عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - جــودت هوشـيار

صفحات: [1]
1

ماذا قال خبير اتصالات عن لقائه أبو بكرالبغدادي في عشاء عمل ؟

جــودت هوشيار
       
ربما كان أبو بكر البغدادي أشهر شخص مطلوب للقضاء  في عالم اليوم ، بسبب زعامته لتنظيم أرهابي لم يعرف التأريخ له مثيلاً في الوحشية وتعطشه للدم ، ومعاداته للحضارة البشرية ولكل ما هو انساني وجميل في الحياة .
 تحيط بشخصية هذا الأرهابي غموض متعمد وهالة كاذبة من صنع وسائل الأعلام وخاصة مواقع التواصل الأجتماعي ،التي يستغلها التنظيم الأرهابي مجاناً ، لبث الخوف والرعب في النفوس والدعاية لدولة الخلافة المزعومة واستقطاب المتشددين من كافة أنحاء العالم. 
منذ تسليم مدينة الموصل الى تنظيم ( داعش ) بأمر أنسحاب رسمي في العاشر من حزيران 2014  ، نشرت عن البغدادي آلاف الأخبار والتقارير والمقالات ، ولكنها كلها لا تعادل مقابلة حية معه وجهاً لوجه . ولم يتمكن أي سياسي أو اعلامي أوأي شخص آخر  لحد الآن من التعرف عليه شخصياً أو اجراء حوار معه ، ربما جرت مثل هذه اللقاءات في السر وبتكتم شديد ولكن لم ينشر عنها شيء لحد الآن ، ما عدا ما كشف عنه خبير " الأتصالات الأستراتيجية في حالات الأزمات "  ديفيد بيلومو ، الذي قال في حوار مع صحيفة ال(تيمبو ) الأيطالية ، أنه التقى البغدادي وجهاً لوجه . وحسب هذا الخبير ، فأن البغدادي لا يفكر الا بمصالحه الشخصية ، وهو انسان فظيع بكل معنى الكلمة: أناني ، وسكير ، ومثلي الجنس .
 جرى هذا اللقاء قبل حوالي ثمانية أشهر في أثناء عشاء عمل في سوريا ، حضره أشخاص آخرون الى جانب الخبير وزعيم التنظيم الأرهابي .
ويقول بيلومو: "  حضرت  بناءً على دعوة تلقيتها من التنظيم لتقييم تطور وضع معين . انهم ( الدواعش )  يعملون ليل نهار في مجال الأتصالات . والأرهاب اليوم هو اتصالات . أنهم يختارون مواقع العمليات الأرهابية بعناية ويخططون لها مسبقاً ، ثم يقيّمون النتائج على مستوى الأتصالات . و بذلك يتاح لهم الحصول على النتائج المنشودة ، من دون تكلفة مالية . وهم يعملون كأي شركة  تجارية من أجل : أقصى الأرباح بأقل التكاليف . " ويضيف الخبير " على أية حال ، لم أكن غريباً بالنسبة الى صاحب المأدبة ، فقد كان هناك أشخاص آخرون أيضاً من غير المسلمين. "
ويؤكد الخبير: ان المدعوين من دون استثناء وبضمنهم البغدادي كانوا لا يتحرجون عن تناول  المشروبات الكحولية . لقد كانت مأدبة عمل صرف . واذا كان تنظيم ( داعش ) – مجرد بيزنس ، فأنه كذلك بالنسبة الى زعيمهم ايضاً .
ويكشف بيلوموعن سر خطير وهو أنه قد تم أقصاء البغدادي عن زعامة التنظيم من قبل زملائه في القيادة. ويشير الى أن البغدادي كان غائباً لمدة 15 يوماً .وقيل أنه مات ، ولكن الحقيقة هي أنه جرى اقصائه من الزعامة .وربما كان وراء ذلك ، الأستياء المتزايد في قيادة التنظيم من تصرفاته . ومن المحتمل أن سبب الأستياء هو أن البغدادي لا يفكر الا بمصالحه الخاصة ، والآخرون ايضاً  يريدون مصالحهم الخاصة و لكل منهم مصالحه الأقتصادية . البغدادي ليس رمزاً ، وليس مثالياً ، بل مجرد رجل أعمال سكير ومنحرف .



2
هل حان الوقت لأعادة رسم خارطة الشرق الأوسط ؟

                                   
جــودت هوشيار

يعتقد عدد كبير من المؤرخين و الباحثين و المفكرين ، من جنسيات مختلفة ، أن خارطة الشرق الأوسط  التى رسمت بعد الحرب العالمية الأولى بموجب اتفاقية سايكس –بيكو ، بحاجة الى تصحيح ، وأن الأحداث العاصفة التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة وتداعياتها المتسارعة ، قد تؤدى الى أعادة رسمها من جديد ،  بما يرفع الظلم الذى وقع على الشعب الكوردي.                                   
ان معظم الدول العربية فى المنطقة ، هى كيانات سياسية ، ظهرت الى الوجود فى خارطة العالم ، ليس نتيجة لعمليات ديموغرافية طبيعية ، ولم تكن تعبيرا جغرافيا  لما هو موجود على أرض الواقع ، بل فرضت بالقوة ، بعد أنتصار الحلفاء فى  الحرب العالمية الأولى وأنهيار الأمبراطورية العثمانية ، حيث قام اللاعبان الرئيسيان فى المنطقة وهما بريطانيا و وفرنسا  برسم خارطة الشرق الأوسط وتشكيل دول جديدة ورسم حدودها ، بما يضمن مصالحهما فى المقام الأول ،  دون الأخذ بنظر الأعتبار التمايز الأثنى و الدينى والتأريخى والثقافى لشعوب المنطقة.
 
لم تكن لهذه الدول المصطنعة وجود فى الأمبراطورية العثمانية ، حتى على شكل ولايات أو وحدات أدارية – جغرافية منفصلة . فعلى سبيل المثال ، كانت المساحة التى تشغلها  سوريا حاليا مقسمة .الى اربع وحدات ادارية منفصلة تأخذ بعين الأعتبار الأختلافات الواضحة بين مكوناتها  . وبعد الأحتلال الفرنسى في العام 1919 ، تم توحيدها كمحمية فرنسية واستقلت فى عام 1946 ، رغم وجود تناقضات كثيرة فيها .. أما لبنان ،فأنه ،  خليط صاخب من المسلمين الشيعة والسنة والمسيحيين المارونيين و الدروز والأرمن والكورد وغيرهم  ، ويعيشون فى جيب لا يتجاوز مساحته 10 آلاف كيلومتر مربع ، و يحاولون حل ما لا يمكن حله وهو تقاسم السلطة في ما بينهم.
 
 اما تأريخ تشكيل دولة الأردن كوحدة سياسية مستقلة ، فأنها أكثر غرابة و تتناقض مع شروط عصبة الأمم ، التى تم بموجبها وضع فلسطين تحت الوصاية البريطانية . هذه المملكة أخترعت على عجل للعائلة الهاشمية القادمة من الحجاز .أما الغزو البريطانى للعراق ومن ثم تشكيل الدولة العراقية ، فأنه يمثل بحق قمة الغطرسة الأمبريالية بأسوأ صورها والأستهانة بالحقوق المشروعة للشعب الكردى .
في 12 آذار سنة 1921 ، عقد مؤتمر في القاهرة واستمر أسبوعين برئاسة وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل. وحضره كبار الضباط والاداريين الانكليز العاملين في مناطق الانتداب. وناقش المؤتمر « تحديد مستقبل الولايات الثلاث في ما كان يعرف بـ" ما بين النهرين " وهى البصرة وبغداد والموصل، وأختيار شكل النظام السياسي ورئيسه، وبتعبير آخر، كان على بريطانيا إعادة تنظيم علاقاتها السياسية والمالية والعسكرية مع العراق العربي وكردستان الجنوبية الواقعين ضمن انتداب " ما بين النهرين "
 
كان وزير المستعمرات ونستون تشرشل يخشى من تجاهل مشاعر الكورد واضطهادهم على يد حاكم شريفي مدعوم بجيش عربي ونادى بفكرة كردستان جنوبية منفصلة سياسيا عن الدولة العربية في بغداد, وقرر المؤتمر عدم إلحاق كردستان الجنوبية بالدولة العربية، وان يدار الإقليم كحزام أستراتيجي من قبل المندوب السامي عبر موظفين ميدانيين حتى الوقت الذي يستطيع فيه الكرد ، تحديد مصيرهم السياسي في المستقبل.(1) وقد صادق رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج على قرارات مؤتمر القاهرة بخصوص كردستان الجنوبية.
فى عام 1921  تشكلت الدولة العراقية من ولايتين عثمانيين منفصلتين هما ولايتى بغداد والبصرة فقط ، ولكن حكومة المحافظين الجديدة ، التي تشكلت بعد فترة وجيزة من انتهاء مؤتمر القاهرة ، تخلت عن قرارات المؤتمر المذكور وعملت بحلول سنة 1923 على الحاق ولاية الموصل ( كردستان الجنوبية ) بالدولة العراقية ، ، بعد أدراكها أهمية نفط كركوك ومنافعها الأقتصادية لبريطانيا والدولة الوليدة في آن معاً ، خاصة ان النفط لم يكن مكتشفاً ،حتى ذلك الحين سوى في موقعين أثنين هما كركوك وخانقين وكلاهما كانتا ضمن ولاية الموصل المتنازع عليها بين بريطانيا وتركيا . 
بقع النفط كانت  ظاهرة على سطح الأرض في منطقة ( بابا كركر)  منذ زمن سحيق ، مما سهل عمل خبراء الجيولوجيا الذين جلبتهم بريطانيا ، من فنزويلا ، والمكسيك ، ورومانيا ، والهند الصينية ، لأغراض الأستكشاف والتنقيب وتحديد اماكن حفر الآبار . وفي 14 اكتوبر/ تشرين أول سنة 1927 تدفق النفط بغزارة من اول بئر نفطي الى علو 43 متراً ، وتم انتاج حوالي ( 100 ) آلف برميل خلال عشرة أيام . ومنذ ذلك التأريخ ، اصبح نفط كركوك جزءاً من المعادلة السياسية  في العراق . وتحدد في الوقت نفسه مصير مدينة كركوك ولو الى حين .
 
واجهت الدولة الوليدة مشاكل جمة حيث لم يألف سكان الولايات العثمانية الثلاث ( الموصل ، بغداد، البصرة) كيانا سياسيا متماسكا من قبل ، وكانت الولايات الثلاث تتميز بخصائص اثنية وطائفية خاصة تختلف كل منها عن الأخرى. وكان الإسلام هو الرابط الرئيس بين هذه الولايات الثلاث ولكن الدين وحده لم يكن كافيا في ذلك الوقت لتوحيدها . وتتجلى هذه الخصائص المتميزة بين العراق العربي وبين كردستان الجنوبية بشكل صارخ ، فأصل الكورد ولغتهم وتأريخهم وثقافتهم ، لا علاقة لها بالساميين العرب و تنتمي لغتهم الى عائلة اللغات الهندو – أوروبية ، وتشكل نمط حياتهم وثقافتهم على مدى التأريخ في ظروف مختلفة . و يقول بعض المستشرقين ، أن ثمة تشابه بين الكرد والأرمن فى التقاليد و فى الموروث الشعبى عموما  أكثر بكثير من التشابه بين الكورد والعرب..
ويجد المتتبع لتأريخ تلك الفترة الحاسمة في تأريخ العراق، أن الكورد عارضوا الحاق كوردستان الجنوبية بالدولة العربية الجديدة ودعا زعماؤهم الى إنشاء دولة كوردية مستقلة .
 
يتبين مما تقدم ان الدول والكيانات المصطنعة  من قبل الحلفاء ، لم تكن  قادرة على الأستمرار فى الحياة والمحافظة على حدودها الحالية الا بوجود نظم دكتاتورية قمعت الشعوب الخاضعة لها بالحديد و النار  .
بعد مائة عام  تقريبا على ابرام تفاقية سايكس – بيكو ، الشرق الأوسط يغلى من جديد ، ولن يشهد الأستقرار المنشود ، الا بعد تحرر شعوبها وحصولها على حقوقها المغتصبة . فالشعوب غير العربية ، ليست أقليات فى الشرق الأوسط ، بل شعوب عريقة تعيش فوق أراضى الآباء و الأجداد و من يعيش على أرضه ، لن يكون أقلية ، حتى اذا ضم بالقوة الى شعوب أكثر عددا .
الواقع الجديد يفتح الأبواب على مصاريعها ، لتهب منها رياح التغيير ،التى لن يستطيع أحد بعد اليوم ، الوقوف أمام تيارها الجارف . وقد حان الوقت لأعادة النظر في خريطة الشرق الأوسط  حسب مصلحة شعوبها وليس الأستعمار الذي لم يعد له وجود .
 



3

لماذا يجب أن نقرأ الكتب ؟

جــودت هوشيار
 
لم يعد الجيل الجديد يقرأ الكتب ، الا نادراً ،  .ويعتقد البعض ان عزوف الشباب عن القراءة عموماً وقراءة الكتب خصوصاً ، يرجع الى عدة أسباب ، لعل في مقدمتها ، ظهورالأنترنت ، ووسائل الأعلام المتعددة ، وضيق الوقت،  ومشاغل الحياة اليومية ، وارتفاع أسعار الكتب . ولكن هذه الأسباب لن تقف حائلاً أمام من يحرص على القراءة كطقس دائم من طقوس حياته .
 وربما كان السبب الرئيس وراء العزوف عن قراءة الكتب الجادة ، هوعدم شعور الشباب  بالحاجة الى القراءة . وهذا أمر مؤسف ، ربما لأنهم لا يعرفون قيمة الكتب في حياة الناس وتطور المجتمعات وفي تأريخ البشرية ، فالقراءة  احدى سمات المثقف الواعي والأمم المتحضرة  ، يحث عليها علماء النفس ، ولا يمل  المربون من تأكيد ضرورتها لكل الفئات العمرية ، فهي وحدها تفتح امام القاريء عوالم لا نهائية من العلم والمعرفة والمتعة ، وهي مفتاح الثقافة والحصارة والتقدم .
 
وكل كتاب جيد – خبرة جديدة وتواصل مع العقول الذكية ، عقول العظماء ، الذين يدفعون بالقاريء الى التفكير في امور لم تخطر بباله ، او لم يكن يعرف عنها كثيراً ، ولا يحسن التعبير عنها .. كما يجد فيها القاريء وصفا لتلك المواقف والمشاكل الحياتية التي قد تواجهه، وأجوبة عن الأسئلة التي تعذبه .
اننا عندما نتحدث عن قراءة الكتب ، لا نعني بذلك هواية اقتناء الكتب لغرض تزيين رفوف المكتبة البيتية أوصالون الأستقبال ، من اجل التباهي بثقافة صاحب الدار ، فثقافة المرء لا تقاس بعدد الكتب التي يمتلكها ، بل بعدد الكتب الكلاسيكية الخالدة والكتب الجديدة القيمة ، في شتى ميادين المعرفة  والثقافة ، التي قرأها بتمعن وتمحيص وتفاعل مع مضامينها  وأطال التفكير فيها واستخلص منها ما هو مفيد له في الحياة ، وما يعينه على بلوغ مرتبة أعلى من الأنسنة ،  ان صح التعبير .
 يتباهى البعض بكثرة الكتب لديه وبضخامة المكتبة التي يمتلكها ، وعندما تتحدث اليه ، لا تشعر على الأطلاق بأنه استفاد حقاً ولو قليلا من الكتب التي قرأها ، والأرجح أنه لم يقرأ معظم ما يمتلكه من كتب ، أو أنه قرأها بلا مبالاة ودون التعمق في معانيها ، ولم يتفاعل معها قط ، حيث لا يظهر شيء من أثر القراءة المعمقة في ثقافته وسلوكه واسلوبه في الكلام .
 
قراءة أفضل الكتب بتمعن شيء ، وقتل الوقت بالقراءة السطحية شيء آخر تماماً . في هذا المبحث القصير نتحدث عن القراءة الجادة ، التي ترتقي الى مستوى التفاعل مع آراء المؤلف وأفكاره.  مثل هذه القراءة لها فوائد معرفية وثقافية وصحية واجتماعية عديدة ، نحاول ايجازها في نقاط محددة :
 
ماذا وكيف نقرأ ؟  :
 
قراءة الكتب بتمعن مفيدة في مختلف مراحل العمر ، والمهم ،  هو ماذا نقرأ ؟ من المشكوك فيه ان تلعب القراءات الخفيفة المسلية أي دور في اثراء معلوماتنا أو تنمية عقولنا . من الممكن أن نقرأ لغرض الترفيه عن النفس وتمضية الوقت أو لمجرد حب الأستطلاع ، ولكننا اذا قرأنا شيئاً من روائع الأدب الكلاسيكي ونتاجات الفكر الأنساني ، فأننا نعتاد عليها ولا يمكننا الأقلاع عنها بسهولة.
الكتب الخالدة عبر التأريخ الأنساني ، تتضمن عصارة الفكر ونتاج العلم وخلاصة الفهم ودوحة التجارب وعطية القرائح وثمرة العبقريات على حد وصف ( تريستان تزارا ) ، ينبغي لكل مثقف أن يقرأها.  مثل هذه النتاجات لن تفقد قيمتها العظيمة  بمرور الزمن أبداً ، رغم تغير الأجيال ونظم الحكم ، والتقدم الحضاري .
 
قراءة الكتب العلمية عن نشوء الكون ونظام المجموعة الشمسية تؤدي الى توسعة مداركنا ومخيلتنا وتحسن تصوراتنا وفهمنا لقوانين الطبيعة . و الكتب الثقافية والتأريخية تزيد من معلوماتنا  ، وقد نستخلص منها العبر والدروس لبناء حاضرنا ومستقبلنا.
 أما قراءة  كتب السيرة الذاتية والمذكرات الشخصية ، فأنها  تتيح لنا الأطلاع على خلاصة التجارب الحياتية لشخصيات مثيرة للأهتمام ، أسهمت في صنع التأريخ أو كانت شاهدة عليها. 
ويمكننا بكل تأكيد الأستفادة من تجاربهم وخبراتهم الحياتية ، التي قد تفيدنا مستقبلاً في حياتنا العملية .
وصفوة القول ان قراءة الكتب القيمة سواء كانت تخصصية أو ثقافية عامة ، لا غنى عنها لكل انسان يعرف قيمة التراث الأنساني العظيم في العلم والفكر والثقافة. الأنسان الذي لا يقرأ يعيش حياة واحدة فقط ، هي حياته ، أما من يطلع على تجارب الآخرين،  فأنه يعيش حيوات كثيرة .
 
الكتاب ومصادر المعلومات الأخرى :
 
كانت النخبة المثقفة تقرأ كثيراً حتى الى عهد قريب ، ربما بسبب عدم وجود مصادر كثيرة للمعلومات ، والتسلية والترفيه  . لم يكن هناك أنترنت ولا الهواتف الذكية ، أما قنوات التلفزيون فقد  كانت محلية وعددها محدوداً وتقدم برامج بريئة بالقياس الى ما تعرضه القنوات الفضائية راهناً .
 
العزوف عن القراءة ظاهرة عالمية غير مقصورة على بلادنا ، وربما يظن البعض من المثقفين الكورد ،  ان قراءة الكتب في الدول الغربية هي اليوم  في أوج ذروتها وأزدهارها ، وهذا  أمر يثير الأستغراب حقاً ،  وينم عن عدم الأحاطة  بمدى تراجع قراءة الكتب في تلك الدول . صحيح ان الأقبال على قراءة الكتب في الغرب لا يزال كبيراً ، ولكنه انخفض كثيراً منذ ظهور الأنترنت .  الجيل الجديد في كل أنحاء العالم ، يبحث عن بدائل أخرى للكتاب عبر المدونات والمنتديات  ومواقع التواصل الأجتماعي .ولكن لا شيء يمكن أن يكون بديلاً للكتب الجيدة . هي وحدها تزودنا بالمعارف المتعمقة وتؤثر في تشكيل رؤيتنا للحياة والعالم . .
ان المستوى الثقافي  للمجتمع لا يتحدد فقط بمدى شيوع ثقافة القراءة فيه ، اومعدل عدد الكتب التي يقرأها المواطن سنوياً ، بل أيضاً ،  بمدى توافر حرية التعبير .
 في المجتمع العلماني المفتوح ،  الذي يحترم عقل الأنسان  ويتيح الفرصة للأطلاع على ثقافات شعوب العالم ثمة امكانات أكثر لتطور شخصية الأنسان.
 
الكتاب بخلاف التلفزيون حر من الأغراض النفعية . التلفزيون يعتاش على الأعلان وكثيراً ما يدفعنا الى شراء هذه السلعة أو تلك ،  ومشبع أحياناً  بـ( البروباغاندا) السياسية والأيديولوجية ،. أما مؤلف الكتاب ، فلا حاجة له لوضع الأعلانات بين السطور ، من اجل الحصول على مال أكثر, .
الحياة المعاصرة تتيح للأنسان امكانات كبيرة للتراخي الذهني ، اكثر من التفكير العميق والتأمل.
اذا كان المرء يكتفي بمشاهدة برامج التلفزيون وتبادل الآراء والصور في العالم الأفتراضي ، فهذا شيء عابر لا يلبث في الذهن طويلاً ولا يلعب دوراً يذكر في تنمية الثقافة الحقيقية ، اما الكتاب الجاد ، فأنه يسهم في تربية الأنسان و يقدم له غذاءاً للتفكير في حياته وفي العالم من حوله.
ويوصي الخبراء بتخصيص ساعتين في اليوم لقراءة الكتب الأدبية الجيدة ، وهم على قناعة تامة ان الكتاب المقرؤ ، افضل من الفيلم المقتبس من الكتاب ذاته ، والسبب يكمن في حقيقة أن القراءة لا يحد الخيال البشري . ولهذا السبب تحديداً ، وكقاعدة عامة ، فأن الفيلم المأخوذ من رواية ما ، لا يلبي توقعات الجمهور الذي رسم في ذهنه صورة مغايرة لمحتوى الكتاب
 
ومما يؤسف له ان عدد الناس الذين يشعرون بالحاجة الى قراءة الروايات العظيمة يتضاءل بأستمرار ، فهم يفضلون مشاهدة برامج التلفزيون والأنغماس في ألعاب الكومبيوتر ، التي تعرقل تطور الذكاء. 
لن تختفي الكتب بطبيعة الحال ولكن الأشكال الجديدة لمصادر المعلومات تضيّق دون ريب المساحة التي كانت تشغلها الكتب في حياة الناس .كتاب المستقبل سوف يصبح أفضل طباعة وأجمل اخراجاً . ، وقد يكون صالحاً لتقديمه كهدية ،  تسر العين وتزين رفوف المكتبة البيتية ،  أكثر من كونها مصدرأ للمعرفة ، لأن الجمهور القاريء في الأنترنيت أو في الأجهزة المخصصة لخزن وقراءة الكتب ، في تزايد مستمر.
 
القراءة تمرين ذهني :
 
قامت الباحثة ( نتالي فيليبس) من جامعة ( اوكسفورد ) بتجارب علمية لدراسة عمل الدماغ الأنساني خلال عملية القراءة  وبرهنت ، ان القراءة الجادة  تحفز العقل ، وتدفعه للعمل بنشاط وتركيز ، وتنظم التفكير،  وتعمل على تطور الذكاء البشري ، بالأضافة الى فوائدها المعرفية  . واثبتت الباحثة ان القراءة لا تقل فائدة عن التمارين الرياضية ، لأنها ( القراءة )  تمرّن الدماغ بأسره .
واتضح من خلال التجربة أنه عند الأنتقال من القراءة السطحية من اجل تمضية الوقت الى الأستيعاب النقدي للمعلومات ،  يجري في الدماغ تغيير حاد في نوع النشاط العصبي ، وفي الدورة الدموية .
 القراءة تؤثر في الدماغ البشري بآليات مختلفة ، حسب طريقة قراءة الكتاب. وتشير نتائج تلك التجارب الى أن كل نوع من الحمل العصبي يفيد الدماغ ويمرّنه على نحو مختلف .
 عند القراءة يتدفق الدم الى  اجزاء الدماغ المسؤولة عن القدرة على التركيز والأستيعاب المعرفي . في حين ان مشاهدة التلفزيون وعملية اللعب الكومبيوتري ، ليس لهما مثل هذا التأثير .
ومن اجل الحفاظ على وضوح العقل في جميع مراحل الحياة ، لا بد من التمرين المتواصل للدماغ ، ولعل واحدة من أفضل الطرق للقيام بذلك – هي القراءة بشكل منتظم ومدروس .والناس الذين يفضلون القراءة لديهم فرص أفضل لبناء مستقبل مهني ناجح، وعلاقة أفضل في الأسرة.
 ومن المعروف علمياً أن جسم الأنسان يشيخ على نحواسرع ،  عندما يشيخ الدماغ . القراءة تجبرالدماغ على العمل المتواصل ، وبذلك تتأخر الشيخوخة ويبدو الأنسان أصغر سناً من عمره الحقيقي ويعيش حياة أطول .
 
زيادة الحصيلة اللغوية :
 
قراءة كتب المؤلفين ، الذين يمتازون بجمال اللغة ، تعمل على تحسين قدرات الأنسان اللغوية وتطويرها ويساعده على التعبير عن نفسه بشكل أفضل وتجعله متحدثا ا أكثر إثارة للاهتمام في عيون الآخرين .
ولعل ( الجاحظ ) قد سبق الجميع في بيان مدى تأثير القراءة في شخصية القاريء و تجويد لغته : " والكتاب هو الذي ان نظرت فيه اطال امتاعك ، ، وشحذ طباعك ، وبسط لسانك ، وجوّد بيانك ، وفخّم الفاظك ...  ان الناس يتحدثون بأحسن ما يحفظون ، ويحفظون احسن ما يكتبون ، ويكتبون أحسن ما يسمعون.
لذا لا عجب ان يقول العلماء : ان الناس صنفان : أولئك الذين يقرأون الكتب ، وأولئك الذين يستمعون الى الذين يقرأون .
 
التأثير النفسي للقراءة :
 
أثبتت تجارب علمية عديدة ان عملية القراءة  تهديء الأعصاب وتزيل التوتر والقلق
وتخفض من مستوى الأجهاد ، على نحو أسرع من الأستماع الى الموسيقى أو ممارسة رياضة المشي .
فالقراءة رياضة نفسية مريحة للأعصاب ، ومتعة في متناول الجميع ، وتزود العقول بمواد المعرفة وخبرات  البشرية ، وتعلمنا ، أن نحب وأن نغفر ونتعاطف مع الآخرين .
 القراءة قادرة على التأثير الفعال في الحالة العاطفية للأنسان ، ويمكن ان تكون وسيلة ناجعة للتغلب على الأكتئاب .  فهي تبعدنا  عن صراعاتنا  النفسية الداخلية ، الناجمة عن المشاكل الخارجية وتعزلنا مؤقتاً عن الواقع بكل توتراته ومشاكله وتساعدنا على الأسترخاء والهدوء.
 
القراءة تساعد على التواصل مع الآخرين :
 
القراءة  تنمي ثقافة القاريء وتساعده على ايصال أفكاره للآخرين ،  والتعبير الجيد عما يود قوله وتجعله قادراً على فتح موضوع مع أي كان ، مما يساهم بشكل كبير في نجاح علاقاته مع الآخرين ويحظى بأهتمامهم وتقديرهم .وقد دلت البحوث الميدانية ، ان من يقرأ كثيرأ يشارك اكثر من غيره في الفعاليات الثقافية والأجتماعية .
وبطبيعة الحال فأن ثقافة الأنسان لا تتوقف على مقدار ما يقرأ ، بل على عدد الكتب الجيدة التي فهمها واستوعبها واستفاد منها في حياته العملية . وكلما قرأ الأنسان أكثر اصبح أقل شبهاً بالآخرين .
 




4

صاحب نوبل للآداب الذى لن يحصل عليها أبداً

جــودت هوشيار.
 
تصدرت صورة  للروائي الفرنسي الشهير ميشيل ويلبيك الغلاف الأخير لـمجلة  "شارلي إيبدو" قبل الحادث ، للتنويه بصدور روايته الجديدة " الخضوع "، التي تنبأ فيها بوصول حزب إسلامي إلى سدة الحكم في فرنسا عام ٢٠٢٢ الأمر الذي أثار موجة كبيرة من الجدل في أوساط المثقفين قبل أيام قليلة من صدورها.
ويقول ويلبيك ساخرا في تنبؤاته ، «سأخسر أسناني في عام 2015»،  و«سأصوم رمضان في عام 2022»
وكانت تسريبات كثيرة قد سبقت صدور الرواية  ، حتى  ان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند صرح في مقابلة مع قناة " فرانس انتر  " التلفزيونية ، أنه سيقرأ الرواية حتماً عند صدورها ، لأن " الناس تتحدث عنها " وأضاف الرئيس ، " ان مهمتي تقتضي أن أن أقول للناس ، اننا يجب ان لا نفقد رؤوسنا ، رغم الوضع المشحون بالعواطف ، وان بلدنا يمتلك مثل هذه التجربة ".
 
 تبدأ الرواية بنهاية الولاية الثانية للرئيس الفرنسي الحالي فرانسوا أولاند في عام 2022 .  يتخيل ويلبيك تحالفا سياسيا سيظهر في دورة الإعادة في الانتخابات ، يجمع بين حزب أسماه " الأخاء   الأسلامي " وأحزاب أخرى، بهدف الوصول إلى سدة الحكم، وتنتهي الانتخابات بفوز المرشح الأسلامي  الكاريزماتي محمد بن عباس، ويعين فرنسوا بيرو، مؤسس حزب الحركة الديمقراطية، رئيساً للوزراء.
ويرسم ويلبيك صورة مثيرة لما يمكن ان يحدث في فرنسا في ظل حكم الأسلام السياسي المعتدل 
: في العام 2022، ويقول أن فرنسا  تواصل انهيارها التدريجي البطيء
وتدرس جامعاتها الطلاب القرآن وتجبر النساء على ارتداء الحجاب وتسمح للرجال بالاقتران باكثر من زوجة واحدة.
ورغم أننا نتحدث عن رواية أدبية  متخيلة،  ولكن الصورة التي يرسمها الكاتب لفرنسا عام 2022 غير واقعية على الأطلاق ، وتدعم طروحات اليمين المتطرف ، فهو يزعم أن 20% من المقترعين سيصوتون للمرشح المسلم  محمد بن عباس ، زعيم حركة " الأخاء الأسلامي " . ولكن نسبة المسلمين في فرنسا اليوم هي حوالي 10% فقط ، والكثير منهم غير متدينين أولا يتوجهون الى صناديق الأقتراع في الأنتخابات . لذا لا يمكن التحدث عن المجتمع الإسلامي بفرنسا باعتباره فصيلا واحدا، بل يتسم بالتعددية، وينقسم بين ممارس للعبادات وغير ممارس، كما أن قطاعا كبيرا من الفئة الأخيرة يتأقلمون مع العادات العلمانية الفرنسية ومع ذلك ، فأن الكاتب يزعم أنه قدم صورة للواقع المرير ..
والى جانب شخصيات الرواية المتخيلة ،  ثمة شخوص حقيقيين : رئيس الجمهورية الحالي فرانسوا هولاند ،  وزعيمة حزب الجبهة الوطنية  ماريان لوبان ، وساسة فرنسيون آخرون .
ابطال الرواية يقتبسون العديد من مقولات نيتشة ، وباكونين، وستالين، وتروتسكي ، والنخبة الروسية الجديدة ، والأمراء السعوديين ، والكتاب والشعراء الفرنسيين أو بشيرون اليهم في أحاديثهم .ولكن كل هؤلاء الشخصيات الحقيقية  ، لا تدل على حقيقة ما يجري ، بل على الجذور الفكرية المتشابكة في المشهد الفرنسي . .
ثمة سؤالان عذبا المثقفين الروس في الماضي وحاول اعظم الكتاب والمفكرون الروس الأجابة عنهما : ما العمل ؟ ومن المذنب ؟ . ويلبك تجاهل السؤال الأول.  ، أما أجابته عن السؤال الثاني ، فأنه في الحقيقة تشكل محتوى روايته .
ويلبيك يرى ان المذنبين هم المثقفون اليساريون ، والجمهور العام المدلل المنحل ،وغير المهتم بمصير البلاد ، والساسة الذين تعودوا على اللعب بالديمقراطية الحزبية ، والتحالفات التجارية لأشغال المناصب الوزارية ، ووسائل الأعلام ، قصيرة النظر ، التي تهتم بترضية اذواق القراء .المسحورين بنجوم السينما والرياضة وبصرعات الموضة . ووسائل الأعلام الشريكة في خلق النظام الجديد .
ويلبيك  يتعامل مع النموذج الاجتماعي والسياسي في أوروبا الغربية بكل قسوة ، فهو يرى ان الأحزاب الأشتراكية وحضارة العالم الغربي الى غروب وأفول . وان الأنتخابات مجرد تنافس بين قوى شريرة .
 
بعض عناصر سياسة الرئيس المسلم  - كما تبدو لأول وهلة – تنعكس ايجاباً على حياة فرنسا عام 2022 . فعلى سبيل المثال،  فأن المعونات المالية السخية التي قررتها الحكومة لربات البيوت ، تدفع بالنساء الى ترك العمل وملازمة بيوتهن لتربية الأطفال ، من اجل الحصول عليها ،
مما يؤدي الى توفير فرص عمل كثيرة والى خفض نسبة البطالة المرتفعة . ولكن المعونات المالية لربات البيوت تموّل من الأموال المخصصة في الخزينة العامة لقطاع التعليم. ويتم تقليص مدة الدراسة الألزامية الى ست سنوات فقط ، ولكن اغلبية المجتمع الفرنسي المغلوب على أمره والمستسلم لمشيئة الأقدار - لا تهتم بهذا
 
بطل الرواية  فرنسوا ( الراوي ) شخصية نموذجية بالنسبة الى ويلبيك ، بروفيسور النقد الأدبي في جامعة السوربون ، عازب قلق ومتقلب في منتصف العمر ، يشتري وجبة الغداء الجاهزة من السوبرماركت القريب ، ويسخنها  بنفسه في  فرن المايكوويف ، ينظر الى الأسلام شزرا ، رغم أنه يعجبه السماح - في ظل حكم بن عباس -  بتعدد الزوجات ،  وهو لا يهتم بشيء ،  قدر اهتمامه بالتنانير القصيرة والركب العارية للطالبات. وربما هذا هو الشيء الوحيد الذي يأسف له ، عندما أصبحت السوربون جامعة اسلامية وارتدت  الطالبات المحجبات الملابس الطويلة .
ليس لدى فرانسوا عائلة ، والداه على قيد الحياة ، ولكن انقطع علاقته بهما منذ عشر سنوات ، ولا توجد لديه  ثوابت اسرية او اخلافية . ما يزال لديه بعض المعايير المعنوية  ولكنه ليس ثوابت ، بل مجرد شكليات لا ترقى الى مستوى المعايير الأخلاقية الحقيقية .
ومن المثير للأهتمام ان بطل الرواية  متخصص في أعمال الأديب الفرنسي من القرن التاسع عشر – أوائل القرن العشرين ، جوريس – كارل هيوسمانس  ، الذي يشير ويلبيك كثيرأ الى اسمه وخاصة  الى روايته ( النقيض ) التي تعد بمثابة مانيفيست لأدب الأنحطاط الأوروبي .
 
وبقدر تعلق الأمر بأبن عباس ،  فهو ليس جهادياً ، ولا متعصباً ، ولا دكتاتوراً ، ولا يشبه أي زعيم  للأسلام السياسي وحتى أردوغان . فهو علماني وسياسي معتدل في أقواله وأفعاله ، وعلى استعداد دائماً لتقديم التنازلات ، عن طيب خاطرفي سبيل التوصل الى حلول وسط للمشاكل القائمة . صحيح ان ويلبك يتذكر على حين غرة ،  الوضع في جمهورية فايمار في ثلاثينات القرن الماضي ، والمثقفين والساسة الذين كانوا يعتقدون في البداية ،  ان هتلر سيعود الى رشده في نهاية المطاف ، ويلبيك يحذر ان ما حدث في جمهورية فايمار ، يمكن  ان يتكرر في جمهورية بن عباس.
.
 لا يقتصر الحديث في الرواية على فرنسا ، فبحلول عام 2022 تدخل الأحزاب الأسلامية في الائتلافات الحكومية في بريطانيا وهولندا وألمانيا . أما في بلجيكا ، فأن الحزب الأسلامي يصبح القوة السياسية الرئيسية في البلاد،  لأن زعماء القوميتين ( الفلمنك و الوالون )  فشلوا في التوصل الى اتفاق لتشكيل الحكومة.
 
انقسام المجتمع وتحوله الى الراديكالية والأشتباكات العرقية المسلحة وفي نهاية المطاف وصول رئيس مسلم الى قصر الأليزيه ، كضامن للوحدة والأستقرار- كل هذا لم يحدث فجأة . ويتهكم  ويلبيك بسخرية لاذعة : " ان الكثير من المثقفين في القرن العشرين ساندوا ستالين وماو وبول بوت ،  ولم يأخذ أحد هذا على محمل الجد ، ولم يتم أدانتهم قط . المثقفون الفرنسيون ليسوا ملزمين بأن يشعروا بالمسؤولية ، لأن هذا ليس من طبعهم . " ويكرر ويلبيك هذا المعني في نهاية روايته قائلا على لسان بطله المحبب : " ليس لدي ما يدعو للأسف ! "
هل " الخضوع " رواية مستفزة ؟ :
 
. يعيش في فرنسا اليوم ما بين 4-6 مليون مسلم. أغلبهم جاء من الجزائر والمغرب ثم تركيا .  الكثير من الفرنسيين يخشون ان مثل هذا الوجود الاسلامي  الكثيف ، سيؤدي الى تغيير التوازن السياسي والأجتماعي  والديني في الجمهورية العلمانية. وكان من الطبيعي في مثل هذه الأجواء أن  تتباين الآراء حول الرواية ،  بين من يرى في ويلبك كاتباً عظيماً ، يقوم  بدور الفنان الذي يحمل مرآة ويجبر العالم على رؤية الحقيقة - الحقيقة المبالغ بها ربما ولكنها تروى بامانة وعمق و يتصدى لقضايا تتظاهر النخبة الباريسية التي تميل نحو اليسار بأنها غير موجودة اساسا .
 
 وبين من يعتقد ان الرواية عمل استفزازي ، يصب الزيت على النار المشتعلة حول قضايا  اللجؤ والأندماج في المجتمع . أما ويلبيك نفسه ، فأنه حاول البحث عن حل وسط .ففي حوار صحفي مع مجلة " لي جورنال دو ديمانش " الأسبوعية قال الكاتب : " انه لا يعرف ممن يخشى أكثر : من المسلم أم من الفرنسي القومي العنصري ؟ ولكنه واثق من أمر واحد وهو ان " الأسلاموفوبيا ليس شكلاً من أشكال العنصرية."
اهتمام اعلامي غير مسبوق :
صدرت الرواية في يوم الحادث وفي وقت تجري فيه مناقشات محمومة في فرنسا حول موضوعي الاسلام والهوية الوطنية ، وقد اهتمت وسائل الإعلام الفرنسية، بصدور الرواية، ما اعتبره محللون حلقة في سلسلة أعمال تندرج فيما يعرف بظاهرة «الإسلاموفوبيا»، أو الخوف المرضي من انتشار الإسلام فى الغرب.
وخصصت صحيفة «لو فيجارو»، افتتاحية ، عن الكاتب، واعتبرته « صاحب نوبل للآداب الذى لن يحصل عليها أبداً»، وقالت إن ويلبيك « يتصفح المخاوف المعاصرة، وفي المقام الأول المخاوف المتعلقة بالإسلام » ما يلومه عليه البعض «لأنه ينفخ فى النار». وأضافت الصحيفة " ان ويلبيك .
يرد على منتقديه ، الذين وصفوه بالعنصرية بأنه يكتب رواية أو « متخيل سياسي مستوحى من الواقع »
.
ودافعت الصحيفة عن ويلبك، قائلة « أى تهمة يمكن توجهيها لكاتب يقدم رؤيته عن المستقبل، ويوجد بها بعض المظاهر الكابوسية، لكنه لم يجعل منها مأساة، حتى أن بطله يتكيف معها  » . ونشرت الصحيفة الفرنسية، أيضاً تنويهاً لصدور الرواية فى صفحتها الأولى، ورأت أنها ستسبب إزعاجاً، فيما ناقشت صحيفة «فان مينيوت»، مدى «خطورة الكتاب»، متسائلة عن تأثير ما أعتبرته أفكار مزعجة تنقلها الرواية دون شك، وقالت أن الكاتب يظن أن أفكاره لن يكون لها أى تأثير جديد، خاصة أن اعتبار الإسلام المتطرف تهديداً ، أصبح في مركز اهتمام وسائل الأعلام .
لا شك ان لرواية " الخضوع " بعداً سياسياً واضحاً ، وبعد انحسار الضجة الأعلامية سينظر الى الرواية بوصفها تمثل لحظة حاسمة في تاريخ الافكار وهي اللحظة التي دخل فيها اليمين المتطرف ( او عاد) الى الاعمال الادبية العظيمة .
وقد وصف الفيلسوف وعضو الاكاديمية الفرنسية الان فينكيلكراوت ويلبيك بأنه اعظم روائي يستشرف ما قد يحصل في المستقبل."
 
ويمضي للقول "باثارته موضوع اسلمة فرنسا في نهاية المطاف، اثار ويلبيك المواجع وجعل التقدميين يصرخون من الالم."
 ويلبيك يغّير نظرته الى الأسلام :
 
قال الروائي تعليقاً على الضجة  ، التي رافقت صدور روايته الجديدة . " إن فكرة قيام حزب اسلامي بتغيير وجه السياسة الفرنسية فكرة معقولة جدا" ولكنه اقر بأنه قلص المدة التي يمكن ان يحدث فيها ذلك.
 
وقال ويلبيك لمجلة  " باريس ريفيو" ، "حاولت ان اضع نفسي مكان شخص مسلم، وتيقنت انه في الحقيقة انهم (المسلمون) واقعون في وضع فصامي لا يحسدون عليه .."
إن المسلمين محافظون بطبيعتهم، ولا يمكنهم التأقلم مع اليسار خصوصا بعد ان تبنى هذا زواج المثليين. ولكنهم يشعرون ايضا بالتهميش من جانب اليمين الذي يرفضهم.
واذا اراد مسلم ان يصوت في الانتخابات، ماذا عساه ان يفعل؟ هو في الحقيقة في وضع صعب جدا إذ ليس لديه اي تمثيل بالمرة.
 
ويؤكد ويلبيك إن موضوع كتابه الحقيقي يتمحور حول عودة الدين الى قلب الوجود الانساني واضمحلال افكار التنوير التي سادت منذ القرن الثامن عشر.
وإن عودة الدين ظاهرة عالمية وهي موجة عاتية لا فرار منها. إن الالحاد حزين جدا. اعتقد اننا نشهد الآن نهاية حركة تاريخية انطلقت منذ عدة قرون في نهاية العصور الوسطى.."
وان الاسلام يوفر حلا افضل من الفراغ الوجودي الذي يعاني منه الانسان المتنور.
 
   



5

لقاء مع المستشرق لازاريف وحوار حول القضية الكوردية

                                                         
جـــودت هـوشيار

المصادفة المحض ، هي التي قادتني الى التعرف على مؤلفات  المستشرق البارز ميخائيل لازاريف (2010 - 1930 ) ، عندما كان يخطو أولى خطواته في  دراسة التأريخ الكوردي  . كان ذلك في عام 1964  ، عندما كنت طالباً في موسكو ، وأسكن بالقرب من أكاديمية العلوم  السوفيتية  ، وكان هناك متجر للكتب يحمل اسم " الكتاب الأكاديمي " غالبا ما اتردد عليه للأطلاع على الأصدارات الجديدة للأكاديمية في شتي حقول المعرفة  . وفي احدى زياراتي للمكتبة وقع نظري على كتاب باللغة الروسية  يحمل عنوان " كوردستان والقضية الكوردية  " لمؤلف لم أكن قد قرأت له شيئاً من قبل ...  وفي أول فرصة سانحة شرعت بقراءة الكتاب بتمعن ، وكم كانت فرحتي عظيمة عندما أكتشفت ، ان منهج لازاريف  العلمي في البحث والتحليل والأستقراء التأريخي ، لا يشبه بأي حال من الأحوال ، ما قيل وما كتب الاف المرات عن الكورد ، وأقصد بذلك المعلومات العامة السطحية عن الكورد وكردستان التي دأب الكثير من المستشرقين  الغربيين والكتاب الشرقيين على ترديدها ، وكأن الكورد يعيشون في بقعة مجهولة ويأتي مؤرخ أو كاتب مزعوم ليعرفنا بهم . وتتصف كتابات هؤلاء الباحثين المزعومين ،  بطابع عمومي ،  دون التعمق في دراسة  القضية الكوردية .
مثل هذه الكتب لا تساوي قيمة الورق الذي طبعت عليه ، اما كتاب لازاريف فقد كان مختلفاً تماماً ، ويتناول بالبحث المعمق الجاد ، فترة محددة من التأريخ الكوردي ويمتاز بثراء مصادره الأصيلة وغزارة معلوماته وبمنهج علمي ينم  عن عمق فكري وموضوعية يفتقدها القاريء لدى الآخرين ، والأهم من ذلك ، أن لازاريف  ينظر الى الشعب الكردي نظرة صديق ، يحاول فهم محنته ويستشعر الظلم الذي لحق به ، ويؤشر مواطن القوة والضعف في مسيرته النضالية على مدى عقود ، من أجل أنتزاع الأعتراف بهويته وأثبات وجوده ونيل حقوقه القومية والأنسانية والثقافية المشروعة في العيش الكريم على أرضه التأريخية حراً ، مستقلاً . شعب يتطلع الى الحرية و العدالة والكرامة الأنسانية اسوة بشعوب الأرض كبيرها وصغيرها .
 
يؤكد لازاريف في مقدمة كتابه القيم :  ان زمن الكتب ذات الطابع العام عن الكورد و كوردستان قد انتهى وولى الى غير رجعة ،  بصدور كتابي فلاديمير مينورسكي ( 1877 – 1966 )  وفاسيلي نيكيتين ( 1885 - 1060 ) عن الكورد ،  ولم تعد ثمة فائدة من اجترار المعلومات العامة ، وحان وقت دراسة التأريخ الكوردي على نحو علمي معمق تتناول فترة زمنية معينة .
 ورغم مضي نصف قرن على هذا التأكيد ،  فأن دور النشر العربية والكوردية ماضية لحد الآن في طباعة و نشر كتب ذات طابع عام عن الكورد وتأريخهم وثقافتهم ، وكأنهم أمة مجهولة ـ يتم كشف النقاب عنها. ومثل هذه الكتب فيها تكرار ممل للمعلومات التأريخية،  ولا تستند الى أي وثائق رسمية او مراجع علمية رصينة ، بل تعبر عن رأي هذا المؤلف او ذاك ، الذي لا يخلو أحياناً من تشويه وتحريف .
 كتاب لازاريف ،  الذي استمتعت بقراءته ، كان كتاباً يبحث في " القضية الكوردية " خلال الفترة بين عامي  1891- 1917 ،   وهو كتاب يستند - في المقام الأول - الى الحقائق وتحليل آلآف الوثائق الرسمية المحفوظة في ارشيف السياسة الخارجية الروسية وعلى رسائل الدبلوماسيين والقادة العسكريين الروس الذين أحتكوا بالشعب الكوردي في كوردستان نفسها ، أضافة الى  الوثائق البريطانية ( الكتاب الأبيض ) ومئات المصادر الأخرى عن القضية الكوردية .
ومنذ ذلك الوقت ، رحت اتتبع كل ما ينشره لازاريف عن الكورد والقضية الكوردية باللغة الروسية ، ولا أعتمد على الترجمات  العربية التجارية ، ولا على الترجمات الكوردية المبتسرة لمؤلفاته.
 
في عام 1972 صدرت طبعة منقحة وموسعة من الكتاب السابق تحت عنوان " القضية الكوردية  بين عامي  1891 – 1917 " وقد نال لازاريف عن بحثه الموسع هذا شهادة ( دكتوراه العلوم ) في التأريخ ، وهي شهادة أعلى شأناً بكثير من شهادة الدكتوراه العادية ( ph.D ) .
كتاب لازريف الموسع والمنقح ،  يربو على 400 صفحة بالبنط الروسي الصغير نسبيا ، ولو ترجم الى اللغة العربية فأن عدد صفحات الكتاب لا يمكن أن يقل عن 800 صفحة مع الملاحق والمراجع .
بعد عودتي الى العراق شرعت بترجمة الكتاب ترجمة أمينة ونشرته كحلقات متساسلة  ابتداءاً من عام 1976 في مجلة " شمس كوردستان " التي كانت تصدرها " جمعية الثقافة الكوردية " في بغداد . وخلال زيارتي لموسكو في شهر آب/ أغسطس1977 حملت معي نسخ المجلة  لتقديمها الى لازاريف ومقابلته والحديث معه عن الكورد والقضية الكوردية ..
 
لقاء لا ينسى :
 
كان صباحا مشرقا وجميلاً من صباحات خريف موسكو الندية ، حين توجهت الى معهد الأستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية الواقع في زقاق الأرمن ، وهو شارع يقع في قلب موسكو وقد احتفظ بأسمه القديم حتى يومنا هذا .
عندما دخلت من البوابة الرئيسية رأيت أمامي بناية تأريخية جميلة ومهيبة على الطراز الكلاسيكي تزين المنحوتات والنقوش البارزة واجهتها وجدرانها ً، وأمامها حديقة غناء . كانت  اوراق الأشجار والورود تتلألأ بعد أن غسلتها مياه الأمطار ، ولاحظت فوراً نصبا تذكاريا من الغرانيت الرصاصي الغامق كتب على قاعدته  اسم وتأريخ ميلاد ووفاة صاحبه ، وكان النصب يعود ( ويا للمصادفة ) الى شخص يحمل لقب لازاريف أيضاً.
 
لم اكن اعرف رقم هاتف لازاريف ، أخبرت موظفة الأستعلامات بأنني قادم من العراق وأود مقابلة البروفيسور لازاريف . وبعد مكالمة هاتفية سريعة قالت : تفضل معي وقادتني الى مكتب لازاريف .، الذي نهض لأستقبالي وعلى وجهه ابتسامة ود وطيبة . وما ان جلست على المقعد المواجه لطاولته ، حتى بادرت الى بيان سبب الزيارة .
 قلت له: أنني ترجمت كتابكم الأخير ونشرته على حلقات في مجلة " شمس كوردستان " الصادرة عن جمعية الثقافة الكوردية ببغداد  . والحق أني شعرت ببعض الخجل وأنا أقدم له أعداد المجلة المطبوعة  طباعة بدائية رديئة على ورق أصفر باهت وصورته المنشورة مع كل حلقة بالأبيض والأسود كانت منقطة وغير واضحة المعالم تماما ، غير أنه على  نقيض ما كنت أتوقع ، قال أنه سعيد لأن الكورد أنفسهم شرعوا بالأهتمام بتأريخهم وترجمة ما ينشر في روسيا والدول الأخرى في هذا المجال .
 
قلت : قبل ان نواصل حوارنا أود أن أسألكم : لمن هذا النصب التذكاري الذي يحمل لقبكم .؟
 ابتسم هذه المرة ابتسامة عريضة وقال أن النصب لأرستقراطي أرمني قام بتشييد هذه البناية في سنة 1758 لتكون مقرا لمعهد الثقافة الأرمنية .
 قلت :  ولكن كنيته روسية .
لازاريف :  نعم ان ابناء القفقاس من ارمن ويهود وغيرهم يتخذون القابا روسية بعد اقامتهم في روسيا .
وساد بيننا لحظات صمت .
 قلت: اعرف ان حقوق المؤلف في بلادكم ، كما في البلدان الأخرى المتقدمة ، محفوظة ، لذا أعتذر ، لأنني ترجمت كتابكم دون الحصول على أذن مسبق منكم .
لازاريف : يسرني ترجمة أعمالي ، وأنا سعيد لأن الكورد أنفسهم أخذوا اليوم زمام المبادرة في دراسة تأريخهم بأنفسهم . 
قلت : هل لي أن أعرف شيئاً عن مسيرتكم العلمية . ؟ 
لازاريف :  لقد تخرجت في كلية التأريخ في جامعة موسكو عام 1952 متخصصا في تأريخ الأمبراطورية العثمانية ودرست اللغة التركية ، ثم واصلت دراستي العليا في الكلية ذاتها وكانت اطلروحتي للدكتوراه – التي دافعت عنها في عام 1955 -  تحمل عنوان . " سقوط الهيمنة التركية في المشرق العربي (1914- 1918)  " وبعد فترة قصيرة ، قمت باعادة كتابة هذه الأطروحة وحولتها الى كتاب  صدر في موسكو عام 1960 ، و لا شك انك لاحظت خلال ترجمتك للكتاب ، ان الكورد قد لعبوا دوراً فعالاً وبالغ الأهمية في تأريخ تركيا.
 
* ومتى شرعتم بدراسة التأريخ الكردي ؟
لازاريف: بعد ثورة 14 تموز في العراق أصبحت القضية الكردية ، قضية مهمة وساخنة في العراق والشرق الأوسط  . وكان لا بد من التعمق في دراسة تأريخ القضية وتطورها. وكان كتابي الأول يتناول "القضية الكردية " بين عامي (1891-1917) ،  أي منذ اشتداد الصراع الأمبريالي على كردستان وحتى ثورة اكتوبر عام 1917 في روسيا ، وكان هذا الكتاب الى جانب كتاب خالفين " الصراع على كردستان " باكورة الأعمال الأستشرقية السوفيتية في هذا المجال . وأود ان أقول ان دراسة القضية الكوردية مثيرة للاهتمام علميا  وموضوع في غاية الأهمية سياسيا ، وهي مهمة نبيلة ، لأن جوانب مختلفة لهذه القضية لم تدرس على نحو جاد.
 
قلت : رغم ان الكتاب يتحدث عن القضية الكوردية خلال فترة تأريخية محددة ولكن لاحظت انكم تتحدثون عن القضية الكورية في الوقت الراهن أيضاً .
 
لازاريف : لأن تركيا منذ سقوط الأمبراطورية العثمانية وحتى يومنا هذا تتبع سياسة الصهر القومي للكورد، ولا تعترف بالحقوق القومية الكوردية ، ويحاول  البعثيون اليوم (1) في العراق أيضاً سلوك نفس السياسة الهوجاء .واصبح مادة هذا الكتاب بعد توسيعه وتطويره اساساً لأطروحتي لنيل شهادة  دكتوراه علوم في التأريخ  ، والذي صدر – بعد اعادة النظر فيه -  ككتاب في عام 1972 تحت عنوان " القضية الكردية بين عامي 1891-1917 " ، وقد واجهتني في حينه بعض الصعوبات في قبول اطروحتي لأن احدى الجهات المقيّمة للأطروحة وهي " اكاديمية العلوم في ارمينيا " حاولت عرقلة ذلك لبعض الوقت.
 
قلت : ما السبيل الأفضل لحل القضية الكردية في رأيكم  ؟
 
لازاريف : اعتقد ان حل القضية الكوردية يجب ان يكون ضمن كل دولة من الدول التي تتقاسم كردستان الكبرى ، لأن ظروف الكورد في كل دولة مختلفة عن الأخرى .ولا شك انك لاحظت ان الجزء الأكبر من كتا بي يتناول  القضية الكوردية  في تركيا ، لأن اعتراف الدولة التركية بحقوق الكرد ، سيساعد على حل هذه القضية ككل .
 
لم أكن أود أن اثقل على لازاريف من اللقاء الأول ، لذا أخذت الملم أوراقي التي سجلت عليها بعض الملاحظات . قلت وأنا أتهيأ للمغادرة  اشكركم لأتاحة الفرصة لي لمقابلتكم وأجراء حوار معكم حول القضية الكوردية.
لازاريف : وانا ايضا أشكركم  بدوري على جهدكم المبذول في ترجمة كتابي ، ويسرني ان أقدم لكم نسخة من البحوث والمقالات التي نشرتها في المجلات العلمية ، بعد صدور كتابي الأخير  في عام  1972 .
 وتناول لازاريف من أحد الرفوف بجانب طاولته ، نسخاً من تلك البحوث والمقالات . وقال وهو يقدمها لي : أقرأها ، لأنه يهمني رأي الكورد في ما أكتب(2) .
قلت : ان كتاباتكم تحظى بتقدير واعتزاز المثقفين الكورد وسأحاول ترجمتها الى اللغة العربية ، لأنه يندر أن تجد كتابا أو دراسة موضوعية عن القضية الكوردية باللغة العربية .
قال بأقتضاب : لك أن تترجم ما تشاء من أعمالي ، ذلك أمر يسعدني . وأرجو أن اوفق في دراسة القضية الكوردية في الفترات التي تلت عام 17 19. (3) .
غادرت المعهد وأنا اشعر ببالغ الأمتنان لهذا العالم الفذ ، والأعجاب بتواضعه الجم ، وهو تواضع يتصف به كل عالم حقيقي ، الذي يهمه المعرفة أولاً وأخيراً وليس الشهادات ومغانمها .
 
ان ثلاثية لازاريف ، التي تتناول القضية الكوردية في العلاقات الدولية منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، هوعمل علمي رفيع المستوى ، ولا نظير له. وبهذا العمل الذي ذاع في الأوساط الأستشراقية والأكاديمية في العالم ، أثبت لازاريف ان الأمة الكوردية ، جديرة ، بالأستقلال الناجز . و قدم للكورد خدمة عظيمة تعجز مؤسسة علمية كاملة عن النهوض بها ، لأن الزمن لا يجود بالعلماء الأفذاذ من أمثال لازاريف ، الا نادراً .
انني ، من منبر هذه المجلة الغراء ،  أناشد بلدية أربيل أطلاق اسم لازاريف على احد شوارع العاصمة ، كما أدعو  المؤسسات العلمية الكوردستانية لأقامة الندوات العلمية حول أعماله العلمية . وأعتقد ان من أولى المهام التي ينبغي لوزارة الثقافة في الأقليم أن تقوم بها ، هي ترجمة الأعمال الكاملة لهذا العالم الجليل الى اللغتين الكوردية والعربية ، وهذا أضعف الأيمان .
هوامش :
-------------
1-     جرى هذا الحوار – كما اسلفت – في  صيف عام 1977 ، عندما كان حزب البعث يحكم العراق وتمر القضية الكوردية بمرحلة بالغة الصعوبة .
2-     ثمة  عرف جميل في الصحافة الروسية ، وهو طباعة الدراسة المنشورة لأي كاتب بشكل منفصل ايضا– على شكل ملزمة صغيرة ، ترسل عدة نسخ منها الى المؤلف ،
3-     تابع لازاريف ، دراسة القضية الكوردية ، حيث أخرج في السنوات اللاحقة  كتابان مهمان ، وهما :
- " الأمبريالية والقضية الكوردية ( 1917 – 1923 " ، موسكو ، دار نشر " العلم "  1989
- " كردستان والقضية الكوردية ( 1923 – 1945 " ، موسكو ، دار نشر " الآداب الشرقية " 2005
 
 



6
الجذور التأريخية لنظرية القوة الناعمة

جـــودت هوشيار
 
عندما يجري الحديث عن مفهوم " القوة الناعمة " بمعنى أستخدام التأثير الفكري والثقافي والأعلامي  لتحسين وتلميع صورة بلد ما ، وتعزيز نفوذه في الخارج ، يقفز الى الذهن على الفور اسم المنظر السياسي الأميركي الشهير جوزيف ناي ، وكأن هذا المفهوم كان الهاما أو وحيا هبط عليه في لحظة معينة ، أو ان التأريخ الأنساني لم يعرف استخدام القوة الروحية والمعنوية لأستمالة عقول وقلوب وعواطف الناس،  قبل أن يعلن ( ناي ) عن نظريته ،  وهذا وهم، ان لم يكن ضلالاً أو تزويراًّ  لتأريخ الفكرالسياسي ..
 
صحيح أن ( ناي ) هو أول من بلور وصاغ هذا المفهوم في أوائل التسعينات من القرن الماضي في صورة نظرية مقنعة ، محكمة البناء ، ولكن القوة الناعمة الروحية والمعنوية التي تجسدت في الأديان   والثقافة والقيم الأنسانية ، ثم في الأيديولوجيات ، على مدى التأريخ البشري ، كانت تحمل أسماء أخرى في أقوال وكتابات الفلاسفة والسياسيين القدماء مثل ( التأثير،  والإقناع ،  والقدوة،  والنموذج،  والهيمنة الثقافية )
 
القوة الناعمة في التأريخ : 
 
كان الفلاسفة الصينيون ، أول من نادوا بأستخدام القوة الناعمة لتعزيز السلطة السياسية ومنهم ( لاو تسزي - القرن السابع ق.م.) الذي قال : " لا يوجد في الكون مادة أنعم وأضعف من الماء ولكنه قادر على تفتيت أكثر المواد صلابة ." كما أن جاذبية الجمال الأنثوي ، هي أوضح مثال على " القوة الناعمة " ،وقد لعبت دوراً كبيراً في التاريخ الأنساني.
 
تعاليم ( كونفيشيوس) وأتباعه،التي  تتمحور في مجملها حول الأخلاق والآداب، والعلاقات الاجتماعية وطريقة إدارة دفة الحكم  بالحكمة والفضيلة. أثرت في منهج حياة الصينيين، وحددت لهم أنماط الحياة وسُلم القِيم الاجتماعية، كما وفرت المبادئ الأساسية التي قامت عليها النظريات والمؤسسات السياسية في الصين. ثم  انتشرت هذه التعاليم انطلاقاً من الصين في كوريا، واليابان وفيتنام، وأصبحت ركيزة ثابتة في ثقافة شعوب شرق آسيا.
 
الديانة البوذية نشأت في شمالي الهند في القرن السادس قبل الميلاد وانتشرت تدريجياً بين عدد كبير من الشعوب الآسيوية بفضل مبادئها الأخلاقية التي تدعو إلى المحبة والتسامح والتعامل بالحسنى والتصدق على الفقراء وترك الغنى والترف وحمل النفس على التقشف .والجاذبية التي تمتلكها هذه المباديء السامية ،هي التي أدت الى انتشارها  السلمي الواسع ...
 
الأنظمة السياسية والثقافة السائدة اليوم في فيتنام وكوريا واليابان ودول أخرى ،  تشكلت وتبلورت من خلال تعاليم الفلسفة الكنفوشيوسية والديانة البوذية . كما يعد الأنتشار السريع  للأديان السماوية – وخاصة المسيحية، والإسلام - خارج البلدان التي ظهرت فيها ،  تجسيداً للقوة الناعمة.
 .
التفاعل الخصب بين الحضارات المختلفة في الماضي شكل من أشكال القوة الناعمة .فعلى سبيل المثال لا الحصر تناولت المستشرقة الألمانية  زيغريد هونكة في كتابها الذائع " شمس العرب تسطع على الغرب " تأثير الحضارة الأسلامية في الحضارة الغربية فى مجالات العلوم المختلفة. وهذا التأثير تجسيد للقوة الناعمة لتلك الحضارة . وقد انعكست الآية في العصر الحديث   
فالحضارة الغربية أخذت تنتشر في العالم الأسلامي وبضمنها المنطقة العربية  منذ بواكير ما يسمى  "صحوة الشرق " ، بفعل جاذبيتها الهائلة . وهذا التأثير تعزز بمضي الزمن وقبل ظهور نظرية " القوة الناعمة " بزمن طويل .
 
القوة الناعمة في القرن العشرين :
 
في ثلاثينات القرن الماضي صاغ الفيلسوف والمفكر الأيطالي  أنطونيو غرامشي  ( 1891 – 1937م )  نظرية ( الهيمنة الثقافية ) في مؤلفه الفلسفي المهم ( دفاتر السجن ) - الذي تأثر به أجيال من الأنتليجينسيا  الغربية وخاصة المحافظون الجدد في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا - حيث أكد ان هيمنة الرأسمالية لا تستند الى القوة والمال والسلطة فحسب، بل على عامل القبول الذي تكونه ثقافة الطبقة الحاكمة في أذهان الناس،  وأن هنالك  صراعاً ثقافيا بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي تتطلب استنهاض قنوات مختلفة، كوسائل الإعلام، والمؤسسات التربوية والفكرية، بهدف إنتاج ثقافة بديلة مواجهة لثقافة الهيمنة النابعة من قيم وفلسفة الرأسمالية
 
وحتى في الولايات المتحدة الأميركية نفسها ، لم يكن جوزيف ناي ، أول من نادى بأستخدام جاذبية القوة الناعمة بدلاً من التهديد العسكري أو شن الحروب ، بل سبقه مفكرون ودبلوماسيون أميركيون ومنهم الدبلوماسي المحافظ ثقافياً  ، جورج كينان ،  الذي تحول لاحقا إلى مؤرخ، حيث كتب يقول  : " يمكن للأميركيين أن يكون لديهم ما يقولونه للناس في أي مكان آخر، وربما يصيرون أيضا مصدر إلهام للآخرين ."
 
ويمكن اعتبار السبناتور الأميركي الشهير جيمس وليام فولبرايت ( 1905 – 1991 م)  - الذي  كان  رئيسا للجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس الامريكى لمدة ثلاثين عاما ( 1945- 1975 ) ومؤسس برنامج فولبرايت للمنح التعليمية والتبادل الطلابى عام 1946 ، الذي يحمل اسمه - هو الأب الشرعي  لما يسمى اليوم بـ" القوة الناعمة " .  فقد  دعا بألحاح منذ أربعينات القرن الماضي ، سواء في خطبه داخل الكونجرس أو في الكتب التي ألفها أو في مقالاته ولقاءاته الصحفية ، دعا الى ان تكون الولايات المتحدة قدوة للعالم ليس بأستخدام القوة العسكرية ، بل في مجالات القيم السياسية والأنسانية والعلوم والثقافة وحقوق الأنسان .  ومما قاله في هذا الصدد :
" تحدث أشياء كثيرة بأماكن كثيرة، وهي إما أنها لا تخصنا أو تعنينا أو هي على أي حال خارج نطاق قوتنا أو مواردنا أو حكمتنا». لقد مضى وقت طويل جدًا بالنسبة للولايات المتحدة لتكرّس نفسها فقط لفعل الخير في العالم، سواء بالجهود المباشرة أو بقوة القدوة والمثال الذي تقدمه. وأن تتخلى عن فكرة التبشير الحافلة بمزاعم كونها شرطيَّ العالم ."   
 
أما  كريستوفر لاش ، الذي قضى عشرات السنين في تشريح الثقافة الأميركية فقد كتب يقول « ان الوعد الحقيقي الذي تقدمه الحياة الأميركية نجده في الأمل في أن تكون الجمهورية التي تمثل مصدرا لإلهام بقية العالم أخلاقيًا وسياسيًا، وليست مركزا لإمبراطورية العالم الجديدة " ."
.
وعن دور الثقافة يقول ( كريستوف موشر)، المتحدث الإعلامي ورئيس قسم الاتصال بمعهد غوتة: "تلعب الثقافة دوراً كبيرا، إذ تعتبر رسمياً منذ سبيعنات القرن المنصرم، إلى جانب السياسة والاقتصاد، الركن الثالث في السياسة الخارجية الألمانية''. ويضيف موشر بأن ألمانيا "تعتمد على شبكة العلاقات الناتجة عن معهد غوتة ومؤسسة دويتشة فيله وغيرها من الفاعليين في هذا الحقل."
وعن جاذبية ألمانيا بالنسبة الى الشعوب الأخرى ،  يقول موشر : "
 
"الشخصية الألمانية منضبطة بالنظام والقانون ومُحبة للعمل لدرجة العبادة. ألمانيا خلية نحل لا تهدأ ليلاً ولا نهاراً. شعب تضبط الساعة عقاربها على مواعيده، وحكومة تملك إحصائية لكل شاردة وواردة. بالإضافة لما سبق، تعتبر قيم الحكم الرشيد والحرية والعدالة مصانة دستورياً ومطبقة ومعاشة في الحياة اليومية. بعكس النظام الرأسمالي "المتوحش"، يقوم "اقتصاد السوق الاجتماعي" على تكافؤ الفرص، والتكافل الاجتماعي، والضمان الاجتماعي والصحي للموطنين جميعا. الدولة هي الأب الحنون للجميع؛ تكافئ المجد وفي الوقت عينه لا تترك طبقتها السفلى المعدمة تنام على أرصفة الشوارع. حقوق النبات والحيوان مصانة، وحقوق الإنسان مقدسة. خارجياً، تعمل الدولة على تعزيز ثقافة السلام ودعم عملياته، لاعبةً أحيانا دور الوسيط في حل النزاعات، فضلاً عن الدفع باتجاه الحوار بين الحضارات وخصوصا بين الغرب والعالم الإسلامي".
 
القوة الناعمة في السياسة الخارجية :
 
" القوة الناعمة " بوصفها ظاهرة برزت كأداة للسياسة الخارجية منذ زمن طويل وقبل ان يتمكن العلماء من تعريف مفهومها وتحديد مصادرها وآلياتها وقنوات تأثيرها .
. ويرتبط ظهور هذه الأداة مع أنتشار وسائل الأعلام وتأثيرها في الوعي الجمعي ، وهذه الوسائل معروفة حسب التسلسل التأريخي لظهورها وهي :  الصحف ، والأذاعة ، والتلفزيون ، واخيراً الأنترنيت ) .ويلاحظ أن توسع نطاق استخدام "القوة الناعمة"،كأداة في السياسة الخارجية  تزامن مع  فترة الحرب الباردة وخاصة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ، مع تفاقم المواجهة الإيديولوجية، بين المعسكرين الغربي والشرقي ، ، رغم أن النهج المتبع من قبل كل معسكر  في هذه المواجهة الأيديولوجية كان مختلفا  بعض الشيء..
 
. كان الاتحاد السوفياتي يعمل على نشر الأيديولوجية السوفياتية، التي تتركز على ازدهار الدولة . ، اما الولايات المتحدة الأميركية فقد كانت تعمل في مجال الترويج للحلم الأميركي ورفاهية الأنسان . ومع انتشار تقنيات القوة الناعمة ، بدأت القوة الصلبة ، العسكرية والأقتصادية تفقد تدريجياً مكانتها الأحتكارية السابقة كأداة رئيسية في السياسة الخارجية ..
 
الاختلاف الجوهري بين القوة الصلبة والقوة الناعمة هو كالفرق بين الأحتلال العسكري المباشر لبلد ما وبين الهيمنة على عقول وميول النخب الحاكمة فيه بوسائل الأستمالة والترغيب. .
تجارب التأريخ القريب تؤكد ان استخدام " القوة الصلبة " كالتدخل العسكري والعقوبات الأقتصادية  لم يعد مقبولاً لدى قطاع كبير من الرأي العام العالمي. .
الأتحاد السوفييتي أحتل هنغاريا عام 1956 ، وجبكوسلوفاكيا عام 1968 ، ولم يجن من وراء ذلك سوى زرع الكراهية له ولأيديولوجيته في العالم عموماً وفي الدول الغربية خصوصاً ، ، كما أن الأحتلال السوفييتي لأفغانستان عام 1979 أدى الى التضحية بحياة الآلاف من ضباط وجنود الجيش الأحمر وخسارة فادحة في الأسلحة والمعدات والأموال وادانة المجتمع الدولي لتدخله العسكري ، وفي نهاية المطاف اضطر الكرملين الى سحب قواته عام 1989 بعد الفشل الذريع الذي مني به في تحقيق أي هدف من أهداف هذا التدخل .
ويمكن القول الشيء ذاته عن التورط الأميركي في حرب فيتنام ( 1956 – 1973م ).
، حيث لاقت هذه الحرب معارضة قوية من الرأي العام الأميركي والعالمي ، واضطرت الأدارة الأميركية في نهاية المطاف الى وضع حد لهذه الحرب المأساوية وعدم التورط مستقبلاً في النزاعات العسكرية ، الا عند الضرورة القصوى وعلى نطاق ضيق ، بداعي محاربة الأرهاب حصراً في عدد من بلدان الشرق الأوسط وافريقيا ،مع تجنب الأصطدام العسكري المباشر مع  الدول النووية المنافسة لها على الساحة العالمية مثل روسيا والصين  .
يتضح مما تقدم أن مفاهيم " القوة الناعمة " متجذرة في ثقافات العالم في الماضي والحاضر ، وان النخب العلمية والفكرية والثقافية في أرجاء العالم دعت - منذ أنتهاء الحرب العالمية الثانية في الأقل وما تزال تدعو حتى يومنا هذا -   الى التعايش السلمي والتفاعل الخصب بين الثقافات المختلفة والى ضرورة التخلي عن لغة القوة وتغليب ما يعرف اليوم ب" القوة الناعمة " على " القوة الصلبة " في العلاقات الدولية.
 
 


7
بعض ما كتب عن المؤرخ زبير بلال اسماعيل

                                                         
جــودت هوشيار

حظي المؤرخ زبير بلال اسماعيل ( 1938 –1998م ) بأهتمام العديد من المؤرخين والكتاب
 والباحثين والشعراء ، الذين أشادوا بدوره الكبير في أستجلاء تأريخ الكرد وكردستان وخاصة مدينته العريقة " أربيل " الحضارة والمبدعين الكبار في شتى ميادين العلم والأدب والتأريخ والثقافة ، وقيموا عاليا مؤلفاته الريادية ، التي فتحت أبوابا واسعة أمام المؤرخين الآخرين من جيله و الجيل اللاحق ويمكن القول أن معظم من كتب عن التأريخ الكردي القديم والثورات الكردية والمعاهدات الدولية المتعلقة بالقضية الكردية عموما  وتأريخ أربيل خصوصا في العقود الأربعة الماضية قد نهل من مؤلفات مؤرخنا الشيء الكثير .
كرس العديد من الباحثين والكتاب دراسات ومقالات عن أعماله العلمية ، كما كتب بعض الشعراء قصائد في  الثناء عليه  وسنتطرق في ما يلي لبعض ما كتب عن المؤرخ الراحل:
 
1 – الشاعر الشهيد مهدي خوشناو
 
كتب الشاعر الشهيد  " مهدي خوشناو " مقالا رائعا ومؤثرا عن المؤرخ الراحل في جريدة " خبات " بعددها الصادر في 16-12-1998 أي في اليوم التالي لوفاته ، يقول فيه انه كان احد الطلاب الذين درّسهم المؤرخ الراحل مادة ( التأريخ )  في معهد المعلمين في أربيل ، ويتحدث عن مناقب الفقيد ومآثره واخلاقه السامية و تواضعه الجم ، هذه الصفة الحميدة التي هي صفة كل عالم حقيقي ، وقال ان أربيل وزبير بلال اسماعيل تؤمان لا ينفصلان ، واننا عندما نذكر مدينة أربيل نذكر معها دائما مؤرخها الكبير زبير بلال أسماعيل .
وفي عام 2001  نشرالشاعر الشهيد،  ملحمة شعرية تحت عنوان " "هه ولبره كه م" أي " هوليري " في جريدة " خبات " الغراء ، تحدث فيها عن عراقة أربيل وحضارتها في أوج ازدهارها ودورها الكبير في الحركة التحررية الكردية ، وقد رسم الشاعر في هذه الملحمة صورة قلمية مؤثرة  للمؤرخ الراحل ووطنيته الصادقة والخدمات التي قدمها لأربيل والحركة التحررية الكردية بأستجلاء تأريخ الكرد وكردستان .
 
2 – د.زينب جابي
 
كتبت  د. زينب جلبي عدة دراسات مهمة عن المؤرخ الراحل ، منها :
- لمحات عن حياة و مؤلفات المؤرخ الكبير زبير بلال أسماعيل
- المؤرخ زبير بلال إسماعيل: رحلة العطاء والتعب
 - المؤرخ زبير بلال اسماعيل فى ذكرى متجددة
- المؤرخ زبير بلال اسماعيل : الرائد الأول والأبرز في تدوين تأريخ أربيل
- أربيل فى أدوارها التأريخية " نقطة أنعطاف فى دراسة التأريخ الكردى "
وتقول د. جلبي في الدراسة الأخيرة :
 
مصائر الكتب مثل مصائر البشر، حيث لا تقاس أهمية أى مفكر أو مؤرخ أو عالم بكثرة مؤلفاته القيمة فحسب ، بل بمدى تأثيره فى جيله والأثر الذى يتركه بعد رحيله . ومؤرخ الكرد وكردستان الكبير زبير بلال أسماغيل ( 1938- 1998) م أحد أبرز رواد  كتابة التأريخ الكردى فى النصف الثانى من القرن العشرين، كان له أبلغ الأثر فى تحديد مسار كتابة تأريخ الكرد وكردستان الحافل بالأحداث الجسام .. وفتحت مؤلفاته آفاقا جديدة للمؤرخين من جيله والأجيال اللاحقة . كان الراحل العظيم يخوض فى بحر من المجهول، حيث ان تأريخ الكرد وكردستان  ، كان يكتنفه الغموض الى حد كبير . وما دونه (المؤرخون) العرب عن الشعب الكردى -عن بعد -  كان مجرد أوهام وخرافات لا يصدقها أى عاقل . ولم يكتبوا شيئاً ذا قيمة، أضافة الى ان تلك الكتابات كانت ملاحظات عابرة ومشتتة فى ثنايا مؤلفاتهم المكرسة أصلا لتأريخ شعوب أخرى
 
3 – د.جواد كاظم البيضاني
 
الدكتورالبيضاني باحث عراقي  جاد يتسم اسلوبه بالموضوعية والرصانة العلمية ، وقد أولى اهتماما ملحوظا يالثقافة الكردية والنتاج الفكري الكردي . وكتب دراسة قيمة تحت عنوان " زبير بلال اسماعيل أول مؤرخ كردي يهتم بدراسة التاريخ القديم "
تحدث البيضاني في هذه الدراسة القيمة عن السيرة الحياتية والعلمية للمؤرخ الراحل وأهم مؤلفاته ومنهجه التأريخي . يقول البيضاني " سلك المؤرخ زبير بلال منهج الاثاريين في تدوين التاريخ فهو يعتقد ان الآثار الملموسة والوثيقة هي الوسيلة التي تمكن المؤرخ من الوصول الى غايته ،والحقيقة فأن هذا المنهج في التصنيف عمل به كبار المؤرخين العراقيين امثال طه باقر ، وجواد علي ، وفاضل عبد الواحد وآخرون وكان اول كتبه التي صنفها بهذا الاسلوب العلمي الرصين كتاب ( اربيل في ادوارها التاريخية ) والذي جمع فيه بين منهج المؤرخ في التدوين واسلوب وطريقة الاثاري بالاستقصاء في البحث والاستسقاء ،  والحقيقة ان هذا الكتاب مثل تحولا كبيرا في كتابة التاريخ الكردي ، فقد جمع مؤرخ هذا لكتاب تاريخ مدينة اربيل لفترة اربعة الاف عام أي من المرحلة الاكدية وحتى الاحتلال الانجليزي وهي فترة طويلة .
هذه المزايا دفعت البعض للاعتقاد ان كتاب ( اربيل في ادوارها التاريخية ) هو افضل ما كتب عن تاريخ هذه المدينة . يقع الكتاب في ( 382 )صفحة  وقد صدرت طبعته الاولى عام 1971 م . ويبدو ان فترة العشر سنوات التي قضاها بين تخرجه وصدور هذا الكتاب قضاها في تاليف هذا المصنف المهم ، فأي باحث يتناول تاريخ هذه المدينة لابد من اعتماده كمصدر ضمن قائمته فهو بحق موسوعة لتاريخ اربيل جمع فيه من المعلومات ما لم نجدها في كتاب اخرسبقه .
وفي عام 1984 صدرت له دراسة تحدث خلالها عن علماء اربيل واثرهم في التاريخ الاسلامي . وما يؤسف له ان هناك كتابا له لا يزال مخطوطا يتحدث فيه عن علماء اربيل واعلامها اضافة الى اعلام الكرد يقع هذا المخطوط في ثلاثة اجزاء . كما ان له كتابا اخر تحدث خلاله عن مدينة اربيل حمل عنوان ( تاريخ اربيل ) صدر هذا الكتاب في عام 1999 اما كتاب ( اربيل بين الماضي والحاضر ) والذي صدر عام 1987 فهو لا يقل اهمية عن باقي كتبه التي تحدثت عن مدينة اربيل
لقد تميزت كتب المؤرخ زبير بلال الخاصة بمدينة اربيل بالاعتماد على الوثائق التاريخية والآثار والشواهد المادية وهو بذلك يبتعد عن منهج معظم المؤرخين القائم على اساس الاخبار والروايات ولعل سبب ذلك يعود الى الغموض بالكتابه التاريخية في بعض المراحل خاصة غير المدونه منها وهذا لايعني ان هذا المؤرخ ابتعد عن الموروث الكتابي .
بيد انه قام بتتبع حلقات الخبر والرواية التاريخية لاكتساب منهجية اكثر دقة ورصانه في التدوين
 
4-محمد مصطفي الصفار
 
- زبير بلال اسماعيل .. مؤرخ مدينة اربيل حياته ونتاجه الفكري
 
- المؤرخ زبير بلال اسماعيل و دوره فى تدوين تأريخ الكرد وكردستان
 
5 - كريم شارزا
 
المؤرخ والباحث الآثاري الكوردي زبير بلال اسماعل
يتحدث الكاتب في هذا المقال الذي نشر اولاً في جريدة " خبات " ثم في صحف ومجلات ورقية ومواقع الكترونية ومنها موقع ( ويكيبيديا ) الشهير ، عن دور مؤرخنا في أحياء التأريخ الكردي وعن مؤلفاته والمخطوطات التي تركها بعد رحيله . وقد استند الأستاذ كريم شارزا في مقاله الى معلومات موثقة وشهادات بعض المثقفين من زملاء المؤرخ الراحل .
 
6 -  صبحي ساله يى
 
زبير بلال اسماعيل
كتب الكاتب والصحفي الكردي المعروف الأستاذ صبحي ساله يي مقالاً مركزاً وجميلاً عن مؤرخنا يقول فيها : تذكرت الاستاذ الذي علمني اكثر من حرف، تذكرت الاستاذ الذي رحل في الخامس عشر من شهر كانون الثاني 1998 والذي كرس حياته من أجل تدوين تأريخ أمتي ووطني على أسس علمية دقيقة.
 
تذكرت الراحل زبير بلال اسماعيل الذي فاجأ الاوساط الثقافية الكوردستانية والعراقية في عام 1971 عندما اصدر (اربيل في ادوارها التأريخية) والذي اعتبره البعض في حينه موسوعة تأريخية. كما تذكرت كتابه الشهير (تأريخ اللغة الكوردية) و(علماء ومدارس في أربيل) الذي ضم تراجم لعدد كبير من علماء اربيل واشهر مدارسها، ولعل من المفيد هنا ان نذكر بأن وزارة الثقافة في حكومة أقليم كوردستان اصدرت قبيل وفاة استاذنا كتابه القيم (تأريخ اربيل)، ذلك الكتاب الجديد في المضمون والمختلف عن بقية كتب التاريخ.. وحيث كانت القضية الكوردية والحركة التحررية الكوردستانية من أولى اهتمامات مؤرخنا العلمية والتأريخية، فقد نشر العشرات من الدراسات وصدر له وبعد وفاته بوقت قصير كتاب (ثورات بارزان) الذي تناول فيه وبالتفصيل وبكل دقة وحيادية تأريخ تلك الثورات.
 وذاعت شهرته في الاوساط الاستشراقية حتى اصبح مرجعاً للكثير من طلبة الدراسات العليا والباحثين في مجالات التأريخ الكوردي، ويشهد الجميع على وقفة الراحل بكل صلابة امام الذين حاولوا المساس بقلعة اربيل التأريخية، حينما اراد عملاء النظام الصدامي هدم بيوت قلعة اربيل حيث ارسل، مع عدد اخر من المثقفين، برقية الى السلطات يطالب فيها بوقف فوري لعملية الهدم والتخريب
 
7 - د. محسن محمد حسين
 
- حول قلعة اربيل ـ وفاءً للراحل الكبير زبير بلال اسماعيل
كتب د. حسين مقدمة جميلة للدراسة العلمية التي كتبها المؤرخ زبير بلال اسماعيل  عن قلعة أربيل وقدمت الى السلطات المختصة في اقليم كردستان عام 1996 بأسم " هيئة انقاذ قلعة أربيل " التي كان مؤرخنا عضواً فيها ، عندما فكرت بعض الجهات في استقطاع جزء من بدن القلعة لأنشاء دكاكين ومحلات تجارية على حساب أهم أثر تأريخي في كردستان ، حيث بين المؤرخ الراحل في دراسته أهمية الحفاظ على القلعة كاملة ومصانة وعدم التفكير في المساس بها بأي شكل من الأشكال . ونتيجة لهذه الدراسة الرصينة والمقنعة صرفت السلطات النظر عن المشروع المطروح آنذاك لأستقطاع جزء من جسم القاعة .
 
8 - شيرزاد هيني
 
كتب الروائي الكردي المعروف شيرزاد هيني رواية تحت عنوان " هولير -  ابن المستوفي " جعل من مؤرخنا أحد أبطالها الرئيسيين ، ويذكر الروائي على لسان أحد شخوص الرواية انه كان الأجدر وضع تمثال للمؤرخ زبير بلال أسماعيل في باب قلعة أربيل لأنه جدير بذلك ، ربما أكثر من أبن المستوفي .
 
9–أدرجت جامعة بغداد  ضمن خطتها البحثية لعام 2013 بحثاً لـ( أ . د. نداء نجم الدين احمد ) تحت عنوان ( من علماء اربيل العالم والمؤرخ والاثاري زبير بلال اسماعيل )
 
11- كتبت عشرات الدراسات و المقالات عن مؤلفات المؤرخ الراحل  منها :
 
11/ 1- 1مقال آزاد عبيد صالح
- حول كتاب " تأريخ اربيل ) ، مجلة رامان ، العدد50 ، 5أغسطس 2000
                                                                                               
11 / 2 -  جريدة عراقنا اليوم
زبير بلال اسماعيل  : الأختام الاسطوانية .. تراث عراقي قديم
11/3-  روست نوزاد
12-  معالم من مدينة أربيل ..جامع الشيخ جولي .. مركز ديني خيري وثقافي
 
13- تم اعتماد مؤلفات مؤرخنا كمصادر رصينة عن التأريخ الكردي في العديد من  الرسائل العلمية في داخل العراق وخارجه وكذلك في البحوث والدراسات والمقالات التي تتناول التأريخ الكردي وخاصة تأريخ مدينة أربيل ومعالمها وآثارها التأريخية وعلماءها ودور العلم والعبادة فيها .
 


8
كيف اصبحت الصورة القوة المحركة للصحافة ؟

جـودت هوشيار
 
يقول المثل الروسي : " من الأفضل ان تشاهد مرة من ان تسمع مائة مرة ". ويقابله في المعني ، المثل الأنجليزي (A picture paints a thousand words) أي ان "  صورة واحدة تساوي الف كلمة " .
 
الصورة في الصحافة الورقية :
 
الصورة في الصحيفة ليست مجرد صورة ، بل طريقة أخرى لسرد النص المصاحب لها  وتأكيده. . لذا على الصحيفة الأهتمام بجودة الصور واختيار الأفضل منها والتي التقطت بذوق فني رفيع ومهارة حرفية
الصورة وسيلة رائعة لجذب الأنتباه ولكن هذا لا يعني ان تكون لأي نص منشور صورة مصاحبة له ، بل تكون مصاحبة للمواضيع الساخنة أو المواد التي تعالج قضايا مهمة .
الصور التي تظهر الحركة هي دائما مثيرة للاهتمام اكثر بكثير من اللقطات الساكنة المملة لذا فان صور الناس على خلفية الاحداث افضل دائما . وينبغي على المصور الصحفي ان يظهر تداعيادت الحدث او الظاهرة او المشكلة التي يغطيها  وتاثيرها على الناس العاديين
 
  هكذا كان الأمر منذ نشر اول صورة فونوغرافية بدائية في الصحافة الورقية التقليدية  وحتى يومنا هذا، التي بلغت فيه تكنولوجيا التصوير درجة عالية من الدقة والأتقال والجمال . ومنذ ظهورالصحافة الشعبية وصحافة التابلويد وصحافة الأثارة ، اخذت  الصورة  تحتل مكان الصدارة فيها ،  فهي تعتمد – الى حد كبير -  على الصور المثيرة الجذابة ،  المليئة بالحركة والحيوية للفت الأنظار ، لأن القاريء ، يطالع اول ما يطالع من صحيفته العناوين والصور.
 
ان العنوان  المصاحب للصورة يؤدي دوره كاملا اذا كان لا يكرر المعلومات التي يمكن استخلاصها من الصورة وحدها ا بل  يضيف اليها معلومات جديدة  اوتعليقات ذكية لماحة. .وعلى أية حال فان على المراسل او المحرر المسؤول ، ان يضمن العنوان اقصى ما يمكن من المعلومات المركزة .
اما الصورة المصاحبة لاي تغطية اخبارية  او مقال فأنها تكون غامضة من دون وجود عنوان لها ومن دون الاجابة على الأسئلة ، التي قد تطرا في ذهن القاريء – المشاهد . من ؟ ،  أين ؟  ، متى ؟ ، كيف ؟ ، ولماذا ؟ .لأي سبب ؟ وغيرها ، والتي تعجز حتى أكثر من صورة الأجابة عنها.
 
ان طبيعة  العلاقة بين الصورة والنص والمساحة التي يشغلانها في الصحيفة تعتمد بطبيعة الحال على نوع المطبوع والهدف من النشر ..
ان صورة بعينها يمكن تأويلها على نحو مختلف حسب النص المصاحب لها و تصميمها الجرافيكي او طريقة  نشرها في هذه الوسيلة الأعلامية أو تلك .
 
الصورة في الصحافة الألكترونية :
 
 وبظهور الصحافة الألكترونية أكتسبت  الصورة اهمية متزايدة وتلعب دورا لا يقل عن دور المعالجة الصحفية النصية   ، في توضيح المحتوى وأغناءه . فالمتصفح يمر بعينيه على المقال او الخبر محاولا ادراك ان كان يسنحق القراءة. لذا من الضروري للصحيفة الألكترونية اجتذاب انتباه المتصفح على الفور بشيء ما ، واكثر الوسائل فعالية – هي الصورة الجذابة المثيرة للأنتباه .
 والصورة أشد وقعا وأكثر فعالية من مقطع ( الفيديو ) ، لأن المتصفح يصرف في العادة حوالي 15 – 20 ثانية في الأقل قبل ان يتمكن من مشاهدة بداية المقطع ، ثم  ليقرر ان كان سيستمر في مشاهدته حتى النهاية . هذا اذا كانت سرعة الأنترنيت كافية لمواصلة المشاهدة دون انقطاع اوعدم الأنتظار لتحميله . ولكي يتحمل المتصفح كل ذلك يجب ان يكون مقطع الفيديو مهما وممتعا ، اما الصورة فأنها تتحدث عن نفسها بنفسها ولا تحتاج من المتصفح بذل أي جهد يذكر.
 
ولدي مقارنة الصورة بالنص ، نرى ان كتابة النص الجيد تتطلب موهبة وخبرة متراكمة على المدى الطويل ومعرفة بدقائق اللغة واسرارها او معرفة القواعد اللغوية والأملاء في الأقل , فى حين ان التقاط الصورامر في غاية البساطة والسهولة . وفي وقتنا الراهن اصبح من الممكن  التقاط الصور ذات النوعية الممتازة بواسطة الهواتف الذكية ،  التي تسهل ايضاً عملية ارسال او تبادل الصور ، فهي دائمة الأتصال بالشبكة التي توفر هذه الخدمة.
 
كما ان شبكة الأنترنت خلقت فرصا كثيرة للتفاعل ولنشر الصور فمواقع التواصل الأجتماعي وبضمنها موقع ( تويتر ) كانت في بداية تطورها  تعتمد في المقام الاول على النص . واصبحت الصورة ركنا من اركان اقتصاد هذه المواقع بعد ظهور الهواتف الذكية وانتشارها والتي تتوافر فيها امكانية التقاط صور ذات نوعية ممتازة .
وثمة اليوم  مواقع للتواصل الأجتماعي متخصصة في نشر وتبادل الصور مثل موقع (Instagram)
 
الصورة اكثر الوسائل بساطة وشمولية لنقل رسالة معينة على الفورالى اكبر عدد ممكن من الناس ،  في حين يتطلب رسالة نصية معرفة اللغة واحيانا حتى الترجمة . ولهذا فأن الصورة هي الانسب للانترنت المفتوح على العالم بأسره ،  والصورة مفهومة دون الحاجة الى معرفة اي لغة. والمواقع التي تعتمد على الصورة والتطبيقات المتعلقة بها مربحة اقتصاديا ً أيضاً . 
 
قراءة النص المكتوب على الشاشة عملية متعبة احيانا وتتطلب الأنتباه من قبل المستخدم .أما الصور فيمكن تقليبها ومشاهدتها الواحدة بعد الأخرى لساعات من دول ملل أو كلل .ومن دون التفكير طويلا حولها .كما ان المستخدمين يرسلون للمواقع صورا لنشرها من دون أي مقابل مادي.
 
لغة التصوير :
 
 الصور التي يرسلها المستخدمون من كافة انحاء العالم الى المواقع الألكترونية المختلفة وفي مقدمتها موقع ( الفيسبوك )  تشكل صورة عالمنا اليوم بكل ما فيه من انماط الحياة في لحظة معينة .وثمة ظاهرة جديدة تمتاز بها عصرنا وهي  ظاهرة الـ(سياف - self) التي تعكس احدى سمات عصرنا الاناني .فعندما يلتقط الشخص لنفسه صورة بكامرته فأنه يود تقديم نفسه وشخصيته المختلفة عن الآخرين الى العالم .
ونظراً للدور المتعاظم الذي تلعبه الصورة في العمل الصحفي ، يتساءل العديد من خبراء الأعلام عما اذا كان من الواجب على الصحفي ان يتقن مهارة التصوير أيضاً ولا يكتفي بالمعالجة الصحفية النصية .
وخلافا للوصف النصي او الكلامي الداخل الى الوعي الانساني بتسلسل منطقي متتابع وببطأ نسبي فأن المعلومة المرئية ( الصورة )  بفضل وضوحها وخصوصيتها تنطبع في الذهن على الفور ، فهي قادرة على التاثير بقوة عاطفية كبيرة في القاريء – المشاهد وعلاوة على ذلك من المعروف جيدا ان الصورة الستاتيكية ( المستقرة ، الثابتة ) تمتلك خاصية الانطباع على نحو عميق ولزمن طويل في الذاكرة البشرية.
ويبدو ان هذه المميزات وغيرها دفع البعض من منظري الاعلام الى القول ان لغة التصوير لغة عالمية لجميع الشعوب والبلدان .
 
وثمة مقولة مشهورة للمصور الاميركي المشهور ادوارد ستيجين -Edward Steichen  (1879- 1973(يؤكد فيها " ان صورة واحدة يمكن ان تحل محل عشرة الاف كلمة بشرط ان يكون مصحوبا بعشر كلمات "
ان وجود نص الى جانب الصورة يساعد على قراءة الموضوع واستيعابه على نحو اعمق وافضل . بأستثناء الصور الفنية المعبرة الملتقطة من قبل مصورين محترفين على درجة عالية من المهارة والأتقان والتي تعبر عن الفكرة من دون الحاجة الى اي  نص تفسيري .
 
انتهاك وحدة المعني بين النص والصورة :
 
تاريخ الصحافة زاخرة بامثلة على اللبس والغموض  وسؤ الفهم الناجم عن انتهاك وحدة المعني بين الصورة والنص المصاحب له وبتعبير آخر، بين ما توحي به الصورة من معنى وبين محتوى النص المصاحب له , والأسوأ من ذلك تزوير معنى الصورة على نحو متعمد عن طريق نص مصاحب لها يختلف في معناه عما توحي به الصورة .ولدينا مثل صارخ على هذا الأنتهاك : يقول المفكر الراحل ادوارد سعيد في كتابه " تغطية الأسلام " :
 "  خصصت مجلة " تايم " موضوعها الرئيسي للاسلام بتاريخ 16 ابريل 1979 وزينت غلافها بلوحة للفنان الفرنسي جيروم تصور مؤذنا ملتحياً يقف على مئذنة  ويدعو المؤمنين بوقار الى الصلاة ، ، وكانت اللوحة تتميز بالتنميق الشديد والمبالغة الصارخة مثل جميع فنون الاستشراق التي شهدها القرن التاسع عشر ، ومن دلائل التناقض الزمني ان تكون هذه اللوحة الوقورة مزينة بكلمات لا علاقة لها بها وهي " احياء الأسلام " ولم اجد افضل من هذا الغلاف للدلالة على الفرق بين موقف اوروبا وموقف امريكا تجاه موضوع الاسلام ، اذ حولت المجلة لوحة هادئة  زخرفية ، كانت تعتبر في اوروبا جزءاً من الثقافة العامة لا اكثر ، الى صورة قادرة – بفضل الكلمتين المضافتين – على الدلالة على ما يشغل العقل الأمريكي لحد الهوس ."
لذا فأن النص المصاحب للصورة يمكن ان يؤدي الى تغيير او حتى قلب معنى الصورة الحقيقية التي لا تشوبها شائبة .
والى جانب التضليل المتـعمد ،  ثمة التحيز النـاجم عن كيفية اختيار لـحظة وزاويـة  التصوير او تحريف الصورة بالرتوش او المونتاج عن طريق الفوتو شوب ،
 
صحف بلا صور :
 
قبل بضع سنوات اعتقلت السلطات الجورجية ثلاثة مصورين مشهورين بتهمة التجسس لحساب الأستخبارات الروسية ،  بينهم المصور الشخصي للرئيس الجورجي السابق سكاشفيلي . واحتجاجا على هذا الأعتقال صدرت صحف المعارضة في اليوم التالي وهي خالية من الصور ، وظلت المساحات المخصصة لها خالية ، على غير العادة ، وادرك القراء أهمية الصور في الصحافة ، لأن تلك الصحف بدت غريبة الشكل وكأن شيئا ما ينقصها ، وغياب الصور قللت حتى من أهمية النصوص المنشورة فيها .
وقد تكررت هذه التجربة في صحيفة " ليبارسيون " الفرنسية التي حجبت كل الصور من عددها الصادر في 14 اكتوبر سنة 2013  احتجاجا على هضم حقوق المصورين وعدم تقييم جهودهم على النحو المنشود . وكما كان الأمر في جورجيا أظهرت الأطارات الفارغة مدى اهمية الصور في الصحافة ، سواء كانت صحافة ورقية أم الكترونية .
jawhoshyar@yahoo.com
 
 



9
خصائص المحتوى الأعلامي الجاذب للقاريء

                                                     
جودت هوشيار

 ما هي أهم خصائص المحتوى الأعلامي الأكثر جذباً للقريء في أي وسيلة اعلامية . ؟ ما الذي ينبغي توافره في  المحتوى لكي يدفع القاريء ، ليس الى مجرد الأهتمام به ، بل الرغبة في أشراك الآخرين في متعة قراءته ؟ هل يبحث القاريء عن الفائدة أم المتعة ؟
 هذه أسئلة  ظلت محيرة ومبهمة الى وقت قريب ، رغم انها اثارت اهتمام  العديد من الفلاسفة والمفكرين والكتّاب ، الذين حاولوا تفسير انجذاب القاريء أو السامع الى محتوى معين  ومنهم أرسطو ، الذي بين في سنة ( 350 ق.م. )  ان الخطبة – وهي المحتوى الذي كان شائعا  في ذلك الحين – لكي تكون مقنعة  للسامعين وتترك انطباعا قويا لديهم وتدفعهم الى الرغبة في روايتها  للآخرين ،  ينبغي ان تتوافر فيها ثلاث خصائص في آن معاً وهي " الأخلاق والمنطق والعاطفة " . واذا كان خطاب المتكلم يتسم بهذه الخصائص ، فمن المرجح أنه سيكون قادرا على التأثير في الجمهور المتلقي للرسالة واقناعهم  بآراءه ووجهة نظره .
وما يزال استنتاج أرسطو يتمتع بأهمية قصوى في ايامنا هذه ، وينطبق الى حد كبير على أي محتوى بشتى صوره في وسائل الأتصال والأعلام المتنوعة .
 و من اجل التأكد من صحة استنتاج ارسطو  ، يمكن للقاريء أن يلقي نظرة على المواقع الألكترونية لأهم الصحف والمجلات العالمية ومواقع التواصل الأجتماعي - التي أتاحت الفرصة للقاريء لتمرير المقال ، الذي حاز على أعجابه الى من يريد من أصدقائه ومعارفه بمجرد الضغط على زر واحد أو التعليق على المقال وأغناءه -   ليرى بنفسه أن المقالات والمواد الصحفية المختلفة ، الأكثر قراءة وارسالا وتعليقاٌ ، تتوافر فيها هذه السمات الثلاث ،  التي حددها ارسطو بنظرته الثاقبة وتحليله المعمق لخطب الساسة والقادة في زمانه .
تجربة عملية :
 قام البروفيسور جونا  بيرغر (Jonah Berger ) أستاذ التسويق في كلية وارتون لإدارة الأعمال في جامعة بنسلفانيا ، بدراسة عملية تبادل المحتوى الأعلامي بين القراء. وحلل نحو 7000 مقالة ، منشورة في الموقع الألكتروني لجريدة (  The New York Times) خلال ثلاثة أشهر متتالية ، في محاولة منه لمعرفة أهم الخصائص ،التي تتسم بها المواد الأكثر تداولا بين الجمهور المتلقي .مع الأخذ بنظرالاعتبار عدة عوامل منها تأريخ النشر وعدد القراء والجنس وحجم النص ودرجة تعقيده .
اكتشف بيرغر سمتين اساسيتين تحددان مدى نجاح المقال ،وهما ،  مدى ايجابية فكرة المقال الرئيسية . و مدى قوة المشاعر الأيجابية ،  التي تثيرها لدى القاريء ، مثل ( الفرح، والفخر، والأهتمام  والعاطفة) على النقيض من المقالات ، التي المشاعر السلبية (الغضب، الاحتقار ،  والاشمئزاز). ولكن اذا كان المقال مثيرا ويتعلق بفضيحة مدوية ، فأنه ينتشر بسرعة رغم أنه قد يثير مشاعر الغضب أو القلق .
ولكن ينبغي أن نتذكر ان ما يبعث على الفرح او الفخر  لدى الناس الذين ينتمون الى فئات عمرية او شرائح اجتماعية او مهن  او ثقافات أو أديان متباينة ، يكون في اغلب الأحيان مختلفا . لذا ينبغي للكاتب الصحفي أن يعرف الجمهوره المستهدف جيداً ولمن يوجه الخطاب ومن دون معرفة ذلك لن يلقى أي اهتمام بما ينشره من مواد .
 وللتحقق من صحة استنتاجاته قام  بيرغر بتجربة عملية وعرض على طلابه  محتويات أعلامية شتى وطلب من كل واحد منهم  أختيار ما يروق له من محتوى  ويود ارساله الى أصدقائه ، وقد تبين أن الطلاب كانوا أكثر استعدادا لتبادل القصص والصور المضحكة ، التي تثير المشاعر الايجابية من المقالات الجادة ، كما تبين انهم تبادلوا غالبا مقالات تثير الغضب والسخط  أو الأنزعاج من المقالات حول نفس الموضوع، ولكن مكتوبة بلهجة أكثر هدوءاً.
ومن المثير للاهتمام، ان بيرغر عندما حاول التلاعب في  صياغة العناوين، وتغييرها من السلبية إلى الأيجابية وجد أن العناوين الأيجابية أكثر جذبا للطلاب .
ويقول بيرغر في كتابه
المعنون  (Contagious: Why Things Catch On? – العدوى :  لم الأشياء تجذب ؟)
 ان النتائج التي توصل اليها تنطبق ليس فقط على الأفكار والآراء فقط ،  بل أيضاً على الترويج الأعلامي  للسلع و المنتجات الصناعية . ويبدو أن هذا هو الهدف الأساسي من كتابه أي مساعدة الشركات في الترويج لمنتجاتها . ولكننا نعتقد أن الأفكار والآراء أو المواد الصحفية وبضمنها المقالات شيء والدعاية للمنتجات شيء آخر . كما أن ( بيرغر ) ينظر للموضوع من وجهة النظر النفسية والعاطفية للمتلقي الغربي ، التي قد لا تنطبق على المتلقي الشرقي . ولا شك أن آراء ( بيرغر ) مثيرة للجدل ، فهو لا يعير أي أهمية لمدي جودة المقالات التي تم ارسالها ، من حيث القيمة الفكرية وأسلوب المعالجة وصياغة المضمون  أو باختصار السمات ، التي تتصف بها للمقالات التي تابعها على مدى ثلاثة أشهر .
 ولكي نوفي الموضوع حقه من الدراسة ، سنتناول في السطور اللاحقة ، أهم الخصائص التي تتميز بها المقالات الأكثر اثارة لأهتمام القاريء .
 
المقال بين المتعة والفائدة :
 
 ان حلم كل كاتب وكل صحفي  هو الأنتشار الواسع والسريع لكتاباته  بين الجمهور القاريء ، ولكن ينبغي له ،  قبل كل شيء ان يعرف هذا الجمهور جيداً ، لأن ما يعجب المثقفين ، قد لا يعجب من يبحث عن المقالات الخفيفة الممتعة ، التي لا تضيف شيئا الى  ما يعرفه القاريء . واذا نظرنا  حولنا  سنجد أن الشباب من الجيل الحالي يقبلون على الأعلام الجديد – الذي  أصبح جزءاً من حياتنا اليومية – بشغف ويتفاعلون معه بحماس ،  مما يوحي للوهلة الأولى  بأنهم  مهتمون بالقراءة ،  فهم لا يفارقون ( الآيباد ) و ( اللآيفون ) او الأجهزة الذكية الأخرى ، ولكنهم في الحقيقة ، لا يبحثون عن المعرفة ، بل عن المتعة . وما يقرؤنه لا يلبث في الذهن .
 قبل أكثر من ثمانين عاماً  ، كتب احمد حسن الزيات ،  مقالاّ بعنوان " أدب الللذة " وكأنه يصف ما يقرأه الشباب هذه الأيام .  يقول الراحل الكبير  " انه الأدب الذي يلذُّ ولا يُفيد، ويَسوغ ولا يُغذي، ويَشغل ولا ينبِّه، كالذي تقرأه في أغلب الصحف وفي بعض الكتب مِن غرائب الأخبار، وطرائف النوادر، وتوافه المعارِف، مما يَجذبكَ عَرضُه ويلذُّك تصويره، ويُلهيك موضوعه، فإذا فرغتَ مِن قراءته وصحوتَ مِن خِدره، لا تجد له أثرًا في نفسك، ولا حاصلاً في ذهنِك."
 
نحن نعيش اليوم في عصر الثورة الرقمية ، ولا أحد يقرأ المقالات الجادة الرصينة ، سوى عدد محدود من المثقفين ، الذين يجذبهم مضمون المقال و اسلوب معالجته وحسن صياغته ويلبي حاجاتهم الداخلية واهتماماتهم الفكرية .
نعود فنسأل  : اذن ما هي أهم خصائص المقال الجيد الذي يجمع بين الفائدة والمتعة وينبه الذهن ولا يخدره ، ويلبث في الذاكرة لمدة قد تطول أو تقصر ؟
المقال الجيد لا يثير الأعجاب فقط ، بل ينبه الذهن ويحرك قطاعا عريضا من القراء ، الذين لهم وجهات نظر مختلفة  حول الموضوع الذي يتناوله .
لكل مقال سريع الأنتشار عدة خصائص فريدة تميزه عن المقالات الأخرى المكرسة للموضوع ذاته ، نوجزها في ما يلي :
 
1 –  حسن اختيار الموضوع :
 
 لا قيمة لمقال لا يضيف جديدا الى ما يعرفه القاري عن الموضوع ولن يهتم به عندما لا يشبع رغبته ، أي ان الكاتب يجب أن يكون ملما تماما وبعمق بالموضوع الذي يتحدث عنه في مقاله ،  اما اذا عجز عن ذلك فله أن يبين وجهة نظره حول موضوع ساخن في هذه اللحظة أو مثير للجدل ولا يوجد حوله اتفاق في الرأي ويمكن تناوله من جوانب عديدة  .
2 – الحفاظ على الوحدة بكافة مظاهرها :
 ينبغي ان يتضمن المقال – أي مقال – فكرة رئيسية واحدة فقط  وليس فكرتين أو ثلاث وعدم الأستطراد أو التطرق الى ما ليس له علاقة بهذه الفكرة  لكي لا يؤدي ذلك الى تشتيت أفكار القاريء . ولا تقتصر الوحدة على الفكرة الرئيسية ، بل يشمل أيضاً ، وحدة الزمان (أختيار صيغة الماضي أو الحاضر أو المستقبل )  ووحدة المكان ان تطلب الأمر . ووحدة طابع المقال هل هو جاد أم ساخر تهكمي  أم فكاهي . ووحدة ايقاع النص وعدم القفز من ايقاع الى آخر . لأن لكل نص جيد ايقاع معين ، ومن لا يحس بأيقاع النص الذي يكتبه لا يمكن اعتباره كاتباً .
3-  العنوان الجاذب :
 يلعب عنوان المقال دوراً بالغ الأهمية وأحياناً دوراً حاسما في مدى اجتذاب القاري و اثارة فضوله ، وهو من أهم المعايير التي تحدد له ، ما يقرأ ، وما لا يقرأ . وينصح خبراء الصحافة بأن يكون العنوان واضحاً وصريحا يدل على مضمون المتن ، ولكننا نعتقد ان هذا الرأي قد عفا عليه الزمن . ولو راجعنا اليوم عناوين المقالات المنشورة في أهم الصحف العربية والعالمية ،  نرى أن كل عنوان ينطوي على بعض الغموض المحبب الذي يدفع القاريء لأستجلاءه من خلال قراءة المقال .
4–الفقرة الأفتتاحية أو الاستهلالية :
 الفقرة الافتتاحية ( بالإنجليزية: lead أو lede paragraph) وتكتب بحروف متميزة وبارزة تحت عنوان المقال وتسبق النص الرئيسي ، والهدف منها ، هو اعطاء القارئ الفكرة الرئيسية التي يدور حولها المقال أو دعوة موجهة اليه لمعرفة المزيد عن الموضوع ، وينبغي ان لا تزيد الفقرة الأفتتاحية  عن عدة جمل ، يقرأها المتلقي ويقرر بينه وبين نفسه ان كان سيواصل قراءة المادة بكاملها . وهناك العديد من الطرق للأستهلال الجيد ، الذي يوحي للقاريء بأنه سيفقد كثيراً ان لم يواصل القراءة حتى النهاية .ومثل هذاالأستهلال ،  يجب أن يتضمن حقائق مشوقة ومثيرة للأهتمام  ، أو يطرح سؤالاً ما ، أو يطلب من القارئ أن يتخيل شيئا مما يثير أهتمامه –وهو سيفعل ذلك لا شعوريا، ومن ثم يريد أن يعرف ما هو القصد من ذلك .
5– العرض الشيق :
 القدرة على عرض الموضوع على نحو منسق وصياغته بعناية وبشكل سلس وجميل ، متضمناً العنوان الواضح والأستهلال الجاذب ، وتقسيم المادة الى فقرات ذات معنى ووضع العناوين الفرعية لها أو ترقيمها ، كل ذلك كفيل بنجاح المقال ولفت الأنظار اليه لأن القاريء المعاصر لم يعد يتحمل قراءة عدة صفحات دون فواصل وسرعان ما ينتقل لقراءة مواد أخرى أو يغادر الموقع الألكتروني أو يطوي الصحيفة الى غير رجعة .
6 - حل المشكلة :
 المقال الجيد يحل مشكلة معينة . والكاتب أو الصحفي الذي يدرك أهمية التواصل مع الجمهور المستهدف ، يحاول التعرف على حاجات الناس وتلبيتها وبتعبير آخر عرض مشاكل المجتمع   واقتراح الحلول لها .
7– أضافة مسحة من الفكاهة على النص :
 المقال الرتيب يمل منه أصبر الناس ،  والكتابة المتجهمة او اليابسة اوالمكتوبة بلغة المواعظ ، منفرة للقاريء . يفضل اضافة قليل من الفكاهة أو المرح الى المقال والأستعانة ببعض الصور والمقارنات أوالنوادر او أبيات الشعر أو الأقوال المأثورة أو الحكم والأمثال  وحتى بعض النكات ، كل هذا يضفي على النص جمالا ويخفف من عناء القراءة .
8 -  التوقيت الصحيح لنشر المقال :
 المقال الساخن المرتبط بحادث معين أو مسألة آنية ،يفقد قيمته ويتقادم اذا نشر بعد فترة وجيزة قد لا تتعدى عدة أيام أو أسبوع واحد على أكثر تقدير ، لأن الأحداث تتلاحق ووتيرة الحياة أصبحت سريعة  في المجتمعات الحديثة وهي في تغير متواصل  ، وهذا ينطبق ليس على المقالات فقط بل أيضاً على  الأخبار والتقارير والأستطلاعات والتحقيقات والحوارات الصحفية . أما المقالات التحليلية وخاصة الفكرية منها ، فأنها تحتفظ بقيمتها لفترة أطول بكثير .
 9 – حسن الخاتمة :
 الخاتمة لا تقل أهمية عن الأستهلال . ولكن ينبغي اجتناب تلخيص الفكرة الأساسية للمقال في نهايته  ، لأن القاريء الذكي ، الذي قرأ المتن ، لا يحتاج الى مثل هذا التلخيص ، الذي  يفسد عليه متعة القراءة ، وربما خير ما يختتم به أي مقال هو اقتباس قول مأثور أو حكمة بليغة  يتناغم مع مضمون المقال الذي يبقى عالقاً بذهن القاريء لبعض الوقت  . واذا كان النشر في موقع الكتروني له حقل للتعليقات ، فأن الخاتمة الجيدة يشجع القاريء للتعليق على المقال  وربما أرساله الى الأصدقاء والمعارف .
 
جــودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com



10
العلاقة الملتبسة بين الأعلام والأرهاب
جــودت هوشيار
 
تستغل التنظيمات الأرهابية وسائل الأعلام  الألكترونية وعلى رأسها شبكات التواصل الأجتماعي ، التي نعرفها ( فيسبوك ، تويتر، يوتيوب ) كمنصات لبث أفكارها وأخبارها وتنفيذ أجندتها ، بسبب الأنتشار الواسع لهذه الشبكات وسهولة استخدامها وامكانية تخطى الحواجز السياسية والجغرافية في عملية الأتصال المجاني الفوري  بين اعضاء التنظيمات الأرهابية والتنسيق فيما بينهم والكم الهائل من المعلومات التي يمكن تبادلها  .
التنظيمات الأرهابية تتسلح بالأعلام الجديد عموماً والأجتماعي منه خصوصاً من اجل تحقيق عدة أهداف في آن واحد وهي :
 
1- الوصول إلى الرأي العام والترويج لأيديولوجيته والدعاية لفكره الظلامي المتطرف 
2 - استعراض قوته واضفاء هالة مزيفة على فعالياته الأجرامية وتضخيم قدراته واظهارها بشكل أكبر من حجمها الحقيقي .ونشر أجواء الخوف والرعب بين الجماهير المستهدفة .
 3  بث اليأس والأحباط بين عناصر قوى الأمن .وكشف ضعف اوعجز الحكومة المستهدفة عن حماية مؤسساتها ومواطنيها وعن ضمان الأمن والأستقرار .
4- حشد المناصرين وتجنيد الشباب من مختلف أنحاء العالم لديمومة بقاءها .
5-  نشر ارشادات تشرح وسائل الاتصالات السرية وطرق صنع المتفجرات وتفخيخ السيارات وزرع الألغام والأسلحة الكيمياوية .
6 – جمع التبرعات عن طريق الأنترنيت من المستخدمين ذوي الميول المتطرفة او من الآخرين بأساليب الخداع والأحتيال .
وتختلف الجماعات الأرهابية في اعطاء الأولوية لهذا الهدف او ذاك ، فعلى سبيل المثال نرى ان تنظيم داعش يركز على استعراض قوته وصدم الناس وترويعهم بوحشيته وأساليبه الدموية والنيل من معنويات القوات الأمنية العراقية واستدراج الشباب المسلم أينما كان وغسل عقولهم وحشوها بالغيبيات والخرافات والأباطيل من قبيل ترغيب وتحبيب الموت اليهم كطريق لدخول الجنة حيث سيغنم كل واحد منهم  باربعين حورية وعد بهن .
 ويتميز تنظيم داعش بحرفية عالية في توظيف الأعلام الأجتماعي لأغراضه  ويمتلك قدرات تكنولوجية تسمح له بالمناورة في حالات المنع والحجب وازالة المحتوى الأعلامي، الذي يبثه ،  بفتح حسابات جديدة بأسماء مستعارة .
 
دور الأعلام العربي في الترويج لداعش:
 
يسهم قطاع عريض من الأعلام العربي ، في بث سموم داعش ،  عندما يقوم  بنقل أخبار التنظيم على نحو غير موضوعي وبث ما تنتجه ماكنة البروباجاندا الداعشية من مواد دعائية منحازة  مثل الصور ومقاطع الفيديو عن قطع الرؤوس وقتل المدنيين العزل وتدمير المعابد والأضرحة  . ونحن لا نقصد هنا الأعلام الناطق بأسم الجهات  المساندة لداعش فقط ، التي تشن حرباً اعلامية هدفها اشاعة اليأس والأحباط في النفوس ،   بل أيضاً اعلام الأثارة التجاري ، الذي يهدف الى الحصول على المال ولا يهتم كثيراً بالتأثير النفسي السيء لما ينشره من اشاعات ، أو ما يروج له من محتوى اعلامي عنيف والذي يوحي للمشاهدين والقراء ان داعش غول  قوي وغني  وخطير يصعب او يستحيل القضاء عليه ، في حين رأينا كيف ان حماة  بلدة صغيرة مثل  كوباني البطلة تصدوا لداعش ودباباته وصواريخه ومدافعه وسلاحه الكيمياوي بأسلحة بسيطة وعزم لا يلين  وألحقوا بعناصره وآلياته خسائر فادحة  ، ذلك لأن المعنويات العالية للمقاتلين لا تقل أهمية عن الأسلحة المستخدمة في أرض المعركة . اذن فأن داعش ليس ذلك التنظيم الخرافي الذي  لا يقهر ، بل تنظيم ارهابي يمكن دحره عسكريا في ميادين القتال واعلاميا على نفس الشبكات التي يبث عليها داعش دعايته المسمومة ودحض أفكاره  الظلامية ومنهجه التدميري بفضح دوافعه و اساليبه المجردة من كل القيم الأنسانية والأخلاقية وخنقه أعلاميا بعدم التركيز على ما يقوم به من جرائم بشعة تقشعر لها الأبدان .
 
لا معنى للأرهاب من دون وسائل الأعلام :
 
إن تأريخ الإرهاب الدولي حافل بأمثلة كثيرة تد ل على أن الهدف الأول للإرهابيين هو الوصول إلى وسائل الأعلام والتأثير النفسي في الجمهور العريض والإعلان عن أنفسهم ونقل مطالبهم وتهديداتهم إلى الجهات المعنية في استعراض رخيص لسلاحهم الوحيد وهو الخطف والقتل والذبح دون اى اعتبار للقيم الدينية إلى يزعم الإرهابيون أنهم (يجاهدون في سبيلها ) .
 وقد لوحظ إن التخطيط لعملية الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة الأميركية، قد جرى بشكل يتيح الفرصة لعدسات مصوري التلفزيون ووسائل الأعلام الأخرى لتسجيل كيفية اختراق الطائرة الثانية لناطحة السحاب الثانية،كما إن العديد من الإرهابيين الذين قاموا باحتلال السفارات أو مقرات المنظمات الدولية أوخطف الطائرات واحتجاز المدنيين ، قد اعترفوا بأن هدفهم الأول كان الظهور على شاشات التلفزيون من اجل نشر بياناتهم ومطالبهم وقد استسلموا بعد عقد مؤتمر صحفي سريع أو الإدلاء ببيان إلى وسائل الأعلام,
 
البحوث والدراسات العلمية التي اجريت في معاهد متخصصة في الغرب تؤكد ان " لا معنى للإرهاب من دون وسائل الأعلام " ، ذلك لأن عرض ما تنتجه ماكنة الدعاية الأرهابية  وخصوصاً ما ينشره داعش على نحو متعمد من بيانات ومقاطع فيديو بشعة تركز على الأجساد الممزقة والأشلاء المتناثرة والآليات المحترقة ، يعد اسهاما مجانياً مباشراً في الحرب النفسية التي يشنها هذا التنظيم الأرهابي وتشجيعاً على ارتكاب المزيد من الجرائم بهدف التأثير في الرأي العام وارباك بعض مفاصل الحياة في البلد المستهدف .
 
 ( داعش ) لا يفتقر الى منصات اعلامية تقليدية مثل الصحف الورقية ولا الى فضائيات تروج للفكر العنيف ، وثمة العديد من الصحف والفضائيات العربية القومية والأسلاموية ، التي  تسهم بشكل مباشر أو مستتر في الدعاية لداعش عن طريق التركيز على فعالياته وابراز وتهويل انتصاراته الحقيقية والموهومة ،  ولكن تأثير الصحف الورقية ، لم يعد كما كان في الماضي بل آخذ في التضاءل يوماً بعد آخر مع الأنخفاض المستمر لعدد قراءها ، والفضائيات ليست منصات ملائمة لتجنيد الجهاديين أوالتواصل بين أعضاء التنظيم ، لذا فأن ستراتيجية داعش الأعلامية قائمة على  استغلال الأنترنيت و شبكات التواصل الأجتماعي والهواتف الذكية للوصول إلى الناس والتنسيق بين الأرهابيين ، على شتى المستويات .
الأبواق الإعلامية لبعض الدول الأجنبية ،التي عارضت التدخل الأميركي في العراق عام 2003  وتضررت مصالحها بعد سقوط النظام الدكتاتوري ، تسهم أيضاً على نحو فعال في تهويل ما يجرى في العراق اليوم وتتحدث عن الغزو الداعشي ليس لأظهار وحشيته بل تشويه صورة الأسلام ، وبذلك تسهم هذه الأبواق في تضليل الرأي العام المحلى والعا لمى وهى مهتمة بمصالح الدول الناطقة بأسمها ،  أكثر من اهتمامها بأمن واستقرار العراق و حياة ومصير شعبه.
 
ولا شك إن حجب حسابات الأرهابيين أو ازالة المحتوى الألكتروني، الذي يبثونه  في الفضاء الأعلامي الألكتروني ، ستعرقل الى حد كبير  تنفيذ أجندتهم وسيؤدى إلى حصر الآثار النفسية للعمليات الإرهابية في نطاق ضيق وتفويت الفرصة عليهم لتحقيق مخططاتهم الشريرة.
 
وتشير بعض البحوث الأعلامية الجديدة التي اجريت في الغرب  ، إن الحرب النفسية التي تشنها الزمر الإرهابية، تفقد تأثيرها، عندما لا تهتم بها وسائل الأعلام. وفى الوقت نفسه فأن التركيز المتعمد والعرض المتكرر للمشاهد الدموية لعمليات القتل والذبح والتي تثير الرعب والأسى لأول وهلة، يعتاد عليها المشاهد تدريجيا ويفقد اهتمامه بالآم الآخرين وتعاطفه الأنسانى مع الضحايا إلى حد بعيد ويركز على أمنه الشخصي وأمن عائلته و يظل نهبا للقلق والهواجس لأنه يخشى إن يتعرض لحادث ارهابى في اى مكان من المدينة التي يسكن فيها، وهذا ما يهدف إليه الأرهابييون،اى نسيان آلام الضحايا وعذاباتهم والاستهانة بالأرواح البشرية .
 
يتضح مما تقدم ،إن العنصرالضرورى لأية سياسة فعالة ضدالأرهاب والحد من مخاطره يكمن في منع استغلال وسائل  الأعلام من قبل زمر الإرهاب والتزام هذه الوسائل بالموضوعية والحيدة و المعايير المهنية في تغطيتها للعمليات الإرهابية.
 
الأرهاب وحرية الأعلام :
 
ربما يقول البعض إن منع داعش من استغلال وسائل الأعلام وتجاهل بياناته وما يبثه من مقاطع فيديو يتعارض وحرية الأعلام وان من حق المواطن الحصول على المعلومات الوافية عن الحوادث التي تقع في البلاد ولها مساس بحياته ومستقبله ولكن من جهة أخرى من حق المجتمع أيضا إن يحمى نفسه من الآثار السلبية الخطيرة للحرب النفسية إلتى تستهدف أمنه واستقراره ومستقبله .
و من المفيد إن نستذكر هنا الوعد الذي قطعه الرئيس الأميركي (فرانلكين روزفلت ) لشعبه عند توليه السلطة ، بضمان الحريات الأساسية ومنها التحرر من ( الخوف). ولكن عرض المشاهد المروعة للعمليات الإرهابية يتعارض تماما مع التحرر من الخوف ، ولحل هذا التناقض ، لا بد من التوصل إلى توازن بين وقاية المجتمع من الخوف وبين حرية الأعلام ، ذلك لأن أية سياسة فعالة لمكافحة الإرهاب والحد من مخاطره وتأثيراته النفسية البالغة تستدعى إن يكون الأعلام  عونا للمجتمع ، لا سلاحا يستخدمه الإرهابيون ضده.
 
يزعم بعض  الإعلاميين إن المتلقي نفسه يرغب في مشاهدة صور العنف،ولكن هذا الزعم غير صحيح، لأن دراسات كثيرة أخرى أشارت إلى إن وسائل الأعلام هي التي تخلق مثل هذه الرغبات لدى الجمهور المشاهد وان الاستمرار في خلق رغبات سلبية--إن صح التعبير—يلحق الأذى بالمجتمع وان من حق المجتمع أيضا الرفض القاطع لتحويل الرعب إلى سلعة تتاجر بها وسائل الأعلام وتجنى من ورائها إرباحا طائلة ويكفى إن نشير إلى إن شريطا يتضمن بيانا للبغدادي أو الزرقاوى أو مشاهد للمقاتلين الملثمين وهم ينحرون او يقتلون ضحاياهم  ،لا يستغرق عرضه سوى بضع دقائق ( والتي تحصل عليها بعض القنوات التلفزيونية بطرق مشبوهة وتحتكر ملكيتها) يباع للفضائيات الأخرى ووكالات الأنباء العالمية بسعر يتراوح بين (150-250 ) إلف دولار،اى إن المنفعة المادية متبادلة بين الأرهابين والقنوات التلفزيونية، التي لا تبالي بالنتائج المترتبة على عرض مثل هذه الأشرطة. وبطبيعة الحال ، فأننا لا ندعو إلى الحد من حرية الأعلام ، ولكننا نرى ضرورة الألتزام بالمسؤولية الأجتماعية وتجنب كل ما يلحق الضرر بالمجتمع والأمن الوطني .
 
اخلاقيات المهنة في التعامل مع أخبار الأرهاب :
 
نعتقد إن الالتزام بأخلاقيات المهنة والشرف الصحفي وتغطية الحوادث بأسلوب حضاري، بعيدا عن الإثارة الصحفية والاستغلال التجاري للماسي البشرية لا تتعارض أبدا مع حرية الأعلام وحق المواطن في معرفة الحقائق التي لها مساس بحياته ومستقبله.
وثمة درس بليغ قدمته الفضائيات الأميركية الأكثر شهرة وانتشارا، عندما قررت بعد أيام معدودة من حوادث الحادي عشر من أيلول عدم إعادة عرض الريبورتاجات عن هذه الحوادث ، و ماعدا بعض الاستثناءات القليلة، امتنعت هذه الفضائيات عن عرض صور الناس الذين كانوا يرمون بأنفسهم من نوافذ ناطحتي السحاب في نيويورك .
 
وكانت هذه الخطوة ( التي أقدمت عليها تلك الفضائيات بمحض إرادتها) مثالا جيدا على الإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع ، ذلك لأن عرض الريبورتاجات المصورة عن هذه الحوادث، خلال وبعد حدوثها مباشرة ألحق ضررا بالغا بالحالة النفسية لملايين الأميركيين وأدى إلى رفع معنويات الأرهابين، وبعد إدراك هذه الحقيقة المرة، قامت بعض الفضائيات الأميركية بعرض بعض اللقطات المتفرقة الثابتة ( غير المتحركة ) ومن دون صوت. وامتنعت عن عرض كل ما يلحق الضرر بأميركا والأميركيين .
 
ولا شك في إن وسائل الأعلام الأميركية تتمتع بمساحة واسعة من الحرية تفوق ما تتمتع به وسائل الأعلام العربية، ومع ذلك ، فأن امن المجتمع الأميركي والمعايير المهنية والأخلاقية هي أكثر أهمية لديها من مصالحها الضيقة، فمتى تستيقظ ضمائر المسئولين في الفضائيات العربية وبعض الفضائيات (العراقية) المشبوهة ويحترمون أخلاقيات المهنة ومشاعر المواطنين العراقيين وامن واستقرار العراق، أكثر من اهتمامهم بالإثارة والانتشار والمال.
 
جـــودت هوشـيار
jawhoshyar@yahoo.com




11
التراجيديا الأنسانية الكبرى للكرد الأيزيديين والأعلام العربي

                                             
جــودت هوشيار

التراجيديا الأنسانية الكبرى التي تعرض لها عشرات الآلاف من الكرد الأيزيدية في (جبال سنجار) تذكرنا بمآسي "  الأنفال وحلبجة و سراييفو ولينينغراد  "  فقد كانت وما زالت كارثة انسانية ، عميقة الغور وفجيعة  قاسية ،  بالغة الألم ،  يستحيل على أي مؤلف تصويرها مهما كان خصب الخيال  وتفوق في وحشية مجازرها وفظائعها  المرعبة كل ما عرفناه في الحياة وما قرأناه في الكتب من تراجيديات  :  آلاف الرجال والنساء والأطفال سقطوا فوق أحجار الجبال الجرداء القاحلة ، بعد ان هدهم التعب واصيبوا بالأنهاك الجسدى خلال مسيرة طويلة ومضنية ، لا قطرة ماء ولا كسرة خبر في جو حار ومغبر . مئات الأطفال والنساء والرجال  قضوا بسبب العطش والجوع  ، ناهيك عن  المسنين والمرضى الذين كانت رحلة المعاناة والتعب فوق  طاقتهم ، وفي داخل سنجار نفسها أباد العدو المتوحش مئات العوائل برجالها ونسائها وأطفالها  واختطف آلاف النساء والفتيات وعرضهن للبيع في الموصل والرقة ومدن أخرى .   .
 
مسيرة  الآلام الأيزيدية نحو الحرية هزت الضمير العالمي  وهبت دول غربية عديدة ومنظماتها الخيرية  لمشاركة البيشمركة في نجدة الأيزيديين المنكوبين وأقامت جسورا جوية  لألقاء قناني  الماء ووجبات الطعام الجاهز بمئات الأطنان من الجو على المحاصرين في جبل سنجار ، وكانت الولايات المتحدة الأميركية السباقة الى مد يد العون والأنقاذ الى المنكوبين ، تبعتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا . خاطر عشرات الأطباء الكرد بحياتهم وذهبوا لأنقاذ اخوتهم المحاصرين في ( جبل سنجار )
وقالت شبكة  (CNN) ان قوات البيشمركة قامت  بمهمة إنقاذ درامية وبطولية  لتقديم المساعدة لآلاف الأيزيديين المحاصرين في جبال سنجار وتمكنت من اختراق حصار ( داعش ) وأنقذت حوالي 20 ألف نازح من موت محقق .
. أما الحكومة العراقية الجديدة ، التي تتغنى بـالوحدة الوطنية و( الشمال الحبيب ) فلم تحرك ساكنا ، ولم تنجد مشردي سنجار وزمار  في محنتهم الأليمة ولم تقدم لهم أي عون بعد نزوحهم الى مدن أقليم كردستان الأخرى . أما المبالغ المخصصة للنازحين وبضمنهم الأيزيديين ، فقد ذهب معظمها الى جيوب الحيتان الكبار في لجنة المطلك .
 
حظيت هذه التراجيديا المستمرة ،  منذ حدوثها وحتى يومنا هذا ،   بأهتمام وسائل الأعلام  وخاصة في الدول الغربية وأصبحت مثار اهتمام دول وشعوب العالم ،  التي سارعت الى نجدة  المحاصرين والنازحين ، وكالعادة فأن الدول والشعوب العربية والأسلامية ،  لم تفكر ، مجرد تفكير في مد يد العون والمساعدة الى المنكوبين  وتجاهلت كل ما حدث وكأن الأمر لا يعنيها ، لا من قريب ولا من بعيد  . والجامعة العربية سكتت سكوت ابو الهول وظلت خرساء ، لم تصدر بيانا لأدانة الجريمة النكراء ولا لحث الدول العربية على انقاذ المحاصرين أومساعدة  النازحين .
 
الأعلام العربي لم يبد ، أي تعاطف انساني مع المنكوبين ، بل على النقيض من ذلك أخذت بتشويه التراث الأيزيدي الأصيل والثري والحديث عنه كقصة مسلية ، ولم يكتف بذلك بل وقف في حقيقة الأمر – ويا للعجب – الى جانب أرهابيي داعش ، عن طريق تهويل قدراتهم التدميرية  وتهويل  وبث ( سيكولوجية الرعب ) - التي تشكل الأداة الرئيسية لداعش في حربها القذرة ضد شعوب المنطقة  -  وتحريف وتشويه الحقائق وفبركة الأخبارعن انتصارات داعش المزعومة وبذلك تحول عدد لا يستهان به الفضائيات والصحف الورقية والألكترونية الى منصات اعلامية للـ" بروباجاندا " الداعشية بشكل مقصود أو غير مقصود ، متجاهلاً كل المعايير الأخلاقية والمهنية للعمل الصحفي.
.
وكما قالت د. زينب جلبي في مقالها الرائع " من يقف وراء الحرب النفسية ضد الكرد ؟ "  فأن الشعب الكردي عموما وفي أقليم كردستان الناهض خصوصاً ،  يتعرض منذ بدأ المعارك ضد ( داعش ) وحتى يومنا هذا  الى حرب اعلامية – نفسية شرسة  ، ابرز اسلحتها نشرالتقارير الكاذبة وقلب الحقائق و الترويج للأشاعات المغرضة والتطاول على القادة الكرد بأسلوب مبتذل ورخيص ، هذه الحرب القذرة تهدف الى التأثير على المعنويات العالية للشعب الكردي وبيشمركته الأبطال الذين يخوضون اليوم  معارك ضارية ضد عدو شرس مجرد من كل القيم الأنسانية والأخلاقية .
ولكن الشعب الكردي كالعنقاء ينهض بعد كل كبوة أو محنة  وهو أكثر قوة وأشد عزما وأصراراً على  دحر الأعداء وبناء كردستان الجديدة ، كردستان التسامح الديني والمذهبي والقومي والسلم الأهلي والخير والتقدم ، ، بما يؤمن الحرية والعيش الكريم  للشعب الكردي التواق الى اللحاق بالركب الحضاري المعاصر للأمم المتقدمة .
 



12
ستالينغراد الكردية

                                   
جودت هوشيار

يتساءل كثير من الأعلاميين والمحللين السياسيين المحسوبين على الدول والقوى الراعية لتنظيم داعش الأرهابي ، عن سبب أنشغال العالم بمدينة كردية صغيرة بحجم حي صغير من أحياء بغداد مثلاً ولا تهتم بمدن اكبر منها حجما مثل الموصل وتكريت والرمادي والرقة . هؤلاء السادة يتجاهلون حقيقة ساطعة كالشمس وهي ان هذه البلدة الجميلة الباسلة ، تتصدى بنجاح لوحدها - ومن دون أي مساعدة خارجية سواء كانت عسكرية أو أنسانية - منذ 16 أيلول /سبتمبر الماضي وحتى يومنا هذا  لكل هجمات جحافل داعش المدججة بالأسلحة الأميركية المتطورة ، التي استولت عليها من الجيشين العراقي والسوري ،  في حين أن مدنا عراقية كبيرة وعديدة سقطت بيد داعش،  الواحدة تلوالأخرى بسرعة قياسية ودون أي مقاومة تذكر رغم وجود أكثر من ست فرق عسكرية عراقية جرارة فيها .
هؤلاء السادة الذين تفور دمائهم حقداً على الشعب الكردي ، يتجاهلون عن عمد ، الحديث عن المقاومة الأسطورية التي تبديها أبناء وبنات كوباني  دفاعاً عن بلدتهم الصغيرة ، رغم الفارق الهائل في السلاح بينهم وبين أرهلبيي داعش .
صمود كوباني أصبح على كل لسان في أنحاء العالم بأسره . وأخبارها تحتل منذ حوالي ستة أسابيع الصفحات الأولى في صحف العالم وتتصدر نشرات الأخبار في الفضائيات العالمية ، ويتحدث عنها زعماء العالم وقادة الجيوش الغربية بأنبهار مقرون بأحترام شديد لأبطال وبطلات كوباني .
تأريخ الحروب لا يعرف مثيلا لكوباني ، رغم وجود مآثر بطولية لعدد من المدن الكبيرة خلال الحرب العالمية الثانية مثل ستالينغراد ووارشو . وقد أطلق بعض الأعلاميين الغربيين والروس على كوباني اسم " ستالينغراد الكردية " ربما لأن معركة ستالينغراد كانت نقطة تحول في الحرب العالمية الثانية ، كما هو الحال مع كوباني ، التي ستكون  نتائج المعركة الدائرة فيها اليوم ، نقطة تحول خلال الحرب التي يخوضها التحالف الدولي ضد داعش ،  رغم ان معركة ستالينغراد كانت بين جيشين متكافئين في العدد والعدة والتسليح في حين ان معركة كوباني هي  بين جهتين غير متكافئتين ، ففي الوقت الذي يمتلك فيه داعش كميات هائلة من احدث الأسلحة الأميركية المتطورة ، لا يمتلك المقاتلون والمقاتلات من حماة كوباني سوى الأسلحة الخفيفة وبعض الأسلحة المتوسطة ، ولكن شتان بين المعنويات العالية لحماة كوباني وبين همجية ووحشية وخسة قطعان داعش الأرهابي . حماة البلدة الكردية الباسلة أثبتوا للعالم كفاءتهم القتالية ، ما دفع التحالف الدولي الى أعتبارهم  مع اخوتهم البيشمركة البواسل في أقليم كردستان  القوة الفعالة الوحيدة على الأرض التي  تتصدى لداعش نيابة عن العالم المتحضر بأسره ، وتقف حاجزاً منيعاً امام تمدده وانتقال هذا السرطان الى البلدان الأخرى .
كوباني وحدت الكرد في جميع أنحاء كردستان رغم الحدود المصطنعة القائمة اليوم والتي رسمها الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى   ، فالمعركة مصيرية وأهم بكثير من أية اختلافات في وجهات النظر بين القوى السياسية  الكردستانية .
كوباني صفحة مجيدة في النضال التحرري الكردي  وجزيرة الحرية والكرامة الأنسانية معمدة بالدم الطاهر لشهداء الوطن المفدى .
حماة كوباني  أبرزوا جدارة البسالة الكردية وقبروا للأبد سيكولوجية الرعب الداعشية التي أستخدمها التنظيم الأرهابي .وأصابوا حسابات القوى الأقليمية المساندة لداعش  بالأضطراب .فهذه القوى توارت خجلاً وراء التحالف الدولى وتتظاهر اليوم بأنها ضد الأرهاب وهي التي خلقت داعش وأمدته بأسباب البقاء والتمدد .
قوات الدفاع عن كوباني ، كما قوات البيشمركة البطلة في أقليم كردستان دفعت بالقضية الكردية خطوات الى أمام وأنتزعت المزيد من أعتراف العالم بالقضية الكردية العادلة  , وبهذا الصدد قالت صحيفة (Slate ) الفرنسية في عددها الصادر في 21/10/2014 " كوباني البطلة سمحت لنا بمعرفة الكرد على نحو أفضل "
نتائج معركة كوباني ستكون لها بالغ الأثر في حسابات العديد من دول المنطقة وستغيرميزان القوى فيها ، وقد أدركت الولايات المتحدة الأميركية هذه الحقيقة قبل غيرها وأخذت تتراجع عن مواقفها السابقة وتدخل في مفاوضات مباشرة مع القوى السياسية الرئيسية في كردستان سوريا وتعترف بها وتساعدها في حماية كوباني بالضربات الجوية وتلقي لهم شحنات الأسلحة التي أرسلتها حكومة أقليم كردستان. وعلى الدول الأخرى ادراك حقيقة أن الكرد هم العنصر القتالي الفعال على الأرض في محاربة داعش والدفاع عن العالم المتمدن بأسره وقيمه الأنسانية والأخلاقية .



13
مفارقات الحرب ضد داعش

                                                   
جودت هوشيار
 
المفارقة الرئيسية في  الحرب ضد داعش هي ان الدول التي ساعدت هذا التنظيم الأرهابي في الماضي ،  الى هذا الحد أو ذاك ،  باتت اليوم  تشعر بمدى الخطر الذي يشكله على أمنها وأستقرارها . وهذا ما أشار اليه نائب الرئيس الأميركي جو بايدن .
لم يكن تصريح بايدن زلة لسان ، ولم يكن الرجل متسرّعا ولا مشوش الذهن لا يدري ما يقول ، بل كان في غاية الوعي ويقظة الضمير،  ويعني ما يقول  كسياسي محنك ورجل دولة يمتلك من الأدلة الدامغة والشجاعة الأدبية ما يكفي لكي يعلن في محاضرة له امام جمهور من العلماء والباحثين ، ما كان الى وقت قريب اسرارأ تحتفظ  بها الأجهزة الخاصة للدول الراعية لداعش  اواستنتاجات لخبراء السياسة الدولية أو المحللين السياسيين .
أما اعتذار بايدن اللاحق لكل من تركيا و الخليج ، فلم يكن سوى مجاملة دبلوماسية  لدول يشارك معظمها اليوم في التحالف الدولي ضد داعش .
 بعض هذه الدول ساعدت داعش بالسلاح والمال العام اوغض الطرف عن التبرعات المالية من قبل  الساسة ورجال الأعمال المحليين ، الذين يشاطرون التنظيم  رؤيته السلفية المتطرفة ، والبعض الآخر عن طريق فتح الحدود أمام تدفق الجهاديين من شتى بقاع الأرض للأنضمام الى التنظيم الأرهابي ، .
 بعد احداث الموصل وتكريت ، أدركت هذه  الدول ، مدى خطورة الوحش ، الذي لا يتورع عن مهاجمة من كان وراء ظهوره ومده بأسباب البقاء والنمو والتمدد .
 
الولايات المتحدة الأميركية تدفع اليوم ثمن أخطائها في العراق ومنها سحب قواتها من العراق قبل استقرار الأوضاع الأمنية فيه واستكمال تدريب الجيش العراقي  ، تلك التي  كانت حصاد سياسات المحافظين الجدد وأوهامهم في تحويل الشرق الأوسط الكبير الى واحة للديمقراطية .
 دولة الخرافة الداعشية وريثة الفصاءل  المسلحة التي حاربت القوات الأميركية في العراق وناصبت العداء للحكومات العراقية المتعاقبة التي تشكلت بمباركة الدولتين المتنافستين على الساحة العراقية  ( الولايات المتحدة وايران )  . واليوم يجد الرئيس اوباما نفسه مضطراً لمعالجة أخطاء سلفه في البيت الأبيض جورج بوش الأبن .رغم انه ( أوباما )  أنتخب في عام 2008 بفضل برنامجه الأنتخابي الذي ركز على وضع حد للحرب في العراق وأفغانستان .
 
و يعتقد بعض المراقبين في الغرب ، ان اوباما يدفع اليوم أيضاً ،  ثمن تردده في ضرب النظام البعثي السوري في العام الماضي بعد ان ثبت  استخدامه للأسلحة الكيمياوية ضد السكان المدنيين ، في أنتهاك صريح وخطير للخط الأحمر الذي حدده أوباما بنفسه قبل ذلك بأسابيع معدودة .
. تخلت ادارة اوباما عن فكرة  توجيه ضربات جوية الى النظام الأسدي رغم توصيات عدد من  القادة العسكريين في البينتاغون  ووزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون وأعضاء بارزين في الكونغرس الأميركي ، واستعداد فرنسا المشاركة في الحملة .
 لم يكن أوباما راغبا في الأنجرار الى مستنقع الشرق الأوسط مجددا . ووافق على الأقتراح الروسي المريب بعدم ضرب النظام الأسدي ، لقاء اتلاف ترسانة الأسلحة الكيمياوية السورية ، وفي الوقت نفسه خضع الرئيس الأميركي لضغوط رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ،  الذي كان يعارض استخدام الضربات الجوية ضد النظام السوري تنفيذا لقرار اتخذه مجلس العموم البريطاني .
 
لم يكن ثمة ضمان بأن الضربات الجوية لمواقع الجبش السوري النظامي كانت ستسمح بتحسين وضع قوى المعارضة المعتدلة وخاصة الجيش السوري الحر وتمنع هيمنة الجهاديين على الثورة السورية . ومما زاد الطين بلةً تردد الغرب طويلاً في تسليح الجيش السوري الحر ، الذي وقع بين ناري  النظام وارهابيي النصرة وداعش .
 
يقول المثل الروسي " أن تفعل الشيء متأخراً خير من أن لا تفعله أبداً " وكما يبدو فأن الأدارة الأميركية قد استخلصت بعض الدروس والعبر من أخطاءها السابقة وشرعت بتوجيه ضربات جوية ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا  لمنع تمدده  ، سرعان ما انضمت اليها العديد من دول العالم بينها بعض الدول العربية التي تشارك للمرة الأولى في تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة . منذ تحرير الكويت في عام 1991. صحيح أن الضربات الجوية وحدها من دون وجود  قوات قتالية على الأرض غير كافية لحسم الحرب ضد داعش ، ولكن ذلك  لا يقلل بأي حال من الأحوال من أهمية الضربات الجوية الدقيقة الفعالة ، رغم أن الحاجة ما زالت ماسة الى قوات برية  في ساحة المعركة ، تستثمر الغطاء الجوى لسحق العدو والتقدم الى أمام وتطهير المناطق المحررة ومسك الأرض .
 
التحالف الدولي يعتمد اليوم اساسا على القوات الكردية البرية  ( البيشمركة ) التي أشاد بها الكثير من قادة الدول الغربية وفي مقدمتهم الرئيس أوباما وكذلك القادة العسكريون الغربيون .
 قوات البيشمركة تتصدى لداعش منذ أكثر من شهرين و تقاتل ببسالة نادرة على طول جبهات القتال من ربيعة الى جلولاء ، ولكن فارق التسليح بينها وبين داعش ما يزال كبيراً، حيث استولى التنظيم الأرهابي على أسلحة خمس فرق عسكرية عراقية  بالكامل - وهي اسلحة اميركية متطورة تم تجهيزالجيش العراقي بها خلال السنوات العشر الماضية -  اضافة الى الأسلحة التي غنمها التنظيم بعد سيطرته على بعض القواعد العسكرية السورية . ولهذا فأن تقدم قوات البيشمركة وان كان متواصلاً ً الا أنه بطيء بعض الشيء حيث ، تنقصها الأسلحة النوعية المتطورة التي يمتلكها العدو الداعشي  .
 
 
يعتقد الكثير من الخبراء والقادة العسكريين الأميركيين والبريطانيين ، إن الضربات الجوية ضد تنظيم داعش لا يمكن لها حسم الحرب معه، وهم يؤكدون وجوب أن تشارك وحدات عسكرية غربية بالمعركة البرية لدعم القوى التي ستقاتله على الأرض . ويصرحون بأستحالة تحقيق النصر الكامل على داعش عبر الضربات الجوية وحدها ، ويقول الجنرال ديفيد ريتشاردز، القائد السابق للقوات المسلحة البريطانية " قوانين الحرب واضحة ومعروفة، لا يمكن الفوز بالحرب عبر الضربات الجوية وحدها، وهذا أمر بالغ الأهمية إذ لا يمكن لطيار في طائرته السيطرة على الأرض والاحتفاظ بها، لا بد للقوات البرية أن تفعل ذلك."
 
القادة العسكريون الأميركيون يأملون في اعادة هيكلة الجيش العراقي على نحو يجعله قادراً على التصدي لداعش والحاق الهزيمة به وتطهير المناطق التي يحتلها التنظيم حاليا في محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار وديالى وأطراف بغداد . ويقول رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأمريكي الجنرال مارتن ديمبسي " ان الحاق الهزيمة بداعش في العراق بحاجة الى ( اعادة تدويرالجيش العراقي )  لتحويله الى جيش نظامي ومهني  ، ولما كان هذا التدوير واعادة تشكيل جيش جديد يستغرق عدة سنوات ( وهذا يفسر قول اوباما بأن الحرب ضد داعش قد تستمر لفترة زمنية لا تقل عن ثلاث سنوات ) ، فأن الضرورة تقتضي ارسال  قوات برية أميركية أو غربية مساندة للجيش العراقي لألحاق الهزيمة بداعش سريعا ، لأن انتظار ما لايقل عن ثلاث سنوات يعني ببساطة بقاء داعش في المناطق التي يسيطر عليها حاليا وربما تمدده من جديد ، مما يشكل خطراً داهما على مستقبل العراق كدولة مستقلة . لهذا سوف تضطر الولايات المتحدة أو بعض دول التحالف . - ان عاجلا ام آجلا - الى ارسال قوات برية اضافة الى المستشارين والمدربين الموجودين في العراق حاليا .
اوباما ما يزال يرفض زج القوات البرية الأميركية في المعركة ضد داعش ولا يميل الى التنفيذ العاجل لتوصيات قادة جيشه ويحاول بكل السبل تجنب التورط مجدداً في المستنقع العراقي ، ولكن سيأتي يوم لن يبقى أمامه خيار آخر سوى ارسال المزيد من القوات البرية ،  وهذا اليوم آت دون ريب وربما اسرع مما يتوقعه البعض .
 



14
هل تراجع الدور الكردي في بغداد ؟

                                               
جودت هوشيار

التشكيلة الغريبة المترهلة لحكومة الدكتور حيدر العبادي ، التي ضمت عددا من الساسة الذين اوصلوا العراق الى ما هو عليه اليوم  ،  واختيار الوزراء الكرد من دون الرجوع للكرد أنفسهم والبرنامج الوزاري الذي جاء محبطاً ومخيبا للآمال  واشبه ما يكون ، بشعارات ووعود أنتخابية خالية من الألتزامات والتوقيتات الزمنية المحددة ، والتلاعب في صياغة ومضمون المطالب الكردية ، كل ذلك دفع بعدد من الساسة والأعلاميين الكرد الى القول ،  ان دور الكرد في العملية السياسية في العراق  قد تراجع كثيراً عما كان عليه في عام 2010 ، حين توافد قادة الكتل السياسية وممثلي الولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة وايران على مدينة اربيل ، عاصمة اقليم كوردستان ، انتظاراً لمبادرة كردية لحل ازمة تشكيل حكومة جديدة ..حيث  تكللت جهودهم  بتوقيع ( اتفاقية أربيل ) لتقاسم السلطة.  في حين ان حكومة العبادي تشكلت ونالت ثقة البرلمان حتى قبل اتخاذ قرار من قبل القيادة السياسية الكردية بالمشاركة في الحكومة الجديدة من عدمها ،  وقبل حضور نواب التحالف الكردستاني الى قاعة البرلمان .
 
حكومة العبادي  تشكلت في ظروف بالغة الخطورة والتعقيد وتحت ضغوط داخلية وخارجية شديدة ، فقد أصرت الولايات المتحدة الأميركية على تشكيل الحكومة الجديدة ضمن الفترة الدستورية  المحددة ،  وأن تكون جامعة شاملة لا تقصي أحدا ، وتمهد لمصالحة وطنية حقيقية تهدف الى استمالة العشائر والقوى السياسية السنية وعزل داعش ودحره عن طريق تكثيف الضربات الجوية وتقديم الدعم العسكري اللازم للعراق  ، وحشد التأييد الدولي لعمل عسكري في العراق وسوريا .
وربطت الولايات المتحدة مساعدتها للعراق بتشكيل حكومة وفاق وطني ، تتبع نهجا سياسياً مختلفا عن النهج الكارثي لحكومة نوري المالكي .
ومن جانب آخر مارست ايران ضغطاً شديدأ لا يقل عن الضغط الأميركي على أطراف التحالف الوطني وعلى العبادي شخصيا من اجل تشكيل حكومة تحفظ المصالح الأيرانية ونفوذها القوي في العراق.
وفي الوقت نفسه حاول المالكي سواء بممارسة الضغوط على أطراف التحالف الوطني الأخرى أوعن طريق الشبكات الموالية له ، التي زرعها في مؤسسات الدولة الحساسة وضع العراقيل أمام تشكيل حكومة العبادي ، بما يضمن له التأثير في صنع القرار من وراء الستار .
نحن هنا لا نبرر دوافع التشكيلة الغريبة لحكومة العبادي التي جمعت الأضداد ، ولكننا نشير فقط الى العوامل التي أدت الى ولادة الحكومة الجديدة على النحو الذي رأيناه ، ولم يكن أمام القوى السياسية المشاركة في الحكومة الجديدة الا الرضوخ للأمر الواقع ، ما عدا الكرد الذين منحوا العبادي مهلة ثلاثة أشهر لتنفيذ مطالبهم الدستورية وحل المشاكل العالقة بين بغداد وأربيل .
 
شارك الكرد في حكومة العبادي  بتحفظ شديد ، لأنها لا تختلف كثيراً عن حكومة المالكي فهي تضم ممثلي المكونات الرئيسية الثلاثة في البلاد ، ولم يتغير شيء يذكر من الناحية العملية لحد الآن بالنسبة للكرد في الأقل ، حيث لم تطلق الديون و المبالغ المالية المستحقة لأقليم كردستان ،  ، وظلت المشاكل العالقة مع اربيل على حالها .
أما المالكي فقد تحصن وراء منصب نائب رئيس الجمهورية ، بعد أن أسند مناصب حساسة في الدولة لأعوانه في سبيل ضمان نفوذه السياسي وتجنب مساءلته عن الأنتهاكات الصارخة للدستور و قمع الحريات العامة والخاصة وتصفية الخصوم السياسيين وزرع وتأجيج العنف الطائفي  والتستر على الفساد والفشل الذريع في أداء مهامه كرئيس للوزراء وقائد عام للقوات المسلحة .
لم يعلن العبادي لحد الآن ادانته لممارسات المالكي  ونهجه السياسي الطائفي، ولم يشر مجرد أشارة الى الأخطاء القاتلة ،التي ارتكبها المالكي ،  ما يجعل من الصعب  الأعتقاد بأن القائمة الطويلة من الوعود التي قطعها العبادي في برنامجه امام البرلمان وبضمنها وعوده بخصوص حل المشاكل التي أفتعلها المالكي مع اقليم كردستان ، ستترجم الى خطوات عملية على ارض الواقع .
 
وزير النفط الجديد السيد عادل عبد المهدي المعروف بعلاقاته الحسنة مع الكرد ، أقام هذا اليوم - الذي أكتب فيه هذه السطور - دعوى قضائية في الولايات المتحدة لمنع بيع شحنة جديدة من نفط كردستان . اذن ما الذي تغير في وزارة النفط  لحد الآن ؟
هيمنة مكون واحد على الحكومة لم تضعف بل تعززت عن السابق .
المالكي لا يزال على راس حزب الدعوة الذي ينتمي اليه العبادي . ومن الناحية العملية فأن حزب الدعوة استطاع ان يضمن اسناد رئاسة الوزراء الى مرشحه الجديد .كما ان  وزراء التحالف الوطني اسندت اليهم الحقائب المهمة ، التي تتيح لهم مواصلة السياسة السابقة .
 
لم تقدم حكومة العبادي المساندة العسكرية اللازمة لقوات البشمركة ، التي قال عنها القادة العسكريون الغربيون أنها القوة الوحيدة على الأرض ،  القادرة على مقاتلة داعش في العراق .
ولم يكتف العبادي بذلك بل نسب كل انتصارات قوات البيشمركة على داعش في جبهات القتال الى الجيش العراقي الذي لم يصمد امام عدة مئات من عناصر داعش في الموصل وفشل في  استعادة معظم  المناطق التي يحتلها التنظيم الأرهابي ،  رغم التصريحات الرسمية المتفائلة للناطق الرسمي بأسم القيادة العامة للقوات المسلحة ، والتي – لو صح الأرقام الواردة فيها عن خسائر داعش – لكان هذا التنظيم الأرهابي قد  أنتهي منذ عدة أسابيع .
 
ولكن ما يبعث على الأطمئنان حقا – هو التوازن الحقيقي الجديد  للقوى على ارض الواقع في العراق والشرق الأوسط . وهذا التوازن يتجه لصالح الكرد ، ففي بداية تصدي قوات البيشمركة لداعش كان الفارق في التسليح هائلا بين طرفي الحرب ، سلاح روسي خفيف ومتوسط وعتيق بيد قوات البشمركة مقابل اسلحة أربع فرق عسكرية عراقية أستولى عليها داعش ، وهي أسلحة أميركية متطورة وفعالة ،  كما أن قوات البشمركة لم تكن  قد خاضت معارك حربية حقيقية منذ أنتصار أنتفاضة آذار 1991 المجيدة في أقليم كردستان .
واليوم بعد تدفق الأسلحة الحديثة على قوات البيشمركة وبعد أن خاضت هذه القوات الباسلة  معارك ضارية ضد داعش واكتسبت خبرات قتالية كبيرة ، أصبحت قوة مرهوبة الجانب ، قادرة على حماية أقليم كردستان والأنجازات الحضارية لشعبه بمكوناته التي تسود بينها روح التسامح والعيش المشترك ، مما أكسب هذا الشعب المتطلع نحو الحرية والديمقراطية والأزدهار أحترام العالم المتحضر بأسره .
تحية الى أرواح شهداء البيشمركة  الأبرار. وننتهز هذه الفرصة لنرفع الى جكومة الأقليم أقتراحا بأقامة نصب تذكاري للجندي المجهول في العاصمة أربيل يليق بمكانة الشهيد الكردي  السامية والعزيزة على قلوب الكردستانيين جميعاً .
 
جــودت هوشيار
Jawhoshyar@yahoo.com
 



15
كتالونيا ـ الدولة القادمة في اوروبا

                                                     
جــودت هوشـيار

اقليم كتالونيا– الواقعة في شمال شرق اسبانيا – يمر بلحظة تأريخية فارقة ، فقد أقر برلمان كتالونيا في 23 يناير/ كانون الثاني  2013 وثيقة الاستقلال ، ونصت الوثيقة على « تقرير المصير من خلال استشارة سكان كتالونيا » عن طريق اجراء استفتاء بين سكان الأقليم ، في التاسع من نوفمبر / تشرين الثاني من عام 2014. وسيكون لاستقلال كاتالونيا  تاثير بعيد المدى على الأتحاد الأوروبي بأسره .
 
يعارض حزب المحافظين الحاكم في اسبانيا ،  بقيادة رئيس الوزراء  ( ماريانو راخوي ) والحزب الاشتراكي المعارض، إجراء الاستفتاء. ولكن كل محاولات الحكومة الأتحادية في مدريد والبرلمان الأسباني فشلت في تغيير موقف الحكومة الكتالونية وعرقلة اجراء الأستفتاء ، الذي يعده قادة وشعب كتالونيا ،الطريق السليم والمشروع  لتقرير المصير واعلان الأستقلال على غرار ما تم في  كوسوفو  وسلوفانيا  ، ودول بحر البلطيق ودول اوروبية أخرى ، كما ان اسكوتلندة عازمة على اجراء استفتاء مماثل في 18 سبتمبر / أيلول من هذا العام حول استقلالها عن المملكة المتحدة.
 
تبلغ مساحة كتالونيا حوالي 32 ألف كم مربع وتعداد سكانها  5 .7 مليون نسمة ويعتبر سادس أكبر منطقة من حيث المساحة في إسبانيا وتتكون من أربع مقاطعات.. أكبرها وأشهرها برشلونة والتي تمثل مدينتها عاصمة الإقليم. ويزيد عدد سكانها عن الخمسة ملايين نسمة.
اللغة الكتالونية هي اللغة  الرسمية في الأقليم بالإضافة إلى اللغة الإسبانية ، التي هي لغة إسبانيا. وينتشر استخدام اللغة الكتالونية في عدد من المقاطعات الأسبانية الأخرى (
جزر البليار ،  بلنسية ، الجزء الشرقي من منطقة أراغون ) وأجزاء من بعض الدول الأوروبية ( أندورا، حيث تعتبر اللغة الكتالانية اللغة الرسمية للدولة ، البرانيس الشرقية في فرنسا ، مدينة ألغيرو في إيطاليا .)  يبلغ مجموع الناطقين بهذه اللغة 11.5 مليون نسمة.
 
برلمان كتالونيا يتألف من 135 نائباً يمثلون المقاطعات الأربع التي يتشكل منها الأقليم .
في 25  نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2012 جرت انتخابات البرلمان الكتالوني حيث  حصل ( ائتلاف التقارب والاتحاد ) على أكبر عدد مقاعد يليه ( حزب اليسار الجمهوري الكتالاني ) الذي دخل في تحالف مع «التقارب والاتحاد» على أن يدعم سياسته الانفصالية عن إسبانيا. حصلت الأحزاب المؤيدة لتقرير المصير والأستقلال على اكثر من ثلثي عدد مقاعد البرلمان . 
 
لمحة تأريخية عن القضية الكتالونية :
 
فقدت امارة كتالونيا استقلالها السياسي في عام 1714 بعد ضمها قسراً الى مملكة الملك الأسباني  فيليب الخامس ، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف شعب كتالونيا من المطالبة  بالأستقلال عن اسبانيا .
وقد اتيحت لكتالونيا فرصة تأريخية للأنفصال عن المملكة في عام 1871 ، ولكن الأخيرة تمكنت من الأحتفاظ بكتلونيا وابقاءها جزءأ منها بعد مفاوضات طويلة  ووعود بتلبية مطالب أهل الأقليم .
مرت كتالونيا بأوقات عصيبة في الثلاثينات من القرن الماضي ، عندما تحالفت مع الحكومة الجمهورية المركزية وخاضت قواتهما حربا ضروس ضد جيش فرانكو . وبعد هزيمة القوات الجمهورية والكتالونية في الحرب الأهلية ، مارس النظام الدكتاتوري الفرانكوي أبشع أنواع الأضطهاد و القمع الجماعي  ضد أحرار كتالونيا والتضييق على  الثقافة الكتالونية ومنع استخدام اللغة الكتالونية كلغة رسمية أوتدريسها في المدارس وانكار الهوية الكتالونية المتميزة . وأدى هذه الأجراءات التعسفية الى انتشار وتصاعد النزعة الأستقلالية في الأقليم .وعلى مدى أكثر من أربعة عقود لم يتوقف المناضلون الكتالونيون عن المطالبة بالأستقلال ، سواء في داخل اسبانيا او في المحافل الدولية .
 
كتالونيا بعد سقوط النظام الدكتاتوري :
 
في عام 1979 أثمر نضال الشعب الكتلوني عن الحصول على الحكم الذاتي ، الأمر الذي أدى تلقائيا إلى الاعتراف الرسمي  بهذا الشعب ولغته وثقافته وهويته المتميزة .
 
يتمتع اقليم كتالونيا بصلاحيات واسعة وأشكال من الممارسة الإستقلالية عن الحكومة المركزية تتمثل في ما يلي :
 
-  تشكيل حكومة وبرلمان كتالونيا.
 
-  تشكيل قوى أمن كتالونية خاصة.
 
-  إدارة الصحة والتعليم والثقافة والبيئة والمواصلات وغيرها في الإقليم.
 
- مشاركة الحكومة المركزية  في صنع القرارات.
 
-  الأعتراف بالهوية الكتالونية كأمة مستقلة لها علمها الخاص ونشيدها الوطني
- الحصول على الأستقلال الأقتصادي في عام 2006
 
ومع ذلك لم  ينس شعب كتالونيا حلمه الكبير في تأسيس دولته المستقلة
كل خطوة نحو الأستقلال وكل  نصر صغير يحرزه الشعب الكتلوني يعزز رغبته في الأنفصال عن أسبانيا وفي الوقت نفسه ، يزيد التوتر في العلاقة بين برشلونة ومدريد .
واليوم بات حلم الكتلونيين بتأسيس دولتهم المستقلة أقرب الى الواقع من أي وقت مضى  ولم تبق سوىالخطوة الأخيرة وهي اجراء الأستفتاء ، الذي يمكن التكهن بنتائجه مسبقا والتي تتمثل في موافقة الأغلبية الساحقة من الكتلونيين على الأنفصال عن اسبانيا .
في عامي 2009 ، 2010 جرى في الأقليم  أستفتاء الأستقلال مرتين  بشكل غير رسمي ، وقد صوت أكثر من 90% من سكان الأقليم في كليهما لصالح تأسيس دولة كتلونيا المستقلة .
كما شهدت كتلونيا قبل حوالي سنتين تظاهرات حاشدة تحت شعار "  كتالونيا ـ الدولة القادمة في اوروبا " شارك فيها نحو مليون ونصف المليون مواطن في شوارع برشلونة  .
 
أقتصاد مزدهر وجمال ساحر :
 
يتمتع إقليم كتالونيا باقتصاد قوي ومتنوع بتنوع مصادر قوته من الصناعة والسياحة والزراعة والتجارة حيث يبلغ دخل الفرد السنوي في الإقليم 30 ألف يورو سنوياً وهو مساو لدخل الفرد في بريطانيا مثلاً.
ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي السنوي للإقليم 250 مليار يورو وهو الناتج الأعلى بين جميع الأقاليم الإسبانية .
هذه الأرقام مدهشة بالنسبة لأقليم صغير غير نفطي عند مقارنتها ببلدان أكبرمنها بكثير   ، فعلى سبيل المثال ،  نرى ان الناتج المحلي الأجمالي  لكتلونيا يبلغ أربعة أضعاف الناتج المحلي العراقي ، الذي تشكل العائدات النفطية حوالى 96% منه ، رغم الفرق الشاسع بينهما من حيث المساحة وعدد السكان
 
لميناء برشلونة الدولي أهمية ستراتيجية كبرى ، ويوفر للبلاد دخلا سنويا يقدر بمليارات الدولارات ، أما المدينة نفسها فهي قبلة أنظار السائحين من شتى دول العالم يقصدون اليها للتمتع بجمالها الساحر ومعالمها التأريخية الرائعة .
وتعد العاصمة برشلونة  من أكبر المدن المزدهرة على مستوى أوروبا كلها
 
ماذا  سيحدث لفريق برشلونة اذا اسشتقلت كتالونيا :
نادي برشلونة ممثلاً بفريقه لكرة القدم هو أقوى الأسلحة التي تحاول من خلالها كتالونيا إيصال رسالتها بالاستقلال معتمدة على شهرة هذا الفريق عالمياً وشهرة نجومها الكتلان أيضاً.
منتخب كتالونيا هو أحد هذه الوسائل أيضاً ولو بأهمية أقل لكن يبقى هذا المنتخب حاضراً عبر المباريات الودية لمواصلة إيصال رسالة الإستقلال التي يحلم بها كل كتلوني .
ولكن ماذا سيحدث لفريق نادي برشلونة الشهير اذا استقلت كتلونيا ؟
ثمة تكهنات عديدة لعل أقربها الى الواقع ما ذكرته مجلة ( انترفيو ) الأسبانية أن فريق نادي   برشلونة قرر أن يشارك في الدوري الفرنسي اذا ما تحقق حلم الأستقلال
ويعتبر الفريق أن هذا الأمر ليس بالغريب حيث تعد ولاية موناكو منفصلة وتتمتع بحكم ذاتي بينما يشارك فريق ناديه في الدوري الفرنسي منذ سنوات عديدة بدون أي مشاكل.
وفي ظل مساعي الانفصال عن إسبانيا دائما ما كان الجمهور يتعجب إذا ما كان الفريق سيستمر في الدوري الإسباني أو يتم تأسيس دوري كتالوني حتى ظهرت المجلة التي وضحت ما ينوي الفريق القيام به.
جــودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com



16
هل يمكن تجاوز التحديات الوجودية بتوزيع الحقائب الوزارية ؟

                                     
جــودت هوشـيار

خلال مراسيم تكليف الدكتور حيدر العبادي تشكيل حكومة شراكة وطنية ، خاطب الرئيس فؤاد معصوم ، العبادي قائلاً : العراق أمانة في عنقك ! .
 يا لها من عبارة بليغة ومركزة تختصر كل ما شهده العراق من مآسي انسانية وما عاناه شعبه  من ظلم واضطهاد وقتل وتهجير ، وتلمح الى المخاطر الوجودية التي تهدد مستقبله - بسبب سياسات رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي -  والآمال المعقودة على حكومة العبادي المقبلة في انقاذه من الأوضاع المأساوية التي يعانيها اليوم .
 
ومن اجل طي صفحة الماضي الأسود وفتح صفحة جديدة مع القوى الفاعلة في العملية السياسية والتعاون الوثيق بين حكومتي بغداد وأربيل للقضاء على تنظيم داعش الأرهابي وحصر السلاح بيد القوات الأمنية واقامة نظام ديمقراطي تعددي اتحادي على اسس الشراكة الوطنية الحقيقية لكافة مكونات الطيف العراقي في الحكم والأدارة وصنع القرار ، من اجل كل هذا ، لاقي تكليف العبادي تشكيل حكومة وطنية جامعة شاملة لا تقصي احدا ، وقادرة على مواجهة التحديات الوجودية التي يتعرض لها العراق حالياً ، ترحيبا محليا واقليميا ودوليا غير مسبوق . ولم يكن  هذا الترحيب النادر من اطراف شتى ، لشخصية العبادي نفسه  ، بقدر ما كان تعبيرا عن استياء شديد وعميق من  سياسة المالكي الكارثية ، التي الحقت أفدح الأضرار بالسلم الأهلي والأمن والأستقرار في العراق والشرق الأوسط ، على أمل  ان ينجح رئيس الوزراء الجديد في النهوض بالمهام الثقيلة والمعقدة الملقاة على كاهله .
 
تغيير النهج السياسي أهم من الحقائب الوزارية !
 
منذ تلكليف العبادي وحتى اليوم  يدور الحديث فقط عن توزيع الحقائب الوزارية بين الكتل السياسية ، وكأن العراق لا يواجه اي تحديات تهدد وجوده  أو أزمات خانقة يعاني منها شعبه  وان كل شيء في العراق على ما يرام وان محنة العراق يمكن تجاوزها بتوزيع الحقائب الوزارية.
كلا أيها السادة . !  ان توزيع الحقائب الوزارية  لن يغير شيئا في واقع العراق المؤلم .
فعلى سبيل المثال لا الحصر لن يؤدي اشغال الدكتور صالح المطلك  لمنصب نائب رئيس الوزراء الى الأشتراك الحقيقي للمكون السني في الحكم ، في حين ان القادة الذين يمثلون المكون السني ، مطاردون في الخارج أوملاحقون في الداخل أو يقبعون في السجون بسبب معارضتهم للنهج الطائفي لحكومة المالكي .
 
ما قيمة الحقائب الوزارية اذا بقي مكتب رئيس الوزراء  وجهازه الأداري الضخم المؤلف من عشرات المستشارين والهيئات واللجان تتدخل في كل صغيرة وكبيرة  من أعمال الوزارات وتتحكم في شؤون البلاد ورقاب العباد ؟. واذا كان أعلى قائد في الجيش لا يستطيع تحريك أي قوة وان كانت صغيرة من دون أمر مباشر من القائد العام للقوات المسلحة .
واذا استمرت هيمنة مكتب رئيس الوزراء على الهيئات المستقلة ومنها هيئة النزاهة التي لم تعد قادرة على محاربة الفساد الذي استشرى في كل مفاصل الدولة بسبب التدخل المباشر في شؤونها والتستر على الفساد والمفسدين .
قبل توزيع الحقائب الوزارية ينبغي لحكومة حزب الدعوة المقبلة ، نبذ النهج السياسي التمييزي - الأقصائي للحكومة السابقة المتمثل في سياسة تصفية المعارضة السياسية والمحاولات المستميتة لتحجيم اقليم كردستان الناهض ، المنطقة الوحيدة  الآمنة والمستقرة أمنيا والمزدهرة اقتصاديا  في العراق الأتحادي .
الدروس والعبر المريرة المستخلصة من اتفاقية أربيل ( 2010 ) التي دفنها المالكي في الجلسة  الأولي لمجلس النواب في دورته الثانية  ، تستوجب الأتفاق المسبق على  برنامج عمل واضح  للحكومة المقبلة يلبي مطالب السنة والكرد والمكونات الأخرى عن طريق تنفيذ اصلاحات جذرية شاملة ، من خلال آليات فعالة وضمن توقيتات زمنية محددة تكفل تجاوز المحنة العراقية الراهنة ، وتعهد حكومة بغداد بأتباع سياسة تنسجم مع روح ونص الدستور العراقي الذي ضربه المالكي عرض الحائط  والفصل التام بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية واحترام استقلال القضاء وعدم تسييسه وأحياء دور البرلمان التشريعي والرقابي وهذا أضعف الأيمان .
 



17
المنبر الحر / الصحفي والسياسة
« في: 19:13 25/08/2014  »
الصحفي والسياسة

                                   
جـــودت هوشـيار

 
يمكن القول أنّ ثمّة اليوم ثلاث مدارس في الصحافة العالمية حول علاقة الصحفي بالسياسة :
 
الأولى : " المدرسة الأميركية " التي ترى عدم جواز الأنحياز السياسي للصحفي الى درجة أن
العديد من المؤسسات الاعلامية الأميركية تمنع الصحفيين العاملين فيها من الكشف عن ميولهم السياسية خارج اطار العمل بهدف الحفاظ على موضوعية واستقلالية المؤسسة وبحسب مجلة " النيويوركر" الأميركية ،  فان العديد من الصحف  في الولايات المتحدة لا تسمح للصحفيين بالتعبير عن آرائهم العامة أو المشاركة في تظاهرات أو تعليق رموز انتخابية أو ملصقات على خلفية سياراتهم ،  وترى ان على الصحفي التزام جانب الحياد عندما يغطي مظاهرة او مؤتمرا جزبيا او اي نشاط سياسي آخر و ان يكون متوازناً وينشر الآراء المختلفة لأنه لو أنحاز الى جهة ما فأنه يفقد مصداقيته وقراءه  من ذوي الأنتماءات السياسية الأخرى .
ولقد بالغ رئيس تحرير صحيفة ( الواشنطن بوسط - Washington Post) في هذا الأمر كثيراً الى درجة أنه رفض الأدلاء بصوته في الأنتخابات الرئاسية  لكي لا ينتهك مبدأ عدم الأنتماء السياسي للصحفي ، مؤكداً ان الدور الاعلامي الذي يلعبه الصحفي يحول بينه وبين الأنحياز السياسي ليوفر لنفسه ولقراءه  فرصة أوسع من التحليل الموضوعي لشتى الأحداث والمواقف من غير تدخل الميول والمزاج السياسي .
وترى هذه المدرسة ،  ان العمل الأعلامي هو أحد ميادين التحليل والحكم الدقيق وهو عالمي ووطني اكثر مما هو فئوي أو أيديولوجي ، فهو كالقضاء المستقل بطبيعته الداخلية يرفض ان يتماهى مع الأنتماء السياسي المحدود .
 
الثانية : "المدرسة الأوروبية " التي لا تمانع أن يكون للصحفي  انتماء سياسي خارج اطار العمل ، على ان يلتزم بالمعايير المهنية للصحافة المستقلة ، لأن الكثيرين من أفراد المجتمع - اي مجتمع  -  لديهم ميول سياسية ، ولا ضيران يكون للصحفي أيضاً رأي سياسي أو حتى انتماء سياسي ولكن العيب والخطا هو أن يتم تغطية الاخبار والاحداث ليس كما تقع على ارض الواقع ، وانما كما يهوى الصحفي وما يحقق من خلال تغطيته للجهة التي ينتمي اليها او للوسيلة الأعلامية التي يعمل فيها ، فالمطلوب اذن وعي الصحفي لأدوات ومعايير العمل الصحفي وأدراكه لدور الصحافة والتزامه بالمصداقية والحيادية أي ان يكون الانتماء السياسي خارج العمل الاعلامي المهني.
 
الثالثة : هي" مدرسة عالمية " تقسم الصحافة الى  نوعين ،
الأول : صحافة بلا موقف سياسي : وهي الصحافة ، التي لا تعبر عن اتجاه سياسي معين ، أو تتبنى أيديولوجية بعينها ، وأنما تفتح صفحاتها لكل الآراء والأتجاهات السياسية ، والأجتماعية ولكل أصحاب الرأي على أختلاف رؤاهم . وتركز على الموضوعات التي تهم القاريء العادي وتخاطب عواطفه بالدرجة الأولى  ، كالجرائم  والجنس والرياضة وأخبار المجتمع وفضائح المشاهير والأحداث الطريفة والغريبة والمسلية .
 
والثاني : صحافة ذات موقف سياسي :
 
لكل صحيفة بصرف النظرعن حجم انتشارها سياسة ما ،. ويلعب تمويل الصحيفة دورا في تحديد سياستها التحريرية  ومواقفها من قضايا المجتمع  ، وتنتمي غالبية الصحف الصادرة في أوروبا الشرقية والبلدان النامية الى هذا النوع من الصحافة تحديدا ، على خلاف الصحف الغربية ذات الأتجاه السياسي ، التي  تتسم بالمهنية ولا تخلط بين الصحافة والسياسة ، بل تلتزم بأخلاقيات العمل الصحفي  ، وفي مقدمتها  صحافة النخب المؤثرة في المجتمع ، التي تتسم موضوعاتها بالدقة والموضوعية  وتتصف معالجتها للأحداث  بالأتزان وتميل الى التحليل المعمق للأحداث السياسية المحلية والدولية وتتجنب نشر الفضائح ، الا اذا كانت لها أهمية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ،  ولعل خير مثال على هذا النوع من الصحف، صحيفة " الغارديان " البريطانية ، التي يرى خبراء الصحافة ، أنها الجريدة الليبرالية الأولى في العالم ،  الا أنها أنتقدت بشدة الأدارة الأميركية الليبرالية عند نشرها وثائق " سنودين " وجسدت بذلك القيمة الأكثر أهمية في العمل الصحفي وهي الأمانة المهنية .. وأنها على استعداد لإلحاق الضرر بالتيار الذي تمثله باسم الحقيقة. وهي تدافع ليس عن المصالح السياسية لحلفائها ، بل عن المساءلة والشفافية في الحكومة ، وتوازن السلطة  و حق الشعب في أن يعرف مع الحرص على عدم أنتهاك الخصوصية الشخصية .
 
الحياد الأعلامي :
 
صفة الحياد مبدأ أساسي من مباديء الصحافة المستقلة ، تماما كالجهاز القضائي ، فالقاضي  المنحاز لأحد طرفي القضية تنتفي صفة الحياد منه و يعتبر غير جدير بممارسة مهنة القضاء ، لأن هدف القاضي هو التحري عن الحقيقة واقامة العدل وانصاف المظلوم .
الأخلاقيات المهنية تتطلب تطبيق القيم الأعلامية الرئيسة بمصداقية ودقة لضمان تغطيات محايدة تعكس  تنوع الآراء  ووجهات النظر المتعددة وعلى نحو متوازن والتحقق من عدم وجود جهة  لم يتم عكس آرائها بشكل منصف . وتجنب ما يسيء الى قسم من الجمهور المتلقي ، والتعامل بأمانة  مع مصادر المعلومات واتاحة الفرصة للرد من قبل من يمسهم الموضوع.
واذا اراد الصحفي   أبداء وجهة نظره الخاصة  حول مسألة سياسية  فأن المجال مفتوح أمامه من خلال مواد الرأي الحرة أو الموجهة التي قد تكون على شكل مقالات أو أعمدة صحفية تتيح لكاتبها حرية أضفاء مواقفه الأيديولوجية وانطباعاته الشخصية على الحدث .
 
ولكن الممارسات الصحفية في شتى أنحاء العالم تثبت با لا يدع مجالا للشك ان هذا المبدأ يكاد أن يكون غير قابل للتطبيق من الناحية العملية ، حتى ان بعض منظري الأعلام ينفي وجود الحياد الإعلامى أصلاً . وكما أشرنا آنفاً ، فأن لكل وسيلة إعلامية سواء كانت حكومية أو حزبية او خاصة سياستها التحريرية التى تعبر عن مصلحة مالكها أو الجهة الممولة لها .  والحياد لايمكن توافره  في ظل وجود مصلحة مادية أو سياسية .
وبقدر تعلق الأمر بالصحفي نفسه ، الذي يغطي الأحداث السياسية  ، ليس من السهل عليه أن يكون محايداً دائما .افهو ليس مجردا من الحس الأجتماعي والرؤية السياسية ، وليس بانسان آلي يقوم بنقل الأخبار فقط ، بل هو شخص يعايش الحدث أكثر من الآخرين .
 
وفي الوقت نفسه فأن الحياد الأعلامي المنشود وثيق الصلة بمدى الحرية التي يتمتع بها الصحفي في تغطيته للأحداث أو تناول أي موضوع يراه مهما ، فهو لا يمكن ان يكون حياديا عند تغطيته للأحداث السياسية ، مع وجود خطوط حمراء لا يمكنه الأقتراب منها أو مصلحة تفرض عليه حجب بعض الحقائق .
هل عفا الزمن على قاعدة (  الخبر مقدس والرأي حر) ؟
 
في نظرية الأعلام قاعدة تقول أن ( الخبر مقدس والرأي حر ) ويتبغي الفصل التام بينهما .
،فالخبر يكتسب  صفة القدسية ، من واقعيته ، وحقيقة حدوثه ، ولا بد من  التحري الدقيق قبل نشره  ، لأن دور الصحفي هو تغطية الخبر بصدق وأمانة و ايصاله للمتلقي دون تشويه او تحريف  او محاولة تطويعه  لسياسة الوسيلة الأعلامية التي يعمل فيها ، فطالما هناك حدث ، مهما كانت درجة خطورته أو تأثير تداعياته ، يجب ان يعرفه المواطن ، فهذا حق من حقوقه ( المواطن )  وواجب الصحافة في آن واحد  .
ولكن البعض يجادل بأن هذه القاعدة قد عفا عليها الزمن وأصبحت بالية  في عصرنا الراهن  ولا يتقيد به معظم الأعلاميين حاليا ، بل على النقيض من ذلك ،  كل الأخبار تحمل اليوم رأياً ، وان الحدث الواحد يعرض في وسائل الأعلام  بصيغ مختلفة ، وكل  صيغة تستبطن رأياً أو توجها تسوس الخبر حسب رؤية الوسيلة الأعلامية للحدث .
 

والحق ان الخبر الذي لا يحمل رأيا لا يجذب الأنتباه  ، لأن الجمهور غير متجانس في ميوله السياسية ، وتوجهاته الفكرية ،  وخلفياته الثقافية وغير محايد كما وسائل الأعلام ،فهو يبحث عن الوسيلة الأعلامية التي تدعم ميوله السياسية ، وتتفق مع توجهاته الأيديولوجية. وأي وسيلة اعلام تعمل بمبدأ الحياد ستلقى الأعراض من الجمهور وتكون بضاعتها كاسدة .
 
إن تجريد الخبر عن قدسيته لصالح الرأي يتجلى بأوضح صورها في البرامج النقاشية للقنوات الفضائية ، عبر استضافة المحللين السياسيين الذين تنسجم  توجهاتهم السياسية والفكرية مع سياسة تلك القنوات ، حيث نرى كل واحد منهم يتناول الخبر الواحد من زاوية معينة ، وقد يصل الأمر بهم الى التقليل من اهمية الخبر مدار الجدل أو حتى التشكيك في صحته . ،. ونرى على هذا النحو ان الرأي يطغى على الخبر ، وتضيع  الحقيقة  في خضم التحليل  .  والفضائيات تمنح للرأي مساحة ووقتاً أكبر بكثير من مساحة ووقت عرض الخبر ، وبذلك تعبرعن وجهة نظرها في الحدث على نحو غير مباشر .
 
جــودت هوشـيار
jawhoshyar@yahoo.com
 
 



18
كيف اصبح اقليم كردستان محط أنظار العالم ؟
                                           
                                                           
جــودت هوشـيار

بين ليلة وضحاها أصبح أقليم كردستان محط أهتمام العالم وشاغل أنظاره ، وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى  استثنائيا ،  ونادر الحدوث ، حيث لم يحدث قط  منذ الحرب العالمية الثانية اجماع اقليمي ودولي حول قضية او بلد ما مثل ما يحدث هذه الأيام من تأييد المجتمع الدولي بأسره لأقليم كردستان في تصديه لأرهابي تنظيم ( داعش ) أقوى وأغنى و أخطر تنظيم ارهابي في العالم  . ولكن لهذا الأهتمام أسباب موضوعية تتعلق بأمن واستقرار الشرق الأوسط  ومصالح الدول الغربية والقيم التي يؤمن بها المجتمعات المتحضرة .
 
لا يخفي على المتتبع لتطور اقليم كردستان في كافة مجالات الحياة الأنسانية وتحديث المجتمع الكردستاني  في السنوات الأخيرة ، ملاحظة قيم التسامح العرقي والديني والمذهبي المتجذر في الثقافة الكردية ، وهذا ما أشار اليه الرئيس أوباما في كلمته التأريخية عندما أجاز تقديم المساعدة العسكرية العاجلة لقوات البيشمركة لصد قطعان ( داعش ) وردعهم عن المساس بأمن وحرية كردستان .
 
 صحيح ان التراجيديا الأنسانية الكبرى التي تعرض لها الأيزيدييون الكرد في مدينة سنجار والحصار الذي فرضه ارهابي داعش على النازحين الى المنطقة الجبلية القريبة منها، كان احد العوامل الأساسية التي دفعت البيت الأبيض الى اتخاذ قرار عاجل بتوجيه ضربات جوية فعالة الى مواقع الأرهابيين  بعد أقل من 36 ساعة من هجوم مسلحي( داعش ) على حدود الأقليم ودون انتظار قرار من مجلس الأمن الدولي كما  كان الأمر في بعض المناطق الساخنة الأخرى في العالم التي تدخلت فيها الولايات المتحدة الأميركية عسكريا ( البوسنة ، ليبيا ) ثم اتخذ الرئيس اوباما قرارات لاحقة   بمد البيشمركة بالأسلحة الحديثة وزيادة عدد المستشارين الأميركيين في أربيل  والقاء المياه والطعام الجاهز الى العالقين في جبل سنجار . وحذت دول الأتحاد الأوروبي حذو الولايات المتحدة الأميركية في تقديم الدعم العسكري المباشر لقوات البيشمركة  والمساعدة الأنسانية العاجلة لمنكوبي  سنجار وابدت دول كثيرة تأييدها ومساندتها للأقليم في تصديها لعدوان دولة داعش الأرهابية  نيابة عن العالم بأسره .
 
ولكن ثمة عوامل أخرى فرضت نفسها على البيت الأبيض في اتخاذ القرار التأريخي بمساندة الكرد ، ويمكن تلخيصها فيما يلي :
 
1 – دفعت الولايات المتحدة الأميركية ثمنا غاليا للأخطاء التي ارتكبتها ادارة الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش حيث بلغت خسائرها البشرية حوالي ( 5000 ) ضابط وجندي واصيب أكثر من ( 35000 ) آخرين بأعاقات دائمة وأنفقت مئات المليارات من الدولارات على المجهود الحربي ، لتترك العراق بعد انسحاب قواتها منه في نهاية عام 2011 في وضع لا يحسد عليه . أي ان كل الجهود الأميركية ذهبت هباءاً ، ما عدا استثناء واحد هو أقليم كردستان المستقر أمنيا والمزدهر أقتصاديا.
التجربة الديمقراطية والتنمية المتسارعة في الأقليم  نموذج ناجح حيث أثبت الكرد انهم أقرب شعوب الشرق الأوسط  الى القيم الديمقراطية والأخلاقية والثقافية للحضارة الغربية واكثر استعدادا وكفاءة لتحديث مجتمعهم من أي مكون آخر من مكونات العراق .
 
لقد أصبح اقليم كردستان واحة للأمن والأمان المادي والديني والسياسي في العراق المضطرب وفي الشرق الأوسط عموماً  وسوقا واعدة ذات بيئة استثمارية جاذبة  للشركات العالمية   وملاذا لكل العراقيين النازحين والمضطهدين .
 هل يوجد في الدنيا بأسرها كيان آخر بحجم اقليم كردستان وبعدد نفوسه يحتضن  أكثر من مليون وربع المليون لاجيء من مناطق العراق الأخرى المتوترة ومن شتى الأعراق والأديان والمذاهب ، اضافة الى حوالي ربع مليون لاجيء  سوري معظمهم من الكرد .
الكثير من اللاجئين ينتشرون في العديد من  بلدات الأقليم كضيوف أعزاء يحميهم القانون وتقاليد الضيافة الكردية التي أشاد بها المستشرقون كثيراً في الماضي وكل من زار الأقليم في السنوات الأخيرة من العرب والأجانب .
 
2–  يتمتع أقليم كردستان الغني بالموارد الطبيعية -  كالنفط والغاز اضافة الى المعادن الثمينة التي لم تستثمر بعد -  بقيمة جيوستراتيجية كبيرة وهامة على المستوى الأقليمي والدولي  لوقوعه في قلب الشرق الأوسط ، وهو اليوم ، كما كان الأمر في الماضي ممر بالغ الأهمية  للتجارة بين بلدان المنطقة . ان  وصول داعش الى داخل اقليم كردستان كان سيؤدي الى عدم الأستقرار في العراق ومنطقة الشرق الأوسط ويشكل خطرا على تركيا -  العضو في حلف الأطلسي  - وايران وعلى الشرق الأوسط عموما  .
 
3– لعبت وسائل الأعلام الأميركية والرأي العام الأميركي دورا ضاغطا على البيت الأبيض  وفي لفت الأنظار الى مأساة الأيزيديين والأهمية القصوى لأقليم كردستان كحجر أساس لأستقرار الشرق الأوسط  ، وطالب العشرات من اعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ الأميركي  بنجدة الكرد ومد قوات البشمركة بالأسلحة الثقيلة الحديثة اللازمة لدحر داعش وتطهير كردستان والعراق  من رجس هذه التنظيم المتوحش ، المجرد من كل القيم الأخلاقية والدينية والأنسانية .
ويقول الصحفي الأميركي البارز فريد زكريا في آخر مقال له ان الشعب الكردي  قوة ديمقراطية في الشرق الأوسط  و صديق موثوق للولايات المتحدة الأميركية .
 
وخلال كتابة هذا المقال أتصل بي صديق مسيحي عزيز ،  هاجر الى الولايات المتحدة قبل حوالي ( 40 ) عاما ، وهو اليوم  يحمل الجنسية الأميركية  ورجل اعمال ناجح وعضو بارز في الحزب الجمهوري الأميركي  . نقل لي هذا الصديق آراء ومشاعر المواطن الأميركي العادي ازاء اقليم كردستان . قال انه استطلع آراء عدد كبير من أعضاء الحزب الجمهوري الذين أبدوا اعجابهم بالتقدم المتسارع في الأقليم الذي تحول خلال سنوات قليلة الى بلد يسعي للحاق بالحضارة العالمية واصبح واحة للأمن والأستقرار والأزدهار . وان الولايات المتحدة لن تسمح أبداً لأحد كائنا من يكون ، المساس بهذا النموذج الناجح . كما أشاد الأميركيون بشجاعة البيشمركة وصمودهم البطولى امام الهجمة البربرية لقطعان داعش .
 
 4 – انتهجت القيادة الكردية سياسة متوازنة مدروسة ومرنة في التعامل مع الجارتين الكبيرتين تركيا وايران ، حيث استطاعت تأسيس علاقات حسن الجوار والأحترام المتبادل والحرص على المصالح المشتركة معهما  في آن واحد ، مع الحفاظ على استقلالية القرار الكردي  . وهوانجاز بارز لسياسة الأقليم الخارجية ، اذا علمنا ان تركيا وايران كانتا  على مدى مئات السنين وما زالتا  تتنافسان لبسط نفوذهما على كردستان والعراق .
كما نجحت القيادة الكردية في التعريف بالقضية الكردية وكسب كثير من الأصدقاء للشعب الكردي والمناصرين للقضية الكردية  في اوساط النخب السياسية المؤثرة في الغرب واجتذاب الأهتمام الدولي المتزايد بأقليم كردستان الناهض ولا أدل على ذلك من وجود أكثر من ( 30) ممثلية دبلوماسية في العاصمة أربيل . ولدى الأقليم اليوم علاقات متعددة الجوانب مع عدد كبير من دول العالم .
كل هذه العوامل مجتمعة جعلت التجربة الديمقراطية في أقليم كردستان والأستقرار الذي ينعم به نموذجا يحتذى في وسط منطقة مضطربة وبالغة الأهمية بالنسبة الى المجتمع الدولي  ، وجعلت الدول الديمقراطية العريقة تسارع الى نجدة الشعب الكردي وقواته المسلحة في صراعه الدامي مع دولة الأرهاب الداعشية ، هذا الصراع الذي يتوقف على نتيجته مصير الشرق الأوسط بأسره .
 
جــودت هوشـيار
jawhoshyar@yahoo.com
 


19
المالكي ينصب فخاً جديداً للكرد

                                 
جــودت هوشـيار

اذا كان الساسة العراقيون ماهرين في أخفاء نواياهم الحقيقية تحت غطاء الكلمات المنمقة ، التي قد لا تعني شيئاً مهما في معظم الأحيان ، فأن الوعي الجمعي العراقي ، أكثر ذكاءاً ويقرأ الممحي كما يقول العراقيون . فقد اطلق الشارع العراقي على السياسيين السنة الذين أستطاع رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي من تدجينهم بالترغيب والترهيب , اسم " سنة المالكي " وهو وصف دقيق للغاية ويعبر عن حقيقة هؤلاء الساسة ، الذين خانوا الأمانة وخذلوا من صوت لهم في الأنتخابات البرلمانية الأخيرة .
 ولعل أبرز هؤلاء هو صالح المطلك ، الذي تشبث بمنصب نائب رئيس الوزراء لشؤون الخدمات  وامتيازاته رغم الهوان الذي لقيه على يد المالكي ،  والمنصب ، الذي يشغله اليوم - اذا جردناه من امتيازاته - لا قيمة عملية له ، لوجود لجنة خاصة للأشراف على الخدمات في مكتب رئيس الوزراء .
 
 ومن سنة المالكي سليم الجبوري ،  الذي يتردد اسمه كثيرا هذه الأيام كمرشح لمنصب رئيس البرلمان ، وسبب انحيازه للمالكي هو الخوف من القاء القبض عليه ومحاكمته وفق المادة 4 أرهاب ، حيث صدرت مذكرة قضائية عن مجلس القضاء الاعلى لرفعِ الحصانة عنه وفق قانون الارهاب . وجاء في كتاب التغطية الموقع من رئيس مجلس القضاء الاعلى مدحت المحمود والموجه الى مجلس النواب " اَن محكمةَ التحقيق تنتظر رفع الحصانة عن النائب  سليم الجبوري لاتخاذ الاجراءات القانونية بحقه وفقا لاحكام المادة الرابعة/اولا من قانون مكافحة الارهاب لعام 2005 "
 . وكان المالكي قد هدد – في وقت سابق -  بالكشف عن اسماء النواب المتهمين بالأرهاب . ويبدو ان الجبوري ونواب آخرون قد خضعوا لأبتزاز المالكي ، . كما استطاع المالكي استمالة عدد آخر من النواب السنة عن طريق المغريات المادية وقطع الوعود لهم بمنحهم مناصب رفيعة في التشكيلة الحكومية الجديدة .
وينتمي الجبوري زعيم كتلة ( ديالى هويتنا ) الى الحزب الأسلامي العراقي الذي  انتهج سياسة الرفض العلني والتأييد السري  للولاية الثالثة وشق الائتلافات المعارضة للمالكي
 
وكشفت مصادر موثوقة أن «رئيس الحزب الإسلامي أياد السامرائي التقى قبل أيام نائب رئيس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة والقيادي في ائتلاف دولة القانون حسين الشهرستاني حيث قدم السامرائي عرضا يتضمن موافقة 35 نائبا من قوائم سنية متعددة على منح المالكي الولاية الثالثة مقابل شروط حملها تتعلق بتوزيع الوزارات ومعالجة ملفات بعض الساسة المتهمين بالإرهاب والفساد .
وانا اكتب هذه السطور نقلت وسائل الأعلام خبرا مفاده ان ( قضاء المالكي ) قد برأ  ساحة سليم الجبوري من التهم الموجهة اليه ، واصبح الباب مشرعا أمامه للترشح لمنصب رئيس مجلس النواب .
لقد دأب التحالف الشيعي على المماطلة والتسويف في اختيار مرشحه لرئاسة الحكومة لأنه في حقيقة الأمر لا يوجد أي مرشح آخر لدى التحالف  غير المالكي  وكل ما يشاع عن ترشيح طارق نجم أو عادل عبدالمهدي أو أحمد الجلبي هو لذر الرماد في العيون ، لأن قرار ترشيح رئيس الوزراء يعود الى طهران وليس لأحزابها في العراق.
وعلى خلاف ما يذاع وينشر فأن كل الدلائل تشير الى أن  المالكي هو رجل ايران المفضل ولا يتجاسر أي حزب أو تيار شيعي على اتخاذ موقف يخالف موقف طهران .
ولا يخامرني أدنى شك ان المالكي قد أحكم هذه المرة حبك  خيوط الفخ الذي نصبه لمنافسيه وخصومه بما يملكه من مقدرات الدولة العراقية واحتكاره لكل السلطات. ومن اجل التغطية على هذا الفخ وخلط الأوراق ،  سرب اعلام المالكي خبرا مفبركا مفاده ان بعض اطراف التحالف الشيعي لا يؤيد أنتخاب الجبوري لرئاسة مجلس النواب وهذا غير صحيح ، لأن التحالف الشيعي سيصطف الى جانب المالكي في نهاية المطاف .
 
اذا تم أنتخاب الجبوري رئيسا لمجلس النواب من دون الأتفاق المسبق على الرئاسات الثلاث بين الكتل البرلمانية الرئيسية ، فأن ذلك يشكل كارثة حقيقية للعراق في هذا الظرف العصيب . دققوا معي في هذا السيناريو الجديد : بعد أنتخاب الجبوري سيتم أنتخاب شخصية كردية لرئاسة الجمهورية تحظى بتأييد ايراني ، وسيصوت الكرد لمرشحهم من دون أدنى شك وسيكلف رئيس الجمهورية  بدوره زعيم الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة الجديدة ، وقد مهد المالكي لهذا الأمر وطلب اليوم من المحكمة الأتحادية أعتبار ائتلاف دولة القانون ، الكتلة البرلمانية الأكبر ،
الفخ الذي نصبه المالكي للكرد ولكل المعارضين الحقيقيين للولاية الثالثة يبدو بريئا في ظاهره ولكنه خطير في واقع الأمر .  والضمان الوحيد لتجنب الوقوع في هذا الفخ المحكم ، هو الأصرار على أنتخاب الرئاسات الثلاث دفعة واحدة .واحلال بديل للمالكي يحظى بالأجماع الوطني ،من اجل انقاذ العراق من الأخطار المحدقة به بسبب سياسات المالكي الطائفية والأقصائية  ,
 



20
خفايا صفقة طائرات السوخوي

                                   
جودت هوشيار

بعد تلكؤ الولايات المتحدة الأميركية في تنفيذ العقد المبرم مع حكومة نوري المالكي لتزويد العراق بمقاتلات (  16 F- ) بسبب خشية البنتاغون من وقوع هذه الطائرات بيد ايران  ، سارع المالكي الى مفاتحة روسيا لتزويده بمقاتلات حديثة من اجل القضاء على الفصائل السنية المسلحة بذريعة محاربة ( داعش ) . وقد استغلت روسيا حاجة المالكي الشديدة الى الطائرات المقاتلة لتفرض عليه شروطاً قاسية  ، من حيث نوع الطائرات وأسعارها الباهضة . وقد نشرت مجلة ( شبيكل ) الألمانية - واسعة الأنتشار والتي تتميز بمصادرها الموثوقة –بعض تفاصيل الصفقة في عددها الأخير ، وأكدت ان الطائرات العشر التي تعاقدت علها حكومة المالكي مع روسيا  هي من طراز(  SU-24) و (  SU-25)  القديمة المستعملة ، وأن قيمة هذه الصفقة تبلغ ( 365 ) مليون يورو وليس جزءاً من صفقة قديمة كما تدعي بغداد ، ولم يكن أمام المالكي سوى الرضوخ للشروط الروسية والقبول بهذه الصفقة غير المتكافئة .
 
وقد ظهرت خلال المباحثات بين بغداد وموسكو حول تفاصيل العقد ،  مشاكل جادة عديدة ومنها : من سيقود هذه الطائرات ؟
 مدير مركز التحليل الستراتيجي والتكنولوجي الروسي روسلان بوخوف صرح  لصحيفة ( نيسافيسفايا غازيت ) الموسكوفية ، ان العراق يفتقر الى طيارين مدربين على قيادة طائرات السوخوي  رغم ان عددأً كبيراً من الطيارين العراقيين قد تدربوا على استخدام هذا النوع من الطائرات خلال سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ولكن لا أحد منهم يخدم اليوم في سلاح الجو العراقي ، بعد قتل أو أغتيال عدد كبير منهم من قبل الميليشات الطائفية المتطرفة وهجرة ما تبقى منهم الى خارج البلاد أو التحاقهم بالفصائل المسلحة . واقترحت روسيا الأستعانة بالطيارين الأيرانيين أو السوريين المدربين على قيادة طائرات السوخوي ، او التعاقد مع طيارين من أوكرانيا أو أي بلد آخر . ولكن العراق رفض هذا الأقتراح وأصر على استخدام طيارين روس لقيادة الطائرات المشتراة وقد وصل الى العراق فعلاً عدد من الطيارين الروس ، كما هبطت الدفعة الأولى من طائرات السوخوي ، في احد المطارات الحربية العراقية في جنوب البلاد بعيدا عن جبهات القتال وليس في غربي بغداد كما صرح الناطق بأسم القائد العام للقوات العراقية السلحة قاسم عطا .
 .
وكشفت بعض الصحف الروسية المعارضة للرئيس بوتين ومنها صحيفة ( نوفايا غازيتا ) التي يمتلك الرئيس السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف أكثر اسهمها ، أن صفقة الأسلحة الجديدة الموقعة بين العراق وروسيا تتضمن أيضاً تزويد العراق بطائرات مروحية من طرازMIG-28) ) و( MIG – 35) .
السؤال الذي يطرحه المعلقون الروس هو الى أي مدى تريد روسيا أن تكون طرفاً في حرب المالكي ضد الثورة السنية في العراق ؟
يتبين من الحوار الذي أجراه المحلل السياسي الروسي سيرغي بريلوف مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لصالح قناة ( فيستي ) الحكومية الروسية ، ان روسيا لن تكون متفرجا خارجيا على ما يحدث في العراق ولن تقف مكتوفة الأيدي تجاه المخاطر التي قد تتعرض لها أمنها الوطني ومصالحها في المنطقة .
وحذر لافروف من تفكك العراق ،  الذي يؤدي – حسب رأيه -  الى تفجر الوضع في المنطقة بأسرها ،  وان حالة عدم الاستقرار سوف تستمر لسنوات عديدة  وتشمل تداعياتها ليس الشرق الاوسط  وشمال افريقيا فقط  بل المناطق المجاورة لهما  ايضا .
 ويمكن تفسير كلام لافروف ان روسيا قلقة على احتمال تغلغل الفصائل الأسلامية المتطرفة الى جمهوريات جنوب القفقاس وآسيا الوسطى الأسلامية المتاخمة لحدودها الجنوبية ، اضافة الى المناطق الأسلامية في روسيا ذاتها مثل الشيشان وتاتارستان وغيرهما .
 
ولا شك ان روسيا تتخذ من حرب المالكي ضد الفصائل السنية المسلحة ذريعة لأستعادة نفوذها المفقود في العراق . ولكن الى أي مدى يرغب قادة الكرملين في اقحام روسيا في المستنقع العراقي ؟
يبدو ان ثمة تنسيقا من نوع ما بين الولايات المتحدة الاميركية وايران وروسيا ، لأن المالكي لم يكن يتجاسر على أغضاب واشنطن في وقت هو بأمس الحاجة الى  المساعدة العسكرية الأميركية من اجل القضاء على الثورة السنية التي يشكل تنظيم داعش جزءأً ً منها .
 
وتقول صحف المعارضة الروسية ، ان طهران قد ارسلت الى العراق فعلاً طائرات تجسسية بدون طيار وثمة عدة كتائب من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الأيراني تقاتل في ديالى وسامراء الى جانب جيش المالكي وميليشياته ، وان القوات الأيرانية تشغل الآن  قاعدة الرشيد - وهي اكبر قاعدة عسكرية في العراق- أما الجنرالات الأيرانيون  ، الذين يوجهون قوات الماكي ، فقد أتخذوا من دار الأذاعة القديمة في الصالحية ببغداد مقراً لهم .
 
حملة استعادة تكريت التي  تم الأعداد لها بالتعاون مع المستشارين الأميركان لم تحقق أهدافها الرئيسية المتمثلة في رفع معنويات الجيش العراقي وتعزيز موقف نوري المالكي في الأحتفاظ بمنصبه لأربع سنوات أخرى قادمة . وان الحرب ضد الفصائل المسلحة ستستمر الى امد غير معلوم اذا اصر المالكي على استخدام القوة للقضاء عليها .
 
طائرات السوخوي المدمرة وتورط روسيا المباشر في الحرب  لن تؤدي الا الى تعقيد الأزمة العراقية  وقتل المزيد من سكان المناطق الساخنة ، من دون الحاق الهزيمة بالمسلحين ، ولو كان الحل هو القصف الصاروخي والمدفعي والبراميل المتفجرة ، لكانت سيطرة المسلحين على الفلوجة قد انتهت منذ أشهر . ولكن هذا لم يحدث ولن يحدث وطائرات السوخوي لن تجدي نفعا في الحاق الهزيمة السريعة بهم   كما تدل على ذلك التجربة السورية طوال السنوات الثلاث الماضية
. معالجة الأزمة العراقية تكمن  في ايجاد حل سياسي يلبي طموح الأغلبية الساحقة من المكون السني العربي الذي يشكل أكثر من ثلث سكان البلاد وبذلك يتم عزل داعش والقضاء عليه بمساعدة ثوار العشائر أنفسهم وعلى المالكي ادراك هذه الحقيقة وليس صبت الزيت على النار المشتعلة ...
 
جـــودت هوشـيار
Jawhoshyar@yahoo.com
 

 


21
بين صحافتين جيدة وسيئة

                                   
جــودت هوشيار

في سنة 1852 كتب رئيس تحرير جريدة " التايمز" اللندنية يقول : " ان الواجب الأساسي للصحافة هو الحصول على أحدث وأدق المعلومات عن الأحداث ونشرها على الفور ، بحيث تصبح ملكاً للأمة بأسرها ." ورغم مرور ( 162 ) سنة على هذه المقولة فأنها ما زالت صحيحة وتشكل حداً فاصلاً بين الصحافة المهنية الناضجة وبين أنواع أخرى عديدة من  الصحافة اللامهنية ، وأصبحت أكثر أهمية في عصر عولمة الأتصالات ، التي أتاحت نشر أحدث المعلومات لحظة بلحظة عبر وسائل تقنية متطورة .
 فالمحك الحقيقي لأية صحافة ، هو مدى دقة ومصداقية المعلومات المنشورة ، فالصحافة الجيدة ، تتحرى الحقائق وتتأكد من مصادرها ، وتثقف جمهور القراء بما تنشره من تحليلات وآراء وتحقيقات وأستقصاءات  .
 
الصحافة المهنية وصحافة البروباغاندا :
 
الصحافة المهنية بمفهومها الحديث ،  هي  تلك التي تلقي الأضواء على ما يحدث في المجتمع والعالم من احداث وتطورات أولاً بأول وبكل موضوعية وتراقب الأداء الحكومي  وتكشف عن مكامن الخلل فيه ، ليس من أجل النيل منه ، بل في سبيل لفت أنظار الحكومة والرأي العام  اليها وتنشر التحليلات المتعمقة والمفيدة لوجهات نظر متباينة وليس لوجهة نظر واحدة  ، صحافة شفافة تحترم جمهورها وتلتزم بالمعايير الأخلاقية والقانونية للعمل الصحفي وتراجع أعمالها وتصحح مسارها اذا دعت الحاجة الى ذلك .
الصحافة المهنية وليدة الديمقراطية ، نشأت وتطورت مع نشؤ وتطور الديمقراطية الغربية  وفصل واستقلال السلطات التنفيذية ، والتشريعية ، والقضائية عن بعضها البعض . ومن دون وجود هذه السلطات الثلاث المستقلة  لا يمكن تصور وجود صحافة مهنية حرة ومستقلة.
 هذا الفصل بين السلطات  أمر جوهري للغاية . ففي النظم الشمولية هناك سلطة واحدة فقط هي السلطة التنفيذية ، التي تهيمن على السلطتين التشريعية والقضائية ولا توجد صحافة حقيقية ،  وان وجدت فهي ( بروباغاندا ) أو دعاية سياسية لرأس النظام وللحزب الحاكم .
هكذا كان الأمر في ألمانيا الهتلرية و روسيا الستالينية والعراق الصدامي وليبيا القذافي، وهذا هو حال الصحافة اليوم في معظم الجمهوريات السوفيتية السابقة  وفي روسيا البوتينية نفسها.
الصحافة بالمفهوم العلمي لهذا المصطلح لا يمكنها ان تعيش الا في أجواء الحرية والشفافية والعلنية.
.
ففي ظل النظام السوفييتي كانت ثمة ( صحف ) تتباهي بأنها تطبع وتوزع ملايين النسخ يومياً ومنها صحيفة ( البرافدا ) أي ( الحقيقة ) التي كانت تعتبر نفسها الصحيفة الأكثر توزيعاً في العالم . وعندما كنت في موسكو خلال الستينات من القرن الماضي وفي زياراتي التالية لها،  كنت أرى وأسمع غالبا كيف يتهكم القراء الروس على صحيفة ( البرافدا – الحقيقة ) قائلين : ان " لا حقيقة في صحيفة الحقيقة " ولم تكن الصحف السوفيتية الأخرى الا تنويعاًت على ما تنشره ( البرافدا ) ولا أحد من الصحفيين السوفييت – وبينهم عدد كبير من الصحفيين الشرفاء المخلصين لمهنتهم والذين بلغوا مرتبة رفيعة من الأحترافية  - كان قادراً على قول الحقيقة كما هي ، وان فعل ذلك ، يفصل من وظيفته أو يلقى به في غياهب السجون . وفي أفضل الأحوال كان مصير ما يكتبه الى سلة المهملات .
 ولم تكن صحافة صدام أفضل من ( الصحافة ) السوفيتية .، ان لم تكن أسوأ بكثير .
في الثمانينات من القرن الماضي  ، قال لي صديق  بولوني مثقف كان مديرا لمكتب شركة ( بول سيرفس ) البولونية في العراق -  وهي الشركة التي وضعت التصميم الأساسي لمدينة بغداد -  وكان يتابع  بحكم وظيفته ما تنشره الصحافة العراقية ، قال لي هذا الصديق : " أنا لا أفهم لماذا لا تصدر الحكومة صحيفة يومية واحدة فقط توفيراً للجهد والمال ، لأن الصحف اليومية الخمس التي تصدر الآن ، متشابهة المحتوى تماما ولا تختلف الا من حيث الشكل والأخراج ، وكلها تتحدث عن صدام و تزين صفحاتها الرئيسية بصوره.
 
 وصفوة القول ان التعددية السياسية والفكرية وحرية الرأي والتعبير ضرورية للصحافة المهنية  كالهواء للأنسان ولا قيمة لصحافة لا تستطيع قول الحقيقة  .
 
صحافة ( البروباغاندا ) بكافة أشكالها وصورها ، صحافة  تعتاش على التضليل المتعمد للجمهور وحجب او تشويه الحقائق وتجميل النظام الشمولي الحاكم  وتلميع صورة القائد الضرورة أو الأخ الأكبر- حسب اورويل -  وتبرير افعاله مهما كانت شنيعة .
هذا النوع من الصحافة ليست  مقصورة على الصحافة الرسمية للأنظمة الشمولية ، بل تشمل الصحافة الأهلية المنحازة وصحافة المعارضة المؤدلجة خاصة في بلدان الشرق الأوسط ، عندما تنتهج خطا ايديولوجيا واحدا ومحدأً وتفسر كل شيء بمقتضاه ، ولا تنشر الا ما يؤيد وجهة نظرها ، متجاهلةا الآراء الأخرى .  وتنتقد السلطة بأستمرار وتتحامل عليها  ولا ترى الا جانباً واحداً من اعمالها ، وهو الجانب السلبي.
 
مثل هذه الصحافة تدعي الأستقلالية بذريعة أنها غير تابعة للدولة .  ولكن استقلالية الصحافة لا تعني فقط عدم تبعيتها للدولة او جهة ما  ، بل عدم انحيازها في سياستها التحريرية.
ونرى أحيانا ان الصحافة الحزبية الجادة ، أكثر موضوعية من بعض الصحف التي تدعي الأستقلالية ، لذا فأن تقسيم الصحافة الى صحافة حكومية أو حزبية وصحافة أهلية (مستقلة) ، أمر غير صائب ،  لأن المحك الحقيقي للصحافة هي مدى الألتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية للصحافة .
 
الصحافة الجادة والصحافة الشعبية :
 
يرى بعض خبراء ومنظري الصحافة أن ثمة نوعين من الصحافة هما :
  الصحافة الجادة أو الرصينة والصحافة الشعبية أو صحافة التابلويد (  Tabloid ) أ و الصحافة الصفراء  .وهذه الألوان  الثلاثة الأخيرة ، متقاربة ومتشابهة من حيث المحتوى   وان أختلفت في أخراجها ودرجة ( اصفرارها ) .
 
تتميز الصحافة الجادة  بغلبة المعالجات الصحفية التحليلية ( المقالات ، تقارير المراسلين ، النقد الأدبي والفني ، عرض الكتب ، التلعليقات . وهذا لا يعني أنها لا تهتم بآخر الأخبار ، فتقارير المراسين تكون في العادة من مواقع الأحداث مباشرة ، أضافة الى  ما تبثه وكالات الأنباء العالمية ، وهي تلتزم المعايير الأخلاقية للعمل الصحفي وتتوجه أساساً الى أفراد النخبة الواعية  في المجتمع - وهم في الأغلب الأعم من المثقفين والساسة ورجال الأعمال والمديرين ... الخ -  حيث تقدم لهم  نظرة متعمقة للظواهر والأحداث تستند الى معلومات موثوقة تساعدهم  في تشكيل قناعاتهم وآرائهم وتسمح لهم بأتخاذ قرارات صائبة في مجالات عملهم وفي حياتهم اليومية وتساعدهم في تكوين قناعاتهم خلال الأنتخابات والأستفتاءات.
 
النخب المثقفة في الدول الأوروبية المتقدمة وخاصة في بريطانيا تحرص على اقتناء الصحف الجادة  وليس صحف التابلويد ،  حتى لا تصنف نفسها ضمن الباحثين عن ثقافة الإثارة.
وتعد صحيفة ( الغارديان ) البريطانية نموذجاً رفيعاً للصحافة الجادة الى جانب صحف أنجليزية أخرى .
وفي فرنسا هناك صحيفة   لوموند (  Le Monde) الرصينة التي حازت ثقة الأوساط الثقافية والأكاديمية بما تنشره من معلومات موثوقة وما تتميز به تحليلاتها من موضوعية ومهنية رفيعة  ، الى درجة ان أساتذة وطلبة الجامعات الفرنسية يستخدمون موادها المنشورة كمراجع دراسية ، كما تتسم خصائصها الطباعية واخراجها الصحفي بمستوى عال من الحرفية الفنية وهي تفضل غالباً التعليقات النصية على الصور المثيرة وتصدر بحجم (  А2)
 
أما  الصحافة الشعبية أوصحافة التابلويد او الصحافة الصفراء ، فأنها تهدف في المقام الأول الى تحقيق أقصي ما يمكن من أرباح بصرف النظر عن المعايير الأخلاقية الصحفية وتتميز بسياستها التحريرية الهابطة ولغتها الصحفية المبتذلة وهي تتميز بقطعها وشكلها المستطيل غالباً، وتصميم أخراجها وحروفها المطبعية الكبيرة ، بحيث يعرفها القارئ من النظرة العجلى ،  صحافة تدغدغ مشاعر القراء وتكثر من نشر الصور الملونة الجذابة للمشاهير  والعناوين الخادعة واستعمال المختصرات ، وتميل إلى معالجة الموضوعات المثيرة. وهي موجهة أصلا الى الجمهور العام الذي ينشد الترفيه وتجذبه فضائح المشاهير والجرائم الشاذة وغرائب الأخبار ، و طرائف النوادر ، وتوافه المعارف .
 
وقد تطور هذا النوع من الصحف بمرور الزمن واصبح أصغر حجماً من اجل اجتذاب مسافري السكك الحديد وقطارات الأنفاق والحافلات لأن الصحف التقليدية تأخذ حيزاً كبيرا  بين يدي القارئ وربما يضايق بذلك الآخرين في المقاعد المجاورة أو يثير فضولهم لقراءة الصحيفة التي أقتناها الراكب لنفسه .
 
صحافة جيدة ... صحافة سيئة :
 
يرى الصحفي البريطاني  البارز ديفيد راندال "  David Randall " في كتابه القيم " الصحفي الشامل " إن هناك نوعين فقط من الصحافة : جيدة وسيئة . ويقول في هذا الصدد " ليست هناك صحافة غربية او شرقية ، ولا صحافة أميركية أو روسية أو فرنسية أو بريطانية أو بولونية أو عربية.
 كما لا توجد صحافة ليبرالية أو ماركسية او محافظة أو جمهورية أو ديمقراطية ، ثمة فقط صحافة جيدة وأخرى سيئة ، وكلتاهما عابرة للقارات ولا تعرف حدوداً جغرافية ويمكن أن تكون بأية لغة من لغات العالم .
 
ومقابل كل صحفي جيد ، مخلص لمهنته وملتزم بالمعايير الأخلاقية للعمل الصحفي ، ثمة صحفي ينتقي الأخبار والمعلومات ويعالجها بما يرضي رؤسائه لا الحقيقة ً ، وكلاهما يتسم بطابع عالمي ، أي انهما  موجودان في كل أنحاء العالم .
 
وبطبيعة الحال فأن لكل شعب ثقافته وتقاليده ولكل لغة صوتها المميز . ولكن ما يوحد الصحفيين الجيدين في جميع أنحاء العالم أكثر عمقاً وأهميةً مما يفرقهم
 
أن  ظروف عمل الصحفيين تتباين في البلدان المختلفة ومن بلد الى بلد  ، ففي الأنظمة الشمولية يعمل الصحفيون في ظل الرقابة الحكومية على وسائل الأعلام وبضمنها الصحافة الورقية ولا يحصلون على المعلومات الحقيقية  الا بشق الأنفس ، كما استخراج حبات الذهب من رمال النهر .
، في حين أصبحت الرقابة في الدول الديمقراطية من تراث الماضي ،  حيث التدفق الحر الهائل للمعلومات من دون قيود أو حدود .
 
البعض يكتب في صحيفة تصدر بأربع صفحات والبعض الآخر في  صحيفة تصدر بمائة صفحة مع الملاحق ،  ينؤ القاريء بحملها ناهيك عن قراءتها . ... ولكن الصحفيين الجيدين ، أينما كانوا يسعون دائماً الى ان تكون صحفهم ، صحافة مهنية ذكية مبنية على الحقائق : صحافة صادقة المقصد وتخدم هدفاً واحداً : الحقيقة دون تحريف أو تشويه أو مبالغة .صحافة تخاطب القراء أيا كانوا ، ومهما كانت انتماءاتهم وتوجهاتهم .
 
هذا الهدف العام يجمع الصحفيين الجيدين ويوثق بينهم أواصر الزمالة الحقة أكثر من أي شيء آخر مثل محل الولادة أو الأقامة . ويستثني من ذلك الذين يتعجلون الحكم بدلاً من اكتشاف الحقيقة، هؤلاء لا يبحثون الا عن مصالحهم بدلا من مصالح القراء . اولئك الذين يفضلون التعليق والتأويل على المعلومة الدقيقة والتهكم والأنانية وخرق المعايير المقبولة على المثل والمبادئ .، والمعالجة الصحفية الضحلة  على العمل الشاق والمتعب في البحث عن الحقيقة
.
ان الصحافة الجيدة  ذكية وممتعة ، وموثوقة في معلوماتها  ولا تخدم سوى الحقيقة ، وبغض النظر عن القراء ، والثقافة ، واللغة ، والظروف . أما الصحافة السيئة فهي كل ما عداها من أنواع الصحافة ،  سواء أكانت صحافة (البروباغاندا ) أو صحافة الترفيه والتسلية بشتى مسمياتها  .
 
جـــودت هوشـيار
jawhoshyar@yahoo.com
 
 
 



22
من يدفع ثمن الولاية الثالثة للمالكي ؟

                                     
جــودت هوشيار

في خضم هستيريا التجييش الطائفي وأحتدام المعارك وغياب الأمن والنزوح الجماعي الهائل الذي يشهده العراق الآن  ، لا احد من الساسة العراقيين يتحدث  عن الأستحقاقات الدستورية وضرورة مصادقة المحكمة الأتحادية بشكل كامل على نتائج الأنتخابات التشريعية التي جرت في الثلاثين من أيار/ مايو الماضي ، حيث ان ثمة اربعة نواب  لم تصادق المحكمة على فوزهم لحد الآن ومن دون المصادقة الكاملة على النتائج  لا يمكن عقد جلسة اولى للبرلمان الجديد وأنتخاب رئيس البرلمان ونائبيه ورئيس الجمهورية الذي يكلف زعيم الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة الجديدة .
 
الكل يعرف ان المحكمة الأتحادية خاضعة لهيمنة المالكي وينفذ كل رغباته ولا يرد له طلباً . وهذا التأخير المتعمد مسبس من دون أدنى شك ، ليتسنى للمالكي رمي نتائج الأنتخابات في سلة المهملات والأستمرار في السلطة ومواصلة سياسة تمزيق العراق في غياب السلطة التشريعية بدعوى محاربة الأرهاب .
حتى الولابات المتحدة الأميركية - التي نصبت المالكي رئيساً للوزراء لدورة ثانية في عام 2010 بمباركة ايرانية ومنعت تولي زعيم القائمة العراقية الفائزة في الأنتخابات أياد علاوي  رئاسة الوزراء –قالت ان تقديم الدعم العسكري لحكومة بغداد مرهون باتخاذ المالكي خطوات لإشراك المزيد من الطوائف في حكومته التي يهيمن عليها الشيعة وهو تحرك من غير المرجح أن يتخذه المالكي ، ودعت  القادة العراقيين إلى الوحدة الوطنية وأن يسموا فوق خلافاتهم وإلى اتحاد السنة والشيعة والكرد والأتفاق على آليات محددة للخروج من الأزمة الحالية
 
وتظاهر المالكي بتلبية الرغبة الأميركية وسارع الى الدعوة لعقد أجتماع يضم زعماء القوى السياسية الرئيسية في البلاد ، وقد تم عقد مثل هذا الأجتماع قبل بضعة أيام برئاسة ابراهيم الجعفري رئيس التحالف الشيعي . وفي بداية الأجتماع أصر المالكي على أن يقتصر البحث على موضوع واحد فقط وهو محاربةالأرهاب. ومفهوم الأرهاب لدى المالكي مطاطي يتغير حسب مقتضى الحال ، فهو يشمل كل من يعارض سياسته الأقصائية والطائفية وولايته الثالثة ولا يشمل الميليشيات الطائفية المدعومة من قبل الحكومة والتي ارتكبت وما زالت ترتكب يوميا جرائم بشعة تقشعر لها الأبدان وآخرها اعدام العشرات من المعتقلين في أحد سجون  محافظة ديالى .
 ضم الأجتماع عددا من زعماء الأحزاب والحركات السياسية  وغاب عنه زعماء لهم الثقل الأكبر في العملية السياسية مثل رئيس أقليم كردستان مسعود بارزاني وزعيم كتلة ( الوطنية ) أياد علاوي وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر . وخرج المجتمعون ببيان مطول صاغه  كتبة المالكي مسبقا حول سبل مكافحة الأرهاب ( قل انقاذ المالكي ) والبيان لا قيمة فعلية  له داخليا ، لذا لم يحمل الساسة العراقيون محتوى البيان محمل الجد ولم تعبأ به الولايات المتحدة الأميركية التي أدركت أنه مناورة من المالكي للأيحاء بأن كل القوى السياسية تقف خلفه وتساند حكومته، وان ما حدث في الموصل مجرد مؤامرة  أو خديعة.
واذا كان المالكي يرفض الأفصاح عن الجهة التي تقف وراء المؤامرة المزعومة ، فأن لكل قيادي في حزب الدعوة الحاكم نظريته الخاصةعن ( مؤامرة ) سقوط الموصل وتكريت . فالبعض منهم يقول انها " مُدبرة سلفاً بين رئيس مجلس النواب السابق أسامة النجيفي وشقيقة محافظ نينوى أثيل النجيفي ورئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني . ويقول البعض الآخر أنها من تدبير الزعماء السنة وأردوغان .وهناك من يؤكد انها مؤامرة سعودية – قطرية . وثمة من يعتقد ان المخابرات السورية - التي خرجت داعش من رحمها -  هي التي دفعت داعش للهجوم على الموصل ومدن عراقية اخرى بهدف توريط الولايات المتحدة في المستنقع العراقي لأن الأخيرة  ملزمة بالدفاع عن العراق بموجب الأتفاقية الأمنية بين البلدين .
 ومهما تعددت نظريات المؤامرة فأنها كلها تهدف الى تبرئة  المالكي والتستر على الهزيمة النكراء التي مني بها جيشه المهلهل .
ان حكاية المؤامرة وتأكيد المالكي على ضرورة حشد كل الطاقات المادية والبشرية لدحر داعش ليس جديدأ ، فقد لجأ كل طاغية معزول عن شعبه قبل المالكي  الى خلق عدو خارجي او داخلي وتأكيد ضرورة القضاء عليه من اجل التفاف الشعب حوله وتعزيز سلطته القمعية .
 
مناورة المالكي صفحة جديدة من صفحات سيناريو الفوز بولاية ثالثة وربما البقاء في السلطة مدى الحياة وهذه الصفحة الجديدة هي أشغال الشعب العراقي وقواه السياسية بمعضلة داعش  ونسيان كل ما يمت بصلة الى موضوع تشكيل الحكومة الجديدة وبكل خطايا وأخطاء المالكي القاتلة  .
 
العراق يعيش اليوم أسوأ ايامه بعد نزوح مليون عراقي من مدن وبلدات محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى وحتى من بغداد الى المناطق الآمنة نسبيا وخاصة أقليم كردستان .
 
مئات العراقيين يقتلون يوميا سواء في جبهات القتال أو بالكواتم أو نتيجة للعمليات الأرهابية داخل العاصمة بغداد والمدن الأخرى .
 اجهزة المالكي الأمنية والميليشيات المسعورة التي قطعت شوطا بعيدا في التطهير العرقي والمذهبي  في  العاصمة بغداد خلال السنوات الثماني الماضية  ، تواصل اليوم بالتهديد والقتل والأختطاف تهجير ما تبقى من المكونات غير الشيعية وتحويل بغداد لأول مرة في تأريخها الى مدينة مكون واحد ومذهب واحد .
 
عراق المالكي تحول الى جحيم حقيقي فوق طاقة البشر ،  ليس فقط بسبب الأقتتال الداخلي والأعتقالات العشوائية  ، بل أيضاً  نتيجة لتدهور الوضع الأقتصادي ، فالسوق كاسدة والمواصلات شبه مقطوعة و خدمات الأتصالات والأنترنت مقطوعة ( بأستثناء اقليم كردستان ) ولهيب أسعار المواد الأساسية  أتي على معظم مدخرات الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي ، والأثرياء سفروا عائلاتهم الى خارج البلاد ويواصلون تحويل المليارات المسروقة الى البنوك الأجنبية .
ليس بوسع احد أن يصف ما يعيشه اليوم العراقيون من تراجيديا أنسانية تفوق كل ما تخيله الروائيون من مآسي ومصائب ونكبات .
هذا هو الثمن الذي يدفعه الشعب العراقي من اجل رغبة المالكي الجامحة  في الفوز بولاية ثالثة ، ثمن مدفوع بالدم والدموع والآلام وأنتهاك الحريات والحرمات . يا له من  ثمن باهظ  لكرسي لا يدوم .
 
جـــودت هوشـيار
jawhoshyar@yahoo.com
.

23
غزوة المالكي الموصلية

                                 
جــودت هوشـيار

 
سقوط مدينة الموصل بيد المسلحين من تنظيم ( داعش )  أمر جلل ، خطير ، غريب ومريب. لم يخطر ببال أحد حتى وان كان مؤلفاً  للقصص الخيالية ومهما كان خياله خصباً .  الموصل الحدباء احدى أهم وأرقي المدن العراقية شعباً وحضارة وثقافة .ولكن الأمر الأكثر غرابةّ هي  تسليم هذه المدينة العظيمة الى داعش من دون قتال والهروب المخزي لأشباه العسكريين من جنرالات الدمج وترك أهلها لمصير مجهول .
 
تخيل أيها القاريء الموقف العسكري في مدينة الموصل في الساعات الاولى من فجر يوم الأثنين التاسع من حزيران الجاري : ثلاث فرق عسكرية جرارة مجهزة بأحدث الدبابات  والمروحيات الهجومية المقاتلة والصواريخ والمدافع الثقيلة وأنواع أخرى من شتى صنوف الأسلحة الفتاكة واحدث وسائل الاتصال ، جيش لا يقل تعداده عن (45) ألف منتسب  وفرقة واحدة للشرطة الاتحادية قوامها (30) الف منتسب مع (30) الف منتسب من الشرطة المحلية، فضلا عن وجود فوج لقوات سوات وقوات طوارئ". كل هذه القوات ،  التي سامت الشعب العراقي الذل والهوان . أسرعت بالهروب وأطلقت سيقانها للريح  تاركة وراءها كل معداتها وأسلحتها ومن دون أي مقاومة على الأطلاق وتركت المدينة العزلاء من دون أي دفاع وأتاحت لبضع مئات من المسلحين المجهزين بأسلحة خفيفة ومتوسطة السيطرة السريعة على مدينة واسعة ،  مترامية الأطراف كالموصل بكل مؤسساتها المدنية والعسكرية بما فيها مقرات الجيش والشرطة ومخازن الأسلحة وطائرات وآليات ومعدات حربية تم نقل معظمها على الفور الى سوريا تحت أنظار الحكومة المركزية التي سحبت قوات الجيش من الحدود العراقية السورية والعراقية الأردنية وتركتها مفتوحة. لتنقل ( داعش ) بين البلدين المنكوبين العراق وسوريا .
 
يقول محافظ الموصل السيد أثيل النجيفي في حديث متلفز أنه توجه -  مع عدد من خيرة ضباط الجيش العراقي السابق ( المتقاعدين حاليا ) والذين يمتلكون خبرة ممتازة في حرب المدن - الى  مقر قائد العمليات المشتركة الفريق اول ركن عبود قنبر . ويضيف النجيفي بمرارة : وجدت قنبر  ( مرتاحا )  وكأن الأمر لا يعنيه  ولم يحدث شيء على الاطلاق رغم أن الغزاة كانوا على مبعدة كيلومتر واحد فقط من المقر .وسألت قنبر : ماذا أنتم فاعلون ؟
 
قال قنبر بكل قنبر بكل هدؤ : لا شيء ،  نحن بأنتظار أمر القائد العام للقوات المسلحة ( يقصد نوري المالكي ) .
 
وعبثا حاول النجيفي حثه والقادة الآخرين الذين كلنوا بمعيته على مقاومة الغزاة واضعا كل امكانات المحافظة وكل خبرات عدد من  المع ضباط الجيش العراقي السابق تحت تصرفه.
 
ظل قنبر ( مرتاحا )  ولامباليا وقال أنه بأنتظار أمرالقائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي  . ونحن نعلم الآن والعالم يعلم أي أمر أصدره المالكي الى قادة الجيش الكبار : " أنسحبوا وأتركوا كل شيء ورائكم . "  هربت تلك القيادات ، في عملية مريبة لم تحدث في تأريخ الحروب في العصر الحديث وأشبه بعملية تسليم وأستلام .
 
القدة العسكريون الكبار  (قائد القوات البرية الفريق اول ركن علي غيدان وقائد العمليات المشتركة الفريق اول ركن عبود قنبر وقائد عمليات نينوى الفريق الركن مهدي الغراوي) نزعوا ملابسهم العسكرية وارتدوا ملابس مدنية وهربوا بأتجاه أقليم كردستان وسلموا أنفسهم للبيشمركة
وقد عرضت القنوات الفضائية بزات عسكرية لرتب عالية ( فريق ركن ، لواء ركن وعميد ركن ) مرمية تحت الأقدام في منافذ الدخول الى أقليم كردستان عندما تزاحم قادة جيش المالكي للهروب الى الأقليم . هذه القيادات الدونكيشوتية التي  طالما هدد المالكي يها اقليم كردستان  والمحافظات المنتفضة.
 
بالله عليكم الا تشبه هذه المسرحية المبتذلة ،  سيئة الأخراج نكتة بايخة لا تضحك أحداً .
قلت في مقال لي نشر قبيل الأنتخابات البرلمانية الأخيرة ، تحت عنوان ( سيناريو المالكي للفوز بولاية ثالثة ) : أن الهدف من أستدراج تنظيم ( داعش ) حليف بشار الأسد وايران الى داخل المدن المنتفضة  هو خلط الأوراق وأفراغ تلك المدن من سكانها وتشريدهم لمنعهم من الأدلاء بأصواتهم في يوم الأقتراع ، وكنت أقصد بذلك سكان مدن محافظة الأنبار في المقام الأول وبعض مدن وبلدات محافظتي صلاح الدين وديالى . ولكني لم أتخيل يوما أن المالكي سوف يسلم محافظة نينوى بكاملها  الى ( داعش ) لأن هذا الأحتمال لم يكن ليخطر على بال احد مهما كان رأيه في المالكي الفاشل وحكومته الفاسدة
 
أطل علينا المالكي يوم الأربعاء من على شاشة قناة العراقية ليقول : "  أن ثمة مؤامرة أو خديعة قد حصلت وأنه لا يعرف من أصدر أمر الأنسحاب الى القادة العسكريين." وبطبيعة الحال فان المالكي كدأبه دائما يكذب على الملأ دون أن يرف له جفن . فجنرالات الدمج ، الذين لجأوا الى أربيل يقولون أن أمر الأنسحاب أصدره المالكي شخصياً ، وهو الآن يتنصل من المسؤولية ويرميها على آخرين ( مجهولين ) حيث لم يتهم المالكي جهة معينة بتدبير المؤامرة أو الخديعة المزعومة .
ما حدث في الموصل جاء تتويجا لعمليات مماثلة أقل شأنا منها أنسحاب الجيش من مدن الأنبار وتسليمها الى ( داعش ) والتواطؤ مع ( داعش ) في عملية اقتحام سجن ابوغريب واطلاق ما يزيد على الف من عتاة الارهابيين، وهروب القيادات والحراس، وانسحاب المهاجمين من دون خسائر.
أراد المالكي أن يحول الموصل الى فلوجة ثانية ويتخذها مبرراً لقصف أحيائها السكنية بذريعة محاربة الأرهابين داخل المدينة ، وأغلب الظن ،  أن أمر المالكي كان ينص على أنسحاب الجيش الى أطراف مدينة الموصل و قصف المدينة من هناك بالصواريخ وقذائف الهاون ، ولكن تخبط جنرالات المالكي وخشيتهم من الوقوع في أسر عناصر ( داعش ) أفسد الأمر كله .
 
 وبعد هروب القادة دب في صفوف  جيش المالكي فوضى عارمة وحاول كل ضابط وجندي الأقتداء  بالقادة الهاربين . وبذلك فشلت خطة المالكي فشلاً ذريعا في تحقيق أهدافها  وخرجت الموصل عن السيطرة تماما . وهكذا أنقلب السحر على الساحر ، ومع سيطرة ( داعش ) على مدن أخرى في طريقها الى بغداد أصيب المالكي بالهلع وأخذ في أنشاء جيش ميليشياوى جديد ، ليس للدفاع عن العراق وتحرير المدن المحتلة وطرد الغزاة بل لحماية الأضرحة المقدسة .
 
 جيش الدمج :
 
يطلق العراقيون على جيش المالكي اسم ( جيش الدمج ) لأنه تكوّن نتيجة دمج عدة ميليشيات ( عراقية) متنافسة فيما بينها على الغنائم وان كانت كلها موالية لأيران ، وقام المالكي بمنح  الرتب العسكرية العالية لقادتها ومن ثم  تعيين عدد كبير من المتطوعين المدنيين العاطلين عن العمل ، أرغمتهم الظروف القاسية على التطوع في الجيش لتأمين لقمة العيش . وكل هؤلاء لا يجمعهم أي هدف مشترك وليس لديهم أي خبرة قتالية في ظروف الحرب. وهم غير مؤهلين لخوض أي معركة حقيقية ، لأن قتل المدنيين العزل بدم بارد  شييء وقتال المسلحين شيء آخر تماماً .
هذا الجيش قادر فقط على مهاجمة المتظاهرين والمعتصمين المطالبين بالخبز والكرامة ، كما حدث في ساحة أعتصام الحويجة قبل عام تقريبا حيث أطلقت قوات المالكي النار على صدور المعتصمين وسحلتهم ومثلت بجثامينهم . وبلغ عدد ضحايا هذا الهجوم الأجرامي الغادر ستين قتيلاً ومئات الجرحي . وكما حدث في بلدة ( بهرز ) الجميلة ، بلدة البرتقال والبساتين الخضراء ، حيث وجه المالكي قطعان ما يسمى ( عصائب أهل الحق ) و( ميليشيا بدر) ، لمداهمة البلدة وكسر أبواب منازلها  وجر الرجال والشباب المتبقين فيها الى وسط البلدة واعدامهم وتعليق جثامينهم على أعمدة الكهرباء  ومن ثم أغتصاب النساء وسرقة ما خف وزنه وغلا ثمنه .
قوات المالكي ( الأمنية  ) أو بتعبير أدق ( جستابو المالكي )  تخصصت أيضاً في تعذيب السجناء واغتصاب السجينات وتهديد واعتقال المدنيين الأبرياء لأقل شبهة وأشهار السلاح بوجوههم وابتزازهم تحت التهديد بانتهاك أعراضهم . هذه هي ( بطولات ) جيش الدمج . ماذا يتوقع الأنسان من جيش يقوده جنرالات كارتونية مشغولين بسرقة المال المخصص لأرزاق الجنود ؟  ، حتى الأجازات المستحقة للضباط والجنود لا تمنح الا لقاء  رشى . ومنذ مذابح الفلوجة لا يعود أي ضابط أو جندي الى وحدته بعد أنتهاء أجازته . وبلغت نسبة الهروب من الجيش أكثر من 30 %. بعد أستشهاد أكثر من ستتة الآف وأصابة ما لا يقل عن ( 25 ) ألف جندي وضابط بجروح وعوق دائم .
 تصور أيها القاريء الكريم (300) ألف جندي وضابط يفضلون البطالة وفقدان لقمة العيش على البقاء ضمن جيش مهزوز ينخره الفساد .
 
بيت القصيد :
 
 الصلاحيات التنفيذية لرئيس الوزراء في العراق واسعة جدا ، وفوق هذا احتكر المالكي الملف الأمني وهيمن على السلطة القضائية بعد شراء ذمم كبار القضاة ، وضيّق الخناق على البرلمان الذي لم يعد قادرا على ممارسة دوره التشريعي والرقابي . كما سيطر المالكي على الهيئات المستقلة ،  ومع ذلك يطلب الآن  من البرلمان الموافقة على اعلان حالة الطواريْ ، أي ايقاف العمل بالدستور والغاء المحاكم المدنية  بعد أن تيقن أنه لن يحصل على أغلبية الثلثين في مجلس النواب الجديد لأختيار رئيس الجمهورية - كما ينص الدستور العراقي -  والذي يقوم  بدوره بتكليف زعيم الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة الجديدة . ولكن رهان المالكي خاسر لا محالة .، لأن البرلمان لن يحقق مأرب المالكي المريب ولن يوافق على اعلان حالة الطواري التي يريدها المالكي ، لسحق المعارضين للولاية الثالثة . بقاء المالكي في سدة الحكم هو الخطر الأكبر المحدق بالعراق اليوم .
 
jawhoshyar@yahoo.com
جـــودت هوشـيار
 

24
المنبر الحر / فوز بطعم الخسارة
« في: 18:12 27/05/2014  »
فوز بطعم الخسارة

                                                                                                              جــودت هوشيار
 
اذا كانت ماكنة الـ( بروباغاندا ) المالكية تحاول قلب الحقائق وتضليل الرأي العام بحكاية فوز ( مختار العصر ) في الأنتخابات التشريعية الأخيرة ، فأن الأرقام المعلنة  تكذب مزاعمها ، والأرقام كما نعلم ويعلم الجميع ، أدلة دامغة لا يمكن حجبها أو الألتفاف عليها وعصية على الذين اعتادوا الكذب والدجل  .
في الأنتخابات البرلمانية لعام 2010 حصل ائتلاف دولة القانون على 89 مقعداً ، أما في أنتخابات عام 2014  وبعد انضمام ميليشيا (عصائب اهل الحق ) ومنظمة ( بدر ) ،  فأن عدد مقاعد ( دولة القانون ) لا يتجاوز 94 مقعدأ ، أي بزيادة مقعد واحد فقط عن الدورة السابقة رغم تسخير امكانات الدولة ومواردها المالية والبشرية لصالح حملة المالكي الأنتخابية . ، حيث حصل حزب الدعوة الحاكم على 13 مقعداً فقط من مجموع 328 مقعدا أي أقل من ( 3 % ) من مقاعد البرلمان ،  وجاء في ذيل قائمة ائتلاف دولة القانون رغم التلاعب بالأصوات خلال عملية العد والفرز لصالح المالكي ، وحرمان مئات الآلوف من النازحين من أهالى الرمادي والفلوجة وأبو غريب من التصويت .
 والأهم من ذلك أن تغيراً جذريا قد حصل  في تناسب القوى داخل ( دولة القانون ) لصالح ، كتلة المستقلين, وكتلة بدر ,وتنظيم العراق. ، مما جعل المؤتلفين مع المالكي يرفعون سقف مطالبهم  وأدى الى نشوب خلافات شديدة داخل ائتلاف دولة القانون وعلى المالكي تقديم تنازلات كبيرة الكتل المؤتلفة معه للحافظ على تماسك الائتلاف الهش .
وفي الوقت نفسه يواجه المالكي معارضة شديدة  داخل حزبه بسبب ادارته الفاشلة للحزب
وتحويله الى حزب عائلي وتجاهل قادة الحزب التأريخيين .
 
وشهد شاهد من أهلها :
 
أقطاب حزب الدعوة يتحدثون بألم ومرارة عن تحول حزب الدعوة من حزب عقائدي الى تجمع نفعي فاسد يقوده ويعول في نجاحه الانتخابي على شخص رئيسه ،  الذي أخذ يعتمد أكثر فأكثر– شأنه في ذلك شأن صدام – على أفراد اسرته واقاربه على حساب قياديين بارزين في الحزب  ناضلوا في صفوفه لسنوات طويلة وكانت النتيجه الطبيعيه هزيمه الحزب ومرشحيه في الانتخابات الاخيرة .
فقد حمل القيادي في حزبِ الدعوة وليد الحِلي رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي مسؤولية سقوط الحزب المدوي في الانتخابات.
وقال الحلي في تصريح صحفي اِن حزبَ الدعوة هو الخاسر الأكبر في الانتخابات بعد سقوطِ كثير من قياداتِ الحزب لصالح المالكي ومُقربين له من خارج الحزب.
مشيرا إلى أن الانهيارَ الذي تعرض له مرشحو الحزب وقياداته يتحملها المالكي وحده بسبب تجيير مؤسسات الدولة لشخصِ رئيس الوزراء وصهريه وأقاربه  على حساب تضحيات آلاف الشهداءِ من حزب الدعوة، واضاف الحِلي اَن المالكي يَعتقد أن ابعاد منافسيه من حزب الدعوة واسقاطَهم انتخابيا سيجعله الخيار الوحيد لتولي منصب رئيس الوزراء وأمانة الحزب وهذا أمر لن يتم السكوت عنه.
 
وأعلن قيادي آخر  في حزب الدعوة, وهو حسن السنيد في تصريح متلفز, إن الفرحة الكبيرة التي حدثت لأنصار وقيادات ائتلاف دولة القانون بعد إعلان نتائج الإنتخابات النيابية لم تخل  من منغصات.
وذكر إن أبرز المنغصات هي عدم حصول الأغلبية التي كنا نتوقعها, وسقوط صقور حزب الدعوة وعدم ترشحهم للبرلمان الجديد.
وأضاف السنيد إن المنغص الثالث والطامة الكبرى هي حصول حزب الدعوة الإسلامية على "13" مقعدا  فقط ضمن ائتلاف دولة القانون بعد كتلة المستقلين برئاسة حسين الشهرستاني "33" مقعد, وكتلة بدر "22" مقعد ,وتنظيم العراق "16" مقعد.
وفي نهاية حديثه قال السنيد  بالرغم من حصول المالكي على المركز الأول لكنه يتوقع أن تكون الولاية الثالثة صعبة المنال بسبب إجماع الكتل على رفضها , ما لم تتدخل امريكا وإيران كما حصل في عام 2010. .
 
من الفائز الحقيقي في الأنتخابات التشريعية الأخيرة ؟
 
رب قائل يقول  أن المالكي فاز بأكبر عدد من الأصوات ( حوالي 700 ألف صوت) وهذا ليس بالأمر الغريب بعد الرشى التي قدمها الى الناخبين سواء بتوزيع قطع الأراضي على سكان العشوائيات أو تعيين آلاف العاطلين في الجيش والشرطة خلال الحملة الأنتخابية وفرض مقداد الشريفي مديرا للدائرة الأنتخابية وفصل 17 من المديرين العامين في مفوضية الأنتخابات وتعيين آخرين من حزبه بدلاً عنهم وتهديد القادة العسكريين بالفصل والأقصاء في حالة عدم تصويت منتسبيهم للمالكي .
 
ان الفائز الأول الحقيقي في هذه الأنتخابات لم يكن المالكي، بل الدكتور أياد علاوي رئيس قائمة ( الوطنية ) الذي حصل لوحده على حوالي ربع مليون صوت في بغداد ، رغم أنه خارج السلطة ولا يمتلك جيشا ولا اجهزة قمعية ولا ميليشيات أرهابية  وليست تحت يديه موارد الدولة الهائلة ولا يتمتع بأية صلاحيات تنفيذية ولم يوزع قطع الأراضي ولم يرش أحداً ولم يكن بمقدوره تعيين حتى أصغر موظف في المفوضية أو أي مؤسسة حكومية .
وقد ذكرت النائب انتصار علاوي في حديث متلفز ان احد أعضاء مجلس المفوضين ( أعلى سلطة في مفوضية الأنتخابات ) قد أتصل بها هاتفيا وأخبرها أن قائمة ( الوطنية ) التي يتزعمها الدكتور أياد علاوي قد حصل على عشرة مقاعد في بغداد بعد فرز ثلثي ألأصوات ويتوقع أن ترتفع عدد مقاعد ( الوطنية ) الى 14 مقعد وطلب ( 600 ) ألف دولار لقاء الحفاظ على أصوات ( الوطنية ) . وبطبيعة الحال فأن أنتصار علاوي رفضت بشدة  هذا العرض الشائن . وقالت ساخرة اذا كان الحفاظ على الأصوات بـ( 600) ألف دولار ، فبكم ( التزوير ) أذن ؟
والمكالمة مسجلة ويمكن تقديمها الى المحاكم الدولية والأمم المتحدة كدليل دامغ على التزوير الفاضح ، الذي حدث في الأنتخابات الأخيرة .
 
مساومات لشراء الذمم ومعضلة الثلثين :
 
صحيح أن أئتلاف دولة القانون فاز بالمركز الأول ولكنه فوز بطعم الهزيمة ، لأن الأغلبية التي كان يحلم بها المالكي (حوالي 120 مقعد ) لم تتحقق ولم يتبقى امامه سوى اللجؤ الى تقديم أغراءات لذوي النفوس الضعيفة من الكتل الفائزة الأخرى ( مليون دولار نقداً مع سيارة لكل نائب) والتلويح لهم بمناصب وزارية لكسبهم الى جانبه ،  بعد أن وجد نفسه وحيدا خارج السرب .
 
كما يعول المالكي على عدد من النواب الفائزين من الكتل الأخرى  ، الذين سبق أن صدرت بحقهم أوامر ألقاء قبض أو متهمين بقضايا فساد حيث سمح لهم بخوض المعركة الأنتخابية شريطة الأنضمام الى كتلته في حالة فوزهم. وقد ينجح المالكي في تشكيل كتلة من  165 نائبا ومع ذلك سيواجه معضلة كبرى وهي أن أنتخاب رئيس الجمهورية بحاجة الى أغلبية الثلثين من أصوات أعضاء مجلس النواب ، ومن دون أنتخاب رئيس الجمهورية لا يمكن تكليف المالكي أو غيره بتشكيل الحكومة الجديدة .
 
وسواء نجح المالكي او فشل في مسعاه ، فأنه سقط من أعين الجميع وبضمنهم قادة حزبه ، ناهيك عن الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي ،  وسيكون فوزه بولاية ثالثة بداية تفكك العراق ، لأن الكرد والسنة قد توصلوا الى قناعة تامة بأنه يستحيل التعامل مجددا مع المالكي .
واستقلال الكرد و أنفصال السنة مسألة وقد لا أكثر ،  وهي النهاية المنطقية والحتمية لسياسات المالكي الرعناء التي قادت العراق الى حافة الهاوية.
 
ما الذي يمنع تفكك العراق ، اذا كانت دول عديدة أهم وأقوى من العراق ،  قد  تفككت خلال العقدين الأخيرين ( الأتحاد السوفييتي ، يوغسلافيا ، تشيكوسلوفاكية ، السودان … الخ ) ؟.
 
وهذا التفكك حبلى بتداعيات ستؤدي الى وضع نهاية للمالكي كحاكم وحتى كسياسي في ما سيتبقى من العراق  ، لأن الشعب العراقي لن يسامحه بعد  كل ما صنعت يداه وما أراقه من دماء وما بدده من ثروات،  والمحاكم الدولية بأنتظاره ولن يكون مصيره أفضل من مصائر الطغاة الذين أذاقوا شعوبهم مر الحياة ، وان غداً لناظره قريب .

25
جوهر الثقافة ووظائفها الأساسية

                                                                                                    جــودت هوشـيار
 
ترسخت في الوعي الجمعي فكرة مبتسرة عن الثقافة بأعتبارها تقتصر على مجالات  الآداب والفنون حسب ولا علاقة لها بالحياة اليومية . وليس من قبيل المصادفة أن ثمة وزارة للثقافة في العديد من بلدان العالم تتركز وظيفتها الأساسية على الأهتمام بتلك المجالات حصراً  ورعاية المبدعين من الأدباء والكتاب والشعراء والفنانين .
كما شاعت في السنوات الأخيرة أستخدام  مصطلح الثقافة استخداما ضيقا ، للدلالة على  جانب من جوانب العلم مثل ( ثقافة طبية أو قانونية أو بيئية ) أو احد جوانب الحياة الفكرية والمعنوية   من قبيل ( الثقافة الديمقراطية ،  ثقافة الحوار ،  ثقافة الحرية ،ثقافة التسامح ،  ثقافة الأعتذار ، ثقافة التحريم ) وذهب البعض ابعد من ذلك باضافة كلمة الثقافة الى امور لا تمت للثقافة بصلة  مثل ( ثقافة الأستبداد ، ثقلفة التخلف ) . ويكفي القاء نظرة على عناوين المقالات التي تنشر هذه الأيام على المواقع الألكترونية على وجه الخصوص ،  لنكتشف كيف يسيء البعض استخدام كلمة الثقافة على نحو يثير الدهشة ، ان لم نقل ، الأشمئزاز ، مثل ( ثقافة الفقاعة العراقية ) ،  وهذا الأخير عنوان مقال لكاتب عراقي نشر مؤخراً في احد المواقع . كما لا تغيب كلمة الثقافة عن عناوين الأخبار الفتية والرياضية وغيرها ، وقد قرأت خبراً رياضيا في احدى الصحف الخليجية كان عنوانه ( سعوديون ينشرون ثقافة التنقل بالدراجة الهوائية ) .  أياً كانت تلك  المسميات ، الا أنها جميعا ، لا تدل على جوهر الثقافة بمفهومها العلمي . لأن الثقافة ظاهرة تشمل كافة جوانب الحياة البشرية والسلوك الأجتماعي ولا يمكن اختزالها وحصرها في مجالات محددة .
 
ما الثقافة ؟
 
الثقافة أساس الحياة الأنسانية ، نشأت وتطورت مع تطورالأنسان ، وتجسدت فيها كل ما يميز الأنسان نوعيا عن جميع الكائنات الحية الأخرى وعن الطبيعة بشكل عام . ولكن الأهتمام بدراسة الثقافة وتفسيرها امر حديث نسبيا .
 
ظهرت كلمة ( الثقافة ) لأول مرة في روما القديمة ، وكانت تعني استصلاح الأراضي والزراعة. وقد اختفى هذا المعنى الأصلي تدريجيا وحل محله معنى آخر ، يشير الى التنمية الروحية وتحسين المهارات الفردية للأنسان عن طريق التربية والتعليم
 
وفي القرن الثامن عشر ، الذي دخل التأريخ بأعتباره عصر التنوير ،اقتصر  مفهوم الثقافة من حيث الجوهر على الثقافة الروحية. وكانت تعني في المقام الأول ، مستوى الشخص التعليمي والتربوي . وكانت للمعرفة الدور الحاسم في تحديد هذا المستوى ، وان كان من الواضح في تلك الفترة   ، ان التعليم شرط ضروري ولكنه غير كاف ليكون الشخص مثقفا ، ومع ذلك لم تكن الثقافة بعد ،  موضع دراسة معمقة و شاملة ، حتى القرن العشرين ، حيث بدأ الأهتمام الجاد  بدراسة الثقافة على نطاق واسع ، كما يتضح من عدد متزايد من تعريفات مفهوم الثقافة .ووفقا للباحثين بلغ عدد التعريفات  في اوائل القرن العشرين حوالي 10 وفي منتصف القرن العشرين بلغ 150 تعريفا وفي ايامنا هذه ثمة اكثر من 500 تعريف لمفهوم الثقافة .
العديد من فلاسفة عصر التنوير كانوا يفهمون الثقافة على انها درجة الأنسانية في الأنسان والكمال البشري ، وكانوا يقصدون بذلك الثراء الروحي الداخلي .
 
 كان كتاب ( الثقافة البدائية ) لعالم الاجناس البريطاني ادوارد  تايلور ( 1832- 1917) ،   الذي صدر في العام 1871 من اوائل الكتب المكرسة للثقافة  . وقد عرف تايلو الثقافة بأنها         ( مجموع المعارف والفنون والعقائد والقيم والمثل العليا والقوانين والعادات وغيرها من القدرات والمهارات  التي يكتسبها الانسان بوصفه عضوا في المجتمع .)
 
وكان. فريدرخ نيتشه ( 1844 – 1900 ) يفهم الثقافة بوصفها  طريقة حياة مجموعة من الناس .
 
اما عالم الاجتماع الأمريكي ( دانيال بيل – المولود في 1919) ،  فقد عرف الثقافة بأنها  ( منظومة الآراء الجمالية ، والقيم  الأخلاقية وأسلوب الحياة ،  كوسيلة للحفاظ علىالهوية الذاتية الفريدة .)
 
الثقافة في اوسع معانيها هي كل ما خلقه وابدعه واكتسبه الانسان على المدى الطويل ، أوهي  " طبيعة ثانية " ، من خلق الأنسان  نفسه و تشكل عالم الإنسان بكل ما فيه من معتقدات وأتجاهات وقيم ومثل العليا .
ان ثقافة شعب ما  تميز نمط حياته عن أنماط الشعوب الأخرى ، من دون أن تعزله عن ثقافات تلك الشعوب .
 
تقسم الثقافة عادة إلى مادية وروحية. ويعود هذا التقسيم إلى الكاتب والخطيب الروماني  شيشرون ( 43 – 106 ق.م.) ، الذي لاحظ لاول مرة ان ثمة ثقافة روحية اضافة الى الثقافة المادية بمعنى الزراعة .
تشمل الثقافة المادية الأنتاج الصناعي والأسكان والبنى التحتية والمستلزمات المنزلية والملابس واي انجاز مادي آخر، أما الثقافة الروحية فانها تشمل : الأديان ، الفلسفة ، الأخلاق ، العلوم ، الفنون ، الآداب  الخ .كما ينظر الى العلم  باعتباره اساس الثقافة الفكرية والتكنولوجية .
 
تشكل الثقافتان  المادية والروحية وحدة لا تنفصم . فهما نتيجة للنشاط البشري ، وتنطلقان  مما هو روحي ، أي من الأفكار الأبداعية ، التي تتجسد ،  بعد تطبيقها ،  في شكل مادي .
 
الشكل المادي مطلوب ليس فقط لشتى فروع الصناعة والتكنولوجيا ، ولكن أيضا للأعمال الفنية والأدبية ، وما إلى ذلك .ومن أمثلة  الوحدة العضوية بين الثقافة المادية والثقافة الروحية الأعمال المعمارية ، فهي تعد اعمالا فنية ولكنها تخدم في الوقت ذاته اهدافا عملية ( البنايات ، المسارح ،  المعابد ، الفنادق ، المساكن )
ومع ذلك ، فأن بين الأنتاج المادي والأنتاج الروحي اختلافات كبيرة .
 
في العمل الفني أو الأدبي ،  نرى ان الغلاف المادي والمحتوى الروحي ( الشكل والمضمون )  كلاهما يتمتع بنفس الاهمية، في حين من الصعب للغاية  اكتشاف ما هو روحي في الأبداع التكنولوجي . وفي بعض الحالات نجد انهما متعارضان أو  متناقضان.
 
ومنذ القرن التاسع عشر وخصوصا في القرن العشرين ، أصبحت الثقافة المادية تهيمن على نحو متزايد على الثقافة الروحية.
ونرى على هذا النحو ان الثقافة في جوهرها هي التي  تشكل البعد الأساسي  للحياة  البشرية وتجسد  طريقة أو أنماط  حياة الشعوب و الأمم ..
 
الثقافة تشمل كل الظواهر البشرية التي لا تعد كنتائج لعلم (الوراثة البشرية )  بصفة اساسية  بل نتيجة نبوغ القدرة الأنسانية في التعبير عن الخبرات والتجارب بطريقة رمزية والتصرف على هذا الاساس بطريقة ابداعية خلاقة .
وبفضل الثقافة  يتغلب الانسان على الغرائز ( الحيوانية ) ويكتسب  الصفات ( الأنسانية ) ذات الطابع الأجتماعي .
 
ويرى سيغموند فرويد (1856 - 1939) ،  ان الثقافة تشمل كل ما تسمو به الحياة الانسانية  فوق الحياة  الحيوانية او ما يميزها عن الحياة البدائية الفطرية .. وهذا هو جوهر المقولة المعروفة : الأنسان – هو الثقافة  .
 
وظائف الثقافة :
 
الثقافة تلعب دورا مهما في حياة الفرد بصفته عضوا في المجتمع ،  فهي تخلق وعيه وتصوغه وننحكم بسلوكه ،  فهو نتاجها واكتسب منها طبيعته الثانية. ويتجلى هذا الدور في مجموعة من الوظائف، التي بدونها يستحيل تحقيق الرقي الفكري و الأدبي و الأجتماعي للأفراد والجماعات .
 
1 -  وظيفة التنشئة الاجتماعية :.
 
ان تميز الأنسان عن الطبيعة وصياغته اجتماعيا ،  حدث حنبا الى جنب مع نشؤ وتطور الثقافة. المولود الجديد لا يمكن ان يصبح انسانا خارج الثقافة .ولقد وجد ان  الطفل الصغير،  الذي ينتزع من الحياة الانسانية العادية ويعيش عدة سنوات مع الحيوانات في البرية  – كما حدث ذات مرة – يبقى متوحشا ولا يمكنه تعلم اي لغة انسانية أو أي عنصر آخر من عناصر الثقافة بعد اعادته الى حضن المجتمع .
 
لا يمكن للانسان ان يمتلك  الخبرة الاجتماعية المتراكمة عبر الأجيال و يصبح عضوا كاملا في المجتمع.الا من خلال الثقافة التي تتجسد في المعارف و القيم والمعايير والمهارات و العادات والتقاليد والطقوس واللغة والرموز وغيرها .
ثقافة المجتمع تنتقل من جبل الى آخرعبر التنشئة الاجتماعية ، حيث يكتسب افراده الجدد او الاطفال خلال مراحل نموهم الذوق العام للمجتمع ، أي ان الثقافة هي بمثابة نوع من " الوراثة الاجتماعية " ، وهذا يعني أن دورها لا تقل عن دور " الوراثة البيولوجية. "
 
2 – الوظيفة المعرفية والمعلوماتية :
 
وهي، ترتبط ارتباطا وثيقا بالوظيفة الأولى، فالثفافة قادرة على مراكمة كم هائل من المعارف والمعلومات - التي تحدد لأفراد المجتمع تصوراتهم عن أنفسهم والعالم من حولهم . باعتبارها الذاكرة الاجتماعية و الفكرية للجماعات البشرية والشعوب والأمم  . واستخدام هذا الخزين المعرفي في الممارسة الإنسانية عبر التربية والتعليم .
 
3 – الوظيفة التنظيمية والرقابية :
 
وتتعلق في المقام الاول بتنظيم شتى جوانب وأنواع الأنشطة الأجتماعية والشخصية . فهي تؤثر  في مجالات العمل والحياة اليومية والعلاقات الأجتماعية بشكل أو بآخر في سلوك الناس وتنظم  تصرفاتهم وحتى اختيارهم للقيم المادية والروحية .  تنجزهذه الوظيفة في المقام الأول من خلال مراعاة عدة منظومات قانونية وأخلاقية ، ضرورية للوجود الأنساني  و التعايش المشترك بين افراد المجتمع  .
 
4 – الوظيفة الأتصالية :
 
ترتبط  الوظائف الثلاث المذكورة ،  ترابطا وثيقا وبالوظيفة الأتصالية ، التي تتم في المقام الأول من خلال اللغة باعتبارها الوسيلة الرئيسية للاتصال بين الناس .
جنبا إلى جنب مع اللغة الطبيعية فأن مجالات محددة من الثقافة – العلم ، الفن ، التكنولوجيا، الخ -لها لغاتها الخاصة ، التي لا غنى عنها لأستيعاب الثقافة ككل . كما ان معرفة اللغات الأجنبية تفتح الطريق إلى الثقافات الأخري .
 
5 – الوظيفة القيمية :
 
وهي تعزز ما يحتاج اليه  الشخص من التوجهات القيمية ، وتسمح  له التمييز بين الحق والباطل، الخير والشر ، الجميل والقبيح . المعيار لمثل هذه الاختلافات والتقديرات هي القيم الأخلاقية والجمالية في المقام الأول .
 
6 – الوظيفة الأبداعية :
هي خلق المعرفة الجديدة والقيم والمعايير و القواعد والتقاليد والعادات ، بأستخدام التفكير النقدي، وتطوير وتحديث الثقافة القائمة.
 
7 - الوظيفة الترفيهية التعويضية :
 
 وترتبط  باستعادة أو تجديد  القوى البدنية والعقلية للانسان عن طريق الانشطة الترفيهية والتنفيس  النفسي . وما إلى ذلك  . وتكتسب هذه الوظيفة في عصرنا اهمية متزايدة ، لأنها غالبا ما تكون على حساب الوظائف الأخرى
 
الوظائف التي اسلفنا الاشارة اليها وغيرها يمكن حصرها اجمالا في امرين اثنين ، اولهما نقل التجربة الأجتماعية المتراكمة من جيل لآخر ، وثانيهما الأنشطة النقدية الأبداعية .
 
وترتبط هاتان الوظيفتان مع بعضهما ارتباطا وثيقا ويصعب الفصل بينهما .
لأن اختيار التجربة  الأكثر قيمة وفائدة  من كل ما هو متاح، يتطلب تفكيرا نقديا ومقاربة خلاقة .
 
وبدورها فان الوظيفة الابداعية تعني في المقام الاول جميع عناصر وآليات والثقافة، التي تؤدي إلى خلق شيء جديد.
 
الثقافة هي خاصية ملازمة للانسان،  ولكن تصور من يجب ان نعتبره مثقفا حقا امر قد يكون محل جدل ونقاش .
 
المثقف لدى الرومان القدماء  كان الشخص الذي يعرف كيف يختار أصحاب السفر والأشياء و الأفكار - سواء في الماضي او الحاضر . وفي العصور الوسطى كان الشخص المثقف هو الذي يستطيع أن يقرأ الكتاب المقدس.
وكان الفيلسوف الألماني جورج ويلهلم فريدريش هيغل ( 1770- 1831) يعتقد أن الشخص المثقف هو القادر على القيام بكل ما يفعله الآخرون .
 
لقد عرف التأريخ البشري شخصيات عظيمة كانت على درجة عالية من الثقافة   وكانت معارف  الكثيرين منهم موسوعية واعمالهم في غاية الأهمية والدقة والكمال  مثل ليوناردو دافنشي ( 1452 - 1519 )، الذي كان عالما عظيما  ومهندسا فذاً و فنانا عبقريا في عصر النهضة .
 من الصعب جدا في ايامنا هذه  أن نجد عمليا ، شخصيات موسوعية  ، رغم الزيادة المضطردة في امكانات وفرص اكتساب المعرفة وخلق المثقف على نحو لم يسبق له مثيل ،  وتكمن هذه الصعوبة في أتساع المعارف والمعلومات التي  تتزايد  بوتائر متسارعة  في عصرنا الراهن بحيث باتت تتضاعف كل عشر سنوات .
ولكن  الخصائص الرئيسية للمثقف لا تزال هي نفسها : المعرفة المعمقة الواسعة اضافة الى .التربية الأخلاقية والجمالية ، ومراعاة قواعد السلوك المقبولة اجتماعيا ، ومعرفة اللغات الأجنبية.
ولكن صورة المثقف المعاصر لن تكتمل من دون الألمام بمهارات تكنولوجيا المعلومات بما فيها  أستخدام  الكمبيوتر والأنترنت و الأجهزة الرقمية الذكية .
 
جـــودت هوشـيار
jawhoshyar@yahoo.com



26

في يوم الصحافة الكردية

جـــودت هوشـيار
 
يعود الفضل في تحديد يوم الصحافة الكردية والأحتغال به في الثاني والعشرين من شهر  نيسان من كل عام الى الأكاديمي الراحل الدكتور معروف خزندار ، الذي عثر في أوائل السبعينات من القرن الماضي على نسخة أصيلة من جريدة " كردستان " التي صدرت في العاصمة المصرية  القاهرة  في ( 22-4- 1898 ) من قبل مقداد مدحت بدرخان كأول جريدة كردية في  التأريخ ، وكانت تطبع بأربعة الآف نسخة ، وهو رقم كبير حتي بالنسبة للصحف الكردية في يومنا هذا .
 
لعبت الصحافة الكردية منذ ظهورها فى أواخر القرن التاسع عشر دورا تأريخيا مجيدا فى ايقاظ الوعى القومى وبلورة أهداف الحركة التحررية الكردية والتعبير عن الأمانى القومية والتطلعات ألأنسانية لأمة مجزأة ومضطهدة (بفتح الهاء) والدعوة الى اشاعة الديمقراطية، كما اسهمت على نحو مؤثر وفعال فى نشر المعارف الحديثة والأفكار الأصلاحية مثل العدالة الأجتماعية والمساواة وضمان الحريات الأساسية وسيادة القانون ، وتوسيع قاعدة التعليم المجانى والدفاع عن حقوق المرأة ومساواتها بالرجل وتحديث المجتمع فى كافة مجالات الحياة .
 
ان الرسالة الوطنية والأنسانية التى نهضت بها الصحافة الكردية خلال قرن ونيف ، كانت تستدعى ان تكون صحافة رأى فى المقام الأول ، شأنها فى ذلك ، شأن الصحافة المعبرة عن طموحات وتطلعات الشعوب المناضلة الأخرى من اجل نيل حقوقها المشروعة و على النقيض من الصحافة الغربية التى نشأت وتطورت كصحافة خبر .
 
كانت الصحف والمجلات الكردية فى بداية نشأتها وحتى عهد قريب بسيطة فى تحريرها واخراجها، تهتم بالرأى قبل المظهر والشكل وتعبر بصورة مباشرة عن رأى الجهة التى تمثلها او تنطق بأسمها او رأى ناشرها الذى كان فى معظم الأحيان احدى الشخصيات السياسية او الأجتماعية او الثقافية الكردية المعروفة ( أبناء الأمير بدرخان ، بيره ميرد ،الأخوين حزنى وكيو موكريانى...الخ )، وكان عدد لا بأس به من الأدباء المتطوعين ، يعملون فى تلك الصحف والمجلات او يسهمون فى تحريرها من دون أجر او مكافأة وكان العمل الصحفى جهادا حقيقيا من اجل نشر المبادىء والتعبير عن وجهات النظر المختلفة ، التى كانت غالبا ما تتعارض مع السياسات الرجعية والشوفينية لحكومات الدول التى تتقاسم كردستان ، لذا فقد تحمل الصحفيون الكرد الرواد مخاطر المهنة بكل جدارة وقدموا التضحيات الجسام وتعرضوا الى الملاحقة والقمع وشتى صنوف الترهيب. وعلى الرغم من ان مقص الرقيب كان مسلطا على الصحافة الكردية فى معظم الأحيان، و كانت الرقابة مزاجية ، حيث تسمح او تمنع نشر ما تشاء ، الا ان مصير كثير من تلك المطبوعات الدورية ، كان الغلق لفترات مختلفة او الغاء الأمتياز.
 
لذا ، ليس من قبيل المصادفة ان الجريدة الكردية الأولى ( كردستان ) تأسست فى المنفى ،وفي مدينة ( القاهرة ) تحديدا واضطرت تحت ضغط السلطات العثمانية التعسفية الى نقل مقرها من العاصنة المصرية الى جنيف اولا ثم الى مدن اوروبية اخرى ، حيث كانت السلطات العثمانية تلاحق الجريدة من دولة الى اخرى مستخدمة نفوذها السياسى والدبلوماسى لدى الدول المضيفة للجريدة الكردية الأولى .
 
واذا كان ال بدرخان قد استطاعوا وبشق الأنفس اصدار (31) عددا من جريدتهم الرائدة، الا ان ثمة عشرات الصحف والمجلات الكردية، التى لم يصدر منها سوى عدد واحد او بضعة اعداد ، بسبب ضعف الأمكانات المادية او محاربة السلطات لها وندرة الكوادر الصحفية المؤهلة لأدارتها.
وغنى عن البيان،ان الصحافة الكردية ولدت وتطورت فىخضم الحركة التحررية الكردية وعبرت اصدق تعبير عن مبادىء هذه الحركة واهدافها ، وكانت دائما فى خدمة قضايا الشعب والوطن ، ورغم الظروف الشاذة ، التى رافقت نشأتها وتطورها، الا انها أدت دورا تأريخيا بالغ الأهمية .
اما اليوم ، فأن التجربة الديمقراطية التى يمر بها شعبنا فى كردستان العراق والتطور الملحوظ فى تقنية الصحافة و تغير مفهوم الرسالة الصحفية، قد أدى الى وضع صحافتنا أمام تحديات جديدة وجادة، فقد تغير العالم من حولنا كثيرا فى العقدين المنصرمين وحدثت تطورات مذهلة فى وسائل الأتصال الجماهيرى وظهرت وسائل جديدة ، فى مقدمتها البث التلفزيونى الفضائى والأنتريت و الصحافة الألكترونية ، التى تستقطب اليوم اهتمام المشاهدين و تستحوذ على الجزء الأكبر من اوقات راحتهم و تنافس وسائل الأعلام التقليدية ومنها الصحافة المقرؤة وتتفوق عليها من حيث القدرة على النقل الآنى الحى للحدث لحظة وقوعه .
 
هذه الوسائل الجديدة التى تنقل المضامين والأفكار والأحداث عن طريق الصوت والصورة فى ان معا وبسرعة الضؤ، متخطية الحواجز الجغرافية والسياسية ، حولت كوكبنا الى قرية عالمية – حسب تعبير العالم الكندى مارشال ماكلوهان - وجعلت من الأعلام السمعى – البصرى قوة مؤثرة تسهم فى تكوين وتغيير قناعات الرأى العام وأداة ضغط هائل على الحكومات و صانعى القرارات ووسيلة من وسائل الديمقراطية المباشرة ( التى تتميز بأستخدام التلفزيون الفضائى والأنترنيت فى استجلاء اراء الناس وردود فعلهم ازاء الأحداث المهمة والقضايا القضايا الحساسة واتخاذ القرارات فى ضؤ ذلك .
 
وقد اضطرت الصحافة المطبوعة فى الدول المتقدمة الى تغيير سياساتها وتوجهاتها تحت تأثير التطور التكنولوجى وظروف ومتطلبات العصر الراهن ، واستطاعت ان تتكيف مع التطزرات الجديدة فى مجال الأتصال الجماهيرى بأتباع وسيلتين :-
 
الأولى : اللجؤ الى التخصص ، حيث اخذ كل مطبوع دورى – سواء اكان على شكل جريدة او مجلة –يخاطب جمهورا معينا له هوايات واهتمامات محددة او يتوجه الى فئة معينة – من حيث الجنس والعمر – او اصحاب مهن متشابهة – مثل الأطباء ، المهندسين ، المحامين ، رجال الأعمال – اويتخصص فى مجال معين من مجالات العلوم والتكنولوجيا ، وما الى ذلك .
والثانية : التركيز على الأحداث والوقائع المحلية المهمة وعلى الأخبار ، التى تهم القراء والمعلومات التى تساعدهم على تكوين وبلورة ارائهم وقناعاتهم بأساليب ومعالجات تتسم بالحيوية والتشويق وقادرة على اثارة فضولهم ، بما تقدمه من تفسيرات تفصيلية للوقائع الأنية على درجة عالية من الدقة والموضوعية ، وبذلك اصبحت الصحافة المطبوعة عنصرا مكملا للأذاعة والتلفزيون ، حيث تعزز ما تبثه المحطات الأذاعية والقنوات التلفزيونية من اخبارو برامج مختلفة .
 
و تشهد الصحافة الكردية المطبوعة اليوم انتعاشا كبيرا وتعمل فى اجواء مختلفة تماما عن العهود السابقة ، ويتمثل ذلك فى هذا الكم الهائل من الصحف والمجلات الدورية الصادرة فى الأقليم التى باتت محط انظار زوار كردستان ، كما يتجلى فى تقنية الطباعة الحديثة نسبيا واساليب التصميم الفنى والأخراج الصحفى ، وان كان هذا التطور متواضعا قياسا الى التطور الحاصل فى الدول المتقدمة وعدد من دول المنطقة وبخاصة دول الخليج ولبنان ، ولكنه تطور ملحوظ اذا اخذنا بعين الأعتبار ندرة الكوادر الكردية الفنية المؤهلة فى مجال تقنية الصحافة المتقدمة .
 
بيد ان هذا التوسع الأفقى والتطور التقنى لم يتحولا بعد الى تطور نوعى فى المستوى المهنى للصحافة الكردية ، فهى ما تزال أسيرة التقاليد الصحفية القديمة والأراء الجاهزة ، اى انها صحافة رأى او بتعبير ادق صحافة مقالات ، قبل ان تكون صحافة خبر ، فى زمن اخذ هذا النوع من الصحف والمجلات يتراجع بل يختفى حتى فى الدول النامية - ناهيك عن الدول المتقدمة - لأن صحف الرأى اصبحت عاجزة عن استقطاب اهتمام الجمهور القارى والتفاعل معه ء ، و غير قادرة على منافسة وسائل الأعلام السمعية – البصرية .
 
يقال احيانا ان التطور اللاحق للصحافة الكردية ، يرتبط بظهور الصحافة الأهلية المستقلة       ( صحافة القطاع الخاص ) فى الأقليم ، الى جانب الصحافة الرسمية والحزبية ، ولكن علينا ان لا ننسى ان الصحفيين فى الغرب ناضلوا طويلا من اجل التحرر من سيطرة رأس المال الموظف فى الصحافة وان القيود التى كانت تفرضها الجهات الممولة للصحف على ما ينشر فيها من مواد ، لم تكن بأى حال من الأحوال اهون من قيود الصحافة الموجهة من قبل الحكومات القمعية والأنظمة الأستبدادية ، ولقد اثمر نضال الصحفيين فى الغرب عن مكاسب مهمة ، لعل فى مقدمتها ، مساهمة الصحفيين فى ادارة المؤسسات الصحفية واستقلال هيئة التحرير عن الأدارة واصحاب الصحف. وقد ادى ذلك الى تغيير مفهوم حرية الصحافة التى لا تقتصر على حرية التعبير وابداء الرأى ، بل يشمل ايضا ضرورة اعلام المواطن على اكمل وجه ممكن بكل ما يمس حياته ومستقبله وتوفير المعلومات التى تمكنه من الوصول الى قناعات محددة بشأن قرارات السلطة والتعبير عنها عبر شتى الوسائل وبضمنها الأنتخابات العامة الحرة النزيهة ، وهذا تحول بالغ الأهمية من مبدأ حرية الصحافة الى مبدأ حق المواطن فى الأعلام ، وهو حق يعكس الرغبة المتزايدة فى معرفة الوقائع ، كل الوقائع المهمة ، وفى ضوء هذه الحقائق يمكننا ان ندرك الأسباب الحقيقية وراء عزوف القارىء الكردستانى عن معظم ما ينشر فى صحافتنا المحلية ، ما عدا بعض الحالات المحددة ، عندما يكون هناك احداث بارزة او قرارات لها علاقة بهمومه وحياته اليومية وبخاصة ما يتعلق منها بالخدمات والسكن والتعليم والأسعار وانظمة الخدمة والتقاعد وما شابه ذلك .
 
ان التقنية الحديثة وحدها غير كافية لجعل الصحافة الكردية المطبوعة ، صحافة مقروءة على نطاق واسع . والبعض من اهل الصحافة والمثقفين الكرد ، يعزو ذلك الى قلة الكوادر الصحفية المؤهلة والمتخصصة وتدنى القدرة الشرائية للمواطنين عموما والمثقفين منهم على وجه الخصوص ،  الذين يشكلون الجمهور القارىء الأكبر لصحافتنا المطبوعة ، وهذا صحيح جزئيا وبقدر تعلق الأمر بندرة الكوادر الصحفية المؤهلة ،  أما القدرة الشرائية فقد أرتفعت اليوم كثيراً في السنوات الأخيرة ومع ذلك لا نجد أقبالاً كبيرأ على قراءة ومتابعة الصحف عموما ما عدا بعض الصحف ، واسعة الأنتشار فى الأقليم التي  تستقطب اهتمام القراء ، خاصة حين تنشر بعض الأخبار والموضوعات المحلية الساخنة ، ذات المساس المباشر ببعض جوانب الحياة اليومية للمواطنين او ما يثير اهتمامهم وفضولهم ، فيى حين ان الكثير من الصحف والمجلات الأخرى تتكدس فى الأكشاك والمكتبات دون ان تثير اى اهتمام لدى القراء ، ومع ذلك ، فهي  مستمرة بالصدور ، وهذا الأمر يثير تساؤلات عن مصادر تمويلها ! ويقال ان البعض منها صحف حزبية تدعي الأستقلالية .
 
القارىء الكردستانى قارىء ذكى ونهم ، وله اهتماماته الفكرية والحياتية وارائه الخاصة فى كل ما يتعلق بحياته اليومية ومستفبله وفى ما يجرى من حوله وفى العالم من احداث ، لذا فأن المواد الصحفية المملة والبعيدة عن ميوله وهمومه ومشاكله لا تهمه كثيرا ، كما ان ، الوسائل الأعلامية الأخرى ( الأذاعة ، التلفزيون ، الأنترنيت ) قادرة على تغطية الأحداث الخارجية بشكل اسرع واكثر تشويقا وجاذبية من الصحافة المحلية المطبوعة . لذا فأن القارىء على حق دائما ، لأنه حين يقتنى اى صحيفة او مجلة محلية ، يتوقع ان يجد فيها ما يثير اهتمامه ويشبع فضوله ومايسهم فى اعطاء صورة حفيفية للواقع المعاش .
 
صحيح ان صحافتنا الكردستانية تتطور اليوم بخطى حثيثة نحو مزيد من التطور النوعى وتعمل فى اجواء هادئة ومستقرة الى حد كبير وفى اطار المصلحة العامةوالقيم العليا للمجتمع الكردستانى ولا تخضع لأية رقابة او قيود رسمية ، ولكنها صحافة تغلب عليها الصفة الحكومية او الحزبية ، ولا توجد الا صحف اهلية قليلة مستقلة فعلاً ، ولا يرجع ذلك الى اسباب سياسية ، بل الى اسباب تجارية فى المقام الأول ، لأن الصحف الأهلية صحف خاسرة تجاريا ( من دون الدعم الحزبي ) ، ، ولكن مع ذلك ، فأن الصحافة الكردية ما زالت وفية لتقاليدها الوطنية والنضالية المجيدة ، ولكننا نطمح ان تكون ايضا صحافة معاصرة – صحافة خبر ورأى فى ان معا واداة فعالة للرقابة الشعبية المستقلة على نشاطات السلطة التنفيذية وان تنهض بدور أكبر فى تطوير التجربة الديمقراطية فى كردستان .
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@ yahoo.com



27
الكابوس الذي اقض مضاجع المالكي

                                   
جـــودت هوشـيار

الوثائق الرسمية والأدلة الدامغة ، التي قدمها وفد المعارضة السورية الى مؤتمر  ( جنيف -2 )  لا يدع مجالا للشك ان ( داعش ) هي صنيعة النظام السوري . وهذا ما أكده المفكر السوري البارز الدكتور صادق جلال العظم في لقاء مع صحيفة " المدن " اللبنانية . يقول العظم " متخوف من "داعش" ويجب التخلص منها. إلا أنني أعتبرها امتداداً للنظام وسترحل مع رحيله. "داعش" هي صنيعة النظام، سواء الإسلاميين الذين تم الإفراج عنهم، أو المجرمين والمرتزقة. هذا لا ينفي وجود أجانب استقطبهم "الجهاد". إلا أنني أعتبر "داعش" العدو المفيد للنظام. استفاد منها ولم تقاتله. اكتفت حتى الآن باصطياد النشطاء والمعارضين، أي أنها حتى اليوم تقاتل أعداء النظام."
 
نعرف ويعرف كل عراقي ، ان نظام المالكي حليف ستراتيجي للنظام السوري ، يمده بالمقاتلين والأموال وبسهل عليه انتهاك العقوبات الدولية المفروضة عليه . وقد أقحم المالكي نفسه والشعب العراقي  بأسره في حرب أستنزاف طويلة مع " داعش" وهو يقامر اليوم بمصيره ومصير العراق  من اجل الفوز بولاية ثالثة ، فقد قام  بأستدراج " داعش " الى داخل مدن محافظة الأنبار بعد أن كان محصورا في وادي " حوران " قرب الحدود السورية . وقد خيل اليه انه بلعبته هذه سيحقق ثلاثة اهداف ستراتيجية دفعة واحدة .
 
الأول : الأستقطاب الطائفي
 
أراد المالكي حشد تأييد الشيعة واستمالتهم الى جانبه عن طريق الأيحاء اليهم ان الأرهاب الذي يحصد أرواحهم وارواح  العراقيين كل يـوم وكل سـاعة يتمثل في   " داعش "  والسنة العراقيين ودول الخليج وخاصة السعودية وقطر ، ( لا حظ خلط المالكي المتعمد بين داعش والسنة ودول الخليج ). وليس ادل على ذلك من تصريح النائبة عن دولة ( القانون )  ، حاملة هوية (صديقات صدام )  ( الماجدة ) حنان الفتلاوي ، حين قالت في لقاء متلفز " ينبغي قتل سبعة من السنة مقابل سقوط سبعة شيعة ، وهو تحريض علني على قتل السنة وأرهاب دولة بأمتياز لأن الفتلاوي تكاد ان تكون ناطقة رسمية  بأسم دولة ( القانون ) .
ولم يصدر عن المالكي وحزبه أي شجب لهذا التحريض الطائفي لحد الآن رغم ادانة الشعب العراقي بكل مكوناته وشجبه واستنكاره لهذا التصريح الذي ينطبق عليه المادة الرابعة من قانون مكافحة الأرهاب . كما لم تتخذ مفوضية الأنتخابات أي اجراء ضد الرفيقة الماجدة  ، بل على العكس من ذلك استبعدت من الأنتخابات كل صوت حر  فضح سياسات المالكي الكارثية وفساد حكومته أو فرضت عليه غرامة مالية كبيرة ( مها الدوري مثلاً ) .
 
الثاني : اضعاف الزخم الأنتخابي
 
خيل للمالكي، ان أنتهاء أزمة الأنبار ( بعد فض الأعتصام مقابل تلبية مطالب المعتصمين المشروعة )  واجراء الأنتخابات البرلمانية المقبلة في اجواء هادئة نسبيا يعني ان أهل المحافظات المنتفضة سيدلون بأصواتهم بكثافة وحماس الى ممثليهم الحقيقيين الذين سيشكلون كتلة برلمانية كبيرة ..
و لو قدر لهذه الكتلة الجديدة ان ترى النور فأنها كانت ستتشكل من سياسيين حاول المالكي - منذ الأنسحاب الأميركي من العراق - تصفيتهم سياسياً بأبعادهم عن المناصب الحكومية والبرلمان ومعنويا بملاحقتهم بتهمة الأرهاب وجسديا في السجون والمعتقلات او بالكواتم وغيرها .
ان ظهور كتلة قوية معارضة في البرلمان المقبل كان يعني قطع الطريق أمام المالكي للفوز بولاية ثالثة ، لأن معظم ان لم يكن كل القوى السياسية الأخرى تعارض تولى المالكي رئاسة الوزارة مجددا . فالتحالف الوطني تفكك عمليا والتململ من سياسات ( مختار العصر ) وصل الى داخل حزب الدعوة . وقد اقض احتمال ظهور مثل هذه الكتلة البرلمانية مضاجع المالكي
 
لذا اصبح افراغ اكبر مدينتين في محافظة الأنبار ( الفلوجة والرمادي ) هو الهدف الآني والشغل الشاغل   للمالكي ولم يجد طريقة أفضل لتحقيق هذا الغرض  من أستدراج " داعش " الى داخل هاتين المدينتين ،  ليتسنى له تحويلهما الى ساحة حرب و قصف أحيائهما السكنية بالمدافع الثقيلة والصواريخ لأجبار سكانهما على الرحيل والنزوح  ولقد بلغ عدد الأصابات لحد الآن  في مدينة الفلوجة  وحدها أكثر من (1000) قتل وجريح حسب بينات مستشفى الفلوجة العام .
 
وتشير  احصاءات وزارة التخطيط العراقية ان عدد سكان محافظة الأنباريبلغ  حوالى مليون ونصف المليون نسمة ، نزح منهم لحد الآن حوالى 600 ألف نسمة وما تبقى منهم لا يستطيعون التوجه  الى مراكز الأقتراع والأدلاء بأصواتهم تحت القصف المدفعي والصاروخي والأشتباكات المسلحة ،حتى لو كانت مثل هذه المراكز موجودة فعلاً . وقد اعترفت  مفوضية الأنتخابات أنها عاجزة عن اقامة مراكز للأقتراع العام في الفلوجة والبلدات التابعة لها ، ولم تكن للمفوضية مراكز تسجيل الناخبين في الفلوجة أصلاً ولم تزودها ببطاقات الأقتراع الألكترونية مما يعني حرمان هذه حرمان سكانها من الأشتراك الفعلي في الأنتخابات .
 
ولم يكتف المالكي بأفراغ مدن وبلدات محافظة  الأنبار من قسم كبير من سكانها ومنع البقية من الأشتراك في الأنتخابات المقبلة ، فأخذ بتسريب عناصر  " داعش " بكل ما تمتلكه من آليات ثقيلة وأسلحة متطورة الى بلدات وقصبات المحافظات السنية الأخري ( الموصل ، صلاح الدين ، ديالى  ) ويبدو ان جهود حلفائه الجدد من (  الداعشيين )  لم تكن كافية لذا أستعان بميليشيات ( بدر ، واهل الباطل )  لأرتكاب مجزرة دموية بشعة في بلدة ( بهرز ) الجميلة وأرغام سكانها على الرحيل.وافتعال معارك جانبية في طوزخورماتو وسليمان بك وبلدات أخرى والغرض أصبح واضحا وضوح الشمس وهو افراغ هذه المناطق من سكانها جزئيا ومنع ما تبقى منهم من التوجه الى صناديق الأقتراع .
 
ثالثاً : اعلان حالة الطواريء
 
منذ بدأ العمليات الحربية فرض المالكي تعتيما اعلاميا كاملا على أنباء المعارك والبيانات الصادرة عن الوزارات الأمنية او قادة الجيش ، لا تعكس بأي حال من الأحوال حقيقة خسائر طرفي ( النزاع ) ، فلو صدقنا البيانات الحكومية لأنتهت الحرب قبل أسابيع من الآن .ففي كل يوما نقرأ عن قتل العشرات من عناصر " داعش " بينهم قادة ميدانيين . ولكن الحقيقة هي غير ذلك لأن حكومة المالكي تتستر على ضحايا القوات المسلحة التي قدرها نائب من الأنبار بين ( 5000 – 6000 ) قتيل ، وأعلن النائب بهاء الأعرجي قبل حوالي شهر عن اعطاب " داعش " لأكثر من ( 70 ) مدرعة للجيش. 
وفي العاشر من الشهر الجاري ( نيسان 2014 ) دعا العالم الديني السيد حسين الحكيم الى اتباع الشفافية في الكشف عن الاعداد الحقيقة لضحايا الاعمال العسكرية الجارية في بعض مناطق العراق. وقال الحكيم في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي " الفيس بوك " " قبل قليل تشرفت بزيارة الامام أمير المؤمنين عليه السلام ولاحظت - مع كون الوقت في حوالي الحادية عشر ليلا - كثرة جنائز شبابنا من شهداء القوات المسلحة، بعضهم استشهد في الموصل وبعضهم في الفلوجة وبعضهم لم يتيسر لي ان أعرف اين سفك دمه المهدور".
 
واضاف السيد الحكيم " ان لم يكن في الاموال وضوح وشفافية فهل الدم رخيص الى هذا الحد بحيث يعتم عليه وتخفى المعلومات الحقيقية لعدد شهدائنا من شبابنا الغيور على دينه ووطنه".
وليس لنا تعليق على ما كتبه  السيد الحكيم سوى المطالبة بكشف المستور  ووضع حد لحرب الأستنزاف هذه ، الذي اكتوى العراقيون والعراقيات بنارها ، ونخشى ان تصل النار الى المنطقة الجرداء التي يتحصن فيها المالكي ، وربما هذا ما يريده المالكي لأتخاذه ذريعة لأعلان حالة الطواري واعلان نفسه حاكما اوحد مدي الحياة والبدأ بمجازر دموية جديدة أشد فظاعة من مجازر 8 شباط الأسود عام  1963 .
 
جـــودت هوشـيار
jawhoshyar@yahoo.com
 


28
نصيحة يوليوس قيصر للمالكي

                                                                                                           جــودت هوشـيار
 
سألت عدداً من الأصدقاء،  الذين عرفوا جواد ( نوري ) المالكي عن قرب خلال فترة لجوئه الى كردستان المحررة في منتصف التسعينات من القرن الماضي ،  عن شخصية  هذا الرجل ، وكانت اجاباتهم متشابهة وتكاد أن تكون متطابقة . قالوا جميعاً : " ان المالكي كان انساناً عاديا ومتواضعاً ، منطوياً على نفسه ، قليل الكلام ، ويتجنب الدخول في أي نقاش أو سجال سياسي ، ربما لكي لا يكشف عن آرائه الحقيقية ، التي قد لا تعجب الآخرين ، ولم يكن يتمتع لا بالجاذبية الشخصية ولا بسرعة البديهة ولا أو أي ملمح من الملامح القيادية او الكاريزمية .
 اذن كيف تغير هذا الأنسان العادي المتواضع الى أنسان آخر ، متغطرس ونرجسي وانفعالي ، والى حاكم مستبد ، حكر السلطات بيده واستفرد بالقرارات المصيريه وقمع صوت كل ناقد وناصح ، كيف تحول هذا الأنسان العادي  الى سييف مسلط على شعب العراق ، وآلة جهنمية للقمع والتصفيات الجسدية والمعنوية ، وحول العراق الى ضيعة له ولأقاربه وحاشيته . لم أجد جواباً عند أصدقائي على هذه التساؤلات . ومن اجل فك  لغز هذا التحول الذي طرأ على شخصية وسلوك المالكي ، كان لا بد من الرجوع الى البحوث النفسية والأجتماعية عن تأثير السلطة على الشخص غير المؤهل للقيادة ، عندما يجد نفسه في قمة السلطة .
 
وكانت النتيجة مذهلة !
 
فقد تبين ان علماء النفس والأجتماع في الجامعات الغربية قد أجروا العديد من التجارب المختبرية  على اشخاص عاديين عن طريق اشراكهم في  تجربة  اسمها " لعبة الدكتاتور " حيث تمكنوا من الأيحاء اليهم انهم اصبحوا يمتلكون قوة قاهرة ، وبعد تقمصهم  شخصية الدكتاتور ، تحولوا الى اشخاص آخرين تماماً ، قساة متكبرين ، يستمتعون بالعنف وبأيذاء الآخرين  وبقدرتهم على التحكم في مصائرهم .
كما درس هؤلاء العلماء في السنوات القليلة الماضية ،الأنحراف النفسي المرضي لدى طغاة العصر ( هتلر ، ستالين ، بينوشيت ، بول بوت ، شاوشيسكو ، صدام حسين ، القذافي وغيرهم ) وقارنوا بين سلوكهم وأفعالهم وتصرفاتهم قبل تولي السلطة وبعدها  وأشبعوا هذه المسألة دراسة وتحليلا وكشفوا خفايا " مرض السلطة " . وسأحاول وبتركيز شديد الحديث عن أهم استنتاجات هؤلاء العلماء ، عسى ان يدرك كل عراقي نزيه وشريف وكل من لم يصب  بلوثة الطائفية ، مدى خطورة بقاء المالكي في سدة الحكم ، على مصائر البلاد والعباد .
يقول هؤلاء العلماء :ان الصفات القيادية للزعيم الكاريزمي من جاذبية ،  و حضور طاغ  ،  وسحر شخصي  وتأثير ايجابي على الآخرين ) هي صفات  فطرية تتحكم فيها ( الجينات ) والأشخاص الذين يتمتعون بهذه الصفات هم في العادة أشخاص لهم القدرة على تشخيص وتحليل وحل المشاكل وتقدير المواقف ومواجهة التحديات بهدؤ واتزان واتخاذ القرارات الصحيحة لمصلحة بلادهم ومستقبل شعوبهم .وهم في العادة وصلوا الى سدة الحكم عن طريق أنتخابات حرة نزيهة وفي اجواء ديمقراطية .
أما الأشخاص الذين لا يتمتعون بهذه الصفات و يجدون أنفسهم في سدة الحكم بالصدفة ، فأن تغيرات هيكلية وهرمونية تطرأ على أدمغتهم .
يقول الباحث  أندي ياب ( Andy Yap) من جامعة كولومبيا : " عندما يجد شخص عادي نفسه في سدة الحكم يشعر بالقوة التي تمنحه السلطة ،  ويخيل اليه أن بوسعه الآن التأثير في الآخرين والتحكم في مصائرهم .
 
ثمة مقولة مشهورة للمؤرخ الأنجليزي لورد أكتون (1834 - 1902): " السلطة مفسدة والسلطة المطلقة ، مفسدة مطلقة "
ولكن الباحث جوي ماغي ( Joe Mgee) من جامعة نيويورك يفسر مقولة اللورد أكتون على نحو أعمق فيقول : بأن السلطة تمنح صاحبها الكثير من المزايا و تكشف القناع عن طبيعته الذاتية وتحرره من القيود والضغوط الخارجية ، فتتحرر ذاته  وتخرج الي السطح ويطلق لنفسه العنان من قيود الحياة. فالأنسان عندما يكون خارج الحكم يعيش في اطار الأعراف الأجتماعية ، ففي مكان العمل مثلا يتعرض لضغوط رؤسائه ويضطر للتكيف مع زملاءه ومع من يتعامل معهم ولكن عندما يحصل على السلطة يتحرر من هذه الضغوط ومن كثير من القيود التي كان مضطرا الى عدم تجاوزها . .
 
ويتجلى هذا التحرر  بعدة اشكال ، فقبل كل شيء ، صاحب السلطة المستبدة لا يقيم وزناً لآراء الآخرين  ولا  يأبه بنصائحهم  ، ويتخذ قرارات خطيرة من دون التفكير في المخاطر المحتملة ، التي قد يصادفه في طريق الوصول الى  الاهداف التي يقصدها ، بسبب ارتفاع مستوى هرمون الهيمنة (تستوستيرون) وانخفاض مستوى هرمون الكورتيزول ( هرمون الإجهاد) لديه  .
 
فتنطلق قواه المكبوتة من عقالها ويتحرر سلوكه وتصرفاته من الخوف وتغكيره من من ادراك رعواقب الأمور . وقد ثبت من الناحية البيولوجية ان نشوة السلطة مشابهة تماما للنشوة التي يحس بها الأنسان عند تناول ( الكوكايين ) حيث يستهين بالصعوبات والمخاطر ويخيل اليه أنه حر وطليق و قادر على  تخطي كل الصعوبات .
 
مثل هذا الحاكم يعتاد على السلطة ويعشقها ويدمنها ويحاول التمسك بها الى آخر نفس ، كما مدمن ( الكوكايين ) . وهو على استعداد لأرتكاب أي جريمة من اجل الأحتفاظ بالسلطة .
 
ان السلطة في يد  انسان يعاني من مركب النقص تنطوي على مخاطر اهمها امكانية انزال العقاب بالآخرين.
ان ثنائية العقاب والعفو . والتحكم بمصائر الآخرين – امر مغر كثيرا ، واذا كان الحاكم يستمتع بهذا ، فأن البلد يتعرض الى مآسي وكوارث لا تنتهي .
 
ما الذي يدفع مثل هؤلاء المغامرين  الى التكالب على  السلطة بهوس مرضي . ؟ انه قبل كل شيء حب الذات والطموح و احيانا الرغبة في الأثراء  .
وقد لاحظ بعض علماء النفس ، ان مثل هذه السلطة المنفلتة من عقالها تقترن دائما بالنفاق . فالحاكم يدعي النزاهة ولكنه لا يفوت فرصة لأستغلال نفوذه لمصلحته الشخصية . فهو يأخذ كل ما يرغب فيه ، لأن بوسعه ان يفعل ذلك دون الخشية من المحاسبة او العقاب ، وعقله الباطن يوحي اليه ان له الحق في هذا التصرف .
 
التأريخ يعلمنا ان ما من مغامر أو مدمن سلطة أستطاع تحقيق التقدم لبلاده  والسعادة لشعبه والسبب هو ان نمط الحياة ، الذي يتصوره الحاكم المغامر والمستقبل ، الذي يحلم به لبلده  ،  يختلفان  تماما عما يتطلع اليه شعبه . وهذا امر مرعب  حقا ، لأن الحاكم المغامر  يبدا بفرض الواقع الذي يتخيله بالقوة ، بالقمع والأضطهاد وتصفية المعارضين ، رغم معارضة اغلبية الشعب لأحلامه المريضة .  .
 
كان الأمبراطور يوايوس قيصر حريصاً على أن يكون الى جانبه رجل حكيم ، يردد على مسامعه يومياً : " تذكر ، انك مجرد أنسان لا أكثر"
فهل بين مستشاري المالكي والمقربين منه ، رجل حكيم وجريء  ، قادر ان يقول له ولو مرة واحدة " يا مالكي تذكر انك مجرد انسان لا اكثر !
 
جـــودت هوشـيار
jawhoshyar@yahoo.com
 
 


29
هل تصلح الأطروحة كتاباً ؟
ً
                                                 
جودت هوشيار

      اطروحة الدكتوراه ليست سوى نقل العظام من مقبرة الى أخرى .
 
الكاتب الأميركي جيمس فرانك دوبيه
 
بلجأ كل من يحصل على شهادة الدكتوراه- والماجستير أحياناً - في العراق عموماً وفي أقليم كوردستان خصوصاً الى نشر رسالته العلمية او اطروحته  بصفتها كتابا ، من دون أجراء أي تغيير يذكر على شكل ومضمون الأطروحة . وهذا أمر غريب ، لأن الاطروحة والكتاب  شيئان مختلفان كثيراً من وجوه عديدة ،ويمكن القول عموما ،  أن الأطروحة في الأصل ،  ليس نصاً مخصصاً للقراءة من قبل الجمهور العام   وهي غير صالحة للنشر .   
، لذا لن تجد في الدول الغربية ، دار نشر واحدة تقبل نشر أي أطروحة  علمية ، وان قبلت أحياناً ، فأنها تشترط  أجراء تغييرات جذرية و شاملة عليها. وهذا لا يعني ان الكتاب – أي كتاب -  افضل من الأطروحة ، أو ان الأطروحة أقل شأنا من الكتاب ، ، بل لأنهما متباينان من حيث الهدف والهيكل البنائي والشكل  والأسلوب واللغة وطريقة عرض المعلومات والأهم من ذلك مدى الحرية التي يتمتع بها كل من صاحب الأطروحة ومؤلف الكتاب .وسنحاول في الفقرات اللاحقة ، استجلاء الفروق الأساسية بينهما ومتطلبات تحويل الأطروحة الى كتاب قابل للنشر .
 
الفروق الأساسية بين الأطروحة والكتاب :
 
1 – الهدف :

 
يختار طالب الدراسات العليا موضوعا لأطروحته في تخصص معين، بتوصية من الأستاذ
المشرف في كثير من الأحيان ، وهو ليس حرا في كتابة الأطروحة  على النحو الذي يرغب فيه ، بل يلتزم بالقواعد العامة لكتابة الأطاريح وبتوجيهات الأستاذ المشرف .
 
الأطروحة تكتب من اجل اثبات قدرة الطالب البحثية وجدارته العلمية أمام لجنة مناقشة متخصصة ومحدودة العدد تضم في العادة عدة أشخاص ، وهي في الحقيقة لجنة امتحان للطالب المدافع عن اطروحته ، واذا أجتاز صاحب الأطروحة هذا الأمتحان وحازعلى  موافقة اللجنة يمنح الشهادة  أو الدرجة العلمية .
 
 والأطروحة في العادة – هي  أول عمل للطالب ويسبق خبرته العملية  ، في حين أن الهدف من الكتاب هو أيصال أفكار المؤلف ومشاعره الى القاريء العام بأسلوب واضح وشائق . ويعتمد على آراء المؤلف وليس أستعراض آراء الآخرين ومناقشتها والتعليق عليها ,.
 
  2 – الشكل :
تكتب الأطروحة حسب تسلسل تقليدي ، يبجأ بشرح مبررات أختيار الموضوع ، ثم أستعراض المراجع والمصادر وعرض المشكلة وسرد تفاصيلها ومناقشة أفكار الآخرين ، من اجل التوصل الى استنتاجات محددة . واذا كانت هذه الصيغة التقليدية الراسخة هي المطلوبة في الأطروحة ،فأن لكل كتاب صيغته الخاصة التي تتلائم مع محتوى الكتاب واسلوب المؤلف ، الذي يميزه عن المؤلفين الآخرين
 الاطروحة حتى اذا كانت تشابه الكتاب ظاهريا ولكن لن يخاطر الناشر – اي ناشر – على نشرها بصورتها الأولية ، لانها لن تستوفي معايير النشر المهنية ومتطلبات السوق .
 
3 – المؤلف :
 
طالب الدراسات العليا ، باحث مستجد ،  لم يسبق له في- معظم الأحيان – خوض غمار التأليف وليس لديه خبرة عملية سابقة ، ويخضع لتوجيهات الأستاذ المشرف وللتقاليد المتبعة في هذا الشأن وفي مقدمتها منع كاتب الأطروحة من ان يقول اي شيء من عنده دون أسانيد مرجعية ، لذا فأن الأخير،  بالغ الحذر ويتخذ موقف الدفاع أمام لجنة المناقشة .
 والأطروحة بشكلها التقليدي  يبعث الملل والسأم  في نفس القاريء العام  بكثرة احالته  الى الهوامش والمراجع في كل ما يعرضه من آراء وحقائق . في حين أن مؤلف الكتاب لديه حرية أختيار الموضوع الذي يتناوله والمنهج الذي يتبعه والزمان والمكان اللذين يختارهما للكتابة والأسلوب الذي يعرض به مادة الكتاب .. ومؤلف الكتاب في العادة أكثر خبرة في أسرار الكتابة المشوقة .
 
4– الوسط المتلقي :
 
ثمة اختلاف في الوسط المتلقي  ونوعية الجمهور القاريء ، حيث أن قراءة ومناقشة وتقييم الأطروحة  تقتصر على عدد محدود من الأساتذة  الأكثر علما وخبرة من الطالب ، في حين ان مؤلف الكتاب أكثر علما بموضوعه من القاريء العام . وهو مثل دليل سياحي غير مرئي للقراء ،  او راو لنتاج ابداعي وليس محاضرا واقفا على منصة يلقي الدروس على طلبته ,
واذا كان صاحب الأطروحة يريد جمهورا اكبر ، عليه ان يعيد النظر في اطروحته واسلوب معالجتها  وصياغتها جذريا. غير أنه يعتقد ان القيمة العلمية لاطروحته كفيل ان يفنح له باب النشر ولكن للناشرين راي آخر وهو قناعتهم المسبقة ان الأقبال على قراءة الأطروحة المنشورة سيكون ضعيفا أو معدوما و لن تلقى رواجا ولا تبرر المال الموظف لطباعته  وتوزيعه .
 
5–  اللغة :
 
لغة الأطروحة  جافة وغير واضحة للقاريء العام ومثقلة بالمصطلحات في حين ان لغة الكتاب واضحة وسهلة ، تخلو من المصطلحات ، الا ما هو ضروري أو عام .
 
6– التركيب :
 
الأطروحة غالبا متدرجة في تقديم المعلومات في مسار طولي يشبهه البعض بخطوط سكة الحديد  ، في حين أن الكتاب وحدة عضوية يربط بين أجزاءها نسيج سردي محكم ، والمؤلف حر في اختيار الهيكل البنائي الذي يلائم محتوى الكتاب .
تجربة جامعة ( اوكسفورد ) :
 
وهنا يتبادر الى الذهن فكرة ، قد تبدو معقولة  للوهلة الأولى ، لماذا لا يلجأ الطالب ، منذ البداية  الى محو هذه الفروق  وذلك بكتابة أطروحته على نحو قابل للنشر ككتاب . وفعلاً قامت واحدة من أشهر جامعات العالم ، وهي جامعة ( اوكسفورد ) البريطانية  بتجربة فريدة في هذا الباب . ففي التسعينات من القرن العشرين اصدرت قواعد جديدة لكتابة اطاريح شهادة الدكتوراه تنص على أن تكون الأطروحة بعد انجازها والدفاع عنها بنجاح  قابلة للنشربوصفها كتاباً.
ولكن  مدير دار النشر التابعة للجامعة ( كولينج وود ) كان مضطرا الى رفض نشر اغلب الاطاريح المكتوبة وفق تلك القواعد ، لأنها ببساطة كانت لا تصلح للنشر العام.
 واضطرت الجامعة الى تعديل تلك القواعد  لاحقا ًبحيث لا يشترط ان تكون الاطروحة قابلة للنشر . وهذه التجربة تؤكد وجود اختلاف كبير بين الاطروحة العلمية  والكتاب الأعتيادي . اما اوجه التشابه بينهما فانها خادعة . الاطروحة تبدو ظاهرياً مشابهة للكتاب من حيث تسلسل الفصول ووجود مقدمة وخاتمة والتغليف والعناوين  والمواصفات الشكلية الأخرى  . ولكنها في معظم الاحيان لا تقرأ ككتاب . وبالنسبة الى الناشر والقاريء هذا التباين له اهمية حاسمة .
 
مراحل تحويل الأطروحة الى كتاب :
 
ينصح طالب الدراسات العليا بأختيار ومعالجة فصل او فصلين من لب اطروحته وتحويلها الى مقالات يمكن نشرها في مجلات متخصصة او عامة حسب طبيعة المادة ، وذلك من اجل اكتساب الخبرة في هذا المجال .وقبل تحويل الاطروحة بتمامها الى كتاب قابل للنشرالعام .
وينبغي النظرالى الأطروحة كمسودة أولية للكتاب المنشود  . وينصح العديد من الأساتذة - الذين أشرفوا على اعداد ومناقشة الأطاريح في الجامعات العالمية -  صاحب الأطروحة بأن يضعها  جانبا لفترة من الزمن قبل اجراء التغيير عليها ، ليتسنى له بعد فترة زمنية قد تمتد من ستة أشهر الى سنة واحدة ، فحصها وتقييمها ، على نحو موضوعي والنظر اليها وفق نظرة نقدية تحليلية ، وهي عملية صعبة لأن صاحب الأطروحة لا يمكن أن يكون موضوعيا بما يكفي لأعادة تقييم أطروحته كخبير محايد .
لكي تتحول الأطروحة الى كتاب جيد ، فأنها بحاجة الى اعادة تنظيم وصياغة وكتابة  الأجزاء الأكثر أصالة فيها . وقد يستغرق هذا التحويل وقتا لا يقل عن المدة المصروفة على اعداد الأطروحة . لأن المؤلف حين يكتب بوحي من ذاته ، وبحرية من دون قيود أو توجيه ، تنثال عليه الأفكار على نحو غير متوقع . وله ان يضيف الى كتابه افكارا جديدة لم ترد في اطروحته .
ويشبه البعض الأطروحة بجوهرة خام يمكن عن طريق تقطيعها وتنعيمها وصقلها ، تحويلها الى جوهرة رائعة .
 
ثمة نقاط عديدة ينبغي اخذها بنظر الاعتبار عند أعادة صياغة الأطروحة لتصبح كتاباً مقروءاً نوجزها في ما يلي :
 
1– ينبغي التمعن في الأطروحة وهل توجد فيها مادة كافية لتحويلها الى كتاب ؟ . ما الاشياء المفيدة فيها وما الذي يجب ان يضاف اليها او اعادة كتابتها .
2 - الفصلان  الاول والاخيرهما اكثر الفصول اشكالية في اي اطروحة . الفصل الاول يتضمن في العادة اسباب اختيار موضوع البحث واهميته واستعراض المصادر والمراجع ، التي يراد  به اقناع لجنة المناقشة  بأن الطالب  قد قرأ البحوث السابقة ذات العلاقة ،  وهي ليست طريقة جيدة  لتقديم الكتاب الى جمهور واسع من القراء ، لذا فأن مؤلف الكتاب – أي كتاب – لن يلجأ اليها ، بل يقدم كتابه على نحو آخر وبأيجاز .
 ويتضمن الفصل الاخير للأطروحة  الاستتاجات التي توصل اليها الطالب والقضايا التي ما تزال عالقة وتتطلب أجراء بحوث أخرى حولها . لذا ينبغي تطوير و تلخيص الأستنتاجات والأشارة اليها  في ثنايا الكتاب وليس في نهايته .
3 - يجب كتابة مقدمة جديدة تتضمن الأشارة الى فكرة الكتاب الرئيسية .
4 - الاستغناء أو التقليل إلى حد كبير من الأشارة الى الأدبيات والأقتباسات وكذلك الرسوم البيانية أو الجداول ان وجدت .
5 - عدم الاشارة الى ان الكتاب كان في الأصل اطروحة ، لا في المقدمة ولا في المتن ، لأن ذلك سيكون سببا كافيا للأعراض عن قراءة الكتاب .
6 - ثمة اشياء  تعرفها لجنة مناقشة الاطروحة  ولا يقوم الطالب بتوضيحها ،  في حين ان اغلب القراء يجهلونها لذا ينبغي شرحها لهم .
 
 


30
الأمية الألكترونية

                                         
جــودت هوشـيار
الفجوة الرقمية :
 
نحن نعيش اليوم في عصر العولمة وثورة الأتصالات والمعلومات ، حيث  أصبح التعميم الرقمي في شتى جوانب الحياة أحد أهم العوامل الرئيسية لتحديث المجتمعات وتقدم الأمم  . وفي الوقت ذاته ، أخذت ( الفجوة الرقمية - (Digital Divide  تزداد اتساعا ، بين الدول المتقدمة ، التي تستخدم أنجازات الثورة الرقمية على أوسع نطاق في الحياة اليومية وفي البحوث العلمية وميادين الأقتصاد والصحة والتعليم ومجالات عديدة أخرى ، وبين الدول المتخلفة ، التي أخفقت لحد الآن في توظيف هذه الأنجازات وفق خطط علمية مدروسة في تطوير مجتمعاتها.
 
.وعلاوة على ذلك ، ثمة فجوة رقمية أخرى داخل كل مجتمع. ففي الدول الصناعية المتقدمة ، نجد أن الأغلبية الساحقة من السكان تمتلك مهارة أستخدام الكومبيوتر والبرامج والتطبيقات المتصلة بها ، وتتوفر لها امكانية  الدخول الى الشبكة العالمية للمعلومات ( الأنترنيت ) بكل يسر وسهولة ودونما أنقطاع وفي شتى الظروف والأمكنة مع وجود أقلية ضئيلة لا تحبذ الدخول الي الشبكة لأسباب سنتطرق اليها في الفقرات اللاحقة .
 
الأمية الألكترونية :
 
أما في الدول النامية ، فأن استخدام الكومبيوتر الشخصي والدخول الى الأنترنيت يقتصرعلى فئة محدودة من الطبقة المتعلمة الميسورة  ، أما اغلبية السكان فأنها وان كانت تستخدم الهواتف النقالة على نطاق واسع ، الا أنها ما تزال تعاني من ( الأمية الألكترونية ) وقطاع لا يستهان به من هذه الأغلبية يعاني أيضا من ( الأمية الألف بائية ) ، وبتعبير آخر ،  فأن مفهوم الأمية اليوم لا يقتصر على من يجهل القراءة والكتابة ، بل يشمل أيضاً من لا يعرف استخدام الكومبيوتر والأنترنيت .
 
الأمية المركبة  :
 
(الأمية المركبة ) بشقيها الألف بائي والألكتروني ،  لم تعد مقبولة في العالم الرقمي الجديد ، ولدى منظمة اليونسكو والمنظمات الدولية الأخرى ذات العلاقة ،  برامج طموحة للقضاء على (الأمية المركبة )  التي تعرقل تقدم البلدان النامية ، في زمن اصبحت فيه تكنولوجيا المعلومات القاعدة الأساسية لمجتمع المعرفة . ولم يعد أستخدام الكومبيوتر مع بزوغ الألفية الثالثة ترفا ، بل اصبح ضرورة ملحة وعنصرا اساسيا لا غنى عنه في الحياة . وعلى كل انسان معاصر يعيش في عصره وليس في الماضي ،  أن يمتلك مهارة أستخدامه ، وبعكسه يعد في عداد الأميين الذين لا يتيسر لهم الأستفادة من ثورة المعلومات ، وكأنهم خارج عصرنا الرقمي الجديد .
 
الأمية الوظيفية :
 
في عالم اليوم  ، نرى ان الأنشطة الأقتصادية والتخصصات العلمية والمهن الهندسية والطبية وغيرها  ، تتطلب الى هذا الحد او ذاك امتلاك مهارة استخدام برامج الكومبيوتر واجادة  التعامل مع الانترنيت . وكل خريج  معهد أو جامعة أو أي شخص آخر  يأمل في الحصول على عمل او وظيفة في تخصصه العلمي  أو المهني ، عليه معرفة  المباديء الأساسية لهذا الأستخدام ,وقد ظهر في السنوات الأخيرة ، مصطلح آخر - شاع أستخدامه لدى الباحثين في الغرب -  لا يختلف في مفهومه كثيرا عن ( الأمية الالكترونية )  وهو مصطلح ( الأمية الوظيفية - Functional illiteracy )  و يشير الى وجود  فئة من الموظفين في مؤسسات الدولة – أي دولة -  لا تمتلك المعارف والمهارات الضرورية ، التي لا غنى عنها للأداء الوظيفي الجيد على وفق المعايير الحديثة في هذا المجال .
وتشير البحوث الميدانية الي ان أكثر من نصف وقت العمل الوظيفي  في المجتمعات المتطورة يصرف على معالجة ونقل وخزن  المعلومات  ، بمعنى أن الخريجين الجدد من الجامعات والمعاهد ليس في الغرب فقط ، بل حتى في بلادنا ،  لن يجدوا وظيفة اوعملا ذهنيا او حتى  كتابيا من دون اتقان التعامل مع الكومبيوتر والأنترنيت وينتهي بهم الأمر اما الى البطالة أو القبول بأي عمل جسدى بعيد عن تخصصاتهم .
 
 وكان رئيس الوزراء الروسي ديميتري ميدفييف -  وهو من أشد المنادين بضرورة التعميم الرقمي في جميع مفاصل الحياة – قد حث موظفي الدولة على  وجوب الألمام بأساسيات ( تكنولوجيا المعلومات ) قائلا : " ينبغي الأستغناء عن خدمات الموظفين ، الذين لا يعرفون أستخدام الكومبيوتر ؟ ان الموظف الذي لا يستطيع انجاز وثيقة بشكلها الألكتروني أو الذي يخشى أستخدام الكومبيوتر ينبغي ان يستغنى عن خدماته في دوائر الدولة .اننا لا نعين موظفين اميين في المؤسسات الحكومية واستعمال الكومبيوتر اصبح جزءا مهما من معرفة القراءة والكتابة الجديثة.
 
باحثون في بركة سباحة :
 
ان الأسباب الكامنة وراء ( الأمية الألكترونية ) و ( الأمية الوظيفية ) عديدة ومتباينة لدى الفئات العمرية المختلفة ، وقد دلت التجارب العلمية أن قدرة وامكانيات الأنسان في التعلم تقل تدريجيا  بتقدم العمر وان كبار السن يجدون  صعوبة في تحصيل علوم واتقان مهارات جديدة وبضمنها  اساسيات تكنولوجيا المعلومات وأستخدام الكومبيوتر ,
لذا  نجد في بلادنا كما في البلاد الأخرى ان عددا كبيرا من كبار السن المتعلمين ،  بينهم عدد لا يستهان به من أصحاب الشهادات العليا وحتى اساتذة الجامعات ، لا بستطيعون استخدام  الكومبيوتر والأنترنيت للحصول على المعلومات التي تهمهم اويحتاجون اليها  سواء في حياتهم اليومية او اعمالهم او في بحوثهم ، .وان كان كل هؤلاء شأنهم في ذلك شأن الأميين ، الذين لا يعرفون القراءة والكتابة وأشباههم من أنصاف المتعلمين  يستخدمون الهواتف النقالة بفعالية .
 
الفئة الأكبر سنا من  المشتغلين بالأعمال الفكرية والذهنية تعتقد ان الكومبيوتر والأنترنيت لهو ولعب لا يليق بها وان من مستلزمات الوقار والهيبة هو الأبتعاد عن هذه البدع ، التي يعجز معظم أفرادها عن فك رموزها .وتفضل اللجؤ الى مصادر المعلومات التقليدية ( الكتب و المطبوعات الدورية والوثائق الورقية )  للحصول على المعلومات، التي تتطلبها أعمالهم وبحوثهم  ،
واذا كانت المصادر التقليدية للمعلومات حوض سباحة  أو حتى بحيرة صغيرة ، فأن مصادر المعلومات الجديدة ونعني بها الشبكة العالمية للمعلومات بحر لا نهاية له .
 
أسباب أخرى لمقاطعة الأنترنيت :
 
 ثمة شرائح في المجتمع لا يثيرالأنترنيت أهتمامها ،  نظراً لأسلوب حياتها  ، حيث ان طريقة عيشها  تستند الى التقاليد والعادات والأعراف ، وهي في العادة تتمتع بمكانة اجتماعية وظروف مستقرة ولديها علاقات اجتماعية واسعة  ووثيقة  ولا يلعب الأنترنيت دورا ملحوظا في حياتها اليومية .
 
كما لا يشكل الأنترنيت ضرورة حياتية لدى سكان الأرياف في البلدان النامية ،  الذين لا يتطلب نشاطهم العملي وطريقة حياتهم ونمط ثقافتهم أستخدام الأنترنيت ،وهذه الظاهرة تشمل سكان الأرياف حتى في بعض البلدان المتطورة ولكن بدرجة أقل بطبيعة الحال ، بعض هؤلاء يريد العيش بالطريقة التقليدية ويرفض استخدام الأنترنيت بمحض أرادته ، والبعض الآخرلا تصل اليه خدمة الأنترنيت ، لأن شبكات الأتصالات لا تغطي مناطقهم .أي ان السبب تكنولوجي وليس شخصي .
 
ووفقا لدراسة حديثة شملت ( 185 ) بلداً بما فيها العراق ،  فأن متوسط سرعة الأنترنيت متفاوت من بلد ألى آخر وحتى داخل البلد الواحد ، ففي الوقت الذي بلغ متوسط سرعة الاتصال بالإنترنت 49.2 ميغابايت في الثانية في هونغ كونغ مثلا – وهي أسرع خدمة إنترنت في العالم – نجد ان العراق قد حل كالعادة في ذيل القائمة وفي المرتبة 179 بسرعة تنزيل بلغت 0.75 ميغابايت في الثانية.
 وعلى اية حال لا ينبغي المبالغة في اهمية سرعة الأنترنيت ، لأنها ليست الا سببا ثانويا في عدم أنتشار الأنترنيت على نطاق واسع ،  سواء في العراق أو في أي بلد آخر في العالم . والأهم من ذلك هو العلاقة بين (الأمية الالف بائية ) و ( الأمية الألكترونية ) ، لأن استخدام الأنترنيت يتطلب معارف يحصل عليه الأنسان في مقتبل عمره خلال دراسته  ، في حين أن استخدام الهواتف النقالة أبسط  بكثير ولا يتطلب تعليما مسبقاً .
 
 ان الأفتقار لأنظمة تعليمية حديثة تواكب الأتجاهات الرئيسية للتقدم العلمي – التكنولوجي المعاصر ، هو السبب الرئيسي  لـ ( الأمية الألكترونية )  وليس تردي الأوضاع الاقتصادية او العادات والتقاليد الاجتماعية فقط . ومن أجل أشاعة الوعي المجتمعي بأهمية تكنولوجيا المعلومات ، لا بد من تدريس أساسيات هذه التكنولوجيا ، منذ المراحل الدراسية الأولي ، كما هو معمول به في الدول المتقدمة . حيث يتم  تدريسها كمقرر أساسي الى جانب العلوم الأخرى .
 
حركات وتيارات مناهضة للأنترنيت :
 
وصفوة القول، أن استخدام تكنولوجيا المعلومات من مقومات تحديث المجتمعات ولكن ثمة دائما أشخاص لا يستخدمون الأنترنيت . فهل يعني هذا أنهم  معزولين عن العالم ؟
لا شك أن مثل هؤلاء ينتمون الى اوساط  معينة –لا يشكل فيها الانترنيت قيمة عالية ، وهي أوساط ما تزال موجودة في كل انحاء العالم .
وعلاوة على ذلك ، ثمة نخب فكرية وثقافية ، في البلدان المتقدمة ، ترفض العالم الأفتراضي عن وعي وادراك وقناعة ، وقد ظهرت في تلك البلدان - التي  لن تجد فيها بقعة ليس فيها خدمة الأنترنيت السريع ، الا ما ندر– حركات اجتماعية وتيارات فكرية تدعو الى  مقاطعة الأنترنيت ، الذي يستحوذ على اوقات الراحة ويحرم الناس من التواصل الأجتماعي الحي مع الأقارب والمعارف وزملاء الفكر والمهنة و يسبب  أحياناً العزلة عن المجتمع أوالكآبة  . كما ان قضاء ساعات طويلة أمام الكومبيوتر يؤدي الى قلة الحركة ، التي تشكل – كما يقول الأطباء – احدى الأسباب الرئيسية للأصابة بأمراض شتى وفي مقدمتها أمراض القلب .
ورغم الأنتشار الواسع والشامل للأنترنيت ، الا أنه  ليس مفتاح السعادة والنجاح دائماً،  رغم ان الشركات التي توفر خدمة الأنترنيت تحاول أقناع الناس على النقيض  من ذلك .
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com


31
سيناريو المالكي للفوز بولاية ثالثة

                                                                                                          جــودت هوشـيار
 
من يعتقد ان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ، يفتقر الى  الدهاء فهو واهم ، وأذا كان الرجل  يفتـقرالى صفات الزعيم الكاريزمي من جاذبية ،  و حضور طاغ  ،  و سحر شخصي  وتأثير ايجابي على الآخرين ، فأنه يتمتع من دون شك بدهاء في مجال حبك  خيوط الدسلئس وشق الصفوف وخلط الأوراق وألهاء الناس بالأزمات المفتعلة المتتالية .
 
واذا كان العراقيون مختلفين في كل شيء ،  الا أنهم مجمعون اليوم على فشل حكومة المالكي الفاسدة ، التي بددت عائدات النفط  الهائلة طوال ثمان سنوات عجاف ،  من دون تحقيق أي انجاز يذكر ، بل على النقيض من ذلك  ،نجد أن الأوضاع العامة في العراق في الوقت الراهن ،   أسوأ بكثير مما كان عليه في عام 2006 حين تولى المالكي الحكم لأول مرة .  ولعل أبلغ دليل على هذا الفشل تكبد حزب المالكي هزيمة نكراء في أنتخابات المجالس المحلية الأخيرة التي جرت في العام 2013 ، حيث فقد هيمنته على العديد من الحكومات المحلية في وسط وجنوب البلاد . وشهد بذلك شاهد من أهلها ، فقد بعث أنصار حزب الدعوة الأسلامية في خارج البلاد ،  عقب تلك الأنتخابات برسالة الي زعيم الحزب يعبرون فيها عن خيبة أملهم لعدم حصول الحزب سوى على ( 13) مقعدا ، حيث جاء ترتيبه في ذيل قائمة ( التحالف  الوطني ) .
 
ولما كان المالكي لا يؤمن بالتداول السلمي للسلطة ولا يفكر بالتخلي عنها ، مهما كانت الظروف ، ويتبع سياسة تصفية من يعارض سياساته الهوجاء ، التي قادت البلاد الى حافة الهاوية . وبما أن الأغلبية الساحقة من العراقيين ،  بشتى أنتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية  لم تعد تصدق وعوده ، بعد ان سقطت ديماغوجيته المكشوفة تحت أقدام المتظاهرين والمتظاهرات في يوم 25 شباط  2011، لهذا كله ،  لم يتبق أمام المالكي سوى اللجؤ الى تدبير مكائد وفق سيناريوهات معقدة ، متعددة الصفحات ، تؤمن له الفوز بولاية ثالثة ، ولو أدي ذلك الى أزهاق أرواح آلاف الناس الأبرياء من رجال ونساء وأطفال . وآخر هذه السيناريوهات ،  ( سيناريو الأنبار ) ، الذي حيكت خيوطها بمهارة ومكر ودهاء .
 
لتوضيح ابعاد هذا السيناريو لا بد ان نرجع قليلا الى الوراء وتحديدا الى اليوم الذي اتفق فيه المالكي مع شيوخ ووجهاء الأنبارعلى فض الأعتصام في مدينة الرمادي ، حيث لم يكن أمامه من سبيل آخر ولم يكن بوسعه  مهاجمة ساحة الأعتصام بقوة السلاح أمام أنظار العالم
 في مساء ذلك اليوم  تم تنفيذ هذا الأتفاق بكل  بهدؤ ، وقد  تفاخر به المالكي نفسه حين  صرح أن فض الأعتصام تم من دون أراقة نقطة دم واحدة .
 
 وكان من الممكن ان تعود الأمور الى طبيعتها في مدينتي الفلوجة والرمادي ويعم الأمن والأستقرار فيهما لو التزم المالكي بتنفيذ الفقرات الأخرى من الأتفاق المذكور وأهمها تلبية المطالب الدستورية للمعتصمين ,وليس دفنها في أضابير اللجان ، كما فعل طوال عام كامل. ولكن الرجل تنصل من الأتفاق كعادته ، لأن السيناريو المعد للأنبار لم يكن يهدف الى توفيرالأمن والأستقرار ، بل الى  شق صفوف زعماء العشائر وتأجيج الخلافات بينهم  وتصفية قادة الأحتجاجات ، لضمان حرمان أهل المحافظة من أيصال ممثليهم الحقيقيين الى البرلمان .
و لهذا السبب تحديدا ، شرع بعد فض الأعتصام وعلى الفور ، بتطبيق الصفحة الثانية من السيناريو المعد مسبقاً . ففي ساعة متأخرة من تلك الليلة  هاجمت قوة من ( سوات ) بكل ما تيسر لها من اسلحة خفيفة ومتوسطة منزل النائب أحمد العلواني وقتلت شقيقه وعدداً من أفراد حمايته ، ونحن لا نناقش هنا مبررات هذا الهجوم وكون العلواني نائبا يتمتع بالحصانة البرلمانية ولامدى صحة التهم الموجهة اليه ، فهذا شأن القضاء – ان كان في العراق قضاء مستقل -  ولكننا نتحدث عن التوقيت الدقيق لهذا الهجوم ، الذي أدي الى غضب العشائر العارم والهاب مشاعر السخط لدى عموم سكان المحافظة  وتردي الوضع الأمني وهذا ما كان يريده المالكي تحديدا ، لأن من ينشد الأمن لا يلجأ الى صب الزيت في النار ، واختلط  الحابل بالنابل . وتنصل ( مختار العصر والظهر ) من تنفيذ بقية بنود الأتفاق ..
 
وبدأت الصفحة الثالثة من السيناريو ، حين أنسحب الجيش من مدن الأنبار  ، وعلى نحو فسح المجال لتسلل عناصر تنظيم ( داعش ) اليها . وتشير الأدلة الدامغة التي قدمها وفد المعارضة السورية في مؤتمر (  جنيف – 2 ) الى  العلاقات الوثيقة بين هذا التنظيم و مخابرات النظام الأسدي من جهة وبأيران من جهة ثانية ، وكلاهما من حلفاء المالكي ، كما هو معلوم .
 
أما الصفحة الرابعة وهي أخطرها ، فأنه يهدف الى أفراغ مدينتي الرمادي والفلوجة من السكان  عن طريق القصف العشوائي للأحياء السكنية فيهما وأجبار آلاف العوائل على النزوح الى مناطق أكثر أمناً . وما يصاحب ذلك من مآسي أنسانية وتداعيات سياسية .
 
 ولا ندري مدي دقة المعلومات عن سيطرة ( داعش ) على مدينة الفلوجة وجزء من مدينة الرمادي . فقد كان الجيش يحارب ( داعش )  في (  وادي حوران )  أي على بعد مئات الكيلومترات من  مدينتي الرمادي والفلوجة،  وسيناريو المالكي ، هو الذي أتاح لعناصر ( داعش ) الدخول الى المدينتين ، وأدى الى شق صفوف زعماء عشائرالأنبار ، الذين حاربوا القاعدة في الماضي صفاً واحداً  وطهروا المحافظة الشاسعة من الأرهاب . أما اليوم فالوضع مختلف :الأجواء مشحونة ومتوترة والنفوس ثائرة وهائجة   وهذا – ويا للمفارقة – ما يريده تنظيم ( داعش ) أيضاً ، لأن هذا التنظيم لم يكن بوسعه دخول المدن في أجواء التعاون الوثيق بين الحكومة وزعماء العشائر .
 
هذا السيناريو يحقق هدف المالكي الأهم والأكبروهو الفوز بولاية ثالثة عن طريق بتأجيل الأنتخابات البرلمانية في المناطق الساخنة أي محافظات ( الأنبار ، نينوى ، وربما صلاح الدين وديالى أيضا ) بذريعة أختلال الوضع الأمني فيها .  وهي أهم  المناطق المؤهلة لأيصال عدد كبير من النواب المعارضين للمالكي الى الدورة البرلمانية القادمة . أو أجراء الأنتخابات في أجواء لا تسمح بالمشاركة الكثيفة فيها أو اجبار سكان بعض تلك المحافظات – الأنبار ونينوى -  على مقاطعة الأنتخابات ، وهذه الأحتمالات هي في صالح المالكي بكل تأكيد  ، ويتيح  له اجتناب ما حدث في الأنتخابات التشريعية السابقة في عام 2010 ،عندما  أصيب بصدمة كبيرة بعد فوز القائمة العراقية ب( 91 ) مقعدا وتفوقها على قائمة التحالف الوطني .ولم يكن بوسع المالكي البقاء في الحكم لولاية ثانية لولا التأييد الأيراني – الأميركي ، الذي أرغم الأطراف المتصارعة على القبول الضمني ، بقرار غريب وعجيب من ( القضاء العراقي ) - الخاضع لهيمنة المالكي والذي يفسر بنود الدستور حسب أهواء الحاكم ومصلحته -  يقول القرار ان الائتلاف الفائز في الأنتخابات هو الائتلاف الذي الذي يتشكل بعد الأنتخابات لا قبلها وهو أمر لا سابقة له ، ليس في العراق فقط ، بل في العالم بأسره  . و قد تنفس العراقيون الصعداء بتوقيع ( أتفاقية أربيل ) بعد ثمانية أشهر من أزمة خانقة محفوفة بالمخاطر ولكن ( مختار العصر) تنصل منها كعادته بعد تكليفه بتشكيل الحكومة ونيل ثقة مجلس النواب .

 وعودة الى صلب موضوعنا نقول :  أن صفحات هذا السيناريو لم تنته بعد ، وستكشف الأيام القادمة ما تبقى منها ،  وهي كلها تهدف الى تحقيق هدف المالكي الرئيسي وهو سحق القوى المعارضة لنهجه الدكتاتوري  وتصفيتها الواحدة بعد الأخرى واعادة المساسل الكارثي لدكتاتورية صدام ، على نحو آخر لا يختلف من حيث الجوهر عنها وأن اصطبغ هذه المرة بصبغة أخرى حسب مقتضى الحال .
 
جــودت هوشـيار
jawhoshyar@yahoo.com
 


32
 
الكهرباء في مزاد الأنتخابات

                                       
المهندس الأستشاري جودت هوشيار

لم يعد احد يصدق تصريحات المسؤولين في بغداد ، والتي تفتقر دائما الى الصدقية والشفافية ،  فهي تصريحات  تصب في خانة الدعاية للحزب الحاكم وتتسترعلى الأخفاق المريع  للأداء الحكومي والفساد المستشري في مؤسسات الدولة - ان كانت ثمة دولة في العراق تستحق هذه التسمية حقاً - وتتحدث عن انجازات موهومة لا يلمسها المواطن العادي في حياته اليومية  وعن وعود براقة يعرف أصحابها - قبل غيرهم - أنها لن تتحقق .
هل نسينا الوعود العسلية للمائة يوم التأريخية ؟ .وهل نسينا التصريحات الرنانة ان العراق سيصدر الكهرباء بحلول عام 2009 ؟ ، وان انتاج النفط  سيتضاعف خلال بضع سنوات ؟  ولكن انتاج النفط في عام 2013 كان أقل من عام 2012.
 
العراق يعاني منذ سنوات من تدني القدرة الأنتاجية لمحطات توليد الطاقة الكهربائية وأهمال صيانة محطات التوليد والمحطات الثانوية وشبكات التوزيع .. والآن يأتي  المتحدث الرسمي باسم وزارة الكهرباء مصعب المدرس ليعلن في بيان له اليوم  "  ان الوزارة ستقوم بتجهيز المواطنين بالتيار الكهربائي على مدى  [24] ساعة بدءًا من الأسبوع المقبل. وان الوزارة تمكنت من تجهيز العاصمة بغداد والمحافظات الاخرى، بساعات كهرباء يومياً قدرها من [20] ساعة الى [24]، مقارنة بالعام الماضي الذي بلغت ساعات التجهيز في نفس الفترة بين [8] الى [12] ساعة يومياً".وبين ان هذا التجهيز جاء بالرغم من استمرار المواطنين بالاستهلاك المفرط للتيار من خلال استعمالهم المدافئ الكهربائية".
 وأضاف المدرس ان "الزيادة في التجهيز بلغت [12] ساعة، حيث ان الوزارة لم تصل الى ذلك منذ سنوات"، مشيرا الى ان "إنتاج المنظومة الحالي بلغ [12100] ميكاواط، في حين بلغ الطلب على الطاقة [14100] ميكاواط".
 
هذا البيان - واترك جانباً ركاكة صياغته -  زاخر بالمغالطات وأستخفاف بعقول المواطنين وتستر على واقع الكهرباء الأليم .
ولكي تكتمل الصورة لا بد ان نرجع الى الوراء قليلا ، ففي عام 1990 وقبيل اندلاع حرب الخليج الاولى  ، كانت القدرة الانتاجية لمحطات توليد الكهرباء تصل الى (12000) ميغا واط   بينما معدل الاستهلاك يصل الى ( 5800 ) ميغا واط  مع حمل ذروة يصل الى( 7500 )  ميغا واط   وبما يلبي احتياجات منظومة الاستهلاك لعدة سنوات قادمة .
 
وقد تعرضت محطات التوليد الى التدمير الجزئي لبعضها  والكلي للبعض الآخر،   ولكن الكوادر الفنية العراقية المؤهلة ، تمكنت من أصلاح كافة محطات التوليد ومنظومة التوزيع خلال فترة قياسية لا تتجاوز العام الوحد .
 
 وكان العراق بعد توقيع مذكرة التفاهم مع الأمم المتحدة في عام 1996 ملزما بتقديم تقارير دورية كل ستة اشهر عن احتياجاته  الى لأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن الرقم 986، لعام 1995؛ المسمى برنامج النفط مقابل الغذاء (   (Oil for Food Program.وهو برنامج كان  يسمح للعراق بتصدير جزء محدد من نفطه، ليستفيد من عائداته في شراء الاحتياجات الإنسانية لشعبه، تحت إشراف الأمم المتحدة. وقد  جاء في آخر تقرير قدمه العراق الى الأمم المتحدة في أواخر عام 2002 " ان انتاج الطاقة الكهربائية قد بلغ( 12000 ) ميغاواط  ، وان الحاجة الفعلية تبلغ ( 15000 ) ميغا واط، ، اعد هذا التقرير في وقت كانت فيه مئات المنشآت الصناعية الحكومية و آلاف المصانع الأهلية تعمل وتنتج وتصدر الكثير من منتجاتها الى الدول الأخرى ، في حين ان كل تلك المنشآت والمصانع متوقفة الآن وقد تحولت الى ( خردة ) كما هو معلوم .
 .  لقد دأبت وزارتا التخطيط والكهرباء الحاليتين - كلما جرى الحديث عن مشكلة الكهرباء - على ترديد رقم آخر لأنتاج الكهرباء في العراق عند سقوط النظام السابق وهو (3409 )  ميغاواط. ويبدو ان من يحمل شهادة دراسية  مزورة يسهل عليه تزوير الأرقام الواردة في وثائق رسمية وتقارير محفوظة في الوزارتين المذكورتين وفي الأمم المتحدة .
 
اما الأدعاء بأن القدرة الأنتاجية لمحطات التوليد حالياً  تبلغ ( 12000 ) ميغا واط  فهو مغالطة مقصودة من دون أدنى شك ، حيث ان ما يستورده العراق من دول الجوار يبلغ حوالي ( 1200 )  ميغا واط  ونسبة الطاقة المفقودة عبر شبكات التوزيع تقدر بـ(3000 ) ميغا واط ، ما يجعل نسبة الطاقة الحقيقية لا تتجاوز (  7800 ) ميغا واط في احسن الأحوال .
 
ادعاء وزارة الكهرباء بان أزمة الكهرباء قد أنتهت وولت الى غير رجعة ، تكذبه الحقائق على أرض الواقع . ففي اليوم نفسه الذي زفت فيه وزارة الكهرباء البشرى السارة الى الشعب العراقي بتجهيز الكهرباء على مدار ( 24 ) ساعة في اليوم  ، أشتكى مجلس محافظة كركوك من تقليص حصة المحافظة من الطاقة الكهربائية بمقدار ( 150 ) ميغا واط ، كما  نقلت ( شفق نيوز ) تصريحا للسيد اركان الطرموز ، عضو مجلس محافظة الأنبار ،  يؤكد فيه إن "المحافظة تعاني من ازمة في الوقود، وأزمة في الكهرباء، وأزمة في المواد الغذائية".
 
ومن اجل الكشف عن عدم دقة الأرقام الواردة في بيان وزارة الكهرباء الأتحادية  ، نقول ان انتاج الطاقة الكهربائية في أقليم كردستان يبلغ حاليا حوالي ( 3400 ) ميغا واط  ،  وهي لا تغطي الأحتياجات الفعلية لـ( 5 ) مليون نسمة ، هم سكان المحافظات الثلاث ،  التي يتشكل منها اقليم كردستان حاليا ً ، فكيف يمكن لـ(7800) ميغا واط أو حتى ( 12000 ) ميغا واط ان يسد احتياجات بقية انحاء العراق ،  التي يسكنها ما لا يقل عن ( 26 ) مليون نسمة.؟
 ومن الواضح ان حكومة بغداد لم تكن لديها في السنوات السابقة ولا تمتلك اليوم خطة مدروسة لتلبية الأحتياجات المتزايدة  الى الطاقة الكهربائية نتيجة للنمو السكاني .
بيان وزارة الكهرباء ضحك على الذقون ودعاية مكشوفة وأوهام  في مزاد الأنتخابات البرلمانية وستكشف الأيام القادمة ، ان مصير هذا البيان لن يكون أفضل من البيانات السابقة حول تصدير الكهرباء ومضاعفة انتاج النفط  وتوفير الخدمات واطلاق الأقمار الصناعية العراقية .
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com


33
المنبر الحر / السلطة الخامسة
« في: 17:26 22/01/2014  »
السلطة الخامسة

                                                                                                                            جــودت هوشـيار
 
المدونات والمنتديات وشبكات التواصل الأجتماعي منابر حرة للتعبير عن الرأي والتواصل مع الآخرين ،  لكل من يتعامل مع الكومبيوتر ولديه أتصال بالأنترنيت ، ووسيلة للنقل الفوري لأخبار الحوادث من مواقعها مباشرة بجميع الوسائل التعبيرية المتاحة على الإنترنت ( نصوص، صور، مقاطع صوتية، مقاطع فيديو ) ، أو بهذه الوسائل مجتمعة . واحيانا يسبق المدون او المواطن الصحفي  وسائل الاعلام التقليدية في نقل الأخبار .
 التدوين وسيلة اعلامية جديدة غير تقليدية لا تخضع للرقابة ولا تعرف الخطوط الحمراء أو التابوهات ، سوى الرقابة الذاتية التي يضعها المدون بنفسه لنفسه ، أو التي تفرضها عليه قوانين بلده .
 
اذن . اين هو الحد الفاصل بين المدونين الهواة ونشطاء الأنترنيت وبين أولئك الذين جعلوا نقل الأخبارمهنة لهم أي الصحفيين ؟ . وهل هذا الحد موجود فعلاً ؟ .
 
لقد جرت ازاحة الصحافة التقليدية عن عرشها  بخطوات تدريجية ولكن متسارعة ومتواصلة .
 قبل حوالي عشر سنوات كان الأنترنيت لعبة غالية الثمن للميسورين ، ولم يكن أحد يتصور بأنها ستكون منافسة جادة للصحافة الورقية والراديو والتلفزيون ، ولكن كلما تطورت تكنولوجيا الانترنيت ،  اصبح الدخول الى الشبكة اسهل واسرع وأرخص وجرى الاعتماد اكثر على  مصدر عالمي جديد للمعلومات لا يحده حدود او رقابة ، ودخلت الصحف والمجلات  وقنوات التلفزيون والاذاعة الى الشبكة بتأسيس مواقع الكترونية لها  . ولكن ظهور مساحات مفتوحة للتعبير عن الرأي في المدونات و المتديات المستقلة ومواقع التواصل الأجتماعي ، اخذت تنتزع شيئاً فشيئاً من وسائل الاعلام التقليدية قسما من الجمهور. وجاء مشروع (web 2.0 ) ليسدد  ضربة أخرى لوسائل الأعلام التقليدية وأخذ يحتل قمة احصاءات المشاهدة على الشبكة العنكبوتية .
 
 وهذا المشروع بتكون من مجموعة من التقنيات والتطبيقات الشبكية الجديدة ،  التي أدت إلى تغيير سلوك الشبكة العالمية وذلك بالسماح للمستخدم  بأمتلاك قاعدة بينات خاصة به على الموقع بالإضافة إلى قدرته على التحكم بها وتزويده بأنظمة تفاعلية تسمح بمشاركته في تفاعل اجتماعي واسع النطاق مع المدونين والمتصفحين الآخرين ، وميزات أخرى عديدة لا نرى حاجة للخوض فيها .
 
بظهور هذه التقنيات اهتزت الصحافة التقليدية ، وكأنها أنتقلت الى المرتبة الثانية . وهي تحاول اليوم التعويض عن خسائرها بأستمالة الجمهور بوسائل شتى ، مما حدا بكثير من منظري الأعلام والعاملين فيه طوال السنوات العشر الماضية ،  الى التنبؤ بأنتهاء عصر الصحافة الورقية وموتها التدريجي خلال العقود القريبة القادمة وبزوغ فجر الوسائط المتعددة.
ولكننا لا نعتقد بأن هذه التنبؤات سوف تتحقق بحذافيرها وبالسرعة التي يتصورها البعض، لأن الصحافة التقليدية عصية على الموت ،  وأخذت تتكيف مع الواقع الأعلامي الجديد بوسائل شتى ، منها الأنتقال الى الشبكة العنكبوتية كلياً او اصدار نسخ الكترونية بموازاة نسخها الورقية أو التحول الى صحافة مجانية تعتمد على الأعلانات في ديمومتها او التحول الى صحافة التابلويد ، التى ما زالت تلقى هوى ورواجاً  لدى القراء .
واذا كانت الصحافة التقليدية فقدت بعض مواقعها ، فهل هذا يعني ان التدوين سيحل محلها وهل يستطيع المدون ان يحل محل الصحفي المهني ؟ . وما الفرق الرئيسي  بين التدوين والصحافة.؟
 
 التدوين هواية لمعظم المدونين  ومهنة لعدد جد قليل منهم لحد الآن .
المدون لا يحتاج الى دراسة الصحافة كما هو الحال بالنسبة الى الصحفي المحترف . اي شخص يمكن ان يكون مدوناً . بصرف النظر عن امتلاكه الحد الادنى من  موهبة الكتابة والقدرة على التعبير السليم الطلق عن آرائه  . كل ما يحتاجه  هوالاشتراك في احد المواقع التي تتيح المجال للمدونين بالكتابة والبدأ بكتابة شيء ما بين آونة وأخرى  ، لأن المدونة ليست سجل مذكرات او يوميات عادية بل نشرات الكترونية غير دورية، والأمرالمهم هنا هو ان يكون ما يكتبه المدون متاحا لمتصحفين آخرين . ولا يمكن أعتبار من يكتب لنفسه فقط  مدونا ً .
 
المدونة شكل اعلامي غير تقليدي والمدون من الناحية العملية حر في ما ينشره ولا يمكن التحكم فيه أو توجيهه أو فرض أي قيود عليه .
 
ولا يلتزم المدون بجدول زمني معين لأوقات الكتابة فهو يكتب في أي وقت يشاء ، ولا احد يفرض عليه شروطا او يقيّم محتوى المدونة . واذا كانت هناك تعليقات على ما يكتبه فأن له الخيار في نشر أي تعليق أو حجبه ،  أما الصحفي المهني فأنه ملزم بمراعاة المواعيد الدورية لصدورالصحيفة التي يعمل فيها ، وتنفيذ التوجيهات الصادرة اليه من رئاسة تحرير الصحيفة .
 
المدون غير ملزم بالكتابة وفق شكل معين او التفكير بسلامة لغته واناقة اسلوبه , ولا يسأل عن محتوى ومصداقية  ما يكتبه . وهو حر في سرد كل ما يحلو له ، وحتى فضائح او وقائع لم تثبت صحتها.
المدون يمكن ان يصرف وقتا طويلا في التدوين ولكنه حتى وان تطرق الى موضوع  اجتماعي مهم فأنه يفعل ذلك بمحض ارادته ، لأن لا احد يدفع له مالا لقاء عمله وهو ينغمس في التدوين لان ثمة هاجس شخصي يدفعه لنشر ما يهمه ويشغل باله  من اجل اطلاع الآخرين عليه ويحس بالمتعة من  وراء ذلك .
 
اما الصحفي فأن عليه ان يثبت قدراته المهنية وان يكون لديه تحصيل دراسي في الصحافة  ومعارف اساسية في المجال الذي يعمل فيه . صحيح اننا نجد في صحافتنا وصحافة البلدان الأخرى ،  العديد من أبرز الصحفيين ، الذين، لم يتلقوا تحصيلا دراسيا في مهنتهم ومع ذلك  أصبحوا صحفيين مشهود لهم بالكفاءة والمهنية العالية ،  ولكن هذه الحالات تظل استثناءا من القاعدة . الصحفي  الحقيقي حتى لو لم يكن حاصلا على شهادة في مهنته فأن لديه في معظم الأحيان شهادة دراسية في تخصص ما وقابلية  للكتابة الصحفية بمستوى جيد .. ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال ان أي شخص حاصل على شهادة جامعية في تخصص آخر يصلح ان يكون صحفيا ً . لأن الصحفي ينبغي له ان يمتلك أضافة الى الشهادة ، ما اسميه ب(هاجس الصحافة) وعندما يتوفر عنده هذا الهاجس الدائم فأنه يكتسب مهارات كتابية بالجهد والتعب من خلال تجربته الطويلة في العمل الصحفي  .
 
 ولكن اذا كان الشخص بطبيعته ضيق الأفق ومتواضع الثقافة  أو لا يستطيع شرح افكاره  بيسر أو الكتابة بوضوح وسلاسة وايجاز او غير قادرعلى التعامل المرن مع الناس من اجل الحصول على المعلومات المطلوبة للمعالجة الصحفية  او لا يبدي  اهتماماً بكل ما هو مهم وممتع في هذا الكون ، فأنه لن يكون صحفيا ناجحا ً .
 
العمل الصحفي في  العصر الرقمي يفرض على الصحفي ليس فقط ان يكون مثقفاً ، واسع المعرفة ولكن ينبغي له ان يعرف لغة اجنبية واحدة في الأقل و يتقن التعامل مع الكومبيوتر والأنترنيت .
 
الصحفي -  بخلاف المدون -  ليس حراً في الكتابة عن أي موضوع يخطر بباله أو عن  أي قضية يشاء ( ربما بأستثناء كتاب الأعمدة الصحفية ولكن حتى هؤلاء يلتزمون في العادة بسياسة الصحيفة ولا يحاولون تجاوزها ).
 
 الصحفي يعمل في حقل او قسم معين أو يكلف بأجراء حوارات  او القيام بتحقيقات صحفية محددة  وغير ذلك من أشكال العمل الصحفي وهي كلها تتم بتكليف من رئاسة تحرير الصحيفة التي يعمل فيها والتي تحدد الموضوعات المهمة او الساخنة ، التي ينبغي تغطيتها في العدد الجديد .
 
ثم ان الصحفي مسؤول عما يكتبه وعن مصداقية المعلومات التي يتضمنها المادة المنشورة . وهو مسؤول ليس فقط امام الوسيلة الاعلامية التي يعمل فيها بل ايضا امام القراء  وامام الناس الذين يتحدث عنهم في ما ينشره .
 
 بطبيعة الحال فأن من حق الصحفي ان يكون له رأيه الخاص ،  ولكن ينبغي له ان يكون موضوعيا في كتاباته ، ولا يحق له ان يؤكد شيئا او يتهم احدا جزافا . كل الاستنتاجات التي يتوصل اليها ينبغي ان تكون مدعومة بالحقائق و الادلة . أي اهمال او عدم جدية في تنفيذ مهامه يكلفه والصحيفة التي يعمل فيها غالياً. والحديث لا يدور عن الاضرار المعنوية فقط بل الاضرار المادية ايضا . حيث ان اي شخص يعتبر ما نشرعنه مساسا به ، يمكن ان يقاضي الصحفي ورئاسة تحرير الصحيفة  ويربح الدعوى وتحكم له المحكمة بتعويض مالي كبير .
 
يتضح مما تقدم  ، ان الصحفي اقل حرية من المدون .و يبذل جهودا أكبر ولديه التزامات وعليه مسؤوليات اجتماعية واخلاقية ، لذا فأن من حق الصحفي أن  يستلم راتبا او اجرا لقاء عمله ، والذي قد لا يتناسب دائما مع الدور الذي يلعبه في المجتمع ,
 
الصحفي الحقيقي  يتعلم مهنته طوال حياته والصحافة بالنسبة اليه ، أكثر من مهنة  ، أنها رسالة .
وصفوة القول ان الصحافة مهنة والتدوين هواية  .  المدون يمكن ان يتوقف عن الكتابة بمحض ارادته ، اما الصحفي فقلما نجد صحفيا متقاعدا لانه يكتب مدى الحياة .
ومن الطريف ان نذكر ملخصا عن  بعض السجالات التي دارت على المدونات ومواقع التواصل الأجتماعي بين المدونين الهواة والصحفيين المهنيين .
يعتقد الصحفي ان المدون يجهل اساسيات مهنة الصحافة  وان ما يدونه لا تتوفر فيه شروط المعالجة الصحفية الصحيحة ،   أما المدون فأنه  يعتبر الصحفي موظفا لدى مالك الصحيفة أو تابعاً لصانع القرار  الرأسمالي أو السياسي..، أي ان أحدهما لا يعترف بالآخر ، وهذا أمر مؤسف ، لأن التعايش بين صحافة المدونات والصحافة الأحتراقية المهنية يسمح للجمهور الحصول على معلومات شاملة  أكثر اكتمالا عن الأحداث .
 
 التدوين والصحافة وجهان للأعلام المعاصر واذا حذفنا احدهما لأصبح الأعلام أفقر وأقل حيوية وتفاعلاً  الى حد كبير .
قد يكون للصحفي مدونته الخاصة التي ينشر فيها ما لا يستطيع نشره في الصحيفة التي يعمل بها ، فقد أستخدم صحفي مخضرم مدونته  للتفوق على صحيفته. ففي الندوة التي عقدت مؤخرا في المركز الصحفي لمجلس الأتحاد الأوروبي في بركسل تحت عنوان " أثر وسائل الأعلام الأجتماعية في الصحافة " قال الصحفي جان كواتريمرالذي يعمل مراسلا  لصحيفة ليبراسيون الفرنسية في بوكسل : " أستطيع أخذ مواد ونشرها على مدونتي ، ثم في الفيسبوك وتويتر ، لأثبت لصحيفتي أن الناس يرغبون بالقراءة حول هذا الموضوع ."
وأضاف كواتريمر أن مدونته ألهمت في بعض الأحيان صحيفته على نشر مقالات عن مواضيع كانت الصحيفة قد رفضتها أولا .كما ان التفاعل مع القراء والمعلقين على المدونة يعطيه افكارا لمقالات ويساهم في عمله .
 
اذا كانت صاحبة الجلالة الصحافة سلطة رابعة تراقب وتقيّم أداء السلطات الثلاث الأخرى وتنشر ما يسهم في تطوير هذا الأداء وتنقل المعلومات التي تهم المجتمع ، فأن التدوين قد أصبح بحق سلطة خامسة تراقب السلطات الأربع مجتمعة بصراحة وشفافية وجرأة .
 
جــودت هوشـيار
jawhoshyar@yahoo.com


34
في مشقة الكتابة .... وطقوسها

                                                                                                                       جــودت هوشـيار
 
" الورق لا يستحي"  مقولة تنسب الى الكاتب والخطيب الروماني  شيشرون ( 43 – 106 ق.م.) كما وردت في رسائله " الى الأصدقاء "، بمعنى ان المرء يمكن أن يكتب على الورق ما يستحي أو يشعر بالحرج من التعبير عنه شفهيا . وفي موضع آخرمن هذه الرسائل جاءت المقولة بصيغة  " الورق يتحمل كل شيء "  أي أن الورق يتقبل كل ما يكتب عليه :  ألغث والسمين ، اوالجيد والرديء . في مقالنا هذا سنتحدث عن مشقة الكتابة الرصينة الجادة وطقوسها ، ذلك لأن الكتابة الرديئة لا تتطلب مشقة أو جهداً كبيراً .
 
متي يأتي النضج الفني :
 
يعتقد البعض ان الكتابة عمل سهل يمكن ان يمارسه  أيّما شخص كان ، ولكن عندما يوغل في تجربة الكتابة ويزداد وعيا بها ,خاصة اذا كان يدرك خطورة الكلمة ومسؤوليتها ،  فأنه يتأنى ويتباطأ في سكب كلماته على الورق بشكل تلقائي بعد ان يكتشف أن الكتابة الجادة ليس بالأمر الهين ، بل عمل شاق يزداد صعوبة ومشقة كلما ازداد خبرة الكاتب ومعرفته بأسراره بمضي الزمن وان الكتابة المزاجية السهلة ، غير الجادة ، تكون سطحية في معظم الأحيان  ولا قيمة حقيقية لها ، لذا يجهد نفسه  لكي ينتج نصّا جيدا وتاضجا  .
 
 كان انطون تشيخوف ( 1860 – 1904 م )  في بداية حياته الأدبية يعمل طبيبا في القرى والأرياف  ويتنقل طوال اليوم ،  من قرية الى أخرى لمعالجة مرضاه ، ويقطع مسافات طويلة في طرق غير معبدة ، وحين يعود في المساء الى بيته وعائلته مرهقا ، يأخذ قسطا من الراحة ، ثم يتحين الفرص للجلوس الى طاولة الكتابة ليكتب بسهولة ويسر ،  ودونما جهد أوعناء قصصا ساخرة وينشرها في المجلات الفكاهية  تحت أسماء مستعارة ومنها أسم ( أنتوشا تشيخونتي.
 
 وقد أعترف تشيخوف في ما بعد ،  أنه كان يكتب قصة فكاهية واحدة كل ليلة .  وقد جمع هذه القصص القصيرة  ونشرها في كتاب صدرعام 1884 بأسمه المستعار ( أ. تشيخونتي ) وليس بأسمه الحقيقي  . وكان العديد من النقاد  قد نصحوه عدم تبديد موهبته الفذة في نتاجات خفيفة لا ترقي الى مستوى الأدب الرفيع ولن تصمد أمام الزمن.  وأقترحوا عليه تأليف رواية أو قصة طويلة جادة ، اذا أراد البقاء لكتاباته .  ولكن تشيخوف مضي يكتب أقاصيصه ولكن في الوقت نفسه دأب على أستخلاص الدروس من تجربته الأبداعية . وعندما أقتنع بقيمة ما يكتبه ، أخذ ينشرنتاجاته بأسمه الحقيقي   أنطون تشيخوف  .
 
 ،  و بعد عدة سنوات  ، عندما ظهرت أولى رواياته الناضجة فكراً وفناً ، ونال أستحسان النقاد  كتب الى صديق له يقول : "  حسناً فعلت حين لم استمع الى نصائح النقاد ، لأن النضج الفني لا يأتي حسب رغبة الكاتب ، بل بالنضج التدريجي ."
 
حقاً ان الكاتب - أي كاتب – لا يتعلم من تجارب الآخرين بقدر ما يتعلم من تجربته الشخصية
  ومر الروائي والكاتب المسرحي الفرنسي  الكسندر دوماس  (1802- 1870 م) والكاتبة الأنجليزية  أغاثا كريستي ( 1890) -1976م ) وعشرات غيرهما من مشاهير الكتاب بتجارب مشابهة لتجربة تشيخوف الأدبية ،  لأن العمل الأبداعي كدح ومعاناة وعملية بناء تحدث على مهل ينجزها الكاتب وحيدا في خلوته .
الهام وصنعة :
 
يقول الكاتب الفرنسي ستندال (1783- 1842م )  : " لم أبدأ الكتابة الا في عام 1806 ، حين احسست في نفسي العبقرية . لوكنت قد افضيت الى انسان راجح العقل بخططي الأدبية ونصحني : " اكتب يوميا لمدة ساعتين ، سواء كنت عبقريا أم لا " عندئذ لم اكن قد  اهدرت عشر سنوات من حياتي في انتظار الألهام . "
 
مقولة ستندال صحيحة الى حد كبير ولكن لا بد من هاجس يحرك العملية الأبداعية كلها من بدايتها. ان بذرة الكتابة أو النص وشحنته الأولى، قد تأتي المبدع في أي وقت، وفي أي مكان، وليس في موعدٍ محدَّد وفي طقوس معينة، ثم بعد ذلك يأتي دور الصنعة في تعديل النص وتهذيبه وتشذيبه وصولا الى صيغته النهائية .
 
وبصرف النظر عن الأسم الذي نطلقة على ( الهاجس ) أو ( الدافع ) الذي يقف خلف احساس الكاتب الداخلي ، أعتقد أن من الصعب أن  يبدأ الكاتب بالعمل اذا لم تكن ( فكرة ما )  قد استولت على تفكيره ويتلهف للتعبير عنها وتجسيدها. أو لديه الرغبة في الكتابة عن موضوع ما في الأقل . والحق ان لكل كاتب طريقته في العمل ، منهم من لا يبدأ العمل الا وقد استحضر في ذهنه فكرة ما  ، وآخر يجلس الى منضدة الكتابة وهو خالي الذهن من أي أفكار مسبقة . ولكن تجارب كبار الكتاب تثبت أن 90% من الكتابة الأبداعية صنعة يتم أتقانها بالمران والممارسة الطويلة ، والشخص الذي يهرب من عمله لعدم وجود  ( الهام )  يخدع نفسه بنفسه .
 
وقد عرف الكاتب الأيطالي البرتو مورافيا ( 1907 – 1990م ) مورافيا بأنضباطه الصارم ويقول في هذا الصدد  : " منذ فترة طويلة جدا وانا اكتب كل صباح بالطريقة نفسها التي انام فيها وآكل يوميا . لقد أصبحت الكتابة جزءا عضويا في ايقاعي البيولوجي " 
 
كان الكاتب الأنجليزي  انطوني ترولوب (1815 ـ 1882م) يكتب يوميا عددا محددا من الكلمات . أما الكاتب والمسرحي والفيلسوف البلجيكي موريس ميتيرلنك ( 1862 – 1949 ) فقد كان يجلس وراء منضدة الكتابة صباحا  في ساعة معينة يوميا ولم يكن يغادرها الى منتص النهار ، حتى اذا لم بستطع كتابة  جملة واحدة . الروائية الفرنسية جورج صاند ( 1804 – 1876م )  كانت تعمل لمدة 8 ساعات يوميا .
 
العمل اليومي المنظم يتطلب تنظيم مكان العمل ( المكتب ) بشكل صحيح . يمكن الكتابة صباحا أو مساءءاً . يمكن الكتابة وراء طاولة او متكئا على أريكة  .، في مكان محدد أو في أي مكان آخر . وعموما فأن لكل كاتب طريقته في العمل . منهم من يعمل بشكل يومي منتظم ، ويواصل عمله الي حين الأنتهاء منه ومنهم من يعمل على نحو متقطع حسب الوقت المتاح لديه او عندما ينتابه الهاجس مرة أخرى .
 
يقول المفكر الفلسطيني العالمي الراحل أدوار سعيد ( 1935 – 2003 م )  أن كتابه المشهور    " الأستشراق " هو الكتاب الوحيد الذي أنجزه بنفس واحد ، ولا يعني النفس الواحد هنا أنه انجز الكتاب بجلسة واحدة ، بل ان الموضوع لم يفارقه خلال أكثر من عام من العمل اليومي المنظم ، ولم يشغل ذهنه خلال كتابته بموضوع آخر.
 
 وثمة كتاب آخرون لا يمكنهم مواصلة العمل على هذا النحو المنظم . بعضهم يتوقف فجأة عندما يصطدم بعقبة ما  ولا يستأنف الكتابة في موضوعه الا بعد فترة طويلة . ولعل خير مثال على ذلك  هو الكاتب الأميركي الساخر مارك توين ( 1835 – 1910م) .  فقد كان يبدأ كل كتاب من كتبه في فورة حماس وعندما ينجز ربع الكتاب يصطدم بعقبات ويجد مشقة في مواصلة الكتابة ويتوقف لمدة 5-6 اعوام ينشغل خلالها بكتابات أخرى ،  ثم يرجع بعد هذه الفترة وبحماس أيضاً  لاستكمال ما تبقي من  الكتاب .  وعندما كان يخرق هذه القاعدة احيانا  تحت الحاح الناشرين ويضغط على نفسه من اجل مواصلة الكتابة نرى ان بداية الكتاب رائعة  وعندما نمضي في قراءة بقية الكتاب نشعر بأنها ليست ممتعة ومحكمة مثل بداياتها ولا ترقي الى المستوى الذي نعرفه عن توين .
 
طريقة عمل أي كاتب يتوافق مع خصائصه السيكولوجية ولا يمكن تعميم تجربة اي كاتب على اي كاتب آخر .
 
اهمية التركيز في العمل :
 
التركيز امر في غاية الأهمية لأي عمل كان وخاصة  للعمل الفكري أو الأبداعي . اذا كانت بيئة العمل في أي مهنة أخرى -  يتلقي فيها المرء التوجيهات من رؤسائه -  تساعد على التركيز على العمل المكلف بأدائه ولو كان هذا العمل كتابياً . أما الكاتب فأنه ينشد الخلوة والأنعزال عن الآخرين من أجل التركيز الذهتي الأندماج الكامل في العمل والأنغماس فيه ، وهو يتمتع بحرية واسعة ،  حيث لا أحد يوحهه او يحدد له وقت أنجاز العمل ، وربما هنا يكمن سحر العمل الأبداعي أو الفكري .
 
كتب فرانز كافكا ( 1880 – 1924م )  ذات مرة في يومياته يقول : " إن كل ما كتبته في حياتي انما هو نتاج الوحدة".   ولكن لكي تكون هذه الوحدة مثمرة على الكاتب تجنب الأنشغال بأمور جانبية لا علاقة له بصميم عمله . بعض الكتاب يلجأ الى غلق الراديو والتلفزيون في أثناء الكتابة  وعدم الأنشغال بالأنترنيت – وليس غلق  الكومبيوتر الذي أعتاد معظم الكتاب اليوم على أستخدامه في الكتابة -  أو بأستقبال الضيوف . الكتب أيضا يمكن أيضا أن  تعرقل العمل اذا كانت لا تمت بصلة للموضوع . كما ان كل ما يحتاجه الكاتب  ينبغي ان يكون تحت يديه . ومن الأهمية بمكان تنظيم مكان العمل .  شاهدت في متحف تولستوي في ( ياسنايا بالانا )  الغرفة التي كان يكتب فيها الكاتب العظيم  روائعه الخالدة : طاولة وكرسي وحزمة أوراق وأقلام  وكتب يستعين بها كمصادر لموضوعه ولا شيء آخر على الأطلاق .
 
ليس ثمة ما يعرقل عمل الكاتب مثل الصراع مع الوقت . ويقول الكاتب فيليب كلوديل  ( 1962 - )  " أكتب في أوقات أو في أمكنة قد لا تخطر على بال أحد. لا يهمني أن اؤمن طقوس الكتابة فقط بل يجب أن أكون في وضع نفسي يحملني على الكتابة: في المنزل، في الطائرة والأهم أنني لا أكون أعيش صراعاً مع الوقت، بل أكون خارج كل توقيت."
 
طقوس وعادات الكتابة :
 
 لكل مبدع طقوسه الخاصة ، التي تضعه في جو الكتابة ومناخها . كان مارسيل بروست (1871- 1922م )  حريصا على العزلة والهدوء التام  . جدران مكتبه كانت مغطاة بالفلين ،  وحتى في مثل هذه العزلة التامة كان عاجزا عن العمل خلال ساعات النهار خشية الضوضاء ، ويقال أنه أستأجر ذات مرة عدة غرف متلاصقة في أحد الفنادق لكي لا يتسرب اليه أصوات الجيران .
غوتة كان ثريا وقد حول قصره المنيف الى متحف : اثاث فاخر و تحف نادرة ورياش غالية ولكن غرفة الكتابة كانت تبدو متواضعة للغاية ولم يكن فيها ما يشتت أفكاره أو يصرف انتباهه
عن الكتابة .
وقد أعتاد كل من كان كارل ماركس ( 1818 – 1883م) وفلاديميرلينين ( 1970 – 1924م )  الكتابة وهما غارقان في أفكارهما في المكتبات العامة حيث تتوفر المراجع و الأجواء المناسبة للعمل في هدوء ودون مقاطعة  ولا يزعجمها أي شيء .
 
اناتول فرانس ( 1844 – 1924م )عندما كان يكتب كتابه ( جان دارك ) أحاط نفسه بعدد كبير من الأشياء من القرون الوسطى وبعد انجاز الكتاب بدت له هذه الاشياء كريهة الى درجة انه طلب من اصدقائه ان يساعدوه في التخلص منها . وخلال كتابة رواية ( تاييس )  كانت غرفته اشبه بـ (متحف للثقافة القديمة ) حيث كانت ثمة كتب نادرة وتحف ومقتنيات اخرى قيمة  وكان يمكنك تصور العالم الذي يعيش فيه بمجرد دخولك الى مكتبه .
 
اماعالم النفس السويسري كارل يونج ( 1875 - 1961م)  فقد كان يكتب على ضوء الشموع المعلقة على جمجمة بشرية . ان العمل الأبداعي محاط دائما بأنواع من الطقوس والعادات التي تتلائم وطبيعة الكاتب واسلوبه في العمل .
 
جــودت هوشـيار
jawhoshyar@yahoo.com


35
المنبر الحر / من هو الصحفي ؟
« في: 23:03 23/12/2013  »
من هو الصحفي  ؟

                                                                                                                           جودت هوشيار
 
قد يبدو هذا التساؤل ساذجاَ في نظر البعض ومستغرباَ في نظر البعض الآخر . ولكن أرجو من القاريء ان لا يسارع الى اصدار حكمه و يسمح لي بأن أبدي رأياَ قد لا يوافقني عليه الصحفي الذي يعتقد ،  ان مهنة الصحافة هي سيدة المهن ولا تدانبها أي مهنة أخرى . و دعنا نتساءل أولاَ ،، ماهي الوظيفة الأساسية للصحفي(1)  ؟ وهل هي أكثر أهمية من سائر الوظائف والمهن الأخرى ؟
 
المهندس يصمم وينفذ أبنية جديدة لشتى الاغراض من أبسط  بيت سكني الى اعلى برج أو ناطحة سحاب أو يصنّع منتوجات جديدة أو يبتكر الات أو أجهزة تخدم الأنسان  ، والطبيب يعالج المرضى ، والمعلم يعلّم ويربى الجيل الصاعد ..الخ . أذن ما هي وظيفة أو مهمة الصحفي بصرف النظر عن الوسيلة الأعلامية التي يعمل فيها ؟
 
الوظائف والخدمات التي تنهض بها الصحافة و المهام التي يؤديها الصحفي - المواكب للتطور الأعلامي المتسارع في العالم -  تتوسع يوما بعد آخر ،الا أننا يمكننا القول ان الوظيفة الأساسية للصحفي والتي تغطي كل ما يتبادر الى الذهن من وظائف و مهام وخدمات ،  هي العمل كوسيط  بين المجتمع وبين مصادر المعلومات عن هذا المجتمع وما يحدث فيه  , أي أن مهمة الصحفي هي جمع ونشر المعلومات عن الأحداث الراهنة ، والاتجاهات وقضايا الناس وعمل ريبورتاجات و تقارير لنشرها او إذاعتها في وسائل الإعلام المختلفة مثل الصحف والمجلات الورقية والألكترونية  والتلفزيون والإذاعة. وبتعبير آخر ان يسرد  للناس عن أنفسهم وكل ما له اهمية في حياتهم او ما يثير اهتمامهم . و قد يتساءل البعض لماذا على الصحفي ان يفعل ذلك  ؟ فنقول ، لأن المعلومات الصادقة يساعد الناس في تشكيل آرائهم واختيار توجهاتهم في الحياة . وتجنب ارتكاب الأخطاء يقدر الأمكان وتحقيق النجاح . ولكن، لماذا يعتبر الصحفي وسيطاّ ؟
صحيح ان الصحافة هي مهنة المتاعب أحيانا عندما يتعلق الأمر بتغطية الأحداث الساخنة ميدانيا أو العمل في مجال الصحافة الأستقصائية . ورغم ان بعض الصحفيين يميل الى المغالاة في تقييم دوره في المجتمع  بالقول أنه حامل رسالة سامية أهم من أي رسالة أو مهنة أو وظيفة أخرى . ولكن في واقع الأمر فأن المهمة الأساسية للصحفي هو الحصول على المعلومات ومعالجتها وتقديمها أو عرضها للقراء أو المستمعين أو المشاهدين عل شكل نتاج اعلامي وفق شروط  وخصوصيات الوسيلة الأعلامية التي يعمل فيها.
 
ومن أجل استجلاء المهام التي يقوم بها الصحفي – حسب مجال عمله – لا بد من دراسة الوظائف الأساسية للصحافة أو وسائل الأعلام  في المجتمع ،  مما  يساعد على فهم اوضح لدوافع اطلاع المتلقي على ما تقدمه الصحافة .
 
في عام 1948 حدد  هارولد لاسويل ( lasswell) (2)  ثلاث وظائف  اساسية تقوم بها وسائل الاعلام في المجتمع .
أولاَ- ابقاء الجمهور على علم بالتطورات من خلال مراقبة البيئة المحيطة .
 
ثانياَ –عرض الاجزاء المختلفة للبيئة المحيطة والذي يساعد المستهلكين على فهم بنيتها ككل ويتيح لهم ربط  تلك الاجزاء وتكوين صورة اوضح لتلك البيئة .
 
ثالثا –نقل التراث الاجتماعي الى الاجيال الجديدة من المستهلكين ، وهي وظيفة في غاية الأهمية ، لأنها السد المنيع امام الغزو الثقافي أو فرض اسلوب حياتي خارجي على مجتمع معين يتناقض مع تراثه الأجتماعي وهويته الثقافية .
 
وقد أشار عدد من الباحثين الغربيين الى وظائف أخرى مثل التوجيه والتوعية والترويج للسلع والخدمات التجارية  ( الوظيفة الأعلانية ) .ولا نريد الأسترسال في عرض هذه الآراء  ، بل نفضل تلخيصها في الوظائف الرئيسية التالية :
 
1 – الوظيفة الأعلامية والأخبارية :
 
 تزويد المتلقي بالأخبار والتقارير عن الأحداث المحلية والخارجية مع مراعاة معايير الموضوعية والأمانة. وهذه الوظيفة لم تعد حكرا على الصحافة التفليدية ، بل ان الصحافة الرقمية الجديدة أسرع في تقديمها - مجانا في معظم الأحيان - وبالصوت والصورة قي آن واحد
 
2 – الوظيفة التنويرية أو ﺍﻟﺘﻮﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻮﺟﻴﻪ :
 
 تقديم جوانب شتى من المعرفة والآراء و الأتجاهات الفكرية والسياسية  ووجهات النظر التي تساعد القاريء على  تثقيف ذاته وزبادة معلوماته في شتى المجالات .
 
3 – ﻭﻇﻴﻔﺔ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺮﻓﻴﻪ :
 
. وهي وظيفة مهمة تدل على ان العديد من افراد المجتمع يستخدم وسائل الاعلام  للأستمتاع والترويح عن النفس ووسيلة لتحقيق التوازن النفسي والعقلي لهم .
 
 الترفية والتسلية هي الوظيفة الرئيسية ،  وربما الوحيدة لـ( الصحف الشعبية) وصحف ( التابلويد) ، ناهيك عن(الـصحف الصفراء) ولكن هذا لا يعني ان هذه الوظيفة تقتصرعلى هذه الأشكال من الصحافة الخفيفة ،  التي لا تتطلب جهدا ذهنيا من المتلقي ، بل ان الصحافة الجادة والرصينة تقدمها أيضاً ولكن بجرعات محددة لا تغطي على وظائفها الأعلامية والتنويرية .
 
4 – الوظيفة الأعلانية  :
 
 وهي الوظيفة الرئيسية للصحافة التجارية ( الأعلانية ) أو لللقنوات التلفزيونية الترفيهية  ، التي تسعي لتحقيق اقصى ما يمكن من مردودات مالية . واحدى وظائف الصحف الرصينة
ففي ظروف اقتصاد السوق ، لا يمكن لأي صحيفة مثلاً  أن تعيش الا اذا كانت  تلقى الرواج ولها موارد كافية من الأعلان الذي ﻳﺴﻬﻢ ﻓﻲ ﺗﻐﻄﻴﺔ ﺗﻜﺎﻟﻴﻒ أصدارها ، ﻟﺘﺼﻞ ﺍﻟﻲ ﺍﻟﻘﺎﺭﺉ ﺑﺴﻌﺮ ﻳﻘﻞﻋﻦ ﺗﻜﻠﻔﺘﻬﺎﺍﻟﻔﻌﻠﻴﺔ. ولولا الأعلان لأختـفى من الوجود معظم الصحف والقنوات التلفزيونية الخاصة غير المدعومة مالياّ من الدولة أوأي جهة أخرى .
 
ولكن أداء أي وظيفة من هذه الوظائف أوالعمل الصحفي يتطلب جمع المعلومات ومعالجتها بموضوعية وأمانة وشفافية  ومن ثم تقديمها كنتاج صحفي في نمط معين من أنماط الصحافة
 
العمل الصحفي الحقيقي يتطلب موهبة و أحيانا شجاعة عند التغطية الميدانية للأحداث في المناطق الساخنة او القيام بتحقيقات صحفية أستقصائية. ومع ذلك فأن مصطلح " الصحفي " مرن ورحب .فالمذيعة التي  تقدم عرضا لحالة الطقس أو أسهم الشركات أو أخبار الرياضة  من حقها ان تقول انها صحفية أيضأ ، فالمهنة الصحفية واسعة متنوعة المجالات والتخصصات والأشكال .
ولكن ماذا عن مصطلح " السلطة الرابعة " التي تطلق على الصحافة ؟
 
حقا ان من الصعوبة بمكان ان تتناغم السلطة مع دور الوسيط  . وارى ان سلطة الصحفي ووسائل الاعلام عموماً هي التأثير في الرأي العام والأسهام في تشكيله و النفاذ الى قلوب وعقول الناس و يا لها من مهمة نبيلة . ولكن لا ينبغي بأي حال من الأحوال للصحفي ان يفهم مصطلح " السلطة" بالمعنى الفعلي للكلمة . لأن الصحفي لا يمتلك سلطة أو أليات من أجل تحويل كلماته الى أمر واقع .
 
الهوامش :
 
(1)   المقصود بمصطلح ( الصحفي ) هنا ، المعنى الواسع له أي الذي يمارس العمل الصحفي في أي وسيلة من وسائل الأعلام ..
 
(2)   هارولد دوايت لاسويل (Harold Dwight Lasswell) عالم اجتماع أمريكي (13 فبراير 1902-18 ديسمبر 1978) درس تأثير أجهزة الإعلام على تكوين الرأي العام,


36
ظاهرة نيلسون مانديلا

                                                                                                                             جودت هوشيار
 
تحول نيلسون مانديلا الى اسطورة حية ،عندما كان ما يزال على قيد الحياة و قبل رحيله بمدة طويلة ، وهذه حالة نادرة في التأريخ البشري تستحق الوقوف عندها طويلاً ,
 
 زعماء العالم من الولايات المتحدة الأميركية الى الصين ومن بريطانيا الى اليابان ، ومن كندا الى روسيا و كثيرون غيرهم من  القادة والزعماء والمفكرين نعوا نيلسون مانديلا  كشخصية فريدة وظاهرة لن تتكرر في هذا العصر وربما حتى في العصور اللاحقة .
 
مانديلا لم يكن وطنيا ومناضلا عنيدا وحسب -  أسهم بقسط وافر في القضاء على نظام " الأبارتهيد " وانقاذ شعبه من براثن التمييز العنصري  الظلم والبؤس والشقاء -  بل أيضا زعيما سياسيا أخلاقيا تحلى بأسمى الصفات الأنسانية في زمن غابت فيه الأخلاق عن السياسة ، فلم تسكره نشوة الأنتصار للأنتقام من جلاديه ، بل انه بذل أقصى جهوده بعد وصوله الى السلطة في الدعوة الى قيم التسامح ونبذ الكراهية والمصالحة  في تناغم لم تعهده البشرية من قبل .
 
تخلى مانديلا عن السلطة و أعتزل السياسة بمحض أرادته وهو في أوج شعبيته وبعد أن حقق لبلاده وشعبه انجازات كبيرة في شتى جوانب الحياة . . فعلى سبيل المثال لا الحصر تم خلال فترة حكمه بناء ( 500 ) مستشفي وأكثر من  ( 750 ) ألف دار سكنية  . وبفضل انجازاته الأقتصادية واصلاحاته الأجتماعية ونضاله ضد سياسة التمييز العنصري حصل مانديلا على الأعتراف به كزعيم اصلاحي من طراز فريد على المستويين المحلي والعالمي .
 
ولد مانديلا في عام 1918 وتخرج في كلية الحقوق بجامعة جنوب افريقيا عام 1942 وانضم الى المؤتمر الوطني الأفريقي عام 1944 وتدرج في السلم الحزبي حتى اصبح بحلول عام 1949 احد قادة الحزب المرموقين واشتهر بنضاله الدؤوب ضد سياسة الفصل العنصري .اعتقل مانديلا في عام  1962وحكم عليه بالسجن سبع سنوات ، بيد أنه لم يتوقف لحظة عن النضال حتى من وراء اسوار السجن . وقد أتهمته السلطات بقيادة المقاومة الشعبية والكفاح المسلح واعيدت محاكمته مجددا  فصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد عام 1964 .
 
اكتسب مانديلا خلال فترة سجنه شهرة واسعة ونظمت في جمهورية جنوب افريقيا وفي ارجاء العالم حملات جماهيرية واسعة النطاق تطالب باطلاق سراحه واصبح بطلا قوميا ورمزا لكفاح الأغلبية السوداء في بلاده ، وقد أضطرت حكومة " دي كليرك " تحت ضغط المقاومة الشعبية والرأي العام العالمي الى اطلاق سراح مانديلا في 11 / 2 / 1990. وبعد خروجه من السجن بحوالي شهر واحد انتخب نائبا لرئيس الحزب ، ثم رئيسا للحزب في ايلول عام 1990 .
 حصل مانديلا في عام 1993 على جائزة نوبل للسلام ، وفي عام 1994 أنتخب رئيسا لجمهورية جنوب أفريقيا بأغلبية ساحقة.
 
 بعد أنتهاء فترة ولايته الأولى في عام 1999 رفض ترشيح نفسه لدورة ثانية وفضل الأبتعاد عن المعترك السياسي وتفرغ لحياته الخاصة .
زار مانديلا في أوائل عام 2000 السجن الذي أمضى فيه سنوات طويلة في جزيرة " روبين " وأشعل شمعة في الزنزانة الأنفرادية التي سجن فيها ، وعقب مغادرته المكان صرح للصحفيين قائلا : " كان القرن الماضي مخيبا للآمال "
 
شخصبة متعددة المواهب :
 
كان مانديلا خطيبا مفوها يسحر السامع بفصاحته وكلامه البليغ. ويكفي الأطلاع على كلماته المؤثرة التي ألقاها دفاعا عن نفسه وحقوق شعبه عند محاكمته في عامي 1962 و1964 للأقتناع بأن مانديلا  كان أحد المع الخطباء في عصرنا الراهن . كما كان صاحب أفكار أصلاحية رائدة  تجلت في مؤلفاته ، وفنانا  مرهف الحس ، يبدع حتى في ظروف بالغة القسوة وهو في زنزانته الأنفرادية في سجن جزيرة " روبين " الموحشة .
 
مؤلفات مانديلا :
 
  الأعتقاد الشائد ان السياسة والثقافة على طرفي نقيض ولكن ظاهرة مانديلا تثبت ان السياسي الأخلاقي  يمكن أن يكون في الوقت ذاته مفكراُ ومبدعا وأنسانيا الى أبعد الحدود .
اصدر مانديلا العديد من الكتب التي لقيت وتلقى رواجا كبيرا ، ولا أعرف على وجه الدقة عدد الكتب التي ألفها مانديلا ولكن  شاءت المصادفة أن أطلع على ثلاثة منها وهي كالآتي :
الكتاب الأول " ليس ثمة طريق سهل الى الحرية " ( 1965 ) والثاني " أنا على استعداد للموت " (1979 ) .اما الكتاب الثالث ، فأنه يتضمن مذكراته التي نشرها عام (  1994) تحت عنوان " رحلة طويلة نحو الحرية " .
 
مانديلا الفنانً :
 
في اكتوبر عام 2002 أقيم في لندن معرض فني تحت عنوان " الأسود والأبيض " عرضت فيه اللوحات الفنية التي رسمها مانديلا خلال السنوات الطويلة التي قضاها في السجن ( 1962 – 1990 ) .
 اللوحات جمبعها مرسومة بالفحم أو القلم الرصاص وتوجد بينها عدة لوحات تمثل المشهد الذي كان مانـديلا يطل عليه من خـلال شياك زنزانته عندما كان سجينا في جـزيرة  " روبين "  ، حيث قضى الجـزء الأكبرمن فترة سجنه . وقد خصص ريع المعرض لمساعدة اطفال جنوب افريقيا . وكان عنوان المعرض حافلا بالدلالات  ويمكن تفسيره على وجوه شتى ، علاوة على معناه المباشر ، الذي يشير الى ان اللوحات المعروضة مرسومة باللونين الأسود والأبيض أو بتعبير أدق ، باللون الأسود فقط .
 
مانديلا الرمز والقدوة :
 
رغم تخليه عن السلطة بمحض ارادته وتفرغه لحياته الخاصة وتقدمه في السن ، الا أنه كان دائب النشاط في سبيل السلام العالمي وخير البشرية  واسهم بفعالية في العديد من المؤتمرات والندوات العالمية والتي كانت تكتسب اهمية خاصة عند مشاركته في اعمالها ,
حظي مانديلا بأحترام العالم بأسره وتجلى ذلك بأبلغ صورة في مظاهر الحفاوة والتكريم التي قوبل بها في كل مكان , .وقد اغدقت عليه العديد من الدول الأوسمة الرفيعة ومنحته عدد من  أشهر جامعات العالم شهاداتها الفخرية . ولمانديلا  مكانة خاصة في قلوب الكنديين . وقد منحته الحكومة الكندية لقب المواطن الفخري في احتفال خاص اقيم في متحف الحضارة في هيلي بمقاطعة كيوبيك واطلقت وزارة التربية الكندية اسمه على احدى مدارس تورينتو , ومنحنه جامعة تورينتو شهادة الدكتوراه الفخرية في القانون .
كما أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2009 يوم  18 فبراير من كل عام  بوصفه" يوم مانديلا " العالمي .
 
أصبح مانديلا موضوعا خصبا للعديد من الأعمال الأبداعية وانتجت عنه  افلام وثائقية وروائية ومنها فيلم  (  الذي لا يقهر ، بالإنجليزية ،  Invictus) وهو فيلم دراما تم إنتاجه في الولايات المتحدة سنة 2009 ويتناول محطات في سيرة حياة  مانديلا  ، ويصوّر محاولته لجعل لعبة الركبي والرياضة لغة عالمية مضادة للغة التمييز العنصري والعنف في بلد أنهكه النزاع العنصري . ولأن الاختيار وقع على جنوب إفريقيا كي تستضيف اللعبة عام 1995، في محاولة لجلب البيض والسود الى مكان واحد تجمعهم لعبة رياضية بعد عقود من الفصل العنصري. فإن الفيلم يظهر كيف استثمر مانديلا هذا الحدث في مشروعه المناهض للعنصرية مع سرد استعادي سينمائي لمراحل من حياة المناضل الافريقي .
 
ظاهرة فريدة :
 
مانديلا ظاهرة فريدة في عصرنا ، فقد تخلى عن السلطة بعد أن نجح في انهاء الفصل العنصري وزرع روح الوئام و الأنسجام بين شعوب جنوب أفريقيا وحقق لشعبه ما كان يصبو اليه من حرية وديمقراطية وأستقرار وسلام  . وأعترف العالم بمواقفه  المشرفة من قضايا الشعوب المناضلة من اجل حقوقها المشروعة ، .لهذا كله حظي بأحترام العالم بأسره .
 وعندما كتب " أنا على أستعداد للموت " كان على يقين أن المباديء السامية التي ضحى من اجلها لن تموت أبداً .
 
من أقوال مانديلا :
 
قلنا في ما تقدم ان مانديلا كان خطيبا مفوها لا يجارى ولم يكن يلقي الكلام على عواهنه ـ بل ان خطبه ومؤلفاته  كانت زاخرة بالحكم البليغة التي تعبر عن تجربته السياسية والنضالية والحياتية وفي ما يلي باقة من كلمات مانديلا الخالدة :
 
1 – أنا لا أستطيع أن أنسى ولكن أستطيع أن اسامح وأغفر .
2 -  ناضلت ضد هيمنة البيض كما ناضلت ضد هيمنة السود .
3 – لا احد يولد وهو يكره انسانا آخر بسبب لون الجلد او الأصل او الدين , الناس يتعلمون الكراهية ،  واذا كانوا قادرين على تعلم الكراهية ، ينبغي السعي لتعليمهم الحب ، لأن الحب أقرب الى قلب الأنسان .
4 -  المساواة الحقيقية أمام القانون تعنى حق الأسهام في وضع القوانين التي تعيش بموجبها ، ووجود دستور يضمن الحقوق الديمقراطية لكل الشرائح الأجتماعية ، والحق في اللجؤ الى المحكمة لطلب الحماية او المساعدة في حالة انتهاك الحقوق التي يكفلها الدستور ، وكذلك الحق في المشاركة في ادارة العدالة بصفة قاض او محام او ادعاء عام او أي صفة رسمية أخرى .
5 – عالمنا ، عالم الآمال و والتطلعات ، ومن ناحية أخرى هو عالم المعاناة والأمراض والفقر
6 – ان تستاء وتغضب ، مثل ان تشرب السم على امل أنه سوف يقتل أعدائك .
7 – يجب علينا استخدام الوقت بحكمة وان نتذكر ان القضية العادلة يمكن البدء بها في اي وقت .
8 – ان تكون حراً لا يعني  ان تنزع عن نفسك السلاسل فقط ولكن ان تعيش وانت تحترم وتعزز حرية الآخرين .
9 – لا ينبغي ان نتوقع من الناس المحرومين من حق التصويت الأستمرار في دفع الضرائب لحكومة لا تمثل امامهم للأستجواب .
10 – ليس المهم ان لا تصاب بكبوة ، بل ان تنهض بعد كل كبوة .
11 – اداء الواجب بصرف النظر عن العواقب هو احد الانجازات السامية للانسان
12 – ليس من الصعب ان تغير المجتمع بل ان تغير نفسك
13 – لا يمكن ان تكون الحرية جزئية
 14 -من السهل جدا ان تحارب وتدمر . ولكن البطل الحقيقي ، هو الذي يصنع السلام ويشرع بالبناء.
15 – عندما تصعد جبلا عاليا تنفتح امامك عدد هائل من الجبال التي ينبغي عليك الشروع بالصعود اليها .
-------------
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com


37
الطريق الى القاريء يبدأ من العنوان !

                                                                                                                       جــودت هـوشــيار
 
العنوان يقدم لنا معونة كبرى لضبط انسجام النص ، وفهم ما غمض منه ، اذ هو المحورالذي يتوالد ويتنامى ويعيد انتاج نفسه ، فهو ان صحت المشابهة بمثابة الرأس للجسد .
                                                                         الكاتب المغربي محد مفتاح

 
في خضم التغييرات المتسارعة للتكنولوجيا الرقمية والتدفق الأعلامي المتواصل ، لم يعد لدى القاريء العادي متسع من الوقت لقراءة ولوجزء يسير من المقالات المنشورة ، سواء في الدوريات الورقية المطبوعة أوعلى المواقع الألكترونية وبضمنها مواقع التواصل الأجتماعي على شبكة الأنترنيت.ولم يعد حتى القاريء المتخصص في الأعلام أو الكاتب السياسي ، ناهيك عن القاريء العادي ، يقرأ الصحيفة من الغلاف الى العلاف ، كما كان الأمر قبل العصر الرقمي ، بل يمر على صفحاتها بعينيه ولا يستوقفه الا العنوان المثير للأنتباه او الجذاب أو الصارخ ، الذي يتلائم مع خلفيته الثقافية وآرائه الفكرية وذائقته الأدبية ونطاق أهتماماته  ويقرر بينه وبين نفسه ، أي مقال يستحق القراءة ، فيختار ما يناسبه  ويهمل بقية المقالات .
 
وتشير نتائج الأستبيانات الصحفية لعدد من مراكز البحوث الأعلامية في العالم الى ان القاريء العادي  يقرأ نص مقال واحد من بين كل خمس مقالات ويمر مرور الكرام على عناوين المقالات الأخرى ، ليس بسبب ضيق الوقت فقط ،أو لأنها غير جديرة بالقراءة ، بل لأن عناوينها لا تشجع على قراءة نصوصها ،  فهي تبدو له اما ركيكة أومملة خصوصاً في المواقع الألكترونية ، التي لا تظهر على صفحاتها الرئيسية سوى عناوين المقالات أو بضع جمل افتتاحية لها، وينبغي النقر على العنوان لقراءة المتن في صفحة جديدة .
 
العنوان واجهة المقال أو بطاقته التعريفية ومفتاح الدخول الى النص والمدل بكلماته وصياغته على مضمونه.. من هنا يتبين لنا ان وظيفة العنوان الرئيسية هي استمالة القاريء وتحفيزه على قراءة المقال ، وينبغي ان تكون بدايةَ المقال أيضاَ جذابة وشائقة ومغرية ، وهي اكثر أهمية من مئات الكلمات التي تليها ، لأن البداية السيئة ، التي لا تقدم للقاريء فكرة أو معلومة جديدة أو رأياُ جديداُ كالعنوان الممل ، كلاهما لا يشجع على الأستمرار في قراءة المقال .
 
اذن فأن نجاح أي مقال يعتمد الى حد كبير على العنوان المثير للأنتباه والبداية الشائقة ، حيث يخيَل الى القاريء ان نص المقال سيكون شائقاً وقيماَ. ولا شك ان جودة النص يعتمد على موهبة الكاتب وسعة ثقافته ورشاقة أسلوبه . وينبغي ان يكون النص جيدا مثل عنوانه . اما اذا كان النص مخيباً لظن القاريء فأن الأخير يفقد ثقته بالكاتب والصحيفة في آن واحد .
 
في الصحف العربية والكردية تتولى "  هيئة التحرير " أختيار عناوين الأخبار والتقارير والتحقيقات  و تترك عناوين المقالات لكتابها ، أما في الصحف الغربية الكبرى ، فثمة اتجاه يرى ضرورة أن يكون هناك محرر متخصص في العناوين مهمته قراءة الموضوعات ووضع عناوين لها ، وهو في المعتاد  صحفي متمرس . لأن مهارة اختيار العناوين لا تأتي من فراغ ولكن وليدة تجارب وخبرات  طويلة في المعالجة الصحفية .
 
اختيار عنوان المقال :
 
يلعب العنوان دوراً مهماُ وأساسياً في تحقيق النجاح لأي معالجة صحفية وبخاصة مقالات الرأي وهو يعكس ذائقة الكاتب الصحفي ومهنيته ، والعنوان الصحفي الجاذب هو الذي ليس فيه تكرار للصفات والأحوال وحروف الجر ، التي ليس لها داع  أو لا تضيف بعداً معلوماتياُ وجمالياً الى المتن. ولكل كاتب طريقته الخاصة في كتابة المقال وأختيار العنوان المناسب له .
 فالبعض يختار العنوان اولا ، ثم يشرع في كتابة المتن .  أي ان العنوان يحدد للكاتب الأطار العام لمقاله وهو اطار مقيد لحرية الكاتب وتدفق أفكاره بأنسيابية وسلاسة ، رغم أنه ( أي الأطار ) يساعد الكاتب في التركيزعلى الفكرة الأساسية للمقال وعدم خروجه عنها بأستطرادات زائدة عن الحاجة .
والبعض الآخر يشعر بصعوبة اختيار العنوان قبل الأنتهاء من كتابة النص بأكمله .وقد يغير العنوان مرات عديدة قبل ان يستقر رأيه على عنوان محدد !
 
 ولكن كتابة مقال جيد عملية طويلة نسبيا وقد تستغرق من بضعة أيام الى عدة أسابيع . ولهذا السبب من المفضل ان يختار الكاتب عنواناً ( مؤقتاُ )  لكي لا تتشتّت أفكاره ويفقد تركيزه على الموضوع ، ثم يشرع بكتابة مقاله وكلما طرأت في ذهنه فكرة جديدة يدونها ، ثم يستمر في عمله وبعد الأنتهاء من كتابة المقال وصياغته،  يدقق محتوى النص ويستخلص الهدف منه، والرسالة التي يود ايصالها الى القاريء ، ويتمعن في مدى ملائمة العنوان( المؤقت )  للمتن ، ويلجأ الى تغيير العنوان الأولي مرات عديدة  قبل ان يستقر رأيه على عنوان محدد من بين بدائل عديدة ، شريطة ان يكون العنوان مدلاّعلى ما في داخل المتن . وهذه الطريقة تجمع محاسن الطريقتين الأولى والثانية .
 
ولكن في كل الأحوال ينبغي ان يتسم العنوان بالجاذبية والأثارة ، ولتحقيق هذا الهدف يجب ان يكون مختزلاً ومكثفاً ، يعبرعن محتوى الموضوع  في أقصر صيغة ممكنة ولا يتجاوز بضع كلمات .
 
أنواع العناوين التحريرية في الصحافة التقليدية أو الرصينة :
 
العنوان الجيد يجب أن يعطي القارئ غير المتخصص فكرة عن محتوى المقال بسهولة ويسر
 
أو يحمل معلومات جديدة عن الموضوع المصاحب له ويتصل بالفكرة الأساسية للمقال .
 
ثمة أنواع كثيرة من العناوين ، سنتطرق ألى اهمها في ما يلي :
 
1 – العنوان التعريفي : ويستخدم عموما في المقالات والدراسات والبحوث ويعبر عن الفكرة الأساسية للنص أو يلخص استنتاجاته النهائية.
 
2 – العنوان الوصفي : وصف مركز للموضوع ، بحيث يجذب الأنتباه لقراءة المتن .وهو النوع الأكثر شيوعا في المجلات بشتى أنواعها .
 
3 – العنوان الأستفهامي : أقل شيوعا ، ويعرض الموضوع في شكل سؤال مهم ومثير ويهم الجمهور .
 
4 – العنوان النقدي : ويشير الى اتخاذ الكاتب موقفاّ من الأحداث ويستخدم في المعتاد في الحوارات والتحقيقات الصحفية والمقالات النقدية .
5 -  العنوان المقارن : ويكون على اساس المفاضلة بين الافكار والاراء ، ويعتمد على عنصر المقابلة بين حقيقتين او اكثر من الحقائق المتصلة بالموضوع .
 
6– العنوان المثل او الحكمة : ويكون على شكل  حكمة معروفة اومثل معروف لدي القاريء ، شريطة أن ينسجم وطبيعة المضمون الذي يحمله المتن .
 
8– العنوان المقتبس : ويستخدم في المعتاد للحوارات والمقابلات الصحفية  ويكون مقتبساُ من تصريح المسؤول او الشخصية  التي يتم اجراء الحوار معها.أو اختيار جملة معبرة من نص المقال كعنوان له ، وهذا الأختيار له محاسن عديدة ، لعل أهمها ان العنوان في الوقت الذي يشف محتوى النص ، تكتنفه غلالة خفيفة من الغموض المحبب أحياناً ,
 
7 – العنوان الطريف : ويهتم بالجانب الطريف في الموضوع  بحيث يثير ذلك اهتمام القراء وجذبهم للقرءة.
 
ما ينبغي تجنبه في أخنيار العناوين :
 
1 – الكليشيهات التي تتردد بكثرة في الكتابات والمعالجات الصحفية .
 
2 - العنوان الطويل ويفضل الا يزيد العنوان عن سطر واحد او عشر كلمات كحد أقصى .
 
3-  "  العنوان الأعمى " وهو العنوان الغامض ،  الذي لا يدل على مضمون المقال ولا يفهم منه الموضوع الذي يتحدث عنه الكاتب . مثل (رسالة إلى الخبراء ) .
 
4 – تضمين العنوان معلومات و معاني أكبر مما يتضمنه نص المقال .
 
4 - العنوان الرنان الذي يدعو القاريء لاكتشاف ما يريد كاتب المقال أن يوصله للقراء من رسائل،مثل " هبة من السماء " أو " درة يغداد" وما شابه ذلك .
 
5 –الكلمات التي تعطي أكثر من دلالة .


38
صحافة الأثارة بين اختراق التابوهات وتزييف  الواقع

جـودت هـوشــيار
 
" الصحافة الصفراء "  تعبير يتردد كثيراّ على ألسنة الناس, قد يقصد البعض بذلك " صحافة الإثارة "  سواء كانت الإثارة سياسية أو دينية أو اجتماعية أو جنسية ،  وقد يُقصد البعض الآخر " الصحافة الشعبية " أو صحف " التابلويد ". وهي ثلاثة أشكال من الصحافة " الخفيفة " يصعب وضع حدود فاصلة بينها ، لأنها تتشابه الى حد كبير من حيث المضامين والأخراج الفني .
 
أيا كانت المصطلحات و المفاهيم فإن الجميع يكاد يتفق على أن " الصحافة الصفراء "  تفتقر الى الصدقية والموضوعية والمصادر الموثوقة ولا يكلف العاملون فيها أنفسهم عناء التحقق من المعلومات المنشورة ولكنها – رغم ذلك -  تلقى هوى ورواجا لدى القراء.
 
يرى معظم  الباحثين ، ان " الصحافة الصفراء "  ظهرت للمرة الأولى في الولايات المتحدة الأميركة على يد ( Ervin Wardman ) ، حين أصدر صحيفة ( New York Press ) في أواخر عام ( 1896م ) . ولكن "  الصحافة الصفراء "  لم تلد عن طريق المصادفة ، بل ان جذورها تمتد الى الفترة التي شهدت فيها أوروبا  تحولات أقتصادية وأجتماعية وثقافية كبرى عقب الثورة الفرنسية ( 1789 – 1799 م) ، ومنها دمقرطة المجتمع والصحافة اثر أنتشار الصناعة ونشؤ مراكز التجمعات  العمالية  وتقدم تكنولوجيا الطباعة والأنتاج الصحفي  وارتفاع مستويات الدخل وظهور الطبقة الوسطى  والقضاء على نسبة كبيرة من الأمية . كل هذه العوامل مجتمعة ادت الى ظهور قطاعات عريضة من أشباه المثقفين وأنصاف المتعلمين الذين لم تعد الصحافة التقليدية الرصينة قادرة على تلبية رغباتهم واذواقهم ، مما مهد لظهور ما تسمى " الصحافة الشعبية ".التي تعكس الحوادث من وجهة نظر القاريء من الطبقة الوسطى . وتوقفت قراءة الصحف أن تكون  حكراً وأمتيازاً للنخب السياسية والأجتماعية والثقافية ،  ولكن القاريء العام – وهو قاريء محدود الثقافة وضيق الأفق -   لم يكن يتقبل المقالات الجادة للصحف الرصينة ، التي كانت تبدي اهتماما مكثفا بوظائف الصحافة الأساسية في المقام الأول ، في حين كان الجمهور يرغب في الترفيه والتسلية..
 
 ومنذ ذلك الحين عرف تأريخ الثقافة عموماُ وتأريخ الصحافة على وجه الخصوص ،  اتجاهين متفاعلين ومتداخلين في أحيان كثيرة وهما " الأتجاه المعرفي " و" الأتجاه الترفيهي " .وتميل " الصحافة الصفراء " الى تغليب الأتجاه الترفيهي على حساب الوظيفة الأعلامية .
لقد تطور هذا النمط الجديد من الصحافة في الفترة اللاحقة و أكتسب ملامحه وسماته المتميزة
في التجربة الصحفية الأميركية منذ العام ( 1850م) ، وأهم ما تمتاز به  هذه التجربة توسع " وظائف الصحافة " وعدم اقتصارها على الوظيفة المعرفية والأعلامية  ، والأهتمام المتزايد بالوظائف الجمالية و الأبداعية و الترفيهية ، التي تسهم في تلبية رغبات القاريء وأمتاعه واسترخاءه  وهروبه من مشاكله الشخصية وتأمين المشاركة الفردية في عملية الأتصال .
 
تسعى " الصحافة الصفراء " الى أستمالة وجذب اكبر عدد من القراء بنشرمواد صحفية خفيفة تتسم  بعناصرالأثارة والتشويق اوالطرافة والغرابة والتركيزعلى المحرمات ( التابوهات ) والأخبار المجهلة والشائعات والفضائح والجرائم والقصص الخبرية الملفقة والعناوين الصارخة أو المضللة  ، وليس ثمة ما يثير اهتمام القاريء وتلهغه أكثر من الأشاعات والأقاويل والفضائح و تفاصيل حميمة من حياة المشاهير. وبطبيعة الحال ينبغي ان يكون في مثل هذه الصحف الكثير من الجنس والوقائع الساخنة والعنف. فعلى سبيل المثال يشعر القاريء بالفرح حين يكتشف ان هذه الجريمة أو تلك المأساة  لم تحدث معه شخصيا .
 
وتتميز هذه الصحافة  باستخدام اساليب جذابة في التحرير و الأخراج الفني بما يتلائم واذواق واهتمامات الجمهور العام . وهي صحافة رخيصة الثمن ، تبذل كل امكانياتها من اجل أستمالة الجمهور وزيادة التوزيع الذي يكون دافعا للحصول على عوائد اعلانية ضخمة ودون النظر لعائد بيع نسخ الصحيفة ذاتها .ويمكن القول ان " الصحافة الصفراء " أسهمت في تحول " الصحافة " الى " صناعة "
 
والحق ان غالبية الناس لا تهتم كثيراً بالسياسة العالمية ولا بالوضع الاقتصادي الداخلي وتركز في الأساس على المواضيع الشخصية المثيرة. وقد استفاد رجال الأعمال من هذا التغيير لجني الأرباح ، كما أستفاد منه رجال السياسة الذين دروا الأموال على أصحاب القلم لكتابة مقالات تزور الحقائق وتقلب المعلومات رأس على عقب بهدف النيل من هذه الشخصية السياسية أو تلك.
 
في يومنا هذا لا توجد حدود فاصلة وواضحة بين " الصحافة الصفراء "  و" الصحافة الرصينة "  ، حيث تظهر بعض ملامح الصحف الصفراء الى هذا الحد او ذاك  في "  الصحف الرصينة " التي تخاطب المثقفين .وقد تثير الصحف " الرخيصة "  احيانا مشاكل  اجتماعية خطيرة.
 
صحف الأثارة فى العراق وأقليم كردستان :
 
"الصحافة الصفراء" في الغرب  صناعة متطورة  تدر مليارات الدولارات سنوياً وتتمتع بحرية واسعة في ظل الأنظمة الليبرالية  وبوسعها تناول شتى الموضوعات  المثيرة وفي مقدمتها العلاقات الحميمة للمشاهير ونجوم المجتمع وتصيَد أخبارهم وأسرارهم عن طريق التلصص على حياتهم الخاصة ونشركل ما يلهب خيال القاريء ، محدود الثقافة. ومن خلال متابعتنا للصحافة العراقية والكوردية نرى عدم وجود " صحافة صفراء " بالمعنى الدقيق للمصطلح في العراق و أقليم كوردستان في الوقت الراهن ، وانما هناك بعض العناصر والملامح الصفراء، التي لم تأخذ مداها الكامل نظرأ للبيئة الشرقية المحافظة، التي تحول دون أختراق التابوهات أو تجاوز العادات والتقاليد والأعراف الراسخة للمجتمع .
ولعل من أبرز هذه  الملامح الصفراء - التي تقتصر على عدد من الصحف الأهلية أو الخاصة - شيوع ظاهرة الخبر المجهل أو الخبر غير محدد المصدر واحياناُ الخبرغير الصحيح أو الكاذب .ومن تلك الملامح أيضاً اللجؤ الى التهويل والمبالغة في المعالجة الصحفية .وكذلك استخدام العناوين المضللة للأخبار والتقارير وتضمينها معلومات اكبر مما تمتلكه الصحيفة  ، أي ان العناوين الصارخة  – التي تحتل مساحات كبيرة في  مقدمة الصفحة الأولى وحتى في الصفحات الداخلية  – قد لا تكون له الا علاقة طفيفة أو واهية بمضامين المواد المنشورة .
وعلى اية حال فأن  هذه العناصر والملامح التي أخذت تطغي تدريجيا  على الصحافة الخاصة العراقية والكوردية من اجل زيادة أرقام توزيعها ومردوداتها المالية دليل واضح على تدني الأحترافية المهنية لها قبل أن تكون  تقليداً غير ناضج  للصحافة الصفراء في الغرب .
 
جــودت هـوشــيار
jawhoshyar@yahoo.com


39
المنبر الحر / مهزلة العقل العفوي
« في: 17:53 03/11/2013  »
مهزلة العقل العفوي

                                                                                                                             جودت هوشيار
 
فى عام ( 1962م )  احتفل العراق بمرور( 1200) عاماً على بناء بغداد ، حيث نظمت
احتفالات مهيبة وفعاليات علمية وثقافية رعاها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم شخصياً ، وبضمنها عقد مؤتمر علمى شارك فيه جمهرة من خيرة المؤرخين المتخصصين بتأريخ المدينة وعدد كبير من أبرز المفكرين والأدباء العرب و لمستشرقين  الأجانب ممَّن قدموا دراسات قيمة حول الدور الحضاري الذى  نهضت به بغداد فى  عصر أزدهارها و ما تعرضت له من أحداث جسام عبر التأريخ  .
 
في العام الماضي (2012م ) مرت ذكرى مرور ( 1250) عاماً على بناء  بغداد ،. و كانت مناسبة جديرة بالأحتفال أكثر من أية مناسبة تأريخية  أخرى ، ولكنها مرت في صمت مطبق وتجاهل متعمد على المستوى الرسمي .ولم يكن ذلك أمراً مستغرباً . كيف يتذكر تأريخ هذه المدينة العريقة ،  الزاخرة بالمفاخر و الأنجازات الحضارية حكام غرباء عنها وعن أمجادها  ولا يهمهم أمرها و لا علاقة لهم بتأريخها ولا بالحضارة التى تمثلها .
 
وفي هذا العام احتفلت أمانة بغداد ا يوم السبت (  2/ 11 / 2013 )   في حدائق متنزه الزوراء  بما أسمته " يوم بغداد " ( أي اليوم الذي وضع فيه الخليفة أبو جعفر المنصور حجر الأساس لمدينته المدورة ، مدينة السلام .)  وهذا التأريخ الذي تتمسك به أمانة بغداد سنوياً مغلوط ولا يستند الى أي مرجع رصين وينم عن جهل فاضح بتأريخ المدينة ، وكان الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم قد شكل  لجنة رفيعة المستوى  ضمت كبار العلماء والمؤرخين لتحديد اليوم الذى وضع فيه " المنصور "  حجر الأساس لعاصمته الجديدة وأستناداً الى توصية اللجنة ، صدر قانون من مجلس الوزراء يوم(  1962 /11/17)  عندما كان هذا المجلس هو السلطة التشريعية فى البلاد بتحديد الأيام الأول و الثانى و الثالث من شهر كانون الأول عطلة رسمية لمناسبة ذكرى تأسيس بغداد والذكرى الألفية للفيلسوف الكندى . وهذا القانون لم يتم الغاؤه او تعديله و ما يزال سارى المفعول .
 
على هامش احتفالية يوم بغداد هذا العام  القى امين عام مجلس الوزراء علي العلاق، كلمة يقول فيها بالحرف الواحد : " بغداد تختزل تاريخ العراق وتشكل محطات تاريخية بما تزخر به بأحداث كبرى ومنعطفات حادة وبكل ما ضمت بين محلاتها وأزقتها من أعراق شتى ومكونات عدة"." كلام جميل ولا شك ولكن أين كان الحزب الحاكم في العام الماضي عندما تجاهل الأحتفال بمرور (  1250 ) سنة على بناء مدينة المنصور وأم الدنيا ومركز الأشعاع الحضاري في عصور أزدهارها .
 
لم يكتف السيد العلاق بتصريحه ( التأريخي ) الخطير ، بل زاد الطين بلة عندما تحدث عن أمور لا يفقه فيها شيئاً ! فقد اكد " ان الحكومة لاتريد بناء (ناطحات سحاب ) في بغداد وانها تريدها "بسيطة وعفوية"، وتحتوي على "محطات نتنفس فيها عبق الماضي وذكرياته" .
 
ونحن من حقنا أن نتساءل هل أختفت ( محطات التنفس وعبق الماضي وذكرياته ) عن باريس ولندن وبرلين وفيينا وجنيف وروما  وموسكو وطوكيو وكوالا لامبور ومئات المدن الأخرى عندما تم بناء ناطحات السحاب فيها ؟ الا تتجه المدن الكبرى في الشرق والغرب الى البناء العمودي لمزاياه العديدة .الا يحتوي التصميم الأساسي لمدينة بغداد ( الذي أعده الخبراء البولونيون منذ ثمانينات القرن المنصرم وقبرته حكومة سياسي الصدفة) على خطط لبناء المركز المدني في وسط بغداد بما ينسجم مع الطراز المعماري العباسي ويعيد أحياء أهم وأشهر معالمها التأريخية ؟ وكيف يمكن توفير الخدمات العامة لمدينة مترامية الأطراف مثل بغداد التي توسعت افقيا بشكل عشوائي وعلى نحو يثقل كاهل امانة بغداد ويسبب مشاكل جمة في التنقل داخل المدينة ، حيث يخسر البغداديون افضل ساعات أيامهم في الأختناقات  المرورية والسيطرات التي لا تقيم وزنا لهم وتمتحن صبرهم يومياً بالمعاملة المهينة .
 
ولكن السيد العلاق لم يبتعد عن الحقيقة حين أكد ان : " الحكومة لاتريد بناء "ناطحات سحاب" في بغداد وانها تريدها "بسيطة وعفوية "  فكل شيء يجري اليوم  بعفوية  في عراق الجهل والفساد .
وتردي الخدمات والفوضى التي نشاهدها الآن في بغداد ،  ناجمة عن هذه العقلية العشوائية  وعن الأرتجال في صناعة القرار و تسيير امور البلاد والعباد . اليست هذه العقلية هي الفوضوية بعينها ، التي لا تؤمن لا بالعلم ولا بالتخطيط ، ولا ترى من حولها كبف يتقدم العالم بخطى متسارعة ومذهلة في التطور العلمي – التكنولوجي وكيف يضفي الأبداع الهندسي المعماري جمالاً أخاذاُ على المدن العصرية ويوفر للأنسان حياة لائقة و بيئة صحية ومريحة .
 
 حقاً ان العقلية العفوية الجاهلة أشد فتكاُ بالشعوب من الغزو الخارجي ومن الكوارث الطبيعية والأوبئه ،  حين تقذف بها المصادفة العمياء الى سدة الحكم  ، وكلام  السيد العلاق مضحك ومحزن في آن واحد ، مضحك ويثير السخرية  لأنه بعيد عن العلم والمنطق ومحزن لأنه ينم عن نمط تفكير يعيد البلاد الى عصور الظلام و يؤدي بها الى التخلف ان لم يكن الى  التهلكة ، وهذا التفكير العفوي هو الذي اوصل العراق الى ما هو عليه اليوم .
 
جــودت هوشــيار
jawhoshyar@yahoo.com


40
كيف تؤثر تكنولوجيا المعلومات في قدرة الأنسان على التفكير ؟

                                                                                                                            جــودت هـوشــيار                
 
التغير المستمر لوسائل الأعلام تحت ضغط ثورة تكنواوجيا المعلومات ، يؤثر ، ليس فقط في طرق الحصول على المعلومات ، بل في عملية التفكير أيضاً . واذا رجعنا الى الوراء قليلا ، نجد ان اختراع آلة الطباعة سنة 1450م ، من قبل يوهان غوتنبرغ ( 1398- 1468م). قد غير أسلوب تفكير المجتمع بأسره . واجبرالناس لأول مرة على التركيز على افكار محددة . والذي كان  سابقاً حكراً على النخب العلمية والثقافية ورجال الدين ، اما بعد ظهور الطباعة فقد أصبح ذلك ميسورا لكل المجتمع .آلة الطباعة لعبت دورا بالغ الأهمية في تطور نماذج تفكير جديدة غيرت المجتمع في القرون اللاحقة .
واليوم نجد ان شبكة الأنترنيت تلعب دورا لا يقل أهمية عن اختراع الطباعة في تغيير المجتمع .
ان أهم ما تتميز به شبكة الأنترنيت عن وسائل الأعلام الأخرى مثل الراديو والتلفزيون، ليس نقل الصوت والصورة فقط ، بل انتاج النص ايضاً .والنص المكتوب يلعب دوراً جد مهم في التطور الفكري والثقافي للأنسان . وحتى وقت قريب كان النص ينتشر بشكله المطبوع ، وكان القاريء يغرق في عالم المؤلف و يتأمل أفكاره ، وبظهور الأنترتيت أخذ النص ينتشر بشكله الألكتروني ، كما الصوت والصورة ، وبهذا رجع الأنسان الى عادته القديمة أي الى التفكير العشوائي ، وتلقي المعلومات على نحو سريع وسطحي .

               لماذا يحدث كل ذلك ؟ يقول العلماء ان دماغ الأنسان يتمتع بمرونة عالية  ويستطيع التكيف مع الظروف المستجدة ٠وكان عالم وسائل الاتصال الجماهيري -الكندي -مارشال ماكلوهان(1911 ـ 1980م) اول من بيَن كيف أن التكنولوجيا يغيَر وعينا ببطأ ولكن بثبات .

وقد أجريت  خلال السنوات الأخيرة بحوث كثيرة حول تأثير التكنولوجيا الحديثة وبخاصة الإنترنيت في الدماغ البشري وظهرت كتب عديدة من بينها ، كتاب " المياه الضحلة The Shallows  " لنيكولاس كارر . ويعد العلماء هذا التأثير مسألة مهمة وجادة لسببين
 - الأول ، تعاظم قدرة البحث عن المعلومات وتلقي كم هائل منها ومعالجتها ،عن طريق محركات البحث  في الإنترنيت ( غوغل ، ياهو ، اوبرا ، يانديكس وغيرها كثير ).
 وثانيا ، أصبحنا قادرين على القيام بعدة مهام في آن واحد بأستخدام الكومبيوتر و الأجهزة الذكية ، مثل  كتابة وصياغة نصوص ،إجراء حوارات عبر الشات في الفيسبوك ، تبادل الرسائل عبرالإيميل ، وقراءة آخر الأخبار في  التويتر . ولكن في الوقت نفسه ، نفقد معظم قدراتنا علي الأنتباه و التركيز والتأمل والتحليل المعمق ، .ولن يكون بوسعنا التفكير بهدؤ حول  أمر محدد واحد ،ومن يعيش في العالم الأفتراضي أو يقضي ساعات طويلة في تصفح المواقع الألكترونية ونوافذها الكثيرة وروابطها المتعددة ، لن تكون لديه الرغبة في قراءة الكتب  الجادة و تأمل محتواها .
 
ان الحصول الفوري على المعلومات و تدفق تيارات غزيرة ومتنوعة منها ، عبر نوافذ كثيرة - عن طريق محركات البحث  - قد ادى الى انخفاض القدرة على تذكرها وحفظها لمدة طويلة . ولم يعد لدى المتصفح الوقت الكافي والرغبة  في قراءة النصوص المطولة ، ولهذا السبب لجأ بعض المواقع الألكترونية الأجنبية الى نشر  نصوص لا يزيد طول احداها عن ( 400 ) حرفاً . ومع كل هذا التأثير السلبي لتكنولوجيا المعلومات ، فأن من الصعب العيش بمعزل عن شبكة الأنترنيت  ، التي أخذت تقتحم كل مجالات الحياة و أصبحت النافذة التي يطل منها الأنسان المعاصر على ما يحدث في العالم من حولنا في شتى المجالات الفكرية و العلمية والثقافية والسياسية و الأجتماعية ، ناهيك عما توفره الشبكة من شتى أشكال التسلية والترفيه .
القدرة على التفكير تعني في المقام الأول استخدام المعارف المتوفرة للتوصل الى استنتاجات منطقية أكثر تعقيداً ، واذا أردنا تبسيط الأمر ، يمكننا  القول ان نوعية الأستنتاجات الفكرية هي حاصل ضرب للمعرفة  في القدرة التفكيرية . وبتعبير آخر لا يمكنك الحصول على استنتاجات صحيحة ، الا بأستخدام كلا العاملين معاً على حد سواء ،  وحتى اذا كانت لديك معرفة واسعة فأنك  لن تكون قادراً على تنظيمها بشكل صحيح من دون القدرة على التفكير بنفس المستوى ، وفي نهاية المطاف تحصل على كومة مواد  مهضومة الى هذا الحد او ذاك ولكن مكدسة في كومة غير متجانسة  ، ومن جهة ثانية مهما كانت قدراتك العقلية عظيمة فأن عملك الفكري لن يكون اكثر من مجرد تعبير عن الرأي ،  اذا لم يستند الى المعرفة .
الثورة الصناعية الأولى  وفرت للأنسان وسائط نقل جديدة مثل القطار والسيارة وأدت الى اضعاف قدرات الأنسان الجسدية والحركية  والى تغيير مظهره الخارجي ، وقد انتبه الناس الى  التأثير السلبي لهذه الوسائط على أبدانهم و لجأ الكثير منهم الى ممارسة رياضة المشي والركض لتدريب الجسم والتغلب على الضعف الذي لحق به . ما يحدث اليوم نتيجة لثورة تكنولوجيا المعلومات ، ربما أشد خطورة ، لأنه يحرمنا القدرة على التركيز والتفكير ، وبعد سنوات قليلة ستكون الحاجة ماسة الى وسائل جديدة لتدريب الدماغ الأنساني .
 
جــودت هـوشــيار
jawhoshyar@yahoo.com
 
 


41
جائزة نوبل لقاء انتحال مبادرة
                             
                                                                                                                            جــودت هوشــيار
 
هل يستحق جائزة نوبل للسلام ، من ينتحل لنفسه  مبادرة قدمها آخرون ؟ الجواب .. كلا  .. بطبيعة الحال ، ولكن هذا ما حدث بالفعل مع المبادرة الأسكندنافية لوضع ترسانة الأسلحة الكيمياوية السورية تحت رقابة أممية .
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين   نسب المبادرة لنفسه . ومنذ منتصف الشهر الماضي انشغل الأعلام الروسي بالأشادة بمناقب صاحب المبادرة وفطنته ودهائه  والمطالبة بمنحه جائزة نوبل للسلام لقاء جهوده في منع نشوب حرب مدمرة جديدة في الشرق الأوسط  ، لا أحد يستطيع التكهن بتداعياتها الخطيرة التي قد تهدد السلام العالمي !
 ومن اجل ترسيخ هذه الفكرة – فكرة ترشيح الرئيس بوتين لجائزة نوبل للسلام – أجرت وسائل الأعلام الروسية - ومعظمها اما تابعة للحكومة او تردد ما ترغب الحكومة في سماعه ، اذا كانت مملوكة للقطاع الخاص -  مقابلات مع شخصيات سياسية وثقافية وفنية منتقاة بعناية بالغة ، من معسكر المؤيدين للسلطة ،  من اجل الحصول على تصريحات وتحليلات تشيد بـ( المبادرة السلمية الروسية ) ، و تصب في نهاية المطاف لصالح ترشيح بوتين  لجائزة نوبل للسلام ، تلك الجائزة ، التي يسخر منها الأعلام الروسي غالبا ويتهكم عليها وعلى حامليها .
ولم يقتصر الأمر على الشخصيات الروسية ، بل جرى أيضاً الحصول على تصريحات ( ايجابية ) من شخصيات أجنبية ، بينها بعض رؤساء الدول كالرئيس الفنزويلي  نيكولاس مادورو، الذي اشاد بدور «بوتين» في تجنب الحرب في سوريا.
وقال مادورو، في تصريحات نقلها عنه، موقع «روسيا اليوم»، مساء يوم الثلاثاء الماضي ، "إذا كان هناك من يستحق جائزة نوبل للسلام في هذه اللحظة التاريخية، فإنه الرئيس فلاديمير بوتين، الذي ساعد على وقف الحرب ضد الشعب السوري".
كما أن ما تسمى بـ( الأكاديمية الدولية للوحدة الروحية ) أعلنت ترشيحها للرئيس الروسي لنيل جائزة نوبل للسلام .
ولكن هل المبادرة السلمية ( الروسية ) هي روسية حقاً ؟
قبل حوالي شهر واحد جرى عقد ( كونفرانس فيديوي ) أشترك فيه  وزراء خارجية الدول الأسكندنافية ودول بحر البلطيق  . وقد تمخض الـ( الكونفرانس ) عن الأتفاق على تقديم فكرة مشروع قرار أممي الي كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا لوضع ترسانة الأسلحة الكيمياوية السورية تحت أشراف دولي ، واتلافها أو نقلها الى بلد آخر بحلول منتصف عام 2014.
وقد أدلى وزير الخارجية الفنلندي (اركي تيميوجا - Erkki Tuomioja ) بتصريحات صحفية نشرتها الصحف ووكالات الأنباء  الفنلندية الرئيسية وبضمنها  ( , Turun   YLE, ,Iltalehti  ) في الثاني عشر من سبتمبر/ ايلول الماضي أكد فيها  صحة ما نشرته الصحف النرويجية  ومنها صحيفة  (  Verdens) ان المبادرة السلمية  حول سوريا ومن ثم فكرة مشروع القرار الأممي تعودان الى وزير الخارجية النرويجي (اسبن بات ايده) ونظيره السويدي  ( كارل بيلدت ) اللذان طرحا هذا الموضوع  للنقاش خلال الكونفرنس الفيديوي الذي اشرنا اليه فيما تقدم  ، وقد اتفق الجميع على تقديم فكرة المبادرة السلمية ومشروع القرار الأممي الى الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال زيارته المتوقعة الى السويد بعد بضعة ايام من عقد الكونفرنس والى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف .
 وتقول صحيفة  ( Verdens) النرويجية ان الوزيرين النرويجي والسويدي لم يتمكنا من الأتصال بلافروف ، ولكن زميلهما الفنلندي ( اركي تيميوجا ) نجح في الأتصال بالوزير الروسي وطرح عليه  فكرة مشروع القرار الأممي بأسم وزراء خارجية الدول الأسكندنافية ودول بحر البلطيق , ولكن لافروف أعلن عن هذه المبادرة ونسبها الى  نفسه   ولم يشر لامن قريب ولا من بعيد الى الدول الأسكندنافية صاحبة المبادرة السلمية وفكرة مشروع القرار الأممي .
وكان من السهل على لافروف أقناع نظيره الأميركي جون كيري  بالمبادرة بعد موافقة أوباما الضمنية المسبقة .
ان نجاح مباحثات جنيف بين الوزيرين جون كيري وسيرغي لافروف يعود الى تردد الرئيس اوباما في خوض حرب ترفضها غالبية الشعب الأميركي بعد تجربة العراق المريرة.
ويمكن القول ان المبادرة كانت في المقام الأول طوق النجاة للرئيس الأميركي ،  الذي تنفس الصعداء ، لأنه لم يكن راغبا أصلا في مهاجمة سوريا ، بعد ان فشل في الحصول على موافقة بريطانيا وفرنسا في شن ضربات جوية ضد مواقع سورية محددة ، كما أظهرتنتائج  الأستطلاعات ان حوالي 91 يالمائة من الأميركيين كانوا ضد التورط في حرب جديدة في الشرق الأوسط .
لقد عززت هذه المبادرة مكانة روسيا  في منطقة الشرق الأوسط وفي العلاقات الدولية عموما وفي الوقت نفسه تعد ذروة النجاح المهني للافروف وأبرز انجاز له منذ توليه منصبه الوزاري .
وكما قيل فأن الحيتان الكبيرة تأكل الأسماك الصغيرة .
المبادرة السلمية حول سوريا ،  اسكندنافية والموافقة غربية ، فمن الذي يستحق جائزة نوبل للسلام ، وزير الخارجية النرويجي (اسبن بات ايده ) ونظيره السويدي  ( كارل بيلدت ) أم الرئيس فلاديمير بوتين ؟
 
جــودت هوشــيار
jawhoshyar@yahoo.com
 
 
 


42
المعارضة الكردية ما لها وما عليها

جودت هوشيار                               

    اهمية المعارضة السياسية :                         
 لا يستقيم النظام الديمقراطي في اي بلد من دون وجود معارضة سياسية شرعية وقانونية معترف بها من قبل الدولة . والمعارضة السياسية تنشأ في العادة لوجود تناقضات داخلية لا يخلو منها أي مجتمع، .لذا فأنها  ضرورية للتوازن بين القوى و الحركات السياسية المتنافسة وللتقدم الأجتماعي عموماً  ، ولا يمكن الأستغناء عن مثل هذه المعارضة ، من دون أدخال البلد، مهما كان نظامه السياسي ، في دوامة الأزمات.
المعارضة لا تقوم فقط بمراقبة أعمال السلطة التنفيذية و متابعة سياستها و نقدها من اجل تصحيح مسارها ، بل هي ضرورية ايضا كآلية  للتواصل بين المواطنين و مؤسسات السلطة السياسية.  ولكي تكون المعارضة فعالة لا تكفي ان تشخص المشاكل العالقة و تنتقد مؤسسات الدولة فقط ، فالمعارضة الحقيقية  ينبغي ان تمتلك رؤيتها الخاصة وبرامجها المعلنة  ، التي تختلف عن رؤية وبرامج الحكومة لسبل التنمية والتطور و التقدم الأجتماعي
المعارضة الكردية الناشئة :
لا شك ان ظهور معارضة سياسية شرعية و علنية في أقليم كردستان في السنوات الأخيرة ، ظاهرة صحية وضرورية  ، ولكن ثمة اختلاف جوهري بين المعارضة السلمية العلنية ، التي تعمل لكسب الرأي العام و الفوز في الأنتخابات التشريعية و المحلية  وبين الحركات و التنظيمات السرية و شبه السرية التي تعمل في الخفاء و تستخدم وسائل غير ديمقراطية و تلجأ للعنف ،لتغيير النظام القائم و الوصول للسلطة .و مثل هذه المعارضات تنشأ في ظل الأنظمة التسلطية و لا مكان لها في فضاء الديمقراطية الحقيقية .
  المعارضة لا تعني على الأطلاق معارضة أي أجراء أو قرار حكومي و ان كان يخدم المجتمع ، ولا تعني تضخيم السلبيات ، التي قد تتحمل الحكومة مسؤوليتها الى هذه الدرجة او تلك ، كما لا تعني السكوت عن الأيجابيات و الأنجازات و المكاسب و النظر اليها من زاوية المنافسة الحزبية وليس من زاوية خدمة المجتمع و مستقبل القضية الكردية ، التي لم تحل لحد الآن ، رغم تمتع أقليم كردستان أو بتعبير أدق " كردستان الجنوبية " بوضع أشبه بالأستقلال ، و لكن الطريق ما يزال طويلاً امام الكرد في أجزاء كردستان الأخرى و حتى في كردستان الجنوبية نفسها للوصول الى ما يتطلع اليه الشعب الكردي من أستقلال و حرية وتطور في شتي مجالات الحياة ومواكبة التطور الحضاري العالمي الراهن و ضمان حياة كريمة لكافة شرائح المجتمع .
الخطاب السياسي للمعارضة الكردية و بخاصة فصائلها الرئيسية الثلاث ( حركة التغيير ، الأتحاد الأسلامي الكردستاني ، الجماعة الأسلامية ) خطاب أنتقادي لاذع على الدوام ، يبحث عن السلبيات وهي سلبيات لا أحد يشك في وجود البعض منها أو حتى الكثير منها فى الواقع الكردستاني اليوم . و لكن من حقنا أن نتساءل : الا يوجد أي ايجابيات في أقليم كردستان ؟ و اذا كان الجواب بالنفي ، أذن  كيف تحققت هذه الأنجازات، التي يلاحظها القاصي و الداني ، في البناء و العمران و في شتى جوانب الحياة في الأقليم . لم اسمع لحد الآن من الأعلام المعارض كلمة حق حول أي انجاز أو تطور شهده الأقليم في السنوات الأخيرة .
 والأهم من ذلك ان مكاسب الشعب الكردي في الأقليم تحققت بفضل تضحيات سخية و أنهار من الدماء الزكية و نضال طويل ودام على مدى مائة سنة في الأقل ، وليس من حق أحد – كائناً من كان – ان يجازف بها أو ينال منها على ساحة المنافسة الحزبية من اجل جني  امكاسب سياسية .
ما تحقق لحد الآن من حقوق مشروعة للكرد  كان بفضل أنتفاضة آذار 1991  المجيدة وصمود شعب كردستان بوجه الحصار المزدوج ومن ثم الأسهام الفاعل في أسقاط النظام الديكتاتوري السابق ، هذه الحقوق ، و لا أقول المكاسب ، أنتزعت أنتزاعا ً من الحكومات المركزية المتعاقبة بالنضال البطولي الدامي ، و ليس من حق أحد التفريط بها ، اذا كان حريصاَ حقاً على حاضر ومستقبل الكرد وكردستان ..
توحيد البيت الكردي :
  يخوض الشعب الكردي اليوم في اقليم كردستان نوعا آخر من النضال وهو النضال السلمي ( السياسي و الدبلوماسي ) وحقق في هذا السبيل خطوات كبيرة الى الأمام وفي مقدمتها ، أنتزاع المزيد من الأعتراف الدولي بقضيته العادلة ، حيث تتعامل الدول مع الأقليم على اساس العلاقات الثنائية و المصالح المشتركة ووجود أكثر من 30 قنصلية أجنبية في أربيل يعد في حد ذاته أعترافأ بخصوصية كردستان و حق شعبها في العيش في وطنه على قدم المساواة  مع مكونات العراق الاخرى ضمن عراق فدرالي ،  ديمقراطي ، تعددي . شعبنا لن يقبل العيش في ظل نظام تسلطي جديد مهما رفع من شعارات براقة و زائفة . العقلية التسلطية المتخلفة  السائدة اليوم لدى الطبقة السياسية الحاكمة في بغداد لا تختلف من حيث الجوهر عن العقلية الصدامية ، ولا يقل خطراُ عن النظام الصدامي ، اذا سنحت له الفرصة لفرض ارادته على القوى السياسية الأخرى .
الصراع السياسي و الأقتصادي الذي يخوضه الأقليم  مع نظام يحاول اعادة عجلة التأريخ الى الوراء ، صراع مفصلي في تأريخ الحركة التحررية الكردية . ومن واجب المعارضة الكردية الوقوف الى جانب حكومة و شعب الأقليم عندما يتعرض مصير الأقليم و مكاسب شعبه للخطر و هذا أضعف الأيمان .
 و لكن ما نجده اليوم من مغازلة بعض أطراف المعارضة للقوى السياسية الشوفينية التي تحاول تحجيم دور الاقليم وعرقلة تطوره ، أمر يدعو الى التساؤل عن مدى حرص هذه المعارضة على مكاسب الشعب الكردي و مستقبله .واذا كانت هذه القوى تعامل أبناء جلدتها في القومية و الدين بمثل هذه المعاملة اللاأنسانية القاسية و بمثل هذا التمييز الطائفي  ، فهل يكون تعامله مع الشعب الكردي أفضل !. أن أي عاقل لا يمكن ان يتوقع خيراً من نظام يضطهد شعبه و يهدر ثرواته و يصادر حرياته . و ها هو العراق بعد عشر سنوات من سقوط النظام السابق يئن من فقدان الخدمات العامة و تفشي الفساد و الفقر و التخلف  في كافة جوانب الحياة . ماذا تتوقع المعارضة الكردية من مثل هذا النظام ؟
في النظام الديمقراطي ،الحكومة والمعارضة تعملان يدا بيد  عند إتخاذ القرارات المهمة ،لأن الأهداف الإستراتيجية دات العلاقة بحياة الناس ومستقبل البلاد ومصالح الوطن العليا ،اهداف مشتركة بينهما وإن إختلفت الرؤى حول  طرق واساليب تحقيقهاْ.
لقد آن الأوان للمعارضة الكردية ان تغير نهج عملها وخطابها السياسي وتضع مصالح الشعب الكردي ومستقبله فوق المصالح الحزبية الضيقة  التي تتركز علي إنتزاع السلطة  بأي وسيلة كانت ،للتمتع بمغانمها ومباهجها ٠ولكن السلطة في النظام الديمقراطي أداة لخدمة الشعب وليست هدفا بحد ذاتها . و في هذه المرحلة الدقيقة ينبغي علي المعارضة الكردية أن تلجأ للحوار البناء لان توحيد البيت الكردي
 مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى ، حيث يمر الأقليم بظروف محلية و أقليمية في غاية التعقيد وتواجه تحديات تتطلب التكاتف من اجل تجاوزها بسلام

جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo,com


43
عبء جديد على " الرجل الأبيض "

 جودت هوشيار

دعا وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الطارىء الأخير " المجتمع الدولي " الى التدخل لوضع حد لإراقة الدماء في سوريا ، في الوقت الذي تقف فيه الجامعة مكتوفة اليدين ولا تحرك ساكنا ٠ وقد سخر المؤرخ والكاتب والصحفي الفرنسي ٌ بينوا رايسكي - Benoit Rayski من هذه الدعوة في مقاله المنشور في صحيفة (Atlantico) تحت عنوان " لماذا لا تتدخل الدول العربية نفسها في سوريا؟ " ويرى " رايسكي " إن مصطلح " المجتمع الدولي " يتردد كثيرا في خطب رؤساء الدول ومانشيتات الصحف ، ولكنه  بلا معنى ٠ ويتساءل  ماذا يعني " المجتمع الدولي " هل المقصود به ُ - ملاوي ، ليختنشتاين ، مولدوفا ، زيمبابوي ، النيجر ، جزر المالديف ،  البوسنة ، أو لاووس ؟ أم منغوليا ، والجبل الأسود ؟ هل كل هذه الدول أعضاء ، على قدم المساواة،  في الأمم المتحدة ؟ كلا بالطبع ! .  واذا نزعنا عن هذا المصطلح الجميل قشرته اللفظية ، لأصبح من الواضح  تماما  إن المقصود به ، الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية تحديدا.
  كل النداءات والمناشدات الداعية إلى التدخل العسكري في سوريا توجه ال هذه الدول حصرا ٠ربما هذا عبء جديد علي ً  الرجل الأبيض  ٌ الذي تحدث عنه - كيبلينغ - ذات يوم  . آوليس لسوريا جارات شقيقات على مرمى حجر من المواقع التي ترتكب فيها جرائم تقشعر لها الأبدان ؟ ألم تكن سوريا عضوا  في جامعة الدول العربية الى وقت قريب؟ حتى هذه الجامعة ، التي اعتادت التفرج على المشاهد الدموية ،قالت إن النظام السوري تجاوز الخط الأحمر٠
ويمضي " رايسكي " الى القول إن السعودية تمتلك أقوى سلاح جوي في المنطقة يليها مصر ، والأردن لديها قوات برية ممتازة   ،ولا تحتاج الا لعبور الحدود الفاصلة بين البلدين ،حيث يسيطر الجيش السوري الحر  الحليف على الجانب الآخر من الحدود٠ أما قطر، التي لا تعاني من نقص الموارد العسكرية فإنها تفضل إنفاق المليارات على تدريب مقاتلي المعارضة .
أوليس من الأفضل ارسال قوات عربية من قطر والأردن ومصر والسعودية ؟ الى سوريا  ما هذا الهراء ؟  ليس هذا هو المطلوب ، إنما على الغرب أن يبادر الى التدخل بمباركة الجامعة العربية الكسولة والمنافقة . الجيوش العربية لا تحارب بعضها البعض بل تحارب رعاياها فقط . الجيش السوري يسجل كل يوم إنتصارات جديدة على المدنيين العزل .
الجيش العراقي في زمن صدام  إستعرض قدراته القتالية ً في إبادة الكرد والشيعة .
جيش القذافي تفنن في أساليب  إراقة الدماء.
الجيش الأردني قمع -  قبل عقود - إنتفاضة الفلسطينيين .
ولا يبدو ألأمر مختلفا كثيرا في مصر ، حيث لم ترتعش أيدي الجنود المصريين حين وجهوا فوهات بنادقهم نحو أبناء جلدتهم .
ينبغي إقامة نصب تذكاري للمنافق " ترتوف " في كل عاصمة عربية.

لقد حرصت على تلخيص أهم ما جاء في مقال ً رايسكي ً ليس لأن كل ما كتبه صحيح ، فهويقدم صورة مشوهة  للوضع المتأزم في المنطقة ويقلب بعض الحقائق رأسا على عقب ، بل لأنه يعبر بصراحة متناهية عن رأي قطاع عريض من الرأي الغربي ، حيث يشير آخر استطلاع للرأي ، إن الأغلبية الساحقة من الأميركيين و الأوروبيين يعارضون التدخل العسكري الغربي في سوريا ، ولا يريدون ً عراقا آخر ً  أو ما هو أسوأ  وأخطر .وهم لا يعارضون التدخل حرصا على الأرواح البشرية التي ستزهق أو لأن دافعي الضرائب لا يريدون تبديد الأموال في حروب عبثية ، بل لأنهم على قناعة تامة ان شعوب هذه المنطقة متخلفة حضاريا ولا أمل في إصلاحها عن طريق التدخل العسكري أو تقديم المساعدات لها ، وان الإستعمار الغربي حاول عبثا إنتشال هذه الشعوب من التخلف والجهالة ،وأنه لا ينبغي تحميل ً عبء جديد على الرجل الأبيض ُ .
هذا هوالأعتقاد السائد لدى معظم الغربيين عموما و الأوروبيين منهم على وجه الخصوص ، وهو اعتقاد لم يطرأ عليه تغير جوهري منذ عصر ً كيبلينغ ً وحتى اليوم .
---------------------------------------------
هوامش :

(1) جوزيف روديارد كيبلينغ (Joseph Rudyard Kipling) ، ولد يوم 30 كانون الأول/ديسمبر من عام 1865 في بومباي وتوفي في لندن يوم 18 كانون الثاني/يناير من عام 1936 وهو شاعر وكاتب وقاص بريطاني.
وتعتبر أفضل أعماله "كتاب الأدغال" و"كيم" و"اناشيد متنوعة" والعديد من القصائد. وكان كيبلينغ أول بريطاني يحصل على جائزة نوبل للآداب في عام 1907.
 روديارد كبلينغ هو مؤلف القصيدة الشهيرة «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا»
وكان حتى آخر يوم من حياته يتفاخر بإنتمائه الى المحفل الماسوني.

(2) «المنافق أو الدجال» مسرحية شهيرة  لموليير (  1622 - 1673) كتبها في عام 1664 وفيها أدان ازدواجية بعض رجال الدين الذين يظهرون الورع ويخفون عكسه.وقال إنهم يستخدمون الورع الظاهري لاستجلاب عطف الناس عليهم واحترامهم لهم، وكذلك لنيل الزكوات والأموال. فرجال الدين أكثر مكراً ودهاءً مما نظن. وهم يخفون مآربهم تحت ستار من التقى الظاهري.

44
ما قل ودل* :عـش ودع غيرك يعيش !

                                                                                                                     جـــودت هـوشــيار
 
الأنسان السوى بمسيس الحاجة الى  ظروف ملائمة ، يتمكن فى ظلها من أظهار قدراته ومواهبه  و تحقيق ذاته فى المجال الذى يختاره . و هذه الظروف هى أساس المجتمع الديمقراطى .
 من  الأقوال التى أبتذلت لكثرة تكرارها  : ان الديمقراطية هى  سيادة القانون و الأنتخابات الحرة النزيهة و التداول السلمى للسلطة و حرية التعبير بشتى أشكالها و هذا كله صحيح و لا غبار عليه ،  و لكننا نعتقد ان الأهم من ذلك هو الألتزام بقواعد السلوك التى توفر حياة مريحة و كريمة للأنسان فى مجتمع يعتبر الأنسان أهم ما فى الوجود . و فى نهاية المطاف فأن الديمقراطية هى ثقافة الحرية المسؤولة .
فى عراق اليوم الكل ديمقراطيون متحمسون قولا و لكن المؤمنين بالديمقراطية الحقيقية فعلا وعملا  قلة نادرة .
يقال ان الشعب العراقي لم يعرف الديمقراطية وتقاليدها ، طوال تأريخه المعاصر العاصف ، الحافل بالأحداث الجسام ويفتقر الى الثقافة الديمقراطية ،  ولا يمكن دمقرطة العراق .
 أعداء الديمقراطية لا يتوقفون عن التكرار الممل لمقولات مبتذلة و مضللة من قبيل الزعم بأن الديمقراطية نبتة غربية لا تلائم مجتمعنا العراقى ؟ و لكن لا تلائم من ؟.   انها حقا لا تلائم من حول العراق الى بقرة حلوب له و لأعوانه و حاشيته و حزبه و طائفته !
 الديمقراطية و الفساد على طرفى نقيض . و الديمقراطية لا تلائم من يتلاعب بمشاعر الجماهير البسيطة المسحوقة و المخدوعة فى الوقت ذاته  بالشعارات الدينية التى حولت ايام العراقيين الى مصائب و نكبات و احزان لا تنتهى .
 
و بعيدا عن المقولات الجاهزة ، نقول ان الديمقراطية الحقيقية ينطلق من مبدأ حياتى بسيط : عش و دع غيرك يعيش ! و لا يوجد فى هذا ما هو غربى . يوجد فقط  تطلع انسانى عام الى نظام عقلانى للحياة و العدالة .
 
ان ما يميز الأنظمة الديمقراطية في الدول الغربية  هو أن الجميع  فى تلك الدول- المؤسسات الرقابية في الدولة وبضمنها ،  البرلمان ، المعارضة ، القضاء ، المجتمع المدني ، الأعلام ، وحتى المواطن العادي  -  يراقب مدى الألتزام بالنظام السياسي المعترف به من قبل الجميع .
 
من اجل تحويل حاكم يحترم نفسه و شعبه الى أنسان آخر لا يحظى بثقة شعبه ، ينبغى بذل جهود متواصلة و كبيرة . وهى جهود تحتاج الى أناس من صنف خاص ، الى خبراء ومستشارين . أنهم موجودون دائما الى جانب الزعيم و يحيطون به كالحلقة . مثل خلية النحل ، يحولون النحلة العاملة العادية الى ملكة و يحيطونها بالرعاية المتواصلة ، و يطعمونه وفق نظام غذائى خاص . و لكنهم يعملون في الوقت نقسه ما يحلو لهم من دون كلل او ملل  .
 
---------------------------------
" ما قل و دل " عنوان عمود صحفي كنت أكتبه علي مدي سنوات ، في صحيفة " خبات " الأسبوعية ، الصادرة في مدينة " أربيل " باللغة العربية ، حتي حوالي منتصف العام 2003 ، و لحين انتقال الصحيفة الي بغداد - بعد سقوط النظام السابق - و تحولها الي صحيفة يومية ، هي صحيفة " التآخي " الغراء . و ها أنا اليوم ، أواصل كتابة هذا العمود و لكن في الصحافة الرقمية ، التي يشتد عودها يوما بعد يوم و تكتسح في طريقها الصحافة الورقية المطبوعة ، معلنة بزوغ فجر اعلامي جديد في عالم يعرف كل من فيه كل ما يجري فيه لحظة بلحظة . وخير الكلام في عصر السرعة : ما قل و دل.
 
جـــودت هـوشــيار
jawhoshyar@yahoo.com


45
فلك الدين كاكايي كما عرفت

                                                                                                               جــودت هـوشــيار
 
كان ذلك في بداية السبعينات من القرن الماضي ، عندما التقيته للمرة الأولى . كنت انشر مقالاتي في المجلات والصحف البغدادية وفي مقدمتها جريدة " التآخي " التي كانت تشغل بناية صغيرة قديمة من عدة طوابق في منطقة السنك في شارع الرشيد ببغداد (بناية مطبعة التايمس، حيث تطبع الجريدة ).لم يكن في البنابة مصعد كهربائي وفي كل مرة كان على ان اصعد سلما ملتويا للوصول الى غرف الأدارة والتحرير . في اول زيارة لي توجهت الى غرفة التحرير وانا احمل معي مقالا طويلا عن كتاب " اربيل في أدوارها التأريخية " للمؤرخ الراحل زبير بلال اسماعيل ( 1938 – 1998 ) الذي كان قد صدر للتو ( 1971 )  في النجف الأشرف وأثار سجالا حارا على صفحات " التآخي " وبعض الصحف الأخرى .  كانت الغرفة واسعة ولكنها متواضعة الأثاث ،. ولم أكن أعرف أيا من الجالسين وراء مناضد حديدية صغيرة ، وتبين انهم كل من (  فلك الدين كاكائي ، ومحمد الملا كريم ، بدرخان السندي ) . ولا أدري لماذا توثقت العلاقة مع كاكائي دون الآخرين . ربما لأنه كان  بشوشا يستقبلك بوجه باسم ويحاورك بصوت هاديء وخفيض . قدمت له المقال ، فقرأه بتمعن و تركيز ، ثم قال سننشره في القريب العاجل .وفي زيارتي التالية ، قدم لي نسخة من روايته البكر" بطاقة يانصيب " الصادرة في بغداد العام 1967 باللغة العربية مع اهداء لطيف .
 
كان حزب البعث الحاكم قد تنكر عمليا لنص وروح اتفاقية آذار 1970 وكان الوضع السياسي يزداد توترا كلما اقترب نهاية السنوات الأربع التي كان من المفترض ان يتم تنفيذ بنود اتفاقية آذار خلالها ، وخلال الأشهر الأخيرة المتبقية من عمر الأتفاقية  كانت جريدة " التآخي " قد انتقلت الى بناية في شارع السعدون و تخوض نضالا اعلامياً ،  لا يقل اهمية عن اشكال النضال الأخرى وبضمنها الكفاح المسلح. وكان المقال الأفتتاحي للجريدة   هو المعبر الحقيقي ليس عن موقف الحركة التحررية الكردية فقط بل عن الوضع العام في البلد .وكانت " التآخي " الجريدة المعارضة الوحيدة في العراق في تلك الفترة واوسعها انتشارا.
وفي تلك  الظروف العصيبة واظب كاكائي على كتابة عموده الصحفي قي الصفحة الأخيرة من الجريدة بتوقيع ( أ. برشنك ) وكان في غاية الجرأة ، يلتقط فيه حقائق عن زيف ادعاءات البعث وعدم جديته في تنفيذ الأتفاقية وتصميم الشعب الكردي على نيل حقوقه مهما بلغت التضحيات .
 
بعد انتفاضة آذار المجيدة العام 1991 ، لعب كاكائي دوراً محوريا في المشهد الثقافي الكردستاني ، ورغم أنه كان قيادياً في الحزب الديمقراطي الكردستاني ، الا أنه كان مثقفا  موسوعيا من طراز فريد ، واستطاع في عمله التوفيق بين مجالين  على طرفي نقيض  هما ( السياسة والثقافة ) ونجح في الحفاظ على شخصيته الثقافية والفكرية المتميزة وهو امر في غاية الصعوبة ونادر الحدوث ,. وكان دائما يتحدث كمثقف ولا تشعر انه قيادي حزبي . حتى عندما استلم مسؤولية وزارة الثقافة والشباب .
 
ثمة عادة لا استسيغها في اقليم كردستان وهي زيارة الوزير الجديد وتقديم باقات الزهور اليه . فترى عددا كبيرا من معارف الوزير وأصدقائه وممثلي احزاب و منظمات ، محشورين فى غرفة السكرتارية ، ينتظرون دورهم في الدخول الى الوزير لتهنئته بمنصبه الجديد . هذه الزيارات لا تنقطع لمدة شهر او أكثر، أي انهم لا يدعون الوزير يمارس مهامه كل هذه المدة . كنت اتحرج من حشر نفسي بين هذه الجموع وان كنت اعرف كاكائي عن قرب ، ربما أفضل من الباقين .لذا لم ازره الا بعد عدة أسابيع من استيزاره وذكرني الراحل بايام االتآخي " في بغداد .
 
. وخلال زياراتي المتقطعة له لم نكن نتحدث عن السياسة قط ، بل كان يحدثني عما يشغل فكره في تلك الأيام . اذكر انه تحدث طويلا ذات مرة عن " العولمة " وانه شديد الأهتمام بهذا الموضوع لأهميته البالغة . وكان يتابع كل ما يستجد على الساحة الثقافية  في المنطقة والتيارات الفكرية في الغرب .
 
 في يوم الجمعة 5/4/2002 احتقل العاملون في جريدة " خه بات " في فندق " جوار جرا "  بالذكرى الثالثة والأربعين لصدور جريدتهم بصورة علنية لأول مرة ، حيث صدر عددها الأول في بغداد يوم 4 نيسان 1959 وكنت  من ضمن المدعويين الى الحفلة وتصادف جلوسنا على ماائدة واحدة ، ووجدت نفسي وجها لوجه امام كاكايي وكان بين الحضور الصحفي الصديق الراحل طارق ايراهيم شريف و الدكتورة خيال الجواهري ( كريمة الشاعر الكبير الراحل محمد مهدي الجواهري ) وقرينها الأعلامي والمسرحي صباح المندلاوي .ودهشت عندما رأيت كاكايي يتحدث عن الموسيقى العربية والعراقية  وابرز نجومها في الماضي والحاضر ، وكان شديد الأعجاب بعازف العود "  نصير شمه " و تطرق الحديث الى انجازات الأخير الموسيقية ونشاطه الدائب للتعريف بالموسيقى العراقية .
 
خلال الأيام الأخيرة نشر العديد من المقالات في وسائل الأعلام العربية والعراقية والكردية عن الفقيد والتي تتحدث عن الطابع الفريد لكتاباته ، الذي يتجلى قي المزج بين الماركسية والقومية والصوفية وهو أمر تطرق اليه الفقيد نفسه في مقابلاته الصحفية ،  ولكن لم ينتبه أحد الى المقالات الأفتتاحية لجريدة " خه بات " الأسبوعية الصادرة في اربيل باللغة العربية والتى كان الفقيد يتولى رئاسة تحريرها حتى العام 2001  . كانت معظم تلك الأفتتاحيات تعالج القضايا الآنية الملحة للمجتمع الكردستاني ، فعلى سبيل المثال لا الحصر كتب الفقيد مقالين افتتاحيين تحت عنوان " التكنولوجيا في خدمة كردستان " في العددين 910 ، 911 الصادرين في 5 ، 12 /2 /1999 على التوالي . وربما كانت هذه هي المرة الأولي في تأريخ الصحافة الكردستانية التي يجري فيها الحديث على نحو جاد عن هذا الموضوع المهم. كما كرس الفقيد عدة افتتاحيات لظاهرة استغلال الوظائف العامة للمنافع الشخصية  و ضرورة ابتعاد المسؤولين عن ممارسة النشاط التجاري .
 
كان للفقيد حضور ثقافي دائم ويحرص على حضور الندوات والمحاضرات الثقافية  والأسهام فيها بمداخلات قيمة ..
رأيت كاكايي للمرة الأخيرة  في الندوة التي اقامها اتحاد الأدباء الكرد في اربيل قبل عدة اسابيع للدكتورة شكرية رسول ، حول "  التراث الشعبي الكردي" . وتحدث كاكائي في هذه الندوة حول موضوع في غاية الأهمية وهو توثيق التعاون والتكامل الثقافي بين اجزاء كردستان الكبرى .
 
كرس الفقيد اجمل سنوات عمره للنضال في صفوف الحركة التحررية الكردية ، بالبندقية والقلم في آن واحد ، ولم تكن الوظيفة بالنسبة اليه الا وسيلة لخدمة شعبه .وكان يحلم بالتفرغ لأعماله الفكرية  وقد تحقق ذلك في السنوات الأخيرة . ويبدو ان هذا التفرغ كان  مثمرا للغاية ، حيث صرح مرارا انه انجز عدة مؤلفات جديدة وهي جاهزة للطبع . والمهم الآن هو جمع تراث الفقيد واعادة طبعه والحفاظ على أرشيفه الثري واعداد مخطوطاته للطبع  تحت اشراف لجنة علمية متخصصة عالية المستوي ، كما هو متبع في الدول المتقدمة .
جـــودت هوشـــيار
jawhoshyar@yahoo.com
 
 
 


46
أيطاليا تحتفل بمرور ‏500‏ عام على كتاب " الأمير " لنيكولو مكيافيللي

                                                                                                                         جودت هوشيار
" عام الأمير " في ايطاليا :
 
تحتفل أيطاليا طوال هذا العام ( 2013 ) الذي أطلق عليه أسم " عام الأمير "  بمرور ( 500 ) عام على تأليف أهم وأشهر كتاب في التنظير السياسي الواقعي وهو كتاب " الأمير " للسياسي والمفكر الأيطالي  نيكولو مكيافللي ( 1469- 1527) ، وذلك بأقامة المعارض لكتبه ومخطوطاته ورسائله ، من بينها  معرض كبير افتتح مؤخراً في  متحف فيتوريانو   في وسط العاصمة الإيطالية . وضم العديد من الأعمال الفنية المهمة, ومخطوطات نادرة ورسائل شخصية , وقطع قديمة أخذت من مجموعات خاصة وعامة مختلفة مثل أرشيف فلورنسا ومتحف النهضة في روما ومتحف الفاتيكان.
 
وأضافة الى  المعارض ، التي تستعيد  قصة ونجاح نتاجه الرئيسي «الأمير» عبر الأجيال ، يتضمن برنامج الأحتفال ألقاء المحاضرات وأقامة الندوات ، التي دعي اليها نخبة من الفلاسفة والمفكرين والمؤرخين ، الذين تخصصوا أو أسهموا  في دراسة حياة مكيافيللي  وأعماله ، وكذلك نخبة من نجوم السينما والمسرح ،الذين أشتركوا في افلام سينمائية وعروض  مسرحية عن حياته أو مستوحاة من  نتاجاته الفكرية والمسرحية .وللمناسبة ذاتها ، صدرت طبعة جديدة وراقية من مجموعة مؤلفات مكيافللي الكاملة ، ضمن سلسلة " المكتبة الحديثة " في الولايات المتحدة الأميركية ،  وهي سلسلة قيمة ، رفيعة المستوى  وتقتصر على عيون النتاجات الفكرية والأبداعية في تأريخ الحضارة البشرية .
 
 أحتفالات أيطاليا هذا العام ، متعدد الجوانب والأشكال  ، فثمة فعاليات وأنشطة تهدف الى تربية الجيل الأيطالي الجديد وغرس حب الوطن ورموزه التأريخية ، وفي مقدمتهم مكيافللي في القلوب و الأذهان ، وذلك  بتنظيم رحلات الى الأماكن ،التي عاش فيها مكيافللي أو التي شهدت ولادة مؤلفاته أو المحطات المهمة في حياته الشخصبة ، الحافلة بالنجاحات الباهرة وايضاً بالهزائم المريرة والبؤس والفاقة والحرمان .
 
ايطاليا ترى في مكيافللي رمزاً وطنيا ناضل من اجل توحيد أيطاليا ومستقبل أفضل لشعبه .
.وقد يتعجب القاريء ، كيف يمكن الأحتفال بذكرى تأليف كتاب " سيء الصيت " مثل كتاب " الأمير " ؟ .
ولكن لم العجب ، اذا كانت  دولة  منغوليا  في عهودها المتعاقبة (  من ملكية وشيوعية وديمقراطية ) ، كانت وما تزال تعتبر  جنكيز خان  رمزاً وطنياً !! " و تحتفل بذكرى ميلاده وتقيم المهرجانات و المؤتمرات لتمجيده .!!
 
ولكن شتان بين مكيافللي السياسي البارز والوطني المخلص والمفكر اللامع لعصر النهضة الأوروبية ، وبين  جنكيزخان  الدموي ، الذي لم تعرف عنه صفة حميدة واحدة ، ولا اية اعمال مفيدة ، ناهيك عن المصائب والكوارث التي نجمت عن غزواته البربرية .
 
مكيافللي السياسي والدبلوماسي :
 
تأسست جمهورية فلورنسا في عام (1492) بعد طرد آل مديتشي منها . وبعد فترة وجيزة من حكم  سافونارولا   ، انتخب مكيافللي – و قد كان في العام  التاسع والعشرين من عمره -   مديرا لمكتب البريد ، ولكن لم يمر سوى شهر واحد ، حتى أكتشف رئيس الجمهورية  بييرو سوديريني  معرفة مكيافللي الواسعة والمدهشة في اللغات ، فأصبح أحد الأعضاء العشرة لمجلس وزارة الحربية وكانت الحرب دائما قاب قوسين أو أدنى : أسبانيا ، فرنسا ، روما ، كانت ترسل جيوشها الى أسوار دويلات المدن الضعيفة، التي كانت في نزاع مستمر فيما بينها ( ميلانو، جنوا ، فلورنسا ، نابولي ..وغيرها ) ، وعاجزة عن الدفاع عن نفسها.
 
كان مكيافيللي يسرج جواده ويحشو السرج بالكتب و ينطلق للدفاع عن مصالح جمهوريته في بلاط ملك فرنسا لودفيك الثاني عشر او الأمبراطو ماكسيميليان أو البابا يوليوس الثاني . وقد أبلي بلاءاً حسناً في هذه المهام الدبلوماسية – كمبعوث رفيع المستوى -  بذكائه وفطنته ورجاحة عقله وفصاحة لسانه .
 
حدّد مكيافللي مهمته الدبلوماسية كما  جاء في احد تقاريره على النحو التالي  : " لا يكفي  ان تدرك نية الحاكم ، بل ينبغي معرفة رغباته الحقيقية ، ولا يكفي معرفة خططه فقط  ، بل ادراك في اي اتجاه يعمل عقله... عليك استطلاع  ، ما يمكن ان يجبره على المضي قدما الى أمام ،  وما يرغمه على التراجع " .
 
ولم يقتصر عمل  مكيافللي على المهام الدبلوماسية ، بل شمل قضايا عملية بحتة للحفاظ على الجمهورية . كانت مهمة الدفاع عن المدينة قبل مكيافللي مناطة بالمرتزقة ، الذين كان من السهل على العدو أستمالتهم بالمال، ولكن مكيافللي وأقتداءاً بـ ( سيزار بورجيا ، دوق رومانيا) أسس قوات الشرطة المؤلفة من مواطني فلورنسا . فقد أدرك ان الدفاع عن المدينة بالنسبة اليهم ، ليس مجرد خدمة ، بل عمل شخصي له علاقة مباشرة  بحياتهم و مستقبلهم . ولكن قوات الشرطة هذه كانت قليلة العدد والخبرة ، و بعد  أحراز عدة أنتصارات صغيرة ، غير حاسمة ، تراجعت في نهاية المطاف أمام ضغط قوات مديتشي المتفوقة و المتعطشة للأنتقام ، التي احتلت المدينة ، ونكلت بالجمهوريين البارزين  وبضمنهم مكيافللي ، الذين كان مصيرهم الهرب  الهرب أو الأعتقال ..
 
 في هذا الوقت العصيب الذي كان فيه مكيافللي مهدداً بالأعتقال ، قام بعمل جريء لا ينسجم مع طبعه وصورته . فقد تم الكشف لأول مرة عن وثيقة في غاية الأهمية ، نشرها الكاتب والمترجم (  بيتر كونستانتين  ) باللغة الأنجليزية ضمن كتابه " المؤلفات الأساسية لمكيافللي  The Essential Writing of Machiavelli" . وهذه الوثيقة عبارة عن رسالة خطية وجهها مكيافللي الى  حكومة " مديتشي " الجديدة  ،  دافع فيها بحرارة عن زعيم الجمهورية  ( سوديريني  Soderini )  الهارب من المدينة أثر سقوطها بيد قوات  مديتشي، وكان هذا الأخير يحاول بكل السبل تلطيخ سمعة "  سوديريني "  ويعتبره من ألد أعدائه .
 
وكالعادة حاول مكيافللي ان يصوغ رسالته باسلوب دبلوماسي ، حيث كتب يقول :
 " ان حكومة مديتشي تضعف نفوذها عندما تهاجم شخصاً لم يعد بأمكانه الحاق اي ضرر بالحكومة الجديدة " .
 ولكن دبلوماسية مكيافللي أخفقت هذه المرة في تحقيق هدفها ، وأعقبها اعتقال مكيافللي نفسه.
مكيافللي في السجن ! :
 
كان ذلك في عام 1513 في فلورنسا ، في أيام النهضة الأوروبية ،التي شاعت فيها طريقة  ستراابادو Strappado  لتعذيب للسجناء ( من الكلمة اللاتينية strappare- السحب أو الجر ) ، حيث يقيد السجين من معصميه بالحبل وراء ظهره و أحياناً تربط أثقال على قدميه ويسحب بهذا الحبل الى الأعلى  ، ثم يترك ليهوي على أرضية صخرية لمرات عديدة الى ان يعترف بما هو مطلوب منه .وكانت " حفلة " التعذيب هذه تنتهي بأصابة السجين برضوض أوالتواء أو خلع مفصل أو أكثر وأحياناً بشلل اليدين .
 
ولكن ما كاد مكيافللي يعود الى زنزانته بعد  ست مرات من الـ" سترابادو " حتى يطلب القلم والورق على الفور ،  ليكتب " سوناتا " مكرسة  لـ( جوليانو دي ميديتشي ) الرائع ، أحد حكام فلورنسا ،  الذي تم سجن مكيافييلي  بأمر مباشر منه .ومع ذلك فأن"  السوناتا "  لم تكن فقط تمجيدأ لـ( ميديتشي ) ، بقدر ما كان فيها من جرأة وتهكم لاذع وفكاهة :
"  على جدار زنزانتي قمل بحجم الفراشة ، اما الألهام ، فأنه  بدلاً من ان يخدم الأنسان المقيد بالسلاسل ، يمنحه ركلةً . هكذا يعامل الشعراء عندنا ."
 
ربما يظن القاريء ان مكيافيللي كان شخصاً أنتهازيا وماكراً وقد أذل نفسه بطلب العطف والرحمة  والغفران من عدوه اللدود . ولكن هذا الظن في غير محله ، لأن اسلوبه يحتمل تأويلات كثيرة كأي مفكر عظيم .ولا أحد يعرف هل قرأ  راعي الفنون ( جوليانو مديتشي " السوناتا ) المهداة اليه أم لا ؟ ،  ولكنه – على أي حال -  لم يطلق سراح مكيافللي من السجن حتى العفو العام الذي اصدره لمناسبة اختيار الكاردينال ( جيوفاني مديتشي ) لمنصب بابا الفاتيكان  .
 
الأقامة الجبرية في مزرعة الأسرة:
 
ذكرت جريدة الـ( تلغراف ) البريطانية مؤخراً ،  ان البروفيسور ( ستيفان ميلنر ) من جامعة ( مانجستر ) عثر في مدينة  فلورنسا على  أمر القاء القبض على مكيافللي . اكتشف العالم البريطاني بمحض المصادفة هذه الوثيقة ، التي يعود تأريخها  الى عام ( 1513 ) خلال دراسته للأوامر التي أصدرتها السلطات في فلورنسا خلال الفترة ( 1470 – 1530) .
ويرى ميلنر أن هذا الأمر كان بداية لتسقيط وأزاحة أحد المع الساسة في عصر النهضة وكان ذلك أحد الأسباب التي ادت الى وفاته في ظروف الفاقة والبؤس .
ويقول ميلنر ، انه جرى اولاً احتجاز مكيافللي في المدينة تحت حراسة مشددة لفترة قصيرة  ومن ثم تم نقله الى مزرعة في الريف وفرض عليه الأقامة الجبرية .وهنا كتب مكيافللي معظم ، ان لم يكن كل مؤلفاته . وبضمنها ( الأمير ، المطارحات ، تأريخ فلورنسا ، فن الحرب ، والعديد من الأعمال الأبداعية من مسرحيات وقصائد وغيرها كثير )
 
المزرعة التي يتحدث عنها  ميلتر  كانت مزرعة الأسرة في ضواحي فلورنسا ، حيث نقل اليها مع زوجته وأطفاله الخمسة . كانت المزرعة مهملة وخربة ، والأهم من ذلك أن مكيافللي حرم من التواصل الفكري – العزيز على قلبه وروحه – مع أصدقائه المثقفين ، الذين كانوا في رسائلهم اليه  يمازحونه  ويطلبون منه ابلاغ تحياتهم الى دجاج المزرعة !!
 
كانت حياة مكيافللي في عزلته الأجبارية في الريف قاسية ومثمرة فى آن واحد : حياة رتيبة وباهتة في النهار ، ومشرقة وضاءة في الليل ، حيث يلجأ الي صومعته ويعيش ساعات بين العظماء  والمفكرين ، في تأمل وتألق فكري جدير بالعباقرة من أمثاله .
 
في رسالة لـصديقـه " فرانسيسكو فيتوري "  مؤرخة في الثالث عشر من سبتمبر( 1513) - التي تعد احدى الرسائل الأكثر شهرة في عصر النهضة -  ذكر مكيافيلي تفاصيل  حياته في المزرعة – المنفى ، فبعد أن وصف حياته اليومية مع عائلته والجيران، كتب يقول :
«عندما يحل المساء أعود إلى البيت، وأدخل إلى المكتبة، بعد أن أنزع عني ملابسي الريفية التي غطتها الوحول والأوساخ وتفوح منها رائحة الروث ، ثم أرتدي ملابس البلاط ، وأبدو في صورة أنيقة، أدخل إلى المكتبة لأكون في صحبة هؤلاء الرجال الذين يملأون كتبها، فيقابلونني بالترحاب وأتغذى بذلك الطعام الذي هو لي وحدي، حيث لا أتردد بمخاطبتهم وتوجيه الأسئلة لهم عن دوافع أعمالهم، فيتلطفون علي بالإجابة، ولأربع ساعات لا أشعر بالقلق، وأنسى همومي، فالعوز لايخيفني والموت لايرهبني، لقد تملكني الإعجاب بأولئك العظام، ولأن دانتي قال: «يُحفظ العلم الذي يأتي بالتعلم». ولقد دونتُ ملحوظاتٍ من محاوراتهم، وألفت كتاباً عن الإمارات، حيث أنكبُ جاهدا في التأمل والتفكر بما يتعلق بهذا الموضوع، مناقشة ماهية الإمارات، وأنواعها، وكيفية امتلاكها، ولماذا تٌفقد.
 
وبحلول نهاية عام 1513 ، كان قد أنتهى من تأليف كتاب صغير تحت عنوان " الأمير "
وقد وصف فيه على حد قوله ، شخصيات تأريخية وأفعالهم في الواقع، وليس كما يبدو لأنفسهم أو أنصارهم .
 
كتاب " الأمير "
 
مصائر الكتب مثل مصائر البشر ، يذهب أغلبهم من دون أن يتركوا أثراً عميقاً في الحياة ، وآخرون لا يشكل الموت الا لحظة عابرة في ذكراهم الخالدة ، وتظل صورهم حية  في الأذهان وتظل أبداعاتهم في شتى جوانب المعرفة والفنون باقية ويظل تأثيرهم متواصلاً في الأجيال الجديدة . ومؤلف كتاب " الأمير " من هذا النوع الأخير ، مهما كان رأينا في شخصيته وأعماله سلباً أو أيجاباً .
 
جاء أول ذِكرِ لهذا العمل في رسالة مكيافللي  إلى صديقه (  فرانسيسكو فيتوري ) المؤرخة في 10 ديسمبر 1513 ،  يقول فيها أن الكتاب يتكون من إهداء و (26) فصلاً مختلفة الأحجام، وقد ضمنه عصارة تجربته وبعثه كأهداء الى أمير فلورنسا الجديد  ( لورانزو دي ميديشي)
 
لم يكن كتاب " الأمير " الوحيد الذي ألفه مكيافللي ، و لا يتضمن كل آرائه في  قواعد وأساليب الحكم ، الا أنه الأشهر . وكان  يوزع على شكل مخطوط ونسخ عنه ، قبل ان يتم طباعته ،  بعد خمس سنوات من وفاة مكيافللي سنة (1532) . وعنه يقول صاحبه :
 
 " لم أحاول تزويق كتابي بالجمل الطويلة ، ولا بالزخارف اللفظية الطنانة ، ولا بالحلي الجذابة المصطنعة ، التي يلجأ اليها الكثير من الكتاب لتنسيق مؤلفاتهم ، لأني لا أطلب مجداُ لكتابي أكثر مما يستحقه بفضل جدة موضوعه ورزانته ".
 
أنقض النقاد على الكتاب حتى قبل طباعته في عام (1532) ، وقد وصف كاردينال أنجليزي  مكيافللي بـ (عدو للجنس البشري). وتبارى الكتاب والمؤرخون في اطلاق أسوأ الألقاب عليه وعلى أهم أعماله ، كتاب " الأمير "   من قبيل ( محامي الشيطان ) و ( انجيل الطغاة ) وما الى ذلك من اسماء و ألقاب تنطوي على اتهامات مسبقة  ضده وتحميله مسؤولية  كل ما أرتكبه أشهر الطغاة  خلال القرون الخمسة الماضية من مذابح وجرائم وقمع وأرهاب وبضمنهم (  ايفان الرهيب ، هنري الثامن ، كاترين مديتشي ، كاليكولا ، ستالين ، هتلر  ، موسيليني ، صدام حسين ... والقائمة تطول ، ومن حقنا أن نتساءل :  ولكن من الذي ألهم الطغاة على مرالعصور  قبل مكيافللي (  جنكيزخان ، كاليجولا ، نيرون ، الملك الأسباني فرديناند  وغيرهم ؟ ) .
 
رغم كل الأنتقادات اللاذعة التي وجهت الى كتاب " الأمير " ومؤلفه ، الا أنه  لقي  نجاحاً مدوياً منذ ظهوره  لأول مرة ،  ليس فقط بفضل جدة واهمية  مضمونه  ، ، بل لأسلوبه الواضح وصراحة المؤلف المتناهية أيضاً  : الكثير من مقولات المؤلف البليغة  ساعدت على ايصال أفكاره للجمهور العام بكل يسر وسهولة .و خلال المائة عام التالية على طبعته الأولي أعيد طبعه مائة مرة في ايطاليا وحدها
 
ترجم " الأمير " الى معظم اللغات الحية فى شتى بلدان العالم ، وتفوق أعداد النسخ المطبوعة  منه أي كتاب آخر منذ أختراع الطباعة ( ما عدا الكتب الدينية المقدسة ) . ومع ذلك ، ما زال الغموض يكتنف مكان حفظ المخطوطة الأصلية بخط مكيافللي ،  ولا أحد يعرف عنها شيئاً. ومن مئات المخطوطات المستنسخة عن الأصل ، لم يتم العثور سوى على29 مخطوطة .
 
يرى البعض ان النجاح المدوي لهذا النتاج الفريد يرجع الى كونه تجسيداً لتمجيد الأستبداد  وفكرة أنتزاع السلطة وتقويتها والبقاء فيها بكل السبل لأطول فترة ممكنة ، و دليل عمل للطغاة في كل مكان .
ولكن على النقيض من ذلك ثمة بين علماء التنظير السياسي والفلاسفة والمؤرخين ، من يرى ان الكتاب فضح أساليب الطغاة في الحكم ، وساعد الشعوب المناضلة في التخلص منهم . وكان فرنسيس بيكون ( 1561 – 1626 ) اول من أشار الى هذه الحقيقة حين قال عن مكيافللي : " نحن مدينون له ولأمثاله ممن كتبوا عما يفعله الأمراء فعلاً ، وليس عما يجب أن يفعلوه " .
 
واذا كان كتاب " الأمير " قد تعرض للشجب و الأدانة من قبل علماء الأخلاق وخاصة في بريطانيا وفرنسا ، فأن علماء السياسة يرون ان للسياسة قيمها و أخلاقيتها الخاصة ، التي تختلف عن الأخلاق والقيم السائدة في المجتمعات وخاصة  المتحضرة منها ، وقد تتعارض معها في أغلب الأحيان ، وان مكيافللي هو المؤسس الحقيقي لعلم السياسة.
الفجوة بين السياسة والأخلاق والقيم الأنسانية ، لا يمكن تجاهلها ويعود الفضل في ذلك الى مكيافيللي ، الذي فتح عيون الناس على  ما في السياسة من حقائق مرعبة .
 
ان ما يتميز به كتاب "الأمير " هو ان كل شخص يمكن ان يفسر مضمونه على هواه ويجد فيه ما يشاء من الآراء و المباديء والقيم المختلفة من التضليل والخداع الى الأسس الأولية لّليبرالية ، ومن تعاليم للطغاة الى مباديء النظام الجمهوري .
 
اعادة تقييم مكيافللي :
 
لم يسبق لكاتب أو مفكر - لا قبل مكيافللي ولا بعده – ان جسَد بكل هذا الوضوح : كيف يمكن ان تكون الحقيقة خطرة . " الأمير " لقي رواجاً هائلاً ، كما أسلفنا ، لأن  القراء شعروا بمزيج من الأنبهار و الأشمئزاز . الأنبهار أمام بصيرة المؤلف الثاقبة ، والأشمئزاز من الأساليب المرعبة التي يتبعها الساسة على ارض الواقع .
 يقول مكيافللي " الأمير لا يمكن ان يسمح لنفسه أن تكون له صفات الأنسان الجيد من اجل الحفاظ على وحدة وسلامة البلاد ، وكثيرا ما يضطر إلى القيام بأعمال تخالف المثل العليا ( الرحمة والولاء والإنسانية والأستقامة ) حتى انه غير ملزم بتنفيذ الوعد الذي قطعه اذا كان في غير مصلحته  " .
 
 وكتب الفيلسوف الأنجليزي( بيرتران راسل) عن مكيافللي في كتابه " تأريخ الفلسفة الغربية " يقول :
"استعاد الفكر السياسي لليونان وروما فعاليته مجدداً في ( الأمير) و( مقالات في العشرة كتب الأولى لـ تيتوس ليفيوس - Discourses on the First Ten Books of Titus Livius ) الذي سمي فيما بعد بـ ( المطارحات - The Discourses ).
 مكيافللي مفكر بارز ، وهو رهيب أحياناً ولكن كان يمكن أن يتقاسم هذا المصير كثيرون لو تحرروا من الباطل .أنه يعلّم تحقيق الهدف سواء اكان جيدا او سيئا – واحيانا يثير وسائله الأدانة . ولكن عندما يصف أهدافه ، فأنها دائما جديرة بأستحسان الجميع ".
 
وذهب المؤرخ الروسي ( ايغور يفيموف ) أبعد من ذلك في كتابه " السر المخزي للامساواة " حيث يؤكد ان كل من قرأ مؤلفات مكيافللي وخاصة " الأمير" ، لم يكن بوسعه تجاهل ما فيها  من هجاء .
 
لا ننسى ان مكيافللي كان له اسلوب فريد ويعرف كيف يخفي أفكاره ونواياه لخداع الأمراء الحاقدين ومعهم كثير من القراء ، ولكن الذين يرون في كتاب " الأمير " ليس هجاءأً ، بل مرشدأ تعليمياً للحكام ، محرجون بسبب اهميته الراهنة .
 
أقترن اسم مكيافللي طيلة قرون  ، كما يقترن  مصطلح  المكيافيللية  اليوم ( رغم اختلافهما الشاسع ) ، بالتسلط و الأستبداد والأنانية وتغليب المصالح الذاتية على المصلحة العامة والممارسة السياسية منزوعة الأخلاق والتنصل من الوعود و المواثيق واللجؤ الى التصفيات الجسدية للخصوم السياسيين وينسب اليه العبارة الملعونة " الغاية تبرر الوسيلة " .
 
ولكن كما حدث مع شخصيات تأريخية أخرى ، فان الأجيال اللاحقة ، اختارت من كتابات واقوال مكيافللي وعلى نحو أنتقائي ، تلك النتف الأكثر أثارة للجدل والأدانة والأستياء .، للأستشهاد بها و انتقادها وشجبها .كما  اختار معظم الحكام من آراء ميكافيلي ما كان يناسبهم، وهم في العادة كانوا يتجاهلون الشروط والضوابط الكثيرة التي كان مكيافللي يشدد عليها بحماسة وعن ايمان مطلق، وهذه هي الميكافيلية بعينها.مما خلق صورة مشوهة لمكيافللي مختلفة تماما عن شخصيته الحقيقية .
يقول الكاتب المصري علي سالم في مقاله الممتع " نصيحة مكيافيللي.. وحكاية الصدفة في التاريخ "
« تخلص من هؤلاء الذين أوصلوك إلى الحكم » واحدة من أشهر نصائح مكيافيللي للأمير، وهي كما ترى للوهلة الأولى تتسم بالسفالة والانحطاط. لا أحد يتخلص ممن أوصلوه إلى الحكم إلا في حالة واحدة، هي أن يكون وغدا ناكرا للجميل. غير أني أطلب منك الترفق بأفكار الرجل، كما أطلب منك أن تنسى أنه مفكر سياسي وغد، ولو لعدة دقائق. عندها ستكتشف أن هذه النصيحة أخلاقية تماما، لأنها تتفق والمصلحة العامة؛ من المستحيل أن تجيد أصول الحكم وهناك من يطالبك في كل لحظة بتسديد دين كبير عليك، دين لا تعرف ولن تعرف مقداره. لو لم تتخلص من هؤلاء الذين أوصلوك إلى الحكم، فستفشل حتما في مهمتك، لأنك في كل لحظة ستجد نفسك مطالبا بإرضائهم وسد أفواههم وتغذية أطماعهم ومطامعهم والاستجابة لما يقدمونه لك من أفكار.
 
ستكون مضطرا لتمييزهم عن الآخرين، وبذلك تخلق لنفسك أعداء جددا في كل لحظة بلا ضرورة أو مبرر. هكذا ينصرف مجهودك أو الجزء الأكبر منه إلى الدفاع عن نفسك ضد أولئك الأعداء الذين يتكاثرون كالفطر، فلا تجد وقتا لإقامة العدل بين مواطنيك، أو حمايتهم من أعداء الداخل والخارج .... أي ستفشل كحاكم وأنت تعرف بالطبع عدد الحكام الفاشلين الذين علقوا على أعواد المشانق، أو كانوا محظوظين فتم سجنهم أو نفيهم فقط. هكذا ترى - يا عزيزي القارئ - أن نصيحة ميكيافيللي كانت أخلاقية تماما إذا تأملناها من منظور رجل الدولة.
( جريدة " الشرق الأوسط " 9 ديسمبر 2012 العدد 12430 )
 
الدراسات العلمية الجادة التي نشرت مؤخراً في الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية وروسيا تشير الى ان الصورة المرسومة في أذهان الكثيرين عن أحد ألمع العقول تألقا وعمقا في عصر النهضة الأوروبية ،  لا تشبه صورته الحقيقية  ، التي تعرضت كثيراً الى التشويه والتحريف ، ليس فقط من قبل خصومه السياسيين خلال حياته وبعد وفاته ، بل حتى على أقلام العديد من الباحثين في علم السياسة والفلسفة والتأريخ ، الى درجة بات من الصعب التعرف على شخصيته وآرائه ومواقفه الحقيقية .
وأخيراً لا بد من التنويه  ان عبارة ( الغاية تبرر الوسيلة ) لا تعود الى مكيافللي . البعض يقول انها لـ(أسكوبار) اليسوعي، والبعض الآخر ، على العكس من ذلك يقول أنها ، تعود للبروتستانت ، كأدانة لليسوعيين ، ولكن على ما يبدو ، ان اول من نطق بهذه العبارة هو الكاتب المسرحي اليوناني سوفوكليس في مسرحية "إلكترا" و كان ذلك في عام ( 409) قبل الميلاد .
 
جـــودت هوشـــيار
jawhoshyar@yahoo.com
 
 


47
المشهد المصري لن يتكرر في العراق !

                                                                                                      جـــودت هـوشــيار
  1- الثورة الشعبية في مصر والمثقفون العراقيون :
   من يتابع ردود فعل الكتاب والمحللين السياسيين والمدونين العراقيين على شبكة الأنترنيت وتغريداتهم على صفحات مواقع التواصل الأجتماعي ، خاصة " فيسبوك " و" تويتر " ، يرى انهم - رغم أختلافهم في التفاصيل- يجمعون على أمر واحد وهو وجود أوجه تشابه بين حكم " الأخوان " في مصر و حكم " حزب الدعوة " في العراق ، وان الوضع في العراق أسوأ بكثير مما هو عليه في مصر ، لذا فأنهم يتوقعون ، او يأملون ان تحدث في العراق ثورة شعبية سلمية عارمة كالتي شهدتها مصر ، ومما يعزز هذا الأعتقاد لديهم ، ان كلاهما "الأخوان ، الدعوة " حاول أقامة نظام تسلطي رغم فشله فشلاً ذريعا في أدارة دفة الحكم أو معالجة أزمات البلاد ، ولجأ الى ملأ المناصب الحكومية العليا بأنصاره ، ممن يفتقرون الى النزاهة و الخبرة والكفاءة وأعاد البلاد الى عصور الظلام و التخلف والفساد والفوضى . ولكننا نعتقد ان الملحمة الأسطورية ، التي سطّرها الشعب المصري فى لحظة تأريخية فارقة ، لن تتكرر في العراق للأسباب التالية :
  2 - الهوية الوطنية :
  الشعب المصري ، شعب متجانس عرقيا و تأريخياً واجتماعياً وثقافياُ ونفسياُ ،وحتي دينياً حيث يتكون من أغلبية مسلمة واقلية مسيحية ، ولم تشهد مصر في تأريخها العريق والطويل صراع مذاهب ، كالتي يشهدها عراق اليوم ، والمواطن المصري يعتز بهويته الوطنية ،مهما كان اتجاهه السياسي أو انتماؤه الأجتماعي و الديني .وقد تجلى ذلك بوضوح خلال ثورة 30 يونيو التصحيحية ، التي اطاحت بالرئيس المعزول مرسي العياط ونظام حكم المرشد . الشعب المصري ، لم يتمرد ، لأن حكم الإخوان المسلمين كان طائفياُ ، حيث لم يكن هناك تعارض مذهبي بين الشعب وحاکمه، بل لأن الرئيس المعزول لم يحقق ما كان يتطلع إليه المصريون بعد ثورة 25 يناير من العيش الكريم والحرية والعدالة الأجتماعية والكرامة الأنسانية ، حيث شهد عهد مرسي تردي الوضع الأقتصادي و تصاعد الفقروالبطالة والجريمة وانهيار النظام العام وتعطل الخدمات الاجتماعية. أما العراق فالوضع فيه مختلف تماما ، وكما قال باني الدولة العراقية ، الملك فيصل الأول في مذكرته الشهيرة " انه لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد ، بل توجد كتلات بشرية ، خالية من أية فكرة وطنية ، متشبعة بتقاليد واباطيل دينية ، لا تجمع بينهم جامعة ، سماعون للسوء ميالون للفوضى ....، فنحن نرى ، والحالة هذه ، ان نشكل من هذه الكتل شعبــاً نهذبه ،وندربه ، ونعلمه ، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف ، يجب ان يعلم عظيم الجهود التي يجب صرفها لاتمام هذا التكوين وهذا التشكيل . هذا هو الشعب الذي اخذت مهمة تكوينه على عاتقي " .
  ورغم مضي أكثر من ثمانين عاماُ على مقولة الملك ( الحكيم ) ما زال المجتمع العراقي خاضعاً لأعراف وتقاليد وقيم عشائرية بالية ، ولم تتبلور في العراق بعد هوية وطنية ، حقيقية ، بل أزداد الأمر سوءاُ ، خاصة خلال عهد حزب الدعوة ، الذي يعتمد على النعرة الطائفية لبقائه في الحكم . و في الظروف الراهنة ، ليس ثمة ما يمكن ان يوحد العراقيين و يؤدي الى تضامنهم و تكاتفهم من اجل تحقيق هدف وطني سام كالذي حدث في مصر أخيراً . الهوية الوطنية ، لا يمكن أن تتشكل في ظل نظام المحاصصة و التمييز المذهبي والحزبي والطبقي و العشائري.
  3 –اختلاف التطور التأريخي بين البلدين:
  العراق رغم عمقه الحضاري وتأريخه العريق ، لم يشهد نهضة حضارية حديثة ، كالتي شهدتها مصر منذ عهد محمد علي باشا ولم تسنح الفرصة للشعب العراقي للأحتكاك المباشر والواسع بالحضارة الغربية في زمن مبكر، مثلما اتيح للشعب المصري ، الذي نال الأستقلال الحقيقي قبل العراق بأكثر من مائة عام ، ولم يشهد المجتمع العراقي تيارات وحركات سياسية أصلاحية وتجديدية يقودها زعماء ومصلحون ومفكرون عظام ، كما شهدتها مصر خلال القرنين الماضيين وادت الى احداث ثورة فكرية واجتماعية في المجتمع المصري وترسيخ اسس الدولة المدنية والمجتمع المدني . وهذا لا يعني ان العراق لم ينجب مصلحين ومفكرين كبار ، ولكن الفرق بين مصر والعراق ، هو ان أصوات من نادى بالأصلاح والتغيير في العراق ، لم يكن لها تأثير قوي ومباشر على المجتمع العراقي . ولعل أبلغ دليل على ما نقول هو ان أحزاب الأسلام السياسي استطاعت بالتضليل وبنشر الفكر الظلامي من اعادة المجتمع العراقي بسهولة ويسر الى عهود التخلف ، وفي هذا الصدد ، يمكن مثلاً مقارنة الحريات الشخصية في العراق بين زمنين ، قبل وبعد الحكم الظلامي الحالي .
 
4 - اختلاف مستوى الوعي السياسي :
 
رغم فشل الطبقة الحاكمة في العراق ، سياسيا وامنيا وخدميا ، والفساد ، الذي ينهش كل مفاصل الدولة – اذا افترضنا وجود دولة حقيقية في عراق اليوم - ، ورغم ان المآسي التي شهدها المجتمع العراقي منذ تولى حزب الدعوة حكم البلاد ، هي أشد قسوة وايلاماً ومرارة من تداعيات الأزمة الأقتصادية في مصر ، الا أن الغيبيات والطقوس والخرافات المخدرة للوعي السياسي و الأجتماعي والثقافي الجمعي في العراق ، تجعل قيام الجماهير المسحوقة بالثورة أمراً بعيدالأحتمال ، ليس لأنها أفضل حالا كثيرا من مثيلاتها في مصر ، بل لأنها مهمشة وخارج اللعبة السياسية في البلاد ، ويقتصر دورها – في أفضل الحالات على التوجه الى صناديق الأقتراع ، للأدلاء بأصواتها ، حسب فتاوى و بيانات المرجعية و الأنتماء العشائري ، في انتخابات شكلية لا تتوافرفيها معايير النزاهة والشفافية وغالبا ما يجري التلاعب بنتائجها خلال عدة اسابيع من العد اليدوي ، كأننا نعيش خارج العصر الرقمي .
  و بدلاً من التوعية والتربية وتحسين الأوضاع المزرية لفقراء العراق على وجه الخصوص ، فأن النظام القائم ، حاول جاهداً طيلة ثمان سنوات تسخيرامكانات الدولة لزيادة جرعات التخدير وتعميق مشاعر الحزن والأحباط واليأس في عقول وقلوب العراقيين ومحاربة كل ما يبعث الفرحة في القلوب وكل ما هو انساني و نبيل في الحياة وخاصة الفنون الجميلة يشتى صورها وأشكالها .
  5 - فساد النخب السياسية في العراق :
  زعماء المعارضة المصرية رجال ناضلوا من اجل تحقيق اهداف ثورة 25 يونيو المجيدة وقادوا ثورة 30 يونيو التصحيحية العارمة وكانوا على رأس الجماهير المنتفضة في ميدان التحرير وفي كل ميادين المدن المصرية ، ليس من أجل المناصب ، فالكثير منهم رفض الأشتراك في الحكومة الأنتقالية الجديدة ليفسح المجال للتكنوقراط لأدارة دفة الحكم في هذه المرحلة الحرجة من تأريخ مصر .
 أما في العراق فلا توجد معارضة وطنية مخلصة ونزيهة ، لها رؤية واضحة وبرنامج عمل مدروس ، بل ان الهم الأول والأخير لزعمائها ، هو الوصول الى السلطة للتمتع بامتيازاتها ومغانمها ، وهذه سمة بارزة للساسة العراقيين سواء في الحكم او المعارضة ، لذا نرى المعارضة تضع رجلا في الحكومة واخرى خارجها ، وكم من وزير ينتمي الى كتلة معارضة ، تمرد على قرار كتلته بالأنسحاب من الحكومة وظل متمسكا بكرسي الوزارة العزيز على قلبه ،والذي يدر عليه وعلى أقربائه و أصدقائه وعشيرته الربح الوفير. هل يتوقع احد من مثل هذه المعارضة ان تنتصر للشعب .
هل رأيتم وزيراً عراقياً معارضاً ،  رابط في الأعتصامات أو شارك في تظاهرات احتجاجية لأيام واسابيع مثل زعماء المعارضة المصريين الذين ضحوا براحتهم – رغم وجود الكثير من كبار السن بينهم - من اجل ازاحة الكابوس الأخواني عن كاهل الشعب المصري .
  6- الفرق بين الجيش الوطني وجيش الدمج :
  الجيش المصري ، جيش مهني حديث ولاؤه للوطن وللشعب ، وليس للطوائف والأحزاب ولديه تقاليد ومواقف مشرفة في تأريخ مصر الحديث . وكان لموقفه المناصر لثورة 25 يناير ، الدور الحاسم في اجبار الرئيس السابق حسني مبارك على التنحي عن الحكم ، وها هو اليوم ينتصر مجددا لأرادة الشعب . أما الجيش العراقي الحالي ،فأنه ليس جيشاً بالمعني المتعارف عليه ، بل حصيلة دمج ميليشيات لها اجندات خارجية وساهمت في قتل العراقيين على الهوية ، ويحمل قادته رتباً شكلية او مزورة في الواقع ، لأنها اكبر من خدمتهم الفعلية وكفاءتهم و قدراتهم العسكرية .. ولا يتوقع احد من هذا الجيش المترهل والخامل - الذي يقضي أكثر من نصف عناصره أيامهم في بيوتهم أو يمارسون اعمالاً اخرى بعد رشوة آمريهم - أن يتحول بين ليلة وضحاها الى جيش وطني يستشعر معاناة الشعب ويهب لنجدته في الأوقات العصيبة . هذا الجيش المليوني - الذي يقوده عملياً شخص لا يفقه شيئأً في الشؤون العسكرية - لن يستجيب لرغبات الشعب العراقي ، لأنه غريب عن هذا الشعب ، وقد رأينا ما حدث يوم 25 شباط 2011 حين ضرب واعتقل الشباب الأعزل في ساحة التحرير ولاحقهم في الأزقة والشوارع وقتل منهم سبعة شهداء بدم بارد ، أما في " الحويجة " ، فقد شاهد العالم كيف أقدمت قوات " سوات " سيئة الصيت على أعدام ( 50 ) شهيدا مدنيا أعزل ، وجرح أكثر من ( 200 ) آخرين . ولا نريد الأسترسال في الحديث عن " بطولات هذا الجيش " فقد شاهدتم بأم أعينكم على شاشات الفضائيات مؤخراً تهشيم رأس مدرب فريق كربلاء الرياضي من دون سبب"..
 لن يتحرك هذا " الجيش " المسيس في يوم من الأيام للدفاع عن الشعب ، بعد ان تحول الى أداة للقمع والبطش والتنكيل .
  7- نقمة النفط :
  العراق بلد غني بالثروات الطبيعية وعدد سكانه لا يشكل سوى حوالى ثلث سكان مصر ، وميزانيته السنوية اكثر من ضعف ميزانية مصر ، ولكن ثمة فرقاً جوهريا هو ان واردات مصر تأتي من كد وعرق جبين شعبها ، من الصناعة والزراعة والسياحة وتحويلات المصريين المغتربين ورسوم قناة السويس ولكن الزيادة السكانية - وهي من أعلى المعدلات في العالم - تؤدي بأستمرار الىتآكل الموارد الأقتصادية .وزيادة معدلات البطالة والفقر والتضخم . اما في العراق ، فلا صناعة ولا زراعة ولا سياحة ولا أستثمارات ولا أنتاج حقيقي في أي مجال من مجالات الحياة ، بل يعتمد الأقتصاد العراقي على واردات النفط فقط ، التي تملأ خزينة الدولة بالأموال الوفيرة من دون بذل أي جهد حقيقي . ورغم ان فئة صغيرة تستأثر بالجزء الأكبرمن أموال النفط ، الا أن الجزء الآخر يصرف كرواتب واجور و اعانات اجتماعية ، وهي أعلى من مثيلاتها في مصر . اضافة الى الأموال الطائلة التي تصرف لشراء الضمائر واستمالة العشائر .
  8– القضاء:
  القضاء المستقل ،الركيزة الأساسية لأي مجتمع متمدن ينشد العدالة و المساواة و تطبيق القانون على جميع أفراد المجتمع، مسؤولين ومواطنين من دون أدنى محاباة أو تمييز . والقضاء المصري المستقل قلعة حصينة للقانون ، هذا القضاء له تأريخ مشرّف ومواقف شجاعة في أحلك الظروف ، ولم يتجرأ اي حاكم مصري من الضغط عليه أو تسييسه . ورأينا كيف أصطدم رأس مرسي العياط بجدار القضاء المصري الصلد والشامخ ،وادى في نهاية المطاف الى سقوطه وتقديمه للعدالة . اما في عراق المالكي ، فحدث ولا حرج ، حيث اصبح " القضاء العراقي " مطية الحاكم يستخدمه في استصدار الأحكام والقرارات لصالحه وفي تصفية الخصوم السياسيين والأنتقام من كل معارض. وتفنن المحققون الجلادون في ابتكار وسائل تعذيب جديدة ، والتهديد بأستخدامها ضد كل معتقل ، لا يدفع الرشوة المطلوبة .( ومن يريد معرفة المزيد نحيله الى مقالنا الموسوم " تجارة التعذيب في العراق " . .
  ومما يثير السخرية حقاً ، ان الائتلاف الحاكم في العراق بزعامة حزب الدعوة أتخذ من " دولة القانون " اسما له و يضم في صفوفه ، قياديين متهمين بالفساد ، دون ان يتجرأ " القضاء" على محاسبتهم ومساءلتهم .
 عندما ينهار القضاء في أي بلد و يتحول الى اداة سياسية لتنفيذ رغبات الحاكم مهما كانت مخالفة للدستور والقوانين المرعية والقيم الأنسانية ، لا احد يمكن ان يتوقع منه ان يتخذ موقفأ مستقلاً انتصاراً لحقوق الشعب المسلوبة.
 جـــودت هـوشــيار
 jawhoshyar@mail.ru
 
 
 
 





48
جوزيف ناي ونظرية القوة الناعمة

                                                                                                                              جودت هوشيار
 
مصطلح «القوة الناعمة»:
 
 معظم المصطلحات، التي نستخدمها في كتاباتنا وأحاديثنا، مثيرة للجدل من حيث منشأها وظهورها لأول مرة وتعريفها وفحواها الدقيق، ناهيك عن أول من استخدمها في كتاباته.
أما مصطلح «القوة الناعمة» فإن الكل يعترف بأن المنظّر السياسي والمحلل الأستراتيجي « الأميركي «جوزيف ناي» هو أول من أستخدمه ضمن كتابه « وثبة نحو القيادة Bound to Lead « الصادر عام 1990، ثم أعاد استخدامه في كتابه « مفارقة القوة الأميركية The Paradox of American Power « عام 2002، حيث وضعه كعنوان فرعي صغير لفصل قصير شمل أربع صفحات، وإن كان قد استخدم المصطلح في أكثر من مكان في كتابه هذا.
 
ثم طوّر ناي الأفكار الواردة في  كتاباته السابقة وتوسع فيه، وأصدر كتابه الشهير « القوة الناعمة  Soft Power » عام 2004 وهو كتاب بالغ الأهمية والجدة، ينم عن تألق فكري وعمق تحليلي، قلما نجدهما عند منظري «علم السياسة» الآخرين.
وقد تصدر الكتاب فور صدوره قائمة اكثر الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة الأميركية، واصبح ما يسمى بكتاب المنضدة، الذي لا يفارق المحللين السياسيين ومصدراً لا غنى عنه لكل المهتمين بأتجاهات السياسة العالمية والتغييرات في جوهر وتركيب السلطة المعاصرة في جوانبها المتعددة وخاصة، في السياسة، الأقتصاد والثقافة.
ويعرّف ناي القوة الناعمة بأنها « القدرة على تحقيق الاهداف المنشودة عن طريق الجاذبية أو السحر اوالأقناع بدل الأرغام أو دفع الأموال».
 
اصبح مفهوم «القوة الناعمة» اليوم جزءاً لا يتجزأ من لغة القادة السياسيين ومنظري علم السياسة والكتاب والإعلاميين، والمثقفين عموماً في كافة أنحاء العالم.
 
من هو جوزيف ناي؟
 
جوزيف ناي (ولد عام 1937)، أستاذ في جامعة هارفارد، عضو الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم، مدير سابق لمعهد بحوث مشاكل الأمن الدولي، كان رئيساً للمعهد العالمي للبحوث الأستراتيجية، مثل الولايات المتحدة الأميركية في لجنة قضايا نزع السلاح التابعة للأمم المتحدة.
شغل مناصب رسمية عليا، فقد كان بين عامي (1977- 1979) مساعداً لنائب وزير الخارجية لقضايا الأمن والعلوم والتكنولوجيا، ورئيساً لفريق الأمن القومي لقضايا نزع السلاح النووي. وبين عامي (1993– 1994) رئيساً للمجلس القومي للمخابرات، كما شغل بين عامي (1994 – 1995) منصب مساعد وزير الدفاع لقضايا الأمن الدولي. اصبح عمل «ناي» السياسي والدبلوماسي وخبرته العملية معينا لا ينضب لكتاباته النظرية حول قضايا السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأميركية والعلاقات الدولية، والتي تنشر على صفحات «The Washington Post» و»New York Times» و»International Herald Tribune». وهو عضو هيئة تحرير عدة مجلات متخصصة في السياسة الخارجية، منها  «Foreign Policy» و»International Security» كما أن القنوات النلفزيونية الأميركية  ,CNN CBS, ABC وغيرها, تقوم غالباً بأجراء مقابلات معه حول القضايا الدولية الملحة.
في عام 2005 تم اختياره كواحد من افضل عشرة مفكرين في العالم في مجال العلاقات الدولية. ويمكن القول أن ناي هو المنظر الرئيسي للقوة الناعمة.
 
مفهوم القوة الناعمة :

 
تعني القوة الناعمة أن تكون للدولة قوة روحية ومعنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق ومن خلال الدعم الذي تقدمه في مجالات حقوق الإنسان والثقافة والفن، مما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتباع مصادره, وغالبا مايطلق هذا المصطلح على وسائل الإعلام الموجهة أو مايسمى بالإعلام المكرس لخدمة فكر ما .
القوة الناعمة اداة فعالة جدا لتحقيق مصالح الدولة – اي دولة – في الخارج وهذا يلبي مطلب العصر، حيث التنافس على المصالح ما زال قائما في العالم، ولكن طرق العنف الخشنة مثل استخدام القوة العسكرية او التهديد بها او الحصار الأقتصادي والأبتزاز... الخ على خلاف الأزمنة السابقة، اصبحت سيئة في نظر الرأي العام في كل مكان..
 
وموارد القوة الناعمة لأي بلد هي ثقافته، اذا كانت تتمتع بالقدر الأدنى من الجاذبية وقيمه السياسية عندما يطبقها بأخلاص داخليا وخارجيا، اضافة الى السياسة الخارجية.
وعلى هذا النحو فإن الحديث لا يدور حول إرغام الآخرين على العمل لصالحك ولكن تحفيزهم لتأييد افعالك طوعا لانها تستجيب لمصالحهم ايضا واقناعهم بالتوجه اليك.
 
القوة الناعمة خلال الحرب الباردة :
 
القوة الناعمة ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، كأداة للسياسة الخارجية قبل أن تتشكل كنظرية في علم السياسة على يد «جوزيف ناي». وكانت لهذه الاداة علاقة مباشرة بازدياد تأثير وسائل الإتصال الجماهيري واشتداد الصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الغربي والأشتراكي، رغم أن الموارد المولدة للقوة الناعمة في هذا الصراع كانت مختلفة. المنظومة الإشتراكية كانت تمتلك قوة معنوية هائلة في تأثيرها وفعاليتها، متمثلة في النظرية الماركسية والنظام غير الطبقي والقضاء على الفقر والبطالة والمساواة التامة بين الرجل والمرأة والتنمية بوتائر متسارعة وغيرها، اما النظام الرأسمالي فقد كان يمثل الديمقراطية والرخاء الإقتصادي والحرية الشخصية وحرية التعبير وغيرها من السمات، التي تتصف بها الأنظمة الليبرالية الغربية، وهي سمات كانت وما زالت تشكل قوة جذب هائلة لشعوب أوروبا الشرقية رغم تفكك المنظومة الإشتراكية.
 
في حرب فيتنام كانت لاميركا قوة ضخمة وكان القادة الاميركان يعتقدون أنهم سيحققون النصر بالقوة العسكرية وحدها ولكن الواقع انهم لم يستطيعوا تحقيق النصر وهذا ينطبق على الشرق الاوسط اليوم. لأن السياق الذي يتستخدم فيه القوة الصلبة، يتغير باستمرار ومدى فعالية القوة تعتمد دائماً على السياق النظام السوري يمتلك قوة صلبة كبيرة (الجيش والشبيحة وحزب الله والمقاتلين العراقيين) ولكنه يفقد تأثيره داخل سوريا وخارجها يوماً بعد آخر لاقتصاره على نوع واحد فقط من القوى ولا تأثير لقوته الناعمة على أغلبية السكان لأن النظام فقد جاذبيته منذ زمن طويل.
 
صورة الدولة في الخارج :
 
تتشكل صورة الدولة من مجموعة كبيرة من العناصر، التي تكون عادة مرتبطة بعوامل وطنية وتأريخية واعلامية وثقافية.
وبطبيعة الحال فإن واقع الدولة ينعكس على صورتها في اذهان مواطني الدول الأخرى. البلد اللاديمقراطي ذو الأقتصاد المتخلف لا يمكن ان يعكس صورة مزدهرة، حتى لو أستأجرت أغلى وكالات العلاقات العامة لتلميع صورتها.
الديمقراطية كقوة ناعمة لا يمكن استنباتها بشكل مصطنع بمعزل عن الواقع. ربما يكون ذلك ممكنا الى حد ما في الدول المنغلقة. ولكن مثل هذه الدول في العالم لا يزيد عددها اليوم على عدد اصابع اليدين وحتى هذه الدول واقعة تحت ضغط اعلامي شديد وتحاول حجب شعوبها عن العالم الخارجي.
القوة الناعمة للدول تتمثل في المجتمع المدني والبزنس والإعلام وفي مواطني الدولة انفسهم.. العديد من الدول تحاول تحسين صورتها ولكن الدولة غير قادرة على انجاز هذه المهمة لوحدها.
 القوة الناعمة في الغالب ليس لها علاقة مباشرة بحجم الدولة وقوتها العسكرية والاقتصادية وايديولوجيتها، يمكن ان تكون الدولة رائدة في متوسط عمر مواطنيها او بمستوى الرواتب والاجور والتقاعد او معدل دخل الفرد او بمستوى التعليم او الضمان الصحي او الإستقرار لاطول فترة بلا حروب او كوارث ومؤشرات اخرى كثيرة تكوّن هيبة وسمعة البلد في عيون الشعوب الاخرى. وغالبا ما نرى ان الدول الصغيرة تتقدم في كثير من المؤشرات على دول كبيرة.
لا شك ان الإتحاد الأوروبي كمجموعة دول متقدمة حضاريا، لديها أكبر قوة جاذبة في العالم بديمقراطيتها والقيم التي تهتدي بها وحماية حقوق الأنسان فيها ورخائها الإقتصادي .
 ويرى منظرو القوة الناعمة، ان دولة او اكثر من دول الإتحاد الأوروبي تتفوق على الولايات المتحدة في قوتها الناعمة وتحتل المرتبة الأولى في العالم في مجال واحد او اكثر وكالآتي:
 
فرنسا - في عدد الحاصلين على جوائز نوبل في الآداب.
بريطانيا – من حيث رغبة المهاجرين في اللجوء اليها، تليها ألمانيا.
فرنسا، ألمانيا، ايطاليا، بريطانيا، في معدل أعمار مواطنيها.
معظم دول الإتحاد الأوروبي تقدم مساعدات الى الدول النامية بنسبة أعلى من الولايات المتحدة، قياسا الى الدخل القومي. ولكل دولة جاذبيتها الخاصة للآخرين. ولايمكن القول بوجود قواسم مشتركة بينها. كيف يمكن ان نعمم على كل الدول، أهرامات مصر أو الموضة الإيطالية أو الشراب الفرنسي أو السيارات الألمانية أو كرة القدم البريطانية أو الجبن السويسري أو البيرة البلجيكية، أو الأليزيه، أو بك بن؟ التفوق في مجال معين يجعل من دولة ما مشوقة وجاذبة للآخرين ويشكل قوتها الناعمة الخاصة.
 
القوة الكردية الناعمة :
 
يمتلك اقليم كردستان قوة ناعمة، روحية ومعنوية هائلة، وهي قوة بكر لم تستخدم عمليا لحد الآن. قبل كل شيء نحن نتحدث هنا عن التسامح السياسي والديني السائدين في المجتمع الكردستاني،و النهضة الحضارية للأقليم خلال فترة وجيزة  والطبيعة الكردستانية الساحرة. صحيح أن مئات الآلاف من المواطنين العراقيين يتوجهون الى الأقليم سنويا بسبب تردي الأوضاع الأمنية في بقية أنحاء العراق، ولكن على الجهات المسؤولة التفكير جدياً في وضع خطط لديمومة هذا التدفق البشري والعمل على الزيادة المطردة في زخمه في المستقبل، حتى عندما تتحسن الأوضاع الأمنية في وسط وجنوب العراق.
 وعلى وزارة الثقافة والشباب زيادة الإهتمام بالمواقع الأثرية وترميمها وابرازها على نحو لائق  والتركيز على الفنون الكردية عن طريق تشكيل الفرق الفتية الغنائية والإستعراضية وإقامة المهرجانات المكرسة لمختلف ألوان الفلكلور الشعبي  وشتى اشكال الفن الكردي المعاصر، وانشاء ستوديوهات لإنتاج الأفلام السينمائية الطويلة والوثائقية وإقامة اسابيع للثقافة والفنون الكردية في شتى بلدان العالم.
 
ولا يفوتني أن اذكر هنا بأن مشاركة الفنانة برواز حسين في «آراب آيدل» كانت لها تأثير ايجابي في البلاد العربية أقوى بكثير من أنشطة وزارة الثقافة والشباب وهيئة السياحة والجهات المعنية بالعلاقات العامة. وهذا مجرد مثل صغير، فكيف تكون النتيجة يا ترى اذا ركزت الجهات المذكورة جهودها على تعريف العالم بالثقافة والفنون الكردية على مستوى فني رفيع ومضمون انساني يمس شغاف القلوب فى كل مكان من قريتنا العالمية.
 
جـــودت هـوشــيار
 jawhoshyar@yahoo.com
 


49
قراءة في فكر الزعيم عبدالكريم قاسم

                                                                                                                       جـــودت هـوشـــيار
 
 
فى هذه الأيام العصيبة التى يمر بها العراق بعد ثمان سنوات عجاف من تسلط احزاب الأسلام السياسي على مقدرات البلاد ، تلك الأحزاب الرجعية المتخلفة ، التي نهبت ثرواته وقتلت خيرة أبناءه واعادت البلاد الى عهود الظلم والظلام ، في هذه الأيام تحديدا تتجلى شخصية الزعيم الوطنى الخالد الشهيد عبدالكريم قاسم بكل عظمتها و جلالها و بهائهاوحكمتها و انسانيتها فهو اول زعيم عراقى وطنى تولى حكم البلاد منذ أكثر من ألفي سنة وقائد ثورة وطنية مجيدة حررت العراق من التبعية للدول الأمبريالية ومؤسس الجمهورية العراقية وزعيم سكن قلوب العراقيين لأنه عمل وجاهد فى سبيل عزتهم وكرامتهم و سعادتهم وتوحيد كلمتهم وتوجيه طاقاتهم نحو البناء والأعمار من اجل بناء عراق قوى مستقل و مزدهر،ولا نريد فى هذا المقام ان نعدد الأنجازت الضخمة التى تحققت خلال فترة حكمه القصير والتى تعتبر بحق الفترة الذهبية فى تأريخ العراق المعاصر ولا ان نشيد بمناقبه وخصاله الحميدة وهى كثيرة ونادرا ما تجتمع فى شخص واحد بل نحاول التركيز على فكر الزعيم الذى حاول الأعداء تشويهه عن عمد خدمة لمصالحهم الأنانية الضيقة ولم يفهمه الأصدقاء مع شديد الأسف ،هذا الفكر الذى نحن بأمس الحاجة اليه فى ايامنا العصيبة هذه .
 
 صحيح ان الزمن تغير وان العراق اليوم يمر بمرحلة جديدة و مختلفة الا ان المبادىء والأفكار التى نادى بها الزعيم لازالت تحتفظ بحيويتها وقيمتها العظيمة وهى ضرورية اليوم اكثر من اى وقت مضى لبناء العراق الجديد ،  وان التنكر لهذه المبادىء و الأفكار من قبل الخصوم والأصدقاء معا كانت وراء الكوارث والنكبات التى شهدها العراق فى العقود الأربعة الأخيرة .
 
ويبدو لنا ان فكر الزعيم اكثر التصاقا بالواقع العراقى من افكار من كان يزايد عليه خلال فترة حكمه و هى فى الوقت ذاته افكار معاصرة وديمقراطية و تقدمية ليس قياسا الى زمنه ولكن حتى بالنسبة الى يومنا الراهن ويتفق مع معاييرومبادىء حقوق الأنسان واكثر ديمقراطية من الأفكار المتخلفة التى يروج لها معظم التيارات السياسية العاملة اليوم على الساحة العراقية .
 
1-الوطنية العراقية اولا :
 
تتعرض بلادتا اليوم الى مؤامرة خبيثة تحيكها اطراف عديدة ومختلفة يجمعها قاسم مشترك واحد هو زرع الفتنة الطائفية وتأليب طائفة على اخرى وافتعال الخلافات العرقية والمذهبية وتأجيج الصراعات الحزبية وتظهر الى الوجود عشرات الأحزاب والتجمعات المشبوهة وبينهاعدد لا يستهان به من الأحزاب الكارتونية التى تشكلت بتمويل وتوجيه مباشر او غير مباشر من اجهزة مخابرات دول الجوار و القوىالأخرى المعادية لتطلعات الشعب العراقى .
 
 فى هذه الأيام تحديدا لابد للأجبال الشابة على وجه الخصوص ان تعلم بأن الهم الأول لقائد ثورة 14 تموز كان الحفاظ على مكاسب الثورة ومصالح الوطن العليا و توحيد كلمة العراقيين من اجل عراق قوى مزدهر ينعم فيه المواطنون بالأمن والأستقرار والعيش الرغيد.وقد عمل الزعيم جاهدا وواصل الليل بالنهار لتحقيق هذا الهدف السامى وضحى من اجله كثيرا واستشهد فى سبيله_.
وكان الزعيم  قد تنبأ منذ الأيام الأولى للثورة ان تحقيق مشروعه فى تحديث المجتمع العراقى وبناء الدولة القوية محفوف بالمخاطر الجسيمة—يقول الزعيم فى الكلمة التى ارتجلها فى وفود كركوك التى جاءت يوم2 اب 1958 لتهنئته بنجاح الثورة : " اننى اعاهد الله بأننى سأفنى كيانى ووجودى واضحى بدمى وبكل ما املك فى سبيلكم واننى أسأل الله ان يوفقنى لخدمتكم و خدمة ابناء الشعب ".
 
، وقال مخاطبا وفود( الموصل،الرمادى،الحلة،المسيب،الدجيل،المقدادية )التى حضرت لنفس الغرض: "  اننى ابن الشعب،اعاهد الله بأنى سأضحى فى سبيلكم وسيفنى كيانى ووجودى فى الدفاع عن الجمهورية العراقية.ايها الشعب اننا قد اقسمنا ونعاهد الله ونعاهدكم على هذا القسم،سندافع عن حريتكم وعزتكم وعن الكرامة وروح السلام فى بلادكم " ويتكرر هذا القسم فى العديد من خطبه وكلماته الصادقة النابعة من صميم قلبه ووجدانه.
 
كان يؤمن ايمانا عميقا و راسخا بالوطنية العراقية وكان فوق الميول والأتجاهات ،  وهكذا ينبغى ان يكون كل قائد ثورة او زعيم شعب او رئيس دولة راعيا لكافة ابناء الشعب دون ادنى تمايز طبقى او عرقى او دينى .  ففى عهده كان العراقيون سواسية كأسنان المشط فى الحقوق والواجبات امام القانون حيث كانت المؤهلات و الكفاءة هى المعايير المعول عليها فى اسناد المناصب العليا و الوظائف العامة او القبول فى المؤسسات والكليات العسكرية او فى ايفاد البعثات العلمية الى خارج البلاد للدراسة او التدريب او الأشتراك فى المؤتمرات والندوات العلميةوغيرها دون ادنى تدخل من اية جهة كانت .
 
 وكان الزعيم يجسد الروح العراقية الحقة ولم يخطر بباله قط ان ينحاز الى طائفة بعينها او ان يفضل شريحة اجتماعية على اخرى. ان الطائفية و الوطنية على طرفى نقيض ولا يمكن لوطنى حقيقى يؤمن بالديمقراطية حقا اويهمه وحدة صفوف الشعب ومصالح الوطن ان يزايد على الأخرين بأسم هذه الطائفة او ذاك او يعمل من اجل طائفة معينة دون غيرها ومن يدعى الوطنية والأخلاص للشعب والوطن عليه ان يعمل ويناضل من اجل خدمة الجماهير الشعبية الكادحة دون تفرقة او تمييز مهما كان نوعه ومن يخل بهذا المبدأ السامى انما يخدم عن قصد او حسن نية مخططات اعداء العراق فى زعزعة الأمن والأستقرار فى البلاد وعرقلة تقدمه و ازدهاره .
 
فالطائفية—التى هى قصور فى الوعى والأدراك ودليل الأفلاس السياسى—حين تحل لدى البعض محل الوطنية تصبح اداة لتفرقة صفوف الشعب وخدمة لأعداء الوطن والشعب و يقول احد الفلاسفة : " ان السياسى الذى ليس لديه من المؤهلات او الأنجازات ماهو جديربالتقدير والأحترام يتفاخر بأنتمائه القومى او المذهبى ويتخذها وسبلة لتحقيق مصالحه الأنانية " .
 
ان الأنتماء للعراق ارضا وشعبا والتضحية فى سبيل مصلحة العراق وشعبه اولا واخيرا هو المعيار الصحيح للوطنية العراقية ولا معيار غيرها.اما من يعمل للمصالح الحزبية او الفئوية والأسوأ من ذلك لمصلحته الشخصية فأنه لا يستحق ثقة الشعب واحترامه .وينبغى تقييم الساسة العراقيين والأحزاب والتكتلات الموجودة على الساحة السياسية العراقية حاليا على هذا الأساس .
 
 هذا المعيار كان صحيحا فى زمن الزعيم ولايزال صحيحا اليوم وسوف يظل كذلك ابدا.
وهذا اول درس ينبغى على المخلصين من ابناء العراق ان يتعلموه من الزعيم و يتمسكوا به وبدونه لن يرى العراق استقرارا او ازدهارا .
 و يقول الزعيم فى خطابه التأريخى الذى ارتجله فى الأحتفال الجماهيرى الحاشد لمناسبة الأحتفال بعيد العمال العالمى فى عام1959 :
" لقد جاء البعض وقالوا:ايها الزعيم ،لو انك تغنينا فى هذا الوقت وتأمر بتشكيل حزب يلتف حولك –فكان جوابى اليهم اننا فى عهد انتقال ،وان حزبى هو مجموع الشعب –واننا سائرون فى طريق الحرية و سائرون الى الحكم الديمقراطى الصحيح ولا يفرقنا فى الوقت الحالى اى مفرق "
لقد كانت الوطنية العراقية والأخلاص للشعب والوطن والعمل من اجل تقدم البلاد وازدهاره هى المبادىء الأساسية للنهج السياسى للزعيم الخالد والمعيار الحقيقى لديه لتقييم العراقيين لا الأنتماء الحزبى او الطائفى .
.يقول الزعيم فى خطابه الانف الذكر : " ايها العامل اذا اردت القضاء على الأستعمار فعليك الأشتغال ساعة اخرى من العمل---  اننا نعمل من اجل مستقبل زاهر، مستقبل افضل يؤمن الحرية والعيش الرغيد ليس لنا فحسب،انما للأجيال القادمة التى سوف تذكرنا بالخير."
 
2- دور الصراع السياسى فى عرقلة خطط الزعيم :

 
يحلوللأحزاب والتيارات السياسية القومية واليسارية ،  التى دخلت فى صراع عنيف بعد فترة وجيزة من قيام ثورة 14 تموز المجيدة ان تلقى على الزعيم مسؤولية هذا الصراع ويتهمه البعض بأتباع سياسة التوازن بين القوى السياسية المتصارعة ، التى سمحت لقوى الثورة المضادة من القفز الى السلطة من القطار الأنكلو-امريكى وهذا تجنى واضح على الزعيم و تشويه لمواقفه المعلنة ذلك لأن الزعيم كان يناشد القوى المتصارعة وضع حد لهذا الصراع المدمر ووضع خلافاتهم جانبا من اجل حماية الثورة ومكتسبات الشعب العراقى فى تلك المرحلة الدقيقة من تأريخ العراق .
وفى خطابه المشار اليه فيما تقدم قال الزعيم:"  لقد اخذ الأجنبى والأستعمار يحاول تفريق صفوفنا وفت عضدنا ليتمكن من التغلب علينا ولكن هيهات فزمن التفرقة قد فات ،انه يحاول اليوم تفرقة الصفوف بالدعوة الى احزاب ضيقة و تكتلات محدودة،القصد منها ان يضرب الواحد منا الأخر ويكون الأستعمار فى موضع المتفرج علينا ،اننا سوف نلقمه حجرا وسوف نتغلب عليه ،اننا سوف نسد عليه هذا المنفذ ---اننا فى عهد انتقال وقد صممنا ان نصون مكاسب ثورتنا مهما كلفنا الأمر " .
 
 وقال فى الكلمة التى القاها فى وفد علماء بغداد يوم  13  ايلول  عام 1958- " ان الأجنبى يحاول ان يجد الثغرة بين صفوفنا لكى ينفذ منها ويحقق ماربه و غاياته للعمل على تفريقنا شيعا وجماعات تحاول كل منها ان تطعن الأخرى وتتهمها وهكذا يضعف الجميع ويحصل بذلك الأجنبى على مايريد علاوة على احداث البلبلة والفرقة وانشغالنا بأمور تعرقل وصولنا الى اهدافنا المنشودة " .ولكن مناشدات الزعيم ذهبت ادراج الرياح.
 
ان اغتيال ثورة 14تموز لم تكن بسبب سياسة الزعيم الوطنية بل نتيجة لمؤامرة دولية متعددة الأطراف و كانت اولى صفحاتها تأجيج الصراعات الداخلية و نأليب القوى السياسية الواحدة منها ضد الأخرى وتجنيد العناصر البعثية و القومية المتطرفة للعب دور مخلب القط و من ثم الأنقضاض على الثورة بأسناد مباشر من مخابرات الدول التى تضررت مصالحها فى الصميم نتيجة لثورة 14 تموز المجيدة ، وبخاصة بعد صدور القانون رقم 80 وتتحمل الأحزاب المتناحرة الجزء الأكبر من المسؤلية فيما حصل وبخاصة حزب البعث الفاشى بشعاراته البراقة ومزايداته الرخيصة –التى اثبت الزمن زيفها حيث كان البعثيون اول المتنكرين لها بعد وصولهم الى السلطة-- كما ان الخلاف الذى نشأ مع القيادة الكردية وما اعقبه من نزاع مسلح اسهم ايضا فى اضعاف حكومة الثورة وعوامل اخرى لا مجال للخوض فيها فى هذه العجالة..
 
كان الزعيم يريد فترة انتقال تتم فيها تهيئة الأجواء لأجراء انتخابات حرة و نزيهة ولكن الصراع الحزبى سمم الأجواء و عقدت الأمور و خلقت مشاكل لا تنتهى للزعيم واربكت جهوده وعرقلت خططه للأنتقال التدريجى الى الديمقراطية وعطلت خطط سن الدستور الدائم فى نهاية عام 1962واجراء الأنتخابات فى حزيران 1963ا وافتتاح المجلس الوطنى فى الذكرى الخامسة للثورة.
 
3-ثقافة التسامح السياسى والأجتماعى والثقافى :
 
 ان المجتمع العراقى المتعدد الأعراق والأديان والمذاهب اتسم دائما بروح التسامح القومى والدينى ولم يعرف العراقيون فى حياتهم الأجتماعية اى نوع من انواع التمايز العرقى او المذهبى ولم تحدث فى تأريخ العراق الحديث اية مشاكل طائفية خطيرة ، كما يزعم بعض الأبواق الطائفية ،  ولكن لغة الأقصاء والألغاء وردود الفعل العنيفة المتقابلة التى ظهرت خلال الصراع الحزبى بعد ثورة 14تموز المجيدة ما زالت هى السائدة فى الحياة السياسية العراقية حتى يومنا هذا لأن الأحزاب العراقية لم تستخلص الدروس والعبر من تجارب الماضى المرير ، ولم تعترف بأخطائها بشكل كامل و صريح.
 
لقد ان الأوان لنبذ ثقافة العنف والتعصب الأيديولوجى والمذهبي  وبات من الضرورى احترام الرأى الأخر واللجوء الى اسلوب الحوار لحل القضايا والمشاكل بدلا من لغة العنف التى اغرقت البلاد فى الدم وعرقلت تقدمه وسببت الكوارث والنكبات لشعبنا المثخن بالجراح وما اجدرنا اليوم ان نسترشد بوصايا الزعيم فى اشاعة روح التسامح بين العراقيين ،حيث كان لايكل ولايمل من التأكيد على ضرورة التحلى بروح التسامح بين ابناء الشعب الواحد.منذ الأيام الأولى للثورة وظل يناشد الفرقاء المتناحرين على ابداء التسامح تجاه الأخرين حتى اخر يوم من حياته ، ولم يكن مصطلح (احترام الرأى الأخر) قد شاع فى الثقافة العربية بعد،وكما هو معروف فأن هذا المفهوم هو احد الأركان الأساسية للديمقراطية الليبرالية، وبذلك يثبت التأريخ ،ان الزعيم كان اكثر ديمقراطية من الأخرين ، وقد اسىء فهمه من قبل الجميع و تعرض خلال حياته و بعد اغتياله وطوال فترة حكم العفالقة الحاقدين الى حملة تشويه واسعة و منظمة، وينبغى التأكيد هنا ان معظم - ان لم يكن كل -- ما كتب وقيل عنه وعن فترة حكمه ، انما يعكس وجهات نظر الأطراف المتصارعة .
رحل الزعيم ورحل معه اسراره واسرارالفرقاء المتناحرين و خفايا الفترة التى حكم فيها العراق.ونحن اليوم بأمس الحاجة الى اعادة النظر فى تأريخ هذه الفترة بروح موضوعية وحياد علمى والى قراءة جديدة لفكرالزعيم .
 
واننا اذ نحى اليوم ذكرى ثورة 14 تموز العظيمة ،  ننحنى اجلالاً لقائدها ، مؤسس الجمهورية العراقية ،  شهيد الوطن والشعب عبد الـكريم قاسـم .
 
جـــودت هـوشـــيار
jawhoshyar@yahoo.com


50
الجيش المصري ينتصر لأرادة الشعب

                                                                                                                    جــودت هـوشيــار
 
قال مراسل أجنبي يتابع الأحداث الساخنة في مصر ،  ان مرسي والأخوان جالسين اليوم على برميل بارود يمكن أن ينفجر في أي لحظة.
أختيار  يوم 30 يونيو - لأسقاط نظام الأخوان واستعادة مباديء وقيم وروح ثورة 25 يونيو  له دلالة رمزية ويشير الى اليوم الذي انتخب فيه مرسي رئيساً للجمهورية قبل عام واحد .
 
ثورة 30 يونيو الحالية ، ثورة تصحيحية ، بعد أن أختطف الأخوان ثورة 25 يناير و لم يحققوا أياً من أهدافها المعلنة في توفير العيش الكريم والحرية والكرامة الأنسانية و حاولوا عبثاً أقصاء القوى السياسية الأخرى وفرض نظام رجعي  لا ينتمي الى هذا العصر و اسلوب حياة متخلف لا ينسجم مع طبيعة المجتمع المصري المتحضر .
ملايين المصريين وبينهم عدد هائل من النساء على غير العادة ، يملأون ميادين ارض الكنانة الرئيسية في ثورة عارمة لا تحمد عقباها اذا لم يبد الرئيس مرسي مرونة كافية لأمتصاص الغضب الشعبي و النزول على ارادة الشعب بالموافقة على أجراء انتخابات مبكرة .
 
وكالات الأنباء نقلت  اليوم تصريحا لأحد قادة الأخوان ، أعترف فيه بأن أربعة ملايين مصري قد نزلوا الى ميادين الأحتجاج فى القاهرة و المدن المصرية الأخرى ، والحقيقة ، ان أعداد المحتجين أكثر من ذلك بكثير ، وقد فاقت الأعداد التى شاركت في ثورة 25 يناير . وقالت  المعارضة المصرية ان حوالي  (33 ) مليوناً من المصريين والمصريات ً يشاركون في الثورة ضد نظام مرسي الأخواني ، وكشفت صحيفة ( الواشنطن بوست ) إن تظاهرات مصر اليوم ، هي أكبر احتجاجات شهدتها مصر على مر العصور .
 
القوة المحركة لهذه الثورة ، هي "حركة تمرد " ، المنبثقة عن حركة ( كفاية) ، التي ناضلت على مدى سنوات ضد حكم مبارك وأسهمت بدور فعال في أسقاطه ، أضافة الى عدد كبير من الأحزاب والحركات المعارضة لحكم الأخوان وفي مقدمتها "جبهة الأنقاذ الوطني " التي تضم في صفوفها معظم القوى الليبرالية في مصر .
 
مرسي – الذي يفتقر الى الخبرة والكفاءة وجد نفسه على قمة السلطة بمحض المصادفة ، ولم يكن بمستوى التحديات التي تواجه البلاد . ولم يظهر اي حنكة سياسية  أو  قدرة قيادية وفشل في أجتذاب مؤيدين له من خارج معسكر الأخوان والسلفيين .
وللوقوف على أسباب هذه الثورة العارمة ينبغي ان نتساءل مع عشرات الملايين من شعب ارض الكنانة : ما الذي تغير في مصر خلال عام من تولى مرسي والأخوان حكم مصر ؟
 
لم يكن لدى حكومة الأخوان وليس لديهم اليوم برنامج عمل واضح لأنقاذ البلاد من أزماتها الطاحنة ، وفي مقدمتها الأزمة الأقتصادية ، التي تفاقمت كثيراً مع تولي الأخوان حكم مصر منذ عام . ولندع الأرقام تتتحدث :
 وفقا للبيانات الرسمية لحكومة قنديل ، بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لمصر في عام 2012 حوالي  1.5٪. والدخل السنوي للفرد 3 آلاف دولار، والتضخم  9.5٪  ومعدل البطالة، 11.5٪. ولكن الأرقام الحقيقية هي على الأرجح أعلى بمرتين على الأقل من الأرقام الرسمية المعلنة .
 في المجال السياسي لم يحقق مرسي نجاحا يذكر ، و لم تكن له  رؤية ستراتيجية  واضحة ،فقد كان دائم التردد وعدم الثقة بالنفس  ، مما ادى الى تراجع دور مصر المحوري ونفوذها في المنطقة ,  ولم يحاول قط  اجراء حوار حقيقي مع المعارضة . وبدلا من تقريب شقة الخلاف بينه وبين المعارضة ، فأنه تسبب في توسيع الهوة بينهما .
 
بدأ فصول هذا الصراع عندما أصدر مرسي ما يسمى بالأعلان الدستوري ، حيث منح لنفسه صلاحيات السلطات الثلاث التنفيذية و التشريعية والقضائية في آن واحد  ، واطلق عليه الدكتور محمد البرادعي ، لقب " فرعون مصر الجديد " وسرعان ما انتشر هذا اللقب في الفضاء الأعلامي الداخلي والخارجي . وكان هذا الأعلان الطائش سبباً رئيسياً لتعميق وتوسيع شقة الخلاف بين مرسى و الأخوان والسلفيين من جهة وبين المعارضة وجميع فئات وشرائح المجتمع المصري من جهة ثانية .
ثم فرض مرسي وجماعته على الشعب المصري دستوراً معيباُ ، كان ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان والحريات الأساسية.. و شرع بأخونة السلطة عبرسلسلة من التعيينات في المناصب الرئيسية في الحكومة والمؤسسات العامة الأخرى..
 
كل هذه القضايا، ادت الى اليأس والأحباط لدى غالبية الشعب المصري ، اضافة بالشعور المتزايد بفقدان الأمان الشخصي . رغم ان مرسي  كان قد تعهد  بإعادة الأمن إلى شوارع المدن المصرية وفشل في ذلك ايضاً . ومما زاد الطين بلة اختراق الجماعات الإسلامية المتطرفة للقوى الأمنية و ترويعهم  للسكان وخاصة المصريين الأقباط .
ووجدت المعارضة نفسها مضطرة الى اتخاذ قرار مواجهة مرسي بأحتجاجات حاشدة في كل محافظات مصر وميادينها الرئيسية من اقصي البلاد الى أقصاها
الجيش المصري الذي يعد القوة  الثالثة الكبرى في البلاد - وكما حدث خلال ثورة 25 يناير 2011 -   ، اعرب عن أصراره وتصميمه على عدم السماح بخروج الوضع عن السيطرة ، وأذاع بياناً ينتصر فيه لأرادة الشعب المصري  وامهل مرسي ( 48 ) ساعة للأستجابة لمطالب الشعب وبعكسه سيتولى زمام الأمور بنفسه  وفق خارطة طريق تلبي مطالب الشعب الثائر.
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com

51
الرابحون والخاسرون في الحراك الأحتجاجي في تركيا ؟

                                                                                                                        جــودت هـوشــيار
مقدمة :
الأحداث الجارية في تركيا اليوم ، بالغة الأهمية ليس  بالنسبة الى تركيا فقط ، بل  ودول الشرق الأوسط والمجتمع الدولي بأسره أيضاً ، نظراُ للمكانة البارزة ، التي تحتلها تركيا ودورها المهم على الساحتين الأقليمية والدولية . وهذا يفسر ما حظي به الحراك الأحتجاجي فيها من تغطية أعلامية واسعة و ردود فعل ساخنة في شتى انحاء العالم ،  وخاصة في الدول الغربية . وتعددت وجهات النظر حول الأسباب الحقيقية لأندلاعه ، وهي في معظمها رؤى أحادية الجانب ،  تعكس آراء ورغبات الأعلاميين والمحللين السياسيين ، اكثر مما تعبر عن واقع الأزمة التركية الراهنة.
الأحتجاجات ،ضد مشروع  " تحديث ساحة تقسيم وحديقة غازي " ،  لها أسباب عديدة ولا يمكن أختزالها في سبب واحد وان كان مهما  ، مثل الدفاع عن البيئة أو محاولة أسلمة المجتمع التركي عن طريق أصدار قوانين تحد من الحرية الشخصية وتفرض على الجيل الجديد  نمطاً معيناً من أسلوب الحياة ، ومن المستبعد أن تكون لهذه  الأحتجاجات علاقة  بالدور الأقليمي المؤثر لتركيا في منطقة الشرق الأوسط وخاصة في الأزمة السورية  ، حيث لم يرفع المحتجون  أي شعار له علاقة بالموقف التركي المؤيد لثورة الشعب السوري ضد النظام الأسدي .
 
شيء من التأريخ:
 
كانت ثمة في موقع ساحة " تفسيم الحالية " في ثلاثينات القرن الماضي ثكنة عسكرية لصنف المدفعية -  والتي تريد حكومة أردوغان أعادة الطابع العثماني لها ، وليس  تحويلها الى مركز تجاري كما أشيع مؤخراً - و ملعب صغير لكرة القدم  تقام عليه المباريات الرسمية .وفي زاوية من حديقة غازي  نادي (كازينو تقسيم )،  مركز الحياة الليلية في أسطنبول في الأربعينات و الخمسينات . وفي السنوات اللاحقة تمت ازالة البناية وقطع الأشجار وزراعة أشجار أخرى . وظهر بالقرب من الحديقة مجموعة من المتاجر و غالاريه فني.
 في السبعينات نظمت النقابات اليسارية و المنظمات غير الحكومية في ساحة " تقسيم "  احتفالات صاخبة لمناسبة عيد الأول من أيار. وفي عام 1977 ، ادت الأحتجاجات في الساحة وما أعقبها من فوضى الى مقتل 42 شخصاً، وقد شهدت الساحة في تلك الفترة تجمعات جماهيرية لأحزاب و حركات مختلفة من أقصى اليمين الى اقصى اليسار .
 
تويتر وفيسبوك يقودان أحتجاج الشباب التركي :
 
عندما بدأ الأحتجاج على المشروع الحكومي في حديقة " غازي " لم يشارك فيه سوى عشرات المدافعين عن البيئة ولكنه  سرعان ما تحول الى احتجاجات جماهيرية وأنتقلت شرارتها الى عدد من المدن التركية الكبرى ، بعد استخدام  الشرطة الغازات المسيلة للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين واعتقال عدد كبير منهم  وحدوث بعض أعمال العنف - ومنها أقتحام بعض المتاجر و أحد المساجد القريبة من الساحة وأقامة المتاريس ومهاجمة الشرطة ( او للدفاع عن النفس لا فرق ) برمي قنابل مولوتوف والحجارة - التى تعاملت الشرطة معها  بقسوة غير مبررة .
لعبت مواقع التواصل الأجتماعي ( فيسبوك ، تويتر على وجه الخصوص )  دوراً كبيرأُ في حشد التأييد للحراك الأحتجاجي وتأمين الأتصال المستمر بين المحتجين وتغطية الأحداث المتلاحقة بسرعة فائقة عن طريق نشر التقارير الأخبارية والصور و أفلام الفيديو ، التى اعدها وارسلها المحتجون أنفسهم ، كما اهتم الأعلام الغربي عموما أهتماما شديدا بما كان يجري في ساحة تقسيم ، على خلاف وسائل الأعلام التركية بشتى توجهاتها ، التي لم تقم بتغطية كاملة للأحداث. هذا التناقض الصارخ بين اعلام الداخل والخارج أدى الى غضب الشباب وصب الزيت على النار .
 
مقارنة في غير محلها :
 
ثمة من يتحدث عن ربيع تركي على غرار الربيع العربي أو عن ( الفوضى الخلاقة ) التي قد تجتاح تركيا أيضاً .
لم تكن احتجاجات الشباب التركي  في بدايتها مسيسة ، وهي لا  تشبه  ثورات الربيع العربي بأي حال من الأحوال وساحة " تقسيم " في اسطنبول غير ساحة " التحرير " في القاهرة ، والأهم من ذلك ،  ان الجمهور مختلف والمطالب مختلفة ومقارنة أردوغان بمبارك وغيره من الحكام العرب المستبدين ، الذين أطاحت بهم الجماهير الغاضبة ، أمر يدعو الى الأستغراب .
البعض ،  تعامل مع الحراك الأحتجاجي  التركي من منطلق التشفي والشماتة ،و لم يتوان عن الكشف عن رغبته الدفينة برؤية تركيا من دون اردوغان ،  ولكن هذه  الآراء ، لا تعكس حقيقة ما يحدث في تركيا ، بل تزيد المشهد غموضاً .
 
ان مقارنة أحداث ساحة " تقسيم " في اسطنبول  بأحداث ساحة "  التحرير "  في القاهرة ، أمر ينم عن الجهل بالتأريخ التركي القريب ، ويكفي ان نقارن تطور الأحداث في كلا البلدين خلال العقدين الأخيرين ، ليتبين لنا مدى غرابة مثل هذه المزاعم .!
 
عندما فاز حزب الوطن في الأنتخابات التشريعية عام   1983وتولى زعيم الحزب الرئيس الراحل "  توركوت أوزال "   تشكيل حكومة تكنوقراط برئاسته في نوفمبر عام 1983 ،  كانت الأزمة الأقتصادية وأعمال العنف  تعصف بالبلاد ، فشرع على الفور في تنفيذ خطة علمية مدروسة لأنعاش الأقتصاد و الحفاظ على أمن واستقرار البلاد واجراء أصلاحات شملت كافة جوانب الحياة ، وأدت في نهاية المطاف الى أرساء اسس الديمقراطية . وواصل أوزال تنفيذ اصلاحاته الأقتصادية و السياسية اللاحقة بعد تسنمه منصب رئيس الجمهورية في نهاية اكتوبر عام 1989 وحتى وفاته في 17 نيسان عام 1993 ، و لنجاحه الباهر في  معالجة مشاكل بلاده الأقتصادية على وجه الخصوص أطلقت عليه مجلة " Time " الأميركية اسم "السيد ...  اقتصاد " ، وكان يعتقد ان الأزدهار الأقتصادي هو السبيل الوحيد لأستقرار الأوضاع العامة في تركيا . وقد واصل أردوغان نهج أوزال في التنمية و الأقتصاد الليبرالي واجتذاب الأستثمارات الأجنبية الى البلاد . وشهدت تركيا خلال السنوات العشر الماضية نهضة أقتصادية غير مسبوقة ، وارتفع الناتج القومي الأجمالي  بمعدل سنوي لا يقل عن 5% ووصل عام 2009 الى 11% وبلغ معدل دخل الفرد أكثر من 13000 دولار سنوياً
 
أما في مصر فقد جرت الأمور على النقيض من ذلك و اتخذت الأحداث منحى آخر تماماً .
اتبعت مصر منذ نهاية السبعينات ،  نمط غير فعال من التنمية الأقتصادية أدت الى تفاقم التناقضات بين النخبة السياسية الحاكمة وبين الأغلبية الساحقة من الشعب المصري ، التي كانت وما تزال تعاني الأمرين من سؤ الأحوال المعيشية نتيجة لتردي الوضع الأقتصادي. وزيادة معدلات البطالة والفقر ، واعتماد البلاد على المساعدات الأجنبية ودخل قناة السويس وتحويلات المصريين المغتربين . ولم تعرف مصر في فترة الجمود هذه ، اية تغييرات ديمقراطية ولا أية تعددية  سياسية حقيقية  و حارب مبارك المعارضة بشتى السبل واجرى انتخابات شكلية تضمن له البقاء على سدة الحكم لفترة غير محددة ، كل هذه العوامل مجتمعة مهدت الطريق لثورة  25 يناير عام 2011 و ولا تزال مصر تعاني من أزمة أقتصادية خانقة ،
حتى ان صحيفة أجنبية قالت أن مشكلة مصر الأساسية هي كيفية توفير الخبز لملايين الجياع .
 
أين حماة البيئة في تركيا :
 
اما القول بأن الأحتجاجات التركية الحالية هي دفاع عن البيئة ، فهو بعيد عن الواقع ويقود الي استنتاجات خاطئة  ، لأن ثمة أخطار على البيئة في تركيا أكبر وأشد تأثيرا من أزالة حديقة عامة صغيرة نسبياً. ويكفي ملاحظة عوادم السيارات ، التي تخنق الأنفاس في مدينة  أسطنبول لمعرفة الوضع البيئي فيها .
حركة الدفاع عن البيئة وحمايتها في تركيا  ليست بالمستوى المنشود ولا يمكنها حشد جمهور كبير اوالقيام بأحتجاجات بهذا الحجم . حماة البيئة الحقيقيون كان  لزاما عليهم الأعتراض على خطط انشاء جسر ثالث على " البسفور " أو أنشاء مطار ثالث في الضاحية الشمالية لأسطنبول ، ولكن هذا لم يحصل .
و لأيضاح مدى تهافت ذريعة الدفاع عن حديقة " غازي " التي تضم حوالي 400 شجرة فقط  ، قال أردوغان ، أنه خلال فترة  توليه رئاسة بلدية أسطنبول في التسعينات من القرن الماضي قامت البلدية بزرع حوالي ثلاثة ملايين شجرة ، وأنه من المناصرين لحماية البيئة  ، حيث يتضمن المشروع الحكومي زرع آلاف الأشجار بدلاً من الأشجار التي ستتم أزالتها .
 
من المحتمل ان نية الحكومة أزالة حديقة "  غازي "  كانت حافزاُ لمختلف الشرائح الأجتماعية ، ليس للدفاع عن البيئة بقدر ما كانت دفاعا عن معالم اسطنبول التأريخية والسياحية ، التي تتميز بها وتعد ركناٌ من أركان هويتها . مدينة اسطنبول متحف كبير مثل مدينة روما ، والمس بأي معلم من معالمها المعمارية والفنية أو المساحات الخضراء فيها
يحدث شرخاُ في النسيج الأجتماعي والثقافي .بأعتباره انتهاكا لهويتها في المقام الأول وليس اضرارا بالبيئة فقط  .
تهميش الأحزاب الصغيرة والتضييق على حرية التعبير :
 
يتميز النظام الأنتخابي في تركيا بالصرامة وبأستحواذ الأحزاب الكبيرة على أصوات الأحزاب الصغيرة ، حيث يتعين على كل حزب كي يتمكن من دخول البرلمان أن يحصل على نسبة 10% من الأصوات العامة في البلاد، وإذا لم يتمكن من اجتياز هذه النسبة فإنه لن يستطيع إحراز أي مقعد في البرلمان ولو فاز بأغلبية الأصوات في بعض المناطق المحلية، وتوزع الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب التي لم تتمكن من اجتياز حاجز الـ10% على الأحزاب الفائزة ، التي حق لها دخول البرلمان- بحسب نسبة الأصوات التي حصل عليها كل حزب.
وقد ساهم هذا النظام المجحف في أقصاء وتهميش كثير من الأحزاب بشتى توجهاتها ،والتي لا تجد متنفساً للتعبير عن آرائها ، سوى اللجؤ الى الأحتجاجات و الأعتصامات و أستغلال كل مناسبة للتعبير عن غضبها و أستياءها ،  لحرمانها من أصوات مؤيديها و تمثيلهم والدفاع عن مصالحهم في البرلمان. 
واذا أضفنا الى ذلك التضييق المتواصل على وسائل الأعلام المعارضة ، وحبس الصحفيين بسبب آرائهم وأنتقاداتهم لسياسات  الحزب الحاكم ، لأدركنا سبب تأييد هذه الأحزاب المهمشة  للحراك الأحتجاجي الشبابي الأخير في تركيا . ويلقى هذا التضييق على حرية التعبير ، انتقاداُ لاذعا من الصحافة الغربية ومنظمات الدفاع عن الصحفيين ، وحقوق الأنسان .
 
بعض آراء أردوغان المثيرة للجدل :
 
من الطريف ان نذكر هنا  بعض نصائح أردوغان للشباب ،  فقد ادلى  قبل عدة أسابيع بتصريح صحفي نصح فيه الشباب  بشرب العيران  ( airan ) التركي  أي ( الشنينة ) بدلا من البيرة ، وبرر ذلك قائلاً ، إن الشعب التركي يفضل مشروب العيران المصنوع من اللبن والخالي من الكحول كمشروب وطني" وقد كرر اردوغان هذه النصيحة خلال ندوة في اسطنبول وقال"أن جده طالب بجعل العيران المشروب الوطني في تركيا حتى يكون للامة جيل سليم صحياً" على حد قوله.
 
كما اتهم أردوغان مؤسسي الجمهورية التركية "بجعل مشروب البيرة المشروب الشعبي في تركيا". وفي هذا الصدد نقلت احدى وكالات الأنباء عن أحد المعلقين على موقع التواصل الاجتماعي " تويتر "  قوله :" لا ينقص سوى إعلاننا من الخائنين للأمة لأننا لا نشرب العيران" وقال معلق آخر "لا شك في أن مشروبنا الوطني هو العيران الذي يريدون أن نشربه لكي ننام".
 
وقد اججت تصريحات أردوغان هذه مخاوف الأوساط العلمانية  حيال رؤيته الإسلامية للمجتمع التركي. وغالباً ما تتهم الأوساط العلمانية في تركيا أردوغان وحزبه العدالة والتنمية المنبثق من التيار الإسلامي بالسعي في الخفاء إلى أسلمة المجتمع التركي الذي يتصف بالعلمانية.
 
لذا كان المحتجون  الشباب في ساحة " تقسيم " يشربون البيرة بأفراط وبشكل استعراضي متعمد مع الموسيقي الصاخبة والضجيج المتعمد في تحد واضح لنصائح أردوغان .
ولم يحرم أردوغان النساء عموما والشابات منهن على وجه الخصوص من نصائحة ، فقد أثارت تصريحاته التي تحدث فيها عن الإجهاض وعن رفضه للعملية القيصرية " سيزاريان" واعتباره الإجهاض "عملية قتل"،  جدلا واسعا في جميع الأوساط السياسية والمدنية التركية
 
وانتقدت الجمعيات النسائية بشدة نية الحكومة التركية تقديم مشروع قانون إلى البرلمان لتقليص فترة الحمل المسموح خلالها بالإجهاض  واعتبرته انتهاكا لحقوق الأفراد في بلد يأمل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
. هذه الأمور ، غير السياسية  قد تبدو للبعض ،  ثانوية و لكنها جد مهمة من وجهة نظر الجيل التركي الجديد  وهي بلا أدنى شك تعد تدخلاً في الشؤون الشخصية حسب المعايير الديمقراطية الغربية و لا مبرر له في دولة مدنية ومجتمع علماني .
 
من هم المحتجون في ساحة تقسيم ؟:
 
أردوغان يتمتع بكاريزمية يفتقدها القادة الآخرون في منطقة الشرق الأوسط ، وقد واصل نهج الرئيس التركي الراحل توركوت اوزال في التنمية الأقتصادية و الأنفتاح  على العالم ، و فاز حزبه في ثلاث أنتخابات  تشريعية متتالية  ، نزيهة وشفافة بأغلبية مريحة ، لم يحصل عليها أي حزب تركي آخر منذ تأسيس الجمهورية التركية وما زال يحظى بثقة وتأييد أغلبية الشعب التركي .
ولكن من هم المحتجون ضد سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية وأردوغان شخصياً ؟
.لاحظ  مراقبون ان المتظاهرين في ساحة " تقسيم " جمهورغير متجانس وشديد التنوع ،  من الساخطين على سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية لأسباب مختلفة ، لا يجمعهم سوى الكراهية للحزب الحاكم وزعيمه أردوغان والرفض القاطع لأسلمة المجتمع التركي .
 
اردوغان وصف المحتجين ب" الفوضويين والمتطرفين " وهو وصف غير دقيق ولكن
 ليس بعيداً عن الواقع ، لأنه ينطبق على قسم لا يستهان به من المحتجين وليس كلهم .
 
باحثون من جامعة " بيلغي " الخاصة في أسطنبول قاموا بأجراء بحث ميداني حول أسباب الأحتجاج الجماهيري ، كما قاموا بأجراء استطلاع عن طريق الأنترنيت شارك فيها ثلاثة الاف متظاهر. وتبين ان معظم المحتجين هم من الجيل الجديد ، الذين ولدوا في نهاية ثمانينات واوائل تسعينات القرن العشرين ، ولا ينتمون الى أي حزب سياسى ، ولم يشاركوا في حياتهم قط  في تجمع سياسي أو أحتجاجي .وأكد حوالي 80٪ ممن تم استطلاع آرائهم  بأنهم ليبراليون أو علمانيون  .
وقال حوالي 90٪  من المتظاهرين ، أنهم  لا يؤيدون أسلوب أردوغان في الحكم ، الذي ينزع نحو الأستبداد ، على حد وصفهم ، وان الحريات الشخصية تعرضت للأنتهاك .وان الشرطة أستخدمت القوة المفرطة ضدهم. واعرب معظمهم عن الأمل بأن تثمر حركة الأحتجاج الحالية عن توقف الحكومة عن التدخل في حياتهم الخاصة.
، و وصف بعض المتظاهرين اردوغان بـ( المتكبر ). وأشار أغلبهم الى قانون تحديد بيع المشروبات الكحولية كمثال للتدخل الحكومي في الحياة الخاصة وتضييق حرية المواطنين . وهو أمر يرفضونه بشدة .
 
وجاءت نتائج البحث الميداني لتؤكد وجود جمهور غير متجانس من المحتجين ، يتكون من فئات وشرائح اجتماعية مختلفة بينهم  مثقفين علمانيين وليبراليين  ،وأعضاء في منظمات غير حكومية  و نشطاء في تنظيمات قومية ويسارية متطرفة ومن أقليات قومية ودينية . ولكل فئة من هؤلاء أسبابها الخاصة للأحتجاج :
المثقفون ( ومعظمهم من الشباب )  يرفضون ما يعتبرونه دكتاتورية أردوغان والتضييق على حرية الصحافة والقوانين التي تنتهك الحريات الشخصية .
الشابات يرفضن قانون  منع الأجهاض بعد مضي فترة محددة على الحمل  ، وفوضويون يطالبون بالحرية الشخصية غير المقيدة بالقوانين  .
احزاب المعارضة و التنظيمات المتطرفة تحاول تصعيد الموقف والأطاحة بالحكومة عن طريق الأحتجاج الجماهيري وليس الأنتخابات ، كما قال نورالدين جانيكلي  (Nurettin Canikli ) نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية .
 
( احتل حديقة غازي ) و ( انتفاضات الشباب ) في الغرب:
 
وقد سبق احتجاجات أسطنبول بأيام قليلة حادث يدل على مدي انزعاج الشباب التركي العلماني من محاولات الحزب الحاكم تقييد الحريات الشخصية .
ففي يوم السبت، 25 مايو   ورداً على مناشدة إدارة شبكة المترو في أنقرة للشباب بـ"التصرف وفقا للمعايير الأخلاقية"، تجمع 200 شاب وشابة في محطة "  كورتلوش "  و أخذ وا يتبادلون القبل علانية على مرآى الجمهور في المحطة  . وقد فرقتهم الشرطة ومضى الحادث بسلام .
لذا فأن البعض يعتبرحركة الأحتجاج في اسطنبول ، التي حملت شعار( احتل حديقة غازي ) نسخة تركية من حركة ( صيف الحب ) الهيبية التي بدأت في عام 1967 في سان فرانسيسكو عندما تدفق ما يقارب 100 ألف شخص على حي هايت-أشبوري في المدينة وطالبوا في احتجاجات حاشدة  بحريات شخصية غير مقيدة وبضمنها حرية الجنس وتناول العقارات النفسية والتعبير الأبداعي ،  ثم انتشرت الحركة في عدد من المدن الأميركية الكبرى .
أصبح(  صيف الحب )  علامة فارقة في عقد ستينات القرن العشرين مع تطور حركة الهيبيز ودخولها في الحركة الثقافية العامة.
 
 وآخرون يقارنون الأحتجاجات التركية بأحداث انتفاضة مايو١٩٦٨ الطلابية  في فرنسا ، التي انتقلت شرارتها الى العديد من دول العالم بينها  ألمانيا ، أسبانيا ، باكستان .
 
ولكن الحقيقة هي ان حركة الأحتجاج الراهنة في تركيا بحكم طبيعتها وتكوينها ، أقرب ما تكون الى حركة احتلوا وول ستريت (Occupy Wall Street) ، فالجيل الجديد -  الذي  يشكل الثقل الأكبر في هذه الأحتجاجات -  مبهور بأسلوب الحياة الغربية  و يتلهف للتحرر من القيود و التابوهات الأجتماعية.
ورغم تشدد اردوغان وعدم تراجعه عن مشروعه المثير للجدل ، الا أن مسؤولين آخرين رفيعي المستوى حاولوا تهدئة الأمور وخاصة رئيس الجمهورية عبدالله غول ،  الذي أعتذر للمحتجين ووعد بالتحقيق في بعض حوادث العنف التي رافقت الأحتجاجات .وباتت الحكومة التركية أكثر تفهماً وادراكاً لميول ومواقف المتظاهرين و أخذت تفرق بين"المتظاهرين السلميين"، وبين "المحرضين" - الذين تتمثل مهمتهم، حسب رأيها في زرع الفوضى. كما وافق اردوغان على استقبال وفد عن المحتجين للأستماع الي وجهات نظرهم و الوقوف على مطالبهم الحقيقية .
وكان الشباب قد تقدموا بشكوى الى القضاء التركي  يطالبون فيها بألغاء مشروع تحديث ساحة " تقسيم وحديقة " غازي " واثر ذلك علق اردوغان تنفيذ المشروع لحين صدور قرارمن القضاء ,
كما أظهرت الحكومة بعض المرونة وخففت من لهجتها خلال الأيام الأخيرة وباتت أكثر تفهماُ وادراكاً لميول ومواقف المتظاهرين و أخذت تفرق بين"المتظاهرين السلميين"، وبين "المحرضين" - الذين تتمثل مهمتهم، حسب رأيها في زرع الفوضى.
 
تداعيات الحراك الأحتجاجي  :
 
لا شك أن الحراك الأحتجاجي الراهن سيلقي بظلاله على الأنتخابات البرلمانية القادمة في عام 2014 .
حزب السلام والديمقراطية ( المقرب من حزب العمال الكردستاني ) لم يشترك في الأحتجاجات على نحومباشر وأتخذ  دور المراقب لسير الأحداث وأعرب عن تفهمه لمطالب المحتجين .
وبفضل تغير التركيب الديموغرافي الجاري حاليا في تركيا لصالح الكرد  و الشروع في الحل السلمي للقضية الكردية ، فأن من المرجح أن يزيد هذا الحزب من عدد مقاعده في الدورة البرلمانية القادمة .
 
الحراك الأحتجاجي جمع ووحد الشباب من ذوي الميول الليبرالية و اليسارية ، وهذا ما فشل فيه حزب المعارضة الرئيسي " الشعب الجمهوري .
في هذا الحزب ثلاثة أجنحة قوية : قومي ، يساري ، وعلوي . اذا لم ينضم جمهور " احتجاجات " غازي " الى الحزب كجناح رابع ، وقام بتشكيل حزب جديد مستقل .
فأن ذلك سيؤثر حتماً على شعبية حزب " الشعب الجمهوري "   وسيخسر المزيد من الأصوات في أية أنتخابات قادمة
.الناخبون الذين الذين يشعرون بعدم الرضى من سياسة الحزب الحاكم يمكنهم زيادة عدد الأصوات التي سيحصل عليها " حزب الحركة القومية " .
اشترك الحزب الشيوعي التركي في الأحتجاجات بفعالية وأصيب العشرات من نشطائه بجروح مختلفة ، ويلاحظ التصاعد النسبي لشعبية الحزب ، رغم أنه لم يحصل في الأنتخابات التشريعية التي جرت في عام 2011 الا على 0,14 % من الأصوات ويفسر ذلك بالموقف المبدئي للحزب من القضيتين الكردية والقبرصية ، الذي يتناقض مع المزاج الشوفييني السائد في المجتمع التركي .
وسيتضرر الحزب الحاكم  في حال فشله في معالجة الأزمة و أصراره على عدم تقديم تنازلات أومبادرات سياسية جديدة . ولكن لا يمكن لهذه الأحتجاجات أجبار  الحزب على التخلي عن السلطة ، ولن يحدث مثل هذا التغيير الدراماتيكي الا نتيجة  لأزمة أقتصادية خانقة ،  ولكن تركيا تتمتع اليوم بأقتصاد قوي وهو ثاني اسرع أقتصاد في النمو في العالم  بعد الصين .
 
 
 

52
هل انتهى زمن الصحافة الورقية ؟

          جودت هوشيار
 
1– الصحافة الورقية في أزمة  :
 
شهدت الصحافة الورقية خلال السنوات الأخيرة ازمة حقيقية ، أخذ ت تتفاقم  من سنة الى اخرى فى العديد من الدول الغربية المتقدمة نتيجة لثورة الأتصالات والمعلومات وظهور شيكة الأنترنيت . وتتمثل هذه الأزمة  فى عزوف الكثيرمن القراء عن أقتناء أو مطالعة الصحف الورقية و نشؤ جيل جديد لم يعد يتعامل مع الورق ، و في تغيّر أنماط الأهتمام والقراءة لدى مجتمع المعرفة ، وشيوع  ثقافة الحصول المجاني على المعلومة. كل هذا أدى الى التراجع المتواصل لمبيعات الصحف الورقية وانخفاض عائداتها من الأعلانات، التي تتحرك بسرعة صوب شبكة الإنترنت .
 
 وقد لجأت مجموعة كبيرة من الصحف ذائعة الصيت الى تقليص أرقام  توزيعها و الغاء آلاف الوظائف وتسريح عدد كبير من العاملين فيها ،  بينها صحف ، واسعة الأنتشارمثل " شيـكاغـو تـربيـون "   ، " بـوسـطن غـلوب "  و " انجلوس تايمز " ، و حتى المجلة الأوسع أنتشاراً فى العالم وهى مجلة " تايم " الأميركية الشهيرة .
 
. و ثمة صحف اخرى ، تحولت الى صحف رقمية ، مثل " كريستيان ساينس مونيتور" التى الغت طبعتها الورقية منذ العام 2008 واكتفت بنسخة رقمية على موقعها على شبكة الأنترنيت  .
  و اعلنت مجلة "  نيوزيك "  الأسبوعية الأميركية الشهيرة توقف نسختها الورقية عن الصدور منذ نهاية العام الماضي و اقتصارها على نسختها الألكترونية التى حملت عنوان " نيوزويك غلوبال " من بداية العام الحالي . . كما توقفت مجلة " يو أس نيوز أند ريبورت " وهى الثالثة الأوسع أنتشاراً فى أميركا فى تشرين الثانى من العام 2010 ،  اضافة الى المئات من الصحف المحلية الأميركية، التى اختفت عن الوجود نهائياً. وتشير الأحصاءات الى ان عدد الوظائف في الصحافة الورقية الأميركية قد تقلص بحوالي 30% منذ عام 2008  ومن المتوقع ان تستمر هذه العملية بوتائر أسرع فى المستقبل المنظور .
 
و لم تقتصر الأزمة على الولايات المتحدة ، ففى بريطانيا تم إغلاق صحيفة «ذي لندن بيبير» بعد الإعلان عن إغلاق أكثر من مائة صحيفة محلية  لفشلها في التكيّف مع ظروف المنافسة الحادة مع الإعلام الإلكتروني. ويبدو ان صحيفة "  الغارديان "  اليومية ، واسعة الأنتشار  على وشك ايقاف القطاع المطبوع من الصحيفة و ملحقها الأسبوعى"  الأوبزيرفر "  نظرا لتكبد هذا القطاع خسارة تقدر بحوالى 44 مليون دولار سنويا .
وقد رضخت ثلاث صحف تقليدية كبرى في لندن الى أن تعتمد مقاسات أصغر لصحفها، تنافسا مع باقي الصحف الأخرى التي اعتمدت مقياس أقرب إلى مقاييس صحف التابلويد النصفية، كما أضطرت هذه الصحف إلى أن تعيد النظر في تبويباتها الصحافية لتواكب احتياجات سوق الجمهور من القراء
و في فرنسا  توقفت جريدة ' فرانس سوار' عن الصدور منذ شهر نوفمبر 2011، واكتفت بنسخة  على 'الويب ،  وكانت الى عهد قريب مؤسسة إعلامية مرموقة ، عمل فيها مجموعة كبيرة من الإعلاميين على مستوى العالم
وفى اسرائيل توقفت صحيفة " معاريف " عن توزيع طبعتها الورقية فى الثالث من ايلول العام  الماضى مع استمرار نسختها الألكترونية على شبكة الأنترنيت .
 
و أزمة الطباعة و النشر شاملة و لا تقتصر على نوع محدد من المطبوعات الدورية . فقد أضطرت أشهر موسوعة عالمية وهى " الموسوعة البريطانية "  الى  التوقف عن نشر نسختها المطبوعة و الأقتصار على نسختها الألكترونية . كما تراجعت أرقام مبيعات الكتب الورقية ، فى حين أن الكتب الألكترونية تلقى رواجاً كبيراً وهذا يدل على التحول السريع والواسع من  النشر الورقى الى النشر الألكتلروني .
 
وقد أتخذ هذا التحول اشكالا عديدة فهنالك صحف الكترونية تعد نسخة كاملة  موازية لطبعاتها الورقية و أخرى يقتصر النشر الألكتروني فيها على أجزاء مختارة من المحتوى . ولكن معظم الصحف الألكترونية ليس لها نسخ ورقية رديفة  ويقتصر على النشر الألكتروني وحسب .
ويرى الملياردير روبرت موردوك ، الذي يملك أكبر امبراطورية اعلامية في العالم - ان صح التعبير - أن كثيرا من الصحف الحالية في المملكة المتحدة ستلاشى في القريب العاجل، ولن يتحمل سوق الصحف أكثر من صحيفة واحدة في كل سوق صحافية. وقد بينت الأحصائيات والأستبيانات الأخيرة صحة ما ذهب اليه موردوك. 
 
و على النقيض من الدول الغربية ، فأن الصحافة الورقية  في البلدان النامية تشهد طفرة حقيقية ففي أفريقيا، ارتفع توزيعها  بنسبة 14.2٪، وفي أمريكا الجنوبية وآسيا لأكثر من 16٪.خلال السنوات الثلاث الأخيرة .
 
 ويرجع السبب فى ذلك الى محدودية أنتشار الأنترنيت فيها ، و يتوقع ان يتوقف هذا الأزدهار ويتراجع عندما يتم أستخدام الأنترنيت على نطاق واسع في العالم النامي .
ويبلغ عدد قراء الصحف الورقية في العالم حالياً نحو 1,7 مليار شخص . ولكن في مقابل هؤلاء فإن هناك حوالي 2.5 مليار من البشر يتعاملون مع الإنترنت وصحافته الإلكترونية، التي تكتسب  مزيدا من  الجمهور القاريء بمضي الزمن .
 
ان هذه الأزمة تطرح قضية  في غاية الأهمية وهي مدى قدرة الصحافة الورقية على التكيّف  والتعايش مع التطورات المتسارعة في  ثورة ألأتصالات و المعلومات وأنعكاسات الأخيرة على ممارسات العمل الصحفي .
 
2 - عادات القراءة الجديدة :
 
يعتقد البعض ان ما يحدث للصحافة الورقية من تراجع وأنحسار ،  ليس بمعزل عن الأزمة المالية العالمية الحالية ، التي قد تكون مؤقتة وعابرة  ، ولكن التحدى الحقيقى المتواصل  ، الذى تواجهه الصحافة المطبوعة في العصر الرقمي ،  هو التغييرات الجذرية في عادات القراءة وأذواق الأجيال الجديدة ، التي تتوجه بقوة صوب الصحافة الإلكترونية ، حيث ان الكثير من القراء ، الذين كانوا يواظبون على قراءة صحفهم المفضلة مع قهوة الصباح ، تحولوا الى استخدام  شبكة الأنترنيت لمتابعة الأخبار اليومية و معرفة أحدث المعلومات من مصادر متعددة ، وخاصة فى مواقع التواصل الأجتماعى والمنتديات .
 
الجيل الجديد فى عالم اليوم  يريد الحصول على الأخبار بسرعة ، كما يأكل فى مطاعم " الفاست فوود " . وهذا التحول فى عادات القراءة تشكل جوهر الأزمة التى تعانى منها الصحافة الورقية فى العالم .
ان تصفح الصحف الألكترونية  أقل تكلفة ،والوصول إليها أسهل بكثير من الصحف الورقية .بإمكانك أن تتصفح ما تشاء من صحف العالم  سواء كنت في بيتك تحتسي قهوة الصباح أو في مكان عملك أو أي مكان آخر تتوفر فيه خدمة الأنترنيت.

معظم المتصفحين من الفئة الشبابية  ، لا يهتمون كثيراً بالمقالات الجادة والتقارير المطولة ولا بتفاصيل الأخبار ، بل يلقون نظرة عابرة على العناوين فى الصفحة الأولى . وهذه حقيقة ادركها فتى انجليزى فى السابعة عشرة من العمر يدعى "  " نك دي اليوزي "  ،الذى وضع برنامجاً لتلخيص الأخبار وتحول الى مليونير في فترة وجيزة .
التطبيق الجديد يقوم بتحليل الخبر ومن ثم تحويله الى نص مكون من 400 حرف ، بحيث يحصل المستخدم على الخلاصة المفيدة من الخبر. وحسب قناة "بي بي سي" يشير " نك " إلى أنه وجد أن قراءة التقارير الإخبارية المطولة على شاشة الهاتف الذكي الصغيرة أمر غير مريح، من هنا قام ببرمجة هذ التطبيق.
 
3 – صحافة تفاعلية جديدة
 
كتب احد أبرز المدافعين عن الصحافة الورقية في العالم العربي  وهو الصحفي المعروف الأستاذ عبد الرحمان الراشد مقالا في جريدة الشرق الأوسط يقول فيها :
" هل سيصبح مصير الصحف الورقية مثل مصير الحمير والبغال والخيول في زمن ظهور السيارة؟ هل فعلا حان موعد تفكيك المؤسسات الصحافية والانتقال إلى الوسيلة الجديدة، المواقع الإلكترونية؟ رغم احتفاء الزميلات من المواقع الإلكترونية بأنباء وفيات الصحف المنتشرة في أنحاء العالم، كما لو أن وباء قد أصابها، فإنها قراءة خاطئة في نظري، وستثبت الأيام أن الصحف الورقية باقية لكن بلا ورق. وهنا يقع خلط، وربما تدليس متعمد، بإضافة كلمة الورقية إلى الصحف. فالصحيفة شكلا ورقية لكنها في واقع الأمر محتوى، أي الأخبار والآراء، أي المنتج المكتوب سواء كان على ورق أو جدران، كما كان يفعل الصينيون في الماضي، حيث تعلق ورقة على لوح في الحي ليصطف الناس في طابور لقراءتها بسبب نقص الورق وكثافة السكان، أو مثل الصحيفة اليوم من خلال الصفحات الإلكترونية. ( لن تموت الصحافة .. عبدالرحمن الراشد ، جريدة الشرق الأوسط ، العدد 11509 الصادر في 2  يونيو  2010 )
هذا الرأي – رغم احترامنا للكاتب – غير صحيح ، لأن الصحافة الألكترونية تختلف عن الورقية ليس فقط من حيث الوسيلة المستخدمة لتقديم المادة الصحفية او للقراءة ، بل من حيث المحتوى أيضاً ، فالصحافة الألكترونية لا تقتصر على المنتج المكتوب ، بل قدمت  انواع جديدة من طرق عرض الخبر مثل الفيديوهات ، التى تنقل القارئ مباشرة الى موقع الحدث بالصوت والصورة في الوقت الذي تكون فيه الصحيفة الورقية مضطرة لانتظار 24 ساعة لطبع الخبر وقد تكون أحداث أخرى قد جرت بعد ذلك، وبهذا تكون الصحف الورقية قد فقدت اهم عنصر من عناصر النجاح وهو ما يسمى بـ( السبق الصحفي ).
ولعل ابلغ دليل على قدرة الصحافة الألكترونية على نشر الأخبار بشكل فورى وعلى أوسع نطاق الى جميع أنحاء العالم ، هو ان الرئيس الأميركي باراك أوباما اختار موقع " تويتر " ليشكر مؤيديه بعد فوزه بولاية ثانية ليكون أول رئيس أمريكي يعلن فوزه في تأريخ سباق رئاسة الولايات المتحدة عبر موقع للتواصل الاجتماعي. وقال اوباما عبر تغريده على موقعه في "تويتر", "شكرا لكم.. لقد حدث هذا بسببكم".
 
لا تستطيع الصحف الورقية مجاراة الصحف الألكترونية كوسيط نقل جديد للمعلومة والإعلان.والتنافس مع مواقع التواصل الأجتماعي على الأنترنيت - التي تجتذب مئات الملايين من المتصفحين  مثل " التويتر " ، " الفيسبوك " و غيرهما -  فى سرعة نشر الخبر للقارىء وقت حدوثه و تحديثه لحظة بلحظة ، في زمن يتقادم فيه الخبر بسرعة بالغة ، واتاحة المجال للقراء للمشاركة فى تحريرها والتعبير عن آرائهم و مناقشتها مع قراء آخرين  بكل حرية على نحو لم يسبق له مثيل 
.
كل ما تقدمه الصحافة الورقية  من محتوى مرة فى اليوم او الأسبوع ، تقدمه الصحف الرقمية مجانا و فورا بكل سهولة . ولعل فوز الصحيفة الإلكترونية " هفنجتون بوست "  بجائزة بوليتزر للصحافة لعام 2012 بعد أن تخطّت صحفاً عريقة لتنال الجائزة الأهم في الإعلام الأمريكي ، هو أعتراف صريح بالتفوق الرقمي على الورقي التقليدي .
 
و لا يقتصر الأختلاف بين الصحافتين  على سرعة النشر والوسيلة المستخدمة لنقل المحتوى   كما يظن البعض ،  فالصحافة الرقمية تقدم خدمات اعلامية كثيرة تعجزعنها الورقية  منها الندوات وبرامج المحادثة ( الشات ) و شريط الأخبار المتحرك ، اضافة الى عدم وجود محددات لحجم المواد المنشورة  وزمن العرض . وعلى خلاف الصحافة الورقية فأن الصحيفة الألكترونية بأمكانها تقديم المعلومة الجديدة بالحجم الكامل في أي وقت . كما تسمح شبكة الأنترنيت بتراكم المعلومات وحفظها و أرشفتها . و بدلا من ايراد مقتطفات من المصادر ، فأن النشر الألكتروني يسمح للكاتب بوضع روابط لمصادر ومراجع المادة المنشورة سواء اكانت مقالة او دراسة او حتى كتابا كاملا . .و بذلك يقتصد الباحث او الكاتب  كثيرأ في حجم البحث أو الدراسة
وثمة امكانيات فنية اخرى للصحف الألكترونية منها خدمة الأنتقال الي الأذاعات و القنوات الفضائية ، و خدمات ( التعليقات ، الردود الآنية ، ألربط بالمواقع الأخرى والأحصائيات الخاصة بالموقع الألكتروني (عدد القراءات لكل مادة صحفية  وتوزيع القراء  حسب البلدان و الفئات العمرية والتحصيل العلمي وغيرها من البيانات ) ، التي تتيح للصحيفة الألكترونية معرفة مواطن القوة و الضعف في عملها من اجل التطوير اللاحق .
 
4–  مستقبل الصحافة الورقية  :
 
يتبنى خبراء الأعلام رؤية متشائمة لمستقبل الصحف والمجلات المطبوعة . ويرى عملاق الصحافة روبيرت  مردوك أن الصحافة  الورقية سوف تخنفي بحلول عام 2020
ويقول  مؤلف كتاب " النهاية الحتمية للأعلام الورقى " فيليب ماييرز ان آخر مطبوع ورقى سيصدر  فى عام 2043.
كما تشير الدراسات الخاصة بمستقبل الصحافة الورقية  إلى أن الصحافيين أنفسهم يعتقدون أن أنها ستكون أقل أهمية في الحياة العامة في السنوات القادمة. 
 
ولكننا نعتقد ان تزايد قوة وفاعلية الصخافة الألكترونية ، لا يعني بأي حال من الأحوال انقراض الصحافة الورقية المطبوعة في المستقبل المنظور ، فما يحدث غالباً أن الوسائط الأكثر الحداثة، لا تؤدي بالضرورة إلى انقراض الوسائل القديمة  . فالصحافة الرقمية لا تلغي دور الصحافة الورقية وأنهما يمكن ان يتعايشا مع بعضهما البعض، خاصة وان لكل منهما قارئه الخاص به ومصدره في إستقاء الاخبار.
 ومن متابعتنا  للصحافة الرقمية وجدنا أن الجزء الأكبرمن محتواها ، سطحي ،  مما يؤدي الى قمع حب الأستطلاع الذهنى لدى الشباب ، لأنهم يسبحون على سطح بحر المعلومات من دون نزول الى الأعماق ، حيث المعرفة الحقيقية .أما قارىء الصحف الورقية فهو يبحث عن المعلومات المعمقة والتفاصيل الدقيقة وكل ما ينمي  تفكيره ويثري ثقافته
 
لم ينته بعد ، زمن الصحف الورقية في العصر الحاضر ولن ينتهي قريباً كما يزعم المتشائمون ،  ولكن على الصحف تأهيل نفسها للعصر الرقمي و الأطلالة على العالم  بنسخ إلكترونيه لها على الأنترنت ، لأن المواقع الالكترونية هي نافذة الصحافة الورقية للقراء . و ثمة مفارقة بالغة الدلالة على حيوية الصحف الورقية وهي ان كثيراً من الصحف التي بدأت بداية إلكترونية فقط، توجهت بعد ذلك إلى الطباعة الورقية ، ويبدو ان العلاقة المتبادلة  بين الوسيلتين الورقية والرقمية ماضية الى مزيد من التجسير والتكامل رغم المنافسة الشديدة القائمة حاليا بينهما.
 
وتجربة موقع " ويكليكس " وهو  احد اشهر المواقع الألكترونية العالمية دليل آخر على ان الصحافة الورقية ما زالت مؤثرة جدا ، رغم كل ما يقال عن سطوة الأنترنيت ومواقع التواصل الأجتماعي على وجه الخصوص ، فالوثائق السرية التي نشرها الموقع المذكور اتسع تأثيره كثيراً ، بعد لجؤ صاحب الموقع " جوليان أسانج " إلى كبريات المؤسسات الصحفية في جميع دول العالم لنشر ما بحوزته من وثائق في صحفها المطبوعة بشكل ورقي لاسيما في بريطانيا  ، وقد احدث هذا النشر  ضجة كبرى اهتزت لها الحكومات في شتى انحاء العالم  وبخاصة الفاسدة منها. وهذا دليل آخر على أن الصحافة الرقمية لن تكون بديلا عن الصحافة الورقية في المستقبل المنظور على الأقل ، وان الوقت ما يزال مبكرأ للحديث عن اختفاء الصحف المطبوعة قريبا.
 
الصحافة المطبوعة ما زالت  رائجة في الكثير من دول العالم وفي مقدمتها دول العالم النامي.
 
وتبقى مسألة جوهرية في غاية الأهمية لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها بأي حال من الأحوال ، وهي ان الصحافة الألكترونية تفتقر الى الديمومة التى تتصف بها المطبوعات الورقية. وان معظم مانعرفه عن ماضى البشرية مدون بطرق مختلفة على الأشياء المادية : ألواح الطين  ، أوراق البردى ، الأحجار،  الجلود ، ثم الورق و لولا هذا التدوين لضاع تأريخ البشرية و لم يكن بوسع العلماء تفكيك طلاسم اللغات القديمة المندثرة . و الأسوأ من ذلك ان التراث الرقمى – ان صح التعبير -  يمكن تغييره او تحريفه بسهولة ، خلافا للآثار المادية للتأريخ .و ثمة امكانية للوقوف على أي تغيير أو تحوير أو تشويه في الآثار المكتوبة ومنها المطبوعة ، أما في النصوص الألكترونية فلا يمكن اكتشاف ذلك أبدا.
الصحافة الورقية عصية على الموت ، ولا يزال هناك عدد غفير من  الناس وبضمنهم أصحاب ألمع العقول البشرية وخيرة المثقفين ،  الذين تربطهم علاقة عاطفية بالورقة و القلم ولا يمكنهم الأستغناء عن الصحافة المطبوعة و النشر الورقي طيلة حياتهم  ، أضافة الى مئات الملايين من القراء الذين لم يكتشفوا بعد العالم الرقمي ولا يتعاملون الا مع الورق .
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com


53
الكتابـة اليـدوية في طريقـها الى الـزوال  ؟

                                                                                                                     جـــودت هوشـيار
 
وسائل الأتصال الرقمية ، أزاحت الكتابة اليدوية جانباً. وكل من يتعامل مع المعلومات و يستخدم هذه الوسائل في عمله او حياته اليومية ، لم يعد بحاجة الى الكتابة اليدوية الا نادرًا وعند الضرورة  فقط ،  مثل كتابة المذكرات اليومية أو بضعة أسطر في دفتر الملاحظات أوالتوقيع على مستند أو صك أو صورة أو كتابة هوامش وملاحظات على كتاب خلال قراءته ، وهي عادة متأصلة عند العديد من المفكرين و الكتّاب.
فقد حل الكومبيوتر محل الأوراق الرسمية في أعمال الحكومة ، وفي كل مجالات الحياة تقريبا في العديد من المجتمعات الغربية المتقدمة ، وثمة اليوم في الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية  مؤسسات ودوائر رسمية ومنظات غير حكومية ، ومعاهد ومدارس لا يستخدم فيها القلم والورق للكتابة اليدوية على الأطلاق .
 
و لكن هل الكتابة اليدوية امر مهم حقاً في حياتنا ؟
 ، وهل هي ضرورية للبشر عموماً والمبدعين من الكتاب والشعراء و الباحثين على وجه الخصوص ؟
 وهل يشكل أختفاؤها التدريجي ضياع نوع حميم من التواصل الأنساني عبر الرسائل المتبادلة بين الأقارب و الأصدقاء و المعارف ولمتعة لا تعوض  للمحبين ، ولمعارف قد يطويها النسيان ؟
 
ففي نهاية المطاف كل شيء يتغير في الحياة ويتطور بمضي الزمن  . هل يتحسر أحد اليوم على أختفاء طرق الكتابة القديمة على ألواح الطين ، واوراق البردي ، والجلود ، و التقش على الصخور أو يتحسر على أنتفاء الحاجة الى الفاكس او الأسطوانات الموسيقية ؟
 حقا ان المهم هو المحتوى وليس الوسيلة  ، و ما هو مكتوب باليد ليس سهلا ارساله أو خزنه . واضافة الى ذلك فأن الكتابة اليدوية ليست سهلة . و لكن من المبكر اليوم ،  القول بأن الكتابة اليدوية في طريقها الى الزوال .
صحيح ان الأجهزة الرقمية الحديثة تساعدنا على مواكبة العصر ، وأنجاز الأعمال على نحو أسرع ،  ولكن الجري وراء السرعة يفقدنا بعض ما هو جميل ورائع في حياتنا .!
 
حتى الماضي القريب ، كانت الكتابة باليد تعد تطويرا للذات و مفتاحاً لفهم الآخرين و الدخول الى عوالهم .
كان البعض يعتقد أن الكتابة اليدوية الجميلة و الصحيحة عامل مساعد للتقدم الوظيفي ، والنجاح في الحياة . مثل هذه الأفكار قد تبدو اليوم عتيقة لمن أعتاد على أستخدام الكومبيوتر والهواتف الذكية في الكتابة و تبادل الرسائل و الملفات و الصور ، ولكن التجارب العلمية أثبتت أن للكتابة اليدوية مميزات لا تتوفر في الكتابة الرقمية .
 
يقول العلماء أن الكتابة اليدوية ، كما الرسم ، يسهم في تطوير القدرة العقلية لأنها  مرتبطة بالدماغ ، أما الدق على لوحة المفاتيح فهي عملية سلبية ، بمعنى أنه لا ينشط التفكير الأبداعي ، لأن الأصابع تتحرك على لوحة المفاتيح بشكل عشوائي بلا أيقاع  والدماغ يتلقى فقط الضوضاء الذي يمنع التفكير . .. الكتابة اليدوية أبطأ وتتناسب تماماً مع سرعة التفكير وضرورية للتعلم ، لأنها تتيح للأنسان معرفة أعمق وأكثر رسوخا .
 
وأثبتت التجربة التي قام بها فريق بحث "فيلاي" في مرسيليا انه يتم تنشيط أجزاء مختلفة من الدماغ عندما نقرأ حروفا تعلمناها من خلال الكتابة بخط اليد ، عن تلك التي يتم تفعيلها عندما نتعرف على حروف تعلمناها من خلال كتابتها بواسطة لوحة المفاتيح. عند الكتابة باليد، تترك الحركات المعنية ذاكرة حركية في الجزء الحسي الحركي من الدماغ ، الذي يساعدنا على التعرف على الحروف. وهذا يعني وجود علاقة بين القراءة والكتابة، ويؤكد فريق البحث، أن النظام الحسي الحركي يلعب دورا في عملية التعرف البصري في أثناء القراءة .
 
و جاء في بحث علمي أنجز عام 1989 في جامعة " فرجينيا " ان بعض المدارس الأميركية قامت بمحاولة تحسين الخط الرديء لعدد من طلابها و نجحت في ذلك ، وهذا التحسن أدى في الوقت نفسه الى تعزيز عملية التعلم ، وقدرة الطلاب على القراءة الصحيحة ، وتشكيل العبارات ، والجمل و تذكر النصوص بشكل أفضل .
الكتابة اليدوية منذ الصغر تسهم في تشكيل الطبع الأنساني ، وتطوّر قدرات الأنسان  . والخط اليدوي ينم عن شخصية كاتبه ومن الصعب ، ان لم يكن من المستحيل تغييره لأنه ميزة فردية ، تماثل تماما الميزة الفردية لبصمات الأصابع .
الكتابة هندسة الروح ، ونظافة الكتابة من نظافة الروح .
الخط الجميل سمة للأنسان الواثق من نفسه و بفقدانه نفقد كل روعة و جمال الأحرف التى تشكل الجزء الأهم من تراث الشعوب .
 
جــودت هوشـيار
jawhoshyar@yahoo.com
 
 
 
 


54
اشـكالية العـلاقـة بين الأخـلاق و السـياسـة

                                               
جـــودت هـوشــيار
تلاميذ ماكيافيلي
 
لا يعرف الساسة الجدد الذين ظهروا على المسرح السياسي العراقي في السنوات الأخيرة  تعريفا لمفهوم السياسة  أفضل من قول بعضهم ، انها ( مصالح ) و هو تعريف مبتسر و مخل على غرار ( ولا تقربوا الصلاة ) . و يبدو انهم يقصدون بذلك مصالحهم الشخصية أو مصالح فئة أو جماعة سياسية  وليس مصالح البلاد العليا . و يقول بعضهم الآخر أنها ( فن الممكن ) و هم لا يقصدون بذلك اختيار البديل العملي الممكن من بين بدائل عديدة في اتخاذ  القرار ، بل ما يمكنهم الحصول عليه من منفعة شخصية و أمتيازات بأستغلال مواقعهم  في السلطة، بصرف النظر عن الوسائل المستخدمة من قبلهم لتحقيق أهدافهم ، و هم يطبقون عن وعي او بالفطرة تعاليم نيكولو ماكيافيلي  Niccolo Machiavelli (  1469 – 1527) الواردة في كتابه الشهير " الأمير "  حول التحلل من الضوابط الأخلاقية واباحة كل الطرق والوسائل لتحقيق المصالح و الغايات السياسية  .
 
ما الأخلاق ؟
 
الأخلاق شكل من أشكال الوعي الأجتماعي و تطبيقاته على أرض الواقع ، و التي تعكس نوعا من السلوك البشري الضروري اجتماعيا .وعلى خلاف المعايير القانونية التي يجري تنفيذها ومراقبتها من قبل مؤسسات الدولة المختصة .، فأن الأخلاق تستند الى مجموعة القيم والمثل  والفضائل الدينية والتقاليد و الأعراف السائدة في المجتمع .
الأخلاق تتجسد وتجد تعبيراً لها في السلوك البشري ضمن نطاق الأسرة و الجماعة و تجاه المجتمع و أجهزة السلطة... الخ . القيم الأخلاقية تتغيّر بمضي الزمن و تختلف من شريحة اجتماعية الى اخرى ومن شعب الى آخر .
المسائل الرئيسية في الأخلاق هي : ما السلوك الجيد ؟  وما العادات الحسنة ؟ وما الأعمال المقبولة ؟ وما الذي يمكننا اعتباره لائقا و مقبولاً في نظر المجتمع ؟ .
 
الأخلاق جزء لا يتجزأ من الرؤية الذاتية للأنسان  والتي تحدد له الى حد كبيرصورة العالم الأجتماعية- السياسية . و بما أن السياسة هي واحدة من أهم مجالات النشاط الأنساني ، فأنها لا يمكن ان تكون منفصلة عن الأخلاق .
 
القيم و المعايير الأخلاقية ذات العلاقة بعالم السياسة ومؤسساتها و علاقاتها ، والسلوك السائد في هذا المجتمع او ذاك ، تشكل مجتمعة  الأخلاق السياسية المستخدمة لتقييم النهج السياسي للنظام الحاكم و النشاط السياسي للأحزاب و المنظمات و الأفراد .
 
الأخلاق يحد الأنسان من السلوك المتطرف و يساعد على حل التناقضات بين الفرد والمجتمع. .
في العصور القديمة كانت المجتمعات البدائية تنظم العلاقات  المتبادلة بين أفرادها عن طريق العادات والتقاليد والمحرمات ومؤسسات الرقابة الأجتماعية مثل الأسرة .
ومع ظهور المجتمعات المعقدة و الضعف التدريجي للأشكال التقليدية للرقابة الأجتماعية  ازداد دور المؤسست السياسية،  التي اصبحت تقوم بالوظيفة الأساسية للتنظيم السلطوي وتطوير المجتمع . اما الأخلاق فأنها  باتت تحدد معايير السلوك البشري. كما أنها ( الأخلاق )  ،  تحدد أيضاً سمة العمل السياسي و تؤثر في تنفيذه .
الأخلاق تشكل قيدا على حرية العمل السياسي غير المنضبط  أوالمنفلت  ، لذا يسعى الساسة غالباً الى التحرر منها .
 
 ما الذي يجمع بين الأخلاق و السياسة ؟ ان ما يجمعهما هو انهما كانتا من اولى  أدوات تنظيم الحياة الأجتماعية  و مجال الأختيار السوسيولوجي .لذا فأنهما  تتسمان بالديناميكية والتغير وتنظمان سلوك الناس .
 
الأخلاق قيم و ضرورات معنوية و تتسم بالمثالية ولكنها تستخدم في تقييم  سلوك الأفراد الناجم عن دوافع ذاتية ، في حين ان السياسة واقعية و ذات اهداف معينة و تسعي لتحقيق نتائج محددة . ومن اهم خصائص السياسة انها تستند الى القوة و تستخدم شتى الضوابط القسرية لتنفيذ ما هو مطلوب  وتلجأ الى  العقوبات عند الضرورة ، في حين ان  الأخلاق تستند الى تأنيب الضمير بشكل اساسي .
 
الأخلاق في جزء كبير منه مناقض للعنف فالتقاليد الهندوسية – البوذية ترتكز على مباديء اللاعنف  ، و لكن القول ان الأخلاق عموما مناهض للعنف زعم مبالغ فيه ، حيث ان حروب الدفاع عن الوطن وحركات التحرر من الأستعمار اوالأحتلال مثلاً عادلة ومشروعة .
ان القانون الجنائي في كل بلد من بلدان العالم يجسّد وحدة شكلية للرؤية القانونية و الاخلاقية للمجتمع
و اخيرا توجد معايير اخلاقية مقبولة في  مجتمعات محددة و التي تبرر استخدام العنف بشكل محدود مثال تقاليد المبادرزة للدفاع عن الشرف في المجتمعات الأوروبية .
 
المقاربات الثلاث للعلاقة بين الأخلاق والسياسة :
 
ثمة ثلاث مقاربات للعلاقة المتبادلة بين السياسة و الاخلاق :

 
المقاربة الأخلاقية : بمعنى ، ان لا تقتصر السياسة على كونها ذات أهداف سامية فقط مثل الصالح العام و العدالة ،  ولكن عليها  ايضا ان لا تنتهك تحت اي ظرف المباديء الأخلاقية (.النزاهة و المصداقية والأخلاص  )  و أن تستخدم  الوسائل المقبولة اخلاقيا فقط لتحقيق تلك الأهداف .والسياسة الأخلاقية أو الأخلاق في السياسة ، تتجلى في ما يلي :
 
1- ان يهدف السياسي في نشاطه العملي لتحقيق مصالح المجتمع ، وليس أنتزاع
السلطة والأحتفاظ بها من اجل مصالح ذاتية ضيقة .
 
2- مراعاة السلطة للتوازن بين ما يمكن القيام به من اجل الصالح العام ( حسب رأيها) وبين حقوق الأنسان ، التي أقرتها المواثيق والعهود الدولية  الصادرة عن الأمم المتحدة  .وهذا التوازن يجسد جوهر العلاقة بين السلطة وحقوق الأنسان ، فهو يميل الى السلطة في الأنظمة الأستبدادية والى حقوق الأفراد في الأنظمة الديمقراطية الحقيقية .
 
3 – السياسة الأخلاقية لا تلجأ الى استخدام العنف ، الا  في حالة الضرورة القصوى ، وبالحد الأدنى .
 
تتميز السلطة المتحضرة في الدولة المدنية عن السلطة في الأنظمة الأستبدادية بألتزام أشد بالمعاييرالأخلاقية وضمان أكبر للحريات العامة و الخاصة .
 
في الأنظمة الديمقراطية ثمة فصل بين السلطات الثلاث التنفيذية و التشريعية و القضائية .
في مثل هذه الأنظمة لا تكون السلطة تعبيرا عن ارادة الحاكم وحده و لا توجد شخصنة للسلطة .والحاكم في مثل هذه الأنظمة موظف عام كأي موظف آخر ولكن أعلى مرتبة وله مهام و صلاحيات و مسؤوليات أكبر وأهم ، ويخدم لمدة محددة  ويتولى السلطة او يغادرها حسب ما تسفر عنه نتائج الأنتخابات التشريعية .
 
السلطة المتحضرة تكون مقيدة بالدستور والقوانين التي تضمن حقوق المواطنين ، بما يحقق الأنسجام بين الأخلاق والسياسة وبين الفرد والدولة .
 
المقاربة اللا أخلاقية : ويقصد بها  تجاهل القيم الأخلاقية في السياسة ،أو بتعبير آخر ، ممارسة  السياسة منزوعة الأخلاق . وكان " ماكيافيلي " أول من حدد ووصف ،  طرق ووسائل تشكيل السلطة القوية للدولة أستناداً الى مبدأ " الغاية تبرر الوسيلة "مهما كانت هذه الوسيلة لا أخلاقية ولا أنسانية.
 ماكيافلي ، معلم الطغاة ، وليس من قبيل المصادفة أن " الأمير " كان الكتاب المفضل لدى جوزيف ستالين ( 1878 – 1953 )  وأدولف هتلر ( 1889- 1945 ) وبينيتو موسوليني ( 1882 – 1945 ) وصدام حسين ( 1937 – 2006 )  . ان وصايا ماكيافيلي حول قواعد الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها عن طريق القوة الغاشمة وقمع المعارضة  وأنشاء نظام أستبدادي ،لا تؤدي الا الى خراب المجتمع وأشاعة الظلم وامتهان الكرامة الأنسانية  واشعال نيران الحروب والى قلب القيم والمثل والفضائل . يقول المفكر عبدالرحمن  الكواكبي ( 1849 – 1902)  في كتابه الخالد " طبائع الأستبداد ومصارع الأستعباد"  : " أن الاستبداد يتصرف في أكثر الميول الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيضعفها أو يفسدها أو يمحوها.. هو يقلب القيم الأخلاقية رأساً على عقب ليغدو طالب الحق فاجر وتارك حقه مطيع، والمشتكي المتظلم مفسد، والنبيه المدقق ملحد، والخامل المسكين صالح أمين. ويصبح تسمية النصح فضولاً والغيرة عداوة والشهامة عتواً والحمية حماقة والرحمة مرضاً، وأيضاً يغدو النفاق سياسة والتحايل كياسة والدناءة لطف والنذالة دماثة، وأنه أي الاستبداد، يرغم حتى الأخيار من الناس على ألفة الرياء والنفاق، ولبئس السيئتان، وأنه يعين الأشرار على إجراء غيِّ نفوسهم آمنين من كل تَبِعة، ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح ".
 
المقاربة المعتدلة : و هذا النهج هو الغالب لدى كثير من القادة و الساسة الأخلاقيين ، الذين تعتز بهم شعوبهم  .و تنطلق هذه المقاربة الوسطية ، من ضرورة عدم تجاهل المعايير الأخلاقية في ممارسة السياسة ، مع الأخذ بنظر الأعتبار خصائص الأخيرة .
وفي عالم اليوم عموما والمجتمعات المتحضرة خصوصاً،  نجد أن  الأتجاه المركزي هو اضفاء الطابع المؤسسي على المعايير الأخلاقية في السياسة ويتجلى ذلك في احترام حقوق الأنسان و العدالة الأجتماعية و الأقرار بالمباديء الديمقراطية في الحياة و تعزيز الأسس القانونية للمجتمع .
 
جـــودت هـوشــيار
jawhoshyar@yahoo.com
 


55
وشـهد شـاهـد من اهـلها : لماذا خرج المالكي من المولد بلا حمص؟

                                                                                                                         جــودت هـوشــيار
 
طوال الأشهر الماضية ، لم يتوقف رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن المطالبة بأجراء أنتخابات مبكرة - تحت أشراف حكومته بطبيعة الحال – تسفر عن حصوله على  أغلبية مريحة تمكنه من حكم البلاد و العباد حسب أهوائه بلا حسيب او رقيب ومن دون أن يزعجه شركاؤه في الحكومة بالأنسحاب منها حينا والأعتراض على سياساته و أسلوبه في أدارة دفة الحكم بمفرده حينا آخر .
 
قبل الأنتخابات المحلية لمجالس المحافظات التي جرت مؤخراً ، كان السيد المالكي على ثقة تامة بأنه سيفوز بالأغلبية التي يطمح اليها وأنه سيحكم قبضته على المحافظات الجنوبية،  مما يمهد له الطريق لأكتساح الأنتخابات البرلمانية القادمة في عام 2014 وتأليف حكومة أغلبية  تشترك فيها الكتل المنضوية في ائتلاف " دولة القانون " ، ولكن " تــُهــٍب ألــَـريـٍـاحِ بــُمـِا لاتــِشتـٌهيُ ألـِـسفــُن "  ! فقد تعرض حزب المالكي الى أنتكاسة مريرة وموجعة في تلك الأنتخابات ، لن يفيق منها سريعا. فقد أظهرت النتائج النهائية المعلنة من قبل " مفوضية الأنتخابات "  فقدان ائتلاف دولة القانون لتسعة وعشرين مقعداً مقارنة بالأنتخابات الماضية عام 2009 على الرغم من أنضمام كتل جديدة الى الائتلاف واعتبر أكبر الخاسرين فيها ، حيث حصل ائتلاف دولة القانون في المحافظات الأثني عشر ، التي جرت فيها الأنتخابات على 97 مقعدا ، بينما حصل كل من تحالف المواطن للمجلس الاعلى وقوائم التيار الصدري على 118 مقعدا ، وجاء حزب الدعوة بزعامة المالكي في ذيل قائمة الفائزين  ضمن ائتلاف " دولة القانون "  بحصول الحزب على 13 مقعداً فقط .
 
وقد أثارت هذه الأنتكاسة خيبة أمل كبيرة في أوساط حزب الدعوة الأسلامية و لكن ماكنة الدعاية المالكية الممولة من خزينة الدولة  ، أخذت تصور الأمر وكأن المالكي هو الرابح الأكبر في الأنتخابات وهذا نقيض الواقع تماما واستمرارلأسلوب  التضليل الذي دأب المالكي و المقربون منه على انتهاجه طوال السنوات الثمانية العجاف الماضية  ، واذا كان المالكي قد نجح في خنق الأصوات الحرة داخل حزبه المطالبة بالأصلاح والتغيير، الا ان أنصار الحزب في المهجر مازالوا يتمتعون بمسقف حرية أعلى في التعبيرعن آرائهم ، تلك الحرية ، التي  يفتقدها زملائهم في الداخل ، وهؤلاء الأنصار يقلقهم الهزيمة لحقت بحزبهم العتيد  ويدركون جيدا أن ذلك كان نتيجة مباشرة  لعزوف الملايين من الناخبين عن الاقتراع بسبب اليأس من حكومة المالكي الفاشلة وعجزها عن اعادة البنى التحتية المدمرة وتوفير الحد الأدنى من  الخدمات الأساسية وفرص العمل رغم انفاق مئات المليارات من الدولارات التي ذهب الجزء الأكبر منها الى جيوب الطبقة الحاكمة الفاسدة .
 
هذا العزوف  الذي لم تشهده الأنتخابات السابقة من محلية وبرلمانية ، يثبت بالدليل القاطع تضاؤل القاعدة الشعبية للحزب وهو نذر شؤم لمستقبل الحزب ودوره في العملية السياسية العراقية .
 
 لقد رأى أنصار حزب الدعوة الأسلامية في المهجر من واجبهم توجيه رسالة الى الأمين العام للحزب السيد نوري المالكي يطالبونه فيها بمراجعة و تغيير سياساته و الأقتراب من نبض الشارع  العراقي وعدم اطلاق الوعود الوهمية و العمل على تلبية الحد الأدنى من الخدمات الأسايبة للشعب العراقي .وتحمل الرسالة عنوان ( رسالة من أنصار حزب الدعوة الإسلامية في المهجر إلى السيد المالكي  حول خسارة الحزب في إنتخابات المحافظات )*
  تقول الرسالة :
نحنُ لفيف من أنصار حزب الدعوة الإسلامية في المهجر, ودَدنا أن نًخاطبكم خطاب ودٍ ومحبة من خلال هذه الرسالة المُقتضبة, حيث لم يَسُرنا تراجع الحزب وخسارته في إنتخابات مجالس المحافظات الأخيرة وجاء في مرتبة متدنية في إئتلاف دولة القانون بعد "المستقلون وحزب الفضيلة ومنظمة بدر وتيار الإصلاح وتحالف العشائر العراقية".
 
 وهذا مايحز في النفس ويجعلنا في قلق شديد حول مستقبل الحزب في الساحة السياسية العراقية وخاصة المحافظات الشيعية ال 10. نرجوا أن يتم مراجعة ودراسة الأخطاء والسلبيات والأخفاقات وتشخيص مكامن الضعف بغية تقويمها وإصلاح إنحرافها, هل من المعقول أن ينال حزب ناشئ وجديد وحديث العهد, كحزب الفضيلة على 20 مقعد بينما ينال حزب الدعوة الإسلامية العريق والحاكم لثلاث حكومات متتالية آمدها ثماني سنوات تقريباً,على 13 مقعد فقط ؟!.
 
 هذا يستحق دراسة معمقة وعقد ندوات لكوادر وأنصار الحزب في كافة دول العالم عبر شاشة تلفزيونية مفتوحة مع جنابكم للإستماع إلى كلام أنصاركم والإستئناس بآرائهم خاصة بعد إنحسار قاعدة الحزب في الداخل. من أجل تقويم النتائج في الإنتخابات البرلمانية المقبلة القريبة لأن حصول الحزب في البرلمان المقبل على 13 مقعد ربما لايَسمح له بالحصول على منصب رئيس الحكومة لدورة رابعة للحزب وثالثة لكم, وهذا أكيد حيث سيطالب به حزب الفضيلة وبدر والمستقلين والإصلاح , ويقلب الطاولة عليكم من داخل إئتلاف دولة القانون. خاصة بعد أن أعلن حزب الفضيلة عن حصوله على المركز الأول في خمس محافظات فاز بها "دولة القانون" وطالب الحزب بمنصب المحافظ في ثلاث محافظات منذ الأن وهذا يعني أن الخلاف داخل دولة القانون على المناصب سيظهر على السطح لاحقاً وهذا في غير صالحكم خاصةً لو أنشق الفضيلة عن دولة القانون وربما يلتحق به باقي الكتل .. أنتهي "

 
ورغم أجماع الشعب العراقي على فشل حكومة المالكي ، التي أوصلت العراق الى ما هو عليه الآن من تأخر وبؤس وصراعات  ، فأن المالكي و المقربون منه دأبوا على تضليل الجماهير بالوعود المعسولة و الأنجازات الموهومة ، وقد برهنت الأنتخابات الأخيرة ان " حبل الكذب قصير " وان الناخبين لم يعودوا يثقون بوعود المالكي و طاقمه الحاكم .
 
و تشخص الرسالة بوضوح أخطاء المالكي في الحكم وفي مقدمتها التغاضي عن الفساد والمفسدين "وعدم محاسبة المسؤول المقصر أو الفاشل أو الفاسد والوقوف بجانبه وعدم السماح للبرلمان ومجلس المحافظة بمحاسبته فضلاً عن إستجوابه."
 
و تستنكر الرسالة أعتماد المالكي على الكوادر البعثية العسكرية و المدنية ومغازلة حزب البعث المنحل ، وتطالب بأبعاد عزت الشابندر المقرب من المالكي قائلة  : " بديلكم في البرلمان ومستشاركم عزت الشاهبندر, أساء اليكم كثيراً بدفاعه المستميت عن أصدقائه البعثيين محمد يونس الأحمد ومشعان الجبوري, وتهجمه مؤخراً بكلام بذيئ على مؤسسة هامة في الدولة "مفوضية الإنتخابات المستقلة" لأنها مارست حقها الدستوري ومنعت مدان ومشبوه من المشاركة في الإنتخابات, يُعد إنتهاك للقانون من قبل قائمة تدعي تطبيق القانون, فإسقاط التهم عن مشعان الجبوري برعاية دولة القانون, عليه إستفهامات كثيرة "
 
 وتتحدث الرسالة عن الوعود الكاذية بتوفير الخدمات الأساسية وفي مقدمتها الكهرباء و تطالب بــ " التوقف عن التصريحات الغير صحيحة التي تقول للمواطن للسنة السابعة على التوالي "الصيف المقبل ." تنعمون بكهرباء كاملة" وعندما يحين الصيف والحَر تتصاعد ساعات الإنقطاع الى 20 ساعة.
 
- البطاقة التموينية تقلصت وتبخرت والشعب جائع ويتسائل المواطن الفقير ويقول لماذا كان ... صدام يعطي 20 مادة في التموينية والمالكي في أحس الأحوال يعطي 3 مواد, يجب أن ترفعوا عدد المواد إلى أكثر من 20 مادة حتى تثبتون أنتم أفضل من صدام في هذا الجانب وكما نعلم الأموال متوفرة وبكثرة" .
 
- يجب عليكم النزول للشارع أسبوعياً والسماع من المواطن لهمومه ومشاكله ...وحل كل تلك المشاكل ومنها أزمة السكن والمجاعة وفقدان الأمن.... أخيراً: نرجوا وبسرعة فائقة التحالف مع كتلة المواطن وتشكيل مجالس المحافظات, لأن تحالف كتلة المواطن وكتلة الأحرار معاً يعني خروج دولة القانون صفر اليدين أو كما يقال من المولد بلا حمص, وهذا ما يجعل الكتلة بعيدة عن دائرة الضوء ويترتب عليه عواقب وخيمة. انتهى الأقتباس "

 
هذا ما يقوله أنصار حزب المالكي بالحرف الواحد ولا أعتقد أنها بحاجة الى توضيح أو تعليق! المالكي و القياديون في حزب الدعوة و بقية الشلة من الأنتهازيين الملتفين حول المالكي ، لزموا الصمت المطبق حول هذه الرسالة ولم يتجاسر أحدهم على التطرق اليها رغم أهميتها البالغة .
 
شرعية المالكي المتآكلــة ؟
 
كتبة المالكي و المنتفعون من نظامه  يتساءلون : لماذا مطالبة المالكي بالأستقالة وهو الرجل المنتخب من الشعب والبرلمان ؟ بمعنى أنه ما يزال يتمتع بالشرعية حسب زعمهم !. المالكي جاء الى الحكم بصفقة سياسية وليس على اساس نتائج الأنتخابات التشريعية ، فقد كان ائتلاف العراقية هو الفائز في الأنتخابات التشريعية التي جرت في عام 2010 وكان زعيم الائتلاف الدكتور أياد علاوي هو الأحق بتشكيل الوزارة .
 
المالكي ، الذي وقع على " أتفاقية أربيل "  وأقسم أغلظ الأيمان أنه سينفذ بنودها بحذافيرها وفي توقيتاتها الزمنية المحددة ،  ضرب هذه الأتفاقية عرض الحائط بعد نيل ثقة البرلمان على اساسها وفي نفس الجلسة التي شهدت تكليفه بتشكيل الوزارة ، وهي تشكيلة لم تكتمل لحد الآن ! .
 
لم ينتخبه البرلمان  ليصبح  طاغية العراق " الجديد " في زمن يتساقط فيه  الطغاة كأوراق الخريف الذابلة  .
 
 ولم ينتخبه لينتهك الدستور و القوانين وحقوق الأنسان ، ولم ينتخبه لأقصاء وملاحقة غرمائه السياسيين بتهم زائفة ، ولم ينتخبه لأرتكاب المجازر وحمامات الدم .
 
 شرعية المالكي تآكلت وسقطت منذ ان وجه نيران أسلحة جيشه الى صدور العراقيين المحتجين فى كل ناحية من العراق من الموصل حتى البصرة في تظاهرات 25 شباط 2011.
 
واذا كان المنتفعون من حكم المالكي يحاولون قلب الحقائق وتضليل الرأي العام بحكاية الرجل المنتخب من الشعب والبرلمان  ، فأن الأرقام لا تكذب وهي أدلة دامغة لا يمكن الألتفاف عليها. تقول الأرقام ان نسبة المشاركة في الانتخابات لم تتجاوز  50% بحسب مفوضية الانتخابات، وهو ما قللت من شأنه منظمات معنية بمراقبة الاقتراع مؤكدة انها لم تتجاوز الـ 45% في احسن الاحوال.
 
وحصل حزب المالكي على 13 مقعدا من اجمالي 387 مقعداً أي حوالي 3% من عدد المقاعد رغم أنه سخّر امكانيات الدولة وآلتها الأعلامية  لحملته الأنتخابية و أجبر عناصر القوات الأمنية على  التصويت لصالحه في الأقتراع الخاص .
 
واذا قسنا " شرعية " المالكي على أساس عدد الناخبين الذين صوتوا لحزبه في المحافظات الأثني عشر ، التي جرت فيها الأنتخابات  يتضح لنا ان حزب الدعوة حصل على أصوات حوالي 1.5% من عدد الناخبين المسجلين الذين يحق لهم التصويت .
 
 بعد هذه الحصيلة الهزيلة ، هل  بقيت للمالكي أية شرعية ؟ . المالكي هزم  شر هزيمة في عقر داره – ان صح التعبير – ولا يتمتع بثقة الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي .
الأنتخابات الأخيرة أسقطت " شرعية " المالكي المزعزمة وعلى " التحالف الوطني"  البحث عن البديل ، اذا كان يريد الأحتفاظ بالسلطة !
 
وهذا رابط رسالة أنصار حزب الدعوة الأسلامية المنشورة في موقع " صوت العراق "
http://www.sotaliraq.com/mobile-item.php?id=133380#axzz2ScwEay7w
 
جــودت هـوشــيار
jawhoshyar@yahoo.com
 
 


56
المعايير الأخلاقية للعمل الصحفي

                                                                                                                  جودت هوشيار
 
الأخلاقيات هي الأختيار الطوعي لما لا يمكن أن يفرض بالقوة  ، و لذلك يترك الأمر للصحفيين أنفسهم لا للحكومات أو السلطات لأن يضعوا المعايير لمهنتهم .
 
                        د. رﺷﻮرت آﻴﺪر
                           معهد اﻷﺧﻼﻗﻴﺎت اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ

 
يعتقد بعض الصحفيين أنه على حق دائماُ ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ، ويظن ان حرية التعبير عن الرأي  تسمح له أن يكتب ما يشاء عمّا يشاء . و يكتب احيانا ما لا يستحق الكتابة أو ما لا يجوز نشره ، بل و اكثر من ذلك يعتقد انه معيارالحقيقة  وان ما يكتبه هو عين الحقيقة , مهما أشتط في كتاباته .
 
بيد أن الصحافة – و هي السلطة الرابعة – شأن أية سلطة أخرى مفسدة ، و الكثير مما ينشر في صحافتنا لا يتسم بتلك المعايير التي يعمل بها الصحفيون في البلدان الديمقراطية العريقة ، التي ترسخت فيها معايير اخلاقية صارمة في الصحافة المهنية الحقة .
 
ان ما يميز الصحفي عن غيره من المواطنين هو امكانية توصيل افكاره الى جمهورعريض من القراء .وأذا كانت هذه الأفكار تتضمن أساءة أو اتهاماً او نشهيرا  لشخص او لمجموعة اشخاص او لمنظمة او شركة أاو تشويها و تزويرا للمعلومات و الحقائق  او حتى خطأ ما ، فأن نشرها يلحق الضرر يمن يتحدث عنه الكاتب .
 
 و من اجل تفادي  مثل هذه الحالات فأن الصحفيين و الناشرين -  في  المؤسسات الصحفية الرصينة ، التي تؤمن بحرية الصحافة و المسؤولية  الأخلاقية للصحفي وضعوا طواعية  مجموعة من " المعايير الأخلاقية للأداء الصحفي "، المنظمة  للسلوك المهني وتتألف من المباديء و الممارسات الجيدة ، التي تحدد ما هو صحيح يجب اتباعه و ما هو مضر- يعاقب عليه القانون -  فيما يكتب أو بتعبير آخر ما هو  مسموح بالكتابة عنه و ما هو محظور .
 
 هذه القواعد ليست  مطلقة و قد تتباين الى هذا الحد أو ذاك بين المجتمعات المختلفة نظرا لتباين القيم الأجتماعية والثقافية والظروف المحلية . لذا فأن لكل مؤسسة صحفية أو صحيفة واسعة الأنتشار في الغرب " ميثاق شرف صحفي" خاص بها يتضمن فلسفتها و مبادئها التي تعمل على أساسها  ، وقد تختلف فلسفات المؤسسات الصحفية الا انها تجمع على الألتزام بالحقيقة والدقة والموضوعية و الحياد و المسؤولية امام القراء . و ينبغي اتباع تلك الأخلاقيات خلال الحصول على المعلومات و تقييم أهميتها ثم توصيلها الى الجمهور .
 
ان القوانين الخاصة بالعمل الصحفي في العديد من البلدان الديمقراطية تجعل من تطبيق يعض هذه القواعد ملزما " الامتناع عن نشر الافتراءات ، عدم التحريض علي مخالفة القانون   الخ " وتترك الجزء الاخر لحسن نية و فطنة الصحفي نفسه  وأعتقد ان افضل صيغة لهذه القواعد هي تلك صاغها الناشر البريطاني ديفيد راندال – حيث قال انها " مجموعة القواعد التي يجب ان يلتزم بها  كل صحفي محترم او يحس بالخجل عندما لا يلتزم بها ."
و هذه القواعد لا يقتصر على الصحفيين فقط ، بل على الكتاب و الأدباء و الشعراء الألتزام بقسم منها ، حيث لايجوز لأحد منهم الأساءة لشخص أو لمجموعة أشخاص أو مؤسسة و ما الى ذلك .
 
ان الصحفي المهني ، الذي يتحلي بالمسؤولية و يعرف قدر نفسه و مكانة صحيفته  يسعى جاهدا لعدم الأخلال بهذه القواعد ، دون تشريعات أو قوانين  ، مما يجنبه المشاكل و يرفع من شأنه في عيون القراء و يحظى بأحترام الذات و أحترام الآخرين له . ترى ما هي هذه القواعد؟
 
كما اشرنا فيما تقدم لا توجد لائحة موحدة ملزمة  لـ" المعايير الأخلاقية للعمل الصحفي " و لكن ثمة معايير أخلاقية عديدة مشتركة تعمل بموجبها المؤسسات الصحفية و الصحفيون في بلدان العالم يمكن حصرها في البنود التالية:
 
1 - احترام الحقيقة وحق الجمهور في معرفة الحقيقة :
 
هذا االمبدأ هو أول وأهم واجب للصحفي وحجر الزاوية في أخلاقيات مهنة الصحافة . ان جوهر عمل الصحفي هو تقصي الحقيقة و توصيل المعلومة والخبر الصحيح من مصادره الموثوقة للقارىء والمشاهد والمستمع دون تشويه أو تحريف.
 
 لا صحافة و لا صحفي مهني من دون حقائق . و اذا كان الصحفي يود ان يخترع القصص عليه ان يكتب القصص الخيالية ، اما اذا كان يريد اقناع الناس و التاثير في عواطفهم فأن عليه ان يعمل في مجال  الاعلان او العلاقات العامة و ليس في الصحافة الأحترافية . .الصحفي سواء اكان مراسلا ام مندوبا ام محررا ام ناقدا رياضيا فأنه يتعامل مع الحقائق قبل كل شيء.
 
تقول نكتة روسية ان ثمة خمس درجات للكذب ، - الكذبة العادية والكذبة الصارخة والكذبة الصارخة جدا والإحصاء والاقتباس. "نصف الحقيقة " غالبا ما يكون كذبة كبيرة أسوأ من الأفتراء أو الأختلاق. هناك العديد من الأساليب الديماغوجية التي تسمح بالكذب يأستخدام نصف الحقيقة و بالأقتباس الأنتقائي . و التركيز على بعض التفاصيل الثانوية و الصاق التهم والأستناد اليها في الهجوم والأنتقال للتجريح الشخصي . ولن يكون ما يكتبه الصحفي – في مثل هذه الحالات - صحافة بل شيئا آخر.
 
لذلك فالصحفي الذي يشعر بالمسؤولية لا يحق له قانونا ان يكتب نصف الحقيقة و يتجاهل النصف الآخر ، ومن حق القراء الأطلاع على المعلومات الدقيقة الكاملة من اجل تشكيل الصورة الحقيقية للأحداث و الأحتفاظ بثقة الجمهور ومن دون هذه الثقة لا توجد صحافة جديرة بهذا الأسم .
.2 – الألتزام بالموضوعية :
 
اﻟﻤﻮﺿﻮﻋﯿﺔ ھﻲ إﺣﺪى أھﻢ اﻟﻘﯿﻢ ﻓﻲ اﻟﻌﻤﻞ اﻹﻋﻼﻣﻲ،التي تضمن  اﻟﺘﻮازن واﻟﻤﺼﺪاﻗﯿﺔ واﻟﺤﯿﺎد واﻟﻨﺰاھﺔ. ورغم صعوبة تحقيق كل أبعاد الموضوعية ، الا ان الصحفي يستطيع  أن ﻳﻜﻮن ﻣﻮﺿﻮﻋﯿًﺎ إذا أراد، وﺳﻌﻰ ﻣﻦ أﺟﻞ ذﻟﻚ.
حين يقوم  الصحفي بجمع المعلومات حول موضوع ما ، عليه ان لا يحاول بأي ثمن أثبات أو دحض وجهة نظر معينة . و هذا لا يعني بأن الكاتب لا يستطيع ان يقوم بجمع الأدلة في محاولة لأثبات فرضية معينة و لكن اذا كانت الشواهد و الأدلة ، التي جمعها تخالف فرضيته، عليه التخلي عن رأيه المسبق و أن لا يحاول تعديل الحقائق لتتناسب مع و جهة نظره .
أي إخلال بالمضمون من شأنه تشويه صورة الصحافة والصحفي نفسه والجهاز الإعلامي الذي يعمل فيه .
 
2- عدم الخلط بين الرأي و الخبر:
 
عدم خلط الرأي بالخبر، إحدى أبجديات العمل الصحفي ، فالخبر ملك القارئ، والمقال ملك صاحبه ، باعتبار الأول عنوانا للحقيقة و الثاني مجرد رأي أو زاوية من زوايا النظر الى الحقيقة أو الحدث.
والصحافة المهنية هي التي تذكر أولاً الأخبارالمعتمِدة على المصادر الموثوقة وشهادات العيان، ثم تنشرالآراء والتحليلات ان وجد ، مع الحرص على تقديم آراء متعددة.
 
كيف نفرق بين الخبر والرأي؟
 
" الخبر حر .. والرأي مسؤول"، بمعنى أن الخبر ملك للحقيقة و معياره الدقة ، فالمحرر مُلزم بنقله دون تشويه او تحريف أو حذف أو أضافة ، . أما الرأي فهو يعتمد تصوُّراً واحداً عن الحدث و معياره موضوعية الكاتب . ويختلف الناس في آرائهم و تصوراتهم ؛ لأن كل واحد يرى الحدث ويفسره من زاويته هو، ومما يتوافر لديه من معلومات.
 
3 - عدم اللجؤ الى طرق ملتوية في الحصول على المعلومات:
 
هذه الفقرة ، ربما هي الأكثر أثارة للجدل . و من الواضح ان المعلومات التي  يحصل عليها الصحفي عندما يكشف عن  هويته و يعلن أنه يمثل الجريدة الفلانية ، تختلف كثيرأ عن تلك التي يحصل عليها لو أنتحل هوية شخصية أخرى . فالأنسان -  أي انسان - عندما يتحدث الى الصحفي و يعرف ان ما يتحدث عنه سينشر ، يحاول أن يبدو موضوعيا ، حريصاً على تقديم صورة ايجابية عن نفسه ، في حين أنه لو تحدث الي شخص آخر فأنه يقول ما يحلو له  وقد يكذب او يبالغ . و بتعبير آخر فأن المعلومات المستقاة منه لن تكون موثوقة و لا يمكن الأعتماد عليها ولا يجوز نشرها .
كما لا يجوزالحصول على معلومات أو صور من خلال التخويف أو المضايقة أو الملاحقة ، ويمنع نشر مواد صحفية من مصادر أخرى لا تلتزم بهذه المتطلبات.
 
و عموما فأن الصحفي المهني يقدم نفسه بصفته الصحفية و يصرح بأنه يجمع المواد لمقالة أأو تحقيق صحفي  ، ما عدا الحالات الأستقصائية عن شخص او مؤسسة ، و حتى في مثل هذه الحالات لا يتم أستخدام المعلومات المتحصلة مباشرة ، بل لأجل التمهيد لعمل لاحق و ليس للنشر .
.4- التعامل المهني مع مصادر المعلومات .
 
الالتزام بتحري الدقة في توثيق المعلومات، ونسبة الأقوال والأفعال إلى مصادر معلومة كلما كان ذلك متاحا أو ممكنا طبقا للأصول المهنية السليمة التي تراعى حسن النية.
و على الصحفي الألتزام بحماية مصادر معلوماته ، و عدم أفشاء الأخبارالسرية للناس أو لزملاء المهنة ، لأن ذلك قد يؤدي الى بعض الضرر لهذه المصادر ، أو يجعلها تحجم عن الكلام مستقبلاً، مما يضر بمستوى سريان المعلومات الى المجتمع ، . و تأريخ الصحافة زاخر بحالات تم فيها مقاضاة الصحفيين و لكنهم لم يكشفوا عن مصادر معلوماتهم.
و اذا كان الصحفي قد اتفق مع مصدر المعلومات على شرط معين او اكثر فأن عليه أحترام الأتفاق و عدم أنتهاكه بأي حال من الأحوال .. و اذا كان مصدر المعلومات اشترط عدم نشرها فلا يجوز للصحفي النشر ، و حتى عندما يطلب المصدر نشر المعلومات فى توقيت معين فعلى الصحفي أن يحترم هذا الوعد من أجل الأحتفاظ بثقة المصدر .
 
5– عدم الخلط  بين النشاط السياسي و العمل الصحفي:
 
لا ينبغي للصحفي العمل في أية وظيفة أخرى ، إذا كانت تؤدي إلى الإخلال بأمانة الصحفي وصحيفته. والصحفي ورؤساؤه يجب أن يعيشوا  حياتهم الخاصة بطريقة تحميهم من تضارب المصالح، سواء أكان ذلك حقيقيا أم ظاهريا. إن مسئوليتهم تجاه الجمهور لها الأولوية قطعا. وهذه هي طبيعة مهنتهم.
وبحسب مجلة "النيو يوركر" فإن العديد من الجرائد في الولايات المتحدة "لا تسمح للصحفيين بالتعبير عن آرائهم للعامة، أو المشاركة في التظاهرات أو تعليق أزار انتخابية أو ملصقات على خلفية سياراتهم".
ومن جهة آخرى، هنالك العديد من المؤسسات الإعلامية حول العالم  يعمل فيها صحفيون ناشطون في الأحزاب السياسية وفي بعض الأحيان يتم تعيين هؤلاء الصحفيين بسبب انتمائهم السياسي.
و في كل الأحوال ، فأن الانتماء السياسي يجب أن يكون خارج نطاق العمل الإعلامي.
ومن مسؤولية الصحفي الاجتماعية عند تغطية قضايا ساخنة، تمثيل التنوع في المجتمع، والبقاء على مسافة واحدة من الأجندات السياسية وتوعية المواطنين بلأحداث الجارية.
 
6- تصحيح الأخطاء
 
الصحفي كاي انسان آخر معرض لأرتكاب الأخطاء . و اذا أخطأ او حرّف الحقائق أو تسرع في أستخلاص الأستنتاجات ، عليه ان يبادر من تلقاء نفسه الى تصحيح ذلك قبل أي شخص آخر وأن ينشر التصحيح في المكان نفسه الذي نشرت فيه المادة موضوعة التصحيح . ربما يعترض رئيس التحرير على ذلك و لكن على الصحفي ان يحاول نشر التصحيح و هذا أضعف الأيمان .
 
7- عدم استخدام المهنة كسلاح.
 
في حالة وجود أي نزاع مع شخصية أو منظمة ما ، يميل بعض الصحفيين الى استخدام مهنته كسلاح للتخويف احيانا،  ومع ذلك، لا  ينبغي له أن يفعل ذلك بأي حال من الأحوال مهما كان الأغراء قوياً ، و الأسوأ من ذلك حين يستخدم الصحفي موقعه للأبتزاز و هذا يدخل في باب الجرائم .
و اذا كان الخبر او الحدث يستحق النشر حقا ينبغي الكتابة عنه و ليس التهديد بنشره. اما اذا كان الحدث لا يستحق النشر ، فمن الضروري عدم اللجؤ الى التهديد، الذي  يسيء ببساطة الى الصحفي نفسه و صحيفته و مهنته .
 
8 - عدم استغلال المهنة للحصول على مكاسب شخصية:
 
يحظر على الصحفي استغلال مهنته في الحصول على أي هبات أو تبرعات مالية أو عينية أو مساعدات أخرى مهما كان نوعها أو صورتها ، من جهات أجنبية أو محلية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
أن الرشى و الهدايا، والمجاملات، والرحلات المجانية، والمعاملة الخاصة أو الامتيازات من أجل النشر أو لإخفاء المعلومات. . كل هذا يمكن أن يؤدي إلى تنازل الصحفي عن أمانته وعن أمانة صحيفته. ولا يجب على الصحف قبول أي شيء له قيمة مادية مجانا.
و على الصحفي تجنب الكتابة عن الاسهم او السندات التي يعلم أنه سيستفيد منها هو أو أقاربه المباشرون
إن الصحفي الذي يستخدم  وضعه المهني لأغراض شخصية أو أنانية أو لدوافع أخرى غير جدير بالمهنة ويفقد ثقة الجمهور .
 
9 – عدم الخلط بين المادة الاعلانية والمادة التحريرية:

 
لا يجوز الخلط بين المادة الاعلانية والمادة التحريرية ، ولا بد أن يتضح الفرق بين الرأي والاعلان ، فلا تندس على القارئ آراء وأفكار سياسية ودعائية في صورة مواد تحريرية
ويجب أن يتم النص صراحة على المادة الأعلانية ، (سواء التحريرية أو غيرها) بأنها اعلان.
 
10 – أحترام الأشخاص و خصوصياتهم :
 
يتعين على الصحفي خلال عملية جمع الأخبار وتقديمها ، احترام الأشخاص وخصوصياتهم بعدم الخوض فيها وعدم نشر أسرارهم  العائلية أو المهنية اوالأخبار الكاذبة عنهم ، التي تنال من سمعتهم  وكرامتهم أو مكانتهم الأجتماعية أو السياسية  ،  نتيجة خلاف في الرأي أو تحريض من جهة ما أو من أجل الابتزاز المالي .  وعلى الصحفي لا يحاول انتهاك حق الشخص في الاحتفاظ بحياته الخاصة بعيدا عن الأخبار. لأن التطفل على الحياة الخاصة للأشخاص مرفوض تماما ويحاسب عليه القانون في معظم ،  ان لم يكن في كل دول العالم .
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com


57
الصحوة العربية من وجهة نظر روسية

                                                                                                                          جودت وشيار
آراء مثيرة للجدل
 
ترى الأوساط الأستشراقية و الأعلامية الروسية أن الكتاب ، الذي صدر مؤخراً في موسكو تحت عنوان " الشرق الأوسط ، الصحوة العربية وروسيا: وماذا بعد؟"  هو أول و أهم كتاب صدر في روسيا لحد الآن عن ثورات " الربيع العربي "  وهو من تأليف مجموعة كبيرة من المستعربين و الدبلوماسيين  والباحثين الروس من مختلف التخصصات ، الذين يمثلون عدداُ من الجامعات و مراكز البحوث و المعاهد العلمية ذات العلاقة . وهو كتاب ضخم ،  جامع و شامل ،  يضم دراسات ومقالات كثيرة تتناول ثورات الربيع العربي بالتحليل وتحاول تلمس أسبابها والقوى المحركة لها وتداعياتها وتأثيرها على الأمن و الأستقرار في المنطقة و أنعكاساتها على روسيا .
ومع اختلاف المساهمين في الكتاب في مناهج البحث و التحليل وتباين وجهات نظرهم حول الثورات العربية ، الا أن الكثير منهم ،  في أستنتاجاتهم الرئيسية لا يبتعدون كثيرا عن وجهات النظر السائدة في أروقة " الكرملين" وفي الأعلام الروسي .
 
و كما جاء في مقدمة الكتاب ، فأن هذا العمل العلمي الجماعي يهدف الى " التحليل الشامل لكافة جوانب ثورات الربيع العربي ، المعقدة و المتناقضة أحياناً ، ومصالح القوى و الشرائح المختلفة داخل المجتمعات العربية  والقوى الأقليمية و الدولية المتنافسة غي الشرق الأوسط و العوامل المؤثرة في سيرالأحداث ، التي حددت السمات الخاصة بموجة الأحتجاجات في المنطقة.
 
لم يكتف المؤلفون بالأحاطة الشاملة بهذه الثورات ، بل حاولوا أيضاً تتبع مسار الأحداث الجارية اليوم والسيناريوهات المحتملة  لتشكيل الصورة المستقبلية لخريطة الشرق الأوسط و يعكس الكتاب ،  الأفكار التي تتداول في روسيا وعلى مختلف المستويات للتعاطي مع التحديات التي فرضتها تحولات الربيع العربي.
 
 و الأستنتاج الرئيسي للمؤلفين يتلخص بــما يلي " أن الربيع العربي يمثل تحولاُ في المجتمعات العربية ، هذا التحول ، الذي نتج عن عدة عوامل كانت تقف عقبة كأداء أمام تقدمها  ، منها ، ان " شخصيات  قوية " كانت تحكم عدة بلدان عربية على مدى عقود وبلا منازع  ،  مثل العقيد القذافي أو جنرالات ، مثل حسني مبارك ، و كانوا زعماء متخلفين عن العصر ، ومنها الأفتقار الى الحريات المدنية و الحراك الأجتماعي ، الذي أدى الى  تعميق الاختلالات الاجتماعية والأقتصادية  اضافة الى أنتشار الفساد المالي و الأداري ، وضعف السياسات الاجتماعية، والركود الاقتصادي."
 الكتاب يسبغ على القذافي صفة " الشخصية القوية " و لا يتطرق الى الجرائم التي أرتكبها بحق الشعب الليبيي و غرابة أطواره .
 
الربيع العربيي و التحرر من الأستعمار:
 
ويرى مؤلفو المجموعة بأن "  أحداث الربيع العربي لا تشبه السيناريوهات المعتادة للأحتجاجات وأعمال الشغب في العالم النامي، كما لا تشبه " الثورات الملونة " في أوروبا الشرقية ، لأن الخطط الغربية في قلب الحكومات من دون اللجؤ الى العنف فشلت في البلدان العربية نظرا لطبيعة المجتمعات العربية القبلية و الأثنية ، و أن ثورات الربيع العربي حلقة جديدة من حركات التحرر من الأستعمار الغربي التي اجتاحت بلدان الشرق الأوسط في القرن العشرين و تمخضت عن استقلال البلدان العربية وادت الى تغييرات هيكلية في الاقتصاد والسياسة، وغيرها من المجالات."
 
هذه الآراء ، تبدو في غاية الغرابة لكل من واكب الأحداث العاصفة في الوطن العربي خلال السنوات الثلاث الماضية ، و يحتاج الى وقفة طويلة للتمعن في معانيها !
 
- يقول هؤلاء السادة ان الثورات العربية لا تشبه الثورات الملونة في اوروبا الشرقية ، بمعنى ان الثورات العربية لم تكن سلمية مثل ثورات الشعوب " المتمدنة " !! ، نظرا للتناحر القبلي و الأثني في بلدان الربيع العربي المتخلفة , هذه النغمة الأستعلائية لدى المستشرقين لاحظها المفكر اللامع ( ادوارد سعيد ) في كتابه " الأستشراق " . صحيح ان سعيد كان يتحدث عن الأستشراق الغربي في المقام الأول و لكن استنتاجاته المعمقة  تنطبق أيضأ على الكثير من المستشرقين الروس و خاصة المستعربين منهم .
 
- أما حكاية الحلقة الجديدة في التحرر من الأستعمار الغربي ،  فلها جذور غائرة في اعماق التأريخ الروسي الحديث ، وهي حكاية تسعى الى صرف الأنظار عن مسألة كانت  على مدى عقود في غاية الحساسية بالنسبة الى روسيا
. هل ثورات الربيع العربي حلقة جديدة من نضال الشعوب العربية للتحرر من الأستعمار كما يزعم هؤلاء الباحثون ؟
 
قبل الأجابة عن هذه التساؤلات  يجدر بنا هنا ان نعيد الى الأذهان بعض الثوابت فيي السياسة الخارجية الروسية  و بحاصة فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط  ، التى يطلق عليها الروس اسم ( الشرق الأدنى ) أو ( الشرق القريب )، القريب من روسيا بطبيعة الحال.
وفي مقدم هذه الثوابت ، التنافس مع القوى العظمى الأخرى في المنطقة ، في سبيل تعزيزالنفوذ الروسي في الدول المتاخمة او القريبة من حدود روسيا الجنوبية ومن منطقة جنوب القفقاس ، التى تعد العمق الأستراتيجي للدولة الروسية في كل العهود .
 
الأمبراطورية الروسية كانت  تضم شعوبا  كثيرة مستعمرة (بفتح الميم )  ترزخ تحت نير الحكم القيصري ، الذي لم يكن أفضل–ان لم يكن أسوأ -  من الأستعمار الغربي ، أما في العهد السوفييتي ، فقد كان ثمة نص واضح و صريح في الدستور بمنح الشعوب السوفيتية غير الروسية الحق في الأنفصال في أي وقت  وتشكيل دول مستقلة ، الا ان هذا الحق ظل حبرأعلى ورق ، ولم تكن هنالك أية فرصة للتمتع بهذا الحق ، الذي  يعترف به المجتمع الدولي منذ تأسيس عصبة الأمم ومن ثم الأمم المتحدة وقراراتهما العديدة بهذا الشأن معروفة جيداً ولا نرى حاجة في التذكير بها ...
 
حقاُ ان الأتحاد السوفييتي رحب في الستينات من القرن الماضي بقرارات  مجلس الأمن الدولي حول منح الأستقلال للشعوب و البلدان المستعمرة ( بفتح الميم ) في آسيا و أفريقيأ و لم تشمل هذه القرارات الجمهوريات والشعوب السوفيتية غير الروسية بدعوى أنها أختارت بمحض أرادتها أن تكون جزءاًً من الدولة السوفيتية ، وهو أدعاء تفنده الوقائع التأريخية. و بعد تفكك الأتحاد السوفييتي ،، أستقلت كافة الجمهوريات السوفيتية السابقة ، ما عدا بعض الأقاليم ،التي كانت تتمتع بالحكم الذاتي داخل روسيا ( أكبر الجمهوريات السوفيتية ) فقد بقيت لحد الآن ضمن الأتحاد الروسي ، مثل ( الشيشان و تترستان و داغستان و غيرها ) وتسعي الى نيل حقوقها القومية و الأنفصال عن روسيا وبخاصة الشيشان، التي قدمت ضحايا سخية في هذا السبيل  ، لذا فأن روسيا متوجسة من أمتداد لهيب الثورات العربية الى داخل أراضيها . و القول بأن الثورات العربية حلقة جديدة في التحرر من الأستعمار !! انما يهدف الي أبعاد الأنظار عن نضال الشعوب التي ما زالت تحت الحكم الروسي .
 
و ثمة شواهد على ان روسيا تعارض دائمأً  حق الشعوب في تقرير مصيرها  و تنادي بالحفاظ على وحدة أراضي الدول -  حتى و ان كانت مصطنعة و تضم شعوباُ متباينة - و عدم اجراء أي تغيير على حدودها ، هذا المبدأ ، هو من ثوابت السياسة الروسية الخارجية أيضاً ، لذا رأينا كيف ان روسيا وقفت ضد حركات التحرر لشعوب البلقان و عارضت تقسيم يوغسلافيا، التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية – عند تقسيم النفوذ بين الأتحاد السوفييتي و الحلفاء -  لتضم شعوباُ مختلفة في كل شيء : فى القومية و الدين و الثقافة و التكوين النفسي. ، وقد تفككت هذه الدولة المصطنعة  بعد زوال الضغط الخارجي عنها .
 
دور العامل الديني في الربيع العربي :
 
أشار عدد من كتاب المجموعة الى دور العامل الديني ، الذى تجلى خلال ثورات " الصحوة العربية ". ويتلخص آرائهم بهذا الصدد في ما يلي :
" رغم التباين الكبير بين البلدان العربية ، فأن القاسم المشترك بين الحركات الأحتجاجية فيها – على الأقل في بداياتها – هو عدم المشاركة الملحوظة للمتطرفين الأسلاميين فيها ، ولم يكن هناك رفض للطابع المدني للدولة أو الدعوة الى تطبيق حكم الشريعة في القضاء و الحياة الأجتماعية . و لكن المراحل الأخيرة لهذه الثورات أدت الى زعزعة الأستقرار ، وحولت عددا من البلدان العربية الى ملاجيء للأرهابيين الذين يحاولون توسيع نفوذهم و تصعيد نشاطهم . ولكن قوى الأسلام السياسي لا تشكل تنظيميا وحدة جامعة ، بل تتكون من تيارات و حركات ومجاميع كثيرة ( جهادية متطرفة ، سلفية ، و معتدلة ) و وهي تشكل في الواقع القوى المعارضة الرئيسية و احيانا الوحيدة التي تجابه الأنظمة الحاكمة ."
 
وجاء في الكتاب أيضاُ " ليس من المستبعد ان يحاول من يسمى اليوم  بالأسلاميين ، تطبيق مشروع أصلاحي على غرار النموذج الذي يطبقه حزب العدالة و التنمية التركي".
 
. ولا أعتراض علي هذا الكلام ، ولكن بعض هؤلاء المستعربين يمضي الى القول بأن "  قوى الأسلام السياسي في الوطن العربي قد تتخذ من تجربة " حماس "  في غزة أو" حزب الله " في لبنان قدوة لتطبيق برامج اصلاحية واجتماعية تهدف الى تحسين اوضاع الفقراء  !"
 
هل تحسنت أوضاع فقراء غزة بمجيء حماس الى الحكم ؟ وهل لدى حكومة هنية برامج اصلاحية واجتماعية حقاً .؟ نترك الأجابة لسكان غزة ، الذين يعيشون على المساعدات الأنسانية التي تقدمها المنظمات الدولية وبعض الدول العربية .
 
أما برنامج " حزب الله اللبناني " فحدث عنه ولا حرج ، فهو الذي أوصل لبنان الى حافة الحرب الأهلية من جديد وورطت لبنان في الصراع العسكري الدائر في سوريا .
ويشير احد كتاب المجموعة وهو المستعرب " نائومكين " الى ان القيادة الأيرانية تعتبر الثورات العربية جزءاً من " الصحوة الأسلامية "
 
 
و يقول باحث آخر من المجموعة و هو ( الكساندر اكسينينكو ) " ان من حسنات جماعة الأخوان المسلمين  في مصر انها دعت بعد تنحي الرئيس مبارك الى تشكيل حكومة مدنية و تثبيت حقوق الأنسان في الدستور . وعلى هذا النحو فأن الأخوان المسلمين على غرار حزب العدالة والتنمية التركي من السهل عليهم الأبتعاد عن المفاهيم  الدينية التقليدية و الأنتقال الى لغة الحوار المدني .وهذا مما يوسع امكانية  الجماعة للمشاركة في حياة البلاد بصفتها حزبا سياسيا منظما ".
 و يامل" اكسينينكو" " ان يبحث الحكم الأخواني في مصر عن توازن بين المباديء الدينية من جهة و البراغماتية في السياسة الداخلية و الخارجية من جهة اخرى ."
 
هذا الكلام الأنشائي الجميل، تفنده الأحداث الجارية في أرض الكنانة اليوم ، ولا يحتاج الى كبير عناء للكشف عن مدى أنفصال هذا المستعرب عن الواقع العربي .
 
اما المستعرب الروسي الشهير( غيورغي ميرسكي )  فيرى " ان الربيع العربي علامة فارقة في السعي الي الديمقراطية ، و بطبيعة الحال ، فأن هذه الديمقراطية، ( الكلام لميرسكي ) ،  ستكون بوجه عربي اسلامي . و يضيف : ان الثورات العربية لم تكن طبقية او معادية للأمبريالية أو دينية ، بل عابرة للطوائف و القوميات و المذاهب الدينية . اما ما يحدث بعد الثورات في العادة فأنه شيء آخر : البعض يقوم بالثورة ليختطفها آخرون ! "
 و كما يرى القاريء فأن ( ميرسكي ) يفند ما قاله زميله ( اكسينينكو )
 
الربيع العربي و العولمة :
 
و يرى ( اوليع بافلوف )  " ان كل ما جرى خلال السنوات الثلاث الماضية في الوطن العربي هو نتيجة لسعي " النخب السياسية- المالية العالمية " بتشجيع من واشنطن و لندن و باريس ، للوصول الي النهاية المنطقية لعمليات العولمة بمساعدة القوى الأسلامية الراديكالية ، و القضاء الكامل على الدول ذات السيادة في أوراسيا .وهنا ( و الكلام ما يزال لبافلوف ) تتطابق اهداف هذه النخب و قوى الأسلام السياسي في خلق الفوضى من اجل أطالة عمر الدولار الذي يتجه الى الموت الحتمي ومنع نشؤ عالم متعدد الأقطاب على اساس  انضمام دول المنطقة الى محاورتمتلك  عملتها الخاصة و بوسعها تحدي النظام النقدي – المالي القائم حالياً. ولهذا فأن رأس الرمح في الثورات العربية كانت موجهة ، ليس الى الدكتاتوريين العرب ، بل ضد التقارب الروسي – الصيني ."
ويرى كاتب آخر " ان الثورات العربية هي احدى نتائج الأزمة المالية العالمية ، مما ادى الى تعميق المشاكل في هذا الجزء غير المستقر من العالم العربي و لم تسمح تلك  الأزمة للاقتصاد العربي ان  يستفيق من آثار الضربة  قبل بداية الحركات الأحتجاجية."
 "
نشرنا قبل بضع سنوات مقالاً عن نظرية المؤامرة ،  تحت عنوان " نظرية أوروبية الجذور ... يعشقها العرب " جاء فيها ان هذه النظرية اوروبية خالصة وغريبة عن التفكير الشرقي ولو بحثنا  في كل التراث العربي - الأسلامي ، فلن نجد أية أشارة اليها . و لم نكن نتصور ان بعض الباحثين الروس من عشاق هذه النظرية أيضاً ، والا كيف نفسر هذا الأستنتاج المضحك  - لباحث يعد نفسه خبيراً في شؤون الشرق الأوسط - وهو ان الثورات العربية نتجت عن الأزمة المالية العالمية وأنها  موجهة ضد التقارب الروسي – الصيني .
 
ان بعض الباحثين الروس بدلا من دراسة هذه الثورات ، دراسة علمية تستند الى المعرفة المعمقة بالواقع العربي ، يلجأ الى تفسيرها وفق نظرية المؤامرة . ولكن توجد ضمن المجموعة ذاتها دراسة جادة للباحثة ( زفياغيلسكايا )  تنتقد فيها بعض زملائها المساهمين في تأليف الكتاب ، حيث تقول " أن من الخطأ تفسير أحداث الربيع العربي و كأنها نتيجة لسعي الدول الغربية وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية الى بسط هيمنتها على هذه المنطقة الغنية بالنفط والغاز والموارد الطبيعية الأخرى و أعادة التقسيم الجيوبوليتيكي للعالم ."
و تؤكد الباحثة" ان من الحطأ أيضاً تفسير الثورتين التونسية و المصرية وفق نظرية المؤامرة ، كما يفعل البعض في روسيا ، والزعم بأن الثوار التونسسين و المصريين كانوا أدوات بيد الدول الغربية لتحقيق أهدافها في المنطقة ."
 
أما الزعم بأن  " الأزمة المالية العالمية " التي اجتاحت الولايات المتحدة الأميركية و عددأ من الدول الأوروبية  كانت وراء أندلاع ثورات الربيع العربي . فأنه رأي مثير للسخرية حقاً وينم عن جهل  فاضح بمجريات الأحداث في الشرق الأوسط ، ويبدو ان بعض المستعربين الروس يستقون معلوماتهم من الأعلام الروسي وهو اعلام يساير السلطة عموما ويعبر عن وجهات نظرها في الأحداث الداخلية و الخارجية .
 
التدخل الأجنبي :
 
المؤلفون ركزوا أيضاً على الآثار السلبية للتدخل الأجنبي في الشؤون العربية .
و يقول المستعرب الروسي ( نائومكين )  في دراسته المنشورة ضمن المجموعة " التدخل الأجنبي في ليبيا و سوريا بسبب أشتداد الصراع في كل منهما ، بين النظام الحاكم و ( المتمردين ) ،  يلقي ظلالاً من الشك حتى على المساعدات الأنسانية التي تقدمها الدول الغربية للسكان المدنيين . "
 لاحظ  أيها القاريء الكريم ، ان ( نائومكين ) ،( وهو خريج جامعة القاهرة في السبعينات من القرن المنصرم  و عضو الأكاديمية الروسية حالياً و يتحدث بالعربية بلكنة روسية و الذي تستضيفه القنوات الفضائية العربية كثيراً، كمحلل سياسي لا يشق له ، كيف يطلق هذا المستعرب صفة " المتمردين " على الشباب العربي الثائر .
 
اما الباحث ( ايغورين ) فيقول في دراسته " أن الرأي الساذج الذي يصور أحداث لييا وكأنها صراع بين طاغية غريب الأطوار وبين دعاة الديمقراطية ، الذين تساندهم الدول الغربية ، غير صحيح ، لأن ما جرى في ليبيا كان صراعا بين قوى رجعية و بين أنصار نظام علماني يؤمن بـ(الديمقراطية الماشرة )  وان التدخل الأجنبي ادي الى تعميق الهوة في المجتمع الليبي ."
 
اذن الرجعية هي التي انتفضت ضد نظام ( الديمقراطية المباشرة )  للعقيد القذافي وضد العلمانية ، بدفع من الخارج ,!! كما يزعم هذا " الباحث "
 قلب الحقائق لدى هؤلاء المستعربين و الخبراء ، أمر في غاية اليسر ، ولكن القاريء الروسي البعيد عن مسرح الأحداث والذي لا يهتم كثيرا بما يجري خارج روسيا  ربما يصدق هذا الهذيان.
 
الموقف الروسي من الثورة السورية :
 
.وبصدد الثورة السورية تتحدث الباحثة " زفياغيلسكايا " "عن الدور ( الأيجابي ) لروسيا و الصين اللذان يدعوان الطرفين المتصارعين ( النظام و المعارضة ) الى أجراء حوار وطني لوضع نهاية للمأساة السورية ."
أما " فلاديمير أحمدوف " فيقول " بأن الجيش ،هو الذي يلعب الدور الرئيسي في سوريا تقليدياُ ، و ان هذا يفسر قدرة نظام بشار الأسد على الصمود  ، على خلاف الجيش الليبي الذي خان القذافي." على حد تعبيره.
وكان احد كبار الساسة الروس المخضرمين وهو( يفغيني بريماكوف) ، الذي أسهم في الكتاب بدراسة مطولة غن الربيع العربي و السياسة الأميركية الحالية في الشرق الأوسط ، قد قال قبي مقابلة مع جريدة " البرافدا " ان الموقف الروسي من الصراع الدائر الآن في سوريا ، هو الموقف الأخلاقي الوحيد الصحيح .
 
تغيّر ميزان القوى في الشرق الأوسط
 
ويكاد كتاب المجموعة يتفقون " بأن الثورات العربية ، التى اسقطت عددا من الأنظمة العربية  ، غيرت ميزان القوى في الشرق الأوسط ، ويتجلى ذلك في دخول تركيا النشط في الصراع من اجل النفوذ وبروز دور كل من المملكة العربية السعودية وقطر ، مما عززعدم اليقين في العلاقات الدولية في منطقة الشرق الأوسط ."
 
الربيع العربي وروسيا
 
يرى باحث من المساهمين في المجموعة  "ان أهتمام الولايات المتحدة الأميركية بمصادر الطاقة في المنطقة قد قل بسبب توصلها الى بدائل جديدة، للطاقة التقليدية ."
 
 ويقول باحث آخر" ان الأهمية الأستراتيجية للمنطقة و سعي الولايات المتحدة الي جذب بلدان آسيا الوسطى وجنوب القفقاز الى مشروع الشرق الأوسط الكبير ، يعقد العلاقة بين أميركا وروسيا . و في الوقت نفسه فأن حرب العراق أدى الى أضعاف النفوذ الأميركي وتعزيزالنفوذ الأيراني في المنطقة . و يتجلى هذا الضعف في مجال الأعلام في الدور المتصاعد لقناة الجزيرة،  التي كسرت الأحتكار الأعلامي الأميركي في تفسير النزاعات و الأحداث في العالم . و عموما فقد مضى الزمن الذي كانت فيه اميريكا تنصّب و تزيح الحكام في بلدان الشرق في الوقت المناسب لها"
 
الكتاب يؤكد بأن الصحوة العربية يمكن ان تؤثر في أوضاع المناطق ذات الغالبية المسلمة في روسيا اذا تمكن الأسلاميون الراديكاليون من تنفيذ مخططاتهم في الشرق الأوسط ، وأن موجة التطرف ستصل جنوب روسيا و القفقاس وآسيا الوسطى .و لكن الباحثة (زفياغيلسكايا ) تعارض هذا الرأي وتقول "  من المشكوك فيه ان يكون ثمة اساس للحديث عن سيناريو خاص خطط له من قبل القوى الخارجية ضد لروسيا على غرار الربيع العربي ، اذا فسرنا الحركات الأحتجاجية في الشرق العربي كنتيجة لمكائد الغرب ."
 
 ثمة مخاوف روسية من تداعيات الربيع العربي السلبية وتأثيرها على ألأوضاع في الجنوب الروسي و القفقاس ،  عبر عنها العديد من كتّاب المجموعة حيث يرى هؤلاء الكتاب :
" ان الواقع الجديد في الشرق الأوسط يمكن ان يضع روسيا امام تحديات جادة ، ولا يكمن ذلك في أسلمة  الشرق الأوسط الكبير والمزيد من زعزعة الأستقرار فيها فقط، ، بل في التغلغل الأميركي  في جنوب روسيا أيضأً .ان الولايات المتحدة تنظر الى كل حوادث لشرق الأوسط من منظور الصراع ضد إيران، ويرى ( يفغيني بريماكوف ) - وهو احد كتاب المجموعة - " ان الهدف الرئيسي لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة هو اضعاف النفوذ الأيراني وهذا ما يفسر سعي الولايات المتحدة لأسقاط نظام بشار الأسد في سوريا ، الحليف لأيران .وعموما فأن زعزعة الأستقرار في الشرق الأوسط القريب من الحدود الروسية و محاولة تغيير الأنظمة في سوريا وايران تجعلان من منطقة الشرق الأوسط مصدر مخاطر أمنية و أستراتيجية  متزايدة بالنسبة الى روسيا مما يشجع الأخيرة على العمل النشيط للوقوف بوجه أستخدام القوة العسكرية في المنطقة "
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com
 
 


58
ما قل ودل : أسلحة للأستخدام الداخلي

                                                                                                                   جودت هوشيار
      
في الوقت الذي ينشغل فيه العراقيون بمعاناتهم اليومية وكابوس الموت المجاني ، وتنشغل القوى السياسية المعارضة بالأزمات التي أتقن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ، أفتعالها وعمل كل ما من شأنه تعميقها وتفاقمها و ألهاء الناس بها أطول فترة ممكنة ، يسعى هو ( المالكي )  وراء الكواليس وبعيداً عن أنظار الرأي العام  لأحكام قبضته على كل السلطات وتسخير الموارد المالية و البشرية للدولة من أجل تحقيق حلمه المستحيل في التربع على سدة الحكم في ما تبقى من العراق ، دكتاتوراٌ وزعيما أوحداً ، يتصرف بالبلاد و العباد على هواه وكما يحلو له .ولكن تحقيق هذا الحلم ليس هيناٌ من دون قمع أنتفاضة السنة وأخضاع الكرد لأرادته أو تحجيم أقليم كردستان الناهض في الأقل .
المالكي يعتقد أن حلمه لن يتحقق بالسياسة ، بل بأمتلاك قوات مسلحة مجهزة بأفتك أنواع الأسلحة من دبابات و صورايخ وطائرات مقاتلة وقاصفة و قادة أمنيين من صنعه ليكونوا رهن أشارته في خوض حروب قذرة ضد الشعب العراقي و ليس ضد عدو خارجي .
لست أنا الذي يقول هذا الكلام ، بل وسائل الأعلام الروسية التي نشرت طوال الأسبوع الماضي أخباراً وتقارير وتعليقات حول عقد صفقة أسلحة ضخمة جديدة بين العراق وروسيا ،  أبرمه وفد عراقي في الأسبوع الماضي في موسكو مع " "روسوبورون اكسبورت " لشراء طائرات مقاتلة و طائرات هيلوكوبتر هجومية  ودبابات و صوارخ و أنظمة دفاع جوى .
و حل العقد الجديد محل العقد السابق، المثير للجدل ، الذي وقعه المالكي خلال زيارته الأخيرة لموسكو في أكتوبر من العام الماضي.
 
المبلغ الأجمالي للصفقة (4.2) مليار دولار لم يتغير و لكن محتوى العقد الجديد، طرأعليه بعض التغييروحسب رغبة المالكي وهي أضافة أربع طائرات هيليكوبتر هجومية الى الصفقة مقابل العمولات المدفوعة لبعض الوسطاء .
ولعل أغرب ما تضمنه العقد الجديد من شروط ما يلي :
1 –  تمتنع روسيا عن عقد صفقات تسليح مع أى طرف آخر في المنطقة .
2 – تستخدم الأسلحة التي سيتم تجهيزها بموجب العقد ، داخل العراق حصراًً.
3 – تتعهد روسيا بتجهيز الأسلحة المتفق عليها خلال عام 2013 الحالي .

 
هذه الشروط تفضح نيات المالكي المبيتة لشن عدوان على أقليم كردستان .
 
الشرط الأول يقصد به منع بيع أى اسلحة و لو كانت خفيفة الى أقليم كردستان ، اما الشرط الثاني فهو دليل دامغ على ان شراء هذه الأسلحة ، لا يقصد به الدفاع عن العراق ضد أي عدوان خارجي محتمل ، بل لشن عدوان على الأقليم .
 
وتقول التقارير الروسية أن الوفد العراقي ألح كثيراً على ضرورة تجهيز الأسلحة على وجه السرعة وفي موعد لا يتجاوز نهاية العام الحالي . وهذا يفسر النداء الذي وجهته كلية الدفاع الجوي الى طلابها السابقين للألتحاق بالكلية لمن يرغب في ذلك ، لوجود نقص في عدد الطيارين حاليأً .
و السبب الآخر لأستعجال المالكي هو خشيته من الأطاحة به ،بعد السقوط المتوقع للنظام السوري خلال الأشهر القليلة القادمة .
 
ان كل من يتمعن في شروط العقد الجديد ، لابد أن يتساءل : هل مهمة الجيش – أي جيش في العالم - الدفاع عن حدود و سيادة البلاد أم شن الحروب العدوانية الداخلية ضد الشعب .
المالكي يسير على خطى صدام ،و يعتقد أن بوسعه أقامة دكتاتورية جديدة بأخضاع الشعب الكردي .  ويخيل اليه أنه سينجح في تحقيق ما أخفق فيه صدام ،  ويبدو أنه لم يتعظ يما جرى لصدام ، ولا يدرك ان الزمن تغير لصالح الشعوب  ومجازر الأنفال وحلبجة لن تتكرر ، لأن المباديء التي تحكم العلاقات الدولية اليوم ، لم تعد تسمح للطغاة بقهر شعوبهم بقوة السلاح بعيدا عن أنظار المجتمع الدولي،  أستنادا الى ذريعة عدم التدخل في الشؤون الداخلية. و أنصح المالكي أن يراجع نفسه و يستفسر من مستشاريه القانونيين ،  عن قرارات مجلس الأمن بهذا الشأن .
 ستثبت الأيام ان مصير المالكي السقوط الحتمي ، ان لم يتخل عن حلمه الجنوني المستحيل قبل فوات الأوان .
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com


59
ما قل ودل : حلم المالكي المستحيل

لمناسبة الذكرى العاشرة للغزو الأميركي للعراق ، عقد معهد  أميركان انتربرايز ( American Enterprise Institute ) في واشنطن ندوة تحت عنوان " العراق بعد عشر سنوات " من الغزو بطبيعة الحال ،  وكان من ضمن الخطباء الرئيسيين في الندوة ، السيناتور جون ماكين ( John McCain )، المرشح الرئاسي السابق ، الذي تحدث عن الوضع الراهن المتأزم  في العراق بعد عشر سنوات من سقوط النظام الصدامي .
وقال  السنتور الجمهوري أنه يشعر بقلق بالغ حول تداعيات الخلافات الحادة بين العراق وكردستان ( التعبير لماكين ) .ورداً على سؤال عن رأيه في العلاقات المتوترة بين بغداد وأربيل ، قال ماكين : " أعتقد ان رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني ما يزال يدعو لعراق موحد، ولكن الأحداث يمكن أن تملي عليه منحى مختلفا."
و أضاف ماكين :" ان المصالح الكردية العليا هي التي تحدد في المقام الأول ، أولويات الرئيس بارزاني ، و اعتقد أنه يرغب في التعاون معنا و يتطلع الى مساعدتنا له في العمل ، ولكنه في الوقت نفسه يدرس كل ما لديه من رهانات ، ولو كنت مكانه لفعلت الشيء ذاته ." وأستطرد ماكين قائلاً : " لقد  فوجئت عندما التقيت  بارزاني قبل ستة أشهر، واكتشفت أنه لايجتمع بانتظام مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي . سألت الرئيس بارزاني:
 
متى ألتقيت آخر مرة بالمالكي ؟ قال : منذ أكثر من عام .
 
وهذا امريقلقني كثيراً."

 
وتابع ماكين قائلاً : " الكرد يحلمون منذ عدة قرون بالدولة الكردية ، وأعتقد أن ثمة نخبة كردية ترى ، أن تحقيق هذا الحلم يلوح في الأفق، بالنظر إلى الأوضاع الراهنة  في سوريا والعراق وتركيا . ولكن على الرغم من هذا، ما زلت آمل في بقاء  العراق موحداً والمصالحة بين الفصائل السياسية  في البلاد ."  أنتهى كلام ماكين .
 
 المفارقة هنا ان سياسياُ ( أجنبياُ ) ،  ينتمي للدولة ، التي  يدين لها السيد نوري المالكي بمنصبه الرفيع ، يشعر بالقلق من تقسيم العراق اكثر من رئيس الوزراء ( العراقي )  ومن أركان نظامه ،          ولا شك ان " ماكين" قلق من تداعيات سياسات المالكي، التسلطية و الأقصائية التي ستقود الى تقسيم العراق حتماً .
المالكي، الذي سحرته نشوة السلطة المطلقة  ، سادر في غيه و غارق في حلمه المستحيل  بأن يتحول الى طاغية جديد في زمن أطاحت فيه الشعوب العربية بطغاة  أقوى و أكفأ و أذكى منه بكثير.
على المالكي ان يستفيق من حلمه قبل فوات الأوان، لأن زمن الحزب القائد و القائد الأوحد ولى الى غير رجعة ومن لم  يدرك هذه الحقيقة ، مصيره الى الزوال .
 
ثم ان الكرد -  الذين أنتزعوا بعض حقوقهم بنضال بطولى و تضحيات سخية وسقطت تحت أقدامهم طغاة و حكومات أكثر بأساً من المالكي و ميليشياته الطائفية  وحكومته العاجزة ، الغارقة في الفساد - لا يمكن ان يقبلوا بأقل من عراق فدرالي ديمقراطي تعددي و حكومة مركزية كفوءة و نزيهة تعمل لصالح العراق والعراقيين دون تفرقة او تمييز و ليس لصالح فئة صغيرة من المتاجرين بالدين الحنيف ، حكومة تنتمي الى هذا العصر و ليس الى عصور الظلام و التخلف ،  وكلما ادرك المالكي هذه الحقيقة سريعاً ، كان ذلك في مصلحة البلاد و أفضل لمستقبله السياسي ، أن كان له مستقبل .!
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com


60
نداء أوجلان التأريخي للسلام، ألقى الكرة فى ملعب أردوغان
                                                                                                                     جودت هوشيار      
هل قدم اوجلان تنازلات مبكرة ؟

أثار نداء السلام ، الذي وجهه زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في رأس السنة الكردية وعيد النوروز ، من سجنه في جزيرة ايمرالي لأنهاء النزاع الدموي المستمر منذ ثلاثين عاماً بين الجانبين الكردي و التركي ، أهتماما بالغاُ في الأوساط السياسية والأعلامية التركية و الكردية والعالمية. لم يكن نداء اوجلان مجرد بيان سياسي ، بل " خارطة طريق لتحقيق السلام المنشود ، تبدأ بوقف ﻹطﻼق النار وانسحاب للمقاتلين وتغليب الحل السياسي للقضية الكردية.
ولكن الغموض الذي يكتنف خطة اوجلان يثير تساؤلات كثيرة :
 هل يكون وقف اطلاق النار من جانب واحد أي من جانب مقاتلي "الكردستاني " فقط أم من الجانبين الكردي و التركي في آن واحد ، ولماذا يتوجب على المقاتلين الكرد المتواجدين في كردستان الشمالية الأنسحاب الى خارج تركيا بعد نزع أسلحتهم ، وهل يشمل نزع السلاح ، المقاتلين في جبال قنديل  ؟ وما البلد المقصود بعبارة " خارج تركيا "  ؟.
واذا كان الطرف التركي يسعى الى ايجاد حل سياسي للقضية الكردية ، لماذا يشدّد على ضرورة مغادرة أعضاء الحزب وطنهم بعد تخليهم عن القتال ونزع أسلحتهم . و أين الضمان بأن السلطات التركية لن تغدر بهم ! فالكرد يخشون تعرض المقاتلين المنسحبين لنيران  القوات التركية،  كما حصل في آخر مرة أعلن فيها " الكردستاني " وقف أطلاق النار من جانب واحد في عام 2004.
و يصدد الأنسحاب الى خارج تركيا ، ثمة احتمالات عديدة ، غير ان الأحتمال الأكثر ترجيحاً هو الأنسحاب الى أقليم كردستان (العراق) ، رغم تردد أنباء عن احتمال أنتقالهم الى سوريا ، ولكننا نعتقد ان هذا أمر مستبعد ، لأن الحكومة التركية متوجسة من سيطرة "حزب الأتحاد الديمقراطي" الموالي لحزب أوجلان على المناطق الكردية في سوريا ,و كذلك من غير المحتمل الأنسحاب الى ايران لأسباب عديدة .وثمة أحتمال آخر هو مغادرة تركيا الى المنافي في الدول الغربية .
 ليس من الواضح لحد الآن الجدول الزمني للأنسحاب ، ففي الوقت الذي توقع فيه اوجلان أن ينتهي الأنسحاب بحلول شهر أغسطس القادم ، قال خبراء أتراك في الشأن الكردي ، ان الوقت المحدد من قيل اوجلان غير كاف ، في حين قال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوعان ، في تصريح صحفي أدلى به خلال جولته الأوروبية الحالية ، أنه يتوقع أن يستكمل الأنسحاب قبل نهاية العام الحالي . ولكن من الواضح ان الجدول الزمني يتوقف على مدى جدية الحكومة التركية واستعدادها تلبية الحد الأدنى من حقوق الشعب الكردي  و الضمانات التي يمكن ان تقدمها لسلامة المقاتلين لدى انسحابهم من تركيا..
قال القائد العسكري للحزب مراد قره يلان في رسالة فيديو بثتها وكالة أنباء الفرات نيوز الكردية « نعلن رسمياً وجلياً وقف إطلاق النار الذي بدأ تطبيقه اعتباراً من 21 مارس، وهو اليوم الذي أعلنت فيه الرسالة» التي وجهها أوجلان."
وأضاف أن «مقاتلي كردستان الحرة لن يقوموا بشن أي عمل عسكري.. لكن إذا ما تعرضت قواتنا للاعتداء فإنها بالتأكيد ستدافع عن نفسها ضد مثل هذه الهجمات».
وبشأن انسحاب قواته من تركيا، أكد الزعيم العسكري لحزب العمال الكردستاني " أنه لا يستطيع تنفيذه إلا بعد أن تضع السلطات التركية آليات خاصة بذلك."
وقال «إذا تحملت الدولة التركية والحكومة والبرلمان مسؤولياتهم واتخذوا القرارات اللازمة المتعلقة بالانسحاب وإذا شكلوا اللجان والمؤسسات اللازمة وبنوا القواعد لمثل هذا الانسحاب فإننا سنفعل ذلك أيضا».
وأضاف قره يلان «في الوقت الحالي ننتظر إرساء هذه القواعد».
وفي تصريح صحفي ، أدلى به في يوم 21 آذار الجاري أي فور أذاعة نداء اوجلان ، قال قره يلان ، ان اوجلان قدم تنازلات مبكرة !

موقف الشارع التركي

دأبت الحكومات التركية المتعاقبة على شحن الشارع التركي بأفكار قومية متعصبة ضد الكرد ، منذ تأسيس الجمهورية التركية في عام 1923 وحتى عهد قريب .
عندما تم أختطاف اوجلان من قبل المخابرات التركية بالتنسيق مع المخابرات الأميركية والموساد الأسرائيلي وأعتفاله في سجن أنفرادي في جزيرة ايمرالي ، قال " بولاند أجويد " رئيس الوزراء التركي في ذلك الحين ، في تصريح صحفي ، ان العدو الرئيسي لحق تقرير المصير للكرد هو رجل الشارع التركي ، الذي تربى نفسيا وفق معاهدتي سيفر ( 1920) ولوزان( 1923) ، اللتان حددتا ملامح تركيا الحديثة و طبيعة العلاقات القومية في الدولة التركية و التفكير النمطي للمواطن التركي . و عندما كان مؤتمر لوزان يناقش مسألة حق تقرير المصير للشعب الكردي ، قال ممثل تركيا عصمت باشا ، " ان الكرد هم أتراك الجبال ... وقد نسوا لغتهم الأم ، و ليسوا بحاجة الى حق تقرير المصير."
كان عصمت باشا أحد المقربين من أتاتورك ، و كل ما قاله أتاتورك أو أركان نظامه مطبوع بشكل راسخ في أذهان اغلبية الشعب التركي ، وليس من السهل تجاهله أو ازالته على نحو سريع .

مواقف الأحزاب التركية من القضية الكردية

يعد حزب الحركة القومية ( الذي يحتل المرتبة الثالثة من حيث النفوذ و عدد المقاعد في البرلمان التركي) حزبا قوميا متطرفا ومن أشد المعارضين للحل السلمي للقضية الكردية . ويكفي القول ان مؤسس الحزب آلبارلسان توركيش ، من مؤسسي الجهاز الخاص المعروف بـ( غلاديو ) ومنظمة ( الذئاب الرمادية ) الأرهابية ، و يحاول هذا الحزب الشوفيني بكل ما أوتي من قوة ، عرقلة تنفيذ خطة اوجلان السلمية و التهجم على حزب العدالة و التنمية وأتهام رجب طيب اردوغان وحزبه بالخيانة ومحاولة تقسيم تركيا .

أما حزب المعارضة الرئيسي في تركيا اليوم ، وهو حزب الشعب الجمهورى ، الذي يتزعمه كمال كليكدار اوغلو ( وهو من أصل كردي ) فأن موقفه من القضية الكردية غامض ومتناقض ، لوجود جناحين داخل الحزب ، الجناح الأول يتبع خطاً متشدداً على خطى مؤسسه كمال أتاتورك ، ولا يختلف موقفه عن موقف حزب الحركة القومية المتطرف ، اما الجناح الثاني ، وهو جناح ديمقراطي و معتدل فأنه يؤيد الحل السلمي للقضية الكردية ، ويبدي أستعداده للمساعدة في أنجاح المفاوضات التركية – الكردية ، ولكن يبدو ان الجناح الكمالي المتطرف في الحزب يعرقل مساعي الجناح الديمقراطي للأسهام في حل القضية الكردية سلمياً . وفي الوقت نفسه فأن لدي الجناح الديمقراطي خلافات مع حزب العدالة و التنمية حول القضية الكردية وسبل حلها سلمياً .
لقد ظل حزب الشعب الجمهوري على مدي عقود ، يستمد قوته الدافعة من الجيش ، حارس الكمالية ، ولكن حزب العدالة و التنمية الحاكم أستطاع فرض هيمنته الكاملة على الجيش ، وبذلك فقد حزب الشعب الجمهوري كثيرا من نفوذه السابق .

الضغوط الخارجية على تركيا لحل القضية الكردية

على مدى السنوات ، التي أعقبت تفكك الأتحاد السوفييتي وفقدت فيها تركيا دورها السابق كقلعة حصينة معادية للشيوعية ، لم يتوقف الأتحاد الأوروبي ومنظمة العفو الدولية و منظمات حقوق الأنسان الأخرى في العالم عن توجيه أنتقادات لاذعة الى تركيا بسبب سجلها السيء في مجال حقوق الأنسان و بخاصة اجراءاتها التعسفية ضد مواطنيها الكرد .وفي الوقت نفسه ، لم تعد الكمالية تلبي حاجة تركيا المعاصرة ولا تنسجم مع العلاقات الدولية التي نشأت بعد أنهيار المعسكر الأشتراكي ولا مع التحولات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط ، وكان البديل الذي يتوائم مع الأرث التأريخي للبلاد و يلبي حاجتها في الظروف المستجدة و يلاقي قبولاً من المجتمع الدولي هو " الأسلام المعتدل " وهذا ما أدركه مؤسسو حزب العدالة و التنمية وعلى رأسهم رجب طيب أردوغان .
الكرة في ملعب اردوغان

بعد سنوات طويلة من الحرب الشرسة ضد حزب العمال الكردستاني والقصف المتكرر لمعاقل مقاتليه سواء داخل كردستان ( تركيا) أو في جبال قنديل وتغلغل الجيش التركي أحياناً داخل أراضي كردستان الجنوبية لملاحقة مقاتلي الحزب ، اقتنع اردوغان أخيرا ، ان من المستحيل القضاء على الحركة الكردية المسلحة عن طريق محاربة مقاتلي ( الكردستاني ) والقمع التعسفي ضد نشطاء الحزب في الداخل .
 و من الأنصاف القول ان أردوغان أتخذ سلسلة اجراءات  لصالح الأنفتاح التدريجي على الكرد عن طريق رفع بعض القيود المفروضة عليهم و بخاصة في المجال الثقافي ، وثمة اليوم فضائيتان تبثان باللغة الكردية احداهما ، حكومي وهي قناة ( TRT6 ) والأخرى تعود الى القطاع الخاص وهي قناة (Dunya) ، كما سمح بأستخدام اللغة الكردية في المحاكم وفي التدريس في المدارس الخاصة و نشر الكتب وأصدار بعض المطبوعات الأخرى ، ولكن هذه الأصلاحات الجزئية غير كافية ، لأن المهم هو الأعتراف بالهوية القومية للكرد وتحقيق الأدارة الذاتية لهم ومنحهم  حقوقهم الثقافية ، في ظل نظام ديمقراطي تعددي يحترم الحقوق القومية لكافة سكان البلاد .
وفي مقدمة الخطوات التي ينبغي أتخاذها ، تعديل الدستور الحالي ، الذي ينص في مادته ( 66) أن كافة سكان تركيا هم أتراك.كما ان تنفيذ اعلان اوجلان يحتاج الى حزمة قوانين وهذا ما أعترف به وزير الداخلية التركي معمر غولر ولكن لحد الآن لم يتم أأتخاذ أية خطوات في هذا الصدد.
و يمكن تفسير توقيت المفاوضات مع اوجلان بحاجة أردوغان الى كسب التأييد الكردي فى الفترة القريبة القادمة ، خاصة ان الأنتخابات المحلية و البرلمانية على الأبواب والتي ستجري خلال عام 2014 ، و يأمل أردوغان في تعديل الدستور و أقامة نظام رئاسي يتمتع فيه رئيس الجمهورية بصلاحيات واسعة و سيكون " أردوغان " المرشح الأوفر حظاُ للفوز بمنصب الرئيس .
لقد رحب " اردوغان" بأعلان " اوجلان "، الذي تم اعداده بعد مفاوضات بين الجانبين منذ شهر أكتوبر الماضي ، وقال في تصريح صحفي خلال زيارته للدانمارك بعد يومين من اعلان اوجلان " ان الحكومة ستفعل كل ما هو مطلوب منها في اطار القانون وسنتخلص من بعض المشاكل بمرور الوقت وفي نهاية المطاف سنضع حدا لمشكلة عمرها ثلاثين عاما . واذا تم أنسحاب (PKK) بحلول نهاية عام 2013، فأن عام 2014 سيكون عاما جيدا للأنتخابات المحلية و البرلمانية، وهذا يخدم مصالح حزب الديمقراطية و السلام أيضا ." واعلن أنه سيسمح لوفد " حزب الديمقراطية و السلام " بزيارة " أوجلان " مرة أخرى للتباحث معه حول العملية السلمية .
حقا ان حل القضية الكردية سلميا سيتيح لأردوغان جني مكاسب سياسية هائلة ، و هذا ما دفعه الى القول في تصريح مثير للصحافة الأجنبية أنه سيحل القضية الكردية بطرق سلمية ، حتى اذا كلفه ذلك مستقبله السياسي .
و اذا كان " أردوغان " جادا و صادقا في تصريحاته و نياته ، عليه ترجمة هذه الأقوال الى أفعال عبر سلسلة من الخطوات العملية الجادة ، مثل تعديل الدستور عى اساس مبدأ المواطنة لا العرق والأعتراف بالحقوق القومية المشروعة للكرد و القوميات الأخرى غير التركية في البلاد ,
ورغم بعض الأنتقادات المبطنة الموجهة الي " اوجلان " من قيادة الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني ، لتقديمه تنازلات مبكرة على حد قول مراد قره يلان ، الا أن خطة أوجلان  لتحقيق السلام على اساس الحل العادل للقضية الكردية في تركيا تنم عن أدراكه بأن الحوار هو لغة العصر و بأن ما تعذر تحقيقه عن طريق النضال المسلح - رغم التضحيات السخية التي قدمها الشعب الكردي – سيتحقق بالنضال السلمي وقد أظهر ثقة بزعيم الحزب الحاكم -يعتبرها البعض مبالغاً  فيها – ويأمل " اوجلان " قيام الحكومة و البرلمان ، الذي يسيطر عليه الحزب الحاكم  بخطوات عملية لأنجاح عملية السلام ، وعلى اردوغان تبرير هذه الثقة ، خاصة وان " أوجلان " ألقي الكرة في ملعبه أمام أنظار العالم بأسره . و العالم ينتظر منه الأستجابة لنداء السلام و عمل كل ما من شأنه تسهيل التنفيذ السلس لخريطة الحل السلمي للقضية الكردية في تركيا . فهل يترجم" أردوغان " أقواله الى أفعال ؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام والأسابيع القادمة .
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com
 


61
حرية الصحافة بين التشريع والتطبيق

                                                                                                                   جودت هوشيار

حرية الصحافة أحد أهم أشكال حرية الرأي و التعبير وهي  المحك الحقيقي للحريات الاخرى وأداة اساسية في النقد والمتابعة والرقابة على اداء السلطة التنفيذية , والحرية الصحفية التي نقصدها ، هي تلك التي تسمح بالنقد الموضوعي وتحري الوقائع وتقصي الحقائق وصولا لأيجاد الحلول لمشاكل المجتمع . وهي القوة التي تصوغ أكثر من أي قوة أخرى الآراء و الأذواق والسلوك.
، ان حرية الصحافة يمكن النظر اليها من ثلاث زوايا، وهي : ويرى بعض الباحثين
حرية المعرفة: وهي الحق في الحصول على المعلومات اللازمة لتنظيم حياتنا والحصول على قدر من المشاركة في الحكم، وهو حق اجتماعي لعامة الجماهير.
حرية القول: وهي الحق في نقل المعلومات، بحرية، وتكوين رأي، في أي موضوع، والمناقشة حوله. وهو ما يقصد به "حرية الصحافة" وهو بدوره حق المجتمع، تؤديه عنه وسائل الأعلام.
حرية البحث: وهي الحق في اتصال وسائل الأعلام ، بمصادر المعلومات، التي يجب معرفتها، ونشرها. وهو حق للمجتمع كذلك، تؤديه عنه وسائل الأعلام..
إن المسؤولية الأساسية للصحافة، هي الدفاع عن هذه الحريات الثلاث ضد كل تدخل خارجي ، مهما كان مصدره سواء من جانب الحكومة أوالقوى المؤ ثرة، في داخل المؤسسات الأعلامية نفسها . ان تثبيت حرية الصحافة في نصوص الدستور أو القانون، لا يعني، بالضرورة، توافر حرية الصحافة، وإنما ينبغي توافر ضمانات تدعم هذا الحق .
                           وتنص قوانين الصحافة في ظل الأنظمة الديمقراطية و بخاصة في الدول الغربية المتقدمة ، على منح الحرية لكل مواطن كامل الأهلية  في أصدار اي مطبوع  دوري دون أذن مسبق شريطة ان يتم لاحقا اخطار الجهات المعنية بذلك , وكذلك  أعطاء الصحفي حق التعبير عن رأيه بحرية دون رقابة وضمان حق المواطن في الحصول على المعلومات الضرورية  للأسهام في اتخاذ القرار الذي يمس حياته والمجتمع الذي يعيش فيه ..
اما على مستوى الممارسة والتطبيق فان الحرية الصحفية نسبية و غير مطلقة حتى في أكثر الدول ديمقراطية والتي تضع خطوطا حمراء أمام العديد من الموضوعات الحساسة بالنسبة اليها دون ضغط أو أكراه مباشرين بل تفعل ذلك بأساليب شديدة الفعالية والذكاء , حتى لتبدو وكأنها لا تتدخل في شؤون الصحافة
اما الانظمة الأستبدادية  فأنها لا تكتفي بوضع القيود المجحفة الواردة في قوانين الصحافة و المطبوعات بل تلجأ في كثير من الاحيان الى وضع مواد وبنود فضفاضة  في تلك القوانين يمكن تفسيرها بأشكال مختلفة مثل الفقرات الخاصة بمصالح البلد العليا و الأمن الوطني وتقاليد المجتمع و عاداته  وما شابه ذلك. 
الصحافة رسالة قبل ان تكون مهنة و صناعة و من الضروري أن تلعب دوراً تنويرياً في نبذ تلك العادات وليس الحفاظ عليها وعدم المساس بها .
ورغم ان قوانين الصحافة حتى في ظل الانظمة المنغلقة  تنص على ضمان حرية النقد , الا ان هذه الحرية شكلية الى حد كبير وتبقى حبرا على ورق أو يوضع لها سقف محدد لايمكن تجاوزه دون الوقوع تحت طائلة المساءلة . فعلى سبيل المثال نجد ان الأنظمة المغلّفة بغشاء ديمقراطي زائف ، تسمح بأنتقاد المسؤولين من ذوي المناصب الدنيا أو المتوسطة و تحظر توجيه النقد الى رئيس الدولة او رئيس الوزراء أو الوزراء كما كان الأمر مثلاً ،  في ظل النظام الصدامي أو تمنع المساس بالأداء الحكومي عموماً و ان كان هذا الأداء فاشلاً أو فاسدأ أو ظالماً
و تلجأ الحكومات القمعية الى شتى اساليب الترهيب والترغيب لمنع الكاتب او الصحفي من التعبير عما يعتمل في ذهنه او يشغل باله ومن تسجيل الوقائع والاحداث بصدق  وامانة اذا كانت دلالاتها تتعارض مع وجهة النظر الرسمية , و الصحافة في ظل مثل هذه الأنظمة تتحدث في العادة عن الأنجازات و الأيجابيات فقط و تعمد الى  أغفال السلبيات و الأخطاء ومواطن الخلل و الزلل ، مما يؤدي الى تفاقمها و صعوبة معالجتها مستقبلاً . ان الهوة التي تفصل بين التشريع والتطبيق في أي بلد ، تضيق او تتسع حسب هامش الحرية الحقيقية  المسموح به للصحافة .
" يرى " شريدان "(1 ) : خير لنا أن نكون بدون برلمان من أن نكون بلا حرية صحافة ، الأفضل أن نحرم من المسؤولية الوزارية ومن الحرية الشخصية ومن حق التصويت على الضرائب على أن نحرم من حرية ا لصحافة وذلك انه يمكن بهذه الحرية وحدها أن تعيد الحريات الأخرى إن عاجلا أم أجلا. حيث تلعب حرية الصحافة دورا كبيرا ليس في الوصول إلى الحقيقة فحسب بل أنها تشعر الصحفي بالارتياح والطمأنينة ، وتكون بمثابة الغذاء بالقياس إلى أجسام البشر.
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com


62
ما قل و دل : البصرة تستغيث من كابوس سوري

                                                                                                                          جودت هوشيار
 
يحتضن أقليم  كردستان عشرات آلاف اللاجئين السوريين الهاربين من جحيم المجازر الدموية    في بلادهم ..  وتقول مديرية الهجرة والمهجرين في محافظة دهوك أن تدفق اللاجئين السوريين ما زال مستمرا بشكل يومي. حيث وصل عدد اللاجئين الذين دخلوا الإقليم عن طريق محافظة دهوك (80 ) ألف لاجئ سوري وهو في ازدياد بمعدل 500 لاجئ يومياً . و يؤي مخيم         " دوميز " و حده ،  الواقع جنوب غرب محافظة دهوك ( 56 ) ألف لاجئ من النساء والأطفال والشباب . و قد ادت موجة الأمطار الغزيرة التي اجتاحت المنطقة مؤخراً الى سقوط عدد من الخيم في " دوميز " وأرغمت العديد من الأسر للجوء إلى أماكن أخرى.
 
و على اثر ذلك تم اطلاق حملة واسعة في الأقليم  لجمع التبرعات و المساعدات للاجئين السوريين برعاية مفوضية شؤون اللاجئين للأمم المتحدة حيث تتلقى مئات الأسر السورية المساعدات المقدمة من مواطني الإقليم يومياً.
ووفر القطاع الخاص فرص عمل للشباب السوري لأعالة عوائلهم . و لكن هذا لا يعني عدم وجود صعوبة في تأمين متطلبات الحياة و فرص العمل  لعشرات آلاف اللاجئين السوريين  ، و لم تتلقى كردستان شيئاً من المساعدات ، التي تقدمها الدول المانحة عن طريق الأمم المتحدة الى الدول التي تؤى اللاجئين السوريين . و مع ذلك فأن ظروف اللاجئين السوريين في الأقليم أفضل من دول الجوار الأخرى .
 
لم يكن بودي التطرق الى هذا الموضوع ، لأن أغاثة اللاجئين مهما كانت أنتماءاتهم العرقية و الدينية ، واجب أنساني و ليست منة من أحد .
 
ولكن كان من سؤ حظ بضع عشرات من الشباب السوري الهاربين من جحيم الأسد ، التوجه الى محافظة البصرة بحثا عن فرص عمل لأعالة أسرهم . و كان عددهم ( 82 ) شاباً فقط ، ومع ذلك فقد أخذت محافظة البصرة تستغيث لأنقاذها من الغزو السوري ،  رغم العلاقة الحميمة بين النظامين السوري و العراقي حاليا . فقد دعا رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس المحافظة حسن الراشد في حديث لـ"السومرية نيوز"، الحكومة العراقية وبعثة منظمة الأمم المتحدة في العراق الى الإسراع  بأنشاء مخيم للاجئين السوريين على وجه السرعة لأعتبارات أمنية بالغة الأهمية، بعد أن بلغ عددهم 82 لاجئاً؛ و أعترف الراشد ان معظمهم يعانون من ظروف معيشية قاسية.
 
وشدد الراشد على أن مجلس المحافظة لا يريد رؤية اللاجئين السوريين على أراضيها  ويتطاير من شرورهم ، مضيفاً أن "المجلس بصدد عقد اجتماع طاريء و موسع في مقره لمناقشة تداعيات تدفق عناصر غريبة عن ثقافة و لاية الفقيه و تشكل خطراً على أمن المنطقة ". ويبدو ان هذه المعضلة الأمنية التي تهدد محافظة البصرة في طريقها الى الحل بعد أن أخذ اللاجئون السوريون بمغادرة المحافظة الواحد تلو الآخر . ويقول اللاجيء السوري عبد الله الذي غادر البصرة الى كركوك ان"عدم الإهتمام بنا والإكتراث لمعاناتنا هو الذي دفعني الى مغادرة البصرة الى كركوك ".
 
و اود ان أطمئن الراشد انه لن يجد في البصرة بعد اليوم  لاجئا سوريا واحدا. ولا خوف علي البصرة من الغزو السوري و ان الكابوس المتمثل ب( 82) شابا سوريا ، كان مجرد حلم مزعج مر سريعا  و الحمد لله و لن يتكرر أبداً .


63
خمسون عاماً على صدور كتاب
" الحكايات الملحمية الكردية المغناة "

                                                                                                                          جودت هوشيار
 
يتسم الفلكور  الكردي بالاصالة والخصوبة والثراء ، وبتعدد اشكاله وانماطه ، وتنوع موضوعاته ،  واساليبه التعبيرية ، واحتوائه على عدد هائل من الاساطير والحكايات والملاحم والاغاني والالوان الاخرى من الادب الشعبي ، التي ترتفع بمضامينها الانسانية ومستواها الجمالي الرفيع الى مصاف الاثار الخالدة في الفلكلور العالمي , بيد ان القسم الاعظم من هذا التراث لم يتم لحد الان تدوينه وجمعه , ناهيك عن دراسته واستلهامه في الاعمال الادبية والفنية . وما لدينا  اليوم من نصوص فولكلورية  كردية , يعود الفضل  في تدوين القسم الأكبر منه وتحقيقه ونشره الى تلك النخبة المثقفة الواعية من كرد ما وراء القفقاس .
 لقد شرعت تلك النخبة الرائدة  بجمع النصوص الفولكلورية لأفضل نماذج الادب الشعبي الكوردي منذ  العشرينيات من هذا القرن وحققت انجازات باهرة في هذا المجال , وكانت ثمرة جهودها الدؤوبة على مدى  عشرات السنين عدة كتب ومجاميع فولكلورية كردية صدرت في اوقات مختلفة في يريفان وبطرسبورغ وموسكو باللغات الكردية والارمنية والروسية , ولعل أهم هذه الكتب على الاطلاق  كتاب " الحكايات الملحمية الكوردية المغناة " الصادرعن دار نشر الاداب الشرقية في موسكو في عام (1962 ) برعاية معهد الادب  العالمي في موسكو ومعهد الادب في يريفان .
 
وقد رحبت الأوساط الثقافية بهذا الكتاب وأعتبر العلامة " قناتي كوردو  " صدوره حدثا مشهودا , ويضم الكتاب النصوص الفولكلورية لأشهر وأهم الحكايات الملحمية الكوردية المغناة مع ترجمتها الى اللغة الروسية ومقدمة ضافية وقيمة للعلامة الراحل " حاجي جندي " وهوامش وتعليقات مفيدة , هذه الملاحم هي ( مم وايشى , زنبيل فروش , ليلى ومجنون , مم وزين  ,دمدم , سيدا وئاجى ,خجى وسيابند ,كاروكللك ) وقد تم تدوين النصوص الفولكلورية الكردية لهذه الملاحم في فترات  مختلفة بين الاعوام  (1931- 1955 ) من قبل " حاجى جندى , قناتى كوردو , عرب شمو ,تسوكرمان " , وذلك عن لسان عدد من الرواة الكرد القاطنين في المناطق الكردية من ارمينيا وجورجيا . وكان هؤلاء الرواة من المسنين الذين حباهم الله بالموهبة والذاكرة القوية والصوت الشجي في معظم الاحيان ،  حيث أن هذه الملاحم – وهي قصص شعرية قد يتخلل بعضها مقاطع نثرية متفرقة – كانت تنشد في المجالس والمناسبات والاعياد بمصاحبة الالات الموسيقية , والحان هذه الملاحم رائعة وقد قام الموسيقار الارمني البارز " كوميتاس "  بتدوينها ونشرها .
 
 والحكايات الملحمية الكردية ذات مضامين بطولية وعاطفية وتتجسد فيها الروح الرومانسية وتستند الى وقائع وحوادث تاريخية وابطال  حقيقيين لعبوا أدوارا مهمة  في  تاريخ الشعب  الكردي وفي مقدمة هذه الحكايات الملحمية , ملحمة " دمدم " التي تصور بطولة الكرد في الدفاع عن القلعة المشهورة بهذا الاسم ضد قوات الشاه عباس*.
 
هذه الملاحم وصلت الينا من أعماق التاريخ عبر اجيال عديدة وخضعت لبعض التحويرأحياناً وللحذف والاضافة في احيان اخرى , وتم  تكييفها لتلائم  الوجدان الشعبي وتخلق نوعا  من التوازن النفسي بين الواقع المرير المكدود  الناجم عن الأستبداد والظلم  و الأضطهاد  القومي وبين ما تصبو اليه الارواح والنفوس من حياة حرة كريمة , وهي تعكس - أي الملاحم- بكل  عمق وصدق حياة الشعب الكردي وخصائصه القومية ونضاله التحرري.
 
أن ابطال هذه الملاحم هم من  الفلاحين والرعاة والصيادين الذين اكتسبوا شعبية واسعة بين الجماهير العريضة بفضل تعبيرهم عن الوجدان الشعبي وتجسيدهم  للقيم والمثل العليا النبيلة للشعب الكردي وتطلعاته وآماله , وقد أسبغ عليهم الشعب الصفات الايجابية مثل البطولة والشجاعة والاخلاص والتضحية والفداء والكبرياء , وعلى النقيض من ذلك نجد الاعداء والاشرار محل أزدراء  وسمخرية لاذعة , وتحتل المرأة الكردية ( الأم , الأخت , الحبيبة) مكانة متميزة في الملاحم الكردية فهي ذكية وحكيمة وباسلة تقف الى جنب الرجل دائما وخاصة في الشدائد والملمات ،  وحين تحس بالظلم أو الاضطهاد   تتحول الى لبوة في الدفاع عن نفسها وأهلها وعشيرتها " كاروكلك " وهي عزيزة النفس وذات كبرياء وأرادة قوية .
 أسماء بطلات هذه الملاحم الى جانب أسماء ابطالها أصبحت عناوين لها " مم وزين " ، " خجي وسيابند " , " مم وايشى " وغيرها .
 بطلات هذه الملاحم رموز حية للنضال من أجل المساواة والعدل والمحبة وللاحتجاج الصارخ ضد التزمت الأجتماعى والعادات البالية   .
الملاحم الكردية تجسد القيم النبيلة والمثل السامية للشعب الكردي , قيم الرجولة والشجاعة والاقدام والدفاع عن الارض والكرامة والحرية , كما انها تعكس تقاليده الأيجابية العريقة مثل تكريم الضيف والدفاع عن المظلوم واحترام المرأة .
 
وما أحوجنا اليوم الى استيعاب هذه القيم والمثل العظيمة واستلهام العبر والدروس منها وترجمتها الى الواقع العملي لتكون حياتنا الجديدة المشرقة  وثقافتنا المعاصرة   امتداداً طبيعيا لتاريخنا العريق , وهنا  تكمن قيمة وأهمية العمل الجليل الذي أنجزته  النخبة الواعية من كرد ما وراء القفقاس قبل خمسين عاماً و بأمكانيات متواضعة و لكن بهمة عالية و اخلاص لا حدود له ,
لقد سبق لنا فى دراسات سابقة عديدة و  منشورة ، أن ناشدنا وزارة الثقافة و الأكاديمية الكردية فى أقليم كردستان ، أن تحذو حذو النخبة المثقفة الواعية من كرد ما وراء القفقاس ، فالزمن لا يرحم ، و فى  كل يوم جديد يختفى من الوجود جزء من التراث الشفاهى الذى أبدعته الأجيال الكردية المتعاقبة ، خاصة و نحن نعيش فى  عصر الثورة الرقمية و لم يعد هناك فى واقع الأمر رواة كثيرون للحكايات و الملاحم الشعبية أو من يهتم بتسجيلها . و هذا أمر مؤسف ، لأن تراث أية أمة ركن مهم و أساسى من أركان هويتها القومية . و من واجب المؤسسات العلمية و الثقافية فى الأقليم أيلاء هذا الأمر الأهتمام الذى يستحقه ، لكى لا نكون سببا فى ضياع جزْ لا يستهان به
من أثمن ما نملك من رصيد أبداعى و ثقافى .
-----------------------------------
ملاحظة : سبق لنا تسجيل و تحليل هذه الملحمة الخالدة و نشرها  في صحيفة " خبات " الغراء سنة 1999 ،  ثم ضمن كتابنا " ذخائر التراث الكردي في خزائن بطرسبورغ " الصادر في أربيل سنة 2011
------------------------------------
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com
 
 


64
رائعة العقاد عن أمه الكردية
                                                                                                                          جودت هوشيار
اذا حاول أي باحث أعداد موسوعة تتضمن سبر الاعلام , من ذوي الاصول الكردية , الذين برزوا في شتى مجالات العلم والادب والثقافة و السياسة -  وكانت لهم أسهامات بارزة  فى الحضارة الأسلامية و فى النهضة الحديثة لشعوب الشرق الأوسط - لأستغرق ذلك سنوات طويلة من البحث والتقصي والجهد المتواصل الدؤوب ،  وربما أحتاج الامر الى أكثر من مجلد واحد , ففي مصر وحدها عدد من أبرز بناة الدولة المصرية فى تأريخ مصر الوسيط و الحديث ، من أصول كردية ، في مقدمتهم  مؤسس الدولة الأيوبية صلاح الدين الأيوبى و مؤسس الدولة العلوية محمد علي باشا الكبير ..
و يقول الكاتب و المفكر الشهير عباس محمود العقاد : “ حسب بلاد الأكراد شرفاُ أنها أخرجت للعالم الإسلامي بطلين خالدين: صلاح الدين الأيوبي ومحمد علي الكبير، وقد تلاقيا في النشأة الأولى، وفي النهضة بمصر، وفي نسب القلعة اليوسفية إليهما(قلعة القاهرة اليوم)، فهي بالبناء تنتسب إلى صلاح الدين، وبالتجديد والتدعيم تنسب إلى محمد علي الكبير...  ونحن نعرف بأن الناس أمناء على أنسابهم وأصولهم، وأن الكثير من القادة العسكريين الذين خدموا مع محمد علي باشا وأحفاده كان أغلبيتهم من الكرد، أمثال إسماعيل باشا الكاشف تيمور، جد الأسرة التيمورية بمصر.
. و تأريخ مصر الحديث حافل بأسماء عدد من رواد النهضة الفكرية فيها الذين  ينحدرون من أصول كردية قريبة و منهم على سبيل المثال و ليس الحصر: الأمام محمد عبده ورائد تحرير المرأة قاسم أمين  و الشاعر احمد شوقي و الأديب محمود تيمور, و الكاتب يحيى حقي و الفنان التشكيلى  سيف وائلي و عشرات غيرهم  ,  ولكن أياً منهم لم يكتب عن أصله الكردي بمثل الصراحة و الوضوح والصدق والاعتزاز ، كما فعل الكاتب الفذ عباس محمود العقاد* (28 يونيو 1889 -  12 مارس 1964) , ففي مذكراته - أو على نحو أدق - في سيرته الذاتية ، التي صدرت في كتاب نشرفي القاهرة سنة 1969  تحت عنون ( أنـا )  كرس العقاد فصلاً شيقاًعن والدته الكردية ، طافحاً بأنبل المشاعر الأنسانية و أسمى الفضائل البشرية بأسلوبه المتفرد الذي هو نسيج وحده . لم يكتب العقاد نثرا عاديا بل قطعة أدبية رائعة أزعم انه لا نظير له في أدب المذكرات.
 لم أقرأ قط وصفا لوالدة أروع من وصف العقاد لوالدته الكردية على كثرة ما قرأت من مذكرات المشاهير المدونة  باللغات العربية و الأنجليزية و الروسية  أو المترجمة اليها . و ما قيل أو كتب عن ( الأم ) فى الأدب العالمى .  فقد استطاع العقاد ان يرسم صورة نابضة بالحياة لأم ( عظيمة ) تكاد تكون مثالية . أجل أنها كانت أمرأة عظيمة تتسم بقوة الشخصية و  تتمتع بأسمى الصفات الانسانية من طيبة واخلاص وتضحية ورهافة حس ورقة شعور وصبر وجلد على المحن والشدائد  و أيمان و تقوى أضفى عليها  وقاراً وهيبة , وهذه خصال وفضائل قلما تجتمع في أنسان واحد .
 وهذه الصورة القلمية الرائعة التى رسمها العقاد ، تعبر بصدق وقوة عن السجايا الاصيلة للمرأة الكردية في كل زمان ومكان .
و عندما أصفها بأنها كانت أماً ( عظيمة ) فأنا أعنى ما أقول تماماً . فالعظمة ليست حكراُ على المشاهير من الرجال و النساء ، بل أن العظمة الحقيقية هى فى سمو الخصال و الطبائع و المشاعر الأنسانية  التى تتجلى فى السلوك الأنسانى و العمل المثمر و ما يتركه الأنسان من أثر بعد رحيله عن هذه الدنيا الفانية .
***
يقول العقاد :
( لقد كانت أسرة (أمي) من ابويها جميعا كردية قريبة عهد بالقدوم من ديار بكر , وقد رأيت أحدهم لا تميزه عن أمم الشمال في لونه وقامته , وقد بقى بعض منهم الى أيام طفولتنا نعاكسه حين ندعوه الى اكلة (ملوحة) او ملوخية , لأنهم لم يتعودوا أكلها . أجداد أمي جميعاً قد تزوجوا فى السودان . وكان جدها لأبيها وجدها لأمها في الفرقة الكردية التي توجهت الى السودان بعد حادثة اسماعيل بن محمد علي  الكبير , وهناك عاش عمر أغا الشريف قبل قدومه الى أسوان , وهو جد أمي لأبيها , وأبوها محمد اّغا الشريف الذي اختار (اطيان) للمعاش في  قرية من قرى الاقليم .
والذي يتذاكره كبراء السن الاسوانين عن عمر اّغا الشريف انه كان رجلا شديد التقوى , شديد القوة البدنية , يدرب أبناءه على الرياضة العسكرية كأنهم على الدوام في خدمة الميدان .
 ولد له محمد وعثمان ومصطفى وحورية وفاطمة. وخطبت حورية وفاطمة فاراد ان يحتفل بزواجهما معا , ثم علم أن خطيب فاطمة لا يصلي فأبطل الخطبة في اللحظة الاخيرة ، وقال للوسطاء الذين حاولوا ان يصلحوا الامر : أني لا أزوُج أبنتي لتارك صلاة ولا لمحدث نعمة ، كلاهما يجحد نعمة الله .
وشاعت حوداث ( العبد) قاطع الطريق في الصحراء ، . وخافه الجند وهابه تجار القوافل : فقال عمر لأصغر ابنائه مصطفى : أتسمع هذا وتترك العبد يعبث في الارض فساداً ؟ . فما انقضى أسبوع حتى عاد مصطفى بالعبد مكتوف اليدين .
 وقد مات مصطفى هذا على أثر ضربة من ضرباته اغراه بها فرط قوته ، فأنه تصدى لثور هائج فقمعه
 و ألقاه على الارض ، فلم تنقض أيام حتى لقى  نحبه ،  وقيل أنها حسد .. ولعلها كانت مزقة في داخل الجسم من ذلك الجهد العنيف ..
***
أما محمد أغا جدى لأمى فقد كانت فيه تقوى أبيه و صلابته و كثير من أنفته و أعتزازه بكرامته، وقد كان يمزج هذه الأنفة بالعمليات ولا يقصرها على القول أو السلوك.
ذهب الى قرى الأقاليم ليختار أطيان المعاش ، فكان كلما سأل عن زراعة أرض فقالوا له انها عدس او فول .. قال : لا شأن لى بها ، حسبنا من العدس و الفول ما أستوفيناه فى السنجق ، أى الفرقة العسكرية ... حتى جاء الى أرض قيل أنها تزرع قمحاً أو شعيراً، فقال هذه أرضى : القمح لمحمد أغا و الشعير لحصانه !.. و أختارها مع ما بينها و بين الأطيان الأخرى من فرق فى الثمن يبلغ ثلاثة أضعاف ..!
***
ورثت أمى تقواها و سلامة بنيتها من أبيها وجدها ، ففتحت عينى أراها و هى تصلى و تؤدى الصلاة فى مواقيتها ، و لم يكن من عادة المرأة أن تصلى فى شبابها . انما كانت النساء لا يصلين الا عند الأربعين .
ومما ورثته عن أبويها حب الصمت و الأعتكاف.. كان الناس يحسبون هذا الصمت و الأعتكاف عن كبرياء فى جدى رحمه الله ، و كانوا يقولون أنها " نفخة أتراك " !
لكنها لم تكن " نفخة أتراك " كما توهموا ، بل كانت طبيعة تورث و خلقة بغير تكلف ، و لم أر فى حياتى أمرأة أصبر على الصمت و الأعتكاف من والدتى .
فربما مضت ساعة وهي تستمع من جاراتها و صديقاتها وتجيبهن بالتأمين أو بالتعقيب اليسير ، وربما مضت أيام وهي عاكفة على بيتها أو على حجرتها ، و لا تضيق صدراً بالعزلة و ان طالت ، و لا تنشط لزيارة الا من من باب المجاملة ورد التحية .
و من المصادفة أتفاق والدى و والدتى فى هذه الخصلة ، و لست أنسى فزع أديب زارني يوماً وعلم أنني لم أبرح الدار منذ أسبوع ، فهاله الأمر كأنه سمع بخارقة من خوارق الطبيعة . انها وراثة من أبوين ، يؤكدها الزمن الذي لا يحمد فيه معاشرة أحد . الا من رحم الله !
***
و قوة الأيمان فى والدتي هي التى بنت فيها العزيمة ليلة أحتضارى .. !
نعم أيها القارىء الكريم ولا تعجب ... فقد أحتضرت قبل نيف و ثلاثين سنة ، كما تخيّل عوادي فى تلك الليلة ، فأذا بالوالدة هى الأنسان الوحيد الذى يتحامل على نفسه الى جانب سريري ليقنعنى أنني بخير .. وتنطوى على ذلك ساعات وهي على عزيمتها ، حتى جاء الطبيب أخيراً وأنبأهم أنه عارض غير ذى بال ، فأذا المحتضر قد نجا ، و أذا بالمؤاسية قد سقطت مغمى عليها .
و كانت الوالدة لا تنكر من شئوني الا الورق .. نعم : ما هذا الورق ؟ الورق الذى لا ينتهي !
هذا الورق الذى لا ينتهي هو الذى يمرضنى ، وهذا الورق الذي لا ينتهي هو الذى يصرفنى عن الزواج ، و هذا الورق الذى لا ينتهي هو سبب الشهرة ...
ووالدتي أيها القارىء من أعداء الشهرة تتطير بها و لا تغتبط بها لحظة الا تشاءمت لحظات .
هذه الشهرة هى التي " تشيل غارتك " أي تجعلهم يتحدثون عنك ، وما تحدث الناس عن أحد وسلم من ألسنة الناس !
***
و قلت لها ذات يوم : لو وجدت لى زوجة مثلك تزوجت الساعة ..!
و لم أكن مجاملاً و لا مراوغاً . فانني لا أنسى كمال تدبيرها لبيتها منذ صباها ، و كنا بفضل تدبيرها هذا ننتفع بالجورب حتى بعد أن يرث و يبلى..
فانه يصلح عندئذ كرة محبوكة ! .. ويغنينا عن شراء الكرات التى لا تحتمل أقدامنا مثل احتمالها .
ولقد توفى والدي وهي في عنفوان شبابها ، وكان لي أخ صغير فتوفرت على تربيته وتركت كل شاغل غير طفلها هذا و أبنائها الكبار .
ولقد ورثت منها كثيراً الا القصد فى النفقة ، وتدبير المال ، و حسبى بحمدالله ما ورثت عنها .
---------------------------------------
*كتب العقاد ذات مرة  يصف نفسه :
أديب مشهور ، وليس بليسانس ولا دكتور، وعضو فى مجلس الأعيان وليس فى حوزته نصف فدان ، ليس ببيك ولا باشا ، ولكنه يقول للبيك و الباشا : كلا وحاشا ، و صاحب أعوان و أنصار ، وما هو بزعيم حزب ولا بصاحب عصبية ! وفقير جد فقير ، و لكنه ليس بهين و لا حقير ... وصاحب قلم مسموع الصرير موهوب النفير ، ولكنه ليس بصاحب صحيفة ولا بمدير ولا برئيس تحرير! .. .



65
الأنترنيت و التلفزيون : من المنافسة المحمومة الى الأندماج والتكامل

 
                                                                                                                        جودت هوشيار
 
لو ألقينا نظرة على تأريخ و سائل الأعلام ، لتبين لنا أن ظهور وسائل اعلامية جديدة لا يعني
بالضرورة  ، أنحسار أو زوال سابقاتها ، فعلى سبيل المثال ، لم يؤد ظهور التلفزيون الى
 اختفاء الراديو أو السينما. و التلفزيون لم يختف بظهور الشبكة العنكبوتية ( الأنترنيت)   ، والتأثير القوي لوسائل الاتصال الرقمية في عالم اليوم لم يكن على حساب الوسائل التقليدية  ويبدو ان الوسائل القديمة و الجديدة ، يمكن أن تتعايش و تتفاعل معا و ان تكمل الواحدة منها الأخرى و تساعدها على أنتشار أوسع .
و لكن الوسائل القديمة – لكى تحافظ على مكانتها– مضطرة الى التكيّف مع التطور السريع للتكنولوجيا الرقمية ، فالتلفزيون اليوم لم يعد كما كان بالأمس القريب ، و أضطر الى أدخال تغيير جذرى فى البرامج التى يقدمها ، من أجل أجتذاب المشاهدين و الصمود أمام  المنافسة القوية المتنامية للأنترنيت . و لا أحد – بين خبراء الأعلام – يعرف على وجه الدقة نتائج هذه المنافسة المحمومة ، أو بتعبير آخر ، هل يتمكن التلفزيون من الصمود أمام وسائل الأعلام الرقمية الأخرى أم ان الأنترنيت سوف يستحوذ على أهتمام الناس على نحو متزايد و تستخدم فى جميع مجالات النشاط البشرى و بضمنها المجالات المتنوعة للأعلام و التثقيف و الترفيه ؟
الأستبيانات التى أجريت مؤخراً فى بلدان متباينة  التطور و الثقافات تشير الى نتائج مختلفة  :
ففى الدول النامية ، التى ما زال انتشار لأنترنيت فيها محدوداًً و بضمنها العراق ، نرى ان التلفزيون فعال و يحظى بشعبية واسعة ، و بعد  المصدر الرئيس للأخبار و تحليلها و  تغطية الأحداث السياسية و الرياضية الساخنة و عرض الأفلام السينمائية  و المساسلات الدرامية و الكوميدية و نقل و قائع الندوات و المؤتمرات و الحفلات و غيرذلك كثير.
 أما فى الدول الغربية المتقدمة ، فأن الصورة مغايرة الى حد كبير ،حيث تشير تلك النتائج الى ان  شبكة الإنترنت تتفوق على التلفزيون فى النقل الفورى للأخبار و تحديثها على مدار الساعة و النشر الفورى للآراء و التعليقات و عرض المضامين المرئية التى ينتجها و يخرجها ملايين من مستخدمى الأنترنيت  .
أضافة الى أجراء المكالمات الهاتفية المجانية او لقاء اجور زهيدة و تقديم خدمات كثيرة للمشاهدين و بضمنها برامج المحادثة ( الشات ) و البريد الألكترونى ، أضافة الى النشر الفورى للآراء و التعليقات و خدمات أخرى كثيرة و منوعة .
 
أزدهار أم تضخم ؟
 
أزداد عدد القنوات الفضائية فى السنوات القليلة الماضية فى العالم  الى أكثر من عشرة أضعاف و يتوقع أن يستمر هذا النمو فى المستقبل المنظور .و هذا يعني ان قطاع التلفزيون عموما  يشهد ازدهاراً ملحوظاً و يدل على زيادة الطلب عليه . فعدد المشاهدين للأحداث السياسية و الرياضية الساخنة هائل للغاية وقد تصل الى عشرات و ربما الى مئات الملايين من البشر  .
و كما قلنا آنفاً فأن التلفزيون أستطاع الأحتفاظ بمكانته بأعتباره  الوسيلة الأعلامية الأكثر شعبية فى العالم النامى والصمود أمام المنافسة القوية للأنترنيت فى الدول المتقدمة و لم يكن هذا الصمود أمرا ًتلقائياً أو هيناً ، فقد أضطر الى اجراء تغيير كبير ، سواء فى محتوى الرسالة الأعلامية أو فى صيغ وأشكال تقديم البرامج المختلفة .
 
 ان نشرات الأخبار التى تقدمها القنوات التلفزيونية ما زالت لها جمهور كبير و لكن الفرق هو ان المشاهدين يعرفون اليوم  كل ما يجرى فى عالمنا فور و قوعها عن طريق الأنترنيت ,و لم تعد  نشرات الأخبار فى التلفزيون ، المصدر الرئيس للأخبار العالمية ،  فالأنترنيت أسرع فى نقل الأخبار أولاً بأول . و أخذت البرامج الأخبارية للتلفزيون فى مجاراة الأنترنيت و اللجؤ الى أساليب أكثر تشويقاً فى تقديم الأخبار و التقارير و اشراك المحللين السياسيين – و ما أكثرهم هذه الأيام – فى التعليق على الأحداث الساخنة و مناقشة تداعياتها المحتملة . 
 
نهاية الرقابة :
 
سمحت شبكة  الأنترنيت بوضع نهاية للرقابة الحكومية على مضامين المواد الأعلامية   . و لم يعد بأمكان التلفزيون  أن يلزم الصمت او يتجاهل بعض الأخبار و الحوادث الحساسة، التى تهم الجمهور، فى حين تزخر بها المواقع الألكترونية بشتى لغات العالم .
 
 ظاهرة "  الويكيليكس "  أنتشرت بسرعة البرق و ثمة اليوم مئات المواقع التى تقدم بأشكال مختلفة ( نصوص ، صور ، فيديوات ) كل مايحدث وراء كواليس السياسة و المال. و لا يمكن للتلفزيون بعد اليوم ان يتغاضى عن نقلها ، و الشىء المدهش فى شبكة الأنترنيت هو قدرتها على تخطى الحدود على نحوجعل كل محاولات  الرقابة الحكومية  بلا معنى ، و لكن هذا لا يعنى ان الرقابة أنتهت تماما، فثمة أنظمة شمولية تحاول حجب الشبكة كلياً  أو عدد معين من المواقع الألكترونية و لكنها لن تنجح فى مسعاها لسببين :
 أولهما  ان ذلك يعد خرقاً فاضحا لحرية التعبير و يلقى الأستهجان من المجتمع الدولى  - و هذا ما شاهدناه خلال ثورة 25 كانون الثاني/ يناير2011 فى مصر حين حاول نظام مبارك قطع شبكة الأنترنيت لبضعة أيام و أضطر تحت ضغط المجتمع الدولى الى اعادتها .
 و ثانيهما أن الشبكة نفسها لديها الوسائل الكفيلة بتخطى الحواجز والوصول الى أية نقطة فى العالم .
 
ان شبكة الأنترنيت هى الوسيلة الأعلامية الفائقة - لأنها مزيج من من ثلاث و سائل اعلامية ( مقروءة ، مسموعة ، مرئية ) – و التى  أضحت اليوم تؤثر فى الممارسات الأعلامية  و السلوك البشرى ، حيث لم تعد ثمة اية حدود بين العام و الخاص . و سارع التلفزيون الى ركوب الموجة و أزاحة الموانع و القيود الأجتماعية جانباً و كل شىء  أخذ يتحول الى الترفيه . و هذا تغيير جدى للغاية.
شبكة الأنترنيت أزالت أبضاً الفواصل التى كانت قائمة  بين الأعلامي والمتلقي و بفضل الأنترنيت اصبح المتلقى مساهما فى المضمون الأعلامى . و يقول الأعلاميون فى الغرب ( من محررين و مصورين ) ، بأن تخصصاتهم  تتلاشى و ينتقل دورهم الى الناس العاديين .
و لا يقتصر الأمر على شبكة الأنترنيت ، بل أن  كل من يظهر على شاشة التلفزيون يغدو مهنيا و لم نشاهد من قبل قط هذا العدد الكبير من المحللين السياسيين و الخبراء  فى شتى مجالات الحياة، الذين يتكاثرون كالفطر بعد المطر ..
 
أندماج و تكامل
 
يمكنك اليوم مشاهدة البرامج التلفزيونية  من دون التلفزيون ، تستطيع تشغيل جهاز الكمبيوتر ومشاهدة البرنامج التلفزيونية  المفضلة لديك فى أى وقت و فى اى  مكان  تشاء . مما يدل على ان التلفزيون ، ما يزال قوى التأثير لدرجة انه  ، حتى أولئك الذين لا يحبون الجلوس أمام التلفزيون، يشاهدون البرامج  التلفزيونية على شبكة الإنترنت و على الهواتف الذكية .
 
و لكن التلفزيون اضطر الى أجراء  تغيير كبير فى المحتوى الأعلامى  الذى   يوجد فيه  الآن  ايقاع اكثر و صلات مع مواقع التواصل الأجتماعى ، حيث يمكن مثلاً مشاهدة جميع برامج التلفزيون على التويتر .و تحميل الأفلام السينمائية و مشاهدتها حتى بعد أنتهاء عرضها فى دور السينما أو على شاشات التلفزيون . والحقيقة هي أن الإنترنت قد أعطت دفعة قوية للتلفزيون، و بعثت فيه حياة جديدة.
 
كيف سيكون تلفزيون الغد؟
 
تعمل عدد من شركات تكنولوجيا المعلومات فى السنوت الأخيرة على التوصل الى تقنية جديدة تسمح بالتزاوج بين التلفزيون و الأنترنيت و بضمنها شركة غوغل التى قامت بطرح تقنية جديد أسمها " Google TV" قد تكون الأنجح من بين ما تم التوصل اليه حتى الآن .و من المتوقع ان تطلق الشركة ابتكارها الجديد قبل نهاية السنة الحالية على شكل علبة صغيرة تصل التلفاز بالأنترنيت و مستقبلا سيتم انتاج تلفزيونات تتضمن هذه التقنية و ذلك فى اطار تعاون ثلاثى بين شركات Sony , Intel , Logitech
 نستنخلص من ذلك كله ان ليس ثمة تعارض بين الإنترنت و التلفزيون و ربما  سيندمجان في النهاية .
 
جودت هوشيار
Jawhoshyar@yahoo.com


 
 
 
،


66
قل و دل : بلطجية مرسي

                                                                                                                                جودت هوشيار
 
الخطاب الذى ألقاه الرئيس المصري محمد مرسي فى السادس من كانون الأول الجاري فى
 أعقاب الأحتجاجات الشعبية العارمة على اعلان نفسه حاكماً مطلقاً لمصر ، يذكرنا بخطاب الرئيس المصري المخلوع حسنى مبارك : نفس لغة التهديد والوعيد و نفس الأتهامات للمعارضة بالعمالة وتنفيذ أجندات خارجية لأغراق البلاد فى الفوضى.
 
و لكن خطاب " فرعون مصر الجديد " * كان له تأثير عكسي تماماً و أدى الى تدفق موجات جديدة من الشباب الثائر الى ميدان التحرير و محيط قصر الأتحادية مما أثار مخاوف مرسي       وقلقه الشديد حيث قام على اثر ذلك بنقل أفراد عائلته الى مكان آمن و مغادرته للقصر لعدة أيام .
كان اعتصام المحتجين فى خيامهم فى محيط قصر الأتحادية سلمياً تماما الى ان قام قطعان الأخوان المسلمين بمهاجمة المعتصمين بالمسدسات و السكاكين و قنابل المولوتوف و القضبان الحديدية و الحجارة ، مما ادى الى أستشهاد العديد من شباب المعارضة و جرح المئات منهم .
 
و قد لاحظ الأعلاميون الأجانب الذين كانوا يقومون بتغطية ما يجري فى محيط القصر الرئاسي ان الذين هاجموا المعتصمين كانوا من بلطجية الأخوان الذين جرى تدريبهم فى معسكرات خاصة فى صحراء سيناء للأستعانة بهم عند الحاجة لغرض قمع المعارضين و أسكات أصواتهم .
بلطجية الأخوان القادمين من معسكرات سيناء  و بعد أن أدوا مهمتهم ، أختلطوا برجال البوليس وهم يهتفون " ستدفعون ثمن معارضتكم لحكم الشريعة ".
 
و يقول هولاء الأعلاميون فى تقاريرهم ، أن بلطجية الأخوان أعتدوا على النساء و أنهالوا عليهن بالضرب المبرح و بوحشية قل نظيرها و سدوا أفواه البعض منهن بأيديهم لمنعهن من الهتاف . ولم يتدخل رجال البوليس الا فى حالة قيام المعتصمين بمحاولة رد هجوم البلطجية, و يبدو أنهم – أى رجال البوليس - تلقوا أوامر بحماية الشقاة البلطجية و ليس المعتصمين المسالمين .
 
و قد ظهر شريط فيديو فى الأنترنيت يبين الطوق المحكم ، الذى ضربه الأخوان حول المتظاهرين و منع وصول القادمين الجدد اليهم و أعتقال البعض منهم و كان بين الأخوان رجال أمن بملابس مدنية.
 
موقعة " الأتحادية " تذكرنا بموقعة "الجمال " الشهيرة ، عندما أنقض بلطجية مبارك على المتظاهرين بالجمال و البغال و الخيول فى ميدان التحرير فى القاهرة فى أثناء ثورة 25 يناير وذلك لأرغامهم على أخلاء الميدان حيث كانوا يعتصمون .
 
بلطجية مبارك كانوا من المجرمين الذين أستخدمهم النظام فى موقعة الجمل و لمرة واحدة ، أما بلطجية مرسي فهم من الأخوان الذين تلقوا تدريبات خاصة و مكثفة فى معسكرات تابعة للدولة  ليكونوا على أهبة الأستعداد  من اجل قمع أية حركة معارضة للنظام.
 
فى اليوم التالى لموقعة " الأتحادية " أذاع الأخوان بياناً تباكوا فيه على شهدائهم السبعة الذين أستشهدوا فى مواجهات محيط قصر " الأتحادية " . و قد تبين فيما بعد ان الشهداء كانوا ينتمون الى قوى سياسية مختلفة و بينهم شهيد الصحافة المصرية الحسنى أبو ضيف الصحفى بجريدة الفجر ، الذى أصيب بجروح بليغة و لفظ أنفاسه الأخيرة فى مستشفى قصر العيني .. و لعل أغرب ما فى الأمر ان الأخوان نظموا جنازة لأثنين فقط من شهدائهم السبعة المزعومين ، لأنهم لم يتمكنوا من جلب أكثر من جثتين من ( مشرحة أحد المستشفيات ) لمرضى توفوا بأجلهم الموعود ولأسباب لا علاقة لها بحادثة الأتحادية لا من قريب و لا من بعيد .
---------------------------------------------------
* " فرعون مصر الجديد " اسم أطلقه " محمد البرادعى " على الرئيس المصرى " محمد مرسى " و سرى بين الجماهير سريان النار فى الهشيم و تلقفته وسائل الأعلام الأجنبية و أخذ يتردد كثيرأ فى مانشيتات الصحف و المجلات العالمية عند تناول الأحداث الجارية الآن فى ارض الكنانة
--------------
جودت هوشيار
jawhoshyar@hotmail.com


67
ما قل و دل : عراق الكرد و عراق المالكى

                                                                                                                                جودت هوشيار
 
على مدى عشرات السنين ، كانت كوردستان ملاذا آمنا لكافة المناضلين ضد الأنظمة الأستبدادية المتعاقبة الحاكمة فى بغداد و لكل العراقيين و منهم السيد نورى المالكى رئيس الوزراء العراقى الحالى ، ففى سنوات النضال ضد الدكتاتورية الصدامية  ، كان الكرد يتقاسمون مع اخوانهم المناضلين العرب الخبز و الملح و يقدمون اليهم كل صنوف العون و المساعدة ، فى  تأمين معيشتهم و أمنهم  و ترتيب مقرات لأحزابهم المعارضة ،و ليس هذا منة من احد بل واجب وطنى ، لأنهم جميعا ً كانوا يناضلون معا من أجل عراق ديمقراطى تعددى و مستقبل أفضل لأبناء الرافدين .
 
و فى سنوات العنف الطائفى (2006-2008) لجأ مئات من اساتذة الجامعات و الأطباء و المهندسين و رجال الأعمال و غيرهم من الأخوة العراقيين  العرب و غير العرب  الى كردستان هربا من جحيم الأرهاب و فقدان الأمن و تردى الخدمات ً. و لا يزال هذا التدفق مستمراً حتى يومنا هذا.
 
ألوف العوائل العربية أستقرت فى كردستان و ألوف أخرى تزورها يوميا   ففى أربيل العاصمة مثلاً تشاهد الأخوة العرب فى كل مكان ، بل ان عدة أحياء سكنية و بضمنها حى ( به ختيارى ) الراقى ، تعج اليوم بالعوائل النازحة من محافظات وسط و جنوب العراق.  و المولات الحديثة الباذخة المكان المفضل لها للتبضع أوالترفيه فى أجواء الأنفتاح الحضارى و أحترام الحريات الشخصية . أما فى الأعياد و المناسبات ، فحدث و لا حرج  ، حيث ينوجه عشرات الألوف من العراقيين الى كردستان من أجل الراحة و الأستجمام و للأستمتاع بأجوائها الساحرة .
 و فى الأيام العادية يقصدونها  لأغراض المعالجة  فى مستشفياتها الحديثة  و التجارة و  الدراسة و حضور المؤتمرات و الندوات و المهرجانات و المعارض الدولية و الأنشطة الثقافية و الفنية المختلفة.
 صفوة القول ان اقليم كردستان الناهض فى شتى جوانب الحياة  أصبحت اليوم ،  الرئة التى يتنفس بها العراقيون .
الأجانب يأتون الى كردستان أيضأً من اجل التعرف على منطقة عريقة فى الحضارة و ثقافة مختلفة وعلى التسامح السياسى و الدينى السائد فيها  و التمتع بسحر طبيعتها  الخلابة. كردستان اليوم تتمتع بكل هذا.
, و يبدو لنا ان النهوض الحضارى لأقليم كردستان هو الذى يثير حفيظة المالكى  ،  لأن المواطن العراقى يقارن بين الحياة الآمنة  الهادئة  فى الأقليم و  ما يشهده من أزدهار و حرية و تسامح  و بين الحياة البائسة فى المحافظات الخاضعة لسلطة المالكى و ما تشهده من فساد و خراب و فوضى و من قمع و تمييز .
 
و ربما كان هذا البون  الشاسع بين رخاء الأقليم  و تطوره بوتائر متسارعة و بين التخلف  و شظف العيش  فى بقية انحاء العراق ، هو أحد الأسباب التى تدفع بالمالكى لمحاولة " دق أسفين " بين العرب و الكرد عن طريق  التحرش العسكرى بالأقليم  وتحجيم دوره السياسى و الأقتصادى بأجراءات أقل ما يقال عنها أنها أنفعالية و متشنجة  ان لم تكن صبيانية.
و السبب الآخر و هو الأهم ، ان المالكى أستطاع تركيز كل السلطات بيده و أزاحة خصومه السياسيين عن طريقه ، الواحد بعد الآخر و لم يبق أمامه من عائق أمام يسط دكتاتوريته الرجعية المتخلفة ،  سوى كردستان الناهضة , و لكن هيهات أن ينجح المالكى فى مسعاه . فالعراقيون، بكل مكوناتهم القومية و الدينية قد  تحرروا للأبد من سجن صدام الكبير و لن يستطيع أحد اعادتهم الى هذا السجن تحت مسميات جديدة.
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com
 
 
 
 
 
 
 

68
مفارقات زيارة المالكى الى موسكو

                                                                                                                                      جودت هوشيار
1-  أستقبال فاتر فى مطار " نوفيكوفو "
 
حفلت زيارة رئيس الوزراء العراقى  نورى المالكى الى موسكو مؤخراً بعدة مفارقات ملفتتة للنظر . أولى هذه المفارقات هى المستوى الذى أستقبل به المالكى و أعضاء الوفد العراقى المرافق له فى مطار " نوفيكوفو " فى العاصمة موسكو ، و الذى أقتصر على أحد نواب وزير الخارجية الروسى و السفير العراقى  فى موسكو و عدد من موظفى السفارة . و  هذه سابقة غريبة  لم تحدث مع أى رئيس وزراء أجنبى آخر زار موسكو بدعوة رسمية ، حيث جرت العادة على أستقبال رؤساء الحكومات الأجانب من قبل  نظيرهم الروسى أو نائبه الأول فى الأقل . و ليس من الواضح ان كان السيد المالكى أو أحد أعضاء الوفد ، قد أحتج على هذا المستوى المتدنى أو أبدى أمتعاضه لدى الجانب الروسى ,و لو كان أى رئيس آخر مكان المالكى لشعر بالحرج الشديد و عاد أدراجه الى بلده. و على اية حال فأن  المالكى لا يمثل نفسه فقط ، بل يمثل العراق فى الخارج مهما كان رأينا فى سياساته الداخلية و الخارجية . و لم بقتصر التعامل اللاودى مع المالكى على  الطريقة التى أستقبل بها فى المطار ، بل شمل أيضاً لقائه بالقادة الروس ، فقد  أضطر المالكى الى الأنتظار يومين كاملين قبل أن يحظى بمقابلة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين . مما يدل على ان ما جرى فى المطار لم يكن عفوياً . و هنا يمكن للمرء ان يتساءل ان كان ثمة تنسيق مسبق بين الجانبين العراقى و الروسى على جدول الزيارة على نحو مفصل و  بضمنه مستوى الأستقبال و مواعيد مقابلة قادة الكرملين .
 
2 - تغطية أعلامية روسية هامشية:

 
و المفارقة الثانية تتمثل فى تجاهل وسائل الأعلام الروسية لزيارة رئيس الحكومة العراقية  فى اليوم الأول من الزيارة . حيث لم تشر اليها القنوات الفضائية الروسية فى نشراتها الرئيسية فى مساء ذلك اليوم ما عدا قناة " روسيا اليوم" الناطقة باللغة العربية . و ظل هذا الصمت الأعلامى مستمرا حتى مساء اليوم التالى و لحين مقابلة المالكى لرئيس الوزراء الروسى " ديميترى ميدفيديف ". حيث بدأت بعض وكالات الأنباء الروسية ببث خبر صغير عن الزيارة على نحو مقتضب ،  كما نشرت بعض الصحف الموسكوفية الخبر فى الصفحات الداخلية  و ضمن أخبار متفرقة ، مع التركيز على كلمات "ميدفيديف " عن أستعداد موسكو لتعزيز التعاون بين الجانبين فى المجالات العسكرية و الأقتصادية .
و تجدر الأشارة هنا الى أن روسيا كانت ضد التدخل الأميركى فى العراق لأسقاط نظام صدام حسين ، كما هى اليوم ضد أسقاط  نظام بشار الأسد . و على مدى السنوات التى أعقبت سقوط  النظام الصدامى فى العراق ،  كانت التقارير التى تقدمها مراكز الأبحاث الأستراتيجية الروسية الى صناع القرار فى الكرملين تؤكد ، أن الحكومات العراقية المتعاقبة تأتمر بأوامر البيت الأبيض ، و نحن لا نناقش هنا هذا الرأى و لكن نقرر حقيقة الموقف الروسى من عراق ما بعد صدام . و هذا يفسر لنا الصمت الأعلامى فى اليوم الأول للزيارة و التغطية الهامشية لها فى اليومين التاليين ، حيث لم يكن بوسع الكرملين أن يرحب و يذيع على نطاق واسع خبر
 وصول من أتهمته و ساائل الأعلام و معاهد الأبحاث الروسية  بالخضوع لأرادة واشنطن .
 كما ان صورة عراق المالكى فى الأعلام الروسى و فى  أذهان الروس عموماً ، صورة مرعبة و مركبة من  مزيج من الصراع الطائفى و الأرهاب الدموى و الفساد و غياب سلطة القانون و  التصفية الجسدية للخصوم السياسيين . و كان أحد المحللين السياسيين الروس قد قال معلقاَ على الأزمة السياسية الحالية  فى العراق ، أن مشكلة العراق الرئيسية اليوم هى عدم القدرة عل أنتزاع الحكم من يد ستالين العراق .
.
لذا لم يكن من المتوقع أن يلقى  رئيس الوزراء العراقى استقبالاً حافلاً فى موسكو على المستويين الرسمى و الشعبى مهما قدم من مغريات الى القيادة الروسية ، لأن ذلك كان سيشكل انقلاباً مفاجئاً فى الموقف الروسى من عراق المالكى . و أحراجاً كبيرأ للكرملين أمام الرأى العام الروسى . و هذا يفسر لنا نوع الأستقبال الذى جرى فى المطار و  التغطية الأعلامية الهامشية للزيارة .
 
3 –  أسلحة هجومية صالحة  للأستخدام الجبلى و الصحراوى :
 
و لعل المفارقة الأهم و الأخطر هى ان أول تصريح أطلقه المالكى بعد أن وطأت قدماه أرض مطار " نوفيكوفو " فى موسكو ، كان تأكيده " أن العراق بحاجة الى أسلحة صالحة للأستعمال فى المعارك  الجبلية و الصحراوية."  أى بتعبير آخر ضد الكرد فى الجبال و ضد السنة فى المناطق الصحراوية من الأنبار أو ضد النظام القادم ،  الذى سيتولى الحكم فى سوريا  بعد سقوط النظام الحالى . جاء هذا التصريح الخطير رداً على سؤال لمندوب وكالة " ريا نوفستى " للأنباء . و شكل مفاجأة حقيقية ، لأن المالكى كان قد صرح مراراً، قبيل زيارته لموسكو ،  ان حكومته تسعى الى الحصول على أسلحة دفاعية و لا تنوى شراء أسلحة هجومية ،  و أن  تسليح الجيش العراقى هو من اجل الدفاع عن  العراق و ليس من اجل أشعال فتيل الحرب الداخلية . و لكن المالكى فضح نواياه الحقيقية بنفسه ، و لا ندرى أن كان ذلك زلة لسان أم الثقة المفرطة بالنفس أو نشوة أنتصار على معظم خصومه السياسيين, حيث لم يعد أمامه بعد اليوم  من عائق لتأسيس دكتاتورية جديدة سوى أقليم كردستان .
 
 صفقة الأسلحة العراقية – الروسية الجديدة هى أسلحة هجومية حصراً ، و بهذا الصدد قالت
 جريدة " فيدومستى " المقربة من الكرملين ، ان قيمة صفقة الأسلحة الروسية تبلغ (4،3)   
مليار دولار و تشمل شراء طائرات و مروحيات مقاتلة و دبابات و منظومات صواريخ و غيرها من الأسلحة الحديثة ..
و على الصعيد نفسه  ، أكد سيرغي تشيميزوف، رئيس شركة "روستكنولوجيا" التي تتبع لها شركة "روس أوبورون أكسبروت" التي تتولى تصدير الأسلحة الروسية، لصحيفة "كوميرسانت" أنه تم توقيع صفقة أسلحة للعراق في شهر آب/أغسطس من العام الجاري أثناء زيارة الوفد العسكرى العراقى برئاسة وزير الدفاع العراقى بالوكالة سعدون الدليمى الى روسيا . بعد ان قام الوفد بزيارات ميدانية الى منشآت التصنيع العسكرى ،  و قد أستغرقت تلك الزيارات و المباحثات التى اجراها الوفد العسكرى مع الروس أكثر من شهر واحد .
وقالت صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" ،  إن العراق سيحصل على أسلحة روسية بما فيها الراجمات الصاروخية و  المدفعية المضادة للطائرات  والمروحيات المقاتلة  تقدر قيمتها بـ4.2 مليار دولار. وأكثر من هذا، يمكن أن يشتري العراق مقاتلات "ميغ" وطائرات "سوخوي" وكذلك دبابات ومدرعات. وستضع هذه الصفقات العراق في مصاف أهم شركاء روسيا في ميدان التسليح إلى جانب الجزائر وفنزويلا.
و قد صرح المالكى قبيل مغادرته لموسكو ان مباحثات مكثفة تجرى الآن بين الجانبين لعقد صفقات أسلحة جديدة .
و لا يخفى على أحد ان موسكو متلهفة لأستعادة نفوذها و مكانتها فى الشرق الأوسط و بخاصة فى العراق و لا تفرض شروطا على بيع الاسلحة كما تفرضها الولايات المتحدة الأميركية و العديد من بلدان حلف الناتو" و فى مقدمة هذه الشروط ان تكون الاسلحه المباعه دفاعية وليست هجومية، وتقديم المشتري تعهدات بعدم أستخدامها فى النزاعات الداخلية.
و الطريف فى الأمر أن النائب عن ائتلاف دولة القانون عباس البياتي أدلى بتصريح صحفى عشية زيارة المالكى لموسكو يقول فيه " أن التعاقدات العسكرية التي سيتعاقد عليها رئيس الوزراء نوري المالكي مع روسيا هي تعاقدات لوجستية بسيطة " و أشك كثيراُ ان كان السيد النائب يعرف حقاً معنى مصطلح "الــ(لوجستى )
4 - محور موسكو- طهران- بغداد لأنقاذ نظام الأسد : 
و المفارقة الرابعة هى التناقض بين أقوال المالكى و أفعاله ، حيث أكد فى مناسبات عديدة ، أن العراق يقف على " الحياد " فى الصراع  الدائر الآن  فى سوريا بين النظام الأسدى و معارضيه . و هذا أدعاء مناقض للواقع تماما ً ، فقد أثبتت الأحداث أن حكومة المالكى قد رمت بثقلها الى جانب النظام الأسدى ، و ان العراق أصبح اليوم ضمن محور ( طهران – موسكو ) و ظهيرأً للنظام السورى على شتى الأصعدة و ممراً لأيصال الدعم العسكرى الأيرانى الى النظام السورى جواً و براً  تنفيذاً للأتفاق الأستراتيجى ( السرى ) الموقع بين بغداد و طهران خلال زيارة المالكى الأخيرة لطهران قبل بضعة أشهر و الذى ينص على  الدعم المتعدد الأوجه للنظام السورى و الألتفاف على العقوبات الدولية المفروضة على طهران . و منها أستخدام المصارف العراقية فى تعاملات أيران التجارية مع العالم و تزويد دمشق بالنغط العراقى و دفع مرتبات القوات الأمنية السورية من خزينة الدولة العراقية ، وهى معلومات كشفت عنها صحيفة " الراصد العسكرى " الروسية فى أعقاب زيارة المالكى لطهران ..
موقف المالكى و تدخله فى الصراع الدائر اليوم فى سوريا ، لم يعد سراً ، لذا فأن التصريح الذى أدلى به فى موسكو حين قال : "نحن نحذر من إشعال النيران والتدخل لإسقاط الأنظمة السياسية بالقوة كما يحصل في سورية "  أثار موجة من السخرية اللاذعة فى الأوساط الدبلوماسية العربية فى موسكو و لندن .".
ففى موسكو ،  وصف مراقب سياسي عربى ، رفض رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي التدخل العسكري لاسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، بالتشكيك بشرعية وصوله الى الحكم الذي جاء بتدخل عسكري يرفضه اليوم.
وقال مراقب عربي من العاصمة البريطانية لندن "لقد وقع المالكي في فخ نصبه لنفسه، ويبدو ان نشوة الكرسي أنسته كيف وصل الى حكم المنطقة الخضراء".
وتساءل بقوله "أيعقل ما يقوله رئيس حزب الدعوة الاسلامي المدعوم من ايران حول (صراخه) في موسكو بان حكومته ترفض سياسة إشعال النيران والتدخل لإسقاط الأنظمة السياسية بالقوة".
وقال "هل تناسى المالكي عن عمد كيف وصل الى كرسيه، أم انسته نشوة السلطة؟".
ويرى مراقبون ان زيارة المالكي الى موسكو جاءت بنصيحة "ايرانية - سورية" مشتركة في محاولة لايصال رسالة الى واشنطن مفادها ان حكومته لا يمكن ان تترك المحور الايراني.
5 - عن أى خطر خارجى يتحدث المالكى ؟:
 
المالكى فى سباق محموم مع الزمن للحصول على أسلحة هجومية حديثة ، فلديه اليوم عقود تسليح موقعة مع الولايات التحدة الأميركية لتجهيز جيشه المليونى بطائرات مقاتلة و دبابات و منظومات صوارخ متطورة بقيمة 12,2 مليار دولار و عقود مماثلة  بمئات الملايين من الدولارات مع كندا و أوكرانيا و دول اخرى ، أضافة الى صفقة السلاح الروسى الحالية بقيمة 4,3  مليار دولار و القادمة بمليارات الدولارات -  التى اشار ايها المالكى بنفسه فى تصريح لوسائل الأعلام العالمية -  . و السؤال الذى يتبادر الى الذهن هو : ممن يخشى المالكى ؟ و ما هى الأخطار الخارجية التى تواجهها حكومته ؟
 الخطر الخارجى الوحيد الذى يمكن ان يهدد العراق هو الخطر الأيرانى ، و لكن المالكى فى شهر عسل دائم مع النظام الأيرانى و لولا هذا النظام لما وصل الى سدة الحكم أصلاً  ، ومن المستبعد أن تكون ايران مصدر خطر على العراق ما دام المالكى أو أى رئيس وزراء آخر من طائفته فى الحكم .
 ثم هل تشكل دول الجوار الأخرى أى خطر على العراق ؟ أن أى عاقل لا يمكن أن يتصور بأن العراق سيتعرض الى هجوم من دولة حليفة للولايات المتحدة كتركيا  أو من  دول الجوار العربية. كما أن الأتفاقية الأمنية بين العراق و الولايات المتحدة تنص على حماية العراق من أى عدوان خارجى .
أذن فأن الأستناج المنطقى الوحيد هو  أن المالكى يتأهب للأستيلاء على المناطق المستقطعة من أقليم كردستان و الدخول فى حرب داخلية ضد الشعب الكردى ، و كذلك  مواجهة النظام القادم الذىسيتولى الحكم فى سوريا  بعد سقوط النظام الأسدى . و لكن مخاوف المالكى فى غير محلها ، لأن الفترة الأنتقالية التى ستشهدها سوريا ما بعد الأسد ، لن تتيح لها الفرصة للقيام بمغامرات عسكرية خارجية .
و اخيراً من حق كل عراقى ان يتساءل : ألم يكن من الأجدر صرف المليارات من الدولارات التى ذهبت وتذهب لعسكرة العراق من جديد ، على أعمار البلاد و أنشاء البنى التحتية التى تمس الحاجة اليها .
أن من المثير للسخرية أن يطلب المالكى تشريع قانون "  الدفع الآجل "  الذى اطلق عليه اسم قانون " البنى التحتية "  أى الحصول على قروض أجنبية يزيد على ثلاثين مليار دولار من أجل صرفها على مشاريع البنى التحتية . أذن أين ذهبت ما يزيد على (600) مليار دولار صرفتها حكومة المالكى خلال السنوت الست الماضبة ؟
ان كل ما يجرى فى عراق المالكى  اليوم أشبه بحكاية ميلودرامية منافية للمنطق السليم ، مضحكة و مبكية فى آن . و كم فى العراق من مضحكات و لكنه ضحك كالبكا  .
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com
 


69
خارطة الانتفاضة الشعبية فى سوريا
                                                                                                                         جودت هوشيار
تتجه أنظار العالم كله  اليوم الى الثورة السورية، وصراعها البطولى  لأسقاط النظام الاستبدادي البوليسى، الذى يشن حرب أبادة حقيقية ضد الشعب السورى  ويرتكب يوميا جرائم تقشعر لها الأبدان بحق الثوار والمدنيين المسالمين، والعالم لا يتحدث الا عن المجلس الوطنى السورى والجيش السورى الحر. ولكن الثورة السورية متواصلة بكل قوة وعنف منذ أكثر من ثمانية عشرشهراً ولم يتشكل المجلس الوطنى السورى الا فى اكتوبر 2011 أما أنشقاق العسكريين عن جيش النظام وتشكيل الجيش الحر، فقد بدأ فى أوائل هذه العام..
 ومنذ أندلاع الثورة وحتى يومنا هذا، أخفقت المعارضة السورية الخارجية المتمثلة بالمجلس الوطنى السورى  فى التغلب على خلافاتها الستراتيجية وتناقضاتها السياسية.
اذن من هم الذين أشعلوا نيران الثورة  ومن هم وقودها؟ انهم الشباب السورى الذين يخوضون حرباً غير متكافئة مع جيش النظام الدكتاتورى الدموى ويسقط منهم عشرات الشهداء يوميا  من دون أن يفت ذلك عزيمتهم ودون ان يؤثر فى أصرارهم على تحقيق النصر النهائى، توجد أيضاً  خلافات داخل الجيش السورى الحر، بين عناصر هذا الجيش داخل سوريا وبين قيادته فى تركيا، المتهمة بترك ساحة النضال الميدانى. وفى كل الأحوال، فأن تركيز الأهتمام على هذين اللاعبين (المجلس الوطنى السورى والجيش السورى الحر) يصرف الأنظار عن دور محرك الثورة الأساسى ووقودها الحقيقى، وهو الشباب السورى، الذين  ينظمون ويقودون الأحتجاجات الجماهيرية والمعارضة السياسية الداخلية  فى ظروف بالغة التعقيد ويخاطرعشرات الآلاف منهم بحياتهم يومياً فى مواجهات دامية مع قوات النظام وشبيحته. ومن دون هؤلاء لم يكن ثمة مبرر أصلاً  لوجود المجلس الوطنى السورى (الذى يقول  أنه يمثلهم) ولا الجيش السورى  الحر (الذى يؤكد، أنه يحمى المحتجين و السكان المدنيين ). وبتعبير آخر، فأن هؤلاء الشبان هم عماد الثورة ومستقبل سوريا. ولكن من هم هؤلاء وما هى تنظيماتهم وأتجاهاتهم السياسية؟
يوجد اليوم فى داخل سوريا الكثير من التنظيمات السياسية واللجان التنسيقية المحلية - على مستوى الحى السكنى اوالمدينة اوالمحافظة الواحدة أوأكثر -، التى يشكل الشباب عمودها الفقرى  وتتمحور حول ستة تجمعات.
 1- الهيئة العامة للثورة السورية:
 شبكة تنظيمية تتكون من اللجان التنسيقية، تأسست قبل حوالى عام واحد نتيجة لأندماج أتحاد اللجان التنسيقية للثورة السورية مع اللجان المستقلة بهدف تنظيم الأنشطة المحلية ووضع استراتيجية المعارضة وتوحيد المطالب الشعبية.
والهيكل التنظيمى للهيئة هرمى. ففى أعلى الهيئة مجلس ثورى يتكون من 41 عضوا تم أختيارهم بالأنتخاب يتوزعون على سبعة مكاتب
-  المكتب السياسى (مهمته الرئيسية أتخاذ القرارات السياسية المهمة).
-  المكتب الأعلامى ( ينقل للأعلام العالمى آخر تطورات الوضع فى البلاد).
- مكتب الأحصاء والأرشيف ( لنشر تقارير يومية).
- المكتب القانونى (يوثق أنتهاكات حقوق الأنسان).
- المكتب اللوجستى (لتنظيم المساعدات الأنسانية والطبية).
_  مكتب التسجيل والتوثيق
_ مكتب الترجمة.
اما على المستوى المحلى، فثمة  14 مجلسا للأدارة والتوجيه، يضم كل مجلس، مكاتب شبيهة للمكاتب التابعة للمجس الثورى، ما عدا المكتب السياسى، حيث يضطلع مكتب محلى بمهام التخطيط والتنسيق للأحتجاجات والتظاهرات.
 الهيئة العامة للثورة السورية  (التى تضم بين صفوفها الأخوان المسلمين)  لا تخفى عدائها للمجلس الوطنى السورى متهمة أياها بعدم الفاعلية والأنعزال عما يحدث على الأرض فى سوريا، حيث أخفق المجلس فى تقديم المساعدات الأنسانية أوالطبية للجرحى ولسكان المناطق المنكوبة.
 ونظرا للأنقطاع المستمر للتيار الكهربائى، أضطر نشطاء المناطق المنكوبة الى ربط  أجهزة الكومبيوتر بمولد التيار الكهربائى لسياراتهم وأخبار العالم عما يحدث داخل البلاد. والبعض منهم يقول انه يشعر بخيبة أمل فى المجلس الوطنى السورى ويعتقد أنه سيسقط مع سقوط نظام الأسد لأنه يفتقر الى الفاعلية ووجود تناقضات حادة بين مكوناته.ويرى البعض الآخر ان المجلس فقد شرعيته.
 ان الشعب السورى الذى يعيش فى خطر داهم ودائم، بأمس الحاجة  الى خطوات عملية محددة على الأرض وليس الى شعارات سياسية.
وعلى اية حال وبعد التغييرات الأخيرة فى قيادة المجلس الوطنى السورى،  تجرى الآن مفاوضات حول أدخال ممثلين عن الهيئة العامة للثورة السورية  الى المجلس.
 ان الهيئة المذكورة تنسق أنشطتها  مع الجيش السورى الحر. وتؤيد تدخلا ً أجنبياً محدوداً مثل أنشاء منطقة حظر طيران وتجهيز الجيش الحر بما تحتاجه من أسلحة. على غرار ما حدث فى ليبيافى ليبيا.
2- لجان التنسيق المحلية:
  لجان يغلب عليها الطابع العلمانى وقد أنبثقت فى عام 2011 وتهدف الى تحقيق الأهداف ذاتها التى  تناضل الهيئة العامة للثورة السورية من أجلها، ولكنها أقل أنتشاراً و  تأثيراً وتضم بين صفوفها 60 تنظيما محليا. وتوجد أقوى هذه التنظيمات نفوذاً  فى ضواحى العاصمة  دمشق، (التى انطلق منها التنظيم على يد مؤسستها رازان الزيتونى)  وتنظيمات حوران وأدلب.
يضم المجلس الوطنى السورى عشرة ممثلين من لجان التنسيق المحلية ويقول احد الناطقين بأسم اللجان “ ان العديد من أعضاء المجلس الوطنى السورى لا يمكنهم القيام بأى نشاط داخل سوريا لأنهم معرضون للملاحقة والأعتقال فور دخولهم الى البلاد.ويضيف انه يوافق على تمثيل المجلس لنشطاء لجان التنسيق المحلية ويطالب المجتمع الدولى بالأعتراف بالمجلس وتوسيع تأييده له.
 وعلى  غرار الهيئة العامة للثورة السورية، تنسق اللجان المحلية نشاطها مع الجيش السورى الحر وتؤيد تدخلا أجنبيا محدودا لدعم الثورة.، لأن نظام الأسد لا يفهم الا لغة القوة وليس لديه ما يقدمه على المستوى السياسى. وتطالب اللجان  بدعم المجتمع الدولى للشعب السورى وتقديم الدعم العسكرى للثورة  وأنشاء  مناطق حظر للطيران وتوجيه ضربات جوية الى نقاط محددة.
3 - هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي:
 ائتلاف سياسى يرأسه حسن عبدالعظيم داخل سوريا وهيثم المناع خارجها ويضم فى صفوفه حزب الأتحاد الديمقراطى الكردى المؤيد لحزب العمال الكردستانى. وخلافا للمجموعتين الأولى والثانية، لا يقوم هذا الائتلاف بأى نشاط تنسيقى أوأحتجاجى  داخل سوريا ولكن له تأييد ملحوظ فى  دمشق وحلب ومنطقة حوران وبعض المناطق الأخرى.
على المستوى السياسى يعتبر هذا الائتلاف نقيضا للتنظيمات المشار اليها فيما تقدم وهوعلى استعداد للتفاوض مع النظام من اجل ايجاد حل سلمى للخروج من الأزمة، كما أنه –أى الائتلاف – بعادى الجيش السورى الحر وأية أعمال عنف ضد النظام، والائتلاف يبرر موقفه هذا بأن المعارضة المسلحة دخلت الصراع ضد النظام بشروط الأخير وأن النظام سينتصر فى النهاية لهذا السبب.
 4– جماعة الأخوان المسلمين:
 قادة ونشطاء هذا التنظيم يعيشون فى المنفى منذ 30 عاما بسبب اضطهاد النظام لهم وقمعهم  بكل قسوة، خاصة  بعد صدور القانون رقم 49 الذى يقضى بأعدام كل من ينتمى الى هذه الجماعة. ومنذ أوائل عام 2012 تحاول قيادة الجماعة، التى تتخذ من أسطنبول مقرأ لها حشد أعضاء التنظيم وأنصارهم داخل البلاد  ولديها اليوم عدة مئات من المقاتلين الذين ينشطون تحت امرة الجيش السورى الحر ويقدمون المساعدات الأنسانية لضحايا العنف وينقلون أخبار الثورة الى العالم الخارجى وهم يتلقون الدعم المادى من قيادة الجماعة التى تغطى نفقات التسليح والذخيرة الحربية والمواد الغذائية. بعض المعارضين يتهمون ممثلى الأخوان فى المجلس الوطنى السورى بأنهم يستحوذون على الدعم المالى الذى يتلقاه المجلس من الدول المساندة للثورة  ولكن يبدوان لدى قيادة الجماعة مصادرها المالية الخاصة وفى مقدمتها الدعم المادى الذى تقدمه المملكة العربية السعودية وقطر.
ومن الصعب تقدير مدى قوة الكتائب الأخوانية، التى تنشط فى الغالب فى شمال سوريا (حلب، أدلب، حماه). والأخوان كما الهيئة العامة للثورة السورية ولجان التنسيق المحلية تؤيد تدخلا عسكريا أجنبيا محدوداً فى سوريا.
 يثير الأخوان المسلمون مخاوف المجتمع الدولى والقوى العلمانية السورية المعارضة. ولكن الحقيقة هى أن تنظيم الأخوان،  حركة سياسية معتدلة وقد دافعت خلال الثلاثين سنة الماضية عن المبادىء الديمقراطية واستطاعت التكيف مع الواقع السياسى – الأجتماعى  فى البلاد. وهى تتعاون مع القوى السياسية الأخرى فى سوريا. وتدل تجربة الأخوان السياسية أنهم تحالفوا ا خلال فترة الأربعينات والخمسينات من القرن الماضى مع القوى السياسية الأخرى وبخاصة العلمانية منها وهذا أمر يمكن أن يتكرر بعد سقوط النظام وأجراء أنتخابات حرة ونزيهة فى البلاد.
5 – الهيئة الكردية العليا:
 وتضم المجلس الوطني الكردي (وهوائتلاف يضم معظم الأحزاب الكردية في سوريا إضافة الى تنسيقيات شبابية) ومجلس الشعب لغربي كردستان التابع لحزب الاتحاد الديمقراطي المقرب من حزب العمال الكردستاني.
أنبثقت هذه الهيئة من الاتفاق الذى أبرم في 11 تموز 2012في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق برعاية رئيس الإقليم مسعود بارزاني لوضع حد للخلافات الكردية في سوريا.
 وهى تقود كافة أنشطة وأعمال المجلسين وقراراتها ملزمة للجميع”، وقد  شكلت الهيئة الكردية العليا خطوة هامة تخدم الشعب الكردى فى سوريا.
 وتؤكد  الهيئة فى بياناتها  على  “ضرورة  حماية السلم الأهلي  في المناطق الكردية وذلك بالتعاون مع الإخوة شركائنا من العرب والسريان والكلدوآشوريين وغيرهم، والتأكيد على أن المطالبة بالحقوق القومية لشعبنا الكردي لا تشكل أي خطر على وحدة بلادنا وتهديداً لإخوتنا شركائنا في الوطن”.
 وكذلك تؤكد  على “سلمية الحراك الثوري في المناطق الكردية ودرءاً للمخاطر الناجمة عن نزعة التسلح العشوائي فإننا – والكلام للهيئة الكردية العليا – نرى  من الضروري العمل على ضبط وتنظيم تلك القوى في إطار حضاري موحد منعاً للفوضى وبهدف توفير الحماية في المناطق وسلمها الأهلي”.
6- جبهة النصرة لأهل الشام:
  تنظيم سلفى جهادى متطرف،  تم تشكيله فى أواخر سنة 2011ولا يعرف أصل هذا  لتنظيم على وجه الدقة.
 وقد تبنى التنظيم العمليات الأرهابية التى حدثت فى اوائل عام 2012 فى كل من دمشق وحلب
وهذا التنظيم تحديداً، (الذي يرفض التعاون مع غير المسلمين ويرفع شعار تأسيس دولة اسلامية على اساس الشريعة).  هوالذى يثير مخاوف الغرب والمعارضة العلمانية والأقليات الدينية  اكثر من أى تنظيم آخر.
كما يرفض التنظيم  التدخل الأجنبى بأعتباره ذريعة لفرض هيمنة القوى الأجنبية على سوريا.
 ومن المفارقة انه يرفض حتى التدخل التركى رغم ان حزب العدالة والتنمية، وهوحزب اسلامى معتدل، هوالذى يحكم تركيا اليوم.
 وعلى اية حال فأن نشطاء المعارضة السياسية الداخلية يخامرهم الشك فى وجود تنظيم تحت اسم “ جبهة  النصرة “ حيث لم يشاهد أحد لحد الآن أعضاء الجبهة   سواء فى داخل سوريا اوخارجها،  حيث يظهرون فى الفضائيات وفى موقع يوتيوب   وهم يضعون أقنعة على وجوههم ويغيرون اصوتهم ، فى حين أن مقاتلى الجيش الحر يظهرون علانية بوجوه مكشوفة، والأعتقاد السائد لدى المعارضة أن تنظيم “ جبهة النصرة “  من أختراع مخابرات النظام الذى يحاول أظهار نفسه بأنه القوة الوحيدة القادرة على ايجاد حل للأزمة عن طريق القمع.
وتأريخ النظام حافل بأستخدام المجموعات الأرهابية لتحقيق أهداف سياسية وفى كثير من الأحيان لجأ النظام الى صنع مثل هذه المجموعات. ولكن البعض يعتقد أن ذلك لعب بالنار.
 سواءا كانت (جبهة  النصرة) حركة سرية حقيقية او من صنع النظام، ولكنها تمارس تأثيراً ملموساً على الشباب السورى، الذين يجذبهم الضبط الحديدى والأستعداد القتالى والخبرة فى خوض حرب العصابات. وهو أمر فى غاية الخطورة فى ضؤ تفاقم الوضع وأستمرار الأضطهاد.
 وفى  ظروف مماثلة فى الماضى تمكنت “ الطليعة القتالية” وهى مجموعة مسلحة منشقة عن الأخوان المسلمين،من  تعزيز مواقعها فى سوريا فى السبعينات من القرن الماضى الى ان وجه اليها النظام ضربة قاتلة فى حماه فى شباط 1982.
هذا المشهد الدموى خدمت النظام فى القضاء المبرم على كافة الحركات والقوى السياسية المعارضة فى البلاد.
 واضافة الى ما تقدم يوجد فى البلاد كثير من التنظيمات المحلية المستقلة (يتعذر أحصاؤها على وجه الدقة) والتى تنضم على نحومتزايد  الى الهيئة العامة للثورة السورية
أعضاء لجان التنسيق المحلية والأخوان المسلمون والنشطاء المعارضون عموما الذين يجابهون يوميا عنفا وحشيا من قبل النظام، يدركون جيداً، ان النظام يحاول تفرقة الشعب ليتسنى له السيطرة عليه، ولهذا فأنهم يضعون جانبا خلافاتهم من اجل العمل المشترك لتحقيق اهدافهم العامة: اسقاط النظام الفاشى وتأسيس دولة ديمقراطية. ومع ذلك فأنهم بحاجة الى تحويل هذا التعاون الصامت الى ائتلاف سياسى حقيقى يعزز مواقف المعارضة  السورية فى الداخل.
 


70
لمن يتسلح المالكى ؟
                                                         جودت هوشيار
 
نشر مكتب التعاون العسكري  لوزارة الدفاع الامريكية ( البنتاجون ) بيانا صحفيا يوم أمس ، جاء فيه ،   ان وزارة الدفاع العراقية تقدمت بطلب للحصول على دفعة إضافية من الطائرات المقاتلة تشمل  18 طائرة من طراز F-16IQ فالكون ، تبلغ قيمتها 2,3 مليار دولار. و كان العراق قد حصل سابقاً بالفعل على 18 طائرة مقاتلة  من نفس الطراز، ومعدات إضافية للطائرات المذكورة  وأسلحة بقيمة ثلاثة مليارات دولار.
 
و أضافة الى الطائرات المقاتلة يتضمن الطلب الجديد شراء ما يلى :
 
 24 محرك من طراز  F100-PW-229 أو طراز ''F100-GE 129IPE،
 
 و 24 رادار من طراز   APG – 680(v) V) 9 ذى التنظيم الذاتى
 
 و مدافع 19 20 ملم M61
 
و  100 صاروخ، AIM-9L / M-8/9   Side winder
 
 150 صاروخ، AIM-7M-F1 / H   Sparrow
 
 و 50 صاروخ مافريك AGM-65D/G/H/K،
 
 و 200 قنابل طائرات II GBU-12 Paveway
 
و 50 GBU-II-10  Paveway
 
و 50 GBU – III 24 Paveway
 
وتضمنت القائمة أيضا معدات، ألكترونية مضادة لأنظمة الأنذار عن الأشعاع  و التوجيه و الأستهداف والدفاع عن النفس. علما ان القائمة الكاملة للأسلحة المطلوبة من قبل وزارة الدفاع العراقية منشورة على موقع  مكتب التعاون العسكرى التابع للبنتاجون ( DSCA )
 
و أشار مكتب التعاون العسكري الى ان  المعدات والأسلحة التى طلبها العراق سيؤدي إلى زيادة كبيرة في القدرة القتالية للقوات الجوية الوطنية، وتصبح لاعبا أكثر أهمية في المنطقة. و سيقدم الطلب العراقي الى  الكونغرس الأميركي للبت فيه .
و كان العراق قد اشترى 18 طائرة مقاتلة من طراز F-16IQ فى شهر آب / أغسطس  2011 ، و يعتزم العراق شراء مقاتلات أخرى و طائرات هيلوكوبتر و طائرات من دون طيار و أسلحة هجومية .
 
و على صعيد متصل  تفيد أنباء موسكو ، ان وزير الثقافة ووزير الدفاع بالوكالة سعدون الدليمي  يجرى منذ ثلاثة اسابيع مفاوضات مكثفة فى موسكو  – على رأس وفد عسكرىيضم   كلا من الفريق الركن طالب شغاتي رئيس جهاز مكافحة الارهاب والفريق جبار قائد الدفاع الجوي، واللواء ضياء مدير عام التسليح والتجهيز - لعقد صفقة تسليح ضخمة  مع المصانع العسكرية  الروسية العملاقة بهدف شراء طائرات مقاتلة و طائرات هيلوكوبتر مقاتلة  و دبابات و صوارخ و أنظمة دفاع جوى ، و قد زار الوفد العديد من مواقع انتاج الاسلحة والتقى ممثلي شركات وخبراء عسكريين روس، بدوا مهتمين بتطوير العلاقات التسليحية مع العراق ضمن سعى موسكو لأستعادة نفوذها فى المنطقة و تعزيز محور بغداد - طهران - دمشق .
 
صفقة الأسلحة الروسية كان مخططا لها ان تكون بقيمة مليار دولار ، و لكن شهية الجانب العراقى أنفتحت حين أبدى الروس موافقتهم على تلبية طلب بغداد ، مما شجع الوفد العراقى المفاوض على طلب المزيد من الأسلحة ، التى يتوقع أن تتجاوز قيمتها المليارين دولار .
 
و كشفت مصادر اعلامية فى موسكو " ان الوفد شدد على ضرورة الأسراع فى تسليم  الأسلحة المتعاقد عليها ، مما دفع الجانب الروسى الى رفع الأسعار بشكل كبير ، وبررت السرعة التي اشترطها الجانب العراقي لتسلم الاسلحة من موسكو بان ذلك يعود الى " الوضع المتأزم في سوريا والمشاكل المتفاقمة مع كردستان".
 
ان العقلية التى تحكم بغداد اليوم لا تختلف عن العقلية الصدامية التى ورطت العراق فى حرب عبثية مع الجارة ايران و غزت الكويت  و شنت حملات عسكرية  دموية ضد الشعب الكردى المسالم .
لقد ضرب رئيس الوزراء العراقى نورى المالكى  عرض الحائط كل الأتفاقات و المواثيق التى أبرمها مع التحالف الكردستانى و ائتلاف العراقية و نقض كل عهوده و وعوده و شرع فى تصفية خصومه السياسيين الواحد بعد الآخر ، و لقد سبق ان كتبت قبل عدة أشهر ، بأن الدور سيأتى على الكرد ، لأن المالكى يظن بأن أقليم كردستان عقبة كأداء أمام تعزيز دكتاتوريته بعد أن تمكن من تصفية أو تحجيم معظم القوى المعارضة لأستفراده بالسلطة و القرار السياسى فى البلاد.
يقول السيد المالكى ان كرد العراق يتمتعون بحقوق لا يتمتع بها أشقائهم فى أجزاء كردستان الأخرى و هذا صحيح و لكنه حق أريد بها باطل ، ذلك لأن أقليم كردستان تحررت من قبضة النظام الصدامى بفضل اتفاضة آذار المجيدة  فى عام 1991 و هذا التحرر عمِّد بدماء مئات الآلاف من الشهداء الكرد الذين سقطوا فى ساحات النضال من أجل دحر العدوان الصدامى الغاشم  و فى سبيل أستعادة حقوق الشعب الكردى المغتصبة  و من اجل حياة حرة كريمة  لأبناء كردستان بشتى أنتماءاتهم القومية و الدينية ، و ليس لأحد فضل على كرد العراق لا فى الماضى و لا فى الحاضر . و يبدو ان السيد المالكى نسى او يتناسى ،  أنه ألتجأ الى كردستان المحررة فى منتصف التسعينات من القرن الماضى  هرباً من بطش النظام الصدامى مع الكثير من قادة و نشطاء المعارضة العراقية العربية و سكن فى اربيل و درس فى جامعة صلاح الدين و أحاطه الشعب الكردى المضياف بالرعاية و الدعم و الأسناد . و لكنه يرد اليوم  جميل الكرد على طريقته الخاصة و هو الأستعداد لمغامرة عسكرية و خيمة العواقب على العراقيين جميعا دون أستثناء .
 
ان خلاف المالكى مع معظم الكتل السياسية و بخاصة مع الكرد بدأت مع محاولة
أقامة ما يسميه بسلطة مركزية قوية و يعنى بذلك أقامة دكتاتورية جديدة ، عوضا عن النظام الفدرالى الذى نص عليه الدستور العراقى  ، و هو الدستور الذى صوت عليه الأغلبية الساحقة من الشعب العراقى و كان السيد المالكى من أبرز المساهمين فى أعداده و كتابته !!
ولم يترك السيد المالكى و سيلة الا لجأ اليها لتركيز كل السلطات بيده و محاربة أقليم كردستان سياسياً و أقتصادياً و دبلوماسياً و أعلامياً  و أفراغ النظام الفدرالى التعددى الديمقراطى من محتواه ،  الذى أرتضاه الكرد و بقية العراقيين حفاظاً على وحدة العراق و مستقبل أبنائه و تعزيزاً لعلاقات الأخوة و المصير المشترك  بين شقى العراق العربى و الكردى . و من هذه الوسائل محاولة البحث عن عملاء و خونة كرد لتشكيل ما يسمى بمجالس الأسناد فى المناطق المتنازع عليها من بقايا النظام السابق.  و من المضحك حقاً ان السيد المالكى قد أمر عددا من أفراد حمايته بأرتداء الزى الكردى و قابلهم أمام عدسات التلفزة زاعما أنهم يمثلون قيادات عشائرية و شخصيات كردية قدموا من شتى انحاء اقليم كردستان لأعلان و لائهم للأخ الأكبر الجديد . مما يدعو الى الشفقة و السخرية فى آن واحد . و هو ان دل على شىء ، فانما يدل  على الأفلاس السياسى ، رغم  مظاهر القوة الكاذبة الذى  يظهر بها امام عدسات التلفزيون.
 
و بعد فشل كل محاولاته اليائسة فى تحجيم الدور الكردى فى العراق بمختلف السبل  و عرقلة التقدم المتواصل الذى يشهده اقليم كردستان ، أخذ يتحرش بقوات البيشمركة فى المناطق المتنازع عليها و يفتعل بؤر توتر ، و يشترى شتى صنوف الأسلحة الهجومية بأسعار خيالية و فترات زمنية قياسية من الولايات المتحدة الأميركية و روسيا و أوكرانيا و كندا و من دول أخرى تمهيدا لشن هجوم على كردستان المزدهرة، . و ربما كان هذا الأزدهار هو الذى يقلق السيد المالكى حقاً ، لأنه يسقط ورقة التوت الأخيرة عن نظامه الذى فشل فى توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة للعراقيين .
ألم يكن من الأجدر على السيد المالكى أن ينفق  المليارات  - التى يهدرها فى أقتناء الأسلحة الهجومية الفتاكة – على  توفير الماء الصالح للشرب و الكهرباء و على  بناء المستشفيات و المدارس و تلبية  الأحتياجات الأساسيةلملايين العراقيين الذين يعيشون تحت خط الفقر فى بلد يطفو فوق بحر من  الذهب الأسود ..
 
يروق للسيد المالكى ان يسير على خطى صدام  و يتلهف ليكون القائد الضرورة الجديد و حاكم البلاد حتى الممات ، رغم حملاته الكلامية على صدام و البعث المنحل فى وسائل الأعلام  . أوليس معظم قادة جيشه المليونى من كبار ضباط الجيش الصدامى ، و هم الذين يحرضونه اليوم على مهاجمة أقليم كردستان .
 
نتمنى ان  يتخلى السيد المالكى عن حلمه بأقامة نظام دكتاتورى جديد فى العراق و جعل أقليم كردستان خراباً على غرار العراق العربى، الذى يعيش ظروفاً مأساوية بكل معنى الكلمة .
وأن يدرك  اليوم قبل الغد  كل  أبعاد  لعبة البعث الخبيثة  بتوريطه فى مغامرة عسكرية خاسرة لا يعلم  أحد مداها و لكن من المؤكد أنها ستطيح بنظامه  و يمهد الطريق لبقايا البعث الصدامى للعودة الى الساحة السياسية من جديد  ,و  لتتكرر المآسى الدراماتيكية فى العراق الى أمد غير معلوم .و عندها  لن يقف الكرد مكتوفى الأيدى و سيدافعون عن  مكاسب أنتفاضة آذار المجيدة و عن الأقليم -  الذى أصبح محط أنظار العالم كله -   بأرادة صلبة ، يفتقر اليها جيش المالكى المليونى  ، كما أن الزمن قد تغير على نحو جذرى ، و ليس بوسع أى دكتاتور أن يعزل شعبه اليوم عن العالم الخارجى  و يقمعه كما كان الأمر فى الماضى القريب .فالمهمة المستحيلة التى أخفق جيش  صدام فى تنفيذها و هى قمع الحركة التحررية الكردية  ، لن ينجح جيش مليشياوى يفتقر الى الخبرة و  تتنازعه ولاءات متعددة ، فى تحقيقها .
  و نعتقد أنه ، كلما  أسرع السيد المالكى فى تصحيح مسار حكومته و تحرر من أوهامه ,و أفاق من أحلامه  ، كان ذلك أفضل له و للعراقيين جميعا ً.
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com

71
زيور خطاب وصومعته الفكرية

                                                                                                                     جودت هوشيار
 
لا أجافي الحقيقة إن قلت، اننا قد لا نجد اليوم بين الجيل الجديد من المثقفين الكرد، من كرس جل حياته ومعظم وقته للفكر، كما كان شأن المثقفين الكرد الكبار دوما، ولعل الأستاذ زيور خطاب خير ممثل لهؤلاء الكبار، فقد  عاش متأملا فى حياة ومؤلفات عظماء العلم والفكر والأدب، الذين  أضحوا أنيسه وجليسه، لا يفارق عوالمهم  أبداً. هذا ما قلته للصديق الدكتور محسن محمد حسين - عضو الأكاديمية الكردية -  ونحن فى طريقنا الى صومعة زيور خطاب الفكرية، التي يحيا فيها وتحيا فيه طوال حياته..
 
 يستقبلنا كعادته هاشاً باشاً، ثم  نصغي اليه ونحاوره حواراً شيقاً في آخر قراءاته وأفكاره ونجول معه في عالم آخر، رائع وجميل وممتع، ليس فيه سلطان غير سلطان  الفكر والقلم، آراؤه في ما يجري حوله وفي العالم من أحداث تنم عن عمق فكري قد لا نجده عند الآخرين من مثقفي هذا الزمان المادي، الذي لم يعد فيه مكان سوى للمصالح الشخصية الضيقة والإهتمامات اليومية الزائلة.
 
زيور خطاب شخصية لا يجود بها الزمان كثيرًا. ليس لمغريات الحياة المادية، أية قيمة حقيقية لديه، فقد زهد في المال والثروة والمنصب، وهو سليل الأغوات، وكان بإمكانه أن يتبوأ مناصب رفيعة لو شاء ذلك، ولكنه فضل عالم الفكر على عالم المال والسياسة والجاه والشهرة. وقصّر عمرهُ وجهدهُ فى القراءة والتأمل. يقول مخاطباً الراحل مسعود محمد: " نعيش دنيا نملكها والناس يعيشون دنيا تملكهم... ان كل المفكرين العظام كانوا متصوفة بمعنى من المعاني، يعيشون الحياة وفق مقاييسهم الخاصة."
 
يقول فى كتابه المعنون "سيرة فكرية" الصادر فى العام 2010م: " أنا أنطلق من تجربتي الخاصة، الا أن العظام دائما في ذهني وأمام ناظري، أنا لم أحقق شيئا الا عن طريق هؤلاء، أنا دائما عشت في أجواء العظام والقيم الرفيعة وكنت أنظر دائما الى السماء والى فوق، تجاوزت كثيرا من الأمور، التي تواضع عليها الناس وأستغنيت عن أمور كثيرة وشحذت ذهني للوصول الى الحقيقة، الا أنني أطمع في المزيد".
 
غير أن مصاحبة العظماء لم تنتزعه من الحياة اليومية للمجتمع الذي يعيش فيه، فهو يخالط الناس والمثقفين منهم على وجه الخصوص، الذين يزورونه في صومعته الفكرية. ويقول ايضاً: "بودي ان أنهي المسألة بضربة واحدة، أنا لا أريد أن أنهي المسألة بالإبتعاد عن الناس والإعتزال وتجميد نفسي وعقلي، بل أريد أن أكون مع الناس ولا أريد أن أنفصل عن الحياة. الحياة هي مادة الفكر، مادة العقل، العقل في الفراغ لا ينتج شيئا.
 
زيور خطاب قارئ نهم، ولكنه إنتقائي في قراءاته، فهو يفضل العيش في عوالم الخالدين من  الشعراء والكتاب والعلماء والمفكرين (الجواهري، طه حسين، كزانتزاكي، نهرو، تولستوي، أبو العلاء المعري، برتراند رسل وغيرهم).
 
القلم لا يفارق يده، عندما ينهمك في قراءة كتاب ما يسجل ملاحظاته على هوامشه. وهذا النوع من القراءة الجادة، مفيد لشحذ الذهن وللتأمل والتفكير الخصب، ويوحي بأفكار جديدة. وهو اسلوب يتبعه  كثير من المثقفين. وكتبه الخمسة الصادرة لحد الآن هي ثمرة قراءاته التأملية، وهو في نتاجاته، يسعى لأن يرتقي بالقارئ، ليدخله الى عالم أسمى من عالم المادة والمصالح الآنية الضيقة. ورغم انه كرس جل وقته للقراءة وللمعرفة والاجتهاد والتميّز ولكنه مقل في النشر، والقارىء ينتظر منه المزيد، لأن ما يدخره من أفكار أكثر بكثير مما نشره لحد الآن.
ان  من أغرب وأسوأ عاداتنا نحن الشرقيين، اننا لا نعرف قيمة رجال الفكر والثقافة في مجتمعنا الا بعد رحيلهم عن هذه الدنيا الفانية. وحتى بعد رحيلهم نفاضل بين هذا وذاك إعتماداً على معايير غير موضوعية. ويتجلى ذلك في الأسماء التي تطلق على المدارس والقاعات والشوارع والتركيز على إعادة طبع مؤلفات بعض رموزنا العلمية والثقافية دون البعض الآخر.
 
زيور خطاب رمز من رموز الثقافة في مدينة أربيل- العريقة الشامخة، التي أنجبت في الماضي جمهرة من العلماء والمؤرخين والمفكرين والأدباء والشعراء والفنانين –  هذه المدينة، التي تشع اليوم نورًا في الوسط العراقي الدامس. ولكن حتى في مدينة ثقافية بإمتياز وعريقة في الحضارة والتمدن  مثل أربيل، يظل زيور خطاب نجما لامعا يضئ ما حوله فكرا ونورا. معتزا  بنفسه دون غرور أو إدعاء. ويبدو لي، أنه يفضل البقاء خارج دائرة الأضواء والشهرة. وهو لحسن الحظ ليس من أصحاب الألقاب الأكاديمية، الذين غالباً ما تكون نتاجاتهم وإهتماماتهم محصورة ضمن نطاق تخصصاتهم الضيقة. أما صاحبنا، فإنه يحيا في عالم فسيح يتنفس نسيم الحرية بأوسع معانيها.
 
وثمة قول فلسفي بليغ -  ورد فى (الأهداء) الذي يتصدر كتابه الموسوم "في عالم الفكر،  ليست ذكريات" - هو خير تعبير عما سعى ويسعى اليه فى الحياة:
 
وكنت أعرف ان من واجبي
أن أعطي لرحلتي معنى

 
نعم، أن اعطي لرحلتي معنى، أليس هذا ما فكر فيه وعمل من اجله الفلاسفة والكتاب العظام فى كل مكان وزمان؟
 
يقول فى سيرته الذاتية: "في سنة 1948 كنت في الخامس الإعدادي وكان عدد الطلاب لا يتجاوز الأربعين وكانت الثانوية التي أدرس فيها، الثانوية الوحيدة في أربيل، وكانت تلك السنة، سنة الوثبة (27 كانون الثاني) وكان الطلاب في  المقدمة من تلك الوثبة وقد سقط منهم شهداء، وكانت سنة مثيرة وقلقة وحاسمة في حياتي- وقد أخترت كلية الحقوق، لأنها أقرب الى نفسي".
 
وخلال دراسته في الكلية كان يوزع وقته بين الدراسة وقراءة الكتب الفكرية والأدبية ومقهى (حسن العجمى) الذي كان ملتقى الأدباء والشعراء والصحفيين، منهم الجواهري. وقد جرب الكتابة فى هذه الفترة ونشر بعض كتاباته في الصحف ومنها جريدة (صوت الأحرار) البغدادية. ويقول أنه، بينما كان يعيش في هذا العالم الصغير ويفكر في الإنسان وما يليق بالإنسان وما يصون كرامة الإنسان، اذا به يلقي فى ظلمات المواقف والسجون. ومن حسن الحظ أن ذلك لم يدم طويلا حيث أفرج عنه بعد فترة وجيزة، وكانت تجربة أليمة ومفيدة له في آن. ورغم تخرجه في كلية الحقوق، الا أنه كما يقول: " يرى نفسه مرصودا لشيء ابعد مما يسعى اليه الآخرون واستمر في لعبته المفضلة، لعبة الفكر والكلمة ".
 
أسلوبه في الكتابة
 
يقول الكاتب الروسي العظيم أنطون تشيخوف:" الإيجاز صنو الموهبة" وقلما تجد بين كتاب اليوم من يكتب بإيجاز وتركيز مثل زيور خطاب، ففي مقال لا يزيد حجمه عن صفحة أو صفحتين، تراه يقدم لك أفكارا جديدة ومعمقة –وأشدد على كلمة الجديدة– وأرى أن هذا نتاج طول تأمل وإدامة نظر في الموضوع الذي يكتب عنه. قال أحد العظماء وأظنه انشتاين: "تسعة أعشار وقتي للتفكير والتأمل في المسألة التي تشغل بالي والعشر الباقي لإختيار الحل المناسب. أي أن التفكير طويلا في أي موضوع، هو الذي يفضي غالبا الى الأستنتاجات الصحيحة، وهذا ينطبق تماما على كتابات زيور خطاب.
 
مع الجواهري
 
زيور خطاب من عشاق شعر الجواهري، لا يمل ولا  يكل من ترديد قصائده الرائعة ويعتبره قمة شعرية شامخة لم تنجب العربية مثله منذ المتنبىء، وبلغ  من شدة إعجابه بشاعر العرب الأكبر، أن كرس أحد كتبه للإشادة بشاعرية الجواهري ونصاعة بيانه وفصاحة وجزالة لغته مع باقة من مختارات شعره .
وعلاقته بالجواهري وشعره  قديمة ويقول فى هذا الصدد: "منذ 1948 وأنا أتابع الجواهري الشاعر والصحفي والسياسي، أقرأ كل ما كتبه وكل ما كتب عنه... وأعتبره إمتدادا للشعر الجاهلي. و هو رأي، قد يكون مثيرا  للجدل.
مع مسعود محمد  
 
إذا كانت علاقة زيور خطاب بالجواهري علاقة اعجاب وعشق قارىء لشعر شاعر عظيم، تتخللها أحيانا بعض الرسائل المتبادلة، فأن علاقته بالغائب الحاضر المفكرمسعود محمد، كانت علاقة عن قرب، إمتدت لأكثر من نصف قرن وكانا يلتقيان يوميا في اربيل في السنتين الأخيرتين من حياة مسعود محمد. إن ما يجمع بينهما هو الإعتزاز بالنفس والإيمان العميق بالمثل العليا والقيم الروحية الرفيعة وإعلاء شأن الإنسان وشأن الكلمة، بعيداً عن كل المغريات المادية، التي لا تضفي على الأنسان أية قيمة حقيقية، لأن قيمة الأنسان، وقيمة المفكر على وجه الخصوص تتجلى في السعي لخير المجتمع وتقدمه وتطوره ومن أجل حياة  حرة كريمة لأمته وللبشرية جمعاء.
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com


72
الأستشراق: محاولة للفهم و لردم الهوَّة

                                                                                                                              جودت هوشيار
1 – توطئة :
 
ليس من السهل  على الباحث – أى باحث –  أن يأتى بجديد عند الكتابة عن موضوع مطروق و متداول على نطاق واسع ، مثل " الأستشراق " الذى صدر حوله عدد لا يحصى من الكتب و البحوث و  الدراسات بشتى لغات العالم و منها اللغة العربية . لعل أشهرها ، كتاب المفكر الفلسطينى اللامع أدوارد سعيد (  1935- 2003م ) " الأستشراق "  الذى صدر باللغة الأنجليزية عام 1978 فى الولايات الأميركية المتحدة و ترجم الى أكثر من 35 لغة ،  الأكثر أنتشارا فى العالم و منها اللغة العربية ، . و قد أثار هذا الكتاب – و هو كتاب فكرى عميق الغور،  يعكس اللمعة الفكرية الباهرة لواحد من أكثر العقول العربية و العالمية  عمقا و تألقا فى العصر الحديث  - جدلا واسعا فى الأوساط العلمية فى الغرب و الشرق و أثار مناقشات و خلافات فى الأوساط  الأستشراقية و بين العلماء و المفكرين و الباحثين فى شتى حقول المعرفة الأنسانية و صدرت حوله عشرات الكتب ، بعضها لا يدل على الفهم الصحيح  أو يدل على الفهم السطحى لكتاب سعيد  و لكن معظمها كان مؤيدا ،وبعضها متحمسا لطروحاته ، و من الصعوبة اليوم ، أن يفلت أى باحث من تأثير رؤية سعيد للفكر الأستشراقى  ، حين يتناول بالبحث و الدراسة حركة الأستشراق العالمية ، و لكن يمكن القول بكل ثقة أن المؤرخ و الباحث الدكتور محسن محمد حسين - الأستاذ فى جامعة صلاح الدين بأربيل و عضو الأكاديمية الكردية ،  نجح الى حد كبير ،  فى كتابه الجديد الذى يحمل عنوان " الأستشراق برؤية شرقية " فى تناول موضوعة " الأستشراق " برؤية جديدة ، تختلف عن كل ما كتبه المؤرخون و المفكرون و الكتاب العرب عن هذا الحقل المعرفى
2- الأستشراق فى الفكر العربى الحديث:
 
يمكن تقسيم  البحوث و الدراسات الأستشراقية عن الشرق العربى الأسلامى  تحديدا ،   بأقلام المفكرين و الباحثين العرب ، التى صدرت قبل كتاب الدكتور حسين الى  مجموعتين :
 الأولى و هى الأغلبية الساحقة : كتب تهاجم المستشرقين بعنف و تلصق بهم  من دون أدنى  تمييز ، شتى التهم و فى مقدمتها ، معاداة العرب  و تشويه صورة الأسلام و المسلمين من منطلق التعصب الدينى  و تعتبرهم عملاء للأمبريالية ،  و أن بحوثهم تهدف الى التبشير الدينى المسيحى، و أبراز التفوق الحضارى الغربى و تسهيل الهيمنة الغربية  على الشرق .
و قد هلل الباحثون العرب ، الذين يمثلون هذا الأتجاه المتعصب لكتاب سعيد بأعتباره ، تأكيدا لمقولاتهم المتزمته ، و لكن خاب ظنهم ، حين ، كتب سعيد فى عام 1995 فصلا جديدا بعنوان " تعقيبات "  ملحقا ، بكتابه فى طبعاته الجديدة ، يقول سعيد  " أن هناك تفسيرات خاطئة للكتاب ، رأت أنه يدافع عن الأسلام و العرب و يعادى الغرب بصورة مستترة ، فى حين ، كان يهدف الى تخطى الهوة بين الشرق و الغرب من خلال أثارة قضية التعددية الثقافية ، فى كتاب يحفل بظلال المعانى و من يراه مجرد رد على الغرب يسىءاليه بهذا الوصف المبسط ."
 
الثانية : و هى قلة قليلة تتحدث عن الأستشراق بموضوعية و تقيم عاليا الخدمات الجليلة التى قدمها المستشرقون  للتراث العربى و بضمنها تحقيق و ترجمة و نشر أمهات المخطوطات العربية و المؤلفات ، التى تشكل  المصادر الرئيسية للتراث العربى  و دراسة الشرق العربى الأسلامى و آدابه و حضارته و فق مناهج علمية حديثة   .
 
3- كتاب " الأستشراق برؤية شرقية " :
 
الدكتور حسين ، حاول معالجة هذا الموضوع على نحو مختلف ،  و يستهل كتابه بالأشارة الى منهجه فى البحث ، حيث يقول فى الفصل الأول ، الذى يحمل عنوان (  ما المطلوب منا أن نعمله ؟ ) ، " كيف يتعين علينا أن نتعامل و نتفاعل مع الآخرين مع ( الغرب ) . انى هنا أسعى حثيثا أن أنبذ الهوى و العاطفة ، قدر المستطاع ، و لن أدعى أنى أبحث عما يسمى الحيدة ، أو أنى لم يتكون لدى موقف ما طيلة عقود من الأطلاع على ما ألف عن الأستشراق ... و يشير الى قول الباحث المغربى البازعى فى كتابه " أستقبال الآخر "  ( الحياد ) بحد ذاته فكرة مثالية و القول بوجوده ضرب من السفسطة و السذاجة أو أدعاء بالتعالى على التميزات البشرية ، لا يحققه سوى الأله .
ومحاولة فهم مثل هذا الموقف من الاستشراق بات أمراً محتماً، فهذا التفكير الثاوي صار يتجاوز حجم المطبوع من الكتب ، وبات يشغل بال المثقفين، بل ويؤرقهم، وسيظل يؤرقهم زمناً قد يطول . وهذا يعني ان ادمغة ما زالت تعمل ولم يصبها العطب، تناقش تلك الامور في وضح النهار, ولا شك ان الدخول الى مثل هذه القضايا في مجتمع راكد، حين يمس الثوابت التي جبل عليها (الناس) لهو ثمن باهظ. لكن السكوت تجاه ما يؤرقنا يدل على قصورنا الموضوعي والذاتي، ذلك القصور الذي يعترينا صباح مساء، حين نرى قضايا خطيرة مسكوت عنا، نقف قبالتها مكتوفي الايدي، وكأنها أمور لا تعنينا، ولكن حين نقلق تجاه ما يحدث ، نكون قد خطونا الخطوة الصحيحة
 
و يؤكد حسين،  أنه لا يبنى – مسبقا – موقفا فكريا ما ، يبغى الدفاع عنه ، عن صوابه ( بأى ثمن ) ، بل ينطلق من موقف حضارى يؤمن بالمثاقفة ، و نقد ما ترسخ فى أذهاننا من أمور قطعية ، لا تقبل النقاش ، أو صار الجدال فيها من المحرمات " تابو " غير قابلة للبحث و الدراسة و أعادة النظر .
و يدعو الى كسر جدار الخوف -  و يعترف ان الأمر صعب ، فليس سهلا تهشيم هذا الجدار و الأنفكاك من العزلة الفكرية التى أحطنا أنفسنا داخل أسوارها -  و فهم لآخر ، و الأستفادة من ثقافته . نقرأ ما عندهم بتمعن ، لنكتشفهم و نكتشف أنفسنا ، و لكن ليس كل ما عند الآخرين فيه ما ينفعنا .
 فى الوقت الذى يقر  فيه و جود البعض من المستشرقين المتغطرسين -  من ذوى النظرة الأستعلائية الى الشرق العربى ، الذين أعتبروا الغرب الأوروبى و صيا على العلم و المعرفة و الحضارة  -  يشيد بجهود المستشرقين عموما و يعتبر ذلك شجاعة أدبية فى مجتمعات يهيمن عليها ذهنية التحريم  ،
و الأستشراق ، كما يقول حسين ، أقض مضاجع البعض  ، حين قرأ  رأيا يغاير ما اعتاد عليه ، لأنه لم يألف وجودا متحققا غير وجوده ، فثم من اعتاد على توجيه الأتهام للآخرين ، لمجرد كونهم ينتمون الى ثقافة ، تختلف فى جوانب عديدة عن ثقافتنا ، و يعيشون فى عالم غير عالمنا .
و يورد حسين فى الفصل الثانى ، الذى يحمل عنوان " أشادات بمجهودات المستشرقين "  أقوال طائفة من خيرة الكتاب و المفكرين العرب المعنيين بالتراث الأسلامى و شؤون الأستشراق ، مثل بنت الشاطىء و زكى مبارك و محمد كرد على و يوسف احمد و صلاح الدين المنجد و محمد يوسف محمد و محمد صالح البُنداق و يوسف أسعد داغر و غيرهم ،  الذين ثمنوا عاليا انجازات المستشرقين ، فى الحصول على المخطوطات و الوثائق و الآثار و حفظها فى أماكن بعيدة عن السرقة و الرطوبة و الجرذان ، ثم قيامهم بتحقيقيها و نشرها دون مسّها بالتحريف ، لأى سبب كان ، و بكل أمانة و أنصاف .
تقول الدكتورة "  بنت الشاطىء -  عائشة عبد الرحمن  " اننا مدينون للمستشرقين بجمع ذلك التراث و صونه من الضياع . . . و تسألون : و ماذا لو تركوا تراثنا لنا ، أما كنّا أهلاً لجمعه و صونه ؟ فأجيبكم بملء يقينى : كلا ، لقد كنّا فى غفلة عنه ، لا نكاد نحسً وجوده أو نعرف قيمته ، أو نقدر حاجتنا اليه ... أن خدًام دور العبادة عندنا يبيعون أوراق نفائسه بالكوم ( بالجملة ) لتجار الحلوى و البقول !  و تضيف قائلة : أن جهود هؤلاء لم تقف ،  فى جمعهم لكتب تراث الشرق على مجرّد اقتنائها ، بل فهرسوا ما جمعوه فهرسة علمية دقيقة ... و من ثم انتقلوا الى نشره نشرا يعتمد على أدق منهج للتوثيق و التحقيق . . . و صحونا من نومنا ، فأذا ألوف الذخائر العربية بيت أيدينا ، محررة ، موثقة ، نلوذ بها فى دراساتنا العالية ، و نعد الرجوع اليها فى ابحاثنا مدعاة للفخر و المباهاة . . و بلغوا فى دراساتهم للشرق و للعربية و للأسلام حدّاً مذهلاً من العمق و التخصص .
 
والواقع لا يستطيع المرء أن ينقل ما أورده الكتاب المسلمون المنصفون عما أنجزه المستشرقون في دراساتهم الرصينة بعقل حصيف متمكن، لكن من المفيد ان نوجز أبرز أعمالهم المشرفة، فقد درسوا المدنيات الشرقية القديمة (مدنيات بلاد سومر وآكد وبابل) وبلاد النيل والشام واليمن ودلمون (البحرين).. وبلاد فارس وبلاد الكرد.. اضافة الى الحضارات العظيمة في بلاد الهند والصين والهند الصينية…الخ.
ونبشوا معالمها للتنقيب عن آثارها وتاريخها وثقافاتها ولغاتها، في جميع مرافق الحياة الفكرية والفنية، ونشرها في مجالات علمية وكتب في غاية الدقة والمنهجية والروح النقدية، وان كانت لاتخلو أحياناً من آراء خاطئة ومن هنّات، هي من طبيعة الكشوفات الجديدة. كما قاموا بجمع المخطوطات الشرقية على اختلاف لغاتها، وحفظها في خزائن، والعناية بها وصيانتها باستمرار، وفهرستها بشكل مبرمج، ومن ثم تحقيقها ونشرها على أبهج شكل وبإتقان ، للانتفاع مما فيها من معارف وثقافات وفنون. وترجمتها الى لغاتهم القومية، وتلحق بها المقدمات والحواشي ووضع فهارس بما ورد في الكتاب من آيات  قرآنية  وأحاديث نبوية، وأبيات شعر، وأسماء الأعلام والقبائل والأماكن.. الخ.
إضافة الى قيامهم بتنظيم المؤتمرات الاستشراقية، بشكل دوري بدءاً من أول مؤتمر عُقد في باريس 1873، ثم توالي عقدها في مدنهم، وعُقد قليلها في مدن شرقية مثل القاهرة والجزائر ونيودلهي. وفيها يستعرضون مشاكل الدراسات الشرقية ومستجداتها، ويتبادلون فيها المعلومات والآراء، وقد عُقد عام (1973) المؤتمر التاسع والعشرين، في باريس، وتم ترتيبه لمناسبة مرور قرن على انعقاد المؤتمر الأول في المدينة نفسها.
وكما وضع المستشرقون المعاجم اللغوية (مثل معجم دوزي للألفاظ غير الموجودة في المعاجم العربية، وعن الملابس) وهي أعمال تحتاج الى تحمل المشاق والصبر في الوصول الى نتائج علمية، وأمضى بعضهم عمره وهو منكب على نشر مخطوط، او تأليف كتاب، ووضع فهارس، وتكبد آخرون مشاق الترحال والمخاطرة بحياتهم في سبيل الوصول الى حقيقة ما او طلب مخطوط.
يقول باحث معاصر: لقد كانت وجهات نظر المستشرقين ذات فاعلية وفعالية تستمدها من الجهود الكبيرة المبذولة طيلة قرنين لإحياء النصوص العربية، وهي جهود تجعل الجهد العربي (المحلي) يبدو ضئيلاً بالمقارنة… ولهذا لم يكن كراتشوفسكي المذكور على خطأ عندما أشار الى سعة جمهرة المثقفين العرب الداعين الى اعتماد المناهج الأوربية والثقافة الغربية وسيلة للوصول الى تكوين الأصول الصحيحة للأدب العربي، والذي اعتبرهم مختلفين عن جماعة القديم، او جماعة التقليد المحض للأوروبيين.
وبالمقابل -وكما سنرى- نجد بعض (الغيارى) من يجحد فضل المستشرقين بجرة قلم. ويندب التراث الذي صار بأيدي (الأغراب!).
وأخيراً: فمهما يكن من أمر فإن المستشرقين ليسوا سوى بشر، وقد يخطئون، ويتحاملون، فلبعضهم ميولهم وأهواؤهم وقناعاتهم المختلفة ،  عن ميول وأهواء وقناعات أهل الشرق. فليس من المنطق أن ننظر اليهم جميعاً نظرة واحدة من النزاهة والانصاف، او ان يتسلحوا بالعلم وبمنهجية البحث في تآليفهم دون ان يخطئ بعضهم، او دون ان يتعصب. ونردد هنا مع المستشرق الكبير مكسيم رودنسون  Maxim Rodinsonl  ( 1915-2004 ) متسائلين: ما أهمية الأفكار التي يحملها عالم الآثار الفرنسي الشهير شامبليون، ما دامه ان فك لنا رموز اللغة الهيروغليفية، لغة المصريين القديمة. فهل كان على صواب ام على خطأ حين فك تلك الرموز؟
 
و فى مبحث آخر يحمل عنوان " متى كانت بداية الأستسراق ؟ يؤكد حسين أنه ليس من الصواب أن نعتبر ما كتبه الآخرعنا قبل نحو ثلاثة عشر قرنا بداية للأستشراق . و يشير الى صعوبة تحديد هذه البداية قائلا : ان من يحاول الخوض فى موضوع ( بواكير الأستشراق ) يجد نفسه يخوض عباب بحر تتلاطم فيه آراء متباينة ، متناقضة أحيانا ، و السبب الأساس يعود الى تباين مفهوم الأستشراق – نفسه – لدى المعنيين بالأمر ، و اختلاف زوايا الرؤى و الطروحات الفكرية ، حتى ان منهم من أعتبر قيام رجل دين مسيحى ، كان هو و آباؤه يعملون فى ديوان دولة عربية ، بتأليف كتب عن الأسلام ، فى القرن الأول الهجرى ، عملا استشراقيا .
 
ثم يمضى حسين ليتحدث مطولا و بأسهاب عن الهزات العنيفة التى تعرضت لها المجتمعات الأوروبية نتيجة للفتوحات الأسلامية لجنوب و جنوب شرقى أوروبا ، و أن هذه الفتوحات  كانت حافزا للأوروبيين  لدراسة الشرق الأسلامى  للوقوف على سر قوة الأسلام و المسلمين .
 و الغريب فى الأمر ان المسلمين الفاتحين لم يهتموا بدراسة المجتمعات الأوروبية و لا بالفكر الأوروبى بعد غزوهم للأندلس و بعض مناطق جنوب شرقى أوروبا ، و يعلل عدد من الباحثين العرب هذا التجاهل ، بأن  أوروبا لم تكن لديها ما يغرى الفاتحين على الأهتمام بها و دراستها ، و يبدو أن حسين ، يرى ذلك أيضا .كما ان كتابات المؤرخين العرب القدامى يحفل بأمور غريبة و عجيبة ، بعيدة ، ليس عن العلم و لكن عن المنطق و التفكير السوى  و يضيف حسين :الواقع أن ما كتبه المسلمون عن آخرهم  ( يقصد عن غير العرب ) ، لا يتجاوز ذكر أبرز مواصفات الأقوام .
فعلى سبيل المثال كتب المسعودى (ت. 346هـ / 967 م ) فى كتابيه ( مروج الذهب و معادن الجوهر ) و ( التنبيه و الأشراف ) عن وجود أمم عجيبة ، سواء فى طول القامة أو طول العمر، و أمم تصدر أصواتا شبيهة بالفرقعة أو الدوى أو الزئير ، و لبعضهم عين واحدة فى قمة الرأس و أنهم يصطادون السمكة و يعرضوها فى الحال الى حرارة الش55      س بأيديهم ، التى تطال الشمس(!) فيتم شويها، فيتناولونها .
يقول محمد أركون : " حين تشيخ الأسطورة تتحول الى  خرافة " .. لقد نمنا نومة عميقة ، قد لا نصحو بعدها ، نمنا و كأن تطورات العالم و فتوحاته لا تعنينا ، نمنا تحت خيمة و وصايا مضروبة على الجميع ، ضربتها أنظمة الأستبداد الهزيلة المشروعة ، أو المعدومة ، لأنها أنظمة تعمل لتغييب العقل ، و تقصى المنطق . فى مثل هذه الأجواء لازم عدم ثقة رجال الدين بمن يشتغلون بعلوم الأوائل ، كما لازمتهم كراهيتهم للكتب ، التى تتضمن هذه العلوم / بل صار ممكنا – و بسهولة – أن يؤدى مجرد أقتنائها ألى اتهام صاحبها بميله الى الألحاد و الزندقة .
و يعود حسين فى مبحث آخر ليواصل الحديث عن " تواصل اهتمامات الغرب بقضايا لشرق الأسلامى " و يورد على ذلك أمثلة كثيرة و يخلص الى القول : أن الجمعيات التى تأسست فى القرن التاسع عشر قد أضطلعت بدور ملحوظ فى الدعوة لأقامة المزيد من المدارس لتعليم اللغات الشرقية فى باريس و برلين و ليدن أو فى بطرسبورغ ، و باتت دعواتها تلقى آذانا صاغية من لدن المعنيين ، و تتحول الى تيار ضاغط مع توسع مصالح الدول الكبرى فى الشرق و لا سيما بريطانيا و فرنسا ، حين تصاعدت حدة التنافس بين تلك الدول على خيرات و أسواق الدول المتخلفة .
و لعل من أمتع فصول الكتاب الذى نحن بصدده ، فصل بعنوان " فى المرايا المحدبة  ... لا يشبهنا أحد... (!) " حيث يتساءل حسين : ما الداعى الى أضافة رقم جديد الى ما كتب عن الأستشراق ؟ لقد سنحت لى فرصة الأطلاع – منذ سنين بعيدة – على هذا الموضوع الشيق . هكذا أصفه ، لأن من طبيعته ، أنه يمثل نظرة الآخر ( الغرب ) الى تراثنا ، نحن أهل الشرق ، نظرة تختلف – بالتأكيد – عن نظرة أهل الدار الى أنفسهم ، الذين تمثلوا هذا التراث بعد أن عايشوه و ألفوه ، و أرتاحوا معه ، و لا يرتاحون ان مـسه أحد .. أحد ( الغرباء ) .
بأختيارى الكتابة -  و القول لحسين  -  أزعم  أنى آثرت سبيل التفكير فيما كتب عن هذا الموضوع الفسيح . و جعلت العقل مرشدا للتمييز بين ما هو منطقى و بين ما هو غير منطقى ، و هو طريق شائك فى مجتمع ارتاح الى بعض التصورات ، و نام هنيئا ، بعد أن اقتنع بما سمعه أو قرأه دون روية أو تفكير ، و لا شك أن هذا الأمر بعيد عما يطلبه منا ديننا ، فثمة آيات كريمة تؤكد على عظمة ما وهبنا أياه الخالق ، هبة العقل ، و حق الأنسان فى أعمال العقل فى كل شىء ، و عدم الأستسلام أو التصديق بكل ما نسمعه أو بكل ما نقرؤه ، و طريق العقل طريق وعر فى شرقنا ، و لا سيما لدى تناول تراثنا ، للتمييز بين ما هو عقلانى فيه  ، و لا عقلانى .
لقد أكتفى كتاب فى دراساتهم للأستشراق بتسويق مواقف الرفض و الأدانة للعاملين فى هذا الميدان ، و حذروا الآخرين من قبول طروحات المستشرقين ، و لم يحاولوا البحث عن منهج ناضج يتماهى مع عصرنا ، أو أيجاد و سيلة صحيحة فى مواجهتنا مع الآخر ، أو التصدى لهم ، و هذا يشير الى وجود عطب فى منهجنا و ما أنتجه ، فقد ظلت كتابات العديد من كتابنا شبيهة بصراخ مدو أمام المرايا المحدبة ، داخل منازلنا ، لا نسمح لأحد أن يرانا أو يسمعنا أو يصفنا ، سوى أنفسنا ، و لن يطال قامتنا أحد ، لأننا فوق الوصف و فوق التصنيف ، و لا يشبهنا أحد . و من يقول  عنا شيئا لم نألفه ، نصفه بنعوت ما أنزل الله بها من سلطان ، مما يدل على بؤس تلك الكتابات ، التى تنوس بين فضاءات بهرجة الأنشاء ، اذ تعبر عن عقلية هاجعة ثاوية فى زوايا لا ترى النور، كتابات مكابرة معاندة ، و هذا يعنى أننا ما زلنا عاجزين عن تمثل تراثنا بشكل صحيح ، و لا يتعين أن  يمسه الا المطهرون ، و نقف أمامه اجلالا ، للتبرك و المفاخرة .
و لا يكل حسين أو يمل من تحليل و مناقشة طروحات الكتاب العرب عن الأستشراق من المجموعتين اللتين أشرنا أليهما فى ما تقدم ، و يطرح نهجا جديدا فى تقييم  الأستشراق و الأوروبى منه على وجه التحديد ، قائم على اعمال العقل فى دراسة  كتابات المستشرقين و التمييز بين ما هو منطقى وبين ما يخالف العقل و المنطق .
أن الجزء الأكبر من الكتابات العربية عن أعمال المستشرقين ، تكاد تقتصر عل ألصاق تهمة التبشير بمعظم المستشرقين , و هذا بلا أدنى شك  ينم عن تعصب دينى و تضليل .
يقول حسين : لم نقرأ أن مستشرقا أدخل أناسا الى دينه ، فللمستشرق اهتماماته العلمية الخاصة ، و لهذا فالزوابع التى أثيرت حول دور المستشرقين التبشيرى لهى زوابع مفتعلة ، الغرض منها هو تخويف الناس ( بفزاعة و همية ) لكيلا يطلعوا على النتاج المعرفى الذى توصلوا اليه ، و هم – أى كتابنا – يربطون بين أمرين بعيدين عن بعضهما .
و يورد حسين نماذج من هذه الكتابات العربية  البائسة ، لا نرى ضرورة لأيراد مقتطفات منها ، فهى تكاد أن تكون هى النموذج السائد فى كتابات المتزمتين .  و فى مبحث آخر يحمل عنوان
 " الأستشراق ، العنصرية ، و الحقيقة " يناقش حسين  كتابات عدد من المستشرقين الغربيين  المتحيزين ، الذين ، لا تتصف كتاباتهم بالموضوعية ، بل ينم عن  التعصب بشتى أشكاله و عن النظرة الأستعلائية الى الحضارة الأسلامية .
و فى الفصول التالية ، يطور حسين أفكاره – التى المح اليها سابقا - بشىء من التفصيل ، و لعل عناوين هذه الفصول تنبىء عن محتواها " المستشرقون فى سلة واحدة جميعا (!) " و " ما الغاية من الحوار ؟ و من يحاور ؟ " و " فى ضعفنا تكمن قوة الآخرين " و " الحرية و العقل صنوان "
و فى المبحث الذى  يحمل عنوان " الأستغراب .. و هل هو ممكن ؟ "
 سؤال يطرح نفسه بألحاح : لماذا لا نقوم نحن أهل الشرق بدراسة الآخر .. أى دراسة مجتمعات و ثقافات بلدان المستشرقين ؟ . يجيب أدوارد سعيد على هذا السؤال المشروع بقوله : ان هذا الأمر غير ممكن ، ففى الجغرافيا التخيلية و تمثيلاتها ، لا يحتمل أحد حقلا مناظرا له اسمه
 " الأستغراب " ، الا أن " ريتشارد سوذرن "  يرى أن هذا العمل عمل مشروع و منطقى ، و مبرر – نظريا – حتى نخفف عن أنفسنا عبء اتهام الآخرين بالتحامل علينا و لنرى صورة الغرب التى انعكست على مرايا ( الشرق ) و لأن رؤية الآخر ضرورية ، أو فرع لرؤية الذات .
و يبقى الفصل الأخير من كتاب حسين ، " نبذ من انجازات بعض كبار مستشرقى القرن العشرين " و هو فصل مشوق و ممتع يكشف عن الخدمات الجليلة ، التى أسداها فطاحل المستشرقين  للشرق العربى الأسلامى  عن طريق استخدام المناهج العلمية الموضوعية فى دراسة  التراث الشرقى الأسلامى و الحضارة الأسلامية  وجوانب حياة المجتمعات  العربية .
 
ما الجديد فى كتاب " الأستشراق برؤية شرقية " ؟
أشرنا فى ما تقدم  أن حسين تساءل فى مقدمة الفصل المعنون " فى المرايا المحدبة .. لا يشبهنا أحد "  ما الداعى لأضافة كتاب أو رقم جديد الى ما كتب عن الأستشراق ؟
لقد أصطحب حسين قارئه فى جولة فكرية ممتعة و شاملة  فى عالم الأستشراق  : جذوره و تطوره و انجازاته و أعلامه البارزين و منهجهم فى دراسة الشرق و بموضوعية قل نظيرها .
 كتاب حسين حمل الينا العديد من الأفكار و الرؤى و  و الطروحات الجديدة ، التى نادرا ما تجاسر أحد من الكتاب العرب على طرحها على بساط البحث و النقاش .
لقد أستمتعت بقراءة هذا السفر الفريد ، ليس فقط لمحتواه الباذخ ، بل لأن أسلوب المفكر و الباحث الدكتور محسن محمد حسين  الشائق ، نسيج و حده ، و ممتع ، بل أكاد أقول أن هذا الأسلوب أصبح علما عليه .
 و قبل أن أختم هذه الملاحظات حول كتاب " الأستشراق برؤية شرقية " لا بد لى من الأشارة الى أن العنوان الأصلى للكتاب كان " الأستشراق: محاولة للفهم و لردم الهوة " و قد تم تغييره من قبل الناشر – دار الوراق -  و العنوان الجذاب الذى أختاره الناشر لا يدل على محتوى الكتاب ،بل على النقيض مما جاء فيه من طروحات  و آراء ، لأن  المؤلف قصد به ، تقديم رؤية جديدة للأستشراق ، تختلف جذريا عن رؤية المفكرين و الكتاب الشرقيين لهذا المجال المعرفى.
 و تبقى ملاحظة أخيرة و هى ان هذا الكتاب كان من ضمن الكتب الأكثر  مبيعا فى معرض الكتاب الأخير  فى الرياض ، بالمملكة العربية السعودية .
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com


73
نيكولاى مار و أصل الكورد و لغتهم

                                                                                                                          جودت هوشيار
1 – مقدمة
 
دأب عدد من المستشرقين الروس ، يشايعهم فى ذلك بعض الباحثين الكورد ، على أعتبار العالم الآثارى و اللغوى الجورجى نيكولاى مار  Nikolai Marr ( 1865-1934) كوردولوجيا بارزا و كيل المديح له كعالم خدم الكورد  بالكشف عن الجذور الـاريخية لأصلهم و لغتهم   و تصدى لستالين في قضية طبقية اللغة. بيد أن هذه المزاعم  لا تمت الى الحقيقة بصلة ،  ذلك لأن اسهامات هذا العالم فى " الكوردولوجيا " تكاد لا تذكر ، بل على النقيض من ذلك ، أسهمت آرائه الخاطئة و المضللة حول أصل الكرد و لغتهم فى أشاعة البلبلة و التشويش فى حقل الكوردولوجيا الروسية على أمتداد فترة طويلة ، و لم يتم التخلص من بعض الآثار السلبية لهذه الآراء حتى  اليوم
.
وردت هذه الآراء فى  مقال شهير نشره " مار  Marr " عن الكرد و لغتهم فى العام  1912، تحت عنوان (  مرة أخرى عن كلمة جلبى  : حول الأهمية الثقافية للشعب الكوردى فى  تأريخ آسيا الأدنى )(1) ، فى سياق  جدل ساخن أثير فى بداية القرن العشرين  بين عدد من المستشرقين الروس عن معنى كلمة " جلبى " .و قد أدلى " مار " بدلوه فى هذا الموضوع ، و ليته لم يفعل ! . فى مقاله سىء الصيت  تحدث " مار " عن أصل كلمة " جلبى " و مدلولاتها المختلفة فى اللغات الكردية و التركية و العربية ،.ويمكن أن يقال عن هذا  المقال ،  أنه حق أريد به باطل ، ذلك لأن " مار " فى الوقت الذى يشير فيه الى بعض الحقائق التأريخية التى توضح دور الكرد الفعال فى التأريخ الثقافى لشعوب الشرق الأدنى و أسهامهم فى  خلق الآثار الثقافية الرفيعة لشعوب ما وراء القفقاس ، و قيامهم بدوركبير خلال الفترة الممتدة من القرن العاشر و حتى القرن الثالث عشر ،  فى تثبيت الأقطاع  فى آسيا الصغرى ، فأنه لم ينظر الى  التأريخ الكردى ، كتأريخ الكرد أنفسهم  و كشعب مستقل و متميز ، بل كتأريخ " اليافتيين "  (  الجورجيين ، الخالديين ، الأرمن ) و قد رفض الأصل الأيرانى للكرد و لغتهم .  و أكد ان أصل الكرد يافتى و كذلك لغتهم ، فهى  أيضا يافتية . و كتب  قائلا :
" ان المصادر الأساسية kard, resp. kord  تتطابق و اساس التسمية العرقية عند الجورجيين أنفسهم ، كما فى  qard الجورجية و qord-u المينكريلية (2) ..  و على هذا النحو لن نندهش اذا رأينا  بمضى الزمن ان التجارب الفعلية  سوف  تؤكد تطابق الهوية ألأصلية للكاردوخيين ( الكرد ) و الكارتيين ( الجورجيين ) ، هؤلاء الذين أنفصل بعضهم عن البعض الآخر منذ  ألف سنة . و من الواضح ان اللغة الكردية – و الكلام ما زال لمار -   قد  تعرضت الى تغييرات  جوهرية  ، و أستعاضت عن اليافتية بالآرية .  ثم يشير ألى " ان جميع  المعانى الدينية و الأجتماعية لــ " جلبى " مستخدمة فى اللغة الكردية  ذاتها  على نطاق واسع بين الشعب الكردى  و  قبل وقت طويل من  بداية القرن الرابع عشر . و من المرجح ،  قبل التحول الكامل للغة هذا الشعب العريق الى  الأيرانية ."
 

و يبدو ان بعض الباحثين الكرد  قد انخدع بالعنوان الفرعى لمقال " مار " و هو ( الأهمية الثقافية للشعب الكردى ) من دون تمحيص و تحليل لمضمون المقال أجمالا ، لأن مار يخلط هنا  السم بالعسل ، و لا يجوز التسليم بآرائه اللاعلمية حول أصل الشعب الكردى التى تتعارض تماما مع الحقائق التأريخية ، لمجرد أنه أشاد بالشعب الكردى ( اليافتى حسب زعمه ) .
 
 
 
 و نظرا لمكانة مار فى أكاديمية العلوم  الروسية كعالم آثار و باحث  متخصص فى اللغات القفقاسية  ، أثار هذا المقال أهتماما كبيرا بعد نشره و  ظهرت آثاره التحريفية فى مؤلفات  بعض تلامذته من المستشرقين ومنهم " فيلجيفسكى " و " ميللر " فعلى سبيل المثال لا الحصر، زعم "فيلجيفسكى"  ان الكرد ينتمون الى أصول مختلفة و يتكلمون بلغات و لهجات متباينة .
 و بعد مرور  فترة طويلة على سيادة آراء " مار " حول الكرد فى الأوساط الأستشراقية  خلال العهد الستالينى، كرر فيلجيفسكى هذه المزاعم عندما كتب مادة الكرد و كردستان فى "الموسوعة التأريخية السوفيتية " و كذلك فى كتابه المعنون " مقدمة فى  تأريخ أثنوغرافيا  الشعب الكردى " الصادر فى موسكو فى العام 1961.
و قد تصدى العالم الكردى الكبير " قناتى كوردوييف "  لهذه الآراء بقوة وحزم ، حيث نشر – بعد زوال فترة الجمود العقائدى أى فى  فترة  ما سمى بـ" ذوبان الثلوج " -  دراسة علمية  رصينة ، فند فيها بأدلة دامغة مزاعم " مار " و" فيلجيفسكى "  و"  ميللر " (3)
 
2 – من هو نيكولاى مار ؟
 
و  الآن من حق القارىء أن يعرف ! من هو هذا العالم اللغوى ؟ ، الذى حاول تشويه و تحريف أصل الكرد و تأريخهم و ثقافتهم ، و لم يسهم بأى عمل علمى  ذى قيمة ، فى تطوير الكردولوجيا " على الأطلاق، بل على النقيض من ذلك تماما ، ألحق أفدح الأضرار بالدراسات التى تتاول اللغة الكردية و جذورها التأريخية و حرفها عن مسارها الصحيح طوال  العهد الستالينى .
 
و لد " نيكولاى مار "  فى  جورجيا فى العام 1865 من أب سكوتلندى و أم جورجية ، و درس علم الآثار . و بعد تخرجه فى الجامعة ، أسهم فى بعض البعثات الآثارية فى القفقاس و نشر عددا من الدراسات العلمية حول  آثار و تأريخ و أثنوغرافيا شعوب القفقاس .و لكن هذه الدراسات لم تلق أهتماما كبيرا . و لم يبرز فى حقل تخصصه  ، و فى ما بعد أشتهر بدراساته حول اللغات القفقاسية ، و التى أهلته لنيل عضوية أكاديمية العلوم الروسية فى العام 1912.
وخلال الحرب العالمية الأولى عمل ضمن لجنة أنقاذ الآثار العلمية والثقافية و التراثية فى جبهة القفقاس ، ممثلا لأكاديمية العلوم الروسية ، بالأشتراك مع العالم الأرمنى الشهير الأكاديمى " أوربيللى ". كما قام ضمن بعثة مع " أوربيللى "  أيضا بأجراء التنقيبات الآثارية فى بعض مناطق  كردستان الشمالية ،التى أحتلها الجيش الروسى  فى أوائل الحرب العالمية الأولى ، بيد أن  البعثة الآثارية الروسية  أضطرت الى مغادرة تلك المناطق بعد أنسحاب الجيش الروسى منها   .
وفى العام 1918 أسهم مع عدد من المستشرقين و بدعم من " معهد لازاريف للغات الشرقية " بتأسيس معهد " الشرق الأدنى " الذى أطلق عليه اسم " المعهد الأرمنى " و قد أستمر نشاط المعهد الأخير الى حين تأسيس"معهد اللغات الشرقية الحية " فى موسكو "معهد الأستشراق " حاليا . و قد أستطاع " مار"  تدريجيا من أزاحة كافة منافسيه عن طريقه  ، وكان العام 1930 مثمرا للغاية بالنسبة اليه ، ففى هذا العام – كلف و هو العالم المستقل ، أى غير المنتمى للحزب البلشفى – بألقاء كلمة العلماء السوفييت فى المؤتمر السادس عشر للحزب . و يبدو أن " ستالين " قد أعجب ، أيما أعجاب ، بآراء " مار " ، تلك الآراء التى كانت تتفق تماما مع آراء ستالين فى الصراع الطبقى و البناء الفوقى الجديد للمجتمع السوفييتى . و قبل على الفور عضوا فى الحزب البلشفى بناءا على رغبته و بترشيح و مباركة ستالين شخصيا و هو أمر كان نادر الحدوث أو على نحو أدق ، لم يحدث على الأطلاق لا قبل " مار " و لا بعده .، مما أتاح له التوسع فى نشاطاته و بسط نفوذه على معاهد البحوث اللغوية و أكاديمية العلوم السوفيتية و منحه " ستالين "  أرفع وسام فى العهد السوفييتى و هو وسام " لينين " الذى لم يكن يمنح سوى للشخصيات التى قدمت خدمات جليلة للدولة السوفيتية ..
 
3 – نظرية "مار " اللغوية أو النظرية اليافتية .
 
تستند  نظرية "مار " اللغوية الى تحليل اللغات القفقاسية ، التى سماها باللغات " اليافتية "
. وهذا الأسم مشتق من اسم " يافيت " الوارد فى الأنجيل .
الفكرة الأساسية لنظرية " مار " كانت بسيطة و بدائية ، فحسب نظريته ( اللغة بناء فوقى على أساس الأنتاج و العلاقات الأنتاجية ، شأنها فى ذلك ، شأن الأدب و الفن .)
ورغم ان هذه  ( النظرية ) كانت زائفة ، الا أنها ولدت أفتراضات " مار " الأخرى، الأكثر خطورة ، حيث طرح " مار " مسألة مرحلية اللغة ، عندما ينتقل المجتمع من شكل أقتصادى – أجتماعى ألى آخر ، تنتقل اللغة أيضا الى حالة نوعية جديدة .و أعلن "مار " بأنه فى هذه الحالة يحدث تفكك التركيب القديم للغة و بضمنه قواعد " النحو " و بعد ذلك تظهر عمليا ، لغة جديدة و لكنها تحتفظ فى داخلها بكثير من عناصر اللغة القديمة . و حسب رأيه كان من المفترض أن تظهر فى روسيا لغة روسية جديدة بعد ثورة أكتوبر .

 
 وقد تصدى لهذه النظرية الفاسدة كثير من علماء اللغة و فى مقدمتهم " بوليفانوف " .
 و أفتراض آخر لــ " مار " لا يقل عن الأفتراض السابق فسادا و زيفا ، وهو " طبقية اللغة " .
كان " مار " يعتقد ، بما أن كل بناء فوقى أيديولوجى ، يتصف بالجوهر الطبقى ، لذا فأن اللغة أيضا بصفتها بناءا فوقيا ، تعتبر طبقية أيضأ .
 
و لعل أغرب ما جاء فى نظريته : " ان كل لغات العالم – و بضمنها اللغة الكردية – نشأت من أربعة عناصر أساسية ، كانت فى الأصل ، مسميات قبلية قديمة ، و هذه العناصر هى : ( روز ، ايون ، بير ، سال ) . و لكن لم يستطع أن يفسر ، لم هذه العناصر تحديدا هى أساس كل الكلمات ! و حين سئل " مار " لم أربعة عناصر و ليس أكثر أو أقل ، أجاب : " ان للأرض أربع جهات ، لذا يجب أن تكون هنالك أربعة عناصر  .
 
لم يكن " الماريزم " نظرية علمية فقط ، بل حركة داخل العلم ، تولدت بفعل ظروف عبادة  شخصية " ستالين " , و بما أنها كانت فى البداية نظرية جديدة و جذابة ، فأن النظرية " اليافتية " أحتلت قمة علم اللغة السوفيتى  . و من عليائه كان الزعيم الحكيم " ستالين " ، ينظر الي هذه النظرية  بعين الرضا ، أما الآراء المخالفة للماريزم ، فقد كانت تعتبر غير ماركسية أو بتعبير آدق ، مناهضة للماركسية و مثالية و بورجوازية !
 
فى تلك الفترة – أى فى العشرينات و الثلاثينات من القرن الماضى - ، كان كل شىء ينتمى الى  عهد ما قبل ثورة أكتوبر ، يعد غير مقبولة للمجتمع الأشتراكى الجديد . و لا شك أن  آراء " مار " الثورية الشبيهة بالشعارات ،  كانت محل أعجاب " ستالين " الذى كان يتصور أنه الخالق الوحيد للعهد الجديد . و الحق أن الزعيم لم يتدخل فى ذلك الوقت فى تفاصيل هذه النظرية ، حيث لم يكن لديه وقت للتفرغ للقضايا اللغوية ، فقد كان مشغولا بأعمال أهم وأخطر.
 
كان "مار " بحاجة الى معاونين أذكياء . العالم اللغوى البارز " بوليانوف " الذى كان على معرفة جيدة ب " مار " و تقبل فى البداية بعض آرائه ، رفض التعاون معه . و لكن فى الثلاثينات كان قد ظهر جيل جديد من اللغويين مستعد لتلبية ( حاجة العصر ) و متطلباته . أحد هؤلاء الأتباع كان لغويا أسمه " فيدوت فيلين " و كان فى الرابعة و العشرين من عمره حين نشر فى العام 1934 مقالا يحمل عنوانا ملفتا للنظر ( ضد العصابة البورجوازية فى علم اللغة " هاجم فيه زميله " لومتيف " البالغ من العمر آنذاك  26 عاما .
كتب  فيلين  يقول " يقدم الينا  لومتيف  عصابة فاشستية – بورجوازية تحت راية الكلمات الماركسية و لا يأخذ فى الحسبان أن ما قدمه كان بين جدان ( أكاديمية شيوعية ) .
 و الجدير بالذكر أن  فيلين   هذا " كتب فى العام 1976 أى  بعد أربعة عقود من الزمن مقدمة لمختارات من أعمال لومتيف :،  المتوفى فى العام 1972، و تطرق فيها الى سيرة حياته و ثمن عاليا مقالاته خلال عقد الثلاثينات من القرن الماضى .
فى العام 1929 كتب العالم السويدى اللغوى " هانس شيلد " أذا نزعنا غطاء المقولات الماركسية الذى يشكل السطح الخارجى لأوهام  مار  لن يبقى فى نظريته سوى  الماريزم  .
 
 شيئا فشيئا كلما أرتفع علم الماريزم  فوق برج علم اللغة السوفييتى ، حدثت أشياء غريبة شتى مع أفضل علماء اللغة .و لا يدور الحديث هنا عن اللغويين الذين ( أدركوا ) أفضلية الوحدانية فى اللغة و عملوا تحت لوائها ، عندما كان  مار  ما يزال على قيد الحياة ( توفى فى العام 1934 ) . هذه الوحدانية الأنفرادية التى كانت سمة رئيسية للعهد الستالينى ، و لا عن أولئك اللغويين الذين فضلوا الأنضواء تحت لواء الماريزم  بعد وفاته، و لا عن أصحاب  النفوس المريضة الذين أنضموا الى الماريين لتحقيق مصالح آنية ضيقة.
 
لقد سادت نظرية مار عن اللغات اليافتية  طيلة العهد الستالينى تقريبا ، ، حيث كانت تنسجم مع توجهات ستالين و طروحاته الفكرية حول البناء الأشتراكى ، و أصبحت هذه النظرية ، هى " النظرية اللغوية الوحيدة المقبولة فى الأتحاد السوفييتى  ،. و قد تم  أقصاء و قمع كل معارض لها فى صفوف علماء اللغة السوفيت ، بل وصل الأمر الى سجن و نفى و حتى  أعدام  العديد من خيرة علماء اللغة ، بتهمة معاداة الماركسية و البناء الأشتراكى . و  تبوأ مار أعلى المناصب ، كما أطلق اسم مار – عندما كان ما يزال على قيد الحياة - .  على  المعهد اللغوى الذى كان يعمل فيه . و بعد و فاته فى عام 1934 أزدادت مكانته رسوخا ، و كان أنصاره و تلامذته ، هم سادة (الجبهة اللغوية ) ان جاز التعبير .
 
فى العام 1949 عقدت هيئة رئاسة أكاديمية العلوم فى الأتحاد السوفييتى جلسة خاصة لمناقشة الوضع الراهن فى الجبهة اللغوية – حسب تعبير الأكاديمية – و أنتهى الأجتماع بصدور قرار يعتبر نظرية  مار  اللغوية هى النظرية المادية الماركسية الوحيدة ، كما قرر أزالة كل ما يتعارض معها ، بلا هوادة .
 
ستالين ونهاية نظرية مار اللغوية
 
و على حين غرة ، حدث ما لم يكن فى الحسبان ، و ما لم يكن يتوقعه أحد .ففى التاسع من أيار عام 1950 ، كتبت جريدة البرافدا تقول " بسبب الحالة غير المرضية لعلم اللغة السوفييتى ، فأن هيئة التحرير ترى من الضرورى  فتح باب النقاش الحرعلى صفحات الجريدة  و ذلك فى سبيل تجاوز حالة الجمود فى تطور علم اللغة السوفييتى و تحديد الأتجاه الصحيح  للبحث العلمى فى هذا المجال عن طريق النقد و النقد الذاتى " .
 
و مما زاد الأمر أثارة و دهشة ، ان الجريدة  فتحت باب  النقاش بمقال للعالم اللغوى الجورجى ا.س. جيكوبافى  - الذى كان يوصف فى الصحافة السوفيتية بالعالم اللغوى البورجوازى -  تضمن نقدا لاذعا لنظرية مار اللغوية و بين بكل جلاء و دقة بأنها نظرية لا علمية و دافع عن علم اللغة التأريخى المقارن . فى وقت كان كل من يغامر بتوجيه أقل نقد الى نظرية مار اللغوية يصنف فى خانة " معاداة  النظام الأشتراكى و الترويج للأفكار البورجوازية "
وفى البداية التزمت الجريدة ظاهريا  جانب الحياد ونشرت على مدى أكثر من شهر
و فى يوم الثلاثاء من كل أسبوع ، عشرات المقالات المؤيدة و المعارضة لنظرية ماراللغوية على حد سواء .
يقول ا.س. جيكوبافى فى مذكراته المنشورة فى اوائل السبعينات من القرن الماضى .
 " فى  بداية شهر نيسان سنة 1950 ، أبلغتنى السلطات المختصة فى جمهوريتنا ( يقصد جمهورية جورجيا السوفيتية ) أن أستعد للسفر الى موسكو خلال الأيام القريبة القادمة لمناقشة بعض المسائل اللغوية فى سكرتارية الحزب الشيوعى السوفييتى و أن أتهيأ لمثل هذه المناقشات مسبقا . و فى مساء العاشر من نيسان سافرت الى موسكو ضمن وفد ضم كذلك السكرتير الأول للحزب الشيوعى و، و رئيس الوزراء و أثنين من الوزراء فى جورجيا .
و عند وصولنا الى موسكو توجهنا على الفور الى البيت الريفى لستالين ، حيث أقتصر حديثنا معه على مسائل لغوية فقط .
فى بداية الأجتماع أبدى ستالين ملاحظاته حول الجزء الأول من معجم اللغة الروسية الذى صدر قبل ذلك بقليل ، ثم ناقشنا نظرية مار اللغوية . و تقرر فى هذا الأجتماع أجراء مناقشة عامة و علنية حول هذا الموضوع . و كلفنى بكتابة مقال يكون بمثابة نقطة أنطلاق لأثارة مسائل اللغة و مناقشتها . و استطرد ستالين قائلا : " ستنشر مقالتك اذا كانت جيدة . وهذا هو تقريرك ، أعيده اليك " و وضع ستالين على المائدة التقرير ،  الذى كنت قد أعددته حول ( مراحل تطور اللغة ) " و قال على الفور مستدركا : سأحتفظ بالتقرير حاليا و سأعيده اليك بعد الأطلاع على المقال الذى طلبت منك كتابته . "

و  يمكننا اليوم أن نتصور ما كان يشعر به جيكوبافى فى تلك اللحظة  فى حضرة ستالين ،  بعد سنوات من الأعتزال فى صومعته فى جورجيا ، تجنبا لملاحقة السلطات له كمعارض للنظرية اليافتية ! و بطبيعة الحال ، فأن هذا اللقاء و ما دار فيه  ظل سرا الى ان كشف عنه جيكوبافى فى مذكراته بعد أكثر من عشرين عاما .
 
و أخيرا فى 20 حزيران  ظهر على صفحات الجريدة مقال ستالين " حول الماركسية فى علم اللغة " و قد تم على الفور أصدار كتيب بملايين النسخ يتضمن مقال ستالين ( العبقرى ) على حد وصف الصحافة السوفيتية آنذاك .
قال ستالين عن  " مار " أنه عزل اللغة عن التفكير ، عندما  زعم بأن التفاهم و التواصل بين البشر يمكن أن يتم من دون اللغة  بمساعدة التفكير المتحرر من تأثير الطبيعة المادى .
و مضى ستالين قائلا:
 أن عزل التفكير عن اللغة و تأثيرها المادى أوقع " مار " فى مستنقع المثالية .
بعد هذا المقال الفصل جرى  التأكيد بأن " الماركسية فى علم اللغة " تتمثل فى ذلك الأتجاه الذى كان يوصم بالبورجوازية من قبل ، و حصل تبادل فى الأدوار بين علماء اللغة . أنصار ( الماريزم ) الذى كانوا يحتلون المناصب القيادية فى معاهد البحوث اللغوية و فى أكاديمية العلوم ، أصبحوا منبوذين بين ليلة و ضحاها  ، أما المعارضون لـ ( الماريزم ) الذين كانوا مهمشين فى السابق ، فقد تقدموا الصفوف ليحتلوا تلك المناصب . كل ذلك بمقال " عبقرى " أو أشارة من " الأخ الأكبر"
و نرى على هذا النحو كيف أن العلم يسيس  فى ظل أى نظام دكتاتورى و كيف تنقلب الأمور  رأسا على عقب  حسب مزاج " الأخ الأكبر " . و لكن  لا شك أن " نظرية اللغات اليافتية " التى ألحقت أفدح الأضرار بعلم اللغة ، تستحق ما آلت اليه من مصير ، لأنها منذ البداية كانت نظرية مصطنعة و زائفة ،  معزولة عن التطور التأريخى  للغات العالم و بضمنها اللغة الكردية .
الهوامش :
(1)   ن . ي . مار  ، مدونات القسم الشرقى للجمعية الآثارية الأمبراطورية الروسية ، سن بطرسبورغ ، 1912 ، المجلد 20 ، ص 99 – 151
(2)    المينكريلى : تسمية للألفباء الحديث الذى يستعمل فى اللغة الجورجية غير اللاهوتية ، و لهذه اللغة ألفباء آخر يستعمل لتدوين النصوص الدينية ,
(3)   ق . كوردييف ، نقد الآراء  الخاطئة حول  اللغة الكردية  ، مجلة اخبار معهد الأستشراق ، 1955 ، المجلد 12 ، ص 43-61
--------------------
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com


74
المنبر الحر / دولة الأستمارات
« في: 20:30 28/05/2012  »
دولة الأستمارات

                                                                                                                              جودت هوشيار
 
 
عندما كنت أعمل بوظيفة ( رئيس مهندسين ) فى أحدى المنشآت الهندسية التابعة لوزارة الصناعة و المعادن فى عقد الثمانينات من القرن الماضى ، كانت ترد الينا على نحو شبه يومى ، أستمارات عديدة ، سواء من مقر الوزارة أو من الوزارات الأخرى ، تطلب فيها الجهات المرسلة بيانات و معلومات عن كل ما يخص أنشطة المنشأة فى المجالات التخطيطية و الأنتاجية و المالية و التجارية أو التسويقية و عن القوى العاملة و التدريب و الأيفادات , و غيرها كثير .
لم تكن الحاسبات الألكترونية تستخدم على نطاق واسع آنذاك ، لذا كان ملأ تلك الأستمارات ، عملا روتينيا مملا و الأهم من ذلك أنه كان يستنزف جهود عدد كبير من المهندسين و الأداريين و غيرهم و يستنزف الوقت الذى كان يفترض أن تكرس للأنتاج و التطوير .
و لكن الأسوأ من ذلك ، كانت تلك الأستمارات الواردة من رئاسة الجمهورية بتوقيع رئيس ديوان الرئاسة أو سكرتير رئيس الجمهورية . حيث كان المدير العام يقرأ محتويات الأستمارة بيد مرتعشة و يستدعى مدير القسم المعنى على الفور و يطلب منه أتخاذ ما يلزم بأقصى سرعة ممكنة . و أتخاذ اللازم يعنى بقاء العاملين فى القسم فى حالة أنذار حتى أنجاز المهمة ! و يتم منع الأجازات الأعتيادية عنهم و لا يسمح لهم بمغادرة المنشأة – حتى بعد أنتهاء الدوام الرسمى – قبل أكمال الأستمارات المطلوبة و تدقيقها مرات عديدة و أرسالها الى الجهة الطالبة على وجه السرعة .
و من كثرة الأستمارات المتداولة فى العهد البائد ، أطلق مدير عام ديوان الوزارة فى ذلك الحين على الدولة العراقية ، أسم دولة الأستمارات .
لا أدرى لم تذكرت أستمارات النظام السابق ، و أنا أقرأ خبرا مفاده أن وزارة التعليم العالى و البحث العلمى قد عممت أستمارة معلومات أستخباراتية على كافة منتسبيها ، مما اصابهم " بالذعر " على حد و صف رئيس لجنة التعليم العالي البرلمانية عبد ذياب العجيلي ، الذى طالب
رئيس الورزاء بالتدخل شخصيا لحل هذة القضية.
وأوضح العجيلي في البيان الصادر عن مكتبه، أن اعدادا كبيرة من اساتذة وموظفي الجامعات العراقية تقدموا بالشكوى الى لجنة التعليم العالي البرلمانية بسبب استمارة طلب المعلومات التى قدمت لهم من قبل وزارة التعليم العالي، مبينين أن هذه الاستمارة بعيدة عن تخصص وزارة التعليم العالي وهي معلومات استخباراتية تتضمن الاسم الكامل وجواز السفر والدول التى سافر اليها وكذلك معلومات عن الزوجة والزوج ومعلومات عن الاب وعمله السابق والحالي ومعلومات عن الام وعملها السابق والحالي ومعلومات عن الاعمام والاقارب وكذلك الاخوة والاخوات وعنوان سكنهم وعملهم.
وأضاف ان الغريب من الامر طلب معلومات عن الاصدقاء ومعلومات عمهلم الحالية والسابقة، مشيرا الى أن هذه المعلومات اصابت منتسبي وزارة التعليم العالي بالذعر كونها معلومات استخباراتية بعيدة عن المهنية.
وناشد العجيلي رئيس الورزاء بـ "التدخل شخصيا لحل هذة القضية ، كون هذا النوع من طلب المعلومات"، لا يوجد في الدول الديمقراطية المتقدمة التى تسعى الى تغيير سياسي مضيفا ان هذا المعلومات فيها البعد الاستخباري أكثر من الجانب التعليمي .
و اذا كانت ( الأستمارات ذات البعد الأستخبارى ) سمة للبعث الفاشى ، الا أن حكومة البعث كانت تتابع و تراقب و تطلب فى الوقت ذاته ، معلومات تفصيلية ‘عن أنشطة مفاصل الدولة المختلفة ، و لم تكن ( الأستمارات الأستخباراتية ) الا جانبا منها . أما حكومة البعث الجديدة برئاسة العلامة الفهامة نورى المالكى فلا علاقة لها ، لا بالمنشآت الأنتاجية و لا بمشاريع التنمية و لا بالخدمات العامة و لا تراقب أو تتابع أو تحاسب أحدا و لا تطالب بتقارير أو بيانات أو معلومات عن الأداء الحكومى أو مدى تنفيذ الخطط التنموية– و هل ثمة خطط تنموية حقا ؟ - أو تطور الأقتصاد الوطنى و غيرها من مجالات العمل و الأنتاج ، فهى مشغولة بما هو أهم من ذك ، أى بكل ما ما من شأنه ترسيخ النهج الدكتاتورى لرئيس الحكومة - المتشبث بمنصبه حتى الممات - و شلته ، التى اطلق عليها أحد الكتاب الأسلاميين المنشقين أسم ( المافيا ) و التى تتكون من زمرة صغيرة تحتكر السلطة و تسرق المال العام و تتجاوز على القانون و تنتهك حقوق الأنسان و تصفى المعارضين بتهم ملفقة و تحمى الفساد و الفاسدين .
هذه الفئة الضالة المضللة ، التى ترفع الشعارات الدينية البراقة - لخداع الجماهير البسيطة الكادحة المحرومة من كل نعم الحياة - ، لا هم لها سوى البقاء فى السلطة ، و هى مجموعة من أنصاف المتعلمين و أشباه المثقفين  ، قذفت بها الأقدار ( من الطهارة الى المنارة ) كما يقول المثل الشعبى العراقى  و لم تتفتق ( عبقريتها ) عن شىء جديد ، فأستعارت من النظام البعثى ، أساليبه فى أدارة دفة الحكم ، و سخرت أمكانيات الدولة لشراء الذمم و التجسس على المواطنين و كتم أنفاسهم و تصفية كل من يتجاسر على رفع صوته للأحتجاج على الأوضاع المزرية التى يعيشها العراقيون و العراقيات فى ظل أدارة المالكى الفاشلة ، و ما هذه ( الأستمارات البعثية الجديدة ) سوى دليل أضافى على ان الفئة الحاكمة ، التى تنتهك بنود الدستور العراقى و المواثيق الدولية حول حقوق الأنسان  , و تدربت على أساليب التجسس و القمع و أنتهاك الحريات و الخصوصيات ، لا تتقن مهنة سواها .
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com
 
 
|
 
 

75
تجارة التعذيب فى عراق المالكى

                                                                                                                            جودت هوشيار

 
قالت منظمة  هيومن رايتس ووج " Human Rights Watch " فى تقرير لها  ( مؤلف من ثمان صفحات ) نشر مؤخرا ، أن فى العراق سجون سرية ، يجرى فيها أبشع أنواع التعذيب الجسدى و النفسى بحق المعتقلين . و تقول " صحيفة Los Angeles Times  " الأميركية  فى عددها الصادر فى منتصف هذا الشهر ، ان كل ذلك يجرى بعلم و موافقة و أشراف رئيس الوزراء العراقى نورى المالكى  .
و جاء فى تقريرالمنظمة " ان العديد من السجون السرية ، ما زالت غاصة بالسجناء ، رغم أعلان الحكومة العراقية قبل حوالى سنة واحدة ، أغلاق جميع السجون السرية فى البلاد "
و يضيف التقرير أن الأعتقالات الجماعية التى جرت خلال شهرى أكتوبر و نوفمبر من العام الماضى شمات المئات من العراقيين من دون توجيه تهم محددة اليهم و من دون أوامر قضائية ، بل لمجرد الأشتباه بمعارضتهم لنظام المالكى . كما جرت أعتقالات جماعية مماثلة فى شهر آذار الماضى قبيل أنعقاد القمة العربية فى بغداد و لم يطلق سراح معظمهم لحد الآن .
و يقول مدير فرع المنظمة فى الشرق الأوسط جو ستورك " أن على الحكومة العراقية أن تكشف على الفور أسماء و أماكن حجز جميع المعتقلين و أطلاق سراحهم و من ثم القيام بتحقيق مستقل حول عمليات الأعتقال و التعذيب و محاسبة كل من له ضلع فى أنتهاك حقوق العراقيين ."
القوات الأمنية العراقية تعتقل العراقيين و العراقيات على نحو غير قانونى ، من دون توجيه أى تهم و من دون أى محاكمة ، و تعزلهم عن العالم الخارجى تماما  و تسىء معاملتهم و تهين كرامتهم و تحشرهم فى زنزانات  تفتقر الى أبسط الشروط الصحية و الأنسانية.
و لم يتطرق تقرير المنظمة الى ظاهرة يعرفها كثير من العراقيين و هى ، ان التعذيب أصبحت تجارة تدر أموالا طائلة على المحققين و القضاة و السجانين و رجال الأمن و الشرطة ، حيث يتم بعد أعتقال أى شخص  ، الأتصال بذويه و الطلب منهم دفع مبلغ مالى محدد ، لقاء أعفاء المعتقل من التعذيب ، و عند الأمتناع عن الدفع ، يجرى تعذيبه على نحو أشد. و أمعانا فى ألحاق الأذى النفسى بذوى المعتقل ( زوجته و أطفاله و والديه فى أغلب الأحيان ) و أنتقاما منهم لأمتناعهم عن دفع المبلغ المطلوب ،  يتم  أحيانا السماح لهم بمقابلة المعتقل و ألقاء نظرة عليه و قد تحول الى أنسان آخر يصعب التعرف عليه و تبدو آثار التعذيب  الجسدى الوحشى واضحة على وجهه و أنحاء جسمه ، و هذا الأستخفاف بحياة البشر و كرامتهم ، أصبح سمة لحكومتنا الرشيدة و رجالها الميامين ! . و حتى عندما يستجيب اهل المعتقل مرغمين لتهديدات ( رجال الأمن و القضاء ) و يدفعون الرشوة المطلوبة ، يتوقف التعذيب لبضعة أيام ، ليستأنف بعدها و يتكرر الأتصال بذوى المعتقل ، لأبتزازهم من جديد .
التعذيب فى عراق المالكى بات روتينا يوميا فى السجون السرية المنتشرة فى طول البلاد و عرضها ، و سجن ( الشرف )  فى المنطقة الخضراء ليس الا واحدا منها ، و ربما لا تعلم المنظمة بمواقع  السجون السرية الأخرى .
إن أنتزاع الأعترافات بالأكراه و التعذيب إزداد في الآونة ألأخيرة ، أضافة الى تعطيل إجراءات إطلاق سراح الأبرياء الذين يبرئهم القضاء ، حيث لا يتم إطلاق سراحهم إلا بعد تسلم القائمين على السجون والمعتقلات مبالغ مالية باهظة من ذويهم .
و كما هى عادة الأنظمة القمعية ، فقد بادرت حكومة المالكى - التى تحتكر الحكم و تسرق المال العام  و تستخدم الأجهزة الأمنية  ضد معارضيها  لأزاحتهم ، ليس عن السلطة أو العملية السياسية فقط ، بل تصفيتهم جسديا أيضا -  الى أصدار بيان تنفى فيه ما جاء فى تقرير " منظمة  هيومن رايتس ووج " Human Rights Watch " من حقائق و أدلة دامغة موثقة أستنادا الى شهادات الضحايا و شهود العيان و زيارة السجون العراقية و بخاصة سجن ( الشرف ) السرى .
المالكى يقول دائما عكس ما يفعل ، حتى فقدت الكلمات معانيها ( الدولة ، سيادة القانون ، حقوق الأنسان ، القضاء العادل )
شعار " دولة القانون " خدعة لم تعد تنطلى على أحد ، بعد كل ما جرى و يجرى فى ظل حكم هذا الائتلاف ) . الذى ينتهك الدستور و القوانين النافذة و أستقلال القضاء و حقوق الأنسان  على نحو صارخ يوميا .أى أننا أصبحنا نعيش فى ظل أرهاب الدولة الرسمى المقنع بالكلمات المعسولة و التصريحات العنترية لجوقة المطبلين و المزمرين المقربين من القائد الضرورة الجديد ، و مما يثير السخرية حقا ، هو تأكيد رئيس و أعضاء الجوقة ، أننا نعيش فى ( دولة القانون ).. ألم أقل أن الكلمات فقدت معانيها فى عراق المالكى !
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com
 


76
محلل سياسى روسى ،يكشف عن خفايا التحالف الأستراتيجى بين العراق و أيران

                                                                                                                                  جودت هوشيار
 
كشف المحلل السياسى الروسى يورى شيغلوفين ، الأهداف الحقيقية لزيارة المالكى الى طهران، فى مقال تحت عنوان " أطار التحالف الأستراتيجى بين العراق و أيران ".
يقول شيغلوفين " ان الحظرالمفروض على تصدير النفط و الغاز الأيرانيين و اللذان يشكلان المصدر الرئيسى  للأيرادات فى ميزانية الدولة الأيرانية ، لم ينجح ، على خلاف التوقعات . فقد تمكنت أيران بعد فترة وجيزة من أيجاد مستهلكين آخرين ،(  العراق و باكستان و الهند ) بدلا من الدول الأوروبية
و يضيف شيغلوفين قائلا  " العراق بدأ يحتل مكانة مهمة ، ليس فقط بوصفه ، البلد الذى ساعد طهران على تجاوز العقوبات الأقتصادية المفروضة عليها ، و لكن بوصفه  أداة لتنفيذ عمليات لدعم الجماعات و الأنظمة الموالية لأيران .
 أن العقد الموقع بين العراق و ايران لزيادة الغاز الأيرانى المصدر الى العراق الى  25 مليون متر مكعب يوميا ، يندرج ضمن التحالف الأستراتيجى العراقى – الأيرانى المناهض لثورة الشعب السورى ضد نظام بشار الأسد . و قد تعهد العراق بتقديم الدعم الكامل للجهود الأيرانية الهادفة الى أنقاذ نظام بشار الأسد من السقوط مقابل بيع الغاز الأيرانى الى العراق بأسعارتفاضلية و أمكانية  أعادة تصدير الغاز الفائض عن حاجة العراق . و الأهم من ذلك ، السماح بأستخدام الأراضى العراقية لتهريب  الأسلحة و الذخائر الأيرانية التى يحتاجها الجيش السورى . و  أقامة قنوات أرضية دائمة لتقديم الخدمات اللوجستية للنظام السورى ، و هذا أمر فى غاية الأهمية فى ظروف الحرب الأهلية .
وقد قامت الحكومة العراقية فى شهر نيسان الجارى ، و بناءا  على طلب الحكومة الأيرانية بتحويل مبلغ 12 مليون دولار الى الحكومة السورية  لدفع مرتبات عناصر المخابرات و القوات الأمنية ، مما يساعد سوريا على تجاوز الصعوبات المتعلقة بشحة السيولة النقدية  بسبب العقوبات الأقتصادية ، التى شكلت ضربة قوية للقطاع المصرفى السورى .
كما لجأت كل من سوريا و أيران الى أستخدام المصارف العراقية لتحويل الأموال بين البلدين و بين طهران و الخارج  . و تشكل  هذه القناة تعويضا عن الشبكات المالية الأيرانية التى تم أغلاقها عمليا – نتيجة لجهود مكتب التحقيقات الفدرالى فى الولايات المتحدة -  فى الدول الأفريقية الواقعة على خليج غينيا .
و قد تم عقد هذا التحالف الأستراتيجى بين البلدين  ، خلال الزيارة التى قام بها رئيس الوزراء العراقى نورى المالكى يومى 22-23 نيسان الجارى الى طهران و  مباحثاته مع المرشد الروحى لأيران آيةالله على خامنئى .
و فى الوقت ذاته وافق العراق على اطلاق سراح جميع المعتقلين من اعضاء حزب الله اللبنانى الذين صدرت بحقهم  أحكام بالسجن من المحاكم العراقية لقيامهم بأعمال أرهابية فى العراق ضمن تشكيلات ما يسمى جيش المهدى ،  أدت الى قتل مئات العراقيين الأبرياء . و بين المعتقلين الأرهابى على موسى دقدوق ، الذى يدخل ضمن الحلقة المقربة من مقتدى الصدر .و من المهم ان نشير هنا الى ان عناصر جيش المهدى يقاتلون بفعالية جنبا الى جنب مع قوات النظام السورى  ضد الشعب السورى الثائر .
أن الهدف الحقيقى  لزيارة المالكى الى طهران ، هو تشكيل تحالف ايرانى –عراقى لأنقاذ النظام الأسدى الآيل للسقوط و تحويل العراق الى قاعدة للنشاطات الأيرانية الهادفة الى بسط نفوذها على المنطقة و التغلب على العقوبات الأقتصادية الدولية المفروضة على ايران و سوريا ، مقابل بقاء المالكى فى الحكم .
 
اذن لم يأت تصريح النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا رحيمي ، خلال استقباله رئيس الحكومة العراقية في 22 نيسان 2012  من فراغ عندما قال : أن العلاقات بين الحكومتين والشعبين الإيراني والعراقي "متينة وفريدة من نوعها"، وأن اتحاد العراق وإيران بشكل تام سيجعلهما يشكلان "قوة كبيرة على الصعيد العالمي".
.
و أنا أكتب هذا المقال ورد فى اخبار اليوم ان مصادر عراقية مطلعة افادت  في حديث خاص مع «الوطن» ان رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي حصل على دعم المرشد الاعلى الايراني اية الله علي خامنئي في نزاعه مع خصومه من القوى الشيعية الاخرى وفي مقدمتها التيار الصدري والمجلس الاعلى الاسلامي وقالت «ان خامنئي تعهد للمالكي ليس فقط بالبقاء في كرسي رئاسة الحكومة الذي يسعى لازاحته منه تحالف سياسي جديد يتشكل من العراقية والصدريين والكردستاني، بل وايضا لولاية ثالثة في الرئاسة الثانية».
واكدت المصادر تلقيها معلومات موثوقة عن ان المالكي بحث مع القيادات الايرانية السياسية ومع قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني قاسم سليماني ترتيب ملفات واوراق الولاية الثالثة التي يسعى من اجلها بقوة على الرغم من معارضة كل القوى السياسية بما فيها حلفائه الشيعة الذين بدأوا خطوات في البرلمان لاصدار قانون بتحديد رئاسة الحكومة بولايتين فقط بغض النظر عمن سيتولى المنصب الآن وفي المستقبل.
و قبل ذلك أعلن  قائد فيلق القدس الإيراني العميد قاسم سليماني، خلال ندوة تحت عنوان "الشباب والوعي الإسلامي" في (20 كانون الثاني 2012) بحضور عدد من الشباب من البلدان العربية التي شهدت ثورات ضد أنظمة الحكم فيها أن العراق وجنوب لبنان يخضعان لإرادة طهران وأفكارها، مؤكداً أن بلاده يمكن أن تنظم أي حركة تهدف إلى تشكيل حكومات إسلامية في البلدين .
 
و على هذا النحو نرى ،  كيف ان المالكى يتخذ أخطر القرارات السياسية و الأقتصادية و يفرط بمصالح العراق العليا  و يعقد تحالفا أستراتيجيا  لمحاربة الثوار السوريين و أنقاذ النظام الأسدى الدموى من السقوط -   دون الرجوع الى البرلمان أو الى زملائه فى ما يسمى حكومة الشراكة الوطنية -  لقاء ثمن بخس هو بقائه فى السلطة .
 
أن مقال المحلل السياسى الروسى شيغلوفين ، أماط اللثام عن جزء يسير مما يجرى خلف الكواليس بين حكومتى بغداد و طهران ، لأن الموقف الروسى مساند عموما للعراق و أيران ، و اذا علمنا ان الأعلام الروسى اليوم ،  نادرا ما تشذ عن السياسة الرسمية للدولة ، و لا يمكن لأحد من المحللين السياسيين أو الخبراء ، أن يتوسع فى كشف أسرار أصدقاء موسكو ، يتضح لنا أن الأمر أخطر مما يتصوره  البعض. و مع ذلك فأن ما كشف عنه شيغلوفين يؤكد مرة أخرى أن  نظام المالكى يدور فى فلك الجمهورية الأسلامية الأيرانية  و يسخر أمكانات الدولة العراقية لخدمة أجندتها فى العراق و المنطقة و يتغاضى عن  أستغلالها للحقول النفطية المشتركة و عن أمور كثيرة أخرى ،  تمس السيادة العراقية ، و هو أمر أصبح واضحا للغاية و يقر به خصوم المالكى و أصدقائه على حد سواء .
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com
 
 

77
لازاريف و الدولة الكردستانية

                                                                                                                         جودت هوشيار
 
المستشرق الروسى الشهير ميخائيل لازاريف (  5/8/1930 – 7/3/2010 ) غنى عن التعريف ،. و تعد مؤلفاته الرائدة حول القضية الكردية فى ضؤ العلاقات الدولية فى الشرق الأوسط (1)  من أهم الأسهامات العلمية الأساسية الجادة فى التأريخ الكردى الحديث . و علاوة على ذلك ، نشر خلال نصف قرن من البحث العلمى الدؤوب أكثر من 200 دراسة و مقالا حول الكرد و كردستان ، تتناول شتى  جوانب حياة الشعب الكردى السياسية و الأقتصادية و الأجتماعية و الثقافية
.
لازاريف أحد رموز الكوردولوجيا الأكثر موضوعية  والأوسع علما فى الشأن الكردى فى  العصر الحديث ليس فى روسيا فحسب ، بل فى العالم أجمع  .
 
أدرك لازاريف من خلال التحليل المعمق و الأستقراء التأريخى لآلاف الوثائق الرسمية و غير الرسمية حول الكرد و كردستان و القضية الكردية المحفوظة فى الأرشيفات الروسية و البريطانية و غيرها من دول العالم ، مدى الظلم الذى لحق بالشعب الكردى -  و بخاصة عند رسم خارطة الشرق الأوسط من قبل الحلفاء ( انجلترا و فرنسا فى المقام الأول ) بعد الحرب العالمية الأولى -   و التضحيات السخية التى قدمها هذا الشعب فى سبيل نيل حقوقه المغتصبة.
 
لم تكن روسيا القيصرية تختلف كثيرا عن بقية الدول الأمبريالية  و لم تفكر فى منح رعاياها الكرد  ، فى ما وراء القفقاس و آسيا الوسطى الحد الأدنى من حقوقهم السياسية و الثقافية.
أتفاقية سايكس – بيكو( السرية )،  بين أنجلترا ا و فرنسا ، أبرمت بموافقة الحكومة القيصرية لقاء حصول الأخيرة على  جزء من كردستان الشمالية المتاخمة لحدودها الجنوبية . و قد تم كشف النقاب عن هذه الأتفاقية  ، سيئة الصيت و نشر النص الكامل لها ،  بعد ثورة أكتوبر فى روسيا فى  العام 1917 من قبل الحكومة الثورية الجديدة ، التى أدانت بشدة هذه الصفقة  الأمبريالية على حساب الشعوب المضطهدة  ، و بادرت السلطة السوفيتية الى تأسيس أقليم " كردستان الحمراء "(2)  و حصل الكرد فى السنوات العشر الأولى بعد الثورة البلشفية على مكاسب اجتماعية و ثقافية مهمة ،  حيث تم و ضع أول أبجدية لاتينية متكاملة للغة الكردية و تأسيس المدارس الرسمية ، التى كان التدريس فيها باللغة الكردية ، ربما لأول مرة فى تأريخ الكرد و  تأسيس أول معهد كردى لأعداد  المعلمين و صدرت أول جريدة كردية فى يرفان فى العام 1927 و هى جريدة  " ريا تازه "  و شرعت فرق من المثقفين الكرد بتوثيق التراث الشعبى الكردى و تأسيس أول مسرح كردى و غيرها من الأنجازات التى أشاد بها المثقفون فى كردستان بأجزائها الأربعة  و المستشرقون الأجانب كثيرا . ،  و لكن ذلك لم يدم طويلا  ، و مع بدأ العهد الستالينى الشمولى تم تجريد الكرد من مكاسبهم الأجتماعية و  الثقافية تدريجيا و بحلول أوائل الثلاثينات من القرن الماضى لم يتبقى شىء يذكر  من تلك المكاسب  .
 
و لم يكتف ستالين بذلك ، بل لجأ الى ترحيل الكرد من مناطقهم الأصلية الى مناطق أخرى  صحراوية و جرداء لا تتلائم على الأطلاق مع الأجواءالتى كانوا يعيشون فيها   و قضى عدد غير قليل منهم نحبه خلال عملية الترحيل القسرى  و جرى  نفى و سجن آخرين ،  بينهم عميد الأدب الكردى السوفييتى عرب شامو الذى قضى نحو عشرين عاما فى المنفى فى أصقاع سيبيريا المتجمدة الموحشة . و لم تنته هذه التراجيديا الأنسانية الا بعد وفاة ستالين بثلاث سنوات أى بعد التقرير السرى  الشهير ألذى ألقاه الزعيم السوفييتى  نيكيتا خروشوف فى الأجتماع المغلق للمؤتمر العشرين للحزب الشيوعى السوفييتى فى العام 1956،  و الذى شجب فيه عبادة الفرد و الجرائم المرتكبة فى العهد الستالينى  .
 و يرجع الفضل الى نيكيتا خروشوف أيضا  فى أعادة الأعتبار الى ضحايا الستالينية و بضمنهم الكرد و فى أحياء الآداب و الفنون الكردية فى مناطق ما وراء القفقاس و آسيا الوسطى ، و قد اطلق الكاتب الروسى " ايليا ايرنبورغ على هذه افترة اسم  " ذوبان الثلوج . و فى ظل أجواء الأنفتاح هذه  شهدت " ألكوردولوجيا " الروسية أنتعاشا واضحا .
 و ترجع الى هذه الفترة تحديدا و صول عشرات الطلبة الكرد من كردستان العراق للدراسة فى الجامعات و المعاهد السوفيتية ، و قد لعب هؤلاء بعد تخرجهم و عودتهم الى الوطن دورا بارزا و مشهودا ، كل فى مجال تخصصه ، و بخاصة فى  تطوير الدراسات الكردية .
و من الأنصاف القول أن الأهتمام بالكوردولوجيا و القضية الكردية عموما كان جيدا  حتى فى عهد ليونيد بريجينيف ،  الذى يوصف فترة ولايته  بعهد الجمود فى كافة مناحى الحياة السوفيتية  .
و لكن بعد تولى ميخائيل غورباتشوف الحكم فى العام 1984 و طوال فترة  " البريسترويكا " ، تم تجاهل ليس القضية الكوردية فقط ، بل حتى  مآسى الأنفال و حلبجة و حرق و أبادة الاف القرى الكردية .
بعد تفكك الأتحاد السوفييت و بسبب تضييق الخناق على الكرد فى جمهوريات ما وراء القفقاس و خصوصا فى أرمينيا و جورجيا و أذربيجان أضطر عدد كبير منهم الى ترك مناطقهم الأصلية و اللجؤ الى  الأتحاد الروسى و خصوصا  الى مدن   كراسنودار و موسكو و بطرسبورغ . و فضل عدد من العلماء و المهنيين الكرد الهجرة  الى الدول الغربية .أى ان عدد الكرد فى تلك الجمهوريات ، والتى عاشوا فيها منذ مئات السنين ، فى تناقص مستمر.
 
 ولم تشهد الفترة الممتدة من حرب الخليج الثانية و حتى سقوط النظام الصدامى اهتماما كبيرا بالقضية الكردية و تقلص الى حد كبير نشاط أقسام " الكوردولوجيا "  فى " معاهد الأستشراق "  فى روسيا و أرمينيا و  جورجيا و أذربيجان .
 
و قد كان هذا التجاهل للقضية الكردية و تحجيم الكوردولوجيا فى روسيا ،  مصدر أستياء للازاريف ، الذى أدرك ،  أن هذه السياسة لا  تخدم مصالح روسيا العليا ، و أن القضية الكردية قضية محورية فى منطقة  الشرق الأوسط  ، و لن تشهد هذه المنطقة الساخنة  ألأستقرار المنشود ، من دون حل عادل  للقضية الكردية . و تجدر الأشارة هنا الى أن  لازاريف كان  يعتبر القضية الكردية أهم بكثير من القضية الفلسطينية .
 
لازاريف كان يحث دائما ،  صانعى القرار السياسى فى بلاده على الأهتمام بكردستان التى تشغل موقعا ستراتيجيا مهما  من  وجهة نظر جيوبوليتيكية . و عندما تقرأ بتمعن كتابات هذا العالم الجليل  ، تحس ، كيف كان ينتابه القلق على مصير الكوردولوجيا فى روسيا و سياسة روسيا فى الشرق الأوسط ، التى لم يحظ فيها الكرد بالموقع الذى يستحقونه.
 
فى العام 1993 نشر لازاريف  فى جريدة " نيسافيسيميا غازيتا "  مقالا  فى غاية الأهمية ، تعبر عن خلاصة ما توصل اليه من أستنتاجات معمقة بعد دراسة القضية الكردية  بكل أبعادها طوال أكثر من خمسين عاما . يقول لازاريف :
" الغرب يكثف جهوده لحل القضية الكردية و نحن صامتون . روسيا لا تسهم فى السياسة العالمية بقدر تعلق الأمر بهذه القضية ". و دعا لازاريف الى "  عدم نسيان مصالح الدولة الروسية فى الشرق الأوسط و خصوصا الأساسية منها ، على المدى الطويل .و بضمنها و ربما فى مقدمتها فى كردستان الناهضة " و اقترح على السلطات الروسية تنفيذ عدد من الأجراءات ذات التكلفة المنخفضة و لكن الواعدة للغاية ، فى سبيل الحفاظ على النفوذ الروسى فى كردستان ،حيث نشط الغرب لأحتلال مكان روسيا حسب رأيه  وكان هذا هو المقال الوحيد عن السياسة الروسية ازاء القضية الكردية فى تلك الفترة ، ونرى أن  لازاريف أختار الجريدة  المذكورة لنشر مقاله لسببين أولهما أنها جريدة يومية وواسعة الأنتشار  أوجريدة قومية على حد تعبير الأخوة المصريين . و ثانيهما أنها جريدة  و ثيقة الصلة بصانعى القرار السياسى فى روسيا . و مع ذلك فأن المقال لم يحدث التأثير المطلوب ، لأن روسيا كانت تمر بمرحلة أنتقالية قلقة و لم تكن لديها من الحوافز ما يكفى للأهتمام بالقضية الكردية على نحو جاد و مكثف  .
 
و فى مقال آخر له تحت عنوان " دروس التأريخ و المهمات الجديدة  "  نشره  فى " المناخ الكردى " (3)  فى العام  ، 2001 لا حظ بأن الكرد بعيدون حقا عن اهتمامات  موسكو . و أضاف قائلا " رغم ان روسيا تمر الآن بفترة عصيبة و مأساوية فى تأريخها و لكنها لا يمكنها ان تظل محايدة ازاء الأحداث الجارية فى كردستان . و لكن روسيا ، كما نعلم  ، لا تزال تتغاضى عن رؤية تلك الأحداث " .
 
و  حول المصالح الروسية فى فترة ما بعد تفكك  الأتحاد السوفييتى  اشار لازاريف الى " ضرورة حل القضية الكردية  على اساس منح الشعب الكوردى  بأسره ،  حقه الطبيعى ، القانونى ، المشروع ،  غير القابل للتصرف ، و المعترف به من قبل المجتمع الدولى المعاصر ، فى تقرير المصير و صولا الى تأسيس دولته المستقلة "  و أكد لازاريف "  ان هذا الحل يسمح بمعالجة التوتر الدائم القائم  فى الشرق الأوسط  و  وذلك بأزالة أحد أسبابه الرئيسية ، و بالتالى ازالة احد مصادر التهديد الدائم لروسيا . و علاوة على ذلك فأن الأستقلال الكردى ، اذا لم يصبح بعد ،  فأنه يجب أن يصبح هدفا ذا اولوية فى سياسة روسيا الشرق اوسطية ، لأن هذا الأستقلال  يصب فى مصلحة روسيا الجيوبوليتيكية ،  و التى  للأسف لم يفهم او يدرك  بعد  من قبل الجميع " و مضى لازاريف يقول " ان عدم وجود سياسة روسية خارجية  متماسكة فى  هذه الفترة الأنتقالية من تأريخها أدى الى التقليل من قيمة وجود قضية كردية مستقلة بالنسبة الى مصالح الدولة الروسية   .
 
المبادىء الأساسية التى يجب أتباعها فى سياسة روسيا الكردية -  عندما تصبح روسيا الجديدة قوية و تبدأ فى التمهيد لطريقها المستقل فى كردستان و فى عموم الشرق الأوسط و بقية انحاء العالم هى  اولوية حقوق الأنسان  و ضرورة ، تدويل القضية الكردية والأعتراف بحق الشعب الكردى فى تقرير المصير و صولا الى أقامة  دولة كوردستان المستقلة ، التى تعمل على قدم المساواة مع الدول الأخرى فى منظمة الأمم المتحدة و المنظمات الدولية الأخرى "  .

 
فى السابع من شهر آذار 2012مر عامان على رحيل ميخائيل سيميونوفيج لازاريف ،  أحد أخلص أصدقاء شعبنا الكردى و أحد أكبر المستشرقين الذين أسدوا خدمات جليلة للكرد و كردستان . و أزعم أننى كنت من أوائل من ادرك أهمية أعمال لازاريف العلمية ، حيث ترجمت كتابه الشهير " القضية الكردية 1981- 1917" ترجمة أمينة  الى اللغة العربية و نشرتها على شكل حلقات مساسلة فى مجلة " شمس كردستان " (4)  التى كانت تصدر فى بغداد عن جمعية " الثقافة الكردية.
 
و أننى أنتهز هذه الفرصة لأناشد الأكاديمية الكردية بترجمة مؤلفات لازاريف الى اللغة الكردية  و نشرها على نطاق واسع .. ربما يقول البعض أن معظم مؤلفات لازاريف قد ترجم الى اللغتين العربية و الكردية فى لبنان و أقليم كردستان ، و هذا صحيح و لكنها كانت ترجمات تلخيصية مبتسرة و غير دقيقة ، خصوصا تلك التى أصدرتها دور النشر اللبنانية لأغراض تجارية .
كما أدعو رئاسة جامعة صلاح الدين و عمادة كلية الآداب فيها الى تسمية احدى قاعاتها بأسم هذا العالم الكبير و أخيرا و ليس آخرا من حق لازاريف علينا أن تقوم بلدية أربيل بتسمية أحد شوارع المدينة بأسم من أفنى عمره فى  دراسة قضية شعبنا العادلة و تعريف العالم بها . لقد آن الأوان -  و نحن نمتلك اليوم زمام أمورنا – أن لا ننسى من وقف بكل شجاعة مع شعبنا فى أحلك الظروف .
--------------------------------
 
(1) ان أهم مؤلفات ميخائيل لازاريف حول القضية الكردية  هى الآتى :
-- " كردستان و القضية الكردية من تسعينات القرن 19- 1917 " ، موسكو ، 1964
-- " القضية الكردية  1891 – 1917 " موسكو  ، 1972 و هى طبعة منقحة و موسعة من الكتاب السابق
-- " الأمبريالية و القضية الكردية ( 1917 – 1923 ) " موسكو  ، 1989
" كردستان و القضية الكردية (1923 – 1945 ) موسكو ، 2005
(2) " كردستان الحمراء " و حدة أدارية تأسست  بين عامى (1923 – 1929 )  و كانت تقع  بين منطقة " قره باغ " و جمهورية أرمينيا الحاليتين  و مدينة " لاجين " عاصمة لها . و قد تعرضت حدودها  الى عدة تغييرات أدارية ، حتى أصبحت فى فترة من الفترات متاخمة للحدود الأيرانية .
(3) المناخ : مطبوع غير دورى يضم مجموعة من النتاجات فى موضوعات متشابهة أو متقاربة لعدد من الكتاب أو الشعراء .
 (4) مجلة " شمس كردستان " العدد المزدوج ( 19-20 ) الصادر فى آب عام 1974 و الأعداد اللاحقة .
 
----------------------------------
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com
 


78
لازاريف و القضية الكردية

                                                                                                                                  جودت هوشيار
مقدمة :
 
شكلت ثورة 14 تموز 1958 المجيدة فى العراق و صدور الدستور المؤقت للجمهورية العراقية ،  الذى أعتبرالعرب و الكرد شركاء فى الوطن ،  و عودة القائد التأريخى للحركة التحررية الكردية  " مصطفى البارزانى "  و رفاقه المناضلين من الأتحاد السوفييتى فى خريف عام 1958أى بعد زوال العهد الستالينى  الشمولى  وفى الفترة التى أطلق عليها الكاتب السوفييتى" أيليأ ايرنبورغ "  اسم " فترة ذوبان الثلوج " ،  حدا فاصلا فى تأريخ " الكردولوجيا " فى روسيا . فقبل هذا التأريخ كان أهتمام المستشرقين الروس و السوفييت بالكرد و كردستان ثانويا يقتصر على دراسة تأريخ و ثقافة و لغة و تراث الكرد السوفييت و تتحدث عن الكرد ضمن الدراسات المكرسة لكل من تركيا و ايران فى  المقام الأول و لكن الحال تغير بعد عام 1958 حيث تم فى عام  1960تأسيس قسم للـ" كردولوجيا "  فى"  معهد الأستشراق "  بمبادرة من الأكاديمى " يوسف أوربيللى "  (1 ) كما تم تأسيس أقسام مماثلة فى  بعض أكاديميات العلوم فى الجمهوريات السوفيتية الجنوبية . و كان من ثمار هذا الأهتمام ظهور أعمال كردولوجية تتناول بالبحث و الدراسة عيون الأدب الكردى الكلاسيكى المدون و التراث الشفاهى للكرد  و المخطوطات الكردية ،  و ترجمة خيرة ما فى التراث الكردى من نتاجات كلاسيكية و فولكلورية و نشرها ، والتى تحتفظ مكتبات الدولة فى روسيا بالجزء الأهم منها . و بموازاة ذلك ظهرت بحوث و دراسات تتناول تأريخ الكرد الحديث و القضية الكردية بأبعادها السياسية و الدولية بالأستناد الى أرشيفات الدولة للعهدين القيصرى و الروسى مثل بحوث و دراسات كل من خالفين و حسرتيان و لازاريف ، وتعد دراسة لازاريف القيمة عن القضية الكردية -  فى ضؤ العلاقات الدولية فى منطقة الشرق الأوسط -  الأكثر شمولية و عمقا  . و  سنتطرق فى الفقرات اللاحقة الى أهم الأعمال العلمية للازاريف المكرسة للقضية الكردية  لأهميتها البالغة .
 
لازاريف
 
و لد ميخائيل سيميونوفيج لازاريف فى 8 أيار 1930فى موسكو و تخرج فى القسم الشرقى لكلية التأريخ فى " جامعة موسكو "  فى العام 1952متخصصا فى " الأمبراطورية العثمانية " و درس اللغة التركية . فى العام 1955 حصل على شهادة الدكتوراه PHD فى التأريخ من "  جامعة موسكو"  . فى العام 1956 ألتحق بالعمل فى  " معهد الأستشراق "  التابع لأكاديمية العلوم فى الأتحاد السوفييتى  و ظل فيه 54 عاما . و كما هو معروف فأن معهد الأستشراق كان فى ليننغراد حتى العام 1950 ، حيث كان يدرس فيه فى المقام الأول المخطوطات ، و الآدب ، و التأريخ القديم لشعوب الشرق . و لكن نظرا  لتنشيط السياسة السوفيتية فى بلدان آسيا و أفريقيا تم نقل المعهد الى موسكو و توسيعه الى حد كبير . و أخذ المعهد يقوم بأجراء دراسات عن أقتصاد بلدان الشرق و العلاقات الدولية و التأريخ الحديث و المعاصر .
فى عاام 1960 صدر أول كتاب لــ" لازاريف "  و كان بعنوان " أنهيار الهيمنة التركية فى المشرق العربى ( 1914 – 1918 ) " الذى أعد على أساس أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه  . و قد حصل الكتاب على تقييم عال و اصبح مساهمة مهمة فى  مجال الأستشراق . و قد لمس الكتاب بعض جوانب القضية الكردية. و لكن " لازاريف "  شرع بدراسة القضية الكردية على نحو شامل بعد ثورة 14 تموز 1958 فى العراق ، التى جعلت من القضية الكردية مسألة آنية فى غاية الأهمية  . وفى عام 1964 صدر فى موسكو كتابه الشهير " كردستان و القضية الكردية ( تسعينات القرن التاسع عشر – 1917 ) " .وكما كتب لازاريف فى مقدمة هذا الكتاب :
"ان دراسة كردستان مهمة مثيرة للغاية علميا و على جانب عظيم من الأهمية سياسيا . و هى مهمة نبيلة للباحث ، لأن ثمة جوانب كثيرة و مختلفة لهذه المشكلة لم تدرس بعد و لم يلق عليها الضؤ ".
 ما قاله لازاريف قبل نحو نصف قرن ما يزال مهما للغاية حتى يومنا هذا .
كان كتاب لازاريف أول دراسة أساسية  شاملة و معمقة حول القضية الكردية  فى الكردولوجيا العالمية  ، التى تتناول هذه القضية فى العلاقات الدولية على تخوم  القرنين   التاسع عشر و العشرين ، أى من بداية الصراع بين الدول الأمبريالية  للهيمنة على الشرق الأوسط  حتى نشوب الثورة الروسية فى اكتوبر 1917.
و تستند هذه الدراسة على الأستخدام واسع النطاق للوثائق الرسمية  للسياسة الخارجية الروسية فى العهد القيصرى ، المحفوظة فى أرشيف وزارة الخارجية و خاصة تقارير  الدبلوماسيين القيصريين فى اسطنبول ، فان ، أرضروم ، بتليس ، بايزيد ، خوى ، صاوجبولاق ، كرمنشاه فضلا عن مجموعة من الأرشيفات الأخرى .
 
بحث لازاريف فى هذا العمل العلاقات التركية – الأيرانية ذات الصلة بالقضية الكردية ، و تدخل الدول الأمبريالية ( روسيا ، بريطانية ، ألمانيا ) فى هذه العلاقات و الصراع فيما بينها من اجل النفوذ العسكرى و السياسى  فى كردستان ، و نشاط  العملاءالأمبرياليين بين القبائل الكردية فى الأمبراطورية العثمانية و أيران ، و العمليات العسكرية فى كردستان التركية و الأيرانية التى نفذتها تركيا قبل الحرب العالمية الأولى و روسيا و انجلترا بعد تلك الحرب . كما قام لازاريف بتحليل جوانب معينة من الحياة الأجتماعية و ألأقتصادية و السياسية و خاصة  حركة التحرر للقبائل  الكردية ضد الهيمنة التركية و الأيرانية . و رغم أن الدراسة كانت مكرسة لدراسة القضية الكردية فى المنظور التأريخى ، الا أن لازاريف عبر فى الوقت نفسه عن موقفه بصدد الوضع الراهن للقضية الكردية ، فعلى سبيل المثال قال بأن تركيا مارس خلال اربعين سنة الماضية (  قبل عام  1964 ج.هـ ) سياسة صهر الكرد ...  حيث لا تعترف الحكومة التركيى بأى حق من حقوق الكرد . أما فى العراق ، فقد فأن حكومة البعث أتبع سياسة القتل الجماعى للكرد فى عام 1963 .
 
و  يبدو أن لازاريف حاول خلال السنوات اللاحقة  تطوير هذه الدراسة و التوسع فى التحليل و أضافة معلومات جديدة تكشفت له خلال مواصلة دراسة و تحليل الوثائق المتعلقة بالقضية الكردية المحفوظة فى أرشيفات روسيا القيصرية ، و أعاد كتابة هذا السفر التأريخى الكبير على شكل أطروحة جديدة لنيل شهادة " دكتوراه علوم فى التأريخ " و هى أرفع شهادة علمية فى روسيا و الدولل الغربية  ، و قد تأخر الدفاع عن الأطروحة بعض الوقت نظرا للموقف السلبى الذى أتخذه من الدراسة الجديدة بعض علماء "  معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم فى أرمينيا "  فى عام 1972 . و قد نشرت الدراسة الجديدة منقحة و موسعة فى عام 1973 على شكل كتاب حمل عنوان " القضية الكردية 1891 - 1917 " .
 
و قد أصبح هذا الكتاب بداية لثلاثية لازاريف الشهيرة حول القضية الكردية ، حيث واصل دراسة القضية الكردية فى الفترات اللاحقة ، حيث صدر له كتابان آخران هما : " الأمبريالية و القضية الكردية 1917 – 1923 " فى العام 1989 و "  كردستان و القضية الكردية 1923 – 1945 " فى العام 2005 . و من حيث الجوهر فأن القضية الكردية فى العلاقات الدولية -منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية -  بحثت فى هذه الثلاثية على نحو شامل و متكامل و عميق.
 
الأعمال العلمية الأخرى للازاريف
 
 ما عدا الأعمال الأساسية المهمة التى أشرنا اليها فى ما تقدم ، كتب لازاريف أكثر من 200 دراسة و مقالا فى جوانب مختلفة من الكردولوجيا  .كما ساهم بألقاء المحاضرات حول القضية الكردية فى جامعة موسكو ، و أشرف على أصدار العديد من المطبوعات العلمية المتخصصة فى مجالات أهتمامه العلمى . كما أشرف على رسائل الدكتوراه المتعلقة بالقضية الكردية لنحو  خمسة عشر دارسا من روسيا و دول العالم .
 
و رغم ان لازاريف حصل على شهرة واسعة فى الأستشراق العالمى بفضل بحوثه العلمية المعمقة و الشاملة عن التأريخ الكردى الحديث و القضية الكردية فى العلاقات الدولية ، فأنه معروف أيضا كمتخصص كبير فى القضايا القومية لبلدان آسيأ ففى اعوام 60 – 90 كتب العشرات من الدراسات العلمية و النظرية حول هذا الموضوع.
 و فى السنوات الأخيرة كان لازاريف يعمل بجد فى اعداد كتاب جديد حول " منهجية دراسة التأريخ الكردى " و يمكن القوا أنه كان الكردولوجى المعاصر الوحيد المؤهل للقيام بهذه المهمة المعقدة  .
صديق الشعب الكردى :
 
أضافة الى أعماله العلمية المتميزة ، تجدرالأشارة هنا الى ان لازاريف كان صديقا كبيرا للشعب الكردى فى أصعب الأوقات بالنسبة الى شعبنا ، فعندما  تجاهل العالم القضية الكردية كان أحد أهم المراكز الأستشراقية العالمية الرائدة و بفضل لازاريف،  تنشر العديد من البحوث و الدراسات  حول القضية الكردية و كردستان  و خاصة فى وقت كانت فيه هذه الكلمات من المحظورات فى بعض دول التقسيم . وقد دافع لازاريف فى مؤلفاته عن الحقوق القومية للشعب الكردى و ضرورة ايجاد حل عادل للقضية الكردية ، ففى مقدمة كتابه الآنف الذكر " كردستان و القضية الكردية 1891 – 19 17 " اشار الى أستحالة  حل القضية الكردية من دون الأخذ بنظر الأعتبار حقوق و مصالح الكرد. و قد تمسك بهذا الموقف حتى نهاية حياته .
لازاريف و أقليم كردستان العراق :
 
رحب لازاريف بقرار مجلس الأمن الدولى رقم 688 الصادر في الخامس من نيسان عام 1991 و الذى نص على توفير ملاذ آمن للكرد (2). و فى العام 1993  زار لازاريف أقليم كردستان مع البروفيسور مكوى و البروفيسور حسرتيان فى وقت عصيب لللكرد.و حضر مؤتمر الحزب الديمقراطى الكردستانى و عبر عن مساندته للتجربة الديمقراطية الكردستانية ، كما زار الأقليم فى السنوات اللاحقة أيضأ و أستقبل بحفاوة بالغة و تقدير عظيم من قبل القيادة الكردستانية و الأوساط العلمية و الثقافية الكردستانية . و كان يؤمن بأن من الممكن حل القضية الكردية فى الأجزاء الأخرى من كردستان . و ثمة جزء كبير من أعماله تتناول أو تمس القضية الكردية الأكبر و هى القضية الكردية فى تركيا .و كان يعتقد بأنه من دول حل هذه القضية الأخيرة ، لا يمكن حل القضية الكردية حلا جذريا شاملا .
 
الهوامش
------------
(1) يوسف ايكاروفيج اوربيللي ( 1887 – 1961 ) مستشرق ارمني بارز ،  مؤسس الفرع الكردي في معهد الاستشراق في ليننغراد ومدير المعهد المذكور لغاية وفاته . و قد سبق لنا نشر دراسة فى العام 1999 - حول الخدمات الجليلة التى أسداها أوربيللى للشعب الكردى -  فى جريدة خبات الأسبوعية التى كانت تصدر فى أربيل حتى العام 2003 ، ثم أعيد نشرها ضمن كتابنا " ذخائر التراث الكردى فى خزائن بطرسبورغ  " الصادر فى اربيل فى العام 2011
 
(2) أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 688 في الخامس من نيسان عام 1991 على أثر تفاقم الأوضاع المأساوية للهاربين من بطش القوات العراقية ،ويطالب بموجبه الحكومة العراقية بأن تقوم على الفور كإسهام منه في إزالة الخطر الذي يتهدد السلم والأمن في المنطقة ،بوقف هذا القمع ، كما يدين القرار القمع الذي يتعرض له السكان المدنيون العراقيون في أجزاء كثيرة من العراق والذي شمل مؤخرا المناطق السكانية الكردية وتهدد نتائجه السلم والأمن في المنطقة .
ومن نصوص القرار688 الطلب إلى الأمين العام أن يواصل بذل جهوده الإنسانية في العراق .أي ان مسؤوليات الأمم المتحدة ليست قانونية فحسب بل إنسانية أيضا .
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com


79
المنبر الحر / مكتب تزييف الأخبار
« في: 13:22 06/04/2012  »
مكتب تزييف الأخبار

                                                                                                                          جودت هوشيار
 
نشرت وسائل الأعلام العراقية تصريحا منسوبا لمصدر حكومى  يوم الرابع من نيسان 2012 جاء فيه ما يلى :
ثمن رئيس الولايات المتحدة الاميركية باراك اوباما دور العراق الايجابي في المنطقة، مؤكداً التزام بلاده بوحدة العراق ونظامه الديمقراطي.
وذكر مصدر حكومي الثلاثاء ان الرئيس الاميركي باراك اوباما هنأ رئيس الوزراء نوري المالكي، خلال اتصال هاتفي، بنجاح القمة العربية التي انعقدت في بغداد.
واشار الرئيس الاميركي الى التزام بلاده بالحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة.
وتابع المصدر ان المالكي شكر اوباما على التزام بلاده بالحفاظ على الاموال العراقية وعدم المساس بها..

و لا شك ان المصدر الحكومى يقصد به المكتب الأعلامى لرئيس الوزراء العراقى نورى المالكى ، الذى يعرف وحده ما دار فى الأتصال الهاتفى مع أوباما ، و لا يمكن أن يتسرب فحوى هذا الأتصال الا من خلاله و بأيعاز منه .
 
و فى اليوم نفسه نشر  البيت الأبيض بيانا حول هذا الأتصال الهاتفى : جاء فيه حرفيا ما يلى :
 
" أجرى الرئيس أوباما فى الثالث من أبريل 2012  أتصالا هاتفيا  برئيس الوزراء العراقى نورى المالكى لتهنئته على نجاح قمة جامعة الدول العربية في بغداد فى الأسبوع الماضى  و أستمرار العراق فى الأندماج في المنطقة كدولة مستقلة وذات سيادة.
 
وناقش الزعيمان الجهود المشتركة التي تبذلها الولايات المتحدة والعراق كشريك استراتيجي لتعزيز السلام والأمن في المنطقة.  و ناقشا أيضا الوضع السياسي في البلاد، ومجموعة واسعة من القضايا الأخرى ذات الاهتمام المشترك.
 
ولقد أعرب الرئيس أوباما عن التزام الولايات المتحدة الثابت لفكرة العراق الديمقراطى الفدرالى الموحد على النحو المحدد في الدستور العراقي، فضلا عن دعم مشاركة مرنة ومفتوحة من رئيس الوزراء المالكي في المباحثات المقبلة، التى ستجرى برعاية  الرئيس العراقي جلال الطالباني و التى  تهدف الى المصالحة بين الكتل السياسية في العراق. "
 
و كما يرى القارى فأن البيان الصادر عن المكتب الأعلامى  للمالكى – الذى تحول الى مكتب لتزييف الأخبار  و تحريف الحقائق  و التضليل الأعلامى - يختلف كليا فى مضمونه و مقاصده عما دار فى الأتصال الهاتفى المذكور ، و هى لعبة سمجة  لن تنطلى على احد .
أوباما لم يثمن دور العراق الأيجابى فى المنطقة بل حث العراق على الأستمرار فى الأندماج فى المنطقة بعد أن أدت سياسات المالكى الخارجية الى عزلة العراق عن محيطه العربى و تردى العلاقات مع تركيا ، بحيث لم يبق من صديق لنظام المالكى سوى أيران الأسلامية
.و لم يقل أوباما  ان نظام الحكم فى العراق ديمقراطى  بل ربط بين بقاء العراق دولة موحدة بالنظام الفدرالى و الألتزام بنصوص الدستور العراقى ، و هذا ما تؤكده كل القوى السياسية الأخرى فى العراق و ما تود سماعه من الرئيس الأميركى
 
و من الأهمية بمكان أن هذه المحادثة الهاتفية  جرت عشية اجتماع الرئيس أوباما مع رئيس أقليم كردستان مسعود بارزاني، الذى يجري الآن مشاورات سياسية في واشنطن حول الأوضاع السياسية  المتأزمة فى العراق  .
الرئيس أوباما كرر على مسامع المالكى  ما أكده الزعيم الكردى فى الآونة الأخيرة مرارا ،  فى تصريحاته الصحفية و لقاءاته التلفزيونية  و خطبه التى ألقاها فى مناسبات عراقية و كردستانية مختلفة :  ان لا بقاء لعراق موحد الا بالألتزام الكامل بالدستور الذى. صوت عليه  80 بالمائة من سكان العراق بمختلف أنتماءاتهم الأثنية و الدينية و السياسية . و لا مستقبل للعراق الا بالتطبيق الفعلى للنص الدستورى الذى يؤكد بأن نظام الحكم فى العراق يكون نظاما ديمقراطيا و أتحاديا ، أى نظاما يسمح بتشكيل الأقاليم وفق السياقات القانونية  و ليس حسب مزاج المالكى الذى يقول بأن تشكيل الأقاليم يؤدى الى تجزئة العراق و أن الظروف غير ملائمة لأقامتها . و لا توجد فى الدستور على الأطلاق أى اشارة الى ما يسمى الظروف ، فنصوص الدستور حول نظام الحكم صريحة و واضحة و محددة ،  لا تقبل التأويل المغرض ولا تتوقف على المزاج الشخصى لهذا السياسى أو ذاك . و صفوة القول أن الدستور أصبح فى يد المالكى أشبه بالطين المطاطى يشكله حسب ما تقتضيه مصلحته الشخصية أو بتعبير أدق ،  البقاء فى السلطة لأطول فترة ممكنة و التحول الى دكتاتور جديد ، ضاربا عرض الحائط بأحد أهم مبادىء النظام الديمقراطى و هو التداول السلمى للسلطة . ألم يقل المالكى بنفسه : لن نسلم السلطة لأحد  ! .
الرئيس الأميركى طالب المالكى بأن يكون منفتحا على القوى السياسية الأخرى و يبدى مرونة كافية من أجل المصالحة الوطنية الحقيقية . فالسياسة الأقصائية التى يتبعها المالكى ضد خصومه السياسيين و ألأنزلاق السريع لنظام الحكم فى البلاد الى دكتاتورية جديدة و مكشوفة  ، تثير قلق القوى السياسية الأخرى فى البلاد  . هذه السياسة المرفوضة ، اذا أستمرت لفترة أخرى  ستؤدى بالبلاد الى هاوية لا يعلم بها الا الله جل شأنه .
الرئيس أوباما تحدث الى المالكى بلغة دبلوماسية و البيان الصادر عن البيت الأبيض مقتضب و لا يتطرق الى التفاصيل بطبيعة الحال ، لذا نعتقد بأن ما خفى كان أعظم ، و سنرى فى الأيام القليلة القادمة ، ان كان المالكى قد أستوعب نصيحة سيد البيت الأبيض أم أنه – أى المالكى -  ماض  فى التفرد بالسلطة و تصفية غرمائه السياسيين ، بالتتابع ، غريما بعد آخر ، حتى يصفو له الجو لبسط سلطته المطلقة على العراق ، و بطبيعة الحال ، لن يتحقق ما يحلم به المالكى . صحيح أنه جلس على كرسى صدام و ملأ قصوره بمزورى الشهادات  و سراق المال العام و لكن لن يستطيع  الأستمرار فى خلق المزيد من الأزمات المفتعلة و تصفية المزيد من خصومه السياسيين .، لأنه اليوم – بعد ان تكشفت كل أوراقه -  و حيد و معزول حتى داخل حزبه . و اذا لم يتعظ  بمصائر أشباهه من الطغاة الذين كنستهم شعوبهم الى مزبلة التأريخ فى ربيع الثورات العربية ، فأنه سيلحق بهم حتما ، و أن غدا لناظره قريب .
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com
 
 


80
المنبر الحر / من هو المثقف ؟
« في: 23:25 25/03/2012  »
من هو المثقف ؟

                                                                                                                          جودت هوشيار
 
الاعتقاد السائد في مجتمعنا أن المثقف هو كل من يحمل شهادة جامعية في تخصص معين أو من حاز على لقب علمى أو كل من يمارس نشاطا ذهنيا في حقل من حقول المعرفة ، ،سواء اكان عالما او شاعرا او اديبا او فنانا . بيد أن هذا الاعتقاد ليس في محله تماما , ذلك أن الانسان المتعلم قد لا يكون أنسانا مثقفا .
و كان الناقد الانكليزي ت . س اليوت يعتقد " أن الكمال في أي واحدة من مناشط الثقافة لايمكن أن يسبغ الثقافة على أحد , لان السلوك المهذب بدون تعليم أو فكر أو حساسية للفنون يجنح بالمرء الى ألية مجردة , وأن العلم من دون سلوك مهذب انما هو حذلقة , وأن القدرة الفكرية المجردة من الصفات الاكثر انسانية لا تسنحق الاعجاب الا كما يستحقه ذكاء طفل معجزة في لعب الشطرنج , وأن الفنون بدون أطار فكري زيف وخواء .
,أن كنا لانجد الثقافة في أي واحدة من هذه الكمالات بمفردها فأننا يجب أن لا نتوقع في أي شخص واحد أن يكون كاملا في جميعها , أذن نستنتج أن الفرد الكامل الثقافة هو محض خيال "
ونظرا لاستحالة وجود أنسان مثقف تجتمع فيه كل هذه الكمالات في أن معا فأن (اليوت ) يسبغ الثقافة على المجتمع وليس على الفرد ,

ومثل هذه الافكار كثيرة وشائعة في الفكر الفلسفي الغربي ولكنها جميعا تعزل المثقف عن الواقع المعاش و عن التفاعل مع قضاياه وتجرده من اي دور في تغيير هذا الواقع نحو الافضل .
ان اتخاذ المعرفة المجردة اساسا لتقييم المثقف امر يرفضه العقل والمنطق , لأن الدور القيادي الذي يمارسه المثقف في توجيه المجتمع ثقافيا وروحيا لايقل أهميية عن دور السياسي المخلص النزيه الذي يهمه في المقام الاول تطوير المجتمع و تحديثه ، بما يتلائم مع الظروف الموضوعية و الخصوصيات المحلية و مواكبة الحضارة الأنسانية المعاصرة فى آن واحد .

ولكي يقوم المثقف بدوره المنشود لابد له من أن يتحلى بصفات وسجايا عديدة مثل يقظة الضمير والاحساس بالمسؤلية واستقلالية الرأي والفكر النقدي ويمتلك رؤية واضحة ومعاصرة للواقع الراهن و آفاق تطوره والايمان بقيم الحرية والعدالة الأجتماعية, ولايمكن تصور اي مثقف حقيقي لا يتفاعل مع قضايا عصره ومجتمعه ولا يقلقه مصير البشر .

و يقول انطونيو غرامشى " ان المثقف الفعال تتوهج أفكاره تحت رماد التخلف و يشعر بمسؤوليته فى تغيير الواقع ، يدرس التأريخ و تعقيداته بعيون فاحصة ، و يقول كلمته ببسالة ، و يشارك فى أثراء الواقع بلا حدود ، دون ان يستسلم لماض لم يعد فى أكثر جوانبه يجدى المجتمع فى مسيرته ، و لا يستسلم الى الآخر ، يجعلنا – هذا المثقف- نأخذ من ماضينا دون ان نسمح له ان يستعبدنا ، و نأخذ من غيرنا دون ان ندعهم يستلبون عقولنا او يخيفونا ."

يقال أحيانا أن المثقف العراقى يعاني من الاغتراب عن المجتمع وهذا زعم مشكوك في أمره ، ذلك لأن المثقف العراقى الحقيقى ، يعاني من شظف العيش ويناضل من أجل البقاء وأبتعاده عن دهاليز السياسة لا يعني على الاطلاق اغترابه عن المجتمع وقضاياه , بل على العكس من ذلك تماما ، فالمثقف العراقى غارق في مشاكل هذا المجتمع ، وأذا كان يحرص على قيمه ومبادئه ولا يتنازل عن أستقلالية الرأي وحرية التعبير و الأبداع و عن كرامته الشخصية من اجل نعم زائلة , فهذا موقف مشرف وسلوك حضاري يليقان بالمثقف الحقيقي في زمن يشهد تدهور و انتكاس القيم الاجتماعية والروحية .
و قد ظهر فى العراق خلال السنوات الأخيرة مع توسع أستخدام الأنترنيت فى الحصول على المعلومات بسرعة فائقة و مع أنتشار ظاهرة الشهادات المزورة طبقة من أشباه المتعلمين و أنصاف المثقفين الذين لم يبذلوا جهدا فى التحصيل العلمى و لم يتعبوا فى الدرس و الأجتهاد و هم ثلاثة أصناف ،

الصنف الأول : أدعياء السياسة و الوطنية الذين قفزوا من ( الطهارة الى المنارة ) كما يقول المثل الشعبى العراقى أو ببساطة من الحضيض الى قمة المناصب الحكومية العليا و هم لا يهتمون بالثقافة و لا يقرؤن كتابا واحدا فى السنة و ليست لديهم خبرة فى تخصص معين فى حقل من حقول المعرفة ولا يتقنون مهنة من المهن ، بل هم من ( الشطار ) الذين يعرفون من أين يؤكل الكتف و خبراء فى التضليل و التزييف و خداع الرأى العام بالكلام المعسول و التصريحات الجوفاء التى تبين معدنهم الردىء .
و صنف ثان لا يقل خطرا عن الصنف الأول ، و يتكون من المحللين السياسيين الطارئين على الأعلام المرئى و و مهمتهم الأساسية الترويج لأولياء نعمتهم و تلميع صورهم من اجل الحصول على فتات موائد دكتاتور العراق الجديد .

أما الصنف الثالث و الأخير ، فأنه يضم عددا كبيرا من كتاب الأنترنيت ، الذين يزخر كتاباتهم بما يكشف عن جهلهم المركب بأبسط القواعد النحوية و الأملائية ، ناهيك عن الثقافة العامة . و أعتقد ان رؤساء تحرير الصحف الألكترونية يعانون الأمرين من هؤلاء المثقفين المزيفين .

رحم الله طه حسين فقد تنبأ فى وقت مبكر من ظهور التلفزيون بظهور مثقفين مزيفين أو مثقفين مصبوغين - أى سطحيين - كما يقول العراقيون . " قال عميد الأدب العربى ان ثقافة التلفزيون ثقافة سطحية ، ، ينساها الأنسان بعد فترة وجيزة بخلاف المعرفة التى يضمها الكتاب الورقى الجاد ، مصدر الثقافة الراسخة ".

لست ضد أستخدام الأنترنيت ، بل على العكس من ذلك أعده نعمة كبيرة و أنجازا علميا مذهلا يسهل الحصول على المعلومات الجادة و كذلك على كل ما هو سطحى و تافه ان لم نحسن الأختيار و مهمة المثقف هو الفرز بين هذا و ذاك وعدم الأقتصار على المصادر الألكترونية فقط لأن معظم المعرفة الأنسانية غير متاحة حتى اليوم على الأنترنيت و يكفى ان نقول بأن نقل التراث الفرنسى من الورق الى الكومبيوتر أستغرق حوالى ربع قرن ، أى أننا لا يمكن فى المرحلة الراهنة من عمر الأنترنيت أهمال مصادر الثقافة الأخرى وهى كثيرة وعديدة .

يقول ديفيد بروكس فى مقال ساخر له بصحيفة نيويورك تايمز " لم يعد الأمر متعلقا بما تقرأ أو تعرف ، و لا بمدى قدرتك على فهم ما تقرأه و تستهلكه من مواد ثقافية ، بل يتعلق الأمر بأن تجد لنفسك مكانا فى فضاءات الصخب الثقافى ، و لا تقلق ان لم يكن لديك شىء لتقوله ، فلا أحد سيصغى اليك على أية حال . و أصبح من السهل ، أكثر من أى وقت مضى ان تبدو مثقفا ، فلم يعد ضروريا الآن حمل كل تلك الكتب الثقيلة ، فقد تغيرت قواعد اللعبة ، يمكنك اليوم أن تكون عضوا ناشطا فى النخبة الثقافية من دون ان تضطر لقراءة شكسبير أو دوستويفسكى أو نيتشة ، و بوسعك أن تناقش و تجادل فى كل شىء يستطيع كومبيوترك أو هاتفك الخلوى أن يلتقطه من الأنترنيت ، يمكنك مثلا أن تكتب مقالات فى شؤون العصر و ان يكون لك رأى فى كل القضايا ، و كل ما عليك هو أن تتبع الموضة الثقافية .

جودت هوشيار

jawhoshyar@yahoo.com


81
المنبر الحر / أصدقاء بشار
« في: 23:23 25/02/2012  »
أصدقاء بشار
                                                                                                                            جودت هوشيار
 
فى الوقت الذى تعارض فيه موسكو و طهران و بغداد ، التدخل الأجنبى فى الشأن الداخلى السورى كذبا و رياءا ، فأنها لا تتورع عن التدخل  السافر و المستتر  فى الشأن الداخلى السورى فى محاولة يائسة لأنقاذ النظام الآيل للسقوط .عن طريق  تقديم كل أشكال  الدعم اليه و بضمنها الدعم العسكرى و الأقتصادى و اللوجستى ..
 
 
التدخل الروسى : تخطيط و توجيه و قيادة
 
تؤكد جريدة ( الفيجارو ) الفرنسية  و صول عدد كبير من المستشارين العسكريين الروس و عملاء المخابرات الروسية الى سوريا فى الأشهر الأخيرة ، حيث تم توزيعهم على وحدات الجيش و أجهزة المخابرات و بعض الوزارات فى دمشق. و المهمة الرئيسية لهؤلاء الروس ، هى التأثير على تطورات الأزمة الشاملة الناجمة عن القمع الوحشى للأنتفاضة الشعبية التى تهدد نظام بشار الأسد بالسقوط .
و نقلت الجريدة عن رجل اعمال فرنسى من اصل سورى له صلات قوية بقيادة المخابرات السورية ،قوله ان بشار الأسد لا يتخذ اجراءا من دون  موافقة الروس  . و حسب تأكيد هذا الرجل  فأن موسكو اشترطت على بشار لقاء  تأييدها له ،  عدم القيام بارتكاب مجزرة مماثلة ، لمجزرة حماه فى عام  ، 1982 ، عندما قتلت قوات حافظ الأسد ، أكثر من (15000) شخص معظمهم من أنصار الأخوان المسلمين ، الذين كانوا قد انتفضوا ضد الحكم البعثى الدكتاتورى .
كما تطالب موسكو أيضا ، اعادة فتح محطة التنصت الروسية  فى جبل قاسيون . و هذا الطلب تحديدا كان احد المحاورالرئيسية خلال مباحثات بشار الأسد مع وزير الخارجية الروسى سيرغيه لافروف و مدير المخابرات الروسية ميخائيل فرادكوف . و اضافة الى ذلك  فقد حاول المبعوثان الروسيان اقناع الأسد بضرورة أجراء اصلاحات (ديمقراطية ) بالسرعة الممكنة .رغم ان المعارضة السورية لا تثق بوعود بشار و لا بأصلاحاته المزعومة   و ترفض التفاوض معه ، لأن من شأن ذلك أعطاء النظام المزيد من الوقت لقمع الأنتفاضة الشعبية .لذا فأن المعارضة مصرة على ضرورة تنحى بشار عن السلطة .
و يعتقد بعض المحللين السياسيين الروس المتفائلين ،  ان موسكو يمكنها محاولة  السيطرة على عملية أقصاء بشار عن السلطة بشكل سلمى  و الأنتقال المنظم الى نظام جديد من دون بشار و بالأستناد الى الحرس القديم المؤيد لعائلة الأسد . و لكن اتصالات السفارة الروسية فى دمشق بزعماء المعارضة من اجل بحث هذا الأحتمال  لم تسفر عن اى نتائج لحد الآن .
ثمة شكوك حول قيام موسكو بتجهيز سوريا  بمدافع مضادة للطائرات ، كما تم مؤخرا توقيع عقد لبيع 36طائرة من نوع yak-130  الى سوريا بقيمة 550 مليون دولار و بالدفع الآجل .
 و لم يقتصر التعاون السورى -  الروسى على المجال العسكرى ، بل ان عددا من الخبراء الروس منهمكون الآن فى اعداد " مشروع اعادة تنظيم حزب البعث " الذى يتضمن تقديم المال  و مواقع فى السلطة لزعماء الحزب الجديد الذى يراد تشكيله  ، ليكون قوة تتمتع بالمال و النفوذ  و بديلا عن الحزب القديم عندما يعلن بشار شكليا الأنتقال الى النظام الحزبى التعددى .
الروس يعتقدون انهم قادرون على قيادة المرحلة الأنتقالية . حيث اعطوا التعليمات اللازمة بهذا الصدد الى الجنرالات السوريين حول أستبدال النظام الشمولى بنظام تعددى زائف . و يعتقد بعض المحللين السياسيين الروس ،  بان من المرجح ان يكون حث الجنرالات العلويين على القيام بانقلاب عسكرى عندما تصدر اليهم الأوامر بذلك ، هو الأحتمال الأنسب ، مع الأخذ بنظر الأعتبار التجربتين التونسية و المصرية .
 
التدخل الأيرانى : تنظيم فرق ( كوماندوز ) من مرتزقة حزب الله اللبنانى
 
منذ فترة و الأعلام الغربى يتحدث عن نقل حوالى (15000) من عناصر الحرس الثورى الأيرانى عن طريق الجو الى سوريا . و أعتقد أن من غير المحتمل ظهور هذه العناصرعلانية فى المواجهات اليومية بين قوات القمع السورية  و المحتجين العزل ، بسبب ( حاجز اللغة ) الذى سيفضح هويتهم الحقيقية  و لكى لا يكون هذا الظهور المكشوف ، مبررا للتدخل العسكرى الغربى او التركى  لدعم النتفاضة الشعبية . و تفيد المعلومات المتسربة من داخل سوريا ، بأن  العسكريين الأيرانيين،  الذين لا يعرف عددهم على وجه الدقة قد وصلوا الى سوريا منذ الأيام الأولى للأنتفاضة و ان عددا  منهم  يعملون  بصفة مدربين و مستشارين لقوات النظام ، و بعضهم الآخر قناصين  يطلقون النار من داخل او من فوق البنايات على المتظاهرين و قسم ثالث متخصص فى تعذيب المعتقلين و أنتزاع الأعترافات منهم حول تنظيمات المعارضة فى الداخل .غير أن المهمة الأساسية للقسم الأهم و الأخطر منهم هى تشكيل و تدريب و قيادة قوات " الكوماندوز " المؤلفة من مقاتلى حزب الله اللبنانى ، الذين يعرفون طبيعة المناطق السورية التى يتواجدون فيها و لا يصعب عليهم كشف تكتيكات المعارضة . هذه الفرق تقوم بكل لأعمال القذرة التىتطلب منها سواء بالأشتراك الفعلى المباشر فى  قمع  المحتجين أو التجسس عليهم أو  تنظيم " مجاميع معارضة  كاذبة ".  لغرض تشتيت  المعارضة من الداخل .
ومن جهة أخرى يقوم العسكريون الأيرانيون ، ممن لهم خبرة فى حرب العصابات  بملاحقة  عناصر الجيش السورى الحر والمنتفضين المدنيين ،  عند لجوئهم الى المناطق الجبلية و نصب الكمائن لهم و أرشاد الطائرات الحربية الى أماكن تواجد هم .
ان أندحار النظام البعثى  السورى يشكل كارثة حقيقية للنظام الأيرانى ، لأن هذا الأندحار لايعنى فقط  خسارة الحليف الرئيسى فى المنطقة ، بل يعنى أيضا  أنحسارالنفوذ الأيرانى عن سوريا و لبنان.
 
التدخل العراقى : طهران تأمر و بغداد تنفذ
 
ثمة شبه اجماع بين القوى السياسية العراقية بأن النظامين السورى و الأيرانى  كانا وراء معظم العمليات الأرهابية التى حدثت  فى العراق طوال السنوات الماضية بشكل مباشر أو عن طريق تقديم الدعم المتعدد الأوجه لعناصر تنظيم " القاعدة " و أرسالهم الى داخل العراق لتنفيذ عملياتهم الدموية  .
أعتاد رئيس الوزراء العراقى  نورى المالكى على أطلاق التصريحات المخالفة للواقع للتستر على حقائق  الأمور  .و ربما المرة الوحيدة التى لم يجاف فيها المالكى الحقيقة كانت ، حين أتهم  النظام السورى بالضلوع فى العمليات الأرهابيةالكبرى فى العراق . و لكن ثورات الربيع العربى أدخلت الرعب الى قلب الماكى ، أضافة الى التقريع الشديد الذى تلقاه من  النظام الأيرانى ،مما  جعله يغير موقفه الى النقيض تماما. أى من الأتهام الصريح  للنظام السورى  الى التعاون الوثيق معه فى المجالات العسكرية و الأقتصادية . و لا نذيع سرا اذا قلنا ، أن النظام البعثى الفاشى هو الجدار الذى يحتمى به المالكى اليوم ،  بعد ان وجد نفسه و نظامه معزولا عن المحيط العربى ، كما أن خشيته من قيام نظام أسلامى فى سوريا ، سرق النوم من عينيه .
أننا اليوم امام أستقطاب واضح فى المنطقة . فثمة "  محور دمشق-  بغداد –طهران "  . فى مقابل تكتل عربى كبير – بضم معظم الدول العربية -  يخشى الخطر الداهم القادم من طهران ، خاصة بعد أن صرح مسؤول أيرانى رفيع المستوى ، بأن العراق و لبنان تابعان ذليلان لنظام الملالى فى طهران .لذا فأن أرسال  عدة آلاف من مقاتلى ميليشيا ما يسمى جيش المهدى -  الأيرانى المنشأ و التدريب و التمويل و التسليح  و التوجيه -  الى سوريا بعلم و مساعدة حكومة المالكى  ، للأشتراك فى قمع الشعب الثائر المطالب بالحرية . لم يكن مفاجأة لأحد ، بعد أن  أصبح العراق لقمة سائغة لنظام الملالى ، نتيجة لأكبرحماقة ترتكبها الأدارة الأميركية فى السنوات الأخيرة . حيث سلمت مقاليد الأمور فى العراق و بمحض أرادتها الى الطابور الأيرانى الخامس.
و قد كشفت و ثيقة سرية تعاونا بين بغداد و طهران  للألتفاف على العقوبات الأقتصادية المفروضة على سوريا و لأنقاذ الأسد . و جاء فى الوثيقة التابعة لوزارة شؤون رئاسة الجمهورية السورية و نشرتها صحيفة " هارتس " الأسرائيلية ،أنه تم الأتفاق على  بحث أمكانية الأسراع بتنشيط التعاون الثلاثى السورى العراقى الأيرانى ، لا سيما ما يتعلق بخط الغاز من ايران الى البحر المتوسط عبر سورية ، و خط النقل البرى عبر العراق و كذلك النقل السككى ، و تم التطرق الى أمكانية فتح خط جوى عبر أجواء العراق بعد أنسحاب القوات الأميركية من العراق .
كما و كشفت الوثيقة السورية ، التى ذكرت الصحيفة أنها سربت بعد عملية القرصنة التى تعرض لها البريد الألكترونى لمكتب الرئيس السورى مؤخرا ، ان طهران خصصت مليار دولار لأستيراد سلع سورية لمساعدة نظام الرئيس السورى على التغلب على العقوبت النفطية و المصرفية التى فرضت عليه
و كان مدير عام صندوق دعم الصادرات السورية ، أيهاب أسمندر ، قل فى وقت سابق ، أن " العراق يستورد يوميا من سوريا بقيمة ( 25) مليون دولار ، ما يصل الى مليار دولار كل (40 ) يوما ، متباهيا بقدرة النظام على  أيجاد حلول ( خلاقة ) للالتفاف على العقوبات الأقتصادية الدولية ".
و على هذا النحو نرى  مدى  كذب و نفاق أصدقاء بشار، حين يطالبون الآخرين بعدم التدخل فى الشأن الداخلى السورى ، و هم أول من ينتهك هذا المبدأ بشكل صارخ سرا و علانية أمام المجتمع الدولى .
ان تقديم الدعم للطغاة لسفك دماء رعاياها  هو أسوأ و أفظع أنواع التدخل فى الشؤون الداخلية للدول الأخرى .
 و نحن نعيش اليوم فى عالم يتعذر فيه أخفاء الجرائم المرتكبة بحق الشعوب ،  و مهما تفنن الفاعلون فى التستر عليها ، فأنها ستنكشف ان عاجلا ام آجلا . و سيندحر الحلف الثلاثى الشرير فى منطقتنا و أن غدا لناظره قريب .
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com
 

82
الدولة الكردية آتية

                                                                                                                            جودت هوشيار
 
حظيت القضية الكردية بأهتمام كبير لدى المؤرخين و المستشرقين و الكتاب الروس ، سواء فى العهد السوفييتى او العهد الحالى ، و لكن هذا الأهتمام لم يقابله أهتمام مماشل على الصعيد الرسمى ، ما عدا تلك الفترة القصيرة التى أعقبت ثورة 14 تموز 1958 المجيدة فى العراق ، حيث ظهرت على السطح هذه القضية بكل تفاصيلها و أبعادها الجيوبوليتيكية ، و قد أدى هذا الأهتمام الى تأسيس فروع و أقسام لـ( الكردولوجيا ) فى معهد الأستشراق و بعض الجامعات و بخاصة فى جمهوريات القفقاس،  التى كرست جهودها لأجراء البحوث العلمية حول الكرد و كردستان  . كما صدر العديد من الكتب و الدراسات المكرسة للقضية الكردية عن معاهد الدراسات الأستراتيجية ،  التى تقدم التقارير و المشورة لصانعى القرارات ، أضافة الى اهتمام أعلامى واضح بالشعب الكردى و قضيته العادلة . و كالعادة لعب المثقفون الكرد فى تلك الجمهوريات دورا بارزا فى هذا المجال.
و رغم ان تلك البحوث و  الكتب و الدراسات أشارت الى أن الشعب الكردى كان الخاسر الأكبر عند رسم خارطة الشرق الأوسط من قبل بريطانيا و فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى . الا أن  الأمر لم يصل الى  أكثر من المطالبة بأيجاد حل عادل للقضية الكردية ضمن الدول التى تتقاسم كردستان و هى تركيا و أيران و العراق و سوريا . و لم تبد القيادة السوفيتية و من ثم القيادة الروسية الحالية اهتماما يذكر بالنتائج التى توصلت اليها تلك الأعمال العلمية ، رغم صدورها عن معاهد و جامعات و مراكز أبحاث ستراتيجية تابعة للدولة .
و يلاحظ هذه الأيام أهتماما واضحا بالقضية الكردية فى وسائل الأعلام الروسية مع  التطورات المتسارعة  و أشتداد التنافس الأميركى – الروسى  فى منطقة الشرق الأوسط  و فشل الولايات المتحدة فى أقامة نظام ديمقراطى فى العراق ، رغم صرف مليارات الدولارات  فى هذا السبيل ، حيث تؤكد الصحف الروسية أن الحكم الحالى فى بغداد ، لا يعدو ان يكون حكما بوليسيا متخلفا يضع مصالح ايران فوق مصالح العراق العليا  و أن أيران قد ملئت الفراغ الناجم عن الأنسحاب الأميركى عن العراق ، و ان الكرد قد وافقوا على العيش مع المكونات الأثنية و الدينية الأخرى فى العراق ضمن دولة ديمقراطية ،  أتحادية ،  تعددية . و لكن واقع الحال يشير الى ان الحكم الحالى فى بغداد ، لا يؤمن أصلا بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكردى . و من هذ المنطلق يدعو بعض الكتاب و المحللين السياسيين الروس البارزين  ،  الكرد ، الى أنتهاز هذه الفرصة التأريخية ، فى  ضؤ المؤشرات العديدة التى تدل على تغييرات أيجابية  واضحة فى تعامل القيادة السياسية التركية مع أقليم كردستان ( العراق ).
و فى هذا الصدد كتب أحد الكتاب الروس و هو " ميخائيل سفياتوف " مقالا جريئا بكل المقاييس  فى أحد المواقع الألكترونية المهتمة بالقضية الكردية  ، يدعو فيه الى الأعلان الفورى للدولة الكردية التى يرى الكاتب أنه سيكون بداية لأستقلال " كردستان الكبرى " بأجزائها الأربعة . حيث تشكل أقليم كردستان مركز جذب قوى  للشعب الكردى سواء داخل كردستان الكبرى او خارجها .
يقول الكاتب ان تنصل الحلفاء  المنتصرين فى الحرب العالمية الأولى و بخاصة بريطانيا و فرنسا ، عن تنفيذ ما نص عليه معاهدة سيفر،  بشأن حق الشعب الكردى فى أقامة دولته المستقلة و تجاهل معاهدة لوزان اللاحقة  لهذا الحق ،كل ذلك ،  أدى الى الحاق ظلم تأريخى بالشعب الكردى و  أضطراب الأوضاع الداخلية فى دول التقسيم .
و مما يثير استغراب الكاتب ان الدول التى عارضت أستقلال كردستان و هى بريطانيا و فرنسا و تركيا ، هى التى تبدى اليوم – أضافة الى الولايات المتحدة الأميركية -  أستعدادا لتقبل ظهور دولة كردية مستقلة فى كردستان الجنوبية فى العام 2014
و يرى"  سفياتوف "  ان المعنى الجيو- بوليتيكي لأنشاء كردستان المستقلة بالنسبة الى الدول الغربية تنحصر فى النقاط التالية :
-  الثروات الطبيعية الهائلة التى تمتلكها كردستان و بخاصة الأحتياطى من النفط و الغاز ،التى تفوق ما هو وجود فى ليبيا على سبيل المثال .
- الهيمنة على منظومات نقل النفط و الغاز  مثل منظومة " نابوكو " و غيرها
- الموقع الستراتيجى الهام لكردستان .
و يؤكد الكاتب " ان تركيا تدرك جيدا حتمية ظهور الدولة الكردية ، لذا فهى  تعزز علاقاتها مع أقليم كردستان ( العراق ) . و السبب فى ذلك ان ثمة أكثر من 25 مليون كردى فى تركيا و أنه بحلول العام 2018 يستطيع كرد تركيا – عن طريق انتخابات حرة و نزيهة – ان يسيطروا على معظم المناصب الرفيعة و  الحساسة فى المناطق الكردية من تركيا . و من ثم أجراء أستفتاء شعبى  لأقامة كيان كردى أى منطقة حكم ذاتى تتمتع بصلاحيات واسعة ، ستتحول بعد فترة الى دولة مستقلة ,
. و وفق هذا السيناريو ، فأن تركيا  - المتطلعة الى عضوية الأتحاد الأوروبى – لن تكون قادرة على  قمع الكرد . و لكن بوسع تركيا -  اذا أتبعت سياسة تتصف ببعد النظر -  ان تحل القضية الكردية سلميا و توسع من مساحتها و نفوذها  و تصل الى ثروات المنطقة .
الحديث يدور – وما زال الكلام لسفياتوف – عن أنشاء أتحاد تركى – كردى فيدرالى أو كونفيدرالى  ، و التى يمكن أن  تستجيب تماما لمصالح الكرد . و بعد دخول هذه الدولة الأتحادية الجديدة الى الأتحاد الأوروبى ستتحقق للكرد أمتيازات كثيرة  .
و يعود الكاتب ليقول : قد يبدو ذلك ضربا من الخيال ! و لكن يجب أن نأخذ فى الأعتبار أنه قبل عشر سنوات لم يكن أحد يتوقع أن يكون رئيس جمهورية العراق كرديا . و ان رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان سيزور أقليم كردستان ، زيارة رسمية . و أن يكون كردى آخر رئيسا لجمهورية أذربيجان ، حيث أن ( عائلة  عليف الحاكمة فى هذا البلد ) كردية الأصل . أو أن نظام بشار الأسد سيسقط ، و بذلك ستتاح الفرصة لكرد سوريا للحصول على حق تقرير المصير ، و أنضمام كردستان الغربية الى كردستان الجنوبية . و يتوقع الكاتب أيضا سقوط نظام الملالى فى أيران مع كل ما ينتج عن هذا السقوط من تداعيات و فى مقدمتها تشكيل كردستان الشرقية .
و يعبر الكاتب عن دهشته لموقف روسيا الغريب من هذه القضية،  التى لعبت فيها دورا فعالا فيما مضى  ، حيث كانت طرفا فى معاهدة سيفر الموقعة بين الحلفاء  المنتصرين عقب الحرب العالمية الأولى ،  . و لكنها – أى روسيا – و  منذ توقيع معاهدة لوزان فى العام 1922  التى لم تشترك فيها و حتى يومنا هذا ، فقدت كل خيوط التأثير فى القضية الكردية ، بأعتمادها على أنظمة مكروهة و معزولة فى العالم العربى مثل النظام الصدامى فى العراق و نظام الملالى فى أيران و نظام الأسد فى سوريا .
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com

83
حميد أبو عيسى ...   بين الهندسة و الأدب

                                                                                                                       جودت هوشيار
 
ثروة العراق الحقيقية ، لا تكمن فى النفط أو الزراعة أو الصناعة أو أى مصدر آخر من مصادر الثراء ، بل فى العقول العراقية المبدعة  ، التى يمكن أن تبنى – لو أتيح لها المجال -  بلدا قويا و متقدما ، كما تكمن فى الأبداع الفنى العراقى – بالمعنى الشامل لكلمة الفن -  التى تضفى جمالا و معنى على حياة العراقيات و العراقيين .
و لكن مع تسلط زمر الجهل و التخلف على مقدرات العراق ، نفقد كل يوم مبدعا فذا فى مجالات العلم و التكنولوجيا و الأدب و الفن ,
بعضهم يقتل برصاص الغدر أو بالكواتم فى شوارع مدن العراق أو فى بيوتهم  أو يقضى نحبه فى سجون النظام القمعى الفاسد .أو يموت قهرا و كمدا فى المنافى .
مناسبة هذا الحديث هو رحيل مبدع عراقى آخر فى المهجر ، و فى الولايات المتحدة الأميركية تحديدا و هو الصديق المهندس الفذ حميد عيسى أوراها . هكذا عرفته لسنوات طويلة *، حيث عملنا معا و مع مهندسين آخرين فى أواخر الستينات من القرن الماضى لوضع اللبنات الأولى للصناعة الثقيلة فى العراق .
كان ما يجمعنا ليس الهندسة فقط  التى درسناها و عشقناها عشقا ، يبدو اليوم غريبا . بل صداقة عميقة الجذور ، لحمتها و سداها ، الأهتمامات الهندسية و الثقافية المشتركة .
 عملنا معا خلال تنصيب الخطوط الأنتاجية و معدات المنشأة العامة للصناعات الميكانيكية فى الأسكندرية ، مهد الصناعة الثقيلة فى العراق ، التى تخرج فيها مهندسون بارزون ، تولوا فيما بعد  مسؤوليات هندسية كبيرة و كان الراحل واحدا منهم .
فى الأسكندرية كنا نتبارى – خلال تنصيب المشروع – من ينجز أعلى نسبة من الخطة الشهرية المقررة . كنا فى عنفوان الشباب ،نعمل مع الخبراء الروس و يملأنا الأيمان بأننا نبنى عراقا متطورا علميا و صناعيا ، لا نعرف الكلل او الملل فى أكتساب خبرة جديدة مع كل يوم .
كان الراحل حميد عيسى اوراها و المهندس فاروق صفو ، هما المؤسسان الحقيقيان لقسم التصاميم و التكنولوجيا  فى المنشأة المذكورة ، و هو قسم أنشىء لأول مرة فى العراق ، و يعد لب أو جوهر  أى صناعة ، سواء أكانت خفيفة أم ثقيلة ، لأنه من دون تطوير تصاميم المنتجات بأستمرار لا حياة لأية صناعة قائمة .
و قد أصدرنا معا مجلة ( المهندس ) التى كانت تنشر البحوث الهندسية التطويرية الجادة، و سوف يأتى اليوم الذى يكتب فيه أحد الباحثين ، تأريخ الصناعة العراقية ، و لا أشك أنه سيقدر مدى أهمية أصدار مجلة هندسية رصينة بأمكانات مادية و طباعية متواضعة . و لا أجد بعد مضى حوالى أربعة عقود من الزمن ، مجلة مماثلة فى مجال الصناعات الهندسية فى عراق اليوم  .
 و فى عام 1980 أنتقل الراحل الكبير الى المعهد المتخصص للصنات الهندسية ، رئيسا لقسم التصاميم و فى الوقت ذاته رئيسا لقسم البحوث و التطوير و كالة  ، و خلال عمله الدؤوب ، ألف عدة كتب هندسية ، تعد رائدة فى مجالات الصناعات الهندسية .  
و لكن النظام الصدامى المباد شأنه فى ذلك شأن النظام القمعى الرجعى القائم فى عراق اللصوص و مزورى الشهادات ،  كان يضيق الخناق على المبدعين المستقلين ، حيث  قتل غدرا و بكل خسة ثلاثة من أشقاء الفقيد ، و كانوا مبدعين كل فى مجال تخصصه.
فى 1993 كان الفقيد يبلغ من العمر خمسين عاما،  حين احيل على التقاعد بناءا على طلبه، و أفتتح مكتبا هندسيا للتصاميم فى بغداد  ، و لكن الأحداث العاصفة التى مر بها و أستشهاد أشقائه ،و أحساسه بالخطر المحدق به أضطرته الى الهجرة الى الولايات المتحدة الأميركية ، حيث عمل أستاذا للغة العربية فى احدى جامعاتها .
و لم تكن الهندسة فقط هى التى تجمعنا ، بل كان لكلينا أهتمامات جادة و معمقة بالأدب و الفن . نتحاورحولهما فى لقاءتنا الكثيرة  .
كان الراحل أحد الكتاب البارزين لموقع ( الحوار المتدن ) حيث نشر عشرات القصائد العاطفية و الوجدانية  و السياسية .
 و فى المهجر كان قلبه الكبير ينزف دما على ما آلت اليه الأمور فى بلده ، و من يقرأ قصائده المنشورة بعد تسلط ( العراقيين الجدد ) على رقاب العراقيين ، نراه يدعو بكل ما أوتى من قوة التعبير لكنس الحثالات الحاكمة الى مزبلة التأريخ .
 
يقول الشاعر المهندس فى قصيدته ( نداء الرافدين )  :
 
كفانا بكاء ً وصبرا ًعقيما ً، كسيرَ الجناح ِ
كفانا انتظارا ً لنصر ٍ سيأتي بغير الكفاح ِ!
زمانُ النهوض ِ أتانا بخطـو ٍ شديد ِ اللحاح ِ
وصوتُ اليتامى ينادي الرجالَ لكبح الجماح ِ
كـفانا رضـوخا ً لعقل ٍ سفيه ٍ ، لقيط ِ اللقاح ِ!
عراقُ النهار ِسيبقى وضيئا ً بومض ِالسلاح ِ
ويعلو عزيزا ً، زهيَّ المروج ِ، أمين َالبطاح ِ
سيبقى معافا ً، غزيرَ العطاءِ ، عزيزَ الفلاح ِ
و يقول فى قصيدة له  بعنوان ( سلاماً تونسَ الخضراءْ )
إرفعْ صراخَكَ حـدَّ أبوابِ السماءِ ولـقـِّـنِ الحكّامَ بيّاعي الـمذلـَّةِ والشـقاءِ
درسـاً مريراً كالـذي أهـدتهُ تونسُ لـلطـغاةِ الناهـبـيـنَ بلا حياءِ
إنهضْ عزيزاً واقلعِ الأوغادَ منْ بلدِ الحضارةِ والثراءِ
لـم يبـقَ فـينا ما يـقـدِّرنا عـلى ردِّ الـقـضـاءِ
غـير الـتـمـسُّـكِ بالعـدالةِ والشـفاءِ
مِـنْ ســمِّ أولادِ الـبـغـاءِ
أصـلِ الـوباءِ!
 
أننى اعندما أقرأ قصائده التى كتبها فى المهجر ، يخيل الى أن العراق الذى أعطاه عصارة فكره الهندسى ، كان لا يفارقه أبدا ، فمعاناة العراقيين تشغل فكره و وجدانه و تعصر قلبه من الألم الممض  ، يحس بها  و تهز كيانه فى كل لحظة .  يقول فى قصيدة له بعنوان ( أينَ أحرارُ العراقِ؟! )
 
 آهِ كـمْ حـلَّ الظـلامُ فـي بـلادي ** واستحالَ العـيشُ ؛ خـبزاً ومسـرَّةْ
كـلَّ ما يبغـيـهِ شعبي في الحياةِ **** أنْ يـعـيـشَ الـيـومَ مـأمـوناً وحـرّأ
أيـن أنـتـمْ يـا أبـاةَ الـرافــديــنِ **** مِـنْ بغاةٍ قـد أذاقـوا الشـعـبَ مرّا؟!
أيـن أنـتـمْ يـا أجـاويـدَ الـعـراقِ ****مِنْ لصوصٍ سرقواالخيراتِ طرّا؟!
 
هكذا الحياة الفانية ، يشقى فيها المبدعون و يتنعم بمباهجها من لا يستحق الحياة  من شذاذ الآفاق .
 
أيها الراحل العزيز سلاما و ألف رحمة لروحك الطاهرة و سوف يبقى ذكراك العطرة فى قلوبنا و قلوب كل المخلصين فى بلدنا العظيم ، رغم أنف الطغاة الصغار من ( العراقيين الجدد )
 
-------------------------------
* كان الفقيد ينشر قصائده بأسم ( حميد أبو عيسى ) فى حين ان كتبه الهندسية المنشورة تحمل أسم ( حميد عيسى أوراها )
---------------------------------------------
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com

84
المنبر الحر / ثلاثة مظاريف
« في: 14:43 22/01/2012  »
ثلاثة مظاريف

                                                                                                                              جودت هوشيار
 
ثمة نكتة سوفيتية قديمة عن تداول السلطة تصف على نحو دقيق سلوك الرؤساء الفاشلين فى الحكم  و بخاصة سلوك المالكى خلال السنوات الخمس الماضية .
 تقول النكتة أن ستالين ترك لمن يخلفه فى الحكم ثلاثة مغلفات و أوصاه ان يفتح كل مغلف اذا وصلت الأمور فى البلاد الى حافة الأزمة . و بعد عدة سنوات حلت الأزمة الأولى و فتح خروشوف المغلف الأول و قرأ : ( ألق علىَّ مسؤولية فشلك) و بعد فترة حدثت الأزمة الثانية و فتح المظروف الثانى وقرأ النص السابق نفسه  . و عندما حلت أزمة جديدة  فتح المظروف الثالث و كم كانت دهشته عظيمة عندما قرأ: (جهز ثلاثة مغلفات لمن يخلفك فى الحكم ) .
 
دأب الحكام الجدد فى الأنظمة الأستبدادية ،  بعد مضى فترة على وصولهم الى السلطة و أخفاقهم فى تحقيق  وعودهم  المعسولة - بتوجيه  اللوم واصابع الأتهام الى أسلافهم فى الحكم و تحميلهم المسؤولية عن كل ما يحدث فى البلاد من أزمات و أخطاء فى مجالات الحياة المختلفة  .
وهو تقليد ممل و مضلل فى آن معا،  الهدف منه التنصل من المسؤولية و التستر على الأخطاء  و خداع الرأى العام فى سبيل البقاء فى السلطة لأطول فترة ممكنة  .
كل عراقى (خبر النظام الصدامى) يعرف ان هذا النظام كان سيئا بكل المقاييس حيث  تفنن فى قتل العراقيين و زج البلاد فى حروب عبثية  و نهب و بدد ثروات العراق . و خلف وراءه تركة ثقيلة .
و كان من المؤمل قيام العهد الجديد  بمعالجة المشاكل المزمنة التى تسبب بها النظام السابق  و الأخطاء الجسيمة التى أرتكبها و لكن  ها نحن اليوم بعد مرور حوالى تسع سنوات على التغيير نرى ان " القائد الضرورة الجديد "  ليس بأفضل من الدكتاتور السابق فى أنتهاك حقوق الأسان و أعتقال المعارضين و زجهم فى سجون سرية وتعذيبهم لأنتزاع الأعترافات الكاذبة منهم او حتى التستر على أغتيالهم بالكواتم أو فى مساكنهم ، كما حدث مع الشهيد هادى المهدى . أضافة الى تسخير أمكانات الدولة  من اجل أحكام قبضته على الحكم .و أستغلال السلطة من أجل مصالحه الشخصية و الحزبية  الضيقة .
 
ماذا فعل المالكى منذ توليه رئاسة الوزارة قبل حوالى خمس سنوات ؟
ليس لدى المالكى و مستشاريه السبعين و أبواقه الناعقة ليل نهار عن أنجازات موهومة  ، جواب واضح على هذا السؤال ، لأن كل ما فعله المالكى هو أستغلال عشرات المغلفات الموروثة من أسلافه أبشع أستغلال . و ألقاء مسؤولية  فشل حكومته فى أداء مهامها و عن كل ما يعانيه البلاد من مشاكل ، على النظام المباد أو على الآخرين  .
 
المالكى لا يمتلك الشجاعة الكافية  و لا الجرأة المطلوبة من رجل دولة  للأعتراف بأخطاءه ، ويفضل  التهرب من المسؤولية بأستمرار و التنصل من وعوده - نعم وعوده و ليس برنامجه ، لأنه ليس لدي المالكى و حزبه  برنامج علمى مدروس وواضح و آليات محددة لتنفيذه  من أجل  أعادة بناء الدولة العراقية المدمرة ، بل شعارات ديماغوجية أكبر من قدراته بكثير و أخطر من أن يتولى تنفيذها – أذا كانت لديه النية أصلا لتطبيقها على ارض الواقع -  شخص لا يمتلك الحد الأدنى من المؤهلات و الخبرة المطلوبة  لأدارة دفة الحكم فى مرحلة عصيبة ،  كالتى يمر بها العراق اليوم ، حيث تتفاقم المشاكل يوما بعد آخر فى كافة ميادين الحياة .
أن الهم الأكبر للمالكى هو البقاء فى السلطة أطول فترة ممكنة عن طريق الهيمنة التامة على القوات الأمنية  و خضوعها المباشر لأوامر القائد العام للقوات المسلحة و أتباع سياسة الترغيب و التهديد فى قمع و أسكات أصوات الأحرار الذين ، لا يؤمنون بعبقرية " القائد الضرورة " حتى داخل حزبه ، ناهيك عن الأحزاب الأخرى  و التشهير بالخصوم السياسيين  تمهيدا لتصفيتهم و أزاحتهم عن طريقه  للبقاء فى السلطة لولاية ثالثة و رابعة ! .، كما أعترف بنفسه مؤخرا حين قال ان لا احد  يستطيع أن يزيحه عن السلطة ، حتى بعد ست سنوات . قد يكون ذلك زلة لسان ، و لكنها كشفت دواخل المالكى و عدم أيمانه بالديمقراطية و بمبدأ التداول السلمى للسلطة .
 
فى بداية حكمه ( الزاهر ) وعند نشوب أى مشكلة  كان المالكى ،  يبحث عن ذريعة  لتبريرها  ، أما اليوم فقد أكتشف " القائد الضرورة "  الجديد ،  أن المغلفات القديمة  التى ورثها عن أسلافه ، لم تعد تجدى نفعا و لن تضمن له البقاء فى السلطة ، بعد ان فشل فى تحقيق أى أنجاز يذكر  رغم أنفاق حوالى خمسمائة مليار دولار  خلال السنوات الخمس الماضية -  ذهب الجزء الأكبر منها الى جيوب ( العراقيين الجدد  ) الذين صعدوا ( من الطهارة الى المنارة ) كما يقول المثل الشعبى العراقى  !
 
 سلاح المالكى الجديد للبقاء فى السلطة ، هو خلق الأزمات ، أزمـة وراء أزمـة و قد تتداخل أكثر من أزمـة فى آن واحد  و ذلك بهدف صرف أنظار خصومه السياسيين و ألهاء الرأى العام العراقى عما يجرى فى الخفاء و يسخر من أجله كل أمكانات الدولة  بهدف بسط هيمنته على كافة مفاصل السلطة و تهميش البرلمان و نقض  القوانين التى يسنها و تجاهل القرارات التى يتخذها  و تسيس القضاء لمصلحته عن طريق شراء ذمم كبار القضاة ( كما أشارت الى ذلك مؤخرا و كالة أسوشيتد برس للأنباء )  و أستغلال شبكة الأعلام العراقى  و الأعلام الحزبى و غير الحزبى الممول من خزينة الدولة ،  لأطلاق غبار كثيف من الأكاذيب للتغطية على العمل الجارى وراء الكواليس .
 
حكومة المالكى هى حكومة الأزمات المفتعلة أبتداءا من أزمة ( المساءلة و العدالة ) قبيل الأنتخابات التشريعية الأخيرة  و أزمة التنصل من  تنفيذ أتفاقية  أربيل لتقاسم السلطة عند تشكيل الحكومة الحالية و تداعياتها و مرورا  بأزمة الأنقلاب المزعوم  قبيل الأنسحاب الأميركى من العراق  و أنتهاءا بأزمة نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمى . و ما دام المالكى فى السلطة سيشهد العراق المزيد من الأزمات المفتعلة  و المسرحيات المفبركة التى جند لها  أعوانه المقربين لصب الزيت على النيران المشتعلة  و أبواقه الأعلامية الصاخبة التى تقوم ليل نهار بتلميع صورته الكالحة و تبرر أخطاءه و خطاياه و عجزه الكامل عن القيام بأى عمل أيجابى و تشهر بزعماء المعارضة على نحوسمج يتصف بمنتهى الأبتذال فى تجاوز كل المعايير الأخلاقية و الأعلامية .
المالكى -  الذى فقد ، ثقة العراقيين ، كل العراقيين  و بضمنهم حلفائه  السياسيين ، بأستثناء زمرة من الوصوليين الملتفين حوله و المنتفعين من فتات موائده - لن يستطيع الأستمرار فى أختلاق الأزمات و أحتكار الحكم طويلا ،لأن لعبة الأزمات المفتعلة قد أنكشفت  و لن تنطلى على أحد بعد اليوم .
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com


85
المنبر الحر / ستالين العراق
« في: 23:16 25/12/2011  »
ستالين العراق

                                                                                                                                جودت هوشيار
 
يثير تركيز السلطة الشديد بيد رئيس الوزراء نورى المالكى و تفرده بأتخاذ القرار و تسخيره للقوى الأمنية و القضاء المسيس فى تصفية خصومه السياسيين ، قلقا بالغا ومشروعا لدى القوى السياسية الأخرى و الرأى العام العراقى  و بخاصة فى الأوساط الليبرالية و العلمانية و اليسارية ، حيث تلوح فى الأفق مشروع دكتاتور جديد و نظام شمولى لا يقل عنفا و أستبدادا عن النظام السابق .
و رغم أنحسار اهتمام المجتمع الدولى و الأعلام العالمى بأحداث العراق ، الا أن أمرا واحدا ، اخذ يستقطب أهتمام المراقبين و المحللين السياسيين فى كثير من بلدان العالم ، و هو هيمنة المالكى  الشديدة على السلطة و القوة و الثروات فى العراق .
ثمة من يقارن المالكى بصدام حسين ، من حيث التفرد فى أتخاذ القرار و قمع الحريات العامة و الخاصة و أنتهاك  حقوق الأنسان و هدر ثروات البلاد ، و لكن المؤرخ و المحلل السياسى الروسى البارز " فاديم مكارينكو " يرى – فى مقال له تحت عنوان " ستالين العراق " الذى  نشر فى أحد المواقع الألكترونية الروسية مؤخرا – ان طريق صدام الى السلطة ، كان مختلفا عن طريق المالكى ، و من الأصوب  القول ، ان الملكى هو " ستالين العراق لوجود أوجه تشابه كثيرة بين الدكتاتورين  .
 
. المالكى أفلت من الموت فى العهد الصدامى ، كما أفلت ستالين فى العهد القيصرى  و أصبح على رأس السلطة بمحض الصدفة فى أوج العنف الذى كان يهدد بتقسيم العراق ، و قد قسمه فعلا فى واقع الأمر .فالعاصمة بغداد على سبيل المثال مقسم حاليا الى الى غيتوات طائفية مغلقة ، و هذا هو السبب الرئيس للتحسن الأمنى النسبى.
و يرى " مكارينكو " ان أوجه الشبه بين الرجلين نفسية فى المقام الأول ، ليس فقط من حيث الذاكرة المتشابهة و روح الأنتقام المتأصلة فيهما ، فكلاهما ، لا ينسى شيئا و لا يغفر لأحد ، و لهذا على وجه الحديد ، لا يستعجل فى توجيه الضربات لجميع خصومه فى آن واحد ، بل يختار الوقت المناسب لكل واحد منهم ، و ليس ذلك غريبا ، لأنهما توأمان  ينتميان الى ثقافة واحدة أو متقاربة .( جورجيا - و طن ستالين - لا تبعد عن العراق كثيرا و تربطهما و شائج ثقافية و تأريخية ) .
كذلك فأن  المالكى و ستالين يتشابهان فى أسلوب مواجهتهما للتحديات السياسية و الشخصية ، و يردان عليها بالطريقة ذاتها أى بتشديد الخناق على الخصم بقوة أكثر فأكثر و يفعلان ذلك بشكل تلقائى و غير واع . انها الطريقة الوحيدة لديهما للنجاة .
 و المهمة الرئيسية للمالكى اليوم هى تعزيز سلطته الشخصية ، ففى العراق ( الجديد ) السلطة المركزية هى المالكى ، و المالكى هو السلطة المركزية .
فى الأزمة الوزارية الأخيرة ، حين تعثر تشكيل الحكومة العراقية لمدة ثمانية أشهر بعد الأنتخابات البرلمانية التى لم يفز فيها المالكى الا بالمرتبة الثانية ،  رغم  تسخير  امكانات الدولة لشراء الذمم وحشد جموع المنتفعين من السلطة  و بضمنهم شيوخ العشائر-  الذين يدفع لهم المالكى رواتب مجزية من خزينة الدولة من اجل التصويت لصالحه فى الأنتخابات و القيام بالمهام ( القذرة ) عند الحاجة  - و رغم الشعارات البراقة و الوعود المغرية .
 
و يؤكد " مكارينكو " ان  تشكيل الحكومة تأخر لسبب رئيس و هو ان لا أحد كان يعرف كيف ينتزع السلطة من المالكى ، لأن كل الأدوات الفعالة و القوى الأمنية كانت بين يديه يوجهها كما يشاء . لم يقبل المالكى ترشيح شخص آخر حتى من داخل حزبه لرئاسة الحكومة ، ناهيك عن الأحزاب الأخرى المتحالفة معه ، رغم ترشيح بدائل عديدة له .
من الواضح لجميع العراقيين ، و مما يقلقهم كثيرا ، التركيز الشخصى المستمر للسلطة بيد المالكى وطغيان تأثيره على مفاصل الدولة بأسرها . و هذا أمر خطير، حيث لا توجد فى المناطق الخاضعة للسلطة المركزية ، .قاعدة أخرى للسلطة .
القوة الوحيدة فى العراق التى يمكنها مقاومة طغيان المالكى هى أقليم كردستان ، حيث تشكلت و قبل سقوط نظام  صدام،  سلطة تدير شؤون الأقليم الغنى بالثروات و لديها قوة مسلحة مدربة  و تتمتع بتأييد شعبى و علاقات دولية واسعة .
تحت تصرف المالكى ثروات هائلة و لكن الثروات ليست مفتاحا للنصر فى الأنتخابات التى تجرى فى العراق
 و فق استقطابات طائفية و أثنية ، و لكنها – أى الثروات -  مفتاح للسلطة الفعلية و ضمان لها .
اليوم لا يحتل أتباع المالكى كل المناصب العليا فى الدولة ، بل ان عددا لا يستهان به من هذه المناصب ، منحت لقياديين من الأحزاب الأخرى ، من دون التمتع بأية صلاحيات حقيقية لأتخاذ القرار ، و لا عمل لهم سوى تمضية الوقت و التمتع بمظاهر الأبهة الفارغة ،  التى تسبغها تلك المناصب عليهم ، و يقول "  مكارينكو "  أن أشغال منصب رفيع أجوف من دون عمل حقيقى ، أمر غير مخجل فى المجتمعات الشرقية ، لأن المنصب الحكومى الرفيع " قيمة " بحد ذاتها فى تلك المجتمعات ،  مما يتيح للدكتاتور الزعم بوجود الديمقراطية و تمثيل القوى الأخرى فى الحكم .
فى العشرينات من القرن الماضى كان فى روسيا السوفيتية عدد كبير من مثل هذه المناصب الرفيعة التى لم تكن لها أية مهام ذات أهمية ، و لكن بمجرد قيام " القائد " بدعم هذا المنصب أو ذاك ، كان يتحول الى منصب ستراتيجى بالغ الأهمية .
فى حكومة المالكى الأولى حاول الوزراء السنة الحصول على بعض الصلاحيات لأتخاذ القرارات فى مجالات عملهم ،  لكن لم تمنح لهم أية فرصة لتحقيق مسعاهم ، مما أضطرهم الى الأستقالة . و اليوم هنالك وزراء سنة و أكراد ، و و جودهم ضرورى و نافع لـ( القائد ) الى حين الأنسحاب الكامل للقوات الأميركية ،و ديكور  دستورى و ديمقراطى . و  يمكن بعد الأنسحاب الأستغناء عن خدمات هؤلاء الوزراء فى أى وقت يراه " القائد " مناسبا لذلك .  ( 1 )
و يقوم المالكى حاليا بـحملة (تطهير) " كرملين بغداد " المسمى بـ " المنطقة الخضراء " من الخصوم و المنافسين السياسيين ، التى بدأها بأعتقال المئات من البعثيين السابقين ، و سوف تستمر مثل هذه الحملات الى أن يتم التخلص من كل من يعترض طريق " القائد الأوحد " الى السلطة الشمولية المطلقة . و هى حملات تذكرنا بحملات التطهير الستالينية المتكررة قبل عام 1934 . حملات المالكى على معارضيه تنفذ وفق قوائم معدة سلفا  بأسماء المطلوبين للتصفية السياسية أو لألقاءهم فى غياهب السجون  و هى تشمل كل من يعارض المالكى سواء أكان مذنبا أم بريئا .
فلسفة المالكى  هى نفسها المتبعة فى كل تنظيم حزبى غير ديمقراطى : " من ليس معنا فهو ضدنا " و بتعبير المالكى : " لا مكان فى حكومتنا لمن ينتقدها ".
 اليوم يحارب المالكى البعثيين و غدا سيحارب قوى سياسية مشاركة فى العملية السياسية و على هذا النحو ستستمر حملات التصفية و سيكون هنالك دائما عدو جديد ليحاربه .
ستالين كان يؤمن بالصراع الطبقى المستمر  ، و بأن هذا الصراع يشتد بمرور الزمن ضد طبقته و يتخذ اشكالا جديدة  ، و يدرك جيدا بأن لا بقاء له فى السلطة الا بمحاربة عدو جديد فى كل مرة عن طرق القيام بحمة تطهير جديدة بين صفوف النخبة الحاكمة.
و يعتقد " مكارينكو "ان مشكلة العراق الرئيسة هى أن ثروات بلد من أغنى بلدان العالم ، يتصرف بها شخص واحد لمصلحته و مصلحة حزبه ، حيث تحولت الدولة الى كيان يعمل من اجل حفنة من النخبة الحاكمة التى
  تستأثر بالسلطة و المال و القوة و النفوذ و لن تتخلى عنها أبدا و لن  يمنح " الأخ الأكبر " و النخبة الجديدة المنتفعة من حكمه ،  أدنى  فرصة لقوى سياسية أخرى بأنتزاع السلطة منه. ويمضى مكارينكو قائلأ : ان الولايات المتحدة كدولة عظمى مسؤولة عن العراق دمرت هذا البلد و تعهدت فى بادىء الأمر  بأعادة بنائه أو تشكيله من جديد ، و كأن الأمر هو لعبة تفكيك و  تجميع أشبه بلعبة المكعبات التى يمكن بعثرتها و من ثم تجميعها لتشكيل بناء جديد حسب الرغبة .
لقد أخفقت الولايات المتحدة فى تنفيذ الخطة الأولية المعدة لأعادة  بناء الدولة العراقية و أقامة نظام حكم مؤسساتى تمتلك الآليات الضرورية لمنع المساعى الرامية الى أقامة نظام مركزى و حصرالسلطة بيد دكتاتور جديد . كانت الخطة تتضمن كحد أدنى أقامة نظام فدرالى تتمتع فيه الأقاليم بصلاحيات واسعة و كحد أقصى تأمين رعاية دولية (  أمنية و قضائية )  لفترة طويلة لنظام الحكم الجديد ، و لكن هذه الخطة تناثرت و ذهبت مع الريح .
المحافظات التى يشعر أبنائها بالغبن و الأقصاء و التهميش ، تطالب اليوم بأقامة أقاليم على غرار أقليم كردستان  وكان الكرد سباقين الى دعوة الآخرين لأقامة أقاليمهم و لم تلق هذه الدعوة فى حينه الأستجابة اللازمة . و لكن القطار ذهب من دون رجعة و لم يبق فيه من كان بوسعه مساعدة المحافظات على تحقيق مطالبها . حقا كان هنالك بعض " المثاليين " و لكن تمت أزاحتهم بسرعة .
المالكى يرى فى أقامة الأقاليم مؤامرة بعثية  رغم أن الدستور الذى أسهم فى أعداده يمنح مثل هذا الحق لكل محافظات العراق .
أن الخطأ الأكبر الذى أرتكبه الأميركان هو أنهم أرتخوا و تكاسلوا  - بعد قيام المالكى بتوجيه الضربات الى منافسيه فى الميليشيات الشيعية فى بغداد و البصرة -  و أضاعوا فرصة أستبدال المالكى بسياسى أقل سعيا و  أندفاعا منه  نحو الدكتاتورية  و أقل لهفة للتحول الى " بونابارت " جديد .
كان الرئيس جورج بوش الأبن قد هنأ العالم ،   بسقوط الدكتاتور صدام حسين و  أنتهاء العمليات العسكرية ،  و لكن خلفه اوباما ، مضطر اليوم أن يصافح دكتاتور العراق الجديد .
صحيح أن أميركا ستتوقف عن أنفاق المزيد من الأموال على عملية فقدت السيطرة عليها منذ  زمن طويل  و لكن لا بأس ، فأن هذا أيضا ،  يعد  ( أنجازا) !!.
ليس لدى الولايات المتحدة اليوم ما يمكن قوله للعالم ، لأن جراح العراق الآن أكثر عمقا  و أيلاما من أى و قت مضى .
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com

86
المنبر الحر / القلق و ما بعده
« في: 21:53 20/12/2011  »
القلق و ما بعده
                                                                                                                      جودت هوشيار
 القلق ظاهرة حضارية وضريبة يدفعها الانسان المعاصر من ذهنه وفكره واعصابه وهو يتلقى يوميا هذا الزخم الهائل من الممؤثرات والاصداء والا نطباعات في عالم شديد الحركة , سريع التطور زاخر بالوقائع والاحداث الجسام والثورات في شتى مجالات النشاط الانسانى هذا القلق يسري في دمه يدب في كيانه يتغلغل في أدق شعيراته , ينفعل به ، يطل من عينيه وهو يقاتل او يبني , يتمزق أو يحلم .
 هذا النوع من القلق الحسي العنيف ، قلق مقدس ونبيل لانه قلق ايجابي وخلاق, كان ومايزال وراء معظم الانجازات الحضارية للبشرية عبر مسيرتها التاريخية الطويلة وأحد بواعث الخلق والابداع في العديد من حقول المعرفة الاساسية .
 وبالرغم من هذه الصفة الشمولية للقلق , الا انه يبرز عند الفنان والشاعر والكاتب ورجل الفكر عموما على نحو أكثر حدة وعنفا , فالانسان المبدع الذي يكون في العادة شديد الوعي لقضايا عصره ومفرط الحساسية أزاء هموم الاخرين وتطلعاتهم لايمكن يكون الا قلقا حينما يقتحم المجهول
 ويكتشف ذاته والعالم من حوله , ولكن هذا القلق المبدع الخلاق حين يتحول الى أرق ليلي مزمن يصبح شيئا لا يطاق .
 قبل سنوات معدودات مضت كنت نهبا للقلق لا اعرف مصدره وأرق ليلي لا أزعم أنه كان من هذا النوع ولكنه على أي حال لم يكن عاملاايجابيا بل على النقيض من ذلك كنت اعتبره ه مدمرا لانه أخذ يدمر حياتي .
 كنت أظل طوال الليل كالوتد المشدود بقوة وكان رأسي يضج بالايقاعات الصاخبة لعصرنا ولم يكن في وسعي أن ارد عنى اصدءاها الا مع طلوع الفجر ؟
 كان هذا قبل سنوات , أما اليوم فأنعم بنوم هادئ وطويل بفضل بعض الاكتشافات المهمة التي لا يعرف معظم القراء على ما ظن أي شي عنها .
 أنني أنصح لقارئ الكريم الذي ينتابه الارق اللعين احيانا أن ينتفع بتجربتي المتواضعة في هذا المجال وأن يقرأ قبل النوم بعض القصائد ما بعد الحداثة , لانني شخصيا حين أقرأها أشعر باني عدت قرنا كاملا الى الوراء , الى اوئل القرن العشرين , زمن المانيفيستات الأدبية والتيارت الفنية فى العواصم الأوروبية الراعية للأدب و الفن مثل باريس و روما و بطرسبورغ فى ( العصر القيصرى ) ، و أسرح فى عالم جميل مضى دون رجعة زاخر بلوحات فنية سوريالية وتكميبية وتعبيرية وأنطباعية ورمزية ومستقبلية و قصائد هرمية ومستطيلة ومربعة ودائرية تتشكل من كلمات متراصة ورموز وعلامات ترقيم و تنوين و تعجب . نتاجات تهوم معها لأنها انطباعات حسية و انطباعية خفيفة تساعد على الأسترخاء أكثر من الوسائل الأخرى مثل المساج مثلا , بيد أن الوسيلة الاكثر فعالية في التغلب على الارق القراءة التأملية لتلك النماذج من قصص ما بعد الحداثة التى يعشقها الجيل الجديد من كتاب العربية و مقلديهم من الكتاب الكرد لانها خالية تماما من كل ما يثير الذهن أو يبعث على التفكير قصص تتغلغل باشعاعتها الفرويدية الى اعماق اللاوعي والعقل الباطن فيستسلم الانسان في هدوء لاحلام جميلة ويداعب النعاس أجفانه ولا يستيقظ الا مع الفجر , أنها تجربة مفيدة أردت أن أشرك فيها اولئك القراء الذين يعانون من القلق والارق ولا تكلف كثيرا , لأن الدواوين الشعرية والمجاميع القصصية لشعراء وكتاب ما بعد الحداثة تباع على أرصفة الشوارع لدى باعة الكتب المستعملة بأسعار زهيدة لا ترهق الجيوب الخاوية لكتاب ما بعد الحداثة و ما فوق الحداثة ..
 جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com


87
الموقف الروسى من الصحوة العربية

                                                                                                                                 جودت هوشيار
 
الموقف الروسى من ثورات الربيع العربى ، يدعو الى الأستغراب و التساؤل لدى بعض  المتابعين للشأن الروسى  و لكننا نعتقد ان لا جديد فى هذا الموقف  ، فقد وقفت روسيا دائما ، منذ العهد السوفييتى البائد ، كما تقف اليوم مع الأنظمة العربية الشمولية و تدافع عن الحكام العرب الطغاة .
و هذا الموقف  ناجم عن جملة عوامل داخلية و خارجية ( صفقات الأسلحة ، عقود الطاقة ،  النظام العالمى الجديد ، الأقليات الأثنية و الدينية  فى الأتحاد الروسى  و مدى تأثرها  بالأوضاع فى الدول المجاورة لروسيا.)
و لكننى اود التطرق الى عامل مهم آخر لم يلتفت اليه المتابعون للعلاقات العربية – الروسية ، و هو نظرة  الأنظمة الحاكمة المتعاقبة فى روسيا الى شعوب البلدان القريبة من حدود روسيا الجنوبية .
فرغم مرور 95 عاما على سقوط النظام القيصرى فى روسيا و بصرف النظر عن تبدل  شكل و طبيعة  النظام الحاكم فيها أكثر من مرة ، الا ان أمرا واحدا ظل كما كان فى العهد القيصرى و هو النظرة الأستعلائية الروسية الى شعوب الشرق عموما و الشعوب العربية خصوصا   .
و نظام فلاديمير بوتين لا يختلف عن الأنظمة الحاكمة السابقة فى هذه النظرة ، التى لم تكن مقبولة فى يوم من الأيام  و مرفوضة تماما فى  عصرنا الراهن.
نظام  بوتين ( السوفييتى الجديد ) المغلف بديكور ديمقراطى تجند وسائل اعلامها – وهو اعلام سائر فى ركاب السلطة عموما - لتجميل الوجه القبيح للأنظمة العربية القمعية . نظام بوتين لا يحسب حسابا للشعوب العربية الثائرة و يحاول تصوير الثوار كأنهم مجاميع من الرعاع السلفيين و أن الشعوب العربية ان هى الا قبائل بدوية و طوائف متناحرة و الثوار  تحركهم أحزاب و تنظيمات جهادية ، تحاول أنتزاع السلطة من( أنظمة شرعية ) بالعنف و الأرهاب و الأستعانة بالأجنبى .
 
وسائل الأعلام الروسية أمتدحت طوال الشهور الماضية نظام القذافى قبل و بعد سقوطه و تصف دكتاتور ليبيا بأنه بطل قلما يجود به الزمن ، عاش و قاتل بشرف و شجاعة نادرة حتى آخر لحظة فى حياته كالفرسان النبلاء . فعلى سبيل المثال لا الحصر،  تعيد هذه الوسائل ، المرة تلو المرة ، نشر المقابلات التى تجريها مع ( ممرضات ) القذافى اللواتى يذرفن الدموع على الدولارات الضائعة نتيجة لأضطرارهن العودة الى بلادهن و حرمانهن من هدايا بابا قذافى الثمينة .. !
و تقول يلينا سابونينا (1)  :
 " ان نظام القذافى كان نظاما (شعبيا و ديمقراطيا ) حيث كانت القرارات المصيرية تتخذ من قبل اللجان الشعبية و كذلك المصادقة على خطط التنمية و الموازنة العامة و تضيف دون ان يرف لها جفن " ان القذافى وفر للشعب الليبى كل شىء بالمجان (الماء و الكهرباء و التعليم و الخدمات الصحية . وقدم منحا و تسهيلات لبناء السكن أو أقتناء السيارات  ) و تتساءل : فى أى بلد كان بوسع المرء أن يشترى سبعة ألتار من البنزين بدولار واحد فى غير ليبيا القذافى . ؟  "
 
  أما السياسى  المتقلب ، زيرينوفسكى ، رئيس الحزب الديمقراطى الليبرالى الروسى و نائب رئيس مجلس الدوما ( النواب ) الروسى الذى أصبح موضع تندر و سخرية الشعب الروسى لتصريحاته الغريبة و مقابلاته الأعلامية  المضحكة  ، فقد أعتبر نظام القذافى مثاليا و أفضل نظام فى العالم !
 
و الأعلام الروسى - الذى يدور فى فلك النظام -  يسهب فى هذه الأيام فى أبراز الطبيعة القبلية للمجتمع الليبى  و فى  تضخيم الخلافات القائمة بين مختلف الفصائل المسلحة للثورة الليبية و تعتبر ذلك بداية لحرب أهلية بين الفصائل و القبائل المتنازعة .
ورغم خصوصية كل ثورة عربية و اختلاف ظروفها و أسبابها من بلد عربى الى آخر ، الا أن الموقف الروسى الرسمى من ثورات الربيع العربى ظل موقف المتشكك بنوايا الثوار و الباحث عن القوى الأجنبية ( الغربية ) التى تقف وراء التظاهرات العارمة . و يعتبرالناشطين الشباب ، من أصحاب المدونات و الصفحات الألكترونية و بخاصة فى مواقع التواصل الأجتماعى طابورا خامسا يعمل لحساب الأجنبى..
 
و ويرتكب نظام بوتين بهذا الموقف الشاذ عن الأجماع العربى و الأقليمى و الدولى ، أثما لا يغتفر فى حق الشعوب العربية و خطئا فادحا فى حق روسيا و مصالحها الحيوية ، لأن الحكام زائلون و الشعوب باقية و سوف يضطر نظام بوتين الى التعامل مع الأنظمة الثورية العربية الجديدة . و من مصلحة روسيا معالجة تداعيات موقفها  من الربيع العربى بأسرع ما يمكن . و لكن كل الدلائل تشير الى قصر نظر مستشارى حكومة بوتين من المستعربين و الباحثين فى معاهد الأبحاث الستراتيجية الكثيرة  الغرباء عن الواقع العربى و الذين يزودون الكرملين بتقارير مضللة عن جهل او نتيجة لنظرتهم الدونية الى شعوب الشرق العربى .، أضافة الى أن هؤلاء الباحثين و المستعربين ينطلقون فى العادة  من علاقات التنافس بين العملاقين الأميركى و الروسى فى تقييم القضايا الخارجية ، كل ذلك يجعل أبحاث هؤلاء السادة غير موضوعية ، بل غير ذات قيمة فى كثير من الأحيان . و صفوة القول ان سياسة الكرملين  تجاه الصحوة العربية لا تخدم المصالح الروسية  فى  المنطقة  على الأطلاق ، بل تلحق بها أبلغ الأضرار ..
البعض من متابعى الشأن الروسى (2)  يعتقد ان هذا الموقف " مبنى أساسا على نهج براغماتى بحت يقيم الوزن لحسابات الربح و الخسارة ، و لذلك ظهرت موسكو ، مستعدة للأعتراف بالثورات دون التخلى عن الأنظمة التى قامت ضدها . " و هذا القول صائب  و خاطىء فى آن واحد . صائب ، لأن موسكو لا تعرف سوى  حسابات الربح و الخسارة فى تعاملها مع الأنظمة العربية . و خاطىء لسببين ،
 اولهما  ، أن المواقف الروسية تأتى متأخرة جدا بعد ان تكون الأحداث قد تجاوزتها. و هذا ما حصل بالنسبة الى موقفها من الثورة الليبية ، حيث أعترفت بالمجلس الأنتقالى ، بعد أن تبين للقاصى و الدانى  السقوط الحتمى لنظام القذافى و كان لهذا الموقف ردود فعل سلبية  لدى الشارع العربى عموما و الشارع الليبى خصوصا . و يمكن القول ان الموقف الروسى من الثورات العربية و بخاصة الثورتين الليبية و السورية " شكل صدمة لكثير من الشعوب العربية ، حين أصطفت موسكو الى جانب النظم العربية ، رافضة للثورة و الحرية ."
و ثانيهما ، أن روسيا لم تجن من حساباتها الخاطئة سوى الخسارة .حيث ذهبت المساعدات الأقتصادية و التسليحية  الضخمة التى قدمتها الى الأنظمة العربية  القمعية أدراج الرياح ، و خسرت فى الوقت ذاته تأثيرها و نفوذها فى  الوطن العربى . أى أن الموقف الروسى لا يمكن وصفه بأى حال من الأحوال بالبراغماتية !
" و ربما هذه أول مرة  بتأريخ العلاقات الروسية – العربية ، تطالب فيها بعض الشعوب العربية بمقاطعة موسكو أقتصاديا و سياسيا و عسكريا ، بعد أكثر من نصف قرن من التقدير العربى لمواقف روسيا المساندة لقضايا العرب . "
 
و حسب وسائل الأعلام الروسية ، فأن موسكو تنتقد الولايات المتحدة و الدول الأوروبية و تركيا و الدول العربية ، بأنها تعد العدة لتغيير النظام فى سوريا ، و أن هذا التغيير لن يؤدى الا الى أثارة الحرب الأهلية فى هذا البلد . و ترى روسيا ان المجتمع الدولى ينبغى ان يضغط أيضا على المعارضة السورية للجلوس وراء مائدة المفاوضات للتوصل الى حل يرضى الطرفين ، أى بعبارة أخرى يضمن بقاء بشار الأسد فى السلطة . و بذلك فأن روسيا تضع علامة مساواة بين القاتل ( نظام بشار ) و الضحية ( الشعب السورى و ممثلها الشرعى ، المجلس الوطنى السورى ) . و تحاول أنقاذ نظام بشارالآيل للسقوط .
 
و لا شك أن الدعوة الروسية للحوار جاءت متأخرة جدا ،فقد فات أوان الدعوات ، لأن النظام استخدم الحوار لكسب الوقت و أراقة مزيد من الدماء أملا فى قمع الثورة الشعبية ، لذا فأن المجلس الوطنى السورى الذى يضم معظم القوى المعارضة لنظام الأسد ، قد رفض رفضا قاطعا أى حوار مع النظام القائم و طالب  بتنحى بشار عن السلطة فورا . و كالعادة لن يطرأ تغيير جوهرى  على الموقف الروسى الا فى و قت جد متأخر ،  عندما تتيقن موسكو بأن مصير بشار قد صار قاب قوسين او أدنى من مصير القذافى .
نظام بشار فقد شرعيته و أصبح نظاما منبوذا و محاصرا من قبل المجتمع الدولى و سوف يسقط ان عاجلا أم آجلا , و لا أمل له بالبقاء ، مهما حاول و أستنجد بنظام الملالى فى طهران و تابعه  ، حكومة المالكى .
 يا لبؤس نظام بشار ! لم يتبقى له من نصير فى هذا العالم الواسع ، سوى نظام الملالى فى طهران و تابعه المطيع فى بغداد .
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com



--

88
تولستوى و جائزة نوبل  للآداب
                                                                                                                                 جودت هوشيار
 كان الشاعر الفرنسى رينه سولى برودوم ( 1839 – 1907 ) اول من حاز على جائزة نوبل فى الآداب ، عندما منحت هذه الجائزة للمرة الأولى فى عام 1901 . و كان الأعتقاد السائد فى ذلك الحين و ربما  حتى الوقت الراهن ، ان هذه الجائزة الرفيعة هى أهم جائزة للآاداب فى العالم ، و تمنح و فق أسس و معايير ثابتة و تقييم موضوعى دقيق ، بعيدا عن لأنحياز السياسى . و الفائز بالجائزة فى نظر ملايين الناس،  صاحب موهبة كبيرة ان لم يكن عبقريا و أفضل من بقية المرشحين  و لكن الواقع يخالف هذا الأعتقاد الراسخ فى الوعى الجمعى .    و كان من بين المرشحين للجائزة فى ذلك العام  أحد أبرز  عمالقة الأدب العالمى  و هو ليف تولستوى ( 1828 – 1910 ) ولكن لجنة التحكيم الملكية  أختارت شاعرا قلما يتردد أسمه اليوم  حتى فى فرنسا ذاتها .
 فى تلك الفترة كان تولستوى أبرز و أهم الأدباء الأحياء و يحتل منزلة رفيعة كروائى أبدع نتاجات روائية عظيمة ، و قد أعترف ( كارل فيرسين ) سكرتير الأكاديمية السويدية فى ذلك الحين ، بأن تولستوى خلق نتاجات خالدة . و لكنه مع ذلك صوت ضد ترشيح تولستوى للجائزة ، لأن الأخير حسب زعمه " نبذ كل أشكال الحضارة و دعا الى أسلوب بدائى و بسيط للحياة الأنسانية ، بمعزل عن كل أنماط الثقافة الرفيعة ."
كان لقرار لجنة نوبل ،  وقع الصدمة على الرأى العام السويدى و الأوروبى ، ليس فقط لأن الجائزة لم تمنح لتولستوى ، ففى ذلك الوقت كان ثمة أدباء مرموقين أكثرمن ( برودوم ) . مثل أنطون تشيخوف ، مكسيم غوركى ، الكساندر بلوك ، أميل زولا
.بعد شهر واحد من أعلان اسم الفائز ، وجهت مجموعة كبيرة  من  أدباء و كتاب و  فنانى السويد البارزين رسالة الى تولستوى ، عبرت فيها عن احتجاجها على قرار لجنة التحكيم  و فى الوقت ذاته أعجابها الشديد بنتاجات الكاتب ، و جاء فى الرسالة " نحن نرى فيكم ، ليس  فقط ، العميد المبجل للأدب المعاصر ، و لكن أيضا واحدا من أعظم و أعمق الأدباء المعاصرين ، الذين لا يمكن لأحد ان يتجاهلهم .رغم أنكم حسب قناعاتكم  لم تسعوا قط  فى أى وقت من الأوقات للحصول على هذا النوع من الجوائز . و لهذا نشعر بمسيس الحاجة  ان نوجه اليكم هذه التحية ، لأننا نعتقد بأن المؤسسة التى أنيطت بها مهمة منح جائزة ( نوبل ) فى الآداب ، لا تعبر بتشكيلتها الحالية ،لا عن  آراء الكناب و الأدباء و الفنانين و لا  الرأى العام . دعهم يعرفون فى الخارج ، بأننا حتى  فى و طننا البعيد ،نعتقد بأن الفن الأهم و الأقوى ، هو الفن الذى يولد من رحم حرية الفكر و الأبداع . "
و فى 24  كانون الثانى /يناير عام  1902 نشرت صحيفة " سفينسكا داجبلاديت  " السويدية  مقالا للكاتب " أغسطس ستريندبرغ "  ، جاء فيه : ( أن معظم أعضاء الأكاديمية هم  من المهنيين الذين لا يتصفون بيقظة الضمير و ليست لديهم ذائقة أدبية ، و رغم ذلك أنيطت بهم مهمة  التحكيم  ، و مفهوم الفن لدى هؤلاء السادة ساذج و صبيانى ، فالشعر عندهم  هو ما كان منظوما و يفضل ان ان يكون مقفى . فعلى سبيل المثال ، اذا كان تولستوى قد نال مجدا أدبيا رفيعا ، بوصفه كاتبا أبدع فى تصوير المصائر البشرية و خلق آثارا أدبية خالدة فأنه لا يعتبر شاعرا، لأنه لم ينظم الشعر) ,
و قال الناقد الأدبى الدنماركى الشهير جورج برانديس  : " يتبوأ ليف تولستوي  المركز الأول بين الكتاب المعاصرين و  لا أحد  يحظى  بأحترام يصل الى حد التقديس مثله  ، ويمكن القول أنه وحده يبعث مشاعر الخشوع!.
و قد منح جائزة للآداب لأول مرة فى تأريخ جوائز( نوبل)  ، لشاعر نبيل و رقيق ، و لكن لا يحتل مكانة مرموقة ، بعث أفضل الكتاب السويديين برسالة الى تولستوى يحتجون فيها على منح الجائزة للشاعر المذكور  ، و الكل كان يشعر بأن من المفترض أن تمنح الجائزة الى كاتب روسيا العظيم . "

 البيانات العديدة المطالبة بأستعادة العدالة المهدورة و الرساءل الموجهة الى ( تولستوى ) أرغمت الكاتب العظيم على توجيه رسالة جوابية  الى الكتاب الأوروبيين ، قال فيها وببساطة شديدة :  "أيها الأخوة الأعزاء لقد سررت كثيرا لأن جائزة نوبل  لم تمنح لى  ، و مبعث سرورى يرجع لسببين :
 أولهما   و قبل كل شيء ان ذلك  ، خلصنى من صعوبة كبيرة ، وهى كيفية التصرف بمبلغ الجائزة ، و هو فى رأيى  مثل أى مال آخر لا يجلب سوى الشر
 و ثانيهما ، تشرفت و سررت  لتلقي عبارات التعاطف من كثير من الناس ، وإن كانوا  غير معروفين  بالنسبة لي ، إلا أنني أكن لهم  احتراما عميقا.ارجو ، ان تتقبلوا أيها الأخوة الأعزاء خالص الأمتنان وأفضل المشاعر.
 ليف تولستوي ".
قال بعض المدافعين عن لجنة جائزة نوبل ، أن تولستوى كان سيرفض الجائزة حتما ، لو تم منحها له . و هذاالأستنتاج صحيح لكل من قرأ نتاجات تولستوى و تعرف على آرائه فى  الأصلاح الأجتماعى و الأخلاقى  و دعوته الى السلام و نبذ العنف  ، . و لدينا اليوم دليل قوى على ذلك . ففى عام 1905 صدر نتاج جديد لتولستوى تحت عنوان ( الخطيئة الكبرى ) ، رفض فيه رفضا قاطعا و على نحو مقنع للغاية  و مبرر تماما  ( الملكية الفردية ) للأرض. وعلى أثر ذلك ،  رشحته الأكاديمية الروسية  الأمبراطورية ، لنيل جائزة ( نويل ) فى الآداب لعام 1906ز
 و قد جاء فى رسالة الترشيح الموقعة من كبار علماءالأكاديمية ، " أن رواية ( الحرب و السلام ) و رواية ( البعث ) هما من أعظم النتاجات الأدبية الخالدة. " و أعربت الأكاديمية الروسية عن رغبتها بمنح الجائزة ل( تولستوى ) 
و قد حظى هذا الأقتراح بتأييد الأكاديمية الأدبية فى روسيا  ز
و عندما علم تولستوىبهذا الأمر ،كتب رسالةعاجلة الى صديقه الكاتب  الفلندى ( ارفيدو ارنيفيلدو )يقول فيها : " لو حدث هذا ، لشعرت بحرج شديد فى رفضها ، ولهذا أرجو من رجاءا حارا - أذا كانت لديك علاقة ما فى السويد  حسب ما أظن – أن تعمل كل جهد ممكن و تسعى .الى عدم منح الجائزة لى . ربما تعرف بعض أعضاء اللجنة أو تكتب  رسالة الى رئيسها من أجل عدم القيام بهذا العمل أو التصريح به . و عدم  وضعى فى موقف حرج للغاية ، و هو رفض الجائزة .
جودت هوشيار – موسكو
jawhoshyar@yahoo.com



89
واحة الأمن و الأمان فى العراق المعذب  -2
                                                                                                                    جودت هوشيار

 أولت السائحة الروسية  ( يلينا سوكول ) * اهتماما كبيرا بمدينة أربيل ، عاصمة كردستان العراق ، و حاولت التعرف عن قرب على  الحياة  الأقتصادية و الأجتماعية و الثقافية فيها .
و تقول أن هذه المدينة العريقة كانت حتى قبل سنوات قليلة لا تختلف عن أية مدينة شرقية مهملة و متخلفة و لكنها اليوم تتطور أمام أنظارنا بوتائر متسارعة،  و هى المدينة التى تعكس اللحظة الراهنة فى تأريخ الكرد العراقيين . أنها مدينة قديمة و جديدة فى آن معا ،
 عبق التأريخ و الحضارة و معالم الحياة الجديدة.
 ألوف المبانى الحديثة أو تحت الأنشاء التى تعود الى مستثمرين من القطاع الخاص ، و تغييرات يومية مستمرة فى  شكل المدينة .
الأعلام الوطنية الكردستانية فى كل مكان . من حق الكرد ان يتفاخروا بوطنهم الرائع و أربيل هى المدينة التى تعكس هذه المفخرة. طرق معبدة جديدة منارة بخلايا الطاقة الشمسية ،  مزينة بالأشجار و الورود الجميلة  . مولات (  جمع مول mall )  كبيرة و متطورة منها ( الماجدى مول ، فاميلى مول ، ناز مول ، تابلو مول ) و غيرها .

هذا هو الأنطباع الأولى عن أربيل للسائحة الروسية و لمعظم زوار أربيل من العرب و الأجانب .
و يبدو ان ( سوكول ) تقصد بأربيل القديمة ( القلعة التأريخية ) الشهيرة حيث تجولت فيها و توقفت طويلا فى متحف ( انتيكات ) القلعة و تحدثت الى المؤرخين و الآثاريين. , ومن ملاحظاتها المهمة ، ان البوابة الرئيسية الجديدة للقلعة شوهت منظر القلعة ، حيث أن البوابة القديمة كانت فى غاية الجمال و الفخامة و متناغمة مع معمار القلعة  و لكنها كانت بحاجة الى الترميم كأى أئر تأريخى قديم و لكن النظام الصدامى بدلا من ترميم البوابة القديمة قام ببناء بوابة جديدة تذكرنا بالبوابات السومرية . !!
 هذه القلعة الفريدة ، التى عبثت بها الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1963 : خربت بيوتها و أهملت الخدمات لسكانها الفقراء الذين سكنوا فى القلعة بعد أن هجرها سكانها الأصليين من وجهاء المدينة و أشرافها    ، و لتتحول القلعة الى خرائب و أنقاض ما عدا عدد محدود من الدور التى أستملكتها الحكومة فى أوقات مختلفة . و تقوم منظمة اليونسكو حاليا  بترميم الدور الواقعة على أطراف القلعة التى تشكل سورا دائريا ، كانت بمثابة أحد الخطوط الدفاعية عنها فى العهود الغابرة ، حيث تصدت القلعة و سكانها الشجعان للغزاة عبر التأريخ  .
أما عن المبانى الجديدة فهى فعلا  أهم معالم أربيل اليوم ، و كنا نتمنى  أن تكون هذه المبانى
 و فق تصميم هندسى أساسى  ( ماستر بلان ) حديث يليق بأربيل و ليس وفق التصاميم الهجينة و أهواء المستثمرين ، فالمبانى الجديدة فى أربيل لم تنشأ وفق نسق معين أو طابع متناغم و واضح  فى كل منطقة حسب وظيفتها ، فكل مستثمر يبنى وفق التصميم الذى يعجبه أو يحقق له أكبر عائد مادى بصرف النظر عن المعايير المعمارية و الجمالية   و فى النهاية نجد فى أربيل بنايات من كل شكل و لون لا يجمعها جامع ، و لا تتمتع بقيم معمارية و جمالية عالية ، و كما لاحظت المهندسة المعمارية العراقية اللامعة شيرين أحسان شيرزاد ، فى حوار مع جريدة ( الشرق الأوسط اللندنية ، أن المبانى الجديدة فى أربيل ، ديناصورات كونكريتية !!!
أما الطرق و الشوارع الحديثة ، فهى جميلة حقا و لكن المناطق الخضراء فى المناطق الشعبية  شحيحة بالقياس الى أحياء أربيل الجديدة .
 وهى أقل من المعاييرالعالمية ، فمدينة موسكو على سبيل المثال ، فيها حوالى 30متر مربع من المساحة الخضراء لكل فرد ، أما فى أربيل فأن هذه المساحة أقل من ذلك بكثير ، و ثمة مشروع تحدث عنه محافظ أربيل لوسائل الأعلام المحلية و العربية  فى مناسبات عديدة على مدى السنوات الماضية  و هو مشروع  الحزام الأخضر حول مدينة أربيل ، و لكن  لا يبدو ان هذا المشروع سينفذ قريبا ،لأن المشاريع الحكومية لا تنجز فى مواعيدها و هذا المشروع تحديدا لم تتم المباشرة به أصلا  رغم مرور فترة طويلة على الأعلان عنه ..
و مما يلفت النظر ، أن السائحة الروسية تتحدث طويلا عن سوق الصاغة فى  القيصرية الأثرية فى المدينة و تفسر سر أقبال النساء الكرديات على شراء الذهب ، و تقول  بأن أقتناء الكرديات للذهب ، ليس لأغراض الزينة فقط ، بل كضمان للمستقبل .   كما لاحظت تفاصيل دقيقة عن معاناة المرأة الكردية لا يمكن ان تكتبها سوى أمرأة ذكية ، قوية الملاحظة.
زارت السيدة ( سوكول ) الأسواق و الجامعات و المؤسسات التربوية و منظمات المجتمع المدنى  و المساجد و الكنائس  و لكن اهتماماتها تركزت على جوانب محددة من الواقع الكردستانى .
و لم تنس السيدة سوكول أن تتجول فى حى ( عينكاوة ) المسيحى التى يختلف فيه نمط الحياة عن بقية أحياء المدينة ، لأن ( عينكاوة )  أكثر أنفتاحا سواء فى العلاقات الأجتماعية أو طراز الأزياء النسائية   أو تمضية أوقات الراحة . فى ( عينكاوة ) نوادى عائلية و ليلية و متاجر للمشروبات الكحولية وهذا ما لا نجده فى المناطق الأخرى من أربيل و مكاتب مئات الشركات الأجنبية . و بقربها مقر الوكالات التابعة للأمم المتحدة .
الجفاف و التصحر يزحفان من الجنوب نحو أقليم كردستان ، المياه تشح  و الأمطار لم تعد بالمستوى السابق و حتى العواصف الرملية يقول الكرد عنها مازحين ،  انها قادمة من العراق.
 المناطق الحدودية و خاصة مع أيران مزروعة بملايين الألغام التى تركها صدام هدية ( للشمال الحبيب )  و لا تتوفر خرائط عسكرية تبين مواقع الألغام المزروعة  مما يشكل عائقا رئيسيا لأزالتها . و الفلاحون الكرد  يسوقون قطعان الماشية فوق هذه المناطق لأكتشاف الألغام !!
أرض الكرد رائعة ، فقد أنعم الله عليها بكل شىء ، ماعا البحر . قال لى  مقاتل كردى ( و الكلام للسيدة سوكول )  : أن لا  أصدقاء للكرد سوى الجبال . و ينبغى أن نفسر كلمة ( الجبال ) بمعنى أوسع . الجبال بالنسبة الى الكردى – تتطابق مع مفهوم الوطن و الجمال و الطبع الكردى . االزوار الكرد الذين التقيت بهم فى موسكو قالوا لى  بتعاطف : " موسكو جميلة ، و لكن ليس عندكم جبال "
و رغم وجود اخنلاف فى الثقافة و التقاليد  و فى مفهوم الجمال بيننا و بين الكرد ، الا أنها متشابهة الى حد بعيد ، و  أتمنى ان ينقذ جمال الأرض الكردية ، السلام الهش .

و لم تقتصر جولة ( سوكول ) على أربيل العاصمة بل زارت محافظة دهوك أيضا و  كل البلدات التابعة لهما . و خلال هذه الجولة ألتقطت مئات الصور الخلابة للطبيعة الكردستانية الساحرة ، التى أثارت أعجابها الشديد ، لدرجة أنها قالت : هذه جنة الله على الأرض ، و منطقة سياحية بكر لم تستغل كما ينبغى لحد الآن . و نحن نقول ( صح النوم يا مديرية السياحة الكردستانية ) .
ولم تكتف السيدة ( سوكول ) بأبداء أعجابها بأنجازات أقليم كردستان ، بل و جهت أنتقادا
 لا ذعا الى السلطات التى أهملت تطوير الريف الكردستانى و هى تقول أن حياة الفلاحيين الكرد بقيت كما كانت طوال القرون الماضية و لم يطرأ عليها أى تغيير جوهرى.
و يبدو أن السائحة الروسية خبيرة فى الفن التشكيلى ، فقد درست النصب و التماثيل المنتشرة فى المدن و البلدات الكردستانية و توصلت الى نتيجة رئيسية مفادها  ، أن هذه الأعمال لا علاقة لها بالفن ، بل هى مجرد نتاجات بدائية لـ( فنانين ) لا يمتلكون الموهبة و القدرة على أبداع نتاجات تنتمى الى الفن الحقيقى .جودت هوشيار - موسكو
jawhoshyar@yahoo.com



90
واحة الأمن و الأمان فى العراق المعذب -1
( أنطباعات سائحة روسية عن أقليم كردستان اليوم ) 
جودت هوشيار
 حسب الأحصاءات الرسمية الروسية ، يعيش فى  الأتحاد الروسى ما لا يقل عن مائة ألف كردى ، و بخاصة فى المدن الكبرى مثل موسكو و بطرسبورغ و كراسنودار و غيرها. و  يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة ، اسوة بمواطنيهم الروس ، كما يعيش فى جموريات ما وراءالقفقاز و آسيا الوسطى ، ما لا يقل عن 300 ألف كردى سكنوا هذه البلاد منذ زمن بعيد  ، أى ان أجمالى عدد الكرد فى هذه الدول ، ليس كبيرا ، و لكن رغم ذلك ، لهم نشاط سياسى و اقتصادى و أجتماعى و ثقافى كبير ,  و يتجلى هذا النشاط خصوصا فى مجال الأعلام الألكترونى، فثمة اليوم عشرات المواقع الألكترونية الكردية المتقدمة  التى تنشر بأحدى اللغتين الكردية أو الروسية  أو بكليهما معا ،  كل ما يتعلق بالشأن الكردى  فى روسيا و  و الدول الأخرى .  و فى الوقت نفسه تولى أهتماما كبيرا بما يحدث فى الوطن الأم ( كردستان ) الكبرى  بأجزائها الأربعة ، و  على الأخص بكل ما يتعلق بــ(  كردستان العراق ) ، فالكرد فى روسيا قلوبهم مع الشعب الكردى فى الوطن الأم ، و يتابعون بشوق و لهفة كل ما يحدث فيه ، يفرحون لأفراحه و يحزنون لأحزانه . و من  المواقع الألكترونية  المتميزة  التى تنقل أخبار أقليم كردستان أولا بأول و تنشر العديد من الدراسات و المقالات التحليلية و الريبورتاحات و التحقيقات الصحفية و الصور  حول الشأن الكردى  ،  موقع ( كردستان ) باللغة الروسية  ، و هو موقع متطور و شيق ، يلتزم  بالمعايير المهنية و الأخلاقية للصحافة الألكترونية الرصينة . و لعل أطرف ما ينشره هذا الموقع هو  ( انطباعات الأعلاميين و الرحالة و السائحين الروس ) عن كردستان العراق ، أى المنطقة الوحيدة فى العراق التى تتمتع بالأمن و الأمان و تتطور بوتائر متسارعة فى كافة مجالات الحياة بأعتراف الجميع  , و قد نشر هذا الموقع مؤخرا ، أنطباعات سائحة روسية و هى السيدة ( ى. سوكول ) التى قامت بجولة فى أنحاء أقليم كردستان  فى منتصف العام الحالى .
تقول  السيدة سوكول : منذ عدة سنوات يواصل الرحالة و  السائحون الروس و الأجانب أكتشاف واحة للأمن وسط  الأراضى العراقية التى  مزقها الأرهاب . و ربما كان هذا الأمر هو الذى يجذب الأجانب الى كردستان و يجعل رحلاتهم ممتعة . حينما  ترجع الى بلدك ،  يمكنك القول  : ( كنت فى العراق )  . و عندما ينظر اليك السامع بعيون جاحظة من  الدهشة ، يمكنك أضافة ( أقليم كردستان) . حقا ان الكثيرين يعرفون اليوم بأن المنطقة الكردية  فى العراق : هى المنطقة الوحيدة فى العراق،  التى تضمن الأمن و الأمان ، ماديا و دينيا و سياسيا
الشباب الأوروبى المولعون بالرحلات " غير الأعتيادية " يقصدون المنطقة الكردية سعيا لأنطباعات جديدة : أنها منطقة جاذبة للشباب ، و سوق واعدة لرجال الأعمال ، و اليها يعود اللاجئون الكرد من أوروبا سعيا لتحقيق الذات و خدمة الوطن . و مسيحيون عراقيون   يلجأون  اليها هربا من الأرهاب فى مناطق العراق الأخرى  و بحثا عن ملجأ آمن .
 التاس يأتون الى كردستان ليس فقط  بحثا عن الأمن ، بل أيضا  للبحث عن  فرص عمل أو التمتع بجمال طبيعتها الخلابة أو التعرف على  ثقافة مختلفة و على  التسامح السياسى و الدينى السائد فيها  . كردستان اليوم تتمتع بكل هذا .
عندما تطأ قدماك أرض كردستان ، من الصعب عليك ان  لا تحس بخصائص الزمن الذى  يمر به الأقليم الكردى الفتى ، هذا أول أقليم كردى رسمى , و لديه فرصة جيدة ليتحول إلى مجتمع ديمقراطي ، متطور أقتصاديا . نأمل أن تكون هذه المعركة السلمية هى المعركة الأخيرة  للكرد من أجل الاستقلال ، على الرغم من انه قد يكون أكثر المعارك  صعوبة.
 أتذكر العديد من الأعلام الوطنية التى  تزين الشوارع والمتنزهات والحدائق ، و ترفرف فوق المبانى الرسمية و المصانع و فى جميع المدن و البلدات الكردية . قالوا لى : هذه هى الأرض الكردية . مرحبا بكم في كردستان!
 حب الكرد لوطنهم ، و الأداء الجيد للأجهزة الأمنية والتطور السريع -- هذه هي الانطباعات الرئيسية الثلاثة لكافة من زار هذه المنطقة  فى الآونة الأخيرة .و هى أيضا انطباعاتي الرئيسية عن رحلة الى كردستان العراق.
جودت هوشيار - موسكو
jawhoshyar@yahoo.com


91
عودة الوعى الى المثقفين العراقيين
 
 
                                                                                                             جودت هوشيار
 
يذكر الكاتب الروسى ايليا ايرنبورغ ( 1893 – 1967 ) فى مذكراته  التى نشرها قبيل و فاته ، تحت عنوان " الناس و الأعوام و الحياة " ، أن الجيش الهتلرى لم يلق مقاومة حقيقية فى الأيام الأولى  للأجتياح الألمانى للأراضى السوفيتية – فى  حزيران عام 1941 -  لا من قبل الجيش السوفييتى و لا من قبل  السكان المحليين ، ويرجع السبب فى ذلك – كما يقول الكاتب – الى ان الروس كانوا يعتبرون الألمان أمة متحضرة و متقدمة و لم يكونوا يتوقعون أبدا ان يلجأ الجيش الألمانى الى أساليب وحشية سٍواء فى معاملة أسرى الحرب أو السكان المدنيين
 
و لكن لم تمض سوى أيام معدودات على الغزو حتى قامت القوات الألمانية بأعدام أسرى الحرب بالجملة و أبادة و حرق البلدات و القرى الروسية خلال تقدمها فى عمق الأراضى السوفيتية . و وقف الروس مذهولين أمام الجرائم الفاشستية التى تقشعر لها الأبدان .و كانت هذه الجرائم سببا فى ازالة الغشاوة عن أعين المخدوعين بالدعاية الألمانية  و أعين المثقفين الرومانسيين المعجبين بالفلسفة و الأدب الألمانيين و أخذت مشاعر الأعجاب و الأفتتان تتحول تدريجيا الى غضب عارم  و عزيمة قوية لطرد الغزاة و أدى الى أندفاع  الشعب السوفييتى بشبابه و رجاله و نسائه  للتطوع فى الجيش الأحمر و الألتحاق بجبهات القتال او زيادة ساعات العمل و وتائر الأنتاج  فى جبهات العمل لتأمين أحتياجات الجيش من الأسلحة و العتاد و الذخيرة و الآليات و المؤن و المتطلبات الأخرى .
 
و هب الشعب السوفيتى كله للدفاع عن وطنه و مساندة الجيش الأحمر فى صموده البطولى و تشكلت فى المناطق المحتلة مقاومة شعبية مسلحة واسعة النطاق كبدت القوات الغازية خسائر فادحة ، و  كانت معركة موسكو فى شتاء عام 1941 بداية لهزيمة الجيش الفاشستى و تقهقره على كل الجبهات  و الذى انتهى بالنصر المؤزر للجيش السوفيتى و التوقيع على وثيقة أستسلام الجيش الهتلرى فى برلين فى 6 أيار عام 1945  .
 
و ها هو التأريخ يعيد نفسه من بعض الوجوه  و تتكرر التجربة الأليمة فى العراق بعد حوالى سبعين عاما و لكن فى ظروف أخرى مختلفة  . لقد كان المثقفون العراقيون  مقتنعين تماما  أن الشعب العراقى  - الذى  قدم تضحيات سخية  فى النضال ضد الدكتاتورية – ليس بمقدوره  اسقاط هذا النظام من دون عون عسكرى خارجى  ، و قبلوا على مضض  بالأجتياح  الأميركى  و كان يحدوهم الأمل فى أقامة نظام ديمقراطى ، يضمن الحرية و  المساواة  و يحقق  العدالة الأجتماعية   لكافة العراقيين ، بصرف النظر عن أنتماءاتهم القومية و الدينية و الطائفية   و يحقق سيادة القانون ويعمل على  تحديث المجتمع العراقى الذى تخلف كثيرا عن ركب التقدم الحضارى  بسسب حروب صدام العبثية و سياسته الرعناء ،
 
هذه الآمال راودت أذهان المثقفين العراقيين و هم يتذكرون التجربتين الألمانية و اليابانية ، حيث لم يتدخل الأحتلال الأميركى فى شؤون البلاد الداخلية و تركت الأمر للشعبين الألمانى و اليابانى لأعادة بناء ما خربته الحرب العالمية الثانية و قدمت لهما مساعدات مادية و معنوية هائلة  للنهوض من جديد .
 
و أضافة الى تلك التجربتين كان معظم المثقفين العراقيين المتنورين ،  يثمنون عاليا  القيم الأميركية فى الحرية و الديمقراطية و احترام حقوق الأنسان و سيادة القانون . و ينظرون بأعجاب الى التقدم العلمى – التكنولوجى الأميركى و الى نمط الحياة الأميركية و آفاقها الرحبة التى تفسح المجال لكل فرد فى تحقيق ذاته و بناء مستقبله .و كان الأعتقاد السائد أن القوات الأميركية ستنسحب بعد أنجاز مهمتها فى العراق أى اسقاط نظام صدام و أنجاز عملية التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل و سيشهد البلاد تحولا ديمقراطيا و أقتصادا مزدهرا . و ما الى ذلك من الأوهام الجميلة .
 
و لم يكن هؤلاء المثقفون يرون أميركا الثانية – ان صح التغبير – او الوجه الآخر لأميركا و السياسة العدوانية للمحافظين الجدد . لم يتذكر أى مثقف عراقى قبل الغزو حرب فيتنام القذرة و الجرائم البشعة التى ارتكبها ( اليانكى ) فى هذا البلد . كما نسى او تناسى مساندة أميركا لكل النظم الدكتاتورية فى أميركا اللاتينية وفى العالم العربى و مناطق أخرى فى العالم  و لم يكن اى منهم يشك فى قرارة نفسه أن صدام كان رجل أميركا فى المنطقة -  بعد سقوط النظام الشاهنشاهى فى أيران -  قبل ان يخرج عن طوره و يفكر فى الأستيلاء على الثروات النفطية لدول الخليج و يسعى الى زعامة العالم العربى . و لأن الولايات المتحدة لا تفكر الا فى مصالحها الستراتيجية و خاصة بعد أن تحول مركز الثقل العالمى الى الخليج العربى و المحيطين الهندى و الهادىء ،  و لم يكن اسقاط النظام الدكتاتورى الا من اجل تأمين هذه المصالح و ليس حبا فى العراق و العراقيين .
 
لقد خدع المثقفون العراقيون أنفسهم أو خدعوا بآلة الدعاية الأميركية التى تهيمن على الأعلام العالمى الى حد كبير . و ربما كان أحد اسباب سقوطهم فى الفخ الأميركى هوأن المعارضة العراقية  علقت كل آمالها على التدخل العسكرى الأميركى . ، كما أن العراقيين عموما كانوا متلهفين لأسقاط  نظام  فاشى أرتكب جرائم  الأبادة الجماعية و  زج  بمئات الألوف من شبابهم و رجالهم فى أتون حروبه الدموية  و قد أبتهجوا حقا بسقوطه
 و لم يكن مهما من أسقط الصنم و لكن المهم هو زوال عهده  الأسود البغيض .
 
و فى الفترة التى أعقبت سقوط النظام الدكتاتورى و رغم أن كل الدلائل كانت تفضح أهداف  الغزاة  أبتداءا من التشجيع على تدمير المؤسسات الحكومية و نهب و سلب محتوياتها و القضاء على الذاكرة التأريخية للعراق و العراقيين  و وصولا  الى ترك الحدود مفتوحة لكل ارهابى المنطقة و العالم  من اجل نقل المعركة ضد الأرهاب الى بلاد الرافدين ليكتوى الشعب العراقى بنارها و تبقى الولايات المتحدة بعيدة عن كل تهديد أرهابى محتمل  و رغم تشكيل ما يسمى  مجلس الحكم على اسس عرقية وطائفية و طابعه الديكورى الشكلى -  حيث  لم يكن  يحكم قط بل ينفذ أوامر بريمر -  و حل الجيش العراقى و لجؤ المحتل الى تأسيس أحزاب و منظمات كارتونية و نهب ثروات البلاد ، حيث  ان واردات النفط العراقى و منذ أكثر من ثمان سنوات تذهب الى صندوق تنمية العراق فى واشنطن و الذى تتحكم فيه  الأدارة الأميركية و ليس الحكومة العراقية .
و رغم ان الحكومات العراقية المتعاقية التى تشكلت منذ الغزو و لحد الآن تأتمر بأوامر واشنطن و لا تملك الحرية فيما تفعل و خاصة فى قضايا الأمن و الأقتصاد .رغم كل ذلك و قف المثقفون موقف المتردد ، و ظلوا يخدعون أنفسهم بأن كل ذلك ناجم عن أخطاء بريمر . و هذا الأعتقاد ينم عن سذاجة مفرطة أو لنقل بأن هؤلاء كانوا ما يزالون متشبثين  بآمالهم التى تتناقض تماما و ما يحدث على أرض الواقع من تمزيق للنسيج الأجتماعى العراقى وتشجيع للزمر الأسلاموية  الرجعية   حتى النخاع و التى فرضت  على العراقيين –  بقوة  السلاح و القتل و الذبح و الأختطاف و التهجير – نمط  عيش ظلامى متخلف الى أبعد الحدود .
 
و يبدو ان هؤلاء المثقفين  لم يكونوا مستعدين للتخلى عن أحلامهم الجميلة و صدقوا الأكذوبة الكبرى ، بأن بريمر هو الذى تسبب فى كل ( الأخطاء الأميركية فى العراق ) .و كانوا يقيسون الأمور على وفق ما يجرى فى الوطن العربى حيث ينفرد الحاكم المطلق فى اتخاذ قرارات مصيرية دون الأحتكام الى رأى البرلمان او الرأى العام . اما فى الدول الغربية المتقدمة و منها الولايات المتحدة فأن الأمر مختلف تماما ، لا شىء يحدث  مصادفة  و لا قرار يتخذ بشكل فردى دون استشارة جهات متعددة و ضمن السياسة المقررة . و من السخف المطلق اعتبار كل القرارات الخطيرة التى اتخذها بريمر أخطاءا شخصية ، لأنه لا يوجد قرارات شخصية فى دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية .و قد يكون سبب تضليل المثقفين العراقيين لأنفسهم هو أن أزلام العهد البائد و أصحاب كوبونات النفط  من سياسيين و أعلاميين مرتزقة من  كل صنف و لون قد وقفوا  ضد التدخل الأميركى لأسقاط صدام و لم يشأ هولاء المثقفون أن يصطفوا الى جانب المنتفعين من النظام الدكتاتورى الغاشم .
 
ان الشعب العراقى بأسره أصيب بخيبة أمل شديدة تحولت الى استياء عام و غضب عارم لما قام به جيش  الأحتلال من جرائم حرب و جرائم ضد الأنسانية بحق المدنيين العراقيين المسالمين   ( تذكروا :  مشاهد التعذيب الجنسى و الجسدى فى سجن أبو غريب و أغتصاب فتاة فى عمر الزهور فى المحمودية و أبادة عائلتها بالكامل و قتل عشرات الأبرياء فى حديثة  و أطلاق النار على المارة فى ساحة النسور من قبل ما يسمى شركة بلاك ووتر الأمنية ، التى جندت أعتى المجرمين لأستباحة الدم العراقى لأتفه الأسباب  و غيرها من الجرائم ،
لقد عانى الشعب العراقى كثيرا فى ظل الدكتاتورية الصدامية و لكن الأوضاع العامة فى العراق  لم تتحسن بعد الغزو ،  بل  اصبحت حياة العراقيين أشبه بالجحيم . لا أعمار و لا تنمية و لا ديمقراطية . انتخابات شكلية و برلمان لا تمتلك أدنى سلطة رقابية و حكومة عاجزة ،  خائرة القوى تتسلح ببلاغة المالكى  و وعوده التضليلية الكاذبة ، عوضا عن العمل و البناء و الأنتاج .
و رغم صولات الفرسان و زئير الأسد و فحيح الثعبان ! لا أمن و لا أمان فى عراق اليوم . و كيف يتحقق الأمن و الأمان ، اذا كانت القوى الأمنية تتكون أساسا من ميليشيات الأحزاب الدينية التى تنفذ الأجندة الأيرانية فى العراق . هذه الميليشيات - الى جانب الأرهاب السلفى القادم من دول الجوار - هى التى تتحكم برقاب العراقيين و تقتلهم بالقنابل المزروعة و الكواتم  فى وضح النهار و أمام أنظار الحكومة  فى قلب العاصمة بغداد و  فى المحافظات الأخرى الخاضعة لسيطرة الحكومة المركزية   . صحيح أن تحسنا طفيفا قد طرأ على الوضع الأمنى و لكن ذلك حدث بفضل تغيير الستراتيجية الأميركية فى العراق ( تشكيل الصحوات  ) و تقسيم بغداد الى مناطق طائفية  شبه معزولة بعضها عن البعض الآخر بالجدران الكونكريتية العالية  و ليس بفضل الصولات و الحملات  الأمنية المالكية الأستعراضية ..
معظم المثقفين العراقيين يدركون اليوم ان لا أمل يرتجى من حكومة المالكى ،  التى أهدر حوالى (400) مليار دولار خلال السنوات الخمس الماضية  فى مشاريع وهمية او مشاريع فاشلة نفذت بأسعار خيالية ، حيث ذهب الجزء الأكبر من هذا المبلغ الى جيوب أمراء الفساد و المنتفعين من الحكم الرجعى  و تحولت الى حسابات بنكية و عمارات و قصور فى الخارج .
كل نوحى الحياة قاتمة و كئيبة فى عراق المالكى و لا وجود لدولة حقيقية ، بل زمر تتقاسم الغنائم و  تتخذ من الدين ستارا لأرتكاب الكبائر و الموبقات و تفرض على الناس نمطا متخلفا من الحياة أشبه بالقرون الوسطى . الزمر الحاكمة تتدخل فى  حياة الناس و اسلوب حياتهم . كل هذا يحدث فى القرن الواحد و العشرين و فى عصر التحولات الديمقراطية فى المنطقة و العالم .
و لا حاجة بنا الى و صف حكم المالكى لأن العراقيين قد خبروا هذا الحكم من خلال معانتهم اليومية . و انتهاك أبسط حقوقهم الأنسانية التى نص عليها المواثيق و العهود العالمية  الخاصة بحقوق الأنسان . و عبثا يحاول المالكى تسخير كل امكانات الدولة المادية للبقاء فى الحكم  و تلميع صورته . لأن نهايته ، لن يكون أفضل من الطغاة الذين كنستهم ثورات الربيع العربى الى مزبلة التأريخ .
 
الأغلبية الساحقة من المثقفين العراقيين خبروا الحياة فى ظل حكومة المالكى الرجعية المتخلفة و عرفوا الحقيقة المرة : انهم كانوا مخدوعين بالوعود المعسولة للمالكى و الدجالين الآخرين ، رافعى الشعارات الكاذبة. و من يتابع ما ينشر فى   الفضاء الثقافى و الأعلامى العراقى ( فى الداخل و الخارج ) يرى بوضوح تحولا كبيرا فى توجهات الكتاب و الأعلاميين  و آرائهم التى تختلف تماما عما كانوا يروجون له ، عقب سقوط  النظام الديكتاتورى و بأملون فى تحقيقه . و الأمثلة على ذلك جد  كثيرة .  و لم يبق حول المالكى و رهطه الحاكم أى مثقف حقيقى ، سوى شلة من أشباه المثقفين و أنصاف المتعلمين من مزورى الشهادات و الأنتهازيين و الوصوليين و الفاشلين اللاهثين وراء فتات الموائد  .
عودة الوعى الى الأغلبية الساحقة من  المثقفين العراقيين بارقة أمل حقيقية  و ضؤ ينير النفق المظلم الذى دخل فيه العراق .  فتحية لكل المثقفين و المبدعين العراقيين الذين يناضلون اليوم من اجل الحرية و الكرامة الأنسانية و حياة أفضل لهم و لسائر العراقيين و العراقيات .
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com

92
الأساطير الكوردية في الأدب العالمي


1 - مقدمة
 
للشعب  الكوردي تراث فولكلوري  هائل , لم يدون منه الأ الشيء القليل ,  و ثمة عدد كبير من المستشرقين والرحالة  ورجال الفكر  الذين زاروا  كردستان وأحتكوا بالشعب الكردي في  أعماق  الريف الكردستانى ، فوجئوا بضخامة هذا التراث وتنوعه  وثرائه الباذخ ،  لذا ليس من الغريب أطلاقا أن تستأثر الحكايات والأساطير الكردية بأهتمام  عدد من أبرز أدباء وفناني عصرنا . مثل الشاعر التركي  ناظم حكمت  والموسيقار السوفيتي أرام  خاتشاتوريان والكاتب الروسي العالمي أيفان يونين، الذي أستخدم أحدى الأساطير الكردية واستمد منها مادة لأحدى أقاصيصه المشهورة وهي " الشباب والشيخوخة "  التي تقدم فيما يلي ترجمة لها من اللغة الروسية مباشرة . وهذه الاسطورة تدخل ضمن الأساطير التي أصطلح على تسميتها  بأساطير الخلق والتكوين والتي تصور خلق الكون والأنسان  وتطور الحياة على وجه الأرض, وليس من العسير على المرء أن يلاحظ أن الكثير من الحكايات والأساطير للشعوب المختلفة  تتشابه في مضامينها  وأن تنوعت في أشكال صياغتها و فى تفاصيلها .
وأيفان بونين الذي يكاد يكون مجهولا في بلادنا  يعتبر بأجماع  النقاد الروس من خيرة كتاب القصة القصيرة في روسيا وأكثرهم موهبة ونبوغا وشهرة بعد تشيخوف , و بفضل هذين الكاتبين العظيمين بلغت القصة الروسية القصيرة أوج نضجها وأكتسبت  الملامح المميزة لها  ومايزال تأثيرهما قويا على كتاب القصة القصيرة  على الصعيدين الروسي والعالمي .
ولد بونين في مدينة (فورونيش) عام 1870 فى عائلة أرستقراطية نبيلة أنجبت العديد من الفنانين والمفكرين , ولقد بدأ حياته الأدبية  شاعرا ولم يكن قد تجاوز التاسعة عشرة حين نشر مجموعة  أشعاره الأولى , نشرت هذه  المجموعة في وقت أحتل الأدب والفن الروسيين مكان الصدارة  بين الآداب والفنون الأوربية حيث قدمت روسيا للعالم في وقت قصير للغاية العديد من الكتاب والشعراء والفنانين العباقرة مثل تولستوي وتورغيتيف وتشيخوف ويلوك وأندرييف وغوركى و ريسكي –كارساكوف  و جايكوفسكي وشاجال وكاندينسكي و غيرهم  الذين يطلق عليهم " النخبة الجبارة "
لقد كانت روسيا في  اّواخر القرن الماضي رغم التطور الصناعي الضعيف فيها مركزا للأشعاع الفكري والفني والثقافي , ظهر يونين في وقت كان هؤلاء العظام في  اّوج مجدهم , وكانت نجومهم ساطعة في سماء الفن والأدب الروسيين ، غير أن هذا لم يمنعه من شق طريقه بسرعة و قوة و ثقة ، حيث قوبلت  مجموعته بكثير من الأستحسان والأطراء من قبل اكبر نقاد ذلك الوقت , ومنح على أترها جائزة بوشكين. وكانت هذه الجائزة تعتبر أرفع وسام أدبي في روسيا القيصرية على الاطلاق ,ثم  منح الجائزة نفسها حين ترجم للشاعر الامريكي (لونجفيلو) قصته الشعرية (هياواثا) كما ترجم العديد من قصائد  بيرون وغيره من شعراء الغرب .
وفي سنة 1909 أنتخب عضوا في الأكاديمية الروسية , ورغم أنه ظل طوال حياته يكتب  الشعر حتى أن أحد النقاد قال عنه : أن بونين لو لم يكتب في خياته الا تلك القصائد التي نشرها فأنه كان سيظل  علما بارزا في تاريخ الأدب الروسي , غيي أن بونين كاتب متعددد المواهب فهو معروف ككاتب نثر من الطراز الاول , كتب الكثير من القصص القصيرة والقصص القصيرة الطويلة التي تعد من أروع وأجمل ما كتب في الأدب الروسي من قصص في النصف الأول من هذا القرن .
ولقد أحدثت قصته القصيرة الطويلة (القرية) بوجه خاص دويا هائلا في الأوساط الادبية حين نشرها في عشية ثورة أكتوبر الأشتراكية غير أن ما يدعو للأسف حقا هو أن بونين بحكم أنتمائه الطبقي ونشأته الأرستقراطية لم يفهم الثورة ولم يتقبلها فاّثر الهجرة الى باريس عام 1917 وعاش فيها الى اّخر أيام حياته حيث توفي في عام 1952 عن عمر يناهز الثالثة والثمانين .
 
ليونين رواية طويلة واحدة نشرها عام 1933 تحت عنوان " حياة  ارسينيف " نال من أجلها جائزة نوبل للأدب في السنة نفسها , وكان بذلك أول روائي روسي يحصل على هذه الجائزة , وخلال أقامته في باريس  نشر أضافة الى هذه الرواية المشهورة العديد من المجاميع القصصية من أشهرها مجموعة  " الممرات الداكنة "  الرائعة  التي نشرت في نيويورك عام 1943 في ظروف الحرب العالمية الثانية العصيبة , وقصص هذه لمجموعة و ان  كانت جميعها تقريبا تتحدث عن الحب  , الا أن اسلوب بونين الشاعري  المركز والدقيق  أتاح له الكشف عن أعمق أعماق النفس  البشرية التي ظلت نقية على الرغم من محاولات النظام القيصري الأستبدادى تشويهها وطمسها , غير أن بونين شأنه في ذلك شأن أي فنان واقعي أصيل لم يعزل الحب قط عن تناقضات النظام الأجتماعي.
 
 أن قصص بونين مترجمة الى معظم اللغات العالمية ، كما نشرت مجموعة مؤلفاته الكاملة مرات عديدة في باريس وبرلين وموسكو , وتحظى قصصه بشعبية عظيمة داخل روسيا و خارجها حيث تحول العديد منها الى أفلام سينمائية و مساسلات تلفزيونية  وعروض مسرحية  فى بلدان كثيرة و منها روسيا و فرنسا و الولايات المتحدة الأميركية و نشرت عنه عشرات الكتب و مئات الدراسات و المقالات بمختلف اللغات العالمية  .
و تحتفل الأوساط الثقافية الروسية كل عام بذكرى مولده على نطاق واسع و تخصص المجلات الأدبية مساحات واسعة لأحياء ذكراه و الأشادة بفنه الرفيع و موهبته الخلاقة و دوره فى تطوير الأدب الروسى .
’ أما هذه الأقصوصة  التي رأينا  من الضروري ترجمتها من اللغة الروسية مباشرة ، فقد كتبها بونين في باريس عام 1936م ونشرت في نفس العام  في مجلة روسيا المصورة ثم أعيد طبعها ضمن مجاميعه القصصية المختارة ومؤلفاته الكاملة . ولقد قامت مجلة (اوكونيوك) السوفيتية الواسعة الأنتشار والتي تصدر في موسكو عن دار ( برافدا) للطبع والنشر بأعادة نشرها عام 1956   .
و هذه القصة – شانها فى ذلك شان معظم قصص بونين الأخرى – تبحث عن أجوبة على الأسئلة التي تهم البشر جميعا بشكل دائم و بخاصة المبدعين و المفكرين منهم  حول معنى الحياة والغاية من خلق الإنسان .
 
2 - القصة (*)
الشباب والشيخوخة

أيام الصيف الرائعة والبحر الأسود الهادئ , السفينة مثقلة بالمسافرين   والأمتعة  . زليس  هناك موطئ قدم على ظهرها من المقدمة  وحتى المؤخرة . الابحار الطويل وفي أتجاه  دائري – القرم , القفقاز , سواحل الأناضول , القسطنطينية .
الشمس لاهية , السماء زرقاء , والبحر  بنفسجي تختلط فيه جلجلة السلاسل المدوية بشتائم البحارة وصراخهم  - الى الأعلى  ! الى الأسفل .
قمرات الدرجة الأولى خالية وفسيحة وتشع بالنظافة , القذارة والضيق بين الكتل البشرية من ذوي الجنسيات المختلفة  الذين يشغلون الدرجات الأخرى على ظهر السفينة . وقرب المكائن  الساخنة  والمطبخ الفواح , في  الزوايا وتحت المظلات , بين الجبال  والسلاسل الممتدة على سطح مقدم السفينة , هنا تنتشر رائحة قوية وكثيفة , هي ساخنة وطيبة حينا , ودافءة وكريهة في أحيان أخرى , ولكنها ابدا مثيرة بنفس الدرجة , رائحة السفينة  , ممتزجة بطراوة الحر .
هنا فلاحون روس وفلاحات روسيات , هنا الأوكرانيون  والاوكرونيات , وقساوسة من أفون , هنا الأكراد والجورجيون واليونانيون .
الجورجيون يمرحون طوال الوقت فهم  أما يغنون أو  يرقصون أزواجا  في غنج ودلال وقد شمروا عن سولعدهم وأخذوا يقفزون بين الجمهور في خفة , الحجاج الروس المتوجهون  الى فلسطين لا يكفون عن شرب الشاي , ثمة فلاح روسي , طويل القائمة غائر الكتفين ذو اللحية صغيرة صفراء وشعر مسترسل يقرأ في الكتاب المقدس وأمرأة وحيدة قرب المطبخ لا تكف عن التحديق فيه في تحد وأصرار , تلبسس  بلوزة حمراء وتلف شعرها الأسود الخشن بشارب  أخضر خفيف , رست السفينة الى  في حوض للسفن عند المضيق , نزلت الى الساحل وعندما عدت  رأيت على  سلم الباخرة مجموعة من الأكراد المسلحين, يصعدون الى السفينة يتقدمهم شيخ ضخمم الجسم , عريض المنكبين , في الملابس الكردية , يتمنطق بحزام مشدود حول قده النحيل بقوة ومرصع بقطع فنية , الاكراد الذين كانوا معنا على ظهر السفينة  , هبوا لأستقباله وأفسحو له مكانا بينهم , وبدأت حاشية الشيخ بفرش المكان بالسجاجيد العديدة , ووضعت عليها المخدات , جلس الشيخ في المكان المهيئ له في عظمة وهيبة , كانت لحيته  بيضاء ناصعة ووجه أسمرا غامقا لفحته الشمس   ’ كانت عيناه العسليتان تشعان ببريق مدهش , أقتربت منه وجلست القرفصاء  ’ وحييته ثم سألته بالروسية :
-        أأنتم من القفقاز ؟
-        بلادنا أبعد من القفقاز نحن أكراد .
سألته عن وجهته فرد علي في تواضع ولكن في زهو وأعتداد :
-        الى أسطنبول .. للقاء الباديشاه نفسه , لاقدم له شكري وأسلم له هديتي وهي عبارة عن سبعة مجالد , كان لي سبعة أبناء أرسلهم الباديشاه كلهم الى الحرب , الواحد تلو الاّخر , لقد مجدني الباديشاه سبع مرات .
كان بيننا شاب يوناني من مدينة كورجي , ممتلىء الجسم , بالغ الأناقة  , يعتمر طربوشا دمشقيا  ويلبس بدلة رصاصية وصدرية بيضاء , وينتعل حذاءا براقا ذو أزرار جانبية وتضاحك :
تسى ,تسى , تسى  ثم أردف قائلا :
-        عجوز وبقى هكذا وحيدا .
نظر الشيخ الى طربوش الشاب الوسيم وقال له ببساطة :
-        ما أغبااك ! أنت ستشيخ  وتصبح عجوزا , أما أنا فلن يحدث هذا معي أبدا , أتعرف حكاية القرد ؟
فأبتسم الشاب الوسيم في ريبة وقال :
-        أي قرد ؟
-        أذن فأصغى الى ما سأقوله  !
لقد خلق الله الأرض والسماء , أتعرف هذا ؟
- حسنا أعرف هذا ثم ماذا ؟
ثم خلق الله الأنسان وقال له : أنت أيها الأنسان  سوف تعيش على الأرض ثلاثون عاما , حياة سعيدة هانئة , سوف تفرح  ويخيل اليك أن كل شيء على الأرض قد خلق من أجلك , أمسرورا أنت بهذا ؟
وفكر الأنسان في نفسه : ما أجمل هذه الحياة ! ولكن أأعيش على الأرض ثلاثوين عاما فقط ؟ وقال :
-        اّه ما أقصر هذا العمر !
وسأل الشيخ الشاب الوسيم في سخرية : أتسمع ؟
فأجابه الشاب :
-        أجل
-        ثم خلق الحمار وقال  له :
سوف تنقل الناس والأمتعة الثقيلة ويهدك التعب  ويضربك الناس على رأسك بالأعواد الغليظة فما هو العمر الذي تريده ؟
وأجهش الحمار بالبكاء وأرتفع نحيبه وقال :
-        هذا عمر طويل يااّلهي ! أعطني نصفه فقط .
وتوسل الأنسان  الى الرب وطلب أضافة نصف عمر الحمار الى عمره , وأستجاب الرب  لألتماسه , وهكذا  أصبح عمر الأنسان خمسا واربعين عاما , وسأل الشيخ الشاب الوسيم وهو يرمقه بنظراته :
-        أن الأنسان كان محظوظا , أليس كذلك ؟
و رد الشاب دون أن يدري ما يرمي أليه  الشيخ بهذه الكلمات :
-        نعم . لا بأس بذلك , ثم أضاف الشيخ قائلا  :
ثم خلق الكلب  وأعطاءه من العمر ثلاثين عاما وقال له :
ستعيش طوال عمرك حانقا , سوف تحرس أموال سيدك , ولا تأمن جانب أي أنسان غريب  ,  سوف تنبح في وجوه المارة , ولا تنام الليل , بل سوف تظل ساهرا من القلق . أتدري ؟ لقد ولول الكلب وبكى وقال :
-        اّه يااّهي ! يكفيني نصف هذا العمر , وأخذ الأنسان مرة أخرى يطلب أضافة هذا النصف أيضا الى عمره , فأستجاب الرب لرجائه .
-        كم أصبح مجموع الأنسان الاّن  ؟
فأجاب الشاب  وقد بدأ السرور على وجهه أكثر من السابق :
-        ستين عاما
-        ثم خلق الله القرد ومنحه من العمر ثلاثين عاما وقال له أنه سوف يعيش بلا عمل , بلا هموم , ولكن سوف يكون قبيح الوجه , أتدري ! وجه عار , ملىء بالتجاعيد , الحاجبان منحرفان نحو  الجبين , سوف يحاول هذا المخلوق أن يلفت الأنظار  , غير أن الناس سوف يسخرون منه , وهنا سأل الشاب الوسيم :
-        أذن فالقرد رفض أيضا نصف العمر الممنوح له ؟
نهض الشيخ من مكانه وتناول مبسم النرجيلة من يد أحد رجاله وقال – أجل رفض القرد أيضا نصف عمره  , وأضيف هذا النصف الى عمر الأنسان – ثم عاد الى مكانه بعد أن أخذ نفسا من النرجيلة , وصمت  وأخذ يرنو ببصره الى شيء ما أمامه  , وكأنه نسى ما حوله تماما , وقال دون أن يوجه  كلامه الى أحد :
- عاش الأنسان على الأرض ثلاثين عما من عمره كأنسان , أكل وشرب وحارب , رقص في الأعراس , أحب النساء الجميلات , أما الخمسة عشرة عاما من عمر الحمار فقد أشتغل وجمع المال , وقضى الخمسة عشرة عاما من عمر الكلب  يحرس ماله ويحافظ عليه , يعوي في وجوه الاّخرين ساخطا ويسهر الليالي قلقا , ثم أصبح مكروها وعجوزا مثل ذلك القرد . والناس من حوله يهزون رؤوسهم ويسخرون منه , ثم وحه كلامه الى الشاب الوسيم  وهو يحرك مبسم النرجيلة بين شفتيه :
- كل هذا سيحدث معك .
 وسأله الشاب
-        ولكن لماذا لم يحدث هذا معك ؟
-        أجل , لم يحدث هذا معي !
-        ولكن لماذا ؟
-          فأجابه الشيخ بصراة .
-        الناس الذين هم مثلي , نادرون , لم أكن حمارا , ولم أكن كلبا , فلماذا أكون قردا , لماذا أكن عجوزا !
 
--------------------
 
(*) أيفان بونين : مجموعة  المؤلفات الكاملة في تسعة أجزاء . الجزء الساابع ( المماشى الظليلة ) ،  دار نشر  الأداب ،  موسكو 1966  - ص292-295 .
 
جودت هوشيار - موسكو

93
المالكى ... نفاق لا ينتهى

                                                                                                                     جودت هوشيار
 
نقلت وسائل الأعلام  الموالية لحزب الدعوة الحاكم فى العراق مؤخرا ،  خبرا مفاده ان السيد نورى المالكى  رئيس الوزراء "  إستقبل بمكتبه الرسمي عائلة الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم.
واطلع سيادته على أحوالهم المعيشية والمشاكل التي تواجههم ، ووعد بالعمل على توفير الرعاية اللازمة لهم، وإعادة حقوقهم.
من جهتها أعربت عائلة الزعيم عبد الكريم قاسم خلال اللقاء عن شكرها وتقديرها للرعاية التي أبداها السيد رئيس الوزراء لهم ، وإهتمامه بشؤونهم المعيشية
" و ذلك حسب بيان صادر عن مكتب المالكى
 
أول ما يتبادر الى الذهن لدى قراءة هذا الخبر ان المالكى "  الذى تحول خلال السنوات الخمس الماضية من جواد المالكى المغمور الى نورى المالكى المشهور و الى  الزعيم الأوحد و القائد الضرورة للعراق الجديد "  يقدر عاليا خدمات  قائد ثورة 14 تموز 1958 المجيدة ، مؤسس الجمهورية العراقية الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم . و لكن الجيل  الذى  عاصر الأحداث التى أعقبت ثورة الجيش و الشعب فى يوم 14 تموز الخالد ، يتذكر جيدا ان كل القوى الرجعية المحلية  ( القومية و البعثية و الدينية )  ، قد  حاربت الثورة و تآمرت عليها و على قائدها منذ اليوم الأول للثورة  و كان حزب الدعوة تحديدا من ألد أعداء ها، و هذه حقيقة لا يمكن للمالكى و أبواقه الدعائية أنكارها ، لأنها بكل بساطة موثقة فى أدبيات حزب الدعوة الصادرة فى عهد الزعيم عبد الكريم قاسم و من السهولة الرجوع اليها ، و نحن نتذكر جيدا الموقف الشائن لمحسن الحكيم و بيانه الشهير الذى دعا فيه الى  أستباحة و هدر  دم العراقيين ( الكفار)  المؤيدين للثورة و قائدها .
 
و استقبال المالكى لعائلة الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم لا يمكن ان يغير من هذا الموقف العدائى لثورة 14 تموز و قائدها و  للأغلبية الساحقة من الشعب العراقى  . و المالكى يعرف ذلك جيدا  فى قرارة نفسه و لكنها  ( السياسة ) بمفهومها المبتذل التى يمارسها المالكى و زعماء الأحزاب الدينية الأخرى. و هذه السياسة القائمة على الكذب و الدجل و النفاق هى التى اوحت للمالكى  بترتيب لقاء مع من تبقى من عائلة الزعيم الشهيد ، من أجل أستغلال اسم الزعيم و منزلته الرفيعة فى قلوب العراقيين ،   لتحقيق مكاسب سياسية و تلميع صورته بأعتباره من المخلصين للمبادىء السامية التى ضحى الزعيم الشهيد من أجلها . .
ان عداء حزب الدعوة الحاكم لثورة 14 تموز و قائدها  كان مكشوفا و صريحا ، سواء خلال عهد الزعيم او  بعد أغتياله و حتى يومنا هذا . و قد تجلى هذا العداء ، على نحو سافر  قبل حوالى سنتين حين أقدم المالكى على ألغاء اليوم الوطنى العراقى المصادف للرابع عشر من تموز 1958 و أحل محله يوم دخول العراق الى ( عصبة الأمم ) و هو يوم لا يمكن مقارنته بيوم الثورة المجيدة .
و المالكى أزال كل أثر يشير الى ثورة 14 تموز،  من رموز و نصب و تماثيل و أسماء . فعلى سبيل المثال لا الحصر  مدينة ( الثورة ) التى شيدها الزعيم عبد الكريم قاسم من اجل حياة كريمة  لفقراء العراق  ، أصبحت تسمى الآن بمدينة (الصدر ) رغم عدم و جود اية علاقة للصدر بهذه  المدينة. و لو كان المالكى صادقا فى تقييمه لثورة 14 تموز و قائدها ، كان بأمكانه تشييد صرح او نصب أو متحف للزعيم ، كما هو متبع فى الدول المتمدنة التى تكرم و تمجد القادة المؤسسين ، و الزعيم هو مؤسس الجمهورية العراقية .و لكن المالكى على خلاف العراقيين الشرفاء الذين يسكن الزعيم قلوبهم ، لم يهتم يوما بالزعيم ولم  يصدر عنه ما ينم عن هذا الأهتمام ولم يذكر اسم الزعيم فى المناسبات العديدة التى حضرها و خطب فيها خلال السنوات الثمانية الماضية .
.
و المالكى بأستقباله لعائلة الزعيم فى هذا الظرف تحديدا . يريد ان يوحى للعراقيين  بأنه من المعجبين بنزاهة الزعيم  و أعماله الجليلة لخدمة العراق و العراقيين . و لكن الحقيقة هى ان المالكى يحاول التغطية على الفساد المستشرى فى كافة مفاصل الدولة وعلى فشله فى تقديم أى انجاز يذكر خلال السنوات الخمس المظلمة من حكمه الأسود  و بضمنها مهلة المائة يوم التضليلية التى اراد من ورائها أمتصاص غضب الشارع العراقى و خداع شباب العراق المنتفضين  ..
كيف يمكن التفكير ، مجرد تفكير فى أقتران اسم المالكى بأسم الزعيم الشهيد ؟
خلا ل الفترة الزمنية القصيرة  التى لم  تتجاوز اربع سنوات و نصف السنة ، حقق الزعيم أنجازات كبرى شملت كافة مجالات الحياة السياسية و الأقتصادية و الأجتماعية و الثقافية  و لست هنا فى معرض تعدادها ، لأن العراقيين – كل العراقيين -  يعرفونها جيدا و لكن لا بد لى فى مجال المقارنة ان انوه بما يلى :
1-     كان الزعيم عبد الكريم قاسم  ينظر الى كافة العراقيين بمنظار واحد و من دون أى تمييز دينى او طائفى او قومى أو سياسى ، فى حين ان المالكى جمع حوله أتباعا من طائفة واحدة بعينها  و هم يشغلون اليوم أهم المناصب و المواقع الحساسة فى الدولة ، و  أتبع سياسة الأقصاء و التهميش بالنسبة الى بقية مكونات الشعب العراقى . و فى ظل الحكم الطائفى المتخلف أصبح بقية العراقيين مواطنين من الدرجة الثانية  و بخاصة أبناء الأقليات القومية و الدينية ، و يكفى ان نقول بأن عدد المسيحيين العراقيين – و هم من أعرق سكان بلاد الرافدين الأصلاء – قد تقلص من  مليون و نصف المليون  نسمة الى اقل من نصف هذا العدد حيث تشرد أكثر من 750 ألف مسيحى عراقى -  بينهم عدد كبير من العلماء و أساتذة الجامعات و الأطباء و المهندسين و الخبراء فى شتى الحقول -  فى أصقاع الدنيا هربا من ( نعيم ) المالكى  .
2 – أشرف الزعيم أشرافا مباشرا على أعداد الدستور العراقى المؤقت الذى نص على ان العرب و الكرد و القوميات الأخرى شركاء فى هذا الوطن ، فى حين ان الدستور العراقى الحالى الذى أسهم المالكى فى أعداده ، دستور رجعى غريب و عجيب جمع كل المتناقضات  وكرس مبدأ المحاصصة ، و هذا الدستور الغائم العائم احد الأسباب الرئيسة  لما يعانيه العراق اليوم من أزمات و مصائب و قتل و تدمير .
3 – اصدر الزعيم القانون رقم 80 لسنة 1961 الذى حدد مناطق الأستثمار لشركات النفط الأحتكارية فى حين فتح المالكى الباب على مصراعيه لعودة الشركات الأحتكارية بموجب عقود غير متكافئة فيها اجحاف كبير بحقوق العراق و ثرواته النفطية و الغازية .
4 – بادر الزعيم بعد أسابيع قليلة على قيام الثورة بأصدارقانون الأصلاح الزراعى رقم 30 لسنة 1958 لتصفية الأقطاع  ، فى حين ان المالكى شكل ما يسمى بمجالس الأسناد العشائرية و أغدق عليها الأموال و يستخدمها عند الحاجة ( لحشد التأييد و التصويت لصالحه فى  الأنتخابات ) و فى ( قمع التظاهرات الشعبية المطالبة بالأصلاح  ) و غيرها من المهام القذرة  أى أنه عمليا أعاد العراق الى عهود الأقطاع و التخلف و الظلام و القمع و تزوير الأنتخابات عن طريق شراء الذمم .
 
5 - – أشرف الزعيم شخصيا على أعداد ( قانون الأحوال الشخصية ) رقم 188 لسنة 1959  وهو القانون الأكثر حداثة و تقدمية فى الشرق الأوسط ، ان لم يكن فى العالم النامى عموما ، حيث حقق هذا القانون المساواة التامة بين الذكور و الأناث فى الحقوق و الواجبات و ليس أدل على المكانة الرفيعة التى احتلتها المرأة العراقية  بفضل حكمة الزعيم و بعد نظره من  أن عهده شهد تعيين أول أمرأة فى الشرق الأوسط فى منصب وزارى .,فى حين ان حال المرأة فى عهد المالكى بائس و مخجل ، بل مأساوى الى أبعد الحدود ،  حيث تتعرض حقوق المرأة فى عراق اليوم الى انتهاكات خطيرة موثقة فى تقارير منظمات حقوق الأنسان العالمية ، سواء فى السجون السرية او فى الحياة العامة ، ناهيك عن  الفصل بين الجنسين  فى كل مكان ، و فرض الحجاب و النقاب و زواج المتعة  حتى بالنسبة للبنات الصغيرات ... الخ
 
6– فى عهد الزعيم شهد العراق نهضة تنموية شاملة  و تطورا فى كافة ميادين الحياة، كما   أزدهر الأدب و الفنون التشكيلية و المسرح و السينما و الموسيقى ، اما فى عهد المالكى ، فقد تم القضاء المبرم على الصناعة الوطنية و تردت الزراعة الى الحضيض نتيجة للجهل المركب و الأثراء غير المشروع و و ضع أنصاف المتعلمين و أشباه المثقفين فى اعلى المناصب فى دولة الفساد المالكية  . ومن مظاهر التخلف فى العراق ( الجديد ) منع و تحريم أو تحجيم  كل ما هو جميل و أنسانى  فى الحياة ،مثل الفنون بأنواعها و أشكالها امتنوعة  .
 
7 -  يشهد  كل العراقيين بأن عهد الزعيم كان عهد النزاهة و الحرص على المال العام  و ادارة شؤون البلاد و العباد على اسس حديثة و معاصرة تحتل فيها الكفاءات و أصحاب الخبرة  مكان الصدارة فى تسيير دفة الحكم – أما عهد المالكى فهو عهد الفساد السياسى و الأدارى و المالى  و سرقة المال العام . و المالكى حامى الفساد الأكبر فى عراق اليوم ، بل أنه يشجع الفساد و يحميه  عمليا ، حيث يرفض الغاء الفقرة ( ب ) من المادة ( 136 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية التى تنص على منع محاسبة أى سارق للمال العام او فاسد  الا بعد موافقة الوزير المختص ، و قد نشر مؤخرا تقرير للكونغرس الأميركى جاء فيه ان أعضاء الكونغرس الذين زاروا العراق أصبحوا على قناعة تامة ان المالكى هو حامى الفساد الأول  فى العراق
و لا نريد الأسترسال فى الحديث عن سياسة المالكى وحزبه الرجعى المعادى لتطلعات الشعب العراقى. و لكننا نقول أن أستقبال المالكى لعائلة الزعيم لن يخدع أحدا و لن يسهم فى تجميل صورة المالكى ،  لأن العراقيين يعرفون معدن الرجال . وكعب عبد الكريم قاسم أشرف  من رؤوس ساسة الفساد و النفاق و الدجل فى العراق ( الجديد ) .
 
جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com

94
المنبر الحر / قوة الضعفاء
« في: 15:27 18/03/2011  »
قوة الضعفاء
                                                                                                             جودت هوشيار
 
فى مقال نشرته قبل حوالى  عشر سنوات فى مجلة ( كولان العربى ) التى كانت تصدر فى أربيل ، قلت فيه حرفيا ما يلى  " يعتقد المناهضون لنمط العولمة الحالي , إن الفعاليات الجماهيرية (التظاهرات والمسيرات الحاشدة والمطالبات المستمرة والملحة ) يمكنها إجبارالخصوم على التراجع . ويلجأ المناهضون للعولمة الى تنظيم نظاهرات احتجاجية صاخبة( بمشاركة مئات الألوف من الشبيبة من شتى انحاء العالم)، فى اى مكان يعقد فيه اجتماع القمة لدول الأتحاد الأوروبى او الدول الصناعية المتقدمة.. ويحدث احيانا ان تخرج مطاهرات احتجاجية كبرى فى عدة عواصم فى ان واحد.....  ومما يثير الدهشة حقا , المستوى التنظيمي الرفيع لمناهضي العولمة : عشرات الألوف من الشباب من شتى بقاع العالم يتحركون نحو نقطة محددة وكأن عصا" سحرية تحركهم وتوجههم , حيث أن تظاهراتهم تتسم بحسن التنسيق والتنظيم وربما يكمن السر في ذلك ،أن مناهضي العولمة يستخدمون – وياللمفارقة – أحد أهم انجازات العولمة ونعني بذلك الشبكة الدولية للمعلومات ( الأنترنيت ) في إتصالاتهم ."
 
كتبت هذه الكلمات فى وقت لم تكن خدمة ( الأنترنيت ) قد أنتشرت على نطاق واسع فى الدول العربية ، بل كانت تقتصر على  جمهور محدود للغاية . و لكن  أستخدام ( الأنترنيت ) أخذ ينمو و ينتشر بوتائر متسارعة ليس فى الدول المتقدمة فقط ، بل فى الدول النامية أيضا . و قد رأينا كيف ان  شبكة ( الأنترنيت ) لعبت دورا رئيسيا فى الأنتفاضات الشعبية فى العديد من بلدان العالم مثل  مولدافيا و أوكرانيا و جورجيا و أيران  و تونس و مصر و ليبيا .
و لكن أليس من المبالغة القول بأن شبكة الأنترنيت  وراء هذه الثورات ؟ و اذا كان الأمر كذلك ، كيف نفسر بقاء أحتجاجات المعارضة فى دول كثيرة ( تستخدم الشبكة العنكبوتية على نطاق أوسع بكثير من العالم العربى مثل روسيا والصين ) محصورة داخل الشبكة العنكبوتية و لا تنعكس خارج الشبكة على الرأى العام أو  الشارع  ؟
عندما لجأ الشهيد محمد البو عزيزى الى حرق نفسه  ، سرعان ما انتشر هذا الخبر بين مستخدمى  الأنترنيت فى تونس. عن طريق مواقع التواصل الأجتماعى و كان له وقع الصدمة على جيل الشباب . ثم تحولت الصدمة  الى غضب عارم و دعوة للأحتجاج فى الشارع . و لم تمض سوى ساعات قليلة حتى غصت  الشوارع بعشرات الألوف من المحتجين الذين أنضمت اليهم جموع غفيرة من التوانسة من مختلف الشرائح الأجتماعية و الأعمار .
 
 و كان لمواقع التواصل الأجتماعى ( فيسبوك و تويتر و يوتيوب ) دورا بالغ الأهمية فى ثورة 25 يناير فى مصر ضد النظام البوليسى  . و لم تدرك السلطات المصرية لمدة طويلة  أبعاد  هذا الدور الجديد العظيم لتكنولوجيا المعلومات حتى ان جمال مبارك سخر من احد الشبان المصريين فى اجتماع عام ، عندما سأله الشاب  عن رأيه فى موقع الفيسبوك و مواقع التواصل الأجتماعى الأخرى ، و لم يكلف جمال نفسه عناء الرد ، بل غرق قى ضحكة طويلة ، ثم طلب من أحد أصدقائه الرد على السؤال . و لم يكتشف نظام مبارك  أهمية الأنترنيت عموما  و مواقع التواصل الأجتماعى خصوصا فى  تبادل و توحيد الآراء و  حشد الجماهير للتصدى لنظامه البوليسى الفاسد  الا فى ذروة ثورة 25 يناير  التى أجتاحت مصر من أقصاها الى أقصاها , فقطع خدمة  الأنترنيت لعدة أيام و لكنه أضطر الى اعادتها تحت  الضغط الأميركى ، حيث نددت هيلارى كلينتون بقطع خدمة الأنترنيت و طالبت بأعادتها على الفور .
 
ثمة من يطلق على الثورات الشعبية العارمة فى البلدان العربية اسم (  ثورة  الفيسبوك ) و ( ثورة التويتر ) نظرا للدور المشهود لهذين الموقعين الألكترونيين فى تسهيل التواصل و التنسيق بين زوارهما ، و يقول البعض أنه لولا الأنترنيت لما حصلت تلك الثورات  !!  و هذا قول مبالغ فيه كثيرا , و الحقيقة أن الأنترنيت أداة  فعالة  فى تحريك الجماهير الغاضبة و لجوء الأنظمة الشمولية فى أيران و تونس و مصر الى قطع الأنترنيت ئؤكد الدور الفعال لهذه الأداة الثورية حقا و لكن ليس بالأنترنيت الثورى و حده تندلع الثورات .
 
ان الظروف و العوامل الموضوعية لأندلاع الأحتجاجات الشعبية  فى تونس و مصر بالأمس و فى اليمن و ليبيا و البحرين و عمان و غيرها من الدول العربية اليوم قد نشأت و نضجت قبل الأستخدام الواسع للأنترنيت و ظهور مواقع التواصل الأجتماعى .
و نعتقد ان حشد مئات الألوف من المحتجين فى الشارع يتطلب نضوج البيئة الأحتجاجية وان  تكنولوجيا المعلومات و حدها  لا تكفى  لأزاحة الطغاة عن السلطة و أسقاط الأنظمة الشمولية , و لن تكون هذه التكنولوجيا من دون البيئة الحاضنة للأحتجاجات ،  سوى منفذا للتعبير عن الرأى و التنفيس عن الهموم .
 
وعندما تتعمق و تنضج  الأستياء الشعبى و يصل سخط الناس على النظام القائم الى درجة الغليان ( بسبب  قيام السلطة  بتزوير  الأنتخابات و أنتهاك حقوق الأنسان و فرض قيود على الحريات و أستشراء الفساد السياسى و الأدارى و المالى  و تفاقم مشاكل الفقر و البطالة و البيروقراطية و تردى الخدمات العامة ) ، تتحول شبكة الأنترنيت  الى أداة ثورية  فعالة للتنظيم عبر تبادل و تقريب الآراء و حشد التأييد لفكرة الأحتجاج العلنى و كسر حاجز الخوف و تحديد مواعيد التحرك الجماهيرى و مكانه، أقول عند ذلك فقط  تتحول شبكة الأنترنيب الى  قوة تنظيمية تمارس تأثيرا سياسيا هائلا تعصف بالأنظمة الشمولية  الفاسدة  .
 
منذ أكثر من ألف عام و الشعوب العربية تئن تحت سياط حكام جائرين أذاقوا شعوبهم الذل و الهوان و سرقوا لقمة الخبز من الجياع . و لكن الزمن تغير و نحن نعيش اليوم عصرا جديدا ، اصبحت فيه ( المعلومة ) متاحة للجميع بعد أن احتكرها الحكام الطغاة طويلا ، و نشأ لأول مرة فى التأريخ البشرى مجتمع أنسانى يتقاسم فيه البشر السراء و الضراء الى حد كبير  و لم يعد بوسع حاكم جائر ان يحجب الحقيقة ، فشمس الحرية  و الديمقراطية تسطع فى كل مكان من عالمنا ( الصغير ) و لم يعد بوسع طاغية ، مهما أمتلك من أدوات البطش و القمع و و سائل التضليل و الخداع أن   يخفى  جرائمه بحق شعبه عن العالم الخارجى  أو ان يستمر فى الحكم . و بفضل التكنولوجيا الثورية  الجديدة  أمتلك المضطهدون و المسحوقون  قوة خارقة  . أنها (  قوة الضعفا ء )  التى لا تقهر.
 
جودت هوشيار

95
احتفال أمام نصب الحرية فى بغداد


                                 جودت هوشيار

 

كل من شاهد  الأعتداء الدموى الهمجى  لأزلام المالكى على المتظاهرين المسالمين فى ساحة التحرير فى يوم 25 شباط / فبراير  الحالى  ( يوم الغضب العراقى ) و أصابة العشرات منهم بجروح بليغة و تركهم ينزفون دما من دون أية محاولة لأسعافهم أو نقالهم الى المستشفيات القريبة و منع وصول الطعام و و الماء الى المتظاهرين طوال يوم كامل ، و من ثم قيام كل من وزير الناطقية على الدباغ و الناطق باسم عمليات بغداد قاسم عطا  بنصب مائدة -  فوق  المكان الذى سال فيه دماء المتظاهرين المسالمين - للأحتفال بأنتصار قوات بغداد على فتيان يافعين ، حملوا الورود لأهداها الى أفراد الجيش العراقى ، أقول بعد كل هذا ، الا يتبادر الى ذهن كل أنسان شريف يمتلك ضميرا حيا ، من أى صنف هؤلاء الهمج الذين يتفاخرون بالأنتصار على زهرة المجتمع العراقى . نعم لم يخجل الدباغ و لم يخجل عطا و هما يشربان القهوة فى ساحة التحرير بعد تفريق المتظاهرين بشتى صنوف الأسلحة التى يجيد أستخدامها الطغاة لقمع شعوبهم : خراطيم المياه ، الغازات المسيلة للدموع و من ثم الرصاص الحى . و قد أبتكر طاغية بغداد الجديد نورى المالكى أسلوبا جديدا فى قمع شعبه و هو رش المتظاهرين بنوع مجهول من الغبار أو نوع غير معروف من الغازات ، اضافة الى الأسلحة التقليدية .

 

نعم جلس لثنان من  بلطجية المالكى اللذان صعدا كما يقول المثل العراقى ( من الطهارة الى المنارة ) بين ليلة و ضحاها أولهما وزير دولة  لشؤون(  الناطقية  ) و هو منصب لا يوجد فى أى بلد من بلدان العالم سوى فى  العراق المبتلى  بشرذمة من الجهلة اللصوص ) و الثانى لا أحد يعرف من أين أتى و هو لا يحمل لا شهادة من الكلية العسكرية و لا خبرة سابقة فى القوات المسلحة و كل مؤهلاته هو تبرير جرائم سيده طاغية بغداد الدموى المتخلف الذى  استخدم كل الأمكانيات المادية و السلطوية للدولة العراقية لتجديد و لا يته و هو يفكر منذ اليوم للبقاء فى منصبه لولاية ثالثة . الدباغ و عطا كانا يشمتان بالشهداء و الجرحى  الذين سقطوا بالعشرات فى مدن العراق الكبيرة و الصغيرة و فى ساحة التحرير تحديدا  ، و قد أنشرحت أسارير         و جهما القبيح من نشوة الأنتصار و هما يجلسانتحت  نصب ( الحرية ) نكاية ب ( الحرية و الأحرار ) و يتلذان بشرب القهوة الساخنة و تحت أقدامهما دماء حارة و طرية لم تجف بعد ، جلسا وراء مائدة الأحتفال فى ساحة موحشة و خالية  من المارة و السيارات مثل بقية ساحات و شوارع بغداد المظلمة الكئيبة  بعد حظر حركة السيارات و منع التجوال ..

كانا يبتسمان لكامرة قناة ( العراقية ) الحكومية و هما يسردان حكاية خيالية  مفبركة زائفة عن تظاهرة ( يوم الغضب العراقى )  فى ساحة التحرير فى محاولة يائسة لتبرير الجريمة المروعة ، حكاية من ( أبداع ) خيالهما المريض  تزعم ان القوات الأمنية تعاملت مع المتظاهرين بليونة  و طيبة  و مهنية عالية ( لا حظوا كلمة مهنية كأنهما يتحدثان عن معركة حربية  مع الأعداء )  ، ترى اذا كان اطلاق الرصاص الحى على شبيبة بغداد يعد فى عرفهما ليونة و طيبة ، كيف يكون اذن ( الشدة ) و ( القسوة ) لا بد أنهما كانا يفكران على طريقة مجنون ليبيا أى قصف الشعب بالقنابل من الجو و بصواريخ الكاتيوشا و ال(آر بى جى ) .

 

ظل الدباغ و عطا يكذبان على الهواء مباشرة و أمام ملايين المشاهدين بلا  أسنحياء أو خجل و من دون أن يرف لهما جفن   ، اقتداءا بالكذاب الأكبر فى العراق نورى المالكى  الذى يفعل عكس ما يقول دائما .

خلال السنوات الخمس العجاف من فترة حكمه الأسود لم يصدق المالكى مع شعبه و لو لمرة واحدة . فى عام 2008 و عد بحل مشكلة الكهرباء بشكل جذرى خلال سنة و نصف و ها  نحن نرى ان مشكلة الكهرباء قد تفاقمت و تردت المنظومة الكهربائية الى الحضيض . و لا يتمتع العراقيون اليوم بنعمة الكهرباء سوى ساعتين فى اليوم و تردت الخدمات العامة .

و يفتقر عراق المالكى اليوم الى المياه الصالحة للشرب و الى المدارس و المستشفيات و منظومات الصرف الصحى ، ناهيك عن الحدائق العامة و مدن الألعاب و النوادى و أماكن اللهو البرىء الأخرى . و لكن ثمة اليوم فى عراق المالكى  جبال هائلة من القمامة فى كافة أحياء و أزقة و شوارع بغداد و المدن الأخرى و الحدود العراقية – الأيرانية  سائبة  بشكل متعمد لتسهيل دخول المخدرات و فرق الأغتيالات بالكواتم   ، على نحو يصح القول ان عراق المالكى هو عراق القمامة و المخدرات و الكواتم المستوردة من الجمهورية الأسلامية الأيرانية ( الشقيقة  )

 لا صناعة و لا زراعة اليوم فى بلاد الرافدين و كل ما هو موجود فى السوق من سلع ، أجنبية المصدر , و اليوم يعيش 60% من الشعب العراقى على ما يسمى مواد البطاقة التموينية و هى سلة مواد غذائبة (الطحين و الرز و الزيت و الشاى و السكر و الصوابين ) ،  يبلغ اجمالى قيمتها عشرة دولارات لا أكثر و مع ذلك عجزت حكومة لصوص منتجع ( المنطقة الخضراء ) عن توفيرها للشعب العراقى .

المالكى صرف ( 400 ) مليار دولار خلال السنوات الخمس الماضية . و لا أحد يدرى أوجه صرف  هذه الأموال الطائلة . و قد صرح السيد طارق الهاشمى نائب رئيس الجمهورية ،بأنه رغم صرف هذه الأموال الطائلة لم يبلط شارع و لم تبن مستشفى او مدرسة ، اذن أين ذهبت تلك المليارات ؟ يتظاهر المالكى و أزلامه بأنه لا يعرف الجواب ، و لكن الشعب العراقى يعرف جيدا كيف سرقت عصابة ( المنطقة الخضراء ) فلوس اليتامى و الأرامل و يقية أبناء والشعب العراقى .

وزارة التخطيط العراقية قالت فى تقرير نشر قبل حوالى شهرين أن نسبة الفقر فى العراق يبلغ 25% أى ان ربع العراقيين يعيشون تحت خط الفقر و لا يزيد الدخل الشهرى للفرد الواحد عن 40 دولار, أؤكد 40 دولار فى الشهر فى احد أغنى بلاد العالم بالثروات الطبيعية .

هنالك اليوم فى العراق ملايين العاطلين عن العمل و معظمهم فى مقتبل العمر ، بينهم عدد كبير من خريجى الجامعات .

ثروات العراق كلها فى متناول يد مجموعة من اللصوص المحترفين من ذوى الشهادات المزورة ، الذين يمتلكون العقارات فى شتى عواصم العالم القريبة و البعيدة  و حسابات فلكية فى البنوك الأجنبية .و يخدعون الشعب بالوعود الكاذبة فى كل دورة أنتخابية ,

و عندما يثور شباب العراق للمطالبة بلقمة الخبز ينهال على صدورهم رصاص الغادرين و يتهمهم الطاغية و أزلامه بأنهم من البعث , و اليوم رد أحد المتظاهرين الشباب على المالكى فى ساحة التحرير و فى ذروة التظاهرة السلمية ، قال هذا الشاب الثائر  : لم أكن بعثيا عندما أنتخبتك و لكننى اليوم تحسبنى بعثيا لأننى طالبت بحقوقى المهدورة و حريتى المغتصبة
 

.و لا يكتفى طاغية العراق ( الجديد ) و أزلامه بسرقة المليارات و هضم حقوق أبناء و بنات العراق و مصادرة الحريات العامة و الخاصة و خنق حرية التعبير بأشكاله المختلفة بل يحتفلون و يشربون نخب أنتصارهم الدموى على الشعب العراقى فى الساحة التى أريقت فيها  الدماء الطاهرة لجيل الشباب العراقى الواعد .

أية خسة و وضاعة يتصف بهما الطاغية و أزلامه من قبيل الدباغ و عطا و الى اى صنف من البشر ينتمون . لا أجد لهما نظيرا فى التأريخ الحديث سوى فى ألمانية الفاشستية , هل يختلف المالكى و الدباغ و عطا فى شىء عن حثالات الفاشست ؟.

 

جودت هوشيار

jawhoshyar@yahoo.com



96
نحو مفهوم جديد للرسالة الأعلامية

                                                                                                             جودت هوشيار


يرى  بعض المفكرين و فى مقدمتهم رائد التنظير الأعلامى مارشال مكلوهان ( 1911 –1980 ) م أن تأريخ البشرية هو تأريخ أتصال و اعلام بين اليشر ، و أن التقدم العلمى – التكنولوجى هو الذى يسهم فى المقام الأول فى تشكيل و تطور المجتمعات الأنسانية ،
و أننا من دون فهم الأساليب التى تعمل و سائل الأتصال بمقتضاها ، لن نكون قادرين على أدراك التغيرات الأجتماعية و الثقافية التى تطرأ على المجتمعات المعاصرة . و أن الوسائل الجديدة تشكل أمتدادا لأعضاء جسم الأنسان . .. فعلى سبيل المثال ، يعتبر الهاتف النقال أمتدادا  لأذاننا و الميكروفون أمتدادا لألسنتنا و التلفزيون أمتدادا
لعيوننا ، و أجهزة الكومبيوتر توفر الجهد الذهنى و تؤدى الى امتداد الوعى .
و يقولمكلوهان فى كتابه الشهير " كيف نفهم وسائل الأتصال " الصادر فى أواسط الستينات من القرن المنصرم ان " ان أهمية الرسالة -  فى عمليات الأتصال الأعلامية - تكمن في وسيلة نقلها"، بمعنى أن طبيعة كل وسيلة و ليس مضمونها هى الأساس فى تشكيل المجتمعات الحديثة .

فالرسالةالأساسية فى التلفزيون هى البث  التلفزيونى ، كما أن الرسالة الأساسية فى الكتاب هى المطبوع ، لذا فأن المضمون – حسب رأيه – غير مهم ، بل المهم هو الوسيلة التى تنقل المحتوى ، كما أن لكل وسيلة جمهورا من الناس ، يفوق حبهم للوسيلة ،
اهتمامهم بمضمونها . و التلفزيون كوسيلة تستقطب أهتمام جمهور عريض من المشاهدين بفضل الشاشة التى تعرض الصورة و الصوت و الحركة و الألوان فى آن واحد معا  . كما يحب الناس القراءة من اجل الأستمتاع بتجربة المطبوع . و تؤثر وسيلة الأتصال
الأعلامية فى المضمون الذى تنقله ، و ربما تستطيع الوسيلة أن تشوه المضمون ، و هذا ما تفعله مثلا  الفضائيات الرسمية  فى دول التخلف ، عندما تحول الواقع البائس الى انجازات للقائد الضرورة  أو  الفضائيات الحزبية ، التى تشوه مضمون ما تعرضه و تحرفه
على نحو يتطابق مع أيديولوجية الحزب .
لقد تجلت أهمية التلفزيون – عند ظهوره فى أحتواء الراديو . أما اليوم فأن الشركات الرائدة فى مجال تقنيات الأتصال تسعى الى دمج الخدمات الأعلامية , و تعدشيكة الأنترنيت ذروة الأنجازات التكنولوجية لعصرنا الراهن  فى مجال الأتصال و الأعلام  . بل ان البعض يعتبرها " وسيلة الوسائل الأتصالية " لأنها تطوى بداخلها الوسائل الأخرى ، الى جانب استخداماتها المعروفة فى تبادل الملفات و تصفح قواعد البيانات عبر الشبكة و البريد الألكترونى و و أفلام الفيديو و فى الترفيه و الدعاية
، كما تؤمن التفاعل بين المشتركين فى ما بسمى بخدمة المؤتمرات و غرف المحادثة أى الحوار بين أتجاهين أو أكثر ، أى ان شبكة الأنترنيت حلت محل الأتصال أو الأعلام الأحادى الجانب , و ثمةاليوم انجازات تكنولوجية  جديدة فى طريقها الى الأنتشار لدمج الأنترنيت و التلفزيون الرقمى أو الأنترنيت المتلفز لخدمة عدد أكبر من المستخدمين . و كذلك دمج
الهاتف و التلفزيون و الأنترتيت و الكومبيوتر الشخصى النقال فى جهاز صغير .اضافة الى ظهور " الكتاب الألكترونى " و لا نقصد بذلك تحميل الكتب من الأنترنيت و حفظه فى الكومبيوتر  ،  بل الخزن الألكترونى  لمحتويات الكتب الورقية فى جهاز الكترونى جديد
لا تزيد ابعاده عن أبعاد كتاب ورقى خفيف و صغير و يمكن حمله فى الجيب و يتسع لحفظ مئات الكتب و من ثم قراءتها فى أى مكان وزمان ( خلال السفر او على الشاطىء او أى مكان آخر .بدلا من حمل الكتب الثقيلة . و الطريف فى الأمر ان الأنارة فى شاشة هذا الجهاز أشبه بمصباح منضدى مخفى ، كما يتميزبتقنية الحبر الإلكتروني (بورل) الذي يشبه الورق فيخفف من حدة إجهاد العين ولا يؤثر سلبا على النوم في المساء. ويمكن أيضا استخدامه خارجا في الشمس، وهو أمر مهم بالنسبة إلى القراءات خلال العطل . أى ان القارىء يشعر و كأنه يقرأ كتابا عاديا ، لأن القراءة عن طريق هذا الجهاز ، لا
يختلف ظاهريا عن قراءة أى كتاب آخر .

 و فى ضؤ ما تقدم لم يعد تقسيم و سائل الأتصال الأعلامية  ألى أتصال أو أعلام مطبوع و مسموع و مرئى مقبولا و هو فى طريقه الى الزوال، و لم تعد " صاحبة الجلالة " أو " السلطة الرابعة " تحتل الا جانبا واحدا داخل المنظومة الأعلامية ، يختلف حجمها منمجتمع الى آخر .
و أذاكانت الوسائل "  القديمة " تسعى الى أضفاء الطابع الشخصى على عملية التلقى و تفرض على المتلقى مضامين من طرف واحد فى توقيتات محددة ، فأن الوسائل الجديدة تتيح للمتلقى أختيار رسالته الأتصالية – الأعلامية من حيث الشكل و المضمون و وقت الأستقبال .
 أن عملية الأندماج المتواصلة بين الوسائل المختلفة ، ليست مسألة تكنولوجية فحسب ، بل لها أيضا  فاعليتها المؤثرة فى تكوين الأنماط الأجتماعية و الثقافية . أن المجتمعات المتخلفة التى لا تسهم الا بقدر ضئيل أو لا تسهم على الأطلاق فى
التقدم العلمى – التكنولوجى لعصرنا الراهن ، تخضع شاءت أم أبت  لما ينجم عن هذا التقدم  من تغيير فى أنماط الحياة و وتائرها  المتسارعة و هى لحسن الحظ تغييرات ايجابية عموما ، يمكن ( لو أحسن استخدامها ) أن تسهم فى تطوير و تحديث تلك
المجتمعات، و لن يتم ذلك ، الا بالأدراك الواعى و الفهم العميق لجوهر  التقدم العلمى – التكنولوجى المعاصر ..

جودت هوشيار



97
اسطورة حب فرهاد و شيرين فى آداب شعوب الشرق

                                                                                                                 جودت هوشيار
ثمة عدد كبير من الأساطير و الحكايات و القصص الشعبية الشائعة فى فولكلور و أدب أكثر من شعب واحد ، لعل فى مقدمتها الملحمة الشعرية " فرهاد و شيرين " أو " خسرو و شيرين " التى لها نصوص فولكلورية مختلفة و معالجات أدبية عديدة فى التراث الثقافى لشعوب الشرق الأوسط و الأناضول و آسيا الوسطى .
و كما هو واضح من أسماء أبطال هذه الأسطورة و مسرح أحداثها  و وقائعها أنها ( فارسية – كردية )  الأصل ، لأنها تستند الى وقلئع تأريخية حقيقية لها علاقة بالشعبين الفارسى و الكردى .
كان خسرو أحد آخر الحكام الفرس فى نهاية الفترة التى سبقت الفتح الأسلامى لبلاد فارس أو العجم كما يقول العرب ، حيث حكم البلاد خلال الفترة الواقعة بين عامى ( 591- 628 ) م . و كانت شيرين زوجته ، و وردت سيرتهما فى  العديد من المصادر التأريخية . و أبرز من عالج هذه الأسطورة هو الشاعر الفارسى العظيم الفردوسى (940 -1020 ) م  و ذلك فى مؤلفه الشهير " الشاهنامة " .
لقد خلد الشاعر قصة حب " خسرو و شيرين " فى ملحمة شعرية رائعة ، تعد من عيون الأدب الكلاسيكى الشرقى و العالمى ، بيد أنه لم يذكر شيئا عن فرهاد الذى ورد أسمه لأول مرة فى مخطوطة تعود للمؤرخ الطاجيكى – الفارسى (بالامى ) كتبت فى أواخر القرن العاشر . و المعروف أن (بالامى ) قد توفى فى العام 996م .
أما الشاعر ( آغاجى ) الذى عاش فى الفترة الممتدة من أواخر القرن العاشر الى منتصف القرن الحادى عشر ، فأنه يذكر أسم فرهاد حين يتحدث عن الأسطزرة الشعبية عن شق قناة عبر صخور جبل بيستون من جبال كردستان .
كما كتب الشاعر الأذرى نظامى كنجوى ملحمة شعرية عن " خسرو و شيرين " و ذلك فى العام 1181م و أهداها الى ذكرى زوجته الحبيبة التى فارقت الحياة و هى فى عز شبابها . شيرين هى البطلة الرئيسية لهذه الملحمة ، و قد أسبغ الشاعر عليها السجايا الأنسانية الرفيعة ، فهى طيبة ، قوية الأرادة ، نقية السريرة ، و ذات أخلاق حميدة . و هى صفات و فضائل يفتقر اليها خسرو كأنسان و حاكم للبلاد .
كان عشق فرهاد لشيرين من جانب واحد أى أن شيرين لم تبادله الحب ، و مع ذلك فأن فرهاد أقدم على تضحية كبيرة من أجلها حين حقق رغبتها فى شق قناة عبر جبل بيستون لغرض أيصال الماء ألى الجهه الأخرى من الجبل ، وهى مهمة شاقة ( و تكاد ان تكون شيه مستحيلة بمقاييس ذلك العصر ) و لكن فرهاد أنجزها على أحسن وجه و أثار هذا العمل الخارق اعجاب شيرين من جهة وحقد و كراهية خسرو من جهة أخرى .
كان خسرو يغار من فرهاد و يتحين الفرص للأنتقام منه ، و لأنه كان يعرف مدى عمق حب فرهاد لشيرين ، فقد لجأ الى الخديعة و أرسل اليه من يخبره كذبا أن شيرين ماتت... الصدمة  تهز كيان فرهاد و الفاجعة الأليمة تهد صحته ، فيفارق الحياة حزنا و كمدا على حبيبته الغالية .
و اذا كان فرهاد فى ملحمة كنجوى شخصية ثانوية ، فأنه البطل الرئيسى فى الروايات الفولكلورية لهذه الأسطورة التأريخية الشعبية . و يعتقد بعض المستشرقين و منهم    ع. علييف فى كتابه الذى يحمل عنوان " خسرو و شيرين فى آداب شعوب الشرق " ( موسكو – 1962 ) ان ذلك قد حدث تحت تأثير ملحمة الشاعر الأوزبكى ( نوفوى ) ( 1484 م ) " فرهاد و شيرين " فقد حاول ( نوفوى ) أن يضفى على فرهاد الصفات و السجايا الأنسانية السامية .
 فرهاد فى هذه الملحمة يتمتع – اضافة الى بسالته و شهامته و رجولته – بخصال و قيم رفيعة ، فهو دمث الخلق ، ذكى ، يحب العمل و ذو مهارة فنية عالية ( شق قناة بيستون ) . و على النقيض من ذلك رسم الشاعر صورة سلبية للغاية لخسرو كأنسان خبيث و غادر و حاكم مستبد ، يتسبب فى موت فرهاد ، و لكن القدر يمهل و لا يهمل ، حيث نراه بعد حين يلقى جزاءه العادل و يقتل على يدى أبنه .
و فى العصر الحديث ألهمت هذه الأسطورة عددا من الشعراء البارزين ، قكتبوا مسرحيات شعرية مستمدة من أحداثها و وقائعها ، وفى مقدمتهم الشاعر التركى الكبير ناظم حكمت الذى ألف مسرحية تحت عنوان " حكاية حب " أو " فرهاد و شيرين "  و قد قدمت هذه المسرحية على أشهر مسارح العالم لسنوات طويلة متتالية ( فى موسكو و باريس و برلين  و غيرها من العواصم ) . و فى أذربيجان كتب الشاعر فورغوف مسرحية " فرهاد و شيرين " التى ترجمت الى عدد من اللغات الأجنبية و قدمت على مسارح جمهوريات الأتحاد السوفييتى ( السابق ) .
و لا بد من الأشارة هنا الى أن معهد الأستشراق فى مدينة بطرسبورغ الروسية ، قام بجمع نصوص فولكلورية كردية و شرقية لهذه الأسطورة  و بذلت جهود مشكورة من قبل علماء المعهد لدراسة هذه النصوص و مقارنتها و تحليل مضامينها و أبراز قيمتها الفنية و سماتها الجمالية و يحق لنا ان نتساءل هنا : الى متى نظل نتعرف على تراثنا الشعبى و أدبنا الكلاسيكى من خلال المستشرقين الأجانب ؟
 و عندما نقول ذلك فأننا لا نبخس الجهود المضنية التى بذلها المستشرقون الكردولوجيون فى سبيل اخراج كنوزنا الكلاسيكية و الفولكلورية من ظلمات الماضى الى النور و نفض الغبار عنها و تحقيقها و ترجمتها و نشرها . و لهم دين فىأعناقنا و فضل كبير على ثقافتنا ، و نأمل ان يحذو الدارسون الكرد حذوهم . و كنا فى دراساتنا عن التراث الكردى ٌقد أشرنا الى تقصير وزارة الثقافة فى أقليم كردستان عن النهوض بمهامها الأساسية و خصوصا تشكيل فرق عمل تتولى توثيق تراثنا الفولكلورى - الشفاهى الباذخ و الجميل ، لأننا ان لم نوثق هذا التراث  فأن الزمن سيمحو ما تبقى منه لحد الآن
.
, قلنا ذلك و كتبنا و ناشدنا المسؤولين فى وزارة الثقافة الكردستانية ان  يتحركوا فى هذا الأتجاه . ذهب وزير و جاء آخر و لم يتغير شىْ على الأطلاق ، و بقيت المهرجانات الشغل الشاغل و الهم الأكبر  لهذه الوزارة . و ها نحن نناشدها من جديد ان تلتفت الى هذه الناحية ، لأن تراثنا الثقافى عصب هويتنا التى يتحدثون عنها ليل نهار .
 
جودت هوشيار – موسكو
jawhoshyar@yahoo.com


98
نظرية أوروبية الجذور ، يعشقها العرب                                جودت هوشيار
لعل احدى  السمات البارزة  لتخلف مجتمع ما ، هى  الأنغماس اللامجدى فى الحديث عن نظرية المؤامرة ،عند تعرضه لأية محنة او نكسة كبيرة ، بدلا من تقصى الأسباب الحقيقية التى تقف وراء هذه المحنة او تلك الأنتكاسة ، فالقوى الخارجية ( ألأمبريالية والصهيونية فى معظم الأحيان ، والماسونية احيانا )  ، هى المسؤولة دائما عن كل ما يحدث للبلدان النامية من هزائم وازمات ومشاكل ، وليس القصور الذاتى و التفكير المتخلف وسؤ الأدارة والفساد  بكافة اشكاله والوانه .والشعوب العربية تحديدا اكثر  الشعوب ايمانا بنظرية المؤامرة وترجيحا لها عند وقوع اى حادث جلل او انقلاب عسكرى او هزيمة عسكرية او  دبلوماسية ، سواء فى الداخل او الخارج .

وحسب نظرية المؤامرة فأن  المخابرات الأسرائيلية ( الموساد ) كانت على علم  بعمليات الحادى عشر من ايلول 2001 لذا قامت بتحذير اليهود  مسبقا والطلب منهم مغادرة ناطحتى السحاب التوأم فى نيويورك . والمخابرات الأنكلو –اميركية ، هى التى تقف وراء العمليات الأرهابية فى مترو لندن ، والمخابرات البريطانية هى التى دبرت عملية قتل الأميرة ديانا لكى لا  ينتسب احد الشبان العرب المسلمين الى العائلة البريطانية المالكة ، وحرب تحرير العراق مؤامرة انكلو –امريكية لأفشال مشروع النهوض  القومى العربى الشامل بقيادة القائد الضرورة  هدام العراق. واخيرا وليس اخرا ، فأن السبب الرئيس  لما  شهده العراق  خلال  السنوات الست الماضية من محن وازمات وكوارث  ، لا يرجع الى الصراع الشرس على السلطة و النفوذ و المكاسب والمغانم بين الأحزاب الحاكمة   ،  وانما  - كما يرى  قطاع من الرأى العام العراقى الى مؤامرات الأحتلال الأميركى ،وفى رأى قطاع اخر الى مؤامرة صهيونية  لأنهاك العراق وتقسيمه الى دويلات صغيرة  ، تطبيقا للحلم الصهيونى بتأسيس دولة  أسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات .

ولكن نظرية  المؤامرة – رغم كونها السلاح المفضل للحركات الدينية فى العالم الأسلامى -  غريبة عن التراث  الأسلامى عموما و عن التراث العربى  على وجه الخصوص ، حيث انها – اى نظرية المؤامرة – ظهرت فى اوروبا فى القرن الثانى عشر ثم  امتدت الى اميركا فى ما بعد . وقد  رافقت الأحداث التأريخية العظيمة ، وهى نظرية عديمة الضرر فى معظم الأحيان، لانها لا اساس لها ، ولكن عندما يؤول الحكم الى من يؤمنون بهذه النظرية   ( هتلر ، ستالين ، صدام حسين )، فأنها تكون وبالا على شعوبهم و تؤدى الى الأضطهاد الواسع والقمع الوحشى  لمئات الألوف  واحيانا لملايين البشر ( اعتقالات وتعذيب  فى معتقلات وسجون رهيبة لمجرد الشك فى ولائهم للسلطة ، تطهير عرقى ، محارق الغاز ،  مقابر جماعية ، اغتيالات لشخصيات المعارضة ....الخ ).

وثمة فرق بين نظرية المؤامرة الكبرى  والمؤامرة الصغرى ، فالمؤامرة الصغرى تلك التى يحوكها الجار او احد الأقارب  ، كما يمكن ان تكون سياسية او عسكرية عندما  تؤدى الى انقلاب عسكرى فى بلد ما : و كذلك المؤمرات الصغيرة و راء الكواليس  التى تحوكها الأحزاب الحاكمة فى عراق اليوم ضد بعضها البعض من اجل تعزيز مواقعها فى السلطة و الأستحواذ على أكبر حصة من الغنائم و الأسلاب .

اما المؤامرة الكبرى ، فهى تلك التى تحيكها منظمة سرية او شريحة اجتماعية او دولة  من اجل السيطرة على العالم . انها نظرية اوروبية خالصة ولا توجد فى الثقافات الأخرى، تجاهلها الأسلام وتقبلتها اوروبا واميريكا .
ويقول مدير معهد  دراسات الشرق الأوسط فى فيلادلفيا ،مستشار البيت الأبيض والكونغرس الأميركى دانيل بيبس ، و يعد احد ابرز الباحثين الأميركيين فى الأسلام فى كتابه " المؤامرة "ان اول منظمة سرية  كانت تهدف الى السيطرة على العالم هى منظمة " فرسان المعبد "التى تأسست فى القدس فى القرن الثانى عشر . وفى عام 1340 تم منع المنظمة من قبل فرنسا ، ولكن البعض يعتقد ان  " الماسونية " احياء لتلك المنظمة .ونظرية المؤامرة اليهودية من اجل السيطرة على العالم  كانت سببا  لأفتعال اعمال القتل والنهب والسلب فى رينو ومن ثم فى روسيا القيصرية  و ظهور كتب فى الغرب من قبيل " بروتوكولات حكماء صهيون "  لذا ليس من المستغرب – والكلام ما يزال لدانيل بيبس – ان يلقى هذا الكتاب نجاحا كبيرا فى البلدان العربية ، التى ترفض وجود  دولة اسرائيل وهو –اى الكتاب – اصبح فى الماضى والحاضر اساسا للسياسة المعادية للسامية .

وبقدر تعلق الأمر ببريطانيا ، فأن هذه النظرية انتشرت مع اتساع الأمبراطورية البريطانية فى القرن التاسع عشر وكذلك فى اميركا مع تزايد نفوذها وقوتها كدولة عظمى فى القرن العشرين . واذا تسلط دكتاتور  يؤمن بهذه النظرية على دولة كبرى فأنه يجلب لشعبه الكوارث و المصائب كما فعل هتلر فى المانيا  وستالين فى الأتحاد السوفييتى ( السابق)  ، الأول كان متحمسا لنظرية  المؤامرة اليهودية الكبرى اما الثانى  فأن مؤامرات المنظمات السرية  لم تكن تبرح خياله المريض ، وكانت نتيجة ذلك  نشوب الحرب العالمية الثانية : أكثر الحروب دموية فى التأريخ واضطهاد ملايين الناس الأبرياء فى جميع انحاء اوروبا .

جودت هوشيار - العراق





99
الحلم الضائع في بحر إيجة
                                                                                         
                                                                                جودت هوشيار
 
تحولت ظاهرةالهجرة من كردستان العراق الى الدول الاوروبية وغيرها من دول العالم الى احدى القضايا المهمة المثيرة للجدل في المجتمع الكردستاني , لما لها من تأثير بالغ في شتى جوانب الحياة في الاقليم .كما أصبحت هذه الظاهرة موضوعا" أثيرا" في وسائل الأعلام الكردستانية وحديث الناس في المجالس العامة والخاصة , الا انها لم تحظ لحد الآن بأي دراسة علمية جادة عن أسبابها الحقيقية وأبعادها الأقتصادية والأجتماعية وآثارها الراهنة والمستقبلية . وكل ما قيل وكتب عنها لايعدو كونه مجرد آراء ذاتية وأحكام جاهزة - لا تستند الى أي مسح ميداني أو شواهد أو أدلة واقعية ملموسة - من قبيل الزعم ان الأقتتال الداخلي فى اواسط العقد المنصرم الذى شهد اكبر موجة من الهجرة الى الخارج  وتردي الوضع الأقتصادي الراهن  هما السببان الرئيسيان لهذه الظاهرة . قد يكون ذلك صحيحا" في ظاهر الأمر  ولكن ثمة أسباب أعمق واهم من أي أراء شخصية واستنتاجات مسبقة وقاطعة لا تستند الى الواقع الموضوعي .
والحق ان ظاهرة الهجرة ليست جديدة لا بالنسبة إلى المجتمع الكردستاني ولا  أي مجتمع أخر في العالم , بل هي قديمة قدم الحضارة الأنسانية .
فأذا كان الناس في العصور القديمة يهاجرون بسبب الحروب والغزوات والمجاعة والكوارث الطبيعية أو هربا" من الظلم والأضطهاد , فأن العصور الحديثة قد شهدت تدفق موجات كبيرة من اللاجئين الى الأراضي الجديدة المكتشفة , حيث أن العديد مما يدعى ببلدان الهجرة مثل الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلنده قد تطورت بفضل اللاجئين من شتى بقاع العالم والذين يشكلون معظم سكانها . وكانت هذه البلدان ترحب الى وقت قريب بالمهاجرين الجدد لأسباب أقصادية .كما أن بلدان أوروبا الغربية قد فتحت أبواب الهجرة واسعة أمام   تدفق اللاجئين اليها بأعداد كبيرة بعد الحرب العالمية الثانية وخاصة خلال عقد الستينات من القرن الماضي وذلك لحاجتها الماسة إلى القوى العاملةالوافدة نتيجة لمعدلات الوفاة العالية والولادة المنخفضة خلال سنوات الحرب المذكورة وما بعدها وحسب الأحصائيات التي نشرتها دول الأتحاد الأوروبي , بلغ عدد المهاجرين في أوروبا الغربية بحلول عام 1990 حوالي (12) مليون مهاجر منهم ( 4.5 ) مليون في فرنسا ( معظمهم من شمال افريقيا ) وحوالي ( 205 ) مليون في بريطانيا     ( أغلبهم من بلدان جنوب شرقي أسيا ) و ( 1.8 ) مليون في المانيا ( أكثرهم من تركيا ويوغسلافيا ) و حوالي مليون لاجيء في سويسرا ( معظمهم من دول جنوب أوربا مثل ايطاليا واليونان )
 
وإبتداءا" من عقد التسعينات من القرن المنصرم , تدفقت إلى دول الأتحاد الأوروبي أعداد كبيرة من اللاجئين من دول أوربا الشرقية بعد تفكك الأتحاد السوفيتي وأنهيار الأنظمة الشيوعية فيها وكذلك من الشرق الأوسط بعد الحرب الأفغانية ويتضح من التصريح الذي أدلى به كارنيلي زونتاك – فولغاست – سكرتير وزارة الخارجية الألمانية بتأريخ 23/7/2000 لمراسلة وكالة الأنباء الألمانية , أن حوالي نصف مليون لاجيءغير شرعي يتسللون إلى دول الأتحاد الأوروبي سنويا" .وخلال عام1999 وفي ألمانيا وحدها أحتجزت الشرطة حوالي ( 38 ) ألف متسلل عند محاولتهم اختراق الحدود الألمانية وحوالي (21) الف لاجيء غير شرعي داخل ألمانيا .
وثمة شبكة واسعة من عصابات المافيا منتشرة في البلدان الأوروبية ولها امتدادات في دول الشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا تقوم بتهريب الأشخاص وإلى دول الأتحاد الأوروبي وحسب تقديرات المسؤولين الألمان فأن عصابات المافيا الألمانية تحصل على دخل سنوي يقدر بحوالي 17.6 مليار مارك ألماني سنويا" من  عمليات تهريب البشر وقد استطاعت هذه العصابات من تجنيد بعض العاملين في القنصليات الغربية في جنوب شرقي أسيا للعمل لصالحها فقد القت السلطات الهولندية مؤخرا" القبض على سفير هولندة السابق في سيريلانكا السير ب.كورنر بتهمة المساعدة في تهريب اللاجئين غير الشرعيين إلى هولندة خلال عامي 1996-1997 بالتواطؤ مع عصابتين محليتين متخصصتين في تهريب البشر . وتسهيل وصول عدة مئات من اللاجئين الى هولندة .
 
كان هؤلاء اللاجئين قد حصلوا على سمات دخول مزيفة الى هولندة . ولكن كان من الصعب اكتشاف هذا التزييف لدقته المتناهية , حتى من قبل نقاط السيطرة على الحدود الهولندية ومزظفي الجوازات الهولنديين .
وقد كشفت التحقيقات اللاحقة بأن عددا" من موظفي دائرة الهجرة الهولندية قد تورطوا في هذه العملية أيضا" .
 
وقد مارست دول الأتحاد الأوروبي ضغوطا" على حكومة أقليم كردستان العراق من أجل اتخاذ الأجراءات اللازمة ضد مهربي البشر ومنع تدفق اللاجئين العراقيين الى تركيا ومن جانبها قامت السلطات الأيرانية والتركية بحملات واسعةفي المناطق الحدودية مع العراق لتعقب المهاجرين غير الشرعيين وسلمت السلطات المذكورة أعدادا" كبيرةمن طالبي اللجوء العراقيين إلى حكومة الأقليم .
ويشكل اللاجئون الجدد من دول العالم الثالث طبقة دنيا في قاع المجتمعات الغربية من حيث نمط الحياة ومستوى المعيشة وقد أصبحت هذه الطبقة شبه المعدمة عبئا" ثقيلا" على الدول الغربية والتي أضطرت لأسباب إنسانية وأخلاقية وقانونية الى تأمين الحد الدنى من متطلبات الحياة للاجئين وتقديم الخدمات الاجتماعية والصحية لهم .
 
ويثير وجود عدد هائل من اللاجئين في دول الاتحاد الاوروبي قلقا" مشروعا" لدى حكومات هذه الدول واستياءا" واسع النطاق لدى الرأي العام الغربي .
وقد جاء في دراسة نشرت حديثا" من قبل المركز الأوروبي لمراقبة المظاهر العنصرية أن 70% من سكان ألمانيا أبدوا عدم ارتياحهم من وجود الأجانب في بلادهم عموما" وبخاصة من البلاد الاسلامية ويتجلى هذا الشعور بعدم الأرتياح بأشكال ودرجات مختلفة ويتراوح بين مجرد الشعور بالأنزعاج الى الكراهية المكشوفة والمشاركة في التظاهرات المعادية للأجانب ولأعتداء  عليهم أحيانا" دون أي مبرر .كما حدث مؤخرا فى المانيا حيث قتل متطرف المانى من اصل روسى أمرأة مصرية فى قاعة المحكمة بعد ان لا حقها بالتحرش اللفظى و توجيه العبارات المهينة لها لمجرد كونها مسلمة محجبة . و حالات الأعتداء على اللا جئين فى الدول الأوروبية كثيرة سواء من قبل المتطرفين او من قبل الشرطة نفسها فى بعض الأحيان .
 
وتتزعم أحزاب يمينية متطرفة في معظم دول الأتحاد الأوروبي حملات دعائية قوية تدعو إلى إغلاق الحدود أمام المهاجرين الجدد وإرغام المهاجرين المقيمين بصورة شرعية أو غير شرعية , على العودة إلى بلادهم .
وقد أضطرت دول الأتحاد الأوروبي تحت ضغط الرأي العام إلى اتخاذ اجراءات صارمة للحد من تدفق اللاجئين . ومن بين هذه الأجراءات تعديل قوانين اللجؤ والهجرة والتشدد في منح تأشيرات الدخول واستخدام وسائل فنية متطورة للكشف عن حالات الخداع والأحتيال وضمان عدم استخدام الوثائق نفسها من قبل عدة أشخاص والقيام بحملات كبيرة ومفاجئة لضبط اللاجئين غير الشرعيين وفرض عقوبات على شركات الطيران ووكالات السفر التي تقوم بنقل المهاجرين غير الشرعيين إلى دول الأتحاد دون وثائق سليمة .
 
وقد استغلت عصابات المافيا المحلية والأجنبية هذا الوضع الجديد لجني الأرباح الطائلة عن طريق تهريب البشر من كردستان العراق ودول المنطقة الى دول الأتحاد الأوروبي بشتى الوسائل والطرق المحفوفة بالمخاطر والمهينة في آن معا" . و شهد بحر إيجة حوادث عديدة مفجعة راح ضحيتها عدد كبير من الرجال والنساء والأطفال من مواطني الأقليم ودول الشرق الأوسط عند محاولتهم الوصول إلى الشواطيء اليونانية والأيطالية ببواخر صغيرة وعبارات وقوارب غير أمينة تفتقر إلى أبسط شروط الراحة والأمان والتي تحملها عصابات المافيا بعدد من الركاب تفوق طاقتها أو الحمولة المقررة لها . وتبحر في جنح الظلام وسط أمواج البحر العاتية .
لقد ابتلع بحر إيجة لحد الآن العشرات وربما المئات من مواطني الأقليم الذين غرقوا وغرق معهم أحلامهم بالوصول الى الارض الموعودة بحثا" عن الحياة الأفضل .
وفي تلك الحالات القليلة التي نجح فيها عدد من هؤلاء المغامرين في الوصول الى الشواطيء اليونانية أو الأيطالية عن طريق البحر والى الدول الخرى عن طريق البر أو الجو , فأنهم يخضعون فور وصولهم الى استجواب شديد وطويل وإقامة طويلة في المعسكرات المخصصة للاجئين وفي حالة قبولهم كلاجئين يتلقون معونة شهرية لا تتجاوز بضع مئات من الدولارات أو الماركات أوالفرانكات شهريا" .
ولكن هذا المبلغ القليل - بالقياس الى مستوى الدخل والأجور والأسعار في الغرب - يبدو مبلغا" كبيرا" نسبيا" بالمقارنة مع مستوى المعيشة في كردستان , حتى الذين يحملون الشهادات العالية من مواطني الأقليم , فأنهم في حالة نجاحهم في الحصول على حق اللجؤ السياسي أو الأقتصادي , يشرعون من جديد في تكوين وبناء مستقبلهم من نقطة الصفر . عليهم قبل كل شيء تعلم لغة البلد الذي يقيمون فيه ومن ثم أداء الأمتحانات في تخصصاتهم بنجاح ليتمكنوا من إيجاد فرص عمل لهم وممارسة مهنهم . أما من لا يحمل أي شهادة أو لا يمتلك خبرة في تخصص ما فأن من الصعب عليه الحصول على أي عمل مناسب بطريقة قانونية وتبقى أمام اللاجيء مشكلة كبرى لم يحسب لها قط أي حساب من قبل وتتمثل في أختلاف أساليب العيش وأنماط التفكير والسلوك والتكوين الثقافي في الغرب عن الشرق . وبطبيعة الحال لايمكن العيش في مجتمع غربي بعقلية شرقية وسلوك محافظ وأمام اللاجيء طريقان لا ثالث لهما , فأما الذوبان في المجتمع الجديد وتقبل الحضارة الغربية ومحاولة التكيف معها أو الأنغلاق والأنعزال والأنطواء على الذات والوقوع في شرك إزداجيةنفسية تفضي إلى الأنفصام الروحي والمعاناة المستمرة القاسية.
ثمة مثل أوروبي يقول : ( حين تدخل دارا"غير دارك , عليك أن تترك عاداتك على عتبة الباب) ولكن معظم اللاجئين من بلدان العالم الثالث عموما" – ماعدا اللاجئين من دول أوروبا الشرقية الذين يسهل إندماجهم في المجتمع الغربي – يعيشون في الغرب في شبه عزلة أو ( غيتو ) ويحكمون على المجتمع الغربي من خلال بعض مظاهره الخارجية السلبية وإفرازاته المرضية الهامشية بسبب عدم استيعابهم للقيم والمعايير الرحية والثقافية التي تشكل جوهر الحضارة الغربية وكأنعكاس لخيبة أملهم وضياع احلامهم الوردية ووقوعهم فريسة للأحباط النفسي والأنفصام الروحي .
إننا لا نحاول رسم صورة قاتمة لحياة معظم اللاجئين الكرد في الغرب , لأن الواقع أقسى وأمر مما حاولنا إيضاحه فيما تقدم . ولعل الحوادث الدراماتيكية التي وقعت في بريطانيا و السويد ( القتل غسلا" للعار ) والمانيا وهولندة ( حوادث القتل والأنتحار ) خلال السنوات القليلة الماضية والتي تناقلتها وكالات الأنباء الأجنبية وكتبت عنها الصحف المحلية الصادرة في الأقليم , خير دليل على ما نقول .
فاللأجيء الكردي دائم الشكوى أو الحسرة على شيء ضائع هو نفسه التائهة بين حضارة الغرب وتزمت وتخلف الشرق والقلق من المستقبل المجهول ( احتمال الترحيل في أي وقت ) . كما أنني لا أسوق هذا الكلام لمعارضة أو أدانة ظاهرة الهجرة – كما قد يخيل الى البعض – فكل انسان حر في تقرير مستقبله بنفسه وليس من حق أحد – كائنا" من كان -  أن يقحم نفسه في أمور تعد في صميم الحياة الشخصية للآخرين .وحق الهجرة – حق مشروع .
فقد نصت المادة الثالثة عشرة من الأعلان العالمي لحقوق الأنسان الصادرفي العاش من شهر كانون الأول سنة 1948 عن الجمعية العامة لللأمم المتحدة على ما يلي :
كل انسان له الحق في التنقل بحرية واختيار مكان إقامته ضمن حدود كل دولة .
كل أنسان له الحق في مغادرة أي بلد أو بلده , وله حق العودة الى بلده .
واذا كان من حق أي مواطن أن يغادر بلده للأقامة في بلد أخر بشكل مؤقت أو  دائم فأن من حقه أيضا" العودة إلى بلده متى شاء ذلك وليس من حق أية سلطة وضع العراقيل أمامه أو منعه من العودة , حيث ان ذلك يعد انتهاكا" صريحا" لحقوق الأنسان .
 
إن المهاجرين الكرد على علم تام بالمشاق التي سوف يواجهونها في طريق محفوفة بالمخاطر والمستقبل الذي ينتظرهم في بلاد الغربة ويدفعون مبالغ طائلة إلى عصابات تهريب البشر لقاء نقلهم سرا" إلى أي بلد أوروبي , وقد يكون هذا المبلغ هو كل ما ادخروه خلال سنوات عديدة, ومع ذلك يخاطرون بحياتهم ومستقبلهم.
وهنا يبرز تساؤل جوهري : ترى ما الذي يدفع هؤلاء الى الهجرة ؟ هل هو عدم الأستقرار السياسي وتردي الأوضاع الأقتصادية و الأجتماعية أم الفساد  المستشرى كالسرطان  فى الأجهزة الحكومية فى كردستان العراق ؟ ،  ام أن ثمة دوافع أخرى !
نحن لا نقلل من اهمية ما يطرح من أسباب ولكننا نعتقد أن ثمة دوافع آخرى للهجرة لا تقل  أهمية عن تلك الأسباب , بل ربما أقوى تأثيرا" في أتخاذ قرار الهجرة . ولا بد من الأشارة هنا إلى أن لكل فئة أو شريحة اجتماعية أسبابها الخاصة للهجرة . ومن الخطأ تجاهل ذلك وإطلاق أحكام عامة حول أسباب الهجرة لدى الشرائح المختلفة .
إن المثقفين من أساتذة الجامعات والمهندسين والأطباء وأصحاب الكفاءات العلمية الآخرى لا يهاجرون لتردي وضعهم المادي أو من أجل حفنة دولارات .
وأن من السذاجة الأعتقاد بأن طبيبا" مرموقا" تدر عليه عيادته دخلا" وفيرا" يضحي بكل شيء ويخاطر بحياته وحياة عائلته ومستقبله دون وجود دوافع أخرى للهجرة , ولا يشترط أن تكون تلك الدوافع مادية .
كما أن الأقتتال الداخلي لم يكن السبب الرئيسي لهجرة الكرد على نطاق واسع فى منتصف التسعينات من القرن المنصرم   .بل أحد الأسباب فى حينه  والدليل على ما نقول إن المئات من أساتذة الجامعات والمهندسين قد هاجروا من كردستان فى السنوات اللاحقة .
المثقفون الكرد يهاجرون لتفشى الفساد السياسى و المالى و المحسوبية و المنسوبية و البيروقراطية المفرطة فى الأجهزة الحكومية و غياب العدالة الأجتماعية  و أحساسهم الطاغي بالغين وعدم تكافؤ الفرص . وليس ثمة في الحياة الوظيفية ما هو أسوا وأقسى من الموقف الذي يحس فيه المرؤوس أنه أكثر كفاءة" وخبرة" وأفضل عملا" وسلوكا" وأكثر حرصا" على العمل والمصلحة العامة من رؤسائه. هذه المسألة تحديدا تتجاهله الصحافة الحزبية و الرسمية تماما  و لم تحظىبالأهمية التي تستحقها من قبل المسؤولين  وكأن البشر لا حول لهم ولا قوة , الا القبول بكل غبن والرضوخ لكل وضع شاذ خوفا" على مصدر رزقهم .
 
وبطبيعة الحال فأن من يعتز بقدراته العلمية و الثقافية التى دونها سنوات من السعى و التحصيل العلمى و من يتمسك بمبادئه وقيمه الأخلاقية والروحية وكرامته الشخصية لايبقى أمامه الا السكوت على مضض ولو الى حين أو الهجرة بحثا" عن نسمة هواء نقية ومصدر رزق حلال في آخر الدنيا ولو كان دون ذلك ركوب الآهوال والرحيل الى المجهول .
وشبابنا من خريجي الجامعات والمعاهد يهاجرون للبحث عن فرص العمل بعد ان سدت فى وجوههم كل سبل الحياة الكريمة ، فلا تعيين فى الدوائر الرسمية  الا لمن له صلة بصانعى القرار و لا توجد فرص عمل كثيرة فى القطاع الخاص الضعيف  و المتخلف فى الأقليم . فلا صناعة و لا زراعة و القطاع التجارى يتحكم فيه عدد قليل من المحظوظين ! الشباب يهاجرون لضمان مستقبل أفضل ونمط حياة أرقى نوعية لأن نوعية الحياة التي يحياها المرء مهمة لدى الشباب وغير الشباب فالحضارة الغربية تشكل بمباهجها وقيمها وازدهارها عامل جذب قوي لمواطني البلدان المختلفة .
أما شريحة الحرفيين والكسبة فأن الدوافع الأساسية لهجرتهم قد  لا تختلف كثيرا" عن دوافع الشباب . ولكن الدافع المادي لديهم قد يكون أقوى مما هو عليه لدى الشرائح الأجتماعية الخرى .
 
لقد خسر مجتمعنا – ما يزال يخسر – خيرة مثقفيه وأفضل أطبائه ومهندسيه ومن الصعب على المرء أن يتصور كيف يمكن تحديث المجتمع الكردستاني من دون هؤلاء الذين يشكلون ثروة البلد الحقيقية والذين لا يمكن التعويض عنهم بسهولة خلال المستقبل المنظور .
وعلينا الاحتفاظ بالبقية الباقية من الكفاءات العلمية الموجودة في بلدنا اليوم وبذل كل الجهد ممكن من أجل خلق الاجواء المناسبة لعودة من هاجر من العلماء والاطباء والمهندسين , ووقف هذا النزيف الذي الحق أضرارا" بالغة بالنسيج الأجتماعي للأقليم , ولا يكون ذلك بالمنع والنهي والحظر والمواعظ والشعارات , بل معالجة شؤون المجتمع و مشاكله المزمنة  بعقلية متحضرة ومنفتحة وفق اسس علمية سليمة واحترام حقوق الانسان ومبدأ تكافؤ الفرص ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب استنادا" الى معايير المؤهلات والخبرة بعيدا" عن التمييز والمحاباة .
 وعلى أية حال هذه تصورات شخصية عن أسباب ودوافع ظاهرة الهجرة قد تكون صائبة أو خاطئة , وليس هدفنا هو التوصل إلى استنتاجات نهائية وقاطعة , بل لفت الأنظار الى شتى جوانب هذه الظاهرة ومخاطرها وآثارها السلبية على حاضر ومستقبل مجتمعنا وضرورة القيام بمسوحات ميدانية وبحوث علمية جادة لتشخيص الأسباب الحقيقة لها ومعالجتها حرصا" على المصلحة العامة وعملية البناء والتقدم في الأقليم . 


100
من المستفيد من أحتكار المعلومات ؟
                                                                                          جودت هوشيار
 
تحاول  الأنظمة الشمولية  أحتكار المعلومات و حصرها فى نطاق ضيق ضمن النخبة الحاكمة و أدارة شؤون البلاد و العباد فى الخفاء أو من وراء الستار ليتسنى لها تمرير سياساتها بعيدا عن أنظار الرأى العام  . و تتخذ  فى كثير من الأحيان قرارات مهمة لصالح الحزب ( القائد ) أو الحاكم المطلق من  دون الرجوع الى آراء الخبراء و ذوى الأختصاص أو أحترام الرأى العام و مراعاة  مصالح البلاد العليا.
 
 و قد كان احتكار المعلومات على مدى التأريخ – و ما يزال الى يومنا هذا – سلاحا ماضيا و أداة فعالة  بيد كل  الطغاة لتضليل الجماهير و الأحتفاظ بالسلطة لأطول فترة ممكنة ، و هذا  الأحتكار هو السمة المشتركة بين الأنظمة اللا ديمقراطية بصرف النظر عن الأساليب المتبعة لتحقيق ذلك
.
و ينطوى حجب المعلومات عن الرأى العام و عدم أشراكه فى  مناقشة القضايا  المهمة  و فى اتخاذ القرارات بشأنها والتى تمس المفاصل الأساسية لحياة المجتمع و مستقبل  أبنائه على أزدراء دفين للجماهير و عدهم رعايا للدولة و عليهم ان يسمعوا و يطيعوا و ينفذوا ما يأمر به الحاكم ، لا مواطنين يسهمون فى حكم البلاد و من حقهم أن يحصلوا على المعلومات الكافية عما يحدث فى وطنهم  و يناقشوها ليتسنى لهم الوصول الى رأى نهائى بصدد القضايا المطروحة .
 
و يختلف الأمر أختلافا جذريا فى ظل الأنظمة الديمقراطية الحقيقية ، حيث تدرك الحكومة أنها وليدة الرأى العام و خادمة الشعب ، تعبر عن أرادته و تحرص على مصالحه و تحمى حريته ، لذا فأنها لا تخشى مصارحة الشعب بالحقائق و المعلومات المتوفرة لديها عن كل ما يهم الرأى العام معرفته و لضمان حق المواطن فى الأطلاع على  المعلومات التى تمس حياته و حريته و حقوقه الشخصية و السياسية و الأقتصادية .
 
 و تنص دساتير الدول الديمقراطية و قوانين حرية المعلومات المنبثقة عنها على ضرورة مراعاة الشفافية فى عمل المؤسسات الحكومية و حق المواطن فى الحصول على المعلومات و نشرها بأى وسيلة قانونية و بضمنها وثائق الحكومة و مراسلاتها وفغق ضوابط معينة ، كما تتضمن تلك القوانين لائحة محددة بالمجالات السرية ذات العلاقة بأمن الدولة ، حيث يقتصر تداولها على على الأجهزة الخاصة و لكن يمكن الأطلاع عليها أو نشرها عند الحاجة من قبل اللجان البرلمانية أو بناءا على أمر قضائى . و الغرض من وجود هذه اللائحة هو عدم تعسف السلطة فى تفسير أو أعتبار ما هو سرى على هواها . وقد حددت تلك القوانين فترات تتراوح بين ( 10 – 30 ) يوم لتلبية طلبات المواطنين و محاسبة الموظفين الذين يمتنعون عن تقديم المعلومات أو يقدمونها بشكل ناقص مما قد يؤدى الى الحاق الأضرار بمصالح المواطن أو ينتهك حقوقه و حريته .
 
و فى الوقت نفسه فأن قوانين حرية المعلومات فى  تلك الدول تقيد حرية الحكومة و الشركات فى جمع المعلومات الشخصية عن المواطنين و تداولها و اتاحتها للآخرين .
 
يتضح مما تقدم ان المبدأ الذى تعتمده النظم الديمقراطية يجمع بين ضمان حماية المعلومات السرية ذات العلاقة بأمن الدولة و اتاحة المعلومات الضرورية لمشاركة المواطنين فى اتخاذ القرارات التى تمس حياتهم . و يكتسب هذا الموضوع أهمية قصوى فى الوقت الراهن بالنسبة الى العراقيين ، حيث يعيش المواطن منذ سقوط النظام السابق فى دوامة من التشويش المعلوماتى و خلط الأوراق و التصريحات المتناقضة للمسؤولين الجدد  و سط تضليل أعلامى  واسع تقوم به أجهزة الأعلام الحكومية و الحزبية لحجب الحقائق و المعلومات عن المواطنين من أجل التستر على الفساد الشامل الذى ينخر فى جسد الأدارة الحكومية المتخلفة و على الصفقات السياسية التى تتم وراء الستار  لتقاسم المناصب و الغنائم و الأمتيازات .
 
ان الغموض يكتنف جوانب جوانب كثيرة من حياة العراقيين و قضاياهم المصيرية ، دون أن تحاول الجهات الرسمية ذات العلاقة  القاء الضؤ عليها ، ناهيك عن غمط حقوق المواطن العراقى فى  حرية تداول المعلومات و حصوله على المعلومات التى تمس حياته و قضاياه المعلقة و التى نصت عليها المواثيق الدولية و الدستور العراقى  .
 
- المواطن العراقى يتساءل لماذا يتم التستر على خسائر العراق من الفساد التى بلغت 250 مليار دولار، منها 90 مليار دولار من تهريب النفط الخام، والمشتقات النفطية و160 مليار دولار، أهدرها الفساد في الوزارات والمؤسسات الأخرى. ، إضافة إلى حرق 600 مليون متر مكعب من الغاز سنوياً من دون الاستفادة منها. كما أن إلغاء لجنة الشؤون الاقتصادية ، وتحويل صلاحياتها إلى الأمانة العامة، ساهم في اتساع رقعة الفساد.  و تقول "هيئة النزاهة العراقية"، أن معظم العقود الضخمة، تُبرم دون السماح للجهات الرقابية، خصوصاً "هيئة النزاهة"، بالاطلاع عليها أو التحقيق فيها.  و من الواضح تماما ان السلطة الفاسدة  لا يمكنها محاسبة   الوزراء و اعضاء مجلس النواب و كبار موظفى الدولة المتهمين بقضايا الفساد و الأثراء غير المشروع   أو تقديمهم  للمحاكمة رغم معرفة القاصى و الدانى – ابتداءا من مفوضية النزاهة مرورا بديوان الرقابة المالية و مجلس النواب و أنتهاءا بأمانة مجلس الوزراء  –  بأسمائهم و تفاصيل مخالفاتهم و تجاوزاتهم  الخطيرة  ، لسبب بسيط و هو ان جميع مقاصل السلطة  مشتركة فى نهب و تبذير المال العام.
 
 و مما زاد الطين بلة شمول قانون العفو  العام اللصوص الكبار من الوزراء و الوكلاء و المدراء العامين الذين سرقوا او اختلسوا مئات الملايين من الدولارات من خزينة الدولة  . بعضهم هرب بجلده او تم تهريبهم  الى خارج العراق أما الباقون فلا زالوا يشغلون و ظائفهم بكل ثقة و أطمئنان و يتمتعون بكل الأمتيازات الخيالية  التى و فرها لهم النظام الفاسد القائم حاليا .
 
- المواطن يجهل تماما كيف تصرف ميزانية الدولة  و  لماذا لا يتم الكشف عن الحسابات الختامية للأعوام السابقة و أين دور ديوان الرقابة المالية و مجلس النواب العراقى فى هذا المجال ؟
 
- ما هى كمية و قيمة النفط المهرب الى ايران و دول الخليج العربية و من يقوم بالتهريب و من يسهل الأمر للمهربين ؟
 و لماذا لم يرتفع معدلات انتاج النفط و لم تبنى اى مصفاة جديدة رغم صرف ( 8 ) ثمانية مليارات دولار على القطاع النفطى ؟
 
- لماذا تدهورت الزراعة و انحدرت الصناعة الى الحضيض  و لم يعد العراق ينتج  شيئا ذا قيمة .  و كم هو يا ترى الناتج المحلى الأجمالى للسنوات السابقة و ما هى خطط الحكومة لزيادة الدخل القومى و أعمار البلاد  ؟
 
- فى كل مرة يحدث فيها أمر جلل تقول الحكومة بأنها شكلت لجنة للتحقيق و لكن لم تعلن نتائج التحقيق فى أى قضية من الاف القضايا التى شكلت فيها لجان تحقيقية  لحد الآن .. لجان لذر الرماد فى العيون او الضحك على الذقون !
 
- أين ذهبت المليارات المخصصة لتحسين الخدمات ( الماء و المجارى  و الكهرباء و الأسكان و النقل العام  و الصحة و غيرها
 
- لماذا يتم شراء أردأ انواع الأسلحة و بأغلى الأثمان ؟ و لم لم يتم لحد الآن وبعد مرور ست سنوات على سقوط النظام السابق أعادة تأهيل و تسليح الجيش العراقى و تجهيزه بالأسلحة المتطورة بشكل يجعله قادرا على حماية الوطن و المواطن ؟.
 
- لماذا يتم التستر على الأحتلال الأيرانى للعراق ؟ و هو احتلال أخطر من الأحتلال الأميركى ، لأن القوات الأميركية سترحل حتما ،  ان لم بكن اليوم فغدا ، اما الأحتلال الأيرانى فأنه احتلال دائم لكل مفاصل الحياة فى العراق   و سيظل هذا الأحتلال البغيض يجثم على صدور العراقيين و يمنع تطور العراق و تقدمه و ينهب ثرواته  ما دام اللوبى الأيرانى يحكم العراق .
 
- لماذا تعيش عوائل المسؤولين الكبار فى خارج العراق و ما مقدار ثرواتهم و قيمة  العقارات و الأسهم التى يمتلكونها فى الخارج ؟
 
- من هم المسؤولون الكبار الذين يحملون جنسيات أجنبية ؟ و هل توجد دولة فى العالم  يحكمها أناس من ذوى الجنسيات المزدوجة ؟
 
- لماذا أصبحت الوزارات قلاع محصنة و مقفلة أمام المواطنين و هل توجد  فى العالم كله غير العراق وزارات  مقفلة على حزب معين او طائفة بعينها ؟
 
- من قتل و شرد خيرة الكفاءات العراقية و لماذا يعيش المبدعون العراقيون فى فقر مدقع و يثرى الجهلة من الصداميين الجدد ؟ و لماذا يموت  فى كل يوم عالم او مبدع عراقى حزنا و هما و كمدا فى زوايا النسيان دون ان تمد له الدولة يد العون  !
- و لماذا يهرع ا لمسؤولون الكبار الى أفضل مشافى العالم اذا ألم بهم وعكة صحية بسيطة ،فى حين لا يجد  المواطن العادى العناية الصحية الضرورية  و ان كان على شفا الموت.
 
هذا غيض من فيض  من القضايا التى تحيط بها الغموض المتعمد و لا يجد المواطن العراقى لها تفسيرا فى ظل غياب الشفافية فىأعمال الدوائر الرسمية   وبات  احتكار المعلومات و الأستهانة بالرأى العام من أبرز سمات  الحكومات التى تعاقبت على حكم العراق منذ سقوط النظام الديكتاتورى الفاشى .
 
 واذا كنا نريد حقا أقامة نظام ديمقراطى حقيقى فى العراق ، فأن على العهد الجديد مصارحة الرأى العام فى القضايا المهمة و أتاحة الفرصة للمواطن للأسهام فى أتخاذ القرارات التى تمس حاضره و مستقبله و من أجل بناء العراق ( الجديد ) حقا .

101
الحركات المناهضة للعولمة : مالها وماعليها

جودت هوشيار
 
           1 - توطئة
العولمة مرحلة جديدة في التطور الحضاري للأنسان وعملية موضوعية وحتمية تمتاز بشموليتها وتأثيراتها العميقة والقوية في شتى مجالات النشاط الأنساني وهي عملية تحولات جارفة لايمكن الوقوف في وجهها أو إيقافها لأن التطور سنة الحياة , بل ينبغي التكيف معها على نحو أو أخر بما يتفق مع الظروف الأقتصادية والسياسية والاجتماعية في هذا البلد أو ذاك .
ويخطأ من يظن بأن العولمة ظاهرة برزت في العقد الماضي بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفكك المنظومة الاشتراكية , ذلك لأن للعولمة جذورا" تضرب في أعماق التأريخ . و ثمة من يقول بأن أول عولمة تأريخية معرفية ممثلة بتعميم الحروف الهجائية لتحقيق تواصل إنساني يخدم المصالح التجارية , كانت هي العولمة الفينيقية،التي سعت لتحقيق التواصل بين المراكز الحضارية في العالم القديم وبخاصة بين القارات الثلاث الأفريقية والأاسيوية والأوروبية وتبعها في ذلك الحضارة الرومانية من خلال جهودها الحربية الهادفة الى خدمة النظام العبودي الاقطاعي , فحققت أول عولمة إنتصالية عن طريق نشر الطرق البرية وإنشاء المدن العسكرية لخدمة الاهداف التوسعية .
 ويعتقد البعض بأن بدايات العولمة ترجع الى عصر الاكتشافات الجغرافية العظمى في القرون الوسطى , في حين يرى أخرون أنها – أي العولمة – بدأت منذ النهضة الاوروبية وما رافقها من ثورة صناعية وتطور في وسائط النقل والمواصلات سهلت عملية الاتصال والتأثير المتبادل والتفاعل بين المجتمعات المختلفة اما اليوم فاننا أمام مرحلة جديدة ومتقدمة من مراحل العولمة والتى تتطور بوتائر متسارعة بموازاة وتائر تطور العلم والتكنولوجيا وبخاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات الكونية والاتصالات الفورية وهذه المرحلة كأي مرحلة سابقة من مراحل التطور الحضاري لها جوانبها الايجابية والسلبية . ولعل في مقدمة الجوانب الايجابية للعولمة تحرر الشعوب المضطهدة وإشاعة المثل العليا للديمقراطية وحقوق الانسان. والعولمة بهذا المعنى تنطوي على عملية تحرر من سيطرة النظم الشمولية والقمعية المنغلقة (التى تحاول عزل شعوبها عن بقية العالم )، وازالة الحواجز السياسية والجغرافية امام انطلاق الثقافات المحلية الى أفق الثقافة العالمية , والتخلى عن التعصب الأيديولوجى والولاء لثقافة معينة ضيقة والانفتاح على مختلف ألأفكار دون أي تعصب او تطرف , ونبذ كل اشكال وصور اللاعقلانية الناتجة عن التحيز المسبق لأمة أو دين أو ايديولوجيا  والتحول الى عقلانية العلم وحياد التكنولوجيا  .
بيد أن أصحاب النظرة المتشائمة لايرون في العولمة الا جوانبها السلبية الحقيقية والمزعومة , فثمة أنظمة منغلقة كثيرة في العالم الثالث تخشى من تيار العولمة الجارف وتحاول إحكام إغلاق حدودها وأجواءها في وجه رياح التغيير الجارفة التي تجتاح العالم اليوم ولكننا الآن لسنا بصدد الحديث عن تلك الأنظمة , بل عن حركات جماهيرية واسعة في أنحاء شتى من العالم وبخاصة في الدول الغربية تعارض أيضا"العولمة أو بتعبير أدق الأفرازات السلبية للعولمة بطرقها الخاصة .
ان طغيان المادية وهيمنة العناصر السلبية للنظام الرأسمالي تولد عند الشباب في أوروبا والأميركتين شعورا" عاما" بالأفتقار الى هدف الحياة.
 صحيح أن الدول التي ينتمي اليها هؤلاء الشبان دول متقدمة حققت انجازات علمية – تكنولوجية باهرة وتأمين الرفاهية المادية لشعوبها، الا انها في الوقت ذاته سلبت من الانسان راحة النفس والبال وجعلته نهبا" للتوتر النفسي والقلق الدائم. وفي ظل هذا الشعور ليس من المستغرب أن نرى مظاهر التمرد والأحتجاج بشتى صورها ضد الاوضاع القائمة والأيدولوجيا المهيمنة في تلك المجتمعات ومن أجل العدالة والمباديء السامية .
  2-  نشأة الحركات المناهضة للعولمة وأهدافها
ظهرت أولى الحركات المناهضة للعولمة وحركات اللاعولمة في المكسيك عام 1994 وامتدت بعد ذلك بحوالي خمس سنوات الى اوروبا حين  قام المزارع الفرنسي جوزي بوفي باقتحام مطعم (( مكدونالدز )) الشهير بجراره الزراعي تعبيرا" عن سخطه واحتجاجه على القيود التى وضعتها الولايات المتحدة على استيراد الجبن الفرنسي المعروف بأسم (( روكفور )) .
ومنذ ذلك الحين إتسع نطاق مثل هذه الأحتجاجات ضد أهداف أخرى أكثر أهمية وأقوى نفوذا" . واتخذت أولى المجموعات المعادية للعولمة-- وعلى نحو مقصود وصارخ – مواقف مناهضة للمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية والتي تمثل أهم رموز العولمة والنظام الدولي الجديد .
ويرى أنصار هذه الحركات أن المؤسسات والمنظمات المالية والاقتصادية الدولية ليست ديمقراطية بما فيه الكفاية ولاتعبر عن مصالح معظم شعوب العالم ( الدول النامية وبلدان أوروبا الشرقية ) بل عن مصالح الشركات المتعددة الجنسيات وان توصيات هذه المنظمات تتناقض ومصالح كثير من الدول النامية ودول أوروبا الشرقية وأدت أحيانا" الى تردي الاوضاع الاقتصادية وانتشار البطالة والتضخم المالي وتدني مستويات المعيشة كما حدث في الارجنتين وروسيا . كما ان اعمال وانشطة هذه الشركات  تلحق أفدح الاضرار ببينة الحياة وتتسبب في استفحا ل مشكلة الفقر في عدد من دول الجنوب .
إن الحركات المناهضة للعولمة لاتمثل تنظيمات تقليدية متجانسة فكريا وعقائديا" ولا تخضع لتوجيه مركز قيادي موحد، بل تتكون من حركات ومنظمات طلابية وشبابية ونقابية ومهنية شتى وأنصار حقوق الانسان وحماية البيئة وتضم في صفوفها عناصر شديدة التباين في توجهاتها السياسية وشعاراتها من أقصى اليمين الى أقصى اليسار ولكن ثمة عدد لا بأس به من العناصر المعتدلة في هذه الحركات تتألف من مثقفين وبضمنهم أساتذة وطلبة جامعات فعلى سبيل المثال ثمة منظمة تطلق على نفسها اسم (( العالم ليس سلعة )) وهي تتكون أساسا" من أساتذة وطلبة الجامعات الامريكية وبعض المهنيين والنقابيين . وبسبب هذا التكوين الذي تغلب عليه العناصر المثقفة , تبدو هذه المنظمة معتدلة ورصينة فأعضاءها لايحطمون واجهات مكاتب الشركات ولا يرفعون الشعارات الصارخة ولا يشتبكون مع شرطة مكافحة الشغب.
 ولكن بالرغم من الاختلافات السياسية والايديولوجية الموجودة بين الحركات المناهضة للعولمة الا أن ثمة هدف عام وشامل يجمعها معا" وهو معارضة النمط الحالي للعولمة , مما يسهل التفاهم والتنسيق فيما بينها . أن الملايين من البشر المنضوين تحت لواء النضال من أجل عالم أفضل وأكثر عدالة وإنسانية ينتمون الى جنسيات ومهن وفئات عمرية مختلفة وهم يناضلون معا" يدا" بيد بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية واتجاهاتهم الفكرية والسياسية .
ولعل أهم ما تتصف به الحركات المناهضة للعولمة أن الواحدة منها لا تحاول تعزيز مواقعها على حساب الاخرى أو فرض أرائها عليها فهذه الحركات والمنظمات المختلفة تعمل وتناضل سوية دون أن يكون لها مركز قيادي موحد , بل أن كل واحدة منها تحتفظ بأستقلاليتها وفي هذا يكمن ضعفها وقوتها في أن واحد , ذلك لانه لايمكن القضاء عليها بالاجهاز على مركز قيادتها لعدم وجود مثل هذا المركز أصلا" .
ويبدو أن صفة (( مناهضي العولمة )) قد الصقت بهؤلاء الناس الذين يطالبون بتغيير النظام العالمي الجديد من اجل علاقات أقتصادية أكثر عدالة بين بلدان الشمال والجنوب وهم في الحقيقة ليسوا مناهضين أو خصوم للعولمة ( كما قد يتبادر الى الذهن لأول وهلة) , بل مناضلين من أجل " عولمة " أخرى وعالم بديل . فهم لا يعترضون عموما على التكامل والتبادل الاقتصادي بين بلدان العالم , ولا يريدون وضع حواجز أو عوائق بين هذه البلدان , بل أن جوهر موقفهم يتمثل في المطالبة بتنظيم الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية على نحو يحقق المصالح المشروعة لشعوب العالم بأسره وتغيير " قواعد اللعب " في العلاقات الدولية واستخدام معايير اقتصادية واجتماعية وإنسانية موحدة للجميع دون استثناء . واذا تحققت هذه المطالب أدرك أصحاب رؤوس الآموال إنهم سوف يجابهون بنفس القيود والأجراءات في أي بلد من بلدان العالم فيما يتعلق بالقوى العاملة والأجور والضمان الاجتماعي وحماية البيئة .
ولايوجد بين " مناهضي العولمة" سوى عدد ضئيل من الناشطين الذين يطالبون بحماية المنتجات الوطنية ويدعون الى " السوق الوطنية المغلقة " وغلق الحدود أمام الشركات العابرة للقارات .
أما الآخرون فيطلقون على انفسهم أسماءا" مختلفة " الحركة الجديدة المعادية للرأسمالية " و " حركة عولمة الديمقراطية " و "الحركة المعادية  للشركات العابرة " وغيرها كثير.
و من أبرز شعارات هذه الحركات "أغلقوا الوزارات , افتحوا الحدود " بمعنى أخر تقليص دور البيروقراطيةوتوحيد صفوف الناس العاديين في مختلف البلدان . وبما أن هذه الحركات غير متجانسة سياسيا" وفكريا" ,  لذا ،فأنها تفتقر الى برنامج عمل محدد , فالبعض منها يطالب بالغاء المؤسسات المالية والاقتصادية والسياسية الدولية القائمة الآن مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ،ومنظمة ألأمم المتحدة، بصفتها منظمة تسودها البيروقراطية وتخضع لأرادة القطب الواحد او القوة ألأعظم المهيمنة الأن على النظام العالمى الجديد وكذلك الأحلاف العسكرية مثل حلف الناتو، في حين يعارض البعض الاخر حل منظمة الأمم المتحدة . ولكن الكل مجمع على إنهاء أو تقليص دور الرأسمال الكبير ومراعاة النمو الأقتصادي المتوازن لدول العالم وتقليل التفاوت في مستويات المعيشة بين الشمال والجنوب .
وثمة مطلب آخر عام ومشترك بين هذه الحركات وهو إلغاء الديون المترتبة على عدد من دول الجنوب وأوروبا الشرقية والمقدمة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ,لأن قيام تلك الدول بتنفيذ شروط هاتين المؤسستين الماليتين قد أدى في كثير من الحالات الى تفاقم مشاكلها الداخلية او نشؤ أزمات إقتصادية خانقة .

  3- الأوضاع الراهنة للحركات المناهضة للعولمة
ثمة اعتقاد خاطيء وشائع على نطاق واسع مؤداه إن الحركات المناهضة للعولمة موجودة بالدرجة الاولى في البلدان الغربية أو المتطورة فقط . وربما يرجع السبب في ذلك إلى أن المساهمين أو الناشطين في هذه الحركات من تلك البلدان يتمتعون بالأمكانات المادية التي تتيح لهم السفر( من شتى انحاء أوربا الغربية والولايات المتحدةالأمريكية) الى أي مكان تعقد فيه المؤتمرات والندوات والأجتماعات المكرسة لقضايا الساعة على الساحة الدولية وتنظيم تظاهرات ومسيرات احتجاجية صاخبة ضد السياسات التي تتبعها الدول الصناعية المتقدمة 
وتقوم وسائل الأعلام العالمية بتغطية حية وواسعة النطاق لهذه  الفعاليات وبشكل مكثف أولا" بأول .
بيد أن القاعدة الجماهيرية العريضة لهذه الجبهة موجودة أساسا" في دول العالم الثالث . فعلى سبيل المثال نجد أن حركة ما يسمى ( الطريق الفلاحي ) تضم في صفوفها حوالي ( 50 ) مليون ناشط من دول العالم الثالث وهي التي قادت أنجح الفعاليات المناهضة للعولمة . في حين أن اهم منظمة اوروبية وأكثرها شعبية وهي (  ATTAC) ( اتاك ) وهو اختصار لعبارة فعاليات المواطنين من أجل دعم مشروع ضريبة توبين )) والمقصود هنا الضريبة التي اقترحها عالم الاقتصاد الامريكي توبين – الحائز على جائزة نوبل – البالغة 0.01 % التي تفرض على المعاملات المالية غير القانونية . وحسب تقديرات توبين فأن المبالغ المستحصلة عن هذا الطريق في حالة تنفيذ هذا المقترح كافية لتوفير الغذاء للجياع وحل مشاكل الحوامل الصحية ونفقات التريبة والتعليم في جميع انحاء العالم .
4-أساليب ووسائل النضال
يعتقد المناهضون لنمط العولمة الحا لي , إن الفعاليات الجماهيرية(التظاهرات والمسيرات الحاشدة والمطالبات المستمرة والملحة ) يمكنها إجبارالخصوم على التراجع . ويلجأ المناهضون للعولمة الى تنظيم نظاهرات احتجاجية صاخبة( بمشاركة مئات الألوف من الشبيبة من شتى انحاء العالم)، فى اى مكان يعقد فيه اجتماع القمة لدول الأتحاد الأوروبى او الدول الصناعية المتقدمة.. ويحدث احيانا ان تخرج مطاهرات احتجاجية كبرى فى عدة عواصم فى ان واحد.وقبل حوالى ثلاث سنوات ، خرجت ثلاث تظاهرات كبرى في ثلاثة مواقع متفرقة من العالم : الأولى في نيويورك حيث عقدت الندوة الأقتصادية العالمية . والثانية في ميونيخ التي شهدت انعقاد الكونفرانس الدولي الثامن حول مشاكل السياسات الأمنية والثالثة في بورتو – الفيري ( البرازيل ) حيث عقد المناهضون للعولمة إجتماعا" صاخبا" ضم حوالي ( 60 ) ألف منهم تحت شعار"الندوة الأجتماعية الدولية لمناهضي العولمة " ومما يثير الدهشة حقا" , المستوى التنظيمي الرفيع لمناهضي العولمة : عشرات الالأف من الشباب من شتى بقاع العالم يتحركون نحو نقطة محددة وكأن عصا" سحرية تحركهم وتوجههم , حيث أن تظاهراتهم تتسم بحسن التنسيق والتنظيم  وربما يكمن السر في ذلك ،أن مناهضي العولمة يستخدمون – وياللمفارقة – أحد أهم انجازات العولمة ونعني بذلك الشبكة الدولية للمعلومات ( الأنترنيت ) في إتصالاتهم .
وجدير بالذكر أن مناهضي العولمة يلجئون الى استخدام الأنترنيت ليس لغرض الأتصال  فقط , بل أن ثمة عددلايحصى من خبراء الأنترنيت المتعاطفين معهم الذين يقومون بأختراق مواقع الشبكات العائدة للحكومات والشركات والبنوك وقوى الآمن وينشرون من خلالها شعاراتهم المفضلة ومما يستلفت النظر إن شرطة مكافحة الشغب تواجه أحيانا" صعوبات جمة في السيطرة على التظاهرات الكبرى التى تنظمها المنظمات المناهضة للعولمة والتى ترافقها حوادث شغب, بيد أن مثل هذه الحالات قليلة حيث تتسم معظم هذه التظاهرات بطابع سلمي .
وعلى الرغم من أن هذه المسيرات والتظاهرات تستقطب اهتمام الاعلام العالمي , إلا أنها من الناحية العلمية لم تحقق أي نجاح يذكر الا في تلك الحالات التي فاجئوا بها خصومهم في سياتل على سبيل المثال , حيث كان من المقرر توقيع إتفاقية (( الأستثمار المتعدد الجوانب ))حيث لم يكن أحد يتوقع أن ينزل الى شوارع المدينة هذا العدد الهائل من البشر مما أدى إلى اغلاق الطرق وإيقاف حركة المرور , مما أرغم المشاركين في المؤتمر على مناقشة جوهر الاتفاقية المذكورة وفي نهاية المطاف تم رفض الاتفاقية وعدم توقيعها , فقد ظهرت اعتراضات كثيرة وملاحظات عدد من الدول المشاركة في المؤتمر .و تبين أن الأتفاقية التي كانت معدة للتوقيع تعطي الحرية للشركات المتعددة الجنسيات على تجاوز قوانين الدول الموقعة عليها , كما استطاعت حركة( الفلاحين المعدمين ) من الأستيلاء على الاراضي غير المزروعة وبضمنها العزبة المملوكة لرئيس البرازيل فيرناندو كاردوزو . إن هذه الحركات يمكن أن تحقق نصرا" جزئيا" أحيانا" ولكن أمال أعداء العولمة في تحقيق النصر على الشركات المتعددة الجنسيات مجرد وهم ساذج لن يكتب له النجاح .
5-مصادر تمويل الحركات المناهضة للعولمة
لعل خير مثال على كيفية تمويل هذه الحركات هو الطريقة التي تم بها جمع الاموال اللازمة               للفعاليات الجماهيرية الحاشدة التي جرت في كل من ( سياتل ) و ( جنوا ) فقد قامت منظمة   Direct Action Network ( DAN )   أي (( شبكة العمل المباشر )) ( وهي منظمة جامعية في الولايات المتحدة الامريكية ) بتوجيه نداء عبر البريد الالكتروني لكل مؤيد لفكرة إقامة تلك الفعاليات أو متعاطف مع التوجهات العامة والأهداف المشتركة لمناهضى العولمة لأرسال دولار واحد لتغطية نفقات تنظيم الفعاليات الجماهيرية في المدينتين المشار اليهما فيما تقدم . وقد استجاب لهذا النداء عدد كبير من المتبرعين , بينهم من أرسل دولارا" واحدا" ومنهم من ارسل عشرة دولارات وآخرون خمسمائة دولار أو أكثر . وبهذا الطريقة تم جمع مبلغ من المال يكفي لأستضافة ( 90 ) ألف مشارك في تلك الفعاليات لمدة يومين . وعندما بدأ كل من إتحاد النقابات البرازيلية وكبريات النقابات العالمية والمهنية في جمهورية جنوب إفريقيا بالأسهام في فعاليات الحركات المناهضة للعولمة خصصت مبالغ من ميزانياتها لهذا الغرض . وثمة أحزاب سياسية وحكومات في أنحاء العالم تمول الحركات المعتدلة المناهضة للعولمة من أجل إخضاعها لنفوذها أو سيطرتها وتحجيم العناصر المتطرفة أو الراديكالية .
ويبدو أن الدول المتقدمة تؤيد مؤسسات المجتمع المدني بشتى صورها ومظاهرها وأحيانا نرى مواقف طريفة أو غير منطقية في هذا السياق ففي جمهورية ألمانيا الأتحادية ثمة محطة إذاعة فوضوية التوجهات دأبت على التحريض ضد الدولة الألمانية وعلى نحو صارخ ومستمر , مطالبة بحل وتفكيك هذة الدولة وغلق جميع المحطات النووية في أنحاء البلاد . ولكن هذه الأذاعة بالرغم من توجهاتها المتطرفة والفوضوية تمول من قبل الحكومة الألمانية . ولولا الدعم المالي الخكومى المتواصل الذي تتلقاه المحطة  لما استطاعت الأستمرار في البث . وقد يستغرب القاريء لما ينطوي عليه هذا الأمر من تناقص واضح . ولكن سرعان ما يزول هذا الاستغراب إذا علمنا إن المحطة المذكورة تنتزع المساعدة المالية اللازمة لها للأستمرار في العمل , بوساطة محامين يتولون الدفاع عنها .
وثمة مثال آخر على مدى رسوخ المباديء الأساسية لحقوق الأنسان وحرياته الأساسية في المجتمعات الغربية المتقدمة . حيث أن الأتحاد الأوروبي تمول حركة (ATTAC  ) التي تحدثنا عنها فيما سبق والتي تعارض السياسات الأقتصادية والأجتماعية والثقافية لدول الأتحاد . وهذا برهان عملي على مدى  ايمان الشعوب المتقدمة وحكوماتها بحرية الرأي والتعبير قولا" وفعلا" .
6-كلمة أخيرة
   إن من السابق لأوانه الحكم على الحركات المناهضة للعولمة , حيث لم تحقق لحد الآن الا نجاحات متواضعة هنا وهناك . وثمة بعض الباحثين والمفكرين في الغرب الذين يقارنون بين هذه الحركات وبين اللوديتيين الذين كانوا يقومون بتحطيم الآلات والمكائن التي حلت محل العمل اليدوي في أوائل الثورة الصناعية في أوروبا إيان النهضة وأدت الى حرمان الحرفيين من مصادر رزقهم , بيد أن هذه المقارنة غير صحيحة بطبيعة الحال . لأن مناهضي ( العولمة ) لا يناهضون ( العولمة ) من حيث المبدأ , بل يناضلون من أجل ( عولمة ) أفضل تحقق المساواة بين شعوب المعمورة ولاتؤدي الى ثراء البعض على حساب بؤس وشقاء البعض الأخر ولا تلحق الاضرار ببيئة الحياة ومستقبل البشرية .
وأخيرا" لابد من التنويه هنا بأن ثمة أختلاف جوهري وبون شاسع بين مناهضي ( العولمة ) في الغرب الذين يدركون إن البشرية تشكل كلا" موحدا" رغم الصراعات السياسية والمطامع الأقتصادية والأختلافات الثقافية والتوجهات الفكرية ةالأيديولوجية وان مايجري في أحد أجزائة يهم الجزء الآخر ويعنيه وبين أعداء العولمة في الدول المنغلقة أو المتخلقة الذين يرون في العولمة خطرا" داهما" على مصالحهم ومواقعهم وينطلقون في معاداتهم للعولمة من منطلقات ايديولوجية متزمنة وأفكار سلفية عفا عليها الزمن .
أجل ثمة هوة سحيقة بين من يناضل من أجل مستقبل أفضل وعالم ينعم فيه البشر بثمار التقدم العلمي – التكنولوجي والتطور الحضاري وبينة الحياة النظيفة فى عالم تسوده العدالة والمساواة وبين من لايدرك إن العولمة سمة العصر وأنه يعيش في عالم متحرك دائم التغيير والتطور تسوده علاقات متحركة وأنماط حياة متجددة ومن هنا يمكن القول إن معاداة العولمة في الدول المنغلقة مظهر من مظاهر التخلف الفكري والجمود العقائدي , في حين أن المنظمات والحركات المناهضة للعولمة في الغرب دليل على التجدد والحيوية والايمان بالقيم الأنسانية المشتركة بين البشر جميعا" ونضال من أجل      (عولمة ) حقيقية تحترم هذه القيم وتتجاوز الأفرازات السلبية للتقدم العلمي – التكنولوجي . [/b][/size] [/font]

102
ملحمة قلعة دمدم : حكاية الأمير ذو الكف الذهب والحسناء كولبهار
جودت هوشيار

تعد ملحمة (( الأمير ذو الكف الذهب )) المعروفة بأسم ملحمة ( قلعة دمدم ) من أشهر ملاحم البطولة الكردية على الأطلاق وهي تروي قصة نضال أمير كردي شيد قلعة حصينة بهذا الاسم لحماية نفسه وأبناء عشيرته وإمارته من شرور الأعداء والمعركة الدموية التي دارت بين الأمير وأبناء عشيرته من جهة وبين الشاه عباس الصفوي وجيشه من جهة ثانية حيث دافع حماة القلعة الشجعان عن حياتهم وحريتهم واستقلال إمارتهم الصغيرة حتى آخر رجل ولم يستطع الغزاة من أسر أي مقاتل كردي ولم يجد الشاه و جنوده بعد دخولهم القلعة – عن طريق المكيدة والخيانة – الا الخرائب والأنقاض، حيث فضل الأمير البطل الموت بشرف وكرامة على حياة الذل والمهانة في ظل حكم الشاه . وتشير المصادر التأريخية الى أن هذه المعركة الحاسمة وقعت في عام 1605 م على الأرجح  .
تقع قلعة دمدم في شمال غرب كردستان ايران وعلى حدودها مع تركيا وقد ورد ذكرها في كتاب ( الشرفنامة) لشرفخان البدليسي – الذي دون تأريخ الأمارات الكردية في القرون الوسطى – حيث يقول إن دمدم كانت قلعة لرئيس عشيرة برادوست .
و كانت هذه العشيرة تقطن اورمية و ته رغة و مه رغة وبعض المناطق الأخرى . ويبدو من هذا النص إن قلعة دمدم كانت قائمة في عام 1596 حين انتهى البدليسي من تدوين كتابه الشهير وأغلب الظن أن معركة قلعة دمدم وقعت بعد سنوات من بناء القلعة حسب بعض المصادر أو إعادة بنائها حسب مصادر أخرى , وثمة مصادر تأريخية عديدة تطرقت الى قلعة دمدم ومعركتها البطولية الدامية ولعل أهم هذه المصادر هي كتاب (( تاريخ آراي عباسي )) للمنشيء مؤرخ الشاه عباس الصفوي وكتاب (( الكرد )) للمستشرق فلاديمير مينورسكي وكتاب (( الكرد )) للمستشرق فاسيلي نيكيتين وكتب تأريخية عديدة أخرى .
 إن معركة قلعة دمدم ليست من نسج الخيال وانما تستند الى وقائع حقيقية هزت مشاعر ووجدان الأدباء والشعراء الكرد على مر الأجيال المتعاقبة فنظموا فيها القصص والملاحم الشعرية وكتبوا القصص النثرية التي تمجد ابطال المعركة كما ذاعت بين ابناء الشعب الكردى فحاكوا حولها الروايات الفولكلورية ويلاحظ وجود شىء من الأختلاف فى هذه النتاجات الأدبية من حيث وسائل التعبير وأساليب الصياغة والمعالجة الفنية و ذلك أمر طبيعي لأختلاف الرؤى والأساليب و الميول لدى هؤلاء الأدباء و الشعراء.
كما ان الروايات الشفاهية التي أبدعها الشعب وانتقلت شفاها" من جيل الى جيل خضعت للتغير ايضا بأختلاف الرواة  وقدرتهم على التعبير ونظرتهم الى الحياة وقيمها  و الظروف السائدة. ومهما اختلفت هذه الروايات الا أن الرواة الموهوبين حافظوا على ما هو جوهري في مضمون ملحمة قلعة دمدم والتى تعكس مدى اصرار الكرد على مر العصور للذود عن حريتهم ومقاومة الغزاة مهما كلف ذلك من تضحيات.
و لدينا اليوم روايات فولكلورية عديدة لهذه الملحمة سجلها الباحثون و الكتاب الكرد انفسهم كما ان لدينا ايضا عدة معالجات ادبية عن هذه المعركة شعرا" ونثرا"وكان المستشرق الروسي الكسندر زابا سباقا" الي تسجيلها حيث نشر اول ملحمة شعرية عن هذه القلعة الصامدة في عام 1860 في بطرسبورغ .
كما توجد ضمن مخطوطاته التي تركها بعد وفاته عدة ملاحم شعرية اخرى حول دمدم تتشابه في مضامينها وان اختلفت عناوينها ومعظم هذه الملاحم منسوبة الى الشاعر الكردي الكلاسيكي فقي طيران ولكن المستشرقة الرائدة مرجريت رودينكو تقول : ( ان فقي طيران لايمكن ان يكون مؤلف هذه الملاحم لسبب بسيط هو انه عاش في القرن الرابع عشر في حين ان معركة قلعة دمدم وقعت في اوائل القرن السابع عشر ) كما قام العديد من المستشرقين الآخرين بتسجيل ونشر ملاحم شعرية حول قلعة دمدم تعود الى الشعراء الكرد الكلاسيكيين .
وفي الادب الكردي الحديث اصبحت معركة قلعة دمدم معينا لا ينضب للعديد من الملاحم الشعرية والقصص والروايات , لعل اشهرها الملحمة الشعرية التي نشرها الكاتب والشاعر الكردي الشهيرجاسم جليل في كتابه " أغاني الجبال " الصادر في يريفان عام 1970 ورواية رائد الرواية الكردية الحديثة عرب شمو وهي بعنوان " دمدم " وصدرت في يريفان عام 1966  وثمة بحوث ودراسات عديدة حول هذه الملحمة من أهمها وابرزها وأقدمها البحث الذي قدمه الدكتور اورديخان جليل الى جامعة لينينغراد (بطرسبورغ حاليا) لنيل شهادة الدكتوراه عام 1960 ودافع عن رسالته في العام نفسه بنجاح  ثم اعاد نشر الرسالة على شكل كتاب صدر في موسكو باللغة الروسية في عام 1967 تحت عنوان " الخان ذو الكف الذهب الكردي " ( دمدم ) .
وعلى هذا النحو نرى ان هذه الملحمة البطولية قد نالت اكبر قدر من العناية والاهتمام بين ملاحم البطولة الكردية لانها تجسيد رائع لطموحات الشعب الكردي ونضاله الطويل من اجل نيل حقوقه القومية المغتصبة وانشداده الى الحرية والعدالة والكرامة  كما ان الملحمة طافحة بأنبل المعاني والقيم الانسانية واستعداد لا حد له للتضحية والفداء من اجل المباديء السامية .
 و تبدأ  الملحمة ( فى معظم الروايات الأدبية منها و الشعبية) بلجؤ امير(خان) كردى الى كردستان ايران هربا" من ظلم السلطان العثماني وخيل اليه انه بذلك قد تحرر من ظلم السلطان الى الابد ولكنه كان واهما" ، فالشاه الصفوى لم يكن افضل من السلطان العثمانى.
وتختلف الروايات حول ظروف اللقاء بين الأمير الكردى والشاه عباس الصفوي , وتقول بعض الروايات ان الشاه قد تنكر في زي تاجر ومر على خيمة الامير الكردي قرب أورمية وان كف الامير قد احترق وهو يناول جمرة نار ليشعل بها الشاه غليونه فكافأه الشاه بكيس من الذهب وضعه في كف الامير وتشير روايات أخرى أنه قد ذهب الى بلاط الشاه من تلقاء نفسه وانه عمل سائسا" لخيول الشاه وذات مرة هاجمته زمرة من قطاع الطرق فدافع عن نفسه دفاع الابطال واستطاع انقاذ الخيول وقتل معظم افراد الزمرة وولى الباقون الأدبار ولكن الامير فقد أحدى يديه في المعركة فأمر الشاه بصب يد من الذهب له ثم طلب من الشاه ان يمنحه قطعة ارض يبني عليها دورا لنفسه ولابناء عشيرته  فأستجاب الشاه لطلبه ولكن الامير شيد بدلا" من ذلك قلعة حصينة تضم دورا" لنفسه واتباعه وأنه خطط لهذه القلعة بعناية فائقة حيث كانت أسوار القلعة متينة ولها ابواب حديدية منيعة لاتؤثر فيها حتى المدافع الثقيلة .
وكان داخل القلعة سراديب وانفاق سرية واحواض لمياه الشرب وخزانات للمواد الغذائية والاهم من ذلك كانت القلعة تزود بالمياه من نبع سري وتجري مياهه في جدول مغطى بالصخور ولم يكن يعلم بهذا السر سوى عدد محدود من حاشية الامير ومن بينهم احد العمال الذين شقوا الجدول وساهموا في بناء القلعة وهو محمود المركاني , وكان مجتمع القلعة المتماسك والملتف حول الامير ينعم بالحرية والرخاء بفضل حكمة الامير واجراءاته المدروسة ومهارته في ادارة شؤون أمارته الصغيرة وكان زعيم (خان) منطقة ( مه ركة ) وهي منطقة قريبة من القلعة يخشى سلطة الامير الكردي القوية وصيته ومناعة قلعته .
وحين تزوج الامير الكردي من اجمل فتاة في خانية ( مه ركة) استشاط الخان غضبا" لانه أراد الفتاة لنفسه وليس لغريمه  فأخذ الخان يحيك الدسائس والمكائد ضد الامير الكردي ويؤلب الشاه ضده , وقال الخان للشاه : ان الامير الكردي قد شيد قلعة عظيمة ومنيعة واعلن الاستقلال ولا يعترف بسلطة الشاه فجن جنون الشاه وأمر بهدم القلعة على رؤوس سكانها, وأرسل جيشا" جرارا" لهذا الغرض بقيادة زعيم ( خان ) مه ركه ولكن محاولات جيش الشاه باء ت بالفشل الذريع حيث لم تكن لأ سلحة الجيش الفارسي وبضمنها المدافع تأثير على القلعة فقرر الشاه قيادة الهجوم على القلعة بنفسه وحاصر القلعة لعدة اشهر ولكن حظه لم يكن افضل من حظوظ قواده  واستمر حصار القلعة طويلا" لكن الحياة في القلعة كانت منظمة والروح المعنوية لسكانها عالية .
كانت كولبهار قد انجبت للأمير ولدين وكان محمود المركاني يعمل سائسا" لخيول الامير لينعم برؤية الحسناء كولبهار فقد كان السائس مغرما" بها من بعيد ويطيل التفكير فيها دون جدوى وطرأت في ذهنه فكرة جهنمية وهي أفشاء سر الجدول الذي يزود القلعة بالمياه الى الشاه أذ ربما يجازيه الشاه فيهبه كولبهار, وتمكن محمود المركاني بطريقة خادعة من اللجوء الى الشاه و افشاء سر الجدول  وجاء الشاه وجلس قرب النبع مسرورا" ونهل من مائه بكأس من الذهب وشربه ثم نادى ذلك الخائن وسأله :
-         ما الذي دفعك الى الخيانة ؟
-         أريد ان اخدم شاهي وان احقق حلمي في الزواج من كولبهار.
رمقه الشاه بنظرة ازدراء وأمر بقتله سحلا" وذلك بربطه بذيل حصيان جامح كما أمر بذبح قطيع من الماشية واراقة دمائها في الجدول لتخذ طريقها الى القلعة و  اضطرب سكان القلعة حين شاهدوا الدم يجري في الجدول عوضا عن الماء ولكن الامير الكردي طمأنهم بأن الاحواض والجرار مليئة بالماء وان موسم الامطار قريب حيث تمتلأ الاحواض بالمياه من جديد لحين وصول النجدات اليهم من أشقائهم الكرد في الامارات الكردية الاخرى ولكن طال أمد الحصار ولم تصل النجدات وأخذ الماء يشح وقال والد الامير وهو يخاطب رجال القرية :
-         خير لنا ان نموت في ساحة الوغي من ان يحتل العدو القلعة ويجدنا نحتضر عطشا" علينا ان ندافع عن شرفنا وكرامتنا قبل ان ينتهكها ازلام الشاه !
فهب شباب القلعة وتسلحوا بشتى انواع الاسلحة وبعد ان تفقد الأمير تحصينات القلعة و جاهزية جنوده ذهب ليودع زوجته و ثمة فى بعض الروايات حوار وداعى مؤثر جرى بين الأمير و زوجته الحبيبة. قال الأمير:
  --جميلتى ، لقد ولدت لتعيش حرة فوق الجبال الشم وولدت ولدين كل منهما كالليث الهصور،جدى من اجل تربيتهما تجد فيهما سعادتك،وحين تكون القضية قضية شرف فأننى اعرف ماذا ستفعلين.لا تنسى هذا اليوم.
نزلت دمعتان من ما قي كولبها ر وبرقتا كالبرق وانسابتا على خديها الأسيلين وقالت:

--اذهب يا ليثى الهصور وأنت مفعم بالحب ولن يغلب رجل الحب و التضحية ولتكن كولبهار فداء لك.سأربى أولادك وأرضعهم لبانة الرجولة و الشجاعة.استودعك الله.واقسم بسيفك أن أذيع جدارتك و شهرتك واضحي بحياتي من أجلك. ثم أمر الأمير بإخراج النساء و الأطفال و الشيوخ من القلعة عن طريق نفق سرى يؤدى إلى الجبال القريبة.

كان الغروب قد لون قمم الجبال لتوها بالصفرة الذهبية حين فتحت بوابات القلعة و تدفقت سيول الرجال  هادرة و بوغت العدو ونشبت معركة دموية ضارية استبسل خلالها المقاتلون الكرد ولكن ميزان القوى لم يكن متكافئا فقد حشد الشاه جيشا جرارا يبلغ تعداده اضعافا مضاعفة لعدد المقاتلين الكرد الذين كانوا يحاربون كالأسود تحت قيادة أميرهم البطل وبعد أن استشهد معظمهم , لجأ من بقي منهم على قيد الحياة إلى الجبال ولم يتمكن العدو من أسر أي مقاتل كردي.
وحين دخل جيش العدو إلى القلعة لم يجد سوى الخرائب والأنقاض , فقد فجر الكرد قلعتهم قبل أن يغادروها حيث كان الأمير الكردي قد خطط لكل شيء مسبقا, وحدد طريقة تفجير القلعة عند الضرورة وغدت شجاعة أبطال قلعة دمدم أسطورة تتناقلها الأجيال الكردية المتعاقبة وهي صفحة مشرقة و مشرفة من تأريخ الكرد ونضائلهم وتضحياتهم السخية من اجل الحياة الحرة والكرامة الإنسانية. [/b] [/size][/font]

103
التسلح النووي الأيرانى- تهديد مباشر لأمن العراق 
 
                         
جودت هوشيار

1-مقدمة
في الوقت الذي يعبر فيه المجتمع الدولي عن قلقه البالغ  لسعى إيران الحثيث لامتلاك السلاح النووي ويعتبر هذا السعي تهديدا لأمن واستقرار المنطقة والعالم،ورغم أن الخطر النووي الأيرانى يمس العراق في الصميم،ويشكل خطرا  كبيرا ومباشرا على أمنه و سلامته ، أكثر من اى دولة أخرى  في المنطقة، إلا أن المسؤولين العراقيين الجدد لزموا الصمت المطبق حول هذا الموضوع ولم يصدر عنهم اى رد فعل ،حتى حول التقارير التي تحدثت عن امتلاك إيران فعلا للرؤوس النووية والصواريخ الحاملة لها، وإنشاء مخابئ للأسلحة النووية الإيرانية على مقربة من الحدود العراقية وكأن ألأمر لا يعنى العراق على ألإطلاق ولا علاقة له بما يحدث على حدوده الشرقية  وليس هذا التجاهل، نتيجة لسذاجة سياسية،بل أن المصالح الحزبية والطائفية الضيقة  لأحزاب الإسلام السياسي الموالية لإيران،  هي فوق كل اعتبار لديها و أهم من امن العراق وسلامة أراضيه ومستقبل شعبه.
ولا شك أن امتلاك إيران للسلاح النووي ، إخلال خطير للتوازن العسكري القائم في المنطقة و بين العراق وإيران على وجه الخصوص ،في وقت يمر فيه العراق بأدق مرحلة في تأريخه المعاصر ويفتقر إلى ابسط مقومات حماية  أمنه واستقلاله،و يتعرض إلى غزو ارهابى حقيقي من دول الجوار يستهدف عرقلة العملية السياسية الجارية فيه عن طريق إشاعة الرعب والفوضى في البلاد و زرع الفتنة الطائفية ومحاولة إشعال فتيل الحرب الأهلية.
ويمكن للمرء أن يتصور مدى الخطر المحدق بالعراق في حالة نشوب نزاع مسلح بين إيران وبين الولايات المتحدة ألأميركية أو إسرائيل، أو اى نزاع بين العراق وإيران.سواء أكان هذا               النزاع حدوديا أو ناجما عن التدخل الأيرانى السافر في الشؤون الداخلية للعراق.
( 2 )البرنامج النووي العسكري الأيرانى
منذ نهاية حرب الخليج الثانية تسارعت وتيرة تطوير البرنامج النووي العسكري الأيرانى،حيث استغلت ايران انشغال الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي بمناورات صدام للتحايل على قرارات مجلس الأمن وعرقلة إعمال لجان التفتيش ،ويبدو أن حكام ايران  قد استوعبوا جيدا أساليب صدام في الخداع والتسويف والمماطلة و قد استخدموها بنجاح في السنوات القليلة الماضية ويستخدمونها اليوم في الهاء المجتمع الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية للتنصل من الالتزامات المترتبة على ايران بموجب ( اتفاقية منع الانتشار النووي )و (البروتوكول الأضافى لاتفاقية الضمانات ) ،حيث يلجأ هؤلاء الحكام إلى المهادنة  أحيانا والى التشدد  أحيانا أخرى،وفق التحولات الإقليمية والدولية من اجل كسب الوقت وليتسنى لإيران تصنيع السلاح النووي وتجربته وتكوين رصيد ستراتيجى منه , وقد لوحظ فئ الأشهر الأخيرة تصلب الموقف الأيرانى  حيال مطالبات الوكالة المتكررة، بضرورة  التزام إيران ( بالبروتوكول ألأضافى) ،حيث رفض البرلمان الأيرانى التصديق على هذا البروتوكول في سبتمبر الماضي، ولجأ المسؤولون الإيرانيون إلى استخدام لغة التهديد والوعيد و قالوا إن إيران سترد بقوة على اى ضربة محتملة توجه إلى منشاتها النووية من قبل  الولايات المتحدة الأميركية أو إسرائيل،  وبلغ التحدي الأيرانى للمجتمع الدولي ذروته في إعلان الرئيس الأيرانى مؤخرا بضرورة إزالة إسرائيل من الوجود ، مما أثار تساؤلات مشروعة عن الهدف الحقيقي للتسلح  النووي الأيرانى.
 ومن الواضح تماما أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين لم تأت من فراغ وليست مجرد كلمات جوفاء، بل تستند إلى  انجازات تكنولوجية  مهمة في التصنيع العسكري.
 و تركيز القيادة الإيرانية المتشددة على إنتاج الأسلحة الستراتيجية ، هو في الحقيقة محاولة لإنقاذ النظام المتداعي من الانهيار، حيث أن القلق يساور قادة النظام الثيوقراطى الحالي من اتساع الرفض الشعبي لسياساتها وشعاراتها الجوفاء وأيديولوجيتها الجامدة والمتخلفة التي دب فيها الانحلال  التدريجي بمرور الزمن على مدىاكثر من ( 26 )عاما و لم تعد تلقى القبول لدى الأغلبية الساحقة من الشعب الأيرانى.
وتدرك القيادة الإيرانية الحالية جيدا-- شأنها في ذلك ، شأن اى نظام دكتاتوري آخر -- أنها بحاجة إلى عدو اجتبى كي تستمر في الحكم وان المخرج الوحيد من أزمتها الراهنة، هو  حشد التأييد الشعبي ضد هذا العدو الخارجي ، ولكن ثمة في دهاليز السياسة الإيرانية أقلية من البرغماتيين بزعامة رفسنجانى، كانت حتى إلى وقت قريب ترى أن الحرب مجازفة خطيرة للغاية، بيد أن انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وقطاع غزة و الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة الأميركية في العراق والخلافات بين أميركا وحلفائها حول ألأزمة العراقية،والموقف المرن لدول أوروبا الغربية من الملف النووي الأيرانى ،كل هذه العوامل، أدت إلى تقوية موقف  القيادة الإيرانية المتشددة، لذا فأنها لا تشعر بالخطر من أية ضربة أميركية أو إسرائيلية محتملة ، بل على النقيض من ذلك ، تسعى هذه القيادة إلى المجابهة عن طريق  التسخين المستمر للأزمة الحالية ‘ سواء برفضها إخضاع منشاتها النووية للتفتيش أو التحرش بالقوات الأميركية و ألانجليزية في العراق، الذي لا يستهدف الضغط على الولايات المتحدة الأميركية لتليين موقف الأخيرة من الملف النووي الأيرانى فقط ، كما يظن البعض ، بل إجبارها على الانسحاب من العراق وإقامة حكومة دينية تدور في الفلك الأيرانى.ومن اجل تحقيق هذا الهدف ، لا ترى القيادة الإيرانية الحالية مانعا من تجهيز التكفيريين الوهابيين أيضا بالسلاح وتقديم الدعم اللوجستى لهم أسوة بما تقدمه للأحزاب الطائفية الموالية لها في العراق.ويبدو أن حكام ايران سائرون على خطى صدام في محاولة الهيمنة على المنطقة وافتعال المشاكل والأزمات والنزاعات المسلحة، التي سيكون الشعب الأيرانى الخاسر الأكبر فيها.

(3) مخاطر السياسة الذيلية للأحزاب الطائفية
 إن قادة الأحزاب الدينية الذين عاشوا سنوات طويلة في إيران وتشبعوا بالأيديولوجيا  الطائفية  وشكلوا ميليشيات تدربت على ايدى الحرس الثوري الأيرانى ولهم علاقات وثيقة بإيران وما زالوا يتلقون  منها الدعم المالي والتسليحى، هم اليوم عقبة كبيرة إمام إقامة نظام ديمقراطي في عراق قوى حر ومزدهر.،يضمن العيش الكريم لأبنائه   ذلك لأن ألإرهاب المتسلل من حدود العراق الشرقية لا يقل خطرا عن الإرهاب الوافد من حدوده الغربية ، حيث تتستر الأحزاب الطائفية الموالية لإيران على هذا التسلل و تتعاون مع الطابور الأيرانى الخامس الذي  يرصد كل كبيرة وصغيرة على الساحة العراقية ، وقد وصل الأمر إلى حد قيام بعض المسؤولين العراقيين بتسريب الأسرار العسكرية والسياسية التي تخص امن العراق إلى القيادة الإيرانية.
ويقول دبلوماسي غربي” يجب أن تعلم إن اى شيء تقوله أو تشاركه مع الحكومة العراقية يصل في نهاية المطاف إلى طهران وان أكثر الأمور إزعاجا هو التأثير المتصاعد لإيران، لدرجة أن رئيس الوزراء ، يريد أن يكون لديه إيرانيون معترف بهم كمجموعة أقلية في الدستور العراقي المقترح."
ويخطأ من يظن أن الأطماع الإيرانية في العراق وليدة اليوم ، بل أنها تعود إلى مئات السنين والغزوات الإيرانية للعراق عبر التأريخ -- بصرف النظر عن طبيعة الأنظمة التي حكمت إيران  في العهود المختلفة – عديدة ومعروفة  وشهية إيران مفتوحة اليوم  أكثر من اى وقت مضى لابتلاع العراق و الهيمنة عليه ، تأمينا لمصالحها الإستراتيجية ، التي تتقاطع تماما مع المصالح العراقية العليا.
وإذا كانت محافظة ألأنبار قد سقطت أمام الغزو السوري، فأن محافظة البصرة قد سقطت إمام الغزو الأيرانى ، و سوف تؤدى السياسة  الذيلية للحكومة الحالية إزاء الأطماع ألإيرانية  - في حالة استمرارها - إلى سقوط المحافظات الجنوبية ، الواحدة تلو ألأخرى في حضن ايران، وليس ثمة ما يحول دون ذلك، ما دامت (1200)كيلو متر من الحدود المشتركة مع ايران مفتوحة أمام عملاء المخابرات الإيرانية والحرس الثوري الأيرانى، ولا يخطر ببال اى مسؤول عراقي، أن يتساءل بينه وبين  نفسه ، لماذا تتسلح ايران بالسلاح النووي وضد من سوف يستخدم هذا السلاح الفتاك؟إذا لم يكن لتهديد العراق ودول الخليج  من اجل فرض الهيمنة الإيرانية على المنطقة . [/b][/size][/font]

صفحات: [1]