عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - Thair Al Bayati

صفحات: [1]
1
 أستاذة الرياضيات الدكتورة سعدية مراد مكي في ذمة الخلود

 الدكتور ثائر البياتي
3-29-2014

   بمزيد ٍ من الأسف الشديد  والحزن العميق، تلقينا خبر رحيل أستاذة الرياضيات الدكتورة سعدية مراد مكي بتاريخ 24 أذار 2014. وبرحيلها يكون العراق والمجتمع العلمي العالمي قد خسرا عـَلـَما ً مـِن ْ أعلامـِها ونجما ً ساطعا ً من نـُجومـِها، تألق َ  في سماء ِ  المعرفة ِ العلمية ِ لسنين طويلة،  واضبت ْ خلالها الفقيدة  نشاطها العلمي طيلة حياتها  دون كلل ٍ أو ملل ٍ لحين مرضها ووفاتها .

   برسالةِ رثاء ٍ مؤثرةٍ، وكلماتٍ صادقةٍ معبرة عن عمق الأسى،  أبلغنا بها أستاذنا الكريم الدكتور ريمون شكوري بنبأ رحيل أستاذتنا الدكتورة سعدية .  حال قرأتي هذا النبأ، حزنت ُ كثيرا ً لفقد هذه ِ العالمة والإنسانة الجليلة، ليس لمصاب أهلها ومحبيها فقط، بل لمصاب بلدنا العراق. عندئذ ٍ أتصلت بالدكتور ريمون للأستزادة  بمعلومات أخرى عن الراحلة، فبحسرات ٍ شديدة ٍ وألم ٍ عميق ٍ، كنت ُ أحسُها عـِبرَ الهاتف ْ،  ذكر َ ليّ  انه عـَرفها  منذ عام 1963، عند رجوعها الى العراق، بعد ان أكملت دراستها للماجستير والدكتوراه في أميركا، وعـَمـَلت ْ لفترة معينة  كباحثةٍ  علميةٍ لدى شركةِ بوينك الأمريكية للطائرات، لما لتخصصها من علاقة مباشرة ووثيقة ببحوث الشركة المذكورة. تزوجت من الراحل الدكتور   مظفر علي غالب، ولديها من الأولاد، أربعة، وهم، الدكتور علي والدكتورة  ميي، والدكتورة مـَها  والدكتورة لـُمى، والجميع يقيمون في الولايات المتحدة الأمريكية حاليا ً.

      عَـرفت ُ الراحلة، لأول مرة في عام 1973 كأستاذة في موضوع المعادلات التفاضلية في قسم الرياضيات، كلية العلوم – جامعة بغداد. تـَمـَيزتْ الفقيدة  بمقدرتها العالية في مجال تخصصها، وحسن تعاملها مع طلابها، فأحبها الجميع،  وتعلق َ بشخصها طلاب الدراسات العليا في مرحلتي الماجستير والدكتوراه ، فـَكـثـر َ عددهم ، ناهيك عن آلاف الطلبة الذين تتلمذوا على يديها، حاصلين على درجة البكلوريوس على مرور عقود عديدة من الزمن.

    كان آخر لقائي بالراحلة في عام 2008  في مدينة ساند ياغو – كاليفورنيا، حين قـَدِمتْ برفقة ابنتيها  لـُمى  ومـَها، بهدف ِ مشاركتها في مؤتمر ِ الجمعية الأمريكية للرياضيات الذي عقد في عام  2008  في المدينة،  إذ انها ساهمت في المؤتمر بأحد بحوثها القيمة، وقد رافقناها   الى قاعة المؤتمر وأستمعنا لبحثها  بحضور عدد  من الباحثين في الرياضيات من مختلف الجنسيات، بينهم الدكتور ريمون . وبعد الإنتهاء من المؤتمر، وما تبقى من الوقت، رافقنا العائلة لزيارة بعض معالم المدينة، ولبوا دعوات حضور لمأدبة غذاء أقيمت ْ على شرفهم، واحدة،  أقامها الدكتور ريمون وعقيلته أستاذتنا، نورية أنطوان، والأخرى أقامتها السيدة محاسن مراد، أحدى الطالبات القديمات للدكتورة سعدية . وقد دارت ْ أحاديثَ  شتى مع أستاذتنا  لحين وداعها.

   ومن الكلمات المؤثرة التي ذكرها ليّ الدكتور ريمون بحق ِ العراق لفقدان علمائه وباحثيه، روى ليّ قصة أحد أساتذة الكيمياء من زملائه في كلية العلوم- جامعة بغداد، وهو الدكتور سلمان رشيد، الذي يعاني من مرض ٍ شديد ٍ  والأوجاع تعتصره،  نقل ليّ ، قوله:  “ لا أخشى الموت، أشعر ان العراق يفقد أعز أبنائه”.  فرغم ان المرض َ يصارع  هذا الإنسان الوفي، الا أنه لا يهاب الموت، ولا يبالي بألم مرضه،  فأوجاع العراق غـَدتْ أشد مـِن ْ أوجاعه، وجراح العراق أصبحت ْ أعمق من جراحه.  ما أنبلَ وأسمى  هذا  الإنسان الذي فقده العراق؟  كلماته الصادقة تـُبـكينا جميعا ً. فها هو بلدنا تهاجمه الذئابُ المفترسة من كل صوب ٍ، تفتكُ به وتمزقُ خيرة أبنائه  من أولي العقول، فيفرون هربا ًعن وطنهم، يرحلون َ الى عالم ِ الغربة ِ، كما رحلت ْ العالمة سعدية.

فنامي أيتها العالمة ُ الجليلة ُ
نامي بعيدا ً عن أنياب ِ الذئاب ِ
نامي بعيدا ً، هذا ما أراده أعداء العراقِ
فلا يسعنا الا وان نتقدم نحن طلبتها القدماء العراقيين بخالص العزاء  لأهل الفقيدة ومحبيها ولوطننا الجريح الصبر والسلوان.
 ثائر البياتي

2
إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة
المحامي زكرأيرم أنطوان
                                                       
أسترعي أنتباه القاريء الكريم الى ان هذا المقال نشر سابقا ً في بعض مواقع الأنترنيت واليوم أعيد نشره مع بعض التنقيحات.
 لغرض فهم العلاقة الجدلية القائمة بين المثقف والسلطة لابد من الأستعانة بمعاجم اللغة العربية المختلفة ومنها كتاب لسان العرب لتعريف وتوصيف كلمة الثقافة توصيفا مانعا ً جامعا ً، لقد  أشتقت  هذه  المفرد ة  للفعل الثلاثي ثــّقف ويثقف ُ فوجد المعنيون  ان الرماح الصقيلة الصنع كان يطلق عليها بالرماح  الردينية منسوبة الى أمرأة  عربية كانت تجيد تثقيف وصقل هذه الرماح لتصبح هذه الكلمة تكريسا ً لكل شيئ يسعى لأصلاح كل أعوجاج في الحياة  جراء تعميم كلمة الثقافة بين الناس . لقد وردت عبارة الرماح الردينية في عديد من القصائد الشهيرة ومنها قصيدة الشاعر مالك بن الريب ، يقول  فيها:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلـة              بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا
فليت الغضا لم يقطع الركب عرضـــــــــــــــه              وليت الغضـــــــــــــــــــا ماشى الركاب لياليــــــا
تذكرت من يبكي علي َّ  فلم أجــــــــــــــــــــــد              سوى السيف والرمح الرديني باكيــــــــــــــــــــــا

أما تثقيف الشيء يعني تقويم المعوج منه، وسرى هذا التعبير على أصلاح وتثقيف وتعديل  ما يطرح من لدن أولي العقول  من آراء وأفكار  بعد ان كان مقتصرا ً على تثقيف الرماح.
أما كلمة السلطة، تعني القهر والغلبة، فالرجل السليط والفصيح اللسان يحاول بمختلف السبل كسب المثقفين  الى جانبه لدعم سلطته وفرض جبروته، الا ان الأشكالية تبقى قائمة  بين الجانبين، خاصة عندما تتجاوز السلطات السياسية حدوها  مخالفة أهداف المثقفين الساعين لخدمة الحقيقة وخير الأنسانية.
    إن مفهوم السلطة التقليدية قديم كقدم المجتمعات البشرية،  وأول من بحث فيه بشكل متطور هم فلاسفة اليونان وعلى  رأسهم أرسطو، أحد تلاميذ أفلاطون، تناول موضوع الدولة المدنية وشرعية سلطتها بشكل مفصل،  وبعد عصر النهضة الأوربية، أصبحت السلطة  تعني على انها الرقابة على سلوك الآخرين لتحقيق أهداف جماعية إستنادا على إتفاق وتفاهم تلك الجماعة التي تعطي الشرعية للسلطة، ولكن عندما تتحول السلطة لخدمة مصالح خاصة، فأنها تفقد شرعيتها المستمدة من  المجتمع، حيث يمتد مفهوم السلطة الى سلطة الدين والتقاليد الإجتماعية وهنا الطغمة الكبرى حيث تستمد الشرعية  من التزامات الناس بتعاليم الدين والعرف الإجتماعي وتكون أحكام هذه السلطة أكثر قسوة من احكام مؤسسة الدولة، لذلك تبقى إشكالية المثقف مع سلطة الدين والمجتمع أكثر تعقيدا ً واشد تداخلا.
من المفيد متابعة الرحلة التطورية لمؤسسة السلطة  والثقافة لتبيان العلاقة الحميمة القائمة ما بينهما وما  تتخذه  من أشكال ومظاهر مختلفة عبر الملابسات التاريخية والأجتماعية، وعلينا ان نتوقف مليا ً عند تحديد مفهومي الثقافة والسلطة، بتحديد طبيعة كل منهما بصورة موضوعية . هناك من يـُعـّرف  المثقف بأنه الحاصل على الشهادة العليا الجامعية وهناك من يـُعـّرفه بأنه المتخصص قي شؤون الثقافة والذي يتعامل مع الأفكار المجردة التي تضع إعتباراتها فوق مختلف الإعتبارات الإجتماعية اليومية، أو انه المفكر المرتبط بقضايا عامة أكبر من حدود تخصصه ، أو هو صاحب الرؤية النقدية للمجتمع، وهو العـَالـِم ُ القلقُ، أو هو المبدع في مجا ل الآداب والفنون والعلوم، أو هو المتعلم  ذو الطموح أو هو واحد من صفوة ٍ أو نخبة ٍ ذات فعالية نشيطة على المستوى الإجتماعي الى غير ذلك من تعريفات.
وقد يكون أبسط تعريف للمثقف هو  ذلك الذي يميز بين العمل الذهني والعمل اليدوي وبالحقيقة من الصعب التمييز بصورة مطلقة بين هذين العملين فكل عمل يدوي مهما كانت بساطته  يسبقه ويرافقه  بالضرورة  قدر من الجهد  الذهني.
مما لا شك فيه ان مفهوم المثقف يتسع ليشمل المفكرين والكتاب والفنانين ورجال الدين والأطباء ورجال القانون والمهندسين والأعلاميين ويتسع ليشمل العمال والفلاحين وسواهم وبهذا المعنى ينقسم المثقفون الى مثقف عام ومثقف متخصص، وبهذه المعاني يشكل المثقفون طبقة إجتماعية محددة، تنتسب الى مختلف الطبقات الإجتماعية ، الإرستقراطية ، البرجوازية، الطبقى الوسطى والطبقة العاملة.
ان المثقفين ليسوا فئة متجانسة بثقافاتها ولا فوق الطبقات، إنما يختلفون بتنوع إنتسابهم كشرائح وفئات إجتماعية الى هذه الطبقة أو تلك بطبيعة موقعها وموقفها من نظام الإنتاج السائد.
ان الإنتاج والإبداع الفكري والعلمي والتقني والمنجزات العلمية عامة تتضمن بالضرورات إمكانات تغييرات بل إضافات الى قوى الإنتاج الإجتماعي والبشري بشكل عام. ولكن يبقى السؤال من يسيطر على هذه المنجزات المعرفية ولمصلحة من توجه وتوظف؟ وما أكثر ما تستخدم لتحقيق هيمنة سياسية ضيقة ولأغراض إقتصادية  وعسكرية وإعلامية تسود أصقاع العالم هذه الأيام.
لقد أدركت غالبية الدول ومنذ مراحل تأسيسها الأولى ، أنه لا سلطة سياسية لها، ولا مشروعية ولا أخلاقية ولا إخضاع لمنظمات المجتمع المدني  ولا تكريس لسيطرتها وأمتلاك وسائل الإنتاج بغير إمتلاكها السلطة الثقافية، أي المعرفة – الأيدولوجيا، ولهذا تسعى دائما الى دعم إنشاء المعابد والمساجد ومنظمات أخرى لتجنيد رواد ٍ لها،  لتكريس سلطتها والهيمنة على جميع تجليات المعرفة. ولكن مهما جهدت السلطة من فرض سلطانها، تبقى الإشكالية قائمة بينها وبين المثقف ولنا امثلة كثيرة بذلك .
فمثلا ً، سقراط الفيلسوف اليوناني، أول من أرسى أسس الحوار الفلسفي والمنطقي قبل أكثر من ألفي عام، برع في مجالات مختلفة، لعل أهمها في علم الأخلاق والمنطق، غير ان السلطات الحكومية أدانته بالهرطقة، بسبب تعالميه، التي أعتبرت مخربة لتفكير الشباب، وَحـُكـِم َ عليه بالأعدام عن طريق تناول شراب السم، ولكن بقت أفكار سقراط ومدرسته الفلسفية منارا للباحثين ونبراسا ً للفلاسفة الى يومنا هذا. وفي أسبانيا ، في نهاية الحضارة العربية الإسلامية، بأمر من السلطة المستبدة ومساندة أئمة الدين، تم حرق كتب الفيلسوف أبن رشد وفرضت عليه الإقامة الجبرية في قرية نائية، بسبب خوف السلطة من نشر وعي الناس وتمردهم نتيجة الفكر التنويري الذي جاء به أبن رشد. وفي القرن السادس عشر، أدانت  الكنيسة العالم الجليل غاليلو بفرض الإقامة الجبرية عليه وعدم البوح بأفكاره لقوله بكروية الأرض ودورانها حول نفسها، ما كان  يتعارض حينذاك مع معتقدات الكنيسة والسلطة المتنفذة.
ان العلماء والباحثين كشرائح ثقافية مهمة في المجتمع يهدفون في بحوثهم وتجاربهم الى خدمة الإنسانية وتقدمها وليس الى سحقها وتدميرها  كما تـُوَجه نتائج بحوثهم أحيانا كثيرة من قبل السلطات السياسية. فالعالم السويدي الفريد نوبل أخترع الديناميت في عام 1867م لغرض إستخدامه في حفر المناجم وشق القنوات في سبيل تخفيف عبء العمل عن كاهل العاملين،  غير ان نوبل شهد في آخر أيامه إستخدام الديناميت في أعمال الحرب، فحزن حزنا شديدا ً لما شاهده من خراب ودمار بسبب إختراعه، فأوصى بوضع كل ثروته في عهدة بنك سويدي، تعطى أرباحه سنويا لمبدعين في مجالات علمية مختلفة لخدمة البشرية والعاملين لأغراض السلام الإنساني، فكانت مؤسسة جائزة نوبل  المعروفة.
 ويقترن أسم العالم نوبل بأسم العالم الفذ ألبرت آنشتين الذي حاز على جائزة نويل في عام 1921م لأنجازاته الضخمة في مجال علوم الفيزياء، خاصة النظرية النسبية وإكتشافه مبدأ الأنفجارات المتسلسلة في إنتاج طاقة هائلة.  تألم آنشتين هو الآخر كثيرا ً في عشية تفجير القنبلة الذرية، على مدينتي هيروشيما ونغازاكي في اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945م، لـِما تركه الإنفجار من دمار ونخريب هائل ، كتب آنشتين: كان يجب حرق أصابعي قبل أن أكتب تلك الرسالة الى الرئيس الأمريكي، روزفلت ، حيث بينت فيها إمكانية تحويل عنصر اليورانيوم الى مصدر هائل للطاقة، ووضحت له ان الألمان في طريقهم لإنتاج القنبلة الذرية. مما حدى بالرئيس الأمريكي الى تأسيس لجنة خاصة لصنع القنبلة الذرية وَرصـَدَ المبالغ اللازمة لأنجاح المشروع، فـَسـَبق َ الألمان في صنعها واستخدامها لحسم الحرب.
الفيلسوف والرياضياتي المنطقي البريطاني  برتراند رسل، من أكثر المؤثرين في الفكر البشري في القرن العشرين، ومن الداعين للسلام العالمي، له قصص معروفة ضد سلطات حكومية مختلفة، دخل السجن مرتين، في المرة الأولى عارض مشاركة بلده، بريطانيا، في الحرب العالمية الأولى، واعلن العصيان الجماعي ضدها،  فسجنته بريطانها لمدة ستة أشهر للحد من نشاطاته في قيادة المظاهرات وكتابة النشرات المحرضة للسلام.  وفي المرة الثانية، حين كان أستاذا للفلسفة والمنطق في الجامعات الأمريكية، سجن وله من العمر تسعون عاما ً، بسبب موقفه المعارض لأشتراك أميركا في حرب فيتنام ودعوته للسلام. كما وان المحاكم الأمريكية أدانته بتهمة أنه يـُفـسِد عقول الشباب بترويجه للأفكار الداعية للحرية ومعارضة الدين، ومنع على أثر ذلك من تدريس الفلسفة والمنطق في الجامعات الأمريكية.   
ان الإشكالية بين المثقف والسلطة تتحدد في كون المثقفين يدركون أنهم جزء ٌ من السلطة فيساهمون بإنتاجهم  في دعمها ويصبحون موضع إستغلال وإستبداد من قبلها ، ما يؤدي الى ان العديد منهم يعانون من التناقض بين أهدافهم الإنسانية من جهة، و خدمة مآرب السلطة من جهة أخرى، ورغم ان مختلف السلطات تسعى لتطوير المعارف لدعم مشروعاتها، غير أنها تسعى الى أهدار جوانب أخرى وتحاول تحويل المثقفين الى موظفين مكتبيـين بيروقراطيـين.
ولنا مثال آخر، الفيلسوف والأديب الفرنسي  جان بول سارتر، كان غزير الإنتاج الأدبي والفلسفي، أرتبط أسمه بالفلسفة الوجودية، يشدد على ان الحرية جوهر الإنسان. هو الآخر له  مواقف معارضة لسلطات حكومية مختلفة على رأسها سلطة بلده، الحكومة الفرنسية، إذ إنه شارك شخصيا في المظاهرات التي إجتاحت فرنسا عام 1968 م تطالب بحقوق الطبقة العاملة وإسقاط ما يسميها  الدولة البوليسية التي كان يترأسها الجنرال شارل ديكول.  كان يشدد في إطروحاته على دور المثقف الملتزم في المجتمع ويرى ضرورة تطبيق أفكاره على ارض الواقع وليس التقوقع في نطاق الطرح الفكري والنظري فقط.  ساند حركة التحرر الجزائرية في حركتها ضد الحكومة الفرنسية المحتلة، وعارض حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد الشعب الفيتنامي، كما وانه خلق ضجة عالمية عام 1968 م برفضه إستلام جائزة نوبل في الأدب، معتبرا تلك الجائزة سياسية، تجعل  من المفكر مؤسسة، تقيد حريته، غير إنه يريد ان يبقى مستقلا عن تأثيرات أي سلطة سياسية. اذا كان المثقف يعاني من أزمات وأختناقات في المجتمعات الديمقراطية المتقدمة كبريطانيا وفرنسا وأميركا، فكيف ستكون حاله في المجتمعات المتخلفة ومنها مجتمعاتنا العربية؟
   ان المثقف في المجتمعات العربية الإسلامية بحاجة الى ثقافة جادة والثقافة الجادة لا حياة  ولا تطوير لها بغير سياسة جادة لحل إشكالية العلاقة بين المثقف  والسلطة. فالمثقف العربي يقاسي الأمرين، فهو من جهة  تحت خيمة الدولة المتسلطة،  ومن جهة أخرى  تحت قيود سلطة الدين وقهر المجتمع، فالإشكالية والأزمة بين الطرفين تبقيان حادتين ولا يجد المثقف سبيلا ً للخلاص من الموت والملاحقة الا الهروب خارج هذه الأوطان،  ما يزيد من تخلف وتقهقر هذه المجتمعات وتراجعها الى الوراء. وتبقى الدولة صديقة مع المثقف طالما لا تتعارض نتاجاته مع أهدافها وطموحاتها، وما ان يحصل التعارض تستخدم السلطة أذرعها الطويلة وانيابها الشرسة للنيل من المثقف. وما يحصل هذه الأيام من أزمات واختناقات في المجتمعات العربية بعد الربيع العربي المزعوم الا صورا ً ناطقة لأشكالية المثقف القائمة بين سلطة الدولة وفروض المجتمع والدين.

3
حاضر العرب بين البداوة والدين
ثائر البياتي
الولايات المتحدة الأمريكية
كاليفورنيا
January - 2014

المقدمة
   لم يكن أرتباط العرب بالبداوة والدين الإسلامي صدفة عبثية، فالدين الإسلامي ولد من رحم البداوة العربية، وللبداوة تأثير بارز في مختلف نواحي حياة العرب قبل وبعد الإسلام، وغريبٌ أن يرى البعض ان الدين الإسلامي جاء لأصلاح الحياة البدوية وتقويمها، لأن تأثيرالبداوة كان عميقاً واصيلاً في سلوك العربي، ولهذا فكثير من تعاليم الدين سعت سعياً حثيثاً لصيانة وترسيخ قيم البداوة والقبلية التي رَوَضت تعاليم الدين، فترسخت وتصلبت تلك القيم بقوالب دينية مقدسة وثابتة يصعب المساس بها، فكان أن أثقلَت وأتعَبت المجتمعات العربية الإسلامية وأعاقت لحاقها  بركب الحضارة  في كل زمان  ومكان.  لِذا إستمر المجتمع العربي في تراجعه وتخلفه في مختلف  مجالات  الحياة،  ليصل الى ما نحن عليه اليوم  من  تردي  وأنحطاط.

   بداية، أتمنى الاّ يـُساء  فهمي  عند البعض في طرح هذا الموضوع، فليس قصدي الإساءة الى الدين كمعتقدات روحية وتهذيبية، بقدر محاولة تأكيدي على أن النصوص الدينية تعيق حركة أي مُجتمع في التقدم والتطور اذا  ما تداخلت وتقاطعت مع تفاصيل حياة الإنسان الشخصية واليومية وقيدتها بالنصوص “المُقدسة” الثابتة التي لا تُطاوع بديهية وحتمية التغيير الذي يفرضهُ الزمن والمتغيرات.
   
   كما   أود  أن أبين ان مفهوم “المجتمع الجاهلي” أينما يـَرِد في هذا المقال، سيكون المقصود منه المجتمع الذي سبق عصر الإسلام، وليس المجتمع الجاهلي الذي هو الضد للمعرفة، إذ ان عصر الإسلام هو أمتداد طبيعي للعصر  الجاهلي في القصور  المعرفي  والفلسفي مقارنة بحضارات  سابقة  ولاحقة.

   لمناقشة هذا الموضوع لابد لنا من عرض -ولو بشكل مقتضب- بعض الجوانب المتعلقة بالإقتصاد والثقافة والسياسة والإجتماع عند القبائل العربية المُهيمنة في الجزيرة العربية قبل مجيء الإسلام.  ولا بد من الوقوف عند بعض ما جاء به الإسلام من آيات ونصوص تناسبت وتلائمت مع عقلية ومفاهيم وحياة تلك القبائل، فتمكنت بالتالي من توحيدهم في قوة لا يستهان بها كَوَنَت منهم لاحقاً إمبراطورية مترامية الأطراف دامت لقرون طويلة، لكنها تدهورت وأنحلت ، تاركة ورائها أشلاء مجتمعات متخلفة صَعُبَ عليها مواكبة التطور  والتقدم.

حياة القبائل العربية قبل الإسلام
   لم تستمر الحضارة والمدنية في تاريخ العرب في الجزيرة العربية الا لوقت قصير، وفي أماكن محددة، حيث بقيت أوضاعهم الإقتصادية بدائية وحياتهم الإجتماعية بسيطة لآلآف السنين. ان حياة الترحال في الصحراء طلبا ً للماء والعشب لم تساعدهم على الإستقرار،  وخبراتهم لم تتراكم  ومعارفهم لم تتطور أو تزدهر، فلم يتمكنوا من إنشاء حضارة  تـُذكـَر، حيث لا مبان ٍ بـُنيت  ولا مدن  شـُيدت يـُذ ّكـِرنا التاريخ بها، وقليل  من القبائل العربية ركنت الى حياة  الإستقرار  النسبي في أماكن معينة معتمدة على التجارة والحرف الصناعية، كما كان الحال في  الحجاز واليمن. 

   كانت القبيلة عند العرب هي الوحدة السياسية الأساسية، يديرها رئيس القبيلة، يربط بين أفرادها برباط العصبية القبلية بحسب مبدأ: “أنصر اخاك ظالما أو مظلوما”، الذي جعل الخصومات والقتل والثأر من خصالهم، فأصبحت العادات السيئة كالغزو والغدر والنهب و السلب من صفاتهم ومن شيم الرجولة ورمز من رموز الفحولة.  وإلى جانب هذه  العادات السيئة كانت لهم  عادات حميدة كالكرم والسخاء وإيواء الغريب وحماية من يلتجأ لهم طالباً الأمان. وَتـَمـَيـَز َالعربي بحبهِ لذاته، فـَرَفعَ من شان قبيلته عالياً، وفضلهما على الآخرين، كما ورد  على  لسان  شعرائهم،  تحت مؤثرات الحياة  الصحراوية القاسية، التي برهنت قوتها وتغلبها على الكثيرمن التعاليم الدينية السمحة، فهي بذلك لم تـُمـَيز بين شاعر مسيحي أو وثني، لا بل كانت العادات القبلية أقوى من نواهي الدين أحياناً، ولنقرأ عن بعض شعراء العرب المسيحيين تحديداً، كأمريء القيس وطرفة بن العبد وعنترة بن شداد وعمرو بن كلثوم:

امرؤ القيس في الثأر
   قيل ان أباه طرده لأسرافهِ في شرب الخمر، فهام في البراري وحيداً، يتصيد الحيوانات، يأكل من لحمها ويشرب الخمر، حتى أتاه خبر مقتل أبيه وهو يشرب، فشرب كثيرا ً في ذلك اليوم وبعد ان صحا، أقسم ان يمتنع عن الصيد وشرب الخمر لحين يثأر لأبيه، وقال قولته المشهورة
ضيعني صغيراً وحمـَّلني دمه كبيراً، لأصحو اليوم ولا أسكر غداً، اليوم خمرٌ وغدا ً أمرُ
ويكاد لا يخلو ديوان أي شاعر عربي من قصائده في الفخر والأعتزار بالقبيلة والنفس
طرفة بن العبد
اذا القومُ قالوا مـَن ْ فتى ً؟ ….. خـِلتُ أنني عـُنيت ُ فـَلم ْ أكسل ْ ولم أتلبدِ
عنترة بن شداد
وفي الحربِ العوانِ ولدت ُ طفلا ً ….. ومن ْ لينِ المعامعُ قد سُقيتُ

عمرو بن كلثوم
اذا بلغ َالفطامُ لنا صبيـــــــــا ….. تَـخرُ له ُ الجبابرة ُ ساجدينا
ونشربُ ان وَرَدنا الماءَ صَفواً ….. ويشربُ غيرنا كَدراً وطينا

   ولم يتساءل الشاعر، ماذا  كان يخسر لو شرب غيره الماء الصافي أيضا؟ أو لم يـَمتـَثل الى أقوال نبيه، في التواضع والتسامح، حاله كحال الشعراء المسيحين الآخرين، فالنعرة القبلية كانت أقوى وأصلب من التسامح الديني الذي كان يفترض ان يكون مؤثراً في قصائدهم.

   ولم تتغير الحالة كثيراً في العصر الإسلامي، اذ بقي الإعتزاز بالنفس والقبيلة فوق كل إعتبار، فلنقرأ بعض من أبيات الشعر في الفخر من قصيدة لأبي العلاء المعري في العصر العباسي:   

تعدُ ذنـــوبي عندَ قــوم ٍ كثيــــــــرة ٌ….. ولا ذنبَ ليَّ الا العلا والفضائـــــــلُ
وقد سارَ ذكري في البلادِ فـَمنْ لهمْ ….. بإخفاءِ شمسٍ ضـَوءها متكامـــلُ
وأنـي وإن كنت ُ الأخيــرَ زمانــــــهُ…..  لآتٍ بما لمْ تستطعهُ الأوائـــــــــلُ

   فلا غرابة ان ينتقل الأرث البدوي الثقيل في التفاخر وتوهج الذات عند العرب من جيل الى جيل، فكأنه إستقر في صميم أعماقهم، فالأنا الجاهلية لم تتحضر، بقيت طاغية في نفسية العربي، وسمة المغالاة بعزة النفس والقبيلة أستمرت  وأصبحت من الصفات المحببة له، ولنا  في قصة الخليفة المعتصم  بالله في فتح مدينة عمورية  مثالا ً على  ذلك:

   يفتخر كثير من العرب المسلمين بقصة الخليفة المعتصم بالله، في فتح مدينة عمورية، أحدى معاقل الرومان، في  اواسط  أسيا.  فبحسب الرواية،  أستجاب  الخليفة  لسماعه  قصة إستغاثة  أمرأة عربية مسلمة قيل َ  أنها صرخت بأعلى صوتها، “وامعتصماه” على أثر ضرر لحق بها من قبل الأعداء عندما وقعت في أسرهم في عمورية. فناداها الخليفة من سامراء وهو على بعد الآف الأميال بأستجابته المشهورة، لبيك أيتها العربية المسلمة. ولتحقيق وعده، حـَشـَّد َ جيشا ً جراراً ليضرب حصاراً شديداً على عمورية ويحتلها بعد قتال عنيف، لتصبح قصة إحتلالها مفخرة ومضربا للأمثال عند العرب. وفي هذه المناسبة أنقل بعض من أبيات من قصيدة لأبي  تمام،  من  أصل مسيحي أيضا ً، عنوانها ،  يوم الفتح العظيم، يفتخر فيها بمعركة عمورية :
 
السيفُ أصدقُ أنباء ً من الكـتــبِ ….. في حَدِه الحدَ بينَ الجدَ واللـــــعبِ
يَا يَوْمَ وَقْعَةِ عَمُّوريَّةَ انْصَرَفَـــتْ ….. مِنْكَ المُنَى حُفَّلاً مَعْسُولَةَ الحَلَـبِ
تَدْبيرُ مُعْتَصِمٍ بِاللهِ مُنْتَقِـــــــــــــم ….. للهِ مُرْتَقِبٍ فِي اللهِ مُرْتَـغِـــــــــــــبِ
خَلِيفَةَ اللَّهِ جازَى اللَّهُ سَعْيَكَ ….. عَـن جُرْثُومَةِ الديْنِ والإِسْلاَمِ والحَسَــبِ
تـُمثل قصة عمورية وإفتخار العرب بفتح حـُصـِنها  مثالاً في التعصب، يجسد فيها العرب وخليفة المسلمين حرفيا ً المبدأ السابق ذكره:  “أنصر أخاك  ظالما  أو مظلوماً "


المرأة والزواج في الجاهلية 
   لم يُحدد المجتمع الجاهلي عدد الزوجات، وزيدت عدد أنواع الزيجات على عشرة، وكان يجوز الجمع بين الأختين، ويحق للأبن ان يتزوج بزوجة أبيه في حالة وفاة الأب، وأنحصر الطلاق بيد الرجل، وكذلك كان الأرث حكرا عليه.  رغم ان المرأة كانت مهانة وتعتبر عاراً عند بعض القبائل العربية، الا انها حظت بمكانة لا بأس فيها في قبائل أخرى، وشاركت ولو بشكل محدود في السياسة والتجارة والحروب، فمثلا ً كانت زرقاء اليمامة، فارطة الذكاء، حادة البصرومستشارة قومها، والشاعرة بـَسوس التي سُميت حرب البسوس بإسمها، وأشتهرت هند زوجة أبي سفيان وأم معاوية بسداد رأيها واهمية موقعها قبل الإسلام وبعده، وَعـُرِفتْ عائشة بنت أبو بكر الصديق وزوجة الرسول محمد بقيادتها لمعركة الجمل، وحـِفظها وروايتها لأحاديث كثيرة عن الرسول، وكانت خديجة بنت خويلد تاجرة عمل الرسول محمد في تجارتها وأصبحت زوجته ومن أولى المسلمات، وهناك شاعرات عربيات مرموقات كالخنساء شاعرة جاهلية عاصرت الإسلام وإشتهرت برثاء أخويها اللذين قُـتـِلا في الحرب، وأم الأغر وأم الصريح وأم الضحاك والخرنق، أخت طرفة بن العبد وأخريات
والمرأة عموماً في وقت مجيء الإسلام كانت تصنف من الدرجة الأدنى في مختلف مناطق العالم كالهند والصين وبلاد فارس واليونان والرومان، وفي حال زواجها تنتقل جميع ملكياتها الى زوجها ليصبح هو الآمر الناهي صاحب الحق والتصرف بها، ولا زالت الى يومنا هذا تسري بعض الممارسات الرومانية في كثير من دول الغرب وأميركا، فالمراة بعد زواجها تكتسب لقب زوجها، بتغـيير أسم عائلتها إلى إسم عائلة زوجها، وفي بعض قبائل الهند كانت المرأة تُحرق وهي حية مع جثة زوجها بعد مماته، وفي الصين وبلاد فارس كانت المرأة تـُعـَد بحساب المواشي لغرض خدمة الحقول والمزارع

الدين في الجزيرة العربية قبل الإسلام
   كانت الوثنية قبل مجيء الإسلام هي الدين السائد في الجزيرة العربية، وهو الشرك بالله وإتخاذ الأوثان وسيطاً للتقرب إلى الآلهة، فـَعـُرِفت القبائل بأصنامها المختلفة، كاللات والعزى وهبل ومنات الثالثة وغيرها، وفاق عددها على ثلاثة مئة صنماً، والى جانب الوثنية وُجـِدت اليهودية في يثرب وخيبر واليمن وفي مناطق أخرى، وإنتشرت المسيحية مبكراَ في اليمن والحبشة وبين القبائل العربية كتميم وطي وبني كلب وربيعة وغيرها وكانوا على قسمين: النسطورية واليعقوبية، وبتوسع وإنتشار الإسلام أنقرضت الوثنية وبدأت الأديان الأخرى تنحسر في الجزيرة العربية حيث قال الرسول محمد: لا يجتمع في الجزيرة دينان.

الدين الإسلامي سبب المزيد من الحروب
   رغم ان الإسلام خفف عند مجيئه من حالة الأقتـتـال الدائر بين القبائل العربية، الا انه لم يوقف عادة القتال المتجذرة في حياة العربي، بل زاد من حدتها وجبروتها، فالرسول بمجيئه جمع شمل العرب بقوله: "وأعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم اعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخوانا". فتوحد العرب بشهادة: “لا إله الا الله، محمد رسول الله”، وتحت راية “الله أكبر” والقتال في سبيله
    وهكذا كَونوا قوة كبيرة وهجموا على أغنى وأكبر الأمبراطوريات، فدحروا أمماً كان لها شأنٌ قوي ومكانة مرموقة كالروم والفرس واحتلوا أجزاء مهمة منهما كالشام والعراق وفارس وشمال أفريقيا، وأمتدوا في فتوحاتهم ليصلوا الى بقاع الصين والهند وعبروا البحر ليصلوا الى إسبانيا ومشارف أوربا، فـَحـَلت الفتوحات الإسلامية الواسعة محل الغزوات القبلية المحلية، جالبة معها غنائم أكثرمن أموال وكنوز ومواشي ونساء، فناصَرَ العرب دينهم الجديد الذي بفضله أنتعشت حياتهم الإقتصادية ووُعِدوا بجنة ونعيم وحياة خالدة  بعد مماتهم وللشهداء منهم أرقى درجات الجنة، فتمكن العرب من إنشاء أمبراطورية واسعة الأطراف، لم يكونوا يحلمون بها من دون الدين الإسلامي.

البداوة العربية تروض تعاليم الدين ونصوصه
   ولكي نكون موضوعيين ولغرض توخي الدقة، نلاحظ ان الدين الإسلامي حاول من خلال بعض فرائضه وأحكام شريعته معالجة بعض الممارسات والأمور السيئة التي كانت سائدة في المجتمع العربي، كالإقتتال والخصومات بين القبائل العربية، والعصبية القبلية والثأر وحب الذات وسوء معاملة المرأة ونظام الزواج وبؤس الحكم القبلي وأستبداده وما شابه، ولكن في كثير من نصوصه إلتزم وعَمـقَ الكثير من الممارسات البدوية، ومنذ البدء روضت البداوة مختلف أحكام الدين، لتصبح تكريسا ً للعادات البدوية والقبلية التي سادت قبل ظهور الإسلام، ولنأخذ  بعضاً منها: 

تحول الغزو والقتل والسلب والنهب إلى مشروع إسلامي مبارك
   أصبح الغزو والقتل والسلب والنهب البدوي بفضل الإسلام مشروعاً إسلامياً مباركاً، فالدين الإسلامي منذ مجيئه شـَرَّعَ بآياته نظاماً لتوزيع غنائم الغزوات، وبذلك أصبح لله ولرسوله حق شرعي في عائدات غنائم الحروب من أموال ٍومواشي ونساء، كما  في قوله في سورة الأنفال: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِوي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَإبنِ السَّبِيلِ.. . وبذلك أستبشر العرب بالإسلام واستبسلوا في الجهاد في سبيله.

أستمرار وتكريس  قتل النفس البشرية بمختلف  العصور  الإسلامية
   نـَـصَت آيات القرآن على تحريم قتل النفس البشرية، ولكن في واقع الحال أستمر القتال في مختلف عصور الإسلام  كما كان في العصر الجاهلي، ولكن بتخريجات شرعية وبحسب نصوص الدين، كما في قوله في سورة الأنعام:  “ولا تقتلوا النفس التي حَرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون"، ولكن يا ترى ما هو معيار الحق عند العربي؟ فالعرب تغنوا بسفك الدماء وقتل بعضهم البعض لأتفه الأسباب، وفي توضيح مفهوم الحق في القتل وردت حالة القصاص كما في قوله في سورة المائدة: “وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”. والآية مطابقة مع المبدأ اليهودي الذي ورد  في التوراة  بألفِ عام قبل مجيء الإسلام والذي ورد في قوانين حمورابي الذي هو الآخر سبق كتابة التوراة  بأكثر من ألفِ عام.

   غاب عن فكر كثير من الناس ان مفهوم الحق نسبي، يـَسهل على الفكر القبلي  تطويعه، فكل قبيلة متعصبة لابد ان تقتنع ان الحق بجانبها في كل خصام، فما  كان حقاً عند أمير المؤمنين الإمام علي أبن أبي طالب، كان باطلاً عند خليفة المسلمين يومذاك معاوية بن ابي سفيان، فتقاتل الإثنان وما كان حقاً عند بني أمية كان باطلاً عند بني هاشم أو بني العباس، فإستمر خصامهم. وما كان حقاً عند الأمين كان باطلاً عند أخيه المأمون، فتقاتل الأخوان إلى أن تم تصفية الأمين جسدياً. وهكذا أختلفت وتناحرت الطوائف الإسلامية بدعوتها الى الحق وأستمرت حروبهم بأسم الدين والله، ويكفي ان نعرف ان ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة قـُتـِلوا غدراً، وقُـتِـلَ  أسباط  الرسول   وأولاد  الخلفاء  الراشدين  وَمُـثـِل  بأجساد  بعضهم أبشع تمثيل.

وفي حكم “المرتد عن الدين” أقَـرَ كثير من علماء المسلمين قتل المرتد رغم وجود آيات كثيرة تخالف حكمهم، وتؤكد على حرية المـُعـتَـقـد، كما جاء في قوله في سورة البقرة: "لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" وفي سورة الغاشية: "وَذكرْ إنما أنتَ مـُذكرْ، وَلستَ عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر ان علينا إيابهم ثم ان علينا حسابهم" ولكن كالعادة تفسيرات كثيرة من فقهاء المسلمين تميل لحكم القتل، ما يتفق مع الأستبداد البدوي  وموروثُ  سفك  الدماء.


البداوة تُحاصر المرأة بإسم الدين  
   تمكنت القبلية العربية من فرض حِصارها على المرأة بأسم الدين وتعاليمه لتجعلها أكثر تخلفا مما كانت عليه في عصور سابقة للإسلام، فرغم ان الإسلام   حرر المرأة نسبياً من بعض قيودها وأعطاها قسماً من حقوقها   كما في حالة الزواج (يحق لها رفض الزواج شرعا )، والإرث ( لها بعض الحق)، والشهادة  (نصف شاهد) في القضاء، والتملك (لها حق التملك)، والعمل وغير ذلك، بما يرفع من مكانتها وقدرها نسبة لما كان سائداً وسابقاً لذلك العصر، ولكن أختلف الأمر  بمرور  الزمن عندما  فرضت القبلية سلطانها على المرأة  بأسم الدين، لتبقى في سابق عهدها في الظلم والإستهانة، يتحكم الرجل في مصيرها، يحجبها عن المجتمع والتطور. وعلى أي حال فتخلف المرأة يعكس تخلف المجتمع عموماً، ولنتمعن في قول الشاعر حافظ أبراهيم في قصيدتة المشهورة عن المرأة، نذكر بعض أبياتها:

الأم مدرسة اذا أعددتهـــــا ….. أعددتَ شعباً طيب الأعــراقِ
الأم أستاذ الأساتذة الألــــى ….. شغلت مآثرهم مدى الآفـــــاقِ
في دورهن شؤونهن كثيرة ….. كشؤون رب السيف والمزراقِ
من ليّ بتربية النساء فأنها ….. في الشرق علــة ذلك الأخفاقِ

   فالشاعر يؤكد ويطابق في قصيدته الرائعة رأي الفيلسوف الأندلسي الكبير إبن رشد عندما أكد قبل تسعة قرون أن عـِلة تخلف المجتمعات العربية هو أستهانة رجالها بنسائها والحط من قيمتهن وتصغير دورهن الكبير في المجتمع!. فما بالنا  اليوم  في تخلف المرأة العربية ، عندما لم نعد نسمع من خِلالهِ عن المراة العربية التاجرة أو الشاعرة أو المستشارة أو القائدة، لا بل نسمع ان المرأة تُعاقَب اذا قادت سيارة، ولكن يسكت عرب اليوم عنها اذا إمتطت حماراً او بعيراً!، وتُحاسَب ان ظهرت بلا حجاب أو سافرت من دون ان يرافقها مـَحرَم.
أستمرار أنواع مختلفة من الزيجات تحت غطاء الدين والشرعية
   أستمرت أنواع مختلفة من الزيجات والنِكاح والممارسات الجنسية غير الشرعية في العهود  الإسلامية كما كانت في العصر الجاهلي، ولكن بتخريجات شرعية وأغطية دينية.  فرغم ان الدين الإسلامي وضع كثيراً من التحديدات والضوابط للزواج غير ان سهولة تأويل وتفسير آيات القرآن وتطويعها  للإرادة  البدوية كان سهلاً، ما ساعد على أستمرار الكثير من الممارسات الجنسية باسم الدين والله. فالدين الإسلامي خَـصَ موضوع  الزواج بآياته  وَنـظـمه  بإحكام  شريعته ، فحَدد عدد الزوجات بأربعة على أن يتوفر العدل،  وهذا أمرٌ مستحيل، وأبقى الباب مفتوحا للإكثار من الزوجات، فهناك نساء اليمين ولا حدود للزواج منهن، فهن أسيرات حروب وغزوات، وما أكثر الغزوات، يتزوج المسلم منهن ما يشاء ولكن بشكل شرعي، وفي واقع الحال أستمرت بعض من أنواع الزيجات في العصور  القديمة الى يومنا وبصيغ شرعية، كزواج المتعة، وهو زواج مؤقت يمارسه الشيعة كما في العراق وأيران، يقابله زواج المسيار للسنة كما في السعودية، ويُسمى بزواج المنار في مصر، وهناك زواج السفر، لحل إشكالية وجوب توفر مـَحرم مرافق للفتاة عند سفرها لفترة الدراسة أو ما شابه، وهناك زواج السياحة والأستجمام، وَشُـرِعت أنواع أخرى من التمتع بالنساء في قصور أمراء المؤمنين التي كانت تغص بالجاريات والغانيات والمسبيات.

القبيلة تسيطر على حكم المسلمين بأسم الدين 
   أثبتت القبلية سطوتها  وقوتها  في تسييس الدين وتوسيع  تعاليمه بما يحقق سيطرتها  على الدولة ونظام  الحكم. جاء الإسلام بنظام الشورى في الحكم بحسب سورة الشورة: "وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" وبحسب آيات آخرى بنفس المعنى تـَوَجـّب َ ضرورة التشاور والتباحث في الحكم بأمور المجتمع العامة غير المنصوص عليها بوضوح في الآيات القرآنية، فجرى العمل بالشورى في السنوات الأولى من حكم الخلفاء الراشدين الأربعة بعد وفاة الرسول، مع وجود بعض الخلافات، ولكن تمكنت القبلية من السيطرة على الحكم بإسم الدين حال تأسيس الدولة الأموية، وبتدبير من معاوية بن أبي سفيان، والي الشام وخليفة المسلمين، فأبوه كان من أسياد قبائل قريش وأشراف العرب في الجاهلية، ما  جعله يرى الحق مع قبيلته في حكم العرب والمسلمين، ومنذ ذلك الحين أصبحت الخلافة الإسلامية وراثية أو ملكية رغم عدم إستعمال إسم “الملك”، فتعاقب على الحكم  أولاد  وأحفاد  معاوية،  وفي طيلة  فترة حكمهم الذي دام أكثر من تسعين عاماً، لم يتوقف الصراع القبلي  والعائلي بينهم وبين العباسيين والعلويين فكان النصر لاحقاً للعباسيين وأنتقلت الخلافة الوراثية لبني العباس التي إستمرت أكثر من خمسة قرون.  وطيلة فترة حكمهم لم يخف الصراع العائلي بينهم وبين العلويين، ونتج عن ذلك تأسيس الدولة الفاطمية وبعدها الدولة العثمانية على نهج سابقيها في الحكم العائلي المستبد. وفي كل عهد مارست القبلية شتى الوسائل في أستخدام الدين ومعتقدات الناس لديمومة سيطرتها، فمثلاً روج أتباع الأمويين ان تولي أسيادهم للحكم جاء وفقاً لقضاء الله وقدره المحتوم وعملاً بحكم سورة النساء: "يا ايها الناس أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، وهكذا أستمر الإستبداد القبلي في حكم المسلمين بإسم الدين وتحت شعائره.  وعِبرَ التاريخ كان من السهل على بعض القادة الأجانب المحتلين للبلاد الإسلامية فهم لعبة الدين، فأعلنوا  إسلامهم، فذلك  سَهَـلَ عملية حكمهم  وفرض سيطرتهم، كما حدث مع الغزات المغول والحملة الفرنسية لأحتلال مصر، فهولاكو وتيمورلنك  ونابليون  بونابرت جميعهم أعلنوا إسلامهم ليتسنى  لهم  حكم  دولة المسلمين.

تـفاخرْ العرب غير المشروع
   أراد الإسلام ان يخفف من درجة التفاخر بالذات والنسب والقبيلة، الذي تَمَيـزَ به العرب، فجاءت آيات قرآنية تُماشي عقليتهم بهدف تغييرهم  وتخفيف حدة  تفاخرهم، ولكن لنراقب ماذا حدث:
فبحسب سورة آل عمران: "وكنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر...الى أخره" إن العرب لا يكونون خير أمة من دون ان يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، غير ان العرب جعلوا الشطر الأول من الآية أساسياً،  والشطر  الثاني قابلاً للنقاش والتأويل!، فلم يُـطبَقْ مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما ينبغي، إذ استثنى من ذلك جميع أمراء المؤمنين وأولادهم في مختلف عهود الحكم، فبأستبدادهم كانوا فوق التعاليم الدينية، وعلى أي حال، فالمعروف والمنكر مفهومان نسبيان، كمفهومي الحق والباطل، يتغيران بحسب تغير الزمان والمكان وبحسب قناعات الناس وتسلطهم، فقد يكون الأمر بالمعروف عند بعض الناس منكراً، والعكس صحيح، فإختلفت طوائف كثيرة حول هذه المفاهيم، لغياب المقاييس والمعايير في تحديد المعنى الدقيق، وفي جميع الحالات إعتقد الناس على أختلاف مواقفهم وأرائهم، أنهم خير الناس وأفضلهم بما نصت عليه الآية في شطرها  الأول،  ما يتوافق مع أعتزازهم  بموروثهم  القبلي وما خـَلـّفـَه تاريخهم  الطويل من تفاخر.
   تركت الفتوحات والغزوات الإسلامية أثراً كبيراً في نفوس العرب، اذ أنها رفعت من كبريائهم، فبعد ان كانوا بدواً رعاة، أصبحوا أسياداَ مالكين تأتمر بأمرهم الدول والأمم الأخرى، فزاد شعورهم بإنهم أفضل الأمم وخيرها، فأحاطوا ماضيهم القديم بهالة من التقديس والتبجيل، جعلهم يعيشون حاضرهم البائس وهم  يحلمون في العودة  الى  ماضيهم المندثر، فنسوا مستقبلهم.
 
   ما زاد  من  التفاخر الفارغ  لكثير من العرب  تاريخهم الإسلامي المـُحـَرَّف الذي قـَدَّم في بعض من حقبه مساهمات حضارية للبشرية، خاصة في زمن الحضارة العباسية،  فـَكـُـتـب التاريخ العربي تجعل زوراً أسماء كثير من الباحثين والعلماء والمُفكرين المسلمين في خانة العرب، متناسين ان كثيراً من علماء وفلاسفة ذلك العصر كانوا من غير العرب!، فأغلبهم من السريان المسيحيين والصابئة المندائيين والفرس والهنود واقوام أخرى من الذين ساهموا مساهمة فعالة في أحياء الثقافات الفكرية القديمة كالهندية والفارسية والفلسفة الأغريقية في ترجماتهم المتنوعة الى اللغة العربية، بما وضع أساساً للحضارة العباسية، التي أعتبرها كثير من الأصوليين المسلمين تخريباً لمعتقداتهم الدينية، فطاردوا وقـَتـَلوا بسيوفهم الكثير من علماء وفلاسفة ذلك العصر، نذكر منهم الأديب والمترجم المصلح الأجتماعي الضليع بالثقافات الفارسية والهندية والعربية عبدالله بن المقفع، وشاعري الحكمة، بشار بن برد، وصالح بن عبد القدوس، والفيلسوف المتصوف حسين بن المنصور الحلاج الذي صُلب ومن ثم قـُطـِعت أطرافه وَحـُرقـت جثته، والفلاسفة يعقوب ابن اسجق الكندي، وحنين بن أسحاق، والبيروني وغيرهم، وفي الأندلس تم حرق كتب الفيلسوف الكبير بن رشد، وَفــُرضـَت عليه إقامة جبرية لحين وفاته، وهو الذي يدين له الغرب، فبحسب أعترافهم ان نهضتهم الحديثة بدأت من دراسة وفهم فلسفة أبن رشد، الذي أستمر تدريسه في معاهدهم وجامعاتهم لقرون عديدة.

   الغريب في الأمر، ان كثيراً من أئمة المسلمين أعتبروا حركة النقل والترجمة الواسعة التي قامت في العصر العباسي، خاصة في زمن الخليفة المأمون، والتي أدت الى مساهمات حضارية يفتخر المسلمون بها، أعتبروها مؤامرة خارجية وداخلية لإفساد عقول المسلمين، ينبغي التصدي لأثارها بكل حزم، وتنفيذاً لتلك الرغبات المريضة، أمر بعض خلفاء المسلمين كالمتوكل بالله وبدعم من علماء الدين بقتل وتشريد علماء قديرين، وحرق كتب ومترجمات ٍكثيرة، وأتـُهـِم المأمون بالتواطىء في المؤامرة وبذلك تم وأد تلك الحضارة الوليدة في مهدها، وتم غلق أبواب الفكر والبحث، بإعتبار الفلسفة والمنطق مادة حيرة وضياع، كما فهمها رجال الدين، معتبرين ذلك  أساس الكفر والتشكك بوجود الله، بحسب فتاوي كبار أئمتهم كالغزالي والشهرزوري وإبن تـَيمية،  وغيرهم من الذين حـَرَّموا تداول الفلسفة والمنطق من قبل الناس.

التقديس يحافظ على قـِدَم القيم والممارسات الموروثة
   ان التقديس الذي أضفي على كثير من الحقوق  والواجبات  والممارسات اليومية  التي  فرضها الدين الإسلامي على الفرد  العربي  حافظ على كثير من القيم  القديمة التي كانت  سائدة  قبل أربعة عشر قرنا.
لا ينكر - ولتوخي الدقة والموضوعية- ان بعضاً من تعاليم الدين الإسلامي في مجيئه كانت تغييراً إيجابياً متقدماً في حياة العرب والأمم المجاورة لهم، كما هي الحال في إعطاء المرأة بعض حقوقها، ولكن لا ينبغي الإنبهار بذلك التغيير، فالتقديس الذي أضفي على الحقوق والواجبات وكثير من الممارسات أصبح عائقاً ومانعاً أمام تطور المجتمع في مراحل لاحقة، فلا غرابة ان أغلب الأمم التي كانت اقل حضارة من المسلمين كدول أوربا وأسيا في زمن الحضارة العباسية، سبقت المسلمين في التطور والتقدم والأزدهار في القرون اللاحقة

تـَرَكَ الدين الإسلامي أثراً سياسيا سيئاً عند العرب بميلاده كدين ودولة في آن واحد 
   فمنذ الولادة  كان  الرسول، رجل دين ودولة في آن واحد، لِذا إعتبر القرآن دستوراً للمسلمين لما فيه من تدخل في تفاصيل حياة الناس الشخصية والعامة من زواج وطلاق وتقسيم أرث ودفع زكاة وخمس، ومشاركة في غنائم الحرب وكتابة عقود بيع وشراء بين الناس ونظام حكم وغير ذلك، جعل  خلفاء المسلمين  وأمرائهم  وسلاطينهم، ان يسلكوا سلوكاً  متشابهاً  لسلوك الرسول الذي أصبح قدوتهم، فكانوا خلفاءً له وأولياء الله في الأرض، وبتمثيلهم لمصالح  قبائلهم  تداخل الدين مع السياسة ومصالح القبيلة خاصة عندما أصبح كثير من رجال الدين أداةً بيد الخلفاء والحكام والمتنفذين، فساهموا بتعميق تسييس الدين وزيادة النعرات القبلية واستمرار صراعاتها الى يومنا هذا.

   وحين النظر لكثير من دول العالم التي لم تتدخل نصوص أديانها في تفاصيل حياة الناس الشخصية، نجدها تمكنت من أن تكون أكثر تقدما وأزدهاراً من سواها. فالنهضة الأوربية الحديثة بدأت في دول أوربا المسيحية، ومن ثم أنتقلت بيسر الى دول آسيوية كاليابان وكوريا والصين والهند، التي تدين بالديانات البوذية والهندوسية أو الكونفشية، فنصوص الديانة المسيحية، روحية تهذيبية لا تتدخل في تفاصيل حياة الناس وبعيدة عن السياسة. كذلك نصوص الديانات التي إنتشرت في دول أسيا هي الأخرى تهذيبية وأخلاقية تتضمن أحكاماً ومواعظ َ عامة لا تتدخل في مجريات حياة الناس اليومية، ولم نسمع عن نص من نصوص هذه الأديان وتعاليمها  حكم بالقتل على مُرتد عن دينه  كما  هو الحال في الدين الإسلامي.
    أود ان أبين ان مآساة القرون الوسطى في أوربا،  ما  تعرف  بالعصور المظلمة،  وما  تركته محاكم التفتيش  من  أثار سيئة  في نفوس الناس  ما كانت لتقع، لولا زج وتدخل الكنيسة في شؤون الناس السياسية، ولم يقع التغيير  والتقدم  في أوربا،  الا بعد  فصل الدين عن السياسة.
 
البداوة أكثر عنفا ً من التعاليم الدينية في حكم الزنا
   يـُعـَرَّف الزِنا على انه ممارسة للعملية الجنسية بالكامل بين رجل وإمرأة خارج الأحكام الشرعية، وإعتبره الإسلام من المحرمات الكبيرة، وجعل الحدَّ عليه، الجلد، كما نصت سورة النور : الزانية وَالزانِي فَاجلِدوا كُل وَاحِد مِنهُمَا مائة جَلدة وَلا تَأخذْكم بهِمَا رأْفة فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كنتم تُؤمِنُونَ بِاللَّه وَاليَومِ الْآخِر وَليَشهَد عَذابَهُما طَائِفَة مِن الْمؤمِنِينَ تـُنـفـذ العقوبة  بحكم الآية اذا كان الزاني او الزانية بـِكراً، وتكون العقوبة بالرجم بالحجارة اذا كان الزاني أو الزانية متزوجاً،  وفي  إثبات فعله  يقتضي توفر أربعة أشخاص ممن يـَشهدون بوقع الفعل. ورغم ان الإسلام طبق تعاليمه في ذلك الخصوص في بعض من أوقاته، الا ان العادات القبلية والبدوية كانت أكثر صلابة، فقد شهد التاريخ الإسلامي، والى يومنا هذا، عقوبة النساء، ليس الرجم  بالحجارة او الجـَلد، بل بـِعقوبة القتل والذبح، بسبب ما يسمى “غسل العار”، الذي ينفذه عادة أخ الفتاة، بمشهد وحضور عامة الناس، وبمجرد وقوع الشك بإن الفتاة مارست الزنا، من دون تدقيق وتحقيق عادل، تماشياً مع قيم وتقاليد المجتمع الذكوري وأرضاءً للناس، وخطورة الإجراء هو قبول الحكومات العربية والإسلامية به، وأكتسابه الشرعية الإجتماعية والدينية. وفي المقابل يمارس الرجل العربي كثير من الممارسات الجنسية المشروعة وغير المشروعة، الدائمة والمؤقتة من دون حساب


الإستنتاج والخاتمة
   لا عجب ان  تتـَجـَذر كثير من الممارسات البدوية الإسلامية في أعماق الإنسان العربي بمرور قرون طويلة، فبدءاً من العصر الجاهلي، حيث التفاخر بالذات والحسب والنسب وطلب الثأر، والتغني بالقتل والسلب والنهب وإهانة المرأة وأعتبارها متاعاً ووصولاً الى فترة التشريع الإسلامي للكثير من تلك الموروثات والممارسات التي توثقت بقدسية الدين، برمجت العقل الباطن للفرد العربي ليصبح أحياناً نـَّهـَاباً سلاباً يفتخر بسرقة الآخرين، بل لا يهمه سرقة أهله وبلده، أو محتلاً يحتل بلداً آخر يعبث بمصير أهلها ويصادر أملاكهم وأموالهم، أو إنتحارياً، مجاهدا ً في سبيل الله، يـُفـّجرُ نفسه، ويقتل أناساً أبرياء، لا ذنب لهم، وان يهينَ النساء ويعتبرهن متاعا لحاجته الجنسية.

    وما  كان من الإنسان العربي ان يبقى محافظا على  وضعه المتخلف  لولا أنغلاقه  وتقوقعه  وإستمراره في ممارساته الموروثة،  ولولا مساهمة رجال الدين في عزله عن التطور والتحضر بحجة الحصانة والمحافظة على الدين،  ففتاويهم كانت تمنع المسلمين من تبني أفكار جديدة قادمة من خارج العالم الإسلامي، كدول أوربا، التي كانت تعرف ببلاد الكفر، فكل جديد  قادم   منها  كان يعتبر بدعة وكل بدعة ظلالة  وكل ظلالةٍ في النار،  وزاد الطين بلة إعتقاد المسلمين ان سبب تخلفهم هو إبتعادهم عن  دينهم ونصوص  قرآنهم  وتقصيرهم في فهم وتفسير تلك النصوص، غير انهم في واقع الحال نسوا أنهم غارقين في قدسيات دينهم، وتخلفهم يمتد الى مئات السنين   بالرغم من  قـِدمْ الدين ونصوصه وبرغم  وجود مفكرين في كل عصر  يحاولون   فهم تلك النصوص بشكل صحيح ولكن من دون جدوى.

   بعد كل هذا، لا غرابة في ان يكون الفرد العربي المسلم عصياً في الأخذ والإقتباس للأشياء الجيدة من الآخرين، فهو برأي نفسه خير الناس، ومن خير الأمم، ودينه خاتم الأديان وافضلها، وصالح لكل زمان ومكان، فلماذا وكيف يقتبس ويتفاعل مع الآخرين، ما  دام  الإسلام قد أحتوى على كل نافع مفيد.

   وأخيراً ستبقى المجتمعات العربية الإسلامية غير قابلة للتغيير والتطور ما لم تحدث ثورة ثقافية وأجتماعية وتطوير  جاد في مناهج التربية والتعليم في مختلف المستويات، في إتجاه يفصل الدين عن الدولة، وهذه أمور صعبة التحقيق في الزمن الحاضر ونحن نرى صعود تيارات إسلامية سلفية على منصات الحكم في دول عربية كثيرة تنادي بالعودة الى السلف الصالح وأحياء الماضي، وتعتبر كل مبادرات التقدم والأرتقاء كفراً يجب  إستئصالها ووأدها في المهد، الأمر الذي يزيد من تأخرنا عن ركب الحضارة والتقدم.

4
هل ان العراقيين أكثر وطنية من اليابانيين أو الألمان؟
أم هم أقل وعيا وادراكا لوطنيتهم؟

الدكتور ثائر لبياتي
thairalbayati@yahow.com
November 20, 2008

شغلني  عنوان هذا المقال منذ  الاٍحتلال الأمريكي  للعراق  في عام 2003، وبدء  الصيحات المبكرة من جهات تدعي الوطنية الى دعوة  القوات الأمريكية للأنسحاب من العراق ، وزاد انشغالي به مع كثرة الأخذ والرد في الأتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية   من جهات تتعامل مع اميركا. وكنت اقارن دائما  وضع  العراق مع حالة كل من المانيا واليابان قبل وبعد احتلالهما، فالدولتان حكمتا من قبل الدكتاتورية، وتحطمتا واحتلتا من قبل أمريكا، وتحولتا الى الديمقراطية، واليوم غدت اليابان أقوى دولة أقتصادية في العالم،  واصبحت ألمانيا  أقوى دولة أوربية، ولم تقل وطنيتهما أو ينقص شأنهما بسبب أحتلالهما واقامة قواعد عسكرية أمريكية على أرضهما، أو ارتباطهما بمعاهدة أمنية كالتي ترغب أميركا في توقيعها مع العراق. فما الذي يجعل القضية العراقية أكثر تعقيدا في تعاملها مع الولايات المتحدة الأمريكية؟ وهل ان القيادات العراقية الحاضرة هي أكثر وطنية من القيادات اليابانية والألمانية التي تعاملت مع المحتل الأمريكي؟  أم إنها أقل وعيا وادراكا لوطنيتها؟

عرف عن الشعبين الألماني والياباني اعتزازهما العميق بوطنيتهما وشعورهما العميق برقي امتهما وولائهما التام لقياداتهما السياسية، ما جعلهما سلاحا قويا بيد الدكتاتورية التي حكمتهما ،وهددت بهما أحتلال وحكم العالم، غير انهما  تحطمتا وتدمرتا تماما قبل ان تحققا مشروعهما الكبير. فورث الأحتلال الأمريكي لهذين البلدين، شعوبا وطنية منسجمة ، واعية لواقعها المحطم، مقدرة لقوة المحتل،  تتفانى من أجل بناء بلدها بعيدا عن المزايدات ،  ما سهل عملها  وتنسيقها مع المحتل في عملية اعادة بناء واعمار بلدانها . وكما ذكر جون داور في كتابه "معانقة الهزيمة" ان اليابانيين كانوا  اذكياء  في اكتشافهم ان اميركا هزمتهم، لأنها دولة قوية وثرية،  وعرفوا ان سر قوتها وثرائها يكمن في نظامها الديمقراطي، فاعتنقوا الديمقراطية، وتحالفوا مع المحتل الأميركي ليضمنوا حماية بلدهم ، حققوا الثراء والقوة، وتمكنوا من بناء دولتهم  لتصبح  من ارقى دول العالم. وقصة أختيار القيادة السياسية لألمانيا الغربية طريق الحرية والديمقراطية وعملها التام مع الولايات المتحدة الأمريكية وما ادت الى نتائج إيجابية باهرة  معروفة للجميع.

تقع كتابة وصياغة دستور أي بلد في مقدمة الأمور التي تشكل خارطة الطريق لتقدم وتطور ذلك البلد، فكان للدستورين الألماني الغربي  والياباني  اللذين كتبا  في ظل الأحتلال الأمريكي وبمساعدته، دور كبير في تحويل المؤسسات العسكرية في كلا البلدين الى مؤسسات مدنية ديمقراطية حرة ، ما ساهم في رفع المستوى الأقتصادي الى أعلى المستويات في هذين البلدين، واعاد لهما موقعهما المتميز بين دول العالم. ولا غرابة ان اليابانيين سموا دستورهم  " بدستور ماكارتر"  تيمنا بالقائد العسكري الأمريكي الذي حكم اليابان فترة احتلاله، وجرى العمل بموجب ذلك الدستور أربعين عاما من دون تغييرات كبيرة طرأت عليه.  وكتب الدستور الألماني الغربي هو الأخر تحت الأشراف الأمريكي المباشر، ولم يكن غريبا ان تبدأ مشاريع  الدعم الأمريكية العملاقة للدولتين ، كمشروع مارشال في المانيا ، ومشروع ماكارتر في اليابان، نظرا لحسن العلاقة وعمقها بين هذين البلدين واميركا، ولم تكن مفاجأة  ان تتحقق أغرب النتائج الأيجانية في كل من ألمانيا واليابان في العصر الحديث.


ان الخلفية الصناعية والأنسجام الديني والأثني لكلا المجتمعين الألماني والياباني، والوعي الناتج عن ذلك،   قد وفرا الأرضية الصلبة للتحولات الديمقراطية في هذين البلدين ، وسهلا التعامل مع المحتل الأمريكي على اساس المصلحة المشتركة,  فتعاون جميع أفراد المجتمع من أجل المصلحة العامة في عملية بناء وإعمار البلد، وفق ما يتطلبه المجتمع الديمقراطي ويتمناه في زيادة قيمة الفرد.

 وعلى النقيض من وضع المانيا واليابان،  ورث الأحتلال الأمريكي في العراق  عقلية عشائرية وطائفية نمت وترعرعت في ظل الأحكام الدكتاتورية السابقة، ووجدت بعد زوالها وانعدام النظام كثيرا من مغريات السرقة والفساد خاصة في بلد يتمتع بالغنى النفطي الكبير. إضافة الى ان تمركز النفط في أماكن دون غيرها، زاد من سعة الأنقسامات والصراعات الطائفية والأثنية لغرض السيطرة والهيمنة على حساب الوحدة الوطنية، وبذلك اصبحت هيمنة الروابط الطائفية والأثنية المحدودة أقوي من رابطة الوطن الواحد.


لم تتمكن القيادات العراقية التي هيمنت على الحياة السياسية ورافقت زمن الأحتلال، من فهم النظام الديمقراطي الأمريكي بصدق لتتبناه بحق، الا في مفهوم  الحصول على الأكثرية العددية من  أصوات الناخبين للوصول الى دفة الحكم ، فبقت تيارات سياسية كبيرة منغلقة اما في بودقتها الطائفية او في خندقها القومي، وحشدت أتباعها من الناس للأنتخابات، بتهييج ودغدغة شعورها العاطفي،  وانعكس ذلك على انتخاب لجنة صياغة الدستور ، التي جاءت بتوافقات طائفية وقومية محدودة، بدلا من عقد أجتماعي  بين افراد المجتمع ، فكانت التنازلات الوطنية الكثيرة.  وبدلا من ان يقر مبدأ فصل الدين عن الدولة ، لغلق الأبواب على الأنقسامات ، وتعميق روح المواطنة،  أعتبر الأسلام دين الدولة الرسمي،  مصدر اساسي للتشريع ، فاتحا الأبواب للخلافات الطائفية والتناقضات مع المفاهيم الديمقراطية. وبسبب التوافقات الطائفية والقومية المحدودة، مررت مواد دستورية متناقضة ومبهمة بخصوص السياسة النفطية، تاركة المجال للمنافسة غير النزيهة  على حساب إضعاف الدولة العراقية، فلم يكن دستورا موفقا في كثير من مواده عندما مرر قسرا، وخير دليل على ذلك حوادث السنوات اللاحقة لأقراره، وما نجم من حروب اهلية راح ضحيتها مئات الألاف من الناس ، وتشرد الملايين من الأبرياء من ديارهم بفعل الترحيل والتهجير الأجباري المنظم لغرض فرض الأمر الواقع في تقسيم العراق الى مناطق نفوذ  طائفية  واخرى اثنية.

           

ان التعمق في الطائفية والقومية في العراق المتكون من طوائف وأثنيات مختلفة مزق الوحدة الوطنية وشتتها، وخلق شلة من السياسيين لأستخدام الطائفة كمطية لتحقيق أغراضها، كالتفكير في قيام اقليمها على أساس طائفي، أسوة بقيام الأقليم  القومي، الذي حرص على زيادة قوة مليشياته المسلحة واقامة علاقات خارجية وتوقيع عقود تجارية ونفطية خارجة عن سيطرة الحكومة المركزية ، الوضع الذي أربك العلاقة بين مكونات المجتمع العراقي وقلل من ثقتها بالحكومة المركزية، وتعقد الأمر كثيرا حينما أنخرطت عناصر كثيرة من  المليشيات في أجهزة الأمن والشرطة والجيش الوطني مع الأحتفاظ  بولائها لأحزابها السياسية، ما يتعارض مع المصلحة الوطنية. وبحكم الولاءات الضيقة، وتغلبها على الولاء الوطني،  برزت تحالفات دولية واقليمية ، تسمح بتدخل دول الجوار في الشؤون الداخلية للبلد، مما يتناقض والمصالح الوطنية العليا، وقد ظهر ذلك واضحا  في كثرة العراقيل  التي وقفت في طريق أنجاز الأتفاقية الأمنية مع أميركا.

 

ولضيق أفق كثير من القيادات العراقية وأهتمامها بمصالحها الضيقة، غاب عن فهمها الهدف الأميركي من أحتلال العراق، بجعله نموذجا ديمقراطيا يكون مفتاحا للتغيرات الديمقراطية في الشرق الأوسط،،  فمثلما كان خلق النموذج الديمقراطي الحر في اليابان قوة تجابه النظام الشمولي في الصين، كذلك كانت التجربة الديمقراطية في المانيا الغربية نموذجا ومفتاحا للآنتصار على المعسكر الأشتراكي الذي قادته روسيا، من وجهة نظر أميركا،  كذلك اريد من النموذج الديمقراطي الحر في العراق ان يكون مفتاحا للتغيرات الديمقراطية في الشرق الأوسط،، ما يخدم المصالح الأمريكية ويسهل استثمارات شركاتها، ويكون ردا قويا ضد الفكر الأصولي السلفي الذي بدأ يهدد الأمن والسلام في المنطقة والعالم.

 

 إن الفارق الفكري الكبير بين القيادة العراقية والقيادتين الألمانية واليابانية  في تعاملهما مع المحتل الأمريكي، واختلاف الأجندة العراقية، عطلا أستيعاب  الهدف الأمريكي من احتلال  العراق،  ومنعا الأستفادة من القدرات والأمكانيات الأمريكية الهائلة لبناء العراق،  وما رافق ولا زال يرافق محاورات الأتفاقية الأمنية  من شد وجذب لم يظهر العراقيين أنهم أكثر وطنية من اليابانيين أو الألمان، بل بين على أنهم  أقل وعيا وادراكا لوطنيتهم.  ويبقى أملنا معلقا في القيادات العراقية الشابة ان تتجاوز مخلفات الماضي وأخطاء الحاضر، وتنفتح للمستقبل المشرق في وحدة  المصلحة الوطنية ورقي الأنسان العراقي.

 

5
زيارة الملحق الثقافي العراقي في أمريكا
الدكتور عبد الهادي الخليلي الى ولاية كالفورنيا

اعداد: الدكتور ثائر البياتي
ساند ياغو – كالفورنيا
27 نيسان/2008
thairalbayati@yahoo.com

زار الدكتور عبد الهادي الخليلي، الملحق الثقافي العراقي في أمريكا، يرافقه معاونه الدكتور جلال مجيد ،  ولاية كالفورنيا للمدة من 19 نيسان / 2008  ولغاية  26 نيسان /2008  . تضمنت الزيارة لقاءات مثمرة مع الجالية العراقية في كل من مدن لوس أنجلس    وساند  ياغو  وسان فرانسيسكو، وزيارة  السيد الملحق الثقافي العراقي هي الأولى من نوعها للجالية العراقية منذ عقود طويلة ، لذلك كان الحضور من كل الأطياف العراقية، في جو تغلب عليه البهجة والفرحة.

والدكتور عبد الهادي الخليلي عرفناه من خلال نشاطاته  وبحوثه العلمية على المستوى العراقي والعربي والعالمي. فهو من عائلة عراقية أدبية وعلمية عريقة، مدت العراق بالأطباء والأدباء منذ بواكير تأسيس مدينة بغداد . تخرج من الكلية الطبية العراقية، جامعة بغداد عام 1966، حائزا المرتبة الأولى على دورته، ثم حصل على الأختصاصات الطبية العليا من أنكلترا وأمريكا، ونشر الكثير من البحوث الطبية والعلمية  في المجلات العراقية والعربية والعالمية،  وكان عضوا وهاجا  في أي لجنة علمية حل بها،  كما أشرف على البحوث والدراسات العليا في الكلية الطبية، في جامعة بغداد، وكان رئيسا لقسم جراحة الجملة العصبية فيها، وقد اعتبره اتحاد الأطباء العرب عام 1977 أفضل طبيب في البلاد العربية.

كانت اطلالة الدكتور الخليلي على ولاية كالفورنيا كالبدر وسط الليل البهيم، يزيح ظلام الجالية العراقية، التي اصابها اليأس والأحباط  مما يدور في العراق، وحل بيننا كالشمس يضيء مسالك الطريق ، ويعيد الأمل للعراقيين ويفتح لهم أفاق عمل جديد لخدمة بلدهم العزيز العراق.

التقى الدكتور عبد الهادي الخليلي يوم 18 نيسان / 2008   بجمع من أبناء الجالية العراقية  في مدينة لوس أنجلس، وتدارس معه كيفية العمل المشترك لأيصال الثقافة العراقية الى الشعب الأمريكي وبحث في أفضل السبل لخدمة النمو والتطور في مجالات الصحة والتعليم  وغيرها في العراق من خلال توسيع العلاقات مع المؤسسات العلمية والجامعات الأمريكية، وحضر أمسية خاصة للجالغي البغدادي اعدتها على شرفه الجالية العراقية هناك.

بكثير من المحبة والترحيب التقى يوم 19 نيسان/ 2008  بجمع من أبناء الجالية العراقية في ساند ياغو،  وتم خلال اللقاء تكريم الشاعرة لميعة عباس عمارة  والقيت أيضا قصائد شعرية شعبية من قبل الشاعرين  كريم الجسار وخليل الحسناوي، شدت الهمم وزادت من الحنين للعراق، كما كان لقيام المذيعة  العراقية كلادس يوسف بتقديم فقرات البرنامج بصوتها الرائع الوقع الخاص على مسمع الحضور، لأنها من رائدات المذيعات  في العراق، خدمت الوطن لعقود طويلة. وقد عرض السيد الملحق نشاطات الملحقية على شكل سلايدات وشروحات، بينت الأنجازات الكبيرة للملحقية  في وقتها القصير، وتخلل اللقاء مداخلات من الحضور الكرام.

حضر اللقاء من ساند ياغو أعضاء من مختلف اتحادات وجمعيات الجالية العراقية، وعدد من الأطباء العراقيين، طلاب الدكتور الخليلي حين كان استاذا في الكلية الطبية في جامعة بغداد،  كما حضره عدد من شعراء وادباء وفناني الجالية، والسناتور المتقاعد  وديع ددة  والدكتور ريمون نجيب شكوري وزوجته  والدكتور جلال توفيق الصالحي،  وهم من اقدم الأساتذة  والباحثين العلميين الذين خدموا العراق طويلا. ومن لوس انجلس حضر اللقاء الدكتور فاروق درويش وعقيلته والدكتور ريجارد يعقوب والسيد علي العويناتي، وفي خلال كلمته أكد السيد الملحق الثقافي على ان الجاليات العراقية في اميركا وكل دول العالم هي كنز العراق الدائم الذي لا ينضب، فسعة معارفهم وخبراتهم وتجاربهم المتنوعة، هي رصيد العمل لنهضة العراق.  وفي نهاية كلمته شكر السيد الملحق الثقافي الحضور الكرام، وخص كلا من  الدكتور فارس فرنكول والدكتور بطرس مرقس والدكتور ثائر البياتي، من ابناء الجالية العراقية في ساند ياغو لتعاونهم في انجاح  اللقاء. وفي الختام قدم العشاء العراقي على شرف حضور السيد الملحق الثقافي ومعاونه في هذه المناسبة.

ويوم الأثنين المصادف 20 نيسان/ 2008 القى الدكتور عبد الهادي الخليلي محاضرة في جامعة ساند ياغو، تحت عنوان عراق الماضي والحاضر والمستقبل، حضرها جمع كبير من طلبة واساتذة الجامعة، ربط المحاضر بشكل رائع بين ماضي العراق السومري الذي قدم للحضارة البشرية الكثير من مقوماتها وبين الحضارة الأسلامية العباسية يوم كانت بغداد، منارا للعلم  في عصرها الذهبي ترفد الحضارة الأوربية الحديثة  بما اعاد انطلاقها المعاصر، وعزز محاضرته بالصور والوثائق التاريخية، مستخدما البور بوينت، واوضح في نهاية المحاضرة،  الحالة المأساوية التي يعيشها العراق حاليا وطلب من الجميع المساعدة والعمل على النهوض بالعراق مرة أخرى نحو مستقبل مشرق.

في يوم الجمعة المصادف 24 نيسان /2008  التقى الدكتور عبد الهادي الخليلي بجمع آخر من أبناء الجالية العراقية  في مدينة سان هوزي قرب سان فرانسيسكو ، وتناول بحث نفس الأمور التي نوقشت في لوس انجلس   وساند ياغو ، واكد الحاضرون على اهمية  استمرار اللقاءات بين كافة العراقيين بغية تنسيق الجهود الرامية لخدمة البلد. 

كانت اللقاءات المتعددة  التي اجراها السيد الملحق الثقافي ومعاونه مع أبناء الجالية العراقية في كالفورنيا ميمونة، نالت الترحاب والأرتياح الكبيرين من أبناء الجالية وجاءت لتعيد بناء جسور الثقة والمحبة بين الحكومة والجالية العراقية  في كالفورنيا، نامل ان تكون بداية العمل المشترك لخدمة بلدنا الحبيب العراق وزيادة وشائج الثقة والصداقة بين الشعبين الأمريكي والعراقي .


6
الانتخابات العراقية والعملية الديمقراطية
الدكتور ثائر البياتي
Thairalbayati@yahoo.com
الولايات المتحدة الأمريكية / كاليفورنيا

تعتبر الانتخابات التي جرت في العراق ،والتي ستجري لاحقا ممارسة ديمقراطية جديدة لم يألفها الشعب العراقي من قبل،ولم يتعرف عليه بهذه الطريقة التي يتنافس فيها العشرات من الأحزاب والتجمعات السياسية سواء من كان منها في الحكم أو خارجه والتي لم تكن تجرأ على رفع رأسها أو الإعلان عن نفسها في ظل النظام الدكتاتوري البائد الذي حكم البلاد بالحديد والنار لأكثر من ثلاثة عقود.
ورغم إن تلك الانتخابات جرت تحت ظل الاحتلال الأمريكي ، إلا إنها كانت خطوة متقدمة نحو ممارسة الديمقراطية،رافقتها بعض الشوائب والممارسات الخاطئة في إدارة الانتخابات ، والتلاعب بعواطف ومشاعر المواطنين الطائفية والقومية ، لمصادرة القرار الحر منهم.
فمن الصعب أن تمارس الأحزاب الطائفية والقومية مفهوم الديمقراطية، لان ذلك يتنافى مع قدسيتها لمبادئها وأهدافها المحدودة ، وصعوبة تنازلها للرأي الآخر في العمل السياسي، ولكن بحكم عملها مع  قوات التحالف وعلى رأسها أميركا في إدارة شؤون البلاد، تطلبت الإجراءات الضرورية ممارسة بعض الأساليب الديمقراطية لبناء الدولة الجديدة، وتأسيس الإدارات المختلفة، وكانت أولى تلك الاجراءت الديمقراطية انتخابات المجالس الإدارية والبلدية في المحافظات التي قامت بدورها بانتخاب المحافظ ومعاونيه، ومن ثم تدرجت في أجراء الانتخابات لأول مجلس وطني عقد في هذا العهد، رغم أن الأجواء يوم ذاك لم تكن  مهيأة لمثل هذه العملية الكبرى لا سيما وان الأمن لم يكن مستتبا، وأن عصابات القتل والإرهاب كانت و لا تزال تصول وتجول وتفجر الجوامع والكنائس والمعاهد ودوائر الدولة المهمة، أضف إلى ذلك إن المواطن نفسه لم يكن قد استوعب بعد مثل هذه التجربة، فكان الشيعي مشدودا إلى المرجعية الدينية والى الأحزاب السياسية ذات التوجه الإسلامي.
وكان عليه أن يدلي بصوته سواء أراد أم لم يرد إلى القائمة التي نالت الحظوة الكبرى لدى المرجعية، أو إلى قائمة الحزب الذي حظي ببركتها ، وكانت المليشيات الكردية والمواطنون في الشمال بحكم انتمائهم إلى الحزبين الكرديين ملزمين بالتصويت لصالح القائمة المؤتلفة، في وقت ابتعدت الطائفة السنية عن التصويت وتركت المجال واسعا لغيرها يستحوذ بأغلب مقاعد المجلس، فيما نالت قوائم أخرى اعتبرت نفسها علمانية أصوات المثقفين واليساريين وباقي الطوائف الأخرى غير  المسلمة .
وعموما سجلت الانتخابات السابقة تلاعبا في عواطف الناس الطائفية والقومية في الإدلاء بأصواتهم لقوائم معينة، وتصرفت الأحزاب الطائفية والقومية الحاكمة ،وكأن عملية إدارة الانتخابات، في داخل وخارج العراق،هي جزء من استحقاقها. وبذلك أصاب الغبن بعض المناطق ، ووقع التزوير في مناطق أخرى.

وقد أدارت عملية الانتخابات الأولى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات التي كان أعضاؤها نسيجا مختلفا من أطياف الشعب العراقي ، ولم يكونوا بعيدين عما جرى  ويجري في العراق من نهب وسلب ورشوة وسوء إدارة،وكانت الأحزاب الطائفية والقومية مستحوذة على قراراتها بقوة المليشيات المسلحة التي بإمرتها ، فاستحدثت مراكز انتخابية في يوم الانتخابات لغايات في نفس تلك الأحزاب وحرمت مراكز أخرى من أستمارات الانتخابات كما حصل في قرى الموصل وفي كركوك،فحرم مواطنون كثيرون من الإدلاء بأصواتهم .

وفي دول الاغتراب، تولت دائرة الهجرة الدولية إدارة شؤون انتخابات الخارج،لقاء مبالغ ضخمة، ولم تنجز مهامها بالشكل المطلوب،وقد ادعت باستقلاليتها ،إلا إنها كانت تحت توجيه الأحزاب الرئيسية الحاكمة ،التي استحوذت على عملية إدارة الانتخابات ، دون أن  يعيروا أي أهمية إلى تركيبة ومواقع تمركز الجالية ،وحصل التزوير في بعض الدول، ولم تجد نفعا كل  الشكاوى التي رفعت للمفوضية العليا، ولأن المسالة كانت تجارية بحتة، بولغ في تكاليف العملية، ولم تفتح مراكز انتخابية كافية لتغطي مواقع تمركز وانتشار الجالية ، وان فتحت فعلى مبعدة طويلة من تمركز الجالية.
وفي حينها بررنا ما حدث من سلبيات، باعتبار التجربة جديدة الممارسة ،وكان يهمنا نجاحها بأي شكل من الأشكال،على أن تكون التجربة الثانية أكثر نضوجا واشد تفاعلا مع الجالية ومنظماتها المدنية.

 ونحن نترقب اليوم ما سيجري في الانتخابات القادمة يوم 13 كانون الأول 2005 ونأمل من المفوضية العليا أن تكون عند  حسن ظن المغتربين في دول المهجر،وخاصة بعد إن أخذت على عاتقها إدارة انتخابات الخارج بدلا من أي مؤسسة دولية أخرى، لا سيما وقد أصبحنا نشعر بمسؤولية أكبر في إنجاح الانتخابات القادمة، وجعلها خطوة  ديمقراطية متقدمة ، لا أن تقوم المفوضية بعملها بشكل معزول عن الجالية العراقية ، وتتعامل مع الموضوع على انه تجاري أو تحت تأثير أحزاب معينة، كما يحدث حاليا في بعض المدن .
وإذ نشكر المفوضية على قرارها بفتح الكثير من المراكز الانتخابية الإضافية ، فأننا نطلب من ممثليها في المدن أن يعتبروا إدارة العملية الانتخابية جزءا من ممارسة الديمقراطية ، وحقا من حقوق المواطنين لأدائها بأفضل وجه ، وهذا ما يتطلب الاتصال بلجان تنسيق المنظمات المدنية والنوادي الاجتماعية التي تمثل الجالية ، وهي موجودة في معظم المدن الكبيرة، للاتفاق على ترشح العاملين والمشرفين على المراكز الانتخابية، من ذوي السمعة الطيبة والمكانة الاجتماعية الحسنة والسيرة المستقيمة البعيدة عن الانحياز السياسي ، لا أن يفرض عليهم عاملون غير مرغوب بهم، يمكن أن يشوهوا صورة الديمقراطية ، في بلد يتبوأ  شعبه هرم الديمقراطية.
آملين أن تكون المفوضية العليا للانتخابات فوق الميول والاتجاهات وان تبرهن على حيا ديتها في هذه الجولة الانتخابية لتنال احترام الجميع أينما كانوا. مع أطيب التمنيات لها بالتوفيق، ولعراقتنا الحبيب التقدم والازدهار.[/b][/size][/font]

صفحات: [1]