثلاً،غنيٌّ عن التعريف. فقد شقّت نضالها في أحلك الظروف وقاومت ودافعت عن حقوق مهضومة لشعبها الذي كانت تدافع عنه في مناطق تواجده حينذاك، لاسيّما في شمال الوطن (كردستان اليوم). وهي اليوم تمرّ بمخاضٍ عسير، نأمل أن تخرج منه منتصرة ومعافاةً أكثر من السابق، بفضل العقلاء فيها واصدقائها ومحبّيها وبتنازل جميع الأطراف، الملتزمين بها تنظيميًا والخارجين عنها إداريًا. فليس من المعقول، التضحية بكلّ ذلك الكمّ الهائل من وسائل النضال وقوافل الشهداء والفكر القومي الذي سارت عليه في الدفاع عن أهدافها. وليس غيرُها لغاية الساعة، يجرؤ الحديث عن تنظيم سياسيّ قوميّ يلقى التأييد في صفوف الشعب المسيحي والأوساط السياسية الوطنية مثلَها. هذا فقط، إذا أقدمت بصدق على خطوات إصلاحية داخلية وتنظيمية ضرورية تتطلبها المرحلة الراهنة كي تخرجها من شرنقة التقوقع الآشوري الأحادي الفكر والتوجه. وما عليها إلاّ أن تستفيد من فرصة الظروف الراهنة لإحداث هذه التغييرات، إن أرادت حقًا مواصلة النضال بنهج سياسي وفكري ومسيحي جديد. فما هو قائمٌ مِن غيرها من أحزاب وتنظيمات، لا يعدو كونه طفوًا تابعًا لأجندات مرحلية تتبع أطرافًا معروفة ولن تتوفّق في بلوغ مآربها. فما يٌبنى على أموال السحت الحرام لا يمكنه أن يدوم ويثبت! وكما قلتُ في أعلاه، فالتجدّد والتغيير مطلوبان.
من هنا أضمّ صوتي لمبادرة البطريرك ساكو، للتفكير جدّيًا بكيان سياسيّ مسيحي وطنيّ صرف شامل، يؤكّد على الهوية المسيحية الوطنية في أدبياته قبل ايّ شيء، ويكون مؤازرًا ل"زوعا" في هذه المرحلة الحرجة، من حيث فكرة الدفاع عن حقوق المسيحيين اينما كانوا، دون أن يتقاطع الإثنان. فهذا الكيان الجديد، إنْ يُكتبُ له النجاح، سيكون جديرًا بتثبيت الحقوق المهضومة واستعادة المبادرة الإيجابية المؤثرة للحضور المسيحي في وسط الأزمة الوطنية المتعثّرة الراهنة. 

لويس إقليمس                 
بغداد، في 18 أيلول 2013




44
لماذا أكتب، وكيف، وماذا، ولمَن؟

فن الكتابة بمجمله، فيه شؤون وشجونٌ. فهو، إلى جانب ضرورة توفر القدرة على إيصال الفكرة بأسلوب سلس وواضح خالٍ من اللف والدوران، يتطلب أيضًا الكثير من الدقة والحذر والإحاطة بمجمل الموضوع الذي يتم طرحُه أو عرضُه على القارئ. وعلى الكاتب، ألاّ يبخل باستخدام العبارات القوية وشدّ ذهن قارئه حول جوهر الفكرة منذ بداية السرد، كي لا يتيه في الكماليات والمجمِّلات. فالدخول في الموضوع أصرفُ من الدوران حوله وعدم إيصال المطلوب إلى القارئ المتربّص.
من طبيعتي ألاّ أردّ على ما يرد من تعليقات على كتاباتي. فالمهمّ عندي أن أعبّر عن أفكاري وأعلن عن تصوّراتي بوضوح ودون صعوبة كي تصل إلى ذهن القارئ، ولا يهمّني كيفية تقبّله إياها، سلبًا أم إيجابًا، فهو حرٌّ في قناعاته.
ولكن، استدعاني لهذا التوضيح، ما تلقيتُه من تعليقات مغرضة وقاصرة النظر ومصلحية، بعيدة عن واقع حالٍ قائمٍ، حول آخر مقالة لي عن بلدة "برطلة المعروضة للبيع بالمزاد" منذ فترة، وهي الحائرة اليوم بأهلها ومصيرها، وما يُقال بشأنها من كلامٍ بين طامعٍ بموقعها ومحرّض عليه، في موضوعة التغيير الديمغرافي. وأنا طرحتُ وجهة نظري في ما يحصل وما قيل ويُقال والضجة المفتعلة حول ذات الموضوع. وأرى أن كلّ هذه الضجة تدخل في نطاق الاستهلاك المحلّي لتحقيق غايات باتت معروفة للقاصي والداني ولكلّ متتبّع لما يجري في عموم مناطق سهل نينوى، من تدخّلات مفضوحة لمؤسسات ومنظمات وأشخاص في الداخل وفي بلدان الاغتراب، دخلوا جميعًا على الخط، وهم أصلاً غرباء ودخلاء عن تلك المناطق. ولكوني إنسانًا وطنيًا في أعماقي وأصالتي وناشطًا مستقلاّ في تحرّكاتي وآرائي، لا يهمّني ما يتهمني به زملاء كتّاب قاصرو النظر أو قرّاء تخلو انتقاداتُهم من عمق في التصوّر وقراءة الأحداث، رغم اعتزازي بنخبة أصيلة منهم ممّن يتسم برؤية فاعلة وثاقبة البصر . فأنا ما أزال مقتنعًا، أن ثقافتنا في سهل نينوى، ومنها في بلداتنا المسيحية في باخديدا/ قرقوش وبرطلة وكرمليس وبعشيقة هي عربية، وهي تختلف عن مثيلاتها القريبة أكثر من أجواء كردستان اليوم. وهُؤلاء الزملاء،  إذا أرادوا لهم شيئًا غير ما نفكر به نحن في مناطقنا التاريخية، فهذا أمرٌ يخصّهم بالتحديد. ولكن لن يكون مقبولاً تدخّلُ أي دخيل أو مغترب على مناطقنا هذه لأية علّة أو غاية. وعلى العقلاء والحكماء وأصحاب الشيم من الأصلاء في هذه المناطق، ألاّ ينساقوا لما يُخطّط له عبر مؤسسات ومنظمات وأحزاب تمّ تسخيرُها جميعًا لتحقيق غايات وأجندات واضحة. وكون ثقافتي عربية، فهذا لا ينتقص من قيمة اعتباري وتشرّفي بمكوّني السرياني، طقسًا وقوميةً ولغةً، إن حسن للبعض فهمُ ذلك. وهذا قصرُ الكلام!

أكتب بالعربية دون تحفّظ
من طبيعتي أنّي أحبّ الكتابة، رغم ما في هذا الفنّ من هموم ومنغصات. وكتابتي كسائر الزملاء الكتاب هي بالعربية، وهي اللغة التي تطبّعنا عليها أغلبُنا ثقافةً ومَلَكَةً وتفاهمًا في مجتمعنا العراقي عامة، وذلك منذ وعيِنا للدنيا وتعلُّمِنا لها ولقواعدها ولبديع أسرارها في المدارس والمعاهد والكليات، كما في تصفحِنا اليومي لكلّ ما تقع عليه عيونُنا. إذن، نحن متطبعون بثقافة عربية، وهذه حقيقة، لا تجافي ولا مساومة فيها. ألسنا نتفاهم ونتحاور ونعلّق في هذا الموقع بالعربية؟ أم أنا مخطئ؟ نحن اليوم، كما بالأمس وسنبقى غدًا وبعد غد، نكتب ونتحدث ونتفاهم بالعربية، شئنا أم أبى غيرُنا. ولا مغالطة في ذلك ولا تجنّي في طمس الحقائق والجغرافية والتاريخ التي ليست قائمة إلاّ في مخيّلة الحالمين والمنغلقين القابعين في مرابع العم سام وأبناء عمومته من الغرب الملحد الذي اجتذب أبناء الرافدين لإفراغه منهم، من حيث لا يدرون، بحيث اصبحوا منابر للتحريض والتخوين باتهامهم الغير "بالمساومة والخضوع والخنوع غير المبرّر والافتراء والتجنّي"، رغم عدم وجود أية صلة لبعض مغتربينا بالبلدات التي يدافعون عنها عن بعد، سوى الحلم الخيال الذي لا يسكن إلاّ في مخيلاتهم المريضة!

أين التجنّي في قول الحقيقة؟
 إنّي حقًا، لا أستطيع فهم بعض كتّابنا باتهامي ظلمًا، بوقوفي بالضدّ ممّن يحاول هو التجنّي على مصير ومستقبل بلداتنا في سهل نينوى، وهم ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل! أنا ككاتب مستقلّ، أرى الحقيقة وفق تصورّ أمين يلامس واقع الحال اليومي. ثمّ، ما دخلُ المنظمة العراقية (مجتمع مدني) التي أنتمي إليها بما يحصل في بلدات سهل نينوى، أو ببساطة ما دخلُها بالثقافة العربية التي أحملها أنا وغيري من الكتاب، حتى الناقد منهم لتوجهاتي وآرائي؟ فمَن يا تُرى، يستطيع الجزم اليوم، باحتفاظ عرقه أو القومية التي يدّعيها بصفائها، حتى العظم دون مزاوجة واختلاط حتّى ندّعي غير ذلك؟ ولماذا هذا الخلط بالأوراق، بينم ما هو عام وخاص؟
 أنا أنتقد تصرفات وأجندات "المجلس الشعبي القطاري" غير المقبولة. هذا رأيي الشخصي. قد أكون محقًا أو قاسيًا بعض الشيء، بسبب حركة الاستحواذ التي لعبها هذا التنظيم الذي انقلب حزبًا سياسيًا بين ليلة وضحاها، ينافس أحزابًا ذات ماضٍ نضاليّ مشهود وينكّد على بعضها ويحاول تفتيتها وجرّها إلى انقسامات وانشقاقات من  تحت الكواليس، وذلك بفعل الأموال التي يدرّها على أتباعه ومرتزقته الذين استأسدوا بفضل الدعم الأمني غير الشرعي الذي يغطّي أعمالهم ونشاطهم. هاكم مثالاً على ذلك: لقد استطاع وبدهاءٍ ما، أن يجرّ إلى صفوفه أغلب الأعضاء الأصلاء الذين شكّلوا أول خلية تنظيمية قومية شاملة بعد السقوط مباشرة في 2003، والمتمثلة بالمجلس الكلدو- آشوري السرياني القومي الذي ظلّ فاعلاً لغاية 2007 . حتى إن السكرتير العام المختار لهذا الأخير، قد اضطرّ للإفصاح سرًّا لزملائه، عمّا لاقاه من ضغوطٍ وإرهاصات من نفرٍ من النواة المشرفة على "المجلس الشعبي القطاري" في وقتها، بهدف حمله على ترك هذا التنظيم القومي والابتعاد عنه، ما اضطرّه لتركه مرغمًا غير مخيَّر. فالحقيقة كما الشمس لا يمكن أنْ يحجبها غربال. ومَن يريد التأكّد، فليسأل صاحب الشأن!

لغات أخرى، ليست في خانة التعبير
هناك بالمقابل، فئة من ابناء شعبنا في شمال الوطن، ممّن تجيد اللغة الكردية، وهي اللغة الرسمية في إقليم كردستان اليوم. فهل هذه الفئة تكتب وتنشر وتعبّر بصورة واسعة عن أفكارها وآرائها بالكردية؟ ومع ذلك، لا ننكر أن هناك قلّة قليلة من ابناء شعبنا المسيحي، من السريان والكلدان والآثوريين والأرمن ومن أبناء طوائف غيرها، ممّن يستطيع الكتابة او القراءة أو التحدّث بالكردية داخل وخارج حدود الإقليم، ولكن ليس للنشر بل ضمن نطاق ضيّق جدًا. وذات الشيء ينطبق على اللغة الآرامية/ السريانية الفصحى (وليس السورث) التي تجيدها فئة محدودة من المسيحيين، دون أن تستخدمها في المرافق العامة وميادين النشر على نطاق واسع، إلاّ ما ندر. وهذه حقيقة إضافية لا نستطيع تغييرها. المهمّ، لكلٍّ حقُّه في التعبير باللغة التي يجيد استخدامها للتعبير والإقناع، بغضّ النظر عمّا إذا كانت ثقافتُه عربية أم كردية أم آرامية/ سريانية أم غيرها. أنا ثقافتي عربية، كما هي حال الكثير من كتابنا المحترمين، الذين لا ينكرون مثل هذه الحقيقة. ومن ثمّ ليس من حقّ أحد أن يتحذلق وينكر عليّ هذه السمة أو أن يفرض عليّ وعلى غيري ما يراه بغير هذه الثقافة وخارجها، تكابرًا واستغفالاً وإمعانًا في نكران الواقع. وهذا ليس في حدّ ذاته انسلاخًا أو نكرانًا لتوجهاتي الوطنية المسيحية "السريانية" (أو بالأحرى، لنقلْ القومية منها، دعمًا لحقوقنا كشعبٍ أصيل). هذه هي حرية التعبير والفكر والتقديم والقبول فالانتماء!

لماذا التجنّي على فكر الكاتب الحرّ؟
لكلّ كاتبٍ متتبعون ومتابعون ممّن يقرأون له. وبين هؤلاء مَن يطيب له التعبير الموضوعي عمّا يقوله الكاتب، وآخرون يسعون لإيجاد ثغرات في الأفكار التي يعرب عنها هذا الكاتب أو ذاك، لأجل النقد والتسقيط والاستخفاف والتسفيف، ليس إلاّ. فيما غيرُهم، لا تهمّهم، لا الأفكار ولا الحقائق ولا كشف المستور، بسبب انغلاقهم واصطفافهم للفئة التي يعملون لها ويشيدون بها وبمنجزاتٍ يعتقدون أن هذه الأخيرة تستحق على ضوئها، كلّ مواقع الإشادة والتبجيل إلى حدّ العبادة. وفي هذا تجنٍّ على الكاتب والفكر الذي يحملُه والراي الذي يريد إيصالَه لقرّائه.
أنا أرى أن ما يقوم به "المجلس الشعبي القطاري"، هو تجنٍّ بحدّ ذاته على هوية بلداتنا المسيحية ذات الثقافة العربية في شرق سهل نينوى. وهذا حقٌّ لي في التعبير بما أراه على أرض الواقع والجغرافية والتاريخ. فالمنطقة عمومًا، لا تدين باللغة الكردية ولا بثقافتها، فكيف للغرباء عنها أن يملوا على أبنائها ما يحاول هذا المجلس تنفيذه على حساب أهلها وجيرانها، مقابل الثمن الذي قبضه عملاؤه لتحقيق الطموح المنشود؟ أليس في هذا تجنٍّ ومساومة وصفقة تجري من خلف الكواليس؟
ببساطة الأمور، إنّ ما قد ينفع في قرى أبناء شعبنا المسيحي في شمال العراق أي كردستان الحالية، ليس بالضرورة أن يتناسب مع توقعات وتوجهات وطموحات أبناء السهل، أو في الأقلّ بلدة باخديدا وما جاورها، التي لا يدين أبناؤها بأية سمة كردية. فأين التجنّي في هذه الحقيقة؟ وبوسعي التوضيح أكثر، إن التحالف السياسي المفترض بحسب تبريرات البعض، بين تنظيماتنا المسيحية شيء - هذا إن كانت فقط مستقلة القرار والرؤية-،  والانتماء القسري لفئة شيء آخر. قد يكون ذلك صحيحًا في قرى شمال العراق، التي اغتصبت ودُكّت ونُهبت واستوليت أراضيها منذ الأحداث الدرامية في منتصف القرن الماضي وقبلها، ولكن ليس بالضرورة أن ينطبق ذلك على بلداتنا السريانية، وبخاصة باخديدا/ قرقوش التي تتعرّض اليوم هي الأخرى، لغزو مسيحي- مسيحي ممنهج، تنفيذًا لروزنامة محدّدة زُجّت بها طاقات وصُرفت وتُصرف أموال لتحقيق هدف طموح، بسبب موقعها وخصب العمل فيها وطيبة أهلها وترحيبها بكلّ قادمٍ غريب.

حق النقد مكفولٌ دون تجنّي
 هناك مَن يقرأ بروية، وينتقد ويعلّق. وهذا حقٌّ كفلته له قوانين النشر في الصحف ووسائل الإعلام ومواقع إلكترونية، ضمن شروط أدبية وأخلاقية لا تتجاوز الحدود الأدبية والأخلاقية المسموح بها، كما يفعل اليوم موقع عنكاوا، الذي يحظى بتقدير واحترام واسعين من شرائح واسعة من أبناء شعبنا، كونه أصبح النافذة التي منها يتنفس الكتاب شيئًا من حرية التعبير والترويح الفكري والإبداعي عبر هذا الحزام الناقل للحقيقة والواقع، بحلوها ومرّها! وفي هذا الصدد، أنا شخصيًا أعتز كثيرًا بهذا الموقع لعدم إحجامه بردّ ما أكتبه، حتى لو اختلفتُ فيه مع توجّهات إدارته أحيانًا، حسب اعتقادي. ولكن هذا لا يُفسد في الودّ قضية بيننا، كما حصل لي مع مواقع بلدتي "بخديدا" التي وضعتني في القائمة السوداء، ولا أدري لماذا وما السبب وراء الضجة المفتعلة ضدّ ما أكتبه وأنشره من واقع حال وحقائق تكشف المستور ممّا يُحاك ضدّ أبناء منطقة سهل نينوى بالذات، أو ما يجري من اتفاقات خلف الكواليس بين أحزاب كارتونية ومؤسسات مسيحية وَجدت في بلدات هذا السهل، الأرضيةَ الخصبة للاسترزاق وتنفيذ طموحات كردستان الكبرى بغير وجه حق.

عشق للغة العربية وثقافتها
أنا تعوّدتُ الكتابة كثيرًا باللغة العربية التي أعشقها، كما أسلفتُ. فمنذ الابتدائية، بدأت هذه اللغة، تدخل في شرايين جسمي كالماء الزلال، حيث تتلمذتُ على يد معلّمي الجليل جرجيس حبش، أدام الله في عمره والذي كان شجّعني كثيرًا لأكون قدوة الصفّ طيلة سنوات الابتدائية، وله يعود الفضل الأول لغرسها في عروقي. كما كان للأب المرحوم جبرائيل جرخي، طيّب الله ثراه، دورٌ أساسيٌّ في صقل هذه اللغة وإبداعي فيها وتقدّمي على زملائي في معهد مار يوحنا الحبيب للدومنيكان بالموصل، طيلة السنوات  السبع التي أمضيتُها فيه. وكنتُ دومًا أنال درجة كاملة في هذه المادة، حتى إنه شكاني مرةً لدى المرحوم الأب المربي يوسف أومي، رئيس الدير آنذاك، بسبب اعتراضي على تنقيصه ربع درجة من النتيجة النهائية للمادة التي كانت من 20 درجة. وقال لي في وقتها: الدرجة الكاملة هي لله وليس للبشر! كما لا أنسى جهود الشاعر الموصلّي معد الجبوري في صقل موهبتي الأدبية أيام دراستي في ثانوية قرقوش. القصد من وراء كلّ هذه الشذرات هو للقول بأنّ ثقافتنا في المنطقة، شئنا أم أبينا، هي ثقافة عربية في واقعها، ولا داعي للمراوغة وخداع الناس بالكلام العاطفي الذي يدغدغ المشاعر الجارفة لمن يطيب له التمسك حدّ الانغلاق لما يسمّيه ب "القومية"، انتسابًا للغة الطائفة التي ينتمي إليها، سريانية كانت أم كلدانية أم آثورية أو أرمنية أو غيرها.
 قد أكتب أحيانًا ايضًا باللغة الفرنسية أو الإنكليزية أو السريانية، ولكن قليلاً جدّا، إلاّ فيما يخص مناسبات أو لضرورات اجتماعية واحتفالية وسياسية ضيقة تستدعيها الظروف. فهذه ليس لها قرّاءٌ كثيرون وسط مجتمعنا المسيحي بخاصة. فالكاتب يكتب لعامة الناس وليس لشريحة ضيقة فقط. ولكن، عندما يغيب قلمي، أُعاتَبُ عليه، فأعود ثانية متى تيسّر لي الوقت، لقول حقيقة ما أومن به دون رتوش أو مغالطة أو مجاملة. فالخطوط تخرج من قلمي صادقة كما الكلمة من فمي، لا مجاملة لأحد أو لحدث أو لجهة، لكوني إنسانًا مستقلًا في رأيي وفكري وتوجهاتي، ومن ثمّ لا أحد يملي عليّ ما أكتبه أو أتحدث به. فأنا أجد في الكتابة فرصة لنقل الحقيقة وتوضيح الأحداث وكشف الوقائع، إضافة إلى تبادل الآراء والأفكار وأيضًا ترويحًا عن هموم، بسبب ضغط العمل المكتبي اليومي وصعوبات الحياة الكثيرة.

عدم الردّ هو شعاري
ومن مبادئي، كما أسلفتُ في أعلاه، عدم الرغبة في الردّ المباشر على التعليقات التي تصدر من زملاء كتّاب، حتى لو تعرّضوا لي بالنقد والتسقيط والتخوين والاتهام. فآراؤُهم ورؤاهُم مقبولة وهم أحرار، أيًا كانت سمتُها. فالكلمة تصدر من قلمي صادقة بلا صعوبة، لاسيّما فيما أومن به وأراه في أرض الواقع. إلاّ أنّ ما يحزنني في الردود التي ترد فيما تنشره مواقع التواصل الاجتماعي، أن يُصار إلى خلط الأوراق بحيث يختلط العام بالخاص، والفكر الشخصي المستقل للكاتب بالانتماء إلى حزب أو منظمة مجتمع مدني أو أي نشاط آخر. أنا عندما أكتب، وبتوقيع شخصي وليس باسم المنظمة التي أعمل بها، أتطيّر غضبًا من ناقد لا يعرف التمييز بين ما هو بتوقيع شخصيّ مستقلّ، وبينما يعود بآثاره لمنظمة أو جهة لم أصرّح بها البتة ولو في سطرٍ واحد ممّا أكتب. لذا ليس من المعقول أن أُحمّل وزر غيري، مَن أعمل معه في هذه الأنشطة التي قد أتفق وقد أختلف معه. منظمة مجلس الأقليات العراقية التي أنا واحدٌ من مؤسسيها وبُناتها ومديمي تواجدها، هي منظمة مجتمع مدني تضمّ المكوّنات قليلة العدد "الأقليات". ومن الطبيعي أن يجهد كلّ مكوّن في الدفاع عن حقوقه، ولكن ليس على حساب المكوّن الآخر. والاختلاف أو الاتفاق في الطروحات مع الزملاء في المنظمة ليس بحدّ ذاته، تنازلاً أو مساومة أو خضوعًا كما طاب للبعض أن يسمّيه. بل إن مثل هذا الاتهام مرفوضٌ جملة وتفصيلاً. فموقفي من حقوق شعبنا المسيحي في مناطقه التاريخية واضحٌ برفض أي تغيير ديمغرافي، ليس من مكوّنات الجوار فحسب، بل من نفس المكوّن المسيحي أيضًا. وهذا الموقف قد يجلب عليّ نقمة الكثيرين، ولكنه موقف واضح وصريح، لا تنازل عنه. فليطمئنْ مَن يحاول الاصطياد بالماء العكر، أن كاتب هذه السطور، لا تتغيّر مبادئُه ولا تتزعزع طموحاتُه ولا تتراخى متابعاتُه.
لا اختزال في المصير
ومن ثمّ، فإنّ اية محاولة لاختزال مواطني سهل نينوى وبلداته المسيحية التاريخية من قبل راعي التشكيلة "القطارية" تبقى مرفوضة وغير مقبولة، لعدم شرعيتها وعدم استقلاليتها وعدم إنصافها! ف"أهل مكة أدرى بشعابها". ولسنا بحاجة لمَن يدلُّنا على ما ينبغي لنا فعلُه بمصير بلداتنا من أجل تأهيلها وبنائها وصيانة تاريخها وديمغرافيتها وبما يتلاءم مع المعايير الوطنية والضرورات الحضارية وما يستجدّ من أحداث وتطورات. واللبيب من الإشارة يفهم!


لويس إقليمس
بغداد، في 5 أيلول 2013


45
برطلة للبيع بالمزاد !

ما انفكّ "المجلس الشعبي القطاري" سائرًا ضمن المخطَّط المرسوم له في عرض بلداتنا المسيحية في سهل نينوى للبيع بالمزاد العلني والسرّي معًا، ومن تحت الكواليس. واليوم يطلع علينا بفرية جديدة اسماها " منظمة أصدقاء برطلة"، لتُضاف إلى عشرات المنظمات والهيئات والمؤسسات والجمعيات والمجالس التي شُكّلت لإحكام السيطرة على منافذ ومخارج بلداتنا المسيحية وتقويض اي مشروع وطني توحيدي للتعايش السلمي والأهلي بين مكوّنات المنطقة متعدّدة الأديان والإثنيات والطوائف و"الجماعات". فبعد سعيه الحميم والمتواصل لبيع بعشيقة وقرقوش وكرمليس وأخرى غيرها، وقبضِ عملائِه في هذه البلدات أثمان تلك الصفقات مقدَّمًا، عبر ما يُسمّى بهيئة شؤون المسيحيين المشبوهة في نواياها، جاء الدور على برطلة التي لم تكن السيطرة التامة قد أُحكمت بعدُ عليها، بعد أن وُجد المبرّر لهذا النشاط في فرية التغيير الديمغرافي، حديث الساعة، الذي صار شمّاعةً لكل متهافت وخنوع وتابع ذليل يبدي استعداده لتطبيق تعليمات "المجلس الشعبي القطاري". فهل خلت برطلة من رجالها الغيورين، كي تستعين بالأغراب وأبناء الاغتراب للدفاع عنها والمطالبة بحقٍ مشروع لها كفله الدستور أصلاً، وأكدته لجنة دعم المسيحيين بشخص السيد وزير البيئة الذي لم يألُ جهدًا في حث الجهات المعنية على احترام خصوصيات بلداتنا؟
فرية التغيير الديمغرافي
 هل حقًا، إنّ ما يُقال بتعرّض بلداتنا المسيحية لهجمات متكالبة للتغيير الديمغرافي، تستدعي الحرص المفبرَك لهذه التنظيمات في إبقاء خصوصيات هذه المناطق مسيحيةً، سريانية أم كلدانية أم آشورية؟ وهل يستحق الموضوع إنشاء منظمة "استرزاقية" أخرى دفاعًا عن أراضٍ و عقارات و ما شابهها من أملاكٍ، سبق وأن بيعَ القسم الكبير منها برغبة وإرادة أهل الشأن لجيرانهم ولمَن دفع لهم أكثر؟ أم يُقصد بهذه الحركة، دفعُ أهل المنطقة نحو مشروع أوسع بالقبول بحتمية الانضمام إلى إقليم كردستان، بادّعاء الأخير حماية المناطق المسيحية في حال القبول بالمشروع الذي تعهّد بتنفيذه "المجلس الشعبي القطاري" بالإنابة، عبر أدواته المرتزقة بالمنطقة ومن خلال تنوع وسائل الترويع والتهديد والترغيب المستخدمة لإكمال هذا المشروع؟
 أترك هذا السؤال للقارئ المتتبع لتحرّكات هذا المجلس مكشوف الأهداف الذي لم تكفِه أدواتُه الداخلية، بل سعى ويسعى لتجنيد مَن ارتضى لنفسه العيش مغتربًا مرتزقًا، غير مكرَهٍ، بلْ زاحفًا وخانعًا كي يبقى بلا وطن وبلا أرض، في بلدان الاغتراب والوحشة بعد أن ساهم هو وأمثالُه في إضعاف الدور المسيحي في البلد.
إنّ مَن يتباكون اليوم على حقوق ومصالح مَن آثر البقاء صامدًا وحافظًا وديعة الآباء والأجداد في أرض العراق الطيبة، لو تذكروا فقط قيامَهم بيعِهم الأرضَ والوطن وقرارَهم بترك الأهل والأصدقاء والكنيسة و"الدربونة" القديمة والزقاق والبيت الذي احتواهم والأيادي التي خدمتهم، لسكتوا وما تجرّأوا البحث في مثل هذا الموضوع الذي لم يعدْ يعنيهم لا من قريبٍ ولا من بعيد، إلاّ أللّهمّ إذا عادوا إلى رشدهم وندموا على فعلتهم وقصدوا العودة إلى الأرض التي حملتْهم والكنيسة التي أرضعتهم لبنَ التعليم المسيحي، والأهل والأصدقاء الذين تسامروا وعاشوا وتشاركوا معهم مرَّ الحياة وحلوَها. إنّ ظاهرة البكاء على الحقوق الوطنية المسلوبة لم تعد رائجة، ومثلُها الادّعاء بمنع التغيير الديمغرافي لم تعد صالحة، بعد أن كشفت الأيام والأحداث نوايا الجهات التي تدفع للتحشيد والتنبيه لخطورة الموضوع من عين قاصرة واحدة لا تحمل رؤية بعيدة النظر. وإنّي شخصيًا، لم أسمع مسيحيًا أُجبر على بيع منزله الخاص أو أرضه أو أيّ مِن عقاراته في هذه البقعة بالذات بدون رضاه، مقابل الثمن الذي طالبَ به وطاب له. فالمسألة هي في البيع لمَن يدفع أكثر، وهذا حقٌ مشروع للفرد.
سرّ ضعف المسيحية في العراق
إنّي لمذكّرٌ بموّال المطرب الذي أجهل اسمه، ومعه كلّ مَن يطيب له استغلال مشاعر أبناء الاغتراب من أجل إبكائهم واستدرار عطفهم وحنينهم ودموعهم، في السهرات والحفلات التي يجتمعون فيها في قاعات السهر الوحيدة التي تجمعهم معًا مراتٍ، قد لا تُعدّ بعدد اصابع اليد الواحدة، وربما هي الوحيدة التي تجمعهم سنويًا، عندما يقول: " إلّلي مضيّع محبّ يمكن سنة وينساه، وإلّي مضيّع ذهب بسوق الذهب يلقاه، والّي مضيّع الوطن وين الوطن يلقاه، ألله يا ها الوطن، شنو مسوّي بي الله، نيرانه مثل الجمر تلسع وأقول ش اه ". أقول لبعض هؤلاء المرتزقة المرائين (بالطبع لا أقصد الجميع ولاسيّما مَن تعرّض لمضايقات حقيقية وهم قلّة): "كفاكم بكاءً على حقوقِ أهلكم وأصدقائكم وأبناء جلدتكم وكلّ مَن تركتموهم يعانون بسبب نقص تعدادهم وطنيًا، بحيث كثرت الخناجر التي تتحيّن الفرص للانقضاض عليهم حتى مِن أقرب الناس لهم تقليديًا، بل وحتى من المتباكين على ضياع حقوقهم من الذين تتعكّزون اليوم أنتم عليهم. وكفاكم تدخلاً في شؤوننا الداخلية ودقّ الأسفين مع إخوتنا في الوطن من أية ملّة أو دين أو مذهب".
 أليس الوطن للجميع والدين لله؟ ولماذا لا تسعون في الدول التي بيدها كلّ مفاتيح الحلّ والربط بالعراق والتي تقتاتون من فتاتها وتخدمون أجنداتها، كي تعملوا على دفعها باتجاه تفعيل سمة التعايش السلمي وتعزيز مبدأ المواطنة وحضّ السياسيين للقبول بشراكة وطنية حقيقية تُبنى على قاعدة الولاء للوطن والكفاءة والجدارة وتساوي بين الجميع دون تمييز وتكابُر بسبب مبدأ الأكثرية والأغلبية والأقلية التعس، وبذلك تفلحون في إيقاف نزيف الهجرة الذي تعملون من حيث لا تدرون، وبطرق عديدة من أجله لإفراغ الوطن من أهله وذلك بتشجيع مَن بقي منهم فيه للهجرة؟ بل وما يُؤسف له، حضُّ التاركين للوطن ومَن باعوه برخص التراب، غيرَهم من الأهل والأقارب والأصدقاء من الباقين الصابرين فيه، على الهجرة واقتراف الخطأ "الأناني" الذي ساروا عليه بتهرّبهم من مسؤوليتهم في الشهادة لمسيحيتهم وزرع بذور المحبة والبقاء خميرةً وسط جمع العراقيين الذين تعايشوا في السرّاء والضرّاء. فهل كلُّ الذين باعوا الأرض والسكن وغادروا الوطن بما فيه، كانوا من المغضوب عليهم ومن المهدَّدين بأيّ شكلٍ من أشكال التهديد والعنف والتهجير؟ أقول: لا وألف لا...
 وإنّي أتساءل: مَن الذي جعلنا أقليّة، كي تتجرّا نائبة إيزيدية كردية وزميلُها في البرلمان لتدّعي أحقية طائفتها "الواحدة الوحيدة" بمنصب رئيس ديوان أوقاف المسيحيين والإيزيدية والصابئة، في حين يشكل المسيحيون ما مجموعُه 14 طائفة  أو "جماعة"، ولكلّ واحدة منها مؤسساتُها المستقلة وإدارتُها الخاصة بها، وليس واحدة كما الإيزيدية والصابئة؟؟؟ أليس كلّ مّن ضحّى بالوطن وأهله وأرضه وقصدَ المتعة وراحة البال وتخلّى عن دوره الوطني والمسيحي معًا، قد ساهم هو الآخر، في إضعاف الدور المسيحي التاريخي في البلد وفي اهتزاز خطابه الديني والاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي معًا، بعد أن كانت المسيحية تُعدّ الديانة الثانية فيه؟ فإذا كنتم غير قادرين على تنفيذ هذا المطلب الأخير، فإنّ أهل الداخل يرون في تدخلكم في شؤونهم، وسيلةً من وسائل التخدير الموضعي الذي سرعان ما يعود إليهم الجرح المفتوح ليشتدّ عندهم الألم أقوى وأشدّ ويعانوا من ذات المشكلة، التي ستبقى من غير حلّ، في غياب الوعي الوطني والديني الصحيحين.
كفى تخديرًا
كفانا تناولُنا جرعات مخدّرة مِن أمثال هذه الحركة المكشوفة الأهداف من جانب "المجلس الشعبي القطاري"، والتي تُضاف إلى سابقاتها في تمزيق اللحمة الوطنية بمنطقة سهل نينوى، وتأزيم الأوضاع بين مسيحيّيها وسائر المكوّنات المتجاورة والمتعايشة منذ سنين، إلاّ حينما بدأت أدوات هذا المجلس بتنفيذ الأجندة المرسومة له والمدفوعة الثمن لدفع أهل السهل بأفضلية القبول بالانضمام إلى الإقليم.
فالتغيير الديمغرافي المزعوم، هو تحويل الأنظار عن مشكلة أعظم تتمثل بما يجري من مخططات سرّية وصفقات من تحت الكواليس لإلحاق هذه البلدات بالإقليم بأيّ ثمن، من خلال استخدام أدوات وأبواقٍ ترغيبية وتشويقية حينًا، وتهويلية وترويعية في غيرها بهدف شرعنة استقطاعها عن محافظة نينوى وعن الوطن الأم في ظلّ الأوضاع الأمنية المتهالكة والهشة بعد الغزو الأمريكي القذر، وكذلك بسبب ضعف الحكومة المحلية التي أخفقت هي الأخرى، في الحفاظ على عروبة أهل الموصل واستقلالية قرار سائر المكوّنات الدينية والاتنية التقليدية المتواجدة في سهل نينوى خصوصًا. وبذلك يتحقق المخطّط الأمريكي – الأوربي، بإفراغ العراق ومنطقة الشرق الأوسط من المسيحيين في ضوء التسهيلات التي تبديها هذه الدول لاحتضانهم، أو بدفعهم للانتقال إلى المنطقة الشمالية التي شكّلوها آمنة، خدمة لمشروع إسرائيلي قديم كان قد بدأه هنري كيسنجر، وزير خارجية أمريكا الأسبق في بداية السبعينات.
إن الرغبة العامة للعراقيين بدرء خطر الانغلاق والتقوقع، ينبغي ألاّ تفارقنا نحن المسيحيين بالذات، لاسيّما وأننا من أوائل المناهضين لمثل هذا الانغلاق الموازي لترسيخ مبدأ الطائفية المقيت في البلد. وإذا كان مفهوم التغيير الديمغرافي في بلدات سهل نينوى، يُقصد به جيرانُنا من جماعة الشبك بخاصة أو الإيزيدية، فعلى من يتباكى على مثل هذا التغيير أن يقرّ بأنّ بيع بلداتنا المسيحية، ذات الثقافة العربية منذ نشأتها، والسعي لانضمامها إلى كردستان بهذه السبل المشبوهة بحسب مخطَّط "المجلس الشعبي القطاري"، هو بحدّ ذاته تغييرٌ ديمغرافيٌ وعليهم رفضُه بشدة، وليس الإذعان لما يُحاك من صفقات في دهاليز الإقليم والحكومة المحلية في نينوى، وربما بمباركة عناصر في الحكومة الاتحادية. كما أنّ عليهم أن يأخذوا في الحسبان، أنّ عددّا من أهالي برطلة الكرام، يأخذون قسطًا من المسؤولية في ضياع أراضيهم وأملاكهم ببيعها لمن يدفع أكثر! ولا ننسى حالات المصاهرة والصداقة والشراكة بين المكوّنين المتصارعين اليوم، إذا عدنا إلى بعض الحيثيات!
إنني أعتقد، أن "المجلس الشعبي القطاري" بهذه الخطوة، يكون قد أمعن في توسيع الهوّة بين الجارين الصديقين "المتخاصمين"، وفي تضييق اللحمة الاجتماعية بين أبناء المكوّنين، ومن ثمّ يساهم في فضّ الشراكة الوطنية التي يتمناها الجميع. لقد قامت اللجنة المكلّفة بحلّ هذه الإشكاليات بعملها على أحسن ما يُرام قبل أكثر من سنة، واستحصلت موافقة الجهات الحكومية المختصة والحكومة الفدرالية على معالجة هذه المسألة بروية وعبر وسائل قانونية ودستورية، وذلك بتوصياتها بضرورة استحداث وحدات إدارية وبلدية جديدة وتوسيع الخدمات للقرى والبلدات المهمّشة عبر الحكومات المتعاقبة على التوالي، ونحن في انتظار تطبيق توصياتها. ومن ثمّ، ليس من المعقول، صبّ الزيت على النار، من خلال التصريحات النارية التي تصدر هنا وهناك مِن أصوات ناشزة في المنطقة من المرتزقين أو من خارج المنطقة أو بلدان الاغتراب من الذين يهمّهم أمر البلدات المسيحية فقط، لاستغلالها لخدمة أجنداتهم الخاصة أو أجندات مَن يجيدون الخنوع لهم دون خجل. وعلى الجميع أن يدرك تمامًا، أن الصراع القائم بين حكومة المركز وحكومة الإقليم، لا يمكن أن يكون على حساب بلداتنا المسيحية ولا على حساب استحقاقاتنا الوطنية. ومِن ثمّ، لا يمكن القبول بمشاريع خانعة وخاضعة لمَن هو اليوم الأقوى على الساحة وتشويه صورة بلداتنا وضياع استحقاقاتنا المسيحية والقومية معًا بهذه المخططات.
إنّي أستغرب من التبجّح بالهدف الذي يرفعه المؤتمر المرتقب لأصدقاء برطلة، من خلال ما تمّ التصريح به بالعمل على "ترسيخ أسس التعايش السلمي بين مكونات الشعب العراقي عامة وفي سهل نينوى بشكل خاص". في حين أن ما يجري في الكواليس يدفع باتجاه التصادم الفعلي بين مكوّنات سهل نينوى، ولاسيّما المتعايشين في بلدة برطلة! فأين هم من مطلب ترسيخ مثل هذا التعايش؟.
لذا، ومن منطلق الحرص على بقاء سيادة أهل برطلة على بلدتهم وتسيير شؤونهم، عليهم توخي الحذر مِن هذا التحرّك الجديد. فهو إعلانٌ مجّاني لبيع برطلة بالمزاد العلني، وتخييرها بين تبعية المركز أو الإقليم. وإذا كان أهلُها لا يستطيعون الدفاع عن حقوقهم وصيانة ما تبقى من أراضيهم والامتناع عن بيعها للغريب بأثمان يتطلّع إليها طموح كلّ مواطن فيها، فعبثًا يحاول غيرُهم صدّ الهجمة، إلاّ في إعلان بيعها بطريقة التهويل والترويع والتخويف والتحذير التي يتبعها "المجلس الشعبي القطاري" وأتباعُه في المنطقة. لقد كان لهم في الحكومة المحلية بعد التغيير مباشرة، مَن تسلّم مسؤولية هامة في إدارة المحافظة. ورغم ذلك، تواصلَ التغييرُ على عهده، بعد ان كان بدأه النظام السابق قبل تلك الفترة أيضًا، إلاّ أنه لم يحرّك ساكنًا حينذاك، أو بالأحرى لم يجد قدرة لمجابهة إرادة أقوى من محاولاته- إن وُجدت أصلاً- في الحكومة المحلية الأولى بعد التغيير في 2003، بسبب غياب المكوّن العربي الذي اقترف آنذاك خطيئة شنيعة بحق أهل الموصل والمحافظة، نتيجة عناده ومكابرته الفارغة غير محسوبة النتائج.
الحلّ بين أيديكم
يبقى الحل الأخير، بأيدي أهل برطلة الكرام بعدم التفريط بما تبقى لهذه البلدة العريقة من عناصر الوجود المادّي فيها والحدّ من نزيف هجرة أبنائها كي لا يتخلخل ميزان القوى البشرية فيها. أمّا البكاء على الأطلال والحنين إلى الذكريات، فيبقى من وسائل الضعف وهدر الأوقات وضياع الفرص. والمستفيد الوحيد من هذا التباكي هم المرتزقة المدفوعون لتنفيذ مثل هذه المشاريع الخائبة من خلال الضحك على ذقون البسطاء والاتجّار بمصائر الناس ودغدغة المشاعر المكتوية بنيران الطائفية والفساد والتهميش.
لويس إقليمس
بغداد، في 25 آب 2013


46
لوحةٌ للوطن أم للطائفة؟


كلّما تتالت الأيام وتقادمت الأحداث، تضيق أوطانُنا العربية والإسلامية ذرعًا بمدى بشاعة العنصر الطائفي، والسلفي منه بخاصة، وقد استبدّ وتفاقم واستأثر، فأصبح خنجرًا بخاصرة الوطن والمواطن. وإنه لمن المؤسف أن تتجذّرَ هذه الظاهرة "العاهة"، في أوساط مجتمعات كانت حتى الأمس القريب يُنظرُ إليها على أنها معتدلة وحامية لقيم إنسانية وحضارية لدى تقييم الجماعات المقيمة فيها. وبالرغم مِن شذوذ بعض المظاهر وخروجها عن المألوف في مناسبات أو أحداثٍ، إلاّ أنّ الخطّ العام، كان يضعها في مصاف الدول المحتمية بجلباب هامش الحرية والمساواة، ولو على خجل!

 وطنٌ واحد!
كمْ كان جميلاً، أن يتنقّل أو يعيش العراقي، معلّمًا أو طالبًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو عسكريًا أو تاجرًا، بل أيُ مواطن عادي بأية مدينة أو قرية حيث يدعوه رزقه وحياتُه المهنية والعملية دون منغصات الملاحقة على الهوية ومن دون الشعور بهمّ يُثقلُ كاهلَه بسبب دينه أو طائفته. ألمْ يقضي العديد منّا أيام الجندية "الخدمة العسكرية"، الإلزامية منها أو المهنية في مواقع بعيدة عن مسقط الرأس ، لم تكن لتخطرَ عل باله، ومِن دون الشعور بالضيق من باقي الأفراد في الثكنة أو الموقع أو المقرّ؟ وكم مِن برامج وفعاليات طلابية وشبابية لتبادل الخبرات وتنشيط الأدوار وتفعيل الصداقة والزمالة شهدناها ونحن طلبة! وفي كلّ هذه وتلك، لمْ يكن يدور بخلد المشاركين السؤالَ عن أصل وفصل الزميل المشارك الآخر. وإنّي شخصيًا، لمْ أكن لأسأل مثل ذلك السؤال في حينها، بسبب الروح الرياضية التي كانت سائدة بيننا والشعور الوطني الذي كنّا نوليه لمثل تلك الصداقات والزمالات مِن دون إحراج أو تعفّف أو تهيّب. فقد كان ذلك ليكون سؤالاً غريبًا عجيبًا، فيما لو حصل!. فكيف انقلبت الآية، واستبدلت الصداقة والزمالة بالعداوة والشعور الوطني بالطائفي المقيت والروح الرياضية بالروح العدائية؟

ولكن، لكلّ مشكلة حلولٌ، مهما طال الزمن وتجذّر الوهن وتعسّر الأمل. وطالما كانت كلّ هذه الآفات مِن صنع البشر، فهم بالتالي قادرون، لا محالة، على قهر الصعاب وإعادة المنجل إلى الحقل والمذراة إلى البيدر والإنسان إلى جادة الوطن والوطنية.

 ولطالما كان العراقيون، بناةَ حضارات وأسيادَ ثقافاتٍ، أليس بمقدورهم اليوم قلب صفحة العداء والغدر والطائفية ونسيان الماضي ليلتفوا ثانية حول وطن واحد يجمعُهم كما الدجاجةُ تجمع فراخَها تحت جناحيها الكبيرين فيحتموا بها، وكما الخيمة التي بظلالها يفئ الجميع دون تمييز أو تفرقة أو محاباة؟ ذلكم هو التحدّي الأكبر لعاهة الطائفية، وتلكم هي أحجية الإنسان العراقي المبادر لكّل جديد والمقتحم لكلّ بابٍ عجيبٍ وغريبٍ. ولنعتبر باب الطائفية الذي انتهجه العراق بعرابة أميركية والذي افتتح به مشروعه الخائب في 2003، قد صدئ وتهالكت مادتُه، أيةً كانت أصولُها ومراجعُها وانتماؤُها. فالعراق يبقى وطنًا واحدًا، خيمةً وارفةَ الظلال للجميع وليست مرتعًا للطائفية التي تنهش في جسمه وأدوات المحسوبية والمنسوبية والفساد التي سادت مؤخرًا في الحياة اليومية للمواطن الذي يستحق أفضل ممّا يحصل له.
أمل ورجاء
في رسالة التهنئة لمناسبة حلول عيد الفطر لهذا العام 2013، إختصر "البطريرك ساكو" الحلّ الأمثل الذي به يمكن خروج العراقيين من النفق المظلم الذي حشرهم فيه الغازي الأمريكي ومعه القوى الشرّيرة التي تهتف للطائفية والتفرقة وتوغل في العدائية والتهتّك، ضامّا صوتًه إلى صوت البابا فرنسيس الأول: "أن يكون المسيحيون والمسلمون دعاةً حقيقيين للاحترام المتبادل والصداقة والابتعاد عن الإساءة والاستخفاف، وأن يربوا أولادهم على هذه القاعدة" وأضاف: "التفجيرات المؤلمة الأخيرة التي أودت بحياة الأبرياء،يجب ألاّ تزيل عنّا الأمل والرجاء، فنستسلم للفتنة وللإحباط، بل بالعكس علينا أن نتّحد ونعود إلى جذزرنا البشرية الواحدة، الوطنية والدينية للخروج من هذه المحنة، فيعود إلينا السلام وتفيض فينا الحياة والفرح".

لويس إقليمس
بغداد، في 6 آب 2013




47
الحقيقة، هل تنتحر؟
-الجزء الثالث والأخير-

... نماذج من الحياة- يتبع
نموذج كنسي ديني

رسالة بطريرك الكنيسة الكلدانية الأخيرة، مار لويس ساكو، والموجهة إلى من يهمه الأمر، جاءت واضحة ولا تحتاج إلى تفسير وتعليق. فهي تكشف حالة متقدمة من الانفلات في العمل الرسولي والراعوي. كما أنها تكشف حقيقة التمادي المستشرية، ليس في قلب هذه الكنيسة فحسب، بل في معظم الكنائس المشرقية الباقية الأخرى، سواء ما هو قائمٌ منها في الداخل أم في بلدان الاغتراب. فقد "طفح الكيل" ولم يعد تصرّف بعض رجال الدين مقبولاً ولا لائقًا. الكاهن خادم الرب كما أنه خادم الشعب. "ما جئتُ لأُخدَمَ بل لأَخدُمَ"، قالها المسيح وطبقها في رسالته الخلاصية وسط الشعب. من هنا، لا يمكن أن تبقى الأوضاع المترهّلة والمسترخية عل هذه الحال. "لا حصانة لأحد، والكهنوت لا يمنح حصانة الية. حصانتهم هي اخلاقهم، وخدمتهم وتضحياتهم وشفافيتهم". قالها البطريرك ساكو بكلّ جرأة وبصراحة.
 فمَن زاغ عن الطريق، عليه مراجعة الذات والعودة إلى الينابيع كي ينهل من غدران الحياة الروحية الصحيحة بتعاليمها، والأمينة في تفاعلها، والرصينة في تطبيقها على الشعب والمجتمع. وهذا هو الوقت الصالح لإصلاح المكسور وإعادة الضائع والاقتداء بسيرة وتعاليم قدوتهم الأول، المسيح وخليفته الأول بطرس، بشخص البابا المتواضع فرنسيس الأول، الذي ضرب المثل منذ اعتلائه السدّة البطرسية خادمًا وليس حبرًا متعاليًا مستغِلًّا لموقعه على رأس كهنوت الكنيسة الجامعة. إذ ليس من المعقول، استغلال الكاهن أو الأسقف، أيا كانت مرتبتُه، موقعَه للإيغال بالاستخفاف بالمؤمنين، وعدّ أنفسهم "فوق الكلّ ومعاملتهم لهم بخشونة وبكلمات جارحة ومشينة وبعنجهية". أين هؤلاء مِن كلام ووصايا رسول المحبة والسلام الذي تعهدوا أن يسيروا على خطاه حينما كانوا في فترة التلمذة والتهيئة لاقتبال مسؤولية الرسالة خدامًا للشعب؟ هذا هو المحكّ، وذلكم هو القرار الجريء الصائب: "على الجميع  الالتزام التام والمطلق بالرسالة الانجيلية التي من أجلها تكرسوا. سوف نتخذ اجراءات صارمة بحق من  يسيء  الى الكهنوت والكنيسة.  ليبق من يلتزم  وليذهب من لا يريد".
ومثلُهم، فقد كثرت شكايات المؤمنين من تصرفات بعض الكهنة الذين تركوا أو كادوا يتركون الواجبات الروحية والاجتماعية الملقاة على عاتقهم في الصلاة اليومية والبحث عن القداسة في حياتهم ونصح المؤمنين للتقرّب من ربّهم أكثر والعيش في سلام روحي مع النفس ومع الله. لم يعودوا ذلك "الحمل الوديع، ومتواضع القلب"، الذي كان تحدّث عنه المسيح كي يجتمع حوله المتعبون وثقيلو الأحمال.

إقطاعيات أم كنائس!
حدثني، أحد الأصدقاء يقول: ما هذه الأحوال؟ هل نحن نعيش عصر الإقطايات في كنائسنا؟ هناك قساوسة قد نصّبوا أنفسهم أباطرة في خورناتهم، وهم يرفضون مغادرَتها عندما يُطلب منهم ذلك من أجل ممارسة نظام المناقلة بين كهنة الخورنات في الإبرشيات. بل أصبحت بعض الكنائس تُدعى باسم خوارنتها، وكأنّها ملكٌ حلالٌ قُيّدت لهم منذ تعيينهم فيها لخدمة المؤمنين. أيُعقل ذلك؟
 إن نظام المناقلة هذا، لا بدّ أن يُطبق في جميع الكنائس دون استثناء، إن أردنا حقًا إصلاح المكسور ورأب الصدع بين الكنيسة والخوارنة من جهة مع المؤمنين وحاجاتهم وتطلعاتهم الروحية. وبغيرها، سنقيم دكتاتوريات سياسية- كنسية لا تختلف عن الدكتاتوريات السياسية المدنية القائمة في  عدد من الدول المتخلفة، ومنها في منطقتنا العربية التي لم تعرف بعدُ ربيعًا نقيًا ينتشلها من شتاءات القرون المظلمة.
أتذكر في بداية السبعينات، حينما نشبت أزمة بين كهنة خورنة قرقوش- بخديدا، كان للشبيبة المسيحية دورٌ جريء في تشخيص الخلل، وكان لي فيها دورٌ مهمٌّ مع زملاء آخرين، حينما أشرنا إلى مثلث الرحمات المطران عمانويل بنّي، ان يقوم بالمناقلة بين كهنة الإبرشية بين فترة وأخرى. في وقتها، لم تكن الفكرة قد اختمرت بعدُ لدى سيادته، رغم إرادته الطيبة في وأد الفتنة، وذلك بسبب صعوبة تطبيقها لظروف رآها غير مناسبة. لكنها، تحققت بعد سنوات قليلات وأثبتت صحة تشخيص موقع الخلل. وما زالت ذات الفكرة تُطبق في هذه الإبرشية، بل إنها أثمرت، مع استثناءات تقتضي بعدُ، خطوة جريئة لوضع الأمور في نصابها بعيدًا عن تأثيرات جانبية خارج إرادة الإبرشية.
وهذا ما يتطلّبه واقع باقي الكنائس المشرقية بتعدّد طقوسها. وحسنًا اتخذ سينهودس الكنيسة الكلدانية الأخير وبطريركها المجدِّد، قرارًا بمناقلة كهنة كنائسهم في الداخل التي يسودها الترهل وضعف الغيرة الرسولية. لكنها ستكون خطوة ناقصة، إنْ لمْ تشمل إمبراطوريات إقطاعية في بلدان الاغتراب التي يتبجح بعضٌ من أساطنتها أنّ بيدهم القوة الفاعلة في قلب الموازين عند اقتضاء الحاجة.

هروب إلى الأكثر جاذبية
حقًا، لقد ساهم بعض الكهنة في ابتعاد عدد من المؤمنين من كنائسهم للبحث عن ملجأ آخر أكثر انسجامًا مع تطلعاتهم وأصفى إصغاءً وتلبية لعطشهم الروحي. وهذا أمرٌ مؤسف، يتباكى عليه الجميع اليوم وينتقدونه دون دراية وافية للسبب الحقيقي لحصوله واتخاذ المطلوب لوضع حدّ لتواصله المستمرّ. إنّ ما تتعرّض له كنائسنا المشرقية من صدع في هيكليتها، تتحمّل الرئاسات الكنسية جميعًا جزءًا كبيرًا من المسؤولية بحصوله. لأنّ مثل هذه الإهمالات قد فسحت المجال لكنائس دخيلة كي تتغلغل في أوساط المؤمنين وتصطاد مَنْ فقد ذلك الأمل وذلك الرجاء وذلك الإيمان لدى كنيسته الأصيلة ليؤمّ صوب هذه الدخيلة التي انجذب لها أكثر، لما تقدّمه هذه من مغريات في حركاتها وتطلعاتها وانشطتها، مستغلّة في الكثير من الأحيان، ضعف إيمان البعض وهشاشة حالتهم المادية وشظف العيش المادي من أجل كسبهم باتجاهها. وتلك مأساة تستوجب التوقف على عتبتها والتأمل في عواقب نتائجها غير السارة. انظروا، إلى بعض كنائسنا الأصيلة، فهي تكاد تكون شبه خاوية ايام الآحاد، وحتى في المناسبات، إلاّ من مؤمنين أتقياء تقليديين، فيما تعجّ الكنائس الدخيلة الجيددة بخيرة الشباب المتلهّف. إلى ماذا؟ لا أدري! كما يبدو، علينا، أنا وأنتم معًا، ان نستبصر الوضع ونستفهم الواقع كي نتيقن ممّا يحصل على أرض الواقع، ولكي نخرج بنتيجة تفيد كنائسنا المشرقية الأصيلة، وتعيد لكاهن الرعية دور الراعي الصالح الذي يبحث عن الخراف الضالة: يترك التسعة والتسعين ويبحث عن الواحد الضالّ منها، ليعيده إلى حظيرته الأصلية.
لقد قالها البابا فرنسيس الأول بصراحة، في خطابه الموجه إلى الشباب المتعطّش لسماع كلمة الراعي الصالح، خلال مشاركته قبل أيام في الأيام العالمية للشبيبة 2013، التي عُقدت في ريو دي جانيرو بالبرازيل: " الشباب يفقدون إيمانهم بالكنيسة، وحتى بالله، بسبب وجود كهنة سيّئين لا يلتزمون بالإنجيل". ألا يكشف مثل هذا الكلام الجريء والواضح عن حقيقة ماثلة يعيشها أبناء مختلف الكنائس في وطننا، نحن أيضًا؟ أليس في مثل هذه المصارحة وهذا النداء ما ينبئ عن بروز "صوت صارخٍ في البرّية لإعداد طريق الرب وتقويم سبله"، كما يقول الإنجيل؟


مهمة الكاهن ليست في السياسة أو التجارة
في الواجهة أيضًا، هناك كهنةٌ أوغلوا في عنادهم بدخول مجال السياسة اللعين والاسترزاق من فتات الأسياد بوسائل وسبل متنوعة. فمنهم، مَن أهمل تعاليم الإنجيل، ومنهم مَن ضرب عرض الحائط توجيهات رئاسته، ومنهم مَن لم يتورّع في استغلال درجته الكهنوتية في أمورٍ تجارية وصفقات مادية لا تليق به وبسمعته ككاهن، "سائحٍ على دروب الربّ". بل منهم، مَن أُحيل على التقاعد بسبب مشاكساته وتدخله في ما لا يعنيه ككاهن، وهو الذي من أسمى أهدافه خدمة الشعب المؤمن، وليس الضحك على عقول البسطاء من المؤمنين، لاسيّما الذين ينظرون لغاية الساعة على كون الكاهن شخصًا مقدّسًا نازلاً من السماء ولا يمكن المساس باسمه أو سمعته أو الحديث عن نزواته وخروجه عن خط الكهنوت. وإلاّ كيف يُفسّر تدخّل كاهنٍ متقاعد في إحدى الإبرشيات المهمة بالموصل في شؤون الرعية، وهو يمتلك اليوم سلطة تفوق سلطة رئيسه الأسقف، والأخير لا يستطيع وضع حدودٍ لتصرفاته الشاذة وغير المقبولة، بل التي تثير الشكوك. ألم يقل المسيح في مثل هذل النموذج " خيرٌ لمَن يشكّك أحد هؤلاء الصغار، أنْ يوضع في عنقه حجرُ الرحى ويُلقى به في البحر"؟ أمْ ماذا يعني هذا الكلام، ولِمَن قيلَ؟ ومثله، هناك كهنة قد جيّروا كنائسهم لمصلحتهم، وهم من الصنف الذي لا يتقبلون فكرة المناقلة أو حتى قدوم زملاء غيرهم للمشاركة في خدمة المؤمنين، لأنّ ذلك في نظرهم، سينغّص لهم نظام حياتهم ويكشف الخلل في أنشطتهم غير المستحبة التي لا تليق بمسؤولياتهم الروحية.
حقًا، إنّ الكلام الجريء والصريح الصادر من البابا فرنسيس قبل أيام حول سلوكيات غير مقبولة من بعض الكهنة الذين أصبحوا حجر عثرة أمام الشبيبة والرعايا إجمالاً، احتاج من رأس الكنيسة الجامعة، شيئًا كثيرًا من الشجاعة. وهي ذات الشجاعة التي طالب بها قداستُه الشباب للتحلّي بها، وعدم الاقتداء ببلاطس البنطي الذي غسل يديه من دم المسيح البريء الذي لم يجدْ له جناية ليحاكمه عليها؟ تلكم هي الوديعة التي ائتمنها المسيح لرسله من بعده وهؤلاء لخدام المسيح من بعدهم. فمن خان الأمانة وفرّط بالوديعة، يستحق دينونة اعظم، لأنّ "مَن أُودع وزنات كثيرات، مُطالب  أن يؤدّي حسابًا عسيرًا أمام القاضي والديان" في هذه الدنيا وفي الآخرة. مَن له أذنان سامعتان، فليسمعْ!

أخيرًا، ألحقيقة لا تعرف المخاتلة
هذه إذن، هي أدوات الحقيقة وتلكم لعبتُها. ومهما جازف البعض أو تجبّر أو استأسَد بالغير الطامع، لابدّ أن تنقشع شمسُ الحقيقة وتسطع أنوارُها لتزيل الوهمَ والطمع والكذب وحب الجاه والمال والسلطة ونزعة القتل والتدمير والرذيلة لديه بدون سبب، ومنها لتُحرّر البشر مِن إثم التكفير والتنكيل والتهميش غير المبرّر، بل لمجرّد الاختلاف بالرأي أو الدين أو المذهب.
 وهناك مَن يعزو كلّ هذه السلوكيات إلى سلطة من الله قد أُنزلت عليه. وما علاقة الله الخالق الطيّب والراحم بالبشر بكلّ هذه المماحكات والتأويلات والاجتهادات والمتاهات؟ أليس سبحانه مَن أعطى البشرَ عقلًا وصحةً وطعامًا وملبسًا وقدرة للتكاثر والنماء والمتعة ضمن حدودٍ انضباطيةٍ يفرضُها كلُّ مجتمع وفق معايير الحياة المقبولة في حدود نطاقه وبما تقبلُه طبيعة حقيقة هذا الخالق؟ أمْ إنّ الفوضى والعربدة وحبّ الظهور والاستعباد والاستغلال واللعب بمصالح الغير هي مِن شيمِ كلّ فاسق وطمّاعٍ وشرهٍ ومتسلّط؟
قالوا: "إن دعتكَ قدرتُكَ على ظلم الناس، فتذكّرْ قدرةَ اللهِ عليكَ".
وأنا أقول: مَن راهنَ على استغلال فاقة الناس وحاجتهم ليصل إلى مبتغاه، فهو خائبٌ وفاشلٌ مهما حشّد مِن رعاع البشر للتصفيق والتمجيد له! فالحقيقة لا يمكنُها أن تنتحر طالما تُسمع اصواتٌ جريئة لقرع ناقوس الخطر وكشف ما يُحاك في الدهاليز من سلوكيات غير مستقيمة. فالمستقيمُ المتذبذب في حياته، والخائف من العواقب، وكذا مَن يخشى الصعاب ويتردّد في كشف الحقيقة والفساد ومنابعه، لا يجرؤ أن يسير عكس التيار الجارف المليء كذبًا ورياءً ومخاتلةً، بسبب هشاشة مبادئه وضعف إيمانه بضرورة استقامة الأمور بالعدل والمساواة والحق، رغم يقينه بضرورة كشف المتلبسين بتلك السلوكيات غير المقبولة والإفصاح عن ألاعيبهم الفاسدة.
"لا تخافوا"، قالها لنا المسيح، وهي دعوةٌ تتجدّد معنا كلَّ يوم. فالسيرُ عكس التيار من صفات الشجعان، كما أشار مؤخرًا قداسة الحبر الأعظم المالك سعيدًا، فرنسيس الأول، عندما يتعلّق الأمر بكشف الحقائق من أجل الإصلاح والمنفعة العامة، دون الإخلال بالسلوك العام للغير والمجتمع. ونحن نعلمُ أيضًا أنّ "ما مِن مَستُورٍ إِلاَّ سَيُكشَف، ولا مِن مَكتومٍ إِلاَّ سَيُعلَم"، إن عاجلاً أم آجلاً.
 فلنكنْ شجعانًا ولنسرْ إلى أمام في كشف الحقيقة أينما كانت وكيفما آلت. ولئن رأى البعض أني أسير عكس التيار، فهذا شرفٌ كبيرٌ لي بطرح ما أومن به دون خوف أو تردّد، وليس كمَن يغطّي على الشرّ ويسكت عن الحق ويترك القدر مستورًا!
لويس إقليمس
بغداد، في 30 تموز 2013


48
الحقيقة، هل تنتحر- الجزء الثاني

نماذج من الحياة
الدنيا حبلى بنماذج كثيرة مِن البشر الذين شذّوا عن القاعدة ونصّبوا أنفسهم أمراء على الرعايا، لاسيّما المهمّشين ومن ذوي الفاقة المعيشية المتهالكة. فحكمُ الشعب بأدوات الدّين أو السياسة أو الاقتصاد ليس لعبة أو قَدَرًا بيد حفنة من المحتالين والمدّعين وثعالب السياسة الماكرة أو مَن يدّعي الوصاية الاجتماعية والدينية و"حاكمية الله" على الرعية دون سواه. أليومَ، يبدو لي أنّ محاولة ظهور البعض بثياب غيرهم من الأقوياء على الساحة لأجل تحقيق رغبات هذا الغير وفرضها بطرق ملتوية لا ينقصها المكر والاحتيال والإيغال في الفساد، أيّ نوع كان، سوف تجابهُهم الحقيقة وتكشف نواياهم، إن عاجلاً أو آجلاً. فما يُكسب في الليل سبيًا وهراءً وتملّقًا، يزيحُه النهارُ بضوئه ليكشف الصفقات المشبوهة والنبرات المعتوهة والفذلكات المشروخة. فمعيارُ الإنسان المستقيم وسلوك المواطن السويّ واحدٌ وواضحٌ كضوء الشمس، ولا يقبل الجدال: "أحبب لغيرِك ما تحبه لنفسك". وأيضًا، "لا تكونوا كالفريسيين والمرائيين، يغسلون أعلى الصحفة، وباطنُهم دودٌ وفسادٌ... فهم كالقبور المكلّسة".
نموذج اجتماعي ديني
عجيبٌ أمرُ هذا النفر الشاذّ من البشر، لا يعرف لحدود شراهته رادع،  ولا لفساده مانع ولا لطمعه لاذع. فهو كالحوت يريد ابتلاع المزيد من السمك الصغير المسكين الذي يعتمد على المتيسر من الطعام في كفاف يومه. أو هم كالصقر الكاسر الرافض لأية منافسة من غيره بقصد المشاركة في التهام الفرائس الضعيفة التي لا حول لها ولا قوة سوى الإذعان لهيجان وصولة الصقور الكاسرة المتلاعبة بأرزاق المستضعفين وذوي الفاقة. وما أكثرَ هؤلاء اليوم، بفعل السحت الحرام الذي جمعوه أو كسبوه ظلمًا وبغير حق بسبب تبعيتهم للغير واستقوائهم بهم والاسترزاق من فتات ما يُحسن به إليهم! وجاءت الأيام ومرّت الأحداث، حتى انكشفت الحقيقة ونضح الإناءُ بما فيه، فتكسّرت على صخرتها كلُّ نوايا الشرّ والذلّ والتبجّح والكذب والخنوع لهذا الغير. ولعلَّ مِن أفعال هذا النفر المتبجّح التابع للغير والمستقوي به، أنهم يسوّلون لأنفسهم التحدث باسم الكنيسة ورئاساتها وباسم الشعب المسكين، كي يضفوا عل أفعالهم هالة من قدسية العمل باسم الدّين، والكنيسة والشعب منهم براء!
وها هم اليوم يتحدثون عن دفاعهم عن حقوق "أبناء شعبنا" وعن فرية "التغيير الديمغرافي"، وكلا الموضوعين أصبحا من ملامح الفترة الآنيّة ومن المواضيع الخطيرة، بل مواضيع الساعة، رغمّ أنها اصبحت تجارة مستهلكة رخيصة العبارات ومتقادمة الملامح وعتيقة الطروحات. فهي لم تعد رائجة ولا مرغوبة، ولا نعلم كيف سيجدون لها الحلّ السحري، وهم ليس بأيديهم ما يستطيعون إقناعَ حتى البسطاء من هذا الشعب المسكين الذي أصبح هو الآخر تجارة بخسة بيد اصحاب الدكاكين ومن ورائهم تجار الجملة الذي يوزعون الفتات على هؤلاء الأتباع المساكين من التجار الصغار. فما مِن هدية أو مكرمةٍ أو جعالةٍ تُعطى جزافًا، "لّله بالّله"، ومِن دون مقابل! ونحن وأنتم نعلم جيدًا، أنه متى انقطع تدفّق الفتات الذي يسترزق منه هؤلاء الأتباع المساكين الضاحكين على ذقون البسطاء من الشعب، حينها سوف تنتهي تماجيدهُم وهتافاتُهم لأسيادهم وتُطوى هذه الصفحة النتنة التي أخذت مساحة واسعة بحق الشعب المسيحي منذ السقوط في 2003 ولغاية الساعة، والتي من أجلها يتم ابتكار الجديد في المشاريع البائسة، وآخرُها "منظمة أصدقاء برطلة".
وبعدُ! أليست هذه هي الحقيقة يا أصحاب الادّعاء بقول الحق؟ وإلاّ كيف تكون الحقيقة؟ وما هي حقيقة فعالكم واستماتتكم بمثل هذه المشاريع الهزيلة بلا هوادة؟ بربّكم، أفتوا بما عندكم، يرحمكم الله كي يرحمنا من بعدكم!

نموذج سياسي ديني
نوايا الإخوان المسلمين في مصر، انكشفت عاجلاً وبانوا على حقيقتهم بفعل الإرادة الصلبة لشعب مصر الكنانة وصمودهم ومقاومتهم للإرادة الشرّيرة والمغرضة لمشروعهم السياسي الديني العنصري المنغلق الذي يكفّر كلّ مختلف عنهم. وبالفعل أثبتت الأيام أنّ هذا الشعب، وأقصد الأصلاء فيه مِن سلالة الفراعنة العظام، شعبٌ جبّارٌ في إرادته، قويٌّ بعزيمته، مثابرٌ في مطالبه، حكيمٌ في إدارته للأزمات. في المنطقة، هناك مَن وصل إلى الحكم ضمن قطار ما سٌمّي ب"الربيع العربي"، والذي مع الأيام ثبت أنه كان مجرّد فقّاعات انتفخت مع هطول أوّل زخّات التحوّل الديمقراطي المشوّه. وسرعان ما انفجر كبرياؤُها وتلاشت آثارُها، وليجرفها بالتالي تيارُ التمدّن والتحضّر والعلمنة بفعل الحقيقة الظاهرة، ويدقّ آخر مسمار في نعشها النتن. فالتجربة المصرية التي انتفض فيها الشعب وفرض إرادته الحرّة على حكم الإخوان الإسلامي المتشدّد خيرُ نموذج على فشل هذا النمط في إدارة دفة الحكم لشعوب المنطقة لخلوّ مشروعهم من برنامج مستقبليّ للتنمية والتطوير والتقدّم أولاً، وكذا بسبب افتقادهم إلى أفق مستقبلي واستراتيجية بعيدة الأمد لبناء الإنسان المصري و"العربي" التائه في متاهات الدّين الذي شوّهوا صورتَه بالتديّن المظهري الفارغ، إلاّ مِن كونه بؤرة للمفاسد وحبك الدسائس وتخوين الآخر في مسعى لفرض "حاكمية الله" على طريقتهم الخاصة وانتزاع أي أملٍ للشعب بمعرفة مصيره وتدبير شؤونه بالحكمة والجمال والحرية التي أنعمها الله على البشر، كلّ البشر.
أليس في تجربة مصر وعزل رئيسها الفاشل درسٌ جديرٌ بالتعلم منه مجانًا، لنا أولاً نحن شعبُ العراق ولشعوب المنطقة بمجملها؟ لقد أرادوا أخونة الدولة بفرض وصاية إسلامية على شعب عريقٍ يعرف قدرَ نفسه ومدى المساحة التي ينطلق بها لبناء قدراته وتطوير آفاقه من هنا، جاء رفض الشعب لهم ولنواياهم المشينة بعد أن منحهم فرصة استثنائية للسير في طريق الإصلاح وبناء دولة دستورية حديثة. إلاّ أنهم أضاعوها ولن يفيقوا من كبوتهم وانتكاستهم التاريخية التي كشفتهم على حقيقتهم بزيفهم وتعاملهم مَع مَن كان في نظرهم من الكفّار، وأعني بهم الأمريكان. فقد قبلوا التعامل مع "الشيطان الأكبر" بأيّ ثمن، لقاء توليهم السلطة، حتى لو كان على حساب الشعب المصري ومصالحه وتاريخه وحضارته. وهذا ما حدا بالكثيرين من العقلاء، ومن الإسلاميين أو المحسوبين على هذا التيار السلفي والإخواني المتشدّد، لأن ينتقدوا الخطأ الذي وقع به الإخوان في مصر، بإيغالهم بإحكام الخناق على صوت الشعب الرافض العودة للعصور المظلمة بفرض دولة الإسلام السياسي الذي أثبت فشله الذريع في الحكم.
 وحسنًا، صدرت تصريحات مبكرة من ساسة عراقيين يعترفون فيها بفشل المشروع السياسي الديني في العراق لعدم ملائمته للعصرنة والظروف التي تختلف في حيثياتها ووضعياتها وتقويماتها عن مرحلة العصور الوسيطة وما قبلها من زمن الظلمات والجهل والتخلّف. لكنّ الطريق مازالت طويلة وغير مفروشة بالورود. فبقايا الظلاميين ومتلازمي الجهل والتخلّف، ما يزالون يسرحون ويمرحون على الساحة وبعلم أجهزة الدولة وتحت عيون المسؤولين، من سياسيين وحزبيين ومراجع ممّن يغضّون الطرف غالبًا، حفاظًا على منافعهم الشخصية والحزبية، أو من أجل الاحتفاظ بالعصا من وسطها، ادّخارًا للوقت واستعدادًا لكلّ الاحتمالات. وفي هذا وذاك، ملامةٌ كبيرة وخيانةٌ للشعب والوطن واليمين المقسوم غليظًا.
-   يتبع

لويس إقليمس

49
الحقيقة، هل تنتحر؟ ج 1

وأنا أتصفح ما يُكتب في زاوية "كلمات بلغة القلوب" على موقع بخديدا/ قرقوش، ليوم 27 حزيران 2013، توقفتُ قليلاً عند الكلمات التالية:
"قد يحتال الانسان على الحقيقة ولكنه أبدًا لن يقوى على تغييرها، والزمن مهما طالت فترة الاحتيال لابد ان يكشف الحقيقة والانسان كائن قادر على معرفة الحقيقة، فلا مبرر للعناد".
أقرأ ما بين السطور وأصحو على صوتٍ يُسمّى بالحقيقة. والحقيقة والحق كلمتان بمعنى واحد متناغم لا لبسَ فيه. سابقًا وقبل أكثر من ألفي عام، سأل بيلاطسُ يسوعَ: وما هو الحق؟ استفسارًا منه عن حديث يسوع عن الحق والحقيقة حينما وقف أمامه ليحاكمه عن إثمٍ ادّعاه اليهود بحقه ولم يرتكبه بقوله أنه ابنُ الله!فهل قال المسيح الحقيقة، كلّ الحقيقة في حضرة الحاكم الروماني؟ وإن كان فعلها دون خوف من حكمٍ صارمٍ كانَ متيقنًت منه، فهل هذا لنا نموذجٌ لقول الحقيقة كيفما كانت ومهما كانت النتائج؟ أسئلة عديدة يترقب السائل الإجابة عنها . وبغض النظر عن الأجوبة المتنوعة والمختلفة التي يتوقعها الإنسان حول كنه الحقيقة وكيفية البوح بها وكشفها، أيًا كان الطرف المعني بها، الشاكي أو المشتكي، نتساءل نحن أيضًا: ما هي الحقيقة عند الإنسان؟ وكيف يفهمُها؟ وماذا تعني له في حياته وفي علاقته مع غيره؟ وها من نماذج للاقتداء والاهتداء والاستنارة؟ هذا ما نتحاول التعرف إليه والتطرق له في هذه الأسطر القليلة وبالتتابع.
مَن الكاذب ومَن الصادق؟
في حياتنا اليومية، الكلّ يدّعي أنّ الحقيقة معه: ألصادق والكاذب والمتلوّنُ من البشر. جميعُ هؤلاء يتحدثون عن احتفاظهم في جعبهم بالحق والحقيقة، وما سواهم مدَّعون أو مغالون أو كاذبون. وتلكم هي مشكلة الناس. فمنهم مَن يشهد للحق دون مواربة، ومنهم مَن يغضّ النظر بمكالبة، وفريقٌ آخر ينفر مِن الحق والحقيقة بعنادٍ ومجازفة وآخرون يبتعدون عنها تفاديًا لأيّ تورط غير محمودِ العواقب. لذا، تبقى الحقيقة المسكينة أسيرة الكلمة الشجاعة والموقف الجريء حين قدوم مَن يستطيع النطق بها بلا خوفٍ وتردّد. لكنّ الحقيقة، لا يمكن إخفاؤها بغربال، كما الشمس! فهي تخترق بأشعتها أثير كوكبنا محرقةً رمالَ الصحارى ومسخنةً مياه البحار والمحيطات والأنهار ومعتديةً على الصلع من البشر في قيظ الحرّ وفي عزّ النهار ليبقى مَن غادره الشعرُ بسبب تقادم الأيام يعاني مِن حرقتها ولذعها.
 هكذا هي الحقيقة، لا يمكن لنورها أن يتلاشى، ولا لألقِها أن يختفي، ولا لصوتها أن يخفت ولا لشعاعها أن يهادن. هي كالضوء الساطع في عزّ الظلام لكشف المستور والمخفي، وكالعاصفة في بحر هائج تُغرق مَن يتبجّح أو يحيد عنها، وكالنار في عنفوان الشدّة تمحّص معادن البشر وتفصل الجيّد مِن الرديء وتفضح المدّعي لها عن حاملها الحقيقي بتواضع ودون صخب أو مَرَج.
أيمكن للنور أن يتلاشى أمامّ مَن يغضّ النظر عن حقيقة ماثلة أو مَن يعيث فسادًا بمصالح البشر، وطنًا ومدينةً وأهلاً وأحبةً؟ سؤالٌ يُترك لمَن يعنيه أمرُ المواربة للحقيقة والكارهِ لها والناكرِ لوجودها لكونها تكشف زيف أمثال هؤلاء عندما تُكشف الأوراق !
مختصّون بالتجارة بالشعوب
إنّ كلَّ مَن يدّعي لنفسه رجاحة العقل وفصاحة اللسان وبيانَ الرأي دون سواه، فهو يثبت عكس ادّعائه، لا لشيء، إنّما لكونِ كلِّ ادّعاءٍ باطلًا ما لم يأخذ في الحسبان غيرَه الذي يشاركه الحياة اليومية وحدودَ حريته التي يتقاسمُها مع هذا الغير وفق معايير لا تخرج عن رصانة الحقيقة. فالحياةُ، مِن هنا تكون عقد مشاركة بين البشر وليست متاجرة لبعضٍ على حساب سواهم بانتهاز سذاجة البعض وتعاطف غيرهم العفوي مع مراكز وقوى المدّعين بحمل هذه الحقيقة دون سواهم وتعاليهم على الغير بعلّة أو بدونها. أمّا أنْ يتمّ التلاعب بعقول البشر، ولاسيّما السذج ومِن أهل الحاجات والفاقة بأساليب انتهازية واستغفالية واستخفافية بعقول هؤلاء، فهذا ليس مِن شيم أهل الحق والحقيقة، بل تلكم هي من سمات مَن يضحكون على الذقون دون خجل. وهؤلاء أشبه بمَن قال عنهم المسيح ب"المرائين الذين يزيّنون أعلى الصحفة، وباطنُهم شرٌّ وبلاءٌ وغيرةٌ وحسدٌ" وما سواها مِن صفات الكبرياء والطمع وحبّ المال والجاه والسلطة.
-   يتبع
لويس إقليمس
بغداد، في 23 تموز 2013


50
الكنيسة والهوية المسيحية

تطلع علينا بين الفينة والأخرى أصواتٌ تنتقد الكنيسة ورجالَها، أو نقرأ في مواقع ومنشورات آراءً تتفاوت في تأييدها أو امتعاضها من سلوكيات أو ممارسات تصدر هنا وهناك، سواءً مِن ذواتٍ كرّسوا أنفسهم لأداء رسالة راعوية أو مِن أشخاص يدّعون قربهم من الكنيسة ودوائرها ونيلِ دعم منها. وفي كلّ هذا وذاك، نتطلّع جميعًا أن تبقى هذه المؤسسة رصينة، متعافية، قوية وصامدة بوجه الأمواج العاتية والتيارات الشديدة الانحدار كي تثبت أنها مبنية على صخرة الإيمان القويم، الصخرة البطرسية كما أرادها المسيح مؤسِسُها، حينما خاطب بطرس هامة الرسل: "أنتَ الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها".

الكنيسة مؤسسة
مفهوم الكنيسة، هي أنها مؤسسة دينية تحرص على تقريب البشر من الله عبر طقوس للصلاة و إرشاد المؤمنين إلى طريق الهداية والمحبة والملكوت، إضافةً إلى تلبية حاجاتهم الروحية الأخرى من تقبّل أسرار وتكافل في الحياة وتطبيق كلام المسيح، مؤسس هذه الكنيسة على الأرض. وبعبارة أخرى، هي الكفيل أو بالأحرى هي الموجّه للمؤمنين نحو طريق السماء، المنزل الآخر للإنسان بعد انقضاء مأموريته معدودة الأيام والسنوات على الفانية، أرض الشقاء!
والكنيسة ليست مجرّد بناء من حجر وطابوق واسمنت وزخارف وديكورات ورسوم وصور مجرَّدة لا تنطق. فالتاريخ يُحدّثنا عن بيع أبنية كنسية وعقارات وممتلكات عائدة لها من أجل تأمين حياة مؤمنين أو تفادي كوارث إنسانية ومجاعات, فالحجر يمكن تعويضُه، أمّا البشر والروح فلا. من هنا تكون هذه المؤسسة المهمة، حياةً وأداةَ انسجام للمؤمن مع ما يرضي خالقه ووطنه وأسرته وقريبه. أي، هي الطرف المساعد لمؤمنيها لعيش حياة منسجمة في المكان والزمان، وفي الوطن وحيثما يتواجدون مع غيرهم، المختلفين أو المؤتلفين في الدين أو المذهب أو القومية أو الوطنية، وما سواها من أدوات تشابه أو اختلاف.
والكنيسة ليست فردًا معينًا بشخص الكاهن أو الأسقف أو رئيسها الأعلى، مهما كانت مرتبتُه ودرجتُه. بلْ هي أنا وأنتَ وأنتِ ونحن جميعًا الذين نتقرّب من مذبح الرب وننهل الراحة والطمأنينة عند أقدام يسوع ومريم وسائر القديسين والشهداء، حين نطلبُ عونهم وشفاعتهم في المحن والنكبات والمصائب، أو حين نطلب راحة الفكر والنفْس والجسد على السواء، وحين نختلي بأنفسنا لأخذ النَفَس وفحص الضمير ومراجعة حياة. ومن ضمن واجباتها، وهي كثيرة، حثّ المؤمنين للتعايش والعيش الوطني المشترك واحترام نظام الدولة مع الإبقاء على حسن الجوار مع كافة المجتمعات دون تمييز. وهي المسؤولة أيضًا عن توعية شاملة، ليس لرعاياها فحسب، بل كلّما تسنّت الفرصة وحضرت المناسبة، نحو مجمل أفراد المجتمعات الأخرى التي تتقاسم مع المسيحيين حلو الحياة اليومية ومرّها. وبهذه السمة، تثبت الكنيسة للمجتمع ككلّ، رعايتَها الأبوية ومساهمتها الوطنية في بناء مجتمع متكافلٍ متآخٍ ومنسجم يجتمع على أهداف وطنية وأسسٍ إنسانية متفق عليها بالإجماع بين سائر الأديان والمكوّنات. ألمْ يستخدم "غبطة البطريرك ساكو" هذه السمة الإيجابية القوية النابعة عن روحية المسيحية في مبادرة وطنية لجمع الساسة الفرقاء، وقد أثمرت وحثت غيره لتكرار التجربة حين تلتها مبادرات لاحقة حلحلت الوضع المتأزّم آنذاك؟
إذن، كلُّ هذا ليس فقط جزءًا من الرسالة والشهادة التي تتوجب على كلّ مسيحي أن يقوم أو يدلي بها، بل فيها واجبٌ على جميع الرعاة المؤتمنين على رعاياهم، أن يساهموا من جانبهم بشيء من التوعية الشاملة بخصائل المسيحية وفعّاليتها وسط مجتمعاتهم وأوطانهم وبلداتهم ومواقعهم. وتبقى عملية التثقيف المتلازمة هذه، للشهادة المسيحية اليومية، والمتمثلة بالكنائس والرئاسات المختلفة، من الضرورات التي يستوجب توجيهها نحو هدف ترسيخ هويتها المنفتحة على الغير بكل جوانبها الدينية والقومية والاجتماعية والتاريخية والتراثية. وهنا، لا يمكن الإنكار أن الفعل تجاه الوجود المسيحي وهويته وكيانه قويٌّ ويتطلّب الكثير من التحدّي وردّ الفعل، وليس الخنوع والقبول بالأمر الواقع. فمن يسكتْ عن حقّ وهو يُغتصب، شيطانٌ أخرس ولا يستحق أن يكون في مواقع المسؤولية عن الرعية، أية كانت هويتُها.

عمل الكنيسة والرعاة
لكون الكنيسة، لا يمكنها أن ترقى إلى مهمّتها السامية ورسالتها الخلاصيّة إلاّ من خلال سموّها هي ورجالها على أية مصالح مغرضة أو شخصية أو ضيقة الأفق أو أعمال غير سويّة أو شائنة لا سمح الله. لذا ينبغي لها تفعيل مهامّها الكثيرة والعديدة، كي تتمكن بالتالي مِن جمع أبنائها جميعًا حول هذه الرسالة، تمامًا "كما تجمع الدجاجة فراخَها تحت جناحيها"، فيشعروا بالدفء الأبوي والحنان الأمومي والأمان الاجتماعي كلّما شعروا بفقدانه. وهذا من أبسط مهام الرعاة في رعاياهم. فالراعي الحقيقي، هو مَن يسرح بخرافه في مرابع خصبة لأجل تغذيتها بطعامٍ صالح ومِن حقلٍ طيّبٍ فيه تتلقى أسمى تنشئة وتتلمذ بواسطتها للمسيح الذي دعاهم ليكونوا أبناء الله، روحًا وجسدًا وإيمانًا وحبًا ورجاءً. ومن هنا كما يقول غبطة البطريرك ساكو في رسالته الرعوية الأخيرة عن الرعية صورة الراعي: "الراعي هو الأب لأبناء رعيته وهو المسؤول عنهم، يعيش في سبيلهم ويوظف كل إمكانيته من أجل بنيانهم ونموهم وسعادتهم وخيرهم". من هنا يكون الكاهن هو الحارس الأمين الموكَّل على حياة أبناء الرعية، ليس الروحية فحسب، بل الاجتماعية والتربوية والتثقيفية، والعائلية ايضًا.
وعليه فالكهنوت بمعنى آخر، ليس مجرّد وظيفة يمتهنها إنسانٌ ما لمجرّد الرغبة بارتقاء هذه الدرجة أو التسلّل إليها بغير دراية ومن دون أهليةٍ وتأهيل أو على سبيل الموضة والوجاهة. بل إنه أرفع من ذلك بكثير. فهو منزلة ملوكية في السماء والأرض، على "رتبة الكاهن الأكبر ملكيصاداق" الرفيعة التي تحدث بها الكتاب المقدس. وهو أيضًا "رسالة وحياة تأخذ كل مشاعر الكاهن، قلبه ووقته وحياته"، كما أشار البطريرك ساكو في الرسالة المذكورة أعلاه. وكي تكون رسالتُه مثمرة ويكون صادقًا في رسالته مع نفسه ومع الله ومع الرعية، لا بدّ أن يدخل إلى عمق الحياة اليومية لأبناء رعيته. أي بمعنى آخر، أن يكون تواجده وسطهم، بمثابة "قوة إيجابية" في متابعة شؤونهم الروحية والزمنية على السواء. وإذا ما استطاع نقل بشرى الفرح والرجاء والمحبة والإيمان والسكينة الروحية إلى نفوسهم، يكون قد أثبت جدارتَه الكهنوتية وقدوتَه للمسيح في محبة البشر، كلّ البشر، ومنهم أبناء رعيته على وجه الخصوص. فالذي أتعبته عوادي الزمن الغادر، وقهرته الظروف الصعبة، وقاده الخوف واليأس وفقدان الأمان، لاسيّما في ظروفٍ كظروف بلدنا،  يكفيه كلمةٌ طيبة من راعيه يدعوه فيها للارتياح أمام أقدام الصليب وعند أيقونة العذراء الحنون، فيسمع صوتًا يناديه " تعالوا إليّ يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال وأنا أريحكم، فإن حملي خفيف ونيري طيّب". أمام مثل هذا الوعد الصادق والصريح مِن رسول المحبة والسلام وفادي البشر، فهل يتردّد مَن فقد الثقة بكلّ شيء بالإنصات لصوت الراعي الصالح؟


المسيحية هوية شاملة

لا يمكن القبول أن تُحشر الهوية المسيحية بالطائفية أو بطوائف. فهي أسمى من ذلك بكثير. هي رسالة وشهادة، وهي عملٌ جماعيٌّ مثمر و"خميرة" مؤثرة وإيجابية وسط المجتمع، على اختلاف نشأته وتلاوينه وثقافته. ومن ثمّ، فإنّ القول بالطوائف حين وصف المسيحية وكنائسها المتعددة الطقوس والواحدة بالإيمان، إنّما يعني حشرها في عنق زجاجة يصعبُ معها الخروج منها. بل إن هذا الوصف تقزيمٌ لدورها الرسولي الشامل ويُرادُ به حصرها بمفهوم طائفيٍّ ضيّق لا تختلف فيه عن سائر المكوّنات التي تدّعي الأحقية والأغلبية والأكثرية والأولوية على غيرها في كلّ شيء. وبمعنى آخر، هذا المفهوم يُدخلها في صراعٍ طائفي يتمّ بسببه عزل المسيحيين في جانبٍ أكثر منه سياسيّ، ولا ينسجم مع الرسالة التي تحملها المسيحية وكنيسة المسيح الجامعة والواحدة. فالروح فيها واحدٌ والراس واحدٌ والهدف واضحٌ، مهما اختلفت في المرجعية أو وسيلة الصلاة وأداء الرسالة. وحين تصبح الديانة، أية ديانة، محصورة بمفهوم طائفي، فذلك يعني انغلاقُها على ذاتها وحصر رسالتها وشهادتها ووقوعها في حبائل الخصام والاختلاف والخلاف مع غيرها. وهذا ليس من صميم المسيحية، التي أنشأها المسيح شاملة على صخرة إيمانية صلدة تجمع البشر جميعًا حول كنيسة واحدة شاملة منفتحة. وأمنية الجميع أن تعود واحدة تحت راية راعٍ واحد "كونوا واحدًا، كما أني أنا والآب واحد".
ومن هنا لابدّ أن تشكل المسيحية، أيًا كانت هويتُها الطقسية وتابعيتُها المرجعية، وحدةً متكاملةً بين مؤمنيها وتتعامل مع جميع مكوّنات المجتمع. أمّا التقسيم الذي رسمته لها روزنامات الجهات المغرضة، ومنها الغربية والصهيونية والأمريكية خلف الكواليس، فهدفُها واضح لا يقبل اللبس. وهذا الأخير يتمثل بدق الأسفين بين الكنائس المختلفة وجعلها تنساق إلى صراعٍ بين الطوائف المتعايشة مستهدفةً فسخٍ الآصرة التي تجمع هذه الكنائس وجرّها إلى فتنة شبيهة بالتي هي قائمة في هذه الأيام، ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة التي تغلي بسبب الفتنة الطائفية التي خلقتها هذه الدول بمساعدة بعض الأنظمة التي تنفذ تلك الأجندات المشبوهة. ولعلّ مِن أكثر الأهداف تنفيذًا والنتائج المنظورة وممّا أتى بثماره منذ تقرير الدول الكبرى صانعة القرارات الدولية تغيير الخارطة السياسية للمنطقة، يتمثل بموجات الهجرة المتتالية والمستمرّة التي طالت المسيحيين وسائر المكوّنات قليلة العدد "الأقليات" لإفراغ الشرق العربي منهم وفق برنامج منهجي مخطَّط له برويةٍ وحكمةٍ في مطابخ الغرب الذي لا يهمّه سوى الدولار وأرباحُه قبل كلّ شيء!

لويس إقليمس
18 تموز 2013

51
رهان التحدّي في انتخابات مجلس محافظة نينوى

لم يكن بودّي العودة للكتابة في هذا الموضوع، لأنه أصبح من الماضي بالرغم من عدم مشروعيته الإجمالية، لما شابَهُ من تجاوزات وخروقات وانتهاكات وتدخلات غير حميدة على مستويات عالية، حزبية ومدنية وأطراف محسوبة على الكنيسة. إلاّ أن ما اضطرّني إلى ذلك، محاولات خائبة من عناصر هزيلة في باخديدا ومناطق مسيحية غيرها ومن أتباع "المجلس الشعبي القطاري" من المرتزقين الذين يحاولون تجميل صورتهم أمام الغير، من خلال الطعن أو التشهير أو التقليل من شأن كلّ ذات لا يدين أو يؤيد أو يتبع توجهات هذا التنظيم المدعوم من قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني التي نأمل تفهمها لواقع المنطقة وترجيح الرويّة والعقل وانفتاحًا أكثر نحو جميع الشرائح الوطنية فيها. ولو أن الأخير، لِما يُعرف عن قياداته المحنكة من حكمة ورويّة وتعقّل ودراسة بأحوال وآراء العقلاء من أهل المنطقة، حاول الإلمام بحقيقة بعض عناصر هذا التنظيم الذي يدعمه بقوة، وكذا بطبيعة المنطقة وتطلعاتها وحيثيات موطنها وثقافتها، لما كان وقع في مطبَات وعثرات لن تخدمه على المدى المتوسط والبعيد. أمّا أن تصل بعضٌ من النفسيات الضعيفة الرؤية والهزيلة الفكر والمرتزقة الحال مِن أبناء هذه المنطقة إلى حدّ اللؤم والوشاية بمن ينتقد ويعترض على نهج تنظيمهم الخائب ويفضح أساليبهم القسرية غير الديمقراطية، فهذا يبرهن ديدنَ مَن يرعاها مِن الداخل، ومَن يعدّون أنفسهم قادة لا يُجارون، بسبب إحاطة أنفسهم وشخصياتهم المتصدعة بمثل هذه العناصر الهزيلة. فإلى مزبلة التاريخ، أمثالُ هؤلاء!

حجم الماكنة الدعائية وأساليبُها
 لا يخفى على أحد، حجم الماكنة الدعائية الانتخابية التي استخمدها تجمّع التنظيمات المسيحية بأدواتها المتعددة على مستويات عالية والأساليب المستخدمة في تسقيط المرشحين الآخرين أو التشهير بهم أو بث الدعايات المضادة لشخوصهم والطعن بهوياتهم الوطنية. فقد سخّر "المجلس الشعبي القطاري"، لتلك الماكنة الدعائية، وحشّد لها وزراء ونواب ومسؤولين إلى جانب أدوات استفزازية لا ترقى إلى مستوى المواطنة المسؤولة والشعور بحجم المسؤولية المترتبة على فعلتهم غير الحكيمة. وبمعنى آخر، مثّل مرشح "المجلس الشعبي القطاري"، أكثر من منازلة دولة بكلّ جبروتها وأدواتها لتحشيد الصوت المسيحي لصالحه حصرًا دون غيره. ومع ذلك، وقفت شريحة المثقفين والحكماء والمكتوين بوعود هوائية "سرابية"، إلى جانب مرشح أكاديمي مستقل من" التجمع الوطني المسيحي الموحد"، رغم الإمكانيات المحدودة لهذا الوليد الجديد النازل على الساحة منذ أشهر قلائل. إنّ كلَّ مَنْ صوّت لمرشح هذا التجمع الوطني المستقلّ الجديد، كان على وعيٍ تام بمنح صوته له استنادًا إلى ما شهده فيه من وطنية خالصة واستقلالية في التعبير وتفانٍ من أجل خدمة مجتمعه ووطنه وأهله. وقد حسبت لهؤلاء هذه المواقف، شارةً من الفخر والاعتزاز والاحترام، بعكس مَن خنعَ وخضع للتهديدات وارتضى الذلّ والمهانة. والناس بكلّ الأحوال معادن مختلفة، ويُحسب لكلّ جانب موقف!
عمومًا، ما يمكن قولُه، أن المرشحين الآخرين مِن غير قائمة "المجلس الشعبي القطاري"، سواءً كانوا أو لم يكونوا على علمٍ كاملٍ، بما أعدّ ضدّ طموحهم وتنافسهم، مِن إمكانيات مادية وإعلامية وبشرية، فهم كانوا أشبه بمن يقارعون جدارًا إسمنتيًا ضخمًا يعسر اختراقه أو ماموثًا يصعبُ زحزحتُه. ومع الإمكانيات المحدودة للتجمع المسيحي الموحد الجديد، فقد تمكّن من اختراق قلاع "المجلس الشعبي القطاري" المتعددة وإحداث حالةً من الإرباك والتخبط في صفوف أنصاره بل وفي قيادة تكتّل التنظيمات المسيحية المؤتلفة والمدعومة من الطرف الكردي نفسها، بسبب شعور الناس برغبة حثيثة برؤية تغيير في تمثيلهم وكذا بسبب فقدان الثقة بالتنظيمات الهزيلة المنضوية تحت راية هذا التكتل، والتي لم يرقى أداؤُها إلى المسؤولية في تمثيل المسيحيين قاطبة. وإزاء ذلك الهاجس المقلق، جرى تحشيد تلك الماكنة الانتخابية الضخمة، من أجل ترجيح كفة مرشح "المجلس الشعبي القطاري" بالتسلسل الأول دون غيره بالأسلوب والصيغة التي فُرضت، مع ما رافق العملية الانتخابية عمومًا، من ثغرات وتجاوزات وخروقات، ومن أموال صُرفت من مصادر معروفة ومن ضغوطات وعمليات رشوة وتضليل للناخبين وترغيب ووعود "براقشية"، لم تكن خافية حتى على مسؤولي المفوضية المستقلة للانتخابات.

تهنئة للفائز عن الكوتا المسيحية اليتيمة، وعتب مشروع

بدءًا، لا بدّ من القول أن الاجحاف الذي لحق بمحافظتي نينوى والأنبار بتأجيل العملية الانتخابية عن الموعد المقرّر لحصولها مع باقي المحافظات، لم يكن له مِن مبرّر. بل بالعكس، ترتبت عليه نتائج سلبية، منها على سبيل المثال لا الحصر، ضعف الإقبال الجماهيري على صناديق الاقتراع، ولاسيّما في نينوى الذي لم يتعدّى 38%، بحسب مصدر بالمفوضية المستقلة العليا للانتخابات، وكذا التأثير على سيرها من جهاتٍ تسيّدت الوضع في سهل نينوى دون منازع، بسبب حالة الإرباك والتهديد والإحباط التي طالت المرشحين والناخبين على السواء، ناهيك عن هشاشة الوضع الأمني المهزوز منذ فترة ليست بالقصيرة.
وهنا واتباعًا للبروتوكول، لا يسعني إلاّ تهنئة الفائز عن مرشح "المجلس الشعبي القطاري" الديمقراطي الكردستاني، بالرغم من الطريقة غير الديمقراطية المعروفة التي أهّلته للتفوّق على منافسيه، سواءً على مرشحين من قوائم متعددة أو على مرشح "زوعا"، هذا التنظيم المسيحي القومي العريق الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من فقدان شعبيته في عموم سهل نينوى وغيره من المناطق منذ انضمامه غير المجدي إلى تكتّل التنظيمات المسيحية بزعامة "المجلس الشعبي االقطاري"، بعد أن كان إلى وقت قريبٍ ذا باعٍ طويلٍ على الساحة السياسية بتاريخه النضالي المشهود له. وإنّي أتمنى للفائز بالمقعد اليتيم، ممثل "التنظيم القطاري" الذي غزا مناطق تواجد المسيحيين بوسائل غير محمودة ورخيصة، أن يكون عند حسن ظنّ ناخبيه الذين زُجَّ معظمهم لانتخابه مرغمين تحت سطوة التهديد والتخويف والترغيب من أطرافٍ متنفذة في المنطقة، لأسبابٍ وحالات وظروف معروفة.
 لقد أفردنا في مقالة سابقة، شيئًا ممّا جرى قبل العملية الانتخابات من سلوكيات غير مقبولة وتصرفات مستهجنة من أطراف مشاركة في العملية الانتخابية ومنها جهات كردستانية تتولى مسؤولية ما في المنطقة. وإذ نوجّه نقدنا وامتعاضنا للطريقة التي سارت فيها العملية الانتخابية، بدءًا بالدعاية ومرورًا باليوم الانتخابي وعملية الفرز والعدّ وما بعد إعلان الفوز، فإننا نقول أنّ من حقّ شهود العيان أن يقولوا كلمتَهم، حتى لو كانت مرّة إزاء هذا الغير. إننا نعتقد أن إقحام الديمقراطي الكردستاني نفسه بالاشتراك بوسائله وأدواته ببث الدعاية الانتخابية حصرًا للمرشح الفائز عن "المجلس الشعبي القطاري"، سواءً بعلمٍ أو دون علمٍ منه، فذلك يعني كون الأخير مرشحًا رسميًا عن الحزب الديمقراطي الكردستاني ذاته. وكفى ضحكًا على الذقون والتلاعب بعقليات البسطاء والسذّج من أبناء شعبنا المسيحي، ولاسيّما المتورطين أو الواقعين تحت سطوة هذا التنظيم وأنصاره من الذين يتقاضون أجورهم الزهيدة من صندوق الحسنات وهم لا يعلمون أنّ مَن يطيل ويمنع تحوّلهم إلى عناصر سلكية في أجهزة الأمن الفيدرالية، هي هذه الجهة عينُها كي تبقيهم أذلاّء تحت رحمتها وتتحكم بأصواتهم وتوجهاتهم ومصيرهم.
وإنّي أكرّر ما قلتُه، إنه لمن المعيب حقًا، الإشارة في الندوات التي عقدها ممثل الديمقراطي الكردستاني في عدد من القصبات المسيحية، إلى أطراف عديدة ادّعى تأييدها لمرشحها الوحيد، ولاسيّما الكنسية منها، رغم أن هذه الأخيرة كانت قد صرّحت قبل أيام بحياديتَها التامة ووقوفها على مسافة واحدة من جميع المرشحين. فهل إنّ ادّعاءَ المسؤول الكردي المذكور بكون مرشح "المجلس الشعبي القطاري"، قد نال تأييد الكنيسة وأطرافًا أخرى تابعة له من التي ذكرها في تلك الندوات، كان من دواعي قطع دابر أي تأييد لمرشحين غيره؟
 إنّ مراجعة واعية لمثل ذلك التصرّف غير المسؤول، سوف تُظهر الخطأ السياسيّ الكبير الذي وقع فيه هذا الحزب العريق الذي أقحم نفسه في مثل هذا التنافس غير العادل. لقد كان الأجدر بممثلياته في المنطقة، أن تقف على مسافة ديمقراطية واحدة من جميع المرشحين، لأنّ هؤلاء أيضًا وطنيون ويكنّون كلّ الاحترام والتقدير، ليس للشعب الكردي الصديق فحسب، بل للقيادة الكردية عامة وتاريخها النضالي في المنطقة. لقد كان عليها عوضًا عن ذلك، أن تراقب الأوضاع عن كثب وتنتظر نتائج صناديق الاقتراع لتجري بحرية وبالوسائل الديمقراطية، لكي تعرف حقيقة حجم الأطراف التي تدعمها وتموّلها، والتي لم يلمس منها الشعب المسيحي فائدة، سوى الادّعاء والإيغال بالخنوع للغير وللقادم الغريب من خارج المنطقة. حينئذٍ، وبعد تحليل الواقع والمؤثرات وسبر تطلعات أهل المنطقة وتوجهاتهم، كان يمكن للقيادة الكردية المتواجدة في المنطقة، أن تنطلق من تلك البيّنات والمعطيات إلى كسب ودّ فئاتٍ أخرى إلى جانبها، بدلَ الانحياز التام لمرشح تكتّل التنظيمات التي أصبح هدفُها الواضح تناول الكعكة لوحدها دون مشاركة من غيرها المختلف عنها في الرؤية والقيادة والرأي.
كما أنّ السلبية الأخرى التي تُحسب على الديمقراطي الكردستاني و"المجلس الشعبي القطاري"، تكمن في ما رافق حملتهم الانتخابية، من تهديد وترويع للناخبين في حالة عدم التصويت لمرشحهم، سواءً في الندوات التي عقدت بالإنابة أو باستدعاء أفرادٍ أو الوعد بمكافآت ومكاسب متنوعة أو بالرشى بكارتات الاتصال أثناء العملية الانتخابية وما حصل خلف كواليس مكاتب العدّ والفرز.

نقدٌ من أجل البناء
من هنا، يكون نقدُنا للأسلوب العسكري الذي انتهجه تكتّل التنظيمات المسيحية، مدعومًا من "المجلس الشعبي القطاري" وبتمويل  وتدخل مباشر من الجانب الكردي في انتخابات مجلس محافظة نينوى الأخيرة، في محلّه وليس فيه شائبة، إلاّ لمن أراد البقاء في خنوعه الذليل مسيرة حياته. وأنا لا أعتقد أن القيادة الكردية التي تسعى لتعزيز طريق الديمقراطية في بناء الإقليم إستعدادًا لتشكيل دولتها المستقلة، تخشى الانتقاد وتخافه، لأن النقد البناء أساسٌ راسخٌ وضروريٌّ لتقدم الشعوب والبلدان، ومن دونه لن يكون من السهل تصحيح الأخطاء وتقويمها. ومِن ثمّ، فالنقد ليس عداءً أو تهكمًا  أو نيلاً من قدرات الغير الذي يمكن أن يخطئ أو يصيب، لأنه بشر، والبشر معرّض للخطأ والصواب والكبوة والنهوض. واتمنى ألاّ ينتهي الأكراد إلى قرارٍ  بالعثور على أفضل الحلول بعد أن يستنفدوا او يجربوا جميعها ولاسيّما السيئة  منها.  ولعلَّ ما يجري في منطقة سهل نينوى مِن إحداها.

الكوتا العقيمة لمْ تعد مجدية
كانت الأقليات الدينية والإثنية قد استبشرت خيرًا بتحقيق حصة "الكوتا" التي تضمن لها تمثيلاً وضيعًا معينًا، سواء في مجلس النواب أو في مجالس المحافظات والأقضية والنواحي. لكنّ الحيتان الكبيرة، كما يبدو، لم تشبع مِن المكتسبات التي حصلت عليها من خلال القوانين ووضعية اللوائح الانتخابية، بل صوّبت أنظارها الطامعة نحو "كوتا" الأقليات. وقد تمكنت فعلاً من سرقتها بوسائلها الملتوية، عبر تنظيمات تنتمي إليها وتموّلها مركزيًا، بل مأجورة لمصالحها في مواقع تواجد الأقليات. وقد اشتكى الشبك والإيزيديون والمسيحيون من مثل هذه الوسائل الملتوية التي استخدمت للنيل من حصتهم. وبذلك، تكون فائدة "الكوتا" هذه منتفية الغاية وفاقدة الفائدة. وهنا يأتي عمل المنظمات غير الحكومية، لفضح هذه الأساليب غير الديمقراطية في الاستيلاء على مكاسب الأقليات التي أقرّها الدستور.
إن هدف الانتخابات هو منح الصوت للشخص الكفء والجدير بأن يحمل أماني وتطلعات منطقته وأتباعه إلى الجهات التنفيذية والتشريعية بهدف التعريف بحالة الإحباط والتهميش ونقص الخدمات التي تعاني منها منطقته وأهلُه والتخفيف عن كاهلهم. ولكن، مع حالة الإحباط والبطالة والجوع والفقر في أوساط الشعب عامة، تنتعش أدوات الفساد والمتاجرة بالأصوات التي تُشترى وتُباع في مزاد صناديق الاقتراع، قبل التصويت وبعده، وحتى في مراحل الفرز والعدّ والتدقيق. وتشتدّ حالة الإحباط والخوف من عمليات التزوير عند المرشحين المستقلين الذين لا مصادر تمويل لديهم، لاسيّما في أوساط العاملين في منظمات مجتمع مدني. لكنّ هؤلاء، لا حول ولا قوّة لهم، ولا سلطة رقابية لهم على صناديق الاقتراع. كما أنهم يفتقدون لوسائل الدعاية الوافية، بسبب فقدان مصادر تمويلها، إلاّ مَن سلّموا مصيرَهم بيد أحزاب كبيرة متنفذة لتحقيق أجنداتها، حتى لو أضرَّ ذلك بمصالح الناخبين والمتاجرة بمعاناتهم وآلامهم وطموحاتهم المشروعة. والسبب الرئيس، يكمن في الجهل بالعملية الديمقراطية في أوساط مجتمعنا وفقدان هذا الأخير للثقافة الانتخابية المتحررة المستقلة الجريئة. فقد لوحظت في العملية الانتخابية الأخيرة، وجود منظمات مسيّسة، تُعدّ فروعًا أو ممثلة لأحزاب كبيرة تعمل على خدمتها بالنيابة عنها. وهذه بطبيعة الحال، لن تكون بفعلتها غير الديمقراطية، حريصة على مصالح ومعاناة الناس الذين صوّتوا لمرشحيها.
وقصارى الكلام، تكون كوتا الأقليات أصبحت عقيمة وفي حكم المطالبة بزوالها ونقضها، لانتفاء أهميتها والهدف الذي أُقرّت من أجله.

لويس إقليمس
بغداد، في  30 حزيران 2013


52
مرةً أخرى، مع الطائفية: مسبباتها وآثارها!   
   
   لا أحد ينكر مقت المجتمعات المتحضرة ومثقفو الشعوب لكلّ ذي صلة بآفة الطائفية أو ما هو ناجم عنها أو منادٍ بها. والمعنى المعروف عن الطائفية، انسياق الشخص وراء تعصّبٍ لكل ملّة أو دينٍ أو جماعةٍ أو إثنيةٍ، دون الأخذ بنظر الاعتبار والاحترام لما حوله من بشر مختلفين عنه بها، أو مشاركين له بها في الأرض والوطن والثروة، هويةً ومصيرًا. إلاّ أن الأحداث المتسارعة قد عجنت هذه الظاهرة المقيتة مع مفاهيم وأفكار وفلسفات، كان الدين والسياسة على السواء من عناصرها الأساسية والسبب في تفرقة الشعوب والأوطان وفي انقسام الأخيرة وتمزّقها. وما يخيف أكثر، نزوع الساسة إلى هذا الفكر الهدّام في تنفيذ مآربهم للوصول إلى المثلث المرموق والطموح اللامحدود: في الجاه والمال والسلطة، مهما كانت النتائج، رغم عدم الاعتراض المبدئي على حق الفرد في تبيان أصول طائفته وتاريخها وقدرتها على استيعاب الحاجات والمتطلبات دون الإضرار بغيرها. فالدعوة للتأييد شيء، وفرضها شيء آخر، ففي الأخيرة إقصاء وتهميش واستبعادٌ ونكران للوجود والحق في هذا الوجود. فهل تحول الصراع بين الأديان إلى صراع للطائفية والمذهبية أيضًا؟

   أمثلة من التاريخ
   شهد العالم، مآسٍ كثيرة، كانت الطائفية سببها الرئيسي، ومنها ما عانته أوربا في العصور الوسطى، إبّان النهضة الدينية على يد "المصلحين" البروتستانت ضدّ كلّ شيء اسمُه الكنيسة الكاثوليكية. كما عانت منطقتنا الشرقية في فترة معينة من أبعاد الطائفية وتأثيراتها بين الكاثوليك والأرثوذكس والآثوريين (النساطرة سابقًا)، وما لحقها من تجاوزات أدبية ومن تبادل مخجل للحرمات وغيرها من التصرفات غير المقبولة أحيانًا كثيرة. وهناك أمثلة أخرى، كانت الطائفية وقودها المستعر في حروب دامية، كما حصل في إيرلندة وفي لبنان في سنوات ليست ببعيدة. وفي السنوات الأخيرة أيضًا، لا ننسى ما حصل في السودان ومازال يحصل في مصر. وحادثة القتل الطائفي الأخيرة فيها والتنكيل بالجثث، عارٌ على الإنسانية وكلّ مَن يدّعي عبادة الله، وهو يقتل باسمه! وما نشهده اليوم في العراق بعد التغيير في 2003، ليس إلاّ صراعًا ذا نهج طائفي بامتياز. ولكن، قد نسأل: لماذا؟ و ما هي الدوافع لهذا المدّ الطائفي في العراق؟ وهذا ما يهمنا أكثر.
   لقد عرف الغرب  كيف يستفيد من أخطائه ويستفيق من غفوته حين استخدم العقل والعلم والروية في معالجة هذه الآفة من خلال انتهاج نظام العلمنة الضامن لحقوق الجميع والبعيد عن أية منغصات جانبية في الدين والإثنية. وبهذه الخطوة، كسب الرهان، فاتحد وتطور وبنى، إلاّ الدول التي كانت ما تزال تستلهم أفكار المدّ الشيوعي في بنيتها القومية المتراكمة وسياساتها الطائفية الملغومة، مثل يوغسلافيا السابقة. فهذه الأخيرة، حين طالها التحديث، لم تحتمل التطور. لذا تشظّت وانقسمت بسبب الفوضى العارمة التي ضربتها والكمّ المتراكم من الترسبات القومية والطائفية التي كانت نخرت أسسها وفرّقت شعوبها المختلفة. أمّا الشرق العربي والإسلامي، فقد لبسته هذه الآفة من رأسه حتى أخمص قدمه، وغرق في بحورٍ آسنة يصعب الخروج منها بريئًا نقيًا، طالما لا يمتلك قادتُه وسادتُه وشعوبُه على السواء، الشجاعة الكافية للخروج من خازوق النعرة القومية سياسيًا والطائفية دينيًا، وهذا ما ينبئ بمراحل قادمة من التجزئة المتوقعة في حالة عدم التوصل إلى حلول توفيقية لمصلحة الوطن والمنطقة وشعوبها. فالمنطقة تمر اليوم، بذات الظروف وكأنّ  التاريخ يعيد نفسه! فهل نبني أم ننهار وننقسم فنتوارى؟ إنه امتحان عسير، لن نتمكن من الخروج منه معافين، إلاّ بواسطة الإرادة الشجاعة والنية الصافية والضمير الحيّ والكلمة الصادقة والقلم الرصين وبتلاحم المتنورين من أهل العلم والثقافة والوعي، ومَن هم مِن خارج قوقعة الطائفية والسياسة، من الذين اتخذوا من الدين غطاء كاذبًا لتمرير أجندات خارجية أو داخلية دخيلة لا تخدم سوى مصالح ضيقة وخاصة.
   إنّي لأعجبُ من ضعف تناول هذه الأزمة المشتدّة والمستعرة، التي تكاد استفحلت وأصبحت آفة يصعبُ اقتلاعها وعلاجها على المدى القريب والمتوسط. فقد كان الأجدر، بأصحاب العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية وحتى الدينية منها، تناولها في بحوث وتحليلات  ودراسات أعمق، وتقديم حلول لها إلى أصحاب القرار وذوي الشأن وحتى على مستوى المؤسسات التعليمية والمنظمات. فهذه بمجملها، لو اتسعت مجالات تعاطيها على المستوى الوطني العام، من شأنها أن تكون دليلاً وعاملاً مساعدّا في تغيير الأوضاع والتعريف بكوارثها الكثيرة والكبيرة على جميع الصعد وعلى مستقبل ومصير أبناء الوطن الواحد. كما قد تكون وسيلة ضغطٍ أكبر على أصحاب الشأن من المتورطين والداعمين والمثيرين لها على السواء، حين يتم فضحهم  وحملهم على القبول بأبسط الحلول المقدمة والحريصة على وحدة البلاد وتماسك العباد. فالطابع العام القائم فعليًا، هو أن الجميع يخاف، ولا يعلم من ماذا، ربما من كلّ شيء! كما أن الكل متوجس من الكل، بسبب فقدان الثقة وضعف النسيج في المجتمع الذي أرهقته الفتاوى والأحقاد وممّن يريد العودة للسلف التليد بفرض إرادات بالية لا تتناغم مع حتمية الحياة المعاصرة المختلفة عن روحية الماضي وجلابيبه الهرمة. ومن المؤسف له أن يصبح الفرد عدوا لجاره يخاف منه، بلْ يجب الخوف منه، لأن الطمع قد أغرى عباد اليوم وأهواهم بحيث أصبحت لغة الاستحواذ على ملكية الغير وحلاله وحقوقه سبيلاً للحياة اليومية الجديدة، باختصار موضة العصر المريب.
من هنا نلحظ ببساطة، كيف تغيرت ديمغرافية بعض المناطق والمدن، ومازالت الطريق سالكة في ذات الاتجاه. ولعلّ الانفجار السكاني المتنامي، كانت له آثاره الواضحة، لكونه توسّعٌ عشوائيٌّ غير مدروس، بل هو قائم على أعراف دينية بحتة ودعوات غير راشدة إلى التكاثر الكمّي "الرملي"، دون الأخذ بالحسبان محدودية وسائل التنمية وقصور البرامج الضرورية لاحتواء هؤلاء البشر وضآلة فرص الخدمات التي يستحقها المواطن في كلّ مكان أو مدينة أو قرية. وبحسب توقعات إحصائية لعلماء الاجتماع وباحثين، أن العراق ينمو بنسبة 2% سنويا، ما يعني بلوغ سكان العراق  50مليون نسمة تقريبًا في عام 2030. ولو نظرنا إلى مستوى المتوفر من برامج التنمية ومنها البنى التحتية الموضوعة وكذا الخدمات الأساسية وسلّة الغذاء المطلوبة لهذا الكمّ من البشر، نقول أن التوقعات لا تبشّر بخير، طالما بقيت ظاهرة الفساد مستشرية واللامبالاة قائمة إلى جانب ظاهرة هروب النخب من العقول والعلماء والمفكرين والمهندسين والمتنورين المتمدنين وسائر القوى البنّاءة التي آثرت خيار الهجرة سبيلاً لحياة أكثر أمنًا واستقرارًا وكرامةً، لأنها ببساطة لم تعد تحتمل الصبر إلى ما لا نهاية. والسبب في كلّ هذا وذاك، سيادة العنف الطائفي في كلّ مكان بدل وسيلة التعايش والتكافل التي عرفناها عبر السنين، وكذا بسبب غياب القانون وعدم تحرير دستور وطني خالص وغير مغرض. وهذان وحدهما كفيلان بضمان حقوق المواطن وتحقيق المساواة والعدالة والاستقرار في المجتمع العراقي الذي تشظّى وانقسم وفقد أهميته الحضارية والعلمية والسياسية والاجتماعية بين دون العالم، في غفلة من الزمن، كان الدخلاء الدوليون وأعوانهم في الداخل، هم السبب في إضعافه ونقله إلى حالته المزرية.

   الأنظمة السابقة والاحتلال وتداعياتُه
   يجزم الكثيرون، أن الحكومات المتعاقبة على حكم العراق، هي السبب وراء كل هذا الكم من المشاكل الطائفية ومن الفوضى السياسية، بسبب غياب الوعي الوطني المتحضر من القيادات الدينية والسياسية على السواء وفشل اندماج الفكر التحرري مع ماهية الهوية الوطنية وكيفية صيانتها من الشوائب الجانبية، سواءً في حدود المنطقة أو من الدول المتجاورة، ناهيك عن الأطماع الدولية ونية الغزاة الجدد في ترسيخ السلوك الأصلح في نظرهم  والأسهل لهم، من خلال الدفع بمبدأ الانقسام والتفريق، أي طريقة الانكليز (فرّق تسد). فكلّما كانت العصي مجتمعة، تعسّر على الغريب والعدو كسرها، في حين لو تراخت وضعفت وتفرّقتْ، سهلَ ليُّها واختراقها والسيطرة عليها. هكذا، تعلّمنا ونحن صغارًا عن مبدأ صيانة القوّة في الوحدة والاتحاد، وبعكسه السقوط والضعف في التفرقة.
   اليوم، مشروع "بايدن" الماكر، أو بالأحرى، مشروع الغازي الأمريكي، المتبجّح بنقل ديمقراطيته الهشّة على أرض الرافدين، يأتي في هذا السياق وضمن ذات المبدأ، وهو يسير وفق أجندته. كما يتبعه سياسيونا، سواء بعلمٍ منهم، وهذه كارثة تنسف الوطن والمواطن معًا، أو بجهلٍ منهم لأهدافه الخفية والخطيرة عن حقيقة ما يجري على أرض الواقع، وهنا الطامة الكبرى! بدأ الأمريكان مشوارهم التقسيمي والطائفي الخطير، على عهد الحاكم المدني "بريمر" الذي استعجل السياسيين العراقيين بكتابة الدستور وتمريره بتلك الطريقة (الديمقراطية؟) السمجة التي صفق لها الشعب المغلوب على أمره من حيث لا يدري ما في ذلك الدستور الذي فُرض فرضًا. ويا لهول ما فيه من قنابل موقوتة! لقد صاغه المشرّع الأمريكي، ومرّره للمشرّع العراقي من أجل شرعنته وإعطائه حكمًا دستوريًا، بعد أن نجح وبامتياز، في إقناع السنّة بالخروج تبجّحًا، عن الاجماع الوطني، ضامنًا بغيابهم عدمَ معارضتهم المتوقعة والرافضة لبنوده غير الوطنية والقابلة لتقسيم البلاد والعباد دون حياء وخجل.
    حقًا، إن العراقيين، كما أظهروا بالأمس واليوم، لهم قصب السبق والانبهار والبداهة على غيرهم من شعوب العالم في كلّ شيء، إلاّ في حبهم لبعضهم البعض وفي توفير واستخدام طاقاتهم وثوراتهم وثرواتهم  لصالحهم  دون غيرهم. فالمال العراقي العام، أثبتت الأيام أنه ليس لهم ولشعوبهم ولتطور بناهم التحتية والعيش أسيادًا مرفهين بكامل الخدمات الآدمية على أرض الحضارات التي يفتخرون بها. من هنا يكونون قد فقدوا أسمى قيمهم المتمثلة بالهوية الوطنية التي عرفها عنهم التاريخ، ما دفع الغازي المحتلّ، لإثارة البدائل المخطَّط لها بعناية، من خلال التقوقع على اعتبارات جانبية لم يألفها الشعب من قبل والمتمثلة بإثارة عامل الطائفية والمذهبية والعرقية الضيقة التي لا تجمع، بقدر ما تفرّق. وبين هذه وتلك، ضاعت حقوقٌ لطوائفَ ومكوّنات قليلة العدد، ما اضطرّها للاحتماء بقوى أخرى اعتقدت أنها ستوفر لها الحماية وتضمن لها حقوقها. ولكنْ، هيهات أن يتنازل من جلس على الكرسي ومن بيده المال والجاه والسلطة، ولو بجزءٍ من الكعكة الكبيرة لغيره. فاليوم يومه، ولسان حاله يقول، كما تغنّى من قبلنا بالقول (هذا اليوم الجنّا نريده). هي بالأحرى، حرب حيتانٍ كبيرة تبلع  الأسماك الأصغر و"ماموثاتٌ" تجترُّ الأخضر واليابس، فلا تبقي ولا تذر!
   من هنا، يكون الغزو الأمريكي- الدولي، غير المقنع في تبريراته  في 2003، ، قد أخرج الجيفة المكبوتة في الفكر والعقيدة والأحلام والطموحات لدى شرائح عديدة في المجتمع العراقي، سواء القومية أو الطائفية أو المذهبية منها، أو تلك التي سادتها مغالاة في الممارسات الدينية بعد عطش السنين المدفونة والملآى بالحسرات والتمنيات الممتزجة بالحقد والكراهية للحاكم المطلق وأعوانه الذي غالى هو الآخر، في كبح جماح العراقيين آنذاك، دون تمييز. لكن المحتلّ ، لم يختلف بفعلته هذه، عن المستعمر الإنكليزي في طريقة تعامله مع مجتمع متنوع الأعراق والأديان والمذاهب، من حيث ترسيخ الانقسام وزرع بذور الانفصال والخيفة والهاجس المتلازم عن الآخر المختلف. وهو لم يسمح البتة، أن يتسامى المختلفون على اختلافاتهم، بل عمل على دقّ الأسفين بين الجميع، في تأليب بعضهم على بعض أو دعم فريق دون آخر في الخفية، أو في إطالة أو تأجيل أو إفشال أي بصيص للمصالحة تبدو في الأفق. اليوم، الكل خائف، والكل متوجّس، والكل متربص للغير... فكيف سيُعاد بناء المجتمع من جديد إذا لم يُصلح ذاتُ البين وتصفى النوايا؟ اليوم، لا هوية واضحة، ولا ضوء منير يهدي السائرين في الظلام، ومِن ثمّ لا أمل لدى الكثيرين على المدى القريب والمتوسط! وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي تشدّ المهاجرين لترك البلد وتجعلهم يعزفون عن التمسك بالأرض والبقاء في الوطن. وإلى متى هذه الحال؟

بين السياسة والدين، طلاق بالثلاثة
   من الصعب، الجمعُ بين السياسة والدين، لاسيّما إذا كانت الطائفية من بذورهما، بسبب اتساع الهوّة بين المفهومين في ضوء هذه الآفة الخطرة. لقد قالها المسيح للذين أرادوا تجربته وجرّه إلى السياسة في ذلك الزمان حول ولائه للقيصر: "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما للّه للّه". بهذه الكلمات يضع المسيح سيفًاً بين الدين والسياسة، بسبب الميل في كلّ الأحوال، إلى شيء خفي يقف وراءهما، وهو يتمثل اليوم بسيف الطائفية الدينية والإثنية في منطقتنا. لقد علّمتنا الأحداث، أنه حين تضيق الدنيا بأهل الدين، فإنهم يتجهون صوب السياسة لإفسادها باستغلالهم إياها طائفيًا. وبعكسه، حينما يضيق الساسة، فإنهم يتخذون من الدين والتديّن المزيّف ومن الطائفية التي تغذّي هذا الدين سبيلاً للوصول إلى مآربهم الضيقة بغية فرض أجنداتهم، بالوسائل المبتكرة. وقد قيل: إذا أردتً إفساد السياسة أي الحكومة، فوجّه عليها رجال الدين بكل ما أوتوا من زيفٍ وبهتانٍ. وإن أردتَ تحجيم الدّين ورجاله، فوجّه عليهم نيران الساسة بكل مكرهم ودهائهم!
    حين العودة، إلى مفهوم الطائفية في الدين الاسلامي، نرى أنها كانت قائمة و "لكنّها بالمعنى الديني، كانت محصورة في جوانبها المعرفية والفقهية" فحسب، كما يرى الفقيه الشيخ طه جابر العلواني في مقالة له عن الطائفية (جريدة القبس/ 17 أبريل 2013). إلاّ إنّه بدخول السياسة على الخط، وعلى مرّ الأيام وبتفاعلها مع المستجدّات المحلية والإقليمية واستغلالها لأغراض سياسية ضيقة، أفسدت معناها. وهذه الذرائع أيّا كانت، بتبنّيها الوسائل التي عرفناها، ليست سوى وسائل توظيف لأجندات خارجية إقليمية أو مصالح فئوية خاصة لا تؤمن بمبدأ قبول الآخر المختلف، من أيّ طرف كان. المهمّ لدى من يصعد إلى السلطة، أن يثبت أركان حكمه بما يتلاءم مع فكره ويتناسب مع فئته وطائفته وحزبه دون غيرها. ومن يكون على هذه الشاكلة في التثبت بالكرسي، لا يمكن أن يؤمن بالديمقراطية ومفاعيلها، ببساطة لأنه لا يعرف معناها، بل ينساها تمامًا وينزعها عن بنات أفكاره.
   هل يمكن أن ننكر، أن جميع  الشعوب ومنها في العراق، كانت على مرّ الأزمان متعايشة منذ فجر التاريخ باختلاف القوميات والأديان والإثنيات، لغاية الفترات الأخيرة من عصر الإسلام؟ لكنّ دخول الساسة على الخط، أفسد اللون والطعم وخرجت عن مداها التعايشي السلمي، ليصعد بها التعصّب والتشدّد أدراجَ الحياة العليا ويبقى هو اللون السائد طائفيًا. فهل يسأل مؤيدو هذا التيار، إذا عادوا ولو للحظات إلى رشدهم: ما طعم الحياة حين تتلوّن بلون واحد، أيّا كان؟ أعتقد أن عيونهم، سوف لن تستمتع بعدُ، بما بين ظهرانيهم وحولهم وأمامهم من اختلاف الألوان بكلّ زهوها وتنوعها وجمالها. فلن يروا غير الغبار الصحراوي الكثيف المتزايد يومًا بعد يوم، والذي يعمي الأبصار ويكمّ الأفواه ويحتبس المرأة ضمن اسوار البيت والفرد في حدود الجامع والحسينية بأزياء بيضاء وسوداء لا غيرها، لأن باقي الألوان ستكون دخلت ضمن خانة التحريم والحلال والحرام. وباختصار، لا أسهل من استخدام التخوين والتكفير عندما تفرغ جعبة الطائفيّ الانتهازي وتجدب قريحته ويبقى العقل والفكر معًا معطّلين عن التفكير والتطوير والتغيير نحو الأفضل: نحو التعددية واحترام الاختلاف في الراي واستمرار التعايش السلمي رغم كلّ ذلك، واتخاذ هذا السلوك منهجًا من أجل البناء والإصلاح، وليس من أجل الطعن والتدمير والاقتتال.
من هنا القول، أن السياسة لا يمكنها التفاعل والعيش بسلام مع الفكر الطائفي المبني على تفسير خاطئٍ للدين وأصوله وفق المعايير العصرية المطلوبة.

حياة الناس معطلة
   اليوم، وبسبب انشغال القيادات السياسية والدينية بهاجس الطائفية المتعاظم، لا أحد يتحدث عن المستقبل، وكأن الحياة قد توقفت واقتصرت على الواقع اليومي وعلى الزمن الذي يعيشه الإنسان في صومعة التقوقع الطائفي المتذبذب والكاره لكلّ انفتاح وقبولٍ للغير. أمّا المتباكين على الماضي، فبسبب فراغ جعبتهم من العلم والمعارف، والأنكى من ذلك، من محبة الغير وحب البناء والتطوّر مع العصر، ليس أمامهم اليوم، غير ما يجود غَرفُهم واستذكارُهم من الماضي الزاخر التليد المنتهي الصلاحية، رغم أن هذا الماضي ليس من شأنهم وليس لهم فيه من شرف البناء والجهد والإعمار. لقد دخل الصراع الطائفي حتى في الخدمات الآدمية وفي مناهج الدراسة وفي التعليم وأصوله، بل وفي أسس التركيبة التي تشكل دعاماته. ما سمعناه في أوقاتٍ سابقة، من ممارسات وقرارات غريبة في بعض المؤسسات العلمية والتعليمية ومنها الجامعية، يقزّز النفس وتقشعرّ له الأبدان حقًا. فهل نحن نسير عكسَ تطور الزمن؟ هل يُعقل أن نرجع بالتعليم وأساليبه إلى المراحل الأولى من نشأته بفصل الجنسين عن بعضهما وتشكيل مؤسسات علمية مستقلة للذكور وغيرها للإناث؟ في أي زمن نحن نعيش؟ أيُعقل أن نسمي كلّ تماس بين الجنسين حرام وضدّ الشرع ووووو، درءً للفتنة؟ أية فتنة هذه أن تدخل معايير طائفية معينة يُراد فرضها على مجتمع متعدد الألوان والأعراق والأديان؟ ماذا في حالة عدم تيسر العدد الوافي من تلك الهيئات؟ إن العلوم لم تتقدّم إلاّ باستبعاد مثل هذه الأفكار المتخلفة واستنكارها بشدّة ورفضها التام والحاسم. فالعيب ليس في الاختلاط، بل في النظرة غير البريئة التي نشأت من الخلفية البيتية والدينية والطائفية في المجتمعات المتخلفة، ومنها التراجع في النظرة الحديثة والمتطورة للأحداث في منطقتنا عمومًا، منذ فترة نهاية القرن العشرين ولغاية الساعة. أما في العملية التربوية الأساسية، فحدّث ولا حرج. فما تزال هناك آلاف المدارس غير مستوجبة المعايير التربوية في هيئات بنيتها المادية والعلمية على السواء، لأسبابٍ عديدة، منها دخول المحاصصة الطائفية وما شابها من عمليات فساد أيضًا على الخط. فقد سمعنا وشاهدنا حوارات ونقاشات واتهامات بصدد مدارس غير منجزة أو صفقات عقود لبنائها وفيها رائحة من الفساد. ومن نتائجها، تملّص متورطين من مسؤولياتهم في بناء مدارس حديثة بدل مدارس الطين والصفيح والقصب التي لا تليق ببلد يطفو شعبُه على بحيرات من نفط، لكنه محرومٌ منها. كما نسمع عن ميزانيات خيالية لتنفيذ مثل هذه المشاريع، إلاّ أنه في أرض الواقع، لا شيء محسوس. فالأصوات ما تزال عالية صارخة والأيادي ضارعة تطلب الإنصاف والاستهداء بالله والاسترشاد بالضمير وقطر دابر السبب الطائفي، ولكن ما من مجيب!
   من هنا وأمام هذا المظهر المريع من النتائج التي أفرزتها الطائفية في الوطن، علينا أن نتعلم كيفية التخلّص من مخالبها، باستخدام فكر متنور ووسائل حضارية تلتف حول شيء أساس، إسمُه الوطن، كي يكون هذا الأخير خيمة وارفة وواقية للجميع من برد الشتاء العاتي وقيظ الصيف القاسي. ومعه، يمكننا أيضًا، أن نرسم هوية الوطن كما بريشة فنان مبدع، فنان عراقي أصيل من أمثال أولئك الذين نقشوا أفضل الرسوم وصاغوا أجمل الحلي لنساء العراق منذ سلالات فجر التاريخ حيث تشهد لها المتاحف وكتب التاريخ. وكذا على غرار أولئك الذين نحتوا تحف الثيران المجنحة أو خططوا وبنوا الجنائن المعلقة والزقورات وأبدعوا برسم بوابة بابل وعشتار  وغيرها كثيرٌ.
   
هجرة العقول وخسارة الوطن
   هناك من يعتقد، أن توغل الفكر الاسلامي السياسي في الحياة اليومية هو الذي أفسد قاعدة التعايش المشترك بين المواطنين، بحيث صار التضادّ وتهميش الآخر وعدم القبول بالمختلف هو البديل لحاملي هذا الفكر القاصر، بدل خيار الحوار ولغة الفكر التنويري والعلم والثقافة المتحررة. وبسبب هذا المدّ الجارف في هذا الاتجاه، فقد العراق جزءًا كبيرًا من القدرات المادية والعلمية والثقافية والمدنية لمواطنيه الذين هجروه قسرًا وظلمًا، بسبب تنغيص عيشهم، ما دفعهم لتفضيل الهجرة وبلدان الاغتراب بديلاً للاستقرار وراحة البال. وهذا بحدّ ذاته، خسارة كبيرة للعراق الذي يكون بغياب هذه النخبة الوطنية والإثنية المتنوعة، قد فقد الجزء الأهم من مقوماته البشرية، ما ساهم ويساهم في تردّي قدراته المستقبلية أيضًا في مواجهة التحديات القائمة. وهكذا تكون الهجرة قد تركت جملة من التغيرات السلبية المؤلمة في بيئتنا الحضارية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.
   إنّه وبالرغم من ناقوس الخطر الذي أنبأَ به ونبّه له السياسيون العقلاء وعلماء الاجتماع والمتنورون من محبي الحرية والداعمين للتغيير الديمقراطي الصحيح في أوصال البلاد، والمحذّرين من هول التداعيات الكارثية لهذه الهجرة الواسعة لشرائح معينة، ولاسيّما المسيحية منها ومن سواها من الأقليات الأخرى وحتى من ألوان الطيف العراقي السائد، إلاّ أن ساسة البلد لم يجهدوا النفس بقطع دابر تلك الأسباب أو الحدّ منها، عبر إيجاد ما يقنع المهاجر بالعدول عن قراره. ومن المؤسف له أن الكلّ يعلم أن هذه النخب كانت وما يزال من بقي منها صابرًا،  تشكل حلقة الوصل بين الحضارة المحلية والحضارات العالمية الأخرى بسبب ما تمتلكه من علاقات ومقومات متنوعة المهام والقدرات والكفاءات. ويشهد الجميع، بمقوّمات المجتمعات المسيحية قاطبة، من حيث إحاطتهم وإلمامهم وتفاعلهم مع مختلف الثقافات دون عناء، ما يشكل فيهم خير عامل للتحاور والتعايش والاستقرار المجتمعي والتناغم رغم الاختلاف القائم في العديد من الشؤون العامة الأخرى.

حلمٌ وخيال
   قالتها بحسرة والدمعة تنزل من مآقيها وهي تغادر أرض الوطن: كنتُ أحلم أن أتزوج وأنجب صبيانًا وصبايا، وان يكون لي بيتٌ يلمُّ أسرتي في أرض آبائي وأجدادي. لكنّ القدرً خطفَ منّي حبيبي ورفيق عمري قبل أن أروي غليلي وأحقق حلمي، حينما أردتُه الصراعات الطائفية بهدية انتحارية من "مجاهدٍ" غريبٍ مجرم استلهم فعلته الإجرامية من فتاوى دعاة الطائفية. لم يعد هذا الحلمُ ملكًا لي، بعد أن تخلّينا عن بعضنا، وكأنّ ذلك الحلم الذي كان في خاطرة كلّ وطنيّ عراقي، كان ضربًا من الخيال. لقد تشرّدتُ وأطفالي ولم يكتمل حلمي ببيتي الخاص الذي وظّبتُ له مع زوجي ورصدنا له جهدًا ومالاً وهمّاً. لم يعد لي مكانٌ في هذا الوطن الذي يرفض أبناءه. بل لم يعد الوطنُ لي بيتًا يأويني وأطفالي ويحصّنني ويصون كرامتي وحريتي ويحترم حقوقي ويعترف بمساواتي ويحقق العدل متى انتهكت الحرمات وخرقت القوانين. أيُعقل أن يتحول وطني إلى غابة من الوحوش الكاسرة التي لا تؤمن بالقانون، وهو أول بلد صكّ القوانين وعرف مسلّة حمورابي التي ما تزال ماثلة يتداولها ويسترشد بها حماة القانون؟
   أسئلة محرجةٌ، أثارتها هذه المرأة الشابة، ولم أجد لها جوابًا مهدّئًا. فكلّ الأجوبة والردود تسقط أمام مأساة من هذا النوع، ولا يبدو ينفع معها أية مقترحات او تطمينات، طالما أن الأمر يتعلّق بمصير حياة ومستقبل أفراد فقدوا كلَّ أملٍ بقدرة الدولة ومؤسساتها وساستها على تأمين وسائل العيش الكريم والأمان المرجو من كلّ فرد لم يعد يرى توفر هذه الوسائل في العراق الغارق في مستنقع الطائفية الآسن. متى الخلاص منها؟

لويس إقليمس
بغداد، في 28 حزيران 2013


53
بلداتُنا المسيحية في سهل نينوى الشرقي بين مطرقة الدخلاء وسندان الأصلاء

      تتفاقم الأزمة في منطقة سهل نينوى الشرقي وفي البلدالت المسيحية خاصة، بين تيارات متناقضة الأهداف والوسائل، بعد أن تدافعت نحوه كيانات طامعة عديدة من خارج محيطه الطوبوغرافي الطبيعي، في سعيٍ حثيثٍ للنيل مِن أصالة نسيجه المجتمعي الذي حافظ القدماء الأصلاء فيه على أمانته وصانوا احترامهم له طيلة السنوات المنصرمة. ومع حلول الاستحقاق الانتخابي لمجلس محافظة نينوى الأخير، احتدم الصراع الفكري والسياسي بين قوى داخلية تؤمن باستقلالية مناطقها وبقدرة أبنائها على إدارة شؤونهم بأنفسهم دون تدخّل من قوى خارجية دخيلة تدعمها ذيولٌ محلية مدفوعة الأجر. والعتب في ذلك يقع أولاً على نفرٍ من أهل المنطقة ممّنْ كانوا ومازالوا يدّعون حرصهم الظاهري على مصالح البلدات المسيحية بتسليمهم مفتاحها وقَدَرِها للقوى الكردية التي نصّبت نفسها وصيًّا على مناطق الأقليات دون تفويض، بهدف السيطرة عليها قسرًا. وكلُّ ذلك يحصل في ضوء ضعف الحكومة المركزية العاجزة منذ أكثر من عشر سنوات بوضع حدّ للعديد من التجاوزات والخروقات التي تمسّ الحياة الوطنية  اليومية لأهالي المنطقة. وما ظاهرة بروز قوى جديدة فكريًا وسياسيًا في المنطقة في الآونة الأخيرة، سوى مؤشرٍ على رفض ما يُخطّط له من دسائس ومشاريع لا تخدم المصلحة الوطنية العامة للمنطقة والتي يسعى الأصلاء فيها لبناء شخصية استقلالية محايدة في الصراع العربي- الكردي، بانتهاج سياسة العيش الوطني المشترك مع الجيران المختلفين عنّا إثنيًا ودينيًا والمتفقين معنا حول حقنا في استقلالية مناطقنا.
الأصلاء معدنُهم لا يتغيّر
ذات مرة، وأنا في طريقي بين بغداد المتألمة وأربيل المتبخترة ب"عصرها الذهبي"، قرأتُ يافطة تقول:" لا شرف لِمن يتاجر بالوطن وأهلِه". وتبادر إلى ذهني، ما يقوم به بعض أصحاب النفوس الضعيفة من المنتفعين مِن ظروف البلد الفوضوية بتغليب مصالح ذاتية ضيقة لا تخدم البلد عامةً ومناطقهم خاصةً، بقدر ما توسّع هوّة المسافة بين شريحة تؤمن بنضوج فكري وعقلاني واتزان في المواقف، وبين إصرار شريحة مستفيدة تابعة وغير مستقلة في الرأي والفكر وقراءة الأحداث. والسبب في هذه الإشكالية، يعود للضعف والجهل بقراءة التاريخ ووصف الأحداث، وكذا لسيادة الفراغ في عقول البعض الآخر ممّن ارتأوا سلوك نهج  التوابع الخاضعين للقادم الغريب دومًا. وهي سمة خاطئة قائمة عندنا ومترسخة في دمائنا، بكون الغريب الدخيل أكثر كرامة وأينع فكرًا وأحقّ قدرًا. فقد اعتدنا الخضوع لكلّ قادم غريبٍ، متناسين بل متجاهلين ما فينا من قوى وجدارة وكفاءة بإمكانية قيادة أنفسنا بأنفسنا. فالنبيُّ دومًا، ليس مقبولاً وسط أهله وبني جلدته، رغم توفر الرؤية البعيدة المدى في قراءته للماضي وقدرته على رسم المستقبل بالاعتماد على الحاضر.
أصحابُ المبادئ، لا يمكن شراء ذممهم مقابل تسليم مفتاح بيتهم وبلدتهم ووطنهم، والسبب بسيط، لأنهم أصلاء ولا تهزّهم الرياح العاتية مهما طغت واشتدّت سرعتُها بسبب تسارع الأحداث الفوضوية. ومَن يقبل بعرض مبادئه للبيع في سوق البازار الرخيص، يتوهم أنه قادر أن يصل إلى مبتغاه وأن يحافظ عليه ويبقيه مُلكًا حلالاً. فما بُني على باطل، يبقى باطلاً، حتى لو ملكّ الدنيا وأوراقها الزائلة ومناصبَها الفانية. وكذا كلُ من ضحّى بصداقة عميقة لكسب رهانٍ ماديّ خاسرٍ، فمصيرُه الإفلاسُ عاجلاً أم آجلاً . أمّا مَن ينكر جميلاً وينسى معروفًا تعلّق بعنُقه، فإن التاريخ سينكرُه ويجعلُه مع المفسدين في الأرض والآخرة.
الاستقواء بالغريب سمة الضعفاء!
عجيبٌ أمرُ نفرٍ مِن أبناء شعبنا المسيحي، فهُم لا يستطيعون إلاّ على أبناء جلدتهم، ولا يقوون إلاّ على بعضهم البعض في القذف والقدح والتشهير، باستقوائهم بالغير، الغرباء على محيط أهلهم وبلداتهم، عارضين جواهرَهم قدّام هذا الغير، بأثمان بخسة. وهم بذلك، لو كانوا على دراية بنتائج فعلتهم، فتلك مصيبة، وإن كانوا يجهلون خطورة هذه الفعلة، فتلكم هي  الطامة الكبرى. ومن حقنا السؤال: لِمَا الاستقواء بالغير الغريب هذا؟ وما الدّاعي لطرح جواهرنا للغير، طالما فينا مشاعل من الحكمة والرشد والعلم والدراية بشعابِ أهلِنا ومستقبل أولادنا وبناتنا؟ ولماذا لا نبني جسورًا منيعة مع هذا الغير، عوض عرض بضاعتنا الثمينة أمامه في سوق البازار الرخيص؟ وبذلك تُحفظ لنا كرامتًنا وهيبتنا ومكانتنا في الوطن الواحد، منطلقين من موقع "قوّة إيجابية" لتفعلَ فعلَها وسط المجتمع العراقي مِن شماله إلى جنوبه، كما أشار إلى هذه النقطة رأس الكنيسة العراقية، غبطة البطريرك لويس ساكو، ذات مرّة. ولعلَّ ما قام به غبطتُه من مبادرات أخيرة لجمع القادة العراقيين حول طاولة واحدة، لهو الدليل القاطع على امتلاك المسيحيين مثل هذه "القوة الإيجابية" في التفاعل مع المجتمعات المختلفة في البلاد.
ورُبَّ سائلٍ يقول، هل يمكن أن تستمرّ المجتمعات المسيحية في سهل نينوى ذليلة، خانعة، خاضعةً للغريب القادم من خارج أسوار بلداتها، وكأنّها خالية وخاوية مِن رجالٍ ينحدرون مِن ظهورِ رجالٍ صائني الأمانة قولاً وفعلاً وعزيمةً، بالرغم من فسحة العمل المتاحة في غابر الأزمان؟ هذه الأسئلة كلُها وغيرُها، تبادرت إلى ذهني، حين تمعنتُ في ما حصل في الدورة الأخيرة لانتخاب مجلس محافظة نينوى. فقد رايتُ نفرًا ممّن دفعهم الاستقواء بالغير، يتراكضون كالزنابير المدسوسة لعضّ كلّ مَن يختلف مع هذا الغير الغريب ونفثِ ما استطاعوا مِن سمومٍ تشهيرية وتسقيطية وترويعية بقصد الإساءة والتسقيط، ولسان حالهم يقول: " أبويا ما يقدر إلاّ على أمّي"! وإن كانوا قد حصلوا على ما خططوا له وأرادوه بهذه الوسائل البائسة وغير الديمقراطية وبالترغيب والتهديد والوعد الخائب والوعيد المتسلّط، فهذا ليس مِن شيم الرجال الأصلاء، فهؤلاء الأتباع قد أصبحوا هم أيضًا دخلاء على بني جلدتهم مع مَن يقف وراءهم قائدًا للأوركسترا الانتفاعية الرزيلة.
إسفافٌ في المواقف
إنّ مثل هذا الإسفاف في التبعية للغير الغريب، كان يُفترض به أن أصبح مِن الماضي، بعد زوال أعذاره بزوال الأنظمة الشمولية السابقة. ومِن ثمَّ، ليس من الصحيح، تكرار ذات المواقف وذات الأساليب في حكم مجتمعات يُفترض أن تكون قد دخلتها أفكارٌ متحرّرة بفعل العولمة والتمدّن والنهج الديمقراطي الذي ارتضاه عموم الشعب العراقي بعد السقوط الدراماتيكي في 2003. صحيحٌ، أنّ طبيعة مجتمعاتنا المسيحية المسالمة، تحترم هذا الغير الغريب فطريًا، إيمانًا منها بتثبيت وشائج المحبة والمودة مع غيرها من المجتمعات المختلفة عنها. ولكن، ليس إلى الدرجة التي تخسر معها حريتها وجدارتَها وحقوقها الكاملة وغير المنقوصة من خلال الاكتفاء بما يُغدق عليها مِن فُتات الحسنات الرزيلات مِن أطرافٍ لها غاياتٌ ونوايا مبطنة. أمّا أَنْ ينساقَ إلى حضيض هذا السلوك، شيوخٌ بثيابٍ دينية، ممّن حدّتهم سنوات العمر بالعبر والدروس، دون أن يرعووا أو يغيّروا قيدَ أنملة ممّا بدأوا به خطآً، فتلكم هي المصيبة الكبرى! فما أبشعَ هذا الصنو من الرجال، من أية ملّة أو طائفة أو دين، من الذين يتخاذلون ويضعفون أمام أحكام ومغريات الجاه والمال والسلطة. أمّا في الجاه فهذا مرتعُهم، وأمّا في المال فهذا ديدَنُهم، وامّا في السلطة فبسبب سحب البساط من تحتهم، ما دفعهم، للتمرّد والتمادي على رئاساتهم واستخفافهم بها وبرجالها وبتنصيب شخصهم قائدًا لأوركسترا مرحلية فاقدة الأهمية وهزيلة الفكر والمنطق والأفق. فكيف بهذا الصنو وأتباعه أن يقودوا مجتمعًا أصيلاً وُلد من رحم رجالٍ أشدّاء ذوي منعة وشكيمة ورويّة وليس مِن فراغ؟
إنّ مشكلتُنا مع الجار المختلف عنّا، نحنُ مَن اصطنعَها. أقصد، أنّ مَن اصطنَعها، هُم أناسٌ مِن أتباع مناطقنا وأدياننا من أبناء أهلنا، حين أوهمَ بعضُ هؤلاءِ، الناسَ بوجود هجمة شرسة بتغيير ديمغرافي على خصوصية المناطق المذكورة. وحينها استغلّوا هذه الاسطوانة المشروخة للدقّ على وترها الحساس، موغلين ما استطاعوا في الطعن بمنطق وحقيقة العيش المشترك بين جميع أبناء المنطقة، وهو منطق لا يقبل التشكيك والاستبدال باعتماده على أساس العيش المشترك في  الوطن الواحد الموحد بكلّ قومياته وأديانه. ومَن يرى غير ذلك، فالتاريخ سيذكّرُه بما أتينا عليه ورأيناه صائبًا. أمّا مَن يسيرُ عكس التيار الوطني الصادق وينحازُ لطرفٍ طامعٍ دون دراية لنتائج فعلتِه، فهو يدمّر مجتمَعَه ولا يريد له الخير بسبب تفضيل مصلحته الضيقة التي يرتزقُ منها على مصلحة عموم أهله وبلدته ووطنه الكبير.
مودّة ومحبة وصداقة للشعب الكردي
إنه لمن المؤسف، أن ينتهج البعض مِن أبناء المنطقة في سهل نينوى الشرقي ومنهم إخوة لنا في الدين والوطن، سلوكًا شاذًا للإيقاع بين المجتمعات المختلفة لهذه الرقعة الجغرافية المسالمة، مع القيادة الكردية. فنحن جميعًا، نكنّ لهذه القيادة التاريخية ولشعبها بخاصة، كلّ الاحترام والمودة والتشجيع للنجاح الكبير الذي حققته بتعاون وتنسيق مع مختلف شرائح سكنة الإقليم، ومنهم بعضٌ مِن ابناء شعبنا المسيحي ومن المكوّنات والأديان الأخرى في الإقليم التي وقفت متراصة مع هذه القيادة. بالمقابل، كان ينبغي على هذه القيادة أن تقف على مسافة واحدة ممّن أبقوا على محبتهم لها ولشعبها وتمنّوا لها ولهذا الشعب كلّ خير وازدهار، بعد مرارة الأيام وقسوة السنوات التي خبرها الشعب الكردي وعاشها في غابر السنين العجاف، لا أنْ يفرّطوا بهذه الصداقة بتفضيلهم فريقًا على غيره. فهذا الفريق الأخير، وأقصد "المجلس الشعبي القطاري"، المدعوم حتى نخاع العظم في هذا الوقت بالذات،  ليس أكثر وطنية ولا أقرب حبًا وصداقة للشعب الكردي وقيادته مِمّن يختلف معه في الفكر والوسائل والأدوات التي نعتقد أنها تتقاطع مع النهج الديمقراطي الواضح مع التسمية التي يحملها الحزب الديمقراطي الكردستاني الداعم والراعي لها. وهذا السلوك الأخير الصادر من بعض رموز هذا الحزب العريق في منطقة سهل نينوى وفي قضاء الحمدانية بالذات، لا يليق بسمعته، بقدر ما يفرّط في العلاقة بين الأطراف المختلفة.
 قد أكون جريئًا وصريحًا أكثر من غيري. ولكن، هذا ما أعتقده جازمًا، بحكم علاقاتي المتميزة مع الكثير من الأصدقاء الكرد، من مدنيين عاديين ومن مسؤولين في الأحزاب والدولة الفيدرالية وفي الإقليم على السواء. أرجو أن تصل هذه الرسالة إلى أعلى قيادة كردية، لغرض تدارك مواقف قادمة غير مستحبة، من شأنها دقّ الأسفين بين الأطراف المتناقضة الوسائل والأهداف  بين سكنة المنطقة والقيادة الكردية. وإنّي لَمِن المتسائلين: لماذا كلّ هذا التمادي من نفرٍ مِن سكنة المنطقة من المنتفعين والمرتزقين عبر قنواتٍ جانبية يدعمها فصيلٌ كردي معيّن بالمال والقوة وأيضًا بالوعد والوعيد. لقد أساءت بعض العناصر التابعة ل"المجلس الشعبي القطاري" الذي يرعاه الحزب الديمقراطي الكردستاني، في سلوكياتها وتصرفاتها، قبل العملية الانتخابية وأثناءها وبعدها. وإنّ من شأن هذه السلوكيات غير المقبولة المتمثلة بالتشهير بمرشحي قوائم تختلف معهم وتمزيق صورهم وخرق القواعد الديمقراطية لهذه العملية الحضارية، شقّ صفوف المجتمع وتأجيج صراعات بين المجتمعات المختلفة وليس المسيحية منها فحسب. وهذا ليس من صالح هذا الفصيل الحزبي العريق بتاريخه. فكيف للإقليم أن ينال رضا أهل المنطقة، وعناصرُه التابعة له تتصرّف وفق سلوكيات التهديد والوعيد والتخويف؟ أهذه هي الديمقراطية التي نؤمن بها جميعًا، أم نعيش نقيضها وتُفرض سلوكيات لا تليق بكيانٍ تاريخيٍّ ثوريٍ؟
وإنّي أكرّر، لن يحصد مَن يريد الإيقاع بين أهل المنطقة مع القيادة الكردية سوى خيبة الأمل والندم. فهذه الأخيرة نكنُّ لها جميعًا كلّ الاحترام والتقدير، بل ونهنّئها ثانية وثالثة وعاشرة على حكمتها في التعامل مع الأحداث، إلاّ في نقطة واحدة تتمثل بسياستها وتفكيرها بضمّ بلداتنا التقليدية ب"ثقافتها العربية" إلى الإقليم. وتلكم هي نقطة اختلافنا، وهي بالتالي نقطة الخلاف أيضًا. وهذه في نظرنا، تصبُّ في نطاق ما هو منبوذ ومرفوض من الجميع، باعتباره هو الآخر نوعًا من التغيير الديمغرافي في حدّ ذاته. نحن نعلم جيدًا، أن الطرف الكردي مدفوعٌ إلى تحقيق هذه الفكرة بأجندة حكومية وبدعمٍ وتخطيطٍ داخليّ وخارجيّ. وكنّا نأملُ، لو ركنَ الإخوة في الإقليم، إلى صوت العقل والحكمة، بدل الانسياق وراء أصواتٍ ناشزة من أبناء المنطقة من الداعمين المشجعين لهذا المشروع والمنتفعين من هذه العملية والسائرين بهذه اللعبة غير مأمونة النتائج. لقد كان الأجدر بهؤلاء المروّجين مِن أهل الداخل والخارج، تقوية عرى الصداقة والمودة والعلاقة التي تربط الشعب الكردي مع شرائح كثيرة، ليس من مسيحيين فحسب، بل ومن القوميات والأديان الأخرى. فهلْ يا تُرى، نسمع قريبًا نداءً أو تصريحًا واضحًا بهذا الصدد ووضع حدودٍ لإسكات الأصوات الناشزة التي انساقت وراء الرأي المروَّج السائد وسط مجتمعات هذه القوميات والأديان؟
لقد قالت الكنيسة ورؤساؤُها كلمتها الواضحة، من أنها لن تتدخل في الشأن السياسي، وأن ذلك متروكٌ للعلمانيين من المثقفين فيهم وأصحاب الرأي السديد، ومن المتنورين الراغبين بتقوية عرى المحبة والألفة والصداقة، ليس فقط مع الشعب الكردي فحسب، بل مع جميع المكوّنات في الوطن الواحد.
إنّ الانصياع الأعمى، لما يُسمّى أحيانًا بضرورات الأمر الواقع، لَهُوَ نوعٌ مِن الضعف وركاكة الفكر وضحالة الأفق. ففي موضوع سيطرة الطرف الكردي على عموم مناطق الأقليات بعد السقوط بسبب عجز الدولة الفيدرالية آنذاك، كان يمكن أن يكون أنصار الرأي المؤيد لتوجهات بيع بلداتنا لهذا الطرف، أكثر إيجابيةً، مِن خلال تعزيز العلائق مع حكومة هذا الطرف تتابعًا وإلحاقًا بما يجمعُنا تاريخيًا مع الشعب الكردي المسالم مِن مودة وصداقة وتبادل منفعة. وكان ذلك ليحصل مِن دون أن نخسر شيئًا من هيبتِنا وشأننا المستقلّ، بدل الاكتفاء بما يُغدق على شريحة ضيقة مِن مكاسب رزيلة تُدفعُ ثمنًا لتلك الصفقة التي يقودها قائد أوركسترا "هيئة شؤون المسيحيين" دون وعيٍ بالنتائج اللاحقة. وما أكثر المناسبات التي يصرّح بها هذا القائد، محبّ المال والجاه والسلطة، بالرغم مِن تحذيره من رئاسة الكنيسة مرارًا، من مغبة التحدث باسم مسيحيي المنطقة والكنيسة، منذ إحالته قسرًا على التقاعد. ونحن نعتقد، أنّ مَن اشترك في مهمة التمادي هذه، عناصرُ كثيرة تمثلت بالتهاون حينًا وبالصمت في أحيانٍ أخرى، سواءً مِن جهاتٍ مؤثرة، دينية أو مدنية ومنها أيضًا مَن في الحكومة المحلية، من الذين خافوا على منافعهم المتأتية مِن الإقليم مباشرة. ومن المؤسف حقًا، أن اكتفت هذه الأطراف بالإعراب عن امتعاضٍ مخجلٍ ومستترٍ في الكثير من الأحيان حيال ذلك. وهذه هي مشكلتُنا، في عدم التصريح بما نعانيه وما نحن عليه مِن أمراضٍ مجتمعية عاجزة عن قول كلمة الحق حيث ينبغي أن تُقال. وفي الآخر، أعتقد أنه لن يصحّ إلاّ الصحيح!

لويس إقليمس
بغداد، في 25 حزيران 2013



54
لعبة التبعية للأحزاب المسيحية لم تعدْ تنطلي...

مرة أخرى، يفصح الإناءُ بما فيه وتنكشف لعبة التبعية وعدم المصداقية، رغم تشدّق القيادات الهزيلة لما يُسمى ب"المجلس الشعبي" بالاستقلالية في اتخاذ القرار والرأي والفكر والحركة. إن مبادرة مسؤول عن حزب عريق بكردستان بمثل هذه  اللعبة وما صرّح به وأشار إليه في ندوة  كرمليس بدعم مرشح دون غيره من هذا الاخير يمثل الاعتدال وفق رأيه، ليس في محلّه. فالمرشحون الآخرون يكنّون كلّ الحب والمودة والاحترام للقيادة الكردية وتاريخها النضالي على الصعيد الوطني. لذا لم يكن من الحكمة، التصرّف على هذه الطريقة، وانتهاج نبرة التهديد والوعيد، بل وإهانة الحضور الذي ارتضى لنفسه أن يسمع مثل هذا الكلام غير المقبول، ذلك لأنّ جميع سكنة المنطقة مواطنون وطنيون وسعاة لتطوير مناطقهم وانتهاج أفضل السبل للتعايش مع الجيران، ومع أبناء كردستان بالذات أكثر من غيرهم.
        وفي الخبر المنقول على صفحات هذا الموقع، اقشعرّ بدني لتوريط هذا المسؤول ممثلاً لحزبه العريق، مسؤولي الكنيسة بهذه اللعبة، وقد أعلنت الكنيسة على لسان  النائب الأسقفي للسريان الكاثوليك الخور اسقف شربيل عيسو أن ليس للكنيسة مرشحاً رسمياً وأن جميع المرشحين أبناؤُها وانها تقف على مسافة واحدة من الجميع. فاين هي الحقيقة، وما هذا التناقض؟كما اني اخذت عهدا من المسؤول عن هيئة شؤون المسيحيين بوقوفهم على مسافة واحدة من جميع المرشحين وعدم تدخلهم او الترويج او الدعاية لشخص دون اخر من مرشحي ابناء البلدة. "وان وعد الحر دين" كما يقال .
 في زياراتي واتصالاتي الاخيرة، سمعتُ وأخذتُ العهد من مواقع عديدة في الكنيسة السريانية والكلدانية، بأن كنائسهم ورعاتهم لا يدعمون مرشحًا معينًا، تاركين  للناخبين اختيار المرشح الأفضل والأجدر والأكفأ حسب قناعاتهم. وإني أتساءل، مَن هو هذا المسؤول الكنسي الذي أفتى بأن مرشح ما يُسمى ب"المجلس الشعبي" يمثل الكنيسة، بحسب ما ورد في حديث السيد المسؤول ممثل الديمقراطي الكردستاني في ندوة عقدها حزبُه مؤخرا في كرمليس؟. وكيف يسمح رئيس حزب لجهة خارجية دون حضوره بالحديث باسمه؟ أليس من المخجل أيضًا، قيام منظمة نسائية بتوزيع مواد تموينية ومساعدات عينية في مثل هذه الندوة رشوة من أجل حث الحضور لمنح أصواتهم لمرشح معيّن دون غيره، في سابقة خطيرة تنمّ عن إرادة قسرية تخويفية لجمع من أهالي المنطقة؟ أليس مثل هذا السلوك يعد تصرفاً رخيصاً لشراء الاصوات؟ كما أنه ليس من المقبول، توجيه التعنيف المباشر لمرشحين آخرين لجهات لا تسير في خط "المجلس الشعبي الكردستاني الديمقراطي"؟ أليس في هذه النقاط جميعًا، ما يثبت ويؤكد تبعية الأحزاب المسيحية الهزيلة في مناطق تواجد شعبنا واضطرارها لتبنّي سياسة هذا الخط الذي لا يتناغم مع الديمقراطية التي يتشدّق بها الجميع، بمن فيهم مَن يدّعي استقلاليته من أتباع الأحزاب المسيحية؟ إن التهديدات المبطنة التي وجّهها ممثل الديمقراطي الكردستاني ليست في محلّها، كما أنها ليست مقبولة. أنا شخصيًا، سأنقل هذه التصرفات إلى الجهات ذات العلاقة، ليس لكوني أرى فيها خروجًا عن السياق العام لآداب ومبادئ الديمقراطية، بل لكوني أكنّ كلّ التقدير والمحبة والاحترام للقيادات الكردية ورموزها الذين أرتبط مع العديدين منهم بعلاقات مودة وصداقة. ولكنّ هذه الممارسات، قد خرجت عن سياقها وحدودها، وهذا ليس مقبولاً. وأنا أذكّر المسؤول الكردي وأؤكّد له خطأ زعمه. ففي حالة فوز مرشح آخر غير مرشح المجلس الشعبي الذي اكن له الاحترام، وهذا متوقع جدًا، فإنّ الفائز لن يقلّ حرصًا بتعزيز أواصر العلاقة مع حكومة الإقليم، مع احتفاظه بعلاقات متميزة مع حكومة المركز، وليس كما يرى أنّ ممثل هذا المجلس هو الوحيد الأوحد الذي "يمثل خط الاعتدال وليس خط الاحزاب العنصرية على حد وصفه، وضرورة أن يكون ممثل كوتا المسيحيين في مجلس المحافظة على علاقة جيدة بحكومة الإقليم والمركز على حد سواء لكي لا تفقد المنطقة المكتسبات الأمنية والسياسية التي تحظى بها". لم أرى، كما لم يبدر من أيّ مرشح آخر، حتى من جهة المرشح الثاني في الائتلاف المسيحي الذي يضمّه، أنّه فكّر أو أعلن أو صرّح بغير هذا الرأي وهذا الفكر. فكيف تسنى لهذا المسؤول، التشكيك بقدرات ونوايا مرشحين آخرين مشهودٍ لهم بالاستقامة والعمل الدؤوب في أحزاب أو منظمات مجتمع مدني أو دوائر تحفظ لهم قدَرًا وافيًا من الوفاء والاحترام والتقدير؟.
       وليسمح لي المسؤول المحترم، أنّي في الوقت الذي أحترم فيه رأيه، إلاّ أنّه لم يوفَّق في الطعن بمجهودات مرشحين آخرين مستقلين ليست لديهم أيّة ارتباطات باحزاب كردية. وكان الأجدر ترك الناخب يعبّر عن قناعاته الفكرية بكلّ حرية، لا أن يُغصب على فعلٍ، مِن شأنه أن يثير حساسيات ويؤثر على مكتسبات القيادة الكردية ذاتها، بتشويه توجهات الإقليم الديمقراطية، وهو الذي يمثل حزبًا يحمل التسمية الديمقراطية. فماذل يا تُرى تعني الديمقراطية لدى أتباع هذه الأحزاب؟ سؤالٌ أتركه للناخب الحرّ المستقلّ كي يجيب عليه في صندوق الاقتراع يوم الخميس 20-6-2013.

لويس إقليمس
بغداد، في 17 حزيران 2013

55
الاستحقاق الانتخابي المسيحي لعضوية مجلس محافظة نينوى، بين الجذب والتسقيط

تستعر حمّى الدعاية الانتخابية هذه الأيام، للفوز بالمقعد اليتيم لعضوية مجلس محافظة نينوى المخصص للمسيحيين، بين أطرافٍ مسيحية عديدة. وتسعى كلٌ من هذه الأطراف بما أوتيت من جبروت الدعاية وأدوات التسقيط والتشهير أحيانًا، حتى بين المتحالفين من حيث المبدأ، في الائتلاف الهزيل ضمن عفريت ما يُسمّى ب"تكتّل تنظيمات شعبنا الكلداني السرياني الآشوري "، لنيل هذا المنصب. وكان يمكن الاتفاق على آلية أكثر عقلانية تزيد من فرص الفوز بأكثر من مقعد، لو ارتكن أصحاب القرار في هذا التكتّل، وتمّ التنسيق مع شرائح أخرى تطمح للوصول إلى هذا المنصب من خلال الترشيح على الكوتا من جهة، وتوجيه الناخبين عبر اصواتهم الفائضة الباقية نحو أكثر من مرشح، لدخول حلبة المنافسة ضمن قوائم وطنية أخرى. ولكن رغبة أصحاب القرار في هذا التكتّل، بحسب معلوماتنا، رفضوا الفكرة وأصرّوا على توجيه جموع الناخبين نحو مرشحَيهم بتسقيط غيرهم ممّن يختلف معهم ولا ينضوي تحت ائتلافهم، رغم عدم وضوح التجانس بين طرفي الرهان فيه. والأغرب في الوضع العام، أنه مع قرب مناسبة الحدث، اشتدّت معه الدعاية الانتخابية لكلّ طرف في هذا التكتّل على انفراد، والتي كان يُفترض بها أن تكون مركزية، بحسب الاتفاق. والدليل واضح، لكون هذا التكتّل "الشعبي القطاري"، قد وُلد أساسًا، ميتًا منذ قيامه، بسبب التجاذبات وتقاطع أجندات الأطراف المتحالفة فيه. فعلاقة "زواج المسيار" بين ما يُسمّى ب"المجلس الشعبي" وتنظيم "زوعا" ذي الباع الطويل في النضال على الساحة العراقية عبر ما يُعرفُ عن لبنته الأولى من قياداته الأساسية، قد شابَهُ الكثير من الأزمات. وهو اليوم في طريقه إلى الطلاق، عاجلاً أم آجلاً، لأنّ ما يُبنى على مصالح ضيقة وأجندات متقاطعة، بعيدة عن طموحات مصلحة جميع المسيحيين دون استثناء أو تهميش أو استخفاف أو استهانة  بقدرات الغير، مصيرُه الانفراط والفشل، لا ريب.
أهدافٌ خائبة للمجلس الشعبي
 لقد أثبتت الأيام، أنّ تحركات ما يسمّى "بالمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري" بتسميته "القطارية" المستنبطة مرحليًا، ليست سوى ذرّ الرماد في العيون، لأنّ هدفُه الأول وقبل كلّ شيء، تخدير الشعب المسيحي، ولاسيّما السذّج منهم والمحتاجين، وجرّهم لتحقيق أجندة تتطابق ومصلحة الجهة التي يسعون لخدمتها وتقديم ولاء الطاعة والعرفان والانحياز المطلق لها ولاستراتيجيتها في المنطقة، رغم عدم منطق ما يذهبون إليه، على الأقلّ، في الجزء العربيِّ الثقافة من منطقة سهل نينوى، وبخاصة قضاء الحمدانية، ومركزه باخديدا/ قرقوش، التي يراهن الكثيرون على أهميتها واستراتيجيتها، ليس من حيث الكثافة السكانية فحسب، بل وأيضًا بسبب ما فيها من كفاءات علمية وقدرات اقتصادية وثقافية وتراثية على السواء، وباختصار بسبب أرضيتها الخصبة للعمل السياسي  والمجتمعي على السواء. أمّا الوسائل والآليات المستخدمة للجذب والإقناع والتسقيط على السواء، فهي عديدة، لاسيّما المادية منها والدعائية المفبركة والتشهير بكلّ صوتٍ يبرز مخالِفًا لوجهات نظر هذا التنظيم، الذي جرى تغطيتُه لاحقًا، بما يُسمّى ب"التكتل أو الائتلاف"، كي يظهر بهيبة القائد الحريص والصوت الأوحد لمصالح الشعب المسيحي. ومن ذا لا يعرف الظروف التي أحاطت باختطاف ما يُسمّى ب"المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري"، لمبادرة أول تحالف مسيحي حصل الاتفاق عليه بعد السقوط المأساوي في 2003، وأتى حينذاك بثمرة "المجلس القومي الكلدو- الآشوري"، والذي أصبح بعد التعديل "المجلس القومي الكلداني السرياني الآشوري"، بسبب غبنٍ آنذاك أصاب المكون السرياني بالذات عند التأسيس، حين جرى غمط التسمية السريانية منه وإسقاطُها لاحقًا حتى من الدستور، في غفلةٍ من خلوّ الساحة السياسية المسيحية من أصواتٍ سريانية مؤثرة، رغم اعتراضي أنا شخصيًا على قرار ذلك المؤتمر مع نفرٍ من الزملاء على التسمية الناقصة. وهذا الاعتراض مسجّل في الأرشيف.
إن الإمكانات التي تُسخّر من أجل هيمنة هذا التنظيم على مقدّرات المناطق المسيحية ورجالات الكنائس المختلفة كبيرة وخيالية، بهدف التأثير في القرار وكسب التأييد والثقة لأهدافه وأنشطته، من خلال إغداق الأموال على الكنائس والمنظمات والأفراد وشراء الذمم، داخل الوطن وفي المهاجر. فالإمكانيات المادية التي بيده كبيرة وهائلة، وقد سُخرت جميع الوسائل للوصول إلى الهدف المنشود. وهذه حقيقة يدركها القاصي والداني، رغم مرارتها. ففي الوقت الذي يُسمعُنا فيه الذين يتولون تحقيق هذا الهدف بالنيابة عن الجهات "المحسنة" و"الممولة"، أن هذه الجهات تفعل ذلك دون مقابل ودون طلبات محددة، نقول لهم أن ما شهدناه وما سمعناه يختلف عمّا تتحدثون به، ولسانُ الحال يقول بالتالي: ولماذا لا نستفيد نحن أيضًا، عملاً بالمبدأ الخائب القائل: "فيد واستفيد". ولكن، "ما هكذا تورد الإبل". فالكرامة والفكر واستقلالية القرار، شؤونٌ مصيرية لا يُساومُ عليها، كما العرض والشرف والأصول.

أصواتٌ ناشزة تدعم من حيث لا تدري
على أية حالٍ، ما دعاني إلى الكتابة بهذا الصدد، وتقليب المواجع غير المستحبّة عندي، هو بروز بعض أصواتٍ ناشزة تابعة "لائتلاف تجمع التنظيمات المسيحية" المدارة حاليًا، من قبل "المجلس الشعبي" وأدواته في المنطقة. فهناك عناصر من هذا التكتّل، تدّعي بيدها العصا السحرية لحلّ مشاكلنا من خلال المناداة بتمثيلها لعموم المسيحيين عبر تنظيماتها الحزبية الهزيلة التي لا تعدو كونها تابعًا لأجندة كردستانية لها مصالحُها المرحلية الطامعة بدمج قصبات وقرى مسيحية مع اٌلإقليم، رغم كونها تقليديًا وجغرافيًا وتاريخيًا وتعايشيًا تدين بثقافة عربية واضحة. فهذه المناطق، إنْ تاريخيًا أو جغرافيًا أو ثقافيًا، لم تكن يومًا جزءًا من كردستان التي نحبّها ونكنّ لشعبها الطيّب كلّ احترام ومودة وتقدير وحب، ونهنّئها على اختيارها طريق البناء الصحيح لمنطقتها وتطوير بناها التحتية بأفضل الخدمات ووسائل الإعمار، ما منحَ قيادتها كل الاحترام والتقدير. ولكنّي، أعتقد أنه كان من الأجدر، عدم إقحام مناطقنا المسيحية بهذه المشكلة المستعصية التي أثقلت كاهلنا وأعاقت التنمية فيها بسبب عدم حسم ما سُمّي بالمناطق المختلَف عليها وفق المادة 140 سيّئة المنطق والتطبيق.
 قد تكون الحكومة الكردستانية محقة بالمطالبة بمساحة معينة من مناطق واقعة أصلاً ضمن جزءٍ من الرقعة الجغرافية بمحافظة نينوى التي تحسن التحدث بالكردية، من التي كانت قريبة من مواقع الحدث أثناء الحركات الثورية الكردية في سابق الأزمان، لكونها الأقرب إليها وإلى ثقافتها. ولكن هذا لا ينطبق بالتأكيد، على منطقة سهل نينوى الشرقي وأعني به قضاء الحمدانية وما حوله من قرى وقصبات عربية وشبكية ومسيحية وإيزيدية، وصولاً إلى الحدّ المائي الطبيعي الفاصل المعروف بالخازر أي منطقة الكلك. أمّا أن يتولى نفرٌ من أبناء هذه المناطق مدفوعي الثمن والأجور، وبالنيابة عن الجهة الممولة لهذا المشروع غير الموفق، فهذا لا أعتقد أنه يصبّ في مصلحة جميع الأطراف، بقدر ما يُفسد العلاقة بين الطرفين ويضعف من كفاءة وقدرات أبناء المنطقة ومن أحقيتهم في تقرير المصير وفي تكوين الذات والاعتماد على هذه القدرات بدل البقاء أتباعًا تابعين لغيرهم من غير سكنة المنطقة والمصرّين على غزوها بأي ثمن وبالسيادة عليها بالتعاون مع موالين من الداخل، من غير الحريصين وغير الواعين لفعلتهم السيئة. فهذا بحدّ ذاته، نوعٌ من التغيير الديمغرافي. في حين أن أحد أهداف تكتّل التنظيمات المسيحية المعلن، هو مقارعة أيّ تغيير ديمغرافي والحدّ منه. فهل نكيلُ بمكيالين؟ وكيف لنا بمثل هذا التناقض في الفكر والعمل السياسي المعلَن؟
 من الملاحظ أيضًا، أن هناك جهات مسيحية فاعلة من غير سكنة هذه المناطق المتطبعة بثقافة عربية تقليديًا، تلجاُ إلى أساليب قسرية وأخرى تهديدية وتخويفية وتحذيرية باختراقها أسوار مركز باخديدا/ قرقوش والقصبات ما حولها، والتي أصبحت تشكل ثقلاً مهمًا في المعادلة السياسية للرهان القادم على الدور المسيحي، ليس في المنطقة فحسب بل وكذا على الصعيد الوطني. بل إنّ نفرًا من المتصيّدين بالماء العكر ومن المدفوعين والمأجورين، لم ينقطعوا من التحذير التهويليّ لسكان المنطقة، بضياع الحقوق في حالة بقاء المسيحيين فيها تحت حكم المناطق العربية، وبعبارة أدق، إن بقيت تحت سيادة الحكومة الفيدرالية للدولة العراقية. وهذا غير مقبول. فالشعب هو الحَكَم، أولاً وآخرًا، ولن يصحّ إلاّ الصحيح. وسهل نينوى، لا يمكن أن يكون فريسة سهلة ولا منطقة صراعٍ لإرادات خارجة عن أجوائه وظروفه وطريقة عيش أبنائه، لاسيّما وأنّه بغالبيته من لون سرياني يختلف في طبيعته عن اللّونين الآخرين المتواجدين بصورة أساسية في مناطق حكومة الإقليم حصرًا. فالمحيط هنا عربيّ الثقافة، ولا يحتاج إلى تبصير أو تعريف أو تحريف. وبذلك، كلّ التحرّكات القائمة حاليًا، سواء عبر "تكتّل التنظيمات المسيحية" أو "الهيئة التي تُعنى بشؤون المسيحيين"، وعبر أدواتهما من الحراسات المستخدمة درعًا لهذه الهيئة، هي مرحلة مؤقتة وسوف تنتهي وتزول مع زوال أعذارها عاجلاً أو آجلاً. ولو ارتكن إلى العقل والروية، هؤلاء المستخدَمون دروعًا وأدوات في حراسات هذه المناطق، وأدركوا أنّ مَن أعاق ويعيق تحويلهم إلى عناصر حكومية ضمن ملاك الأجهزة الأمنية للدولة، هي هذه الجهات التي تستخدمهم، لأدركوا أنهم هم الخاسرون مِن هذه الصفقة التي يتقاضون بموجبها رزقًا فتاتًا لقاء الإبقاء على ولائهم الحالي.
رجاء إلى الكتاب الرصينين
كنتُ رجوتُ في مناسبات عديدة، الكتّاب الرصينين في المهجر، البقاء على الحياد فيما يخصّ مصير أهلهم من الباقين الصابرين في وطنهم وأرضهم، وعدم إقحامهم في مثل هذه المواضيع، ومنها ما تشهده محافظة نينوى هذه الأيام، من حدث انتخابات مجلس المحافظة، ومسألة تمثيل المسيحيين فيها. فما ليس مقبولاً من كتابنا الأعزاء، التأييد الغيبي من بعضهم لمرشح دون آخر، بسبب عدم امتلاكهم تصورًا كافيًا عن طبيعة وموقف وخلفية المرشحين جميعًا. فهؤلاء المرشحون، هم كلّهم أبناؤنا وإخوتُنا، ونحن ندعم جميعهم، ونتمنى الفوز للجميع في عملية ديمقراطية لا يشوبُها تلاعب ولا تدخل من جهة على حساب جهة أخرى، ومنها المؤسسة الكنسية التي من الحكمة بقاؤُها خارج اللعبة، رغم الضغوط عليها. واسمحوا لي القول، أنّ مثل هذا التدخل غير الحكيم من أية جهة كانت، في نظري، هو نوعٌ من الدعاية الرخيصة غيرالمقبولة لصالح مرشح دون آخر. في حين الأجدر تشجيعُ الناخبين لاختيار الأصلح والأفضل والأكفأ، علميًا وثقافيًا واجتماعيًا، وليس من منظور انتمائه إلى شكل أو لونٍ مغرضٍ وطارئ على المنطقة لمْ يقدّم شيئًا للشعب المسيحي بقدر ما أخذ واستفاد وحصل من مزايا على حساب قضيته وحقوقه منذ انبثاقه.
هناك كتّاب قد ركبوا الموجة وينشرون تأييدهم الساذج والأعمى لكلّ شيء يصدر عن "ائتلاف التجمع القطاري الشعبي" ، ولا أعرف ما المغزى من مثل هذا التأييد الخالي من أي تبصير أو حكمة في التفاعل مع الحدث في الداخل.
اليوم، يوجد على الساحة، من يعتمد على إمكانياته وقدراته الذاتية الوضيعة. والناشطون الوطنيون منهم في المجتمع  لا يتقاضون أجورًا أو أموالاً، كما تُغدق هذه على أطراف تنفّذ أجندة مَن يصرف مثل هذه الأموال الطائلة على أنشطة جهات معروفة. أنا هنا، لستُ بصدد الدفاع عن أهداف وأنشطة "التجمع الوطني المسيحي" الجديد الذي نزل على الساحة السياسية بقوة. وهو خلاصة نخبٍ مثقفة من كافة الطوائف المسيحية. فهذا التجمع الجديد، واضحٌ في تحركاته وأهدافه، وليست له أجندة خارجية، بقدر ما يهدف إلى إنعاش المناطق المسيحية وتهيئة الساحة لكفاءاته كي تأخذ دورها الطبيعي في قيادة نفسها ومناطقها بعيدًا عن تد خلات قادمة وغريبة من خارج المنطقة. فهُمْ أدرى بحاجات أهلهم وإخوانهم وجيرانهم.
 كما أنّي هنا لستُ بصدد عمل دعاية انتخابية مجانية لمرشحَي هذا التجمّع المسيحي الجديد، رغم جدارة التسلسل الأول في قائمته التي تحمل الرقم 529، مقارنة بباقي المرشحين من قوائم أخرى، ومنها قائمة ائتلاف التجمع القطاري بالرقم 524، والتي أكنّ الاحترام لمرشحَيها ولسائر المرشحين الآخرين النازلين في قوائم وطنية غيرها. وقد قلتُها مرارًا، أنّ من ارتأى ترك أرض الآباء والأجداد، واختار المهجر وطنًا بديلاً له، يكون قطع الحبل السرّي مع أرضه ومَن بقي من أهله وذويه. ومِن ثمّ ليس من المعقول تدخّلُه في مصير مَن بقي صامدًا في أرض الوطن، متحمّلاً المشقات وقهر الأيام وأشكال المصاعب. فما بقي للمغترب في جعبته، لم يعدّ سوى بصيص ذكريات وفُتات أهلٍ لم يعودوا يشكلون أولوية، فقد باتوا بالنسبة له من الماضي. وليكن في معلوم الجميع، أن طبيعة مناطق المسيحيين في الموصل (باخديدا/ قرقوش، وبرطلة وكرمليس وبعشيقة) تختلف كثيرًا عن قرى وقصبات تلكيف وتلسقف وباطنايا وباقوفا وألقوش والشرفية وعين سفني. واللبيب من الإشارة يفهم.
باخديدا/ قرقوش، ليست للبيع
كلّنا نعرف قصة قرقوش، وكيف استحصلها أهلُنا وأجدادنا من الجليليين (البجاوات) بفرمان عثماني، بعد أن ضحّوا بالغالي والنفيس من أجلها، وقاسوا مسافة السفر الشاق آنذاك، منها وإلى عاصمة العثمانيين لاستصدار فرمان لكسب قضيتها. فهل يجدر بعقلائها وبنيها أن يقبلوا ببيعها ثانية إلى جهة للتحكم بها كيفما تشاء الأقدار بسلب إرادة أبنائها؟
كلنا نعلم ايضًا، أنّ ما يجري اليوم، على الساحة السياسية، صنوٌ من المساومات والصفقات. ومَن يعلم، قد تكون هذه المنطقة من حصة إقليم كردستان في ضوء تلك الصفقات. وإن حصل ذلك، فالاستفتاء هو الفيصل، ولن يكون هناك حينئذٍ، من اعتراض على قرار الشعب، فهو مصدر القوة وصاحب القرار الأخير بمستقبله ومصيره. ولكن، في كلّ الأحوال، مَن يسعى لبيع بلدته في ظلّ الظروف المتأزمة الحالية، أيًا كان موقعُه أو شأنُه أو مرجعُه، لن يسلم من عقاب التاريخ ومِن حساب الزمن. قرقوش، ليست للبيع، ولَن تكون كذلك، ما دام فيها قدراتٌ وكفاءات تحمل راية الوطن والمواطنة والحكمة بكفّ، والعِلم والفكر والإيمان باليد الأخرى. وأهلُها سيكون لهم شأنٌ في قادم الأيام، ولن يبقوا تابعين راضخين لغيرهم. ففيهم ما يكفي ويفي ويزيد!
لويس إقليمس
بغداد، في 16 حزيران 2013


56
من ثمارهم تعرفونهم: البطريرك ساكو والحدث المرتقب

مَن يؤمن بما له من قدرات قابلة لصنع العجائب وزرع الأمل وبذور المحبة، لا بدّ أن يقتحم الصعاب ويصارع الأهوال ويقهر الأمواج. ومَن يخنع ويتعذّر ويتباطأ في دخول معترك الحياة، رغم شدّتها وقسوتها وجبروتها، لن يُسجل في سجلّ عظماء الأمم والشعوب التي تبقي ذكراه على مرّ الأزمان والدهور. هناك رجالٌ ونساءٌ بارزون، يروي لنا التاريخ قصصهم ومآثرهم وصولاتهم، وهمْ لنا قدوة ونماذج، لا لشيء، بل لأنهم وضعوا معنى لحياتهم عبر ما رسموه من أهداف قابلة التحقيق وممكنة التطبيق، فيما لو امتزجت بخميرة المحبة والغيرة الرسولية حين يقتحمون مبدأ:  "غيرة بيتك أكلتني".
وغبطة البطريرك لويس ساكو، قد بدأ المشوار صعبًا لبلوغ ما أئتُمن عليه حين قَبِلَ أن يؤدي رسالته الكهنوتية متشبعًا من العلوم والمعارف والتقوى التي تعلّمها في معهد مار يوحنا الحبيب الإكليريكي بالموصل. قد يصفه البعض، رجل الساعة ، صاحب الكاريزما التي لا تعرف التوقف والتعب، وهذا بادٍ من سجله الرسولي منذ اقتباله الرسامة الكهنوتية وعمله في حقل الخدمة بالموصل، ومن ثمّ في بغداد حين إشرافه على إدارة المعهد الكهنوتي بالدورة، وآخرها حين رئاسته لأسقفية كركوك. والمتابع لنشاطه الرسولي والمجتمعي مذاك، لا ينكرُ له هذه الميزة الرسولية المتفانية، جالبةَ الثمر في العديد من  المحطات التي زاول فيها خدمته وتفانى في عمله.
مِن ثماره المتعاقبة، عقد السينودس الكلداني
ممّا لا شكّ فيه، أن أنظار الكنيسة الكلدانية بجميع مؤمنيها في الداخل والشتات، إلى جانب مسيحيّي العراق أجمعين، كانت ترنو إلى إمكانية عقد سينودس للطائفة، يكون حاسمًا بنتائجه وخطواته للعديد من نقاط الإشكاليات التي تعرّضت إليها كبرى الطوائف المسيحية  في العراق، بما عُرفت عبر تاريخها الحافل، من إنجابها لرجالٍ ونساء جهابذة في ميادين كثيرة، دينية وطقسية وعلمية وثقافية واقتصادية واجتماعية، وممّن تمكنوا من اعتلاء مناصب متقدمة في الحياة اليومية، سواء في الماضي أو الحاضر. لقد عُقد السينودس باجتماع كافة رؤساء أركانه من الأساقفة الأجلاّء (إلاّ من واحد "لغزٍ")، من الذين لبّوا دعوة الراعي الجديد. ومنهم مّن تجشّم عناء السفر، وهذا جزءٌ من واجبه الراعوي والهمّة الرسولية التي تتطلّبها مسؤوليتُه عن رعيّته وطائفته، وليس في ذلك مِن منّةٍ من أحد على آخر. ويأتي حدثُ السينودس هذا، بعد سلسلة من القرارات والتوجيهات البطريركية الجريئة والضرورية، التي طالت شؤونًا إدارية  ومالية وراعوية متلكّئة ومتعثرة وسائبة في بعضٍ منها، حيث كان لابدّ من وضع حدودٍ لسلسلة من المخالفات التي كان يُغضّ عنها الطرف أو كانت تجري في الكواليس دون علمٍ ومعرفة برئاسة الطائفة. إنها توجهّات على الطريق الصحيح، سحبت البساط من البعض، وصارت نذيرًا لسلوكيات وتصرفات آخرين، تمادوا وركبوا موجة التسيّب، ضاربين عرض الحائط عصا الطاعة الكهنوتية والاستقواء بأفكار مهجرية خلعت عنها صفة الأصالة والتشبث بالأرض والوطن، ولم يعدْ من همٍّ لها سوى التبختر بأرجحية الرأي وإصدار الإيعازات والتوصيات على الفتات الذي بقي لهم منه داخل الوطن.
جديرٌ ذكرُه، أنّ الإجراءات الأولية التي اتخذها البطريرك ساكو، كان لها صدى إيجابيٌ واسع، ليس على الصعيد الكلداني فحسب، بل كانت بمثابة مهمازٍ لطوائف غيرها كي تنتهج ذات السبيل لمعرفة ما لها وما عليها. أمّا من انتقد تلك الإجراءات أو بعضًا منها، فما عليه إلاّ العودة إلى الخلفيات المحزنة التي كادت تنخر جسم هذه الطائفة على صُعدٍ كثيرة، ومنها في الحياة الروحية للكهنة وتنشئتهم وفق سياقات رائدة تمليها عليهم تعقيدات الحياة المعاصرة، وحالة الانفلات التي كادت تصبح كارثية في بعضٍ من فقراتها.
إنّ أولى الإشارات الصادرة عن نتائج السينودس الكلداني الأخير، تشير إلى وضع قطار الكلدان على السكة الصحيحة. فبالرغم من التوصيات المحدودة والعامة في أغلبها، التي نُشرت من قبل سكرتارية البطريركية في بيانٍ رسميّ، إلاّ أن القارئ يستشف منها رائحة التجدّد والأصالة والوحدة، وهو الشعارُ الذي رفعه البطريرك ساكو لسدّته، من حيث عقدُه العزم على التغيير والتقدّم إلى أمام ضمن ضوابط كنسية جامعة تراعي ظروف الرعية في الداخل والشتات معًا، لتسير متناغمة مع ظروف الوطن الجريح. وتأتي في مقدمة هذه الإصلاحات، "إعادة هيكلية تنظيم البطريركية والأبرشيات والرهبانيات والمؤسسات الكنسية باحترام القوانين الكنسية" من خلال الدعوة للالتفاف حول رئاسة الطائفة صفًا واحدًا وتعزيزًا لدورها التاريخي والكنسي. كما أنّ إيلاء هذا الحدث "السينهادوسي" للحركة المسكونية دورًا كبيرًا، جاء من منطلق الرغبة الصادقة والحثيثة بالوحدة المسيحية، من خلال الحوار المسكوني الذي يُعدّ البطريرك ساكو من دعاته الأقوياء، وهو الذي أعلن مرارًا وتكرارًا خلال زياراته وتصريحاته استعداده للتنازل عن المنصب خدمةً للوحدة المسيحية وتحقيقًا لرغبة المسيح كي "يكونوا واحدًا". ولم ينس السينودس، الظروف الداخلية التي يعيشها المؤمنون جنبًا إلى جنب مع إخوة لهم في الوطن من مسلمين وإيزيدية وصابئة وبهائية وأديان أخرى وبمختلف المذاهب والأطياف. حسنًا فعل، في التأكيد على نهج الحوار، داعيًا "المسيحيين كي يصيروا جسوراً بين كلّ الجماعات، لوضع أسس حوار صادق لتقوية العيش المشترك ورفع صوت الحق تجاه المتغيّرات والأحداث والتطورات". وكما يطمح الجميع، في أن تأتي هذه الخطوات بثمار نحو استقرار البلد وتنعّمه بسلام عادلٍ وشاملٍ كي يعود المغتربون قسرًا، إلى وطن الآباء والأجداد بدل الضياع في متاهات المهجر الذي سيطوي عظامهم- بعد عمرٍ طويلٍ- في تحت تراب أرضٍ غريبة، لا أصالة فيها ولا روح، إلاّ من ترف الحياة والعجز عن تحمّل الصعاب التي أوصانا بتحمّلها ربُنا، رغم مرارتها.
 ولعلّ فقرة الهوية الكلدانية، تكاد تكون أهمّ مادة، كانت شرائح كثيرة من أبناء هذه الطائفة تترقب الصيغة التي ستخرج بها التوصية. وكما كان متوقعًا، فقد خرجت هذه الفقرة متزنة ومتوافقة مع الرسالة التي تحملها الكنيسة دون أن تتداخل أو تتقاطع مع الشأن القومي السياسي الذي حاول البعض زجّ الكنيسة لتكون طرفًا فيه. وتلكم هي الحكمة. فالهوية القومية والشأن السياسي، ليس للكنيسة أن تدخل فيه طرفًا، بل يبقى من شأن العلمانيين، والكنيسة تشجع وتعضد أي جهد مدني لأبنائها، يسعى إلى إحقاق الحقوق والدفاع عن كرامة المواطنة وتثبيت المطالب دستوريًا وقانونيًا. أمّا البعض الآخر، الذي رأى هذه الفقرة فضفاضة ومخيبة لآماله، لكونها لم تسدّ رمقهم التعصّبي بتغليب الهوية الكلدانية تحدّيًا للغير على الساحة العراقية وتعاليًا عليهم، فإنّها تكون قد وضعت كلاًّ في محلّه، ووزّعت الأدوار بحكمة وكفاية كي يكون " ما لقيصر لقيصر، وما للّه للّه"، وهذا مسك الختام.
خطواتٌ على الطريق القويم
في كلّ يوم، يطلعنا غبطة البطريرك على خطواتٍ جادة وثابتة تبشر بعقده العزم على تنفيذ ما وعد وما بدأ به. كنتُ في زيارة قصيرة إلى بلدتي قرقوش/ باخديا قبل أيام. وفي إحدى زياراتي لأحد الآباء الكهنة من الأصدقاء القدامى، لم يعجبه كما يبدو، ما يقوم به البطريرك ساكو، من تفعيل لأنشطة وحياة كنيسته وشحذ همم أساقفة وكهنة طائفته، عادًّا إياها نوعًا من الفرقعة الزائفة والبهرجة من أجل الشهرة، ليس إلاّ. ما كان عليّ إلاّ احترام رأيه، رغم قصوره وعدم إيماني بما ذهب إليه في الوصف والانتقاد ووقوفي بالضدّ من الاتهامات والاستخفاف بهمّة "الشيخ الشاب" الذي يتطلّع إليه الكثيرون منقذًا للسفينة المسيحية في العراق من الغرق، أكثر ممّا هي عليه اليوم. لكنّ الأيام، والأفكار والأفعال تتحدث، عمّا يبادر إليه هذا الإنسان الوطني المسيحي، كراعٍ للمسيحية والمسيحيين كافة في العراق وفي المنطقة وحتى على النطاق الدولي. فقد أثبت أنه قائدٌ كنسي من طراز الآباء الأولين في اصالته  عبر غيرته، ومن المعاصرين المرموقين في نهج تجدّده، والمدافعين الأشداء عن الكنيسة الجامعة بدعواته للوحدة في مناسبة وبدون مناسبة. وهذا يذكّرني بزيارتي له بعد ايام من تنصيبه، حين فتح لي قلبه الواسع وعبّر عن خطوات فاعلة في قادمة الأيام. وهذا ما حصل. فقد تحقق العديد من تلك التي تمنّاها وسردها بعفوية تامة في ذلك اللقاء (أنظر مقالتي: لقاء المحبة والغيرة الرسولية في 16 آذار 2013 المنشور في الموقع).
"الكنيسة مدعوة لتكون قوة تعبير إيجابي"، قالها البطريرك ساكو، في إحدى المناسبات. وهو اليوم يطبق فحوى هذه العبارة القوية المعاني في منهاجه الرسولي بالتعاون مع إخوته رؤساء الطوائف المسيحية الشقيقة. لقد استطاع جمعَ القادة العراقيين المختلفين، في مناسبتين، يوم تنصيبه والثانية في ختام سينودس الطائفة الكلدانية الأخير قبل ايام مضت. وهذا بحدّ ذاته، علامةٌ مضيئة على قوّة الكنيسة وفاعليتها في المجتمع العراقي من خلال الكاريزما المتميزة والسمعة الطيبة التي يتمتع بها البطريرك ساكو. وبذلك أثبت أنه ليس فقط قائدّا كنسيًا جادّا وفاعلاً فحسب، بل وفاعلاً للسلام وجامعًا للفرقاء السياسيين المختلفين حول طاولة الحوار الضروري لبناء أواصر الصداقة والمحبة والتعايش بين الأديان والمذاهب والقوميات. فاستحق بحق "طوبى فعلة السلام". لقد وعد، فوفى، في العديد ممّا صرّح أو عبّر أو تمنى. ولنا معه مشاوير كثيرة لحين رؤيتنا ما سيتحقق بصلاتنا جميعًا ودعوات ذوي الإرادة الصالحة واصحاب النوايا الصادقة من السياسيين والقادة والرؤساء والزعماء من جميع الأديان والطوائف والملل.


لويس إقليمس
بغدلاد، في 12 حزيران 2013


57
دروس في الحياة لا يفقهها تجار الشعوب

كثيرة هي التجارب والدروس التي تمرّ على بني البشر أو تلك التي تعيشها الشعوب. لكن العبرة فيمن يعطي لنفسه الفرصة للتعلم منها والاقتناع بأخذ المفيد فيها من أجل حياة أفضل، له ولغيره من الخلق. إلاّ أن مصيبة العرب خاصة ودول منطقة الشرق عامة، قد ابتليت ببشر تتحجر عقولهم وتنغلق بصائرهم لكل ما هو منطقي وآدميٌّ لدى غيرهم من الأمم والشعوب المتحضرة، لسبب أو دونه.
أحوال العرب اليوم
 ما يجري اليوم، في عدد من دول المنطقة وما شهدناه منذ اجتياح السيادة العراقية في 2003، من تزمّت وعنادٍ لدى عدد من قادة وزعماء هذه الدول المطالَبين بالتنحي عن السلطة والزحزحة عن الكراسي التي قيّدوها تأبيدًا، لهم ولذوي قرباهم وحاشيتهم، هو عين التخلّف والاستبداد والاستهانة بإرادة شعوبهم المغلوبة على أمرها. لقد شاء هؤلاء "المتأبّدون"، أن ينصّبوا أنفسهم سلاطين مدى الحياة ومتسلطين على رقاب شعوبهم، غيرَ مقرّين بثقافة متحضرة لتداول السلطة سلميًا، التي من جملة منافعها، فسح المجال للغير كي يقدموا عطاءَهم ويعرضوا ما عندهم من كفاءات عملية ومزايا إدارية ومن خبرات في الحياة قد تختلف عمّا لدى هؤلاء الزعماء المتقادمون الذين توقفت بهم عجلة الإبداع وبطلت عندهم الحكمة المطلوبة والكفاءة في التفاعل مع الأحداث وفي تصريف شؤون البلاد والعباد.
تشير الدلائل، أن معظم هؤلاء الزعماء، إن لم يكونوا جميعًا، قد استخدموا ما لديهم من أحكام قمعية وسلطة مطلقة في قيادة شعوبهم  طيلة فترة تولّيهم السلطة، ومازالوا على هذه الحال، رغم أنهم قد فقدوا كل مصداقية في التعامل السويّ والإنساني مع شعوبهم، ما أفقدهم بالتالي شرعيتهم. وفي اعتقادي أن أحد أهم أسباب هذه الإشكالية، هو الخلفية الدينية والقبلية وربما التربوية والاجتماعية والعلمية أيضًا، تلك التي نشؤوا فيها وعليها، والمتمثلة بقِصَر نظرهم حول الأحداث و رفض الإقرار بضرورة الاستجابة لمطالب الشعب واحتياجاته المتناغمة مع تطور الحياة ورقيّها. ناهيك عن العمى، المصابون به بسبب الحضور الدائم ل "الأنا الذاتية" التي استفحلت في سلوكياتهم وما يلحق تلك، من أشكال الطمع والعجرفة وحب الدنيا والسلطة والجاه والمال، ممزوجة أحيانًا بداء "جنون العظمة" المقيت وهوى السلف في إطاعة السلطان، حتى لو تجبّر وفسقَ وشطح عن الحق. وهذا في حقيقة الحال كما يبدو، جزءٌ من تركيبة الفكر العربي والشرقي التي لم تستطع شعوب المنطقة تجاوزها، بالرغم من تغيّر الأحوال وتطوّر الحياة وما فيها. فهذه الفئة، كلّما تقدم أصحابُها في العمر، تقادموا في الخبرة واستنفذوا الكفاءة والعطاء والحكمة معًا، وتشبثوا أكثر في حب السلطة والجاه والمال وأنواع الفساد والموبقات، والأنكى من ذلك في الولوج في دياميس الدكتاتورية التعسفية التي لا تؤمن ولا تعتقد إلاّ بكفاءتهم وحكمتهم وحدهم فحسب. وأمثالُ هؤلاء لا يقرّون البتة، بثقافة تداول السلطة وانتقالها السلمي، وكأنّ كراسي حكمهم، قد سُجّلت بأسمائهم إلى أبد الآبدين، كراسيَ تمليك في الشهر العقاري، بل وأكثر من ذلك، أن بعضهم يجيز لنفسه توريثها لأبنائه من بعده! إنها قمّة الاستخفاف بالشعوب وبإمكاناتها وفي حقها في حكمٍ رشيدٍ ووفق أساليب حضارية تتحكم فيها صناديق الاقتراع ورضا الله والشعب.
إنتفاضة مشروعة وثورة مدعومة
لقد انتفض المواطن العربي في ثورة، هي من حقه منذ زمن، لأنه ببساطة إنسانٌ خلقه الله كائنًا حرّا جميلاً، سيّدًا وغير ناقص، على صورته ومثاله، سواءً كان ذكرًا أم أنثى. فالخلق سواسية لدى الله، خالقِ الكون والبرايا والبشر منذ الأزل وإلى يومنا هذا. كما أنه، ليس من حقّ أي كائنٍ بشريٍّ الانتقاص من أخيه وجاره ورفيق عمره، لأنه ببساطة، مخلوقٌ على شاكلته وفق مشروع الخلق الإلهي الذي يتيح له  الحق المشروع في حياة حرةٍ كريمة، ينشد فيها الاستقرار والعدل والمساواة والرفاهية في إطار نظام عادلٍ في الحكم والحياة.
ولمّا كانت ثورة الشعوب على الظلم والطغيان والفساد وكلّ أصناف التعسف في الحكم والحياة، هي من حق هذه الشعوب المبتلاة بهذا الصنف من القادة والرؤساء المتسلطين، فما على المتنوّرين والمتحضّرين من الآدميين الحريصين على احترام خلق الله، إلاّ أن يؤازروا هذه الثورات ويساندوا القائمين بها وعليها، لأنهم أصحاب حق. ومن لا يفعل ذلك بما أوتي به، فهو على باطل، مهما ادّعى من أسباب الشرع والشريعة والقوانين التي يفتعلها ويستنبطها ويفتي بها لسند موقفه المغالط.
أمام السيل الجارف من المطالب المشروعة للثائرين على الرؤوس الدكتاتورية، وقفَ الشرفاءُ من بني جنس هذه الشرائح المتنوّرة الثائرة وغيرهم من الساندين لها، من شعوبٍ وأصولٍ وطبقاتٍ وفئاتٍ متغايرة، وقفة المؤيّد والساند لحق هؤلاء البشر في العيش بكرامة وأمان في بقعة وضعتهم الأقدار في كنفها، ليكونوا ضحايا تقليديين لأنواع عديدة من الاستغلال السياسي والمادي والطائفي والمذهبي. لقد كان لتأييد مجمل الانتفاضات التي حصلت في عدد من الدول العربية - والبقية ستلحقها بإذن الله-، صداهُ الواسع في فتح أعين الناس على حقيقة حقوقهم المشروعة التي ظلّت أسيرة تقاليد بالية والتزامات شرعية غير عادلة وقوانين ردعية ووضعية غير مقبولة إنسانيًا ومجتمعيًا ودوليًا. لكن الظلم، عمره لم ولن يدوم، طالما هناك من يبحث عن التنوير ويسعى لتحرير القيد المنغلق الذي أسرته به هذه القوانين وهذه التقاليد وغيرها من الأصوليات التي لم تعد تنفع مع التطور البشري ونماء الفكر الإنساني والتنمية المستدامة التي تسعى إليها البشرية المتحضرّة جمعاء.
وداعًا للستار الحديدي
لقد كانت وقفة العالم مشرّفة لاسمه تعالى ولاسم الحق والعدالة، في تأكيده على حق خليقة الله بالعيش بحرية وكرامة، أينما كانت ومتى أرادت ذلك، دون منّة من أحد، لأنها ببساطة، صنيعة الخالق الجبار، الشديدِ بأسُه على المستكبرين. كما لهذه الشعوب المظلومة، قِدمُ التساوي مع باقي الخلق، في الأرض والحياة والرفاهة، وفي كل ما من شأنه أن يسهّل الحياة وسبلَ عيشها دون صعوبة. لقد خبر العالم الغربي مثل هذه الانتفاضة، بل مثل هذه الثورات العارمة التي استمدّت قوتها من عزيمة الشعب الحريص على أرضه وعرضه ووطنه وأهله وجاره، من شرور القريبين والبعيدين. من هنا كان تذكير بعض العقلاء بما حصل مع انتفاضة حقبة الثمانينات في أوربا، حين نفضت شعوبُها غبارَ سنوات عجاف من سطوة الشيوعية البغيضة ومن أساليبِ قادتِها الطغاة الذين استخدموا كل أساليب الترويع والتخويف والترهيب ضدّ شعوبهم سحابةَ سنين. لذا لم يكن أمام تلك الشعوب في نهاية المطاف، وبعد أن بلغ السيلُ الزبى، إلاّ أن يلفظوا  هذه الحشرات الضارة ويعملوا على طردها والتمكّن منها، في أقرب فرصة أُتيحت لهم، ففعلوها دون تردد، حين أسقطوا الستار الحديدي إلى الأبد. ما حصل ومازال يحصل اليوم وغدًا، هو بالتأكيد، تشبّهٌ سليمٌ لما حصل لتلك الشعوبٍ التي سبقتنا في هذه التجربة المباركة، بل إنه يؤشّر إلى تطوّرٍ صحيح في العلاقات الإنسانية في الاستفادة من تجارب الغير. وهو أيضّا، استمرارٌ لما يمكن اعتباره صرخةً حق بوجه الباطل وضدّ أساليب القسوة والعنف والجور غير المبرّر الجاري بين البشر. وهذا أمرٌ طبيعيٌّ للغاية. فالشعوبُ عندما تصل حدّا من الوعي المقبول، تتمثّل بتجارب الغير لتأخذ منها ما ينفعها وتلفظ ما تراه غير مقبولٍ لديها.
لقد أعجبني تصريح فاسلاف هافل، الرئيس التشيكي السابق، وداعية حقوق الإنسان  والمدافع عن الشعوب المغلوبة وعن الديمقراطية، حين تحدّثه مرّةً إلى صحيفة "سي تي كي" الجيكية، أن (هناك حدودّا دنيا لمعايير ثقافية عامة مشتركة بين كل الشعوب في ارتكانها إلى الأخلاق الأساسية وإلى الأسس في تطبيق السياسات  العامة للحكومات. كما أن ما يحصل اليوم في المنطقة العربية، لا يختلف عمّا شهدته بعض دول أوربا، ولاسيّما الشرقية منها حين كسرت "طوق الستار الحديدي" والتحقت بركب الديمقراطية الذي تخلّفت عنه). إن هذا الحديث عن "االستار  الحديدي" الذي حطّمته شعوب أوربا بصحوتها الإنسانية مع السنوات الختامية للقرن المنصرم، قد وضعت بلدانها وقادتها على المسار الإنساني والبشري الصحيح. وفي اعتقادي أنّ ذات الشيء، بدأت تسعى إليه شعوب منطقتنا التي اكتوت بنيران حروب أزلية وابتليت بسلاطين وزعماء وملوك لاتهمّهم مصالحُ شعوبهم ورفاهيتُها، بقدر ما تسعى وتعمل على ترسيخ التسلط وتثبيت سبل مبتكرة للقمع، من أجل البقاء في الحكم ما طاب لها وما تيسّر. لقد نسي هؤلاء أو تناسوا أنّ ما له بداية، لابدّ أن يكون له نهاية في زمن ما وفي مكانٍ ما.
إنها صرخةُ حق، أطلقها روّاد الإنسانية ومدافعو حقوق الإنسان في كل مكان وفي كل بلد وفي كل مجتمع في هذه المنطقة المبتلاة. هي صرخة مدويّة أيضّا تدعو للتخلص من الزعماء، من ناشري الظلم والفساد والتسلّط، الذين استخفوا بشعوبهم غير مبالين بقدرات هذه الشعوب متى فاقت. هي صرخة حق بلا حدود، فيها انتفض الناس على اختلاف طبقاتهم وفئاتهم ومكوّناتهم، ضدّ من سرقهم وتآمر وكذب عليهم، وضدّ من حكمهم طيلة هذه السنوات العجاف بعصا من حديد. وهي لن تخمد حتى تحقيق المآرب العادلة وفرض سلطة قانون مدنيّ عادلٍ يساير التطور البشري ويراعي شرعة وقوانين حقوق الإنسان ولا يحصرها في زاوية تداعياتٍ شرعيةٍ ضعيفة الحجة يحشرها أمثال هؤلاء المغالين بمبدأ جواز "تولّي السلطان على الشعوب كما شاء"، حتى لو  ترتب على ذلك جبالاً من الظلم والقهر والفساد بسبب اتباع هذا المبدأ الناشز.
إنه لمجرّد رؤية انتفاضة هنا وإضراب هناك ، أو اعتصام في مكان غيره، فهذا دليلٌ على وجود ظلمٍ، من أيّ نوع كان. فلو لم يشعر هؤلاء المضربون أو المعترضون أو المعتصمون بشيء من الذلّ والإهمال والتهميش، لما كانوا انتفضوا أصلاً. ومَنْ يشعر بما فيه كفاية من اطمئنان ورفاهة واستقرار، في حياته ولأهل بيته وعشيرته وبلدته ووطنه عمومًا، ليس بحاجة للشحن والإثارة وتعليمه كيف يعترض ومتى ولماذا. فما اعتراضُ بعض النخب المتنورة في العالم العربي ومعه عراق اليوم، سوى دليلٍ على وجود مسارات وإجراءت وتصرّفات غير مقبولة في أجهزة الحكم، تكاد تقضّ مضاجع المواطن، أيًا دان دينُه أو لونُه أو مذهبُه. لذا، واستنادًا لأصول احترام حقوق الغير، حتى لو اختلفوا في الدين أو المذهب أو الطائفة أو اللون أو الإثنية، فهو يستلزم تعلّم درسٍ في الحكمة والآداب والأخلاق في احترام الغير. فالدنيا دوّارة، وما نحن عليه اليوم، قد ينقلب بين لحظة وغيرها. فهل يرتكز الحاكم إلى مبدأ الحمة في حكمه كي يتحاشى ما قد يلقاه بوم غد؟
تركة ثقيلة للحربين العالميتين
إذا كانت مقارعةُ رؤوس الأنظمة الفاسدة في بلاد الشرق عامة، وفي بلاد العرب بالذات، قد دعت إليها قيادات متنورة في المجتمعات، فإنّه لا ينبغي وأدُها والتشويش عليها أو تحجميها أو تجاهلها. بل هي  تتطلب من كل الشرفاء دعمًا وتأييدًا وتأليبًا للرأي العام من أجل تنوير المنطقة ووضعها في الإطار الصحيح للعلاقات الإنسانية مع شعوبٍ سبقتنا في هذه المحنة، وكانت هي الأخرى ضحية حروب عالمية فتكت بالملايين من أبنائها في القرن الماضي. ومن هذه الشعوب، علينا تعلّم الدروس الضرورية من أجل حياة أفضل، أكثر عدلاً وسلامًا ورفاهةً. فقيمُ الديمقراطية الحقيقية، لابدّ  أن تنتصر وننتصر لها، مهما كان الثمن، لأن الأوطان لا تُبنى إلاّ على تضحيات أبنائها وتصرّفهم الصحيح والناضج إزاء الأحداث، وبشيء لا يخلو من الرويّة والصبر والثبات والتواصل وديمومة النضال ضد كل أشكال التخلّف والعنف والظلم والقهر والفساد المستشري في مفاصل حكومات المنطقة قاطبة، مهما كان وأينما كان وأيًّا كان المقصود بها. وفي اعتقادي، أن مجمل هذه الأحداث التي عصفت بأوربا نهاية القرن الماضي وانتقلت عدواها، إلى شعوب عربية في المشرق العربي ومغربه، هي نتيجة تراكمات الحرب العالمية الثانية والتي ما قبلها، وما خلّفتاهُ من تركة ثقيلة آنذاك. وما تزال المنطقة والعالم كلّه يعاني من تراكماتهما وآثارهما المدمّرتين حتى يومنا هذا.
 وهناك من لا يستبعد، أحداثًا دراماتيكيّة ومصيريّة قد تشهدها المنطقة برمّتها، إن لم تكن قد دخلت في معتركها منذ زمن، ومعها ربّما العالم كلّه، بسبب قراءتنا لأحداث وتطوّرات لاحقة. وهذا أمرٌ مفروغٌ منه، حسب وجهة نظرنا. لذا يكون سؤالنا، ما إذا كنّا سنشهد خطوة قادمة في ذات الاتجاه، يمكن أن تأتي بنذير شؤمٍ محتملٍ أو بكارثة قادمة وراء مجمل هذه الأحداث المصيرية والدموية في بعضها. فهل ستكون حربًا كونيةً ثالثةً لا بدَّ منها؟ أبعدها عنّا الله!
الحذر واجب
مع كون ما تشهده المنطقة من انتفاضات ومظاهرات واحتجاجات، هي حالة صحية في مسار الشعوب وتاريخها، إلاّ أنها، قد لا تخلو من متغيّرات غير متوازنة وغير متوقعة من حيث خروجها عن المسار الصحيح الذي جاءت من أجله. وهنا كان ينبغي مراقبة الأمور والأحداث بكل عناية، كي لا تخرج هذه الانتفاضات والتظاهرات والاعتصامات عن أهدافها وغاياتها المشروعة في محاسبة الفاسدين والمفسدين وفي محاكمة الطغاة والظالمين وسالبي حقوق الشعوب، وفي المطالبة بحقوق متساوية، وفق القوانين المرعية والدساتير، كي يعود الحق إلى نصابه ويتمتع المواطن بحريته ويعيش كما تحتمه عليه إنسانيته على وفق الأعراف الدولية والديمقراطية التي ينبغي أن تكفلها دساتير البلدان المتحرّرة والمتحضّرة. وهذا الخوف مشروع، في إمكانية تسلّل عناصر تحمل أفكارًا أكثر تطرفًا وتشدّدًا لتعمل على إسقاط ما تحمله من تخلّفٍ بأفكار أصولية متسيّدة على الساحة العربية عامة في هذه الأيام الصعبة، وتعمل على فرضها بأساليب ملتوية عديدة، على الجماهير المنتفضة المكسورة الخاطر، التي قد تتراجع في غفلة منها، وفي ضوء التخويف  الديني والترهيب الشرعي والإفتاء الجارف، لتسلب منها هذه الصحوة وتسرق هذه الثورة، فتضيع جهودها سدًى، وكما يقول المثل " كأنك يا زيد ما غزيت".
إنّ الخوف، كلَّ الخوف، إذا اندسّت عناصر غريبة على التركيبة الوطنية لأيّ بلدٍ وتسلّلت متذرّعةً بأية حجج أو تبريرات خارجة عن أخلاقيات وطبيعة الحياة المواطنية التقليدية لتلك الشعوب. فمثل هذه التدخلات، ستكون قاتلة، لأنّ البلد يبقى ساحة مفتوحة لكلّ من هبَّ ودبَّ ودون وعيٍ، من أجل تحقيق غايات وأهدافٍ ليست ذات صلة بإصلاح الوطن والمواطن أو بتطوير البلاد وتحسين وضع أهلها وشعبها. وهذا الخوف، هو ما حصل، في ثورات الشباب في عدد من الدول العربية مؤخرًا، حين تدخلت عناصر دخيلة وحاولت أن تسرق ثورتًهم، إن لمْ تكن فعلاً قد سرقتها وجيّرتها لنفسها وجلست على الحكم، رغمًاعن أنف القائمين الأصلاء على تلك الثورات. أما ما يحدث اليوم في سوريا الجريحة، فهو انتحارٌ أخلاقي وأدبيٌ وإنسانيٌّ بامتياز، بعد أن أضحت ساحة مفتوحة للمغالين والدخلاء، اصحاب النفوس الضعيفة والسيافين وأكلة لحوم البشر والفاسدين والمفسدين في الأرض. ومن المؤسف حقًا، أن تنتصر شعوبٌ متحضرة مثل أمريكا وعدد من الدول الأوربية التي تتشدّق بحقوق الإنسان وحرّية الإنسان، لأمثال هؤلاء القتلة وتدعمهم بالمال والسلاح، من أجل المزيد من إراقة الدماء البريئة، وإطالة حرب تدمير البلدـ عوض أن ترتكن إلى حلولٍ أكثر حكمة واتزانًا من شأنها وضع حدّ للمأساة بكلّ معانيها.
حصة العراق
لم يكن بلدنا يومًا، خارج هذه الخارطة أو خارج هذه التراكمات. لقد تآكلَ عراقنا ومعه قيمُه المجتمعية والوطنية بفعل فاعل، فضاع فيه الشعب بين فساد واستبداد الحكام السابقين واللاحقين ووسط نواياهم القومية والطائفية والذاتية والمذهبية وبين نوايا الغازي الجديد، الذي استقدمته حماقات النظام السابق ليحطّ رحاله فيه، بعد أن كان الأخير قد رسم وخطّط له بكل عناية للنيل من نسيج شعب عريق الحضارة وغزير الثروة. لكن عيبَ شعبنا أنه متقلّب المزاج، وسريع الغضب والحنين في آنٍ واحد معًا. وتلكم، معادلة غير سهلة العلاج، ما لم تسلم النوايا ويُزال عن كشح الجهل وأصناف الممارسات المتخلّفة التي لا تتوافق مع أهداف المشروع الوطني الحقيقي الذي ينبغي أن يسعى الجميع لبنائه بعد الذي حصل. فهل من الحكمة مثلاً، تعطيل دولة بكاملها، لأيام عديدة بحجة اللحاق بممارسات هي في الأصل أن تكون ضمن علاقة محصورة بين الخالق والمخلوق؟ وهل من المقبول أن تسيء قوات الأمن التصرف، وأمام مرأى أجهزة الدولة ومسؤوليها، حين تنهال على متظاهرين مسالمين وتهاجم تجمّعاتهم، فيما جلُّ مطالباتهم توفير الخدمات الأساسية والمطالبة بمحاكمات عادلة لبشرٍ زُجّوا في دهاليز السجون دون دراية السبب وراء مثل هذا التصرّف، أوطلبُ لقمة عيش شريفة، أوتوفيرُ فرص عمل لحشود مؤلفةٍ من العاطلين الباحثين عن عمل يوفر لقمة العيش لأسرهم؟ أين هذه الممارسات من الديمقراطية التي تتبجح بها أجهزة الدولة، أمام وسائل الإعلام وأمام العالم الذي اكتشف زيفها وبطلانها؟ واين كفاءة الأجهزة الأمنية التي تدّعي الحرفيّة والخبرة في الاستمكان والانقضاض على الهدف قبل تحرّكه؟
إننا نعتقد، أنه لابدّ أن تشمل صحوة الشعب في العراق أيضًا، شيئّا كثيرًا من الحكمة والرويّة والشجاعة في آنٍ معًا من جانب الطرفين، من أجل الحدّ من مثل هذه الممارسات غير الديمقراطية، وغيرها كثيرةٌ، من التي لا تقدّم المجتمع، بقدر ما تعمل على تباطؤه وتخلّفه عن الركب الحضاري الذي يستلزم تحقيق أفكار جديدة متنورة. كما تتطلب الحالة، البحث عن وسائل آنيّة، أكثرَ رصانة وجدّية في التعامل مع هذه المطالبات المشروعة من أجل البدء الفوري بتطبيقها بكل جدّ وإتقان وعدم التسويف بها وفي محاسبة الجهات المتلكئة والفاسدة والسارقة لقوت الشعب، دون مواربة أو إبطاء أو مجاملة على حساب راحة المواطن واستقراره وأمنه وصيانة كرامته وحرمته.
لقد عبّر الشعب العراقي في مناسبات عديدة، ومثل غيره من الشعوب الرازحة تحت نير الفقر والتسلّط والفساد، عن عمق تفاعله مع الحدث في المنطقة، رغم أنه قد سبق هذه الشعوب في ذلك ، في بداية حقبة التسعينات من القرن الماضي. وهو إن لم يكن قد أفلح آنذاك، فبسبب عدم نضوج التجربة وافتقاره إلى قيادات متنوّرة تشعر بحق الشعوب المقهورة وبقدرتها على التغيير إن عقدت النيات وعزمت عليها. لقد كانت خيبة الأمل كبيرة من لدن الجهات الحكومية الرسمية بتصدّيها للمتظاهرين وبالطريقة التي لمسناها وشاهدناها على شاشات الفضائيات التي تنقل أحدث "جمع الغضب" العديدة من مواقع مختلفة في معظم محافظات العراق ومدنه، ناهيك عن خيبة الأمل في تغاضي الإعلام الرسمي آنذاك، وتجاهله لدقائق الأحداث وتواصلها في نقل جميع أحداثها للملأ، إلاّ من مقاطع مقتضبة لا تمثل حقيقة الأحداث برمتها وطبيعتها ومسيرتها. وهذا ما لوحظ حتى في وسائل الإعلام الأميركية التي تتجاهل الأحداث أحيانًا، تكاد تكون بصورة شبه كاملة، حين لم تزعج نفسها في نقل ما يحدث في مدن اشتعلت فيها مطالبات الناس واحتجاجاتهم وثوراتهم على مكامن الفساد والدجل والكذب، إلاّ ما ندر وبما يُخجل. فهذه الأخيرة، كما يبدو، لا ترضى لنفسها أن يكون مصيرُ مشروعها الديمقراطي  الهشّ المزعوم في العراق، هو الفشل. لذا ارتأت تجاهل مطالب الشعب وتغافلت عن نقلها بقصد وعن سابق إصرار.
ونؤكد أنّ موقف الحكومة المتردّد أحيانًا، من هذه الاحتجاجات، قد بدا هو الآخر، متأرجحًا بين التجاهل والخوف معّا ممّا قد يحصل. فالدولة عندنا تعلم حقّا، عندما ينتفض الشعب العراقي، ما يمكنه أن يفعل، ولنا في ذلك تجارب ثورات عديدة في القرن المنصرم. كما أنها كانت قد استبقت الأحداث، فاتخذت أساليب التخويف والتخوين والتحذير بحجّة تسلّل عناصر بعثية وإرهابية  لتنفيذ أجندات معينة. وهي حشّدت لذلك حتى المرجعيات الدينية، كي تساهم هي الأخرى، في حمل الناس على عدم الخروج والمشاركة في تلك المظاهرات. لكن الأحداث، وما رُفع من مطالب وفي الملصقات وحتى في نوعية المتظاهرين، أثبتت زيف تلك الادّعاءات ووهنها ودجلها. فالحشود التي نزلت إلى الشوارع وطافت بملصقاتها، لم يكن همّها في الأول، إسقاط الحكومة والثورة عليها، بل انحصرت مطالبها في رفض مبدأ الطائفية المقيتة المعتمدة في الحكم، وفي محاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين والمرتشين الذين تتستّر عليهم الحكومة وفي إزاحة المسؤولين غير الأكفّاء في مختلف المرافق الخدمية وفي توفير الكهرباء وتأمين مواد البطاقة التموينية التي تعطلت بسبب فساد وزارة التجارة وغيرها من الخدمات والطلبات الأساسية لشعب يعيش أكثر من نصفه تحت عتبة الفقر، رغم أنه يطفو فوق بحيرة من ذهب. كما أن موقف الحكومة السلبي من وسائل الإعلام المتنوعة، قد أثبت فشله في التعامل الديمقراطي مع الحدث. ومجمل تلك الممارسات، قد أكدت زيف الديمقراطية التي تتبجح بها، حين إغلاقها جسورًا رئيسية وشوارع وأحياء كاملة، بوجه المتظاهرين وانهيال الأجهزة الأمنية بالضرب على حشود المتظاهرين أحيانًا، ومنهم الإعلاميين الذين ينقلون أحداث الانتفاضة الشعبية المشروعة. لقد قالها الجميع، أن حق التظاهر السلمي مكفول للجميع في الدستور. لكن هذا الحق قم تم اغتصابه والعبث به، من قبل جهاتٍ تولّت مراقبة الحدث بيد من حديد. وتلك صورة أخرى عن حقيقة الحكومة غير الديمقراطية التي تحكم العراق، وهي لا تختلف في حكمها هذا عن تصرفات النظام السابق في اتّباع ذات الأساليب الدكتاتورية في التعامل مع مطالب الشعب وفي الاستجابة لها.
وقفة إجلال لصوت الحق
خلاصة الكلام، نقول للشعوب المناضلة من أجل استعادة حقوقها في العيش الرغيد الكريم، أننا نكنّ لها كل الاحترام والتقدير، وهي تستحق الثناء وتلقّي الدعم من كل حرٍّ شريف. إن طريق النجاة من كل ظلم وتعسف واضطهاد، ليس سهلاً، بل هي طريق محفوفة بالمخاطر والأشواك والعوسج. ولكنها سبيلٌ لابدّ منه من أجل تحقيق الذات ونيل الحريّة والعيش في أجواء الديمقراطية الصحيحة وغير المغشوشة، التي يتظاهر بالمنّ بها، قادةٌ متاجرون بشعوبهم. إن هؤلاء لا يفقهون معنى الحياة الإنسانية الحرة ولا سبل العيش تحت كنف الحرية الغريزية التي وُلد عليها جميع البشر. لذا، فإنّ تقاعسهم واردٌ، في السعي للارتقاء بشعوبهم وأوطانهم على حساب المصالح الذاتية الضيقة.
 أمّا سبيل الديمقراطية الصحيح والجلوس على طاولات الحوار الدائم، فهو الضمانة الوحيدة لاستقرار البلدان وتطور شعوبها وتنميتها المستدامة بما يخدم الإنسان، وهو الغاية في هذا النضال. وعلى من يتشيث بسلطة نالها في غفلة من الزمن أو حتى بحق مكفول، عليه أن يتذكر، أنها "لو دامت لغيره، ما كانت آلت إليه". فالذي خلقَ من هذا الشخص مسؤولاً أو حاكمًا أو زعيمًا أو رئيسَ دولة أو خليفةً، قادرٌ أن يخلق غيره أحسنَ وأفضلَ منه.
وهكذا الحياة، تعطي دروسًا، كي يعتبرها عشاقها ويتمعنوا في معانيها وينقلوا تجاربهم لغيرهم، لا أن يتعالوا على شعوبهم ويستخفوا بعقولهم ويستخدمونهم أدواتٍ مسخَّرة لمآربهم وحاجاتهم ونزواتهم. فتجّارُ الشعوب، لا ولن يتمكنوا من تعلّم دروس الحياة الكثيرة.

لويس إقليمس
بغداد، في 28 أيار 2013





58
دروسٌ في الحياة لا يفقهها تجار الشعوب،
 الجزء 2

إنتفاضة مشروعة وثورة مدعومة
لقد انتفض المواطن العربي في ثورة، هي من حقه منذ زمن، لأنه ببساطة إنسانٌ خلقه الله كائنًا حرّا جميلاً، سيّدًا وغير ناقص، على صورته ومثاله، سواءً كان ذكرًا أم أنثى. فالخلق سواسية لدى الله، خالقِ الكون والبرايا والبشر منذ الأزل وإلى يومنا هذا. كما أنه، ليس من حقّ أي كائنٍ بشريٍّ الانتقاص من أخيه وجاره ورفيق عمره، لأنه ببساطة، مخلوقٌ على شاكلته وفق مشروع الخلق الإلهي الذي يتيح له  الحق المشروع في حياة حرةٍ كريمة، ينشد فيها الاستقرار والعدل والمساواة والرفاهية في إطار نظام عادلٍ في الحكم والحياة.
ولمّا كانت ثورة الشعوب على الظلم والطغيان والفساد وكلّ أصناف التعسف في الحكم والحياة، هي من حق هذه الشعوب المبتلاة بهذا الصنف من القادة والرؤساء المتسلطين، فما على المتنوّرين والمتحضّرين من الآدميين الحريصين على احترام خلق الله، إلاّ أن يؤازروا هذه الثورات ويساندوا القائمين بها وعليها، لأنهم أصحاب حق. ومن لا يفعل ذلك بما أوتي به، فهو على باطل، مهما ادّعى من أسباب الشرع والشريعة والقوانين التي يفتعلها ويستنبطها ويفتي بها لسند موقفه المغالط.
أمام السيل الجارف من المطالب المشروعة للثائرين على الرؤوس الدكتاتورية، وقفَ الشرفاءُ من بني جنس هذه الشرائح المتنوّرة الثائرة وغيرهم من الساندين لها، من شعوبٍ وأصولٍ وطبقاتٍ وفئاتٍ متغايرة، وقفة المؤيّد والساند لحق هؤلاء البشر في العيش بكرامة وأمان في بقعة وضعتهم الأقدار في كنفها، ليكونوا ضحايا تقليديين لأنواع عديدة من الاستغلال السياسي والمادي والطائفي والمذهبي. لقد كان لتأييد مجمل الانتفاضات التي حصلت في عدد من الدول العربية - والبقية ستلحقها بإذن الله-، صداهُ الواسع في فتح أعين الناس على حقيقة حقوقهم المشروعة التي ظلّت أسيرة تقاليد بالية والتزامات شرعية غير عادلة وقوانين ردعية ووضعية غير مقبولة إنسانيًا ومجتمعيًا ودوليًا. لكن الظلم، عمره لم ولن يدوم، طالما هناك من يبحث عن التنوير ويسعى لتحرير القيد المنغلق الذي أسرته به هذه القوانين وهذه التقاليد وغيرها من الأصوليات التي لم تعد تنفع مع التطور البشري ونماء الفكر الإنساني والتنمية المستدامة التي تسعى إليها البشرية المتحضرّة جمعاء.
وداعًا للستار الحديدي
لقد كانت وقفة العالم مشرّفة لاسمه تعالى ولاسم الحق والعدالة، في تأكيده على حق خليقة الله بالعيش بحرية وكرامة، أينما كانت ومتى أرادت ذلك، دون منّة من أحد، لأنها ببساطة، صنيعة الخالق الجبار، الشديدِ بأسُه على المستكبرين. كما لهذه الشعوب المظلومة، قِدمُ التساوي مع باقي الخلق، في الأرض والحياة والرفاهة، وفي كل ما من شأنه أن يسهّل الحياة وسبلَ عيشها دون صعوبة. لقد خبر العالم الغربي مثل هذه الانتفاضة، بل مثل هذه الثورات العارمة التي استمدّت قوتها من عزيمة الشعب الحريص على أرضه وعرضه ووطنه وأهله وجاره، من شرور القريبين والبعيدين. من هنا كان تذكير بعض العقلاء بما حصل مع انتفاضة حقبة الثمانينات في أوربا، حين نفضت شعوبُها غبارَ سنوات عجاف من سطوة الشيوعية البغيضة ومن أساليبِ قادتِها الطغاة الذين استخدموا كل أساليب الترويع والتخويف والترهيب ضدّ شعوبهم سحابةَ سنين. لذا لم يكن أمام تلك الشعوب في نهاية المطاف، وبعد أن بلغ السيلُ الزبى، إلاّ أن يلفظوا  هذه الحشرات الضارة ويعملوا على طردها والتمكّن منها، في أقرب فرصة أُتيحت لهم، ففعلوها دون تردد، حين أسقطوا الستار الحديدي إلى الأبد. ما حصل ومازال يحصل اليوم وغدًا، هو بالتأكيد، تشبّهٌ سليمٌ لما حصل لتلك الشعوبٍ التي سبقتنا في هذه التجربة المباركة، بل إنه يؤشّر إلى تطوّرٍ صحيح في العلاقات الإنسانية في الاستفادة من تجارب الغير. وهو أيضّا، استمرارٌ لما يمكن اعتباره صرخةً حق بوجه الباطل وضدّ أساليب القسوة والعنف والجور غير المبرّر الجاري بين البشر. وهذا أمرٌ طبيعيٌّ للغاية. فالشعوبُ عندما تصل حدّا من الوعي المقبول، تتمثّل بتجارب الغير لتأخذ منها ما ينفعها وتلفظ ما تراه غير مقبولٍ لديها.
لقد أعجبني تصريح فاسلاف هافل، الرئيس التشيكي السابق، وداعية حقوق الإنسان  والمدافع عن الشعوب المغلوبة وعن الديمقراطية، حين تحدّثه مرّةً إلى صحيفة "سي تي كي" الجيكية، أن (هناك حدودّا دنيا لمعايير ثقافية عامة مشتركة بين كل الشعوب في ارتكانها إلى الأخلاق الأساسية وإلى الأسس في تطبيق السياسات  العامة للحكومات. كما أن ما يحصل اليوم في المنطقة العربية، لا يختلف عمّا شهدته بعض دول أوربا، ولاسيّما الشرقية منها حين كسرت "طوق الستار الحديدي" والتحقت بركب الديمقراطية الذي تخلّفت عنه). إن هذا الحديث عن "االستار  الحديدي" الذي حطّمته شعوب أوربا بصحوتها الإنسانية مع السنوات الختامية للقرن المنصرم، قد وضعت بلدانها وقادتها على المسار الإنساني والبشري الصحيح. وفي اعتقادي أنّ ذات الشيء، بدأت تسعى إليه شعوب منطقتنا التي اكتوت بنيران حروب أزلية وابتليت بسلاطين وزعماء وملوك لاتهمّهم مصالحُ شعوبهم ورفاهيتُها، بقدر ما تسعى وتعمل على ترسيخ التسلط وتثبيت سبل مبتكرة للقمع، من أجل البقاء في الحكم ما طاب لها وما تيسّر. لقد نسي هؤلاء أو تناسوا أنّ ما له بداية، لابدّ أن يكون له نهاية في زمن ما وفي مكانٍ ما.
إنها صرخةُ حق، أطلقها روّاد الإنسانية ومدافعو حقوق الإنسان في كل مكان وفي كل بلد وفي كل مجتمع في هذه المنطقة المبتلاة. هي صرخة مدويّة أيضّا تدعو للتخلص من الزعماء، من ناشري الظلم والفساد والتسلّط، الذين استخفوا بشعوبهم غير مبالين بقدرات هذه الشعوب متى فاقت. هي صرخة حق بلا حدود، فيها انتفض الناس على اختلاف طبقاتهم وفئاتهم ومكوّناتهم، ضدّ من سرقهم وتآمر وكذب عليهم، وضدّ من حكمهم طيلة هذه السنوات العجاف بعصا من حديد. وهي لن تخمد حتى تحقيق المآرب العادلة وفرض سلطة قانون مدنيّ عادلٍ يساير التطور البشري ويراعي شرعة وقوانين حقوق الإنسان ولا يحصرها في زاوية تداعياتٍ شرعيةٍ ضعيفة الحجة يحشرها أمثال هؤلاء المغالين بمبدأ جواز "تولّي السلطان على الشعوب كما شاء"، حتى لو  ترتب على ذلك جبالاً من الظلم والقهر والفساد بسبب اتباع هذا المبدأ الناشز.
إنه لمجرّد رؤية انتفاضة هنا وإضراب هناك ، أو اعتصام في مكان غيره، فهذا دليلٌ على وجود ظلمٍ، من أيّ نوع كان. فلو لم يشعر هؤلاء المضربون أو المعترضون أو المعتصمون بشيء من الذلّ والإهمال والتهميش، لما كانوا انتفضوا أصلاً. ومَنْ يشعر بما فيه كفاية من اطمئنان ورفاهة واستقرار، في حياته ولأهل بيته وعشيرته وبلدته ووطنه عمومًا، ليس بحاجة للشحن والإثارة وتعليمه كيف يعترض ومتى ولماذا. فما اعتراضُ بعض النخب المتنورة في العالم العربي ومعه عراق اليوم، سوى دليلٍ على وجود مسارات وإجراءت وتصرّفات غير مقبولة في أجهزة الحكم، تكاد تقضّ مضاجع المواطن، أيًا دان دينُه أو لونُه أو مذهبُه. لذا، واستنادًا لأصول احترام حقوق الغير، حتى لو اختلفوا في الدين أو المذهب أو الطائفة أو اللون أو الإثنية، فهو يستلزم تعلّم درسٍ في الحكمة والآداب والأخلاق في احترام الغير. فالدنيا دوّارة، وما نحن عليه اليوم، قد ينقلب بين لحظة وغيرها. فهل يرتكز الحاكم إلى مبدأ الحمة في حكمه كي يتحاشى ما قد يلقاه بوم غد؟
-   يتبع

لويس إقليمس
بغداد، في 25 أيار 2013


59
دروس في الحياة لا يفقهها تجار الشعوب

كثيرة هي التجارب والدروس التي تمرّ على بني البشر أو تلك التي تعيشها الشعوب. لكن العبرة فيمن يعطي لنفسه الفرصة للتعلم منها والاقتناع بأخذ المفيد فيها من أجل حياة أفضل، له ولغيره من الخلق. إلاّ أن مصيبة العرب خاصة ودول منطقة الشرق عامة، قد ابتليت ببشر تتحجر عقولهم وتنغلق بصائرهم لكل ما هو منطقي وآدميٌّ لدى غيرهم من الأمم والشعوب المتحضرة، لسبب أو دونه.
أحوال العرب اليوم
 ما يجري اليوم، في عدد من دول المنطقة وما شهدناه منذ اجتياح السيادة العراقية في 2003، من تزمّت وعنادٍ لدى عدد من قادة وزعماء هذه الدول المطالَبين بالتنحي عن السلطة والزحزحة عن الكراسي التي قيّدوها تأبيدًا، لهم ولذوي قرباهم وحاشيتهم، هو عين التخلّف والاستبداد والاستهانة بإرادة شعوبهم المغلوبة على أمرها. لقد شاء هؤلاء "المتأبّدون"، أن ينصّبوا أنفسهم سلاطين مدى الحياة ومتسلطين على رقاب شعوبهم، غيرَ مقرّين بثقافة متحضرة لتداول السلطة سلميًا، التي من جملة منافعها، فسح المجال للغير كي يقدموا عطاءَهم ويعرضوا ما عندهم من كفاءات عملية ومزايا إدارية ومن خبرات في الحياة قد تختلف عمّا لدى هؤلاء الزعماء المتقادمون الذين توقفت بهم عجلة الإبداع وبطلت عندهم الحكمة المطلوبة والكفاءة في التفاعل مع الأحداث وفي تصريف شؤون البلاد والعباد.
تشير الدلائل، أن معظم هؤلاء الزعماء، إن لم يكونوا جميعًا، قد استخدموا ما لديهم من أحكام قمعية وسلطة مطلقة في قيادة شعوبهم  طيلة فترة تولّيهم السلطة، ومازالوا على هذه الحال، رغم أنهم قد فقدوا كل مصداقية في التعامل السويّ والإنساني مع شعوبهم، ما أفقدهم بالتالي شرعيتهم. وفي اعتقادي أن أحد أهم أسباب هذه الإشكالية، هو الخلفية الدينية والقبلية وربما التربوية والاجتماعية والعلمية أيضًا، تلك التي نشؤوا فيها وعليها، والمتمثلة بقِصَر نظرهم حول الأحداث و رفض الإقرار بضرورة الاستجابة لمطالب الشعب واحتياجاته المتناغمة مع تطور الحياة ورقيّها. ناهيك عن العمى، المصابون به بسبب الحضور الدائم ل "الأنا الذاتية" التي استفحلت في سلوكياتهم وما يلحق تلك، من أشكال الطمع والعجرفة وحب الدنيا والسلطة والجاه والمال، ممزوجة أحيانًا بداء "جنون العظمة" المقيت وهوى السلف في إطاعة السلطان، حتى لو تجبّر وفسقَ وشطح عن الحق. وهذا في حقيقة الحال كما يبدو، جزءٌ من تركيبة الفكر العربي والشرقي التي لم تستطع شعوب المنطقة تجاوزها، بالرغم من تغيّر الأحوال وتطوّر الحياة وما فيها. فهذه الفئة، كلّما تقدم أصحابُها في العمر، تقادموا في الخبرة واستنفذوا الكفاءة والعطاء والحكمة معًا، وتشبثوا أكثر في حب السلطة والجاه والمال وأنواع الفساد والموبقات، والأنكى من ذلك في الولوج في دياميس الدكتاتورية التعسفية التي لا تؤمن ولا تعتقد إلاّ بكفاءتهم وحكمتهم وحدهم فحسب. وأمثالُ هؤلاء لا يقرّون البتة، بثقافة تداول السلطة وانتقالها السلمي، وكأنّ كراسي حكمهم، قد سُجّلت بأسمائهم إلى أبد الآبدين، كراسيَ تمليك في الشهر العقاري، بل وأكثر من ذلك، أن بعضهم يجيز لنفسه توريثها لأبنائه من بعده! إنها قمّة الاستخفاف بالشعوب وبإمكاناتها وفي حقها في حكمٍ رشيدٍ ووفق أساليب حضارية تتحكم فيها صناديق الاقتراع ورضا الله والشعب.
-   1 يتبع
لويس إقليمس
بغداد، في 13 أيار 2013

60
حجّ للبطريرك لويس ساكو إلى كنيسة سيدة النجاة

شوقٌ أبوي كريمٌ طالما تمناه غبطتُه، وهو بعد أسقفًا على رئاسة إبرشية كركوك التي عمّرها بسواعده وثبّتها بحنكته المعهودة و عزّزها ببراعته من خلال الحوار والتآخي والتعايش. جاء اليوم الذي برّ غبطته بوعده، وهو بطريركًا على رأس الكنيسة الكلدانية وكنيسة العراق، حين استأذن من أسقفها برغبته بحجّ أبوي إلى كنيسة سيدة النجاة، سيدة الشهداء، ليتبرّك بشهدائها الذين سُفكت دماؤهم الزكية عصر الأحد 31 تشرين أول 2010.
ومن أجل إعطاء هذه المشاركة التاريخية، لأول بطريرك كلداني في إقامة قداس بالطقس الكلداني المعاصر، رتّب له مطران الإبرشية السريانية ببغداد، زميلُه السابق في المعهد الكهنوتي بالموصل، ومعه كهنة الإبرشية، ما يليق بهذه المناسبة السارّة التي أثلجت صدور المؤمنين الذين اكتظت بهم كنيسة سيدة النجاة عصر الأحد الثاني بعد القيامة 14 نيسان 2013. خرج الموكب البطريركي من دار المطرانية ب"التشمت" السرياني (تو بشلوم روعيو شاريرو ومذبرونو حاكيمو...) إلى باحة الكنيسة، حيث الحشد المؤمن كان في انتظار طلّته البهية مبتسمًا ومحييًا..
شارك في قداس غبطته، سيادة المطران مار أفرام يوسف عبا، رئيس أساقفة إبرشة بغداد للسريان الكاثوليك، وبحضور سيادة المطران المتقاعد متي متوكا وعدد من الكهنة المرافقين لغبطته. بعد التحية الأخوية الحارة من مطران الإبرشية، بدأ غبطته القداس بالطقس الكلداني المعاصر، بلغة عربية غالبة، تناغم معها الشعب وتابع القداس بهدوء وخشوع. وفي عظة غبطته، عبّر عن سروره الغامر لإتاحة هذه الفرصة للتعبير عن بالغ تقديره واحترامه لمن سفكت دماؤهم في هذه الكنيسة، مؤكدًا على المكانة البارزة للشهداء في كنائسنا المشرقية، وقد أكتسبت كنيسة سيدة هذه الصفة بين كنائس العراق، حين أضحت دماؤهم بذارًا لحياة جديدة. وفي معرض كلامه، أكّد غبطتُه على سمة الإيمان التي ينبغي أن ترافق المسيحي في حياته بصدق وعمق كي لا تؤول إلى فراغ وعدم، لأنها ببساطة مدغومة بعلامة الفصح. وفي الختام، ذكّر بضروررة خروج المسيحيين من هاجس الخوف واستعادة السير نحو السلام والتقدم والتطور مع الحياة اليومية بكل ما فيها من صعوبة وقساوة، بدل الانكفاء على ذاتها، لأنها مدعوة كي تحوّل واقعها ووجعها إلى نور القيامة والحياة والتجدد وبالتزام كامل الوفاء، بحسب غبطته.
بعد الانتهاء من القداس، صافح غبطته جميع الحاضرين فردًا فردًا وشدّ من عزمهم. ثم التقطت بالمناسبة صور تذكارية. كما شارك غبطتُه وعدد من الحضور، بمأدبة عشاء عامرة أقامها راعي الإبرشية وكهنُتها على شرف غبطته في دار المطرانية، تبودلت أثناءها الكثير من المواضيع التي تهمّ واقع كنيسة العراق وما يُطرح من أفكار في وسائل الإعلام المختلفة والتقاطعات فيها. وفي الختام، وُدّع غبطتُه كما استـقبل بحفاوة وتكريم.
هذه الزيارة التي نتمنى أن تشمل كنائس مشرقية أخرى، ليس في بغداد وحدها، بل في مناطق ومدن غيرها، فيها الكثير من الرمزية والقوة والمحبة. إنها ببساطة، سمة الكبار المتسامين على الصغائر من القشور التي لا تنفع، بل تقف حجر عثرة أمام تفاهم المجتمعات،  ومنها المجتمعات الكنسية. فالكنيسة هي الأخرى، مؤسسة تحتاج إلى دماء جديدة لتجديد طاقاتها وإحياء طقوسها وجعلها في متناول الشعب المؤمن، دون إسدال ستار النسيان عن التراث الليتورجي طبعًأ، الذي يبقى ذخرًا وكنزًا لا يمكن نسيانُه.

لويس إقليمس
 بغداد، في 14 نيسان 2013



61
المنبر الحر / جسور للتضامن
« في: 19:03 08/04/2013  »
جسور  للتضامن

يُعَد جسر "زهاوزهو" (Zhaozhou) أو أنجي (ِAnji) في الصين المنجَز في عام 605م، أقدم جسر بناه الإنسان باستعمال تقنية القوس المقبّب وهو الأقدم في العالم الذي ما يزال قائمًا، ويقع في ناحية زهاو (Zhao)، مقاطعة هيبي (Hebei). بعد ذلك أقيمت في العالم جسورٌ كثيرة تبعًا لاختلاف الزمان والتاريخ والهدف. منها الكثير الذي لا يزال ماثلا يستخدمه البشر يوميًا، وقد أبدعت قرائح المهندسين بما يدهش من ابداعات علمية وهندسية. وفي عام 2011 افتتحت الصين أطول جسر في العالم تجاوز 41 كم، فوق خليج جياوزهو (Jiaozhou). وبين كل من هذين الجسرين الكثير من الرمزية المقتبسة من تاريخ البشر ومن تفاصيل حياة الإنسان، الذي عليه أن يعبر إلى الآخرين بالتفاهم والألفة والثقافة. فشأن الجسر كاللغة والعلوم التي قامت مذ خلق البشر.
بفضل جهد العبور هذا تحقق للإنسانية أن تصبح واحة وارفة تحتوي اختصاصات وتشعبات تراكمت مع ازدياد البشر وتنوّع اتجاهاتهم وتقاليدهم وظروف حياتهم. بحيث صرنا في عالمنا نحتاج كل يوم إلى جسورٍ جديدة طارِئة ومختلفة، لتعبر بنا إلى تحقيق الهدف من وجودنا المتنوّع، وتمكننا من قراءة مفاعيلها وتطبيقاتها في الحياة. مثل هذه الجسور، تحدّث عنها الأنبياء والرسل والعظماء من الذين كان همُّهم الأكبر تحقيق المصالحة بين البشر وخالقهم، وبين البشر بعضهم ببعض. فقبل أيام، وفي خبر إذاعي سمعتُ عن وفاة الرئيس الأسبق لجنوب أفريقيا، قرر خلفه الأسود نيلسون منديلا، ضحية ذلك الرجل الذي سجنه 26 عامًا، أن يزور أرملته ويحتسي القهوة معها لينقل إليها أنه غفر من أعماق قلبه. لقد بنى هذا الرجل جسرًا بفنجان قهوة.
لقد كان للرسول بولس الفضل الأكبر في فتح المسيحية على العالم، وإلا لبقيت هذه الديانة بدعة يهودية محصورة في نطاق فلسطين، فبولس فهم بحدس عميق أن سيّده يسوع أراد العبور، فسمع بولس نداء المكدونيين: "إعْبرْ إلينا وساعدنا" (أع 16/9)، مما جعله يبني هذه الديانة الفتية على أسس قبول الجميع، فتحدّث بإسهاب وشدّة عن شيء اسمُه المحبة. وراح يمعن في تفصيل وصيّة المسيح، التي لخّصها في نشيده (1 قور 13/1-10)، وطبّقها في رسالته، وبرهن أن اهتداءه كان عبورًا قَلَبَهُ من مبغضٍ وحاقدٍ وعدوٍّ، إلى أعظم رسول يصرخ: "لست أنا الحي، بل المسيح حيّ فيّ". فاحتار كيف يقدّم ذلك بلغة فلسفية تفهمها الشعوب آنذاك، وصية واحدة تجمعهم وتكاد المسيحية تنفردُ بمفاعيلها، تقليدًا وتطبيقًا وتبشيرًا. فجاء كلامُه شديد اللهجة وواضحًا في تفاصيله: "لو نطقتُ بلغات الناس والملائكة، ولم تكن فيّ المحبة، فإنما أنا نحاسٌ يطنّ أو صنجٌ يرنّ...".
يقول أرنولد توينبي Toynbee (1889 - 1975) ، فيلسوف مقارنة الحضارات الكثيرة التي قامت في العالم: "إن أعظمها ليس من بنى صروحا وأهرامات، بل من عبر إلى الآخرين"، وقصد بذلك أن حضارة السريان، كانت سباقة في تبني الترجمة عبر التاريخ، فلعبت دور الجسر بين الشعوب فكانت الأعظم، إذ إن حضارة مصر بالرغم من عراقتها لم تستطع أن تبني جسرًا واحدًا فوق النيل. في حين بنى الرومان الجسور وفتحوا الأبواب للعبور إلى الشعوب التي كانت بينهم، وهذا ما حلم به أيضًا الاسكندر الكبير حين أراد الجمع بين الشرق والغرب، فطلب من قادته أن يصاهروا الفرس فتقوم حضارة واحدة عالمية. لعلها كانت العولمة الأولى. 
من غريب ما يحدث في عالمنا اليوم بالرغم من تحقق العولمة وسهولة الاتصال بين الشعوب، أن نرى لدى الكثيرين من أبناء شعبنا في الوطن وفي الشتات تجربة الانكفاء والمحاصصة التي تغلغلت في كل مكان حتى في الكنائس، فنسينا أنا أبناء بناة جسور التضامن بين البشر، وكنا نبراسًا يهتدي به الآخرون، بحيث كانت لغتنا الآرامية سائدة من بلاط الفرثيين شرقًا وحتى مصر غربًا مرورا بالشرق الواسع، بل وصلت إلى بلاد فارس والهند والصين وأصبحت لغة مقدسة للعديد من الشعوب، فكانت لغة كلام وحبّ وليست صنما، بل خميرةً لترميم عجينة الشعوب والأمم أينما حلّت أو تواجدت. إن أحد أصدقائي الذي زار أمريكا مؤخرًا قرأ لافتة أمام إحدى الكنائس كتب عليها: "أكبر جسر في العالم كان بين الأرض والسماء بناه يسوع بثلاثة مسامير فقط!".

62
لقاء المحبة والغيرة الرسولية




   عصر يوم السبت 16 آذار 2013، جمعني مع غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو، لقاء ودّي، استذكرتُ فيه الأيام الخوالي الجميلة التي أمضيناها معًا في أروقة معهد مار يوحنا الحبيب ودهاليزه وكابيلّتيه وما رافق ذلك من واقع ومواقع الحياة اليومية، وقد كنتُ من حصة فرقته في السنة الأولى من دخولي المعهد المذكور في عام 1967 في الاكليريكية الصغرى.
   آثرتُ أن يكون في اللقاء نفحةٌ من الخصوصية ومساحة أوفر لتبادل الرأي ومجالٌ أكبر للإنصات إلى توجيهات شيخٍ "شاب" قويّ العزيمة، مصمّم الإرادة، نضر الروحية ومتسامي الروح. في بداية اللقاء، بادرني بتمنياته لي أن أبقى شبابًا على ما لاحظه فيّ من احتفاظ معظم شعرات رأسي بسوادها، فيما شعرُه قد غزاه الشيب الوقور وأثقلته الحكمة والاتزان والمحبة والرغبة في تقديم شيء مميّز، في عصر تمرّ فيه الكنيسة  جمعاء، وفي العراق والمنطقة بخاصة، بمرحلة حرجة من التجدّد والخبرة والتغيير، أحبّ البعض أن يسمّيها ب"الربيع المسيحي" لكنيسة المسيح. ومَن عرفه عن قرب، لا بدّ أن يشعر بخيوط المحبة والغيرة الرسولية التي تنبع من دواخله، وكأنها شعلة ملتهبةٌ لا تريد إلاّ اتقادًا، وقد آن أوانها لتأتي بالثمر المرتقب.
   هنّأتُ غبطته وأثنيتُ على انتخابه من قبل السينودس الكلداني الذي اختاره لميزة الشجاعة التي عُرف بها مذ كان كاهنًا ومديرًا للاكليريكية في بغداد، ثمّ أسقفًا غيورًا أجاد الحوار مع أتباع الديانات الأخرى، بل لنقلْ كان رائدًا لها ومازال وبسببها ذاع صيتُه وصار نجمًا كنسيًا عالميًا مرموقًا يرغب الجميع بالتقرّب منه والتحاور معه واللقاء به.
    بادر  غبطته وتطرّق في الحديث عمّا أكتبه في الشأن المسيحي وأثنى على تأكيدي في المرحلة الراهنة، على أهمية الهوية المسيحية التي تجمع أبناء شعبنا بعيدًا عن التزمت أو التعصّب المذهبي أو القومي الذي ذهب إليه بعض سياسيينا ومثقفينا من مختلف الطوائف والملل، لكونه لا يخدم الهدف ولا يجدي نفعًا بقدر ما يضرّ ويحدّ من طموحاتنا الوطنية وتطلعاتنا المسيحية ويفتُّ من عضدنا وقدراتنا التي بسببه تشظى وتشرذم. شكرتُه على تشجيعه لي للمضي في ذات السياق ما أستطيع. كما جرى التطرق إلى مبادرة حوار الأديان قيد الإعداد، من جهاتٍ حريصة على إدامة روح التسامح والتآلف والوحدة الوطنية  مع أتباع الديانات الأخرى التي نأمل أن ترى النور قريبًا وتأخذ مداها الوطني قبل كلّ شيء، بمباركة منه ومعه  رؤساء الكنائس والطوائف الشقيقة الأخرى. ثمّ تناول الحديثُ، بذرةَ الرجاء التي يعقدها الكثيرون على تولّي غبطته زمام السدة الرئاسية للكنيسة  الكلدانية وكنيسة العراق وأهمية أن تأخذ الكنيسة دورها الريادي الجامع لكلمة المكوّن المسيحي بتوحيد جهودها وبالتناغم والتآلف والتحاور بين جميع الطوائف للخروج بثمرة أولى للوحدة المسحية المرتجاة وهي توحيد الأعياد ابتداءً من السنة القادمة. ولتكن هذه المبادرة،  البذرة الأولى للمّ شمل اللحمة المسيحية في كنيسة واحدة يملكها المسيح وحده، لا التيجان والصولجانات البالية التي تزول. وإن تحققت هذه المبادرة، ستكون حتمًا علامة لانتصار زمن العقل والحكمة والانفتاح بدل الانغلاق والتعصب على أمرٍ غير عقائدي.
   كما عبّر غبطته عن قراره جمع إخوته رؤساء الطوائف المسيحية في لقاء أخوي مسيحي قريبٍ جدًا،  لتثبيت موقف كلمة الوحدة معًا، والانطلاق بمطالب موحدة في لقاء يجمعهم مع المسؤولين في الدولة العراقية، في سعيٍ لتثبيت إخوتهم وأبناء رعاياهم في التشبث بأرض الآباء والأجداد وفي الشهادة لمسيحيتهم التي ارتوت من أجلها  أرض العراق بدماء الشهداء وصارت بذارًا لحياة أفضل وليس سببًا للهروب والهجرة غير المبرّرة في أحيانٍ كثيرة. وهنا شكوتُ لغبطته نقص الوعي من بعض رجال الكنيسة و الكتاب على المواقع  الالكترونية من الذين يواصلون تثبيط عزائم المسيحيين  بالبكاء على مآسٍ وأحداثٍ شربنا علقمها وتجرّعنا مرارتها، تمامًا كما سار المسيح في درب الصليب والآلام، ولكنه في النهاية كان لنا جميعًا الرجاء بقيامته منتصرًا على الموت والظالمين. وهذا ما ينبغي التنبيه له والتأكيد عليه في اللقاءات على الفضائيات وفيما يُكتب في المواقع الالكترونية ووسائل الإعلام المتنوعة عن الوضع القائم في كنيسة العراق وفي المنطقة عمومًا، في أنّ لنا رجاء بالقيامة بعد طول هذه المآسي، لأنّ كنيسة المسيح مبنية على صخرة بطرسية يرعاها مسيحُها ومؤسسها ولا يمكن أن يدعها تسقط وتتآكل وتتلاشى "ها أنا معكم كلّ الأيام حتى انقضاء الدهر".
   وفي السرد ذاته، بشّرني بأنه عاقدٌ العزم على ترميم البيت الكلداني الداخلي وتجديده وإنعاش روحية أساقفته وكهنته ورهبانيته ضمن برنامج طموح بدأ مشواره بقرارات جريئة وصحيحة بعد الترهل والفلتان الذي أصاب الإدارة والمالية. وما أثلج صدري نيتُه بائتمان المعهد الاكليريكي المتمثل بكلية بابل للفلسفة واللاهوت إلى إحدى الرهبانيات المشهود لها بالمعرفة والتقوى والكفاءة الإدارية والكنسية على السواء كي تأخذ على عاتقها تهيئة خداّم ورعين ورعاة أكفاء مسلّحين برباط المحبة وروح الخدمة الكنسية الحقيقية بعيدًا عن بهرجة المناصب أو الرغبة بتأسيس إقطاعيات في بلدان المهجر وهجر كنائس الملّة بعدما كانت تنتعش بفائض تُحسد عليه. كما أعرب عن نيته طرق أبواب الدول والمؤسسات والمنظمات الدولية والإقليمية والمحلية المختلفة من أجل حشد الجهود المعنوية لدعم كنيسة العراق بشتى الوسائل وإيقاف مدّ الهجرة غير المقبول عبر مشاريع تُكرّس لهذه الجهود من توفير مسكن وتأمين فرصة عمل إضافة إلى ما يحتاجه كلّ مواطن من وسائل الأمان والخدمات الآدمية، ما يساعد بالتأكيد على تثبيت المتشبثين بالأرض وتشجيع المغتربين من العودة إلى أرض الوطن.
   أليس في هذه النقاط برنامج عملٍ متكامل للكنيسة والدولة العراقية على السواء، كما اعترف بذلك رئيس الحكومة العراقية في حفل التنصيب بتاريخ 6 آذار 2013؟ إنها الفرصة الذهبية لكنيسة العراق كي تنتعش من جديد وتفرض وجودها المسيحي على الساحة السياسية والمجتمعية على السواء في ضوء الكاريزما الذي يتمتع بها غبطة البطريرك ساكو، والعلاقة الطيبة التي تجمعه مع منتمي ديانات وزعماء قيادات شعبية ودينية وحزبية ومسيحية، وهو جديرٌ وكفءٌ لها، إذا سانده إخوته رؤساء الطوائف ونحن معه بما أوتينا من غيرة ومحبة واستعداد للخدمة والتنازل. فهلْ، سينزل إخوته من الأساقفة من جميع الملل، عن عروشهم ويتصالحوا مع الله والشعب ومع بعضهم البعض ويخدموا الرعية كما خدم المسيح في حياته وغسل أرجل تلاميذه وقدّم نفسه قربانًا عن الشعب؟ حينئذٍ تكون رعية واحدة وراعٍ واحد يقود كنيسة العراق والشرق إلى برّ الأمان وتحقيق المطالب المشروعة، من خلال التفاف بطاركة الشرق وأساقفتهم جميعًا حول بعضهم، وتحرّكهم يدًا واحدة وهدفًا موحدّا على طريق بناء الوطن عبر الرجاء والقيامة والنصر.


لويس إقليمس
بغداد، في 17 آذار 2013

63
عندما يصير الشعور القومي بديلاً للهوية المسيحية!

   مِن الخطأ الفادح أن يؤْثرَ الفرد المسيحي ما يسمّيه "بالقومية" على شيء أسمى وأكبر، وُلد ويعيش من أجله في شهادة حياته المطبوعِ عليها. مهما كانت الأسباب وتعدّدت الحجج، تبقى "الهوية المسيحية" هي التي تطبع حياة الفرد المسيحي المؤمن بربه والتابع لكنيسته، أيًا كان أصلُها أو شكلُها أو تابعيتُها. والكنيسة هي الأخرى، أيًا كانت مرجعيتُها، هي أمّ لجميع أبنائها وستبقى كذلك بلا منازع، علامةً مميزة لمؤمنيها وأتباعها. تُرى، ما هو الجواب الأول الذي يمكن أن نتلقاه حين مبادرتنا للسؤال التقليدي المتبادر إلى الذهن لأول وهلة عن هوية شخص لا نعلمُ عنه شيئًا، لاسيّما في منطقتنا بصورة أخصّ؟ بالتأكيد، سيتركزُ هاجسُنا الأول حول هويته الدينية كي تطمئنّ القلوب، كما يُقال، ومن ثمّ يمكننا الاسترسال للسؤال عن قوميته وملّته وعشيرته وباقي توجهاته الاجتماعية. إذن، يبقى الدين هو الهاجس الأول لنا، والذي يجمعنا معًا نحن المسيحيين، لاسيّما في مثل هذه الظروف العصيبة التي اشتدّ فيها الصراع الديني بين الشعوب وتنامى التيار المتشدّد غير المعترف بالاختلاف سبيلاً للعيش.
   إنّي أتحيّر من عدد من كتابنا ومثقفينا وهم يخوضون رهانًا خاسرًا وغير رصين في تمجيد التوجه القومي لطائفة دون أخرى، وبإصرارهم على فعلهم هذا بمناسبة ودون مناسبة، من دون تقديم الدليل العلمي لذلك، وكأنها أضحت الشغل الشاغل لهم أو هي كما البلسم السحري لوجودهم وكيانهم في تحقيق وجودهم ونيل حقوقهم ومطالبهم. إنهم بهذا الفعل غير الحكيم، يتنكرون لأهمية "الهوية المسيحية" التي هي الأساس في رسم ملامح وجودهم وحياتهم وقيمتهم في المجتمع.
   أنا لا أنكر على أيّ كان، تفاخره بمكوّنه أو طائفته أو كنيسته، فهذا أمرٌ مفرَغٌ منه، وهو حقٌ طبيعيٌ لا لومَ عليه. ولكنّ مسيرة الأحداث وطبيعة شكلها وتعقّد إشكالاتها، تشير إلينا بضرورة إيلاء هويتنا المسيحية الاهتمام الأول كي تكون في مقدّمة الأشياء والخيارات جميعًا بسبب الظرف الراهن والهجمة الشرسة التي يتعرّ ض لها المكوّن المسيحي أكثر من غيره. هذا هو المنطق، في الأقلّ في هذه المرحلة الحرجة التي تمرّ بها المنطقة وعراقنا بصورة أدقّ. الهوية المسيحية، هي وحدها يمكن أن تجمعنا وتُؤالف بيننا وتوحّدنا وتجعل منّا، ومن طوائفنا وكنائسنا جميعها، سدّا منيعًا وشهادة جامعة للرأي والفكر في المطالبة بحقوق وطنية مستحقة مكتملة وغير منقوصة. إني أتساءل فقط: ماذا حصد سياسيونا ومَن ينفذون اليوم أجندات لأحزاب متنفذة في عموم العراق أومَن تشرذمت أوصالُ ملّته وكنيسته وجماعته بين تأثير أهل الاغتراب وفكر أهل الداخل؟ وماذا انتفع أهلُنا من تشظّي ولاءاتهم وتنوع تسمياتهم القومية المفتعلة منذ بدء الرهان الخاسر على هذه أو تلك؟ حتى في هذه- وقد كانت واضحة أمام الجميع  منذ البداية باقترانها باسم اللغة السريانية التي نتحدث ونعترف بها جميعًا ومعنا العالم كلّه-، لم يشأ المتعصبون الاعتراف بها سبيلاً لوحدتنا، وقد كانت أسهل وأرفق من الماء الزلال. هل كنّا بحاجة إلى خلق عقبة كأداء جديدة بشتى المسمّيات التي اخترعها الأغراب لمكوّننا المسيحي كي نجعل الغير للبدء بالتشكيك بوجودنا بسببها؟
   إن الشعور القومي، شعورٌ جميلٌ وضروريٌ ومهمٌّ في حياة الشعوب التي عرفت الديمقراطية  وعاشت الحرية وقاست وجودها بين غيرها وفق المعايير الواقعية من جهة العودة للأصالة دون التشبّث بها ديدنًا ووصمةً تدمغ حاملَها. بيدَ أنَّ هذا الشعور لا يُفترضُ به أن يكون من الأولويات بالنسبة لنا نحن المسيحيين  في هذه المرحلة الحرجة من حياة شعبنا التي يوجد فيها مصيرُنا على المحك. وإذا كان لنا أن نقرّ بمثل هذا الشعور، فبداياتُه وأساسُه يعود الفضل فيه إلى التيار "الآثوري" الشجاع الذي ناضل وجاهد وأحيا الروح القومية هذه عبر أنشطته المختلفة منذ الوعود المقطوعة للشعب "الآثوري" آنذاك بداية القرن العشرين. ولعلّ من بين الوسائل التي انتهجها هذا التيار، تمثلت بتشكيله خلايا مقاومة ومن ثمّ أحزابًا اتخذت من التوجه القومي "الآثوري" واجهة للمطالبة بحقوقه المشروعة، في الوقت الذي لم يكن يتيسّر فيه لباقي الطوائف مثل هذا التوجه الذي كان غائبًا عن ذاكرة المنتمين إليها مثل السريان والكلدان وغيرهم. كما تميّز "الآثوريون" بهذه التسمية وأجادوا باستخدام مختلف وسائل الإعلام المتاحة في الداخل والخارج، إضافةً إلى نشاطهم الاجتماعي الملموس ولاسيّما في مجال إحياء تراثهم عبر الملبس ووسائل الترفيه المتواصلة كالنوادي الاجتماعية وكذلك عبر فنونهم الأخرى ولاسيّما في مجال الغناء الثري الذي يكشف الشيء الكثير من هذا التمسك لديهم والوعي المتواصل. والحق يُقال، كان غيرُهم في سبات طيلة السنوات الكثيرة الماضية، حيث لم يكن في حسابات هؤلاء الاستيقاظ على مثل هذا الشعور حتى السنين الأخيرة من حقبة القرن الماضي، وبصورة أوسع منذ التغيير الدراماتيكي في 2003. فالفضل في إيقاظ هذا الشعور يعود بالأساس إذن للعنصر "الآثوري"، الذي عُرف بهذه التسمية بالتحديد، ولولاهم لما دخل الكلدان والسريان والأرمن المعترك الجديد في السياسة والإعلام وتشكيل الأحزاب. هذه مجرّد حقائق، والمنصف ينبغي أن يتعامل مع الحقائق، وليس بتشويهها.
   إني هنا، لستُ بصدد تأييد ما يذهب إليه المجتمع "الآشوري" بتسميته الجديدة على الساحة السياسية، في تسبيقه للجانب القومي على الجانب الديني. فلكلّ مكوّن حريتُه في اختيار ما يراه ملائمًا. لكنّي أرى في هذه المرحلة بالذات، أن المشترك الأكثر تقريبًا لنا يكمن في هويتنا المسيحية. إذ بهذه التسمية الموحدة يعرفنا الغير،  وما عدا ذلك فهو يفرّق ولا يجمع ويضرّ ولا ينفع، كما نلمس واقعيًا. لذا كان من الحكمة على الجميع، أن يركزوا على عنصر الهوية المسيحية أكثر من غيره، لأننا حين نضمن وجودنا الديني نكون أيضًا قد ضمنّنا وجود وحقوق طوائفنا ومكوّناتنا على اختلاف تسمياتها. كما أنّي مؤمنٌ أن عصر القوميات قد انتهى في البلدان المتحضرة، مثل أوربا وأمريكا التي نبذتها وتركتها وراءها لأنها لم تجلب لشعوبها غير الدمار والخراب والتخلف بتعلّقها بأفكار نازية وشعوبية وتعصبية مثل النازية الألمانية التي جلبت ويلات حربين كونيتين، ومنها تعلّمت أوربا درسًا في كيفية التخلص من كلّ فكر قومي ضيّق. لكنّي في ذات الوقت أختلف وأنتقد العالم الغربيّ الذي كاد يسدل الستار على ديانته الأصلية ليتلاقى مع تيارات مادية ورأسمالية بسبب العولمة التي جلبت عليه رياح التطرّف وأشكال الديانات المتعصبة التي لا تقبل شريكًا لها، وكلّ ذلك بحجة الالتزام بمعاهدات ومواثيق حقوق الإنسان والحرية، وكأنّي بهم يسيرون في زورق منقوبٍ والمياه تجري من أسفله حتى يأتي اليوم الذي يغرق مركبهم ليغرقوا معه هم أيضًا، لأنهم أهملوا الجانب المسيحي في حياتهم التي كانت قد طبعتها من قبل.
   نحن اليوم على عتبة جديدة بعد تسنّم رأس الكنيسة الكلدانية الجديد البطريرك لويس ساكو زمام أمور أكبر طائفة مسيحية وطنية، بل لنقل رئاسة كنيسة العراق، بشيء من الفخر والاعتزاز. وفي بلدٍ أصيلٍ مثل العراق، كُتب له فقدان الاستقرار والأمان منذ سنين طوال، يكاد اليوم يغرق هو الآخر بمن فيه بسبب دعوات التشظّي والانقسام والتناحر الطائفي الذي يعود بالأساس إلى الاختلاف في عنصر الدين. والمسيحيون ليسوا استثناءً من هذا التوجه، بسبب الاختلاف في طوائفهم وطقوسهم. إذ هناك دعواتٌ ضيقة تريد دقّ الأسفين بين مختلف مكونات الشعب المسيحي بحجج كثيرة ووسائل متعددة، بعضٌ منها من داخل صفوفه من المتعصبين بلا دليل علمي أومن المدفوعين من لوبيات مهجرية تعمل من بلدان الاغتراب، وهؤلاء كان يُفترض بهم عدم التدخل في مصير من اختار البقاء والثبات في أرض الآباء والأجداد، في الوقت الذي باعه هؤلاء برخص التراب وآثروا راحة البال وعدم مواجهة  الهجمة التي تعرّض لها جميع العراقيين دون استثناء، بمن فيهم المسيحيون على وجه الخصوص.
    إنّي أفهم من التوجهات الوطنية لغبطته، أنه من خلال أبواب الحوار المشرعة والمشروعة يمكننا تثبيت حقوقنا وفرض مصيرنا وتأكيد بقائنا على الأرض كشعب أصيل يعترف له الجميع بهذه الميزة بمن فيه الشركاء من أركان الدولة العراقية الذين أكدوا على مثل هذا التوجه يوم التنصيب، كما سمعنا ذات التأكيدات في غير هذه المناسبة أيضًا مرات ومرّات. أليس في هذه التأكيدات من البطريرك الجديد ومن شركاء في العملية السياسية من أمل ومن رجاء بفتح آفاقٍ جديدة ومطمئنة للمسيحيين بإمكانية العيش مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات كغيرهم، إنٍ هم تمسكوا بدينهم وأرضهم ووطنيتهم وتميّزهم، كما عهدهم الجميع من قبل؟ إني أعتقد أن هذه رسالة واضحة وكافية للجميع للكف عن المهاترات الكلامية وتوجيه دعوات ضيقة الأفق تدعو إلى التجزئة والانقسام والتشظّي تماماً كما يفعل الشركاء الحاليون في العملية السياسية. وليكن الجميع على قدر المسؤولية الوطنية أولاً والمسيحية ثانيًا والقومية (الطائفية) في التالي. فما يجمع هو الأصلح، ومن يريد أن يفرّق فلا خير فيه مهما كانت منزلتُه وشهادتُه وتبريراتُه.

لويس إقليمس
بغداد، في 11 آذار 2013


64
بطريرك الكنيسة الكلدانية والتحديات القادمة

   حينما سُئلتُ من جهاتٍ رصينة، يوم استقالة رئيس الكنيسة الكلدانية الموقر السابق، عن الأسباب وراء ذلك، وكذا عن التوقعات المأمولة حول البطريرك الجديد وعن خلفيته وطبيعة المهمة المطلوبة منه في ضوء التخبط القائم، حينئذٍ  لم أخفي تصوراتي المتواضعة في حصرها بثلاثٍ:
- وجود التيار التقليدي المتزمت المدعوم من اللوبي الكلداني "الأمريكي" الساعي لتكريس الكلدانية قوميًا ودينيًا وسياسيًا  إلى جانب محاولة نقل الكرسي البطريركي من العراق إلى أراضي العم سام.
- اللوبي الليبرالي المتفتح، المفعم بالروحية التي استقاها من منابع كهنوتية رفيعة والساعي إلى التجدد والانفتاح داخليًا وعالميًا، وإلى فتح صفحة جديدة وجريئة في حياة الكنسية الكلدانية بعيدًا عن شعارات القومية والأصولية التي يعتبرها هذا التيار من الأمور المعيقة للتقدم والسلام والتجدد.
- تيار الكنيسة الكلدانية "الكردية" أي تلك التي تقع في حدود إقليم كردستان، والتي كان لها رأي مثير آخر تمثل جزءٌ منه بمقاطعة أساقفتها لسينودس الكنيسة الكلدانية في فترة ما إلى جانب عدم إخفاء النية في إمكانية الانفصال في أية مرحلة لاحقة.
   تلكم كانت تصوراتي. وفي حينها رجحتُ كفة التيار الثاني، لدرايتي بجدارته لقيادة المرحلة القادمة واستعداده لخوض معركة جريئة في مجابهة التحديات الكثيرة، الداخلية الكنسية منها والخارجية المتأثرة بقيادات كنائس المهاجر التي أضحت شبه إقطاعيات صعبة المراس تسعى للاستقلال الذاتي في ضوء المعطيات التي تكرّست لها وتحاول التشبث بها. أما تيار الكنيسة الكلدانية "الكردية"، فلن يكون صعبًا التعاملُ معه في حالة التوفيق بصعود نجم مطران "كركوك"، الشخصية الوطنية الطموح والواقعي غير المنحاز، والمحاور المسكوني رفيع المستوى الذي غدا مرجعًا لجميع مكوّنات مدينة الذهب الأسود ذات النار الأزلية طيلة فترة رئاسته لإيبارشيتها لعقدٍ من الزمن. فقد أضاءت شعلتُه مكامن الظلام حيثما اتجه وفاقت سمعتُه حدود مدينته حيثما دُعي وشارك في مؤتمرات وندوات محلية ودولية، جعلت منه محاورًا متمرّسًا ثاقب البصر والبصيرة في الشؤون الكنسية والوطنية في تركيزه على الشراكة الوطنية المتساوية في الوطن والأرض والخيرات من خلال توطيد العمل المشترك المبنية على قيم السلام والحرية والديمقراطية التي تبناها الشعب العراقي طريقًا جديدًا لحياته في المرحلة الجديدة. ولعلّ أفضل ما أسمعه للمحاور الآخر، من أية ملّة أو مكوّن أو تكتّل كان، تمثل في تأكيد ما ردّدناه في مقالات سابقة :"الدين لله والوطن للجميع"، تلك المقولة التي لا يختلف عليها إثنان، إلاّ من يغفل وجود الآخر ولا يؤمن بالقبول به لاختلافه معه إنسانيًا. 
رئيس جدير لكنيسة العراق
    وهكذا جاء الإعلان البشرى بالفرحة الكبيرة يوم 31 كانون ثاني 2013، بانتخاب المطران مار لويس روفائيل ساكو، على رأس الكنيسة الكلدانية، رغم أن المخاض كان عسيرًا، ولا نكتم ُتوقعاتنا بحصول تدخل مباشر من جانب رأس الكنيسة الكاثوليكية والدوائر الفاتيكانية فيه، لترجيح الكفة لصالح غبطة البطريرك الجديد. وأيًا كانت التأثيرات والتجاذبات والمفارقات، إلاّ أنّ الجميع متفقون على جدارة غبطته وسعة اطلاعه وحسن تدبيره وطيبة قلبه وقدرته على المحاورة وكسب الودّ والإقناع بالحجة والدراية والعلم والمعرفة والمنطق، والأكثر من هذا وذاك، بحبه للوطن وعزمه على تحقيق مبدأ العيش المشترك لجميع المسيحيين في بلادهم وأرضهم من دون تمييز وفي خدمة كنيسة العراق وليس الكنيسة الكلدانية فحسب. وهنا علينا جميعًا، أن نعينه على تحقيق هذا الهدف، كلّ من موقعه من أجل عودة لحمتنا المسيحية وترسيخ وحدتنا، ليس بتكريس أسبوع للصلاة المظهرية سنويًا فحسب، بل في لمّ الكلمة وتوحيد الخطاب الاجتماعي والكنسي وحتى السياسي من أجل الوصول إلى حقوقنا كاملة متساوية وغير منقوصة. وإنّي مؤمنٌ بقدرة غبطة البطريرك الجديد على تحقيق هذه المطالب في القريب العاجل، كي يكون ذلك إشارة أمن واطمئنان لمن ترك الوطن للتفكير بالعودة إلى أرض آبائه وأجداده عوض التيه في المهاجر حيث سينقطع الحبل السرّي لامحالة بينه وبين وطنه، شاء أم أبى، مع قدوم الأجيال القادمة.
محطات مع البطريرك ساكو
   لقد عشتُ مع غبطة البطريرك لويس ساكو، ست سنوات خلال دراستنا في معهد مار يوحنا الحبيب بالموصل، وكنتُ في أول سنة لي فيه ضمن فرقته ب"السمنير" اي المعهد المذكور، حيث كنتُ آنذاك أصغر التلاميذ سنًا. عرفتُه ذكيًا حاذق الذهن ومقنعًا في كلامه، طيب المعشر مع الجميع، هادئًا يحسب خطواته برويّة وتعقل. كما كان محطّ رضى الإدارة الدومنيكية فيه دون أن يغفل أحيانًا عن الإفصاح بضرورة التجدد منذ ذلك الحين. والتقينا ثانية بعد سنوات طويلة حين كان يدير كنيسة أم المعونة، كما ربطته مع أهلي في قرقوش علاقة صداقة ومعرفة، ما يزالون يشيدون بشخصيته حتى قبل اعتلائه السدّة البطريركية. وحرصتُ على حضور رسامته الأسقفية رغم بُعد المسافة والوضع الحرج في مدينة الموصل آنذاك، تقديرًا لاستحقاقه ووفاءٌ لذكريات الزمالة معه.
   وبعد تغييرات الأحداث وتسنّمه رئاسة إيبارشية كركوك التي عمّرها بسواعده وحكمته وكفاءته، كنّا على اتصال متقطع عبر البريد الإلكتروني والهاتف كلّما تسنّت الفرصة وفيها نتبادل الأفكار والآراء حول أوضاع كنيستنا وشعبنا المسيحي. ولعلّ آخرها كان، قبل اشهر حين كتبتُ مقالتي الجريئة " بين الآشوري والكلداني ضاع السرياني". وفي هذه المقالة أكّدتُ على ضرورة السموّ فوق الاختلافات التعصبية القومية التي يحاول البعض اختلاقها وترسيخها في صفوف شعبنا المسيحي وتغييب الغير ونكران حقهم في التسمية، مع تأكيدي على إمكانية تفادي مثل هذه الإشكاليات في اختصار مسمياتنا بحلاوة التسمية ب "المسيحيين" في هذه المرحلة فحسب، لكون هذه الأخيرة هي التي تجمعنا ويمكن أن توحدنا. وفي حينها، أيّد غبطتُه ما ذهبتُ إليه واتفقنا على توحيد الجهود والعمل في الدعوة والكتابة في ذات الاتجاه، وما زلنا. وإنّي لأشعر بسعادة بالغة وأنا أقرأُ اليوم أولى تصريحات غبطته في هذا الصدد وتأكيده على ذات المبادئ التي آمنّا بها ومعنا الكثير من أبناء شعبنا المسيحي، ومنهم بخاصة، المثقفين المتفتحين من ذوي الإرادة الحسنة من الذين يراهنون على كلّ ما يجمع ولا يفرّق ويسعون إلى تحقيق إرادة وطنية صادقة قائمة على العدل والمساواة والحرية لجميع العراقيين دون تمييز. وإنّ تأكيد غبطته على الابتعاد عن كلّ ما يدعو للانقسام ويشجع على التشظية، لهو الدليل على نيته الجادة بفتح صفحة جديدة من آفاق للوحدة مع جميع الكنائس المشرقية الأصيلة بجميع طوائفها ومللها، لأن تلك التسميات كانت وماتزال وليدة الاستعمار الذي راهن في الكثير من تصرفاته وسياساته على تعميق جذور الانقسام تلك وإطالة مداها ما استطاع. وقد آن الأوان لوضع حدّ لتلك التدخلات الخارجية والجانبية التي انساق وراءها بعمىٌ واضح، نفرٌ من أبناء شعبنا وأوغلوا في تعميق الهوّة باستفحال أزمة التسميات القومية التي لا مخرج لها وقد أخذت في السنوات الأخيرة أبعادًا سياسية وقومية متزمتة لا جدوى من السير على خطاها.
أكبر التحديات: أصالة، تجدد، وحدة
      لعلّ الشعار الذي اختصره غبطة البطريرك ساكو، عقب انتخابه على رأس الكنيسة الكلدانية بثلاث طموحات جميلات:" أصالة، تجدّد، وحدة"، تظهر السقف الأوسع والأبعد في مهمته الجديدة التي لن تخلو من مجابهات وتحديات وأزمات، نأمل أن يعينه الربّ على قيادة دفة هذه الكنيسة المشرقية العريقة بحكمة وروية وبتعاون من الجميع، أملاً في تطويق المشاكل العديدة التي عانتها.
-   على الصعيد الداخلي، يواجه البطريرك الجديد تحديات صعبة وكبيرة تتمثل في لمّ لحمة الكنيسة الكلدانية التي كادت تتصدّع حين أخذت تتحدّاها تيارات استقلالية تكاد تحمل روح الانفصال عن كرسيّ بابل الكلداني أو تسعى لنقله، بحجج كثيرة ومنها تناقص أعداد أبناء الطائفة في بلدهم الأصل وتزايد تجمعاتهم في بلاد الانتشار البعيدة التي بدأت تستقطب أعدادًا متزايدة من المهاجرين وبتشجيع من "لوبيات" المهجر الكنسية التي تشترك مع غيرها من المغرضين في إفراغ العراق من مكوّناته المسيحية باختلاف الطوائف والملل.
-   سيبقى موضوع الهجرة من أكثر المسائل تعقيدًا وشدّا في اختلاف الآراء والحلول تجاهه والمتسبّب من التحديات الأمنية التي تكاد تكون المصدر الرئيس لتفاقمها وكذلك بسبب التجاذبات السياسية بين الفرقاء الذين استجابوا للمقترحات الأميركية أو تأثروا بمصالح دول الجوار التي وسّعت الهوة بينهم حين قبولهم التوافق وفق مبدأ المحاصصة البغيض الذي حرم قدرات أبناء شعبنا من تأدية دورهم وتولّي ما يستحقونه سواسية استنادًا للجدارة والولاء للوطن.
-   وعلى الصعيد الطقسي، حسنًا فعل المجدّون من أساقفة الكلدان، عقب الاتفاق على أفضل الخيارات في بطريركهم الجديد، في الاتفاق على عقد السينودس  الكلداني في مرحلة مبكرة لوضع النقاط على الحروف وتحقيق ما مطلوب منه في العودة إلى الأصالة الطقسية الغنية بلغتها وروحانيتها وتعابيرها وألحانها المتوارثة التي لا ينبغي التضحية بها تحت أيّ مسمّى أو سبب أو تبرير.
-   وعلى الصعيد السياسيّ، حيث لا يمكن اليوم إبعاد رئاساتنا الكنسية عمّا يجري من مواجهات حتمية وعمليات تهميش وإبعاد وتهاون وهدر لحقوقنا الوطنية أسوة بباقي مكونات الشعب العراقي، تبدو الفرصة متاحة لغبطته لعمل شيء متميّز وجريء في فرض الإرادة المسيحية على المجتمع السياسي القائم، لما لغبطته من حكمة وبراعة في الحوار والمطالبة والإقناع لحث السياسيين على تلبية مطالبات المسيحيين بإنصاف وبإيثار الولائية للوطن وتحقيق العدالة والمساواة في وضع الشخص المناسب في المكان المناسب دونة محسوبية أو منسوبية.
-   على الصعيد المسيحي (حيث لا أفضّل تسمية "القومي"، في الأقلّ في هذه المرحلة الحرجة)، أمام غبطته فرصٌ لتوحيد الخطاب المسيحي بالتعاون والتشاور مع قيادات الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالعملية السياسية ورؤساء الكنائس الأخرى وديوان الأوقاف. وما رجاؤه الابتدائي من الكتّاب والمثقفين بالابتعاد عن كتابة مقالات قومية أو كنسية متعصّبة تفتقر إلى العلمية والمنهجية، إلاّ بداية الطريق لمشوار صعب يتطلبُ جهودًا حثيثة لرأب الصدع الحالي وتقريب وجهات النظر المختلفة من أجل الحفاظ على الهوية المسيحية قبل أيّ شيء دون أن ننكر هوية كلّ طائفة من طوائفنا أو الطعن بها. فهذا وحده هو السبيل الأفضل والأرقى لتحقيق المطالب مجتمعةً عندما نكون يدًا واحدة بمطالب موحدة غير منقسمة، فما ينالُه المسيحي من هذه الطائفة لابدّ أن يعمّ خيرُه على شقيقه من طائفة أخرى. وإذا نجح غبطته في إقناع غيره بهذه المبادئ، حينئذٍ يكون المسيحيون قد خطوا مرحلة جيدة نحو الأمام لتحقيق طموحاتهم ونيل حقوقهم  يدًا واحدةّ. أما المسائل "القومية" التي فرّقتنا ومزّقت صفوفنا، فلتبقى مؤجلة دون تعطيل حقوقنا في الظرف الراهن، ولنترك أمرها للاختصاصيين كي يبحثوا في رصانتها العلمية وتاريخها لاكتشاف الأصلح فيها ولها.
-   وعلى صعيد الوحدة المسيحية والتقارب مع الكنائس الشقيقة، يواجه غبطته إعمال الحكمة في التعامل مع مشاكل لوجستية وإدارية ولاهوتية والعمل على إيجاد حلول تكون مقبولة من قبل الجميع في إعادة الثقة بين سائر الأطراف التي سادها جوٌّ من أزمة مستفحلة ومن توتّر في العلاقات بسبب اتهامات متبادلة بين بعض الأطراف فيها. وهذا يتطلب الابتعاد عن كلّ تشنّج في العلاقة أو انغلاق أو تخندق سعيًا وراء رسالة واحدة وكنيسة واحدة.
-   إكمال الدور الذي اضطلع به غبطتُه وبدأ مشواره معه في بناء جسور الحوار مع باقي الأديان في فترة رئاسته إيبارشية كركوك، ما أكسبه سمعة وطنية ودولية توحي بقدرته على تضييق الهوّة بين أتباع الديانات والمذاهب المختلفة من خلال السعي المشترك لمزيد من التقارب والحوار في ذات الاتجاه.
-   في اعتقادي هناك تحدٍ من نوع آخر، يكمن في مدى بقائه على الحياد بين حكومة المركز وإقليم كردستان ذي التأثير على أركانٍ هامة في الكنيسة الكلدانية. وتبقى مسألة مواجهة التجاذب في المصالح والمشاكل العالقة لغاية الساعة بين الطرفين، من أكثر المسائل السياسية تعقيدًا أمام غبطته. أتمنى أن يكون له دورٌ إيجابي وغير متحيّز لطرف دون آخر، لأنّ مثل هذا الانحياز لا يخدم تطلعات شعبنا المسيحي، سواء كانوا كلدانًا أم سريانًا أو آشوريين أم لاتينًا أو أرمنًا أم من ملل أخرى. وما دعوتُه للسياسيين لحقن الدماء والكف عن الدمار والمطالبة بشروط افضل لحفظ الكرامة الإنسانية للإنسان العراقي، إلاّ مشاركةً واستعدادًا ورغبةً من غبطته بالاستعداد للتوفيق بين المتخاصمين السياسيين، أبناء الوطن الواحد، وهذا سيكون فخرًا لنا جميعًا، عراقيين ومسيحيين بخاصة، فيما لو تحقّق ولو جزءٌ من هذه المساعي.
تمنيات
   أخيرًا، تهاني القلبية لغبطة البطريرك الجديد متمنيًا له كل توفيق وسؤدد في كل خطوة يخطوها نحو بناء وترميم ما أصاب كنيسة العراق، كنيسة المسيح بعمومها. ولتكن السماء معه، ومنّا نحن أبناء العراق بكلّ مكوّناتنا، له صلواتنا وأدعيتنا بالتوفيق في رسالته الشاقة التي تجمعنا كلُّنا حول جهوده المثابرة في تحقيق ما فشل فيه آخرون وفي تثبيت حقوقنا جميعًا دون تمييز.
لويس إقليمس
بغداد، في 11 شباط 2013

65
عهدٌ سرمديٌّ فرنسيٌّ- ألمانيّ للصداقة والتعاون

   مهما طالت الحروب وامتدت الخلافات بين الفرقاء، لا بدّ أن يأتي اليوم الذي يصحو فيه العقلاء إلى الخطأ في السياسات والاستراتيجيات لساسة بلدانهم. فالحروبُ كرٌّ وفرٌّ ولا تأتي بغير الدمار، والعاقل من يقرّرُ وضع حدّ لها خدمة للشعوب والبلدان، مشاركةً منه في بناء عالمٍ متحضّرٍ قائمٍ على القانون واحترام خيارات الآخر والقبول بالاختلاف معه، طالما أنه قابعُ في بيته ولا تمتدُّ يدُه لغيرِه.
   هكذا حديثًا، كان الوضعُ بين العدوّين التاريخيين اللدودين، فرنسا وألمانيا، اللتين صحا عقلاؤهما على حقيقة مؤلمة وَصَمَتْ البلدين بصبغة حروب متتالية للحقبة بين 1870- 1954، والتي لم تأتي بغير الدمار والحقد والخراب. هذه الأيام، يحتفل البلدان الصديقان المتحالفان بالذكرى الخمسين لذلك العرس السرمدي الذي أنهى في 22 كانون ثاني 1963، حقبة تلك الحروب الأهلية بين شعوبهما، بفضل العقل الراجح لقادتهما، كلّ من الجنرال "ديغول" الفرنسي و"كونراد أديناور" الألماني، بتوقيعهما في باريس، على معاهدة الصداقة والتعاون السرمدية بين بلديهما اللتين أنهكتهما تلك الفترة المظلمة من تاريخهما وزرعت أحقادها بين شعوبهما وشلّت القارة الأوربية بأسرها. إنّ ما أثار المشاعر لدى مواطني البلدين الجارين هذه الأيام، أسفُهم على الدماء البريئة التي سالت دون مبرّر ثمنًا لطيش القادة والساسة في تلك الحقبة الزمنية، حتى حطّت الحرب العالمية بكلّ مآسيها أوزارها وانقشعت الغيوم المتلبدة وغارَ الطغاة إلى حتفهم ليلعنهم التاريخ ويضعهم في زاوية مزابله، وما أكثرها!
   قد يسألُ سائل: هل كانت مآسي أوربا وخروجها منهكةً من أشرس حربٍ عالميةٍ عرفها التاريخ، هي السبب الحقيقي وراء التبدّل التاريخي في قاعدة الزمن والسياسة؟ وهل كان للعقل البشري دورٌ في ذلك التغيير الجذري بالصحوة الجديدة؟ أم إن إرادة العناية الربانية كانت الأقوى في فتح عيون البشر والعقلاء منهم للبحث في وسائل اتصالٍ أجدى مِن عمل الاقتتال والعنف الذي ضرب أطنابه طيلة تلك الفترة المظلمة من تاريخ هذه القارة؟ فقد تتالت الصحوات فيها بعد ذلك العرس السرمدي، حيث تلاه سقوط جدار برلين في 1989 وتوحيد ألمانيا في 1990، متبوعًا برخاءٍ عمّ البلدين والقارة الأوربية بأكملها لغاية الساعة، وهي تشهد تغييرات في اتجاه التوحيد على تنوّع مجالاته.
ديغول، رمز الحرية والبناء!   
   عندما سقط الرايخ الثالث بزعامة هتلر، لم تعد ألمانيا قادرة على فرض قوتها التي تجبّر بها ذلك المجنون قاسي الرقبة. فقد رضخت حينذاك للإرادة الدولية بتجريدها من كلّ تسليح وقوة عسكرية، أي أنها قد أُفقدت شجاعتها وجبروتها الذي كانت عليه أيام الهتلرية الطاغية. وقد وجدت نفسها ذات يوم، تستيقظ على أشبه ما يكون حلمًا سرياليًّا في حياة مواطنيها. إنه حلم العصر! عندما انبرى قادة البلدين المتهالكين لفتح صفحة جديدة من تاريخ العلاقات بين ألمانيا الخاسرة وفرنسا المنهكة. وجاءت كلمات "ديغول" بمثابة قرار الحسم في علاقات بلاده مع الجارة العدوّة ألمانيا عندما قال كلماته الشهيرة أمام وزرائه قبل تركه للسلطة:" ايها السادة، لا تنسوا ابدًا، أنْ لا بديلَ لفرنسا سوى بعقدها عهد صداقة مع ألمانيا". ومذ ذاك أصبح مصطلح الثنائي (كبل-Couple )، هو الرائج الاستخدام في وصف العلاقة بين الدولتين  الكبريين اللتين تُعدّان اليوم، الذراع الاقتصادي للاتحاد الأوربي عالميًا. وبالرغم من احتمال بروز اختلاف في الرأي أحيانًا، إلا أنّ المركبة الأوربية تُجرُّ اليوم بحصانين قويّين، متعاضدين ومتماسكين في رباطٍ أشبهَ بالزواج الذي لا طلاق فيه. كما أنّ البدائل الديمقراطية بين البلدين تجد طريقها إلى تفاهمات اساسية في السياسة رغمًا عن الاختلاف في الجهات أو التيارات أو المحاور الحاكمة في أيّ من البلدين، سعيًا وراء خلق تفاهمات متزنة على صعيد الأزمات أو الحلول التي من شأنها تعزيز الدور الأوربي دوليًا.
ثباتٌ وعزمٌ رغم التحديات   
   اليوم، وفي ضوء التغييرات السياسية التي أتت بالرئيس الاشتراكي لفرنسا، يتواصل الحوار دون انقطاع، ولكنْ، من دون ارتجال في المواقف المصيرية، وذلك بالرغم من الطريق المحفوف بالصعوبات التي تفرضها السياسة الدولية المعقدة. فالمستشارة ميركل، "تعلكُ" المواقف مرارًا وتحسبُها بعقل راجح دون أن تتحدّى، وذلك قبل أن تفصح عن قرارِ مصيري تتخذه في المواقف الحساسة، ولاسيّما الاقتصادية منها، التي تشكل اليوم حلقة مهمة في أزمة أوربية خانقة تقضّ مضاجعها بسبب الكساد الضارب أطنابه عددّا من الدول الحليفة، ولاسيّما المعروفة منها مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا والبرتغال وأخرى غيرها. وبالرغم من أنّ الأزمة الاقتصادية كادت تكون عالمية، إلاّ أنّ استمرارها بهذه الحالة قد تضطرّ أوربا لأن تتخذ قرارات حاسمة في وقت من الأوقات، بسبب إمكانية زعزعة كيانها الاتحادي، الذي يشكلّ ركنًا أساسيًا في الاقتصاد العالمي ومحورًا مهمّا في السياسة الدولية. لذا، جاء نداء الزعيمين في كلا البلدين في آخر زيارة للرئيس الفرنسي هولاند إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في ايلول 2012، لتأكيد السير على خطى صانعي السلام في أوربا وبناتها المؤسسين، في السعي الحثيث لبناء بلدان هذه القارة وتعزيز تضامنها المشترك. فقد أدرك الجميع أن توأمة الروح الذي ابتدأ في 1963، وكذا نصيب أوربا من الأحلام الوردية، لا يمكن الركون إليهما إلاّ من خلال وحدة هاتين الدولتين  التوأمين، فرنسا وألمانيا، سعيًا نحو أوربا أكثر قوة وصلابة وفعلاً، ما يعني مزيدًا من المنعة لدورها على أصعدة كثيرة. وبذلك تكون اللبنات الأولى التي وضعها مؤسسوها، قد أتت بثمارها الكثيرة رغم الصعاب والمشاكل  المتفاقمة. إلاّ أن هذه القارة، ستبقى عصيّة قائمة مادام الفكر المنفتحُ عاملٌ في عقول مواطنيها دون أن يتركوا ميراثهم في الديمقراطية والإنسانية واحترام حقوق الآخر والقبول بالمختلف عندهم، سائبًا للدخلاء عنهم من أصحاب العقول المريضة الذين يحاولون غزوهم منذ أمد. كما يتحتّمُ على قادة دول أوربا، أن يعوا حجم الخراب والدمار والتفكّك الذي سيعانونه فيما لو جرى اختراق بلدانهم من جانب دخلاء على بيئتهم الاجتماعية الليبرالية وطبيعة نظمهم السياسية المدنية. كما عليهم عدم التساهل مع أمثال هؤلاء الدخلاء، بحجة تطبيق معاهدات حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية. فهذه المبادئ والحقوق لا تنسجم مع مْن يحمل الفكر التكفيري والحقد الديني وكذا مع مَن يرفض الطبيعة المسالمة المتسامحة مع كافة الأديان والقوميات والإثنيات والمعتقدات والتيارات، أيّا كانت. فقدْ بانَ في الأفق، ما يؤكّد هذه المخاوف في أوساط العديد من المجتمعات الأوربية التي فطنتْ متأخرة لهذه الحالة التي تكاد استفحلت، وما في اليد حيلة بعد أن جرت المياه من أسفلهم في غفلة من الزمن. فهل يتمكن عقلاءُ جددُ بوضع متراسٍ لصدّ مثل هذه الغزوات المستميتة التي لا تخلو من وصمة عدائية هدّامة تسعى لتقويض مثل تلك المجتمعات الآمنة؟

لويس إقليمس
بغداد، في 22 كانون ثاني 2013

66
المطران ميخائيل جميل، سيرة وذكريات





   معلمٌ بارزٌ من أعلام السريان يرحل وهو في عزّ نشاطه، وشخصية بحجم المطران ميخائيل جميل تودّعُ قرقوشَ – بخديدا مصنعَ الرجال وقوتَ الثقافة السريانية وترياقَها، وأسقفٌ طافتْ سمعتُه أرضَ الله الواسعة متجاوزةً حدود الوطن إلى الديار العليا والمحافل الدولية والدواوين الفاتيكانية يرقد صامتًا، بائسًا، صاغرًا لقساوة المنون الذي لا يرحم أحدًا. هذه هي الحياة الدنيا... ولادةٌ ونموٌّ وتعليمٌ وتدرّجٌ ورقصة وهولٌ وسفرٌ وإنتاجٌ فنهايةٌ محتومة! ما أقساها من حياة وما أرهبكَ يا موت! ولو لم يكن في جعبة الإنسان شيءٌ من الإيمان بالقيامة، فهل كانت تستحق كلّ هذا العناء؟؟؟
   هكذا إذن، عادَ إبنُ بغديدا البار إلى أحضان بلدته، ليس فارسًا راكبًا على فرسٍ أصيلٍ كما اعتاد في زياراته السابقة منذ مغادرتها، ولكن هذه المرة محمولاً، مخذولاً لا حراكَ فيه ليرقد بين حناياها، بعدَ أن أسكته الموت القاسي قبلَ أوانه.
   لقد كبا الفارس المقدام عن صهوة جواده وهو لمّا يزل كتلة ساخنة من الحركة الفاعلة والنشاط الدؤوب والإنتاج الفكري الغزير، وهو في حياته، لم يكنْ يعرف الملل حتى ساعاته الأخيرة، ولا عرَف التوقف عن العَدْوِ والتسابق مع الزمن منذ سيامته الكهنوتية في حزيران 1964 وتسنّمه المسؤوليات الشاقة والعديدة أينما كان وحيثما كان، في المكان والزمان واختلاف الظروف والميادين والأصقاع.
   كان فارسًا من نوع خاص يعرف كيف يدوس الأرض بحدوته، ونجارًا ماهرًا يختارُ أين يدقّ مسمارًا في جدارٍ مشجّع، وأكّارًا شغولاً يبذر ثمارًا في أرضٍ صالحة، ويسقي زرعًا في مواقع كثيرة أينعت عن حاصل طيبٍ.
   ذو جدارة بارعة ونيةٍ عامرة بالمحبة وانفتاح للفضاءات الكثيرة التي نجح في تسلّقها بحكمة وعنادٍ وطموح بارز. واسع الاطلاع، عنيدٌ في كبريائه ومغمورٌ في اعتداده، رغم همومه وانشغاله بأهوال بلدته ووطنه وطائفته وبلبنان وأبناء المهجر الذين تولّى مسؤولية رعايتهم وزيارتهم في كلّ فرصة سانحة، كالحمام الذي يحنّ لعشّه وفراخه.
   أديبٌ مصقعٌ مقنعٌ في كلامه، سلسبيلٌ في سرده مداعبٌ في روايته، بشوشٌ لا تنقطع ابتسامته وعبوسٌ حين يشغله همٌ أقفل عليه الحلّ . فوضويٌ بعفوية في قهقهاته التي تنساب لتصل جنبات الفضاء الذي يسكنه بأكمله. ذو قلم سيالٍ لا يعرف التوقف تأليفًا وترجمة. خفيف الظل، سريع في بديهته، مطربٌ في عشرته، كريمٌ في عمله ورفقته، سليمٌ في علاقاته، متفتح الذهن والروية، متحرّر في قراراته وحركاته، أنيسٌ في أي مجلس يحلُّ فيه، ولا يخفي نوعًا من الجدّية حينما يقتضي الظرف ليقول لك: كفى، فقد طفح الكيل! شغوفٌ بالعراق، البلد الذي أولاه شيئأ كثيرًا من اهتمامه. كيف لا، وقد توشح منصب أسقفية تكريت شرفًا في 1986، لتأكيد هويته وعراقيته استذكارًا لدور تكريت، عقرِ دار السريان في غابر الزمان! ومن شدّة حسرته لما يجري فيه وله، كان يعبّر عن اسفه لما آلَ إليه حالُه ويتخوّف من تجزئته وإفراغه من سكانه الأصليين في ظلّ العولمة والمخطط  الجهنّمي المرسوم للشرق الأوسط الجديد.
   كان المطران جميل فوق ذلك كلّه، لطيفًا في معشره، محبًا للناس، كل الناس، حريصًا على تحلية المكان الذي يحل فيه وتجميله بدعاباته البسيطة المعقدة في آنٍ معًا، وهي خليطٌ من مداخلات وتغريداتٍ لا تنقصها النكتة والقهقهة العريضة أحيانًا لتبديد الهموم وتبسيط سبل العيش، رغم جِدّه في العمل وأصوله. يعرفه المقربون في جلساته، سارحًا بذكريات الأمس التليد وحكايات الجدّات والقدامى أيام زمان وبذكريات الصبا وقساوة أيامها وحلو طعم الأكلات التقليدية لبلدته من البرغل والحبية والكبة وأشباهها. هذه كلُّها وغيرها في غربته الرومانية، لم ينسى طعمها والشوق لها متى حلّ لديه ضيوفٌ من أهلها وقساوستها وتلاميذها الدارسين في الأروقة الفاتيكانية الذين خصّهم برعاية مميّزة.
   ذو صوت رخيم تطربُ له الآذان وتشنفُ الأسماع، حين ينبري في التنغيم والولوج إلى عالم الموسيقى، لاسيّما منها ما يثير المشاعر ويأخذ الألباب كالمقام والجالغي وشيء من روائع الغناء العربي كفيروز وأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب. ما أطربه حين كان يغني أغنيته المحبّبة " يا جارة الوادي" مفتونًا شغوفًا بلواعجها وترنيماتها وسلّمها وكأنها تطلع من عمق جوارحه المكبوتة وهو مأخوذٌ بها لغاية العشق من شدّة تفاعله مع النغم.
   صوته وهو في قلاّيته أو في أروقة مقره في روما، كان يجلجل وهو يضفي على مَن برفقته أو بالقرب منه، أجواءً من المحبة واللطف والكياسة إلى جانب سحنة من الحنين والحزن والعودة لسالف الأيام. وفي موقعه الكنسي الرفيع وبرغم هيبة البناية التي يسكنها، كانت قلايتُه أشبه بغرفة ناسك متعبّدٍ لعمله ومخطوطاته التي لم تُنجزْ بعدُ، وما أكثرها، وهو في بلاد الغربة، وما أدراكَ ما الغربة!
    كان جميلًا بسمرته، يحب الجمال والوجهَ الحسن بتقاطيعه ولاسيّما شكلَ الأنف... وكم كان يتغنى ويفخر بأنفه الشبيه بالكشتبان، وهو يعدّه من محاسن الجمال لدى البشر. أتذكر بعضًا من مثل هذا الوصف له ونحن في صالة الدرس في معهد ما يوحنا الحبيب في مرحة سمنير الصغار في نهاية الستينات. وحينَ أعودُ لتلك الأيام الخوالي، أتذكر عنها الكثير الذي لا يمكن نسيانُه. ومنها ما تعلّمتُه على أيدي معلّميّ وأساتذتي في معهد مار يوحنا الحبيب منذ 1967 لغاية 1973. وقد كان القس ميخائيل جميل آنذاك واحدً من هؤلاء الذين لا يمكن طمسُ تأثيرهم في مسيرة من عاصروهم. إنّي أكنُّ له العرفان بتعلّمي على يديه الكثيرَ من مبادئ اللغة العربية، قواعدِها وأدبِها، ومن الألحان الكنسية الطقسية  التي فيها كان مرجعًا وكنزًا نادرًا للعديدين، مع زميله وأستاذنا جميعًا المرحوم القس جبرائل جرخي، صاحب الحنجرة الذهبية وفطحل اللغة العربية للعديد من الأجيال الذين احتضنهم معهد مار يوحنا الحبيب بالموصل. وهنا أعيد للتذكير، أن القس ميخائيل، كان قد سجّل ألحان "بيث كازو" الطقسية على كاسيتات خلال فترة عمله في "السمنير" وخدمته في إبرشية الموصل، ولا نعلم مصيرها وبيدِ مَن صارتْ، فهي كنزٌ ما زلتُ أبحث عنه منذ زمنٍ!
   أتذكر أيضًا، ونحن تلاميذ في معهد مار يوحنا الحبيب الكهنوتي، كيف كان يحكي لنا ما يجري في زياراته للسجون في الموصل، وحكايات السجناء والمفارقات التي فيها أحيانًا، رغم صعوبة المهمة الموكلة إليه. فقد كان تولّى تلك المسؤولية الشاقة إلى جانب مهماته التدريسية في المعهد المذكور وخدمته في رعية مار توما وبعدها في كنيسة القلعة، لغاية مغادرته أرض الوطن إلى فرنسا للدراسة في 1974.
    وكم زادني بهجة حين تكرّم وأرسل لي نسخة من "البيث كازو" بعد استعارة أحد الأصدقاء نسختي الأصلية والادّعاء بفقدانها. فقد كنتُ طلبتُها من القس ميخائيل حين توليه مهمة سكرتارية البطريركية في 1977. كما كانت بيننا خلال تلك الفترة، عدة مراسلات بعضُها بالسريانية - ما زلتُ أحتفظ بها-، في متابعةٍ لموقفي وقراري بعد إغلاق معهد مار يوحنا الحبيب في عام 1973 وتشتت التلاميذ، إلاّ سواي، حيث كنتُ قد حصلتُ في تلك السنة على إذن مسبق من إدارة المعهد ومن المثلث الرحمة مطراني "مار عمانويل بني" لنيل شهادة الثالث المتوسط في امتحان خارجي بالموصل ونجحتُ آنذاك بتفوق إلى جانب تفوقي في دروسي بالمعهد. وقد زارني القس ميخائيل جميل خصيصًا آنذاك، ذات عصر أحدِ الأيام في هذا الخصوص في البيت العائلي في قرقوش في صيف 1973، باعتباره مديرًا لقسم الكبار في المعهد المذكور منذ عام 1971. وعندما استنفذ أي أملٍ بقبولي عرضَه بالتحاقي بالدراسة الكهنوتية خارج العراق، شكرتُ له اهتمامه أمام عائلتي واعتذرتُ منه في حينها، حيث كانت لي طموحاتي بتكملة دراستي الجامعية والعليا قبل أن أقرر مستقبل حياتي. ولكن حصل ما حصل بعدها حين تعقدت الأحداث وتفاعلت الأمور!
   كنتُ قد تنبأتُ له مستقبلاً مغمورًا بالمسؤوليات في كنيستنا السريانية الكاثوليكية، وهذا ما حصل حين اختياره أسقفًا وسيامته في 1986. وتوالت مسؤولياتُه، حتى كاد أن يكون قاب قوسين أو أدنى من تولّي رئاسة الطائفة حين شغور الكرسي البطريركي في 2009. وفي هذا الصدد، لا أنسى ما كرّره لي في مرات عديدة خلال زيارتين لي إلى روما في نهاية 2010 وبداية 2011، أنه كان الأجدر بتسلّم المنصب البطريركي لطائفته. وقد ردّدها لي مرارًا وآخرُها في مطعم إيطاليّ حين دعوتُه لعشاء برفقة أحد القساوسة الدارسين في روما  بقوله: "ديدي ياوا" أي كانت لي.
   تلكم كانت آخر ذكرياتي الطيبة مع سيادته، حين قصدتُه قبل عامين من اليوم تمامًا ولمرتين متتاليتين في فترة علاجي في أحد مستشفيات روما بعد إصابتي في حادثة سيدة النجاة، وبمساعدة القاصد الرسولي في بغداد ، حيث استضافني في مقرّه الروماني. وقد لاحتْ لنا في تلك الأيام عدة فرص للقاء والحديث والخروج معًا والمشي في أزقة الحي الإيطالي الذي يسكنه في بيازا كامبو ماريزيو الشعبي ذي الأزقة الضيقة، مرورا بالمطاعم الكثيرة فيه، حيث كان يتحاشى احيانًا أصحابَها، لكثرتهم، وهم يصرّون على دخوله مطاعمَهم الفاخرة. فقد صار علامةً بائنة لأصحاب المطاعم في حيّه. كان يعرفه الجميع، بل صار جزءًا من مشهد حياتهم، إذا انقطع عن زيارتهم أو طال غيابُه، ساورهم قلقٌ وريب. وفي المطعم، كان لا يتردّد في البوح لي بالكثير من المشاريع والهموم التي ترواده، ليس بخصوص بلدته وطائفته فحسب، بل بما يخص كل تراب الوطن الذي خصه بشيء من محبته وإخلاصه وتفانيه وكذا للبنان الذي نقش فيه الكثير من سبل العطاء والمعرفة. لقد كان له بحرٌ واسعٌ من المعارف والأصدقاء والأحباء، ازدادت حين توليه مهامه معتمدًا بطريركيًا لبطريركية السريان الكاثوليك لدى الفاتيكان في 1997 وزائرًا رسوليًا في أوربا في 2002.
   لا أنسى وقفته وأنا في روما، مع مَن استضافهم لفترة طويلة من شباب بلدته من الطلبة المصابين في حادثة سيارات جامعة الموصل الذين عزّز فيهم روح البنوّة فتعلّقوا بشخصه وكان يشعرُ بعيشه وسط أهله وعائلته وبني جلدته. فقد كان لهم الأب والأخ والصديق والكاهن، يؤازرهم ويشجعهم ويحنو عليهم ويسهل عليهم إجراءاتهم.
   رافقتُه وأنا في روما، للمشاركة في أربعينية شهداء كنيسة سيدة النجاة في دار السفارة العراقية في العاصمة الإيطالية، وشعرتُ به مهمومًا ومصعوقًا بتلك الحادثة الإرهابية، لاسيّما مع تزامنِ وجودِ مجموعةٍ من جرحى الحادث وهم يعالَجون في أحد المستشفيات الفاتيكانية.
   شخصية فذة بهذا القدر من العلم والكفاءة والغيرة والجدّية والإنتاج والنشاط والنظام في الحياة، إلى جانب محبته وشدّة تعلّقه بمسقط رأسه ووطنه وطائفته وروحه المسكونية وسعة علاقاته الطيبة مع شرائح عديدة ومتنوعة من البشر، تستحق الاحترام- وأيَّ احترام-، على المستوى المحلي والوطن والعالم، كما على المستوى الكنسي والمسكوني. في سنواته الأخيرة، كان شعلة متقدة من الحرارة والحركة والنشاط والسفر الدائب والدائم في ذهابه وإيابه.
   لقد استحق أن يودعه هذا السيل الجارف من البشر المتحرّق الأنفس أسفًا لفقدانه، غبَّ تغييبه باكرًا وهو بعد في أوج عنفوانه ونشاطه.
   نم قرير العين، يا ابنَ بغديدا البار، يا فارسًا جالَ وصالَ وفعلَ. وإن كنتَ لم تستطع توديع كنيستك وبلدتك ووطنك ومحبيك وأهلك واصدقاءك كما كنتَ تحلم، ها هم اليوم يودّعونك بما تستحقه من إكرامٍ للذكرى. وفي عُلاكَ السماوي، سوف تعلم أنْ ليست قرقوش وحدها تودّعك، بل انضم إليها كلُّ محبيك من كلّ أصقاع الأرض ومن بشرٍ متعدد الجنسيات والأتراب والأجناس. فقد أديتَ الرسالة وصنتَ الوديعة وحفظتَ الأمانة بالصلاح والتدبير والحكمة، كما تكلّم بها شعارُكَ.
   تعازيّ القلبية لرئاسة طائفتنا السريانية الكاثوليكية الموقرة وللسينودس الأسقفي السرياني ولذوي الفقيد الكبير ولأصدقائه ومحبيه وأهل بلدته وطائفته وكنيسة العراق جميعًا. وعزاؤُنا نيلُه إكليلَ الغار السماوي المحفوظ للأبرار والصدّيقين والفعلة الصالحين: "نعمّا يا عبداً صالحًا، أدخلْ إلى فرح سيدك"، فالوزنات التي أودِعَها المثلث الرحمة، قد ربحت غيرها، ومقدارُها عند ربّ السماوات وحده!

المحبّ
لويس إقليمس
من تلامذة وأصدقاء الفقيد










67
مراهقون في السياسة يقودون أمّة العراق!

    قبيل أن يفكر الغازي الأمريكي باحتلال العراق، كان قد وضع في حسبانه الآلية المثلى لكيفية تغيير النظام الدكتاتوري البائد. بطبيعة الحال، لا أحد ينكر ما اقترفه ذلك النظام من موبقات ومآثم ومكايد بحق شعبه وأهله المغلوبين على أمرهم، نتيجة لأساليب البطش والفتك والتصفيات التي استخدمها هو وأزلامه من خلال التمسك بالسلطة وهدر الطاقات والاستخفاف بأبناء البلد وعلمائه ومفكريه وروّاده ودعاته من الوطنيين والمحبين لبلدهم وشعبهم ومذاهبهم وطوائفهم، إلاّ المارقين والخارجين عن هذه المبادئ، وهؤلاء كانوا قلّة. فكانت "الديمقراطية"، هي البضاعة الجديدة التي عرضَتها الإدارة الأمريكية  على المعارضة العراقية آنذاك، رغم الاختلاف في توجّهات ممثلي هذه الأخيرة، وأهدافهم وتطلعاتهم مذ ذاك ولغاية الساعة، وكذا في الطريقة التي تمكّنهم من استلام الحكم لاحقًا، من جهة عنيدة حين إسقاطها، حيث لم يتسنى لكلّ من حاولَ زحزحتها أن ينال من النظام السابق الذي كان قد عسكر المجتمع وجيّره لصالح فئة تمادت واستخفت وتجبّرت، ناسيةً أو متناسيةً أن حبلَ الاستكبار قصير وأنّ لصبرِ السماء حدودًا.
    إنّه، ومن أجل تحقيق ذلك الهدف، كان لابدّ لهذا الغازي المتجبّر من التعامل مع ما كان قائمًا على أرض الواقع واستغلاله لصالحه بالتنسيق والتعاون مع مَن وجدهم أهلاً وأكثر استعدادًا لتسهيل تلك المهمة العسيرة. وهكذا كانت التبريرات التي ساقها في الجانب الإنساني أولاً في مسألة ضرورة إنهاء حقبةٍ سوداء تُعدُّ من أكثر دكتاتوريات المنطقة عنادًا وقساوةً، كإجراءٍ لابدّ منه مع الشروع آنذاك بواجهة التحشيد الإعلامي الضروري لتمرير ذلك العذر الدولي، بحيث يكون ذلك النظام حين إزاحته، مثالاً لغيره من الدكتاتوريات المعشعشة في دهاليز السياسة التقليدية بالمنطقة العربية برمّتها. وكان له ما أراد وما خطّط له مع ماكري السياسة الدولية والمتولّين على اقتصاديات العالم وآلته الحربية والإعلامية معًا. فقد تلاحقت بعد سنوات من تلك التجربة، سلسلة التغييرات في أنظمة حكمٍ مثيلة أخرى في ثورات ما يُسمّى ب"الربيع العربي"، التي اتّسمت باستقدام أنظمة متشدّدة في عدد من دول المنطقة، رأى فيها راعي التغيير الأمريكي أفضلَ استعداد لديها لتنفيذ مخططه في تجزئة المجزّأ في الصف العربي وتقسيم المقسَّم فيه وإشعال نار الفتنة الطائفية في كلّ صوب وحدب من أطرافه، كي يبقى المشروعُ العامُ بعيدُ المدى، قائمًا إلى ما شاءت قدرةُ قادر. وإلى جانب مبرّر رزح الشعب العراقي تحت نير الدكتاتورية الصدامية المتناقضة مع الديمقراطية المبتغاة والمنشودة بقوّة آنذاك- كما حلا للبعض وصفها للغازي الأمريكي وأعوانه في حينها- بحثَ هذا الأخير عن مبررات أخرى أكثر تأثيرًا وأشدّ وطأة لجذب الرأي العام الدولي من خلال تحشيد دهاقنة السياسة واللوبيات المنتفعة والمنظمات الدولية والإنسانية من أجل إيجاد ذرائع مبرّرة أخرى للتدخل المباشر عبر آلته العسكرية التي حشّد لها في حينها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً من عسكر ومن ماكنة حربية بجديد تقنياتها الطيارة والصاروخية التي استخدمها لأول مرة في ما يُسمّى بمعركة تحرير العراق. فكانت، كذبةُ الأسلحة الكيمياوية والبايولوجية المحظورة دوليًا، مبرّرًا إضافيًا ومحفِّزًا آخرَ  لتحقيق وتنفيذ التدخل العسكري وفرضه بالوسائل التي ارتأتها مناسبةً في حينها. وقد أتقنَ أعوانُ الأمريكان وعملاؤهم، إجادة لعبة الإقناع تلك، والتي حيكت خيوطُها التفصيلية مشاركةً في دهاليز البنتاغون والبيت الأبيض والدوائر الدولية المتعاونة معها والرامية لرسم سياسة ما بعد التغيير الدراماتيكي. وكلّ ذلك جرى في صفقة متكاملة ولكن غير متكافئة مع المعارضة العراقية آنذاك التي كانت تسعى في حينها لقلب نظام الحكم بأية طريقة كانت، ليس إلاّ، حتى لو تطلّب ذلك بيعَ الوطن ورهنَ ثرواته وأسرَ سياسته وتقويض أركانه والتضحية بحضارته ومبادئه وتاريخه. فكان لها ولهم ما أرادوا حين سقط الصنم ودُحرجَ، وكان سقوطُه بدايةَ الانحدار الوطني وغيابَ الغيرة عليه ومناسبة لنشأة دكتاتوريات من نوع جديد، ومن أهمّها وأكثرها شططًا وضررًا، نمط الدكتاتوريةُ الطائفية التي نهشت جسم العراق الذي تكالبت عليه خناجرُ القادمين مِن خلف الأسوار ومِن المغرضين والطامعين والانتهازيين المطبوعين بأجندات متنوعة داخلية وخارجية. وهكذا غرقَ الوطنُ وأهلُه في ظلامية ذلك التخندق المذهبي والفئوي والقومي الذي رافقته موبقاتٌ قديمة واستنُبطتْ له أخرى جديدة تمثلت بالفساد المستشري في كل مفاصل الدولة وفي المحاصصة التوافقية التي شلّت العملية السياسية في رسم السياسات وسنّ القوانين وفي التزوير وتسييس القضاء وتجيير مؤسسات الدولة المتهالكة أصلاً وتسخيرِ ما هو قائمٌ من الإمكانيات المالية والإدارية والاقتصادية فيها لصالح فئة وطائفة، عدّها الكثيرون استفزازًا طائفيًّا ليس له من مبرّر. فمؤسسات الدولة، أينما كانت وكيفما كانت هي ملكٌ للشعب العراقي قاطبة وليست لفئة أو دين أو مكّون دون غيره، حتى لو عُدَّ فيه هذا الأخير أغلبية وأكثرية. وما نشهده مذ ذاك، من تسخير لإمكانيات الدولة العراقية في مواسم الشعائر الدينية حصرًا، لمكوّن واحدٍ بذاته مثلاً، وما يرافقه ذلك من هدرٍ لأموالٍ وطنية وخسارة للوقت وتعطيل لأعمال الغير ولمؤسسات الدولة لأيام وقطعٍ للطرق والشوارع، هو التمييزُ عينُه بل هو الاستفزاز عينُه لمشاعر الغير. وإنّه من الأجدر بالقائمين على تسخير كلّ هذه الطاقات، تشجيعُ أتباعهم في البحث عن بدائل وخيارات معاصرة ومتحضّرة تأتي بالنفع العام على البلد والشعب، كأن ينبري الشعراء والمثقفون والفنانون ورجال الدين، كلّ ضمن مجاله، في النصح والتعبير عن قدسية المناسبة بطريقة متمدنة وفي المناداة بحب الوطن ونظافته وصيانة ممتلكاته ومقاسمة الفقير والمحتاج حاجاتِه وعيادة المرضى والتبرّع بالدم للمستشفيات وقيام حملات شعبية تقليدية لتنظيف المناطق والمدن وتخضير الأراضي الجرداء وما إلى ذلك من أعمال الخير والصلاح التي تنمّي النخوة العراقية وتتسم بالشعور بمسؤولية المواطنة والتقيّد بأسس الدين والمراجع الحكيمة بدلاً من المظاهر التي خرجت عن روحية المناسبة المحتفى بها.
   وهكذا ضاع العراق بمثل هذه الأعمال والممارسات وغيرها، وضاعت معه بضاعةُ "الديمقراطية" المزيّفة التي استوردها بل بالأحرى التي قرّر الغازي الأمريكي تصديرَها إليه، رغمًا عنه! والسبب، باعتراف العديد من الساسة الجدد يعود لمراهقتهم السياسية والنقص القائم في خبراتهم الإدارية، والأنكى من ذلك كله، بسبب غياب الشعور الوطني الحقيقي لديهم وتجيير الحكم والدستور وسنّ القوانين، كلٌّ لصالح مكوّنه وطائفته ومذهبه والموالين له. ولمّا كانَ العقدُ شريعةَ المتعاقدين، فإنّ كل المحاولات الجادة لإيجاد تغيير في الوضع القائم، لم ولن تنفع لأنها تصطدم بمصالح الراعي الأمريكي للاحتلال أولاً ومصالح الساعين للسلطة والجاه والمال ثانيًا. فالبعضُ يريدها دينًا ودنيا، وغيرُه يريدُ البلدَ تابعًا مطيعًا لهذا أو ذاك من دول الجوار أو لأجندة دولية مفروضة. والحقيقة الصارخة والماثلة للجميع، أن راعي التغيير في العراق لا ولن يطيب له عودةُ وحدةِ الصف الوطني وتوحيدُ خطاب الأمة العراقية العريقة بحضارتها وتاريخها والغنية بثرواتها منذ الأزل والمستغلَّة دومًا لغير أهلها وناسها، وكأنّها حرامٌ عليهم. فقدْ تمّ صياغة الدستور الجديد لعام 2005، ليكون مليئًا بالقنابل الموقوتة التي رأيناها تنفجر في أوقات معينة ولاسيّما حين تتناقض مسمياتُها وتتضاربُ مع مصالح الساسة المتنفذين، الذين لم يتعدّوا بعد مرحلة المراهقة السياسية الموصوفة لهم صدقًا. وما التشبث القائم بالحكم، رغم دعوات التغيير المتزايدة مؤخرًا وما يجري من اعتصامات وتظاهرات واستياءات بسبب استمرار عدم استتباب الأوضاع الأمنية وسوء الخدمات وتكرار الأزمات السياسية بين الشركاء الفرقاء، سوى تأكيدٍ على التصميم لإتمام الصفقة كاملةً غير منقوصة بين الراعي الأمريكي والحكومة التوافقية القائمة على اساسٍ طائفيٍّ أصلاً، برعاية وتشجيع وتأييدٍ وموافقةٍ أمريكية صارخة. وهذا ما سعت وتسعى إليه الإدارة الأمريكية، ونحن نراها تتفرّج على ما يجري دون أن تقول كلمتها لصالح الشعب المغلوب على أمره الذي ابتُليَ بساسته القادمين معظمُهم على ظهر دباباتها ومازالوا تحت حمايتها من أجل استكمال تنفيذ مصالحها وبرنامجها التقسيمي للعراق إلى أوصال طائفية. وهذه المواقف الأمريكية المخزية والمرفوضة من الشرفاء والمثقفين والعقلاء من العراقيين وغيرُها من الطبخات التي تجري في دهاليزها الاستخباراتية، ليست سوى خطوة مضافة لخلق مشروع شرق- أوسطي جديد يخدم تلك المصالح ويُبقي جذوة الفتنة قائمة بين فئات الشعب العراقي الذي لم يرعوِ بعدُ ولم يتعظْ رغم ما تعرّض ويتعرّض له من مآسٍ وانتكاسات وهدر أموال من القائمين اليوم على حكمه في مشاريع وهمية ومجدبة في الكثير من الأحيان، أفقدته ثقته بهم جميعًا. فالبنى التحتية تراجعت من سيّء إلى الأسوأ، والخدمات البلدية لم ترتقي إلى أدنى مستوى مطلوب رغم الميزانيات المفتوحة للدوائر البلدية والوزارات الخدمية المعنية. كما لم تنجح الحكومة الحالية بولايتيها الإثنتين، مِن تحسين الطاقة الكهربائية وتوفير المنتجات النفطية بأنواعها لعموم مناطق العراق، ناهيك عن نكثها الالتزام بالوسائل والتعهدات التي تضمن حقوق الأفراد والمناطق والمجتمعات الدينية والإثنية المختلفة عن تلك العائدة للأغلبية الحاكمة، إلى جانب ضعف الإدارة في عموم مؤسسات الدولة وافتقادها لوسائل وإمكانيات حديثة وافتقارها لكوادر مهنية مدرّبة، إمّا بسبب مغادرة الصفوة منهم لتلك الدوائر أو بسبب اجتثاثهم أو استبعادهم لأسباب طائفية وفئوية ودينية وإثنية وفقًا للدستور الأعرج أو التزامًا بنظام المحاصصة التوافقية المعمول به. والخاسر الأكبر هو الدولة العراقية وشعبها الذي ظلّ راكعًا خانعًا ضعيفَ الإرادة وغيرَ مدركٍ لمصيره ومستقبلِ أجياله. فكلّما تسنى له أن يقول كلمتَه في صناديق الاقتراع، تدخلُ المرجعيات الدينية والمصالح المذهبية والإثنية والأجندات الخارحية على الخط فتضيّع عليه تلك الفرصة، ويعيد ذات الخطأ وذات الهفوة وذات الغباء في كلّ دورة انتخابية. والأدهى من ذلك، أن الذي ينتقد مبدأ المحاصصة الطائفية ويرفضها ويطالبُ باستئصالها، هو من يتمسّك بها قبل غيره بأسنانه حين يجري الحديث عن تقاسم السلطة والمشاركة في العملية السياسية.
   في الختام أقول، متى يتعلّم العراقيون فنّ الديمقراطية في الحكم وقيام دورٍ إيجابيٍّ لمعارضة حقيقية وفق مبدأ تداول السلطة السلمي؟ ومتى يتعلّم الساسة  والمسؤولون في الدولة التنحي عن الحكم والمناصب حين الفشل في إدارة مؤسسات بلدهم ومناطقهم والعجز عن تقديم الخدمات الآدمية الضرورية المطلوبة، بحسّ وطني وتسامٍ إنسانيّ نظيف والتخلّي عن فرض "آفة الدولارٍ" في جيوبهم في كلّ خطوة مطلوبة لبناء أسس دولة العراق المتهالكة؟ أما زال البعضُ يريدها قندهارًا ثانية؟ أم صومالاً بسواد الأعمال والفساد والعنف المتواصل؟

لويس إقليمس
بغداد، في 9 كانون ثاني 2013

68
لمناسبة إعادة إعمار و افتتاح كنيسة سيدة النجاة في 14 كانون أول 2012:
سلامٌ لكم يا شهداء كنيسة سيدة النجاة الأبرار الخالدين في الذاكرة أبدًا،
أصحاب النيافة والغبطة والسيادة الأجلاء،
ضيوف الكاتدرائية من رجالات الدولة والبرلمان والمنظمات والهيئات الدبلوماسية المحترمون،
حشود المؤمنين والحضور الأكارم،
((( كنّا هنا ! )))
عصر يوم الأحد 31 تشرين الأول 2010، وفي الخامسة والثلث منه بالتمام والكمال، كان ما بربو على مائتي مصلٍّ في ذات المكان الذي نحن فيه الآن، على موعد مع مشهدٍ مروِّعٍ، وبامتياز للشهادة والاستشهاد، تمثّلَ في اعنف هجمة إرهابية عرفتها كنيسة العراق، كمّا ونوعًا ونهجًا وفكرًا وأيديولوجيةً. كان قدَرًا منحوسًا، فيه تكشّفت كل بشاعات الحقد الإرهابي والفكر المتطرّف والنظرة المنغلقة على القتل ورفض الآخر المختلف. حصل ذلك عندما تجاوز منفذو الجريمة على قدسية أكثر الأديان سماحة ومحبة وأنبلها حبًا للإنسان والأوطان وأقربها إعلاءً لصورة الخالق الجميلة في مخلوقه، وأكثر ناسها أصالةً في الأرض وسعيًا للسلام والمحبة والعدل. تلك المجزرة بهولها ورعبها ورهبتها، قد لا تختلف في قساوة الدماء المراقة في عموم تراب الوطن الجريح، إلاّ أنها وفق القياسات المجتمعية والأحداث السياسية بتقلباتها وإعادة ترتيباتها، هي الأقسى على مسيحيّي العراق، لأن ما أُريد بها، كان قصمَ ظهورهم وهم أحياء، بل كانت علامة بائنة للتحريض على الهجرة ومواصلة دفعهم لمغادرة وطن الآباء والأجداد قسرًا، وطن الحضارات من سومر وبابل وأكد وآشور... حضارتهم ترقى إلى سبعة آلاف عامٍ، أراد نفرٌ ضالٌ، مدفوع ومموّلٌ من "إمبراطوريات" منغلقة وأشباه دول مجهرية صاخبة عبرَ أعوانٍ لم يعرفوا غير الكراهية طريقًا للعيش، استكمالَ مشروع الغزو الدرامي البغيض بتحجيم هذا المكوّن المسالم أصلاً، والعمل على تعميق بذور الحقد وزرع الفتن وتفتيت النسيج المجتمعي العراقي المتآلف منذ القِدم.
خلاصة الحكاية المرّة لتلك المجزرة الرهيبة، تجدونها في وصفي لشهادتي الحية في الذكرى السنوية الأولى للمأساة، والتي قد تنفع مادة دسمة لصنّاع السينما والدراما، لأنها ببساطة، حكايةُ حدث مأساوي حقيقي، ولا من مثيلٍ لها ولا في الخيال. تلك شهادةٌ حية ناطقة من دون رتوش، لهول الساعات العصيبة الأربع بكل بشاعاتها، أمضاها شهودُ للحقيقة في صحن الكنيسة أو في غرفة "السكرستيا"، من قاصدي بيت الله للصلاة من أجل الوطن وإحلال السلام والأمان فيه والطلب من الباري تنوير وإرشاد ساسة البلاد وقادتها إلى ما فيه خيرُ الوطن ووضعُ مصلحته فوق كلّ منفعة ضيقة، بعيدًا عن حسابات المحاصصة الطائفية التي شلّت قدرات هذا البلد الكثير الخيرات، والقليل الخدمات والجائع للأمن والأمان والعيش الكريم.
لن ينسى التاريخ تلك الصولة الإرهابية الشرسة التي حصدت أرواح 47 نفسًا طاهرة، بمن فيها، كاهنان شابان نذرا نفسيهما طوعًا لخدمة بيت الله وعباده، كما عُرفا بعفتهما وسموّهما في خدمة الرعية وفي حبّ الوطن. أحبّهما المسلم قبل المسيحي الذي كان يقصدهما لطلب مشورة أو نيل مساعدة، ولم يبخلا يومًا في تقديمها من جيبهما الخاص أحيانًا، عندما كان يضيق بهما مخزن المطرانية. فأيةَ كلمات أسوقها لكم أيها الشهداء الخالدون في الذاكرة، وقد كنتُ واحدًا منكم قبل استشهادكم، نصلّي معًا، كي تزول الغمّة عن هذه الأمّة التي اغتالتها الأقدار لتعيش في ظلام القهر والفوضى والعنف الذي عمّقته خلافات الشركاء الفرقاء، يومًا بعد آخر.
لن أطيل في السرد، ففي جعبتي الكثير. ولكنّي أود استخلاص العبر والدروس والتذكير بما هو مقبول ومحسوس والمطالبة بما هو ممكن وملموس.  لقد كان الأمل معقودًا، أن تهزّ هذه الحادثة الجلَل، ضمائر كلّ من يدّعي عبادة الله الواحد الأحد في كلّ شبرٍ من أرض الوطن وخارجهِ. سوف لن أتحدث عن أشكال الإهمال واللامبالاة التي حصدتها الحادثة من الإدارة الأمريكية، راعية التغيير الدراماتيكي في العراق، التي تكاد تلك الجريمة النكراء لم تعمل عملها، بل لم تُشر إليها في حينها، رغم أنها هزّت حتى الضمائر الميتة للإنسانية، والسبب ببساطة، لأنها صاحبة فكرة تقسيم العراق وتفتيتِ نسيجه المجتمعي وإفراغه من المكوّنات الصغيرة المستضعفة وصهرِها، وعلى رأسها المكوّن المسيحي من خلال تشجيع أتباعِه على مغادرة أرض الآباء والأجداد بالتعاون مع دول  تقدّمت بعروضٍ لاستضافتهم وإعادة توطينهم، عوض البحث عن وسائل فعّالة تؤمّن حالهم وتحفظ انتماءَهم. إنه لَمِن المؤسف، أنّ هناك من انساق لهذا التيار الجارف من أبناء جلدتنا وأصدقائنا وأهلنا، راكبين موجة الغيرة والحسد أحيانًا بالبحث عن الترف الضائع في بلدان المجهول، مع إبقاء شيء مخجلٍ من الحنين لترابه. بالمقابل، لم يرتقي اهتمام الحكومة العراقية إلى مستوى المسؤولية في متابعة شؤون الشهداء والجرحى، إلاّ على خجل. كما لم تفلح في معالجة الخلل الأمني المتواصل لغاية الساعة، ولا في إيجاد حلولٍ جذرية للأجواء المتلبدة في مناطق تواجد أبناء شعبنا المسيحي، ولاسيّما في سهل نينوى الساخن، بسبب ازدواجية الحكم فيها وغياب سلطة الدولة وفقدان هيبتها، ما ساهم في فقدان بصيص أمل في التشبث بالأرض ومن ثمّ بعدم التفكير بمغادرة الوطن. لقد وعدت الدولة رئاسةً وحكومةً، ولم تفي بوعودها كاملةً. كما وعد الكثير من السياسيّين ورؤساء الكتل وسوّقوا تصريحاتهم الرنّانة على الفضائيات وفي الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية، بل أقحموا أنفسهم بتلك الوعود عندما صرّحوا بأن المسيحيين أصلاءُ في أرض العراق وأنهم يسبقون غيرهم في أحقية هذا الوطن. إلاّ أن الوقائع أثبتت تمسّك هؤلاء القادة والسياسيون بالتأليب على حقوق هذا الشعب المسالم بحجج كثيرة، ومنها ما يُسمّى بسياسة الموازنة والاستحقاق الانتخابي وسلوك الأغلبية.
خلاصة الحديث، رغم صراحته وقساوته، أخاطب به أركان الدولة من هذا المكان المقدس، الذي تضرّج بدماء الجرحى والشهداء الأبرار الذين تطرزت أسماؤهم على جنبات هذه الكنيسة، أن يكون فعلُكم على قدر أهمية وجود هذا المكوّن الأصيل، هذا إذا كنتم حقًّا تقدّرون هذا الوجود وتأثيره على المجتمع. كما أناشدكم باسم مسيحيّي العراق، أن تعِدوا وأنتم تحت قبة سيدة النجاة، مريم العذراء التي نكرمها جميعًا، والتي حفظت باقي المصلّين من القتل والبطش البربري الذي رافق تلك العملية الإرهابية البشعة، بأن تفوا الوعد المقطوع بحمايتهم والدأب على ترسيخ بقائهم وإنصافهم بكلّ وسيلة تحافظ على وجودهم وتبقي على جذورهم راسخة وتطمئِنُ بقاءهم في أرض الآباء والأجداد عبر تمثيلهم في كلّ مفاصل الدولة وهيئاتها، بعيدًا عن سياسة المحاصصة الطائفية التي شلّت العملية السياسية وأسرت أدوات الديمقراطية لصالح الأقوى على الساحة على حساب المكوّنات القليلة العدد "الأقليات"، وأن تساعدوا على منع أي تغيير ديمغرافيّ في مناطق تواجد المسيحيين بأية حجةٍ كانت، لأنّ ذلك واحدٌ من الأسباب التي ساهمت وتساهم في تهجيرهم وفي انحسار وجودهم الريادي في المجتمع.
مسيحيًّا أقول: لقاؤنا المتجدّد هذا اليوم، هو وقفة ضمير لكلّ مسيحيي العراق، لعيش معموديتنا وإيماننا وشهادتنا والتزامنا بكنيستنا وديننا السمح، لا بالكلام فقط إنما بالعمل والحق، دون أن ندع تقليعة العبثية الموجهة علينا تقذفنا بأهوالها نحو المجهول، أو بشيء من الاستهانة والتهاون بقدراتنا. لن نستمرّ في الانحناء للظلم والاضطهاد والتهميش. وإذا كان المسيح قد تنبّأ لنا بتعرّضنا للضيق والاضطهاد من أمم وشعوب العالم، فهذا ليس ولن يكون مدعاة لاستمرار القبول بهذه المظالم أو بالرضوخ للمتجبّرين قهرًا وظلمًا. فحضارةُ العراق، بقديمها وحديثها وُلدت من رحم المسيحية. ومن يريد التأكد من ذلك، فليلتجئ إلى كتب التاريخ وما يقوله علماء الآثار في بابل والنجف وكربلاء والحيرة وبغداد ونينوى وتكريت وغيرها.
كنا دومًا حملة سلام ومحبة ووفاق، لا نعرف حمل السلاح، "لأنّ من يأخذ بالسيف، فبالسيف يهلك". هكذا قالها المسيح. وآخر سلوانا، قولي مع القديس بولس:" من سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أضررٌ أم ضيقٌ أم شدة أم اضطهاد أم خطر أم سيف؟". إذ بهذا الايمان سقط كهنتنا واخوتنا شهداءَ في هذه الكنيسة، لتصبح اجسادهم الطاهرة بذارًا لحياة أفضل، وقرابين حب تمتزج بها دماؤهم الزكية مع دم المسيح وأصفياء الله الصالحين والقديسين، لتطهّر أرض العراق من كل يد اثيمة تريد النيل من كرامته وحريته وتقدّمه وعافيته، رغم الصعاب الكبيرة التي تواجهه. ولنتذكر قول المسيح: "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد". وقوله: "لا تخف ايها القطيع الصغير"، "أنا معكم حتى انقضاء الدهر".
مهما حصل، يبقى العراق وطننا، لنا فيه مثلَ ما لغيرنا، نذودُ عنه ونحميه ولن نغادره. ومَن غادره لتعدّد الأسباب، يوجب على السياسيين أن يفكروا، كيف وما عليهم فعلُه لإعادتهم إلى حضن الوطن الأم، بدل التسكع في بلدان المهجر المجهول، لأن أرض العراق تسع الجميع ومن حق الجميع تمتُعهم بكل ما فيها من خيرات وثروات وآمال. كما أنّ من كان على سكة الهجرة، عليه أن يفكر ألف مرة، قبل أن يترك أرض الحضارات والأجداد والأحباء. فالوضع الناشز، غير المستقرّ القائم لن يدوم طويلاً، والفوضى الأمنية ستجد طريقها للنظام والقانون، كما أنّ حبل الإرهاب، مهما طال وتجبّر لن يدوم، بجاه سيدتنا مريم العذراء، سيدة النجاة، وسيدة الشهداء.
أدام الله كلّ وطنيّ عزيز، عفيف، كريم، وحاملٍ شعلة السلام والمصالحة والمحبة. وأخيرًا، أردد مع المسيح ومعكم: "طوبى لفاعلي السلام، فإنهم أبناء الله يُدعون".
لويس إقليمس
ناشط مدني
رئيس شمامسة كنيسة سيدة النجاة

69
أفضل الخيارات حيال "الربيع العربي"!

   اللجوء إلى المنطق والعقل والواقع، سمة الحكماء والعقلاء والفقهاء بين الناس، أيًّا كانت انتماءاتُهم الدينية أو المذهبية أو الإثنية. كذا حالُ الدنيا، يومٌ لكَ ويومٌ عليكَ، ولكن كما قالها حكيمُ زمانه: "إذا دعتكَ قدرتُك على ظلم الناس، فتذكّر قدرة الله عليك". لو أن من أسعفته الأقدار أو جيء به إلى السلطة بأية وسيلة كانت، تمسك بجوهر هذه المقولة الرائعة، لما عاش فقيرٌ أو وُجد مضطَهّدٌ أو مهمّشٌ في أية بقعة من أرض الله الواسعة. وسوف نقتصر حديثنا على  المنطقة العربية ومنها العراق بصورة خاصة، في ضوء الأحداث الدراماتيكية التي تتالت على المنطقة وقلبت الموازين واختلت فيها المعايير على أشكالها وأنواعها. فما يُسمّى "بالربيع العربي"، رغم المآسي وأشكال الخراب والدمار التي أتى بها في البلدان التي شهدت هذه التحولات المأساوية، لم يستطع أن يأتي بما كان أفضل فيما سبقه من أنظمة، رغم فساد هذه وشموليتها وقهرها لشعوبها. بل ما كان محسوبًا عليها من مآثر أو آثار للديمقراطية التي تسعى إليها كل شعوب الأرض الحرّة المتحررة، قد أضاعها القادمون الجدد بما أتوا به من فسادٍ عارم وتآكل لباقي روح الوطنية والمواطنة والولائية التي كانت قائمة قبل قدومهم وحلولهم ضيوفًا ثقلاء على الطيبين من المواطنين الأصلاء الأباة أصحاب الضمائر والذمم التي لا تُقهَر رغم عوادي الزمن الغادر.
ألمدّ الأصولي وإشكاليتُه   
   قدوم التيارات السياسية الدينية، كان نتيجة الأخطاء الكبيرة التي اقترفتها الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة سحابة سنين طويلة اتسمتْ بالظلم والقهر والترويع والتأليه لشخوص نصبوا أنفسهم ولاة غليظي الرقاب على هامات ومصائر المستضعفين، من خلقِ الله، خالق البشر جميعًا على صورته الجميلة. وما تزال أنظمة بذات المواصفات تترعرع في أرض الله في منطقتنا المغضوبِ عليها منذ الدهور. أهي ثرواتُها الكبيرة مصدرٌ لنقمة إلهية ينفذها أشباه ُ بشرٍ رعاعٌ في المنطقة، مدفوعون بلوبي خارجي يريد تقويضها وتركيعها وتقليص مفعولها في البورصة الإنسانية العالمية لاحقًا؟ قد تذهب تحاليلُ بعض المفكرين في هذا الاتجاه حيث الاعتقاد بكون الربيع العربي مرحلةً نحو دحر العناصر الدينية وقياداتها ومرجعياتها المتزمتة وغير المتزنة، بل الرافضة لكلّ أنواع التمدن والتحضّر والحرية التي أفرزتها مبادئ الديمقراطية في البلدان الواعية التي مرّت بمثل هذه المراحل في حقبٍ من تاريخ بلدانها، ليس الآن ولكن بعد حين. إنه لمن المؤسف حقًا، أن مثل هذه الدروس التي استخلصتها البلدان المتقدمة وطبّقتها في صياغة مستقبل شعوبها وفي ترميم وإصلاح وتطوير طاقاتها، لم تتمثل بها الطبقة الحاكمة التقليدية منها والحديثة العهد في منطقتنا العربية، بل زادت في غيّها وتفنّنت في وسائل الإبقاء على سياساتها المتعجرفة والشمولية وفي قهر شعوبها. وكأنّ التاريخ يعيدُ نفسَه. فبالأمس القريب، عندما كانت الدولة الإسلامية تشهد أيام ازدهارٍ وتطوّر نوعيّ وحصانة قوية، كانت تتسم حياةُ شعوبها بشيء من الرفاهة والانفتاح والتسامح والنظام، ولو على خجل لا يمكن مقارنتُه مع غيرها من بلدان الغرب. وبعكس ذلك، عندما كانت تتعرّض لانحطاطٍ أو لنكساتٍ دينية أو سياسية، كان الساسة يعبّرون عن ذلك بآلات من القمع والانكفاء على الذات وأشكالٍ من التزمّت والتكفير للغير، ما كان يجعل من الحياة تحت رقابهم صعبةً ومشكلةً. وهذا ما يحدث اليوم تماماً، فنحن نعيش دورةً من الانحطاط والانكفاء والتراجع.
   أين الخيار الأفضل؟
اليوم نكاد نشهد ذات السيناريو الذي  يروَّج في منطقتنا حيث سيادة العنف واهتزاز الفكر وتراجع الحريات واللهاث وراء المحاصصة الدينية والمذهبية والاثنية إلى جانب الافتقاد إلى الحكمة والروية في تسيير شؤون البلدان والعباد على السواء. هي فترة انحطاط لن تخلو من متاعب ومنغصات واحتقانات. ولعلّه إزاء هذا المدّ المذهبي والأصولي المستحلّ لعدد من دول المنطقة، والتكفيريّ في جزئياته لكل البشر من غير السائرين في مسالكه وفي فكره، ليس أمام الشعوب المستضعفة، ومنها الأقليات الدينية والإثنية، غير أن تحتكم إلى العقل والروية في التعامل مع مثل هذا المدّ الجارف وغير الواعي لأصول الدين والسياسة والمجتمع على السواء. ولو أنّ قادتَه وأركانَه ومحفّزيه ركنوا إلى حكمة إعطاء "ما لله لله وما لقيصر لقيصر" ووضعوا مقولة "الدين لله والوطن للجميع" أمام ناظريهم، لاستطاعوا إرضاء الله الخالق الذي يدّعون التحدّث باسمه وتطبيق شرائعه. ومن ذا لا يريد تطبيق شرعِ الله الخالق الذي حبانا وخلقنا على صورته ومثاله، لنكشف له عن جمال البشر في طبيعته وجمال الطبيعة بوجود البشر عليها. وربّ سائلٍ: "أَ بالقتل والترويع والتهديد تُطبّقُ شريعةُ الله؟ أليس هو الرحمنَ الرحيم العادل الجبار الذي لا يرضى بظلمِ الناس لغيرهم؟ ألم يعاقبْ رئيسَ الملائكة الذي طغى وطرده من الفردوس لدسائسه وأحالَه شيطانًا مرفوضًا وملفوظّا وملعونًا من الناس جميعًا لآخر الخليقة؟ إزاء هذا كلّه، لابدّ من إيجاد وسيلة للتعايش مع هذا المدّ غير السويّ الرامي لجرف كلّ ما لا يتناغم معه. فالمواجهة المسلحة، لم ولن تكون الخيار الأفضل، لأنّها بفضل خبرة الشعوب لم تستطع أبدًا تقديم الحلول المقبولة السلمية والسليمة معًا. في المقابل، لابدّ من سلوك الحوار وطريق التعايش السلمي وإيجاد السبل لاهتداء التيار المتشدّد إلى طريق السلام واحترام الغير، حتى لو اختلف معه في الفكر والدين والمذهب. لأنه، مهما كانت سمة التشدّد ومهما امتدّت في جذورها وأصولها وآلياتها، لابدّ من البحث عن مخارج آمنة للتعايش وجعل مراجعها وقادتها تقتنع بهذه الضرورة. فعالمُ اليوم لم يعدْ كما كانت عليه الحال قبل 1400 عامٍ خلتْ. كما لا يمكن أن يعيش البشر في القرن الحادي والعشرين عصر المغاور والكهوف والدواب. والدليلُ على ذلك، ما يستخدمه أدعياءُ العودة للسلف من أدوات عصرية في حياتهم اليومية. فلا يُعقل قبولُ أدوات الرفاهة المعاصرة والمتجددة يومًا بعد آخر ورفضُ ما تحتّمه هذه الاختراعات والآلات من حسن تصرّف وتعايش وتعاون وتساهل وتشارك واحترام وقبول للآخر بهدف ضمان نتائج مثل هذا التقدم في الحياة وتسيير الحضارة وفي تأمين المستقبل للمجتمعات. أمّا الردّ والصدّ والمواجهة بالسلاح وبالتهديد والترويع، فلن تنفع. هل استطاعت الحروب التي شنّها صدام على جيرانه أن تثنيهم عن أفكارهم العنصرية والمذهبية والقبلية الضيقة؟ وهل إطالة النزاع بين العرب والكرد في العراق منذ اندلاع ثورة الثائر الراحل بارزاني قد خدمت العراق والعراقيين؟ ألسنا نتحمّل شيئًا من وزر تلك الأيام البائسة اليائسة لغاية اليوم؟ كذا الحال مع بلدان "الربيع العربي" التي آلت إلى خريف وقيظ موحش. فالصراع في سوريا، هو الآخر تكملة لسيناريو الحرب على العراق، وقد أفلت الرَسَنُ (الهفسار) من سيطرة السلطان الأمريكي المحرِّض فيها، كما في غيرها من البلدان التي شهدت تغييرات سياسية، بعد سرقة ثورات شعوب هذه البلدان من ثائريها الأصليين وسيطرة التيارات السلفية والإخوانية عليها، وما أتت به هذه من مفاهيم رافضة لأية أفكارٍ نابعة من شيء يُدعى ديمقراطية أو حرية، إلاّ الديمقراطية التي يؤمنون بها وبها تُلجمُ الأفواه وتُكبّل الأفكار التحررية وتُمحى الاتجاهات المختلفة عنها دينًا ومذهبً وفكرًا. ولعلَّ ما نلحظه اليوم عبر وسائل الإعلام، تذمّر رعاة التغيير في الربيع العربي، وعلى رأسهم الراعي الأمريكي الذي بدأ يخشى من انفلات العقال من يد ما يسمّيها بالمعارضة التي اندسّت فيها عناصر القاعدة والإخوان وطالبو السحت الحرام والسلطة. وهذا ما أدّى إلى تخلخل استراتيجية إسقاط السلطة بالعنف والقوة اللتين دمّرتا البلد ونزل فيها الطرفان خرابًا ودمارًا لا يرحمان في القرى  والمدن الرئيسة وفي تشتيت وتهجير الناس، فيما استغلّت عصابات متشددة وحاقدة هذه الظروف لتُنزل ضربات ضدّ أبناء الأقليات ومنهم المسحيين بصورة خاصة، الذين فرغت مدنهم وأحياؤهم عن بكرة أبيها. أهكذا تُفرض الديمقراطية؟
رقصةٌ وتنتهي النمرة!
 ولكن، هي رقصة، تؤديها الغانية الجديدة، ثمّ تشيخ وتهرم وتنسحب من على المسرح كما الأسد الخاسرُ في جولة صيد ماكرةَ!
لويس إقليمس
بغداد، في 21 تشرين ثاني 2012

70
في الذكرى السنوية  الثانية لمجزرة كنيسة سيدة النجاة (31 تشرين أول 2010)
"كي لا ننسى .. :كنّا هناك"
   تعود إلينا هذه الأيام، الذكرى السنوية الثانية لمجزرة كنيسة سيدة النجاة الأليمة في 31 تشرين أول 2010، وسط ترقب مشوبٍ بالأمل والشكّ في آنٍ معًا: الأمل يكمن في رسالة الإرشاد الرسولي الذي خصّ به قداسة البابا المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط، كي يثبتوا في جذورهم المسيحية ويتقوّوا بإيمانهم ضدّ حملات الترهيب والتهديد والتهميش المتواصلة ضدّهم وضدّ طموحاتهم الوطنية بحياة إنسانية طبيعية متساوية ومتوازنة قائمة على احترام الخيارات الشخصية في الدين والمعتقد والتوجّهات الاجتماعية وفي وسائل التعبير. أمّا الشكّ، فهو كامن في ما نراه ونعايشه ونلاحظه على أرض الواقع، من التمادي في إهمال استحقاقات المكوّن المسيحي بخاصة، ومعه المكوّنات قليلة العدد الأخرى (الأقليات)، في كلّ مسالك الحياة العامة التي ينبغي أن يتمتع بها نسيج الشعب العراقي ككلّ، اعتمادًا على مبدأ المواطنة التي تعني من جملة ما تعنيه، مساواة المواطنين جميعًا دون تمييزٍ  مكوّنٍ عن آخر من المكوّنات الأخرى، لاسيّما المصرّة منها على الاستحواذ على كلّ شيء بحجة ما يُسمّى باستحقاق الأغلبية والأكثرية العددية دينيًا وإثنيًا وطائفيًا، ما أثبت تسبّبها بالخلل والفوضى والفشل في تقديم الخدمات الآدمية الطبيعية وفي عدم الاستقرار السياسي والأمني، الذي يستمرّ فيه البلد غارقًا في بحرٍ من المشاكل السياسية التي ليس للشعب فيها حيلة، كما ليس له فيها لا ناقة ولا جمل.
   بكلمات قليلة، لكنّها معتصرة ومفعمة بالألم والذكريات القاسية، كلّما تذكرتُ المأساة، بسبب هول المجزرة التي عايشها من كان يصلّي في هذه الكنيسة عصر الأحد 31 تشرين أول 2012، طيلة أربع ساعات بكمالها وتمامها، وأنا واحدُهم... أريد أن أقول: كنّا هناك بين أرجاء هذه الكنيسة الأجمل بين كنائس بغداد، نصلّي من أجل العراق، كلّ العراق، بكلّ مسيحيّيه ومسلميه وسائر المكوّنات الأخرى  كي تعيش بسلام وأمان وشرفٍ، كما كانت عليه حتى 2003.
    قبل عام من اليوم، رويتُ على مواقع الكترونية وفي مجلة الفكر المسيحي، شهادتي حول ما جرى في هذه المجزرة من داخل غرفة السكرستيا التي تحصّنَ بها معي أكثر من خمسين مصلٍّ، بينهم الخوري "روفائيل قطيمي" الذي نالَه قسطٌ من نيشان تلك الحادثة، التي بقي طيلة الهجوم فيها واقفًا واجمًا صلدًا على رجليه حتى الربع ساعة الأخيرة من انتهائها، حيث تهاوى حينها مصابًا. أين وكيف؟ لا أدري ولا هو يعرف.
   أتذكر، كيف بدأ القداس الذي كان يقيمُه القس "ثائر" ويخدمه الشمامسة والجوق معًا، أني أثناء فترة الموعظة بعد تلاوة الإنجيل، تندّرت مع زميلي الشماس "وديع"، بسبب مرور الكاهن الشهيد مرارًا وتكرارًا على كلام يسوع ل"بطرس" هامة الرسل: "من تقول الناس عنّي أنا هو".. ولم يمرّ على بدء تلك العظة "الأخيرة" للكاهن المحتفل أكثر من خمس دقائق، حين أزفت الساعة الخامسة والثلث، حيث طرقَ سماعنا أولى طلقات الإنذار بالهجوم وما تلاه من انفجارات وهجوم عنيف على الكنيسة في غياب القوة المكلّفة بحمايتها التي غابت وتلاشت وغارت إلى مجهول  مساء ذلك اليوم، إلاّ من حرس الكنيسة غير المؤهلين للأمور القتالية، كما لم يفلح تدخلُ الحرس الخاص لمؤسسة سوق الأوراق المالية المجاورة، الذين تمكنوا من إصابة أحد الإرهابيين الخمسة المقتحمين والذي فجّر نفسه، على ما يبدو، على سور الكنيسة الأيسر...أتذكر آخر كلمات القس "ثائر" من على المذبح، حين توقف عن عظته وقال: "ماكو شيء". وحاول عبثًا الاستمرار بالموعظة، بسبب تزايد قوة الهجمة الشرسة التي هزّت أركان الكنيسة ومَن فيها وألقت الفوضى والرعب في صفوف المصلّين... أتذكر كيف نزعتُ قميص الشمّاسية ودفعتُه لابني "رابي" ليرتّبه كي أستطيع الخروج لأتفحّص بنفسي ما يجري في الخارج. ولكن هول الهجمة منعتني حين رؤيتي ما يجري في مؤخرة الكنيسة ومن ثمَّ استحالة خروجي بعد أن تمكّن الإرهابيون الأربعة من دخولها من الباب الخلفيّ وبدأهم بتقتيل المصلّين، وقد سقط في مقدّمتهم الأخَوان "وسام" و"سلام"، اللذين لحقت بهما والدتُهما من شدّة حزنها على فلذتي كبدها... أتذكر العويلَ والصراخ داخل غرفة السكرستيّا التي دخلناها فآوتنا وبقينا فيها "رهائن محتجَزين طوعًا ورغمًا عنّا" للإرهابيين، وقد اختلط ذلك مع الفوضى التي عمّت آنذاك داخل الكنيسة وروّعت نفوس المصلّين... أتذكر كيف بدأ أحد الإرهابيين بعد ربع ساعة من اقتحامهم للكنيسة، وهو شاب في مقتبل العمر، يؤذن داخل الكنيسة وسماعنا إطلاقاتٍ نارية وانفجارات بعد الانتهاء من الأذان، عندما بدأوا بمسرحية مأساوية لقتل المصلّين بحسب رواية من بقي حيًّا في داخل الكنيسة، حيث لمْ يسلم منهم حتى الطفل الرضيع الذي أسكتَه رصاص الإجرام ولا اعتراض الطفل البريء "آدم"  على فعلتهم الشنيعة! ... أتذكر كيف فارقتِ الحياة تلك الشابة العروس الشهيدة "رغدة" بين أحضاننا وسط العويل والبكاء والصراخ بعد ان كانت تمكنت من الزحف إلى هذه الغرفة الصغيرة وهي مضرّجة بالدماء لإصابتها البليغة في أمكنة عدّة من جسدها الطاهر وقد كانت جالسة حين إصابتها، على المصاطب الأمامية للجناح الأيمن من الكنيسة... أتذكر كيف كان يصلّي الشهيد "أيوب" أبياتَ الوردية ويرسم إشارة الصليب في نهاية كلّ بيت يصلّيه وهو يتألم صابرًا ساكتًا، إلاّ من أنين الجرح البليغ الذي كان أُصيب به وهو مرتمٍ مثلنا على أرضية الغرفة وبجواري، وأنا أتأمّلُه وأفكرّ ما عسى يكون خبرُ إصابته أو عدمُ نجاته لدى ذويه وعائلته وأصدقائه... أتذكر أني لم أتوانى في حينها بإرواء عطشه، بسقيِه ما استطعتُ من ماء متيسّر من ثلاجة الماء التي كانت على ميمنتي، لحين تدميرها بثالث قنبلة أطلقها الإرهابيون علينا من حيث لا ندري، وبسببها صمتَ الشاب "أيوب"، وكان صمتُهُ أبديًا ... أتذكر كيف كنتُ أشجعهُ وأحلّيه بالصبر، فالفرَج قادم... لكنّه فارق الحياة قبل أن يأتي ذلك الفَرَج الذي تأخر بفعل فاعل. كيف، ولماذا؟ لا أعرف!
    أتذكر أولى المكالمات الهاتفية الواردة من الصديق "أبو مريم" من "أربيل"، الذي كان يتصل لسؤالٍ خاص بعد دقائق معدودات من حصول الحادث دون معرفته به بعد، حينها أطلعتُه عمّا يحصلُ لنا طالبًا منه التصرّف والإبلاغ عن الهجمة بالوسائل المتاحة... أتذكر الاتصال الذي أجريتُه لاحقًا وبعد دقائق معدودات من الحادثة مع العقيد (العميد فيما بعد) "سعد" من قيادة عمليات بغداد، وكان أول اتصال تتلقاه هذه القيادة، وربما الحكومة أيضًا، عن العملية الإرهابية، وقد بقي العسكريُّ المذكور على اتصال متواصلٍ معي لمرات عديدة لمتابعة الحدث أول بأول ولإعطائهم الإحداثيات والتهيئة قبل اقتحام الكنيسة من قبل "الفرقة الذهبية" التي لم تصلح في حينها لتُسمّى حتى ب"الفخارية"، بسبب الإرباك والتأخير والانتظار المرّ الذي قاساه مَن كُتب له أن يبقى حيًا بأعجوبة من السماء! أتذكر المكالمات العديدة التي وردتني من أصدقاء ومسؤولين وكهنة ومقرّبين للاستفسار عن وضعنا بعد أن سمعوا ذلك عبر الفضائيات التي نقلت الحادث أوّلَ بأوّل... أتذكر كيف منعتُ نفرًا من المحاصَرين معي داخل غرفة السكرستيّا التي لم تكن محصّنة، من محاولة فتح بابها الخلفي، خيفة أن يجذب مثل هذا الفعلُ الطائش أحدَ الإرهابيين القابع على خطواتٍ منّا وأن يحصل ما يحصل.. أمّا الإجراء الوحيد الذي قمنا به، فقد كان دعمُنا لبابِ السكرستيّا المتهرّئ بدولاب كتبٍ حديدي خفيف كان إلى الجوار، تحسبًا متاحًا لاقتحام ممكنٍ، ولم يكن ذلك  مستبعدًا في أية لحظة فيما لو حاول هذا الإرهابيُّ القابع أمامه اقتحامَ السكرستيّا  وتفجير حزامِه الناسف علينا... أتذكر كيف استطاع ابني "رابي" من خرم الباب المذكور، أن يراقب تحرّكَ إثنينِ من الإرهابيّين الأربعة، أحدهما الجالس أمام باب السكرستيّا  والثاني على الجهة المقابلة لنا، وهما غير ملثّمين، وقد حفر تفجيرهما الانتحاري فيما بعد، أثرًا واضحًا في موقع قبوعهما... أتذكر الشعور الأبوي  الذي راودني حينما طلبَ منّي إبني هذا، عدم الصمت ومخاطبتَه بين الحين والآخر للاطمئنان عليّ، لاسيّما بعد أن أعلمتُه بإصابتي في وجهي والصنين الذي طرّشَ أذني اليسرى. كان يقول لي: " بابا كلّمني حتى لو ما بيك شيء"... أتذكر الحرج الذي أُصبتُ به حين سكتَ جهاز النقال عندي، واضطررتُ لاستخدام البديل الثاني لاستكمال الاتصالات. حينها ظنّ مَن كانوا على اتصالٍ دائمٍ معي في خلية العمليات التي شكّلها النائب "يونادم كنّا" مع فريق مساعديه في مقر الحركة الديمقراطية الآشورية، أنه قد يكون حصل لي مكروه بسبب ذلك الانقطاع المفاجئ... أتذكر أنّي لم أستطع الردّ على نداءات عديدة من عديدين ومنهم نفرٌ من أسرتي في بغداد التي كانت انشغلتْ ذلك اليوم بأمور منزلية طارئة ولم ترافقني إلى الكنيسة كعادتها... وكذلك النداءات التي لم أستطع الردّ على الكثير منها وقد تتالت عليّ من أصدقاء ومن عائلتي وأهلي وأقربائي من "قرقوش" ومن مناطق أخرى وحتى من الخارج ممّن سمعوا بالحادث عبر وسائل الإعلام التي نقلت أجواء الحادث الذي طال زهاءَ أربع ساعات بهولها وترهيبها وقسوتها وعنفها وحقدها وإحراجاتها...
أتذكر كيف، أُطفئت الأضواء خلال النصف ساعة الأخيرة من العملية، حيث ساد الصمتُ والوجوم. حينها قلتُ لابني الفتي: قد اقتربت الساعة، وقد تكون النجاة حليفنا أو...؟ فتلكُم، كانت لنا إشارات للاقتحام ولحصول شيء ما. كما تأكّد الفعلُ من الضابط في قيادة عمليات بغداد بالهاتف. ساعتَها، تزلزلت أركانُ الكنيسة، ودوت انفجارات فاقتْ أصواتُها ما باستطاعة الآذان تحمّلها...كما غطّت الأتربة والغبار المتصاعد والشرارات النارية أرجاءَ الكنيسة قاطبة وكذا سقفَها بسبب هول الانفجارات المتلاحقة، والعصف الشديد للأسلحة المستخدمة والأحزمة الناسفة التي تفجّرت بالإرهابيين وفتّتت أجسادهم التي اختلطت دماؤهم بدماء شهدائنا الخمسة والأربعين، بمن فيهم الكاهنان الشهيدان الشابان، "ثائر عبدال" و"وسيم القس بطرس"... ثمّ هدأت فورة العاصفة ليصلنا بعدها صوتٌ ينادي: "قولوا يا ألله... قولوا يا ألله! نحن قوات طوارئ". وهكذا، تبيّن الفرج من ضوء مصباح يدوي كان يحمله أحد العسكر المقتحمين طالبًا منّا الخروج، فقد انتهت العملية. ولكنْ كيف انتهت.. فقد كانت هناك مذبحة حقيقية، حصدت أرواحًا بريئة، جلُّ ذنبهم أنهم كانوا يصلّون ويتضرعون إلى الباري كي يسود السلام ربوعَ الوطن ويتعزّز التلاحمُ الوطني الذي انهار بعد 2003 وكي يهتدي الساسة بالمثول إلى الحكمة والروية والعدل في إدارة البلد المتهرّئ والغائص في حفرة الفساد والطائفية وسرقة أموال الشعب وحقوقهم وقتل الأبرياء وتصفية الحسابات. تلكم تمامًا، كانت توصية الكاهن الشهيد "ثائر" بعد قراءة الإنجيل حيث اعتاد الطلب في كل يوم أحد من المؤمنين الصلاة لأجل هذه النية...
    كنتُ الثاني الذي غادر غرفة السكرستيا غيرَ مصدّق حالَنا. فقد حرستنا العذراء مريم، سيدة النجاة التي ارتدتْ ايضًا ثوب سيدة الشهداء والمعترفين في تلك الكنيسة التي يتباهى الناس باسمها، مسيحيين ومسلمين على السواء... وقد أصررتُ بعد خروجي سالمًا على إلقاء نظرة على أركان الكنيسة، رغم اعتراض أحد العسكر... فرأيتُ ما رأيتُ، غير مصدّقٍ الحالَ الذي آلت إليه كنيستي، فقد كانت، ما تزال بعدُ، تفترشها بعض الجثث وقطعُ اللحم المتشظّي والمتناثر هنا وهناك بين أركانها والفوضى التي كانت فيها المصاطب والمذبح واللوازم  الطقسية وحتى بيت القربان الذي دنّسه الإرهابيون بفعلهم الشنيع ذاك.. وفي فناء الكنيسة وحولها، كان جمعٌ من ذوي المصلّين وأصدقائهم واجمين بين انتظار مريب وأمل بلقاء أحبتهم أو مرارةٍ لمرافقة جثامينهم المحترقة أو الممزقة أو إسعاف المصابين منهم. لم استطع حينها البقاء أكثر من ذلك بسبب القشعريرة التي شعرتُ بها جرّاء إصابتي أنا أيضًا، وبسبب ملابسي المبللة التي اختلط فيها الماء المسكوب بسبب كسر ثلاجة الماء، بالدماءِ التي سالتْ ممّن كان مصابًا وزحفَ باتجاه السكرستيا أملاً في النجاة. حينها كان نفرٌ من دائرتي في انتظارٍ لنقلي لتلقي العلاج في مستشفى القديس رافائيل للراهبات بالكرادة، ومنها إلى داري حيث كانت أسرتي والجيران وبعض الأصدقاء في انتظار أخبارنا وعودتنا سالمين طيلة فترة العملية، والحمد لله!
رحم الله شهداء كنيستنا الخالدين في الذاكرة. وسيبقى الكاهنان الشهيدان، مثالاً للراعي الصالح بحفاظهما على الوديعة وشهادتهما في كنيستهما وبين رعيتهما. لمْ يهونا أو يضعفا أمام حقد الارهابيين ولا خارت قواهما أو تخاذلا. كما يشهد لهما من عرفهما عن قرب، أنهما لم يضعفا أمام المغريات في فترة خدمتهما، وكانت عديدة أمامهما. كما كان موقفهما، ولاسيّما  القس "ثائر"، من القضايا الوطنية مشرّفًا ومن مستقبل المسيحيين واضحًا بتفضيل الانتماء إلى الوطن موحدًا والالتصاق بجذوره والأمل برؤيته معافًا وبعودة اللحمة الوطنية لأبنائه. فقد أحبّه المسلمُ قبل المسيحي لتعاطفه مع المحتاجين، وكلُّ من كان يطرقُ بابَ كنيسته، لم يكن يُرجعُه خائبًا. كما كان القس "وسيم" أيضًا، مع زميله الشهيد السعيد، أصدقاءَ للشباب وحواضنَ للأطفال المرتادين لدروس التعليم المسيحي كلّ يوم جمعة بهمّة معهودة ومتابعة همام، إلى جانب الصوت الرخيم الذي اتسم به القس "وسيم"، وقد كنتُ أستأنس معه وأجاريه في اللحن حين يقيم الذبيحة الإلهية، لإجادته الألحان والطقس السرياني. وهنا لا يسعني إلاّ القول أيضًا، أننا فقدنا حضور الخوري "الختيار" روفائيل قطيمي الذي غادر رعيته لاستكمال العلاج وآثر البقاء في بلد الاغتراب الذي اختاره، متمنين له موفور الصحة والتوفيق.
كلمة أخيرة، أسوقها لأبناء كنيستنا خاصة والمسيحيين عامة: سوف تعود كنيسة سيدة النجاة عروسًا للكنائس بعد أيام، بعد إعادة تأهيلها وتقديسها لتفتح أبوابها للمصلّين من جديد. وبفضل مرتاديها وقاصديها ومحبيها، سوف تتزيّن وتلبس حلة جديدة تزخر جنباتُها بأسماء شهدائها الخالدين كي تبقى ذكراهم ذخرًا وعلامةً للشهادة التي بها رَووا بيت الله بدمائهم الزكية لتكون بذارًا للحياة. كما سيتابعُ زملاء الكاهنين الشهيدين، المشوار الذي كانا قطعاه بذات الهمّة والحرص والرعاية مع الراعي الجديد للأبرشية.
أخيرًا، كتب إليّ أحد الأصدقاء المسلمين في رسالة ردٍّ على الشهادة التي كتبتُها قبل عامٍ، يقول لي فيها (أنقلها حرفيًا):
((( " ان جريمة كنيسة سيدة النجاة اختصرت  بمضامينها وبشاعتها كل الجرائم التي ارتكبت بحق ابناء بلاد النهرين  الاصلاء منذ اكثر من 1400 عام عندما قدم الغزاة الاوائل من الجنوب وعبثوا بالعراق قتلا وتدميرا باسم الله وادخلوا مفاهيم الكراهية والقسوة ونشروا الهمجية والبدائية بكل اشكالهاالى يومنا هذا.
قرات بامعان سرد المجزرة التي وقعت في كنيسة  سيدة النجاة على يد مجموعة متوحشة تلوثت عقولهم بعقيدة الشر.
ان المجزرة التي وقعت في الكنيسة يجب ان تكون حاضرة في قلب ووجدان كل من يؤمن بالحياة والسلم والمحبة  مع ضرورة  الحفاظ على التذكير بها وكشف وفضح عقائد الكراهية ووضع النقاط على الحروف وبجراة على الاسباب والافكار التي حولت هؤلاء وهم في ريعان الشباب الى متوحشين قتله للحياة بما في ذلك الفكر المسموم الجاثم في عقولهم وعقول غيرهم و الذي يتناقض مع السجية البشرية . ليس اله من يدعو الى الكراهية  وليس دين من يبرر القتل.
 
اتمنى لك التوفيق في مواصلة عرض هذه الماساة الانسانية في فلم او على الاقل فلم وثائقي هادف وباكثر من لغة."
 
مع فائق تقديري واعتزازي
 
اخوك
علي الشريف
)))
 


لويس إقليمس
بغداد، في 29 تشرين أول 2012


71

بيان لمجلس الأقليات العراقية
حول تمثيل الاقليات في المفوضيات والهيئات المستقلة.

    في ضوء الغبن الجديد الذي لحق بالمكونات العراقية قليلة العدد (الأقليات)، بتهميشها وإقصاء تمثيلها في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بسبب الآلية التي اتبعتها رئاسة مجلس النواب، يدعم مجلس الأقليات العراقية كل الجهود المبذولة لإعادة النظر بالقرار المجحف الذي صادرَ حقوق هذه الشرائح الأصيلة في المجتمع العراقي.
إننا في مجلس الأقليات العراقية، نضمّ أصواتنا إلى أصوات ممثلي هذه المكونات قليلة العدد (الأقليات) في البرلمان وخارجه، من المطالبين بضرورة تمثيلهم في جميع الهيئات والمفوضيات ومنها مجلس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ومفوضية حقوق الانسان.
لذا، ومن منطلق العدالة والركون إلى الحق، ندعو الحكومة العراقية والكتل السياسية ومجلس النواب ومعهم المنظمات الدولية من خلال "اليونامي" وممثل الأمين العام للأمم المتحدة، لترسيخ مبدأ المشاركة الوطنية لجميع المكونات في كل فصول العملية السياسية ومنها وجود تمثيل لهذه المكونات في المفوضيات المذكورة. ندعو الله القدير أن يلهم الساسة والدولة وحكومتها من اجل ترسيخ مبدأ المشاركة الوطنية لجميع المكونات كي يشعر الجميع انهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات .
ومن الله التوفيق.
مجلس الأقليات العراقية.
بغداد، في 4 تشرين أول 2012



72
ديمقراطيتنا في الشرق، كيف تعمل؟

كما تعلّمُنا أمهات القواميس والكتب، أن كلمة الديمقراطية مأخوذة من أصلها اليوناني، وهي مشتقة من كلمتين: عامة الشعب Demos = والحكم = Kratia، مكوِّنةً الكلمة المعروفة Democratia التي تعني "حكم الشعب لنفسه".(موقع ويكبيديا)
تطبيقات متغايرة:
تتغير تطبيقات مبادئ الديمقراطية من منطقة لأخرى ومن بلدٍ لآخر، ومن تنظيم لآخر، بحسب التوجهات والآراء والتفاسير والنظريات التي كثرت رغم بساطة الفهم التعبيري والتطبيقي لهذا المفهوم. فالتأويلات التي تعاقبت وتكاثرت وتناقضت حول هذا المفهوم، كادت تُخرجها من خانتها الأصلية في الحفاظ على سلوكيات المجتمعات المتحررة وفي حماية الشعوب التي تتعامل بها وتعشقها في حياتها اليومية، السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية. فكلُّ شيء في الحياة يخضع لهذا المصطلح الذي به يتغنى كلٌ على هواه في تطبيقه وفي فهمه، بعد أن أصبح محورَ الحياة بلا منازع، سواء في تطبيقاتها الصحيحة أم في التباري المشوّه والزائغ عن حقيقة فهمها الصحيح. وبالرغم من أن هذا المفهوم في الحكم المتحضّر والمعاصر قد منح متبنّيه فضاءات واسعة في تطبيقاته المتعددة، ومنها سلوك حكم الأكثرية في ضوء النتائج الانتخابية التي تؤهله للحكم، إلاّ أنه لا يعني بأية حالٍ من الأحوال، التفرّد بالسلطة بمعنى إنشاء دكتاتورية الحزب الفائز أو المذهب الحائز على أصوات الأكثرية. في حين هناك دول متحضرة قد انتهجت سلوك ما يُسمى ب"الديمقراطية الليبرالية" التي تؤّمِّن بها حماية حقوق كافة المواطنين المشمولين والساكنين على أراضيها دون تمييز وعلى أساس الشراكة، بمن فيهم المكوّنات القليلة العدد أي الأقليات، والجاليات المتكونة فيها جرّاء عمليات الهجرة المتكررة، أو بسبب مواقف إنسانية جعلت من المهاجرين الغرباء أو من طالبي اللجوء الإنساني إليها جماعاتٍ لها ثقلُها على الأرض الجديدة، من حيث تمتُعها بكافة الحقوق والواجبات المتكافئة. ولكن برأيي المتواضع، مهما وصل تطبيق هذا المفهوم من رفعة وسموّ، فهو لن يصل أبدًا، ما عناه مستنبطُه الأول في فكره الأساس.
لن أدخل في تفاصيل هذا المفهوم البسيط والمعقّد في آنٍ معًا، لأنه ليس من اختصاصي. لكن، ما جعلني أخوض فيه، تلك التناقضات في التأويلات التي تصل إلينا من خلال اللقاءات على الفضائيات أو ما نقرأه ونتصفحه على المواقع الالكترونية التي حفلت بتفاسير عجيبة غريبة عن هذا المفهوم ومعانيه وعن طريقة تطبيقه وفقًا لتأويلات تختلط فيها أحيانًا السلوكيات الفردية والمناهج الدينية والمذهبية والمناطقية والإثنية وحتى العشائرية والقبلية بحسب مجتمعاتها وتكويناتها المتباينة. وخير التطبيقات المقبولة لهذا المفهوم في يومنا هذا، عندما يحتمل هذا المبدأ ويقبل شكلاً من التوازن بكلّ أشكاله في الحياة اليومية للجهة الحاكمة، حين لا يتم استبعاد الخاسر وموالوه من صميم الحياة السياسية. ذلك لأن العملية السياسية سلسلة متواصلة من مسارات لا تنقطع أو تتوقف، إلاّ من حيث تغيير السياسة في منهج الحكم وفي أدواته وكيفية تنفيذ صفحات برامج الجهة الفائزة. والمنطق الذي يقوم عليه مفهوم الديمقراطية أيضًا، لا يعطي الحق للفائز بالأكثرية، أن يلغي الآخر الذي لم يسعفه الحظ، بالفوز أو ببساطة أن ينهي فصولَ حياة منافسه السياسية. بالمقابل، عندما يفوز طرفٌ على غيره في انتخابات "ديمقراطية" حتى لو حامت حولها شبهات التزوير، فهذا ليس مدعاة لخصومة أو حصول نزاع يثير الفتنة ويشعل قتالاً بين الطرفين المتنافسين، الفائز والخاسر معًا والموالين لكليهما، طالما أن مبدأ الديمقراطية باقٍ ومتفق عيله من قبل الجميع دون تخوين الآخر أو إلغائه. كما على الطرف الخاسر أن يحاول قبول الخسارة بروح رياضية وأن يسعى لشحذ همم فريقه بمراقبة أداء حكم الفائز والاستعداد لخلافته في الدورات القادمة، بالاستفادة من مواقع فشل الجهة الحاكمة هذه أو قصور أدائها مع تقادم الحكم، أو إذا لم تتوفق في تسيير شؤون البلد بمهنية وقدرة واعية على قيادة دفته بحنكة وحكمة ودراية وافية. فالفرصة قادمة للخاسر أيضًا، لا محالَ، إذا التزمت كافة الأطراف بهذا النهج وتم ترصينه وترسيخه في ثقافة المجتمع. بمعنى آخر، أن التنافس السياسي  بين الأحزاب والكتل، لا يفترض بها أن تتحول إلى صراعات ثنائية واتهامات متبادلة. وكي لا ننسى، أن الانتخابات ليست دومًا محكًّا أكيدًا لتسمية هذا البلد أو ذاك بالبلد الديمقراطي، وذلك بسبب تنصل الفائز في أحيانٍ كثيرة من التزاماته الأخلاقية وحبه التربع على عرش الحكم ما طاب وحلا له حين وصوله إلى السلطة. وهذا ديدنُ السياسيين في الشرق العربي بخاصة، وهذا أيضًا ما تخشاه شعوب المنطقة ومعها نحن أيضًا في العراق، من خطورة انزلاق السياسيين وراء مثل هذا النهج غير الحضاري. وجزءٌ من مشاكل السياسيين في العراق اليوم، يقوم أساسًا على الخوف من انتهاج هذا السلوك.
لماذا رفضُ مبدأ الديمقراطية؟
في بلدان متخلفة في مجتمعاتها عن الركب العالمي المتحضّر، كمنطقة الشرق الأوسط عامة  ومنها في العراق، لا يمكن لمثل هذه البلدان أن تطبق مفهوم الديمقراطية بشكلها الصحيح. والسبب يكمن في طبيعة التكوّن الاجتماعي و التسلط الديني و شيوع العرف العشائري والقبلي، وكذا بسبب الخشية من تطبيق أيّ شيءٍ من جزئيات هذا المفهوم وما قد يترتب على ذلك من مخاطر ومهالك من جانب جهاتٍ متنفذة غير واعية أومن مرجعيات دينية لا تقرّ بقبول شيء اسمه" الديمقراطية" في حياة مجتمعاتها، بحجج واهية منها كونها تجلب المفاسد والفوضى والانفلات، متناسين محاسنها ومفاعيلها في تطوير المجتمعات واستقرارها بسبب من ترسيخها للاستقرار السياسي والاقتصادي وما تفرضه من رقابة على أداء مؤسسات الدولة من الطرف الآخر أي المعارضة. لكن، بحسب بعض الشيوخ والسادة من رجال الدين المسلمين، لا يمكن للإسلام والديمقراطية أن يلتقيا، بل هما يسيران في خطٍ متوازٍ لا مجال للقائهما البتة. وقد قالها على الملأ، صراحة وبكل جرأة متنورون ومثقفون ورجالات دين ودولة، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر كلّ من السيدين المتنورَين أياد جمال الدين وأحمد القبانجي وغيرهما كثيرون. وتُعدّ المواقف المتشددة والرافضة لهذا المبدأ من أساسه، ظاهرة قائمة لا يمكن تجاهلُها، رغم خطورتها على الفرد والمجتمع. فقد طغى ذات الفكر الرافض لهذا المفهوم، حتى على صعيد المؤسسة التشريعية التي تقف اليوم عاجزة عن الردّ أمام المطالبة بتطبيقات شذراتٍ من مبادئ الديمقراطية الوليدة التي صدّرها الغازي الأمريكي ومعه المتحالفون معه من الدول الأوربية. بل إن لغز الخلاف بين المشرّعين يبدأ من البنود الأولى في دستور البلاد الجديد المقرّ في 2005، حيث يجعل من الدين الإسلامي، المصدر الأساس والرئيس له. وهذا وحده كافٍ للحكم على ديمقراطيتنا بالقصور والفشل في أساسها، لأن هذه البنود تضع حدّا لكلِّ ما قد يتناقض أو يتعارض مع أحكام الشريعة، من وجهة نظر دينية صرفة. فما نراه في حياتنا اليومية لا يعدو كونه قشورًا للدعاية، ليس إلاّ. إذن، أين الديمقراطية التي نتبجّح بها من خلال تصفيقنا للمحتلّ الذي نقلنا من حكم دكتاتوري للحزب الواحد والقائد الأوحد، إلى حكم يئنّ تحته الشعب المغلوبُ على أمره تحت حكم ديني إسلاموي واضح؟ فهل نترقب تصحيحًا في سياق هذا المفهوم لينشلنا من نير سلطة تحتكم بأمر المرجعيات في السير قُدُمًا نحو أسلمة المجتمع؟ لكي نعلم، أن مثل هذا النظام،  في جزئياتٍ كبيرة منه سائدًا في العصور الوسطى في أوربا، لغاية أن انتفض الشعب على حكامه المؤتمرين بأمر المراجع الكنسية المتسلطة آنذاك، حتى تمّ التخلص من كلِّ آثاره بثورات ديمقراطية شعبية، هي الأقرب اليوم إلى مضمون المفهوم الصحيح لها في الدول التي تنتمي لهذه القارة. وهذا ما سمح لهذه البلدان أن تتنور وتتمدّن وترتقي بأنظمتها إلى سلّم التطور والتحضّر والتنمية في كل مفاصل حياتها. وما سيل الهجرة المتنامي نحو بلاد الغرب، وإلى أوربا بالذات، إلاّ الدليل القاطع على الإيمان بتطبيق هذه القارة لمفاهيم الديمقراطية الأقرب "وليس الأكمل"، إلى المبادئ الأساسية الأولى التي تشكلت على أسسها، والتي يحلمُ بها كلُّ طالبي الهجرة والساعين إلى الاستقرار وإلى حياة أفضل في دول المهجر.
هل الديمقراطية تعني ما نريد؟
ما نلاحظه، في مؤسساتنا الحكومية والتشريعية، لا يعدو كونه تخبطًا في مفاهيم الديمقراطية التي يتبارى فيها السياسيون بالتصريح بها والتأكيد على تطبيقها في الحياة السياسية والاجتماعية بخاصة. لكنهم، نسوا أو تناسوا ما تقوم به دوائر ومؤسسات وجهات غير منضبطة في صدّ ومحاربة كلّ ما يقترب من ممارساتٍ قريبة من مفهوم الديمقراطية التي حلم بها الشعب العراقي دون أن ينعم بمفاعيلها ونتائجها كاملةً غير منقوصة منذ التغييرات الدراماتيكية في البلد في 2003. وبطبيعة الحال، هذه العناصر ليست تتحرك من ذاتها لتنفيذ مثل هذه الملاحقات غير الحضارية، بل هي تتحرك وفق أوامر وتعليمات من جهات حكومية عليا، أو من أطراف حزبية ودينية متنفذة قد تركتها السلطات تتحرك وفق أجنداتها دون أن تصدّها أو تنهاها للأفعال التي تقوم بها. والدلائل على ذلك كثيرة، تمثلت مؤخرًا بغزواتٍ متتالية ومتزامنة ومنهجية، على مواقع وأماكن اجتماعية وثقافية تتعاطى أدواتٍ تعترف بها الدولة ضمنًا في الدستور الذي صاغه ممثلو الشعب، ومنهم مَن هُم اليومَ في قيادة الدولة. كما أن الدولة العراقية الجديدة، في غيابِ دوائر مؤسساتية رصينة مهنية وفاعلة، لم تستطع احتواء الساعين لإفشال نهج الديمقراطية المصدَّر للبلد، أو في الأقلّ تحجيمهم وتأنيب من يبالغ ويكابر في ردع أدوات الديمقراطية وروّادها من المثقفين وأصحاب الرأي والفنّ والعلم. ولعلّ السبب في كلّ هذا وذاك، غياب مبدأ الفصل الحقيقي بين السلطات السياسية والدين. وهذا وحده كافٍ لنسف أية فكرة أو محاولة لتطبيق مبدأ الديمقراطية على وجه حسن ومقبول أو حتى في المناداة بهذا المفهوم المتحضّر. من هنا، لا يمكننا القول أن الديمقراطية في بلدنا، وفي الشرق عامة، تعني ما نريد ونطمح له. فالإحباط  في سلطة الدولة إذًا، قادمٌ أساسًا من إقحام المفهوم الديني في السياسة، حيث تسعى أطرافٌ مدعومة لتحقيق مبدأ سلطة "الدين والدولة" معًا، في حكم البلاد، تجاوزًا على حقوق الغير من المكونات المختلفة عن دين الأكثرية، التي من حقها وفق شرعة مبادئ حقوق الإنسان التي وقّع عليها عدد من الدول العربية وبضمنها العراق، أن تنعم بكامل الحقوق المواطنية الإنسانية التي تتمتع بها الأكثرية دون تمييز في الدين أو المذهب أو العرق أو القومية أو الفكر أو الانتماء أو اي شيء آخر، وعلى أساس الشراكة في الوطن والانتماء الصادق له وليس لغيره، أرضًا وسماءً وماءً وفكرًا ومحبةً وحرصًا وكفاءة ً ومهنيةً. لكن من المؤسف حقًا، أن تلاقي المكوّنات قليلة العدد (الأقليات) المختلفة عن دين الأكثرية في العراق، إحجامًا  وصدًّا من كتل سياسية تدّعي اصطفافها وتعاطفها مع حقوق هذه الشرائح إعلاميًا، في حين تتعامل مع مطالبها وطموحاتها بشيء من الغرابة والرفض والتصغير حين يتعلق الأمر بمناصب ومشاركة في هيئات وطنية وتأسيسية مثل المفوضية العليا لحقوق الإنسان وتوأمتها المفوضية العليا "المستقلة" للانتخابات وغيرها. إذ كنتُ قد وضعتُ الأخيرة بين معقفتين، لأنها يجدر بها أن تكون مستقلة من اسمها، ولكنْ حتى هذه سُيّست وجُيّرت لصالح الكتل والمكوّنات الكبيرة. وبذلك، تم إهمالُ هذه المكوّنات "الأقليات"، وتهميشها وإقصاؤها بتعمّد ومع سبق الإصرار كلّما استجدّ جديد في العملية السياسية العرجاء. وهذا منافٍ تمامًا، للأسس الديمقراطية التي يجري الحديث عنها في الأوساط الحكومية والسياسية المتنفذة في الدولة. بل، إنّ هذا ما يُلزم هذه الشرائح الصغيرة أن تستنجد بضمائر المنظمات الدولية وتأثيراتها على الساحة العراقية، ومنها "اليونامي" المشرفة على عملية تشكيلها، بعد رفض السلطات الحكومية الاستجابة لمطالبها بأن تكون ممثَلةً في مثل هذه الهيئات جميعًا. وإني أتساءل، إذا كان السياسيون "يدّعون" دعمَهم وحرصَهم بضرورة وجود تمثيلٍ حقيقي ومقبول لأبناء الأقليات في مؤسسات الدولة وهيئاتها كونهم أصلاء في نسيج هذه الأمة، ضمانًا لتأكيد أهمية وجودهم في هذا البلد ودرءً لعدم انجرارهم وراء سيل الهجرة الجارف إلى دول الاغتراب والمجهول، فما الذي أقحمهم برفض المطالب المشروعة بضرورة تمثيلهم في هذه المؤسسات الأساسية في بنية الدولة، وقد أقرّتها المحكمة الاتحادية من جانبها في وقت سابق؟
سؤالٌ يبقى قائمًا للإجابة عليه وتبرير المواقف.

لويس إقليمس
ناشط مدني
بغداد، في 3 تشرين أول 2012
 

73
بين الآشوري والكلداني، ضاع السرياني!

كنتُ قد قرّرتُ عدم الكتابة أو الردّ على كلّ ما يُكتبُ عن شيء اسمُه التسمية القومية لما يٌسمّى بشعبنا الواحد، باعتبارها أزمة مستفحلة بين أقطاب ترفض غيرَها على الساحة أو أقلّ ما يمكن أن يُقال، أنها تستصغر غيرها ولا تستسيغ أن يكون لغيرها شأنٌ في كعكة المحاصصة التي شملتنا بعدواها نحن أيضًا. ولِما لا؟ ألسنا جزءًا من نسيج هذا الشعب الذي تحكمه إقطاعيات المحاصصة في كلّ شيء؟
 ولكن، عبثًا يحاول بعض كتابنا المسيحيين، ممّن أُصيبوا بزكام الادّعاء المطلق لأحقيتهم بتسمية قومية معينة يحبسونها لهم في الذهن ويريدون فرضها على غيرهم، والعمل على إثارة هذا الموضوع المحيّر بين الفينة والأخرى، رغم أن عصر القوميات قد انتهى في البلدان المتحضرة.
وعجبًا، على بعض كتابنا، ممّن ركبوا موجة هذا الادعاء، في مناسبة وبدون مناسبة، في محاولة بعضهم التهجم أحيانًا على كلّ من لا يعترف لهم بهذه التسمية "الإشكالية" القائمة بين مختلف الطوائف المسيحية.
وعتبًا، على مثقفينا من الانجرار وراء هذا الصراع غير المجدي بين المتخاصمين على لا شيء، سوى آثارِ شيء من الحنين لأثيرٍ انتمائيٍّ لشيء اسمُه القومية تثيره هذه الطائفة أو تلك، تاركين أمر المستقبل المسيحي"كمكوّن دينيّ أصيل في نسيج الشعب العراقي قبل كلّ شيء، في مهبّ الريح"، رغم كونه أهمّ من أيّ تمسّك ب"الديدن القومي". فخبرة السنوات العشر المنصرمة من الوضع الجديد الذي خلقه التغيير الدراماتيكي في العراق، علّمتنا أن التشبث بهذه القشّة، لم يعد فاعلاً ومؤثرًا، بعد تزايد الضغوط على المكونات الإثنية والدينية الأصيلة التي أحالها الزمن العاثر إلى طوائف قليلة العدد ومستضعفة، في محاولة لتحجيمها وصهرها، بما فيها المكوّن المسيحي. (وما الغزوة الأخيرة على النوادي الثقافية والاجتماعية، والمسيحية المقصودة منها بخاصة، خير دليل على استهداف بقاء المسيحية والمسيحيين في العراق.)
إنه صراعٌ محتدم تحت الرماد، يثور بين فترة وأخرى، أو بالأحرى يثيره مشاكسون من طرفي المعادلة المتخاصمين، سواءً من الطائفة الكلدانية أو الآشورية، وفي أواره يضيع في كلّ مرّة، إسمُ "السريان". فبعد أن حرَمَ الدستور الجديد، مكوّنَ السريان من تثبيت تسميتهم إلى جانب الكلدان والآشوريين، لعدم وجود ممثل لهم في البرلمان آنذاك، في نسخته الأولى، وبالرغم من اعتراضنا ومطالبتنا بإنصافنا في حينها، إلاّ أن كلام بيلاطس كان الاٌقوى " ما كتبتُه، فقد كتبتُه"، رغم أن تسمية "السريان"، كمكوّن قوميّ، كان سيجمع جميع المسيحيين المشرقيين على اختلاف طوائفهم، استناداً للغة "السريانية" التي يفتخر الجميع بالتحدث بها. فالشعوب كما نعلم، تُسمّى على تسمية اللغة التي يتحدثون بها، كما العرب للعربية، والفرس للفارسية والأتراك للتركية والفرنسيين للفرنسية والألمان للألمانية وهكذا. ومن هنا، لم نسمع بلغة تسمى الآشورية أو الكلدانية، بل بطوائف تنتمي إلى كنائس آشورية وكلدانية وسريانية، تتحدث اللغة السريانية المشتقة من الآرامية التي تحدث بها السيد المسيح في بلاد اليهودية والسامرة. وهي ذات اللغة التي كانت قائمة في أطراف الجزيرة العربية وبلاد الشام وشنعار (العراق) وبلاد فارس التي اتخذها ملوكها لغة رسمية في التعاملات البروتوكولية لفترة طويلة ومناطق أخرى... إلاّ أن التحسس من هذه التسمية لدى نفرٍ متعصّب ركبته موجة إثارة النعرات والمشاكل بين الطوائف، قد حالت دون تحقيق هذا الأمل. وأنا أعتقد جازمًا، لو أن هذه التسمية كانت قد أُقرّت في حينها، في هذا الدستور "الأعرج"، لكانت حلّت تلك الإشكالية من وقتها، ولكنّا بوحدتنا، فرضنا وجودنا المسيحي "السرياني المشرقي"  على أصحاب القرار وقطعنا الطريق أمام المتصيّدين بالماء العكر والمتعصبين، بإثارة هذه المشكلة "الأزمة" من قبل من يدّعون أنهم شعبٌ واحد، ولكن، عندما تُتاح  لهم فسحةٌ فائضةٌ من الرياح العكرة، تظهر منهم رؤوسٌ طافية من جديد، لتلعن هذا وتكذّب ذاك وتعتب على آخر.
قرأتُ مؤخرً، ما كتبه بعض "مثقفينا" من رواد المواقع الالكترونية، وبالذات موقع "عنكاوة"، عن فكرة إقامة "مؤتمر قوميّ" لأبناء شعبنا المسيحي، وعن كيفية تشكيل الهيئة التحضيرية وتوجيه الدعوات ونوعية المدعوّين والجهة المتكفلة بالمصاريف وتهيئة قرارات وتوصيات مسبقة ولمن ينبغي الإطراء والمديح وما إلى ذلك. وفي معظم هذه المداخلات والكتابات، لم ألحظ إشارة إلى مكوّن السريان، أؤكد "مكوّن السريان"، بعد أن غيّبه هذا البعض في نقاشاتهم وسجالاتهم وخصاماتهم الميتافيزيقية العقيمة. ولعدم ورود ردّ من أبناء هذا المكوّن لغاية الساعة، أرى لزامًا عليّ أن أدلو بدلوي، رغم أنه قد لا يعجب البعض. ولكنه قولٌ لا بدَّ منه.
أقول، إن الاحتفاظ بالاستقلالية أو الانفصال عن أيّ تجمّع، أمرٌ مكفولٌ وقائمٌ، لا يمكن إنكارُه، مهما كانت الظروف والوسائل والآليات لأنه ببساطة حق تكفله ديمقراطية آخر الأزمنة. وإنّي أرى أن من يسعى إلى ذلك، لا يمكنه بعد كلّ هذا وذاك، أن يتحدث عن شيء اسمُه الحوار، لأنه يكون قد حسم أمره بالانحياز إلى التكوين الجديد "المستحدث" الذي يدعو له منذ انطلاقة الأحداث بعد أول مؤتمر قومي حققه أبناء شعبنا في عام 2004. وهؤلاء الذين حسموا أمرهم من "المكوّن الكلداني"، استندوا في جزءٍ من ذلك الادّعاء، إلى مبدأ الأكثرية التي يشكلها أبناء هذه الطائفة بالتحديد وإلى انتماءات تاريخية غير مقنعة، مقارنة بالمقابل، مع إصرار الجانب "الآشوري "على اعتماد "الآشورية" في التسمية القومية لهم وفرضها على عموم المسيحيين، ضمن أجندة خيالية بعيدة الرؤية ترنو لإعادة إحياء أمجاد "بلاد آشور" ومجدها، (رغم أنّي أرى أن لا أحد نقيٌّ اليومَ، في أصله وقوميته ودينه وعشيرته)!. إذن، ما هو الجديد في توقعات هذه الشريحة من الانفصاليين الذين يمنّون النفس بالمشاركة في مؤتمر "قومي" مقترح للطوائف المسيحية في الأشهر القليلة القادمة؟ هل هو للتملّق والتقرّب من مصادر قرار معروفة، لها باعٌ في توزيع امتيازاتٍ في حكومة الإقليم بالتحديد؟ أم لذرّ الرماد في العيون، والتباري في الادّعاء بوحدة الشعب المسيحي بكل طوائفه، رغم أن مثل هذه التحرّكات وغيرها، خيرُ دليلٍ على تفتيت وحدة هذا الشعب؟
الجميع يعترف بمهزلة "التسمية القطارية" التي اعتُمدت من جهة متنفذة سياسيًا وماديًا، لتلافي خصامات وخلافات قائمة ولتحقيق أجندة مرحلية. لكنها ليست "مطهّرة" ولن تكون "مقدسة "محظورٌ المساس بها. فمتى ما أنجز عرّابُها المهمةَ، تداعت واستبدلت بشيء حديث يلائم المرحلة اللاحقة. وإني أتفق مع الأخ كاتب المقال الداعي  "ما يُسمّى بتجمع التنظيمات السياسية لشعبنا بشأن عقد مؤتمر قومي خلال الأشهر القادمة، من أن هذه المناسبة ستكون فرصة ذهبية للتصافي والحوار آخذين بنظر الاعتبار مصلحة شعبنا من الكلدان والسريان والآشوريين" (اقتباس). لكني أختلف معه في النيات، إذ إنه هو ومن وافقه في الرأي والطرح المتداول على الفضائيات والمواقع الالكترونية، قد حسموا أمرهم، كما أسلفتُ، بدعم من اللوبي الأمريكي، صاحب فكرة الادّعاء المطلق بالأحقية بالتسمية "الكلدانية"، والمحرّض الدائم لهذا التوجه. فما النفع من وراء هذا الطرح الجديد، وقد حكمتم على هذا المؤتمر مسبقًا بسيناريو الفشل والتواطؤ والاصطفاف الإعلامي المدبّر ووووو. ثم يعود الأخ صاحب المقال، ليقترح "فتح باب الحوار مرة أخرى وكذا فتح باب التحدث والتعبير عن الرأي بكل حرية لكل الأطراف، مشيرًا إلى منح وقت كافٍ لمن يعتبرون أنفسهم آشوريين، مع منح نفس المساحة من الحرية للتحدث لمن يفتخر بقوميته الكلدانية". هنا ينتهي الاقتباس، لأتساءل: أين دور السريان في هذه الأبواب من التحدث والتعبير بحرية؟ أم إن صاحب المقال، قد شملته عدوى تهميش الغير واستباحة حقهم بهدف صهرهم في التسميتين المتصارعتين على الهواء الطلق بعد أن سبق تواطؤ الطرفين  المتخاصمين على إسقاط السريان من تسمية المكوّن المسيحي في دستور 2005 ولم يحاولوا ترميم تلك الغلطة لغاية الساعة. ويذهب كاتب المقال في "تشريحه"؛ حينما يقدّم مقترحاته مرة أخرى بكيفية "عقد المؤتمر وتوجيه الدعوات ورفع العلمين الكلداني والآشوري" حصرًا، دون السريان، وكأنه لا وجود لهم أمام عينيه. ما هكذا تُساق الإبلُ، يا خصمَ الآشورية والآشوريين ومتجاهلَ أمر السريان عمدًا ومع سبق الإصرار.
إن من يتهم خصمه بالعنصرية الإقصائية، نجده أمام ذات الفكر الإقصائي، في إسقاطه تسمية "السريان"، التي يتحسس منها نفرٌ من الطائفتين، كما قالها صراحة أحد رعاة هذا الفكر الإقصائي، القابع في أميركا وعرّاب دعاة القومية الكلدانية "المستحدثة" قبل مرحلة كتابة الدستور آنذاك بقوله: أنا لا أريد أن أسمع بشيء إسمُهُ (س ر ي ا ن ). ولنا شهودٌ في ذلك، حينما كنّا نمثل "المجلس الكلدو- الآشوري السرياني القومي"، رحمه الله (انتهى دوره في صيف 2007)!. وكلُّنا نعلم اللعبة التي خُطِطَ لها لتشكيل ما يُسمّى ب"المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري" فيما بعد، والذي بُني أساسًا على أنقاض الأول، والدور الذي لعبه منشقون مغرضون عن الأول من كلتا الطائفتين من أجل إلغائه وإفشاله لتنفيذ أجندة سياسية معروفة للجميع.
إنّي، في الوقت الذي أعتذر فيه عن بعض الشدّة في هذه المداخلة، ولو مرغمًا، في "غياب فكر دفاعيٍّ سرياني حريص" في هذه اللعبة غير المستساغة، أدعو الجميع للتراجع عن كلّ تشدّد وتمسّك بالرأي وترك موضوعة "التسمية" التي لم ولن تنفع، جانبًا، بقدر ما ستعمل على زيادة الطين بلّة في فرض الانقسام والتشرذم والتخوين. وليسمّي كلّ متحذلق ما شاء في شكل وأصل قوميته التي يختارها. ولكن، ليكن شعارُنا للمرحلة القادمة مسيحيًا بنّاءً، موحدًا، مخلصًا ومساهمًا في كيفية رصّ صفوف الشعب المسيحي، بكل طوائفه، والتمسك السياسيّ به كمكوّن "دينيّ" مؤثر وأصيل، على الأقلّ في المرحلة الراهنة. وهذا وحده كفيل بلمّ اللحمة وفرض الحقوق "الدينية والقومية" معًا، باعتبار المسيحية ثاني ديانة معترف بها في دساتير الدولة كلها. ولنعزّز مثل هذا الاعتراف في الدستور الحديث مع محاولة إجراء التعديلات الممكنة على عدد من بنوده، وهي كثيرة لو صدقت النيات، بجهود نوابنا في البرلمان وأصدقائنا في اللجان البرلمانية وفي الدولة، وبالتعاون الدائم مع منظمات المجتمع المدني وأحزابنا القومية ومؤسساتنا الكنسية عبر مجالسها الأسقفية الموقرة.
لويس إقليمس
بغداد، في 09 أيلول 2012



74
بخديدا البهاء والشموخ: دمتِ ذخرًا وعشت فخرًا وترعرعتِ دهرًا


هي هي "بخديدا "(قرقوش)، علت في سماء العزّ منذ انتصابها وازدهت ببهاء كنائسها وإيمان أبنائها ذخرًا برائحة المسك والطيب والكرم الأوفر، وزادها فخرًا، أصالةُ العديد من رجالاتها منذ نشأتها، ممّن صانوا كبرياءها وتراثها وتقاليدها، فظلّوا سادتها وقدوة لأبنائها لأنهم ببساطة ظلوا كالطود الصلد الباسق، لم يرضخوا ولم يخنعوا ولم تخر قواهم أمام مغريات الدهر أو مصائب الزمن ونكباته.
"بخديدا" بعمرها، لم تركن ولم تركع ولم تستسلم إلاّ لإرادة خالقها وحامية سمائها وأرضها شفيعتها العذراء مريم الطاهرة التي تزدهي باسمها كبرى كنائسها، رغم محاولات كثيرة لتركيعها واستباحتها. قد تكون ضعفت في أوقات صعبة أمام تحديات فاقت قدرتها، لكنها ظلّت منتصبة القامة، راسخة في إيمانها، أمينة في رسالتها، ناضجة بأفكارها، رائقة بمثقفيها، شامخة بكبريائها، فاخرة بشبابها وبناتها، عامرة بكنائسها ورجالاتها ورهبانها وراهباتها، "تُنتج منهم وتصدّر" ما لم تستطع أية بلدة أخرى، ليس في الوطن والمنطقة فحسب، بل ربما في العالم منذ نشأتها ولغاية الساعة. كيف لا، وبها ولها وفيها الكثير ممّا كان يعشقه الطيرُ والقطى والحمام وذاك اللقلق الأمين الذي كان يصطفي فيها كل عام، إلى جانب أشكال أخرى من طيور السماء التي اختفت مأسوفًا على زياراتها الموسمية منذ نشأة هذه البلدة العريقة. وبالمناسبة، إنّي لأشعر بالأسى، كلّما تذكرتُ ذلك "اللقلق الأمينِ" الذي كان يحطّ صيفًا، على المجرسة القديمة لأقدم كنيسة في البلدة ويقيم عشه على قمتها ليغادرها بعد فترة حضانة محسوبة،  ومعه أجيالٌ جديدة من صنوه بعد أن يكون قد تبارك بخيرات وبركات المصلين المتواترة على أصوات الناقوس الضخم آنذاك. لقد غادرها ذلك "اللقلق الأمين" إلى غير رجعة، مرغمًا في بداية السبعينات من القرن الماضي، بسبب اتخاذ قرارٍ آنذاك بتهديم ذلك الشاهد الباسق بحجة الحداثة في التشييد والعمارة. وما زال في ذكرياتي شيءٌ من ذلك كلما ولجتُ الحوش الخارجي الأيمن من كنيسة الطاهرة الكبرى، حيث ما لا أنساه مرّة وأنا أجرّب دق الناقوس عصرًا، بعد استئذان ساعور الكنيسة- رحمه الله آنذاك- عندما رفعني الحبل الغليظ مسافةً إلى أعلى، فزادني المنظرُ رعبُا، وأنا أتطلّع كيف تتحرك تلك العتلة لتقرع الناقوس وتسمع صوته الذي كان يطال القرية كلها وينبهها لوقت الصلاة أو لمناسبة ما وبحسب نوع الدقات التي كان يقصدها القارع!
على أية حالٍ، هذه حال الأيام، لا شيء يدوم ولا أحد يتأبّد، وحده الخالق هو الباقي. أما نحن وغيرنا، فلنا بلتأكيد، موعد مع من سبقنا إلى الديار الأخرى متى آن الأوان.
"بخديدا" كانت وستبقى نموذج البلدات المسيحية الشاهدة بإيمانها، وتراثها، وتقاليدها، وكرمها، ومطبخها العامر، وجزيل غلاّتها، وحبّها، واحترامها لكلّ قاصديها، أيًّا كانوا ومن أينما جاءوا. كما أنها ستبقى قبلة السريان دون منازع، ومنارة تشع حبًا وحيوية وتجدّدًا لمن يريد الارتواء من مناهلها العذبة والاستفادة من واقعها التقليدي والديني والاجتماعي بكل حيويته، وما أكثرها!
"بخديدا"، هي أمّ الكنائس والأخويات والأديرة، منها الطاهرة القديمة والطاهرة الكبرى ومار يوحنا الديلمي ومار كوركيس ومارت شموني ومار يعقوب ومار سركيس وباكوس ومارزينا ودير مار ناقورتايا ومار قرياقوس دون نسيان دير مار بهنام التابع لها جغرافيًا، علاوة على ما أُضيف وسيُضاف إليها من كنائس جديدة، بعونه الله راعيها، وبحماية السيدة العذراء، شفيعتها.
"بخديدا"،هي اليوم، الحلقة الجميلة المنتخبة في لقاءات رجالات الكنائس وأنشطة شبيبتها الحيوية العديدة المتنامية. وهي الضيعة الهادئة لمن يبحث عن واحة وفرصة للراحة والأمان ونفض غبار تعب العمر وشقاء الأيام في الغربة والهرب من منغصات أعمال الإرهاب والتكفير والتهجير الممنهج. وهي الحاضنة لكل ثقافة وفن وعلم وإبداعٍ بمختلف أشكالها وألوانها وتوجهاتها. كما أنها الترعة التي تستقي من كلّ جديد وحديث دون إماطة اللثام عن قديمها الجميل الذي يبقى زهيا ملهمًا لكلّ هذا وذاك، رغم اختلاط الأمور في أحدث سنواتها بالخوف من توشيحها ما لا يليق بها بل ويشّذها ويبعدها عن صيانة ديمغرافيتها وجغرافيتها وتاريخها ضمن الوطن الأمّ. ولنا في ذلك موعد!
"بخديدا" اليوم بأروع حلّتها، عروسٌ عامرةٌ بالفرح والإيمان، وأيضًا بالرجاء بصحوة جديدة تحيي فيها غيرة من صانوها في عهود السواد والظلام والقهر والغدر، وهي ليست مستثنى من هجمة بل من هجماتٍ شرسة قادمة قد تقصف هامتها بغفلة من المتلاعبين الجدد بمصيرها والمزايدين على مستقبلها لأجل مغريات تافهة لن تدوم، إذا لم يحسنوا التصرف ويعملوا الحكمة في اتخاذ ما ينبغي، فيما لو استجدّت أحداث، وهي غير بعيدة في الأفق!
"بخديدا"، هذه الأيام، طغت عليها سعادة الإنعامات البطريركية الجزيلة بالجملة، أدام الله مبتكرها وأعزّه للأصلح والأولى منها، وبما يعزّز مكانتها واستقلاليتها ووحدتها مع باقي نسيج الوطن الأم. فهنيئًا للقساوسة الذين تطرّزت حللهم  بألوان قرمزية  وحمراء زاهية، يعلوها لمزيدٍ من الأبهة صليبٌ، هو في واقعه ومفهومه ليس علامة تبختر أو تيه، بقدر ما يعني زيادة حملٍ ثقيلٍ آخر من الوفاء والمحبة والإنصاف والبذل والعطاء والتواضع والخدمة المجانية، على كاهلِ من يحمله، فهل من معتبر!
"بخديدا" هذه الأيام تفخر بلا اغترار، بزيادة كنائسها بوضع حجر الأساس لكنيسة جديدة تحمل اسم مار يوسف، تحتاجها البلدة كي تضيف دليلًا آخر على أصالتها في الإيمان و برسالتها المسيحية والسريانية بخاصة، ليس في المنطقة فحسب، بل على صعيد البلاد والشرق أيضًا. لقد أصبحت قبلة الباحثين والمتشوّقين لتراثٍ مسيحي سريانيٍّ ولبقايا إيمان ووجودٍ مسيحي زاخرٍ ومتجدّد بسببٍ من موقعها وثقل وزنها وتعاظمِ أعداد مؤمنيها وممّن يقصدها لمزيد من الأمن والأمان وراحة النفس والبال.
و"بخديدا"، سبق وأن احتفلت في سنوات عجاف بمشاريع عملاقة على صعيد البلاد والمنطقة، وهي اليوم تحتفل بافتتاح قاعة جميلة جديدة للمناسبات، يعود فيها الفضل لهمّة عالية لواحد من رجالاتها القديرين من الذين كنا دائمًا نصبو منهم بقاءهم أنقياء اليد والجلباب والغيرة دون مسايرة أو معايرة أو مغايرة يُشمّ منها رائحة غير مقبولة على صعيد وحدة الهدف والوطن ومصلحة عموم المكوّن المسيحي.  نأمل دومًا، أن تبقى هذه البلدة العريقة، أحد المراكز الوطنية المسيحية المهمة التي يُحتذى بها وقبلة  ومأوى لكلِّ محبيها وعاشقيها وليس الطامعين بها. إني أعتقد، أن مثل هذه الهمّة العالية مطلوبة ومرحبٌ بها هذه الأيام أكثر من غيرها، من أجل الحدّ من أيّة تجاوزات أو أطماعٍ - على اختلاف مصادرها وأشكالها وتوجهاتها- على حقوق أبناء المنطقة عامة، والبلدات المسيحية فيها بخاصة. هذه الهمّة المشكورة، التي يُشار إليها بالبنان، من الأجدر بحاملها أن تبقيه رصين النفس والفكر والهدف، جامعًا لا مفرِّقًا، موحِّدًا لا مجزِّئًا، حاميًا لا مفرِّطًا، محبًا غير حاقد، عطوفًا غير غاضب، متواضعًا لا متجبرًا ملوّحًا بالنصر ولو مظلومًا،  متفتحًا غير منغلق، مسايرًا ومحاورًا مع الكلّ ولأجل الكلّ ولمصلحة الكلّ، حتى مع من قد يختلف معه في الفكر والرأي والتوجه. فالإختلاف، مهما حصل ودام لا يفسد في الودّ قضية، ولا ينبغي تحوّله إلى خلاف وشقاق وعناد، قد يعمي البصر والبصيرة! وليعلم هذا وذاك، أن هناك أيضًا، من يعمل في الخفاء لمصلحة هذه البلدة الطيبة، دون واجهة أو تحفيزٍ مادّي أو إعلام مأجور، إلاّ من غيرة شخصية تطوّعية، يسعى فيها وبها إلى تحسين صورة البلدة وأهلها الطيبين وجعلها في عداد الحاضرات المهمّات والجميلات على الأصعدة كافة، ودون مقابل.
وفي الختام، أقول عندما يشعر الفرد بغيرة البيت تأكلهُ، حينئذٍ ينطلق وفي مخيلته بناء ذلك البيت على أسس متينة وصخرة قوية ووفق طرازٍ مقبول من الساكنين والمتفرجين والجيران على السواء، لا على رمل الأحلام الفارغة والوعود الوردية التي لا يُجتنى منها غير الجلبة والهيصة والفرقعة الفارغة التي لا تدوم. وبلدة "بخديدا"، بسبب هذا وذاك، هي اليوم في مفترق طرق بسبب تجاذبات سياسية طامعة في موقعها وفي أهلها ومستقبلها. ولئن كنتُ من الداعين بشدّة إلى الاحتفاظ بتراثنا "الباخديدي" الثري وتقاليدنا الرائعة في بساطة الحياة وتعقّدها على السواء، وإلى أرّخة أزقتنا القديمة وما تبقى من بيوتاتها المتهالكة، وإلى الالتزام الأخلاقي بلهجتنا السريانية التي قهرتها العربية بقوة تداخلها وبسبب من ضعف التزام المتحدثين بمفرداتها السريانية الأصيلة وعلى رأسهم رجال الكنيسة، إلاّ أني أخشى ضياع كل هذه الآمال والأحلام والتمنيات في غفلة من الزمن وفي لحظة قد تتصادم فيها الحضارات والإثنيات والقوميات والأديان والمذاهب داخل الوطن، لتتيه في دهاليز السياسة والسياسيين الطامعين من جميع المكونات والملل والإثنيات، من الذين لا همّ لهم سوى تسخير مآثر هذه البلدة وطاقاتها ونقاط قوتها وطيبة أهلها وأصالتهم، وتجيير ذلك كلٌ لحسابه ولمصلحته ومنفعة كيانه. والغد لناظره قريب!

لويس إقليمس
ناشط مدني
بغداد، في 20 آب 2012

75
هل من صحوة مسيحية جديدة في العراق؟

قد يسأل سائل: لماذا هذا الإصرار من قبل الحكام الجدد في العراق، الذين نصّبهم الغازي الأمريكي بالتنسيق مع البلدان الأوربية "العجوز"، المحسوبة ظلمًا على المسيحية، لماذا إصرارهم المعتاد على تجاهل وتهميش  الحقوق المواطنية الكاملة غير المنقوصة للمكوّن المسيحي بجميع طقوسه وطوائفه ومشايخه ومعهم سائر الأقليات الأخرى؟ أو بالأحرى، لماذا هذا التهميش المنهجي المتعمّد  لهم ماضٍ قدمًا ودون هوادة، غير مبالٍ بالأصوات الشعبية والوطنية الصارخة التي تطالب بإنهاء مرحلة المحاصصة المقيتة التي بسببها، صارت المكونات القليلة العدد، أي الأقليات، ضحية وفريسة لأطماع القوميات والكتل الكبيرة التي لم تكن تحلم ولو بجزء يسيرٍ ممّا نالته من مكاسب طائفية وعرقية ومذهبية بدعمٍ وتشجيع من الغازي الأمريكي البغيض. كلَّ يوم نسمع ونطّلع ونشاهد مسرحيات إعلامية وخطب رنّانة من كل الفئات والأحزاب ومن مختلف أشكال الرجال وأشباههم، ومن النساء السافرات والمعمّمات على السواء، من الذين ألقت بهم الأقدار الطائشة في الحكم، وهم ينددون علنًا، بمبدأ المحاصصة الطائفية ويلعنون مخططيها ومشجعيها والقائمين عليها، ولكنهم في الواقع، هم من أشدّ المطالبين بتثبيتها في كلّ مناسبة يشعرون فيها باهتزاز مصالحهم في حالة تركها وإلغائها، بسبب من توجّسهم من فقدان ما قد تدرّ عليهم، مذهبًا وطائفةً وكتلةً وعشيرةً ومصلحةً شخصيةً، من أرباح ومنافع، عندما يحسبونها بهذه الطريقة وبشيء غريبٍ من الدقة المتناهية.
محاصصة في كلّ شيء، حتى العظم
 أليس معيبًا، أن تنزل الأطماع الطائفية والمذهبية أخيرًا، حتى على عملية اختيار طيارين لمقاتلات F 16، التي تنوي الحكومة تجهيز قوتنا الجوية بها، وهي التي تهالكت بسبب الإهمال في الجانب التسليحي والدفاعي للبلد وبسبب التجاذبات العقيمة فيما بينها؟ ألا ينبغي أن يعتمد مثل هذا البرنامج الوطني العسكري، معايير عديدة في اللياقة والذكاء والدهاء والكفاءة والعلمية؟ أما الحدث الآخر الذي لا يقلّ في تمريره المستهجن وبشيء من التجاهل والتهاون، فقد كان في عملية اختيار أعضاء المفوضية العليا للانتخابات وبإمكانية الذهاب إلى زيادة عدد أعضائها، كي تشمل ممثلين عن مكوّنات وكتل مستبعدة عن هذا الجهاز المفترض أن يكون أعضاؤه من الفنيين والمختصين وليس ممثلي كيانات وكتل متنفذة بفعل المحاصصة. لذا كان التلكؤ في تلبية هذا الطلب المشروع وحصل التأجيل في النظر بالمقترح، بسبب خلافات سياسية لكتل تريد الاستئثار بها والاستحواذ على نوافذها، كلّ لصالحها. لقد أظهر المثلّث المتنفذ في الحكم في هذه النافذة، معدنه الحقيقي حين رفضه زيادة أعضاء المفوضية ليشمل فئات ومكوّنات مهمّشة لا يريدون لها أن تتنفس من هواء الوطن، رغم أصالتها في الوطنية والحضارة وكفاءتها في العمل والعلم والمعرفة. فراحوا يخنقونها في رؤياها ويشددون من قبضتهم على تحرّكاتها ومطالبها الوطنية، بغية بقاء هذه المكوّنات الصغيرة "الأقليات"، تحت رحمتها وأسيرة حاجاتها، كي لا تفضح فعالهم المشبوهة وتصرفاتهم غير المشروعة، رغم إقرار الدستور، على ما فيه من مثالب وعيوب، بحقوق جميع المواطنين على السواء. وقد تزامن هذان الحدثان، مع فعل آخر لممثلي الشعب في مجلس النواب العراقي حين أصرّ مجلس النواب على تقويض الديمقراطية الفتية في البلاد بخرق الدستور، من خلال التعديل المجحف لقانون انتخاب مجالس المحافظات والأقضية والنواحي، الذي كرّس إصراره السابق بأحقية الكتل الكبيرة الأقوى في الحصول على المقاعد الشاغرة إن وجدت. وهذا انتهاك فاضح لحق الناخبين في اختيار ممثليهم، كما أنه سرقة مكشوفة لصوت الناخب الذي يتجشم عناء السفر والتنقل متكبدًا المخاطر من أجل تعزيز خطوات الديمقراطية المتعثرة بسبب تدخلات الكتل الكبيرة.
كلّ شيء لمصلحة الكيانات الكبيرة
كلّ شيء اليوم، وفي ظلّ مفردات الكتل الحاكمة، ينبغي أن يوجه وينطلق من مصلحة هذه الكتل وهذه الكيانات التي تصرُّ على الاستحواذ على كلّ شيء، وهي لا شيء مفيدٌ لديها لتعطيه لما تبقى من شعب العراق الذليل. فإذا كان سياسيونا قد ارتأوا النزول إلى هذا الدرك السفلي من التعامل بالوطن والمواطنة، فليُقرأ السلام على "سنعار" (عراق) الحضارة والريادة والعظمة، هذا إن بقي فيه يسيرٌ من تلك القيم التي مازلنا متشبثين بها ونعلّل النفس بالبقاء من أجلها في هذا البد الذي يأبى الوطنيون الأصلاء ومحبّوه الحقيقيون مغادرته وتركه فريسة بيد ذئاب مفترسة تريد أن تأكل الأخضر واليابس وألاّ تبقي من أرضه ونفطه ومياهه وهوائه ما قد يجد فيه سكانه الأصليون من مأوى وملاذ آمن ومن خيرات وفيرة يتم نهبها في عزّ النهار. إذا كان السياسيون الجدد يرومون حقًا، تطوير النظام الديمقراطي الذي صدّره الغازي الأمريكي للعراق، فما عليهم إلاّ ممارسة هذه اللعبة بنزاهة وبروح رياضية وبإباء وطني واضح لا لبس فيه، كي ينعم البلد وأهله بفوائدها ومفاعيلها والغايات التي تطلبت تغيير النظام الشمولي الدكتاتوري السابق، بحسب ادعائهم، وإلاّ كانت تلك لعبة قذرة، سيدينهم الخالق عليها ويحاسب كلّ من فرّط بسلام العراق وخيراته وحقوق أهله ومسيرتهم الحضارية عبر السنين الغوابر رغم آلامها ومنغصاتها.
دوائر الدولة إقطاعيات محرّمة
عندما تعالت أصوات النواب الشرفاء الذين نطقوا باسم ناخبيهم واعترضوا على التدخل السافر من قبل عدد من العناصر المتنفذة في الحكومة وفي الجهاز التشريعي على مسألة اختيار طياري المقتلات F16، ربما قامت عليهم القيامة حينذاك واتهموا بموالاة "النظام البعثي البائد"، أو بالعنصرية والتمييز لجهة دون أخرى. وربما ذهب البعض لإلصاق تهمة عربية وإسلامية معتادة، بإمكانية ارتباط هؤلاء المعترضين،  بالصهيونية العالمية والموساد التي تكون – حسب الرؤية المريضة الدائمة للبعض في المنطقة- على علاقة بهؤلاء الطيارين المختارين وبالقادة الذين اختاروهم ليكونوا صقورًا ونسورًا شجعانًا وحقيقيين لبلدهم الذي تنهشه أطماع من يحكمه بلا حكمة ولا دراية ولا خطة ولا عدل. فلا القضاء عادل ومستقل، ولا العسكر محترف وجاهز، ولا الشرطة كفء ومتأهبة، ولا دوائر الدولة تنمّ عن مؤسسات وطنية تعمل بضمير حي، ولا القادة والكتل السياسية التي تدّعي الشرعية في الحكم قادرة على توفير مقومات الأمن والأمان وأبسط الخدمات، بعد تدمير ما كان قائمًا أصلاً، بحجج واهية لا ترقى إلى أبسط أصول القناعة لدى المواطن العراقي الذي تنبه ووعى للفساد والصفقات المشبوهة التي يتمّ تمريرها في دوائر الدولة المختلفة ووزاراتها، لصالح مكوّنات وأطياف طائفية درّت عليهم مليارات الدولارات التي تكدست بها مصارف عالمية. هذا، بحسب وكالة أمريكية ومعلومات سرّبتها سفارتهم في بغداد، عندما تحدثت عن حسابات مصرفية ضخمة تتزايد باضطراد لمسؤولين عراقيين في الحكم. ألم تستعر نيرانُ الكتل السياسية حين تشكيل الحكومة الأخيرة ليبحث كلّ فريق عن ضالته عبر وزارة أو هيئة أو دائرة كي يقتنص منها ما يمكنه طيلة نفاذية ولاية الحكومة؟ وكأن  وزارات الدولة ومؤسساتها، أصبحت قطاعات مستقطعة للفريق الذي يتولاها، فينهش منها ما استطاع من "كوميسيونات" وحصص بنسب مئوية من كل عقد محال فيها. وبطبيعة الحال، هذه العقود قلّما تخرج عن نطاق المعارف والمقربين من الكتل والأحزاب التي تتولى تلك الوزارات.

تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ
وتأتي الخطوة الأخيرة بالإنعام على المكوّن التركماني لينضمّ إلى صفوف القوميتين الكبيرتين، بكل امتيازاتها  وحقوقها في الدستور والقوانين الوضعية والمستحدثة، ليزيد من شكوك الأقليات، ولاسيّما المكوّن المسيحي، بالوعي إلى ما يمكن أن يكون وراء هذه الخطوة من مؤامرة وصفقات ضدّ هذا المكوّن من جانب المثلّث  الحاكم، وقد تكشفه الأيام القادمة. إن مثل هذه الخطوة الخطيرة، إنما القصد منها تقسيم المكونات الأخرى المعرّضة للخطر، أي "الأقليات"، ومحاولة إضعاف قوتها وطاقاتها الوطنية والإثنية، من خلال تشظيتها لتصبّ في خانة تقسيم المقسم أصلاً وتفتيت ما تكتنزه هذه من طاقات، لترضى في النهاية بالطاعة والولاء لأحد الأطراف الذي سينصّب نفسه وليًا ووصيًا عليها بمباركة من القوى الخارجية، وعلى رأسها الغازي الأمريكي وتابعوه من الحكومات الأوربية المتتالية على الحكم، من الذين فقد سياسيوها كلّ أدوات الدّين وحتى الأخلاق الإنسانية واستبدلوها بكلّ ما هو مادّي وترفيهي من ترّهات المادة والجنس والميوعة والإباحية  المستحكمة في بلدانهم. إن هذا الإجراء الجديد، رغم إيماننا المطلق بقوة المكوّن التركماني وأحقيته في استعادة دوره الوطني والإثني كقوة بشرية مهمة في مسيرة الديمقراطية في العراق، ولاسيّما في مواقع تواجده التاريخية، ومنها كركوك وتوابعها بصورة خاصة، من شأنه بالمقابل، أن يشقّ مطالب باقي المكونات التي شاءت الأقدار أن تتناقص بفعل الأحداث المأساوية التي شهدتها الساحة العراقية ولاسيّما المكوّن المسيحي الذي تعرّض أكثر من غيره لتطهير ديني بفعل فاعل وبخطة منهجية لا يستبعد اشتراك أطراف خارجية بها ويتم تنفيذها بأياد عراقية. ولعلّ المكوّن المسيحي بهذه الخطوة، سيكون بالتأكيد، أحد هذه الأطراف التي سيطالها غبنٌ جديد قديمٌ، لم تعره أهميته، سائرُ الحكومات المتعاقبة على الدولة العراقية، لا في عهد الدكتاتوريات السابقة ولا بعد سقوط هذه.
ديوان أوقاف المسيحيين، آخر تلك الخروقات
وآخر ما سمعناه وشهدناه ضمن ذات السياق، أي في تقويض أهمية المكوّن المسيحي في البلاد، جاء في مؤسسة ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الأخرى، عندما استبدلت تسميتها وتحددت أهميتها ورئاستها بمساواة الطوائف المسيحية مع الطائفتين الإيزيدية والصابئة المندائية اللتين تفتقران إلى ما تتمتع به الأولى من أوقاف ومن مؤسسات دينية وثقافية واجتماعية وتراثية وآثارية ومن معاهد وأتباع ورجال دين ومن اتصالات عالمية ومن علاقات واسعة مع العالم. وهذا ما يتطلب وقفة واحدة لردّ مشروع القانون الجديد المقرّ مؤخرًا، إلى الجهات ذات العلاقة لإعادة النظر فيه واستعادة المكوّن المسيحي مكانته وأهميته في هذه المؤسسة التي ساوى فيها المشرّع بين مجاميع كثيرة من الطوائف المسيحية مع طائفتين تفتقران إلى مؤسسات وأوقاف منتظمة تاريخيًا وتنظيميًا. وحسنًا، فعل رؤساء الطوائف المسيحية حين انبروا للاعتراض عليه بهذه السرعة معبرين عن استيائهم من القانون الجديد وبمطالبة الجهات الرسمية والتنفيذية بالاستجابة لما من شأنه أن ينصف طوائفهم وشعبهم من الإجحاف الذي ألحقه بهم هذا القانون. وإنّي أرى، أنه آن الأوان لصحوة جديدة منظمة ومنهجية من جانب رؤساء الطوائف دون استثناء، يدعمهم في هذه الجهود، عمومو الشعب المسيحي ومعهم شمل النواب المسيحيين المفترض تبيان استيائهم من مثل هذه الخطوة من جانب السلطة التشريعية غير الواعية لما يمكن أن يترتب على هذا القانون في حالة إقراره من سلبيات حين تعيين شخصية لا تنتمي إلى إحدى الطوائف المسيحية على رأس هذه المؤسسة المهمة، حيث من الممكن حينئذٍ التحكم بمقدرات أوقاف المسيحيين  . وإني أرى أن الأمور لن تستقيم  إلاّ بثلاث لا رابع سواها:
-   إعادة العمل بنظام وزارة وطنية للأوقاف والشؤون الدينية على أسس جديدة وعادلة، يكون لجميع المكوّنات الدينية فيها ممثلاً بدرجة خاصة، يعنى بأوقاف طائفته.
-   أو، العودة إلى نظام ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الأخرى وإجراء التعديلات الضرورية على بعض البنود التي يمكن أن يكون فيها ثغرة.
-   أو، تخصيص ديوان وقفي للمكوّنات الدينية الثلاث، أي أن يكون لكلّ من المسيحيين بجميع طوائفهم وكذلك الآيزيديين والصابئة المندائيين، دائرة ديوان مستقلة بأوقاف الطائفة.
 وبغير ذلك، لن يكون الأمر مقبولاً من جانب عموم الطوائف المسيحية. وحينها، وفي حالة عدم الاستجابة لمثل هذا الحق وإلغاء الغبن الذي لحق بالمكوّن المسيحي بسبب تشريع هذا القانون والمصادقة عليه دون رضى الطرف المسيحي، سيضطرّ الشعب المسيحي ومعه رؤساؤه الروحيون، للقيام بما من شأنه رفع هذا الإجحاف بالطرق التي يرتأون تفعيلها واستخدامها حتى تحقيق العدالة وإعادته إلى البرلمان والحكومة للمراجعة.
كفانا خنوعًا وسجالات عقيمة
مقابل كل هذا الكمّ الهائل من أعمال التهميش والإقصاء والاستهزاء بمقدّرات أبناء الأقليات الأصيلة، ولاسيّما المسيحيين بكافة أطيافهم وطقوسهم، من الذين ضعفت قواهم وخارت طاقاتهم في مقاومة الكثير من الشرور والنوائب والجرائم والمؤامرات التي طالتهم وحيكت ضدّهم، منذ عهود الأنظمة البائدة لغاية الساعة، والتي أخذت منذ الغزو الأمريكي في 2003، طورًا جديدًا من العنف الطائفي والحقد الديني... أمام هذه كلهّا، أليس الأجدر أن يتطور موقفنا وننتهج استراتيجية جديدة مضادّة من الهجوم بالمطالب المشروعة بدل اللهاث وراء فتات من يدّعي حمايتنا ويتبجّح بالدفاع عن حقوقنا، كذبًا وبهتانًا، فيما هو يتنصل عن مطالبنا عندما يتعلق الأمر بحقوقنا المشروعة ومصالح مناطقنا. ألم يتعهد الأكراد، كما فعل أهل السنة والشيعة مرارًا، قادة ورجال دين وسياسيين، بدعم مناطق المسيحيين وإيجاد حلول ناجعة لمشاكل مناطقهم ومنع أي تغيير ديمغرافي فيها، دعمًا للبقية الباقية منهم من أجل تثبيتهم في مناطقهم وعدم مغادرة أرض الوطن، لكونهم أصلاء فيه بحسب هذه الادّعاءات والإعلانات المجانية؟ ولكن، عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات، برلمانية أو تنفيذية في مجالس المحافظات والأقضية والنواحي، قد يرون فيها تهديدًا لتعزيز قبضتهم على هذا المكوّن وفقدان سيطرتهم علي أتباعه، نراهم يصوّتون ضدّ مصالح شعبنا ويصطفون مع الطرف المقابل. ألم يحصل ذلك في العديد من القرارات التي اتخذتها الجهات الحكومية والتشريعية؟ يؤسفني أن أقول، هناك من المسيحيين، دون استثناء طرف منهم، مَن ركبَ موجة التابع الدائم للغريب عنه وتفضيله على أبناء شعبه. وهذه ناقصة فينا، لا تنمّ إلاّ عن ميلٍ دائمٍ بالشعور بالنقص والضعف وعدم القدرة على فرض الرأي والمطالبة بالحقوق والإصرار عليها مهما كانت النتائج. أنظروا، كيف حصل المكوّن التركماني على مطالبه بإصراره وعناده وعلاقاته وتسريباته وضغوطاته المحلية والإقليمية التي نال من ورائها ما صبا إليه وارتوى به. أمّا نحن، فكلٌّ منا يغنّي على ليلاه، فيما يصرّ بعضنا ويعاند على تقسيم هذا الشعب الواحد، تارة بالمطالبة باعتباره شعبًا مستقلاًّ، وتارة بكونه يشكل الأغلبية بين المسيحيين، وبهذا يستحق أن يكون القومية الثالثة، ولا أدري من أين أتى هذا البعض بمثل هذه الفرية وهذه الكذبة التي لم تعد تنطلي على أحد، حتى البسطاء من أبناء شعبنا بل حتى الغرباء عنه. إني هنا، لستُ بصدد انتقاد مثل هذه المطالبات غير المنطقية، بل الجافية والمؤذية أحيانًا، بقدر ما أبغي التعبير عن أملي بانتهاج سياسة جديدة واستراتيجية مسيحية شاملة تكون المصلحة العليا فيها للبلاد أولاً وقبل كلّ شيء، ثمّ مصلحة عموم شعبنا موحدًا، ديناً ولغة وكيانًا. إنه، وبغير ذلك، لن نكون قادرين على مواجهة الكمّ الهائل من الأكاذيب والدسائس التي تُحاك ضدّنا في العلن والخفاء، من خلال التمويه بالتودّد لنا والإيحاء بالدفاع عن حقوقنا ومنحنا ما نستحقه منها ممّا تفرضه مواطنتنا الصادقة وحبُّنا لأرضنا وديننا بمختلف مذاهبنا. فهل من مؤتمرٍ صادق ونزيه يعالج هذه الإرهاصات؟
لا للرضوخ للآراء المهجرية
إنّي إذ أصطفّ مع من دعا ويدعو إلى إعادة بناء الشخصية المسيحية المعنوية والوضعية، بكل طوائفها وتياراتها، وتوجيهها وطنيًا ودينيًا معًا وفق أسس جديدة تزيل آثار الظلم والاضطهاد الذي أتى به الغزو الأمريكي وحلفاؤه، أجدّد الدعوة للإخوة الانفصاليين الواقعين تحت تأثير تيارات "مهاجرية" لا همّ لدعاتها ومحرّضيها، سوى شقّ الصف المسيحي، الديني منه والقومي، ممّا قد يكون فأل شرّ على من آثر البقاء في الوطن ومواصلة مشواره متآلفًا متعايشًا مع جيرانه وأصدقائه وأهله وأقاربه. إنّ مثل هذه التدخلات الخارجية، إذا صيغت وسُوّقت بنيّة مشبوهة وغاية منقوصة وإرادة مهزوزة، قد تنعكس آثارها سلبًا على كياننا ككلّ. هناك العديد من الخطوات التي قد تلزمنا، مثقفين ورجال دين وسياسيين ومنظمات مدنية وعامة الشعب، كي نحققها من أجل وضع اليد على المحراث وعلى أرضٍ قوية، صلدة المطالب، وواضحة التفاهمات وأمينة في التحالفات الرصينة الصادقة بيننا أولاً ومع شركائنا بالتالي. وهذا، مما سيعزّز من قوتنا وطاقاتنا وقدراتنا في التفاوض والمناورة والمواجهة، إن اضطررنا لذلك، أحيانًا. ذلكم هو بيت القصيد، عندما نكسر كتلة ثلج الاستسلام والاستضعاف والتمسكن والخنوع والانحناء التي تلفّنا في حياتنا أمام الغريب، وقد اعتدنا عليها بفعل الفطرة والعادة والطبع.
أملٌ بهجرة معاكسة
إنني أعذر أحيانًا، بعضًا من نوابنا، ممثلي شعبنا في البرلمان، الذين أكنّ لهم جميعًا، كلّ احترام، من صعوبةٍ في فرض رأيهم وسط هرج ومرج مجلس النواب أحيانًا أو بسبب عدم قدرتهم على مناطحة اللاعبين الكبار، أصحاب الباع العريض في اختزال الكتل والمكوّنات الصغيرة التي يعدّونها تابعًا صغيرًا لا يرقى لأخذ رأيه في أحيانٍ كثيرة. ولكني أعتب على أحزاب وتنظيمات شعبنا من تناكبٍ وتنافس غير مقبول في تصدّر التصريحات والبيانات والمقالات التي تفتقر أحيانًا إلى وفرة الدقة فيها وجدّية المطلب، علاوة على الإيغال في المكابرة والأولوية والمفاضلة، وهي عناوين مقيتة بدأ يكرهها الجميع ويلفظها عموم الشعب، حتى البسطاء منهم. أقول، كفانا مثل هذه المغامرات القزمية التي لا ولن تنفع، بقدر ما ستزيد من تشظّي اللحمة المسيحية المتبقية على ضعفها، وتفتّ من عزم من بقي من أبناء شعبنا وتفقدهم صواب البقاء في أرض الآباء والأجداد، ليلقوا مصير من راهن على الغرب فردوسًا سرمديًا. وسوف تأتي الأيام، ولن تكون ببعيدة، لنشهد - إن حبانا الله ذلك- عودة ميمونة معاكسة لمن اغترّ أو غُرّرَ به للتضحية بإرثه وأرضه وأهله وأحبائه من أجل ترفٍ أساسُهُ الحسد والغيرة والتباهي بالعيش في أرض الغال والعم سام ومجاهل المحيطات والبحار وحتى الصحارى.
لويس إقليمس
بغداد، في 8 آب 2012


76
هواجس الأقليات في العراق والمنطقة، إلى متى؟

     لم تحظى مشكلة المكوّنات قليلة العدد "الأقليات"، في العديد من دول المنطقة باهتمام مذكور بسبب الظلم المجحف للحكومات المتعاقبة عليها ومحاولات تذويبها قسرًا وكذلك بسبب غياب الوعي الوطني والجهل بالحقوق، إلاّ فيما كانت توجه به لإكمال ما مطلوب منها من واجبات وطنية ملزِمة، حتى لو كانت هذ الأخيرة أحيانًا، بالضدّ من إرادتها ورغبتها. وجاء الغزو الأميركي الكاسح للعراق، وهو أهم موطن لأقليات عاشت تقليديًا، تاريخًا مشتركًا مع بعضها البعض دون هواجس أو مشاكل كبيرة، إلاّ ما ندر. هذا الغزو الأممي الظالم، قلب موازين المعادلة في عراق متعدد الأعراق والأديان والأقوام والطوائف، بحيث أفسد  بنية المجتمع العراقي المجتمعية ونقله إلى خانة الطائفية المقيتة التي اتخذت من شعارات دينية جديدة لم يألفها من قبل، بسبب غرابة بعضها وأسلوب تحريض بعضها الآخر ضدّ فرقاء آخرين متشاركين معهم في تاريخِ وطنٍ موغلٍ في القدم. ونحن نحمد الله، لأن ما حدث في العراق، لو حصل في بلد آخر لا يمتلك مثل تاريخ العراق الحضاري، لانهار منذ بدء الأحداث وتتدحرج نحو الهاوية وتجزّأ دون شك رغم بروز محاولات من هذا القبيل. لكن إرادة العراقيين من الوطنيين والغيارى من شعب العراق، سوف لن يدعوا مثل هذه الفرص أن تجد طريقها في المشروع الانفصالي المطروح، نتيجة الخلل القائم في إدارة البلاد والخلاف حول من يجب أن تكون في أيديه مفاتيح الحلّ والربط داخليًا وإقليميُا. وإذا كان الأحرار الوطنيون من أبناء العراق، والسياسيون المخلصون منهم بخاصة، يعوّلون في النهاية، على تغليب المصلحة الوطنية العليا واختيارهم وحدة العراق ورفاهته وسمعته التاريخية والحضارية، فإن السبب في ذلك، يعود لقدرة أبنائه على البناء السريع لما أصابه من عطب وتراجع ودمار، وكذا على فاعليتهم في مواجهة الصعاب مهما اشتدّت وتفاقمت الأحداث، برغم الهوّة الأخيرة التي سادت مجتمعنا في فترات عصيبة كانت الأكثر قساوة على عموم الشعب. فما زال في عراقنا نزرٌ وافٍ من روح الأجداد ومِن حكمتهم التي عُرفوا بها، في بناء حضارات الشرق التي سادت العالم القديم، ولم تبِد حينها، إلاّ بسبب تقاعس نفرٍ من رجالاتها وخروجهم عن قافلة نظام بناة الأوطان التي كانت تتطلب من جملة ما تتطلبه بعد كلّ نجاح تحقق لهم، روحَ المثابرة والتواصل والمجالدة والرصانة في حفظ ما تمّ إنجازه بروح المواطنة المطلوبة والتشاركية والتجاوب سحابة تلك المراحل والأزمنة.
أما ما حصل فيما بعد في المنطقة، مغبّة تجربة العراق في 2003، مع ما يسمّى بالربيع العربي (رغم تحفظ الكثيرين ومنهم أنا شخصيًا، على هذه التسمية غير الدقيقة)، فلم يكن في الحسبان، عندما استقدم المحرّك الأممي الرئيسي الظالم، الذي قاد ورعى مجمل التغييرات في المنطقة بشيء من الغرابة والعنجهية والازدراء واللامبالاة للفيف شعوب المنطقة، أقول، عندما استقدم واجهاتٍ جديدة له تحمل بصمات التطرف والتشدد إلى جانب عكسها نزعات عدائية وشوفينية واستعلائية  ضدّ مكونات أصيلة في مجتمعاتها (أي الأقليات). وعمومًا، فقد تصرّف الراعي الأكبر للتغييرات الدراماتيكية سواءً في العراق عام 2003، أو من بعده فيما يسمّى بالربيع العربي المنوه عنه، بشيء من اللامبالاة والتغاضي القائم من الحكومات التي استقدمها وغضّ الطرف عن فعالها، إن لم يكن قد نصرها ضدّ الأقليات الدينية والعرقية الأصيلة في نسيج شعوب المنطقة. والدليل على ذلك، عدم إنصافها فيما أتى به أو روّج له أو ساهم في وضعه من دساتير وقوانين وضعت مصالح دينية طائفية وكتل سياسية كبيرة متناحرة على المال والجاه والسلطة في المقام الأول والأخير، فيما أهمل باقي المكوّنات الصغيرة نسبيًا وجعلها لقمة سائغة في أيدي من أتى بهم إلى حكم بلدانهم بالطريقة المعروفة التي وصلوا أو سيصلون بها.
 وإذا كانت بعض البلدان التي تشهد اليوم حراكً سياسيًا ساخنًا، ضمن منظور تغيير أنظمة حكم حكمت شموليًا على أساس طائفي أو عرقي، قد كشفت عن حصول تداعيات خطيرة في خضمّ موجة "الربيع العربي" لغاية الساعة، فإن من حق الأقليات التي تعيش فيها، أن تقلق وتتحفظ على القادم الجديد، غير المعروف سياسته، تمامًا كما كانت قبلها تتحفظ على أنظمة الحكم القديمة الشمولية المتهالكة. والخوف هنا أكبر، لأن القادم الجديد جاء بفورة عارمة من السفاهة والبلطجة المرافقة أحيانًا لفتاوى غريبة وعجيبة، أصدرها الحاكم "القادم الجديد"، فارضًا نفسه وقيمه ودينه ومذهبه وأيديولوجيته على مجتمعات طالما نشدت شيئًا من رياح الحرية والديمقراطية والتغيير التي طال انتظارها لها، حين أقدمت على القيام بثوراتها الشبابية واضحة الأهداف والرؤى. لكن الذي حصل ويحصل، أن تلك الثورات قد تم استلابها وسرقتها من فاعليها وثوارها الحقيقيين من الذين قدموا تضحيات كبيرة على مذابح الحرية والكرامة والشرف الوطني. وقد ذهب البعض لوصف من يريد الاستئثار بثمار هذه الثورات بمجموعة "شياطين طائفية" يمكن لها أن تهدّد البلاد والعباد على السواء. والخوف الأكبر، أن تكون الأقليات الضعيفة في نهاية المطاف، حطبًا لنيران صراعات الأقوياء المتحاربين بلا هوادة ولا وازع من ضمير. ولعلّ الفكرة التي غرسها وسوّقها المحتلّ الأميركي حين دعوته للسياسيين العراقيين الجدد مثلاً،، لكتابة الدستور بعد أحداث 2003 بنَفَسٍ طائفي مليء بالألغام الموقوتة القابلة للتفجير في أية لحظة، لهي خيرُ مثالٍ لمخططاته بدقّ أسفين بين مختلف الشعوب والمكوّنات في البلد الواحد، إذ هي  ترتكز في صياغتها على ذات الأسس التي سوّقها وما يزال نحو البلدان التي شملها التغيير "الربيعي" لحدّ اليوم من خلال القرع على الوتر الطائفي الهدّام الذي جزّأ مجتمعات الوطن الواحد وأحلّ الوازع الطائفي بدل الوطني. فما شهده العراق بسبب هذا التوجه الجديد من مذابح واقتتال الإخوة الأعداء الشركاء لغاية الساعة، خير دليلٍ على النتائج المدمّرة التي أرجعت البلاد ونهجه إلى عهود التخلّف والظلام بسبب اختلال توازن نسيجه الاجتماعي بطريقة مؤسفة تحكّم بها أناس يريدون العودة ببلدانهم وشعوبهم إلى عصور الظلام والتخلف والقهر المجتمعي الذكوري، حيث لا مكانة للمرأة فيه، رغم كونها الزهرة التي تتفتح بها حدائق الشعوب والأمم وتتعطّر بها أجواء أيّ مجتمع تحلّ فيه ضيفة أو تدخل عليه عاملة أو تؤدي فيه وظيفة.
أما الحلول المطروحة اليوم، للتخلّص من أدران النعرة الطائفية المنتشرة كالسرطان القاتل في الجسد العراقي بخاصة والعربي عامة، فهي تكمن في الاعتراف بانتهاج مبدأ المواطنة بدل الطائفية في مؤسسات الدولة الناقصة البناء لغاية الساعة، وفي الاعتراف بسيادة القانون الذي ينبغي أن يسري على الجميع دون استثناء، وفي القبول بمبدأ ثقافة قبول الرأي والرأي الآخر، وعدم سلب حقوق المواطنة والحريات الشخصية وحرية التعبير وحرية الدين والتديّن، وفي الاعتراف الواضح والرصين بمبدأ التعددية السياسية، وفي نقل السلطة السلمي، وفي تحقيق برامج التنمية المستدامة، إذا ما أريد فعلاً، نجاح أية عملية سياسية يُراد بها بناء البلد وتطويره وتقدمه. ففي العراق، تلكم هي التحديات الكبرى التي تنتظر الساسة ويترقبها المواطن من ممثلي الشعب ومن الحكومة التي انبثقت منه، ولم تستطع الإيفاء بتعهداتها في خلق مجتمع عراقي مرفّهٍ متجانس، ودولة مدنية اتحادية حديثة ترتكز على التعددية والديمقراطية وأساسها العدل والمساواة، كما هو مطلوب. وبغير ذلك، لن تستقيم مسيرة العراق، ولا بلدان المنطقة، إن لم تعمل حكوماتها على تغيير سياساتها المبنية على زيف العنصر الديني الذي يحنّ لحكم ثيوقراطي لم يعد له صالحٌ ولا مبرّر ولا قبول في عصر العلم والتقدم والتكنلوجيا المتطورة. فالدين يبقى لله والوطن للجميع، كما نعلم. ثمّ إنّ الأمم الجادّة والسعيدة تتقدم ولا ترجع للوراء، إن اتسم رعاتُها وحكّامها بشيء يسيرٍ من النزاهة والتسامي عن المصالح الضيقة ومحبة الناس وتلبية حاجاتهم اليومية الآدمية. فمن وضع يده على المحراث، لا ينبغي له التراجع والتقهقر للوراء بتغليبه المنافع الشخصية أو الطائفية أو العرقية الضيقة، بل هو مدعوٌّ للتقدم نحو الأمام، بنشر الأمن والأمان والاستقرار وخدمة كلّ الشعب وليس جزأه، وفي خلق فرص للسلام مع الله الخالق ومع النفس ومع المواطن، مع الشعب الذي ولاّه ليدير شؤون البلد بما يرضي الله والضمير. وبذلك تستطيع الشعوب جميعًا من العيش حياة الكرامة التي أرادها لها الخالق حين خلقها، أي حياةً تليق بخالقها. قيل ويُقالُ دائمًا: "سعادة أية دولة وتطوّرها تكمن في رؤية شعوبها ومجتمعاتها، ولاسيّما الأقليات فيها سعيدة، مرفهة ومطمئنّة وتنعم بالأمن والخدمات"، حينما يرفل جميع المواطنين بكامل الحقوق المواطنية دون تمييز في العرق أو الدين أو المذهب أو القومية أو اللون وما إلى ذلك.
إن الهواجس أعلاه، التي تشكل رأس الحربة في مسيرة أي بلد ديمقراطي، ستكون بمثابة صحوة مواطنية عامة، فيما لو تحققت آمالها في البلدان التي شهدت ما يسمى "بالربيع العربي" والتي سبقهم فيها العراق منذ ما يقرب من عقد ونيّفٍ من الزمان. وهي ذاتها التي تنتظرها شعوب المنطقة في صحوتها التي ينبغي أن ترتكز على رهافة حس وطني صادق وعلى إنصاف اجتماعي قائم على مبدأ سيادة الحق والعدل. فالعدلُ، يبقى أساس الملك، في بناء مجتمع متكامل تسوده المحبة والحرية والتسامح في إطار نظام ديمقراطي ينتصر كليًا، بتفاصيل هذا العدل عينه، لمبدأ الحقوق والواجبات في أي مجتمع متحضّر.  إن خوف الأقليات، لاسيّما الدينية منها والعرقية، يكمن اليوم في كونها تقع في مرمى صراع تيار الإسلام السياسي السنّي – الشيعي المتنامي يومًا بعد آخر، بسبب أفكاره الإقصائية المعلنة على الملأ، ما أحدث توترات إقليمية زادت من وطأة تلك الهواجس أضعافًا. وكذا بسبب الخوف المتنامي من وقوعها بين ناري هاتين الحجرتين الطاحنتين اللتين لا ترحمان من يختلف عنهما في النظام والأيديولوجية والدين على السواء. فصعود التيارات الإسلامية إلى حكم بعض دول المنطقة، يعني ضياع تلك البلدان في عالم المجهول والنزول بها إلى دركات التخلّف التي شهدتها عصور القرون الوسطى حيث سطوة الثيوقراط التي لا ترحم ولا تعترف بشيء اسمُه تطور الحياة. كما أن الحرية والديمقراطية مفهومان غائبان في قواميس هذه التيارات المغالية في سلفيتها أو في تشيّعها على السواء. والأمل الوحيد الذي تنتظره أقليات المنطقة الساخنة هو في ضمان اللجوء إلى دولة مدنية تُحترم فيها سيادة القانون، كما أسلفنا، وهو الوحيد الذي يؤمّن حقوقًا مدنية واجبة التطبيق للجميع ودون استثناء من خلال  الارتكاز على مبدأ المواطنة داخل الدولة الواحدة التي عليها الاعتراف بحقوق الجميع وأن تتمسك بالحريات العامة في سياساتها وأن تعي أهمية التعددية والجمالية التي تشكلها الأقليات وسط سائر المكوّنات. ولن يحصل ذلك إلاّ في ضوء هذه الصحوة العربية السليمة المرتقبة التي تؤسّس لدولة الحداثة والعصرنة وتؤمن بحرية الشعوب والأفراد وتدع وراءها ما شاب أفكار أفرادها من تراجع في القيم الديمقراطية وفي الحريات العامة وفي الحق في إبداء الرأي، مهما اختلف المقابل عنه في الفكر وفي الدين وفي المذهب وفي الأيديولوجية.
 وهكذا، يكون العراق قد بدأ الصحوة الحقيقية عندما أدرك وانتبه لفشل مشروع الدولة الدينية التي أرادها وصفقت لها بعض الجهات المغرضة والمغالية. وتلكم هي الخطوة الأولى في بناء دولة مدنية حديثة مرفهة قائمة على أسس المواطنة، لا غيرها. وفي انتظار الخطوة المهمة والحاسمة القادمة، عندما يعود السياسيون إلى رشدهم ليضعوا حدّا لتجاذباتهم السياسية المنتفعة ويؤثروا  مصلحة الوطن والمواطن الذي انتخبهم وأوصلهم إلى الحكم، لكنه خُذل بسبب لهاث غالبية من وصل إلى الحكم وراء منافع شخصية وطائفية وعرقية. كما أن انغماس الكثيرين من هؤلاء في أعمال فساد مالي وإداري وعدم قدرة الدولة والحكومة عل صدّ هذه الممارسات والمخالفات، قد ساهم بشكل كبير في نخر جميع مؤسسات الدولة، ما جعلها عاجزة عن تلبية حاجة المواطن الذي مازال يئنّ ويشكو ويطالب بحقه في حياة كريمة مرفهة في بلد يسبح على محيط من الذهب الأسود وغيرها من المعادن الثمينة.
عسى الأيام القادمة، تشهد هذه الصحوة المرتجاة!

لويس إقليمس
بغداد، في 1 حزيران 2012

77
المنبر الحر / هكذا تنقرض الشعوب
« في: 23:19 17/05/2012  »
هكذا تنقرض الشعوب

يقول المثل العربي: "جنت على نفسها براقش". وفي الحديث الدارج نقول "من تحت إيدو" أي ما معناه  بسبب تصرف غير مقبول لشخص ما.
ما دعاني لكتابة هذه الأسطر القليلة، هو ما تشهده الساحة "القومية؟" ذات التسمية القطارية "الكلدانية-السريانية-الآشورية"، هذه الأيام، من سجالات واتهامات بين أطراف عديدة بسبب جعجع الأبراج الأربعة المقرّر إنشاؤها في بلدة عينكاوة العريقة، وبسبب التصريحات والتأويلات والمواقف المتباينة لما يسمى بتجمع التنظيميات القومية، حول هذا المشروع المشبوه. فقد نسي أو تناسى البعض، أن هذا المشروع قد أخذ طريقه المشروع والقانوني لدى سلطات الإقليم في عمليات البيع والشراء المتعارف عليها في السوق في هذه البلدة ووفق الأصول المتبعة بلديًا، وأن كل الجهات قد أخذت نصيبها من عميلة البيع والشراء والوساطة. وأن الوقت قد استنفذ تمامًا وأن "الفأس وقع بالرأس"، وابتلع أهالي هذه البلدة الطيبة الطعم الذي لقموا به بتطويرها وعصرنتها. وهذه كانت النتيجة.
عينكاوة الجميلة، هذه المدينة كانت عندي وما تزال وستبقى من البلدات العزيزات، كما هي الحال على قلوب كل العراقيين الأصلاء والمسيحيين منهم بصورة خاصة، سواء من كانوا في بلدان الاغتراب أو من الرابضين الصابرين المجالدين في الداخل، من الذين لم يؤثروا ترف الحياة المرفهة التي سعى إليها الكثيرون بكل الوسائل لبلوغ بلدان المهاجر التي يختالون فيها وبها على من بقي صامدًا في أرض الآباء والأجداد . هذه البلدة الجميلة تركها بعض أهلها، فيما آخرون باعوها برخص التراب للغرباء بحجة التطوير والعصرنة كما فعلت الحكومات فعلها حين استيلائها على آلاف الدونمات لغرض إقامة مطار مدينة أربيل على أراضيها العذراء. فبعضٌ من العتب إذن، يقع على من باعها بطريقته الخاصة وبعض منه يقع أيضًا على من غادرها بغير رجعة ليستقر في بلدان الاغتراب، غير نادم على تضحيته بملكه وداره وأرضه. على أية حالٍ، لكل امرئ ظروفه وأسبابه وغاياته، لن أدخل في تفاصيلها وثناياها كي لا أجرح فلانًا وعلاّنًا، ممّن  راهن بكل ما لديه كي يخسر أهله وأرضه وتراثه ليروح "يتسكع"، عذرًا لينشد أرض الأحلام وما ستدره عليه وعلى أجياله من مغانم وامتيازات ومفاخر لها بداية وليس لها نهاية!. عينكاوة، مثلها مثل ألقوش وقرقوش وبرطلة وكرمليس وتلكيف وتلسقف وباقوفا وباطنيايا وغيرها من البلدات والقرى المسيحية المتميزة بتراثها وعاداتها، ستبقى شوكة في عيون الغرباء والمدسوسين، يرنون إليها ويحلمون بتدنيسها وغزوها إن أمكنهم ذلك، من أجل محو تاريخها المسيحي الناصع، والذي يذكرنا اليوم نمامًا، بما آلت إليه ممالك المناذرة وقصورها وحواضرها الشهيرة في الحيرة والكوفة والنجف، أيام النعمان بن المنذر، آخر ملوكها، حيث يتم هذه الأيام، اكتشاف آثار الكنائس والأديرة التي زينت أرض العراق سحابة قرون من حكم المسيحية في أجزاء كبيرة من العراق والمنطقة حتى قدوم الغزو الإسلامي الذي كسح ما كان قدامه ولم يرحم أحدًا.
هؤلاء الذين يتباكون اليوم على ما يسمّى بإرهاصات التغيير الديمغرافي وأسبابه ونتائجه، ألم يدر في خلدهم كيف آلت الأمور إلى هذه النتائج ولماذا؟ أم إنهم تعودوا على إلقاء الكلام جزافًا، و"حيّا الله كيفما يسقط فليسقط"، كما يقول الحديث الدارج! طبيعي جدًا أن تتغير الحياة وتتطور والشعوب وتنقلب المناطق في عالمٍ سريع التقلبات والتقليعات والطموحات. ولكن الذي يصمد ويصابر ويجالد برغم كل هذه الصواعق والتبدلات والإرهاصات، هو الرابح، إن هو حافظ على أصالته والتزم داره وأهله وبلدته ولم يهجرها برغم كل ما يحيق به، حتى لو كان ممّا قد نغّص حياته وأحاقت بها الأخطار التي لم تنقطع ولن تتوقف عبر التاريخ. تلكم هي شريعة الحياة وقوانينها، حتى لو كانت ظالمة وفاقدة الشرعية والإنسانية. لقد أصبح البقاء في أرض الآباء والأجداد استثناءً هذه الأيام، فيما أصبحت الهجرة قاعدة للعديدين ممّن ركبتهم موجة الأحلام الوردية التي يتصورون قدرتها على نقلهم إلى هوس الجنان الخالدة في بلدان الاغتراب. ألم يسأل العديد ممن بلغ أقاصي بلدان الاغتراب، كيف يقضي حياته، إمّا منزويًا بين جدران مسكنه إن كان عاطلاً يستجدي ما تتعطف به حكومات ذلك البلد الذي استقبله ليستغله وفق سياسة حكامه، أو وسط فورة العمل التي لا ترفق به ولا ترحم حاله بحيث لا تسمح له حتى بلقاء أحبائه وفلذات أكباده إلاّ فيما ندر وفي مناسبات متباعدة استثنائية.
خلاصة الكلام، أن العديد من الذين يبكون أو يتباكون اليوم، على الهموم القديمة الجديدة التي تُتهم بها جهات كثيرة، مقصدُها إحداث تغييرات ديمغرافية في بنية المناطق المسيحية، بصورة خاصة، كانوا هم جزءًا من هذه الأسباب بقصد أو بغير قصد، ومعهم من غادر الأرض وترك الديار واستقرّ في بلاد الغال وآثر بهرجة بلاد العم سام وعمومته على أرضه وأهله ووطنه. قالوا ويقولون، أن ضيق الحياة بكل أسبابها خلال ما مرّ به الوطن منذ ثمانينات القرن الماضي ولاسيّما بعد أحداث الغزو الأميركي الظالم، قد فكّ عقال الكثير من المجتمعات العراقية، أفرادًا وعائلات، كي تقرر مصيرها وتبيع ممتلكاتها بأي ثمن ولأيّ كان، وتغادر مناطقها لتبدأ حياة جديدة في بلدان المجهول، حيث وصل أناسٌ أقصى قرى بعض البلدان التي نأى مواطنوها الأصليون قصدها، بسبب بعدها أو قساوة أجوائها. وأنا أقول، كفانا تحجّجًا ولومًا لبعضنا البعض واتهامًا لجهات مجهولة ذات أجندات وسياسات مشبوهة تريد النيل من بنيتنا ومجتمعاتنا. وبدل ذلك، فلنجالد ونتحصن ونثبت في أرض الإيمان والأجداد، بقدر تجّذرنا التاريخي الأسطوري الذي نتبجح به دومًا، دون أن نحرص عليه في تفاصيل حياتنا اليومية، أو دون أن ندعمه بأفعال وخطوات، هي الأجدر بالالتفاف حولها وترصينها بالثبات في هذه الأرض و"عدم إلقاء جواهرنا قدام الخنازير لئلاّ ترجع فتدوسها بأرجلها وتعود فنمزقنا"، كما يقول متى الإنجيلي. هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نوجهه لبعضنا البعض ومنه نتخذ العبر والدروس والحكم، في ضوء ما جرى ويجري في بيع الأملاك والمساكن والأراضي للغرباء من خارج مناطقنا وعقيدتنا وديننا من أجل حفنة من الأوراق المالية التي أخذت كل هواجسنا وملكت إيماننا بلا هوادة.


لويس إقليمس
بغداد، في 17 أيار 2012

78
نص كلمة رئيس مجلس الاقليات العراقية في مؤتمر التيار الصدري ببغداد

عنكاوا كوم - خاص

ينشر موقع "عنكاوا كوم" نص كلمة نائب رئيس مجلس الأقليات العراقية لويس اقليمس في مؤتمر التيار الصدري الذي أقامته الهيئة الثقافية لمكتب الشهيد الصدر بالتعاون مع مجلس الأقليات العراقية، السبت الموافق 31 كانون أول 2011 للمكونات العراقية. عقد المؤتمر تحت شعار "الوحدة غايتنا، السلام هدفنا، البناء عملُنا".





مؤتمر الوحدة والبناء والسلام
مؤتمر للتيار الصدري بالتعاون مع مجلس الأقليات العراقية
31 كانون أول 2011
#####
"المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي التاس المسرة الصالحة"
بهذه الكلمات السماوية، سبّح الملائكة، معلنين الفرح للبشرية يولادة المخلّص الرب، يسوع المسيح، له المجد، الذي يكنّ له جميع البشر على أرض الشقاء، باختلاف أديانهم ومذاهبهم، كل احترام وتبجيل لرسالته السماوية المتلخصة بأهمّ ثلاث خصالٍ إنسانية، هي التواضع والمحبة والسلام.
يحتفل العالم المسيحي ومعه كل البشرية، وأنتم معنا في العراق الجريح، بهذه المناسبة التي أتت بالبشرى الطيبة لجميع بني البشر. مناسبة سرمدية، تضع عالم اليوم والعراق بصورة خاصة في دائرة الضوء، وهو يعيش أزمة جديدة، يريد لها البعض أن تقوّض العملية السياسية القائمة وهي في أصعب  أوقاتها وأكثرها حراجة على الوطن والشعب على السواء. ونقولها نحن المسسيحيين بكل اسف، ماذا ارتكبناه من أخطاء أو جرم، لا سمح الله، كي نعتاد الحرمان من الاحتفال بمثل هذه المناسبة السعيدة التي لم تأت للعالم إلاّ بببشرى السلام والمحبة والرفق: ألم يقل الشاعر الكبير أحمد شوقي:
ولد الرفق يوم مولـــد عيســـى          والمروءات والهدى والحياءُ
وازدهى الكون بالوليد وضاءت      بسناه من الثرى  الأرجــــــــاءُ
ما أحلى أن نتشارك معًا في كل مناسباتنا الدينية السعيدة، إسلامية كانت أم مسيحية أم صابئية أم آيزيدية أوغيرها من المناسبات التقليدية التي يتمتع بها مجتمعنا العراقي على تعددية ألوانه وأطيافه الزاهية، كي نعيد للعراق الجريح عافيته بعد نزف  الأبرياء فيه وأنين جرحاه وشكوى الفقراء والمستضعفين من قساوة الحياة وشظف العيش والفقر، والأهم من ذلك كله، من الفوضى العارمة في حياتهم اليومية بسبب حالة عدم الاستقرار والاختراقات الأمنية المتفاقمة التي تطلّ علينا كلّما حصل توتّر سياسي بين الفئات الحاكمة. ونحن نعلم جميعًا، أن كلّ هذا، مردّه الصراع الطائفي والمذهبي بالدرجة الأولى، بين قادة الكتل السياسية والدينية الذين أثبتوا للشعب، وللأسف الشديد، عدم أمانتهم في قيادة البلاد، الذي ائتمنهم العراقيون فيها على صيانة أرضهم وعرضهم وأملاكهم وحياتهم. لقد كان ردّ فعل العديد من المرجعيات الدينية، الإسلامية منها والمسيحية والصابئية والآيزيدية وأخرى غيرها، شديدًا، واضحًا، متسمًا بالاستياء ممّا يجري على الساحة العراقية من تقاطع في المصالح الفئوية والطائفية الضيقة، على حساب المصلحة العليا للبلاد. نعم، لقد مرّ العراق بأزمات كثيرة، وتجاوزها رغم صعوباتها، وهو قادر اليوم أيضًا، إذا عقد العزم، أن يثبت صحة اعتقادنا، بقدرة القيادات السياسية على تجاوز هذه الجولة الجديدة من الأزمة  التي تضرب الوطن هذه الأيام، إذا ما تنازلت القيادات المتصارعة والمتضاربة في مصالحها، ووضعت نصب أعينها مصلحة الشعب المغلوب على أمره حين ركونها إلى  العقلانية وإلى الحوار الوطني الهادئ، ليكون الوطن ومصلحته سيد الموقف، بعيدًا عن كلّ أنواع التطرف في المطالبات والتعصب في المناقشات والتحيّز في الاستحقاقات المزعومة لكل كتلة.
رسالة السيد المسيح، الذي ضرب بها المثل الصالح في التواضع والمحبة، هي التي بشرت بالسلام المرتقب لبني البشر، وهي حافز لعراقنا الجريح كي يولد من جديد ويحيا أجواء المحبة والوحدة والطمأنينة في ظل الظروف الجديدة التي ستنقله إلى حظيرة دولة مستقلة ذات سيادة كاملة غير منقوصة. ممّا لاشكّ فيه أن جلاء القوات الأجنبية من الأراضي العراقية، له مغزى سام ومعنى أثيل، ما تدعو الحاجة، جميع المخلصين له من الوطنيين الشرفاء، كي يتشاركوا هذه المسؤولية بتعزيز وحدته الوطنية والمساهمة في بنائه وإعلاء صرحه بالتغاضي عن كل مصلحة أنانية وفئوية ضيقة.
إن إقدام أيّ مقتدر سياسي في الحكم القائم على تقديم تنازل، ولو يسير، ليس ضعفًا أو خنوعًا أو عجزًا، إذا ما كان سيصبّ في مصلحة الوطن والشعب على السواء. بل إن مثل هذا السلوك المتسامي في الرفعة والخلق، سوف يعلي من شأنه ويزيد من رصيده، ليس وسط أهله وأصدقائه ومريديه فحسب، سينال رضا الشعب وحب أبنائه وتعاطفهم مع سلوكه الوطني الكبير. عندما أراد المسيح أن يولد في مغارة بيت لحم، وهو العظيم الشأن لدى الله خالق الكون، لم يحسب ذلك ضعفًا أو حقارة أو مهانة، بل كان ذلك الفعل علامة عظمة وقدرة ورفعة، بحيث جاءه ملوكٌ من بلاد الشرق ليسجدوا له ويقدموا له هداياهم. ماذا لو اقتدى قادتنا السياسيون، بهذه الخصال العظيمة الشأن ويتنازلوا عن شيء أسمُه الأنانية وحب الذات والعجرفة، ويتحلّوا عوضها بالتسامي ومحبة الغير والتواضع، وهي صفات غبر بعيدة عن الأصلاء من الوطنيين العراقيين الذين عرفهم التاريخ والحضارة. هذه الصفات الآدمية العليا يمكن أن تشكل اليوم، قاعدة لبناء وطن موحد، قوي، مسالم، متسامح، زاخر بالشيم العربية والعراقية الأصيلة التي تتالت وتوارثها العراقيون الشرفاء منذ أجيال وقرون. ماذا جرى، كي تتمزّق لحمتنا الوطنية ويتشظى شعبنا وينفرط عقد نسيجنا الاجتماعي، بسبب شغف البعض المفرط بالمال والجاه والسلطة؟ وفي كل هذا وذاك، يكون الشعب المسكين والمستضعفون فيه هم الضحية الأكبر، ولاسيّما أبناء  الأقليات الذين يشكلون فيه  الحلقة الأكثر ضعفًا في المجتمع والأكثر تضررًا في المعادلة السياسية القائمة، بسبب التهميش والإقصاء والاستبعاد الذي يعانون منه بسبب نظام المحاصصة الذي أرساه المحتل وطبقته الأغلبية الحاكمة ولا تريد التنازل عنه رغم إثبات عدم جدواه وقصوره وتحيّزه.
أزمة اليوم، تستدعي التفكير بهدوء وروية وفي أجواء وطنية ترسي لبناء الدولة التي لم تكتمل بعد بسبب صراعات الفرقاء، أصدقاء الأمس وأعداء اليوم. الوطن لايبنى بالحساسيات المفرطة، دينية كانت أم طائفية أو إثنية أو مذهبية. هذه كلّها لا تصلح في معايير السياسة الوطنية الصادقة، ومن يصرّ عليها ليس بالوطن والمواطنة بشئ، وسوف يمقته الشعب ويحاسبه التاريخ.
أيها الإخوة والأخوات،
الديمقراطية التي انتهجها العراق بعد ولادته الجديدة في 2003، تعني الكثير. ومن جملة ما تعنيه، الحرية والكرامة الإنسانية للفرد والمجنمع، ولكل الجماعات التي يحتضنها، دينية كانت أم إثنية، صغيرة كانت أم كبيرة، إقلية كانت أم أغلبية. كلهم مواطنون، وكلهم لهم الحق المتساوي في تبوّء مواقع السلطة وفي العمل وفي التوظيف وفي السفر والتنقل وفي الثروات وفي الحرية التي لها حدودها عندما تبدأ حرية المقابل. الديمقراطية، تعني أيضًا، طيّ صفحة الماضي، حيث مبدأ الحزب الواحد والقائد الأوحد. وهذا بحدّ ذاته درسٌ لنا جميعًا. فالحياة الجديدة في العراق الجديد، لا تقبل بعدُ باللون الواحد والدين الواجد والمذهب الواجد والطائفة الواحدة أو الكتلة الواحدة. القادر على قيادة الدولة، إذا أثبت وطنيته وكفاءته ونزاهته وأمانته للوديعة المؤتمن عليها في قيادة الوطن والأمة، سيكون له من جميع طبقات الشعب، كل احترام وتقدير، وسيباركه الله ويسدّد خطاه لأنه نقل وطنًا مثقلاً بالجراح وأهله المتعبين من حالة الشقاء إلى برّ الأمن والأمان. وهذا ما يمتناه الشعب العراقي، حالة مستقرة من الأمن والطمأنينة وخدمات آدمية مقبولة تليق بتاريخه وحضارته وتتناسب مع تضحياته وكثرة خيراته التي لم يتح له التمتع الحقيقي بها لغاية اليوم، منذ اكتشافها واستغلالها.
أما المرأة في العراق، فهي الأخرى لها همومها الكثيرة في المنزل أم في العمل أم في الحياة العامة. إن نظرة المجتمع إلى المرأة، ينبغي أن تتغير لتتناسب مع مكانتها وقدراتها الوطنية والمجتمعية. فهي لم تعد آنية للتفريخ والمتعة أو سلعة للعرض والاستعراض، بقدر ما لها من مساواة في كل مناحي الحياة، كما للرجل، وفق ما حباهما الله عندما خلقهما على صورنه ومثاله. المرأة خُلقت إلى جانب الرجل آدمية متساوية معه ومكمّلة له ومعاضدة له في الحياة، وليس  بحصرها في المنزل وشلّ قدراتها وطاقاتها التي يمكن أن تخدم فيها المجتمع بكل جدارة وأن تثبت فعاليتها في الحياة العامة ومنها السياسية والعلمية والإدارية والاقتصادية والقضائية على السواء.
إننا نعتقد أن الشعب العراقي، قد استعاد جزءًا كبيرًا من وعيه السياسي والاجتماعي، وهو قادرٌ في حساباته في دورة الانتخابات القادمة، في مجالس المحافظات والأقضية، وبعدها في الانتخابات البرلمانية، إنشاء الله، على فرز الغث من السمين، والحكم على الأحزاب والكتل والأفراد التي تلاعبت بمصيره ولم تحقق له غير الغمّ والهمّ واستمرار عدم الاستقرار وتواصل أعمال الخطف والقتل والتهجير وغيرها من أعمال العنف التي لم تتوقف. إننا ندعو لرص الصفوف، لتفويت الفرصة على أعداء العراق، وهم كثيرون، سواء في الداخل أو في الخارج، ممّن لا يريدون له الاستقرار وراحة البال والانتعاش في جميع مجالات الحياة، السياسية منها والاقتصادية والعلمية والاجتماعية. إن نبذ العنف من أساسه وعلى جميع الأصعدة، واجب وطني وإنساني على كل من يدّعي المواطنة ويعترف بمبدأ قبول الآخر ويتطلع لوحدة التراب العراقي وبنائه وسلامته من كلّ أعدائه المحيطين به.
إننا نعتقد أيضًا، أن ما يشهده الوطن هذه الأيام، يقع بدون شك ضمن خانة الصراعات الطائفية والسياسية التي أنهكت الدولة الديمقراطية المزعومة، التي يلقي المسؤولون فيها السبب في نظام الشراكة التوافقية غير المجدية، ونحن معهم في هذا المسعى. لقد فشل السياسيون في هذا النوع من الشراكة، فليجرّبوا غيره، وليبحثوا في الدستور القاصر ما يمكن أن ينشلهم من هذه الأزمة الأخيرة، علّها تكون بردًا وبلسمًا على الجميع. كلنا على دراية بما خلّفه الدستور الذي كُتب على عجالة، من مشاكل وإرهاصات وثغرات كانت السبب الحقيقي وراء العديد من المشاكل والإخفاقات التي حصلت منذ سقوط النظام السابق ولغاية اليوم. فقرات عديدة في الدستور الحالي وأبواب غير موفقة فيه، لم تهيّء الفرصة الصحيحة لبناء دولة المؤسسات وترصين القائم منها وتغيير غير الصالح فيها، بسبب كتابته بطريقة أريد لها خدمة فئات محددة، مهيمنة على المشهد السياسي بدعم من المحتلّ الذي جاء بحزمة أوامر وقرارات مسبقة تهدف لتمزيق اللحمة الوطنية والمجتمعية في العراق.
اليوم، وفي ضوء ما نعيشه من أحداث ساخنة ومن حوادث مفجعة، تقض مضاجع الشعب عامة، ونحن الأقليات بخاصة، يتحتم على الجميع التحلّي ولو بيسير من الحرص الوطني الصادق من أجل استعادة الوطن عافيته وعودته إلى حظيرة الأمن والأمان والسلام، حيث المحبة المجمتعية تشع وتزدهر فيه روح التسامح والتآلف والتعايش، كما كنّا بالأمس. فيما مضى، لم يكن الجار يهمّه أن يعلم الهوية الدينية أو الإثنية أو المذهبية لجاره، لأنهم يتشاركون معًا حياة إنسانية حُبية تعاضدية، تغنيهم عن السؤال عن هذه الخصوصيات الفردية، التي ليست الأساس في حياة الفرد والمجتمع الموحد والمتماسك على السواء. لننظر إلى المجتمعات المختلفة الأديان والإثنيات التي تعيش في دول متحضرة، فقد تجاوزا هذه الفقرات غير المجدية التي تثير الحساسيات وصارت من الماضي. كفانا النظر إلى الماضي، فالماضي أيضًا له همومه. لنغرف منه فقط، ما يمكن أن يخدم تطور البلاد ويبنيها ويضعها في مصاف الدول المتقدمة، معيدين أمجاد تلك الحضارات بحزمة من الأعمال التنويرية والتثقيفية والتوعوية التي تواكب العصرنة. فمن ينظر إلى الماضي على أساس اللحاق به على علاّته، لن يحصد غير الخيبة والتخلّف والتحجّر في الفكر والفعل. ولنحتكم إلى الحاضر المعاش، لنرسي منه وبه، دعائم مستقبل زاهر، متطور بمجمتعه وبأهله وبقادته في ظلّ هذه الخبرة الحضارية الطويلة.
 لقد كرّس الدستور العراقي حكم البلاد ووضعها بين أيدي مثلث سياسي- إثني متحيّز، وهذا الثلاثي قد نصّب نفسه وصيًا على باقي المكوّنات قليلة العدد، أي الأقليات، رغم أصالتها في الوطن وكفاءتها التي قد تفوق كفاءة بعض القائمين على الحكم. إن أبناء هذه المكونات قليلة العدد، أي الأقليات، لا يسمعون اليوم غير تصريحات رنانة تدّعي تمتع جميع المواطنين بالحقوق التي كفلها الدستور، إلاّ أن الواقع المعاش يقول بغير ذلك. فالانتماء لحزب دبني أو سياسي أو لكتلة، ما وكذا القربى والمحسوبية، في يومنا هذا، أصبح هو المفتاح للحصول على جاه وإنعامٍ ولا شئء غيرتلك الشروط ينفع، كالكفاءة والعلم وحسن السلوك والسيرة. وهذا يعني تكرار أخطاء النظام الدكتاتوري السابق وعدم الاتعاظ من دروس الماضي الجريح.
إن ما اضعف مؤسسات الدولة العراقية بعد 2003، هو السلوك الخاطئ للقوى الدينية والأحزاب السياسية التي تدخلت في كلّ شيء لصالحها، ولم تبقي لغيرها شيئًا، لكونها ادّعت أحقيتها المطلقة بالسلطة والجاه والمال بسبب ادّعائها المظلومية أيام النظام السابق لوحدها، والحال أن جميع الشعب كان يعاني الظلم عينه إلاّ فئة قليلة. فكم وكم ممّن وصلوا إلى مواقع وظيفية متقدمة، كانوا من المزوّرين للوصول إلى مبتغاهم وبدعم من القائمين على السلطة، ولم يتم لغاية الساعة، محاسبة هؤلاء بسبب تدخلات الأحزاب والجهات الدينية المتنفذة لصالح المزوّرين والفاسدين، في حين ظلّ الكثيرون ومنهم أبناء الأقليات خارج هذه الاستحقاقات الوظيفية، لعدم وجود من يلبي نداءاتها ويسمع تشكياتها المتواصلة من التحيّز الحاصل ضدّها في وسائل المشاركة الطبيعية في الجياة العامة، ومنها في العملية السياسية. ونحن نعتقد، أن هذه الممارسات لا تقلّ في ضررها على الوطن والمجتمع عن الأعمال الإرهابية التي طالت وتطال كافة فئات الشعب ومنهم الأقليات، والتي يتم تنفيذها في الغالب باسم الله تعالى، جاعلين من الله جلّ شأنه، راعيًا للإرهاب والإرهابيين.
لنكن، كلٌّ من موقعه، داعية سلام وبناء ومحبة، ننشد وحدة العراق وازدهاره وسموّه فوق كلّ أشكال  التمييز والذلّ والقهر والظلم والفساد. التخريب عملٌ سهلٌ، تنزع له النفس الأمّارة بالسوء دومًا، لكن البناء صعبٌ يستدعي رصّ الصفوف وشيئًا من الالتزام الخلقي والمجتمعي تجاه الغير، أيًّا كان نوعه أو عرقه أو دينه أو جنسه أو لونه أو مذهبه أولغته. إن المجتمع الواعي بمثقفيه وعقلائه وعلمائه، له القدرة بالتأكيد، على معالجة مواقع الخلل ومكامن الضرر وكل ثغرة تنشأ عن الحكم غير الرشيد. فمن يقبل النصيحة، يجازيه الله خيرًا، ومن ينصح بالخير والمودة وحسن الفعال، يجازيه أضعافًا، ومن ينكر هذه وتلك، مصيره البكاء وصريف الأسنان، ولا مكان له في جنات الخلد حين يفتح الكتاب ويُقرأ الحساب.
تمنياتي لجميع العراقيين، بالخير والسؤدد ودوام التقدم في ظلّ عراق فدرالي، موحد، زاهر، قوي، مستقرّ ينعم بالسلام والمحبة وبالأمل والرجاء الذي لا يخيب.

لويس إقليمس
نائب رئيس مجلس الأقليات العراقية
بغداد، في 31.12.2011



79
ندوة مدافعة حول مستقبل الأقليات في العراق
"مشاركة  الأقليات في الحياة العامة، ترسيخ لمبادئ الديمقراطية وحقوق المواطنة"
بغداد، في 16 كانون أول 2011

هذه االندوة الحوارية، تأتي لمناسبة صدور التقرير السنوي لعام 2010 ، للمجموعة الدولية لحقوق الأقليات، ومقرّها في لندن، بالتعاون مع مجلس الأقليات العراقية، وكذلك لمناسبة الأحداث المأساوية الأخيرة التي ضربت كردستان العراق الذي كان للأمس القريب، أحد الملاذات الآمنة للذين ضاق بهم العراق، على سعته، والذين فروا من حقد الإرهابيين ووجدوا فيه شيئًا من الأمن والاستقرار، بحسب وعود القيادات الكردية وحرصها على تأكيد ذلك في مناسبة وبدون مناسبة.

منذ سقوط النظام السابق، والأقليات موضع تهميش وإهمال وإقصاء من مواقع القرار، بل واحيانًا من تمييز واضح في مجالات عديدة في الحياة العامة وفي السياسة، علاوة على ما عانته وما تزال تعانيه من أعمال عنف وتهديد وتهجير تمنعهم وتحول دون وصولهم إلى أشكال الحياة اليومية الطبيعية في الوطن.

        لاحظنا في مجلس الأقليات العراقية، كما رصدتم جميعًا ومعنا كل الوطنيين والناشطين، ومن خلال برامجنا المتواصلة في رصد حقوق أبناء الأقليات لغاية الساعة، أن أبناء هذه الأقليات يكادون أن يصلوا إلى قطع حبل الرجاء بمستقبلهم في هذا البلد، كثير الخيرات وقليل الاستقرار، والذي كان يتمتع نسبيًا، وإلى حقبة السنين الغوابر القليلة الماضية، بقدر وافٍ من الاستقرار ومن التعايش السلمي بين أبناء جميع المكّونات القومية منها والدينية على تنوعها واختلافها على السواء. فماذا جرى؟ هل إن الاحتلال الدولي بقيادة أميركا، كان هو السبب وراء كل هذه المصائب؟ وهل هو حقًا بصدد تنفيذ استراتيجيته الجديدة القديمة، من أجل تغيير خارطة الشرق الأوسط، والعراق جزءٌ من هذا المخطط؟ هل يقصد بالتغييرات الدراماتيكية التي تولاّها منذ عام 2003، تفتيت النسيج الاجتماعي الوطني وطمس معالم الحضارة العراقية التي بناها العراقيون من كافة الملل والطوائف والقوميات والأديان والشعوب، ورووها بدمائهم سخية من أجل إعلاء شأن الوطن والأمة؟ ماذا ننتظر اليوم، وإلى ماذا ننظر؟ هل نؤمن بالواقع المرير ونسدل الستار عن إمكانية استعادة العراق لعافيته لسنوات طويلة قادمة من مستقبل قاتم، مجهول الهوية؟ ما هو مستقبل شعوب الأقليات التي أحالها الزمن إلى حلقات ضعيفة في المجتمع؟ هذا ما نريد التحاور بشأنه ورصد الخطوات الممكنة لمناصرة أبناء الأقليات والمدافعة عن حقوقهم وهويتهم وخصوصياتهم وتقاليدهم وإرثهم في أجواء من التعايش والتآلف الأهلي المرتجى.
     
     نحن اليوم، وبالرغم من التحسن الطفيف في الوضع الأمني عمومًا، نجد أنفسنا أمام واقع مرير ومستقبل مجهول، حيال موضوع مشاركة العراقيين من أبناء الأقليات في شؤون الحياة العامة التي يجدون أنفسهم في أحيانٍ كثيرة خارج حسابات الكتل السياسية المهيمنة على الحكم، بفعل حقيقة تقاسم الأخيرة للسلطة. تقول المجموعة الدولية لحقوق الأقليات، شريك مجلس الأقليات العراقية، في تقريرها لعام 2010 الصادر قبل أيام بالإنكليزية، وفي جزء من تقريرها لعام 2011 المخصص للشأن الأمني، بوجود حاجة لتغييرات قانونية وسياسية للحد من التمييز الحاصل بسبب دوافع سياسية وعرقية. وبحسب ما ورد في التقرير، لوحظ وجود تمييز بحرمان أبناء الأقليات في تبوّء المناصب السياسية العليا والوظائف الهامة أو في الحصول على العمل المناسب في دوائر الدولة وفي الوصول للرعاية الصحية المناسبة والتعليم وفي الممارسة الآمنة للثقافة والفنون وفي مجال تنمية الموارد البشرية والخدمات البلدية ودعم طاقات الشباب والمرأة. إذ يرى العديد من أتباع الأقليات في العراق، ،طبقًا لنتائج الاستبيان، أنهم يجدون أنفسهم في معزل عن باقي المجتمع في مجالات عديدة في الحياة العامة، ما تدعو الحاجة إلى مزيد من الحوار والتسامح والمصالحة ووضع قوانين شاملة الإطار، بالاعتماد على دستور مدنيّ يحترم كلَّ العراقيين بكل خصوصياتهم، ومنها العمل على إلغاء كل ما يحتويه هذا الدستور من أنواع التمييز والفوارق في رسم السياسات الوطنية الحقيقية المحتكرة حاليًا من قبل المثلث (الشيعي- السني- الكردي) المهيمن على كل مفاصل الدولة، بسبب تطبيق نظام التوافق المستند على المحاصصة الطائفية التي لم تترك شيئًا لباقي المكونات القليلة العدد، وهي الأصيلة في الوطن.
وفقا للتقرير أيضًا، يظل الحق في العبادة وفي التعبير عن حرية الدين والمعتقد، مشوبا بالكثير من التساؤلات بسبب ثقافة التطرف الإلغائية الجديدة التي غزت المنطقة، ومنها العراق أيضًا. هذه الثقافة الغريبة التي دخلت مجمعنا مع الغزو الأميركي في 2003، لا تقبل أن تقرّ بقبول الآخر المختلف عنها في الدين أوفي العرق أوفي المذهب، بالرغم من تعبير الحكومات المتعاقبة عن احترامها لكل الأديان والأطياف. إلاّ أن الواقع يصطدم بصعوبات وممارسات يومية تصرّ على إهمال حقوق الأقليات الأساسية، واستمرار استبعادها من مواقع القرار في مجمل الحياة اليومية، بعلم وبمرأى من القيادات السياسية الحاكمة. من ضمن النسب التي حصلنا عليها، تقول المجموعة الدولية، بأن47 في المائة فقط، من المستجيبين للاستبيان، شعروا بالأمان لدى زيارة أماكن العبادة، أي للصلاة والزيارة. ناهيك أن النساء من مجتمعات الأقليات خاصة، يخشين السير أو الخروج من المنزل سافرات أو ارتداء الرموز الدينية والتقليدية علنا، خوفًا من كشف انتمائهن إلى دين أو قومية معينة، وذلك في إجراء إحترازي من أجل حماية أنفسهن من الاستهداف أو من التحرش في الشارع أو على طول الطريق المؤدي إلى مواضع العبادة، ولاسيّما في نقاط التفتيش القائمة، وما أكثرها.

 الأسباب التي تم رصدها مجتمعة، في استبياناتنا للأعوام 2009، 2010 و2011 معًا، تكمن في التحيز العرقي أو السياسي أو التعصب الديني الحاصل من قبل جهات عديدة ومنها الكتل السياسية المهيمنة على سياسة العراق وثرواته، وكذلك بسبب الدستور الذي كُتب على عجالة كي يتوافق حصرّا مع مصالح الكتل المهيمنة التي كانت ادّعت وقوع الظلم عليها وحدها فقط أيام النظام البائد، دون غيرها. ولكن، كيف يمكن لمن كان يشتكي، وقوعه ضحية ذلك النظام، بسبب من الظلم والتهميش والقهر والإقصاء ووسائل الدكتاتورية ومن التمييز في الحياة العامة، أن يمارس نفس السياسات الإقصائية  وأكثر منها، حين وصوله إلى السلطة؟ فهل يمكن أن يتحول الضحية إلى جلاّد بين ليلة وضحاها؟

    اليوم، الخوف لدى المسيحيين والصابئة المندائيين والآيزيديين والبهائيين وغيرها من المكوّنات العرقية التي تختلف في ديانتها عن دين الأغلبية، لايزال على أشدّه، لاسيّما من قبل التكفيريين وأصحاب الأفكار الضيقة المنغلقة، الذين يفتون بإبادة كلّ ما يختلف عنهم وبإلغائه، لكونه ليس منهم وباعتباره كافرًا وليس إلهيًا، واضعين أنفسهم مقام الله في الحكم، وهو الديان الوحيد على أفعال البشر. إن هذه الظاهرة الخطيرة، تستدعي اليوم، فعلاً وطنيًا تثقيفيًا جماعيًا جدّيًا في إعادة صياغة ثقافة المجتمع عامة، بدءًا بالمناهج المدرسية ومن خلال توجيهات حثيثة للحكومة إلى دوائرها ومؤسساتها من أجل نشر روح التسامح والتعايش ورفض التمييز على أساس الدين أو الطائفة أو العرق أو الهوية أو اللغة، وإدراج تعريفات عن جميع مكوّنات الشعب العراقي، الدينية منها والعرقية، في الكتب المدرسية كافة ولجميع المراحل، واستبدال دروس الدين في المدارس بمناهج تثقيفية عامة. 

منذ الهجوم البربري على كنيسة سيدة النجاة في 31 تشرين أول 2010، والهجمة شرسة على المسيحيين بالدرجة الأولى، حيث لم ينقطع بسببها، تيار الهجرة القائم في صفوفهم لغاية الساعة. فقد تناقصوا إلى ما يقرب من ثلث حجمهم قبل الأحداث في 2003. فكم وكم من عائلات غادرت مساكنها وبلداتها أو أُجبرت بالأحرى، على الهجرة إلى مواقع أكثر أمانًا، في الداخل، ناهيك عمّن غادروا وبلا رجعة إلى بلدان الاغتراب الكئيبة، طلبًا للأمن والأمان وراحة البال التي أفقدهم إياها المحتلّ بقدومه ومن بعده الحكومات المتعاقبة. مازال العراقيون عمومًا، والحلقات الضعيفة من أبناء الأقليات خصوصًا، تتطلع لرؤية بصيص النور في النفق المظلم الذي أدخلوا فيه. فما يطلبه المواطن البسيط، لا يكاد يتعدى ثلاثة أمور أساسية: حالة مقبولة من الأمن والاستقرار، وخدمات بلدية آدمية، وتطبيق عادل ومساواة في شؤون الحياة اليومية العامة. حتى إن كردستان العراق لم تسلم هي الأخرى، فقد وصلتها عدوى ما يسمى بالربيع العربي، وهي الآمنة طيلة السنوات المنصرمة من مثل هذا الأفعال الإرهابية التي ضربت مكوّنين أساسيين من الأقليات في أحداث الجمعة المريرة في 2 كانون اول الجاري. وفي اعتقادي، كما وصفه أيضًا بطريريك الموارنة بشارة الراعي الذي زار العراق مؤخرًا، أنها رياحٌ تبشر بكلّ الأسف، بشتاء عربي في المنطقة، ويا هولها علينا إذا طرقت أبوابنا مجددًا، خاصة على أبناء الأقليات.

هناك عراقيون عانوا من اغتصاب لملكياتهم، كما أشار التقرير، وهناك مَن مازالوا بدون بطاقات الهوية الشخصية أو وثائق رسمية تثبت عراقيتهم، ولم تتمكن الجهات المعنية من إيجاد حلول سريعة لهذه المشكلة بسبب عدم كفاءة الهيئات المشكلة لهذا الغرض أو بسبب مماطلتها أو بسبب تدخلات جانبية غير مبررة. ونذكر منهم الشبك والتركمان والمسيحيين من الكلدان والسريان والآشوريين والأكراد الفيلية، الذين من حقهم أن تكون لهم هويتهم القومية والدينية الخاصة بهم وأن تعود لهم أملاكهم التي اغتصبت ظلمًا، وهي ماتزال بين أيدي جهات تحكم البلاد حاليًا. يشير التقريران  لعامي 2009 و2010، إلى تعرّض عدد من الأقليات، ومنهم الإخوة الآيزيديين والصابئة المندائيين، طيلة السنوات المنصرمة إلى أعمال عنف وعمليات إرهابية طالت مدنهم وقراهم ومصالحهم ومواقع تواجدهم، كما حوربوا في أعمالهم وأرزاقهم، لاسيّما الآيزيديين الذين يشتركون مع المسيحيين في محاربة أرزاقهم في تجارة الكحول التي نسبت إلى ديانتهم غبنًا وظلمًا. ونحن نقول، أن الذي يشرب الخمرة، سيّدٌ لنفسه، وليس من حق الآخر مصادرة هذا الحق طالما أنه لا يشكل أذى لغيره. بل إن هذا الحق للفرد والمجتمع، يكفله الدستور والمواثيق الدولية التي وقع عليها العراق، والله وحده هو الديان وليس خليقتُه الضعيفة. أما الإخوة الشبك في سهل نينوى، فقد كانت لهم حصتهم من أعمال العنف التي طالت قراهم وأبناءهم واستهدفت قادتهم وأعمالهم، لا لسبب، بل لاعتزازهم بهويتهم الشبكية وتقاليدهم المتوارثة التي تشكل جزءًا من تنوع حديقة العراق. ولم يكن التركمان بعيدين عن التيار الجارف الذي استهدف وجودهم في عقر دارهم وفي مناطق وجودهم التاريخية. فما زال أبناؤهم من العلماء والأطباء ورجال الأعمال والقادة يتعرضون للتصفية والقتل بهدف إسكات أصواتهم، علاوة على نكران تاريخهم وأحقيتهم في مدينتهم التي تقاسموا فيها مع باقي المكونات من العرب والأكراد والمسيحيين والكاكائيين والشركس، حلو الحياة ومرّها، طيلة السنين الغوابر في مدينة كركوك وتوابعها، التي كانت دومًا أشبه بفسيفساء العراق. كما ما يزال البهائيون والكاكائيون، غير معترف بهم، دينًا أو قوميةً، إلى جانب جماعتي السود و الغجر المهملتين والمهددتين بوجودهما وتقاليدهما لأسباب اجتماعية.

ومن جملة ما يشير إليه تقرير 2010 أيضًا، الصعوبات التي يعانيها المواطنون عامة وأبناء الأقليات خاصة، في المناطق الريفية، من نقص في المراكز الطبية والرعاية الصحية  للأمومة والمرأة والطفل، حيث يمكن أن تبعد هذه المراكز أو المستشفيات، أحيانًا 100 كيلومترا عن مناطق السكن، يضاف إليها الوقت المستغرق بسبب نقاط التفتيش العديدة التي يجب التفاوض فيها لغاية الوصول إلى الجهة الطبية المقصودة. ويشير التقرير أيضًا، إلى نقص في الكهرباء وفي المياه الصالحة للشرب، حيث يعاني واحد من كلّ أربعة عراقيين، من عدم الحصول على المياه الصالحة للشرب. ناهيك عن مشكلة الانتماء إلى الأحزاب أو للكتل السياسية أو الدينية القائمة وما يمكن أن يفرضه ذلك من تراجع أو مزايا في الحياة العامة، بفعل الانتماء إليها من عدمه، والذي يعدّ اليوم مثار قلق في حياة المواطن.
   
بخصوص التعليم، تبقى المسافة والتكاليف والخوف من الاستهداف بالإرهاب، هي من بين الحواجز التي تمنع عددًا من أبناء الأقليات من التردد إلى المدارس والمعاهد والجامعات، فلا يمكن أن ننسى الهجمات البربرية التي طالت طلبة من أهالي قرقوش بمركز قضاء الحمدانية في نينوى في أيار 2010، وهم يقصدون المؤسسات التعليمية في مدينة الموصل، وما ألحقه ذلك من أذى وخوف وترهيب، وهذا خير مثالٍ . ويبرز التقرير أيضا صعوبات إضافية تواجه نساء الأقليات بسبب جنسهن، ومنها ترددهنّ وخوفهنّ في الخروج من المنزل لتفادي أنواع التحرش الجسدي أو اللفظي، أو بسبب العنف الجنسي الموجه ضدّهنّ، سواء في المنزل أم في مكان العمل أو من داخل مجتمعهنّ. ناهيك عن أعمال الخطف والقتل والدفع للانتحار أو بسبب الضغوط عليهنّ بتقاليد الزواج القسري وعادة ختان الإناث المنافية لحقوق الإنسان، ولاسيّما في المجتمع الآيزيدي في شمال العراق. وفي سهل نينوى، لاسيّما في غالبية المناطق المتنازع عليها، حيث تعيش العديد من الأقليات، يشكو الأهالي من ضعف في الخدمات العامة وفي التنمية وتنفيذ المشاريع، بسبب صراعات القوى العربية- الكردية على مصير هذه المناطق، حيث ما تزال هذه المشكلة مثار مساومات وجدالات وسجالات ومراهنات بين الكتل السياسية لإيجاد تسوية بصددها في إطار صفقات سياسية، يستخدمها كل طرف لحساب مصلحته الفئوية، وذلك  كورقة للحصول على مكاسب، وكل ذلك على حساب مصالح وحقوق مجتمعات ومناطق الأقليات.
   
   نحن نعتقد مع شركائنا في المجموعة الدولية لحقوق الأقليات، أن المشاركة الفعالة والحقيقية لجميع المواطنين دون تمييز، ومنهم أبناء الأقليات، في الحياة العامة، من شأنه  أن يعزز من إمكانية التعايش السلمي وفي خلق مجتمع متسامح مدني مزدهر بين المكونات الدينية والعرقية المختلفة في العراق. وهذا يستدعي بالضرورة، اشتراك الجهد الحكومي مع الجهات الفاعلة الدولية منها والمحلية والحكومات والمنظمات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، من أجل حماية الأقليات ودعمها وضمان حقوقها المواطنية المتساوية والكاملة، سواء كان ذلك في شكل مبادرات حفظ السلام، أو استثمار الأموال، أو في التخطيط الإنساني أو في تنفيذ البرامج والمشاريع التنموية والتدريبية في مناطق تواجدها المحرومة منها. كما نعتقد بضرورة فتح حوارات بين الدولة وممثلي الأقليات وأصحاب الشأن، من أجل تبادل الأفكار ومناقشة الأوضاع الآيلة للخطر أكثر فأكثر، في محاولة لوضع خارطة للممارسات والتطورات و الاتجاهات من أجل إيجاد حلول قابلة للحياة ولتغيير مسار الوضع السياسي المهتزّ القائم حاليًا، والتي أثبتت الأيام، قصوره وعدم فاعليته وتجاوزه على مجتمعات الأقليات من قبل بعض الكتل السياسية المهيمنة، ما يشكّل علامة بارزة ملحّة وآنية في إعادة الدولة والحكومة النظر بالمعادلة السياسية القائمة في رسم مستقبلها، وفي اختيار الأفضل لمصير هذه الأقليات من أجل بقائها في الوطن، لأن خسارتها وفراغ العراق منها يعني فقدانه لغنى التعددية الجميلة التي يتميز بها منذ القدم.

مع تمنياتنا بحقبة جديدة من العمل الوطني المثمر بين الفرقاء السياسيين، نتمنى ممّن وقفوا في صف المعارضة أو في الاعتراض القائم على برنامج الحكومة الحالية من قبل بعض الشركاء السياسيين، أن يعيدوا النظر في حساباتهم الوطنية، بإيثار المصلحة العليا للوطن على المصالح السياسية والفئوية الضيقة، لاسيّما بعد زوال أحد أهم المبررات التي كانت تقف حجر عثرة أمام الإجماع الوطني على بناء دولة القانون والمؤسسات، حيث أوفت الحكومة بوعدها بجلاء القوات الأجنبية من جميع الأراضي العراقية.

أشكر لكم حسن الإصغاء وأدعوكم لحوار وطني صادق وداعم لحقوق الأقليات، مستند إلى مبادئ العدالة والمساواة، لبناء عراق حضاري مزدهر قوي، ينتعش بأريج المحبة والسلام والتآخي.

لويس إقليمس
نائب رئيس مجلس الأقليات العراقية/ مدير مشروع منع الصراعات في العراق
بغداد، في 16 كانون أول 201


 MRG، المجموعة  الدولية لحقوق الأقليات، منظمة رائدة تعمل على ضمان حقوق الأقليات العرقية والدينية واللغوية والسكان الأصليين في جميع أنحاء العالم. وهي نعمل مع حوالي 150 منظمة شريكة في حوالي 40 بلدّا. حاليا تعمل على برنامج لمدة ثلاث سنوات بتمويل من الاتحاد الأوربي ووكالة المساعدات الأيرلندية، على تعزيز الحريات الأساسية وحماية الأقليات المعرضة للخطر في كل من العراق والصومال. ويمكن الاطلاع على مزيد من المعلومات حول برنامج عمل المجموعة على صفحتها الآلكترونية: http://www.minorityrights.org/11009/programmes/iraq-and-somalia-programme.html


80
المنبر الحر / حالُنا وآمالُنا
« في: 22:42 30/08/2011  »
حالُنا وآمالُنا

كنتُ قد تعمّدتُ التوقف عن الكتابة لغاية انقشاع الأحداث وما ستؤول إليه صيحات وادّعاءات عديدة، بتحقيق ما يُسمّى بمطلب استحداث محافظة "مسيحية"، بكل ما يعنيه مَن يُطالب بمثل هذا المطلب قاصر الأفق، لكونه يتنافى مع رؤية وطنية شاملة يسعى لترسيخها المثقفون والعقلاء بجهودهم الحثيثة في بلدٍ فقدَ فيه الكثيرون معاني الإحساس الوطني الصادق. إلاّ أنّ حادثة بغديدا الأخيرة من الاعتداء السافر على أبناء شعبنا، وما سبقها من حوادث مشابهة ومن منغصات محلّية متتالية، قد جعلتني أخرج من هذا الاعتصام. فهي تعيد إلى الأذهان، مدى حاجة المنطقة السريعة، إلى حسم وحزم وتقرير للمصير كي تعيدَ الكثيرين إلى رشدهم فيما ذهبوا إليه من تسيّب وإهمال وتسليم أمرٍ إلى الغريب الطامع من بعيد، دون تفكيرٍ معمّق مبني على أسس واعتبارات راسخة مبنية على الصخر وليس على طين. هكذا يجب أن تُبنى الأوطان والبلدان، على الصخر كيلا تأتي السيول الجارفة فتأخذها بمن فيها بلا هوادة.
بكل، تأكيد، هناك الكثير من الثغرات التي نلمسها في العديد من مؤسسات الدولة المنهكة والضعيفة، منذ عام 2003. هناك من ركب الموج وهو بعيدٌ عنه، بل لم يكن في حساباته يومًا أن يلقى ما لقيه من منافع وامتيازات في حكم ما بعد النظامٍ الشموليّ الذي أساء إلى الوطن وأبنائه بكل ما تعنيه الكلمة. هناك من تبوّأ مراكز مهمة في الدولة العراقية الجديدة، وهو لم يكن يحلم يومًا، أن تستقرّ عيونُه على رزمة من الرزم الخضر التي بدأت تتناثر عليه من حيثُ لا يدري، كالمطر الهطال  في عزّ الشتاء. وهناك من أحزاب وقوى، استقوت بفضل الغازي المحتل واستهترت بالمعاني الوطنية وآلت على نفسها الانتقام من كلّ بادرة تنطق باسم الوطن، مؤثرة بذلك تغليب المسار الطائفي على الوطني، طالما ضمنت بقاء المحتلّ، حامي حماها وضامنًا مصالحها العرقية والقومية على السواء. وهي بذلك تضمن لنفسها رسوخًا وتواجدًا في مناطق حكمها، كمحافظات أو أقاليم، وكذلك في ما يسمّى بالحكومة الفدرالية على السواء. من ناحية أخرى، نجد أنّ الفساد المستشري في جميع أركان الدولة، ما زال ينخر في جسم الوطن. أمّا الحكومة وقادتها، فهم لا يستطيعون فعل شيء حاسم، رغم النداءات والمطالبات والاستعراضات الدعائية بمحاربة الفساد والفاسدين، ذلك لأن الدولة لا تستطيع محاكمة نفسها. فالفعلة هم من حكّام جسم الدولة ذاتها. ومثل هذه المعالجة تحتاج اجتثاث جهات كثيرة تدعم وتدافع وتضع العراقيل أمام ملاحقة الفاسدين وكلّ مَن يعطّل عجلة الحكومة ويعيق تقديم الخدمات الضرورية والأمن على السواء. هذه الجهات ما تزال عقبةً أمام مشاريع التقدم والتنمية التي يحتاجها الوطن. فهل لنا من دكتاتور عادل يحكم بالعدل والحق ويقاضي الفاسد والمفسدين والمدافعين عنهم على السواء؟ ذلك عزاؤنا!
نعود إلى الاعتداء الأخير الذي استباح النظام الأمني لقصبة بغديدا (قرقوش) وشبابها، وقد أصبحت هذه البلدة، شوكة في عيون الكثيرين وبقعةً تكالبت عليها قوى عديدة، من الصديقة والغريبة وحتى من التي لا تربطها بها لا من قريب ولا من بعيد، بأية عرى عشائرية أو صلات عرقية أو حتى مشتركات سكّانية. والسبب الأساس في كلّ هذا وذاك، تقاعسُ الإدارة المحلية في محافظة نينوى عن أخذ دورها في صيانة حقوق أهل المنطقة منذ بداية الأحداث في 2003، بتركها المنطقة غارقة في ولاءات ومضاربات مصيرية لا تخدم المصالح الحقيقية فيها. وهكذا تكون قد عملت هي الأخرى وساهمت في تفتيت وحدتها وإضعاف إمكاناتها التي تؤهلها لتكون قائدةً لمجتمع متطور ومتميّز في المنطقة بأسرها. يُضاف إلى ذلك لامبالاة الحكومة المركزية ممّا حدث ويحدث لغاية الساعة، بسبب مساومات واتفاقات بين حكومة المركز وقيادة إقليم كردستان حول مصير المنطقة ككلّ. فهناك ما يؤشر مثل هذه الاتفاقات التي يجري طبخها في كواليس السياسة في كلّ من بغداد وكردستان، دون الأخذ بنظر الاعتبار مصالح أهل المنطقة، رغم الضغوط الوفيرة المحلية منها والإقليمية والدولية، التي نادت بصيانة حقوق سائر المكوّنات في المنطقة، وليس المسيحيين منهم فقط. لو كانت الحكومة المركزية قد فرضت سيطرتها الأمنية الكاملة على هذه المناطق، المفترى عليها بالمناطق المتنازع عليها، لما آلت هذه إلى مثل هذه الحالة الأمنية والسياسية والاقتصادية والخدمية والصحية المزرية. ولو أن قيادات في السلطة العراقية، منذ تأزّم الأوضاع الأمنية عامة بعد 2006، قد وافقت على مطالب أهل المنطقة بتجنيد أفرادٍ من أبنائها للعمل على حماية مناطقهم بأنفسهم وفي ترسيخ الأمن وحفظ النظام، لما آلت حالُها إلى ما عانته طيلة الفترة السابقة ولغاية اليوم. فلو تحقّق هذا المطلب الملحّ في حينها، لكانت الدولة في هذه الحالة، قد وضعت حدّا للميليشيات التي تدّعي حماية هذه المناطق، وهي غير مرحّب بها أصلاً وغير مؤهلة أساسًا، لمثل هذه المهمّة المهنيّة التي تتطلب عناصر مدرّبة في أجهزة الجيش والشرطة، وليس أفرادًا يتقاضون مرتبات هي بمثابة حسناتٍ يتفضل عليهم بها نفرٌ يؤدّي واجبًا مُملى عليه تنفيذُهُ. وهذه تُضاف إلى الثغرات العديدة التي لم تستطع الدولة تقديم حلٍّ شافٍ لها لغاية الساعة.
في اعتقادي، أنّ هذا الحادث الأخير، يأتي ضمن سلسلة فقدان الثقة بمن يستمرُّ في التصيّد، منذ بدء الأحداث، بالماء العكر، ومن يقف متفرّجًا على ما يجري من اعتداءات وإهانات لأبناء المنطقة، ومن لا يبدي أية ردّة فعل عنيفة وصارمة تجاه ذلك. هناك من يدّعي "المشيخة" أو "القيادة" على رأس مناطق مسيحية، ويعوّل على هذه المفخرة لتحقيق منافع ذاتية أو أسرية أو حزبية محدودة، غير عابئٍ باحتياجات الأهالي، إلاّ في الإدّعاءات الدعائية بعمل شيء من أجل تحقيق مطالب الشعب المسكين، وهم من ذلك خواء. لا نسمع أو نقرأُ عنهم سوى مانشيتات طويلة عريضة تقول: زار السيد الفلاني فلانًا... والتقى السيد النائب الفلاني المسؤولَ كذا... وزار السيد الفلاني هذه الدولة وقام بجولات في ... إلخ. وفي الواقع، ما تزال هناك أسئلة كثيرة غير هذه وتلك، ومطالب عديدة أخرى بعيدة عن المنال. شبابُنا يتطلعون اليوم، إلى إيجاد عملٍ يعيلون به أسرهم، وخريجونا يلهثون وراء وظيفة يأملون بها خدمة وطنهم ومناطقهم، علّهم يفلحون في تقليل شدّة العنف والتوتّر القائم في مناطق تواجدهم. كما أن الخدمات الأساسية ما تزال في معظمها بدائية ولا تلبي أدنى مستويات الآدمية المطلوبة. فكيف بأبناء شعب عريق يعمل بوصية "المحبة" ويقف على رأس الحربة في عكس إيمانه بعقيدته وبقوميته وبجذوره المتجبّرة في الأرض العراقية، أرض بابل وآشور وسومر وأكد، أرض الحضارات. فهل من يعيد تلك الأمجاد؟
عمومًا، نحن اليوم كشعب مسيحي من جميع الملل والطوائف، نعاني أكثر، بسبب غياب رؤية واضحة ووطنية على المستوى العام والخاص. هذه الرؤية، ستكون ناقصة في حالة استمرار العمل بأـسلوب الاستضعاف والإهمال والتهميش والإقصاء وتغييب حضور جميع المكونات في المنطقة ومنها المسيحيين أصحاب القدح المعلّى في حب الوطن والعيش المسالم. كما ستبقى هذه الرؤية ناقصة أيضًا، طالما تزمتت مكوّنات متنفذة، يدعمها المحتل، في ترسيخ نظام المحاصصة الطائفية البغيض، وهي ليست راغبة كما يبدو، في التخلّي عنه بسبب المكاسب التي ورثتها والتي لم تكن تحلم يومًا، ولو بعُشرها، لو اتسمت حكومات ما بعد 2003، بروح وطنية وفي إنصاف الجميع بالعدل والحق والمساواة.
إن تشكيل تجمّع توحيدي لتنظيمات شعبنا، لهو خطوة جبارة طالما نادينا بها وسعينا لها في المجلس الكلدو آشوري السرياني القومي "المجمّد"، الذي كان ثمرة أتعاب وجهود شرائح مخلصة أرادت تجميع وحدة الصف المسيحي وتوحيد خطابه السياسي منذ أيام السقوط حتى تاريخ تجميده في 2007. ونذكّر أن التجمّع الأول الذي أسّسَ له رؤساءُ الطوائف المسيحية في العراق بالاستعانة بقوى لأحزاب مسيحية (كلدانية- سريانية- آشورية) في أعقاب سقوط النظام السابق، قد عمد منذ تأسيسه، على لمّ شمل قوانا القومية بكل فخرٍ واعتزاز. ولكن يد الغدر قد اغتالته بأيادي خفية مدعومة من جهات طامعة، جلّ همّها كان في التخطيط والعمل على تأييد انسلاخ قرى وقصبات مهمّة في سهل نينوى وضمّها إلى كردستان بشتى الوسائل المغرية، سواءً الترغيبية منها أوالترهيبيىة. وهكذا تشكّلَ على أنقاضه، ما يُسمّى اليوم بالمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري، ذي الأهداف المعروفة! ولكن، يبقى الحذر واجبًا! قلناها في مناسبات عديدة ونقولها اليوم: "إحذروا ألّا تلقوا جواهركم قدام الخنازير لئلاّ تعود إليكم فتدوسكم بأرجلها"، هذه وصية المسيح، ومنها نأخذ الحكمة والعبرة. أقولها وكفى. فاللبيب من الإشارة يفهم. لا يغرّنّكم ما تسمعوه من حلو الكلام وما يُقدم من عسل ممزوج بمرارة السموم الدفينة المتمثلة بنوايا مشبوهة وبالهبات والعطايا الجزيلة التي تخجل لها النفوس الوطنية الأبيّة، في حين تحدّق فيها عيونٌ جائعةٌ غيرُها، وهي غيرَ مصدّقة لما تلقاه من هبات وعطايا آنيّة لا تخلو من تنازلات مطلوبة في مقابل ذلك. فدروس الماضي كفيلة بالتذكير.
لستُ أعترض على ميثاق عمل مسيحي موحد يخدم الجميع ويعيدُ البسمة إلى شفاه الجرحى والمعوزين ويساهم في الحد من الهجرة القاتلة وفي تشجيع من غادر الوطن للعودة إلى بيت الأهل والأحباب وإلى تراب القرية وذكرياتها الجميلة ليلتقي من جديد ببني جنسه وبأحبابه وأقاربه. فالغربة قاتلة، مهما كانت مغرياتها. أسألوا من تعوّد السفر وأضنتهُ الغربة حتى لأيام معدودات، كيف يحنّ إلى أهله وذويه وأبناء عشيرته وإلى وطنه الجريح. أسألوا من فارقكم من الأبناء والأهل والأصدقاء، وستسمعون الشوق والحنين واللهفة إلى جدران البيت القديم وإلى "العوجة" الفلانيّة، أو إلى رؤية مجرسة الكنيسة العالقة وناقوسها المذكِّر بالعبادة والصلاة، أو كيف كان الاتّكاء على عمود الكنيسة المرمري الذي يذكّر بالرجال الرجال الأقوياء الذين بنوا تلك الصروح حاملين على أكتافهم ثقل حاويات الجبس والتراب والصمّان والحلاّن وسط آثار الشمس المحرقة وبرد الشتاء ومطره الزاخر. بلداتنا وقرانا مهدّدة في كلّ حينٍ من جهات كثيرة، منها التي تدّعي الصداقة ومنها الغريبة الطامعة. قلوبُنا جريحة ونفوسُنا مكسورة وأبناؤنا يُهدّدون ويُقتلون. فهل نتركهم ضحايا مكسورة الخاطر لا حول ولا قوة لهم مدى الدهر والزمان؟ ألسامريّ، كما يقول الإنجيل، عندما وجد في طريقه غريبًا جريحًا ملقى مضرجاً بدمائه بعد أن سلبه اللصوص وأشبعوه ضربًا، لم يشأ تركه فريسة، بل نزل من دابته وداواه وآواه وصرف عليه من حلال جيبه مع توصية وجاهةٍ لصاحب النزل بزيادة الاهتمام بالجريح المسكين وهو يصارع آهات الموت. هكذا الوطن وأبناؤه الجرحى، ومنهم المسيحيين الذين وقعوا ضحايا بين أقوام طامعة، سافرة، قاهرة، جائعة للقتل والتنكيل والتهجير والإقصاء والإهمال والنهب والسلب من المال الحلال والحرام. كلٌّ في سريرته ينوي استلاب جزءٍ من قرانا التاريخية، ومنهم من استلبها وقهرها واستباحها ولم يفي بوعده بإعادة الحق إلى أصحابه. أين عشرات بل مئات القرى المسيحية التي كان يزخر بها شمالُنا الحبيب؟ مَن غادرها مكرهًا، يتذكر ماذا كانت وما آلت إليه، إن لم تكن قد مُحيت آثارها المحفورة في قلوبهم فعلاً. فهل نجح المدّعون بصيانة حقوق شعبنا وتمثيلهم شكلاً، في إعادة ما استلب من أراض وأملاك طيلة السنين الغابرة منذ أحداث الشمال؟ ماذا حصدنا من تأييدٍ أعمى لكل خطوات ودعوات مَن يسعى للانسلاخ من أرض عراقية، ثقافةُ أبنائها عربية حتى العظم، وهو اليوم يؤيّد ضمّها لإقليم آخر دون وازع من ضمير أو شيء اسمُه العقل والتعقّل؟ فليكن الميثاق المتفق عليه، أداة حقيقية لتوحيد قوى شعبنا وليس لتفريقها وزجّها في متاهات السجالات السياسية التي لا نفع فيها، بل إنها تبقي أحوالَنا وآمالنا في حدود التابع الذليل الذي يستجدي سادتَه في كلّ صغيرة وكبيرة. وسنظلُّ كذلك إن أصرّ البعض البقاء تابعًا ولم يُقدِم على خطواتٍ جسورة يتخطّى فيها عتبة الكيانات السياسيّة المهمِلة وغيرِ الراغبة في الاعتراف بحقوق الشعوب الأصيلة التي أحالها الدهر قهرًا إلى مكوّنات قليلة العدد (أقليات).
لذا فإنّي أعتقد أنّ الارتكاز إلى حلول واقعية، هو الحلُّ الأمثل لبلوغنا مآربنا وتحقيق طلباتنا المشروعة بتكوين "إدارة لامركزية"، ولتكن "محافظة" وطنية على أساس إداري وجغرافي وليس على أساس ديني، كما يسعى إلى تحقيقها الكثير من المغرضين، من الغرباء عن هذه المنطقة ومن غير أهلها من الحالمين بتوسيع مواقع منافعهم على حساب أهل السهل. نحن نقرأ الوجوه ونحلل التصريحات ونستقي معلومات مفيدة حول تحركات مَن لهم خفايا ونوايا في أنفسهم، ومنهم مَن هُم ضمن تشكيلات التجمع القومي الجديد. لكننا لا نعوّل الكثير على هذه الجهود المشوبة بنوايا مضمرة، التي لا نقبل بها سياسةً ملتوية في كسب الحقوق وتأييد الناس لمشروع غير وطني وغير معقول في التحقيق والتنفيذ، إن صحّت توقعاتُنا، لاسيّما وأننا اليوم أحوج ما نكون فيه إلى توحيد الجهود من أجل رسم خارطة وطنية شاملة لتعزيز المواطنة والتخلص من آثار الطائفية البغيضة التي تحاول عدد من الكتل السياسية ذي النوايا الشيطانية، أن تتمسك بها حتى بأسنانها، بغية الاستمرار في النخر في عظام البلاد المتعبة والنهش في جسد العراق الضعيف، كالنسور الجائعة المنقضّة على جسم مريض تكالبت عليه قوى الشر والغدر والطغيان قبل وبعد الأحداث المأساوية في 2003.
لئن كان هذا قدرَنا، فنحن ادّعينا دومًا أننا أبناءُ آشور وبابل وسلالة سنحاريب وحمورابي. أليس بمقدورنا استعادة ولو جزء من أمجاد هؤلاء الذين ندّعي انتماءنا إليهم؟ أم إنّ إتّباع الغريب في هدي مسيرتنا هو الطريق الأسلم والأسهل للسائرين على درب الماشين مع الموجة الصفراء؟
مشكلتنا تبقى إذن، قائمة في عدم الاعتراف بقدرتنا على عمل شيء نافع وشجاع وجسور من شأنه إعادة حقوقنا المسلوبة. والسبب يكمن في تعوّدنا التبعية للغريب وفي تمجيد القادم من أرض غير أرضنا حتى الثمالة بل وفي تنصيبه سيدًا علينا، وهو ليس بأفضل منّا في أية حالٍ من الأحوال. وكلُّ ذلك ليس سوى من أجل إشباع رغبات بائسة وتلقّي منافع شخصية، قد تخدم أفرادًا قلّة أو شريحة فقيرة في المجتمع، لكن ذلك ليس المهم. فمصلحتنا العليا تكمن في ترسيخ كرامتنا وفي دعم شخصيات أبناء شعبنا من الحريصين فعلاً على مستقبله ومصيره وتطوره واسترجاع حقوقه مهما كانت وأينما كانت. ونحن نعوّل في ذلك أكثر، على الشخصيات الوطنية الصريحة ولاسيّما، المستقلة منها والبعيدة عن صراعات وتأثيرات القوى السياسية المتنفذة التي تغري نفرًا معينًا بالمال والعطايا السخية والهبات الكثيرة بمناسبة وبغير مناسبة. هذه التصرّفات كلها، إن كانت لها بداية، فستكون لها نهاية بكل تأكيد. فمن يستلم المال بغير حق ويستمتع بكرامات لا يستحقها، لا يقلّ تصرّفه هذا فسادا عمّن يسرق قوت الشعب ويقتل ويعربد في الليل والنهار. ومن يعيث في الأرض فسادًا، يجازيه الله في النار، وبئسَ المصير، حتى لو كان أمام الشعب من ذوي المتشحين بالجلباب الأسود شتاءا والأبيض صيفًا أو من ذوي العمائم والقلنسوات الملونة والجميلة. فاللعنة تحلّ على الأسود كما على الأبيض وغيره من الألوان، إذا ما فسدَ ملحُ أصحابها، ولم يعودوا ينفعون بشيء.
لويس إقليمس
بغداد، في 29 آب 2011

81
أدب / قصيدة للمطران يوسف عبّا
« في: 10:38 24/05/2011  »


قصيدة للمطران يوسف عبّا


الشماس لويس اقليمس





82
السيدات والسادة الحضور الكرام،
أرحب بكم وأشكر وزارة حقوق الإنسان، الجهة المنظمة التي أتاحت الفرصة لهذا اللقاء الوطني، الذي نتمنى تكراره وتفعيله بصورة متواصلة  لأنه أحد الأبواب التي من خلالها تتهيّأ الفرصة لأبناء الوطن للجلوس والحوار والمداولة من أجل فهم خصوصيات بعضنا بعضًا، والتأكيد على أحقية جميع العراقيين في هذا الوطن، على أساس التساوي في الحقوق والواجبات. كما أنها الفرصة المؤاتية، من أجل تدارس كيفية تقاسم المصير والتناخي لبعضنا البعض في تقليد وطني جميل، يكشف عن مدى اهتمام من أولاهم الشعب ثقتَه، كي يعبروا عن تقديرهم لهذه الثقة ويصونوا الأمانة، ليس بالقول والخطابات الرنانة فحسب، بل بالفعل والعمل الجاد من أجل صيانة حقوق هذا الشعب.
إننا، في مجلس الأقليات العراقية، نقدر جيدًا هذا اللقاء وسوف لن نألو جهدًا في التعاون مع أية جهة، حكومية كانت أم من مجتمع مدني يعنى بحقوق المواطنة ويدعو لنصرة المواطن، من أي مكوّن كان، ضمن رقعة الوطن الواحد على أساس مبدأ العدالة والمساواة والتآخي.
كان العراق ومازال، مهد الحضارات وبلد الخير والثروات والتسامح والتعايش السلمي منذ نشأته الأولى. أما ما نمرّ به اليوم من تفتّتٍ في لحمة جسده الجريح، فهو ليس من شيم العراقيين الأصلاء، ولا من أخلاق أبنائه النجباء، الوطنيّين الحقيقيّين الذين شربوا من مياه نهريه الخالدين، وشمّوا رائحة هوائه المعطرة بوطأة أقدام أنبيائه وقديسيه وأوليائه الأبرار، الذين مازلنا نتخذهم قدوتنا ومسارنا في حياتنا اليومية ونتذكر أقوالهم وكلماتهم الداعية كلها إلى الخير والمحبة والتسامح والبناء. إنها لبركةٌ لهذه البلاد، أن تكون قد تشرّبت من قدسية وعظمة هؤلاء الرجال العظام الذين بنوا فيه صرح الحضارة منذ عصور ما قبل التاريخ، مرورًا بحضارات بابل وسومر وأكد وآشور. فمن لا يتذكر القائد حمورابي ومسلّته الشهيرة التي أعطت العالم بواكير القوانين. ومن لا يتذكر سنحاريب الملك الآشوري العظيم والثور المجنح وأسرحدّون ونبوخذنصّر وزقورة أور وشارع الموكب في بابل وعقرقوف وكالح وخورساباد وغيرها كثيرٌ. فأينما حللت ووطأت رجلاكَ، تجد شيئًا في أرض العراق من إرث  العالم الحضاري.
وإن نسيتُ، فلا أنسى دور العلم والعلماء والساسة العظام، في تسيير كفة الحضارة والدولة العراقية عبر تاريخها الطويل المجيد. فقد كان للمسيحيين مثل غيرهم من أصلاء الشعب منذ انتشار المسيحية في القرن الأول الميلادي، دورُهم البارز في نهضة العراق وفي الدفاع عن مصالحه الوطنية من أية أطماع جانبية قادمة من خلف الأسوار. فمن ذا لا يتذكر ملك الحيرة العراقي، النعمان بن المنذر وشجاعة ابنته هند، وهما يذودان عن الأرض والعرض المهدّدين آنذاك عبر حدوده الشرقية. لقد كان الملك عراقيًا مسيحيًا وكذا أسرتُه وأهلُ عشيرته، كانوا عراقيين باللحم والدم والوطنية. وهل ننسى بمن تغنى بهم الشعراء في قصائدهم بسعة الكرم وإدارة شؤون القبيلة من أمثال حاتم الطائي وقس بن ساعدة وغيرهم ممّن قرأنا عنهم في مناهجنا الدراسية، رغم أنّ الكثيرين منّا لا يعرفون حقيقة كون هؤلاء كانوا من العراقيين المسيحيين قبل ظهور الدعوة الإسلامية وطمسها لمعالمِهم. عتبُنا على واضعي المناهج في الدولة العراقية، لتغافلهم عن هذه الحقائق بقصد أو دون قصد، والتي من شأنها، لو طُرحت بوعي وطنيّ ومنهجيٍّ صحيح، أن تعزّز من التسامح الوطني وتُرسي لثقافة الغير التي نفتقر لها اليوم في مجتمعنا المغلق والمتمترس خلف أفكار عفا عليها الزمن، مثل غيره من المجتمعات العربية الهزيلة، التي تخشى الانفتاح والتغيير والتحديث.
وهل لنا أن نتذكر باختصار، قوّة الدولة العباسية بفضل ما وصلته من تقدم في مجالات عدة في نقل العلوم والترجمة والطب والفلسفة، وكل ذلك كان بفضل العلماء والمترجمين والأطباء المسيحيين من أمثال حُنين بن أسحق طبيب هارون الرشيد وربعِه من صنفه، الذين نقلوا هذه المعارف عن اليونان، التي كانت آنذاك على رأس ناصية العالم المتقدّم. ولم ينقطع عطاء المسيحيين لبلدانهم أينما كانوا. فقد أثبتوا جدارة ووفاء وإخلاصًا حيثما حلّوا وارتحلوا. وكانوا كذلك على العهد، حتى اليوم، وأنا الواقف وسطكم أفتخر مثلهم، بعراقيّتي وحضارتي ومواطنيّتي وسط أهلي وأصدقائي وأنتم جميعًا منهم .
نعم، إنها اليوم، لفرصة سانحة، كي نعيد إلى الأذهان دور الرواد المسيحيين في بناء حضارة العراق الجديد وصروحه العلمية منذ نشأة الدولة العراقية في القرن الماضي. وللتذكير فقط، فإنّ أول مربٍّ فاضل، أسس أوّل جامعة عراقية كان الدكتور متي عقراوي، وهو مواطنٌ مسيحيٌّ من مكوّن السريان، وتلاه من بين مواطني الأقليات الذي تولى رئاستها من بعده الدكتور عبدالجبار عبدالله، وهو أيضًا عراقيٌّ من علماء طائفة الصابئة المندائيين. والإثنان كانا عراقيين أصيلين، ولم يبدر ببال من ولّاهم هذه المسؤولية الكبيرة، أنهما ينتميان إلى هذا الدين أو هذه القومية أو هذا المكوّن أو هذه الطائفة أو هذا المذهب. إنّ هذه التوليفة الطائفية الأخيرة المقيتة التي وردتنا منذ قدوم المحتلّ، ومانزال نعاني منها في تشكيل حكومات ما بعد التغيير في 2003، ليست من شيم العراقيين الأصلاء ولا من بنات أفكار أبناء العراق الوطنيين الأحرار، بل وصلتنا طارئة من خلف الأسوار وعبر وسائل هؤلاء الغزاة الطامعين وأدواتِهم، من الذين أرهبتهم شدةُ العراقيين ونصرتُهم وتعايشُهم التقليدي المتعارف عليه عبر قرون من الزمن، واقفين سدّا منيعًا ضد كل الأطماع.
إنّ ما يؤسف له، أن تتمكن الأيادي القذرة من المتورطين في الشأن العراقي الراهن، من دق الأسفين بين إخوة عاشوا في السراء والضراء متقاسمين أرضَ وهواءَ ومياهَ بلدٍ عريق، إسمُه العراق. إن ما تفعله هذه الأيادي القذرة في محاولة منها لتفتيت لحمة النسيج العراقي المتآلف منذ قرون ودهور، سوف لن تستطيع نيلَ مبتغاها، بإذنه تعالى، لأننا عازمون على دحر هذه الوسائل بما لدينا من إيمان ورجاء وطاقة بمواطنينا، حين يعودون إلى تقليب صفحات الماضي الزاخر بكل أصناف الرياحين والورود التي كانت وما تزال تفترش أرضَ العراق وتزيّنها كحديقة غنّاء بعطورها وأشكالها المختلفة المتآلفة من سائر المكوّنات باختلاف أديانها وأعراقها ومذاهبها وأطيافها. فكيف، إذا سمحنا باقتلاع إحدى هذه الأزهار النضرة من حديقة هذا الوطن الغالي؟ وهل هناك من يقبلُ أن يدوسَ لصٌّ حديقةَ دارِه ويتمرّغَ بها ويبدأ بقلعِ أزهارِها أمام مرآه ومسمعِه؟
هذا هو العراق، وهؤلاء نحن العراقيين الأصلاء. نحبُ بلدَنا، نحبُ شعبنا، نحبُ جارَنا، نحبُ أرضَنا ومياهَنا وهواءَنا، ونذودُ عن حياضِه إذا سوّلت نفسٌ لأي دخيلٍ أن يفتَّ من عضدِنا ويوقعَ فيما بيننا. حينئذ، سنقف له بالمرصاد ونتكاتف لطرده من وسطِ صفوفنا، لأنه ببساطة، حشرةٌ ضارة، قلعُها ضرورةٌ عراقيةٌ ووطنيةٌ وإنسانية.
أيها السيدات والسادة،
إن مطالبَنا نحن العراقيين من أبناء الأقليات، ومنهم نحن المسيحيين كغيرنا من مواطني أبناء شعبنا، عادلةٌٌ وبسيطةٌ، لم تتغير. فهي صادرة من رحم أبناء الأمة العراقية. وإذا كانت مجزرة كنيسة سيدة النجاة مساء 31 تشرين أول المنصرم، قد صعّدت من وتيرة هذه المطالب، فلأن هذه الجريمة النكراء، قد سفّهها وشجبها واستنكرها العراقيُّ المسلمُ والصابئيُّ والإيزيديُّ في العراق، قبل المسيحي. كما تنادى المسلمون ودعاة الخير والرحمة والإنسانية من سائر أرض العراق، بل من كلِّ بقاع العالم وتعالت أصواتُهم معلنةً، أنّ هذه الفعالَ السمجة ليست من أخلاق الإسلام ولا أي دينٍ متسامح آخر. كما أنها ليست من شيمة العراقيين ولا تعكس تسامحَهم المعروف مع أبناء وطنهم وجيرانهم وأصدقائهم.
من أجل ذلك كله، فإننا اليوم نرفع هذه المطالب أمام الحكومة التي تتشكل في هذه الأيام، كي تأخذ بعين الاعتبار ما يلي:
1-   السعي مع الأيام، لإخراج البلاد من مفهوم مبدأ المحاصصة الطائفية المقيت المبني على أساس دينيّ وعرقيّ وطائفي ومذهبي، ففيه من المضار ما هو أكثر من المنافع، بل إنه يؤسس لبناء دولة طائفية على أساسٍ قوميّ ودينيّ، وبها ستكون مقيدة الحركة والتصرف.
2-   إحترام حقوق المكوّنات العراقية جميعًا، بما فيها المكوّنات الدينية المختلفة والقوميات والأعراق المتعدّدة، وفق اللوائح الوطنية والدستورية ولائحة حقوق الإنسان الدولية، دون تمييز في الدين أو اللون أو العرق أو المذهب أو الطائفة.
3-   إشراك جميع المكوّنات العراقية في العملية السياسية، إنطلاقًا من مبدأ الشراكة الوطنية الذي أقرّته الكتل السياسية الرئيسة المتناحرة على المال والجاه والسلطة، والكف عن تهميش أو إقصاء أو استبعاد أي مكوّن له أتباعه يعيشون على أرض الوطن، بحجة الاستحقاقات الانتخابية والقومية وغيرها من الأعذار غير الحضارية وغير المقبولة التي من شأنها تقويض أساس بناء دولة عراقية حديثة وفق منهج ديمقراطي متحضّر.
4-   تقديم الخدمات اللازمة لأبناء جميع المكوّنات، ولاسيّما تلك القليلة العدد أي أبناء الأقليات، من خلال تخصيص مشاريع لهم ضمن الخطط والبرامج التنموية في الأقاليم والمحافظات والمناطق التي يقيمون فيها. وهذا سيساعد على التشبث بمناطقهم ورفض الهجرة القسرية بسبب غياب هذه وتلك، كما سيساعد على الاستقرار وامتصاص شيء من البطالة فيها.
5-   إشراك أبناء الأقليات في المناصب السيادية والوزارية والإدارية والفنية والعلمية والأمنية، وفي جميع مرافق الحياة ضمن كل وزارة أو دائرة، واعتماد مبدأ الكفاءة والإخلاص والمواطنة في التعيين وفي تولّي المسؤوليات، وليس هذا بمنّة من أحد، لأنه جزءٌ من حقوقهم الوطنية.
6-   التعجيل في إشراك أبناء الأقليات في درء خطر الهجمات المحتملة والمتكررة على مناطق تواجدهم، ومنها دور العبادة من الكنائس والمعابد والجوامع والحسينيات والمزارات والأديرة التي يرتادها أبناء هذه المكوّنات في المناسبات والأعياد وأيام الصلوات والمناسبات التقليدية، من خلال إشراك متطوّعين منهم في التشكيلات الأمنية المتعددة في أجهزة الأمن والجيش والشرطة والمخابرات والاستخبارات وأية تشكيلات مشابهة. وتكون هذه مرتبطة حصرًا بالحكومة المركزية و العمل على إخراج جميع المجاميع المسلحة غير النظامية من هذه المناطق. وهذا موضوعٌ سبق طرحُه، لكنه ظلّ حبرًا على ورق بسبب التجاذبات والسجالات والمساومات السياسية غير المجدية بين كتلٍ، كلٌ منها له أجندتُه الخاصة في مناطق تواجد أبناء الأقليات.
7-   ألسعي لحمل الأجهزة التربوية على معالجة الخلل القائم في المناهج الدراسية المنحازة التي تمايز في نقلها الحقائق التاريخية والحضارية من خلال التركيز على ما يخدم دينًا أو مذهبًا أو قومية أو  جهةً دون غيرها، على أساس التمييز والتفرقة والتعالي، واستبدال ذلك بمناهج حديثة تعتمد المعايير الديمقراطية الحديثة المتفق عليها من أجل صيانة الوطن وأبنائه ومن أجل تخفيف التوتر القائم من دون إقحام ما يمكن أن يجرحَ الآخر وينتقص من وجوده وهويته وشخصه.
8-   الكشف عن الجهات التي تقف وراء جرائم تهجير وقتل على الهوية وتهديد مواطنين آمنين من أبناء الأقليات، والمسيحيين منهم بصورة خاصة، حتى لو كان ذلك يكشف عن رؤوس كبيرة مشاركة في العملية السياسية. وقد أمهلنا الحكومة العراقية وقتًا كي تكشف فيه الحقائق للشعب. وحينها، لو فعلت الأجهزة الأمنية في الحكومة القادمة، وقيّدت الفاعل ضدّ مجهول، سوف نضطرّ حينئذٍ لطلب مساعدة دولية من خلال المطالبة بتشكيل محكمة دولية تتولى هذه المهمة.
9-   السعي الجادّ لإنهاء ملف المادة 140 المنتهية صلاحية نفاذها بموجب الدستور، والتي تُعدّ إحدى الموادّ التي زرعت الاضطرابَ والرعب والترهيب في أوساط أبناء الأقليات في عدد من محافظات العراق، ولاسيّما في محافظة نينوى التي نال فيها أبناءُ الأقليات، ومنهم المسيحيون بصورة خاصة، القسطَ الأوفر من هذه المشاكل. إننا نعتقد أن هذه المادة المقحمة في الدستور لإرضاء حكومة الإقليم، قد زادت من الانقسام في الولاء كما في تضارب المصالح، جرّاء المشاريع والمحفّزات المالية والهدايا العينية والوعود التي ساهمت في زرعها حكومة الإقليم عبر أدواتها المسخّرة والمنتفعة من الوضع غير الطبيعي هناك، مستغلّةً حاجة الأهالي واهتزاز بعض الزعامات الدينية اللاهثة نحو المال والتباهي الفارغ، ممّا ساهم في خلق جزء كبيرٍ من هذه المشاكل من حيث عدم الاستقرار وزيادة التوتر بسبب إيثار هذه العناصر المجنَّدة مصالحَها الشخصية والعشائرية الضيقة على مصلحة عموم أبناء المنطقة.
10-   في الوقت الذي نشكر فيه تعاطف بعض الدول الأوربية وشعورها بثقل معاناة أبناء الشعب العراقي كافة، والأقليات منهم بصورة خاصة، فإننا نذكّرهم، بأن اهتمامهم المنصبّ على تشجيع أبناء هذه المكوّنات للهجرة إليها، يدخل ضمن سياسة تفريغ هذا البلد من مكوّنات أصيلة. وهذا يعني خسارة الوطن والمنطقة لكفاءات وطنية ومدنية وعلمية ومن إرث حضاري، ستكون آثارُه وخيمة. في الوقت ذاته، فإنّنا نثمّن عاليًا مبادرة الرئيس جلال الطالباني واستعداد حكومة الإقليم وعلى رأسها الرئيس مسعود البارزاني، على استضافة أبناء الأقليات وتقديم العون الممكن للعائلات المهجّرة. ولكننا، لن نرضى التخلّي عن أماكن تواجدنا الأصلية أو أن تكون أراضي حكومة الإقليم بديلاً لمناطقنا التقليدية، التي يمكن العمل بجدّ، لمنحها وضعًا إداريًا لامركزيًا مرتبطًا بحكومة المركز، من أجل إدارتها محليًا وفق ما ورد في الدستور العراقي في مادته 125.
أخيراً، وليس آخرًا، أحييكم وأحيّي استعداد كل وطنيّ شريف في عراق اليوم، يضع كفّه في كفّ أخيه، ويتناخى له إذا داهمه القدرُ المشؤوم، كي يصبر ويصابر معه ويؤازره كمن يفعل ذلك لذاته ولأهل بيته وأبناء عشيرته. فالوطن يبقى بيتَنا الكبير، فيه نترعرع مع أبنائنا وبناتنا وإخوتنا وأخواتنا ومع كلّ أبناء جلدتنا، وبه نتقاسم الحلو والمرّ وسائر المصائب، لا سمح الله إن وقعت، كما نتشارك في ثرواته، وما أكثرها لو استُغلّت وقُطعت أيادي اللصوص والمفسدين، لأشبعت الأفواه الفاغرة وأمّنت الغذاء والاستقرار والسلام والطمأنينة للجميع!

أشكركم والسلام عليكم ورحمة الله وجلُّ بركاته علينا جميعًا.
لويس إقليمس
نائب رئيس مجلس الأقليات العراقية
شخصيّة عراقية مستقلّة/ عن المكوّن المسيحي

83
وقت للنضج وليس للتسفيه

   ممّا لا شكّ فيه أن المساحة الفائتة من مدّة احتلال العراق من جانب القوى الغازية بقيادة أمريكا، عدوّة الشعوب المستقرّة، قد أتاحت الفرصة، ولو، أقول ولو، لشرائح عديدة من أبناء شعبنا من أجل فهم وهضم ما حدث وما يحدث اليوم. إن هذه الفرصة ذاتها، قد تمعّن فيها الكثير من أبناء العراق، وفي ضوئها فقط، قد حسموا أو كادوا يحسمون أمرهم في شرعية الاحتلال وهدفه وفي النية المقصودة لما بعد الاحتلال. إن الأمور الصعبة التي عانينا منها، نحن المكوّنات قليلة العدد، أي الأقليات، كثيرة ولا تُعدّ، لاسيّما أن المحتل، وعبر أدواته من الساسة الجدد الذين بغير حكمة وفي غياب دراية بمصلحة الوطن و أهله الشرفاء الأبرياء، لم يألُ جهداً منذ قدومه، في تمزيق النسيج الأهلي المتعايش تقليديًا، وذلك لسبب بسيط، لكون هذا الشأن خارج أهدافه. فالمحتل، لم يكن يهمّه البتة، حالات الصراع والاقتتال والاشتباك التي حدثت وما تزال على أشدّها وسط مناطق الأقليات، وذلك بحجة أن هذا الشأن عراقي ولا دخل لهم فيه.
إن ذات الشئ ينطبق على كلّ مكوّن من المكوّنات التي كانت تشكل فيما مضى، فسيفساء شعب وبلد اسمُه العراق، بلدِ ما يُعرف بالحضارة والعلم والشعر والثروات، موطن أبي نؤاس والرشيد وحنين بن اسحق ونازك الملائكة وناظم الغزالي وما أكثر الأعلام في كل ميدان.
إنني أُعجب من ذوات كثيرين آثروا البعد عن أرض الوطن لأسباب في غالبيتها واهية ودون حجة كبيرة، إلاّ من ذريعة الحسد والبطر والبحث عن فردوس عدن في بلاد الاغتراب. ومع ذلك، فهم يحشرون أنفسهم في خانة الأسياد الذين لا يتركون فرصة أو مناسبة، إلاّ وأصدروا نصائحهم، بل وأحيانًا أوامرهم لمن بقي في الداخل متعفّفًا، أمينًا، واقعيًا في عيشه وحياته ، والأحرى، في كرامته وعزّة نفسه. ما لهؤلاء، والتدخل في شأن من صمد وآثر البقاء في الوطن ولم يشأ أن يغادر إلى أراضي الغربان الذين لا همّ لهم سوى مصالحهم. إن ما يسعى إليه هؤلاء، من حشد المجتمع الدولي ضدّ ما يعتري أبناء وطنهم من تهميش وتهجير وتغييب وغيرها من أساليب العنف غير المبرّر، هو الأولى بهم بعد انسلاخهم عن الوطن. وهذه حقيقة واضحة، أن كلّ من غادر أرض الآباء والأجداد، لم ولن يفكّر بعد بالعودة إليها، إلاّ ما ندر. أمّا ألأبناء والأحفاد، فلن يكون لهم عودة البتة، لأنهم فقدوا كلّ مبررات التشبث بالوطن وأهله لأسباب تختلف من شخص لآخر. هنا بيت القصيد، ليس من حق من غادر أن يتدخل في مصير من بقي صامدّا، وليس له أن يتخذ قرارات عن بعدٍ حول هذا المصير، لأن أهل مكة أدرى بشعابها، كما لا يمكن لمن قطع الحبل السري مع الوطن وآثر العيش على فتات الأسياد، أن يكون أكثر حرصًا ودراية بما يحتاجه أهل الداخل. نحن نحتاج لهؤلاء جميعًا في رفدنا بقوّة سياسية واجتماعية من خلال تكوين لوبيات سياسية، ولاسيّما ضمن منظمات المجتمع المدني التي يمكن أن يكون لها تأثيرها الفعال في الضغط على أصحاب القرار بالطرق المتاحة لديهم أكثر من أبناء الداخل. ولكن، أن يتدخل المغتربون في كل صغيرة وكبيرة، وفي رسم سياسات أهل الداخل، من أي مكوّن كانوا، فذلك غير مقبول. هؤلاء قد أصبحت لهم حياتهم الخاصة بعد تطبعهم في بلد الاغتراب. وأهل العراق الصامدين، لهم مسوّغاتهم وحيثياتهم وأسبابهم وأوضاعُهم، في كل منطقة من مناطق تواجدهم. إن ما يُؤسف له، أن أمثال هؤلاء المغتربين قد ساهموا في تأجيج صراعات داخل مكوّناتهم، كلّ بحسب مصالحه أو مصالح حزبه ومذهبه والأجندة التي يحملها من البلد الذي استقرّ فيه. وإنّي أتساءل، ما بال هؤلاء، ينتصبون في كل شاردة وواردة من أجل إثارة انشقاقات وتعميق جراحات بين المسيحيين في كل مناسبة؟ إلى متى سيستمر الكذب والنفاق والضحك على ذقون البسطاء والأبرياء بخصوص الانتماء القومي لهذه الطائفة أو تلك؟ ألم يتفقوا جميعًا، ولو على خجل، في لقاءاتهم الكنسية والمدنية والحزبية أن المسيحيين من سائر التسميات هم شعبٌ واحد باختلاف التسميات؟ ما بال البعض يغوص في كل مناسبة متجبرًا ومتحديًا ومتعصبًا لهذه القومية أو تلك، سواءً من الكلدان أم الآشوريين؟ أصحيحٌ أن أمور المسيحيين لن تستقيم إلاّ إذا عادت الآشورية أو فُرضت الكلدانية تسميةً قوميةً لأبناء مختلف الطوائف المسيحية؟ ما بالُ كل هؤلاء الذين يختزلون السريان على شقّيهم دون خجل في كل مناسبة وفي كل جلسة وفي كل مطالبة؟ أليست كلمات مثل تاريخ الأدب السرياني، واتحاد الكتاب والأدباء السريان، والأطباء السريان واللغة السريانية والمكتبات السريانية وما في بطونها من مؤلفات الملافنة السريان والمخطوطات السريانية، هي الأكثر رواجًا في المحافل الدولية وفي المكتبات الآثارية وفي الجامعات العالمية؟ هل تعصّبَ السريان يومًا لاختزال وجود إخوتهم من الكلدان أو الآثوريين؟ أسئلة كثيرة وتساؤلات في محلّها، بحاجة إلى تمحيص وإعادة نظر، كما هي بحاجة إلى زحزحة من يستعلي على غيره ويتشبث بتسميةٍ، أكل الدهر عليها وشرب وأصبحت من صفحات الحضارة والتاريخ. كما أنها لن تقدّم أو تؤخر في مصلحتنا الوطنية أولاً والمسيحية والمذهبية ثانيًا. ولو كان أمثال هؤلاء المتعصبين قد رجحوا عقولهم وضمائرهم، لكانت تسمية السريان قد حلّت كل الإشكاليات التي أتى بها هؤلاء وأنتجوها من أجل شقّ الصفوف وزرع الفوضى والتفرقة في صفوف عامة المسيحيين.
    لقد ولّى عصر القوميات في أوربا مثلاً منذ زمن. وبفضل التخلص من هذا التعصب قد تقدمت وتطورت وألقت بوزر هذا العائق خلفها. أما نحن، فما زال المستعمر بأساليبه  الجديدة حريصًا على إبقائنا أسرى هذا التثبث غير المبرّر. وذات الشيء ينطبق على جميع مكوّنات الشعب العراقي بإبقائها تتخبط بقوميتها وإثنيتها، وما تفرزه هذه من مشاكل وما تفرضه من متاعب ومشاحنات وسجالات، بحيث تجعل أبناء المكوّن الواحد يلوكون بعلكة القومية، حتى استنفاذ طعمها. إن العالم بأسره، يعلم أن مسيحيي العراق شعبٌ أصيل، له تاريخه وحضارته وحضوره منذ اقتران هذا البلد بالمسيحية في القرن الأول الميلادي. ألا يكفي لنا فخرّا، مسيحيتُنا وعيشُنا الحياة الإنجيلية كمسيحيين صادقين في تصرفاتنا وفي عملنا أينما كانوا وكنّا؟ ما أحلى أن نسمع: أنظروا هذا مسيحي قد تفوق في عمله وهذه مسيحية قد تفوقت في دراستها، وهذا طبيبٌ أو مهندس أو عاملٌ مسيحي يمتاز بعلمه وفهمه وطيبة تعامله!!
كلمة أخيرة، أقولها لزميلي ليون برخو الذي زاملتُه أيام الدراسة في جامعة الموصل، ولكن في كلية أخرى، وأحتفظ له بصورة أخوية وأكن له احترامًا كبيرًا، أن شبح الانفصاليين في العراق عمومًا قد استفحل بعد الغزو الأمريكي، وقد شجّعهم على ذلك، طابورٌ مسيحي من أمثال هؤلاء الذين ليس في جعبتهم سوى الإملاء و التذكير والإرشاد من مواقعهم في بلدان الاغتراب أو من يموّلهم من هذا الطابور لنقل هذه الإرشادات. ولا أعتقد أن الإيغال في المغالاة بالانتماء القومي من مصلحتنا المسيحية، لأنها طريق وعرة وسالكة بالأشواك، وما أكثرها من التي تطلع علينا بين الفينة والفينة. وهذا ما قطع السبيل أمام طرق التواصل لإيجاد مخارج مشتركة ومقبولة لتوحيد الخطاب السياسي ومنه توحيد التسمية التي وقفت وماتزال تقف عثرةً أمام أية بادرة لتواصل حقيقي وصادق للمكوّنات المسيحية التي لا ينبغي اختزال أيّ منها. وهذا أيضًا ما يحدث اليوم، كما حدث بالأمس، أثناء كتابة الدستور، حيث يتحمّل كلّ من كان السبب في التثبيت المجحف لتسمية المكوّن المسيحي آنذاك بالطريقة التي ارتآها لنفسه ولمصلحة حزبه أو جماعته، رغم التحذير من تلك الخطوة غير الرصينة آنذاك خلال انعقاد المؤتمر المسيحي الأول بعد سقوط النظام السابق مباشرة. ونحن اليوم، نحصد ما زرعه هؤلاء بالأمس، وما عزّزه وغالى فيه غيرهم لاحقًا بعد تشابك المصالح وتعدّد الولاءات. ولعلّ أبسط هذه السفاهات، محاولة قفز البعض على تسمية اللغة السريانية، أي الآرامية، بالكلدانية أو الآشورية. لربما كان ذلك، بسبب جهل البعض لحقائق التاريخ والتراث، ولكن لدى آخرين يكون السبب هو هذا التعصّب الأعمى.
لم أكتب في مثل هذه المواضيع منذ أمد، ولكني بعد قراءتي لمقالة الزميل برخو في موقع عنكاوة قبل أيام، آثرتُ توضيح حقائق نعيشها مع بعضنا، نتناقش فيها، ولكننا بعيدون كل البعد عن تطبيقها. هذه دعوة ملحة لترك مثل هذه المواضيع التي لا فائدة من إثارتها من قبل فئةٍ، شغلُها الشاغل، خلط الأوراق وإبراز الأحقية التاريخية والجغرافية والدينية وحتى الحضارية، لفئة دون غيرها، من خلف الأسوار رغم قطعها الحبل السرّي في بلدها، كما أسلفتُ، إلاّ من ذكرياتٍ ونفرٍ من الأهل والأصدقاء هنا وهناك.
تحية تقدير لكل من يساهم في بناء علاقة طيبة في سبيل توحيد مكوّنات شعبنا المسيحي على أساس الاحترام وقبول الآخر، من خلال العودة إلى العقل الراجح والنضج في التفكير وليس في التقليل من شأن الغير وفي فرض رأيه وأجندته على ما سواه.
لويس إقليمس
بغداد، في 10 آب 2010


85
كلمة منظمة الأٌقليات  العراقية في مؤتمر منظمة  حمورابي لحقوق الإنسان حول الوجود المسيحي في العراق و عودة اللاجئين

تحية المحبة والسلام والتآلف علينا جميعًا،

           باسم منظمة الأقليات العراقية (مجلس الأقليات العراقية سابقا)، نحييكم ونحيّي مؤتمركم  متمنين لكم النجاح في أعماله من أجل تحقيق الأهداف المبتغاة لمنظمتكم  في نقل الحقيقة وتوضيح ما يمكن أن يكون عاملاً مساعداً في العودة الميمونة لملايين العراقيين الذين اضطرّتهم ظروف متنوعة ومتشعبة لترك أرض الوطن والتيه في مشارق الدنيا ومغاربها بحثا عن شئ ثمين افتقدوه، اسمه الأمان والحرية والكرامة الإنسانية.
إن السنوات العجاف التي مرّت على أبناء العراق منذ سقوط النظام الملكي ولغاية تاريخ اجتياح المحتل الأميركي لأرضنا وتدنيسه لطبيعة العلاقة التعايشية الطيبة بين أطراف النسيج العراقي قاطبة، قد عملت عملها السلبي في عدم طمأنة المواطن على مستقبله ووضعت قدرَه على المحك. بل إن السلوكيات السلطوية للأنظمة المتلاحقة  لغاية الساعة، لم تسعى قيد أنملة لسدّ هذا العوز الملحاح في رؤية الوطن بأيدي أمينة توفر لشعبه الأمان والسلام و تيسّر لأبنائه ما يحتاجونه من الخدمات اليومية الإنسانية ولو في أدنى درجاتها.
إن الأقليات العراقية، التي ارتأت أن تنضوي تحت لواء منظمة الأقليات العراقية منذ عام 2005 لدى تأسيسها رسمياً، ما تزال تشكو وتستغيث وما من مجيب أو منصف أو حتى مهدّئ للخواطر ، للمساعدة في طمأنة من فقدوا الأمان والثقة بالنظام الجديد في العراق. أقولها وبكلّ صراحة، لقد خسر النظام الجديد، الكثير من روّاده  ومريديه بسبب ضياع المؤتَمنين على العرض والمال  العام والحرية والإنسانية من المتسلطين حالياً، في متاهات السلطة والفساد وحصاد المنافع الفئوية الضيقة، تاركين سحابة أبناء العراق ضحايا للعنف المستشري والتمييز والتهميش المتعمّد في سلوكٍ إقصائيٍّ مقيت لكل من لا ينتمي إلى هذا الحزب المتسلط  أو ذاك، أو هذه الكتلة المتنفذة أو تلك. ما هكذا تُساق الإبل أيها السادة، ورفقاً بالمستضعفين من أبناء الرافدين وبالأخص تلك الحلقات الضعيفة من أبناء الأقليات عامة والمسيحيين جزء مهمٌّ  منهم.
إن منظمة الأقليات العراقية ما تزال تنظر بعين القلق والريبة إلى الكثير من الممارسات غير النظامية وغير الإنسانية وغير الديمقراطية التي يتعرض لها أبناء الأقليات. والأدلة على ما نذهب إليه كثيرة وهي تتجسّد يومياً في تلك  الأعمال الإرهابية التي ما تزال تستهدف أبناءها ومؤسساتهم في طول البلاد وعرضها. ناهيك عن المضايقات اليومية والحياتية في الترهيب حيناً والترغيب أحياناً أخرى من أجل فرض أجندة معينة على فئة من الأقليات في مناطق تواجدها الأصلية ، بهدف طمس هويتها أو إضعاف شكيمتها في الدفاع عن حقوقها وفي العيش بحرية وفق مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية التي تفرضها سلوكية المواطنة الحقيقية.
إن موضوع عودة اللاجئين في الخارج هو الأعزّ على قلوب البعيدين قبل القريبين، ونحن نقرّ أنه الأصعب في ظلّ حالة اللاإستقرار واللّاسلم واللّاأمان التي ما تزال قائمة في عراقنا الجريح لأسباب عديدة ومنها على وجه الخصوص، نظام المحاصصة البغيض والتوافق الوطني الفاشل الذي كرّس وقدّس كلّ شيء لمثلث سلطوي معطّل للقرارات والقوانين، بحيث لا السلطة التشريعية تعرف واجباتها ولا القضائية تسير في موازاة العدالة الاجتماعية ولا التنفيذية تستطيع أن تؤدي أعمالها كما يجب وتطبق برنامجها كي يتبصّر الشعب العراقي في مصداقيتها ويقيّم أعمالها ويحكم على فعالها.
إن جموع اللاجئين والمهجَّرين والمهاجرين التي غادرت غالبيتُها مضطرّة أرض الآباء والأجداد، لن تفكر في العودة إلى أحضان الوطن إلاّ بعد الاطمئنان دستورياً وقانونياً على تحقيق مبدأ المواطنة بصورته الصحيحة بالاعتماد على المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع أطياف الشعب العراقي دون تمييز، وليس وفق نظام المحاصصة الطائفي والإثني والمذهبي المعمول به حاليًا. لقد اعترف الجميع تقريباً، بمن فيهم قياديون في الكتل السياسية الحاكمة ومنها الدينية على وجه الخصوص، بفشل نظام المحاصصة الذي فرضه الغازي المحتل وصفّقت له الكتل السياسية الكبيرة من أجل تحقيق مآربها في دبمومة السلطة والمال والجاه في أيديها إلى ما  تشاء.
إن رسالتنا، نحن أبناء الأقليات هي رسالة ودٍّ ومحبية وتعايش. هي رسالة وطنية نابعة من رحم أرض الرافدين الخالدين اللذين اقتربا من الجفاف بسبب الإهمال والتطاحن الطائفي وفقدان الاتزان السياسي المرتبط بأصول الحياة الديمقراطية العصرية التي قبل بها العراقيون بعد سقوط النظام السابق. هي رسالة وحدة للتراب العراقي الكامل وليس باتجاه الانفصال وتقسيم المقسوم وتجزئة المجزّأ، وفق أجندات خارجية وداخلية مشبوهة لا تمت للأخلاق العراقية الأصيلة.
كلّ ما نريده ويريده الشعب العراقي هو التمتع بحياة إنسانية، متمدّنة، وطبيعية تكفل له قوته اليومي وأمنه وسلامته. ولا ننسى أن البلد الرغيد والشعب السعيد هو من تمتعت المكوّنات القليلة العدد أي الأقليات بكامل حقوقها الوطنية التي يكفلها لها الدستور والقوانين الوضعية. وفي بعض البلدان تحظى الأقليات بحقين، حقٌ كامل في المواطنة الاعتيادية وحقٌ إضافي حكوميٌ تقدّمه الجهات الحاكمة لكسب ثقة هذه الشرائح.
إننا إزاء عتبة جديدة من الحراك السياسيّ الذي يمكن أن يغيّر صورة الواقع العراقي فيما لو التزمت الكتل المتقدمة للانتخابات التشريعية المقبلة بروح المواطنة الصادقة بعيداً عن التأثيرات الدينية والمذهبية والفئوية الضيقة. وهذا ما لمسناه إعلامياً فقط  في البرامج السياسية للكتل التقليدية التي آثرت تحسين صورتها بالانقلاب على الصبغة الدينية والإثنية لأحزابها وتغييرها باتجاه الوطنية. إلاّ أنها في الواقع، ما تزال تتحدث وتتعامل عملياً وفق ذات المنطق القديم. إننا نعتقد أن هذه التخريجات الشكلية وغير الصادقة، سوف لن تُخرج البلاد من مشاكله الكثيرة ولن تنقذ الوطن وأبناءه من مخلّفات الجهل بالسياسة الوطنية التي نريدها مبنيةعلى إقامة مشروع الدولة المؤسساتية الحديثة الحريصة، مشروع دولة القانون بكل ما يعنيه هذا المصطلح، وليس دولة كيانات وكانتونات متصارعة من أجل مصالح مذهبية وفئوية وحزبية ضيقة لاتخدم المصلحة العليا للوطن.
 إن ما يجري خلف الكواليس من مساومات ومزايدات على حساب المصلحة العليا للوطن، لا يمكن أن يساهم في قرب التخلّص من وزر هذه الأفكار والسياسات غير المجدية التي تؤخر في عودة الأمان والسلام والطمأنينة للمواطن في الداخل كما في الخارج. وإلاّ كيف نترقب عودة المهاجر والمهجَّر من دون أن يتلمّس بوادر تحقيق مصالحة وطنية وبناء ما دمّره الإرهاب بالتعاون مع عملاء مشاركين في السلطة دون تحديد الجهات.
لقد شعر أبناء الأقليات ممّن اختاروا بلدان المهجر أماناً لحياتهم و صوناً لكرامتهم، شعروا أنهم كانوا دوماً في حقل التهميش والإقصاء والإبعاد من الحياة السياسية العراقية بعد السقوط ، وذلك بسبب سياسات المحاصصة التي نزلت حتى الوظائف الدنيا بحيث خلت العديد من الدوائر المهمة من كفاءات مهنية ووطنية بعد إحلال المتقاعسين وغير المؤهلين مكانهم. إننا نريد أن يبقى العراق لوحة فنية متكاملة الصور والألوان الزاهية من خلال تعزيز مبدأ المواطنة وتحقيق نظام العدل والمساواة والكفاءة في الحياة اليومية المعتادة كي يشعر الجميع أنهم أبناء هذا الوطن، ولا خير أو ميزة لأحد على حساب الآخر إلاّ في الكفاءة والولاء للوطن وأرضه وأهله. هذه هي الشراكة الحقيقية التي نتوخاها في الحياة السياسية في البلد، وحينها فقط سيفكر المهجَّرون أن لهم مكانة في بلدهم الذي تركوه صاغرين مضطرّين.
 فلنعزّز إذن، من هذا النسق الوطني المأمول، من أجل إعادة خلق شعبٍ جديد في سلوكه الاجتماعي والسياسي والمهني والثقافي بعد أن اغتالته يد الغدر الجاهلية وقتلت فيه روحه التعايشية المتأصلة في نسيجه منذ قدم التاريخ، فما طالنا دخيلٌ علينا تماماً وليس من أخلاقنا وأصالتنا العراقية.  ولابدّ من أن تنقشع الغيوم السوداء ويظهر الحق، فيعود الأهل والأحبة إلى أرض الآباء والأجداد، وهم أعزّاء مكرّمين في بلدهم وليس غرباء مشتّتين.

لويس إقليمس
منظمة الأقليات العراقية
بغداد، في 11 كانون أول 2009





86
كي لا نقع في خطيئة!!!

في خضمّ الحراك السياسيّ غير المتكافئ على جميع الأصعدة وفي ظلّ غياب أبسط  وسائل الأمان التي تضمن حقوق الناخب العراقي، المغلوب على أمره في الكثير من السياقات والسلوكيات والتلميحات غير الديمقراطية، يتهالك أبناء الأقليات، والمسيحيون منهم بخاصة، كي يضمنوا لهم نصيباً في المؤسسة التشريعية المتعبة حتى الإجهاد الميؤوس. ولكن هيهات لهم أن يحققوا آمالهم وطموحاتهم وسط هذا الكمّ الهائل من الضغوط  المتفاقمة والتدخلات الوقحة والوصايات المتعالية المرتبطة بأجندات لا تخدم مصلحتنا العليا إلاّ في انتزاع حقنا في التعبير وفي إبقائنا أسرى تابعين لغيرنا، وليس أحراراً وأصحاب كلمة مستقلة ورؤية ثاقبة حول مجريات الأوضاع على الساحة السياسية والوطنية.

كلّ الدلائل تشير إلى انحلال الرؤية وغياب الرأي الحرّ عندما يتعلّق الأمر باتخاذ موقف موحد من قضايانا المصيرية. فكلٌّ يبكي على ليلاه، تاركاً الحبل على الغارب ومن بعده الطوفان! إن الأمور لا تُحسب على هذه الشاكلة، كما لا ينبغي أن تُقاس وفق معايير ضيقة تضرًُّ بأمننا وتعرّض سلامة أبنائنا وبناتنا على المديات القريبة والبعيدة على السواء. الانتخابات القادمة، وعلى طريقة سابقاتها منذ الغزو السافر لبلادنا في 2003، لن تكون أحسن حالاً طالما بقي المثلث الطائفي (السنّي الشيعي الكردي) المدعوم من الغازي المتسلط على رقابنا، حاكما مطبقاً على مقاليد السلطة بكل نوازعها وخفاياها وإرهاصاتها ووفق حسابات كلّ طرف. فيما المواطن البسيط، لا همَّ له سوى الأمل في البحث عن فرصة تضمن له أمنه وخدماتٍ تيسّر له حياته اليومية وسط حيّه وبلدته ووطنه. أي باختصار، كلُّ ما يهمّه الاستئناس بمركز نزيهٍ لشرطة وطنية و الاعتماد على دائرة بلدية تعمل بضميرٍ حيّ وغيرة عراقية.

المواطنة والمساواة، صنوان لا يمكن افتراقهما في دولة تحترم القانون وتقرّ حقوق الإنسان وفق العهود والمواثيق الدولية الصريحة، التي تحسبها وفق معيارٍ متساوٍ وليس بمكاييل متأرجحة وفق الأهواء والأغراض. فالمفترَض أن يُعامل جميع المواطنين وفق ذات المعيار، متساوين في الحقوق والواجبات كما  ينص عليها الدستور الحاليّ، رغم الكثير من المآخذ عليه بسبب محاباته لفئات طائفية وعرقية على حساب باقي المكوّنات الصغيرة التي رُفع الغطاء عنها وتُركت فريسة سهلة المنال في التهميش والإقصاء والإبعاد على كافة الأصعدة دون استحياء. بل وما زاد الطين بلّة، بقاءُ أعين اللاعبين الكبار جوعانة دائمة الثغر المفتوح لابتلاع حتى الفتات الذي تركته لهذه الأقليات صاغرة، مضطرةً أمام  ضغوط إقليمية ودولية أبقت هي الأخرى وعلى استحياء منها طبعاً، شيئاً من الحنان والعطف المخجلين حين لاحظت اشتداد الوطأة على هذه المكوّنات المستضعفة. وكلّ ذلك بسبب سلوكيات الغازي المحتل الذي يقف وراء قراراته السلبية والمجحفة، الحاكمُ المدني الأمريكي بريمر سيئُ الصيت، الذي أرسى دعائم المحاصصة الطائفية المقيتة وحوّل البلاد إلى كانتونات ودويلات داخل دولة، بحيث أفقدتها هيبتها لتقع فريسة تحت أنياب حيتان كبيرة لا ترحم.

لقد آمنّا بالديمقراطية العتيدة، رغم قصورها وإفراغها من محتواها الإنساني والوطني عندنا. لذا علينا قبولها كما هي، ليس وفق نزعات الكتل السياسية الكبيرة، كما يريدها ويخطط لها اللاعبون الكبار، ولكن وفق السياقات الإنسانية والأخلاقية والوطنية، هذا إذا كان الساسة الجدد يؤمنون حقاً بمفاعيلها ورجاحتها وضرورة تبنيها أصلاً. ليست العظمة في أن تحكم وحسب. بل العظمة، كل العظمة أن تحكم بالعدل وتسوس الناس سواسية وفق معيار وطني عادل تأمر به كل الشرائع والأديان السماوية، في أن يُحكم بالعدل والمساواة دون مواربة أو تحيّز أو تجبّر لامرئ على حساب غيره. الديمقراطية الحقيقية هي أن يعرف كلُّ ذي حق حقه، وأن يُحاسَب كلّ مواطن على سلوكه وتصرّفه، وأن يُكافأَ كلُّ شخص على فعاله وكفاءته ونزاهته وإخلاصه في العمل في موقع عمله. الديمقراطية الحقيقية في بلد متعدّد الديانات والأعراق والمذاهب والقوميات، تكمن في تحقيق المساواة والعدل بين أبناء الوطن الواحد وفي تحقيق  سعادة المرؤوس ولاسيّما المكوّنات  قليلة العدد نسبياً أي الأقليات، التي تُعد سعادتهاّ معياراً لرفاهية أي بلد ومقياساً لأمنه وسلمه الاجتماعي. ومن هنا، يُحكم على البلاد من خلال سعادة العباد، ولاسيّما المستضعفين منهم. فهل ندري أن العديد من الدساتير العالمية وقوانين الكثير من الدول، تمنح هذه الأقليات حقاً إضافياً؟ حقٌ في العيش مواطنين متساوين أمام القانون بموجب دستور الدولة، وحق إضافيٌ لصفتها الأقلية. وبذلك فأبناء هذه الأقليات تضمن لها رفاهية إضافية، ما يجعلها أمينة في مساكنها ومواقع تواجدها وحريصة على حتمية الاندماج في المجتمع الذي تتواجد فيه.

هناك من يحاول تقسيم المقسَّم وتجزئة المجزَّأ أصلا في المعادلة السياسية العراقية الصعبة. وهذه الأخيرة، على حرجها وهشاشتها وهزالها الوضعيّ القائم، لن تستقيم ببقاء الطغيان الطائفي والنَّفَس العرقي والمذهبي قائمين على المنابر الرسمية، التشريعية منها والقضائية والتنفيذية. هناك صراعٌ واضح على السلطة في المنافسة التشريعية القادمة، ولا غبار على ذلك. فأصدقاء الأمس المتحالفون، باتوا اليوم في خانة الأعداء المتنافسين، رغم عدم الإفصاح عن هذا الواقع. نحن لا نعترض على المنافسة الشريفة، لو كانت خالية من العدائية. كما أن الغيرة مقبولة ومشروعة إذا بقيت في حدود المنافسة الشريفة وضمن الحدود الأدبية والأخلاقية في سياق الديمقراطيات الحديثة.

إن أبناء شعبنا يتعرّضون اليوم لاستغلال العوز المادّي لدى فئات من أبنائه بسبب الضائقة المالية التي ترتبت عليهم من جراء البطالة المنتشرة في عموم البلد.  لكن، أن تُمارس ضغوط جانبية باستغلال هذا الضعف لدى هذه الشرائح المتعبة وبهذه الطريقة الوقحة، وعدّ كلّ من لا يمشي مع القافلة في عداد الأعداء، فهذا أمرٌ مكروه ومرفوضٌ. ففي حمّى الترشيحات لمجلس النواب القادم، بدأت ترشح نتفٌ من نوايا المستفيدين والقيّمين على صرف الرواتب الاستجدائية على عدد من أبناء شعبنا ممّن يخدمون في مهمات حماية مناطق تواجدهم أو ما على شاكلتها، بحيث بلغت إلى أذهانهم، ممارسةُ أشكالٍ متعددة من التلميح والتهديد بقطع الأرزاق، وربما قطع الأعناق لو استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، في حالة عدم تأييد هذا المرشح أو ذاك ممّن عيّنهم ما يُسمّى بالمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري لتمثيل المسيحيين ضمن الكوتا المخجلة المخصصة لهم في مناطق تواجدهم. وهذا أمرٌ غير مقبول! ومن المؤسف حقاً أن ترد مثل هذه الإشارة من عناصر قيادية أو محسوبة على المؤسسة الكنسية أو من خلال المتعاونين والمتواطئين معها، وهي التي يُفترض بها أن تراقب الأوضاع، لو شاءت، عن كثب دون تدخل منها لصالح هذا المرشح أو ذاك. فالكل أبناؤنا دون تمييز، وهذا هو المعيار الأفضل والمعوَّل عليه، لو شاء رجالُها ورئاستُها الحفاظ على الصفوف مرصوصة. ومن هنا، لم يكن في الحسبان أن تتورط المؤسسة الكنسية لا من قريب ولا من بعيد، في هذه الأحجية التي فرضتها الأموال الكثيرة التي أُغدقت من جهة كريمة طيبة المعشر لأجل المساعدة والعضد كما قيل لنا في وقتها، من  أنه لا تترتب أية التزامات أخلاقية أو وضعية أو قانونية حيالها. وكنّا قد حذّرنا في وقتها، من نتائجها الوخيمة اللاحقة في أن إغداقها بهذه الطريقة لن يكون جزافًا ودون مقابل. ولكن، كان الردّ يأتينا دومًا، أنّهم أي الكنيسة، في حلٍّ من أية التزامات تجاه هذه العطايا السخية. وها نحن هذه الأيام، نجني ثمارها المرّة والعسيرة في شقّ الصف المسيحي في البلدة الواحدة والقرية الواحدة والعشيرة الواحدة!

إنني أتساءل: هل يجد الشعب العراقي مصلحته في إجراء الإنتخابات التشريعية القادمة بالطريقة التي أُريد لها أن تكون وأن تُدار؟ بالطبع سيرد السؤال سلبياً، لأن الواقع مريرٌ ومبكٍ حتى الخجل. هل هذا هو استحقاق هذا الشعب المغضوب عليه من السماء التي بقيت لا تريد أن تبكي مطراً محتبساً، ومن الأرض التي تكالبت عليها الأيادي من كل حدب وصوب كي تذيق العراقيين أشدّ مرارات العصر وأعتاها ظلماً وقساوة؟ على مرّ التاريخ كان هذا قدرُهُ و هذا ديدنُه وشأنهُ ومآلُه. فمتى يصحو من غفوة طالت وأزمة فاقت وهفوة كسرت ظهره حتى العظم؟

 أليس من حق المسيحيين أن يكون لهم شأنٌ ورأي ولمسةٌ في الحراك السياسي القادم؟ وكفى تهميشاً وإقصاءً وضحكاً على الذقون. وكفى تسوّلاً واستجداءً ممّن يُعدّون كذباً، أسياداً أرفع منزلةٌ وأدهى حنكةٌ وأجدر بقول كلمة الحق والفصل في الأمور ورسم أصول المصير! ماذا ينقصنا من رأي وفكر وعلمٍ وكفاءة وإخلاص ووطنية؟ نحن، برأي الغريب قبل القريب، من حملوا راية الوطن وضحوا واستبسلوا ودافعوا أكثر من غيرهم، دون غش أو تحايل. نحن أكثر من يستحق العيش في هذا الوطن معزّزين ومكرَّمين لأننا الأصل في جذورنا القومية والوطنية ولسنا الصورة المزيّفة التي لا تقرّ  بحب الوطن والولاء له وبأهله وأرضه ومياهه وسمائه. لكن العتاب علينا، قبل غيرنا في تركنا أرضَ الآباء والأجداد، أرض النور والحضارات تتآكل أمام ناظرينا متخبطةً ومتمرّغةً بسلوكياتِ من لا يتورّع في قلع كلّ ما يشير إلى العلم والحضارة والمحبة والتعايش التاريخي المتآخي بين العراقيين على مرّ العصور والدهور.

إن خطيئةَ من يعمد، بأية وسيلة كانت، لبيع أرضه ومسكنه أو إلى تقديم بلدته هديةً للغريب مقابل حفنة من الدنانير و الدولارات، ليس منّا ولسنا معه فيما يقوم به من خطيئة عظيمة، سوف لن تغفرها له الأجيال كلّما تذكرت هذا التغيير الديموغرافي الذي لا نقرّه ولا نرضى به، لا من قريب ولا من بعيد. فأدعياء الانفصال لا ولن  تدوم لهم قائمة. كما لم ولن  يرضخ لتوجهاتهم ولمن يوجه ناصيتهم، الأَشرافُ من أبناء شعبنا من ذوي الغيرة والشهامة، أبناءُ وأحفادُ من حملوا الراية ودافعوا عن الأرض والعقار والكنيسة بمالهم وجهدهم وحياتهم ونادوا بأعلى الأصوات: "هذه الجرية ما ننطيها، إيشوع ومريم ساكن بيها"!

نصيحتي لمن فيه بعدُ شئٌ من الغيرة على الأرض والعرض، أن يفكّر ملياً قبل حكم الأجيال عليه وقبل نقمة الوطن على نكوصه،أن يتروّى ويستخدم العقل والحكمة والمنطق الراجح  قبل فوات الأوان ووقوع الفأس على الرأس. وبعدها لا ندمٌ على حماقة يفيد ولا بكاءٌ على فعلةٍ ينفع ولا  صفحٌ عن ذنب يشفع. وفي هذه المرحلة الحرجة بالذات، لا ينفعنا غير قدرِنا، في أن نضع أيدينا بأيدي بعضنا لدعم أيّ شخص متميّز مستقلّ، حريص على المصلحة الوطنية الداعية لبناء مؤسسات الدولة العصرية أولاً، ومصلحتنا المسيحية وما تتطلبه هذه وتلك، من تعايش سلميّ مع جيران العمر على كافة خلفياتهم الإثنية والدينية والمذهبية. هذه رسالتي الأخوية والشخصية لكلّ مواطن حريص على ترجيح مصلحة الوطن الأم والمنطقة والبلدة التي أنحدر منها، بلدة بخديدا /قرقوش الغالية، التي لا أبخل من موقعي البعيد عنها جسمياًً، أن أخدمها وأصون مصالحها وأسعى لتطويرها وأتحدث دوماً عن تاريخ نضالها وتميّزها دون غيرها. لقد أضحت اليوم رقماً يُحسب له حساب، لكونها الثقل الأكبر في المعادلة المسيحية على صعيد الوطن. وهذا ما يدعو الطامعين وبعض المغرضين للتصيّد بالماء العكر مستغلّين العوز الاقتصادي لدى شرائح من أبنائها لإيقاعهم في فخِّ أجندات لا تخدم مصلحتنا العليا، الوطنية منها والقومية والدينية. وهذه دعوة صريحة، كي لا نقع في شرك هذه التجربة، التي لا نريدها أن توصل بالبعض من أصدقائنا و أحبائنا وأهالينا إلى خطيئة كبيرة غير قابلة للغفران. فلنكن جميعاً مع كل من يدافع ويبنى ويدعو لتحقيق المشروع الوطني الصادق. واللّه هو الموفق!

لويس إقليمس
بغداد، في 30 تشرين ثان 2009


87
بيان من منظمة الأقليات العراقية
حول أربعاء بغداد الدامي
تدين منظمة الأأقليات العراقية هول الهجمات العنيفة التي ضربت بغداد في يوم الأربعاء الدامي 19 أب الجاري وراح ضحيتها، كالعادة بشرٌ أبرياء  بسبب صراع مستميت على السلطة بين مختلف الكتل والكيانات السياسية  التي تحتفظ كلٌ منها بأجندتها الإقليمية الخاصة. إن هذه الجرائم التي أراد فاعلوها إثبات التحدّي الواضح لما تدّعيه الأجهزة الأمنية دوماً من سيطرتها على الأوضاع في البلد بعد انسحاب المحتلّ، إنّما جاءت لتؤكد عدم فاعلية الأجهزة المستخدمة في الكشف عن أدوات الجرم المستخدمة من جهة وبسبب اختراقها من قبل عناصر تؤمّن الوسائل  وتسهّل تمريرها عبر مواقع هذه الأجهزة، ناهيك عن الترهل البارز في أداء هذه الأجهزة.
إن الحكومة العراقية مطالبة بالكشف عن الواقفين وراء هذه التفجيرات التي ازدادت وتيرتها في كل أنحاء العراق. فبالأمس طالت مناطق عديدة من تواجد المكوّنات الصغيرة أي الأقليات واليوم تطال بغداد العاصمة، ممّا يستدعي إعادة النظر في الخطط الأمنية القائمة التي أثبتت عجزها وقصورها.
إن الشعب العراقي ينادي بأعلى صوته: أوقفوا حمامات الدم أيها المتاجرون بدماء العراقيين وكفى ما أصابنا من ويلات ومآسٍ فيما مضى. أما آن الأوان كي توضع نهاية  لما يجري؟ أكشفوا عن الفاعلين والعابثين بمقدّرات هذا الشعب المسكين الذي لا حول ولا قوة له. وكفى تغطية لجرائم هؤلاء، أياً كانت قوتهم وسطوتهم وتمويله.
رحم الله الشهداء الأبرار والشفاء العاجل للجرحى والمصابين.

منظمة الأقليات العراقية
مكتب العلاقات والإعلام

88
منظمة الأقليات العراقية
إدانة
مرة أخرى، يعيد كارهو السلام والتعايش الوطني ما اقترفوه ضدّ المكوّن المسيحي المسالم والأصيل في النسيج العراقي، الذي ما يزال ينظر إليه البعض بعيون حولاء متجاهلين أو متناسين أصالته وأهميته في تلطيف الأجواء الوطنية وزرع غرسات السلام حيث العداوات والروح الوطنية الصادقة حيث النزعة الطائفية.
إن أحداث الأحد 12 و الاثنين 13 تموز 2009، إن دلّت على شيء فإنّما تشير إلى قصور واضح في أداء الأجهزة الأمنية العراقية وعدم جدّية الحكومة العراقية في مواجهة المقصّرين وفاعلي الإثم من خلال تسجيل مثل هذه الاعتداءات ضدّ مجهول أو تركها بدون ملاحقة واضحة للمتسببين بها. فلم نسمع لحدّ اليوم ما اتخذته الأجهزة الأمنية المكلفة بحماية دور العبادة والمسيحيين بالذات، من إجراءات رادعة أو متابعات للملفات القديمة التي طالت جميع الأقليات بخاصة والشعب العراقي عامة. فهذه الاعتداءات، كما غيرها من الجرائم المقترفة بحق الأقليات الأخرى، تُطوى وتوضع على الرفوف.
إن منظمة الأقليات العراقية، إذ تدين بشدّة هذه الموجة الجديدة التي طالت عدة كنائس في بغداد والموصل، لا يسعها إلاّ أن تطالب الحكومة العراقية بالاضطلاع بمسؤولياتها في حماية المكوّنات قليلة العدد أي الأقليات التي تتخذها بعض القوى الكبيرة المتناحرة وقوداً محترقاً من أجل تصفية حساباتها مع بعضها في مناطق تواجدها، وذلك  طمعاً في مناطقها وأصواتها. ونحن لا نرضى أن تُستغلّ طيبة قلب أي مكوّن من أجل تنمية مصالح مشبوهة لصالح كتل سياسية طامعة، لا همَّ لها سوى تحقيق مكاسب عرقية وفئوية ضيقة.  إننا نؤكد مرةً أخرى أن الأقليات جميعاً هي مع المشروع الوطني ومع كلّ ما يجمع ولا يفرّق ويؤازر ولا يختلف  ويحب عراقاً موحداً ولا يرضى بتقسيمه.
إننا إذ ندين كلّ ما يطال الأقليات العراقية من أذى و من غبن واضح في غمط حقوقها ومن تلاعب في مقدّراتها على هوى الكتل السياسية المتنفذة الكبيرة، فإننا نحمّل الحكومة العراقية هذه المسؤولية مطالبين بالكشف عن الفعلة جهاراً وليس بمعالجة الموقف خلف الكواليس كما اعتادت.
 عاش العراق موحداً وعاش أهلُه أسرةً جامعةً في جو من الألفة والمحبة وحب الوطن وفي الإيمان بقدرته على مواجهة كل الصعاب وعلى دحر العدوان وكل الطامعين فيه.


منظمة الأقليات العراقية
مكتب العلاقات والإعلام 
بغداد، في 15 تموز 2009

89
لنجعل من السريان مكوّناً مستقلاً

 بعد استنفاذ السبل والوساطات والتدخلات  من أجل توحيد الخطاب" القومي" المسيحي الذي اعتقدناه شافياً لجراحات مثخنة، وبعد الفشل المتواصل في هذا المسعى، أجد أنه من الأجدر البحث في أفكار جديدة تخرجنا من الصمت المطبق الذي نحن فيه. وقد تحمل أفكارٌ جديدة أو في الأقلّ في بعض جزئياتها علاجاً للركود والترهل واللاّمبالاة أو منهج التعصّب الذي صار جزءاً من سياسة بعض الأحزاب والمهتمّين بهذا الشأن الذي نقف جميعاً سبباً وشاهداً على تعثّره وضياع حقوقنا حزمةً واحدةً في المراوحة على الشاكلة التي عليها نحن اليوم. قد يكون كلُّ طرف حاول تعزيز موقفه هنا وهناك على حساب الطرف الآخر على قدر ما استطاع بسبب الظروف المهيَّأة له دون غيره. إلآّ أنّ هذا العمل قد أضرّ بالتأكيد بالمصلحة العليا لشعبنا عندما استغلّ البعض من هؤلاء خلوص النيّة لدى السريان عموماً واستعداهم الفطري لاستقبال القادم الغريب والترحيب به أكثر من مواطنيهم. فأمثالُ هذا الصنو لا هو منتمٍ حقاً إلى المكوِّن الواحد الجامع لمسمّياتنا القومية المختلفة ولا هو مجاهرٍ صريحٍ بما يدور في خلده من تنفيذ أجندة مرسومة تسعى سرّاً إلى توسيع الشرخ الذي يتعمّق ويُسوّفُ الأمور بلا مبرّر.
من حقِّ كلّ واحدٍ منّا أن يتساءل. إذا كانت الأعوام الستة المنصرمة لم تأت بثمارٍ مرجوّة من أجل لمّ الشمل المسيحي، الديني و"القومي" معاً، أليس من حقنا البحث عن مخارج أخرى قد تفي بالغرض من أجل اتخاذها معبراً، ولَو مرحلياً، نحو أمنية التوحيد؟ في المعادلة الحالية غير المتوازنة، يُعدُّ غياب التواجد السرياني كمكوِّن مكمّل في مراكز القرار، سواءً في الحكومة أو البرلمان، أمراً غير مقبولٍ على الإطلاق. ولستُ هنا في صدد التطرق إلى "الحتوتة" التي تعوّدنا عليها طيلة الفترة المنصرمة، عندما تنكّر الدستور العراقي لذكرهذا المكوّن، إرضاءً غيَر متكافئ لطلباتِ جهاتٍ نافذة اعتقدت خطأً تكرَّمَها على هذا المكوِّن بامتياز حملهِ اللغةَ السريانية تسميةً وثقافةً وليس باعتباره مكوّناً كما الكلدان والآشوريين. إذا كانت هذه الحيلة قد انطلت مع بداية تطوّر الأحداث للأسباب التي عرفناها، إلا أنّهاّ لم تعُد مقبولةً بعد الآن ولم يعُد لها أن تصمد وتكتمل حبكتُها من قبل طرفي المعادلة الآخرَين اللذين حظي كلٌّ منهما بما ابتغاه من اعترافٍ به كمكوّنٍ رسميٍّ في الدستور الناقص الذي صاغ أطرافَ نسيجِ الشعب العراقي حسب النفوذ الذي مثّله كلُّ طرفٍ  إّبان تلك الأيام الصعبة. لقد كان ذلك إجحافاً واضحاً بحق هذا المكوّن المهم الذي يكبر الآثوريين مثلاً عدداً وعدّةً، وتلك حقيقة لا غبارَ عليها. وقد حذّرنا كثيراً من هذه الخطوة غير الرزينة وغير الصائبة. ولكن لم يكن في اليد حيلةٌ في حينها. لقد كانت تلك الحكاية المحبوكة بحمل السريان شرف الثقافة واللغة السريانية، كما أسلفنا، والتي روّجت لها بعض الأطراف وما تزال، كفيلةً بتبنّي السياسيين العراقيين ولجنة كتابة الدستور قراراً بالاعتراف بالتسميتين الكلدانية والآشورية (منفصلاً بالواو) كمكوّنين قائمين ومنفصلين رسميّاً مع اعتبار السريانية لغةً وثقافة لهما وبذلك تم استبعاد السريان كمكوّن مستقلَ مكمّلٍ لهما.
على أية حالٍ، فما حصل قد حصل! أليوم نحنُ أمام حقيقة لا مجالَ للتغاضي عنها، وهي أن المكوّنين التوأمين من الكلدان والآشوريين قد حظوا بمبتغاهم ولن يهمّهم بعد ما وقع من حيفٍ على أخوتهم من مكوّن السريان. وهذا ما نستشفّهُ من خلال استقلاليتهما في اللقاءات والمؤتمرات الندّية والزيارات المكّوكية لكلا الطرفين المتنازعين على الريادة والسيادة، والتي كثرت في الآونة الأخيرة إلى محافل دولية أو حتى في مناطق تواجد السريان في سهل نينوى بالذات بغية استمالتهم. وإذا كان أحد الأطراف ينادي اليوم مجاملةً بحقوق ما يسمّينه بالكلدان السريان الآشوريين مجتمعةً، فإنّ حقيقة ما يضمرونه في الباطن هو التمادي في استمرارية تبعية السريان لهذا الطرف أو ذاك، يدعمهم في هذا المسعى من يحاول من ضعاف النفوس من المنتفعين من داخل هذا المكوّن عينه من أجل سلخه عن واقعه بطرق ووسائل عديدة مرصودة وغير حريصة على مستقبله وتاريخه وجدارته.
إني أعتقد أن المرحلة القادمة وفي ضوء ما نراهُ متاحاً، قد تكون كفيلة بإصلاح الخطأ الفادح الذي وقعنا فيه جميعاً عندما اختلفنا وتفرّقنا وتعصّبنا بلا مبرّر، رغم أن الحلّ كان أقرب من الحاجب إلى العين باعتبار السريانية سليلةَ الآرامية التي تجمعنا، كونُ لغتها لغتَنا وثقافتُها ثقافتَنا جميعاً دون خلاف أو اختلاف. فما كان الضير إذن، لو اتفقنا على تسميتنا "سريانا" دون تحسّس غير مبرّر، وهي تسميةٌ عالميةٌ يعترف لها وبها العلماء وأصحابُ الرأي والفكر والتاريخ. ألم يُشر المؤلفون العمالقة من أمثال بعقوب أوجين منّا وغيره إلى التسمية التي تعوّدنا عليها ونحن طلاّب علمٍ، عندما كان يشير إلى التسمية المعروفة بالسريان بالغربيين والشرقيين لدى التطرق إلى تسمية المسيحيين في المنطقة؟
وإني أتساءل مرة أخرى، إذا كانت اللغة العربية لسانَ حال العرب وقوميتهم وكذا الكردية لسانَ حال الأكراد وقوميتهم وكذا التركمانية والأرمنية، فما الضير أن تكون السريانية لسانَ حال المسيحيين وقوميتهم من كلا الطقسين الشرقي والغربي. أليس هذا منطق العقلاء؟ أم للعقل عند بعض هؤلاء وزنٌ آخر وقراءةٌ أخرى مخالفة للمنطق والعقل؟  لقد كان  الأجدر بالانتهازيين من المتزمّتين والمتعصّبين "القوميين" المزيّفين أن يضعوا نصب أعينهم المصلحة العليا لشعبنا المسيحي في اتخاذ هذه التسمية العالمية حلاّ شافياً لكلّ الإشكالات التي خلقها هؤلاء الطارئون المدعومون من اللوبي المهجري والقبلي المحلّي الذي يخطّطُ من على المنابر المهجرية وفي الكواليس معاً وهو متألّقٌ وحالمٌ في سماء يوتوبيا القوميّات الجديدة الخائبة.
 إنها دعوة ملحة لأصحاب الشأن ومن يهمّهم الأمر أن يسعوا لتضمين مكوّن السريان أيضاً في التعديلات الدستورية المرتقبة. فهناك متسعٌ من الوقت لتحقيق ذلك قبل فوات الأوان لاسيّما وأن لجنة تعديل الدستور لم تختتم تعديلاتها بعد. ونقول للمتخوّفين من هذه الدعوة، أن ذلك حقٌ مشروع لأبناء هذا المكوّن بعد أن ضمنَ المكوّنان الآخران حقوقهما الدستورية وحظيا بمآربهما. وعلى هذا الأساس المعقول ووفق المبدأ الجديد  تنفتح ساحة العمل لثلاثتهما معاً دون تمييز وفي انتظار لقائهم لاحقاً بصوت واحد بعد نزع ثوب التعصّب البالي والتحسّس المفرط  لدى البعض من سماع كلمة إسمُها "السريان".
إن المرحلة القادمة قد تكون حاسمة في ضوء الأحداث الأخيرة التي غيّرت مسالكَها انتخاباتُ مجالس المحافظات وما أفرزتهُ هذه من مخاوف وأحداس وتطلّعات معاً. فهل ستضعنا الانتخابات البرلمانية المزمعة على خط بداية خارطةٍ جديدة تحمل معها المفاجأات؟
 وليكن ما يكون، فإننا ندعو أصحاب الحق ومعهم كلُّ المثقفين والمتابعين للشأن المسيحي والمطالبين لهم بحقوق كاملة في التركيبة الوطنية العراقية أن يحرصوا للعمل فريقاً واحداً رغم تعدّد التسميات والمكوّنات حتى لو أصبحوا ثلاثاً بواو فاصلة، فذلك لن يضرَّ. فسوف يأتي اليوم الذي نجتمع فيه معاً تحت عنوان واحد، إن لم يكن ذلك على أرض الآباء والأجداد التي ضاقت بنا، فليكن ذلك في اليوم الآخر. وإذا لم تستطع أرض الله الواسعة التي نعرفها اليوم أن تلمّنا معاً، رغم تحوّلها قريةً صغيرة بسبب آخر تكنلوجيا وسائل الإتصال، فإن السماء المجهولة كفيلة بأن تجمع من يسعى إليها أو يُدعى لها، شئنا أم أبينا. فلا المهاترات تنفعنا ولا المراوغات تفيدنا ولا الاتهامات تساعدنا ولا التبعية لهذا أو ذاك تحلّ مشاكلنا. بل وحدها خدمةُ مناطقنا وتأمين حياة أهلنا وعوائلنا والترفيه عن أبنائنا وإخوتنا  ورفعُ شأنهم عالياً في المنابر المحلية و الوطنية والإقليمية والدولية، هي الكفيلة بتحقيق طموحاتنا وتعويض ما فاتنا من حقوق وما تعرّضنا له من انتهاكات وما صادَفنا من مآسي ومجازر وتهجير وتقتيل عبر التاريخ.
إنها دعوةٌ ملحّة للمهتمّين بمكوّن السريان بصورة خاصة من داخله وخارجه، كي يبذلوا قصارى المساعي من أجل حمل الجهات المعنية في الحكومة العراقية و لجنة تعديل الدستور في البرلمان العراقي كي يطالبوا بإضافة مكوّن السريان في التعديلات المرتقبة إلى جانب الكلدان والآشوريين لكي لا يُغبنُ حقّهم في برامج الخدمات المحلية في سهل نينوى وفي سائر مناطق تواجدهم بسبب تهميشهم وتبعيتهم لهذا المسمّى أو ذاك. كما أنصح الجميع كيلا ينصاعوا لكلمات التسويف والإرضاء التي اعتادوا عليها من جانب بعض الجهات والأحزاب القومية المتواجدة على الساحة، والتي لن يهمّها لو أنّ هذه الرغبة لن تتحقق أبداً. فمن نجا من الغرق وحصل على مرامه لن يهمّه جارُه الذي مازال عالقاً ينتظر الإنصاف لكونه أحقَّ منه. وعلينا منذ الساعة أن نتهيّأ للانتخابات البرلمانية القادمة حزمةً واحدة بالتوافق مع بعضنا، غيرَ منقسمين أو تابعين لهذا أو ذاك من الأطراف. بل أن نشارك أنداداً ومتحالفين مع لاعبين كبار على الساحة الوطنية وضمن المشروع الوطني الذي يرسي لبناء عراق موحد ديمقراطي، فيه تُصان حقوقُ الجميع ومنها حقوقُ السريان. وكفى تفضيلُنا للغريب على أبناء جلدتنا، معتبرين القادمين من خارج مناطقنا أفضل من مواطنينا وأكثر جدارة، والحقيقة هي العكس. فقد أصبحت مناطق تواجد السريان ولاسيّما بغديدا (قرةقوش) مركز تنويرٍ واستقطابٍ للجميع دون استثناء بسبب كثافتها السكانية المسيحية والكفاءات الكثيرة والمتنوعة لأبنائها النجباء في كل المجالات والحقول، والأهمّ من ذلك كلّه في مواطنيّتهم وولائهم للأرض والوطن والدين. و لاعجب أن تتكالب عليها أطرافٌ سياسية وعرقيةٌ عديدة وتتنافس عليها جهاتٌ مسيحيةٌ شقيقة بهدف استمالة أبنائها إلى جانب طروحاتها وكسب ودّها لأغراض دعائية وانتخابية معروفة.
 فمن يضمن "بغديدا" اليوم، يستطيع حقاً أن يلعب مع الكبار ويباري في حجمه وزخمه وفاعليته. لقد كانت بغديدا (قرةقوش) قلعة السريان ومجدهم وستبقى عنفوان مسيحيّي العراق والشرق بلا منازع.

مع تحياتي

لويس إقليمس
بغداد، في 6 أيار 2009

90
مسيحيو العراق في محنة


عاش المسيحيون  العراقيون في الأيام الخوالي ومازالوا في شدّة كبيرة، أقلُّ ما يُقالُ عنها أنها فاقت كلّ التصوّرات وكسحت كلَّ الحسابات، مع تنوّع أجندات المتورطين فيها من قريب أو بعيد و ذلك بسبب تشابك مصالح الجهات المستفيدة من الهجمة المشبوهة التي تُحاك ضدّهم . إن مثل هذه المحنة الكبيرة التي شابهت سابقاتٍ غيرها، قد ألفها المسيحيون منذ تاريخ وجودهم على أرض هذا البلد. ولكنها اليوم، يصعبُ التصديق أن تكون على روزنامة أبناء الولاية لوحدهم، أو في الأقلّ لا نعتقد أن تندرج خصيصاً ضمن هذه  الروزنامة أو أن تكون أساساً من  بنات أفكارهم لوحدهم ولا من صنع أيديهم في التخطيط والتنفيذ معاً، مهما كان السجال حول طبيعة الشارع الموصلّي تجاه المسيحيين خاصة والأقليات الدينية الأخرى عامة. أما أن تأتي هذه السابقة الخطيرة في تاريخ العراق الطويل في هذه الآونة بالذات، فذاك أمرٌ فيه نظر، لاسيّما بعد تفاقم الظروف واشتداد النزاع بين الكتل الفئوية المتصارعة على السلطة والجاه والمال التي لم تكن تحلم يوماً بورود مثل هذه الفرصة كي تنفذ كلٌّ منها روزنامة الجهة التي تدعمها وتوجهها وفق مصالحها المحلية والإقليمية.
مهما كان ومهما حصل، فإنّ سوابق التاريخ تذكّرنا بتكافل أبناء الموصل الطيبين منهم  وبتعايشهم السلمي منذ مئات السنين، بل حتى من قبل قدوم الإسلام، ولا شائبة في ذلك. فهم أصحاب الأرض الأصليين وبناة حضارة ما بين النهرين التي تمتد إلى سبعة آلاف سنة منذ عهد أسلافهم الآشوريين والبابليين والسومريين والأكديين والآراميين. ولم يُسمع أن تعكّر صفو العلاقات في فترة ما إلى هذا الحدَ القاسي كما في أيامنا العصيبة هذه إلاّ فيما ندر.
 قد تكون هذه المأساة التي تزامنت مع محاولة بعض الفئات الحاكمة إطلاق رصاصة الرفض لمبدأ الديمقراطية ضدّ المكوّنات الدينية والقومية قليلة العدد، يُقصدُ منها جسَُّ نبض هذه الأقليات  ومعها نبض الشارع العراقي والإقليمي والدولي معاً، من أجل الوقوف على العتبة التي تيسّرُ لها هذه المهمة كي تُحكم هيمنتها الشوفينية إلى ما تستطيعُه. وبذلك تكون قد استخدمت ما تيسر لها من وسائل الصدّ والردع والتهديد ضدّ هذه الأقليات الأصيلة لمنعها من المطالبة  بضمان حقوقها الدستورية كاملة شأنها شأن غيرها من المكوّنات الكبيرة التي تنهشُ اليوم جسدَ هذا البلد بلا هوادة.
صحيحٌ أن الأعمال الإرهابية قد طالت جميع العراقيين بلا استثناء، ولكنها كانت مريرة وقاسية على المسيحيين والصابئة والإيزيديين منهم بصورة خاصة، لا لشيء، إنما لكونهم الحلقة الأضعف في المعادلة السياسية عندما أُلقي بهم ليكونوا كبشَ فداءٍ  في هشيم صراعات طائفية وعرقية وفئوية، و هم لا ناقة لهم فيها ولا جمل. ألم تغيّبهم الكتل السياسية وقرّرت تهميشهم عن سبق إصرار وترصّد حتى من أبسط حقوق المواطنة في التوظيف في مؤسسات سيادية  وفي غيرها من مواقع الدولة المهمة وحتى البسيطة فيها بفعل سياسة المحاصصة المقيتة؟ فيما حاولت غيرُها إذابتهم باتباع شتى الوسائل المتاحة، بقصد دمجهم في ما تُسمّى بمكوّنات أكبر لها اليوم ثقلها على الساحة السياسية بدعمٍ من الغازي الأميركي، وكلّ ذلك على مرأى ومسمع من هذا الأخير. بل إن بعضاً من هذه الكتل الفئوية الكبيرة التي تشبّثت بسياسة المحاصصة الطائفية المقيتة التي رسّخها الحاكم المدني بريمر المشكوك في أمره في كل مفاصل الحياة العراقية، راحت تدّعي وتتبجّح في ضوء ما تراءى لها نوعٌ من النصر بفعل الامتياز الذي حظيت به من جانب المحتلّ، والذي يخوّلها بحسب أجندتهم تنفيذ مآربها العرقية والمذهبية الضيقة بحجة تعرضها هي أيضاً لتمييز عرقيّ ومذهبيّ  في عهودٍ سابقة. ما هكذا تُساق الإبل!.
إضطهادٌ مضمَر وتهجيرٌ منهجيٌّ منظَّم   
 حينما نستعرض تاريخ المسيحية القومي والديني معاً وبمختلف كنائسها وطوائفها في العراق، لا بدّ أن نقف على مراحل مهمة منه و نستذكر ما حلّ بهم منذ قدوم االدين الجديد قبل أكثر من 1400 عام حين جعل النصارى  أي المسيحيين أهلَ ذمّة وما لحق بهم بسبب ذلك من موجباتٍ شرعية مجحفة بحقهم. لا أريد الدخول في التفاصيل التاريخية والشرعية، لأنه ليس شأني. ولكن بودّي الوقوف على حقيقةٍ لا يمكن التغافل عنها في ظلّ الصخب السياسيّ القائم، ليس محلياً فقط بل على الصعيدالإقليمي والدولي أيضاً.
ما لا يقبل الشك أن الحضارة المسيحية بوضعها القومي والديني كانت دوماً عرضةً لاضطهاداتٍ خارجية وداخلية استهدفت وجودها. فقد صارعت الهجمات الجنكيزخانية والمغولية الشرسة وما لحقها من ويلات دامية على أيدي الامبراطورية العثمانية عندما أفرغ سفّاحو القرن الجهلة ما تيسّر لهم من حنق وتعصّب وكره على بيوتٍ مسيحية آمنة طالتهم بهجمات منظمة شرسة تجاوزت ما فعله هولاكو وجنكيزخان في الأهالي. وفي حقبة مابين الحربين الكونيتين، لم يسلم المسيحيون وأملاكُهم من أعمال القتل والتدمير والتهحير والتنكيل التي فاقت ربما مثيلاتها ضدّ أيّ مكوّنٍ آخر. فجاءت مذابح سمّيل في بداية الثلاثينات من القرن الماضي وما لحقها في حقبة الستينات مكمّلة لتلك الأحداث المأساوية حين تم تدمير وإبادة قرى مسيحية عن بكرة أبيها وتهجير أو قتل ساكنيها. فكانت بحق وصمة عارٍ بحق مرتكبيها في دولة العراق الفتية آنذاك، بل خيرَ مثالٍ على عمليات التصفية العرقية والدينية المضمَرَة ضدّالمسيحيين في المنطقة، رغم ادّعاء البعض بعدم صحة ما جرى في العهود السابقة.
إن ما يجري اليوم، منذ سقوط النظام السابق في 2003 بحقِّ هذا المكوّن الأصيل وغيره من المكوّنات الأصيلة الأخرى قليلة العدد، لا يخرج عن هذه الإرادة الشريرة في الرغبة في استئصالها جميعاً كي لا يصبح  لها قضية رأي عام. لقد شكّل المسيحيون حتى وقت قريب من سقوط بغداد ما يربو على 7- 5 %  من عموم السكان، بحسب بعض التقديرات أنذاك. أي أن أعدادهم كانت أكثر من مليون شخص عندما بدأت هجرتهم إلى دول الجوار بسبب سياسات النظام السابق الاستفزازية ضدّهم لأسبابٍ عديدة نعرفها جميعاً. ثمّ ما لبث أن استمرّ نزيف الهجرة بعد السقوط حيث سجّلت إحدى الإحصائيات الرسمية لشؤون اللاجئين في 2005 مغادرة ما يربو على 700 ألف عراقي إلى سوريا بين عامي 2003 – 2005 ، حيث شكّل المسيحيون ما يقرب من 36 % منهم، أي ما يعادل 300 ألف مسيحي في هذه الفترة القصيرة. وقس على ذلك أعداد المغادرين فيما بعد مع تواصل التهديدات الصريحة من قبل جماعات متطرفة وميليشيات مجهولة الهوية ضدّ أبناء شعبنا المسيحي في عموم محافظات العراق،  حيث تواصل نزيفُ الهجرة هذه المرة، نحو الخارج والداخل، بدءاً من البصرة وبغداد والموصل وكركوك بصورة خاصة عندما كشّرت قوى التعصب القومي والتشدّد الديني الأصولي عن أنيابها لتنال ممّا تبقّى لهذا االبلد من ثقافة رسّخها المسيحيون فيه منذ أجيالٍ وقرون عبر حضارات وثقافاتٍ سادت العالم كلّه لآلاف السنين ولم يتبقى منها سوى هذا النزر اليسير منهم والذي لا يتجاوز النصف مليون.
 لقد أصبح للمسيحيين حديثاً، هم أيضاً قضية بعد أحداث 2003، بسبب صراعٍ سنّي - شيعيّ – كرديّ  محتدمٍ على السلطة والجاه والمال، كلٌّ وفق أجندته ومنهجه. ومن الواضح أيضاً أنه تم استغلال هذا الصراع من أجل تحقيق مكاسب سياسية على حساب المواطنة والوطن والشعب. فصار التهديد  بالقتل منهجاً وطلبُ الجزية سلوكاً شرعياً مباحاً و التخيير بالتحوّل إلى الإسلام قسراً أو ترك المنازل غنائم أو حتى الإيحاء بوجوب المطالبة بمحميةٍ آمنة تابعة لإقليم كردستان حصراً، من جملة الوسائل المنهجية المتبعة في تصفية المسيحيين وتهجيرهم من مناطق تواجدهم ضماناً لسلامتهم، تماماً كما حصل قبل قرنٍ من الزمان على أيدي العثمانيين وعملائهم في العراق ودول الجوار. لذا، فلا عجب أن تشارك دورياتٌ عائدةٌ للسلطات المحلية أو ميليشياتٌ منظمة وحتى عصاباتٌ ضالة، ترتبط بكتل سياسية مشاركة في السلطة المركزية منتشرة في مدن رئيسية مثل البصرة  والموصل وكركوك وبغداد في ترعيب هذه الشريحة الأصيلة المسالمة ودفعها للهجرة إلى بلاد الاغتراب قسراً بعد أن سُدّت بوجهها أو ضعفت عواملُ الأمان والاستقرار في ديارها أو خاب أملُها في تحقيق طموحاتها بسيادة القانون ورؤية مؤسساتٍ ديمقراطية تسيّرُ دفة البلاد والعباد دون تمييز.
-لقد اتضح للعالم أجمع أن هذا المكوّن الديني والقوميّ الأصيل في نسيج الشعب العراقي هو اليوم من أكثر الأقليات حساسيةً وأقلّها حصانةً، شأنها في ذلك شأن المكوّنين الشقيقين من الإيزيدية والصابئة المندائيين الذين لا يمتلكون غير سلاح المواطنة والتسامح والعيش التكافلي في حياتهم اليومية. ومع ذلك لم يبادر المحتل الأمريكي إلى فعل شيء حيال هذه المأساة بحجة استحالة التدخل في شأنٍ دينيٍّ بحت، رغم ما شكّله ذلك من تهديد لحياة مواطنين آمنين يُفترَض بالدولة والمحتلّ أن يؤديا واجب الدفاع عن حياتهم كما تفرضه القوانين الدولية وشرعة حقوق الإنسان. حتى إن أية إشارة لم ترد في تقرير هاملتون- بيكر حول خطورة الصراعات العرقية والطائفية والمذهبية وانسحاب ذلك على مكوّناتٍ مسالمة في نسيج الشعب العراقي.
هناك حقيقة أخرى لا يمكن التغافل عنها حين نتحدث عن عمليات التهجير المنظم ضد المسيحيين قبل أحداث 2003. فمن العبث أن نبرّئ ساحة النظام السابق من أسلوب متفرّد في اضطهاد المسيحيين واستغلال وضعهم القومي والديني وحالتهم المتفرّدة لصالح تنفيذ أهدافه المعلنة وغير المعلنة أنذاك. ففي الوقت الذي ارتزقت بعض شرائح الشعب العراقي حديثي النعمة من مكاسب وفوائد محدودة في ظلّ ذلك النظام، نرى غيرهم، وهم الغالبية الساحقة، قد تضرّر كثيراً بسبب تلك الممارسات غير الحكيمة، ومنهم المسيحيون أيضاً و معظم مؤسساتهم الدينية والثقافية والاجتماعية. فقرارات تأميم مدارسهم ووضع كنائسهم ورجالاتها ومؤسساتها تحت تصرّف النظام بوسائل عديدة ومنهجية، تُعدُّ في حدّ ذاتها حرباً غير معلنةٍ ضدّ وجودهم من حيث تقييد حرّية عملهم وتحديد أنشطتهم وتقليص ممارساتهم وطقوسهم الكنسية إلى أبعد الحدود بحجج كثيرة. ومن هذه القيود يمكن أن يُضاف إخضاع قساوستهم للخدمة العسكرية الإلزامية دون احترام للمهام الدينية الملقاة على عاتقهم وحاجة كنائسهم لخدماتهم. ولا ننسى مثيل هذا من قرارتٍ مشكوك في إصدارها ومنها بالذات ما يتعلّق بقانون الأحوال الشخصية الجائر في بعض بنوده وإلزامية تدريس مادة القرآن في المدارس ومحاربة بعضهم في أرزاقهم بغلق محلات بيع الخمور والمطاعم والبارات، لاسيّما بعد إطلاق ما سمّي بالحملة الإيمانية في عام 1991 وما رافقها من إجراءاتٍ تهوّرية وتطاول واضح على أبناء الديانات غير المسلمة عموماً.
 ولكن ما جرى ويجري منذ أحداث نيسان 2003 قد تعدّى تلك الجرائم من حيث بروز تياراتٍ عرقية وقومية ضيقة الآفاق وأخرى إسلامية سياسيّة مذهبية أو ذات توجهات سلفية متشددة تسابقت في مزايداتها بأجنداتٍ دينية أو إقليمية رأت في الصراع القائم خيرَ فرصة لتنفيذ مخططاتها بتصفية المكوّن المسيحي بصورة خاصة.
كما لا يمكن فصل كلّ هذا وذاك عن أجندة المحتل الأمريكي الذي لا تهمّه مصلحة أية جهة أو طائفة لأيٍّ من مكوّنات النسيج العراقي المتماسك تقليدياً في تاريخه و الذي بدأ بعد تصاعد نفوذه بشتى الوسائل منذ اللحظة الأولى لوطأة قدمه أرض العراق. والغرض من ذلك كله، كان تفتيت مكوّنات النسيج العراقي بالعزف على أوتار فئوية حينأ ودينية في أخرى وعرقية أحياناً ومذهبية في غيرها، ولا نعلم ما هي برامُجه التقسيمية اللاحقة لدق الأسفين في أرض العراق الطاهرة والمنطقة عموماً. وما المشروع المطروح حول خارطة شرق أوسط جديد إلاّ غيثٌ من فيض استراتيجة هذا المحتلّ للمنطقة.
من يقف وراء هذه المحنة؟
بعد كلّ الذي بدا لنا حملةً منظمةً لتهجير قسري واضطهاد منهجيّ دينيّ وعرقيّ معاًّ لعموم أبناء شعبنا المسيحي بمختلف طوائفه وملله وكنائسه من الكلدان والسريان والأرمن والآثوريين وغيرهم، يتبادر إلى ذهننا وقوعُه ضمن ذات السلسلة التصفوية في اقتلاع مكوّناتٍ أخرى صغيرة تتعايش في هذا البلد وهذه المنطقة منذ آلاف السنين. ومن حقنا أن ننظر إلى الموضوع بمهنية ونحلله بشفافية لنخرج بمعلومات وافية و أفكارٍ واضحة حول الجهات الفاعلة المحتمَل تورطُها في الأحداث الأخيرة تخطيطاً وتنفيذاً. مبدئياً لا نقبل بالتجنّي مسبقاً على أية جهة حتى لو أُشيع عن تورطها هي أو غيرُها في هذه العملية التي طالت عموم أحياء مدينة الموصل الحدباء. هذا في الأقل بحسب ما تلقيناه وسمعناه وحصلنا عليه عبر وسائلنا من شهادات العديد من العوائل النازحة إلى القرى والقصبات القريبة على الساحل الأيسر من المدينة ومنها قرقوش وألقوش وتلسقف وباطنايا وبعشيقة وبحزاني وبرطلة وكرمليس ودير ما متي ودير ما بهنام  وزاخو و حتى في بغداد وسوريا وغيرها.
شهود عيان تحدثوا عن سيارات مملوكة لجهات تعمل مع الحكومة العراقية كانت  تجول في عدد من الأحياء المسيحية ومراتب بزيٍّ عسكريٍّ مألوف ساهموا في إشاعة الرهبة والخوف في نفوس العوائل المسيحية فيها وغيرها كانت تجوب الشوارع طالبةً من المسيحيين في بعض الأحياء عبر مكبّرات الصوت بضرورة مغادرة منازلهم وإلاّ تعرّضوا للقتل. فيما تم رصد سيارات "همر" عسكرية بالتحديد وهي تتفرّج على منازل تُهدم أمام عيون أعدادها دون فعل أي شيء. وبالرغم من صحة مثل هذه الأوصاف أو عدمها، فإننا نتساءل، من يملك مثل هذه الآليات ويتجرّأ القيام بمثل هذه الأفعال وفي وضح النهار. هل إن القاعدة، وهي دوماً المتهم الأول، تملك مثل هذه ال"همرات" الرهيبة؟ وإذا افترضنا جدلاً امتلاك القاعدة أو أعوانها المحليّين المخترقين لأجهزة الدولة لمثل هذه الآليات، فكيف تأذن لها الحكومة المحلية تنفيذ مثل هذه الأعمال التي تتعارض مع واجبها الأساسي في حماية جميع المواطنين بغض النظر عن الدين أو العرق أو القومية أو المذهب أو الطائفة وما إلى ذلك. هل يمكن اتهام الحكومة المحلية، أو لنقل بتعبيرٍ آخر، هل يمكن لجهات معينة في الحكومة المحلية أن يكون لها دورٌ فيما جرى؟ أسئلة بحاجة إلى ردود شافية وواضحة. وهذا ما نرجو أن تكشفه التحقيقات الجارية حالياً بأمرٍ من رئيس الوزراء بعد تصاعد بيانات الإدانة ونداءات الاستغاثة، في الداخل والخارج مطالبةً كلُّها بواجب الدولة والحكومة العراقية والمحتلّ بحماية جميع المواطنين وإنقاذ المكوّن المسيحي صاحب الأرض والثقافة والحضارة والكفاءة الذي تكررت مظالم الدولة عليه مع تعاقب الحكومات والأنظمة.
بالعودة إلى الأيادي المشبوهة بتورطها في هذه الجريمة المنظمة، نطرح تساؤلات عديدة ومنها، حول الدور السلبي الذي لعبه أولاً بعضٌ من رجال الدين المسيحيين وعناصر من المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري في المنطقة من خلال تبليغ عوائل مسيحية أو الإيحاء لهم بوشك تنظيم حملة تصفية ضدّ المسيحيين في مدينة الموصل حتى قبل بدء الأحداث في 28 أيلول الماضي. فهل كان لبعض هؤلاء علم الغيب بما سيجري من أجل استباق الأحداث؟ كما أننا نستغرب هذه المرّة، مدى الاهتمام المتزايد والمغرض أحياناً لبعض وسائل الإعلام في تهويل الأحداث وتأجيج وسائل الترهيب والترعيب المتبعة في هذه الحملة القاسية وما شكّله ذلك من استفزازٍ واضح في الإخراج والإنتاج، ليس تماماً كما صاحبَ ما حدثَ في مناطق سابقة مثل البصرة وبغداد بالذات في مناطق الدورة والميكانيك والآثوريين وغيرها.
من وجهة نظري، أن الأحداث مترابطة ولا يمكن فصلها عن مشروع قائمٍ لاستحداث كياناتٍ جديدةٍ على الأرض بموجب سيناريو الشرق الأوسط الجديد الذي تدعو إليه بلاد العم سام منذ سنوات. وليس مستبعَداً ضمن ذات الأجندة خلق نوعٍ من الموازنة العرقية والدينية في المنطقة من خلال هذا المشروع الواسع متعدّد المراحل، كما ينص على ذلك دستور العراق الجديد الذي يتيح تشكيل إدارات أو كياناتٍ محليةٍ تضمن الحقوق الإدارية والسياسية والثقافية والتعليمية لمختلف المكوّنات القائمة ومنها الكلدان السريان الآشوريين والتركمان إلى جانب العرب والأكراد، كلٌ في مناطق تواجده. ومن الممكن جدّاً أن يكون لأيادٍ عراقية مسؤوليةٌ في تنفيذ جزءٍ من هذا المخطط المشبوه عبر رموز سياسية وعرقية ودينية متشعبة. هذا أقلُّ ما يمكن قولُه لحدّ الساعة، رغم تخوّفنا من عدم الكشف المبكر والشفاف للفاعل الحقيقي لهذه الأحداث خوفاً من كشف المستور وفتق المرقوع. وإن الغد لناظره قريب.
تحليلٌ وفرضياتٌ
سمعنا وقرأنا الكثير حول هذه المحنة ودوافعها، وطلعت علينا وجهات نظر متنوعة وآراء مختلفة باختلاف محلليها بحكم تبعية تحليلهم للأحداث ونقلهم للأخبار وترويجهم للإشاعات. ونحن قد نتفق مع بعضٍ منها في حياديتها وقد نختلف مع أخرى حاولت الظهور بموقف الدفاع عن جهاتٍ مشتبَهٍ بضلوعها لحدّ الساعة، في ما يجري ومنها ما يُعدُّ جزءًا من الحكومة المحلية. لذا، فإننا في الوقت الذي لا نبرّيء فيه أحداً، كما لا نوجّهُ أصابع الاتهام على جهةً معينة، سنطرح تحليلنا المحايد لهذه الأحداث الأخيرة لاسيّما بعد أن أخذت مساراً أكثر إثارة، ممّا يستوجب توضيحه في النقاط التالية، تاركين للقاريء الحليم أن يستشف من طياته ما يساعدُه على فهم ما حصل ضمن الأجندة المرسومة.
1-                          هناك على أرض الواقع وبموجب الحقائق المتيسرة، أجندة خارجية يتحدث عنها الكثيرون منذ فترة في الداخل والخارج. هذه الأجندة بحسب تحليلات المراقبين جميعاً، تسير وفق مخطَّطٍ مدروس الشكل والأوجه والأيدي وهي تسعى بالمختصر المفيد، لاختصار القائم حالياً من المكوّنات قليلة العدد أي الأقليات الدينية والقومية، بسبب ما يمكن أن تشكّله هذه من معوّقات أمام مكوّن ما أو مكوّنات أخرى تتسيّدُ الساحة السياسية بلا منازع وتتشبّث بالاستئثار بالسلطة من خلال مساومات سياسية فيما بينها. ولعلّ التوجّه في سلوك هذا السبيل غير الحضاري وغير الديمقراطي مؤخراً قد استُنفِرَ وحُرِّكَ لاسيّما بعد أن شهدت منطقة سهل نينوى بالذات، ظهوراً علنياً للمكوّن المسيحي القومي والديني، مطالباً بحقوق مماثلة في حكمٍ ذاتيّ أو إدارة لامركزية يكفلها الدستور الجديد أصلاً بتوافق الكتل المشاركة في العملية السياسية جميعها وبمباركة المحتلّ. وقد بدت هذه المطالبة كما يبدو لبعض من هذه الكتل النافذة، نوعاً من التحدّي لهيمنتها وتهديداً لسطوتها. لذا جاء تحرّّكها عبر بيادقها المطيعين في المنطقة لتحقيق مخططها في الطّرق على الحديد وهو حارّ. وهذا ما تبرره الأحداث الواقعية، حيث جاء ذلك متزامناً مع قرار انتهاك حقوق الأقليات الدينية والقومية في مجلس النواب العراقي عندما أقرّ ممثلو هذه الكتل ذاتها، إلغاء المادة 50 من قانون انتخاب مجالس المحافظات تحت ذرائع واهية، برغم دموع التماسيح التي سُكبت خجلاً على حقوق هذه الأقليات. وما زال الموضوع قيد التسويف والنقاش بفعل فاعل من أجل تذويب محتواه رغم تأكيدات المجتمع الدولي على تبنّي مقترح الأمم المتحدة الواضح لتفعيل المادة 50 بشكل لا يقبل الشك. كما جاءت تخوّفاتُنا في محلّها حينما أقرّ البرلمان بتصويت 106 نائباً من مجموع 150 نائباً حضروا الجلسة المخصصة لإقرار الكوتا الهزيلة المقترحة. وبذلك تتوضح الصورة وحجم المؤامرة التي حاكتها كتلة 22 تموز بأعذارٍ وهمية من أجل تمرير مقترحها الجائر بتخصيص مقعد يتيمٍ للمسيحيين في محافظات مثل بغداد ونينوى حيث لا ينسجم ذلك مع حجمهم الطبيعي فيهما. وفي ذلك إهانةٌ مشينة بحقهم وتنصّلٌ من مسؤوليات البرلمان والحكومة حيال الوعود التي قُطعت لهم ولجهاتٍ دولية من أجل إنصافهم.
2- ملاحظة ظهور  تيار إصلاحيّ في أجندات لمكوّنات مجاورة لمنطقة سهل نينوى، وبالتحديد أجندة كردية يقودها تيار إصلاحي متمدّن يسعى لاستقطاب كفاءات واثقة الخطى تكمن في صفوف هذه الأقليات ولاسيّما المسيحية منها بالتحديد. والغرض منها واضح وهو الحصول على ثقافات محدثة من أجل تطعيم المجتمع الكردي المحافظ بعض الشيء، والذي ما يزال متأثراً بسبب سياسات الاستعباد الاقطاعية القائمة لحدّ الساعة في المجتمع العشائري الكردي بخاصة. هذه الرغبة الملحة إن كانت قادمة من داخل المجتمع الكردي نفسه أو مصدَّرة إليه من الخارج، دفعت جهات سياسية فيه لتسخير وجوه مسيحية مختارة من أجل تيسير هذه العملية في تهيئة الرأي العام المسيحي في مناطق تواجدهم في سهل نينوى بالذات للتصديق بوجود مخطط لتفريغ العراق ومدينة الموصل بالذات من المسيحيين ودفع الأهالي للإيمان بقبول فكرة الانضمام إلى كردستان كأفضل حصن آمن لهم فيها. وبهذا القدر من التهديد الموجَّه للمسيحيين مباشرة أو بصورة غير مباشرة ومن خلال سلوكٍ إستفزازي معيّن أو عن طريق تهويل ما جرى إعلامياً، يعتقد منفّذو هذه الخطة نجاح مخططهم في تهجير أكبر قدرٍ من العائلات المسيحية من داخل مدينة الموصل إلى القرى والقصبات الأكثر أمناً وحملهم للقبول بفكرة المحمية الهشّة الآمنة بعد إلحاقها بكردستان لاحقاً بموجب سيناريو مدروس.                                     
3-                           الزعم بضلوع أذناب القاعدة وأعوانها من الميليشيات والعصابات المستفيدة من عملية الفوضى القائمة حالياً واردٌ أيضاً بسبب غياب القانون والفلتان الأمني. وهذه قد تكون وجدت أرضيةً معدّة لتنفيذ مثل هذه الحملة الشعواء بالتعاون مع نفرٍ من أركان النظام السابق ومن المتشددين والمتطرفين أصلاً من أهالي المدينة وغيرهم من المستفيدين من هذا المشروع، حتى لو اختلفت النوايا وتعددت الأغراض. وبذلك لا يمكن نكران أو نفي علاقة القاعدة ومناصريها بهذه الأحداث، ومنهم من يشاركُ اليوم بصفة أحزاب أو ضمن كتلٍ سياسيةٍ في العملية السياسية، سيّما وأن مدينة الموصل تُعدّ أحد معاقلها منذ تغيير الأحداث في 2003، رغم اتهامات مباشرة موجَّهةٍ من بعض هذه الأخيرة  لقوات البيشمركة بالضلوع في هذه الأحداث في مجمل بيانتها.
4-                             احتمال ضلوع تنظيمات أخرى جديدة على الساحة واردٌ هو الآخر كما حصل في البيان الصادر عمّا يسمّى بجبهة الدفاع عن حقوق المسلمين في الموصل أو كتائب أنصار الإسلام مؤخراً. وهذا الاحتمال قائم أيضاً من خلال تعاون ممكن لهذه الأخيرة مع أذناب القاعدة أيضاً ومن تبقى من أركان النظام السابق الذين لم يحصدوا سوى الخذلان والقهقرى في النيل من النظام الجديد، فأرادوا التعبير عن هذا النصر المزعوم بشن حرب التهجير ضدَ هذا المكّون المسالم تحت مسمّياتٍ جديدة ولأسباب غير مبنية على حقائق. وقد تكون استغلّت بعض هذه التنظيمات المتطرفة لمسألة مطالبة شعبنا المسيحي بحقه في إدارة لا مركزية أو ما يُسمّى بالحكم الذاتي ذريعةً لتنفيذ برنامجها المشبوه بقصد الحفاظ على الحدود الإدارية للمدينة وتحوّطاً من تجزئة أراضيها، رغم تأكيدات القادة المسيحيين ورجال الكنائس المختلفة وتفنيدهم لمثل هذه الترّهات والمزاعم وتأكيد حرصهم على مبدأ التعايش السلمي والتاريخي لمختلف الطوائف والمكوّنات في ظلّ حكومة فيدرالية موحدة قوية المركز.
5-                     5مع شدة وطأة المأساة على أحوال العوائل المسيحية التي تركت منازلها وكلََّ ما تملك قسراً، لاحظنا صدور تقارير وتصريحات رسمية، أمنية وحكومية متناقضة بصدد مأساة هذه العائلات وأعدادها والدوافع من هجرها المدينة. ومهما يكن العدد، إلاّ أنه لا يُعدُّ مسوّغاً للاستهانة بما جرى. فالدستور من شأنه صيانة حقوق جميع المواطنين على حدٍّ سواء، كما أن مسألة حماية الشعب هو من مسؤولية الدولة و الحكومة المحلية وقواتها الأمنية التي وقفت متفرّجاً في ملعبٍ يشهد قتل وتهجير مواطنين آمنين في دورهم. وهذا احتمالٌ آخر على تورّط جهات أمنية أو حكومية مرتبطة بأجندات سياسية في تشكيلة الدولة العراقية الحديثة وفي الحكومة المحلية بالموصل. وإلاّ، لما هذا الصمت المطبق لأيام وأسابيع وأشهر مريرة مرّت على هذه المحافظة دون أن تتدخل أجهزة الدولة المركزية بصورة فاعلة وجدّية في وضع حدٍّ للتجاوزات العديدة التي ارتكبت فيها على تنوّعها و ردع الجهات المتورطة فيها. وهناك أحاديث علنية عن صفقات سياسية داخل الحكومة كانت تهدف إلى إبعاد أجهزة الدولة قدر المستطاع، في شؤون هذه المحافظة ممّا تسبب في عدم تمكين هذه الأخيرة من بسط نفوذها وسيطرتها الأمنية عليها لغاية الساعة.
6-                          أما الاحتمال الآخر الذي ينظر إليه محللون من وجهة نظر عامة، فهو يتعلّق بسياسة عامة معروفة لدى المحتلّ "فرّق تسُد". ونحن لا نستبعدُ تورّط المحتل الأمريكي هو الآخر، في زرع الفتنة والانشقاق في صفوف الشعب العراقي المتراص في ماضيه الوطني وتعايشه السلمي على مدى قرونٍ من الزمن. ألم يكن في أجندة المرشح الديمقراطي لنائب الرئيس الأمريكي القادم، تقسيم العراق إلى ثلاث ولايات؟ لذا فإن تسخير المحتلّ أو في الأقل تهيئة الأجواء لجهاتٍ مستعدة لتنفيذ مثل هذا المخطط العدواني ضدّ وحدة الصف الوطني العراقي، يمكن أن تدخل أيضاً ضمن خارطة الطريق المرسومة مستقبلاً  لشرق أوسط جديد، ومنها هذا التقسيم المعَدّ للعراق. وهذا ما يؤيّد وجود قوى داخلية مرتبطة بالخارج حرّضت على عمليات التهجير من خلال زرع الرعب واستخدام وسائل التهديد والترغيب حيناً من أجل تحقيق هذا الهدف. ولا دخان بلا نار!
آراء لها ثقل
في معرض لقاءاته العديدة، أشار المطران لويس ساكو، أسقف الكلدان في كركوك أن الانتهاكات الخطيرة بحق المسيحيين مؤخراً، تمثل في حقيقتها تهديداً للوحدة الوطنية التي نسعى جميعاً لبنائها. كما نوّه أيضاً إلى جهاتٍ مستفيدة تسعى لجرّ مكوّنات سهل نينوى ومنهم المسيحيين، إلى مشاريع لا نرغبُ فيها ولا تفيدنا . فالمسيحيون في واقع حالهم، لا علاقة لهم بالسياسات التي تتعامل مع مستقبل البلاد وهم لا يبغون غير السلام والعيش الكريم والتعاون مع جميع المكوّنات على أساس المواطنة والكفاءة. والخوف، كلّ الخوف أن تدخل هذه الهجمة الشرسة الأخيرة ضمن الفوضى العارمة التي يمرّ بها البلد والمنطقة عموماً وفق مخططات إقليمية وداخلية تريد تصفية المتبقي من بعض المكوّنات قليلة العدد ومنها المكوّن القومي المسيحي، لتصبّ في مصلحة جهة معينة تسعى لاستغلال الفرصة.
موقف الكنيسة الرسمي كان واضحاً في بيان أصدره رؤساء الطوائف المسيحية بصدد دوافع وآثار هذه الحملة المنظمة ضدّ رعاياهم في مدينة الموصل بالذات. هناك رفض قاطع لاحتواء المسيحيين في محميّة هزيلة تابعة لإقليم كردستان، كما يحاول نفرٌ من المغرّرِ بهم تصوير الأمر بهذه البساطة دون إمعانٍ في النتائج على واقع حال التواجد المسيحي التاريخي في كلِّ أرجاء أرض العراق من شماله إلى جنوبه كالخميرة في العجين. إن الإشارة الواردة إلى محاولة البعض حصر المسيحيين في ما أسماه البيان بالقفص، لهو الدليل القاطع على هشاشة مشروع ما يُسمّى بالمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري الذي يسعى بما أُتيح له من وسائل للضغط على أصحاب الأرض في سهل نينوى والقائمين على أحوال بعض الكنائس برموزهم الدينية والثقافية والوجاهية، لإقناعهم بتبنّي هذا المشروع الذي لن يخدم الوجود القومي المسيحي التاريخي على أرض آبائهم وأجدادهم في منطقة ما بين النهرين.
 ونرى في تنويه رئيس الوزراء نوري المالكي، خلال استقباله وفداً ضمّ عدداً من  رؤساء الطوائف المسيحية بمعية رئيس ديوان أوقاف المسيحيين حكايةً أخرى تؤكّد ما ذهبنا إليه. لقد كان كلامُه واضحاً عن وجود جهات سياسية تقف وراء استهداف المسيحيين من أجل تحقيق مكاسب سياسية، عادّاً ما حصل جزءاً من مخطَّطٍ سياسيّ مشبوه، وداعياً المسيحيين إلى الحذر من محاولة البعض استغلالهم. ولم يخفي المسؤول العراقي خلال لقائه السفير الفرنسي في العراق أيضاً، نية هذه الأطراف في تحقيق ابتزاز سياسيّ للوصول إلى هذا الغرض متوعّداً بالاقتصاص من فاعليها. كما كان تصريح الناطق الرسميّ باسم الحكومة العراقية واضحاً حين الإشارة إلى وجود مؤامرة ضدّ المسيحيين.  فيما يعزّز حديث رئيس البرلمان العراقي خلال لقائه الرسمي مع رئيس منظمة التضامن المسيحي ما ذهب إليه المسؤولان الحكوميان من كون ما حصل في الموصل كان عملية سياسية مقصودة.
 مدير العمليات في وزارة الداخلية العراقية، كان قد استبعد هو الآخر، أن يكون للقاعدة ضلعٌ في هذه الأحداث. أما إشارتُهُ إلى فرضية استغلال الهالة الإعلامية التي أوليت للأحداث في تهويل رقم العوائل النازحة، فقد كان بقصد إثارة المسيحيين في المدينة وترعيبهم من قبل الجهات المتورطة في العملية، والغرض منها بكل بساطة تحقيق مكاسب سياسية معينة وحمل هذه العوائل  لطلب الحماية البديلة من جهات لم يسمّها.
 المتحدّث باسم الفاتيكان فريديريكو لومباردي أشار في تصريحه الصحفي إلى تعرّض المسيحيين في الموصل إلى ما أسماه بحملة تهديدات منظّمة لدفعهم لتركها بعد أن كانت هذه المدينة حقلاً للتعايش السلمي بين الأديان والطوائف مستفهماً حول جدّية الحكومة في حماية هذا المكوّن التاريخي الديني والقومي.
أمّا أمين عام الجامعة العربية، فقد أعرب عن قلقه وتضامنه مع أبناء الطائفة المسيحية وتقديره لما تمثله من رموز  تعكس قسماً مهماً من تاريخ الحضارات العراقية.
 من جهته، عضوٌ في مجلس محافظة نينوى، أشار إلى أن استهداف المسيحيين في الموصل لم يكن لسبب دينيّ بقدر ما تبيّن أنه لأسباب سياسية وانتخابية في ضوء ما قد تحملُه الانتخابات القادمة لمجلس هذه المحافظة من مفاجأات قد تقلب موازين القوى فيها، ما من شأنه أن يثير قلق بعض الأطراف المتسيّدة على الساحة المحلية. ولم يأت قولُهُ هذا جزافاً، بل بناءً على معطياتٍ متوفرة على أرض الواقع كما عاشها شخصياً.
إذن كثيرٌ من الدلائل تشير إلى أن وراء الأكمة قوة أكبر من مجرّد مجموعات مسلحة صغيرة تقوم بمثل هذه الأعمال الإرهابية ولاسيّما الأخيرة منها التي تبرّأت منها بعض هذه المجاميع المسلحة في بياناتها، ومنها هيئة علماء المسلمين وعدد من تنظيمات المقاومة المعروفة. ومهما كان صدقُ هذه الأخيرة من عدمه، فقد دعت المسيحيين جميعاً إلى التمسك بحقهم وعدم إبداء الضعف في مواقفهم المعنوية والوطنية أمام مثل هذه المحاولات البائسة التي تسعى لإثارة الفوضى وإرباك الأوضاع لصالح بعض الأحزاب والكتل السايسية المرتبطة بالمحتلّ وأجندته. وهذا شعورٌ بحدِّ ذاته يدعو إلى وحدة الصف وضرورة التعايش السلمي بين جميع أبناء الوطن.
ما الحل؟
أمام هذه التحديات الخطيرة وهذه الموجة الظالمة ضدّ واحد من المكوّنات الأصيلة في نسيج الشعب العراقي المعروف بتسامحه وطبيعة حياته السلمية المبنية على محبة الوطن والآخر، ينبغي على عموم مكوّنات هذه المدينة الخالدة أن يفوّتوا الفرصة على الجهات المتورطة في هذه الجريمة النكراء، مهما كان مصدرها ومهما كانت طبيعة منفذيها ومموّليها والدافعين إلى تحقيقها. وعلى الحكومة العراقية وقواتها الأمنية بما فيها القوات المحلية تقع مسؤولية الحفاظ على أمن وحياة وممتلكات هذه الشريحة المهمة في نسيج الشعب العراقي، تماماً كما تحافظ فيه على حياة غيرها من المكوّنات الأخرى.
 إن استهداف المكوّن المسيحي القومي والديني معاً، يأتي دون شكّ، ضمن أجندة الصراعات الحامية بين الكتل السياسية الرئيسية التي تبحث عن مكاسب جديدة لتُضافَ إلى ما حقّقته كلٌّ منها منذ سقوط النظام السابق. وكلّ ما نستطيع قولَه أن الكرد و العرب  والمسيحيين من الكلدان والآثوريين والسريان والأرمن والشبك والإيزيديين والتركمان وغيرهم من باقي المكوّنات المتعايشة تاريخياً في هذه المحافظة، قد عاشوا معاً بسلام وتحابب وتفاهم مشترك منذ قرون ولم يجري تصعيد النعرات الطائفية أو الدينية أو العرقية أو المذهبية إلى الحدّ الذي وصلت إليه هذه المرة باللجوء إلى التهديد والقتل والتهجير. كما أنني أعتقد أن النزعة إلى الحكم الذاتي أو الإدارة اللامركزية، إن وُجدت هذه على بساطتها، والتي تتبنّاها جهات مدعومة بأجندات محليّة، ما يزال ينقصها النضوج السياسي ولا ترقى بعد إلى درجة الوعي المطلوب من الديمقراطية. ففي الديمقراطية دوماًً، ما يبرّرُ التخوّف من سياسات  مشبوهة من كلّ الذين يستغلّونها لأسباب بعيدة عن الصالح العام للمكوّن القومي أو الديني أو حتى على حساب الوطن. من هنا يكون التلاحم الوطني وتشجيع فكرة الالتزام بحقوق المواطنة كاملةً في دستور معدَّل هو الحلُّ الأمثل لكلّ هذه الإشكاليات. فالمسيحيون بطبيعة مكوّنهم الديني والقومي معاً، ليسوا طالبي سلطة أو جاه أو مال، بل حاملي شعار المحبة الذي أوصاهم به المسيح، محبة الوطن والجار والبشر مهما كان دينُه أو لونُه أو مذهبُه أو عرقُه من أجل بناء "حضارة المحبة"، بحسب البابا بندكتس السادس عشر. هذا الموقف التلاحمي المطلوب من جميع أبناء المدينة، كما ظهر جلياً في أصوات العشائر التي تناخت لوحدة الصف واستنكرت ما جرى علناً، لهو كفيلٌ بتفويت الفرصة على من يسعى لاستغلال هذه الظروف من أجل تحقيق مكاسب سياسية غير مشروعة أو ترك الحبل على الغارب للقاعدة وأتباعها والحاقدين التقليديين في المدينة أو الدفع في سبيل إحداث تغيير ديمغرافي في المنطقة بالترويج لإلحاق ما يُسمّى بسهل نينوى بإقليم كردستان وتشجيع الأهالي على قبول هذه الفكرة من خلال الترغيب حيناً والترهيب حيناً آخر. وقد تم التنويه والتحذير من هذا المخطط منذ فترة طويلة وفي مناسبات عديدة، إلاّ أنّ جهاتٍ في مجالس محليّة ومجالس أعيان ومسؤولي كنائس ورجال دين ومثقفين مغرورين وعناصر من مكوّنات أخرى ما يزالون غير واعين للمخطَّط المشبوه الذي يُحاك لمناطق تواجدهم من خلف الكواليس دون دراية منهم. على هؤلاء تقع مسؤولية تاريخية، شرّها أكثر بكثير من المنافع الوقتية التي تُمنَحُ لهم طُعماً سائغاً. وهي ذاتها وأمثالُها تلك التي تقف اليوم سبباً وراء خطر انجرار المنطقة إلى هذا المخطّط المشبوه الذي تُتُّهم فيه دوماً  الجماعات الإرهابية وأعوان النظام السابق باعتبارهم أسهل شمّاعة لما يحدث عل الساحة.
 من هنا، نعيد التذكير بأن الجهد المطلوب لردع مثل هذه الأعمال ومنع تكرارها تبقى من مسؤولية الدولة والمحتل الغائبَين طيلة تلك الفترة في هذه المنطقة بالذات دون غيرها، وذلك من خلال فرض القانون والكشف عن الجهات التي تقف وراء هذه الجرائم والمخططات وتسمية الجهات المتورطة بمسمّياتها دون خجل أو مواربة أو مجاملة، إلاّ ألّلهمّ إن كان ذلك يصبُّ أساساً في مخططٍ تشترك فيه الدولة والحكومة بنظامها الحالي القائم مع حلفائها من الكتل السياسية الأخرى. ولو تمّ هذا الجهد الردعيّ بروحيّة المواطنة وبجدّية الأجهزة الأمنية المكلَّفة بالكشف عن الحقيقة، فإنها ستزيد من ثقة الشعب وستعزّز من الوحدة الوطنية. وحينها فقط، ستشعر سائر المكوّنات ومنها الأقليات بخاصة، أنها عنصرٌ أساسيٌّ في بناء العراق الشامخ، لها ما لغيرها من المكوّنات الأخرى من حقوق وواجبات على أساس المواطنة والكفاءة والأهلية في كلّ شيء. وهذا ما يستدعي إعادة النظر في شكل الحكم القائم حالياً وفق أسلوب المحاصصة المقيت الذي يسمح بمثل هذه التجاوزات ويستبعد الكفاءات وأصحاب الشهادات من تولّي ما يستحقونه من مواقع في الدولة ويسمح للمتطفلين والهامشيين بالتحكم في مصائر المواطنين بدعم من الكتل السياسية المتصارعة. أملنا أن يوضع حدٌّ لمثل هذه التجاوزات ويعود العراقيون مواطنين متساوين ومتعايشين على أساس المحبة والإيمان بالوحدة الوطنية. ولا ننسى أن مقياس السعادة  لدى أيّ شعب يُحسبُ من شكل التعايش السلمي القائم بين أفراده ومن خلال طبيعة الاستقرار الامني الناتج عن احترام الغالبية الحاكمة أو المكوّن الراجح في الحكم لسائر للمكوّنات الأقلّ منها عدداً.
لويس إقليمس
بغداد، في 16 تشرين ثاني 2008


91
نداء وخيبة أمل!

يرى مجلس الأقليات العراقية في القرار المجحف لمجلس النواب العراقي الأخير بتقليص عدد مقاعد الكوتا المقترحة من جانب ممثلية الأمم المتحدة للأقليات في انتخابات مجالس المحافظات، ترسيخاً آخر للنظرة الدونية لهذه المكوّنات الأصيلة واستصغاراً لدورها الطبيعي في أماكن تواجدها وموقفاً مشيناً بحق وطنيتها وكفاءتها واستحقاقها النوعي والعددي.
إننا إذ نضمّ أصواتنا إلى جانب المواقف المشرّفة للنواب ممثلي هذه الأقليات في البرلمان، لا يسعنا إلاّ الوقوف إلى جانبهم في المطالبة بنقض هذا القرار الظالم الذي لا ينطوي على احترام لحجم التمثيل الصحيح المقترح لهذه المكوّنات. إننا إذ ننظر بعين الريبة حول الدوافع السياسية التي حملت البعض للتصويت ضدّ المقترحات المعدَّلة للقانون المذكور، لا يسعنا إلاّ أن نؤكد صحة ما يُرتكب بحقهم من أجل إسكات صوتهم وإذابة حقوقهم المواطنية الكاملة عبر تعذّر  مشاركتهم الحقيقية في العملية السياسية عموماً وفي مجالس المحافظات بخاصة  بسبب سيطرة  قوى فئوية فيها تسعى بكل وسائلها لإقصاء وتهميش هذه الأقليات في كل خطواتها. إن الهواجس الواهية وغير مكتفية الأركان التي تحاول بعض القوى داخل البرلمان ومنها قوى 22 تموز الاستناد إليها في رفضها الأخير لمقترحات الأمم المتحدة المعدّلة لصالح هذه الأقليات لا تعدو كونها عذراً آخر من أجل الاستئثار بالسلطة  وثقافة مرفوضة  للإقصاء والتهميش والتغييب عن سابق إصرار عبر لعبة سياسية مكشوفة وصفقات متبادلة رغم تباكي بعضها علناً على ما يجري.
إن مجلس الأقليات العراقية إذ يعدُّ هذا القرار الأخير بمثابة خيبة أملٍ أخرى في إمكانية وضع الديمقراطية في مسارها الصحيح حيث إن هذه الأخيرة تعني في ما تعنيه احترام الآخر والقبول به وإتاحة الفرصة المناسبة لمشاركته في العملية السياسية الجارية برمّتها. كما أنه يدعو كافة الأطراف المعنية إلى تعلّم الدرس من نتيجة انتخاب مهاجر قادم من بلد أفريقي فقير لرئاسة أكبر قطب عالمي يسود العالم، أميركا، و إلى اتخاذ انتخابه خير نموذج  لتطبيق الديمقراطية الحقيقية. فكيف يسهلُ على ساسة العراق الجدد استبعاد  أصحاب الدار الأصلاء وهم من أشدّ الحريصين على وحدة التراب والماء والهواء، واستصغار السكان الأصليين لبلاد ما بين النهرين وهم بناة أكبر الحضارات في العالم وأروعها؟
إننا ندعو الأطراف المعنية مرة أخرى لتصفية نياتها حيال طروحات واستحقاقات جميع الأقليات دون حساسية وبعيداً عن أية تشنجات فئوية أو قومية أو دينية ضيقة خدمةً للوطن وترسيخاً لمبادئ الوحدة الوطنية ومن أجل ازدهار جميع مكوّناته والعودة الآمنة إلى سبل التآخي والتعايش السلمي والتكافل الاجتماعي.

مجلس الأقليات العراقية
مكتب العلاقات والإعلام
بغداد، في 5 تشرين ثاني 2008

92
صرخة استغاثة لحماية المسيحيين


يناشد مجلس الأقليات العراقية الحكومة العراقية والرئاسات الثلاث وقوات الجيش والشرطة الوطنية ومعهم قوات التحالف باتخاذ إجراءات عاجلة واستثنائية من أجل حماية المسيحيين أصحاب الأرض الأصليين في مدينة الموصل الحدباء. كما نناشد إخوتنا الموصلّيين الشرفاء ومثقفيها والعشائر والعائلات المسالمة فيها من أجل المساهمة في حقن دماء إخوتهم المسيحيين، جيرانهم وأبناء بلدتهم التي تقاسموا فيها معاً الحلو والمرّ وتسامروا وتحابوا في أجواء من المحبة وصفاء النيات والقلوب. إن ما يجري في هذه المدينة العريقة لا ولن يخدم أحداً سوى الأيادي القذرة الخارجية التي تريد العبث بمقدّرات أبنائها من كافة القوميات والأديان والطوائف و لاسيّما المكوّنات القومية والدينية قليلة العدد منها، وذلك في محاولة لتصفية ما تبقى منها على أرض الآباء والأجداد منذ قديم الأزمان.
إن هذا المخطط المشبوه الذي ظهر واضحاً للعيان في إقرار الكتل، التي كانت تدّعي حماية الأقليات والمسيحيين منهم على وجه الخصوص، إلغاء المادة 50 من قانون انتخاب مجالس المحافظات التي يُفترض فيها مشاركةً حقيقية وفاعلة في العملية السياسية وفي المصالحة الوطنية، لا يحتاج إلى براهين وأدلّة بقدر ما  يكون دقّ ناقوس الخطر. كما أن هذا الحادث بتداعياته وملابساته هو بمثابة نداء عاجل لاستصراخ ما تبقى من ذوي الضمائر الوطنية لفعل ما يمكنهم من أجل وضع حدّ لهذه المأساة التي طالت جميع الأقليات في المنطقة من المسيحيين عامة والشبك والأيزيديين والتركمان وعلى مراحل، حيث سبقها جرائم مماثلة بحق أقليات أخرى في مناطق عديدة من الوطن ومنهم الكورد الفيليين والصابئة إضافة للمكوّنات المذكورة أعلاه.
إننا ندعو أبناء الأقليات لاتخاذ الحيطة والحذر من مغبة استدراجهم للدخول في مشاريع فئوية ضيقة لا نريدها ولا نباركها، لأنها لا تخدم سوى اللاهثين وراء اقتناص المنافع الوقتية التي لا ولن تنفع، حين تأذن الساعة ويُقتلع كلُّ ما ومَن يشير من قريب أو بعيد أو يطالب بحقوق مكوّنه. ولنا في ذلك صولات  وجولات ومواعيد عرقوبية وخيبات أمل لا حدّ لها ولا حصر.
إننا نطالب الحكومة العراقية ورئاسة الجمهورية التي تعهدت لقداسة البابا بندكتس السادس عشر في لقاءات قدسية أن تفي بوعودها بحماية العراقيين جميعاً ومنهم على وجه الخصوص المسيحيّين الذين هم يعطّرون حديقة العراق الوارفة بأزهارها الجميلة. فلا تدعوا أحداً يدنّس هذه الحديقة الجميلة ويقطف ورودها الزاهرة. فكلُّنا معاً نكوّن العراق ونبنيه ونرفع راياته الشماء رغم أنف الأعداء والمنتفعين التشظويين الذين يسعون لتجزئته واستقطاع مناطق من هنا وهناك لغايات في نفس عيسو. ولن يكون النصر إلاّ لحماة وحدته وبناة مؤسساته وتطوير قدراته وترسيخ سبل المحبة والتسامح والتكافل  بين أبنائه.
معاً ستنتصر إرادة الحق ويعود أبناء العراق إلى أرض آبائهم وأجدادهم وسيندحر الغرباء ويتراجع المنتفعون بفعل الظروف الاستثنائية، وتعود مدينة الموصل إلى ربيعها النظر بكافة فسيفساء نسيجها المتألق، ومنهم المسيحيون الذين تتوجب لهم حقوقٌ كبيرة وكثيرة بشهادة الجميع.  إنه السميع المجيب.
مجلس الأقليات العراقية
بغداد، في 10 تشرين لأول 2008

93
مجلس الأقليات العراقية
بغداد- العراق

بيـــــان
       يشجب مجلس الأقليات العراقية بمكوّناته السبعة الأساسية الأصيلة في النسيج العراقي المتآخي، الغبنَ الكبير والمتعمّد بحجب مقاعد الكوتا المطلوبة "مرحلياً"، بموجب المادة 50 من قانون انتخاب مجالس المحافظات. إننا نعتقد بأن هذا القانون قد تم تمريره تحت ضغوط سياسية يٌراد بها غصبُ بعض الكتل الفئوية النافذة حقوقَ هذه الأقليات في تمثيل أبنائها بصورة حقيقية. وفي الوقت الذي نستهجن فيه أيضاً، ما أمكنَ تسميتُه بتحقيق النصر عند بعض الفئات المتبخترة بحذف هذه الفقرة في هذا القانون مثير للجدل، فإننا ندعو كافة المعنيين والجهات الساندة لحقوق الأقليات، بضمنها ممثلية الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي، وفرنسا بالذات التي ترأس دورته الحالية وكذلك الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، للتفاعل ضد هذا الظلم الفاضح والضغط على اللاعبين النافذين في العملية السياسية، ومنهم أميركا التي نستهجن مباركتَها لهذا القنون دون مراعاة لشعور أبناء الأقليات وحقهم في تمثيل جماعاتهم وفق منظور المشاركة الوطنية الكاملة في بناء الوطن وحرية المواطن.
إن العملية السياسية العرجاء الجارية حالياً بغياب الممثلين الحقيقيين للقوميات والأديان قليلة العدد نسبياً، من شأنها خرق كافة الأعراف الوطنية الصائبة وفتح شرخ جديد آخر يقيم لدكتاتورية من نوع جديد في عراقٍ، ادّعى الجميعُ الخلاصَ فيه من دكتاتورية الحزب الواحد والحزب القائد. إن ما يجري اليوم على يد اللاعبين النافذين في الكتل المهيمنة على مال وحلال وسياسة البلاد والعباد، لا يمكن السكوت عنه، طالبين من مجلس النواب الموقر إعادة النظر فيه بشئ من العقلانية مع تواجد النيات المخلصة بضمان مشاركة حقيقية في العملية السياسية  القائمة قيدَ النموّ والتطور والاختبار. كما ندعو مجلس الرئاسة الموقر لوقفة وطنية مشرّفة بنقض هذا القانون وإعادة الحق لطالبيه وسط نداءات وطنية كثيرة.
ونحن نقول ونؤكد مراراً وتكراراً، أن المرحلة الراهنة بحساسية الوضع القائم، تقتضي إنصاف هذه المكوّنات ريثما تستتب الأوضاع وتتضح معالم الديمقراطية الحقيقية عندما يدرك جميعُ المواطنين أهميتَها وضرورتَها في بناء وطنهم الجريح. وعند ذاك، لن ينفعَ بناءَ هذا الوطن غيرُ المشروعِ الوطني المتكامل الذي فيه يمارسُ كلُ مواطن عراقي حريتَه في اختيار ممثليه، ليس على أسس دينية أو مذهبية أو عرقية أو فئوية وتحت ضغوط واضحة، بل على أساس المواقف الوطنية المشرّفة والكفاءة العلمية والأهلية السياسية والإدارية والمهنية فحسب.
عراقُنا الموحدُ الواحد، لن يبنيه غيرُ أهله وأبنائه المخلصين وليس المنتفعون المرحليون الجادّون في تجزئته وإضعافه بشتى الوسائل، ومنها إبعادُ وإقصاءُ المكوّنات الدينية والقومية قليلة العدد نسبياً، من حقها في المشاركة الفاعلة في العملية السياسية وفي تركيبة المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

مجلس الأقليات العراقية
بغداد، في 1 تشرين أول 2008

94
المسيحيون في العراق: واقع الحال والمستقبل

     إن من يتحرّى فيما آلت إليه أوضاع المكوّنات الصغيرة عموماً، الدينية منها والإتنية (التي اصطلحنا على تسميتها بالأقليات اضطراراً بسبب تهميشها وتغييبها ومصادرة حقوقها في الحكومات الطائفية المتعاقبة منذ التغييرات الدراماتيكية الأخيرة)، فإنه بلا شكّ، سوف يتبادرُ إلى ذهنه وجود مخطط غيرِ مسبوق يرمي إلى إفراغ العراق خاصة والمنطقة عامةً من وجود هذه الأقليات من خلال محاولة دمجها أو تذويبها في قوميات أكبر، نافذة على الساحة. وللمسيحيين، كما يبدو حصةٌ وبامتياز، في هذا المخطط الذي كانت قد بدأت بوادرُه بالظهور في السنوات الأخيرة، محلياً وإقليمياً ودولياً. وفي الحقيقة، فإنّ ما يجري في العراق اليوم، ليس بمعزلٍ عمّا يتكرّرُ في فلسطين و لبنان بالذات، بوسائل وطرق وأيادي متعددة. و قد تُعزى ذاتُ الأسباب إلى شرائح أخرى تعاني محلياً، من ذات النهج التصفوي كالإيزيدية والصابئة المندائيين والشبك وغيرهم من الذين لم يسلموا من أعمال العنف المنهجي في مناطق تواجدهم الأصلية، ما جعل بعضَهم عرضةً للانقراض و غيرَهم هدفاً لتحقيق هذا المخطّط الخطير  من خلال زرع الانشقاقات في أوساطهم. والنتيجة كانت تعرُّضهم إلى حالة بائسة من التشرذم والانقسام الداخلي بحسب الولاءات وتأثيرات الجهات الضاغطة والمتعددة.
 من هنا، ومع توالي الأحداث المؤلمة أحياناً والكارثية في الكثير منها، ومع اشتداد وطأة الضغوط على هذه المكوّنات القليلة العدد نسبياً، والأصيلة منها بخاصة في النسيج العراقي ومنهم المسيحيين بالذات، كان لابدّ من مراجعة وافية ووقفة تبصّر حول ما يجري على الساحة السياسية. وهذا ما لمسناه قولاً وكلمةً في الأقلّ، لدى العديد من أبناء شعبنا الغيارى بكافة شرائحه، من صحوة إزاء مجريات الأحداث ومن تأكيد وحرص على ضرورة ديمومة الوجود المسيحي ومعالجة نقاط الخلل فيه. كما رُصدت بين الفينة والأخرى، دعوات عقلانية تدعو للعمل على تنقية الأجواء بين المختلفين والانصراف، بدل المهاترات الفارغة التي لا نفع منها، إلى توحيد الصف من أجل تنمية آفاق مناطقنا المهملة و إفاضة الاهتمام بمصالح شعبنا العليا وترميم المهلهلِ فيها بعد سحابة السنين العجاف التي نالت منه مآسي الأحداث بشدة، ولاسيّما طيلة السنوات الخمس المنصرمة بعد التغيير. وإني أعتقد جازماً، أنه من أجل تحقيق هذا المطلب، لابدّ من تنازلات من جميع الأطراف من خلال فتح حوارات متصلة مع الأحداث حول الوسائل التي من شأنها المساعدة في توحيد الخطاب السياسي "والقومي" للمسيحيين عامة بكافة تسمياتهم "القومية" والكنسية وعدم حصر ذلك في مسمّى "قوميّ" ثلاثيّ ضيّق لم يقوَ على الصمود بسبب هشاشة تركيبته الغريبة منذ انطلاقته. ولعلّ مبادرةً جديدة وصادقة لعقد مؤتمر مسيحي جامع  لكافة المسمّيات من أجل تصحيح الثغرات التي شابت المؤتمر القومي الأول في 2003، من شأنها حلّ العديد من الإشكالات وترميم سوء الفهم في التوجهات والمطالب، سيّما لو اقترن ذلك برسم استراتيجية جديدة لهذا المكوّن الأصيل بعد ثبوت فشل معظم التنظيمات في جمع أبناء شعبنا على كلمة واحدة وفي تسمية موحدة تؤهله لفرض مطالبه حزمةً قويةً و غير مشتتة.
 وكلّنا أملٌ أن تتناغم   هذه الاستراتيجية الجديدة المرتقبة، مع التوجه العام للأفكار والأمنيات المواطنية المتصاعدة في عموم البلاد والمطالِبة في معظمها بالعودة إلى المشروع الوطني الجامع لعموم أبناء الشعب في دولة مؤسسات ديمقراطية مدنية، بغض النظر عن القومية أو الدين أو المذهب. وبدون هذا التوجه الوطني الصحيح،  لن تجني المكوّنات الأصيلة قليلة العدد على المدى القريب أو البعيد، ثماراً تُذكر و على جميع الأصعدة، بسبب إصرار الحيتان الكبيرة على بقائها هامشيةً وخارج المطبخ السياسي الذي يسيطرُ عليه مثلث متصارع على السلطة والجاه والمال. وطالما بقيت بنودٌ في الدستور تنص و تشير صراحةً إلى مبدأ الفرز الفئوي والتعالي الطائفي و التأكيد المذهبي التي تجسّدها المحاصصة الحكومية والسياسية القائمة حالياً والتي يصرُّ عليها هذا المثلث المتسلّط غير العابئٍ بالمصلحة العليا للوطن، فإن هذه الأقليات "القومية" والدينية، ومنها نحن المسيحيين بكافة تسمياتنا، سوف نواصل جهودنا معاً، محلياً وإقليمياً ودولياً، من أجل رصد هذه الانتهاكات و الاستمرار في المطالبة بكافة حقوقنا الوطنية، كاملةً غير منقوصة، أسوة بمن يدّعي السيادة الحصرية دون غيره.
 ونحن نعتقد أن تياراً وطنيًاّ حرًاّ واضح المعالم  قد بدأ بالظهور في أوساط العامة من أبناء شعبنا ليأتي متناغماً مع التوجه العلمانيّ العام والدعوات المتزايدة التي بدأت بالظهور علناً في تصريحات بعض الكتل السياسية القائمة على الساحة، لاسيّما بعد خيبة أمل الشارع العراقي عامة، من مشاريع الكتل النافذة التي تحاول الاستمرار في نهجها بتسييس الدين و تكريس الأفكار القومية و الفئوية والطائفية والمذهبية الضيقة التي يرفضها مجتمع متعدد الأعراق والأديان والمذاهب. فالدين لله والوطن يبقى  للجميع.

المسيحيون: واقع أليم ومصير مجهول!
      لقد كان للمسيحيين عموماً كما أسلفنا أعلاه، بكافة تسمياتهم وانتماءاتهم القومية والكنسية، حصةٌ وافية من مجمل أعمال العنف التي طالت عموم الشعب العراقي، وذلك لاعتبارات عديدة أهمُّها:
-   النظرة الدونيّة المشفوعة بالغيرة السلبية لدى جهات فئوية متخلفة عن الركب الحضاري إزاء  تميّز هذا المكوِّن الأصيل عن غيره في مزايا عديدة منها، حب الوطن وأرضه وإيثارُهم مصلحته العليا على ما سواها بسبب إيمانهم بمبدأ الولاء له قبل كل شيء، ومن ثمَّ عدم مقدرة بعض هذه الفئات من مجاراة هذا المكوّن المتمدّن عصرياً في سلوكه الاجتماعي والثقافي وكذلك في نبذ أتباعه المسالمين لكل أشكال العنف والمماحكات.
-   رفض الكثير من المسيحيين الانصياع أو المساومة على حساب المبادئ والمصالح العامة لدينهم أو"قوميتهم" مهما كان نوعها، ما جعلهم هدفاً للانتقام أو التصفية في حالة نشوب خلاف في الرؤى والتوجهات المصيرية.
-    عدم استساغة بعضُ ضعافِ النفوس كفاءةََ الكوادر المسيحية ونجاحَها في أي ميدان عملٍ تدخلُه أو أية  مسؤولية تُناطُ  بهم بسبب إخلاصهم المعروف في العمل والحرص على إنجازه، ما عرّضهم للتهديد أحياناً أو إرغامهم على تفادي قبول بعض الوظائف خوفاً من المجهول أو ترك العمل لهذه الأسباب أو غيرها.
-   و الأهم من ذلك كلِّه بسبب اختلافهم في الدين مع غالبية الشعب العراقي لاسيّما بعد أن أصبح العراق مؤخراً، مرتعاً وساحةً مفتوحة لنشر ثقافة العنف والقهر الديني  وتصديرهما، بل والتباهي في المزايدات على الدين وأصوله. ومن الجدير ذكره،  أن شرائح كثيرة مثقفة ومعتدلة في عموم الشعب العراقي تدين مثل هذه الأعمال غير الحضارية وغير الإنسانية وتستهجنها ولا تقبل بها لكونها خارجة عن قواعد الدين الحنيف و عن السلوك العام الذي تفرضه المواطنة الصالحة التي تؤمن بكفاءة الفرد ميزاناً في سلّم الترقية والتقييم  في مجتمع متآلف ومتعدّد الأعراق والأديان والثقافات.

صحيحٌ أن المسيحيين يقعون ضمن المكوّنات المستضعفة قليلة الحيلة. أي بمعنى آخر، هم يشكلون اليوم، الحلقة الأكثر ضعفاً في المعادلة السياسية في هذا البلد الغارق في ظلام العنف الطائفي والفئوي المقيت، بسبب عدم امتلاكهم أياً من مظاهر القوة والحماية الذاتية التي يتمتع بها غيرُهم من المكوّنات الأخرى، لاسيّما المتسلطة منها والمتمثلة بمعظمها بالجماعات المسلحة والميليشيات التي ما تزال بقاياها تسرح وتمرح في الشارع العراقي  رغم الحملات المتواصلة لقمعها ومحاولة استئصالها، ذلك لأن معظمها وبكل بساطة، تأتمر في الكثير من الأحيان، بأوامر من في السلطة التي تنتمي إليها طائفياً أو مذهبياً أو حزبياً أو تتبعها لغير هذه الأسباب أو تلك. إنّ المسيحيين عموماً، شعب مسالمٌ ومتمدّنٌ و متميّزٌ في كلّ شيء، في وطنيتهم ووفائهم وحيويتهم وثقافتهم وتراثهم وعاداتهم وأسلوب حياتهم العصري. ومع ذلك، فقد تعرّضوا في السنوات الأخيرة أكثر من غيرهم، إلى هجماتٍ شرسة ومحاولاتٍ يائسة للنيل من وجودهم التاريخي الأصيل لاسيّما، في مناطق تواجدهم. ولعلَّ تنامي روح التشدّد والغلوّ التكفيري التي سادت العديد من المناطق الساخنة في المنطقة والعالم ومنها العراق طبعاً، قد ساهمت بطريقة أو بأخرى، في تحفيز عدد من المتصيّدين في الماء العكر، لتنفيذ أجندات مصدَّرة بحق أبناء شعبنا من خلال عدَّهم لقمةً سائغة لتنفيذ مآربهم غير الحضارية والقفز على الأحداث سعياً وراء تحجيمهم أو حتى إنهاء وجودهم بكل ما أوتيت لهؤلاء من وسائل سلطوية ومعنوية وقسرية بحيث أصابتهم حدَّ العظم. وقد تكون تلك الموجة التي طالت  المسيحيين بخاصة خلال الأشهر الأخيرة، جاءت ضمن مطبخٍ سياسيّ  رُتّبت لهُ روزنامتُه هو الآخر، والتي كان يتحرّك منفذوها المنتمون إلى مافيا الرعب والقهر والترهيب  والترغيب، بموجب سيناريو مرسومِ، لاسيّما بعد اشتداد  وتيرة التهجير طيلة السنوات الخمس المنصرمة، من مناطق محددة ورئيسية مثل البصرة جنوباً وبغداد وسطاً والموصل شمالاً. كما لوحظت محاولات مقصودة ترمي إلى زعزعة تواجدِ أبناء شعبنا المسيحي في القرى والقصبات التي عاشوا فيها وعلى أرضها إرثاً محرّراً بالدم عن سالف الأجداد منذ أكثر من سبعة آلاف سنةٍ في بلاد آشور ونينوى وكالح وبابل.
 ولنا هنا حق التساؤل، أهذه يا تُرى أيضاً، تقع ضمن طبخة الخريطة الجديدة التي تسعى قوى القهر والظلام رسمَها من أجل تغيير ديمغرافية المنطقة؟ تُرى، ما هو الموقف الدولي من هذه المشاريع عموماً؟ و ما موقف الساسة الجدد في الداخل حيال هذه الانتهاكات الخطيرة لحقوق شعوبٍ أصيلة في النسيج الاجتماعي التي لم تعرف يوماً التقصير في واجباتها وانتمائها الوطني والإنساني؟ وما هي الكلمة التي تقولها القيادات السياسية المسيحية، لاسيّما "القومية" منها، التي توزعت في اتجاهاتها  وولاءاتها الحزبية  وتنظيماتها الانكفائيةِ الآراء، والتي لا ترقى العديد منها إلى ثقافة سياسية منهجية أو إيديولوجية واضحة، ومع ذلك فهي تصرُّ على تسميتها أحزاباً؟ وما رأي الرئاسات الكنسية التي تربعت كلٌّ منها في برجها العاجي وراحت تتخبط بعضُها وتخلط الأوراق وتميلُ كما تميلُ الرياح يمنةً ويسرةً  حسب الجهات المموّلة، فتراوحت قناعاتُها هي الأخرى،  بين متفرّج ومتوثبٍ ومنتهزٍ للفرص دون أن تساهم جدّياً بوسائلها المتعارفة من أجل تقريب وجهات النظر أو أن تسعى ولو حيادياً في المساعدة للمّ ما يمكنها ذلك، بعد تشظية جهود أبناء طوائفها بفعل غياب الروح الوحدوية التي أرادهم بها المسيح قطيعاً واحداً براعٍ واحد؟
من هنا، فإنَّ الفاجعة الكبيرة الأخيرة التي حلّت قبل أشهر، على مكوِّننا المسيحي، باختطاف المثلث الرحمة المطران بولص فرج رحو ، أحد الرموز المسالمة ومن الدعاة الوطنيين لبناء وحدة العراق وتضامنه والرافض لكل أشكال الفصل والتمييز والترهيب والمساومة، وقتلِه بطريقة لا إنسانية من قبل جماعة مسلحة مجهولة، ليس بعيداً عن مرأى أجهزة الأمن والدولة والأحزاب النافذة في مدينة الموصل الحدباء - الغارقة لحدّ اليوم في سواد القهر والقتل والإرهاب- تأتي ضمن ذات المخطط لتعطيل دور المسيحيين وحملهم قسراً على الاستنجاد بمن يدّعي توفير الحماية اللازمة لهم واحتواءَهم في مناطقَ أكثر أمناً. لقد سبق هذه الجريمة النكراء،عملياتُ خطفٍ مماثلة  لرئيس طائفة مسيحية أخرى في ذات المدينة وقتلٍ لكاهنين بريئين واغتيال كاهن آخر من أمام داره في وسط بغداد، إلى جانب استشهاد عددٍ غير قليل  من أبناء عموم الطوائف المسيحية واختطاف غيرهم وفديتهم بمبالغ مالية كبيرة، جزيةًً مفروضةًً حقداً وبهتاناً.
إن هذه الأحداث المأساوية الأخيرة قد أفرزت جملةً من الحقائق والإخفاقات في أحداث ما بعد تغييرات 9 نيسان 2003، ممّا يستدعي مراجعةً وافية من أهلنا في الداخل، مؤسساتٍ كنسية وأحزاباً وجمعياتٍ وتنظيماتٍ، وتضامناً دولياً من أجل وضع حدٍّ لمثل هذه الانتهاكات الصريحة. والأهم من ذلك كلّه، الضغط على أركان الحكومة العراقية رئاسةً وبرلماناً من أجل حمل الكتل السياسية المتصارعة على السلطة على تغيير خطابها تجاه الأقليات الدينية والعرقية حصراً، ومنهم المسيحيين بصورة خاصة كي ينعموا مثل غيرهم بحقهم الوطني الكامل في  المشاركة في القرار السياسي وفي المناصب والوظائف المختلفة دون تمييز، ليس منّةً من أحد بل لأن الشرع و الدستور وكل الأعراف تكفلُ لهم مثل هذا الحق المشروع المغَيَّب قسراً، رغم ما في هذا الدستور من قصور بسبب التوجّه الفئوى والطائفي الذي كُتب به. ويبقى المسيحيون بشهادة الكثيرين،  زينة المجتمع العراقي والمنطقة عموماً في حلّهم وترحالهم و قدوتهم وأخلاقهم وجيرتهم الطيبة وفي تفاعلهم وتناغمهم مع كل الشرائح المتآلفة تاريخياً منذ عصور.   

الحكم الذاتي، مشروع غامض بآفاق ضيقة
كثر الكلام مؤخراً عن مشروع للحكم الذاتي، كما صفق له الكثيرون دون أن يعوا طبيعته تماماً والمقصود به أو معرفة  مصدر إطلاقه ومن ثمّ الجهات التي تحاولُ مؤخراً تسييسَه ضمن السياق العام لمجريات الأحداث إلى جانب غيره من المشاريع المطروحة بأجنداتها المختلفة المصادر والتمويل. لقد تجاهل دعاةُ هذا المشروع أو تناسوا علاقة الجيرة والتداخل الديمغرافي بين مختلف المكوّنات العرقية المتعايشة منذ مئات السنين بل منذ آلاف السنين لاسيّما في منطقة ما يُسمّى بسهل نينوى التاريخية. كما أن شكل هذا الحكم الذاتي المطروح حالياً " للترغيب" أو ب"الترهيب"، لا يبدو منطقيا من الناحية العملية واللوجستية. فهل سيُصار إلى استقطاع مواقع تواجد المسيحيين المتناثرة هنا وهناك والمتداخلة مع مواقع المكوّنات الشقيقة الأخرى  وإلحاقها بهذا التشكيل فحسب؟ ذلك لأن المنطق يقول بغير ذلك. فالقرى والقصبات المسيحية في هذا السهل بين دجلة والزاب، متداخلة مع مثيلاتها من القرى الأيزيدية والشبكية والتركمانية والكردية والعربية على السواء. إلاّ اللّهم إذا كانت الفكرة تقضي تماماً بضمّ سهل نينوى بأجمعه إلى إقليم كردستان العراق ضمن صفقة سياسية معينة. وهنا أيضاً كيف سيكون شكل هذا الحكم الذاتي المزعوم داخل إدارة الإقليم المذكور؟ وهل إنّ دستور كردستان كفيلٌ بتأمين مصالح واستقلالية هذا الشكل الإداري المفترَض؟ أسئلة كثيرة بحاجة إلى أجوبة وافية ومقنعة لأنها تعني مستقبل شعبٍ وأمةٍ تعايشت مع جيرانٍ كُثُرٍ متنوعين دينياً وعرقياً وتاريخياً وجغرافياً وحضارياً واجتماعياً منذ آلاف السنين.
إنَّنا نعتقد أنَّ ما يُحاك اليوم، للمسيحيّين عامة بكافة تسمياتهم وطوائفهم، للإيقاع بهم في ورطة كبيرة بمحاولة حصرهم في مناطق تواجدهم التاريخية ضمن محميّة مبهمة الشكل والفحوى (كما يطالب البعض شططاً) لتكون لهم قبراً أبدياً، تأتي ضمن ذات النهج وذات السعي في وضعهم بين مطرقة العرب من جهة وسندان الكورد من الجهة الأخرى أو تخييرهم بالهجرة ومغادرة الوطن الغالي إلى ديار الغربة المريرة  حفاظاً على سلامتهم، كما يُشاع. وهذا لم يعد خافياً على كل رقيبٍ عاقل ومّطلعٍ قريبٍ للأحداث. إننا نعتقد أيضاً، ونرجو أن نكون مخطئين، أن المشروع المذكور الذي ينادي به اليوم، نفرٌ من أبناء شعبنا بذرائع عديدة ويُحشّدون له بوسائل كثيرة، ترغيبيةً كانت أم ترهيبية،، ليس بحلٍّ فريدٍ للمشكلة. كما أن هذا المشروع غير الناضج لا ولن يقدّم حلولاً سحرية لمآسي أبناء شعبنا المستهدفين في كلّ شيء، في دينهم وتسمياتهم التشظوية وثقافتهم وحقوقهم وعاداتهم ووطنيتهم وولائهم ومصداقيتهم، وبمعنى آخر في سرِّ وجودهم وكيانهم على أرض آبائهم وأجدادهم. كما لا يمكن أن يكون هذا المطلب البتة، بديلاً لبناء مشروع وطنيٍّ صحيحٍ ومقبولٍ من الجميع، يستندُ إلى مبدأ المواطنة الصالحة والكفاءة في العمل والولاء المطلق للوطن أولاً وقبل كل شيء. لذا، يبقى التشبثُ بسيادة القانون من خلال دستور وطني، متزن و جامع يحفظ حقوق الجميع وفق مبدأ المساواة والعدالة بين جميع الأطياف، بغض النظر عن الدين أو العرق أو المذهب أو اللغة أو الثقافة أو الفكر، هو السبيلُ الأمثل لبناء عراق ديمقراطي متحضّر بمؤسساتٍ دستوريةٍ مدنية ووطنية لا طائفية أو فئوية أو مذهبية، كما هي عليه الحال.
 لقد عاش المسيحيون سحابة السنين الغوابر في كل أرض الرافدين وجالوا في كل شبر من ترابه وبنوا حضارته طوبةً على طوبةٍ مع غيرهم من المكوّنات الأخرى في أجواءٍ من الأخوّة والألفة والمحبة والتسامح دون امتعاض أو قهر أو غلوّ يُذكر إلاّ ما ندر. فكيف بالساسة الجدد ورجال الفكر والدين، قبولاً لمثل هذا المخطط المشبوه بصيغته الحالية والذي بسببه، سيتشظى ويتفتّت ما تبقى من لحمة نسيج هذا البلد الذي كان يوماً مهداً لحضارات أمدّت البشرية كلّها بالعلم والدين والفنون والقانون؟
من هنا يبقى تصوّرُنا لهذا المشروع "القومي" الساخن منسجماً مع توجّهٍ وطنيّ حرّ عتيد يتم الإعداد له بعناية ليأتي منسجماً مع تطلعات جميع المكوّنات المتآخية والمتواجدة في هذه الرقعة الجغرافية منذ القدم. كما إن نوع هذا الحكم الذاتي، أو بالأحرى هذه الإدارة اللامركزية التي  ينبغي السعي إلى تحقيقها في مناطق تواجدنا ليس الهدف منها الانسلاخ عن المركز، بقدر ما تعني مساعدة الحكومة المركزية في تفهّم حاجات ومشاكل أبناء شعبنا الذين هم أدرى بشعاب مناطقهم وحاجاتهم اليومية والمدنية التي كادت تغيبُ عنها يد الإعمار والخدمات بسبب النظرة الدونية والعنصرية إليها أو بسبب الروح البيروقراطية للإدارات المحلية التي تنتقص أساساً من طبيعة المكوّن القومي والديني لبعض الأطياف من الأقليات. كما أن مسألة ربط هذه الإدارة اللامركزية أو هذا النظام من الحكم الذاتي بحكومة مركزية قوية، من شأنه أن يعطي أبعاده الديمقراطية والوطنية على المدى المتوسط والبعيد. أمّا النظرة قصيرة الأمد، وهذا ما يتحفّزَ ويتشجّع له العديدون عفوياً في هذه الظروف القائمة، فمن شأنها خلق فجوة بين أبناء شعبنا المنتشر في عموم الوطن مع عموم جيراننا من مختلف الطوائف والكيانات.
  لقد سرّني حقاً، ما تلقيتُهُ وسمعتُهُ شخصياً مؤخراً من قيادات وطنية ومسيحية نافذة في سهل نينوى وفي إقليم كردستان بالذات بشخص الأستاذ الفاضل سركيس آغاجان في صدد هذا المشروع المصيري المطروح بشدة، من دعوات مبشّرة للحفاظ على كياننا المسيحي من التشرذم، وعلى ضرورة بقاء ارتباطه بالحكومة المركزية وليس بأية جهة أخرى، ضماناً لنجاح إدارته المرتقبة وحفاظاً على استقلالية قراره وصيانة مكتسباته من أية تأثيرات جانبية، سياسيةٍ كانت أم كنسية أم محلية. وهذا الكلام الواضح المنقول مباشرةً عن لسان واحد من أهمّ رموز شعبنا المسيحي في كردستان، لو ثبتت مصداقيتُهُ، فإنهُ يثلج الصدور ويستحق الثناء والتمحور حولًهُ ودعمَهُ. وبإضافة هذه الرؤية السديدة إلى تأكيدات وتصريحات زعامات وشخصيات وطنية ومسيحية وكنسية واعية أخرى تلتقي على ذات المبدأ وذات الهدف ( ربما مع اختلاف الوسائل فحسب)، يمكن الحصول بالتالي على صيغة مقبولة لهذه الإدارة المرتقبة بعد دراستها معاً من جميع الجوانب. وهذه أيضاً تبقى قابلة للنقاش والمراجعة الوافية والحوار المتأنّي، من جميع المهتمين على اختلاف تسمياتهم وتشكيلاتهم الدينية و "القومية" من أجل سدّ الطريق أمام المزايدين والمتاجرين بمصيرهم.
 إننا نعتقد، أنّ من شأن هذه الإدارة اللامركزية وبهذا الطرح الواضح والصريح، أن تعزّز فرص نجاح هذا المطلب المشروع  وتنعش المنطقة وتفتح آفاقاً واسعة للتعاون بين أبناء هذه الإدارة وبين السلطات المحلية في الإقليم أو المحافظة التي تنتمي إليها. وكذلك فإنها سترسم خريطة الطريق للتعاون المثمر والبناء مع الأقاليم أو المناطق المجاورة لها ومنها إقليم كردستان الذي تربطنا مع أهله وقياداته صفحاتٌ مشتركة من المودة والتآلف والنضال والمصالح المتعددة على أصعدة كثيرة، على أن يجري ذلك في أجواءٍ سليمة من التعايش الوطني والاحترام المتبادل والرغبة الصادقة في القبول بحق تقرير المصير وتحديد الهوية الإتنية والدينية التي يعتقد الفرد الانتماء إليها دون ضغوط .

بين الدين والسياسة
في ظلّ الصراع القائم على السلطة والثروة والخلط الواضح بين الموجبات الدينية والسياسية على السواء، تشكل الجماعات المسلحة ومنها الميليشيات النافذة في عموم البلاد، أسفيناً وعائقاً لكلِّ بوادر السلام و الاستقرار والأمان والتعايش المدني والسلمي. وهذا يعود إلى ما تسبُّبُهُ هذه من معاناة مروِّعة للشعب العراقي عموماً، وبخاصة ضدّ أتباع الحلقات الضعيفة في نسيجه الاجتماعي المتهالك. وهنا تتحمّلُ الحكومة العراقية ومعها المحتلُّ كاملَ المسؤولية في عجزها إيقاف أو الحدّ من حمّامات الدم المتواصلة و في قطعِ شأفة الإرهاب المتقهقر بعض الشيء، و من ثمَّ إنهاء المظاهر العسكرية المختلفة تماماً ومنها الجماعات المسلحة والميليشيات التي كانت وماتزال تشكلُ جزءاً من الظاهرة وحلقة أساسية في المشكلة الأمنية العراقية لارتباطاتها بالكتل السياسية المتصارعة، كلٍّ حسب القوى الإقليمية التي تساندها وتدعمها ماليا ومذهبياً.
 لقد وقعت الأقليات المسالمة ضحية هذه الصراعات الفئوية والحزبية والمذهبية الضيقة بسبب طبيعة تكوينها الديني والآتني والوطني المسالم، وبخاصة المسيحيين على اختلاف تسمياتهم وتشكيلاتهم. ولئن كان لهذه الأعمال الإرهابية المدانة مسبِّباتُها ودوافعُها ومبرّراتُها، لاسيّما الدينية منها والإتنية والسياسية، فقد كان الأجدر بالقائمين على السلطة، السياسية منها والمرجعية على السواء، أن تتصدّى فعلياً وليس بالأقوال فقط، لثقافة الإرهاب المصَدَّرة التي تكالبت على البلاد، وأن تعترفَ قبل غيرها بخطأ التمادي في فكرة "عقدة الغرب" (الكافر) التي انسحبت غدراً على مسيحيّي الشرق خاصة والغرب عامة، اعتباطاً وطوعاً، ما جعلهم ضحيةً لجماعاتٍ إرهابية وأصولية تريد العودة بالزمن إلى عصور الجاهلية والتخلف والمغائر المظلمة.
 إنَّ ما ينبغي أن يعرفه الجميع في هذا السياق، أنَّ الدِّينَ إذا أُسيءَ فهمُه أو تفسيرُهُ  أو استخدامُهُ، فهو يُفسدُ السياسة والعكسُ صحيحٌ أيضاً. والإثنان، إذا تداخلا سلباً أو تدخّلَ أحدُهما في شؤون الآخر، فإنهما لن يجلبا على البلاد والعباد سوى الدمار والخراب والإرهاب. فالدين والسياسة خطان متوازيان لا يلتقيان في غياب المعايير الديمقراطية وفي وجود تشدّد أصولي يرفض كلّ شيء  ويكفرّ الجميع على هوى تفسيرات غير مستمكنة من الدين وأصوله! لقد أثبتت الأيام فشل الأحزاب الدينية في الترويج لتسييس الدين وفي تحويل الدولة العراقية إلى دولة ثيوقراطية أو إمارة دينية. وقد بدا ذلك واضحاً من خلال ردّات أفعال الشارع العراقي والقائمين اليوم على السلطة أنفسهم بسبب عدم موائمة البرامج والأفكار المطروحة لمثل بلدنا متعدّد الأعراق والأديان والثقافات. وهذا ما يدعونا للمطالبة، بفصل الدين عن الدولة وانتهاج سياسة علمانية وعقلانية متزنة  بسبب هذا التنوع العرقي والديني القائم منذ الأزل، وإلى تشكيل حكومة ليبرالية متمدنة ومنصفة لجميع المكوّنات الإثنية منها والدينية على السواء دون تمييز، لتكون بعيدة عن منهج تسييس الدين والتحاصص الطائفي، وذلك توافقاً مع رياح الديمقراطية التي أتت بها الأحداث الجديدة بعد عهدٍ بالٍ من الدكتاتورية التي كان يتمنى الجميع أفولَها يوماً، ومنهم من هم على رأس السلطة الآن. فكيف بهؤلاء العودة إلى ذات الأفعال وذات السياسات المدانة من قبلهم آنفاً عندما كانوا يومها في المعارضة وخارج السلطة؟ وأين هم من تلك المبادئ الجياشة والوعود التي قطعوها من أجل تفعيل مبدأ الديمقراطية وسيادة القانون على الجميع دون تمييز؟ سؤالٌ مشروعٌ يطرحُهُ الشارع العراقي على نطاق واسع اليوم. 

دور أكبر للوجود المسيحي في المشروع الوطنيّ للمصالحة
إنّ ما نؤمنُ به ونسعى إليه مع كلّ ذوي النوايا الحسنة ومع كلّ الشرفاء العراقيين الذين تهمُّهم المصلحة العليا للعراق هو العمل على بناء مشروع  وطني متكامل يؤسّسُ لعراق ديمقراطيّ مزدهر بمؤسساتٍ دستورية وطنية ترفضُ كلَّ أشكال الإرهاب والتخندق الطائفي والتقسيم الفئوي للسلطات التي أتى بها المحتلّ من خلال آليات مجلس الحكم المنحلّ الذي دقّ أسفينَه بريمر، سيّئ الصيت وإدارتُه الغبية حيناً والمتغابية أحياناً، وأسّسَ من خلاله للمحاصصة الطائفية وعمّق بذلك، هوّةَ الفتنة بين مكوّنات الشعب عامةً لأغراضٍ في نفس يعقوب!!!
وهنا لا يختلفُ إثنان على وطنيّة المسيحيين وإخلاصهم في خدمة وطنهم وتفانيهم من أجل بنائه وإشاعة روح المحبة والسلم الأهلي بين مكوّناته من خلال أفعالهم السمحة وأخلاقهم العالية وخدماتهم المتميزة في كلّ شيء وكل مرفق. لذا فإن أُريدَ لمشروع المصالحة الوطنية القائم حالياً، أن يتحقق بأعلى مستوياته ويُثمرَ زهراً ووروداً وبلسماً لحديقة كبرى اسمُها العراق الديمقراطيّ الجديد، فلا بدَّ حينذاك أن يتمّ من خلال احترام الآخر، ومنهم المسيحيين، والنظر إليهم مواطنين يتمتعون بكامل حقوقهم الوطنية والفكرية والدينية والثقافية دون تمييز، ليس بالقول فقط بل بالفعل والممارسة، حتى لو اختلفوا مع غيرهم في الرأي والتصوّر. ومن هنا فإنّ استبعادَ أيّ مكوّن مهما صغُرَ أو اختلف في الرؤية من شأنه أن يوقف عجلة هذه المصالحة وينسف المشروع بكامله ويوصل البلاد والعبادَ إلى شرٍّ لا تُحمدُ عقباهُ، لا سمح الله!
إننا نعتقد، أن زخم الدولة العراقية العتيدة ينبغي أن يصبّ ضمن هذا الأفق البعيد لبناء عراق ديمقراطي موحّد قويّ المركز وليس في السماح بتفتيته إلى  كيانات طائفية ومذهبية هزيلة يسعى دعاتها إلى تحقيق مكاسب ذاتية وفئوية ضيقة لن تدوم على المدى البعيد. لذا، ومن أجل تحقيق هذا الهدف النبيل والمطلب الجماهيري المتزايد، لابدّ للحكومة العراقية والساسة القائمين على قيادة البلد ومعهم أعضاء البرلمان أن يعوا حجم الكارثة التي ستفضي ببلاد ما بين النهرين إلى هاوية الجهل والتخلّف فيما لو غاب العنصر المسيحي أو ضعف وجودُه، وكذا الحال مع باقي الأتنيات الصغيرة المتبقية، ذلك لآن اختفاءها يعني قطف زهراتٍ جميلة من حديقة غنّاءَ، إسمُها العراق. ولقد سمعنا الكثير من مثل هذه الشهادات الإيجابية الصادقة من مواطنين وأصدقاء وجيران عبّروا عن أسفهم لهجرة إخوانهم المسيحيين الذين سبق وأن تعايشوا سوياًً وتربوا معاً في أجواء من الألفة والمحبة سنوات العمر، وهم يشعرون اليوم بالأسى لأعمال الإرهاب والهجرة والتهجير التي طالت الشعب العراقي عامة، والمسيحيين بخاصة وسائر الأقليات الأخرى  من خلال استهداف رموزهم ووجودهم وممتلكاتهم.
إن هذه المكوّنات القليلة العدد، أي الأقليات الدينية منها والقومية، ما كانت لتطالبَ بحقوقها وترفع أصواتَها بوجه الغبن وأشكال التغييب والإقصاء والتهميش التي طالتها، لو روعيت في حقوقِها الوطنية، واندمجت في العملية السياسية الفعلية على قدم المساواة الوطنية مع غيرها ومن خلال ممثليها الحقيقيين وليس من خلال أفرادٍ وشخصياتٍ يعملون لصالح تذويبها في كتل أخرى تتنكّرُ لوجودهم وتصرُّ على عدم الاعتراف بهم أصلاً. وهذه دعوة للكتل السياسية المعنية والجهات الدينية المعتدلة ومعهم نخبة المثقفين كي يعيدوا النظر في حساباتهم ويرسخوا لثقافة الوطن والانتماء إليه قبل كل شيء ومعه ومنه لسيادة القانون وتطبيق الدستور بعد إعادة صياغته وطنياً بسبب كتابته في ظروفٍ قهرية وغير سويّة.
إنّ إعادة بناء ما انكسر طيلة السنوات المريرة المنصرمة وما تلاها سحابةَ السنواتِ الخمس الصعبة المنقضية، لا يمكن ترميمُه وإصلاحُه من دون هذه الوثبة الجديدة المتشبعة بالروح الوطنية الصادقة وليس بالاستمرار في ترسيخ سمة الطائفية والمذهبية وفي تمسّك المثلث السياسي المتسلط بأسلوب المراهنة على تعزيز حصص كتله الثلاث في المناصب السيادية والمواقع الرسمية والحكومية من قمّتها إلى دونها  في توزيع الوظائف، ما ساهم في خلوّ مؤسسات الدولة ودوائرها من كوادر كفء على إدارة تلك المرافق. ما هكذا تُساق الإبل،ُ يا ناس؟ 
 تلكم هي حالنا منذ سنين وهذا هو خطابنا الوطني، ولا نقبل أن نكون بعدُ، حطباً لصراعات محلية أو إقليمية لا ناقة لنا فيها ولا جمل كما لا دورَ لنا في هذه الحال. وكفانا مظالم، سواءً وقع فيها اللومُ على جهاتٍ خارجية أم داخلية ينطلقُ فاعلوها ومنفذوها وفق أجنداتٍ لا تخدم الوطن وأهلَهُ، كما لا ترغب غيرُها في الإبقاء على وجودٍ مسيحيّ  فيه أو إعطائهم الدور الذي يستحقونُه وطنياً ودستورياً .
أللهمّ رُدَّ هذا البلد آمناً واهدِ رعاتَه وساستَه وأهِّل شعبَه لحياة حافلة بالخير والمحبة والبركة والسلام للجميع.


لويس إقليمس
في 1 تموز 2008


95
الديمقراطية بين الترويج والقناعة

       الديمقراطية، هذه الكلمة البراقة والفضفاضة، كم جلبت من منافع وفوائد لشعوب عرفت قيمتها وقدّرت لها ممارستها السليمة، لكن بالمقابل جلبت – عند إساءة فهمها - ويلات ومآس على شعوب كثيرة، أقلّ ما يمكن القول عنها إنها ابتُليت باقتحامها لمعاقل العرف القبلي والعشائري والديني الراكدة التي درجت على إثبات نفسها بالسلطنة والقهر والنهي تاركة وراءها كل محاولة إقناع وتخاطب. لكنّ الرياح الجديدة التي هبّت بفعل ما يسميه البعض منهم "البدعة" الجديدة،  جاءت لتزيد من وطأة التحدّيات التي تواجهها أصلاً شعوب هذه البلدان الرازحة تحت الظلم والطغيان، ظلم يدّعونه من السماء ويسوده قوم من دون آخرين، ومعه طغيان قوى خارجية طامعة في خيرات وسذاجة هذه الشعوب التي أبقيت على الهامش مغمضة العيون.

 
قد لا نختلف أن الديمقراطية الحقيقية هي النخاع الشافي والساند لقوام الدول والشعوب حينما تحفظ وتصون حقوق الأفراد والمجتمعات والدول. بل هي في نظر الكثيرين ذلك النسغ الذي يؤمّنُ لقوام البشرية حقوقََها ويعزّز من ديمومتها ويشفع لها حين مرضها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فيتعكّز عليها من يدرك فاعليتَها ويفهم مساراتها ويطبّق ممارساتها في الحياة اليومية دون مغالاة أو شطط أو حيدٍ من مبادئها لاسيّما حين تتعدّد تفسيراتها لدى بعض مدّعيها أو ناشريها أو المطالبين بها. ومصطلح الديمقراطية مكوّن من كلمتين يونانيّتين (ديموس) وتعني الشعب، و (كراتوس) أي السلطة. ومعناها أن الشعب يتولى الحكم بنفسه، أي أنه هو مصدر السلطات. ولتسهيل هذه العملية، جرى تمثيلُُه بأشخاص يتمُّ انتخابهم بطريقة الاقتراع لتولّي الحكم لفترة زمنية تحددها الأحكام والقوانين المرعية في البلد أو المنطقة وهؤلاء يكونون خاضعين لمراقبة الشعب في أدائهم. أي أن الحكومة التي يشكلها هؤلاء المنتخَبون بموجب النظام الديمقراطي تكون مسؤولة أمام ممثلي الشعب ولهم الحق في إقصائها في حالة عدم إيفائها بالالتزامات الملقاة على عاتقها وخيانتها لثقة الشعب فيها. ولعلَّ أهمَّ بند في توفر قسط وافر من الديمقراطية، وجود الأرضية الصحيحة لتقبلها والتفاعل مع أسبابها ونتائجها على حدٍّ سواء من أجل أن تعطي ثمارها الصحيحة. ومن ذلك نستطيع أن نقدّر أن حسن سير الديمقراطية في بلدٍ ما أو مجتمعٍ عندما يتصلُ ذلك باحترام الحريات الأساسية ومنها حرية الفكر والعقيدة والدين والثقافة والتعليم والرأي والتنقل من التي خُلق من أجلها الكائن البشري حراً ليعيش حياةً كريمةً بموجب الأعراف والشرائع والقوانين الدولية والإنسانية. وهناك عددٌ من أنواع الديمقراطيات المعتمدة في أنظمة الحكم المختلفة في العالم تبَعاً للظروف التي تعيش فيها شعوبها ووفقا لفهمها وتنشئتها و خضوعهاً لتفسيرات متباينة غالباً ما تمتزج فيها الرؤية ا الفكرية والعقائدية والثقافية والمجتمعية وحتى المذهبية والعشائرية.

أدلجة الديمقراطية في الفكر الغربي
كل الأنظار تتجه اليوم نحو الغرب المتمدّن، جنّة عدن لدى الكثيرين! هذا هو الرأي السائد لدى أوساط المثقفين والعديد من المتعلمين في كون الغرب بلداً للديمقراطية والحرية الحقيقية وهو بهاتين الميزتين يكفل للفرد والمجتمع حياة حرةً كريمة تليق بالكائن البشري. هذا ما نعتقدهُ جميعا، ولا خلاف عليه. لكن ما يغيب عن فكر العديدين أيضاً أن هذه الديمقراطية قد حادت هي الأخرى عن مسارها فأفرغت من محتواها الحقيقي بحسب أهواء وتيارات كيانات أرادت تطويعها لأغراضها ووفق حاجاتها. وبذلك تكون قد فقدت هويتها في أن تكون السند النافع والنسغ الناجع لشعوب وأمم آمنت بفاعليتها في هذه البلدان المتحضرة وتطلّعت لها غيرها حسداً وتمنّتها لو زارت أوطانها ومجتمعاتها. هكذا إذن، خضعت وتخضع هذه الديمقراطية لعمليات قيصرية وإجهاضات بعد تغليفها بأيديولوجيات مُقَنّعة حتى لو كانت على تناقض مع واقع حال شعوبها أو مناطقيتها.
والسؤال اليوم، كيف يمكن تفقّّد نوعية هذه الميزة في عالم المتناقضات الصارخة وتمييز الغث من السمين في أشكال هذه الديمقراطيات؟ أنظروا ماذا جلبت أميركا من ديمقراطيتها المصدَّرة إلى شعوب العالم النامي الغافي على صهيل الخيل ونقيق الضفادع ومواء الخرفان. ومثلها ما يصدّره الغرب الأوربي عموماً إلى آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية المغلوبة على أمرها. كأني بها تنفّذُ روزنامة مدروسة الجوانب لتُفرض على مثل هذه الشعوب التي تستسيغ كلَّ جديد قادم من الغرب كأنه بلسمٌ شافٍ وشهدٌ ما غيرُه نسغٌ لحياتها وتطورها ونمائها. وإذا كانت هذه الديمقراطية قد انتقلت في نظر الغرب من طور كونها قضيةً قومية "بمفهوم الأمة" لتصبح معياراً عالمياً، فإنها تكون قد خرجت من فعل كونها هدفاً رضائياً حتى في أوساط الغرب نفسه، بسبب ما أحاطها من سذاجة ورياء في أحيان كثيرة حين انجرارها إلى غير أهدافها المرسومة. قد تكون ماهيّة الديمقراطية المطبقة في الغرب  عموماً تلتقي من حيث الجوهر على أسس ومعايير دولية تصلح أن تسري في غيرها من البلدان لاسيّما ما يتعلّق بإيفائها بالالتزامات التي يفرضها القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان التي تستوجب تطبيقات مماثلة، لكنها من حيث الشكل قد تختلف وتختلف معها التطبيقات والتفسيرات في تفاصيل الدبلوماسية المتبعة و في الأدوات ومنها اللجوء إلى القوة حين اقتضاء الأمر وفي الشؤون الدولية المختلفة أيضاً بحسب المصالح والأغراض وما يلفُّ هذه من نوايا حتى لو طالت مسألة حقوق الإنسان.
في ضوء هذه الأفكار المتحالفة حيناً والمتناقضة في غيرها بين الغرب الأوربي بخاصة والأميركي الضاغط بضرورة " دمقرطة " العالم بالعودة إلى استخدام "عصا الطاعة" التي لا بدّ منها في نظر الأخيرة، يكون العالم النامي قد صغَرَ لها كلٌّ وفق سياقات الزمان والمكان دون أن يكون له خيار تجاوزها. وإذا كانت قلاع الحرية التي بنتها أوربا والغربُ عموماً، كما تبدو للعيان، هي التي تجذبُ اليوم أفواجاً غير معرَّفةٍ من المهاجرين، سراً أو طلباً للجوء فيها، فإن هؤلاء سيجدون نفسَهم ذات صباحٍ واقعين في وهم الأحلام وسوء التقدير لقرارهم تركَ الأوطان بتأثير الدعاية ووسائل النشر والدور الكبير الذي تتركه آثار المسلسلات والأفلام ومختلف وسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة التي تصدّرها لهم دون رحمة. لكن الطامة الكبرى في "معظم" وليس "كلّ" هؤلاء القادمين الجدد، عشاق الديمقراطية الغربية، من دول العالم النامي ولاسيّما الآسيوية منها أنهم لا يستطيعون الخروج من شرنقتهم الشرقية، بل يبقون أسراها في كلّ شيء إلاّ في التباهي وتمنّي النفس بإقناع المقابل أنهم وجدوا ضالَّتَهم المتمثلة أصلاً بعددٍ من المظاهر الخارجية في الحياة اليومية.فمطالب الحياة التعجيزية التي يكبّلهم فيها منذ وطأته أقدامهم تجعلهم عبيداً عليهم دفع فواتيرهم الطويلة وغير المنتهية بسبب عجز معظمهم من العيش كرامتهم الإنسانية كما ينبغي إلى جانب فقدهم تواصلهم مع حياةٍ اجتماعية طبيعية وسط عوائلهم بسبب لهاثهم وراء رزق هزيل في غالب الأحيان. هذا هو الطابع العام للأوهام التي تقدمها بلدان الديمقراطية للقادمين الجدد بحسب أيديولوجية ساستها التي تقتضي التضحية بأمور كثيرة لأجل لقمة العيش والتمتع بالانبهارات التي يقدمها يومياً.

الديمقراطية في السياسة الدولية
منذ أن أصبح العالم قريةً صغيرة بفعل العولمة وتسيّد سياسة القطب الواحد على مغالق الحياة ومنافذها، تحددت معها معاني الديمقراطية. فقد انصبّت جهود الإدارة الأميركية على عهد الرئيس الحالي جورج بوش الابن على ما أسماه ب" أجندة الحرية" و "الترويج للديمقراطية" وأكسبها إنصاتاً عالمياً لدى الكثيرين، دولاً وشعوباً وأفراداً. إن هذا البرنامج الذي جاء ليؤكّد سمة التزامن بين ما يراه البعض من قطيعة وتواصل في آنٍ معاً بين سياسات الأمس واليوم يعيدنا إلى الحيثيات التي انبثقت منها هذه الضرورة في مراجعة الأحداث التي شهدها القرن العشرين بعد الحرب العالمية الثانية وما تلاها من أيام الحرب الباردة بين قطبين متناقضين في كل شيء وإلى سقوط آخر عهد الدكتاتوريات الغربية التي طبعت حقبة السبعينيات ومنه بروز موجة ثالثة من أنواع الديمقراطية (بحسب الكاتب صامويل هانتنغتون – من جامعة أوكلاهوما) وما تلاها من سقوط الشيوعية واندثار الكتلة السوفيتية في نهاية القرن المنصرم. تلك كانت و مات زال الفكرة السائدة في تطويع العالم وإقناعه أو إقحامه في مشروع "الدمقرطة" العتيد ومن ثمّ في عدم التعامل مع من يرفض مثل هذا التوجه من حيث المبدأ في الأقلّ.
بالتأكيد، لم تعد مسألة الديمقراطية مثار شكٍّ في الغرب الذي تبناها سبيلاً لبناء الحريات ورفاهية الشعوب، أفراداً ومجتمعاتٍ، وتنمية الاقتصاديات وتطوير وسائل الحياة المختلفة. بل إنه رأى فيها ما لم تستطع بقية الشعوب النامية تحديده لأولوياتٍ تتلاقى مع المصالح العليا لأممهم ومناطقهم. وهذا ما يفسّره رهان السلام والاستقرار والتوازن المجتمعي لدى الشعوب التي سلكت درب الديمقراطية وأصبحت بمأمن من الحروب والفتن داخل بلدانها وأعادت ترتيب بيتها الداخلي باستخدام الحكمة والعقل والفكر الناضج. ولعلَّ أفضل مثالٍ على ذلك  أوربا التي ودّعت حالة الصراع المميت الذي كانت تعيش فيه واستبدلته باتحاد فعليٍّ بعدما اتصفت بسمة القتل والعنف لسنوات وقرون طوال أنهكت قواها لحين حطّت الحرب العالمية الثانية أوزارها. ومن ثمّ انتقلت وفق سياسة دولية للتبشير بالمبادئ الديمقراطية في غيرها من بلدان العالم التي ما تزال ترزح تحت وطأة الظلم والتخلف والتعسف من قادة وسلاطين رافضين أيَّ فكر جديد خوفاًً على كراسيهم وامتيازاتهم، دينية كانت أم مدنية أم قبليية،من يقظة شعوبهم المغلوبة التي اعتادت دفع هذه
من جهة أخرى، يبدو للبعض أن الترويج لهدف الديمقراطية يقضي باستخدامها وسيلةً في الصراع ضدّ ما نسميه اليوم بالإرهاب. فمن حيث الشكل والفعل يبدوان أمرين متناقضين كلياً وهما فعلياً لا يلتقيان لا في المضمون ولا في الشكل. فحيث الإرهاب لا يمكن أن تنمو الحرية أو تعيش الديمقراطية ذلك أن منظّريه متشبّثون بأجندة مرسومة السبل والوسائل ومعلومة الأسباب والأهداف، وأقلُّ ما يُقال عنها أنها لا ترضى لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ بأية مظاهرَ تعكّر عليها صفو سطوتها وتحكّّمها في عقول وضمائر تابعيها. ومن يجرؤ على فعل تحدّيها وكسر هذا الطوق يكون عرضة للتصفية والمماحكة وإيقاع الحدّ عليه في أسوأ الظروف. تلكم كانت استراتيجية الحكومات الشمولية والأنظمة الشيوعية في عهود فرض سلطاتها وما تزال أنظمة كثيرة في الدول النامية لاسيّما الثيوقراطية منهاً، تسير وفق ذات النهج. كما شهد العالم بزوغ فاشية جديدة تمثلت بما يسمّه البعض ب "الإسلام الفاشيّ" مؤخراً و الذي يُعتقدُ  حلولُه محلّ الأنظمة الشمولية السابقة ليطفح كيلُهُ ويسبح ضدّ التيار الإنساني بل ضدّ التيار المعتدل للإسلام نفسه الذي يسعى لتحكيم العقل والتناغم في تفسيراته مع العصرنة  بالرجوع ببساطة إلى الكتب السماوية والغرف من منابعها السمحاوية والرحمانية. ولعلَّ من الوسائل المتاحة على إرساء ومضاتٍ من الديمقراطية تكمن في القبول بالآخر والاعتراف برأي الشعوب من خلال ممارسات اجتماعية متحضرة أهمها مسألة تداول السلطة من خلال ظاهرة الانتخابات الحرّة التي تُعَدُّ سمة الشعوب المتمدّنة. ولكن ينبغي الإدراك أيضاً أن الفعل الانتخابي أي السماح بإجراء انتخابات عامة ليس بالضرورة أداة وعلامة على سبر قواعد الديمقراطية التي تبقى بعيدة كلَّ البعد عن المفهوم الحقيقي لها إذا شابتها لعبة الأيادي القذرة. فديمقراطية إسميّة  تحت هذا العنوان إنما هي نوع من الضحك على الذقون، والبقاءُ على حكومات وأنظمة شمولية فيها قسطٌٌ من الحرية لأفضلُ من فرض ديمقراطياتٍ همايونية وغير حرّة.

تصدير الديمقراطية
ممّا لا شكَّ فيه أن أحداث  أيلول 2001، و بهولِ ما صنعته،ُ كانت الحافز الأكبر للعديد من دول العالم وأوّلها الإدارة الأمريكية، للعمل على تسارع عملية "دمقرطة" الأنظمة التي لا تقبلُ بغيرها شريكاً آدمياً في الحياة والحكم وهي ما تزال أيضاً ترفض التعامل مع شعوبها وفق منظور الحريات الذي تقرّه المعاهدات والمواثيق الدولية في سعيها لضمان حرية الفرد والمجتمعات بغضّ النظر عن الدين أو اللغة أو العرق أو المذهب أو الجنس وما شاكلها، إيماناً بأن الجميع سواسية في القانون وأمام القضاء وفي الحريات العامة والخاصة. من الجدير ذكره، أن خطوات أخرى كانت قد سبقتها على ذات المنوال في حقب مختلفة من حكم الحزبين التقليديين فيها منذ نشأتها. ولكنها أيقنت وفق منظورها القومي في هذه المأساة أن النقص أو غياب الديمقراطية في العالم بات يشكل حقاًّ مصدراً حقيقيا للتهديد العالمي ومن ثمَّ، فقد آن الأوان للترويج لها وفرضها أو إحلالها بشتى الوسائل والأدوات المتاحة. ومثلها كان لأوربا قسط وافرٌ من هذا الرصيد مع تطور الأحداث فيها والتغييرات التي حملها اتحادها فيما بعد ولكن بوسائل أكثر قرباً و توافقاً مع المعايير الدولية واقترانها مع تطوير المؤسسات المتعددة في هذا الاتجاه لاسيّما ما يتعلق منها في مجال العدالة الاجتماعية والخدمات العامة والتوجه نحو اللاّمركزية بموجب معاهدة كوبنهاغن الموقعة عام 1993. حيث يعتقد الاتحاد الأوربي، دولاً وشعوباً، أن من مصلحته هو الآخر أن تستوعب الديمقراطية أنظمةً أخرى تفتقرُ إليها. ولعلَّ هذا ما يميّزها عن أميركا في اقتران فعلها بما تؤمنه في مسألة احترام حقوق الإنسان وليس في نشر الديمقراطية على عواهنها. وهذه الأخيرة تستخدم من الوسائل المتاحة ما يجعلها حريصة على تحقيق هدفها من خلال الحوار ومراقبة الانتخابات ورصد الانتهاكات ودعم المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان والنقابات والجمعيات.  وقد تختلف الأساليب أيضاً من دولة أوربية إلى أخرى في تحقيق هذه الغاية ولكن يبقى الهدف واضحاً لا لبسَ فيه. ففرنسا ترى مثلاً، أنها تحبّذ التعامل مع الأنظمة غير الديمقراطية كلاً على حدة، أي حالة بحالة من خلال التأكيد على تنمية الجانب الاقتصادي والاجتماعي وعدم فرض نظام موحد حرصاً منها للحفاظ على مصالحها أولاً واعتقاداً أيضاً بحماية أصدقائها التقليديين كلاً حسب ظروفه. وهذا ما يميزها وأوربا معها عن أميركا في اتخاذ لغة الحوار  وتجربة الوسائل المتعددة وإطالة الصبر على المارقين عن الديمقراطية التي ترتئيها وعدم اللجوء إلى استخدام القوة إلاّ في الحالات التي لا مندوحة من طول الأناة معها كما هي الحال المتأزمة حيال الملف النووي الإيراني بسبب تعنّت هذا الأخير في حين رضخ الكوريون الشماليون إلى صوت العقل بعد استنزاف كافة حيلهم. أب أن أوربا عموماً لا تؤمنُ باستخدام القوة  في تصدير الديمقراطية كما هي الحال مع أميركا ولها في ذلك من أسباب ما يحملها لعدم تقبّل هذا المبدأ. فهي ترى في ذلك التوجه خطورة عند جهل أو تجاهل الجهة المصدّرة لهذا المفهوم لطبيعة الوضع الداخلي للنظام المقصود تغييرُهُ ضمن المحيط الإقليمي والدولي الذي يراهن عليه كما حصل للتدخل الأمريكي في الفيلبين وأميركا اللاتينية وفيتنام وأخيراً العراق ومن يدري بعد. وهنا يمكن ملاحظة الفارق في التحرك في هذا المجال بين كلٍّ من أميركا وأوربا. ففي حين تختلف التحركات الأميركية  بانطلاقها من القاعدة أي من الأسفل بطريقة لامركزية وعبر مؤسسات المجتمع المدني وفق أدواتها المتاحة و ثقافةٍ سياسيةٍ خاصة بها تساعدها في تكوين استراتيجيتها القاعدية، تسعى أوربا تماماً بعكسها منطلقةً من فوق أي باستخدام الوسائل المؤسساتية في الدولة المقصودة. وهذا ما يفسر اختلاف الرؤية حول سقوط الاتحاد السوفيتي السابق مثلاً. ففي حين ترى الولايات المتحدة الأميركية في مساهمة المجتمع المدني ومعه السوق في رصد أخطاء القيادة آنذاك وتحرّكها بوسائلها الخاصة في تآكل النظام الشمولي، يعتقد الأوربيون عكس ذلك في أن ما آل إليه النظام السابق مردُّهُ الدور الذي لعبه قادة تلك الدول ومختلف المبادرات التي أسهمت بطريقة أو بأخرى في انهياره. وما كان سقوط جدار برلين وفق هذه الأخيرة والذي يُعدُّ سقوطاً قاسياً للجدار الحديدي في العالم، سوى بداية حقبة جديدة تعاقبت عليها تجارب ومحاولات لمساعدة الدول التي لم تكن تعترف بالديمقراطية للانخراط في هذه العملية من خلال مؤسسات سياسية واقتصادية مستقرة بعض الشيء. وهذا ما يشير بوضوح إلى الرؤية التي تغذيها التجربة الأوربية باهتمامها المباشر بسلطة الدولة ومؤسساتها العامة. إن هذه النموذجية المختلفة في التعاطي مع هذا الشأن الحساس جدّا في كلتا الفكرتين المختلفتين قد وجدها البعض تتلاقى في غاياتها وتتكامل من حيث المضمون مع الاعتراف باختلاف الوسائل طبعاً. إلاّ أن ما يثير الشكّ في التدخل الأميركي في الشرق الأوسط والمنطقة الآسيوية عموما وفي نواياه المضمَرَة قد توضحََّ مع احتلال العراق بخاصة بحجة التخلص من بلد يحكمه نظام دكتاتوري حسب مفهومهم، كما نفى عن الغازي المحتلّ هدفَهُ المعلَن. واليوم يشهد العالم نوعاً من التقارب في وجهات النظر حيال هذه النموذجية فيما يخصُّ الوضع الراهن في العراق.

حََوٌََلُ فكريٌ في قارة آسيا إزاء الديمقراطية
يبدو للعيان أن أوربا تسعى أكثر من غيرها إلى خلق آلية من التعاون بين مختلف مؤسساتها و منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان تجاه بلدان العالم المختلفة التي تفتقر حقاً إلى الديمقراطية في أنظمة حكمها ولاسيّما الأسيوية منها أي عموم الشرق الآسيوي بالاعتماد على استراتيجية واضحة واستخدام أدوات فاعلة لاسيّما التمويلية منها بدل العصا الغليظة التي تعتمدها أميركا من أجل تحقيق الهدف. إلاّ أن عدداً كبيراً من البلدان الأسيوية التي طالها نوعٌ من التدخل الخارجي للسبب المعلَن أعلاه  تحتاج إلى وقفة تأمّلية ونظرة ثاقبة في أصول تكوّنها وفي طبيعة أنظمتها وشكل اعتقاداتها. فهي في الوقت الذي تفتقدُ فيه إلى بُعد في الرؤية وإلى غيابٍ في الفكر وإلى حالاتٍ مرصودةٍ من التخلف والجهل والفقر المدقع في صفوف شعوب الكثير منها، تكادُ بل بقيت في معظمها أسيرةَ تجاذبات كثيرة داخل مجتمعاتها المتنوعة إثنياً وعرقياً ودينياً ومذهبياً وعشائرياً وأيديولوجياً بل وحتى داخل الطائفة الواحدة والحزب الواحد. كما أنها لم تستطع التخلص من عُقَدِها، وما أكثرها، ومنها بخاصة عقدة "الغرب المسيحي"، التي جاءت على شاكلة العقدة المنهجية العربية والإسلامية من إسرائيل، والتي باتت ترى في الدول الغربية ومنها بطبيعة الحال أميركا، الشيطان الأكبر والطوطم الذي ينبغي اقتلاعُه ومحاربتُه بشتى الوسائل. إن دلَّ هذا على شيء، فإنّما يشيرُ إلى قصر نظر وجهل أو تجاهل للحقائق. فالغرب اليوم، يعتمدُ في تقويم أنظمته الحاكمة قدراً وافياً من الوعي والاحترام إزاء جميع الشعوب ومختلف المجتمعات التي تعيشُ وتتعايشُ على أراضيه بحكم عمل هذه الأنظمة بنظامٍ صارمٍ للعلمنة والعولمة في آنٍ معاً. وهذان الخطان المتوازيان لا يمكن تخطيهما في مجمل هذه الأنظمة الغربية، في أوربا أو أميركا، و المتهمة كَشَحاً بمعاداة السامية أحياناً وبرفض غير أعراقها على أراضيها. ولو كانت تلكم هي الحقيقة لَمَا تراكض، بجنون نحو القلاع الديمقراطية التي بنتها، الملايينُ من أبناء الشعوب المغلوبة على أمرها والرازحة تحت نير أنظمة سلطوية لا تعترف بالحريات، فردية كانت أم مجتمعية، ولا تعير أذناً للنداءات الدولية الصارخة المطالبة بحق الكائن البشري و بحق مجتمعات بأكملها قد طالتها مختلف الانتهاكات في حياتها اليومية ومنها بطبيعة الحال شعوب آسيا بلا استثناء.
أليومَ، آسيا بكافة مجتمعاتها الشرقية وبالميكانيكية التي تعتمدها في سياساتها تكادُ تغلي على سعير حروبٍ متنوعة ومتعددة، منها الداخلية ومنها الإقليمية. فهذه فلسطين تكتوي بنزاعات داخلية دموية يومية بين فصيلين متناحرين لا يعرفان كيفية العيش المشترك وتقاسمَ الشراكة السياسية في أجواء ديمقراطية معينة أُتيحت لشعبها الجريح الذي يبقى ضحية الجهل بمصالحه وأسيرَ عقدةٍ مستفحلة كان هو السبب في ضياع أرضه ووطنه في غفلة من الدهر. وهذه شبه القارة الهندية التي أوصلت قادة البلدين الجارين، الهند والباكستان إلى حافة حربٍ نووية. لكن أصول اللعبة قد انتقلت في غيرها من البلدان لتحطّ الرحال في مجتمعاتٍ متنافسة داخل الدولة الواحدة، بل داخل المجتمع الواحد عينه في أحيانٍ أخرى، كما تشير إليها حالات الاقتتال الداخلي المرصود بسبب التعصّب القبلي أو القومي أو الديني أو الطائفي أو المذهبي أو الأيديولوجي في كلٍّ من فيتنام وإندونيسيا والفيلبين ومتخذةً مساراتٍ واتجاهاتٍ أكثر خطورة وأشدَّ تعقيداً لاسيّما في كلٍّ من  العراق وباكستان وأفغانستان. وقد تختلف الحالة في الهند والصين اللتين تشكلان مع الجارة باكستان ما يقرب من نصف ساكني الكرة الأرضية، بل يُخشى أن يكون الخطر القادم منها أكبرَ لما تحملُه من قوة بشرية واقتصادية مهولة بدأ العالم يتنبه لها مؤخراً بشئٍ من الريبة والخوف. فالصين قد اجتاحت في اقتصادها كل التوقعات بغزوها الأسواق العالمية بلا منازع ومنها الأوربية والأمريكية لاستعدادها البشري بتلبية كل الاحتياجات مهما كانت صغيرة أم كبيرة، بسيطةً أم معقدة، علميةً أم مادية، عسكريةً أم مدنية وبالأسعار التي يرتئيها الزبون. وهذا دليلٌ واضحٌ لتصاعد الاستهلاك المادي لدى هذا البلد المترامي الأطراف. وفي الهند، هذا البلد الذي يَعُدُّ أكثر من ألفي عِرق وطائفة لم يخلُ هو الآخر من أعمال عنف وانتهاكات واعتداءات بين هذه الطوائف نفسها رغم انتهاجه سياسة أقرب ما تكون إلى العلمنة الغربية وقربه من المبادئ الديمقراطية التي تؤمن بها الدولة كنظام للحكم. ولعلَّ ما يجذب الأنظار مؤخراً، تحوّلَ الهندوس الذين يشكلون الغالبية العظمى في حربهم من أجل البنجاب  مع باكستان إلى توجيه عنفهم الشرس تجاه المسيحيين مؤخراً بحسب وسائل الإعلام، وفي ذلك خطرٌ لابدَّ للناقوس أن يدقَّ إزاء ما يحصل. ربما تكون ذات الرؤية وذات النظرية في معاداة المسيحية بسبب الموقف الناقد من السياسات الغربية ورفض رؤياها المتمثل بإحلال عالم جديد وفي تفكيرها بإعادة هيكليته وفق أسس الديمقراطية المُعصرَنة التي تسعى إلى تصديرها وإقناع هذه الدول بضرورة تبنيها لمصلحة شعوبها وأنظمتها المتهالكة في بعضها. لكنها أي الهند أو غيرها من الدول والأنظمة الناقمة تكون قد وقعت في وهم مطبق إذا ما حاولت التفكير أو الأخذ باقتران سياسة الغرب بالمسيحية لأن الأخيرة دينٌ عالمي لم يكن للغرب فيه فضلٌ في انتشاره بادئ ذي بدءٍ لأنَّ أصوله خرجت من الشرق الآسيوي وما تزالُ فيه رغم حملات العنف الظالمة التي طالتهُ وما تزال بشراستها في محاولة لإخلاء المنطقة من جذوره. كما أن الغربَ لا يعيرُ للدين أهميةً في مجمل سياساته بعد فصل الدين عن السياسة وانتهاج مبدأ العلمنة في حياة شعوبه.
 وإزاء ذلك، يبدو واضحاً أن هذه الشعوب الآسيوية عموماً، وبسبب غياب الفكر  لدى فئات كثيرة لديها و ضيق أفق مدارك غيرها قد آثرت سبيل العنف بديلاً والعيشَ على هامش المجتمعات المتحضرة نابذةً نفسها بنفسها لعدم قدرتها على مواجهة الذات الأنا أولاً والواقع المتمدّن حولها. وهي أيضاً بقصر نظرتها إلى واقع الأحداث الكبيرة والدرامية وخلطها بين الحقيقة والوهم لم تعد تعرف ما تريد كما لا حيلة لها بتوضيح كيف تريد أن يكون ما تعرفه. وهذا ما يفسُّر استشراء مسلسل العنف الطائفي والعرقي في أوساطها وما من قوة تقهرُهُ أو تضع لهُ حدّاً. و لعلَّ آخر هذا المسلسل ما حصل في باكستان مع انقضاء العام 2007، حيث قضت "بنازير بوتو" بطلةً شجاعةً وسط همجية من لم يعرفوا حقَّ قدرِها وقيمتَها الإنسانية في سعيها لانتشال بلدها وشعبها من براثن التخلف والجهل والقهر الديني الناقص والطاغي والمتمثل بالرعاع المزروع في أرض البنغال بلا رحمة. فقد كانت كوالدها واعيةً لواقع حال شعبها المكبوت تحت ظلال الفقر والتخلّف والجهل والتشدّد الذي لا يثمرُ سوى العنف والارتداد بالأمة والبشرية جمعاء إلى الوراء. لذا  جاءت هذه الجريمة لتعيد إلى الأذهان ذات النظرة التي قضت في أواسط السبعينيات على والدها "ذو الفقار علي بوتو" من قبل طغمة عسكرية متزلفة بالدين. هو ذات المسلسل إذن، والذي تكرّر في جريمة اغتيال المهاتما غاندي ومن بعده رئيسة وزراء الهند الراحلة "أنديرا غاندي" ومن بعدها ولدها " راجيف" من جهات متعصّبة لا تعرف ما تريد وكيف تريد. وهذا ما يفسّرُ بكل وضوح ارتهانَ شعوب القارة الآسيوية في ميزة الحوَلِ المجتمعي أسيراً لعقدة مستديمة إسمُها الغرب. وتشير كلُّ الدلائل إلى استمرار هذا العنف مع وجود حالة التطرف والتشدّد التي يزداد سعيرها مع الإيغال في الجهل والتخلّف ورفض عالمٍ متمدّن يطوّرهُ العلم ويكفلُه التقدم الحضاري بكل تفاصيله تقنياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وفكرياً. وبغير ذلك لن يستقيم الشرق مادام غارقاً في ردّة الماضي وعقدة الحاضر ورفض كلّ شيء جميلٍ وجديدٍ.

الخاتمة:
ممّا سبق يدرك المرءُ أن لا شيءَ غير المحبة والتآخي والثقة بين الشعوب والأمم تستطيع أن تخلق عالماً متوازناً ومتزناً معاً. كما أنه لا سبيلَ لحياة مستقرٍّةٍٍّ وآمنةٍٍ و مرفَّهَةٍ إلاّ بقبول الآخر والاعتراف به شريكاً في الحياة التي هي ملكُُ الله الخالق وحدهُ.وأنّ أية محاولة للتعدّي على الكائن البشري في أيِّ ظرفٍ أو لأيِّ سببٍ هو رفضٌ لعمل الخالق وتجاوزٌ للقوانين السماوية والوضعية وانتهاكٌ للحقوق العامة والإنسانية وتعارضٌ مع مبادئ الفكرة الديمقراطية. لذا على الدول المتقدمة أن تؤدي واجب المساعدة والأخذ بيد غيرها من الدول النامية والمتخلفة على ركب سلّّمِ التقدم الحضاري والإنساني من خلال مساعدة شعوبها في التخلص من براثن الفقر والجهل والتخلّف في كلّ أشكاله ووسائله وأدواته وحثّ قادة هذه الدول بقبول الاعتراف بمبدأ المساواة والحريات العامة بدءاً من الفردية منها وفق صيغٍ مقبولة من الديمقراطية الملائمة لشعوبهم ودولهم وفي عدم فرضها بالقوة تحت أية ذرائع. ومن هنا يأتي التمييزُ ما بين يطرحُهُ العالم المتحضّر من ديمقراطية واضحة المعالم والأسس وما بين الأوهام التي تصدّرُها بعض الدول لمثل هذه الشعوب الغارقة في عنفٍ متصلٍ بغياب الفكر حيناً وبالجهل والتخلف وقصر النظر إلى الأحداث والواقع المعاش في حين آخر. وهذا ما يجعل دول العالم الثالث ومنها ربّما الشرق الآسيوي بخاصة ألاّ يتقبلَ أية أفكارٍ جديدة ومتحضرة يراها غريبةً على واقع حياة شعوبه خوفاً من كشف المستور وضياع الزعامة السلطوية من تحت أيديهم بفعل الأفكار الجديدة التي يأتي بها مفهوم الديمقراطية التي إن مورست بموجب قواعد احترام الآخر والاعتراف به إنساناً مخلوقاً على صورة الله ومثاله لما تعثرت تلك السلطات في استمرار حكمها. ويبقى الرهان قائما ومختلفاًً في كيفية تطبيق الديمقراطية ومعايشتها يومياً من بلدٍ لآخر ومن شعبٍ لآخر ومن مجتمعٍ لآخر.


لويس إقليمس




96
مجلس الأقليـــــــــــات العراقيـــــــــــــــة

بيــــــــــان

يستنكر مجلس الأقليات العراقية بشدة حادثة الاغتيال الغادرة التي استهدفت وأودت بالشخصية العراقية الدينية المسيحية الكبيرة المطران بولص فرج رحو بعد اختطافه واغتيال مرافقيه الثلاثة بداية هذا الشهر في مدينة الموصل من قبل العصابات التكفيرية المجرمة التي ابتلى بها العراق وشعبه ونسيجه الديني والقومي الذي بنى العراق على امتداد الزمن من خلال حضارات مابين النهرين .

وبهذه المناسبة نعزي الشعب العراقي بجميع أديانه وقومياته ونخص بالذكر الإخوة المسيحيين في العراق وجميع الإخوة من الكلدان الأشوريين السريان متمنين أن لاتمر مثل هكذا مناسبات حزينة على جميع العراقيين وان يكون ذكرى المطران الشهيد بولص فرج رحو نجمة مضيئة في سماء العراق الواحد وهو يضم كل أبنائه من مسلمين ومسيحيين وصابئة مندائيين وايزيديين  عربا وأكرادا وتركمانا وكلدان واشوريين سريان وأرمن وشبك وكورد فيليين في عراق ترفرف عليه حمامات السلام عراق حرية الاديان والمعتقدات عراق ديمقراطي لكل العراقيين

المجد والخلود للشهيد المطران بولص فرج رحو

المجد والخلود لجميع شهداء العراق

المجد والخلود لكل شهداء الحرية والديمقراطية والسلام .

بغــــــــــــــداد 13  / 3  / 2008

 

                                                                    رئيس

                                                         مجلس الاقليات العراقية

                                                         الدكتور حنين محمود القدو

 


97
بيان من منظمة الأقليات العراقية

مع تصاعد الأحداث المأساوية في العراق و اشتداد وتيرة العنف ضد المكوّنات الصغيرة القومية منها والدينية ووقوف الحكومة ومعها القوى الأمنية حائرة غير قادرة على معالجة مثل هذه المواقف المحزنة، تأتي جريمة اختطاف المطران مار بولس فرج رحّـــو، رئيس أساقفة الكلدان في مدينة الموصل الحدباء ومقتل ثلاثة من مرافقيه الأبرياء غدراً وضغينة.
إن منظمة الأقليات العراقية التي اتخذت من المشروع الوطني العراقي الذي يرسخ لمبدأ المواطنة والولاء للعراق وليس للدين أو للطائفة أو المذهب، قد أبت إلاّ أن تشارك مصاب إخوتنا ممن سقطوا شهداء صرعى هذه الجريمة النكراء التي طالت هذه المرة أيضاً أبرياء من   مكوّن "الكلدان السريان الآشوريين" المتجذرين في عمق التاريخ والذين أصبحوا اليوم الحلقة الأضعف في المعادلة السياسية العراقية شأنهم في ذلك شأن إخوتهم من المكوّنات الصغيرة الأخرى التي تعرّضت وما تزال جميعاً لشتى أنواع الظلم والاستغلال والتغييب والتهميش والإقصاء والخطف والتهجير والقتل في السرّ والعلن. فتارة يعدّها البعض شرائح تابعة للمكوّنات الكبيرة وطوراً تُلصقُ بها سمة الجالية ممّا يثير الدهشة والحيرة في أوساط ذوي العقول المستنيرة. وكل ذلك يحدث في مرأى أصحاب القرار والمتشدّقين بصورة الديمقراطية المشوّهة وبشعار ضمان مبدأ الحريات الغائب وبالتمسك بالدستور الذي انتقص أصلاً من حقوق هذه الأقليات.
إننا إذ ندين هذه الجريمة النكراء باختطاف سيادة المطران فرج رحّـــو الجزيل الاحترام وهو خارجٌ من بيت الصلاة، من إحدى كنائس الطائفة الكلدانية في حي النور بالموصل، فإننا نحمّل الحكومة العراقية  مرة أخرى، استمرار تردّي الأوضاع في هذه المدينة البطلة، مدينة أم الربيعين التي تآكلها الإرهاب وأصبحت مصيدة للأبرياء من أبناء الأقليات فيها والمسيحيين  منهم بصورة خاصة، وقد حذّرنا من ذلك غير ذي مرةٍ. كما ندين مقتل المواطنين الأبرياء الثلاثة الذين كانوا برفقته وندعو لأهلهم وعائلاتهم وأصدقائهم بالصبر والتعزية والصلاة إلى سيّد الأكوان ورب الأمجاد كي يسكنهم جنانه الخالدة. و من هذا المنبر الحر، نضمّ صوتنا إلى كل ذوي الإرادة الصالحة والشرفاء في العالم مناشدين ومطالبين خاطفي المطران الجليل بالإفراج عنه فوراً مع تصاعد النداءات المحلية والدولية، دينية ومدنية، والكف عن أعمال العنف هذه التي لا تخدم المصلحة الوطنية العليا بقدر ما تشوّه سمعة الشعب العراقي وتلصق به تهمة الإرهاب المقيت.
 لقد كانت مدينة الموصل بجميع قصباتها المزركشة الأطياف وقراها متنوعة الأديان والقوميات مربَعاً جميلاً للجميع فيها يحتفل العراقيون بعيد الربيع على مروجه الخضراء الزاهية بعيداً عن كل أشكال التقوقع الطائفي والتوتر الديني المقيت والتشدّد البعيد عن كل أخلاقيات أهلها الأصلاء. فماذا جرى لكِ يا موصل الزهر والخضرة والخير؟
إننا في هذه المناسبة المؤلمة، نذكّر أصحاب الآراء المتشدّدة والعقول المتحجرة  بالكف عن هذه الأعمال الإرهابية التي لا تمت للدين بأية صلة كما لا يمكن أن تساهم في إعادة لحمة النسيج العراقي المتهرّئ أصلاً، وإنما ستزيد من تمزّقه وتوقف عجلة تحضّره وارتقائه إلى مستوى الدول المتمدنة وتبقيه أسير المصالح الطائفية والإقليمية والدولية المتنوعة. كما ندعو خاطفي الأسقف الجليل إلى ترجيح العقل وتغليب الحكمة و الاتصاف بالرحمة بهذا الشيخ الجليل الذي أحب مدينته مذ نعومة أظفاره وهو لا يزال يخدمها كما تربطه مع أهليها بجميع أديانهم وطوائفهم ومذاهبهم أطيب العلاقات وأفضل المودة. ولتبق مدينة الموصل زاهرة،  باسمة، كريمة كما عرفناها وعشناها. كان الله السميع المجيب.

منظمة الأقليات العراقية
مكتب العلاقات والإعلام
بغداد في 2 آذار 2008


98
منظمة الأقليات العراقية
استنكار
تستنكر منظمة الأقليات العراقية الاعتداءات ألاثمة التي طالت عددا من الكنائس في كل من بغداد والموصل وتعتبر أن هذه الجريمة موجهة لجميع العراقيين والأقليات الدينية والعرقية بصورة خاصة. وهي تدعو جميع مكونات الشعب العراقي للعمل يدا بيد مع الحكومة العراقية وقواها الأمنية بمختلف أشكالها لوضع نهاية قريبة لكل هذه الانتهاكات من اجل مصلحة الوطن العامة و الالتفات لبناء مؤسساته وإعادة أعمار ما دمر منها ومن بنيته التحتية من خلال مصالحة وطنية حقيقية و مشاركة جميعها في الحوار الدائر على صعيد المجتمع الدولي.                                         

 
منظمة الأقليات العراقية
مكتب العلاقات والإعلام 

99
مستقبل أجيالنا، إلى أين؟


لويس إقليمس


دخل العراق في نفق مظلم إذ أبعدَ عن أطفاله وشبابه وشيبه كل حلمٍ جميلٍ بمستقبلٍ واعدٍ، وحياة حرةٍ كريمةٍ. كان يُفترض أن يأتي بها القادم المتمدِّن على أزيز الدبابات "المحرِّرة". لطالما سعى الكثيرون من اجل تحقيق هذا الحلم، وسهروا الليالي من أجلِه. مع ذلك لم يكتمل هذا وأصبح بعيدَ المنال. لكن "الديمقراطية الموعودة" لم نكن نعلم أن حضورها سيكون غريباً إلى هذه الدرجة عن أبناء الرافدين المعروفين بتكيُّفِهم مع كلِّ حدثٍ جديد وكلِّ تطوّرٍ.

 
يعيش العراقيون، منذ أكثر من 4 سنوات، في مستنقع حربٍ، يسمّيه البعض بالطاغوت العالمي، الذي يبدو أنه استنفد كل محاولاته وحيله الدبلوماسية والسياسية بعد مغامراته العسكرية غير المثمرة، ممّا فضح جهله وتعنّته غير المبرّر في الإيغال في مشروعه الفاشل في العراق. وأسباب فشله كثيرة من حيث التوقيت والتخطيط والتنفيذ والتمويل والاستشارة الفاشلة في الداخل والخارج، والأنكى من ذلك لجوء المحرّر "الغازي" إلى تفتيت لَـُحمة أبناء شعبٍ كان قد وصل إلى نسبة من التكافل والتآخي والتوازن وقَدرٍ من الحياة الاجتماعية المقبولة. فجاءت النتيجةُ هرجًا وقهرًا وبطشًا، قتلا وتهجيرًا، خطفًا ونهبًا، حُزنًا ويأسًا عمّ البلاد وطال العباد وشمل الصغار والكبار بدون هوادة أو خشية من الله والضمير والدّين. لقد عُرٍض العراق للبيع علنًاً. وتجمّع حول جثّته الغنية بالثروات، كل أشكال الناس، من الداخل والخارج وأحاطته شركات غريبة أو وهمية تعمل بواجهات أمنية وثقافية واجتماعية ومدنية متعددة. فراحت مؤسسات تتبارى في نهش جسده، ولم يسلم من ذلك حتى بعض أبنائه ومواطنيه، فكانت لهم حصّة في السلب والنهب، كل على طريقته! وكاد يصبح بواراً إلاّ من ثرواته التي يتصارع عليها كثيرون ومن بينهم "المحرر الغازي". هكذا بدأ أبناء العراق يسبحون في بحر من الحقد والموت، تتعالى فيه صيحاتُ الثكالى والمرضعات والمرضى. والأنكى هو تكالب السلطويّين الجدد على مال وحلال أصحاب الأرض موطناً ومواطنةً.
تجارب الآخرين
إن تسارع الأحداث العالمية، واشتداد وطأة التوترات الدولية في كل بقاع العالم، زاد من التحدّيات التي تواجه الإنسانية جمعاء، وتضع الضمير الإنساني على المحكّ. فتصوّر لنا وجود عالمٍ متكافلٍ وآمنٍ، تجسُّدُهُ قيمٌ إنسانية، من شأنِهِ أن يكون العصا التي تتعكّزُ عليها الدول والمؤسسات، فيعكس، هذا العالم الجديد، حاجة البشر إلى حياةٍ حرّةٍ وآمنٍة تضمن مصالح الوطن والمواطن، وتعزز سبل السلام والألفة والحوار. فمن هنا تكون ممارسة الديمقراطية في بلادنا مقبولةً إذا ما قورنت بالتي توازنت بفضلها شعوب متمدّنة، وبُنيت على أسسها أممُ متحضِّرة ويتوق إليها شعوبٌ ودولٌ نامية، غاياتها عيشِ كريمٍ.
لقد واجه العالم العولمة بعنف بعد انحسار النظام العالمي السابق ذي القطبين، ممّا سبّب اختلال الموازنات التقليدية، وأعاد إلى الأذهان ضرورة التفكير بتشكيلِ برامج على جميع الصُعُد. فبعد سقوط الشيوعيّة دخل العالم مأزقًَاً آخر ببروز قطبٍ أحاديٍّ تمثّل بقوةٍ طغت واستبدّت في عالم المتناقضات بين المصالح القومية والوطنية والإقليمية. فاقتضت الحاجة إلى ظهور أقطاب أخرى من شأنها تأمين استقرار البلدان وتوازنها، بعدما عانت من تأثير ونتائج القطبية الثنائية، إقليمية كانت أو عالمية. إنّ قيام أقطاب جديدة يمكن أن يضع حدّاً للفوضى التي تعمّ العالم في مرحلة حرجة ولاسيّما في الشرق الأوسط.

الأنموذج الأوربي ودوره

إن بروز أوربا كأنموذج يتمثل باتحاد دول بدأت بخطواتٍ محسوبةَ، يُرجى منهُ فكّ الخناق المفروض على الشعوب "النامية" وبلدان العالم الثالث. فتشير الحقائق العملية إلى حاجة هذه الأخيرة إلى فهمٍ أعمق وأوسع للتطورات التي صاحبت عالم اليوم، بدلَ الغوص في ترّهات المظاهر أو الرجعية. إذ لا بدَّ من حوارٍ مفتوح وصريحٍ بين الثقافات والحضارات والأديان. لقد كان البابا الراحل يوحنا بولس الثاني صائبا حينما دعا، في مدينة أسيزي الإيطالية (1986) إلى حوار بين ممثلي مختلف الأديان والثقافات، فحدث ذلك في أجواء جديدة ومتحضِّرة، قامت على المبادئ الإنسانية أولاً، واستقت كلَّ ما هو جميلٍ وصالحٍ من تراثها الديني وحضارتها لفائدة البشر وتعزيز التعايش السلمي بين الشعوب.
فقد كان ذلك البابا، القادم من بولونيا وراء الستار الحديدي، يعرف ما هي مظاهر الظلم وغياب المساواة بين الشعوب والأمم، ولاسيّما الفقيرة منها بسبب تسلّط سلاطينها دون وازعٍ من ضمير أو دينٍ أو إنسانية. فبقي العالمُ في مرحلة نقاهة، لكنه التفت إلى محاولة تطويع النظام الليبرالي لمصلحة الشعوب المغلوبة والرازحة تحت نير ديكتاتورياتٍ متعددة الأطوار والمناهج والغايات. وبفضل وسائلِ الاتصال الحديثة، أضحى العالم "قريةً صغيرةً"، يُرى من خلال شاشة التلفاز والحاسوب! لكن في ذلك أيضًا مغامرة في طريق محفوفة بالأخطار، فرضت على الشعوب اختيارًا بين مستقبلٍ يصعب التنبّؤ به، ورغبةً جامحة في الانكفاء.

دورٌ أكبر لصانعي المحبة و السلام

في خضمِّ هذا البحر المتلاطم، برزت الحاجة إلى صنّاع سلام وناشري محبة لوقف المدِّ الكاسح للانتهاكات التي ضربت البشرية في عمق أسارير صورة الله وجمالِه المرسومة فيها. وما أجملَ عبارة المسيح: "طوبى لفاعلي السلام، فإنهم أبناءُ الله يُدعَون"، فهي التي رفعت البشريةَ إلى مقامِ سامٍ، وفاعليها إلى أحباب الله الخالق محب الجمال، والرحمن يريد رحمة، والغفور يصفح عن التائبين. لأجل تحقيق هذه الرغبة-الوصية، لا بدَّ من موازنة بين المصالح الذاتيّة وبين بعدها الموضوعيّ، فتكون الخطى واثقة وحثيثة نحو تفعيل الرهان المأمول على مصالح الوطن والدولة. ونظرًاً إلى دخول عالمنا حقبة جديدة، كان لا بدَّ من استحداث ديناميكية تعمل في المجالات الاجتماعية والسياسية، لتخفيف الصراع بين الحضارات والثقافات.
إن سبب الصراع أيديولوجي ضيّق إمتدّ إلى الفكر والدين بل إلى المذهب ليتقوقع. فأخذ العراق قسطُه من هذا الصراع، بعد التغييرات المأساوية التي شهدها منذ نيسان 2003. ويُعزى جزء كبير من واقع هذا الصراع الدّامي وحيثيّاته إلى جهل كبير بأمور الدّين وتفاسيره. فكان الأجدر أن يعي الجميع أن أشّد المحرّمات هو ما يمزّق النسيج العراقي بلا مبرّر، أي خدمة مصالح فئوية ومذهبية ضيقة. ولا نريد هنا أن تتكرّر المآسي والأخطاء عينها، فتكلفنا أضعاف ما فقدناه حتى الآن. حتى أصبحت منطقة الشرق الأوسط مركزاً لزلازلَ لا حصرَ لها وأزماتٍ متفاقمة، استعصت على العالم الذي اكتشف مساوئ القطب الواحد.
لذا أصبح لأوربا دور أكبر لتوضيح الصورة وفهم المستجدّات في المنطقة. فهي كثيرًا ما حذّرت المحافل الدولية من منطق "الكيلِ بمكيالين"، وعارضت – وإن على خجل أحيانًا كثيرة - إنتهاكات حقوق الإنسان. فكان لفرنسا مثلا، مواقفُ صريحةً قبلَ شنّ الحرب على العراق، فشككت بعواقبها على وحدة نسيجه الاجتماعي واستقرار المنطقة، فأصبحَ كلُّ بلدٍ يتخوّفُ على مستقبلِهِ، ويقلق على أمنه واستقلاله الوطني، فوفّر ذلك أرضيّةً خصبةً للإرهاب. من هنا كان على الغازي "المحرِّر" (!) أن يعي خطورةَ المسألة منذ الوهلة الأولى لفشله، فينسحبَ من العراق، تاركاً شركاءَ الأمسِ وفُرقاءَ اليوم يحلّّون عقدتَهم مع من بقي في البلد بعدما تحمل المرَّ والمشقات. لقد خسر "المحرِّر" ثقة الشعب العراقي، الذي كان ينتظرُ منه أن يكون فاَعل سلام وصانع ألفة بين شرائح العراق كافة.

خاتمة

لقد سبقتنا شعوبٌ وأممٌ عانت الويلات في تاريخها، لكنها لم تنزلق إلى هذا التطاحن الداخلي الطويل، والتفنّن في القتل والسلب والخطف، بل أصغت أخيرًا إلى صوت العدل واحتكمت إلى العقل. تلكُم هي أوربا مع خطة مارشال التي أنهضت ألمانيا، وآلت إلى المصالحة بين عدوين لدودين فرنسا وألمانيا، فتجاوزت تاريخ حروبها وخلافاتها الإقليمية. وهكذا تبدّدت هواجس الماضي وفـُتحت صفحة من التعاون والتضامن والتطوّر المشترك، أمَّنَ لها بلوغَ وحدةٍ قارّيةٍ تمثلت بالإتحاد الأوربي، فأصبح بعد نصف قرن ذا شأن يُحسبُ له حسابٌ حقيقي في المعادلة الدولية. بل أصبح ملاذاً ومعقلاً للسلام والديمقراطية في العالم. ذلك أنه وضع كلّ أسباب التوتر والخلاف جانبًاً، من أجل مصلحة شعوبه وتطوّرها وتنميتها وتعزيز بنيتها التحتية. إن توترات العالم لم ولن تنتهي بمجرّد توقف الحروب أو زوالِ الدكتاتورية، فالإنسانُ منقسم على نفسه بين ما يريد أن يكون، وبين ما يسعى إلى امتلاكه، طبيعته مبنيّة على هذا الشد بين الإثنين وهذا الذي يظهر في الغالب كتناقض، يسبب الخلاف والعنف، وينتهي بالحروب. مع هذا لا ينبغي أن يسيطر عليه اليأس بل أن يتطلّع دوماً إلى الأمام، فأنظمة اليوم لن تدوم، والغدُ لناظرِهِ قريب! هذا ما دعا إليه الأنبياء في أحلك ساعات البشرية.

تنويه: المقال نشرته مجلة الفكر المسيحي في عددها الأخير لشهري ت2 وك1 2007

لويس إقليمس


100
بيان من منظمة الأقليات العراقية

تستنكر منظمة الأقليات العراقية الجريمة النكراء التي طالت مواطنين أبرياء من أبناء الأقلية القومية والدينية الإيزيدية في قضاء سنجار والتي راح ضحيتها المئات.
إن هذا الاعتداء الآثم الذي يُضاف إلى سلسلة الجرائم التي تُقترف بحق القوميات الدينية والاتنية الأصيلة القليلة العدد التي كانت لحد الأمس القريب مثالاً للتعايش الأخوي مع غيرها من أبناء القوميات والديانات التي تشكل النسيج العراقي المتحضّر ، لن يكون بإمكانه تعطيل سبل الحياة الإنسانية التي اتصف بها عموم أبناء هذا الشعب الجريح. وإن التاريخ لن يغفر لكلّ من كان السبب في تأجيج الصراع الطائفي والديني والمذهبي والذي يتعمّق يوماً بعد آخر في ضوء الترتيبات الجديدة للبيت العراقي الذي أراد له الغرباء والدخلاء أن يبقى غاطساً في مستنقع  الصراعات متعددة الأشكال والأهداف والأجندات التي لا يهمها مصلحة أبناء الرافدين الأصلاء بقدر ما تحرص على إذكاء النزعات الطائفية المقيتة وإبقاء أوارها متأججاً قدر ما تستطيع للحصول على المزيد من المصالح وتحقيق أرباح تعتقد أنها من حقها لوحدها.
أن منظمة الأقليات العراقية التي حذرت مثل غيرها من القوى الوطنية التي تؤمن بالتآخي والتعايش السلمي بين جميع أطياف الشعب لعراقي، من خطورة مباركة وإبقاء نظام طائفي يسعى لإرساء نار الحقد والضغينة بين أبناء الشعب الواحد  يتراءى لها أن التحالفات الجديدة لن تساعد سوى في تعميق نهج الإقصاء والتجاهل والإنكار الذي أتت به الأغلبية الحاكمة والتي أثبتت الوقائع عدم نجاعها في إخراج البلاد من الأزمات العديدة التي أحدثت شرخاً عميقاً في النسيج الاجتماعي الواحد. وهي ترى أيضاً أن الاتفاق الجديد ليس سوى وسيلة مبتكرة وجديدة لتمرير مشاريع قوانين جديدة تخدم مصالح اللاعبين الكبار فقط، فيما لا نسمع حتى في أجندات المحتلّ وتصريحاته وتسريباته الإعلامية وتحركاته السياسية سوى التركيز على ما أسمي بتحالف المعتدلين الذين تقاسموا منذ بدء الأحداث المأساوية الثروات وتركة الوطن الغنية تحقيقاً لمصالح كتلهم وأحزابهم كلٌّ وفق أجندته الخاصة والجهة المرتبط بها إقليمياً ودولياً. لذا فإننا نحذّر من أنّ سياسة الإقصاء والتهميش والاحتواء والتجاهل التي تُمارس بحق شريحة واسعة من مكوّنات الشعب العراقي ولاسيّما الأقليات القومية والدينية منها تلك التي استبعدت من العملية السياسية بقصد وسابق إصرار لن تساعد في تحقيق المصالحة الوطنية المأمولة بسبب النهج الطائفي الواضح وإصرار الإدارة الأميركية على سياستها في توسيع الانقسام بين الفرقاء صغاراً كانوا أم كباراً من وجهة نظرها القاصرة.
إن منظمة الأقليات العراقية إذ تحمّل المحتلّ والحكومة العراقية على السواء هول المأساة التي تعرّض لها الشعب الإيزيدي المسالم والأصيل لا يسعها سوى التأكيد على حرصها بضرورة عدم التمادي في تحقيق المصالحة الوطنية على أسس صحيحة وغير مبتورة الأطراف من خلال مشروع وطني صالح لجميع المكوّنات الصغيرة والكبيرة دون تمييز أو تهميش أو تقصير. إننا نؤمن أن جميع العراقيين متساوون في الحقوق والواجبات وأمام القانون دون تمييز في العرق أو الدين أو القومية أو اللغة مع توفر قدر كامل من حق الحرية في التعبير والدين والعبادة وفقاً لشرعة حقوق الإنسان المعترف بها دولياً وإنسانياً. كما نهيب بالمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني والحكومات المعنية لصحوة في الضمير الإنساني من خلال العمل على تقويض العنصر الطائفي الذي يضرب البلاد والعباد الأبرياء لاسيّما المستضعفين منهم وبالأخص الذين يشكلون الحلقة الأضعف في المعادلة السياسية العراقية لعدم امتلاكهم ما يمكن أن يدافعوا به ضدّ مثل هذه الهجمات الظالمة التي طالتهم وماتزال.
إننا ندعو أخيراً بالراحة للأبرياء الذين سقطوا صرعى الصراعات الطائفية والدينية دون وجه حق إلاّ بسبب الحقد والضغينة والعداء لكل صوت ينادي بالحق و يؤمن بأن الدين لله والوطن للجميع. كما نعزّي عوائل الشهداء وأهلهم وذويهم ورئاسة طائفتهم داعين من الله سيد كل الكائنات ومآل كل الأديان والقوميات أن يرسي السلم والأمان ويهدي الساسة وأصحاب السلطان لاتباع طريق الحق والعدل والمساواة وترسيخ سبل التآخي والتعايش بين أبناء الشعب الواحد.
والله من وراء القصد

منظمة الأقليات العراقية
مكتب العلاقات والإعلام
 بغداد، في 16 آب 2007                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                           

101
بيان من منظمة الأقليات العراقية

تنظر منظمة الأقليات العراقية بعين القلق والخوف إلى تردّي الأوضاع المتصاعد  في الشارع العراقي.  وهي تذكّر بما خلّفته و تخلّفه هذه الظاهرة المتنامية من مآسي وويلات وانعكاسات على أبناء الشعب العراقي عامة وبخاصة أبناء المكوّنات القومية والدينية القليلة العدد التي أصبحت الحلقة الأضعف واللقمة الأسهل لشتى عمليات التطهير الديني والعرقي والعقائدي من قبل جماعات وفئات مختلفة المصالح والتوجهات والتي بدورها تنساق هي الأخرى وراء مرجعيات متباينة الأهداف والمبادئ.
إن هذه  الحملة الشعواء التي تُشنّ في هذه الأيام السوداء على الرموز المسيحية وأبناء طوائفها في عموم العراق الجريح من تهجير قسري وتهديد بالقتل ودعوة إرهابية لأسلمتهم ومطالبتهم بدفع الجزية مقابل أمنهم، تذكّرنا بما تعرّض ومازال يتعرّض له أخوتهم من المكوّنات الأخرى من الشبك والإيزيدية والتركمان في مناطق الموصل وكركوك بخاصة أو الصابئة المندائيين في وسط وجنوب العراق أو الكورد الفيليون في مناطق تواجدهم الأصلية.
إننا ندين بشدة الجريمة النكراء التي طالت يوم الأحد المنصرم 3 حزيران 2007 كوكبة بريئة من إخوتنا المسيحيين من" الكلدان السريان الآشوريين "  متمثلة بالأب الغيور رغيد كنّي ومعه ثلاثة من شمامسة كنيسته في حي النور بمدينة الموصل الحدباء وكذلك حادثة الخطف الجديدة يوم أمس الأربعاء 6 حزيران التي تعرّض لها كاهن آخر ومعه عدد من شباب الكنيسة أيضاً في منطقة الصليخ في بغداد. وكان قد سبقها قبل أشهر جريمة أخرى طالت  الأب إسكندر الذي اختُطف وتم التمثيل بجثمانه الطاهر في مدينة الموصل أيضاً.
وبهذا نحمّل الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية العاجزة مسؤولية هذا التردّي الحاصل في الجانب الأمني. كما نأخذ على الجانب المحتلّ وقواته وقفة المتفرّج المتشفّي لما يتعرّض له أهلنا وأخوتنا  من جميع الطوائف والمكوّنات التي تشكّل النسيج العراقي المتآخي وهو لا يفعل شيئاً.
إن منظمة الأقليات العراقية إذ تدين كل أشكال الإرهاب والقتل والخطف والتهديد التي تطال الجميع دون استثناء بسبب غياب الوعي الوطني الصادق، تدعو المجتمع العراقي للعودة السريعة للتآلف والتعايش الإيجابي كما كان نسيجه بالأمس القريب بعيداً عن كل أشكال التمييز في العرق والدين والقومية والمعتقد واللغة. وهي تذكّر أن هذه الأقليات التي يُنظرُ إليها اليوم شزراً وبشئ من التغاضي والتجاهل والتهميش بسبب حجمها العددي القليل، كانت بالأمس القريب و البعيد أغلبية بل سيدةً وهي ما تزال تعيش أصالتها الحضارية المتجذّرة  في عمق التاريخ منذ زمن بابل وسومر وأكد وآشور. إننا مطالبون بالوقوف حزمة واحدة إزاء العدوّ المشترك الذي يهاب وحدتنا ويقلق من معافاتنا ويسعى لتجزئتنا كي يحقق مخططاته الشريرة عبر هذه الأعمال الإرهابية التي يندى لها جبين الإنسانية.
إننا ندعو المجتمع الدولي  وكل ذوي النوايا الحسنة محلياً وإقليمياً ودولياً لإخراج وطننا من المأزق الذي وضعه فيه الغزاة ومعهم الفئة التي ترجّحت كفتها للعبث بمقدّرات هذا البلد الغني ونطالب بحماية دولية لأبناء الأقليات التي تشكل جزءاً حيوياً وفاعلاً في النسيج العراقي في الكفاءة والإخلاص والولاء للوطن دون غيره. كما ندعو من أغواهم الشرّ من أبناء العراق الكبير للعبث وإلحاق الأذى بإخوتهم أن يرعووا ويعودوا إلى رشدهم ويكفّوا هذه الأفعال التي لا تخدم غير الغريب قبل القريب. والله سميع مجيب.

منظمة الإقليات العراقية
بغداد، في 7 حزيران 2007

102
منظمة الأقليات العراقية

م/ هيكلية المنظمة

أولاً:
 عقدت الهيئة العامة لمنظمة الأقليات العراقية اجتماعاً بتاريخ 25 أيار 2007 في مقرّها في شارع فاسطين في بغداد. خُصّص هذا الاجتماع لانتخاب الإدارة الجديدة للمنظمة  بعد إقرارها للنظام الداخلي الذي استغرق فترة غير قصيرة للمراجعة و التعديل في بعض بنوده في ضوء التطورات والآليات الجديدة التي كان شهدها مجلس الأقليات العراقية (وهي التسمية الأصلية التي طالبتنا بغييرها الدائرة المختصة بتسجيل المنظمات غير الحكومية). وقد تمّ اتباع آلية شفافة فريدة في العملية الانتخابية لانتخاب 21 عضواً لمجلس الإدارة الجديد كي يشمل:
-   نخبة من المؤسّسين (7 أعضاء أي بعدد المكوّنات التي تشكّل المنظمة)
-   نخبة من مرشحي الكيانات (7 أعضاء بعدد المكوّنات بترشيح مفتوح لكل مكوِّن)
-   نخبة من المستقلين دون تمييز في المكوِّنات (3 أعضاء)
-   نخبة من النساء الفاعلات دون تمييز في المكوِّنات (4 أعضاء)

جرت عملية الاقتراع السرّي  تحت إشراف لجنة شُكّلت لهذا الغرض وقد فاز في عضوية مجلس الإدارة الجديد كلٌّ من الذوات التالية أسماؤهم:
* من المؤسسين:
1-   د. حُنَين القدّو (الشبك)
2-   نزار ياسر الحيدر (الصابئة المندائيين)
3-   لويس إقليمس ( الكلدان السريان الآشوريين)
4-   محمد أدهم (التركمان)
5-   عبدالرزاق حسين محمد (الكورد الفيليين)
6-   باروير هاكوبيان (الأرمن)
7-   بيداء سالم النجار (ألأيزيدية)

* من مرشحي المكوِّنات:
1-   بوغوص بطرس (الأرمن)
2-   حسين درويش خوديدة (ألأيزيدية)
3-   فيحاء زين العابدين البياتي (التركمان)
4-   هيثم سليمان متي ( الكلدان السريان الآشوريين)
5-   عامر ثامر (الكورد الفيليين)
6-   ستار جبار (الصابئة المندائيين)
7-   محمد حسن بك (الشبك)

* من المستقلين:
1-   جنان صليوا يوخنا ( الكلدان السريان الآشوريين)
2-   لقمان سعيد (الشبك)
3-   محمد إبراهيم علي (الشبك)

* من العنصر النسوي:
1-   وداد رجب رحيم (الكورد الفيليين)
2-   سميرة رمضان رحيم (الكورد الفيليين)
3-   وسن بدر وارتان ( الكلدان السريان الآشوريين)
4-   دينا النقيب (التركمان)

ثانياً:
استكمالاً لانتخاب هيئة رئاسية متمثلة بالرئيس ونائبيه وعضوين آخرين للسكرتارية العامة بموجب النظام الداخلي الجديد، فقد تم بالإجماع إعادة انتخاب الدكتور حُنَين القدّو رئيساً للمنظمة وذلك للجهود الحثيثة التي بذلها و مازال من أجل تطوير عمل المنظمة.
 كما تم انتخاب كلّ من السيدين ثامر عامر ونزار ياسر الحيدر نائبين للرئيس من أصل ثلاثة أعضاء ترشحوا لهذين المنصبين من بين أعضاء مجلس الإدارة الجديد.
 فيما فاز كلٌٌّّ من السيدين هيثم سليمان متي و لويس إقليمس بعضوية هيئة السكرتارية للمقعدين الآخرين بعد ترشّح أربعة أعضاء من مجلس الإدارة لهذين المقعدين.
 وبذلك تكون هيئة السكرتارية العامة قد تشكّلت من كلّ من السادة:
1-   الدكتور حُنَين القدّو ، رئيساً
2-   2- السيد عامر ثامر، نائباً للرئيس
3-   السيد نزار ياسر الحيدر، نائباً للرئيس
4-   لويس إقليمس، عضواً
5-   هيثم سايمان متي، عضواً

ثالثاً:
وفي احتماعٍ لاحق عقده مجلس الإدارة الجديد بتاريخ 1 حزيران 2007، جرى توزيع المسؤوليات على المكاتب الأربع للمنظمة بالتوافق وكالتالي:
1-   السيد نزار  ياسر الحيدر، مسؤولاً على مكتب الإدارية والقانونية والمالية
2-   السيد عامر ثامر، مسؤولاً عن مكتب حقوق الإنسان
3-   السيد هيثم سليمان متي، مسؤولاً عن مكتب المشاريع
4-   السيد لويس إقليمس، مسؤولاً عن مكتب العلاقات والإعلام

فيما تم الاتفاق على تشكيلات اللجان المنبثقة عن المكاتب وكما يلي:

1-   مكتب الإدارية والقانونية والمالية:
أ‌-   اللجنة القانونية: السيد محمد حسن بك
ب‌-   اللجنة الإدارية: السيد بوغوص بطرس
ت‌-   اللجنة المالية: السيد محمد أدهم
2-   مكتب حقوق الإنسان:
أ‌-   لجنة رصد الإنتهاكات: السيدة فيحاء زين العابدين البياتي
ب‌-   لجنة المرأة: السيدة سميرة رمضان رحيم
ت‌-   لجنة المدافعة: الآنسة دينا شرف الدين النقيب
3-   مكتب المشاريع:
أ‌-   اللجنة التنفيذية: السيد عبدالرزاق حسين محمد
ب‌-   لجنة الدراسات والتقييم: السيد ستار جبار رحمن
ت‌-   اللجنة الثقافية: الأنسة جنان صليوا يوخنا
4-   مكتب العلاقات والإعلام:
أ‌-   لجنة العلاقات الخارجية: السيد حسين درويش خوديدة
ب‌-   لجنة العلاقات الداخلية: السيدة وداد رجب رحيم
ت‌-   اللجنة الإعلامية: السيد محمد إبراهيم علي

ملاحظة: يُنتظر استكمال أعضاء هذه اللجان من الأعضاء الباقين في مجلس الإدارة أو من المؤسسين الذين لم يحالفهم الحظ في الفوز في هذه الدورة أو من المتطوّعين من أعضاء الهيئة العامة، علماً أن هذه الدورة الانتخابية نافذة لمدة عامين قابلة للتجديد.

رابعاً:
تم اعتماد عدد من السادة المؤسسين للمنظمة ومن الناشطين في مجال المدافعة عن حقوق الأقليات والمعنيين بشؤونها من المتواجدين خارج البلاد ليكونوا ممثلي مكاتبنا في هذه الدول، وسوف يتم لاحقاً استكمال هذه المسؤوليات، وهم كالتالي:
1-   السيد بشار حربي السبتي، ممثلاً لمكتبنا في الأردن
2-   السيدة بيداء سالم النجار، ممثلة لمكتبنا في سوريا
3-   السيد خالد ياسر الحيدر، ممثلاً لمكتبنا في كندا

خامساً:
سيتم تشكيل هيئة استشارية للمنظمة من عدد من السادة المؤازرين لحقوق الأقليات من الشخصيات العامة المسؤولة في الدولة والبرلمان و من المثقفين إلى جانب الزملاء المؤسسين الذين لم يحالفهم الحظ في الفوز في الدورة الانتخابية الحالية أو من الذين اضطرتهم الظروف لمغادرة أرض الوطن.

هذا وقد أقرّت الانتخابات وصدر أمر إداريّ بمشروعيتها.


منظمة الأقليات العراقية / مكتب العلاقات والاعلام
بغداد ، في 5 أيار2007

103
إيضاح حول عقد المؤتمر الشعبي للكلداني السرياني الاشوري
في اربيل

بهدف دعم كافة الجهود الجارية لقوى شعبنا الكلداني السرياني الآشوري الواحد والرامية لخلق الأرضية المتينة والصحية لترسيخ ما تم إنجازه وإكمال ما فشلت في تحقيقه، ارتأى المجلس الكلدو آشوري السرياني القومي المشاركة في المؤتمر الشعبي الكلداني السرياني الاشوري الذي سيعقد في عاصمة كردستان العراق, "أربيل" للفترة من 12-13 من آذار الجاري رغم التحفظ المطروح حول الجهات المنظمة والمّمولة لهذا النشاط المهمّ.
إننا في المجلس الكلدو آشوري السرياني القومي، كنا دوما من المبادرين إلى لمّ شمل إرادة شعبنا الواحد بتسمياته المتعددة والداعين دوماً إلى توحيد المنابر المشتتة سعياً وراء تسهيل آليّة الحصول على كامل حقوقنا الوطنية أولاً وتثبيت حقوقنا القومية المتميّزة الثقافية منها والدينية والاجتماعية والاقتصادية على السواء. لقد سعينا إلى ذلك في مناسبات عديدة واستطعنا فعلاً جمع الأطراف المعنية بشؤون وشجون          وحقوق شعبنا على مدى حلقات متعاقبة قبل نحو عامين. كما دعونا إلى رصّ الصفوف والاتفاق على عقد مؤتمر ثان اكثر شمولية تشارك فيه كل الفصائل والتيارات والمنابر القومية المتعددة والمنتشرة في الداخل والمهجر آملين تحقيق هذه الرغبة الملحة في أقرب فرصة متاحة. إننا على يقين بأن ما يجمعنا كثير وما يفرقنا لا يقع سوى في آليّة العمل أو التنفيذ أو التحرّك. ونحن نعتقد أن ذلك ممكنٌ فقط إذا خلصت النيات وتسامى دعاة الحقوق فوق كلّ الاختلافات والانتماءات و الولاءات، السياسية منها والدينية والطائفية على السواء.
لقد كان مجلسنا المحايد، وهو الذي ولد مباشرةً بعد أحداث نيسان 2003، من رحم شعبنا بمباركة رؤساء طوائفنا المسيحية الموقرين ومؤازرة أحزابنا الفتية المناضلة ودعم مثقفينا من المستقلين ومن العاملين في جمعيات ومنظمات مدنية يهمّها المصلحة العليا لشعبنا الواحد, لقد كان هذا المجلس من المؤازرين دوما لمثل هذه اللقاءات والحوارات بغية التوصل إلى الصبغة المشتركة لتجميع قوى وطاقات شعبنا المبعثرة ورصّ صفوفه من أجل تحقيق أوسع المكاسب ونيله كافة الحقوق المشروعة لمكوّنه التاريخي الأصيل أسوة بباقي مكونات الشعب العراقي.
إنه وانطلاقاً من المبادئ أعلاه ومن حرصنا على توحيد الخطاب القومي الصحيح والمقبول لشعبنا الكلداني السرياني الآشوري وبهدف توضيح وجهة نظرنا على المؤتمرين الأعزاء، كان لبدّ لنا من تسجيل الملاحظات التالية:
إن أية مطالبة بتوحيد الخطاب القومي والسياسي لشعبنا لابدّ أن ينطلق من كوننا شعباً واحداً ليس بالكلام فقط بل بالفعل والعمل والممارسة اليومية بدل الإيغال في التعصّب الأعمى الذي لا نفع منه والاستمرار في المناورات المراوحة التي بدت مكشوفة من جميع فصائلنا ولكافة أبناء شعبنا. وهذا يتطلب قسطاً من التضحية ورحابة الصدر والاستعداد لقبول الآخر والاستماع إلى صوت العقل والعودة إلى عمق التاريخ وأهمية الحضارة التي ما نزال نفخر بها والمتجسدة في ثقافتنا ولغتنا وتراثنا وكفاءاتنا وطبيعة علاقاتنا المتميزة عن غيرنا من باقي مكوّنات الشعب العراقي.
ندعم بكل قوّة وبنيّة خالصة كل الجهود الرامية لتحقيق مكسب وطني مستقلّ بإنشاء إدارة لامركزية أو نظام متميّز لحكم ذاتيّ يتمتع بكافة الحقوق التي يضمنها الدستور العراقي الجديد في مناطق تواجد أبناء شعبنا في سهل نينوى الآشوريّ "الآراميّ – السريانيّ" في الحضارة والثقافة والتاريخ والذي لا نريده أن يقع فريسة بين مطرقة وسندان الأطراف المتربصة بنا. إننا نأمل تواصل التعايش السلميّ والأخوي مع جميع المكوّنات الجارة الأخرى بما يعزّز الحسّ الوطني والعدالة والمساواة لدى الجميع وللجميع.
السعي إلى لمّ الصفوف ودمج الجهود المبعثرة بسبب تشتت المنابر الناطقة باسم شعبنا المتناثر في الداخل وفي المهاجر من خلال إيجاد صيغ أوسع للتعاون والتشاور وتبادل الآراء مع رئاساتنا الكنسية التي نكنّ لها كل الاحترام. إننا نؤيد تواصل المشاورات بين هذه الرئاسات الكنسية مع كلّ ذوي النيات الخالصة من فصائل شعبنا الحزبية منها والمدنية والمستقلّة وبما يضمن استقلالية القرار القوميّ لشعبنا الواحد بعيداً عن التأثيرات السياسية الجانبية والمغريات المادية والمعنوية و"الإملاءات المهجرية" التي أحدثت شرخاً في وحدة شعبنا وعمّقت في وسطه الفرقة والتجزئة بدل توحيده ونشله من الضياع.
الالتزام بالحق الشرعي الذي خوّله شعبنا ممثليه في البرلمان العراقي ليكونوا ناطقين أمناء باسمه وليس باسم الكتلة أو الطائفة أو الحزب أو المذهب الذي ينتمون إليه، وتلك أمانة في أعناقهم. أمّا نحن، أحزاباً ومنظمات مدنية ومثقفين مستقلين، فليس لنا سوى شرف التحاور والنقاش والتوعية والمؤازرة وبذل الجهود الممكنة لتمكين ممثلينا من مطالبة أصحاب القرار برفع كل أشكال الغبن والحيف والتهميش التي طالت شعبنا من خلال التعريف بهمومنا وطرح معاناتنا ومشاكلنا والمطالبة بتثبيت وترسيخ حقوقنا في المواطنة الكاملة أسوةً بباقي مكوّنات الشعب العراقي. كما نعتقد دوماً أن صناديق الاقتراع وحدها،هي الكفيلة دوماً بتسمية من هو الأجدر لتحمّل مسؤولية تمثيل شعبنا في المنابر الوطنية والدولية بعد التشاور مع الفصائل والمنابر والمؤسسات المعنية بشؤون شعبنا.
سعينا الحثيث للعمل على عقد مؤتمر قوميّ شامل ثانٍ لمراجعة مقررات المؤتمر الأول الذي عُقد في ظروف مستعجلة مثيرة للجدل و غير متكاملة و من أجل الخروج بمقررات تتناسب والتحديات المستجدّة على الساحة السياسية والقومية معاً. كما نرجو من هذا المؤتمر العمل على حلّ إشكالية التسمية القائمة برويّة ودون تعصّب أو إصرار على المواقف المتشنجة وتفضيل التسمية المتعارفة دولياً وحضارياً وتاريخياً من قبل معظم الفصائل والمنابر والمؤسسات.

مع تمنياتنا للمؤتمر الشعبي الكلداني السرياني الآشوري بالتوفيق في أعماله لما فيه مصلحة شعبنا العليا التي تحفظ له وحدته وحقوقه وحضارته وتاريخه وثقافته وحياته الكريمة في عراق موحد، مزدهر وآمن.
المجلس الكلدو آشوري السرياني القومي
هيئة السكرتارية العامة

104
حضرات السادة الكرام

 

يسرنا إعلامكم بتحقيق لقاء لعدد من ممثلي الأقليات في مجلس الأقليات العراقية مع Corey Levine مديرة قسم حقوق الإنسان في برنامج المجتمع المدني العراقي ICSP  يوم الأحد الموافق 25 شباط الجاري 2007 في مقر دائرة البرنامج بحضولر السيد أسامة خليل ابراهيم مدير العلاقات والبرامج.

تناول اللقاء استعراض عام لمسيرة المجلس قدمها السيد نزار الحيدر نائب رئيس مجلس الأقليات العراقية، تلتها أحاديث لممثلي الأقليات تطرق فيها المتحدثون إلى بعض من معاناة المكونات التي ينتمون إليها وهم كل من السادة:

1- محمد حسن بك من الشبك

2- ستار جبار من الصابئة المندائيين

3- لويس إقليمس من الكلدان السريان الآشوريين

4- طالب نوروز من الكورد الفيليين

5- حسين درويش من الإيزيدية

6- محمد أدهم من التركمان

 وقد تغيب عن اللثاء ممثل الأرمن.

 

من جانبها استعرضت  السيدة "كوري" طبيعة عمل منظمتها والمشاريع التي تتولى تحقيقها في العراق. كما أشارت إلى الغاية من هذا اللقاء وهو تحقيق هدفين:

أولهما معرفة الوضع حول الأقليات العراقية و الثاني بيان اهتمام المنظمة بالأقليات العراقية ونظرتها إلى موضوع الفيدرالية الواردة في الدستور. وأكدت حرص المنظمة على التعاون مع مجلس الأقليات الذي له أصبح يتمتع بسمعة طيبة في أوساط المنظمات الدولية.

بعدها استعرض السيد هيثم سليمان مجالات التعاون المحتملة مع هذه المنظمة وإيصال صوت الأقليات لجميع المهتمين بمصيرها وحقوقها.

وتم الاتفاق على تواصل اللقاءات وتبادل الآراء حول مجالات العمل المشترك من أجل مصلحة كافة الأقليات التي تشير كافة الدلائل إلى تغييبها وتهميشها وإقصائها في العملية السياسية واقصار مصدر القرار بيد المجموعات المهينة الثلاث على الساحة السياسية العراقية وهي الكتلة الشيعية والنحالف الكردستاني والكتلة السنية.

 

مع أجمل التحيات

 

لويس إقليمس

مسؤول العلاقات الخارجية[/b][/font][/size]

105
السادة في حركة تجمع السريان  المستقل
إلى عائلة الشهيد الفقيد
[/color]
 
فُجعنا بنبأ استشهاد المغفور له الشهيد إيشوع مجيد هدايا في عملية جبانة وغادرة في موطنه ووسط أهله وأصدقائه.
إن هذه الجريمة قد غيّبت أحد الأصوات الشريفة المنادية ببسط مبادئ الديمقراطية والحرية والسلام و المطالِبة دوماً دون كلل أو ملل بحق شعبنا الكلداني السرياني الآشوري الواحد في حضورٍ معزَّزٍ وكريمٍ على الساحة السياسية في العهد الجديد في العراق. لقد كان صوت الفقيد دائم التذكير بالغبن الذي لحق ببني جلدته بتغييبهم من المعادلة القومية في الدستور العراقي ولم يألُ جهداً بالمطالبة بضرورة تعديل هذه المعادلة مثل غيره من مواطنيه من الساعين  إلى إحقاق الحق ووضع الأمور في نصابها.
إننا في المجلس الكلدوآشوري السرياني القومي، إذ نستنكر هذا الفعل الجبان الذي لا ينمُّ إلاّ عن إفلاس الفعلة ومن يقف وراءهم، فإننا نعزي أنفسنا وزملاءه في حركة تجمع السريان المستقل التي أسسها إيماناً منه بدور فاعل ونشط ضمن الجهود الرامية لتحقيق حقوق جميع المسيحيين ومنهم بالأخص مواطنيه في سهل نينوى. كما نعزّي عائلته وذويه وأصدقاءه داعين من الباري تعالى  أن يتغمده بواسع رحمته ويلهمنا جميعاً الصبر والسلوان.
 
المجلس الكلدو آشوري السرياني القومي
هيئة السركتارية العامة
[/b][/font][/size]

106
رأي حول مشروع مسوّدة دستور إقليم كردستان العراق
[/color]
           
يسرّني جداً أن أحيّي بإعجابٍ كبيرٍ تفاعلَ العديد من الفصائل القومية والسياسية والدينية والشعبية من أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري الواحد مع هذا الحدث المصيري الذي نعدّه انطلاقةّ جديدة لتُضاف إلى أواصر الصداقة والتعايش التي جمعتنا دوماً  مع إخوتنا الكورد في شمال العراق ، كردستان العراق حاليّاً. وهي مناسبة سعيدة لتحفيز طاقات المثقفين والسياسيين ووضعها في خدمة شعبنا الواحد  من أجل تحقيق كامل أهدافه وطموحاته وضمان مستقبل أبنائه وأجياله تواصلاً مع عمق جذور حضارته وأمجاده وقيمه التاريخية القومية منها والدينية على السواء.
إن المطالبة بضمان كامل حقوقنا القومية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والدينية والحفاظ على إرثنا وتاريخنا ومجمل مقوّماتنا القومية في مشروع هذا الدستور العتيد تبقى أمانة في أعناق من يَعدّون أنفسَهم ممثلين عن هذا الشعب المتميّزأوسعاةً فاعلين في المجتمع المتآخي منذ حقب الزمن البعيد. لذا ومن منطلق هذا الحرص المشروع على مصالحنا  الوطنية والقومية والدينية المتلازمة، فإنني أرى لزاماً على كل شرائح أبناء شعبنا مجتمعين أن يعوا ما يمكن أن  يتعرّضوا له في أية لحظة غافلة من محاولات فاضحة أو مستترة تهدف إلى تهميش وجودهم القومي وصهرهم في بوتقة تتنكر لهذا الوجود التاريخي والقومي القائم وتسعى إلى حصرهم في إطار الوجود الديني فحسب ممّا لا يمكن التغاضي عنه. كما أن صلة التعايش التاريخي السلمي والودّي والوطني في بلدٍ لم يكن ليستطيع نكران  تاريخ هذا الشعب وحضارته وبطولاته و تراثه القومي والديني عبر الزمن والأجيال المتلاحقة ناهيك عن مساهماته الإيجابية في بناء بلد الرافدين وتقويمه وتعزيز وجوده، لَهي خيرُ دافعٍ على ترسيخ سبل هذا التعايش ودفعه إلى الأمام.
إن هذه الحقيقة التاريخية والواقع اليومي المعاش عبر الزمن وفي هذه المرحلة الحرجة بالذات تتطلب منّا الكثير من الحيطة والحذر وشيئاً كثيراً من الحصافة والحكمة في التعامل مع الشأن القومي المتأرجح لشعبنا "الكلداني السرياني الآشوري " الواحد بتسمياته الثلاث مجتمعةً وليس بتقاطعها وذلك في أية مناسبة يرد ذكر هذا الشعب، ولو أننا كنّا نأمل التعامل مع ملف التسمية الموحدة ( الذي صيّرناهُ معقّداً رغماً عنه ) بقدرٍ ولو  يسير من الحكمة وبشيء كثير من المحبة المسيحية وصدق في التعامل و رحابة الصدر واحترام الآخر. لقد سعى " المجلس الكلدو الآشوري السرياني القومي " المحايد الطرف، الذي يشرّفني العمل ضمن صفوفه، منذ تأسيسه وعبر مراحل عمله القومي المتعثر في أحيان كثيرة، أقول لقد سعى هذا المجلس ومعه أصحابُ النوايا الحسنة في باقي تشكيلاتنا القومية والدينية والثقافية إلى لمّ اللحمة من خلال جمع أطراف الخلاف حول مشكلة التسمية المعقدة وفي الدعوة لإيجاد خطاب قومي وسياسيّ موحّد, ولكنه كان يجابَه دوماً بالصدّ ويُتّهم بالولاء لجهة دون أخرى وفي ذلك تجنٍّ خاطئ ومزمن وغير مقبول. إننا كنا وما زلنا على دراية بما كانت وما زالت تتعرض له بعضُ القيادات الدينية و الحزبية الفتيّة وعدد من الهيئات الثقافية التي لم تضع نصبَ أعينها كاملَ حلّها لمشكلة شعبنا بل اكتفت بجزئياتٍ منها لا نعدّها سوى " جرعاتٍ أكسيريّة " سرعانَ ما تنفذُ وينتهي مفعولُها ليعودَ مصير شعبنا أسوأ من سابقه، وهكذا دواليك.
لقد آن الأوان كي تُعاد الكرّة في لمّ شعثِنا تفاعلاً مع الحدث المستجدّ الذي سيؤسس إلى مصير و مستقبل هذا الشعب مكسورِ الجناح، بتسمياته المقبولة الثلاث ( بدون واوات العطف) التي أجمعَت عليها الغالبية العظمى من أبناء شعبنا القومية منها والكنسية و معهما الطبقة المثقفة،  كتسميةٍ آنيّة مؤقتة تجاوزاً لضيق الوقت و درءاً لخطر التقسيم و التشرذم الذي تترقبه لنا أطراف لا تحلو لها وحدتُنا أو غيرُها ممّن تخشى اجتماعَنا تحت خيمةِ قوميةٍ واحدة وشعب واحد لتحقيق أغراض في " نفس عيسو".
ومن هذا المنطلق أودّ أن أدلو بدلوي لتوضيح رؤيتي المتواضعة وتصوّراتي، مشاركةً منّي في عملية مناقشة دستور إقليم كردستان العراق المطروح حالياً للمناقشة قبل إقراره.
إن نظرتي إلى مسوّدة مشروع دستور إقليم كردستان تنطلق من هدف قومي مركزيّ بالغ الأهمية لاسيّما في ظروف الوضع الراهن الذي لا يمكن التكهن بما ستؤول إليه الأحداث على المستوى القريب والبعيد على السواء. لقد جمع شعبَنا الكلداني السرياني الآشوري مصيرٌ مشترك مع مختلف قطاعات الشعب و من  مختلف القوميات والإثنيات والأديان والمذاهب والطوائف على مرّ العصور والأجيال. وقد كان لنا صولات وجولات ومساهمات وأنشطة حاضرة وهامّة في حقبات متعددة من الزمن الغابر ولحدّ يومنا هذا . كما كان لتواجد أبناء شعبنا في السهول والجبال والصحارى وفي المدن والقرى والقصبات مبرّرُه ليكون جزءاً من صناعة القرار وتقرير المصير في بلد متعدد الأعراق والقوميات والأديان والمذاهب وهو حق مكفول في العرف الوطني والقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان. وهذا الحق يتعاظم عندما تتفاعل سبل التعايش المشترك في منطقة جغرافية بحدّ ذاتها دون غيرها مثل إقليم كردستان العراق الذي نتفق جميعاً على بقائه جزءاً لا يتجزّأ من العراق الموحّد بكافة أطيافه وتلاوينه القومية والإثنية والدينية والمذهبية والطائفية مهما كبرت أو صغرت عدداً، طالما أن حق المواطنة يكفل للجميع المساواة ضمن القانون.
 إن خبرة السنوات الطويلة لشرائح كبيرة من أبناء شعبنا من (الكلدان .السريان .الآشوريين) الذين سكنوا كردستان العراق تشير بوضوح إلى المصير المشترك الذي جمعهم مع إخوتهم الكورد عبر النضال المشترك والطويل لتلك السنوات بحلوها ومرّها. وهذا خير دليل على إمكانية تواصل سبل التعايش المشترك على مرّ العصور والأزمان في إطارٍ مقبولٍ من العلاقة الصحيحة المتنامية والمبنية على أسس الاحترام المتبادل وتبادل الرأي وقبول الآخر والاعتراف به شريكاً كامل الأهلية في الحقوق والواجبات والمواطنية رغم تباين الأهداف والآراء والتصورات. وهذه نعدّها أساساً للثبات في هذا التعايش وفي ديمومته وتقوية أواصره طالما أنه يحفظ لجميع سكان المنطقة دون استثناء حقوقها المدنية والسياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها في إطار الحريات الفردية والجماعية التي يكفلها أو تلك التي سيكفلها الدستور المقترح.
إنه وانطلاقاً من هذا المبدأ أعلاه لا يتحرّج شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" الواحد من التعاطي مع هذا الموضوع الشائك بكل هدوء ورويّة وإيجابية طالما سيكون لهذا المصير المشترك انعكاسات إيجابية على حياة سكان المنطقة برمّتها ضمن خصوصية الإقليم المعروفة. بل إننا نعتقد أن تأكيد التواصل والتواجد في هذا الإقليم على أساس المعادلة أعلاه  من شأنه أن يعزّز من سبل الحوار والتفاهم وصولاً إلى تحقيق التطوّر الحضاري المنشود فيه بخاصة وفي الوطن عامة وذلك بالهمّة المعهودة والمعروفة لأبناء شعبنا ومواطنيّتهم الصادقة وولائهم المطلق للوطن أولاً ومعه ومنه لأية جهة تحفظ حقوقهم وتصون حرياتهم وأرضهم وثقافتهم وتقاليدهم كاملةً دون انتقاص أو استخفاف أو تحايل أو تسوبف.
إنه ومع ثقتنا الكاملة بالجهود المبذولة من قبل الجميع لإنضاج المقترحات المقدمة حول مسوّدة مشروع دستور كردستان المطروح للنقاش، فإنّني أرى كما خَبِرَهُ غيري أيضاً بضرورة تشكيل هيئة مشتركة لجمع مجمل هذه المقترحات الصادرة عن هيئاتنا المتعددة بمختلف اتجاهاتها القومية والدينية والثقافية ومناقشتها بروح قومية شفافة ومفيدة للصالح العام لتُرفع موحَّدةً إلى الجهات المشرّعة في الإقليم. ولأجل تحقيق هذا الهدف أقترح التواصل في عقد اللقاءات المشتركة الجارية حالياً لاستكمال استمزاج الآراء  وبلورة المقبول والمفيد منها والخروج بمطالب مشتركة تحفظ حقوق شعبنا كاملةً وتُؤمّنُ مستقبلَ أجياله، ليس ملاطفةً لطرف أو مجاملةً لآخر بل من أجل كشف الحقائق وتثبيت الحقوق وتعزيز روح التعايش المشترك الذي كان دوماً سمةً يوميةً بارزة في حياة سكان ما بين النهرين عامة. إن ما لفت انتباهي هو غياب تواصل التعاون المثمر الذي كان قائماً في فترات سابقة والذي ربّما تعود بعضٌ من  برودتِه في هذه المرحلة بالذات إلى معاناة الجميع من الظروف الأمنية الاستثنائية التي تشهدها البلاد عامة، رغم أن تحقيق مثل هذا الاجتماع ليس مستحيلاً.
من الملاحظات التي تجمّعت لديّ حول ما ورد من مقترحات وملاحظات صادرة لحدّ اليوم  بشأن مسودة مشروع دستور إقليم كردستان أرى التالي:

أولاً: أشيدُ بما تضمنه الباب الثاني الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ومفاهيم المساواة والحريات وضمان حقوق المرأة وغيرها من الحقوق الأساسية كالتعليم والعمل والصحة ومبدأ فصل السلطات وتطبيق المعايير والمواثيق الدولية التي تصون حقوق الإنسان وتساهم في تطوير الإنسان والبلاد للنهوض بها نحو ركب الدول المتحضرة.

ثانياً: تأييد ما ورد في الديباجة من معاناة مستديمة وشاقة لعموم الشعوب القاطنة في المنطقة الكردية وليس للشعب الكردي فحسب. وإني أرى ضرورة تضمين الديباجة لمبدأ التعددية القومية والدينية لعموم الشعوب المتواجدة والمتآخية في إقليم كردستان ومنها الإشارة إلى شعبنا الكلداني السرياني الآشوري(بتسمياته الثلاث) بعمقه التاريخي والحضاري والثقافي و إلى ما عانى منه هو الآخر من مآسي ومظالم عبر تاريخ المنطقة بخصوصياتها المتناغمة جنباً إلى جنب مع أخوته من العرب و الكورد والإيزيدية والشبك والتركمان وغيرهم على السواء.

ثالثاً: إن ما ورد في المادة السادسة (أولاً) من مسألة تقسيم شعبنا إلى الكلدان والآشوريين وسقوط مكوّنِهم و مكمِّلِهم الثالث أي "السريان" من المعادلة القومية نعدُّهُ تغييباً قسرياً لهذا المكوِّن الأخير ولا يمكن القبول به. كما ونذكِّر بأن أصواتاً تعالت وتنادت منذ مدّة طويلة ولغاية هذا اليوم بعد صدور دستور العراق بنسخته الأولى مثيرة الجدل وهي تطالب بكوننا " شعباً واحداً " بتسميته الموحدة الشاملة للمكوّنات الثلاث، أي (الكلدان.السريان,الآشوريين) مقترنةً ومجتمعةً و غيرَ قابلةٍ للإنفصام والتجزئة وهو مطلبٌ حصل الإجماعُ عليه شعبياً و كنائسياً وصدرت بصدده بيانات وتصريحات تؤكد إقراره وترفض تجزئتنا إلى قوميات و شعوب مختلفة. ونحن إذ نأمل أن يُؤخذ هذا المطلب بالحسبان في الدستور المقترح لإقليم كردستان العراق ليكون بيّنةً على الفهم المشترك لمصالح هذا الشعب، فإننا نعتقد أنه سيكون فاتحةً طيبةً لفهمٍ وطني أوسع تأخذ بموجبه لجنة تعديل الدستور العراقي هي الأخرى في أعمالها المرتقبة.
 
رابعاً: أقترح إجراء تعديلٍ على المادة التي تتطرق في الباب الأول ( المبادئ الأساسية) والتي أرى أن تنص على " يضمن هذا الدستور الحقوق الإدارية والسياسية والثقافية والتعليمية والإجتماعية والتراثية للقوميات المختلفة من التركمان والكلدو آشوريين السريان (الكلدان.السريان.الآشوريين) و الشبك والإيزيدية وغيرها من المكوّنات المتواجدة في المنطقة بحيث يُضمن لهم حق تأسيس إدارات محلية لامركزية في المناطق ذات الخصوصية اللغوية والدينية والاجتماعية والثقافية والتاريخية وفق السياقات الدستورية" لاحقاً.
خامساً: أقترح تعديل المادة 65 من مسوّدة الدستور والتي تتطرق إلى ضرورة الإشارة الواضحة إلى حرية الفرد في ممارسة وفي اختيار الدين والمعتقد الذي يؤمن به دون إكراه انطلاقاً من شعار " ألدّين لله والوطن للجميع".

سادساًً: إن موضوع الخارطة الجديدة لإقليم كردستان التي تتطرق إلى نية إخوتنا الكورد بضمّ قضاءي الحمدانية (قرة قوش) وتلكيف وغيرهما ومعهما قصبة بعشيقة تتطلب استفتاءً شعبياً أولاً وقبل كل شيء. وليس من حق أية جهة فرض أجندة خاصة على هذه المناطق التي تتمتع بخصوصيات قومية ودينية واجتماعية ولغوية مختلفة نظراً لتعدّد مكوّناتها الإثنية والدينية والعقائدية وهي تشكل ما نسمّيه اليوم بسهل نينوى الذي يستحق هو الآخر نوعاً "لامركزياً من الحكم الذاتي" مطروحٍ للنقاش وتبادل الآراء والحوارات.  ومن هنا، فإنّ ما يهمّنا عموماً هو التمتّع بكافة حقوقنا القومية والدينية والوطنية  كاملةً دون انتقاص أو تغييب أو تجاهل سواءً توافقت الآراء وأجمع عليه استفتاءُ شعوبِ المنطقة لاحقاً أم لم يحصل وفقاً للدستور الذي يكفل مثل هذا الحق بموجب المادتين 125 و140.

سابعاً: فيما يتعلق بالمادة12، أعتقد أنه من المنطقي جداً أن يتضمن علم إقليم كردستان رموزاً لجميع شعوب الإقليم ومنها ما يرمز إلى  تاريخ شعبنا الكلداني السرياني الآشوري الزاخر وكذلك نشيده الوطني مع ضرورة الاحتفال والالتزام بالأعياد القومية والدينية للشعوب المتآخية في عموم الإقليم ممّا سيتيح للجميع إنضاج فكرة الشراكة وتعزيز الانتماء والمواطنيّة والتآخي.

ثامناً: أقترح إجراء تعديلات على بعض البنود الواردة في الباب الثالث و الرابع و في الفصول المتعلقة بسلطات الأقاليم التشريعية منها والتنفيذية والقضائية و كذا في الإدارات المحلية والمجالس البلدية بحيث تضمن هذه المواد تمثيلاًً عادلاً لكافة شرائح المجتمع المتعايشة في الإقليم من خلال انتخابات خاصة بهذه الشرائح تُنظّمُ بقانون.

تاسعاً: إعادة النظر في البنود الخاصة بالعملية التعليمية ومنها جعل التعليم إلزامياً لما بعد المرحلة المتوسطة في الأقلّ ضماناً للتواصل التوعويّ والتثقيف الضروري لشعوب المنطقة بغيةإلحاقها بالركب الحضاري للدول  المتقدمة.

ومن الله التوفيق.

لويس إقليمس

 عضو هيئة السكرتارية العامة/  المجلس الكلدو آشوري السرياني القومي
بغداد، في 19 تشرين لأول
2006[/b][/font][/size]

107
مؤتمر الأقليات العرقية و الدينية  في العراق
( عمان من 27  لغاية 29 تموز 2006)

 برعاية  من المعهد الأمريكي للسلام و المجموعة الدولية لحقوق الإنسان، عُقد في عمّان   مؤتمر الأقليات العرقية و الدينية  في العرق للفترة من 27 لغاية 29 تموز 2006 والذي كان مقرراً عقده في بيروت إلاّ أن الأحداث المأساوية التي يشهدها هذا البلد قد اضطر القائمين على تنظيمه لنقله إلى عمان حيث احتضنه فندق ماريوت.
واصل المؤتمرون أعمال اجتماعاتهم في أجواء عبقة بأمنيات الوحدة الوطنية يؤطرها مبدأ الولاء للوطن و نبذ كل أشكال الاستقطاب الطائفي وأسلوب المحاصصة الجارية في دوائر الحكومات المتلاحقة بعد أحداث 2003.
شارك في المؤتمر مدعوّون من شخصيات وطنية وبرلمانية ووزراء سابقون وممثلون عن الأقليات المتمثلة في مجلس الأقليات العراقية الحالي و من منظمات تُعنى بحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية ومنظمات دولية إنسانية أخرى عاملة في العراق منها UNAMI الداعمة لحقوق الأقليات.
أدار المؤتمر بجدارة كل من السادة " مارك لاتيمر " رئيس المجموعة الدولية لحقوق الإنسان والدكتور سرمد الدين الصراف رئيس المعهد الدولي لدعم سيادة القانون. تناول المؤتمر جملة من المواضيع التي تساعد على فهم ما تضمنه الدستور العراقي الجديد وكيفية صياغة القوانين إضافة إلى توفر الفرص المناسبة لمراجعة بنود هذا الدستور وما تضمنه من فقرات ذات صلة بمصير الأقليات العرقية والقومية والدينية في العراق. ومن جملة المواضيع التي تطرق إليها تفصيلياً ما يلي:
- أليوم الأول 27 تموز 2006:
1-   وضع الأقليات في العراق: التطورات منذ آب 2005(د. حنين القدو، رئيس مجلس الأقليات)
2-   أولويات القضايا التي تثير اهتمام كل مجموعة من الأقليات ( كلمات ومقترحات تقدّم بها موفدو الأقليات بتكليف من مجلس الأقليات)، تلاها نقاش مفتوح.
3-   اهتمامات وتوقعات الأقليات العراقية بخصوص عملية مراجعة الدستور
4-   المقارنة الدستورية ( جون باكر)
- أليوم الثاني 28 تموز 2006:
1-   التمثيل السياسي
2-   الهوية، الاعتراف وحقوق الأقليات
3-   الحكم في المناطق ذات التمركز العالي للأقليات
4-   التهجير السكاني (باسكال وردة، وزيرة الهجرة والمهجرين سابقاً)
- اليوم الأخير 29 تموز 2006:
1-   دور المجتمع الدولي وفلسفة المجتمع المدني
2-   الخطوات التالية: الصياغة والتعديلات النهائية للخطط والمقترحات
3-   إكمال الصياغة والتعديلات النهائية للخطط والمقترحات.


... وقد توقف المجتمعون حول صياغة التوصيات النهائية والمقترحات التي من المؤمَّل رفعها إلى الجهات المعنية في الحكومة العراقية ومجلس النواب ورئاسة الجمهورية والجهات الساندة المحلية منها والإقليمية والدولية و من منظمات غير حكومية و دوائر الأمم المتحدة وحقوق الإنسان العاملة في العراق.
من بين المشاركين في المؤتمر من أعضاء مجلس النواب نذكر:
1-   السيدة صفية السهيل (من القائمة العراقية): ناشطة في مجال حقوق الإنسان
2-   د. حنين محمود القدو ( من قائمة الائتلاف العراقي الموحد): رئيس مجلس الأقليات العراقية (عن الشبك)
3-   حسن طعمة كزار (من قائمة الائتلاف العراقي الموحد / التيار الصدري): داعم لحقوق الأقليات في العراق
4-   عامر ثامر علي (من قائمة ائتلاف العراقي الموحد / عن الكورد الفيليين)
5-   يونادم كنــــا ( قائمة الرافدين): مستشار في مجلس الأقليات ( عن الكلدان.السريان. الآشوريين)
6-   أمين فرحان جيجو (عن الإيزيديين)

كما كان لمشاركة السيدة باسكال وردة، وزيرة الهجرة والمهجرين سابقاً دور فاعل في إغناء المؤتمر بوجهات نظر وحقائق وآراء مهمّة حول الوضع السابق و الراهن لعموم الأقليات ولاسيّما في سهل نينوى حيث يقطن مزيج متآلف من هذه الجماعات.
فيما كانت مداخلات بقية السيدات و السادة أعضاء مجلس النواب جديرة بالتقييم والتقدير لما لمسناه من لدنهم من غيرة وتفان واستعداد لدعم الأقليات العراقية  والجماعات العرقية والدينية أينما تواجدت ودون حدود لإيمانها المطلق بحقها في العيش والتمتع بكامل حقوقها التي يكفلها الدستور الجديد والقوانين التي ستنبثق عنه لاحقاً وبما لا تتقاطع مع طموحات هذه الشرائح الأصيلة والمهمة التي تزيّن قلادة العراق كما كانت عليه بالأمس واليوم. بل إن قسماً منهم حذّر وشدّد من مغبة الوقوع في شرك المشرّعين ومفسّري بنود الدستور أو الذين يقرأون ما بين السطور للمزيد من الإيغال في غبن حقوق هذه الأقليات و الاستمرار في تغييبها وتهميشها وعدم الاعتراف بها أصلاً، بل والأنكى من ذلك فرض الوصاية عليها من أجل طمس هويتها القومية والدينية واللغوية وإلغاء دورها الوطني.

تجدون مرفقاً ورقة العمل الكاملة المقدَّمة عن الكلدان. السريان. الآشوريين وكذلك خلاصة بالمقترحات المرفوعة حول مراجعة الدستور.

لويس إقليمس
مسؤول العلاقات الخارجية
مجلس الأقليات العراقية


"ألكلدان والسريان والآشوريون"
تاريخ و حقوق
( ورقة العمل المقدّمة إلى مؤتمر الأقليات العرقية والدينية في العراق المنعقد في عمّان
 للفترة من 27- 29 تموز 2006)
نبذة تاريخية:
إن حقيقة التاريخ لا يمكن أن تحجبها سفاهات الدكاكين الصغيرة التي لا يلائمها السير في النسق الطبيعي للحباة  و لا عربدات أصحاب الأصوات الشاذة التي لا يروق لها الغناء في السرب أو بالأحرى تلك التي لا تجيد الغناء ضمن الجوق المعهود. وهذه الحقيقة التاريخية ستظل ماثلة مذكِّرةً بحضاراتٍ، قسمٌ منها سادت ثمَّ بادت وغيرها تمكنت من إكمال مسيرة تاريخها الزاهر محافِظة على تراثها ولغتها وعاداتها وتقاليدها وأخلاقها وأطباعها  ومطبخها وأزيائها وحتى في شكلها وهيئتها، وباختصار كل مقوّمات الحياة الطبيعية التي حباها الخالق في حياة البشر الطبيعية.
تلكم هي حقيقة الشعب الكلداني السرياني الآشوري بتسمياته الثلاث التي تعود بجذورها إلى  هذا التاريخ الزاخر الضارب في عمق الحضارة الآشورية والبابلية والكلدانية والسومرية والأكدية والآرامية التي تربعت على عرش الكون ردحاً طويلاً من الزمن و كانت لها بصماتها في بناء الأرض وترويض الإنسان وفتح سبل الحياة الآدمية لإنسان اليوم. نحن
شعب وريث لكبريات هذه الحضارات التي يرجع تاريخها المكتوب الى حوالي 4750 سنة قبل الميلاد و موطنُــــــنا الأصلي بلادُ ما بين النهرين المسمّى بالارامية - السريانية ( أثـرا  د بــيـث نهـريـــن ) .
لغتـنا الأمّ اليوم هي السريانية و قاعدتها العريضة و الأصيلة هي الآرامية التي كان ما يزال   يتحدث بها حتى السنوات الأخيرة اكثر من مليون مواطن في العراق و ربما اكثر من هذا العدد في دول الجوار مثل إيران و سوريا و تركيا و لبنان. حتى إن العديد من بلدان المهجر قد وصلها سيلٌ غزيرٌ من تيار هذا الشعب الذي نقل إلى هذه البلدان شيئاً كثيراً من عناصر قوميته. من تراث ولغة وعادات وأخلاق طبعت بصماتها في تاريخ الشعوب التي انتقلت إليها. إن اللغة التي يتحدث بها الشعب الكلداني السرياني الآشوري هي ذاتها اللغة الآرامية  سليلة السومرية والبابلية والأكدية والآشورية، تلك التي سادت السواد الأعظم من منطقتنا واتُخذتها لغةً رسمية في عهود الامبراطوريات القديمة ومنها بلاد فارس وعموم الشرق. وهي ذاتها اللغة التي تحدّث بها السيد المسيح ومنها أتت السريانية التي عرفتها وما تزال تتداولها اليوم  كبرى المؤسسات الثقافية والجامعات العالمية والمعاهد المتخصصة في العالم. ولئن بقيت هذه اللغة  محصورة بعض الشيء في نطاق الطقوس الكنسية لغاية العقد الاخير من القرن الماضي، فإن يد الحداثة والحرص والغيرة قد أخذت بيد أصحاب الشأن لتُعلي رايتها من جديد وتعيد إليها رايتها و أمجادها وما تحتفظ به بطون الكتب التي بها نُشرت العلوم ومختلف فنون الأدب عبر التاريخ الزاخر لهذا الشعب.

ظروف اليوم:
يعيش أيناء شعبنا من الكلدان والسريان والآشوريين في مواطنهم الأصلية ( العراق، سوريا، تركيا، ايران، لبنان ) في ظل ظروف سياسية و اجتماعية و ثقافية و اقتصادية متباينة إلا أن وضعهم العام يأخذ أبعادا و مسارات تتفاوت نسبيا من بلد إلى آخر. لكنها تتمحور جميعا حول العراق البلد الأمّ ،  الذي هو بحق مركزَ ثقلهم التاريخي و الحضاري و الثقافي و السكاني... يبلغ تعداد الجماعات الثلاث اكثر من 1.5 مليون مواطن، لم يبق منهم في العراق سوى نصف هذا العدد حسب التقييمات الراهنة نتيجة الضغوط والممارسات الإرهابية التي طالتهم و بسبب محاربتهم في أرزاقهم ومصالحهم لمختلف الأسباب، لاسيّما الدينية منها والقومية والإتنية والاجتماعية، كما هي حال غيرهم من المكونات الصغيرة الأخرى التي تريد أيادي خفية تصفيتها وإفراغ البلد منها بأي ثمن، حسداً أو غيرةً جزاءاً على كفاءتها وحرصها الوطني الواضح وحبّها للوطن وأرضه وسمائه وهوائه وتعلّقها بها جميعاً دون مواربة أو مغالاة أو مزايدة. أمّا في سوريا، فتشير التوقعات إلى وجود ما يزيد عن نصف مليون من مختلف أبناء الجماعة من السكان الأصليين أو نتيجة الهجرة التي ضربت أطنابها بسبب الظروف الأمنية الاستثنائية التي يشهدها العراق الجريح. و في إيران و تركيا قد يصل تعدادهم الى 75 الف نسمة.  أمّا في بلاد المهجر، فحدّث ولا حرج، حيث  يتوزع أبناء شعبنا من الكلدان و السريان والآشوريين  في مختلف الأصقاع بحيث يبلغ تعدادهم في الولايات المتحدة الامريكية لوحدها أكثر من 300 ألف نسمة، و في نيوزيلاندا و استراليا بحدود 50 الفا ، فيما تحتضن أوروبا و أمريكا الجنوبية ما يزيد عن 300 الف  نسمة ، و مثل هذا العدد في دول أخرى متناثرة من العالم.
يتركز تواجد شعبنا الكلداني السرياني الآشوري في العراق و بشكل كبير في بغداد حيث كانت دار السلام هذه تحتضن ما يربو على  نصف مليون نسمة لوحدها قبل الأحداث المأساوية الأخيرة وتردّي الأوضاع الأمنية. و في الموصل يتركز أبناء شعبنا بشكل متجانس في الاقضية و النواحي و القرى والقصبات الواقعة في سهل نينــــــــوى لاسيّما في باخـــديــــدا ( قرة قــوش ) التي تعيش كثافة سكانية تصل إلى ثلاثين ألف نسمة لوحدها وتُعدّ مركز السريان في العراق والعالم إلى جانب قصبات كل من برطلة و كرمليس  و بعشيقة و تلكيف و الشيخان و تللسقف و القوش و باطنايا و الشيخان وباقوفة والشرفية و غيرها. كما تضمّ  محافظة دهوك و توابعها مناطقَ مثل: صبنا ، و مانكيش  و زاخو و برواري بالا و سمّيل و سهل سليفاني وشرانش، وفيشخابور وأرادن وسناط وعشرات القرى الأخرى.  فيما يتركزون في محافظة اربيل و توابعها في قصبات عنكاوة و شقلاوة و ديانا وحرير، إلى جانب قرى أخرى في مناطق السليمانية و كركوك و توابعهما. و ما تزال مدينة البصرة جنوب العراق تحتضن شتاتاً من العوائل المسيحية من مختلف الطوائف والجماعات رغم الحصار المفروض عليهم والضيم الذي يرافقهم كل يوم بسبب محاربتهم لمختلف الأسباب ممّا كان وما يزال يقتضي تدخلاً من قبل الجهات الحكومية و الهيئات الدولية لمنع المدّ الغريب الجارف في هذه المنطقة العريقة التي كانت وما تزالُ تُعدّ ثغرَ العراق الباسم و وقبلته نحو الخليج.

تعايش وصراع و انتهاكات:
من الجدير ذكره، أن شعبنا الكلداني السرياني الآشوري  كان وما يزال يتقاسم الأرض و المصير في أكثرية مدن و نواحي المنطقة الشمالية مع سائر المكوّنات والأقليات التي تقطن المنطقة من العرب و الايزيديين و الأكراد والشبك  والتركمان  وأقليات أخرى. و لم يبخل هذا الشعب  بدماء أبنائه  في الدفاع عن حقوقه في الدين والأرض و المنطقة عند  تعرضها إلى ظروف عصيبة و اعتداءات كثيرة عبر التاريخ، وكان لهم فيها شهداء وأبطال...
وكما نعلم، فقد بدأ الكلدان والسريان والآشوريون في مطلع القرن الماضي بالمطالبة بحقوقهم القومية الإنسانية المشروعة في العراق، و التي كانت تتمحور بالاعتراف الدستوري بهويتهم الثقافية و الدينية ووجودهم القومي ضمن إطار الوحدة و السيادة الوطنية للوطن الواحد و احترام خصوصيتهم القومية  التي تميّزهم عن بقية القوميات الأخرى في العراق بعد أن كانوا يُعامَلون  كمواطنين من الدرجة الرابعة أو ما دونها. وقد أن الأوان كي يُنظَرَ إليهم مواطنين أصلّيين لهم ما لغيرهم من حقوق و عليهم ما على غيرهم من واجبات. إن المحاولات المتواصلة التي كانت تستهدف إنكار هويتهم القومية من قبل جميع النخب التي تعاقبت على حكم العراق، قد رافقتها في معظم الأحيان أنواع شتى من  ممارسات القمع و الاضطهاد و القتل و الذبح ضد كل توجّهاتهم المشروعة. و خير مثال على ذلك مذبحة (سمّيل) عام 1933 و التي راح ضحيتها اكثر من ثلاثة آلاف  منهم  لمجرد مطالبتهم بحقوقهم الإنسانية المشروعة في وطنهم الأم العراق و كذلك مذبحة قرية صوريا عام1969   وغيرها من الحوادث التي غُمطت واُخفيت شواهدها.
 ولكن الملاحظ، أن جميع السلطات المتعاقبة على العراق حتى يومنا هذا، لم تكلّف نفسها الاعتراف بحقوق هذا الشعب المتميّز على مدى تاريخ العراق المتأرجح بسبب حالات عدم الاستقرار التي ظلت وما تزال تلازم مسيرته الديمقراطية المتعثرة بسبب ضعف الوعي الإنساني بحقوق المواطنة الكاملة للإنسان، كل إنسان. بل و الأنكى من ذلك، أن بعض هذه السلطات واصلت ممارسة سياسات شوفينية و عنصرية ضد المسيحيين من الكلدان والسريان والآشوريين، فيما ازدادت وتائر هذه السياسات في عهد النظام الدكتاتوري البائد رغم تبجّحه بغير ذلك إعلامياً ومظهرياً. إلاّ أنه في الحقيقة كان يحاول تدمير البنية المسيحية لهذا الشعب ويتصدّى لكل محاولة تطالب بالمزيد من الحقوق المشروعة التي تدعم وجوده القومي  وترسخ  سبل بقائه عبر أنشطة قومية أو دينية أو عن طريق الكنائس التي كانت تسعى لبث الروح القومية و تنشيط الروحية الدينية لأبناء الجماعة في مختلف المناسبات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قام النظام السابق بتدمير عشرات الكنائس و الاديرة التي يعود تاريخها الى القرون الاولى للمسيحية في شمال العراق قبل و خلال و بعد عمليات الأنفال سيئة الصيت عام 1988 ، الى جانب تدمير اكثر من 200 قرية و قتل و تهجير سكانها من الكلدان والسريان والآشوريين و إسكانهم قسرياً  في مجمعات مع ما رافق ذلك من عمليات إعدام و اغتيال رجال الدين المسيحيين والمؤمنين و التدخل في شؤون الكنائس وإجبارهم على إنكار هويتهم القومية محواً لوجودهم أو في الاستحواذ على أملاكهم وأراضيهم وتوزيعها قسراً على غير ساكنيها من القادمين من غير مناطقهم في محاولة لتغيير ديموغرافية المناطق والقرى المسيحية الكلدانية والسريانية والآشورية بشتى الوسائل رغماً عنهم.  ولعلَّ آخرها ما سمعناه مؤخراً عن استيلاء النظام السابق على مساحة 50 دونماً من الأراضي الزراعية المجاورة التي يمتلكها دير مار بهنام الشهيد القريب من الموصل بموجب القرار 116  الذي أصدره ونفّذه النظام السلبق عام 2000وتم توزيعها قطعاً سكنية على أناس لا يمتون بصلة إلى هذا الدير الآثاري العريق مشوّهاً بذلك منظر هذا المعلم الحضاري الكبير..  لقد آن الأوان أن يعي الجميع ضرورة وقف شرعنة سلب الأراضي ضمن رقعة تواجد أبناء شعبنا من قبل بعض الجهات الرسمية بحجة المصلحة الوطنية العامة. كما نطالب برفع التجاوزات التي طالت قرى وأراضي في وقت سابق ولم يتم التحرك لحلّها بالرغم من المطالبات العديدة ولاسيّما في إقليم كردستان وبعض قرى سهل نينوى ووقف عمليات البناء على هذه الأراضي المستملكة ظلماً وإعادتها إلى أصحابها الشرعيين وتعويض الحاصلين عليها بأراض غيرهاٍ ضمن الرقعة الجغرافية للمستحقين حصراً وذلك حفاظاً على خصوصية المناطق المسيحية وعدم تغيير طبيعتها الديمغرافية ذات الخصوصيات العديدة.
إن صراعنا حول الأرض قد أخذ وسوف يأخذ أبعاداً مديدة وخطيرة كما يبدولنا واقع الحال، حيث المحاولات المشبوهة لفئات كردية أو عربية في المنطقة  تدّعي الوصاية على أبناء هذا الشعب. إن هذه الجهات ومع كل تقديرنا لها ولتاريخها النضالي واحترامنا لقياداتها ومحبتنا لها شعباً وأحزاباً وحكومةً، تحاول بشتى الطرق شراء ذمم بعض ضعاف النفوس من متنفذين كنسيين في المنطقة ومن حولهم نفرٌ من أتباعهم من المستفيدين الفعليين من عمليات التمويل واسعة النطاق التي طالت كنائس وأحزاباً كارتونية صغيرة يتم استخدامها ورقة حيث الحاجة تقتضيها وفقاً لحسابات آنيّة وظرفية. ولعلّ الهدف المبتغى من وراء مثل هذه التصرفات هو خلق حالة من الاختراق الداخلي في صفوف الجماعات التي ينتمي إليها هذا الشعب الذي تجمعه خصوصية دينية واحدة وهوية قومية واحدة ومصير ديني وقومي واحد لا مجال لتمزيقه واستغلاله وإضعافه إلاّ بهذه الوسائل الرخيصة التي لايمكن لأيّ كلداني أو سرياني أو آشوريّ عاقل ومثقف وواع القبول بها، لأنها تنتقص من كيانه ومن وجوده ومن مستقبله الديني والقومي على السواء. ولذلك، ينبغي على السائرين وراء هذه المزالق الخطرة أن يعوا خطورة ما هم ذاهبون إليه وسائرون فيه، ذلك لأن أية محاولة لخلق طبقات متداخلة ومتصارعة ومتنافرة داخل المجتمع المسيحي والقومي لأبنائه يعني انفراط عقدهم وبداية النهاية لخصوصيتهم الدينية والقومية وتورطهم في الانضمام والاندماج في قوميات وشعوب لا ولن يمكنها تحقيق حقوقهم و تثبيت مطالبهم وتبنّي خصوصياتهم، وواقع الحال خير شاهد على ذلك.

صراع داخلي ومواقف متأرجحة:
كلنا نعلم، أن المعادلة البشرية قد تغيرت  مع تقارب الزمن وتغييراته منذ حدثِ ما بعد الميلاد حيث دخل العالم حقبة جديدة من الاضطرابات والتقلبات لا سيّما الدينية منها والطائفية والعرقية والمذهبية حيث بدأ السيف يفعل فعلته في التخويف والتهديد والترهيب، وكان للشعب الكلداني السرياني الآشوري القسط الوفير من هذه التغييرات حيث فقد الكثير من أبناء جماعاته لهذه الأسباب مجتمعةً أو تلك منفردةٌ وما نزال نعاني من ذات الإرهاصات والمخاوف والمخاطر التي لازمتنا ولم تزل حتى الساعة.
لكن هذا الشعب لمّا تزل حقوقه مهضومة مثل سائر الأقليات الدينية والإتنية في عهد العراق الجديد الذي راودتنا أحلامٌ وردية كثيرة مع بزوغ فجره بعد الأحداث الدراماتيكة التي شهدها في  نيسان 2003. ناهيك عن حالة حزينة  ومقرفة معاً من التشتت والصراع الداخلي التي سادت البيت الكلداني السرياني الآشوري الواحد بفعل أيادٍ خفية لم ترُق لها حالة الصحوة والوحدة والغيرة والهمّة القومية التي أبدتها شرائح كبيرة من النخب المثقفة والواعية التي أقسمت على استعادة هذا الشعب المتميّز بكل المواصفات الدينية والقومية والأخلاقية واللغوية والتراثية والاجتماعية مكانته بين سائر الشعوب والمكوّنات في بلاد ما بين النهرين وسواها.
الحقيقة التاريخية التي لا شكّ فيها والتي يقرّها الجميع هي أن الشعب "الكلداني السرياني الآشوري" ينتمي إلى أمّة واحدة لأنه بالفعل والواقع شعبٌ واحد بالرغم من تعدد التسميات التي أُطلقت عليه من سريان  و كلدان  و آثوريين أو اشوريين  و كلدواشوريين و اخيرا الكلدواشوريين السريان، تلك التسمية المركبة والمربكة في آنٍ معاً و التي كان قد خرج بها المؤتمر القومي الأول في تشرين أول عام 2003 أي بعد سقوط النظام السابق بسبب غياب البُعد القومي الناضج آنذاك. ولعلّ ذلك كان أيضاً نتيجة لعدم وضوح الرؤية وغياب التوعية القومية الصحيحة والأكثر منه بسبب الافتقار إلى القيادة الحكيمة الناضجة دينياً وقومياً وطائفياً وما نزال نعاني من ذات نقاط الضعف هذه حتى يومنا هذا. ولن يكون بالإمكان حلّ هذه العقدة إلاّ بالحوار المفتوح والجادّ بين مختلف الفصائل القومية من أجل التوافق على مبدأ وحدة شعبنا والتصدّي معاً لمحاولات التدخل الجارية من عناصر خارج البيت القومي التي تضرّ بمصالح شعبنا الواحد وتقضّ بيته وتقف حجر عثرة له أمام تحقيق حقوقه القومية.
إننا إذ نعدّ كل هذه التسميات  مقبولة وصحيحة لتمثل شعبنا الواحد أياً كانت قيادتُه أو انتماؤه الطائفي، فإننا لا نبغي من وراء ذلك سوى التأكيد على عراقة هذا الشعب بتميزه من حيث عمق التاريخ النهريني وحضارته وتراثه ولغته وتقاليده وعاداته، تلك التي تشكل المقوّمات الأساسية لأيّ قوم حيّ أو شعب مستقلّ.  ولا نحسب تعدد مثل هذه التسميات الآنفة الذكر سوى إثراءٍ  لمسيرة هذا الشعب العريق وقد تولدت نتيجة ظروف و متغيرات و تفاعلات للوضع السياسي و الاجتماعي و الفلسفي  عبر مسيرة تاريخه الطويل.
 إن عظمة الشعوب لا تُقاس أو يُحكم عليها من أسمائها أوأشكالها أو ألوانها، بل بطاقاتها المبدعة وعمق نظرتها للحالة الإنسانية وإيمانها المطلق بحياة الشعوب وحريتها واحترامها لغيرها واعترافها للجميع بالحق في حباةٍ حرةٍ كريمةٍ وكذلك بمدى تفاعلها وتعايشها الإنساني مع غيرها ضمن أجواء الديمقراطية الحقيقية ووفقاً لمبادئ حقوق الإنسان العالمية والنظام الإلهي الذي يعدُّ كل إنسان حراً مادام الله خلقه على صورته ومثاله. لذلك ومن هذا المنطلق، فإنــنا نرى أن عقبة التزمّت بتسمية محددة سوف لن يحلّ المشكلة بين الجماعات الثلاث ويكفينا القول أننا جميعاً " سوراي" بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معانٍ قومية ودينية في آنٍ معاً. أليس هذا ما يجمعنا؟ فلماذا التشبث إذن بما يمكن أن يفرّقنا؟
أننا إذ نولي أهمية لوحدة شعبنا رغم ما يُحاك ضدّه من مؤامرات في السرّ والخفاء وشراء الذمم بشتى الطرق والوسائل وباستخدام الدعامة الدينية وزعاماتها في أحيان أخرى من أجل تمييع هذا الشعب وتفتيت وحدته، فإنــنا نحذّر من مغبة هذه الأفعال ونقول لفاعليها ومؤيديها ومروّجيها والمستفيدين منها أن مصير الشعب الكلداني السرياني الآشوري لن يحققه سواه ولن يرسمه سوى مثقفيه والواعين من أبنائه والحريصين الحقيقيين على وحدته وليس أولئك الانتهازيين من الأوضاع الاستثنائية الحالية التي تيسّر لهم تنفيذ مخططات ترسمها لهم جهات دخيلة على البيت السرياني المسيحي وفق أجنداتها الخاصة. إن الخطورة تكمن في أن ما يُحاك في الدهاليز المظلمة أثبتت أن الفئات التي تسعى وراء هذا السلوك  لا تريد لهذا الشعب العريق البقاء موحداً، عنيداً، قوياً, آمناً, فاعلاً، متمكناً، بل القصد منه  تفتيت قدراته وتمزيق طاقاته كي يسهل عليها اختراقه والسيطرة عليه والتمكن من تحجيمه لغاية في نفس عيسو.

حقوق دستورية كاملة:
ان شعبنا  الكلداني السرياني الآشوري يحدوه الأمل اليوم في ظل توفر اجواء الديمقراطية و حقوق الإنسان التي تنادي بها القيادات الجديدة بالتعايش بشكل طبيعي مع جميع شرائح و فئات و طوائف و قوميات الشعب العراقي بالرغم من الاختلاف الديني و القومي والعرقي، وبالتفاعل بشكل إيجابي للتأسيس لعراق ديمقراطي تعدّدي متطور و مزدهر يحكمه دستور متوازن ومتفتّح وعلماني يُحترم فيه القانون و تسوده المساواة و العدالة و تُضمن فيه حقوق جميع مكوناته دون تمييز في العرق أو الدين أو القومية أو اللغة.  ولعلّ من بين المشاكل التي تقضّ مضاجع أبناء شعبنا في ظل الظروف الأمنية المتردية تلك التي بدأت تستنفذ الكثير من العوائل بسبب نزيف الهجرة المتزايدة التي يحزّ في نفوسنا ما تعنيه هذه الهجرة من إفراغ البلد من مكوِّن مهمّ على الصعيد الديني والقومي وهو الذي يشهد له أبناء الوطن بالولاء المطلق للمشروع الوطني المتوازن وبالكفاءة والإخلاص وحسن النية وحب الوطن والناس والأرض. وإذا ما فرغت البلاد والمنطقة من هذا المكّون القومي المسيحي، فمصيرها سوف يؤول إلى البربرية وتعميق مفاهيم التخلّف فيها.
إننا اليوم نطمح بدور وطني أصيل و مصيري في بناء العراق من خلال تحقيق مطامحنا المشروعة السياسية منها والإدارية والاجتماعية والثقافية بالتعاون والاستشارة مع المكوّنات الأخرى المتعايشة و المتواجدة لاسيّما في سهل نينوى الذي يحدونا الأمل أن يشهد تحقيق نوع من الإدارة الذاتية المشروعة بالتوافق والاتفاق. إننا نعتقد أن البديل الديمقراطي الصحيح الضامن لحقوق جميع المكوّنات العراقية هو الطريق الصحيح لبناء وطن ديمقراطي حرّ وأمن ومستقر فيه يتفاعل ويتآخى الجميع ويتقاسمون مصيراً مشتركاً. وهذا لن يترسخ سوى في تصحيح المسار الديمقراطي المتعثّر نتيجة للإستقطاب الطائفي القائم والبعد المحاصصي الذي انتهجه القادة الجدد لأسباب لا تغفل على أحد وبسبب التجاذبات والتدخلات الإقليمية والدولية المحبِطة في الشأن الداخلي ممّا كان له الأثر الكبير في حصول خلل في مبدأ تكافؤ الفرص وإغفال الكفاءة و النزاهة وسبل تحقيق العدالة والمساواة للجميع بدلاًً عن أسلوب الاستعلاء والتعصب الطائفي والمذهبي الذي يشهده البلد وترسخه أحداث كل يوم.
إن المشرّع الذي سنّ دستور العراق الجديد قد أغفل الكثير من حقوق المكوّنات الصغيرة التي تجاهلتها الكتل الكبيرة المتحكمة في مصير البلاد. وهذا أسوأ ما كان متوقعاً من المتعطّشين للحكم والحالمين سرّاً بامتيازات على حساب غيرهم بغير حق لأسباب غير منطقية وحسابات غير دقيقة، لاسيّما وأن جميع أبناء الشعب العراقي بغالبية طبقاته وتشكيلاته الدينية والإتنية والقومية كانوا على خط التوازي في تلقي المظالم والتسفيه بمصالحهم والنيل من حقوقهم واضطهاد توجهاتهم على تنوعها واختلاف أهدافها.
لذا ومن منطلق الحرص الوافي على تأمين وصيانة حقوق جميع المكوّنات، كان الأجدر بمشرّع الدستور الجديد أن يصوغ مفرداته كي تتلاءم مع القوانين المدنية العالمية المعمول بها في الدول التي تأوي شعوباً وأقواماً متنوعة القوميات والأديان والمذاهب. إننا نحن المسيحيين لا يمكن أن تلتقي قوانيننا الكنسية مع ما ورد في العديد من بنود هذا الدستور الذي لا يرضى بتعارض أية قوانين مع الشريعة الاسلامية ولاسيّما ما يتعلّق منها  بقوانين  الإرث والأحوال الشخصية وما يخص المرأة بخاصة لاختلاف نظرتنا الإنسانية مع أعمال و قوانين هذه الشريعة التي تعدُّ المسيحيين رعايا وليس مواطنين أسوياء، فيما تنظر إلى كل شيء في المرأة على أنه عورة.
كما ارتكب المشرّع غلطة أخرى بإصراره على شق وحدة الصف لهذا المكوّن المتميّز عندما أورد ذكر المكوّن الآشوري والكلداني فيما أسقط ذكر السريان من حساباته بسبب غياب ممثلٍ عن الأخير في دهاليز البرلمان وأشباه المؤسسات السياسية لدى صدور الدستور مثارِ التساؤلات الكثيرة والعثرات العديدة. إننا اليوم كما بالأمس، نطالب بتعديل الفقرة التي تطرقت إلى المكوّنات ونضم صوتنا إلى المكوّنات التي تجاهلها المشرّع بإضافة مكوّن السريان إلى الكلدان والآشوريين واعتبار هذه الثلاثة شعباً واحداً لقومية واحدة تعتمد الهوية الواحدة وتمتلك ذات الخصوصية الواحدة في حقوقها المواطنية.

مطالبنا السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية:
لقد كفل الدستور الجديد من الناحية المبدئية صيانة الحقوق الأساسية لجميع مكوّنات الشعب العراقي  السياسية منها والاجتماعية والثقافية والدينية. إلاّ أنّ واقع الحال لم يرتقي بعد إلى مستوى الأداء الدستوري الذي يكفل التطبيق الديمقراطي لهذه الحقوق بسبب غياب الوعي السياسي و الاجتماعي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية عموماً. لذا طالت الكثير من هذه الإرهاصات والمعوّقات شعبنا الكلداني السرياني الآشوري ومنها استبعاد مواطنيه من تولّي المناصب السيادية والأمنية والحساسة المختلفة بسبب قصر النظرة الدينية تجاهه و بحجة تعارض ذلك مع أركان الشريعة الإسلامية التي لا تسمح بتولّي غير المسلم على المسلم، ممّا يُعدُّ تعارضاً مع مبادئ الدستور وشرعة حقوق الإنسان. كما لم تتحقق العدالة في قوانين المفوضية المستقلة "اللاّمستقلة" للإنتخابات بسبب هيمنة موظفين تابعين لكتل متنفذة فيها على منافذ ومغالق هذه القوانين وأدواتها ووسائلها.
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد جرت مطاردات لأبناء هذا المكوّن في أسلوب العيش وكسب الأرزاق معاً وذلك من خلال محاربة مواطنينا الذين ارتضوا العيش من خلال كسب أرزاقهم ممّا تجود به مزاولتهم لمهنٍ تفرضها صناعة السياحة عموماً مثل بيع المشروبات الروحية وعملية توفيرها وبيعها في الأسواق. هذا إلى جانب الضغوط التي مارستها وما تزال تمارسها بعض الجهات المتشددة والغريبة على مجتمعنا في فرض الحجاب على بناتنا ونسائنا من خلال التهديد بوسائل عدّة والحدّ من أية ظواهر إحتفالية اعتادت عليها العوائل المسيجية عموماً في مناسباتها الدينية والقومية والتي كان يشاركها فيها وجدانياً مواطنيهم من سائر القوميات والأديان دون حرج.
أما على الصعيد الثقافي، فقد شهدت السنوات الاخيرة بعد انتهاء الدكتاتورية توسعاً في سبل وفرص التعليم باللغة الأم أي السريانية ولاسيّما في سهل نينوى ودهوك وأربيل وبغداد وكركوك حيث تتواجد كبرى الجماعات من أبناء شعبنا الواحد. إننا نطمح ونسعى حثيثاً بممارسة و تفعيل حق التعليم في المدارس والمؤسسات الرسمية باللغة الأم أي السريانية لجميع أبناء شعبنا أينما تواجدوا و نأمل تواصُل  ذلك في المراحل المتقدمة أيضاً إلى جانب إنشاء المؤسسات الثقافية والأكاديمية التي تدعم هذا المسعى وفتح أقسام للغة السريانية في المعاهد والجامعات العراقية الوطنية باعتبارها ركناً أساسياً في عملية ممارسة شعبنا جانباً من حقوقه الوطنية المشروعة. ولكننا مازلنا نعاني من العديد من المفردات الثقافية التي ما تزال تحويها بطون الكتب التعليمية والمنهجية في غالبية المؤسسات الثقافية على اختلاف مستوياتها. ونظراً لمبدأ المساواة الذي أقره الدستور، يتحتّم على واضعي هذه المناهج تحاشي الدخول في تفاصيل الخلافات الدينية والمذهبية واقتصار تلك المناهج على الجانب العلمي والأكاديمي والتراثي دون الولوج في الأمور الدينية تلافياً لأية إحراجات أو مضايقات للأطراف الأخرى. ولن يتم ذلك إلاّ بانتهاج سياسة تعليمية حيادية تخلو من روح العنصرية والطائفية والمذهبية وتؤمن بتعدد الثقافات واحترام الديانات والمذاهب. وعلى صعيد آخر، ماتزال المكوّنات الصغيرة ومنها أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري، يعانون من تمييز وتحيّز في توفير الفرص المتكافئة في التقديم للدراسات العليا بسبب هيمنة الكتل السياسية الكبيرة على هذه المؤسسات وتحكّمها في إدارتها مثل هيمنتها على وزارات بأكملها واعتبارها ملكاً حصرياً بالطابو لها دون غيرها.
أما على الصعيد الديني، فقد تعرّض المسيحيون في بعض المدن والبلدات إلى مضايقات كثيرة ولاسيّما في مؤسسات الدولة عامة بسبب انتمائهم المسيحي. ناهيك عن ورود تهديدات مكتوبة وشفهية لعوائل مسيحية تنعتهم بالصليبيين وطالبة إياها بمغادرة منازلها وإلاّ أصابها ما لا تُحمَدُ عقباه. وهذا يدفعنا للمطالبة بإعادة النظر في إجراء التعديلات اللازمة على بعض بنود الدستور التي لا تشير صراحة إلى الحرية الدينية في المجتمع العراقي المتكافل والمتعايش منذ آلاف السنين. إننا نعتقد أن الظروف الجديدة وأجواء الديمقراطية التي حلم الشعب العراقي بعيشها، كانت كفيلة لإدامة تلك العلاقة المتآلفة بين مختلف الأطياف بدل إثارة النعرات الطائفية فيها وانتهاج أسوب المحاصصة البغيض الذي عزّز ورسّخ الطائفية ونقل البلاد والعباد إلى أزمنة الجهل والقرون الوسطى . إن حرية المعتقد والفكر والوجدان تُعدُّ من السمات الأساسية لأي بلد متمدّن ومتحضر وسائرٍ في ركب الدول المتقدمة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً.

وأخيراً، يبقى تحقيق المشروع الوطني هدفنا وهدف كل الوطنيين الشرفاء الذين يهمهم استقرار العراق وبقاؤه واحداً موحداً تطمئنّ فيه نفوس جميع شرائحه ليبقى جنة غنّاءَ تحوي كل الزهور والورود ممثلة لشعب فسيفسائي جميل المنظر، بعيد الأفق، زاخر الألوان، قوي الشكيمة، سعيد الحياة والأفضل شعباً حراً كريماً.
و من الله التوفيق.


عن/  الكلدان. السريان. الآشوريين

لويس إقليمس
مسؤول العلاقات الخارجية
مجلس الأقليات العراقية

108
مجلس الأقليات العراقية
المؤتمر الثاني ( 13 أيار 2006)
الحقوق الثقافية والاجتماعية للأقليات والمكوّنات القومية والدينية


المقدمة:
إن سعادة أي مجتمع متحضر ومن خلاله سعادة  أية دولة تُقاس عموماً بمدى سعادة مواطنيها دون استثناء ولا سيّما المكوّنات الصغيرة، القومية منها والدينية. وهذا دليل على خصوبة أرض الديمقراطية فيها وفق ما تضمنها المواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان.
لقد أثبتت الحقائق أن جميع المكوّنات والأطياف كانت وستبقى متشبثة  بشراكة الوطن الواحد مع الحقّ باحتفاظ كلٍّ منها بأصالتها وهويتها القومية والدينية. وكما سبق أن ذاق شعبنا بجميع تلاوينه المرَّ كذلك مِن حقِه أن ينالَ ما يستحقُه من الحلو أيضاً. فالعبرةُ تبقى بالولاءِ المطلق لهذا الوطن موحَّداً و الإخلاصِِ له ولمصلحتِه العليا دائماً وأبداً وليس لغير ذلك. ويبقى الدستور والقوانين خير  نصير لكل مظلوم شعَرَ بظلمِ الأيام و قساوتها.
لقد تواصل التركمان والأرمن والكلدو آشوريون- السريان مع إخوتهم الصابئة المندائيين والشبك والإيزييية والكورد الفيليين وسواهُم من الذين شاءت الأقدار أن تتضاءل مكوّناتُهم عددياً ليتعايشوا مع إخوتهم من العرب والأكراد على مدى القرون المنصرمة شعباً واحداً لم يعرف التمييز أو التمايز، يجمعهم في ذلك إيمانٌ وطيدٌ بوحدةِ التراب وحبِ الوطن. فهذه حضارة بابل وسومر وأكد وآشور تحكي لنا شواهدُها كيف تعايشت مع غيرها من الحضارات التي سادت المنطقة في العصور المنصرمة وما يزال أسلافها يكملون مسيرة البناء حجراً على حجر أملاً في بناء عراق مزدهر يتآزر ويتكاتف جميع أبنائه الغيارى. ولئن تظاهرتِ الأنظمةُ السابقة وتبجّحت بتوفير أجواء الحرية والديمقراطية للمكوّنات الصغيرة ضمن الشركة الواحدة للشعب الواحد، فذلك لم يكن أبداً من الحقيقة بشيء، لأنها كانت دعواتٍ زائفة هدفُها احتواءُ وتحجيمُ تلك المكوّنات وقطعُ الطريق أمام أيةِ محاولة أو دعوة للمطالبة بحقوق المواطنة الكاملة الثقافية منها  والاجتماعية والسياسية والدينية  كما تتطلبها وتشير إليها الحقوق المدنية.

أولاً: الدستور وديباجته:
من المعلوم أن الدولة هي الوطن الشامل لجميع أبنائها المقيمين في إطار أراضيها مع حق جميع المكوّنات بالاحتفاظ بهوياتها الإثنية والدينية ضمن معيار مشترك للمساواة وعدم التمييز التي تكفلها المواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
لقد كفلَ الدستور العراقي الجديد صيانةَ الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية للجميع بما في ذلك الأقليات والمكوّنات الدينية والقومية الصغيرة دون تمييز وذلك كجزء من حقوق المواطنة الكاملة لأبناء الشعب جميعاً. ولكننا نعتقد أن المشرّع العراقي الذي كان على عجالةٍ من أمره، لم يراعي بما فيه الكفاية حقوقَ هذه الأقليات من خلال تركيزه فقط على فئات معينة حاولت الاستئثار بحصة الأسد في الحصول على الامتيازات، لاعتقادِ هذه الأخيرة جزافاً بكونها الوحيدة التي طالَها الظلم والقهر والتهجير والتهديد. لذا جاءت الديباجة التي أطّرت الدستور مثلاً غير متكافئة بل غير منصفة لحضارة وثقافة وتاريخ زاخر لمكوّنات أصيلة من أبناء البلد.
إن صيانة حقوق الأقليات القومية  والدينية التي ما زال يُنظرُ إليها في بلادنا في أحيانٍ كثيرة بشيء من الاستخفاف بحقوقها وموقعها اللاّئق، يُعدّ جزءاً أساسياً في بناء مجتمع مزدهر متكافل  لا يشعر فيه أي مواطن مهما صغر حجمه أو خف وزنه أو اختلف دينُه أو عرقُه بأيةِ فوارقَ تفصلُه عمّن يدّعي ذاتَه أَََّولى من غيره  بسبب حجمه الكتلي أو وزنه السياسي.

ثانياً: معوّقات وإرهاصات
تتطلع جميع المكوّنات الصغيرة حالُها حال سائر المكوّنات إلى أخذ مكانتَها وموقعَها اللائقين في العملية السياسية كشريك سياسي أصيل يتمتع بحق المواطنة الكاملة غير المنقوصة أسوة بالجميع وليس وفق حسابات بيروقراطية تنظر إليهم مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو حتى الخامسة في أحيان كثيرة. وهذا يتطلب إزالة كل أشكال المعوّقات أمامها  ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
أ‌-   تعرّض المكوّنات الصغيرة لأشكال عدّة من الاضطهاد المدروس والمنظَّم في أحيان كثيرة عبرَ محاربةِ توجهاتِها القومية التحررية أو في الحدّ من ممارسة طقوسها الدينية والاجتماعية والتراثية الكاملة.
ب‌-    تعرّض قرى كثيرة لِطَيفٍ من المكوّنات الصغيرة في الماضي القريب عن بكرة أبيها في شمال وطننا الحبيب ومناطق أخرى ساخنة إلى عمليات تدمير لأسباب واهية، إلى جانب عشرات المعابد والكنائس والأديرة والمراكز والمساكن التي هُدّمت أو دُمّرت مع ما لحق ذلك من عمليات تهجير قسري طالت بخاصةٍ الأبرياءَ من  الشبك والكلدو آشوريين السريان والتركمان والكورد الفيليين لأسباب إثنية أو الإيزيدية  بسبب الاختلاف في الدين على مرّ العصور إلى جانب التخرّصات والمضايقات التي عانى وما يزال يعاني منها الصابئة المندائيون في مناطق تواجدهم التقليدية وغيرهم من  شرائح أخرى احتضنها العراق منذ قرون كالأرمن واليهود والجرجر والصارلية والكاكائية وسواهم.
ج- عدم إنصاف أبناء الأقليات من غبن سياسي واجتماعي لحق بهم وما زال  في أسلوب  اختيار الأشخاص لوظائف عامة ومهمّة، سيادية كانت أم خدمية، اعتماداً على الهوية  لأسباب ذاتية أو طائفية أم لما يُسمّى بالاستحقاقات الانتخابية
د- الخوف من عودة و ترسيخ سياسة الحزب القائد التي طواها العراقيون  حيث لا نعتقد أن الثقافة الجديدة التي نسعى كلنا لتحقيقها في المجتمع الجديد ستسمح ثانية بعودة أو بتطبيق مبدأ الطائفة المتسيّدة أو المذهب السائد أو الدّينُ الغالب أو القومية الأساسية
ه- تعرّض أبناء بعض الأقليات إلى انتهاكات في مناطق تواجدها أو ضمن الإطار العام للبلاد ولا سيّما ما يتعلّق منها بحرّية ممارسة العادات الاجتماعية وأسلوب العيش وفق ما تحتِّمُه عاداتها وتقاليدها من مشرب وملبس وما تتطلبه كل هذه وغيرها من مظاهر الاحتفال التي ترافقها، والتي تحكم عليها بعض الفئات أنها منافية ومتعارضة مع أركان الشريعة والتقاليد خلافاً لمبدأ حرية الفرد والمجتمع التي نعتقد أنها تشكل حجر الزاوية في بناء الفكر الديمقراطي الجديد المتفتح والمتمدّن .
و-غياب حرية الفكر والوجدان وحيادية التعليم في مؤسسات الدولة العامة وفرض تلقينات دينية ومذهبية وطائفية تهزّ مشاعر الأقليات وتتعارض مع أفكار أبنائها  وتوجّهاتهم في  المناهج العامة القائمة.  ومن هنا فإنّ غير المسلم مثلاً ليس مضطرّاً لحفظ ما يُفرض عليه في مناهج اللغة العربية من تلقين لا يمكنه تقبُّلُه كي يجتاز امتحاناً عاماً، تماماً مثلما لا يستسيغ أتباع مذهب معيّن للدينٍ الواحد عينه تلقيناً يُغايرُ مذهبه.
ز- عدم إيلاء عملية نقل التراث والعادات والتقاليد باللغة الأم من الأجداد والآباء إلى الأبناء والأحفاد أهميتها المطلوبة وهو حقٌ آخرُ لا يمكنُ تجاهلُه. وهنا لا يسعنا إلاّ أن نُذكّر وبمزيد من الإلحاح ما تعرضت وما تزال تتعرض له اللغات الأصيلة لهذه المكوّنات مثل الشبكية و السريانية سليلة الآرامية التي كانت بالأمس القريب لغة السواد الأعظم من أبناء الرافدين ومعها اللغة الأم  للصابئة المندائيين التي يتهدّدها اليوم  خطر الانقراض وقد أدخلتها اليونسكو ضمن قائمة اللغات الآيلة للانقراض فعلاً ممّا يتطلب عناية أوفر لحمايتها وإنقاذها من خطر الزوال.
ح- الخوف من التباطؤ في تطبيق مفهوم العدالة الاجتماعية في كل مفاصل الحياة على الجميع دون استثناء واقتصار الامتيازات الاقتصادية والربحية على الفئات المتمكنة سياسياً و سلطوياً وعسكرياً دون غيرها.
ط-  عدم وجود بوادر لتحقيق مبدأ حرية الفكر والمعتقد بكل تفاصيله و اقتصار ذلك على كلمات وألفاظ فضفاضة عائمة ومبهمة بالإلتفاف على أهم بند في شرعة حقوق الإنسان.
ي-   استمرار معاناة المهجَّرين قسرياً وعدم إنصافهم بعودتهم إلى مواطن سكناهم لحدّ الساعة ممَّن ينوون ذلك وعدم تعويض من يستحقون ذلك وهم كُثر.
ض-  ضعف العناية بالمهاجرين ممّن اضطروا لترك البلاد لأسباب اقتصادية أو أمنية  أو اجتماعية ممّا يستدعي اهتماماً وتدخلاً على الصعيد الدولي والإقليمي و حتى المحلّي.
ك- تعرّض أبناء بعض الأقليات ومنهم المسيحيون بخاصة إلى تهديدات وصلت حدّ القتل والمطاردة العمياء واستمرار محاربتهم لغاية الساعة بسبب ممارسة الأعمال التي اعتادوا عليها في كسب أرزاقهم  ولاسيّما مزاولي تجارة المشروبات الروحية وإدارة المواقع السياحية.

خامساً: حلول وتوصيات:
أدناه ما نراهُ يصبُّ ضمن الحلول المعقودِ عليها في تحقيق المشروع الوطني الشامل:
•   دعم المشاريع  الثقافية والإعلامية واللغوية والتراثية لأبناء الأقليات الأصيلة منها بخاصة، مادياً ومعنوياً وتسهيل وسائل الإتصال المتاحة من تبادل خبرات وزيارات داخل وخارج القطر وتسهيل إيصال صوتها عبر مختلف وسائل الإعلام.
•   مساعدة الأقليات في إنشاء مؤسساتهم التعليمية بكافة مراحلها وفق ضوابط وطنية عامة من أجل تطوير تاريخها وفلسفتها وثقافتها وفنونها وأنماط عيشها، وتشجيعها على تنفيذ مشاريعها الإنمائية الخاصة بها تلبية لاحتياحاتها الحقيقية المشروعة.
•   العمل الجاد على انتهاج سياسة تعليمية حيادية تخلو من روح العنصرية والطائفية والمذهبية وتؤمن بتعدد الثقافات قوامُها احترام التعدّد الثقافي والإثني والديني لكل مكوّن.
•   معالجة البرامج التربوية في جميع مؤسسات الدولة وإعادة كتابتها وفق منظور وطني شامل بعيد عن التمحور الطائفي والمذهبي والإثني والديني.
•   دعم مشروع إنشاء المدارس الخاصة وتجهيزها بما يكفل ويساعد على ممارسة رسالتها التربوية والثقافية والاجتماعية والعلمية في المجتمع وإعادة المدارس الخاصة التي قامت الأنظمة السابقة بتأميمها والاستيلاء عليها ظلماً وقسراً لأسباب شوفينية ودينية.
•   حق الأقليات في إنشاء مراكز ومؤسسات إدارة ذاتية لامركزية تتيح لهم ممارسة طقوسهم وعاداتهم وتراثهم وثقافاتهم  بكل حرية بعيداً عن كل أشكال التهديد والمراقبة .
•   سنّ قانون يمنع استخدام الدين أو رموزه في الترغيب أو التهديد أو التحريض أو الدعوة إلى الكراهية العنصرية أو الدينية وكل ما من شأنه خلق الفتنة بين أبناء الشعب الواحد.
•   العمل المتواصل على برنامج ثابت للتوعية الوطنية بمخاطر الشدّ الديني والإتني ممّا يتطلب دعماً متواصلاً من المجتمع الدولي لدعم منظمات المجتمع المدني التس لتحمّل مسؤولياتها في  أوساط المجتمع كافة.
•   إشراك الأقليات في جميع الفعاليات واللقاءات المجلية والإقليمية والدولية التي تتطرق إلى حوار الثقافات والأديان كجزءٍ من حقها في الأصالة والتاريخ والحضارة بدلاً من تغييب دورها وتهميشها.
•   ألتأكيد على حضور القيم المشتركة والمتبادلة بين مختلف المكوّنات من أجل خلق مجتمع متكافئ يؤمن بمستقبل السلام من خلال الحوار والتفاهم وليس من خلال إكراه نوعٍ معيّن من الثقافات تُفرضُ قسراً.
•   ضرورة التوعية باحترام الخصوصية الثقافية للجميع دون تمييز والعمل المخلص باتجاه زرع الروابط الاجتماعية والثقافية الصحيحة بين سائر الأطياف وتعزيز روح الصداقة لمنع تصدّع أواصر المجتمع.
•   ألتأكيد على الحريات الدينية وتطبيق هذا المبدأ دستورياً وفي القوانين التي يسنّها نوا ب الشعب من خلال اعتماد قيم العقلانية والنضوج الفكري والاجتماعي والحضاري التي تتبناها الأسرة الدولية بموجب شرعة حقوق الإنسان.
•   إنصاف المرأة ومساواتها بالرجل في كل مرافق الحياة وفي التشريعات والقوانين التي تخص حياتها الاجتماعية والثقافية والمدنية بما في ذلك حقها في حرية التنقل والسفر دون قيد أوشرط أو وصيّ وكذلك حقُّها في تولّي المناصب المؤهلة لها دون تمييز أو انتقاص أو استخفاف بقدراتها.
•   العمل على عودة الحياة الطبيعية إلى القرى والقصبات التي تعرّض فيها المواطنون إلى عمليات تهجير قسري وتعويضهم عن الممتلكات التي فقدوها وإعادة إعمار مناطقهم  وتهيئة كافة مستلزمات الحياة الإنسانية والاجتماعية فيها.
•   تقديم الحماية الضرورية لأبناء الأقليات أينما تواجدوا من خلال قانون يُشرَّعُ لهذا الغرض باعتبارهم دائماً الحلقة الأضعف في المعادلة الوطنية ولاسيّما من يختلفون في الدين الرسمي للدولة من الذين لا يملكون ميليشيات لحمايتهم من أشكال التهديد التي يتعرضون لها ممّا يُعدُّ انتهاكاً للحقوق الأساسية.
•   بث روح التسامح والمحبة والاحترام بين المواطنين والابتعاد عن كل ما يثير النعرات الطائفية والفئوية ومحاسبة المقصّرين وعدم التسامح مع مثيري الفتن مهما كانت مراكزهم أو انتماءاتهم أو ولاءاتهم.
•   التواصل مع أبناء الأقليات المنتشرين في المهاجر ضمن مشروع وطني شامل يتولى مساعدة كل من اضطرّتهُ الظروف القاسية مغادرة البلاد لأي سبب كان و تقديم كل أشكال العون والمساعدة لعودتهم متى تهيّأت الظروف الملائمة لذلك.


رابعاًً: الخلاصة -  آمال على الطريق الصحيح
 إنّ ما تحقق على الصعيد الوطني  لم يرقَ بعد إلى مستوى الطموح مع إبداء التقدير العالي للجهود التي تُبذل من قبل الهيئات الدولية المتعددة ومنظمات المجتمع المدني وبعض الدول التي تدعم المشروع الوطني الذي يشترك فيه مجلسنا مع غيره من المكوّنات والكتل السياسية والشخصيات الليبرالية والعلمانية والتكنوقراط . لكننا، وبالرغم من قتامة الوضع الحالي، نعتقد أن الآمال معقودة على جميع ذوي الإرادة الصالحة لإخراج البلاد من النفق المظلم الذي حصرهُ فيه مَن لا يريد له الخلاص والسلام والاستقرار. وبذلك ستظل حديقة العراق غنّاءَ بأورادٍ جميلة وأزهارٍ متعددة الألوان والأشكال يزهو بها شعب العراق موحَداً واحداً  بنسيج فسيفسائي غير قابل الانفصال والتمزّق، تجمعه روح المواطنة والولاء المطلق للوطن ولأهله.
إننا في مجلس الأقليات العراقية الفتيّ، إذ لا نحسب أنفسنا الممثلين الوحيدين لسائر أبناء الأقليات العراقية القومية منها والدينية، إلاّ أننا قد أجمعنا على سَبــر طريق الحوار والتفاهم والتنسيق مع باقي مكوّنات الشعب والكتل والمنظمات وصولاً  نحو تحقيق أهدافنا الوطنية بالمشاركة في خلق مجتمع ديمقراطي متعدّد موحَّد من خلال محافظة كل مكوّن على هويته القومية و الدينية الخاصة بهِِ. إنّنا نتطلع إلى تغيير حقيقي في العقليات السائدة في مجتمعنا تواصلاً مع المستجدات و بضرورة أن تؤمن جميع القوى وتسلّم بواقع التعدّد الثقافي والاجتماعي الذي يُعدُّ عاملَ تقدّم للفرد والمجتمع.
ويبقى مشروعُنا الوطني قائماً في السعي من أجل خلق الوعي الوطني الحرّ من أجل بناء عراق ديمقراطي فيدرالي متعدّد مزدهر يرفل أبناؤه جميعاً بالعزّ والفخر للانتماء إلى بلد الحضارات والرسالات والأنبياء والأئمة الصالحين بعيداً عن فتنة المحاصصة والتمحور الطائفي.  هذه دعوة لاستبدال كل هذه المعوّقات التي تقف حجر عثرة أمام التقدّم الصادق لبلادنا بحضارة المحبة و بثقافة السلام وروح الشفافية و احترام الآخر و نبذ أسلوب التهميش والإقصاء والكراهية التي لا خيرَ من ورائها. وليبق هدفنا: العراق أولاً والولاء المطلق له أولاً ورفاهية شعبه أولاً وآخراً. فالعراق لا يمكنُ أن يكونَ لغيرِ أهلِه من العراقيين أبداً.





لويس إقليمس
مسؤول العلاقات الخارجية
مجلس الأقليات العراقية
13 أيار 2006

109
الإخوة الأعزاء ممثلي مجلس الأقليات المحترمين
 
عقد مجلس الأقليات العراقية مؤتمره الثاني صباح السبت الموافق 27 أيار 2006 على إحدى قاعات فندق الرشيد في المنطقة الخضراء. 
عُقد المؤتمر برعاية ودعم الأمم المتحدة وممثليتها  في العراق UNAMI.
رعى المؤتمر السيد أشرف قاضي ممثل الأمين العام للأمم المتحدة الذي ألقى كلمة الأمين العام الأمم المتحدة مؤكداً دعمه الثابت والمتواصل لمجلسنا وقد ورد ذلك في فقرات عديدة من كلمته  ممّا كان له الوقع الكبير في نفوس جميع الأقليات والمكوّنات القليلة العدد الممثلة فيه من التركمان والشبك والكلدو آشوريين السريان (الكلدان. السريان. الآشوريون) والأرمن والصابئة المندائيين والكورد الفيليين والإيزيدية.
كما حضر امؤتمر الدكتور محمود المشهداني رئيس مجلس النواب العراقي الجديد الذي كان لكلمته الأثر الكبير في نفوس المشاركين ممثلي الأقليات والحضور على السواء حيث أشار إلى أنه ما يزال يرى نفسه ضمن خانة الأقليات. وأضاف أن ما تحمله هذه المكوّنات القليلة العدد من كفاءة وحب للوطن ومشاركة فاعلة في العملية السياسية يُعدُّ فخراً للبلد. ووعد بدعم المجلس وممثليه في كل مفاصل مؤسسات الدولة،، في مجلس النواب والحكومة العراقية ورئاسة الجمهورية.
كما حضر المؤتمر أيضاً السفير الاسترلي و ممثلون عن سغارات كل من فنلندة وأميركا وبريطانيا والدانمارك وإيران ووزراء سابقون وأعضاء مجلس النواب الحالي والسابقون منهم بختيار محمد أمين وزير حقوق الإنسان الأسبق والسيدة صفية السهيل عضو مجلس النواب والسيدة باسكال وردة وزيرة الهجرة والمهجرين السابقة والسيدة سهيلة عبد جعفر وزير المرأة سابقاً ومستشار رئيس الجمهورية للإيزيدية السابق والحالي و غيرهم كثيرون من منظمات إنسانية ومجتمع مدني مثل NDI.
كما قدم عدد من الزملاء 4 أوراق عمل افتتحها الدكتور حنين القدو رئيس المجلس بورقته المعنونة : حقوق الأقليات ثم أعقبه السيد نزار الحيدر نائب رئيس المجلس بورقة عمل عن الحقوق السايبة لللأقليات. تلاه السيد لويس إقليمس بورق عمل عن الحقوق الثقافية والاجتماعية والتعليمية للأقليات وأنهتها الآنسة المحامية بيداء سالم النجار بورقتها عن الحقوق الدستورية.
جرت مناقشات عامة لأوراق العمل مع الحضور.
تُليت برقيات تأييد وتشجيع من قبل منظمات وهيئات وأشخاص وممثلي المجلس غيابياً ومنهم فروعنا المقترحة في فرنسا وألمانيا وكندا وسهل نينوى بالنيابة عنكم.
أختتم المؤتمر بقراءة توصيات سبق الاتفاق عليها و قد قرأها على الحضور السيد يونادم كنـــــا مستشار المجلس ورئيس الحركة الديمقراطية الآشورية وأشاد الجميع بمطالبها العقلانية.
 
هذا وسنوافيكم لاحقاً بتفاصيل أكثر عبر ابريد الالكتروني
 
مع تقديري وسلامي للجميع
ملاحظة: يمكنكم البدء بتشكيل الفروع في البلدان التي تتواجدون فيها بحيث يتكون الفرع من ممثلي الأقليات المذكورة في أعلاه ضماناً لمشاركة أوسع.
 
لويس إقليمس
مسؤول العر\لاقات الخارجية
مجلس الأقليات العراقية
بغداد في 28 أيار 2006

110
سيادة المطران مار باسيليوس جرجس يستقبل وفد من زوعا و المجلس الكلدوآشوري السرياني


التقى سيادة المطران مار باسيليوس جرجس القس موسى رئيس أساقفة الموصل وتوابعها للسريان الكاثوليك بصحبة
الأب الفاضل  لويس قصاب رئيس كهمة قرةقوش / بخديدا وبحضور عبدالله النوفلي رئيس ديوان الوقف المسيحي، بنخبة من مثقفي شعبنا ضمّت شخصيات قومية من المجلس الكلدو آشوري السرياني القومي والحركة الديمقراطية الآشورية في دار مطرانية السريان الكاثوليك في بغداد مساء الجمعة الموافق  9 / 12/2005.
ودار اللقاء الذي ساده جو مفعم بالود والتفاهم والحوار البناء و الصريح والمفتوح على مدى ساعتين متواصلتين حول شؤون وهموم البيت الكلداني السرياني الآشوري بتلاوينه الثلاثة.
واستمع ممثلو شعبنا الكلداني السرياني الآشوري الواحد بحرص واهتمام إلى تحليل دقيق لواقع البيت المسيحي في العراق عامة وسهل نبنوى بصورة خاصة والذي تناوله سيادة المطران جرجس بشئ من التفصيل الصادق بحنكته المعهودة وخبرته الطويلة وإيمانه المطلق بكوننا شعباً واحداً لا يمكن تجزئته مع احتفاظ كل مكوّن بخصوصيته. كما كانت لتوجيهاته السديدة والقيّمة أثرها الواضح على مسامع الحاضرين جميعاً لدقتها وصدق تحليلها وتعليلها إلى جانب الملاحظات التي أبداها القس لويس قصاب والتي عبر فيها عن أمله هو الآخر بضرورة  تسوية بعض الأمور والثغرات الطارئة التي حصلت نتيجةً لبعض الاختراقات التي طالت سهل نينوى بالذات.
هذا وقد ضمّ وفد الحركة الديمقراطية الآشورية كلاً من شمائيل ننــــو عضو قيادة الحركة ووليـــم وردا المسؤول الإعلامي فيها ، فيما ضمّ وفد المجلس الكلدو  آشوري السرياني القومي كلاً من لويــــس إقليـــمس وجورج زوما وفلاح زرا ومي يونان ونائل الريس.
هذا وقد رتب لهذا اللقاء الحواري المهم المفتوح والصريح جداً لويـــس إقليمــس  عضو سكرتارية المجلس الكلدو آشوري السرياني القومي حرصاً منه على ضرورة قيام تفاعل أوسع في مجال العمل القومي الكلداني السرياني الآشوري المشترك وإيماناً بالمجلس الذي ينتمي إليه بضرورة تواصل مثل هذه اللقاءات الصريحة والبناءة و التي من شأنها خلق جانب من الثقة المتبادلة بين جميع الأطراف وحل ما يطرأ من إشكالات في ساحة العمل القومي المشترك خدمة لعموم أبناء شعبنا الواحد.
 
لويس إقليــــس[/b]

111
رفقاً بالأبرياء يا أصحاب السعادة!



لويس فرنسيس إقليمس*
نعيش اليوم عصر الحريات والديمقراطية رغم عدم معرفتنا الحقيقية لأهميتها وطريقة تفاعلنا مع مضامينها والإستفادة من مفاعيلها في مجمل حياتنا اليومية الصاخبة، وهذا أمر مشروع ومفرغ منه كما أعتقد ويؤيدني الكثير فيما ذهبتُ اليه.
كل إنسان من حقه ان يدلو بدلوه ويغرف ما يشاء من معلومات ومنافع ويتفاعل مع ما يجري حواليه بطريقته التي يراها صالحة وفاعلة في نقل ما يريد وفهم ما يشاء. وكل ذلك ينبغي ان يتم ضمن أصول اللعبة التي لا يحق فيها للاعب ان يتخطى حدود المسموح به قانونا وأدبا وأخلاقا. ذلك لأن أخلاقيات أية لعبة تفرض فروضا عامة للآداب في حدود التفاهم المشترك وضمن مبادئ احترام الغير وقبول الآخر مهما اختلف معه. أليست هذه أصول الديمقراطية التي نصبو اليها ونتمنى تحقيقها في مجتمعنا الجديد؟.
الكلمة الشريفة تبقى والرأي المعقول يثبت حتى النهاية وما هو مائل الى الزوال بالتالي لن يكون سوى نصيب تلك الوسائل غير المقبولة من كذب وطعن وتشهير وتعطيل للقدرات والإمكانيات والكفاءات. هذا ما عرفته البشرية طوال مسيرتها عبر التاريخ. ومن يطلق الكلام جزافا دون تمحيص ووعي وعمق تفكير وتحليل لما بعد التعليق هو الخاسر في النهاية وذلك لقصر نظرته وبطء فهمه لأرض الواقع وعدم تمعنه في استيعاب إفرازات هذا الواقع والمستجدات وما حواليها من بشر وأفكار وآراء ومبادئ ومشاريع وتوقعات و..و.. و.. الى غير ذلك من وقائع الحياة.هؤلاء الذين يحشرون أنفسهم في مثل هذه الخانة الضيقة يحكمون على أنفسهم بل قد حكموا منذ الساعة على أنفسهم بالإفلاس. ويا أسفنا جميعا على أمثال هؤلاء الأعزاء، لأنهم كانوا أجدر بالتفاعل المفيد مع غيرهم بل بالأحرى مع إخوانهم وبني قومهم وأصدقائهم المحبين من أجل مصلحة شعبهم الذي يتباكون عليه وعلى مصالحه عبثا كتباكي التماسيح بدموع خائبة.
أني أعتقد أن من يسمح لنفسه بان ينتقص خبثا أو غيرة أو حسدا من زميل أو صديق أو حزب منافس أو تجمع "مناوئ" حسب تفسيره القاصر، فهذا دليل قاطع على فقدانه الثقة بالنفس. ذلك لأنه يرى فيما يرى ان من يتصوره منافسا له لا بد من محاربته بشتى الوسائل ومن ثم مسحه من الخارطة كي لا يتفوق عليه ويسبقه فيما هم ماضون اليه معا، وتلك هي أدنى درجات الخيبة والإحباط التي تنخر بنية الإنسانية بسبب إرتباط هذا الصنف من البشر الضعيف بجهات لا يحلو لها تفوق غيرها عليها في المساحة التي يعملون فيها جميعا. الكل يصرّح بأنه يعمل من أجل الشعب ومصالح الشعب وبناء البلد وتطوير تلك القصبة أو تلك البلدة وتحقيق الأحلام، ولكن التطبيق يبقى غائبا لتعثر مثل هذه المشاريع بعراقيل تفرضها موالاة مشبوهة وارتباطات مثلومة لمثل هؤلاء وغيرها من التوجهات التي تكتنفها شوائب المصالح الفئوية الضيقة التي لا تتعدى عتبات المقرات والمراكز والمقاهي. هذا ما نسميه بالتصيد في الماء العكر، أليست هذه واحدة من مجمل تلك الآفات البشرية التي تخرق مجتمعاتنا التي لا بد من إصلاحها وتوعيتها بالحقيقة المغلفة لأمثال هؤلاء الصيادين غير الحكماء؟.
أن إغتيال الحقيقة من خلف الكواليس وبين أروقة مظلمة ظلما وبهتانا نعدّه خطيئة كبرى لا تُغتفر. فعندما يسعى البعض للتشكيك بمبادئ المجلس الكلدوآشوري السرياني القومي وهو الذي تأسس أصلا من رحم مختلف كنائس العراق بادئ إنطلاقته في أيار 2003، وبأهدافه الوطنية والقومية الصريحة كما أعلنها نظامه الداخلي، فهذا مثار العجب والعتب والإستغراب في آن معا. لم يكن المجلس غريما لأحد ولا منافسا لغيره ولا كائدا المكايد كما فعل ويفعل البعض ممن طرح ويطرح نفسه وحزبه وتجمعه بديلا لغيره ولا سائد على الساحة إلا لفئته. كنا وما زلنا نقول ونؤكد قولا وفعلا أن المجلس سيبقى منبرا حياديا مفتوحا وأمينا للجميع ومع الجميع ومن أجل الجميع. ولئن حاول العديدون تغييب المجلس وطمس أنشطته والتشويش عليه فهؤلاء هم الخاسرون لأنهم لم يتمكنوا فعلا من رفع الغشاوة كاملا عن عيونهم المغمضة بفعل فاعل. لم يزغ المجلس- رغم المشاكل المادية التي واجهته- عن أداء رسالته القومية والوطنية الشريفة. فقد كان دوما داعيا مجهولا وفاعلا حثيثا من أجل الوحدة والكلمة الواحدة والخطاب الموحد في جميع المناسبات حتى في تلك التي لم يُدع اليها عمدا سعيا وراء تجاهله وتغييبه قسرا وهو السبّاق في العديد من المبادرات الوحدوية المشهودة على الساحة القومية الكلدوآشورية السريانية والتي حاولت بعض الجهات سحب البساط من تحته في مبادرات عديدة، وقبلنا بذلك حبا ورفقا بلمّ الكلمة. ولسنا هنا بصدد نبش مثل تلك التصرفات لأن مثل هذه الممارسات غير المقبولة رياضيا لا تجمع بقدر ما تفرّق ولا توحد بقدر ما تدمر ولا تسعى الى خدمة شعبنا بقدر ما تزرع فيه بذور الحقد والتفرقة والكراهية، وهي فعال لا نرضى بها جميعا.
أننا نعلن للجميع ان إئتلافنا مع الحركة الديمقراطية الآشورية في الإنتخابات التشريعية القادمة قد جاء بمبادرات فردية في بادئ الأمر من خلال إتصال الحركة بعدد من أعضاء المجلس على انفراد بعد استغرابها تغيبه عن المشاركة في هذه التظاهرة المهمة وتلمّس قيادتها أهمية تواجد المجلس على الساحة القومية واستشعارها بخسارة غيابه في مثل هذا المنبر الحساس "لأسباب فنية" كما يبدو والله أعلم. لقد تم تغييب المجلس الكلدوآشوري السرياني القومي- "في محاولة مقصودة أو غير مقصودة"- في المشاركة في الإجتماعات التي سبقت عملية الإعداد للترشيحات من قبل بعض الأحزاب لغرض إعداد قائمة موحدة لمرشحي ممثلي شعبنا في المجلس النيابي القادم. وكنا من ناحيتنا قد تركنا مسألة المشاركة جانبا تجنبا لأية إنفعالات أو ردود أفعال أو تجاذبات هامشية حتى تمت الموافقة على مثل هذه المشاركة هاتفيا بين عدد من أعضاء المجلس وليس جميعهم بسبب قصر الوقت ومساحة المناورة والتفاوض. نعم، أقولها بصريح العبارة، كان المجلس وبجميع أعضاء السكرتارية العامة يتمنى توظيف مشاركته في الإجتماعات التي عقدتها الأحزاب الكلدوآشورية السريانية بمبادرة من مجلس مطارنة نينوى الداعي الى توحيد الصفوف في قائمة واحدة في رص الصفوف كعادته والخروج باتفاق توفيقي يخدم مطالب شعبنا ويعزز من حقوقه الدستورية في مراجعة البنود التي كان تحفظ عليها والتي لم تصب في مصلحته.
وإزاء هذه التحديات وغيرها، فأن المجلس الكلدوآشوري السرياني القومي يحتفظ رغم كل شيء بعلاقات طيبة مع العديد من الأحزاب والتجمعات والجمعيات في الداخل والخارج مبديا الإستعداد الكامل للتعاون في كل ما يصب في مصلحة شعبنا الذي من أجله نتحدى الصعاب ومشاكل الكلام وتفاهات الترهات التي تقال عنه هنا وهناك لتثبيط عزيمته. ولكنه باقٍ يشمخ ويتفاعل مع الجميع ومن أجل الجميع. وما افتتاحه لفرع له في مدينة بخديدا- قره قوش يوم 4 تشرين الثاني 2005 أي قبل أيام قلائل فقط، سوى دليل على مثابرته وعزمه على تحقيق أمنيته ليظلّ خيمة للجميع كما طرحنا ذلك من قبل وهو الهدف ذاته من تأسيسه على يد النخبة الفاعلة من علمانيي مختلف الكنائس وبمباركة كريمة من عدد لا بأس به من رؤساء الطوائف والكنائس في بغداد كما أسلفنا. كما نعلن للجميع أن فروعنا التي تعمل حاليا في المهاجر تساهم هي الاخرى في تقوية أواصر العلاقة القومية الطيبة بين مختلف مكونات شعبنا وبإمكان الجميع الإطلاع على أنشطتهم الجديرة بالإهتمام في هذا المجال عبر وسائل الإتصال المتاحة.
أننا لم ولن نكون تابعا لأحد كما لن نرضى أحدا وصيا علينا، فبرنامجنا واضح ومعقول وأهدافنا منطقية وواقعية قد جرى ترويضها لتلبي طموحات شعبنا في مختلف مساحاته المناطقية. ولئن كنا نتفق مع الحركة الديمقراطية الآشورية أو غيرها في بعض من برامجنا وأهدافنا وحتى في مبادئنا، فهذا أمر طبيعي لأننا أبناء شعب واحد بكافة مسمياته التي تعني لنا صحتها جميعها ونقرّها كلها لأنها لسان حال شعبنا فعلا وتطبيقا. ولئن كان للبعض شيء من الحساب أو العتاب مع الحركة الديمقراطية الآشورية، فهذا شأنهم وليس المجلس وصيا على الحركة كما لا تحمل هي الاخرى أية وصاية علينا. نحن أيضا نختلف مع بعض توجهات الحركة كما نختلف في اخرى مع غيرها من التنظيمات الوطنية أو القومية أو الدينية المتواجدة على الساحة العراقية المفتوحة حاليا للجميع دون تمييز أو إمتياز لأحد دون غيره، وهذا أمر طبيعي لا غرابة فيه، ولكني أعتقد ان ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرّقنا ويعرقل مسيرتنا ويزعزع ايماننا. المطلوب قبل إرسال الكلام والعتاب والإنتقاد على عواهنه ان يُصار الى تحكيم الضمير وتيسير المنطق وتفعيل الحرص على المصلحة العامة وايثارها على الخاصة منها. أن الأجواء الديمقراطية التي نعيشها اليوم لا تقبل بالتشهير الباطل ولا بالكذب الساخر ولا بالنفاق الساذج. هذه كلها ستنقلب يوما على أصحابها لتعلمهم درسا جميلا في الديمقراطية ومحبة الآخر التي أوصى بها الرب للجميع ومن أجل الجميع. نحن في زمن يطالب الجميع كي يبحث فيه الإنسان عن أقرب الوسائل وأسهل البدائل وأفصح الطرق نحو محبة الغير واحترام الرأي والرأي الآخر والتعايش معا بأسلوب حضاري متمدن مع احتفاظ كل مكوّن لخصوصياته القومية والمذهبية والدينية. "أحببْ لغيرك ما تحب لنفسك"، لعلها من أجمل المقولات التي تؤكد وصية المحبة المسيحية التي أتى بها الرب يسوع. ولتكن الكفاءة وصدق العزم والحرص الصحيح على مصالح الأمة والشعب نصب عيني الجميع وبها وفيها ومن خلالها سنحقق جميعا أهدافنا من دون تكذيب أو تجريح أو نفاق أو تشهير وما الى ذلك من صفات غير حميدة يلجأ اليها البعض في أيامنا هذه للإنتقاص والنيل من أخوة لهم في المسيح والقومية والتاريخ والحضارة. فالصدق والايثار والمحبة تلكم هي صفات المتبارين الأصلاء الذين يفرحون لنجاح منافسهم ويشدون من أزره ويحمّلونه مسؤولية أكبر في تحقيق ما لم يتمكنوا هم من تحقيقه. وهنا لا يمكننا نسيان حضارات الشعوب وتاريخها ونضالها. هي ذات الحالة تتجدد وتتصور وتعود ولكن من خلال وجوه مختلفة وطاقات متعددة وأشكال متباينة كلها تصب في خانة المصلحة العليا للشعب والأمة.
أن مساحة العمل واسعة وتحتضن الجميع ولا وصاية فيها من أحد على غيره. وبالمناسبة، كنا نحن في المجلس الكلدوآشوري السرياني القومي قد طلبنا فيما مضى خلال زياراتنا لعدد من الأحزاب القومية "الكلدانية السريانية الآشورية" ان تشاركنا بمن ترتأيه من أعضائنا في تشكيلة فروع المجلس وبالذات في فرع بخديدا- قره قوش، ولكننا لم نتلقَ الرد رغم معاودتنا الطلب قبل تشكيله بأيام. لقد كان دافعنا من خلال هذه الدعوة تقريب وجهات النظر والتأكيد على أن سياسة المجلس ورؤيته للأحداث مستقلة لا تخضع لوصاية أحد كما اعتاد البعض ان ينشروا هذه الفرية غير اللطيفة والكذبة غير الجميلة التي لا تليق بهؤلاء الأصدقاء والزملاء والتلاميذ الذين أكنّ لهم شخصيا كل احترام ومحبة وتقدير. أرجو ان يعيد هؤلاء النظر في تصرفاتهم غير المقبولة هذه وتصريحاتهم غير المنصفة وحكمهم المسبق غير المدروس خدمة للصالح العام وايمانا بمبدأ احترام الرأي والرأي الآخر. ولا أريد ان يُقال ان انطبق عليهم مثل المسيح الذي وصفهم بـ "علماء الشريعة الذين يغلقون أبواب الملكوت في وجوه الناس.. فلا هم يدخلونها ولا يتركون الداخلين يدخلون".
* عضو سكرتارية المجلس الكلدوآشوري السرياني القومي.[/b]

112
السيد جلال الطالباني رئيس الجمهورية المحترم
دولة الرئيس الدكتور إبراهيم الجعفري رئيس الوزراء المحترم
الدكتور حاجم الحسني رئيس الجمعية الوطنية المحترم
الدكتور همام حمودي رئيس اللجنة الدستورية المحترم
السيد ممثل الأمين العام للأمم المتحدة المحترم
السادة أعضاء لجنة كتابة الدستور المحترمون



بيان من المجلس الكلدو آشوري السرياني القومي


         يهديكم  المجلس الكلدو آشوري السرياني القومي تحياته ويرجو الخير والرفاه والسلام والأمن لجميع العراقيين تحت خيمة عراق موحد واحد ديمقراطي تعددي فدرالي يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات كل ضمن قوميته أو دينه أو طائفته أو مذهبه في ضوء تحقيق العدالة والمساواة للجميع.
إن مجلسنا الذي تشكل بمباركة جماعية  من رؤساء كنائس العراق في بغداد  في 13 أيار 2003 أي بعد أيام من  التغييرات السياسية الجوهرية التي شهدتها البلاد، هو هيئة شعبية حيادية تُعنى بشؤون المسيحيين من الكلدان والسريان والآشوريين. وهو إذ يؤمن إيماناً مطلقاً بوحدة شعبنا بتسمياته المتعددة ( الكلداني السرياني الآشوري ) كان يتمنى أن تتوحد هذه التسمية. ولكن إصرار بعض الأطراف التي تشكل الأغلبية (الكلدان) مصرّون على الاستقلال بما يسمونها بالقومية الكلدانية التي جاءت بسبب ضغوط من أطراف تعيش خارج الأسوار لها تأثيرها المادي بالدرجة الأولى على أطراف مستفيدة داخل الوطن. وبهذا فهي تسعى كما يبدو إلى اقتطاع  ما يمكن من كعكة العراق حالها حال ما يجري على الساحة السياسية العراقية ككل. وهذا في نظرنا داء يُراد به تمزيق وحدة هذا الشعب الرافض لمثل هذه التوجهات إذ إنه  يصب في مصلحة فئات معدودة مستفيدة من هذا الوضع  وأخرى متعاونة مع هذا التوجه  ومن يقف وراءها بدعم مادي مكشوف.
لقد خلت مسودة الدستور من ذكر مكوّن ( الســــــــريــــــان ) وهذا أمر مخالف للمساواة بين الجماعات المسيحية التي يتشكل منها شعبنا الواحد ( الكلدان. السريان. الآشوريون). إن سجلات الإحصاءات التقريبية  المقربة من كنائسنا المتعددة تشير إلى أن تعداد هذه المكوّنات المتواجدة داخل القطر فقط ما عدا الجاليات العديدة في المهاجر هي كالتالي:
ألكلدان : بين 450 ألف  – 500  ألف نسمة
ألسريان: في حدود 200 ألف نسمة ( الكاثوليك والأرثوذكس معاً)
الآثوريون ( النساطرة): في حدود 50 ألف نسمة
إن مجلسنا يؤكد العمق التاريخي لهذه المكونات من أبناء شعبنا الواحد سليل الحضارات الأكدية والسومرية والبابلية والآشورية التي سادت المنطقة وماتزال آثارها باقية إلى يومنا هذا. لقد تطورت تلك الحضارات وعُرفت في أزمان لاحقة بالأقوام الآرامية التي كانت تتحدث اللغة الآرامية التي سادت المنطقة كلها وبضمنها بلاد فارس التي اتخذتها لغة رسمية في فترات طويلة من تاريخها. ومع بزوغ فجر المسيحية تنصّـــــــر قسم كبير من تلك الشعوب الآرامية وأصبحوا يُعرفون بالســـــريان (نسبة  إلى سوريا المتأتية هي الآخرى من كلمة Assyria)
أساساً وذلك تمييزاً لهؤلاء عن الآراميين الذين ظلوا على ديانتهم الوثنية. وهكذا تواصلت تسمية المسيحيين في المنطقة باسم السريان على مرّ السنين التالية من مختلف عهود الخلافات الإسلامية المتلاحقة حيث حفظت لنا بطون الكتب أخبارهم من أطباء ومترجمين ونقلة من اليونانية إلى السريانية و العربية وبالعكس ولم يكن العالم يسمع في حينها إلاّ تسمية السريان والتاريخ يشهد لذلك.
إن إصرار الطائفة الكلدانية بمرجعيتها الدينية المحترمة على الاستقلال بما تسميه بالقومية الكلدانية (المستحدثة أساساً على خلفية تعود للقرن الثامن عشر لتمييزهم عن النساطرة بعد اتباعهم المذهب الكاثوليكي)  ليس مقبولاً من جميع أبناء شعبنا الواحد الذي ينشد الوحدة على شتى الأصعدة وهم بذلك يريدون فرض مبدأ الأغلبية للاستحواذ على منافع بحجة الاستحقاقات الأغلبية قاصدين بذلك صهر أخوانهم من السريان والآشوريين وإذابتهم في طائفتهم لكونهم الأغلبية كما يجري تماماً لدى جهات وكتل سياسية تحاول وتسعى لتغييب وتهميش غيرها من المكوّنات التي تُعدّ أقليات.
إن مجلسنا يناشدكم أن يُراعي الدستور هذه المقترحات من أجل رفع الغبن عن السريان ويرى أنه في حالة إقرار الكلدانية والآشورية قومية فهو يطالب الجمعية الموقرة أن تشير إلى السريان كقومية مكمّلة لهما لأنــــــنا شعب واحد ولا يمكن الفصل بيننا جميعا. ولعل السبب في استحواذ هذه الفكرة هو بسبب عدم وجود ممثل للسريان في الجمعية الوطنية وفي لجنة كتابة الدستور بسبب حرمان المنطقة التي يتواجد فيها السريان من المشاركة في الانتخابات في سهل نينوى وأنتم تعلمون الظروف.
وهكذا نقترح أن تصادقوا على أن تكون تسميتنا إحدى هذه التسميات أدناه و كما يلي:
1-   الكلدان. السريان. الآشوريون
2-   الكلدو آشوريون السريان
3-   الكلدان والسريان والآشوريون

شاكرين لطفكم وحسن إصغائكم في تصحيح ما ورد في مسوّدة الدستور حول تغييب السريان من الخارطة القومية والسياسية.




المجلس الكلدو آشوري السرياني القومي
بغداد في 24 أب 2005

113
مجلس الأقليات العراقية
المؤتمر الوطني الأول للأقليات العراقية
( 2 تموز 2005)



                   تحت شعار ( ضمان حقوق الأقليات في الدستور ركن أساسي لبناء عراق ديمقراطي موحد ) انعقد المؤتمر الوطني الأول للأقليات العراقية يوم السبت الموافق 2 تموز 2005 على قاعة كلكامش في فندق بابل بحضور عدد من السادة أعضاء الجمعية الوطنية العراقية ونخبة من التكنوقراط وممثلين عن المنظمات وعدد من الأحزاب التي وجهت لها دعوات مسبقة إلى جانب المدعوّين ممثلي الأقليات من سائر المناطق والمدن العراقية ممثلين عن الأقليات التالية:
-   الكورد الفيليون
-   الكلدو آشوريون السريان
-   الصابئة المندائيون
-   الشبك
-   الأيزيديون
-   الأرمن
-   التركمان ( شخصيات تركمانية)
كما حضر المؤتمر ممثلون عن العراقيين من أصل فارسي.

تألفت لجنة رئاسة المؤتمر من السادة:
1-   الدكتور حنين القدّو ( رئيس المؤتمر / رئيس مجلس الأقليات العراقية)
2-   نزار ياسر الحيدر ( نائب رئيس مجلس الأقليات العراقية)
3-   المحامية بيداء سالم النجار ( نائب ثان لرئيس مجلس الأقليات العراقية)
4-   بشار حربي السبتي (الناطق الرسمي لمجلس الأقليات العراقية)
5-   لويس إقليمس – مقرر المؤتمر / عضو مجلس الأقليات العراقية)
6-   عبدالرزاق حسين محمد (عضو مجلس الأقليات العراقية)

حضر المؤتمر السادة أعضاء الجمعية الوطنية المحترمون:
1-   حسن عذاب / عضو اللجنة الدستورية ممثلاً عن د. همام حمودي (رئيس اللجنة الدستورية)
2-   نوري بطرس عطّو / عضو اللجنة الدستورية
3-   عادل ناصر / عضو اللجنة الدستورية
4-   جاكلين زومايا / عضو لجنة حقوق الانسان
كما حضر المؤتمر الشيخ فصّال الكعود ( محافظ الأنبار).

تضمن المؤتمر الفقرات التالية:
1-   الوقوف لحظات صمت إجلالا لشهداء العراق الخالدين.

2-   كلمة الافتتاح ألقاها السيد بشار حربي السبتي ( الناطق الرسمي للمجلس) والتي تطرق  فيها إلى ضرورة انعقاد هذا المؤتمر في هذا الظرف الحساس من تاريخ عراقنا المعاصر وفي ضوء عملية سياسية ودستورية تحث الخطى باتجاه مشاركة جميع ألوان الطيف السياسي العراقي فيها بما يعزّز وحدة البلاد ويضمن قاعدة من الوفاق الوطني تكون أساساً راسخاً وصلباً للوحدة الوطنية المتمثلة في هذا التجمع الخيّر من ممثلي القوميات الصغيرة قومياً ودينياً. وأشار المتحدث إلى أن العراقيين جميعاً عاشوا في خالة من السلم الأهلي والوئام الاجتماعي والإخاء الوطني من أجل صنع تاريخ العراق متمتعين بخيراته حيث شكلنا جميعاً اللحمة وسداها في جسده. وأكد أن العراق كان ومازال أرض السلام لأنه أرض الإيمان والعطاء مشيراً إلى أننا جزء من مثلث عراقي أركانه اللــــــــه والوطــــــن والشعب ودمنا المبرور هو  جزء من دم العراقيين الطهور حيث تآخى عبر التاريخ الجامع والمسجد مع الكنيسة والمعبد والمندى. وفي إشارة إلى العملية الدستورية الجارية حالياً، قال إن الدستور الدائم القادم هو عهد جديدي وعقد مديد بين مكونات شعبنا بما يعزّز سياستنا ويُبرز حقوقنا ويشيع فينا العدالة والمساواة في دولة القانون مشيراً إلى غياب حقوقنا وتهميشنا وعدم الاشارة إلينا منذ عشرات السنين حيث لم نحظى بحقوقنا السياسية والدينية بروح العدل والمساواة مع الآخرين مع أن جذورنا تضرب في عمق التاريخ.  وفي الختام أكد المتحدث أننا لا نجتمع هنا كأقليات فقط بل لأن هويتنا الدينية والقومية هي جزء من انتمائنا للعراق... فالوحدة شعارنا والعدالة أملنا والديمقراطية مستقبلنا والدستور الدائم ضمانتنا والعراق خيمتنا والله ربنــــــا جميعاً.
3-   كلمة الشيخ  فصّال الكعود ( محافظ الأنبار)  الذي تكرم بوضع كافة مقدّرات عموم محافظة الأنبار تحت خدمة العراقيين مشدّدا على أن المشاركين في المؤتمر ليسوا أقليات  بل أكثريات في عيون الشعب العراقي. وطالب السيد المحافظ بكتابة دستور متوازن مشيراً إلى الظروف التي منعت شرائح واسعة من الشعب العراقي بعدم المشاركة في العملية الانتخابية ولا سيما في المنطقة الغربية ونينوى. و,طالب الكعود الدولة العراقية بأن تعطي الشعب العراقي الحب والقوت معاً. وفي الختام طالب الجهات المعنية في الدولة والجمعية الوطنية ولجنة كتابة الدستور  بتلبية مطالبات المؤتمرين.


4-   محاضرة مقتضبة عن دور الأقليات العراقية بعنوان (الأقليات تاريخ وهوية) للدكتور حنين القدّو، رئيس المؤتمر وعضو الجمعية الوطنية،  تطرق فيها إلى معاناة كافة الأقليات القومية والدينية  في  العهود الماضية  مشيراً إلى أملها جميعاً في  مطالبتها بتحقيق كافة حقوقها على قدم المساواة مع كافة أيناء الشعب العراقي دون تمييز أو هيمنة فئة على أخرى. كما جرى التركيز على ضرورة كتابة دستور دائم يضمن حقوق الجميع ولا ينتقص من دور الأقليات التي تشكل جزءاً أساسياً قائماً من النسيج العراقي لكونهم شعب أصيل. وتطرق السيد المحاضر إلى خصوصيات كل مكوّن من الأقليات المؤتلفة في مجلس الأقليات العراقية الذي  تأسس مؤخراً بمبادرة من المفوضية العراقية لمؤسسات المجتمع المدني من أجل ضمان مشاركة أوسع للأقليات العراقية في بناء العراق الجديد والسعي للحصول على الحقوق الدستورية الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية للأقليات في العراق دون تمييز.


5-   قراءة بيان رؤساء الطوائف المسيحية في العراق ( سيادة المطران شليمون وردوني / النائب البطريركي للكلدان) تطرق فيها إلى روح التآخي والتواصل التي عاشها العراقيون مع بعضهم مؤمنين بدورهم الوطني في بلد متعدد الأعراق والأديان ومشدداً على الالتزام بمبدأ المواطنة في الدستور الجديد الذي يكفل توطيد أسس الحرية الدينية والثقافية وفي كل مناحي الحياة. وأشار البيان إلى أن مطالب الوطن الواحد والمواطن الواحد في بناء دولة الدستور الديمقراطي النيابي بخصوصية عراقية تشرك الجميع في ممارسة السلطة السياسية دون تمييز هي المعوَّل عليها في العهد الجديد... ثم علّق المطران وردوني مشيراً إلى أنه ليس هناك أقلية في العراق. كلنا عراقيون قبل كل شئ. أنا قبل أن أكون مسيحياً أنا عراقي، وقبل أن أكون مسلماً أنا عراقي....ألأقليات يجب أن تتبدّل إلى قوميات متساوية بكبرها وصغرها. فبل ألفي سنة وقبل 1400 سنة لم تكن هناك مثل هذه الموازنات. لذا أساس العمل هو المحبة ضمن العراق والعراقيين. الدستور يأتي من الله...


6-   كلمة السيد عادل ناصر، عضو لجنة كتابة الدستور التي تطرق فيها إلى ضرورة مشاركة  واسعة لعموم الشعب في بناء العراق الجديد وفي كتابة الدستور.


7-   كلمة السيد نوري بطرس عطّو، عضو لجنة كتابة الدستور الذي تطرق إلى أهمية مشاركة  كافة مكوّنات الشعب الراقي في كتابة الدستور معلّقاً على تسمية الأقليات التي تحفّظَ عليها باعتبارها تقلّل من شأن هذه الشرائح الأصيلة في نسيج الشعب العراقي. كما دعا أبناء الشعب من ( الكلدان والسريان والآشوريين)  لتوحيد خطابهم السياسي وتسميتهم ليتسنى تضمينها موحّدة في الدستور الجديد.


8-   قراءة  لائحة حقوق الأقليات ( تلاها مقرّر المؤتمر: لويس إقليمس / عضو مجلس الأقليات العراقية/ عضو هيئة سكرتارية المجلس الكلدو آشوري السرياني القومي)، ومن أهم بنودها:
أ‌-    إزالة كلمة (وأخرى) أينما وردت في الدستور وتسمية جميع القوميات والأديان بأسمائها
ب‌-   تثبيت حق الكوتة في الجمعية الوطنية وتعديل قانون الجمعية بما يضمن الحصول عليها.
ت‌-   مطالبة الدستور بصراحة وبوضوح  على منع إصدار أي قانون يتعارض مع قاعدة المساواة التامة بين المواطنين أو يتعارض مع شرعة حقوق الإنسان.
ث‌-   تثبيت حق الكوتة لممثلي الأقليات في مجالس المحافظات التي تقطنها الأقليات.
ج‌-   إقرار تثبيت مراقب دستوري للأقليات مرتبط بالجمعية الوطنية يُسمى من فبل الأقليات.
ح‌-   إشراك عناصر التكنوقراط من هذه الأقليات في جميع وظائف الدولة بضمنها المتقدمة.
خ‌-   توكيل رئيس المؤتمر للمطالبة بالحصول على الاستحقاقات الدستورية لهذه الأقليات والمطالبة بإشراك خبراء استشاريين من كافة الأقليات في اللجان الساندة للجنة كتابة الدستور.
د‌-   النظر بمنظار وطني واسع وعراقي صميمي لكي يخرج الدستور عادلاً ومتوازناً وشاملاً يضمن حقوق الجميع ويكون إطاراً لتحقيق الوحدة الوطنية.

9-   مداخلات للسادة الحضور ومنهم:
-   محمد حسن بك ( الشبك )
-   د. عبد الأخوّة التميمي ( المستشار الاقتصادي لنائب رئيس الوزراء السابق) الذي أكد على نقاط ثلاث: أن مكونات الشعب العراقي أصول لشعب متساوي الحقوق والواجبات، ضرورة  تثبيت الأسماء الكاملة للمسميات الدينية والقومية للجميع وتركيزه على المواطنة الحقيقية للعراقيين التي ابتدأت منذ أكثر من 6000 سنة عبر التاريخ داعياً المؤتمرين إلى تحمّل المسؤولية في هذا الظرف الحساس.
-   حيدر سعيد (  استشاري   ) الذي ركز على دور المواطنة ليكون شعاراً لكل التيارات لكونها دعوة نخبوية. وانتقد  تسمية الأقلية التي نعتها بعدم الحكمة في تبنيها لأن العراق دولة العراقيين جميعاً وليس دولة المسلمين والعرب فقط. نحن نريد دولة حديثة تتحقق فيها حقوق الجميع بالتساوي. لماذا الإصرار على عبارة أن العراق جزء من الأمة العربية دائماً؟ ماذا عن الأجنبي الذي لو أراد أن يكون عراقياً؟ أين حقوق غير المتديّنين إذا فُرض الدين الإسلامي ديناً رسمياً للدولة واعتُبر مصدراً أساسياً للتشريع . ألدستور الجديد يجب ألاّ ينتقص من حقوق الأقليات. ألمشكلة لن تكون في الدستور فقط بل ما بعد الدستور. هل سيُسمح لأبناء الأقليات بالوصول إلى المناصب الرئاسية العليا؟ ألمطلوب الآن هو تشكيل كتلة مدنية يشترك فيها الجميع للمطالبة بدولة مدنية علمانية.
-   يشوع مجيد هداية (حركة تجمّع السريان المستقل): المطالبة بضمان حقوق العراقيين الذي  يبدأ بمشاركة الجميع في كتابة الدستور وبضمنهم السريان. كما تطرق أيضاً إلى مشكلة حرمان سهل نينوى في الانتخابات السابقة وعدم تكرار ذلك مستقبلاً.



يتبع في الاسفل

صفحات: [1]