عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - مهدي كاكه يي

صفحات: [1]
1
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (21) – أسلاف الكورد: الميديون

الميديون قبل تأسيس دولتهم

د. مهدي كاكه يي


قبل تأسيس المملكة الميدية، كانت القبائل الميدية تعيش في شرق كوردستان الحالية. هناك معلومات تشير الى أن الميديين كانوا يُشكّلون أغلبية سكانية في هذه المنطقة في بداية النصف الأول من القرن الثامن قبل الميلادa. في هذا الوقت كانت القبائل الميدية تُشكّل غالبية سكان المنطقة التي أصبحت فيما بعد مملكة ميديا وكذلك أصبحت تُشكّل غالبية سكان الأراضي الواقعة في غرب المنطقة الميديةa. من خلال دراسة المصادر النصوصية للمنطقة يتبين أنه خلال الفترة الآشورية الحديثة (911 – 612 قبل الميلاد)، كانت أغلبية سكان مناطق ميديا والمناطق الممتدة الى الغرب وشمال الغرب، تتكلم اللغة الميديةb.

قبل قيام المملكة الميدية، كانت هناك ممالك قوية في المنطقة، حيث كانت هناك ممالك (إيلام) و(مانيا) و(آشور) و(أورارتو) التي كانت في شرق كوردستان الحالية و في المناطق الواقعة الى غرب هذه المنطقةa. هناك آراء عديدة حول مواقع وأنشطة القبائل الميدية في هذه الممالك قبل تشكيل دولة ميديا في أواخر القرن السابع قبل الميلادa. في دراسة أجراها (دانداماييڤ (Dandamaev  و باحثون آخرون معه، يذكر هؤلاء الباحثون بأن الباحث (هرتسفلد) ومجموعته البحثية يقولون بأن الطبقة الميدية الحاكمة كانت "قبائل مهاجرة"، إلا أن سكان المنطقة كانوا من السكان الأصليين، بينما يقول (Grantovsky) ومجموعته البحثية بأن سكان ميديا وكذلك حُكّامها كانوا السكان الأصليين للمنطقةc. خلال فترة الإمبراطورية الآشورية الحديثة (911-612 قبل الميلاد)، كان الميديون والفرس وسكان شرقي كوردستان الحالية خاضعين للآشوريين. تغيّر هذا الوضع في عهد الملك الميدي (كَيخاسرَو) الذي بتحالفه مع الملك البابلي (نبوبلاسر) و السكيثيين، هاجم ودمّر الإمبراطورية الآشورية بين عامَي 616 و 605 قبل الميلادd.

تبعاً لِرواية هيرودوت، كانت هناك 6 قبائل ميديةe. كانت هذه القبائل هي: قبائل (بوساي Busae) و (پاريتاسيني Paraetaceni) و (ستروخات Stru¬khat) و (أريزانتي Arizanti) و (بودي Budii) و (ماگي Magi). عاشت هذه  القبائل الست في مناطق ميدية واقعة في المثلث المحصور بين مدن (أكباتا) و(رَي) و(أسپادانا)f في وسط إيران الحاليةg وهي المنطقة الواقعة بين طهران وأصفهان وهمدان. إستقرت قبيلة (ماگي) في مدينة (رَي)h التي هي مدينة طهران الحاليةi. قبيلة (ماگي) كانت طبقة دينية مكرسة لعبادة الآلهة والتي كانت مؤلفة من الكهنة الذين كانوا يُلبّون الإحتياجات الدينية للميديينj. أقامت قبيلة (پاريتاسيني) في مدينة (أسپادانا) وفي محيطها والتي هي مدينة أصفهان الحاليةk, l. عاشت قبيلة (أريزانتي) الميدية في مدينة كاشان وحولهاm، بينما أقامت قبيلة (بوساي) في مدينة (أكباتانا "همدان الحالية") وفي محيطها، والتي أصبحت فيما بعد عاصمة للإمبراطورية الميديةm. عاشت قبيلة (ستروخات) و (بودي) في القرى الواقعة في المثلث الميديo.

في البداية كانت تعيش هذه القبائل منعزلةً عن بعضها ثم أسست الأُسَر الميدية حكومات محلية لإمارات صغيرة مستقلة لها، وكان قسم من هذه الإمارات تابع للسلطة الآشورية، والقسم الآخر كان إمارات مستقلة نوعاً ما وذلك خلال السنوات (1274 - 745 قبل الميلاد). هكذا فأنه في هذه المرحلة المبكرة، كان الميديون يعيشون في مناطق ومدن عديدة على شكل إمارات محلية صغيرة. يذكر هيرودت بأن الميديين كانوا أول مَن تمردوا على المملكة الأشورية، حيث كانوا يناضلون بكل إصرار من أجل تحرير أنفسهم وبلادهم من حُكم آشور. e

يسرد تقرير عسكري آشوري يعود لِسنة 800 قبل الميلاد، قائمةً تحتوي على أسماء 28  رئيس ميدي. تقرير آشوري آخر يعود لحوالي سنة 700 قبل الميلاد يذكر أسماء 26 رئيس ميدي. (Will Durant وAriel)  يقولان بأن الميديين كان  لهم 27 ملكاً يحكمون 27 مملكة والتي كان يُطلَق على سكانها إسم (أماداي Amadai) و (ماداي Madai) و (ميد Medes)p.

تم وصف منطقة (ميديا) من قِبل الآشوريين إبتداءً من نهاية القرن التاسع قبل الميلاد حتى بداية القرن السابع قبل الميلاد. الحدود الجنوبية لِميديا في تلك الفترة، كانت تُسمى المنطقة الإيلامية (سيماشكي Simaški ) والتي هي لورستان الحالية. كانت تحد ميديا من الغرب ومن الشمال الغربي جبال زاگروس ومن الشرق (دَشتي كاڤير Dasht-e Kavir). إمتدت منطقة ميديا على طول طريق خراسان العظيم من شرق (هرهر Harhar) الى (الوند Alwand)، وربما الى ما بعدها. كانت ميديا محصورة بين دولة (مانيا Mannea) من الشمال و(Ellipi) من الجنوبq. قد يكون موقع (هرهر Harhar) واقع في وسط أو شرق (ماهيدَشت Mahidasht) الواقعة في محافظة كرمنشاهr. تذكر المصادر الآشورية بأن بلاد (پاتوشَرّا Patušarra) كانت تقع في شرق وشمال شرقي بلاد ميديا. كانت بلاد (پاتوشَرّا) تقع بالقرب من سلسلة الجبال التي كان الآشوريون يسمونها (بيكني Bikni) ووصفوها بِ(جبل اللازَوَرد Lapis Lazuli Mountain) (اللازَوَرد هو حجر سماوي الزرقة). هناك آراء مختلفة حول موقع هذا الجبل. قد يكون موقع هذا الجبل في منطقة (دَماوند "طهران") أو منطقة (الوند "همدان"). هذا الموقع هو أقصى منطقة شرقية نائية التي عرفها الآشوريون أو وصلوا إليها خلال توسّعهم حتى بداية القرن السابع قبل الميلادs.

تم ذكر الميديين لأول مرة في عام 836 قبل الميلاد، حيث تذكر السجلات الآشورية بأن الملك الآشوري (شلمنصر الثالث) كان يتلقى إتاوة من الميديين خلال حروبه ضد القبائل الزاگروسية في محاولة منه لِقمع ثورات وإنتفاضات هذه القبائل. كما أن الملوك الآشوريين الذين حكموا بعد (شلمنصر الثالث)، قاموا بحملات عسكرية كثيرة ضد الميديين. كان الميديون في حروب مستمرة مع الإمبراطورية الآشورية، حيث كانت هـذه الإمبراطـورية في ذلك الوقت أقوى قوة في منطقة الشرق الأوسط وغربي آسيا التي تشمل كلاً من كوردستان والعراق وإيران وسوريا وتركيا وأذربيجان وأرمينيا الحالية. الإمارات الميدية التي كانت خاضعة للإمبراطورية الميدية، كانت تناضل من أجل تحرير نفسها من السيطرة الآشورية، حيث كانت تقوم بالإنتفاضات والثورات المستمرة ضد الحكم الآشوري. كانت المملكة الآشورية تقوم بِحمـلات عسكرية متواصلة على هذه الإمارات الميدية الثائرة لقمع إنتفاضاتها وثوراتها، حيث كانت تقوم بِقتل الميديين الثائرين وتدمير قراهم وبلداتهم ومدنهم، وتهجير سكان هذه الإمارات.

الملك الاشوري (تجلاتبليزر الثالث) جلب 85000 أسيراً ميدياً وأسكنهم في منطقة ديالى الواقعة في وسط العراق الحالي التي كانت تُشكّل المناطق الحدودية الجنوبية لبلاد آشور1، كما أنه إحتل عدداً كبيراً من المدن الميدية، مثل مدن ( شيركاري (Shirkari وأرض )نيشاي Naesian) التي هي المنطقة الواقعة في جنوب همدان وتشتهر بتربية قطعان الخيولt. يبدو أن هذا العدد الكبيرمن المدن التي إستولى عليها الملك الآشوري (تجلاتبليزر) قد شمل القرى والمستوطنات الزراعية الصغيرة بالإضافة الى المدن، حيث أن الآشوريين كانت لهم تسمية واحدة للقرية والمدينة والمقاطعة وضاحية المدينة وهي (أورو uru)u.

المصادر

1. طه باقر وآخرون (1980). تاريخ ايران القديم. بغداد، صفحة 38.

المراجع
 
a. Dandamaev, M. A.; Lukonin, V. G.; Kohl, Philip L.; Dadson, D. J. (2004), The Culture and Social Institutions of Ancient Iran, Cambridge, England: Cambridge University Press, p. 480, ISBN 978-0-521-61191-6, pages 2-3.
   
b. Zadok, Ran (2002), "The Ethno-Linguistic Character of Northwestern Iran and Kurdistan in the Neo-Assyrian Period", Iran 40: 89–151, doi:10.2307/4300620, ISSN 0578-6967, JSTOR 4300620, page 140.

c. Dandamaev, M. A.; Lukonin, V. G.; Kohl, Philip L.; Dadson, D. J. (2004), The Culture and Social Institutions of Ancient Iran, Cambridge, England: Cambridge University Press, p. 480, ISBN 978-0-521-61191-6, page 3.

d. Oppenheim,  A. Leo. Ancient Mesopotamia: portrait of a dead civilization. Chicago: University of Chicago Press. 1964. (reprint ISBN 0-226-63186-9).

e. Herodotus, with an English translation by A. D. Godley. Cambridge. Harvard University Press. 1920, 1.101.1.

f. Kuz'mina, Elena E. (2007), The origin of the Indo-Iranians, J. P. Mallory (ed.), BRILL, p. 303, ISBN 978-90-04-16054-5).

g. Oden, Scott (2006). Man of Bronze. Medallion Press, Inc., page 79.

h. Boyce, Mary (1982). A History of Zoroastrianism: Volume II: Under the Achaemenians. LEIDEN/KÖLN, E. J. BRILL, page 9.

i. Zumerchik, John and Danver, Steven Laurence (2010). Seas and Waterways of the World: An Encyclopedia of History, Uses and Issues. Volum 1, ABC-CLIO,LLC., PAGE 85.

j. Sabourin, Leopold (1973). Priesthood – Acomarative Study. Page 28.

k. De Bode, C. A. (Baron) (1845). Travels in Luristan and Arabistan, Volum 2, page 312.
 
l. Christensen, Peter (1993). The Decline of Iranshahr: Irrigation and Environments in the History of the Middle East 500 B.C. to A.D. 1500. AiO tryck, Museum Tusculanum press, University of Copenhagen, Denmark, page 131.

m. Levine, Louis D. (1973-01-01), "Geographical Studies in the Neo-Assyrian Zagros: I", Iran 11: 1–27, doi:10.2307/4300482, ISSN 0578-6967, JSTOR 4300482.

o. Thomson, James Oliver (1947). History of Ancient Geography - Biblo and Tannen. Birmingham University, Britain, page 292.

p. Durant, Will and Ariel (1935).  THE STORY OF CIVILIZATION. Page 385. 

q. Levine, Louis D. (1973-01-01), "Geographical Studies in the Neo-Assyrian Zagros: I", Iran 11: 119, doi:10.2307/4300482, ISSN 0578-6967, JSTOR 4300482.

r. Levine, Louis D. (1973-01-01), "Geographical Studies in the Neo-Assyrian Zagros: I", Iran 11: 117, doi:10.2307/4300482, ISSN 0578-6967, JSTOR 4300482.

s. Levine, Louis D. (1973-01-01), "Geographical Studies in the Neo-Assyrian Zagros: I", Iran 11: 118–119, doi:10.2307/4300482, ISSN 0578-6967, JSTOR 4300482.

t. D.D. Lucenbi. op.cit. p.85.

u. Halloran, Joan. a : Sumerian lexicon. Letter (u). www.sumerian.org.

  خارطة تُبين التغيّرات الحاصلة في حدود ميديا منذ نشأتها الى أن أصبحت إمبراطورية عظيمة.



رجلان ميديان




رَجلان ميديان يلبسان قُبّعات ورجلان فارسيان يلبسان عمّامات.

2
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (20) – أسلاف الكورد: الميديون

آثار الحضارة الميدية

د. مهدي كاكه يي


قبل التحدّث عن مواقع الآثار الميدية و الآثار الميدية المكتشفة، من المفيد توضيح أسباب قلة المعلومات المتوفرة عن الإمبراطورية الميدية. إن كوردستان هي مهد الحضارات البشرية ولذلك فأنها تزخر بِمعالم آثارية كثيرة، إلا أنه نتيجة إفتقار الشعب الكوردي لِكيان سياسي بسبب إحتلال وطنه، كوردستان، فأن التاريخ الكوردي قد تعرض للإلغاء والتعتيم والسرقة والتزييف والتحوير من قِبل محتلي كوردستان. لِطمس التاريخ الكوردي والحضارة الكوردستانية، لم يقُم محتلو كوردستان بالتنقيب عن آثار أسلاف الكورد، حيث لا يزال قسم كبير من المواقع الآثرية لأسلاف الكورد غير مكتشفة ومُهمَلة ومتروكة وأن آثار الحضارات الكوردية المُكتشَفة تم إتلافها أو إهمالها من قِبلهم. قام محتلو كوردستان بالإستحواذ على قسمٍ من الآثار الكوردية والإدعاء بأنها تعود لهم. لهذه الأسباب نرى أن هناك معلومات قليلة عن حضارة أسلاف الكورد. قلة المعلومات عن الإمبراطورية الميدية وحضارتها تعود بشكلٍ رئيسي الى سرقة التاريخ والحضارة الميدية من قِبل الفرس الأخمينيين الذين أسقطوا الإمبراطورية الميدية.كما أن قسماً كبيراً من المواقع الأثرية الميدية مهملة و لم يتم التنقيب عنها وإكتشافها.

في لقاء مع مجلة (گوڵان العربي) يقول الدكتور عبد القادر مارونسي بأنه بعد إنتزاع الأخمينيين الحكم من الميديين، لم يبقَ أي أثر للحضارة الميدية، بإستثناء بضع كلمات قليلة، علماً أن المتخصصين في هذا المجال يعترفون بوجود حضارة وثقافة وتراث ميدي. يضيف المارونسي بأن الأخمينيين تقمّصوا التراث الميدي والحضارة الميدية وأن هذا هو رأي أساتذة متخصصين في هذا المجال أيضاً، منهم الدكتور (احمد تفضلي) الأستاذ بجامعة طهران. يمضي الدكتور المارونسي في حديثه و يقول بأن تقمّص الأخمينيين للحضارة والثقافة الميدية شبيهٌ بإنتقال الإرث الى الورثة، حيث ورث الأخمينيون اللغة والكتابة الميدية وديوان الإدارة من الميديين، كما ورثوا أساليب الحكم من الميديين، وورثوا الأعياد، والمناسبات الرسمية والشعبية منهم دون اية إشارة أو إعتراف بذلك1.

يخلص الدكتور المارونسي الى ان الأخمينيين طمسوا معالم الحضارة الميدية والتأريخ الميدي من خلال سرقتهم للحضارة الميدية والتاريخ الميدي والإدعاء بأن هذه الحضارة والتاريخ يعودان لهم. الإمبراطوريات التي تلت  الإمبراطورية الأخمينية، وخاصةً الامبراطورية الساسانية، إستمرت بدورها في سرقة التاريخ الميدي والحضارة الميدية1.

يذكر الدكتور المارونسي أيضاً بأن كثيراً من الآثار المكتشفة في همدان هي آثار ميدية تم تسجيلها بإسم الأخمينيين، ويشمل ذلك العديد من المباني والكتابات والجداريات وأنه يعتقد بأن كل ما ظهر حتى الآن في همدان يعود الى الحضارة الميدية1.

كما يذكر (ويل ديورانت) بأن الفرس أخذ عن الميديين لغتهم الآرية، وحروفهم الهجائية التي يبلغ عددها ستة وثلاثين حرفاً، وهم الذين جعلوا الفرس يستبدلون في الكتابة الرق والأقلام بألواح الطين، ويستخدمون في العمارة العمد على نطاق واسع. وعنهم أخذوا قانونهم الأخلاقي الذي يوصيهم بالإقتصاد وحُسن التدبير ما أمكنهم في وقت السلم، وبالشجاعة التي لا حد لها في زمن الحرب؛ ودين زردشت وإلهية (آهورامزدا) و(أهرمان) ونظام الأسرة الأبوي وتعدد الزوجات وطائفة من القوانين2. كما يذكر (ستروناچ Stronach) بأن الآثار الميدية والأخمينية متشابهة، حيث إقتبس الأخمينيون كل ما كان يملكه الميديونa. يقول هيرودوت أيضاً بأن الفرس إقتبسوا الخط المسماري من الميديين، كما أن اللغة الأدبية الفارسية تأثرت كثيراً باللغة الميدية ويبدو أن الزي الميدي كان في غاية الأناقة بمقاييس ذلك العصر الى درجة أن الزي الميدي كان معروفاً على النطاق الإقليمي والعالمي وكان معظم الفرس يلبسون الملابس الميدية والحُلي الميديةb.

يذكر (ستروناچ Stronach) بأنه تم إكتشاف مواقع أثرية ميدية بعد الستينات من القرن العشرين وأن الحفريات الأثرية تركّزت فقط في المنطقة المعروفة بالمثلث الميدي الذي يشمل المنطقة التي تحدها مدينة همدان و(ملاير) الواقعة في محافظة همدان و (كَنگاور Kangāvar) الواقعة في محافظة كرمنشاهa. كما يذكر (دياكونوف) بأن آثار المدن والحضارة الميدية القديمة لا تزال باقية تحت الأنقاض وليست هناك أية نصوص عن الحكم الميدي لمعرفة ميديا ودولتهاc.

المواقع الأثرية

تم إكتشاف مواقع أثرية ميدية بعد الستينات من القرن العشرينa، حيث تركّزت الحفريات الأثرية في المنطقة المعروفة بالمثلث الميدي الذي يشمل المنطقة التي تحدها مدينة همدان و(ملاير) الواقعة في محافظة همدان و (كَنگاور Kangāvar) الواقعة في محافظة كرمنشاهa. 
ثلاث مواقع أثرية رئيسية في وسط غرب ايران في فترة العصر الحديدي الثالث ( 850-500 قبل الميلاد) هيd:

1. تَپە (نوشي جان Tepe Nush-i Jan)
وهي في المقام الأول موقع أثري ديني. يقع الموقع على بعد 14 كيلومتر غرب (ملاير Malāyer) في محافظة همدانa. بدأت الحفريات فيه في سنة 1967 بإدارة (د. ستروناچ D. Stronach)e. لا تزال هناك بقايا أربعة مباني رئيسية في الموقع التي تحتوي على المعبد المركزي و المعبد الغربي والحُصن والقاعة العمودية التي، حسب قول (ستروناچ) أنه من المرجح تم بناؤها بإسم طبقة الكهنة قبل النصف الأول من القرن السادس قبل الميلادf. يذكر (ستروناچ) بأن المعبد المركزي، بِتصميمه الصارخ، يعطي تعبيراً واضحاً عن المعتقد الديني وإقامة الشعائر الدينيةf. لقد تم العثور على عدد من السيراميك لِلشاقول الأفقي (ميزان البنائين) الميدي في تل (نوشي جان) الذي يعود الى عهد  توطيد الميديين لنفوذهم في مناطق همدان (النصف الثاني من القرن السابع قبل الميلاد). هذه المكتشفات تُظهِر أربع تركيبات مختلفة معروفة بإسم "خزف شائع" (أصفر برتقالي أو أصفر شاحب أو أحمر فاتح مع سبيكة لِمادة شبه زجاجية (mica) من الذهب أو الفضة، بما في  ذلك جرّات ذات أحجام مختلفة، أكبرها هو نوع من أنواع الحاويات الكبيرة المضلعة (صورة 1، 2، 3). تم أيضاً إكتشاف أواني أكثر إتقاناً، ذات حجوم أصغر و ذات ألوان رمادية (صورة 4). هذه الأواني ذات سطوح ناعمة ولمّاعة. في هذا الموقع، تم العثور أيضاً على مصنوعات يدوية مثل أدوات الطبخ وأواني سهلة الكسرf.

2. تَپە (گودين Godin Tepe)

فيه قصر مُحصّن لِملِك ميدي أو رئيس عشيرة. يقع هذا الموقع الأثري 13 كيلومتر شرقي مدينة  (كَنگاور Kangāvar)، على الضفة اليسرى لنهر (گاماس Gamas). بدأت الحفريات في هذا الموقع في سنة 1965 بقيادة (يونگYoung ) والتي طبقاً لِقول (ستروناچ Stronach) يُظهِر هذا الموقع بِوضوح منشآت مهمة تعود للعصر البرونزي التي تم السكن فيها من جديد قبل بداية العصر الحديدي الثالث. الحفريات التي قام بها (يونگ) تشير الى بقايا جزء من مسكن يعود لِحاكم ميدي محلي الذي أصبح فيما بعد حاكماً مُهماًa. هذا المسكن مشابه لتلك البيوت التي تشير إليها المصادر الآشوريةd.

3. موقع (بابا جان Baba Jan)
قد يكون هذا الموقع مقر حاكم قبلي ميدي أقل شأناً. يقع الموقع الأثري في شمال شرق لورستان، يبعد حوالي 10 كيلومترات من مدينة (نورآباد) الواقعة في محافظة لورستان. في سنوات 1966-1969 تمت الحفريات في هذا الموقع من قِبل (گوف C. Goff). قد تعود الطبقة  الثانية لهذا الموقع الى القرن السابع قبل الميلادg. تتشابه هذه المصادر (في الخصائص الثقافية) وتختلف فيما بينها في جوانب أخرى بسبب وجود إختلافات وظيفية وتنوع القبائل الميديةd. بُنية هذه الإكتشافات الأثرية، التي تعود على الأرجح لفترة الحكم الميدي، تُظهِر وجود صلة بين تقليد القاعات العمودية المخصصة للمقابلات الرسمية الذي غالباً ما تُشاهَد في إيران الأخمينية، على سبيل المثال في (پیرسیپولیس Persepolis "تخت جمشيد") وكذلك في إيران الصفوية، على سبيل المثال في "قاعة الأعمدة الأربعين" التي تعود الى القرن السابع عشر الميلادي، وبين العمارة الميديةd.

المواد التي تم العثور عليها في تل (نوشي جان) وتل (گودين) ومواقع أثرية أخرى واقعة في الإمبراطورية الميدية، الى جانب النقوش الآشورية، تُظهِر وجود مستوطنات حضرية في ميديا في النصف الأول من الألفية الأولى قبل الميلاد والتي كانت تعمل كمراكز لإنتاج الحِرَف اليدوية وكذلك مراكز للإقتصاد الزراعي وتربية الأبقار من النوع الثانويh. للتوثيقات التأريخية الأخرى، الأدلة الأثرية نادرة والتي الى جانب السجلات المسمارية الآشورية، تجعل من الممكن تسجيل جانبٍ من التأريخ المبكر للميديين، دون أخذ معلومات (هيرودوتس) بنظر الإعتبارi.

4. تَپە هكمتانة (تل هكمتانه):
ما زالت آثار عاصمة الإمبراطورية الميدية (هكمتانه أو جەمەزان) باقية وهذه المدينة التي يظهر قسمها الشرقي من تحت الارض، تكشف عن نظام معماري متقدم الذي قام بتصميمه معماريون متخصصون. إن بناء مدينة مُحكمة وحصينة وجعلها عاصمة للإمبراطورية ومركزاً لِخزينتها، مثل (جەمەزان) لا يتم إلا من قِبل ملك مُقتدِر. كما أن المدينة بِقلاعها وأبراجها الدفاعية تدل على إتخاذ الميديين الحيطة والحذر من إعتدءات الدول المجاورة لها. تكمن أهمية (تل هكمتانه) كونها تضم تحتها أطلال عاصمة الميديين. التل بيضوي الشكل وتبلغ مساحته حوالي ثلاثين هكتاراً. في أطراف التل، هناك أكثر من عشرة هكتارات تم إنشاء بيوت سكنية فيها. هناك شارع يُقسّم (تل أكباتان) الى قسمين، شرقي وغربي. مدينة (جەمەزان) هي مدينة ضخمة وتتميز بأسوارها النادرة التي تتألف من سبع أسوار عالية وعريضة على شكل صفوف متراصة وهي تحيط بالمدينة. السور السابع هو أعلى من السادس والسادس هو أعلى من الخامس وهكذا بالنسبة الى الأسوار الباقية (صورة 5، 6).

 (جەمەزان) تعني (مكان الإجتماع) في اللغة الكردية وإستُخدمت أحياناً إسم "هيكمەتانا"، إلا أنها إشتهرت بإسم "آكباتان" وهذه التسمية أطلقها عليها اليونانيون وقد تم تثبيتها في المراجع اليونانية بهذا الإسم. كما أن كلاً من "زينفون" و"هيرودوت" وغيرهما، يشيرون إليها بهذه التسمية وأن موقعها يقع بالقرب من مدينة (همدان) الحالية ومصادر أخرى تذكر بأن مدينة همدان الحالية هي نفسها مدينة (آكباتان) الميدية.
       
الأسد الصخري في همدان
من الآثار الميدية المتبقية في همدان هو تمثال الأسد الصخري العملاق الذي ينسب الى الملك الميدي دياكو (صورة 7). ينتصب الأسد الصخري في إحدى الساحات العامة في مركز مدينة همدان. طول التمثال هو 5.2 متراً وعرضه 1.15 متراً وإرتفاعه 2.1 متراً. كان يُطلق على المنطقة التي يوجد فيها الأسد، باب الأسد. يُلاحظ في الصورة أن أقدام الأسد مكسورة  وتقول بعض المصادر بأن لبوة صغيرة كانت موجودة الى جوار الأسد الصخري، إلا أنها لم تعد موجودة الان. هناك تماثيل أخرى للأسود، منها تمثال لِأسدَين مجنحين لهما رأسان على هيئة إنسان (صورة 8).

 
 هناك مواقع أثرية أخرى للحضارة الميدية، حيث تم العثور في (كهف شهرزور) الواقعة في محافظة السليمانية في جنوب كردستان على قبر الملك (كَيخاسرَو( وعلى رسومات عديدة1. كما وجِد في هذا الكهف على تمثال ذو أربعة أجنحة لِشخص محفور على حجر، عليه صورة كوكب الزهرة التي تدل على الآلهة أناهيتا، وللقمر الدال على الآلهة ( ميثرا(، وللشمس الدالة على (أهورامزدا(، بالإضافة إلى صورة كاهن من الموغ أمام موقد نار1. في كهف آخر في منطقة (دوكان) في جنوبي كوردستان، تم العثور على قبر الملك الميدي أستيا گ. في جنوبي بحيرة (أورمية) في شرقي كوردستان، تم إكتشاف آثار (فاهريكا) حيث أن قبور الأمراء الميديين قائمة على سفوح الجبل وتم تزيين أحد القبور بِنقوش تصوّر شخصاً يقبض على حزمة من الأغصان وهو يناجي. يبدو أن هذه الرسوم تُصوّر الإحتفالات الدينية الميدية.

بالإضافة الى المواقع الأثرية المذكورة أعلاه، كانت هناك مدن ميدية أخرى، منها (لاودسيا Laodicea ) ( نهاوند الحالية) و(Rhages رَي ) الواقعة على مشارف مدينة (رَي) في جنوب مدينة طهران و مدينة (أپاميا Apamea) الواقعة بالقرب من (أكباتانا) التي موقعها غير معروف بشكل دقيق. خلال الفترات اللاحقة، فأن الميديين وخاصة الجنود منهم قد  تم التعرّف عليهم في المواقع الأثرية الميدية، مثل موقع (بيرسيبوليس Persepolis "تخت جمشيد")، والذي يشير الى أنه كان لهم دوراً ووجوداً رئيسياً في جيش الإمبراطورية الأخمينية الفارسية.

المصادر

1. الدكتور عبد القادر مارونسي. مجلة گوڵان العربي، 2000.

2. ويل ديورانت (1988). قصة الحضارة. ترجمة الدكتور زكي نجيب أحمد، االمجلد الأول، الجزء الثالث، صفحة 604.

المراجع

a. Stronach, David (1982), "Archeology ii. Median and Achaemenid", in Yarshater, E., Encyclopaedia Iranica 2, Routledge & Kegan Paul, pp. 288–96, ISBN 978-0-933273-67-2.

b. Herodotus : the history of Herodotus . translated by Harry Carter ( London – 1962).

c. Diakonoff, I. M. "Media ."In The Cambridge History of Iran, Vol. 2: 36-148. Cambridge University Press, Cambridge, England, 1985.

d. Young, T. Cuyler (1997), "Medes", in Meyers, Eric M., The Oxford encyclopedia of archaeology in the Near East 3, Oxford University Press, p. 449, ISBN 978-0-19-511217-7.

e. Stronach, David (1968), "Tepe Nush-i Jan: A Mound in Media", The Metropolitan Museum of Art Bulletin, New Series 27 (3): 179, doi:10.2307/3258384, ISSN 0026-1521, JSTOR.

f. Stronach, David (1982), "Archeology ii. Median and Achaemenid", in Yarshater, E., Encyclopaedia Iranica 2, Routledge & Kegan Paul, p. 290, ISBN 978-0-933273-67-2.

g. Henrickson, R. C. (1988), "Baba Jan Teppe", Encyclopaedia Iranica 2, Routledge & Kegan Paul, ISBN 978-0-933273-67-2.

h. Dandamayev, M. and Medvedskaya, I. (2006), "Media", Encyclopaedia Iranica Online Edition.

i. Young, T. Cuyler (1997), "Medes", in Meyers, Eric M., The Oxford encyclopedia of archaeology in the Near East 3, Oxford University Press, p. 448, ISBN 978-0-19-511217-7.
   

 
صورة 1. إناء على شكل رأس خروف مصنوع من الذهب يعود للإمبراطورية الميدية (أواخر القرن السابع و بداية القرن السادس قبل الميلاد). موجود في المتحف الوطني الإيراني.


صورة 2. إناء على شكل رأس ثور مُطرّز بالذهب يعود للقرن الثامن قبل الميلاد. الإناء موجود في المتحف الوطني في وارشو، پولندا.


صورة 3. إناء على شكل رأس ثور مُطرّز بالذهب يعود للقرن الثامن قبل الميلاد. الإناء موجود في المتحف الوطني في وارشو، پولندا.




صورة 4. إناء على شكل رأس خروف مصنوع من الذهب يعود للإمبراطورية الميدية (أواخر القرن السابع و بداية القرن السادس قبل الميلاد).




صورة 5. أنقاض مدينة أكباتانا



صورة 6. أنقاض مدينة أكباتانا




صورة 7. الأسد  الصخري في همدان





صورة 8. أسدان مجنحان لهما رأسان على هيئة إنسان





3
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (19) – أسلاف الكورد: الميديون

د. مهدي كاكه يي

أصل الميديين

2. نظرية كون الميديين السكان الأصليين لكوردستان


في الحلقة السابقة تم الحديث عن النظرية التي تقول بأن الميديين قد هاجروا الى كوردستان الحالية في حوالي سنة 1100 قبل الميلاد وإستقروا هناك وإمتزجوا مع السكان الأصليين. في هذه الحلقة يتم عرض النظرية الثانية التي تقول بأن الميديين هم من السكان الأصليين لكوردستان ولم يهاجروا إليها.

يذكر البروفيسور الأمريكي (Albert Olmstead) المختص بالتأريخ الآشوري والشرقي، بأن موطن الشعب الميدي كان جبال زاگروس وكان على صلة القرابة مع الشعوب الآرية الوافدة وكانت لغتهم هي إحدى اللهجات الآرية، حيث كانوا قبائل رحل، ثم إستقروا في الجبال والوديان وأنشأوا القرى والمدن على سفوح الجبال في الأماكن المطلة على الوديان (مصدر a). كما يذكر الأستاذ كيو موكرياني بأن عالم الآثار (دومركان) يقول بأن الميديين كانوا موجودين في كوردستان منذ أكثر من 2000 سنة قبل الميلاد وأسسوا إمبراطوريات وسلطنات كثيرة وعُرفت عن حروبهم وشهرتهم وتفوقهم منذ سنة 700 قبل الميلاد (مصدر 1).

يقول المؤرخ الإيراني (حسن پيرنيا) بأن الموطن الأصلي للشعب الميدي هو آذربيجان وكوردستان والعراق العجمي، ثم أخذ هذا الشعب يسعى لتوسيع سلطاته إبتداءً من نهر (هاليس) الذي يصب في البحر الأسود و الواقع قرب مدينة أنقرة الحالية، حتى (باختر) أي (أفغانستان) ومن بحر قزوين حتى فارس وخوزستان (مصدر 2). يقول السيد حسن پيرنيا في صفحة 56 من كتابه بأن العراق العجمي كان يضم المقاطعات التالية: كروس وهمذان وكرمنشاه وقزوين وعراق وأصفهان ونهاوند والري حتى دربند بحر قزوين الذي كان حداً فاصلاً بين الميديين والپارث.

يذكر (زنيفون) بأنه لم ينجُ من تعرض (الكوردوئيين) له في طريقه من (أشورية) الى (طرابزون). هذا يعني بأن الشعب الكوردي في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد أي بعد سقوط الإمبراطورية الميدية، لم يشمل موطنه جميع المناطق الممتدة من منبع الزاب الكبير الى قرب سواحل البحر الأسود. هذا دليل على أن الشعب الكوردي لم يكن شعب حديث وافد الى كوردستان، بل أنه كان له إسم آخر قبل القرن السابع قبل الميلاد بمدة كبيرة جداً. إذا صحّت نظرية قدوم قوم آخر (الميديون) من الشعب الكوردي الى كوردستان، فأن ذلك القوم يكون قد إلتقى بأصوله القديمة وإندمج فيها.

عاش المؤرخ (بيروسوس Berosus) في القرن الثالث قبل الميلاد وكان كلدانياً ورجل دين بابلي و مطّلعاً على الوثائق البابلية. يذكر هذا المؤرخ البابلي بأن الميديين كانوا يحكمون بابل منذ بداية الحكم البابلي وأن من بين 86 ملكاً بابلياً، كان 84 منهم من الميديين و 2 منهم فقط كانوا من الكلدانيين وهذا حصل قبل أكثر من 3000 سنة قبل الميلاد (مصدرb ، c). يستطرد المؤرخ (بيروسوس) قائلاً بأن المجموعة الثانية من حكام بابل كانت جميعهم من الميديين و تألفت من 8 ملوك حكموا بابل لمدة 224 سنة. هذا الكلام يُثبت بأن الميديين كانوا السكان الأصليين للمنطقة وأنهم حكموا بابل قبل مجئ الساميين الى بلاد ما بين النهرَين بآلاف السنين. كما أن (بيروسوس) قام بنقل المعلومات عن أصل البابليين الى اليونانيين (مصدر d)، حيث أنه كان يجيد اللغة اليونانية وهذا يؤكد على أن كتابات (بيروسوس) كانت معتمدة على وثائق بابلية موثوقة. 

كما يذكر العالم المختص بالسومريات (صمويل كريمر) بأن العصر الذي سبق العهد السومري بدأ على هيئة حضارة قروية زراعية أدخلها "الإيرانيون" من الشرق (أسلاف الكورد الزاگروسيين) الى جنوب العراق الحالي (مصدر 3). هذا القول يؤكده المؤرخ البروفيسور (سپايزر Speisere) في صفحة 99 من كتابه المعنون "شعوب ما بين النهرين"، حيث يقول بأن العناصر الگوتية (أسلاف الكورد) كانت موجودة في جنوب العراق قبل تأسيس سومر وأسسوا بلاد سومر فيما بعد وشكلوا الحكومات فيها (مصدر e). كما نرى فأن المؤرخ الكلداني البابلي (بيروسوس) يطلق إسم (الميديين) على الشعب الذي حكم بلاد بابل، بينما يطلق الپروفيسور (سپايزر) عليهم إسم (الگوتيين). هذا يؤكد بأن الگوتيين والميديين كانوا شعباً واحداً ومن المرجح جداً أن الميديين كانوا إحدى القبائل الگوتية.

البابليون في الألف الثالث قبل الميلاد، كانوا يرون السومريين والگوتيين والميديين كشعب واحد. إن التشابه بين اللغات السومرية والگوتية والميدية والكوردية يدعم أن الشعوب السومرية و الگوتية والميدية والكوردية لها أصل واحد. الملابس التي كان السومريون يلبسونها متشابهة لتلك التي كان الميديون يلبسونها وهذا دليل آخر على صلة القرابة بين السومريين والميديين وأنهم كانوا ينتمون لِشعب واحد.

يقول الأستاذ (توماس بوا) بأن الكاشيين كانوا قبيلة ميدية أدخلت معها الحصان إلى المنطقة، ويعتقد بأن الميديين أول من أدخلوا ركوب الحصان إلى بلاد الرافدين، وهم الأجداد الأقدم للشعب الكوردي (مصدر 4). هكذا نرى بأن المؤرخين وعلماء الآثار يخلطون بين الأقوام التي كانت أسلاف الكورد ومن خلال إطلاق تسميات مختلفة على الأقوام الزاگروسية، يستنتج المرء بأن كل تلك الأسماء هي أسماء لقبائل زاگروسية تنتمي لِشعب واحد. 

عندما قرر الفرس أن يحتلوا بلاد بابل، طلب الملك الفارسي (كوروش) من الملك (گۆبرياس Gobryas) أن يغزو بابل. السجلات اليونانية والفارسية تذكر بأن الملك (گۆبرياس Gobryas) هو ملك ميدي، بينما تذكر السجلات البابلية بأن هذا الملك كان ملكاً گوتياً (مصدر f). كما أن اليهود يذكرون بأن الملك (گۆبرياس) كان ملكاً ميدياً. يذكر البابليون في سجلاتهم أسماء الأمم وليست أسماء القبائل والعائلات و لذلك يقولون بأن الملك (گۆبرياس) كان ملكاً گوتياً وهذه دلالة على أن الميديين كانوا قبيلة تنتمي للشعب الگوتي.

يذكر (هيرودوت) بأن الجميع كانوا يطلقون إسم (آريون) على الميديين في الأزمنة القديمة (مصدر g). اليونانيون و الرومان عادةً يُغيّرون حرف (ھ) الى حرف (ا)، على سبيل المثال يذكر (دياكونوف) في صفحة 127 من كتابه بأن اليونانيين كتبوا إسم منطقة (هاريا Haria) التي كانت ضمن بلاد ميديا، بشكل (آريا Aria) (مصدر h)، حيث غيّروا حرف الهاء الى حرف الألف، لذلك ليس مستبعداً أن يكون الإسم (آريا Aria) هو (هوري أو هوريا) وأن (هيرودوت) قد غيّره الى (آري) (مصدر 5).هذا يشير الى أن الميديين في السابق كانوا يُسمّون أنفسهم (هوريين) وأن الميديين كانوا عائلات أو قبيلة هورية (خورية) حاكمة وأن الساميين كانوا يرون أن هذه العائلات أو القبائل تنتمي الى أمة واحدة، حيث تفاعلَ وإندمج السومريون والگوتيون والهوريون والميديون مع البعض. تأكيداً على كون الشعوب المذكورة كانت تنتمي الى أمة واحدة وأنها عبارة عن سلالات لأسلاف الشعب الكوردي، فأن وثيقة خطة عمل الملك الساساني (أردَشير پاپَگان Ardashir Papagan) التي مكتوبة باللغة الپهلوية ومكتوبة في القرن السادس الميلادي، تتحدث عن حروب (أردَشير پاپَگان) التي دارت في القرن الثالث الميلادي ضد ملوك كورد. تذكر هذه الوثيقة بأنه بعد أن قام الملك (أردَشير) بِقتل الملك الأشكاني (الپارثي) (أردَوان الخامس)، جمعَ جيشاً كبيراً في منطقة (زابول) وتم إرسال هذا الجيش لمحاربة الملك الميدي الكوردي (مصدر 6). في المصادر الأرمنية التي تعود الى القرون الوسطى، تتم الإشارة الى الكورد على أنهم قبائل ميدية (مصدر i). بعد القرن الثالث الميلادي، يُلاحظ في المصادر العائدة لسكان المنطقة بأنه تم تغيير إسم ال(گوتيين) الى (كورد) وأنه في المصادر الأرمنية أيضاً تمّ إستعمال (الكورد) و(الميديون) بدلاً من (الگوتيون).

منذ القرن التاسع قبل الميلاد، كان الآشوريون يخلطون بين الگوتيين والميديين والذي يظهر بأنهم كانوا يرون الگوتيين كشعب بينما يرون الميديين كعائلة أو قبيلة گوتية. في السجلات البابلية، يتم ذكر الملك الميدي (گوبرياس) كملك گوتي ويذكر (گوبرياس) نفسه بأن (السومريين) و (الگوتيين) هم (ميديون). يذكر (هيرودوت) بأن الميديين قد أسسوا إمبراطورية كبيرة وكانوا في السابق يُطلق عليهم إسم "آريين" (هوريين)، حيث كانوا يحكمون شعوب قارة آسيا (مصدر j) . في سجل الملك الساساني (أردَشير پاپَگان) الذي هو مكتوب باللغة الپهلوية، يروي هذا الملك حادثة حصلت في القرن الثالث الميلادي وفيه يتحدث عن الملوك الميديين الكورد، حيث أنه يتم فيه إستعمال مصطلح (الكورد الميديين) بدلاً من (الگوتيين) و (الميديين).

بعد الإحتلال العربي الإسلامي للمنطقة، كان إسم (الميديون) باقياً في مناطق همدان وكرماشان ودينَوَر حتى حلول القرون الوسطى. تلك المناطق كانت تُسمّى (ماه كوفة) و (ماه بصرة). في المصادر الإسلامية تتم تسمية المناطق الميدية القديمة المهمة بإسم (ماهات) (مصدر k)، بينما هذه المصادر تُطلق إسم (الكورد) على سكان بلاد ميديا. على سبيل المثال، في القرن التاسع الميلادي، يذكر اليعقوبي، عند حديثه عن الأمم، بأن سكان (إقليم الجبل) هي (بلاد الكورد) التي هي نفس بلاد ميديا. في القرن الحادي عشر الميلادي، محمود كاشغري، في خارطة العالم التي رسمها، يُسمّي بلاد ميديا ب(أرض الأكراد).

بعد القرون الوسطى، تذكر المصادر الأرمنية إسم (الكورد الميديون) في مناسبات عديدة و في بعض الأحيان النصوص الكوردية في هذه المصادر تُسمّى نصوص ميدية (مصدر l). بالنسبة الى المصادر الغربية، مثلاً يُسمّي (بنيامين تيدولاBenjamin of Tudela ) كوردستان ببلاد الميديين ولا يذكر إسم (الكورد) بل يستعمل إسم (الميديين) بدلاً منه (مصدر m)، بينما السكان الذين يُسمّيهم (تيدولا) ب(ميديين) يُسمّون في معظم الكتب التاريخية الإسلامية بإسم (الكورد) و تتم تسمية (بلاد ميديا) بإسم (كوردستان). في القرن الثالث عشر الميلادي، تم ذكر إسم (كوردستان) لأول مرة من قِبل المؤرخين الغربيين، حيث ذكر (ماركو پولو) إسم (كوردستان) (مصدر n).

كما نرى، فأن نظرية كون الميديين هم السكان الأصليين لكوردستان الحالية، المستندة على الكثير من الوثائق والمصادر القديمة الرصينة، تُفنّد الآراء القائلة بأن الميديين لم يكونوا من السكان الأصليين لكوردستان. من خلال هذه المصادر المعتبرة، يتأكد المرء بأن جذور الشعب الميدي مترسخة في أعماق كوردستان وبلاد ما بين النهرين منذ ما قبل التأريخ، قبل هجرة الساميين الى المنطقة بآلاف السنين.

3. الكورد هم أحفاد الميديين

يذكر كل من المؤرخ الإيراني (حسن پیرنیا) و العلامة الكوردستاني مسعود محمد بأن لغة الميديين هي لغة الشعب الكوردي الحالية (مصدر 7، 8)، حيث يذكر (حسن پیرنیا) في صفحة (57) من كتابه المعنون (تاريخ إيران منذ العهود القديمة الى سقوط الدولة الساسانية) بأن كتاب زرادشت المقدس (آڤێستا) مكتوب باللغة الميدية. يضيف (پیرنیا) بأن هناك مؤرخون و مستشرقون يعتقدون بأن اللغة الكوردية المعاصرة مشتقة من اللغة الميدية (مصدر 7). كما يذكر العلامة مسعود محمد في كتابه المعنون (لسان الكُرد) بأن العشائر الكوردية الموكريانية لا تزال تحتفظ باللغة الميدية، حيث أن اللهجة التي يتكلمون بها هي اللغة الميدية (مصدر 8). المؤرخ الإيراني (موسى نثري همداني) يذكر بأن لغة الميديين هي لغة كوردية (مصدر 9).

يقول المؤرخ (سايس) بأن الشعب الميدي كان يتألف من عشائر كوردية كانت تقطن شرقي مملكة آشور، حيث كانت حدود موطنها تمتد الى جنوبي بحر قزوين و كانت غالبية هذا الشعب من الهندوأورپيين (مصدر 10). كما أن المستشرق الروسي فلاديمير مينورسكي، في بحثه (مادة الكرد) المنشور في دائرة المعارف الاسلامية في عام 1905، يذكر بأن الكورد هم أحفاد الميديين. يقول السير (ولسون) بأن الكورد هم أحفاد الميديين (مصدر o). كما أن (حسن پیرنیا) يذكر في كتابه المعنون (إيران قديم) بأن الميديين هم من الشعوب الآرية وهم أجداد الكورد (مصدر 2). يقول ابن خلدون بأن الكورد منحدرون من الميديين (مصدر 11).

يذكر المؤرخ محمد أمين زكي بأنه من المرجح أن النايريين الذين هم أسلاف الميديين كانوا عشيرة تؤلف قسماً من أقوام (سوبارو) و (گوتو) وثم تغلبوا على جميع أقسام وعشائر هذين الشعبَين وحلّ إسم (نايري) محل إسم كل من (سوبارو) و (گوتو) (مصدر 12). يظهر أن القرى والعشائر في منطقة (نايري) بمقاطعة (شمدينان) الواقعة في شمال كوردستان هي آثار باقية من ذلك الشعب القديم، أي الشعب النايري (مصدر 13). كما يذكر المستشرق (تورودانجين) أن منطقة (نايري) أو (هوبشكيا) هي وادي (بوتان) والذي كان يُشكّل القسم الشرقي من بلاد النايريين (مصدر 14). يقول (ميجرسون) أنه في القرن الخامس عشر والثاني عشر قبل الميلاد كان الشعب النايري، الذي هو سلف الشعب الميدي، يعيش في القسم الأوسط من كوردستان وأن هذا الشعب حمل إسم (الكورد) فيما بعد (مصدر p). يضيف (ميجرسون) بأنه في أيام مجد الشعب النايري وتفوقه كان هذا الشعب على جانب كبير من القوة والسلطان اللتين كان لهما شأن ظاهر في إلقاء الرعب والهيبة في قلوب جميع الشعوب والأمم المجاورة له.

المصادر

1. كيو موكرياني (1961). فەرهەنگى مەهاباد. چاپى يەكەمين، هەولێر، چاپخانەى كوردستان (باللغة الكوردية). 

2. حسن پيرنيا (1929). ايران قديم، طهران، صفحة 168 (باللغة الفارسية).

3. (صمويل كريمر (1970). من ألواح سومر، ترجمة طه باقر، مكتبة المثنى، بغداد ومؤسسة الخانجي بالقاهرة، صفحة 356).

4. (توماس بوا (2001). تاريخ الأكراد. ترجمة: محمد تيسير ميرخان، الطبعة الأولى، دار الفكر، دمشق، صفحة 20.

5. سۆران حەمەڕەش (2013). كورد كێیە؟ مێژووی كورد و ڕەچەڵەكی زمانەكەی لە سەرەتای شارستانییەوە هەتاوەكو سەدەی دەیەمی زاینی. چاپی یەكەم، لەندەن، YPS-Publishing، ، لاپەڕە 11، په‌راوێزی 4) (باللغة الكوردية).

6. توفيق وهبي بك (2006). الآثار الكاملة. إعداد: رفيق صالح، سليمانية، كوردستان، صفحة 17)

7. حسن پیرنیا (1927) تاريخ إيران منذ العهود القديمة الى سقوط الدولة الساسانية، الطبعة الثانية (باللغة الفارسية).

8. مسعود محمد (1987). لسان الكُرد، مطبعة الحوادث.

9. موسى نثري همداني (1389ق "2000م"). عشق وسلطنت. ناشر: سمير –  گسترش فرهنگ، چاپ 1 (باللغة الفارسية).

10. م. سايس (1918). التاريخ العام للمؤرخين، الجزء الثاني.

11. عبد الرحمن بن محمد إبن خلدون (2004). العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. مطبعة دار الفجر في التراث، القاهرة.

12. محمد أمين زكي (1961). خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، القاهرة، صفحة 70-71.

13. فلاديمير مينورسكي (1929). الكرد وكردستان. موسوعة الإسلام، دائرة المعارف الإسلامية، القاهرة.

14. تورودانجين (1912). رابطة الغزوة الثامنة من غزوات الملك سرجون، باريس.
a. Olmstead, Albert. T. (1923). History of Assyria. Chicago, USA, page 75.

B. Lewis, George Cornewall (1982). An historical Survey of the astronomy of the ancients. Parker & Bourn, London, page 403.

c. Niebuhr, Barthold George (1852). The Life and Letters of Barthold George Niebuhr Vol. 3; With Essays on His Character and Influence. Chapman and Hall, London, page 241.

d. Breasted, James Henry (1916). Ancient Times — A History of the Early World. Boston, The Athenæum Press.

e. Speisere, Ephraim A. (1930). Mesopotamian Origins. The basic population of the Near East. Philadelphia, USA.

f. m. Horner, Joseph (1901). Daniel, Darius the Median. Cyrus the Great: A chronologico-historical study: based on results of resent researches, and from sources Hebrew, Greek, cuneiform, etc., New York, USA.

g. Rawlinson, George, Rawlinson, Henry and Wilkison, J. C. (1861). The History of Herodotus. New York, D. Appleton & Company 443 & 445 Broadway.

h. Diakonoff, I. M. (1985). The Cambridge History of Iran: Media, Cambridge University Press, Cambridge.

i. n. Asatrian, G. (2009). Prolegomena to the Study of the Kurds, Iran and the Caucasus, Vol. 13, pp. 1–58,. (p. 21).

j. Herodotus (1860). The history of Herodotus. Vol. 4, J. Murray, London

k. Browne, Edward G. (1919). A literary history of Persia: A literary history of Persia from the earliest times until Firdawsi. T. Fisher Unwin Ltd, London, page 19.

l. Cook, J. M. (1985). The Cambridge history of Iran: The Median and Achaemenian periods. Vol. 2: The rise of the Achaemenids and the Establishment of their Empire. Cambridge University Press, Cambridge, page 212.

m. Benjamin of Tudela. The Itinerary of Benjamin of Tudela: Travels in the Middle Ages. Trans. Marcus Nathan Adler. Introductions by Michael A. Signer, Marcus Nathan Adler, and A. Asher. Published by Joseph Simon/Pangloss Press, 1993. ISBN 0-934710-07-4.

n. Marco polo and Murray, Hugh (1845). The travel of Marco Polo. Oliver & Boyd, Edinburgh, Scotland, page 229. 

o. Lient Colonel Wilson (1917-1920). Mesopotamia, London.

p. Soane, E. B. (1912). Mesopotamia and Kurdistan in disguise. London.

mahdi_kakei@hotmail.com


4
إمتداد الجذور التأريخية للشعب الكوردي في أعماق كوردستان - 3 (3)

د. مهدي كاكه يي

في الحلقتين السابقتين تم التطرق الى ظهور إسم (كوردستان) وإسم (الكورد) خلال التأريخ القديم. كما تم التحدث عن أسلاف الكورد السومريين والسوباريين والخوريين والميديين ووجود الكتابة الكوردية قبل ظهور الإسلام وكون اللغة الكوردية لغة رسمية في بلاد ما بين النهرَين الى أن تم إلغاؤها من قِبل الحجاج بن يوسف الثقفي في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان. كما تم الحديث أيضاً عن الموسيقار الكوردي العبقري (زرياب) الذي إشتهر في كافة أنحاء أوروپا ومنطقة الشرق الأوسط في بداية القرن التاسع الميلادي. في هذه الحلقة والتي هي الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة من المقالات، نواصل حديثنا عن جوانب أخرى من التأريخ الكوردي لتعريف القارئات العزيزات والقراء الأعزاء بالوجود السحيق للشعب الكوردي في وطنه، كوردستان ولِكشف أكاذيب محتلي كوردستان والحاقدين على الشعب الكوردي الذين يحاولون عبثاً إلغاء تأريخ الشعب الكوردي في وطنه، كوردستان ويُظهروه شعباً لاجئاً غريباً في بلاده، للإستمرار في إحتلال كوردستان ونهب مواردها والعمل على إلغاء هوية الشعب الكوردي ولغته وتأريخه وثقافته وتراثه. في هذه الحلقة، نضيف معلومات أخرى عن كون كوردستان الموطن الأصلي للشعب الكوردي.

10. أبو الطيب المتنبي يكتب الشعر لِقائد عسكري كوردي: كان (دلێر بن لَشكَروز) أحد القادة العسكريين البارزين في مركز الخلافة العباسية في بغداد. إشتهر (دلێر) بتصدّيه للتمرد القرمطي الذي قام به أحد أفخاذ قبيلة (كلاب) في عام 353 هجري (964 ميلادي)، حيث قام أفراد القبيلة المذكورة بالهجوم المسلَّح على مدينة الكوفة و إحداث إضطرابات فيها. إشترك الشاعر (أبو الطيب المتنبي) بنفسه، مع غلمانه في القتال ضدهم و تمكنوا من إلحاق الهزيمة بهم و إخراجهم من مدينة الكوفة، بعد أن كبدوهم خسائر كبيرة في الأرواح و غنموا أسلحة كثيرة منهم. وصل الكوفة القائد العسكري الكوردي (دلێر)، قادماً من بغداد، فوجد الأوضاع هادئةً و مستقرة، فوجّه الدعوة لوجوه المدينة من الذين وقفوا ضد الإنتفاضة فكافأهم و منحهم هدايا تقديرية. كان من بين الحضور الشاعر (المتنبي). نتيجة هذا الحدث، نظمّ المتنبي قصيدة بعنوان (دون الشهدِ إبرُ النحَل)، في مدح القائد العسكري الكوردي (دلێر بن لَشكَروز) الذي أرسلته بغداد لقمع الإنتفاضة.

تتكون هذه القصيدة من أربعين بيتاً، الأبيات العشرة الأولى هي أبيات غزلية، حيث قال في مطلعها:

كدعواكِ كلٌّ يدّعي صِحةَ العقلِ
ومن ذا الذي يدري بما فيهِ من جهلِ

تقولين ما في الناس مثلك عاشق جدي
مثل من أحببته تجدي مثلي

تُريدين لُقيانَ المعالي رخيصةً
ولا بُدَّ دون الشهدِ من إبَرِ النحلِ

الأبيات الثلاثين الباقية، خصصها الشاعر المتنبي لِمدح القائد (دلێر) والتي نقتطف منها هذه الأبيات:

أرادتْ كلابٌ أنْ تفوزَ بدولةٍ
لمن تركتْ رعيَ الشويهاتِ والإبلِ

وقادَ لها دِلّيرُ كلَّ طِمرِّةٍ
تُنيفُ بخديها سَحوقٌ من النخلِ

شفى كلَّ شاكٍ سيفهُ ونوالُهُ
من الداءِ حتى الثاكلاتِ من الثُكلِ

عفيفٌ تروقُ الشمسَ صورةُ وجههِ
فلو نَزَلتْ شوقاً لحادَّ إلى الظلِّ

شجاعٌ كأنَّ الحربَ عاشقةٌ له
إذا زارها فدّتهُ بالخيلِ والرَجلِ

و ريانُ لا تصدى إلى الخمرِ نفسُهُ
و صديانُ لا تًروي يداهُ من البذلِ

فتمليكُ دِلَّيرٍ وتعظيمُ قدرهِ
شهيدٌ بوحدانيةِ اللهِ والعدلِ

وما دامَ دِلَّيرٌ يهزُّ حُسامَه
فلا نابَ في الدنيا لليثٍ ولا شِبلِ

فلا قطعَ الرحمنُ أصلاً أتى بهِ
فإني رأيتُ الطيّبَ الطيّبَ الأصلِ.

هكذا كان الوجود الكوردي في بغداد حاضراً قبل أكثر من ألف عام، حيث أن كوردياً كان قائداً عسكرياً بارزاً في الدولة العباسية وأن شاعراً عربياً كبيراً مثل المتنبي كتب الشعر له، يمدح فيه هذا القائد الكوردي.

11. الإمارة الورامية الكوردية في بابل و بناء مدينة الحلة من قِبل الكورد: في العصر العباسي، كان السكان الأصليون الذين يعيشون في منطقة الحلة، تتألف من قبائل كوردية و عربية و نبطية. أما العربُ فكان أكثرهم من بني أَسَد، و كانت تعيش فيها أيضاً طوائف من عرب خفاجة و عبادة وعقيل وغيرهم من عرب العراق. في عام 479 للهجرة (1086 ميلادي)، تولى إمارة بني مَزيد، الأمير سيف الدولة صَدَقة، الذي كان من أمراء بني أسد القادمين إليها من واسط، ثم من النيل. سيف الدولة كان أول من سكن في الحلة وإتخذها عاصمةً له في شهر مُحرَّم عام 495 للهجرة (1102 ميلادي). أما الكورد فكانوا من قبيلة جاوان (جاوان تعني باللغة الكوردية ”شاب أو جميل“) و شاذان (هذ الإسم متحور من كلمة ” شادان“ الكوردية التي تعني ”سعداء“). كان من رجالات قبيلة جاوان الكوردية الفقيه (محمد بن علي جاواني) المولود في سنة 468 هجرية (1076 ميلادية). الجاوانيون، قبل نزوحهم إلى الحلة، كانوا يسكنون الجانب الشرقي لنهر دجلة. يأتي المسعودي على ذكر (أكراد واسط) في أحداث عام 329 الهجري (941 ميلادي) في مؤلفه الشهير (مروج الذهب و معادن الجوهر). كانت حتى عهد غير بعيد، أكثرية غالبة من الكورد الشيعة تقطن في ضواحي ونواحي وبعض أقضية محافظة ميسان وواسط، منتشرين شمالاً حتى خانقين وبعض مناطق محافظة ديالى، فمن تلك المناطق جاء كُرد الحلة مع بني مَزيد. قبيلة جاوان تحالفت مع بني مَزيد الأَسَديين، حيث كان إتصالهم بالمزيديين يمتدُّ من عهد الأمير علي بن مَزيد حينما كان في ميسان. كانت قبيلةُ جاوان شافعيةَ المذهب والمزيديون شيعةً إثني عَشَرية ولكن على مر الأيام إندمجوا ببني أَسَد فصاروا شيعةً إثني عَشَرية، كما إستعرب الكثير منهم. لا تزال هناك في مدينة الحلة محلة قائمة بذاتها تُسمّى (محلة الكراد) و قبور الأمراء الكورد، مثل (ورام جاواني)، ماثلة للعيان في هذه المدينة. في عهد أميرهم، وَرام الثاني إبن أبي فِراس، إنتقل الجاوانيون إلى (أرض الجامعين) ليؤسسوا الحلة مع أمير بني أَسَد، صَدَقة، وكانت القبيلة الجاوانية تتألف من مجموعتين هما البِشرية و نَرْجِس. من الأُسر التي كانت تنتمي الى الجاوانيين، كانت الأسرة الورامية، نسبة الى وَرام بن محمد الجاواني الذي كان عائشاً في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي) و الذي كان قد تحالف مع الأمير أبي الحسن علي بن مَزيد الأسَدي. ومما زاد في قوّة التحالف بين المزيديين و الجاوانيين هو حصول المصاهرة بينهم، فقد كانت أم الأمير صَدَقة من الكورد الوراميين، حيث كان وَرام بن أبي فراس خال الأمير صَدَقة.

يتبين لنا مما سبق بأنّ قسماً من الكورد الحاليين العائشين في وسط وجنوب بلاد ما بين النهرين، هم أحفاد قبيلة جاوان الكوردية التي بنت مدينة الحلة الحالية، بالمشاركة مع قبيلة بني أسد العربية، و أسست الإمارة الورامية الكوردية الى جانب الإمارة المزيدية العربية. كما يظهر لنا أنّ لا علاقة لتشيّع قسم من الكورد بإيران، حيث أنهم إعتنقوا المذهب الشيعي قبل تأسيس الدولة الصفوية، وأصبحوا شيعة منذ زمن البويهيين، تشيّعوا بالتحالف والمصاهرة مع رؤساء قبيلة بني أسد الشيعية منذ منتصف القرن الرابع الهجري وإستعرب قسم منهم. القسم الآخر من الكورد إعتنقوا المذهب الشيعي الإثني عشري أثناء فترة الحكم الصفوي (1721-1507 م).

هكذا نرى أن أحفاد السومريين والكاشيين الكورد كانوا منذ أكثر من ألف سنة يعيشون في محافظات ميسان وواسط وبابل وديالى، منتشرين شمالاً حتى خانقين وبعض المناطق الأخرى لمحافظة ديالى، وشاركوا في بناء مدينة الحلة في بابل. في الحقيقة فأن المنطقة الواقعة شرق نهر دجلة من العراق الحالي، هي تاريخياً وجغرافياً جزءً من كوردستان، حيث تم تعريب القسم الأكبر منها بعد الإحتلال العربي الإسلامي للمنطقة كما تم تعريب وإستعراب غالبية الكورد في هذه المناطق. لمعرفة المزيد من المعلومات عن بناء مدينة الحلة و مدح الشاعر (المتنبي) للقائد الكوردي (دلێر بن لَشكَروز)، يمكن الإطلاع على المقال القيّم للدكتور عدنان الظاهر من خلال فتح الرابط الموضوع في نهاية هذا المقال.

12. إمارة أردلان (1169-1869م): أسس (باوه أردلان) هذه الإمارة، حيث سُمّيت هذه الإمارة بإسمه. إمتدت إمارة أردلان من أصفهان الى الموصل، حيث دام حكم هذه الإمارة حوالي 700 سنة والتي كانت قائمة من سنة 1169 الى سنة 1869 ميلادية، إلا أن الأمير شرفخان بدليسي يذكر في كتابه "شرفنامه" بأن دولة أردلان تم تأسيسها في زمن الساسانيين، أي قبل ظهور الإسلام و أنها إستمرت الى سنة 1869م (شرفخانى بدليسى: شرفنامه. ترجمة هەژار، كۆڕی زانیاری كورد، چاپی دوهەم، چاپخانەی جەواهیری، تاران، 1982).

كانت إمارة أردلان تضم أصفهان وهمدان وكرماشان وهورامان وشارزور وأربيل وراوندوز وكركوك والموصل وكفري وخانقين ومندلي وتكريت وأجزاء من محافظة الكوت. خضعت إمارة العمادية التي كانت تضم عقرة والدير ودهوك وزاخو، لحكم الأردلانيين لمدة 200 عاماً والذي إستمر من القرن الثاني عشر الى القرن الرابع عشر الميلادي. في البداية، تأسست هذه الدولة في شارزور الواقعة في محافظة السليمانية و ثم إنتقل مركز حكم الدولة الأردلانية الى مدينة "سنه"، حيث إتخذ الأردلانيون هذه المدينة عاصمة لهم. كانت اللهجة الگورانیة هي اللهجة الرسمية لدولة أردلان. قامت هذه الدولة الكوردية بسك النقود الخاصة بها.

يذكر الأمير شرفخان بدليسي بأن حكومة أردلان كانت حكومة قوية وعظيمة الشأن. كما يقول اللورد كريمر عن نفوذ حكام إمارة أردلان في منطقة كركوك بأنهم كانوا السادة الحقيقيين لكركوك وتوابعها وحتى منطقة تكريت. فيما يتعلق بدور إمارة أردلان في التأريخ الكوردي، يذكر "لونكريك" بأن "أردلان أفضل إمارة ظهرت في المنطقة من حيث الحضارة أو الحكم الملكي قبل الإحتلال العثماني للمنطقة" و حتى أنه يصفها بالإمبراطورية الأردلانية أكثر من مرة (ستيفن هيمسلي لونكريك، 1968م، أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث، كتاب يبحث عن تأريخ العراق في العصور المظلمة. ترجمة جعفر الخياط، الطبعة الرابعة، بغداد). كما يشير (لونكريك) بأن (جنكيزخان) قد إعترف بِحكومة أردلان. القاجاريون بقيادة ناصر الدين شاه (1848 - 1896) أسقطوا الدولة الأردلانية في عام 1869. هكذا نرى بأن الكورد أسسوا إمارة مترامية الأطراف تمتد من أصفهان الى الموصل قبل حوالي 850 سنة وحكمت هذه الإمارة لمدة 700 سنة.

13. الدولة الأيوبية (1172-1543م)
لِنبدأ بالسلطان صلاح الدين الأيوبي (1137-1193م). ولِد هذا القائد الكوردي الشهير في تكريت في سنة 1137 ميلادية. يذكر القاضي إبن شداد الذي كان من أصحاب السلطان صلاح الدين بأن والد صلاح الدين (نجم الدين أيوب) كان والياً على تكريت. هذا يثبت على الوجود الكوردي في منطقة تكريت منذ أكثر من 877 سنة. الجدير بالذكر أن أصل عائلة صلاح الدين الأيوبي يعود الى القبيلة الهذبانية، حيث كانت هذه القبيلة تحكم كوردستان في القرن الرابع الميلادي أي قبل الإحتلال العربي الإسلامي لِكوردستان بِحوالي 300 سنة وكانت تُطلق آنذاك إسم (بلاد الهذبانيين) على كوردستان.

أقامت الأسرة الأيوبية دولة كبيرة وقوية ضمت مصر وسوريا وفلسطين واليمن وشمال أفريقيا و كوردستان وعاشت هذه الدولة لمدة 371 سنة. كانت أكثرية أفراد الجيش الأيوبي وقوّاده من الكورد وهذا يشير الى حضور الوجود الكوردي الكبير في منطقة الشرق الأوسط. هكذا نرى أن الكورد أسسوا دولة قوية مترامية الأطراف قبل 842 سنة وقهرتْ هذه الدولة القوات الأوروپية الغازية في الحروب المعروفة بالحروب الصليبية التي دارت رحاها في المنطقة آنذاك.
 
http://d-adnan.i8.com/mutanaby/16.html
mahdi_kakei@hotmail.com


5
إمتداد الجذور التأريخية للشعب الكوردي في أعماق كوردستان - 2 (3)

د. مهدي كاكه يي


في الحلقة السابقة تم التطرق الى ظهور إسم (كوردستان) وإسم (الكورد) خلال التأريخ القديم. كما تم التحدث عن أسلاف الكورد السومريين والسوباريين والخوريين، لتعريف القارئات العزيزات والقراء الأعزاء بالوجود السحيق للشعب الكوردي في وطنه، كوردستان وللرد على أكاذيب محتلي كوردستان والحاقدين على الشعب الكوردي الذين يحاولون يائسين أن يفصلوا الكورد عن وطنهم ويُظهروا الشعب الكوردي شعباً لاجئاً في بلده، للإستمرار في إحتلال كوردستان ونهب مواردها وإذلال شعبها. في هذه الحلقة، نواصل الحديث عن كون كوردستان الموطن الأصلي لشعب كوردستان من خلال إختيار مقتطفات من التاريخ الكوردي، يعود لعصور مختلفة.

6. الإمبراطورية الميدية (708 – 560 قبل الميلاد): كانت تحد ميديا من الشرق أفغانستان، بل كان بعض أراضي أفغانستان جزء من ميديا، ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط ومن الشمال مناطق "كادوس" فيما وراء نهر (آراس) ومن الجنوب الخليج الفارسي. كانت الإمبراطورية الميدية تضم كلاً من فارس و أرمينيا و آشور و إيلام و هيركاني و جزء من باكستان على المحيط الهندي و شمالي شرقي سوريا الحالية. تم إسقاط الإمبراطورية الميدية من قِبل الأخمينيين الفرس في سنة 560 قبل الميلاد، حيث دامت هذه الإمبراطورية لِحوالي 150 سنة.

يذكر المؤرخ (سايس) بأن الشعب الميدي كان يتألف من عشائر كوردية تقطن شرقي مملكة آشور، حيث كانت حدود موطنها تمتد الى جنوبي بحر قزوين و كانت غالبية هذا الشعب من الهندوأورپيين (م. سايس: التاريخ العام للمؤرخين، الجزء الثاني، 1918). لغة الميديين هي اللغة الحالية التي يتكلم بها الشعب الكوردي اليوم (حسن پیرنیا: تاريخ إيران منذ العهود القديمة الى سقوط الدولة الساسانية، الطبعة الثانية، 1927؛ مسعود محمد: لسان الكُرد، مطبعة الحوادث، 1987)، حيث يذكر العلامة مسعود محمد في كتابه المذكور بأن العشائر الكوردية الموكريانية لا تزال تحتفظ باللغة الميدية، حيث أن اللهجة التي يتكلمون بها هي اللغة الميدية. يقول السير (ولسون) بأن الكورد هم أحفاد الميديين (مصدر 1). كما يذكر (ميجرسون) بأنه في القرن الخامس عشر والثاني عشر قبل الميلاد كان الشعب النايري، الذي هو سلف الميديين، يعيش في القسم الأوسط من كوردستان وأن هذا الشعب حمل إسم (الكورد) فيما بعد (مصدر 2). يضيف (ميجرسون) بأنه في أيام مجد الشعب النايري وتفوقه كان هذا الشعب على جانب كبير من القوة والسلطان اللتين كان لهما شأن ظاهر في إلقاء الرعب والهيبة في قلوب جميع الشعوب والأمم المجاورة له.

يقول ابن خلدون بأن الكورد منحدرون من الميديين (عبد الرحمن بن محمد إبن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. مطبعة دار الفجر في التراث، القاهرة، 2004). كما يذكر (حسن پيرنيا) بأن الميديين هم من الشعوب الآرية وهم أجداد الكورد ولغتهم هي نفس لهجة الكورد الموكريانيين الساكنين في شرق كوردستان (حسن پیرنیا: تاريخ إيران منذ العهود القديمة الى سقوط الدولة الساسانية، الطبعة الثانية، 1927)، وفي كتابه "عشق وسلطنة" يقول (حسن پيرنيا) بأن لغة الميديين هي لغة كوردية. هكذا نرى بأن أسلاف الكورد الميديين قاموا بتأسيس إمبراطورية عظيمة في المنطقة قبل أكثر من 2700 سنة.

7. الكتابة الكوردية: كان للكورد قبل الإحتلال العربي الإسلامي لكوردستان، أبجدية خاصة بهم للكتابة (لاحظ الصورة الموضوعة في نهاية المقال)، حيث أن (إبن وحشية) قبل أكثر من ألف و مائتَين سنة، نشر كتابه المعنون (شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام) (أحتفظ بنسخة إلكترونية من هذا الكتاب)، يذكر في كتابه المذكور الحروف الكوردية القديمة المستعملة من قِبل الكورد. الكتاب مطبوع في أوروپا قبل قرنين من الزمن وأن نسخة المخطوطة ترجع إلى أكثر من عشرة قرون.

إبن وحشية هو أبو بكر أحمد بن علي بن قيس بن المختار بن عبد الكريم بن حرثيا و المعروف بالصوفي وهو كلدانيّ الأصل، عالمٌ بالكيمياء و اللغة و الزراعة، لا يُعرف له تأريخ ميلاد و يرجّح أنه توفي في أواخر القرن الثالث الهجري (العاشر الميلادي). كان يعيش في "قسين" التي كانت كورة من مدينة الكوفة الحالية. أورد (إبن النديم) أسماء كثير من مؤلفاته. من كُتبه الأخرى وترجماته: غاية الأمل في علوم الرياضيات، الفوائد العشرون في الكيمياء، الإشارات في السحر، الأصنام، الحياة و الموت في علاج الأمراض، كتاب الطبيعة، كتاب الفلاحة النبطية (مخطوط) ترجمه عن الكلدانية في سنة 291هـ (904 ميلادية)، و كتاب في إصلاح الكروم والنخيل (مخطوط) ترجمه عن الكوردية في دمشق.

في كتابه (شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام)، يعنون (إبن وحشية) الباب السابع من كتابه في صفحة 67 كالآتي: (الباب السابع من شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام في ذكر أقلام الملوك التي تقدمت من ملوك السريان والهرامسة والفراعنة والكنعانيين والكلدانيين والنبط والأكراد والكسدانيين والفرس والقبط) (يستعمل إبن وحشية عبارة "رموز القلم" للدلالة على "حروف الكتابة"). كما أنه يكتب في صفحة 131 من كتابه المذكور ما يلي: (و أما الكلدانيين فكانوا أعلم الناس في زمانهم بالعلوم و المعارف و الحُكم و الصنايع، و كان الأكراد يريدون مناظرتهم و مماثلتهم). يستنتج المرء من هذا القول بأن الكورد كانوا أهل العلم و المعرفة، حيث أنهم كانوا ينافسون الكلدانيين في هذا المجال. يستطرد إبن وحشية في حديثه في نفس الصفحة  قائلاً: (و إنما كانت براعة الأكراد الأول في صناعة الفلاحة وخواص النبات ويدعون أنهم من أولاد بينوشاد، وقد وصل إليهم سفر الفلاحة لآدم عليه السلام). يقول إبن وحشية في كتابه عن الكتابة الكوردية ما يلي: (وهو من الأقلام العجيبة والرسوم الغريبة، وقد رأيتُ في بغداد في ناووسٍ (تابوت حجري) من هذا الخط نحو ثلاثين كتاباً، وكان عندي منها بالشام كتابَين: كتاب في إفلاح الكرم والنخيل، و كتاب في علل المياه و كيفية إستخراجها من الأراضي المجهولة، فترجمتُهما من لسان الأكراد إلى اللسان العربي لينتفع به أبناء البشر). يقول إبن وحشية في نهاية كتابه المذكور ما يلي: صفة قلم آخر من الأقلام القديمة وفيه حروف زائدة عن القواعد الحرفية، تدّعي الأكراد وتزعم أنه القلم الذي كتب به بينوشاد وماسي التوراتي جميع علومهما وفنونهما وكُتُبهما.

مما سبق يدل بأن اللغة الكوردية قبل أكثر من 1100 سنة، لم تكن مجرد لغة محكية أو مكتوبة فحسب، بل كانت كذلك لغة علمٍ منتشرة في منطقة الشرق الأوسط، في كوردستان وبغداد والشام والكوفة، حيث كانت هناك العشرات من الكتب والمخطوطات العلمية المكتوبة باللغة الكوردية وتمت ترجمة بعضها الى اللغة العربية، حيث كانت اللغة الكوردية هي اللغة الرسمية لبلاد ما بين النهرَين في ذلك الوقت كما سيأتي ذكره في هذا المقال. كما أن إتقان رجلٍ كلداني مثل إبن وحشية للغة الكوردية يدل على أن اللغة الكوردية كانت سائدة في بلاد ما بين النهرَين والشام، حيث أن غير الكورد كانوا يتقنون اللغة الكوردية ويترجمون الكتب المكتوبة بهذه اللغة الى لغات أخرى. كما أن ترجمة إبن وحشية لِكتابَين كورديين تدل على الأهمية العلمية للكُتب الكوردية والتي بدورها تشير الى التقدم العلمي والحضاري للكورد في ذلك الوقت. 

8. اللغة الكوردية لغة رسمية في بلاد ما بين النهرَين:
كانت اللغة الكوردية هي اللغة الرسمية في بلاد ما بين النهرين قبل الإحتلال العربي - الإسلامي لهذه البلاد وبقيت لغة رسمية فيها بعد الإحتلال الى أن تسلّم الخليفة الاموي عبدالملك بن مروان الحكم. كانت اللغة الكوردية تُكتب بأبجديتها الكوردية التي يتحدث عنها (إبن وحشية) في كتابه المعنون (شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام)، المكتوب قبل أكثر من 1200 سنة. كما أن اللغة الكوردية كانت اللغة المستخدمة في الدواوين والشؤون الرسمية الإدارية في بلاد ما بين النهرَين وكانت جميع الدواوين الرسمية بإدارة رجل كوردي إسمه (زادان مەرروخ). كان الخليفة الاموي عبدالملك بن مروان من أکثر الخلفاء الأمويين تمسکاً بالتعصب العربي العنصري، حيث طبّق سياسة التعريب في مجالات عديدة. لقد منع عبد الملك بن مروان التعامل بالعملة الرومية التي کانت متداولة آنذاك وإستعاض عنها بسکّة عربية. کما منع إستعمال اللغة الكوردية، فقام بتعريب الجهاز الحکومي الإسلامي في زمن أبو محمد الحجاج بن يوسف الثقفي (660 - 714 م) الذي كان سياسياً وقائداً عسكرياً أموياً، فتمّت ترجمة جميع الدفاتر وأمور الدولة الأموية من اللغة الكوردية إلى اللغة العربية بأمر من الحجاج الثقفي. بعد أن ألغى الحجاج اللغة الكوردية كلغة رسمية لبلاد ما بين النهرين و إستبدلها باللغة العربية، بقيت اللغة الكوردية وأبجديتها مستعملة على نطاق ضيق وبشكل سري حتى أواخر عصر الخلفاء العباسيين (كێو موكريانی: فەرهەنگي مەهاباد. چاپي يەكەمين – هەولێر- چابخانەى كوردستان، 1961؛ محمد مەردوخي كوردستانی: مێژووی كورد و كوردستان. ترجمة عبدالكريم محمد سعيد، مطبعة أسعد، بغداد، 1991، صفحة 81، 302).

9. الموسيقار العبقري الكوردي (زرياب): ولِد (زرياب) في بغداد في سنة 789 ميلادية خلال فترة حكم هارون الرشيد. ترك زرياب بغداد، متوجهاً الى بلاد الأندلس، حيث إستقر هناك في مدينة قرطبة. إنتشر مقطوعاته الموسيقية من الأندلس الى جميع أنحاء أوروپا وأصبح موسيقاراً عالمياً مشهوراً. هذا الموسيقار والمغني الكوردي كان تلميذاً للموسيقار الكوردي إسحق الموصلي. أضاف (زرياب) وتراً خامسا ً لآلة العود الموسيقية، حيث كانت لهذه الآلة أربع أوتار قبل ذلك. كما أن زرياب كان السبب في إختراع الموشح، بتعميمه طريقة الغناء على أصول النوبة، بالإضافة الى إدخاله مقامات كثيرة لم تكن معروفة من قبله و جعل مضراب العود من قوادم النسر بدلاً من الخشب. (زرياب) كان أول من أدخل نظام إفتتاح الغناء بالنشيد قبل البدء بالنقر كما أنه هو أول من وضع قواعد تعليم الغناء للمبتدئين. هكذا نرى الوجود الكوردي في بغداد قبل 1225 سنة، حيث ولِد (زرياب) هناك وأن بنات وأبناء الشعب الكوردي كانوا يكرّسون حياتهم في خدمة البشرية من خلال الإبتكارات الموسيقية وتطوير الموسيقى كأجدادهم الخوريين الذين إبتكروا أول نوطة موسيقية في تأريخ البشرية قبل أكثر من 3400 سنة.

المصادر

1
. Lient Colonel Wilson (1917-1920). Mesopotamia, London.

2. Soane, E. B. (1912). Mesopotamia and Kurdistan in disguise. London.

mahdi_kakei@hotmail.com



6
إمتداد الجذور التأريخية للشعب الكوردي في أعماق كوردستان - 1 (3)

د. مهدي كاكه يي

في هذا المقال، أتطرق الى مقتطفات من تاريخ الشعب الكوردي التي تعود لأزمانٍ مختلفة، في تسلسل زمني، لتبيان الحقائق التأريخية التي تؤكد على عراقة الشعب الكوردي وكونه أحد أقدم شعوب العالم و عيشه في وطنه، كوردستان منذ ما قبل التأريخ، لتتطّلع عليها القارئات العزيزات والقرّاء الأعزاء ولتعرية وكشف إفتراءات وأكاذيب محتلي كوردستان والحاقدين على الشعب الكوردي الذين يدّعون بأن الوجود الكوردي في كوردستان لا يتجاوز عدة قرون والذين يهدفون في مساعيهم الى إظهار الشعب الكوردي كشعب غريب في وطنه، كوردستان والمنطقة وقلع جذور الشعب الكوردي من أرض أسلافه العظام، في محاولة يائسة لإجهاض النضال الكوردستاني لتحرير وطنه المغتصب وتحرير شعب كوردستان من الإحتلال والتبعية وإنقاذ الهوية واللغة والثقافة الكوردية من الإلغاء و تخليص التأريخ والتراث الكوردي من الإلغاء والتشويه والتحريف والسرقة وإيقاف نهب وسرقة موارد كوردستان من قِبل المحتلين. كما أن هؤلاء يحاولون عرقلة مسيرة الشعب الكوردي العريق في الإسهام من جديد، كأسلافه السوباريين والسومريين والإيلاميين والهوريين والميتانيين، في رفد الحضارة الإنسانية بإبداعاته وإبتكاراته وأفكاره وفنونه وآدابه، إلا أن الشعب الكوردي ماضٍ في مسيرته النضالية وسيحقق أهدافه في التحرر وإستقلال بلاده والمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية.

1. إسم (كوردستان):
إن المنطقة التى تُسمى "كوردستان" اليوم عُرِفت ب"بلاد الكورد" منذ آلاف السنين، حيث كان السومريون يسمّون المنطقة (كوردا قوتيوم) و التي تعني "أرض كاردا" و الأشوريون كانوا يسمونها (كورتي) و البابليون كانوا يطلقون عليها إسم "قاردو" و الإغريق كانوا يسمونها "قاردوتشوي" و الرومان أطلقوا عليها إسم (كوردرين) وتم ذكر إسم كوردستان في التورات بإسم (منطقة کاردو/قاردو). أطلق الآراميون إسم (بیت قاردو) على كوردستان والتي تعني (بلاد الكورد).

كان (مارسيلينيوس)، مؤرخاً وجندياً رومياً في القرن الرابع الميلادي، أي قبل حوالي 1700 سنة، عندما يصل الى الهذبانيين، يشير بوضوح الى الخارطة الجديدة لكوردستان، حيث يقول بأن المنطقة الممتدة من نينوى، مارةً بأربيل حتى مدينة همدان هي بلاد الهذبانيين. هذه هي أقدم إشارة للجغرافية الجديدة لكوردستان في التأريخ. علماً بأن نينوى كانت في ذلك الوقت مقاطعة أكبر بكثير من تلك التي نجدها اليوم، حيث كانت تضم أيضاً أجزاءً من شرق و شمال كوردستان الحالية، بينما كانت الأقسام الأخرى من شرق وشمال كوردستان تحت الحكم الرومي آنذاك. هكذا نرى بأن (مارسيلينيوس) قبل حوالي 1700 عاماً يشير الى جغرافية كوردستان الحالية. من الجدير بالذكر هو أن الهذبانيين كانوا ينتمون الى قبيلة قامت بتأسيس دولة كوردية قديمة، حيث يعود أصلهم الى العهد الهوري، قبل مجئ الآشوريين الى المنطقة، وأن أصل عائلة صلاح الدين الأيوبي يعود الى هذه القبيلة، حيث كانت كوردستان تُعرف ببلاد الهذبانيين في القرن الرابع الميلادي، أي قبل الإحتلال العربي الإسلامي لِكوردستان بِحوالي 300 سنة.

خارطة العالم الإسلامي التي رسمها محمود كشغري في سنة 1076 ميلادية أي قبل 938 سنة، فيها كوردستان بإسم (أرض الأكراد). هذا دليل آخر على العمق التأريخي للكورد في كوردستان.

أول من أطلق إسم "كوردستان" على موطن الكورد هو السلطان السلجوقى سنجر و ذلك فى أواسط القرن السادس للهجرة (القرن الثاني عشر الميلادي) أي قبل أكثر من 800 سنة (لى سترينج: الأراضي فى شرق عصر الخلافات. 1930).

2. إسم (الكورد): تم ذكر الكورد في وثيقة تاريخية قديمة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد والتي هي عبارة عن لوحَين من الحجر نقش عليهما نص سومري، سبق ل(إرنانا)، الوزير الأكبر للملك السومري سوشين (2037 – 2029 ق. م.) أن أمر بوضعهما تحت قاعدة الباب العائد لمعبد جديد تم بناؤه في جرسو (تيللو) في جنوب العراق. بعد أن يذكر (إرنانا) سلسلة من ألقابه ومناصبه، يذكر بأنه محافظ عسكري لأربيلوم (أربيل)، ومحافظ كل من خماسي وكره خار (قره خان/ جلولاء)، وكذلك القائد العسكري لأهالي سو وبلاد كوردا (كوردستان الكبرى). إن هذه المناطق التي يذكرها الوزير السومري كلها تقع ضمن كوردستان الحالية. وفي فترة كتابة النص، كان يسكن أسلاف الكورد الهوريون في معظم أنحاء كوردستان. كانت منطقة (قره خار) المذكورة، والواقعة في أعالي نهر ديالى، تعتبر من أحد أهم مراكز الهوريين السياسية. من الجدير بالذكر أن هذين اللوحَين المتواجدَين حالياً في متحف اللوفر في باريس، قد تم التنقيب عنهما من قِبل بعثة فرنسية في (تيللو) في جنوب العراق. قام كل من البروفيسور (مانفريد ميللر) و البروفيسور (أولسنر) بترجمته إلى اللغة الألمانية. هكذا فأن هذه الوثيقة السومرية تشير الى الوجود الكوردي في كوردستان قبل أكثر من 4000 سنة.

قبل حوالي 2400 سنة، يذكر (زینفون) إسم الكورد ويُسمّيه (کاردۆخی) و قبل حوالي 2000  سنة، يذكر (سترابو) إسم الكورد قائلاً: بالقرب من نهر دجلة هي المناطق التي تعود لل(گوردیایی) الذين كان يُطلَق عليهم في السابق إسم "كاردوخي".

فيما يخص أصل الكورد، أوليا چلبي المولود في إسطنبول في سنة 1611 أو 1616 ميلادية يذكر ما يلي: حسب قول الرحالة المقدسي (إسمه محمد بن أحمد بن أبي بكر المقدسي والمعروف بإسم شمس الدين المقدسي، مولود في القدس سنة 947 ميلادية وصاحب الكتاب المشهور "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم")، أنه بعد طوفان نوح، تم في البداية إعمار مدينة (جودي) ومن ثم إعمار قلعة شنگار (سنجار) وبعد ذلك (ميافارقين). كان الملك (كوردوم) هو مالك مدينة جودي وكان من أمة نوح، عاش لمدة ستمائة سنة وتجوّل في كافة أنحاء كوردستان. عندما وصل الى مدينة (ميافارقين)، (تقع مدينة ميافارقين في شمال شرق مدينة آمد "ديار بكر" بين نهرَي دجلة والفرات)، أحبّ هذا الملك مناخ المدينة وإستقرّ فيها هناك. كان له أبناء وأحفاد كثيرون، حيث قاموا بإيجاد لغة خاصة بهم والتي هي ليست اللغة العربية ولا الفارسية ولا العبرية ولا الدرية، وهذه اللغة تُسمّى اليوم اللغة الكوردية و يتم التكلّم بها في كوردستان. هكذا يخبرنا الرحالة المقدِسي قبل 1067 سنة عن الوجود الكوردي في كلٍ من (جودي) و (شنگار) و(ميافارقين) ويخبرنا أيضاً عن وجود اللغة الكوردية.

3. السومريون: يذكر كل من الأستاذ طه باقر والدكتور عامر سليمان بأنه عند هجرة الأكديين الى شمال وادي الرافدين (جنوب كوردستان الحالية) في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد، كان السومريون و السوباريون يعيشون هناك وكانت المنطقة تُسمى ب"سوبارتو". يضيف المؤرخان المذكوران بأنه جاء ذكر السوباريين في النصوص المسمارية منذ عصر فجر السلالات (طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، 1973، صفحة 120، 476؛ عامر سليمان: العراق في التاريخ القديم، الموصل، دارالحكمة للطباعة والنشر، 1992، صفحة 119). من هنا نرى أن الموطن الأصلي للسومريين هو كوردستان وأنهم من أقوام جبال زاگروس التي هي الموطن الأصلي للكورد وأن السومريين هاجروا من كوردستان الى جنوب بلاد ما بين النهرَين وبنوا حضارة راقية هناك.

يذكر كل من الدكتور عبدالعزيز صالح في صفحة 448 من كتابه (الشرق الأدنى القديم –مصر والعراق، الجزء الأول، القاهرة، 1976م) والدكتور محمد بيومي مهران في كتابه المعنون (تاريخ العراق القديم، الاسكندرية، 1990، صفحة 90) والدكتور إبراهيم الفني في صفحة 319  من كتابه المعنون (التوراة) المنشور من قِبل (دار اليازوري للنشر والتوزيع) في العاصمة الأردنية، عمّان في عام 2009، بأن الموطن الأصلي للسومريين هو جبال زاگروس الكوردستانية.

في بعض مدن شمال بلاد ما بين النهرَين مثل مدينة آشور ونينوى، تم إكتشاف آثار للحضارة السومرية التي تعود لعصر فجر السلالات ولا سيما الفترة الأخيرة منه (طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، عام 1973، صفحة 177). إكتشاف آثار سومرية في شمال بلاد ما بين النهرَين (كوردستان) يؤكد على أن كوردستان هي الموطن الأصلي للسومريين وأن السوباريين والسومريين عاشوا معاً هناك. هذا دليل مادي على كون كوردستان الموطن الأصلي للسومريين ولا مكان فيه لأية إجتهادات أو تحليلات (لمعرفة المزيد من المعلومات عن السومريين وعن كونهم أسلاف الكورد، يمكن الإطلاع على الرابط الموضوع في نهاية المقال).

4. السوباريون: الپروفيسور (مهرداد إزادي Mehrdad Izady) أستاذ التأريخ القديم في جامعة هارڤارد الأمريكية يذكر بأن أقدم عشيرة كردية بادينانية هي عشيرة الزيبار وأن هذه العشيرة تنحدر من السوباريين (مصدر 1). إكتشاف آثار سوبارية في منطقة "زيبار" الواقعة في جنوب كوردستان هو دليل على أن عشيرة الزيبار هي إمتداد للسوباريين، حيث تم في هذه المنطقة الواقعة في شمال مدينة أربيل، العثور على أنقاض مدرسة لتعليم الأطفال التي يعود تأريخها الى العصر السوباري، وعلى قرميدات عليها دروس للأطفال والشباب في علوم الحساب وجداول الضرب والمعاجم. كما تم إكتشاف كُتب عديدة و رسائل كانت عبارة عن صكوك وقيود ومسائل رياضية وفلكية و نصوص تأريخية في هذه المنطقة. كما يذكر الباحث الأمريكي " گلب Gelb" بأن أصل السوباريين من الأقوام الجبلية غير السامية مثل الگوتيين و الكيشيين و أن الهوريين (الخوريين) ينحدرون من السوباريين (مصدر 2). كان السوباريون والسومريون يعيشون معاً في كوردستان الحالية وأن الوجود السوباري في كوردستان قديم جداً، يعود الى أكثر من 5000 سنة وأن وجودهم في كوردستان سبق هجرة الساميين الى كوردستان و كذلك سبق تأسيس الدولة الآشورية بِأكثر من 2000 سنة.
5. الخوريون: يشير الدكتور جمال رشيد احمد بأن "جيجر" يذكر أن إسم الخوريين مرتبط بإسم الإله "خوارHVAR " إله الشمس، حيث لا يزال إسم الشمس باللغة الكوردية هو (خۆر) (الدكتور جمال رشيد أحمد: دراسات كردية في بلاد سوبارتو، بغداد، 1984، صفحة 25، 26). إن هذه التسمية في بلاد سوبارتو و تعميقها بمفهوم ديني ومن ثم بمفهوم قومي على جميع السكان الذين آمنوا بإله الشمس والنور في بلاد سوبارتو من گوتيين ولوليين وكاسيين، له مغزى تأريخي عظيم، حيث أنها تعني بأن هذه المجموعة البشرية كانت تعبد إلهاً مشتركاً و تقوم بأداء طقوس دينية مشتركة. الديانات التي كانت سائدة في بلاد سوبارتو، كانت تدّعي بأولوية وعظمة إله الشمس من بين الآلهة الأخرى. يستطرد الدكتور جمال رشيد أحمد في حديثه بأنه لا يزال إسم إله الشمس باقياً في نفس المنطقة بشكل "خورماتو" (طوزخورماتو، تازه خورماتو)، كما هو الحال مع إسم "باگاداتو" التي تحولت الى "باگادات" أي عطاء الإله باگا.

يذكر الدكتور جمال رشيد أحمد بأن أغلب مفردات اللغة الخورية تُستعمل الآن في اللغة الكوردية الحالية وعلى نطاق واسع (الدكتور جمال رشيد أحمد: دراسة لغوية حول تأريخ بلاد الكورد، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1980، صفحة 99). من هنا يظهر بأن لغة الميديين (لغة الآڤێستا) واللغة الكوردية الحالية هي إمتداد للغة الخورية، حيث يذكر المفكر الكوردستاني مسعود محمد في بحثه المنشور في كتابه المعنون "لسان الكُرد" الصادر في عام 1987، الى أن الكتاب المقدس للديانة الزردشتية (آڤێستا)، مكتوب بِلغة كوردية قديمة وأن اللهجة الموكريانية هي نفسها لغة الآڤێستا و لا يزال الموكريانيون في شرق كوردستان محافظين على لُغة الآڤێستا و يتكلمون بها. كما أنه تم العثور على مفردات سوبارية التي هي مفردات تمت كتابة الرسالة الميتانية بها، وعليه فأن اللغة الخورية – الميتانية هي إمتداد للغة السوبارية، حيث أن الخوريين هم أحفاد السوباريين (مصدر 3). هذا يعني بأن الكورد كانوا يعيشون في كوردستان الحالية قبل أكثر من 3400 سنة، حيث مما تقدم فأن الكورد هم أحفاد الخوريين.

المصادر
1. Izady, Mehrdad R (1992). The Kurds: A concise handbook. Washington, London, Taylor & Francis Publishers, pp. 268. ISBN 978-0-8448-1727-9.

2. T. G. Gelb (1944). Hurrians and Subarians.

3. Speiser, E. A. Introduction to Hurrian (1940 - 1941). The Annual of the American Schools of Oriental Research, Vol. 20, Introduction to Hurrian, pp. 1-230, published by The American Schools of Oriental Research.

https://www.facebook.com/groups/203651246492056/permalink/306905466166633/

mahdi_kakei@hotmail.com



7
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (18) – أسلاف الكورد: الميديون

د. مهدي كاكه يي

أصل الميديين

1. نظرية هجرة الميديين الى كوردستان

هناك نظريتان حول أصل الميديين. النظرية الأولى تقول بأن الميديين هم آريون أو هندوأوروپيون، هاجروا هُم والفرس الى المنطقة منذ حوالي سنة (1100) قبل الميلاد وإستقر الميديون في المنطقة التي سُمّيت لاحقاً (كوردستان). النظرية الثانية تقول أن الميديين هم السكان الأصليون لكوردستان ولم يكونوا مهاجرين إليها. في هذه الحلقة يتم الحديث عن نظرية هجرة الميديين الى كوردستان. في الحلقة القادمة سيتم إستعراض أقوال وآراء الفريق الآخر من المؤرخين والباحثين القائلين بأن الميديين هم السكان الأصليون لكوردستان.

يذكر المؤرخ محمد أمين زكي بأنه منذ فجر التاريخ كانت تعيش شعوب جبال زاگروس في كوردستان الحالية وكانت تتألف من شعوب (لولو)  و (گوتي) و (خالدي - كالدي) و (سوبارو) و (هوري) (مصدر 1) . من هنا يستنتج المرء بأن (المانيين) الذين عاشوا في منطقة أذربيجان التابعة لإيران الحالية في الفترة الواقعة بين القرن العاشر قبل الميلاد والقرن السابع قبل الميلاد، هم من أسلاف الكورد. لقد ورد ذكرهم في الكتاب المقدس (العهد القديم). كان (المانيون) مجاورين للآشوريين ودولة أرارات ولم يكونوا من الشعوب الهندو - أورپية ولم يكونوا خاضعين لسيطرة الإمبراطوريات المجاورة. حسب رأي أصحاب هذه النظرية، فأن الميديين، الذين كانوا أقواماً آرية (هندو- أورپية)، هاجروا من منطقة بحر قزوين الى كوردستان الحالية و إمتزجوا مع الأقوام الأصلية التي كانت تقطن كوردستان مثل (المانيين) و (الصيثيين) و (الكيمريين) وإستوطنوا في كوردستان الحالية مع السكان الأصليين الذين كانوا يقطنون كوردستان منذ فجر التاريخ و ُيسمّيهم المؤرخ محمد أمين زكي ب"شعوب جبال زاگروس" والتي لم تكن شعوب هندو – أوروپية. إستناداً الى العهد القديم من الكتاب المقدس، فأن الميديين ينحدرون من سلالة يافث إبن نوح.

تذكر الدراسات بأن الميديين أتوا إلى كوردستان الحالية منذ حوالي (1100 ق.م)، وكانوا يتألفون من ست قبائل وهي (بوسي Busae) و (پاريتاسيني Paraetaceni) و (ستروخات Stru¬khat) و (أريزانتي Arizanti) و (بودي Budii) و (ماگي Magi) (مصدر a)، بينما يُسمّي (دياكونوف) هذه القبائل الست كالآتي: (بوسي Boussi) و (پاريتاكنوي Paretaknoi) و (ستروكناتيس Strouknates ) و (أريزانتوي Arizantoi) و (بودلوي Boudloi) و (ماگوي Magoi) (مصدر b). كانت القبائل الميدية لها لغة مشتركة. يذكر (أرشاك سافراستيان) بأنه تمت تسمية (گوتيوم) فيما بعد ب(ميديا) و ثم سُمّيت المنطقة ذاتها ب(كوردستان)، حيث أن (ميديا) هي إمتداد جغرافي وتأريخي وثقافي لِبلاد الگوتيين (گوتيوم) وكانت المنطقة موطناً لكل من الگوتيين والميديين (مصدر 2).

يذكر الباحث (زيار) بأنه بحلول سنة 1500 قبل الميلاد، هاجرت قبيلتان رئيسيتان من الآريين من نهر الفولگا، شمال بحر قزوين وإستقرتا في إيران الحالية وكانت القبيلتان هما (الفارسيين) و (الميديين)، حيث أسس الميديون، الذين إستقروا في المنطقة الشمالية الغربية، مملكة ميديا وعاشت الأخرى في الجنوب في منطقة أُطلق عليها الإغريق فيما بعد إسم "پارسيس" وتحول هذا الإسم فيما بعد الى (فارس) (مصدر 3).

يذكر (Will Durant)، بأن الميديين هم أقوام من الجنس الهندو-أوروپي ومن المرجح أنهم جاؤوا من شواطئ بحر الخزر، إلى غربي آسيا قبل ميلاد المسيح بنحو ألف عام (مصدر c). كما يقول (Will Durant) في نفس الصفحة من كتابه بأنه تم ذكر الميديين لأول مرة على لوح مسجّلة فيه رحلة الملك الآشوري (شلمنصر الثالث) الى بلاد كانت تُسمى (Parsua) الواقعة في جبال كوردستان (837 قبل الميلاد) وكان شعبها يُدعى (أماداي Amadai) و (ماداي Madai) و (ميد Medes). يذكر المؤرخ محمد أمين زكي بأن الجيش الآشوري في عهد الملك (شلمنصر الثاني) صادف العشائر الميدية في الحدود الشرقية لبلاد آشور، حيث قامت هذه العشائر بتقديم بعض الهدايا للملك الآشوري الذي إعتبرها فيما بعد فريضة على هذه العشائر، يجب تقديمها له كل سنة (مصدر 4). دفع الجزية هذه مذكورة في السجلات الآشورية أيضاً التي تقول بأن كلاً من الملكَين الآشوريين (تِغلات پلاسر الثالث) (747 – 728 قبل الميلاد) و (سرجون الثاني) (722 – 705 قبل الميلاد) أجبرا الميديين على دفع الجزية لهما. كما أن المدّونات الآشورية تصف الشعب الميدي بأنه شعبٌ قوي وأنهم شعب مؤلّف من قبائل غير خاضعة لِحُكم ملك واحد (مصدر b، d).

يذكر المؤرخان (هارڤي روبنسون James Harvey Robinson) و (جَيمس هنري بريستيد James Henry Breasted) بأنه كانت هناك أقوام آرية تقطن البلاد الشرقية والشمالية الشرقية لبحر قزوين في حوالي عام 2500 قبل الميلاد (مصدر e، f). كان قسم من هذه الأقوام حينذاك يمتهنون الزراعة ويقومون بتربية المواشي و الأغنام و الخيول و كانوا يجهلون الكتابة (مصدر f). إرتحل قسم من هذه الأقوام الآرية الى الهند وتركت لنا كتاباً مقدساً مكتوباً باللغة السنسكريتية الذي إسمه (ڤيداس). هذا الكتاب المقدس يحتوي على معلومات مهمة عن الحياة الأولى لهذه الأقوام و عن الأدوار التأريخية التي مرت بها. القسم الباقي من هذه الأقوام الآرية توجهت نحو الغرب الجنوبي وبلاد ما بين النهرين، حيث إستقرت هناك. كان شعب (ماد أو ميد) و شعب (پارس أو پارساي) هما من أهم الأقوام التي إستقرت في هذه المنطقة. في بداية إستقرارهم، أسست كل أسرة من العشائر والقبائل الميدية حكومة مستقلة صغيرة. بعد إنتقال الميديين في القرن التاسع قبل الميلاد أو بعده الى الهضبة الإيرانية (بلاد ميديا)، بدأوا بالإستيلاء تدريجياً على بلدان جيرانهم.

في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد قام الشعب الميدي بتأسيس مملكة ميديا و أصبح شعب پارساي (الشعب الفارسي الحالي)، الذي يرتبط به بصلة القرابة والنسب، تحت حكم الدولة الميدية. قام الميديون بتأسيس مدينة (هكمتان "همذان") وجعلوها عاصمة لمملكتهم (مصدر 5).

لإثبات صحة النظرية التي تقول بأن الميديين هاجروا الى كوردستان، يحتاج المرء الى دلائل آثارية وتأريخية تشير الى مجئ الميديين الى منطقة كوردستان الحالية، حيث كان الشعب الميدي شعباً قوياً وبنى إمبراطورية عظيمة، لذلك فأنه من المُستبعد عدم العثور على آثار وتاريخ قدومه الى المنطقة. الى الوقت الحاضر لم يتم الحصول على مصادر آثارية وتاريخية تشير الى هجرة الميديين الى المنطقة وكل ما يتوفر لدى الباحثين هو مجرد آراء وإجتهادات وتحاليل بصدد هجرة الميديين الى المنطقة، حيث أن هذه النظرية تفتقد الى آثار أركيولوجية وتاريخية تُثبت صحتها. كما أنه ليست هناك معلومات تُذكَر عن تأريخ وحياة الميديين في منطقة بحر قزوين التي يرى أصحاب هذه النظرية بأنها كانت الموطن الأصلي للميديين.

فيما لو هاجر الميديون الى كوردستان، كيف تم إستيطان هذا القوم الجديد الوافد الى كوردستان بدون أية مقاومة من السكان الأصليين الذين كانوا يعيشون هناك، حيث كانت كوردستان آنذاك موطناً للشعب الگوتي ولم تكن فارغة من السكان. الملك الآشوري (شلمنصر الثالث) (858 – 823 قبل الميلاد) إتصل بالشعب الگوتي وقاتلهم، حيث تشير الآثار الآشورية الى أن العشائر الگوتية كانت على جانب عظيم من الشدة والبأس وكانت حدود بلاد الگوتييين  تمتد من (أوراتري "أرمينية") الى غرب (كيموخي "طورعابدين")، كما جاء في أقوال الملك الآشوري (شلمنصر) (مصدر 6). هنا يتساءل المرء كيف إستطاع الميديون "المهاجرون" الإستقرار في كنف الشعب الگوتي في بلاد الگوتيين (كوردستان) دون مقاومة الشعب الگوتي لهذا القوم الغريب الآتي الى بلاده. لا نجد في ثنايا التاريخ أخباراً عن وقوع حروب ومعارك بين الگوتيين والميديين الذين يدّعي بعض المؤرخين بِأن الميديين قد هاجروا الى كوردستان. هذه الإشكالات تُضعِف مصداقية النظرية القائلة بأن الميديين قد أتوا الى كوردستان من مناطق أخرى.

المصادر

1. محمد أمين زكي (1961). خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، القاهرة، صفحة 58 - 59.

2. أرشاك سافرستيان (1948). الكورد وكوردستان. مطبعة هارفيل، لندن ، صفحة 16..

3. د. زيار (2000). إيران ثورة في إنتعاش. باكستان.

4. محمد أمين زكي (1961). خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، القاهرة، صفحة 105.

5. المصدر السابق، صفحة 69.

6. المصدر السابق، صفحة 92.


a. Rawlinson, George, Rawlinson, Henry and Wilkison, J. C. (1861). The History of Herodotus. New York, D. Appleton & Company 443 & 445 Broadway.

b. Diakonoff, I. M. (1985). The Cambridge History of Iran: Media, Cambridge University Press, Cambridge.

c. Will Durant (1935). THE STORY OF CIVILIZATION. Volume one, Chapter XIII, page 384.

d. Olmstead, A. T. (1923). History of Assyria. Chicago, USA, page 75.

e. Robinson, James Harvey. History of Europe: Our Own Times (with Charles A. Beard) Boston: Ginn and Co., 1921.

f. Breasted, James Henry (1916). Ancient Times — A History of the Early World. Boston, The Athenæum Press.



8
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (17) – أسلاف الكورد: الميديون

د. مهدي كاكه يي

1. تسمية الميديين

تمهيد

نتيجة إفتقار الشعب الكوردي لِكيان سياسي منذ سقوط الإمبراطورية الميدية الى الآن بسبب إحتلال وطنه، كوردستان، فأن التاريخ الكوردي قد تعرض للإلغاء والتعتيم والسرقة والتزييف والتحوير من قِبل محتلي كوردستان. إن كوردستان هي مهد الحضارات وأنها تزخر بِمعالم آثارية كثيرة تعود لأسلاف الكورد، إلا أن قسماً منها تم إتلافه من قِبل محتلو كوردستان لِطمس التاريخ الكوردي والحضارة الكوردستانية، وقسم آخر مُهمَل ومتروك في مواقعه، كما أنه لابد أن تكون هناك آثار كثيرة تحتفظ بها أرض كوردستان والتي لا تزال غير مُكتشَفة، تنتظر تحرر كوردستان ليقوم الكوردستانيون بِمسحٍ عام للمناطق الأثرية، للعثور على آثار حضارة أسلافهم العظام. هكذا نرى أن هناك معلومات قليلة عن الإمبراطورية الميدية، بالرغم من أنها كانت إمبراطورية كبيرة وقوية دامت لِحوالي 150 سنة و إستطاعت، بالتحالف مع البابليين، إسقاط الإمبراطورية الآشورية. لهذا السبب إختفت سجلات ومدوّنات هذه الإمبراطورية العظيمة و لا يمكن التعرّف على تاريخ وحضارة الشعب الميدي من خلال مصادر عائدة له. هناك معلومات قليلة عن الشعب الميدي ودولته في المصادر الآشورية والأرمنية والفارسية وعن طريق بعض اليونانيين، من أمثال قائد المرتزقة العشرة آلاف، (زينوفون) والرحالة المؤرخ (هيرودوت) والطبيب المؤرخ (كتسياس).

أطلق شعوب المنطقة على الميديين أسماء مختلفة، حيث كان إسم (الميديين) باللغة الإيلامية الحديثة (ماتا- په Mata- pe)، وباللغة الأكدية (ماداي Madai)، وباللغة الآشورية (ماداي Medai) و (أماداي Amadai) و (ماتاي Matai)، وباللغة اليونانية القديمة (مادوي/ميدوي Madoi/Medoi)، وباللغة العبرية القديمة (ماداي Madai)، وباللغة الفارسية القديمة (مادا Mada)، وباللغة الفارسية الحديثة (مادي Madi)، وباللغة الأرمنية القديمة (مار-ك Mar-k)، وباللغة الفرثية (مات Mat)، وباللغة اليونانية {ميديا Μηδία (Midia)}، وباللغة الإنكليزية (ميد Mede) وباللغة الكوردية (ماد أو ميدي Mad/ Mîdî).

يقول المؤرخ اليوناني (هيرودوتس Herodotus)، بأنه تم ذكر الشعب الميدي بهذا الإسم في نصوص قديمة كثيرة، حيث أنه في العهود الغابرة في القِدم، كان يُطلق إسم (آريين) على الميديين من قِبل جميع الناس، إلا أنه بعد مجئ إمرأة بإسم "ميديا" من أثينا الى الميديين، غيّر سكان المنطقة إسمهم من (آريين) الى (ميديين) (مصدر a). ("ميديا" كانت إمرأة في المعتقدات الدينية اليونانية و كانت من سكان ميديا). كانت هذه الإمرأة إبنة "آيتيس Aeetes" ملك منطقة القوقاز وإبنة أخ (سيرس Circe) وحفيدة إلهة الشمس (هيليوس Helios) والزوجة الجديدة للبطل (جاسون Jason) واللذان خلّفا معاً طفلَين، هما (ماميروس Mermeros) و (فيريس Pheres).

يرى (دياكونوفDiakonoff ) بأن هناك تقارب في المعنى بين كلمة (أمادي) أو (ماداي) وكلمتَي (مارودي) و(أمارودي)، حيث يقول بأن كلاً من كلمة (ماردوي) و(أماردوي) باليونانية القديمة، و(مارتا) في كتاب زرادشت المقدس (آڤێستا الوسطى)، تعني (المحارب) أو (المقاتل) أو (المتمرّد) أو (المتمرّد الجبلي) (مصدر b)، بينما يقول (Tavernier) بأن كلمة (مادا) و(ماسا) تعني (عظيم أو كبير) (مصدر c).   

يشير (أرشاك سافرستيانArshak Safrastian ) الى أن بعض النصوص السومرية المعجمية التي نُشرت من قِبل الأستاذ ( Chirac. E)، تشير الى أن كلمة (Media) مرادفة لعبارة (الأرض) أو (البلد) مثل (مادا- گوتيام) أي (أرض الگوتيين)، إلا أن البابليين الذين كانوا متأثرين بالأدب السومري، أغفلوا المعنى الأصلي للكلمة، وإعتبروها إسماً لمنطقة أو شعب دون تحديد موقع هذه المنطقة أو هذا الشعب (مصدر 1). عندما تمّ إطلاق إسم (الميديين) على هذا الشعب القاطن في سلسلة جبال زا گروس، نقل (هيرودوتس) الإسم الى اليونانيين، ومنهم إنتقل بعد ذلك الى المصادر الأورپية كإسم لسلف الشعب الكوردي الحالي. رغم أنه كان يُطلق أسماء مثل (Mahi, Masi, Mada) على الشعب الميدي، إلا أن هذه الأسماء لها نفس المعنى أو ذات معاني متقاربة.

من جهة أخرى يذكر الباحثان (Skalmowski) و (Van Tongerloo) بأنه تم أخذ المصدر الأصلي للأسماء المختلفة التي تُطلق على الشعب الميدي و على لغته ووطنه، من الكلمة الهندوأوروپية القديمة (مادا Mãda)، حيث أن هذه الكلمة مرتبطة بالكلمة الهندأوروپية القديمة "Med(h)" التي تعني (مركز أو "الواقع في الوسط") إستناداً الى الكلمة الهندية القديمة (Madhya) والكلمة الإيرانية القديمة (Maidiia) اللتين لهما نفس المعنى و تنتميان الى سلالات لغوية، منها الكلمة اللاتينية (Medium) و اليونانية (mėso) و الألمانية (Mittel)(مصدر d). 

من المرجح أن الميديين كانوا يسمّون أنفسهم ب(Masa) الذي يعني باللغة الميدية (كبير، نبيل) (مصدر c). في اللغة السومرية كلمة (Massu) تعني (قائد) وكلمة Mes)) تعني (بطل) و في اللغة اللوڤية كلمة (Masana) تعني (إله) و كلمة (Mashani) تعني (تكبير أو تعظيم) و في لغة الآڤيستا كلمة (Masan) تعني (عظيم) و في اللغة الكوردية الحديثة كلمة (مەس، مەزن) تعني (كبير أو عظيم) أيضاً. هنا نرى تواصل لغات أسلاف الكورد مع بعضها وإحتفاظ أحفادهم الكورد بِلُغة أسلافهم رغم الفاصل الزمني الطويل بينهم. 

عندما إحتل العرب كوردستان، تم إطلاق إسم (ماهات) على مركز السلطة الميدية من قِبل العرب، حيث أن (ماه) هو إسم الميديين (مصدر e) وأن اللاحقة (ات) هي لاحقة الجمع في اللغة العربية. يذكر (البلاذري) بأنه عند إحتلال كوردستان من قِبل العرب في العهد الإسلامي، تم تقسيم قسم من المناطق المحتلة لكوردستان الى عدة أقسام، حيث أن الضرائب (الجزية) المأخوذة من كل منطقة، كانت تُرسَل الى المسلمين الساكنين في منطقة محددة (مصدر 2). لذلك كان العرب يطلقون إسم (ماه الكوفة) على مدينة (دینەوەر) وأطرافها لأن الجزية المأخوذة من سكان مدينة (دینەوەر) وتوابعها كانت توزع على السكان المسلمين الجدد الساكنين في مدينة الكوفة. كذلك لنفس السبب تم إطلاق إسم (ماه البصرة) على مدينة (نَهاوند)، حيث كانت الجزية المستحصلة من سكان (نهاوند) كانت تُعطى لسكان مدينة البصرة الذين أصبحوا مسلمين بعد الإحتلال العربي الإسلامي. هكذا تم تقسيم مركز بلاد ميديا من قِبل المحتلين العرب الى (ماه الكوفة) و (ماه البصرة).

يتبين مما سبق بأن الميديين كانوا يسمّون أنفسهم (Masa)، بينما يُشار إلى إسمهم في السجلات التابعة للملك الساساني (أردَشير پاپەگان) المكتوبة باللغة الپهلوية بإسم (Masi). حرف (س) الميدي يصبح حرف (ھ) في اللغة الپهلوية، إلا أنه يبدو أن الساسانيين قد إستعملوا الإسم الميدي المستّخدَم من قِبل الميديين أنفسهم. كذلك يتحول حرف (س) السومرية والكوردية الى حرف (ھ) في اللغة الپهلوية. على سبيل المثال، الكلمة الكوردية (ماسي) التي تعني (سمكة) تصبح (Mahig) في اللغة الپهلوية والكلمة الكوردية (آسن) التي تعني (حديد) تصبح في اللغة الپهلوية (Ahan آهَن).

هكذا فأنه يُشار الى (بلاد الميديين) بإسم (ماه) في المصادر الإسلامية حتى القرن الثاني عشر الميلادي و أن العرب قاموا بجمع كلمة (ماه) و بذلك جعلوها (ماهات). إن الإسم (ماه) هو كلمة پهلوية وأن العرب أخذوا هذا الإسم من اللغة الپهلوية للإشارة الى بلاد الميديين (ميديا)، حيث أنه عند الإحتلال العربي الإسلامي للمنطقة كانت لا تزال النصوص المكتوبة باللغة الپهلوية سائدة في المنطقة و كانت اللغة الپهلوية تُستعمَل كلُغة الكتابة فيها (مصدر 3، 4)، لذلك قد يكون سكان المنطقة لم يستعملوا نفس الإسم الپهلوي ل(ميديا) في أحاديثهم اليومية، إلا أنه نتيجة إستخدام اللغة الپهلوية في الكتابة آنذاك، فأن الإسم الپهلوي ل(ميديا) تم إستعماله من قِبل العرب المحتلين. من الجدير بالذكر أن كلمة (Masa) السومرية والكوردية التي تعني (عظيم) وكانت إسم (الميديين)، تصبح في اللغة الپهلوية (Meh) وهذا يعضد التحليل المذكور أعلاه المتعلق بإسم بلاد ميديا (مصدر 5).
       

المصادر

1. أرشاك سافرستيان (1948). الكورد وكوردستان. مطبعة هارفيل، لندن ، صفحة 16.

2. البلاذري (2010). فتوح البلدان، صفحة 375.

3. كێو موكريانی (1961). فەرهەنگي مەهاباد. چاپي يەكەمين، هەولێر، چابخانەى كوردستان.

4.  محمد مەردوخي كوردستانی (1991). مێژووی كورد و كوردستان. ترجمة السيد عبدالكريم محمد سعيد، مطبعة أسعد، بغداد.

5. سۆران حەمەڕەش (2013). كورد كێیە؟ مێژووی كورد و ڕەچەڵەكی زمانەكەی لە سەرەتای شارستانییەوە هەتاوەكو سەدەی دەیەمی زاینی. چاپی یەكەم، لەندەن، YPS-Publishing، ، لاپەڕە 11، په‌راوێزی 4).

a. Rawlinson, George, Rawlinson, Henry and Wilkison, J. C. (1861). The History of Herodotus. New York, D. Appleton & Company 443 & 445 Broadway.

b. Diakonoff, I. M. (1985). The Cambridge History of Iran: Media, Cambridge University Press, Cambridge.

c. Tavernier, Jan (2007), Iranica in the Achaemenid Period (ca. 550-330 B.C.): Linguistic Study of Old Iranian Proper Names and Loanwords, Attested in Non-Iranian Texts, Peeters Publishers, ISBN 90-429-1833-0, page 558.

d. W. Skalmowski and A. van Tongerloo eds., Medioiranica (Orientalia Lovaniensia Analecta 48), Louvain, 1993, pp. 29-44.

e. Browne, Edward G. (1919). A literary history of Persia: A literary history of Persia from the earliest times until Firdawsi. T. Fisher Unwin Ltd, London, page 19.


9
هل أن حكام إمارة أردلان كاكائيون؟

د. مهدي كاكه يي

حدود الإمارة

أسس (باوه أردلان) هذه الإمارة، حيث سُمّيت هذه الإمارة بإسمه. إمتدت إمارة أردلان من أصفهان الى كركوك، حيث دام حكم هذه الإمارة حوالي 700 سنة والتي كانت قائمة من سنة 1169 الى سنة 1869م، إلا أن الأمير شرفخان بدليسي يذكر في كتابه "شرفنامه" بأن دولة أردلان تم تأسيسها في زمن الساسانيين، أي قبل ظهور الإسلام و أنها إستمرت الى سنة 1869م (شرفخانى بدليسى: شرفنامه. ترجمة هەژار، كۆڕی زانیاری كورد، چاپی دوهەم، چاپخانەی جەواهیری، تاران، 1982).

كانت إمارة أردلان تضم أصفهان وهمدان وكرماشان وهورامان وشارزور وأربيل وراوندوز وكركوك والموصل وكفري وخانقين ومندلي وتكريت وأجزاء من محافظة الكوت. خضعت إمارة العمادية التي كانت تضم عقرة والدير ودهوك وزاخو، لحكم الأردلانيين لمدة 200 عاماً والذي إستمر من القرن الثاني عشر الى القرن الرابع عشر الميلادي. تأسست هذه الدولة في شارزور الواقعة في محافظة السليمانية و ثم إنتقل مركز حكم الدولة الأردلانية الى مدينة "سنه"، حيث إتخذ الأردلانيون هذه المدينة عاصمة لهم. كانت اللهجة الگورانیة هي اللهجة الرسمية لدولة أردلان. قامت هذه الدولة الكوردية بسك النقود الخاصة بها.

يذكر الأمير شرفخان بدليسي بأن حكومة أردلان كانت حكومة قوية وعظيمة الشأن. كما يقول اللورد كريمر عن نفوذ حكام إمارة أردلان في منطقة كركوك بأنهم كانوا السادة الحقيقيين لكركوك وتوابعها وحتى منطقة تكريت. فيما يتعلق بدور إمارة أردلان في التأريخ الكوردي، يذكر "لونكريك" بأن "أردلان أفضل إمارة ظهرت في المنطقة من حيث الحضارة أو الحكم الملكي قبل الإحتلال العثماني للمنطقة" و حتى أنه يصفها بالإمبراطورية الأردلانية أكثر من مرة (ستيفن هيمسلي لونكريك، 1968م، أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث، كتاب يبحث عن تأريخ العراق في العصور المظلمة. ترجمة جعفر الخياط، الطبعة الرابعة، بغداد). كما يشير (لونكريك) بأن (جنكيزخان) قد إعترف بِحكومة أردلان. القاجاريون بقيادة ناصر الدين شاه (1848 - 1896) أسقطوا الدولة الأردلانية في عام 1869.

أصل حكام أردلان
يذكر شرفخان بدليسي في كتابه "شرفنامه" الذي كتبه في سنة 1005 هجرية، أي قبل 428 سنة، بأن مؤسس إمارة أردلان، (بابا أردلان) هو من أسرة (أحمد بن مروان) مؤسس الحكومة المروانية في شمال كوردستان وأنه قدِم من مدينة آمد (دياربكر) وإستقر بين عشيرة گوران (شرفخانى بدليسى: شرفنامه. ترجمة هەژار، كۆڕی زانیاری كورد، چاپی دوهەم، چاپخانەی جەواهیری، تاران، 1982). يؤيد المؤرخ ستیڤن هیمسلي لونكریك كلام شرفخان بدليسي فيما يتعلق بأصل باوه أردلان (ستیڤن هیمسلي لونكریك: أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث – كتاب يبحث عن تاريخ العراق في العصور المظلمة. ترجمة جعفر الخياط، الطبعة الرابعة، بغداد، 1968). من جهة أخرى فأن المستشرق الإنگليزي (ريچ) يقول بأن الأسرة الأردلانية گورانية الأصل ومن  فرقة (مامويي) (كلوديوس جيم ريج: رحلة ريج - المقيم البريطاني في العراق عام 1820 إلى بغداد - كردستان – إيران. ترجمة بهاء الدين نوري، الدار العربية للموسوعات، 2008 م). يؤيد المؤرخ محمد أمين زكي رأي (ريچ)، فيعتقد بأن رأي (ريچ) هو رأي منطقي، حيث أن (أردلان) وصل الى السيادة وبسط نفوذه على عشائر تلك الجهات بفضل تأييد وتعضيد عشيرة گوران. كما يستند العلامة محمد أمين زكي في رأيه هذا على كون كتاب شرفنامه يفتقر الى معلومات عن (بابا أردلان) وعن عدد من ذريته (محمد أمين زكي: تاريخ الكورد وكوردستان – تاريخ الدول والإمارات الكردية في العهد الإسلامي. الجزء الثاني، ترجمة: محمد علي عوني، مطبعة السعادة، القاهرة، مصر، 1948، صفحة 277).

يرى الأستاذ محمد جميل رو ژبياني بأن أصل لفظة (ببئي) هو (بابائي) والذي هو اللقب الروحي الخاص بالقديسين الكاكائيين، وأن أمراء إمارة بابان كانوا من الكاكائيين (مأمون بن بيكه بك: مذكرات مأمون بن بيكه بك. ترجمة: محمد جميل الروزبياني وشكر مصطفى، مطبعة المجمع العلمي العراقي، بغداد، 1980، صفحة 16). كما يذكر الأستاذ محمد جميل رو ژبياني بأن العلامة (توفيق وهبي) قد أخبره بأن إسم (بابان) يرجع في الأصل إلى (بابا أردلان)، أي أن البابانيين منحدرون من الأسرة الأردلانية الحاكمة. يشير المؤرخ الدكتور كمال مظهر أحمد أيضاً بأن أمراء دولة أردلان الكوردية كانوا من الكاكائيين.

إن رأي المؤرخين القائلين بأن باوه أردلان كان من عشيرة گوران، التي تُدين بالديانة الكاكائية، هو الرأي الصحيح لسبعة أسباب وجيهة:
 
1. إن إسم مؤسس إمارة أردلان (باوه أردلان) يشير الى أنه كان من الكاكائيين، حيث أن "باوه" هي إحدى الطبقات الدينية الكاكائية. من الجدير بالذكر أن الطبقات الدينية الكاكائية تتكون من أربع طبقات وهي كالآتي، بدءً من أعلى الطبقات الى الأدنى: پیر، باوه، مام، العامة.

2. كانت اللهجة الگورانیة هي اللهجة الرسمية لدولة أردلان، وهذه إشارة واضحة الى أن العائلة الأردلانية المالكة كانت من عشيرة گوران، حيث تتبع اللغة الرسمية لبلد ما عادةً العائلة المالكة. 
 
3. لو نتمعن في أسماء حُكام أردلان، نرى أنها أسماء لورّية والتي تدل على أن هؤلاء الحكام هم من سكان لورستان، أو بالأحرى كانوا ينتمون الى عشيرة گوران الكاكائية.

4. أسس باوه أردلان إمارته في أحضان عشيرة گوران في شهرزور و هاورمان، حيث أن هذه المنطقة هي مركز موطن الكاكائيين ويوجد فيها ضريح (سان سهاك) الموجود في قرية (شيخان) قرب (نوسود). يتجلى الإله في شخص (سان سهاك)، الذي يحج إليه الكاكائيون. يذكر الأستاذ محمد جميل بندي روژبياني بأن (سان سهاك) هو الملك (أستياك) آخر ملوك الإمبراطورية الميدية [محمد جميل بندي الروژبياني: بندنيجين (مندلي) في التاريخ قديماً وحديثاً. مجلة المجمع العلمي العراقي – الهيئة الكردية، بغداد، 1980]. في عهد إمارة أردلان لم يكن هناك أيّ وجود لعشائر الزنگنة والهماوند والجاف في منطقة شهرزور، كما أنه كانت هناك عائلات أخرى مثل الشيخان والطالباني والجباري التي كانت مجرد عائلات، حيث أنها في ذلك الوقت لم تتكاثر وتتوسع لِتصبح تجمعات سكانية كبيرة على شكل عشائر (محمد أمين زكي: تاريخ الكورد وكوردستان – تاريخ الدول والإمارات الكردية في العهد الإسلامي. الجزء الثاني، ترجمة: محمد علي عوني، مطبعة السعادة، القاهرة، مصر، 1948، صفحة 278 - 279). إقامة إمارة أردلان في قلب موطن الكاكائيين دلالة على إنحدار العائلة المالكة لهذه الإمارة من الكاكائيين.

5. إنتشار مزارات و مراقد رجال الدين الكاكائيين في جميع مناطق إمارة أردلان خلال حكمها. لو كانت الأسرة الأردلانية الحاكمة مسلمة، لما سمحت بتقديس رجال الدين الكاكائيين في مختلف أرجاء الإمارة. هناك الكثير من هذه المراقد والمزارات في كوردستان والتي يعود قسم منها الى عهد الحكم الأردلاني والباباني الكاكائييَن، مثل (باوه مَحمي) في خانقين و(باوه گوڕگوڕ BAWE GUŔGUŔ) في كركوك وباوه نور في منطقة (گەرمیان GERMYAN) و (باوه داوود) في داقوق و (داوود كەوەسوار) في قصر شيرين و (باوه یادگار) في جبال (داڵەهۆ DAŁEHO) و(باوه گرزين) في مندلي و(شيخ باوه) الواقعة بين مدينة جلولاء وكلار و (باوه شاسوار) التي تقع شمال شرقي مدينة كفري، حيث أن هناك مقبرة أثرية قديمة تُسمى بهذا  الإسم والتي فيها قبور السادة الكبار للكاكائيين، و باوه (پير ئەنبەر گدروون)، الذي هو إسم شخصية دينية كاكائية، حيث تحوّر هذا الإسم بمرور الزمن الى (پیرەمەگرون)، كما يذكر العلامة توفيق وهبي في بحثه المعنون (جبل پیرەمەگرون PÎREMEGRÛN) (توفيق وهبي بك: الآثار الكاملة. إعداد: رفيق صالح، الجزء الاول. سليمانية، 2006، صفحة 214). يوجد ضريح (پیرەمەگرون) على قمّة جبل (پیرەمەگرون). كما نرى فأن هذا الجبل يحمل إسم هذه الشخصية الدينية.

6. إذا كان باوه أردلان أحد أمراء الحكومة المروانية في آمد كما يقول بعض المؤرخين من أمثال شرفخان بدليسي، هذا يعني أن باوه أردلان كان مسلماً وسُنّي المذهب، ولذلك من غير المعقول أن يسمح له الكاكائيون، الذين يدينون بِدين غير إسلامي، بأن يصبح رجل مسلم غريب رئيسهم و يساندونه في بسط نفوذه وحكمه في المنطقة، حيث أن الدين الى الآن لا يزال عاملاً مهماً في حياة مجتمعات الشرق الأوسط الكبير، وبالطبع كان في القرون الماضية، في زمن إمارة أردلان، للدين دور أكثر في حياة هذه المجتمعات مقارنةً بالوقت الحاضر.

7.  إنه من غير المنطقي أن يلقى (باوه أردلان) تأييد وتعضيد عشيرة گوران، لو لم يكن واحداً من هذه العشيرة وأن يتمكن شخص غريب، مثل باوه أردلان، فيما لو أنه كان من شمال كوردستان، أن يسيطر على منطقة عشيرة گوران ومن ثم يؤسس إمبراطورية كبيرة تمتد من أصفهان الى الموصل.

على كل حال، حتى في حالة كون أصل باوه أردلان من مدينة آمد (وهو إحتمال ضعيف جداً)، فأنه بِإستقراره في أحضان عشيرة گوران، يكون قد إعتنقد الدين الكاكائي وأصبح  واحداً منهم، وإلا لَكان لا يحصل على دعم عشيرة گوران ولَكان لا يسمح بإنتشار الدين الكاكائي وتبجيل الشخصيات الدينية الكاكائية.

قبل الإحتلال العربي لكوردستان بإسم الدين، كانت غالبية الشعب الكوردي يزدانيين (إنقسم هذا الدين الى "إيزدي" و "علوي" و "كاكائي" فيما بعد) والقسم الآخر كانوا زردشتيين، بالإضافة الى يهود ومسحيين. كان الكثير من القبائل والأفراد الذين كانوا يدينون بالديانة الكاكائية، قد أُجبروا على ترك دينهم أو هجروه طواعيةً نتيجة وقوعهم تحت تأثير الدين الإسلامي، حيث أن المسلمين يحكمون كوردستان منذ 1400 سنة. خير مثال على ذلك هو عشيرة باجلان، حيث يذكر العلامة محمد أمين زكي في صفحة 29 من كتابه المعنون (خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، القاهرة، 1961)، بأن المستشرق الدكتور (فريج) يقول أن أفراد عشيرة باجلان كاكائيون. يذكر كل من شيل (1836م) ومينورسكي في الإنسكلوبيديا الإسلامية بأن عشيرة باجلان تنتمي الى الشريحة الكوردية (لَك) التي بدورها هي جزء من عشيرة گوران. يذكر العلامة توفيق وهبي بأن (و. ممان) يقول بأنه يتذكر أن القصاصين والمُغنين في أقصى جنوب كركوك كانوا يقرأون القصص والملاحم باللهجة الگورانية، إلا ان الوضع قد تغيّر بعد الحرب العالمية الأولى، بعد أن إنتشرت الجرائد باللغة الكرمانجية الجنوبية وتوسع الأدب الكرمانجي الجنوبي الزاحف من موكريان الى منطقة السليمانية، فإنقرضت اللهجة الگورانية في المنطقة. يضيف (و. ممان) بأن عشيرة باجلان إنفصلت عن عشيرة گوران سياسياً ودينياً، أي بكلام آخر أنها غيّرت دينها (من الكاكائية الى الإسلام) (توفيق وهبي: الآثار الكاملة. الطبعة الثانية، إعداد رفيق صالح، مشروع مشترك لدار الثقافة والنشر الكوردية ومؤسسة ژين، طُبِع في بغداد، 2011). هناك عائلات وأقارب، قسم منهم لا يزالون محتفظين بِدينهم الكاكائي والقسم الآخر هم الآن مسلمون شيعة وسُنّة. 

حكام دولة أردلان وفترات حكمهم
ينتمي حكام أردلان الى عائلة "مامَوي MAMEWÎ" التابعة لقبيلة گۆران GORAN. 
1. باوه أردلان (1169 – 1210م)
2. كڵوڵ أردلان (1210- 1232م)
3. خدر إبن كڵوڵ (1232- 1265م)
4. ألياس خدر (1265 – 1310م)
5.  خدر الثاني (خدر ألياس) (1310 – 1345م)
6. حسن إبن خدر الثاني (1345 – 1382م)
7. بابڵۆڵ حسن (1382 – 1406م)
8. مونزير إبن بابڵۆڵ (1406 – 1438م)
9. مأمون بگ (1438 – 1475م)
10. بێگە بگ (1475 – 1516م)
11. مأمون بگ الثاني ( 1516 - 1518م)
12. سورخاب بگ عم مأمون بگ (1518 - 1567م)
13. بَسسات بگ إبن سورخاب بگ (1567 – 1578م)
14. تيمور خان إبن سلطان علي بگ (1578 – 1590م).
15. هەڵۆ خان أخ تيمور خان (1590 - 1615م)
16. خان أحمد خان (1615 – 1636م)
17. سليمان خان) 1636 - 1656م). حكم خلال فترة حكم الشاه سفي. أعاد هذا الأمير بناء قصر مدينة سنه.
18. گڵبالی خان (1656 – 1671م)
19. خان أحمد خان إبن گڵبالی خان (1671 – 1678م)
20. خسرو خان عم خان أحمد خان (1678 – 1682م)
21. تيمور آجورلوو (1682 – 1688م). (ليس من الأسرة الأردلانية)
22. خان أحمد خان إبن گڵبالی خان (1688 - 1695م). يستلم الحكم  للمرة الثانية
23. محمد خان إبن خسرو خان أردلان (1695 – 1701م)
24. محمد خان گورجی (1701 -  1704م)
25. حسن علي خان إبن محمد مؤمن خاني (1704 - 1706). (ليس من الأردلانيين)
26. حسين علي خان أخ حسن علي خان (1706 – 1708م) (ليس من الأردلانيين)
27. كيخسرو بگ (1708 – 1710م). (ليس من الأسرة  الأردلانية)
28. عباس قولي خان وهو من أحفاد خان أحمد خان بني أردلان (1710 – 1718م)
29. علي قولي خان وهو من أحفاد خان أحمد خان بني أردلان (1718 – 1720م)
30. خانه پاشا بابان (1720 – 1724م). كان إبن عم سليمان پاشا حاكم إمارة بابان آنذاك
31. علي خان إبن خان پاشا (1724 – 1729م)
32. سوبحانوێردي بني أردلان (1729 – 1735م). حكم خلال فترة نادر شاه
33 موستفا خان أخ سوبحانوێردي خان (1735 – 1736م).
34. سوبحانوێردي بني أردلان (1736 – 1737م). يستلم الحكم للمرة الثانية
35. أحمد خان إبن سوبحانوێردي خان (1737 – 1741م). كانت المنطقة الممتدة من الموصل الى همدان تحت حكمه. إتخذ مصيف احمد آوا الواقع في محافظة السليمانية مكاناً للراحة والإستجمام خلال فصل الصيف.
36. سوبحانوێردي بني أردلان (1741م). يستلم الحكم للمرة الثالثة
37. أحمد خان إبن سوبحانوێردي خان (1741 – 1743م) يستلم الحكم للمرة الثانية
38. حاجي مولا وێرديخان قاجاري (1743 - 1744)
39. سوبحانوێردي بني أردلان (1744 – 1748م). يستلم الحكم للمرة الرابعة
40. حسن علي خان بني أردلان (1748 – 1751م)
41. كريم خان إبن عباس قولي خان (1751 - 1752م)
42. خسرو خان إبن أحمد خان (1752 - 1754م)
43. سليم پاشا بەبە (1754 - 1757م)
44. خسرو خان الثاني (1757 - 1763م).
45. سليمان پاشا (1763 - 1764م)
46. علي خان إبن سليمان پاشا بابان (1764 - 1766م)
47. خسرو خان الثاني (1766 - 1790م). يستلم الحكم للمرة الثانية
48. خان أحمد خان إبن خسرو خان (1790م)
49. لوتفالي خان عم خسرو خان الكبير (1790 - 1794م)
50. حسن علي خان لوتفالي خان (1794 - 1799م)
51. أمان الله خان الكبير (1799 – 1824م)
52. خسرو خان إبن أمان الله خان المعروف ب(ناكام) (1824 – 1834م)
53. رزا قولي خان (1834 - 1842م)
54. ميرزا هدايت الله (1842 - 1843م)
55. رزا قولي خان (1843 - 1845م) يستلم الحكم للمرة الثانية
56. آمان الله خان الثاني (1845م)
57. رزا قولي خان (1845- 1849م). يستلم الحكم للمرة الثالثة
58. خسرو خان گورجی (1849م)
59. رزا قولي خان (1849م). يستلم الحكم للمرة الرابعة
60. آمان الله خان الثاني المعروف بِ(غلام شاه خان والي) (1849 – 1859م)
61. نجف قولي خان (1859 – 1860م)
62. غلام شاه خان (1860 – 1869م)

في سرد أسماء حكام أردلان وفترات حكمهم، تم الإعتماد على الكتابَين التاليين:

1. عەلی نەقی ئەلحوسینی: مێژووی 641 ساڵەی فەرمانڕەوایی ئەردەلانییەكان لە ناوچەی ژێر دەستەڵاتی ئێران. وەرگێڕان و پیاچوونەوەی ئاسۆس هەردی، چاپخانەی حەسەن ئەبدولكەریم، سلێمانی، كوردستان، 2002.

2. مەستوورەی كوردستانی: مێژووی ئەردەلان. وەرگێڕان و لێكۆڵینەوە: هەژار موكریانی، بڵاوكراوەی ئاراس، ژمارە 160، چاپی یەكەم، چاپخانەی وەزارەتی پەروەردە، هەولێر، 2002.

الجدير بالذكر هو أن مؤلفة االكتاب الثاني أعلاه (مەستوورەی كوردستانی) هو إسم الشهرة لها، بينما إسمها الحقيقي هو (ماه شرف خانم)  ومولودة في سنة 1804م وكانت زوجة الأمير الأردلاني خسرو خان.

mahdi_kakei@hotmail.com

10
الإجابة على تساؤلات وإدّعاءات قارئ

د. مهدي كاكه يي

قام السيد (عاشق علي) الذي هو إسم مستعار له، بالتعقيب على مقالي المعنون "هل العلويون مسلمون أم من أتباع دين خاص بهم؟" والمنشور في الموقع الإلكتروني، الحوار المتمدن. نظراً لأهمية المواضيع المطروحة ولِتبيان الحقائق حولها ووضعها في متناول القارئات العزيزات والقراء الأعزاء، إرتأيتُ أن أرد على تساؤلاته وإدعاءاته بهذا المقال.

1. يذكر الأستاذ المذكور بأن إحتفاظ الأرمن بلغتهم ودينهم رغم حكمهم من قِبل المسلمين لفترة طويلة يدل على سماحة المسلمين تجاه الأديان والقوميات الأخرى.
 
الجواب: بالنسبة الى الأرمن، فأن العرب المسلمين لم يحكموا أرمينيا فعلياً ولذلك إحتفظ الأرمن بلغتهم وثقافتهم ودينهم. لإلقاء الضوءعلى هذا الأمر، أذكر هنا لمحة بسيطة جداً عن تأريخ أرمينيا. كان الأرمن يدينون بالديانة الزرادشتية قبل أن يعتنقوا المسيحية، حيث أصبحوا مسيحيين في عام 301 ميلادي. في عام 428 م تم ضم أرمينيا الى الإمبراطورية الساسانية. بعد الإحتلال العربي الإسلامي للمنطقة، أسس الأرمن إمارة مستقلة ضمن الخلافة الإسلامية. في عام 884م إستقلت أرمينيا عن الحكم العربي الإسلامي وأصبحت عبارة عن إمارات وممالك مستقلة. إبتداءً من عام 1071م أصبح الأرمن تحت حكم السلاجقة. خلال ثلاثينيات القرن 13 تم غزو أرمينيا من قِبل المغول. في القرن 16 إقتسمت الدولة العثمانية والصفوية أرمينيا. عندما كان الأرمن تحت الحكم العثماني كانوا يتمتعون بِحكم ذاتي واسع. تعرض الأرمن خلال عام 1894-1896 الى مجازر على يد السلطان العثماني عبد الحميد. خلال عامَي 1915 و 1916 تم قتل  أكثر من مليون أرمني من قِبل الأتراك.

نرى مما سبق بأن الأرمن لم يكونوا تحت الحكم العربي الإسلامي المباشر، وإلا لَكان يتم إلغاء هويتهم الدينية والقومية. عندما أصبحوا خلال سنوات قليلة تحت الحكم العثماني الإسلامي المباشر، تم قتل حوالي مليونَين أرمني. كما أن نفوس الأرمن في جمهورية أرمينيا اليوم هو حوالي 4 ملايين نسمة. لولا تعرضهم للإبادة من قِبل المسلمين، لَكانت نفوسهم الآن لا تقل عن 15 مليون نسمة.

2. يشير الأستاذ المذكور بأن تأثّر الأديان غير الإسلامية بالدين الإسلامي لم يتم عن طريق القوة، بل نتيجة الإحتكاك بين هذه الديانات والإسلام.

الجواب: الإسلام فرض دينه بِقوة السيف وبإقامته حكماً عربياً إسلامياً، ألغى الهويات القومية غير العربية والهويات الدينية غير الإسلامية، حيث تم فرض اللغة العربية والثقافة البدوية والتأريخ العربي الإسلامي المزوّر على غير العرب وغير المسلمين من خلال مناهج الدراسة والصحافة ووسائل الإعلام وجعل اللغة العربية اللغة الرسمية الوحيدة في البلدان التي إحتلوها وإغتصبوها. هنا نأخذ إلغاء اللغة الكوردية من قِبل المحتلين العرب كمثال لتبيان الإلغاء الذي تعرضت له القوميات غير العربية. الخليفة الاموي عبدالملك بن مروان کان من أکثر الخلفاء الأمويين تمسکاً بالتعصب العربي العنصري، حيث طبّق سياسة التعريب في مجالات عديدة. لقد منع بن مروان التعامل بالعملة الرومية التي کانت متداولة آنذاك و إستعاض عنها بسکة عربية. کما منع إستعمال اللغة الپهلوية في الدواوين و الشؤون الرسمية الادارية فقام بتعريب الجهاز الحکومي الإسلامي في زمن أبو محمد الحجاج بن يوسف الثقفي (660 - 714 م)، وهو كان سياسياً و قائداً عسكرياً أموياً. حينذاك كان العراق يشتمل على عراقَين، عراق العرب وعراق العجم. كانت جميع الدواوين الرسمية بإدارة رجل كوردي إسمه (زادان مه رروخ). تمت ترجمة جميع الدفاتر وأمور الدولة من اللغة الكوردية إلى اللغة العربية في زمن الحجاج الثقفي و بأمر منه. كانت اللغة الكوردية وأبجديتها متداولة حتى زمن الحجاج بن يوسف الثقفي دون إنقطاع و كانت الأبجدية الكوردية تُستعمل حتى أواخر عصر الخلفاء العباسيين. بعد أن ألغى الحجاج اللغة الكوردية كلغة رسمية لبلاد ما بين النهرين و إستبدلها باللغة العربية، بقيت اللغة الكوردية وأبجديتها مستعملة على نطاق ضيق وبشكل سري (لمزيد من المعلومات حول تأريخ اللغة الكوردية يمكن مراجعة كتاب الأستاذ كێو موكريانی المعنون " فەرهەنگي مەهاباد"، چاپي يەكەمين – هەولێر- چابخانەى كوردستان، 1961 و كتاب "مێژووی كورد و كوردستان" للكاتب محمد مەردوخي كوردستانی، ترجمة السيد عبدالكريم محمد سعيد، مطبعة أسعد، بغداد، 1991).

لقد تم إستخدام القوة ولهذا السبب إضطر أصحاب الديانات غير الإسلامية، الى التظاهر بأنهم مسلمون وبدأوا يمارسون شعائرهم وطقوسهم الدينية سراً. هنا يتساءل المرء هل أن الكورد والفرس والأرمن والأمازيغ وغيرهم من الشعوب غير العربية، طلبوا من عرب الجزيرة العربية أن يأتوا ويحتلوا بلدانهم ويفرضوا عليهم دينهم وثقافتهم البدوية البدائية ولغتهم وينهبوا خيرات هذه البلدان ويغتصبوا نساءهم؟ هل هذا ليس إحتلال وإغتصاب وإستعمال القوة لإحتلال بلدان الغير بإسم الدين؟

3. يقول السيد "عاشق علي" بأن الدروز ليسوا أصحاب دين قديم، بل الدروزية هي تفرّع من الشيعة الإسماعيلية.

الجواب: شئ مؤسف أن يتم  تزوير التأريخ. مَن يقول بأن الدروزية ليست دين قديم، بل هي فرع من الشيعة الاسماعيلية؟! عائلة جانبولاد (جنبلاط) في لبنان التي تُدين بالديانة الدُرزية، ينتمي نسبها الى الأمير الكوردي (منتشا = مند) الذي كان أميراً للإمارة الكوردية (كلس) و خدم الدولة الأيوبية في الشام  و أصبح هناك والياً لناحية (القصير) الواقعة على مقربة من أنطاكية الواقعة في تركيا الحالية و بعدها أصبح أمير أمراء الشام و حلب. في عهد السلطان العثماني (سليمان)، تم إسناد منصب الإمارة الى إبنه (جانبلاد) و الذي إستمر في الحكم الى عام 1016 الهجري (1584 ميلادي). في سنة 1630 ميلادية، إنتقل سعيد بك جنبلاط زاده مع إبنه (رباح) الى بيروت و إستقرا هناك. علماً بأنّ العائلة الجنبلاطية كانت من الإيزيديين (لمزيد من المعلومات، راجع كتاب محمد أمين زكي المعنون "خلاصة تأريخ الكرد و كردستان – تأريخ الدول و الإمارات الكردية في العهد الإسلامي"، الجزء الثاني، مطبعة السعادة، مصر، 1948، صفحة 376 – 380). مما سبق يتبين بأن الديانة الدروزية منحدرة من الديانة الإيزدية التي نقلتها عائلة (جانبلاد = جنبلاط) معها الى كل من سوريا ولبنان حينما إنتقلت الى هناك و إستقرت فيها. بمرور السنين، ربما حصل بعض التغييرات البسيطة على الديانة الإيزدية بعد إنتقالها الى لبنان وسوريا، وحتى أن إسمها تغيّر هناك من (إيزدي) الى (دروز). كما نرى فأن هناك تقارب بين اللفظَين. 
 
4. يقول بأن أصحاب الديانات غير الإسلامية لم يتم إضطهادهم من قِبل المسلمين.

الجواب: بالنسبة الى إضطهاد وقتل غير المسلمين، لا أريد أن أطيل الحديث حوله وفقط أشير الى أن إبادة الإيزديين في شنگال على يد داعش هي المجزرة رقم 74 التي يتعرض لها الإيزديون على يد المسلمين. إبادة الأرمن من قِبل الأتراك المسلمين مثال آخر على تعرض الأديان غير الإسلامية الى الظلم والإضطهاد والقتل والإبادة.

5. يذكر الأستاذ المذكور بأنه تم قتل حوالي 300 يهودي من بني قريظة من قِبل النبي محمد كأعلى عدد وهذا العدد لا شئ قياساً بضحايا الأنفال وحلبجة.

الجواب: بالنسبة الى مذبحة  بني قريظة، لو إفترضنا أن عدد قتلى المجزرة هو 300 شخص، مع  أخذ نفوس البشر على الكرة الأرضية آنذاك بنظر الإعتبار قياساً الى نفوس سكان الكرة الأرضية الآن، فأن هؤلاء 300 شخص الذين تم قتلهم آنذاك يعادل 300 ألف شخص اليوم، أي ما قتله النبي محمد هو أضعاف أعداد ضحايا الأنفال وحلبجة. كما يجب أن لا ننسى بأن هؤلاء الضحايا كانوا أبرياء وتم قتلهم فقط بسبب دينهم.

6. يقول بأن القوميات غير الفارسية وأصحاب الديانات غير الإسلامية يتمتعون بحقوقهم في إيران، ما عدا فرض الحجاب ومنع البهائية.

الجواب: هنا أتحدث عن أهل الحق في إيران والذين لي إتصال مباشر معهم، حيث يتعرضون الى الإضطهاد والمضايقات من قِبل حكم الملالي في قم وطهران. لقد تم إجبار الآلاف من اليارسانيين (أهل الحق) على ترك دينهم وإعتناق المذهب الشيعي. قبل حوالي 6 أشهر تم إعتقال عدد من اليارسانيين في منطقة كرماشان وقام الباسداران بِقص شواربهم في السجن مما أدى الى إنتحار إثنين منهم حرقاً، إحتجاجاً على ذلك، حيث أن الشارب هو أحد الرموز المقدسة عند اليارسانيين. لقد قام اليارسانيون في العديد من الدول الأوروبية بتنظيم مظاهرات ضد هذا العمل الإجرامي الذي أهان مقدسات الدين اليارساني.

العالم كله يعرف عن العمليات الإرهابية التي  يقوم بها الحكم الطائفي في إيران و إغتيال الزعيم الكوردستاني عبد الرحمن قاسملو و صادق شرفكندي وغيرهما في قلب أوروبا، يُظهر مدى إضطهاد حكم الملالي للشعب الكوردي ولغيره من الشعوب الإيرانية. إذا تقوم الحكومة الإيرانية بقتل معارضيه في خارج إيران، على أراضي دول أخرى، فكيف تتعامل هذه الحكومة مع المعارضة داخل إيران؟إإ كما يتساءل المرء هل يتم تعليم القوميات غير الفارسية بلغاتهم وتضم برامج التعليم في إيران مواد تتناول تأريخ وثقافة وتراث هذه الشعوب وتأريخ وفلسفات وعقائد وطقوس وشعائر و أعياد ومناسبات معتنقي الديانات غير الإسلامية؟ هل يتم بناء معابد لهم كما تُبنى الحسينيات؟

7. يذكر السيد "عاشق علي" بأن المثقفيين الكورد لا يهتمون بالفيليين، بل يعتبرونهم فُرساً لأنهم ينتمون الى المذهب الشيعي

الجواب: حول الفيليين ومثقفي  كوردستان، أنا الكاكائي كتبتُ 17 مقالاً عن الفيليين. هناك الآلاف من المقالات والدراسات المكتوبة عن الفيليين من قِبل الكُتاب الكورد. قولك بأن المثقفين الكوردستانيين يعتبرون الفيليين فُرساً، يُجانب الحقيقة وهذه أول مرة أسمعها في حياتي.

8. يذكر الأستاذ بأن الكُتّاب الكورد مهتمون بالأعراق والأصول التي ولى زمنها.

الجواب: بالنسبة للأعراق والأصول، الكُتّاب الكورد يتحدثون عنها كمادة تأريخية ولا يتعلق الموضوع بالعنصرية. بعد ظهور العولمة وثورة المعلومات والإتصالات، بدأ الكورد بتقصّي الحقائق التأريخية وكشف سرقة وتزوير وتحريف وإلغاء التأريخ الكوردي، حيث أن الكورد هم أحد أعرق شعوب الأرض

9. يتهم السيد المذكور (الجحوش الكورد) بتسفير الفيليين!

الجواب: رغم خيانة جحوش الكورد لِشعب كوردستان، إلا أن التأريخ يشهد بأن الحكم البعثي هو الذي قام بتسفير الفيليين ولم يكن لهؤلاء أي دور في تسفير الفيليين، حيث كان لا وجود لهم في بغداد لكي يقوموا بعملية تسفيرهم.

للإطلاع على مأساة بني قريظة، يمكن فتح الرابط التالي:

http://entaha.com/%D9%85%D9%88%D8%B6%D9%88%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%B3%D8%A7%D8%AE%D9%86%D8%A9/%D8%BA%D8%B2%D9%88%D8%A9-%D8%A8%D9%86%D9%8A-%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B8%D8%A9-%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%85%D8%B0%D8%A8%D8%AD%D8%A9-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D8%B1%D8%AA%D9%83%D8%A8%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85



11
هل العلويون مسلمون أم من أتباع دين خاص بهم؟

د. مهدي كاكه يي

إن جميع الكُتب والدراسات التي يدّعي فيها أصحابها بأن العلويين هم طائفة إسلامية، هي عبارة عن "دراسات" غير موضوعية ومنحازة. إنحياز وعدم تمسك القائمين بهذه الدراسات بالمهنية البحثية ناتج عن أربع أسباب رئيسة:

1. قسم من الدارسين لجذور المعتقد العلوي يميلون الى الفكر الإسلاموي ومنحازون الى هذا الفكر، لذلك يحاولون تزييف الحقائق وفرض الهوية الإسلامية على العلويين.

2. قسمٌ ثانٍ من الدارسين يحملون الفكر العروبي ويلجأون الى كل الطرق الملتوية ليُثبتوا إسلام العلويين، حيث أن الإسلام والعروبة وجهان لعُملة واحدة. كما أن الهوية الإيزدية تتعرض أيضاً للتزوير من قِبل الكُتّاب الإسلامويين والعروبيين ويحاولون بمختلف الوسائل أن يُرجعوا أصلهم الى  يزيد بن معاوية، أي بكلام آخر يحاولون أسلمتهم وتعريبهم. لو ندرس تأريخ شعوب منطقة الشرق الأوسط الكبير لَنكتشف بأن الغالبية العظمى من  السوريين واللبنانيين وغيرهم من شعوب المنطقة، هم مستعربون وليسوا عرباً، حيث أنهم من أصول كلدانية وآشورية وسريانية وأرمنية وكوردية. السكان في مصر هم من الأقباط وسكان السودان نوبيون وغالبية سكان شمال أفريقيا هم من الأمازيغ، حيث فرض العروبيون إسم "المغرب العربي" على بلاد (ثامزغا).

3. القسم الثالث من الباحثين يقومون بدراسة مجاميع علوية في سوريا التي أسلمتْ و أصبحت مسلمة وإنسلخت عن العلويين. نتيجة الغزو الإسلامي العربي للمنطقة وكَون الإسلام ديناً شمولياً غير متسامح مع الأديان والمعتقدات الأخرى ووقوع المنطقة تحت حكم عربي إسلامي لأكثر من 1400 سنة، فأن أعداداً كبيرة من العلويين و غيرهم من أصحاب الديانات غير الإسلامية أُجبِروا على ترك دياناتهم القديمة وإعتناق الدين الإسلامي، أو إضطروا أن يعتنقوا الإسلام. خلال وقوع أصحاب الديانات غير الإسلامية تحت الحكم العربي الإسلامي والممتدة لأكثر من 1400 سنة، فقدت الديانات القديمة في المنطقة الكثير من معالم هوياتها ومعتقداتها وطقوسها وأُدخلت إليها معتقدات وطقوس إسلامية لِتلافي القتل أو دفع الجزية والتخلص من الإرهاب والتهديدات والضغوط المفروضة على معتنقي االديانات غير الإسلامية من جانب المسلمين. نرى في سوريا، على سبيل المثال،  بأن بشار الأسد العلوي يذهب للصلاة في أحد الجوامع خلال الأعياد الإسلامية. بشار الأسد ينتمي الى الشريحة العلوية المنسلخة عن العقيدة العلوية، حيث أن الدين العلوي لا يؤمن بالشهادة الإسلامية (أشهد ان لا إله الا الله محمد رسول الله) ولا يصوم العلويون شهر رمضان ولا يصلّون ولا يؤدون فريضة الحج في مكة ولا يقومون بدفع  الزكاة، أي أن الأركان الخمس للإسلام لا وجود لها في الدين العلوي، بل أن العلويين يقدمون النذور ويصومون لمدة ثلاث أيام في السنة في منتصف الشتاء الذي يُصادف ميلاد ميترا (ميثرا) وهذا أحد الأدلة على أن الدين العلوي هو إمتداد للديانة الآرية (المثرائية واليزدانية). كما أن إيمان العلويين بِتناسخ الأرواح هو إثبات جازم لإنتمائهم الى الأديان القديمة في منطقة غرب آسيا وهذا الإعتقاد نجده عند الهندوس والبوذيين والإيزديين والدروز والكاكائيين وغيرهم من أتباع الديانات القديمة في المنطقة. إذن دراسات هذه المجموعة من الباحثين هي عن "العلويين" الذين هجروا دينهم وإعتنقوا الإسلام، لذلك لا يمكن تصنيف هذه الدراسات ضمن الدراسات العلوية. من جهة أخرى نجد أن العلويين في شمال كوردستان و في تركيا لا يزالون يحتفظون بالكثير من معتقداتهم وطقوسهم الدينية.

4. المجموعة الرابعة تضم باحثين علويين، يدّعون في "دراساتهم" بأنهم مسلمون، كوسيلة لحماية العلويين من القتل والإضطهاد والتهديد والإرهاب والمضايقة أو أن هؤلاء من الشريحة العلوية المنفصمة عن العقيدة العلوية و الشاعرة بالدونية، ولذلك يحاولون بكل الوسائل أن يجعلوا من العلويين طائفة إسلامية. 

يذكر البروفيسور جمال نبز فيي كتابه المعنون "المستضعفون الکورد وإخوانهم المسلمون، طُبع سنة 1994"، بأن أصل كلمة "علوي" يعود الى الكلمة الكوردية "هالاڤ" التي تعني بالكوردية بخار الماء المغلي المشبه بالنار المستعرة وكذلك لظى النار نفسها. إقتبست اللغة التركية هذه الكلمة من الكوردية وحورّتها الى "ألڤي" التي تعني "لظى النار". هذا الإسم يتعلق بالنار المقدسة في الديانات الكوردية القديمة. الديانة العلوية و الإيزدية و الدروزية و اليارسانية (الكاكائية) تكاد تكون ديانة واحدة، حيث أنها متشابهة في العقيدة و الشخصيات الدينية و الإيمان بتناسخ الأرواح و النظام الطبقي و الطقوس الدينية من صوم و تقديم النذور و التكايا و الإحتفاظ بالشارب و غيرها. لذلك فأن المصادر الرصينة تذكر بأن الديانة العلوية هي إحدى الديانات الكوردية القديمة. عند المقارنة بين العقيدة الإسلامية و العلوية، نرى أنّ هناك لا رابط يربط  بين هذين الدينَين، حيث لا وجود للأركان الخمسة للدين الإسلامي عند العلويين. عليه فأن الدين العلوي هو دين كوردي قديم و أن قسماً من معتنقي هذا الدين من غير الكورد، هم كورد مستتركون أو مستعربون أو مستفرسون، بينما القسم الآخر ينتمون لقوميات أخرى، غير القومية الكوردية وقد إعتنقوا هذا الدين الكوردي و جعلوه ديناً لهم.

mahdi_kakei@hotmail.com

12
التجمع الأمازيغي الكوردستاني للصداقة والسلام يشجب هجمات إرهابيي داعش على كوردستان


إن شعب كوردستان يعيش على أرضه التأريخية منذ آلاف السنين و أن كوردستان محتلة من قِبل عدة دول. منذ إحتلال كوردستان أصبح شعب كوردستان مواطنين من الدرجة الثانية في وطنهم و تعرضوا و تعرضت بلادهم للتعريب و التتريك و التفريس الذي نتج عنه إنخفاض شديد في نفوس الكورد و إنكماش الخارطة الجغرافية لكوردستان التي كانت تمتد من الخليج الفارسي الى البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود. كما أن هذا الشعب العريق تعرض في وطنه الى الإبادة الجماعية و الأنفال و الإذلال و التجويع و التجهيل و تعرضت كوردستان للدمار و الخراب وتم حرق وتدمير الطبيعة الجميلة لكوردستان وتحطيم بُنيتها التحتية و تلويث بيئتها و إنهاك إقتصادها و سلب مواردها. هوية الشعب الكوردي و لغته وثقافته وتراثه وتأريخه تعرضت للإلغاء و التحريف و التزوير و السرقة. كل هذه المحاولات و الأساليب العنصرية والبطش والإبادة لم تستطع أن تنال من إرادة الشعب الكوردستاني و إجباره على قبول حياة العبودية و الذل، حيث واصل نضاله بكل إصرار، مستخدماً كل الوسائل الممكنة و مضحياً بحياة الملايين من بناته وأبنائه في سبيل تحقيق حريته و توفير عيش كريم لنفسه و للأجيال القادمة.

بعد إنتهاء الحرب العراقية – الكويتية و هزيمة نظام صدام حسين في هذه الحرب و إنتفاضة شعب كوردستان في إقليم جنوب كوردستان ضد حكم الطاغية و تعرُّض شعب كوردستان لحرب الإبادة بعد فشل إنتفاضته وإضطرار الملايين منهم الى القيام بالهجرة الى كل من إيران وتركيا، هرباً من قوات صدام حسين، قامت دول التحالف الدولي، التي حررت الكويت من الإحتلال العراقي، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، بإنشاء منطقة آمنة لسكان إقليم جنوب كوردستان، حيث منعت قوات التحالف طيران الطائرات الحربية العراقية في أجواء الإقليم وكان ذلك في نهاية عام 1991. منذ ذلك الوقت الى يوم تحرير العراق و إسقاط النظام البعثي في العراق في عام 2003، إستقل الإقليم عملياً عن العراق وأصبح يُدار من قِبل الكوردستانيين أنفسهم. في إقليم غرب كوردستان المحتل من قِبل سوريا، بعد إندلاع الحرب الأهلية في سوريا، بدأ الشعب الكوردستاني في هذا الجزء من بلده بتحرير الكثير من أرضه المحتلة و قام ببناء مؤسسات للإدارة الذاتية للمناطق المحررة. كما قام الإقليم بتأسيس قوات مسلحة للدفاع عن الأراضي المحررة.

إن الدول المحتلة لكوردستان وخاصة تركيا شعرت بِخطورة تحرر الكوردستانيين في غرب وجنوب كوردستان وقُرب ميلاد دولة كوردستان على أرض هذين الإقليمين وتغيير الخارطة السياسية للشرق الأوسط وتغيير التوازنات الإقليمية لصالح الشعوب المُستعمَرة والمُستعبَدة. لذلك حركت الدول المحتلة لكوردستان وخاصة تركيا، العصابات الإرهابية لِداعش ونسقت معها و ساعدتها لوجستياً وعسكرياً ومادياً للهجوم على غرب وجنوب كوردستان في محاولةٍ يائسة لإحتلال هذين الإقليمَين وإسقاط الإدارة الكوردستانية فيهما، إلا أن بطلات وأبطال قوات حماية الشعب و قوات حماية المرأة في غربي كوردستان وقوات الپێشمرگە في جنوب كوردستان تصدت بكل حزم وعزيمة لعصابات داعش وأرغمتها على التقهقر وأفشلت مخططات ومؤامرات محتلي كوردستان في النَيل من مكتسبات شعب كوردستان والكفاح بكل صلابة في سبيل حرية شعب كوردستان وإستقلال كوردستان.

التجمع الأمازيغي الكوردستاني للصداقة والسلام يندد بالهجمات البربرية لعصابات داعش على كوردستان ويعلن وقوفه الى جانب شعب كوردستان في نضاله ضد قوى الظلام ودعمه لحرية شعب كوردستان وبناء دولته المستقلة على أرضه التأريخية. كما يناشد التجمع الأمازيغي الكوردستاني للصداقة والسلام منظمة الأمم المتحدة وكافة الدول الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية في العالم الى الوقوف الى جانب الشعب الكوردستاني التواق للحرية ودعمه عسكرياً ولوجستياً وسياسياً وإعلامياً لتحرير كافة الأراضي الكوردستانية من إحتلال عصابات داعش وفك الحصار عن المدينة البطلة، كوباني التي أصبحت أمثولة للفداء والبسالة والشجاعة التي أدهشت العالم أجمع.

الحرية لشعب كوردستان والإستقلال لكوردستان
الموت لعصابات داعش والخزي والعار لمحتلي كوردستان

التجمع الأمازيغي الكوردستاني للصداقة والسلام

25 تشرين الأول/أكتوبر 2014

13
لمحات من تأريخ إحتلال آذربايجان و تتريك سكانها
 
د. مهدي كاكه يي

 
قبل إحتلال المنطقة من قِبل المغول والتتار، كان سكان آذربايجان كورداً. خلال حملات جنگيز خان المغولي وهولاكو التتاري و خلال الحُكم الصفوي، إستوطن التركمان في آذربايجان و تدريجياً إضطر سكانها الأصليون الكورد أن يهجروا لغتهم الأم الكوردية و يتخذون اللغة التركية لغة لهم. لا تزال آثار اللغة الكوردية باقية بوضوح في اللغة الآذرية، حيث تحتوي على الكثير من المفردات الكوردية.

يشير الپروفيسور (پيتر گولدن Peter Golden) في صفحة 386 من كتابه المعنون (An introduction to the history of the Turkish People) بأن تتريك آذربايجان تمّ خلال ثلاث مراحل: 1. إستيطان السلاجقة و الأوغوز في مناطق آذربايجان و حرّان و أناضول. 2. خلال حملات المغول على المنطقة، حيث كانت غالبية جنودهم تتألف من قبائل تركية. 3. في زمن الدولة الصفوية، هاجر الكثير من قبائل أوغوز و التركمان و قزلباش من الأناضول إلى إيران وإستقرت هناك.

يقول المستشرق الروسي البروفيسور (فلاديمير مينورسكي Vladimir Minorsky)
في الموسوعة الإسلامية (Azerbaijan: Encyclopedia of Islam) حول تغيير لغة سكان آذربايجان بأنه في القرن السادس الهجري، في ظل حكم السلجوقيين قام  الأوغوز تدريجياً بِإحتلال كامل التراب الآذربايجاني. أجبر هذا الإحتلال سكان آذربايجان على تغيير لغتهم إلى اللغة التركية. قبل هذا الإحتلال كان سكان آذربايجان و سكان أطراف القفقاز يتكلمون اللغة "الإيرانية".

يذكر الدكتور جمال رشيد أحمد في صفحة 55 من كتابه المعنون (لقاء الاسلاف) بأنه بدأ تتريك سكان (الران) تدريجياً منذ عهد السلاجقة. يضيف الدكتور جمال رشيد أحمد بأن سكان كل من أذربايجان و شيروان و دربند مروا أيضاً بِعملية التتريك منذ ظهور الحكم السلجوقي.

في صفحة 109 من كتابه المعنون "المستضعفون الكورد وإخوانهم المسلمون" يذكر الدكتور جمال نبز بأنه بعد حملات جنگيز خان المغولي (1203-1226)م وهولاكو التتاري (1217-1265)م الذي قضى على الخلافة الإسلامية و تسبّب في جريان أنهار من الدماء في كوردستان و بغداد و إيران، بدأ التركمان بالإستيطان في بعض مناطق أذربايجان الكوردية و أخذوا يعملون على تتريكها.

يذكر المستشرق الألماني (برتلد سپولر Bertold Spuler) (1911-1990) بأن إحتلال الأتراك لِمنطقة آذربايجان أدى الى ترك سكان المنطقة الذين كانوا آريين، لغتهم بمرور الزمن و جعل اللغة التركية لغة لهم. هذا يعني بأن الكورد هم أصل الآذريين وأنه لا تزال هناك مفردات كوردية كثيرة باقية في لغتهم، حيث كانت اللغة الكوردية هي اللغة الأصلية للآذريين.


14
إثبتْ وجودك يا شعب كوردستان في إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط الكبير!

د. مهدي كاكه يي
ها بدأت الدول الكبرى و على رأسها أمريكا وبمشاركة الدول الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة تركيا والحكومات العربية لدول الخليج الفارسي، بِإزالة حدود سايكس – بيكو و رسم حدود جديدة للمنطقة. إن ظهور إرهابيي داعش وحربها وغزواتها هي ضمن مخطط عالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لإعادة رسم الخارطة االسياسية للمنطقة. كما أن حرب داعش هي حرب إثنية ودينية ومذهبية في آنٍ واحد، حيث أن الطائفة السُنية في العالم بشكل عام والعرب السُنة في المنطقة بشكل خاص، مُمثلة بِالمنظمة الإرهابية داعش التي هي الجناح العسكري للطائفة السُنية، تحارب كلاً من الكورد والمجتمعات غير الإسلامية والشيعة في المنطقة.

إن السُنة العرب يعملون عن طريق داعش عسكرياً وعن طريق الإدعاء بالمشاركة في الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب، دبلوماسياً وسياسياً لتأسيس دولة عربية سُنيّة تشمل المناطق السُنية في كل من العراق وسوريا وغربي وجنوبي كوردستان.

من خلال الهجمة الداعشية على غربي كوردستان وعدم جدّية قوات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب بِقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والدعم التركي والعربي لإرهابيي داعش، يستنتج المرء بأن واضعي الخارطة الجديدة للشرق الأوسط الكبير يريدون جعل غربي كوردستان جزءً من الكيان السياسي السُنّي العربي المُراد تأسيسه على الأراضي السورية والعراقية ذات الأغلبية السُنّية. كما أن قرار الولايات المتحدة الأمريكية بتشكيل وحدات عسكرية في كل محافظة عراقية ومن ضمنها محافظة كركوك الكوردستانية و أن تكون نسبة القوات المقترَح تشكيلها في كركوك 32% لكلٍ من الكورد والعرب والتركمان و أن تكون نسبة المسيحيين 4% من هذه القوات العسكرية، يدل على أن الإدارة الأمريكية تخطط أن تقتصر دولة كوردستان، التي سيتم تأسيسها، على محافظات أربيل ودهوك والسليمانية وقد تشمل قضاء خانقين وبعض المناطق الكوردستانية في محافظة الموصل وسلخ كركوك من كوردستان وضمها الى الدولة العربية السُنيّة التي من المتوقع إنشاؤها.

نرى أن العرب السُنة فرضوا أنفسهم على أصحاب القرار في العالم عن طريق إستخدام الإرهاب والعنف، من ضمنها خلق المنظمة الإرهابية، داعش في كوردستان والعراق وسوريا وغيرها من الدول وتقديم الدعم العسكري والمادي والدبلوماسي والسياسي والإعلامي لهذه الجماعات الإرهابية من قِبل الحكومات السُنّية في المنطقة، وفي مقدمتها حكام تركيا والسعودية والأردن و الحكومات الأخرى لدول الخليج الفارسي. من جهة أخرى نرى أن القيادات والأحزاب الكوردستانية تعيش حالة من التشتت والتخاصم والفوضى، حيث إنقسمتْ الى فصيلَين رئيسيين متعاديين، يتحالف أحد الفصيلَين الكوردستانيين مع الِمحور السُنّي (التركي – السعودي) والفصيل الثاني أصبح حليفاً للمحور الشيعي (الإيراني) ويقوم كل من هذين المحورَين بإستغلال شعب كوردستان من أجل فرض سيطرته على المنطقة و الإستحواذ على ثرواتها.

في هذه الظروف الحساسة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، حيث الصراع الطائفي المحتدم يفرض نفسه على شعوب المنطقة وسيطرة داعش، الجناح العسكري للعرب السُنّة، على مساحات واسعة من كوردستان والعراق وسورية، فأن شعب كوردستان تتعرض لمؤامرة خطيرة تُحيكها الدول المحتلة لكوردستان و الحكومات الإقليمية الأخرى في المنطقة، عن طريق إستخدام إرهابيي داعش للقضاء على الإدارة الكوردستانية في غربي و جنوبي كوردستان و إحتلال هذين الإقليمَين من قِبل داعش وجعلهما جزء من الدولة العربية السُنيّة التي يتم التخطيط لتأسيسها في المنطقة على أجزاءٍ من الأراضي الكوردستانية و العراقية والسورية.

لمواجهة هذه التحديات المصيرية، يجب على القيادات الكوردستانية في كل إقليم ترتيب البيت الكوردستاني و تأسيس مرجعية سياسية وجيش موحد يتم تأسيسه من خلال تطوّع المواطنين وفرض الخدمة الإجبارية للدفاع عن شعب كوردستان. يجب أن يكون هذا الجيش جيشاً محترفاً، بعيداً عن الأيديولوجيا والمبادئ الحزبية، بل يكون جيشاً وطنياً كوردستانياً. يمكن أن تكون مدة الخدمة الإجبارية 6 أشهر، حيث يتدرب المقاتل خلالها على مختلف صنوف الأسلحة ويتلقى دروساً نظرية في العلوم العسكرية. على القيادات الكوردستانية وضع  مصلحة كوردستان فوق المصالح الشخصية والحزبية وأن يعلموا بأن مصير ووجود شعبهم يتعرض لتهديد خطير و أن مصيرهم مرتبط بمصير شعب كوردستان وأيّ خطر يواجهه شعبهم سيكون خطراً عليهم أجمعين. بعد تأسيس القيادة السياسية في كل إقليم، يجب الإسراع في تشكيل قيادة سياسية كوردستانية عامة من ممثلي قيادات الأقاليم الأربع. كما يجب تأسيس قيادة مسلحة مشتركة لجيوش الأقاليم لتوحيد القوات الكوردستانية لتكون مؤهلة لمواجهة الأخطار الجسيمة التي يواجهها شعب كوردستان. كوردستان في خطر! يتعرض غربي وجنوبي كوردستان لهجمة إرهابية شرسة ترمي الى إحتلال هذين الإقليمَين من كوردستان و ضمهما للدولة السُنّية المزمع تأسيسسها. لذلك فأن كوردستان تُنادي كافة الأحزاب و التنظيمات السياسية الكوردستانية الى تدارك الخطر المحدق بِشعب كوردستان والذي يُلزِم التخلّي عن المصالح الشخصية والحزبية والآيديولوجية و العمل بِقلبٍ و عقلٍ واحد وإلا سيغرق مركب كوردستان ويغرق جميع مَن فيه، حيث أن القوى الإرهابية الظلامية لا تفرّق بين حزب وآخر، بل يستهدف الوجود الكوردستاني، دون مراعاة الإنتماءات الحزبية و الدينية والمذهبية.

القيام بتوحيد القوى السياسية والعسكرية الكوردستانية ينتج عنه ظهور قوة كوردستانية إقليمية كبرى لا يمكن الإستهانة بها من قِبل الدول الكبرى  والدول الإقليمية و بذلك يفرض شعب كوردستان نفسه على العالم والمنطقة كقوة لا بد أن يتم إشراكه في رسم الخارطة الجديدة للشرق الأوسط وتأسيس دولة كوردستان في قلب هذه المنطقة. الوسيلة الوحيدة للكوردستانيين في التحرر والإستقلال هو الوحدة والإعتماد على النفس، على القوة الذاتية. لِتعلم جميع التنظيمات السياسية الكوردستانية بأن الإعتماد على الحكومات المحتلة لكوردستان هو إنتحار ويقود الى الهزائم والكوارث وأن "المساعدات" المقدمة من قِبل محتلي كوردستان والجهات المعادية الأخرى، ما هي إلا لخدمة مصالح تلك الدول والجهات، حيث تستغل هذه الجهات شعب كوردستان في تنافسها على النفوذ والثروة في منطقة الشرق الأوسط.

على شعب كوردستان القيام بالضغط على القيادات الكوردستانية لتوحيد صفوفها وتشكيل مرجعية سياسية وعسكرية موحدة، من خلال تنظيم فعاليات شعبية مختلفة كالتظاهرات والتجمعات والإحتجاجات والمسيرات وجمع التواقيع والمحاضرات وعن طريق الإعلام وغيرها. يجب أن يكون شعب كوردستان شعباً حيّاً، يصبح يداً واحدة وصوتاً واحداً وقوةً عملاقة، يهيئ كل مقومات النصر لمواجهة التحديات الخطيرة التي يواجهها والتغلب عليها وإفشال مؤامرات الدول المحتلة لكوردستان والدول المعادية لِحق شعب كوردستان في الحرية والإستقلال و إعطاء درسٍ لن ينسوه، لأعداء الكوردستانيين، لكي لا يتجرأون مرة أخرى بالتفكير في الإعتداء على كوردستان. تحية حب وإعجاب الى حاميات وحُماة غربي كوردستان والى أرواح الذين وهبوا حياتهم لكوردستان وجعلوا مدينة كوباني أسطورة للبسالة والفداء ونكران الذات وحب الوطن، التي أدهشت العالم وأصبحوا موضع حب وإهتمام العالم أجمع ومفخرةً لشعب كوردستان وسيسجل التاريخ بطولاتهم ومقاومتهم وعشقهم للحرية وللوطن بحروف من نور. تحية حب وثناء لقوات الپێشمەرگە الأبطال في جنوبي كوردستان في تضحياتهم ودفاعهم المستميت عن وجود وحرية شعب كوردستان.

mahdi_kakei@hotmail.com

15
سقوط شنگال وزوممار، أسبابها وعواقبها والتصدي لها   

د. مهدي كاكه يي

إن إقليم جنوب كوردستان يواجه تحديات خطيرة، تتطلب توفير مستلزمات التصدي لها والخروج منها منتصراً. عدم قدرة الپێشمەرگە على حماية شعب وأرض كوردستان كانت متوقعة ولا يعود هذا العجز لأسباب آنية، بل أنه مرتبط بالخلل الكبير الموجود في إدارة شئون الإقليم والذي بحاجة ملحة لتصحيح هذا الخلل الذي يتطلب القيام بإجراءات وإصلاحات جذرية كبرى. أشك برغبة وقدرة القيادات السياسية الحالية للإقليم على تنفيذ هذه الإصلاحات لِكون هذه القيادات هي قيادات عائلية وعشائرية كلاسيكية متخلفة، غير مؤهلة وعاجزة عن خدمة شعب كوردستان وقيادته الى حيث الحرية والإستقلال والتطور والتقدم والرفاهية.

أشير هنا الى مفاصل الخلل الموجود في إدارة إقليم جنوب كوردستان وبإختصار شديد، حيث حددتُ هذا الخلل بالتفصيل في الدراسات المنشورة لي.

1. إنعدام قيادة سياسية موحدة: ها قد مرت 23 سنة على إنشاء إقليم جنوب كوردستان ولا يزال الإقليم عملياً له قيادتان سياسيتان تتمثلان في الحزب الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستاني، حيث يمتلك كل منهما ميليشياته الحزبية الخاصة به وقواته الأمنية وميزانيته. هكذا نرى أنه رغم مرور 23 سنة على الحكم الكوردستاني في الإقليم، لا تزال الإدارة فيه مقسمة عملياً بين الحزبَين الحاكمَين وأن هناك إدارتَين متنافستَين و متصارعتَين لهذين الحزبَين، دون الإحساس بالمسئولية الوطنية التي تستوجب توحيد الإدارتَين عملياً ليتم القضاء على المراكز المتافسة المتصارعة لتوحيد القرارات والأوامر والبرامج والإستراتيجيات في إدارة الإقليم.

2. الهيمنة الحزبية: لا يزال الحزب الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستاني يتدخلان في كل صغيرة وكبيرة في شئون حكومة الإقليم وأنهما الحاكمان الفعليان وأن البرلمان والحكومة هما ديكوران، لا حول لهما ولا قوة. يتدخل أفراد هذين الحزبَين في شئون السلطات التنفيذية والقضائية والبرلمان ومنظمات المجتمع المدني، وهذا يعني إنعدام مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية وشعبية مستقلة، غير خاضعة لسلطة الحزبَين. هذا الأمر يخلق الفوضى في إدارة الإقليم وفي وضع برامج عمله وإستراتيجياته وتنفيذ مهامه.

3. الهيمنة العائلية: إن الحزبَين الحاكمَين في الإقليم في الحقيقة هما واجهتان لحُكم عائلتَين، تسيطران عملياً على الحكم و تتحكمان بمصير سكان الإقليم وتقومان بتحديد السياسات والإستراتيجيات والخطط والبرامج والعلاقات الخارجية وتهيمنان على جميع مفاصل مؤسسات الإقليم، بما فيها الشركات والإستثمارات الأهلية. من هنا يظهر مدى خطورة سيطرة هاتَين العائلتَين المتنافستَين والمتصارعتَين على مقدرات الإقليم والتي تتسبب في إنتشار الفساد المالي والإداري والمحسوبية وتحكّم أفراد العائلتَين بِمصير الإقليم. إن هؤلاء الأفراد يفتقدون الى الكفاءة والتجربة والممارسة والمؤهلات والتي تقود الى الفشل و تسير بِسكان إقليم جنوب كوردستان الى حيث الإبادة و الهزائم وتُبقي كوردستان محتلة.

4. الفساد الإداري والمالي: إستحواذ العائلتَين المذكورتَين والقيادات الحزبية التي تخدمهما على مقدرات الإقليم، خلقت فساداً مالياً وإدارياً خطيراً، حيث أن أفراد العائلتَين وقيادات حزبَيهما مشغولون بِجمع الغنائم ونهب وسرقة أموال الشعب وإحتكار الشركات العاملة في الإقليم وكذلك الإستثمارات الجارية فيه وإحتكار المناصب والوظائف والإمتيازات وبناء القصور والڤلل ومحاربة المواطنين غير الحزبيين وغير الموالين لهم في رزقهم، بينما تعيش غالبية سكان الإقليم في فقر وعوز، يبذلون جهودهم أن يوفروا لقمة العيش لهم ولأسرهم. بهذا الإستحواذ على السلطة والثروة، عزل حكام الإقليم أنفسهم عن الشعب وفقدوا ثقته بهم وموالاته لهم.

5. هيمنة الدول المحتلة لكوردستان: إن تقسيم الإقليم الى منطقتَين للنفوذ ووجود مركزَين للسلطة والقوة والنفوذ والتنافس والصراع بين هاتين السلطتَين على النفوذ والثروة، قسّمت الإقليم الى منطقتَين، إحداهما للنفوذ التركي والثانية للنفوذ الإيراني، وبذلك أصبح الإقليم ساحة مفتوحة للمخابرات التركية والإيرانية و تابعاً إقتصادياً وسياسياً لهاتَين الدولتَين اللتين تحتلان شمال وشرق كوردستان. هكذا فأن كافة أسرار وإستراتيجيات وخطط الإقليم هي تحت أيدي هاتَين الدولتين ودول أخرى معادية. كما أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني يدور في فلك السياسة التركية، بينما الإتحاد الوطني الكوردستاني يدور بدوره في فلك السياسة الإيرانية. نتيجة تقاطع المصالح التركية والإيرانية في المنطقة ونظراً لسياسة "فرق تسد" التي تتبعها الدول المحتلة لكوردستان، فأن سياسة هذين الحزبين تتقاطع ولا يستطيعان توحيد الإدارتَين و خلق حُكم القانون والمؤسسات ورسم إستراتيجية موحدة ومصدر قرار واحد وبناء جيش مهني موحد للدفاع عن كوردستان.

6. قوات الپيشمرگه

أ. عدم تأسيس جيش كوردستاني:
لا يزال الپيشمرگه عبارة عن ميليشيات حزبية، دون أن يتم تأسيس جيش كوردستاني مهني موحد، يكون ولاؤه لكوردستان وليس للأشخاص والأحزاب. لِنقارن الإقليم بهذا الصدد مع إسرائيل، لنتعرف على البون الشاسع بين ما أنجزته إسرائيل و الإقليم في هذا المجال. بعد أسابيع من الإعلان الرسمي لتأسيس دولة إسرائيل، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بن غوريون بِحل جميع المنظمات اليهودية المسلحة في إسرائيل، مثل منظمة الهاجاناه و منظمة شتيرن و منظمة الإرجون، و المنظمة الأخيرة كان يقودها مناحيم بيگن، و ذلك لتأسيس جيش الدفاع الإسرائيلي. عندما كانت سفينة "ألتالينا" في طريقها الى إسرائيل، مُحملة بأسلحة تعود لمنظمة الإرجون الصهيونية، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بن غوريون بإغراق السفينة المذكورة في البحر لمنع إستمرار تواجد الميليشيات المسلحة في البلاد. في جنوب كوردستان، بعد مرور 23 عاماً على الحكم الكوردستاني لا يزال كل حزب له ميليشياته، و أن حكام جنوب كوردستان لم يؤسسوا لحد الآن جيشاً مهنياً موحداً ليدافع عن مصالح سكان الإقليم ويكون ولاؤه لكوردستان وليس للأحزاب. كيف يستطيع الپيشمرگه أن يدافعون عن كوردستان في الوقت الذي يفتقرون الى قيادة عسكرية موحدة ويستلمون أوامر متناقضة ومتضادة من أحزابهم؟! 

ب. إفتقار الپيشمرگه للمهنية العسكرية: بسبب كون الپيشمرگه مجرد ميليشيات حزبية و إختيار أفرادها على أسس الولاء الشخصي والعائلي والعشائري والحزبي، يفتقد معظم الپيشمرگه الى الكفاءة والشروط المطلوبة التي تؤهلهم ليكونوا مدافعين مهنيين عن كوردستان. هناك الكثير من ضباط الپيشمرگه الذين هم أمّيون لا يعرفون القراءة والكتابة، و هناك ضباط لم يدخلوا الى أية دورة عسكرية وتم منحهم رُتب عسكرية لِكونهم حزبيين. كيف يستطيع الضابط الأُمّي والضابط الذي لم يخضع للتدريب العسكري و لم يتلقَ دروساً عسكرية ولا إلمام له بالعلوم العسكرية، أن يضع الخطط العسكرية ويقود جنوده وينتصر في الحرب؟

كما أن القيادات العسكرية هم من قادة الحزبَين الحاكمَين الذين لا إلمام لهم بالعلوم والفنون العسكرية، بل قد يكونون من الپيشمرگه الذين شاركوا في الثورات الكوردستانية المسلحة ولهم خبرات في حرب الأنصار (حرب العصابات). إن الكوردستانيين الآن يديرون إقليم الجنوب ولهم أسلحة ثقيلة ولذلك فأن الحروب التي يخوضونها هي حروب جبهوية وحروب المدن والشوارع التي تختلف كلّياً عن حرب الأنصار المبنية على الكرّ والفرّ أي أُضربْ وإهربْ. الپيشمرگه وقياداتها العسكرية الآن بحاجة الى التدريب العصري للتزوّد بمختلف العلوم والفنون العسكرية الحديثة في مجال الأسلحة والتدريب والتموين والمخابرات والدفاع المدني وإدارة الحروب وتأمين سلامة المدنيين والإتصالات والحروب النفسية والدعائية ودور الإعلام وغيرها من الأمور المتعلقة بالعلوم العسكرية.

ج. التدريب والتسليح والتموين: يفتقد الپيشمرگه الى الإنخراط في دورات عسكرية مهنية لتعليمه العلوم والفنون العسكرية والتدريب على مختلف أنواع الأسلحة وينعدم الإنضباط العسكري في صفوف الپيشمرگه. كما أنه لا يتم التدريب اليومي للپيشمرگه للإحتفاظ بلياقتهم البدنية والتواصل مع الفنون والعلوم العسكرية. لم تُهئ القيادة السياسية والعسكرية المستلزمات التي يحتاج إليها الپيشمرگه والتي تتطلبها الحروب من تدريب مكثف متواصل وفتح دورات عسكرية ذات مستويات عالية لتخريج پيشمرگه، مُسلّحين بالعلوم والفنون العسكرية المتطورة وكذلك وضع خطط التموين.

كما أن الپيشمرگه يعيشون في حالة يُرثى لها، حيث يعيشون في فقر وعوز، لا يتم منحهم رواتبهم بإنتظام وشهرياً لإعالة أنفسهم وأُسرهم، حيث يستلمون الرواتب بين فترة وأخرى، أي أنهم قد يستلمون الراتب بمعدل مرة واحدة كل شهرَين وهذا يعني أنهم يستلمون نصف الراتب المُعيّن لهم. كيف يستطيع الپيشمرگه الجائع والقلِق على توفير مصدر رزقه وضمان عيشه وعيش عائلته، أن يحارب ويحقق النصر في ساحة المعركة؟

لم أرَ أو أسمع في حياتي بأن الجندي المتطوع في الجيش يجب عليه شراء ملابسه العسكرية وسلاحه على نفقته الشخصية، دون أن تقوم الدولة بذلك! لا نذهب بعيداً فأن أحد أبناء أخي تطوّع وأصبح پيشمرگه عند الحزب الديمقراطي الكوردستاني. قبل إلتحاقه بصفوف الپيشمرگه، تم إخباره من قِبل وحدته العسكرية بأن عليه شراء ملابسه العسكرية وسلاحه على نفقته الشخصية وهكذا إضطر أن يقوم بذلك قبل إلتحاقه بالپيشمرگه.

في الوقت الذي يعيش معظم شعب كوردستان وأفراد الپيشمرگه في فقر ومحرومون من رواتبهم ويعانون من الجوع والمرض والقلق على معيشتهم وحياتهم، فأن پرلمان كوردستان أقرّ بمنح كل عضو پرلمان مبلغاً قدره 30 ألف دولار لتأثيث بيته أي ما يعادل حوالي 37 مليون دينار! هذا يعني بأن المبلغ الممنوح لأعضاء پرلمان كوردستان يبلغ 3,33 مليون دولار والذي يساوي أكثر من 4 مليارات دينار. هذا بالإضافة الى الرواتب والمخصصات الضخمة التي يتقاضاها الپرلمانيون والوزراء وأصحاب الدرجات الخاصة والمسئولون الحزبيون، بالإضافة الى رواتب حماياتهم الضخمة. كما أن الوزراء وأعضاء الپرلمان، بعد إنتهاء دوراتهم الپرلمانية و فترة توزيرهم، يتقاضون رواتب تقاعدية ضخمة من أموال الشعب وبمرور الوقت يصبح لدينا جيشاً عرمرماً من الوزراء والپرلمانيين المتقاعدين الذين يمتصون خزينة الإقليم ويفرّغونها، في الوقت الذي تدّعي حكومة الإقليم بعدم توفر الأموال لدفع رواتب الموظفين و الپيشمرگه.

من جهة أخرى، فأن قوات النخبة والخاصة المسئولة عن حماية القيادات الكوردستانية، تمتلك أسلحة وذخائر حربية حديثة وكافية، قياساً بتلك التي تتوفر لدى باقي الوحدات العسكرية. كما أن غالبية أفراد هذه القوات الخاصة مؤلفة من أفراد عوائل وعشائر القيادات السياسية الكوردستانية، كما هو الحال عند الأنظمة الدكتاتورية التي فيها يحكم القائد الأوحد والعشيرة والحزب. هذا يشير الى أن القيادات الكوردستانية تُكرّس جهودها في حماية نفسها وحكمها وفي نفس الوقت تقوم بِحرمان القطعات الأخرى من الپيشمرگه من إمتلاك أسلحة متطورة وكافية، خوفاً من أن تقوى وتصبح ذات نفوذ، تهدد حكم القيادات السياسية الكوردستانية، بحيث قد تسيطر على الحكم والسلطة.

لقد مرت 23 سنة وخلال هذه السنوات الطويلة، لم تنتهز القيادات الكوردستانية هذه الفترة الطويلة لبناء البُنية التحتية للإقليم وخلق مقومات الأمن الوطني الكوردستاني من خلال الوصول الى الإكتفاء الذاتي في الغذاء والطاقة والحاجيات الأخرى وفي المجال العسكري لضمان الدفاع عن كوردستان في هذه المنطقة الملتهبة التي نعيش فيها. بعد سقوط حكم البعث في العراق، توفرت لدى القيادات الكوردستانية أموالاً طائلة، لو تم إستثمارها في خلق أمن وطني كوردستاني، كان بالإمكان التصدي لكافة الأخطار المحيطة بِشعب كوردستان وضمان إستقلال كوردستان، إلا أن المصالح الشخصية والعشائرية والحزبية طغت على ساحة الإقليم على حساب المصالح الوطنية الكوردستانية. لِنقارن حكومة الإقليم بِحكومة حماس في غزة، المحاصرة براً وبحراً وجواً من قِبل إسرائيل. تبلغ مساحة قطاع غزة 360 كيلومتر مربع فقط، بينما تبلغ سكانها أكثر من مليونَين نسمة (تُقدّر مساحة إقليم جنوب كوردستان بحوالي 000 80 كيلومتر مربع ونفوسها بِحوالي 8 ملايين نسمة). رغم الحصار المفروض على القطاع وقلة موارده والكثافة السكانية العالية له، فأن الفلسطينيين إستطاعوا صنع أو توفير آلاف الصواريخ والمدافع و قاموا ببناء عشرات الأنفاق تحت الأرض، بعضها يصل عمقها الى حوالي 30 متراً تحت الأرض، لإستخدامها كقنوات للتسلل الى إسرائيل ولخزن الأسلحة فيها وإستخدامها كملاجئ للقيادات الفلسطينية. هذه هي الجهود الجبارة للفلسطينيين للدفاع عن أنفسهم والحرب ضد إسرائيل، فأين مثل هذه الجهود عند القيادة الكوردستانية في الإقليم؟ من خلال طبيعة كوردستان الجبلية الوعرة والإمكانيات البشرية والمالية الضخمة للإقليم ومن خلال وضع إستراتيجية دفاعية متكاملة، تستطيع قيادة الإقليم أن يجعل من الإقليم حصناً منيعاً لا يستطيع محتلو وأعداء كوردستان إختراقه.

إن إنسحاب پيشمرگه الحزب الديمقراطي الكوردستاني قد يعود الى ضغوطات تركية على قيادة الحزب للسماح لإرهابيي داعش بالسيطرة على المنطقة وعزل قوات إقليم غربي كوردستان وتسهيل غزو الحسكة من قِبل داعش. قد يكون سبب الإنسحاب هو ترك قوات الإتحاد الوطني الكوردستاني وقوات غربي كوردستان وحيدة في ساحة المعركة لتتعرض لِهجمات داعش وبالتالي إضعاف هذه القوات أو إبادتها. هناك إحتمال آخر بأن قوة داعش كانت أكبر من قوة الپيشمرگه العائدين للحزب الديمقراطي الكوردستاني بسبب التسليح المتواضع لهؤلاء الپيشمرگه وقلة ذخائرهم الحربية والنقص في المؤن وهذا يُعرّض القيادة السياسية والعسكرية للحزب المذكور للمساءلة وتحمّل مسئولية هذا الإهمال والفشل.

قبل التحدث عن كيفية مواجهة التحديات الخطيرة التي تواجهها كوردستان، من المفيد الإشارة الى أنه حتى لو تم القضاء على داعش في المنطقة، وخاصة في العراق، فأن الحكومة العراقية الشيعية ستعمل على إلغاء النظام الفيدرالي في العراق وفرض شروطها على كوردستان وإحتلالها. إنه بعد أحداث سقوط مدينة شنگال وزوممار وغيرها، يظهر بأن قدرة وجاهزية الپيشمرگه للدفاع عن الإقليم مشكوك فيهما بسبب النقص في الرعاية والتدريب والتسليح والأهم بسبب عدم توحدهم في جيش مهني، يأتمر بأوامر قيادة واحدة ويكون ولاؤه للوطن، لا للأفراد والعشائر والأحزاب. إستعانة قيادة الإقليم بالحكومة العراقية في حربها ضد داعش، دليل واضح على ضعف قوات الپيشمرگه وإذا لم تتم معالجة النواقص التي تشل قدرة  الپيشمرگه وجاهزيتهم، فأنه في المستقبل، بعد أن تتفرغ الحكومة العراقية من مشكلة داعش، فأنها ستكون قادرة على فرض شروطها على الإقليم أو إحتلاله.

الآن ما العمل لمواجهة التحديات الخطيرة التي يواجهها الإقليم بعد هزائم شنگال وزوممار و غيرها من المناطق؟ مساهمة قوات حزب العمال الكوردستاني وقوات غربي كوردستان أصبحت واقعاً على الأرض، ولذلك من الواجب تشكيل قيادة كوردستانية مشتركة ودمج قوات الأقاليم الكوردستانية وتشكيل جيش وطني كوردستاني الذي نأمل أن يتم فيما بعد جعله جيشاً كوردستانياً مهنياً، ولاؤه يكون لكوردستان وليس لحزب أو أحزاب ويتم قبول الإنتساب إليه على أساس المواطنة والمؤهلات، بدلاً من الإنتماء الحزبي و الآيديولوجية. هل يستطيع الحزب الديمقراطي الكوردستاني التخلّي عن إرتباطاته ومصالحه مع تركيا؟ هل يستطيع الإتحاد الوطني الكوردستاني التخلّي عن إرتباطاته ومصالحه مع إيران؟ هل يقوم الكوردستانيون بالتصدي للمحاولات التركية والإيرانية لبث التفرقة بين الأحزاب الكوردستانية لمنعها من التوحّد وإكتساب القوة والمنعة؟ شخصياً أشك في ذلك وأأمل أن يكون تقديري خاطئاً بهذا الصدد كما أأمل أن لا تندلع حرب داخلية بين الأحزاب الكوردستانية المتنافسة وتُضعف النضال الكوردستاني  وتشلّه.

mahdi_kakei@hotmail.com

   

16
الطريق الى إستقلال جنوب كوردستان

التحديات التي تواجهها كوردستان في ظل الصراع الطائفي في العراق والمنطقة وخيارات التصدي لها (2)


د. مهدي كاكه يي


في الحلقة الأولى تمّ الحديث عن إستحالة العيش المشترك بين الشعوب الشيعية والسُنّية والكوردستانية في العراق ضمن كيان سياسي واحد. لذلك فأن أية محاولة لفرض العيش القسري على هذه الشعوب، سواء كانت من جهات خارجية أو داخلية، ستفشل وهناك طريق واحد لتقرير مصير هذه الشعوب، وهو تأسيسها لكياناتها السياسية المستقلة ليقوم كل شعب بإدارة بلده وإختيار نمط الحياة التي يريدها.

بعد سقوط الحكم البعثي في العراق وفشل هذه الشعوب في العيش المشترك في محاولات مستمرة منذ عام 2003 الى الآن، إكتشف الكثير من مثقفي وسياسيي وعقلاء وعامة المستعربين الشيعة بأنه من المستحيل الحفاظ على الكيان السياسي العراقي الحالي والعيش مع السُنّة والكوردستانيين ضمن هذا الكيان. لذلك بدأت الأصوات الشيعية ترتفع، مطالِبةً بتأسيس إقليم شيعي أو دولة شيعية وتحديد حدود هذه الدولة من قِبل الشيعة أنفسهم قبل أن يتم فرض حدودها من قِبل الآخرين عليهم وقبل أن يتم الإستيلاء على قسم من الأراضي الشيعية وإنكماش الوطن الشيعي. كما أن الكثير من العرب السُنّة أفاقوا من صدمتهم بسبب فقدانهم للسلطة والحكم في العراق ووهم العودة الى الحكم والإنفراد بالسلطة من جديد وأخذوا ينظرون الى الأمور بواقعية ولذلك بدأوا بالتفكير في تأسيس إقليم خاص أو دولة خاصة بهم.

خلال الأيام الأخيرة الماضية جرت تطورات هامة في العراق، حيث قام إرهابيي داعش وعصابات البعث والعشائر السُنّية بالإستيلاء على الموصل وتكريت ومناطق سُنّية أخرى و مُني الجيش العراقي بِهزيمة كبرى وأعلن داعش عن تشكيل الدولة الإسلامية في المناطق التي إستولوا عليها في كل من سوريا والعراق. كما أن الجيش العراقي فرّ مذعوراً من المناطق الكوردستانية المحتلة من قِبل العراق و بذلك تحررت هذه المناطق وعادت الى أحضان كوردستان. كما نرى فأن العراق إنقسم عملياً الى ثلاث كيانات سياسية، كوردستان و الدولة الإسلامية و دولة سومر الشيعية التي تشمل وسط وجنوب العراق بعد أن إنهار الجيش العراقي وإختفى والآن فأن الميليشيات الشيعية هي القوات التي تستند حكومة بغداد عليها في حربها ضد داعش والبعثيين والعشائر السُنّية، بعد إعلان فتوى المرجع الشيعي السيد علي السيستاني بالجهاد للحفاظ على الكيان السياسي العراقي المصطنع.

بالنسبة لِجنوب كوردستان، حصلت تطورات إيجابية كبرى تساعد في تحقيق إستقلال القسم الجنوبي من كوردستان وبناء دولة على جزء من الأراضي الكوردستانية. إسرائيل تدعم بِقوة إستقلال كوردستان وهذا الدعم هو من أهم التطورات الإيجابية التي تساعد على تحقيق إستقلال كوردستان، حيث أن اليهود يسيطرون على مراكز القرار في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا من خلال سيطرتهم على الرأسمال العالمي ووسائل الإعلام. كما أن تركيا، لأسباب إقتصادية وسياسية وأمنية لا يسع المجال هنا الخوض فيها، تؤيد إستقلال جنوب كوردستان وهذا تطور كبير آخر، حيث أن تركيا هي المنفذ المهم للإتصال بالخارج للكورستانيين الجنوبيين وأنها كانت أشدّ الدول المحتلة لكوردستان التي وقفت ضد حرية شعب كوردستان وإستقلال كوردستان. يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعارض إستقلال جنوب كوردستان وأنها في النهاية ستدعم هذه الخطوة وأن عدم رد فعل الأمريكيين تجاه تحرير مدينة كركوك الغنية بالبترول من قِبل القوات الكوردستانية، هو ضوء أخضر لمُضي حكومة جنوب كوردستان في تحقيق مشروع الإستقلال. كما تشير الأنباء بأن كلاً من بريطانيا وفرنسا تؤيد إستقلال كوردستان وأن هذا التأييد مهم جداً للكوردستانيين، حيث أن هاتين الدولتين هما عضوتان دائميتان في مجلس الأمن ولهما نفوذ كبير في العالم.

الى جانب التطورات الإيجابية التي تدعم مشروع الإستقلال الكوردستاني، فأن هناك تحديات كبيرة أمام هذا المشروع التاريخي. إرهابيو داعش وعصابات حزب البعث أعلنوا إنشاء دولة جارة لجنوب كوردستان والتي تُشكل تهديداً كبيراً للأمن الوطني الكوردستاني. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فأن حكومة الملالي في إيران التي تحتل جزء من كوردستان، تبذل كل ما تستطيع لإفشال إستقلال جنوب كوردستان. تستخدم إيران ثلاث وسائل لتحقيق ذلك، أولاً: التدخل العسكري المباشر، وخاصة بإستخدام سلاح الطيران، حيث أن الحرس الثوري الإيراني يساند الآن الحكومة العراقية الشيعية في قتالها لإستعادة المناطق التي إستولى عليها البعثيون والإرهابيون، الى جانب العشائر السُنّية. ثانياً: عن  طريق مساندة الأحزاب الإسلاموية الشيعية في العراق للحيلولة دون تفكك الكيان العراقي المصطنع. إذا ما نجحت إيران والقوات الشيعية العراقية في دحر الإرهابيين والبعثيين، فأنهم سيوجهون فوهات مدافعهم وبنادقهم نحو الكوردستانيين في جنوب كوردستان لإحتلال جنوب كوردستان وحرمان شعب كوردستان من التمتع بحريته وإستقلاله. ثالثاً: خلق حرب أهلية في جنوب كوردستان بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستاني، الذي له علاقة قوية بحكومة طهران بِحُكم جوار منطقة نفوذ الإتحاد الوطني مع إيران. قد يتم جر حزب العمال الكوردستاني من قِبل الإيرانيين الى هذه الحرب والوقوف ضد الحزب الديمقراطي الكوردستاني، حيث أن العلاقات بين حزب العمال وإيران جيدة. إذا نجحت إيران في إشعال الحرب الأهلية في جنوب كوردستان، ستكون هذه الحرب من أخطر التحديات التي سيواجهها شعب كوردستان في تحقيق إستقلال القسم الجنوبي من كوردستان.

إن الوضع السياسي والأمني السئ في العراق وبروز معالم حرب إقليمية طائفية في المنطقة، تضع القيادة الكوردستانية في الإقليم أمام تحمّل مسئولياتها الوطنية تجاه شعب كوردستان وتحرير بلاده من الإحتلال الإستيطاني. منذ اكثر من 2500 سنة، اي منذ إنهيار الإمبراطورية الميدية، يناضل شعب كوردستان في سبيل تحرير وطنه من الإحتلال و قدّم الملايين من أبنائه وبناته قرباناً للحرية والإستقلال وينتهز الفرص منذ ذلك الوقت لتحقيق هذا الهدف الذي يتطلع الى تحقيقه كل الكوردستانيين. التحديات الكبرى التي يواجهها شعب كوردستان تُحتّم على حكومة كوردستان أن تتهيأ وتستعد لِصد والتغلب على هذه التحديات من خلال:

1. على القيادة السياسية في جنوب كوردستان أن يرتبّوا البيت الكوردستاني ويوحّدوا صفوفهم وكلمتهم ويرفعوا شعار إستقلال كوردستان. هناك تخوّف من وقوف بعض الأحزاب الكوردستانية المقرّبة من حكومة الملالي في إيران، ضد إستقلال كوردستان والعمل على إضعاف وحدة القيادة الكوردستانية، بتحريض من إيران. كما يجب على الأحزاب الكوردستانية في جنوب كوردستان أن لا تجذبهم فُتات الحكومة العراقية، من مناصب وإمتيازات، بل التمسك بتحقيق إستقلال كوردستان الذي ينتظره شعب كوردستان منذ 2500 سنة وراحت في سبيله أرواح الملايين من خيرة بناته وأبنائه. إن شعب كوردستان شعب واعٍ اليوم وأن أية جهة كوردستانية تقف في طريق وحدته وحريته وإستقلاله ستنتهي سياسياً وتختفي على المسرح السياسي الكوردستاني وستلعنه الأجيال الكوردستانية وسيكون مكانها مزبلة التاريخ.

2. يجب إستثمار الفرصة التاريخية المتاحة الآن للكوردستانيين وتحرير كامل التراب الكوردستاني في جنوب وغرب كوردستان ووضع المصلحة الوطنية الكوردستانية فوق المصالح الحزبية والفئوية وتوحيد وتنسيق النضال بين حكومة إقليم الجنوب وإقليم الغرب وتحرير الأراضي الكوردستانية في الإقليم الغربي، وصولاً الى البحر الأبيض المتوسط ليكون لكوردستان منفذاً بحرياً، يكسر طوق الحصار المفروض عليها من قِبل الدول المحتلة لكوردستان.

3. يجب على حكومة إقليم جنوب كوردستان معاملة كافة مواطني كوردستان بالتساوي، بغضّ النظر عن قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم، لخلق مجتمع كوردستاني متجانس، يتحلى مواطنوه بروح المواطنة والإنتماء الى كوردستان. يجب أن تتحقق كافة الحقوق القومية والثقافية والدينية والمذهبية لكافة القوميات ومعتنقي الأديان والمذاهب من كلدان وسريان وآشوريين وتركمان وعرب وأرمن وكورد وسُنّة وشيعة وإيزديين وشبك وكاكَيين وغيرهم.

4. إن تهيؤ شعب كوردستان لإعلان إستقلال كوردستان هو حدث تاريخي عظيم وفريد في تاريخ شعب كوردستان والذي يتطلب حِراكاً شعبياً عارماً وفعاليات كبرى لجلب إنتباه دول العالم والرأي العام العالمي نحو القضية الكوردستانية وحق شعب كوردستان في التمتع بحريته وإستقلال بلاده، إلّا أنه من المؤسف لحد الآن لم تظهر بوادر فعاليات ونشاطات جماهيرية كوردستانية لِدعم ومساندة وتأييد إجراء إستفتاء شعبي لإستقلال جنوب كوردستان والترحيب بهذا الحدث التاريخي العظيم في حياة شعب كوردستان. يجب تشكيل تنسيقيات وهيئات للقيام بأعمال جبارة يُسمع صداها في كافة أنحاء العالم وتجذب إنتباه دول العالم وحكوماتها وشعوبها. يجب تأسيس هيئات لتنظيم مسيرات ومظاهرات كبرى عارمة في كوردستان والبلدان الغربية وفي كل مكان يتواجد فيه الكوردستانيون وإقامة المعارض والحفلات والمهرجانات وإلقاء المحاضرات وإقامة الندوات وتوجيه إعلامي مركز ومكثف على إستقلال كوردستان. كما يجب تشكيل وفود رسمية وشعبية للإتصال بمختلف زعماء وحكومات وبرلمانات العالم والمراجع الدينية ومجتمعات المجتمع المدني فيها لشرح القضية الكوردستانية وقرار حكومة جنوب كوردستان بإجراء إستفتاء لإستقلال جنوب كوردستان.

إن قيام مجموعة من الكُتّاب والمثقفين الكوردستانيين بتأسيس مركز الإعداد لإستقلال كوردستان و تحديد هيئة تحضيرية لإعداد كرنفال جماهيري مليوني في إقليم جنوب كوردستان لدعم إعلان استقلال كوردستان، هو عمل عظيم يستحق كل التقدير والدعم والمساندة و يجب القيام بالتخطيط لمزيد من المبادرات الجماهيرية الكبرى وإدامتها الى أن يتحقق إستقلال جنوب كوردستان.

5. يجب عدم ربط إستقلال جنوب كوردستان بِنوري المالكي أو غيره من الحكّام الذين يحكمون في بغداد، بل رفع شعار تحرير كوردستان من الإحتلال و إستقلالها. كما ينبغي على حكومة جنوب كوردستان الإمتناع عن المشاركة في الحكومة العراقية وأن يُقدّم البرلمانيون الكوردستانيون المنتخَبون كأعضاء في البرلمان العراقي، إستقالاتهم وإنهاء تبعية جنوب كوردستان للكيان العراقي المصطنع. على الكوردستانيين أن لا تغرّهم المناصب والإمتيازات التي يحصلون عليها في بغداد، بل يجب أن يعملوا ليكونوا أسياداً في وطنهم، كوردستان ويبنوا دولة ديمقراطية حضارية متقدمة، تساهم في تقدم وتطوير الحياة الإنسانية على كوكبنا.

6. يجب تحرير كافة الأراضي الكوردستانية في إقليم جنوب كوردستان من الإحتلال ووضع خطط دفاعية محكمة وناجحة للدفاع عن الحدود الكوردستانية، حيث أن الإقليم مهدّد من قِبل الإرهابيين الإسلامويين وعصابات حزب البعث والقومويين العروبيين. كما أن القوى الإسلاموية الشيعية والمرجع الديني الشيعي السيد علي السيستاني يهددون شعب كوردستان في الإقليم ويقفون بِوجه النضال الكوردستاني في التحرر والإستقلال، بِحُجة الحفاظ على وحدة الكيان السياسي العراقي، حيث أنهم فيما لو نجحوا في القضاء على الإرهابيين الإسلامويين وعصابات حزب البعث والإنتفاضة السُنيّة في العراق، فأنهم سيحاولون إحتلال إقليم جنوب كوردستان، وخاصة المناطق الكوردستانية المحررة في الآونة الأخيرة مثل كركوك وغيرها. الأمر الأخطر في الموضوع هو إحتمال مشاركة الحرس الثوري الإيراني في الحرب ضد كوردستان الى جانب الأحزاب الإسلاموية الشيعية العراقية، رغم أن هذا الأمر قد يكون مستبعداً بسبب وقوف الكثير من الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية و كذلك دولة إسرائيل ضد أي إعتداء إيراني محتمل على كوردستان. لذلك يجب وضع خطة عسكرية متقنة لحماية كل شبر من الأراضي الكوردستانية، وخاصة كركوك التي تكون وارداتها البترولية دعامة للإقتصاد الكوردستاني وخاصة في السنوات الأولى بعد إستقلال جنوب كوردستان، حيث لابد أن تعتمد دولة كوردستان فيما بعد على المشاريع الزراعية والصناعية والسياحية كدعائم رئيسية للإقتصاد الكوردستاني. يجب ربط الأنابيب التي تنقل نفط كركوك الى الخارج، بالأنبوب النفطي الكوردستاني بالسرعة الممكنة للقيام بتصدير نفط كركوك الى الخارج لضمان الإستقلال الإقتصادي الكوردستاني والتمكّن من إدارة كافة المناطق الكوردستانية وتوفير العيش الكريم للمواطنين الكوردستانيين وبناء وتطوير كوردستان.

7. يجب عدم السماح مطلقاً للجيش العراقي بالعودة الى المناطق المحررة بِحجة تشكيل قوات مشتركة مع الپێشمەرگە لحماية المناطق التي كانت مشمولة بالمادة 140 من الدستور العراقي. يجب تحرير كافة المناطق الكوردستانية التي إحتلتها القوى الإرهابية. إن إلمامي بالعلوم العسكرية محدود جداً، ومع ذلك أستطيع القول بأن هناك أخطاء عسكرية خطيرة ترتكبها قيادة قوات الپێشمەرگە وهذه الأخطاء تدل على عدم مهنية وكفاءة القادة العسكريين. على سبيل المثال سمحت قوات الپێشمەرگە للجيش العراقي في عام 2010 على ما أعتقد، بإحتلال سلسلة جبال حمرين التي هي الحدود الطبيعية لكوردستان وكذلك ناحيتَي جلولاء و"السعدية" التابعتَين لقضاء خانقين، وإحتفظ قوات الپێشمەرگە بمدينة خانقين فقط. من الناحية العسكرية فأن مدينة خانقين كانت ساقطة بيد الجيش العراقي، نظراً لوقوعها في منطقة سهلية تحت مرمى المدافع والدبابات العراقية. من السُخرية أن أحد القياديين البارزين للإتحاد الوطني الكوردستاني صرح آنذاك بأن كلاً من المدينتَين المذكورتَين ليست مهمة، بل أن مدينة خانقين هي المدينة المهمة. أولاً، كما تم ذكره أعلاه، فأن مدينة خانقين غير محمية عسكرياً، حيث أنها تفتقر الى خطوط دفاعية إستراتيجية للدفاع عنها، وثانياً فأنه لا يمكن التفريط بِشبرٍ واحد من الأراضي الكوردستانية ولا يحق لأحد أن يتنازل عنه. لذلك ينبغي تحرير كافة الأراضي الكوردستانية، بما فيها سلسلة جبال حمرين الإستراتيجية. إن الظروف الحالية مهيئة للكوردستانيين لتحرير جميع الأراضي الكوردستانية وعليهم القيام بذلك دون أي تهاون أو تأخير.

8. يجب على حكومة كوردستان أن تمنع منعاً باتاً تشكيل ميليشيات في كوردستان، خاصة في المناطق المحررة حديثاً ومنع المظاهر المسلحة وأن تكون قوات الپيشمەرگه هي القوة العسكرية الوحيدة في كوردستان، بالإضافة الى قوات الشرطة والأمن. إن السماح بتشكيل ميليشيات سيُشكّل خطراً كبيراً على الأمن الوطني الكوردستاني.

9. إن الظروف التي تمر بها كوردستان والعراق ومنطقة الشرق الأوسط، تتطلب أن تعلن حكومة إقليم جنوب كوردستان التعبئة العامة و تدريب جميع مواطني كوردستان، القادرين على حمل السلاح والراغبين في التطوع للدفاع عن وطنهم، على مختلف أنواع الأسلحة والمهمات الدفاعية الأخرى مثل الدفاع المدني وإطفاء الحرائق ونقل وتضميد وعلاج الجرحى والمصابين وتوفير الأغذية والأدوية والملاجئ ووسائط النقل وغيرها التي تتطلبها البلاد أثناء الحروب وإندلاع القتال والمعارك.

10. القيام بِسن قانون للخدمة العسكرية الإلزامية وأن تكون مُلزَمة للجنسَين وأقترح أن تكون مدة الخدمة الإجبارية 6 أشهر، حيث يقوم الجندي المكلّف بالتدريب المكثّف على مختلف أنواع الأسلحة والتزوّد بالعلوم العسكرية اللازمة، مع تخصص كل جندي في صنفٍ معيّن من صنوف الجيش. كما يمكن أن تتخصص النساء بشكل خاص في صنوف الطبابة والدفاع المدني و الإسعافات الأولية والإتصالات السلكية واللاسلكية والتموين والمخابرات وما شابه.

11. تسليح الپيشمەرگه والشرطة والأمن بأسلحة وأجهزة عسكرية حديثة ومتطورة. يمكن شراء أسلحة ومعدات عسكرية من إسرائيل ودول وشركات عالمية، لتكون القوات المسلحة الكوردستانية قادرة على الدفاع عن حدود كوردستان وحفظ الأمن الداخلي، حيث تواجه كوردستان مخاطر كبيرة من جانب الدول المحتلة والقوى الإرهابية والطابور الخامس للدول المحتلة لكوردستان.

12. أعتقد أن تدريب قوات الپێشمەرگە في الوقت الحاضر لا يرتفع الى المستوى المطلوب، حيث أن أفرادها يتمتعون بإجازات مددها تبلغ أضعاف حضورهم. في هذه الظروف المصيرية يجب أن تتمتع أفراد الپێشمەرگە بالإجازة لمدة أسبوع واحد فقط شهرياً. كما أن برامج التدريب الحالية سيئة ولا ترقى الى مستوى التحديات التي تتعرض لها كوردستان. يجب التعاقد مع خبراء عسكريين إسرائيليين و أمريكيين وأوروبيين، سواءً عن طريق إبرام إتفاقيات مع حكومات هذه الدول أو إبرام عقود شخصية مع خبراء عسكريين متقاعدين من مواطني هذه الدول. كما أنه فيما لو أن تسليح الپێشمەرگە يعتمد حالياً على الأسلحة التي حصلوا عليها عند إنهيار نظام صدام حسين في عام 2003، فأن هذه الأسلحة هي أسلحة قديمة لا يمكن الإعتماد عليها في حماية جنوب كوردستان والدفاع عن شعبه. عليه يجب شراء أسلحة متطورة من إسرائيل وكذلك من دول أخرى، سواء عن طريق عقد صفقات شراء الأسلحة مع حكومات هذه الدول أو عن طريق شرائها من شركات وجهات في الأسواق العالمية لتوفير أسلحة دفاعية فعالة ضد أي إعتداء سواء عن طريق الطائرات الحربية والطائرات السمتية أو عن طريق القوات البرية.

13. ضمن قوات الپێشمەرگە، يجب تشكيل قوات عسكرية خاصة، تتمتع وحداتها بالمرونة والتنقل والتحرك الدائم واللامركزية في إتخاذ القرارات، للتغلب على التفوق العسكري العددي والنوعي والتسليحي للأطراف المُعادية. عند التفوق العسكري للعدو أو إحتلال مدن وأراضي كوردستانية، لا يمكن القيام بحرب الخنادق وجهاً لوجه، بل يجب إتباع حرب العصابات وحرب المدن. يمكن بناء وحدات عسكرية صغيرة على شكل خلايا تتألف كل خلية من 10 الى 12 فرداً. ينبغي أن تتسلح القوات المسلحة الكوردستانية بأسلحة دفاعية، مثل الألغام و مضادات الآليات المصفحة ومضادات الهليوكوبتر ومضادات الطائرات وبنادق القنص والقنابل اليدوية والمفرقعات وغيرها. ينبغي أيضاً إنتشار القوات المسلحة في أكبر رقعة جغرافية ممكنة لإجبار العدو على نشر قواتها وبالتالي تشتيت قواتها و إضعافها و التغلب عليها. هكذا ترتبط الخلايا مع بعضها و تُشكّل وحدات أكبر، كما في الجيوش النظامية. لذلك ينبغي إعلان التعبئة العامة والقيام بتدريب كافة الكوردستانيين القادرين على حمل السلاح وتعليمهم الصنوف العسكرية المختلفة و حرب العصابات في الجبال والأرياف و حرب المدن ومكافحة الإرهاب.

mahdi_kakei@hotmail.com
 

17
التحديات التي يواجهها شعب كوردستان في ظل الصراع الطائفي في العراق والمنطقة وخيارات التصدي لها (1)

د. مهدي كاكه يي


1. التحديات التي تواجه شعب كوردستان في ظل الصراع الطائفي في المنطقة


إن الأحداث التي يمر بها العراق هي إنعكاس مباشر للصراع الطائفي بين السُنّة والشيعة الذين يحملون العداء لبعضهم البعض منذ ظهور الدين الإسلامي. بسبب هذا الصراع الطائفي تمّ قتل الملايين من البشر من الجانبَين عبر تاريخهم الدامي. هكذا فأن الصراع السُنّي – الشيعي ليس وليد اليوم كما يزعم البعض، بل أن هذا الصراع مستمرٌ منذ 1400 سنة وسيستمر الى أن تتطور المجتمعات الإسلامية وينحصر دور الدين على المساجد والحسينيات ويصبح الدين عبارة عن علاقة روحية بين الإله والفرد، بعيداً عن إستغلاله لأهداف سياسية وللإستحواذ على السلطة والثروة وللحصول على الشهرة.

اللاعبون السُنّة الرئيسيون في المنطقة هم الحكومات السعودية والتركية وحكومات الخليج الميدي (الفارسي) الأخرى والحكومة المصرية والأردنية. الحكومة الإيرانية هي اللاعبة الرئيسة التي تُمثّل الشيعة في المنطقة والعالم وتدور في فلكها الحكومات السورية والعراقية وحزب الله اللبناني. فالصراع الحقيقي الحالي الناشئ بين الشيعة والسُنّة هو صراع بين هاتَين الجبهتَين المعاديتَين و الأحداث الجارية في العراق حلقة من حلقات هذا الصراع.

بالنسبة الى الجبهة السُنية، فأن النظام السعودي والأنظمة الخليجية الأخرى هي مصادر تمويل للقوى السُنّية التي تحارب الحكومة العلوية في سوريا والحكومة الشيعية في العراق وتقوم هذه الأنظمة أيضاً بتسليح وتدريب المحاربين السُنّة، بينما حكومة تركيا والأردن تقومان بتدريب هؤلاء المحاربين وتقديم مساعدات إستخباراتية ولوجستية لهم. الحكومة المصرية مشغولة الآن بمشاكلها الداخلية، إلا أنه بعد إستقرار الوضع فيها، ستصبح مصر مصدراً رئيسياً لتمويل الجبهة السُنّية بالمقاتلين والمعلومات الإستخباراتية والقيام بمُهمّات التدريب.

بالنسبة الى الجبهة الشيعية في المنطقة، فأن إيران تقود هذه الجبهة وتتحمّل معظم النفقات المالية و الإحتياجات البشرية وعمليات التدريب و تجهيز الأسلحة والمعدات العسكرية والمساعدات اللوجستية و الإستخباراتية والإعلامية التي يحتاجها هذا الصراع ويأتي العراق في المرتبة الثانية في إدارة هذا الصراع، حيث أنه بلد غني بالنفط وذو نسبة سكانية عالية.

إن موقف الحكومات الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك موقف إسرائيل من الصراع الطائفي في المنطقة، هو إستمرار هذا الصراع لإستنزاف القوى البشرية والموارد المالية الإيرانية و موارد البترول للدول الخليجية كما حصل بالنسبة للحرب الإيرانية – العراقية التي حصلت في الثمانينات من القرن المنصرم، حيث دامت هذه الحرب لمدة ثماني سنوات. من خلال إندلاع الحروب السُنّية – الشيعية في المنطقة، فأن الدول الغربية وإسرائيل تهدف أيضاً الى القضاء على أكبر عدد ممكن من الإرهابيين السُنّة وأفراد الميليشيات الشيعية. خير مثال على ذلك هو تفرّج الدول الغربية وإسرائيل على الحرب الدائرة في سوريا التي تقوم بإستنزاف القوى البشرية والمادية الإيرانية والسورية والقوى البشرية لحزب الله وفي نفس الوقت يتم قتل الإرهابيين السُنّة على أيدي القوات العلوية والشيعية. هكذا بدأ إستنساخ السيناريو السوري في العراق. تدع الدول الغربية إستمرار هذه الحروب الطائفية في المنطقة بحيث لا تُشكّل خطراً على المصالح الغربية ولا تؤثر على تدفق البترول من المنطقة الى الغرب. إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد إنفراد الشيعة بالحكم في العراق والذي يؤدي بدوره الى زيادة قوة ونفوذ إيران في المنطقة، بل تعمل على خلق توازن للقوى الشيعية والسُنّية في هذا البلد وفي منطقة الشرق الأوسط.

إلقاء نظرة على المجتمعات العراقية، يتبين بأنها لا تزال عبارة عن مجتمعات زراعية ذات بُنية قبلية و يلعب الدين والطائفة دوراً مركزياً في حياتها، حيث لا تزال العائلة والقبيلة هي السائدة وتراكمات العقائد الدينية والمذهبية لا تزال مترسخة في عقول الغالبية. لذلك فأن العائلة والقبيلة ورجل الدين هم الذين لا يزالون يديرون البلاد ويحتكرون الحكم والسلطة والثروة وأنّ ما تتم من عمليات إنتخابية تشريعية وبلدية وسن دساتير عراقية، ماهي إلا إجراءات صورية لا تصمد أمام سيادة الثقافة الدينية والطائفية والقبلية السائدة في المجتمعات العراقية. لهذا السبب لا يمكن نجاح أنظمة ديمقراطية في العراق، بل لا تنجح مثل هذه الأنظمة في كافة المجتمعات المتأخرة إجتماعياً وفكرياً. تأكيداً على ذلك، هو الفتوى التي أفتى بها المرجع الشيعي الأعلى السيد السيستاني بالجهاد ضد الإرهابيين. هذه الفتوى الدينية الملزَمة للطائفة الشيعية في العراق، تُثبت بؤس النظام السياسي العراقي وغياب دور الهيئات التشريعية والقضائية والتنفيذية العراقية في إتخاذ القرارات الهامة. أين هو دور البرلمان العراقي الذي يُمثّل الشعوب العراقية من إعلان الحرب في البلاد وإتخاذ قرارات خطيرة تخص هذه الشعوب؟إ من هنا يتبين بأن صلاحيات المرجعية الدينية هي صلاحيات مطلقة وأن ممثلي الشعوب العراقية في البرلمان المنتخبين لا دور لهم في إتخاذ قرارات مهمة، مثل إعلان الحرب.

إن فتوى المرجعية الشيعية الدينية بحمل السلاح هي إعلان حرب وضمنياً أنها إعلان حرب طائفية، حيث أن الشيعة لوحدهم ملزَمون "شرعاً" بإطاعة وتنفيذ أوامر المرجعية المذكورة. بذلك تم خلق جيش "رديف" للجيش النظامي العراقي، كما تقول الحكومة العراقية. في الحقيقة أن هذا الجيش "الرديف" ليس جيشاً بل هو عبارة عن ميليشيات شيعية التي ستصبح القوة العسكرية المهيمنة في العراق وسيتم تهميش الجيش العراقي النظامي وإضعافه وسيكون دوره هامشياً. يتمّ تأسيس هذا الجيش الشيعي "الرديف" على غرار "الحرس الثوري الإيراني (پاسداران) وأعتقد أن قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني المتواجد حالياً في بغداد، هو صاحب فكرة تأسيس هذا "الجيش" على غرار ما هو موجود في إيران. أين موقع العرب السُنّة والكوردستانيين في مثل هذا "الجيش الرديف" الذي يتألف من الشيعة فقط؟! هذه الإجراءات زادت من الصراع الذي كان موجوداً بين الشيعة والسُنّة والكوردستانيين و عمّقت التنافر والصراع بينها، وهي إنقلاب على العملية السياسية في العراق وتفرّد للأحزاب الإسلاموية الشيعية بالحكم في العراق وأن هذه الإجراءات جرّدت السُنّة والكوردستانيين من التمتع بأي دور في حكم العراق. هكذا أصبح من المستحيل أن تعيش هذه الشعوب ضمن كيان سياسي واحد إسمه "العراق".

من جهة أخرى، قال السيد السيستاني، في بيان صادر عن مكتبه بأن: "على جميع المواطنين ولاسيما في المناطق المختلطة ان يكونوا بأعلى درجات ضبط النفس في هذه الظروف الحرجة"، حيث ناشد السيستاني العراقيين أيضاً على "الإبتعاد عن أيّ تصرف ذي توجه قومي أو طائفي يسيء الى وحدة النسيج الوطني للشعب العراقي". هذا البيان الصادر عن السيستاني لسكان المناطق المختلطة مذهبياً وقومياً هو إشارة واضحة بأنه لا يعترف بحق شعب كوردستان في تقرير المصير ويؤمن بوحدة العراق عندما يقول: " الإبتعاد عن أيّ تصرف ذي توجه قومي أو طائفي يسيء الى وحدة النسيج الوطني للشعب العراقي". كما أنه ذكر مصدر في مكتب المرجعية الشيعية العليا لوكالة كل العراق[اين] بان "المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني طالب برفع صورته من القنوات الفضائية ووضع خارطة العراق مكانها". هذا تأكيد آخر على إلتزام السيستاني بالوحدة القسرية بين الشعوب "العراقية" ووقوفه ضد إرادة شعب كوردستان في الحرية والإستقلال.

مما تقدم، فأن المرجعية الدينية الشيعية والأحزاب الإسلاموية الشيعية لا تعترف بحقوق الشعب الكوردستاني في الحرية والإستقلال ورغم الحرب الأهلية التي يعيشها العراق الآن، فأن المالكي وأعضاء حزبه ووسائل إعلامه يهددون شعب كوردستان ويتوعدون بِغزو إقليم جنوب كوردستان بعد أن ينجحوا في حربهم على العرب السُنّة في العراق وأن الصحفيين والكُتّاب المأجورين من قِبل المالكي من المستعربين الشيعة، لقاء حفنةٍ من الدولارات المنهوبة من ثروات الشعوب العراقية، يقومون بِشن هجوم إعلامي شرس، ملئ بالكذب والدجل ومشبّع بالشوفينية والحقد الأعمى ضد شعب كوردستان لِتخويفه وإستعباده من جديد، دون أن يعلم هؤلاء بأن الدنيا قد تغيرت وموازين القوى في العراق والمنطقة قد تغيّرت وأن الشعب الكوردستاني سائر في طريقه نحو الحرية والإستقلال وسيتمكن من تحرير أرضه التاريخية من دنس الإحتلال والإستيطان. يذكر هؤلاء بأن الكوردستانيين "يسرقون" نفط العراق وأنهم "إحتلوا" كركوك. منذ تأسيس الكيان العراقي، تشتري الحكومات العراقية الأسلحة الفتاكة بِواردات النفط الكوردستاني في كركوك وتُبيد بها شعب كوردستان وتهدم مدن كوردستان وقراها. الموارد الطبيعية في كوردستان هي ملك لشعب كوردستان وكفى سرقة ونهب خيرات كوردستان من قِبل المحتلين. مدينة كركوك بناها أسلاف الكورد الخوريين في حوالي 3000 سنة قبل الميلاد وفي ذلك الوقت لم يكن أي وجود للعرب في بلاد ما بين النهرين. لذلك فأن قوات الپيشمَرگة لم "يحتلوا" كركوك بل حرروا مدينتهم من الإحتلال.

يرتبط الشعبان الشيعي والكوردي بأواصر الدم والقرابة، حيث أنهما أحفاد السومريين الذين كانوا يعيشون في منطقة سلسلة جبال زاگروس الكوردستانية، قبل أن ينزحوا الى جنوب بلاد ما بين النَهرين. بالإضافة الى صلة الدم والقرابة بين الشعبَين، فأنهما يشتركان في الظلم والإبادة اللتَين تعرضا لهما عبر تاريخهم المخضب بالدماء ولذلك يجب أن يجمع هذين الشعبَين خندق واحد للتنسيق والتعاون فيما بينهما ضد مؤامرات الأعداء لبناء حياة حرة كريمة لهما، إلا أن الأحزاب الإسلاموية الشيعية تحاول تخريب هذه العلاقة التاريخية بين الشعبَين الشقيقَين. محاولات بث الفرقة بينهما من قِبل الأحزاب الإسلاموية الشيعية ناتجة عن تبعية هذه الأحزاب للنظام الإيراني الذي يحتل جزءً من كوردستان ويقف هذا النظام والأنظمة الأخرى المحتلة لكوردستان، بوجه تطلعات الشعب الكوردستاني نحو الحرية والإستقلال.

أما موقف عنصريي العرب السُنّة من شعب كوردستان، فهو معروف، حيث أن عمليات الأنفال والمقابر الجماعية وإستخدام الأسلحة الكيميائية ضد شعب كوردستان وتهجير أعداد هائلة من هذا الشعب الى خارج كوردستان وتعريب وتخريب كوردستان، شواهد على محاولتهم لإزالة وجود الشعب الكوردي وإلغاء هويته ولغته وتاريخه وتراثه.

إن المجموعات المسلحة التي تقاتل الحكومة العراقية والتي سيطرت على مدينة الموصل وتكريت وغيرهما، هي مجموعات بعثية بشكل رئيس وبأسماء مختلفة، تعمل تحت ستار الدين لإخفاء هوية حزب البعث بسبب دمويته وإجرامه وتاريخه الأسود. إن حزب البعث له إمكانيات مالية ضخمة بسبب تخصيص نسبة من واردات النفط لحزب البعث خلال حكمه للعراق، حيث قاموا بإدخار هذه الأموال في البنوك الغربية وإستثمارها في مختلف بقاع العالم لإستخدامها في إستلام الحكم في العراق فيما لو فقدوا السلطة في هذا البلد. كما أن حزب البعث حكم العراق لمدة 35 سنة وكان جميع ضباط الجيش والشرطة أعضاء في حزب البعث، لذلك فأن لهم كوادر إستخباراتية وعسكرية محترفة وذات خبرات عالية بالإضافة الى كَون البعثيين دمويين، يستخدمون القوة والإجرام والبطش والتهديد وكل الوسائل الأخرى المتاحة لتحقيق أهدافهم. هكذا نرى شعب كوردستان يعيش في ظل ظروف حرجة، يُعاديه حزب البعث والإرهابيون والأحزاب الإسلاموية الشيعية وعليه أن يضع إستراتيجية وخطة عمل للحفاظ على وجوده وتحقيق أهدافة في حياة حرة كريمة.

خلال الحرب الأهلية الجارية في العراق بين السُنّة والشيعة، فأن سكان إقليم جنوب كوردستان بشكل خاص وشعب كوردستان بشكل عام يمرون بظروف إستثنائية، تتطلب القيام بأعمال إستثنائية ونضال خاص للحفاظ على وجودهم كشعب وأمة عريقة ولتأمين حرية وإستقلال كوردستان. هذه الأعمال الإستثنائية سيتم الحديث عنها في الحلقة القادمة.

mahdi_kakei@hotmail.com


18
آن الأوان لإنهاء العيش المشترك القسري بين الشعوب "العراقية"

د. مهدي كاكه يي

الكيان العراقي المصطنع الذي تم تأسيسه من قِبل الإستعمار الأنكلو - فرنسي حسب معاهدة سايكس-بيكو، يمر اليوم بظروف صعبة تعكس التنافر بين شعوب هذا الكيان التي تمّ حشرها فيه دون إرادتها، حيث أن عوامل تاريخية وثقافية ودينية تُفرّق بين هذه الشعوب. لذلك، فأنه منذ تأسيس الكيان السياسي العراقي الى سقوط حكم صدام حسين، كان العرب السُنّة يحتكرون الحكم في هذا الكيان ويحكمون بالحديد والنار ويبيدون الشعبَين الشيعي والكوردستاني. هكذا طوال عمر هذا الكيان المصطنع، عاشت شعوبه في حروب ونزاعات وبسببها سالت بحار من الدماء وتم إهدار ثروات هذه الشعوب في حروب وإتتفاضات وبقيت هذه الشعوب تعيش في ظل الجهل والمرض والفقر. هكذا لم تُتَح الفرصة لهذه الشعوب لخلق مجتمع متجانس ذي ثقافة وأهداف مشتركة ومصير واحد ويتشبع بروح الإحساس بالمواطنة والوطنية.

لقد نشرتُ في مناسبات عديدة بأنه لا يمكن نجاح العيش المشترك ضمن كيان سياسي واحد لمجتمعات متخلفة ذات قوميات أو أديان أو مذاهب مختلفة، حيث أن الشعور القومي لا يزال سائداً في المجتمعات الغربية المتمدنة، على سبيل المثال لا الحصر، التناحر القومي في كل من بلجيكا وإسبانيا وكندا وبريطانيا وغيرها. الشعب الأسكتلندي سيجري في شهر أيلول القادم إستفتاءً لإستقلال بلاده. نرى إستمرار النزاع القومي في الدول الغربية المتقدمة، فكيف يكون الحال في المجتمعات الشرقية المتخلفة، مثل الشعوب "العراقية"؟! نفس الشئ بالنسبة للنزاع التاريخي بين الشيعة والسُنّة الذي عمره 1400 سنة.

يجب أن يعترف المرء بالواقع الذي يفرض نفسه. منعاً لإستمرار القتل والحرب والدمار والإستنزاف المدمًر للثروة البشرية والطبيعية وتدمير الإقتصاد والحياة الإجتماعية والصحية والتعليمية، يجب على الأحزاب السياسية وممثلو الشعوب العراقية وكافة الجهات التي لها دور في إتخاذ القرارات السياسية في الكيان السياسي العراقي، أن تتحمل مسئولياتها التاريخية والأخلاقية و أن تكون واقعية، تتفق فيما بينها لتشكيل ثلاث دول على أنقاض العراق بشكل سلمي، دون إراقة مزيد من الدماء و إهدار مزيد من المال وليتم ذلك بإشراف الأمم المتحدة ووضع قوات تابعة للأمم المتحدة على حدود الدول الثلاث التي تنبثق من الكيان العراقي لفترة محددة الى أن تستقر الأمور فيها.

بالنسبة الى شعب كوردستان، فأن الظروف الحالية التي يمر بها الكيان العراقي هي فرصة تاريخية لحكومة إقليم جنوب كوردستان لتحرير كافة الأراضي الكوردستانية المحتلة من قِبل الكيان العراقي إبتداءً من الموصل، مروراً بكركوك وخانقين ومندلي وبدرة وجصان الى الخليج الميدي (الفارسي). تتحمل القيادة الكوردستانية مسئولية تاريخية كبرى بإنتهاز هذه الفرصة النادرة لتحقيق هدف الشعب الكوردستاني في الحرية والإستقلال والرفاهية. إذا لا تقوم حكومة الإقليم بواجبها في هذه الظروف التاريخية المتاحة، فأن شعب كوردستان مدعو الى الإنتفاضة وإزاحة الحكومة الكوردستانية الحالية عن الحكم و الإتيان بحكومة مؤهلة لقيادة الجماهير الكوردستانية الى حيث التحرر والإستقلال وأن حركة التغيير تستطيع أن تلعب دوراً تاريخياً في قيادة الجماهير الكوردستانية الى النصر فيما لو تخلّف
الحزب الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستاني في أداء واجبهما الوطني في هذه الظروف التي يمر بها العراق والمنطقة.

بالنسبة الى مواقف الحكومة التركية والإيرانية والأمريكية من تحرير المناطق المحتلة من إقليم جنوب كوردستان وإستقلال كوردستان، فأنه من المستبعد جداً أن تستطيع إيران أن تتدخل عسكرياً بشكل مباشر في حالة إعلان إستقلال كوردستان لِسببَين رئيسيين: أولاً: إن الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وكذلك إسرائيل لا تسمح لإيران بإحتلال جنوب كوردستان و أن تصبح جارة لحليفها سوريا وأن تزداد نفوذ إيران في المنطقة؛ ثانياً: ضعف الإقتصاد الإيراني، حيث تعاني إيران من مشاكل إقتصادية خطيرة بسبب الحصار الإقتصادي المفروض عليها من المجتمع الدولي وأن المساعدات العسكرية والمالية التي تقدمها إيران لكل من الحكومة السورية وحزب الله اللبناني، تستنزف الإقتصاد الإيراني وتُشكّل عبئاً إقتصادياً كبيراً عليها. كما أن لإيران إستثمارات كبيرة في الإقليم وأنها تأخذ في الإعتبار ضياع هذه الإستثمارات في حالة إتخاذ إجراءات عدائية ضد جنوب كوردستان. لذلك فأن التدخل العسكري الإيراني في شئون الإقليم هو أمر مستبعد جداً. في حالة إستقلال كوردستان وتحرير مناطق الإقليم المحتلة، ستلجأ إيران الى محاولة شق وحدة القيادة الكوردستانية في الإقليم وذلك بخلق صراع بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستاني. لذلك يجب على هذين الحزبَين أن يكونا حذرَين من المؤامرات التي تخططها إيران وأن يعرفا بأن جميع الدول المحتلة لكوردستان هي أعداء شعب كوردستان و تعمل لإجهاض أية محاولة كوردستانية لتحرير كوردستان وشعبها. كما أن إيران ستحاول القيام بعمليات التخريب والإغتيالات في الإقليم.

تعاني تركيا في الوقت الحاضر من مشاكل إقتصادية كبيرة ومن مشاكل داخلية كثيرة، حيث أن جبهتها الداخلية هشة نتيجة المظاهرات المستمرة ضد الحكومة التركية والصراع على السلطة. كما أن دول الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لا تسمح لتركيا بمحاولة إحتلال جنوب كوردستان والإستحواذ على الثروات الطبيعية فيه والإخلال بالتوازن الإقليمي وأن تهيمن تركيا على منطقة الشرق الأوسط. بإحتلال تركيا لجنوب كوردستان، سيتوحد شمال وجنوب كوردستان و يصبح الكورد الأكثرية في تركيا، مما يعمل على توحيد كوردستان وشعبها والذي يُعجّل بدوره في تحرر كوردستان ولذلك تأخذ تركيا هذا الأمر بنظر الإعتبار و تكون حذرة جداً في القيام بمحاولة غزو جنوب كوردستان. تضاريس كوردستان الجبلية تجعل إحتلال جنوب كوردستان عملية صعبة ومكلفة جداً بشرياً ومادياً. كما أن لتركيا إستثمارات ضخمة في الإقليم وأن المجازفة بإعلان الحرب على إقليم جنوب كوردستان من قِبل تركيا ستُشكّل ضربة كبيرة للإقتصاد التركي. لذلك فأن محاولة تركيا لإحتلال جنوب كوردستان ليست أمراً سهلاً. في هذه الحالة فأن تركيا ستحاول فرض الحصار الإقتصادي على الإقليم والعمل على شق الصف الكوردستاني، وخاصةً بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستاني. كما ستحاول تركيا القيام بالتخريب والإغتيالات في الإقليم.

إذا حاولت تركيا إحتلال جنوب كوردستان، فأنها ستفشل، بل يمكن أن تصبح محاولة تركيا لغزو الإقليم، بدايةً لتحرير كافة التراب الكوردستاني من الإحتلال إذا ما توحّدت القوى السياسية الكوردستانية في إقليم جنوب كوردستان (خاصة توطيد العلاقات بين الإتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني) وعلى مستوى كوردستان من خلال تأسيس قيادة كوردسانية موحدة مؤلفة من حكومة إقليم جنوب كوردستان و حزب العمال الكوردستاني وحزب الإتحاد الديمقراطي وكافة القوى السياسية الأخرى. إن وحدة القوى الكوردستانية وتأمين شروط الأمن الوطني الكوردستاني ووضع خطة عسكرية دفاعية مبنية على حرب العصابات وحرب المدن، تحقق نصراً ساحقاً على النظام التركي وتقود في نفس الوقت الى تحرر كوردستان من الإحتلال وإستقلالها.

نتيجة إختلال القوة العسكرية بين الإقليم والقوات التركية، يحتاج الإقليم الى تأسيس قوات شبه عسكرية، تتمتع وحداتها بالمرونة والتنقل والتحرك الدائم واللامركزية في إتخاذ القرارات، للتغلب على التفوق العسكري العددي والنوعي والتسليحي للطرف المُعادي. بسبب التفوق العسكري للعدو، لا يمكن القيام بحرب الخنادق وجهاً لوجه، بل يجب إتباع حرب العصابات وحرب المدن. يمكن بناء وحدات عسكرية صغيرة على شكل خلايا تتألف كل خلية من 10 الى 12 فرداً. ينبغي أن تتسلح القوات المسلحة الكوردستانية بأسلحة دفاعية، مثل الألغام و مضادات الآليات المصفحة ومضادات الهليوكوبتر ومضادات الطائرات وبنادق القنص والقنابل اليدوية والمفرقعات وغيرها. ينبغي أيضاً إنتشار القوات المسلحة في أكبر رقعة جغرافية ممكنة لإجبار العدو على نشر قواتها وبالتالي تشتيت قواتها و إضعافها و التغلب عليها. هكذا ترتبط الخلايا مع بعضها و تُشكّل وحدات أكبر، كما في الجيوش النظامية. لذلك ينبغي إعلان التعبئة العامة والقيام بتدريب كافة الكوردستانيين القادرين على حمل السلاح وتعليمهم الصنوف العسكرية المختلفة و حرب العصابات في الجبال والأرياف و حرب المدن. 

في الحقيقة أن إستقلال كوردستان يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، حيث تنبثق خارطة جديدة للشرق الأوسط تكون لصالح الدول الديمقراطية في العالم. لذلك فأن رفض الولايات المتحدة الأمريكية لإستقلال كوردستان قد يكون مجرد رفضاً ظاهرياً ولا يُعبّر عن الموقف الحقيقي المؤيد لمشروع إستقلال كوردستان أو يكون هذا الرفض حقيقياً ناتجٌ عن غباء الإدارة الأمريكية. على كل حال، ينبغي على القيادة الكوردستانية أن تضع المصالح الوطنية في نصب أعينها و تعمل جاهدةً لتحقيق الهدف الكوردستاني في الإستقلال وفرض الواقع الجديد على الدول الكبرى والدول الإقليمية. لِتكون إسرائيل قدوة لها، حيث كافح الإسرائيليون في نفس الوقت ضد العرب وضد بريطانيا، التي كانت فلسطين تحت إنتدابها، ووضع الإسرائيليون المصلحة الوطنية فوق أي إعتبار آخر ولم يستمعوا لأية جهة مهما كانت حينما كان الأمر يتعلق بالأهداف الوطنية الإسرائيلية. لهذا، بعد مرور 18 شهراً على تأسيس إسرائيل، قامت بريطانيا بالإعتراف بإسرائيل.

إن هدف العرب السُنّة في العراق هو إستلام السلطة من جديد وإستعباد الشعبَين الشيعي و الكوردستاني ولا يرضون بِغير ذلك. لذلك ينبغي أن يقوم الشيعة في العراق بالعمل على تأسيس دولة لهم في جنوب ووسط العراق لضمان وجود كيان سياسي يجمعهم و يحميهم من الأعداء وإستغلال الثروات الطبيعية فيه لرفاهية الشعب الشيعي. ينبغي أن تبادر القوى السياسية الشيعية في العراق والمثقفين الشيعة بإعلان دولتهم والكف عن إرسال أبنائهم الى ساحات الموت في المناطق السُنية وأن يتمتعوا بالواقعية وإلا فأن أنظمة الحكم السُنيّة في المنطقة تحيك المؤامرات والخطط لإعادة السُنّة الى حكم العراق و إستعباد الشيعة من جديد.

mahdi_kakei@hotmail.com

19
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (16) – أسلاف الكورد: الخوريون – الميتانيون

11. الحضارة الخورية - الميتانية
 
د. مهدي كاكه يي

إعتمد الخوريون الكتابة المسمارية في تدوين لغتهم الهندو ـ آرية، كما أنهم دوّنوا وثائقاً باللغتين الأكادية والحثية. عُثر على مجموعات من الوثائق الخورية في نوزي (يورگان تبه، جنوبي كركوك) ومحيطها وفي (ماري) و(إيمار) الواقعتَين على الفرات الأوسط وفي (أوگاريت) وفي العاصمة الحثية هاتوشا (بوغازكوي الواقعة  في شرقي أنقرة). كما ترد تعابير ومفردات وأسماء أعلام خورية في كثير من الوثائق المكتشفة في مناطق مختلفة من الشرق القديم. إنتشرت اللغة الخورية على نطاق واسع عند إتساع المملكة الخورية في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد، وأصبحت لغة لها مكانة بارزة في المنطقة. اللغة الأورارتية قريبة من اللغة الخورية و قد تكون منحدرة منها.

تم العثور في (أوگاريت) على رقم فيه مسرد مفردات خورية مكتوبة بالخط المسماري وهو عبارة عن معجم يدل على عبقرية الخوريين في تعلم اللغات وإفادتهم من هذه المسارد

إن من أهم ما قدمه الخوريون للحضارة الإنسانية هو إختراع أقدم نظام كتابي أبجدي مسماري في العالم المستند على نظام قواعدي متكامل والمؤلف من 30 رمز مسماري أبجدي الذي شكلّ القاعدة الأساسية في إبتكار وظهور الأبجدية الفينيقية والآرامية والأبجديات الأخرى التي اشتقت من الفينيقية والآرامية كالعبرية واليونانية والنبطية والسريانية والعربية.

التنقيبات المكتشفة تشير الى أنه كان يتم تدوين أخبارالخوريين وكان هناك محل خاص لكتابة الوثائق (مصدر 1).

إن معظم الرُقم المُكتشَفة كانت مرتّبة على شكل مجموعات وكل مجموعة مؤلفة من مكتبة أو ديوان للأرشيف. كانت المكتبات تابعة لمؤسسة دينية أو ممتلَكة من قِبل أفراد. المكتبات المكتشفة في أوگاريت تشتمل على مكتبة الكاهن الأكبر التي تحتوي على الملاحم والأساطير ومكتبتان لكاهن آخر ومكتبة النصوص الأدبية وستة دواوين للأرشيف في القصر الملكي وديوان للأرشيف في القصر الجنوبي. تم العثور في الحي الفخم الممتد شرقي القصر الملكي على مكتبتين خاصتين وعلى ديوان أرشيف خاص. كانت الوثائق التي لها طابع مدرسي، موجودة في القاعات المخصصة لهذه المجموعات وكذلك وُجِدت بعض الأدوات الكتابية كالمخرز أو المنقاش وهو القلم الذي كان يتم إستخدامه لحفر الرموز المسمارية في الرقم الفخارية. كان الكاتب (SCRIBE) االخوري يقضي معظم وقته في قاعات المحفوظات ويقوم بكتابة الرقم الفخارية وتصنيفها وترتيبها على رفوف وفي هذه القاعات كان يزاول أيضاً دوره كمُعلّم (مصدر 2).‏

الوثائق المُكتشَفة في رأس الشمرة تُبين بأن الكاتب الخوري كان يقوم بتعليم الطلاب حروف الأبجدية. لقد تم العثور على عدد من رُقم فخارية صغيرة منقوشة عليها أحرف الأبجدية الخورية الثلاثين وهي مرتبة بحسب التسلسل الذي كان معتمداً آنذاك. هذا التسلسل يُظهر في كل رقم الألفباء المكتشفة في الموقع، وهذا يدل على أن هذه الوثائق تم وضعها لتعليم الطلاب.

تم العثور على رقم مُرتّبةً فيه أحرف أبجدية خوررية في أعمدة ويوجد مقابل كل حرف المقطع الصوتي الأكادي المطابق له باللفظ. إنه عبارة عن جدول تم وضعه لمساعدة المترجمين في القيام بالترجمة. في رأس الشمرة، علاوة على النصوص المكتوبة بهذه الطريقة، هناك نصوص خورية مكتوبة بالإشارات المسمارية الأبجدية المبتكرة في أوگاريت (مصدر 2).

هناك نص تم إكتشافه في رأس الشمرة يبين أهمية الكتابة والمعرفة في المجتمع الخوري، وهو عبارة عن دعاء تمت كتابته بصيغة رسالة موجهة من كاهن إلى أحد الآلهة يطلب فيه مساعدة تلميذه ومما جاء في النص المذكور:‏

"لا تُظهر في عظمتك عدم الإهتمام بالقضية التي أستعطفك من أجلها. بهذا التلميذ الصغير الجالس أمامك.. لا تُظهر عدم الإهتمام.. إكشف له أيّ سر في فن الكتابة، العد، المحاسبة، أيّ حل.. إكشف له.. إكشف له إذن الكتابة السرية.. إعطِ لهذا التلميذ الصغير القصب المبرى والجلد والفخار.. إذن لا تهمل شيئاً من كل ما يتصل بفن الكتابة".‏

قام الخوريون بعمل قوائم لتنظيم  الحياة الإدارية والإقتصادية و قوائم تُمثل مفكرات تم إستعمالها للحصول بسرعة على المعلومات التي كانوا يحتاجونها. في أوگاريت، تم العثور على رقم يتضمن خمسمائة سطر والذي هو موسوعة فيها تعداد الأسماك والطيور والنباتات والمنسوجات والأقمشة والأحجار وما شابه ذلك. فيها أيضاً قوائم تعدّد آلهة أوگاريت وقائمة تعداد الآلهة الخورية. رقم آخر يتضمن جدولاً بالآلهة السومرية، فيه يقابل كل إله ما يقابله من آلهة عند الخوريين، حيث أنه وثيقة عن الديانة المقارنة عمرها حوالي ثلاثة آلاف سنة.

ساهم الخوريون في إثراء التراث الأدبي والفني العالمي القديم المدوّن من خلال كتابة نصوص أدبية بأسلوب متميز والتي كانت تدور حول مواضيع شائعة في ذلك العصر. کما قاموا بترجمة نصوص تعود لشعوب أخرى، إلى اللغة الخورية و أخذوا حكايات شفاهية وکتابية وصاغوها بلغتهم صياغة جديدة. کما أضافوا إلى أدبيات منطقة غربي آسيا أساطير وتعويذات من تراثهم الذي تشير إليه الإكتشافات الأثرية في حتوشا و(أوگاريت) (محمد العزو: حضارة الفرات الأوسط والبليخ، دار الينابيع، دمشق، 2009).

كانت للثقافة الخورية تأثير كبير على الثقافة الحثية، بل أثرت الثقافة الخورية على ثقافات شعوب منطقة الشرق الأدنى القديم بأكملها، كما أن الثقافة الآشورية المبكرة ورثت الثقافة الخورية وخلفتها. يذكر الدكتور عبد الحميد زايد بأن الأسرة الحثّية خلال فترة المملكة الحثّية الحديثة أصبح لها طابع خوري وكان عدد كبير من ملوك وملكات الحثيين يحملون أسماء خورية (عبد الحميد زايد: الشرق الخالد: مقدمة في تاريخ و حضارة الشرق الادنى من اقدم العصور حتى عام 323 ق.م, دار النهضة العربية، القاهرة، 1966، صفحة 473).

تم العثور أيضاً على رقم يحتوي على بعض النصوص الطبية، حيث كان الطب آنذاك مرتبط بالسحر ومتداخل معه. يحتوي هذا الرقم على عدد من الوصفات الطبية ومن خلال نصوص الإبتهالات والأدعية السحرية يمكن التعرّف أحياناً على بعض الأمراض والأدوية. من بين الأمراض التي يأتي ذكرها هي الصداع والأنفلونزا والصرع والزكام والدوار وأمراض الأسنان والرئة والبطن والعيون و إعتلال العضلات والجلد. كان يتم إستعمال المواد النباتية في العلاج، وأحد الرقم يشير الى إستخدام حمام بخاري في العلاج. هناك نص يذكر وجود أطباء في (أوگاريت) ونص آخر يتضمن التعليمات الواجب إتباعها للعناية بالخيول المريضة. كما أنه تم إكتشاف نص تم تفسيره على أنه تلميح لكسوف الشمس (مصدر 3).

قام الخوريون بتنظيم الإدارة بشكل جيد، حيث كان الحُكام يقررون إعلان الحروب و الإستمرار فيها أو إيقافها و كذلك كانوا يقومون بعقد التحالفات و المعاهدات مع الممالك الأخرى و الإشراف على الجوانب الإقتصادية و التجارية و العسكرية. كان الملك الخوري يُمثل السلطة التنفيذية و التشريعية  معاً، وكان له مساعدون يساعدونه في إدارة شئوون البلاد (جرنوت فلهلم: الحوريون تأريخهم وحضارتهم، ترجمة فاروق إسماعيل، دار جدل، حلب، الطبعة الأولى، عام 2000 م).

تذكر الوثائق التي تم العثور عليها في مدينة نوزي بأنه في نظام الحكم الخوري، كان هناك الملك الأكبر الذي يرأس المملكة وكان هناك ملوك أدنى شأناً كانوا يحكمون المدن وكانوا خاضعين لسلطة الملك الأكبر. ملوك المدن كانوا من طبقة الذوات وكان أغلبهم ينتمون الى سلالة الملك الأكبر. كان من واجبات ملوك المدن الدفاع عن المملكة، حيث كانوا مسئولين عن نصب الإستحكامات الدفاعية في المدن والقرى وتأمين العربات الحربية والمتطلبات الدفاعية والحربية الأخرى. كل قصبة والتي كانت تسمى  (ALUM )باللغة الخورية، كان يديرها بيگ (HAZANNU ) أو مختار خاضع لسلطة ملك المدينة التي تتبعها قصبته. كان من واجبات البيگات هي إقامة الإستحكامات في قراهم.

كانت هناك موازين موحدة معمول بها في المملكة وكانت في مدخل المدينة يتم عرض مقاييس ومكاييل لتعميمها على بقية المدن. من القوائم التي كانت تُستعمل كمفكرة، عدة رقم التي هي عبارة عن جداول لقياسات الوزن والطول والمساحة (مصدر 4). ‏

إشتهر الخوريون بصناعة الخزف و إمتاز الفخار الخوري بألوانه الزاهية وتنوع أشكاله كان خزف الخابور يتميز بِرسومات ذات خطوط حمراء و أشكال هندسية ثلاثية الأضلاع، بينما خزف نوزي (مدينة كركوك الحالية) كان له أشكال مميزة جداً و لونه بُنّي أو أسود

كان الخوريون كذلك بارعين في الصناعات المعدنية، حيث كان يتم جلب النحاس من جبال منطقة الأناضول الى بلاد ما بين النهرَين. كان وادي الخابور مركزاً رئيسياً لتجارة المعادن، حيث كانت مملكة (كيزوواتنا Kizzuwatna) و (إيشوا ISHUWA) الواقعة في مرتفعات الأناضول، مصادر للنحاس والفضة والقصدير، إلا أن المملكة الخورية كانت تعاني من نقصٍ في كمية الذهب ولذلك كانت تستورد الذهب من مصر، كما تخبرنا رسائل "AMARNA". السومريون قد أخذوا مفردات مصطلحات النحاس من الخوريين.

تعرضت المصنوعات المعدنية الخورية للتلف والضياع، بإستثناء تلك التي تعود الى العهد المتأخر لمملكة أورارتو، حيث تم إكتشاف بعض التماثيل البرونزية الصغيرة للأسد في مدينة (URKESH). كما تم إكتشاف لوحة برونزية تصّور أسداً فاغر الفم، يثبّ فوق لوحةٍ تحتوي على كتابة مسمارية. هذه اللوحة معروضةً في متحف لوفر في العاصمة الفرنسية، باريس. ومن المنحوتات الميتانية هناك تمثال أسد ضخم من حجر البازلت، يبدو فاغر االفم ويمشي ببطء، يعود تأريخه إلى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، ويتميز بالجلال وتتجلى فيه كاريزما الحياة.

إشتهر الميتانيون بصناعة  الأقواس، حيث تجاوزت شهرة القوس الميتاني خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد حدود بلاد ميتاني. كان التنظيم القوي للبيت الملكي واضحاً في القصور الكبيرة، والموجود حتى في عواصم المقاطعات. لقد كان يتمّ تزيين القصور باللوحات الجدارية. كانت العاصمة الميتانية (واشوكاني) تُزينها مباني المعابد والقصور المتميزة بجمال مداخلها التي كانت تزينها منحوتات كبيرة للأسود والثيران وغيرها، و كان يتم تزيين أسفل الجدران بمنحوتات مغايرة. ربما كان يتم دفن الموتى خارج مناطق السكن.

كان الميتانيون رواداً في تربية الخيول، حيث أن إسم مملكة (إيشوا ISHUWA) قد يعني "بلد الحصان". تم إكتشاف نصٍ مشهور في (HATTUSA) يتضمن دروساً في تعلّم تربية الخيول وجاء في ذلك النص بأن شخصاً خورياً إسمه (كيكولي Kikkuli) كان مسئولاً عن التدريب لتعلّم تربية الخيول. الميتانيون قاموا بإستخدام الخيول في قيادة عربات حربية خفيفة ذات عجلتين، حيث كان الكاشيون والخوريون أوّل من أدخلوا إستخدام الخيول والعربات الحربية في غربي آسيا وكان (كيكولي Kikkuli)، يقوم بتعليم الفنون الحربية المتعلقة بإستخدام المركبات والعربات الحربية (وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، أشرف على الترجمة د.محمد مصطفى زيادة , الطبعة الأولى.القاهرة  -نيويورك، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، 1968 م، صفحة 62).

في المملكة الخورية، لم يتم بناء الكثير من المدن، حيث كانت (URKESH) المدينة الخورية الوحيدة في الألف الثالث قبل الميلاد. في الألف الثاني قبل الميلاد، تم بناء عدد من المدن الخورية مثل (ARRAPHA) و (HARRAN)  و(KAHAT)  و  (NUZI)و TAIDU)) و ((WASHUKANNI التي كانت عاصمة المملكة الميتانية. يبدو أن الثقافة الخورية في بناء المدن كانت تختلف عن الحكم المركزي للأشوريين و المصريين القدماء ويمكن تفسير ذلك بأن النظام الإقطاعي للممالك الخورية لم يسمح بتطوير بناء قصور فخمة أو معابد.

كانت أغلب الأختام الإسطوانية الخورية تصوّر مخلوقات أسطورية مثل البشر المُجنّح و الحيوانات المُجنّحة و هذه الصور المرسومة قد تكون الغاية منها هي الوقاية من الأرواح الشريرة. الأختام الأسطوانية الميتانية تتميز بتنوع المادة المتكونة منها مثل حجر الهيماتيت والعجينة الزجاجية. كان الفنان الميتاني يميل إلى تبسيط الأشكال وتحويرها إلى ما يشبه العناصر الزخرفية ويحرص على إظهار الرموز بأنواع مختلفة، حيث أن لكل رمز دلالته وجماليته مثل السمكة والعقرب والطائر والماعز والكلب والأسد والكائنات الخرافية المجنحة، والكواكب والنجوم والقمر ويرسم رسومات تُظهِر عبادة الشجرة المقدسة والعابد بملابسه الطويلة، وهو يؤدي طقوس العبادة كتشابك اليدين على الصدر، أو لمس شجرة الحياة. كان الفنان الميتاني يحرص كذلك على التناظر والدقة الفنية في نقش مشاهد معقدة بأدوات بسيطة. وهذا الفن له أهمية وثائقية وقيمة فنية وجمالية متميزة ويشير الى مدى إنفتاح الميتانيين ثقافياً وتفاعلهم مع ثقافات شعوب الشرق الأدنى القديم. هذا الإنفتاح ساهم كثيراً في إثراء الفنون الخورية وتطوير االثقافة الخورية.

إهتم الخوريون إهتماماً كبيراً بالزراعة، حيث قاموا بزراعة الشعير بشكل خاص. الفلاح الخوري كان يقوم بزراعة قطعة أرض زراعية كبيرة و كان مالك الأرض يحصل على قسمٍ من المحصول الزراعي ثمناً لإستغلال أرضه الزراعية من قِبل الفلاح.

المصادر

1. BULLETIN OF AMERICAN SCHOOL OF ORIENTAL RESEARCH (11) NO , 81 FEBRUARY 1941.

2. LAROCHE; E. “Les textes hourrites”, Palais Royal d’Ugarit III, Paris 1955. 325-385; “Documents en langue hourrite provenant de Ras Shamra” Ugaritica V, Paris 1968: 447-644.

3. BOYER, G. La place d’Ugarit dans I’histoire de I’ancien Droit oriendans Palais Royal d’Ugarit III, Paris 1955: 283-306.

4. SMITH, SIDNEY. EARLY ASSYRIA HISTORY TO 1000 B. C,
 LONDON, 1928, p. 325.

mahdi_kakei@hotmail.com

20
أسباب و نتائج تبعية إقليم جنوب كوردستان للعراق

د. مهدي كاكه يي

إمتناع الحكومة العراقية بدفع حصة كوردستان من الأموال المخصصة لها في الميزانية العراقية والذي نتج عنه عجز حكومة جنوب كوردستان عن دفع رواتب الموظفين والعمال من مواطني الإقليم و فقدان السيولة النقدية، يُظهر هشاشة البُنية الإقتصادية للإقليم نتيجة أخطاء إستراتيجية إرتكبتها وترتكبها حكومة جنوب كوردستان والتي نستعرضها في هذا المقال.

في البداية يجب القول بأن العلاقة بين إقليم جنوب كوردستان والعراق لا تتحدد بالأشخاص الحاكمين في بغداد، بل تحددها ثقافة حُكّام العراق التي هي ثقافة بدوية بدائية، تتميز بالعنف و النهب و الغدر و الإغتصاب والغزو والإحتلال. لذلك ينبغي أن يدرك شعب كوردستان هذه الحقيقة بأن لا يبني إستراتيجيته إستناداً الى الأشخاص الذين يحكمون في بغداد، بل يضع إستراتيجيته على حقيقة إستحالة العيش المشترك مع عرب العراق ضمن كيان سياسي واحد ومن هنا عليه أن تكون إستراتيجيته هي تحرير نفسه و وطنه من الإحتلال الإستيطاني.

ربطت حكومة جنوب كوردستان إقتصاد الإقليم بإقتصاد العراق، بدلاً من إتباع سياسة إقتصادية مستقلة، وبذلك وضعت مصير الإقليم تحت رحمة الحكومة العراقية. من خلال تخصيص 17% من الميزانية العراقية للإقليم، تجعل هذه التبعية الإقتصادية أن يكون الإقليم تابعاً للحكومة العراقية إقتصادياً وسياسياً، بل أن هذه التبعية تجعل أن يدور الإقليم في فلك الدولة العراقية. لا تكتفي حكومة جنوب كوردستان بإخضاع الإقليم للحكم العراقي عن طريق هذه النسبة المخصصة للإقليم من الميزانية العراقية، بل تذهب أبعد من هذا وتطالب الحكومة العراقية بدفع رواتب الپيشمرگه وبذلك ستُهيمن الحكومة العراقية على قوات الپيشمرگه من خلال إعتمادهم على الحكومة العراقية إقتصادياً وتسليحياً و الذي يتسبب في خلق نتائج سلبية خطيرة، حيث ستتحكم الحكومة العراقية بمصير الپيشمرگه و بمرور الوقت يتحول ولاء الپيشمرگه للحكومة العراقية بدلاً من الولاء لحكومة الإقليم.

لأسباب جيوسياسية، ربطت إدارة أربيل إقتصادها و سياستها بالنظام التركي، بينما يرتبط إقتصاد و سياسة إدارة السليمانية بالنظام الإيراني. كما أن شركات هاتَين الدولتَين المحتلتَين لشمال و شرق كوردستان، تحتكر الإستثمار في كوردستان و أن منتجاتهما الرديئة تغزو جنوب كوردستان وتحتكر الأسواق الكوردستانية، بينما لا وجود للمنتجات المحلية في الإقليم.

لقد مضت أكثر من 23 سنة على حُكم إقليم جنوب كوردستان من قِبل الكوردستانيين أنفسهم، دون تحقيق متطلبات الأمن الوطني الكوردستاني المرتكز على الإقتصاد والأمن الغذائي والديمقراطية والتقدم العلمي والتكنولوجي والقوة العسكرية والإعلام. بعد كل هذه السنين لا يزال الإهتمام منصبّاً على المشاريع غير الإنتاجية من فنادق ومطاعم وغيرها. الإقليم معتمد على الدول الأجنبية، وخاصة تركيا وإيران المحتلتَين لشمال وشرق كوردستان، في مجال الطاقة والغذاء والألبسة وغيرها، حيث تم إهمال الزراعة و الصناعة وإنتاج الطاقة و إضطر الفلاح أن يهجر أرضه و قريته ويصبح شرطياً أو جندياً متطوعاً لإعالة نفسه و أسرته. كما أن إنتاجية الموظفين و العمال واطئة جداً بسبب إشتغالهم لساعات قليلة خلال الأسبوع و بسبب العطل الكثيرة التي تُعلَن في الإقليم و كذلك نتيجة البيئة السيئة لعملهم.

لا يزال الپيشمرگه مجرد ميليشيات حزبية، دون أن يتم تأسيس جيش كوردستاني مهني موحد، يكون ولاؤه لكوردستان وليس للأشخاص والأحزاب. لِنقارن الإقليم بهذا الصدد مع إسرائيل لنتعرف على البون الشاسع بين ما أنجزته إسرائيل و الإقليم في هذا المجال. بعد أسابيع من الإعلان الرسمي لتأسيس دولة إسرائيل، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بن غوريون بِحل جميع المنظمات اليهودية المسلحة في إسرائيل، مثل منظمة الهاجاناه و منظمة شتيرن و منظمة الإرجون، و المنظمة الأخيرة كان يقودها مناحيم بيغن، و ذلك لتأسيس جيش الدفاع الإسرائيلي. عندما كانت سفينة "ألتالينا" في طريقها الى إسرائيل، مُحملة بأسلحة تعود لمنظمة الإرجون الصهيونية، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بإغراق السفينة المذكورة في البحر لمنع إستمرار تواجد الميليشيات المسلحة في البلاد. في جنوب كوردستان، بعد مرور 23 عاماً على الحكم الكوردستاني لا يزال كل حزب له ميليشياته، و أن حكام جنوب كوردستان لم يؤسسوا لحد الآن جيشاً موحداً ليدافع عن مصالح سكان الإقليم ويكون ولاؤه لكوردستان وليس للأحزاب.

رغم مرور 23 عاماً على الحكم الكوردستاني في الإقليم، لا تزال الإدارة فيه مقسمة عملياً بين الحزبَين الحاكمَين و حتى أنه في المناطق الكوردستانية المحتلة من قِبل العراق، فأن هناك إدارتَين متنافستَين و متصارعتَين لهذين الحزبَين، دون الإحساس بالمسئولية الوطنية التي تستوجب التوحّد و التعاون و التنسيق فيما بينهما و نبذ العقلية الحزبية الضيقة لتحرير هذه المناطق و عودتها الى أحضان كوردستان.

حكام الإقليم و حاشيتهم، بالإضافة الى إستحواذهم على الحكم، فأنهم يستحوذون على ثروات شعب كوردستان في هذا الإقليم و يدب الفساد الإداري و المالي فيه. كما أن تقلّد المناصب و الوظائف في مختلف دوائر و إدارات الإقليم يحدده الإنتماء الحزبي لأحزاب السلطة، كما كان متّبعاً في العراق في عهد البعث و الذي هو متّبع حالياً في العراق أيضاً. إن هذه السياسة الحمقاء تمنع تقدم و تطور الإقليم في كل مجالات الحياة، حيث أن عدم الإعتماد على أسس المهنية و الكفاءة و الخبرة، يؤدي الى فشل إنجاز المهام و البرامج الموضوعة، و الذي يقود بدوره الى التخلف و التأخر. كما أن القوات المسلحة الكوردستانية تعاني بدورها بشدة من تطبيق هذه السياسة، ذات النظرة الحزبية المتخلفة المستندة الى الولاء الحزبي، التي تُفرّق بين مواطني الإقليم و تلغي المساواة بينهم، كما تفعل الحكومات الشمولية، والتي قادت و تقود الى خلق قوات مسلحة غير كفوءة و غير مؤهلة للقيام بمهمات الدفاع عن الإقليم ضد المخاطر التي يواجهها.

بالرغم من عيشنا في القرن الحادي والعشرين و في عصر العولمة و في ظل التغيّرات و التطورات العالمية الكبرى، فأن قيادة الحزبَين الحاكمَين تستمر في التمسك بالحكم العائلي و تسير ضد تيار التغيير و التطور، تخفي رؤوسها في الرمال لحجب الوقائع التي تعايشها. إن هذه العقليات المتخلفة تعيش خارج الزمن وأن وعي شعب كوردستان في إزدياد مستمر وسيطيح بهم في المستقبل المنظور.

بالإضافة الى النهب والسرقة التي يقوم بها مسئولي الإقليم، فأن الرواتب والإمتيازات التي يحصل عليها الوزراء وأعضاء البرلمان وأصحاب الدرجات الخاصة والقياديين الحزبيين، تُشكل مبالغ طائلة يستحوذون عليها من أموال الشعب بغير حق ودون وخز ضمير أو الإحساس بالوطنية التي يتشدقون بها. كما أنه الى جانب رواتبهم ومخصصاتهم الخيالية،  يحصل الوزراء و أعضاء البرلمان الكوردستاني على رواتب تقاعدية بعد أداء خدمة تستمر لمدة أربع سنوات فقط. بمرور السنين، سيذهب أكثر من نصف خزينة كوردستان في دفع الرواتب التقاعدية للوزراء وأعضاء البرلمان المتقاعدين.

كما أن هناك عشرات الآلاف من الحزبيين المنتمين الى الحزبَين الحاكمَين في الإقليم الذين تمت إحالتهم على التقاعد على أساس الخدمة الحزبية. غالبية هؤلاء هم من الشباب أو أن أعمارهم تسمح لهم بالعمل. هذا العدد الهائل من الأشخاص يُشكلون عبئاً كبيراً على ميزانية الإقليم و في نفس الوقت ينهبون ثروات شعب كوردستان بصورة قانونية. من جهة ثانية، فأن هذا الإجراء غير المسئول يُحرّم كوردستان و شعبها من خدمة الأيدي العاملة التي يشكلها هؤلاء و بذلك يتم إبعادهم عن المساهمة في بناء و إعمار و تطوير الإقليم و تركهم كجيش من العاطلين عن العمل، يعيشون عالة على المجتمع الكوردستاني.

تتحكم الأحزاب الحاكمة بالسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وبذلك ليست هناك سلطات تشريعية أو قضائية مستقلة و الذي يؤدي الى غياب الإلتزام بالقانون والنظام وفقدان العدالة والأمان. من جهة أخرى فأن منظمات المجتمع المدني، من نقابات وإتحادات وجمعيات، كلها مخلوقة من قِبل الأحزاب الحاكمة وبذلك فقدت إستقلاليتها ومهنيتها وأصبحت مشلولة عاجزة عن أداء دورها الوطني والإنساني الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني في الدول الديمقراطية.

نقطة أخرى جديرة بالإهتمام وهي عند الفشل و التعرض للهزائم، تلجأ القيادات الكوردستانية دوماً الى إتهام قوى خارجية بالتسبب في هزائمها و لا تعترف أبداً بمسئوليتها عن تلك الهزائم و التسبب في الويلات و الكوارث و المصائب التي يواجهها شعب كوردستان بسبب أخطاء قياداته السياسية. لو نستعرض الثورات و الإنتفضات الكوردستانية عبر التأريخ، لُنرى أن القيادات الكوردستانية قد زكّت نفسها و ألقت بمسئولية فشل تلك الثورات و الإنتفاضات على عاتق قوى أجنبية وظروف موضوعية، دون الإعتراف بهزيمتها و عدم أهليتها و جدارتها لقيادة شعب كوردستان. القيادة التي تقود شعبٍ ما، هي المسئولة الوحيدة عن فشل ثورتها أو حكمها، حيث أن كل شعب أو دولة أو جهة تعمل لحماية مصالحها و تحقيق أهدافها و لا تهتم فيما لو يتعرض شعب مثل شعب كوردستان للإبادة. إن شريعة الغاب لا تزال تحكم كوكبنا الأرضي و ينبغي على كل شعب أن يناضل في ظل هذه الشريعة من أجل البقاء و تحقيق أهدافه. لذلك إنه من السذاجة معاتبة أو إلقاء مسئولية فشل الكوردستانيين على عاتق دول مثل أمريكا أو تركيا أو إيران أو العراق أو غيرها، و إلا فأن القيادات الكوردستانية تكون مجرد رُقع الشطرنج يُحركها اللاعبون كما يشاؤون و تستمر معاناة شعب كوردستان و يستمر الإحتلال و الإستعمار الإستيطاني، حيث أن الدول المحتلة لكوردستان تريد تكريس هذا الإحتلال و الدول الكبرى ترسم سياساتها على ضوء متطلبات مصالحها. إذن القادة الكورد هو يتحملون مسئولية أي فشل أو هزيمة و أن تحميلهم قوى أجنبية مسئولية ذلك أمر غير مقبول. القيادة التي ليست بمستوى المسئولية و الكفاءة، يجب أن تتنحى جانباً و تترك القيادة لأشخاص مؤهلين و قادرين على قيادة الشعب نحو الحرية و الإستقلال، و إلا فأن تلك القيادة تتحمل تبعات ما يتعرض له شعب كوردستان من إبادة و نكبات ناتجة عن أخطاء قياداته السياسية.

بعد هذا العرض الموجز لأهم الأخطاء الإستراتيجية لحكومة جنوب كوردستان التي تُشكل عوامل ضعفها في علاقاتها مع سلطات بغداد وحكومات الدول المحتلة لكوردستان والدول الكبرى وفي مقدمتها أمريكا، يجب إزالة كل تلك السلبيات الخطيرة المذكورة أعلاه والتي تنخر جسد النظام في الإقليم من أجل إكتساب الإقليم عوامل قوة في علاقاته الإقليمية والدولية.

كما ينبغي تصحيح الخطأ التأريخي الذي إرتكبته قيادة جنوب كوردستان عندما تبنّى البرلمان الكوردستاني النظام الفيدرالي في علاقته مع العراق بالرغم من أن جنوب كوردستان كان مستقلاً عن العراق آنذاك وأن القيادة الكوردستانية إتخذت هذا القرار الساذج والخطير بمحظ إرادتها بالرغم من كونها قيادة مخضرمة وذات تجربة سياسية كبيرة!! لذلك ينبغي على البرلمان الكوردستاني أن يتبنى النظام الكونفيدرالي في علاقة الإقليم مع الحكومة العراقية، فيما لو تعذر إعلان الإستقلال، ليصبح الإقليم مستقلاً سياسياً وإقتصادياً وعسكرياً.

كما ينبغي على القادة الكوردستانيين تصحيح خطئهم التاريخي عندما لم يقوموا بتحرير كافة الأراضي الكوردستانية المحتلة من قِبل العراق أثناء تحرير العراق من قِبل القوات الأمريكية و التي كانت فرصة تاريخية لهم. الحكومة العراقية لا تزال ضعيفة جداً ولذلك على حكومة الإقليم البدء بتحرير كافة المناطق الكوردستانية المحتلة من قِبل العراق و أن الثروات الطبيعية في جنوب كوردستان، من مياه وبترول وغاز وزراعة تُشكّل ثروات ضخمة تحقّق التقدم والرخاء والرفاهية لشعب كوردستان.

أود أن أختتم هذا المقال بالقول بأن الوعي الوطني والسياسي والثقافي والإجتماعي لشعب كوردستان هو العامل المُحدّد لتحريره من الإستعمار والإحتلال الإستيطاني وأن شعباً واعياً لا يمكن أن يتم إستعباده و إحتلال وطنه. العصر الحالي الذي نعيشه الآن يضمن إرتقاء الوعي عند شعب كوردستان الى مستواً يستطيع تحرير نفسه ووطنه وبناء دولته المستقلة. تتحمل النخبة الكوردستانية المثقفة والمخلصة مسئولية توعية الجماهير الكوردستانية وتعريفها بهويتها ولغتها وتاريخها وتراثها والواقع المزري الذي تعيشه. نأمل من جانبنا أن تتكاتف جهود النخبة المثقفة للتنسيق فيما بينها وإيجاد آلية مشتركة لوضع برامج كفوءة وفعالة لزيادة مستوى الوعي عند المواطن الكوردستاني، حيث أن مثقفي كوردستان المؤمنين بحرية شعب كوردستان وإستقلال كوردستان، لا يزالون يعملون بجهود فردية غير منظمة، تفتقر الى برامج عمل. نأمل بإيجاد مظلة نعمل تحتها و يكون تركيزنا على الشباب الذين هم أمل الشعب الكوردستاني في التحرر والتقدم، حيث أن القيادات السياسية الكوردستانية الكلاسيكية الحالية غير مؤهلة لقيادة شعب كوردستان الى التحرر والإستقلال و أن كوردستان ستتحرر على أيدي الشباب الكوردستانيين المفعمين بالحيوية والإرادة والتصميم والذين هم ثروة شعب كوردستان التي لا تنضب، وستتحرر كوردستان على أيديهم.

mahdi_kakei@hotmail.co

21
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (15) – أسلاف الكورد: الخوريون – الميتانيون

01. لِنستمتع معاً بالإستماع لموسيقى خورية عمرها 3400 سنة!
 
د. مهدي كاكه يي


تم العثور في (أوگاريت Ugarit) على أقدم نوطة موسيقية في العالم، مكتوبة باللغة الخورية وبالكتابة المسمارية ومؤرخة في حوالي عام 1400 قبل الميلاد. لقد تم أيضاً إكتشاف نص يحتوي على أسماء أربعة مُلحنين خوريين. في هذا المقال سنتحدث عن تفاصيل هذه النوطة الموسيقية وكيفية تفسير رموزها، بالإضافة الى عرض صور للرقيم الخوري والنوطة الموسيقية وصورة لعازفة طبل خورية، وتقديم الأنشودة المذكورة للإستماع إليها من خلال الرابطَين الموضوعَين في نهاية المقال لإستمتاع القارئات العزيزات والقراء الأعزاء بالإستماع لهذه القطعة الموسيقية التي عمرها أكثر من 3400 سنة.

الأنشودة الخورية هي عبارة عن إبتهال ديني باللغة الخورية ومحتواها تدور حول حكاية زواج لم ينتج أطفالاً، فنتج عنها أنشودة لرثاء حال الإلهة (نيگال) زوجة إله القمر، التي كانت عاقرة لا تنجب أطفالاً. في الأنشودة كأن الإلهة (نيگال) تسأل زوجها عن سبب عقمها وتلومه على ذلك، حيث أنه الإله الذي يمنح الأطفال للأزواج، بينما ترك زوجته عاقرة، لا تنجب.

في عام 1948، قامت بعثة فرنسية مختصة بالآثار بالتنقيب في موقع (أوگاريت Ugarit) الواقع شمال مدينة اللاذقية بحوالي تسعة كيلومترات. خلال الحملة التنقيبية الخامسة عشرة التي جرت في عام 1951، تم العثور بين أنقاض القصر الملكي في موقع (أوگاريت) على رقيمات عديدة، من بينها رقيمان مكسوران. في عام 1953، تم العثور في القصر الملكي أيضاً على قطعة من رقيم مهشّم. بعد بضعة أعوام تعرّف (إيمانويل لاروش) الأستاذ في جامعة (ستراتسبورغ) الفرنسية على هذه القطع الثلاثة وأدرك أنها كانت أجزاء لرقيم واحد مكسور. إستطاع هذا الباحث جمع الأجزاء الثلاثة مع  بعضها في توافق كامل. بعد ضم أجزاء هذا الرقيم الى بعضها، كان شكله مستطيلاً، يبلغ  طوله حوالي 19 سنتيمتر وعرضه 7,5 سنتيمتر. في عام 1967، قام هذا العالم المختص بالآثار بدراسة الكتابات الموجودة على الرقيم الطيني وترجمتها ونشرها في المجلد الخامس من النشرة الرسمية الخاصة بالبعثة التنقيبية الفرنسية المسماة (أوگارتيكا) التي تصدر بالفرنسية. أشارت هذه الدراسة الى أنّ الرقيم هو عبارة عن أنشودة مؤلفة للإلهة الخورية (نیگال Niggal) زوجة إله القمر (كوشوخ Kushukh). بعد جمع أجزاء الرقيم الى بعضها، وإستنساخه ونشره، أصبح الرقيم في حالة تسمح بدراسة محتوياته من قِبل الباحثين.

الرقيم الطيني الخوري مكتوبٌ بالخط المسماري و يحتوي على أول تدوين موسيقي معروف في تأريخ الثقافة الانسانية، والذي هو أقدم مقطوعة موسيقية في التاريخ، حيث يرجع تأريخها الى عام 1400 قبل الميلاد. كما تم إكتشاف صورة نادرة لعازفة طبل خورية.

في القسم  العلوي على الوجه الأول من الرقيم الخوري المُكتشَف، هناك كتابة مؤلفة من اربعة سطور، التي تلتف لتحيط بالرقيم من الوجه الثاني. يليها على الوجه الأول خطان أفقيان فاصلان. توجد تحت هذين الخطّين في القسم الأسفل، ستة سطور مؤلفة من رموز وإشارات التي هي عبارة عن أسماء أبعاد موسيقية ويأتي عدد بعد كل بُعد موسيقي. في السطرالأول كان العدد هو (10)، بينما في الأسطر الخمسة الباقية تتراوح قيمة كل عدد بين 1 و 5.  بعد دراسة هذا الرقيم من قِبل باحثين، تبيّن أن السطور الاربعة العلوية تحتوي على أنشودة دينية قديمة مدونة باللغة الخورية. السطور الستة الواقعة تحت الخطين هي عبارة عن إشارات موسيقية. يُظهر هذا اللوح لأول مرة في التأريخ تفصيلاً موسيقياً دقيقاً لأنشودة دينية تدعى (نيد قبلي). كما أن إسم ملحّن الأنشودة هو (أورهيا) وإسم مدوّن الأنشودة هو (آمورابي) المذكوران في اللوحة الخورية.

التنويط الموسيقي
محاولات عديدة قام بها علماء ومختصون لفك رموز الرقيم. كان عالم الحثيات الباحث الأميركي (هانز گوتربوك) أول من ميّز النوطة الموسيقية وإكتشف بأن الرموز في القسم السفلي هي عبارة عن أسماء لأبعاد موسيقية وأنه يلي كل بُعد من هذه الأبعاد رقم، إلا أنه لم يتمكن من ترجمة هذه الموسيقى المكتوبة بشكل بُعد موسيقي يليه رقم.

بعد ذلك في عام 1971، قام العالم الانكليزي (دافيد وولستان) بأول محاولة لفك هذه الرموز وهو من الذين درسوا لوحات بلاد ما بين النهرين. قال (وولستان) بأن التدوين (دو- صول) يعني نغمة متدرجة من خمس درجات: (دو -  ري -  مي -  فا – صول)، وليس مسافة، إلا أنه في هذه الحالة لا يكون للعدد الذي يلي البُعد أي معنى، حيث أنه طالما أن الموسيقى مدوّنة يكون لا لزوم لوجود عدد فيها.

المحاولة الثانية قامت بها العالمة الأمريكية الدكتورة (آن كيلمر)، التي هي باحثة في الأكاديات، بمشاركة الموسيقار (ريتشارد كروكر) والفيزيائي (روبرت براون)، حيث قالت الدكتورة (آن كيلمر) بأن (دو – صول) تعني (دو) و (صول)، وهي مسافة ويليها العدد (3) الذي يعني تكرار (دو – صول) ثلاث مرات (دو - صول، دو - صول، دو - صول)، وقالت أيضاً بأن هناك موسيقى متعددة الأصوات في (أوگاريت). قامت (كيلمر) ومساعدَيها بتسجيل تفسيرهم للإنشودة الخورية على اسطوانة وتم توزيعها في الاسواق في عام 1975، تحت عنوان "أصوات من الصمت"، الا أن الإسطوانة كانت غير مُقنعة.

المحاولة الثالثة قامت بها السيدة البلجيكية (دوشان گيومان) التي كانت تكتب في مجلة علوم الموسيقى الصادرة في فرنسا. أبدت (دوشان گيومان) تأييدها لتفسير (وولستان) بأن (دو – صول) هو لحن: (دو –  ري -  مي -  فا – صول) وأن العدد الذي يلي (دو- صول)، يدل على درجات قصيرة (Petites notes) مضافة للزخرف، حيث قالت بأن اليونانيين يستعملونها إلى الآن في الموسيقى البيزنطية، الا أنه عندما يكون (دو – صول) هو تدوين موسيقي، ليس هناك أي معنى لوجود الدرجات القصيرة.

المحاولة الرابعة والناجحة قام بها الباحث السوري الفيزيائي (راوول فيتالي)، حيث أنه إكتشف بأن العدد الموجود في الرقيم يدل على عدد قياسات زمنية موسيقية (Mesures). تطابقت كل الخطوط تماماً، ما عدا الخطَين الأول والأخير، فلم يجد لهما ما يقابلهما من الأبيات الشعرية المكتوبة فوقهما. إستنتج (فيتالي) من ذلك بأن ثمة في البداية مقدمة موسيقية غير مغنّاة، وختاماً موسيقياً غير مغنّى، بينما إنطبقت كل الخطوط الباقية تماماً. كانت الكلمة الخورية (أوستما آري) موجودة في الخط الأول و التي يليها العدد (10). حسب ترجمة العالم الألماني (تيل) فأن الكلمة الخورية (أوستما آري) تعني (لا أعطي الكلام، أعطي). هذه العبارة توضح بأن نصف المقطوعة بلا كلام ونصفها الآخر بِكلام. هكذا فأن السطر الاول من التدوين هو عبارة عن مقدمة موسيقية دون كلام والسطر الثاني من التدوين يطابق البيت الاول من الأنشودة و السطر الثالث من التدوين يطابق البيت الثاني من الأنشودة و السطر الرابع من التدوين يطابق البيت الثالث من الأنشودة والسطر الخامس من التدوين يطابق البيت الرابع من الأنشودة والسطر السادس (الأخير) من التدوين هو عبارة عن خاتمة موسيقية دون كلام. قام (فيتالي) بكتابة الدرجات الموسيقية، البيضاء والسوداء وغيرها وعلى أساس أن الأعداد هي الأزمان. ثم كتب النص الموسيقي الذي عزفه له أحد أصدقائه الموسيقيين على (مقام كورد) المماثل لمقام ( نيد قبلي) السومري والخوري، وقام بتسجيله. بعد ذلك قام بتعديل ثلاث أو أربع نوطات موسيقية لهذه الأنشودة الخورية لتصليح بعض الأخطاء التي كانت موجودة فيها.

إكتشاف هذه الأنشودة الخورية يثبت بأن السلم الموسيقي السباعي والنوطة الموسيقية ليست إبتكاراً يونانياً، بل هي من الإبتكارات الرائدة لحضارة أسلاف الكورد الخوريين، حيث أنه قبل هذا الإكتشاف التاريخي، كان العالم يعتقد بأن أول قطعة موسيقية مدونة على السلم السباعي كانت مقطوعة تم عزفها في إحدى مسرحيات الكاتب اليوناني التراجيدي (يوربيديس) التي تم عرضها في أواسط القرن الخامس قبل الميلاد. هذه الأنشودة الخورية سبقت هذه المقطوعة اليونانية بألف عام.‏ هكذا فأن هذه القطعة الموسيقية الخورية هي أقدم بِألف عام عن أقدم قطعة موسيقية عرفها الغرب على أساس السلم الموسيقي الذي إكتشفه اليوناني (فيثاغورث)  في حوالي عام 450 قبل الميلاد.

من هنا يتبين بأن كوردستان هي منبع السلالم الموسيقية في العالم، وأن السلالم اليونانية السبعة التي تشكّل بدورها السلم الموسيقي الغربي قد إستندت على السلّم الموسيقي لأسلاف الكورد السومريين والخوريين.

بهذا الإكتشاف تم تحديد عمر وتاريخ الموسيقى والتدوين الموسيقي في منطقة الشرق الأوسط. كما أن هذه الأنشودة الخورية تُثبت عراقة وأصالة الموسيقى الكوردية من جهة، ومن جهة ثانية أنها دليل مادي لِكون الخوريين أسلافاً للكورد وأن الكورد وأسلافهم يتواصلون معاً من خلال الموسيقى، حيث يستند اللحن الخوري على مقام الكورد كمقام موسيقي. عند الإستماع الى هذه القطعة الموسيقية الخورية، يكتشف المُستمع بسهولة الطابع الكوردي المتميز لهذا اللحن الخوري الذي يختلف عن الأنغام العربية والفارسية وغيرها.

يستلهم الكورد وأسلافهم من الطبيعة الجبلية الجميلة لكوردستان، الإبداع والعبقرية في مختلف نواحي الحياة، من موسيقى وفن وشعر وأدب وعلوم. إن التاريخ والتراث الكوردي بحاجة الى إهتمام كبير من قِبل حكومة إقليم جنوب كوردستان و التنظيمات السياسية الكوردستانية والإعلام الكوردستاني لإبراز معالم الحضارة الكوردستانية لشعوب العالم.

المصادر

الدكتور علي القيم: الموسيقا تاريخ وأثر. الطبعة الأولى، مطبعة الكندي، دمشق، 1988.

راؤول فيتالي: أقدم موسيقا معروفة في العالم. مجلة الحياة الموسيقية العدد 2 سنة 1993 والعدد 6 سنة 1994"
 
West, M. L. The Babylonian Musical Nation and the Hurrian Melodic Texts. Music & Letters Vol: 56, No. 2 (May 1994), pp. 161-179, Oxford University Press.

Gurney, O. R. Babylonian Music Again. Iraq Vol. 56 (1994), pp. 101-106. British Institute for the Study of Iraq.

الروابط

الرابط الأول يحتوي على الأنشودة الخورية لوحدها.

الرابط الثاني هو عبارة عن برنامج مُقدّم من قِبل قناة الجزيرة الفضائية حول الأنشودة المذكورة، الذي يتم فيه شرح الموضوع وعرض الرقيم وإظهار موقع (أوگاريت) الآثارية، بالإضافة الى تسجيل للأنشودة الخورية.

http://static.alarab.net/MMS_Files/MP3/mp3_files//M/Malek%20Jandali/Echoes%20From%20Ugarit/Alarab_Malek%20Jandali%20-%20Echoes%20From%20Ugarit.mp3


http://www.youtube.com/watch?v=Pyy51o__7oA

الصور


الرقيم الخوري المصنوع من الطين والذي يحتوي على أقدم مقطوعة موسيقية يرجع تاريخها الى عام 1400 ق م




نفس الرقيم السابق


 
 الرقيم الخوري



النوطة الموسيقية الخورية حسب دراسة الباحث راوول فيتالي


صورة نادرة لعازفة طبل خورية


mahdi_kakei@hotmail.com


22
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (14) – أسلاف الكورد: الخوريون – الميتانيون

9. المعتقدات الميتانية وتأثّر الأديان الأخرى بها
 
د. مهدي كاكه يي


بعد تأسيس مملكة ميتاني في أواسط القرن الخامس عشر قبل الميلاد، نشر الميتانيون في المنطقة عبادة الآلهة الهندو – آرية، مثل الآلهة (إندرا Indra) و(ميترا Mitra) و(ڤارونا Varuna) والتوأمان (ناساتيا Nasatya) و( داسرا Dasra) اللذان تتم تسميتهما ب(أشڤين Ashvin).

في المعاهدة المشهورة التي تم عقدها بين الحاكم الحثي (سوپيلوليوما Suppiluliuma) و الملك الميتاني (ماتيوازا Mattiwaza) في حوالي عام 1380 قبل الميلاد في (بوگازكوي Boghazkoy)، تم أداء القسم بإسم الآلهة الميتانية (إندرا) و(ميترا) و (ڤارونا) و(ناساتيا) للشهادة على هذه المعاهدة (مصدر رقم 1).

1. (إندراIndra ) – هو ملك الآلهة. كان إلهاً للآريين قبل أن يكون إلهاً في الهند. إنه إله هندوأوربي وإبن عم الإله الألماني (وتان Wotan) الذي هو مُماثل لأب الآلهة الإسكندنافية (أودين Odin) وملك الآلهة اليونانية (زيوس Zeus) وملك الآلهة الرومانية (جوپيترJupiter). يرمز (إندرا) الى إكتمال الإنسان الأسمى وأن سلاحه هو البرق. يحب الشرب كثيراً.

في النصوص الدينية المبّكرة، يلعب الإله (إندرا) أدواراً متنوعة. كملِك، يقود غارات الماشية ضد (داساس أو داسيوس dasas or dasyus) الذين هم السكان الأصليون للأراضي التي فيها يقوم شعبه برعي الماشية. إنه يجلب المطر لكونه إله الصاعقة وأنه المحارب العظيم الذي ينتصر على عدو الآلهة (آسوراس Asuras). إنه يهزم أيضاً أعداء الإنسان وأعداء الإنسان الجبّار الذين عددهم لا يُعَد ولا يُحصى، أشهرهم هو (ڤريترا Vritra) الذي هو تنين و زعيم (داسا). كَتنين، يتم إتهام (ڤريترا Vritra) بأنه يحجب المياه والأمطار، وك(داسا)، يُتّهَم (ڤريترا) بِسرقة الأبقار، وكَعدو الآلهة، يُتّهَم بإخفاء الشمس (مصدر 2).

2. (ڤاروناVaruna ) – تبعاً للمعتقدات الميتانية، فأن الدنيا قد خُلِقت من قِبل الإله (ڤارونا) و هو الذي يحميها. يقوم هذا الإله بالحفاظ على النظم الأخلاقية ويبارك مَن يحافظ عليها و يمنحه الهِبات. مَن لا يتبع الأخلاق الحميدة، سيعدهُ (ڤارونا) مذنباً و سيُعاقبه وفيما بعد سيعرف الإله ميترا بالأمر. (ڤارونا) هو إله الماء والمحيط السماوي، وهو كذلك إله القانون للعالم الواقع تحت الماء (مصدر 3). (ماكارا) هي جبل (ڤارونا). كرئيس لل(آديتياس Adityas) (أديتياس هُم الآلهة السماوية السبعة وهم أبناء آديتي Āditi)، يمتلك (ڤارونا) جوانب ألوهية شمسية، ومع ذلك، بعكس (ميترا)، فهو مرافق لليل، بينما يرافق (ميترا) ضوء النهار. كأبرز إله، فهو في الغالب مهتم بالشؤون الأخلاقية والإجتماعية أكثر من تألية الطبيعة.

في الديانة الزردشتية ، "ڤارونا " هو أحد أسماء ال(101) لآهورا مازدا الذي يعني "المُنقِذ من الشر" (مصدر 3).

3. أشڤين Ashvins (ناساتيا Nasatya  و (داسرا Dasra) – الإلاهان (أشڤين) هما إلهان توأمان أحدهما إسمه (ناساتيا) والثاني إسمه (Dasra). في الكتاب المقدس (ريگڤيدا Rigveda)، كلمة (ناساتيا) تعني (رحيم أو نافع) و كلمة (داسرا) تعني (مانح التنوير الروحي). في الأساطير الهندوسية، هذان الإلاهان هما إلاهان ڤيديان وفارسان توأمان مقدّسان. في الكتاب المقدس (ريگڤيدا Rigveda) هما إبنان ل(سارانيا Saranya) {سارانيا هي إبنة ڤيشواكارما Vishwakarma التي هي آلِهة الغيوم وزوجة سوريا Surya في طوره ك(ڤيڤاسڤات Vivasvat)} (مصدر 4). هذان الإلهان يرمزان الى ضوء شروق الشمس وغروبها، يظهران في السماء قبل الفجر في عربة ذهبية، يجلبان الكنوز للرجال ويُبعِدان سوء الحظ و المرض. هما طبيبان إلاهيان و روحان مُشعّان للطب الهندي الشعبي الطبيعي القديم. يتم تمثيلهما كَبشر ذي رأس الحصان. في ملحمة (ماهابهاراتا Mahabharata)، يتم منح إبن ل(مادري Madri) التي هي زوجة الملك (پاندوPandu )، من قِبل كُلّ من الإلاهَين التوأمَين و تصبح حبلى بالتوأمَين (ناكولا Nakula) و (ساهاديڤا Sahadeva) واللذَين معروفَين مع أبناء (كونتي Kunti) ب(پانادا ڤاس).

في المعابد الميثرائية نشاهد شُعلتَي الإلهَين الإثنين الذين يُعرفان ب(الراعييَن)، حيث أن إتجاه شعلة الإله الأول هو نحو السماء الذي هو رمز لشروق الشمس، بينما إتجاه شعلة الإله الثاني هو نحو الأرض والذي هو دلالة على غروب الشمس.

4. (ميترا Mitra) – كان ميترا إلهاً هندوإيرانياً مُهمّاً، وهو إله الصداقة و السلام والتواصل والنظم والصلح و النور (مصدر 5). يتم ذكر إسمه بشكل مختلف في الأديان الهندوآرية القديمة، كما هو موضح كالآتي:

• إسم ولقب: (ميترا) هو إسم عائلة هندية ويُستعمل كذلك كلَقب وبشكل رئيسي بين البنغاليين.

• الديانة الڤيدية (ديانة هندية قديمة): تتم تسميته في الكتاب الهندوسي المقدس (ريجڤيدا) ب(ميترا) (السنسكريتية Mitrá-, Mitráḥ). يظهر كثيراً في النص السنسكريتي القديم ل(ريجڤيدا). الديانة الڤيدية تؤمن بأن الإله (ميترا) يقود حياة الإنسان إلى السلام و النظام. وظيفة الإله (ميترا) هي تحقيق وحدة الإنسانية. هو إله الخير والبرکة وصاحب أعظم قوة، تتصدى للأعمال السيئة التي تظهر بين شعوب الأرض. كما أن الإله (ميترا) يعادي بشدة الأعمال الشريرة والخيانة والكذب.

• الديانة الزردشتية: إسم (ميترا) في الديانة الزردشتية هو (ميثرا) (آڤيستا Miθra، Miθrō)، وهو (يازاتا yazata) المذكور في الكتاب الزردشتي المقدس (آڤيستا)، والذي يقابله في اللغة الفارسية الجديدة (مهر Mīhr أو Mehr) وفي اللغة الكوردية الحديثة (مير). يتم تقديس (ميترا) في الديانة الزردشتية، التي تأثرتْ بشكل كبير بالميثرائية، وخاصةً فيما يتعلق بتقديس الشمس. يقول زردشت في الكتاب المقدس (آڤيستا) ما يلي: قال آهورامازدا لزرادشت سپيتاما "هكذا خلقتُ (ميثرا) ذا المراعي الواسعة، الذي يستحق أيضاً الصلاة والمجد، مثلما أنا آهورامازدا أستحقهما" (الدكتور خليل عبدالرحمن: آڤِستا الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية، الطبعة الثانية، روافد للثقافة والفنون، ياشت 10 ميهر ياشت "نشيد ميثرا"، صفحة 459). كما جاء في الكتاب المقدس، (آڤيستا) ما يلي: أُصلّي لميثرا القوي، الأقوى بين المخلوقات وأقدّم له قربان الهاوما وأُبجّله وأُمجّده (نفس المصدر السابق صفحة 460).

إن إسم الشهر السابع في الكتاب الزردشتي المقدس (آڤيستا)، هو (مهر) الذي هو (ميترا)، حيث يتم الإحتفال بِعيد خاص في السادس عشر من هذا الشهر والذي يُسمى (ميتراگان أو مهرگان) وهو عيد لتقديس وتعظيم الإله (ميترا). أخذ العرب إسم هذا العيد الزردشتي وقاموا بتحويره الى كلمة (مهرجان). يوافق هذا العيد اليوم الثاني من تشرين الأول (توفيق وهبي: اليزيدية بقايا الديانة الميثرائية. ترجمة شوكت إسماعيل حسن، دار سردم للطباعة والنشر، سليمانية، كوردستان، 2010، صفحة 15). كما أن کلمة (محراب) العربية مأخوذة من الكلمة الهندوآرية "مهر آب" التي هي "مكان عبادة الإله ميترا". (مهر) الذي هو إسم (ميترا)، يتم تلفظه في اللغة الكوردية الحديثة (مير) (توفيق وهبي: اليزيدية بقايا الديانة الميثرائية. ترجمة شوكت إسماعيل حسن، دار سردم للطباعة والنشر، سليمانية، كوردستان، 2010، صفحة 8). تمّ إدخال هذا الإسم الآري الى اللغة العربية وتمّ تحويره من (مهر) أو (مير) الى (أمير).

آثار تأثير المعتقدات الميثرائية على الديانة الزردشتية واضحة جداً، على سبيل المثال، عبادة الزردشتيين للشمس والقمر وتقديم القرابين.
 
• الديانة البوذية: إسم (ميترا) في الديانة البوذية هو (مايتريا Maitreya) أو (بوديساتڤا bodhisattva). (بوديساتڤا) هو أي شخص، بدافع من تعاطف عظيم، تولّدَ لديه (بوديسيتّا bodhicitta)، التي هي عبارة عن رغبة عفوية لجعل البوذية أن تكون لصالح جميع الكائنات الحية (مصدر 6)، حيث أنه في التقاليد البوذية أن (ميترا) هو الشخص الذي يظهر على الكرة الأرضية ويحقق التنوير الكامل و يُعلّم الناس (دهارما Dharma) نقية. في العقيدة البوذية، (دهارما) تعني القانون والنظام الكوني و تعني أيضاً تعاليم بوذا (مصدر 7). (ميترا) في الديانة البوذية، هو الأضواء أو الإشعاعات الضوئية التي تُنير الكون.

• الديانة اليونانية الرومانية: ميترا يُسمّى ب(ميثراس Mithras) في الديانة اليونانية الرومانية. الميثرائية هي البُنية الرئيسية للدين اليوناني الروماني.

يُقال بأن ولادة إله‌ (ميترا) كان في الخامس والعشرين من شهر کانون الأول، حيث كان يتم الإحتفال بِعيد ميلاده‌ في هذا التاريخ. في يوم 25 كانون الأول، يكون الليل هو الأكثر طولاً في السنة، حيث بعد هذا التاريخ يبدأ طول الليل بالنقصان ويزداد طول النهار. عند ميلاد الإله (ميترا) في كهف مظلم في هذا اليوم الأظلم خلال السنة، أضاء (ميترا) بِنوره الكون. لذلك كان الميتانيون يعتقدون بأنه بولادة ميترا، تخلصت الشمس من قُبضة إله‌ الظلام وأخذت بالصعود إلی السماء وأنارت الكون والحياة.

كما نرى، فأن تاريخ ميلاد المسيح يصادف نفس تاريخ ميلاد (ميترا)، حيث أنه بعد إنتشار الدين المسيحي في أوربا، وخاصة في روما، قام المسيحيون بِجعل تاريخ ولادة الإله‌ (ميترا) تاريخاً لولادة السيد المسيح (مصدر 8).

تبعاً لنصوص الإنجيل، فأن السيد المسيح وُلِد في فصل الربيع، حيث يشير الإنجيل الى أن رعاةً كانوا يرعون أغنامهم في الليل عندما سمعوا خبر ولادة المسيح {(لوقا 2:8 (Luke 2:8)}. هذا يوحي الى أن ولادة المسيح كانت في موسم الربيع، حيث تزامنَت ولادته مع فترة ولادة الخرفان التي تحصل في موسم الربيع (مصدر 9). من المرجّح أن المسيح مولود في 28 آذار (مصدر 10).

لا يقتصر عدم صحة تاريخ ميلاد السيد المسيح على يوم ولادته، بل أن سنة ولادته غير صحيحة أيضاً، حيث يذكر الپاپا (بينيدكت) السادس عشر (Pop Benedict XVI) في أحد كُتبه المنشورة في عام 2012، بأن المسيح مولود سنين عديدة قبل التأريخ الموضوع لولادته (مصدر 11).
 
أخذ الدين المسيحي شعار الصليب من أسلاف الكورد ،السومريين والميتانيين. لقد تم العثور في الموقع الأثري (تل خيبر) في أور، على صور لأول إستخدام لرمز الصليب من قِبل السومريين. يُعتقد بأن عُمر أحد المباني في هذا الموقع هو حوالي 4000 سنة، وهذا يعني  أن السومريين إستخدموا شعار الصليب قبل حوالي 2000 سنة من ظهور المسيحية. الصليب السومري المُكتشَف يشبه الصليب المُستخدَم في صلب السيد المسيح (مصدر 12).
 
الصليب الميثرائي قد يُمثّل جهازاً كان يتم إستخدامه في إشعال النار، وبالتالي هو رمز لإطلاق النار المقدسة أو أنه رمز للشمس الذي يدلّ على التناوب اليومي. كما تم تفسير الصليب على أنه يُمثّل طقوس البرق أو أنه رمز لإله العاصفة، أو هو شعار للآلهة والحضارة الآرية البدائية (مصدر 13).

الصليب الميثرائي المعكوف يُسمى في اللغة السنسكريتية (سواستيكا svastika)، التي تعني "حظ سعيد"  أو "صحة جيدة" (كوين، مالكولم: الصليب المعقوف: إنشاء الرمز. لندن، روت ليدج، 1994؛ مصدر 14). (سواستيكا) هو مصطلح يُعبّر عن القيمة الإيجابية للحياة. تم العثور على رسوم هذا الصليب منقوشةً على الكثير من المصنوعات الخزفية و المواد الآثرية الأخرى العائدة للإمبراطورية الميتانية والذي عُرف ب(العجلة الميثرائية). الصليب المعكوف قد يرمز الى حركة الشمس في السماء. كما أن الأذرع الأربعة للصليب ترمز إلى العناصر المقدسة الأربعة (الماء، النار، الهواء، التراب)، حيث أن كل ذراع من الصليب ترمز إلى أحد هذه العناصر (مصدر 15).

في الحقيقة أن جذور الديانة المسيحية هي الميثرائية (مصدر 16). كما أن بصمات تأثيرات الميثرائية واضحة جداً في الأديان الأخرى، كالديانة اليهودية والإسلامية، حيث لا يسع المجال هنا للحديث عن هذا الموضوع.

كما أود أن أذكر أيضاً بأن الأديان الكوردية الإيزيدية والعلوية واليارسانية (كاكه يي أو أهل حق) والدروزية هي من بقايا الديانة الميثرائية وهذه الأديان هي أقدم من الزردشتية، حيث تشترك هذه الأديان مع الميثرائية في الإيمان بوجود قوتَين متضادتَين هما الخير والشر وكذلك تناسخ الأرواح و تقديس النار والشمس وتقديم النذور للأحياء والأموات وتقبيل الأرض الذي هو طقس ديني يُعبّر عن إمتنان وحُب الإنسان للأرض التي يعيش عليها و وجوده مرتبط بها. في دراسة مستقلة سأتحدث عن هذا الموضوع بالتفصيل.


أسطورة خصاء آنو
(أسطورة خصاء آنو) هي نص خوري يعود إلى أواسط الألف الثاني قبل الميلاد. هنا أنقل خلاصة هذه الأسطورة (مصدر 17):

في قديم الزمان، كان (ألالوس) ملكاً في السماء. طوال مدة جلوسه على عرش السماء والتي دامت تسع سنوات، كان آنوس (آنو) يسجد عند قدميه ويُقدّم له كأس الشراب. في السنة التاسعة، قاتلَ (آنوس) (ألالوس) وتغلّب عليه في المعركة، فهرب (ألالوس) من السماء ونزل إلى تحت الأرض المظلمة وبذلك جلس آنوس على العرش في السماء. طوال مدة جلوسه على العرش، التي دامت تسع سنوات كان (كوماربي) الجبّار يُقدّم له الطعام ويسجد عند قدميه ويُقدّم له كأس الشراب. في السنة التاسعة، قاتلَ (كوماربي) (آنوس) و تغلب عليه مما إضطرّ (آنوس) أن يهرب و حلّق في السماء. طارده (كوماربي) فمسكَ قدمَيه وجرَّه ثم عضَّ قضيبه فإنسال سائله االمنوي إلى بطن (كوماربي). أصبح (كوماربي) حاملاً، يحمل في بطنه ثلاث توائم، حيث حبَلَ بإله العاصفة وبِنهر دجلة و بِوزير إله العاصفة (تاسميشو) (مصدر 17). بعد ذلك عاد (آنوس) الى السماء وإختبأ هناك. بصق (كوماربي) بعضاً من السائل المنوي على الأرض والذي كان قد إبتلعه، فوَلدَ منه كلّ من (تاسميشو) ونهر دجلة. ذهبَ (كوماربي) إلى مدينة (نيبور) السومرية لإستشارة إله الحكمة (إيا). بقي (كوماربي) في (نيبور) ينتظر مولود التوأم الثالث الذي هو إله العاصفة. بعد إكتمال مدة الحمل، جاءه المخاض، إلا أن (كوماربي) كان رجلاً ولم يكن بإستطاعته أن يولِد ولادة طبيعية كما تحدث عند النساء. إشتدت عليه آلام المخاض والطفل الذي في بطنه كان لا يجد طريقاً للخروج من بطن "أمه" بسلام. في هذا الوقت جاء (آنو) من السماء للمساعدة في إخراج إله العاصفة من بطن (كوماربي)، حيث كان يعوّل عليه في الإنتقام من (كوماربي). لاقى (آنو) صعوبة في إختيار منفذ آمن لخروج إله العاصفة من بطن (كوماربي) لأن الخروج من أي منفذ سوف يُسبب العطل في عمل عضو الجسم المقابل عند إله العاصفة بعد ولادته. على سبيل المثال، لو يخرج الطفل من عَين (كوماربي)، سيصيب إله العاصفة بالعمى والخروج من الأذن سيسبب له الصمم والخروج من الرأس ينتج عنه خلل في عقل إله العاصفة. تزداد آلام (كوماربي) ضراوةً فيستنجد (كوماربي) بالإله (إيا). عندئذٍ يطلب (إيا) قدوم مجموعة من السحرة للقيام بطقوس خاصة تساعد إله العاصفة على الخروج من بطن (كوماربي). يأتي السحرة فيقومون بتقديم القرابين وقراءة التعاويذ ويعملون على منع خروج إله العاصفة من مؤخرة كوماربي. بعد ذلك يتجه الجنين نحو "الموضع الحسن" ويولَد إله العاصفة من خلال الخروج من ذلك الموضع. في النص مذكور بأن (آنو) قد ساعد إله العاصفة على خلع أبيه والجلوس على عرش السماء. الموضع الذي خرج منه إله العاصفة هو القضيب الذكري إستناداً على أن القضيب هو العضو المقابل لعضو الولادة عند المرأة و أن القضيب له دور في عملية الإخصاب (مصدر 18) حيث أن إله العاصفة كان أيضاً إلهاً للخصب.

المصادر
1. (Konow, S. (1921). Aryan gods of the Mitani people.

2. Rig-Veda 1.154 (English).

3. http://www.pantheon.org/articles/v/varuna.html

4. Tilak, Lokmanya Bâl Gangâdhar (2011). THE ARCTIC HOME IN THE VEDAS. Fourth edition, Arktos Media Ltd, United kingdom.

5. Schmidt, Hans-Peter (2006), "Mithra in: Mithra in Old Indian and Mithra in Old Iranian", Encyclopaedia Iranica, New York: iranica.com (accessed April 2011).

6. The Bodhisattva Vow: A Practical Guide to Helping Others, page 1, Tharpa Publications (2nd. ed., 1995) ISBN 978-0-948006-50-0.

7. The Oxford Dictionary of World Religions.

8. http://www.iranchamber.com/religions/articles/mithraism_influence_on_christianity.php

9. http://www.biblicalarchaeology.org/daily/biblical-topics/new-testament/how-december-25-became-christmas/

10. Sheler, Joseph L. placed Jesus's birth on March 28. U.S. News & World Report. In: Search of Christmas, Dec. 23, 1996, p. 58).

11. Pop Benedict XVI (2012). Jesus of Nazareth: The infancy Narratives.

12. "Ur Region Archaeology Project".
 
13. Marucchi, Orazio. "Archæology of the Cross and Crucifix." The Catholic Encyclopedia. Vol. 4. New York: Robert Appleton Company, 1908 Retrieved 13 February 2010. Cf. "Various objects, dating from periods long anterior to the Christian era, have been found, marked with crosses of different designs, in almost every part of the old world. India, Syria, Persia and Egypt have all yielded numberless examples… The use of the cross as a religious symbol in pre-Christian times and among non-Christian peoples may probably be regarded as almost universal, and in very many cases it was connected with some form of nature worship" (Encyclopaedia Britannica (1946), Vol. 6, p. 753.

14. http://www.sanskrit.org/www/Hindu%20Primer/swastika.html

15. Chevalier, Jean (1997). The Penguin Dictionary of Symbols. Penguin ISBN 0-14-051254-3.

16. http://www.truthbeknown.com/mithra.htm

17. Pritchard, James B. (2010). The Ancient Near East: An Anthology of Texts and Pictures.

18. Kirk, G. S. (1970). Myth, Its Meaning and Function, Cambridge, p. 216.
 
mahdi_kakei@hotmail.com

23
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (13) – أسلاف الكورد: الخوريون – الميتانيون

8. الآلهة الخورية
 
د. مهدي كاكه يي



ترك الخوريون لنا مصادر قليلة عن ديانتهم، حيث تمّت معرفة الكثير من الأساطير الخورية من خلال الأساطير الحثية التي هي بالأساس أساطير خورية و كذلك من خلال الآثار المكتشفة في (أوگاريت).

إنتشرت المعتقدات الخورية في منطقة آسيا الوسطى، حيث تبنّت شعوب هذه المنطقة الديانة الخورية وأن ملامح الآلهة الخورية تظهر بوضوح في ديانات هذه الشعوب. كانت للديانة الخورية تأثير كبير بشكل خاص على المعتقدات الحثية. على سبيل المثال، تشير النقوشات في (يازلكايا Yazlkaya) إلى أن الآلهة الخورية أصبحوا رسمياً آلهةً للإمبراطورية الحثية وأن الملِكات الحثيّات كانت لهن أسماء خورية، وأن الأساطير الخورية تظهر في الأشعار الحثية. الحثيون قاموا أيضاً بتبنّي الأسطورة الخورية "أغاني من ULLIKUMMI".

كانت آلهة الخوريين لهم معابد خاصة بهم، كما كان الحال بالنسبة الى السكان القدماء لجنوب بلاد ما بين النهرين أو مصر. كانت المملكة الخورية في وقت لاحق مركزاً دينياً لإله القمر، بينما كانت بلدة (KAHAT) مركزاً دينياً لمملكة ميتاني بعد تأسيسها. تم بناء معبد (نیرگال NERGAL) في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد كما أن الإله (شاوشكا SHAUSHKA ) كان له معبد هام في نينوى عندما كانت المدينة تحت حكم الخوريين.

مارس الخوريون شعائر دينية خاصة وكانت لهم أعياد في أوقاتٍ محددة، حيث كانوا يحتفلون بها في المعابد وفي غابات صغيرة مقدسة. كانت شعائرهم عبارة عن فعاليات لتطهير الروح والحصول على البركة الإلهية والتزوّد بالتأثيرات السحرية. إهتم الخوريون أيضاً بالتعويذات والنبوءات والكهانة والعرافة.

تشير الوثائق والأساطير الخورية بأن الآلهة الخورية كانوا يعيشون كالبشر، حيث يتزوجون وينجبون أطفالاً ويتمرضون ويموتون، كما يفعل البشر، إلا أن البشر كانوا يعبدون آلهتهم  ويسجدون لهم، كما هو العلاقة اليوم بين الخالق والبشر. كانوا يُقدّمون القرابين للآلهة ويقومون بطقوس دينية عبادية، حيث تم العثور على العديد من الطقوس الخورية في المملكة الحثية في الأناضول. كما أن هناك مؤشرات كثيرة عن قيام الخوريين بالسحر والايحاءات.

بالإضافة إلى ذلك، كانت للمُقدّسات غير البشرية، مثل السماء والأرض، أهمية كبرى عند الخوريين ونفس الشئ بالنسبة الى آلهة الجبال والأنهار. في الأساطير الخورية، كان الجانب الشرير من الآلهة غالباً ما كان ينتصر على جانب الخير.

كان الخوريون يعبدون آلهة كثيرة، حيث كانت الآلهة الخورية الرئيسية هي: ملك الآلهة و الذي هو إله الطقس (تيشوپ TESHUP)، إلهة الأم (هيبات HEBAT) التي كانت إلهة الشمس عند الحثيين، الإله (شاروما SHARRUMA) الذي هو إبن كل من إله الطقس و إلهة الأم، الإله (كوماربي KUMARBI ) الذي هو سلف إله الطقس وكانت مدينة أوركيش المركز الرئيس لعبادة هذا الإله، إلهة الخصوبة و الحرب والشفاء (شاوشكا SHAUSHKA) التي كان مركزها في نينوى، إله الشمس (شيميگي SHIMEGI) و إله القمر (كوشوه KUSHUH).  فيما يلي نستعرض بإختصار شديد أهم الآلهة الخورية.

 (شاووشكا Shawushka) - هي إلهة الخصوبة و الحرب والشفاء، وهي زوجة ملك الإله (تيشوپ). لقد  تم ذكرها في وثائق عصر سلالة أور الثالثة و كان مرکز عبادتها الرئيس هو مدينة نينوى. كانت تُعبَد تحت مُسميّات عديدة وأشهرها كانت عشتار نينوى. كان الإعتقاد السائد هو أن تمثالها يشفي المرضى، حيث تم إرسال التمثال مرتَين الى مصر لشفاء الفرعون المصري أمنحوتب الثالث (جرنوت فلهلم: الحوريون تأريخهم وحضارتهم، ترجمة فاروق إسماعيل، دار جدل، حلب، الطبعة الأولى، عام 2000 م، صفحة 98 - 101، 123؛ فاضل عبد الواحد علي: من سومر إلى التوراة، ص 154).

(تيشوب Teshub) - كان ملك الآلهة وإله الطقس. تبعاً للأساطير، قام (تيشوب) بخلع والده (كوماربي Kumarbi) عن عرش الألوهية من خلال إستخدام العنف وأصبح ملكاً. في هذا الصدد أنه يشبه الإله اليوناني (زيوس Zeus) الذي قام بخلع والده (كرونوس Kronos). العربة الحربية لملك الآلهة (تيشوب) كانت تجرّها آلهة الثور (سيريس Seris) (نهار)  و (هوريس Hurris) (ليل) (جرنوت فلهلم: الحوريون تأريخهم وحضارتهم، ترجمة فاروق إسماعيل، دار جدل، حلب، الطبعة الأولى، عام 2000 م، صفحة 98). كانت المعابد الرئيسة ل(تيشوب) تقع في (أرابخا Arrapkha) (كركوك الحالية) وفي حلب. كانت مدينة (كومّي/كوميجا Kumme/ Kummija) من أهم مراکز عبادته والتي تقع على الأغلب في المنطقة الجبلية في منطقة زاخو وقد ورد إسمه في نصوص الألف الثالث قبل الميلاد (جرنوت فلهلم: الحوريون تأريخهم وحضارتهم، ترجمة فاروق إسماعيل، دار جدل، حلب، الطبعة الأولى، عام 2000 م، صفحة 98). في الشرق (شمال بلاد ما بين النهرين)، كانت إلهة الحب والحرب (شاووشكا Shawushka) زوجته، بينما في الغرب (الأناضول) كانت الإلهة (هيبات Hebat) زوجته. تمت عبادة (تيشوب) أيضاً في كلّ من بلاد الحثيين و(كزوواتنا).

(كوماربي Kumarbi) - كان (كوماربي) والد جميع الآلهة تبعاً للمعتقدات الخورية. كان مرتبته تكون في بعض الأحيان بمستوى مرتبة رئيس الآلهة السومرية (إنليل Enlil) وإله خصوبة النباتات عند الساميين الغربيين (داگان Dagan). إنه ذو أفكار حكيمة ويقود الموظفين. كانت مدينة (أوركيش Urkish) عبارة عن مقر ديني للخوريين ومركزاً للإله الخوري (كوماربي) الذي هو سلف إله الطقس (تيشوب TESHUB) ؛ مصدر 1، 2).

(إمبالوريس Imbaluris) – كان رسول (كوماربي). يتم إرساله لتحذير البحر بأنه يجب أن يبقى (كوماربي) والداً للآلهة.

(نيرگال Nergal) – الإله (نيريگال) كان إله السماء و كان ذا مرتبة عالية في العبادة. لقد تم بناء معبد (NERGAL) في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد في عهد الملك الخوري (آتالشان).

(هاناهانا Hannahanna) (نينتو Nintu، ماه Mah) – هي أم جميع الآلهة. لها إرتباط مع (گولسيس). بعد أن يختفي (تيليپينو Telepinu)، يشكو إله العاصفة عندها. إنها ترسله للبحث عن نفسه وعندما يكفّ عن البحث، فأن أم الآلهة (هاناهانا) ترسل نحلة لمعاقبته بتطهير هذا الإله من خلال لسع النحلة ليديه ورجليه ومسح عينيه وقدميه بالشمع.

(أوپيلوري Upelluri) - على غرار (أطلس Atlas)، هذا الإله الجبّار يحمل العالم على كتفيه. قامت الآلهة القديمة ببناء الأرض والسماء فوق هذا الإله ورغم ذلك فأنه لم ينتبه لهذا البناء، حتى عندما تم فصل الأرض والسماء بالساطور.

 (سيريس أو سيريسو  or Serisu Seris) - هذا هو أحد الثيران المقدسة لإله العاصفة. إستعداداً للمعركة، إله العاصفة عنده (تاسميسوس Tasmisus) الذي يقوم بِتزييت قَرنَيه و يأخذه الى قمة جبل (إمگارا Imgarra) مع الثور (تيلا Tella) وعربة المعركة.

(تيلا Tella) - هذا هو ثور مقدس آخر لإله العاصفة. إستعداداً للمعركة، إله العاصفة عنده (تاسميسوس Tasmisus) الذي يقوم بطلاء ذيله بالذهب و يأخذه الى قمة جبل (إمگارا Imgarra) مع الثور (سيريس Seris) وعربة المعركة.

 (آرانزاهوس Aranzahus) – هو نهر دجلة المؤلّه. هو إبن (آنوس) و(كوماربي)، وكان أخاً لإله العاصفة و(تاسميسوس Tasmisus). لقد تم بصقه من فم (كوماربي)، على جبل (كانزوراس Kanzuras). في وقت لاحق يتواطأ مع (آنوس) وإله العاصفة لتدمير (كوماربي Kumarbi).

 (تاسميسوس Tasmisus) – هو إبن (آنوس) و(كوماربي) و متفاهم مع كلّ من إله العاصفة و(آرانزاهوس Aranzahus). كان أخاً لإله العاصفة و(آرانزاهوس Aranzahus). لقد تم بصقه من فم (كوماربي)، على جبل (كانزوراس Kanzuras). في وقت لاحق يتواطأ مع (آنوس) وإله العاصفة لتدمير (كوماربي Kumarbi).
 إنه بمثابة مساعِد إله العاصفة.

(سووالياتاس Suwaliyattas) – هو إله محارب وربما كان أخ إله العاصفة.

(هيبات Hebat) – هي الزوجة الوقورة لإله العاصفة (تيشوب). هي إلهة الجنس و الخصب. حسب المعتقدات الخورية، فأنه عندما يمارس (تيشوب) و (هيبات) الجنس مع البعض، تهطل أمطار غزيرة والتي تنبعث منها حياة جديدة على وجه الأرض وتزداد إنتاجية الحقول الزراعية و تتكاثر قطعان الأغنام و الخيول. في بعض الأحيان، تتصور بأنها تقف على حيوانها المقدس، الأسد. بعد أن فشل إله العاصفة و (آستابيس Astabis) في مهاجمة (أوليكوميس Ullikummis)، أجبرها الجبّار أن تخرج من المعبد والذي أدى الى فقدانها الإتصال مع الآلهة. أصبحت قلقة لأن (أوليكوميس)، قد يكون هزم زوجها. أعربت عن قلقها لخادمها (تاكيتيس Takitis)، حيث كلفته أن يدعو مجلس الآلهة الى الإنعقاد و الحصول على أخبار زوجها. من المفترض حصلت على أخبار هزيمة زوجها. يزورها (تاسميسوس) في البرج العالي للمراقبة ويخبرها بأنه تم وضع إله العاصفة في مكان متواضع لفترة زمنية طويلة. الإلهة (هيبات) هي والدة (شاروما Sharruma).

تذكر الكتابات في مدينة هاتوشاش اسم شاروما (Sharuma) ابن الآلهة هيبات و ولديه (شارمانيسSharmanis ) و (آلونزونيسAlunzunis). عُرف شاروما ابن هيبات في بلاد الأوراتيين بإسم (تلعا) أما هيبات نفسها فعُرفت بإسم (هوبا Hupa).

يرد إسم (هيبات) في عصر المملكة الحيثية في كتابات (يازيليكايا)، حيث تمّ حفر صورة الإلهة (هيبات) على ذلك اللوح. تظهر الإلهة (هيبات) على ذلك اللوح ممتطية ظهر نمر و إسمها مكتوب بالأحرف الهيليغروفية الحثية فوق قبضة يدها اليمنى. كُتبت هذه الكتابات في عهد الملك الحثي هاتوشي الثالث في أواسط القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

(ورونتيمو Wuruntemu) – إلهة شمس (أرينا Arrina)، سيدة أراضي (هاتي Hatti)، ملكة السماء والأرض، سيدة ملوك وملِكات (هاتي)، تُدير حكومة ملك وملكة (هاتي). تصبح هذه الإلهة في وقت لاحق مشابهة ل(هيبات). إنها خلقت أرض الأرز. هي الإلهة الأولى في (أرينا)، مع (تارو Taru) كَقرينها. هي إلهة المعركة وترتبط بالنصر العسكري الحثي. إنها والدة إله العاصفة ل(نيريك Nerik) وبالتالي قد تكون مرتبطة ب(ايريشكيگال Ereshkigal) والذي تقوم الإلهة  (ورونتيمو) بمساعدته لإرجاعه من العالم السفلي.

 (شاروما) – "عجل ( تيشوب Teshub)" هو إبن ( تيشوب) و(هيبات). يُرمَز هذا الإله بِزوج من الأرجل البشرية، أو برأس الإنسان على هيئة ثور. يتم التعرّف عليه في وقت لاحق مع إله الطقس ل(نيريك Nerik) و(زيپالاندا Zippalanda).

(تاكيتيس Takitis) – هو خادم (هيبات). بعد أن تم إخراج (هيبات) من معبدها، أعربت (هيبات) لخادمها (تاكيتيس)عن قلقها على زوجها  و كلّفته أن يدعو مجلس الآلهة الى الإنعقاد و معرفة مصير زوجها.

(ميزولاس Mezzullas) – هي إبنة إله العاصفة و إلهة الشمس لآرينا (Arinna). هي ووالدَيها يمتلكون فيضاً من قوة خفية منبثقة من النجوم التي تؤثر على حياة الناس وأقدارهم.

(زينتوهيس Zintuhis) – هي حفيدة إله العاصفة وإلهة الشمس لآرينا (Arinna).

(تيليپينوس Telepinu(s)) – "الإله النبيل" الذي هو إله زراعي. إنه الإبن البكر لإله العاصفة والإبن المفضّل عنده. وقال عنه أنه "الأمشاط والمحاريث". كان يسقي الحقول ويجعل المحاصيل تنمو. هو يُحضّر التربة ويُسوّيها و يحرث الأرض و يسقي الحقول ويجعل النباتات تنمو.

(أولّيكوميس Ullikummi(s)) - الرجل الديوريت (ديوريت هو صخر بركاني). إنه إبن الإله (كوماربي)  والصخرة. هذا الإله متكون بشكل تام من الديوريت. لقد وُلِد لإستخدامه كسلاح لهزيمة إله العاصفة وحليفه إله الشمس للسماء. هذا الإله هو أحد الآلهة العادلين وأحياناً هو ملِك كل الآلهة. هو حليف لإله العاصفة. إنه يكتب ملاحظات للجبّار (أولّيكوميس) في البحر وزار إله العاصفة، رافضاً تناول الطعام الى أن يكتب تقارير أخباره. بعد ان يكون قد فعل ذلك، يعلن إله العاصفة بأن الطعام على الطاولة ويجب أن يصبح سائغاً، وهو ما يحدث بالفعل، وبالتالي فإن إله الشمس تتمتع بتناول وجبة غذائه ويعود إلى مسلكه في السماء.

(هاپانتاليس Hapantallis) – هو راعي إله الشمس.

(كاشكو Kashku) – هو إله القمر. لقد سقط من السماء على مُجمّع البوابة "كيلامار killamar" وإختفى. إله العاصفة (تارو Taru) أحدثَ عاصفة مطرية بعده تُرعبه. كانت مملكة خوري في وقت لاحق مركزاً دينياً لإله القمر.

(إيناراس Inaras) – هي إبنة إله العاصفة و إلهة الحيوانات البرّية للسهب (سهب هو سهل واسع خالٍ من الأشجار).

(إيلويانكاس Illuyankas)، التنين (التنين يعني الشخص العنيف جداً). إنه هزمَ إله العاصفة في (كيسكيلوسا Kiskilussa). في وقت لاحق، تمّ إستدراجه هو وأطفاله من مخبأهم من قِبل (إيناراس Inaras) الأنيق بِحُجّة دعوتهم لِوليمة. بعد أن كانت دماؤهم محتقنة جداً للعودة الى مخبأهم مرة أخرى، قام إله العاصفة، يرافقه آلهة آخرين، بقتله.

 (هيدامو Hedammu) - هو الثعبان الذي أحب عشتار.

 (هاپانتالي أو هاپانتالياس Hapantalliyas / Hapantalli) – هذا الإله أخذ مكانه الى جانب إله القمر عندما سقط من السماء على مُجمّع البوابة وأطلقَ السحر.

(كامروسيپاس Kamrusepas) - هي إلهة السحر والشفاء. إنها شهِدتْ وأعلنت عن سقوط إله القمر من السماء على مُجمّع البوابة.

(أستابيس Astabis) - هو إله خوري مُحارب. بعد الهجوم الأول غير الناجح لإله العاصفة على (أوليكوميس Ullikummis)، قام بقيادة سبعين آلهة في عربات المعركة بالهجوم على العملاق الصخري البركاني. حاولوا سحب الماء بعيداً عنه، ربما للعمل على وقف نموه، إلا أنهم يسقطون من السماء و(أوليكوميس Ullikummis) ينمو بشكل أكبر، مُحلّقاً فوق بوابة (كوميّا Kummiya).

(أوليّاسيس Uliliyassis) – هو إله قاصر يقوم كما ينبغي بإزالة العجز الجنسي.

(كوبابا Kubaba) – هي الإلهة الرئيسة للحثيين، أصبحت Cybebe (سايبيبي Cybebe)  للفريجيين و (سايبيلي Cybele) للرومان.
 
(ياريس Yarris) -  هو إله الوباء. تمت إقامة إحتفال له كل خريف.

(هاساميليس Hasamelis) – هو الإله الذي يستطيع حماية المسافرين، قد تكون هذه الحماية من خلال جعلهم غير مرئيين.

(زاشاپونا Zashapuna) – هو الإله الرئيسي لمدينة (كاستاما Kastama)، حيث يتم إحترامه هناك أكثر من إله العاصفة وقد يكون قد حصل على مثل هذا النفوذ من خلال إنتزاع إعجاب الكثير من الآلهة الآخرين.

(پاپايا Papaya) – هو أحد الآلهة الذين جلسوا تحت شجرة الزعرور البريّة في إنتظار عودة (تيليپينوس Telipinus).

(إستوستايا Istustaya) – هو أحد الآلهة الذين جلسوا تحت شجرة الزعرور البريّة في إنتظار عودة (تيليپينوس Telipinus).

(ميياتانزيپا Miyatanzipa) – لا يُعرَف فيما لو كان هذا الإله ذكراً أو أنثى. هو أحد الآلهة الذين جلسوا تحت شجرة الزعرور البريّة في إنتظار عودة (تيليپينوس Telipinus). جلس أيضاً تحت شجرة عرق الذهب عندما عثرت (هاناهانا Hannahanna) على حقيبة الصيد.

(أوروزيمو Uruzimu) – إله شارك في إعادة إله العاصفة ل(نيريك Nerik).

(هاههيماس Hahhimas) (الصقيع) – عندما يقوم إله البحر بإعتقال إله الشمس، يعتقل(هاههيماس) الآلهة الآخرين و نباتات وحيوانات المناطق اليابسة ويشلّهم. هو أخ غير شقيق لإخوة (هاساميلي Hasamili) ويُحجِم عن القبض عليهم.

المصادر

1. Paul Thieme (1960). The 'Aryan Gods' of the Mitanni Treaties, Journal of the American Oriental Society 80, 301-317.

2. Güterbock, Hans Gustav (1950): "Hittite Religion"; in Forgotten Religions: Including Some Living Primitive Religions (ed. Vergilius Ferm) (NY, Philosophical Library, pp. 88–89, 103–104.
mahdi_kakei@hotmail.com




24
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (12) – أسلاف الكورد: الخوريون – الميتانيون

7. ملوك مملكة ميتاني (القسم الثاني)
 
د. مهدي كاكه يي

في الحلقة السابقة، تمّ الحديث عن عدد من الملوك الميتانيين. في هذه الحلقة يتم تناول القسم المتبقي من ملوك الإمبراطورية الميتانية.

توشراتا (Tushratta)
بعد أن قام المُعتمَد (أُدهي) بقتل (أرتاشومارا)، قام بتنصيب (توشراتا Tushratta) على العرش والذي هو الإبن الثاني للملك (شوتارنا). من المحتمل أن (توشراتا) كان يافعاً عند جلوسه على عرش المملكة الميتانية و كان الغرض من تنصيبه هو أن يكون فقط كواجهة صورية للحُكم وأن يكون (أدهي) الحاكم الفعلي للمملكة، إلا أن الملك (توشراتا) تمكّن من قتل (أُدهي) و بذلك إستطاع التخلص منه. قد يكون (توشراتا) قام بقتل (أدهي) بمساعدة الفرعون المصري أخناتون الذي كان زوج (نفرتيتي) أخت الملك الميتاني (توشراتا).

أصبح (توشراتا) ملكاً لمملكة ميتاني في أواخر القرن الرابع عشر قبل الميلاد، الذي تزامنَ مع نهاية عهد الفرعون المصري (أمنحتوب الثالث) وحكمَ هذا الملك الميتاني طوال فترة حكم الفرعون أخناتون. تزوج الفرعون المصري (أمنحوتب الثالث) أخت  (توشراتا) التي كان إسمها (گيلوهيپا Gilu-Hepa) وكذلك تزوج هذا الفرعون إبنة الملك (توشراتا) التي كان إسمها (تادوخيپا Tadukhipa). بعد وفاة الفرعون المصري (أمنحوتب الثالث)، تزوجت زوجته (تادوخيپا) من الفرعون أخناتون والتي غيّرت إسمها فيما بعد من (تادوخيپا) الى (نفرتيتي)، كما تم سرد تفاصيله في الحلقة العاشرة من هذه السلسلة من المقالات. هناك لوحة مسمارية تحتوي على رسالة من الملك الميتاني (توشراتا) الى الفرعون المصري (أمنحتوب الثالث) من بين 13 رسالة للملك (توشراتا). 

ربما عرف المصريون بأن قوة مملكة ميتاني كانت على وشك الإنتهاء، لذلك للحفاظ على الحدود المصرية مع سوريا الحالية، بدأ الفرعون الجديد (أخناتون) بإستقبال مبعوثين حثيين وآشوريين، الذين أصبحوا في ذلك الوقت من القوى الصاعدة في المنطقة بدلاً من إستقبال مبعوثين ميتانيين. رسائل تل العمارنة تكشف أن الطلبات المُلحّة للملك الميتاني (توشراتا) للحصول على تمثال ذهبي من أخناتون، تطورت الى أزمة دبلوماسية كبرى بين المملكتَين.

الإضطرابات التي سادت في مملكة ميتاني، أضعفت سيطرة الميتانيين على الممالك التابعة لهم. (أزيرو Aziru) الذي كان ملكاً لمملكة (أمّورو Amurru)، إنتهز هذه الإضطرابات وقام بعقد صفقة سرية مع الملك الحثي (سوپيلوليوما الأول I Suppiluliuma). مملكة (كيزوواتنا Kizzuwatna) التي كانت منفصلة عن المملكة الحثية، قام الملك الحثي (سوپيلوليوما الأول) بإستعادتها وضمها الى مملكته من جديد. بعد ذلك قام هذا الملك الحثي بإحتلال غرب وادي نهر الفرات وإستولى على كل من مملكة (أمّورو Amurru) و مملكة (نُهاشّه Nuhashshe) التي كانتا جزء من مملكة ميتاني.

إستناداً الى نصوص المعاهدة التي تم عقدها لاحقاً بين الملك الميتاني (شاتيوازا Shattiwaza) و الملك الحثي (سوپيلوليوما الأول)، فأن الملك (سوپيلوليوما الأول) قد قام بعقد معاهدة مع الملك الميتاني (أرتاتاما الثاني Artatama II) الذي كان ينافس (توشراتا) على حكم مملكة ميتاني. بدأ الملك الحثي (سوپيلوليوما الأول) بنهب أراضي الضفة الغربية لنهر الفرات وقام بِضم جبل لبنان الى مملكته. قام (توشراتا) بالتهديد بمداهمة ما وراء نهر الفرات فيما لو تمت سرقة خروف أو طفل واحد من قِبل الحثيين.

 عند إستلام الحكم في مملكة آشور من قِبل (إريبا أداد الأول Eriba-Adad I) (1390 - 1366 قبل الميلاد)، كان النفوذ الميتاني في آشور في طريقه الى الزوال. بدأ الملك الآشوري (إريبا أداد الأول) يتدخل في المعارك التي كانت مندلعة بين الأخوَين (توشراتا) و (أرتاتاما الثاني) وبعد ذلك بين (أرتاتاما الثاني) وإبن (توشراتا) الذي كان إسمه (شوتارنا الثاني Shuttarna II) الذي سمى نفسه "ملك مملكة خوري" والذي تقدّم في نفس الوقت بطلب المساعدة من الآشوريين لتثبيت حكمه. حينئذٍ ظهرت مجموعة من أفراد العائلة المالكة الميتانية المؤيدة للتحالف الخوري- الآشوري. إستطاع الملك الآشوري (إريبا أداد الأول) أن يقضي على النفوذ الميتاني في بلاد آشور، بل أصبح له نفوذ في البلاد الميتانية وأخذ يتدخل في شئون مملكة ميتاني (مصدر 1). 

 قرر الملك الحثي (سوپيلوليوما الأول) أن يبسط سيطرته على مملكة (إيشوا) الواقعة في أعالي نهر الفرات، والتي كانت قد إنفصلت عن المملكة الحثية خلال حكم جدّه، إلا أنه فشلت كل المحاولات الحثية للإستيلاء على هذه المملكة. في زمن والده، تمردت مدن أخرى على الحكم الحثي. يدّعي (سوپيلوليوما الأول) بأنه إنتصر على حُكّام هذه الممالك، حيث أن الناجين من هذه الممالك قد هربوا الى مملكة (إيشوا) التي كانت جزءً من مملكة ميتاني. العديد من المعاهدات بين الدول المستقلة وبين الحُكام و الدول التابعة لهذه الدول، كانت تتضمن بنداً ينص على عودة الفارّين ولذلك قد يكون إيواء الهاربين من قِبل (إيشوا) ذريعة لغزو الحثيين لهذه المملكة.

عبر الجيش الحثي الحدود ودخل مدينة (إيشوا) وأرجع الهاربين الى سيطرة الحكم الحثي. يقول الملك الحثي (سوپيلوليوما الأول): أنا حررتُ الأراضي التي قمتُ بالإستيلاء عليها وأن الناس أخذوا يسكنون في أماكنهم الأصلية وأن جميع الناس الذين أطلقتُ سراحهم، عادوا الى شعوبهم و أراضيهم. ثم سار الجيش الحثي من خلال مناطق مختلفة نحو العاصمة الميتانية (واشوكاني). يدّعي (سوپيلوليوما) أنه نهب المنطقة وجلب الغنائم والأسرى والأبقار والأغنام والخيول الى المملكة الحثية. يدّعى أيضاً بأن (توشراتا) قد هرب، ومع ذلك فأن (سوپيلوليوما) فشِل في السيطرة على العاصمة الميتانية (واشوكاني).

هذه الحملة العسكرية الحثية أضعفت مملكة ميتاني، إلا أنها لم تُشكّل خطراً على وجودها. في حملة عسكرية ثانية، عبرَ الحثيون نهر الفرات مرة أخرى وسيطروا على كل من مدينة حلب و (موكيش Mukish) و (نيّا Niya) و (أراهاتي  Arahati) و (أپينا  Apina) و (قطنا Qatna)، بالإضافة الى بعض المدن الأخرى التي أسماؤها غير مذكورة. من ضمن الغنائم التي تم أخذها من مدينة (أراهاتي)، كان سائقي العربات الحربية الذين تم نقلهم الى المملكة الحثية جنباً الى جنب مع جميع مقتنياتهم. دمج جنود العدو في الجيش كان أمراً مألوفاً آنذاك وهذا يشير الى محاولة الحثيين لمواجهة العربات الحربية الميتانية، التي كانت السلاح الأكثر فعالية، من خلال بناء أو تعزيز قواتهم المؤلفة من العربات الحربية.

يدّعي (سوپيلوليوما الأول) أنه قد غزا أراضي من جبل لبنان ومن الضفة البعيدة لنهر الفرات، إلا أن الحُكّام الحثيين أو الحُكّام  التابعين لهم، ذكروا فقط بعض المدن والممالك منها. أحرز الحثيون بعض المكاسب الإقليمية في غرب كوردستان الحالي، إلا أنه يبدو أنهم فشلوا بإقامة سلطةٍ دائمة في المناطق الواقعة في شرق نهر الفرات.

أرتاتاما الثاني (Artatama II)
قام (أرتاتاما الثاني) بإغتصاب الحُكم من الملك (توشراتا) في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. ليس هناك ما هو معروف عن ماضي (أرتاتاما الثاني) أو عن إتصالاته أو فيما لو كان فرداً من العائلة المالكة. كان يُطلَق عليه "ملك مملكة خوري"، بينما كان (توشراتا) يُلّقب ب"ملك مملكة ميتاني". هذا يُشير الى أن (أرتاتاما الثاني) كان على خلاف مع (توشراتا). قد يكون (أرتاتاما الثاني) أخاً للملك (توشراتا) أو قد ينتمي الى جماعةٍ منافسة للعائلة المالكة الميتانية. قام الملك الحثي (سوپيلوليوما الأول Suppiluliuma I) بإبرام معاهدة مع الملك الميتاني (أرتاتاما الثاني) بعد غزوه لمملكة ميتاني. بعد هذا الملك، قام إبنه (شوتارنا الثالث III Shuttarna) بِحُكم مملكة ميتاني.

شوتارنا الثالث (Shuttarna III)
دام حُكم (شوتارنا الثالث) لفترة قصيرة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. (شوتارنا الثالث) هو إبن الملك (أرتاتاما الثاني) الذي إغتصب العرش الميتاني من الملك (توشراتا). سعى الملك (شوتارنا الثالث) للحصول على الدعم من الآشوريين للتصدي للحثيين، إلا أنه تمت هزيمته من قِبل الحثيين عندما توجّه الجيش الحثي نحو العاصمة الميتانية (واشوكاني)، حيث تمّ تنصيب (شاتيوازا Shattiwaza) على العرش الميتاني من قِبل الحثيين.

شاتيوازا أو كورتيوازا (Shattiwaza / Kurtiwaza)
كان (شاتيوازا) ملكاً للمملكة الميتانية في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. (شاتيوازا) هو أخ الملك (توشراتا). إسمه الخوري هو (كيلي تيشوپ Kili-Tešup).

خلال الإضطرابات السياسية التي أعقبت وفاة سلفه، حاول الملك (شوتارنا الثالث) الذي إغتصب الحُكم، قتل (شاتيوازا). لذلك هرب (شاتيوازا) ولجأ في البداية الى الملك الحثي (سوپيلوليوما)، حيث تزوج (شاتيوازا) إبنة الملك الحثي وعاد الى مملكة ميتاني مع الجيش الحثي. تمت هزيمة الملك (شوتارنا الثالث) الذي كان قد سيطر على الحُكم في غياب (شاتيوازا) وتمّ تنصيب (شاتيوازا) ملكاً على مملكة ميتاني. هذه الأحداث مُسجّلة في المعاهدة المعقودة بين الملك الحثي (سوپيلوليوما) والملك الميتاني (شاتيوازا).     

بمساعدة رعاياه، قام أحد أبناء (توشراتا) بقتل والده لكي يٌخلّفه في الحُكم. إضطر أخوه (شاتيوازا) أن يهرب من مملكة ميتاني. خلال الإضطرابات التي أعقبت حادثة القتل، أظهر الآشوريون قوتهم تحت قيادة ملكهم (آشور أُباليت الأول I Ashur-uballit)، حيث قاموا بغزو مملكة ميتاني و أن (أرتاتاما الثاني Artatama II) الذي كان يُطالب بالعرش، أصبح ذا سطوة ويليه إبنه (شوتارنا Shuttarna). يدّعي الملك الحثي (سوپيلوليوما) بأنه تمّ تدمير مملكة ميتاني كلياً وأن بلاد آشور و بلاد (ألشي Alshi) قامتا بتقسيم مملكة ميتاني بينهما، إلا أنه يبدو أن هذا الكلام هو مجرد نوع من التمنّي، حيث أنه بالرغم من إحتلال الآشوريين لأراضٍ ميتانية، فأن المملكة الميتانية إحتفظت بوجودها. إحتفظ الملك الميتاني (شوتارنا Shuttarna) بعلاقات جيدة مع الآشوريين وأعاد إليهم أبواب القصر الملكي الآشوري التي تم أخذها من قِبل الملك الميتاني (شاوشتاتار Shaushtatar). مثل هذه الغنائم شكّلت رمزاً سياسياً قوياً في بلاد ما بين النهرين القديمة.

ربما في البداية، فرّ (شاتيوازا Shattiwaza) الى بابل، إلا أنه إنتهى به المطاف في بلاط الملك الحثي الذي قام بتزويجه من إحدى بناته. تم الحفاظ على المعاهدة المعقودة بين الملك الحثي (سوپيلوليوما) و الملك الميتاني (شاتيوازا) ونصوص هذه المعاهدة هي أحد المصادر الرئيسة لهذه الفترة. بعد إبرام المعاهدة بين (سوپيلوليوما) و (شاتوازا)، قاد (پياشيلي Piyashshili) الذي هو إبن (سوپيلوليوما)، الجيش الحثي في هجومه على مملكة ميتاني. تذكر المصادر الحثية بأن (پياشيلي) و (شاتيوازا) عبرا نهر الفرات عند مدينة (كَرْكَميش Carchemish) وثم سارا نحو ( إريدو Irridu) في الأراضي الميتانية. قاما بإرسال رُسلاً من الضفة الغربية لنهر الفرات الى سكان (إريدو) وكانا يتوقعان إستقبالهما بالترحاب من قِبل الناس هناك، إلا أن سكان المدينة كانوا موالين للحاكم الجديد (توشراتا) بسبب ثرائه، كما يدّعي (سوپيلوليوما). سخر الناس منهما وقالوا: لماذا أنكما قادمان؟ إذا كنتما قادمَين للقتال، تقدّما ولكنكما سوف لا تعودان الى أرض الملك العظيم. أرسل الملك (توشراتا) الرجال لتعزيز قوات العربات الحربية في منطقة (Irridu)، إلا أن الجيش الحثي إنتصر عليهم في المعركة وإلتمس سكان (Irridu) من الحثيين أن يتم إحلال السلام بينهم. في غضون ذلك دخلت عربة حربية آشورية العاصمة الميتانية (واشوكاني) و كان يقود العربة شخص واحد فقط. يبدو أن الملك الميتاني (شوتارنا) كان قد سعى لتلقّي المساعدات العسكرية من الآشوريين لمواجهة التهديد الحثي. كما يبدو أن القوة الآشورية المُرسلة لم تُلبِّ ما كان يطمح (شوتارنا) الحصول عليه أو أنه يكون قد غيّر رأيه. على أي حال، تم رفض دخول الجيش الآشوري الى مملكة ميتاني وبدلاً من تقديم المساعدة لمملكة ميتاني، قام الجيش الآشوري بمحاصرة العاصمة الميتانية (واشوكاني). يبدو أن هذا الواقع غّير مزاج الناس ليصبحوا ضد ملِكهم (شوتارنا)، حيث ربما أن غالبية سكان مدينة (واشوكاني) فضلوا أن يكونوا تحت رعاية الإمبراطورية الحثية من أن يصبحوا تحت الحكم الآشوري. على أي حال، بعث سكان (واشوكاني) رسولاً الى كل من (پياشيلي) و (شاتيوازا) اللذين كانا في مدينة (Irridu)، حيث أنهما كانا يتكلمان للناس هناك عند بوابة المدينة. توجّه (پياشيلي) و (شاتيوازا) الى العاصمة (واشوكاني) و أن مدن (حرّان) و (پاكاريپا Pakarripa) إستسلمتا للقوات الحثية. في (پاكاريپا) التي هي بلد مقفر، عانت القوات الحثية والميتانية من الجوع وهذه أدت الى بعض التقدم للقوات الآشورية هناك، إلا أن الآشوريين لم يُحققوا أي نجاح. إضطرت القوات الأشورية أن تتقهقر أمام القوات الحثية والميتانية وتراجعت الى مدينة (نيلاپ إيني Nilap_ini)، إلا أنه لم تحصل مواجهة عسكرية بين الجانبَين. نتيجة تفوّق القوات الحثية، يبدو أن الآشوريين إضطروا الى أن ينسحبوا ويعودوا الى آشور.

أصبح (شاتيوازا) ملكاً لمملكة ميتاني ولكن بعد أن قام الملك الحثي (سوپيلوليوما) بأخذ مدينة (كَرْكَميش Carchemish) و الأراضي الواقعة غرب نهر الفرات التي كان إبنه (پياشيلي) حاكماً عليها. هكذا أصبحت مملكة ميتاني تقتصر على وديان نهر الخابور ونهر البليخ (Balikh) وأصبحت مملكة ميتاني تعتمد بشكل كبير على حليفتها المملكة الحثية. بعض العلماء يطلقون على مملكة ميتاني عبارة "دُمية المملكة الحثية" في هذه الفترة ويقولون بأنها كانت تُشكّل منطقة جغرافية عازلة للحثيين ضد بلاد آشور القوية. 

في عهد الملك الآشوري (آشور أُباليت)، بدأت بلاد آشور بالتحرش بمملكة ميتاني، حيث قامت بغزو مملكة نوزي الواقعة في شرق نهر دجلة والتي كانت تابعة للميتانيين و تم تدميرها من قِبل الآشوريين.

يذكر الباحث (Trevor Bryce) المختص بتأريخ الحثيين بأن مملكة ميتاني تم إحتلالها بشكل دائمي خلال حكم الملك الحثي (مورسيلي الثالث Mursili III) الذي تمت هزيمته من قِبل الآشوريين وكانت هذه الهزيمة ضربة قوية لِهيبة المملكة الحثية في العالم القديم وقوّضت سلطة الملك الحثي الشاب في مملكته (مصدر 2).

شاتوارا الأول (Shattuara I)
كان (شاتوارا الأول) ملكاً لمملكة ميتاني في القرن الثالث عشر قبل الميلاد. أصبح (شاتوارا الأول) تابعاً لمملكة آشور بعد أن تمت هزيمته من قِبل الملك الآشوري (أداد نيراري الأول Adad-nirari I) (1295 – 1263 قبل الميلاد) (مصدر 3، صفحة 276). في أحد النقوش التابعة للملك الآشوري (أداد نيراري الأول) يذكر هذا الملك بأن (شاتوارا الأول) قد تمرد ضده، إلا أنه تم القبض عليه وتجديد ولائه له.

حكمَ ملك ميتاني آخر مملكة ميتاني لاحقاً بإسم (شاتوارا) خلال حُكم الملك الآشوري (شلمنصر الأول Shalmaneser I) (1263-1233 قبل الميلاد)، حيث أنه في إحدى النقوشات الآشورية، يُذكر بأن الملك الميتاني (شاتوارا) قد ثار ضد الملك الآشوري (شلمنصر الأول)، إلا أنه من المرجح أن يكون هذا الحدث هو إعادة للثورة الميتانية التي إندلعت ضد الملك الآشوري (أداد نيراري الأول) من قِبل (شاتوارا) أو إبنه (واساشاتا).

النقوش الملكية للملك الآشوري (أداد نيراري الأول Adad-nirari I) (حوالي عام 1307 – 1275 قبل الميلاد) تُشير الى أن الملك الميتاني (شاتوارا الأول) الذي كانت مملكته تابعة لبلاد آشور، ثار ضد الحكم الآشوري و قام بأعمال عدائية ضد آشور.

إن قرابة (شاتوارا الأول ) مع سلالة الملك الميتاني (پارتاتاما Partatama) غير معروفة. بعض العلماء يعتقدون بأنه كان الإبن الثاني للملك (أرتاتاما الثاني Artatama II) وأخ الملك (شاتيوازا Shattiwazza) الذي كان في وقت ما المنافس للملك (شوتارنا Shuttarna). يدّعي الملك الآشوري (أداد نيراري الأول) بأنه إعتقل الملك (شاتوارا) و أتى به الى آشور، حيث أنه تعهد هناك بأن يكون تابعاً لآشور. بعد ذلك سمح له بالعودة الى مملكة ميتاني و قام بدفع جزية للملك الآشوري (أداد نيراري) بإنتظام. هذا حدث خلال حكم الملك الحثي (مورسيلي الثاني)، إلا أنه ليس هناك تأريخ محدد لهذه الحادثة.

واساشاتا (Wasashatta)
كان (واساشاتا) ملك مملكة ميتاني في بداية القرن الثالث عشر قبل الميلاد. كان تابعاً للآشوريين كما كان والده.

بالرغم من القوة التي كانت تتمتع بها بلاد آشور، حاول (واساشاتا Wasashatta)، القيام بثورة ضد الإحتلال الآشوري، حيث سعى للحصول على مساعدة عسكرية من المملكة الحثية، إلا أن المملكة الحثية كانت تعاني في ذلك الوقت من صراعات داخلية والتي كانت ناتجة عن إغتصاب العرش الحثي من قِبل (حاتوسيلي الثالث Hattusili III) الذي بسببه إضطر إبن أخيه (أورهي تشوپ) أن يلجأ للعيش في المنفى. يُشير الملك الآشوري (أداد نيراري) بإبتهاج في نقوشاته الى أن الحثيين أخذوا الأموال التي أعطاها لهم (واَساشاتا) مقابل تقديم مساعدة عسكرية حثية له، إلا أن الحثيين أخذوا النقود دون تقديم أي مساعدة له.

وسّع الآشوريون مملكتهم أكثر فأكثر، حيث قاموا بغزو المدينة (تايدو Taidu) وكذلك العاصمة الميتانية (واشوكاني) و مدن (أماساكو Amasakku) و (كاهات Kahat) و (شورو Shuru) و (نابولا Nabula) و (هورّا Hurra) و (شودوهو Shuduhu). غزا الآشوريون أيضاً مدينة (إريدو Irridu) وقاموا بتدميرها كلياً ونثروا الملح عليها. تم أخذ زوجة إبن الملك الميتاني (واَساشاتا) وبناته الى آشور، بالإضافة الى الكثير من الغنائم والأسرى. لم يتم ذكر (واساشاتا) نفسه ضمن قائمة الأسرى وهذا يشير الى أنه يكون قد هرب ونجا من الأسر. هناك رسائل ل(واساشاتا) في الوثائق الحثية. يعتقد بعض العلماء بأنه أصبح فيما بعد حاكماً لمملكة ميتانية صغيرة كانت تُسمى (شوبريا Shubria).

إحتل الملك الآشوري (أداد نيراري الأول Adad-nirari I) قلب المملكة الميتانية الواقع بين نهر (البليخ  Balikh) ونهر الخابور الذي كان محتلاً من قِبل الحثيين، إلا أنه يبدو أن الآشوريين لم يعبروا نهر الفرات وأن مدينة (كركميش Carchemish) ظلت تحت حكم الحثيين. بعد إنتصاره على مملكة ميتاني، لقّب (أداد نيراري الأول) نفسه ب"الملك العظيم sharru rabû " في رسائله المرسلة الى حُكام المملكة الحثية.

شاتوارا الثاني (Shattuara II)
كان (شاتوارا الثاني) آخر ملك ميتاني معروف في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، قبل الغزو الآشوري.

في عهد الملك الآشوري (شلمنصر الأول Shalmaneser I) (1270 - 1240 قبل الميلاد)، ثار الملك الميتاني (شاتوارا Shattuara) الذي كان إبن أو إبن أخ الملك الميتاني (واساهاتا Wasahatta)، ضد الإحتلال الآشوري بمساعدة الحثيين و البدو الآراميين (Ahlamu) وكان ذلك في حوالي عام 1250 وكان جيشه مُجهّزاً بشكل جيد و إستطاع تحرير جميع الممرات الجبلية والبحيرات بحيث أن الجيش الآشوري عانى من العطش أثناء تقدمهم، إلا أنه مع ذلك إنتصر الملك الآشوري (شلمنصر الأول) إنتصاراً ساحقاً على الحثيين والميتانيين. يدّعي الملك الآشوري المذكور بأنه قتل 14400 رجل وأما الباقون فقد تم إعماؤهم ورميهم بعيداً. نقوشاته تذكر بأنه قام بإحتلال تسعة معابد محصّنة وحوّلَ 180 مدينة خورية الى أكوام من الأنقاض وأن (شلمنصر) قام بذبح جيوش الحثيين و حلفائهم البدو الآراميين كالخراف. كما تشير نقوشاته الى أنه قام بالإستيلاء على المدن التي تبدأ من (تايدو Taidu) الى مدينة (إريدو Irridu) وكذلك جبل (كاشيار Kashiar) واصلاً الى نهر الفرات وكل من قلعة (سودو Sudu) و (هرّانو Harranu) الى (كَركَميش Carchemish) الواقعة على نهر الفرات. نقش آخر يُشير الى بناء معبد للإله الآشوري (أداد) في مدينة (كاهات Kahat) الميتانية والتي تم إحتلالها أيضاً من قِبل الآشوريين.
1. Roux, Georges (1966). Ancient Iraq. p. 229. Penguin Books.

2. Bryce, Trevor (2005). The kingdom of the Hittites. Oxford University Press. ISBN 0-19-927908-X.
3. Idwards, I. E. S. (1973). The Cambridge Ancient History, Vol. 1, Part 2: Early History of the Middle East (The Cambridge Ancient History, 2nd edition), Cambridge University Press, p. 276.

mahdi_kakei@hotmail.com


25
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (11) – أسلاف الكورد: الخوريون – الميتانيون

6. ملوك مملكة ميتاني (القسم الأول)

 
د. مهدي كاكه يي


هناك معلومات قليلة عن ملوك المملكة الميتانية و المعلومات المتوفرة عنهم مستقاة في الغالب من المعاهدات و التحالفات التي أقاموها مع المصريين والحثيين والآشوريين، بالإضافة الى الحروب التي قاموا بها والتطورات الداخلية التي حصلت لِمملكة ميتاني ولِممالك المنطقة. لذلك هناك حاجةٍ للقيام بمزيدٍ من التنقيب عن الآثار الميتانية و مزيد من البحث والدراسة للحصول على معلومات دقيقة ووافية عن الملوك الميتانيين. تم إجراء تدقيق وتحليل وتقييم للمعلومات القليلة المتوفرة عن ملوك الإمبراطورية الميتانية وعلى ضوء هذا التدقيق والتحليل والتقييم، تمّ إختيار المعلومات الأكثر قرباً للصواب في هذه الحلقة والحلقة القادمة واللتين تتناولان ملوك مملكة ميتاني. كما أود أن أذكر بأن غالبية المعلومات المذكورة في هذه الحلقة والحلقة القادمة، هي معلومات مستندة على كتابَي (Trevor Bryce) المذكورَين في نهاية هذا المقال.

كيرتا (Kirta)
هو مؤسس مملكة ميتاني وقد يكون عاش في حوالي عام 1500 قبل الميلاد، إلا أنه لحد الآن لم يتم إكتشاف أي نقوشات تعود الى فترة حكم هذا الملك.

شوتارنا الأول (Shuttarna I)
وُجد إسمه في نقشٍ في (ألالاخ) الذي مذكور فيه بأنه إبن الملك الميتاني (كيرتا) وهذا هو المصدر الوحيد المكتشَف عن هذا الملك في الوقت الحاضر. بدأ حكمه في بداية القرن الخامس عشر قبل الميلاد.
 
باراتارنا (Barattarna) أو (پارشاتار Parshatatar)
حكَم هذا الملك في حدود عام 1447 قبل الميلاد. لم يتم العثور على أي نقشٍ يعود للملك (باراتارنا) نفسه، إلا أن هذا الملك معروف من خلال إحدى اللوحات المسمارية التي تم العثور عليها في مدينة نوزي التي يعود تأريخها الى وقت وفاة الملك (باراتارنا) وحرق جثته. هناك معلومات أخرى عن هذا الملك في نقشٍ يعود للملك (إدريمي Idrimi) ملك مملكة ألالاخ (Alalakh) والذي يتضمن أسماء أشخاص. كان (إدريمي Idrimi) تابعاً للملك (باراتارنا). في عهد هذا الملك، قد تكون مملكة ميتاني تمتد الى مدينة (أرابخا Arrapha) من جهة الشرق. إسم هذا الملك غير مذكور في المصادر المصرية والذي حاربَ الفرعون المصري (تُحتموس الثالث Thutmose III) في القرن 15 قبل الميلاد. لا يُعرف فيما لو أن الإسم (پارشاتار Parsha(ta)tar)، الذي وجِد في نقشٍ آخر في مدينة نوزي هو نفس الملك (باراتارنا) أو أنه ملك آخر.

خلال حكم (تحتموس الثالث)، عبرت القوات المصرية نهر الفرات ووصلت الى وسط مملكة ميتاني. في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، في مدينة (ميگيدو Megiddo) الواقعة حالياً في شمال إسرائيل، خاض (تحتموس الثالث) قتالاً ضد تحالف مؤلف من 330 أمراء ميتانيين وزعماء قبائل ميتانية تحت قيادة حاكم مدينة (كاديش Kadesh)، حيث بعثت مملكة ميتاني بدورها بقوات لمحاربة هذا التحالف الميتاني. لا يُعرف فيما لو أن إرسال مملكة ميتاني قواتٍ لمحاربة أمراء ورؤساء القبائل الميتانية، قد تمً بسبب وجود معاهدات كانت قائمة بين مملكة ميتاني و مصر الفرعونية، أو كان ناتجاً عن التهديد الذي كان الأمراء الميتانيون وزعماء العشائر الميتانية يُشكلونه لمملكة ميتاني بالإضافة الى مصر. إنتصار المصريين في هذه المعركة فتح الطريق أمامهم بإتجاه الشمال.

في العام 33 من حُكمه، أشعل (تحتموس الثالث) من جديد حرباً في مملكة ميتاني. عبر الجيش المصري نهر الفرات عند مدينة (كَرْكَميش Carchemish) (تقع في غرب كوردستان عند الضفة الغربية لنهر الفرات، شمال شرق مدينة حلب وعلى بُعد 100 كيلومتر منها) ووصل الى مدينة (Iryn) التي قد تكون مدينة (Erin) الحالية الواقعة على بُعد 20 كيلومتر شمال شرق مدينة حلب. وصل الجيش المصري عن طريق نهر الفرات الى (إيمار Emar) (Meskene) (تقع في محافظة حلب) ثم رجع الى مصرعبر مملكة ميتاني.

يبدو أن صيد الفيل كان مهماً آنذاك لدرجة أنه تم تسجيل مطاردة الفيلة في بحيرة (Nija) في سجلات مصر الفرعونية. التحركات العسكرية المصرية لم تؤدِ الى إحتلال دائم لمناطق ميتانية، بإستثناء ذلك أن منطقة (فينيقية Phoenicia)عند نهر العاصي تم إحتلالها من قِبل مصر.

إنتصارات المصريين على مملكة ميتاني مسجّلة في سجلات الحملات العسكرية المصرية في (نوهاشي Nuhashshe) (القسم الأوسط من سوريا الحالية)، إلا أن هذه الحملات لم تؤدِ الى مكاسب إقليمية دائمة. الملك الميتاني (باراتارنا) أو إبنه (شاوشتاتار Shaushtatar) كان يسيطر على المناطق الداخلية لشمال مملكة ميتاني الى مدينة (Nuhashshe) والمناطق الساحلية الممتدة من دويلة (كيزوواتنا Kizzuwatna ) الى مدينة (ألالاخ Alalakh) عاصمة مملكة (Mukish) الواقعة عند مصب نهر العاصي. عاد (إدريمي Idrimi) ملك (ألالاخ) من منفاه في مصر وإستطاع الجلوس على العرش بموافقة الملك الميتاني (باراتارنا)، حيث أصبح يحكم كلاً من مملكة (موكيش Mukish) و (أماؤو Ama'u)، بينما بقت مدينة حلب تابعة لمملكة ميتاني.

شاوشتاتار (Shaushtatar)
هو إبن الملك (باراتارنا). عندما كان والده في الحكم، عيّن والده أشخاصاً تابعين لمملكة ميتاني، ملوكاً لعدد من ممالك المدن وهذا العمل قام بتسهيل الأمر للملك (شاوشتاتار) ليجعل من مملكة ميتاني مملكةً قويةً في بلاد ما بين النهرين. في عهده، إجتاز هذا الملك التهديد الذي كانت مصر تُشكله لها، وبدأ بالإهتمام بمملكة آشور، حيث قام بغزو آشور وسلبها ونهبها (مصدر رقم 1).

بعد غزوه لآشور، توجّه جيشه نحو الغرب، حيث عبر نهر الفرات وعلى طول الطريق وضعَ جميع ممالك غرب كوردستان تحت حُكمه ووصل جيشه الى ساحل البحر الأبيض المتوسط. كان يتطلع الى توسيع نفوذ مملكة ميتاني في الجنوب والوصول الى فلسطين، إلا أنه مع ذلك فأن الكثير من جنوب سوريا الحالية كان لا يزال تحت النفوذ المصري والتي كانت تُشكّل تهديداً لمملكة ميتاني.

الحرب مع مصر كانت من نتائج التوسع الذي قام به الملك (شاوشتاتار) للوصول الى فلسطين. على الرغم من أن الخوريين كانوا آنذاك يُشكلون نسبة كبيرة من نفوس فلسطين، إلا أن كان من الصعب على الميتانيين أن ينتصروا في الحرب على مصر. خلال التخطيط للقيام بِحربٍ ضد مصر، ماتَ الملك (شاوشتاتار) وخلّفه في الحكم إبنه (أرتاتاما الأول Artatama I) الذي بدأ التفاوض مع الفرعون المصري (أمنحوتب الثاني Amenhotep II) لعقد تحالف بينهما (مصدر رقم 1).

نهبَ الملك الميتاني (شاوشتاتار) العاصمة الآشورية، آشور في عهد الملك الآشوري (Nur-ili) (1466 – 1454 قبل الميلاد) وأخذ الأبواب الفضية و الذهبية للقصر الملكي الآشوري الى العاصمة الميتانية (واشوكاني Washshukanni). تم الحصول على هذه المعلومات من وثيقة حثية تتضمن معاهدة تم إبرامها بين الملك الحثي (سوپيليليوما  Suppililiuma) والملك الميتاني (شاشاتيوازا Shattiwaza). بعد نهب آشور، من المرجح أن مملكة آشور دفعت جزية لمملكة ميتاني الى أن جاء الملك الآشوري (إريبا-أداد الأول Eriba-Adad I) (1390 - 1366 قبل الميلاد) الى الحكم. لا توجد أي إشارة لدفع الجزية للميتانيين في سجلات ملوك الآشوريين، وبالتالي فمن المحتمل ان آشور كانت تحكمها سلالة آشورية أصلية لها الولاء للملك (شاوشتاتار). خلال فترة تبعية آشور للميتانيين، تم بناء معبد (Sin) و (Shamash) في آشور.

كان كل من  دولة حلب في الغرب و دولة نوزي و أرابخا (Arrapha) في الشرق، جزءً من مملكة ميتاني خلال حُكم الملك (شاوشتاتار) (جرنوت فلهلم: الحوريون تأريخهم وحضارتهم، ترجمة فاروق إسماعيل، دار جدل، حلب، الطبعة الأولى، عام 2000 م، صفحة 62). تم إجراء الحفريات في قصر ولي العهد، حاكم (أرابخا)، و تم فيه إكتشاف رسالة من الملك الميتاني (شاوشتاتار) في بيت (Shilwe-Teshup). كان ختْمُهُ يحتوي على صور لأبطالٍ و مخلوقات مجنحة تقاتل أُسوداً وحيوانات أخرى وكذلك شمس مُجنّحة. هذا النمط مع العديد من الرسومات الموزعة في المنطقة بأكملها هي من النمط الخوري النموذجي. تم العثور في (ألالاخ) على ختمٌ ثانٍ عائد للملك (شوتارنا الأول) إلا أنه مستخدَمٌ من قِبل الملك (شوشتاتار). الختم يُظهر نمطاً آشورياً – أكدياً تقليدياً بشكل واضح. التفوق العسكري الميتاني قد يكون بسبب إستخدامِهم عربات حربية ذات عجلتَين تسحبها خيول. خلال حُكم الفرعون المصري (أمنحوتب الثاني Amenhotep II)، يبدو أن الميتانيين إستعادوا النفوذ في منطقة وسط وادي نهر العاصي التي كانت قد إحتلها (تُحتموس الثالث Thutmose III). حاربَ (أمنحوتب) الميتانيين في سوريا الحالية، إلا أنه لم يصل الى نهر الفرات.

أرتاتاما الأول (Artatama I)
كان (أرتاتاما الأول) ملكاً لمملكة ميتاني في أواخر القرن الخامس عشر قبل الميلاد وتزامن حكمه مع حُكم كل من الفرعون المصري (أمنحوتب الثاني) و(تحتموس الرابع) (مصدر 2). هناك معلومات قليلة عن هذا الملك، حيث لم يُعثر الى يومنا هذا على نقوش عائدة له. يتم ذكر الملك (أرتاتاما الأول) في رسائل تل العمارنة بأنه أبرمَ تحالفاً مع الفرعون المصري (تحتموس الرابع). تبعاً للتفسيرات الحديثة للمصادر النادرة المتوفرة، فأن هذا الملك جاء الى الحكم عندما أصبحت مملكة ميتاني ضعيفة من جرّاء الغزو الحثي لها (مصدر 3، صفحة 144). في ذلك الوقت كانت مملكة ميتاني تواجه مخاطر الحرب على جبهتَين، الحثيين في الشمال ومصر في الجنوب. لمواجهة هذه المخاطر، قدّم الملك (أرتاتاما) عرضاً لفرعون مصر (أمنحوتب الثاني) بتقسيم الأراضي المتنازع عليها في سوريا الحالية سلمياً (مصدر 3، صفحة 144). كان بالإمكان أن يتطور الحل السلمي للنزاع القديم بين مملكة ميتاني و مصر الفرعونية، الى تحالفٍ سياسي وعسكري بين المملكتَين، إلا أن المصريين شكّكوا في نوايا الميتانيين ولم يستجيبوا لسنوات للدعوات السلمية التي أطلقها الملك الميتاني (أرتاتاما) (مصدر 3، صفحة 144-145). في عهد الفرعون (تحتموس الرابع)، طلب هذا الفرعون الزواج من إبنة الملك (أرتاتاما)، إلا أن الملك الميتاني رفض هذا الطلب لأسباب غير معروفة (مصدر 3، صفحة 145). الفرعون المصري المذكور طلب الزواج من إبنة الملك الميتاني المذكور سبع مرات الى أن وافق الملك الميتاني (أرتاتاما) في نهاية المطاف على تزويج إبنته من الفرعون (تحتموس الرابع) (مصدر 3، صفحة 145). هذا يعني بأن الملك (أرتاتاما) هو والد الملكة (موتيمويا Mutemwiya) التي كانت الزوجة الرئيسة للفرعون (تحتموس الرابع) وكذلك فأن الملك الميتاني (أرتاتاما) هو جدّ الفرعون (أمنحتوب الثالث) من أمّه.

بعد ذلك تحسنت العلاقات بين الميتانيين والمصريين وقام الملك الميتاني (شوتارنا الثاني) بزيارة مصر، حيث تم تبادل الرسائل والهدايا بين قادة المملكتَين. كانت مملكة ميتاني مهتمة بالحصول على الذهب من مصر. هذه العلاقة الودية قادت الى المصاهرات بين الطرفَين والتي تم الحديث عنها في الحلقة السابقة. عندما تمرّض الفرعون المصري (أمنحتوب الثالث Amenhotep III)، بعث الملك الميتاني الى هذا الفرعون تمثال آلهة نينوى (شاوشكا Shaushka)، التي إشتهرت بعلاج المرضى. كانت هناك حدود دولية ثابتة بين مملكة ميتاني ومصر والتي كانت تقع بالقرب من (قَطنا Qatna) الواقعة على نهر العاصي وكانت (أوگاريت Ugarit) جزءً من الأراضي المصرية.

إن سبب سعي مملكة ميتاني للسلام مع مصر قد يكون بسبب مشاكلها مع الحثيين، حيث قام الملك الحثي (تودهاليا Tudhaliya) بحملات عسكرية ضد (كيزوواتنا Kizzuwatna) و (ارزاوا Arzawa) و (إيشوا Ishuwa) و حلب و ربما ضد مملكة ميتاني نفسها أيضاً. قد تكون (كيزوواتنا) وقعت تحت الإحتلال الحثي في ذلك الوقت.

شوتارنا الثاني (Shuttarna II)
كان (شوتارنا الثاني) ملكاً لمملكة ميتاني في أوائل القرن الرابع عشر قبل الميلاد. (شوتارنا الثاني) هو إبن الملك الميتاني العظيم (أرتاتاما). كان حليفاً للفرعون المصري (أمنحتوب الثالث)، حيث أن النشاطات الدبلوماسية للملوك مسجّلة بشكل مختصر في رسائل العمارنة. في العام العاشر لحُكمه، تزوج الفرعون (أمنحتوب الثالث) إبنة الملك الميتاني (شوتارنا الثاني) وكان إسمها (گيلوهيپا Gilu-Hepa) وهذا الزواج عزز التحالف والعلاقات بين العائلة الملكية الميتانية والفرعونية. دفع الفرعون (أمنحتوب الثالث) مهراً كبيراً لهذا الزواج.

بلغت قوة وإزدهار مملكة ميتاني أوجّها في عهد هذا الملك. من مدينة (ألالاخ) من الغرب، كانت تشترك مملكة ميتاني في الحدود مع مصر في غرب كوردستان الحالي وكان نهر العاصي يفصل الدولتين عن بعضهما البعض. كان مركز المملكة يقع في حوض نهر الخابور، حيث تقع العاصمة (واشوكاني). في عهد هذا الملك كانت آشور و (أرابخا) في الشرق ممالكاً تابعة لمملكة ميتاني. حاول الحثيون غزو الأقسام الشمالية من مملكة ميتاني، إلا أنه تمت هزيمتهم من قِبل الملك الميتاني (شوتارنا). بعد وفاة هذا الملك، خلّفه في الحكم إبنه (أرتاشومارا) في ظروفٍ مُلتبسة.

أرتاشومارا (Artashumara)
جاء (أرتاشومارا) الى الحكم في القرن الرابع عشر قبل الميلاد بعد وفاة والده (شوتارنا الثاني). حُكمه لم يدم طويلاً، حيث بعد جلوسه على العرش بفترة قصيرة، تمّ قتله من قِبل المُعتمَد (أُدهي أو أُتهي or Uthi UD-hi). لا يُعرف شيئاً عن التطورات التي تلت القتل هذا. بعد موت (أرتاشومارا)، تسلّم الحكم أخوه توشراتا (Tushratta).

تجنّباً للإطالة، نكتفي في هذه الحلقة بهذا القدر من المعلومات عن عددٍ من الملوك الميتانيين وسنتحدث في الحلقة القادمة (الحلقة 12) عن القسم المتبقي من ملوك الإمبراطورية الميتانية.
 

1. Bryce, Trevor (2003). Letters of the Great Kings of the Ancient Near East.

2. "Mitanni".  Encyclopædia Britannica Online. 9 June 2008.

3. Bryce, Trevor (2005). The kingdom of the Hittites. Oxford University Press. ISBN 0-19-927908-X.
mahdi_kakei@hotmail.com

26
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (10) – أسلاف الكورد: الخوريون – الميتانيون

5. إنهيار الإمبراطورية الميتانية

د. مهدي كاكه يي

في الحلقة السابقة تم الحديث عن تأسيس الإمبراطورية الميتانية في القرن الخامس عشر قبل الميلاد و كانت إمبراطورية قوية وكبيرة في المنطقة، تمتد حدودها من بحيرة وان شمالاً الى أواسط بلاد ما بين النهرَين جنوباً ومن بحيرة أورمية وجبال زاگروس شرقاً الى البحر الأبيض المتوسط غرباً، حيث أنها ضمت سوريا الحالية ووصلت نفوذها الى فلسطين و أصبحت آشور جزءً من هذه الإمبراطورية. في هذه الحلقة نتابع الأحداث والتطورات التي حصلت لهذه الإمبراطورية الى أن سادها الضعف و إنهارت بعد حُكمٍ دام حوالي 200 عاماً (1475-1275 قبل الميلاد). سقوط الإمبراطورية الميتانية حصل نتيجة الصراع على السلطة الذي نشب بين أفراد العائلة الميتانية الحاكمة وكذلك نتيجة الغزوات التي تعرضت لها من قِبل جيرانها المصريين و الحثيين والآشوريين.

تشير المكتشفات الأثرية الخورية إلى أنه كان للميتانيين دور كبير في ظهور العلاقات الدبلوماسية بين دول الشرق الأدنى القديم، حيث أنهم أقاموا علاقات متينة مع فراعنة مصر وتبادلوا الرُسل والهدايا معهم. في بداية تأسيس مملكة ميتاني، كانت مصر الدولة المنافسة الرئيسة للميتانيين عندما كان الملك الفرعوني (ثوتموس الثالث Thutmose III) في الحكم. بعد معارك قليلة للميتانيين ضد الفراعنة في سبيل السيطرة على غرب كوردستان، عقد الميتانيون معاهدة سلام مع مصر و تم تشكيل تحالف بين الطرفَين لحماية مصالحهما من التهديدات التي كانت تُشكّلها الإمبراطورية الحثية التي ظهرت في المنطقة آنذاك.

تتويجاً للعلاقة الودية التي سادت بين الملوك الميتانيين و فراعنة مصر، الفرعون المصري (أمنحتب الثالث Amenhotep III) (حكمَ عام 1391 – 1353 قبل الميلاد) تزوّج (گيلوهيپا Gilu-Hepa)، التي كانت أخت الملك الميتاني (توشراتا Tushratta) (حكمَ من حوالي عام 1382 الى عام 1342 قبل الميلاد) (مصدر 1). كما أن الفرعون المصري (أمنحتب الرابع  Amenhotep IV)، (حكمَ من عام 1353 الى عام 1337 قبل الميلاد) والذي غيّر إسمه فيما بعد الى (أخناتون)، تزوج إبنة الملك الميتاني (توشراتا) والتي كان إسمها (تادوهيپا Tadu-Hepa) (1370-1330 قبل الميلاد). (تادوهيپا) هي نفسها (نفرتيتي Nefertiti)، الملكة الفرعونية الشهيرة في التأريخ بجمالها ودورها المحوري في حُكم مصر الفرعونية (مصدر 2، 3). (نفرتيتي) تعني باللغة المصرية القديمة (الجميلة قد أتت). يوجد تمثال (نفرتيتي) في متحف برلين في ألمانيا.

تأثّر الفرعون أخناتون بالمعتقدات الدينية الخورية الشمسانية التي كانت زوجته (نفرتيتي) تؤمن بها، حيث قام مع زوجته بنشر هذه المعتقدات الدينية في مصر وأوجدا ديناً توحيدياً يؤمن بإله واحد وهو (آتون) أي (قرص الشمس). فرضَ (أخناتون) عبادة الإله (آتون) بدلاً من الإله (آمون) وبذلك قام بثورة دينية كبرى التي إنعكست بدورها على الحياة في مصر، خاصةً الحياة الثقافية والفنية فيها. هكذا بدأت تسود المعتقدات الدينية الخورية في مصر الفرعونية. بعد إيجاد الدين الجديد، غيّر الفرعون (أمنحتب الرابع) إسمه الى (أخناتون) الذي يعني "الروح الحيّة لِآتون". كما أن زوجته (تادوهيپا) قامت بدورها بتغيير إسمها بعد إيجاد الدين الجديد إلى "نفرنفراتون نفرتيتي" الذي يعنى "آتون يشرق لأن الجميلة قد أتت".

عند وفاة الملك (شوتارنا)، كانت مملكة ميتاني قد أنهكها الصراع على السلطة الذي نشب بين أفراد العائلة المالكة. (توشراتا) إبن الملك (شوتارنا) إستلم الحكم بعد موت أبيه، إلا أن المملكة قد إنتابها الضعف بشكل كبير و التهديدات الحثية والآشورية قد إزدادت. في نفس الوقت، العلاقات الدبلوماسية الميتانية - المصرية سادها الفتور، حيث كان المصريون خائفين من النمو المضطرد لقوة الحثيين والآشوريين.

في منتصف القرن الرابع عشر، إستعادت الإمبراطورية الحثية قوتها تحت حكم ملكها (سوپلوليوما الأول I Suppiluliuma)، الذي قام بغزو الممالك التابعة للميتانيين في غرب كوردستان وعيّن حكاماً موالين للحثيين محل الحكام الذين كانوا يحكمون تلك الممالك.

في العاصمة واشوكاني، إندلع صراع جديد على السلطة بين أفراد العائلة المالكة الميتانية. الحثيون و الآشوريون قاموا بتأييد أشخاص مختلفين في الأسرة الميتانية الحاكمة الذين كانوا يطالبون بالجلوس على العرش الميتاني. في النهاية قام الجيش الحثي في نهاية القرن الرابع عشر قبل الميلاد بغزو العاصمة واشوكاني وتمّ تعيين (شاتيوازا Shattiwaza) إبن الملك (توشراتا Tushratta) ملكاً لمملكة ميتاني، حيث كان تابعاً للحثيين. عندئذ إنكمشت مملكة ميتاني و أصبحت تضم وادي الخابور فقط.

بمجئ حُكم الملك الآشوري (إريبا أداد الأول Eriba-Adad I) (1390-1366 قبل الميلاد)، تقلص النفوذ الميتاني في بلاد آشور بشكل كبير. بدأ الملك الآشوري (إريبا أداد الأول) بالتدخل في المعارك المريرة التي إندلعت بين الملك الميتاني (توشراتا Tushratta) و أخيه (أرتاتاما الثاني Artatama II) و بعد ذلك إندلع القتال بين هذا الأخير وبين إبن أخيه (شوتارنا الثاني Shuttarna II) الذي نصب نفسه ملكاً على مملكة ميتاني وتقدّم في نفس الوقت بطلب المساعدة من الآشوريين لتثبيت حكمه. حينئذٍ ظهرت مجموعة من أفراد العائلة المالكة الميتانية المؤيدة للتحالف الميتاني- الآشوري. إستطاع الملك الآشوري (إريبا أداد الأول) أن يقضي على النفوذ الميتاني في بلاد آشور، بل أصبح له نفوذ في البلاد الميتانية وأخذ يتدخل في شئون مملكة ميتاني (مصدر 4).

الملك الآشوري (آشور أُباليت الأول (1365-1330 قبل الميلاد) هاجم الملك الميتاني (شوتارنا) و قام بِضم مملكة ميتاني للدولة الآشورية و بذلك أنهى الدور السياسي للميتانيين في المنطقة بعد حُكمٍ دام حوالي 200 عاماً و جعل مملكة آشور أكثر قوة ونفوذاً (محمد امين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان – تاريخ الدول والإمارات الكردية في العهد الإسلامي. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الثاني، 1945، صفحة 14؛ جرنوت فلهلم: الحوريون تأريخهم وحضارتهم، ترجمة فاروق إسماعيل، دار جدل، حلب، الطبعة الأولى، عام 2000 م، صفحة 44).

بعد أن إحتلال الآشوريين لمملكة ميتاني، قام الآشوريون بترحيل قسم من سكان الإمبراطورية الميتانية، الذين معظمهم كانوا من الخوريين، من مناطقهم و تم إستخدامهم كأيدي عاملة رخيصة في بلاد آشور. هناك وثائق إدارية آشورية تشير الى أنه كان يتم توزيع الشعير على "الرجال الخوريين المستأصلين" المُرحّلين من مملكة ميتاني. على سبيل المثال، الحاكم الآشوري (ميلي ساه Meli-Sah) الذي كان حاكماً لمدينة (ناهور Nahur)، إستلم الشعير ليقوم بتوزيعه على الخوريين المُرحّلين من مدينة (شودوهو Shuduhu) لإستعماله كبذور وغذاء لأنفسهم ولثيرانهم.

بنى الآشوريون خطاً من التحصينات الحدودية على نهر البليخ لمواجهة الحثيين. يقول الملك الآشوري (توكلتي-آبل-إشرَّ الأول) في ذكرى حملته العسكرية ضد مملكة (كاتموهو) الخورية ما يلي: قطعتُ رؤوسهم (رؤوس جنود العدو) ووضعتُهم على الخوازيق مثل كوم الحبوب حول مدنهم (الدكتور صفوان سامي سعيد: التشبيه في الحوليات الملكية الآشورية. مجلة القادسية للعلوم الإنسانية عدد 2، عام 2009، المجلد الثاني عشر، جامعة الموصل، العراق).

تم حُكم مملكة ميتاني تحت الإحتلال الآشوري من قِبل الوزير المُهيب (لي إپادا Ili-ippada) الذي كان من أفراد العائلة المالكة و الذي لقّب نفسه بملك هانيگالبات. أقام هذا الملك في المركز الإداري الآشوري الذي كان قد تم بناؤه حديثاً في تل سابي الأبيض (تەپە سپی) الواقع في وادي نهر البليخ في غرب كوردستان. بالإضافة الى السيطرة الآشورية على مملكة ميتاني سياسياً وعسكرياً، يبدو أن الآشوريين كانوا يهيمنون أيضاً على التجارة في هذه المملكة، حيث لا تظهر أسماء خورية أو ميتانية في السجلات الشخصية التي تعود الى عهد الملك الآشوري شلمنصر.

في عهد الملك الآشوري (توكولتي نينورتا Tukulti-Ninurta) (حوالي 1243-1207 قبل الميلاد)، حدثت مرة أخرى العديد من موجات ترحيل الخوريين من شرق مملكة ميتاني الى بلاد آشور وقد يكون الغرض من هذا الترحيل هو إستخدامهم كأيدي عاملة في بناء قصر جديد الذي كان الآشوريون يريدون بناءه. كما أن الكتابات الملكية تشير الى حصول غزوٍ لمملكة ميتاني من قبل الحثيين و من الممكن أنه حصلت إنتفاضة جديدة من قِبل الميتانيين ضد الإحتلال الآشوري أو على الأقل أن الميتانيين قد دعموا الغزو الحثي و لهذا السبب تم ترحيلهم. هناك دلائل تدعم نظرية إنتفاضة الميتانيين ضد الإحتلال الآشوري، حيث تم العثور على آثار الدمار في بعض الحفريات للمدن الميتانية التي تشير الى أن تلك المدن الميتانية قد تعرضت للهدم والسلب أثناء حصول تلك الإنتفاضة، إلا أنه مع ذلك لم يتمكن علماء الآثار من تحديد تأريخ حصول ذلك السلب والهدم بدِقة. تل السابي الأبيض الذي كان مقراً للحكومة الآشورية في مملكة ميتاني في عهد الملك الآشوري شلمنصر، كان مهجوراً بين عام 1200 وعام 1150 قبل الميلاد.

في عهد الملك الآشوري ( آشور نيراري الثالث Ashur-nirari III) (حوالي عام 1200 قبل الميلاد، بداية إنهيار العصر البرونزي)، قام الفريجيّون (الفريجيون كانوا من الشعوب الهندوآرية و أسسوا مملكة فريجيا في وسط غرب الأناضول) و آخرون بغزو و تدمير الإمبراطورية الحثية، التي كانت ضعيفة آنذاك بسبب هزائمها أمام الآشوريين. فقدَ الآشوريون مؤقتاً بعض أجزاء مملكة ميتاني، حيث إحتلها الفريجيّون، إلا أن الآشوريين إستطاعوا أن يهزموا الفريجيين ويُعيدوا السيطرة على مستعمراتهم الميتانية مرة أخرى، ومع ذلك إستطاع الخوريون الإحتفاظ بمملكة (كاتموهو Katmuhu) ومملكة (پاپهو Paphu). (پاپهو) تعني (مواطِن بلاد الجبل) و هذا دليل آخر على الأصل الجبلي للخوريين، حيث أن موطنهم هو جبال زاگروس الكوردستانية.

في الفترة الإنتقالية للعصر الحديدي المبكر (1200 – 1000 قبل الميلاد)، قامت القبائل السامية الآرامية الغازية بالقضاء على الميتانيين، حيث إختفى إسم الخوريين وقام الخوريون بتأسيس مملكة أخرى هي مملكة (أورارتو) (مصدر 5).

بعد سقوط مملكة ميتاني، إستمرت اللغة والثقافة الخورية في الممالك الآشورية والحثية الى أوائل الألفية الأولى قبل الميلاد، إلا أنه بعد هذا التأريخ أصبحت اللغة الآرامية هي السائدة في مملكة ميتاني و بدأ إستخدام اللغة الخورية يواجه المعوقات خلال فترة الإمبراطورية الآشورية الجديدة (عام 934-609 قبل الميلاد)، إلا أن اللغة الأورارتية إستطاعت أن تبقى حيّة في المملكة الأورارتية التي قام بتأسيسها أحفاد الخوريين. تشير نقوشات عائدة للملك الآشوري (أداد-نيراري الثاني Adad-nirari II) و (شلمنصر الثالث Shalmaneser III) بأنه في الفترة الممتدة من القرن العاشر الى القرن التاسع قبل الميلاد كان  لا يزال في ذلك الوقت يتم إستخدام مصطلح "مملكة ميتاني" كمصطلح جغرافي.

في عهد الإمبراطورية الميتانية، كان الخوريون يُشكلون المجموعة السكانية الأكثر عدداً (جورج رو: العراق القديم، ترجمة وتعليق حسين علوان حسين، بغداد، وزارة الثقافة والإعلام، الطبعة الثانية، 1986). بالرغم من الخضوع السياسي للخوريين، إستمر الوجود الإثني والثقافي الخوري في سوريا الحالية و في (كزوادنا Kizzuwadna). كان الحثيون متأثرين بالثقافة و اللغة والمعتقدات الخورية، على سبيل المثال، النقوشات في (يَزلكايا Yazlkaya) تشير إلى أن الآلهة الخورية أصبحت رسمياً آلهةً للإمبراطورية الحثية وكانت الملِكات الحثيّات لهن أسماء خورية وأن الأشعار الحثية تتضمن الأساطير الخورية، بإستثناء إمارة (هاياشا Hayasha) الواقعة في الجبال الأرمنية، التي يبدو أن الوجود الخوري الإثني إختفى فيها في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد. كما أن اللغة الحثية أخذت الكثير من الكلمات الخورية، من ضمنها أغلب المصطلحات الدينية.

تذكر الدكتورة پاكزه رفيق حلمي بأنه من خلال الدراسات اللغوية المقارنة يمكن إعتبار اللغة الخورية بدايةً لظهور الأسرة اللغوية الآرية والتي ظهرت في الألف الثاني قبل الميلاد (روشنبيرى نوێ، 1986) و يذكر الدكتور جمال رشيد أحمد بأن أغلب مفردات اللغة الخورية تُستعمل الآن في اللغة الكوردية الحالية وعلى نطاق واسع (الدكتور جمال رشيد أحمد: دراسة لغوية حول تأريخ بلاد الكورد، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1980، صفحة 99). من هنا يظهر بأن لغة الميديين (لغة الآڤێستا) واللغة الكوردية الحالية هي إمتداد للغة الخورية، حيث يذكر المفكر الكوردستاني مسعود محمد في بحثه المنشور في كتابه المعنون "لسان الكُرد" الصادر في عام 1987، الى أن الكتاب المقدس للديانة الزردشتية (آڤێستا)، مكتوب بِلغة كوردية قديمة، حيث أن اللهجة الموكريانية هي نفسها لغة الآڤێستا و لا يزال الموكريانيون في شرق كوردستان محافظين على لُغة الآڤێستا و يتكلمون بها. كما أنه تم العثور على مفردات سوبارية التي هي مفردات تمت كتابة الرسالة الميتانية بها، وعليه فأن اللغة الخورية – الميتانية هي إمتداد للغة السوبارية، حيث أن الخوريين هم أحفاد السوباريين (مصدر 6). كما يذكر جورج رو بأن الخوريين - الميتانيين والكاشيين ينتمون الى مجموعة عرقية لغوية واحدة (الهندو اوربية)، أي أنهم آريون ((جورج رو: العراق القديم، ترجمة حسين علوان حسين، بغداد، 1984، صفحة 306).

يقول العلامة محمد أمين زكي بأن المستشرق جنسن يذكر بأن لفظ "ميتاني" كان لقباً خاصاً بالأسرة المالكة فقط، بينما الإسم "سوباري" كان الإسم الدال على الشعب وكانت بلادهم تُسمى "هاني گالبات"، حيث أنها مذكورة في نصوص وثائق من ضمن آلاف الوثائق السوبارية والميتانية التي تم إكتشافها في منطقة كركوك وفي (بوغازكوي) (محمد امين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التارخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 97). من جهة أخرى يذكر البروفيسور كمال مظهر أحمد بأن الخوريين إمتزجوا بالآريين القادمين الى كوردستان و لذلك يُطلَق على المملكة الخورية إسم "مملكة ميتاني"، حيث أن الميتانيين كنية مشتقة كانت تُطلق على الآريين (الدكتور كمال مظهر أحمد: كركوك وتوابعها - حكم التاريخ والضمير - دراسة وثائقية عن القضية الكردية في العراق، وزارة الثقافة، كوردستان، 2004، صفحة 10).
1. Betsy M. Bryan: The Egyptian Perspective on Mittani. In: Amarna Diplomacy. Chapter 6, the Johns Hopkins University Press, 2002, pp. 71-84.

2. Freed, R. E., D'Auria, S., Markowitz, Y. J. (1999). "Pharaohs of the Sun: Akhenaten, Nefertiti, Tutankhamen" (Museum of Fine Arts, Leiden).

3. Tyldesley, Joyce (1998). Nefertiti: Egypt's Sun Queen. Penguin. ISBN 0-670-86998-8.

4. Roux, Georges. Ancient Iraq. p. 229. Penguin Books, 1966.

5. Sayce, Archibald H. "The Kingdom of Van (Urartu)". In: Cambridge Ancient History. Vol. ii, p. 172.

6. Speiser, E. A. Introduction to Hurrian (1940 - 1941). The Annual of the American Schools of Oriental Research, Vol. 20, Introduction to Hurrian, pp. 1-230, published by The American Schools of Oriental Research.

mahdi_kakei@hotmail.com




27
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (9) – أسلاف الكورد: الخوريون – الميتانيون

4. تأسيس الإمبراطورية الميتانية
 
د. مهدي كاكه يي


وُجد إسم (ميتاني) لأول مرة في مذكرات الحروب في غرب كوردستان والمكتوبة في حوالي عام 1480 قبل الميلاد، من قِبل الفلكي و الساعاتي (أميميمهيت Amememhet) الذي رجع من مملكة ميتاني في عهد الفرعون المصري (ثوتموسي الأول Thutmose I) (15061493- قبل الميلاد) (مصدر 1). في بداية حكم الفرعون المصري (ثومسيس الأول Thutmosis I)، تم الإعلان عن الحملة العسكرية على مملكة ميتاني (مصدر 2 ) والتي قد تكون جرت خلال العهد السابق للفرعون المصري (أرمينهوتپ Amenhotep) (1525 – 1504 قبل الميلاد) (مصدر 3)، حيث يعتقد العالم الألماني البروفيسور (Hans Wolfgang Helck) الذي يُعتبر أشهر مؤرخ في القرن العشرين المختص بالتاريخ المصري القديم، بأن هذه الحملة كانت تلك التي أشار إليها الفرعون أمينهوتپ الثاني (مصدر 2).

كان المصريون يسمون مملكة ميتاني ب(ماريانو Maryannu) أو (نهرين Nahrin) المتأتي من الكلمة الآشورية-الأكدية (نهر) أو (ميتاني Mitanni) (مصدر 4). الحثيون كانوا يسمون هذه المملكة (حوري Hurri)، بينما الآشوريون يسمونها (هانيگالبات Hanigalbat) (مصدر 5). (توشراتا Tushratta) الذي كان يُلقب نفسه ب"ملك ميتاني" يشير الى مملكته بإسم (هانيگالبات) في رسائله المكتوبة على الرُقم الطينية المكتوبة باللغة الأكدية والخط المسماري التي وجدت في أرشيف قصر الملك المصري إخناتون (أمنحوتب الرابع) في مقر حكمه (أخت أتون) في تل العمارنة في مصر (مصدر 6).

بعض الباحثين يقولون بأن اللغة الخورية ليست لغة هندوأوروبية ولا لغة سامية، بل أنها ذات صلة باللغة الأورارتية، لغة شعب أورارتو، حيث أن هاتين اللغتَين تنتميان الى عائلة اللغة الخورية – الأورارتية. يقول عدد من الباحثين الروس من أمثال (Diakonov) و (Starostin) بأن اللغة الخورية تنتمي الى مجموعة اللغات القوقازية الشمالية الشرقية (مصدر 7)، بينما يذكر باحثون آخرون بأن اللغة الخورية هي من اللغات الهندوأوروبية وذات صلة باللغة الكاشية (لغة أسلاف الكورد الكاشيين) (مصدر 8، 9).

لتبيان حقيقة إنتماء اللغة الخورية و الحُكم على التناقضات المستخلصة من أبحاث اللغويين حول هذه المسألة، يمكن الإستناد الى الحقائق التاريخية المتعلقة بالخوريين – الميتانيين:

1. سلسلة جبال زاگروس هي الموطن الأصلي للخوريين (الدكتور جمال أحمد رشيد: ظهور الكورد في التاريخ، دار آراس للطباعة والنشر، أربيل، كوردستان، الطبعة الأولى، 2003، صفحة 147، مصدر 8، 10، 11). هكذا فأن الخوريين هم السكان الأصليون في كوردستان ولم يأتوا الى كوردستان من القوقاز لتكون لغتهم قوقازية.

2. الميتانيون هم هندوآريون، حيث أنه في الحلقة السابقة من هذه السلسلة من المقالات، تم الإستناد الى العديد من الدلائل التي تُشير الى أن الميتانيين الذين جاؤوا الى كوردستان في بداية الألف الثاني قبل الميلاد، هم هندوأريون ولذلك لغتهم لا علاقة لها باللغات القوقازية. الميتانيون إنصهروا في الشعب الخوري و أصبحت اللغة الخورية لغتهم أيضاً.

3. لم تحصل هجرات بشرية من القوقاز الى كوردستان خلال العهود القديمة قبل ظهور الخوريين أو خلال وجودهم، حيث أن المصادر التاريخية تخلو من الإشارة الى حدوث هجرات قوقازية الى كوردستان أو وقوع الخوريين تحت هيمنة اللغة القوقازية لكي يتم وضع فرضية وقوع الخوريين تحت التأثير اللغوي القوقازي بحيث تصبح اللغة القوقازية لغةَ الخوريين في موطنهم، كوردستان.
 
4. وصلت حدود الإمبراطورية الميتانية الى منطقة القوقاز وإذا كانت هناك علاقة بين اللغة الخورية و "مجموعة اللغات القوقازية"، فأنها ناتجة عن التأثير اللغوي والثقافي الكبير للخوريين على السكان القوقازيين الى درجةٍ أنهم تبنّوا اللغة الخورية وأصبحت لغتهم الأُم. كما أنه قد يكون قسم من الخوريين إنتقلوا الى منطقة القوقاز وإستقروا هناك وسادت ثقافتهم ولغتهم في المنطقة. من هنا يظهر بأن "مجموعة اللغات القوقازية" التي يتكلم عنها بعض اللغويين والباحثيين والذين يرون بأن اللغة الخورية تنتمي إليها، هي في الحقيقة ليست قوقازية، بل زاگروسية، لغات أسلاف الكورد التي تنتمي إليها اللغة الخورية.

البروفيسور (Izady)، في محاضرة له في جامعة هارڤارد الأمريكية، يعتقد أيضاً بأن  إنتشار اللغة الخورية بين سكان مناطق القوقاز عن طريق الخوريين غير مستبعد (يمكن الإطلاع على نص المحاضرة من خلال الرابط الموجود في نهاية المقالة).

في العصور الأكدية كان معروفاً بأن الخوريين كانوا يعيشون في منطقة شرق دجلة على الحافة الشمالية من بلاد ما بين النهرَين. أفراد المجموعة التي أصبحوا ميتانيين، تحركوا تدريجياً نحو الجنوب في بلاد ما بين النهرين قبل القرن السابع عشر قبل الميلاد. الميتانيون هم الفرع الآري من الحوريين الذين نزحوا الى كوردستان في بداية الألف الثاني قبل الميلاد و إندمجوا مع أقوام زا گروس الأصليين و إستلموا الحُكم (أندريه إيمار و جانين أوبوايه: تاريخ الحضارة العام – الشرق و اليونان القديمة، إشراف موريس كروزيه، ترجمة فريد م. داغر و فؤاد ج. أبو ريحان، المجلد الأول، دار منشورات عويدات، بيروت – باريس، الطبعة الثانية، 1986، صفحة 204). المؤرخان (گلب Gelb) و(سپايزر Speiser) يعتقدان بأن أسلاف الكورد السوباريين كانوا يستوطنون شمال بلاد ما بين النهرين منذ زمن بعيد و ان الخوريين هم أحفاد السوباريين ( مصدر 10، 12).

القبائل الخورية المحاربة و بلدان المدن توحدت تحت حكم سلالة حاكمة وقامت بتأسيس مملكة ميتاني. العامل الذاتي و الموضوعي ساعدا الميتانيين في توحيد القبائل الخورية وتأسيس مملكتهم. إن الميتانيين كانوا محاربين أشداء وكانوا يستخدمون الخيول والعربات الحربية في حروبهم والتي كانت أسلحة حربية متطورة في ذلك الزمن. الخبرات القتالية للميتانيين والأسلحة المتطورة المستخدمة كانت من العوامل الرئيسة التي ساعدت الميتانيين في إستلام قيادة الخوريين وتأسيس مملكة لهم. كما أن عوامل خارجية أسهمت في نجاح الميتانيين في بناء إمبراطوريتهم. قام الحثيون بنهب بابل خلال حُكم الملك الحثي (مورسيلي الأول Mursili I) وكما قام الكاشيون بالسيطرة على بابل وحكمها. هذان العاملان أدّا الى إنهيار حُكم البابليين. إحتلال الحثيين لحلب (يامكهاد Yamkhad) وضعف ملوك آشور الذين إستلموا الحكم بعد الملك پوزر آشور الثالث (Puzur-Ashur III) و النزاعات الداخلية بين الحثيين، هذه الأمور كلها خلقت فراغاً في القسم العلوي من بلاد ما بين النهرين و الذي قاد الى تأسيس مملكة ميتاني (الدكتور توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسية القديمة. الطبعة الأولى، دار دمشق للطباعة والصحافة والنشر، 1985، صفحة 312؛ مصدر13، 14). كان المؤسس الأسطوري للسلالة الميتانية الحاكمة هو الملك (كيرتا Kirta) الذي إستلم الحكم بعده الملك (شوتارنا Shuttarna).

تم تأسيس مملكة ميتاني في غرب و شمال كوردستان الحالييَن و عاشت بين حوالي عام 1500 قبل الميلاد و 1300 قبل الميلاد وكانت اللغة الخورية هي لغة سكانها، حيث كان الخوريون يُشكلون غالبية سكان هذه المملكة (مصدر 13).

سيطرت مملكة ميتاني على المناطق الممتدة من الخابور الى ماري و أعلى الفرات ومن هناك امتدت المملكة الى (Charchamesh). خلال فترة زمنية إمتدت لحوالي قرن واحد كانت آشور تحت حكم مملكة ميتاني. كان حلفاء الميتانيين كلاً من مملكة (Kizuwatna) الواقعة في شمال شرق الأناضول و مملكة (Mukish) الواقعة بين (Ugarit) و (Quatna) غرب نهر العاصي و مملكة (Niya) التي كانت تسيطر على الضفة الشرقية لنهر العاصي، من مدينة (Alalakh) بإتجاه الأسفل مارةً من خلال حلب وإيبلا وحماه الى (Quatna) (تبعد 18 كيلومتر شمال شرق مدينة حمص) و (Kadesh) القريبة من ضفاف نهر العاصي وتبعد 15 ميل جنوب غرب مدينة حمص. من الشرق، كانت علاقة الميتانيين جيدة مع جيرانهم الشرقيين، الكاشيين (مصدر 15) .

في غرب كوردستان الحالي، إمتدت المملكة الميتانية من سلسلة جبال طوروس الى غرب الإقليم الكوردستاني المذكور ومن الشرق إمتدت الى مدينة نوزي (كركوك الحالية) و نهر دجلة. من الجنوب إمتدت المملكة الميتانية من حلب قاطعةً بلاد الشام الى مملكة (ماري) الواقعة على نهر الفرات من جهة الشرق. مركز المملكة الميتانية كان في وادي نهر الخابور وكانت لها عاصمتان، (Taite) و (Washshukanni)، حيث أنهما تُسميان في المصادر الآشورية بإسم (Taidu) و (Ushshukana) على التوالي. موقع آثار مدينة (Taite) يقع في (تل حميدية) الواقع في منطقة الخابور وتم إكتشافه من قِبل العالم الإيطالي (Mirjo Salvini) (مصدر 16).

أسماء الإرستقراطية الميتانية في الغالب هي من أصل هندوآري، ولكنها بشكل خاص أسماء الآلهة الميتانية تُظهر أن لها جذور هندوآرية (ميترا Mitra، ڤاريونا Varuna، إندرا Indra، ناساتيا Nasatya) و لذلك يعتقد قسم من الباحثين بأنها ذات صلة مباشرة بالكاشيين (مصدر 9). إن رسائل (تل العمارنة) تُظهر بأن أفراد العائلة المالكة الميتانية في ذلك الوقت كانوا يتكلمون اللغة الخورية. هناك الكثير من حاملي الأسماء الخورية في مناطق واسعة من سورية الحالية وشمال بلاد الشام والتي هي خارج الكيان السياسي الميتاني. لا يوجد أي دليل على أن هؤلاء الأشخاص كانوا موالين للكيان السياسي الميتاني، بالرغم من أن المصطلح الألماني "خوريون مهاجرون" قد تم إطلاقه على هؤلاء الأشخاص من قِبل بعض المؤلفين. في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، تم حُكم العديد من ممالك المدن (city-states) في غرب كوردستان و كنعان من قِبل أشخاص يحملون أسماء خورية و البعض منهم أسماؤهم كانت هندوآرية. إذا يتم أخذ هذا بنظر الإعتبار فهذا يعني بأن سكان هذه الممالك كانوا أيضاً من الخوريين. ثم يكون ممكناً أن هذه الكيانات كانت جزء من نظام سياسي أكبر ذي هوية خورية مشتركة.

إستطاع الميتانيون أن يؤسسوا إمبراطورية قوية شاسعة،عُرفت بإسم الإمبرطورية الخورية - الميتانية والتي كانت غالبية سكانها من الخوريين و كانت عاصمتها( وَشوكاني) التي يقع موقعها قرب مدينة (سَري كاني) الواقعة في غربي كوردستان. يذكر عدد من الباحثين بأن الدولة الميتانية إمتدت من بحيرة وان شمالاً الى أواسط بلاد ما بين النهرَين جنوباً ومن بحيرة أورمية وجبال زاگروس شرقاً الى البحر الأبيض المتوسط غرباً، حيث أنها ضمت سوريا الحالية ووصلت نفوذها الى فلسطين (طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، 1973، صفحة 489؛ جورج رو: العراق القديم، ترجمة وتعليق حسين علوان حسين، بغداد، وزارة الثقافة والإعلام، الطبعة الثانية، 1986، صفحة 129؛ عامر سليمان: العراق في التاريخ القديم، الموصل، دارالحكمة للطباعة والنشر، 1992، صفحة 131).

المملكة الميتانية كانت إحدى الممالك الأربع القوية في المنطقة في ذلك الوقت والتي كانت مصر ومملكة الحيثيين وكاردونياش والمملكة الميتانية (محمد أمين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التارخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 97).

قام الملك الميتاني (باراتارنا Barattarna) بتوسيع مملكته من الغرب الى حلب و جعل من الملك الكنعاني (إدريمي Idrimi) ملك (ألالاخ Alalakh) تابعاً له. مملكة (كيزواتنا Kizzuwatna) في الغرب أيضاً أصبحت موالية للميتاني، و مملكة آشور في الشرق أصبحت بلاد تابعة للميتانيين بحلول منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد، حيث أصبحت بلاد آشور جزءً من الإمبراطورية الميتانية لحوالي 75 عاماً (1450 – 1375 قبل الميلاد) وسمِح الميتانيون أن تحتفظ آشور بنظامها الملكي خلال فترة تبعيتها للإمبراطورية الميتانية (جرنوت فلهلم: الحوريون تأريخهم وحضارتهم، ترجمة فاروق إسماعيل، دار جدل، حلب، الطبعة الأولى، عام 2000 م، صفحة 62؛ الدكتور جمال أحمد رشيد: ظهور الكورد في التاريخ، دار آراس للطباعة والنشر، أربيل، كوردستان، الطبعة الأولى، 2003، صفحة 251؛ محمد بيومي مهران: تاريخ العراق القديم، الاسكندرية، 1990، صفحة 343-344).

الأمة الميتانية أصبحت أكثر قوة خلال حكم ملكها (شاوشتاتار Shaushtatar) وكان الخوريون مصممين على إبقاء الحثيين محصورين في داخل المناطق الجبلية الأناضولية. كانت مملكة (كيزواتنا Kizzuwatna) في الغرب و (إيشوا Ishuwa) في الشمال، حليفتَين مهمتَين للميتانيين ضد الخصم الحثي. نكتفي هنا بهذا القدر من المعلومات عن الإمبراطورية الخورية وفي الحلقة القادمة سنتواصل مع الأحداث و التطورات الجارية في هذه الإمبراطورية.

المصادر الأجنبية
1. Borchardt, L. "Altägyptische Zeitmessung" in E. von Basserman-Jordan, Die Geschichte der Zeitmessung und der Ühre, vol. I. (Berlin/Leipzig) 1930, pp 60ff, noted in Astour 1972:104, notes 25,26.

2. Helck, W. ''Oriens Antiquus 8 (1969:301, note 41; 302).

3. Drioton, É. and Vandier, J., L'Égypte, 4th ed. (Paris). 1962:396f.

4. Faulkner, Raymond O. A Concise Dictionary of Middle Egyptian. p.135. Griffith Institute, Oxford, 1962; [1] Egyptian New Kingdom Topographical lists], by Kenneth Kitchen, p.5 bottom paragraph, University of Memphis.

5. Astour, Michael C. "Ḫattusilis̆, Ḫalab, and Ḫanigalbat" Journal of Near Eastern Studies 31.2 (April 1972:102–109) p 103.

6. Astour Michael C 1972:103, noting Amarna letters 18:9; 20:17;29:49.

7. Diakonov, Igor M., and Starostin, Sergei . Hurro-Urartian as an Eastern Caucasian Language. Münchener Studien zur Sprachwissenschaft. Munich: R. Kitzinger, 1986. ISBN 3-920645-39-1 [Amazon-US | Amazon-UK].

8. Speiser, E. A. "Introduction to Hurrians".

9. Roux, Georges. Ancient Iraq, p. 229. Penguin Books, 1966.

10. Gelb, Ignace J. (1944). Hurrians and Subarians. Studies in Ancient Oriental Civilization No. 22. Chicago, University of Chicago Press.

11. Wilhelm, Gernot. The Hurrians. Aris & Philips Warminster, 1989.

12. Speiser, E. A. "Hurrians and Subarians.

13. Saggs, H.W.F. (1975). The Assyrian, The people of Old Testament, Oxford, p.54.

14. Trevor Bryce (2005). The Kingdom of the Hittites. Oxford University Press. p. 98.

15. Roaf, Michael. Cambridge Atlas of Mesopotamia maps pp 134–135.

16. Eichler, S. et al. Tall Al-Hamidiya 2 Vorbericht 1985-1987 - Symposium Recent Excavations in the Upper Khabur Region, Berne, December 9–11, 1986, Academic Press Fribourg, 1990.

http://www.kurdistanica.com/?q=node/74

mahdi_kakei@hotmail.com

28
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (8) – أسلاف الكورد: الخوريون – الميتانيون

3. التأريخ الخوري

د. مهدي كاكه يي

الخوريون هم من شعوب الشرق الأدنى الذين عاشوا في العصر البرونزي (4000 – 1500 قبل الميلاد) و كانوا يتكلمون اللغة الخورية. عاشوا في الأناضول وشمال بلاد ما بين النهرَين (الدكتور جمال رشيد أحمد: دراسات كردية في بلاد سوبارتو، بغداد، 1984، صفحة 26؛ مصدر رقم 1).

أصبح الخوريون جزءً من الحضارة القديمة في الشرق الأوسط في حوالي منتصف الألف الثالث قبل الميلاد (مصدر رقم 2). لقد وصلوا الى بلاد ما بين النهرين من الشمال. تم إكتشاف نقش مختصر باللغة الخورية، يعود تأريخه الى زمن نهاية فترة الأكديين. كما تم إكتشاف نقشٍ آخر يعود للملك (أريشن  Arishen) أو (أتالشن Atalshen)، ملك مملكة (أوركيش Urkish) و(نَوار Nawar)، مكتوب بالخط المسماري الأكدي.

أسماء الأعلام في النصوص المسمارية وزيادة وتيرتها في فترة أور الثالثة، تُشكّل أدلة رئيسية على الوجود الخوري، إلا أنه ليس هناك دليل واضح على أن الخوريين قد تقدموا نحو مناطق غرب نهر دجلة لحد حلول منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. تنكشف صورة مختلفة تماماً من أرشيف قصر (ماري) المبني في القرن 18 قبل الميلاد ومن نصوص تم إكتشافها بالقرب من أعالي نهر الخابور، حيث تُشير هذه الدلائل الى أن شمال بلاد ما بين النهرين و غرب دجلة وسوريا الحالية كانت مسكونة من قِبل سكان كان معظمهم من الخوريين و كانت تضم أموريين أيضاً. الخوريون قد وصلوا بالفعل الى ساحل البحر المتوسط، كما يتضح من نصوص مدينة (ألالاخ Alalakh) الواقعة على نهر العاصي. كما تم أيضاً العثور في (ماري) على نصوص أدبية باللغة الخورية التي تدل على أن اللغة الخورية  كانت آنذاك قد أصبحت لغة مكتوبة كاملة النمو (مصدر رقم 3).

تشير السجلات الحثية أيضاً الى شعب كان يُسمّى (خوري) الذي كان يعيش في غرب كوردستان. لوحة حثية قد تعود الى عصر الملك الحثي (مورسيلي الأول Mursili I) (1556-1526 قبل الميلاد) تشير الى أحد ملوك الخوريين (LUGAL ERÍN.MEŠ Hurri). هذا المصطلح تم إستخدامه في السابق للملك الميتاني (توشراتا Tushratta) في رسالةٍ كانت موجودة في أرشيف موقع العمارنة. اللقب الإعتيادي للملك كان "ملك رجال خوري" (King of the Hurri-men)، بدون ذكر كلمة "كور KUR" التي تعني "بلاد". النصوص الآشورية – الأكدية تُسمي (خوري) بإسم هانيگالبات.

في العصور الأكدية كان معروفاً بأن الخوريين كانوا يعيشون في منطقة شرق دجلة على الحافة الشمالية من بلاد ما بين النهرَين. أفراد المجموعة التي أصبحوا ميتانيين، تحركوا تدريجياً نحو الجنوب في بلاد ما بين النهرين قبل القرن السابع عشر قبل الميلاد (الدكتور احمد محمود الخليل: تاريخ مملكة ميتّاني الحورية، 2013، صفحة 12؛ وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم. أشرف على الترجمة د. محمد مصطفى زيادة، الطبعة الأولى، القاهرة، 1963، صفحة 62).

بحلول العصر البرونزي المتوسط (2000 – 1600 قبل الميلاد)، كانت هناك أسماء خورية موجودة في شمال غربي بلاد ما بين النهرَين وفي منطقة كركوك في جنوب كوردستان. هذه الأسماء وجدت في مدينة (نوزي Nuzi) ومدينة (أوركيش Urkesh) وفي أماكن أخرى. في نهاية المطاف أصبحت مملكة الخوريين تضم منطقة واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة التي تُشكّل قوساً يمتد من وادي نهر الخابور في الغرب إلى سلسلة جبال زاگروس في الشرق (وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم. أشرف على الترجمة د. محمد مصطفى زيادة، الطبعة الأولى، القاهرة، 1963، صفحة 62).

الخوريون مذكورون في النصوص الشخصية لمدينة نوزي (كركوك) وفي مدينة (أوگاريت) وفي أرشيف الحثيين في هتوششا Hattushsha (بوغازكوي Boğazköy). النصوص المسمارية لمملكة (ماري) تذكر أسماء خورية وأمورية لحكام ممالك المدن في أعالي بلاد ما بين النهرَين. تم التأكد من وجود حكام يحملون أسماء خورية لأورشوم (Urshum) و هاششوم (Hashshum) وألواح من مدينة (ألالاخ Alalakh) خلال الفترة المتأخرة من العصر البابلي القديم، التي تذكر أشخاص يحملون أسماء خورية عند مصب نهر العاصي. بصورة عامة، يتم الإستناد الى أسماء الأعلام في هذه المصادر كدليل للتوسع الخوري نحو الجنوب و الغرب.

لقد تم العثور على الكتابة باللغة الخورية بالخط المسماري في كل من (هَتوسة Hattusa) و (أوگاريت Ugarit) وكذلك في إحدى الرسائل الطويلة التي تم إكتشافها في موقع آثار (أمارنا Amarna) التي مكتوبة من قِبل الملك الميتاني (توشراتا Tushratta) والمرسَلة الى الفرعون (أمينهوتپ الثالث Amenhotep III). كانت تلك الرسالة هي النص الخوري الطويل الوحيد المعروف الى أن تم في عام 1983 في (هَتوسة Hattusa) إكتشاف مجاميع ألواح مكتوبة باللغة الخورية تتضمن آثار أدبية مع ترجمة لها باللغة الحثية.

كان الخوريون أحد الشعوب المهمة في تأريخ وثقافة الشرق الأوسط خلال الألف الثاني قبل الميلاد. أبكر تسجيل لوجود أسماء أشخاص خوريين وأماكن خورية هو في سجلات بلاد ما بين النهرين في أواخر الألفية الثالثة، هذه السجلات تشير إلى أن موطن الخوريين كان المنطقة الشرقية لنهر دجلة ومنطقة جبال زا گروس. منذ ذلك الحين، وخصوصا خلال مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، هناك أدلة عديدة لإنتشار الخوريين بإتجاه الغرب. من المحتمل أن هجرات أكثر كثافة نحو الغرب قد حصلت عندما إندفع الهندوإيرانيون من الشمال، من المنطقة الواقعة بين بحيرة (ڤان) وسلسلة جبال زاگروس نحو الغرب والذي يبدو أنها قد جرت بعد سنة 1700 قبل الميلاد. وتشير الأدلة إلى أن الخوريين أطاحوا بالحكام الآشوريين وسيطروا على المنطقة وأصبحوا سادة فيها. كان شرق دجلة، المركز التجاري المزدهر لمدينة (Nuzi)، هو الموطن الأساسي للخوريين وسادت النفوذ الخورية في كثير من المناطق في سوريا الحالية. أجزاء كبيرة من شرق الأناضول أصبحت تحت حُكم الخوريين أيضاً، وبالتالي أصبحوا جيراناً شرقيين للحثيين وثم لاحقاً أصبحوا مستقلين عن الحثيين. كان شمال بلاد ما بين النهرين لا يزال الموطن الرئيس للخوريين خلال هذه الفترة، وكانت البلاد آنذاك معروفة بإسم (خوري)، حيث هناك كانت الوحدات السياسية تسيطر عليها سلالات ذات أصل هندوإيراني. في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، كانت المنطقة الخورية الممتدة من جبال زاگروس الى سوريا الحالية تُشكّل دولة بإسم (ميتاني).

وادي نهر الخابور أصبح قلب الممالك الخورية لمدة ألف عام. أول مملكة خورية ظهرت حول مدينة أوركيش خلال الألف الثالث قبل الميلاد. هناك دلائل على أن الخوريين كانوا حلفاء مع الإمبراطورية الأكدية الذي يشير الى أن الخوريين كانت لهم السيطرة الكاملة على المنطقة بحلول تسلًم السلطة في بلاد أكد من قِبل الملك (نارام سين Naram-Sin) (حوالي 2254 – 2218 قبل الميلاد). في هذه المنطقة، عاشت ثقافات غنية أخرى في (تل حلف) و(تل براك). مملكة مدينة أوركيش كانت لها جيران قوية. في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، جارتها الجنوبية، مملكة (ماري) الأمورية أخضعت أوركيش لحكمها و جعلتها دولة تابعة لها. خلال تواصل الصراع للسيطرة على بلاد ما بين النهرين، سلالة أمورية أخرى حكمت (ماري) في القرن الثامن عشر قبل الميلاد. تم العثور على بقايا (شوبات إنليل Shubat-Enlil) عاصمة مملكة آشور القديمة، التي تبعد قليلاً عن أوركيش في موطن آخر للخوريين في وادي نهر الخابور.

المؤرخان (گلب Gelb) و(سپايزر Speiser) يعتقدان بأن أسلاف الكورد السوباريين كانوا يستوطنون شمال بلاد ما بين النهرين منذ زمن بعيد و ظهر الخوريون في المنطقة نفسها بعدهم (مصدر رقم 2، 4). هذا يعني بأن الخوريين هم أحفاد السوباريين.

كان الخوريون يُشكلّون أيضاً نسبة كبيرة من سكان الإمبراطورية الحثية في الأناضول وكان هناك تأثير واضح للمعتقدات الدينية الخورية على المعتقدات الحثية (مصدر رقم 2).

اللغة الخورية تنتمي إلى مجموعة اللغات السوبارية و الأورارتية التي جميعها هي لهجات "لغات" أسلاف الكورد، حيث لعب الأورارتيون دوراً مهماً في المنطقة إعتباراً من نهاية الألف الثاني قبل الميلاد الى القرن الثامن قبل الميلاد (مصدر رقم 4).

الممالك الخورية كانت موزعة في جنوب و غرب كوردستان الحالية. بدأت التنقيبات الكبرى في مواقع الآثار الخورية في جنوب و غرب كوردستان في حدود عام 1920 و 1930على التوالي بقيادة عالم الآثار الأمريكي (EDWARD CHIERA) في موقع آثار (XORGHAN TEPE) الواقع في مدينة نوزي (كركوك) وعالم الآثار البريطاني (MAX MALLOWAN) في موقع آثار (CHAGAR BAZAR) و (TEPE BRAK). الدلائل تشير الى أن المنطقة كانت مأهولة في بداية العصرالحجري الحديث أي حوالي عام 12000 قبل الميلاد، وتنتهي في العصر الروماني أي في حدود عام 275 – 75 قبل الميلاد. كما تم إكتشاف آثار خورية تعود للعصر البرونزي الأوسط (2000 – 1550 قبل الميلاد) الى نهاية العصر البرونزي المتأخر (1550 - 1200 قبل الميلاد)، ما عدا تل موزان الواقع في (URKESH).

قادت التنقيبات في مدينة (نوزي) الى العثور على مئات الرُقم الطينية المسمارية وبيوت سكنية فضلاً عن العثور على خارطة مرسومة على لوح طيني تظهر فيها الجبال والأنهار والمدن وأسوارها والطرق الرئيسية، وهذه الخارطة تُعتبر أول خارطة في التأريخ (مصدر رقم 5) . كما تم إكتشاف نصوص كتابية وآلاف الأختام الأسطوانية وقصر يعود إلى عهد الملك (سوشْتتر)، الذي مُزيّن برسومٍ جدارية متميزة وكذلك تم إكتشاف معبد ومنحوتات مختلفة. القصر الملكي مُرفَق به جناح خاص للخدم ومعبد الإله (كوماربي) و حفرة كبيرة في مدخل القصر التي كان الخوريون يعتقدون بأنها المدخل إلى العالم السفلي. لقد تم إكتشاف حوالي 5000 وثيقة خورية في نوزي، تضم وثائق قانونية وتجارية، حيث يشير بعض هذه الوثائق الى أن مدينة نوزي كانت لها علاقات تجارية مع بلاد آشور (مصدر رقم 6).

 تعد مملكة خمازي (Hamazi) أقدم وأبرز كيان سياسي خوري ظهر في وقت مبكر في بلاد سوبارتو وكانت من الممالك الهامة في تلك الفترة. يرد إسم خمازي في قائمة الملوك السومرية في المرتبة السادسة من بين المدن التي إستقرت فيها الملكية بقرار إلهي بعد حدوث الطوفان. كان يحكمها ملك يُدعى خدانيش  (Hadaniš)، ثم إنتقلت الملكية إلى أوروك. يتضح من الشواهد الكتابية بأن مملكة خمازي كانت تقع في منطقة شرقي دجلة، بين نهر الزاب العلوي ونهر ديالى. لقد تمّ ذكر مملكة خمازي في نص يعود لمملكة (إبلا) والذي هو عبارة عن معاهدة تحالفٍ بين مملكة خمازي ومملكة إبلا التي تم إبرامها على ما يُعتقد لمواجهة التهديدات التي كانت مملكة (ماري) تُشكّلها لهما.

تتحدث المصادر السـومرية عن حملات ملوكهم على مملكة خمازي، وتكشف عن أهمية مدينة خمازي. كما تتحدث نقوش الملك الأكادي (سرگون الأول) (2340 - 2284 قبل الميلاد) عن حملاته المتكررة على هذه المملكة. الإكتشافات الأخيرة في مدينة (أوركيش) تشير الى أن ملكها كان متزوجاً من إبنة الملك الأكدي (نارام سين). تشير وثائق مملكة (إبلا) الى علو مكانة مدينة خمازي آنذاك، وقيام علاقات حسنة بين المملكتَين.

 تعد مملكة أوركيش (Urkeš) أقدم الممالك الخورية في المناطق السهلية، والتي كانت مركزاً لِملك الآلهة الخورية (كوماربي Kumarbi). جاء في نصوص مختلفة ذكر إسم الملك (أتل شين Atal Šen)، كما هو مُبيّن في لوح البرونز العائد لهذا الملك والمدوّن باللغة الأكدية الذي يذكر أن هذا الملك هو ملك أوركيش ونوار (Nagar) ويرجَّح أن هذا الملك قد حكم في عهد الگوتيين أو فيما بعد، في العقود الأولى من عهد سلالة أور الثالثة (2015 – 1998 قبل الميلاد) (الدكتور جمال رشيد أحمد: كركوك في العصور القديمة. الطبعة الأولى، دار آراس للطباعة والنشر، مطبعة وزارة التربية، أربيل، 2002، صفحة 30؛ مصدر رقم 7). كما تم العثور على أسدَين برونزيين اللذين يُعتبران من أشهر آثار مدينة (أوركيش).

توجّه الخوريون أيضاً أكثر نحو الغرب. بحلول عام 1725 قبل الميلاد، وصلوا الى أجزاء من غربي كوردستان، مثل (ألالاخ Alalakh). يذكر التأريخ بأن مملكة يامهاد (Yamhad) الخورية كانت في صراعٍ مع الملك الحثي (هاتوسيليس الأول Hattusilis I) في حوالي 1600 قبل الميلاد. الخوريون إستوطنوا كذلك المنطقة الساحلية ل(أدانية) في مملكة (كيزواتنه Kizzuwatna) الواقعة في جنوب الأناضول. في نهاية المطاف، ضعفت مملكة (يامهاد) و خضعت للمملكة الحثية القوية، إلا أن الأناضول بقيت تحت سطوة الثقافة الخورية، حيث أن الحثيين كانوا واقعين تحت التأثير الثقافي الخوري لعقود عديدة.

يذكر المؤرخ البروفيسور كمال مظهر أحمد بأن الخوريين قد بنوا عدة مدن في منطقة كركوك وكانت مدينة طوزخورماتو من أهم هذه المدن، حيث كان إسمها آنذاك "خورماتو" التي تتألف من كلمتَين هما "خور" أي "الخوريون" وكلمة "ماتو" التي تعني بالأكدية "مدينة" وبذلك فأن "خورماتو" تعني "مدينة الخوريين" (الدكتور كمال مظهر أحمد: كركوك وتوابعها - حكم التاريخ والضمير - دراسة وثائقية عن القضية الكردية في العراق، وزارة الثقافة، كوردستان، 2004، صفحة 8). يقول المؤرخ سيتون لويد بأن مدينة خورماتو إحتفظت بإسمها الأصلي الى مطلع القرن التاسع عشر (سيتون لويد: بلاد الرافدين. ترجمة الدكتور سامي سعيد الأحمد، دار الرشيد، بغداد، 1980، صفحة 208)، حيث بعد ذلك أُضيفت إلى إسمها كلمة "دوز" التركية التي تعني "ملح" فأصبح الإسم "دوزخورماتو" و بمرور الوقت تغيّر الإسم الى "طوزخورماتو". كان يُظن خطأً بأن كلمة"خورماتو" مؤلفة من كلمتّي "خورما" و"تو" الكورديتَين والتي تعنيان "تمر" و"توت" على التوالي ولذلك أضافوا كلمة "دوز" التركية الى إسم المدينة، حيث كانت كوردستان والعراق تحت الحكم العثماني آنذاك.

لم يتم إزدهار الحكم الخوري الى حوالي منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد. في القرن الخامس عشر، كان مدينة (ألالاخ Alalakh) أصبحت مدينة خورية بشكل كبير، وفي عهد الإمبراطورية الميتانية، كان الخوريون يُشكلون المجموعة السكانية الأكثر عدداً (مصدر رقم 8).

إستخدم الخوريون الكتابة المسمارية في تدوين لغتهم الهندو ـ آرية، كما دونوا وثائق باللغتين الأكادية والحثية. إنتشرت اللغة الخورية على نطاق واسع عند إتساع مملكتهم في أواسط الألف الثاني ق.م، وصارت تأخذ مكانها ضمن المعاجم متعددة اللغات. لقد تم العثور على مجموعات من الوثائق الخورية في نوزي (يورگان تبه، جنوبي كركوك) وفي (ماري) و (إيمار) على الفرات الأوسط، وفي (أوگاريت)، وفي العاصمة الحثية هاتوشا (بوغازكوي شرقي أنقرة)، كما ترد تعابير ومفردات وأسماء أعلام خورية في كثير من الوثائق المكتوبة المكتشفة في مناطق الشرق القديم المختلفة.

المصادر

1. Herzfeld, E. (1968). The Persian Empire. Wiesbaden, page 158.

2. Gelb, Ignace J. (1944). Hurrians and Subarians. Studies in Ancient Oriental Civilization No. 22. Chicago, University of Chicago Press.

3. Antonio, Robert (2007), The Rise of the Hurrians, International World History Project (updated January 2007, accessed 27/03/2010)

4. Speisere, Ephraim A. (1930). Mesopotamian Origins. The basic population of the Near East. Philadelphia, USA.

5. Maidman, Maynard Paul (1976). The Teip-tilla Family of Nuzi: A Genealogical Reconstruction. Journal of Cuneiform Studies, Vol. 28, No. 3.

6. al-Khalesi, Y.M. (1970). "Tell al-Fakhar. Report on the First Season’s Excavations". Sumer 26: 109–126. ISSN 0081-9271.

7. Rost, P. (1893). Die Keilschrfttexte Tiglat Pilesers III, Leipzig, s. 24f, z. 139f.

8. Drews, Robert (1994) "The Coming of the Greeks: Indo-European Conquests in the Aegean and the Near East", Princeton University Press, Chariot Warfare. pg 61.

mahdi_kakei@hotmail.com

29
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (7) – أسلاف الكورد: الخوريون – الميتانيون

2. الميتانيون الهندوآريون
 
د. مهدي كاكه يي


في بداية الألف الثاني قبل الميلاد شهدت منطقة الشرق الأدنى هجرات لأقوام هندوآرية الى كوردستان وإيران الحالية وآسيا الصغرى وإندمجوا مع السكان الأصليين للمناطق التي إستقروا فيها، حيث نقلوا معهم حضارتهم المتقدمة الى مَواطنهم الجديدة و التي مكّنتهم أن يؤسسوا دولاً جديدة و أن يحكموا هذه الدول.

كان الميتانيون من ضمن هذه الأقوام الهندوآرية المهاجرة و الذين إستقروا في كوردستان و إندمجوا مع الخوريين الذين كانوا السكان الأصليين للبلاد، حيث قاموا بعد منتصف القرن السادس عشر قبل الميلاد بتأسيس مملكة ميتاني في شرق نهر الفرات (هاري ساگز: عظمة آشور، ترجمة عامر سليمان، بغداد، 1999، صفحة 54)، بينما يذكر الباحث (كانتور) بأن مملكة ميتاني تم تأسيسها في حوالي عام 1475 قبل الميلاد و إستمرت الى حوالي عام 1275 قبل الميلاد (مصدر رقم 1). كما أن الميتانيين تواجدوا بكثرة في منطقة (أوگاريت Ugarit) الواقعة على بعد 11 كيلومتر شمالي اللاذقية، حيث تم إكتشاف آثار ميتانية كثيرة في هذه المنطقة. من المرجح أن يكون تواجدهم في (أوگاريت) كان لأغراض تجارية و دينية.

هناك أدلة عديدة على كون الميتانيين هندوآريين، هاجروا الى كوردستان. هذه الأدلة تستند بشكل خاص الى أسماء آلهة الميتانيين وأسماء أعلامهم. النصوص المكتوبة عن تربية الخيول من قِبل (كيكولي Kikkuli)، مدرب الخيول التي تجرّ العربات، تحتوي على عدد من المفردات الهندوآرية (مصدر 2). ترى الباحثة (كامنهيوبر Kammenhuber) بأن هذه المفردات اللغوية مستمدة من اللغة الهندو-إيرانية (مصدر 2). كما أن الباحث (ماريهوفر Mayrhofer) يقول بأن الملامح  الهندوآرية واضحة في هذه النصوص (مصدر 3).

بعض أسماء الآلهة وأسماء الأعلام و مصطلحات أخرى لمملكة ميتاني تُظهِر تشابهاً كبيراً لها مع الهندوآرية، مما توحي بأن النخبة الهندوآرية فرضت نفسها على السكان الخوريين في سياق التوسع الهندوآري. في معاهدة بين الحثيين والميتانيين، يتم اداء القسم بإسم الآلهة {(ميترا وڤارونا و إندرا وناساتيا (أشڤينس)}.

أسماء الإرستقراطية الميتانية في الغالب هي من أصل هندوآري. بشكل خاص، فأن أسماء الآلهة الميتانية (ميترا Mitra، ڤاريونا Varuna، إندرا Indra، ناساتيا Nasatya)، تُظهر أن لها جذور هندوآرية  و لذلك فأن بعض الباحثين يعتقدون بأنها ذات صلة مباشرة بالكاشيين (مصدر 4). فيما يلي بعض الأدلة على كون الميتانيين هندوآريين:

 1. مدرًب الخيول الميتاني (كيكولي Kikkuli) هو كاتب النص الذي يتحدث عن تربية الخيول. هذا النص مكتوب في حوالي عام 1499 قبل الميلاد و يُقدم معلومات قيّمة حول تطور اللغة الهندوأوروبية و أن محتوياته أيضاً ذات أهمية خاصة. يتضمن النص الذي كتبه (كيكولي) حول تربية الخيول، مصطلحات تقنية، من ضمنها مصطلحات رقمية، مثل " أيكا  a-i-ka، aika" التي تقابلها في السنسكريتية "إيكا eka" والتي تعني "واحد" و"توا tuwa" التي تقابلها "دوَ dwe " السنسكريتية التي تعني "إثنين" و"تيراtie-ra- ، tera-" التي تقابلها في السنسكريتية "tri" والتي تعني  "ثلاثة" و " پَنزَ  paanza، pańća" التي تقابلها في السنسكريتية "پَنجَ pañca" التي تعني "خمسة" و"سَتَ ša-at-ta، satta " التي تقابلها في السنسكريتية "سَپتا sapta"  التي تعني "سبعة" و"نا na-a-[w]a، nāva" التي تقابلها في السنسكريتية "نَڤا nava" التي تعني "تسعة" و(ڤارتانا vartanna) التي تقابلها في السنسكريتية (ڤارتانا vartana) التي تعني (مباراة سباق الخيل أو جولة في سباق الخيل) ". الرقم "واحد" "أيكا" له أهمية خاصة لأنه يضع الطبقة الإرستقراطية في جوار الأسماء الهندوآرية مقابل الهندوآرية أو الإيرانية القديمة التي لها "أيڤا aiva" بشكل عام (مصدر 5). هذه المفردات الرقمية الهندوآرية لا زالت حية في اللغات الهندوأوروبية، بما فيها اللغة الكوردية.

2. النص المكتوب من قِبل مُدرّب الخيول (كيكولي) يحتوي أيضاً على مفردات مثل "بابرو babru" التي تقابلها في السنسكريتية كلمة "بابهرو babhru" التي تعني "بُنّي" و"پاريتا parita" التي هي " پاليتا palita " في السنسكريتية والتي تعني "رمادي" و"پينكارا pinkara" التي تقابلها في السنسكريتية كلمة "پينگالا pingala" التي تعني "أحمر". هذه الكلمات الهندوآرية تدعم كون الميتانيين هندوآريين.

3. الديانة الڤيدية (الديانة الهندية القديمة التي سبقت الديانة الزرادشتية) كان بشكل ما له حضور في منطقة بلاد ما بين النهرين خلال عصور حكم الميتانيين والحثيين والكاشيين (حوالي عام 1750 قبل الميلاد) الذين عبدوا الإله سوريا (Surya). لقد تم إكتشاف كتابة حثية في (بوگازكوي Bogazköy) لإله الدمار و الإبادة (آك أو گنيش Ak/gniš) الذي هو إله النار الهندوآري (أگني AGNI). في كتاب التراتيل الزرادشتي (گاثا Gathas) كلمة (آتر atr) تعني (نار)، بينما هذه المفردة غير موجودة في كُتب (ڤيدا) الهندية المقدسة. هذا يدل على أن الديانة الڤيدية كان لها وجود في المنطقة في ذلك الزمن (مصدر رقم 6، كما يمكن الإطلاع مباشرةً على هذا الكتاب من خلال الرابط رقم 1).

4. أسماء بعض الملوك الميتانيين تكشف عن نفسها بأنها ذات جذور هندوآرية. يظهر أنهم كانوا من أتباع الديانة الڤيدية. الطبقة الارستقرطية الحاكمة كانت (مارياني maryanni) التي تعني "محارب شاب" المتأتية من الكلمة السنسكريتية "ماريا marya". المحاربون الميتانيون كانوا يُسمَّون (ماريا Marya) الذي هو كذلك مصطلح سنسكريتي.

5. إسم العاصمة الميتانية (واشوكاني Washukanni) هو مشابه للعبارة السنسكريتية "منجم الثروة". لا تزال المفردة الهندوآرية (كاني) باقية في اللغة الكوردية و التي تعني (نبع ماء) و المعنى قريب من كلمة "منجم"، حيث أن الأول هو مصدر الماء الجَوفي والثاني مصدر جَوفي أيضاً.

6. أسماء الملوك الميتانيين هي هندوآرية. إسم مؤسس مملكة ميتاني الملك (كرتا Kirta) (عام 1500 – 1490 قبل الميلاد)، هو هندوآري. أسماء الملوك الميتانيين الآخرين و رجال ذلك العهد هي أيضاً ذات أصول هندوآرية. على سبيل المثال: (توشراتا Tushrata) التي تقابلها الكلمة السنسكريتية (داشاراثا Dasharatha) تعني "مالك عشرة عربات حربية"، (باراتارنا Baratarna) تقابلها الكلمة السنسكريتية (پاراتارنا) التي تعني "الشمس العظيمة"، (بيريداسوا Biridaswa) = ( بريهاداشوا Brihadashwa) "مالك خيول عظيمة"، (أرتاتامنا Artatamna) = (رتومنا Rtumna) "الناذر نفسه للدين الإلهي"، (ساوستاتار Saustatar) = (ساوكشاترا Saukshatra) "الحاكم الجيد"، (ساوماثي Saumathi) = (ساتاوازا) "هو الذي فائزٌ بِسبع جوائز"، (شوتارنا Shuttarna) = (سوتارنا Sutarna) "شمس جيدة"، (سومالا Sumaala) = "مالك أكاليل جميلة من الأزهار"، (پارساتاتار Parsatatar) = (پاراشوكشاترا Parashukshatra) "حاكم مع فأس"، (ماتيوازا Mattiwaza) = (ماتيڤاجا) "ثروته هي الصلاة" (مصدر رقم 3).

7. قبل إعتلائه العرش، الملك (شاتيوازا Šattiwaza) (حوالي 1325 – 1280 قبل الميلاد) كان يحمل إسماً خورياً هو (كيلي – تيشوپ Kili-Teššup) مثل العديد من أسلافه الملوك الميتانيين. من بين الكثير من الآلهة الخورية و الميزوپوتامية التي كان الملوك الميتانيون يقسمون بها في معاهداتهم، هي الآلهة الهندوآرية ميترا وڤارونا وإندرا وناساتياس (لاحظ الرابط رقم 2).

8. تم عقد معاهدة مشهورة بين الحاكم الحثي (سوپيلوليوما Suppiluliuma) و الملك الميتاني (ماتيوازا Mattiwaza) في حوالي عام 1380 قبل الميلاد في (بوگازكوي Boghazkoy)، حيث أنه لم يتم فقط أداء القسم بإسم الآلهة البابلية للشهادة على هذه المعاهدة، بل تم أيضاً أداء القسم بإسم الآلهة ذات الأصول الڤيدية مثل ميترا و ڤارونا وإندرا وناساتيا (أشوين). أسماء هذه الآلهة مكتوبة بنفس الصيغة الموجودة في الكتب المقدسة الهندية (رگڤيداRig-Veda ) (مصدر رقم 7).

أسماء هذه الآلهة الڤيدية متشابهة الى حد كبير مع تلك المذكورة في الكتاب الزردشتي المقدس (آڤيستا)، حيث يتم الإبتهال في (آڤيستا) الى الإله (ميتراMitra "Mithra "). يظهر أن الإله إندرا ونانهايثي في الكتاب المقدس الزردشتي (آڤيستا) قد أصبحا من الشياطين، بينما الإله (ڤارونا Varuna) قد بقي في الديانة الزرادشتية وتحول إسمه الى (آهورامزدا Ahura Mazda). هذا يشير الى أن أفراد العائلة المالكة الميتانية كانوا يعتنقون الدين الڤيدي وأنه لم يبرز تأثير المعتقدات الخورية على العائلة المالكة الميتانية لحد ذلك الوقت، إلا أن أن أفرادها كانوا يتكلمون اللغة الخورية.

9. كان العيد الرئيسي للميتانيين هو الإحتفال بإنقلاب أو إنحدار الشمس (ڤیشوڤا vishuva) الذي كان شائعاً في معظم الثقافات في العالم القديم. إن هذا العيد كان عيد رأس السنة الجديدة في الهند في العهود السحيقة في القدم و يصادف 14/15 نيسان/أبريل الذي هو وقت قدوم الربيع، حيث الطبيعة الزاخرة بالخضار و الأزهار. قد يكون عيد نوروز له صلة بهذا العيد الذي يسبق نوروز بستة أيام فقط، حيث قد يكون هذا العيد إنتقل جيلاً بعد جيل من أسلاف الكورد السومريين والسوباريين والخوريين والأرارتيون الى أحفادهم الشعب الكوردي، فبقي حياً الى يومنا هذا. المحاربون الميتانيون كانوا يُسمّون "ماريا marya" الذي هو مصطلح للمحارب في اللغة السنسكريتية أيضاً. يُلاحظ أن "ميشتا-ننو mišta-nnu " تقابلها في السنسكريتية كلمة (ميدها mīḍha) التي تعني "دفع النقود لإلقاء القبض على الهارب" (مصدر رقم 8).

10. الترجمة السنسكريتية لأسماء ملوك مملكة ميتاني هي ما يلي: "أرتوشومارا Artashumara  (Artaššumara)" = (أرتا – سمارا Arta-smara) الذي يعني (الذي يفكر بأرتا أو رتا Arta/Ṛta) (مصدر رقم 8، صفحة 780)، و"بيريداشڤا Biridashva" (,Biriiašṷa Biridašṷa) = "پريتاشڤا" التي تعني "حصان مّن غالي" (مصدر رقم 8، صفحة 182)، و "پريامازدا (پرييامازدا)" = " پرياميدها" التي تعني "حكمة مَن غالية"( مصدر رقم 8، صفحة 189، 378)، و"ستراتا" = "ستراتها" التي تعني "أية عربة حربية مشرقة" (مصدر رقم 9، صفحة 553)، و"إندارودا أو إنداروتا Indaruda/Endaruta " = "إندروتا" التي تعني (المُساعَد من قِبل إندرا) (مصدر رقم 9، صفحة 134 (و "شاتيڤازا Shativaza (شاتيوازا šattiṷaza) = (ساتيڤاجا Sātivāja) التي تعني "فوز ثمن السباق" (مصدر رقم 8، صفحة 540، 696)، و (شوباندهو Šubandhu) = (سوباندهو Subandhu) التي تعني "إمتلاك أقارب جيّدين" (إسم في فلسطين، مصدر رقم 8، صفحة 209، 735)، و (توشراتا Tushratta) (تيوشيراتا و توشرات وغيرها) = (توايشاراثا Tṷaiašaratha، تڤاستر الڤيدي Vedic Tvastr) = (تواياشاراثا) التي تعني "عربة حربية مَن عنيفة" (مصدر رقم 3، صفحة 689، 736). (آشڤ-سان-ني āśv-san-ni) التي تقابلها في السنسكريتية (آشڤا-سانا) التي تعني "أستاذ مدرب الخيول" الذي هو (كيكولي Kikkuli) نفسه و كلمة (آش-شو-وا aš-šu-wa) التي تقابلها في السنسكريتية (آشڤا aśva) التي تعني (حصان) (مصدر رقم 10).

المصادر
1. Kantor, H. J. (1999). Plant Ornament in the Ancient Near East, Chapter XIV: Mitanni. Oriental Institute, University of Chicago, USA.

2. Kammenhuber, Annelies (1968). Die Arier im vorderen Orient. Heidelberg: Carl Winter Universistätsverlag, pp 238.

3. Mayrhofer, M. (1974). Die Arier im Vorderen Orient – ein Mythos? Sitzungsberichte der Oesterreichischen Akademie der Wissenschaften 294,3, Vienna.

4. Roux, Georges (1966). Ancient Iraq. Penguin Books, pp. 234.

5. Mallory, James P. (1997) Kuro-Araxes Culture. Encyclopedia of Indo-European Culture, Fitzroy Dearborn.

6. Antonov, Vladimir (2008). Agni Yoga. Translated from Russian by Mikhail Nicolenko, Createspace Independent Publishing, Bancroft, Ontario, Canada.

7. (Konow, S. (1921). Aryan gods of the Mitani people.

8. (Mayrhofer, M. (1986-2000). Etymologisches Wörterbuch des Altindoarischen, Heidelberg. Vol: II (686, 736).

9. Mayrhofer, M. (1986–2000). Etymologisches Wörterbuch des Altindoarischen, Heidelberg, vol. IV.

10. Witzel, Michael  (2001): Autochthonous Aryans? The evidence from Old Indian and Iranian texts. Electronic Journal of Vedic Studies, Vol. 7(3): 1–115.

1. http://www.swami-center.org/en/text/agni_yoga.pdf

 2. http://www.hittites.info/history.aspx?text=history%2FEarly+Late+Empire.htm

mahdi_kakei@hotmail.com


30
(تركيا)  .....   الى أين؟  (36) (القسم الأخير) - مستقبل الكيان التركي

 
د. مهدي كاكه يي

قبل الحديث عن مستقبل الكيان التركي الذي نحن بصدده و الذي هو إستخلاص لنتائج و تحليلات هذه الدراسة، أود التذكير بأهم المواضيع التي تناولتها هذه الدراسة. في البداية تم الحديث عن أصل الأتراك و موطنهم و هجرتهم من منطقة (توران) الواقعة قرب الصين، الى منطقة الشرق الأوسط قبل حوالي 900 عام و مراحل تأسيس الدولة العثمانية و بعض الحروب التي خاضتها و معاملة العثمانيين للشعوب الرازحة تحت إحتلالهم و إنهيار هذه الدولة. كما أنها تضمنتْ إبادة الأرمن من قِبل الإمبراطورية العثمانية و أزمة الهوية و الإنتماء التي يعاني منها الأتراك و عن حياة كمال أتاتورك و حكمه و حروبه و إستغلاله للشعب الكوردي في حروبه و في تأسيس تركيا الحالية. تطرقت المقالات بالتفصيل الى الأمن القومي التركي و عوامل القوة التي ترتكز عليها الدولة التركية. تم كذلك التركيز على مكامن ضعف هذه الدولة و تحديد العوامل المُسببة لضعف الدولة التركية من عوامل تأريخية و إقليمية و دولية و عوامل داخلية، كضعف الإقتصاد والتأخر في مجال البحث العلمي و العيش في الماضي، في أحلام الإمبراطورية العثمانية و التربية العنصرية المبرمجة للأتراك و أزمة الديمقراطية و حقوق الإنسان في تركيا و النزاع بين العلمانيين و الإسلاميين و الإضطهاد الذي تتعرض له الشعوب و القوميات غير التركية مثل الشركس و اليونانيين و الأرمن و الشعب الكوردي و كذلك العلويين و الشيعة و أصحاب الأديان الأخرى و الطوائف الإسلامية غير السُنّية. درستْ هذه السلسلة من المقالات أيضاً دور الكورد في تأسيس تركيا الكمالية و "المكافأة" التي تلقاها الشعب الكوردي لدوره الحاسم في تأسيس الجمهورية التركية الأتاتوركية و أسباب الثورات الكوردستانية ضد الحكومات التركية و الإنتفاضات و الثورات الكوردستانية في عام 1919 و 1920 و 1925 و ثورة آگري التي إندلعت في عام 1926. هذه الدراسة قامت أيضاً بتناول موضوع إعادة الوعي القومي الكوردي نتيجة ظهور حزب العمال الكوردستاني و نضاله المسلح، و الأخطاء الإستراتيجية التي وقع فيها هذا الحزب و بروز ظروف إيجابية للقضية الكوردستانية بسبب التطورات العالمية و الإقليمية و الداخلية و خوض الكوردستانيين الشماليين لنضال طويل و تقديمهم تضحيات جسيمة دون تحقيق أهداف شعب كوردستان. الحلقات الأخيرة هي حول حاجة الكوردستانيين الى إستراتيجيات تنظيمية و تثقيفية كبرى، كتوحيد اللغة الكوردية و تعليم الكورد لغتهم الأم و تعريف الشعب الكوردي و العالم بالتاريخ الكوردي العريق، حيث أن كوردستان هي مهد السلالات البشرية الأولى و كذلك مهد البشرية الثانية، حيث رست سفينة نوح على أعالي جبل جودي (گوتي) عند حدوث الطوفان الذي يُحدثنا التأريخ عنه. كما تُركز عدة مقالات من هذه السلسلة على تطوير الإقتصاد الكوردستاني و القيام بالإستثمارات و تأسيس صندوق مالي لتمويل كافة النشاطات و الفعاليات الجارية في كوردستان في مختلف المجالات و تطوير الحياة الإجتماعية و الثقافية للكوردستانيين القاطنين في كوردستان و في مدن الدول المحتلة  لكوردستان و للجاليات الكوردستانية في البلدان الغربية و تكوين و تنظيم لوبي كوردستاني فعال من الجاليات الكوردستانية. إحدى المقالات الأخيرة قيّمت الكفاح المسلح الكوردستاني و مدى جدواه و تتناول الحلقات الأخيرة ضرورة إيجاد مرجعية سياسية كوردستانية و إختيار برلمان كوردستاني و تأسيس مجلسٍ للأمن الوطني الكوردستاني و رفع شعار إستقلال كوردستان و ترسيخ الديمقراطية و تطبيق مبدأ المواطنة في كوردستان و تأسيس جيش كوردستاني موحّد و أخيراً إختيار وسائل سلمية حضارية للنضال الكوردستاني التي تتطلبه الظروف العالمية و الإقليمية المستجدة و التطور الحاصل في نمط النضال التحرري و بروز مفاهيم و أفكار و قيم متطورة للإنسان المعاصر.

تواجه تركيا الكثير من المشاكل التي تهدد وجودها ككيان سياسي في المنطقة. إنّ بعضاً من هذه المشاكل لها جذور تأريخية تعاني منها تركيا منذ أن نزح الأتراك من بادية الصين الى منطقة الشرق الأوسط، حيث إستوطنوا و إستقروا فيها و من ثم أقاموا الإمبراطورية العثمانية على أوطانٍ تعود لشعوب عاشوا فيها منذ فجر التأريخ. كما أن القسم الآخر من هذه المشاكل هي عبارة عن مشاكل تتعلق بأزمة الهوية و الإنتماء و إنتشار الفكر العنصري بين الأتراك و التأخر الإقتصادي و العلمي و العداء التركي مع جيرانها و شعوب دول المنطقة و قضية عدم الإعتراف بحقوق الشعوب و القوميات و الأديان و الطوائف العائشة ضمن الكيان التركي و تقييد حريات المواطنين الأتراك و عدم إحترام حقوق الإنسان و العيش في أحلام الإمبراطورية العثمانية و بروز بيئة ملائمة لنمو الفكر الإسلاموي وتعشعش المنظمات الإسلامية الإرهابية و إزدهارها في تركيا.

أزمة الهوية و الإنتماء
إن الأتراك يجدون أنفسهم غرباء في المنطقة و يعيشون على أراضٍ تأريخية تعود للكورد و الأرمن و اليونانيين و البلغاريين و يفتقدون الى جذور تأريخية و ثقافية و حضارية تربطهم بالأرض التي يعيشون عليها و تشدّهم الى الشعوب الساكنة في المنطقة. لهذا السبب و لأسباب ثقافية و دينية و مذهبية و سياسية و إقتصادية، فأنهم يجدون أنفسهم وحيدين محاطين من كل الجهات ب"الأعداء"، من قِبل الشعوب الكوردستانية و اليونانية و البلغارية و الأرمنية و العربية و الفارسية. هذه الأسباب تجعل الأتراك قلقين، يشعرون بشكل دائم بأن وجودهم مهدد في المنطقة ككيان سياسي و هذا ما يدفعهم الى التلويح بالقوة و تهديد الغير و الإستيلاء على أراضي الآخرين و العمل على تقييد الحريات و الحد من الممارسات الديمقراطية في البلاد كوسيلة لضمان الأمان و الإطمئنان النفسي على إستمرارية الوجود و مواصلة البقاء.

من جهة ثانية، تجد تركيا نفسها تفتقد الى الإنتماء، حيث أنها تائهة لا تعرف هل أنها دولة أوروبية أو تركية أو إسلامية أو شرق- أوسطية أو تنتمي الى الدول المطلة على البحر الأسود! هذه مشكلة حقيقية تؤرق الأتراك و تهدد الكيان التركي في المنطقة، لغربتهم عنها و لضياعهم بين إنتماءات عديدة، لا تتوفر فيهم شروط الإندماج في إحداها و كسب هوية محددة و إنتماء معيّن ينقذهم من الضياع و المستقبل المجهول.

العداء التأريخي و الحضاري و الديني و التباين الثقافي بين الأتراك و الأوروبيين بالإضافة الى العامل الإقتصادي، من العوامل المهمة التي تقف حجر عثرة أمام تركيا في طريقها الى الإتحاد الأوروبي، حيث أن الأتراك قد إحتلوا العديد من البلدان الأوروبية في عهد الدولة العثمانية. الإختلاف الديني بين (تركيا) المسلمة و أوروبا المسيحية عقبة كبيرة أخرى أمام حصول تركيا على عضوية الإتحاد الأوروبي، حيث أن الكمالية التي أصبحت شعاراً ونهجاً للحكم التركي، فشلت في خلق مجتمع علماني في تركيا. يقتصر الفكر الكمالي في الوقت الحاضر على مدينة أنقرة و بعض المدن الأخرى، بينما لا زال القرويون و الريفيون محتفظين بثقافتهم الإسلامية و خير دليل على ذلك هو تسلّم الإسلاميين الحكم في تركيا بأغلبية ساحقة من الأصوات في الإنتخابات البرلمانية التي تم إجراؤها في السنين الأخيرة.

بحكم الموقع الجغرافي لتركيا و كون غالبية شعبها مسلمون و الثقافة الإسلامية و الشرقية للشعب التركي، فأن تركيا تجد نفسها جزء من منطقة الشرق الأوسط و المجتمعات الإسلامية، حيث أنها عضوة في منظمة المؤتمر الإسلامي. عوامل عديدة تعرقل تكامل تركيا مع محيطها في المنطقة. من أسباب ضعف الوشائج التركية مع بلدان المنطقة هو إنقطاع التواصل التركي مع شعوب الشرق الأوسط منذ تأسيس تركيا الحديثة، حيث إتجهت نحو الغرب بإنتهاجها نظاماً علمانياً غربياً و محاولتها القضاء على الثقافة و العادات و التقاليد الإسلامية و العمل على تبنّي الثقافات الأوروبية و التي نتجت عنها ضعف العلاقات الثقافية و السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية بينها و بين دول المنطقة و المجتمعات الإسلامية. كما أن عضوية تركيا في الحلف الأطلسي، ربطتها سياسياً و عسكرياً بالعالم الغربي. العداء التأريخي بين الأتراك و شعوب المنطقة، و خاصة العرب و الكورد و الفرس هو عامل آخر يلعب دوره في التنافر بين الأتراك و هذه الشعوب، حيث تعرضت هذه الشعوب للإستعمار التركي خلال حكم العثمانيين و عانت هذه الشعوب من مظالم و بطش و تنكيل و تجويع و حروب لا نهاية لها على أيدي الأتراك.

العنصرية
يتم تلقين الطفل التركي، منذ صغره في المدارس بالأفكار العنصرية و يعلّموه ترديد عبارة (يكون سعيداً مَن يكون تركياً!!). هذا الفكرالعنصري الذي يتشبع به الإنسان التركي، يجعله لا يعترف بحق الآخر غير التركي في الوجود. من نتائج هذه الآفة الشوفينية هي إنكار الأتراك لحقوق الشعوب والقوميات الأخرى في تقرير مصيرها، بل ينكرون وجودها و يعتبرون هذه الشعوب و القوميات ما هي الا أتراكاً، كما هو الحال مع الكورد في الشمال الكوردستاني الذين يطلقون عليهم إسم "أتراك الجبال". هذه العقلية العنصرية أكسبت الشخصية التركية العنف و العدوان و رفع شعار إخضاع الشعوب و القوميات الأخرى بكل الوسائل و منها إستخدام العنف و القوة.

العلمانيون و الإسلاميون
إن الإسلام السياسي لا يؤمن بالديمقراطية و تداول السلطة لأنه يحمل فكراً شمولياً، و دخوله معترك السياسة و التظاهر بقبول النظام الديمقراطي ما هو إلا وسيلة للإنقضاض على الحكم و من ثم فرض أفكاره البدائية على الشعوب التي يحكمها. بعد تسلّم حزب العدالة و التنمية الإسلامي الحكم و إستمراره في السلطة لسنين عديدة، بدأ الحزب يحاول تطبيق القوانين الإسلامية في تركيا، مثل إرتداء النساء للحجاب و تشجيع الناس على الإمتناع عن تناول المشروبات الكحولية و غيرها، حيث أن الفكر الإسلامي السياسي يستغل المبادئ الديمقراطية لإستلام الحكم و ينتهز الفرص المناسبة لفرض نفسه على المجتمع. الصراع بين الإسلاميين و العلمانيين، سيؤثر سلباً على الحياة السياسية و الإقتصادية و يُؤدي الى حالة من الفوضى و عدم الإستقرار و بالتالي يقود الى إضطراب الحياة السياسية و التأخر في التنمية الإقتصادية و الإجتماعية و يُضعف مقومات الأمن القومي التركي.

الديمقراطية و حقوق الإنسان
إن إنتشار المبادئ الديمقراطية و مبادئ حقوق الإنسان و حرية التعبير و الفكر و الصحافة، يُشكّل تهديداً جدّياً لإستمرار الكيان السياسي التركي، حيث أن نمو وعي الشعب الكوردي و القوميات الأخرى و كذلك الطوائف الدينية غير المسلمة مثل العلويين و الإيزيديين و غيرهم، و الطوائف الإسلامية غير السُنّية، مثل الشيعة الذين تبلغ نفوسهم في تركيا أكثر من ثلاث ملايين نسمة، و عيش هؤلاء في ظل حكم ديمقراطي حر، سيقود الى المطالبة بالتمتع بحريتهم و حقوقهم و بالتالي إستقلال شمال كوردستان و فقدان الأتراك السُنّة لمقاليد الحكم، الذي يتربعون عليه منذ الحكم العثماني الى الآن.

من جهة أخرى فأن القيادات السياسية التركية عاجزة عن الوقوف بوجه إنتشار المبادئ الديمقراطية و مبادئ حقوق الإنسان و حقوق الشعوب و القوميات و الأقليات الإثنية و الدينية و المذهبية في عصرنا الحاضر، عصر العولمة.

التغييرات العالمية و الإنجازات العلمية جعلت من كوكبنا مجرد قرية صغيرة يتواصل و يتفاعل سكانها مع البعض. هذا الواقع المستجد يعطي زخماً كبيراً لمنظمات المجتمع المدني و المنظمات الإنسانية و الدينية المدافعة عن حقوق الشعوب و كرامة الإنسان و عملَ و يعمل على تقوية نفوذ و دور الرأي العام العالمي و المحلي في التأثير على القرارت العالمية المتعلقة بحقوق الشعوب و القوميات و الطوائف الدينية و المذهبية و الأفراد، و تحسين الظروف السيئة اتي تعيش فيها. كما أنّ هذه التطورات العالمية منحت دوراً محورياً للإعلام و الصحافة للتأثير على الأحداث و كشف الواقع السئ الذي تعيش في ظله الشعوب و القوميات و الأقليات المضطهدة و واجب الدفاع عن حقوقها. هذه الثورة الإنسانية  تعمل أيضاً على تسهيل إيصال صوت الشعوب و الأفراد المضطهدة و المستعبدة الى العالم لإنصافها و تحريرها من الإستعباد و إنقاذها من الظلم و الإضطهار و القهر.

العولمة و ثورة المعلومات و الإتصالات أزالت الحدود الدولية و جعلت شعوب الأرض في تواصل مستمر و دائم مع بعضها. هذه الثورة أثرت و تؤثر بشكل سلبي على الكيان السياسي التركي بطريقتين؛ الأولى: أنها تفضح الجرائم التي ترتكبها الحكومة التركية بحق شعب كوردستان و العلويين و الأقليات الدينية و القومية في تركيا و تكشف الإضطهاد و خرق حقوق الإنسان الذي يتعرضون لهما. الطريقة الثانية هي من خلال توعية الشعوب و الأفراد التي تقوم بها هذه الثورة المعلوماتية و الإتصالاتية من إنترنت و فضائيات و موبايل و التجمعات الإقتصادية و السياسية و حرية و سرعة إنتقال الرأسمال و الأفراد و زيادة التواصل و التلاقح بين الأفراد و الشعوب و الجمعيات و الثقافات و تشابك المصالح و تلاقيها. هذه الثورة الإنسانية الكبرى لا تدع النظام التركي أن ينفرد بالشعب الكوردي في الشمال و العلويين و غيرهم، و أن يخنق صوتهم بعيداً عن أنظار العالم. من جهة أخرى فأن العولمة تُزيد من الوعي القومي لهؤلاء المضطهدين و الذي يدفعهم الى زيادة وتيرة نضالهم لتحقيق أهدافهم في الحرية و التمتع بحقوقهم. كما أنّ العولمة و ثورة الإتصالات و المعلومات ستؤثر بشكل إيجابي على الإنسان التركي و تُغيّر عقليته العنصرية و غطرسته.

التخلف الإقتصادي و العلمي
بسبب العداء التركي المتزايد للرأسمال الأجنبي في تركيا و بسبب المشكلة السورية و إندلاع الإحتجاجات الأخيرة المناهضة للحكومة التركية التي حصلت في مدن تركية عديدة، و خاصةً في إسطنبول، فأن الكثير من المستثمرين قد تركوا تركيا و أنهم لا يودون المخاطرة بإستثمار رؤوس أموالهم في تركيا بسبب الظروف غير المستقرة فيها.

للأسباب الآنفة الذكر، لقد فقد مؤشر بورصة إسطنبول ثلث قيمته و إنخفضت قيمة الليرة التركية إلى مستويات قياسية، حيث فقدت 20 ٪ من قيمتها مقابل الدولار و إرتفعت عائدات السندات إلى 10% و فشل البنك المركزي التركي في وقف هذا الإنخفاض الناتج عن إخراج المليارات من الدولارات من البلاد، بالرغم من صرفه أكثر من 15% من الإحتياطي الصافي له. الإنكماش الحاصل في نمو الإقتصاد التركي، يفنّد إدعاء الحكومة التركية بأن الإقتصاد التركي قد تفادى الكساد الإقتصادي. يذكر السيد (ميرت يلدز)، كبير الإقتصاديين في بنك (برقان) تركيا بأن الإقتصاد التركي يواجه أزمة كبيرة و سينمو بشكل بطئ يُشبه الركود الإقتصادي لسنين عديدة. في عام 2011 إزداد العجز في الحساب الجاري في البلاد الى مستوى قياسي الذي كان مقداره 78,4 مليار دولار أي 10% من إجمالي الناتج القومي التركي و إنخفض النمو الإقتصادي من 8,8% الى 2,2%. يتوقع البنك الدولي أن يصل التضخم في تركيا إلى 6.1 في المائة في عام 2013. كانت الأزمة الإقتصادية العالمية تؤثر بشكلٍ سلبي أكثر على الإقتصاد التركي، إلا أن التطورات السياسية التي حصلت في العراق و بلدان شمال أفريقيا ساعدت الإقتصاد التركي على الصمود، حيث أن هذه البلدان أصبحت سوقاً رائجة للمنتوجات و الشركات التركية، لا سيما في جنوب كوردستان و العراق، حيث عقدت الحكومة التركية إتفاقيات مجحفة مع حكومة جنوب كوردستان، من خلال الضغط السياسي و العسكري، و تقوم بشراء البترول و الغاز الكوردستاني بأسعار رخيصة جداً قياساً لأسعار النفط و الغاز في الأسواق العالمية.

إن تقدم البحث العلمي في أي بلد هو من أهم الشروط المحددة لتقدم ذلك البلد و تطوره و أنه من أهم مستلزمات و متطلبات تطور البلدان و رفاهية شعوبها، غير أنّ (تركيا) لا تزال تفتقد الى الإيفاء بهذا الشرط الأساس لتستطيع مواكبة الدول المتقدمة، حيث أن تركيا هي من الدول المتخلفة في هذا المجال و تفصلها عن الدول الصناعية المتطورة مسافات طويلة. على سبيل المثال، هناك 70 عالماً لكل عشرة آلاف شخص في الدول الغربية، بينما يقابله سبعة علماء فقط في تركيا. في الدول المتقدمة، يتم تخصيص نسبة تتراوح بين 1 و 3% من الدخل القومي للأبحاث، بينما تبلغ هذه النسبة في (تركيا) 2 في الألف (0.002). يُشكل البحث العلمي في مجال القطاع الصناعي في الدول الغربية 70% من البحوث، بينما لا تتجاوز هذه النسبة 10% في تركيا.

الإصطفاف الطائفي في المنطقة
إنقسمت سكان دول منطقة الشرق الأوسط الكبير الى فريقَين طائفييَن عدوَين، الفريق السُنّي بقيادة كل من السعودية و تركيا و الفريق الشيعي بقيادة إيران. بالرغم من الإتفاق المؤقت الذي تم إبرامه بين إيران و الدول الغربية حول الحد من البرنامج النووي الإيراني، فأنه من المتوقع أن تفشل هذه الإتفاقية لأسباب عديدة، و من أهمها معارضة إسرائيل لها لتخوفها من إستغلال إيران لهذه الإتفاقية و التمكن من أن تصبح دولة نووية، كما أن السعودية، بأموالها الضخمة تحاول بكل قوة إفشال الإتفاقية المذكورة و بلغ بها الذعر و الهلع لدرجةٍ تفكر بشراء سلاح نووي من باكستان. كما أن الطموحات الإيرانية في صنع أسلحة نووية و خلق توازن في القوة مع إسرائيل، لا يمكن أن تتوقف، بل سيستمر الإيرانيون بشكل سري في تطوير برنامجهم النووي لأغراض عسكرية. هذا التخندق الطائفي و إمكانية إندلاع حروب مذهبية مدمرة في المنطقة، سيؤثر على تركيا و على مستقبل وجودها ككيان سياسي، بالإضافة الى إضطرارها تخصيص مبالغ طائلة لتطوير قوتها العسكرية و التي بدورها تؤثر سلباً على إقتصادها المتدهور. 

تركيا و المصالح الغربية و الإسرائيلية   
بدأت تظهر معالِم تعارض المصالح التركية مع المصالح الغربية في المنطقة، و خاصة الأمريكية و مع مصالح إسرائيل في مسائل عديدة. بالنسبة للمشكلة السورية، تريد تركيا إزالة الحكم العلوي في سوريا و إستلام الحكم فيها من قِبل جماعة إخوان المسلمين الرديفة لحزب العدالة و التنمية التركي. لهذا الغرض بدأت حكومة أردوغان بمساعدة التنظيمات الإسلاموية الإرهابية في سوريا لإيجاد نفوذ لها في توجيه مسارات التغيير في سوريا و في محاولة منها لمنع السكان الكوردستانيين من التمتع بحقوقهم في الحرية و الإستقلال في غرب كوردستان، بينما الدول الغربية و إسرائيل لا تريد مجئ حكم إسلامي متشدد في سوريا و إنتشار الفوضى في بلد يجاور إسرائيل. الخلاف التركي – الغربي في مسألة إزاحة الرئيس المصري السابق مرسي عن الحكم من قِبل الجيش المصري و كذلك في مسألة الإتفاق المؤقت بين الدول الغربية و إيران حول البرنامج النووي الإيراني، بالإضافة الى علاقات تركيا مع كل من جنوب كوردستان و الحكومة العراقية. من المتوقع أن تتعمق هذه التقاطعات في المصالح مع تطور الأحداث في المنطقة.

نمو الإحتجاجات الشعبية
توجّهْ حزب العدالة و التنمية الحاكم في تركيا نحو تطبيق الشريعة الإسلامية بالتدريج و تدهور الإقتصاد التركي، حيث البطالة، و خاصة في صفوف الشباب و فشل السياسة الخارجية التركية فيما تخص العلاقات التركية مع دول الجوار و دول المنطقة و تخلف عقلية الحكام الأتراك عن مواكبة التطورات العالمية و الإقليمية، قد تؤدي الى إندلاع إحتجاجات و تظاهرات شعبية كبيرة تُطيح بحكومة أوردغان و تنتشر الفوضى و تندلع حرب أهلية بين الأتراك و الكورد و بين العلويين و الأتراك السُنّة و التي قد تقود الى إنهيار الكيان السياسي التركي و إستقلال شمال كوردستان و ظهور دولة علوية و دولة سُنية تركية. في هذه الحالة قد تتدخل كل من بلغاريا و أرمينيا و اليونان لإستعادة أراضيها التي تحتلها تركيا.

تعاظم الدور الكوردستاني في المنطقة
إن الكوردستانيين بعد أن كان يتم إستغلالهم من قِبل محتلي كوردستان في ظل الحرب الباردة، برزوا كقوة مؤثرة في المنطقة بعد إنتهاء الحرب الباردة و ظهور إقليم جنوب كوردستان و أخيراً تأسيس الإدارة الذاتية في غرب كوردستان. إن تطور القضية الكوردستانية و تعاظم دورها سيؤديان بكل تأكيد الى إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط بشكل منصف، تحترم إرادة شعوب المنطقة و تتجاوب مع تطلعات شعوب المنطقة في الحرية و الإستقلال. في هذه الحالة، فأن شمال كوردستان سيستقل و بذلك يؤثر في الصميم على تركيا ككيان سياسي في المنطقة، حيث تُقدّر نفوس سكان إقليم شمال كوردستان بحوالي 25 مليون نسمة أي بنسبة 36% من المجموع الكلي لسكان تركيا البالغة حوالي 70 مليون نسمة و هذا العدد الكبير لكوردستانيي الشمال سيُغيّر المعادلات و التوازنات في القوة في المنطقة. في هذه الحالة أيضاً قد تتدخل دول جوار تركيا لتحرير أراضيها من الإحتلال التركي. 

علاقات تركيا مع دول الجوار
بالنسبة الى الشعوب المسيحية الجارة لتركيا مثل الشعب اليوناني و البلغاري و الأرمني، فأنّ العداء التأريخي و الحضاري و الديني و التباين الثقافي بين الأتراك و هذه الشعوب من العوامل المهمة التي أدت إلى إستفحال حالة العداء المزمن بين الشعوب المذكورة و الأتراك. إنّ الأتراك قد إحتلوا العديد من البلدان الأوروبية في عهد الدولة العثمانية، و وصلت القوات التركية الى أسوار مدينة فيينا. كما قام العثمانيون بقتل الكثير من الأوربيين و إختطفوا عشرات الآلاف من الأطفال الأوروبيين و قاموا بعزلهم و تربيتهم و ترسيخ الأفكار الإسلامية في عقولهم و من ثم تشكيل الجيش الإنكشاري منهم و إستعمالهم وقوداً لحروب العثمانيين لإحتلال الدول الأخرى و إستعباد شعوبها. كما أن التأريخ يُحدثنا عن الإبادة المروعة التي تعرض لها الأرمن من قِبل العثمانيين، حيث تمت إبادة أكثر من مليون أرمني.

العثمانيون إحتلوا العراق و سوريا و السعودية و غيرها و تم إستعباد شعوب هذه الدول، بالإضافة الى الخلاف الطائفي للأتراك مع شيعة هذه الدول. أما العلاقة السيئة لتركيا مع إيران، فأنها ناتجة عن أسباب تأريخية و مذهبية، حيث خاضت الدولتان العثمانية و الصفوية حروباً كثيرة ضد بعضهما البعض. كما يعود الخلاف بين هاتين الدولتين الى المنافسة بينهما على النفوذ و المصالح الإقتصادية في المنطقة.

العلويون
تبلغ نفوس العلويين (الكورد و الأتراك) في تركيا حوالي 20 مليون نسمة أي نسبتهم هي حوالي 30% من المجموع الكلي لسكان تركيا. لو نقوم بتحديد نفوس العلويين الأتراك فقط إستناداً الى نسبة نفوس الكورد في تركيا، فأن نفوسهم تبلغ حوالي 13 مليون علوي تركي. يُعاني العلويون من التفرقة المذهبية و الإضطهاد في تركيا و لا يتمتعون بحقوقهم الدينية و المدنية. لذلك فأن العلويين الأتراك المضطهدين هم حلفاء طبيعيين للكوردستانيين و يمكنهم التحالف مع البعض للنضال معاً في تحقيق أهدافهم.

كما أن هناك أقليات دينية و مذهبية و قومية في تركيا. أعداد الشيعة في تركيا تصل الى حوالي ثلاثة ملايين نسمة. إستناداً الى هذه الأرقام و مع أخذ نفوس القوميات الأخرى غير المذكورة هنا بنظر الإعتبار المقدرة بحوالي 3 ملايين نسمة، نتوصل الى أن نفوس الأتراك السُنة الذين يحكمون تركيا تبلغ حوالي 26 مليون نسمة أي حوالي 37% من المجموع الكلي لسكان تركيا و بذلك فأن نفوس الأتراك السُنة هي أقل بكثير من نفوس الكورد و العلويين معاً الذين يبلغ تعدادهم حوالي 38 مليون نسمة أي أكثر من 54% من المجموع الكلي للسكان. كما أنّ هناك دراسات تشير الى أن نفوس الكورد في إقليم شمال كوردستان و تركيا ستصبح أكثر من نفوس الأتراك بحلول عام 2020.

القوى الإسلامية الإرهابية
تُمثّل تركيا بيئة خصبة لنمو و ترعرع تنظيم القاعدة و الحركات الإسلامية المتطرفة الأخرى. إن شعبية حزب العدالة و التنمية الإسلامي خير دليل على قوة العامل الديني للمجتمع التركي و ضعف الفكر الليبرالي و العلماني فيه. لهذه الأسباب فأن تركيا هي مرشحة لتكون قاعدة كبيرة للمتطرفين الإسلاميين و أن يُشكلوا خطراً كبيراً على الأمن في تركيا و في المنطقة من خلال عمليات عسكرية و تفجيرات تقود الى زعزعة الكيان السياسي التركي.

العيش في أحلام الإمبراطورية العثمانية
إنّ الأنظمة التربوية التركية و المؤسسات الثقافية و الإعلامية فيها، خلقت أجيالاً تركية خيالية، تم تخديرها بأمجاد الأتراك و تأسيسهم للإمبراطورية العثمانية و حُكمهم لكثير من الشعوب و الدول في كل من قارة آسيا و أوروبا خلال تلك الحقبة الزمنية. هذه العملية التربوية خلقت عقليات تتوهم بأنّ الزمن قد توقف منذ الحكم العثماني و أنّ الأتراك لا يزالون قادرين على التحكّم بمصائر الشعوب و القوميات، كما كانوا يفعلونها خلال الحكم العثماني. هذه التربية رسخت في عقل المواطن التركي التفكير بعقلية زمن الإمبراطورية العثمانية. كما أن هذه التربية خلقت، بشكل عام، شخصية تركية متغطرسة، تؤمن بتفوقها على الشعوب الأخرى و بكونها أحسن و أرقى من هذه الشعوب. من نتائج هذه التربية أيضاً هي إعتقاد الأتراك بأنّ الشعوب و القوميات غير التركية هي أدنى مستواً منهم و ما على هؤلاء إلا أن يكونوا تابعين لهم، كما صرح بذلك بعض القادة الأتراك بكل صراحة. من جهة أخرى، فأنّ هذه التربية الإستعلائية تُسبب الإحباط و اليأس عند المواطن التركي، حينما يتأكد من أنّ الواقع يُفنّد ما غُرس في عقليته، حين يكتشف بأن تركيا هي بلد شرقي فقير و متأخر، تتحكم فيه الدول الكبرى و أنّ الكثير من الشعوب الأخرى لها مستواً معاشياً أعلى بكثير من ذلك الذي لدى الشعب التركي.

من خلال دراسة المخاطر التي تواجهها تركيا و التي تم تحديدها في هذا المقال، يمكن الإستنتاج بأن تركيا، ككيان سياسي، تتجه نحو التفكك و أن شمال كوردستان في طريقه نحو الإستقلال و أن القضية الكوردستانية و العلوية و زيادة وعي الشباب التركي ستكون عوامل حاسمة في التسبب في إنهيار الدولة التركية. كما لا يمكن الإستهانة بدور العوامل الأخرى المذكورة في هذا المقال في إضعاف الكيان التركي و بالتالي إنهياره.

mahdi_kakei@hotmail.com






31
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (6) – أسلاف الكورد: الخوريون – الميتانيون

1. أصل الخوريين وموطنهم
 
د. مهدي كاكه يي

كان أسلاف الكورد، الذين كان موطنهم الأصلي هو سلسلة جبال زاگُروس، يتكونون من قبائل وفروع عديدة. خلال المراحل التأريخية التي مرت على الشعب الزاگُروسي، تم حُكم كوردستان من قِبل قبائل عديدة من هذه القبائل الزاگُروسية التي كانت تحمل أسماءً مختلفة، مثل القبائل اللولية والگوتية والسوبارية والإيلامية والسومرية والخورية و الميدية و غيرها من القبائل التي هي أسلاف الكورد. لذلك فأن الممالك و الإمبراطوريات التي أقامها أسلاف الكورد كانت تحمل إسم القبائل التي قامت بتأسيسها، مثل إيلام وسومر وسوبارتو وميديا وغيرها. هكذا فأن الخوريين بدورهم هم من الأقوام الزاگروسية التي تنتمي الى الشعوب الهندو- آرية. إسم الخوريين مذكور في التوراة بصيغة (الحوريون)(2:36-3).

لم يجرِ تغيير إثني على سكان بلاد سوبارتو التي كانت تشمل كلاً من "أراپخا وناوار وپاراخشي" وغيرها من المقاطعات، بل أن أسماءهم قد تغيّرت، لذلك حل إسم "الخوريون" محل إسم "السوباريين" بعد عصر حمورابي (الدكتور جمال رشيد أحمد: دراسات كردية في بلاد سوبارتو، بغداد، 1984، صفحة 26؛ مصدر رقم 1). يقول "هيرزفيلد" بأنه يظهر من نصوص "بوغاز كوي" التي ترجع تأريخها الى ما قبل عام 1600 قبل الميلاد، بأن الحثيين كانوا يُسمّون اللغة الأكدية ب"بابيبيلي" وهو الزمن الذي يسبق ظهور مدينة بابل وسمّوا لغة بلاد سوبارتو ب"خوريلي" (مصدر رقم 1). هذا يعني بأن الخوريين ينتمون الى السوباريين. السوباريون بدورهم هم من الأقوام الجبلية الزاگروسية الهندو - آرية كما هو الحال بالنسبة للگوتيين و الكيشيين وغيرهم من أسلاف الشعب الكوردي.

يذكر (گلب) بأن الخوريين برزوا في التأريخ منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد و أقرب لغة لهم هي اللغة الأورارتية، بل على الأرجح أن اللغة الأورارتية تنحدر من اللغة الخورية (مصدر رقم 2). يستطرد (گلب) في سرده فيقول بأنه في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد، إنتشر الخوريون في منطقة الشرق الأدنى و تغلغلوا في شمال بلاد ما بين النهرين وكانت من مراكزهم المهمة "نوزي" (مدينة كركوك الحالية) و أقاموا مملكة "ميتاني" في شمالي بلاد ما بين النهرَين وكانت لغتهم من اللغات الهندوأوروبية وأن الخوريين وصلوا أيضاً الى غرب كوردستان الحالي.

كما يقول الدكتور جمال رشيد أحمد بأن الخوريين ظهروا منذ الألف الثالث قبل الميلاد وجاء في السجلات المسمارية في الألف الثاني قبل الميلاد بأن الخوريين كانوا سكان المناطق الواقعة على نهر الزاب الصغير وسهول بيتوانه وكركوك والموصل ووان والجزيرة ووديان نهر الخابور وصولاً الى مدينة حلب الحالية وأطرافها (الدكتور جمال رشيد أحمد: ظهور الكورد في التاريخ، دار آراس للطباعة والنشر، أربيل، كوردستان العراق، الطبعة الأولى، 2003، صفحة 601).

إن الدولة الميتانية إمتدت من بحيرة وان الى أواسط نهر الفرات الأعلى ومن جبال زاگروس حتى الساحل السوري و كانت غالبية سكانها من الخوريين (طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، 1973، صفحة 489؛ جورج رو: العراق القديم، ترجمة وتعليق حسين علوان حسين، بغداد، وزارة الثقافة والإعلام، الطبعة الثانية، 1986، صفحة 129؛ عامر سليمان: العراق في التاريخ القديم، الموصل، دارالحكمة للطباعة والنشر، 1992، صفحة 131).

يذكر العالِم (هورست كلينكل) بأن الخوريين بدأوا بالظهور في غرب كوردستان الحالي منذ مطلع الألف الثالث قبل الميلاد وحكموا عدداً من المناطق هناك (هورست كلينكل: حمورابي البابلي و عصره، ترجمة محمد وحيد خياطة، دار المنارة للنشر والتوزيع والترجمة، الطبعة الأولى، 2003).

عاش الخوريون في منطقة تمتد من جبال زاگروس الى منابع نهر الفرات أي في جنوب و غرب كوردستان الحاليين (اسكندر داود: الجزيرة السورية بين الماضي والحاضر. مطبعة الترقي، ‏1959،صفحة 119). من جهة أخرى، يقول الدكتور نعيم فرح بأنه منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، عاش الخوريون في جنوب وغرب كوردستان الحالييَن و في القرن الخامس عشر والرابع عشر قبل الميلاد، كانت حدود هذه المملكة تمتد من جبال زاگروس الى البحر الأبيض المتوسط ومن بحيرة وان الى آشور وأن الخوريين – الميتانيين كانوا في أوج قوتهم في القرن السادس عشر قبل الميلاد (الدكتور نعيم فرح: معالم حضارات العالم القديم. دارالفكر، 1973، صفحة 198). كما يذكر(Robert Antonio) بأن المنطقة الممتدة من شرق دجلة الى سلسلة جبال زاگروس، كانت موطناً للخوريين (مصدر رقم 3).

يشير الدكتور احمد محمود الخليل الى أن (وليام لانجر) يذكر بأنه في حوالي عام 1690 قبل الميلاد بدأ الخوريون يهاجرون من موطنهم و ينتشرون في مناطق تمتد من وان شمالاً الى مناطق شَوشاره ونوزي الواقعة قرب مدينة كركوك جنوباً والى شمالي الموصل غرباً (الدكتور احمد محمود الخليل: تاريخ مملكة ميتّاني الحورية، 2013، صفحة 12؛ وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم. أشرف على الترجمة د. محمد مصطفى زيادة، الطبعة الأولى، القاهرة، 1963، صفحة 62)، بينما يذكر المؤرخ البروفيسور كمال مظهر أحمد بأن مدينة "نوزي" هي نفسها مدينة كركوك الحالية وأن الخوريين أطلقوا هذا الإسم على هذه المدينة (الدكتور كمال مظهر أحمد: كركوك وتوابعها - حكم التاريخ والضمير - دراسة وثائقية عن القضية الكردية في العراق، وزارة الثقافة، كوردستان، 2004، صفحة 7).

تتحدث المصادر السـومرية عن حملات ملوكهم إلى ممالك الخوريين، وتكشف عن أهمية المدينة الخورية (خمازي) آنذاك. كما تتحدث نقوش الملك الأكدي شرُّكين (سرگون الأول) (2340 - 2284 قبل الميلاد) عن حملاته المتكررة الى بلاد الخوريين، خاصةً إلى المدينة الخورية (سيمورّم). إبتداءً من عهد حُكم (نارام سين) (2259- 2223 قبل الميلاد)، بدأت المدونات الأكدية المسمارية تتحدث عن الخوريين في بلاد سوبارتو وعن حملاته ضد ملوكهم، وكان أبرزهم الملك (تخيش أتل) حاكم (أزوخينم) الواقعة في غربي دجلة ووصول قواته الى مناطق مختلفة في بلاد الخوريين. كما أن المصادر البابلية والآشورية في عهد الملك البابلي (حمورابي) والملك الآشوري (شمشي أدد) المكتشفة في مملكة ماري، تُظهِر بأن الدولة الخورية كانت تضم غرب وجنوب كوردستان الحاليين، وتمتد الى شرقي نهر دجلة و جبال زا گروس.

إستوطن الخوريون مدن مختلفة في كوردستان، مثل خوزي و أربيل و مناطق قريبة من مدينة أورمية الواقعة في شرقي كوردستان و مدينة (أوركيش) التي تبعد عن مدينة عامودا الواقعة في غرب كوردستان بحوالي 8 كيلومترات.

الملك الآشوري (إشمي) الذي إستلم الحكم بعد الملك (شمشي أدد) الذي حكم من عام 1814 الى عام 1782 قبل الميلاد، إستطاع الإستمرار في حكم بلاد آشور، إلا أنه لم يستطع بسط نفوذه على شمال بلاد الرافدَين، حيث ظهرت في هذه المنطقة عدة سُلالات حاكمة من الخوريين، مثل أتَل شني (جرنوت فلهلم: الحوريون تأريخهم وحضارتهم، ترجمة فاروق إسماعيل، دار جدل، حلب، الطبعة الأولى، عام 2000 م، صفحة 44). من الجدير بالذكر أن الخوريين (الميتانيين) حكموا بلاد آشور لفترة تصل الى حوالي 75 عاماً (حوالي 1450 - 1375 قبل الميلاد) (الدكتور جمال رشيد أحمد: ظهور الكورد في التاريخ، دار آراس للطباعة والنشر، أربيل، كوردستان العراق، الطبعة الأولى، 2003، صفحة251).

ظهر أول مملكة خورية في المنطقة السهلية الواقعة حول مدينة أوركيش (URKESH) خلال الألف الثالث قبل الميلاد في عهد الملك الأكدي نارام – سين (حوالي عام 2254 – 2218 قبل الميلاد). كانت مملكة أوركيش عبارة عن مقر ديني للخوريين ومركزاً للإله الخوري، كوماربي (Kumarbi) الذي هو سلف إله الطقس تشوپ (TESHUP) (مصدر رقم 4، 5).

في أواخر العصر البرونزي الأوسط (2000 – 1550 قبل الميلاد) وصل الخوريون الى فلسطين وإستقروا هناك، حيث توجهوا نحو الجنوب من خلال إجتياز منطقة البقاع ووادي الأردن (لاحظ الرابط الموجود في نهاية المقال). يذكر الدكتور جمال رشيد أحمد بأن أسماء الأعلام الخورية المسجلة في ألواح "تَغنَك" التي تقع قرب مدينة جنين الفلسطينية، التي تم إكتشافها في وادي يَزرائيل (مرج ابن عامر)، تُظهر أن سكان هذه المنطقة كانوا من الخوريين، حيث أن "گوستاڤ"، في دراسةٍ له، إكتشف أن غالبية أسماء الأعلام في المنطقة المذكورة كانت خورية و ليست كنعانية. يضيف الدكتور جمال رشيد أحمد بأن هناك مناطق أخرى في فلسطين، كانت أسماء الأعلام الخورية هي السائدة فيها خلال أواسط الألف الثاني قبل الميلاد (الدكتور جمال رشيد أحمد: ظهور الكورد في التاريخ. دار آراس للطباعة والنشر، أربيل، الطبعة الأولى، صفحة 608، 609).

يذكر (روبرت أنتونيو) بأن الخوريين كانوا يُشكلّون جزءً كبيراً من سكان الإمبراطورية الحثية التي كانت قائمة في الأناضول وكانت الحضارة الحثية متأثرة بالحضارة الخورية (مصدر رقم 3).

يشير الدكتور جمال رشيد احمد بأن "جيجر" يذكر أن إسم الخوريين مرتبط بإسم الإله "خوارHVAR " إله الشمس، حيث لا يزال إسم الشمس باللغة الكوردية هو "خۆر" (الدكتور جمال رشيد أحمد: دراسات كردية في بلاد سوبارتو، بغداد، 1984، صفحة 25، 26). إن هذه التسمية في بلاد سوبارتو و تعميقها بمفهوم ديني ومن ثم بمفهوم قومي على جميع السكان الذين آمنوا بإله الشمس والنور في بلاد سوبارتو من گوتيين ولوليين وكاسيين، له مغزى تأريخي عظيم، حيث أنها تعني بأن هذه المجموعة البشرية كانت تعبد إلهاً مشتركاً و تقوم بأداء طقوس دينية مشتركة. الديانات التي كانت سائدة في بلاد سوبارتو، كانت تدّعي بأولوية وعظمة إله الشمس من بين الآلهة الأخرى. يستطرد الدكتور جمال رشيد أحمد في حديثه بأنه لا يزال إسم إله الشمس باقياً في نفس المنطقة بشكل "خورماتو" (طوزخورماتو، تازه خورماتو)، كما هو الحال مع إسم "باگاداتو" التي تحولت الى "باگادات" أي عطاء الإله باگا.

المصادر الأجنبية
1. Herzfeld, E. (1968). The Persian Empire. Wiesbaden, page 158.

2. Gelb, Ignace J. (1944). Hurrians and Subarians. Studies in Ancient Oriental Civilization No. 22. Chicago, University of Chicago Press,.

3. Antonio, Robert (2007), The Rise of the Hurrians, International World History Project.

4. Paul Thieme (1960). The 'Aryan Gods' of the Mitanni Treaties, Journal of the American Oriental Society 80, 301-317.

5. Güterbock, Hans Gustav (1950): "Hittite Religion"; in Forgotten Religions: Including Some Living Primitive Religions (ed. Vergilius Ferm) (NY, Philosophical Library, pp. 88–89, 103–104.

http://earlyworldhistory.blogspot.se/2012/03/hurrians.html
mahdi_kakei@hotmail.com







32
(تركيا)  .....   الى أين؟  (35) – إستراتيجية النضال التحرري الكوردستاني

6. وسائل النضال الكوردستاني


د. مهدي كاكه يي

تميّز النضال الكوردستاني عبر مراحله المختلفة بإتباع النضال المسلح من خلال حرب العصابات في جبال كوردستان، حيث كان الكوردستانيون يلتجئون الى جبالهم المحصّنة في نضالهم من أجل التمتع بحقوقهم على أرضهم التأريخية، كوردستان. كانت الإستراتيجية المتبعة هي إستراتيجية دفاعية و كانت كوردستان الساحة الوحيدة لكافة الحروب التي خاضها الكوردستانيون ضد المحتلين. لهذا السبب تعرضت كوردستان و شعبها لأضرار بشرية و إجتماعية و إقتصادية و بيئية و صحية كبيرة جداً خلال النضال المسلح الذي جرى على أرض كوردستان. هكذا إستمر هذا النضال المسلح الكلاسيكي في القرن الماضي و القرن الحالي، حيث لم يعمل القادة الكوردستانيون على تطوير وسائل نضالهم لمواكبة التطورات الذاتية و الموضوعية للقضية الكوردستانية و التي كانت قد تقود الى تحقيق الهدف الكوردستاني في الحرية و الإستقلال. هكذا جُعِلتْ من كوردستان ساحةً للحروب و الدمار، حيث تحطمت البنية التحتية لها و تشرّد و تسمّم شعبها و تسممت أرضها و هواؤها و مياهها و مزارعها و غاباتها، بينما سكان الدول المحتلة لكوردستان كانوا يعيشون في أمان، بعيدين عن أهوال الحروب و المعارك و كانت مدنها و قراها و مزارعها و مصانعها بعيدةً عن الحروب و لم تتعرض للخراب و الدمار.

ظهور عالمٍ جديد بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي و إنتهاء الحرب الباردة و قيام ثورة كبرى في وسائل الإتصالات و تلقّي المعلومات، تجعل الوسائل السلمية الحضارية في النضال وسائل فعالة لتحقيق أهداف الشعوب في الحرية و الإستقلال، حيث تعيش البشرية اليوم في عصر العولمة و عصر تحرر الشعوب و تغيّرت على ضوئها أساليب النضال التحرري و حلّت الأساليب السلمية محل النضال المسلح و ها أن شعوب تونس و مصر وغيرهما أسقطتْ حكوماتها الدكتاتورية عن طريق التظاهرات و الإحتجاجات و العصيان المدني. هكذا فأن التطورات العالمية التي حصلت في الأعوام الأخيرة أوجدت وسائل جديدة للثورة و الدفاع عن النفس التي قد تكون أكثر فعّالية من الإلتجاء الى السلاح و في نفس الوقت فأن الوسائل السلمية هي أقل ضرراً بكثير من الثورات المسلحة.

تُقدّر نفوس كوردستان بحوالي خمسين مليون نسمة و تُقدّر مساحتها بحوالي نصف مليون كيلومتر مربع. لو يتم إستغلال جيد لهذا العدد السكاني الكبير من خلال توعيتهم و تنظيمهم، فأنهم، من خلال النضال السلمي سيتمكنون أن يفرضوا إرادتهم على محتلي كوردستان و على الدول الكبرى و سيكونون قادرين على التحرر من الإستعمار الإستيطاني و الإحتلال و إقامة دولة مستقلة و يصبحون قوةً بشرية و إقتصادية عملاقة في المنطقة، يلعبون دوراً محورياً فيها و يُغيّرون المعادلات و التوازنات الإقليمية القائمة و سياسة و إستراتيجيات القوى العالمية في المنطقة.

يجب وضع إستراتيجية صائبة لتوعية المجتمع الكوردستاني، و خاصةً الشباب، من خلال تعريفهم بالتأريخ العريق لأسلافهم و مساهماتهم الكبيرة في بناء صرح الحضارة الإنسانية و كذلك تعليمهم اللغة الكوردية و تثقيفهم من خلال تزويدهم بالعلوم و المعارف و المعلومات في مختلف المجالات لمساعدتهم في خلق شعبٍ مثقف، مؤهل لتحرير نفسه و بلاده. كما أن إيجاد لغةٍ كوردية موحدة هو من العناصر الأساسية في توحيد الكوردستانيين و جعلهم يتفاعلون مع البعض و يتجانسون في الفكر و الثقافة.

إن تنظيم الكوردستانيين يكون سهلاً عندما يكونون واعين و مشبعّين بالمبادئ الوطنية و يعيش في أعماقهم حُب الوطن و الشعور بالإنتماء لكوردستان و الإستعداد الكامل للدفاع عنها. يتم تنظيم الجماهير الكوردستانية من خلال التنظيمات السياسية و الطلابية و الشبابية و النسوية و المهنية و منظمات المجتمع المدني. إن تنظيم الجماهير الكوردستانية سيُحقق إستقلال كوردستان و حرية شعبها من خلال تنظيم المظاهرات و الإضرابات و إعلان العصيان المدني و الإضراب عن الطعام. على سبيل المثال، قيام عدة ملايين من الكوردستانيين بالإضراب عن الطعام سيهزّ الرأي العام العالمي و يضطر بسببه المجتمع الدولي و الدول الكبرى التدخل لإنقاذ حياة الملايين من الكوردستانيين المضربين عن الطعام و تضغط على الدول المحتلة لكوردستان للإعتراف بحق الشعب الكوردستاني في الحرية و الإستقلال. كما أن الجماهير الكوردستانية المليونية تستطيع إيقاف الحياة في كافة أرجاء كوردستان من خلال الإضراب العام عن العمل و التظاهرات و قطع طرق المواصلات.

كما أن هناك الملايين من الكوردستانيين الذين يعيشون في المدن الكبيرة للدول المحتلة لكوردستان، حيث يُقدّر عدد الكورد الذين يعيشون في إستانبول لوحدها بأكثر من سبعة ملايين نسمة و تعيش عدة ملايين من الكورد في كل من أنقره و إزمير و قونية و مناطق و مدن أخرى في "تركيا"، بالإضافة الى الملايين من الكورد الذين يعيشون في المدن الكبرى للدول المحتلة الأخرى، مثل مدن طهران و شيراز و بغداد و دمشق و حلب و غيرها. هذه الأعداد المليونية للكورد الذين يعيشون في مدن الدول المحتلة لكوردستان، يمكن أن يلعبوا دوراً حاسماً في شل الحياة في المدن الكبرى في كل من تركيا و إيران و العراق و سوريا من خلال إعلان العصيان المدني و الإضراب عن العمل و الإضراب عن الطعام و تنظيم التظاهرات المليونية و قطع خطوط المواصلات من خلال تكوين عوازل بشرية في الشوارع الرئيسية و الساحات العامة. بهذه الوسائل النضالية في عقر دار المحتلين سيفرض شعب كوردستان إرادته على المحتلين و يجبرهم على الإستسلام و الإعتراف بحق الكوردستانيين في الحرية و الإستقلال.

يعيش في الدول الغربية أكثر من مليون كوردي و هؤلاء يمكنهم أن يلعبوا دوراً كبيراً في النضال الكوردستاني و يكونوا سنداً قوياً لنضال الكوردستانيين في كوردستان و في الدول المحتلة، حيث أنهم يعيشون في دول ديمقراطية تسمح لهم بالقيام بمختلف الفعاليات من إضراب عن الطعام و تنظيم المظاهرات و إيصال الصوت الكوردستاني الى مسامع منظمة الأمم المتحدة و عواصم الدول الكبرى و إقامة الندوات و المهرجانات و الحفلات و المعارض للتعريف بالشعب الكوردستاني و بإحتلال بلده و حرمانه من حق الإستقلال و التمتع بحقه في تقرير مصيره بنفسه كالشعوب الحرة الأخرى في العالم و التعريف بتأريخه و تراثه و فنونه. هكذا فأن الجاليات الكوردستانية في الخارج تستطيع إيصال الصوت الكوردستاني الى الرأي العام العالمي و الأمم المتحدة و حكومات الدول الكبرى و منظمات المجتمع المدني و الشخصيات الدينية في البلدان التي يعيشون فيها و في نفس الوقت يكونون سفراء كوردستان في هذه الدول للتعريف بالشعب الكوردستاني و بحضارته و تراثه و الإستعباد الذي يعاني منه في ظل الإحتلال و إلغاء الهوية و اللغة و التأريخ و التراث.

أود أن أذكر هنا بأنه كان ينبغي على قيادات الأحزاب السياسية الكوردستانية تغيير إستراتيجيتها منذ إنتهاء الحرب الباردة في بداية العقد التاسع من القرن العشرين، أي قبل أكثر من عشرين عاماً و ترك الكفاح المسلح و التركيز على العمل السياسي و توعية و تنظيم الجماهير الكوردستانية و مساعدتها لتعلم اللغة الكوردية و تعريفها بالتأريخ العريق للأمة الكوردية و تأسيس منظمات المجتمع المدني و ترتيب البيت الكوردستاني في شمال كوردستان بشكل خاص و في كوردستان بشكل عام، و من ثم القيام بالنضال السلمي الذي نتحدث عنه لتحقيق نقلة نوعية في النضال الكوردستاني و بالتالي تحرير كوردستان و تحقيق إستقلالها.

تحدثتُ في الحلقة السابقة عن تأسيس الجيش الكوردستاني، حيث يمكن للثوار الكوردستانيين الذين إكتسبوا الخبرة خلال نضالهم المسلح، أن يعملوا كمُدرّبين عسكريين في الجيش الكوردستاني المُقترح لتعليم أفراد الجيش علوم حرب العصابات و النضال في المناطق الريفية في كوردستان بالإضافة الى كثير من الأمور المتعلقة بهذا النوع من الحرب.

هناك نقطة مهمة أخرى أود الحديث عنها هنا وهي تحديد الجهات و القوى و الدول التي يمكن للكوردستانيين أن يتلقوا التأييد و الدعم منها و الجهات و القوى و الدول التي تقف ضد حق شعب كوردستان في التحرر و الإستقلال. في البداية يجب القول بأنه في السياسة ليست هناك صداقات و عداوات، بل مواقف الدول و المنظمات السياسية تحددها مصالحها. على ضوء هذه الحقيقة، فأن الدول المحتلة لكوردستان و المنظمات السياسية العربية و التركية و الفارسية التي تحمل الفكر العنصري، هي القوى التي تقف بوجه تطلعات شعب كوردستان في حريته و إستقلال بلاده و لذلك يجب على القيادات السياسية الكوردستانية عدم الإعتماد على هذه الجهات في النضال الكوردستاني و بأي شكل من الأشكال و تجارب كثير من الثورات الكوردستانية التي حدثت في السابق تظهر أن إنهيارها كانت بسبب إعتمادها على "المساعدات" المقدمة من قِبل الدول المحتلة لكوردستان. من جهة أخرى، كما ذكرتُ آنفاً بأن السياسة و العلاقات بين الشعوب و الدول هي علاقات مصالح بحتة، فأن الدول الكبرى و الدول الغربية الديمقراطية تتحدد مواقفها من القضية الكوردستانية على ضوء تقاطع أو تلاقي مصالحها مع إستقلال كوردستان، إلا أنه في نفس الوقت فأن الرأي العام في هذه الدول و منظمات المجتمع المدني و الصحافة و الكنيسة تلعب دوراً كبيراً في تحديد سياسات حكومات هذه الدول. لذلك من الممكن الحصول على دعمٍ معنوي و مادي للقضية الكوردستانية من هذه الدول.

في الحقيقة أن مواقف الشعوب و الدول و المنظمات السياسية و حتى منظمات المجتمع المدني في هذه الدول، من إستقلال كوردستان، تعتمد بالدرجة الرئيسية على العامل الذاتي لشعب كوردستان، حيث عندما تكون للكوردستانيين مرجعية سياسية موحدة و دستور ديمقراطي و أحزاب سياسية عصرية و قوة إقتصادية و عسكرية لا يمكن الإستهانة بها، حينئذٍ يستطيع شعب كوردستان فرض إرادته على الآخرين و إثبات وجوده كشعب له الحق في التحرر و الإستقلال. إن العوامل الذاتية الكوردستانية تلعب الدور الرئيس في النضال الكوردستاني لتحقيق أهدافه، بينما العوامل الخارجية هي عوامل ثانوية، حيث أن وحدة الكوردستانيين و قوتهم قادرة على تغيير سياسة و إستراتيجيات الدول الكبرى و الدول المحتلة لكوردستان تجاه القضية الكوردستانية. 

mahdi_kakei@hotmail.com



33
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (5) – أسلاف الكورد: السوباريون

د. مهدي كاكه يي

يقرّ الكثير من المؤرخين بأن السوباريين هم من أسلاف الكورد، حيث يشيرعلماء التأريخ والأجناس البشرية الى أنه منذ أقدم الأزمنة التأريخية، كانت بلاد "سوبارتو" يسكنها شعب آسيوي يشتركون في العرق والدين واللغة والثقافة التي كانت تميّزهم عن الشعوب الأخرى. يذكر الدكتور جمال رشيد أحمد بأن أغلب المناطق الشمالية لوادي الرافدين عُرفت في المصطلحات البابلية بـ "سوبارتو"، وأن سكانها كانوا غير ساميين وغير هندو أوربيين وأن "سوبارتو" هي إسم جغرافي يعني "الشمال أو المنطقة المرتفعة" (الدكتور جمال رشيد أحمد: دراسات كردية في بلاد سوبارتو، بغداد، 1984، صفحة 3).

يذكر العلّامة محمد أمين زكي بأنه في عهد الأكاديين كان إسم "سوباري" عبارة عن تعبير جغرافي يدل على بلاد واسعة جداً تمتد من الشمال الغربي في بلاد إيلام الى جبال الأمانوس، ثم أصبح الإسم يُطلق على عشائر كبيرة في كردستان (محمد أمين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 67).

يذكر الدكتور جمال رشيد أحمد بأن مصطلح "سوبارتو" الجغرافي دخل التأريخ منذ الألف الثالث قبل الميلاد، على أنها بلاد تقع بين "پاراهشي" في شمالي إيلام وجبال أمانوس المتاخمة للبحر الأبيض المتوسط غرباً، وفي عهد الملك الأكادي نارام سين، كانت مناطق الگوتيين واللولويين جزءً من سوبارتو (الدكتور جمال رشيد أحمد: دراسات كردية في بلاد سوبارتو، بغداد، 1984، صفحة 3). في أواخر حكم الآشوريين إختفى إسم السوباريين وظهر بدلاً منه إسم شعب آخر يُعرف ب"نايري" ومن المرجح أن يكون النايريين قسماً مهماً من الشعب السوباري ولا تزال آثار الشعب النايري باقية في منطقة "نهري" (شمدينان الحالية) الواقعة في شمال كوردستان الحالي (محمد امين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التارخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 67). المستشرق الروسي " فلاديمير مينورسكي" يذكر أيضاً بأن النايريين هم أحفاد السوباريين وأن السوباريين بدورهم هم أحفاد الگوتيين (فلاديمير مينورسكي: الكرد وكردستان. موسوعة الإسلام، دائرة المعارف الإسلامية، القاهرة، 1929). كما أن المستشرق "تورودانجين" يذكر بأن منطقة "نايري" أو "هوبشكيا" هي وادي بوتان و تم تأسيس حكومة نايرية مستقلة في القسم الشرقي من بلاد النايريين (تورودانجين: رابطة الغزوة الثامنة من غزوات الملك سرجون، باريس، عام 1912). الأستاذ حازم هاجاني يذكر بأن أنور المائي يقول بأن أقدم عشيرة كردية بادينانية هي عشيرة الزيبار وأن هذه العشيرة تنحدر من السوباريين (حازم هاجاني: مجلة متين، عدد 67، صفحة 103). كما يذكر الباحث الأمريكي " گلب" بأن أصل السوباريين من الأقوام الجبلية غير السامية مثل الگوتيين و الكيشيين و أن الهوريين ينحدرون من السوباريين (مصدر رقم 1).

يذكر المستشرقون بأن الميتانيين هم فرع من السوباريين وأن السكان الذين كانوا يعيشون في شمال بلاد ما بين النهرين كانوا ينتمون أيضاً الى السوباريين (مصدر رقم 2، صفحة 128 – 135). كما يقول السير سدني سمث بان السكان السوباريين القاطنين في أعالي القسم الغربي لدجلة، كانوا معروفين بإسم "الهوريين (الخوريين)" الذين إستطاعوا ان يبسطوا سيطرتهم في القرن 18 قبل الميلاد على القسم الأكبر من ســورية الحالية حتى نهر الفرات وأن المصريين في تلك الفترة كانوا يُطلقون على ســـورية الحالية إسم بلاد "هورو" (مصدر رقم 3).

يذكر "هيرزفيلد" بأن سكان بلاد سوبارتو لم يجرِ عليهم تغيير إثني، بل جرى تغيير أسمائهم، حيث أن إسم "الهوريين" حلّ محل إسم أغلب سكان سوبارتو بعد عصر حمورابي. يضيف "هيرزفيلد" بأنه يظهر من نصوص "بوغاز كوي" التي ترجع تأريخها الى ما قبل عام 1600 قبل الميلاد، بأن الحثيين كانوا يُسمّون اللغة الأكدية ب"بابيبيلي" وهو الزمن الذي يسبق ظهور مدينة بابل وسمّوا لغة بلاد سوبارتو ب"خوريلي" (مصدر رقم 4).

يقول السير سدني سمث: إن ما حصلنا عليه من معلومات عن كوردستان حتى الآن تدلنا مما لاشك فيه أنه كانت في العهود القديمة منطقة تحدها من الشمال بحيرة وان وغربها وادي الخابور وشرقها كركوك وجنوبها بلاد بابل وكان يعيش في هذه المنطقة قوم يُسمّى "شوباري" (مصدر رقم 3).

يعتقد بعض المؤرخين بأن السوباريين والسومريين ينتمون الى أصل واحد وأنهم مرتبطون مع البعض بصلة القرابة أو على الأقل أنهما كانا يعيشان معاً في شمال بلاد ما بين النهرَين قبل إنتقال السومريين الى جنوب بلاد ما بين النَهرَين وإستقرارهم هناك (الدكتور نعيم فرح: معالم حضارات العالم القديم، دارالفكر، 1973، صفحة 198). يذكر الدكتور نعيم فرح في كتابه المذكور أيضاً بأن السوباريين والسومريين ينحدرون من الگوتيين (أسلاف الكورد) الذين كان موطنهم سلسلة جبال زاگروس. إن أسماء كثير من المدن السومرية هي ليست أسماء سومرية، بل سوبارية، أمثال مدن: أور، أريدو، أوروك، سِپار، لارْسا، لَگَش، وكذلك قد تكون المفردات المشتركة بين اللغتين السوبارية والسومرية هي مفردات سوبارية، مثل كلمة "باتيس – باتيز" التي تعني "الملِك" (الدكتور سامي سعيد الأحمد: السومريون وتراثهم الحضاري، منشورات الجمعية التاريخية العراقية، بغداد، 1975). هذا يدعم الرأي القائل بوجود صلة القرابة بين السوباريين والسومريين. كما أنه في بعض مدن شمال بلاد ما بين النهرَين مثل مدينة آشور ونينوى، تم إكتشاف آثار للحضارة السومرية التي تعود لعصر فجر السلالات ولا سيما الفترة الأخيرة منه (طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، عام 1973، صفحة 177). إكتشاف آثار سومرية في شمال بلاد ما بين النهرَين يؤكد على أن الموطن الأصلي للسومريين هو شمال بلاد ما بين النهرَين وأن السوباريين والسومريين عاشوا معاً هناك. هذا هو دليل مادي لا مكان للإجتهادات والتحليلات فيه .

يذكر الأستاذ اسكندر داود بأن السوباريين كانوا من أهم و أقدم شعوب المنطقة (اسكندر داود: الجزيرة السورية بين الماضي والحاضر. ‏مطبعة الترقي،‏1959 ، صفحة 119). يقول الدكتور نعيم فرح أيضاً بأن السوباريين (الشوباريين) هم أقدم الأقوام التي سكنت في شمال بلاد ما بين النهرين وسُميّت تلك المنطقة ب"بلاد شوبارتو او سوبار" (الدكتور نعيم فرح: معالم حضارات العالم القديم، دارالفكر، 1973، صفحة 198).

بدأت الحضارة السوبارية قبل الطوفان وكان من بين حُكام سوبارتو آنذاك، الملك "أينمن دور أنّا" الذي جاء بقوانين الحكمة والمعرفة للبشرية بعد إستلامها من السماء بإسم (سر آنو) التي شملت أسرار السماء ولوح الفأل والعرافة. كما أن المادة الحضارية لمملكة بابل و آشور مأخوذة من الحضارة السوبارية والسومرية.

ورد إسم "سوبارتو" في النصوص المسمارية المختلفة بصيغ عديدة: سوبارتو، سوبار، سوبير، زوبار، شوبارتو، شوبور...الخ. كانت بلاد سوبارتو تتألف من المناطق الجبلية العالية التي دوّنت من قِبل السومريين بإسم "سوبير". ظهر إسم "سوبارتو" في أقدم صيغة جغرافية سومرية بشكل "سوبير" في لوحة أثرية سومرية التي يرجع تأريخها الى زمن "لوكال – آني – موندو" حاكم مدينة "ادب" في الربع الأول من الألف الثالث قبل الميلاد، حيث تم تدوين الإسم الى جانب (إيلام وماراهشي وگوتيوم وآمورو وسوتيوم) (الدكتور جمال رشيد أحمد: دراسات كردية في بلاد سوبارتو، بغداد، 1984، صفحة 3؛ محمد امين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التارخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 67). يمضي الدكتور جمال رشيد أحمد في حديثه في نفس الصفحة المذكورة بأن التسمية الآشورية ل"سوبارتو" هي "شوبارو و شوبريا" وأنه ظهر مفهوم هذا الإسم بشكل (علياتم) في النصوص الأكدية و الآشورية وتغيّرَ المصطلح الى "كوهستان - قوهستان" في العصر المبكر للإسلام و تمت ترجمته الى "بلاد الجبل" و التي شملت مناطق واسعة من أذربيجان و كوردستان، و من جبال البزر جنوب بحر قزوين، متخللةّ جبال زاگروس وطوروس وممتداً الى البحر الأبيض المتوسط  و كذلك أرمينيا. كان للسوباريين إله متميز إسمه "علياتم" الذي إتخذ فيما بعد مدلول مقاطعة إدارية ضمن الإمبراطورية الآشورية، بينما إستعمل الحثيون مصطلح "كور أوگو") الذي يعني "البلاد العليا" و التي قصدوا بها المناطق الواقعة بين جبال طوروس و نهر هاليس (خالص).

كما أنه سُميّت بلاد سوبارتو بإسم "سوبارتيم" في نص يعود الى زمن الحاكم الأكادي "نارام سن" الذي حكم عام 2291- 2255 قبل الميلاد. إستمر إستعمال هذا الإسم في العصر الأكادي بمعناه الواسع وشمل جميع المناطق التي تقع شمال بلاد ما بين النهرين، التي كانت تتضمن مناطق اللولو والگوتيين. لقد وردت في النصوص القديمة بأن سوبارتو كانت تضم أيضاً غرب كوردستان الحالي المحاذي لميتان (حازم هاجاني: مجلة متين، عدد 67، صفحة 103).

تم تدوين إسم "سوبار" في النصوص المسمارية بإسم "سوبارتو" لأن اللاحقة "تو" كانت تُضاف من قِبل السومريين كنهاية لكلمات الجهات الجغرافية. لقد تم ذكر إسم "سوبارتو" في لوحات جغرافية قديمة جداً وجِدت في مكتبة الملك الآشوري "آشور بانيبال" والتي تعود الى العهد البابلي، حيث أنه تم تقسيم العالم  في هذه اللوحات الى أربعة أقسام: شومر وأكاد في الجنوب الشرقي، إيلام في الشمال الشرقي، عمورو أو بلاد العموريين في الجنوب الغربي، سوبارتو أو بلاد السوباريين في الشمال الغربي. (جورج رو: العراق القديم، ترجمة وتعليق حسين علوان حسين، بغداد، وزارة الثقافة والإعلام، الطبعة الثانية، عام 1986، صفحة 411؛ طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، عام 1973، صفحة 511؛ عامر سليمان: العراق في التاريخ القديم، الموصل، دارالحكمة للطباعة والنشر، عام 1992، صفحة 132-133).
 
يذكر المؤرخ "جرنوت فلهلم" بأن التسمية الجغرافية "سوبارتو" لم تكن تشير دائماً إلى مناطق محددة في شمال بلاد ما بين النهرَين، بل أنها في البداية كانت تدل على جزء من منطقة شمال شرقي دجلة، ثم إتسعت دلالتها لتشمل بلاد آشور وشمالي بلاد ما بين النهرَين، وأضحتْ أخيراً في النصوص البابلية الحديثة وصفاً أدبياً لبلاد آشور (جرنوت فلهلم: الحوريون تأريخهم وحضارتهم، ترجمة فاروق إسماعيل، دار جدل، حلب، الطبعة الأولى، عام 2000 م، صفحة 29). كما يذكر العلامة محمد أمين زكي بأن بلاد سوبارتو كانت تمتد من شمال غربي بلاد إيلام حتى جبال آمانوس التي تقع غربي نهر الفرات بين لواء أسكندرونة وولاية أظنه (محمد امين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التارخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، عام 1961، صفحة 67).

في سرد أسماء البلدان التي غزاها سرجون الأكادي الكبير، يشير نص مسماري الى حدود تلك البلدان. فيما يخص حدود بلاد سوبارتو، جاء في النص المسماري المذكور بأن بلاد سوبارتو كانت تمتد من "إيلام" الواقعة في شرق كوردستان الحالي الى جبال الأرز (جبال الأمانوس). كما يذكر بعض النصوص الأكادية بأن سوبارتو كانت تضم شرق كوردستان الحالي والجزيرة الوسطى والعليا وسوريا الحالية، ممتدةً الى حدود إسرائيل الحالية، وكانت بلاد سوبارتو تضم أيضاً قسماً من أرمينيا وبلاد الأناضول.

خلال الحكم السوباري، كانت القرى تخضع لسلطة المدينة المجاورة لها والتي كان يرأسها حاكم يُسمّى "باتيس –  باتيز" الذي يعني الملِك باللغة السوبارية والسومرية وعندما كانت سلطة مدينةٍ ما تزداد قوةً، كانت هذه المدينة تقوم بإخضاع بعض المدن الأخرى لسلطتها و حينذاك كان حاكم تلك المدينة يُلقّب ب"لوكال" (الدكتور نعيم فرح: معالم حضارات العالم القديم، دارالفكر، 1973، صفحة 198).

السوباريون كانوا شعباً مسالماً، لذلك كانت الحضارة السوبارية مبنية على السلم و السلام ولم يقم السوباريون بإستعباد الشعوب الأخرى أو إحتلال أوطان هذه الشعوب، بل أنهم نقلوا حضارتهم الى شعوب المنطقة.
 
يذكر علماء الآثار الألمان "فون أوبنهايم" و "هيوبرت شميدت" و "ناومان" بأن مملكة سوبارتو كانت مهداً لمدنية ذات طابع خاص، حيث أقام السوباريون حضارة مزدهرة وأن الآثار التي إكتشفوها في "تل حلف" وفي "جبلة البيضا" تشير الى إزدهار الزراعة و التجارة و بناء المدن في بلاد سوبارتو (مصدر رقم 5، 6). كان للسوباريين علاقات تجارية مع كل من أرمينيا و أسيا الصغرى، حيث تم العثور على لوحات أثرية تحوي مراسلات تجارية مشابهة لتلك الموجودة في الوقت الحاضر. كان للسوباريين تجّار و عملاء مقيمون في مملكة آشور و غيرها من الممالك لمساعدة مملكة سوبارتو في إزدهار تجارتها مع ممالك المنطقة. من بين السلع التي كان السوباريون يقومون بتصديرها الى جنوب بلاد ما بين النهرين، هي النحاس والقصدير والأقمشة والملابس و الجلود و الزيوت. كان يتم نقل صادرات بلاد سوبارتو عن الطريق المائي عبر نهرَي دجلة والفرات و كذلك عبر نهر الخابور، حيث عثر "فون أوبنهايم" و زميلاه على مرفأ نهر يعود للسوباريين (مصدر رقم 5، 6). 

كانت اللغة السوبارية هي أقدم اللغات وكذلك كتابتها المسمارية، حيث أن الحضارة السوبارية كانت تنافس الحضارة السومرية حتى في ظهور الكتابة بل وفي تدشين العصور التأريخية، فهناك الكثير من المفردات السومرية المأخوذة من اللغة السوبارية (الدكتور سامي سعيد الأحمد: السومريون وتراثهم الحضاري، منشورات الجمعية التاريخية العراقية، بغداد، 1975).

هناك تشابه في لغات أسلاف الكورد الگوتيين و الكاسيين و الكردوخيين و اللولويين و السومريين و السوباريين و الهوريين وغيرهم من الأقوام الزاگروسية. يذكر السير "سدني سمث" بأنه ليست هناك أية علاقة بين لغة هؤلاء الأقوام ولغات الأقوام السامية. هذا يعني بأن اللغة السوبارية تنتمي الى اللغات الهندوأوروبية.

كان تقديس الطبيعة وعبادة قواها سائدة في معتقدات السوباريين، حيث أن الصليب المتساوي الأضلاع الهوري – الميتاني كان رمزاً للإله "ميثرا". لا يزال يتم رسم هذا الصليب على أجساد الأطفال المرضى  ويتم وضعه في رقاب الأطفال والحيوانات الأليفة، كما يتم رسمه على الأدوات المنزلية. لذلك كانت عبادة الشمس من العبادات السائدة عند شعوب الشرق الأوسط ومصر (الدكتور جمال رشيد أحمد: دراسات كردية في بلاد سوبارتو، بغداد، 1984، صفحة 27). لا يزال تقديس الشمس باقٍ في بعض الأديان الحاضرة مثل الديانة الإيزيدية و الكاكەییة. كانت الشمس هي الإله الأول للسوباريين ومن ثم تأتي الكواكب الأخرى وخاصةً كوكب الزهرة والقمر، بعد الشمس في القدسية و العبادة. كما أنه من المفيد القول بأن السوباريين كانوا يحترمون الأديان الأخرى، الى جانب إحتفاظهم بمعتقداتهم الدينية و كانوا يمنعون التطرف والعنف. كان السوباريون و الأقوام الزاگروسية القديمة الأخرى يجعلون مقابر موتاهم بإتجاه شروق الشمس نتيجة تقديسهم لإله الشمس وكانوا يدفنون حاجيات الشخص المتوفي معه في قبره.

إكتشف علماء الآثار في "زيبار" أنقاض مدرسة لتعليم الأطفال التي يعود تأريخها الى العصر السوباري، حيث تم العثور فيها على قرميدات عليها دروس للأطفال والشباب في علوم الحساب وجداول الضرب والمعاجم. كما تم إكتشاف كُتب عديدة و رسائل التي كانت عبارة عن صكوك وقيود ومسائل رياضية وفلكية و نصوص تأريخية.

كانت مدينة "شريش" من المدن السوبارية الشهيرة، حيث دافع عنها السوباريون دفاعاً مستميتاً عندما حاصرها الملك الآشوري تيجلات بلاسر الاول، كما أن مدن كركوك وكفري وخورماتو وآمد (ديار بكر) من المدن السوبارية القديمة الباقية الى يومنا هذا.

لقد عثر علماء الآثار على بعض الأدعية الدينية، التي تُشير الى أنه كانت للمرأة مكانة مرموقة في المجتمع السوباري، حيث كانت المرأة متمتعةً بحريتها و إستقلاليتها في كثير من الأمور. الآثار المكتشفة تدل أيضاً على أن المرأة كانت تؤدي الأعمال الكتابية في الدواوين الى جانب الرجل (جورجي زيدان: العرب قبل الاسلام. الجزء الأول، الطبعة الثانية، دار الهلال، 1922، صفحة 67).

المصادر الأجنبية
 
1. T. G. Gelb (1944). Hurrians and Subarians.

2. Speisere, Ephraim A. (1930). Mesopotamian Origins. The basic population of the Near East. Philadelphia.

3. Smith, Sidney (1928). Ancient Kurdistan.

4. Herzfeld, E. (1968). The Persian Empire. Wiesbaden, page 158.

5. Oppenheim, Max von and Schmidt, Hubert (1943). Tell Halaf I.

6. Oppenheim, Max von and Naumann, R. (1950). Tell Halaf II.

mahdi_kakei@hotmail.com




34
(تركيا)  .....   الى أين؟  (43) – إستراتيجية النضال التحرري الكوردستاني

5. تأسيس جيش كوردستاني موحّد

د. مهدي كاكه يي

إن خيرات و موارد الكرة الأرضية هي مُلك للبشرية جمعاء و كل إنسان له الحق في التمتع بحصته من هذه الثروة و يكون حراً و سيد نفسه و مساوياً للآخرين بِغض النظر عن لونه و قوميته و جنسه و دينه و معتقده و مهنته، إلا أن هذا لا يحصل حيث منذ العصور السحيقة تندلع الحروب بين المجتمعات البشرية على كوكبنا الأرضي، فيحاول الإنسان القوي إستغلال الإنسان الضعيف و تحاول الشعوب و الجماعات القوية فرض هيمنتها و سيطرتها على الشعوب و الجماعات الأضعف منها و التحكّم بحياة هذه الشعوب و الجماعات و نهب ثرواتها و يعود السبب في ذلك الى جشع الإنسان و تخلفه و رغبته في الحكم و السيطرة و الشهرة و الإستحواذ على الثروة. لذلك تضطر الدول و الشعوب الى إيجاد وسائل للدفاع عن نفسها و لحماية ثرواتها. الحرب تعني الموت و الدمار و الخراب، إنها الجنون و جريمة ضد الإنسانية و ضد التمدّن و التحضّر، إلا أن الإنسان قد يضطر لخوضها من أجل الحفاظ على حياته و ممتلكاته. لذلك هنا أدعو الى بناء قوةٍ دفاعية كوردستانية تدافع عن شعب كوردستان، حيث أن بلاده محتلة إستيطانياً و مجزأة و أن الظروف الإقليمية غير مستقرة و يُرى في الأفق تبلْور إنبثاق خارطة جديدة للشرق الأوسط الكبير و لذلك ينبغي على شعب كوردستان أن يُهئ نفسه و يستعد لمواجهة كافة المستجدات و التطورات التي قد تحصل في هذه المنطقة المضطربة و التي تسودها الفوضى و ضبابية المستقبل الذي ينتظر سكانها.

إن لكوردستان موقع إستراتيجي مهم، حيث أنها الجسر الموصل بين الشرق و الغرب. كما أنها تقع في قلب منطقة الشرق الأوسط التي تحتوي بواطنها على أكبر إحتياطي البترول في العالم. منطقة الشرق الأوسط هي أيضاً سوق كبيرة مربحة للمنتجات الغربية و مصدر مهم لتصدير المواد الأولية الى الغرب. كما أن كوردستان غنية بمواردها الطبيعية، حيث تقع منابع نهرَي دجلة و الفرات فيها، بالإضافة الى أنها تطفو فوق بحرٍ من البترول و تحتوي بواطن أرضها على الكثير من المعادن. إن نفوس سكان كوردستان تُقدّر بحوالي 50 مليون نسمة و أن غالبية الكوردستانيين يؤمنون بالنظام الديمقراطي و منفتحون على الحداثة و القيم و المفاهيم المعاصرة.  كل هذه العوامل توفّر فرصة عظيمة لشعب كوردستان في لعب دورٍ محوري في رسم خريطة المنطقة و في تحديد التوازنات الإقليمية و الدولية و المساهمة في بناء و تطور الحضارة الإنسانية.

إن كل شعب، بل أن كل إنسان له الحق في الدفاع عن نفسه و عن أسرته و شعبه و ممتلكاته حسب قوانين المجتمع الدولي. لذلك فأن شعب كوردستان ينبغي أن تكون له قوات عسكرية ليحمي بها نفسه و وطنه و ثرواته و مكتسباته و ليدافع عن وجوده و لغته و ثقافته و تراثه و لتحرير وطنه من الإستعمار و الإحتلال الإستيطاني ولردع المحتلين و كل الطامعين و منعهم من إبادة شعب كوردستان و إستعباده.

إن شعب كوردستان من أكثر الشعوب التي تحتاج الى إمتلاك قوة عسكرية رادعة، حيث أن بلاده مُجزأة و محتلة من قِبل عدة دول و أن هذه الدول لا تقرّ بأنها دول محتلة، بل يعتبر كل دولة من هذه الدول الجزء الذي تحتله من كوردستان هو جزء لا يتجزأ من بلادها، و الذي يعني أنها تُلغي الوجود الكوردستاني شعباً و وطناً و هويةً و لغةً و ثقافةً و تراثاً و تأريخاً.

هنا أود أن أتحدث عن واقعة تُبيّن كيف يقوم محتلو كوردستان بسرقة تأريخ و ثقافة و تراث الشعب الكوردي لإلغاء وجوده و هويته. قبل عدة سنوات قمتُ بزيارة سياحية لشمال كوردستان مع مجموعة من المواطنين الغربيين. كان من ضمن برامج هذه السفرة هو القيام بزيارة لأحد معامل صناعة السُجّاد هناك. خلال زيارتنا للمعمل، أخذ أحد الموظفين العاملين في المعمل يسرد لنا تأريخ صناعة السجاد في "تركيا" و خلال حديثه ذكرَ بأن تأريخ صناعة السجاد "التركي" عمره حوالي ثلاثة آلاف سنة. بعد الإنتهاء من حديثه، سألتُه عن تأريخ قدوم الأتراك الى المنطقة و أضفتُ بأن الوجود التركي في المنطقة لا يتجاوز 900 عاماً و أن أسلاف الكورد هم الذين قاموا في ذلك الزمن البعيد بصناعة السُجاد في هذه المنطقة، حيث كان لا وجود للأتراك في المنطقة في ذلك الوقت. أضفتُ بأن أسلاف الشعب الكوردي على هذه الأرض التي نقف عليها الآن قاموا بحياكة أقدم قطعة قماش في العالم في عام 7000 قبل الميلاد أي قبل أكثر من تسعة آلاف سنة و التي تم العثور عليها في موقع "چيانو" الذي يعني "الجبل الجديد" بالكوردية و أن إسم هذا الموقع الآثاري يدل على كورديته.

لذلك فأن تأسيس جيش مهني موحد، ينخرط في صفوفه المواطنون الكوردستانيون من كافة أنحاء كوردستان، هو حاجة مُلحّة ينبغي القيام به بسرعة لحماية شعب كوردستان و وطنه و للإستعداد الكامل لكافة التطورات السياسية و العسكرية الكبرى التي تمر بها المنطقة بشكل خاص و العالم بشكل عام و إغتنام هذه الفرصة التأريخية لتحرير كوردستان و شعبها و ترسيخ الدور الكوردستاني في توازن القوى في المنطقة و تثبيت الحضور الكوردستاني في كافة الإستراتيجيات التي يتم وضعها للمنطقة و فرض الوجود الكوردستاني القوي في كافة الإتفاقيات و المعاهدات التي يتم إبرامها بشأن مصير منطقة الشرق الأوسط الكبير لتظهر دولة كوردستان على الخارطة الجديدة للمنطقة و تبزغ شمسها في سماء المنطقة و يُبنى نظام ديمقراطي فيها يتم الإقتداء به من قِبل شعوب المنطقة و لتنتشر معالم الرخاء و الرفاهية و العدالة الإجتماعية في المجتمع الكوردستاني للتعويض عن المآسي و الإبادة و الأنفالات التي تعرض لها و ليأخذ مكانته في صفوف الشعوب المتحضرة و المتقدمة لمواصلة رفد البشرية بالإنجازات و الإبتكارات و الإختراعات و الخدمات من جديد كأسلافه الذين أوجدوا النار و الزراعة و تربية الحيوانات و الصناعة في كهوف كوردستان و كأسلافهم السومريين و الإيلاميين و غيرهم الذين خدموا الإنسانية من خلال إبتكاراتهم و إكتشافاتهم العظيمة.

يُقترح أن تقوم المرجعية السياسية الكوردستانية الموحدة المؤمّل إيجادها بالإشراف على تأسيس الجيش الكوردستاني و أن تقوم هذه المرجعية بتشكيل لجنة عسكرية مهنية للقيام بهذا المهام و تحديد أصناف الوحدات العسكرية و أعدادها و أنواع و كميات الأسلحة و برامج التدريب و أماكن تواجد القوات و ميزانية هذا الجيش و مصادر المال اللازم له و كيفية الحصول على الأسلحة التي يحتاج إليها الجيش الكوردستاني المُقترح تشكيله و القيام بعقد إتفاقيات التدريب و شراء الأسلحة و وضع الإستراتيجيات العسكرية و غيرها من الأمور العسكرية الضرورية التي يحتاجها الجيش، حيث أن العسكريين هم أكثر إدراكاً بها.

يجب أن يتم قبول المواطنين الكوردستانيين في الجيش الكوردستاني على أساس الوطنية و الكفاءة  و اللياقة البدنية، بعيداً عن الحزبية و العشائرية و المحسوبية و أن يتم من خلال تطوع المواطنين الكوردستانيين في الخدمة فيه. أقترح أن يخدم قسم قليل من أفراد هذا الجيش بصورة دائمية، بينما أفراد القسم الآخر يكونون عسكريين إحتياط، تتم دعوتهم للخدمة العسكرية عندما تكون كوردستان بحاجة الى خدماتهم، مثلاً في حالة الحروب و الطوارئ. بهذه الطريقة يتم تخفيض الإنفاق العسكري و في نفس الوقت تتم الإستفادة من قوات الإحتياط في أوقات السلم للمساهمة في بناء كوردستان و خدمة الشعب من خلال العمل، كلٌّ في مجال إختصاصه و تبعاً لخبراته و مؤهلاته و قدراته و إمكانياته، كما هو الحال بالنسبة لباقي المواطنين المدنيين. يجب أن يتم تحديد فترة زمنية لتدريب أفراد الجيش الى أن يصبحون مؤهلين للقيام بمهامهم العسكرية. بعد إتمام التدريب الأولي، يتسرح الأفراد الإحتياط، فيعودون الى أعمالهم أو دراساتهم و الى حياتهم الإعتيادية السابقة. بالنسبة لقوات الإحتياط، ينبغي إستدعاؤهم للتدريب بين فترة و أخرى، مثلاً مرة واحدة كل ثلاث أو كل ستة أشهر، ليتدربون لفترة زمنية محددة ليتواصلوا مع تدريباتهم و يقوموا بتطوير علومهم العسكرية و يحافظوا على إستعداداتهم النفسية و البدنية. يمكن أن تتم مراعاة ظروف قوات الإحتياط عند الإستدعاء لكي لا يؤثر على حياتهم الشخصية و معيشتهم و معيشة عائلاتهم، كأنْ يتم مثلاً إستدعاء الطلاب أثناء عطلهم الصيفية أو عطل نصف السنة الدراسية و بالنسبة للأفراد العاملين، يمكن أن يتم ترتيب و تنظيم إلتحاقهم بالتدريب، بحيث لا يؤثر على أعمالهم، كأنْ يتم إستدعاؤهم خلال الأوقات التي لا يعملون فيها. ينبغي تخصيص رواتب للعسكريين الدائميين بحيث تكفي لمعيشتهم. كما ينبغي تفضيل الكوردستانيين الذين كانوا جنوداً و ضباط صف و ضباطاً في جيوش الدول المحتلة لكوردستان في الإنضمام الى صفوف الجيش و مراعاة الأصناف العسكرية التي خدموا فيها و التي أتقنوها و بذلك يتم توفير الكثير من المال و الوقت و الجهد، مقارنةً بقبول أفرادٍ لا يمتلكون خبرات عسكرية. هناك نقطة مهمة جداً ينبغي الإهتمام بها وهي أنه يجب على الجهات المسئولة عن إختيار المتطوعين أن تكون حذرة جداً و دقيقة في قبول المتطوعين لمنع إختراق الجيش من قِبل حكومات الدول المحتلة لكوردستان التي ستحاول مخابراتها بكل تأكيد أن تزرع و تدّس عناصرها في الجيش الكوردستاني. لذلك ينبغي دراسة خلفيّة كل شخص يرغب بالتطوع في هذا الجيش، دراسة دقيقة لإفشال محاولات المحتلين.

بالنسبة الى مصادر تمويل الجيش الذي يتم تأسيسه، فأنه يتم تأسيس صندوق خاص يتم عن طريقه تمويل نفقات الجيش، بالإضافة الى إستخدامه في تمويل إحتياجات الكوردستانيين في كافة المجالات. في البداية ستُشكّل تبرعات المواطنين الكوردستانيين المصدر الرئيس لتمويل الصندوق و فيما بعد سيصبح التمويل بشكل رئيسي عن طريق أرباح الإستثمارات التي تُقام (لمعرفة المزيد عن الصندوق الكوردستاني، يمكن الإطلاع على الرابط الموجود في نهاية المقال). كما يمكن لحكومة جنوب كوردستان تغطية جزءٍ من النفقات العسكرية للجيش الكوردستاني.

جيوش الدول المحتلة لكوردستان ستكون إحدى المصادر الرئيسية لتعلّم الكوردستانيين للفنون العسكرية على مختلف أصناف الأسلحة و بذلك يتم الإقتصاد في الأموال و الوقت و الجهد و حل قسمٍ من مشكلة إيجاد أماكن للتدريب و توفير مختلف أنواع الأسلحة و مُدرّبين، حيث يتم تدريب المواطنين في هذه الجيوش "مجّاناً". كما أن جنوب كوردستان سيكون له دوراً محورياً في تدريب الكوردستانيين و توفير الأسلحة اللازمة لهم. يمكن إستخدام  مقرات و معسكرات حزب العمال الكوردستاني لتدريب قسم من الجيش الكوردستاني و أن تلعب هذه المعسكرات دوراً كبيراً في تدريب المواطنين على الفنون الحربية و خاصة حرب العصابات. يمكن القيام بإقامة معسكرات التدريب في المناطق الجبلية في مختلف المناطق الكوردستانية و حتى أنه يمكن تنظيم دورات تدريبية في البيوت لمجموعات صغيرة (كل مجموعة تتألف مثلاً من أربعة أو خمسة أشخاص) في مختلف مناطق كوردستان، بل في مدن و قصبات و أرياف الدول المحتلة لكوردستان.

كما يمكن تهيئة كوادر عسكرية في مختلف الصنوف، و خاصة في مجال القوة الجوية عن طريق الحصول على زمالات و بعثات عسكرية في دول محددة و لدى تنظيمات و منظمات صديقة أو من الدول و المنظمات المعادية للدول المحتلة لكوردستان، مثل بلغاريا و اليونان و أرمينيا و غيرها. قد يكون ممكناً شراء أسلحة من الدول المذكورة و من تنظيمات و منظمات عديدة.

إن كافة الثورات الكوردستانية إتخذت إستراتيجية عسكرية دفاعية و جعلت من كوردستان الساحة الوحيدة لحروبها مع المحتلين. هذه الإستراتيجية الخاطئة أدت الى دمار و خراب كوردستان و قتل مواطنيها و تشريدهم و قادت الى كارثةٍ  إجتماعية و صحية و نفسية و بيئية، يحتاج الكوردستانيون الى عشرات السنين و مئات المليارات من الدولارات لمعالجتها و محو تأثيراتها السلبية. لذلك ينبغي نقل الحروب الى داخل البلدان المحتلة لكوردستان، بدلاً من جعل كوردستان ساحة للحروب التي تؤدي الى قتل و تشريد سكان كوردستان و تدمير البنى التحتية فيها و خلق مشاكل إجتماعية و إقتصادية و نفسية و صحية و بيئية كارثية التي تمتد آثارها المدمرة لأجيال عديدة. يمكن الإستفادة من الملايين من الكورد الذين يعيشون في المدن الكبيرة للبلدان المحتلة لكوردستان مثل إستانبول و أنقره و إزمير و طهران و خراسان و بغداد و دمشق و حلب و غيرها من المدن التي فيها جاليات كوردستانية كبيرة، من خلال تنظيمهم و تدريبهم لنقل الحرب الى قلب الدول المحتلة لكوردستان و جعل موازين القوى تميل لصالح شعب كوردستان. هذا يتطلب  العمل منذ الآن لتهيئة القوى البشرية و السلاح و الأوكار و وسائل النقل و الإتصالات و وضع الإستراتيجيات و الخطط و كل مستلزمات العمليات العسكرية التي ستُجرى على أرض العدو.

نظراً للإختلال في توازن القوة العسكرية بين الكوردستانيين من جهة و الدول المحتلة لكوردستان من جهة أخرى، ينبغي أن يكون معظم وحدات الجيش الكوردستاني عبارة عن قوات خاصة مدرّبة على خوض حرب العصابات و حرب المدن، حيث يمكن دراسة الحرب الأخيرة التي إندلعت بين إسرائيل و حزب الله اللبناني للإستفادة من الإستراتيجيات و التكتيكات العسكرية التي إتبعها حزب الله في الحرب المذكورة.

نتيجة هذا الخلل في ميزان القوة بين الكوردستانيين و محتليهم، فأن خوض حروباً جبهوية ضد القوات المحتلة سيكون في صالح الدول المحتلة لكوردستان. لهذا السبب فأن الإستراتيجية العسكرية الصحيحة ستكون الإعتماد على حرب العصابات في المناطق الجبلية و حرب المدن و التركيز على الأسلحة الدفاعية مثل الأسلحة المضادة للطائرات الحربية و طائرات الهليوكوبتر و الدبابات. كما ينبغي إستخدام الألغام المضادة للدبابات و العربات العسكرية و إستعمال الأسلحة الدفاعية الخفيفة التي يمكن حملها و نقلها و إستخدامها بسهولة و كذلك تأسيس مجاميع قتالية خاصة للقيام بعمليات نوعية خلف القوات المعادية و في مناطق تواجد هذه القوات لتدمير مخازن الأسلحة و مصادر التموين و قطع الإتصالات بين مختلف الوحدات العسكرية للدول المحتلة لكوردستان و الإهتمام النوعي بجهاز المخابرات لجمع المعلومات الضرورية عن أهداف العدو و خططه و عدد و عُدة قواته العسكرية و مواقع إنتشارها و تحركاتها و أماكن تواجد قياداتها و عن إمكانياتها و غيرها. ينبغي على حكومة جنوب كوردستان أيضاً إتباع إستراتيجية حرب العصابات نظراً للخلل في توازن القوة العسكرية بين جنوب كوردستان و الدول المحتلة.

من شروط النجاح في الحرب التي تخوضها كوردستان، يجب تحقيق الإكتفاء الذاتي في إنتاج المواد الغذائية و مصادر الطاقة و الألبسة و الأسلحة الدفاعية اللازمة.

ينبغي على القيادة الكوردستانية، و خاصةً حكومة جنوب كوردستان وضع خططٍ إستراتيجية للحصول على أسلحةٍ نوعية يمكن عن طريقها ردع المحتلين من الإستمرار في إحتلالهم الإستيطاني لكوردستان و إستعمارهم لشعبها. إنّ كوردستان بلاد غنية بثروتها البشرية و خبرات و كفاءات مواطنيها و بمواردها الطبيعية من مياهٍ و بترول و غازٍ و معادن و أراضي زراعية خصبة و بآثارها و مقومات السياحة فيها، لذلك تتوفر فيها كل الإمكانيات لإبتكار أسلحةٍ إستراتيجية رادعة. إستطاع الإسرائيليون أن يصنعوا قنابل نووية في عام 1959 أي بعد 11 عاماً من تأسيس دولة إسرائيل.

http://alakhbaar.org/home/2013/2/141872.html

mahdi_kakei@hotmail.com




35
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (4) – أسلاف الكورد: السومريون

د. مهدي كاكه يي


في البداية أود أن أقول بأن الهدف من نشر هذه السلسلة من المقالات هو ليس التعمّق في التاريخ الكوردي القديم، بل هو للتعريف بالتاريخ الكوردي العريق. في الحقيقة قررتُ كتابة هذه المقالات لسببَين رئيسيين: الأول هو تزويد القارئات و القراء بمعلومات بسيطة عن التاريخ الكوردي القديم، حيث أن هناك الكثير من الناس الذين لم يطّلعوا على التاريخ الكوردي القديم بسبب التعتيم و التشويه و الإلغاء الذي تعرّض له هذا التاريخ و السبب الثاني هو المحاولات البائسة لمحتلي كوردستان و جهات أخرى لتشويه التاريخ الكوردي و الإدعاء بأن الوجود الكوردي في كوردستان هو وجود حديث تم منذ قرون قليلة ولذلك فكرتُ بكتابة نبذة مختصرة عن التاريخ الكوردي العريق بصورة موضوعية و مهنية لكشف كذب ودجل هؤلاء. نظراً للإهتمام الكبير بالتاريخ الكوردي القديم من قِبل القارئات و القراء من خلال إقبالهم الواسع على متابعة وقراءة هذه السلسلة من المقالات و إستجابةً لرغبة بعض القارئات و القراء، فأنني بدءً من هذا المقال سأقوم بالتوسّع قليلاً في سرد التاريخ الكوردي القديم. 

جميع المؤرخين وعلماء الآثار و الباحثين يتفقون على أن السومريين كانوا من الأقوام غير السامية. يذكر الدكتور طه باقر في مقدمة كتاب "من ألواح سومر" للمؤرخ صمويل كريمر (Samuel Noah Kramer) الذي قام بترجمته الى اللغة العربية في صفحة 8 ما يلي: وجلّ ما يمكن قوله بهذا الصدد أن مَن نُسمّيهم بالسومريين في تاريخ وادي الرافدَين، كانوا قوماً ليسوا من الأقوام السامية (الأقوام السامية هي تلك الأقوام التي تكلمتْ بإحدى اللغات السامية كالأكدية والبابلية في العراق والأمورية والكنعانية والآرامية والعبرانية في ربوع الشام والجزيرة العربية)، بل أن لغتهم هي من اللغات غير السامية.

يستطرد المؤرخ طه باقر في حديثه بأن الباحث الإيرلندي "هنكس" يقول بأن الخط المسماري أوجده قوم غير ساميين، بل أن هذا القوم سبق البابليين الساميين في إستيطان وادي الرافدَين. نشر الباحث الإنكليزي الشهير "هنري رولنسون" بحثاً في عام 1855 في مجلة "الجمعية الآسيوية الملكية" يذكر فيه بأنه إكتشف كتابةً جديدةً بلُغةٍ غير سامية وجدها مدوّنة في الآجر وفي ألواح الطين في بعض المواقع القديمة في بلاد ما بين النهرَين مثل "نفر" و"لارسا" و"الوركاء". في عام 1856، ذكر الباحث الإيرلندي "هنكس" بأن هذه اللغة الجديدة هي من نوع اللغات الإلتصاقية وفي عام 1869 أطلق الباحث الفرنسي "أوبرت Oppert" على هذه اللغة الجديدة "اللغة السومرية" لأول مرة.

بدأ العصر الذي سبق العهد السومري على هيئة حضارة قروية زراعية أدخلها الإيرانيون الى جنوب العراق من الشرق (صمويل كريمر: من ألواح سومر، ترجمة الدكتور طه باقر، مكتبة المثنى، بغداد ومؤسسة الخانجي بالقاهرة، 1970، صفحة 356). هذا القول يؤكده المؤرخ البروفيسور "سبايزر Speisere" في صفحة 99 من كتابه المعنون "شعوب ما بين النهرين"، حيث يقول بأن العناصر الگوتية (أسلاف الكورد) كانت موجودة في جنوب العراق قبل تأسيس سومر وأسسوا بلاد سومر فيما بعد وشكلوا الحكومات فيها (لاحظ المصدر باللغة الإنكليزية في نهاية المقال).

يذكر كل من الدكتور طه باقر والدكتور عامر سليمان بأنه عند هجرة الأكاديين الى شمال وادي الرافدين (جنوب كوردستان الحالي) في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد، كان السومريون و السوباريون يعيشون هناك وكانت المنطقة تُسمى ب"سوبارتو". يضيف المؤرخان المذكوران بأنه جاء ذكر السوباريين في النصوص المسمارية منذ عصر فجر السلالات (طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، 1973، صفحة 120، 476؛ عامر سليمان: العراق في التاريخ القديم، الموصل، دارالحكمة للطباعة والنشر، 1992، صفحة 119). من هنا نرى أن الموطن الأصلي للسومريين هو كوردستان وأنهم من أقوام جبال زاگروس التي هي الموطن الأصلي للكورد و أن السومريين هاجروا من كوردستان الى جنوب بلاد ما بين النهرَين وبنوا حضارة راقية هناك.

يذكر المؤرخ الدكتور بهنام أبو الصوف في إطروحته التي نال عليها شهادة الدكتوراه من جامعة كامبرج البريطانية في عام 1966، بأن السومريين لم يأتوا من خارج بلاد ما بين النهرَين، بل كانوا في منطقة سوبارتو وأن هذا الشعب في زمنٍ ما إنتقل الى الجنوب ونقل معه حضارته. ما يدعم كلام المؤرخ بهنام أبو الصوف هو أن إنشاء حضارة زراعية متطورة و إختراع الكتابة من قِبل السومريين، يدلّان على أنهم كانوا يمتلكون أسس حضارية قبل إنتقالهم الى جنوب بلاد ما بين النهرَين. هذا يدل على أن السومريين كانوا جزءً من أسلاف الكورد الزاگروسيين الذين إنتقلوا من كوردستان الى جنوب العراق الحالي، حيث أنّ أسلاف الكورد الزاگروسيين هم أول مَن قاموا ببناء الحضارة البشرية في المنطقة وأن باكورة الحضارة ظهرت على أرض كوردستان.

يعتقد بعض المؤرخين بأن السوباريين والسومريين ينتمون الى أصل واحد وأنهم مرتبطون مع البعض بصلة القرابة أو على الأقل أنهما كانا يعيشان معاً في شمال بلاد ما بين النهرَين قبل إنتقال السومريين الى جنوب بلاد ما بين النَهرَين وإستقرارهم هناك (الدكتور نعيم فرح: معالم حضارات العالم القديم، دارالفكر، 1973، صفحة 198). يذكر الدكتور نعيم فرح في كتابه المذكور أيضاً بأن السومريين و السوباريين ينحدرون من الگوتيين (أسلاف الكورد) الذين كان موطنهم سلسلة جبال زاگروس. تعضيداً لوجود صلة القرابة بين السوباريين والسومريين هو أن أسماء كثير من المدن السومرية لم تكن أسماء سومرية، بل سوبارية، أمثال مدن: أور، أريدو، أوروك، سِپار، لارْسا، لَگَش، و كلمة "باتيس – باتيز"، التي تعني "الملِك" وغير ذلك من المفردات المشتركة بين اللغتين، حيث أن الكثير من الكلمات السومرية قد تكون كلمات سوبارية (الدكتور سامي سعيد الأحمد: السومريون وتراثهم الحضاري، منشورات الجمعية التاريخية العراقية، بغداد، 1975).

إن تركيبة اللغة السومرية والكوردية متشابهة، حيث أن كلاهما لغتان إلتصاقيتان، يتم فيهما تركيب كلمات مركبة من كلمتَين أو أكثر من الكلمات البسيطة، على سبيل المثال إسم "مدينة أوروك" (الوركاء السومرية) التي تقع أطلالها على بُعد ستين كيلومتراً من مدينة السماوة، مؤلف من كلمتين هما (آور) التي تعني (نار) و (گا) تعني (محل) وبجمع الكلمتين في كلمة واحدة يصبح معناها (الموقد). في اللغة الكوردية تُعطي هذه الكلمة المركبة نفس المعنى السومري. من جانبٍ آخر فأن اللغة الكوردية لا تزال تحتفظ بكثير من الكلمات السومرية رغم مرور آلاف السنين على إنقراض اللغة السومرية، لدرجةٍ أن إسم بلاد سومر لا يزال باقياً في اللغة الكوردية و يُعطي نفس المعنى، حيث أن إسم بلاد سومر باللغة السومرية الذي تتم كتابته بالخط المسماري، هو (كي إن جي Ki -en –gi)، الذي يعني "البلاد السيدة" (عامر سليمان، وأحمد مالك الفِتْيان: محاضرات في التاريخ القديم، 1978، صفحة 25). هذا الإسم في اللغة الكوردية يعني "مكان سادة الأرض".
 
قام السومريون ببناء معابدهم على أماكن مرتفعة شبيهة بالجبل (زَقُورة) ورسموا الأشجار  والحيوانات الجبلية كالوعل والماعز على الأختام الأسطوانية التي كانوا يصنعونها (فاضل عبد الواحد علي: من سومر إلى التوراة. سينا للنشر، القاهرة، 1996، صفحة 22؛ سامي سعيد الأحمد: السومريون وتراثهم الحضاري. مطبعة الجامعة، بغداد، 1975، صفحة 42، 82). كل هذا يدلّ على الأصل الجبلي للسومريين، حيث كانت جبال زاگروس الموطن الأصلي لهم. كما أن هناك مشتركات كثيرة في العقائد بين السومريين و الكورد. أكتفي هنا بهذا القدر من الأدلة التي تُثبت بأن الكورد هم أحفاد السومريين، حيث أنني قد إنتهيتُ من كتابة مسودّة لدراسة معمّقة حول علاقة الكورد و السومريين و التي سأنشرها قريباً.
 
يقول الدكتور طه باقر في مقدمته لكتاب صمويل كريمر و الذي ترجمه الى العربية، بأن السومريين على ماهو مجمع عليه، المؤسسون الأوائل لمقومات الحضارة والعمران ومنهم إقتبس الساميون في بلاد ما بين النهرين أصول حضارتهم ولا يقتصر تراثهم الثقافي بكونه أساس حضارة وادي الرافدَين، بل أنهم أثرّوا في جميع شعوب الشرق الأدنى و يتجلى ذلك في مجالات عديدة، حيث أن السومريين كانوا أول مَن أوجد و طوّر الكتابة التي عُرفت بعدئذٍ بالخط المسماري وهو الخط الذي إقتبسه معظم شعوب الشرق الأدنى القديم (صمويل كريمر: من ألواح سومر، ترجمة الدكتور طه باقر، مكتبة المثنى، بغداد ومؤسسة الخانجي بالقاهرة، 1970، صفحة 9-13).

تميّز السومريون بالإبداع في الحضارة المادية كأسس العمارة والفنون و النظم الإجتماعية والسياسية والى غير ذلك من مقومات الحضارة التي أثرّت بشكل كبير في تقدم شعوب الشرق الأدنى. كما أن السومريين أوجدوا آراءً و تصورات و أفكاراً في الديانة و في المجالات الروحية و العقلية الأخرى، وأن الكثير منها دخلَ الى معتقدات الديانة اليهودية والمسيحية وإنتقل الكثير منها الى الحضارة الحديثة. أنتج السومريون نتاجاً أدبياَ أصيلاً الذي كان معظمه شعراً و كان تأثيره عميقاً في الأقوام القديمة وإستمر تأثيره الى الحضارة الحاضرة.

إبتكر السومريون الكتابة في جنوب بلاد ما بين النهرَين في حوالي عام 3000 قبل الميلاد وبذلك بدأ عصر التدوين الذي من خلاله إستطاع الباحثون الإطلاع على الحضارة السومرية والحضارات التي تلت هذه الحضارة.

أهم الأعمال التي قام بها السومريون هي إختراعهم للكتابة والأرقام وإبتكارهم للمدن. السومريون هم أول مَن إخترعوا الكتابة والأرقام والتي أخذتها الأقوام الأخرى منهم، حيث أننا لو تصفحنا الكتب الغربية التي تدرس تأريخ تطور اللغات والأرقام في العالم، لنرى أنها تذكر ذلك وتؤكد عليه. السومريون بنوا حضارة متقدمة، حيث طوروا الزراعة والري وإخترعوا المحراث والدولاب والعربة ومخرطة الخزف والقارب الشراعي والبرمشمة واللحام والدهان وصياغة الذهب والترصيع بالأحجار الكريمة وعمارة القرميد العادي والمشوي وإنشاء الصروح وإستعمال الذهب والفضة في تقويم السلع وإبتكروا العقود التجارية ونظام الإئتمان ووضعوا كتب القوانين، وهم أول من إبتكروا الطابوق كوحدة معمارية مصنعة بدل الحجر.

يُحدّثنا التأريخ أيضاً بأن السومريين تمسكوا بالحق والعدالة والحرية الشخصية وكرهوا الظلم والعنف، حيث وضعوا القوانين لتنظيم حياتهم على ضوء هذه المبادئ الإنسانية.

برع السومريون في علوم الموسيقى، حيث أن التنقيبات الأثرية في مدفن زوجة ملك أور، الملكة شبعاد، التي قام بها علماء الآثار البريطانيون في عام 1918، قادت الى العثور على مجموعة من العازفين مع 11 قيثارة، إضافة لقيثارة كبيرة مكونة من 30 وتراً وهي القيثارة السومرية. الحضارات اللاحقة قد أخذت معظم العلوم ومنها الموسيقى من الزقورات (أماكن العبادة)، (زقورة أور وزقورة دوركاريكالزو) الواقعة غرب بغداد وكانت زقورات وادي الرافدين قُبلة لأنظار الناس ومنها إستلهم المصريون أهراماتهم وهياكلهم الأولى (ب. ليرخ: دراسات حول الأكراد وأسلافهم الخالديين الشماليين. ترجمة الدكتور عبدي حاجي، 1992).

Speisere, Ephraim A. (1930). Mesopotamian Origins. The basic population of the Near East. Philadelphia, USA.

mahdi_kakei@hotmail.com


36
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (3) – أسلاف الكورد: الأورارتيون والنايريون والكاردوخيون والإيلاميون

د. مهدي كاكه يي

خلـــــدي – أورارتو
تأسست دولة أورارتو في بلاد النايريين (منطقة بحيرة وان) في أوائل القرن التاسع قبل الميلاد وذلك بعد إتحاد أمراء النايريين و الهوريين. إن حدود مملكة أورارتو في وقتٍ ما كانت تمتد من الشمال الى بحيرة كوكجة والكسندرپور في القوقاس ومن الجنوب الى راوندوز ومنابع نهر الزاب ومن الغرب الى نهر الفرات ومن الشرق الى بحيرة أورميه. كما أنهم حكموا أيضاً غرب كوردستان الحالي لفترة من الزمن. كانت مدينة "توسپاسي" (وان) عاصمة بلاد الخلديين ويُعتقد بأن ملك الخلديين، "ساردوريس الأول" قام ببناء هذه المدينة في سنة 840 قبل الميلاد (محمد امين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التارخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 66). الملك الخلدي (إسپونيس) أحلّ اللغة الخلدية محل اللغة الآشورية التي كانت لغة التحرير والآداب الى ذلك الوقت في مملكة أورارتو. إستمرت مملكة أورارتو الى عام 625 قبل الميلاد، حيث بعد ذلك أصبحت في حماية الميديين ردحاً من الزمن الى أن تم القضاء عليها عند قيام ثورة العشائر الكوردية الگوتية في عام 585 قبل الميلاد بعد إستيلاء الأرمن عليها والذين كانوا يقطنون في غربي بلاد الخلديين (مصدر رقم 1).

كان الأورارتيون بارعين في تنظيم الشؤون الإدارية (مصدر رقم 2) وفي العمران و بناء المدن والسدود، حيث لا تزال آثار القنوات والجداول المائية التي أقامها الأورارتيون قائمة الى الآن، مثل قناة ماء شميران التي تم حفرها لجلب المياه الى السواحل الشرقية لبحيرة وان (كويندولين لايك: معجم عمارة الشرق الأدنى القديم. ترجمة غسان طه ياسين وكمال نادر، بيروت، 2003، صفحة 204).

نايـري – نيـري
ظهر الكورد بهذا الإسم كمملكة في القرن العاشر قبل الميلاد ومن المرجح أن هذه العشيرة كانت تؤلف قسماً من أقسام السوباريين والگوتيين وبعد ذلك تغلبوا على الأقسام الأخرى من هذين الشعبَين وحلّ إسم "نايري" محل الإسمَين "سوبارو" و "گوتي" وأصبح النايريين يمثلون الشعب الكوردي بأكمله (محمد امين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التارخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 70، 71، 101). كانت بلاد النايري تمتد من الحوض الأوسط لنهر الزاب الكبير الى منابع هذا النهر وكانت ولايات آمد (ديار بكر) وخربوت ودرسيم و جبال بدليس و طوروس من ضمن بلاد النايريين (ميجر سون: رحلة متنكرة الى بلاد ما بين النهرين وكوردستان، لندن، 1912). يضيف الميجر سون في كتابه المذكور بأن الشعب النايري إمتزج بالشعب الميدي و تألفت منهما الأمة الكوردية، حيث عاش الشعب الكوردوئی في هذه المنطقة في عام 401 قبل الميلاد في أواخر عهد الحكومة الأخمينية التي تأسست بعد إنقراض الحكومة الميدية. إن العشائر الحالية التي تقطن في منطقة نيري (نهري) بمقاطعة شمدينان تنتمي الى الشعب النايري (فلاديمير مينورسكي: الكرد وكردستان. موسوعة الإسلام، دائرة المعارف الإسلامية، القاهرة، 1929). كما أن المستشرق تورودانجين يذكر بأن منطقة "نايري" أو "هوبشكيا" هي وادي بوتان و تم تأسيس حكومة نايرية مستقلة في القسم الشرقي من بلاد النايريين (تورودانجين: رابطة الغزوة الثامنة من غزوات الملك سرجون، باريس، 1912).

كان هذا الشعب على جانب عظيم من الشجاعة والكثرة والقوة و كان مصدر تهديد دائم لمملكة آشور، حيث أن الملك الآشوري "تيجلات پليسر" الأول حارب جيوش 23 ملكاً نايرياً (محمد امين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التارخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 101).

كاردخوي
الشعب الكاردوخي هو من بقايا الشعب الگوتي القديم، فاتح بلاد سومر وأكد، حيث أن الإسم "كاردوخي" هو الإسم المُحرّف من الإسم " گوتي"، فأن هذا الإسم تغيّر مع مرور الوقت حتى أصبح "كوتي" و"كورتي" في عهد الملك الآشوري "توكولتي - نيراري". دراسات وأبحاث المستشرق "درايڤر" تُشير الى أن الإسمَين "كورتي" و"كاردا" اللذين كانا شائعَين في عهد ملك لگش "آراد - نانار" وغيرهما من الأسماء المتشابهة، هي أسماء الشعب الكوردي الحالي في مختلف العصور (ج. ر. درايڤر: الكورد في المصادر القديمة، ترجمة فؤاد حمه خورشيد، بغداد، 1986). يذكر العلامة محمد أمين زكي بأن المؤرخ "سپايزر" يشير في كتابه "التاريخ العام للمؤرخين" بأن أسماء الأعلام هي عرضة للتعديل من قِبل شعوب أخرى، حيث يذكر على سبيل المثال بأن الشعب الهوري كان له تسع أسماء مختلفة وهي: هورليلي، هورلاس، هورلو، هوري، كورهوروهي، هورووهي، هاري، موري، هوريت، وكان للشعب الميتاني إسمَين مختلفَين هما "ميتاني" و"ميتلاني" (محمد امين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التارخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 74، 75).

الإيلاميـــــون
يذكر العالم (هينتز) بأن الإيلاميين ينتمون الى القبائل الگوتية الكوردية و التي هي من أقوام جبال زاگروس التي كانت الموطن الأصلي لأسلاف الكورد {والتر هينتس: دنياي گمشده‌ي ايلام. ترجمي فيروز فيروزنيا. انتشارات علمي وفرهنگي، 1376 هجري (باللغة الفارسية)}. هاجر الإيلاميون من جبال زاگروس الى منطقة الأهواز، حيث السهول الخصبة، وإستقروا هناك وإكتشفوا الزراعة وإنتاج المواد الغذائية، حيث إستطاعوا بناء إمبرطورية كبيرة وقوية ذات حضارة متقدمة قبل حوالي 5000 عام. في عام 4200 قبل الميلاد، بنى الإيلاميون مدينة سوسة على نهر كارون على ارض زراعية خصبة محاطة بعدد من القرى الزراعية وتم بناؤها على قاعدة أرضية كبيرة من الطابوق وكانت مركزاً لهم، وكذلك مركزاً لتجارة بلاد ما بين النهرين.
من خلال الحفريات التي قام بها فريق أمريكي لعلماء الآثار بقيادة الدكتور (زامبز)، إكتشف الفريق خلالها آثار مدينة "إنشان" أو "إنزان" الإيلامية والتي كانت تعد مركزاً لإحدى الأقاليم الاساسية لبلاد إيلام {پير آميه: تاريخ ايلام. ترجمه‌ي شيرين بياني، انتشارات دانشگاه تهران، 1372 هجرية (باللغة الفارسية)}. وُجد إسم إيلام لأول مرة على إحدى الرقع السومرية حيث يُذكر ان ملك السومريين (انمباركسي) قد غنم في حروبه مع الإيلاميين الكثير من الاسلحة والغنائم {جورج كمرون: ايران در سپيده‌دم تاريخ. ترجمه‌ي حسن انوشه، انتشارات علمي و فرهنگي، 1365 هجرية (باللغة الفارسية).

يمكن تقسيم الفترات الزمنية التي مرت بها الدولة الإيلامية إلى ثلاث فترات أو عصور. الفترة الأولى تبدأ قبل التاريخ (8 الآف سنة ق. م. الى سنة 2225 ق. م.). عاصرت هذه الفترة السومريين والأكديين ويُخُتتم هذا العصر بإنقراض الدولة السومرية والأكدية على يد الإيلاميين. لقد تم ذكر فتوحاتهم في التوراة في الباب الرابع من سفر بيدايش (الآيات 1، 5، 9، 17) وأن إسم ملك إيلام (كدر أومر) مذكور أيضاً في التوراة. الفترة الثانية هي فترة معاصرة الإيلاميين للبابليين التي إمتدت من سنة 2225 ق.م. الى سنة 745 ق.م. أما الفترة الثالثة فهي فترة معاصرة الإيلاميين للآشوريين التي بدأت من سنة 745 ق.م. وإنتهت في سنة 645 ق.م.، حيث تم إنقراض الدولة الإيلامية على يد آشور بانيبال سنة 645 ق.م.

عندما كانت مملكة إيلام في أوج قوتها، كانت تضم اجزاءً من بلاد ما بين النهرين وغرب إيران الحالية، حيث كانت حدود الدولة الإيلامية تمتد من أصفهان شرقاً وضفاف نهر دجلة غرباً والخليج جنوباً والطريق الموصل بين بابل وهمدان شمالاً. في زمن الملك "كوير نهونته" تمكن الإيلاميون من الإستيلاء على بلاد سومر و بابل لفترة من الزمن وإنهاء حكم الكيشيين ونصب إبن الملك "كوير نهونته" ملكاً على بابل، والذي تم في عهده نقل أجزاء من مسلة حمورابي إلى مدينة سوسه (شوش).

حضارة إيلام هي من أقدم الحضارات البشرية والتي بُنيت في خوزستان و إيلام الحاليتَين بالإضافة إلى محافظتَي واسط وميسان الحاليتَين. يذكر عالم الأثار "پوتس"، أنه نتيجة رُقي الحضارة الإيلامية، فأن جوانب عديدة من حياة الامبراطورية الأخمينية، مثل شكل الألبسة وكيفية إدارة الدولة، قد تأثرت بالحضارة الإيلامية، لدرجة أن الأخمينيين إستخدموا الأبجدية الإيلامية (مصدر رقم 3). تشير التنقيبات الأثرية التي أُجريت في إقليم خوزستان، الى أن الدولة الإيلامية كانت لها حضارة متقدمة خلال الألف الثالث قبل الميلاد.

قام ملوك إيلام ببناء معابد لآلهتهم في مدينة شوش ومن أهمها زيكورات وجغازنبيل في خوزستان وقد تم العثور على قطع أثرية كثيرة فيها، مثل الأواني الملونة والتحف اليدوية التي كانت مدفونة في القبور قرب قاعدة المدينة وأن تنوع هذه القطع الأثرية وتعدد المصادر الشخصية لصناعتها، يشير الى أن عدداً كبيراً من الفنانين كانوا يعيشون في مدينة شوش. في حوالي 3400 قبل الميلاد، تمت صناعة الخزف و السيراميك والأختام الإسطوانية والتماثيل في مدينتَي جوغاميش وسوسة، و التي هي مشابهة لتلك التي عثر عليها في جنوب العراق (محمد بيومي مهران: دراسات في تاريخ الشرق الادنى القديم. الجزء 10، 2012).   

كشفت أعمال التنقيب في مدينة "سوسة" عن مساكن لمجتمعات زراعية وأواني وأدوات مصنوعة من الفخار المستخدمة لأغراض عديدة. بعض هذه الأواني كانت ملونة وبعضها الآخر مُحلّى بأعمال الزخرفة. كما تم إكتشاف لوحات طينية في مدينة "سوسة" تحمل سجلات مكتوبة بكتابة تصويرية {والتر هينتس: دنياي گمشده‌ي ايلام. ترجمه‌ي فيروز فيروزنيا. انتشارات علمي و فرهنگي، 1376 هجري (باللغة الفارسية)}.

كانت اللغة الإيلامية تُسمى لغة (اليافتي) وكانت لغة التحادث، الا انه مع ظهور الأبجدية، اصبحت اللغة والأبجدية الإيلامية أكثر تطوراً. تعلًم الإيلاميون الكتابة من السومريين الذين هم من أسلاف الكورد أيضاً. كان الإيلاميون من عبدة الطبيعة، وخاصة الشمس، بينما كان الآشوريون والبابليون من عبدة الأصنام.

كان نظام الحكم في الإمبرطورية الإيلامية نظاماً فيدرالياً ومراكز المدن الكبرى كانت تُدار من قِبل حكومات مستقلة، إلا أن الحكومة المركزية كانت تقوم بإخضاع الحكومات المحلية لسيطرتها عندما تكون قوية.

المصادر الأجنبية
 
1. Bury, J.B (1925). The Cambridge ancient history. The Assyrian Empire, S.A. Cooke. Volume: 111, London.

2. Saggs, H.W.F. (1975). The Assyrian,The people of Old Testment,Oxford, p.160.

3. Potts, D.T. (2012) A Companion to the Archaeology of the Ancient Near - Elam: Iran's First Empire, Volume 2, Part 6, Chapter thirty-nine, Blackwell Reference Online.

mahdi_kakei@hotmail.com




37
(تركيا)  .....   الى أين؟  (33) – إستراتيجية النضال التحرري الكوردستاني

4. ترسيخ الديمقراطية و تطبيق مبدأ المواطنة في كوردستان



د. مهدي كاكه يي

ترسيخ الديمقراطية
إن تبنّي الديمقراطية و التعددية و العلمانية و قبول الآخر يُعتبر الحجر الأساس لضمان تحقيق أهداف النضال الكوردستاني، حيث لا يمكن للكوردستانيين تحقيق تحررهم و إستقلال بلدهم بإتباع النهج الشمولي و الدكتاتوري و خلط الدين بالسياسة. ينبغي أن يكون المواطن الكوردستاني حراً في خياراته و تفكيره و قراراته ليكون قادراً على الإبداع و الخلق و التطور و التطوير و المساهمة في خلق مجتمع متحضر منتج، تسوده العدالة الإجتماعية و المساواة. الإنسان المُقيّد و مقهور الإرادة لا يمكنه أن يكون عضواً نافعاً في المجتمع، حيث يكون عاجزاً عن الإبداع و الإنتاج.

ينبغي أن تسود الديمقراطية و الحرية في إقليم جنوب كوردستان لتكون قدوةً للأجزاء الأخرى من كوردستان و لضمان نجاح التجربة الكوردستانية في هذا الجزء و الذي بدوره يُمهّد الطريق لتحقيق تحرر كوردستان بأكملها و بنائها بكل عزم و سرعة للحاق بالدول المتحضرة و المتقدمة. ينطبق هذا الأمر أيضاً على التنظيمات السياسية الكوردستانية لخلق أحزاب سياسية ناجحة، قادرة على العطاء و تقديم المنجزات و تجديد نفسها بإستمرار لمجاراة التطورات المحلية و الإقليمية و الدولية و التفاعل مع المستجدات من الأفكار و المبادئ و المفاهيم و القيم، ليضمن بقاءها و إستمرارها و لكسب ثقة الشعب و القدرة على تحمل أعباء النضال الصعب الذي تتطلبه القضية الكوردستانية و لتتحرر المواهب و الطاقات الفكرية و الإبداعية الكامنة في أعضاء هذه الأحزاب لخدمة شعبهم و بلادهم. ينبغي أن تسود الديمقراطية و الحرية في منظمات المجتمع المدني و المحافظة على إستقلالية هذه المنظمات عن السلطة التنفيذية في جنوب كوردستان و عن الأحزاب السياسية في كافة أرجاء كوردستان، لخلق ظروف جيدة لهذه المنظمات لأداء مهامها و و دورها في المجتمع الكوردستاني.

سيادة الجو الديمقراطي في داخل الأحزاب الكوردستانية، تعمل على خلق قيادات جماعية منسجمة في هذه الأحزاب و بذلك يوفّر فرصاً أوسع و أفضل لإتخاذ قرارات صائبة و تجنّب الأخطاء. كما أن القيادة الجماعية تسد الطريق أمام ظهور الدكتاتورية الفردية و بروز ظاهرة "الزعيم الأوحد" أو سيطرة العائلة و القبيلة على مقدّرات و قرارات الحزب. القيادة الجماعية تمنع أيضاً حدوث فساد مالي و إداري في الحزب أو تحدّ منه. الديمقراطية الحزبية تعمل كذلك على خلق و تنمية و تشجيع الكفاءات و المواهب الفردية التي تكون ثروة بشرية خلّاقة للحزب و للشعب على السواء. من الجوانب الإيجابية الأخرى للديمقراطية الحزبية هي أنها تعمل على الحد من النزاعات و الخلافات بين الأحزاب الكوردستانية و ذلك من خلال إسهامها في الحدّ من دور الخلافات الشخصية أو العشائرية في علاقة الأحزاب السياسية مع بعضها و وضع المصالح الوطنية فوق المصالح الشخصية و الفئوية و الحزبية.

إن سيادة الديمقراطية في تنظيم سياسي ما أو نظامٍ ما، تقود الى تبؤ الأشخاص للمواقع الحزبية أو الإدارية بالإستناد الى الكفاءة و الخبرة و المقدرة و وضع المصلحة الوطنية فوق كل المصالح الأخرى، حيث يتم إختيار المسئولين بطريقة ديمقراطية و بقرارات جماعية التي تضع الشخص المناسب في المكان المناسب. بالنسبة الى الديمقراطية في النظام السياسي، التي تنطبق على جنوب كوردستان و الى حد ما على غرب كوردستان، فأنه ينبغي إناطة المسئوليات و المهام و فتح أبواب التعيينات أمام الكوردستانيين على أساس المواطنة و الكفاءة، بعيداً عن أسس الإنتماء الحزبي.

المواطنة
إن بناء أنظمة سياسية على مبدأ المواطنة، بعيداً عن التمييز الإثني و القومي و الديني و المذهبي و الجنسي، يخلق مجتمعاً متجانساً، يشعر المواطنون في ظلها بروح الإنتماء الى الوطن و الدفاع عنه و يشترك أفراد الشعب في الثقافة و المصالح و الأهداف و المصير و هذا بدوره يقود الى التقدم و الإزدهار و الرفاهية. من هذا المنطلق، ينبغي أن تؤمن الأحزاب الكوردستانية بمبدأ المواطنة و تطبيقه عملياً في التعامل مع مختلف مكوّنات شعب كوردستان. إن الإنتماء الحزبي هو عمل تطوّعي يقوم به المواطن لخدمة شعبه و لذلك فأن هدف الإنتماء الحزبي هو ليس الحصول على الإمتيازات على حساب الشعب، بل هو خلق الرفاهية للشعب و تنمية البلاد و تطويرها.

حرصاً على التجربة الكوردستانية في الجنوب و على نجاح النضال الكوردستاني، أود هنا أن أشير الى ثلاث حالات لخرق مبدأ المواطنة و الكفاءة في جنوب كوردستان. هناك أعداد كبيرة تُقدّر بعشرات الآلاف من أعضاء الحزب الديمقراطي الكوردستاني و الإتحاد الوطني الكوردستاني قد تمت إحالتهم على التقاعد و يحصلون على رواتب تقاعدية من أموال الشعب. أغلب هؤلاء المتقاعدين لم يخدموا في صفوف البيشمەرگه و أنهم من الشباب القادرين على العمل. تمت إحالة هؤلاء على التقاعد فقط لكونهم ينتمون الى الحزبَين المذكورَين. هؤلاء الآن يؤدون مهام حزبية مقابل الرواتب التقاعدية التي يحصلون عليها، حيث يداومون ك"موظفين" في المقرات الحزبية. هذا الإجراء يخرق مبدأ المواطنة، حيث يتم تفضيل الحزبيين على المواطنيين الكوردستانيين الآخرين، كما تعمل الأنظمة الشمولية و الدكتاتورية. كما أن دفع أموالٍ طائلة كرواتب تقاعدية لهذا العدد الهائل من أعضاء الحزبَين الذين معظمهم قادرين على العمل، يستنزف خزينة الإقليم و يؤثر سلباً على تنمية الإقليم و تطويره و بناء البُنية التحتيه له و تقديم الخدمات للمواطنين و يؤدي الى إنخفاض مستوى المعيشة لسكان الإقليم. إحالة هؤلاء على التقاعد، خلقت جيشاً من العاطلين عن العمل الذين يتم إبعادهم عن المساهمة في بناء الإقليم و خدمته و زيادة الإنتاج و الإنتاجية. ينبغي وضع المصلحة الوطنية قبل كل شئ و التفكير ببناء و تنمية و إزدهار كوردستان بدلاً من المصالح الحزبية. يمكن تشريع قوانين عامة للتقاعد و الضمان الإجتماعي و البطالة في الإقليم ليحصل جميع المواطنين الذين أعمارهم ضمن سن التقاعد على رواتب تقاعدية طبقاً لخدماتهم الوظيفية. بالنسبة للذين لم يكن لهم عمل، أي لم يخدموا كموظفين أو عمال، ينبغي منحهم رواتب تقاعدية مقدارها يُعادل المبلغ المخصص للضمان الإجتماعي الذي مقداره يُعادل الحد الأدنى من مستوى المعيشة لضمان حياة معيشية كريمة للمواطنين. مبلغ الحد الأدنى لمستوى المعيشة يتغير بإستمرار تبعاً لتغيّر مستوى المعيشة في الإقليم. بالنسبة للعاطلين عن العمل، ينبغي إقرار قانون لتعويض العاطلين عن العمل بنسبة معقولة من رواتبهم ليكونوا قادرين على العيش بها.

الحالة الثانية هي عدم إستفادة الإقليم من خبرات و معلومات عشرات الآلاف من الأكاديميين و المهنيين الكوردستانيين المغتربين في الدول الغربية و الذين يحملون شهادات دراسية في مجال إختصاصاتهم و عدم إتاحة الفرصة أمامهم للمساهمة في بناء الإقليم و دمقرطة المجتمع، بسبب عدم إنتمائهم الى أحد الحزبَين الحاكمَين في الإقليم. إن هؤلاء ثروة بشرية نادرة لا يمكن الإستغناء عنهم، حيث أن العلماء و الباحثين هم الركيزة الأساسية في بناء و تطور و تقدم البلدان.

الحالة الثالثة هي مطالبة حكومة إقليم جنوب كوردستان للحكومات الغربية بعدم إعادة طالبي اللجوء من مواطني الإقليم الى وطنهم و بمنحهم اللجوء في البلدان الغربية. إن حياة هؤلاء لا تتعرض للتهديد و المخاطر في كوردستان و هذا يعني بأنهم غير مستحقين للحصول على اللجوء في بلدان أخرى حسب بنود الإتفاقيات و المعاهدات الدولية. كما أن مطالبة حكومة الإقليم بمنح اللجوء الى هؤلاء، تُسئ لحكومة الإقليم لأن منحهم اللجوء يعني أن النظام السياسي في الإقليم هو نظام مستبد، يضطهد مواطنيه. غالبية طالبي اللجوء من سكان الإقليم هم من الشباب و أن كوردستان بحاجة كبيرة لهم لبنائها و تطويرها، لذلك ينبغي إيجاد فرص الدراسة و العمل للشباب في الإقليم و إشباع إهتماماتهم و هواياتهم ليعيشوا في كوردستان و يخدموا شعبهم و بلدهم.

خلق مجتمع كوردستاني متجانس
يجب إستخلاص الدروس من التجارب الفاشلة لحكومات كثير من دول العالم، خاصة دول منطقة الشرق الأوسط و التي تتألف شعوبها من مجموعات إثنية و قومية و دينية و مذهبية متعددة، حيث حاولت الحكومات العنصرية و الدينية و الطائفية أن تُذيب القوميات و الأديان و المذاهب الأخرى في قوميتها و دينها و طائفتها، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل و خلقت مجتمعات متنافرة، عبارة عن خليط من المجاميع الإثنية و الدينية و المذهبية التي لا تربطها ثقافة و أهداف و مصالح مشتركة أو مصير مشترك، و بذلك عاشت هذه الشعوب و القوميات و الأديان و الطوائف ضمن كيانات سياسية واحدة لفترة زمنية طويلة دون أن تتمكن أن تصبح مجتمعات متجانسة، كما في حالة العراق و سوريا و "تركيا" و إيران و البحرين و السعودية و غيرها من الدول.

إن كافة القوميات و الديانات و المذاهب يجب أن تتساوى في كوردستان و أن تتمتع هذه القوميات و الإثنيات و الأديان و المذاهب الكوردستانية بحريتها و كافة حقوقها. لذلك يجب الإهتمام بثقافات و لغات و تأريخ و تراث و شعائر و طقوس و مناسبات القوميات في كوردستان و تطويرها و فتح مدارس و معاهد لتعليم أطفال القوميات غير الكوردية لغاتهم و تعريفهم بتأريخهم و تراثهم و أن يكون جميع مواطني كوردستان متساوين في الحقوق و الواجبات. كذلك ينبغي أن تتمتع الأديان و المذاهب و المعتقدات في كوردستان بكافة حقوقها و حريتها في ممارسة طقوسها و شعائرها و الإحتفاء بمقدساتها و مناسباتها الدينية و المذهبية و تعريف أطفالها في المدارس بأديانهم و تأريخ هذه الأديان و الإهتمام بمزاراتهم و تكاياهم و كنائسهم و حسينياتهم.

مبدأ المساواة بين المكونات الكوردستانية ينبغي أن يتم التمسك به من قِبل الأحزاب الكوردستانية و حكومة إقليم جنوب كوردستان لخلق مجتمع كوردستاني متجانس، تتمتع فيه كافة مكوناته الإثنية و القومية و الدينية و المذهبية و العقائدية بحقوق متساوية دون أي تمييز. إن هذا الأمر مهم جداً و ينبغي الإهتمام الكبير به لنشر ثقافة الديمقراطية و حقوق المواطنة و حرية التعبير و الإعتقاد و إنفتاح المكونات الكوردستانية على بعضها و التآلف بينها لخلق مجتمع ذي ثقافة و مصالح و أهداف مشتركة و مصير مشترك و ليشعر الجميع بالإنتماء الى وطنهم، كوردستان.

تأسيس أحزاب سياسية عصرية و منظمات للمجتمع المدني
إن معظم الأحزاب الكوردستانية هي أحزاب تقليدية "تعبانة" و لا تزال تعيش في زمن الحرب الباردة التي كانت سائدة في القرن السابق و أن قيادات هذه الأحزاب متأثرة بالأفكار الشمولية و الدكتاتورية و الشعور بالدونية و أن قسماً كبيراً من الأحزاب الكوردستانية  قائمة على أسس شخصية و عائلية و عشائرية و مناطقية. لهذه الأسباب فأن هذه الأحزاب عاجزة عن الإنفتاح على الأفكار و المبادئ و المفاهيم و القيم المعاصرة و قاصرة عن مواكبة التطور و المستجدات السياسية و الإقتصادية و الفكرية في كوردستان و في الدول المحتلة لكوردستان و في مراكز القرار الدولية. إن قيادات هذه الأحزاب قد ترسّخ فيها التعصب الحزبي و الفكر التقسيمي (الفكر الذي يُقسّم كوردستان الى أقاليم مستقلة و يعزلها عن بعضها، حيث يربط كل جزء من أجزاء كوردستان المحتلة بالدولة المحتلة له و بذلك يعمل هذا الفكر التقسيمي على تقسيم القضية الكوردستانية و تشتيت النضال الكوردستاني) اللذان يهددان النضال الكوردستاني و وحدة كوردستان. لذلك فأن هذه الأحزاب تعيش في عصر غير عصرها، تفتقد الى القدرة على قيادة شعب كوردستان و تحقيق إستقلال كوردستان و أنها في طريقها الى الزوال.

نتيجة عجز غالبية الأحزاب الكوردستانية الحالية في قيادة شعب كوردستان نحو التحرر و الإستقلال، فأن شعب كوردستان ، بحاجة الى تأسيس أحزاب سياسية عصرية، يُشكّل الشباب العمود الفقري لها، ليتسلم جيل الشباب المسئولية الوطنية و ليصبح جيلاً للإدارة و البناء و الدبلوماسية و تنظيم الجماهير و قيادة النضال الجماهيري الحضاري بدلاً من الكفاح المسلح الذي قاده الجيل القديم و تحمّل أعباءه. مثل هذه الأحزاب السياسية العصرية ستكون قادرة على التفاعل مع الأفكار و المبادئ و القيم الجديدة و مواكبة التطورات العالمية و الإقليمية الكبرى التي حدثت و تحدث في العالم و المنطقة و مؤهلةً لوضع إستراتيجية صائبة للنضال الكوردستاني و بالتالي تحقيق إستقلال كوردستان و تأسيس نظام سياسي ديمقراطي يُلبّي طموحات الشعب في الحرية و المساواة و العدالة الإجتماعية و الرفاهية و التقدم. ينبغي أن يعمل كل حزب سياسي على نطاق كوردستان كلها، في كل أجزاء كوردستان، و بذلك يتوحد النضال الكوردستاني على مستوى كوردستان كلها و يتم إنهاء الفكر التقسيمي الخطير الذي لا يزال عملياً يسود في كوردستان. من الأفضل أن يكون لكل حزب فرع رئيسي في كل إقليم كوردستاني، إضافةً الى قيادة عليا يتمثل فيها كل أجزاء كوردستان و كوردستانيو المهجر.

كما ينبغي إنشاء منظمات المجتمع المدني من نقابات و جمعيات و إتحادات مختلفة تقوم بنشاطاتها لتحقيق الأهداف الكوردستانية. يجب أن تكون هذه المنظمات مستقلة عن السلطة التنفيذية في حالة جنوب كوردستان و غير مرتبطة بأحزاب سياسية بالنسبة الى بقية أجزاء كوردستان التي تفتقد الى حكومات. تستطيع هذه المنظمات عقد لقاءاتها و إجتماعاتها و تواصلها مع البعض عن طريق اللقاء المباشر و الإنترنت و الفضائيات. كما ينبغي تأسيس جمعية لحقوق الإنسان للدفاع عن حقوق الكوردستانيين. ينبغي أن تكون هذه المنظمات موحدة تضم النقابات و الإتحادات و الجمعيات الكوردستانية في مختلف أنحاء كوردستان كما هو الحال بالنسبة للأحزاب السياسية.

mahdi_kakei@hotmail.com



38
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (2) – أسلاف الكورد: أقوام لولو و گوتي و كاساي

د. مهدي كاكه يي

تذكر دراسات تاريخية كثيرة بأن أصل الكورد هو شعب زاگروس القديم الذي عاش في وطنه، كوردستان منذ عشرات الآلاف من السنين. خلال الحُقب التأريخية التي مرت على شعب زاگروس، قامت الكثير من القبائل و الفروع التابعة للشعب الزاگروسي بتأسيس ممالك وإمبراطوريات وحضارات في المنطقة. من القبائل الزاگروسية التي أقامت الممالك و الإمبراطوريات في كوردستان، هي السوباريون والسومريون والإيلاميون واللولويون والكاشيون والخوريون - الميتانيون والأورارتيون والميديون والكاردوخيون.

إن طبيعة كوردستان الجبلية وكثرة الأنهار فيها لابد أن تكون قد لعبت دوراً كبيراً في ظهور ممالك كوردية عديدة أُقيمت من قِبل قبائل زاگروسية مختلفة و بشكل مستقل عن بعضها نتيجة وجود الجبال الشاهقة و الأنهار الكثيرة في كوردستان التي عزلت هذه القبائل عن بعضها بحيث تقوم في كثير من الأحيان بتأسيس ممالك مستقلة خاصة بها بدلاً من مملكة موحدة. هكذا يمكن للمرء أن يكتشف بأن أصل الكورد يرجع الى هذه القبائل الزاگروسية التي سكنت كوردستان منذ زمن سحيق في القِدم (إرشاك سافراستيان: الكرد وكردستان. ترجمة الدكتور أحمد خليل، بيروت،2007 ،صفحة 23؛ محمد أمين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 74-80).

المصادر الآشورية في الألفَين الثاني والأول قبل الميلاد تشير الى مدى التقارب اللغوي والإجتماعي والحضاري بين هذه القبائل والأقوام الزاگروسية التي هي الأصول القديمة للشعب الكوردي ((دياكونوڤ: ميديا. ترجمة وهيبة شوكت، دمشق، الناشر محمود أيوب، 1998)

سأركز هنا على جغرافية و تأريخ الممالك الزاگروسية لتبيان كون بلاد آشور كانت موطناً لأسلاف الكورد قبل تأسيس مملكة آشور ولإلقاء الضوء على العلاقة بين الآشوريين وأسلاف الكورد وخاصة السوباريين، حيث أن غالبية سكان بلاد آشور كانوا من الأقوام الزاگروسية الكوردية.

شعب لولو
يُسمّى أيضاً شعب لولوبوم وكان يقطن في القسم الشمالي من جبال زاگروس في منطقة زهاو وشهرزور والسليمانية خلال الالف الثالث قبل الميلاد. خلال الألف الثالث قبل الميلاد، قام شعب لولو بتأسيس مملكة "خمازي" في منطقة السليمانية الحالية في جنوب كوردستان. نصوص رسالة مسمارية تشير الى وجود تحالف بين مملكتَي خمازي وإيبلا الكورديتَين للتعاون معاً في  حماية المملكتَين من التهديدات الخارجية (الدكتور فوزي رشيد: مملكة خمازي، مجلة كاروان، عدد 21، دهوك، 1984، صفحة 144)، وفيما بعد إندمج شعب لولو مع الشعب الگوتي (محمد امين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 60)، بينما يذكر توفيق سليمان بأن بلاد اللولو إمتدت الى بحيرة أورميا (توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسية القديمة. الطبعة الأولى، دار دمشق للطباعة والصحافة والنشر، 1985، صفحة 132) وكان قسم من اللوليين يقطنون في غرب كوردستان الحالي (مصدر رقم 1).

في عام 3700 قبل الميلاد، تمّ أقدم ذكر لشعب لولو في الكتابات المسمارية في لوحة مكتوبة في عهد الملك الأكدي "نارام سين" التي عثر عليها الميجر ادموندز في مضيق گاور الواقع في جبال قرداغ في جنوب كوردستان الحالي، حيث كتب الميجر ادموندز مقالة حول هذا الموضوع بعنوان "أثران قديمان في كوردستان" في مجلة "جيوگرافيك جورنال". كما أنه في زهاو الواقعة في شرق كوردستان الحالي، تم العثور على حجر منقوش يعود لعهد ملك اللولو (آننو بانيني) و تأريخ الحجر المذكور يرجع الى عام 2800 قبل الميلاد (محمد امين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، هامش صفحة 60). يشير العلامة محمد أمين زكي أيضاً بأن المستشرق هوزينگ يقول بأن لغة شعب لولو كانت من نوع اللغات الإيلامية (نفس المصدر السابق، صفحة 61) و كما يرى المؤرخ سپايزر بأن هناك أيضاً تشابه لفظي بين لغة شعب لولو و الشعب الهوري (الخوري) و أن اللولويين هم أسلاف الشريحة اللورية الكوردية (مصدر رقم 1).

الوثائق الآشورية تشير الى أن بلاد اللولو كانت متقدمة جداً في مجالات الصناعة والعمارة والفنون بحيث أن الملك الآشوري (آشور ناصرپال) قام بنقل الكثير من أرباب الفنون والصناعات من سكان بلاد لولو الى بلاد آشور (مصدر رقم 2؛ جمال رشيد أحمد وفوزي رشيد: تاريخ الكرد القديم، أربيل، 1990،صفحة 27- 28).

يقول البروفيسور كمال مظهر بأن هناك صلة وثيقة بين اللولويين والهوريين (الخوريين)، حيث أن الشعب الكوردي هم أحفاد هذين القومَين وأن اللوليين قاموا ببناء مدينة كركوك ويومذاك كانت كركوك تُعرف بإسمَين، أرابخا واليلاني والتي تعني مدينة الآلهة، بينما الهوريون أطلقوا إسم "نوزي" على مدينة كركوك (الدكتور كمال مظهر: كركوك و توابعها - حكم التاريخ والضمير - دراسة وثائقية عن القضية الكردية في العراق، وزارة الثقافة، كوردستان، 2004، صفحة 5).

الگوتيون
 ينتمي الگوتيون الى شعب زاگروس و كان موطنهم الأصلي هو القسم الأوسط من جبال زاگروس وأنهم الأصل الأول للشعب الكوردي (مصدر رقم 1، صفحة 117). ظهر إسم گوتي  في الألف الثالث والثاني قبل الميلاد. يشير العلامة محمد أمين زكي بأن حدود بلاد الگوتيين كانت تمتد من أرمينية الى كيموخي (طور عابدين) (محمد امين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التارخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 61، 62). كما يذكر المستشرق الروسي دياكونوڤ بأن الشعب الگوتي كان يقطن في شرق وشمال غرب بلاد لولو، في كل من كوردستان وأذربيجان و كانت أرّابخا (كركوك) عاصمةً لمملكة الگوتيين وفيما بعد تم إطلاق إسم ال"گوتيين" على جميع الأقوام التي كانت تعيش في شمال شرقي بابل (دياكونوڤ: ميديا. ترجمة وهيبة شوكت، دمشق، الناشر محمود أيوب، 1998، صفحة 109، 110). كما يقول الدكتور جمال رشيد بأن الگوتيين عاشوا في المناطق المنحصرة بين نهر الزاب الأسفل ونهر ديالى، حيث شكّلت كركوك وتوابعها مركز بلادهم (جمال رشيد: ظهور الكرد في التاريخ، الجزء الأول، صفحة 547). يقول المؤرخ سپايزر أن الگوتيين كانوا موجودين في بلاد سومر قبل تأسيس الحكومات فيها بزمن غير قصير (مصدر رقم 1، صفحة 99). حكم الگوتيون لمدة حوالي 200 عاماً وحكموا وسط وجنوب العراق لمدة 125 عاماً (جورج رو: العراق القديم، ترجمة حسين علوان حسين، بغداد، 1984،صفحة 215). إستولى ملك أور السومري (أتو - هيگال) على بلاد الگوتيين الذين إضطروا الى العودة الى موطنهم الأصلي في جبال زاگروس (مصدر رقم 3). فيما بعد إندمج الگوتيون مع اللوليين و أصبحت بلادهم جزءً من بلاد اللولو (محمد امين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التارخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 90).

شعب كاساي (الكيشيون ،الكاسيون)
إن شعب كاساي (كاششو) المذكور في زمن الأكاديين أو (كوش) الذي تم ذكره في الكتاب المقدس وفي الروايات البابلية، هو من شعوب زاگروس. إستوطنوا بادئ الامر منطقة كرماشان (كرمانشا ، قرمسين ) وكانوا يعملون كفلاحين ومزارعين ويقومون بتربية الخيول وكانوا متقدمين في العمران والفنون والصناعة وفن الكتابة والخط (طه باقر: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة . الجزء الأول، بغداد، 1973، صفحة 454 - 456).

في سنة 1746 قبل الميلاد، قام الكاسيون، بمشاركة الگوتيين واللوليين، بقيادة الزعيم (غانديش) بالإستيلاء على بلاد سومر وأكد، حيث أسسوا حكومة قوية بإسم "كادونياش" ودام حكمهم هناك لحوالي ستة قرون (1746 – 1171 قبل الميلاد) (مصدر رقم 1). عند الإستيلاء على بابل، لم يتدخل  الكاسيون في أمور الحكومة الجنوبية لبابل (سومر) لفترة من الزمن، حيث حافظت الحكومة السومرية على كيانها السياسي لمدة ثلاثة قرون (2068 -  1710 قبل الميلاد)  (محمد امين زكي: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التارخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 93، 94؛ مصدر رقم 1). بعد إسقاط الحكومة الكاسية من قِبل الإيلاميين، عاد الكاسيون الى جبال زاگروس (لورستان).

إستمر الكاسيون في الوجود حتى القرن الأول الميلادي بهذا الإسم في لورستان الواقعة في شرق كوردستان الحالي، ثم إختفى إسمهم وحلّ محله إسم (اللور). ليس من المُستبعد أنه كان يُطلَق في بادئ الأمر إسم  (لور) على فرعٍ من الشعب الكاسي و ثم صار إسماً للشعب الكاسي بجميع فروعه (مصدر رقم 1).

كان الكاسيون وثنيين وكبير ألهتهم يُدعى "سرياش" أي آلهة الشمس وأن لغة الكاسيين كانت فصيلة من اللغات الآرية (مصدر رقم 1). كما أن العلاّمة محمد أمين زكي يذكر بأن المستشرق هوزينگ يشير الى أن اللهجة الكاشية مشابهة تماماً للغة شمالي إيلام وأن هناك بعض الأسماء والأعلام الكاسية تُشبه الأسماء الهورية.

المصادر الأجنبية

 
1. Speisere, Ephraim A. (1930). Mesopotamian Origins. The basic population of the Near East. Philadelphia.

2. Olmstead, A. T. (1923). History of Assyria. Chicago, USA.

3. Hall, H.R. (1919) The Ancient History near east. London, fourth Edition, page 186.

mahdi_kakei@hotmail.com

39
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (1) − كوردستان مهد السُلالات البشرية الأولى

د. مهدي كاكه يي

إن العولمة والتقدم الهائل في وسائل الإتصالات والمعلومات وبروز معالم نظام عالمي جديد، زادت من وعي الفرد والشعوب على السواء والذي بدوره أدى الى بدء الشعوب المقهورة والمسلوبة الإرادة بالإنتفاضة والثورة على المحتلين وعلى الحكومات العنصرية والشمولية البدائية المتخلفة وقاد الى التغييرات التي حصلت وتحصل في منطقة الشرق الأوسط وفي جنوب غرب آسيا وخاصة في الدول المحتلة لكوردستان وإنهيار صرح هذه الحكومات العنصرية المتخلفة وتأسيس إقليم شبه مستقل في جنوب كوردستان. كل هذه التطورات الإيجابية التي هي لصالح شعب كوردستان، خلقت ظروفاً ممتازة للقيام بدراسات وأبحاث علمية موضوعية حول التأريخ الكوردي لإكتشاف المعالم الحقيقية لحضارة الشعب الكوردي وتأريخه وعراقته وإمتداد جذور وجوده في وطنه الى عُمق التأريخ. هكذا بدأت الدراسات التأريخية الموضوعية تُجرى عن التأريخ العريق للشعب الكوردي وتنكشف محاولات المحتلين العنصريين في تزييف الحقائق حول التأريخ الكوردي وعراقة حضارته ولغته. لذلك إرتأيتُ أن أكتب نبذة مختصرة جداً عن إمتداد الوجود الكوردي في كوردستان في عمق التأريخ، حيث أن كوردستان هي مهد السلالة البشرية الأولى والثانية، لتعريف قُرّاء العربية بتأريخ وحضارة الكورد للمساهمة في خلق شخصية كوردية ذات الإعتداد بالنفس والبعيد عن الشعور بالدونية والتبعية الناتجة عن إحتلال كوردستان لفترة زمنية طويلة وفرض ثقافات ولغات وحُكم محتلّي كوردستان على الشعب الكوردي. كما أن الهدف من هذه الدراسة هو كتابة تأريخ الشعب الكوردي بصورة علمية موضوعية مبنية على الحقائق ومستندة على مصادر موثوقة ودحض أكاذيب ودجل محتلي كوردستان حول تأريخ الشعب الكوردي وقيامهم بإلغاء وتعتيم وتشويه التأريخ الكوردي العريق وإدعائهم بحداثة الوجود الكوردي في المنطقة وكشف تزويرهم لتأريخ هذا الشعب العريق وفضح تضليلهم لشعوبهم، حيث أن كوردستان هي مهد الحضارة البشرية.

إن كوردستان هي مهد الحضارة البشرية إستناداً الى الآثار القديمة التي تم إكتشافها فيها، حيث يذكر العالم الأمريكي البروفيسور روبرت جون بريدوود بأن الإنتقال من حياة الصيد الى حياة الزراعة حدث في شمال كوردستان في حوالي عام 6000 - 10000 قبل الميلاد. كما أنه يضيف بأن الشعب الكوردي كان من أوائل الشعوب التي طوّرت الزراعة والصناعة ومن أوائل الشعوب التي تركت الكهوف لتعيش في منازل بها أدوات منزلية متطورة للإستعمال اليومي وأن الزراعة وتطوير المحاصيل قد وجدتا في كوردستان منذ (12) ألف سنة، إنتشرت منها إلى ميزوبوتاميا السفلى، ثم إلى غرب الأناضول ثم إلى الهضبة الإيرانية ثم وصلت منذ ثمانية آلاف سنة إلى شمال أفريقيا ثم أوروبا و الهند. يضيف هذا العالم الأمريكي بأن الكثير من المحاصيل التي نعرفها الآن، كالقمح والذرة والشعير قد إنطلقت من كوردستان. حول الصناعة، يؤكد البروفيسور المذكور بأن الموقع الآثاري "چيانو" الواقع في شمال كوردستان يمكن أن يُطلق عليه إسم أقدم مدينة صناعية في العالم، حيث يُستخرج منه النحاس إلى يومنا هذا، كما عُثر فيه على صلصال دُوّن عليه التبادل التجاري.

في شمال كوردستان، في موقع "چيانو" و الذي يعني بالكوردية "الجبل الجديد"، الذي يقع في شمال غرب مدينة آمد (ديار بكر)، تم إكتشاف آثار تعود الى أكثر من سبعة آلاف سنة قبل الميلاد و كان عدد المساكن فيه يتراوح ما بين 25 و50 بناية وكان فيه أيضاً مخزناً لحفظ المواد. تم العثور في هذا الموقع أيضاً من قِبل عالم الآثار "روبرت بريدوود" وفريقه التنقيبي على أقدم قطعة قماش في العالم والتي تمت حياكتها في حوالي عام 7000 قبل الميلاد. كما يُعتبر موقع "چيانو" مهد تصنيع النحاس، حيث تم فيه إكتشاف بعض الأدوات النحاسية التي يرجع تأريخها الى عام 7200 قبل الميلاد (مشاهدات بريطاني عن العراق سنة 1797، ترجمة  الدكتور خالد فاروق عمر، الدار العربية للموسوعات، بيروت، الطبعة الأولى، 2000).

في جنوب كوردستان، في كهف "زرزي" الواقع قرب منابع نهر الزاب الأسفل وعلى سفوح الجبال المقابلة لسورداش، تم العثور على آثار تعود الى أواخر العصر الحجري القديم، من قِبل عالم الآثار دوروثي گارود وهذه الآثار عمرها أكثر من 12 ألف سنة (الدكتور جمال رشيد والدكتور فوزي رشيد أحمد: تأريخ الكرد القديم، أربيل، دارالحكمة للطباعة والنشر، 1990، صفحة 27). عثر هذا العالِم في كهف "هزارميرد" الواقع قرب مدينة السليمانية على صناعة صوانٍ أولية و دلّت إكتشافاته على أنه كان هناك إتجاهاً متزايداً نحو الإعتماد على المنتوجات النباتية وأن أهل الكهف كانوا يعرفون الزراعة و تدجين الحيوانات (سيتون لوريد: بلاد الرافدين. ترجمة الدكتور سامي سعيد الأحمد، بغداد، دارالرشيد، وزارة الثقافة والإعلام العراقية، 1980، صفحة 22). لقد وجِدت في الكهفَين المذكورَين ملتقطات تعود للعصر الحجري القديم.

كما أن عالم الآثار روبرت بريدود من جامعة شيكاغو إكتشف في عام 1928 أدوات من الحجر في كهف "هزارميرد" تعود إلى العصر الحجري القديم الأوسط (مائة ألف عام قبل الميلاد) وهي مجموعة آثار حجرية من صنع الإنسان المسمى "نياندرتال" (الدكتور تقي الدين الدباغ و الدكتور وليد الجادر: عصور ما قبل التاريخ، بغداد، مطبعة جامعة بغداد، 1983).

يعد كهف (شانيدر) من أشهر الكهوف الأثرية في عصور ما قبل التأريخ في الشرق الأدنى ومنطقة غربي آسيا، حيث يُعتبر هذا الكهف من أقدم المستوطنات الزراعية في العالم (الدكتور تقي الدين الدباغ والدكتور وليد الجادر: عصور ما قبل التاريخ، بغداد، مطبعة جامعة بغداد، 1983، صفحة 136-140) ، حيث عُثر في كهف "شانيدر" على أول هيكل عظمي لإنسان النياندرتال يرجع تأريخه إلى العصر الحجري القديم (المستيري) والذي يرقى إلى ما قبل حوالي خمسين ألف سنة (الدكتور أحمد سوسة، حضارة وادي الرافدين بين الساميين والسومريين، بغداد، دار الرشيد، 1980، صفحة 377). قام الأستاذ رالف. س. سوليكي بإكتشاف أربعة هياكل بشرية ذات مزايا إنسان النياندرتال في كهف شانيدر وذلك بين السنوات 1953 و1957 (أ.و.ل فيلجيفكسي: الأكراد: البداية والتاريخ الأثنوغرافي في الشعب الكردي، ترجمة الدكتور أحمد عثمان أبو بكر، مجلة شمس كردستان، العدد 86، بغداد، 1984). يقع هذا الكهف في جبال زاگروس عند الحافة الشمالية الغربية لسلسلة برادوست في جنوب كوردستان. إن الاختبارات التي أجراها المختصون تشير إلى أن الإستيطان الأول لإنسان النياندرتال في كهف شانيدر تم 100 ألف عام قبل الميلاد.

تم العثور في موقع (برده بلكه) الواقع في شمال شرق چمچمال الواقعة في جنوب كوردستان، على أدوات كثيرة من الحجر معظمها بهيئة فؤوس يدوية، يرجع تأريخها إلى العصر الحجري القديم، أي ما قبل نحو (مائة ألف سنة) (الدكتور أحمد سوسة، حضارة وادي الرافدين بين الساميين والسومريين، بغداد، دار الرشيد، 1980، صفحة 352؛ الدكتور جمال رشيد والدكتور فوزي رشيد أحمد: تأريخ الكرد القديم، أربيل، دار الحكمة للطباعة والنشر، 1990، صفحة 62).

قامت بعثة آثارية من جامعة شيكاغو برئاسة عالم الآثار روبرت بريدوود بالتنقيب في قرية جرمو الأثرية التي تقع أسفل جبال زاگروس في شرقي مدينة كركوك. توصلت االبعثة الآثارية الى أن الإنسان القديم بنى قرية زراعية مستقرة في جرمو قبل أكثر من 9000 عام (الدكتور جمال رشيد والدكتور فوزي رشيد أحمد: تأريخ الكرد القديم، أربيل، دارالحكمة للطباعة والنشر، 1990، صفحة 28) وكان يعيش في هذه القرية ما بين 100 الى 150 شخصاً. كما وجدت فيها آثار تدل على قيام سكان القرية القدماء بتدجين بعض الحيوانات مثل الماعز والأغنام والكلاب وأنهم كانوا يزرعون الحنطة والشعير والبازلاء لإطعام أنفسهم وحيواناتهم (عبدالفتاح علي يحيى: كردستان مهد حضارة العصر الحديث، مجلة كاروان، العددان 96 و70، أربيل، 1988).

في غرب كوردستان، في كهف (الدودرية) الواقع بالقرب من قرية "برج عبدالو"، عثرت بعثة أثرية يابانية في عام 1992 على عظام طفل في الخامسة من عمره والذي يعود تأريخه إلى مائة ألف عام وقد أثبتت الإكتشافات الأخيرة هذه بأن المنطقة تعد بمثابة موطن السلالة البشرية الأولى، وعثر فيها أيضاً على بقايا صوانية وعظمة تعود إلى إنسان ما قبل التاريخ، الذي يعود إلى الدور النياندرتالي (بابي ريبەر: نظرة على ماضي وحاضر جبل ‏الكرد، مجلة متين، عدد 29، صفحة 111-114).

في شرق كوردستان، في كهف "بيستون" الواقع قرب كرمانشاه وكذلك في كهف "تامتاما" الواقع قرب بحيرة أورمية، تم العثور على أدوات مصنوعة من الصوان من قِبل عالم دراسات الإنسان (الأنثروبولوجيا) الأمريكي كاريلتون كوون سنة 1949 وهذه الأدوات تشبه تلك التي إكتشفته دوروثي جارود في كهف (هزارميرد) وهذا يدل على أن الذين سكنوا في هذه الكهوف كانوا من نفس النوع من البشر أي أنه كانت هناك علاقة مشتركة بين الأقوام التي أنتجت تلك الاثار الحضارية {الدكتور سامي الأحمد ورضا جواد الهاشمي: تأريخ الشرق الأدنى القديم (إيران والأناضول)، بغداد، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي صفحة 39 (تأريخ إصدار الكتاب غير مذكور)}.

يقول المستشرق الإنكليزي البروفيسور إدوارد براون بأن الآثار التي تم إكتشافها في شوش (سوسه) في إيلام، تُقدّر أعمارها بحوالي 20 ألف سنة. يضيف هذا البروفيسور بأنه فيما لو تستمر التنقيبات في شوش، فأنها ستقود بلا شك الى العثور على أدوات وأشياء أقدم من تلك التي تم إكتشافها (إدوارد براون، تأريخ الادب في ايران. ترجمة أحمد كمال الدين حلمي، الجزء الأول، الكويت، 1984، صفحة 185).

ملاحظة: المصدر الرئيس الذي تم الإعتماد عليه في كتابة هذا القسم هو مقال المؤرخ عثمان يوسفي، الباحث في جامعة طهران، المعنون {تاريخ كُردستان (على ضوء المكتشفات الاثرية)}.

لمعرفة الآثار المكتشفة في كوردستان بالتفصيل، يمكن الإطلاع على المقال المذكور في الرابط أدناه:

http://www.hawzah.net/fa/article/articleview/90794

mahdi_kakei@hotmail.com


40
(تركيا)  .....   الى أين؟  (32) – إستراتيجية النضال التحرري الكوردستاني

3. رفع شعار إستقلال كوردستان


د. مهدي كاكه يي

من خلال التمعن في الواقع الكوردستاني، يظهر بعض الحقائق المهمة المتعلقة بالقضية الكوردستانية. هذه الحقائق هي عوامل مؤثرة جداً على القضية الكوردستانية، بل أنها تُحدد الخيارات الكوردستانية الهادفة الى تحقيق حرية شعب كوردستان و تحرير وطنه. لذلك ينبغي أن تؤخَذ هذه الحقائق بنظر الإعتبار عندما يتم البحث عن حل القضية الكوردستانية و إختيار الشعار الذي ستتبنّاه القيادة الكوردستانية لمثل هذا الحل و لوضع إستراتيجية متكاملة و ناجحة للنضال الكوردستاني.

الحقيقة الأولى: إن كوردستان بلد محتل من قِبل عدة دول و لذلك فهي مجزأة، كل جزء يتبع سياسياً و ثقافياً و لغوياً و إقتصادياً و إجتماعياً للدولة المحتلة له و التي تنهب أيضاً الثروات الطبيعية الهائلة لكوردستان. نتيجة واقع التجزئة و مؤامرات الدول المحتلة لكوردستان و إنعدام قيادة وطنية كوردستانية محنّكة، أصبح النضال الكوردستاني مجزأً و مشتتاً، حيث أن كل جزء من أجزاء كوردستان يناضل بمعزل عن الأجزاء الأخرى، بل أن الأقاليم الكوردستانية في أحايين كثيرة تحارب بعضها البعض بدلاً من توحيد نضالها ضد محتلي كوردستان.

كما أن كل جزء محتل من كوردستان قام بتأسيس تنظيمات سياسية خاصة به، بدلاً من تنظيمات سياسية موحدة تضم كافة أجزاء كوردستان و بذلك يقرّ القادة السياسيون الكورد عملياً بتجزئة كوردستان و الإعتراف بالواقع الكوردستاني الحالي و بحدود الدول المحتلة لكوردستان التي رسمتها الدول الإستعمارية و عمل هؤلاء القادة و لا يزالون يعملون على تجزئة النضال الكوردستاني و تفريق و إضعاف قوة الكوردستانيين.

الحقيقة الثانية: إن الخطورة الكبرى التي يواجهها شعب كوردستان تكمن في أن إستعمار كوردستان هو إستعمارٌ إستيطاني، حيث تدّعي الدول المحتلة لكوردستان بأن شعب كوردستان هو جزء من الشعب التركي في "تركيا" و من الشعب العراقي في العراق و أنه جزء من الشعب العربي في سوريا و جزء من الشعب الإيراني في إيران و أن كوردستان هي جزء لا يتجزأ من أراضي هذه البلدان المحتلة لكوردستان. أي بكلامٍ آخر فأن الدول المحتلة تعتبر كوردستان مُلكاً لها و بذلك تُجرّد شعب كوردستان من هويته و تُلغي وجود كوردستان كوطن للكوردستانيين.

هذا الإستعمار الإستيطاني يُشكّل خطراً جدّياً على وجود الشعب الكوردستاني كشعبٍ مستقل له حضارته و ثقافته و تأريخه العريق. لِكي يدوم إستمرار الإستعمار الإستيطاني لكوردستان، يعمل المحتلون على إزالة آثار وجود الشعب الكوردستاني، حيث عملت حكومات الدول المحتلة لكوردستان و لا تزال تعمل على تعريب و تتريك و تفريس كوردستان و شعبها، حيث قامت بتشريد ملايين الكوردستانيين من أماكن سكناهم في كوردستان و ترحيلهم قسراً الى المناطق العربية و التركية و الفارسية في كل من (العراق و سوريا) و "تركيا" و إيران على التوالي و تم إحلال العرب و الترك و الفرس محلهم و تم إغتصاب ممتلكاتهم. كما تم تغيير عشرات الآلاف من الأسماء الكوردية للشوارع و الأماكن و القرى و المناطق و المدن الكوردستانية لإلغاء الوجود الكوردي في وطنه و على أرضه التأريخية. نتيجة هذه السياسة الإستعمارية الإستيطانية، تم تتريك و تعريب و تفريس الملايين من الكوردستانيين و تقلصت و إنكمشت حدود كوردستان.

الحقيقة الثالثة: قامت الحكومات العنصرية الحاكمة للدول المحتلة لكوردستان، بترسيخ الفكر القومي العنصري و الإستعلائي في نفوس شعوبها و تلقينها بمعلومات كاذبة مشوهة عن الشعب الكوردي و أصله و تأريخه و حضارته ضمن مخطط مبرمج لخلق عداءٍ قومي بين شعب كوردستان من جهة و الشعوب التركية و الفارسية و العربية من جهة أخرى لكسب هذه الشعوب الى جانبها للمساهمة في إنجاح مخططاتها العنصرية بِمحو شعب كوردستان كشعب و تتريك و تفريس و تعريب كوردستان لسرقتها و نهب ثرواتها.

هذا المخطط العنصري لغسل أدمغة الشعوب التركية و الفارسية و العربية تمّ و يتم عن طريق وسائل الإعلام و مناهج التعليم و عن طريق زج هذه الشعوب في حروب كارثية و تجويعها و تجهيلها و نشر الأمية في صفوفها لتسهيل عملية غسل أدمغتها و إنقيادها الى القبول و الإيمان بالفكر العنصري لحكوماتها و خلق مواقف عنصرية و عدائية من حق الشعب الكوردستاني في الحرية و الإستقلال كأي شعب آخر من شعوب العالم.

هذه الحكومات نجحت الى حد كبير في إقناع شعوبها بأن كوردستان هي أرض تركية (القسم المحتل من قِبل "تركيا") و عربية (القسم المحتل من قِبل العراق و سوريا) و إيرانية (القسم المحتل من قِبل إيران). هذا النجاح للحكومات المحتلة لكوردستان خلق شرخاً كبيراً في العلاقة بين شعب كوردستان من جهة و الشعوب التركية و الفارسية و العربية من جهة ثانية و الذي عمل على جعل تمتع كوردستان بإستقلالها من الأمور الصعبة من خلال الوسائل السلمية و من خلال الحوار و التفاهم و الإتفاق و في نفس الوقت قاد الى جعل النضال الكوردستاني أكثر صعوبةً.

لو أُعطيت الشعوب التركية و الفارسية و العربية فرصةً جيدة لتكون واعية و مُدرِكةً لمصالحها، لَكانت هذه الشعوب تتحالف مع شعب كوردستان لتحريرهذا الشعب من الإحتلال و تحرير هذه الشعوب نفسها من حكوماتها الدكتاتورية و العنصرية لتحقيق الحرية و العيش الكريم لنفسها و لشعب كوردستان و لَقامت ببناء أنظمة ديمقراطية في بلدانها، تنعم بالحرية و السلم و الأمان و الإزدهار. إن مصالح شعب كوردستان تلتقي مع مصالح شعوب الدول المحتلة لكوردستان للقضاء على الأفكار الشمولية و العنصرية المتخلفة و بناء دول ديموقراطية تعمل حثيثاً للإلتحاق بالدول المتقدمة المتحضرة و المساهمة في خدمة الإنسانية و تعمير و تطوير كوكبنا الأرضي.

الحقيقة الرابعة: إن الدول المحتلة لكوردستان يتم حكمها من قِبل حكومات شمولية عنصرية متخلفة، حاولت و تحاول إلغاء وجود الشعب الكوردي و إلغاء هويته و لغته و تأريخه و ثقافته و تراثه. إن هذه الحكومات العنصرية تستخدم العنف و كل الوسائل الأخرى للقضاء على شعب كوردستان و إعاقة نضاله من أجل التحرر و إستقلال بلاده، بما فيها القيام بالإبادة الجماعية و إستخدام الأسلحة الكيميائية و فرض الحصار الإقتصادي و إتباع سياسة الأرض المحروقة و هدم عشرات الآلاف من القرى و المدن الكوردستانية و تشريد سكانها و حرق غابات كوردستان و تدمير بيئتها و العمل على إلغاء الهوية و اللغة الكوردية و التأريخ الكوردي العريق و محو و إزالة ثقافة و تراث شعب كوردستان.

الحقيقة الخامسة: إن شعوب الدول المحتلة لكوردستان هي شعوب متخلفة نتيجة أسباب عديدة لا مجال هنا في الخوض فيها و لذلك فهي غير مؤهلةٍ لبناء أنظمة حُكمٍ ديمقراطية و قبول التعددية و الرأي المختلف و الإعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، بما فيها تحرر شعب كوردستان.

نظراً لتأخر شعوب الدول المحتلة لكوردستان و عدم أهليتها لبناء أنظمة سياسية ديمقراطية في بلدانها في الوقت الحاضر و في المستقبل المنظور و قد يستغرق تأهيل هذه الشعوب و تطورها أجيالاً عديدة و لهذا السبب على الكوردستانيين أن يعرفوا هذه الحقيقة و على ضوئها يضعوا أهدافهم و إستراتيجياتهم و وسائل نضالهم.

الحقيقة السادسة: تتعاون و تُنسّق الدول المحتلة لكوردستان فيما بينها للوقوف بوجه تطلعات شعب كوردستان و منعه من أن يتحرر من الإستعمار الإستيطاني و الإحتلال و العبودية. رغم الخلافات السياسية و الثقافية و المذهبية و الإقتصادية و التأريخية القائمة بين الدول المحتلة لكوردستان، فأنها تتعاون معاً للإستمرار في إستعباد شعب كوردستان و الإستمرار في إحتلال بلاده و نهب ثروات كوردستان.

هذه الحقائق السالفة الذكر تؤكد على إستحالة بناء أنظمة سياسية ديمقراطية في الدول المحتلة لكوردستان على الأقل خلال المستقبل المنظور، بحيث تعترف أنظمة الدول المحتلة لكوردستان بحق الشعب الكوردستاني في تقرير مصيره بنفسه و أن يكون ندّاً متكافئاً لهذه الشعوب.

لا تزال القضية القومية تلعب دوراً كبيراً في دول ديمقراطية متقدمة و متطورة، حيث أنه من المتوقع أن تنال شعوبٍ كثيرة في الدول الغربية المتقدمة التي تعيش ضمن كيانات سياسية مشتركة، حريتها و إستقلال بلدانها. سيتوجه الاسكتلنديون الى صناديق الإستفتاء في العام القادم (1914) ليعلنوا عن إرادتهم في الإستقلال عن بريطانيا، علماً بأن السيد ألكس سايمون رئيس الحزب القومي الاسكتلندي، الذي يرفع شعار إستقلال اسكتلندا، هو الآن رئيس حكومة اسكتلندا، حيث يتمتع حزبه هناك بالأكثرية البرلمانية. الشعب الكتالوني و الباسك في إسبانيا يعملان بدورهما من أجل إستقلال بلدَيهما عن إسبانيا. في بلجيكا، شعب الفلامان (الفلامنج) الناطق باللغة الهولندية و شعب الوالون (الوالس) الناطق باللغة الفرنسية، لا ينسجمان معاً في العيش المشترك في بلجيكا و من المحتمل جداً أن يستقل هذان الشعبان في المستقبل المنظور و يؤسسان دولتَين مستقلتَين على أنقاض مملكة بلجيكا الحالية. شعب كيوبك الناطق بالفرنسية يناضل من أجل الإستقلال عن بقية سكان كندا الناطقين باللغة الإنكليزية. إذا كانت الدول الغربية الديمقراطية التي قد تسبق الشعوب المتأخرة، مثل الشعوب التركية و الفارسية و العربية، في التقدم و التطور بمئات السنين، لا تستطيع حل التعدد الإثني في بلدانها فكيف يستطيع شعب كوردستان العيش مع الشعوب المتأخرة للدول المحتلة لكوردستان ضمن كياناتها السياسية الحالية؟!

نقطة مهمة أخرى لابد الإشارة إليها وهي أن القضية الكوردستانية غير معنية بجزء مُعيّن من كوردستان و علاقة ذلك الجزء بالحكومة المحتلة له، بمعزل عن الأجزاء الأخرى، و بكلام آخر فأن القضية الكوردستانية هي قضية واحدة لشعب واحد، محتل وطنه من قِبل عدة دول، لذلك لا يمكن حل القضية الكوردستانية بتجزئة هذه القضية الى عدة قضايا مستقلة و كل قضية تكون مرتبطة بإحدى الدول المحتلة لكوردستان بحيث يتم عزل الأقاليم الكوردستانية عن بعضها البعض، بل أن القضية هي قضية شعب كوردستان بأسره و حل القضية الكوردستانية يتم فقط على نطاق كوردستان بأكملها لأن القضية الكوردستانية هي قضية الكوردستانيين جميعاً و لا يمكن حلها ضمن نطاق كل دولة محتلة لجزء من كوردستان بمعزل عن الأجزاء الأخرى.

مما سبق، يتوصل المرء الى حقيقتَين مهمتَين، الأولى هي إستحالة تمتع الشعب الكوردستاني بحقوقه في المستقبل المنظور في ظل الدول المحتلة لكوردستان، حيث لا تعترف حكومات و شعوب الدول المحتلة لكوردستان بحق تقرير المصير لشعب كوردستان.

إن التطور الإجتماعي للمجتمعات البشرية عبارة عن عملية بطيئة جداً، لذلك فأن تطور شعوب البلدان المحتلة لكوردستان يستغرق أجيالاً عديدة، عندئذٍ قد يرتفع المستوى الفكري و وعي هذه الشعوب بحيث تتبنى النظام الديمقراطي و تتفاعل مع المفاهيم و الأفكار الإنسانية المعاصرة و تعترف بحق شعب كوردستان في تقرير مصيره و التعبير عن إرادته. الحقيقة الثانية هي أنه لا يمكن حل القضية الكوردستانية في كل جزء محتل من كوردستان بمعزل عن الأجزاء الأخرى، حيث أن تجزئة القضية الكوردستانية تعني تجزئة كوردستان وتشتت شعبها و نضاله. 

للأسباب السابقة الذكر، فأن رفع شعار الحكم اللامركزي أو الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو الكونفيدرالية من قٍبل شعب كوردستان للعيش تحت حكم الإحتلال، هو خطأ تأريخي فادح، حيث لا يمكن تحقيق تمتع الكوردستانيين بحقوقهم في ظل حكم عنصري شمولي و العيش مع شعوب متخلفة لا تقرّ بحقوق شعب كوردستان. كما أن رفع مثل هذه الشعارات للقبول بالعيش في ظل الدول المحتلة لكوردستان، هو إقرار صريح بقبول إحتلال كوردستان و تجزئة شعبها. إن تجزئة القضية الكوردستانية تعني أيضاً تجزئة النضال الكوردستاني و التي بدورها تؤدي الى إضعاف هذا النضال وتقليل فرص تحقيق طموحات شعب كوردستان، بينما تقوم الدول المحتلة لكوردستان بالتنسيق فيما بينها سراً و علناً لتتمكن من الإستمرار في إحتلال كوردستان و إستعمار شعبها و الوقوف بوجه تطلعات الكوردستانيين في التمتع بالحرية و الإستقلال و من أجل الإستمرار في نهب ثروات كوردستان.

إن عدم ثبات الشعارات التي ترفعها الثورات و التنظيمات السياسية الكوردستانية و ضبابيتها تؤديان الى عدم تحقيق الأهداف الكوردستانية و إرباك شعب كوردستان و نضاله، حيث أن الثورات و الأحزاب الكوردستانية تقوم بتغيير هدف نضالها بإستمرار كأنْ تناضل من أجل الإدارة اللامركزية أو الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو حق تقرير المصير أو الإستقلال.

إن عدم رفع شعار إستقلال كوردستان تجعل القضية الكوردستانية شأن من الشئون الداخلية للدول المحتلة لكوردستان و بذلك تتقوقع القضية الكوردستانية داخل حدود الدول المحتلة و المستعمرة و تمنعها أن تصبح قضية عالمية لشعب مستعمَر و بلاد محتلة تحتاج الى تدخّل الأمم المتحدة و الدول الكبرى و تلقّي الدعم و المساعدة منها ليتحرر شعب كوردستان من العبودية و الإحتلال.

فيما يتعلق بهذا الموضوع، يجب التأكيد على أنه لا يحق لفرد أو حزب أو مجموعة ما أن تقرر مصير شعب كوردستان، بل يجب رفع شعار إستقلال كوردستان ليتحرر من الإحتلال الإستيطاني و يعيش بكرامة و عزة في وطنه، حيث أنه ليس هناك شعب على كوكبنا الأرضي يرضى أن يكون عبداً في وطنه و أن تكون بلاده محتلة و ثرواته الطبيعية يتم نهبها من قِبل المحتلين.

mahdi_kakei@hotmail.com


41
(تركيا)  .....   الى أين؟  (31) – إستراتيجية النضال التحرري الكوردستاني

2. إختيار برلمان كوردستاني و تأسيس مجلسٍ للأمن الوطني الكوردستاني


د. مهدي كاكه يي

البرلمان
في الحلقة السابقة تحدثنا عن إيجاد مرجعية سياسية كوردستانية و التي ستُمثّل السلطة التنفيذية لكوردستان (الحكومة الكوردستانية) التي ستقوم بإدارة العمل لتحقيق أهداف النضال الكوردستاني. عدد أعضاء السلطة التنفيذية سيكون محدوداً و موزعاً على مختلف الإختصاصات و المجالات. الشعب الكوردستاني بحاجة أيضاً الى برلمان يقوم بسَنّ القوانين و الإشراف على عمل الهيئة التنفيذية و مراقبة أعمالها و تقييم أدائها و النظر في المقترحات المُقدّمة من قِبل هذه الهيئة و تصديق القرارات الصادرة منها، بالإضافة الى تمثيل الشعب الكوردستاني. يتم تحديد عدد أعضاء البرلمان الذين يمثلون كل إقليم كوردستاني تبعاً للنسبة المئوية لنفوس كل إقليم في كوردستان مع مراعاة تمثيل القوميات و الديانات و الطوائف الكوردستانية و النساء و الشباب في البرلمان. قد تُثير هذه المراعاة لتمثيل مكونات شعب كوردستان في البرلمان التساؤل عند البعض، إلا أن أخذ مثل هذا التمثيل في الإعتبار يكون ضرورياً في الوقت الحاضر و في المستقبل المنظور، حيث أن المجتمع الكوردستاني لا يزال مجتمعاً زراعياً متخلفاً بشكل عام و أن العائلة و العشيرة و القومية و الدين و المذهب تلعب دوراً كبيراً في حياته، كما أن هذا المجتمع هو مجتمع أبوي ذكوري، لا يزال الآباء يتحكمون بحياة بناتهم و أبنائهم الى حدٍ كبير و أن الرجل لا يزال متسيّداً على المرأة التي محرومة من حقها في المساواة بالرجل. بعد أن يتحضر و يتقدم المجتمع الكوردستاني، بحيث يصل الى مستوى الشعوب الغربية، حينذاك سوف يختفي دور القومية و الدين و المذهب و الجنس و العُمر في إدارة شئون البلاد، حيث يسود القانون و النظام و العدالة و مبدأ المواطنة و يتم بناء مؤسسات الدولة المدنية و التي يختفي فيها التمايز القومي و الديني و الطائفي و الجنسي و العُمري.

يمكن أن يكون عدد أعضاء البرلمان ما بين 500 الى 600 عضو. جنوب كوردستان له برلمان مُنتخَب من قِبل السكان، لذلك فأن أعضاءه هم ممثلون شرعيون للجنوب الكوردستاني و يمثلونه في البرلمان الجامع للكوردستانيين. قد تسمح ظروف غرب كوردستان الآن لإنتخاب برلمان له و أن يصبح أعضاؤه ممثلين لسكان هذا الجزء من كوردستان في البرلمان الكوردستاني العام. بالنسبة الى شمال و شرق كوردستان، يمكن إختيار ممثلين لسكانهما في البرلمان من ممثلي الأحزاب السياسية و منظمات المجتمع المدني و الشخصيات الوطنية و الأكاديميين الوطنيين، مع مراعاة الطبقات الإجتماعية و التوزيع الجغرافي للسكان و المكونات الكوردستانية القومية و الدينية و المذهبية و المرأة و الشباب.

إذا سمحت الظروف، من الأفضل أن يكون مقر البرلمان في جنوب كوردستان، حيث أنه لا يخفى أن موقف الحكومة التركية و الإيرانية هو موقف  سلبيّ جداً بل عدائيّ من إنبثاق برلمان يجمع شمل كافة الكوردستانيين و حتى لو أنهما قبِلا بوجود مقر البرلمان في أربيل، فأنهما ستحاولان و تسعيان الى إيجاد نفوذ في البرلمان المذكور و التحكّم في قراراته. أما إذا لم تسمح الظروف بذلك، فأنه يمكن أن يكون مقر البرلمان في دولة أوروبية.

ينبغي وضع دستور عصري لشعب كوردستان من قِبل لجنة قانونية مختصة يتم تكليفها من قِبل البرلمان الكوردستاني لهذا الغرض. إذا سمحت ظروف كوردستان بإجراء إستفتاءٍ شعبي عليه، فأن الدستور سيكون دستوراً دائمياً يتم الإلتزام بمواده من قِبل الهيئات القضائية و الشرعية و التنفيذية. فيما لو لم تسمح ظروف كوردستان بذلك، حيث تقف الحكومات المحتلة لكوردستان عقبةً في إجراء الإستفتاء، حينئذٍ يمكن لبرلمان كوردستان قبول أو رفض أو تعديل الدستور المقترح و في حالة قبوله من قِبل البرلمان، فأنه ينبغي أن يكون الدستور مؤقتاً، يسري مفعوله الى أن يكون ممكناً إجراء إستفتاء شعبي على الدستور في كافة أرجاء كوردستان. 

مجلس الأمن الوطني الكوردستاني
يحتاج شعب كوردستان الى تأسيس مجلس للأمن الوطني الكوردستاني الذي سيكون مجلساً إستشارياً يقوم بالأبحاث و الدراسات و التحليلات في مختلف المجالات و يقدّم نتائج دراساته بشكل توصيات و مقترحات و برامج و خطط، الى القيادة الكوردستانية لإدارة كوردستان و تطويرها و خدمة شعبها. ينبغي أن يتألف أعضاء هذا المجلس من علماء و خبراء و باحثين و أكاديميين في مختلف المجالات و أن يتشكل هذا المجلس من لجان عديدة تشمل مختلف الإختصاصات، مثل اللجنة القانونية و الإقتصادية و الصناعية و الزراعية و التعليمية و الثقافية و الإجتماعية و البيئية و الإعلامية و السياسية و العسكرية و لجنة العلاقات الخارجية و لجنة الجاليات الكوردستانية في المهجر ولجنة البحث العلمي و لجنة الأقليات القومية و لجنة الأقليات الدينية و المذهبية و غيرها، بحيث تتكامل في هذا المجلس كافة مجالات الحياة ليتكامل بدوره العمل الكوردستاني. يجب أن يتم إختيار أعضاء المجلس على أساس الكفاءة و الخبرة و الإختصاص، بعيداً عن تسييس المجلس و بعيداً عن الإعتبارات الحزبية و الشخصية، حيث يكون هذا المجلس مجلساً إستشارياً يقوم بشكل علمي برسم و تخطيط الإستراتيجية الكودستانية في مختلف مجالات الحياة و لذلك فأن المجلس سيكون له دوراً محورياً في وضع الإستراتيجية الإقتصادية و السياسية و الدفاعية و الأمنية و البيئية و البرامج و الخطط القصيرة و البعيدة المدى للسياسات المختلفة لكوردستان و تحقيق الإكتفاء الذاتي في مختلف المجالات، بما فيها الأمن الغذائي و الطاقة و المستلزمات المعيشية الأخرى و إنتاج السلاح قدر الإمكان.
 
بتأسيس هذا المجلس سيتم وضع خطط مدروسة، تصبح برامجاً تهتدي بها الجهات التنفيذية، و بذلك يُنهي المجلس الفوضى السائدة في برامج عمل الكوردستانيين و يحدّ من القرارات الفردية و الحزبية و الحكومية الآنية و الإرتجالية و سيقود شعب كوردستان الى حيث مجتمع المؤسسات و القانون و النظام و يُقدم برامج عملٍ و خطط متكاملة و متوازنة للقيادة الكوردستانية لتحديد آليات نضالها و تحالفاتها و لبناء و إدارة كوردستان و حماية أمنها الوطني و الغذائي و يضمن تحرر كوردستان و بناء دولة ديمقراطية تكفل الحرية و الكرامة و الرفاهية و العدالة الإجتماعية لمواطني كوردستان.

سيكون المجلس الوطني الكوردستاني بحاجة الى الحصول على معلومات كاملة و مفصلة عن كوردستان في مختلف المجالات للنجاح في دراساته و أبحاثه و تحليلاته ليتمكن من وضع توصيات صائبة و دقيقة و رفعها الى البرلمان الكوردستاني و الهيئة التنفيذية لكوردستان. يتم الحصول على هذه المعلومات الضرورية للمجلس عن طريق إجراء مسح عام في كوردستان لمعرفة العناصر المختلفة فيها، كمّاً و نوعاً، لرسم الخطط و البرامج على ضوئها. هذا المسح العام في كوردستان يمكن أن يشتمل على إجراء إحصائية في المجتمع الكوردستاني لمعرفة أعداد نفوس القوميات و الديانات و المذاهب الكوردستانية المختلفة، أعداد الرجال و النساء، المتعلمين و غير المتعلمين، درجة التحصيل الدراسي، عمر المواطنين، عدد المدارس و المعاهد و الجامعات، دخل الفرد، إنتاجية الفرد، الناتج الوطني، عدد العاطلين عن العمل، مساحة الأراضي الزراعية المزروعة و غير المزروعة، أساليب الإنتاج الزراعي، مساحة الأراضي الديمية و السيحية، مساحة الغابات، نوعية المحاصيل الزراعية و أشجار الفواكه و أشجار الغابات و كميتها، عدد الفلاحين و العمال و الموظفين والأكاديميين و الإختصاصات، أعداد القرى و طبيعة بناء مساكنها و مدى توفر الماء و الكهرباء فيها، عدد التلاميذ و الطلاب في المدارس الإبتدائية و المتوسطة و الإعدادية و المعاهد و الكليات و الإختصاصات فيها، الموارد الطبيعية، عدد أفراد قوات الشرطة و الأمن و العسكريين و عدد المراتب و الصنوف و الأسلحة و أنواعها و كمياتها، عدد المعامل و الشركات و نوعياتها، أنواع و كميات المنتوجات الصناعية ، عدد البنوك، أعداد الثروة الحيوانية الداجنة و الثروة الحيوانية البرية و نوعياتها، عدد السدود و الطاقة التخزينية لها و إنتاجها للطاقة، عدد وسائل المواصلات و نوعياتها و موديلاتها، صلاحية طرق المواصلات، أنواع الجرائم المرتكبة و أعدادها و مناطقها، أعداد المساجين و البرامج المتبعة لتأهيلهم، المناطق السياحية و الفنادق و المطاعم فيها، المناطق الأثرية في كوردستان و مواقعها، مصادر المياه و صلاحيتها للإستعمال البشري، عدد المدخنين و أعمارهم، عدد المدمنين على الكحول من رجال و نساء، عدد الأرامل، عدد المطلقين و المطلقات، عدد المعوّقين، عدد أفراد العائلة، عدد الحدائق العامة و المنتزهات و الى آخره من الأمور الضرورية لرسم خطة تنموية ناجحة و حفظ أمن الكوردستانيين و كوردستان. ينبغي أن تكون المعلومات مفصلة و مرسومة جغرافياً و نوعياً و كمياً للتمكن من تحقيق أهداف تنموية ناجحة. في الحقيقة أن الأمور المذكورة هنا هي مجرد أمثلة لنماذج و عيّنات المعلومات المطلوبة، حيث أن كل لجنة من لجان مجلس الأمن الوطني الكوردستاني ستكون مؤهلةً لوضع دراسة مسحٍ شامل في مجال إختصاصها و تحديد كافة المعلومات المطلوبة لعمل كل لجنة من لجان البرلمان لتتمكن من القيام بمهامها بنجاح و بشكل جيد. هذه المعلومات ضرورية بالدرجة الرئيسية لوضع برامج التنمية، بينما هناك معلومات أخرى تحتاج بعض لجان المجلس الوطني لدراساتها، مثل معلومات إقتصادية و سياسية و عسكرية و أمنية عن الدول المحتلة لكوردستان و الدول الإقليمية الأخرى بصورة خاصة و معلومات عن السياسة العالمية بصورة عامة، و خاصة سياسات الدول الكبرى تجاه إستقلال كوردستان و تجاه الدول الإقليمية الأخرى و إستراتيجياتها في منطقة الشرق الأوسط الكبير و العلاقات التي تربط الدول المحتلة لكوردستان مع بعضها من جهة و علاقات هذه الدول مع دول العالم، خاصة مع الدول الكبرى من جهة ثانية.

mahdi_kakei@hotmail.com


42
(تركيا)  .....   الى أين؟  (30) – إستراتيجية النضال التحرري الكوردستاني

1. إيجاد مرجعية سياسية كوردستانية

د. مهدي كاكه يي

إن القضية الكوردستانية هي قضية واحدة لا يمكن تجزئتها، لذلك فأن المواضيع المتعلقة بالشعب الكوردستاني في هذه السلسلة من المقالات، تخاطب المواطنين الكوردستانيين في كل مكان، حيث أنها تخص شعب كوردستان بأجمعه، فأنها تخص شمال كوردستان كما أنها تخص الأجزاء الأخرى من كوردستان، حيث أن الدور الذي تلعبه "تركيا" في معاداة النضال التحرري الكوردستاني، يؤثر بالدرجة الأولى على النضال التحرري للكوردستانيين الشماليين، إلا أن هذا الدور يؤثر أيضاً و بشكل كبير على النضال الذي يخوضه الكوردستانيون في الأجزاء الأخرى من كوردستان.

تمر منطقة الشرق الأوسط الكبير في الوقت الحاضر بتغييرات كبيرة و إتفاقية سايكس – پيكو الإستعمارية التي تم إبرامها في عام 1916 في طريقها الى الإنهيار و بدأت تلوح في الأفق ملامح خارطة جديدة للمنطقة و التي سيتم رسمها على أسس مبدأ حق شعوب المنطقة في تقرير مصائرها بنفسها دون وصايات أو فرض إرادات أجنبية. لقد قامت كل من بريطانيا و فرنسا بموجب الإتفاقية المذكورة بتقسيم المنطقة بشكل قسري، خدمةً لمصالحهما و خلقتا كيانات سياسية فضفاضة على أنقاض الدولة العثمانية، دون إحترام إرادة شعوب المنطقة و دون مراعاة الخصوصيات القومية و التأريخية و الثقافية و اللغوية لهذه الشعوب، و دون التفكير بإستحالة مزج شعوب متخلفة متنافرة و إجبارها على العيش المشترك ضمن كيانات سياسية مشتركة، و التي نتجت عنها ولادة كيانات سياسية مشوّهة، تعيش في كل منها خليط من شعوب متنافرة لا تربطها ثقافة مشتركة و تأريخ مشترك و لا تجمعها مصالح و أهداف مشتركة و كانت نتائج هذا الجمع القسري كارثية لشعوب المنطقة، حيث تعيش هذه الشعوب منذ ذلك الوقت في حروب و دمار و إراقة بحارٍ من الدماء و العيش في تخلّف في كافة مجالات الحياة و إستنزاف موارد بلدان المنطقة الغنية بمواردها البشرية و الطبيعية.

هكذا رغم مرور أكثر من تسعين عاماً على عقد إتفاقية سايكس – پيكو و التي بموجبها تم حشر شعوب المنطقة في كيانات سياسية مصطنعة دون إرادتها، فأن هذه الشعوب المتنافرة فيما بينها في كل كيان سياسي من الكيانات التي خلقها الإستعمار، لم تستطع خلق شعوب متجانسة و موحدة تجمعها ثقافة و مصالح و أهداف مشتركة و يربطها مصير واحد لتستطيع الإستمرار في العيش المشترك الذي تم فرضه عليها، بل أصبح هذا العيش القسري مصدراً للخلافات و المآسي و الحروب الطائفية و الإثنية و الدينية بين الشعوب و القوميات و الطوائف و الأديان المختلفة التي تم حشرها في هذه الكيانات السياسية المصطنعة و التي أدت بدورها الى فرض حالة التخلف و الجوع و الفقر و المرض و الفساد على هذه الشعوب المسلوبة الإرادة و خلقت أنظمة حُكمٍ دكتاتورية شمولية عنصرية طائفية متخلفة في هذه الكيانات السياسية المصطنعة و التي أرغمت شعوب كل كيان سياسي على العيش المشترك بإستخدام القوة و البطش و الإكراه و الإرهاب و القتل و السجن و التعذيب.

بناءً على ما تقدم، فأن تمتع شعب كوردستان بحقوقه السياسية و الإجتماعية و الثقافية و الإقتصادية من خلال التمتع بالحقوق الثقافية  أو الحكم الذاتي أو النظام الفيدرالي في ظل الدول المحتلة لكوردستان، هو أمرٌ مستحيل في الوقت الحاضر و في المستقبل المنظور، حيث ينجح هذا الأمر عندما تتحضر شعوب الدول المحتلة لكوردستان و تصبح هذه الدول دولاً ديمقراطية و هذه العملية تحتاج الى فترة زمنية طويلة جداً، تمتد لأجيالٍ عديدة و التي خلالها ينبغي على شعب كوردستان أن يناضل مع القوى "الديمقراطية" العربية و التركية و الفارسية و أن وجود مثل هذه القوى تكاد تكون معدومة بين العرب و الأتراك و الفرس في الوقت الحاضر. لذلك يجب النضال من أجل حرية الشعب الكوردستاني و إستقلال كوردستان و وضع مصلحة شعب كوردستان فوق المصالح الشخصية و العائلية و الحزبية و العشائرية و المناطقية و الإبتعاد عن الروح الأنانية و الرغبة الذاتية و تعريف الشعب الكوردستاني بذاته و حضارته و تأريخه و تراثه.

بعد تحرر شعوب المنطقة و إستقلال أوطانها و حصولها على هوياتها و حريتها، بضمنها إستقلال كوردستان و بناء دولتها المستقلة، و إقامة علاقات متكافئة بين شعوب المنطقة و من ثم بعد تحضّر شعوب المنطقة و تقدمها و الذي يستغرق أجيالاً عديدة، حينئذٍ قد تتطلب مصالح شعوب المنطقة الإقتصادية و السياسية و الأمنية أن تبادر دول المنطقة الى بناء إتحاد كونفيدرالي فيما بينها، على غرار الإتحاد الأوربي الذي يخطو خطوات حثيثة لتحويل الإتحاد الإقتصادي الذي يربط دولها الى إتحاد كونفيدرالي.

إيجاد مرجعية سياسية
إن شعب كوردستان يفتقر الى مرجعية سياسية موحدة تقود النضال التحرري الكوردستاني منذ إحتلال كوردستان.، في الوقت الحاضر، فأن شعب كوردستان بحاجة ماسة و مُلحة الى قيادة سياسية جامعة تُمثّل شعب كوردستان بأكمله و تُنهي بذلك حالة التشتت و التجزئة التي تُعاني منها شعب كوردستان و تزرع الوهن في جسده و اليأس في نفوسه، حيث يمر العالم بشكل عام و الشرق الأوسط الكبير بشكل خاص بتطورات و أحداثٍ تأريخية تُطيح بإتفاقية سايكس- پيكو الإستعمارية و تقود الى رسم خارطة سياسية جديدة للمنطقة التي تُراعى فيها إرادة الشعوب و حقها في تقرير المصير. لذلك على شعب كوردستان أن يبادر فوراً الى إيجاد مرجعية سياسية جامعة لكافة أجزاء كوردستان للنضال الدؤوب في خضم هذه التطورات الكبرى الحاصلة في المنطقة لجعل الشعب الكوردستاني قوة إقليمية متميزة في المنطقة، لا يمكن الإستهانة بها و إستبعادها و إهمالها في المعادلات و التوازنات الإقليمية في المنطقة و في الخارطة السياسية الجديدة للشرق الأوسط الكبير و بذلك يقوم شعب كوردستان بضمان إستقلال وطنه و التمتع بحريته و القيام بعلاقات متكافئة مع شعوب المنطقة و دول العالم أجمع و يكون حينئذٍ قادراً على المساهمة الفعالة من جديد في بناء صرح الحضارات الإنسانية و تقديم خدماته في تطوير حياة و معيشة الإنسان على كوكبنا الأرضي، كما فعل أسلافه الإيلاميين و السومريين و الميديين و غيرهم.

من أجل إيجاد مرجعية كوردستانية سياسية جامعة، ينبغي أن يتم عقد مؤتمر كوردستاني عام تشترك فيه الأحزاب الكوردستانية و الخبراء و المثقفون و الأكاديميون الوطنيون لتحديد هدف النضال الكوردستاني و إختيار وسائل هذا النضال و طرقه و أدواته لإنجاح النضال الكوردستاني و الوصول الى أهدافه المرسومة.

في الوقت الحاضر هناك مبادرة لإقإمة مؤتمر كوردستاني لجمع شمل كافة الكوردستانيين و من المؤمل أن يكون هدف إنعقاده هو تنظيم البيت الكوردستاني و الدفاع عن حق شعب كوردستان في تقرير مصيره و التمتع بحريته و بناء دولته المستقلة.

أود هنا أن أسجل بعض الملاحظات و المقترحات بصدد المؤتمر المذكور. إسم المؤتمر الذي من المؤمل إنعقاده في شهر تشرين الثاني 2013 هو "المؤتمر القومي الكوردي" و هذه تسمية خاطئة و خطيرة، حيث أنه يهمل القوميات الكوردستانية غير الكوردية، و أن القضية الكوردستانية لا تخص القومية الكوردية لوحدها، بل تخص كافة القوميات و الطوائف و الأديان الكوردستانية. أقول أن التسمية هي تسمية "خطيرة" لأنها تعزل الكورد عن الكوردستانيين من غير الكورد و تُمهّد الطريق عملياً لإنتهاج القادة السياسيين الكورد لنفس المسار العنصري للحكومات و التنظيمات العنصرية التركية و العربية و الفارسية و الوقوع في نفس الخطأ بل الجريمة الكبرى التي إقترفتها هذه الحكومات و التنظيمات بحق الشعوب التي هي ليست تركية أو عربية أو فارسية. إن كوردستان هي وطن جميع الكوردستانيين، بغض النظر عن قومياتهم و أديانهم و مذاهبهم و معتقداتهم، لذلك ينبغي إعادة النظر في إسم المؤتمر المزمع إنعقاده و تغيير إسمه الى "المؤتمر الوطني الكوردستاني"، حيث أن المؤتمر هو مؤتمر الكوردستانيين جميعاً و قراراته تؤثر على حياة الجميع بغض النظر عن القومية و أن كلمة "الوطني" تعني الأرض و الحدود و الهوية، إنها تعني وطن الكوردستانيين "كوردستان"، بينما كلمة "القومي" تعني "القومية الكوردية" التي قد لا تكون مرتبطة بالأرض و الوطن لأن هناك قوميات كثيرة في العالم ليس لها وطن خاص بها و هكذا فأن كلمة "القومي" تُلغي كافة القوميات و الأقليات الإثنية في كوردستان. كما أن كلمة "الكوردي" تعني أيضاً "الكورد" لوحدهم دون القوميات الكوردستانية الأخرى و في نفس الوقت فأن هذه الكلمة لا تدل و لا تشير الى وجود أرض محددة إسمها كوردستان و التي هي وطن جميع الكوردستانيين.

ينبغي توجيه دعوة لحضور المؤتمر المذكور الى الممثليين الحقيقيين للقوميات الكوردستانية غير الكوردية. كما أنه من الضروري أن تتم دعوة ممثلي أصحاب الديانات غير الإسلامية و الطوائف الإسلامية المختلفة، بحيث يتم تمثيل سكان الأقاليم الكوردستانية و الأحزاب و التنظيمات السياسية و تنظيمات المجتمع المدني و أصحاب الأديان و المذاهب المختلفة و الشباب و النساء و الشخصيات الكوردستانية الوطنية من مفكرين و أكاديميين و ناشطين، تمثيلاً متوازناً.  

إن إختيار مدينة أربيل ليكون مكاناً لإنعقاد المؤتمر الوطني الكوردستني له جوانب إيجابية عديدة مثل سهولة وصول المشاركين الى أربيل نتيجة قُربها من مناطق سكن غالبية المشتركين في المؤتمر، حيث أنهم يعيشون في كوردستان و عدم حاجة المدعويين الى الحصول على تأشيرة سفر (ڤيزا) و تحمّل حكومة جنوب كوردستان مصاريف المؤتمر بالإضافة الى إنعقاد المؤتمر على أرض الوطن و بين المواطنين الكوردستانيين الذي له دلالة كبيرة. من ناحية أخرى، فأن إختيار جنوب كوردستان مكاناً لإنعقاد المؤتمر يُعرّض حكومة جنوب كوردستان الى ضغوط دولية و إقليمية و خاصة من قِبل كل من "تركيا" و إيران، حيث ستؤثر على نتائج و قرارات المؤتمر المذكور و التي لا تكون في مصلحة شعب كوردستان و لا تُلبّي إرادة الكوردستانيين في التحرر و في إستقلال بلادهم. لذلك أقترح أن يتم إنعقاد المؤتمر في دولة أوروبية، بعيداً عن النفوذ التركي و الإيراني و تحديد موعد إنعقاده قبل فترة زمنية مناسبة ليتمكن المدعوون من الحصول على تأشيرة سفر و بالتالي يتم ضمان حضورهم للمؤتمر.

على ذكر مدينة أربيل، يذكر الدكتور زهدي الداوودي في مقال قيّم له بعنوان "لمحة عن تطور الكــورد منذ أقدم العصور حتى الآن" بأن إسم مدينة أربيل هو إسم سومري، حيث أن السومريين (أسلاف الكورد) قاموا ببناء هذه المدينة في حوالي عام 3000 قبل الميلاد، أي قبل ظهور الآشوريين و أن التسمية السومرية لهذه المدينة هي "أربيلوم" (للمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع و حول التأريخ الكوردي القديم، يمكن الإطلاع على المقال المذكور في الرابط الموجود في نهاية هذا المقال). تغيًر الإسم السومري لمدينة أربيل بمرور الوقت من "أربيلوم" الى "أربيل" ربما لتسهيل تلفظها. الإسم الكوردي لمدينة أربيل "هەولێر" هو إسمٌ محوّر ل"أربيلوم"، حيث أنه بمرور الوقت تم تحوير "أربيلوم" من قِبل الكورد الى "هەولێر". كلمة "أربيل" مؤلفة من كلمتَين سومريتَين هما "أر" التي تعني "الأرض" و "بيل" التي تعني "إله" و بذلك تعني "أربيل" أرض الإله" باللغة السومرية. لا تزال كلمة "أر" السومرية باقية في اللغة الكوردية، حيثُ تحولت الى "أرد".

إنطلاقاً من مصلحة شعب كوردستان، من الحكمة و الوطنية أن يكون على الأقل نصف المدعويين للمؤتمر الوطني الكوردستاني المزمع عقده في شهر تشرين الثاني 2013، من الوطنيين الكوردستانيين المستقلين الذين لا ينتمون الى التنظيمات الكوردستانية و ذلك لسد الطريق أمام المنافسات و الخلافات و التناحرات الحزبية بين التنظيمات السياسية الكوردستانية. في هذه الحالة سيتم تجاوز النظرة الحزبية الضيقة و الآيديولوجيا و يسود الفكر الوطني الكوردستاني في المؤتمر و يتم كذلك وضع المصلحة الوطنية الكوردستانية فوق المصالح الحزبية و الشخصية.

بعد تأسيس مرجعية سياسية كوردستانية، يمكنها تقديم طلب العضوية الى منظمة الأمم المتحدة لتصبح على الأقل عضوة مراقِبة في المنظمة الدولية الى أن يتم إستقلال كوردستان، حينئذٍ ستتمتع كوردستان بالعضوية الكاملة في المنظمة المذكورة. كما أنه ينبغي أن تقوم المرجعية السياسية الكوردستانية بعد ولادتها بفتح مكاتب و ممثليات في مختلف عواصم و مدن العالم لتعريف شعوب العالم بالشعب الكوردستاني عن طريق إقامة العلاقات مع مختلف حكومات العالم و مختلف المنظمات الدولية و التنظيمات السياسية و المؤسسات الإعلامية في العالم و القيام بمختلف النشاطات السياسية و الثقافية و العلمية و الفنية و الرياضية و إقامة الندوات و المحاضرات و المؤتمرات الصحفية و اللقاءات التلفزيونية و تنظيم الجاليات الكوردستانية في دول العالم و خلق لوبي كوردستاني في هذه الدول للمساهمة في تحقيق تحرر شعب كوردستان من الإحتلال و الإستعمار.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=238569

mahdi_kakei@hotmail.com

43
(تركيا)  .....   الى أين؟  (29)


الكفاح المسلح الكوردستاني في الميزان

د. مهدي كاكه يي

يتم إتباع حرب العصابات في كثير من دول العالم كوسيلة لتحرير بلدانٍ محتلة أو مستعمرَة أو لإسقاط سلطاتٍ حاكمة و إستلام الحكم كما حصل في روسيا القيصرية والصين وكوبا وفيتنام و كوردستان وغيرها. حرب العصابات المرتكزة على عمليات الكرٍّ و الفرّ وعنصر المباغتة و إجبار الجهة المعادية على نشر قواتها على رقعة جغرافية واسعة، تعمل على تشتيت هذه القوات و صعوبة السيطرة على هذه المنطقة الجغرافية الكبيرة. تتم حرب العصابات بين جبهتَين غير متكافئتَين في القوة، حيث يستعمل الجانب الضعيف هذا الأسلوب من الحرب لتجنب المواجهة الجبهوية للإستعاضة عن ضعفه و خلق توازن في القوة مع خصمه الأقوى لتكبيد الجبهة المقابلة خسائر بشرية ومادية كبيرة مقابل خسائر قليلة في صفوفه و ذلك بتجميع قواتٍ للتفوّق على الخصم في العدد والعُدّة و بعد تحقيق الهدف تتفرق القوات المجتمعة لتفادي مواجهة جبهوية مباشرة مع الفريق الآخر الأقوى. من خلال هذا الأسلوب من الحروب قد تتمكن قوة صغيرة أن تُكبّد قوة كبيرة خسائر بشرية ومادية كبيرة مقابل خسائر قليلة و بهذا يتمكن الجانب الضعيف المحافظة على قواته المعدودة العدد و العُدة و الحفاظ على موارده المالية المحدودة.

إن من أسباب إستخدام كوردستان كساحة لحرب العصابات من قِبل الثورات الكوردستانية هي
معرفة الثوار لتفاصيل جغرافية كوردستان و التي تُتيح لهم خوض حروب و معارك فيها بنجاح، حيث يعرفون بدقة المواقع الإستراتيجية التي يمكن التخندق فيها و الدفاع عنها و تكبيد المحتلين خسائر كبيرة و الوقوف بوجه هجمات المحتلين و شن هجمات مضادة على القوات المعادية. من خلال معرفة تضاريس كوردستان و جغرافيتها، يعرف الثوار الأماكن الصالحة للإختباء و الراحة و النوم و الإستحمام و مصادر التزود بالماء و الطعام و الملابس و الوقاية من البرد و الحر.

لِكون معظم الثوار من سكان القرى و الأرياف التي تدور الثورات المسلحة فيها، فأن الثوار يعتمدون على السكان المحليين في حصولهم على الغذاء و المأوى و أماكن آمنة للراحة و السكن و التزود بالمعلومات عن تحركات العدو و خططه و الحصول على الأسلحة و الأموال و أن السكان المحليين يكونون المصدر الرئيس للمقاتلين و تعويض الثوار للخسائر البشرية التي يتكبدونها و ذلك بإلتحاق المزيد من المزارعين و الريفيين بصفوف الثورات الكوردستانية.

تكمن وراء جعل كوردستان ساحةً وحيدة للثورات الكوردستانية، أسباب تأريخية. عبر التأريخ كان الكوردستانيون يلجأون الى جبالهم المحصنة كلما شعروا بالخطر، حيث أن كوردستان لها موقع إستراتيجي مهم و أنها بلد غني بموارده الطبيعية من زراعة و مياه و بترول و معادن و لهذا السبب تعرضت كوردستان الى الكثير من الغزوات عبر التأريخ، حيث تم إحتلالها و تقسيمها بين عدة دول. لولا التضاريس الجبلية الوعرة لكوردستان لربما كان يتم تعريب و تفريس و تتريك كوردستان بأكملها، بأرضها و سكانها، كما حصل بالنسبة لقسم كبير من المناطق السهلية من كوردستان و لسكانها الكورد.

كما أن الثوار الكوردستانيين بحاجة الى أن تُقام ثوراتهم على أرض كوردستان، حيث أنهم يستفيدون من منافذ الحدود مع الدول الأخرى للحصول على المساعدات العسكرية و اللوجستية و المعيشية و إتخاذ الأراضي الكوردستانية المحتلة من قِبل البلدان الأخرى كمناطق آمنة لهم. كما أن التواجد على الأرض الكوردستانية يرفع من معنويات الثوار و شعب كوردستان على السواء.

إن القيام بالثورات المسلحة في كوردستان و التخندق فيها و جعلها ساحةً وحيدةً للعمليات العسكرية الناشبة بين شعب كوردستان و محتليها، له آثار إجتماعية و صحية و نفسية و بيئية و إقتصادية كارثية، تؤثر على شعب كوردستان بشكل سلبي لأجيال عديدة. لذلك فأن أسلوب حرب العصابات الكلاسيكية الذي إتبعها القادة الكوردستانيون خلال الثورات التي تم القيام بها، كانت كارثةً كبرى لشعب كوردستان و كان على القادة الكوردستانيين أن يعرفوا المأساة الإنسانية و النتائج الكارثية على البنية الإجتماعية و النفسية و الإقتصادية و البيئية التي يُسببها جعل الأراضي الكوردستانية ساحةً للموت و الحروب و الدمار و التشرّد.

صحيح أنه في الأزمنة السابقة كانت حكومات الدول المحتلة لكوردستان تستعمل أساليب الإبادة الجماعية و القوة و البطش ضد النضال الكوردستاني، إلا أنه لو كانت هناك قيادات سياسية كوردستانية محنكة و كفوءة و مخلصة، لَكانت لا تتبع التقليد الأعمى لحرب العصابات التقليدية التي تم إتباعها في مناطق أخرى من العالم و لَكانت تدرس كافة الوسائل الممكنة للنضال الكوردستاني لضمان نجاح الثورات الكوردستانية من جهة و التقليل من التضحيات الجسيمة التي قدمها شعب كوردستان والمآسي التي تعرض لها بسبب إنحصار العمليات العسكرية ضمن حدود كوردستان من جهة ثانية. كما أن جميع الثورات القائمة في كوردستان إتبعت إستراتيجية دفاعية بدلاً من إستراتيجية هجومية و بذلك كانت القوات الكوردستانية تتحصن في الجبال و تسمح للقوات المحتلة أن تهاجم كوردستان و تُبيد البشر و الحيوانات و الزرع و تُدمّر كوردستان و تُشرّد مواطنيها و تقوم بأنفلتهم و إبادتهم بالأسلحة الكيميائية و التقليدية. نعم كان في وسع قيادات الثورات الكوردستانية الإنتصار على المحتلين و تحقيق إستقلال كوردستان لو كانوا يتبعون أساليب نضالية أخرى الى جانب الكفاح المسلح على الساحة الكوردستانية و كذلك كانوا يستطيعون التقليل بشكل كبير من التضحيات البشرية و المادية التي قدمها شعب كوردستان و لَكان المجتمع الكوردستاني يتفادى بشكل كبير الخراب الإجتماعي و الإقتصادي اللذين تعرض لهما و لَإنخفضت الأضرار الكارثية التي تعرضت لها بيئة كوردستان.

كانت هناك وسائل أخرى صائبة و فعالة للنضال التي كان يمكن إتباعها من قِبل قيادات الثورات الكوردستانية الى جانب الكفاح المسلح في كوردستان. تتمتع ظروف شعب كوردستان بميزة إيجابية هامة جداً، وهي عيش الملايين من الكورد في المدن الكبرى للدول المحتلة لكوردستان، مثل طهران و خراسان و إستانبول و أنقرة و إزمير و بغداد و جنوب العراق و دمشق و غيرها من المدن. لو كانت القيادات السياسية الكوردستانية تقوم بتوعية و تعبئة الجاليات الكوردية هناك و تنظيمهم و تدريبهم على حرب المدن و الشوارع و زرع الألغام و غيرها، لَكانوا يستطيعون نقل الحرب الى عقر دار المحتلين و لَكانوا يزلزلون الأرض تحت أقدامهم. كما كانوا يستطيعون تكبيد المحتلين خسائر إقتصادية كبيرة تهز عروشهم و تُنهي إحتلالهم لكوردستان من خلال ضرب المنشآت الإقتصادية الإستراتيجية و التي كانت بإستطاعة مجاميع صغيرة مؤلفة من بضع عشرات من الأشخاص القيام بمثل هذه المهمات بسهولة و كان من الممكن القيام بقسمٍ من هذه المهمات من قِبل أفراد مدنيين، دون الحاجة الى تكليف أشخاص مسلحين للقيام بها.

من ضمن بنود إتفاقية 11 آذار عام 1970 الذي تم إبرامها بين قيادة الثورة الكوردستانية في جنوب كوردستان و الحكومة العراقية البعثية، أن يتم تنفيذ ما تم الإتفاق عليه خلال أربع سنوات، حيث كان حزب البعث ضعيفاً آنذاك و فيه العديد من مراكز القوى و لم يكن مسيطراً على الحكم بشكل محكم، لذلك إحتاج البعثيون لهذه الفترة الزمنية لتثبيت حكمهم. فعلاً إستطاع هذا الحزب تصفية أعدائه و تقوية حكمه خلال الأربع سنوات التي أعقبت إبرام إتفاقية آذار. بعد إتفاقية آذار، إستغلت الحكومة البعثية فترة الأربع سنوات التي حُددت لتطبيق بنود بيان 11 آذار لصالحها، بينما القيادة الكوردستانية لم تضع إستراتيجية متكاملة تتضمن الجوانب السياسية و الإقتصادية و العسكرية و الإعلامية و التنظيمية و المخابراتية، لإفشال مخططات الحكومة العراقية و حماية شعب كوردستان و تحقيق طموحاته و أهدافه الوطنية و التصدي للقوات العراقية و العمل على هزيمتها فيما لو إندلعت الحرب بين الجانبين من جديد. كانت من نتائج هذه الأخطاء إنهيار الثورة الكوردستانية خلال أيام بعد إبرام إتفاقية الجزائر بين العراق و إيران.

كنتُ شاباً يافعاً عند صدور بيان 11 آذار و كتبتُ حينذاك في دفتر مذكراتي موضوعاً بعنوان "الإستراتيجية الكوردستانية لتحقيق أهداف الشعب" و الذي يتألف من 37 صفحة و لا زلتُ أحتفظ به. في هذه الكتابة رسمتُ إستراتيجية متكاملة لمواجهة مكائد و خطط البعثيين و من ضمن هذه الإستراتيجية كان إنشاء وحدات و خلايا مسلحة في المدن العراقية الكبرى التي تعيش أعداد كبيرة من الكورد فيها، و خاصة في بغداد و المبادرة بالهجوم على معاقل البعثيين في مدنهم فيما لو تملصوا من تنفيذ إتفاقية 11 آذار، إلا أنه بكل ألمٍ أقول بأن القيادة الكوردستانية لم تضع خططاً لمواجهة الحكم البعثي في حالة عدم تطبيق بنود الإتفاقية، بل أنه بعد ظهور ملامح إنهيار الإتفاقية المذكورة، توجّه عشرات الآلاف من الكوردستانيين الى الجبال، مصحوبين معهم عوائلهم و بذلك أصبحت هذه الحشود البشرية عالة على الثورة و كان هذا الأمر أحد أسباب إعتماد الثورة الكوردستانية على مساعدة النظام الإيراني، حيث أن حرب العصابات لا تحتاج الى قوات بشرية كبيرة و لا تنسجم حروب الكر و الفر مع وجود أُسر الپێشمەرگە معهم و هكذا كانت النتيجة مأساوية لشعب كوردستان، حيث إنهارت الثورة الكوردستانية خلال بضع أيام بعد إبرام إتفاقية الجزائر بين العراق و إيران. 

المأساة هي أن القيادات الكوردستانية تقوم دائماً بتبرئة نفسها من مسئولية فشل الثورات التي تقودها و تقوم بتحميل جهات خارجية مسئولية فشل هذه الثورات و كأنما هذه القيادات هي عبارة عن رُقع شطرنج، ليست لها أي دور في إدارة الثورات و إتخاذ القرارات و أن العوامل الخارجية هي وحدها تتحكم بمصير الثورات و الإنتفاضات الكوردستانية التي يرتبط بنتائجها مصير شعبٍ تُقدر نفوسه بأكثر من 50 مليون نسمة.

نقطة مهمة أخرى هي أنه رغم فشل القيادات الكوردستانية في تحقيق أهداف الثورات الكوردستانية و تسببها في قتل و إبادة مئات الآلاف من مواطني شعب كوردستان من خلال تعرض شعب كوردستان لحملات الأنفال و إستخدام الأسلحة الكيميائية و التقليدية و تدمير كوردستان، فأنه لا تتم محاسبة أو محاكمة هذه القيادات و على الأقل إجبارها على التخلي عن القيادة لتحل محلها قيادات كفوءة و مخلصة قادرة على تحقيق أهداف الشعب في حق تقرير المصير، بل تستمر هذه القيادات في رئاسة أحزابهم السياسية و قيادة الثورات الكوردستانية و بعد موتهم يتوارث أبناؤهم و أفراد عوائلهم القيادة من بعدهم. هذه الظاهرة هي أحد الأدلة الذي يُبين بأن المجتمع الكوردستاني هو مجتمع متأخر يُضحي بحياة أفراده و بممتلكاته دون العمل على محاسبة قياداته السياسية على أخطائها و حتى على خياناتها و القيام بإجراء تقييم علمي موضوعي لتلك الثورات لإعادة النظر بالأخطاء التي تم إرتكابها خلال مسيرات تلك الثورات. رغم التضحيات البشرية و المادية الجسيمة التي يقدمها شعب كوردستان في نضاله الطويل و تدمير آلاف القرى الكوردستانية و تهجير الملايين من الكوردستانيين، فأن المجتمع الكوردستاني لا يهتم و لا يطالب بمعرفة أسباب الإنتكاسات و الهزائم التي مُنيت بها الإنتفاضات و الثورات الكوردستانية خلال مسيرة كفاحه من أجل تحقيق حريته و التمتع بحقوقه، لوضع إستراتيجية جديدة صائبة تُحقق الأهداف الكوردستانية.

إن الحروب لها آثار سلبية خطيرة على الجوانب الإجتماعية و النفسية و الإقتصادية و البيئية، بل أن جميع مرافق الحياة و عناصر التقدم تُصاب بالعطل، حيث تبرز مشاكل خطيرة في كافة مجالات الحياة و التي تستمر لعشرات و ربما لمئات السنين.

إن الحروب تؤدي الى الموت و الخراب و التشرد و الفقر و المجاعة و البطالة و الفوضى و غلق المدارس و الجامعات و التي هي آفات إجتماعية خطيرة تفتك بالمجتمع و تُدمّره. هذه النتائج السلبية للحروب تعمل على تدمير البُنية الإجتماعية و تؤدي الى إنتشار الجريمة و السرقة و الفساد الإجتماعي و خراب العلاقات الإجتماعية و تفكك الأسرة و إنتشار الأُمية و إختفاء القيم الإنسانية و إنخفاض نسبة الذكور بسبب قتلهم في الحروب و المعارك المندلعة و زيادة كبيرة في نسبة العازبات بشكل خاص و العازبين بشكل عام بسبب الخلل الناتج في نسبة الذكور و الظروف الصعبة التي تخلقها الحروب. كما أن من نتائج الحروب هي تهجير و هجرة المواطنين الى خارج كوردستان و زيادة كبيرة في نسبة الأيتام و الأرملات و المشردين و إنتشار ظاهرة الدعارة و تشغيل الأطفال، حيث يكافح الإنسان في ظل مثل هذه الظروف العصيبة من أجل البقاء و إستمرارية الحياة. هذه المشاكل التي تخلقها الحروب تؤدي الى خراب كارثي في الجانب الإجتماعي الذي يحتاج الى وقت طويل تمتد لأجيال لعلاجه و يتطلب الكثير من العمل و المال لمعافاته.

الإنسان الذي يعايش الحروب، حيث أزيز و قصف الطائرات و المدافع و الدبابات و الإنفجارات التي تحدث و أشلاء القتلى المتناثرة و بُرك الدماء المنتشرة، يُصاب بأمراض نفسية عديدة مثل الكآبة و الشعور بالخوف و الفزع و الكوابيس المرعبة التي يعيش معها و السادية و الرغبة الجامحة في العنف و غيرها من الأمراض النفسية التي تخلق مجتمعاً غير سويّ و تؤثر سلباً على جميع نواحي الحياة بما فيها الحياة الإجتماعية و القدرة على العمل و الإنتاج، بالإضافة الى التكاليف المباشرة الباهضة التي يتطلبها علاج الأشخاص المشاركين في الحروب و كذلك المدنيين الذين عايشوا هذه الحروب.

التأثير السلبي الكبير للحروب على إقتصاد البلاد واضح، حيث تعمل على تدمير البُنية التحتية لتلك البلاد و تخريب مختلف مرافق الحياة من معامل و مصانع و مشاريع و مدارس و جامعات و بيوت و جسور و حرق المدن و القرى و الغابات و المزارع، بالإضافة الى التكاليف الباهضة التي تتطلبها مستلزمات الحرب من أسلحة و ذخائر حربية و وسائل المواصلات و بناء الملاجئ و علاج المصابين و تحمّل نفقات المهجّرين و المهاجرين و توفير أماكن سكن جديدة لهم. هكذا تُصيب الحرب الجانب الإقتصادي بالشلل و تقضي على فرص التطور في كافة مجالات الحياة، حيث أن الأموال هي إحدى المقومات الأساسية لتقدم البلد و تطوره و إزدهاره، فتتوقف النشاطات في مجال الزراعة و الصناعة و التجارة و التعليم و التمريض و العلاج و تقديم الخدمات و البناء و غيرها. كما أن تهجير و هجرة المواطنين الى خارج كوردستان تعملان على إنخفاض الثروة البشرية و الأيدي العاملة و الذي بدوره يساهم في إنخفاض الإنتاج و الإنتاجية.

 إن جعل كوردستان ساحةً للحروب و المعارك، يؤدي الى تدمير بيئة كوردستان و إختلال نظامها البيئي. لقد أصبحت كوردستان ساحة للحروب التحررية لفترة طويلة و بذلك تم تلويث بيئتها و الإخلال بالتوازن البيئي فيها. لقد تم إستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المواطنين الكوردستانيين من قِبل الدول المحتلة لكوردستان و التي لا تزال آثارها الخطيرة تؤثر على صحة و حياة المواطنين و على الإنتاج الزراعي و الحيواني و الغابات. من النتائج الوخيمة التي خلفتها الأسلحة الكيميائية المستخدمة ضد الشعب الكوردستاني من قِبل محتلي كوردستان، هي التشوّه الجنيني للولادات و تسمم التربة الذي يؤدي الى عدم صلاحيتها لنمو المزروعات و النباتات و الأشجار و تسمم مياه الأنهار و الجداول و الينابيع و الذي يجعل المياه غير صالحة للشرب و للإستعمال البشري و تسمم الهواء الذي يؤثر على المجاري التنفسية و الأعصاب و يُسبب الحروق و غيرها من الأضرار الصحية التي تعتمد على أنواع السموم المستعملة كأسلحة كيميائية. كما أن الحروب تُسبب إنبعاث الكثير من الغازات السامة و المضرة من خلال الذخائر الحربية المنفجرة و المتأتية من المركبات و السيارات و الدبابات و المصفحات و الطائرات المستخدَمة و بذلك يتم تسمم  الهواء و المياه و التربة بها. كما أن بقايا العربات و السيارات و الأسلحة المُحطمة و المدمرة، تكون مصدراً لتلوث التربة. الألغام المزروعة من قِبل الدول المحتلة لكوردسان بدورها تُشكل مأساة إنسانية و مشكلة بيئية كبيرة. تدمير الشوارع نتيجة سير العربات العسكرية الثقيلة عليها يكون مصدراً آخراً لتلوث البيئة. تدمير القرى و البيوت و المباني و الينابع و حرق المزارع و الغابات و بناء تجمعات سكنية جديدة  للمُرحلين و المهاجرين، يُضيف مشاكل إضافية خطيرة للبيئة الكوردستانية. من بين الآثار الخطيرة للملوثات المنبعثة للجو و المياه و التربة و المواد المعدنية المتروكة في العراء و تدمير الثروة الطبيعية لكوردستان نتيجة الحروب، هي إرتفاع درجات الحرارة و ظاهرة التصحّر و هبوب عواصف ترابية التي تشهدها كوردستان في الوقت الحاضر. من هنا ندرك بأن كوردستان بحاجة ماسة لإجراء مسح بيئي لها و دراسة الآثار الكارثية التي سببتها الحروب المندلعة فيها لوضع حلول لمشاكلها البيئية و الصحية من خلال إجراء بحوث ميدانية و مختبرية واسعة النطاق لمعالجة الآثار البيئية و الصحية السلبية التي خلقتها هذه الحروب.

مما تقدم، فأن الحروب تُسبب كوارث بشرية و مادية و بيئية خطيرة جداً، و عليه فأن إختيار كوردستان ساحة وحيدة للكفاح المسلح هو خطأ إستراتيجي كارثي، يتحمل القادة الكوردستانيون القائمون بهذا النوع من النضال البدائي المتخلف، تحمّل مسئولية آثارها المأساوية على شعب كوردستان. لذلك في حالة الإضطرار الى حمل السلاح، يجب إستخدام الأرض الكوردستانية بشكل محدود كساحة للعمليات العسكرية و العمل على نقل المعارك الى ساحات الدول المحتلة و توحيد القوات الكوردستانية و العمل السياسي الكوردستاني على نطاق الوطن الكوردستاني لتحقيق النصر خلال أقل مدة ممكنة و بالتالي تقليل الخسائر التي يتكبدها شعب كوردستان و خفض الدمار الذي تتعرض له كوردستان الى أقل نسبة ممكنة.

أود هنا أن أذكر بأنني شخصياً ضد الحروب، حيث القتل و إسالة الدماء و الدمار و أعتقد بأن العقل البشري لا يزال متخلفاً و عاجزاً عن فهم فلسفة الحياة. إن تطور العقل البشري الى المستوى الإنساني قد يحتاج الى مئات أو آلاف أو ملايين السنين و حينئذٍ يتحقق السلام على كوكبنا الأرضي و تسود العدالة الإجتماعية فيه و تشرق شمس الحرية في سمائه، فيما لو إستمرت الحياة على هذا الكوكب المهددة من قِبل الإنسان، سواء عن طريق خلق الحروب أو التلوث البيئي أو قد تُنهي الكوارث الطبيعية الحياة على كوكبنا.

أن تكون لدى كوردستان قوة دفاعية، ينبغي أن يكون معظمها قوات مدرّبة لخوض حرب العصابات و حرب المدن (الإستفادة من الإستراتيجية و التكتيكات العسكرية التي إتبعها حزب الله اللبناني في حربه الأخيرة مع إسرائيل) و نقل المعارك الى داخل البلدان المحتلة لكوردستان، بدلاً من جعل كوردستان ساحة للحروب التي تؤدي الى قتل و تشريد سكان كوردستان و تدمير البنى التحتية فيها و خلق مشاكل إجتماعية و إقتصادية و نفسية و صحية و بيئية كارثية، تمتد آثارها المدمرة لأجيال عديدة. الإستفادة من الملايين من الكورد الذين يعيشون في المدن الكبيرة للبلدان المحتلة لكوردستان من خلال تنظيمهم و تدريبهم لنقل الحرب الى قلب الدول المحتلة لكوردستان و جعل موازين القوى لصالح شعب كوردستان و تحرره.

من الوسائل الممكنة لتدريب الكوردستانيين على السلاح، هو تدريبهم في جنوب كوردستان و إستغلال الكورد لإداء الخدمة العسكرية في البلدان المحتلة للتدريب على مختلف صنوف الأسلحة و محاولة تكامل تعلّم كافة صنوف القتال عن طريق الخدمة في جيوش المحتلين. كما يمكن تهيئة كوادر عسكرية في مختلف الصنوف، و خاصة في مجال القوة الجوية بالحصول على زمالات و بعثات عسكرية من دول و تنظيمات و منظمات صديقة أو من الدول و المنظمات المعادية للدول المحتلة لكوردستان.

بالنسبة الى القوة الدفاعية لجنوب كوردستان، نظراً للخلل في توازن القوة بين جنوب كوردستان و الدول المحتلة لكوردستان، فأنه لا يمكن لحكومة جنوب كوردستان أن تخوض حرباً جبهوية ضد القوات المعادية. لهذا السبب فأن  الإستراتيجية العسكرية الصحيحة في الجنوب ستكون الإعتماد على حرب العصابات في المناطق الجبلية و حرب المدن و التركيز على الأسلحة الدفاعية مثل الأسلحة المضادة للطائرات الحربية و طائرات الهليوكوبتر و الدبابات و الألغام و الأسلحة الدفاعية الخفيفة التي يمكن حملها و نقلها و إستخدامها بسهولة و كذلك تأسيس مجاميع قتالية خاصة للقيام بعمليات نوعية خلف القوات المعادية و في مناطق تواجد هذه القوات لتدمير مخازن الأسلحة و مصادر التموين و قطع الإتصالات بين مختلف الوحدات العسكرية للدول المحتلة لكوردستان و الإهتمام النوعي بجهاز المخابرات لجمع المعلومات الضرورية عن أهداف العدو و خططه و عدد و عُدة القوات العسكرية و مواقع إنتشارها و تحركاتها و قياداتها و إمكانياتها و غيرها. من شروط النجاح في الحرب التي يخوضها جنوب كوردستان، يجب تحقيق الإكتفاء الذاتي في المواد الغذائية و مصادر الطاقة و الألبسة و الأسلحة الدفاعية اللازمة. كما يجب التركيز على نقل الحرب الى داخل أراضي الدول المحتلة و هذا يتطلب العمل منذ الآن لتهيئة القوى البشرية و السلاح و وضع الإستراتيجية و الخطط و كل مستلزمات مثل هذه العمليات العسكرية التي ستُجرى على أرض العدو.

لوضع إستراتيجية متكاملة لتحرر كوردستان، يجب إيجاد مرجعية سياسية تنفيذية و تشريعية لشعب كوردستان لوضع الإستراتيجيات و تحديد آليات تحقيق أهدافها. تمر كوردستان و منطقة الشرق الأوسط و جنوب غرب آسيا بصورة خاصة و العالم بصورة عامة بتطورات و تغييرات تأريخية كبرى، تُلزم شعب كوردستان و خاصة النخبة منهم من مفكرين و مثقفين و أكاديميين و سياسيين، أن يدعوا الى عقد مؤتمر عام لتشكيل قيادة سياسية عامة و برلمان كوردستاني، يقودان شعب كوردستان الى حيث الإستقلال و الحرية في ظل الظروف الكوردستانية و الإقليمية و الدولية الحالية التي هي فرصة تأريخية للكودستانيين لكسر قيود الإحتلال و الذل و الإهانة و الدونية ليكونوا أسياد أنفسهم في وطنهم.

لذلك أدعو كافة النخب الكوردستانية و عشاق كوردستان الحرة المستقلة أن يبادروا الى عقد مؤتمر كوردستاني عام يتمثل فيه ممثلو شعب كوردستان لكافة أجزائه و ممثلو الكورد في كل من أرمينيا و أذربيجان و لبنان و أوروبا و أمريكا الشمالية و أستراليا و غيرها من دول العالم، لتشكيل مرجعية تنفيذية و تشريعية لشعب كوردستان لتحمل مسئولية إدارة تحرير كوردستان و شعبها من الإستعمار و الإحتلال الإستيطاني، و خاصة فأن الظروف الكوردستانية و الإقليمية و الدولية أصبحت أكثر ملاءمة بعد الإتفاق الأخير بين حزب العمال الكوردستاني و الحكومة التركية.

mahdi_kakei@hotmail.com

44
أبجدية اللغة الكوردية الموحدة

د.  مهدي كاكه يي

ظهرت الكتابة الكوردية بثلاث أنواع من الحروف نتيجة إحتلال كوردستان و إستعمارها إستيطانياً من قِبل عدة قوميات تم إنشاء دول مصطنعة لها من قِبل الإستعمار البريطاني و الفرنسي بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى تبعاً لإتفاقية سايكس – بيكو، حيث أجبرت الأنظمة المحتلة لكوردستان الشعب الكوردي على إستعمال أبجدياتها الكتابية.

اللغة العربية هي اللغة الرسمية في كل من العراق و سوريا، حيث تُستعمل الحروف الآرامية في الكتابة فيهما، مما تم إجبار الكورد في جنوب كوردستان على تبنّي الأبجدية الآرامية (العربية) في الكتابة الكوردية دون السماح للكورد بإختيار أبجدية كتابية تلائم اللغة الكوردية. أما في غرب كوردستان، فأن تبعية الأبجدية الكوردية للعربية لم تُتبع و شذت عن القاعدة، حيث أن الكورد هناك إختاروا الكتابة بالأبجدية اللاتينية نظراً لتأثرهم بالكتابة اللاتينية المستخدمة في شمال كوردستان، حيث الترابط العائلي و الإجتماعي بين كورد الغرب و الشمال و لإشتراكهم في التكلم باللهجة الكرمانجية الشمالية. تُستخدم الأبجدية اللاتينية في كتابة اللغة التركية في تركيا، لذلك تم إجبار الكورد الشماليين على إستخدام تلك الحروف في الكتابة الكوردية دون أي إعتبار لملاءمة هذه الأبجدية للغة الكوردية أو حاجتها لبعض التغييرات و التحويرات اللازمة لجعلها تتناغم مع الأصوات الموجودة في اللغة الكوردية. في أرمينيا و أذربايجان اللتين كانتا جمهوريتَين تابعتين للإتحاد السوفيتي السابق، تُستعمل الحروف السنسكريتية في كتابة اللغة الكوردية. هكذا فأن إحتلال كوردستان من قِبل شعوب مختلفة، أدى الى ظهور الكتابة الكوردية بثلاث أبجديات مختلفة و الذي أدى بدوره الى خلق مشكلة كبيرة لتوحيد اللغة الكوردية و لتواصل المواطنين الكورد مع بعضهم البعض و التي هي عقبة كبرى في طريق وحدة الشعب الكوردي و توحيد كوردستان و إستقلالها.

أود هنا أن أؤكد بأننا بصدد مناقشة إيجاد لغة جامعة للكورد في كافة أجزاء كوردستان، تجمع شمل الكورد، سواء الذين يعيشون في كوردستان أو خارجها. نحن نسعى و نعمل على تحديد لغة مشتركة للشعب الكوردي، تُراعى فيها كل اللهجات الكوردية. هذا يعني بأننا يجب أن نهتم باللهجة اللورية و الهورامية كإهتمامنا باللهجة الكرمانجية الشمالية و الجنوبية لأنه لا يمكن التفريط بأية مجموعة لهجوية كوردية أو مناطقية و لا يمكن العمل على إهمال أية شريحة كوردية و فرض واقع الإنسلاخ عن الأمة الكوردية على بعض المجاميع اللهجوية. مثل هذا الإنسلاخ يعمل على تشتيت الشعب الكوردي و تجزئته. الى جانب الأهمية القصوى للثروة البشرية التي تُشكّلها كل شريحة لهجوية للشعب الكوردي، فأن كل لهجة كوردية تُمثّل ثروة لغوية قومية و أرثاً تأريخياً للشعب الكوردي، لا يمكن التفريط بها أبداً. كما أن إحتضان اللغة الكوردية لكافة لهجاتها و تفاعلها و تلاقحها فيما بينها و جعلها لغة مشتركة، يعمل على إثراء اللغة الكوردية و يحافظ على الثروة اللغوية التأريخية لهذه اللغة و على خزينها اللغوي الذي هو نتاج التراكمات الحضارية و التطورية خلال التأريخ العريق للشعب الكوردي منذ عصور ما قبل التأريخ الى يومنا هذا.

عندما يتم تناول مسألة مهمة مثل إيجاد لغة كوردية موحدة، و التي تُشكّل إحدى أهم القضايا الرئيسة التي تؤثر على مصير و مستقبل الأمة الكوردية و وحدتها و ديمومتها، يجب أن ندرك أهمية الموضوع الذي نتناوله و أن نكون واعين و نتعامل معه بأقصى مستوى المسئولية التأريخية التي يتحملها المرء تجاه شعبه. ينبغي وضع المصلحة الوطنية و القومية فوق الأهواء الشخصية و الرغبات الذاتية و الإبتعاد عن المنطلقات الآيديولوجية و الحزبية و الدينية و نبذ الإنحياز اللهجوي و الإقليمي و المناطقي و تجنب تسييس المسائل العلمية و الثقافية و التجرد من تأثيرات الإنتماءات الحزبية الضيقة و الإحتكام الى البحث العلمي، عند العمل على دراسة مثل هذه القضية الهامة جداً لتوحيد اللغة الكوردية الذي هو إحدى ركائز شروط وحدة الأمة الكوردية و ديمومتها و إستقلال و وحدة كوردستان.

إن السير في المسار الذي تسلكه الأنظمة الشمولية و الدكتاتورية بسيادة رأي القيادات السياسية في مختلف مناحي الحياة و عدم فسح المجال أمام المختصين الذين هم المؤهلين الوحيدين لإداء المهام التي تقع ضمن إختصاصهم، كلّ في إختصاصه، سيسبب كارثة كبرى لشعب كوردستان و يقود هذا الشعب نحو الفشل و التمزق و التجزؤ، و خاصة أن الحكم و الإدارة في جنوب كوردستان هما تجربتان جديدتان للكوردستانيين، و اللتان يخوضون غمارهما في الوقت الحاضر. في نفس الوقت فأن السير بخطى الأنظمة المتخلفة في المنطقة بتسييس العلم و المعرفة و تدخّل الحكام في شئونهما، سيقود الى مزيد من التخلف و الفشل و لنأخذ الدروس من الحكومات الشمولية في منطقتنا التي قادت و تقود شعوبها نحو الكوارث و المآسي و الجهل و التخلف و التي من أحد أسبابها الرئيسة هو إتخاذ القرارات في كافة المجالات لإدارة الدولة من قِبل أناس يجهلون تلك المجالات و لا يدعون أصحاب الإختصاص من علماء و باحثين لدراسة تلك القضايا و التوصل الى نتائج علمية في دراساتهم  و إيجاد حلول صائبة لها.

يزج البعض و خاصة الإسلامويون الكورد، الدين الإسلامي و السياسة في تحديد لغة كوردية موحدة، في محاولة لفرض اللهجة الكرمانجية الجنوبية و الأبجدية الآرامية كلغة مشتركة. إنه يبدو واضحاً أنّ الإسلامويين الكورد يحاولون إستغلال الرموز الكوردية و الدين الإسلامي لفرض الأبجدية الآرامية على الشعب الكوردي و فرض الثقافة العربية عليه و ربط الكورد بالعرب ليعيشوا مثلهم في عصور القرون الوسطى، في تخلف و جهل و عزلة عن التقدم الإنساني و العجز عن المساهمة في بناء الحضارة الإنسانية، بل العمل على تخريب الحضارة الإنسانية، دون القيام بأية دراسة علمية للمقارنة بين مدى ملاءمة كل من الأبجدية الآرامية و اللاتينية  للنطق الكوردي و دون مراعاة المصلحة الوطنية الكوردستانية. إن المرء حر في إبداء آرائه و ملاحظاته و رؤاه حول أي موضوع مطروح للبحث و المناقشة أو في طرح أفكاره و مبادراته و مناقشتها، إلا أنه لا يحق له أن يقحم أسماء قيادات و رموز كوردية سياسية في محاولة للتأثير على تقرير مصير قضية مصيرية مثل اللغة الكوردية الموحدة، لفرض آرائه و رغباته الذاتية و الآيديولوجية على الشعب الكوردي و خاصة في موضوع هام جداً كإختيار لغة كوردية مشتركة، حيث أن اللغويين المختصين هم وحدهم المؤهلون لتحديدها، بعد دراسة علمية  شاملة و عميقة، و إلا فأن تدخّل الدين و السياسة في إيجاد لغة كوردية موحدة سينتج عنه الفشل و التخلف و يقودنا الى الكوارث و المآسي.

هناك أشخاص و جهات كوردية تريد الإبقاء على المفردات العربية في اللغة الكوردية لدوافع دينية بالرغم من وجود مفردات كوردية أصيلة بديلة لها. على سبيل المثال، لا الحصر، كلمات مثل، حيوان الذي تقابله بالكوردية كلمة (ئاژەڵ = Ajeł) و كلمة (حبيبة) تقابلها (دڵدار Diłdar و يار YAR  و خۆشەویست XOŞEWÎST)  و كلمة (غاردان) التي مرادفها بالكوردية هو (ڕاكردن = Ŕakirdin) و هكذا بالنسبة لبقية المفردات العربية الداخلة في اللغة الكوردية و التي يعتبرها هؤلاء كلمات مستكردة.

من المفيد الإشارة أيضاً الى أنّ دخول مفردات عربية الى اللغة الكوردية يتم من خلال قناتين إثنتين؛ هما عن طريق الإحتلال العربي المباشر لأجزاء من كوردستان و عن طريق الدين الإسلامي، لكون غالبية الكورد مسلمين. في جنوب و غرب كوردستان، يتم هذا الغزو اللغوي نتيجة إحتلال هذين الإقليمَين من قِبل العرب و نتيجة تأثير الدين الإسلامي أيضاً الذي هو الدين الرسمي في كل من سوريا و العراق، بينما في شمال و شرق كوردستان المحتلين من قِبل كل من "تركيا" و إيران على التوالي، تدخل المفردات العربية الى اللغة الكوردية، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق الدين الإسلامي، و في نفس الوقت تتعرض اللغة الكوردية في شمال و شرق كوردستان الى الغزو اللغوي التركي و الفارسي على التوالي. لهذه الأسباب، نلاحظ بوضوح آثار هذه الغزوات اللغوية على اللغة الكورية في كوردستان و أن بصمات تأثيرات اللغات العربية و الفارسية و التركية تنعكس على اللغة الكوردية و يمكن للمرء معرفة الإنتماء الإقليمي لأي مواطن كوردي من خلال الكلمات العربية أو التركية أو الفارسية الداخلة في اللغة الكوردية.

إنّ بعضاً من الكُتّاب يقترحون فرض لهجة معينة و جعلها لغة كوردية موحدة و يستشهدون بتجارب الشعوب الأخرى في هذا المجال، في محاولة لهم لإستنساخ تجارب الآخرين، دون أن يأخذوا بنظر الإعتبار الفوارق بين ظروف تلك الشعوب و الظروف التي يعيشها الكورد و الفواصل الزمنية التي تفصل التجربة الكوردية عن التجارب السابقة لشعوب عانت من مشكلة مماثلة و نجحت في خلق لغة موحدة. في مقدمة تلك الإختلافات هي أنّ تلك الشعوب كانت لها كياناتها السياسية و حكوماتها المركزية التي ساعدت على نجاح تجارب تلك الشعوب لتوحيد لغاتها، بينما نرى كوردستان محتلة من قِبل عدة دول و أنّ ثلاث لغات و ثقافات (العربية في جنوب و غرب كوردسان و التركية في شمال كوردستان و الفارسية في شرق كوردستان) مفروضة على الشعب الكوردي و يفتقد الكورد الى كيان سياسي يضع برامج طويلة الأمد لتنفيذ مثل هذا المشروع القومي المصيري. كما أن التأريخ الكوردي يختلف عن سواه و هناك ثروة لغوية كوردية غنية جداً مهملة و متروكة و معرضة للضياع، و خاصة في اللهجة اللورية التي كانت لهجة كل الحضارات الكوردية، حيث تم بناء تلك الحضارات على سواعد أحفاد الناطقين بهذه اللهجة.

بعض اللغويين الكورد يقارنون إستخدام الأبجدية الآرامية للكتابة الكوردية مع اللغات اليابانية و الصينية و الكورية، التي لها أبجدياتها الكتابية الخاصة. يذكر هؤلاء بأنه رغم إستخدام أبجديات خاصة بهذه اللغات، فأن ذلك لم يقف عائقاً أمام تقدم و تطور لغات شعوب هذه الدول، بل أصبحت االيابان و الصين و كوريا الجنوبية على سبيل المثال، دولاً متطورة و متقدمة في العالم. نحن لا نستطيع أن نقارن الكتابة الكوردية مع الكتابة اليابانية و الصينية و الكورية الجنوبية لأسباب عديدة. أولاً: الدول الثلاث هي دول مستقلة و أن نفوسها كثيرة و أن هذين العاملًين يخلقان أرضية جيدة لتطوير اللغات المذكورة و أن تتبؤ مواقع  متقدمة الى جانب اللغات العالمية المتطورة. ثانياً: إن شعوب بلدانٍ مثل اليابان و الصين و كوريا الجنوبية لا تتعرض لمخاطر الهيمنة الثقافية و اللغوية لشعوب أخرى، بينما الشعب الكوردي، بسبب إحتلال وطنه و تقسيمه و بسبب الدين الإسلامي المنتشر بين مواطنيه، قد فقد قسماً كبيراً من هويته و ثقافته و تراثه و أنه تتم كتابة لغته بثلاث أبجديات مختلفة و أن اللغة العربية قد أثرت على اللغة الكوردية بشكل كبير و أصبح التفكير الكوردي إستنساخاً للتفكير العربي. بكلام آخر، فأن اللغة و الثقافة الكوردية تواجه تحديات كبيرة بسبب هيمنة اللغة و الثقافة العربية عليهما.

يرى هؤلاء أيضاً بأن الكتابة الكوردية بالحروف الآرامية قد بدأت منذ فترة طويلة و نُشرت بها كتب و مطبوعات ضخمة و تم تطوير هذه الكتابة و تحسينها خلال تلك الفترة و لذلك يعتقد هؤلاء بأن إختيار الأبجدية اللاتينية لكتابة اللغة الكوردية الموحدة سيؤدي الى ضياع ثروة ثقافية و تراثية كوردية عظيمة المتمثلة بتلك المنشورة و المطبوعة بالحروف الآرامية. إذا كانت الأبجدية اللاتينية ملائمة بصورة أفضل للغة الكوردية و تم إختيار الحروف اللاتينية لكتابة اللغة الكوردية الموحدة، عندئذ يمكن إعادة كتابة كافة النتاجات الكوردية المكتوبة بالأبجدية الآرامية و كتابتها بالأبجدية اللاتينية و أن التقدم التكنولوجي الذي يشهده العالم اليوم سيُسهّل كثيراً من القيام بإنجاز إعادة كتابة المطبوعات الكوردية المكتوبة بالحروف الآرامية. كما أن الفترة الزمنية التي خلالها تمت الكتابة الكوردية بإستخدام الأبجدية الآرامية هي قصيرة جداً مقارنةً بالفترة الزمنية التي يتم خلالها إستخدام الأبجدية اللاتينية لكتابة لغة كوردية موحدة، حيث أن الكورد سيستمرون في إستعمال الحروف اللاتينية في الكتابة الكوردية الموحدة لملايين السنين أو لفترة سرمدية لا تنتهي.

يعتقد البعض بأن اللهجة الکوردية الكرمانجية الجنوبية المتداولة في جنوب و شرق كوردستان و التي تُستعمَل الحروف الآرامية في كتابتها، تمتاز بالسهولة و المرونة بالإضافة الى سعة و قِدم إستعمالها. إنّ الأبجدية الآرامية و الحروف المستنبطة منها تفتقد الى بعض الأصوات الكوردية و التي تتم كتابتها بحروف لا تتطابق أصواتها مع الأصوات الكوردية. على سبيل المثال: يُستعان في الكتابة الكوردية بحرفَي (و) و (ێ) لتمثيل حرف (Ö)، كما في كلمة "ڴوێ GÖ" و التي تعني "أُذن". هذان الحرفان عاجزان عن إعطاء الصوت الصحيح لحرف (Ö) اللاتيني، حيث أنهما يعطيان الصوت "WÊ" بدلاً من الصوت "Ö". القارئ الكوردي يُميّز بسهولة الفرق الكبير بين الصوتَين. الضمة العربية تُكتب في الكتابة الكوردية بالحروف الآرامية بحرف "و" و الذي يعطي صوت الواو في العربية بدلاً من صوت الضمة، كما في كلمة "كورد"، بينما في الكتابة الكوردية اللاتينية، فأنّ حرف "U" يُعطي الصوت الصحيح للضمة العربية كما في كلمة "KURD". صوت "الكسرة" العربية مفقود في الكتابة الكوردية بالحروف الآرامية، كما مثلاً في كلمة "كوردستان"، حيث أن صوت "الكسرة" الموجودة بين حرفَي "الدال" و "السين" في كلمة "كوردستان" لا يمثله أي حرف في الكتابة الكوردية بالحروف الآرامية، بينما في الكتابة الكوردية اللاتينية فأن صوت "الكسرة" يُمثّله حرف "I" كما في كلمة (KURDISTAN). كما أن الإملاء الكوردي بالحروف الآرامية يعاني من فوضى كبيرة، حيث أنه يُكتب بأشكال عديدة لا يحكمه قانون موحد.

إنّ الحروف اللاتينية فيها الأصوات الكوردية التي تفتقر إليها الكتابة الكوردية بالحروف الآرامية و أن إملاء الكوردية بالكتابة اللاتينية سهل و موحد، بعكس الكتابة بالحروف الآرامية. كما أن  اللغتين الكوردية و اللاتينية تنتميان كلتاهما الى مجموعة اللغات الهندو- أوروبية، لذلك فأنّ اللغة الكوردية هي أقرب بكثير الى اللاتينية، منها الى اللغة العربية التي تنتمي الى مجموعة اللغات السامية. يذكر الباحث التركي الدكتور إسماعيل بيشكجي في صفحة 316 في كتابه المعنون "كردستان مستعمرة دولية"، ترجمة زهير عبد الملك، دار APEC للطباعة و النشر، 1998، أنّ الخبراء اللغويين يعتقدون بأن الأبجدية اللاتينية هي الأكثر ملائمة للنطق الكوردي.

سبب وجيه آخر لتبني الأبجدية اللاتينية في الكتابة الكوردية هو تمكين اللغة الكوردية لمواكبة التقدم التكنولوجي و العلمي في العالم الغربي المتقدم و خلق كتابة قادرة على الإستفادة من هذا التطور العالمي، الذي تعجز الكتابة بالأبجدية الآرامية القيام بها. اللغة العربية نفسها أصبحت لغة متأخرة و مغمورة في عصر العولمة الذي نعيش فيه الآن و أن مؤتمرات و إجتماعات كثيرة يتم تنظيمها و عقدها لدراسة التحديات التي تواجهها اللغة العربية و إيجاد وسائل لتطويرها لتستطيع مواكبة متطلبات العصر.

سبب آخر مهم جداً لتفضيل الأبجدية اللاتينية على الأبجدية الآرامية هو إنقاذ اللغة و الثقافة الكوردية من التبعية للغة و الثقافة العربية، و خاصة إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار خطورة هذه السيادة اللغوية و الثقافية على الكورد نتيجة إحتلال قسمٍ من كوردستان من قِبل العرب و لِكَون غالبية الكوردستانيين مسلمين، حيث يتم إستغلال الدين الإسلامي لتعريب اللغة و الثقافة الكوردية و الفكر الكوردي بسبب كون الدين الإسلامي هو دين عربي بفلسفته و أفكاره و ثقافته و كُتبه و طقوسه.

علماء اللغة يضعون ثلاث خيارات للعثور على أو إيجاد مفردات جديدة للغة ما. الخيار الأول الذي يبدأ اللغوي به هو البحث عن كلمات أصيلة للغة المعنية في اللهجات التابعة لتلك اللغة و في المناطق التي تنتشر فيها، للعثور على الكلمات الأصيلة التي تفتقدها تلك اللغة و تحتاج إليها. بالنسبة لهذا الإختيار، فأنّ اللغة الكوردية هي لغة ثرية جداً و مناطق مثل لورستان و إيلام و خوزستان، التي هي موطن الحضارات الكوردية القديمة، هي خزين إستراتيجي للمفردات الكوردية. أعتقد أن اللغة الكوردية تفتقر الى المصطلحات التكنولوجية و العلمية الجديدة بسبب كون كوردستان بلداً محتلاً و زراعياً متخلفا ً، تتبع الإنجازات العلمية و التقنية للدول الصناعية المتقدمة. إذا فشل المرء في العثور على كلمات لغوية أصيلة، فأنه ينتقل الى الخيار الثاني، حيث يعمل على إستنباط كلمات جديدة تتلاءم مع نطق تلك اللغة. إذا تعذر الأمر في إبتكار مفردات جديدة فأن آخر خيار للغوي يكون بالقيام بإستعارة كلمات أجنبية و تحويرها بشكل يتجاوب مع نطق اللغة المعنية.

إن كوردستان هي مهد الحضارات و اللغات و أن أسلاف الكورد السومريين هم الذين إبتكروا الكتابة و الأرقام، لذلك فأن اللغة الكوردية هي لغة ثرية جداً و كل ما يحتاجه اللغويون الكورد هو جمع مفردات اللهجات الكوردية و إجراء مسوحات ميدانية، و خاصة في المناطق النائية المحتفظة بمفرداتها الكوردية الأصيلة و الإلتجاء الى كتاب (آفيستا) الذي يحمل في طياته المفردات الكوردية العريقة و الإستعانة بكتب الديانات الكوردية القديمة الأخرى، مثل الديانة الإيزيدية و الكاكائية التي تُعتبر من المصادر الأصيلة للمفردات الكوردية و البحث في ثنايا الوثائق و الكتب الكوردية القديمة و الكتابات الكوردية في معالم الآثار التي تنتشر بشكل كبير في أرجاء كوردستان، بدلاً من محاولة تعريب اللغة الكوردية و إدخال مفردات و أصوات أجنبية غريبة على اللغة الكوردية و الذي يؤدي الى تشويه لغتنا الجميلة. يجب أن لا ننسى بأن اللغة الكوردية هي من أعرق اللغات في العالم و أن جميع اللغات الهندو- أوروبية و بدون إستثناء، متأثرة بها و إستعارت منها الآلاف من الكلمات و أنّ الباحثيين اللغويين الكورد مدعوون لإجراء دراسات و بحوث لمعرفة تأثير اللغة الكوردية على اللغات الهندو- أوروبية و لغات الشعوب الجارة للكورد من عرب و أتراك و فرس.

الكورد بحاجة الى البحث عن كلمات كوردية أصيلة في كافة اللهجات الكوردية، من لورية و كرمانجية شمالية و جنوبية و هورامية لإثراء اللغة الكوردية و تخليصها من مفردات أجنبية و أصوات غير موجودة في اللغة الكوردية مثل حروف ال(ع) و ال(غ) و ال(ح). لو نعود قليلاً الى تصفح التأريخ الكوردي القديم، لنرى أن قمم جبل جودي في شمال كوردستان كانت مهد الحضارة البشرية الثانية و أن جميع الحضارات الكوردية العريقة ظهرت في لورستان و إيلام و بلاد ما بين النهرين، بدءً من الحضارة السومرية و مروراً بالحضارات الإيلامية (العيلامية) و الميدية و إنتهاءً بالإمبراطورية الساسانية. من عراقة الحضارات الكوردية، ندرك أن أرض كوردستان، المناطق السهلية المنبسطة منها، كانت مهد اللغات و الثقافات و العلوم و الديانات و المعتقدات و أن الشعوب العربية و الفارسية و التركية و الأوروبية قد أخذوا الكثير من المفردات الكوردية و أثروا بها لغاتهم و إستعانوا بها لتطوير لغاتهم و سد نواقصها. يذكر البروفيسور الإنكليزي "واديل" في مقدمة قاموسه السومري – الآري بأن أكثر من 50% من كلمات اللغة الإنكليزية الحالية التي هي اللغة الرسمية لكوكبنا الأرضي في الوقت الحاضر، مأخوذة من اللغة السومرية، لغة أسلاف الكورد (1).

أحب هنا التطرق الى كلمة "هەفت" التي تعني بالكوردية "سبعة" و التي تم تحريفها الى "حەوت" أو "حه فت" في اللهجة الكرمانجية الجنوبية، بينما لا تزال اللهجات الكرمانجية الشمالية و اللورية و الهورامية و سكان (Germyan) الذين يتحدثون اللهجة الكرمانجية الجنوبية، تستعمل كلمة (هەفت) الأصيلة. إنه من المؤسف حقاً أن يتبنى بعض الكُتّاب و المثقفين الكورد لكلمات و أصوات أجنبية غريبة و دخيلة على اللغة الكوردية و التي إنتقلت الى اللغة الكوردية نتيجة إحتلال كوردستان و الغزو الثقافي الذي تعرض و يتعرض له الشعب الكوردي بسبب تبعيته السياسية و الثقافية و الإقتصادية للشعوب المحتلة لكوردستان، بدلاً من البحث عن كلمات كوردية أصيلة موجودة في اللهجات الكوردية الأخرى.

أود هنا أن أتحدث عن تأريخ كلمة (هه فت) لنرى معاً عراقة و أصالة هذه الكلمة الكوردية التي تتعرض للتشويه من قِبل الغزو اللغوي العربي في مناطق محدودة من كوردستان، لتتحول الى (حەوت أو حەفت). قبل أكثر من ستة آلاف سنة أشار السومريون، أسلاف الكورد، الى (هەفت) و وضعوا رقم سبعة (هەفت HEFT) كإشارة الى سبع آلهة الذين أسماؤهم هي كالآتي: إله السماء (ANUS) و إله الأرض (ENLIL) و إله المياه (EA) و إله القمر (SIN) و إله الشمس (SHAMSHA) و إله الرياح (ADAD) و إله الحكمة (MARDUK). في زمن الإمبراطورية الميدية و التي خلالها كان الكورد  يُدينون بالديانة الزردشتية، كانت لهم سبع مواقد مقدسة. رقم سبعة (هەفت) كان يرمز الى الشؤم و الشر عند آلهة الشر (أهريمن) في الديانة الزردشتية، بينما كانت (آهور مزدا) آلهة الخير عندهم. إعتقاد الزردشتيين بأن رقم سبعة هو رمز للشر، لا يزال يعيش حياً في المجتمع الكورستاني الى الوقت الحاضر. إنّ هذا الرقم يًمثل الشر في كل من الديانتين الكورديتين القديمتين، الإيزيدية و الزردشتية و أنّ شرور رقم سبعة مذكورة في كتاب زردشت، آڤێستا. كما أنه لا يزال الكورد يستعملون كلمة (هەفت) كرمز للشر حيث يُقال بالكوردية (هه فت به رد له پشتت)، أي (لتكن سبع أحجار من ورائك) و الذي يعني (الى الجحيم أو ذهاب بلا عودة). من آثار المعتقدات الزردشتية حول دلالة الرقم (سبعة) على الشر هي أنه من تقاليد الكورد الى يومنا هذا هو زراعة بذور الحنطة في سبع سنادين قبل إطلالة رأس السنة الكوردية، نوروز، و الإحتفاظ بها الى يوم نوروز و بعده يقومون بتركها في أماكن نائية لتموت هناك، لإعتقادهم بأنها تُبعد الشرور عنهم. أثناء اداء مراسيم عيد نوروز، تُحضر مائدة و توضع عليها (سبع) أنواع من المواد الغذائية التي تبدء أسماؤها بحرف ال(س)، مثل (سێو - تفاح)ُ و (سەوزى - خضروات) و (سير - الثوم) و (سماق) و غيرها. يُسمّى الإبريق بالكوردية ب(هەفتاوە) و الذي يعني (الغسل بالماء سبع مرات)، حيث لا يُخفى أن الديانة الزردشتية هي دين الطهارة، فلا يجوز في هذه الديانة تدنيس التربة و الماء و الهواء و النار لأن هذه المكونات الأربع هي مقدسة لدى الزردشتيين، لذلك يجب غسل الأشياء سبع مرات بالماء لتطهيرها من النجاسة، لإعتقادهم بأنّ النجاسة تجلب الشرور لهم. من الجدير بالذكر أنّ كلمة (إبريق) العربية مأخوذة من الكلمة الفارسية "آبريز" التي تعني بالفارسية (سكب الماء) و الكوردية "آورش" التي تعني "ساكب الماء". ما دمنا نتكلم عن الطهارة في الديانة الزردشتية، فأنّ الموتى عند الزردشتيين كان لا يتم دفنهم تجنباً لتدنيسها للتربة، لذلك فأنهم كانوا يتركون جثث الموتى على قمم الجبال لتأكلها الطيور الجارحة و الحيوانات البرية. مما يجدر ذكره أيضاً بأنّ كلمة (هَفتَق) هي كلمة معربة لكلمة (هەفته) الكوردية التي تعني (أسبوع) (راجع كتاب "لغتنامه" لمؤلفه علي أكبر دهخدا، مجلد 15، ،سنة 1377 هجرية – قمرية، صفحة 23479، الكتاب مكتوب باللغة الفارسية). إن المفردات العربية قد تُشكّل حوالي 60% من مفردات اللغة الفارسية، لذلك فلو كانت كلمة (هەفت) هي (حەفت أو حەوت)، لكان الفرس أولى من الكورد في إستعارة هذه الكلمة، إلا أنهم لا يزالون يحتفظون بكلمة (هەفت) الأصيلة. في الدين الكاكه يي، كلمة "هەفتتەن HEFTTEN" التي تعني "سبع أشخاص"، هي مجموعة من الأشخاص المؤلفة من سبعة أفراد تتجسد فيهم الذات الإلهية و هم موجودون منذ الخليقة و يستمرون في الحياة الى فناء الدنيا. تستطيع أرواح هؤلاء الأفراد الإنتقال الى أجسام بشر لإظهار الذات الإلهية. هؤلاء هم بنيامين BINYAMîN، داود DAWÛD ، پیرموسا PÎRMÛSA ، رَزبار REZBAR ، موستَفا MUSTEFA، شابرايمŞABRAYIM ، يادگار YADGAR.

ما دمنا نتحدث عن اللغة الكوردية الموحدة، أختتم هذه المقالة بطرح بعض الإقتراحات للكتابة بالأبجدية اللاتينية أمام علماء اللغة الكورد لمناقشتها و دراسة مدى تجاوبها مع النطق الكوردي. أرى أنه من الضروري العمل على التخلص من الحروف اللاتينية التى لا توجد في اللغة الإنكليزية بقدر المستطاع لتقريبها منها، حيث لا يخفى أنّ اللغة الإنكليزية أصبحت اللغة الأكثر إنتشاراً و إستعمالاً في العالم و غدت لغة العلم و الثقافة و الصحافة. بتقريب الأبجدية الكوردية الى الأبجدية الإنكليزية، تستطيع اللغة الكوردية مواكبة التطور العلمي و التكنولوجي العالمي. يمكن إلغاء بعض الحروف  اللاتينية المستعملة في اللغة الكوردية و جعلها على الشكل الآتي:
Ç →  HC

Ê   →  E

Ĥ → X

Π →  Y

Ł →  LL

Ř  →  RR

Ş  →  HS

   Û →  W

Ẍ → GH

X  →  KH

يمكن إختيار حرف (Å) ليقابل (الفتحة) العربية و بذلك تكون الأبجدية الكوردية اللاتينية تحتوي على هذا الحرف و حرف (Ö) اللذين لا يوجدان في اللغة الإنكليزية. يجب القول بأنّ هذه الإقتراحات تحتاج الى دراسة مستفيضة للتأكد من عدم إخلال الحروف الثنائية المقترحة، التي كل زوجَين منها يعطيان صوتاً واحداً في اللغة الكوردية، بالنطق الكوردي للكلمات التي تدخل فيها هذه الحروف الثنائية، مثلاً، الحرفان (KH) يعطيان صوت الحرف (خ) في اللغة العربية، يجب أن لا يعطي أي من الحرفين المذكورين صوتَين مستقلَين في أية مفردة كوردية، و بكلام آخر يجب أن لا يتصرفان كحرفين مستقليّن عندما يدخلان في تركيبة كلمة ما، بل يجب أن يشكّلان معاً صوت حرف ال(خ) في كل الكلمات التي يدخلان في تركيبها كحرفَين مزدوجَين. 

في الختام أرفق الأبجدية اللاتينية المقترحة إستعمالها في اللغة الكوردية ليطّلع القراء الكورد عليها و لتعلمها لِمَن يرغب و سيتوصلوا بأنفسهم مدى سهولة تعلم الكتابة الكوردية باللاتينية و مدى تجاوبها مع النطق الكوردي، بعكس الحروف الآرامية.


Pîtî Kurdî Latînî الحروف الكوردية اللاتينية


A   a  ا   : Nan   نان  خبز

B  b ب   : Ba  با     هواء

C c ج  : Bac   باج   ضريبة

Ç  ç چ  : Çav    چاڤ  عين

D d  د    : Dar   دار     شجرة

E  e ە  : Dem   دەم     فم

Ê êێ   : Dê  دێ     قرية أو يأتي

F f  ف    : Fêr  فێر      تعلّم 

G g گ    : Ga   گا      ثور

H hه   : Hêz  هێز      طاقة، قوة، قدرة

Ĥ ĥ ح    : Ĥez  حەز   رغبة

Mil   ---- I i  : مل   رقبة 

 Î îی   : Çî  چی     ماذا

 J  jژ   : Jin  ژن  إمرأة

 K   k ك    : Kurd  كورد

 L   lل   : Luř  لوڕ
   
 Ł ł   ڵ : Guł  گوڵ    ورد

 M m م   :  Mał = ماڵ     بيت، مسكن

 N   n ن  : Naz  ناز    دلال

 O o ۆ   : Bon  بۆن     عطر، رائحة

 Ö  ö وێ  Gö  = گوێ    أُذن

 P p پ  : Pak  پاك   نظيف

 Q qق   : Qaz   قاز     وز         

 R r  ر : Berz   بەرز   عالي، طويل القامة

Ř ř   ڕ: Řê     ڕێ      طريق

 S s   س  : Ser  سەر       رأس

 Ş şش  : Şîr  شير     حليب

 T t  ت  : Teř   تەڕ    رطِب، مبلل

 U u و  : Guĺ   گوڵ    ورد

 Û   ûوو  : Dûr   دوور     بعيد

 V vڤ  : Mirov    مرۆڤ    مرء، إنسان

 W w و : Were  وەرە     تعال، تعالي

 X xخ   : Xeĺat   خەڵات     جائزة، مكافأة

 Ẍ ẍغ   : ẍembar   غەمبار      حزين

 Y yي   : Yek  يەك      واحد

 Z  zز       Zor : زۆر  كثير، قوة
   
 (1) )Wadell, L. Austin (1927). Sumer – Aryan Dictionary. London.


mahdi_kakei@hotmail.com

45
إستنباط لغة كوردية مشتركة

د. مهدي كاكه يي

العولمة و ثورة الإتصالات و المعلومات لها تأثير إيجابي كبير على توحيد اللغة الكوردية، حيث أنها تعمل على إزالة الحدود و الحواجز بين الأقاليم الكوردستانية و زيادة الإتصال بين المواطنين الكوردستانيين مناطقياً و إقليمياً و التي تؤدي بدورها الى تقارب اللهجات الكوردية و تجانسها و بالتالي ظهور لغة كوردية موحدة. يحدث هذا عن طريق إنتقال الرأسمال و الإستثمارات و كثافة العلاقات التجارية و العلمية و الثقافية بين مختلف أجزاء كوردستان و كذلك نتيجة ظهور الفضائيات الكوردية و مئات المواقع الإلكترونية الكوردية. كما أن النظام العالمي الجديد و العولمة تعملان في نفس الوقت على إزالة الأنظمة الدكتاتورية و العنصرية للدول المحتلة لكوردستان و إحلال أنظمة معتدلة محلها و التي تعني تمتع الكورد بحرية نسبية و بعض الحقوق القومية و تمكينهم من توحيد لغتهم و إحياء ثقافتهم. من جهة أخرى، فأن العولمة و التطور التكنولوجي لهما آثار سلبية أيضاّ على توحيد اللغة الكوردية، حيث أنهما يعملان على هيمنة اللغة الإنكليزية و جذب إهتمام قطاع واسع من الكورد و كسبهم من قِبل الفضائيات الناطقة بالعربية و الفارسية و التركية و مواقع الإنترنت المكتوبة بهذه اللغات، و إبتعادهم عن الفضائيات و المواقع الكوردية مما يؤثر سلباً على مشروع اللغة الكوردية المشتركة.

لدراسة موضوع توحيد اللغة الكوردية بشكل علمي، ينبغي أن تتوفر في هذه الدراسة الشروط الأساسية للدراسات العلمية. بالنسبة للموضوع الذي نحن بصدده، فأن أول هذه الشروط هو أن يكون الباحث محايداً لا يميل الى فرض حل معين يعتقد بصحته، على الحلول الأخرى، و إلا ستخرج الدراسة عن المنهجية العلمية. مثلاً تفضيل الباحث إختيار لهجة معينة لتكون أساساً للغة الكوردية الموحدة دون إمتلاكه لمبررات علمية تُرجّح ذلك الإختيار. الشرط الثاني هو أن يكون الهدف من البحوث إيجاد لغة كوردية موحدة للأمة الكوردية بأسرها دون أن ينحصر على توحيد اللغة الكوردية في جزء مُعيّن من كوردستان و الذي يعني القبول بواقع تجزئة كوردستان و دعم الواقع التقسيمي لها. الشرط الثالث هو أن يتم إختيار الوسائل المستعملة لخلق لغة مشتركة و بيان مبررات هذا الإختيار. لو دققنا في الدراسات و المقالات المنشورة من قِبل بعض الكُتّاب حول هذا الموضوع و إحتكمنا الى هذه المقومات، لنرى بكل أسف أن معظمها يفتقد الى توفر هذه الشروط.

فيما يخص توحيد اللغة الكوردية، النزعة الإقليمية أواللهجوية تدل على نقص في الوعي القومي و ضحالة في المعلومات و قُصر نظر في الرؤية. بعض الطروحات الإقليمية التقسيمية تُطرح من قِبل أناس يباركون بقاء كوردستان مقسمة أو تأتي من أناس يائسين فاقدي الأمل في تحقيق وحدة كوردستان. أما أصحاب النزعة اللهجوية هم من المتعصبين للهجتهم الذين لا يجيدون التكلم باللهجات الأخرى، بل لا يريدون تعلمها أو هم من القلقين على إندثار لهجتهم و إختفائها. على هؤلاء أن يدركوا أن مصير أقاليمهم و لهجاتهم مرتبطة بشكل عضوي بمستقبل توحيد كوردستان و توحيد اللغة الكوردية لأن هذه اللهجات ليست لها مقومات البقاء و الحياة إذا لم تتوحد و إذا لم تفلح في التزاوج و التلاقح و التفاعل مع بعضها لتكوين لغة موحدة تمثل الأمة الكوردية و تصبح لساناً كوردياً واحداً يشق طريقه نحو الحياة و التقدم و التطور. كلما تبقى كوردستان محتلة و مجزأة كلما تواجه اللغة الكوردية تحديات أكبر لتصبح لغة موحدة للأمة الكوردية. في منطقة مضطربة تسودها النزعة العنصرية و العنف و إلغاء الآخر، مثل منطقة الشرق الأوسط، و في عالم التكتلات السياسية و الإقتصادية و العسكرية الكبرى، فأن وحدة الكورد و تطورهم هما الضمان الوحيد لبقائهم كشعب قادر على إيجاد هويته و الحفاظ على وجوده و ثقافته و لغته. من هنا ندرك أن النزعة الإقليمية و اللهجوية عند بعض الكورد هي نزعة غبية و لها آثار سلبية خطيرة على مستقبل و وجود الشعب الكوردي. ليعلم أصحاب هذه النزعة بأن محتلي كوردستان مستعدون لصرف مليارات الدولارات لتشجيع الفكر الإقليمي و اللهجوي و الإستسلامي بين الشعب الكوردي لتمزيقه و تقسيمه الى قبائل و طوائف متناحرة و بائسة لإنجاح مشروع تذويب الشعب الكوردي و القضاء عليه، بعد أن عجزت ماكنتهم العسكرية من طائرات و دبابات و مدافع و أسلحة كيميائية، عن تحقيق هدفهم بإبادة الشعب الكوردي و سرقة كوردستان و محو وجودها.

ينطبق نفس الشئ بالنسبة الى توحيد الكتابة الكوردية، حيث ينطلق الذين يدعون الى إستخدام الأبجدية الآرامية، من حقيقة الإنتشار الواسع لهذا النوع من الكتابة أو ينطلقون من منطلق ديني، حيث أن لغة القرآن هي العربية و يريد هؤلاء إستمرار تواصل الكورد مع الثقافة الإسلامية و العربية. هناك فريق آخر يفضل إستخدام الأبجدية اللاتينية في الكتابة الكوردية لإعتقاده بملاءمة هذا النوع من الحروف للأصوات الكوردية و لتمكين الكورد من مواكبة التطور التكنولوجي و العلمي العالمي. إن مناقشة هذه المواضيع مفيدة، إلا أنه يجب مراعاة الجانب العلمي و المصالح القومية العليا للأمة الكوردية. إن اللغويين الكورد هم الأشخاص المؤهلون لإداء هذه المهمة التأريخية في توحيد الكتابة الكوردية و إيجاد لغة كوردية مشتركة. على اللغويين و المسؤولين الكورد الشعور بالمسئولية و التفكير بمستقبل و وجود الشعب الكوردي و البدء بالعمل بكل جد و مثابرة على إنجاز هذه المهمة التأريخية الكبرى التي يتوقف عليها مستقبل و مصير الأمة الكوردية.

الى أن تظهر لغة كوردية موحدة و التي من الصعب جداً تحقيقها بدون إستقلال كوردستان، إلا أنه من الممكن إتخاذ بعض الإجراءات في الوقت الحاضر لبناء أسس صائبة لها لتسهيل عملية تقارب و دمج و تكامل اللهجات الكوردية. منذ نشوء الدولة العراقية الحالية، فأن الحكومات العراقية المتعاقبة عملت على تكريس اللهجوية في جنوب كوردستان لتعميق الإختلافات بين اللهجتين الكرمانجية الشمالية و الجنوبية، حيث تعاملت هذه الحكومات العنصرية مع هاتين اللهجتين كلغتين مستقلتين عن طريق بث الأخبار و المقابلات الإذاعية و التلفزيونية بهاتين اللهجتين بشكل مستقل و كذلك سلكت هذه الحكومات نفس الطريق بالنسبة الى نشر الكتب و المجلات و الصحف. من المؤلم جداً أنه، بعد تحرر الجنوب الكوردستاني و تشكيل مؤسسات الحكم في الإقليم، سارت حكومة كوردستان على نفس النهج، حيث تتم قراءة الأخبار باللهجتين بشكل منفصل و تُعد البرامج الإذاعية و التلفزيونية بإحدى هاتين اللهجتين بشكل مستقل. هناك الكثير من المواطنين الذين لهم إلمام في مجال الكتابة و الصحافة و اللغة و الذين يجيدون التكلم بعدة لهجات كوردية. ينبغي دعوة هؤلاء و فسح المجال أمامهم ليصبحوا مذيعين و مُعدّي برامج في الإذاعة و التلفزيون للعمل عل خلق لغة مشتركة مؤلفة من اللهجات الكوردية الهورامية و اللورية و الكرمانجية الشمالية و الجنوبية المتواجدة في الجنوب، حيث لا يخفى الدور الحيوي للإذاعة و التلفزيون في التقارب بين اللهجات الكوردية. كما يجب أن يتم إصدار صحف و مجلات و كتب باللغة الكوردية المشتركة، بإختيار مرادفات و مفردات جميع اللهجات الكوردية.

من الوسائل الأخرى للتقارب بين اللهجات الكوردية هي إنخراط المواطنين الكورد، سواء في كوردستان أو خارجها، في الجمعيات و الإتحادات و النقابات الثقافية و الإجتماعية و المهنية الكوردية و المجتمعات المدنية الأخرى وفي صفوف الأحزاب الكوردستانية و التي توفر فرصة ممتازة لإلتقاء اللهجات المختلفة و تواصلها و تقود الى التقريب بين اللهجات الكوردية و تجانس اللغة الكوردية. كما ينبغي فتح دورات تعليم اللغة الكوردية في كوردستان و في كل المناطق و الدول التى تتواجد فيها الجاليات الكوردية، لتعلم اللغة الكوردية بإشراف معلمين يجيدون التكلم بأكثر من لهجة واحدة للوصول الى تقارب و تجانس اللهجات الكوردية. مما سبق نستنتج أن مشروع إيجاد لغة كوردية موحدة هو مشروع قومي إستراتيجي، يحتاج الى كثير من العمل و التضحيات و النضال و على الكورد أن يقوموا بإنجازه إذا يُراد للشعب الكوردي أن يبقى كشعب واحد و أمة واحدة.

نتيجة التعريب و التفريس و التتريك و إرهاب الحكومات المحتلة لكوردستان و إضطهادها للكورد و بسبب تعرض كوردستان لحملات عسكرية عنصرية وحشية مستمرة و نتيجة هدم القرى و القصبات فيها و فقدان الأمن و فرص العمل هناك، إضطر الملايين من الكورد الى ترك كوردستان، حفاظاً على أرواحهم و طلباً للأمن و الإستقرار و الحصول على العمل لإعالة أنفسهم و أُسرهم. القسم الأكبر من هؤلاء هاجروا الى المدن الكبيرة مثل إستانبول و أنقرة و إزمير و طهران و بغداد و دمشق و غيرها من مدن هذه الدول و إستقروا فيها لبدء حياة جديدة لهم في هذه المناطق. قسم آخر من هؤلاء، و الذين قد تصل أعدادهم الى حوالي مليونين شخص، إضطروا الى الهجرة الى أوربا و قارة أمريكا الشمالية و أستراليا و كوّنوا حياة جديدة هناك. بالإضافة الى تشريد النظام البعثي العراقي العنصري لحوالي نصف مليون شخص من الشريحة الفيلية الى إيران و مواجهتهم حياة مزرية و صعبة هناك و إنقطاعهم عن التواصل مع لغتهم و ثقافتهم. هؤلاء المُهجّرون و المهاجرون من كورستان يواجهون خطر الإنسلاخ عن الأمة الكوردية نتيجة إنقطاعهم عن التواصل مع اللغة والثقافة الكوردية و خاصة بدءً من الجيل الثاني لهؤلاء المهاجرين و المهجرّين الذين يواجهون الإنسلاخ اللغوي و الثقافي و التشبع بثقافات و لغات البلدان التي يعيشون فيها. هذا يعني أن هؤلاء سينقطع إنتماؤهم و إرتباطهم بالشعب الكوردي بعد جيلين أو أكثر و تخسرهم الأمة الكوردية إذا لم تُتخذ إجراءات و حلول لديمومة تواصلهم مع الشعب الكوردي و إحتضان الأمة الكوردية لهذه الثروة البشرية الضخمة من المنتمين لها. هنا موضوعنا عن اللغة الكوردية، لذلك لا يسع المجال للإستطراد في بحث بعض الإجراءات الناجحة لمنع إنسلاخ هؤلاء عن أمتهم.

يجب أن يكون الأشخاص الذين يتصدون لهذا المشروع الإستراتيجي مختصين باللغة الكوردية و بأصولها و تأريخ تطورها و بلهجاتها. كذلك يتطلب ذلك منهم أن يكونوا ملمّين بالمبادئ الأساسية للبحث و الدراسة، للتمكن من النجاح في تحديد الأهداف و إختيار المواد و العناصر و الوسائل اللازمة لإستخدامها للحصول على نتائج جيدة و صائبة و من ثم أن يكونوا كفوئين في تحليل النتائج التي يتوصلون إليها و الخوض في مناقشتها لكي يصلوا الى إستنتاجات و مقترحات و توصيات تخدم توحيد اللغة الكوردية و الذي بدوره يساهم في توحيد الأمة الكوردية. عندئذ يستطيعون إغناء الموضوع و تطويره و خدمته و الوصول الى الهدف بنجاح.

إن إيجاد لغة كوردية موحدة هي عملية صعبة تحتاج الى كثير من الجهد و الوقت، إلا أن تحقيق الحلم الكوردي ممكن بكل تأكيد. كما نوهتُ، أن صعوبة إيجاد لغة مشتركة للكورد تكمن في تقسيم كوردستان الى أربع أجزاء رئيسية و كل جزء تحتله دولة ذات نظام لا يعترف بالشعب الكوردي و لا يعترف باللغة الكوردية، بل يحاول القضاء عليها عن طريق التتريك و التعريب و التفريس. هذا التقسيم الجائر خلق لغة كوردية تُكتب بثلاث أنواع من الحروف (العربية و اللاتينية و السنسكريتية) و بلهجتين رئيستين (الكرمانجية الشمالية و الجنوبية). كما أن الحدود المصطنعة التي تقسم كوردستان، تمنع التواصل و الإختلاط بين الكورد، و بذلك تعرقل تكوين لغة كوردية مشتركة. إلا أن تحرر إقليم الجنوب و تسلم السلطة فيه من قِبل حكومة كوردستانية، بعث الأمل في نفوس الكورد في توحيد لغتهم و الذي بدوره يُعتبر شرطاً أساسياً لتوحيد كوردستان و شعبها.

أود هنا أن أسلّط الضوء على جانبين مهمين من جوانب توحيد اللغة الكوردية. الجانب الأول؛ هو علمي بحت يتناول تحديد اللغة الموحدة و وضع خريطة طريق للوصول الى ذلك الهدف، و الجانب الثاني هو الجانب التنفيذي للمشروع. مسئولية الجانب الأول من المهمة، تقع على عاتق اللغويين. لتحديد الهدف بوضوح و بشكل شفاف، يجب تعريف اللغة المشتركة التي هي اللغة الرسمية للبلاد، و التي تعني أنها لغة الكتابة و التفاهم و التعليم و وسائل الإعلام، على أن تتم مراعاة الإرث اللغوي الكوردي و لهجات اللغة الكوردية. هذا التعريف يعني إيجاد لغة كوردية تكون وسيلة لتفاهم الكورد مع بعضهم، شفهياً و كتابةً. الشق الثاني من التعريف يعني الحفاظ على كل الموروثات اللغوية الكوردية السابقة، سواء كانت كتباً أو مجلات أو صحفاً أو أغانٍ أو برامج تلفزيونية و إذاعية أو أفلاماً و غيرها. كما يؤكد الجزء الثاني من التعريف على السماح لتطور اللهجات الكوردية و حمايتها من الإنقراض، لأنها هي أيضاً تُشكّل جزء من التراث و الثقافة الكوردية، بشرط أن تصبح اللهجات الكوردية لهجات محلية تتفاهم بها أصحاب هذه اللهجات فيما بينهم و ينشرون بها أشعارهم و غناءهم، إلا أنه يجب أن يكون واضحاً بأن اللغة الرسمية ستكون اللغة الكوردية الموحدة و التي تعني أن التعليم و وسائل الإعلام و المخاطبات الرسمية ستكون بهذه اللغة.

يتصور البعض أن اللغة الكوردية الموحدة ستكون عن طريق إختيار لهجة معينة و هيمنتها على اللهجات الأخرى، لتصبح لغة للكورد و منح الحياة و الديمومة لتلك اللهجة و ترك اللهجات الأخرى تتجه نحو الإنقراض. أعتقد أن اللهجات الكوردية تتكامل مع بعضها البعض و بعد تفاعلها و تلاقحها، ستصبح لغة مشتركة للكورد. أستغرب الضجيج المفتعل حول اللهجات الكوردية و كأنما الإختلاف بينها كبيراً الى درجة يصعب توحيدها. لو نتمعن في اللهجات الكوردية، نرى أن قواعدها متشابهة جداً و هناك إختلافات طفيفة جداً بينها. أما بالنسبة لكثير من مفرداتها، فأنها متشابهة أيضاً، بإستثناء بعض التحويرات البسيطة التي تعرضت لها هذه اللهجات خلال التطور التأريخي لهذه اللهجات و التي تمت بمعزل عن بعضها البعض، نتيجة فصل قسري بينها و بسبب وقوع كل لهجة تحت تأثير النظام السياسي الذي تعيش في ظله و تأثير لغة الشعوب المحتلة المهيمنة على كل منها. التباعد بين اللهجات الكوردية المتأتي من تشتيت الشعب الكوردي و تقسيم كوردستان، تتم معالجته عند توحيد الشعب الكوردي و بناء دولته الموحدة. من هنا ندرك أن التغييرات الطارئة على المفردات المختلفة بين اللهجات الكوردية هي ظاهرة طبيعية، حيث أن الكلمات في كل لغات الدنيا لها مرادفات. من الملاحظ أيضاً أن النقاش الدائر حول توحيد اللغة الكوردية يُركّز على اللهجة الكرمانجية الشمالية و الجنوبية اللتين الكتابة بهما أكثر إنتشاراً من اللهجات الأخرى، إلا أننا لا يمكن تجاهل اللهجات الأخرى التي هي غنية بالمفردات الكوردية الأصيلة. على سبيل المثال لا الحصر، اللهجة اللورية التي كانت مناطق إنتشارها مهداً للحضارة البشرية ، حيث الحضارة السومرية و الإيلامية و الميدية و الساسانية. اللغات الهندو-أوروبية أخذت من اللهجة اللورية الآلاف من مفرداتها التي تستعملها في الوقت الحاضر. على سبيل المثال، يذكر الأستاذ مسعود محمد، في كتابه القيّم المعنون ”لسان الكُرد“ الصادر في بغداد في عام 1986، بأن كلمة ”دوت“ التي تعني ”بنت“ باللهجة اللورية هي كلمة كوردية أصيلة مذكورة في ”آڤيستا“ و أن اللغات الأخرى، كاللغات الإنكليزية و السويدية و غيرهما، قد قامت بإستعارة هذه الكلمة الكوردية. لو نستمر في التدقيق في مفردات اللهجة اللورية، سنكتشف أنها تحوي على الآلاف من الكلمات الكوردية الأصيلة. كما يجب أن لا ننسى اللهجة الهورامية، حيث أن الكتب الدينية للكاكەيين مكتوبة بهذه اللهجة، و التي هي إحدى الديانات الكوردية القديمة. هكذا بالنسبة للهجات الأخرى. من هنا ندرك بأن اللغة الكوردية الموحدة بحاجة الى روافد جميع لهجاتها لإثرائها و العمل على تكاملها.

لإنجاح توحيد اللغة الكوردية، أول خطوة نحتاج للقيام بها هي توحيد كتابة اللغة الكوردية. لتنفيذ هذا العمل، ينبغي عقد مؤتمر علمي حول هذا الموضوع، يقوم بتنظيمه المجمع العلمي الكوردي  لجنوب كوردستان، بالتعاون مع الأقسام الكوردية في الجامعات الكوردستانية و المراكز الثقافية الكوردية القائمة في دول عديدة. لهذا الغرض، تتم دعوة علماء اللغة الكورد من مختلف أنحاء كوردستان، بحيث تشمل المختصين باللهجات الكوردية جميعها. كما يتطلب الأمر دعوة العلماء الأجانب المختصين باللغة الكوردية و كذلك مشاهير علماء العالم في مجال اللغات. كما أقترح أن تُنظّم هذه التظاهرة العلمية في كوردستان و أن تعضدها حكومة جنوب كوردستان، و خاصة من الناحية المادية. أقترح أيضاً دعوة اللغويين الأجانب و الكورد القاطنين خارج كوردستان و تحمّل نفقة سفرهم و إقامتهم، حيث أن ميزانية البحوث العلمية في جامعات و مراكز البحوث في الغرب، تكون عادةً محدودة، تأتي عن طريق إعانات حكومية و مساعدات مقدمة من شركات و جمعيات ذات الصلة. كما من الضروري الإعلان عن عقد المؤتمر المذكور في وقت مبكر، أقترح أن يكون ذلك قبل عام واحد من إنعقاده، لضمان توفر الوقت الكافي للباحثين لتحضير دراساتهم و بحوثهم بشكل جيد. ينبغي أن يتم إشعار الباحثين عن مكان إنعقاد المؤتمر و موعده و مدته و شعاره و لغة عرض البحوث عند إرسال الدعوات الى المختصين للمشاركة في المؤتمر المذكور. يمكن أن يكون شعار المؤتمر مثلاً (السبيل الى إيجاد كتابة كوردية موحدة). تُستعمل اللغة الإنكليزية عادة في المؤتمرات العلمية العالمية (بالنسبة للباحثين الذين لا يجيدون الإنكليزية، يمكن تقديم دراساتهم على شكل ملصقات posters، حيث أنهم في هذه الحالة لا يحتاجون الى إلقاء بحوثهم بصورة شفهية) أو يمكن إلقائها بِلُغة أخرى على أن يقوم مترجمين بترجمتها شفهياً بشكل مباشر الى اللغة الكوردية و الإنكليزية. في نهاية المؤتمر، يقوم المؤتمرون بتقديم توصيات و مقترحات حول الموضوع و يمكن لحكومة جنوب كوردستان تبنّيها لتصبح الكتابة الرسمية في الإقليم و في أجزاء أخرى من كوردستان و من قِبل الكوردستانيين في كل مكان قدر المستطاع.

إيجاد لغة كوردية موحدة يحتاج أيضاً الى تأليف قاموس (كوردي- كوردي) شامل يحتضن بين دفتيه مفردات اللهجات الكوردية لتصبح أساساً للغة كوردية مشتركة. هذا العمل الجبار يجب أن يُناط باللغويين الكورد و العلماء الأجانب المختصين باللغة الكوردية. لإنجاز هذه المهمة التأريخية، يمكن أن يتوزع هؤلاء اللغويون على شكل مجاميع لغوية، كل مجموعة تأخذ على عاتقها مسئولية جمع مفردات لهجة معينة من مصادر مختلفة، مثل الكتب و الصحف و تسجيل أحاديث الناس في القرى و الأرياف و المدن و في المهجر و غيرها من الوسائل التي يستطيع الباحثون إتباعها، و التي هم أعرَفُ مني بها، حيث أن مثل هذا العمل هو من إختصاصهم. يصبح هذا القاموس أساساً للغة مشتركة. قد يظن القارئ بأن القاموس سيحتاج الى مجلدات ضخمة و عديدة، الا أنني أعتقد بأن الكثير من مفردات اللهجات متشابهة أو متقاربة و أن فصل و عزل الكورد عن بعضهم البعض و منع إستعمال اللغة الكوردية من قِبل الحكومات المحتلة تجعلنا نتصور أن هناك بَوناً شاسعاً بين اللهجات الكوردية، حيث أن الإختلاف بين اللهجات الكوردية لا يزيد عن ذلك الموجود بين لهجات اللغات الأخرى.

يجب أن لا ننسى أيضاً أن اللغة الكوردية بحاجة لتثبيت قواعد لها. لهذا الهدف، يجب دراسة اللهجات الكوردية من قِبل اللغويين المختصين باللغة الكوردية لوضع كتاب شامل لقواعد اللغة الكوردية، ليصبح مرجعية لها، تتبعها المؤسسات التربوية و الرسمية الأخرى و وسائل الإعلام و الكُتّاب و المؤلفون. بعد إنجاز مشروع القاموس و كتاب النحو الكوردي، تبدأ الدراسة باللغة الكوردية الموحدة بالنسبة لتلاميذ الصف الأول الإبتدائي و يتم تعليم الآخرين، المعلمين و المدرّسين و الصحفيين و غيرهم، عن طريق فتح حلقات دراسية لهم. صحيح أننا في بداية تطبيق اللغة الكوردية سنواجه صعوبات كبيرة، إلا أن العملية ستنجح و تأخذ مسارها الطبيعي بعد جيل أو جيلين.

mahdi_kakei@hotmail.com



46
(تركيا)  .....   الى أين؟  (28)

تنظيم و إدارة شؤون الكوردستانيين القاطنين خارج الإقليم الشمالي

2. الكوردستانيون القاطنون في البلدان الغربية



د. مهدي كاكه يي

إن الفرص المتاحة للجالية الكوردية في البلدان الغربية هي فرص ممتازة للتواصل مع البعض و مع اللغة و الثقافة الكوردية و إستعمال لغة كوردية موحدة، بعد التوصل الى إختيار هذه اللغة من قبِل اللغويين و تبنّيها من قِبل ممثلي شعب كوردستان. في جنوب كوردستان، حيث أن الإقليم يُدار من قِبل الكوردستانيين أنفسهم، و في الدول الغربية، حيث تعيش الجاليات الكوردستانية، يستطيع الكوردستانيون فيها تطبيق إستعمال لغة كوردية موحدة مختارة قبل الكوردستانيين الذين يعيشون في الأجزاء الأخرى من كوردستان المحتلة من قِبل كل من "تركيا" و إيران و سوريا، حيث أن حكومات هذه الدول تقوم بمنع و عرقلة الكوردستانيين في شمال و شرق و غرب كوردستان من إستعمال لغة كوردية موحدة، بينما المواطنون الكوردستانيون في المهجر و جنوب كوردستان سيكونون من رواد إستعمال لغة كوردية موحدة عند إيجادها. كما أن المهجر يتفوق على جنوب كوردستان في تطبيق إستعمال لغة كوردية موحدة، حيث يُشكّل المهجر نموذجاً مثالياً للتركيبة اللهجوية الموجودة في كوردستان، تتلاقح اللهجات الكرمانجية الشمالية و الجنوبية و الهورامية (الزازا) و اللورية مع بعضها و تتفاعل اللكنات الآمدية و القامشلية و الكركوكية و الدهوكية و المهابادية و الكرماشانية و الأورميية و الإيلامية و غيرها مع البعض، مكوّنة لغة كوردية موحدة جميلة، بينما في جنوب كوردستان لا تجتمع كل هذه اللهجات و اللكنات.

لا ينحصر دور كورد المهجر على الريادة في إستعمال اللغة الكوردية الموحدة، بل سيكونون أيضاً رواداً لخلق ثقافة و شخصية كوردية أصيلة و التمسك بالتراث الكوردستاني الأصيل و الثري من خلال تلاقي كافة العناصر الثقافية و الشخصية و التراثية الكوردستانية في المهجر و العودة الى الثقافة و الشخصية الكوردستانية الأصيلة و التراث الكوردستاني الأصيل.       

الكورد الذين يختارون العيش في المهجر و لا يودّون العودة الى كوردستان و الإستقرار فيها، يستطيعون الحفاظ على هويتهم الكوردية و إكتساب حصانة ضد الذوبان في المجتمعات التي يعيشون فيها من خلال الإستمرار في التواصل مع بعضهم و مع شعبهم الكوردي. تتطلب ديمومة هذا التواصل تنظيم الجاليات الكوردية في المهجر و وضع برامج و مشاريع تساعد على تواصل هذه الجاليات فيما بينها من جهة و التواصل مع الشعب الكوردي من جهة أخرى لمنع إنسلاخهم عن أمتهم.

يجب على الجاليات الكوردستانية في الخارج التحرك لتنظيم أنفسهم و إيجاد أفكار و تقديم آراء و مقترحات للنهوض بهم و تطوير أنفسهم لصيانة شخصيتهم الوطنية و القومية و الإستفادة من الفرص المتاحة لهم في المهجر لتنظيم أنفسهم و إعادة النظر في إسترتيجياتهم و برامجهم و خططهم و إختيار آليات عملهم و فعالياتهم على ضوء التطورات العالمية الجارية و الثورة الكبرى في مجال المبادئ والأفكار و المعلومات و الإتصالات، بل في جميع مجالات الحياة، لخدمة شعب كوردستان و إحتفاظ الجاليات الكوردية بلغتهم و ثقافتهم و التعرف على تأريخهم و الإرتباط بشعبهم و التواصل مع شعب كوردستان و مع التطورات و الأحداث الجارية في كوردستان.

إن المدارس الحكومية في العديد من الدول الغربية تقوم بتعليم أطفال الجاليات الأجنبية لغاتهم الأصلية لإتاحة الفرصة لهم لتعلم لغات آبائهم و أمهاتهم و الإحتفاظ بثقافاتهم الأصلية. على الأمهات و الآباء الكورد في المهجر الإستفادة من هذه الفرصة التأريخية التي تُتيحها هذه الدول لأطفالهم من خلال تشجيعهم على تلقّي دروس تعليم اللغة الكوردية في المدارس الحكومية و تشجيع و مساعدة أطفالهم في إتقان لغتهم الكوردية. كما أن النظم الديمقراطية في الدول الغربية تسمح للجاليات الأجنبية بفتح مدارس أهلية على أسس وطنية و قومية و دينية و مذهبية خاصة بكل جالية من الجاليات التي تعيش فيها و تقوم حكومات هذه الدول بتقديم الدعم المادي و المعنوي لتلك المدارس. يجب على الجاليات الكوردية إستغلال هذه الفرصة لفتح مدارس كوردية لتعليم الأطفال الكورد لغة الأم و تعريفهم بتأريخ و حضارة شعب كوردستان و بكوردستان نفسها. كما يمكن فتح دور حضانة أهلية لهم لهذا الغرض. في المهجر، يمكن فتح دورات لتعليم اللغة الكوردية للصغار و الكبار و تبرع اللغويين الكورد للقيام بإدارة هذه الدورات التي يمكن تخصيص مقرات الجمعيات و الإتحادات الكوردستانية و إستئجار صالات خاصة أو حتى تخصيص البيوت لإقامة هذه الدورات الدراسية اللغوية فيها.

هناك وسائل عديدة أخرى يمكن إتباعها لإدامة تواصل كورد المهجر مع شعب كوردستان و تعزيز هذا التواصل. يمكن العمل على  تواصل التفاعل بين الطلاب و الباحثين و الأساتذة الكورد في المهجر و شعب كوردستان عن طريق إبرام إتفاقيات بين الجامعات الكوردستانية و جامعات الدول المتواجدة فيها الجاليات الكوردية لتبادل الأساتذة و الباحثين و الطلاب بين الجانبين، و التي يستطيع الكوردستانيون المهاجرون العاملون في الجامعات و مراكز و معاهد البحوث الأجنبية أو الطلاب الجامعيون بموجبها العمل أو الدراسة في الجامعات الكوردستانية و التواصل مع شعبهم خلال فترة إقامتهم هناك.  كما أنّ المهاجرين الكوردستانيين الذين يعملون في بلدان المهجر، من أكاديميين و مهنيين و غيرهم، يمكنهم الحصول على إجازات طويلة الأمد بدون راتب، على سبيل المثال لمدة تبلغ عدة أشهر أو سنة أو أكثر، و الإنتقال الى كوردستان و العمل هناك خلال فترات إجازاتهم لقاء رواتب يحصلون عليها في كوردستان. إضافةً الى أن هاتين الطريقتين المذكورتين تساهمان في تقوية الروابط بين كوردستانيي الداخل و الخارج و تفاعلهم مع البعض و تواصل المهاجرين مع لغتهم و ثقافتهم، فأن المهاجرين سيساهمون بدورهم في بناء و تطوير كوردستان و دفع عجلة تقدمها لما لهم من خبرات و معلومات في مجال إختصاصاتهم.

يمكن لكوردستانيي المهجر قضاء عطلهم السنوية مع أسرهم في كوردستان و مثل هذه الزيارات تكون ضرورية و مهمة جداً لأطفالهم المولودين في المهجر أو الذين كانوا أطفالاً عندما هاجرت عوائلهم من كوردستان، ليتمكنوا من التعرف على لغتهم و ثقافتهم و التواصل معهما و العيش في البيئة الكوردستانية. كما يمكن لرأسماليي الكورد المهاجرين من إستثمار أموالهم في كوردستان و العمل هناك و الذي سيؤدي الى تواصلهم مع شعبهم و مساهمتهم في بناء كوردستان.

يجب مساعدة كورد المهجر الذين يرغبون في العودة الى كوردستان بشكل عام و جنوب كوردستان بشكل خاص، و إحتضانهم من قِبل حكومة إقليم الجنوب أو المنظمات و المؤسسات الكوردستانية في الأجزاء الأخرى من كوردستان، ليستقروا و يبدأوا حياة جديدة هناك، تمنحهم الأمان و العزة و الكرامة و الرخاء و توفّر لهم بيئة جيدة، حيث يعيشون في أحضان وطنهم و يتفاعلون مع المجتمع الكوردستاني و يتخلصون من أخطار الإنسلاخ عن الأمة الكوردية.

كما أنه ينبغي خلق نظام ديمقراطي في كوردستان و رفع مستوى المعيشة للمواطنين و توفير فرص الدراسة و العمل للشباب و الأكاديميين الكوردستانيين و تسهيل فرص و شروط الإستثمار من خلال فتح المزيد من المدارس المهنية و المعاهد و الجامعات و إقامة مشاريع إقتصادية في كوردستان للحيلولة دون هجرة المزيد من الشباب و المستثمرين الكوردستانيين و الأدمغة الكوردستانية الى خارج كوردستان بحثاً عن فرص الدراسة و العمل و الإستثمار للحصول على حياة حرة كريمة.

ينبغي على الكوردستانيين في المهجر الإنضمام الى الأحزاب السياسية للدول التي تعيش فيها الجاليات الكوردستانية و الى منظمات المجتمع المدني و إمتلاك أسهم البنوك و الصحف و المجلات و أسهم الشركات و  المعامل و تخريج علماء و أكاديميين و باحثين علميين و أساتذة جامعيين و فنيين ليكون لهم صوتاً مسموعاً في البرلمان الأوروبي و برلمانات دول العالم المختلفة و في مجالس المحافظات و مجالس البلديات للدول التي يعيشون فيها و في الجامعات و المعاهد العلمية و مراكز القرار السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية ليمتلكوا نفوذاً و سلطة سياسية و إقتصادية و إعلامية و إجتماعية قوية تؤدي الى خلق لوبي كوردستاني مؤثر في العالم الذي يُسهم في  إيصال القضية الكوردستانية الى أروقة الأمم المتحدة و الى مراكز إتخاذ القرار في الدول الكبرى و إلى الرأي العام العالمي و الذي يُعتبر عامل هام جداً في تحقيق إستقلال كوردستان و توحيدها.

إن العولمة و التطورات الهائلة الحاصلة في مجال الإتصالات و نقل المعلومات، حيث نعيش في عصر الإنترنت و الفضائيات التلفزيونية و الموبايل، تُتيح التواصل بين المجتمعات البشرية و الحصول على المعلومات بسهولة و بسرعة. هذه التطورات خلقت ظروفاً ممتازة للمغتربين المتشتتين في مختلف بقاع العالم، للتمكن من التواصل مع لغاتهم و ثقافاتهم و شعوبهم، بعد أن كانوا قبل نحو عقدَين من الزمن معزولين عن مجتمعاتهم الأصلية، فأنقذتهم هذه الإنجازات الإنسانية العظيمة من عزلتهم. بالنسبة للكورد المغتربين، فأن هذه الثورة الإتصالاتية و المعلوماتية و زوال حكم البعث الشمولي و العنصري في العراق و إنتشار المبادئ و الأفكار الديمقراطية و البدء بزوال الحكومات الدكتاتورية و الشمولية في العالم، و خاصة في الدول المحتلة لكوردستان، كل هذه التطورات الإيجابية تساهم في زيادة و إدامة التواصل الكوردي مع بعضهم في المهجر و مع شعبهم في كوردستان و خارجها. ينبغي إنتهاز هذه الفرصة و ذلك بأن تقوم الفضائيات الكوردستانية بوضع برامج خاصة لجذب إهتمام المغتربين الكوردستانيين و شدهم الى متابعة تلك البرامج لتواصلهم مع لغاتهم و ثقافاتهم. يجب أن تُركّز هذه البرامج التلفزيونية على برامج خاصة بالأطفال و الشباب و الكبار و المرأة و اللغة الكوردية و التأريخ و التراث الكوردي و االمجتمع الكوردستاني و أطيافه و أديانه و مذاهبه و الطبيعة في كوردستان و مناطقها و الموسيقى و الفن و الغناء الكوردستاني و الحياة الكوردستانية و السياسة و أخبار الكورد في مختلف مناطق العالم. لتعليم أطفال المهجر لغتهم، يجب وضع برامج تلفزيونية تعليمية يومية لتعلم اللغة الكوردية و لغات الأطياف الكوردستانية الأخرى، من سريانية و أرمنية و كلدانية و آثورية و تركمانية، و كذلك يمكن أن يتم ذلك أيضاً عن طريق الإنترنت، من خلال المواقع الإلكترونية و مواقع الخدمات الإجتماعية مثل Facebook و Twitter و Skype و Paltalk وLinkedin  و غيرها. كما ينبغي أن تتضمن تلك البرامج تغطية لحياة المغتربين في مختلف دول المهجر و نشاطاتهم في مختلف المجالات.

يُعتبر القيام بتأسيس جمعيات و إتحادات و جمعيات و منظمات كوردستانية في الدول التي تتواجد فيها الجاليات الكوردية، من الوسائل المهمة للتواصل اللغوي و الثقافي بين أفراد تلك الجاليات. توجد مثل هذه المنظمات الكوردية في المهجر، إلا أنها تستند على أسس حزبية و يتم إستخدام أسس كلاسيكية بالية و متهرئة و تقوم بها أناس كلاسيكيون غير نشطين و التي تجعل هذه المنظمات عاجزة عن الإرتفاع الى مستوى المسئولية للوقوف بوجه التحديات التي يواجهها المهاجرون ليتأهلوا أن يصبحوا سفراء حقيقيين لشعبهم الكوردستاني في الخارج. كما أنّ هذه المؤسسات الكوردستانية تفتقر الى برامج عمل لخدمة المهاجرين و إيجاد وسائل يستطيع عن طريقها الكوردستانيون المغتربون الحفاظ بهويتهم الكوردستانية و تواصلهم مع شعبهم. تحتاج الجاليات الكوردية الى إعادة تنظيم نفسها على أسس عصرية تتلاءم مع التطورات العالمية الكبرى التى حدثت و مع مستجدات القضية الكوردستانية و متطلبات تحقيق أهداف الشعب الكوردستاني. يتم تأسيس هذه المنظمات و الإتحادات و الجمعيات الكوردستانية في كل دولة و ترتبط مع بعضها على مستوى القارة الأوروبية و العالم تحت إدارة موحدة و تنظيم مشترك.

كما أن كورد المهجر بحاجة الى مراكز و نوادٍ ثقافية و إجتماعية و فنية و رياضية و ترفيهية و شبابية، لجمع شملهم و إلتقائهم و لإجتماعاتهم و التواصل مع لغتهم و ثقافتهم و تأريخهم. ينبغي أن تحتضن هذه المراكز الجاليات الكوردية و تنظم لهم دورات لتعلم اللغة الكوردية و محاضرات لتعريفهم بالتأريخ الكوردي و نقل المستجدات على الساحة الكوردستانية لهم. كما يمكنها تنظيم دورات لتعلم الكومبيوتر و الرسم و التصوير و السباحة و بعض الأعمال المهنية، مثل الطبخ و الخياطة و التطريز و الصناعات اليدوية البسيطة الأخرى.

ينبغي أن تبادر المنظمات و الجمعيات الكوردستانية و الأشخاص المتمكنين مادياً في المهجر الى تأسيس أسواق و مجمعات كوردستانية و مطاعم و مقاهي في المهجر، حيث نرى أنّ بعض الجاليات نجحت في بناء مدن خاصة بها في المهجر، على سبيل المثال، فأنّ كلاً من الجالية الهندية و الباكستانية في بريطانيا إستطاعت أن تستقر هناك في مدن معينة و أن تصبح الأغلبية الإثنية في تلك المدن.

المنظمات الكوردستانية في المهجر بحاجة الى تشكيل فرق موسيقية و غنائية و فنية و فرق رياضية كوردستانية في البلدان التي تعيش فيها الجاليات الكوردية و تشجيع المغنيين و الفنانين و الرسامين و النحاتين و الرياضيين و الموهوبين و تنظيم حفلات غنائية و مباراة رياضية و معارض فنية تجذب الجاليات الكوردستانية و تجلب إهتمامها و في نفس الوقت فأن مثل هذه النشاطات ستساهم بشكل كبير في نضال الكوردستانيين من أجل حريتهم و إستقلالهم و ذلك عن طريق وسائل حضارية متمدنة. كما يمكن تنظيم مسابقات رياضية و  فنية و أدبية و شعرية و إقامة سفرات جماعية منتظمة للمهاجرين الى مناطق سياحية و تأريخية و إقامة لقاءات و إجتماعات و نشاطات و فعاليات، بإقامة مخيمات و معسكرات هناك للتعارف مع بعضهم البعض و تبادل المعلومات و إجراء المناقشات و تنظيم المحاضرات و النشاطات الفنية و غيرها. يمكن إجراء مسابقة سنوية لإختيار ملكة جمال كوردستان في المهجر، حيث تتم المنافسة لإختيار ملكة جمال كوردستانيي المهجر في كل دولة و ثم المنافسة بين الفائزات في كل دولة على لقب ملكة جمال كوردستان في المهجر لإختيار ملكة جمال الجاليات الكوردستانية في العالم. بنفس الطريقة يمكن إختيار أفضل مغني أو فرقة غنائية و أفضل موسيقي و أفضل صحفي و أفضل كاتب و أفضل كتاب و رسام و نحات و رسام و مسرحية و ممثل و فلم  و غيرها.

كما يمكن تأسيس جمعيات و إتحادات مهنية للمهاجرين الكوردستانيين لتبادل الأفكار و الآراء و الخبرات و تنظيم أنفسهم و إيجاد مجالات و آليات لخدمة الجاليات الكوردستانية و شعب كوردستان. إنه من الضروري أيضاً تشكيل لجان خاصة، تكون مهمتها مساعدة اللاجئين الكوردستانيين الجدد و ذلك بتزويدهم بالمعلومات الخاصة بالبلدان التي يستقرون فيها و نظمها، للتأقلم مع مجتمعاتهم الجديدة و التزوّد بمعلومات خاصة بفرص الدراسة و العمل و الذي يقوم بتسهيل حياتهم الجديدة و النجاح فيها. 

يمكن أن تقوم المنظمات و الإتحادات و الجمعيات الكوردستانية  و الأشخاص الأثرياء بإنشاء صندوق كوردستاني الذي يتم تمويله عن طريق الإستثمارات و التبرعات الشخصية لتمويل المؤسسات الكوردستانية في المهجر و مساعدة الجاليات الكوردستانية و بناء البنى التحتية لكوردستان و إقامة مشاريع و تقديم خدمات فيها.

كما يمكن إصدار مجلات و صحف باللغة الكوردية و بِلغات الدول التي تعيش فيها الجاليات الكوردستانية و تأسيس مطابع و تأليف كتب و نشرها لتعريف الكوردستانيين في المهجر و شعوب الدول التي يعيشون فيها على القضية الكوردستانية و التأريخ الكوردي و شعب كوردستان.

mahdi_kakei@hotmail.com










47
(تركيا)  .....   الى أين؟  (27)


تنظيم و إدارة شؤون الكوردستانيين القاطنين خارج الإقليم الشمالي

1. الكوردستانيون القاطنون في "تركيا"

ج. الحياة الإجتماعية و الثقافية

د. مهدي كاكه يي


إن تنظيم و تشجيع و تقوية الروابط بين الجاليات الكوردية في "تركيا" و في الدول المحتلة الأخرى لكوردستان و تواصلها مع البعض و مع شعب كوردستان، تعمل على إحتفاظ هذه الجاليات بهويتهم و لغتهم و تقاليدهم و عاداتهم الكوردية و تراثهم الكوردي و تحول دون ذوبانهم في المجتمع التركي و العربي و الفارسي و الإنسلاخ عن أُمتهم الكوردية. كما أن التواصل الإجتماعي و الثقافي بين أفراد الجاليات يخلق حياة إجتماعية سعيدة لهؤلاء الأفراد و يرفع مستواهم الفكري و الثقافي. لذلك فأن وضع إستراتيجية ناجحة لهذا الهدف، يخدم بشكل كبير وحدة الشعب الكوردي فكرياً و ثقافياً و إجتماعياً و يحول دون إنسلاخ الكورد القاطنين خارج كوردستان، عن شعبهم.

بسبب إحتلال كوردستان و تقسيمها و حُكم الكورد من قِبل العرب و الفرس و الترك تحت أنظمة حُكم عنصرية شمولية و خضوع الكورد لثقافة الشعوب المحتلة لكوردستان لفترة زمنية طويلة، فأن الكورد متأثرون بثقافة الشعوب المحتلة لكوردستان و أن الشخصية الكوردية أصبحت ممسوخة بسبب الإحتلال. لذلك يحتاج الكورد الى ثورة ثقافية كبرى لإستعادة ثقافته الأصيلة و تراثه الثري و إعادة بناء شخصيته الكوردية. من هنا تكمن أهمية وضع برامج متكاملة لتحقيق أهداف هذه الثورة الثقافية للعودة الى الثقافة الكوردية الأصيلة.

يمكن أن يستمر تواصل الجاليات الكوردية مع اللغة و الثقافة و الحياة الإجتماعية الكوردية من خلال تأسيس جمعيات و إتحادات و منظمات لها فروعها في مختلف القصبات و المدن في كل دولة من هذه الدول التي تتواجد فيها الجاليات الكوردية. ينبغي أن يكون تأسيس هذه المنظمات مبنيّ على أساس وطني كوردستاني، بعيداً عن الإعتبارات الحزبية و المناطقية و أن لا يعتمد على أسس كلاسيكية بالية و متهرئة و أن يتحمل أناس وطنيون كفوؤون مسئولية إدارتها و تطويرها و تحقيق أهدافها لتكون هذه المنظمات بمستوى المسئولية و الطموح للوقوف بوجه التحديات التي يواجهها المهاجرون و ليصبحوا سفراء حقيقيين لشعبهم الكوردي هناك، حيث أن المؤسسات الكوردية الموجودة في الوقت الحاضر تفتقر الى برامج وطنية كوردستانية جامعة لخدمة المهاجرين و للحفاظ على هويتهم الكوردية و تواصلهم مع شعبهم. تحتاج الجاليات الكوردية الى إعادة تنظيم نفسها على أسس عصرية تتلاءم مع التطورات العالمية الكبرى التى حدثت و تحدث الآن و مع مستجدات القضية الكوردستانية و متطلبات تحقيق أهداف الشعب الكوردستاني. كما أن كورد المهجر بحاجة الى مراكز و نوادٍ ثقافية و إجتماعية و فنية و رياضية و ترفيهية لجمع شملهم و خلق فرص جيدة للتلاقي و الإجتماع معاً للتواصل مع لغتهم و ثقافتهم و تراثهم. ينبغي أن تحتضن هذه المراكز الجاليات الكوردية و تنظم لهم دورات لتعلم اللغة الكوردية و تُقيم محاضرات و ندوات لتعريفهم بالتأريخ الكوردي و المستجدات على الساحة الكوردستانية. كما يمكنها تنظيم دورات لتعلم الكومبيوتر و الرسم و التصوير و السباحة و بعض الأعمال المهنية، مثل الطبخ و الخياطة و التطريز و الصناعات اليدوية الأخرى. ينبغي تأسيس نوادي و فرق رياضية كوردية و جمعيات فنية للرسامين و النحاتين و المصورين و إتحادات مهنية مختلفة للعمال و الفلاحين و الطلبة و المعلمين و المهندسين و الأطباء و الصحفيين و الكُتّاب و السواق و الحرفيين و غيرهم من أصحاب المهن الأخرى و جمعيات للشباب و النساء و كبار السن، لجمع شمل أصحاب المهن و الطبقات الإجتماعية المختلفة و تواصلهم معاً في الملتقى الكوردستاني. كما أنه على هذه المنظمات و الأشخاص المتمكنين مادياً أن يبادروا الى فتح رياض الأطفال و المدارس و المعاهد و الجامعات الأهلية و مطابع و مكتبات و مطاعم و مقاهي في المهجر و إصدار كتب و صحف و مجلات و التركيز على تربية الأطفال و التوعية بحقوق الإنسان و الديمقراطية و البيئة. كما يمكن تأسيس أسواق و مجمعات سكنية كوردية في المهجر، حيث نرى أنّ بعض الجاليات نجحت في بناء مدن خاصة بها في المهجر، على سبيل المثال، فأنّ الجالية الهندية في بريطانيا إستطاعت أن تستقر هناك في مدن معينة و أن تصبح الأغلبية الإثنية في تلك المدن.

يجب على الجاليات الكوردية في المهجر تشكيل فرق موسيقية و غنائية و فنية و للدبكات الكوردية و الرقص الشعبي الكوردي و تشجيع المغنيين و الفنانين و الرسامين و النحاتين و الرياضيين و تنظيم حفلات غنائية و مباراة رياضية و معارض فنية و معارض تأريخية و تراثية و عرض أفلام و التعريف بالمطبخ الكوردي و الملابس الشعبية الكوردية لمختلف مناطق كوردستان و تعريف الإنسان الكوردي بالتطور التأريخي لمختلف مجالات الحياة الكوردستانية، لجذب الجاليات الكوردية و جلب إهتمامها و في نفس الوقت فأن مثل هذه النشاطات ستساهم بشكل كبير في نضال الكورد من أجل حريتهم و إستقلالهم و ذلك عن طريق وسائل حضارية متمدنة. كما يمكن تنظيم مسابقات رياضية و  فنية و أدبية و إقامة سفرات جماعية منتظمة للجاليات الكوردية الى مناطق سياحية و تأريخية و إقامة لقاءات و إجتماعات و نشاطات و فعاليات، بإقامة مخيمات و معسكرات هناك للتعارف مع بعضهم البعض و تبادل المعلومات و إجراء المناقشات و تنظيم المحاضرات و النشاطات الفنية و غيرها. يمكن أيضاً تأسيس جمعيات و إتحادات مهنية للمهاجرين الكوردستانيين لتبادل الأفكار و الآراء و الخبرات و تنظيم أنفسهم و إيجاد مجالات و آليات لخدمة الجاليات الكوردية و شعب كوردستان. من الضروري أيضاً تشكيل لجان خاصة، تكون مهمتها مساعدة الجاليات الكوردية في مختلف المجالات.

هناك وسائل عديدة أخرى يمكن إتباعها لإدامة تواصل كورد المهجر مع شعب كوردستان و تعزيز هذا التواصل. يمكن العمل على  تواصل التفاعل بين شعب كوردستان و الطلاب و الباحثين و الأساتذة و العاملين الكورد في منظمات المجتمع المدني و غيرها في المهجر عن طريق تبادل الزيارات و التعاون بين الجاليات الكوردية و الجامعات و المعاهد و المراكز العلمية و منظمات المجتمع المدني في مختلف المجالات في كافة أجزاء كوردستان و منح المراكز العلمية الكوردستانية و مختلف القُطاعات الأخرى في كوردستان زمالات دراسية لكورد المهجر القاطنين في الدول المحتلة لكوردستان و دعوتهم للمشاركة في دورات علمية و مهنية و تأهيلية ليتفاعل كورد المهجر مع كوردستانيي الداخل و يستمرون في التواصل مع اللغة و الثقافة و البيئة الكوردستانية.  كما يتم تواصل الجاليات الكوردية في الدول المحتلة لكوردستان مع شعب كوردستان من خلال عقد إتفاقات لتبادل الزيارات بين الأساتذة و الباحثين و الطلاب من الجانبين و المساهمة المشتركة في إجراء بحوث و دراسات و إعداد برامج تدريبية و تأهيلية. من خلال هذه المبادرات، يستطيع الكوردستانيون المهاجرون الذين يعملون في الجامعات و مراكز و معاهد البحوث و الطلاب الجامعيون، العمل أو الدراسة في الجامعات الكوردستانية و التواصل مع شعبهم خلال فترة إقامتهم هناك. كما أنّ المهاجرين الكوردستانيين الذين يعملون في المهجر، من أكاديميين و مهنيين و غيرهم، يمكنهم الحصول على إجازات طويلة الأمد بدون راتب، لمدة ثلاث أشهر أو سنة مثلاً، و الإنتقال الى كوردستان و العمل هناك خلال فترات إجازاتهم لقاء رواتب يحصلون عليها. إضافةً الى أن هذه البرامج تساهم في تقوية الروابط بين كوردستانيي الداخل و الخارج و تفاعلهم مع البعض و تواصل المهاجرين مع لغتهم و ثقافتهم، فأن المهاجرين سيساهمون بدورهم في بناء و تطوير كوردستان و دفع عجلة تقدمها لما لهم من خبرات و معلومات في مجال إختصاصاتهم.
 
يمكن لكوردستانيي المهجر قضاء عطلهم السنوية مع أسرهم في كوردستان و مثل هذه الزيارات تكون ضرورية و مهمة جداً لأطفالهم المولودين في المهجر أو الذين كانوا أطفالاً عندما هاجرت عوائلهم من كوردستان، ليتمكنوا من التعرف على لغتهم و ثقافتهم و التواصل معها و العيش في البيئة الكوردستانية. كما يمكن لرأسماليي الكورد المهاجرين من إستثمار أموالهم في كوردستان و العمل هناك و الذي سيؤدي الى تواصلهم مع شعبهم و مساهمتهم في بناء كوردستان.

لا شك أن العولمة و التقدم الهائل في وسائل الإتصالات و نقل المعلومات، حيث أننا دخلنا عالم العولمة و الإنترنت و الفضائيات التلفزيونية و الموبايل، قد أزالت الحدود الدولية و إخترقت الحواجز و الموانع في عقر دار الإنسان و بذلك هدمت حواجز و معوّقات التواصل بين المجتمعات البشرية و جعلت من كوكبنا الأرضي قرية كونية صغيرة. هذه التطورات خلقت ظروفاً ممتازة للمغتربين المتشتتين في مختلف بقاع العالم، للتمكن من التواصل مع لغاتهم و ثقافاتهم و شعوبهم، بعد أن كانوا قبل نحو عقدَين من الزمن معزولين عن مجتمعاتهم الأصلية، فأنقذتهم هذه الإنجازات الإنسانية العظيمة من عزلتهم. بالنسبة للكورد المغتربين، فأن هذه الثورة الإتصالاتية و تأسيس إقليم جنوب كوردستان و إنتشار الأفكار الديمقراطية في العالم و البدء بزوال الحكومات الدكتاتورية و الشمولية في المنطقة، و خاصة في الدول المحتلة لكوردستان، كل هذه التطورات الإيجابية تساهم في زيادة و إدامة التواصل الكوردي مع بعضهم في المهجر و مع شعبهم في كوردستان و خارجها. ينبغي إنتهاز هذه الفرصة و ذلك بأن تقوم الفضائيات الكوردستانية بوضع برامج خاصة لجذب إهتمام المغتربين الكوردستانيين و شدهم الى متابعة تلك البرامج ليتمكنوا من التواصل مع لغاتهم و ثقافتهم. يجب أن تشمل تلك البرامج التلفزيونية على برامج خاصة بالأطفال و الشباب و الكبار و المرأة و التأريخ الكوردي و المجتمع الكوردستاني و أطيافه و أديانه و مذاهبه و الطبيعة في كوردستان و مناطقها و الموسيقى و الفن الكوردستاني و السياسة و أخبار الكورد في مختلف مناطق العالم. لتعليم أطفال المهجر اللغة الكوردية و لغات الأطياف الكوردستانية الأخرى، من آشورية و سريانية و كلدانية و أرمنية و تركمانية غيرها،  يجب وضع برامج تعليمية يومية في الفضائيات الكوردستانية لتعلم اللغة و كذلك يمكن أن يتم ذلك أيضاً عن طريق الإنترنت. كما ينبغي أن تتضمن تلك البرامج تغطية لحياة المغتربين في مختلف دول المهجر و نشاطاتهم في مختلف المجالات.

يمكن أيضاً أن تلعب وسائل الإتصال الحديثة عن طريق الإنترنت مثل الفيسبوك و التويتر و سكايب و بالتوك و غيرها، دوراً مهماً في تواصل الجاليات الكوردية مع بعضها و مع شعب كوردستان و اللغة و الثقافة الكوردية، حيث يمكن أن تصبح هذه الملتقيات الإجتماعية مكاناً يضم الكوردستانيين في العالم و يجمعهم، يمارسون خلالها التكلم و الكتابة بالكوردية و مناقشة و إبداء الآراء في مختلف القضايا التي تخصهم و الإطلاع على الأحداث الجارية و الأخبار التي تهمهم و تتعلق بهم و بشعبهم.
 
mahdi_kakei@hotmail.com


48
أسطورة "غشاء البكارة"   


د. مهدي كاكه يي


كنتُ غير مخطِّط للكتابة حول هذا الموضوع، إلا أنه لفتت إنتباهي مقالة في الحوار المتمدن، تدافع فيه كاتبتها عن حقوق المرأة بكل شجاعة، إلا أنها في نفس الوقت تظن بأن الفتاة غير الممارِسة للجنس، لها "غشاء بكارة" و تضرب أمثلة عديدة للحيوانات التي بدورها تملك مثل هذا الغشاء (لاحظ الرابط في نهاية المقال!). إستغربتُ من عدم معرفة الكاتبة لحقيقة إنعدام شيئ إسمه "غشاء بكارة" عند الفتيات. قد يبدو بأن غالبية الناس في المجتمعات الإسلامية يعتقدون بوجود "غشاء بكارة" عند الفتيات اللواتي لم يمارسن الجنس. كان من المفروض أن أكتب حول أسطورة "غشاء البكارة" في وقت مبكر ليطّلع الناس و خاصة الشابات و الشباب على حقيقة الأمر و بالتالي المساهمة في إنقاذ حياة الملايين من الفتيات البريئات اللواتي لسوء حظهنّ لا ينزفن دماً في ليلة الزفاف و بذلك يصبحن ضحايا "غشاء البكارة" الناتجة عن الجهل. على كل حال ها أكتب هذه المقالة التي بين أيديكم و أأمل أن تصل المعلومات العلمية التي فيها و التي تؤكد على إنعدام شيئ إسمه "غشاء بكارة"، الى أكبر عدد ممكن من الناس لإثبات براءة الفتيات اللواتي يُقتلْن ظلماً عند عدم نزيفهن في ليلة الزفاف و منعاً لإنهيار ملايين الزيجات نتيجة وهم وجود "غشاء بكارة" عند الفتاة.

في البداية أود أن أنوّه بأن المرأة، كما الرجل تولَد حرةً طليقةً و يجب أن تبقى حرةً في تقرير مصيرها و مستقبلها و إختيار شريك حياتها بنفسها و أن جسمها مُلك لها، يحق لها أن تتصرف به كما تشاء دون قيود و وصاية. كما أنها هي وحدها فقط لها الحق في إختيار نمط حياتها الجنسية و كيفيتها.

 لأسباب أنانية و بايولوجية و نفسية، قام الرجل منذ العصور الغابرة ببناء مجتمع ذكوري يقوم بإستعباد المرأة  و حرمانها من حقوقها الطبيعية و يرفض مساواتها بالرجل، رغم أن المرأة هي الأم و شريكة الحياة و الأخت و البنت للرجل. نظراً لعدم إكتمال تطور العقل البشري لحد الآن و عجز الإنسان على فهم فلسفة الحياة، فأن الإنسان أو بالأحرى الرجل الذي لا يزال هو صاحب  القرارات و التحكّم بمصير البشر، يقوم بتقييد حريته بشكل عام و حرية المرأة بشكل خاص، سواء من خلال العادات و التقاليد التي هي من موروثاته أو من خلال وضع قوانين تفرض قيوداً جائرة على المجتمعات البشرية بشكل عام و على النساء بشكل خاص.

إحدى وسائل الرجل في إضطهاد المرأة و سلب حريتها و حقوقها، هي إبتكاره لأُسطورة "غشاء البكارة" الذي لا وجود له في الواقع و ذلك للسيطرة على الحياة الجنسية للمرأة. يؤكد الطب الحديث بأن "غشاء البكارة"  لا وجود له عند الفتاة. إختلاق وجود غشاء يغطي فتحة العضو الأنثوي للفتاة من قِبل الرجل، أدى الى فقدان أرواح الملايين من النساء البريئات عبر التأريخ البشري، بالإضافة الى الشباب الأبرياء الذين أُتُّهموا بإزالة "غشاء البكارة" للفتيات من خلال ممارسة الجنس معهن. لا تزال تُقترف جريمة "غشاء البكارة" بكل وحشية في المجتمعات الإسلامية و يستمر تساقط ضحاياها دون توقّف. الذنب الوحيد للضحايا هو عدم حصول نزيف دموي عند زواجهن في ليلة الزفاف خلال أول ممارسة جنسية لهن. هكذا أوجد الرجل أسطورة "غشاء البكارة" لمنع الفتاة من ممارسة الجنس قبل الزواج.

في المجتمعات الإسلامية، تكون "جريمة" فقدان نزيف الدم عند الفتاة في ليلة زفافها، هي جريمة أكبر بكثير من جرائم القتل و النهب و الإضطهاد و السرقة و غيرها من الجرائم، حيث أن هذه الجرائم الوحشية لا تلوّث شرف الرجل في هذه المجتمعات بقدر ما يلوّثه فقدان النزف الدموي عند الفتاة في ليلة الزفاف، رغم أنها بريئة و لم تمارس الجنس في السابق. هذه المجتمعات منشغلة و مهتمة ب"غشاء بكارة" الفتاة و الشرف الذي تراه في العضو الأنثوي للمرأة، تاركةً الإهتمام بحرية الإنسان و حقوقه و تقدمه و تطوره و رفاهيته من خلال تطوير الفكر الإنساني و العلوم  و المعرفة.

الآن أترك الحديث للباحثين العلميين في مجال الطب و للأطباء لينقلوا لنا الحقيقة عن "غشاء البكارة". هناك أُناس كثيرون يعتقدون بوجود "غشاء بكارة" كإسم لغشاء يُشكّل غطاءً يغطي فتحة المهبل، يتمزق عند ممارسة الجنس لأول مرة. من المهم أن نعرف بأن "غشاء البكارة" لا وجود له في الواقع. ما هو موجود في الواقع هو طيّة غشائية مخاطية تمتد حول حواف فتحة المهبل و تُدعى بإكليل المِهبل. يختلف إكليل المِهبل المُسمى خطأً في المجتمعات الإسلامية ب"غشاء البكارة"، في الشكل و الحجم و السُمك من فتاة الى أخرى. ليست هناك وظيفة معينة لإكليل المهبل، إلا أنه يُعتقد بأنه من بقايا تطور المهبل و أنه يمنع دخول الميكروبات و الأوساخ الى المهبل. 

كثير من الناس يعتقدون بأن "غشاء البكارة" موجود وأنه دليل على أن الفتاة عذراء (أي لم تمارس الجنس). أولئك الذين يعتقدون أن "غشاء البكارة" موجود عند الفتاة، يتوقعون تمزّق "غشاء البكارة" عند ممارسة الفتاة الجِماع لأول مرة في حياتها و الذي يؤدي الى حصول نزيف لهذا "الغشاء". "غشاء البكارة" ليس قطعة رقيقة من الأنسجة تغطّي المهبل وتُثقب خلال الجماع على عكس المعتقدات الشعبية. ولو كان الأمر على هذا النحو لما كان يخرج دم الحيض عند الفتيات قبل أن يخسرن عذريتهن، حيث يكون في هذه الحالة لا وجود لمنفذ يمرّ عبره الدم ليخرج الى الخارج.

هناك أسباب عديدة لعدم حدوث النزيف عند الفتاة في ليلة الزفاف. بعض الفتيات يولدنَ دون أن يكون لهن إكليل المهبل الذي يُسمى خطأً ب"غشاء البكارة". كما أن إكليل المهبل المرن قد يتمدد عند ممارسة الجنس دون أن يتمزق. عدم إستعداد الفتاة لممارسة الجنس أو شعورها بالقلق أو جفاف إكليل المهبل قد يؤدي الى النزيف و هذا ليس له علاقة بممارسة الجنس. عند ركوب الحصان و قيادة الدراجة الهوائية و وجود خلل في المهبل و حصول تغيّر في الهورمونات و حدوث العادة الشهرية و ممارسة العادة السرية و ممارسة الجنس، قد تؤدي الى زوال إكليل المهبل مع مرور الوقت. إكليل المهبل قد يتمزق بشكل طبيعي عندما تلعب الفتاة الرياضة أو تقوم بعمل عضلي. عند قسم من الفتيات، لا يكون إكليل المهبل مرناً، بل يميل الى حدوث ثقب فيه و الذي يكبر و يتمزق عند حصول العادة الشهرية عند الفتاة. الإكليل قد يتمزق عند وضع الفتيل في المهبل خلال فترة الحيض. قد يكون الإكليل صغيراً جداً و مطاطياً لا يتمزق عند ممارسة الجنس. قد لا ينزف الإكليل عند تمزقه. مع أخذ هذه العوامل بنظر الإعتبار، فأنه من المحزن جداً أن تتوقع الفتيات في مختلف بلدان العالم أن ينزفن دماً في ليلة الزفاف كدليل على أنهن باكرات و أن يتعرضن للموت و تتحطم حياتهن إن لم يحدث عندهن النزيف في ليلة الزفاف.

للأسباب الآنفة الذكر فأنّ حوالي 70٪ من الفتيات لا ينزفنَ أثناء ممارستهن للجنس لأول مرة في حياتهن. كما أنه ليس من الممكن معرفة فيما لو أن الفتاة عذراء أم لا عن طريق الفحص الطبي لمهبل الفتاة. تتم  معرفة ممارسة الفتاة للجنس فقط في حالة حصول الحمل أو إصابتها بأمراض جنسية.

رغم أن الطب يؤكد على عدم وجود شيئ إسمه "غشاء البكارة" فأن هناك أطباء دجّالون يدّعون بأنهم يقومون بعملية خياطة "غشاء البكارة" و يدّعون أيضاً بأنهم قادرون على تشخيص عُذرية الفتاة، أي فيما لو أن الفتاة لها "غشاء البكارة" أم لا. هؤلاء الأطباء الدجّالون يقومون بإستغلال العادات و التقاليد السائدة لخداع الناس و إبتزازهم مادياً بالإدعاء بتمكنهم من خياطة "غشاء البكارة" أو معرفة  عُذرية الفتاة.

مما سبق يظهر بأن المجتمعات الإسلامية بحاجة الى توعية للإطلاع على المعلومات الطبية حول "غشاء البكارة" عند الفتيات.  تتحمل وسائل الإعلام و الكُتاب مسئولية كبرى لنشر الحقائق العلمية حول هذا الموضوع، خاصة و نحن نعيش في عصر العولمة و الثورة المعلوماتية و الإتصالاتية. كما ينبغي على المؤسسات الصحية توعية الناس بنشر المعلومات عن طريق وسائل الإعلام المختلفة و إقامة الندوات و تنظيم المحاضرات و الإتصالات المباشرة مع الناس. المؤسسات التعليمية و الثقافية تتحمل مسئولية تدريس هذه الحقائق العلمية ضمن المناهج الدراسية في المدارس المتوسطة و الإعدادية  و الجامعات و تغيير المصطلح الخاطئ "غشاء البكارة" الى "إكليل المهبل" المُستعمَل عالمياً. كما أنه ينبغي على المؤسسة القضائية القيام بوضع قوانين حول هذا الموضوع، تستند على المعلومات الطبية. منظمات المجتمع المدني بشكل عام و المنظمات النسوية بشكل خاص تتحمل بدورها مسئولية تأريخية لتوعية المجتمع بكل الوسائل للإسهام في إنقاذ حياة عشرات الآلاف من الفتيات البريئات. إنه عار على الإنسانية أن تسمح بأن يستمر موت الملايين من الفتيات البريئات من ضحايا أسطورة "غشاء البكارة" و أن تنهار الزيجات بسبب إدّعاءٍ واهٍ يفنده العلم.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=0&userID=4752&aid=314330

mahdi_kakei@hotmail.com 


49
نبذة مختصرة عن تأريخ اللغة الكوردية و العقبات التي تواجه إيجاد لغة كوردية موحدة

د. مهدي كاكه يي

إن كوردستان كانت مهد الحضارات و إبتكار الكتابة و الأرقام. الحضارات السومرية و الإيلامية و الميدية و الساسانية التي أقامها أسلاف الكورد، تشهد على عراقة الشعب الكوردي و مساهمته الكبيرة في بناء صرح الإنسانية على كوكبنا الأرضي. اللغة التي هي وسيلة التفاهم و التواصل الإنساني، بدورها تم تطويرها منذ آلاف السنين من قِبل أسلاف الكورد و حصلت فيها تغييرات كبيرة عبر التأريخ نتيجة تطوّر حياة الإنسان و الظروف التي عاشها أسلاف الكورد و وطنهم من غزوات و حروب و إحتلال و إنتصارات و هزائم و هجرات و جوع و مرض و مدى توفر مصادر العيش من مياه و صيد و زراعة.

مع تطور اللغة، تطورت الكتابة بدورها لتواكب التطور الذي شهدته اللغة. منذ سقوط الدولة الميدية الكوردية في عام 560 قبل الميلاد، أي منذ حوالي 26 قرناً لم يتم تأسيس دولة كوردستانية تضم كافة أنحاء كوردستان، رغم أنها ظهرت خلال هذه الفترة دول و إمارات كوردية عديدة، إلا أنها لم يمتد حُكم أي منها الى كامل الرقعة الجغرافية لكوردستان. كما أنه تم إحتلال كوردستان و تقسيمها بين عدة دول التي فيها إستلم الحكم أُناس عنصريون و شموليون حاولوا بمختلف الوسائل أن يُبيدوا الشعب الكوردي و يقضوا على معالم و آثار وجود هذا الشعب الذي هو أحد أعرق شعوب العالم، لسرقة وطنه و نهب خيرات بلاده. كما هو معروف فأن اللغة هي إحدى أهم معالم شعبٍ ما، و لذلك حاول و يحاول محتلو كوردستان و السياسيون و الكُتّاب العنصريون طمس و تشويه التأريخ الكوردي و إظهار الشعب الكوردي و كأنه شعب طارئ على المنطقة و بلا تأريخ و يفتقر الى اللغة.

إن ظهور العولمة و التقدم الهائل في وسائل الإتصالات و المعلومات عن طريق الإنترنت و الفضائيات و الموبايل و غيرها و بروز معالم نظام عالمي جديد و بدء الشعوب المقهورة و المسلوبة الإرادة بالإنتفاضة و الثورة على المحتلين و على الحكومات العنصرية و الشمولية البدائية المتخلفة و التغييرات التي حصلت و تحصل في منطقة الشرق الأوسط و في جنوب غرب آسيا و خاصة في الدول المحتلة لكوردستان و إنهيار صرح هذه الحكومات العنصرية المتخلفة و تأسيس إقليم شبه مستقل في جنوب كوردستان، كل هذه التطورات الإيجابية لشعب كوردستان ساعدت و تساعد على إكتشاف معالم حضارة الشعب الكوردي و عراقته و إمتداد جذور وجوده في وطنه منذ بدء الخليقة. هكذا بدأ يظهر التأريخ العريق للشعب الكوردي و تنكشف محاولات العنصريين في تزييف حقائق التأريخ الكوردي و عراقة حضارته و لغته. لذلك إرتأيتُ أن أكتب نبذة مختصرة عن تأريخ اللغة الكوردية بعد ظهور معلومات جديدة في هذا المجال لتبيان دجل و أكاذيب العنصريين الذين يتناولون الحضارة و اللغة الكوردية و لوضع هذه المعلومات التأريخية في متناول الكورد الذين يجهلونها و يتساءلون عن تأريخ لغة شعبهم و عُمق جذورها التأريخية.

إستعمل أسلاف الكورد، السومريون (صور رقم 1-3) و الإيلاميون (صور رقم 4-5) و الميديون (صورة رقم 6) الكتابة المسمارية التي هي نوع من الكتابة التي كانت يتم نقشها على ألواح الطين و الحجر و الشمع و المعادن و غيرها و التي كانت مُستعملةً من قِبل الشعوب القديمة في جنوب غرب آسيا. اللغة الكوردية هي أيضاً إمتداد للغة الميتانية، حيث أن تدوين لوحات ملوك الأشوريين تم باللغة الكوردية القديمة التي معظم مفرداتها لا تزال باقية في اللغة الكوردية الحالية. كما أن الكورد هم أصحاب التراث اللغوي والتأريخي لسكان المنطقة.

المفكر الكوردستاني مسعود محمد يتوصل في بحثه المنشور في كتابه المعنون "لسان الكُرد" الصادر في عام 1987، الى أن الكتاب المقدس للديانة الزردشتية، الآڤێستا، مكتوبة بِلغة كوردية قديمة، حيث أن اللهجة الموكريانية هي نفسها لغة الآڤێستا و لا يزال الموكريانيون في شرق كوردستان محافظين على لُغة الآڤێستا و يتكلمون بها. كان الميديون يستعملون الخط المسماري في الكتابة و أحياناً الخط الهيروغليفي الذي تغيّر شكله نسبياً بعد أن أصبحت الزردشتية الدين الرسمي للبلاد، إذ تم إستخدام حروف مشابهة للمسمارية في كتابة " الآڤێستا"، و التي تُسمّى "اللغة والكتابة الآڤێستية" (صورة رقم 6). اللغة الپهلوية كانت اللغة الرسمية للدولة الساسانية و التي كتابتها عبارة عن كتابة مقطعية مأخوذة من الأبجدية الآرامية (صورة رقم 7)، حيث أن اللغة الكوردية هي وريثة اللغة الپهلوية.

كان للكورد قبل الإحتلال العربي الإسلامي لكوردستان، أبجدية خاصة بهم للكتابة (صورة رقم 8)، حيث نشر الباحث في الدراسات التأريخية واللغوية الشرقية الأستاذ محمد روني المراني مقالاً مهماً عن الأبجدية الكوردية المستعملة قبل الإحتلال العربي الإسلامي لكوردستان، معززاً بالحروف الكوردية التي كانت تُستعمَل في الكتابة آنذاك (يمكن ملاحظة الرابط رقم 1). يذكر في مقاله بأن إبن وحشية قبل أكثر من ألف و مائة سنة، نشر كتابه المعنون "شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام" (أحتفظ بنسخة إلكترونية من هذا الكتاب)، حيث يذكر إبن وحشية في كتابه المذكور الحروف الكوردية القديمة المستعملة من قِبل الكورد. الكتاب مطبوع في أوربا قبل قرنين من الزمن وأن نسخة المخطوطة ترجع إلى أكثر من عشرة قرون.

إبن وحشية هو أبو بكر أحمد بن علي بن قيس بن المختار بن عبد الكريم بن حرثيا و المعروف بالصوفي وهو كلدانيّ الأصل، عالمٌ بالكيمياء و اللغة و الزراعة، لا يُعرف له تأريخ ميلاد و يرجّح أنه توفي في أواخر القرن الثالث الهجري – العاشر الميلادي. كان يعيش في "قسين" التي كانت كورة من مدينة الكوفة الحالية. أورد إبن النديم أسماء كثير من مؤلفاته. من كُتبه الأخرى وترجماته: غاية الأمل في علوم الرياضيات، الفوائد العشرون في الكيمياء، الإشارات في السحر، الأصنام، الحياة و الموت في علاج الأمراض، كتاب الطبيعة، كتاب الفلاحة النبطية (مخطوط) ترجمه عن الكلدانية في سنة 291هـ، و كتاب في إصلاح الكروم والنخيل (مخطوط) ترجمه عن الكوردية في دمشق.

في هذا الكتاب يعنون إبن وحشية الباب السابع من كتابه في صفحة 67 كالآتي: "الباب السابع من شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام في ذكر أقلام الملوك التي تقدمت من ملوك السريان والهرامسة والفراعنة والكنعانيين والكلدانيين والنبط والأكراد والكسدانيين والفرس والقبط" (يستعمل إبن وحشية عبارة "رموز القلم" للدلالة على "حروف الكتابة"). كما أنه يكتب في صفحة 131 ما يلي: "و أما الكلدانيين فكانوا أعلم الناس في زمانهم بالعلوم و المعارف و الحُكم و الصنايع، و كان الأكراد يريدون مناظرتهم و مماثلتهم". يستنتج المرء من هذا القول بأن الكورد كانوا أهل العلم و المعرفة، حيث أنهم كانوا ينافسون الكلدانيين في هذا المجال. يستطرد إبن وحشية في حديثه في نفس الصفحة  قائلاً: "و إنما كانت براعة الأكراد الأول في صناعة الفلاحة وخواص النبات ويدعون أنهم من أولاد بينوشاد، وقد وصل إليهم سفر الفلاحة لآدم عليه السلام". يقول إبن وحشية في كتابه عن الكتابة الكوردية ما يلي: "وهو من الأقلام العجيبة والرسوم الغريبة، وقد رأيت في بغداد في ناووسٍ من هذا الخط نحو ثلاثين كتاباً، وكان عندي منها بالشام كتابَين: كتاب في إفلاح الكرم والنخيل، و كتاب في علل المياه و كيفية استخراجها من الأراضي المجهولة، فترجمتُها من لسان الأكراد إلى اللسان العربي لينتفع به أبناء البشر". يقول ابن وحشية في نهاية كتابه المذكور ما يلي: "صفة قلم آخر من الأقلام القديمة وفيه حروف زائدة عن القواعد الحرفية، تدّعي الأكراد وتزعم أنه القلم الذي كتب به بينوشاد وماسي التوراتي جميع علومهما وفنونهما وكُتُبهما".

هكذا نرى بأن القراءة و الكتابة والصحافة كانت منتشرة في كوردستان منذ القدم، نظراً لكون الكورد أحد أعرق شعوب الأرض و لكون كوردستان مهد الحضارة البشرية الثانية. كانت اللغة الكوردية هي اللغة المستعملة من قِبل سكان المنطقة المحصورة بين منابع نهري دجلة و الفرات و الخليج، (كوردستان)، حيث كانوا يتكلمون و يكتبون بها. اللغة الكوردية كانت اللغة الرسمية الوحيدة في بلاد ما بين النهرين و كانت دفاتر ودواوين دار بكاملها تُدار من قِبل الكورد في هذه البلاد. العملة النقدية كانت أيضاً مسكوكة باللغة الكوردية في كوردستان، وفي كل المناطق الناطقة بالكوردية. إن جميع الكتب الفارسية التي ظهرت في العصر الإسلامي قد تمت ترجمتها من الكتب الكوردية التي تعود الى العهد الساساني، حيث أنّ اللغة الپهلویة (الكوردية) كانت اللغة الرسمية للدولة الساسانية.

الخليفة الاموي عبدالملك بن مروان کان من أکثر الخلفاء الأمويين تمسکاً بالتعصب العربي العنصري، حيث طبّق سياسة التعريب في مجالات عديدة. لقد منع بن مروان التعامل بالعملة الرومية التي کانت متداولة آنذاك و إستعاض عنها بسکة عربية. کما منع إستعمال اللغة الپهلوية في الدواوين و الشؤون الرسمية الادارية فقام بتعريب الجهاز الحکومي الإسلامي في زمن أبو محمد الحجاج بن يوسف الثقفي (660 - 714 م)، وهو كان سياسياً و قائداً عسكرياً أموياً. حينذاك كان العراق يشتمل على عراقَين، عراق العرب وعراق العجم. كانت جميع الدواوين الرسمية بإدارة رجل كوردي إسمه (زادان مه رروخ). تمت ترجمة جميع الدفاتر وأمور الدولة من اللغة الكوردية إلى اللغة العربية في زمن الحجاج الثقفي و بأمر منه. كانت اللغة الكوردية وأبجديتها متداولة حتى زمن الحجاج بن يوسف الثقفي دون إنقطاع و كانت الأبجدية الكوردية تُستعمل حتى أواخر عصر الخلفاء العباسيين. بعد أن ألغى الحجاج اللغة الكوردية كلغة رسمية لبلاد ما بين النهرين و إستبدلها باللغة العربية، بقيت اللغة الكوردية وأبجديتها مستعملة على نطاق ضيق وبشكل سري (لمزيد من المعلومات حول تأريخ اللغة الكوردية يمكن مراجعة كتاب الأستاذ كێو موكريانی المعنون " فەرهەنگي مەهاباد"، چاپي يەكەمين – هەولێر- چابخانەى كوردستان، 1961 و كتاب "مێژووی كورد و كوردستان" للكاتب محمد مەردوخي كوردستانی، ترجمة السيد عبدالكريم محمد سعيد، مطبعة أسعد، بغداد، 1991).

رغم الظلم التأريخي الذي تعرضت له الأمة الكوردية على مدى حوالي 26 قرناً، أي منذ سقوط الإمبراطورية الميدية في عام 560 قبل الميلاد، حيث لم تستطع هذه الأمة أن تؤسس دولة خاصة بها، فأنها صمدت بوجه الغزوات و الإحتلال و الإبادة و التعريب و التفريس و التتريك و لم تستسلم لإرادة المحتلين و بذلك إستطاعت أن تحافظ على وجودها كأمة نظراً لعراقتها و إمتداد جذورها التأريخية في أعماق كوردستان. هكذا بالنسبة للغة الكوردية، فأنها واصلت تطورها و تقدمها رغم إفتقاد الشعب الكوردي لكيان سياسي يقوم بتطوير هذه اللغة و الحفاظ على ديمومتها. إختارت المجلة الفرنسية (Le Françaıs dans le mond) المختصة باللغات في عام 2008 في عددها 355، اللغة الكوردية كلُغةٍ حيّة من ضمن 88 لغة في العالم، حيث جاءت اللغة الكوردية في هذا التقييم في المرتبة 31 من بين اللغات العالمية الحيّة، بينما جاءت لغات شعوب لها كيانات سياسية مستقلة مثل اللغة البيلاروسية و الرومانية و الهندية و البلغارية و الفارسية و الصربية و الآذرية و اللغة الفيتنامية و الأزبكية و الپشتو الأفغانية بعد اللغة الكوردية في المرتبة 32 و 34 و 37 و 39 و 40 و 41 و 47 و 54 و 56 و 58 على التوالي (لاحظْ الرابط رقم 2 ).

كانت كوردستان مهد الحضارات و الكتابة و اللغات، لذلك فأن اللغة الكوردية هي لغة ثرية جداً و كل ما يحتاجه اللغويون الكورد هو جمع شتات اللهجات الكوردية و إجراء مسوحات ميدانية، و خاصة في المناطق النائية المحتفظة بمفرداتها الكوردية الأصيلة و الإستفادة من (آفيستا) التي تحمل في طياتها مفردات كوردية عريقة و الإستعانة بكتب الديانات الكوردية القديمة الأخرى، مثل الديانة الإيزيدية و الكاكائية التي تُعتبر من المصادر الأصيلة للمفردات الكوردية و البحث في ثنايا الوثائق و الكتب الكوردية القديمة و الكتابات الكوردية في معالم الآثار التي تنتشر بشكل كبير في أرجاء كوردستان، بدلاً من محاولة تعريب و تتريك و تفريس اللغة الكوردية و إدخال مفردات و أصوات أجنبية غريبة على اللغة الكوردية و الذي يؤدي الى تشويه لغتنا الجميلة. يجب أن لا ننسى بأن اللغة الكوردية هي من أعرق اللغات في العالم و أن جميع اللغات الهندو- أوروبية و بدون إستثناء، متأثرة بها و إستعارت منها الآلاف من الكلمات و أنّ الباحثيين اللغويين الكورد مدعوون لإجراء دراسات و بحوث لمعرفة تأثير اللغة الكوردية على اللغات الهندو- أوروبية و لغات الشعوب الجارة للكورد من عرب و أتراك و فرس.

الكورد بحاجة الى البحث عن كلمات كوردية أصيلة في كافة اللهجات الكوردية، من لورية و كرمانجية شمالية و جنوبية و هورامية لإثراء اللغة الكوردية و تخليصها من مفردات أجنبية و أصوات غير موجودة في اللغة الكوردية مثل حروف ال(ع) و ال(غ) و ال(ح). لو نعود قليلاً الى تصفح التأريخ الكوردي القديم، لنرى أن قمم جبل جودي في شمال كوردستان كانت مهد الحضارة البشرية الثانية و أن جميع الحضارات الكوردية العريقة ظهرت في لورستان و إيلام و بلاد ما بين النهرين، بدءً من الحضارة السومرية و مروراً بالحضارات الإيلامية (العيلامية) و  الميدية و إنتهاءً بالإمبراطورية الساسانية. من عراقة الحضارات الكوردية، ندرك أن أرض كوردستان، المناطق السهلية المنبسطة منها، كانت مهد اللغات و الثقافات و الأديان و العلوم و أن الشعوب العربية و الفارسية و التركية و الأوروبية قد أخذوا الكثير من المفردات الكوردية و أثروا بها لغاتهم و إستعانوا بها لتطوير لغاتهم و سد نواقصها. ينقل الدكتور مؤيد عبد الستار في مقاله القيّم المعنون "السومرية والعلاقة اللغوية مع الانجليزية والكردية (الرابط 3) بأن البروفيسور الإنكليزي "واديل" يذكر في مقدمة قاموسه السومري – الآري بأن أكثر من 50% من كلمات اللغة الإنكليزية الحالية التي هي اللغة الرسمية لكوكبنا الأرضي في الوقت الحاضر، مأخوذة من اللغة السومرية، لغة أسلاف الكورد (Wadell, L. Austin (1927). Sumer – Aryan Dictionary,  London).

في محاضرة قيّمة للغوي الكوردستاني، البروفيسور جمال نەبەز الذي ألقاها في المؤتمر الاسلامي الثاني لحل القضية الكوردية و الذي تم إنعقاده في مدينة كولن الألمانية في عام 1994 و تم نشرها ككتاب بعنوان "المستضعفون الکورد و إخوانهم المسلمون"، يذكر الدكتور نبز بأنه نظراً لِكون اللغة العربية لغة البداوة، عاجزة عن سد متطلبات وحاجات المعاملات الرسمية في إمبراطورية مترامية الأطراف، فقد إضطر العرب أن يدخلوا الی اللغة العربية آلافاً من الکلمات الکوردية الاصيلة. يذكر الدكتور نبز على سبيل المثال، بعض الكلمات الكوردية الأصيلة التي تم أخذها من قِبل العرب، مثل کلمات الدستور و الجمهور و الجزية و الهندسة و النموذج و الساذج و الدست و الحرف و البريد و العسکر و القلم و الدفتر و التاريخ و الوزير و کذلك کلمات الفردوس و جهنم و السراط و المسجد و الجولق و الديزج و الديوان و البيادة و الجمع و الشمع و البرق و الأستاذ و الفولاذ و البابوج و الخانة و الخزانة و الدولاب و الورق و الکهرباء و الفن و الخندق و البيمارستان. كلمة "بيمارستان" دخلت الی اللغة العربية في عهد صلاح الدين الأيوبي عندما أسس أول مستشفی في مصر. يذكر البروفيسور جمال نەبەز أيضاً بأنّ الكلمة العربية "ثورة" مأخوذة من الكلمة الكوردية "شۆرە" التي تعني "العنف و الإنفجار و الإنتفاضة" (جەمال نەبەز. ناسنامە و كێشەی ناسیۆنالی كورد لە چەند سەمینارو كۆڕێكی زانستیدا. بڵاوكراوەی بنكەی كوردنامە - لەندەن 2002، لاپەڕە 232). كما يذكر الأستاذ نبز في صفحة 233 من كتابه المذكور بأن "ئاسمان ASMAN" الكوردية التي تعني "السماء"، هي متكونة من كلمتين، هما "ئاسۆASO " التي تعني "الأُفق" و "مانMAN " التي تعني بالكوردية "مكان"، و بذلك فأنّ "ئاسمان" تعني "مكان الأُفق أي السماء"، أخذها اليهود من الكورد و غيّروها الى كلمة "شما" العبرية و العرب بدورهم  إقتبسوها و جعلوها "سماء" في اللغة العربية. يذكر الباحث المصري الدكتور لويس عوض في كتابه "مقدمة في فقه اللغة العربية" بأن الگوتيين، أسلاف الكورد كانوا يطلقون إسم "گبل" على "الجبل" و أن العرب أخذوا هذه الكلمة الگوتية و أدخلوها الى اللغة العربية بعد أن غيّروا حرف ال"گ" الى حرف ال"ج" بسبب إنعدام هذا الحرف في اللغة العربية (رابط رقم 4)  . مفردات (صابون، طهي، برنامج) العربية مأخوذة أيضاً من اللغة الكوردية، حيث أن كلمة "الصابون" مأخوذة من الكلمة الكوردية "ساوين" و التي تعني "الدلك" و أن الإنكليز بدورهم قد إقتبسوا هذه الكلمة الكوردية و حوروها الى "soap". كلمة "الطهي" مأخوذة من الكلمة الكوردية "تاوين" التي تعني "الذوبان" أي ذوبان زيت الطعام المستعمل في الطبخ. كلمة "برنامج" إقتبسها العرب من الكلمة الكوردية المركبة "بەرنامه" المؤلفة من كلمتَي "بەر" التي تعني "قبل أو أمام" و "نامه" التي تعني "رسالة أو خبر" و هكذا تعني الكلمة المركبة "بەرنامه" "الإجراءات التي يتم القيام بها قبل تنفيذ عملٍ ما أي البرنامج". مفردات (شِعر، أرض، دين) هي مفردات سومرية - كوردية مأخوذة من قِبل العرب. كلمة "الشِعر" العربية مأخوذة من الكلمة السومرية "شرو أو سرو"، حيث أن كلمة "سرود" المتحورة من هذه الكلمة السومرية، لا تزال باقية في اللغة الكوردية و التي تعني "نشيد". كلمة "ئه‌رد" الكوردية التي تعني (أرض) هي كلمة سومرية و مذكورة أيضاً في الكتب الدينية الإيزيدية القديمة، فهي مفردة كوردية أصيلة إقتسبها العرب من الكورد، كما أنّ الإنكليز قاموا بأخذ كلمة (ئه‌رد) الكوردية و أصبحت هذه الكلمة في اللغة الإنكليزية (Earth)، التي  تُعطي نفس المعنى، و كما نلاحظ أنّها حافظت على نطقها الكوردي الى حدٍ كبير. كلمة "دين" أصلها سومري و لا يزال الكورد يستعملونها، حيث أنّ هذه الكلمة مذكورة في الكتاب الزرادشتي المقدس "ئاڤێستا" أيضاً و الذي ظهر قبل الإنجيل و القرآن في زمن الإمبراطورية الميدية الكوردية و أنّ العرب أخذوا كلمة "دين" من الكورد. الأتراك بدورهم كانوا شعباً بدوياً فقير المفردات اللغوية و إنهم هاجروا من توران الى منطقتنا قبل 800 سنة، أي أنهم حديثو العهد في المنطقة، و لهذا السبب أدخل الأتراك آلاف المفردات الكوردية الى اللغة التركية، حتى أنهم أخذوا الكلمات الكوردية المركبة مثل "سَردار" و "سَربَست" و غيرهما الى لغتهم.

تحظى مسألة توحيد اللغة الكوردية بالإهتمام الكبير من قَبل المختصين و الكُتّاب و المثقفين الكورد من خلال نشر آرائهم و وجهات نظرهم و إقتراحاتهم حول هذا الموضوع المهم. هذا الإهتمام يدعو الى التفاؤل و الأمل في أن يؤدي مثل هذه الكتابات و المناقشات الى بلورة أفكار بناءة تخدم الموضوع و يثير جلب إهتمام المسئولين الكورد و تذكيرهم بالأهمية القصوى لإستنباط أو إيجاد لغة مشتركة للكورد و دفعهم الى التحرك و العمل على إنجاز هذا العمل، نظراً لأهميته و حاجة الأمة الكوردية الملحة له، لولادة لغة مشتركة تجمع شمل لهجاتها و مناطقها و أقاليمها، و لتصبح لغة التفاهم و التخاطب و الكتابة للشعب الكوردي. إن وحدة اللغة الكوردية هي من أهم العوامل المؤدية الى توحيد هذه الأمة العريقة المشتة و إستقلال و توحيد كوردستانها المقسمة.

لا أدعّي بأنني من المختصين باللغة الكوردية، إلا أن إهتماماتي باللغات بدأت في فترة مبكرة من حياتي. بالرغم من بُعد إختصاصي عن اللغات، إلا أنه لا يكاد أن يمر يوم دون أن أدخل في مناقشات و تبادل الآراء مع الأصدقاء حول كيفية تحقيق إيجاد لغة كوردية موحدة، لأن مستقبل الشعب الكوردي و وحدته تتوقفان على نجاح هذه المهمة التأريخية الكبرى. كما أنه كلما يطيل إنتظارنا لبلوغ هذا الهدف، كلما تزداد مخاطر أن تصبح حالة تشتت و تقسيم الكورد واقعاً مستديماً يصعب علاجه و كلما يساهم في ترسيخ و تثبيت الحدود المصطنعة بين أجزاء كوردستان، بل قد تُرسَم حدود جديدة تفصل بين لهجاتها و مناطقها، حيث أن اللغة المشتركة هي إحدى المقومات الأساسية لبناء صرح أمة حية قادرة على الديمومة و التطور. هنا لا أسمح لنفسي أن أتصدى لموضوع مهم و شائك، كموضوع توحيد اللغة الكوردية، الذي يقع خارج إختصاصي، حيث أتركه لأهل الإختصاص للبت فيه و معالجته، إلا أنني هنا أطرح أفكاراً و آراء قد تكون مفيدة و تكون موضع إهتمام اللغويين و المسئوليين الكورد لجمع شمل الكورد حول لغة مشتركة توحدّهم و توحّد بلادهم.

لو ألقينا نظرة على الواقع الكوردستاني، نرى أن هناك العديد من المعوقات التي تقف في طريق وحدة اللغة الكوردية. أهم و أخطر هذه التحديات هي إفتقار الشعب الكوردي الى كيان سياسي يجمعهم و يوحد لغتهم. كما أن كوردستان بلد محتل من قِبل أربع دول (تركيا و إيران و العراق و سوريا)، بالإضافة الى تشتت الكورد في بلدان أخرى مثل أرمينيا و أذربيجان و جورجيا و لبنان. هذه الحالة من الإنقطاع و الإنفصال المفروضة على الكورد بسبب هذا الإحتلال، حيث تُقسّم حدوداً مصطنعة الشعب الكوردي و بلده و تُشكّل حاجزاً سياسياً و جغرافياً يمنع التواصل اللغوي و الثقافي و الإجتماعي بين سكان الأقاليم الكوردستانية و تفرض على اللغة الكوردية التطور في كل إقليم بمعزل عن الأقاليم الأخرى و التي تُشكّل العقبة الرئيسة في طريق ظهور لغة كوردية موحدة وتعمل على خلق تباعد بين اللهجات الكوردية. كما أن كل جزء محتل من كوردستان يتبع الدولة المحتلة له سياسياً و ثقافياً و إقتصادياً و بذلك فأن المحتلين يقررون السياسة الثقافية و اللغوية و يفرضونها على الشعب الكوردي.

إختلاف حروف الكتابة في كل دولة محتلة لجزء من كوردستان عن تلك المستعملة في الدول الأخرى المحتلة لأجزاء من كوردستان، خلق كتابة كوردية بثلاث أنواع من الحروف، حيث أجبرت الأنظمة المحتلة الكورد على إستعمال أبجديتها. في كل من العراق و سوريا، اللغة العربية هي اللغة الرسمية فيه، حيث تُستعمل الحروف الآرامية في الكتابة، مما إضطر الكورد في جنوب كوردستان الى تبنّي الأبجدية الآرامية (العربية) في الكتابة الكوردية دون توفر حق إختيار أبجدية تلائم الأصوات الموجودة في اللغة الكوردية. أما في غرب كوردستان، فأن تبعية الأبجدية الكوردية للعربية لم تُتبع و شذت عن القاعدة، حيث أن الكورد هناك إختاروا الكتابة بالأبجدية اللاتينية نظراً لتأثرهم بالكتابة اللاتينية المستخدمة في شمال كوردستان، حيث الترابط العائلي و الإجتماعي بين كورد الغرب و الشمال و لإشتراكهم في التكلم باللهجة الكرمانجية الشمالية. في تركيا، حيث تُستخدم الأبجدية اللاتينية، يستعمل الكورد الشماليون تلك الحروف في الكتابة الكوردية دون أي إعتبار لملاءمة هذه الأبجدية للغة الكوردية أو حاجتها لبعض التغييرات و التحويرات اللازمة لجعلها تتناغم مع الأصوات الموجودة في اللغة الكوردية. هكذا في الإتحاد السوفيتي السابق، أصبحت اللغة الكوردية تستعمل الحروف السنسكريتية التي كانت متبعة هناك. نرى أن إحتلال كوردستان من قِبل شعوب عرقية مختلفة، أدى الى ظهور الكتابة الكوردية بثلاث أبجديات مختلفة و الذي أدى بدوره الى خلق مشكلة كبيرة لتوحيد اللغة الكوردية و التي أصبحت عقبة في طريق وحدة الشعب الكوردي.

إيجاد لغة كوردية مشتركة تواجه عقبة أخرى هي وقوع الكورد تحت إحتلال دول عنصرية و دكتاتورية متخلفة تحاول إلغاء اللغة الكوردية بكل الوسائل المتوفرة لديها، بل تعمل على إلغاء الشعب الكوردي عن طريق التتريك و التعريب و التفريس. في مثل هذه الظروف، تكون اللغة الكوردية مهددة بالتأخر أو التقوقع و تصبح مسألة توحيدها و تفاعل لهجاتها أمراً صعباً. في تركيا، لا تسمح الحكومة العنصرية للكورد أن يتعلموا لغتهم الأُم و تمنع إستعمالها في وسائل الإعلام و في المدارس و المعاهد و الجامعات و تفرض اللغة التركية عليهم. نتيجة إفتقار الكورد لكيان سياسي خاص بهم و فقر اللغة التركية، يقوم الترك بسرقة و نهب المفردات الكوردية و يجعلونها ملكاً لهم، حتى أن الثقافة الكوردية من أدب و شعر و فن، لم تنجُ من سرقة الأتراك لها (راجع كتاب الباحث التركي الدكتور إسماعيل بيشيكجي المعنون (”كوردستان مستعمرة دولية “، ترجمة زهير عبد الملك، 1998، صفحة 257-261 )، حيث يقومون بسرقة ثقافات الشعوب الأصلية في المنطقة. معاناة اللغة الكوردية في غرب كوردستان تتشابه مع تلك في تركيا، حيث أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية في سوريا التي تحتل هذا الجزء من كوردستان، و أن الكورد هناك محرومون من تعلم لغتهم و تطويرثقافتهم، بل أن حوالي 250 ألف شخص من المواطنين الكورد هناك محرومون من المواطنة السورية. هكذا بالنسبة للنظام الإيراني الذي يُحرّم الكورد من تعلم لغتهم و الحفاظ عليها و تطويرها و توحيدها. في العراق، منذ تكوين الكيان السياسي العراقي، سُمِح للكورد في جنوب كوردستان بتعلم اللغة الكوردية، إلا أنه إقتصر على مناطق محدودة كمحافظة السليمانية، بينما حُرّم المواطنون الكورد من تعلم اللغة الكوردية في مناطق بهدينان و كَرميان مثل دهوك و كركوك و خانقين و مندلي و بدرة و غيرها من المناطق و المدن و القصبات الكوردستانية، الى أن تم إنشاء المنطقة الآمنة في جزء من جنوب كوردستان و من ثم سقوط النظام البعثي في العراق، حيث أصبحت الكوردية اللغة الرسمية في الجنوب، إلا أنه مما يؤسف له أن حكومة جنوب كوردستان، بعد مرور أكثر من عشرين عاماً على إدارتها لجنوب كوردستان لم تعمل على توحيد اللغة الكوردية في الجنوب، حيث في مناطق سوران و گرميان، لا تزال تُستعمل اللهجة الكرمانجية الجنوبية و تتم الكتابة بالحروف العربية، بينما في منطقة بهدينان، تُستخدم اللهجة الكرمانجية الشمالية و تتم الكتابة بالحروف اللاتينية.

تأخًر كوردستان و إستمرارية هيمنة نظام المجتمع الزراعي فيها، تُعتبر سبب مهم آخر لتخلف اللغة الكوردية عن التوحد و تجانس لهجاتها. لو كان كل إقليم من أقاليم كوردستان أو الدول المحتلة لها، متطورة إقتصادياً و صناعياً كالدول الغربية على سبيل المثال، لإستطاعت أن تخدم وحدة اللغة الكوردية و لتقاربت لهجاتها و تمكنت اللغة الكوردية من الإزدهار نتيجة ظهور سوق مشتركة بين المناطق و الأقاليم الكوردستانية و تواصل إقتصادي بينها.

تعدد الكتابة الكوردية يُعتبر من العوامل التي ساهمت أيضاً في عدم ظهور لغة كوردية موحدة، حيث أن كتابة لغوية موحدة تعمل على التقريب بين اللهجات من خلال التواصل الكتابي بين المجاميع اللهجوية لشعب ما. كما أن الطبيعة الجبلية لكوردستان خلقت لهجات كوردية عديدة و جعلت اللهجات تتقوقع على نفسها و تنعزل نتيجة إنعزال المجموعات اللهجوية و المناطقية عن بعضها و التي ساهمت الى حد ما في عرقلة تواصل اللهجات الكوردية و تفاعلها لخلق لغة كوردية مشتركة.


صورة رقم 1: كتابة سومرية



صورة رقم 2: كتابة سومرية



صورة رقم 3: كتابة سومرية


صورة رقم 4: كتابة إيلامية


صورة رقم 5: كتابة إيلامية



صورة رقم 6: كتابة الآفيستا في زمن الإمبراطورية الميدية


صورة رقم 7: الكتابة الپهلوية التي كانت اللغة الرسمية للدولة الساسانية


صورة رقم 8. حروف الكتابة الكوردية التي كانت مستخدمة قبل الإسلام

الروابط
 
1.   http://www.atinternational.org/forums/showthread.php?t=5763

2.   http://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/237299.html

3.   http://www.gilgamish.org/viewarticle.php?id=language-20061006-202

4.    http://www.doxata.com/aara_meqalat/9962.html

mahdi_kakei@hotmail.com


50
ملاحظات حول إستخدام بعض المصطلحات العنصرية و الخاطئة

د. مهدي كاكه يي


هناك مصطلحات تُستعمل بشكل خاطئ من قِبل بعض الكُتاب و المثقفين و السياسيين. قسم من هذه المصطلحات يتضمن مصطلحات تقرّ بوصاية الحكام و الشعوب الحاكمة على الجماهير و الشعوب المحكومة. قسم آخر من هذه المصطلحات هو عبارة عن مصطلحات عنصرية تُلغي الشعوب و القوميات غير العربية التي تعيش في المنطقة و التي تم إبتكار معظمها خلال ذروة إنتشار الفكر العروبي العنصري في المنطقة. القسم الثالث من هذه المصطلحات التي نحن بصددها هي مصطلحات خاطئة تُستعمل من قِبل بعض المثقفين و الكُتّاب و السياسيين الكورد و أعتقد بأن غالبية هؤلاء الكورد يستخدمون مثل هذه المصطلحات عن جهل، حيث يُقلّدون السياسيين الكورد التقسيميين الذين إبتكروا هذه المصطلحات تماشياً مع إستراتيجياتهم و أهداف تنظيماتهم و حركاتهم و في بعض الأحيان تم إبتكار بعض المصطلحات الخاطئة نتيجة جهل السياسيين الكورد أو كلاسيكية عقليتهم و تفكيرهم.

نتيجة التطور الهائل الذي حدث في حياة البشرية و في الفكر الإنساني في العقود الأخيرة، حيث العولمة و الثورة التكنولوجية الفريدة في التأريخ، أصبحت المصطلحات العنصرية و المسيئة للشعوب و الأفراد عاجزةً عن الإستمرار و الملاءمة مع العصر الذي نعيش فيه الآن، حيث يناضل الإنسان و الشعوب من أجل تحقيق حريتها و تثبيت مبادئ المساواة و العدالة الإجتماعية بين البشر بِغض النظر عن العنصر و اللغة و الدين و المُعتقد و الجنس و اللون و الجنسية و القُدرة البدنية و النفسية و العقلية. إن الزمن الذي يعاصره الإنسان اليوم بدأ يخلق ثورة كبرى في الفكر الإنساني و يجعله أن يترك الكثير من المعتقدات و الأفكار و المبادئ البالية التي إجتازها الزمن و لا تُجاري واقع الحياة في عصرنا الحاضر و بدلاً منها تترسخ في الإنسان معتقدات و أفكار و مبادئ و مفاهيم معاصرة و بذلك يبتكر الإنسان مصطلحات جديدة تُلائم الزمن الذي نحن فيه ليتمكن الإنسان التواصل مع الحياة المعاصرة و التكيّف مع شروط الإنتماء الى المجتمع الإنساني الذي يواصل نضاله من أجل تحقيق حياة إنسانية خالية من العنصرية و التمييز و التفرقة و الإستعباد و الإضطهاد و الجشع و الظلم الثقافي و الإجتماعي و الإقتصادي و أن يكون الإنسان حراً عزيزاً و مُرفهاً.

هنا أود أن أشير الى بعض المصطلحات العنصرية و الخاطئة التي يتم إستخدامها:

إعطاء أو منح أو أخذ الحرية أو الحقوق
يتم إستعمال المصطلحات "إعطاء أو منح أو أخذ الحرية  أو الحقوق" و أصبحت هذه المصطلحات مألوفة و مقبولة من قِبل الكثيرين دون الإلتفات الى إقرارها للعبودية. تم إبتكار هذا المصطلح من قِبل الحُكام الطغاة لترسيخ فكرة إستعباد الأفراد و الشعوب على السواء من قِبل الحُكام و أصحاب السلطة، حيث أنهم "يتكرمون" على الشعوب و الأفراد "العبيد" بمنحهم حرياتهم و حقوقهم و هذه الشعوب و الأفراد "ممتنّين" ل"سادتهم" "بأخذهم" حريتهم و حقوقهم منهم. الحرية و الحقوق لا تُمنَح و لا تؤخَذ، حيث الجميع ولدتهم أمهاتهم أحراراً و عليه هم متساوون في الحقوق و الواجبات و يجب أن يتمتعون بالحرية و الحقوق و ليست هناك مَن "يمنح" الحقوق أو "يأخذ" الحقوق، بل يجب أن "يتمتع" الإنسان بحريته و حقوقه التي يناضل من أجلها.

الشعب
الشعب هو مجموعة بشرية لها خصوصيات لغوية و ثقافية و تأريخية مشتركة خاصة بها بالإضافة الى وجوب إمتلاكها لأرض ذات حدود محددة تجمع أفرادها و يكون لها الحق في تقرير مصيرها، بما فيه حق تأسيس دولة مستقلة خاصة بها كما ينص ميثاق الأمم المتحدة على ذلك. هناك العديد من القوميات و الأقليات العرقية في العراق على سبيل المثال، مثل السريان و الكلدان و التركمان و غيرهم، تطلق على نفسها "شعوباً" رغم أنها ليست بشعوب. في حالة القوميات و الأقليات العرقية التي لا تمتلك أرضاً مترابطة معيّنة تجمعها، كما في حالة القوميات و الأقليات العرقية الآنفة الذكر التي تفتقر الى منطقة جغرافية محددة تضمها، فأنها تفتقد الى الشروط و المقومات المطلوبة لتكون شعوباً.

الوطن العربي
إبتكر العروبيون المصطلح العنصري "الوطن العربي" الذي لا وجود له على أرض الواقع و يطلقونه على المنطقة المحصورة بين الخليج الفارسي و المحيط الأطلسي و بذلك يعتبرون هذه المنطقة هي أرض عربية و أن الشعوب الأصلية صاحبة الأرض مجرد مهاجرين غرباء فيها، بل يعتبرون الشعوب و القوميات القاطنة في "وطنهم العربي" جزءً من العرب. هكذا يلغي العروبيون جميع الشعوب و القوميات و الأقليات التي تعيش في هذه المنطقة. في هذه المنطقة التي تُسمّى ب"الوطن العربي" يعيش أكثر من 11 ملايين كوردي (3 و 8 ملايين نسمة في الإقليم الغربي و الجنوبي الكوردستاني على التوالي) و الأمازيغ الذين يُشكلون الأكثرية المطلقة لسكان شمال أفريقيا و يصل تعدادهم الى حوالي 40 مليون نسمة و النوبيون الذين هم السكان الأصليون لبلاد "نوبيا" التي تم تقسيمها بين كل من السودان و مصر و تُقدّر نفوس النوبيين بحوالي 17 مليون نسمة (14 مليون في السودان و 2-4 مليون في مصر) و الأقباط الذين هم السكان الأصليون لمصر و تبلغ نفوسهم أكثر من 15 مليون نسمة (حوالي 13 مليون في مصر و أكثر من 2 مليون في خارج مصر) و السريان و الكلدان و الآشوريين و الأرمن و اليهود و التركمان و غيرهم الذين يمكن تقدير نفوسهم بحوالي  7 ملايين نسمة. من خلال هذه الإحصائية، فأن نفوس القوميات و الشعوب غير العربية في المنطقة المسماة عنصرياً ب"الوطن العربي"، تبلغ حوالي 90 مليون نسمة الذين يحاول العروبيون العنصريون إلغاء وجودهم كشعوب و قوميات.  إن هذه المنطقة هي الموطن الأصلي لمعظم الشعوب و القوميات غير العربية التي تقطن فيها و التي تم إحتلال أوطانهم من قِبل العرب بعد ظهور الدين الإسلامي. هنا لا أريد العودة الى التأريخ للتحري عن أصل العرب، بل كل ما أريد ذكره هو أن العرب كانوا يتواجدون فقط في اليمن، حيث كان القحطانيون يسكنون هناك و الذين هم عرب أقحاح. كان العدنانيون المستعربون يسكنون في الحجاز. من بين القبائل العدنانية المستعرَبة هي قبيلة قريش التي ينتمي إليها النبي محمد.

الدول العربية
هكذا بالنسبة الى مصطلح "الدول العربية"، حيث بإستخدام هذا المصطلح يتم تعريب كافة الشعوب و القوميات التي تعيش على أراضيها التأريخية في المنطقة و التي تم إحتلالها من قِبل العرب. هذه الكيانات السياسية خلقها الإستعمار البريطاني و الفرنسي بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى و قاما بجمع مزيج من الشعوب و القوميات المتنافرة في كيانات سياسية لتكون مصدر حروب و نزاعات و إضطرابات مستمرة بين مكونات هذه الكيانات لتبقى دولاً مصطنعة متأخرة و متخلفة لتستطيع الدول الإستعمارية مواصلة الإستحواذ على خيرات المنطقة و جعلها سوقاً رائجة لمنتوجاتها.

قد يقول المرء بأن إطلاق إسم "كوردستان" على بلاد الكوردستانيين هو تسمية عنصرية أيضاً، حيث يتم بموجبها إلغاء القوميات الكوردستانية غير الكوردية. للإجابة على هذا التساؤل المشروع هو أن المنطقة التى تُسمى "كوردستان" اليوم عُرِفت ب"بلاد الكورد" منذ آلاف السنين، حيث كان السومريون يسمّون المنطقة (كورا قوتيوم) و التي تعني "أرض كاردا" و الأشوريون كانوا يسمونها (كورتي) و البابليون كانوا يطلقون عليها إسم " قاردو" و الإغريق سموها "قاردوتشوي" و الرومان أطلقوا عليها إسم (كوردرين). أول من أطلق إسم "كوردستان" على موطن الكورد هو السلطان السلجوقى سنجر و ذلك فى أواسط القرن السادس للهجرة (القرن الثاني عشر الميلادي) أي قبل أكثر من 800 سنة ( راجع كتاب "الأراضي فى شرق عصر الخلافات" للباحث لى سترينج الصادر في عام 1930). من هنا يُدرَك بأن "كوردستان" هي تسمية تأريخية ليست لها أية صلة بالعنصرية، حيث أن الفكر القومي لم يكن له وجود في تلك العهود القديمة، بينما المصطلحات العنصرية التي نحن بصددها تم إبتكارها على أسس قومية عنصرية في السنين الأخيرة بعد ظهور الفكر القومي العروبي في المنطقة.

الدول الإسلامية
إن إطلاق إسم "الدول الإسلامية" على الدول التي يشكّل المسلمون الأغلبية فيها، يلغي عشرات الملايين من السكان غير المسلمين مثل الأقباط و الكلدانيين و السريان و الآشوريين و اليهود و الإيزيديين و العلويين و الشبك و المندائيين و الدروز و الزردشتيين و الكاكائيين و غيرهم الذين يعيشون في هذه الدول. إن معتنقي الأديان غير الإسلامية يعيشون في أوطانهم منذ زمن سحيق، قبل ظهور هذه الدول المصطنعة و قبل ظهور الإسلام و أسلمة المنطقة.

المغرب العربي و المشرق العربي

يطلق العروبيون إسم "المغرب العربي" على دول شمال أفريقيا التي يُشكّل الشعب الأمازيغي أغلبية سكانها، بينما يطلقون إسم "المشرق العربي" على الدول الآسيوية التي تحكمها حكومات عربية، و بذلك يلغون الشعوب و القوميات التي تقطن في هذه الكيانات السياسية المصطنعة.

الأكراد
يستعمل العروبيون كلمة "الأكراد" بدلاً من كلمة "الكورد" التي تعكس نظرة دونية للشعب الكوردي، حيث أن مصطلح "الأكراد" يعني الكورد الريفيين، منطلقين من نظرتهم لسكان الأرياف على أنهم متخلفون و جهلة و ساذجون و قذرون كما في حالة إستخدام مصطلح "الأعراب".

الشعب الكوردي
عند التحدث عن الكورد كقومية أو إثنية، فأن إستخدام مصطلح "الشعب الكوردي" يكون صحيحاً. تسمية الشعب الذي يعيش على أرض كوردستان ب"الشعب الكوردي" هي تسمية خاطئة. المصطلح الصحيح هو "شعب كوردستان أو الشعب الكوردستاني"، حيث أن إسم البلاد هو كوردستان و لذلك فأن الشعب الذي يعيش في كوردستان هو الشعب الكوردستاني و أن المواطن فيها يُسمى "كوردستاني". كما أن الشعب الكوردي هو جزء من شعب كوردستان، حيث أن هناك قوميات أخرى تعيش على أرض كوردستان و التي أفرادها هم مواطنون كوردستانيون. أعتقد بأن الكورد الذين يستخدمون مصطلح "الشعب الكوردي" للدلالة على "شعب كوردستان" لا يقومون بهذا الأمر من منطلق عنصري، بل ناتج عن عدم المعرفة، حيث أن الكورد أنفسهم عانوا و لا يزالون يعانون من العنصرية. هكذا بالنسبة الى حكومة و برلمان إقليم جنوب كوردستان فأنها "حكومة كوردستانية" و "برلمان كوردستاني" و ليستا "حكومة كوردية" و "برلمان كوردي"، حيث أنهما يمثلان كل القوميات التي يتألف منها شعب كوردستان و أن القوميات غير الكوردية لها ممثلون في كل من الحكومة الكوردستانية و البرلمان الكوردستاني. كما أن تسمية الأحزاب الكوردستانية ب"الأحزاب الكوردية"، هي تسمية خاطئة، حيث يجب أن تُمثل الأحزاب جميع مواطني كوردستان بمختلف قومياتهم. ظاهرة إنتشار هذه التسمية الخاطئة سائدة في إقليم غرب كوردستان، حيث حسب علمي فأن جميع الأحزاب هناك تسميتها هي "الأحزاب الكوردية" بدلاً من "الأحزاب الكوردستانية" و بذلك يتم حصر الإنتماء الحزبي بالكورد و عزل الشعب الكوردي عن مواطني القوميات و الأقليات الكوردستانية الأخرى و هذا الأمر له عواقب خطيرة على وحدة الكوردستانيين و جعلهم مجتمعاً متجانساً، تربطهم أهداف و مصالح و ثقافة مشتركة و يربطهم مصير واحد. 

المنطقة الكوردية
قسم من الكُتّاب و السياسيين و المثقفين يستخدمون مصطلح "المنطقة الكوردية" بدلاً من مصطلح "كوردستان"، التي تعني "الوطن و الأرض، بل الدولة". من المؤسف أن هناك كورداً يستعملون مصطلح "المنطقة الكوردية"، حيث أنهم التقسيميون الكورد الذين عملياً يوافقون على إحتلال كوردستان و تقسيمها و يعتبرون كل جزء محتل من كوردستان جزءً  من الدولة التي تحتله. إن هؤلاء يترسخ فيهم الشعور الدوني و التبعية الفكرية و الثقافية لمحتلي كوردستان.

كوردستان الشمالية و الغربية و الشرقية و الجنوبية
بعض الكورد يطلقون مصطلحات "كوردستان الشمالية و الغربية و الشرقية و الجنوبية" على أجزاء كوردستان و كأن هناك أربع "كوردستانات" و ليست كوردستان واحدة! لجعل هذه المصطلحات مفهومة لدى القارئ العربي، يمكن إستعمال مصطلح "إقليم شمال كوردستان" أو "شمال كوردستان" و هكذا بالنسبة للأجزاء الأخرى من كوردستان.

إنفصال كوردستان

هناك الكثير من الكُتّاب و السياسيين يخلطون بين مصطلح "الإنفصال" و "الإستقلال"، حيث يتم غالباً إستخدام "إنفصال كوردستان" بدلاً من "إستقلال كوردستان". مصطلح "الإنفصال" يتم إستخدامه عندما هناك شراكة طوعية بين جهتَين أو أكثر التي لسبب ما أو لأسباب معينة تنفصل تلك الجهات عن بعضها، كما في حالة الطلاق بين الزوجة و الزوج اللذين زواجهما يكون زواجاً طوعياً بمحض إرادة الجانبَين أو إنفصال شركاء في شركة ما أو فسخ إتحاد كونفيدرالي بين دولتَين أو أكثر. مصطلح "الإستقلال" يُستعمل عندما تكون "الشراكة" مفروضة على أحد أو عدد من الشركاء بالضد من إرادته أو إرادتهم. في حالة كوردستان، فأنها وطن مُحتّل من قِبل عدة دول و لم يصبح شعب كوردستان جزءً من الشعوب المحتلة لكوردستان بمحض إرادته و ليس شريكاً ندّاً للآخرين، لذلك فأن الصواب هو إستخدام مصطلح "إستقلال كوردستان". نرى أن مصطلح "الإستقلال" يُستعمل بالنسبة للبنات و الأبناء الذين يتركون العيش مع الوالدَين، حيث أنهم مضطرون في البداية للعيش مع أمهاتهم و آبائهم لكونهم قاصرين أو غير قادرين على إعالة أنفسهم و يكونون معتمدين على أهلهم، لذلك عند إعتمادهم على أنفسهم في معيشتهم و إنتقالهم من بيوت الوالدَين، يُستخدَم مصطلح "الإستقلال" في هذه الحالة.

mahdi_kakei@hotmail.com


51
(تركيا)  .....   الى أين؟  (26)


تنظيم و إدارة شؤون الكوردستانيين القاطنين خارج الإقليم الشمالي

1. الكوردستانيون القاطنون في "تركيا"

ب. الإقتصاد

د. مهدي كاكه يي


إن الإقتصاد يلعب الدور الأساس في حياة الأمم و الشعوب، حيث يعتمد الإنسان في حياته و معيشته عليه و يتحدد نمط حياته به. إن السياسة ترتكز على الإقتصاد، الذي يُحدد معالمها و صورها و أساليبها و أهدافها. لذلك فأن الجانب الإقتصادي هو أهم عنصر في حياة الإنسان و الشعوب للتواصل مع الحياة و خلق عالم مُرفّه يُحقق طموحات و أماني الإنسان ويُشبّع رغباته. شعب كوردستان كشعبٍ مُستَعمَر بحاجة قصوى الى تنظيم حياته الإقتصادية التي هي العامل الرئيس و الحاسم في تحرره و رفاهيته و تقدمه.

هناك أسباب عديدة لعدم قيام شعب كوردستان بتنظيم حياته في المجال الإقتصادي لحد الآن، منها أن وطنه مُحتَل و مُقسّم و يفتقد الى كيان سياسي يضمه ليقوم بإدارته و رسم سياسة إقتصادية مستقلة لنفسه و أن حكومات دكتاتورية و عنصرية تتحكم بمصيره التي تحاول بكل الوسائل أن يُلغيه و يُزيل معالم وجوده كأمة و شعب، لذلك فهو يناضل من أجل البقاء و عدم الذوبان في الشعوب المحتلة لوطنه. كما أن تأخر المجتمع الكوردستاني هو أحد العوامل الأساسية في عدم قيامه بتطوير بلاده إقتصادياً لبناء صرح إقتصادي قوي يرتكز عليه تحرره و رفاهيته. من المؤسف أن النخبة الكوردستانية، بما فيهم المثقفين و السياسيين لم يفكروا في السابق ببناء قاعدة إقتصادية متينة لوطنهم بما كانت الظروف السياسية تسمح به. لقد تغيّر العالم اليوم و بدأ وعي الإنسان يتطور و يناضل، مستخدماً وسائل حضارية لتحقيق حريته و التمتع بحقوقه و نشر العدالة الإجتماعية و قبول التعددية السياسية و القومية و الإثنية و الدينية و المذهبية و خلق عالم تعيش فيه الشعوب و الأمم في تآلف و تعاون و مساواة، دون إستغلال و إضطهاد، لتطوير الحياة الإنسانية و إسعاد الإنسان و إشباع حاجاته و رغباته المادية و الروحية على السواء. بالنسبة للكوردستانيين، هناك فرصة تأريخية سانحة لهم للبدء بإرساء دعائم إقتصاد وطنهم و التي ستوحّدهم كشعب و تضع أسس بناء دولتهم المنتظرة، و عليه يجب التحرك لتنظيم حياتهم الإقتصادية التي لم يتم الإهتمام بها لحد الآن.

هنا أحاول طرح بعض الأفكار و الخطط الإقتصادية التي قد تكون مفيدة و إستراتيجية للكورد المغتربين في "تركيا"، و يمكن كذلك تطبيقها في كافة أجزاء كوردستان و في المهجر. ينبغي إقامة مشاريع و إستثمارات إقتصادية في المناطق التركية ذات الكثافة الكوردية، مثل إستانبول و إزمير و أنقرة و غيرها من المناطق و المدن، حيث يتم تشغيل الكورد فيها لتمكينهم من إعالة أنفسهم و أُسرهم و الذي يؤدي بدوره الى التواصل بينهم لغوياً و ثقافياً و إجتماعياً. أمثلة على مثل هذه المشاريع و الإستثمارات كثيرة منها بناء مصانع و معامل إنتاجية مختلفة تعتمد في إنتاجها على المواد الخام المتوفرة محلياً و الذي بالإضافة الى تشغيل عاملين فيها، سيوفر فرص عمل في مجال إستخراج تلك المواد الأولية و نقلها و تسويقها، مثل معامل الطابوق و الزجاج و الكاشي و و غيرها. كما يمكن إنشاء مصانع و معامل لتصنيع الإنتاج الزراعي و الحيواني، مثل معامل و مصانع الحليب و اللبن و الزبدة و القشطة و الجبن و معجون الطماطة و الزيت و السكر و السجاد و الصابون و الفاكهة المجففة و اللحوم و الدواجن و غيرها، التي بدورها تقوم بإنعاش القطاع الزراعي و الحيواني و يُحسّن المستوى المعاشي للفلاحين و المزارعين و العمال الزراعيين. يمكن التركيز أيضاً على قطاع الفنادق و المطاعم و المحلات التجارية و الحوانيت الغذائية و محلات بيع الملابس و الأدوات المنزلية و غيرها، خاصة في المدن الكبيرة و في المناطق السياحية التي تفتح آفاقاً كبيرة لأسواق العمل للكوردستانيين، بالإضافة الى كونه مجالاً مُربِحاً. تأسيس البنوك و مكاتب الصيرفة و العمل في قطاع المقاولات الإنشائية و تجميع السيارات و تأسيس شركات في مختلف المجالات، و غيرها، تكون إجراء مهم آخر للتغلب على مشاكل البطالة في صفوف الكوردستانيين و رفع القدرة الشرائية لهم و الحصول على موارد مالية كبيرة. فتح دور الروضة و المدارس و المعاهد و الجامعات الأهلية و المكتبات و المطابع و المستشفيات و العيادات الطبية الأهلية، يساهم في توظيف الكوردستانيين و في الوقت نفسه يعمل على تطوير المستوى العلمي و المعرفي و المهني للسكان، بالإضافة الى تعليمهم اللغة الكوردية و تعريفهم بالتأريخ الكوردي الذي تم تشويهه و سرقته و حجبه عنهم و كما أنها مجالات عمل مربحة.

ينبغي الإهتمام بالريف و الفلاحين و العاملين الزراعيين من خلال مساعدتهم عن طريق توعيتهم و تأهيلهم و حصولهم على الأراضي الزراعية و الثروة الحيوانية و تحسين وسائل الري و تسويق منتجاتهم الزراعية و الحيوانية و إصلاح التربة و مكافحة الآفات الزراعية و فتح المحلات التجارية و الحوانيت و المعامل و المصانع في المناطق الريفية لتزدهر الزراعة و تربية الحيوانات و حركة الأسواق، و التي بدورها توفر لهم فرص العمل و تؤدي الى تحسين ظروفهم الإقتصادية و رفع مستواهم المعاشي.

إن نجاح هذا المشروع الإقتصادي الوطني الإستراتيجي الكبير الذي يتم تنفيذه في كوردستان و في مناطق الجاليات الكوردية في الدول المحتلة لكوردستان و في المهجر في الدول الأوروبية و أمريكا الشمالية، يؤدي الى خلق نفوذ إقتصادي و سياسي كبير لشعب كوردستان على النطاق الإقليمي و العالمي و يضمن إستقلال كوردستان. المشروع بحاجة الى مؤسسة مركزية عليا لإدارته و وضع البرامج و الخطط و الإشراف و التنفيذ له، بالإضافة الى فروع محلية لهذه المؤسسة، تنتشر في كافة المدن و القصبات و القرى التي تكون ضمن عمل هذا المشروع الإستراتيجي. كما أن إقامة هذا المشروع العملاق تحتاج الى مبالغ كبيرة من المال لتمويله و إنجاحه.

نظراً لأهمية المشروع و إقامته في كافة أجزاء كوردستان و في مناطق تواجد الجاليات الكوردية في البلدان المحتلة لكوردستان و في المهجر، سأتحدث عن المشروع بشمولية و الذي سيغطي في نفس الوقت الموضوع الذي نحن بصدده، ألا وهو الجالية الكوردستانية القاطنة في "تركيا". بالنسبة الى المؤسسة المركزية العليا التي تُدير المشروع، يمكن أن يتم عقد مؤتمر كوردستاني عام، يُدعى إليه ممثلو التنظيمات السياسية و منظمات المجتمع المدني و الشخصيات الوطنية و العلماء و الخبراء و الباحثين في مختلف الإختصاصات. خلال المؤتمر يتم تأسيس برلمان كوردستاني موسع يُمثل، بشكل متوازن، كافة أجزاء كوردستان و كذلك الطبقات الإجتماعية و المجموعات العُمرية و الجنسية بطريقة ديمقراطية. البرلمان سيكون له مهام سياسية و تشريعية و دبلوماسية و إقتصادية و إجتماعية و غيرها و الذي سيُشكل بدوره حكومة كوردستانية جامعة تقوم بالمهام التنفيذية و هنا لا أود الدخول في تفاصيل البرلمان و الحكومة، حيث أن الحديث عن الموضوع يتطلب كتابة مقالات مستقلة عديدة.  إذا تعذر إنعقاد مؤتمر كوردستاني عام و عدم التمكن من تأسيس برلمان كوردستاني، يمكن أن تقوم منظمات المجتمع المدني الكوردستانية و الشخصيات الوطنية و الأكاديميين و المثقفين بتأسيس تجمع كوردستاني جامع، يقوم بتنفيذ المشروع. بعد ذلك يختار البرلمان أو التجمع الكوردستاني، أعضاء المؤسسة الإقتصادية العليا و الذين يجب أن يكونوا علماء و أكاديميين و خبراء وطنيين و نزيهين و نشطين في مختلف الإختصاصات، مع التركيز على الإختصاصات الإقتصادية و المالية. المؤسسة الإقتصادية العليا ستُؤسس أربع هيئات أو مجالس إقتصادية ليكون كل منها مسئولاً عن إحدى الأقاليم الكوردستانية. هكذا يتم نشوء مجالس محلية في كل إقليم و في كل مقاطعة و منطقة و مدينة و بلدة و قرية، تتوزع على أساس وحدات جغرافية محددة في كوردستان و خارجها. يتم العمل في هذه الوحدات بشكل طوعي، على أن يتم أخذ الكفاءة و النزاهة و الجدّية بنظر الإعتبار في إختيار العاملين في الهيئات. 

بالنسبة الى رأسمال المشروع، في البداية سيكون المصدر المالي لتنفيذ المشروع، عبارة عن تبرع المواطنين الكوردستانيين، لذلك فأن الفترة اللازمة لإعتماد المشروع الإقتصادي على نفسه مالياً، تكون طويلة، حيث خلالها يكون المواطنون الكوردستانيون المموّلين الوحيدين للمشروع الى أن ينمو المشروع و تبدأ وحداته الإنتاجية بالعمل و كسب الأرباح، حيث يتحول مصدر تمويل المشروع تدريجياً من الأموال التي يتبرع بها الكوردستانيون الى الواردات التي يحصل عليها المشروع من خلال إستثماراته. بعد إكتمال المشروع، ستصبح الإستثمارات المصدر الرئيس لتمويل و تطوير المشروع الإقتصادي و يصبح تبرع المواطنين مصدراً ثانوياً. ما يقترحه الدكتور فقي كوردان في مقالتَيه القيّمتين المعنونتَين "أليس تأسيس (الصندوق الكردستاني) ضرورة إستراتيجية؟" و "الصندوق الكردستاني قوة عظمى بلا حدود!" بإنشاء صندوق كوردستاني يتم تمويله من خلال تبرع المواطنين (يمكن للقارئ الإطلاع عليهما من خلال الرابطَين الموجودَين في نهاية هذه المقالة)، يتم تطبيق فكرته في المرحلة البدائية من المشروع الإقتصادي الذي نحن بصدده في هذه المقالة و بعد إعتماد المشروع على نفسه مادياً من خلال أرباح الإنتاج، ينتقل المشروع الى مرحلة التمويل الذاتي و حينئذ قد يتم الإستغناء عن تلقّي التبرعات من المواطنين الذين سيساهمون في المشروع الإنتاجي و يصبحون القوة البشرية المنتجة للمشروع الوطني الإقتصادي.

للعمل من أجل منع الفساد المالي فيما يتعلق بالأموال التي يتبرع بها المواطنون، يمكن أن يتم تقديم التبرعات من قِبل المواطنين عن طريق حسابات مصرفية خاصة بالمشروع سواءً بإستخدام الإنترنت أو الإيداع في البنوك أو تقديمها نقداً الى اللجان المعنية لقاء وصولات إستلام. لتفادي تجميد جميع الأموال أو المؤسسات الإنتاجية التابعة للمشروع أو قسم كبير منها أو حجزها أو الإستيلاء عليها من قِبل دولٍ أو جهات أخرى، يجب إيداع أموال المشروع في بنوك عديدة و في بلدان كثيرة و نفس الشئ بالنسبة الى المؤسسات الإنتاجية و التجارية، حيث يجب إقامتها في مختلف البلدان و عدم حصرها في بلدان معدودة. للغرض نفسه، يجب أن تكون الأموال و المؤسسات الإنتاجية و غيرها التابعة للمشروع، مسجلة بأسماء مجاميع و شركات و مؤسسات كثيرة و أشخاص كثيرين. عندما يتم إستقلال كوردستان، يمكن أن تعود ملكية قسم من المؤسسات الإنتاجية و التجارية التابعة للمشروع الى الدولة و القسم الآخر من هذه المؤسسات يمكن أن يصبح مؤسسات مساهمة، يمتلك أسهمها العمال و الموظفون العاملون فيها.

http://www.sotkurdistan.net/index.php?option=com_k2&view=item&id=21933:feqî-kurdan-dr-e-xelîlأليس-تأسيس-الصندوق-الكردستاني-ضرورة-إستراتيجية؟&Itemid=273


http://www.sotkurdistan.net/index.php?option=com_k2&view=item&id=22088:الصندوق-الكردستاني-قوة-عظمى-بلا-حدود-feqî-kurdan-dr-e-xelîl&Itemid=201


mahdi_kakei@hotmail.com


52
(تركيا)  .....   الى أين؟  (25)


تنظيم و إدارة شؤون الكوردستانيين القاطنين خارج الإقليم الشمالي

1. الكوردستانيون القاطنون في "تركيا"

أ. اللغة

د. مهدي كاكه يي


في الحقيقة أن الإستراتيجيات التي أقترحها هنا و آليات و وسائل تحقيقها، لتمكين الكورد الشماليين القاطنين في "تركيا"، خارج إقليم شمال كوردستان للتواصل مع الشعب الكوردستاني و الحيلولة دون إنسلاخهم عن شعبهم الكوردستاني و ذوبانهم في المجتمع التركي، يمكن تطبيقها بالنسبة الى سكان إقليم الشمال أنفسهم و كذلك لكافة بنات و أبناء كوردستان، سواء الذين يعيشون داخل كوردستان أو خارجها. إن هذه الدراسة مخصصة ل"تركيا" و كذلك شمال كوردستان التي محتلة من قِبل "تركيا" و بذلك تفرض مسألة شمال كوردستان نفسها على هذه الدراسة و وضع خارطة طريق لتحرير هذا الجزء من الإحتلال، و إلا فأن هذه الإستراتيجيات موضوعة لشعب كوردستان في كافة أرجائها و يجب أن تُشرف عليها و تنفذها مؤسسة واحدة على نطاق كوردستان كلها.

 يعيش في استانبول وحدها حوالي 7,5 مليون كوردي و يعيش عدة ملايين من الكورد في كل من أنقره و إزمير و قونية و مناطق و مدن أخرى في "تركيا". من هنا يتبين بأن أعداد الكورد القاطنين خارج إقليم شمال كوردستان في "تركيا" قد تبلغ حوالي 12 مليون نسمة، أي ما يعادل حوالي نصف سكان  الإقليم. قسم من هؤلاء الكورد الذين يعيشون في "تركيا" يعيشون هناك قبل مجئ الأتراك الى المنطقة، بينما القسم الأكبر منهم تركوا كوردستان بسبب التهجير القسري الذي قام به النظام التركي أو هاجروا بسبب ظروفهم المعيشية الصعبة في كوردستان، طلباً للحصول على العمل لإعالة أنفسهم و عوائلهم أو أنهم تركوا كوردستان نتيجة الظروف السياسية الصعبة، حيث أن حالة الطوارئ تسري في شمال كوردستان و يتعرض المواطنون الى الإعتقال و التعذيب و المضايقات و الإهانة و يعانون من مشكلة الفقر و البطالة.

مما سبق فأن حوالي نصف سكان إقليم شمال كوردستان يعيشون خارج الإقليم و من هنا لا يمكن أبداً إهمال هذا العدد الهائل من الكورد، بل يجب الإهتمام الكبير بهم للحيلولة دون إنسلاخهم عن شعبهم الكوردي و دعمهم بكل الوسائل ليستمروا في تواصلهم و تفاعلهم مع الكوردستانيين في الإقليم الشمالي و ذلك من خلال برنامج تنظيمي و إقتصادي و تربوي و تعليمي و ثقافي و إجتماعي متكامل.

الشعور القومي لا يكفي لوحده لمنع إنسلاخ الإنسان الكوردي عن شعبه و قوميته أو أن يكون عضواً فعالاً في خدمة الشعب الكوردستاني، بل يحتاج هذا الأمر الى ترسيخ الوعي الوطني فيه و تشبعه بالثقافة الوطنية الكوردستانية و إمتلاكه لمقومات الإنتماء القومي و الوطني و أن يتم    تأمين الجانب الإقتصادي له ليتمكن من إعالة نفسه و عائلته و بذلك يكون في وضع يؤهله أن يكون مستعداً للمساهمة في تحرير وطنه و خدمة شعبه.

هناك وسائل عديدة يمكن عن طريقها أن يتمكن الكورد القاطنين في "تركيا" من تعليم اللغة الكوردية و ذلك عن طريق  تأسيس مراكز تعليمية أهلية من رياض أطفال و مدارس و معاهد و جامعات في مختلف المناطق و المدن و القرى، حيث أن القوانين التركية الحالية تُجيز ذلك. كما يمكن للأحزاب الكوردستانية و كذلك منظمات المجتمع المدني من نقابات و جمعيات و إتحادات و غيرها بتنظيم دورات متواصلة لتعليم اللغة الكوردية. على مستوى الأفراد يمكن القيام بهذا العمل الوطني المهم في البيوت و أماكن أخرى.  في ستينيات القرن الماضي أي قبل حوالي ستين عاماً عمل الدكتور جمال نبز بشكل فردي على تعليم الطلبة الكورد اللغة الكوردية في بيته، عندما كان يعمل مُدرساً لمادة الرياضيات و الفيزياء في إحدى مدارس مدينة كركوك، حيث كان طلابه الكورد يجتمعون في بيته و يتلقون الدروس في اللغة الكوردية. هذا ما أخبرني به صديقي الراحل الأستاذ جوامير كاكه يي الذي كان آنذاك أحد تلامذة الدكتور جمال نبز في كركوك، حيث أنه كان يعرف الأهمية القصوى لإلمام الإنسان الكوردي بِلُغته و خاصةً أن الشعب الكوردي يفتقد الى كيان سياسي و لذلك فأن لغته هي هويته التي تحافظ على خصوصيته القومية و يتميّز بها عن الشعوب الأخرى.

إن العولمة و ثورة الإتصالات و المعلومات، الإنترنيت و الفضائيات التلفزيونية و الموبايل، أزالت الحدود الدولية و إخترقت الحواجز و الموانع في عقر دار الإنسان و هدمت حواجز و معوّقات التواصل بين المجتمعات البشرية. هذه التطورات التكنولوجية خلقت ظروفاً ممتازة للمغتربين المتشتتين في مختلف بقاع العالم، للتمكن من التواصل مع لغاتهم و ثقافاتهم و شعوبهم، بعد أن كانوا قبل نحو عقدَين من الزمن معزولين عن مجتمعاتهم الأصلية، فأنقذتهم هذه الإنجازات الإنسانية العظيمة من عزلتهم. يمكن إستخدام هذه الوسائل المتطورة لتعليم المواطنين الكورد القاطنين في "تركيا"، لغتهم و ذلك من خلال مواقع شبكات التواصل الإجتماعي مثل الفيسبوك و تويتر و غيرهما و كذلك عن طريق وسائل إتصال الإنترنت مثل إسكايب و بالتوك و غيرهما، حيث يمكن تنظيم دورات تعليمية منتظمة و متواصلة لتعليم اللغة الكوردية و كذلك الإطلاع على التأريخ الكوردي العريق الذي حجبه المحتلون عن الشعب الكوردي و قاموا بسرقته و تشويهه. هذه الوسائل المتطورة تساهم الى جانب تعليم اللغة و الإلمام بالتأريخ الكوردي، في التواصل الثقافي و الإجتماعي بين أفراد الشعب الكوردي. إفتتاح قناة تلفزيونية فضائية خاصة لهذا الهدف سيساهم مساهمة كبيرة في إنجاح هذه المهمة القومية و الوطنية الإستراتيجية في تعليم الكورد لغتهم الأم و تعريفهم بتأريخهم و تراثهم. الى جانب برامج تعليم اللغة الكوردية، ينبغي أن تقوم هذه الفضائية بوضع برامج خاصة لجذب إهتمام المغتربين الكوردستانيين و شدهم الى متابعة تلك البرامج لتواصلهم مع لغتهم و ثقافتهم. يجب أن تشمل  تلك البرامج التلفزيونية على برامج خاصة بالأطفال و الشباب و الكبار و المرأة و المجتمع الكوردستاني و أطيافه و أديانه و مذاهبه و الطبيعة في كوردستان و مناطقها و الموسيقى و الفن الكوردستاني و السياسة و أخبار الكورد في مختلف مناطق العالم و تغطية لحياة المغتربين في "تركيا". يجب إفتتاح قناة تلفزيونية ثانية خاصة بالأطفال، حيث يكون تعليم اللغة الكوردية من ضمن البرامج الأخرى من أفلام و أغانٍ و برامج أخرى متعددة خاصة بالأطفال، موضوعة بشكل علمي و تربوي من قِبل خبراء و مختصين في هذا المجال، لتطوير الطفل و تنمية مواهبه و قابلياته و معلوماته، حيث حسب علمي ليست هناك لحد الآن فضائية كوردية خاصة بالأطفال فيضطر الأطفال الى مشاهدة برامج الأطفال في االقنوات التلفزيونية التابعة لمحتلي كوردستان التي تبث برامجها باللغة التركية أو الفارسية أو العربية أو لغة الدولة الأجنبية التي يعيش فيها الطفل الكوردي في الدول الغربية. إن العمل على تعليم الأطفال الكورد لغتهم و إحتفاظهم بثقافتهم يتطلب وجود قناة تلفزيونية فضائية خاصة بهم بالإضافة الى إهتمام الأمهات و الآباء و العاملين في المجالات التعليمية و التربوية بغرس الشعور الوطني الكوردستاني في نفوس أطفالهم و مساعدتهم في تعليم لغتهم و تعريفهم بوطنهم و شعبهم و تأريخهم و تراثهم.

إن تنفيذ تلك الأعمال المذكورة أعلاه، يحتاج الى جهة تقوم بها و الى مصدر مالي يموًل مثل هذه المشاريع الإستراتيجية الكبرى. يمكن تحديد الجهة المشرفة و التنفيذية للقيام بهذه الأعمال بأن يتم تشكيلها من التنظيمات السياسية الكوردستانية و منظمات المجتمع المدني الكوردستاني. بالنسبة الى جهة التمويل المالي، يمكن أن يتم من خلال مساعدات منظمة الأمم المتحدة و خاصةً منظمة اليونسكو، على أساس أن اللغة و الثقافة الكوردية و التراث الكوردي معرّضة للإنقراض و الزوال و كذلك من خلال تلقي الدعم و المساعدة من الإتحاد الأوروبي و منظمات المجتمع المدني في مختلف بقاع العالم، و خاصة في البلدان الديمقراطية. التمويل الأساس يجب أن يتم عن طريق تأسيس صندوق مالي يمكن تسميته مثلاً "صندوق التنمية الكوردستانية" الذي تكون مصادر أمواله من الإستثمارات الكوردستانية و المساعدات الفردية المتأتية من الكورد الأثرياء و من تبرعات مواطني كوردستان و مساعدات مادية من الأمم المتحدة و منظمات المجتمع المدني في العالم و كافة الجهات العالمية المعنية بتقديم العون و المساعدة للشعوب و القوميات و الأقليات التي تتعرض لغاتها و ثقافاتها و تراثها لخطر الزوال و الإضمحلال. في الحلقات القادمة سأتناول الجانب الإقتصادي بالتفصيل لإنجاح عملية تواصل الكوردستانيين الشماليين القاطنين في "تركيا" مع مجتمعهم الكوردستاني و مع لغته و ثقافته و تراثه و ترسيخ الروح القومية الكوردية المنفتحة و الوطنية الكوردستانية في نفوسهم و عقولهم و منع إنسلاخهم عن أمتهم.

mahdi_kakei@hotmail.com




53
(تركيا) ..... الى أين؟ (24)

إقليم شمال كوردستان بحاجة الى إستراتيجيات تنظيمية و تثقيفية كبرى

د. مهدي كاكه يي

في البداية أود أن أعتذر من القراء الأعزاء لإنقطاعي الطويل عن كتابة الجزء المتبقي من مقالات هذه السلسلة التي خططتُ لها بسبب توالي الأحداث السياسية الجديرة بالإهتمام و الكتابة حولها من جهة و بسبب إنشغالي الكثير من جهة أخرى.

تصل نفوس "تركيا" الى حوالي 70 مليون نسمة (من ضمنها سكان إقليم شمال كوردستان الذين تبلغ نفوسهم حوالي 25 مليون نسمة أي بنسبة حوالي 36% من المجموع الكلي للسكان)، بينما تبلغ نفوس العلويين (الكورد و الأتراك) في تركيا حوالي 20 مليون نسمة أي نسبتهم هي حوالي 30% من المجموع الكلي لسكان تركيا. لو نقوم بتحديد نفوس العلويين الأتراك فقط إستناداً الى نسبة نفوس الكورد في "تركيا"، فأن نفوسهم تبلغ حوالي 13 مليون نسمة. أعداد الشيعة في "تركيا" تصل الى حوالي ثلاثة ملايين نسمة. إستناداً الى هذه الأرقام و مع أخذ نفوس القوميات الأخرى غير المذكورة هنا بنظر الإعتبار المقدرة بحوالي 3 ملايين نسمة، نتوصل الى أن نفوس الأتراك السُنة الذين يحكمون "تركيا" تبلغ حوالي 26 مليون نسمة أي حوالي 37% من المجموع الكلي لسكان "تركيا" و بذلك فأن نفوس الأتراك السُنة هي أقل بكثير من نفوس الكورد و العلويين معاً الذين يبلغ تعدادهم حوالي 38 مليون نسمة أي أكثر من 54% من المجموع الكلي للسكان. كما أنّ هناك دراسات تشير الى أن نفوس الكورد في إقليم شمال كوردستان و "تركيا" ستصبح أكثر من نفوس الأتراك بحلول عام 2020.

يبلغ مجموع أعضاء البرلمان التركي 550 عضواً. في الإنتخابات التشريعية الماضية، حصل حزب السلام و الديمقراطية، الحزب الوحيد الذي يُمثّل الكوردستانيين الشماليين، على 36 مقعداً في البرلمان التركي، أي بنسبة 6.5% فقط من مجموع أعضاء البرلمان! من المفروض أن يحصل الكوردستانيون على حوالي 192 مقعداً في البرلمان التركي إذا أخذنا بنظر الإعتبار نفوس الكورد في إقليم شمال كوردستان و في (تركيا) التي تبلغ نسبتها حوالي 36% من نفوس (تركيا) أي حوالي 25 مليون نسمة. لذلك فأن ممثلي شعب كوردستان قد فازوا بعدد محدود جداً من مقاعد البرلمان التركي في الإنتخابات البرلمانية السابقة، قياساً الى نفوسهم في كل من إقليم شمال كوردستان و (تركيا) و هذه النتائج المتواضعة جداً تُبين بأن الكوردستانيين بحاجة الى تنظيم أنفسهم و توحيد صفوفهم و وضع إستراتيجية صائبة لهم للعب دور رئيس في الحُكم و سياسة الدولة .

لو يقوم الكورد و العلويون بتنظيم أنفسهم و التحالف مع البعض سيستطيعون حكم "تركيا" من خلال الوسائل الديمقراطية المتمثلة بالإنتخابات التشريعية و الرئاسية، حيث أنّ الكورد و العلويين يتعرضون للإلغاء و الإضطهاد من قِبل الحكم التركي السُنّي. هذا بالإضافة الى المكونات القومية و الدينية و المذهبية المضطَهدة الأخرى مثل الشيعة و الآشوريين و العرب و الأرمن و اليونانيين و الشركس و السريان و اليهود الذين يجدون حريتهم و خلاصهم من الإضطهاد القومي و الديني و الطائفي من خلال تحالفهم مع الكورد و العلويين.

إن الديانة العلوية هي إحدى الديانات الكوردية القديمة و أن قسماً كبيراً من معتنقي هذا الدين من غير الكورد، هم كورد مستتركون أو مستعربون أو مستفرسون، بينما القسم الآخر ينتمون لقوميات أخرى، غير القومية الكوردية و يكونون قد إعتنقوا هذا الدين الكوردي و جعلوه ديناً لهم. الدين العلوي يكاد لا يختلف عن الدين اليارساني (الدين الكاكه يي) في شئ، حيث أنهما متماثلان في كل شئ و أن الجغرافية فقط هي التي فرّقت بين معتنقي الديانات الكوردية القديمة و خلقت بعض الإختلافات البسيطة بين الديانات الكوردية الإيزيدية و العلوية و اليارسانية و الدروزية و الشبكية، إلا أن الأسس الفلسفية لهذه الأديان لا تزال متشابهة.

يذكر المفكر الكوردستاني البروفيسور جمال نبز في كتابه المعنون "المستضعفون الکورد وإخوانهم المسلمون، طُبع سنة 1994" بأن أصل كلمة "علوي" يعود الى الكلمة الكوردية "هالاڤ" التي تعني بالكوردية بخار الماء المغلي المشبه بالنار المستعرة وكذلك لظى النار نفسها. إقتبست اللغة التركية هذه الكلمة من الكوردية وحورّتها الى "ألڤي" التي تعني "لظى النار". تُستعمل هذه الكلمة في اللغة التركية كمصطلح للإنتماء الى الديانة العلوية. هذه الحقيقة تجعل العلاقة بين الكورد و العلويين من غير الكورد علاقة روحية صميمية، يجب الإهتمام بها و تنظيم و تقوية العلاقة بينهم ليتلاحم الشعب الكوردي، ليس فقط مع علويي (تركيا)، بل مع جميع العلويين في المنطقة، بغض النظر عن قومياتهم و مع جميع أصحاب الديانات الكوردية القديمة، من إيزيدية و شبك و دروز و زردشتية و يارسانية، حيث أن الأصل الواحد و العقيدة المشتركة و التأريخ المشترك يجمعهم و يوحّدهم و يوفر أرضية مناسبة للتحالف و التعاون و التنسيق فيما بينهم.

مما تقدم نرى بأن هناك قصور خطير في برامج و خطط و أعمال و نشاطات القوى الكوردستانية الشمالية. النسبة القليلة جداً للتمثيل الكوردي في البرلمان هي إشارة واضحة الى فشل القوى و الأحزاب الكوردستانية في إقليم شمال كوردستان في كسب الناخبين الكوردستانيين. إن هذه النتيجة تشير أيضاً الى ضعف نشاطات الأحزاب السياسية و المنظمات الكوردستانية بين الجماهير الكوردستانية في كل من الإقليم الشمالي الكوردستاني و "تركيا" و تحتاج هذه النتيجة الى تقييم و ذلك بالقيام بإجراء دراسات و تحليلات موضوعية لإصلاح هذا الخلل الخطير. المشكلة تكمن في أنّ الأحزاب و القوى الكوردستانية في كافة أرجاء كوردستان تكاد تقتصر في نضالها على الجانب العسكري و الإعلامي فقط، مهملةّ الجوانب التنظيمية و الإقتصادية و الثقافية و الإجتماعية و التربوية و البيئية في هذا النضال و التي لها أهمية لا تقل عن أهمية الكفاح المسلح، إن لم تكن أهم منها.

تعتمد الحكومة التركية، بل حكومات جميع الدول المحتلة لكوردستان بالدرجة الرئيسة على العامل الديني و الإقتصادي الى جانب الخيار العسكري في محاولاتها الوقوف في طريق تطلعات شعب كوردستان نحو الحرية و التحرر و التقدم. يستغل محتلو كوردستان الدين الإسلامي للإستمرار في إحتلال كوردستان و إستعباد شعبها و نهب خيراتها. أبو مسلم الخراساني و صلاح الدين الأيوبي هما مثالان بارزان على إستغلال الدين الإسلامي لخداع الكوردستانيين للإبقاء على سيطرة المحتلين على كوردستان. قام أبو مسلم الخراساني بإسقاط الدولة الأموية و تسليم الحكم الى العباسيين، غير أنه بدلاً من تكريمه، تآمر عليه الخليفة العباسي الثاني، أبو جعفر المنصور، فقتله.  لولا صلاح الدين الأيوبي لربما كان الدين الإسلامي اليوم لا وجود له على كوكبنا الأرضي، أو في أحسن الأحوال لَكان اليوم عبارة عن دين يعتنقه عدد محدود من الناس و لَكان العرب اليوم عبارة عن شعب صغير معزول يعيش في شبه الجزيرة العربية. هذا يعني بأنه لولا صلاح الدين الأيوبي لّكانت خارطة الشرق الأوسط السياسية مختلفة تماماً عما نراها اليوم و لَكانت غالبية سكان المنطقة يدينون بالديانة المسيحية و لَإزدهرت و إنتشرت الأديان القديمة الأخرى في المنطقة و بذلك كانت الشعوب غير العربية في المنطقة تحتفظ بثقافاتها و لغاتها و معتقداتها و أديانها و تمارس طقوسها و شعائرها الدينية بحرية. بدون صلاح الدين الأيوبي لَكان أحفاده اليوم لهم دولتهم المستقلة و كانوا لا يتعرضون الى الإبادة الجماعية و الأنفالات و التعريب و التتريك و التفريس و لا يكونون أهدافاً للأسلحة الكيميائية. هكذا تم إستغلال الدين الإسلامي من قِبل محتلي كوردستان، منذ ظهور هذا الدين مروراً بالأمويين و العباسيين و العثمانيين و الصفويين و إنتهاءً بالمحتلين الإسلامويين من أمثال أردوغان و الإخوان المسلمين و الإسلامويين الشيعة. من هنا نرى أن المسلمين مُدينون للأمة الكوردية و كان من المفترض أن يدافعوا عن شعب عريق مظلوم و مضطهَد مثل الشعب الكوردي الذي يتعرض وجوده و لغته و ثقافته الى الإلغاء، إلا أن الكثيرين منهم يقفون ضد تطلعات الشعب الكوردستاني.

من هنا ينبغي على التنظيمات الكوردستانية السياسية و الإجتماعية و الثقافية و منظمات المجتمع المدني أن تتبنى الفكر العلماني و تقوم بنشر هذا الفكر ليكون سائداً في المجتمع الكوردستاني، لترسيخ مبدأ فصل الدين عن السياسة و كون الدين هو إلتزام طوعي فردي لِمَن يؤمن به و يرغب في إداء فرائضه وأنه عبارة عن رابطة روحية تربط الفرد بالإله و لا يحق لأية سلطة أو أي فرد فرض دين معيّن على شخص آخر أو مجموعة أشخاص بالقوة و الإرهاب و التهديد.

في محاولة بائسة لتكريس إحتلالها لشمال كوردستان، تريد "تركيا" إستخدام العامل الإقتصادي، حيث أنها تعتقد بأن القضية الكوردستانية هي قضية إقتصادية بحتة. لذلك تحاول إيهام نفسها و إيهام الرأي العام العالمي بأن القضية الكوردستانية هي قضية إقتصادية بحتة و أن أسباب الثورات و الإنتفاضات الكوردستانية تعود لأسباب إقتصادية، حيث يعاني الكوردستانيون من الفقر و البطالة و الأمية و نقص الخدمات. إن الحكومة التركية حاولت ربط حل المسألة الكوردستانية بالإزدهار الإقتصادي، حيث قامت بالفعل بتخصيص 12 مليار دولار لتعمير إقليم شمال كوردستان خلال خمس سنوات. كما أنها أقامت مشروع "GAP" الذي  تبلغ كلفة بنائه أكثر من 35 مليار دولار. يتكون مشروع (GAP) من 22 سداً ضخماً و من أهم هذه السدود هي سد أتاتورك و كيبان و قارقيا و براجيل و قوم قايا و يتضمن المشروع كذلك عملية كبيرة لخزن المياه و نصب محطات الطاقة الكهربائية و شبكة إروائية كبيرة. تُقدر مساحة الأرض التي يرويها المشروع بحوالي 1,7 مليون هكتار من الأراضي الزراعية المشتهرة بزراعة الفواكه والمحاصيل الزراعية و تبلغ طاقة المحطات الهيدروكهربائية حوالي 23 مليار ميغاواط/ ساعة و تصل القدرة التخزينية للمشروع الى حوالي 100 مليار متر مكعب. عند إكتمال المشروع المذكور، ستتمكن "تركيا" من التحكّم بحوالي 80% من مياه نهر الفرات. رغم الكلفة الباهظة لتحسين أوضاع الكوردستانيين في شمال كوردستان، فأن "تركيا" راغبة في التركيز على العامل الإقتصادي في محاولة منها للحد من الفكر القومي و الوطني التحرري الكوردستاني، إلا أن تحسّن الحياة المعيشية للكوردستانيين و تخلصهم من الفقر و المرض و الأمية و البطالة ستُزيد من وعيهم الوطني و الفكري و الذي بدوره سيساهم في التعجيل من تخلص الكوردستانيين من الإحتلال و الإستعمار الإستيطاني و بذلك سيكون للبرنامج الإقتصادي مردود عكسي لا يخدم مخططات النظام التركي.

الإستراتيجية الإقتصادية التركية باءت بالفشل، حيث أن المسألة الكوردستانية هي ليست "مسألة إرهاب" أو مسألة إقتصادية بحتة، كما يدّعي النظام التركي، بل أنها مسألة لها أبعادها القومية و الوطنية و الثقافية و الإجتماعية و الإقتصادية. المسألة الكوردستانية كانت موجودة في "تركيا" منذ تأسيس هذه الدولة و هكذا فأن هذه المسألة كانت موجودة قبل ولادة حزب العمال الكوردستاني و ستبقى هذه القضية قائمة الى أن تتحرر كوردستان، لأنها قضية شعب مُستعمَر و وطن محتَل.

بالنسبة الى التخطيط التركي المبرمج لتضليل الرأي العام العالمي حول القضية الكوردستانية، كنتُ بنفسي شاهداً على مثل هذه الأكاذيب التي يطلقها النظام التركي أثناء زيارةٍ لي ل"تركيا". كنتُ ضمن مجموعة من السواح التي كانت مؤلفة من السويديين و النرويجيين و الفنلنديين، حيث إدعى الدليل السياحي التركي المرافق لمجموعتنا بأن مشكلة "جنوب شرق تركيا" وهو كان يقصد إقليم شمال كوردستان، هي مشكلة إقتصادية بحتة. إذن "تركيا" لها برنامج مرسوم لإيهام الرأي العام الغربي بأنه ليست هناك قضية كوردستانية تخص شعب تحتل "تركيا" بلاده و تحاول إلغاء وجوده و هويته و ثقافته و لغته و تأريخه و تراثه، في محاولة منها للإستمرار في إحتلال شمال كوردستان و إستعباد الكوردستانيين و نهب ثروات وطنهم.

mahdi_kakei@hotmail.com

صفحات: [1]