عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - بدري نوئيل

صفحات: [1]
1
الما يعرف تدابيره حنطته تأكل شعيره

بدري نوئيل يوسف ـ السويد
قصة قصيرة أحداثها من نسج الخيال، وأي تشابه ما يحدث في الواقع ليس إلا من باب الصدفة .
يحكى أنه في احد المعامل كان هناك مهندسة ميكانيكية شابة جميلة محبوبة من جميع العاملين ، تصل إلى المعمل مبكرا لتبدأ العمل بهمة ونشاط وعدم إضاعة الوقت دون تلكؤ أو ضجر ، كانت سعيدة جدا لأنها تقوم بواجباتها على أكمل وجه من تلقاء نفسها ودون ضغوط من أحد ، تراقب عمل آلات وتشرف على عدد كبير من العمال ، بحضورها ازداد الانتاج ، يدفعها إلى ذلك حبها للعمل ، ثم العاملين كونهم فريق عمل متناسق متعاون معها وتعتبر المعمل جزء من كيانها وتشعر فيه بالراحة والسعادة . 
كان مدير المعمل المكلف من الشركاء (اصحاب المعمل ) مبهورا مندهشا وهو يراها تعمل بكل هذا النشاط والحيوية دون إشراف أو مراقبة ، بعد تفكير طويل ويسأل نفسه إذا كانت هذه المهندسة تستطيع أن تعمل بكل هذه الحيوية ، وأن تنتج بكل هذا الزخم دون إشراف أو مراقبة ، فمن المؤكد أن إنتاجها سيتضاعف كثيرا فيما لو كان هناك من يراقبها .
بدأ مدير المعمل يبحث عن موظفا يقوم بهذه المهمة ، وعلمت زوجته بما يدور في افكاره وباله ، ولها اخ تخرج حديثا من الاعدادية وبعد ضغوط من الزوجته وإلحاح وبين القال والقيل والخوف من زلة لسانها ان تكشف المستور للشركاء ، وافق على تعين اخيها بدرجة مستشار ذي الخبرة القليلة (كالأطرش في الزَّفَّة ) ، وطلب منه كتابة التقارير اليومية ، وافق المستشار الحديث على القيام بهذه المهمة وكان له ما أراد مدير المعمل وقدم له راتبا مجزيا بالإضافة لمكتب في المعمل وسيارة حديثة تبقى تحت تصرفه .
تسلم المستشار مهام عمله وكان أول قرار اتخذه هو وضع نظام صارم للحضور والانصراف ، ولتطبيق هذا النظام يحتاج  إلى سكرتيرة جميلة دلوعة تساعده في كتابة التقارير وضبط المواعيد وتقوم بتنظيم الأرشيف ومراقبة المكالمات الهاتفية وأعمال أخرى هي من طبيعة عمل السكرتارية ، وقع اختياره على بنت الجيران واخذ موافقة مدير المعمل وتعينت السكرتيرة  (أكل ومرعى وقلة صنعه) فهي ايضا تحتاج لمكتب وأثاث.
كانت سعادة مدير المعمل غامرة بالتقارير التي أخذ يرفعها له المستشار عن سير العمل وينطبق على المدير المثل القائل(إذا كنت تدري فتلك مصيبة وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم) ،بعد عدة أسابيع طلب مدير المعمل من مستشاره أن يُعِدَّ له تحليل لأوضاع السوق ورسوما توضيحية تبين معدلات الإنتاج ، موثقة بالأرقام والرسوم البيانية والإحصائية لاستخدامها في اجتماعات مجلس الإدارة خلال العروض التي عادة ما يقدمها لأعضاء المجلس ، الأمر الذي اضطر المستشار  إلى شراء جهاز كومبيوتر جديد وبرامج خاصة لهذه المهمة وطابعة حديثة ملونة واستحداث قسم خاص للمعلومات والبرامج وتعيين موظفة لإدارة هذا القسم ووقع اختياره على اخت زوجته (تساوت الگرعه وأم زلف ) التي ليس لها خبرة في مجال البرمجيات وأصبحت رئيسة لقسم البرمجيات وعليه تحتاج الى مكتب مؤثث وأجهزة كومبيوتر حديثة  .
لم تستسغ المهندسة لهذه الأعمال الورقية الزائدة عن الحد ، وكرهت الاجتماعات التي كان يعقدها المستشار لها يوميا ، وتستهلك أغلب الوقت وتعطلها عن العمل ، أما مدير المعمل فقد كان سعيدا بما يجري ، لذلك رأى أنه قد حان الوقت لتعيين مدير للإدارة بعد أن تشعب العمل في الاقسام الحديثة وأصبح بحاجة إلى من يضبط إيقاعه تدخلت الزوجة وفرضت رأيها فوقع اختياره على زوج صديقتها وتعين مديرا للإدارة مدعيا انه يحمل شهادات عليا من أعرق الجامعات الغربية في الإدارة الحديثة ، وما أن تسلم مدير الادارة مهام عمله حتى أمر بشراء اثاث تليق بالمكتب الفخم الذي سيدير العمل منه ، ويكون المكتب ذو مواصفات خاصة تناسب ساعات العمل الطويلة التي سيقضيها في المكتب ، وكان طبيعيا أن يحتاج أيضا إلى جهاز كومبيوتر ، وإلى سكرتيره اختارها بعناية كي يعينَها على القيام بأعباء الإدارة الجديدة ، فوقع اختياره على بنت الخال مدعيا انها خريجة جامعة وأوكل إليها مهمات عديدة . وهكذا بدأ مدير الادارة  ومن معه حاميها حراميها بتعين فضائيين من عمال ومستخدمين في المعمل وتنظيم دورات فنية وإفادات للخارج ومصاريف (حچاية مالها نهاية ) ومدير المعمل نائم ورجله في الشمس ومشغول بحاله (حكلي واحكلك) و (شيلني واشيّلك) .
مرت فترة زمنية وجاء موعد اعداد الميزانية للمعمل وعليه طلب مدير المعمل من مدير ادارته الجديد ، وضع ميزانية للخطة الإستراتيجية المتكاملة السنوية . وبعد ايام قدمت الميزانية التي أصبحت ارقام خيالية من العمال والمصروفات (مال عمك ما يهمك)  ، كما لاحظ مدير المعمل أنّ إنتاج المعمل قد انخفض كثيرا ، وأن التكاليف قد زادت بنسبة لا تتوافق مع كمية الإنتاج التي تراجعت بشكل ملفت وهكذا تحول مقر العمل الذي كانت المهندسة ومن معها من العمال يشعرون بالسعادة والألفة فيه إلى مكان كئيب ، واختفت البسمة من على وجوه العاملين .
احتار مدير المعمل كيف يقدم ميزانية المعمل الى الشركاء  ، فقرر أن يجري دراسة على بيئة العمل ليعرف موضع الخلل ، ولأن دراسة من هذا النوع تحتاج إلى مختص ذي خبرة طويلة فقد قرر أن يسند هذه المهمة إلى مفتش ذات مكانة مرموقة وشهرة واسعة في هذا المجال ، وطلب من مدير ادارته ان يختار مفتش وتم اخيار صديقه وأصدر قرارا بتعينه مفتش عام للمعمل براتب خيالي وعمولة مغرية والذي لا خبرة له في هذا المجال ، وكلفه بعملية التدقيق هذه ، وطلب منه اقتراح الحلول المناسبة لمعالجة انخفاض الانتاج . (الجذب المسفّط احسن من الصدك المخربط) . صور المفتش العام مهمته لم يكن عمله سهلا  ، كما هي عادة الخبراء والمستشارين الذين يقضون الكثير من الوقت في البحث والدراسة والتحليل ويضخمون الأمور قبل أن يخرجوا بالحلول التي عادة ما يصورونها لنا صعبة ومعقدة ولا نتوقع أنها حلول سحرية لحل قضية المعمل .
قضى المفتش العام فترة قاربت ستة اشهر ينقّب في دفاتر المعمل ، ويفحص خطوط الإنتاج والمداخل والمخارج قبل أن يخرج بتقرير ضخم يحتاج مدير المعمل إلى ساعات طويلة لقراءته وفهمه ، لكنه توصل في النهاية إلى أن هناك تضخما وظيفيا في الدائرة ، وأن العلاج الوحيد لهذا التضخم هو التخلص من بعض الموظفين الذين يشكلون عبئا على المعمل.
لم يكن أمام مدير المعمل بعد هذه الدراسة ذات الكلفة العالية التي تكبدها المعمل سوى الخضوع للحل الذي اقترحه المفتش العام في تقريره ، ولكن من تراه أول من يقع الفأس بالرأس ويفصله من المعمل .
لقد كانت المهندسة التي قال التقرير إن الحافز للعمل قد انعدم لديها ، وأنها وقفت موقفا سلبيا من التغيرات الحديثة التي حدثت في المعمل ، ولم يتذكر مدير المعمل كيف كان المعمل أكثر إنتاجا وأفضل بيئة قبل أن يطرأ عليه كل هذه الأحداث وحولته إلى بيئة فاسدة لا تشجع على العمل والإنتاج .
فصلت المهندسة من عملها ولملمت حاجتها من المعمل وودعت من قبل العاملين المخلصين وعادت الى المنزل والدموع في مقلتيها تشكي حالها لوالدها الشيخ الوقور جلست بجانبه وقال لها : يا ابنتي اسمعي هذه القصة .
يحكى في قديم الزمان كان هناك رجلا من تجار الحبوب في بغداد كان ذا ولع عظيم بتربية الخيل واقتنائها ، فكان يبذل الغالي والنفيس في شراء ما يعجبه من الخيول ، وكان الرجل يتاجر بالحنطة والشعير ، فيأخذ منها ما يقدر عليه في كل سنة إلى بعض المدن ، فيبيعه فيربح منه الشيء الكثير ، ويعود إلى بغداد في كل مرة سالما غانما ،
وفي إحدى السنين ، أخذ الرجل مقدارا عظيما من الحنطة والشعير على عادته ، وسافر بها إلى مدينة الموصل ، فوجد سوق الحبوب فيها كاسدة في تلك السنة ، فباع الحنطة بثمن بخس ، وأخذ المال وذهب إلى أحد الخانات ليقضي فيه ليلته ، فرأى في الخان رجلا من تجار الخيول ، معه حصان أصيل ، عظيم الشأن ، معروف النسب ، يريد بيعه ، فساومه على الثمن حتى اتفق معه على أن يشتري منه الحصان بمبلغ يعادل ثمن الحنطة التي باعها في صباح ذلك اليوم ، وذلك من شدة اعجابه بذلك الحصان وتعلّقه به .
وبقي الرجل ينتظر بيع الشعير ليعود إلى مدينته ، ولكن سوق الشعير أصابه من الكساد ما أصاب سوق الحنطة ، فانخفض سعره إلى النصف ، أو الثلث عمّا كان يتوقّع أن يبيعه ، فبقي الرجل ينتظر تحسن حالة السوق ، وهو خالي الوفاض من المال . فأضطر أن يقدّم لحصانه بعض الشعير كل يوم ليتقوّت به ، واستمر الحال هكذا أياما طويلة ، حتى قضم الحصان كل ما كان مع الرجل من الشعير ، وكان للرجل مسبحة كهرمان غالية الثمن ، فباعها وقرّر الرجوع إلى بغداد خائبا ، مفلسا ، حيرانا ، أسفا .
هكذا يا ابنتي حال اصحاب المعمل (الشركاء) ينطبق المثل عليه (الما يعرف تدابيره حنطته تأكل شعيره ) . خسروا المعمل والإنتاج والمهندسة معتمدين على مدير المعمل الذي كان حاميها حراميها .

2
المنبر الحر / اسماء غريبة
« في: 21:56 27/02/2015  »
اسماء غريبة

بدري نوئيل يوسف ـ السويد
بعد أن غادرت المنزل متجها للقاء صديق دعاني لتناول طعام الغذاء في مطعم يحمل اسم مدينة اوربية خالدة مليئة بالمعالم والآثار العظيمة فهي مركز لأعظم الحضارات اشتهرت بفنها المعماري وتماثيلها ، وقفت على قارعة الطريق انتظر قدوم سيارة أجرة (تاكسي) ، لا يكاد يخلو شارع من شوارع مدينة السليمانية إلا وقد غص بالكثير الكثير من المحلات والأسواق التي زاحم بعضها بعضا في مظهر اقتصادي يضطرب بالحركة والعنفوان ، ولكن ما إن رفعت رأسي نحو الجهة المقابلة وقع نظري إلى مستوى لوحة احد المحلات فهي حديثة وعلى أحدث وأرقى التصاميم الحاسوبية ، إضاءتها كالشمس في رابعة النهار تحمل اسما لا يتناسب مع نشاط المحل لبيع الاحذية يحمل اسم شاعر كبير معروف بقصائده وأثره الثقافي ، ما يجعل الاسم موحيا لغير ما يقوم به المحل من نشاط ، التفت للخلف اي للجهة التي واقف ، وقع نظري على مطعم شعبي صغير  يتصاعد الدخان من منقلة الفحم فهو يشوي الكباب واللحم وكان الله بعون المحلات التي بجانبه والشقق السكنية فوقه ، علق على واجهه المحل لوحة بعرض لا يقل عن مترين تحمل اسم عالم شهير في الفيزياء .
قلت مع نفسي ما علاقة هذه التسميات التي لا تتناسب مع نشاط المحل . ولماذا اعتمد اصحابه على الاسم التجاري الغريب وما علاقة الحذاء بالشاعر ، او الكباب بالفيزياء او المطعم المدعو اليه باسم روما ، هل من أجل الإيحاء للناظر الى اليافطات بأن السلع الموجودة ذات قيمة وجودة عالية. أو لمعايير سياقية ونفسية واجتماعية. وهل إطلاق المصطلحات والأسماء التجارية مفتوح على مصراعيه لمن يريد أن يسمي كما يشاء؟
عدت الى حافة الرصيف ابحث عن سيارة أجرة وكأني واقف على مدرجات في حلبة سباق السيارات لان سرعة السيارات التي تمر امامي غير مسموح داخل المدن ، لم تمضي لحظات وإذ بسيارة تقف امامي لوح لي سائقها بيده وفهمت منه ان اصعد وبرغم حالة السيارة (التاكسي)المزرية إلا أني ركبت فيها. 
قلت  له اوصلني الى مطعم روما .
ابتسم وقال : بكل سرور ورحب بحفاوة .
حاولت  ان اشد حزام الامان لكنه لا يعمل سحبته عدة مرات وقبل ان أساله عن حالة الحزام سبقني
قائلا لي  : ليس ضروري ان تشد الحزام انتَ ،المهم حزام السائق .
رفعت يدي للسماء طالبا من الرب ان اصل مطعم روما سالما .
تحدثت للسائق بابتسامة مستفسرا:هذا التاكسي آخر مرة نظفته عندما كان الملك فيصل على العرش .
ضحك الرجل بود : لا يا اخي كنت قبل دقائق انقل اغنام من احد المنازل الى محل للذبح .
سألته مستفسرا : تقصد نقلت الاغنام من المنزل الى المجزرة .
ابتسم وهز رأسه نافيا وطقطق بفمه وقال : لا....  نقلت الاغنام الى سقيفة بعيدة عن اعين الرقابة يقوم قصاب بذبح الاغنام ثم تنقل اللحوم للقصابين لبيعها .
لحظات انظر اليه مستغربا على صراحته وشجاعته وهو يبوح لي سر من اسرار المخالفين والخارجين عن الرقابة الصحية وقانونين النقل .
سألته مستغربا : ربما تكون الحيوانات مريضة .. 
ضحك بصوت عالي وقال مستهزأ : اخي انت تأكل اللحم ني لو مطبوخ ، هذه المحلات الصغيرة بل اكبر المطاعم التي تبيع الكباب واللحم المشوي تشتري الاغنام المذبوحة من هذه السقيفة ولم نسمع انه تمرض
 زبون واحد ..
قلت بنبرة حزينة مستفسرا : قصدك الذبح والبيع بعيداً عن أعين الرقابة الصحية والبلدية. يعني (لا من شاف ولا من دري )
خفف سرعة السيارة وتوقف على جانب الشارع الدائري وقال بانفعال : اخي تفضل انزل والله معك تريد تقطع رزقنا بهذه الاسئلة والأجوبة .
قلت له باستياء وضجر : وما علاقتي برزقكم ، ثم انا لم اصل المكان الذي اقصده .
اخرج من جيبه علبة سجائر وورث سيجارته ونفث دخانها وتنهد وقال ببرود : سيارتي تعطلت ولهذا توقفت تفضل انزل مع السلامة .
قلت له :كما تشاء !... كم تريد اجرة  هذه المسافة .
قال لي : الله معك .. خليها على حسابي .
ترجلت من السيارة ووقفت على رصيف الشارع الدائري حائرا العن الساعة التي ركبت مع هذا السائق وبعد تفكير قررت ان اتجه نحو المطعم مشيا على الاقدام .
اصبح الشارع الدائري في مدينة السليمانية شريان حيوي يربط بين أحياء لم يكن لها وجود على خريطة المدينة رأت النور في بحر  العشرين سنة الماضية ،  وعلى احدى جانبي الشارع انتصب عمارات سكنية حديثة تلفت انتباه الزائر الى السليمانية هذه الايام ، محاطة بسياج جميل سميت باسم القرية الالمانية ولا اعلم لماذا اختار  المستثمرون هذا الاسم ولم تسمى باسم شعبي كردي جميل .
بالقرب من هذه القرية المانية هناك ابراج سكنية حديثة على امتداد الشارع سميت باسم اصحابها اي مدينة فلان (سيتي ... ، وقرية فلان .... ومحطة وقود باسم امستردام . وأسواق باسم سيتي سنتر  وسيتي ستار ومدينة العاب كبيرة باسم جافي لاند ...وأسواق الجميزة ..... وأحذية اوكي ... الخ
اصبح الاتجاه إلى تسمية المحلات بمسميات غريبة ظاهرة ملفتة ، وكثير من هذه العناوين أسماء غريبة أو طريفة أو دخيلة الهدف منها لفت الانتباه واجتذاب الزبائن .
واعتقد ان أنّ المرء ، حين يقرأ لوحة إعلانية كُتًبَت بالأجنبية او تحمل اسما اجنبيا ، يتسلَّل إلى الذهن تصوّر ما ترمي إليه ثقافة الأجنبي المنشَأ ، فتغدو رؤية اللوحة الأجنبية حافزاً للربط العلاقة بين الاسم والمسمَّى.

فمعظم المحلات يديرها الشباب ، وهذه المصطلحات الغريبة والطريفة جزء من مفردات الشباب ، ومفردات الحياة اليومية التي يستخدمونها في هذا الاتجاه سيلقى قبولا لدى المستهلك. وهو المنحى التجاري الجذاب الذي يتوافق مع الشباب والفئات العمرية التي ستقبل على البضاعة .
على سبيل المثال هناك في بغداد محلات مشهورة وتحمل اسماء غريبة مثل مرطبات الحاج زبالة وكعك السيد .
واصلت السير باتجاه مطعم روما وأنا التفت يمين ويسار اقرأ اليافطات ولوحات المحالات التي تثير العجب والاستغراب .. على كل حال وصلت الى المطعم الذي كان منزلا حسب ما اعتقد تم تحويله لمطعم فقد وضع صاحبه بعض التماثيل الصغيرة امام المدخل محاولا جذب انتباه الزبائن .
دخلت المطعم واستقبلني صديقي الذي كان بانتظاري وبعد الترحيب جلست الى الطاولة ، لم تمر ثواني وإذا بالنادل يهل علينا حاملا كراس اسماء الاطعمة التي يقدمها المطعم . وقع اختيارنا على نوع من الطعام وابلغنا النادل بطلبنا . وحتى وصول الطعام قصصت لصديقي ما جرى لي مع سائق الاجرة ثم تحدثت عن الاسماء الغريبة التي تحملها المحلات في شوارع السليمانية وبقية المحافظات .
قال باستغراب : هذه اول مرة اسمع سيارة اجرة تنقل اغنام ...
قلت مبتسما: ربما تجنبا من عيون الرقابة او هناك سببا اخر .
قال بنبرة هادئة : صديقي العزيز أصبحت موضة وتقليعة مسميات المحلات الغريبة التي يتطلع إليها أصحابها ، بعض هذه المحلات تضع يافطات عشوائية دون النظر إلى النشاط الذي تقوم به على سبيل المثال فرن ومخابز نالي وما علاقة نالي بالخبز  فهذا الرجل شاعر ، كما تظهر لوحات الإعلانات بأسماء غريبة في كل يوم .فقد قرأت في احدى الصحف العربية انه وضع كلمة  " الذواق " على محل للأحذية ، بدون الانتباه  لمعنى أو مدلول الاسم ، واعتقد اختيار اسم المحل أمر له تأثير كبير على إقبال الناس .
قلت له : كأن التجار في حالة تنافس في اختيار الأسماء الغريبة ، كما أن بعض المحلات يأخذ صفة الأسماء الطريفة والمضحكة ، حتى إن بعض الأسماء يكون غريبا وغير مناسب للمكان ، وأصبحت أسماء المحلات الغريبة ظاهرة لافتة انتباه الجمهور الذي يتجاوب مع أي ظاهرة غريبة أو عنوان غريب لاجتذاب أكبر قدر من الزبائن .
قال لي بنبرة حزينة  : أسماء المحلات أصبحت موضة مثل أي شيء في عصرنا ، فصرنا نتباهى بكل ما هو غريب ، وحسب قناعتي ان واضعي اسماء المحلات ثلاثة فئات ، من يبحث عن الإثارة ، ولا يفكر في البحث اللغوي عن المعاني العربية او الكردية وخاصة هاتان اللغتان دارجتان الاستعمال في المدينة ، والأخر يستخدم اللغة الأجنبية معتمدا على الإثارة التي تخاطب الذين لا يحسون بلغتهم ودلالاتها العميقة ، والآخرون الذين يقلدون أسماء قرؤوها في مجلات سياحية او مواقع التواصل الاجتماعي اخذوها وعلقوها على واجهة محلاتهم . أو جلبوها معهم اثناء زيارتهم لدول اجنبية أو عربية .
قلت : الكثير من اصحاب المحلات يقومون بكتابة الاسم التجاري الاجنبي بحروف عربية فلا تكتب ترجمة الاسم باللغة العربية او الكردية ولا يكتب  بحروف اللغة الأجنبية الاصلية .  وهذا مظهر غير حضاري مما يجعله يبرز بطريقة سيئة . على سبيل المثال هناك محل يحمل اسم (تيك فاست فود ). 
قال : هذه طريقة التجار في التعامل مع السلع والمحلات ، ويعتبر ما يحدث على واجهات المحلات وعناوينها تقليداً أعمى يهدف إلى لفت الانتباه ، وأضحت موضة عصرية ذات دلالة على العصر الحديث .
قلت : اعتقد ان بعض التجار او اصحاب المحلات لديهم أهداف منها البحث عن كل ما هو غريب وجديد ، واستغلال تشابه بعض الأسماء أو تغيير بعض الحروف في بعض المسميات حتى يضع عنوانا مشابها لماركة عالمية ، أو شركة معروفة ليستفيد من شهرة محله وعلى سبيل المثال تجد في السليمانية اسم ماكدونالدز اصبح مادونالدز بحذف حرف والبقاء على نفس تصميم الشعار .
قال : لم يعد مستغربا في الكثير الشوارع تصادف محلاً تجارياً او مكتب عقاري او مطعم باسم أحد ابطال مسلسل تلفزيوني او تسمية غريبة جاءت ضمن حوار الممثلين في المسلسلات التلفزيونية المدبلجة التي تابعها المشاهد وغيرها من أسماء لها صدى. وهذا الاسم قد يكون احد اهم الاسباب التي تجلب النظر وتثير الانتباه مما يقود الزبون حتى ابواب المحل .
قلت : أن مسميات المحلات والمراكز التجارية تخضع لرقابة المحافظة او البلدية وهذا واجب المراقبين ذو الاختصاص عندما يجدوا مسميات غريبة تخدش الحياء ،  واعتقد من صلاحية المراقبين عدم منح تصريح رخصة العمل إلا إذا تم التعريف باسم المحل وجمالية الاسم ، والتأكد من وسائل الأمن والسلامة ،  حيث اللغة العربية والكردية فيها العديد من المسميات والألفاظ الجميلة التي يمكن استخدامها ، ولا حاجة لغيرها من اللغات.
قال : أن العديد من الشباب خريجي الكليات لم يجدوا عملا في مؤسسات الدولة فيفضلون فتح محلا تجارية ذات الأسماء الأجنبية ، ومن الملاحظ على اليافطات المعلقة على الواجهات لها جمالية واللون الذهبي والفضي والأسود تبقى من الألوان الجاذبة عند كتابته يافطة المحل .
قلت : فقد انتشرت هذه المسميات الغريبة ليس على المحلات فقط ، وإنما على ملابس الأطفال وعلى الحقائب المدرسية أيضا وكثير من المسميات لها معاني قبيحة .
قال : هذا الموضوع مهم جدا .. ويحتاج الى مراقبة فقد انتشرت صور وكلمات وربما جمل على الملابس  منها لرموز لفئات لهم طقوس غريبة بالعالم لا يُفهم معناها مثل علامة الجمجمة وبعض العظام ونلاحظها مطبوعة على الإكسسوارات والملابس .
قلت : لك أن تتخيل رجلاً محترماً (ملء ثيابه) ، وكثير من الشباب الملابس التي يلبسونها ، تحمل بعض الكلمات بخط عريض بارز تعكس دلالات فكرية وأخلاقية  غريبة ، وكثير هذه الألفاظ ذات البعد الرخيص ، مكتوبة على الملابس الملونة الرخيصة والغالية .
جاء النادل يحمل اطباق الطعام يساعده شاب اجنبي من جنوب شرق اسيا بحمل بعضها . فرشت الاطباق على الطاولة .. وبدءنا بتناول الطعام .
قلت بهدوء : انه غزو فكري
قال :  نعم إنه غزو فكري يؤثر علينا ، نعلم أن اللباس حرية شخصية خاصة لكل إنسان ، والمصيبة أن
يجد الكثير من الشباب من كلا الجنسين أن مفهوم التطور والثقافة هو بتقليد الغرب فبدءوا يلجئون إلى الملابس الغريبة ليبدوا وكأنهم غريبو الأطوار باتوا كثرين في الأماكن العامة ، ونراهم في كل مكان ، وبعضهم يثير الاستهجان ، اخذوا سلبيات الغرب التي ستؤثر علينا وعلى وعاداتنا وتقاليدنا الحميدة ، والأدهى من ذلك انتشار الأشخاص المقلدين للبس النساء ، وللأسف اصبح الكثيرين من الشباب الذين حافظوا على العادات والتقاليد الأصيلة والعريقة أصبحوا يقلدون هؤلاء ويكتسبون منهم ما هو سيئ ،  وباتوا مرصودين من الشباب المحافظين الذين لا يميلوا لهذا التغيير والفهم السلبي للتطور .
قلت مستفسرا:ريما انحرافات سلوكية وقع فيها البعض .
قال : انها بعض الانحرافات السلوكية التي تتخذ مظاهر مختلفة تتصل بالملبس المطبوع عليه عبارات غير مفهومة ، بالإضافة لطريقة الحركة والكلام وإطالة الأظافر ، فضلاً عن ارتداء سلاسل وخواتم غريبة ، وبنطلونات ضيقة  ممزقة ، قد تكون ناشئة بتأثير من مجتمعات أخرى غربية .
قلت له : اذا هذه الملابس التي تحمل اسماء غريبة مسايرة للموضة .
قال :يعتقد بعض الشباب لا يوجد أي مضار في ارتداء أي شخص للملابس التي يراه مناسبا ولائقا عليه و تكون مناسبة  لأنهم  جزء من هذا العالم ، وما الذي يمنعهم من ارتداء ملابس حديثة تحمل كلمات قبيحة . هذه حرية شخصية ، لأنها لا تؤثر على أحد ومهما طبع عليها من اسماء غريبة ، ولكن اي اين دور العائلة والإعلام.
قلت : نعم انها مسئولية العائلة لحث الشباب على الالتزام بالقيم الاجتماعية .
قال : ومسئولية الرقابة والإعلام التي يجب ان تحث التجار على ايجاد مسميات لمحلاتهم تليق بالمجتمع الحضاري وتضع حدا لاستيراد الملابس التي تحمل كلمات لا يعرف معناها التاجر . 

3
شخصية من مدينة السليمانية
وليم يوحنا ( 1934 ـ 2005 ) ..( الفنان والإنسان) .



بدري نوئيل يوسف ـ السويد
المقدمة
ليس بالغريب من يجمع بين الموسيقى والعظمة وليس بالأمر الخارج عن المألوف عندما تجد من أعطى الموسيقى قيمتها الحقيقية ، إن لم يكن ذا ذوق موسيقي رفيع لا تأتي العظمة لأحدهم هكذا تقول الاسطورة ، والموسيقى فن الألحان وهي صناعة يبحث فيها عن تنظيم الأنغام والعلاقات فيما بينها وعن الإيقاعات وأوزانها ، يتمايل الانسان لها طربا ومرات يتنهد بأشجان الآسى ، انها أصوات تناجيه بلغة خفية وهو واقف معقود اللسان حائراً . فقد كانت الموسيقى الكردية في مدينة السليمانية في اطارها العفوي تستند على الطابع الشعبي قبل تأسيس الفرق الموسيقية ، وخطت الموسيقى الكردية خطوة نوعية في منتصف القرن الماضي ، وكان للفنان الراحل الأستاذ وليم يوحنا دور مهم حيث بدأت بمرحلة جديدة وهامة في بناء الأسس العلمية الصحيحة لصرح الموسيقى الكردية المعاصرة  .
كان محترما ومحبوبا من كل من عرفه أو ألتقى به في حياته وخاصة طلابه ، وقورا مهيبا فى تصرفاته وحديثه ومظهره بالإضافة الى ذكائه ، كان عفيف اللسان لا يتكبر على احد شديد التواضع لطلابه وصحبه ، صاحب القلب المليء بالحب والعطف ، لم يحمل يوما من الايام إلا المحبة والمسامحة حتى لمن آذاه امينا متواضعا ، وضع في الحانه عصارة خبرته اللحنية وجمع فيها كل حنكته الموسيقية يعجز اللسان والقلم عن الكلام عنه.
افتقدته الفرق الموسيقية في السليمانية وترك في قلوبهم محبة كبيرة وغصة لفراقه وفراغا ، اطال الله في اعمار طلابه ، هم خير خلف لخير سلف . وليس سهلا أن يطلق اسم وليم يوحنا على قاعة للفنون ، وليس سهلا ان تقام المهرجانات او الدورات التعليمة باسم وليم يوحنا ، انه الفنان الذي قد غرس في طلابه روح التسامح وتعلموا منه الهدوء والصبر المتأثرون بفنه ، لقد تتلمذ على يديه مئات الطلاب في التذوق الموسيقي وكان هو سببا في تنمية قبلياتهم الفنية.
البداية من عام 1914 ... !
لنبدأ الحكاية من البداية ،كان يا ما كان قبل مائة عام ، شاب يدعى يوحنا عازف للناي يسكن مدينة أورمية ، التي تقع إلى الغرب من بحيرة أورمية ، وتعتبر عاشر أكبر مدينة في إيران ، لأورمية تاريخ عريق يمتدُّ إلى حوالي ثلاثة آلاف عام ، ممَّا يجعلها أقدم مدينة في منطقة شمال غرب إيران ، غالبية سكانها من الأتراك الأذريين كما يتواجد الأكراد والأشوريين ، وكلمة أورمية تعني "أُر مية"   أي "مهد المياه"، باللغة الاشورية وذلك لأن المدينة محاطة ببحيرة وببعض الأنهار ، وفي عهد الرومان كانت تسمى بـ "رومية".  وسميت أورمية بالأذرية اورومو / Urmiya و بالسريانية: ܐܘܪܡܝܐ أو رضائية كما هو اسمها سابقاً حتى عام 1979.
يوحنا يمتلك موهبة اكثر من رائعة في العزف على الناي وأخيه بنيامين عازف للقانون يملك قدرة مدهشة في العزف المنفرد والعزف الارتجالي وتخرج من أوتار قانونه ألحاناً رائعة ، يسكنان مع والدتهم بأمان في أورمية ويتنقلان الى كرماشان   لكسب قوت رزقهم بالعزف في الاحتفالات والأفراح .
بالرغم من كون منطقة أورميا تحت حكم القاجاريين  إلا أن وقوعها في منطقة النفوذ الروسي وقربها من الحدود العثمانية جعلها من أهم الأهداف التي حاول العثمانيون الاستحواذ عليها خلال شتاء  1914 اثناء بداية الحرب العالمية الاولى ، في البداية فشل هذا الاستحواذ ، لكن هجوما ثانيا في رأس السنة حقق نتائج غير متوقعة فتمكن العثمانيون من التغلغل بشمال إيران وسيطروا على أرومية وتبريز .
من خلال سلسلة من العمليات الحربية التي شنتها قوات نظامية تابعة للدولة العثمانية بمساعدة مجموعات مسلحة شبه نظامية استهدفت مدنيين آشوريين  /سريان  /كلدان  / ارمن أثناء الحرب أدت هذه العمليات إلى مقتل مئات الالاف منهم كما انتشرت الأوبئة كالتيفوئيد والحصبة والملاريا ، وسقط الآلاف منهم على قارعة الطرق بعد أن انهكهم التعب والجوع ، في حين أبيد من فضل البقاء في أورميا على اثر ذلك بدأت هجرة السكان الأصليين من شمال غرب إيران جنوبا باتجاه مناطق سيطرة البريطانيين عليها ومنهم يوحنا مع اخيه بنيامين ووالدتهما من اورميا باتجاه كرماشان . تم إجلاء أعداد كبيرة من المهاجرين وعائلاتهم عبر الأراضي الإيرانية ليستقر بهم المقام في معسكر للاجئين أعده البريطانيون ، يقع على الضفة اليمنى من نهر ديالى ، وعلى بعد ثلاثة أميال من مدينة بعقوبة ، بدأ عدد من اللاجئين بالتوجه إلى المناطق الشمالية من العراق ، وبرعاية البريطانيين ، الذين اتخذوا قراراً بأن تكون مناطق زاخو والعمادية  هي مناطق السكن الجديدة للمهاجرين في العراق.
جلس يوحنا في خيمته القديمة الممزقة داخل معسكر اللاجئين في بعقوبة يعزف على الناي لحنا حزينا يعبر عن همه وغمه وأخيه بنيامين يراقبه ، يتوقف يوحنا عن العزف ويسرح مرات في افكاره ، عرف يوحنا ان الهجرة قديمة قدم التاريخ الإنساني وليست وليدة الأمس واليوم سأله بنيامين بماذا تفكر يا يوحنا .
رد عليه بهدوء وبنبرة حزينة قائلا : البعد عن الوطن الاصلي اعتبره أقسى ما يعانيه المهاجر لأننا شجرة بلا اغصان وبدون اوراق وبلا جذور ، سأبحث عن مكان آمن تحت الشمس ، سأنتقل الى مدينة الموصل ، حيث الحياة الافضل والمستوى المعيشي الاحسن .
هز الاخ رأسه وافق على اقتراح يوحنا وبعد أيام شدوا الرحيل باتجاه مدينة ام الربعين الموصل .
انتقلت العائلة الى الموصل واستقرت في المدينة ، وفي عام 1932 تعرف يوحنا على شابة فاضلة من عائلة موصلية عريقة من بيت الوكيل تدعى نجيبة اتفقا على الزواج وبعد زواجهما بفترة قصيرة قررا الهجرة الى مدينة السليمانية وحطا في محلة گويژه بالقرب من حي المسيحيين ( كاوران) وهي أقدم أحياء السليمانية.

في منزل متواضع تسكنه العائلة عام 1934 احتفلت بالمولود البكر وأسمياه وليم ، وكانت تربيته مسؤولية مشتركة بين الأم والأب على حدّ سواء وتطلبت حكمة ومرونة ومزيداً من الوعي والنضج في نمو الطفل وتكيّفه مع محيطه وتحقيق ذاته ولعب الجو العائلي دوراً هاماً في تنمية البذور الخيّرة فيه ، وفي رفد مهاراته وقدراته الذاتية في الوقت ذاته كان والده يعزف على آلة الناي هو طفلا يجلس بجواره يستمتع بعزفه وظهرت عنده منذ نعومة أظفاره مواهب ورثها عن والده وعمه حبه للموسيقى ، وليم يوحنا كما نعرفه هادئا متميزا شفافا ، مستمعا أكثر منه متحدثا ، في صوته بحة خفيفة ولكنته اشورية جميلة تسمعها عربية وتحسها كردية .
انهى وليم يوحنا الدراسة الابتدائية والإعدادية في السليمانية وفي عام 1951 التحق بمعهد الفنون الجميلة في بغداد لدراسة الموسيقى ، في عام 1954 تخرج بتفوق عازفا على العود والكمان والجلو موسيقاه موهبة نادرة ذات طابع سيمفوني تتداخل فيها الآلات وكلها مستوحاة من أجواء الوطن وحياة الكُرد والجبال مطعمة بتراث الاجداد ومفعمة بروح الأمل وكأنه يُحَلق مع الشعب الكردي وقوميته في موسيقاه بأجواء حالمة يأخذ المستمع نحو السعادة المنتظرة ، عاد الى السليمانية مدرسا للموسيقى والنشيد وتعين في مدرسة الفيصلية وهذه المدرسة التي أنشئت في العام 1893 وبقيت شاخصة حتى العام 1957 قبل ان يستوطن ارضها السوق العصري الذي يرتاده اليوم الالاف من السياح .
يعد وليم يوحنا واحداً من ابرز رواد الموسيقى في المدينة وهو احد مؤسسي فرقة مولوي الموسيقية وتعتبر أول فرقة مجازة في السليمانية شاركت في جميع المناسبات والنشاطات الفنية في كثير من الأقضية والنواحي التابعة للسليمانية وغيرها واستمرت هذه الفرقة الى بداية ستينيات القرن الماضي ، يشار  بالذكر فقد بدأت الموسيقى بمرحلة جديدة وهامة في بناء الأسس العلمية الصحيحة لصرح الموسيقى الكردية المعاصرة و خطت الموسيقى الكردية خطوة نوعية بسبب الانفتاح الثقافي والفني في مدينة السليمانية .
اصبحت فرقة موسيقى مولوي متدهورة ومنعزلة وفي ضياع ولم تكن موجودة بعد سفر احد اعضائها لغرض اكمال دراسته الموسيقية وهو ( قادر ديلان)  الذي كان من الأعضاء البارزين بالفرقة فقد كان فناناً قديراً والسبب الثاني يرجع الى الأحداث السياسية في تلك الفترة الزمنية .
هذه الاسباب أدى لظهور بادرة أخرى لتأسيس فرق فنية وجاءت فكرة تأسيس فرقة موسيقى سليمانية ، نشير بالذكر قبل تأسيسها كان بعض الأصدقاء العازفين على الالات الموسيقية في دار المعلمين في السليمانية يشكلون مجموعة باسم (البهجة والسرور) وضمت كلا من انور قرداغي  وخالد سركار  وفرانسيس داوود   وآخرين يجتمعون في الامسيات يعزفون ويغنون ثم تغير اسمها الى مجموعة (هيوا) التي غدت فيما بعد فرقة موسيقية جيدة لكنها لم تستمر لقلة تجربتهم .
 وفي عام 1967 جاءت فرقة الفنون الشعبية من بغداد الى السليمانية وطلب اعضاؤها من هذه الفرقة الصغيرة  مشاركهم ببعض الأعمال  الفنية ،عندها تغير الاسم وسميت بفرقة موسيقى السليمانية حتى تشارك بأعمال مع فرقة الفنون الشعبية وفي عام  1969 اتحدت الفرقة مع فرقة السليمانية للتمثيل وشكلت فرقة باسم فرقة السليمانية للموسيقى والتمثيل لكن الاعمال والمهمات تشابكت عليه قرر الموسيقيون الانفصال بعد عام وشكلت فرقة السليمانية للموسيقى وأصبح للمرأة الكردية دورها في احياء فن الموسيقى ، واستمر وليم يوحنا مع هذه الفرقة طيلة حياته وقدم عشرات الالحان لمغنين اكراد بالإضافة الى مئات المقطوعات الموسيقية.
وجدير بالذكر انه في عام 1956 كان احد اعضاء مؤسسي جمعية الفنون الجميلة.
من ذكريات الاستاذ فرنسيس داود عندما كان طالب يدرس الموسيقى وأستاذ وليم مدرسه ذكريات كثيرة معه حتى احالته على التقاعد ، وبعدها عندما كان عازف للكمان معه في الاحتفالات والمهرجانات على مستوى المحافظة اولا والعراق ثانيا ، وأثناء عمله في الفرق الموسيقية .

يقول : تعرفت على الاستاذ وليم لأول مرة عام 1963 عندما كان مدرس للموسيقى في السليمانية . وفي عام 1964 اشتريت مع صديقي خالد سركار آلة كمان وبدأنا نتعلم الموسيقى على يده و صناعة الموسيقى رحلة لا تنتهي ، كغيرها من الأمور الصعبة التي تستحق الجهد ، كان استاذنا متحمسا اكثر منا يشجعنا وينصحنا ، وفي بعض المرات وأثناء التدريب كنا نتهرب لقضاء وقت الراحة أو اجراء بعض التمارين الرياضية لكن كان استاذ وليم حريصا على عدم اضاعة الوقت ويطلب مني مع صديقي خالد بعد انتهاء فترة التدريب اعادة التمرين الموسيقي مرة ثانية مع اضافة تمارين جديدة ،كان امينا مخلصا لعلمه لتدريب طلابه على الموسيقى ، وقليل من المدرسين من يتأخر بعد الدوام لتدريب طلابه بالإضافة الى الموسيقى كان يعلم طلابه التربية والعلاقة الجيدة بين الاصدقاء.
من اكثر النصائح التي كان يقدمها لنا ان الموسيقى لا تتحول الى تجارة وتبقى رغبة وموهبة عند الانسان ، ولا تعزف الموسيقى في مكان لا يليق بها حتى لا تقل قيمتها ، وتبقى الموسيقى غذاء الروح والموسيقى هي لغة النفوس.
يقول السيد فرنسيس في عام 1969 وضعت لحنا لقطعة موسيقية لفرقة السليمانية باسم (ئه زمر)  وعرضتها على السيد وليم وطلبت منه ان يقيمها ، قدم له كل الدعم وتشجيع كبير جعلني أثق بنفسي وبموهبتي ، وأن أتقدم أكثر في هذا المجال ، فمن المعروف بأن التشجيع في هذا النوع من النشاطات تفسح المجال أمام المواهب الشابة للتعبير عن مهاراتها و تبث روح الثقة بالنفس .
وفي كثير من المرات كنت اكتب لحنا على السلم الموسيقى واعرضه عليه كان يتناقش معي كيفية تقديم اللحن ونوع الموسيقى أي نوع الآله التي يحتاجها والتوزيع الموسيقي واللحن ، وفي مرات اخرى كنت انا وصديقي خالد سركار نجلس مع استاذ وليم لوضع خطط وبرامج  للفرقة الموسيقية التي ستشارك في الاحتفالات والمهرجانات على مستوى العراق ،وكنا نطلب منه ان يختار اي أوبريت  سيقدم في المهرجان ويكتب لحنه لتقديمه في المهرجان كان يطلب منا ان نضع نحن الموسيقى ويطلب منا ان نترك له كتابة الالحان الموسيقية للأناشيد الحماسية الوطنية وكان يضع الحانا تثير حماس المستمعين ويعرف أسرع وأسهل الطرق للوصول إلى قلب المستمع وذهنه ، ولا شك أن ذلك يتطلب براعة خاصة وموهبة فى هذه القدرة التى مكنته من الوصول للناس بتلقائية  ، وقد أجاد في استخدام الجو العام للحن من ناحية إيقاعه وتركيب نغماته فى التعبير عن المعنى العام للكلمات واستخدام جمل موسيقية بحيث كنا نحصل على المرتبة الاولى في جميع المهرجانات التي شاركنا بها.
كان استاذ وليم ملتزم بدوامه اليومي بانتظام في معهد الموسيقى ملتزما بالسلوك الحضاري والقيم الانسانية الرفيعة مما انعكس على المحيط الاكاديمي والاجتماعي بصورة ايجابية لأنه استلهم ثقافته وقيمه وسلوكه من فنه وإنسانيته ، ويحضر صباحا قبل كل المنتسبين والطلاب ويغادر المعهد بعد الانتهاء من كل التمارين التي يشرف عليها ، وكذلك ايام مشاركة الفرق الموسيقية المهرجانات يبقى الى ساعات متأخرة للإشراف على التدريب والتمارين ، ويذكر يوم احالته على التقاعد انه استمر بالدوام حتى نهاية الدوام الرسمي .
الاعمال الفنية التي قدمها الاستاذ وليم :
تقسم الاعمال الفنية الى ثلاث اقسام ، القسم الاول مع فرقة موسيقى مولوي من عام 1955 بعد تشكيل الفرقة عمل الاستاذ وليم بكل جد وتفاني حتى استغل منزله الصغير للتدريب على البروفات وقدمت الفرقة اعمالا جميلة وعذبة وقدم لحنا للمغني قادر كابان  بعنوان (فريشته).
والقسم الثاني مع فرقة السليمانية الذي قدم العديد من الالحان ،
•   قطعة موسيقية بعنوان ريزان قدمت على قاعة الخلد في بغداد عام 1969 .
•   قطعة موسيقية بعنوان نوروز بمناسبة عيد الحادي عشر من اذار قدمت ايضا على قاعة الخلد عام 1970 ، كما قام قادر ديلان بتوزيع اغنية فريشته التي لحنها الى قادر كابان توزيعا حديثا عندما كان يدرس الموسيقى في جيكوسلفاكيا وغناها قادر ديلان بصوته عام 1977 .
•   استمر استاذ وليم فترة طويلة كرئيس قسم الموسيقى في المعهد ومدرسا لها ومن اعماله الاخرى وضع لحن أوبريت  ( گه ژاوى ميژوو ) مشاركة مع فرنسيس داود وخالد سركار وقدم الاوبريت في بغداد  عام 1977 وحصل على المرتبة الاولى على مستوى العراق.
•   وضع لحن أوبريت (دارستان) اي (الغابة) 1986  مشاركة مع فرنسيس داود وخالد سركار وقدم في كركوك .
•   وضع لحن أوبريت (پردى ده لال) ( جسر الدلال ) مشاركة مع فرنسيس داود وخالد عام 1990 وقدم في دهوك .
•   وضع لحن أوبريت ( به يتى ئاگر) (صنم النار) كتابة الشاعر شيركو بيكس ولحن استاذ وليم مشاركة مع فرنسيس داود وخالد سركار قدم في السليمانية في نيسان 1993.
•   شارك الاستاذ وليم يوحنا مهرجان الشباب لعالمي للموسيقى الذي اقيم في فينا عاصمة النمسا عام 1955 ـ 1956 .
•   اقامت عدة دورات لتعليم الموسيقى للطلاب المدارس الابتدائية ووضع عدد من الالحان لعدد من الاناشيد الوطنية  لمدارس المحافظة ورياض الاطفال ولحد الان الاطفال والمدارس تدرس هذه الاناشيد  وتنشد في المناسبات ووضع الحانا تربوية للمدارس.
•   اقامت عدة دورات موسيقية للشباب والمعلمين وأكثرهم الان مدرسون للموسيقى في المدارس او اصبحوا مغنين او مشاركين في الفرق الموسيقية .
•   اول من وضع اللحن الهرموني في الاغاني الكردية واستعملت اول مرة في اغنية (باران بارانه) (المطر).
•   وضع الحانا للمسرحيات والتمثيليات التي قدمت على المسرح او في التلفزيون .
•   لأستاذ وليم دور مهم في اقامة جوقة الكنيسة وفرقة الكنيسة ولأول مرة يضع الحانا لتراتيل دينية باللغة الكردية ومنها هذه الترتيله باسم (مه سيح زيندووه) اي المسيح حي التي جذب كثير من سمع هذا اللحن .
والقسم الثالث الاعمال الفنية وجامعة السليمانية . كان لأستاذ وليم دور كبير وحيوي لموسيقى الجامعة وخاصة مع الفرق الشرقية والفرق الغربية ووضع عدد من الالحان لهذه الفرق لفرقة موسيقى (زيرين ) وفرقة موسيقى (زيوين) . وجدير بالذكر ان استاذ وليم يملك قابلية العزف على الكمان Violin ، العود ، الأكورديون Accordion ،البيانوPiano  ، جيتار Guitar ، الترمبيت  Trumpet ، الساكسفون Saxophone ، القانون  ، الجلو . وعليه وأثناء التدريب او العزف في الفرق ويحتاجون الى عازف او ربما يكون غائبا يحل محله استاذ وليم لأنه لا يوجد عازف يستطيع العزف على هذا العدد من الالات  .
كثير من الفنانين والموسيقيين مدينون لِ وليم يوحنا له بما قدمه ومازال يقدمه لنا من خلال القطع الموسيقية التي مازالت والألحان النادرة و القيمة  لعدد من المغنين ومتأثرين بمدرسته وفنه الفريد وبأدائه المتميز والذى نقل إلينا هذه الثقافة الساحرة فعلا هو كنز ثمين و مواقفه النبيلة الانسانية لا يمكن نسيانها .
الخاتمة
هناك كثير من الشخصيات المسيحية لعبوا دوراَ كبيراَ في خدمة ثقافة شعبهم وشعوب اخرى ،  ولكنهم بقوا بعيدين عن الأضواء دون الاهتمام  ، خدم الفقيد الموسيقية الكردية خدمات لا ينكرها احد ، في النهاية اود ان اقول لم يعلم احد عن فلسفته أو شعاره بالحياة بصورة كلامية او خطية بل نستطيع ان نقول ان اعماله وحياته هي انعكاس لنظريته في الحياة ، رحم الله الفقيد وليم يوحنا
ملاحظة مهمة : شكرا الى استاذ فرنسيس داود لتقديم هذه المعلومات القيمة عن حياة الفقيد الراحل الفنان والإنسان وليم يوحنا .




4
مائة عام على رسالة البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني .
المقدمة :
اثناء بحثي ودراسة المخطوطات القديمة التي تخص تجارة التجار الكلدان بين عام 1820 ـ 1920 والبالغة عددها الف وستون مخطوطة باللغتين العربية والكلدانية والمحفوظة في مؤسسة ژين الثقافية ( بنكي ژين ) في مدينة السليمانية والمنشور عدد قليل منها بدون شرح تفاصيل المخطوطات في كتاب شارى سليماني
 ( ململاني گروپه كومه لايه تييه كان) ( 1820 ـ 1920 ) للمؤلف ماموستا جعفر ، من ضمن هذه المخطوطات بعض رسائل تخص الاباء الكهنة الكلدان مكتوبة بخط أيدهم في تلك الفترة الزمنية ، وسأنشرها تباعا منها هذه الرسالة المكتوبة بيد مثلث الرحمات البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني بطريرك بابل (1900 ـ 1947) .
الرسالة أو المخطوطة : 
حيث في الرابع عشر من اذار  1914 ارسل ابناء رعية كنيسة الكلدان في السليمانية رسالة الى غبطة البطريرك يوسف عمانوئيل طالبين تبديل الكاهن الذي يخدم في كنيسة الكلدان (مريم العذراء حاليا) .
في الثامن والعشرين من اذار 1914 ارسل البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني رسالة الى رعية مدينة السليمانية ردا على رسالتهم (مكتوبهم) . والمرفقة صورة من المخطوطة (الرسالة) .
نص الرسالة
بطريركية بابل الكلدانية
عدد
يوسف عمانوئيل الثاني
بطريرك بابل
حضرة ابنائنا الاعزاء الخواجات عبد الكريم علكة ورفقه المحترمين .
اخذنا مكتبوكم المرقم 14 الجاري وكل ما حررتم صار معلوما وعليه نقول : اننا بوقته سنعمل اللازم بخصوص ما كتبتم أما اصراركم على تبديل الكاهن الان فهذا ما نقبله منكم أيها الابناء الاعزاء ولا تنسى ان ابائكم وأجدادكم السعيدي الذكر ما كان لهم هذه المداخلات في امور الرؤساء ولهذا السبب كان الله يبارك في كدهم وشغلهم . اقتدوا بهم ان كنتم تريدون بان الله يبارك في اموركم ، وأنا انصحكم بهذه النصيحة حبا بخيركم وتقدمكم ونجاحكم نفسا وجسدا من الله نطلب لكم الموفقية في جميع اموركم ، وعند الختام نبارككم ونبارك عائلاتكم المكرمة حرسكم الله .
الموصل 28 اذار 1914

يبدو من دراسة الرسالة أن البطريرك يوسف عمانوئيل الثاني قدم وعداً لرعية السليمانية بتغير الكاهن ، فقد اعطى لهم مفهوم دور الرعاة والرعية ،ونجد العلاقة بين البطريرك ورعيته ليست علاقةً شخصيّةً تتحكم بها مصالح مطعمة بمصالحه الخاصة التي نهايته مهددة بالفشل ، بل تتضمّن العلاقة الّتي يجب أن تربط الرّاعي برعيّته والتي تصبو الى تحقيق حياة الرعية فالراعي هنا هو بمثابة القائد الذي يعلم ٬ يوجه وينظم ، وليس عمله شخصيًّا يبغي مجدًا ذاتيًّا ، بل عمل الرّاعي هو عملٌ كنسيٌّ ورعويٌّ بامتياز . والمدبِّرٌ المنتخب من اعضاء السينودس  و مُقامٌ من قِبَل السّلطة الكنسيّة العليا لرعاية شؤون الكنيسة واحتياجاتها ، هو من يتحمّل المسؤوليّة الكاملةً أمام الله والرّعيّة وضميره بعد أخذ الآراء المتعدّدة ولكنّ القرار الأخير يكون له .
وفي نفس الوقت قدم لهم تحذير وتوبيخ لتدخلهم بأمور كنسية ونبههم وذكرهم بان اجدادهم ما كان لهم من هذه المداخلات ، تلك العلاقة الكنيسة التي تحكم الراعي والرعية على حد سواء وليس كباقي العلاقات الاجتماعيّة أو العائليّة . والراعي والرعية يعرفا مفهوم الكرامة الشخصية وكيف يحبوا ويغفروا ، كيف ومتى يتنازلون عند الحاجة كيف تكون المصلحة العامة افضل من المصلحة الشخصية .
 ثم دعائهم لكي يقتدوا بأجدادهم وهنا لكي يوفر الأرضية الصالحة لتحقيق غاية وجود الكنيسة. والرعية هنا جموع المؤمنين ٬ وهي أساس مادة الكنيسة وروحها ٬ وغاية وجودها وهدفها ، والرعية تعيش وستعيش عصرها وبعدها باركهم ، ولبى الجميع طلب البطريرك  .




5
كنيسة مريم العذراء في السليمانية .
رسالة الى من يهمه الامر ... !
بدري نوئيل يوسف ـ السويد
كنت مع صديقي جمشيد نتناول فنجان قهوة في احدى المقاهي الحديثة ونتذكر ايام السنين التي قضيناها في المدينة نعمل معا وأثناء الحديث .
قال بهدوء مستفسرا : هل زرت الكنيسة القديمة والتي تحولت الى دير ، اقصد كنيسة مريم العذراء  الواقعة في محلة كويژة .
قلت له باستغراب : لا ...
قال مستفسرا : هل تحب أن نذهب لزيارة الكنيسة .
قلت : لا مانع لدي ...
قال : اذن لنذهب معا لزيارة الكنيسة ، سوف تشاهد العجب والغرائب .
سرحت في افكاري للحظات انظر الى جمشيد بتعجب واستغراب وأقول مع نفسي:
 ما علاقة جمشيد بالكنيسة  او الدير .. ؟ ولماذا يريد أن يأخذنني للكنيسة  ..؟
خرجنا من المقهى وركبنا سيارته وانطلق نحو الكنيسة .
قال بنبرة حزينة وهو يقود السيارة : تعرف يا صديقي كلّما بدأنا بسرد قصة تعّودنا أن نقول كان يا ما كان وفي سالف العصر والأوان ، حتى ولو كانت أحداث القصة تجري في الحاضر أو الماضي القريب ؟ 
قلت مبتسما : اعرف ذلك لان حكايات جدتي تبدأ بهذه العبارة .
قال بانفعال وجدية : نحن لا نسكن في وطن لكن الوطن يسكن فينا ،  أين أنت يا وطن بين الأمس واليوم ؟ وكيف أمسى حالك يا وطن وأنت تئن من شدة آلامك وتنزف منذ عقود دماً من عروقك ، أبنائك الذين شربوا من مياهك وأكلوا زادك ووضعوا بين أيديك مصيرهم ومنحتهم ثقتك ، طُعنوا بخنجر مسموم في ظهرهم ، وحينما سقطتْ  . اعدائك ثملوا فرحاً ورقصوا طرباً على جراحك . 
 أما سمعتَ أن الزمان يأخذ الحبيب ، في ليلة من الليالي ، حل الظلام معلنا عن ظلامه ، اختفى نور القمر بالغيوم السوداء القادمة ، خيّم على المكان إعصار الحزن والأسى ، كانوا في الموصل وسهل نينوى والقرى القريبة منها ،كُتِبَ الحرف على جدران منازلهم ، اختصروهم يا وطن في حرف ، استباحوا شقاء عمرهم  ، لقد حان وقت الرحيل ، يترنح الجميع على الطريق مثل سكير اسرف في الشراب ، مدينة كنائسها ومساجدها مهجورة محروقة ومعابدها مهدمة ، مآذنها باكية ، قبابها دمرت ، طفل يصرخ يبكي ، يتشبث بثياب أمه ،كالغريق دموعه تتساقط صوته يعلو يشتكي الجوع والخوف ، عجوز أنهكه التعب ، شابة تمشي خلف والدها تحتمي بأخيها لم تعي بنفسها من كثرة الغضب . نفذ الدواء وقل الماء وفقد الامان . قنبلة لها دوي ودبابة تعوي وصاروخ يهوي لن يرحم طفلا ولا شيخا .
سأل العالم ما الخبر ، قالوا نحن النازحين تشردنا من بيوتنا و تركنا كل ما نملك .
 رد العالم عليهم وقال لهم :  نشجب وندين ونستنكر ونتظاهر ونصرخ ونراقب ، نعقد الاجتماعات ، ونصدر البيانات .
 هكذا هم النازحون المهجرون اليوم متشائمون منتشرون تائهون ضائعون في السهول والوديان والجبال وعلى قارعات الطرق وأرصفة الشوارع يحتمون خلف جدران وحصير وخيام. هكذا ما فعلوه بالأمس مع أجدادهم. اخرجوهم من المجامع ، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلهم انه يقدم خدمة لله ، انها حدثت في الماضي القريب و في الأيام التي نعيشها ، أين المشكلة وأين الحل ؟ أهي البداية ؟ أم النهاية ؟ البدايات من أصعب المشكلات في كل شيء . على كلًّ حال ، سأدع البدايات جانبا ، وسندخل مباشرةً في صلب الموضوع .
هذا حال كنيسة مريم العذراء في السليمانية تحولت المذابح لغرف نوم والكنيسة اصبحت شقق سكنية تحوي على عدد من العوائل النازحة من سهل نينوى بالإضافة الى صف لتدريس الاطفال ، وكذلك قاعة الكنيسة قسمت الى شقق . اما الدار المجاور للكنيسة فهو بناء قديم من الطين تسكنه ثلاث عوائل ونصبت خيمة في فناء الدار وأصبحت مدرسة لتعليم ابناء النازحين .
توقفت السيارة امام باب الكنيسة وترجلنا متجهان نحو الباب اعترضنا الحرس مستفسرا ماذا نريد قلت له نريد زيارة الكنيسة . وعند المدخل يقف عدد من الرجال والشباب وهم من النازحون تقرب احدهم نحونا
وقال مبتسما : عمي اعملوا حل لهذه العوائل . والله حرام عليكم (متصورا اننا جئنا لنجدتهم ) .
دخلنا الى الداخل ووقفنا عند المدخل نلاحظ عشرات الاطفال يلهون في الساحة وبعض الصبايا تغسل الثياب وأخرى تطبخ وبعضهن تجلسن تحت اشعة الشمس . نساء كبار في السن بيدهم مسبحة الوردية يتمتمون بصوت واطئ صلوات لأمنا العذراء ، وعدد من الرجال واقفون قرب باب القاعة يتناقشون بموضوع الهجرة تتعالى اصواتهم وكأنهم ذو خبرة في قوانين الهجرة والمهجرين وحقوق الانسان و مفوضية شؤون اللاجئين ولا تفهم منهم كلمة واحدة لأنهم يتكلمون كلهم في وقت واحد انتبهى احدهم و تقدم نحونا .
وقال والدمعة ملأت عينتاه :أعتب عليك أيها الوطن لم اجدكِ بجانبيي عندما احتجتكَ ، لم أجد غير شقائي عندما بحثت عن سعادتي ، يا وطن هل تعلم أن غيابك اقل اياما من حضورك ، وهل تعلم أن وجودك في حياتي مهم لاني لم اتجاهل وجودك يوما ، في قلبي حرقة وغصة في حلقي  ، وبح صوتي من المنجاة ولكن الصمت زاد وجعي ، اكفكف الدمع وابتسم لأطفالي ! حتى ظنوا بأني اصحبت معتوه ، خفقان قلبي يزيد ، اشعر بكابوس يكتم أنفاسي اصيح بصوت عالي يا أخوتي ما هذا الذي داهمني ، اسمع صدى ندائي يتردد لا مجيب . وا حسرتاه  يا وطن انا بداخلك وأخاف الغربة ، اصرخ ربِّ أناجيك وأنت قريب مجيب ،فعندما اعتب عليك فقلبي وعقلي يحبك .
اقتربت منا أمرآة في العقد الرابع بدأ الشيب يغطي رأسها ، واخفى الحزن جمالها وفقدت ابتسامتها والدمعة تسيل على خدها ويذوب العاشق في سحر عينيها وتحمل الكثير من الألم والكثير من خيبة الأمل .
قالت يا وطن ... اعتب عليك لأنك لم تقف معي في معاناتي وتضحياتي فلا تلومني على عتابك لأنك لم تصغي إليَّ ولا تشاركني في همومي وتكون لي صديق .
سلمنا على الراهب الذي يخدم في الدير ويعمل بكل تفاني وفرح ان يقدم خدمة لهذه العوائل .
قال الراهب لنا : العوائل المقيمة في هذا الدير عددها عشرين عائلة  لها نفس الامتيازات من المساعدات التي تقدم للعوائل النازحة المقيمة في كنيسة مار يوسف ولكن ارغب ان احصل على مساعدة حتى استطيع ان اسكن هذه العوائل في شقق او سكن يحميهم من برد الشتاء. ونحونا كرهبان في الدير نحتاج المكان والكنيسة والنفقات التي تصرف على الطلاب والمرضى لا تكفي .اتمنى ان يسمعنا الخيرون .
ودعنا الراهب والعوائل وركبنا السيارة .
قلت لصديقي جمشيد : اسالك لماذا طلبت مني ان ازور هذا الدير .
قال :  اشكرك لقبولك الزيارة والتقاط الصور . اكتب يا اخي ما شاهدت لعل من له عينان يستطيع القراءة .او من يسمع يقدم المساعدة .
قلت له . سأكتب ما شاهدت .
اترك لكم الصور تتكلم


6
المنبر الحر / المختار :
« في: 11:12 22/11/2014  »
المختار :

بدري نوئيل يوسف ـ السويد
في كل مرة كنت اجلس مع شيخنا الجليل في المقهى الصغير القابع في شارع صابون كران في السليمانية ، ويبدأ شيخنا بالحديث والوقت يمر سريعا ، والأيام الخوالي حاضرة في ذهنه وكأنها حدثت في الماضي القريب . لكن هذا اليوم كان موعدنا عند مدخل شارع مولوي للذهاب الى حديقة الشعب (باخي كشتي) ، سمي الشارع باسم الشاعر مولوي  الذي كان لسان حال الفقراء والمساكين وصديقا لهم ، في الأفراح والأتراح يقرأ شعره ، وعلى لسان المحبين والعاشقين ، طَرَق مولوي كل ابواب الشعر وأجاده حتى صار امير لشعراء كردستان في عصره . لم تمضي لحظات على انتظاري شيخنا ، حتى اراه من بعيد قادم نحوي اقترب وسلم عليّ ثم عبرنا الشارع باتجاه حديقة الشعب .
توجهنا انا وشيخنا نحو الحديقة وهي أقدم متنزه في المدينة  ،عند المدخل استقبلتنا نافورات محاطة بأكاليل من الزهور ، دخلنا الحديقة فهي ساحات واسعة مفروشة بالثيل الطبيعي ومضللة بالأشجار الباسقة ، ومصاطب خشبية موزعة على جوانب ممرات الحديقة ، نرى اصناف بديعة ونادرة من النباتات والأشجار والأزهار  منتشرة حول الساحات ، والمهم في الحديقة نصب لتماثيل الشعراء الكُرد مرصوفة على قواعد بتنسيق جميل . جلسنا أنا وشيخنا فوق مصطبة تحت ظل شجرة وسط جو الحديقة الساحر .
ورث شيخنا سيجارته قال بهدوء : اليوم الطقس معتدل .
قلت : اشكرك على فكرتك الرائعة حول لقاءنا في هذه الحديقة الجميلة .
باندهاش وتعجب قال : انظر الى انواع الزهور الجميلة المزروعة في الحديقة ، ينتابك شعور بالسعادة وأنت تنظر اليها او تشتم رائحة عطرها .
قلت بنبرة هادئة : حديقة ممراتها مسقفة بعناق الاشجار تتيح للناس التمتع  بجماليتها وهندستها الرائعة وتنوع كافة أشكال ورودها وأزهارها. 
قال مبتسما : لا اريد ان يتحول موضوع حديثنا عن المختار للحديث عن حديقة الشعب  (باخي كشتي) فالحديث عنها يطول لان لهذا ذكريات عند المثقفين و مسرح رومانسي للعاشقين .
قلت بهدوء : شكرا لك .. أنا مستعد ان اسمع منك فتفضل  .
تنهد وأخذ نفسا عميقا من سيجارته وقال : الحديث عن الماضى الجميل وذكرياته يحتاج لوقت أطول ، يا صديقي حضورك معي هذه الايام جعلني اسرح في بحر الذكريات وأتذكر تلك الأيام الخوالي الجميلة  يجذبني الحنين اليها بقـوة فقد كانت تسودها راحة البال وصفاء النفوس متمثلة في بساطة العيش يحيطها الهدوء والمودة والصداقة رحم الله أيام زمان عندما كان المختار ذاكرة الزمان بمواصفاتها الأخلاقية والإنسانية ، ومركز معلومات بشري ، وحلقة وصل بين أبناء محلته أو قريته ودوائر الدولة ، كان يتفقد احوالهم ويؤدي مجموعة من الواجبات والمهام القيمة .
سألته مستفسرا : من هو المختار .
قال مبتسما بعدما نفث دخان سيجارته : هو ذلك الشخص بملابسه الشعبية ربما يكون كبيرا في السن وان ضحك كشف عن نابين بارزين فقط من اسنانه والباقي عفى عليهم الدهر ، او طقم اسنان صناعي يطقطق في فمه عند الكلام ، وعلى عينية نظارة ملفوف في وسطها قطعة قماش ترتكز على انفه ، أو ربما سماعة صغيرة معلقة على صوان اذنه ، وكلما سمع كلمات التبجيل والترحيب يبدأ المختار باللعب بشواربه الغليظة ويقوم بلفه شاربه بين اصبعيه عند نهايتها ، او حتى لم تكن شاربه غليظة يمسحها من كل جهة ، وله بعض شعر أسفل أنفه ، ونصف كرش ،  ومنهم من يحمل عكاز بيده تلك العصا التي لا تفارقه وكلما خاطبه احدا او سأله عن حاجة ، ضرب عكازه على الارض وردا بحزم وجزم في البت في الاسئلة ، تصاحبه نحنحة قويه في كثير من  الاحيان . يضع سبيله (غليونه ) القصبي في حزامه  ، و معطفه على كتفيه ، والابتسامة على شفتيه اينما حل ، ولكن مهمته تقتصر في توثيق بعض الاوراق التي يحتاجها الشخص تجاه الحكومة ( اقصد الوالي والسراي والقشلة )  او اي جهة رسميه اخرى في وقتنا الحالي .
قلت له : هذا تعريف المختار لكن ما هو دوره في حياة سكان مدينة .
اسند يده على حافة المصطبة وقال بنبرة هادئة تميل للتوضيح : لابد ان نعرف الى متى تعود ظاهرة استحداث منصب المختار ، أو رئيس الحيّ أو مختار القرية ، أو العُمْدة هكذا يسمُّونه في بعض البلاد العربية . ويعود وجود المختار إلى عام 1835 م  ، والمختار أصغر مسئول أداري في الولاية والأخير من الموظفين التي تتألف منهم إدارة الولاية .
اكثر التغيرات إثارة تلك التي ارتبطت بإدخال النظام الاقليمي العثماني الجديد وكان مدحت باشا  احد مهندسي قانون الولاية العثماني لعام 1864 بموجب هذا القانون قسمت الولايات الى لواء يدار من متصرف يعين من الباب العالي . كل لواء يقسم الى اقضية يترأس القضاء قائم مقام. والقضاء قسم إلى نواحي (جمع ناحية) وتدار من قبل مدير الناحية. وتضم الناحية عدة قرى ، ويتم اختيار احد سكان القرية ويعرف باسم
 المختار الذي يدير شؤونها وينوب عن مدير الناحية .
المختار شخصية معروفة في المحلة أو القرية محترماً من جميع ابناء العشيرة أو القرية ويعرف ابنائها ومواقع بيوتهم بيتاً بيتاً ، اما اختيار مختار لكل قرية فيطلب من سكان القرية ترشيح رجال بالغين وأكملوا الخامسة والعشرين من العمر ، ضمن شروط من أهمها أن يكون المختار عراقياً ومن أصحاب الأملاك ، ومن عشيرة كبيرة أو عائلة ، وان يتصف بالذكاء والحكمة والفطنة وغير مصاب بمرض عقلي ، ويجيد تدبير الأمور الادارية والاجتماعية للقرية ويحسن القراءة والكتابة ، ويلقى قبولا حسناً لدى سكان القرية. و يدفع الضريبة للحكومة او البلدية ،ولا تقل عن مائة قرش  سنويا وغير محكوم بجناية او جنحة مخلة بالشرف. وغير موظف في دوائر الحكومة ، وان لا يكون دلالاً في الطابو ، ولم يغير محل سكناه مدة لا تقل عن خمس سنوات .
 و العشائر تتنافس بشدة للحصول على منصب المختار ، فقد كانت العشيرة تعتقد بان المختار المنتخب منها سينحاز لها ويقدم خدمة لمصالح عشيرته اكثر من غيره لأنه اعرف الناس بشؤون عشيرته التي يعيش فيها وفي الكثير من الحالات كان منصب المختار وراثيا للابن او الأخ او اقرب الأقربين .   
أما في المدينة فلكل محلة من محلات المدينة مختارا معتمداً من قبل المسئول العثماني أو الوالي لإيصاله مشاكل السكان وتنفيذ اوامر الوالي ، ومن الشروط الضرورية لاختيار المختار ، أن يكون من القاطنين في المحلة ومن يتبوأ هذا المنصب يكون كبير السن ويتسم بحسن السيرة والسمعة ، يتم اختيار المختار من بين أكثر الأشخاص قبولاً واحتراما بين الناس في العهد العثماني ، فهو شخصية لها منزلة محترمة في نفوس أبناء المحلة ، ووجها اجتماعيا معروفا ، بالإضافة لأهمية البالغة من الوجهة الاجتماعية والسياسية ، تبرز أهميته دور المختار في فض النزاعات داخل المحلة الواحدة من خلال ثقتهم وقناعتهم بعدالته وسلامة نواياه ورجاحة عقله وبصيرته ويتركون الكلمة الأخيرة للمختار وإعادة الوئام والصفاء في حالة وقوع أية خلافات بين شخصين أو عائلتين وما يسفر عنها أحاناً من مواجهات حادة لا تحمد عقباها.
وفي عام 1930 كان لليهود في مدينة السليمانية مختار خاص بهم واسمه "دانياو شلمو"  ثم اعقبه "موشين" حتى ترك اليهود المدينة وذلك لاستيطانهم في محلة خاصة بهم يتطلب وجود مختار فيها ، ولحد الان تسمى محلة اليهود ( جووله كان) . ولم يعين مختار للمسيحيين في المدينة .
سألته مستفسرا: لماذا لم ينتخب مختار للمسيحيين في زمن النفوذ العثماني وبعده تأسيس الدولة العراقية .

هز رأسه نافيا ثم قال : لا اعلم ولكن حسب قناعتي كانت عدد العوائل المسيحية قليلة ، او ربما لم يجدوا شخصية متفرغة تتبوءا المنصب ، او هناك سبب اخر لا اعلم .
سألته : ماذا تقول عن ختم المختار .
قال مبتسما : المختار الجيد الذي يحمل في جيبه مهره الخاص (ختم ) والذي يسمى (طمغة) المصنوع من النحاس محفور عليه اسمه كاملاً واسم محلته ويحمل في جيبه (اصطنبه) لتحبير مهره بهذا الختم . في كثير من الاوقات يكون المختار قصير النظر ، وعند ختمه للطلب يكون الختم بالمقلوب اذا نسى يضع علامة يستدل بها لاتجاه الختم ، ومنهم مَن يضع قطعة معدنية صغيره في راس الختم أو قطرة صبغ ترشده على اتجاه الختم الصحيح  ، اما الاصطنبة  فغالبا ما يكون حبرها قد انتهى أو جَفَّ  ، فيبادر الى وضع الختم قريبا من فمه فيزفر بالهواء من داخله حتى يرطب حبر الختم ليظهر على الورقه . يؤيد فيها المختار كل معاملة ، والشيء الذي لم يغيره الزمن هو ختم المختار بقي تراثا وحاجة رسمية لا تستغنى عنها المعاملات والختم كما يبدو شيئا لابد منه ولا يستغني عنها المتعاملون بطلبات وعرائض الناس .حتى في وقتنا الحالي .
سألته مستفسرا : سمعت ان للمختار سجل لأبناء محلته أو القرية يدون فيه اسماء الذكور فقط ولا يسجل اسماء الاناث .
هز رأسه مؤيداً وقال : صحيح له سجل خاص مسجل فيه ارقام كل بيت مع اسماء سكان محلته (رب العائلة وأبنائه من الذكور فقط) . اثناء سفر برلك (النفير العام) اثناء الحرب العالمية الاولى ، كان للمختار دور كبير بتبليغ الشباب المشمولين بالخدمة والتحاقهم بالجيش العثماني . وبعد تأسيس الدولة العراقية ،كان الجيش العراقي يعتمد على الخدمة الإلزامية اي المشاركة الفاعلة لجمع البالغين من العمر الثامنة عشرة لأداء خدمة الجيش ، والمختار يحتفظ بأسماء الذكور في سجله يعد قوائم بأسماء جميع المشمولين بالخدمة الإلزامية وإبلاغهم بتاريخ سوقهم للخدمة ، كما كانت دوائر التجنيد تزود المختار بقوائم الشباب لإبلاغهم بمواعيد الالتحاق بخدمة الاحتياط بعد أخذ تواقيعهم لتأكيد صحة التبليغ  ولأهمية السجل يسلم الى المختار الجديد بعد وفاته من قبل ذويه والبلدية تراقب عمل المختار .
سألته مستفسرا : وماذا عن دور المختار تجاه الاناث.
قال بجدية وثقة : يعتبر بيت المختار دار أمان تلجأ إليها الهاربات من المشاكل العائلية في حالة إصرار ولي أمر الفتاة على أتمام الزواج من شخص لا ترغب الارتباط به ،  فبعض الفتيات  تهرب من ذويهن لرفضهن الزواج  وتحتمي في دار المختار ، وكذلك في حالة هروب الزوجة وتركت بيت الزوجية من بطش زوجها والتي تخشى العودة إلى ذويها وخوفاً منهم مع العلم معرفتهم الكاملة بقسوة الزوج وعدم احترامه لها و بأحوالها وظروفها السيئة . ومن رغب بزواج من فتاة ذهب مع والده أو احد اقاربه الى مختار ذلك الحي وسأله عن أهل الفتاة وعن أقاربها ، ويؤخذ رأي المختار فإذا امتدحها وامتدح عائلتها يقتنع الاهل بكلام المختار ويرشدهم من يمكن أن يؤثر على عائلتها ويكون المختار الوسيط في الخطبة ويشارك بنفسه في خطبة الفتاة حتى يتزوج .
سألته مستفسرا: ماذا عن دور المختار الاجتماعي.
تعتبر شخصية المختار جزءاً من النسيج الاجتماعي الكردي ، وله خاصية في القرى التي تجسد واقع المجتمع الذي تعيش فيه القرية تجتمع فيها الكثير من الصفات الحميدة وهناك قرى فيها مختاران حسب عدد نفوس القرية ، يتم اختيار الاعمار الكبيرة . ويعتبر المختار وجه اجتماعي معروف من الناحية العشائرية من ابرز وجهاء القرية او المحلة ، وظيفة المختار نوعا من الوجاهة والمكانة الاجتماعية ،كان  للمختار وظائف اهمها حلّ النازعات بين سكان القرية ، حتى يتمكن من خدمة قريته وسكانها . وعليه بناء علاقات متينة وصلات قوية مع كَثير من المسئولين حتى يقدر تمثيل القرية او المحلة أمام الجهات العليا في الدولة ، وهو حلقة الوصل بين سكان القرية والجهات الحكومية الرسمية ، والعين الساهرة على مصالح قريته .
سألته باحترام : وماذا عن الدور الاداري للمختار.
ابتسم وقال بهدوء : هذا هو بيت القصيد في بدايات القرن الماضي كانت السلطات التركية تحتاج من يقوم بإعداد قوائم عن الأشخاص الذين تشملهم الخدمة العسكرية الإجبارية فكانت تكلّف المختارون ويسلمونها للجهات المختصّة ، حيث يعرف المختار الأشخاص الذين بلغوا سن الخدمة العسكرية الإلزامية ، لأنه كان يحتفظ بسجلات للسكان . ويلاحق الشباب الفارين من الخدمة وخاصة في زمن سفر برلك (النفير العام) .
كما حدد نظام قانون الولايات للدولة العثمانية مهام المختار في تصريف شؤون القرية اهمها جباية الضرائب
منها ضريبة الويركو فمهمته تحصيلها وجبايتها ، وتناط بمختار القرية أو المحلة إذ طلبت الدولة تحصيلها من الأهالي بعد تقسيطها بالنظر إلى قدرة كل شخص. والويركو  كلمة تركية بمعنى ضربة او خراج فرضت هذه الضريبة على أملاك الأفراد من أراض زراعيّة أو بور أو أبنية وإذا شعر الحاكم الإداري بأن الأهالي رفضوا الدفع فأنه كان يخرج لهم بقوة عسكرية لإجبارهم على الدفع . كان المختار يقوم بالتحري عن القابلات المأذونات (الداية) أو تسمى (الحكيمة) من الطائفتين المسلمة والمسيحية من تمارس وتمتهن هذه المهنة بدون إجازة رسمية بموجب الإرادة العليا ويبلغ الجهات المعنية عن أسمها وشهرتها والبيت التي هي مقيمة فيه لإيقافها عن العمل .
قاطعته مستفسرا : وهل هناك ضرائب اخرى فرضت على الاهالي ايام النفوذ العثماني .
ابتسم وقال لي : نعم هناك العديد من الضرائب التي كانت فرضتها الدولة التركية ، فضريبة العُشر التي مقدارها عشرة بالمائة من محصول الأراضي التي تسقى بماء المطر أو نصف العشر من الأراضي التي تروى بالسقي ، و ضرائب الرسوم على الحيوانات وللمختار له سجل يقيد فيه حيوانات الركوب والمركبات والحمل التي تحسب على الرأس الواحد وتنطبق تلك الإجراءات في حصر الممتلكات الحيوانية على سكان المحلة أو القرية من
الديانة المسيحية أيضاً ، وعند تحصيل المبلغ يتم تذكير المالك بعدد الرؤوس التي يملكها وقيمة الرسوم المطلوبة بموجب دفتر تعداد الحيوانات الموجود لدى المختار وتسمى (الكودة) والتي تقدر بتسعة قروش عن الرأس الواحد ، خفضتها السلطات البريطانية إلى ثمانية قروش ، بالإضافة الى ضريبة المجزرة التي تؤخذ عن كل راس ماشية يذبح  ، وضريبة البائع التي تؤخذ عند مرور السلع من منطقة الى اخرى وضريبة الدمغة  التي تؤخذ على البضائع المباعة بالأسواق وضريبة الكمرك التي تفرض على كل ما يصدر ويستورد  ،و ضريبة المهنة التي يدفعا ذوي المهن الحرة أو ضريبة الدخل وتؤخذ على مدخولات الافراد السنوية بموجب نظام معين. وهناك ضربة كانت تشمل الجميع تسمى رسوم السخرة  التي تفرض على كل شخص عمره بين( 20 ـ 60 ) سنة أو يدفع 16 قرش أو عليه العمل ثلاثة أيام بالأسبوع في تعبيد الطرق ، وهي جلب الفلاحين وبمساعدة الشيوخ قسرا أو بمختلف انواع الحيل واستغلال جهدهم بشكل لا إنساني . وكانت هناك ضرائب أخرى على بيع الأخشاب والفحم كما أسست دائرة خاصة لاستحصال الضرائب على محصول التبغ وسميت لاحقا بدائرة بانحصار التبغ .
بالإضافة للضريبة التي تؤخذ من المشمولين الذين لا يرغبون في الالتحاق في الخدمة العسكرية ومقدارها مجيدي واحد عن كل شخص ، وضريبة رسوم الطابو تؤخذ نسبة عن قيمة تخمين الأرض بالإضافة إلى ثلاثة قروش ثمن سند الطابو .ضريبة التمور وتقدر على ما مقدار ما تحمله النخلة من التمر.
وكان للمختار دورا إداريا في مجال المرهونات قيد البيع في العهد العثماني ، ويكون المختار مشرفا تنفيذيا على تقيد المعاملات بصفته الوظيفية كونه مختارا رسميا من قبل الدولة العثمانية ، ويقوم المختار بمتابعة إيداع الرهن في الصندوق ، وتسديد المدين المبالغ المستحقة عليه .
سألته وماذا تقول عن الضرائب اثناء النفوذ البريطاني على العراق .
أبقت السلطات البريطانية بعد احتلال العراق هذه الضرائب على حالها وان أجرت عليها بعض الإصلاحات ، فرفعت بعضها وقللت البعض الآخر  ولم تلغي منها شيئاً ، وحققت لها الضرائب فوائد مالية . وعليه فتعدت
وتعددت الضرائب وتنوعت على الفلاحين ، فظهرت ضريبة صيد السمك والطيور ، وضرائب على الحاجات الاستهلاكية ، وضريبة على الزواج  .
وكان للمذياع ضريبة و كانت تفرض على كل من يمتلك راديو وتدفع سنويا الى البريد وصدر نظام جديد للاذعة اللاسلكية العراقية حيث ابدل اسم (محطة الاذاعة) بـ (دار الاذاعة) وسن قانون الضريبة على كل مذياع قدره 500 فلس وذلك لتمويل مصروفات الاذاعة .  وضريبة المعارف ودفع أجور المعلمين وللمساعدة في إنشاء المدارس وصيانتها.
ومن المضحك فقد كانت ضريبة تشمل الناس الذين يعبرون مشيا على الاقدام فوق الجسور الموجودة على نهر دجلة و تشمل حيواناتهم وسياراتهم  وتسمى ضريبة العبور على الجسور ، وكانت هناك مزايدة لتأجير الجسر الى اناس يقومون بدفع مبالغ للحكومة مقابل استحصال الضرائب من الناس .  وضريبة المسقفات وتقدر بنسبة 5 بالألف على بيوت السكن التي لا تتجاوز قيمتها عن ألف قرش أما إذا زادت تصبح الضريبة 8 بالألف
سألته : وهل للمختار دور اخر في حياة المجتمع .
قال بهدوء : كان المختار المصدر المعتمد لدى وزارة التموين في سنوات الحرب العالمية الثانية (1939 ــ 1945)  في أعداد سجلات خاصة بأسماء أبناء المحلة عندما كانت الدولة العراقية توزع المواد الغذائية الرئيسية وفق (الدفتر التمويني) وكبار السن يستذكرون كيف كانت الوزارة تجهيز الوكلاء بالحصص المقررة بموجب السجلات المعدة من قبل المختار و يتضمن عدد أفراد الأسرة والحصة المقررة لكل فرد ..
يقوم المختار بإخبار الجهات المسئولة عما يقع في القرى او المحلة من مواليد ووفيات ومكان الإقامة وتنظيم الوثائق الخاصة بالأحوال المدنية وتنظيم حجج الميراث وعقود الزواج والطلاق ، ومساعدة الدولة في تسليم المجرمين . وما يقع في منطقة عمله من مشاكل .
والمضحك ان للمختار دور مهم في تحديد حسن السلوك للشخص اذا احتاجه احد ابناء القرية او المحلة فهو الذي يؤيد ويصدر وثيقة حسن سلوك الشخص من اراد الزواج او الدخول للخدمة العسكرية او الجامعة وغيرها من معاملات الأحوال الشخصية ، وشهادته لها أهمية خاصة معتمدة في المحاكم والجهات الحكومية وتصبح وثيقة المختار من الوثائق الرسمية ، وتعتمد أي وثيقة يصدق عليها المختار وتحمل ختمه.
في ما يخص شؤون القرية على المختار مرافقة موظفي الدولة ،على سبيل المثال مرافقة  المُخمِّن الذي يُقَدِّر إنتاج المحاصيل وعدّاد المواشي حتى تفرض عليها الضرائب .
أما الضيوف والوفود الرسمية والشعبية وعابري السبيل يعتبرون بيت المختار مقصداً لهم إذا زاروا القرية لتأدية عمل ما ، وتأمين المبيت لهم إذا اقتضت الضرورة ذلك ، وكان أقاربه ورجاله يعينونه على ذلك .
وكما ان المختار يرافق رجال الشرطة اثناء البحث عن هارب او مشتبه ، وكانت الشرطة لا تدخل بيتاً من بيوت القرية او المحلة إلا والمختار معهم وكلما احتاجت القربة او المحلة الى احتياجات التقى المختار بالحاكم الإداري او متصرف اللواء .
كما كان له دور مهم في تعين الحراس الليليين الذين يحرسون الاسواق والمحلات مقابل ثمن شهري بسيط وهم يتجولون مع الفوانيس لعدم توفر الكهرباء في وقتها ، وكان حريصا على انتخابهم ممن يمتلكون القدرة الجسدية والكفاية الذهنية لتوطيد الأمن في القروى والأرياف والمحلة .
سألته : هل كان للمختار راتب شهري من قبل الدولة .
قال بجدية وتوضيح :المختار لا يتقاضى راتبا من الدولة فمنصبه فخريا ، وهذا يدل على أن من يتولى هذا المنصب هو من الوجهاء المقتدرين ،  وطمغة كل معاملة من المعاملات تختلف اكراميتها عن غيرها وإنما مجرد مشاركة من اصحاب المعاملات في توفير عائد مالي بسيط وليس هناك سعر محدود فهي تتفاوت بين مختار وآخر كذلك يتفاوت امرها بين الاعتدال والجشع يتوقف ذلك على الجهد المبذول من قبل المختار وعلى إمكانية المواطن المادية ، وكذلك يحصل على الهبات والإكراميات فمن زوج ابنه اهدى للمختار هدية مناسبة ومن اشترى داراً كذلك وكان الكثيرون من الاهالي ولضيق ذات اليد يحصلون على الختم المطلوب دون أي مقابل مادي . في قانون المحافظات ثبتت وظيفة المختار والزم القانون بتحديد راتب المختار وكان يتقاضى مبلغاً شهرياً بسيطاً من الجهة المشرفة عليه وهذا المبلغ كان يعادل راتب موظف في الدرجة الوظيفية الخامسة ، ويعطى له حصّة من الضرائب التي تجبيها الدولة من قريته. لمساعدة المختار في تغطية مصاريف الضيافة لموظفي ومسئولي الحكومة وتقديم وجبات الطعام لهم ويسعى لتلبية احتياجاتهم .
قلت له مستفسرا : هل كان هناك فرق بين المختار في زمن النفوذ العثماني والاحتلال البريطاني .
قال : في العهد البريطاني اعتمدت فيها السلطات الرسمية على أكثر من مختار ، فكان لكل عشيرة مختار
و ملاذ لجميع ابناء العشيرة لقضاء الحاجات ، الكل يهرع إليه عندما يتعلق الأمر بطلب إحدى الدوائر الرسمية ، يتوسط لتوظيف بعض الناس في أجهزة الدولة ، فكان يقوم بكتابة رسائل للدوائر الرسمية تزكي الراغبين بالتعيين في وظائف حكومية ، لأنه يعرف سكان الحي وتوصيته مقبولة من المؤسسات الرسمية. ويقوم المختار بالتعريف على أهل القرية عندما يزوره مسئولين من السلطة ، ويطلب منهم تلبية بعض المطالب بما يخدم الصالح العام للبلد ، وكان على المختار أن يبلغ أهالي الحي او القرية بالتعليمات الصادرة عن الحكومة او يرسل المنادي ليطوف بالحارات ويبلغ الناس .
سألته :هل كان للمختار دور سلبي تجاه المحلة أو القرية التي كان يشرف عليها.
قال بنبرة حزينة : مع الاسف بقدر ما كان المختار سعيدا بمركزه الاجتماعي كان يشعر بالحرج والخجل ، فأصبح بعض المختارون في عقدي الثمانينات والتسعينات رجل أمن ، شهد الدور الذي يوصف بأنه الأكبر والأخطر للمختار هو تحوله الى رجل ذو نفوذ اكبر  يتزامن حضوره الإبلاغ عن الهاربين من العسكرية أو المتخلفين عن التجنيد اثناء الحروب التي مرت على العراق وكانت الجهات الامنية تطلب منه تسجيل أسماء الذين لم يلتحقوا بقواطع الجيش الشعبي ، ومرافقته حملات التفتيش والاعتقالات وعمليات الإعدام .  وكان الكثير منهم يشعرون بالحرج من تلك الاوامر واغلبهم يتذرع بمختلف الذرائع للتهرب من هذه المهمات لأنهم يشعرون بالحزن ولا يقدرون الوشاية بأهلهم وأقاربهم ، وكثير منهم يشعر بالخجل وهو يرافقون رجال الأمن عندما يدخلون منازل معارفهم لإلقاء القبض على احد افراد المنزل ، وكانت النساء تتوسل وتطلب من المختار اطلاق سراح المعتقل ، متصورات إن له يدا في اعتقال أزواجهن أو أبنائهن ، لأنه الشخص الوحيد المعروف بالنسبة لهن. والمصيبة عندما يكلف المختار بمهمة إبلاغ عائلته المعدوم لاستلام الجثة .
قلت له : اقدم لك شكري وتقديري على هذه المعلومات القيمة حول المختار. واعدوك لتناول الغداء معي ..
قال : لا مانع لدي ولكن لا احب ان يكون في المطاعم الحديثة ، وأفضل ان يكون المطعم شعبي.
قلت له : نحن على مسافة خمسة دقائق مشيا على الاقدام من مطعم احمد حسن ، المعروف عند زبائنه
( ئه حه ی‌ گوڵەی‌ جگه رچی‌) .
ابتسم وقال  : اطال الله بعمره  عمره يبلغ ثمانون عام فمنذ عام 1940 هو بائع مشوي اللحم والمعلاق في هذه الدكان وعمل في هذه الصنعة منذ كان عمرة ثمانية سنوات .
قلت له : تفضل .
ونحن في طريقنا الى للمطعم قلت له بطلب واحترام هل حدثتني عن اصول تسمية محلات مدينة السليمانية.
قال لي بفرح وسرور : على الرحب والسعة سيكون  موضوع لقائنا القادم  .

المصادر :
1.   دراسات موصلية ، المختار ودوره الاداري والاجتماعي . م . د .عروبة جميل محمود 2013 .
2.   . 200 سال (شاري سليماني) اكرم صالح رشة 2011
3.   التقسيمات الإدارية لسنجق السليمانية خلال العهد العثماني الأخير 1918 م – 1869 م. م بان راوي شلتاغ الحميداوي جامعة القادسية - كلية التربية
4.   كمال مظهر أحمد ، كردستان في سنوات الحرب العلمیة الأولى ، ترجمة محمد الملا عبد الكريم ، ط 2 ، بغداد : 1984

7
سفر برلك 1914  1918
ذكريات من مدينة السليمانية ايام سفر برلك :
بدري نوئيل يوسف  ـ السويد
المقدمة :
أحاديثُ الاجداد للأبناء مهما تكن بسيطة وممتعة وشيقة ، فهي تبقى في الذاكرة ذاك حال أحاديث شيخنا عن الدولة العثمانية اثناء النفير العام ( سفر برلك) في نهايات عهدها ، وكيف اندلعت الحرب العالمية الأولى وما تبعها من أحداث القحط والجوع والفقر في مدينة السليمانية .
كنت على موعد مع شيخنا الجليل ليروي لي ذكريات مثيرة عن مدينة السليمانية ايام سفر برلك ، وأنا في طريقي للقائه في المقهى الشعبي الصغير القابع في شارع صابون كران في مدينة السليمانية ، مررت على مقهى الشعب الذي يقبع في ساحة السراي ، فهو من المقاهي القديمة وملتقى للحركة الثقافية والفنية في المدينة .
بات المقهى بيتاً ثقافياً وملتقى السياسة والفن والفكر له شهرته ، يجمع المثقفين من شعراء وأدباء وفنانين وسياسيين وبقي كذلك حتى اليوم ، له أجواء خاصة والمقهى يحتوي على مكتبة تضم كتبا ثقافية وتاريخية وسياسة هدية من مؤلفيها لقرأتها من قبل رواد للمقهى ، على جدران المقهى يعلق صور الشخصيات الكردية والفنانين الكُرد  ... والغريب ان تلاحظ بعض صور مجانين المدينة معلقة على جدران المقهى ... تبادلت أطراف الحديث واسترجاع الذكريات الجميلة والمواقف الطريفة مع بعض الاصدقاء القدامى . ثم ودعتهم على أمل لقاء آخر .
في المقهى الصغير :
في المقهى الصغير جلس شيخنا الذي تميزت شخصيته الرائعة بعفويته وحبه للبساطة والهدوء يحتسي آخر رشفة من فنجان الشاي وينفذ دخان سيجارته ينتظرني ويلاعب مسبحته الشعبية ، دخلت المقهى الذي احبه شيخنا ووقفت لحظات عند المدخل لكي ارصده واجلس حول طاولته ، لوح لي بيده وابتسم ، بعد الترحيب اعتذرت عن التأخير وقلت له زرت مقهى الشعب وأنا في طريقي الى هنا وتحدثت مع بعض الاصدقاء .
قال مبتسما : لا بأس .. فمقهى الشعب تراث وفلكلور ومحطة تجمع الكتاب والمثقفين ، انه مقهى يشبه كثيراً مقاهي بغداد المهمة كالزهاوي  والشابندر  .
قلت بهدوء واحترام :اشكرك لأنك لن تنزعج من تأخيري ، ثم قلت له : اتفقت معك في لقائي السابق ان تحدثني عن سفر برلك فهل انت مستعد . 
تنهد واخذ نفسا عميقا ثم قال بهدوء :نعم انا هنا لكي احدثك عن حكاية عمرها مائة عام ، سمعت قصصها وآلامها ومآسيها من جدي الذي عاش زمنها ، لأنه استطاع الهروب من ايدي الجنود العثمانيون .
سفر برلك تتكون من كلمتان الاولى "سفر " يعني الرحيل أو تَركْ الديار ، والثانية " بر " يعني الارض او البرية ، و"لك" هي اداة وصل بالتركية تلحق البر وتعني الرحيل عن الديار أو السفرة الطويلة . وقد سميت في العامية العراقية او اللهجة الشعبية (الروحة بلا رجعة) ، استمرت الحرب اربع سنوات ، وثلاثة أشهر وأسبوع واحد .
صمت لحظات واخذ نفسا عميقا من سيجارته ثم تابع حديثه قائلا : الثامن والعشرين من تموز 2014 يصادف مرور مائة عام على اندلاع الحرب البرية الكبرى  او الحرب العظمى وسميت في امريكا الحرب الاوربية باعتبار الحرب واقعة في اوربا ، وفي البلقان سميت حرب الخنادق لأنها كانت حرب دفاعية برية لكثرة الخنادق التي امتدت على جبهات القتال ، وفي مصر سميت حرب ترعة السويس لان اراد العثمانيون الحفاظ على ترعة السويس ( القناة) ويمنعوا الانكليز من دخول السويس ، ولم تسمى الحرب العالمية الاولى في وقتها لان الحرب الثانية لم تكن واقعة اثناء الحرب .
تابع حديثه قائلاً : وقع عدد كبير من الضحايا من كل الاطراف التي اشتركت بالقتال ،يقدر عدد القتلى بعشرين مليون قتيل ، واثنان وعشرين مليون جريح ومعاق ماعدا الهجرات الجماعية او الترحيل الجماعي او التهجير القصري او الإبادات التي تمت مع وقوع الحرب ، ولا يوجد في العراق احصاءات دقيقة او توثيق ميداني عن عدد الضحايا من القتلى والمصابين التي ذهبوا بهذه الحرب من العراقيين .
سألته كيف بدأت الحرب وما هي الاسباب التي ادت الى اندلاعها ومشاركة كل هذه الدول في الحرب.
صمت قليلاً .. ثم تنهد و قال :السبب المباشر لبدأ فتيل الحرب بعد اغتيال وريث العرش النمساوي  سنة 1914 مع زوجته في سراييفو ، بدأت النمسا بهجوم على الصرب وعلى اثرها تحالفت الدول مع بعضها وأصبحت فريقان متخاصمان ، وهناك اسباب اخرى غير مباشرة منها النهضات الفكرية المتطورة اي تتطور وعي الناس والنزعات القومية بين الشعوب ، ومنافسة الدول على المستعمرات ، وزيادة انتاج السلاح لدى الدول بعد الثورة الصناعية ولا تنسى التحالفات العسكرية بين الدول .كما بدأت الشعوب لا تتحمل ادارتها من قبل السلاطين والقياصرة والإمبراطوريات ونقل العرش من الاب الى الابن كما ظهرت نظريات جديدة على سبيل المثال الشيوعية وسيطرة رجال الدين. 
قلت له اشكرك على هذه المقدمة الرائعة لكن اريد اعرف منك ماذا جرى بعد ما دخلت تركيا الحرب .
اسند ظهره الى الكرسي قائلا : بدأت طبول الحرب تقرع مع تقهقر الدولة العثمانية التي سميت بالرجل المريض او الامبراطورية المريضة . هذه الحرب هلكت الحرث والنسل وقلبت النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وأنشأت دولا وألغت دولا.   
عندما يسمع الرجال والشباب كلمة سفر برلك ، كأن صاعقة نزلت عليهم وهي كلمتان خبأت بين ثنايا حروفهما الرعب المخيف ودموع الامهات الثكالى ، وعندما يعلموا الاهالي ان الجندي العثماني اذا دخل القربة او المحلة يعني الرحيل قادم . قبل دخول الجنود القرية يطوقونها من جميع منافذها ويمسكون الرجال والشباب جميعا باستثناء رجل الدين لاعتبارات سياسية دينية ، ولذا كانوا الرجال يتحصنون داخل بيوتهم أو يهربوا إلى البساتين والجبال خوفاً من الخطف المباغت من الجنود الأتراك ،  ولم ينج من قبضة الجنود إلا القليل النادر ومنهم جدي حيث هرب الى قضاء حلبجة متخفيا بملابس نسائية .
كانت وسيلة التنقل في تلك الفترة الزمنية المشي للجنود ، والخيول للقادة العسكريين ولجماعة الضباط.
يرسل الرجال والشباب الى ساحة الحرب في أصقاع أوربا الى أتون حرب ضروس لا ناقة لهم فيها ولا جمل .
يقودهم ضابط تركي ويحرسهم عدد من الجنود بعد تكليفهم بالخدمة العسكرية متجهين نحو خارج المدينة في طريقهم الى المعسكرات وهم لا يعرفون طعماً للماء ولا شكلاً للطعام لعدة أيام ، وكان أهلهم يسيرون وراءهم يبكون ويَّولولون وهم يودعونهم ، يلحقونهم الى مشارف المدينة ، ثم تعود الاهالي أدراجها وهم يعلمون أنهم ودعوا اولادهم وداعاً لا رجاء لهم بعودتهم ، ومن يذهب لساحات تلك الحرب نادراً ما يعود ، كانت الامهات تنتظر ابنائها على عتبة باب المنزل تتوقع مجيئه في أي لحظة ، ولا أحد يعرف في أي مدينة أو دولة قد حارب ، ولا أين مات أو دفن .
سألته مبتسما : تستطيع ان تحكي لي كيف استطاع جدك الهرب من المدينة .
ابتسم بهدوء وقال : لم يقبل جدي رحمه الله ان تُحكى قصته لأنه يشعر بالخجل ، لكن سأقصها عليك ... كان لكل محلة مختار وهو أصغر مسئول أداري في المدينة بموجب الوثائق العثمانية ، هناك ثمة واجبات تقع على كاهل المختار و ابرز مهام المختار يقوم بتبليغ الأفراد المكلفين بالخدمة العسكرية .
 في احد الايام جاء المختار  بصحبة اثنان من الجنود العثمانيين ذو الطرابيش الحمر التي كانت في ذلك الوقت دليلا يكفي لإثبات ان من يضعها على رأسه شخص يفهم ومتميز عن غيره  الى منزل جدي وطرق المختار الباب ، خرجت والدة جدي مستفسرة من الطارق ،  وكانت امرأة فطنة شديدة الفراسة ذكية جدا قوية وشجاعة ، عندما رأت المختار ومن معه عرفت انه جاء يستدعي ابنها لأداء الخدمة العسكرية وسوقه للنفير العام .
سألها المختار عن ابنها إذا كان في المنزل فردت عليه بلباقة انه خارج المنزل ويعود مساء بعد انتهائه من عمله .اخبرها المختار ان ابنها بلغ سن الرشد وعليه الالتحاق بالخدمة العسكرية ولم يقل لها انه جاء لتبليغه للالتحاق الى النفير العام ، ابتسمت وزغردت وتظاهرت بالفرح ان ابنها سيلتحق بالجيش العثماني وأصبح رجلا ولو سمحوا لها ان تلتحق بالجيش لفعلت ووعدت المختار ان تسلم ابنها الى الدرك حال عودته من عمله علما ان جدي كان داخل المنزل . ودعها المختار بفرح وسرور قائلا لها : اتمنى ان تكوني نموذجا لبقية الامهات لإرسال ابنائهم الى جبهات القتال . بعد مغادرة المختار المحلة دخلت والدة جدي المنزل وأغلقت الباب خلفها وهي مبتسمة ترقص فرحا لخداعها المختار .
دخلت على جدي وهو مختفي في قفص لتربية الدجاج في فناء المنزل وقد اعتاد الاختفاء عند سماعه طرق الباب ، وأعلمته ان طارق الباب كان المختار الذي جاء يستدعيه الى الخدمة العسكرية واستطاعت ان تصرفه بخدعة ذكية ، طلبت من جدي ان يلبس ملابس أخته الزي الكردي النسائي ، وشدت رأسه بغطاء جميل مزركش بألوان جذابة ، وأحضرت حمارا وضعت عليه جرار الماء وخرجت مع جدي بحجة جلب الماء من احد الكهاريز  ، حيث اعتادت ان تذهب مع ابنتها الى الكهريز كل يوم ، وكان السكان يعتمدون  على جلب الماء من الكهريز إلى البيوت كل صباح ،او يقوم السقا بجلب الماء لهم مقابل أجر زهيد يتقاضاه في آخر كل شهر.  حيث كانت حرفة السقا من المهن التي سادت في الماضي ، ولكن انقرضت تلك المهنة القديمة التي كان كثير من الناس يمتهنونها بعد توفر الوسائل الحديثة لتوصيل المياه إلى المنازل .
خرج جدي بملابسه النسائية مع والدته من المنزل متجهان نحو قرية قركة الواقعه على مقربة من المدينة بعيدا عن اعين الدرك ،غير جدي ملابسه ولبس ملابس الرجال ، ودع امه التي عادت الى منزلها ، واخذ معه الحمار وما حمل من زاد واتجه بمفرده الى قضاء حلبجة . وبقى هناك يعمل بالزراعة عند اقارب له حتى انتهت الحرب عاد الى السليمانية .
بعد أيام عاد المختار مستفسرا عن جدي .اعلمته والدة جدي انه سلم نفسه الى الدرك  مباشرة وقد وزعت الحلويات على الجيران لكون ابنها اصبح رجلا والفرح يغمرها وطلبت منه الانتظار لحظات حتى تدخل وتجلب له الحلوى وتقدمها له . شكرها المختار بعد ما اخذ الحلوى معه وودعها على امل ان يعود ابنها من الحرب بأسرع وقت .
قلت له : سأدونها في مقالتي مثل ما رويت الاخبار لي ، لكن اريد اعرف منك حكايات اخرى لسكان المدينة.
قال بهدوء: سأطلب قدحان من الشاي ثم نستمر بالحديث .
قلت: لا مانع لدي من احتساء قدح الشاي والسماع لحديثك الشيق والممتع .
رفع يده ونادى على النادل وطلب قدحان من الشاي .
قال مبتسما :سمعت من جدي بعض الحوادث الطريفة في تلك الفترة الزمنية وحيال الوضع المأساوي الذي ساد مدينة السليمانية ، كان لوالدة جدي جار وهو رجل هادئ الطبع وغير مُحب للعمل بعكس زوجته التي كانت تعمل منذ الساعات الأولى من الفجر وحتى وقت متأخر من الليل بحياكة ليفة الحمام  ، ولم تكن الزوجة قادرة على إقناع زوجها لتقديم أية مساعدة لها بحجة أنه لا يستطيع الخروج من المنزل ، لأنه مطلوب للخدمة في صفوف العسكر العثماني وهو هارب من الخدمة أي فرار ، وفي احد الايام طلبت زوجته ان يشتري لها الزعرور (ثمار موسمي لنوع من الشجر البري) ، وألحت عليه ان يذهب للسوق لشراء ما اشتهت ، وكان الزوج يعلم ان لا يوجد زعرور في السوق لأن الفصل في غير موسمه . ولكنه لم يعير لها اهتمام ولن يرد عليها ، ولم تَعد زوجته تطيق صبراً ولكثرة غيظها وانزعاجها صعدت إلى سطح المنزل وراحت تصيح بأعلى صوتها ، يا عسكر  يا جندرمة عندي هارب بالبيت ، يا مختار زوجي فرار من الخدمة العسكرية  ، وكررت نداءها فسمعتها والدة جدي وصعدت مسرعة للسطح وطلبت منها السكوت وأقنعتها ان تنزل من السطح وكانت والدة جدي تعرف ان جارتها حامل و توحمت واشتهت اكل الزعرور ،  وعندما عرف الزوج ان زوجته حامل وتتوحم سأل زوجته ببرود وفتور منذ متى وأنت حامل ؟
قلت له مستفسرا :هل هناك حوادث طريفة اخرى او محزنة ؟
قال بهدوء :نعم على سبيل المثال بعض النسوة اللاتي ينزعجنَّ من أزواجهن كنَّ يهددنَّ أزواجهنَّ بإعلام المختار أو الجنود العثمانيون عن وجود أزواجهنَّ الفارين من الخدمة العسكرية والمتخفين عن الأنظار ، إذا ما خالفوا إرادتهنَّ أو تقاعسوا عن مساعدتهنّ يطورنّ التهديد إلى تنفيذ وهذا ( شر البلية ما يُضحك ) .
ثم قال لي اسمع هذا الموقف من احد الازواج بعد هروبه من العسكر العثماني واختفائه في المنزل ،كلفته زوجته بالقيام بواجبات المنزل من غسل الملابس وتنظيف وكنس وطبخ ، اطاعها وينفذ أوامرها بدون نقاش ، بعد عدة اسابيع ضاق ذراعا بزوجته وطلباتها وأوامرها فتمرد عليها ولا يلبي رغباتها ، فهددته بتبليغ العسكر بأنه هارب وفرار ، لكنه كان لبق وذكي جدا بدأ يذكرها بما حدث لبعض شباب المحلة الذين ذهبوا للحرب ولم يعودوا اي الذي ذهبوا الى سفر برلك ولم يرجعوا ، فندمت زوجته وشعرت بخطورة تهديدها ومنذ ذلك الحين كان الزوج لا يأت بأي عمل بل يكتفي بإملاء أوامره على زوجته التي عليها أن تطيع وتنفذ دون معارضة ودون عودة إلى التهديد خوفا من ذهابه بدون رجعة. 
جاء النادل وقدم الشاي لنا ، وورث شيخنا سيجارته وقال :
ترافق سنين الحرب توقف الامطار وعَمَ جفاف الأراضي الزراعية وانتشر القحط والجوع بالإضافة لأزمات اجتماعية من فقر وعوز وبطالة اجتاحت المدن والقرى ، بدأ الجيش العثماني بمصادرة مؤن وأرزاق سكان القرى والفلاحين لإطعام وتجهيز الجيش العثماني ليخوض غمار حربه ، ولتمويل تلك الحملة فرضوا المزيد من الضرائب ، مات الكثيرون من الجوع فحصلت مجاعة رهيبة بلغت ذروتها عام 1916 ولا يزال الناس يسمونها سنين الجوع والقحط تحديداً خلال عام 1917 ، عمت مظاهر المجاعة في السليمانية ، أنتشر الجوع والبطالة بشكل مخيف.ثم اشتدت وطأتها اوائل عام  1918 . 
 أصبح من المناظر الطبيعية أن ترى الجثث في الشوارع والأزقة وداخل البيوت. وتبقى الجثث في تلك الاماكن لا تجد من يتبرع بدفنهم فباتت تهدد حياة  الغالبية العظمى من سكان السليمانية على حد سواء. كانت مأساة بمعنى الكلمة وحوادث فاقت الخيال .
 نفقت معظم الحيوانات ليبدأ الفقراء باصطياد الكلاب والقطط لتصل حد أكل القنافذ والأفاعي والحشرات ، وتحولت الحيوانات التي كانت تقتات اللحوم إلى حيوانات نباتيه ، وتحول لب الأشجار والأعشاب البرية إلى طعام للفقراء. في الوقت الذي أستغل عدد من التجار ( الجشعون ) تلك الحالة برفع أسعار الطحين والحبوب ، وأمسوا يبيعون حقة الطحين التي تساوي 1250 غرام بثلاثة ليرات رشادية  ، وبذلك كونوا ثروات طائلة ولكنهم فقدوا سمعتهم وذويهم في نفس الوقت .
هبَ الخيرون من ابناء المدينة لنجدة اخوتهم الجائعين والمحتاجين وإنقاذ حياة الكثيرين منهم بالمال والطعام والملابس بدءوا بإعداد كميات كبيرة من الطعام يومياً بغية توزيعها على المحتاجين والجائعين  .
يبرز الكلداني عبد الكريم علكة  في هذه الظروف الصعبة الذي ضرب امثلة رائعة في السخاء والعطف ، فقام بشراء كميات كبيرة من الحبوب ( القمح والشعير والرز ) من الاسواق المحلية والمدن المجاورة وخزنها في مخازنه ووضع عليها حراسة مشددة كما انشأ مطحنة للحبوب والتي كانت تعمل ليل نهار لطحن القمح والشعير وتوزيعه على الفقراء كما فتح  مخبز لتزويد فقراء السليمانية بالخبز مجاناً ، و في كل مساء كان يأمر بطبخ كميات كبيرة من الطعام لتوزيعها على مئات الفقراء والمحتاجين ، وكان بإمكان الفقير أن يأكل عند مواقد الطبخ أو يأخذ حصة لأهله أيضاً ، انقذ  آلاف من اهالي المدية والمدن والقرى المجاورة من الموت المحقق ولن يفرق بين أي طائفة دينية فالكل كان متساوين عنده ، في حين كان تجار السوق مستغربين متعجبين مندهشين من تصرفه وكرمه ولا يجدوا غير جواب واحد انه عبد الكريم علكة الشهم والكريم والوفي لأبناء مدينة .
بعدما بلغت الوفيات في بعض الاوقات حداً عجز القائمون على البلدية عن كفن ودفن الموتى ، قدم عبد الكريم علكة المبالغ اللازمة لدفن كافة الموتى وعلى حسابه الخاص بالنسبة للفقراء والمحتاجين والذين لم يتمكنوا من دفع مصاريف الدفن الذين كانوا يتساقطون في أزقة المدينة ، وقدم الكسوة الشتوية للعديد من الطلبة الفقراء و في كل ليلة كان يتفقد احوال الفقراء بنفسه ومساعدة المرضى وشراء الادوية لهم.
ومع ذلك فأن المواقف المشرفة لأبناء السليمانية الخيرين قد أسهمت في تخفيف حده ذلك الوضع المتفاقم وإنقاذ الكثيرين من كان يهددهم الجوع والبرد معاً.
سألته ماذا تعرف عن معاملة الجنود للمساقين للخدمة العسكرية .
قال بهدوء : سمعت هذا الكلام من جدي الذي ينقله عن ناجين من سفر برلك كان الجنود العثمانيون  يحرقون من يسعُل وهو حي لاعتقادهم بأنه مصاب بداء السل خوفاً من تفشي الوباء بين صفوف الجيش . لقد
 عانى الناس الكثير اثناء سفر برلك ، واحد الاسباب حالة التخلف التي كان يعيشها المجتمع على جميع الاصعدة ، لم يكن المجتمع قد بلغ مستوى كافيا من التقدم العلمي .
رن الهاتف الجوال الذي يحمله شيخنا في جيبه ، اخرج الهاتف ورد على المكالمة ، كنت انظر اليه بتعجب واستغراب وهو يهز رأسه بالإيجاب ويسمع حوار المتكلم مبتسما ، رد باختصار شكرا نحن قادمان . غلق هاتفه الجوال وقال لي : بنتي حضرت لنا طعام الغداء وهي تنتظرنا .
قلت له باندهاش . ولكن  ..
قاطعني على الفور قائلا : بدون لكن انهض الكبة كردية (كبة صابون كران )تنتظرنا ...
قلت بهدوء واحترام : وهل انتهى حديثك عن سفر برلك .
قال مبتسما : لا سأقص عليك بقية الحوادث عن سفر برلك في المنزل بعد تناول الغداء .
قلت : لا مانع لدي طالما الكبة الكردية تنتظرنا .. ولي طلب هل تحدثني عن دور المختار الاجتماعي والإداري .
قال : بكل سرور بعد اكمال حديثنا عن سفر برلك .

8
الكهنة الكلدان الذين خدموا في السليمانية  :
بدري نوئيل يوسف ـ السويد
المقدمة :

السليمانية مدينة تأسست حديثاً في عام 1784 ، صغيرة العمر لا يتجاوز عمرها أكثر من مائتي وثلاثون سنة ولم تكن معروفة قبل هذا التاريخ ، كانت منطقة السليمانية والمناطق المحيطة حولها تابعة الى أبرشية بيث كرماي  ،في العام 1820 زارها الرحالة ريج  يقول في كتابه (رحلة ريج الى العراق سنة 1820) ان عدد سكان مدينة السليمانية آنذاك بعشرة آلاف نسمة وعدد بيوتها بـ2144  بيتاً بضمنها 130بيتاً لليهود و9 بيوت للمسيحيين والكلدان و 5 بيوت للأرمن الذين كانوا يمتلكون منزلا صغيرا اعتبروه كنيسة خاصة بهم . اكثر العوائل المسيحية التي تسكن السليمانية حاليا تعتبر مهاجرة قدمت من المدن الاخرى لظروف خاصة بهم منها التجارة أو الاضطهاد  .ولم يبقى من السكان الاصلين غير عدد قليل .
كنائس السليمانية :

1)   كنيسة السليمانية للكلدان: في سنة 1862 م بنيت أول كنيسة رسمية في المدينة تحت اسم كنيسة الكلدان بناها الشماس يلدا من أهالي سنندج الإيرانية وكان على رأس الخيرين حيث كانت آنذاك تابعة لأبرشية  "سنا"  (سنندج) واجتمعت العوائل المسيحية حول الكنيسة . ثم تغير اسمها الى كنيسة مريم العذراء وحاليا اصبحت ديرا يقيم فيه عدد من الرهبان .

2)   كنيسة مار يوسف الجديدة شيد فى محلة الرعاية و هى بناية كبيرة وواسعة مبنية على طراز حديث و على نفقة حكومة اقليم كردستان فى سنة 2003 م. بعد ازدياد عدد العوائل المسيحية في السليمانية فقد وصلت إلى حوالي 400 عائلة في وسط السبعينات وأكثريتهم من الكلدان والأثوريين والأرمن والأرثدوكس يمارسون طقوسهم الدينية بكل حرية .

ادناه الكهنة الذين خدموا في السليمانية من  سنة 1900 حيث لم تتوفر سجلات في الكنيسة قبل هذا العام .

1.   الاب بطرس اوراها : ولد بطرس يوسف ابن القس اوراها في كركوك ، دخل الرهبنة عام 1865 ، قدمه رؤساؤه إلى الدرجة الكهنوتية ونالها عام 1876 في كنيسة الطاهرة بالموصل ، تولى عدة مناصب في الرهبنة منها رئيساً لدير السيدة ومدبراً للرهبنة ، حتى انعقاد المجمع الانتخابي الرهباني العام ، فأُنتخب الأنبا بطرس رئيساً عاماً للرهبانية لمدة ستة أعوام (1894 ـ 1900) ، تعين بعد رئاسته في كنيسة السليمانية من عام 1899 ـ 1902 وأخذ يخدم المؤمنين بكل اخلاص وتفانٍ ، وهناك سلم روحه بيد باريها عام 1902 ودفن في كنيستها مريم العذراء أم الله الحزينة .

2.   القس بطرس بولص : كان  شماسا ماهرا و تقيا و متقنا للطقس الكلداني متزوجا وله ولدان (اسكندر ويوسف ) .رسم كاهنا وخدم الرعية سنتان ما بين عامي 1902-1903 م . دفن فى نفس الكنيسة ، اصله من قرية ارموطة قرب قضاء كويسنجق هاجر إلى السليمانية مع افراد عائلته منتصف القرن الثامن عشر  تقريبا.

3.   الاب هاويل الراهب من دير السيدة  كان له مساعدان هما القس صليوا الشقلاوى والقس فليبس حنا  و هم رهبان من نفس الدير قدموا للخدمة في السليمانية 1903 وعملوا  معا حتى سنة 1907 م. والأب القس فيلبس حنا  الراهب من أهل شرانش نقل كتاب(كتاب تاريخ أورشليم) من الفارسية الى الكلدانية ، وأكمل الترجمة سنة 1907 م ، إذ كان يخدم في كنيسة السليمانية .

4.   الاب الراهب القس هرمز يوسف شمعون الاسحاقي  دخل صليوا  يوسف  دير الربان هرمزد اكمل جميع متطلبات الرهبانية . رسم صليوا راهبا وأدى النذور الرهبانية المؤبدة في 16 / 11 / 1884 فدعى الاخ  باسيليوس . ارتسم كاهنا  في دير السيدة   بتاريخ  26 / 5 / 1889 فدعى اسمه هرمز ارسل الى  ابرشية زاخو  ومكث هناك مدة  وعاد الى الدير ثم ارسل الى  مدينة ( سنة ) ايران وبقي هناك عشرين سنة  وعاد الى شقلاوة  وبعد مده  دعاه  مار  اسطيفان راعي كركوك  عنده  فخدم هناك  ثم عاد الى الدير. انتخب  مديرا للرهبانية مرتين / الاول  في عام 1901 والثانية 1924 .  وأرسل الى  السليمانية وبقي هناك مدة من الزمن . ولكن بعد ان طعن بالسن  عاد الى شقلاوة  ليقضي اواخر ايام عمره في مسقط رأسه توفي في شقلاوة  بتاريخ 15 / 12 / 1944 ودفن في كنيسة شقلاوة خدم كنيسة السليمانية من عام 1907 - 1909 م .


5.   الخور اسقف فيليبس حنا شوريز الراهب كلداني : من سعرت ولد فيها سنة 1982. دخل المعهد الكهنوتي البطريركي بالموصل سنة 1898. رسم كاهناً سنة 1907. علم في مدرسة دير مار يعقوب للآباء الدومنيكان، ثم عين في بغداد وكيلاً بطريركياً ، بعدها خدم في البصرة ، ومنها انتدب سكرتيراً للقصادة الرسولية لبلاد ما بين النهرين بالموصل ، وإلى جانب هذه المهمة علم في معهد مار يوحنا الحبيب بالموصل. سنة 1937 أقامه الكرسي الرسولي مدبراً رسولياً على الجزيرة العليا الكلدانية ، التي توافد إليها الناجون من مذابح السفر برلك . توفي في بيروت سنة 1938.  خدم كنيسة  السليمانية  من عام 1909 الى 1914 .

6.   الاب الراهب القس هرمز يوسف شمعون الاسحاقي  :من اهالى شقلاوة  قدم مرة ثانية  من دير السيدة وخدم في كنيسة السليمانية من عام 1914 الى 1915  م .

7.   الاب متى الراهب : من دير السيدة خدم من عام 1915 الى 1920 م .

8.   الاب الياس شير الراهب : ولد الياس بابكا شير في شقلاوا سنة 1860 ، تعلم المزامير في صباه على يد الأب يعقوب والد المطران أدي شير، عندما بلغ السادسة عشر ، قصد دير الربان هرمزد سنة 1876 وابرز نذوره الدائمة في 15 ايار 1879، وفي عام 1888 أرسل الى مدينة (سنا) الايرانية لتعليم الاطفال ، رسم الياس كاهناً في 16 تشرين الثاني   1895، ارسل الى السليمانية عام 1920 وخدم فيها ثلاث سنوات . وبعدها أرسل الى بيبوز ( العمادية )  لعدة اشهر وفي عام 1927 الى ( سنا ) حيث مكث فيها خمسة اعوام ، ثم في الاهواز عام 1934 حيث بقى مدة ثماني سنوات ، وبعدها الى ارادن عام 1937 التي خدم فيها سنتين . اضافة الى انيشك وتلا وبيرتا وملابروان وعين سفني ، كذلك خدم في أرموتا لأكثر من ثلاث سنوات . وهكذا اثقلت السنون كاهله وعاد الى ديره ، وهناك قضى في 21 آذار 1949 عن يناهز التسعين عاماً .

9.   القس بهنام سياوش : من اهالى عينكاوة خدم الكنيسة للفترة من  1927 الى 1928 م ثم عاد الى مسقط رأسه وتوفى هناك عن عمر يناهز 96 عاما .

10.   الاب الراهب القس هرمز يوسف شمعون الاسحاقي  :  سبق وأن خدم الكنيسة سابقا ثم عاد مرة اخرى ليخدمها و ذلك لحاجة منطقة لخدماته مكث فيها للمدة بين عام 1928 الى عام 1939 م وبعدها عاد الى شقلاوة حيث وافاه الاجل و دفن فيها.

11.   الاب عمانوئيل حداد : ولد في القوش عام  1902 م دخل الرهبنة عام 1918، درس في معهد شمعون الصفا الكهنوتي في الموصل ، ارتسم كاهناً عام 1930 مع اثنين آخرين من طلاب المعهد المذكور في مصلى مار بطرس زعيم الرسل في الموصل. قام برسالته في مراكز عديدة خارج الرهبنة وداخلها ومنها صار معلماً للمبتدئين بضعة أشهر ، ثم رئيساً لدير الربان هرمزد ، ونقلت خدماته إلى عقره ثم السليمانية. تعين بعدها في دير الزور والقامشلي في سوريا ، ثم لخدمة الكنيسة في كرمنشاه ايران واصبح مدبراً للرهبانية عدة مرات ، وأُنتخب رئيساً عاماً لها لمدة ثلاثة سنوات من عام (1960- 1963)، وخلال رئاسته حضر المجمع الفاتيكاني الثاني في روما ممثلاً عن رهبنته الكلدانية عام 1962، بعد انتهاء مدة رئاسته انتقل لخدمة المؤمنين في بغداد. سافر إلى روما لإدارة دير مار يوسف التابع للرهبانية وهناك توفي ودفن في مقبرة الفاتيكان عام  1987 خدم في كنيسة السليمانية من سنة 1939 حتى سنة 1949.

12.   الأنبا انطونيوس كوركيس : ولد في شقلاوة عام 1888، دخل الرهبنة إذ كان صغيراً وذلك عام  1905 ، أرسل إلى معهد شمعون الصفا الكهنوتي في الموصل ، ورسم كاهناً في كاتدرائية القديسة مسكنتة عام 1913 مع الأب يوسف داد يشوع ودعي اسمه انطونيوس. بعد رسامته ذهب بصحبة المطران يوحنا نيسان إلى أبرشية سنا (سنندج) في ايران قضى مدة غير قليلة من الزمن هناك وعاد ليقدم خدماته بصفته وكيلاً اسقفياً في زاخو وقراها. ثم عاد واستلم زمام رئاسة دير الربان هرمزد، بعدها رئيساً لدير مار كوركيس، ثم تعين في قرية ديرك التابعة إلى أبرشية سوريا- لبنان حتى انعقاد المجمع الانتخابي الرهباني العام حيث أُنتخب الاب  انطونيوس رئيساً عاماً للرهبانية لمدة ثلاث أعوام (1939- 1942). بعد رئاسته العامة خدم في السليمانية  1946 ـ 1950 ثم عين لكنيسة عين سفني ، وعاد بعدها إلى دير السيدة. توفي عام 1960 وأودع مثواه الأخير في نفس الدير .

13.   الاب بطرس شلى الراهب : من دير السيدة القوش خدم كنيسة من سنة 1951-1954 م حيث انتقل الى دير مار كوركيس و توفى فية و دفن بدير السيدة.

14.   القس جبرائيل مارى:  ولد في عينكاوة بتاريخ 10/9/1930.اكمل دراسته الابتدائية في عينكاوة  ودخل معهد مار يوحنا الحبيب عام 1944.رسم كاهنا في 15/5/1954.وعين  راعيا كنيسة السليمانية من 1954 لغاية 6/1/1963 بعدها تم نقله الى بغداد  وخدم في كنيسة (انتقال مريم العذراء) في المنصور الى يوم وفاته يوم الاحد 6/12/2004.

15.   القس يوسف حنا برى : من اهالى كويسنجق خدم كنيسة بغيرة و نشاط منذ 1962  إلى 1973 سافر الى فرنسا توفى هناك نتيجة مرض عضال نقل جثمانه إلى كنيسة مريم العذراء فى السليمانية ودفن فيها.

16.   الخورى حنا بولص : خدم كنيسة لمدة ستة اشهر من عام 1973 ثم رسم مطرانا لزاخو و توفى و دفن هناك.

17.   الاب عمانوئيل حداد الراهب : اعيد تعينه ثانية و ذلك لمحبته لأهالي  سليمانية 1974 لغاية 1980 . ساعده الراهب مقاريوس هرمز يونان من منكيش من مواليد 1913.دخل الدير سنة 1928. نذر النذور المؤبدة سنة 1930.خدم في دير ماركوركيس وربان هرمزد والسيدة. تعين للخدمة في السليمانية لغاية سنة 1981 انتخب مدبرا رابعا في زمن الاب ابراهيم يوسف الرئيس العام للرهبنة وفي سنة 1982 تعين في دير روما. انتقل إلى الاخدار السماوية فجر يوم الأحد الموافق 22 / ايار / 2011  ودفن في دير السيدة العذراء مريم حافظة الزروع في القوش.

•   مقاريوس هرمز يونان الراهب : ولد في مانكيش سنة 1913، نال العماذ في 27 نيسان 1913 في كنيسة ماركوركيس / مانكيش ثم دخل الرهبانية الأنطونية الهرمزدية الكلدانية واتشح بثوب الابتداء على يد الأنبا يوسف داد يشوع النجار في 24 نيسان 1924، جاهر بالنذور المؤقتة في 24 نيسان 1930، ونذر النذور الدائمة في 30 نيسان 1933، عين مساعداً لمدير الميتم الأب فيلبوس اسحق الراهب لفترة من الزمن ، وعين مساعداً للأب عمانوئيل حداد في كنيسة السليمانية لعدة سنوات ، انتخب مدبراً رابعاً في مجمع الانتخابي العام الذي عقد في دير السيدة في 30/ 5/ 1980، رافق الأب عمانوئيل حداد إلى دير مار يوسف في روما سنة 1982 وبقي في روما إلى عام 1997 ثم رجع إلى دير السيدة في القوش ، توفي فجر الأحد في دير السيدة العذراء مريم في القوش بتاريخ 22/ 5/ 2011.  كرس حياته كلها في التأمل والصلاة والعمل الدءوب ومن غير كلل عاش نذوره الرهبانية بكل بصدق وأمانة ،  حتى غدا مثالاً حياً يحتذى به اخوته الرهبان ، كان يقضي طيلة وقته في صلاة الوردية والفرض الإلهي والمشاركة قي القداس الإلهي وقراءة كتب سيرة القديسين ، وكان له اكرام خاص لمريم العذراء ، ومار انطونيوس ابي الرهبان ، والربان هرمزد مؤسس الرهبانية.امتاز بتواضعه وبساطته وحبه الكبير للرهبانية وللرهبان ، عاش حياته فقيرا ومتجرداً من كل الأمور المادية والدنيوية.

18.   الاب توما شوريز : ولد في 3 شباط 1918 في تللسقف . دخل الرهبنة الكلدانية في 24 كانون الأول 1934. أبرز نذوره الدائمة في 25 كانون الأول 1939. رسم كاهناً في 15 آب 1955. ارسل الى مانكيش في 15 تشرين الأول 1955. عين في الحبانية عام 1960. ثم كرمنشاه -  ايران عام 1968. عاد الى العراق عام 1972 وعين في كنيسة اربيل. انتخب رئيساً لدير الربان هرمزد في 11 نيسان 1975. انتخب مدبراً ثالثاً للرهبنة في 12 كانون الثاني 1976. انتخب مدبراً أول للرهبنة في 11 تشرين الثاني 1970. عين في البصرة في 15 نيسان 1980. انتقل الى السليمانية في 29 أيار  1981 ، ثم عاد الى البصرة في نفس العام. عين في دير السيدة مسئولا على الطلاب في 8 تشرين الثاني 1986. انتخب مدبراً أول للرهبنة في 17  تموز 1990 وعين في كنيسة باقوفا. انتقل الى دير السيدة في 6 شباط 1994. توفي في د ير السيدة في 18 نيسان 1998 ودفن هناك.

19.   الاب بول ربان : خدم الكنيسة لمدة شهرين و من مواليد شقلاوة 1943. أكمل فيها الدراسة الابتدائية وفي عام 1955 دخل معهد مار يوحنا الحبيب في الموصل درس مناهج الثانوية بجانب اللغات والطقس والديانة. ثم تخصص خلال السنين الستة الأخيرة في دراسة الفلسفة واللاهوت والكتاب المقدس وبقية العلوم الدينية الضرورية والمقررة للكهنوت. وفي 12/6/1966 رسم كاهنا والتحق بالخدمة الكهنوتية الفعلية في كركوك حيث تم تعينه منذ أيلول 1966 لان أربيل كانت تشكل أبرشية واحدة مع كركوك والسليمانية إلى عام 1968 . وخدم السليمانية لمدة شهرين. في 4/11/1974 سافر إلى روما لمتابعة الدراسة والتخصص في القانون الكنسي ودافع ونال شهادة الدكتوراه في 14/6/1980 .

20.   المطران عبد الأحد ربان  :ولد عبد الاحد بن يعقوب ربان في شقلاوة عام 1916، تلقى تعليمه الأول في مسقط رأسه. دخل الرهبنة عام 1932. أرسل إلى معهد شمعون الصفا الكهنوتي في الموصل ، رسم كاهناً مع ثلاثة من طلاب المعهد المذكور في كاتدرائية القديسة مسكنتة عام 1950 ودعي اسمه عبد الاحد. تعين بعدها معلماً للمبتدئين في دير السيدة. أُرسل لخدمة الرسالة في أبرشية عقرة وقراها ، ثم جماعة الاهواز وعبادان في ايران. اصبح مدبراً للرهبانية ورئيساً لدير مار كوركيس . تعين وكيلاً عاماًً للرهبانية وأُنتخب رئيساً عاماً لثلاث فترات متتالية منذ عام 1963 وحتى 1971. ويعود له الفضل في تشييد دير مار انطونيوس للمبتدئين في منطقة الدورة - بغداد. خدم بعد رئاسته كاتدرائية أم الاحزان في بغداد ثم مديراً للمعهد الكهنوتي البطريركي ، وفي عام 1980 رسم اسقفاً لأبرشية عقره والزيبار وأسندت اليه إدارة كنيسة السليمانية منذ سنة 1981-1998 م و ، توفى عام 1998 وأُودع لحدُهُ في كنيسة دير السيدة. ساعده اثناء خدمته .

i)   الاب قرياقوس ميخائيل : ولد قرياقوس بن عبد الاحد بن ميخائيل بن عبد الاحد في عقره عام 1952. دخل الرهبنة عام 1966، تعين في ميتم البطريركية في الدورة. أُرسل إلى معهد شمعون الصفا الكهنوتي في بغداد ، حيث تابع دروسه الفلسفية واللاهوتية ورسم كاهناً في كاتدرائية أم الاحزان عام 1978. تعين مدبراً في المعهد نفسه ثم مسئولا للمدرسة الرسولية في دير مار كوركيس. نقلت خدماته إلى كنيسة السليمانية وأبرشية عقره من 1982  م الى سنة 1991. والتحق بالخدمة الالزامية لمدة عام واحد ، اصبح مدبراً للرهبانية وتجددت رسالته في كنيسة السليمانية ، حتى انتقاله لخدمة المؤمنين في بغداد. تعين رئيساً عاماً للرهبانية من قبل المجمع الشرقي في روما لمدة ستة أعوام من (1994 - 2000)، وفي عهده نقل مقر الرئاسة العامة إلى دير مار انطونيوس في بغداد. وأصدر نشرة ربنوت الناطقة بلسان حال الرهبانية عام  1996 ، تعين معاوناً لرئيس دير مار كوركيس ومسئولا للمدرسة الرسولية عام 2000. خدم في السليمانية من سنة 1982 م الى سنة 1991

ii)   الاب دنحا توما : ولد فى قرية ارموطة التابعة لمدينة كويسنجق فى محافظة اربيل عام 1972. اكمل دراسته الابتدائية و المتوسطة فى القرية ، و بعدها اكمل دراسته الاعدادية فى مدينة كويسنجق.  قبل فى المعهد الفنى اربيل قسم الادارة القانونية و اكمل دراسته فيها عام 1993-1994 . رسم كاهنا  في 2/7/2004 ، كان يواصل الاب دنحا خدماته الكهنوتية في ثلاث خورنات  بكويسنجق  وأرموطة والسليمانية. دخل معهد شمعون الصفا ( الدير الكهنوتى ) فى بغداد عام 1997 بقى فيها مع دراسته فى كلية بابل للفلسفة و اللاهوت خلال سبع سنوات و تخرج منها فى 20/6/2004 خدم كنيسة السليمانية من عام 2001 عندما كان طالب بالدير الى عام 2006 عمل كمساعد للمدبر البطريركي .

iii)   الاب مفيد  توما مرقص: من مواليد  1 كانون الثاني 1966 الراهب خدم عدة اشهر تم انتخاب الانبا مفيد  توما مرقص رئيسا عاما  للاديرة الكلدانية في العراق وفي العالم  وذلك في المجمع الانتخابي العام ال41 المنعقد في دير السيدة في القوش بتاريخ  25-30/10/2004   رئيس دير السيدة للأيتام في  القوش العراق ثم راعي خورنة مريم العذراء في زاخو العباسية / العراق.

iv)   الاب وحيد توما عيسى جرجيس عسكر العينكاوي مواليد : كركوك 10/3/1967 اكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة في كركوك ثم دخل معهد مار يوحنا الحبيب في الموصل بتاريخ 10/10/1984 ثم انتقل الى معهد شمعون الصفا الكهنوتي في بغداد بتاريخ 25/9/1985 رسم كاهن بتاريخ 11/1/1991 خدم في عنكاوة من تاريخ 11/1/1991 الى 18/10/1991 ومن19/10/1991 الى 28/2/1992 في الموصل اثناء خدمته العسكرية ثم في كاتدرائية ام الأحزان في بغداد 1/3/1992 الى 1/3/1995 اثناء خدمته العسكرية ايضاً من 1/3/1995 الى 1/11/1995 خدم في كنيسة السليمانية مريم العذراء في صابون كران1/11/1995 الى 1/1/2003 خدم في كنيسة مار يوسف في كويسنجق وكنيسة مريم العذراء في ارموتا1/1/2003 الى 10/5/2005 خدم في كنيسة قلب يسوع في اربيل وهو لحد الآن كاهن في ابرشية اربيل له مؤلفات عديدة منها دراسة مقارنة بين الفيلسوف الألماني الملحد اسبنوزا اليهودي الأصل وبين يوحنا الأنجيلي. وكذلك الف كتاب صلاة عن الوحدة مع الله. خدم فترة قصيرة في السليمانية ثم انتقل إلى قضاء كوسنجق وخدم هناك

21.   الاب صليوا هما الراهب : ولد في 14 آب سنة 1920 في بلدة شقلاوة التي. دخل الرهبانية الكلدانية في 27 كانون الاول 1935. ابرز نذوره الدائمة في 1 كانون الثاني 1941 ، ارسل الى المعهد البطريركي في الموصل لدراسة الفلسفة واللاهوت في 24 تشرين الاول  1958 ، رسم كاهنا في 29 حزيران 1965 في كنيسة مار يوسف في بغداد ، عين في الصليخ لدى الاباء اليسوعيين معاونا في 17 ايلول  1965، عين رئيسا لدي الابتداء في بغداد لسنة واحدة في 14 كانون الاول 1967 ، انتقل الى كنيسة حافظة الزروع في 4 كانون الاول 1968، عين رئيسا للمعهد البطريركي في بغداد في 13 آب 1969، عين معاونا لرئيس مار كوركيس ومسئولا عن المدرسة الرسولية في 12 كانون الاول 1974، انتخب مدبرا للرهبنة في 11 تشرين الثاني 1977، عين رئيسا لدير مار يوسف في ايطاليا في 16 ايلول 1978، عاد الى دير السيدة في 25 شباط 1980 وفي نفس العام انتخب مدبرا للرهبنة للمرة الثانية. عين معاونا في دير مار كوركيس ومسؤولا عن المدرسة الرسولية عام 1981، انتخب مدبرا للمرة الثالثة في 8 تشرين الثاني 1986 وبقي في دير مار كوركيس مع نفس المسئوليات انتخب مدبرا للمرة الرابعة في 17 تموز 1990 وبقي ايضا في دير مار كوركيس معاونا ، انتقل الى دير السيدة وعين معاونا في 6 شباط 1994، ثم عين في السليمانية عام 1998، عاد الى دير السيدة وعين معاونا عام 1999، بالإضافة الى مساعدته للكثير من الخورنات في الابرشيات التي تواجد فيها من خلال اقامة القداديس والوعظ والاعتراف والتعليم المسيحي وغيرها من الخدمات.وقد خدم الاب صليوا بسخاء ومحبة وغيرة وحرص. كان الراحل راهبا تقيا ، مبتسما دوما وطيب المعشر . انتقل الى الاخدار السماوية صباح اليوم الجمعة 8/11/2013 في دير السيّدة بالقوش عن عمر ناهز الثانية والتسعين.

22.   الاب إبراهيم يوسف الياس : ولد في كركوك عام 1930 وأكمل دروسه الأولى في مدارسها ،  دخل الرهبنة عام 1946. حيث واصل دروسه المقررة الفلسفية واللاهوتية بالإضافة إلى دراسة اللغة الكلدانية والدروس الطقسية الكنسية داخل الدير ورسم كاهناً مع سبعة من اخوته الرهبان في كنيسة دير السيدة عام 1955. انطلق حينها إلى الرسالة لخدمة المؤمنين منها في أربيل وكركوك، وكرمنشاه في ايران. اصبح مدبراً للرهبانية وتعين رئيساً لدير مار انطونيوس. وفي عام 1971 أُنتخب رئيساً عاماً للرهبانية ولمدة ثلاثة وعشرين عاماً متواصلة لسبعة مجامع انتخابية متتالية حتى عام 1994. وقام اثناء رئاسته بأعمال كثيرة لفائدة الرهبانية خير قيام ، حيث أسس دير مار يوسف في روما. كما وأسس متحفاً لائقاً بتراث الرهبانية والمناطق المجاورة لها في دير السيدة ، وغير ذلك من الأعمال الاخرى. بعد رئاسته تعين رئيساً لدير السيدة ، ثم مدبراً بطريركياً لكنيسة السليمانية عام من 2000 حتى عام 2006 .

23.   الاب دنحا حنا : ولد في شقلاوة عام 1959 حيث أكمل تعليمه الأول في مدينته ثم دخل الرهبنة عام 1978. أرسله الرؤساء إلى معهد شمعون الصفا الكهنوتي في بغداد واقتبل الدرجة الكهنوتية في كاتدرائية أم الاحزان عام 1988. تعين في المعهد المذكور لعام واحد ثم رئيساً لدير مار انطونيوس. وأصبح معاوناً لمدير المعهد الكهنوتي (قسم الصغار). أنتخب مدبراً للرهبانية وعين مسئولا عن المدرسة الرسولية في دير مار كوركيس ، وأصبح مجدداً رئيساً لدير مار انطونيوس ومعلماً للمبتدئين. عقد المجمع الانتخابي الرهباني العام وأنتخب الاب دنحا رئيساً عاماً للرهبانيّة لمدة خمسة أعوام منذ 2000 والى 2005. شيد مركزاً ثقافياً على اسم جبرائيل دنبو تكريماً له عام 2001 ، وتشرف عليه الرئاسة العامة ومدبريها بمعية لجنتها الثقافية الموقرة.خدم السليمانية من عام 2006 . لغاية 2010

24.   الاب عمانوئيل موسى : الأب عمانوئيل موسى شعيا الراهب ولد في باطنايا بتاريخ 19 آذار 1919، ودعي اسمه موشي. وانظم الى الرهبانية الانطونية الهرمزدية الكلدانية كما واتشح بثوب الابتداء في 4 آذار 1934. وفي 8 آذار من عام 1936 نذر النذور المؤقتة ، وجاهر بالنذور المؤبدة في 12 آذار عام 1939. ارسل الى المعهد الكهنوتي في الموصل عام 1952 دون ان يكمل دراسته ، نال درجة الشماسية الانجيلية في 26 حزيران عام 1955 والرسامة الكهنوتية في 15 أب عام 1955 على يد المطران سليمان الصائغ مع سبعة من اخوته الرهبان ، قدم خدماته كراهباً وكاهناً في السليمانية وقرية خربة صالح التابعة الى عقرة ، والشيخان وقرية مانكيش وفي الأهواز ايران ، وخورنة بعقوبة. ومدبراً في المعهد الكهنوتي البطريركي ومعلماً للغة الكلدانية لطلاب المعهد آنذاك. وخدم في دير الربان هرمزد ودير السيدة في القوش ودير مار انطونيوس في بغداد بين رئيس دير وعضواً فيهم. وخدم ايضا في بعض خورنات بغداد. مكث في سنواته الأخيرةً في دير السيدة – القوش، بسبب مرضه وعدم طاقته للعمل الرعوي الى ان توفي في 20 حزيران 1995 ودفن في مقبرة دير السيدة.

25.   الأب الراهب دنخا رسام الراهب : ولد في شقلاوة بتاريخ 25 تموز 1924 ودخل الرهبانية الانطونية الهرمزدية الكلدانية كما واتشح بثوب الابتداء في 31 كانون الأول 1939. وفي 1 كانون الثاني من عام 1942 نذر النذور المؤقتة ، وجاهر بالنذور المؤبدة في 6 كانون الثاني عام 1945. ارسل الى المعهد الكهنوتي في الموصل في 30 أيلول عام 1945 دون ان يكمل دراسته ، ونال درجة الشماسية الانجيلية في 26 حزيران عام 1955 والرسامة الكهنوتية في 15 أب عام 1955 على يد المطران سليمان الصائغ مع سبعة من اخوته الرهبان. ارسل للخدمة في بداية كهنوته الى بعض القرى لأبرشية العمادية ، ثم سافر الى ايران لمدة سنتين تقريباً 1960- 1962، عاد الى العراق ، وبعد تعين في سوريا لمدة ثلاث سنوات ليقدم الخدمات الجليلة هناك. ومنها يقوم بخدمات متفرقة منها في زاخو وكنيسة بعقوبة ليستقر اخيراً في دير السيدة – القوش، وفي هذا الدير بعد المرض وشيخوخته يسلم روحه الى ربه لينتقل الى الاخدار السماوية في تموز عام 1998 ويتم دفنه في مقبرة دير السيدة.
26.   الاب فيلبس اسحاق الراهب  :من مواليد عام 1917 وخدم في السليمانية عام  2004 خدم فترة قصيرة . أبصر النور في 17 أيار من عام 1917 في قرية الداؤدية التابعة لأبرشية العماديّة في شمال العراق. أنضم في 8 أيار 1931 الى الرهبانية الانطونيّة الهرمزديّة الكلدانيّة . وأبرز فيها نذوره الدائمة في 15 أيار 1936. وعكف على الخدمة والتعليم في الدير. ونزولاً عند رغبة الرؤساء ، رضي بأن يُرسم كاهناً، تلقي دروس الفلسفة واللاهوت في دير السيدة (حافظة الزروع) حتى رسامته في 15 آب 1955 على يد مثلث الرحمة المطران سليمان صائغ مع سبعة كهنة آخرين جميعهم من الرهبان. وفي كهنوته خدم في خورنات عديدة داخل العراق وخارجه ، نذكر منها : قرية كربيش التابعة لأبرشية عقرة لمدة عامين؛ وفي قرى أبرشية العمادية لبضعة أشهر ؛ وفي دهوك لمدة عام واحد. وعيّن في كنيسة مار افرام في الشالجية لأكثر من مرّة ولمدّة ثلاثة عشرة عاماً متفرقة. ولا ننسى ذكر خدماته في مناطق الاهواز وطهران في إيران لمدة تسعة أعوام ، أي منذ عام 1965 حتى عام 1974. كما وقام بمسؤوليات في إدارة الرهبنة التي خدمها بكل إخلاص وتفان ، نذكر منها : خدمته في ميتم دير السيدة في القوش لسبعة أعوام ؛ تعيينه في دير مار كوركيس في الموصل لمدة عامين ؛ كما وترأس دير مار انطونيوس في بغداد لمدة تسعة أعوام متفرقة ؛ وأنتُخب مدبراً في المجامع الانتخابيّة العامّة لأربع مرات متفرقة.وافته المنية في 10 أيار 2004 على اثر جلطة دماغية في بغداد ونقل جثمانه ليدفن في مقبرة دير السيدة - القوش.

27.   الأب صليوا عزيز رسام : مواليد 1949 شقلاوة.  دخل دير مار يوحنا الحبيب في الموصل سنة 1962 وتركه في سنة 1971 لأن كان له رغبة في الانتماء لرهبنة اخوة يسوع الصغار. لكنه بعد أن خدم العسكرية وحاجة عائلته ووالديه له اتجه الى العمل وعاش في كركوك. تزوج سنة 1977 وله ثلاث اولاد. رسم كاهناً بتاريخ 26/10/2001 ليخدم في كنيسة مريم العذراء في كركوك بعد انتخاب المطران يعقوب شير ليكون راعي لأبرشية اربيل. في شهر حزيران سنة 2009 وبعد قرار السينودس الكلداني بالدمج بين رعيتي كركوك والسليمانية لتكون تحت عهدة المطران لويس ساكو رئيس اساقفة كركوك سابقاً ، تم تعيينه كاهن لرعية السليمانية. خدم فيها لمدة سنة وشهرين ثم عاد ليخدم في خورنته في كركوك خورنة مريم العذراء وهو يخدم فيها لحد يومنا هذا.
28.   الاب ايمن هرمز عزيز : بوتاني الأصل مواليد الموصل 1982. يسكن مع عائلته كركوك منذ 30 سنة. دخل الدير الكهنوتي قسم الصغار سنة 1998 وبعد اكمال الدراسة الإعدادية انتقل الى الدير الكهنوتي قسم الكبار سنة 1999 ليبقى فيه الى سنة 2006. حاصل على بكالوريوس في الدراسات الفلسفية واللاهوتية من كلية بابل للفلسفة واللاهوت سنة 2006. تزوج سنة 2009 ورسم كاهناً بتاريخ 16/7/2010 في كاتدرائية قلب يسوع في كركوك. تعين كاهناً لرعية السليمانية بعد شهر من رسامته في شهر اب 2010 ويخدم فيها الى اليوم.

المصادر :
1.   (الاتصال الشخصي مع بعض الكهنة وبالأخص الاب ايمن هرمز ) . الشكر الجزيل لمن قدم لي المعلومات عن سيرة الاباء والكهنة .
2.   تأريخ شقلاوة للمؤلف المرحوم الشماس ميخائيل كوسا
3.   تاريخ السليمانية . ملاحق جريدة المدى .


9
شخصية كلدانية من السليمانية .
ميخائيل عبد الرحيم علكة  1913 ـ 1996.



بدري نوئيل يوسف ـ السويد.
المقدمة :
لنبدأ الحكاية من مدينة السليمانية ، الراوي لهذه الحكاية شيخ جليل يستمد اعتزازه وفخره من عبق التاريخ وذكريات الماضي يحن قلبه لها ، يتذكر الأحداث على مر الايام كأنها وقعت أمس ، كان اليوم شتاء قاسيا على المدينة ، اتجهتُ نحو اقدم شوارع المدينة الى " شارع صابونكران" عند مفرق محلة كويژة حيث يقبع مقهى شعبي صغير ، جلس شيخنا في المقهى خلف طاولة خشبية قديمة و بالقرب من مدفأة نفطية يضع على كتفه معطفه ينتظرني اسمع منه الحكاية.
بعد الترحيب والسلام جلستُ مقابله لأسمع ما يروي لي وتعود به ذكريات السنين التي قضاها في المدينة ، لقد تعلق قلبه بالماضي وما يحويه من ذكريات رائعة ، فلم ينسى الايام ما فيها من ذكريات حلوها ومرها ، رفع يده ونادى على نادل المقهى قائلا له : كاكا يك دشلمة ، ( قصده شاي واحد للضيف)، (والدشلمة  شرب الشاي بوضع قطع السكر في الفم وليس بخلطها مع الشاي نفسه).
سألته عن سنة مواليده هز رأسه نافيا وامتنع عن ذكر عمره ، قائلا بهدوء وثقة : " الاعمار بيد الله ولا تدري أي نفس بأي أرض تموت " ، يدخن ال سبيل (الغليون) يلف سيجارته ويحمل معه كيس تبغه الكردستاني.
 قال مبتسما والسعادة على وجهه : هذا التبغ من منطقة كردجان في سهل بتوين قضاء رانية انه احسن انواع التبوغ ، وبيده سبحة خرزاتها من حبة الخضراء يداعبها ويلفها على اصابعه كأنها مبرمجه لا تحتاج للتفكير ، ولديه لحية خفيفة على ذقنه تزيده وسامة ،  يداعب لحيه البيضاء الانيقة بأطراف اصابعه احيانا قبل أن يتحدث .
قال لي بغبطة وفخر متسائلا: ـ هل تعرف لماذا اخترتُ هذا المقهى لأحكي لك حكايتنا ؟
لحظات صمت ، ودارت الافكار في رأسي ثم قلت له : لا اعلم . ربما المقهى قريب لمنزلك.
 قال بنبرة جدية وهادئة : ـ هذه المقهى يقع عند مدخل محلة لها اصول للمسيحيين من خلال احتفاظ احد ازقتها الضيقة بكنيسة مريم العذراء هي اقدم الكنائس في السليمانية ، وأقدم الأحياء ومنها بدأ بناء بيوت المدينة ومعظم سكان الحي من المسيحيين ، وأزقة الحي مازال البعض منها يحتفظ بوقار التاريخ  ، ومنها البيوت التراثية التي نقلت لنا ابداعات البنائين والمعماريين السابقين ، الرجل الذي تريد سماع حكايته ولد ونشأ وترعرع في هذا الحي ،كان والده الياس أهل مواقف مشرفة وعادات طيبة وقلب رحيم ، ولأخيه عبد الكريم علكة الوزير في حكومة الشيخ محمود الحفيد ، دور كبير عرف بسخائه وكرمه من خلال سنوات القحط التي ألمت بالمدينة إذ كان له الفضل في تجنب الكثيرين من اهل المدينة الموت جوعا انه زمن سفر برلك.  هناك بيوت لشخصيات كردية في نهاية هذا الشارع تجد بيت الشيخ محمود الخال وهو احد كبار علماء السليمانية ، ودار مصطفى باشا رئيس المحكمة العرفية في اسطنبول وكثيرين مجاورة لبيوت المسيحيين ، وفي قلب الحي وقربه من معظم البيوت المسيحية تجد مسجد الحاج الشيخ حسن الذي تتضح معالم قدمه من تآكل بعض جدرانه ، مازال يؤمه المصلون ، ودرس فيه العلوم الاسلامية الامير عبد الرحمن بابان ،  ويقابل المسجد بناية حمام المفتي وهي من الحمامات القديمة ويستخدم من قبل نسوة الحي الان ، وفي بداية الشارع عند ساحة السراي مازالت دكان جرجيس وأخيه متي شامخة ولها كيان وهيبة وتعود جذورهما الى الموصل ، انها العلاقة الاخوية المبنية على محبة الاخرين من واقع العيش المشترك كأرقى نموذج للتعايش.
سألته مستفسرا : هل عاصرت سفر برلك ؟
تنهد واخذ نفس عميقا من سبيله ونفث دخانه قائلا : ـ سفر برلك يعني النفير العام (الترحيل الجماعي) ، حسب تفسيرها من اللغة التركية كلمتان تدب الرعب في قلوب سكان المدينة ، تاريخ أسود ونكبة حلت بأهل السليمانية الآمنون ، انتشر الفقر والبؤس والجهل والقتل . الجنود الاتراك بطرابيشهم الحمراء والبنادق المتدلية من أيديهم تقدموا نحو المدن والقرى يسوقون الرجال والشباب وحتى الصبية عرضه للسوق ،روايات كثيرة ، مؤلمة محزنة ،يجمعون المؤن من التجار والعوائل ولم ينجو من حممها إلا القليل ، كان عمر والدي سنتان وسمعت قصصها من جدي الذي عاش زمنها لأنه استطاع الهروب من ايدي الجنود  .
قلت له بتهذيب ونبرة تميل للطلب : معنى هذا سيكون لنا لقاء اخر للحديث عن سفر برلك .
قال بجدية وثقة : ـ اشكرك على هذا الطلب ، من زمان وأريد شباب جيل المعلومات الرقمية يعرفون ما حل في السليمانية اثناء سفر برلك فقد كانت سنوات عجاف . 
قلت : ـ نعود الى موضوعنا ماذا تعرف عن عبد الرحيم علكة .
قال بهدوء : ـ  سمعت الحكاية من جدي الذي كان يملك دكان صغير في هذا الشارع يبيع فيه الأحذية النسيجية (الكلاش ، الكيوات) والزي الكردي وجلود الحيوانات الثمينة والنادرة التي تستعمل في الملابس الفلكلورية والأقمشة ، وكان عبد الرحيم علكة يتردد على هذه الشارع يشتري قماش ملابسه محتفظا بزيه المسيحي اثناء خياطته ، يلبس الزبون واليلك والشروال تحت الملابس ويضع فوق رأسه الطربوش ، ويتردد على الدكانين الاخرى لشراء العسل الطبيعي والجوز الهورماني  والجبن الكردي بالإضافة للصابون الذي جاءت تسمية الشارع من اشتهار اهل الحي بصناعته وسميه باسم صابون كران وتعني باللغة الكردية حي (الصابونجية) . ويعد الشارع من التراث الذي مازال يعبق برائحة التاريخ وصور الفلكلور الكردي . وأنا حزين جدا فقد انقرضت بعض المعالم التراثية بتوالي الازمنة والحاجة لتوسيع المدينة وخسرنا البيوت ذات الطراز الشرقي التي تزين أغلب واجهاتها النقوش والريازة المعمارية الكردية الجميلة ، فقد هدمت بعض البيوت تحولت الى مواقف للسيارات داخل هذه الازقة وفقدت المدينة تراثها المعماري وضيعنا الخيط والعصفور ،  و لا يوجد من يوقف هدم وتدمير التراث والمعالم التراثية والفلكلورية التي تعكس اخلاقيات ثقافية واجتماعية خلال حقبة زمنية لكنها تكاد تندثر في السليمانية بسبب الاهمال وغياب المتابعة وأدعو ايقاف الهدم العشوائي للدور والأبنية التراثية في المدينة وتحويلها الى ساحات لإيقاف السيارات وإيجاد البدائل لهذا الهدم .
مستفسرا  منه : اعتقد ان منزل عائلة الياس علكة ما زال قائما في هذه الحي .
قال بحزن ومرارة : ـ  نعم لقد كان المنزل تحفة معمارية شارك فيه تصميمه مهندسون معماريون ايرانيون و تنوي محافظة السليمانية استملاك المنزل لصالح الاثار وتحويله الى متحف ، المنزل يحتوي على شبابيك مزخرفة بزخارف تأخذ أشكال هندسية بالرسم على الزجاج الملون ، وله نكهة خاصة صنعتها يد تلك البيئة الكردستانية فيه إحساس مرهف بالجمال فالجمالية تظهر في الزخرفة بأشكالها المختلفة ، ونفاذ أشعة الشمس من خلال الزجاج الملون ، تضيف الاشعة على البيت جمالاً وتلويناً ، ونقوش جميلة على الجدران والمنزل من طابقين ووقوعه في هذا الحي تهيمن عليه روح التقاليد والعادات والتراث ، تجدها متجسدة في سكان المنزل الاصلين ، لكنه فقد الكثير من تراثه واخشى ان يفقد اكثر من قبل المستأجرين سكان المنزل .

جاء النادل ووضع امامي طبق صغير فيه قطع من السكر واستكان الشاي بدون ملعقة . شكرته وابتعد عن مجلسنا .
قال شيخنا الجليل مشيرا الى الطبق الصغير فوق الطاولة :
ـ  هذا السكر اسمه سكر قَنْدُ ( شكر كله ) و (ألقَنْدُ هو عسل سكر القصب) .
سألته باستغراب وتعجب : ـ ما علاقة تاجرنا عبد الرحيم علكة موضوع حكايتنا بسكر ألقَنْدُ ؟
أخذ نفسا عميقا ونفث دخان سبيله واعتدل في جلسته واسند ظهره على الكرسي وقال :
ـ كنا اطفال صغار نسمع حكايات قبل النوم من جدي ، نلتف حوله ونسمعه بشغف وهو يحكي قصصاً رائعة و نقاطعها لنستفسر عن اشياء لا يستوعبها عمرنا الصغير . تبدأ الحكاية أنه كان فيما مضى من قديم الزمان قبل مائة وثلاثين سنة تقريبا ، كان في مدينة السليمانية تاجر جملة كبير (حبوب وصوف وأقمشة .. الخ ) من عائلة كلدانية اسمه الياس علكة وله من الاولاد اربعة صبيان وبنتان ، وعبد الرحيم هو الابن الثالث لعلكة ، اشتهرت تجارة الياس وازدهرت صادرته ووارداته ، واهم ما قام به في تلك الحقبة الزمنية فتح له فروع تجارية في مدن اخرى وخاصة بعد وصول التلغراف  ، أرسل ابنه عبد الرحيم ليستقر في بغداد وكان محق بذلك ، لعدة اسباب اهمها تجنب قطاع الطرق واللصوص والحفاظ على سلامة ابنه الذي كان يتردد بين بغداد والسليمانية مرافقا للقافلة وبدأ الابن يبيع ويشتري البضائع والسلع مع تجار في بغداد وجنوب العراق . كان للتلغراف دور مهم ، على سبيل المثال يرسل عبد الكريم برقيه من مكتب تلغراف السليمانية مدون فيها ما يحتاج من بضائع يستلمها مكتب تلغراف بغداد ثم تسلم الى عبد الرحيم الذي يجهز القافلة ويرسلها بصحبة حراس لها ومع اصحاب الحيوانات ، تخرج القوافل من بغداد متجهه نحو السليمانية من البغال والحمير محملة بأكياس تدلى على جانبي الحيوان بداخلها قوالب مخروطيه مغلفة بورق ازرق انه سكر ألقَنْدُ (شكر الكله ) وهو اول من جلبه للسليمانية بالإضافة لبقية البضائع المستوردة مع الالبسة والأمتعة الاخرى تتوقف القافلة في احد خانات كركوك لمدة يومين او ثلاثة بغية الحصول على مفرزة من الجنود النظامين الاتراك لحمايتها من اللصوص وقطاع الطرق اثناء مرورها بقضاء جمجمال وبازيان و الجبال التي تقع غربها . تتحرك القافلة من كركوك مع شروق الشمس وفي مقدمتها الجنود يمتطيا جيادهم مهيأين وكل جندي مسلح ببندقية ومسدس وخنجر ويلفان على اكتافهما الخراطيش . عند الظهيرة تحط القافلة في قرية قره هنجير الواقعة في بطن الوادي جنوب الطريق للاستراحة وتناول الغذاء مما يحملون معهم من زاد ، وفي مساء اليوم تصل القافلة قضاء جمجمال وإذا بدأ المطر ينهمر والقافلة في الطريق تلتجئ القافلة الى احد القرى وتستأجر مكانا مسقفا ربما تكون واجهته مكشوفة لمدة يوم او يومين لحين وقوف المطر ثم تتابع القافلة طريقها الى السليمانية . قبل مرور القافلة بمضيق بازيان وعلى جانب الطريق الايمن تمر القافلة على اثار دير يحتضن في كنفه كنيسة تحاكي كنيسة المدائن التي تعتبر من أوائل ما شيد في العراق وتعد كنيسة بازيان  غرب مدينة السليمانية والواقعة في سهل بين جبلين من الكنائس القديمة في العراق والمنطقة ، وهي من الكنائس القديمة في المشرق ويعود عمرها الى ستمائة وخمسين عاما تقريبا مما يدل على تواجد المسيحيين في المنطقة ، وتدل اثارها على أنها كانت كنيسة عامرة ، وخاصة الأعمدة المنتشرة في أطرافها ، ويحيط بهيكل الكنيسة عدة (قلايات)  اي غرف صغيرة لسكنى الرهبان ، وهذه المنطقة و مناطق السليمانية و شهرزور كانت تابعة في السابق لرئاسة اسقفية بيث كرماي ومركزها كركوك . 
لا اعلم سنة انتقال التاجر عبد الرحيم علكة ذو الخبرة التجارية الجيدة الى بغداد لكنه خلال مدة زمنية قليلة وسع الخان الذي استأجره وأصبح من كبار تجار الجملة وبدأ يستورد الاقمشة والبضائع من بومباي ودول اخرى عبر بواخر ترسو في البصرة وتنقل الى بغداد ثم توزع على منطقة كردستان . وسهل له وجود مصرف يستطيع تحويل المبالغ المالية فقد قام العراقي اليهودي خضوري زلخة بفتح مصرف يهودي أهلي عراقي في بغداد عام 1899   ، كما أسس خضوري شبكة مالية في لندن وبيروت ودمشق والقاهرة ،مع العلم إن خضوري قد غادر مع عائلته العراق عام 1941 ، وتم مصادرة أمواله والبنك الذي أسسهُ من قبل الحكومة العراقية في العهد الملكي. كما تأسست غرفة تجارة بغداد عام 1910  فكانت أول غرفة تجارية بالمعنى الصحيح . ونلاحظ بعد سيطرة اليهود على الغرف التجارية العراقية فرضوا هيمنتهم على السوق ، عن طريق منح الوكالات لليهود العراقيين أو فتح فروع للشركات الأجنبية بالعراق ، وتحديد أسعار البضائع المصدرة إلى الخارج ولاسيما الحبوب والتبغ ، إذ شكلوا الأغلبية العظمى في لجان تحديد التسعيرة. وانعكست سلبيا على بقية التجار .
كما كان يرسل علكة الاب الابن الصغير للعائلة فرنسيس الى مدينة التون كوبري لتجارة الصوف والجلود ، حيث كثير من العشائر الكردية كانت حياتهم تعتمد على الترحال بين شمال و جنوب جبال كردستان وسهول الجزيرة بحثاً عن المرعى لماشيتهم طول أيام السنة. ولأن تربية الأغنام باتت المهنة الأساسية التي يزاولونها وفق معايير توارثوها عن أجداهم ،  وابتداء من منتصف نيسان من السنة وكعرف متداول في المنطقة يبدأ جميع مربي الأغنام بجز صوف الأغنام بمقص خاص ويتميز الرعاة بأنهم يعرفون طريقة جز الصوف و أصبحا لهم اسلوباً يتوارثه الابن من الأب ،بعد جز الاغنام يعبأ الصوف في اكياس.
يقوم فرنسيس بشراء الصوف من الرعاة وينقل الى شواطئ نهر الزاب في مدينة التون كوبري وتبدأ مراحل التنظيف وغسله لأنّ تنظيفه يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه لا يوفرها غير النهر ، تقوم النسوة  التي يستأجرها فرنسيس بغرق الصوف في الماء حتى يتبلل تماماً ومن ثم يتم وضعه على حجر مسطح الشكل ودقه بواسطة عصا خشبية غليظة خاصّة يسمى الخاطور الذي كان يستعمل لخطر الملابس اي ضربها بهذه الاداة الخشبية قبل ظهور مساحيق الغسيل لغرض تنظيفه ، ويستمر العمل بهذا الشكل حتى يتم الانتهاء من غسل كامل الصوف ، و يتم نشره على حبال متينة مشدودة على اعمدة مثبته على شاطئ الزاب تحت الشمس حتى ينشف تماماً ، بعد مرحلة جفاف الصوف تقوم النساء بتنظيفه من بقايا الأشواك والقش المتعلق به يدوياً ،  يعبأ الصوف بأكياس خاصة ويستغرق هذا العمل عدة اشهر ، وكان فرنسيس يشتري كميات كبيرة من الصوف ، بعدها ينقل الى بغداد بواسطة الكلك وهو من وسائل النقل النهري القديمة التي بقيت إلى منتصف القرن الماضي في المدن العراقية الواقعة على الأنهر ، والوسيلة السهلة للنقل من المدن الواقعة شمال نهر دجله إلى جنوبه ، والكلك عبارة عن مسطَّح من سيقان الأشجار مربوط بشدة ، يحمل الأشخاص والبضاعة فوقه ، ويسير بواسطة تيار النهر ، ومنها ما هو مصنوع من جلود الماعز المنفوخة التي تربط سوية بأعمدة وتُغطى بأحْصِرَة  اي بساط منسوج من الخوص ، تنحدرُ هذه "الأكلاك " إلى بغداد بالمئات تنقل الصوف ، والجلود. يستلمها عبد الرحيم في بغداد وتباع الى معمل نسيج ( العبَّخانه ، وهي من "العباءة خانه" او محل صنع العباءات ) وهو أول مؤسسة بسيطة للصناعة أقامها مدحت باشا 1868-1871 في بغـداد ثم أعقب ذلك ما عُـرف ( بمدرسة الصنايع ) حيث تلقى البغداديون أوائل العلوم عن الصناعة الحديثة ...ثم تحول الى معمل فتاح باشا لصناعة البطانيات .
 سألته بتواضع مستفسرا : ـ هل لديك معلومات عن التجارة في تلك الفترة وكيف كانت ؟
أجاب موضحا : ـ يصنف التجار الى ثلاثة اصناف تجار الجملة وهم يعدون بعد اصابع اليد وأصحاب الدكانين المنتشرون في الاسواق الذين يبيعون الالبسة والأقمشة في دكاكينهم بالإضافة لمواد البقاله والأدوية والتوابل فقد كانت بعض هذه الدكاكين تبيع بالجملة لبائعين يتجولون في القرى حاملين كميات من البضائع على اكتافهم او على البغال والحمير واشتهر بهذه الطريقة اليهود .
ترتبط تجارة الحبوب بتسديد التاجر المبلغ قبل موسم الحصاد حيث يعقد الفلاحين صفقات مباشرة مع تاجر الجملة مقابل تجهيزهم باحتياجاتهم من بضائع خلال فترة الشتاء ولا يحق للفلاح بيع محصوله لغير التاجر.
سألته مستفسرا : هل كان لمسيحيين السليمانية دور في التجارة ؟
أجاب : نعم .. في تلك الفترة الزمنية وأثناء الحكم العثماني ومن ثم تأسيس الدولة العراقية كانت عائلة علكة هي التي امتهنت التجارة ولها ثقلها التجاري في المدينة .ولم يبقى اي فرد من هذه العائلة في السليمانية جميعهم هاجروا ، اما بقية العوائل امتهنوا الاعمال الحرة ومنهم من عمل في مؤسسات الدولة . اما الان فيوجد بعض العوائل تعمل في التجارة .
سألته : ـ  ماذا تعرف عن الحياة الاجتماعية لعبد الرحيم علكة .
قال بثقة وجدية : ـ ان الارث الثقافي الذي حافظ عليه مسيحيو السليمانية يتميز بخصوصيته رغم مشاركتهم المجتمع الكردي في كثير من الاعراف والتقاليد . ويعتبرون الموروث الشعبي جزءاً مهماً من تاريخهم وثقافتيهم بدءاً بلغة السورث فهم يتكلمون فيما بينهم هذه اللغة ويكتبون الحرف الآرامي اللذان يمتد عمرهما الى الحضارات الاولى في وادي الرافدين ، ويعتزون بالموروث الشّعبي الذي يحمل رؤية الشّعوب لأصولهم وتاريخهم  ، حيث أن تراثهم يمثّل قوّة دفع ومصدر ثقة مروراً بطقوس الزواج والميلاد والأعياد والعادات والأزياء التي ورثوها من اجدادهم . فتراثهم باقٍ وخالد ، لأن العادات والتقاليد وكل الممارسات التي اكتسبوها  تنقل من جيل الأجداد الى الآباء ولا تزال يمارسها الابناء . وعبد الرحيم هو احد الابناء الذي تمسك بالتراث .
 في بغداد تزوج عبد الرحيم حسب الطقوس الكنسية والعادات والتقاليد الموروثة من السيدة ريجينا تيسي ورزق منها اربعة صبيان (عزيز درس الهندسة ، ميخائيل دكتوراه في الانواء الجوية ، لطيف طبيب اختصاص امراض نسائية ، فيكتور ضابط طيار سقطت طائرة اثناء التدريب ) ، وثلاثة بنات هن (سيسيل ، ماري ، مادلين ) انتقلن للسكن الى امريكا . وبعد وفاة زوجته الاولى تزوج من السيدة انجيلا بهلوان ورزق منها بنتان (يفيت ، وبرناديت) .
سألته : ماذا تعرف عن ابنه ميخائيل عبد الرحيم علكة ؟
أجاب والابتسامة على وجهه : كنت طالبا في الاعدادية عندما جاء ميخائيل علكة الى السليمانية ليدرس الفيزياء كان ذلك في عام 1944 وجلب انتباهي انه كان مولعا بظواهر الطقس والمناخ مع بداية العام الدراسي الجديد اتذكر حديثه وتوقعاته حول الانواء الجوية ويعرف متى تهب الرياح وتنخفض درجات الحرارة وتهطل الامطار وتسقط الثلوج ، جاء مدرسنا في احد الايام الى الصف وقال كنت اراقب من الفجر ظهور نجمة كلاويژ  ( نجمة سهيل ) ، كلاويژ في الفلك هو ألمع نجم في مجموعة النجوم والتي تظهر مع نهاية شهر اب وبداية شهر ايلول في الفجر ويعني ظهوره بداية التغير الفصلي ،حيث سيبدأ النهار تراجعه ويبدأ الليل يطول ، ويشهد الطقس خلال هذا الشهر انخفاض في درجات الحرارة خصوصا في الليالي و ينكسر قيض الحرّ وتهب نسمات عذبة بعد منتصف الليل قادمة من الشمال ، وتشتد برودة الجو كلما اقتربنا من الصباح دلالة على حلول فصل الخريف ، فهبوب الرياح التي يصحبها تساقط الأوراق أشجار تسمى بالكردية رياح ( خه زان ) ، وكان يتوقع موعد تجمع كتل الغيوم وظهورها في السماء ، وانخفاض درجات الحرارة ويقول لنا نحن اقتربنا من فصل البرودة والثلج و يتوقع موعد سقوط الثلوج وكم ويوما يستمر تساقطها وسمكها . وأتذكر كلامه عن الرياح الشمالية الغربية القادمة من البحر المتوسط المحملة بكتل الغيوم والتي تسبب هطول الأمطار الغزيرة ، وعند اجتياز الرياح لكردستان يتوقف سقوط المطر ، وتهدأ الرياح ، ويصحوا الجو ، واعتقد انه سافر للخارج وأكمل دراسة الانواء الجوية . يا ليت يعود العمر مني للوراء وادرس هذا العلم لأننا نفقده وكم بحاجة اليه .
قلت له . ـ نعم لقد سافر ميخائيل للخارج وأكمل دراسته ، ماذا تعرف عنه اكثر؟
قال بهدوء : ـ لا اعرف اكثر مما قلت عن هذه الشخصية الكلدانية من السليمانية .
سألته مستفسرا : كيف كانت الحياة الاجتماعية لسكان السليمانية خلال فترة تغير المناخ في تلك السنين الماضية  ؟
أجاب بهدوء وتوضيح : فصل الخريف هو فصل كئيب بشكل عام ومن مناظره المألوفة ، هبوب نوع من الرياح التي يصحبها تساقط مستمر لأوراق أشجار الغابات والبساتين والحدائق و أفضل من ظروف فصل الصيف فتشد حرارة الجو وتزداد حالات الملل عند الناس ويكثر البعوض وينشغل الفلاحين بالحصاد وبيع محاصيلهم  ، اما الشتاء في كردستان يمتاز بثلوجه وبروده الجو ويتشاءم الفقراء لتوقف الاعمال ، وعلى الفلاحين الجلوس في بيوتهم حول مواقد النار وشرب الشاي والتدخين والاستمتاع بالأحاديث وانتظار انتهاء فصل الشتاء والمباشرة في الربيع لزراعة الحقول. أما أطفالهم فينشغلون عادة برمي البلوط في مواقد التدفئة ثم تناول لبها المشوي. أما النساء فأنهن ينتهزن حلول الشتاء لمزاولة أعمال الحياكة والنسيج. ويأتي فصل الربيع فتزدان الطبيعة بحلتها الجميلة ، ويعتدل الطقس وتبدأ كتل الثلوج بالذوبان ، وتنمو الحشائش وتتفتح إزهار النرجس والرياحين .
ودعت شيخنا الجليل وشكرته على امل ان نلتقي بعد يومين لكي يحكي لي ذكرياته عن زمن سفر برلك .عدت للسويد بعد انتهاء اجازتي ، وخلال اسبوع حصلت على بقية المعلومات عن الدكتور ميخائيل علكة .

ميخائيل عبد الرحيم علكة :
من مواليد 26 حزيران 1913 في بغداد ، يحترم الآخرين و يحافظ على الإصغاء الجيد ومناقشة الموضوع المطروح وعدم الخروج عنه يعمل بتوجيه الحديث إلى الهدف المنشود ، هادئ و بشوش وتتميز أعصابه بالاسترخاء ، طيب القلب ، ومنذ طفولته نبغ وظهرت عليه سمات الذكاء ، يتكلم العربية والكردية والتركية والكلدانية والفرنسية والانكليزية وقليل من الاسبانية .
 ظهرت سمات حبه للطقس وأسباب تغير المناخ منذ صباه ، عندما يزور مدينة السليمانية مع عائلته كان ذلك ايام الصيف والعطل المدرسية الربيعية ، جلب انتباه ميخائيل هبوب الرياح التي تهب على السليمانية والتي تسمى بـ الرشبة   (الره شه با) أي الرياح السوداء التي تداعب المدينة بقوة وشراهة بين فترة وأخرى والتي تحدث نتيجة تخلل في الضغط الجوي وتغير درجات الحرارة ، حيث السليمانية محاطة بالجبال والرياح تأتي من الوديان . وهذه الرياح قوية وسريعة تكسر الاغصان وتخلع الأشجار ، وتسقط لوحات المحلات وتقلع سقوف البيوت القديمة المبنية بالطين والقصب ، ترافقها أحيانا زوبعة تسمى بالكردية ( كيژة لوكة ) تدور الرياح في مكان واحد كما تجعل الإنسان لا يستطيع السير ضدها ، و (باو بوران) الرياح القوية المصحوبة مع مطر غزير تختلف عن (فرته نيا ) السريعة المطر هذه الرياح تحدث في الربيع والشتاء والخريف ، كان ميخائيل يسأل عنها وكيف تحدث ،كما كان يسأل عن المطر الربيعي الذي يؤدي الى طوفان المدينة نتيجة سقوط الحالوب والمطر السريع الذي يرفع مستوى المياه في الشوارع . ومن الملاحظ انه كان يقف على سطح المنزل يراقب هبوب النسيم العليل وخاصة في الصيف وقت المساء عندما تقوم بنات العائلة بعد المغرب مباشره برش السطح بالماء حتى يبرد فقد كانت جميع بيوت المدينة شعبية مبنية من الطين و الحجر ، هذه العوائل تنام في السطوح لعدم وجود مكيفات انذاك ، يتنبأ بموعد هبوب (الره شه با) على المدينة بالإضافة الى التغير الذي سيحصل بدرجات الحرارة او سقوط الامطار وكان اهله يتعجبون من ما يقول لهم وهو صبي .
التحق في الجامعة الامريكية في بيروت عام 1925 وفي سن مبكرة لاحظ المدرسون نبوغا غير عادي على الصبي واهتماما زائدا منه بالمواد العلمية وانهى الصف الاول والثاني بسنة واحدة ، وسرعان ما أدهش الجميع بذكائه الحاد وقدرته على تذكر جميع المعادلات الرياضية والنظريات العلمية وكانت دهشة مدرسيه بلا حدود وانهى صفي الثالث والرابع بسنة واحدة اي انهى الثانوية بسنتين وانتقل للجامعة سنة 1927 بعمر الخمس عشر سنة وأصبح مدرسا للمدارس الابتدائية في سن السابعة عشر وأدرك المدرسون أن هذا الشاب سيكون له شأن عظيم في المستقبل وازدادوا اهتماما به وتشجيعا له .
 في عام 1938 سافر الى انكلترا وتلقى التدريب على الارصاد الجوي الاولي وعاد للعراق وعمل متنبئ جوي في دائرة الارصاد الجوي .
في عام 1941 حصل على بكالوريوس رياضيات بدرجة شرف من الجامعة الامريكية في بيروت . عاد وعمل متنبي الارصاد الجوية العراقية في عام 1942 استطاع ميخائيل تكمله مشروع اطلس الانواء الجوية  العراقية المتوقف ورسم العدد الاكبر من خرائطه مع تدوين المعلومات المناخية عليها للعراق باسم  (Metrological service Climatogical Atlas for Iraq ) الذي طبع بمطابع المساحة لحساب وزارة الدفاع العراقية . حيث كانت الهيئة العامة للأنواء والرصد الزلزالي احدى تشكيلات وزارة النقل تأسست عام 1923 من قبل القوات البريطانية حينذاك تحت اسم مصلحة الانواء الجوية وأنشأت ثلاث من دوائر الرصد الجوي لخدمة اغراضها العسكرية في كل من الموصل والحبانية والشعيبة . وفي عام 1936 انتقلت ادارتها الى ايدي عراقية تحت ادارة الطيران المدني وضمن تشكيلات وزارة الدفاع .
 في عام 1944 عمل مدرس للفيزياء في السليمانية فقد روى شيخنا جزء منها  ، لكن كان انشغاله ودراسته الرصد الجوي لا تتوقف وخاصة في مجال استخدام التنبؤات الجوية ،كالتحذيرات الجوية لحماية الأرواح والممتلكات من الكوارث الطبيعية ، والمحافظة على البيئة ، وتحسين الرفاه الاقتصادي والاجتماعي لجميع قطاعات المجتمع في مجالات الأمن الغذائي ، وموارد المياه ، والنقل. واستخدام الأرصاد الجوية في الخدمات العامة في مجال الطقس، والزراعة، والطيران ، والملاحة ، والبيئة ، وقضايا المياه ، والتخفيف من آثار الكوارث الطبيعية وعلى معرفة تغيرات درجة الحرارة واحتمال هطول الأمطار لصالح المجال الزراعي .
سافر الى امريكا بعد حصوله على زمالة من الحكومة العراقية لمدة سنتين وفي عام 1949 حصل على شهادة الماجستير بعلم الظواهر والأحوال الجوية من جامعة شيكاغو ، بعدها عاد للعراق وأصبح نائب لمدير الارصاد الجوي لغاية ايلول في عام 1950 ثم سافر و تابع دراسته في جامعة شيكاغو وفي عام 1954 تزوج من السيدة لوسيل التي كان قد التقى معها في نفس الجامعة ، أكمل دراسته وحصل على شهادة الدكتوراه .بعدها انتقل في عام 1955 الى جنيف وأصبح المسئول الفني ونائب رئيس قسم التحقيقات في المنظمة العالمية  للأرصاد الجوية (WMO) وهي وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة ، عملها يتعلق بحالة وسلوك الغلاف الجوي للأرض ، وتفاعله مع المحيطات ، والمناخ الذي ينتج عنه ، وتوزيع موارد المياه الذي ينجم عن ذلك ،ومنذ إنشائها قامت بدور فريد وقوي في المساهمة في سلامة البشرية ورفاهتها . ولها مساهمة كبيرة في حماية الأرواح والممتلكات من الكوارث الطبيعية ، والمحافظة على البيئة .
عاد الى امريكا في ديسمبر 1960 ،  الى مركز بحوث للأرصاد الجوي في المشروع القومي للبحوث إعصار في ميامي ، فلوريدا حتى عام 1964 وكان له بحوث واسعة في الرصد الجوي ونشرت الصحف دراسته حول الطقس والحمل الحراري بواسطة الرادارات الرقمية لمعرفة حالة الغلاف الجوي .
عام 1967 انتقل الى واشنطن وشارك في اعمال عدة ولجان وطنية ودولية وشملت اعداد خطط وطنية على المستوى الدولي ،كان يعتبر رائدا في بحوث الغلاف الجوي وعضوا في الجمعية الملكيه للرصد الجوي الامريكي.   انتقل في عام 1981 الى كاليفورنيا واستقر هناك مع زوجته حتى وافته المنيه في 7 مارس 1996 عن عمر ناهز الثانية والثمانون وله من الاولاد ثلاث بنات .
له عدد من الكتب والمؤلفات ادرج ادناه مؤلفاته :
1.   Short range thunderstorm forecasting for aviation (FAA-RD report) by Mikhail A Alaka (1975(.
2.   The occurrence of anomalous winds and their significance (National Hurricane Research Project ; Report) by Mikhail A Alaka (1961(.
3.   Climatology of Atlantic tropical storms and hurricanes (ESSA technical report) by Mikhail A Alaka (1968(.
4.   A case study of an easterly jet stream in the tropics by Mikhail A Alaka (1955(.
5.   Aviation aspects of mountain waves (World Meteorological Organization. WMO [publications]) by Mikhail A Alaka (1958).
6.   Problems of tropical meteorology. A survey (World Meteorological Organization. Technical Note. no. 62.) by Mikhail A Alaka (1964).

في الختام
ميخائيل احدى الشخصيات المسيحية التي كان له دوراَ كبيراَ في خدمة ثقافة شعبهم ، الذي كرس نفسه لخدمة أبناء جلدته مدافعاَ عن حقوقهم في بناء العراق المعاصر. ولكنه بقى بعيداَ عن الأضواء . خدم الفقيد العراق خدمات لا ينكرها احد وخاصة الاطلس الجوي ، في النهاية اود اقول ان اعماله وحياته هي انعكاس لنظريته في الحياة ، رحم الله الفقيد الدكتور ميخائيل عبد الرحيم علكة .
المصادر :
1.   معروف جياووك ، هه زار به ندو به ند ، بغداد ، مطبعة النجاح 1980
2.   مهدي خال ، به ندى بيشينان ، ط 2 ، 1971
3.   الاثار الكاملة ..الجزء الاول .. توفيق وهبي بك
4.   الكرد .. توما بوا

10
شخصية كلدانية من مدينة السليمانية :
الدكتور نوري فتوحي :



بدري نوئيل يوسف  ـ السويد
المقدمة :

هذه الحكاية ليست من حكايات أيام زمان ، لنبدأ الحكاية من البداية ،كان يا ما كان ، ليس في سالف العصر والأوان ، بل منذ وقت قريب في نهاية القرن الثامن عشر في مدينة السليمانية الواقعة تحت نفوذ الإمبراطورية العثمانية انذاك ، كان هنالك تاجرا في ريعان شبابه اسمه فتوحي عبد الاحد جرجيس ، كانت تجارته تشمل أهم موارد السليمانية من الصوف والجلود وعرق السوس وشعر الماعز والعفص الكردستاني الذي يكثر في المناطق الجبلية و يستعمل بدباغة الجلود ، بالإضافة للمن والسلوى .
فتوحي عبد الاحد جرجيس اخذ عن والده مهنة التجارة بالإضافة لامتلاكه خان كبيرا يستقبل القوافل القادمة الى السليمانية والخارجة منها . والخان هي كلمة أعجمية تدل على الفندق في عصرنا الحديث ، و الخان يقدّم الخدمات للتّجار والرّحالة والمُسافرين كافةً ، ويوفّر لهم الراحة ويجنّبهم مشقّة ومخاطر السّفر ليلاً. يضمّ الخان مستودعات لحفظ البضائع وإسطبلاتٍ مختلفةً لإيواء العربات وأنواع الحيوانات. حيث تصل البضائع إلى السليمانية من القرى والمدن الكردية الواقعة على مقربة منها ، تباع البضائع بأسعار عالية داخل الخان لتجار محليون ثم تنقل الى بغداد بواسطة القوافل .
كل يوم وعند الفجر مع صياح الديك كان تجار القرى يضعون حمولتهم فوق ظهور الحمير والبغال ويشكلون قافلة صغيرة تسمى كاروان  يتوجهون نحو مدينة السليمانية . وحال وصولهم المدينة يحطون الرحال في خاناتها ومن ضمنهم خان عائلة عبد الاحد جرجيس بعد استراحة التجار وتناول طعام الفطور الذي جلبوه معهم في القافلة ، تبدأ مقايضة حمولتهم بالصوف وشعر الماعز والجلود والعفص وما تحتاجه القرى من سلع مع البضائع التي جلبها التجار من سمن حيواني وزبيب وحبة الخضرة والجوز والأقمشة المحاكة بالجومة  حيث اشتهر سكان القرى المسيحية بغزل أصواف الأغنام وشعر الماعز التي يوفرها لهم الخان.
اعتاد فتوحي توفير ما يحتاجه الحائكون من الغزل والصوف وبعد تسويقهم ما يحتاجون تنقل الى القرى المسيحية وتبدأ عملية حياكة قطع الملابس مثل(شل وشبك) يعني السروال والسترة الذي يعتبر اللباس الشعبي للرجل الكردي بالإضافة لباس لرجال القرى المسيحية المجاورة للمنطقة الكردية وهي الملابس الفلكلورية المسيحية ، كما يحاك من الغزل (الجاروكه)   رداء للنساء المسيحيات حصراً الساكنات في القرى المسيحية ولم تلبسها المرأة الكردية .
فتوحي عبد الاحد جرجيس لا نعرف سنة هجرة عائلته الى السليمانية ومن اي منطقة قدم لكنها تقدر منتصف القرن الثامن عشر ، ويرجح ان اجداده من ضمن العوائل العشرة التي كانت تقطن المدينة عند تأسيسها كما ينتمي الى عائلة تلقب " حَبَكا " (هذا ما علمته من كبار السن في المدينة) . اكتسب فتوحي سمعة حسنة طيبة وثقة التجار على مر السنين يتكلم اللغة العربية والكردية والتركية والكلدانية وتعرف على تجارها وتقرب من عائلة الياس علكة الذي اصبح  ابنه عبد الكريم وزيرا لحكومة الشيخ محمود الحفيد  . 
لا عبث بالحب في السليمانية .
من عادات سكان مدينة السليمانية سواءا يعيش الفرد مع عشيرته او منفصلا عنها ، أو يعمل كراع ِ جوال يبيت تحت خيمته في الجبال أو يمتلك دكانا ، أو يشتغل كفلاح أو حرفيا ، لا يعيش بمفرده في جميع الاحوال بل يصاحب زوجته وأطفاله دائما ، فقلما نجد اعزب في المدينة فالشباب يتزوجون مبكرين حيث لا ينتظرون  سن العشرين ، ويبدأ  الشاب البحث عن فتاة قد اكتملت انوثتها وربة بيت بارعة ممتازة ضليعة بالواجبات الملقاة عليها ، ولكن السعادة العائلية تحتاج الى شريك جيد لأنها مسألة بالغة الاهمية فثمة اعتبارات اخرى ماعدا الجاذبية أو الجمال لا بد من وضعها في الاذهان لأنه يقال ( لا تنظر الى الفتاة  فحسب بل الى أقاربها ) (وأنظر الى الخال وأتِ بالفتاة الى دارك ) .
في الريف يلتقي الشباب عادة عند الينابيع أو اثناء الاشتغال في الحقول وغاية الالتقاء تكون شريفة على الدوام ، فتسود الحشمة والفضيلة ذلك شيء تدركه الفتيات القرويات حينما ينشدن أغاني الحب أثناء حلب النعاج او حياكة السجاد ، أو هن راجعات من عيون المياه يحملن جرار الماء فتفيض أغانيهن شوقا وحنانا بما يشعر الفؤاد من اللوعة والغرام . لكن اين يجد التاجر المسيحي الذي يسكن في مدينة عدد عوائلها المسيحية عشرة عوائل الفتاة التي يخفق قلبه لها الجميلة ، الذكية ، المثقفة ، الغنية ، المتعلمة ، صغيرة السن ذات الدين وذات الحسب والنسب وذات المال .
البحث عن الشريك .
جلس فتوحي يفكر إن أول شيء في رحلة البحث عن الفتاة أن يحدد لنفسه النطاق الذي سيبحث فيه عن شريكة الحياة ومن تكون المرشحة المناسبة لتنال رضائه ، هل هي من العائلة أم من الأصدقاء أم من العمل ، فقد كان يعلم بأن لا يوجد فتاة في عائلته ولا يوجد شابة تعمل في حقل التجارة آنذاك ،  فإذن عليه ان يبحث عند الاصدقاء ، أو عليه الذهاب الى مدن اخرى ككركوك او كويسنجق للبحث عن الفتاة كاملة الاوصاف . يقول ريج  في مذكراته ان عشرة عوائل مسيحية كانت تقطن السليمانية ستة منها كلدان والأربعة من الارمن ، وعدد الفتيات في تلك العوائل كان بعدد اصابع اليد الواحدة ومنهن من فاتهن قطار الزواج  .
وفتوحي يحلم بفتاة تدرك سحر جمالها تبديه بالدلال والغنج تتفاخر بجدائل بشعرها الاسود وبعيونها الجميلة السوداء التي تضاهي عيون المها في حسنها تتهادى في مشيتها بثوبها الفلكلوري وزينته .
بعد صمت وتفكير عميق صرخ فتوحي وجدتها كما صرخ ارخمديس وجدتها ، وجدتها ، فقد وجد ارخمديس حساب الوزن النوعي للمادة لكن فتوحي عندما صرخ وجدتها فقد وجد فتاة احلامه انها الفتاة الفاضلة كريمة الياس علكة التاجر الكبير في مدينة السليمانية اسمها خانم ، ويعلم جيدًا تربيتها وأخلاقها ويعلم يقينًا أصولها، بالإضافة إلى تطابق المكانة الاجتماعية التي توفر مناخًا مناسبًا للاستقرار في حياته الزوجية.
ولكن كيف سيصل الى الفتاة ، جميع العوائل المسيحية محافظون ملتزمون بعادات وتقاليد المدينة ، لا يكون التقائه مع الفتاة سهلا لأنه من أغنياء المدينة والحياء يكبح جماحه من الافصاح بما يخالج قلبه لإبداء الرغبة في تكوين العائلة . فتوحي شاب يلتقي والدها بالعمل وصديق اخوانها وتربطهم مصالح عمل وتجارة وربح وخسارة ، ما العمل ؟ وكيف يفاتح والدها وغير متأكد من موافقتها وفي حالة رفضها ماذا سيكون موقفه من عائلته وعائلتها . 
لكن نسى فتوحي ان المرأة المسيحية تتمتع بالحرية الى حد كبير اكثر من جيرانها وامرأة متواضعة في سلوكها فهن سافرات برغم من تغطية رؤوسهن على الدوام ويتمتعن بإدارة شؤون البيت ويبقى كيس النقود في ايديهن ويتصرفن فيه كما يشأن .ولا يفترض ان تخجل عند التقائها بالرجال الغرباء ، لأنها تمتلك شخصية صقلتها حياتها المسيحية فالنساء يتمتعن بالاحترام الكثير عند الجميع وسائر الطبقات وهن مثقفات متعلمات .
مرت الايام وفتوحي قلق شارد الذهن كلما التقى مع اصدقائه التجار ومع والدها وإخوانها في الخان يسرح ويجول في افكاره كيف يبدأ الحديث معهم لا يعلم ويسأل نفسه ما هي الطريقة الفضلى لمفاتحة ابوها. ولكن هل الصدفة او الحظ ام القسمة والنصيب ، او رب رميه من غير رامي كان لها دور مهم في حياة فتوحي.
في احد المناسبات دعاه الياس والد الفتاة لتناول طعام الغداء في منزل العائلة ، قَبِلَ فتوحي الدعوى بسرور وفرح على أمل ان يرسل اشارة الى الفتاة التي رشحها ، استقبل الياس علكة وأولاد  في منزله فتوحي وجلس الجميع حول طاولة الطعام و فتوحي يجلس بجانب والدها والفتاة واحدة من الجالسين وهو الوحيد بينهم مرتبك لا يرفع نظره نحو الجالسين يتناول طعامه بهدوء كأنه لا يشتهي الطعام ، انتبه والد الفتاة عليه وسأله مستفسرا
ـ فتوحي اراك مهموما فترة من الزمن هل خسرت في التجارة .
هز رأسه نافيا وقال :
 ـ لا بالعكس فالحمد الله ارباحي جيدة جدا .
ابتسم الوالد وقال له مازحا .
ـ فتوحي ، تقول حكمة سمعتها من جدي (لا يستقر الرجل حتى يتزوج ، من يرغب الزواج عليه أن يملك حقيبة من الذهب ،او كيسا معبأ بالأكاذيب).
رفع فتوحي عيناه بهدوء وبنبرة لا تخلو من الاحترام وبفراسة ودهاء قائلا:
ـ تقول حكمة اخرى ( لا يتم الزواج من أميرة بمهر لرعاة البقر) .
قال والد الفتاة :
ـ اذن انت تحب ..و عاشق ... او تبحث عن زوجة .
الابتسامة على وجوه الجميع مترقبون من فتوحي أن ينطق ، ساد الصمت والهدوء الحضور ولن ينبس فتوحي بكلمة ، وضع الوالد الملعقة من يده في الطبق قائلا :
ـ قل لي من هي الفتاة التي تغزو قلبك فانا على استعداد ان اخطب لك من تشاء ولو كلفت ثروتي كلها .
لحظات صمت وترقب من الجميع ، رصد فتوحي بنظره الجالسون حول طاولة الطعام ثم همس في اذن والد الفتاة بصوت خافت قائلا :
ـ التي تجلس عن يمنيك عمي الياس  . 
تفاجئ الياس بجواب فتوحي ولكنه تمالك اعصابه حتى لا يشعر الجالسين قائلا بنبرة هادئة  :
ـ سأطلبها لك من والدها إذا وافقت الفتاة على قبولك زوجا لها.
عمت الفوضى جميع افراد العائلة الجالسين حول المائدة مستفسرين من تكون الفتاة ومن هو والدها .
قال والد الفتاة بنبرة هادئة :
ـ المرأة دعامة البيت وقلعة يحبسُ الرجل فيها ، انتظروني سأقول لكم من هي الفتاة اذا وافقت على الزواج من فتوحي ،  وإذا رفضت فلن اقول لكم .
استمر الجميع بتناول الطعام وبعد الانتهاء بفترة قصيرة ودعهم فتوحي عائدا الى منزله على أمل ان يستلم الرد من والدها بأسرع وقت .
مرت ثلاثة أيام والوالد هادئا في المنزل لن يفاتح ابنته خانم يراقب حركاتها وتصرفاتها فقد شعر انها فهمت ما همس بأذنه فتوحي وكان حدسه صائبا  .
لم تصبر خانم جاءت مساء اليوم الثالث و سألت اباها بهدوء واحترام:
 ـ أبي... من تكون الفتاة التي رشحها فتوحي عروسة له .
ـ فقال لها مبتسما : اذن عرفت من تكون الفتاة التي طلبها فتوحي .
 أجابت بارتباك وخجل وبصوت مبحوح تبلع ريقها :
ـ لا اعلم فقد همس فتوحي في اذنك وليس اذني .                                                                                                                                                                                       
غمرت وجهها براحة يديها تتظاهر بالخجل وهربت من امام والدها ولكن ناداها والدها بهدوء .
ـ خانم تعالي قِفِي امامي :
اقتربت منه وقفت باحترام تحني رأسها و ابتسامه خفيفة على شفتاها قائلا لها :
ـ خانم ..هل توافقين الزواج من فتوحي .
هزت رأسها بالإيجاب بهدوء وهرولت مسرعة نحو غرفتها دخلت وأغلقت الباب خلفها .
ابتسم والدها بهدوء ونادى على زوجته مريم قائلا لها :
ـ مريم .... ابنتكِ خانم وافقت على قبول فتوحي عريسا لها .
قالت الام  بنبرة جدية :
ـ هل تعلم ان الفتاة تستطيع الرفض ولا يجبر الاب ابنته على الزواج مما لا ترغب فيه فلها حرية الاختيار .
ضحك الوالد قائلا :
ـ ومن قال لكِ اني اجبرت بنتي على الزواج اعلم ذلك فلها حرية الاختيار واحترام ارادتها ضمن شروط وقواعد المجتمع والعائلة والمتقدم لها شاب على خلق ومركز مرموق .
في المساء اجتمعت العائلة بكامل افرادها من الاب والأم والأخوة والأخت الكبرى وابلغهم بقرار ابنته وقناعتها على قبول فتوحي ، رحب الجميع بهذه الخطوبة وتمنوا لهما التوفيق . طلب الوالد من عائلته عدم تبليغ فتوحي بالموافقة لحين التأكد من رغبته بالزواج وليس تكون نزوة عبارة اي اندفاع لمشاعره للحصول على مبتغاة وبتالى سوف يقل شيئا فشيئا هذا الاندفاع الى ان ينتهى بدون رجعا.
حافظت عائلة الفتاة على طلب الوالد عدم ابلاغ  موافقتهم قبول فتوحي صهرا لهم ، وكان فتوحي يخجل الحديث مع والدها بهذا الموضوع خوفا من ان يسمع منه الرفض لذا طلب من والدته زيارة منزل عائلة الفتاة والوقوف على طلبه .
زيارة تجربيه وجس النبض :
  بعد اسبوعين ذهبت والدة فتوحي بصحبة خالته بزيارة تجريبية حاملة هدية لمنزل الياس علكة لجس نبض العائلة ، قدمت ام فتوحي الهدية للفتاة ونبذة مختصرة عن السيرة الذاتيه وحسن سلوك ابنها ، ولن تترد ام فتوحي بوصف الفتاة المرشحة لابنها بعبارات من المدح والتبجيل فوصفت جسمها وحسن اخلاقها ومحاسنها ورقتها وأنوثتها ولم تبدِ العائلة اي اعتراض ، فالفتاة تلك لطيفة لكنها خبيثة تهوى الاغاظة فلها كل السحر كي تدير رأس الفتى الذي يهواها ، قبلت الهدية واستلمها لكنها لم تعطي رأيها أمام امه بالموافقة ، وكذلك امتنع اهلها عن بيان رأيهم بدون حضور الوالد الذي كان في الخان مقر عمله ، عادت ام فتوحي لمنزلها بخفي حنين تشكي حالها لأختها التي معها وتخفي حزنها ودمعتها وتندب حظ ابنها على اختياره وتلوم نفسها على هذه الزيارة . 
في مساء اليوم عاد فتوحي من عمله متعبا على امل ان يستلم خبرا مفرحا من والدته ، ابلغته امه انها عادت بخيبة الأمل وخاب سعيها وضاع جهدها وحزينة على حظ ابنها العاثر الذي لا يتحقق اختاره . ثارت ثائرة فتوحي وخرج مسرعا من منزله متوجها نحو منزل الفتاة وطرق الباب بانفعال ، علم والد الفتاة ان الطارق فتوحي لأنه زوجته قصت له ما دار من حوار بينها وأم فتوحي بعد عودته من الخان ، طلب الوالد من ابنته المرشحة للخطوبة فتح الباب للطارق .استجابت لطلب والدها واتجهت لفناء المنزل وفتحت الباب وكانت المفاجئة لها بوجود فتوحي خلف الباب ولن تكن متوقعة قدومه في المساء .
قال لها بانفعال وبدون ان يقدم التحية والسلام .
ـ اريد مقابلة والدكِ حالا.
فهمت ما يريد من مقابلة والدها ، قالت له مبتسمة ساخرة .
ـ هل المقابلة ضرورية تستوجب حضورك بهذا المساء .
أجاب بتلعثم وارتباك .
ـ نعم لقد طلبت منه طلبا ولم يرد عليّ لحد الان رغم مرور اسبوعين  .
ابتسمت وأجابت  بهدوء.
ـ فتوحي ... لقد قبلتً الهدية التي ارسلتها مع والدتك انظر الى قلادتك التي اعلقها صدري.
مرت لحظات على فتوحي يسرح في افكاره ، تمالك نفسه لأنه اراد ان يصرخ و يضمها لصدره ، هدئت اعصابه في لحظة وفهم ما قالته خانم له ، رفع يداه للسماء يشكر الله وقال لها.
ـ شكرا خانم ... غدا سيكون لقائي مع عمي الياس في الخان ، تركها عائدا الى منزله يرقص فرحا وسرورا في ازقة المدينة ويتمتم مع نفسه اغاني الحب . وخانم تراقبه من على عتبة باب المنزل تضحك فرحا وسرورا ملئ شدقيها .
دخلت خانم الى غرفة جلوس العائلة مبتسمة مسرورة تتمايل بمشيتها تلاعب ضفائر شعرها ، سألها والدها بهدوء : خانم من كان الطارق. أجابت باحترام : انه فتوحي .
بابتسامته الهادئة سألها والدها ماذا يريد فتوحي بهذه الساعة المتأخرة ليلا.
باحترام وخجل وحياء قالت :
ـ  قال لي "اقدم احترامي ومحبتي لعمي الياس وسأزوره غدا في الخان لإكمال الاتفاق بينا " ..  ضحك الحاضرون في الغرفة وقال والدها : على بركة الله .
ضحكت ام خانم وقالت :
 لم تنتبه ام فتوحي لهذه الالتفاتة اثناء زيارتها لنا اليوم أن قبول الهدية منها تلك علامة الرضى ودليل على قبول  الخطبة ، وتوقعت ام فتوحي ان تسمع الموافقة من خانم  .
في اليوم التالي ومن الصباح الباكر لبس فتوحي ملابسه الجميلة ووضع طربوشه على رأسه وعلق سلسلة ساعته الذهبية بسترة ووضع الساعة في جيبه الصغير وعطر جسمه بعطر الفول يستعد لقاء عمه الياس للحصول على موعد للخطوبة .
حصل فتوحي على موعد الخطوبة وبعد ذلك بعدة ايام قام والد فتوحي بصحبة الاعمام والأَخْوال والأصدقاء بزيارة منزل الياس علكة وطلب يد خانم رسميا من والدها وقدمت في هذه المناسبة الحلويات من بقلاوة  مصنوعة بالسمن البلدي (الدهن الحر) ولا ننسى الكليجة المحشوة بالجوز والتمر ، وقدم فتوحي للعروس الهدايا من مصوغات ذهبية ومجوهرات ثمينة ملبسة بالأحجار الكريمة .
كل شيء مهيأ الان ، العائلتان تنتظران قدوم الربيع للاحتفال بيوم العرس الذي يحتاج في الواقع الى حفلتين الاولى هي مراسم الزواج المؤلفة من المراسيم الدينية في الكنيسة ، والثانية حفلة العرس التي تكون دنيوية صرفة خالية من المراسيم الدينية . وهي مهمة حيث يغلب عليها طابع المرح والسرور الملأ بالأغاني الشعبية والرقصات البهيجة من التراث الكلداني ممزوجا مع الفلكلور الكردي . ولو كان عدد العوائل المسيحية في المدينة قليلا لكنهم شعب من الشعوب لهم تراث حضاري واجتماعي معين خاص بهم ، ولهم ذخيرة فلكلورية ثرة من عادات وتقاليد وأساليب تفكير تشكل علامة متميزة على أصالة هذا الشعب تختلف عن الاكراد.
جاء اليوم الموعود واختلط الضجيج بالموسيقى وصوت الطبل والمزمار (زرناى ) واسهم الرجال والنساء في الرقص والدبكات الفلكلورية ، الشيء الجميل من عروستنا انها ذرفت بضع قطرات من الدموع و تظاهرت بالحزن في لحظة فراق منزل والدها ،  لكن المرافقات من صاحباتها سرعان ما يبدأن بتطيب خاطرها وتسليتها بالغناء.
وفي اليوم البهيج للعرس اشترك الاصدقاء من الطرفين في ترتيب الزوجين وتجميلهما ذهبت عروستنا مع صديقاتها الى الحمام وصبغت النساء راحة أيديهن ورؤوس اصابعهن مع اقدامهن بالحناء صبغا سخيا وقبل الذهاب الى الكنيسة لبست عروستنا ملابسها البيضاء ووضعت الكحل على عينيها ليزيد بريقها ولبست خمارها الابيض و مجوهرات كثيرة لها وزنها عند العائلتان منها سلسلة ذهبية تربط من اعلى غطاء الراس الى اسفل الحنك وقلادة تتدلى وتنزل على امتداد السترة والعقود المصنوعة من الاحجار الكريمة يعتقد أنها لها القدرة على ابعاد الشر الذي تسببه العيون الحاسدة ولا ننسى الصليب المعلق على الرقبة يتدلى على صدرها بالإضافة الى قرط ذهبي وهدية فتوحي الاولى .
أتجه موكب عروستنا بملابسها البيضاء الى الكنيسة وسلمت من والدها الى عريسنا الذي كان ينتظرها عند باب كنيسة مريم العذراء ، تأبطت ذراعه ودخلا الكنيسة على صوت الزغاريد والتصفيق والغناء من الحاضرين.
وقف فتوحي وخانم امام مذبح الكنيسة المزين بأكاليل الزهور حيث الكاهن مع الشمامسة واقفين بانتظار العريسان ، عند بدأ مراسيم اكليل الزواج يسود الكنيسة الهدوء والسكوت ينتظرون نهاية الصلاة لتبدأ الزغاريد من جديد .   
اكتملت مراسيم الزواج وخرج الجميع من الكنيسة على صوت الزغاريد والغناء ، من امام باب الكنيسة
امتطى كل فارس جواده وركبت عروستنا فرسها وأمامها عربة يجرها حصانان تحمل جهاز عرسها وحاجات مطبخها والمقصود بذلك عرض ثروة العريس ، يصل العريس وأصدقائه الى المنزل قبل وصول موكب عروستنا الى دار عريسنا فتوحي حيث يكون في استقبالها امام باب منزله وتقوم عروستنا من جانبها ايضا بالدلال وتتظاهر بالامتناع عن النزول من على متن الفرس ، لكن الامور تسير في مجراها الطبيعي كما رتب لها .وقبل دخول عروستنا بيتها المستقبلي تصاحبه طقوس تقليدية اذا قبل عبورها عتبة الباب على عروستنا ان تخطو فوق شظايا قطع لإناء فخاري محطم معبأ بالنقود . 
دخلت عروستنا خانم الى فناء المنزل وجلست على منصة في احدى زوايا الفناء هادئة وبجانبها فتوحي لا تنبس ببنت شفة كالوثن تحت خمارها الابيض المسدول وعند اكمال الحشد والغناء والرقص وملء الفؤاد ويرهق الراقصين من الرقص قدم فتوحي هدية ثمينة لعروسته وعند ذلك انبعث أزيز طلقة من مسدس احد اصدقائه اشارة الى انتهاء الحفلة . بدأ الضيوف المغادرة متوجون نحو بيوتهم .
ها هما الزوجان في ريعان شبابها وقد استقرا في بيتهما الجديد ، فقد كانت خانم ملكة متوجة في بيتها وخلق الباري المرأة لكي تخلق بيتاً هذه حكاية كلدانية فتبدأ الحياة بالسير على وتيرتها اليومية وهما في نعيم متواصل والمرأة الفاضلة باهظة الثمن وأنهما محافظان على زواجهما في اتحادهما بأواصر المحبة والإخلاص الى نهاية العمر.  وأي سرور ينتابهما عندما ينثنيان على المهد ويلمحان أول ابتسامة كي يداعبا اطفالهما ويصغي فتوحي الى اغنية المهد التي تتمتم خانم بهدوء لتهدئة طفلها وتسليته .
 رزق فتوحي من خانم اربعة بنات وصبيان هم ( مينا ، صوفيا ،نازلي ، جيران ، نوري ، قسطنطين).

نوري فتوحي :
ولد نوري عام 1907 وظهرت عليه علامات الذكاء وهو طفل صغير امتاز بالهدوء والثقة بالنفس .
ازدهرت تجارة والده وخاله عبد الكريم علكة ووصلت الى بيروت فقد كانا يترددان على العاصمة اللبنانية وعلما بتأسيس كلية الاباء اليسوعيين ، ففي عام 1839 استطاع الآباء اليسوعيين شراء عقار لهم خارج سور مدينة بيروت في مزرعة الصيفي ، وقاموا بإنشاء عدة مدارس ومطبعة ، وعدة مراكز يسوعيّة ومنذ عام   1843م أسس الآباء اليسوعيون مدرسة ثانوية قي منطقة غزير اعتبرت فيما بعد لولادة الجامعة اليسوعيّة في بيروت ، فقد استطاعت هذه الثانوية استقطاب المئات من اللبنانيين والسوريين والعراقيين المسيحيين ، وقد تخرج منها عدد كبير من رجال الدين العلمانيين ، أصبح منهم فيما بعد بطاركة وأساقفة وكهنة ورهبان ورجال سياسة ومدّرسين وأدباء وعلماء.
في عام 1919 ارسل نوري الى بيروت للدراسة في كلية الاباء اليسوعيين حيث اكمل الدراسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها وكان من المتفوقين مما حفز اهله ارساله الى جنيف لدراسة الطب في جامعة جنيف عام 1928 ، وأثناء اقامته في جنيف كان على اتصال دائم مع وطنه وأهله وكان يحتل ركنا مهما من اركان الجالية العراقيه في جنيف حيث كان يرافق قسم من الوفود التي تحضر الاجتماعات الدولية وذلك لغرض الترجمة من اللغة الفرنسية الى العربية .
في عام 1935 عاد الى الوطن يحمل شهادة البكالوريوس في الطب والجراحة وشهادة الدكتوراه في الطب حيث كانت اطروحته عن مرض "ذات الجنب" هو التهاب في النسيج المحيط بالرئتين و الصدر الذي يسمى الجنبة . وقد نظمت الاطروحة على شكل كتيب باللغة الفرنسية التي كان يجيدها اجادة تامة بالإضافة الى الانكليزية والتركية والكردية والعربية .
أول تعينه كان طبيا سيار في الشرقاط وسنجار (اي يتنقل من قرية الى اخرى ) ، حيث  عمل ستة اشهر يتنقل بين العشائر قام بتنظيم حملات ضد الامراض المتفشية في تلك المنطقة ولابد من الاشارة الى ان الامراض التي كانت منتشرة هي الاسهال في الصيف خاصة للأطفال الذين تتراوح اعمارهم بين الشهر الثامن والشهر الثاني عشر او بعده بقليل وكثيرا ما يؤدي المرض بحياة الاطفال ومن الامراض الاكثر انتشارا فهو البول الدموي . والزحار  و الدوسنتري  فهو كذلك من الامراض المتفشية ، بالاضافة الى وباء الكوليرا وكان يسمى ابو زوعة أي ان الانسان يبدأ بالتقيؤ الكثير والإسهال الكثير ثم يموت وبدأ الناس يشعرون بأن التطعيم ضروري فيتهافتون على الدوائر الصحية .
طبيب في السليمانية :
في عام 1936 انتقل الى قضاء حلبجة في محافظة السليمانية وعمل هناك ثم عين بعدها طبيبا في مستشفى السليمانية حيث ادى واجبه بكل دقة وأمانة وإخلاص تجاه اهل البلد بمختلف مستوياتهم . اثناء ذلك ترأس حملات عديدة للقضاء على الامراض المتوطنة في قرى كثيرة ضد امراض الملاريا والتفوئيس بصورة خاصة ، وبقية الاوبئة بصورة عامة وكان يتنقل بين العشائر الكردية لتنظيم حملات ضد الامراض المتفشية في المناطق للعلم يقال آه من الملاريا ذلك المرض الذي كان منتشرا نتيجة البعوض الذي يعيش على البرك المائية المنتشرة في المنطقة يفتك بالصغار والكبار على السواء فلم يسلم منه بيت ولم تسلم منه نفس ، انه المرض اللعين الذي كان يصيب الجميع ، حدثني احد الشيوخ فيقول ترتجف منه اجسامهم وتضعف حياهم لقد كان يصيب طلاب الصفوف الابتدائية يشعرون بالرجفة ويتركون الدرس ويعودوا الى بيوتهم ليقضون فيها ساعة الرجف وفترة الحمى. وكان الطلاب وقت الصباح في المدرسة يسقوهم مادة وردية اللون مرة كالحنظل تسمى القنقينة او "الكينينة " كان يعطي لكل واحد منهم ملأ استكان صباحا ومثله عصرا ، ومعظمهم يتقيأ من شدة مرارته وحينئذ تبدأ الحمى تفارقهم ويشعرون بتحسن صحتهم ، ولم يكن الحال منطبقا على الصغار طلاب المدرسة ، انما كان الحال مع الاهل في البيوت ومع اخوانهم وآبائهم ، ومع هذا فمرض البول الدموي (البلهارزيا) كان كثير ألانتشار والناس لا تهتم به كما تهتم بغيره من الامراض المتوطنة . وعمل مع البروفيسور بيتي بهذا الشأن للقضاء على الامراض المتوطنة في المناطق القروية .
اصبح في عام 1943 رئيس لصحة محافظة السليمانية لغاية عام 1947 وترأس عدة حملات لمكافحة الامراض ،كانت عيادته الطبية الخاصة مزدحمة بالمراجعين و كان يأخذ كلفة فحص المريض خمسون فلس ويفحص المرضى الفقراء يوم الاربعاء والخميس مجانا . يحكى ان في احد الايام دخل عليه الزعيم الكردي المرحوم ملا مصطفى البارزاني ومعه نجله المريض رحمه الله عليهما ففي عام 1935 تم نفي البارزاني مصطفى إلى مدينة السليمانية مع أخيه الشيخ أحمد .ولم يكن الدكتور نوري على معرفة بالبارزاني ولم يسمع عن نفيه او أنه كان يقود حركة كردية . رحب به كأي مراجع للعيادة وفحص الطفل المريض ووصف له الدواء وسلمه الوصفة وودعه وخرج ، شعر نوري ان البارزاني لا يستطيع شراء الدواء ، بعد انتهاء عمله في العيادة توجه نوري الى صيدلية رءوف وهي الصيدلية الوحيدة في المدينة في تلك الفترة واشترى الدواء الذي وصفة لنجل البارزاني وسأل عن داره اين يسكن توجه نحو منزل البارزاني الذي كان يقع في محلة قزازكان وقدم الدواء له ،كان هذا اليوم عربونا لصداقة البارزاني مع الدكتور نوري .
طبيب في بغداد .
في عام 1947 نقل الى بغداد بناء على طلبه وعين طبيبا في مستوصف الاعظمية وقد ساهم مساهمة جدية في تطويره وتحويله الى مستشفى حيث كان من مؤسسي أول مستشفى في الاعظمية وأصبح باسم مستشفى النعمان  ،ولم يحالفه الحظ لكي يكون في المستشفى حيث نقل أول يوم افتتاحه الى عيادة الكرخ مديرا لها وخلال تلك الفترة كان الطبيب الخاص لعدد من الساسة الوطنين مثل حكمت سليمان ورشيد على الكيلاني حيث كانوا من اعز اصدقائه .
ومن  ذكريات اول اذاعي كردي السيد كامل كاكة امين المنشورة في شفق نيوز انه في اوائل 1957. بعد تمديد ساعات البث الصباحي والمسائي للإذاعة الكردية قدم الدكتور نوري فتوحي برنامج صحي في الاذاعة .
تسلم منصب رئيس صحة محافظة بغداد سنة 1958 لغاية حتى سنة  1961 وفي هذه الفترة خدم الصحة بصورة فعالة وجدية وكان له الدور الكبير في ترتيب التنظيمات الادارية وتوزيع الخدمات الصحية في جميع المحافظة .
هيئت الظروف الفرصة أمام البارزاني ورجالهِ للعودة إلى العراق بعد انقلاب ثورة 14 تموز 1958 ،حيث كان يقيم في روسيا وكانت الحكومة العراقية الجديدة بقيادة عبد الكريم قاسم من مصلحتها إقامة العلاقات مع الكرد . في  16/10/1958 وصلَ إلى بغداد ، وطلب البارازاني ان يكون الدكتور نوري طبيبه الخاص ويثق بعلاجه ، وفي اواخر عام 1960 غادر البارزاني بغداد وكانت مغادرته الأخيرة للعاصمة ، فقد أنتقل الى جبال كردستان حيث موطنه الأصلي وبدأ ثورة أيلول الكبرى عام 1961 بقيادته.
في عام 1961 عين الدكتور نوري رئيس لصحة محافظة كركوك ولم يباشر بالعمل حيث احيل الى التقاعد بناء على طلبه وتفرغ للعمل في عيادته الخاصة التي كانت واقعة في شارع الرشيد وكرس باقي حياته لخدمه مرضاه وكان تعاملهم معهم بعيد كل البعد عن المادة  وكانت اكثر معايناه مجانية وحتى النواحي العلاجية حيث كان يقدم لهم الدواء او ثمنه الى المريض المحتاج.
الخاتمة
هناك كثير من الشخصيات المسيحية لعبوا دوراَ كبيراَ في خدمة ثقافة شعبهم ، وتعريفها ببقية القوميات . ولكنهم بقوا بعيدين عن الأضواء دون الاهتمام حتى الذي كرس نفسه لخدمة أبناء جلدته مدافعاَ عن حقوقهم في بناء العراق المعاصر. خدم الفقيد العراق خدمات لا ينكرها احد ، في النهاية اود ان اقول لم يعلم احد عن فلسفته أو شعاره بالحياة  بصورة كلامية او خطية بل نستطيع ان نقول ان اعماله وحياته هي انعكاس لنظريته في الحياة ، رحم الله الفقيد الدكتور نوري فتوحي .

المصادر :
1.   الاثار الكاملة ..توفيق وهبي بك .الجزء الاول
2.   ك.بدرخان : المرأة الكردية ،هاوار ، العدد 19 ، 1938
3.   أف . پارت : مبادئ المنظمات الاجتماعية في كردستان الجنوبية ،اسلو 1953.
4.   الكرد . المستشرق توما بوا ، مركز الدراسات الكردية
5.   تاريخ اعلام الطب العراقي الحديث .الجزء الثاني الدكتور أديب توفيق الفكيكي

11
شخصيات كلدانية
أسرة كريم الياس علكة



بدري نوئيل يوسف : السويد
هو عبد الكريم الياس بولس ابراهيم (1876 م ـ 1948 م). الملقب كريم علكة  هذه الحكاية لم أشهدها ولا عاصرتها، ولكني سجلتها كما يرويها الرواة ، جميع أبناء السليمانية   يروون الحكايات في امسياتهم وكثيرة هي المناسبات التي تدعو الى ترديد حكايات من أيام زمان ، لكن كلما ضاق فقير بحاله او مظلوم  لسوء معاملة ، أو محتاج للقمة خبز أو صبي احب حبيبته ولا من معيل له أشار إلى كريم علكة .
تزامنت وقائع الحكاية خلال النفوذ العثماني وسيطرته على العراق ثم الانتداب البريطاني وتنصيب الأمير فيصل ملكا للعراق وسقوط الدولة العثمانية وبداية الحركات السياسية في كردستان .
عاش المجتمع العراقي بكل  أقلياته وطوائفه أثناء حكم العثمانيين سنوات عجاف وخاصة زمن سفر برلك   والنفير العام وانتشار المجاعة (القحط) بين أبناء الشعب العراقي وسَوقَ شبابه إلى أتون الحرب العالمية الأولى . وظهرت القضية الكردية على مسرح الأحداث عندما نذر الشيخ محمود   نفسه لقلب المعادلة وحاول إيجاد حلول عملية لقضية الشعب الكردي.
وجدير بالذكر أن أحداث حكاية هذه الشخصية  تكشف حياة المجتمع المسيحي الكلداني مع المجتمع الكردي ضمن مجموعة حكايات متداخلة مع بعضها لعوائل عاصرت تلك الفترة ولشخصيات اجتماعية وثقافية ودينية لتحكي سنوات ستظل ذكرى خالدة في تاريخ شعب عظيم له تراثه وعاداته الشعبية وتقاليده الاجتماعية التي ستبقى على مر العصور تنير الطريق للأجيال . 
  البداية في قرية ارموطة سنة 1860 .
كان منزله على امتداد هضبة امتلأت بأشجار الزيتون مشيد من الطين واللبن هذا ماعرفته بلاد مابين النهرين قديماً حضارة أسست بيوتها اعتماداً على الطين المجبول بالمياه فكانت فناً جميلا لقرى سكانها من المسيحيين انتشرت في شمال العراق ، كانت البداية من قرية ارموطة   القرية المسيحية المُلهمة للحب والعشق والشعر والفن ، التي استوطنها الإنسان منذ العصور القديمة نظراً لبيئتها الجميلة وطبيعتها الخلاّبة التي اشتهرت  بكرم سكانها وجمال خُضرتها وعليل هوائها وتمتلك اطلالة رائعة تمتد مابين سفوح سلسلتي جبال هيبت سلطان وباواجي حتى ضفاف الزاب الأسفل الذي ترتوي من مياهه ، قرية مشهورة بزيتونها وزيته والحرف الشعبية لأبنائها . سميت ارموطة تعني الرمان أو  إلى بساتين الرمان المنتشرة في القرية والاحتمال الثاني اسم مركب من كلمتين يعني ارعا دموثا يعني ارض الموت لكثرة ما أصاب القرية من نكبات .
فلا غرابة ان يكون الياس بن بولس احد بناء ارموطة ، وذات مساء جلس مع  مريم زوجته وحبيبته في فناء منزلة على ضوء القمر يحكي لها انه قرر الانتقال إلى مدينة كبيرة بسبب ازدهار تجارته والمسافة التي يقطعها بين قريته الجميلة ومدينة السليمانية ثم إلى مدينة سنندج   ونقل البضائع مسافة طويلة ترهقه وتتعبه ، كانت تنقل البضائع التجارية على ظهور الدواب وقوافل من البغال او ما يسمى کاروان (وهي كلمه کردیة تأتي بمعنی القافلة ، أي قافلة التجار ) ، فكان يستورد القماش وخيوط الحرير من سنندج والمدن الحدودية الايرانية ويصدر لهم الصوف وخيوط الغزل والعفص  الذي يستعمل بدباغة الجلود ،اعلمها انه اتفق مع أصدقائه في السليمانية على تأجير خان له يتخذه محلا تجاريا كبيرا وبيتا للسكن .
في بداية الامر اعترضت مريم ولم توافق الانتقال إلى المدينة وامتلأت عيناها بالدموع على فراق القرية وكنيستها . قَبَلَ يديها برقة وهمس بأذنها أحبك هزت رأسها موافقة مسح دموعها التي سالت على خدودها الخجلة كانت تلك الليلة التي اتخذ قرار الهجرة إلى مدينة السليمانية بموافقة زوجته .
نشط الياس بشراء الاقمشة من جميع حائِكاتٌ و حوائِكُ  القرية وهذه الاقمشة تحاك من الصوف او القطن بواسطة النول الخشبي (الجومة  ) والتي تدخل في اللباس الكردي التقليدي الرجالي والألبسة الفلكلورية الكلدانية . وبدأ يلملم حاجات منزله الثمينة من سجاد تبريزي وكاشاني وبسط مريواني وأواني نحاسية عثمانية ويشدها ويحزمها بغية نقلها بسهولة على ظهور البغال .
بعد عدة  ايام ودعت مريم الجميلة جيرانها وصديقاتها وزارت كنيستها وطلبت من العذراء ام الكل ان يوفق زوجها وحبيبها بعمله في السليمانية ، كما ودع الياس اصدقائه في القرية منهم كاهن الكنيسة والمختار وحلاقه الخاص وحارسه الذي كان يأخذه معه اثناء نقل بضائعه التجارية ، وصاحب المقهى الصغير في القرية الذي كان يرتاده ليلا ويسمع قصص الحكاياتي المسلية . بالإضافة إلى جيرانه وعدد من اصدقائه المقربين له . وسـتأجر عدد من البغال مع دليلها وحارس للقافلة التي ستنقله مع حاجاته إلى مدينته الجديدة  .
وجاء اليوم المقرر للرحيل ومع بزوغ الفجر حمل الياس حاجات منزله على ظهور البغال وركبت مريم على فرس ابيض جميل وامتطى الياس صهوة جواده البني ، و تعلقت ابصار المودعين من ابناء القرية على دليل القافلة الذي أحكم قبضته على بندقيته وهتف من فوق حصانه بما يشبه الصراخ ليصل صوته إلى كل من في القافلة تحركت القافلة وعلى جانبي الطريق الذي تمر منه وقف الاصدقاء يلوحون بأيدهم مع السلامة . والدموع ملأت اعينهم على هجرة صديقهم وابن قريتهم الشهم والشجاع والكريم والسخي الياس . رافقه اصدقائه  المقربون إلى خارج حدود القرية مودعين صديقهم ورفيق طفولتهم داعين له الوصول بالسلامة بحماية العذراء واستمر السير مع قافلته باتجاه السليمانية .
تستغرق المسافة بين ارموطة والسليمانية يومان تقريبا والبغل وحده يبقى سيد هذا الطريق ، فهو الوسيلة الوحيدة القادرة على اجتياز المسالك الجبلية الوعرة والضيقة ، في المساء توقفت القافلة للاستراحة وإطعام البغال والحصن المرافقة ، نصب الياس خيمة صغيرة جلست تحتها مريم زوجته الهادئة تحضر الشاي على نار الحطب وتسخن الطعام الذي كان معهم لتناول العشاء .
بصوت خافت كلمته مريم .. الياس اشعر بألم في ظهري .
رد بهدوء لا تقلقين يا مريم ان هذا الالم من ركوب الحصان مسافة طويلة .
تناولت طعام العشاء واستلقت على فرشة بسيطة ونامت مريم وكان الياس يراقبها يحمل بندقيته يحرس القافلة يساعده الدليل في الحراسة من قطاع الطرق بالإضافة إلى  الذئاب المنتشرة في المنطقة .
السليمانية تجارة وتآخي
انطلقت القافلة من الصباح الباكر متجهة نحو السليمانية , وفي مساء اليوم وعند مدخل المدينة كان بانتظار القافلة المختار وبعض التجار من اللذين يتعامل معهم بالبيع والشراء وصديقه البزاز الذي كان يشتري منه الاقمشة التي يجلبها الياس من سنندج ومن ارموطة مع صاحب الخان وعدد من التجار اللذين أصدقائه في التجارة .استقبل من قبل اصدقائه بالترحيب وتوجهوا معا إلى وسط المدينة لمحلة كويژة ، وافرغ الحاملون حمولة البغال في الخان ونقلت حاجاته إلى منزله الجديد  . ولا ننسى أن الكردي مكرم للضيف ، فيما تتميز المرأة الكردية بمراعاة العادات والتقاليد والوفاء تجاه جارتها الجديدة قدمت الجارات يد العون لجارتهم الجديدة في تنظيف البيت الجديد وترتيب الأغراض التي يدخلونها الشباب إلى باحة البيت ، واعتاد الرجال من الجيران استقبال  صاحب الدار الجديد ويبادرونه بالترحيب والاستئناس به. ويأمرون أهل بيتهم فيعدون طعام غداء او العشاء للأسرة الجديدة ويرسلونها إلى العائلة الوافدة . على مدى اسبوعان والجيران يقدمون الغداء والعشاء لجارهم الجديد الياس ، فيتباهى كل جار بما يقدمه من اكلات تراثية كردية على سبيل المثال الكفتة الكردية واليبراخ أي ورق العنب المحشي والكشك . والجدير بالإشارة انه كان هناك بعض العوائل المسيحية تقطن السليمانية قبل مجيء الياس على سبيل المثال عائلة الصراف والتي كانت سعيدة بوصول الياس إلى المدينة.
ظلت مريم تشكو من الآم ظهرها وأبلغت جارتها زوجة المختار التي بدورها جلبت لها امرأة مختصة بعلاج النساء فعالجتها بالحجامة وبعض العقاقير العشبية وخلال أسبوعان تحسنت صحتها.
جدير بالذكر أن الديانات السماوية الثلاث الإسلامية والمسيحية واليهودية منتشرة بين أبناء المدينة وكل طرف يمارس طقوسه الدينية بحريته ، عاشت العوائل المسيحية والتي تعد على عدد الاصابع بين اخوانهم من المسلمين واليهود بمحبة وألفة وكان الجميع يشاركون بعضهم بعض بكل مناسبة .
اصبح  الياس ذو سمعة جيدة فكان يشارك رجل الدين الملا الذي له الدور الكبير في حل كثير من المشاكل  فيصلح بين التجار اذا وقع أي خلافات بينهم وكذلك الحال مع العوائل إذا وقع خلاف بين الازواج .
استقر الياس في الخان وبدأ تزدهر تجارته ويستورد الاقمشة ويصدر القطن والحبوب وفي احد سفارته التجارية إلى سنندج تعرف على الشماس يلدا الذي كان تاجرا في المدينة وبدأت بينهم علاقة  وثيقة حميمة تجارية .
بعد عدة سنوات ولدت مريم ابنتها البكر وأسمتها بربارة ، كان يوم سعيد لالياس ان تلد مريم ويزروهم الشماس يلدا الذي تفاجئ بعدم وجود كنيسة في المدينة ، كانت تقام الصلوات في دار قديم جعلوه كنيسة و مركزا لعبادتهم ، ويرجع تاريخ وجود المسيحيين فى السليمانية إلى منتصف القرن الثامن عشر وسكنوا في محلة  كانت تسمى ( كاوران ) التي هي جزء من محلة كويژة  القديمة .
 شد الهمة الشماس يلدا  وكان على رأس الخيرين فبنوا أول كنيسة رسمية فى تلك المنطقة سنة 1862 ميلادية باسم ) كنيسة الكلدان ) حيث كانت السليمانية تابعة لأبرشية  "سنا"  (سنندج) انذاك و واجتمعت العوائل المسيحية حول الكنيسة .
قَدمَ الياس مساعدات كثيرة للعوائل الكردية والكلدانية وعلى سبيل المثال الحكايات كثيرة اسرد لكم هذه الحكاية كان في سوق التجار تاجر يهودي يبيع الصابون بسعر اقل من جاره التاجر المسلم وكان هذا اليهودي يستفز جاره وفي احد الايام تهجم التاجر المسلم على اليهودي وكسر بضاعته ومحله وعلى اثرها سيق إلى القشلة من قبل الدرك العثماني آنذاك . ورفض اليهودي التنازل عن الدعوة رغم تدخل المختار وشخصيات المدينة وطلب اليهودي التعويض بمبلغ كبير مقابل الاضرار التي لحقت به . ولم يستطيع التاجر المسلم ولا من التجار  الصغار في السوق دفع التعويض في تلك الفترة كانت الياس مسافرا إلى سنندج .
 أودعت قائد الدرك التاجر المسلم السجن بانتظار محاكمته أو دفع تعويض لليهودي. مرت عدة أيام و مريم زوجة الياس تعرف ما جرى للتاجر تترقب عودة الياس من السفر ، بعد عدة ايام وصل الياس إلى السليمانية مساءا قبل أن يستريح في بيته أبلغته مريم ما جرى للتاجر المسلم  ، خرج على الفور متجها إلى منزل التاجر اليهودي ودفع له مبلغ التعويض واصطحبه إلى قائد الدرك وتنازل اليهودي عن الدعوى ضد التاج المسلم وأطلق سراحه.
مرت الايام والسنين ورزق الياس اربعة ابناء وبنتان حسب تسلسل ولادتهم ( بربارة ، عبد الكريم ، رزوقي ، خانم ، عبد الرحيم ، فرنسيس ).
لقب الياس بلقب ( علكة ) جاء من تصغير أسم الياس حين النطق بالكردية .. وكما يقال انه جاء اللقب علكة من نطق الناس عندما يحتاجونه للمساعدة فيقال على الله وعلى الياس وتصغير على الياس أصبح علكة وهكذا أصبح علكة لقب الياس ويحمله  الياس فقط, وانتقل اللقب إلى أولاده المذكورين أعلاه .
 وجدير بالذكر ان كثيرين ينتحلون زورا لقب علكة ولا لهم نصيب بهذا اللقب لان اللقب حمله الياس فقط.
ترعرع اولاد الياس في عائلة غنية تقية مؤمنة وتعلّموا احسن تعليم وتمرس الشباب في التجارة وبالأخص عبد الكريم الذي كان يرافق والده في سفراته إلى سنندج أو خارج السليمانية .
"الياس علكة " تاجرا محترفا أمينا صادقا محبا للخير أوكل إلى ابنه عبد الكريم إكمال مسيرته فكان الابن خير خلف لخير سلف ، مثال الشهامة والكرم والصدق والأمانة عمل عبد الكريم تاجرا بين مدينة السليمانية والمدن المجاورة وتاجرا مع الدول المجاورة للعراق في ظل النفوذ العثماني والاحتلال البريطاني .
 مرت الاعوام وبدأ عبد الكريم يسافر وحيدا إلى سنندج الايرانية (سنا) وفي احدى سفارته تعرف على شابة جميلة كانت من جميلات سنندج غزته بخفة دمها ومفاتنها وكان الحب والعشق سمة الدخول إلى قلبه ،ابرق برقية لوالده انه قرر الزواج من فريدة بنت الشماس يلدا ، حيث ادخلت إلى المنطقة خدمة التلغراف والتي كانت خاضعة لنفوذ الدولة العثمانية .

بعد إجراءات الخطبة ومع اقتراب موعد العرس وصلت فريدة بصحبة اهلها وأقاربها وصديقاتها الى السليمانية ونزلت عائلة الشماس يلدا ضيفا على مختار مدينة السليمانية ، واستقبلهم اهالي المدينة بفرح وسرور .
في الليلة قبل ليلة الزفاف (الحنة) قامت الفتيات القريبات من عائلة  الياس علكة وبعض المدعوات بالتوجه الى بيت المختار حيث تقيم فريدة هناك سيرا على الأقدام وهن يرددن الأغاني الشعبية الكلدانية والكردية ومنها أغاني خاصة (بالحنة) وهن يحملن صينية من الفضة فيها عجينة الحنة وبعد نصف ساعة من وجودهن في بيت المختار قامت إحداهن بوضع قليل من الحنة على إصبع فريدة ثم ربطته بقطعة من القماش ورجعن الى بيت كريم ليتابعن الاحتفال بليلة الحنة لغاية منتصف الليل. قدم كريم لعروسه اجمل واثمن الحلي والمجوهرات العثمانية التي جلبها من اسطنبول ومنها قبعة للرأس مرصعة بالليرات الرشادية ، والتي يرغب المجتمع بها على سبيل المثال لا الحصر (الحزام ، الكردانة ، الدرع، والخلخال ، الأقراط وغيرها) من اجل ارتدائها على ملابسها التقليدية الجميلة .
في اليوم الثاني من الصباح الباكر  بدأ القصاب بنحر الاغنام للاستعداد بتحضير الغداء للمدعوين وبعد تناول الطعام جاء حلاقه الخاص ليقص شعر كريم بوجود أصدقائه الذين كانوا يغنون له الأغاني الخاصة بحلاقة العريس ثم توجهوا الى حمام سورة " . وكالعادة  كان اصدقائه يغنون له الأغاني الخاصة بالحمام ويعودون معا مساء الى منزله ليستعدوا للعرس .
 في ليلة العرس وعلى أنغام الطبل والمزمار تجمهر النساء والرجال امام منزل المختار لاصطحاب فريدة التي تركب فرس والصبايا تؤدي الرقصات امامها واحدهن تحمل مرآة متوجهون نحو كنيسة الكلدان في السليمانية (تسمى الان كنيسة مريم العذراء)  حيث تتم مراسيم الزفاف حسب الطقس الكلداني واعتقد  والعهدة على الراوي تمت مراسيم اكليل زواجه على يد الاب بطرس اوراها الراهب حيث خدم في كنيسة الكلدان ما بين 1899-1902 دفن فيها سنة  1902 م  .أو القس بطرس بولص الذي كان شماسا ماهرا تقيا و متقنا للطقس كلداني و رسم قسيسا خدم الكهنوت ما يقارب سنتين ما بين 1902-1903 م . بعد مراسيم الزواج في الكنيسة انتقلوا الى بيت كريم وأثناء دخولها البيت قام اخيه عبد الرحيم  بكسر جرة مليئة  بالنقود عند قدمي فريدة  واستمر الاحتفال والغناء والرقص حتى منتصف الليل .
توفى الياس وأقيمت  مراسيم العزاء واحتشد آلاف من ابناء السليمانية لتوديع علكة وحضر الشيخ محمود الحفيد لتقديم العزاء لعبد الكريم وعائلة الياس وكانت هذه المرة الأولى يلتقي عبد الكريم علكة مع الشيخ  محمود .

عبد الكريم علكة الابن .
كريم علكة هكذا يسمى في السليمانية كسب خلال فترة قصيرة ثقة دواوين آل بابان والشيوخ البرزنجية  وكبار التجار وتجار السوق . وأصبح من أغنى ألأغنياء . كان متحدثاً جيداً يجيد العربية بطلاقة إضافة الى الكلدانية والكردية والفارسية والتركية والانكليزية ، ذكياً وتقي يخاف الله وأخلاقه عالية جداً له أسلوب في أقناع الطرف الاخر والخصم . بالمقابل كانت نظرة المجتمع اليه نظرة حب وتقدير وإعجاب وأصبح من أشهر الوجوه ألاجتماعية في المدينة .
ارسل كريم علكة اخيه رزوقي الى قضاء التون كوبري حيث بدأ يشتري الصوف بعد جزه من الخراف من قبل الرعاة بالمنطقة وتقوم النساء الكرديات بغسل الصوف على ضفاف نهر الزاب وتجفيفه ثم يرسل الى بغداد بواسطة الكلك  . يستلم الصوف اخيه فرنسيس الذي فتح خان تجاريا في بغداد في الوقت نفسه كان يستورد شكر القند والشخاط ويرسله إلى السليمانية وكريم أول من ادخل  شكر القند السليمانية عبر قوافل تمر عن طريق كفري وقرداغ ثم الى بقية المناطق المجاورة وبقى عبد الرحيم في السليمانية يساعد اخيه كريم بإدارة اعماله التجارية .
رزق عبد الكريم من فريدة شماس يلدا خمسة اطفال هم (شاكر ، ملك ، بهية ، زكية ، نصوري  ) ، تزوجت اخته خانم من فتوحي عبد الاحد وأنجبت ( مينا ، صوفيا ،نازلي ، جيران ، نوري ، قسطنطين) ، وتزوجت بربارة علكة الأخت الكبرى من شماس عيسى صراف وأنجبت منه ( اسحق  ، الله ويردي) . كما رزق عبد الرحيم علكة من زوجته الأولى أنجيلا بنتان هما (ايفيت وبرناديت ) ثم تزوج من ريجينا تيسي بعد ممات زوجته الاولى وأنجبت له ريجينا (مادلين ، ماري ، سيسيل ، فكتور ، لطيف ،  ميخائيل ، عزيز ) . وتزوج فرنسيس من نجمة هندي وأنجبت له (شوكت ، بشير ، نجيبة). وتزوج رزوقي أو (رزق الله) من جورجيت جيرجي وأنجبت له (مجيد ، جميلة ، نعومي ). هذه عائلة الجد الياس علكة .
الحرب العالمية الاولى
بدأت الحرب العالمية الاولى وأعلن النفير العام في الدولة الثمانية وبدأ سوق الشباب إلى الحرب وقيام الجيش العثماني بمصادرة المؤمن والحيوانات وإرسالها إلى جنوده وفي تلك الاعوام توقفت الامطار وعم الجفاف الأراضي الزراعية وانتشر القحط حدث هذا  في سنوات ( القحط ) و 1916 و1917 حيث الحروب والجفاف في آن واحد .. أنتشر الجوع والبطالة بشكل مخيف. مات الكثيرون من الجوع .. أصبح من المناظر الطبيعية أن ترى الجثث في الشوارع والأزقة وداخل البيوت. وتبقى الجثث في تلك الاماكن لا تجد من يتبرع بدفنهم .
تتحول لب الأشجار و الأعشاب البرية إلى طعام للفقراء.نفقت معظم الحيوانات ليبدأ الفقراء بمطاردة الكلاب والقطط لتصل حد أكل القنافذ والأفاعي. وتحولت الحيوانات التي كانت تقتات اللحوم إلى حيوانات نباتيه، كانت مأساة بمعنى الكلمة. في الوقت الذي أستغل العشرات من التجار ( الجشعون ) تلك الحالة برفع أسعار الطحين والحبوب ، وأمسوا يبيعون حقة الطحين التي تساوي 1250 غرام بثلاثة ليرات رشادية  ، وبذلك كونوا ثروات طائلة ولكنهم فقدوا سمعتهم وذويهم في نفس الوقت .

في هذه الظروف الصعبة يبرز ذلك الكلداني كريم علكة ، فقام بشراء كميات كبيرة من تلك المواد الغذائية من الاسواق المحلية وخزنها في مخازنه ووضع عليها حراسة مشددة كما واشترى كميات كبيرة من الحبوب والرز من المدن المجاورة وبأسعار مرتفعة وزع الطحين للفقراء والمحتاجين والأرامل مجاناً وخفض اسعار البيع لحد النصف للميسورين الذين كانوا يستطيعون شراء المواد الغذائية. انشأ مطحنة للحبوب والتي كانت تعمل ليل نهار لطحن القمح والشعير وتوزيعه على الفقراء كما فتح  مخبز لتزويد اهالي السليمانية بالخبز مجاناً وجدير بالذكر انه في كل مساء كان يأمر بطبخ كميات كبيرة من الطعام لتوزيعها على مئات الفقراء والمحتاجين ، وكان بإمكان الفقير أن يأكل عند مواقد الطبخ أو يأخذ حصة لأهله أيضاً .. بذلك انقذ  آلاف من اهالي المدية والقصاب المجاورة من الموت المحقق ولن يفرق بين أي طائفة دينية فالكل كان متساوين عنده .  لقد كان له الفضل الأول والأخير في إنقاذ الجياع ، في حين كان تجار السوق مستغربين متعجبين مندهشين من تصرفه وكرمه ولا يجدوا غير جواب واحد انه كريم علكة الشهم والكريم والوفي لأبناء بلدته .
كان لكريم علكة كهريز (الجمع الكهاريز   ) وهي قناة جوفية (تحت الأرض) بعمق قليل عادة ذات ميلان لنقل الماء من الخزان المائي العالي إلى المناطق المسطحة لغرض الرى والسقى والزراعة وكان يستغله فلاحيه لسقي أراضيه الزراعية سمع ان المياه المستعملة في الجوامع والمساجد القريبة من اراضيه شحيحة لا تكفي لحاجة المصلين . تبرع بذلك الكهريز لخدمة الجوامع ، و أمر بشق السواقي وإيصال المياه الى (جامع شيخ أمين ، تكية روته ، حمزة أغا ، شيخ محمد برزنجي ). بالإضافة إلى الترميمات والتعمير مع اضافات الكثير من المرافق الى جوامع عديدة ،كما أمر بدفن كافة الموتى وعلى حسابه الخاص بالنسبة للفقراء والمحتاجين والذين لم يتمكنوا من دفع مصاريف الدفن .وقدم الكسوة الشتوية للعديد من الطلبة الفقراء .وللعلم في كل ليلة كان يتفقد احوال الفقراء بنفسه ومساعدة المرضى وشراء الادوية لهم .و يصرف مبلغ شهري لبعض الطلاب اللذين يدرسون في جامعات اسطنبول ( اتحفظ عن ذكر اسماء الطلاب لدواعي اجتماعية ). وتخرج منهم الطبيب والمحامي والشاعر .
بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى انضم الشيخ البرزنجي إلى الطرف الذي كسب المعركة فأعلن تسليم لواء السليمانية إلى القوات البريطانية في تشرين الثاني عام 1918 ولم يكتف بذلك بل سلم لهم الفوج العثماني نفسه فوقع ضباطه وجنوده أسرى في يد القوات البريطانية ، وقد كافأه الإنجليز على ذلك بتعيينه حاكما (حكمدار) على لواء السليمانية لم يرض البرزنجي بما حصل عليه من بريطانيا واعتبره غير كاف مقابل ما قدمه من خدمات لها فقد كان يتطلع إلى حكم المزيد من المناطق والألوية الكردية ،  فقرر مواجهة بريطانيا بعد أن أعلن أنها تنصلت من وعودها له.
 بعد معركة مع قوات الشيخ والانكليز في منطقة دربندي بازيان على الطريق بين كركوك والسليمانية ألقي القبض على الشيخ  وحكم بالإعدام لكن الحكم تخفف وتم نفيه إلى الهند.   
عبد الكريم رجل مشهود له بالوطنية
قصفت مدينة السليمانية من قبل الطائرات ألبريطانية ، وهاجر عدد كبير من أهالي المدينة وتركوا بيوتهم بما فيها.. لكن كريم علكة أبى أن يترك المدينة بل ظل وعائلته في السليمانية وبقت معه العائلة الكردية الاجتماعية  المعروفة الحاج إبراهيم أغا . دخلت القوات البريطانية المدينة واحتلت لواء السليمانية وبدأ التفتيش عن المؤيدين وأنصار الشيخ محمود ، توجه قائد العسكر الى بيت كريم علكة واندهش واستغرب من وجوده مع عائلته .. سأله :
لماذا لم تتركوا المدينة ؟
رد عليه علكة بابتسامة ساخرة
أنا ابن هذه المدينة ومن العيب أن أتركها أيام الشدة وأبقى ايام الفرح .
تعجب القائد من ووطنية كريم قدم له الشكر والاحترام. وجدير بالذكر عندما دخلت القوات البريطانية المدينة قامت بسلب ونهب أكثرية المنازل .. و منهم منزل الشيخ  محمود الحفيد علم كريم علكة بالسرقة التي حصلت فقام بشراء كل الحاجيات من الجنود البريطانيين واحتفظ بها  ثم أعادها الى أصحابها من دون مقابل بعد عودتهم إلى المدينة .
اصبحت ايران خلال الحرب العالمية الاولى مسرحا للمعارك مع انها كانت محايدة. وكان اهتمام روسيا القيصرية هو الدفاع على مواردها النفطية في باكو و بحر قزوين. لذا كان الروس يخوضون حرب ضارية مع الاتراك في شمال غرب ايران.
وصل قنصل روسيا إلى السليمانية و زار الكنيسة الوحيدة  ولعدم معرفتي التاريخ الصحيح لزيارة القنصل ربما التقى مع الاب متى الراهب من دير السيدة الذي خدم في السليمانية منذ سنة 1915-1920 م .أو الأب  الياس شير الراهب من دير السيدة الذي خدم ما بين سنة 1920-1927 م في السليمانية و هو من أهالي  شقلاوة .
طلب قنصل روسيا القيصرية من الأب أن يلتقي بأكبر شخصية في المدينة .
فقال له الأب : لا يوجد غير كريم علكة .
أرسل القنصل الروسي خادمه مع شخصية مسيحية من اهالي السليمانية ويطلب من كريم المجيء الى الكنيسة ويلتقي بالقنصل .. لكن كريم رفض الذهاب واللقاء به .
علم القنصل برفض كريم زيارة
قال القنصل سأزوره أنا. وأرسل مبعوث اخر إلى كريم ليأخذ منه موعد للقائه
رد كريم بهدوء وابتسامة لا أريد زيارته ، لماذا يريد مقابلتي ، أنا شخص وطني ولي حكومتي ولنا متصرف لواء ، الرجل المتصرف هو الذي يمثل الحكومة و ليس عندي شيئاً أبحثه مع قنصل روسيا  القيصرية ولا مع أي قنصل اخر ، علم المتصرف بعدم لقائه مع القنصل قدموا له  الشكر والاحترام على شجاعته ووطنيته .
أدت الثورات الكردية والاضطرابات الدموية الى اقلاق الانجليز ، فاضطرت الى اعادة الشيخ محمود من منفاه الى السليمانية ، وتنصيبه ملكا على كردستان وتشكيل اول كيان حكومي عين  عبد الكريم وزيراً للمالية في حكومة الشيخ / الملك محمود التي تشكلت في السليمانية بتأريخ 10 / 10 / 1922.
وبدأ الشيخ البرزنجي ينظم قواته ويوسع نفوذه في لواء السليمانية ويتجه صوب كركوك مهددا بضمها إلى حكومته وأمرت بريطانيا في حالة عدم خروج الشيخ  محمود من السليمانية ستقوم بقصف المدينة بواسطة الطائرات لذلك قرر الاهالي من تشكيل وفد لمنع هذه العملية . وكان من الشخصيات التالية (كريم علكة . أحمد بك فتاح بك . حاجي مصطفى باشا . شيخ قادر الحفيد . شيخ عبد الكريم قادر كرم ) توجهوا الى كركوك اولا ومن هناك أبرقوا الى المندوب السامي البريطاني لغرض مقابلته .... التقوا بالمندوب السامي في بغداد وشرحوا مخاطر تلك العملية واستنكار الاهالي لها والنتائج الكارثية ،كان المتكلم باسم الجماعة في بغداد كريم علكة كونه كان يجيد العربية بطلاقة ،بعدها التقى كريم علكة بالملك فيصل الأول وتباحثا كثيراً حول مواضيع عديدة ومنها استنكاره لضم بعض المدن والقصبات الى لواء كركوك بعد أن كانت تابعة الى لواء السليمانية , لكن الشيخ محمود لم يستكن للأمر ، وأخذ يستجمع قواه وينظمها ، واستطاع مهاجمة الجيش المتواجد في مدينة السليمانية وطرده منها في 11 تموز  1923، وبقي الشيخ محمود يحكم السليمانية مدة  تزيد على العام  ، قامت القوات البريطانية بمهاجمة السليمانية  مما أضطر الشيخ  إلى ترك السليمانية  والتجأ إلى قضاء شهربازار  التابع للواء السليمانية على اثرها في عام  1923  هاجر كريم علكة وأسرته الى كركوك .. وهناك أيضاً ساعد الناس بكثرة .. بعدها أستقر مع عائلته في بغداد .
 بتأريخ 25 / كانون الثاني / 1948 ينتقل الوطني الكبير كريم علكة إلى الاقدار السماوية ويدفن في المقبرة الكاثوليكية في بغداد .
أطلقت السلطات المحلية في السليمانية أسم الشارع الذي يمر من امام منزله باسم شارع كريم علكة .كما  سميت المدرسة الواقعة على الشارع باسم مدرسة كريم علكة .تقوم مديرية الاثار في السليمانية خاليا استملاك منزله وتحويله إلى متحف باسم متحف كريم علكة.
ولكل شخصية من عائلة الياس علكة حكاية سأنشرها تباعا .
المصادر :

1.   عبد الرحمن إدريس صالح البياتي ، الشيخ محمود الحفيد البرزنجي ، 2007
2.   رفيق حلمي ، يادداشت (باللغة الكردية ) ، 1957 
3.   دبليو آر.هى ، سنتان في كردستان ، 1973 ، ترجمة فؤاد جميل
4.   احمد خواجة ، جيم دي (باللغة الكردية ) ، 1970
5.   طه احمد صالح  ، فريشة كاني سه رز ه مين (ملائكة على الارض) ( باللغة الكردية) ، 1977 صادر عن دار الثقافة والنشر الكردية.
6.   مقال بعنوان (كريم علكة ) منشور في جريدة الاتحاد العدد 295  الصفحة الرابعة الصادرة بتاريخ 28/11/1998
7.   راجع مقال للكاتب جلال جرمكة بعنوان (كلداني من السليمانية).المنشور في الجريدة الكترونية نوروز - مركز الثقافة والإعلام بتاريخ 8/5/2007
8.   مقال للكاتب نزار ملاخا بعنوان (حاتم طي الكلدان عبد الكريم عَلَكَة) . المنشور على موقع عين كاوة بتاريخ 24-01-2008

12
المسرحية الكوميدية الساخرة بعنوان ( بناتي والجيران )

تأليف وإخراج : بدري نوئيل
انطلاقا من سعيها الحثيث للتواصل مع جميع شرائح المجتمع ، وإكمالا لرسالتها في إقامة نشاطات يكون ريعها لمساعدة الفقراء والمحتاجين وفي نفس الوقت تقديم رسالة هادفة للناس وخصوصا لمجتمعنا المقيم في مملكة السويد .
تقدم أخوة الأب رغيد ورفاقه الشهداء مسرحية كوميدية ساخرة بعنوان ( بناتي والجيران ) يقدم المسرحية من نخبة الشباب الكنسي الواعد والناشط والساعي لتقديم رسالة هادفة لأبناء الجالية في السويد  .
فكرة مسرحية بناتي والجيران
عندما تغلق جميع الطريق أمام الإنسان في هذه الحياة، يبدأ بالبحث عن طرق بديلة تكفل له العيش الكريم ولعائلته، ربما يصل به المطاف إلى أن يغادر وطنه ألأم ولا أعتقد أن أحدا يتخلى عن الوطن إلا إذا ما كان مجبرا على ذلك. نترك الديار ونرحل كالطيور المهاجرة ونكابد من أجل تحقيق بعض الغايات ولكن تسرقنا الغربة وتستنفذ عمرنا سنة بعد سنة دون أن نشعر ونتجرع مرارة الغربة . وهنا نتساءل من سيدفع ثمن هذه الغربة ؟ حيث إيجابيات وسلبيات هذه الغربة.
نخبة من الشبيبة الكنسية في مدينة سودرتاليا يقدمون على مسرح المدينة مسرحية كوميدية اجتماعية ساخرة من مشهدان تحكي قصة عائلتان مهاجرتان الأولى تتكون من أب وأم وثلاث بنات . اندمجت البنات مع المجتمع الغربي وتعلمن اللغة والعادات الغربية وبقى الأب مع زوجته يراوحان محلهما نسى الأب مراقبتهم وتربيتهم لأنه انشغل مع زوجته بأمور تافهة ثانوية و لا يدري انه بصفة أو بأخرى ساعد مساعدة و لو صغيرة في هدم ما تبقى من ثقافة و تراث أو حتى نسى الدين الذي اعتبره شيء ثانوي لا قيمة له وجلب الويل لبناته وهكذا و على طبق من ذهب قدم لهن أكثر مما تمنوا، وبهذه البساطة رفس بأرجله ثقافة أجداده و جعلها وراء ظهره . ولحقت البنات ركب التطور السريع الغير مبرمج، وانزلقت ثقافة العائلة في متاهات الحياة .
والعائلة الثانية تتكون من أب وأم وثلاث شبان متمردون على واقعهم أسسوا لأنفسهم صورة غير الصورة التي يعرفون بها فقد ارتضوا لأنفسهم أقنعة مختلفة زائفة يعيشون بداخلها و هؤلاء مصابون بنوع من الانفصام ربما سيصعب عليهم التخلص منه، همهم أرضاء غرائزهم الذاتية و قد وجدوا في الغربة أكثر مما يتمنون صار الشاب يلهون ويتسلون ويتصورون يستطيعون شراء الفتاة كشراء القميص وتغيرها كما يشاءون ، ابتعد الوالد عن تربيتهم ونصيحتهم لانشغاله بأمور تافهة بعيدا عن المنزل . وانحصرت علاقتهم مع والدتهم التي سيرتهم في طريق مليء بالمفارقات،فقد اتخذت العائلة نمط لحياتها الممتلئة بالفتن والمشاغبات  واللعب على القوانين . همهم جمع المال بأي طريقة كانت حتى ولو كان مخالف للقوانين وأم الشباب تتحدث عن كل شيء و في كل شيء وتعتقد أنها مهمة يمكن ملاحظة رغبتها في التعالي إلا أنها أضعف مما تتوقع تقع في الأخطاء العديدة واسعة الخيال ثرثارة.
منحتهم والدتهم ثقة بعيدة عن الأعراف والتقاليد والعادات التي ورثناها من الأجداد أو التي اكتسبوها من المجتمع الغربي بحجة أنهم يمارسون حريتهم وديمقراطيتهم بالتعامل مع الآخرين حتى ابتعدوا عن الحب والعاطفة فهم مثال المجتمع الذي بدأ السوس ينخر فيه.
تعرض يوم السبت المصادف 13-4-2013 على قاعة مسرح
Estard Teater Stadhuset Södertälje
العنوان : Campusgatan 26
وقت العرض : الساعة الثالثة عصرا
سعر البطاقة : 100 كرون للشخص الواحد
للحجز والمعلومات يرجى الاتصال بالأرقام التالية :
رامز : 0737102855
بهجت : 0737677208
ماسير بسمة : 0735703058
زيد شفو : 0736699588
عبير نهاب : 0705866178
( ممنوع دخول الأطفال تحت سن العاشرة )
( ريع هذه المسرحية سيذهب لمساعدة أخوتنا الفقراء والمحتاجين )
ادعموا هذا العمل بحضوركم ومشاركتكم
 



صفحات: [1]