عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - سرياني ارامي قوميتي

صفحات: [1]
1
ردا على اشور كيوركيس ومقالته  (كان يا ما كان ... السّــوريان في تاريخ الفاتيكان)،،!!

مؤلفات يوحنا مارون

يعزو البعض تأليف عدد من الكتب إلى يوحنا مارون ومنها كتاب: شرح الإيمان الذي يحتل مكانة بارزة بين هذه الكتب التي تضمها مخطوطة  الفاتيكان 146 السريانية ، والتي تمّ نسخها عام 1392 . اما البطريرك الدويهي فانه يعزو ما لا يقل عن عشرة كتب ورسائل إلى يوحنا مارون  . كما يعزو ابراهيم الحاقلاني إليه كتابين: أحدهما تـفسير خدمة القداس والآخر فصلٌّ في الكهنوت  . اما السمعاني فيقر بأن يوحنا مارون ألَّف مصنفين فقط هما : شرح الإيمان وليتورجية (اي خدمة القداس)  . إلا أنه ينكر أن يكون مارون هو مؤلف الكتابين اللذين ينسبهما الحاقلاني إليه . وحجة السمعاني هي أن مؤلف تفسير الليتورجية او خدمة القداس هو ديونيسيوس ابن الصليبي (ت 1172) وبأن الفصل في الكهنوت كتبه يوحنا ، أسقف دارا (ت 860)  ، وكلاهما من آباء الكنيسة السريانية الارثودكسية  . ومع ذلك ، يصر المطران الماروني يوسف الدبس على أن مؤلف هذه الكتب لم يكن سوى يوحنا مارون


   يؤكد بعض الموارنة أن يوحنا مارون ألَّف ليتورجية . وكما يقول السمعاني فان نسخة من هذه الليتورجية موجودة في المجلد الخامس من الكتب التي جمعها ابراهيم الحاقلاني في مكتبة الفاتيكان  . تمَّ نسخ هذه المخطوطة السريانية في قبرص عام 1846 الموافق 1535 من التقويم اليوناني  . تبدأ المخطوطة على هذا النحو: " أمامك يا ملك الملوك ورب الأرباب "  . لكن المستشرق الفرنسي أوسابيوس رينودوت (1640ـ 1720) ، وهو أول أوروبي قام بنشر مجموعة من الليتورجيات الشرقية لم يجد ثمة ليتورجية ألَّفها يوحنا مارون لكي يودعها هذه المجموعة  . علاوة على ذلك ، ينوه رينودوت بحق بأن غالبية الكتّاب القدامى وأعلام الكنيسة السريانية كانوا " يعاقبة " لا موارنة  . بعبارة أخرى ، يؤكد رينودوت أن الكتب التي يدعى بأن الموارنة كتبوها قد دبجتها في الحقيقة أقلام مؤلفين " يعاقبة " . لم يكن السمعاني على ما يبدو راضياً عن الأسباب التي اوردها رينودوت لعدم ادراجه ليتورجية يوحنا مارون في مجموعته وخاصة من قوله أنه لم يجدها في أية مجموعة لليتورجيات . فهو ينتـقد رينودوت قائلاً ، كأن رينودت قد بحث في سائر المكتبات وحقق كل المخطوطات التي تضمها ، أو كما لو أنه لم يترك مخطوطة في الشرق لم يقرأها كي يؤكد بأنه لم يجد ليتورجية وضعها يوحنا مارون  . ان نقد السمعاني حدا ببعض الكتّاب الى القول بأن السمعاني كان يحسد رينودوت ، وكان يضمر كراهية عميقة له ، مع أن السمعاني كان مضطراً في الغالب على امتداح تبحره في العلم


   هناك دليل على أن هذه الليتورجية لا تخص يوحنا مارون بل انها ظهرت لأول مرة للوجود عام 1535 في قبرص بعد زمن يوحنا مارون بثمانمائة عام تقريباً . وليس هناك ذكر لهذه الليتورجية في هذه الفترة او ان احد الباحثين قد نوّه عنها . وشهادة على ذلك فان الأسقف الماروني أثناسيوس سفر الذي قام بنسخ المخطوطة في روما عام 1677 كتب بأن احد الموارنة وهو ياديس يامين (ابن سليم) من قرية حقيل كان قد نسخ هذه الليتورجية قبل مئة وخمسين عاماً عندما كان مقيماً في قبرص . من الواضح اذن أن نسخة سفر قد تمت في وقت متأخر عن تلك التي عثر عليها في قبرص عام 1535  . والمراد قوله هو عدم وجود دليل بأن هذه الليتورجية كانت معروفة لدى المـوارنة قبل القرن السادس عشر ، وهذا ما يقودنا إلى الاعتقاد بأنه من غير الممكن أن تكون قد كُتبت من قِـبَـل مؤسس الكنيسة المارونية . ومن الغرابة بمكان أنها لم تظهر لأول مرة في لبنان ، موطن الموارنة ، بل في قبرص . يمكننا إذاً أن نستـنتج بأن هذه الليتورجية قد نسخت عن " ليتورجية الرسل الاثني عشر " التي استعملتها الكنيسة السريانية الأرثوذكسية . ومن الغريب كذلك ألا تكون هذه الليتورجية من ضمن مجموعة الليتورجيات التي نشرها الموارنة في روما عام 1594 ، والتي احتوت على أربع عشرة ليتورجية معظمها يخصُّ الكنيسة السريانية الأرثوذكسية  .  يمكننا أن نذكر من بين مؤلفي هذه الليتورجيات على سبيل المثال يوحنا بن شوشان ، ماروثا التكريتي وديونيسيوس ابن الصليبي . ولا نجد ليتورجية في هذه المجموعة تخص مؤسس الكنيسة المارونية وأول بطريرك لها . ولذلك يرى المطران أقليميس يوسف داود أن الليتورجية قد نحلها ولا شك أحد مواطني قبرص الموارنة في القرن السادس عشر ونسبها إلى يوحنا مارون


   قام مؤلف هذا الكتاب شخصياً بقراءة مجموعة الليتورجيات المارونية التي نشرت في روما في عام 1594 فلم يجد فيها ليتورجية وضعها يوحنا مارون  . والحقيقة ان هذه الليتورجية ليست وحدها فقط التي تـنسب إلى يوحنا مارون ، بل ربما كانت معظم الكتب الطقسية المارونية من تأليف آباء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية . ولذا نجد الكاتب الماروني المعاصر الأب ميخائيل الرجي يقرُّ بأنه لايوجد مؤلف واحد نسب حتى الآن طقساً منفصلاً إلى الموارنة بحيث يميزهم عن "اليعاقبة" والسريان الآخرين  . ويرى الرجي بأن من الأصح أن تـنسب الليتورجيات المنشورة في روما في عام 1594 بالحرى إلى "اليعاقبة" لا إلى الموارنة . إلا أن الرجي يعزو استعمال الموارنة لليتورجيات "اليعاقبة " إلى ما يسميه " نفوذ اليعاقبة " وإلى حداثة عهد الطباعة . فهو يقول : بما أن نفوذ " اليعاقبة " كان مايزال قوياً في (لبنان) وبما أن الذين يقومون بالطباعة كانوا مبتدئين في صنعتهم  ، فإن العديد من الأجزاء الهامة في " الطقس اليعقوبي " بالإضافة إلى العديد من الليتورجيات وجد طريقه إلى كتب الليتورجيات المارونية بحيث أصبح طقسنا الماروني القديم وطقسهم ، متشابكين . أدرجت ليتورجياتهم إلى جانب ليتورجيتنا القديمة ، المنسوبة إلى الاثني عشر رسولاً ، لا بل سبقتها في الحقيقة في الترتيب بطريقة تجعل من الأكثر صحة في رأيي المتواضع أن ينسب كتاب الليتورجيات هذا إلى اليعاقبة لا إلى الموارنة


   طالما أن الليتورجيات التي نشرها الموارنة في روما عام 1594 كانت تخص الكنيسة السريانية الأرثوذكسية ، فلا يمكن للمرء أن يفهم لماذا أشار الرجي إلى ليتورجية الاثني عشر رسولاً على أنها "ليتورجيتنا القديمة" . يجد الرجي نفسه أمام معضلة وهو يحاول التمييز بين ما يدعوه بالليتورجيات " اليعقوبية " والمارونية . إلا أنه يبيّن بوضوح بأن كل الكتب الطقسية ، بما فيها ليتورجيات عام 1594 ، التي تضم أسماء آباء "يعاقبة" مثل سويريوس الأنطاكي وبرصوم ، وآخرين هي كتب "يعقوبية" وليست مارونية . ولهذا يجب القول ان هذه الليتورجيات يجب ألا تعتبر مارونية حتى وإن وجدت عند الموارنة ، أو انهم قاموا بطباعتها لاستعمالهم الشخصي  . ولكن كيف يمكن للمرء أن يبرر الحقيقة وهي أن مجموعة الليتورجيات المنشورة في روما عام 1594 تحمل العنوان كتاب تقدمة القربان وفقاً للتقليد الماروني ، والذي يدل على أنها كانت مارونية . فبينما نرى الاب ميخائيل الرجي يقدم جواباً بالفعل وذلك بالاعتراف بأن الموارنة عانوا من قلة الكتب الطقسية . فإن كاتباً مارونياً آخر ، هو جبرائيل الصهيوني (ت 1648) سبق ان وضع هذه المسألة برمتها بشكل لطيف في رسالته الموجهة إلى العلاّمة نيوسيوس عام 1644 فيما يتعلق بما يُدعى بالليتورجيات المارونية . فهو يكتب قائلاً: "يتـقاسم الليتورجيات الموجودة الموارنة و" اليعاقبة " لأن الكتب الطقسية للموارنة واليعاقبة هي نفس الكتب "  . المسألة اذن برمتها تتطلب في الحقيقة المزيد من البحث ، ولهذا فإن مؤلف هذا الكتاب يحتفظ برأيه بأن الليتورجيات المارونية هي من أصل سرياني أرثوذكسي إلى أن يُعثر على دليل جديد خلاف ذلك


   يعترف المطران يوسف الدبس بأن الكتب الطقسية القديمة للموارنة و" اليعاقبة " كانت سواسية . ويؤكد أن تأليف هذه الكتب تمَّ قبل انقسام كنيسة أنطاكية السريانية إلى جماعتين ، جماعة الخلقيدونيين والمناوئين لمجمع خلقيدونية . والحقيقة هي انه لم تكن هناك كنيسة مارونية أو جماعة مارونية معترف بها في أواسط القرن الخامس عندما انقسمت كنيسة أنطاكية السريانية بعد مجمع خلقيدونية . إضافة إلى ذلك ، ان ما يقوله المطـران الدبس يقودنا إلى الاعتقاد بأن الليتورجيات التي استعملتها كنيسة أنطاكية السريانية كانت واحدة ، بغض النظر عن الطوائف المختلفة الخاضعة لسلطتها الكنسية . مهما يكن الأمر ، فالحقيقة هي أنه لم تكن للكنيسة المارونية ليتورجية خاصة بها ، وأن الليتورجية المنسوبة إلى يوحنا مارون قد انتحلت على الأرجح من ليتورجية ديونيسيوس ابن الصليبي مطران آمد (ت 1172)  وهو أحد آباء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية


   هناك كتاب آخر وهو شرح الخدمة الأفخارستية (اي خدمة القداس) ، ينسبه ابراهيم الحاقلاني إلى يوحنا مارون وهو تـفسير لليتورجية المعروفة عموماً في الكنيسة السريانية بليتورجية القديس يعقوب أخي الرب  : : . توجد نسخة من هذا التـفسير في مكتبة الفاتيكان قام بنسخها الحاقلاني نفسه عام 1660  . وقد أفادنا المطران أقليميس داؤد بأن الحاقلاني نحل هذا التـفسير عن ديونيسيوس ابن الصليبي ونسبه إلى يوحنا  مارون  . إن داود على صواب لأن ابن الصليبي وهو سرياني أرثوذكسي ، يستـشهد بالطبع في تـفسيره لهذه الليتورجية بشهادات آباء كنيسته تأييداًٍ لعقيدة الطبيعة المتجسدة الواحدة للوغوس الإلهي . هذا ما يبدو بوضوح في تـفسيره لكسر الخبز ومزج الخبز بالخمر اللذين يتحدان بطريقة تفوق الوصف للدلالة على وحدة طبيعتي المسيح . يقول ابن الصليبي " إنه عمانوئيل واحد ، غير قابل للانقسام إلى طبيعتين بعد اتحادهما "  . لكن ابراهيم الحاقلاني ، وهو خلقيدوني اجرى العديد من التغييرات في هذا التفسير ، لكي يوافق إيمان خلقيدونية . ويقول اوسابيوس رينودوت ، في هذا الصدد إن هذا التفسير لليتورجية القديس يعقوب هو من عمل ديونيسيوس ابن الصليبي  . يؤيد السمعاني رأي رينودوت ويعد بالتوسع في شرح هذا الموضوع في المجلد الثاني من مكتبته الشرقية . لكن يظهر انه اخفق بوعده مكتفياً بالقول بأن ابراهيم الحاقلاني نسب إلى يوحنا مارون تـفسير الليتورجية الذي يشابه التفسير الذي كتبه ابن الصليبي  . هذا ما ضلل المطران يوسف الدبس وجرّه الى الاعتقاد بأن السمعاني ، في المجلد الثاني من عمله المذكور آنفاً ، بدل رأيه لأنه اشار إلى أن لابن الصليبي كان له تـفسير لليتورجية غير التفسير الذي نسب إلى يوحنا مارون . ويتكهن الدبس قائلاًً بأنه من المحتمل أن يكون ابن الصليبي قد نحل تـفسير الليتورجية الذي وضعه يوحنا مارون  . إن ما يقوله الســمعاني في الحقيقة هو أن الحاقلاني ادرج قسماً كبيراً من تـفسير ابن الصليبي في تـفسير الليتورجية الذي نسبه إلى يوحنا مارون . ولكن سواء أنحل الحاقلاني تـفسير ابن الصليبي برمته أو قسماً كبيراً منه كما يؤكد السمعاني ، فالحقيقة تبقى أن السمعاني لا يصادق على عزو الحاقلاني لتـفسير الليتورجية هذا إلى يوحنا مارون . بيد أن الدبس يصر ، دون مبرر ، بأن السمعاني قام بالفعل بالمصادقة على ذلك ويستـشهد بالدليل التالي ليدعم وجهة نظره . فهو يقول أن الأب الماروني بطرس مبارك قد استشهد بتـفسير الليتورجية في مقالين كتبهما عن القديس أفرام ، وأن السمعاني صادق على نشر هذين المقالين في عام 1740 ، دون أن يُخطر المؤلف بحقيقة أن التفسير المستشهد به لم يكتبه يوحنا مارون . هذا الدليل الذي يبديه الدبس واه جداً ويتعذر الدفاع عنه كما أنه لا يثبت بأي حال من الأحوال بأن مؤلف هذا التفسير هو يوحنا مارون  . ومن الصعب كذلك التصديق كما قال الدبس بأن ابن أخ السمعاني ، يوسف لويس السمعاني (ت 1872) ، كان قد نشر هذا التـفسير في مصنفه Codex Liturgicus (مجموعة اللترجيات) في روما عام 1752 باسم يوحنا مارون وبأن السمعاني الكبير لم يثر أي اعتراض أو تعليق على نشره  ، مما يعني بأنه قَبله كعمل أصلي من أعمال يوحنا مارون  . وبعد تقديم هذه الحجة الواهية ، يقول الدبس أخيراً بأنه كان ينوي " البرهان بشكل حاسم " على أن هذا التـفسير لليتورجية يخص يوحنا مارون  . ولكن كل ما نجح الدبس بالقيام به ، لسوء الحظ ، هو تكرار آراء يوسف لويس السمعاني التي يتعذر الدفاع عنها .

   ويستطرد الدبس قائلاً بأنه عثر في مكتبة البطريركية المارونية في لبنان على تفسير لليتورجية قام بنسخه في روما عام 1670 الأب بطرس مخلوف (أسقف قبرص الماروني) . يدّعي الدبس بأنه قابل هذا التفسير مع الأجزاء التي كتبها ابن الصليبي في تفسير الليتورجية والتي نشرها يوسف لويس السمعاني؛ فوجد العديد من نقاط الاختلاف بين النصين . إن تفسير ابن الصليبي ، كما يقول الدبس موجه إلى أغناطيوس مطران أورشليم السرياني؛ إلا أن النص الآخر غفل من التوجيه . كما أن تفسير ابن الصليبي يضم عشرين فصلاً ، بينما يتضمن التفسير المنسوب الى يوحنا مارون خمسين فصلاً . وأخيراً يقول الدبس أنه وجد العديد من التعابير العقائدية في هذه الليتورجية والتي لا يمكن أن يكون ابن الصليبي قد كتبها لأنها تناقض إيمانه بالطبيعة الواحدة في المسيح  


هذه الآراء ليست آراء الدبس بل هي آراء يوسف لويس السمعاني . يقول هذا السمعاني ، متبعاً رينودودت ، بأن اسطفان الدويهي أقرَّ بأن هذا التـفسير قد كتبه ابن الصليبي . ويجادل بأن عمه ، السمعاني الكبير ، يتـفق مع رينودوت والدويهي حول هذه النقطة  . إلا أن يوسف لويس السمعاني يبدي ملاحظة بالقول انه مع كل الاحترام الواجب لرأي عمه ورأي الدويهي ، فأنه مازال يؤمن بأن تـفسير الليتورجية هذا قد كتبه يوحنا مارون . ويضيف قائلاً أن قول رينودوت بأن هذا التـفسير لم يكتبه يوحنا مارون ، لأنه لم يشر اليه كاتب ما ، لا يعتبر دليلاً كافياً بأن يوحنا مارون لم يكن مؤلف الليتورجية . ويصرّ يوسف لويس السمعاني بأنه قابل ما بين تـفسيري الليتورجية ـ الذي كتبه ابن الصليبي والآخر الذي كتبه يوحنا مارون ـ فوجدهما مختلفين خاصة وانهما يحتويان على عقائد مخالفة . فعلى سبيل المثال ، يؤكد ابن الصليبي بأن كنيسته استعملت خبزاً مختمراً للقربان بينما يقول يوحنا مارون أن كنيسته استعملت خبزاً فطيراً ، وأن ابن الصليبي ، على خلاف اعتقاد الكنيسة المارونية ، ينسب استحالة الخبز والخمر خلال خدمة القداس الإلهي إلى استدعاء الروح القدس  . وبالرغم من اختلاف الليتورجيتين هذا فان يوسف لويس السمعاني والدبس يصرّان بأن تـفسير الليتورجية هو عمل أصيل ليوحنا مارون ، وأنه يختلف عن تـفسير ابن الصليبي وبأن الأخير ، الذي عاش في القرن الثاني عشر ، قد نحل التـفسير الذي كتبه يوحنا مارون الذي عاش في القرن السابع . من المحال تصديق ان ابن الصليبي نحل تفسيره لليتورجية عن تفسير يوحنا مارون الذي ثبت بأنه لم يكتب مثل هذا التفسير


   إن التـفسير المنسوب إلى يوحنا مارون هو نفس التـفسير الذي كتبه ابن الصليبي ، خلا الأقسام التي أحدث فيها ابراهيم الحاقلاني بعض التغييرات ليجعل تفسير يوحنا مارون المزعوم ملائماً لعقيدة المجمع الخلقيدوني . والحقيقة هي أن العلماء السريان الشرقيين والغربيين قد أقروا على الدوام بان تـفسير القداس الإلهي الذي هو قيد البحث يعود الى ديونيسيوس ابن الصليبي . بل لم يذكر أحد من الكتّاب القدامى الذين يمكن الاستـفادة منهم بأن يوحنا مارون كتب تـفسيراً لليتورجية ما . إن رينودوت على صواب بقوله بأنه لم يعثر على تـفسير ليتورجية ليوحنا مارون . بل يؤكد بأنه لا يوجد بطريرك لأنطاكية باسم يوحنا مارون  . إن الادعاء بأن يوحنا مارون كتب هذا التـفسير لليتورجية هو ادعاء حديث العهد نسبياً وقد أكّده لأول مرة كتّاب موارنة من أمثال ابراهيم الحاقلاني وجبرائيل الصهيوني في القرن السابع عشر مما يدل على أن الموارنة لم يعلموا بتفسير القداس الإلهي الذي وضعه يوحنا مارون قبل ذلك القرن  . إن المطران أقليميس يوسف داود على حقّ بقوله ان ابراهيم الحـاقلاني أثناء وجوده في روما قام بتدوين هذه النسخة من تفسير الليتورجية بخط يده ونسبها إلى يوحنا مارون  . هناك في الواقع ترجمة عربية لهذا التـفسير وضعها كاتب سرياني من القرن الخامس عشر ، هو موسى بن عطشة موجودة في الكتاب الذي يسميه الدويهي وموارنة آخرون عقيدة اليعاقبة بالذات ، وهو الكتاب الذي يستشهدون به للبرهان على أصالة كنيستهم وجماعتهم  . ويكفي نتيجة لهذا البحث ان الاب جيروم لابور برهن بصورة قاطعة بأن تفسير الليتورجية هذا يعود الى ديونيسيوس ابن الصليبي  


   يمكننا هنا أن نقدم بعض الأمثلة عن كيفية تلاعب ابراهيم الحاقلاني بتـفسير ابن الصليبي لليتورجية

يقول الحاقلاني عن لسان يوحنا مارون بخصوص حضور   المسيح  في عنصري القربان ، الخبز والخمر معاً ما يلي

كما ان يسـوع بدا كإنسان بينما هو في الحقيقة والجوهر الله ، كذلك هو الحال مع هذين العنصرين . فهـما يبدوان كخبز وخمر لكنهما في الواقع وفي الجـوهر جسـد مخلصنا ودمه ولكن بصفات الخبز والخمر  


اما ابن الصليبي فقال حول نفس الموضوع ما يلي:

يسمى الجسد والدم بالسرّين لأنه لا تمكن رؤيتهما ، بيد أنهما يظهران كخبز وخمر لكنهما في الحقيقة جسد الله ودمه . وكما تجلى يسوع المسيح كإنسان مع أنه كان الله ، كذلك هو الأمر مع هذين العنصرين فهما يظهران كخبز وخمر لكنهما في الحقيقة جسد المسيح ودمه . علاوة على ذلك فإنه وان كان الروح القدس يحول هذين السرَّين إلى جسد ودم لكنهما جسد الابن ودمه

   نجد أن خطأ الحاقلاني الأكثر فداحة ، من وجهة نظر عقائدية بحتة ، هو الذي ارتكبه في الفصلين الرابع والخامس من تـفسير يوحنا مارون المزعوم لليتورجية حيث ادرج شرح خدمة القداس ، ليعقوب الرهاوي (ت 708) وهو أحد آباء الكنيسة السريانية . والتي كان السمعاني قد استخلصها من تفسير الليتورجية لابن الصليبي  . ربما لا نستطيع ابداً معرفة الدافع الذي حدا بالحاقلاني إلى ادراج شرح خدمة القداس ليعقوب الرهاوي في تـفسير الليتورجية ، مع أن بعض الكتّاب أتهموه بارتكاب انتحال " الخبث "  . من المحتمل أن يكون ما دفع بعض الموارنة إلى انتحال كتب الكنيسة السريانية الأرثوذكسية هو ندرة الكتب الطقسية المارونية . علاوة على ذلك ، ان اشتراك الكنيستين المارونية والسريانية الأرثودكسية بتراث سرياني ولغة سريانية واحدة جعل هذا الانتحال ممكناً .

   هناك كتاب آخر يُنسب إلى يوحنا مارون هو في الكهنوت . يتضمن ، كما يقول السمعاني ، أربعين فصلاً وهو مدرج برقم 64 في قائمة الكتب التي جمعها الحاقلاني . وقد نقل الحاقلاني نفسه هذا الكتاب إلا أنه لم يعطِ معلومات حول المخطوطة التي أستقاه منها . يستـنتج السمعاني بعد دراسة النسخة التي نقلها الحاقلاني أن الكتاب لم يكتبه يوحنا مارون بل العالم السرياني يوحنا أسقف دارا (ت 860)  . يفيدنا السمعاني بأنه قام بدراسة مستفيضة للمخطوطة الأصلية لهذا الكتاب وقابلها مع النسخة التي نقلها الحاقلاني فوجد أن الحاقلاني قد ادخل في نسخته ما لا يقل عن اثنين وثلاثين فصلاً من المخطوطة الأصلية ، ناسباً الكتاب برمته إلى يوحنا مارون  . لكن عزو يوسف السمعاني هذا الكتاب إلى يوحنا أسقف دارا يدعو الى التساؤل ، فالنسخة التي استعملها السمعاني مختلفة وهو يخمن فقط بأنها تعود الى يوحنا أسقف دارا . هناك نسخة كاملة من هذا الكتاب ، تمَّ نسخها عام 1224 ، موجودة في دير الشرفة في لبنان تحمل اسم موسى بن كيفا (ت 904) وهو كاتب وأحـد آباء الكنيسة السريانية وأسقف بارمَّان  . كما ان عنوان الجزء الرابع من كتاب في الكهنوت هو على النحو التالي " الجزء الرابع من كتاب في الكهنوت ، للمبارك موسى بن كيفا " . وهناك عناوين مماثلة تظهر في بداية الجزئين الخامس والسادس  خاصة الجزء الأخير الذي يحمل العنوان التالي " بحث لمنفعة أبناء الكنيسة المقدسة دبجه القديس سويريوس الذي هو موسى بن كيفا أسقف بارمّان الذي ورد ذكره "  . كما ان مخطوطة دير الشرفة هذه تضم أيضاً فصولاً أخرى بقلم موسى بن كيفا لم يعرفها السمعاني . من الواضح أن كتاب في الكهنوت يعود الى موسى بن كيفا ولا يخص يوحنا أسقف دارا أو يوحنا مارون  


   أثار إسناد كتاب في الكـهنوت إلى يوحنا أسقف دارا وتحديد هوية المؤلف بأنه موسى بن كيفا وليس يوحنا مارون أستياء المطران الماروني يوسف الدبس الذي أصرَّ ، وبدون دليل ، على أن المؤلف هو يوحنا مارون  . وكل ما قدمه الدبس ليثبت ادعائه هو رأي يوسف لويس السمعاني الذي حاول البرهان بأن عمه السمعاني الكبير كان على خطأ في إنكاره ان يوحنا مارون هو مؤلف هذا الكتاب والذي عزاه إلى يوحنا أسقف دارا لأن نصه يختلف كلياً عن نص يوحنا مارون  . إن يوسف لويس السمعاني على صواب بقوله بأن النصين مختلفان تماماً . لكنه أخفق كما فعل عمه يوسف السمعاني قبله في معرفة أن كتاب: في الكهنوت لا يخص يوحنا أسقف دارا بل موسى بن كيفا . وأنه من البديهي أن النصين في كلتا الحالتين مختلفان . وبالنتيجة فإن معارضته لرأي عمه المبنية على فرضية أن كتاب: في الكـهنوت كتبه يوحنا مارون لا يوحنا أسقف دارا لا صحة لها . كما أن ادعاء الدبس بأن يوحنا أسقف دارا انتحل مؤلفات يوحنا مارون يفتقر الى اساس تاريخي  . غير ان كتّاباً موارنة آخرين كالأب ميخائيل الرجي اثبتوا بأن كتاب في الكهنوت لا يخص يوحنا مارون  . مما دعا بعض الكتّاب لينحوا باللائمة على الموارنة لتحريف الحقيقة حول أصول كتبهم الطقسية  


   هناك كتاب آخر يُنسب إلى يوحنا مارون وهو شرح الإيمان وصلنا كاملاً بنصه السرياني وترجمته الى العربية (الكرشونية) وقد أدرج تحت رقم 14 في الكتب التي جمعها الحـاقلاني في مكتبة الفاتيكان  . هذه المخطوطة السريانية مدرجة حالياً برقم 146 في مكتبة الفاتيكان

   يثير كتاب شـرح الإيمان ، بخلاف الكتب الأخرى المنسوبة إلى يوحنا مارون ، مشاكل كثيرة إحداها تخصّ تاريخ الكتاب . يعتقد يوسف السمعاني بأن هذه المخطوطة قد نسخت عام 1392 ، إلا أن المطران أقليميس يوسف داود يُرجع تاريخها إمّا إلى عام 1422 أو 1472 ، اما الفرنسي الأب ف . نو فإنه يرجع تاريخها إلى القرن السابع وهو الزمن الذي عاش فيه يوحنا مارون  . ولكي يؤيد رأيه يروي نو أن من بين الشهادات التي اوردها يوحنا مارون في كتابه المزعوم شرح الإيمان هي شهادة مستمدة من ترنيمة القديس مار أفرام السرياني المنظومة عن ميلاد ربنا . يدّعي نو بأن القديس أفرام يعترف في هذه الترنيمة بطبيعتين متميزتين ، الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية في المسيح . ويستطرد قائلاً بأنه عثر على رسالة من أحد آباء الكنيسة السريانية وهو يعقوب الرهاوي موجهة إلى أحد الشمامسة واسمه جورج تحتوي على إجابات أسئلة طرحها الشماس . وقد دار أحد هذه الأسئلة حول عبارات وردت في ترنيمة القديس أفرام عن ميلاد ربنا  .  يدّعي نو أن يعقوب الرهاوي يقدم في هذه الرسالة ، نفس الشهادة المأخوذة من القديس أفرام حول طبيعتي المسيح ، وهي الشهادة التي يستـشهد بها يوحنا مارون في عمله المزعوم شرح الإيمان . ويستنتج نو بالقول بأن اليعاقبة حرفوا هذه الترنيمة الموزونة للقديس أفرام ، طالما أن يوحنا مارون ويعقوب الرهاوي كانا يعاصران بعضهما ، وذلك بحذف الإشارة إلى طبيعتي المسيح من الترنيمة لأنها تناقض عقيدة اليـعاقبة بالطبيعة الواحدة في المسيح وأن يعقوب الرهاوي يذكر في رسالته الموجهة إلى الشماس جورج طبيعتين في المسيح . ويذهب الأب نو أبعد من ذلك بقوله أن يوحنا مارون كان قد عاش ولا بد قبل قيام هؤلاء اليعاقبة بتحريف هذه الترنيمة الموزونة للقديس أفرام ، نظراً لأنه يستـشهد بها بصيغتها الأصلية . بعبارة أخرى يريد نو القول ان يوحنا مارون استعمل مصادر لم يحرفها "اليعاقبة" ملاءمة لإيمانهم بالطبيعة الواحدة في المسيح . وأخيراً يصل نو إلى نتيجة أن المصادر التي استعملها يوحنا مارون كانت مصادر " كاثوليكية " وأن يوحنا مارون وتلامذته كانوا " كاثوليكيين " (أي خلقيدونيين ومتمسكين بالإيمان الذي حدده مجمع خلقيدونية)  وهو رأي يثير الكثير من الإرباك والتشويش


إن ما يقوله الأب نو ، في الجوهر ، هو أن يوحنا مارون ويعقوب الرهاوي عاشا في نفس الفترة ، وأن كليهما استـشهدا بترنيمة القديس أفرام المنظومة حول ميلاد ربنا والتي تتضمن إشارة إلى طبيعتي المسيح ـ اللاهوت والناسوت ـ وأن اعتراف القديس أفرام بطبيعتين في المسيح يتطابق مع صيغة الإيمان التي حددها مجمع خلقيدونية . وتقر هذه الصيغة بأن طبيعتي المسيح كانتا متميزتين وظلتا كذلك حتى بعد اتحادهما في شخص واحد . ويمكننا أن نستخلص أيضاً من رواية الاب نو أن أولئك الذين اعترفوا بطبيعة واحدة في المسيح ورفضوا صيغة الإيمان التي حددها مجمع خلقيدونية (أولئك الذين يدعوهم " باليعاقبة ") قد حذفوا عمداً الإشارة إلى طبيعتي المسيح في ترنيمة القديس أفرام المنظومة حول ميلاد الرب؛ وقد فعلوا ذلك كي يوضحوا أنه ما من أحد قد أشار ، قبل مجمع خلقيدونية في عام 451 ، بأنه كانت للمسيح طبيعتان متمايزتان . يحاول نو ، في مجمل القول ، التأكيد على شيئين: أولاً ، أن يوحنا مارون كان "كاثـوليكيا" بمعنى أنه خلقيدوني اعتـرف بالإيمان " الكاثوليكي " بطبيعتين منفصلتين في المسيح ، وهو إيمان ينسجم تماماً مع إيمان مجمع خلقيدونية وكنيسة روما؛ وثانياً ، أن كتاب مارون شرح الإيمان ، الذي يضم عقيدة الطبيعتين هذه في المسيح ويرجع في تاريخه إلى زمن مارون في القرن السابع ، هو مؤلف أصلي لمارون


   لا توجد بيّنة بأن " اليعاقبة " قد حرفوا ترنيمة القديس أفرام وخاصةالإشارة فيها إلى طبيعتي المسيح لإزالة المادة التي لا تتطابق مع إيمانهم . وهذه قضية تستحق أكثر من رأي منفرد . فإن مجرد القول بأن يوحنا مارون ويعقوب الرهاوي كانا معاصرين وأنهما استـشهدا بنفس المصدر في مؤلفاتهما لا يثبت أن كتاب شرح الإيمان يعود الى القرن السابع . فالحقيقة هي أن آباء الكنيسة الشرقية ، بغض النظر عن آرائهم اللاهوتية ، قد اعترفوا بمؤلفات يعقوب الرهاوي ، وهو علاّمة كبير من علماء الكنيسة السريانية ، ومساهماته الفكرية اولوها حق قدرها . كما انه لا يوجد أي دليل بأن هؤلاء الآباء اعترفوا بمؤلفات يوحنا مارون المزعومة أو اولوها حقّ قدرها . بل كيف امكن ان يهمل هؤلاء الآباء مؤلفات يوحنا مارون ان لم تكن موجودة ؟ في الحقيقة هناك صمتٌ مطبق حول مؤلفات يوحنا مارون المزعومة منذ نهاية القرن السابع حتى أواسط القرن السابع عشر عندما قام التلامذة الموارنة في روما لأول مرة بعزو كتب طقسية الى يوحنا مارون . اضف الى ذلك ان الكتّاب النقاد الغربيين والمتبحريين في تاريخ الكنيسة لم يذكروا مؤلفات يوحنا مارون أو يُـشيروا إليها . وأحد هؤلاء الاعلام هو الباحث الانكليزي وليم رايت الذي يعتبر مكانة يعقوب الرهاوي بين مواطنيه كمكانة " جيروم بين الآباء اللاتين " . ويصفه بأنه " رجل عظيم الثـقافة وواسع المعرفة " ولكن وليم رايت لم يذكر كلمةً واحدةً عن يوحنا مارون  . كما أن الكاهن الفرنسي الأب ج . ب . شابو لا يظهر فقط ، في تحليله النقدي للمصادر السريانية القديمة ، الافتـقار إلى وجود يوحنا مارون كشخص تاريخي بل الافتـقار أيضاً إلى صحة مؤلفاته المزعومة


   من المتعذر الدفاع من وجهة نظر عقائدية بحتة لنتائج آراء الأب نو . فهو يتكهن بأن "اليعاقبة" حذفوا الإشارة إلى الطبيعتين في المسيح من ترنيمة القديس أفرام الموزونة بعد عام 659 . ثم يستطرد قائلاً بأن "اليعاقبة" والموارنة تناظروا في ذلك العام حول مسائل دينية بحضور الخليفة معاوية حيث استـشهد الرهبان الموارنة خلالها بترنيمة القديس أفرام المنظومة أملاً في أن يقضي اعتراف القديس أفرام بطبيعتين منفصلتين ومتمايزتين في المسيح على إيمان معارضيهم بطبيعة متجسدة واحدة في اللوغوس الإلهي . ولما ادرك "اليعاقبة" بأنهم قد خسروا المناظرة عمدوا الى حذف الإشارة إلى الطبيعتين في المسيح من ترنيمة القديس أفرام هذه ومازالت عادة هذا الحذف مستمرة حتى اليوم  . يبدو أن الأب نو قد أغفل الحقيقة وهي أن إشارة القديس أفرام إلى (طبيعتي المسيح) لا إلى "الطبيعتين في المسيح" ليست لها دلالة لاهوتية أو عقائدية كتلك التي تضمنتها صيغة عقيدة مجمع خلقيدونية ، كما اراد الاب نو أن تكون عليه . فالقديس أفرام عاش في القرن الرابع ، قبل أن يصبح النزاع العقائدي حول قضية اتحاد طبيعتي المسيح بمائة عام تقريباً . نعم إن آباء الكنيسة في القرون الثلاثة الأولى من الحقبة المسيحية آمنوا بأنه كانت لربهم طبيعتان ، إلا أنهم لم يناقشوا أبداً كيفية اتحاد هاتين الطبيعتين أو نتيجة اتحادهما . فقضية هذا الاتحاد لم تصبح قضية جادة حتى النصف الأول من القرن الخامس عندما أنكر نسطور بطريرك القسطنطينية ، أن العذراء مريم ولدت الإله وبذلك رفض أن يدعوها Theotokos (والدة الله)؛ وفضل أن يدعوها Christotokos (والدة المسيح) بحجة أنها ولدت إنساناً اصبح الهاً فيما بعد . كما أصبحت قضية اتحاد طبيعتي المسيح جادة أيضاً عندما أنكر أوطاخي ، وهو رئيس دير في القسطنطينية ، حقيقة جسد المسيح وأدعى أن الطبيعة الإلهية للمسيح قد استوعبت الطبيعة البشرية في التجسد ، بحيث لم يعد للمسيح نتيجة لذلك سوى طبيعة إلهية واحدة . كانت هذه بداية ما يطلق عليه طلاب علم اللاهوت الجدل " المونوفيزي ـ الديوفيزي " . ومن الواضح انه لا صلة لإشارة القديس أفرام إلى طبيعتي المسيح بهذا الجدل والذي اهاب بالمتناظرين الموارنة للادعاء أمام الخليفة بأنهم عثروا في كتابات القديس أفرام على فقرة تؤيد " إيمانهم الكاثوليكي " المزعوم (بمعنى الإيمان الخلقيدوني الذي تمسكت به كنيسة روما) . ومن الغرابة بمكان أن يعتبر المطران يوسف الدبس ، الذي يورد استـشهاد نو برسالة يعقوب الرهاوي إلى الشماس جورج ، يعقوب الرهاوي قديساً ، دون أن يدرك بأن علاّمة الكنيسة السريانية هذا كان مناوئاً للخلقيدونية ومؤمناً ثابتاً بعقيدة الطبيعة المتجسدة الواحدة للوغوس الإلهي ومدافعاً عنها ، وهي عقيدة يحاول يوحنا مارون دحضها في مؤلفه المزعوم شرح الإيمان  . ان يعقوب الرهاوي كان في نظر الخلقيدونيين " هرطوقياً " لا قديساً .

   إن المشكلة الرئيسية المرتبطة بشرح الإيمان هي هوية المؤلف والمضمون . وهما نقطتان لم يبد فيهما العلامة السمعاني رأياً حاسماً . ففي مكتبته الشرقية 1: 513 يعالج الكتاب كما لو أن يوحنا مارون هو المؤلف ، ولكن عند وصفه للمخطوطة 146 يقول ، في نفس المكتبة الشرقية 1: 576 ، أن شرح الإيمان يُعزى إلى مارون ، وهذا يعني أن يوحنا مارون ليس بالمؤلف . اما التمهيد لنسخة هذه المخطوطة الموجودة في عشقوث ، لبنان ، مخطوطة 47 فإنه يُـشير بصراحة إلى أن هذا الكتاب منسوب إلى يوحنا مارون  . وسوف نرى بعدئذ أن الكتّاب الموارنة ، ومن ضمنهم العلامة السمعاني نفسه ، اتهموا توما أسقف كفرطاب بالتلاعب بـ شرح الإيمان ليجعله ملائماً المونوثيلية . وفي الوقت الذي لا يمكننا أن نحدد بالتأكيد الأصل السرياني لكتاب : شرح الإيمان فإننا نرتأي بأن محتوياته تدل على أن مؤلفه كان مونوفيزياً سريانياً أرثودكسياً مؤمناً بطبيعة متجسدة واحدة للوغوس الإلهي ، الا أنه شايع المونوثيلية ظاهرياً . وخاصة فإن شهادات آباء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية التي أوردها المؤلف مراراً تدل على انه سرياني أرثوذكسي . اما نبذ المؤلف لنسطور والفصل المكتوب حول التـقديسات الثلاث (المرفق بالمخطوطة) فقد نُحلا من مصدر سرياني أرثوذكسي ونُسبا إلى يوحنا مارون  . والخلاصة انه بغض النظر عن هوية المؤلف ، فإن الكتاب بأجمعه يؤكد على عقيدة المشيئة الواحدة في المسيح (المونوثيلية) ، مع نزعة قوية نحو عقيدة الطبيعة المتجسدة الواحدة للوغوس الإلهي (المونوفيزية)


   إن ما يؤيد الاعتقاد بأن هذا الكتاب من أصل " مونوفيزي ـ مونوثيلي " هو أن المؤلف يهاجم في توطئته النساطرة الذين يفصلون طبيعتي المسيح كما يهاجم الأوطاخيين الذين يخلطون هاتين الطبيعتين احداهما بالأخرى . وعلى الأخص يهاجم المؤلف مكسيموس ، الذي دافع عن عقيدة المشيئتين في المسيح . ولهذا السبب فإنه من غير الممكن أن يكون يوحنا مارون قد كتب هذه التوطئة خاصة وان الموارنة يدعون بأنه كان مدافعاً عن عقيدة المشيئتين في المسيح؛ وإلا لم يكن ليهاجم مكسيموس الذي اعترف بتلك العقيدة ودافع عنها . من المحتمل أن يكون احد النساخ قد كتب هذه التوطئة اذ يقول بأن " الطاهر مارون بطريرك أنطاكية في دير مارون "  كتب شرح الإيمان . ويتابع الناسخ شارحاً أسباب كتابة الكتاب ، فيقول بأنه عندما أحدث تعليم نسطور ، الذي فصل بين طبيعتي المسيح وحطم اتحادهما ، وتعليم أوطاخي " السخيف " ، الذي خلط هاتين الطبيعتين الواحدة بالأخرى ، اضطراباً في الإيمان المسيحي ، قام يوحنا المُكَّنى مارون بإرشاد أولئك الذين جاهروا بإيمانهم بتعليم هذين الرجلين ، شارحاً لهم الإيمان الصحيح المستند إلى الشهادات التي يوردها في الكتاب . يردف الناسخ قائلاً بأن يوحنا مارون فنَّدَ اعتراف مكسيموس بمشيئتين في المسيح لأتباع تلك الفكرة ثم كتب كتاب: شرح الإيمان ليفند هذه العقائد المضادة  


   يعتقد المطران أقليميس يوسف داود ، ان ابراهيم الحاقلاني تلاعب بالتوطئة المكتوبة في شرح الإيمان بحيث تعني أن يوحنا مارون كان متمسكاً بعقيدة المشيئتين في المسيح وانه يحاول دحض عقيدة المشيئة الواحدة في المسيح . يؤكد المطران داود أنه قبل إضافة التوطئة إلى المخطوطات في مكتبة الفاتيكان ، كانت المخطوطة السريانية 146 التي تضم شرح الإيمان من ممتلكات ابراهيم الحاقلاني  . وان الحاقلاني حرَّف النص السرياني وذلك بمحو الحروف الثلاثة الأولى من اسم "مكسيموس" Maximus وإدخال الحروف " أنتِ " " Ant " بدلاً منها بحيث تُقرأ " Anthimos انتيموس " بدلاً من " مكسيموس " . كما كتب على الهامش الأيمن من المخطوطة : تذكر بعض النسخ ، قورش بدلاً من انتيموس . ولكي يُظهر أن يوحنا مارون كان مدافعاً عن عقيدة المشيئتين ، عمد الحاقلاني كلما ورد تعبير مشـيئة واحدة ، إلى استبدال " واحدة " بـ "اثنتين" بحيث تُقرأ " مشيئتين " بدلاً من " مشيئة واحدة " . ولكن فات عليه انه من السهل جداً اكتشاف محو تعبير مشيئة واحدة  . إلا أن الحاقلاني فشل في القيام بنفس التغييرات في الترجمة العربية (الكرشونية) التي تظهر في عمود ثان إلى جانب النص السرياني ، إذ أن كلمتي مكسيموس والمشيئتين قد تُركتا سليمتين  .

   إن غرض الحاقلاني واضح . فقد عزم على تبرئة يوحنا مارون من المونوثيلية ، التي اعتبرتها كنيسة روما هرطقة وأن يصوره كمدافع عن الإيمان " الصحيح " و" الكاثوليكي " . لهذا السبب حرَّف اسم مكسيموس ، المدافع عن عقيدة المشيئتين في المسيح ، ليصبح انتيموس جاعلاً إياه مدافعاً عن عقيدة المشيئة الواحدة في المسيح ولكن من هو انتيموس هذا ؟ من المؤكد أنه ليس بطريرك القسطنطينية (535–536 ) من القرن السادس الذي تحالف مع سويريوس بطريرك أنطاكية ، الذي دعاه الإمبراطور يوسطنيان الأول إلى العاصمة لمناقشة وحدة الكنائس وتبني عقيدة الطبيعة المتجسدة الواحدة للوغوس الإلهي لأن المونوثيلية لم تصبح قضية عقائدية إلا بعد مائة عام ، ويُـقال بأن كرسي القسطنطينية لم يشغله بطريرك مونوثولي سوى بطريرك واحد ولمدة عام واحد فقط وهو عام 635  . وهكذا من غير الممكن أن يكون انتيموس القرن السادس ، بطريرك القسطنطينية هو الذي ذكره الحاقلاني . حتى وإن كان هناك بطريرك مونوثيلي على قيد الوجود في زمن يتلاءم مع كتابة الحاقلاني فليس هناك من دليل على أن هذا البطريرك كتب دفاعاً عن المونوثيلية التي امكن يوحنا مارون أن يدحضها


   كتب الحاقلاني في هامش المخطوطة عينها اسم قورش للدلالة على أن بعض النسخ تضم هذا الاسم بدلاً من اسم انتيموس  . وهنا يظهر بأن نية الحاقلاني مرة اخرى البرهان على أن يوحنا مارون في كتابه شرح الإيمان فنّد قورش أيضاً ، وهو مونوثيلي . ولكن من كان قورش هذا؟ كان مطران فاسيس ، وخصماً للعقيدة المونوثيلية ، وقد نصحه الإمبراطور هرقل في عام 626 بالاتصال بسرجيوس بطريرك القسطنطينية المونوثيلي ، فقام قورش بذلك ، وكان سرجيوس قادراً على هداية قورش إلى المونوثيلية ، بل قيل بأن قورش أصبح بعدئذ بطريركاً للاسكندرية  . ولكن عند القيام بدراسة دقيقة لهذا الجزء من شرح الإيمان ، نجد أن استبدال انتيموس بقورش لا معنى له لأنه إن كانت نية يوحنا مارون الرد على المونوثيليين ، لكان عليه أن يوجه تفنيده الى مكاريوس بطريرك أنطاكية المونوثيلي ، لا ضد قورش أو انتيموس . علاوة على ذلك ، ليس هناك من دليل بأنه كان لقورش أتباع أو تلامذة يقومون بترويج عقيدته المونوثيلية إلى المدى الذي يستدعي جهد شخص مثل يوحنا مارون لتفنيدها . لأن المجمع السادس المنعقد عام 680  كفانا بإدانته المونوثيلية وليست هناك حاجة لشخص مثـل يوحنا مارون ليدينها  . واما الفترة التي تلت هذا المجمع فقد كان الناس الوحيدون الذين اعترفوا فيها بعقيدة المشيئة الواحدة في المسيح هم الموارنة والسريان الأرثوذكس ، " اصحاب الطبيعة الواحدة " أو " اليعاقبة " . وهنا نصل الى النتيجة انه لا بد أن يوحنا مارون الذي عاش بعد زمن ذلك المجمع بعدة عقود كان مونوثيلياً رفض عقيدة المشيئتين (التي دافع عنها مكسيموس) واعتـنق عقيدة المشيئة الواحدة في المسيح . كما ان البيّنة التاريخية ودراسة نص شرح الإيمان تؤيد تحريف هذا الكتاب الذي لم يكن الغرض منه سوى اظهار يوحنا مارون كمدافع عن عقيدة المشيئتين في المسيح كما تعترف بها كنيسة روما . ومن ثم اثبات ادعاء الموارنة بأن كنيستهم كانت متمسكة بنفس الإيمان (الإيمان الخلقيدوني) الذي اعتنقته كنيسة روما منذ القرن الخامس


   واذا ما وجد اقتراح مفاده بأن غاية يوحنا مارون في شرح الإيمان كانت فقط لتفنيد الملكيين الذين آمنوا بمشيئتين في المسيح فهو اقتراح عاري عن الصحة بل ان المخطوطة 146 نفسها التي تحتوي على أقدم نسخة معروفة لشرح الإيمان لا تتضمن أي دليل كهذا . والأكثر من ذلك فإن هذا الكتاب لا يحوي اي تفنيد للعقيدة النسطورية أو ما يُدعى بالعقيدة "المونوفيزية" او نبذ للمونوثيلية . فكيف كان إذاً باستطاعة أي امرئ الجزم بأن يوحنا مارون فنّد مونوثيليين بارزين مثل " انتيموس " وقورش ؟ وهنا يورد المطران أقليمس يوسف داود جواباً مناسباً . فهو يقول بأن ابراهيم الحاقلاني ، بعد أن حرَّف مقدمة كتاب : شرح الإيمان وجد أن محو تفنيد يوحنا مارون المزعوم للمونوثيليين أمر جد ممل؛ فاستعمل بدلاً من ذلك طريقة أسهل لتحقيق غرضه . فعمد الى انتزاع الصفحات 126 ،125 ،127 التي تضم تفنيداً للنساطرة وأولئك الذين اعترفوا بمشيئتين في المسيح ، واستعاض عنها بصفحات جديدة تتضمن حواراً مع الملكيين كتبه الشاعر والكاتب السرياني داود ابن بولس (750ـ840) . ويشدد هذا الحوار على عبارة يا من صُلبت لأجلنا في التقديسات الثلاث الي رفضها الملكيون ونسـبوها زوراً إلى يوحنا مـارون كما يعترف السـمعاني نفسه


   يدّعي السمعاني بأن تحريف شرح الإيمان ، قام به توما أسقف كفرطاب وهو الذي ترجم الكتاب إلى العربية  . هذا الادعاء ليس بجديد ، فقد رأينا سابقاً أن القلاعي كان أول من أتهم توما بتحريف كتب الموارنة وهو نفسه الذي كتب في عام 1503 بالحبر الأحمر في نسخة هذه المخطوطة التي كانت موجودة سابقاً في عشقوث ، إلا أنها الآن من ممتلكات مكتبة البطريركية المارونية في بكركي في لبنان ، بأن هذا الكتاب يضم " الأسود والأبيض ، السم والترياق "  . كما كتب أيضاً أنه عزم على " تنقيته من الزوان وحرق كل ما دُسَّ فيه " ( إلا أنه كفَّ عن خطته لأن المخطوطة كانت من ممتلكات أبناء القس يوسف من قرية حقيل . وينكر القلاعي أيضاً أنه كان للموارنة مطران اسمه توما في كفرطاب ، مدعياً بأن توما هذا كان مطراناً " يعقوبياً " من ماردين في تركيا ثم رحل إلى لبنان للتبشير " بهرطقة " المونوثيلية  . وهنا يتـفق مرهج نيرون والبطـريرك اسـطفان الدويهي مع القلاعي حول هذه النقطة  


   يبدو أن السمعاني يعتقد ، على غرار القلاعي والدويهي قبله ، بأن توما أسقف كفرطاب قام بتحريف شرح الإيمان . يقول السمعاني بأن الفقرة الموجودة في المقدمة والتي تدل على أن يوحنا مارون أفحم تلامذة انتيموس قد دُست من قِـبَـل المترجم ـ توما أسقف كفرطاب  . ويجادل السمعاني بأن يوحنا مارون لم يكتب في هذه الفقرة شيئاً يفند فيه المونوثيليين والديثيليين (أولئك الذين اعترفوا بمشيئتين في المسيح) لا بل لم يُشر إليهم . ومع ذلك ، لم يكن لدى الموارنة ، كما يقول السمعاني ، ما يخشونه بسبب هذه الهرطقة ، ولذا لم يكن هناك من سبب يدعو يوحنا مارون إلى رفضها . ويتابع قائلاً بأن فكرة قيام يوحنا مارون بتفنيد عقيدة المشيئتين في المسيح قد جاءت بها مخيلة توما المضطربة . سيما وأنه لا وجود لمناقشة موضوع المشيئتين في المسيح في أي مكان من الكتاب . ويختتم السمعاني قوله بأن كل ما شرحه مارون ، هو عقيدة الطبيعتين المتحدتين في شخص واحد (صيغة إيمان خلقيدونية) لأن غايته كانت تفنيد النساطرة والمونوفيزيين  


   ان الادعاء بأن توما أسقف كفرطاب قام في القرن الحادي عشر بتحريف هذا الكتاب وغيره من كتب الموارنة يفتقر إلى أساس تاريخي . كما ان السمعاني نفسه لا يقدم دليلاً ملموساً يشرح الكيفية التي حرَّف فيها توما ، أسقف كفرطاب الكتب المارونية ومتى فعل ذلك . إن نسخة شرح الإيمان التي يدّعي السمعاني بأن توما قام بتحريفها هي أقدم نسخة معروفة ويحدد تاريخ نسخ هذه المخطوطة (مخطوطة الفاتيكان السريانية 146) في عام 1392 . أما النسخ الأخرى من هذه المخطوطة ـ إحداها في المكتبة الوطنية في باريس واثنتان في البطريركية المارونية في بكركي ـ فترجعان في تاريخهما إلى ما بعد تاريخ تلك النسخة بكثير . تضم مقدمات هذه النسخ الثلاث نفس المعلومات ، وبالإضافة إلى ذلك ، فإن اسم انتيموس مذكور في مقدمة نسخة الفاتيكان . والذي يسترعي الانتباه هو ان المطران الماروني يوسف دريان اورد دليلاً يناقض الزعم بأن توما حرَّف شرح الإيمان . يفيدنا دريان أنه عثر على نسخة من المخطوطة في قرية عشقوث في لبنان ناقصة في بدايتها ونهايتها معاً ، ولذلك فهي غفل من اسم للمؤلف أو تاريخ . ويبيّن دريان بأن هذه هي النسخة (الأصلية الوحيدة) بخط المؤلف ، وتتضمن تـفاسير وتـنقيحات عديدة بنفس الخط . ويتابع دريان قائلاً " أن هذه التـفاسير والتـنقيحات هي من عمل احد الطلاب الرواد في المدرسة المارونية في روما "  . ويخلص الى النتيجة أنه بالرغم من كون لغة هذا الطالب المجهول عامية إلا أنها أكثر فصاحة من لغة القلاعي وغيره  . هنا لا تترك شهادة المطران دريان هذه مجالاً للشك بأن التفاسير والتـنقيحات في شرح الإيمان قد قام بها أحد الطلاب الموارنة الرواد في المدرسة المارونية التي تمَّ تأسيسها في روما عام 1584 . ومن بين هؤلاء الطلاب الرواد يمكننا أن ننتـقي فقط ابراهيم الحاقلاني الذي قام نسّاخ آخرون بعدئذ بتدوين تحريفه لأقدم نسخة من شرح الإيمان ، كانت احداهما النسخة التي عثر عليها دريان


   هنا يدور التساؤل حول هذه القضية وخاصة تلاعب توما اسقف كفرطاب بكتاب شـرح الإيمان .  ومن المهم جداً ان نعلم بأن البطريرك الماروني اسطفان الدويهي والسمعاني متفقان بأن توما كان مارونياً   . فإذا كان توما مارونياً فما هو السبب الذي دعاه لتحريف كتب مارونية ؟ إن مما لا يصدق أن يكون توما قد حرَّف النص السرياني لكتاب شرح الإيمان وترك الترجمة العربية سليمة . ومما لا يصدق بشكل أكبر هو عدم وجود اي ذكر منذ القرن السابع وحتى القرن الحادي عشر ليوحنا مارون هذا أو مؤلفاته ، فيما خلا بعض الإشارات المريبة إليه في مقدمة الكتاب الذي يحمل عنوان: الهدى Nomocanon . ويقر السمعاني نفسه في مقدمة كتاب: شرح الإيمان بأن توما أسقف كفرطاب كان مونوثيلياً (83) . وعلى هذا الأساس يمكن القول بما أن الموارنة كا

2

رائد النهضة القومية نعوم فائق يدعو الى وحدة الطوائف الآرامية.. ومقالته المشهورة عن الصحافة الارامية بعنوان (الصحافة الآرامَّية و مبادؤها السّامية )..


 

مقدمة  *


(هذه المقالة المنشورة في الاسفل كانت المقالة الإفتتاحيَّة للعدد الأول من جريدة "الإتحاد" بقلم رئيس تحريرها الملفونو نعوم فائق (1868-1930)، التي أصدرتها "الجمعيّة الوطنيّة الآثوريَّة – الكلدانيَّة" عام 1921 في الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف دعوة جميع الطوائف من أبناء الأمّة الآراميَّة لتحقيق الوحدة الآراميَّة الشاملة.  وإننا بكل فخر نسير على خطى روّاد القومية الآراميّة الأوائل، الذين برزوا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ومن أبرزهم المفكّر القومي والصحافي اللامع الأديب نعوم فائق، إضافة إلى حنا سرّي جقي، وبشَّار بوريجي، و سعيد بشارة، و كبرئيل أفندي بوياجي، وغيرهم.

   و تقديراً لجهود المؤلف نعوم فائق ودوره البارز في الدعوة الصارخة إلى لمّ شمل الآراميين كافة، مشارقة ومغاربة، واتّحادهم، ولمناسبة مرور 140 عاماً على مولده، ننشر الآن مقاله الإفتتاحي هذا، لأهمّيته القوميّة البالغة وذلك بنصّه وعنوانه كاملين، من دون زيادة أو نقصان أو تغيير، وذلك كما ورد حرفيّاً في العدد الأول من جريدة "الإتحاد"، وأيضاً في كتاب "ذكرى و تخليد نعوم فائق" لمؤلفه حنا جقي (ص 63 – 66، ط. دمشق، عام 1936).

  وبهذه المناسبة المجيدة، يسرّ مجلّة "آرام" أن تجدّد اليوم بالذات، ذلك العهد ونفس الدعوة وتُهيب بكل الآراميين، أينما كانوا، وعلى اختلاف فرقهم و طوائفهم، و البالغ تعدادهم حاليّاً عدة ملايين نسمة، إلى التكاتف والإتّحاد والعمل معاً للبحث عن مستقبل مشرّف لأبناء الأمّة الآراميّة.)
والآن نعود لنقرأ معاً مقالة الملفونو نعوم فايق:

الصحافة الآرامَّية و مبادؤها السّامية

قلّما يوجد صحافة في عالم الأدب والسياسة لا تكون غايتها شريفة. وقد خُلقت الصّحافة  لتكون في كلّ أمّة مرشدةً و مُهذّبة وهاديةً الناس إلى سبيل الرّشاد وطريق الكمال. فالجريدة التي يكون مبدأها الإرشاد إلى الفضائل الأخلاقية والتربية القوميّة والآداب الإنسانية وتُُعلِّم الخَلق الوئام و الإتحاد وتكون منزَّهة عن إلقاء الشَّحناء و البغضاء في قلوب البشر وتلقٍّن الشباب حبّ وطنهم وجنسيتهم و لسانهم، هي الجريدة الراقية والمُصلحة والجالبة ثقة الشعب ومناصرته.

   وبناءً على ما تقدّم قد أُنشِئت هذه الجريدة على القواعد المارّ ذِكرُها، لترشد أبناء الأُمَّة الآراميَّة إلى ما فيه الخير والصَّلاح، وتهديهم إلى سبيل الفلاح، وتبثّ فيهم الروح الوطنيَّة وحبَّ اللسان على المبادئ الحرّة والتهذيبِيَّة، وهي أول جريدة تُنشر باللغة العربية للآرامييّن على اختلاف مذاهبهم في المهجر.  ولقد طالما رغب إلينا أبناء أمتنا الآراميّة أن ننشر لهم جريدة عربية تُعرِب عن أحوالهم وتُطلِعهم على أخبارهم وآدابهم وتواريخهم وتكون لسان حالهم في المهجر والوطن وكنّا نتمنَّى أن نحقق أمانيهم لو سمحت لنا الظروف أن نفعل فوق ما كنّا نفعله من نشر جريدة (كرشونية) سريانية عربية وتركية التي أسسناها منذ ست سنوات باسم " ما بين النهرين" بالآلة المسمّاة (ميموغراف).

  وقد كنّا في هذه المدَّة نتوقَّعُ أن تظهر نهضة آداب جديدة بين شبّان أمتنا الآراميّة لإملاء هذا الفراغ إلى أن الله جلّ جلاله، أيقظ الروح الوطنية في قلوب بعض مُفكِّري الأمّة وألَّفوا جمعيّة باسم "الجمعية الوطنيّة الآثوريّة – الكلدانيّة" لتقوم بأعمال تؤول إلى نفع الأمّة أدبياً و اجتماعياً. فبعد أن فرغت الجمعيَّة المومَأ إليها من مهمَّة إرسال مندوبين إلى "مؤتمر السلام" في باريز لأجل مُحافظة حقوق الأمَّة الآثوريَّة – الكلدانيَّة، جالت الفكرة في اتخاذ وسائط مؤثِّرة لتنوير أذهان الشعب و تهذيب أخلاقه لكي يُصبح قادراً على محافظة قوميّته وجنسيّته ولسانه وأيقنت أن ذلك لا يتمُّ إلاَّ بالصحافة و تأسيس مطبعة و نشر جريدة وكتب مدرسية وأدبيّة وتاريخيَّة ففاوضت أعضاءها و سائر الجمعيات وارتاحوا كلهم إلى هذا الرأي الصائب ووعدوها بالمناصرة، فسعت السّعي البليغ و أوجدت أحرفاً سريانية من شرقية وغربية واشترت أحرفاً عربية أيضاً على النّسق الجديد المدعو (لينوتايب) وشرعت بنشر هذه الجريدة باللغتين الآراميّة، الشرقية و الغربية، والعربية حسب مرغوب الشعب. 

   فعلى الشعب إذاً مناصرة هذه الجريدة التي أُنشِئت لتعليمه واجباته نحو دينه ووطنه ولسانه وآدابه، لان الجرائد لا تعيش إلاّ بمناصرة قُرَّائها و كلما كثُر مشتركوها نمت وازدهرت وعاشت.

   فإلى إخواننا الآراميّين نزفّ هذه الجريدة التي ظهرت في عالم الصحافة بأحرف جميلة وطبع جيّد ومواد مفيدة ونأمل أن يقبلوا عليها متهافتين تهافت الجياع على القصاع لكونها الجريدة الوحيدة التي تقوم باحتياجاتهم الأدبيّة ولا يُقبل لهم عذر من الآن فصاعداً كما كان البعض يعتذرون قبلاً بأنهم لا يجيدون القراءة السريانية أو الكرشونيّة، فهذه الجريدة اليوم تُنشر بلغتين وثلاث وهي شبيهة بجنينةٍ تحتوي أنواع الفواكه، فالذين لا يُحسنون الآراميّة فليقرأوا القسم العربي، والذين يجهلون الاثنتين، فعليهم بمطالعة القسم الانكليزي، وليعلموا أنّهم بإقبالهم على مناصرتها ومعاضدتها يؤَدُّون أقدس الواجبات التي عليهم أَلا وهي الواجبات الوطنية واللسانية، وبمناصرتهم لها سوف يشاهدون في أقرب حين أن الكتب المدرسية والتاريخية والأدبية التي يطلبونها تُنشر بلغتهم وأن أولادهم ينجحون ويتهذَّبون بالتربية القوميَّة والوطنيُّة ويصبحون عارفين لغتهم ومتكلِّمين بها نظير سائر الأمم. حيث أن الأمّة تُعرَف بلغتها وآدابها وحينئذ نستطيع أن نُظهرَ للملأ آراميَّتنا الحقَّة وشرف لغتها ونبرهن على أننا أحفاد أُولئك الأمجاد.

   فليتذكّر الآراميّون شرف حسَبهم ورِفعة نَسَِبهم ولينهضوا نهضة الرجال ويُعيدوا لأُمتِّهم منزلةً ساميةً في الهيئة الإجتماعية كما كانت في الأَعصار الغابرة وذلك بواسطة الصحافة ونشر الكتب الأدبيَّة والتاريخية فإنها الواسطة الوحيدة والعامل الأكبر في ترقية الأمّة و تهذيب أخلاقها وتنوير أفكار شبّانها.  فإن الآراميّين كانوا في قديم الزمان مصدر العلوم والفنون والشرائع والمدنية وكان العَالَمان الشرقي والغربي يقتبسان قديماً من كلِّياتها الرَّهاويَّة والنصيبينيَّة أنوار العلوم، ولها الفخر بعلمائها وبمؤلفاتهم الكثيرة التي لا يحصرها عدد، وهي التي حفظت للعالم أنواع الآثار التاريخيَّة والطبيَّة واللاهوتية والفلسفية التي تزدان بها اليوم مكاتب لندن وباريز ورومية وبرلين وغيرها. فعلينا إذاً أن نقتدي بأجدادنا الكرام في أمر ترقية المعارف و نشر الآداب الآراميّة ونسعى لتهذيب أولادنا الذين سيكونون رجال مستقبلنا و نعتصم بالعلوم و نلتجئ إليها و نقدِّر حقَّ الصَّحافة التي عليها يتوقف نجاح كلّ أمّة.
 هذا وإننا نرجو إخواننا السوريين على اختلاف منازعهم و مذاهبهم أن يرمقوا هذه الصّحيفة المولودة جديداً في عالم الصّحافة بعين الرِّضى و الإرتياح و يقوموا بمناصرة مشروعنا الأدبي باشتراكاتهم و إعلاناتهم بجريدتنا حسب الأصول و بذلك يُناصرون الآداب فيُشكرون.
   وأيضاً نتوقّع المناصرة الكبرى من إخواننا الموارنة المنتسبين إلى الآراميّة حيث أن الغرض من إنشاء هذه الجريدة توحيد أفكار بني آرام الكرام وإيجاد التفاهم والإتّحاد الجنسي الأدبي فيما بيننا وإيقاظهم لتعزيز لغة أجدادهم العظام، إذ أنهم مشتركون معنا في الجنسية و اللغة و الطقوس أيضاً، ولا فرق بين آراميي لبنان وسوريا وآراميي ما بين النهرين وبلاد الفرس سوى بعض مسائل مذاهبية لا تمنعهم من الإتّحاد معنا أدبياً بقصد رفع شأن الآراميّة وتعليم لسانها ونشر تواريخها وآدابها التي كاد أن يُقضى عليها وتهذيب الناشئة وتعليمها لغة الآباء و الأجداد الذين رفعوا منار العلم والمدنية في الديار الشرقية وكانوا أنواراً ساطعةً في سماء الآداب والمعارف وما شاهدناه في إخواننا المومأ إليهم من التمسّك بآراميَّتهم والحرص على لغتهم والمحافظة عليها في مدارسهم و كنائسهم يُحيي فينا الآمال و يجعلنا نعتقد أنهم سيكونون لنا في مهمّتنا الأدبيّة والقوميّة خير أعوان مادّة و معنىً، كيف لا وهم الذين أدخلوا إلى أوربا معرفة الآراميّة وصاروا واسطة لتأسيس مدرسةٍ سريانيةٍ مارونيّةٍ في رومية نشأ منها أساتذة ومؤلفون مجيدون كجرجس ميخائيل عميرة، وابراهيم الحاقلاني، ويوسف سمعان السمعاني صاحب "المكتبة الشرقية" وجبرائيل القرداحي صاحب كتاب "اللُبَاب" وهو معجم سرياني/عربي، جليل الفائدة لدارسي الآرامية. ولا نقول هذا من باب التزلّف بل اننا نشهد لفضلهم ومقدرتهم الأدبية ونُقدّر مساعيهم في ترقية اللسان الآرامي. ومما لا ريب فيه أنهم هم الذين رقّوا الصَّحافة العربية في سوريا ومصر والبلاد المتحدة، ولهم الفضل الأكبر على اللغة العربية، إذ أن أكثر مؤلفي المعجمات والكتب الأدبية هم علماء الموارنة، وعليه لا بأس من أن ندعوهم إلى التكاتف والتناصر و الإتِحَاد معنا في أمر ترقية لغتنا وآدابها.

  و قد رأينا أن نصدر هذه الجريدة الآن بهاتين اللغتين أي الآراميّة والعربية لعلمنا أنهما دارجتان بين جميع الآراميين، فالأولى هي لغتهم القديمة و الثانية لغتهم الحديثة. و لكي نحثّ أبناء اللغة الآراميّة على تعلّم لغتهم القديمة ولإيصالها إلى درجة لغتهم الجديدة، فيصبحون إذ ذاك متّحدين لغةً و نزعةً و فكراً، و قد نفصلهما عن بعض بعد حين و نجعلهما جريدتين مستقلّتين إذا اقتضت الحال.
   فلنسأل القرّاء الكرام غضّ النظر عمّا يرون في هذه الجريدة من خللٍ في التراكيب إذ ليس غرضنا الحقيقي رفع اسم زيد وخفض اسم عمرو، بل رفع شأن الأمَّة الآراميَّة و إعلاء اسمها و الإعراب عن مجدها القديم. فكلُّ غرضٍ سامٍ كهذا ولو حُرِّرَ بلغةٍ بسيطةٍ و على نسق سلسٍ لدرجةٍ لا تَمجُّهُ الأسماع فهو مقبول.

  و الله المسئول أن يجعل هذه الجريدة نوراً يهتدي به بنو آرام، و دليلاً هادياً لهم في سبيل هذه الحياة كما يُرام.

نعوم فائق   
     USA 
* عن مجلّة "آرام"، عدد 15 – 16 (1998)، ص 128 – 124.

3
انطاكية والموقـع التـاريخي

أعطى الموقع الجغرافي مدينة أنطاكية مكانة خاصّة في الكتابات المبكّرة التي تتعلّق بقيام الدين المسيحي . لقد برهنت الكنيسة الأنطاكية ، وإن كانت في المنفى لمدّة طويلة ، على أنـّها إحدى القوى الديناميكية في العصر التكويني الأول  للمسيحية الأولى ، وعلى أنّ لها الكفاءة والمقدرة لتكون النظير والندّ لأبرشيّتي روما والإسكندرية.
حظيت أنطـاكية بموقع جغرافي متميّز في وادي نهر العاصي ، فهي تقع على مفترق الطرق بين الفرات والمتوسّط من جهة ، وبين آسـيا الصغرى وفلسطين من جهة أخـرى . ويعود ازدهـار المدينة إلى غزارة التبادل التجاري بين البلدان الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية ، فلقد تلاقى المصري واليوناني والسوري والآسيوي في أسواقها التـجارية ، وارتفع عدد سكّانـها قرابة القرن الرابع إلى ما يقارب النصف مليون نسمة . لقد تعزّز ازدهارها ، قبل السلوقيين ، من قبل الرومان الذين منحوها لقب المدينة المتحرّرة Civitas Libera، وهو امتياز احتفظ به الأنطاكيون حتى نـهاية القرن الرابع ، حين قرّر الإمبراطور “ثيودوسيوس الأول Theodosios I 379-395”  رفع هذا الامتياز عنهم ومعاقبتهم على العصيان الذي قاموا به ضدّ إجراءاته التعسّفية في جبي الضرائب . مع أنّه كان الملك نفسه الذي زيّـن بوّابة المدينة المسمّاة “بوّابة الغار” بطبقة من الذهب المتألّق كانت تُشاهد من مسافات بعيدة . إنّ انتـعاش المدينة وغِناها جعلاها من أعظم المراكز الرئيسية الغنيّة في العالم القديم.
ولقد اشتهرت انطاكية بمعابدها الرائعة وساحاتها العامّة وأسواقها ومسارحها وحمّاماتـها وقصورها وقنواتـها التاريخية التي اتّسمت جميعها بالفخامة والأبـّهة وتميّزت بها كمستوطنة رومانية . لقد احتلّت أنطاكية ، في وقت من الأوقات ، المركز الثالث بين مدن الإمبراطورية ، واستقبلت منذ البداية زيارات الرسـل وأصبحت حصناً من حصون المسيحية القوية . ومع أنـّها عانت الكثير في عهد الاضطهاد الروماني للمسيحيين إلاّ أنـّها كانت مركز الاهتمام الإمبراطوري فلقد بنى الامبراطور ” ديوسليتيان Diocletian ” قصراً عظيماً فيها، كما استمرّ أباطـرة بيزنطة المسيحيين في مناصـرة أنطاكية حتى تمزّقت من الانشقاق والتمرّد وخاصّة ضدّ التعليم الخلقيدوني في القرن الخامس . كان قسطنطين الكبير أوّل إمبراطور مسيحي يبني كنيسة رسمية في المدينة ، وسار خلفاؤه والمواطنون الأغنياء والأساقفة على خطاه ، ما جعلها، في الحقيقة ، الولاية الأمّ في العالم المسيحي . ولكنّ التنازع والتعصّب الطائفي بين سكّانـها أدّى إلى السخط والاستياء ، وأخيراً ، إلى انقسام هذه المدينة المزدهرة وأفولها التدريجي.
  بالإضافة إلى ما سبق . يعود انحطاط مدينة أنطاكية ، في الحقيقة ، إلى ثلاثة أسباب هامّة هي :
أولاً – سلسلة من الهزّات الأرضية ، تعود آثار الأخيرة منها إلى سنة 526 م ، وفيها تهدّم الكثير من  أبنيتها الفخمة.
ثانياً – الغزو الفارسي سنة 538 ، حيث قام الإمبراطور الساساني “كوسروس” بتدمير المدينة بكاملها تقريباً.
ثالثاً – الفتح العربي سنة، 638 ، وفيه انغمرت أنطـاكية في الإمبراطورية الإسلامية الغريبة وانفصلت نهائياً عن العالم المسيحي ، ما عدا فترة الاحتلال الصليبي التي لم يُرحّب بـها والتي زالت سريعاً.
وعند زوال مملكة القدس اللاتينية من الجزء الرئيسي من القارّة الآسيوية ، عادت أنطاكية إلى سلطنة المماليك في مصر في نهاية القرن الثالث عشر وأصبحت تابعة لإمارة حلب نظراً إلى أهمّيتها الثانوية حينذاك . ثمّ تنقّلت المدينة العظيمة من مسلم إلى مسلم حتى استولى عليها السلطان سـليم الأول بانـي الإمبراطورية التـركية سنة 1516-1517 والذي رضخت له كلّ من سورية ومصر بكاملهما . وفي عهد الخليفة محمّد علي اسـتطاعت القوّات المصرية الاستيلاء على أنطاكية مرّتين ، الأولى خلال الزحف المشهور على إستنبول في سنة 1840، والثانية في عهد الجنـرال “  Allenby ” في نـهاية الحرب العالمية الأولى في العام 1918، حيث وضعت عصبة الأمم  أنطاكية وجميع الولايات السورية تحت الانتـداب الفرنسي في العام 1920 . وحين رُفع الانتداب عن سورية في العـام 1939 أُعيدت المدينة وكلّ سـنجق إسكندرون، على نحوٍ اعتباطي ، إلى الجمهورية التركية . لقد أوردت إحصـائيات العام 1950 في الجمهورية التركية أنّ عدد سكّان أنطاكية كان 30,385 نسمة . إنّ هذا العدد صورة محزنة للمدينة بالمقارنة مع ماضيها المجيد.
هذه اللمحة الموجزة شاهدٌ على أنّ عظَمة أنطاكية في التاريخ تعود إلى أيّامها الأولى وتمتدّ حتى القرن السادس تقريباً . أمّا بطاركة أنطاكية ، الذين ازدهرت أبرشيّاتهم في المدينة نفسها لقرون عديدة ، فلقد كُتب عليهم النفي من مدينتهم التي توارثوها كما سنرى في الصفحات القادمة . إنّ التاريخ الأنطاكي المبكّر بات ضعيف الأهمـية غامضاً ومعتماً باطّراد وأصبحت مصادره ضئيلة مع تراجعها المتواصل في العصور اللاحقة . ومع مرور الزمن كانت البطريركية الأصلية في أنطاكية ، وهي الأرثوذكسية (المونوفيزية وفي ما بعد البطريركية اليعقوبية) ، السبب في أنّ الآخـرين انتحلوا اللقب نفسه ، ومن بين هؤلاء بطريركية اليونان الأرثوذكس ، والبطريركية المـارونية ، التي هي الآن تابعة لروما،  والبطريركية الملكية ، والنساطرة أو السريان الشـرقيون ، والأرمن، والجيورجيون ضمن حدود الاتحاد السوفياتي . لا أحد من بطاركة تلك الطوائف يقيم في مدينة أنطاكية في الوقت الحاضر . لقد توزّعت مناطقهم التاريخية الهامّة خلال العصور المتعاقبة بين سورية وآسيا الصغرى والجزيرة العربية وفارس وتركيا وروسيا وآسيا الوسطى والهند وحتى الصين . وبمعنى آخر لقد انتشـروا في القارّة الآسيوية بكاملها.
 
الزيارات الرسولية والتاريخ المبـكّر
طالبت بطريركية أنطاكية بحقّها في أن تكون الممثّلة الوحيدة للمسيحيين لأسباب أهمّها أسبقيتها بين جميع الكنائس المسيحية القديمة الأخرى . والحقيقة التي لا شكّ فيها أنّ تاريخها المبجّل ذُكر عدّة مرّات في العهد الجديد وعلى الأخصّ في أعمال الرسل . فيها سمّي الرسل ” مسيحيين “  للمرّة الأولى وفيها أيضاً أُعلن الدين الجديد إلى الوثنيين اليونان لأوّل مرّة .  لقد أكّد بوسيبيوس Eusebiu  أنّ القديس بطرس أوجد كنيسة أنطاكية وأنّـه أصبح مطرانـها الأول قبل انتقاله إلى أبرشية روما ، وأنّـه ترأّس الكنيسة الأنطاكية الحديثة لمدّة سبع سنوات (33-40) . ولقد توسّعت دائرة التبشير بجهود الرسول توما ومار أداي (ثاديوس) في اتجاه شرقي الرها ونصيبين ومالابار البعيدة . وحين سقطت القدس في سنة 70 م زاد عدد اليهود المسيحيين المهاجرين إلى أنطاكية .
لقد قَدّمت معطيات أنطاكية القديمة التاريخية صورة عامّة غير مفصّلة تؤكّد أنّ أنطـاكية لاقت الشدائد منذ البداية من الاضطهاد الروماني بالمقدار نفسه الذي لاقته الإسكندرية وروما . لقد أصبحت أنطاكية هدفاً لزيارات الرسل ، كما قيل إنّ مار ” يوديوس St. Euodius ” استشهد في أيـّام حكم الإمبراطور نيرون Nero 54-68 ، ثمّ أعقبـه شـهيد آخـر هو ” مـار إغناطيوس  St.  Ignatius ” الذي قيل إنّ أحد الرسولين بطرس أو بولس هو الذي رسمه . والذي يشدّ الانتباه أنّ قصّة مار إغناطيوس الذي استشهد في عهد الإمـبراطور “ تراجـان Trajan 98-117 ” تمثّل روح ذلك العصر . فقد أخضعه الإمـبراطور نفسه للاستجواب فوجده راسخاً في إيمانه ،  فعزله من أنطاكية وأمر بأن يُرمى إلى الوحوش الكاسرة . وفي طريقه إلى حلبة روما سُـمح له بزيارة الأتباع المسيحيين ومخاطبة المؤمنين وتعـزية الذين حزنوا على موته القريب ، وتبعه في تنقّله من مكان إلى آخر قساوسة أتقياء مؤمنون ، منهم الشمّاس ” فيلو Philo ” في جولته إلى سورية . وحين وصل إغناطيوس إلى إزمير استقبله “بوليكاربPolycarp “، وفي أفسس استقبله مطرانها ” أنيسيموس Onesimus “. وبعدها ، أرسل رسـائل إنجيلية إلى المؤمنين في أفسس اعتبرت قمّة الأدب الديني لعهد ما بعد الرسل . وكان هناك العديد من الكهنة الأتقياء الذين تبعوه في أثناء تنقّله من مكان إلى آخر . بدأت رحلته إلى روما وكأنّها تظـاهرة انتصار قام بها رياضي روماني  وفيها كان إغناطيوس يعزّي الإخوة الذين تألّموا لموته المنتظر . وأخيراً افترسـته الوحوش الكاسرة امام 78000 من المتفرّجين الذين لم تقاوم لهجتهم الشرسة إلاّ شفقة أتبـاعه المسيحيين . وتقول الرواية إنّ بقاياه الضئيلة أُخذت إلى مدينته الأصلية حيث حُفظت هناك حتى القرن الخامس حين أمرت الإمـبراطورة “يودوسيا Eudocia” بنقلها إلى المعبد القديم ” للحظ ” ، وبعدها إلى إحدى الكنائس  . ولقد كُرّم هذا القديس في التاريخ السرياني حيث قام بطـاركة السريان الأرثوذكس عامّة بتبنّي اسم إغناطيوس في أثناء رسامتهم.
تشمل نقطة التحوّل الأولى مطارنة أنطاكية الأوائل المسيحيين اليهود حتى عهد ” يهوذا Judas ” عام 135 الذي يعرف بأنّه عهد آخر مطارنة الخـتان  . أمّا نقطة التحوّل الثانية في تاريخ كنيسة أنطاكية فكانت أبرشية “ثيوبيلوس Theopilus”، الأسقف الضليع والكـاتب المبدع الذي أخذ على عاتقه محاربة الأفكـار الوثنية والتعاليم الهرطقية التابعة للسوريين الغنطوسيين الأوائل ( يقول المذهب الغنطوسي أنّ المادّة شـرّ وأنّ الخـلاص يأتي عن طريق المعرفة الروحية- المترجم ) . كان أشهر أعماله Treatise To Autolycus وهو دفاع بليغ عن المسيحية وتفنيد قوي لتعاليم ” مارسيون Marcion ” ( استبدلت المارسونية المسيحية اليهودية واعتمدت في قانونها على إنجيل لوقا ورسائل بولس الرسول وتعاليمه ، وأعطت صورة قاطعة عن الانفصال بين إله الغضب في العهد القديم وإله المحبّة في العهد الجديد ، رأيها أنّ المسيح لم يُصبح جسداً قطّ- المترجم ). كانت معرفة الكـاتب ” ثيوبيلوس ” في الأديان القديمة بالإضافة إلى العهد القديم والإنجيل هائـلة جداً . إنّ تأويلاته الصوفية في المواضيع اللاهوتية ودراساته جعلت قراءاته متعة للعقل المعاصر . كان أوّل من استخدم عبارة ” الثالوث الأقدس “  ويعتبر كتاب Treatise To Autolycus أحد الأعمال البدائية للمسيحية اللاهوتية المدوّنة والمحفوظة ،  ولقد نُشر في بداية عهد الإمبراطور ” كومودس “ Commodus  (180 – 192) حين كانت المسيحية ديناً مضطهداً.
ويبدو أنّ أنطاكية صارت بالتدريج معقلاً للأرثوذكسية بحق ، فلقد ظهر في العقد اللاحق لاهوتي آخر من أنطاكية اسمه “سيرابيون Serapion” الذي أصبح مطراناً سنة 196 وتوفّي سنة 211 . كتب سيرابيون سلسلة من الرسائل الإنجيلية وأعمالاً أخـرى موجّهة إلى اليونان وقارع خصوصاً هرطقة “مونتانس  Montanus ” من فريجيا ( لقد أدانت الكنيسة هذه البدعة وهي ترتكز على أنّ الروح القدس تدفّق على مونتانس من خلال نوبات النشوة والغشـيان التي كانت تنتابه ووحى إليه بنبوّة عودة المسيح وبتأسيس أورشليم الجديدة ، ولقد شدّدت على أهمية التقشّف والتنسّك- المترجم ) . لقد ضاع  معظم عمل مونتانس الأدبي ولم يستخلص منه إلاّ القليل الناقص .
شغلت البقيّة الباقية من القرن الثالث سلسلة من المطارنة سنأتي على ذكرهم في هذا البحث مع تفاوت شهرتهم . فعلى سبيل المثال مار “بابيلاس St. Babylas ” الذي حكم أبرشية أنطاكية ما يقارب العشر سنوات (240-250) ، وقد خـلّده “مار يوحنا فم الذهب St. John Chrysostem” وصرّح أنّ مار بابيلاس رفض بلا خوف السماح لإمبراطور روماني بالدخول إلى الكنيسة طالباً إليه أن يكفّر عن جرائمه لأنّه كان معادياً للمسيحية وعلى الأرجح كان هذا الإمبراطور فيليب العربي Philip The Arabian 244-249 . ويقول “الدهيلم Aldhelm ” مطـران ” شيربورن ” وشاعرها  في ترجمة لاتينية قام بهـا إنّ مار بابيلاس فقد حياته في اضطهاد “ ديسيوس Decius” 249 – 251 ”  ويشير الدهيلم أيضاً إلى طائفة خاصّة تكوّنت حول اسم ” مار بابيلاس ” في أنطاكية ووجدت طريقها إلى الغرب في القرن الثامن .
وعلى العكس من حياة مار بابيلاس كانت حياة ” بولس الساموساتي  Paul The  Samosata ” غنيّة بالنجاح والفشل . فقد أبدع إحدى الهرطقات المعروفة ، ومن عائلة متواضعة جمع ثروة عظيمة استخدمها ليصبح مطراناً لإنطاكية (260-270) . كان تحت حماية الملكة زنوبيـا ملكة تدمر ومعلّمها الخاصّ في حداثتها . وكسلف لنسطور ، كان أوّل من طرح ركائز التعليل اللاهوتي لازدواج شخصية المسيح وأوّل من اسـتخدم العبارة الشهيرة  “المتسـاوي الجوهر Homoousios ” في أثناء خلافه مع المطارنة الآخرين الذين رفضوا تعاليمه . لقد اقتضى خلع المتمرّد بولس انعقاد مجمعين في أنطاكية : انعقد الأول بدعوة من قبل “ديونيسيوس الاسكندري” في 264 . وجرى فيه نقـاش حامي الوطيس وإذ رأى بولـس أنّ لا غلبة له تظاهر بالاقتناع وخالف ظاهرياً مبدأه القائل باتحاد جسد المسيح ودمه بالخبز والخمر المقدّسين consubstaniation. وانعقد المجمع الثاني في أنطـاكية حين عاد بولس إلى هرطقته ، وقرّر هذا المجمع في سنة 269 خلعه.
توصف القرون الثلاثة الأولى في الكنيسة الأنطاكية بحقّ بأنـّها عهد الاضطهاد والاستشهاد في سبيل الإيمان . لقد مات القليل من بطاركتها في فراشهم بسلام في حين استشهد الكثير منهم. فحين نقرأ عن الألوف من شهداء الكنيسة في عهد نيرون وبعده . ولعلّ أبرز مثال كان الأحد عشر ألف شهيد في عهد “تراجـان Tarajan” 98-117، لقد كانوا جنوداً اعتنقوا المسيحية بالجملة فأبعدوا عن الوطن بأمر من الإمبراطور إلى أدغال أرمينيا حيث قتلوا جميعاً عن يد خلفه “هادريان Hadrian” 117-138 . ومع أنّ عزيمـة  الكنيسة كانت قد تحطّمت عن يد السيّء السمعة بولس الساموساتي،  إلاّ  أنّها استردّتها من أتباع قديسين منهم “لوسيان Lucian” الكاهن اللاهوتي مؤسّس المدرسـة الأنطاكية اللاهوتية العظيمة والشهيد الذي مات في “نيكوميديا” في ليلة صدور “مرسوم ميلان” الذي حرّر جميع المسيحيين .ك ان “لوسيان” باحثاً اشتهر بدراسته الكتاب المقدس ، وهو الذي عدّل الإنجيل وترجمة العهد القديم اليونانية . لقد أثبت “لوسيان” بطلان القول أنّه كان تلميذاً لبولس الساموساتي ، ولكنّه قيل إنّ بعض البذور الأريـانية (التي تنكر الطبيعـة الإلهية في السيّد المسيح-المترجم) تعود آثـارها إلى مدرسته التي كان آريوس أحد أفرادها النشيطين . لقد قامت مدرسة “لوسيان” بدور كبير في ترسيخ العقيدة المسيحية وتعاليمها والمحـافظة على استقرارها . لقد خرّجت هذه المدرسة شخصيّات تاريخية ارتبطت بأنطاكية منها : “ديودورس  Diodorus” خليفة “لوسـيان” الذي علّم “يوحنـا فمّ الذهب John Chrysostem”، و”ثيودور المصيصي Theodore Of Mosuesita ” الذي وجّه المشهور نسطور بطريرك القسطنطينية ، كما علّم اللاهوتي والمؤرخ الشـهير “ثيودورت Theodoret” مطران “سيرحوس  Syrhus” في سورية.
 
من نيقيـة إلى خلقيـدونية
عُقد المجمع المسكوني الأول في نيقية سنة 325،  ولقد تألّف الوفد الأنطاكي من عدد هائل من المطارنة 17 منهم مطرانها الرئيسي وممثّلها في المجمع “يوستاثيوس Eustathius الذي كان على مستوى “هوسيوس Housius” مطـران “كوردوفا Cordova” الذي كان مستشار الإمبراطور قسطنطين الخاصّ في موضوع الدين ، ومنهم أيضاً إسكندر بطريرك الإسكندرية ، الذي ترأّس المجمع. والحقيقة، لقد قيل إنّ الثلاثة شاركوا في رئاسة المجمع ووجّهوا أنظار العالم  إلى دور الإسكندرية وأنطاكية والقسطنطينية الرئاسي . قد يكون من الخطأ الزعم أنّ أنطاكية كانت غير مخلصة في ولائها للأرثوذكسية . لأنّ من يتابع مناقشات المجمع النيقاوي يشعر فوراً بانشقاق جوهري يؤكّد عكس ذلك . لقد خدم “آريوس  Arius “في مدرسة أنطاكية مع المطران “يوسيبيوس النيكوميديEusebius of  nicome ” ، وقدّم أتباعه نصّ عقيدة الإيمان لمجمع نيقية وقد برزت فيها النـزعة الآريوسية التي رفضها بكاملها معظم المطارنة.
ظهرت بعد مجمع نيقية ثلاث فرق في أنطاكية . الفرقة الأولى أو فرقة “يوسيبيان  Eusebian”،  وقد اتّبعت أوامر نيكوميديا وسيزاريا أي بكلمة أخرى العمل ضدّ قرار المجمع ولكن دون التظاهر بالعداء المكشوف له ، لأنّ الإمـبراطور قسطنطين لن يسمح بذلك. لقد تابعت الفرقة نشاطها بهدوء مشوّهة قرار المجمع . أحرزت هذه السياسة تقدّماً ملحوظاً من خلال دعم هيمنة “يوسيبيوس النيكوميدي” ، الذي عمّد الإمبراطور في مرضه الأخير (337) ، وأقنع خليفته “كونستانتيوس Constantius” 361 بنفي ” أثناسـيوس ” من الإسكندرية . أمّا الفرقة الثانية فتمثّلت في “يوستاثيوس Eustathius” 330 الذي وقف بصـلابة مع قوانين مجمع نيقية وقراراته ، ومثّل بذلك الموقف الرسمي للأرثوذكسية إلى أن أصبحت الآريـوسية أكثر شعبية في الإمبراطورية فخُلع المطران “يوستاثيوس” ونُفي إلى “ثرسي Thrace” ، حيث توفّي هناك . تألّفت الفرقة الثالثة من الأتقياء وذوي الإيمان الثابت الذين ناصروا قوانين نيقية ولكنّهم أطاعوا المطرانية ، مهتمّين قليلاً بتفاصيل الخلاف ومعارضين الانشـقاق في المبدأ . لقد كان من الصعوبة في تلك الأوقات إيجاد أيّ لاهوتي بليغ يتكلّم في أيّة بدعة دينية دون أن يُشكّ فيه . حتى “يوستاثيوس Eustathius” اتّهم بالهرطقة واعتبر تحليله اللاهوتي لشخص المسيح وعمله مماثلاً لتحليل نسطور.
والواضح أنّ الآريوسية لم تقمع في عهد “بوستنيسين  Postnicene”، فكلاهما:   الإمبراطور والسُلطة في القسطنطينية وأنطاكية  بالإضافة إلى أبرشية الشرق العظيمة، تأرجحوا بين آريوس وأثناسيوس حتى أصبح “ميليتسMeletius مطراناً على أنطاكية في العام 360 فرحّب به الجانبان النيقاوي والآريوسي وتطلعّا إلى دعمه . ولكنّ الامبراطور “كونستانتيوس “Constantius أقال ميليتس من منصبه مؤقّتاً نظراً إلى ميـوله الأرثوذكسية ، في حين لم يحظَ بأيّ دعم من “أثناسيوس” لبدعته . كما أقاله الإمبراطور “فالينز Valenz” مرّتين ثمّ أعيد إلى مركزه السابق في العام 378 ليترأّس مجمع القسطنطينية في العام 381 حيث توفّي في السنة نفسها  كان ميليتس رجلاً قديساً ترك وراءه انشقاقاً في فئة الأرثوذكس نفسها ، لأنّ أتباع “يوستاثيوس Yostasius، وبالتحديد “بولينوس Paulinus” ، شكّوا في لاهوته ورسموا بولينس سنة 362 معارضاً المطران ميليتس .
ثمّ كان عهد “يوحنا فم الذهب “John Chrysostom 347 – 407” ، الذي تلقّى علومه في المدرسة الأنطاكية بإشراف ديودورس خليفة لوسيان (مؤسّس مدرسة أنطاكية) وقد رفع يوحنا ، دون رغبته ، كاهناً في أبرشية القسطنطينية . إنّ فضائـله وانتقاده الحادّ للمحكمة الإمبراطورية جلبا عليه العداء وأدّيا في النهاية إلى إقالته . حتى فم الذهب لم يستطع الفرار من يد الزمن الحديدية . كان هذا العهد غنياً بأسـماء عظيمة من مطارنة ولاهوتيين كالآباء الكبوشيين الثلاثة : “مار غريغوريوس النازيانزي “St. Gregory of Nazianzen 329-389  و” مار غريغوريوس النيصي  St. Gregory of Nissa”  و ” مار باسيليوس الكبير  St. Basil the Great ” وفي القدس المطران “مار سيريل St. Cyril 315-386) وفي نصيبين والرها “مار أفرام الكبير “The Great St. Ephrem  356- 373)، المفسّر السرياني للكتاب المقدّس الذي أغنى تراث المسيحيين الشرقيين الأدبي ، والكثيرين من آباء الكنيسة المصرية العظام الذين ألّفوا تاريخاً خاصّاً بهم.
لقد حافظت أنطاكية على سُلطتها الكنسية على جميع مطرانيات المشرق على الرغم من ازدياد أهل الهرطقة والانشقاق . وعزّزت نيقية امتيازاتها في سورية وفلسطين وقبرص والجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين بما في ذلك فارس والهند . وتطلّعت كنائس سيزاريا والرهـا ونصيبين ومالابار وسلوقية إلى أنطاكية من أجل القيادة الروحية،  على الأقلّ في القرون المبكّرة . وأخيراً،  أقـرّ مجمع القسطنطينية في العام 381 سُلطة أنطاكية . لقد قدّرت السلطة القضائية الفترة الزمنية في أنطاكية ما بين القـرن الرابع والقرن السابع بأنـّها ضمّت 11 مطراناً و 127 أبرشية لرعاية شؤون المؤمنين.
في سنة 429 تبوّأ يوحنا الأنطاكي  John of Antioch كرسيّ المطرانية ، وفي عهده توحّدت فروع الكنيسة ولكن لمدّة قصيرة فقط . أمّا التوتّـر الجديد داخل الكنيسة فكان قادماً من جهة أخرى عن طريق شيخ أنطاكي يدعى “نسطور Nestorius” ، وهو تلميذ مشهور لثيودورس المصيصي في مدرسة أنطاكية وقد أصبح بطريرك القسطنطينية بعدها . أدّت مناقشاته ومجادلاته في موضوع طبيعتي السيّد المسيح إلى عقد المجمع المسكوني الثالث في أفسس 21 سنة 431 بدعوة من  الإمبراطور “ثيودوسيوس الثانيTheodosius II “. أمّا خصم “نسطور” اللدود فكان “سـيريل” بطريرك الإسكندرية الذي دفع المجمع إلى أن يصدر قراراً ضدّ “نسطور” بتهمة الهرطقة ، ومن ثمّ إقالته في الوقت الذي كان الوفد الأنطاكي المتأخّر يدخل مدينة أفسس التي كانت تحت إشراف المطران يوحنا . لم تجدِ نفعاً دعوة يوحنا إلى عقد مجمع آخر لتبرئة “نسطور”، إذ اتفق المطران يوحنا مع CyRIL بعد عامين وكانت لهذا الاتفاق نتائج كبيرة في الشرق والغرب . وبما أنّ أنطاكية كانت مع  الإسكندرية في تحليل طبيعة المسيح اللاهوتي الخاصّ بالسريان الغربيين (الأرثوذكس) ، لذلك وقف السريان الشرقيون إلى جانب نسطور المعزول وصُبغت كنيستهم باسمه فدُعيت الكنيسة النسطورية ، ونظرت روما إلى لاهوت الإسكندرية المسيطر بحذر وقامت بمحاولات عديدة لنقضه . يظهر هنا أنّ الانشقاق الديني بدأ يأخذ أبعاداً جديدة.
إنّ الذي زاد النقاش حدّة في ما يتعلّق بمفهوم “نسطور” لطبيعة المسيح هو ظهور أسقف آخر خالف تحليل نسطور اللاهوتي منذ البداية هو “يوطيخس EUTYEHES” (354-378) رئيس إحدى الرهبانيات في القسطنطينية. ولقد حاول عبثاً بطريرك القسطنطينية “فلافيان FLVIAN” أن يُثنيه عن خطأه ولكنّ جميع محاولاته باءت بالفشل.
والذي زاد الطين بلّة موت الممثّلين الرئيسيين في مسرحية أفسس الأولى : “يوحنا الأنـطاكي” و “سيكستس SIXTUS” في روما (440) ، و”سـيريل الإسكندري” ( 444). وخلفهم “دومنس الثاني DOMNUS” في أنطـاكية الذي لوحظ أنّه يميل إلى “ليو الاول” في روما، ضد المونوفيزي الأرثوذكسي المتحمّس “ديوسقوروس الاسكندري” الذي دعم “يوطيخس” ثمّ عزلـه بطريرك القسطنطينية وأدانه . عُقد المجمع الثاني في أفسس سنة 449 بدعوة من “ثيوديسوس الثاني Theodosius II” (408-459 ) الذي كان قد وقع تحت تأثير الفئة اليوطيخية من خلال تعـاطفه مع حاجبه الخصيّ “كريسافيوس”. لقد برّأ المجمـع “يوطيخس” ولعن كلاًّ من “فلافيان “FLAVIAN  و “دوميـنس الثاني DOMNUS” في لقاء عاصف عرف منذ ذلك الحين “بمجمع اللصّ” . ولكنّ النجاح كان مؤقّتاً وقرار التغيير توقّف على الإمبراطور الجديد “مارسيان” (450 – 456) الذي أصـغى إلى “المجلّد العظيم” ، وهو رسالة إنجيلية  أنكر فيها “ليو الأول” مطران روما (440-461) نتائج ذلك المجمع بكاملها.
في العام 451 دعا الإمبراطور “مارسيان” إلى عقد المجمع الخلقيدوني المسكوني العام الذي اتـّهم بدوره “ديوسقورس” و”يوطيخس” وحرمهما ثمّ عزلهما ونفاهما ، وتبنّى دعوة ليو الأول كقاعدة أسـاسية للتعليل اللاهوتي للأرثوذكس والاهتمام بالعلاقة ما بين الشرق والغرب. صحيح أنّ الإمبراطور ربح اعترافاً كاملاً بمنصب البطريرك في أبرشية القسطنطينية التي دُعيت “روما الجديدة” وذلك بواسطة   عضواً من الأعضاء ، إلاّ أنّه لم ينجح في إصلاح العلاقة ما بين الشرق والغرب ، فلقد زادت سوءاً حين حاول رجال الدين الموالون للحـكم الإمبراطوري أو الملكيون فرض نتائج المجمع على الإسكندرية والقدس وأنطاكية ما أدّى إلى سفك دماء كثيرة وإلى يقظة الهويّة القومية مع نزعة (مونوفيزية) أرثوذكسية . إنّ التناقض الظاهري في مجمع خلقيدونية هو أنّـه كرّم “سيريل” إلاّ أنّه شجب تعليله اللاهوتي ، في حين أنّه أدان “نسطور” في الوقت الذي دعم قوله إنّ الطبيعتين الإلهية والإنسانية وجدتا معاً في يسوع المسيح
أتت الخطوة الجدّية  الثانية في تطوّر الأحداث في عهد الإمبراطور “زينو”  (474 – 491) الذي كان متحمّساً لوحدة الكنيسة في الصيغة التي ابتدعها ” أكاسيوس Acasius ” بطريرك القسطنطينية و”بيتر مونغوس Peter Mongus” بطريرك الإسكندرية . اشتهرت هذه الصيغة باسـم “مرسوم الاتحاد” وقد أقرّها الإمبراطور سنة 482 . ومع أنّ هذا المرسوم لعن ” نسطور ” و ” يوطيخيس ” أو الأرثوذكسية ، إلاّ أنّه تجنّب التطرّق إلى موضوع ” الطبيعة الواحدة ” أو ” الطبيعتين “، وتجنّب ذكر الأسلوب القسري المستخدم ضدّ المونوفيزية . لا شكّ في أنّ هذا ردّ بعض الاعتبار إلى الأرثـوذكس إل حدّ ما ، إلاّ أنّه كـان بعيداً عن إرضاء أيّـة فرقة من الفرق ، فضلاً عن ذلك،  فقد أسرع الرومان الحانقون إلى حرمـان ” أكاسيوس” ، الذي انتقم من كبير الكهنة لإغفال اسمه من الطقس الديني البيزنطي ، ومن المحتمل أنّ هذه كانت نتيجة الوضع الجديد الوحيدة.
 
من ناحية أخرى ، أين وقفت أنطاكية من هذا الاضطراب؟
لم يخفِ رجال الدين وجمهور المؤمنين في أنطاكية ميولهم التقليدية المتزايدة نحو الأرثوذكسية ، ونجحوا في رفع المرشّح الأرثوذكسي إلى الكرسي البطريركي . والذي زاد من شـعبية الحركة في الشرق تحديد هذه الاتجاهات الدينية وقيام الشعور القومي . وتمثّل حياة “بطرس القصّار Peter The Fuller” الذي صار بطـريركاً لأنطاكية في العام 465 صورة واضحة عن هذا الوقت المفعم بالقلق ، لقد عُزل مرّتين لأرثوذكسيته واسترجع مركزه حين تظـاهر بقبوله مرسوم الإمبراطـور “زينون”، الذي حثّ على تسوية الخلاف استناداً الى مرسوم نيقية الذي رفضته جميع الكنائس الغربية وقبلته معظم الكنائس الشـرقية . مع ذلك،  أدخل بطرس القصّار، وللمرة الأولى، إلى الكنيسة الأرثوذكسية فقرة “من صلب لأجلنا ” إلى الثلاثي المكرّر في الطقوس الدينية الشرقية التي تردّد ” الإله القدوس ، العلي القدوس، والخالد القدوس ، أعطنا الرحمة “. وهو المسؤول أيضاً عن إحياء مصطلح  ” أمّ الله ” في كل قداس نسبة إلى العذراء مريم.
ولكنّ أعظم نصير للمونوفيزية الأرثوذكسية في مبادئها وتعاليمها كان البطريرك “سويريوس”24 (465 – 538)، الذي كان مرتبطاً تماماً مع الإسكندرية ، حيث درس فيها حين كان يافعاً و التجأ إليها مرّات عديدة لاحقاً حين فرّ ليتجنّب اعتقاله كلّما قررت السُلطة . لقد تزامنت بطريركيته مع حكم الأباطرة “أناستاسيوس Anastasius ” و”جوستين الأول”Justin I  و”جوستينيان Justinian”. في البداية كان “سويريوس” مؤيّداً “لأناستاسيس” (491- 518) الذي أعطى السريان الارثوذكس الحماية . ولكنّ “جوستين الاول” نقض سياسة سلفه في العام 518  ما دفع “سـويريوس” إلى الفرار من أنطـاكية إلى الإسكندرية حيث قام البطريرك “تيموثي الرابع   Timothy” بحمايته . ولقد حُرم “سويريوس” كنسياً في أثناء حكم “جوستينيان” وذلك بواسطة مجمع القسطنطينية في العام 536 ، ولكنّه ظلّ ضدّ الخلقدونيين حتى موته سنة 538 . كان سويريوس لاهوتياً عظيم الشأن ترك وراءه أعمالاًكثيرة مهمّة معظمها متوافر باللغة السـريانية . لقد طوى موته صفحة جديدة في سجلاّت أبرشية أنطاكية فمنذ ذلك الحين وحتى الآن ظلت أبرشية أنطاكية خاضعة لفئتين : ففي الوقت الذي مثّل الخلفاء المنافسون لسـويريوس (السينودس أو الملكيون) اتجاه اليونان الأرثوذكس، مثّل السريان أو المونوفيزبون ، والذين عرفوا في ما بعد باليعاقبة نسبة إلى يعقوب البرادعي أحد قديسي تلك الكنيسة العظام ، إتجاه الأرثوذكس . وفي حين تطلّعت فئة إلى الغرب أو بيزنطية ، تطلّعت الأخرى إلى الشرق بحثاً عن الاستقلال عن اليونان.
تميّز ميراث ذلك العصر، على الأرجح ، بالسلطة المزدوجة ومذهب الايمان بثلاثة أقانيم متميّزة . وفي حين أنّ الأوّل صار سمة ثابتة للتاريخ الأنطاكي ،  ثبت أنّ الآخر سريع الزوال دون أن يخلو من الأهميّة . ويقول بطريرك اليعاقبة مار ميخائيل السـرياني : إنّ هذا الإيمان يعود إلى خيال راهب غير مشهور من القسطنطينية اسمه “يوحنا اسكناجيس  Asqucnages . ظهر في عهد الامبراطور “جوستنيان” وأدّى رفضه فكرة الوحدة بين الأقانيم الثلاثة إلى الافتراض أنّه كان هناك ثلاثة أقانيم منفصلة  بعضها عن بعض . ومع أنّ الصمت فرض عليه حتى مماته إلاّ أنّ تعاليمه وجدت لها بعض المؤيّدين الأقوياء  بين الفلاسـفة واللاهوتيين . كان أحد المؤيّدين له “يوحنا فيليبوس” شارح “أرسـطو” ، وآخرون  منهم “فوتينس” (قس أنطاكية) و”أثناسيوس” (أحد أقرباء الإمبراطورة “ثيودورا”) و”سرجيوس” (قس من تيللا أصبح بطريركاً لأنطاكية) . ومع أنّ مدرسة التثليث لم تُعمّر طويلاً،  إلاّ أنّها كانت دليلاً على أنّ انهـيار السريانية المونوفيزية  على وشك الحدوث . ولم يستطع أحداً أن ينقذ الأرثوذكسية السريانية إلاّ رسول جديد ظهر في شخص يعقوب البرادعي.



                                                        سرياني ارامي وافتخر

4
تنصر سكان طور عابدين
, تاريخ طور عابدين للبطريرك مار اغناطيوس أفرام برصوم
 
الفصـل الثالث
ان سكان طور عبدين القدماء ، كبقية الأمم الشرقية ، كانوا وثنيين يعبدون الأصنام ، وقد أُقيم دير مار شموئيل في قرتمين على أنقاض هيكل قديم للاصنام ، وتؤيد ذلك قصص النسّاك مار اوجين ومار يوحنا الكفاني ، ومار موسى ومار ملكي وغيرها ، والجالية الكبرى التي سباها الرومان من بلاد الفرس وأسكنوها هذه المنطقة كانت وثنية , وورد في قصة مار ملكي ان المجوس حينما دخلوا قرية اركح وجدوا فيها غلاما . . .”
ان المؤرخين الشرقيين ذكروا , ان البلاد الشرقية أمثال آمد وارزون وبازبدي ، انما بشّرها القديس ادي الرسول وتلميذه اجي وذكر في قصة مار يعقوب الحبيس ، انه وجد الى جانب قرية شيلوح معبد للمجوس باسم ( ايرقليس ) الإله الفارسي , ويذكر المؤرخ مشيحا زخا في تاريخه , مزرا اسقف بازبدي سنة 120م ، الأمر الذي يدل ، على ان منطقة بازبدي وما يجاورها نالت البشارة الانجيلية في منصرم القرن الاول او مطلع القرن الثاني .
وعليه نقول ، لما كانت منطقة بيت زبدي مجاورة لطور عبدين فلا بدّ ان يكون الإيمان بالمسيح قد أشرق على الجبل نفسه في الوقت ذاته ، غير ان الاخبار الراهنة بهذا الشأن تؤيد ان المسيحية انتشرت انتشاراً كاملاً في كل هذه المنطقة اعتباراً من القرن الرابع الى السادس .
ان أخبار حياة القديس يعقوب اسقف نصيبين تحدثنا ، ان هذا القديس منذ مطلع حياته الاسقفية بشّر الوثنيين المحيطين بمدينة نصيبين بالإيمان المسيحي ، وهدى كثيرين منهم الى الإيمان ، وكذلك تحدثنا أخبار حياة مار اوجين رئيس المتوحدين الشهير في أواسط هذا القرن حتى نهايته ، وقد تلمذ كثيرين الى نور الانجيل .
وذكرت في قصة الناسك اشعيا الحلبي ، انه في أواخر حياته عمّد ستماية وثلاثين مهتدياً في نهار واحد من قرية أنحل . بعد أن آمن واعتمد على يديه أبناء قرية الوردية بجوار نصيبين البالغ عددهم ثلاثة آلاف وستماية مهتد .


                                                                                         سرياني ارامي وافتخر

5
الدولة الرابعة المنتقلة إلى ملوك الكلدانيين من بختنصر…الى بلطشاصر
, تاريخ مختصر الدول - مار غريغوريوس ابن العبري




مقدمة:
الكلدانيون أمة قديمة الرئاسة نبيهة الملوك وكان منهم النماردة الجبابرة الذين كان أولهم نمرود بن كوش من بني حام باني المجدل. وكان من ولد نمرود بختنصر الذي غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً كثيراً وسبى بقيتهم وغزا مصر وفتحها ودوخ كثيراً من البلاد. ولم يزل ملك الكلدانيين ببابل إلى أن ظهر عليهم الفرس وغلبوهم على مملكتهم وأبادوا كثيراً منهم. فدرست أخبارهم وطمست أثارهم. وكانت من الكلدانيين حكماء متوسعون في فنون المعارف من المهن التعليمية والعلوم الرياضية والإلهية وكانت لهم عناية بأرصاد الكواكب وتحقيق بعلم أسرار الفلك ومعرفة مشهورة بطبائع النجوم وأحكامها. وهم نهجوا لأهل الشق الغربي من معمور الأرض الطريق إلى تدبير الهياكل لاستجلاب قوى الكواكب واظهار طبائعها وطرح إشعاعاتها عليها بأنواع القرابين الموافقة لها وضروب التدابير المخصوصة بها. فظهرت منهم الأفاعيل الغريبة والنتائج الشريفة من إنشاء الطلسمات وما أشبهها. ولم يصل إلينا من مذاهب الكلدانيين في حركات النجوم ولا من أرصادهم غير الأرصاد التي نقلها عنهم بطليموس القلوذي في كتاب المجسطي. فإنه اضطر إليها في تصحيح حركات الكواكب المتحيرة إذ لم يجد لأصحابه اليونانيين أرصاداً يثق بها
 
“ بختنصر بن نبوفلسر “
 ملك قبل إحراقه هيكل الرب وخرابه أورشليم تسع عشرة سنة وبعده أربعاً وعشرين سنة. واسمه بالسريانية نبوخذنصر أعني عطارد ينطق. وإنما سمي بذلك لأنه نطق بالعلوم والآداب المنسوبة إلى عطارد. وفي السنة الثالثة من قمعه ملك اليهود رأى مناماً راعت روحه منه واقتصه على علماء بابل. فقالوا هذا خطب عسير لا يكشفه للملك إلا آلهة السماء الذين ليس مسكنهم مع الأرضيين. فاحتدم صدره لذلك غيظاً وتقدم إلى اريوخ صاحب شرطه بإهلاك المنجمين والسحرة و أصحاب الرقي والزجر والفأل. فقال دانيال لاريوخ : مهلاً اتئد ولا تقتل حكيماً ولكن أوصلني إلى الملك. فلما مثل بين يديه مثولاً قال له : أقادر أنت على أن تخبرني بالرؤيا التي رأيت وتعبيرها. فأجابه دانيال قائلاً : إله السماء والأرض هو الذي يبدي السرائر. وأنت أيها الملك رأيت صنماً عظيماً ذا منظر رائع رأسه من الذهب الإبريز وصدره وذراعاه من فضة وبطنه وفخذاه من نحاس وساقاه حديد ورجلاه خزف. ورأيت حجراً انقطع من غير قاطع وضرب رجلي الصنم فهشمها هشماً شديداً. فهذه الرؤيا. وأما التعبير فأنت رأس الذهب بما منحك اللهملكاً عزيزاً وكرامة وجلالة. ويقوم بعدك ملك يكون دونك في العزة. والثالث الممثل بالنحاس يكون دون الثاني. والرابع الممثل بالحديد دون الثالث فيهشم ويدق كثيراً من مجاوريه. أما الأرجل والأصابع التي من حديد وخزف فدليل ممالك مختلفة قوية وواهية. وأما الحجر المنقطع من جبل من غير يد قاطعة فدليل ملك روحاني مبيد كل معبود سوى الواحد الحق يظهر في آخر الأيام. فخر بختنصر ساجداً لدانيال وأعطاه الألطاف والهدايا ورأَّسه على جميع حكماء بابل. وولى أعمامه حننيا وعزريا وميشائل أمر مدينة بابل وسماهم بأسماء نبطية اعني شدراخ وميشاخ وعبد ناغو. ثم اتخذ بختنصر صنماً من ذهب طوله ستون ذراعاً في عرض ستة أذرع. وتقدم إلى جميع عظماء دولته أن يوافوا عيد الصنم. وإنهم إذا سمعوا صوت القرن وباقي أنواع الزمر يخرون سجداً للصنم. فامتثل الجميع أمره ما عدا حننيا وعزريا وميشائل. فسعى بهم قوم إلى بختنصر إنهم لا يعتدون بأمره. فاستشاط من ذلك غضباً وأمر أن يسجر الآتون فوق ما كان يسجر سبعة أضعاف الوقود وأن يكتفوا بسراويلهم وقلانيسهم وبرانسهم وباقي ثيابهم ويزجوا في أتون النار. فلما فعل بهم ذلك أحرقت النار الذين سعوا بهم. فأما هم فمكثوا في النار ممجدين لله وملاك الطل نزل عليهم وأمال عنهم لهيب النار فلم تنك فيهم ولا في ثيابهم ولا في لباسهم. فلما شاهد الملك ذلك بهت تعجباً وقال : أرى الرابع منهم شبيه المنظر ببني الآلهة يعني الملاك. وناداهم بأسمائهم قائلاً : يا عباد الله العلي اخرجوا. فخرجوا من النار ولم يشط شيء من ثيابهم ولا من شعورهم. فرفع بختنصر درجاتهم. ثم رأى بختنصر رؤيا ثانية كأن شجرة في سواء الأرض قد علت حتى بلغت إلى السماء ولها ورق أنيق وثمار كثيرة فيها مطعم لكل بشر. وجميع حيوانات البر وطيور الجو تأوي إلى ظلها. وكأن ملاكاً قديساً نزل من السماء وقال : اقلعوا هذه الشجرة وجذوا أغصانها وانثروا أوراقها وبددوا ثمارها وتتفرق عنها حيوانات البر وطيور الجو وذَّروا عروقها في الأرض إلى أن يحول عليها سبعة أحوال. فاقتص بختنصر هذه الرؤيا أيضاً على دانيال وقال له : أنت قادر على تعبيرها لأن فيك روح الآلهة القديسين. فقال دانيال : أيها الملك الرؤيا لمن يشنأك وتعبيرها على أعدائك. أما الشجرة الموصوفة بتلك الصفات الجليلة فإنك أنت الذي عززت حتى ارتفع اسمك إلى السماء. وأما الملاك القديس الذي رأيت وأقواله تلك فتدل على أن الناس يخرجونك من بينهم ليصير لك تعمُّر مع الوحوش وتُطعم العشب طعماً كالثور ويبلك قطر السماء حتى تحول عليك سبعة أحوال. ثم يثوب عقلك إليك وتستوي على كرسي ملكك. فكفر خطاياك بالصدقات وآثامك بالترحم على الضعفاء لتبعد عنك هفواتك.
ومن بعد سنة لما رأى بختنصر أن رقاب أمم المسكونة قد خضعت له ودانت له ملوكها هيبة له وخوفاً من شدة بأسه طغى بقلبه وشمخ بأنفه وأخذته العزة في نفسه. فسمع صوت هاتف يهتف به هتافاً ويقول : لك يقولون يا بختنصر لقد لفظتك مملكتك وسيهيج عليك الناس. فتمت الكلمة عليه في تلك الساعة وطرده الناس ورعى العشب كالثور. وطال شعره وصارت أظافره كمخاليب سباع الطيور حتى أتت عليه سبع سنين. ثم راجعه عقله وطلبه قادته واستوى على سرير مملكته ومنح مزيداً من العظمة وحمد الله وعلم أن سلطانه إلى دهر الداهرين يهب الملك لمن يشاء ويجعله في سفلة الناس وسقاطهم .
***
وجدت في كتاب عتيق سرياني مجهول أن اوطولوقيوس المهندس اليوناني عرف في زمان بختنصر وكان مشهوراً في وقته. والموجود من كتبه الآن كتاب الكرة المتحركة إصلاح الكندي وكتاب الطلوع والغروب ثلث مقالات. وأما ثاوذوسيوس فلم نقف له على زمان معين وهو من حكماء اليونان المشهورين وله نصانيف حسان. له كتاب الأكر الذي هو اجل الكتب المتوسطات بين كتاب اوقليدس والمجسطي .
وفي هذا الزمان كان فورون الفيلسوف الكلدي. وكانت حكمته هي الحكمة الأولى التي لم تستقر. وكان صاحب فرقة وله جمع يتعلمون منه الفلسفة الطبيعية وذهب إليها فيثاغورس وثاليس الملطي وعامة الطلبة من اليونانيين والمصريين. وكانت هذه الفلسفة شائعة في يونان إلى قبل زمان سقراطيس. ثم مال الناس عنها وقد انتصر لها ناس من المتأخرين منهم محمد بن زكريا الرازي لأنه لم يتوغل في العلم الإلهي ولا فهم غرض ارسطوطاليس فيه فاضطرب رأيه وتقلد آراء سخيفة وانتحل مذهباً خبيثاً مذهب فورون وذم أقواماً لم يفهم عنهم ولا هدي سبيلهم. وفرقة فورون يعرفون بأصحاب اللذة لأنهم كانوا يرون أن الغرض المقصود إليه في تعلم الفلسفة اللذة الحاصلة للنفس بمعرفتها وهي مع البدن لانجائها من عذاب الجهل في الآخرة كما هو رأي أرسطو لأن النفس لا بقاء لها بعد البدن عندهم .
***
” أوِل مرودخ بن بختنصر “
 ملك ثلث سنين. هذا أخرج يوياخين بن يوياقيم من السجن وأكرمه وآكله مؤاكلة بعد سبع وثلاثين سنة وكان فيها معتقلاً. وقتل مرودخ وملك بعده أخوه بلطشاصر.
” بلطشاصر بن بختنصر “
 ملك سنتين. ثم عمل وليمة عظيمة لألف رجل من أكابر دولته وكان يشرب الخمر بازائهم. وأمر وهو يشرب أن يؤتى بآنية هيكل الرب التي سباها أبوه من أورشليم وشرب فيها مع عظمائه. فظهرت قبلته كفُّ يدٍ كاتبة عقابه في ضوء المصباح على الحائط. فرابته الكتابة وأحضر حكماء بابل ليترجموا الكتابة. فعجزوا عن حلها. فامتعض لذلك امتعاضاً شديداً. فأخبرته أمه عن دانيال النبي أنه دراك غيب وحلال عقد. فاستدعاه وضمن له أن يلبسه الأرجوان وأن يوليه ثلث الملك إن أوَّل الكتابة. فقال دانيال : لتكن مواهبك لك واجعل ذخائر بيتك لغيري. أما الكتابة فقراءتها أُحصي إحصاءً وزن وأُعري. وتأويلها : إن الله أحصى ملكك واستلبه. ووزنك زنة فوجدك شائلاً فلذا أعراك من ملكك فأنت عارٍ عرية. وفي تلك الليلة اغتاله داريوش المادي وقتله.

                                                                                                                                سرياني ارامي وافتخر

6

ارجو من الاخوة الكرام التعليق على هذا الاعتراف بلغتنا السريانية من قبل  ماسمي  بمجلس قيادة الثورة المنحل انذاك !!!!

مجلس قيادة الثورة يقرر منح الحقوق الثقافية للمواطنين الناطقين باللغة السريانية في العراق
أحمد حسن البكر
رئيس مجلس قيادة الثورة
أصدر مجلس قيادة الثورة القرار رقم - 251 – القاضي بمنح الحقوق الثقافية للمواطنين الناطقين باللغة السريانية من الآثوريين و الكلدان والسريان و في ما يلي نصّ القرار:
 تعتبر ثورة السابع عشر من تموز التي تلتزم بمبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي أن تتمكن الجماهير من ممارسة حقوقها الديمقراطية هو التجسيد الثابت لمنطلقاتها واسترشادها بمبادئ الحزب وأهدافة و لذلك فالثورة تؤمن بان ممارسة الأقليات القومية الموجودة داخل القطر العراقي لحقها الثقافية هو التعبير عن النهج الديمقراطي لالتزامها العميق بمبدأ التآخي القومي والوحدة الوطنية.
   ان الحفاط على الخصائص القومية لهذه الأقليات وحماية تقاليدها و تراثها الشعبي و الانساني و تطوير ثقافتها وآدابها في اتجاه تقدمي و توفير الشروط الضامنة لنهوض جماهيرها هو التعبير عن الحرص على زيادة مساهمتها في بناء هذا الوطن وتقرير مسيرته التقدمية في تمتين الوحدة الوطنية والكفاحية بين المواطنين على اختلاف انتمائاتهم القومية على أسس ديمقراطية متينة وتنفيذاً لقرارات المؤتمر القطري السابع لحزب البعث العربي الاشتراكي في ضرورة تمكين الأقليات القومية من ممارسة حقوقها المشروعة:
   قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ  16- 4 – 1972 ما يلي:
 1- منح الحقوق الثقافية للمواطنين الناطقين باللغة السريانية من الآثوريين و الكلدان و السريان وفقاً لما يلي:
 أ- تكون اللغة السريانية لغة التعليم في كافة المدارس الابتدائية التي غالبية تلاميذها من الناطقين بهذه اللغة ويعتبر تعليم اللغة العربية الزامياً في هذه المدارس.
 ب- تُدرس اللغة السريانية في المدارس المتوسطة والثانوية التي غالبية تلاميذها من الناطقين بهذه اللغة و تُعتبر اللغة العربية لغة التعليم هذه المدارس.
 ج- تُدرس اللغة السريانية في كلية الآداب بجامعة بغداد كإحدى اللغات القديمة.
 د- استحداث برامج خاصة باللغة السريانية في اذاعة الجمهورية العراقية ومحطتي تلفزيون كركوك ونينوى.
 هـ- اصدار مجلة شهرية باللغة السريانية من قبل وزارة الاعلام.
- انشاء جمعية للأدباء و الكتُاب الناطقين باللغة السريانية وضمان تمثيلهم في الإتحادات و الجمعيات الأدبية و الثقافية في القطر.
 - مساعدة المؤلفين والكتاب والمترجمين الناطقين باللغة السريانية ماديُاً ومعنوياً ونشر انتاجهم الثقافي والأدبي.
 - تمكين الموظفين الناطقين باللغة السريانية من فتح النوادي الثقافية و الفنية وتشكيل الفرق الفنية والمسرحية لإحياء وتطوير التراث والفنون الشعبية.
 2- يُنفذ هذا القرار من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية و يتولى الوزراء تنفيذ أحكامه.

7

رائد النهضة القومية نعوم فائق يدعو الى وحدة الطوائف الآرامية


كلمات و أقوال في  الفقيد الملفونو نعوم فائق (1868-1930)
مقدمة  *
(هذه المقالة المنشورة في الاسفل كانت المقالة الإفتتاحيَّة للعدد الأول من جريدة "الإتحاد" بقلم رئيس تحريرها الملفونو نعوم فائق (1868-1930)، التي أصدرتها "الجمعيّة الوطنيّة الآثوريَّة – الكلدانيَّة" عام 1921 في الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف دعوة جميع الطوائف من أبناء الأمّة الآراميَّة لتحقيق الوحدة الآراميَّة الشاملة.  وإننا بكل فخر نسير على خطى روّاد القومية الآراميّة الأوائل، الذين برزوا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ومن أبرزهم المفكّر القومي والصحافي اللامع الأديب نعوم فائق، إضافة إلى حنا سرّي جقي، وبشَّار بوريجي، و سعيد بشارة، و كبرئيل أفندي بوياجي، وغيرهم.
   و تقديراً لجهود المؤلف نعوم فائق ودوره البارز في الدعوة الصارخة إلى لمّ شمل الآراميين كافة، مشارقة ومغاربة، واتّحادهم، ولمناسبة مرور 140 عاماً على مولده، ننشر الآن مقاله الإفتتاحي هذا، لأهمّيته القوميّة البالغة وذلك بنصّه وعنوانه كاملين، من دون زيادة أو نقصان أو تغيير، وذلك كما ورد حرفيّاً في العدد الأول من جريدة "الإتحاد"، وأيضاً في كتاب "ذكرى و تخليد نعوم فائق" لمؤلفه حنا جقي (ص 63 – 66، ط. دمشق، عام 1936).
  وبهذه المناسبة المجيدة، يسرّ مجلّة "آرام" أن تجدّد اليوم بالذات، ذلك العهد ونفس الدعوة وتُهيب بكل الآراميين، أينما كانوا، وعلى اختلاف فرقهم و طوائفهم، و البالغ تعدادهم حاليّاً عدة ملايين نسمة، إلى التكاتف والإتّحاد والعمل معاً للبحث عن مستقبل مشرّف لأبناء الأمّة الآراميّة.)
والآن نعود لنقرأ معاً مقالة الملفونو نعوم فايق:
الصحافة الآرامَّية و مبادؤها السّامية
قلّما يوجد صحافة في عالم الأدب والسياسة لا تكون غايتها شريفة. وقد خُلقت الصّحافة  لتكون في كلّ أمّة مرشدةً و مُهذّبة وهاديةً الناس إلى سبيل الرّشاد وطريق الكمال. فالجريدة التي يكون مبدأها الإرشاد إلى الفضائل الأخلاقية والتربية القوميّة والآداب الإنسانية وتُُعلِّم الخَلق الوئام و الإتحاد وتكون منزَّهة عن إلقاء الشَّحناء و البغضاء في قلوب البشر وتلقٍّن الشباب حبّ وطنهم وجنسيتهم و لسانهم، هي الجريدة الراقية والمُصلحة والجالبة ثقة الشعب ومناصرته.
   وبناءً على ما تقدّم قد أُنشِئت هذه الجريدة على القواعد المارّ ذِكرُها، لترشد أبناء الأُمَّة الآراميَّة إلى ما فيه الخير والصَّلاح، وتهديهم إلى سبيل الفلاح، وتبثّ فيهم الروح الوطنيَّة وحبَّ اللسان على المبادئ الحرّة والتهذيبِيَّة، وهي أول جريدة تُنشر باللغة العربية للآرامييّن على اختلاف مذاهبهم في المهجر.  ولقد طالما رغب إلينا أبناء أمتنا الآراميّة أن ننشر لهم جريدة عربية تُعرِب عن أحوالهم وتُطلِعهم على أخبارهم وآدابهم وتواريخهم وتكون لسان حالهم في المهجر والوطن وكنّا نتمنَّى أن نحقق أمانيهم لو سمحت لنا الظروف أن نفعل فوق ما كنّا نفعله من نشر جريدة (كرشونية) سريانية عربية وتركية التي أسسناها منذ ست سنوات باسم " ما بين النهرين" بالآلة المسمّاة (ميموغراف).
  وقد كنّا في هذه المدَّة نتوقَّعُ أن تظهر نهضة آداب جديدة بين شبّان أمتنا الآراميّة لإملاء هذا الفراغ إلى أن الله جلّ جلاله، أيقظ الروح الوطنية في قلوب بعض مُفكِّري الأمّة وألَّفوا جمعيّة باسم "الجمعية الوطنيّة الآثوريّة – الكلدانيّة" لتقوم بأعمال تؤول إلى نفع الأمّة أدبياً و اجتماعياً. فبعد أن فرغت الجمعيَّة المومَأ إليها من مهمَّة إرسال مندوبين إلى "مؤتمر السلام" في باريز لأجل مُحافظة حقوق الأمَّة الآثوريَّة – الكلدانيَّة، جالت الفكرة في اتخاذ وسائط مؤثِّرة لتنوير أذهان الشعب و تهذيب أخلاقه لكي يُصبح قادراً على محافظة قوميّته وجنسيّته ولسانه وأيقنت أن ذلك لا يتمُّ إلاَّ بالصحافة و تأسيس مطبعة و نشر جريدة وكتب مدرسية وأدبيّة وتاريخيَّة ففاوضت أعضاءها و سائر الجمعيات وارتاحوا كلهم إلى هذا الرأي الصائب ووعدوها بالمناصرة، فسعت السّعي البليغ و أوجدت أحرفاً سريانية من شرقية وغربية واشترت أحرفاً عربية أيضاً على النّسق الجديد المدعو (لينوتايب) وشرعت بنشر هذه الجريدة باللغتين الآراميّة، الشرقية و الغربية، والعربية حسب مرغوب الشعب. 
   فعلى الشعب إذاً مناصرة هذه الجريدة التي أُنشِئت لتعليمه واجباته نحو دينه ووطنه ولسانه وآدابه، لان الجرائد لا تعيش إلاّ بمناصرة قُرَّائها و كلما كثُر مشتركوها نمت وازدهرت وعاشت.
   فإلى إخواننا الآراميّين نزفّ هذه الجريدة التي ظهرت في عالم الصحافة بأحرف جميلة وطبع جيّد ومواد مفيدة ونأمل أن يقبلوا عليها متهافتين تهافت الجياع على القصاع لكونها الجريدة الوحيدة التي تقوم باحتياجاتهم الأدبيّة ولا يُقبل لهم عذر من الآن فصاعداً كما كان البعض يعتذرون قبلاً بأنهم لا يجيدون القراءة السريانية أو الكرشونيّة، فهذه الجريدة اليوم تُنشر بلغتين وثلاث وهي شبيهة بجنينةٍ تحتوي أنواع الفواكه، فالذين لا يُحسنون الآراميّة فليقرأوا القسم العربي، والذين يجهلون الاثنتين، فعليهم بمطالعة القسم الانكليزي، وليعلموا أنّهم بإقبالهم على مناصرتها ومعاضدتها يؤَدُّون أقدس الواجبات التي عليهم أَلا وهي الواجبات الوطنية واللسانية، وبمناصرتهم لها سوف يشاهدون في أقرب حين أن الكتب المدرسية والتاريخية والأدبية التي يطلبونها تُنشر بلغتهم وأن أولادهم ينجحون ويتهذَّبون بالتربية القوميَّة والوطنيُّة ويصبحون عارفين لغتهم ومتكلِّمين بها نظير سائر الأمم. حيث أن الأمّة تُعرَف بلغتها وآدابها وحينئذ نستطيع أن نُظهرَ للملأ آراميَّتنا الحقَّة وشرف لغتها ونبرهن على أننا أحفاد أُولئك الأمجاد.
   فليتذكّر الآراميّون شرف حسَبهم ورِفعة نَسَِبهم ولينهضوا نهضة الرجال ويُعيدوا لأُمتِّهم منزلةً ساميةً في الهيئة الإجتماعية كما كانت في الأَعصار الغابرة وذلك بواسطة الصحافة ونشر الكتب الأدبيَّة والتاريخية فإنها الواسطة الوحيدة والعامل الأكبر في ترقية الأمّة و تهذيب أخلاقها وتنوير أفكار شبّانها.  فإن الآراميّين كانوا في قديم الزمان مصدر العلوم والفنون والشرائع والمدنية وكان العَالَمان الشرقي والغربي يقتبسان قديماً من كلِّياتها الرَّهاويَّة والنصيبينيَّة أنوار العلوم، ولها الفخر بعلمائها وبمؤلفاتهم الكثيرة التي لا يحصرها عدد، وهي التي حفظت للعالم أنواع الآثار التاريخيَّة والطبيَّة واللاهوتية والفلسفية التي تزدان بها اليوم مكاتب لندن وباريز ورومية وبرلين وغيرها. فعلينا إذاً أن نقتدي بأجدادنا الكرام في أمر ترقية المعارف و نشر الآداب الآراميّة ونسعى لتهذيب أولادنا الذين سيكونون رجال مستقبلنا و نعتصم بالعلوم و نلتجئ إليها و نقدِّر حقَّ الصَّحافة التي عليها يتوقف نجاح كلّ أمّة.
 هذا وإننا نرجو إخواننا السوريين على اختلاف منازعهم و مذاهبهم أن يرمقوا هذه الصّحيفة المولودة جديداً في عالم الصّحافة بعين الرِّضى و الإرتياح و يقوموا بمناصرة مشروعنا الأدبي باشتراكاتهم و إعلاناتهم بجريدتنا حسب الأصول و بذلك يُناصرون الآداب فيُشكرون.
   وأيضاً نتوقّع المناصرة الكبرى من إخواننا الموارنة المنتسبين إلى الآراميّة حيث أن الغرض من إنشاء هذه الجريدة توحيد أفكار بني آرام الكرام وإيجاد التفاهم والإتّحاد الجنسي الأدبي فيما بيننا وإيقاظهم لتعزيز لغة أجدادهم العظام، إذ أنهم مشتركون معنا في الجنسية و اللغة و الطقوس أيضاً، ولا فرق بين آراميي لبنان وسوريا وآراميي ما بين النهرين وبلاد الفرس سوى بعض مسائل مذاهبية لا تمنعهم من الإتّحاد معنا أدبياً بقصد رفع شأن الآراميّة وتعليم لسانها ونشر تواريخها وآدابها التي كاد أن يُقضى عليها وتهذيب الناشئة وتعليمها لغة الآباء و الأجداد الذين رفعوا منار العلم والمدنية في الديار الشرقية وكانوا أنواراً ساطعةً في سماء الآداب والمعارف وما شاهدناه في إخواننا المومأ إليهم من التمسّك بآراميَّتهم والحرص على لغتهم والمحافظة عليها في مدارسهم و كنائسهم يُحيي فينا الآمال و يجعلنا نعتقد أنهم سيكونون لنا في مهمّتنا الأدبيّة والقوميّة خير أعوان مادّة و معنىً، كيف لا وهم الذين أدخلوا إلى أوربا معرفة الآراميّة وصاروا واسطة لتأسيس مدرسةٍ سريانيةٍ مارونيّةٍ في رومية نشأ منها أساتذة ومؤلفون مجيدون كجرجس ميخائيل عميرة، وابراهيم الحاقلاني، ويوسف سمعان السمعاني صاحب "المكتبة الشرقية" وجبرائيل القرداحي صاحب كتاب "اللُبَاب" وهو معجم سرياني/عربي، جليل الفائدة لدارسي الآرامية. ولا نقول هذا من باب التزلّف بل اننا نشهد لفضلهم ومقدرتهم الأدبية ونُقدّر مساعيهم في ترقية اللسان الآرامي. ومما لا ريب فيه أنهم هم الذين رقّوا الصَّحافة العربية في سوريا ومصر والبلاد المتحدة، ولهم الفضل الأكبر على اللغة العربية، إذ أن أكثر مؤلفي المعجمات والكتب الأدبية هم علماء الموارنة، وعليه لا بأس من أن ندعوهم إلى التكاتف والتناصر و الإتِحَاد معنا في أمر ترقية لغتنا وآدابها.
  و قد رأينا أن نصدر هذه الجريدة الآن بهاتين اللغتين أي الآراميّة والعربية لعلمنا أنهما دارجتان بين جميع الآراميين، فالأولى هي لغتهم القديمة و الثانية لغتهم الحديثة. و لكي نحثّ أبناء اللغة الآراميّة على تعلّم لغتهم القديمة ولإيصالها إلى درجة لغتهم الجديدة، فيصبحون إذ ذاك متّحدين لغةً و نزعةً و فكراً، و قد نفصلهما عن بعض بعد حين و نجعلهما جريدتين مستقلّتين إذا اقتضت الحال.
   فلنسأل القرّاء الكرام غضّ النظر عمّا يرون في هذه الجريدة من خللٍ في التراكيب إذ ليس غرضنا الحقيقي رفع اسم زيد وخفض اسم عمرو، بل رفع شأن الأمَّة الآراميَّة و إعلاء اسمها و الإعراب عن مجدها القديم. فكلُّ غرضٍ سامٍ كهذا ولو حُرِّرَ بلغةٍ بسيطةٍ و على نسق سلسٍ لدرجةٍ لا تَمجُّهُ الأسماع فهو مقبول.
   و الله المسئول أن يجعل هذه الجريدة نوراً يهتدي به بنو آرام، و دليلاً هادياً لهم في سبيل هذه الحياة كما يُرام.
نعوم فائق   
     USA 
* عن مجلّة "آرام"، عدد 15 – 16 (1998)، ص 128 – 124.

8

معلولا .. مدينة العجائب وحافظة لغة السيد المسيح


وترتفع عن سطح البحر بنحو1500 متر.
واسمها يعني المكان المرتفع ذات الهواء العليل حسب اللغة السريانية،
فيما يقول آخرون ان الكلمة أرامية وتعني المدخل،
وجاءت هذه التسمية لوجودها ضمن شُعب جبلي جميل يقطع سلسلة جبال القلمون.
وتشتهر مدينة معلولا ببيوتها الجميلة والتي بنيت داخل الجبال والكهوف ,
وهي قرية من الصخر ناسكة في كهف جبل شاهق، ومغارات تترنم بتاريخ سنين خلت،
جمال معلولا يتجلى في تلقائية عمارتها إذ يتضح أنه لم يتم وضع خطة
لتنظيم بناء المدينة فجاءت منازلها كما شاءت لها نزوات المنحدرات الجبلية وتضاريسها
وهي ماتزال تحتفظ بغرف نحتتْ في الصخر وجعلت له
معلولة مبنية على سفوح هضاب تحيط بها من كل جانب،
وتبدو معلولا محفورة بطريقة ساحرة ومدهشة في صخور جبال القلمون،
وتظهر بيوتها وكأنها معلقة في الجبال بعضها فوق بعض وبشكل متلاصق،
لتتحول بذلك سطوح المنازل الى اروقة ومعابر لما فوقها من بيوت،
ولتشكل ما يشبه المدرجات السكنية وتتداخل بشكل غريب
ضمن تخطيط عمراني طبيعي رسمته التضاريس الجبلية،
وبسبب تلاصق البيوت في معلولة نجد أن الطرقات التي تصل ما بين البيوت،
داخل الحارات ضيقة ومتشعبة وصغيرة جدا،
فتتكاثر السلالم التي يستخدمها الأهالي للوصول إلى المنازل المبنية على حافة الجبل ،ا أبواب وسلالم. وتشتهر بوجود معالم قديمة مهمة فيها يعود تاريخها للقرن العاشر قبل الميلاد
أما الاوابد والأحجار الضخمة والمغارات المحفورة في الصخر
فتحكي قصة تاريخ آلاف السنين منذ العهد الآرامي الذي كانت فيه
معلولا تتبع مملكة حمص إلى العهد الروماني الذي سميت فيه
معلولا (سليوكوبوليس) وإلى العهد البيزنطي الذي لعبت فيه دوراً دينيا مهما
عندما أصبحت بدءاً من القرن الرابع مركزاً لاسقفية استمرت حتى القرن السابع عشر.
تمتاز معلولا بما يسمى فج مارتقلا وهو شق في الجبل يحدث ممراً ضيقاً
من طرف الجبل إلى طرفه المقابل وفي هذا الشق ساقية ماء تزيد وتنقص
وفق الفصول والمواسم يتقاطر عليها الناس من كل مكان ليرشفوا من مياه
بركاتها وينالوا نعمة الشفاء من المرض والطهارة والنقاوة.
يقسم الفج القرية الى شطرين.
حين اراد المسيح حماية مارتقلا التي هربت من حكم الموت
الذي صدر بحقها فكانت العجيبة التي ابقت الفتاة الهاربة
في شطر والجنود الرومان في الشطر الاخر حسب روايات سكان معلولا.

ومعلولا تذخر بالاديرة والكنائس والممرات الصخرية
والاضرحة البيزنطية المنحوتة في الصخر في قلب الجبل.
يوجد في المدينة ديران شهيران هما  :
دير مارتقلا ودير مارسركيس،
الأول يقبع عند مدخل الفج الغربي كحارس أمين وهو أقدم دير في العالم،
يضم دير مارتقلا رفات القديسة تقلا ابنة احد الامراء السلوقيين
وماء مقدسا للتبرك ويقع في مكان بارز من القرية
ويطل من جوف الكهف الصخري الذي عاشت فيه بعد هروبها
من اضطهاد الرومان حيث لايزال هذا الكهف ظاهرا حتى اليوم
وفي رحابه بنى دير مار تقلا الذي بقى حتى الان رمزا للقداسة وحياة القديسين
وشهد تحديثات في عصور مختلفة ولكن القديسة تقلا
أول شهيدات النصرانية وتلميذة القديس بولس كانت قد اتخذت
من مغاور ذلك الموقع مأواً طيلة أيام حياتها، ودفنت
في إحدى حجراته ومازالت جموع الحجاج تؤم الدير التاريخي
من كل حدب وصوب للزيارة والتبرك بمقام الدفينة التقية.
وتعيش اليوم في دير مار تقلا رهبنة نسائية ترعى شؤونه
وتعتني به وبزائريه الذين يأتون اليه من كل صوب للتبرك،
واذا امعن الزائر النظر من سطح الدير الى الصخور المحيطة، فإنه
يشاهد القلالي أي الغرف الانفراد الصخرية التي كانت خلوات للمتوحدين الرهبان
الذين ينصرفون الى الصلاة والتأمل والتقشف والزهد
ما يدل على ان معلولا كانت مدينة رهبانية ترتفع منها
الصلوات والتضرعات ليلاً نهاراً إلى الله.

دير مار سركيس حيث بني في القرن الرابع الميلادي
وصمم على نمط الكنائس الشهيدية البسيطة المظهر وسمي بإسم
القديس سركيس أحد الفرسان السوريين الذين قتلوا
في عهد الملك مكسيمانوس عام 297م
ومازال هذا الدير محتفظا بطابعه التاريخي العريق .
دير مار سركيس يشرف من سطح الجبل على منظر جميل للقرية
وكرومها وبعض سهولها وقد اختير بناء كنيسته
على أنقاض هيكل وثني إذ ترجع قبة الدير إلى العهد البيزنطي،
وقد تناثرت خلف الدير قبور صخرية مازال بعضها
يحمل صورة نسر امبراطوري ونقوش يونانية
يرجع تاريخها إلى القرن الأول الميلادي
.
سكان معلولة من المسيحيين والمسلمين مازالوا يتكلمون اللغة الارامية
لغة السيد المسيح حتى اليوم بجانب اللغة العربية
وبقيت اللغة السريانية مستخدمة حتى القرن الرابع عشر الميلادي،
ثم نامت في مختلف أنحاء العالم باستثناء معلولا و قريتي الصرخة و جبعدين.
وكانت السريانية مع اليونانية أكثر اللغات شيوعاً
في الامبراطورية الرومانية الغربية لتصبح اللغة الرسمية
في البلاد في زمن الساسانيين ووصلت حتى الصين،
فكانت لسان النساطرة واليعاقبة وأريخ.
و كانت السريانية القديمة في فترة طويلة من التاريخ لغة الأدب والعلوم والفلسفة
وكانت مراكز التعليم تنتشر وقتها في أوروبا ونصيبين وحران،
واشتهرت مدرسة حران في زمن الخليفة المأمون فاختصت بترجمة
كتب اليونان العلمية والفلسفية إلى العربية بعد أن كانت تترجم أولا إلى السريانية.
وتحتل اللغة السريانية الآرامية أحد المقامات الأولى بين لغات العالم
من حيث اهتمام الباحثين في اللغات القديمة والتاريخ القديم
وذلك لانها اللغة التي تكلم بها السيد المسيح بلهجتها الجليلية،
وأمه العذراء القديسة مريم خاطبته بها، والرسل القديسون بشروا بها.
إن حروف اللغة هي اثنان وعشرون حرفا تكتب بصيغتين الاولى هي الصيغة الصغيرة،
أما الصيغة الثانية فهي الصيغة الكبيرة التي تسمى أسطرنجيلي.
وإن الارقام في اللغة الارامية هي الحروف الهجائية نفسها
وتبدأ من الواحد وليس من الصفر كما في اللغات الاخرى
حيث لا وجود للصفر في اللغة الارامية ولهذا فان تسلسل الترقيم يبدأ كما يلي:
الأرقام التي تتكون من حرف واحد هي الحروف الابجدية من ا إلى ي
التي تبدأ بالواحد وتنتهي بالعشرة أما الارقام المتكونة من حرفين
فإن الحرف الاول من اليمين يرمز الى العشرات والثاني الى الاحاد
واذا كانت الارقام متكونة من ثلاثة احرف فإن الحرف الأول
من اليمين يمثل المئات والذي بعده يرمز الى العشرات والاخير يكون للاحاد
وهكذا بصورة تصاعدية إلى الآلاف وعشرات الآلاف ومئات الآلاف
وتبدي سورية اهتماما كبيرا باللغة الآرامية القديمة التي تحدث بها
السوريون منذ ثلاثة آلاف عام خاصة بعد إحداث مركز لتعليم اللغة الآرامية قبل
بضع سنوات في بلدة معلولا التابع للمعهد العالي لتعليم اللغات في جامعة دمشق


المصدر موقع ضيعتنا عن موقع معلولا

صفحات: [1]