عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - صباح قيا

صفحات: [1]
1
ألرابطة الكلدانية فكرة رائدة

د. صباح قيّا
سالني ضابط الحدود خلال عبوري من كندا إلى أمريكا عند معبر ديترويت – مشيكن : هل أنت كلداني Are you Chaldean ?
 ثم ابتسم بارتياح بعد إجابتي له بنعم ... وفي إحدى المؤسسات الرسمية الأمريكية , كنت مع ولدي في مقابلة مهنية , جاء موظف من الغرفة المجاورة بعد استماعه للحوار الدائر بين الموظف وإبني ليبادرنا بنفس السؤال ، ثم قدم لنا نفسه مصافحاً أنه أيضاً كلداني أمريكي الولادة  من أب تلكيفي وأم بطناوية ’ ويتكلم الكلدانية بالبيت .... وخلال عملي في المملكة المتحدة وبالتحديد في شهر كانون الأول من عام 2004 , أراد أحد الزملاء من الأصول الأيرلندية أن يتعرف على الكلدان , فزودته ببعض الروابط ليطّلع عليها . أبدى إعجابه الشديد بتاريخهم وإيمانهم عند لقائي معه بعد عدة أيام , وشدد على ضرورة المحافظة على لغة المسيح , ولا غرابة في ذلك كونه كاثوليكي ملتزم .... وفي المركز الطبي الذي أعمل فيه حالياً ، يعلم الجميع بأني كلداني وخاصة الزملاء العرب ... ألكل ينظر إلى الكلدان كشعب متميّز ولن يهمّه سواء كان من سلالة نبوخذ نصر , أو من صنع فاتيكاني ... حقيقة وجودهم اليوم ظاهرة أمامهم كالسراج الموضوع على قمة جبل . أما اصل ألأقوام والأجناس فتصلح للدراسات الأكاديمية , ولن تخضع لواقع الحال , والمهم احترام البعض للبعض الآخر بما هو عليه وله حاضراً وترك الأجداد لترقد في لحدها  بسلام .   

 إذن ماذا يعني السؤال هل أنت كلداني ؟ .. لماذا لا يصاغ السؤال هل انت مسيحي ؟ كاثوليكي ؟ بروتستانتي ؟ وما شاكل من المذاهب والأديان ؟ .. ألجواب ببساطة : لأن مثل هذا السؤال قد تترتب عليه تبعات قانونية في المجتمعات المتحضرة , أما الأول فوضعه لا يختلف عن هل أنت إيطالي ؟ بولوني ؟ عربي ؟ .... الخ .. فالكلدان كيان فائم بحد ذاته حتى بدون وطن محدد يجمعهم .. لهم لغتهم , نواديهم , جمعياتهم المتعددة , مراكزهم المتنوعة , أماكن عبادتهم , مثوى قبورهم , مؤسساتهم , تراثهم , تاريخهم , وكل ما يمتّ لأي شعب مستقل بصلة ... كل هذي وتلك تتكلم عن كلدانيتي , فهل أخشى عليها ؟ وممن ؟ .. وكما أكد البطريرك الكلي الطوبى لويس ساكو في لقائه مع مجاميع من الشعب الكلداني في مشيكن , بأنه كلداني ولا يحتاج ان يرفع لافتة مكتوباً عليها " انا كلداني " لترافقه أينما حل ّ ... نعم أنا " صباح " فهل أكتب إسمي على ربطة أرتديها ؟ ... إلا إذا خفت على نفسي من الضياع , ولن تضيع إلا إذا فقدت صوابي  ... لقد ولّى الزمان ,  وإلى غير رجعة ,  الذي تتمكن فيه الشعوب والأديان والمذاهب والقبائل من إبادة أو التهام بعضها الآخر . فإذا استطاعت بعض الأسماك المتنفذة مرحلياً من ابتلاع بعض الأسماك الكلدانية بطريقة أو بأخرى ,  فمن العسير بل المستحيل عليها أن تبتلع الأغلبية الساحقة المتمسكة بجادة الصواب وباعتزاز . وقد يأتي الوقت الذي تتمنى فيه تلك الأسماك الضحية أن تخرج من جوف صائديها .

والآن مع الرابطة الكلدانية التي برزت كفكرة رائدة من قبل قمة هرم الكنيسة الكلدانية , والتي في طريقها لترى النور في القريب المنظور . مهما قيل عنها وسيقال , فهي من وجهة نظري الشخصية ضرورة مهمة في ظرف عصيب . لا أعتقد بأن أي حزب أو تنظيم كلداني يستطيع أن يجمع  كافة الكلدان تحت خيمته , فالأحزاب والتنظيمات بصورة عامة تخدم أجندات معينة تصب على الأغلب في مصالح قادتها . ألكثير منا يعلم عن الأحزاب التي تشكلت في  الغرب بعد الحرب العالمية الثانية بمسميات مسيحية ولكنها لم تقدم أية خدمة ذات فائدة للمسيحية كدين بل ربما أضرتها ...
هنالك من يعترض على تنصيب البطريرك رئيسها الأعلى .. طيّب .... إذكر لي إسما يقتنع به كافة الكلدان وأنا الممنون ؟ .. ولأستر المكشوف ولن أعيد ما هو معروف ومعلوم عن فشل الكلدان النزول بقائمة واحدة في انتخابات حتى ولو نتيجتها مقررة سلفاً , ولكن على الأقل تعكس موقفاً موحداً لهم .  في البدء ولضمان نجاح الرابطة ,  من الأفضل , بل من الضروري أن يترأسها البطريرك ألذي لن يتحفظ عليه إلا نفر ضئيل ولمقاصد معينة . من يحرص على الكلدان عليه دعم كل ما يحمل إسم الكلدان ويعمل   لتحقبق أهداف شمولية كالرابطة , ويصبر لحين تتكلم الأعمال , ومن ثم لكل حادث حديث . من السذاجة الحكم على وليد لم يولد بعد ... أما التفاصيل الباقية فقد وضعت من قبل بني البشر , وما وضعه الإنسان حين شاء يغيره الإنسان متى شاء .
من دون شك , أن العمل الجماعي لن يتكلل بالنجاح إلا إذا أسقط أفراده غريزة " ألأنا " من قاموسهم .. وهذه لن تكون مهمة سهلة على الإطلاق , وهنا يبرز الدور الإداري  والقبادي للمسؤولين في الرابطة لتهميش تلك الغريزة المدمرة قدر الإمكان ... ونقطة مهمة أخرى هو عدم الإنقياد لمن يتقن لغة الإطراء , بل لمن يتصف بنقاوة وجودة الأداء . وأضيف أن هنالك من الحكام الناجحين من يمنح مناصب مرموقة لمعارضيه ليضعهم على المحك في ما به ينتقدوه , فالأمل في الرابطة أن لا تحابي من جهة وتجافي من جهة أخرى , فليس كل ناقد حاقد , ولا كل مادح زاهد .


2
حقيقة المعجزات الطبية في التطويبات الكنسية – ألجزء الخامس والأخير
د. صباح قيّا
ينفرد لبنان من بين العالم العربي بانتساب أكثر من قديس لترابه , ويحق للسودان أن يفخر بقديسته , وقد عانى كلا البلدين من حروب أهلية أزهقت أرواح الآلاف من البشر , ويظل الوطن الجريح ممثلاً بكنيسته المشرقية العريقة وبأغلبيته الكاثوليكية وبقيادة بابل على الكلدان في العالم , مفتقراً لمن يحمل من بين أهله لقب القديس أو حتى المبارك , بالرغم من مواكب الشهداء التي سقت عموم أرض الرافدين بدمائها الزكية وترقد أجسادها في كل بقعة منها منذ نشأة المسيحية وعبر تاريخها الأليم وإلى يومنا هذا . وللأسف الشديد لم يصل ذراع التطويب الممتدة صوب القارة الأفريقية ونحو الشرق الأقصى  إلى بلاد ما بين النهرين بعد , لسبب بسيط من الممكن تجاوزه بسهولة عند توفر عامل الرغبة الجدية المجردة من غريزة الأنا وتبعاتها ( راجع الجزء الثاني ) .
يتوهم من يعتقد بأن حصول المعجزة اقتصر على طبقة معينة من المجتمع جلّها من الفقراء والبسطاء , باعتبار أن هذه الشريحة ,  بصورة عامة ,  أشد تعلقاً بالإيمان من الشرائح الميسورة .... ملفات التطويب تشير إلى أن الحالة الإجتماعية  لمن حصلت له المعجزة متباينة وغير متجانسة .. هنالك الملوك والأمراء,  وبينهم النبلاء وأفراد الطبقة الوسطى وحتى عوائل الأطباء  , دلالة على أهمية عامل الإيمان , فالمعجزة تحدث لمن يتضرع بعمق إيمانه , لا بثقل جيبه .
وصلت معجزات الشفاء من الأمراض الجسمانية والعاهات الجسدية إلى 96 % في القرن العشرين بعد أن كانت 92 % في القرن السادس عشر ... لوحظ ازدياد حالات التدرن في القرن العشرين نتيجة تقدم الوسائل التشخيصية للمرض من جهة , وكونه ً كان يصنف ضمن إصابات الحمّى سابقاً من جهة أخرى .... لم تسجل أية حالة للقيامة من الموت في ذلك القرن , وقد يكون ناجماً عن إدخال ضوابط صارمة ودقيقة وشاملة في تشخيص الموت وتفريقه عن السبات العميق الذي شوهد لاحقاً بأعداد غير قليلة .  كما بلغت نسبة الأطباء ممن شهد على المعجزات في نفس القرن إلى أكثر من 74% .
تنوعت أشكال ومصادر التضرع والإبتهال . هنالك من التجأ إلى القبر , أو إلى المذخرات  , أو إلى صورة من توسل إليه كي يتشفع له ( ألقديس بعدئذ ) عند الله  , وهنالك من تشبث بصلاة الوردية أو التساعية . سأستعرض الآن أسماء عدد من القديسين مع إيجاز للمعجزات الطبية التي نسبت اليهم والتي تم تطويبهم بموجبها :


 
Marie Marguerite d'Youville/Canada
                                                             
ألولادة :  15 تشرين الأول 1701   ألوفاة : 23 كانون الأول 1771   ألتطويب : 9 كانون الأول 1990   أول قديسة كندية ...
في نهاية عام 1980 ,  تم تكليف الدكتورة جاكلين دافّن الإختصاصية بأمراض الدم والأستاذة في تاريخ الطب في إحدى الجامعات الكندية , من قبل مجموعة غير معروفة بمراجعة شرائح لنخاع العظم لمريض مصاب بسرطان الدم في دور الصحوة من الإنتكاسة الثانية . إعتقدت أن الموضوع يخص مقايضة طبيب قانونياً , وأن المريض قد فارق الحياة كون الشرائح مضى عليها ما يقارب العشر سنوات . إكتشفت لاحقاً بأنها تعود لمريضة ما تزال على قيد الحياة , وأن تقريرها وصل الفاتيكان وسيعتمد عليه لغرض التطويب ,...  لم تكن تعلم أن ذلك من أجل إثبات حصول معجزة طبية . حضرت مراسيم التطويب مع زوجها اليهودي , والتقت الطبيب المعالج إثناء ذلك ... ورغم كونها غير مؤمنة لم تستطع أمام الحقيقة إلا أن تقر بأنه " ليس لها تفسير لما حصل " ... ذلك ما دفعها للقيام بالدراسة المميزة والفريدة من نوعها والمنوه عنها في ( الجزء الثالث ) .
Saint Paul of the Cross (Paolo Francesco Danei) /Italy 

ألولادة : 3 كانون الثاني 1694    ألوفاة : 18 تشرين الأول 1775   ألتطويب : 9 كانون الأول 1844
 في عام 1844 تم تشخيص سرطان الثدي الأيسر من قبل جراح وطبيبين على شابة تبلغ 32 سنة من العمر . كان العلاج الجراحي هو القرار , رغم أن التخدير لم يكن معروفاً آنذاك . إرتاب المريضة ذعر شديد . أرشدها الكاهن إلى القديس . تضرعت بالصلاة لمدة عشرين يوماً وليلة بشهادة إمرأة تشاركها السكن . مرّت بعذاب أليم ليلة 20/21 ... وما أن إستيقظت صباحا إلا وشعرت باختفاء الورم ... تحدثت بعد سنوات عن تجربتها مؤيدة من قبل رفيقتها والأطباء الذين سبق وأشرفوا على علاجها . وقعت على ما قالت برسم علامة الصليب كونها أميّة .
Saint Madeleine Sophie Barat/ France 

ألولادة : 12 كانون الأول 1779  ألوفاة:  25 مايس 1865  ألتطويب: 24 مايس 1925 
في عام 1904 أصيب رجل بروتستانتي عمره 26 سنة بإصابة مؤلمة في الساق . إقتادته راهبة إلى قبر القديسة . لم يسمع بها أبداً ولم يتعود طلب شفاعة أحد . شفي تماماً وشهد على المعجزة عام 1906 .
Saint Didacus ( Diego ) of  Alcalá / Spain

ألولادة : سنة 1400  ألوفاة : 12 تشرين الثاني 1463  ألتطويب: سنة 1588
أول قديس بعد تأسيس مجمع قضايا القديسين عام 1588 . عشرات المعجزات مسجلة له , وكل معجزة تعرضت لتحقيق واسع .. تم استجواب ما لا يقل عن 80 شاهد بخصوص شفاء شابة من الشلل . كتبت 13 من إعاجيبه بتفصيل , واشتهرت ثلاث على الأقل لتعلقها  بالملوك ... سقط الملك هنري الرابع من حصانه إثناء الصيد .. أصيب بيده ,  وعجز الطب حينها عن إزالة ما سببته الإصابة من ألم شديد . طلب جسد القديس فجيء به .. تضرع إليه بالصلاة وقبله ثمّ وضع يده على اليد المصابة . إختفى الألم واستعادت اليد قوتها . ... عرف عن الأمير كارلوس إبن الملك الإسباني فيليب الثاني بشخصيته المتمردة ... عندما كان عمره 17 سنة .. وفي ليلة 19 نيسان 1562 , اثناء تلمس طريقه في الظلام بعد ليلة حمراء , سقط على رأسه من أعلى السلالم .. شوهد صباح اليوم التالي فاقدً الوعي مع شلل جزئي , أصيب بعدها بالعمى  مع حمى عالية , ولوحظ عليه تورم الرأس والوجه . وفي لحظة وعي مؤقت طلب تقديم إلتماس إلى القديس... وضع مدير الدير إحدى يدي الأمير على صدر القديس ,فغط بعدها في نوم هادئ . إستفاق بعد أن حلم بأن القديس أعلمه أنه لن يموت .. وفعلاً ظهر عليه الشفاء التام . ً
Saint Raymond of Peñafort (Ramon de Penyafort) / Spain

ألولادة : سنة 1175  ألوفاة : 6 كانونالثاني 1275  ألتطويب : سنة 1601
رفض الطبيب إعطاء علاجات إضافية لرضيع ,  تفصله عن الموت لحظات ,  بعد علاجه لمدة ثلاث اسابيع بسبب إصابته بدايزنتري حاد وشديد . بدى شاحباً هزيلاً  مع حمى عالية وبلا حراك وكأنه شبح ميت . هرعت الأم مذعورة إلى الكنيسة المجاورة ووضعت رضيعها على قبر القديس . ركعت تصلي وتتضرع بحضور الأهل والجيران لأبقاء فلذة كبدها على  قيد الحياة . أختفت الحرارة بعد ساعة او ساعتين , وعاد النشاط للطفل تدريجياً , ثم بدأ يسترد عافيته وسط شكر وتبجيل الحضور .     
Saint Conrad of Parzham / Bavaria

ألولادة : 22 كانون الأول 1818    ألوفاة : 21 نيسان 1894   ألتطويب : سنة 1934 
في آذار من عام 1929 سقطت شجرة على شابة عمرها 22 سنة إثناء مساعدة أهلها في الغابة , فأصابت يدها اليمنى . لم تستجب للعلاج الذي استمر 17 شهراً مما أدى إلى حصول الغنغرينا كمضاعفات لتطور الإصابة . وافقت على نصيحة  الأطباء ببتر اليد . تضرعت للقديس بصلاتها قبل يوم العملية . شفيت صباح اليوم التالي أمام دهشة الجميع .
Saint Catherine of Bologna/ Italy

ألولادة :  8 ايلول 1413     ألوفاة :  9 آذار 1463    ألتطويب : 22 مايس 1712 
يعزى لها حصول حوالي 170 معجزة ...  فاح عطر من قبرها بعد الدفن .. أخرجت بعد 18 يوماً والجسد كما هو .., وجد الغطاء مبللاً بعرق تفوح منه رائحة زكية .. كانت هنالك قطعة جلد نزفت دماً نقياً بعد أن سحبتها إحدى الراهبات . ممكن مشاهدتها في غرفة خاصة مجاور كنيسة تقع  في نفس المدينة " بولونا " وكما واضح في الصورة أعلاه .  ست من معجزاتها المسجلة مدعومة بشهادة أطباء معروفين ومسندة أيضاً بتأييد الجراحين والصيادلة . ..  شفاء راهبة عمرها 21 سنة من ورم في الصدر .... شفاء طبيب عمره 50 سنة من مرض مميت عام 1655 وعاش عشرة سنين بعدها ليشهد على ذلك .
Saint Andrew (Andrea) Avellino/Italy

ألولادة : سنة 1421      ألوفاة : 10 تشرين الأول 1608     ألتطويب : سنة 1712   
لاحظ طبيب عمره 35 عاماً ,  إثناء حضوره مهرجانا ,ً تجمعاً حول إمرأة تحمل طفلاً عمره ثلاث سنوات فاقد الحياة . شهد الطبيب ببرودة جسم الطفل وانعدام النبض وأنه بلا إحساس أو حركة وفاقد لكافة العمليات الحيوية مع وجود كدمة واسعة على الجبهة وخلع في الرقبة , فأعدّه ميتاً . ذهب الطبيب في اليوم التالي إلى الكنيسة لحضور الصلاة ومراسيم الدفن .. وجد نفس الطفل حاملاً شمعة أمام صورة القديس ... حتى لو لم يكن الطفل قد فارق الحياة  بمقاييس  علامات الموت للعصر الحالي , وإنما فاقداً للوعي وفي سبات عميق , ولكن حتماً كانت حالته حرجة ... وهذا ما يؤكد اعتماد رجال الدين على ما استجد من علوم الطب حسب الزمان والمكان .
Brother André Bessette / Canada

ألولادة : 9 آب 1845     ألوفاة :   6 كانون الثاني 1937    ألتطويب : 17 تشرين الأول 2010 
شفاء يافع من إصابة دماغية عميقة ,.. لا يمكن أن تقبل الحالة الشك ,  أو احتمال حدوث خطأ تشخيصي , أو فبركتها , مع توفر المعدات التصويرية العصرية الحديثة كمفراس الدماغ وتصوير الرنين المغناطيسي .
Saint Rafqa (Boutrosiya “ Pierina” Shabaq al-Rayes / Lebanon

ألولادة : 29 حزيران 1832      ألوفاة :   23 آذار 1914     ألتطويب : 10 حزيران 2001   
شفاء إمرأة من مرض سرطان الرحم عام 1938 .. عاشت 28 سنة أخرى وتوفيت عام 1955 بسبب آخر ... وفي عام 1984 , شخص سرطان الكلية على طفلة عمرها سنة .. أجريت لها عملية جراحية التي أعقبها نزف من الأنف والأذينين .. قدّر الأطباء حدوث الوفاة بعد 24 ساعة ,, شفيت ولا تزال على قيد الحياة بعد تناولها طعاماً ممزوجاً برمل جلب من قبر القديسة وسط دهشة الممرضين والأطباء .
                 Pope Saint Pius V / Italy

ألولادة : 17 كانون الثاني 1504     ألوفاة :  1 مايس 1572    ألتطويب : 22 مايس 1712   
توقع الفوز في معركة "  ليبانتو " التي اندحر فيها العثمانيون ... شفاء زوجة طبيب مصابة بحمى النفاس ( حمى بعد الولادة ) عام 1678 ... شفاء إمرأة عمرها 62 عاماً ابتلت بالشلل لمدة سنتين نتيجة مرض في الجهاز العصبي  , بعد تضرعها للبابا القديس ماسكة فردة من أحذيته عام 1713 .   
Pope Saint John XXIII / Italy

ألولادة : 25 تشرين الثاني 1881     ألوفاة :  3 حزيران 1963     ألتطويب :27 نيسان 2014   
شفيت  راهبة أجريت لها 14 عملية جراحية بسبب نزف المعدة بعد وضع  مذخرات البابا القديس على ناسور البطن .... شاهدت رؤيا له وهي على فراش الموت يطلب منها النهوض ويبلغها بالشفاء ... ظلت تكرر أنا جائعة .. اريد طعاماً .. ألبابا يوحنا الثالث والعشزون أبلغني أن الجرح سيشفى , توفيت عام 2010 بأسباب طبيعية . أقرّ الأطباء عدم توفر التفسير العلمي لالتئام الجرح وشفاء المريضة .
Pope Saint John Paul II / Poland

ألولادة : 18 مايس 1920      ألوفاة :  2 نيسان 2005      ألتطويب :27 نيسان 2014   
شفيت راهبة فرنسية من مرض باركنسن  , الذي كان نفسه مصاباً به , بعد أن تضرعت إليه بعد وفاته بستة اشهر .... شفاء إمرأة من كوستاريكا لها أربعة اطفال ومصابة بوعاء دموي في الدماغ , أقرّ الأطباء بأن ما تيقّى لها من حياة على الأرض  لا يتجاوز الشهر . يوم 1 مايس 2011 , وبينما كانت تتابع مراسيم منح البركة للبابا من على شاشة التلفاز في دارها , خلدت للنوم وبيدها مجلة تحمل صورته ... إقتربت الصورة منها وهي بين اليقظة والنوم , وسألتها : ماذا تعملين وأنت مستلقية هنا ؟ وعندما استيقظت  صباحاً شاهدت الصورة ذي اليد الممدودة .. شعرت بداخلها بالشفاء .. سمعت صوته مخاطباً : إنهضي ولا تخافي ..هرعت لزوجها في المطبخ لتزف له بشرى شفائها . وصلت المعجزة للفاتيكان الذي دعاها لإجراء الفحوصات في  مستشفى بروما كسائحة تشعر بوعكة صحية ... لم يظهر أثر للوعاء الدموي , ولم يستطع الأطباء تفسير اختفائه من الناحية العلمية , فاعتبر ما حصل معجزة .. وما أحلاها من معجزة  في زمن تمكّن الإنسان على ما كان قبلاً غير ممكن .
ألإستنتاج :
* لا يمكن حصول المعجزة بدون توفر الإيمان وبدون الإبتهال والتضرع من أعماق القلب بنية صادقة وخشوع مهيب .
* ألمعجزة هي الدليل الأساسي لأغراض التطويب , فلا يمكن لمن يموت ميتة طبيعية أن يصل القداسة إلا لاستثناءات محدودة جداً .
* شفاء الأمراض من أكثر المعجزات شيوعاً , ويستوجب شهادة علمية لدعم شروطه .
* تغير الأمراض التي شفيت بمعجزة عبر العصور يعكس تطور العلم
* مهما حصل من سهو او خطأ بسبب قصور في التشخيص أو عدم كفاية المعلومات المتوفرة , تظل هنالك حالت الشفاء التي لا يمكن تفسيرها علميا .
ألمصادر : 
1. Duffin, Jacalyn. Medical Miracles: Doctors, Saints, 
     and Healing in the Modern World.
Oxford University Press 2009

2. www.roman-catholic-saints.com

3. www.newadvent.org/cathen/

4. en.wikipedia.org

5. www.acatholiclife.blogspot.com

رابط الجزء الأول
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,771274.0.htm
رابط الجزء الثاني
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,771369.0.html
رابط الجزء الثالث
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=771583.0
رابط الجزء الرابع
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,771984.0.html
جوانب من المحاضرة المقدمة ضمن نشاط الصالون الثقافي الكلداني لشهر كانون الثاني 2015 في وندزر- كندا
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,771533.0.html



3
حقيقة المعجزات الطبية في التطويبات الكنسية – ألجزء الرابع
د. صباح قيّا
لا يعترف الفاتيكان بالشفاء كمعجزة عندما يتجنب المريض العلاجات الطبية التقليدية ويركن فقط للإيمان . وأيضاً لا يقرّ بها لمن يدعي أن شفاءه حصل بسبب الصلاة ومن دون المشورة الطبية أو المعالجة القياسية المطلوبة . وهذا ما يؤكد أن المقر البابوي يعتمد استخدام أحدث الوسائل العلمية المتيسرة وتسخير كافة الطاقات الطبية والصحية المتاحة واستنفاذها  قبل الإقرار بأن  شفاعة المريض ومعافاته تنسب فعلاً لمعجزة . وبهذا يرفض وهم من يدعي او يلهم السذج بين آونة وأخرى , وخير دليل على ذلك ما يشاع من هنا وهنالك عن ظهورات العذراء المتكررة , وما ينتج عنها من أعاجيب مصطنعة أو مفبركة تتناغم مع غايات مؤلفيها ومقاصد المروجين لها . ألفاتيكان لا يعوّل عليها  إطلاقاً . 
أبدى ويبدي الطب رأيه  في معظم المعجزات المعتمدة لأغراض التطويب .  وسجلت في العديد من الحالات شهادة أكثر من طبيب لمعجزة واحدة , وأقصى حد وصل إلى 19 طبيب عام 1926 . ولا يستوجب على الطبيب أن يكون مؤمناً بالمعجزات , وأيضاً لا يشترط أن يكون كاثوليكياً  ولا حتى مسيحياًً , بل مشهوداً له بالكفاءة والإلمام بتفاصيل  المستجدات الطبية وأحدثها . وبالفعل , سبق أن شهد أطباء من المسلمين في معجزات قديسي لبنان , كما شهد أطباء من اليهود في معجزات أخرى , بالإضافة إلى دعوة وقبول شهادة من يتيع ديناً أخر , ومن ينكر الأديان وخالقها .
يستوجب على الطبيب بيان حكمين أساسيين وهما :  ألتركيز على عامل اليأس من شفاء المرض رغم استخدام أنجع الوسائل الممكنة والتي سبق وأن أجريت وحصل عليها المريض . أما الحكم الثاني فيتمثل في إبداء الطبيب دهشته وتعجبه لما حدث  وإقراره بعدم علاقة الإجراءت الطبية العلاجية القياسية  والحديثة منها والممتازة بالشفاء . لا يطلب من الطبيب أن يصرح بأنها معجزة , بل عند اقتناعه , أن يثبت رأيه فقط معبراً عنه بهذه الكلمات " ليس لي تفسير علمي لذلك " . وبعدها  يعلن الفاتيكان عن المعجزة . 
رغم كل تلك التحوطات والسعي لإستحصال القرار الصحيح من أهل الخبرة والإختصاص , يبرز البعض من بين عائلة الاطباء ممن يتجاوز حدود اللياقة وآداب المهنة , أو ممن يفتقد إلى الحجة العلمية المقنعة , فيعبر عن نكران ما حصل بجمل وتعابير عامة , وأحياناً تهكمية وساخرة , وحتى  نقدية لاذعة وقاسية . كالقول مثلاً :  ألعملية فشلت لكن المريض عاش .. ويتغاضى عن تفسير كيف قدّر للمريض ان يعيش . أو كمن يعبّر بأسلوب آخر : أنا لا أعرف شيئاً على الإطلاق عن المريض \ المريضة , ولا أعلم شيئاً عن ما يسمى سبب الشفاء ( ويقصد عن ما يسمى بالمعجزة ) , أستطيع فقط أن أكرر أنه \ أنها حالياً بصحة جيدة . وهناك من يدعي بأنه لم يتابع الحالة المرضبة منذ عدة سنوات , ولم يلتزم المريض بمشورته , ويضبف :  ربما , مشيراً إلى نفسه ,  يعرف الكاهن المحلي خبرته وموقعه , ولكنه يشك بتأييد الكاهن لذلك . وهو بذلك يقصّر المريض من جهة , ويشكك بالكاهن من جهة أخرى ظلماً أو عدلاً ؟ الله أعلم . وقد يذهب نفر من البعض أبعد من ذلك مبررين موقفهم بالعمليات الإحصائية واستدلالاتها , وفاتهم أنه عندما تكون الدلائل المتوفرة للحدث صلبة ومتينة , فاستخدام الإحصاء كحجة لدحضه هو شكل من أشكال التجافي على الحقيقة في ظروف إستثنائية وخاصة .
في دراسة فريدة من نوعها ,  أجرتها طبيبة كندية إختصاصية بأمراض الدم , وحالياً أستاذة جامعية في مجال تلريخ الطب  , ونشرتها تفصيلياً في كتاب  سأشير إليه بعدئذ ضمن مصادر أجزاء المقال . أروع ما في الدراسة أن صاحبتها شهدت  لحالة مرضية مستعصية , سآتي على ذكرها لاحقاً ,  وتم تقديس من نسبت  إليها المعجزة .. والأروع من ذلك ,  أنها شخصياً متزوجة من يهودي , وتقر بكونها غير مؤمنة . ورغم ذلك لم تستطع إلا أن تسطر قناعتها بشجاعة متميزة وتحد واضح ,  إكراماً لمن شهدت لها , وإجلالاً لما لمسته من مجهود غزير وشاهدته من حقائق دامغة خلال مراجعتها المستفيضة لمكنونات الكمّ الهائل من خزين ملفات التطويب في مكتبة الفاتيكان أو أرشيفها الخاص , 
تضمنت الدراسة 1400 معجزة حصلت خلال 400 سنة  , من عام  1588  - 1999 , والتي تمثل فقط ثلث إلى نصف المعجزات المودعة في آرشيف الفاتيكان منذ سنة 1588 لغرض التطويب . شملت 145 مباركاً و 229 طوباوياً ( قديساً ) , تتراوح مواليدهم بين 928 – 1922 , مما يدل على استحالة وجود أسماء  وهمية بينهم , كما سبق وروجت لذلك  الحركات الكنسية الإنشقاقية في القرن السادس عشر  , بالنسبة لقديسي العصور المسيحية الأولى ( راجع الجزء الأول ) . أظهرت الدراسة بأن 95% تقريباً من المعجزات تخص الشفاء من أمراض جسدية , وأن شهادة الأطباء مسجلة ومثبتة  في معظمها  . كما بينت تغير أنواع وتصنيف الأمراض مع مرور الوقت . فبعد أن ساد الشلل والعمى في البدء , ظهر  التدرن في القرن التاسع عشر , ثم برزت الأمراض السرطانية وعلل الأعصاب وإصابات القلب في العصر الحديث . وما ذكر يؤكد ما هو معروف وثابت في المفهوم الطبي عن إختفاء أمراض متعددة كالطاعون والجدري ,  وانحسار أخرى ً كالتدرن وشلل الأطفال  , وحصول التطور النوعي في معالجة  قسم ثالث  كمرض السكري ومسببات الإلتهابات المختلفة , ومن ثم إدخال تسميات جديدة لم تكن متداولة سابقاً , وازدياد ما يسمى بأمراض العصر الحالي المنوه عنها أعلاه . يتبع الجزء الخامس لاحقاً ......
جوانب من المحاضرة المقدمة ضمن نشاط الصالون الثقافي الكلداني لشهر كانون الثاني 2015 في وندزر- كندا
رابط الجزء الأول
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,771274.0.htm
رابط الجزء الثاني
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,771369.0.html
رابط الجزء الثالث
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=771583.0

4
حقيقة المعجزات الطبية في التطويبات الكنسية – ألجزء الثالث
د. صباح قيّا
ألكنيسة لا تصنع القديسين , وإنما تقر وتعترف بالقداسة . ألرب له المجد من يصنع المعجزات لا غيره . أما القديس فيشفع لمن يتضرع له ,  ويتوسط عنه عند الله . ألنهاية السعيدة لأي مرض تتم بمجهود الكادر الطبي والصحي مقرونة بفعل النعمة  التي ينشدها ويمتنّ لها من يؤمن بقدرة الخالق ورحمته . ولكن عندما يتجاوز الشفاء حدود الطبيعة وإمكانات المهنة , يتعرض ما حصل إلى فحوصات دقيقة وتحريات عميقة ومفصلة كي يطلق عليه معجزة كدليل على تواجد القديس قرب الله . ومنذ نهاية القرن السادس عشر ولحد اليوم , لا يطوب قديس من مات ميتة طبيعية بدون صنع المعجزات , ولا يعتبر الحدث معجزة طبية  إلا بعد تمحيص كامل وتحقيق شامل , مع المساهمة الفعالة والدور الأساسي لرأي وقناعة الأطباء . وبالرغم من ان رجال الدين لا يمارسون مهنة الطب فعلياً, وأن المعروف عن معظم الأطباء عدم إهتمامهم الديني وشحة علمهم اللاهوتي , إلا أن عملية التطويب تضع الطب والدين , وهما شريعتان من شرائع الحكمة باختلاف البناء لكل منهما , للإتصال فيما بينهما من أجل هدف واحد .
معجزات الشفاء معروفة منذ البشارة بالإنجيل , وتبرز  في  سيرة القديسين بنسبة 80-90%  من مجموع المعجزات . وتوقعت الكنيسة منذ عام 1588 أن تستمر في تطويبات المستقبل , فلذلك ركزت على ضرورة توفر الدليل الطبي . وفي عام 1730 , زمن البابا بندكت الرابع عشر ( 1675 – 1758 ) أضيفت قائمة بالأساتذة من الأطباء والجراحين للمشورة ولإبداء الرأي بالحالات الطبية قيد الدراسة لغرض التطويب .
ألسؤال الآن :                                                                                                       ما هي متطلبات الدليل الشرعي للمعجزة الطبية ؟ : ألجواب : ... يستوجب على المريض أن يكون قد عولج بكل الوسائل الطبية والطرق العلاجية الممكنة ذلك الوقت , ولم يستجب المرض أو الإصابة لذلك .... وايضا تحدي كل محاولات التشكيك بحصول الشفاء تلقائياً ... إستعداد الطب للإقرار بأن المريض سيموت لا محالة أو أن المرض ميؤوس من شفائه , ويذكر أن الكثير من المعلولين حدثت لهم المعجزة بعد تناول مسحة المرضى .... عدم توفر التفسير العلمي  لزوال الداء وتعافي المصاب ... تجاوز كل إجراءات وتحريات محامي الشيطان للتشكيك ليس فقط بالمعجزة الطبية , وإنما أيضاً بالسيرة الذاتية للمرشح .
 يتبادر السؤال التالي :                                                                                             ما المقصود بمحامي الشيطان وما هي مهماته ؟ : ألإجابة :... في عهد البابا اوربان الثامن ( 1568 – 1644 ) , تم تأسيس دائرة خاصة للتركيز على المحاججة القانونية ضد التطويب , والبحث عن تفسيرات طبيعية للمعجزة المنوه عنها . أطلق عليها محامي الشيطان أو مروج الإيمان                                Devil Advocate or Promotion of Faith                                                                                 
 وللعلم بأن البابا المتقاعد بندكت الساس عشر اضطلع بمسؤوليتها في فترة معينة . وممكن تمثيلها جوازاً بمحامي الدفاع الذي يحاول جاهداً دحض كافة أدلة الإدعاء العام , وليس لبراءة المتهم هنا , بل لتحريم المرشح من دخوله  رحبة القديسين ... ويتم ذلك بالتشكيك في كل خطوة من خطوات التطويب ... فحص الأدلة بامعان وتدقيقها بعمق وإثارة الشكوك حولها ... إظهار نقاط الضعف في الحياة المثالية والسيرة النموذجية للمرشح ...  ملاحظة هفوات وأخطاء في القرار الطبي , كالخطأ العلاجي أو التشخيصي , أو نقص الفحوصات , أو قصور في الإستفادة واستخدام كافة الوسائل الطبية المتوفرة والإمكانات العلمية المتاحة .. كشف أية محاباة أو تعاطف مع المرشح للقداسة ( عمك خالك ) .... محاولة إيجاد التفسير العلمي لحصول الشفاء .... تحفظ كافة وثائق الشكوك حول المعجزات أو السيرة الذاتية في الآرشيف السري أو في مكتبة الفاتيكان . ومن الجدير بالذكر بأن البابا الراحل يوحنا بولص الثاني قلص عدد المحامين الكنسيين لتلك الدائرة وأيضاً سلطة المنصب باتجاه الميل والتأكيد على إعتبارات الحياة المثالية وجوهلرها عند الإختيار  .
وكخظوة جوهربة تنسجم مع التقدم والتطور العلمي ,  وبغية بلورة أهمية الدور الطبي وحضوره كشاهد أساسي لحقيقة ما حصل وما سيحصل , تأسس المجلس الطبي الإستشاري عام 1949 مؤلفاً من أطباء مرموقين , معظمهم من الأكاديميين . ومن دون شك أن الطبيب الإكاديمي عموماً أكثر متابعة لمستجدات العلوم الطبية مقارنة بأقرانه . وأيضاً هم من الكاثوليك بالإيمان والممارسة , وقد يساعد ذلك على منحهم الشعور بالسعادة في العمل . كما يتم اختيارهم من القريبين إلى روما لسهولة حضورهم عند الطلب . و يتقاضى أعضاؤه أتعاب مساهماتهم ( ماكو شي بلاش ) . وما يتعذر عليّ تفسيره أن اغلبهم من الذكور . ومن أهم واجباتهم الأخرى هي اختيار وترشيح الخبراء بانتظام لدراسة الدلائل العلمية للمعجزات قيد البحث , وحتماً هم أعرف من رجال الكنيسة بالإختصاصات والكفاءات الطبية المنتشرة في أنحاء العالم .  يتبع الجزء الرابع لاحقاً..........    
جوانب من المحاضرة المقدمة ضمن نشاط الصالون الثقافي الكلداني لشهر كانون الثاني 2015 في وندزر- كندا
رابط الجزء الأول
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,771274.0.htm
رابط الجزء الثاني
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,771369.0.html

5
حقيقة المعجزات الطبية في التطويبات الكنسية – ألجزء الثاني
د. صباح قيّا
لا شك بأن التطويب يسر مواطني انتماء من يشمله ذلك , ويقوّي من اواصر العلاقة بين الكنيسة والشعب. ولا غرابة في ذلك كون عملية التطويب  بحد ذاتها طويلة ومسهبة ,  وقد تستمر عشرات السنين , ويتم خلال تلك الغترة  التركيز والبحث أساساً عن الحياة المثالية للمرشح وما حصل من معجزات بفضله .
 من الممكن إيجازالعملية بأربع مراحل :
                                                     Servant of God ألمرحلة الأولى : خادم الرب
  تبدأ هذه المرحلة في المنطقة التي ينتمي إليها المرشح , وبمعنى آخر تعتبر "  مناطقية " وتتم من قبل الأبرشية المحلية ... بجب أن يمضى على الوفاة  خمس سنوات قبل بدء العمل لهذه المرحلة , بعد أن كانت سابقاً خمسين سنة وقللت عام 1917 .... والسؤال الآن : هل هنالك ضرورة لتحديد المدة الزمنية المذكورة ؟ ألجواب نعم .. بغية التقليل من تأثير العواطف والمشاعر الحزينة الآنية من ناحية , والحماس الغريزي تجاه الراحل من ناحية أخرى , وهذا ما حصل بالذات للأم الراحلة " تيريزا " حيث هتافات مواكب المعزّين ٌقديسة .. قديسة .. قديسة .. والتي أوحت إلى قداسة البابا يوحنا بولص الثاتي باستثنائها من شرط الخمس سنوات . ونفس الحال حصل له عند وفاته مما حدى بالبابا المتقاعد بندكت السادس عشر لأن يستجيب لدعوات المشيعين الملحة قديس .... قديس ... قديس .. فاستثناه من شرط المدة أيضاً معلناً مباركته لبدء أعمال التحري والإستقصاء نحو التطويب مباشرة بعد مغادرته إلى ملكوت السماء .           إذن وكما أسلفت . زمام المبادرة تمتلكه الأبرشية المحلية , وليس الفاتيكان كما يعتقد ويشاع جهلاً أو عمداً . أللوم يقع على المنطقة .. ألمسؤولية على الأبرشية .. ألتقصير على البطريريكية ذات العلاقة ... تحضرني محاورة في كنيسة أم الأحزان في بغداد مع إحدى السيدات إثناء وقوفي مع زوجتي أمام ضريح مثلث الرحمات البطريريك بولص شيخو , والتي كانت تتضرع إليه بخشوع , فبادرتنا بعد ان أكملت صلاتها . إنه قديس .. سوف يُطوّب قريباً من قبل البابا ... والآن أضع السؤال بشكلٍ عكسي : كم من ابناء الرعية لا يعتقد باستحقاقه القداسة ؟ . كما أتذكر ما قرأته أو سمعته عن لقاء بين الراحل البابا  يوحنا بولص الثاني ومثلث الرحمات البطريريك بيداويد حيث دار معظم الحديث عن الأعمال ألإيمانية والسيرة المثالية لغبطة مار بولص شيخو .. وباعتقادي أن جوهر ما حصل هو محاولة ايحائية لبدء  الطريق باتجاه التطويب ... ما كانت الحاجة إليه آنذاك , لو توفرت النية الحسنة وتجردت النفس عن غريزة " ألأنا " , مجرد تشكيل هيئة كنسية لجمع الوثائق والمعلومات وتدقيق كل ما يتعلق بسيرته الذاتية , والتأكد من حصول أية معجزات تنسب له . وبعد القناعة بما متوفر , تطلق عليه كنية " خادم الرب " ويرفع الملف إلى الفاتيكان . وهنالك تبدا :
                                                                                             Veneratedألمبجل  المرحلة الثانية :                                                         
والتي يدقق خلالها الملف من قبل " مجمع قضايا القديسين " , وعند تأييد ما في الملف يدعى عندئذ " ألمبجل "  .  يظل الملف محفوظاً لحين حدوث معجزة تنسب له . أما من له معجزة واحدة , أو من استشهد من أجل الإيمان المسيحي وحتى بدون توفر المعجزة  , ينقل ملفه إلى :
                                                                                              Blessed  ألمرحلة ألثالثة : ألمبارك  تدقيق السيرة الذاتية من قبل اللاهوتيين و مجمع قضايا القديسين , والتحقق من حصول المعجزات ودراستها بالتفصيل .. إستدعاء الشهود .. إعتماد رأي الخبراء من الأطباء والجراحين والأساتذة وتأكيدهم كون الشفاء من المرض أو العاهة لا يمكن تفسيره . ثم يرفع الملف إلى الحبر الأعظم للموافقة .            أما من له معجزتان فأكثر , أو شهيد الإيمان وله معجزة واحدة , فيرفع الملف إلى :           
Canonization    ألتطويب أو ألقداسة  ألمرحلة الرابعة :         
تتم مصادقة البابا على المبارك أو القديس بكلمة واحدة فقط وهي " أعترف " . ومن الممكن أن يطوب ويعلن قديس استثناءً من شرط توفر المعجزات من تثبت سيرته الذاتية بأنه قد عاش حياة القداسة                                                                     Equivalent   "    و يطلق عليها " معادل 
لا تتوفر إحصائيات دقيقة عن العدد الحقيقي للمطوبين والمباركين , وربما هنالك حوالي 3000 قديس و 10000 مبارك . مع العلم أن التفريق بين التبريك والتطويب تم في عهد البابا أوربان الثامن 1568 – 1644 . وهو الذي أدخل أيضاً عملية " ألمعادلة " التي تسمح للأخذ بنظر الإعتبار من تميز بالفضيلة على مدى الحياة .
للأسف الشديد  , تفتقر كنبستنا العريقة .. كنيسة الشهداء .. إلى كافة درجات التطويب الكنسي , إبتداءً من خادم الرب وحتى مرتبة القديس , بالرغم من  مواكب الشهداء التي سالت دماؤها على مرّ العصور ولا تزال إلى يومنا الحاضر , والتي لا تحتاج إلى امتلاك معجزة للتبريك , وتكفي معجزة واحدة فقط  للتطويب أي للقداسة . آمل أن تصل أمنيتي هذه إلى السينهودس الإستثنائي قبل انعقاده قريباً , علماً قدمت مقترحاً بنفس المعنى قبل عدة أيام من موقع البطريريكية الموقر ولم يرى النور لحد اللحظة . أرجو المعذرة إن اضطررت لإكمال قصيدتي لاحقاً والتي مطلعها :
أبكي على زمن لم تعد هرطقة     من أنكر الله في أقنومه الأزلي
بل تغدو هرطقة من عنده القلم     يروي الحقيقة عدلاً غير مفتعلِ

يتبع الجزء الثالث لاحقاً ...

جوانب من المحاضرة المقدمة ضمن نشاط الصالون الثقافي الكلداني لشهر كانون الثاني 2015 في وندزر- كندا
رابط الجزء الأول
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,771274.0.htm
            .                                                                                                                                         
 

6
حقيقة المعجزات الطبية في التطويبات الكنسية ( ألجزء الأول )
د. صباح قيّا
تبرز بين الفينة والأخرى تساؤلات منطقية وواقعية . هل حقيقة هنالك معجزة ؟ , هل يمكن أن يتعافى مريض من مرض عضال ’ ميؤوس منه حكم عليه الأطباء بالموت القريب لامحالة ,   بمجرد التضرع والصلاة والتماس شفاعة  من هو أصلاً من بني البشر ؟ هل يجوز حدوث ذلك ؟  ويحضى الحدث بدعم الأطباء وتأييد الخبراء في عصر التكنولوجيا المتطورة وزمن الخلايا الجذعية , وفي القرن الذي جاوز الإنسان بفعله وإمكاناته حدوداً غير طبيعية من خلال نجاحه في نسخ الحيوان , وقد يفلح في نسخ صورته  ايضاً لو سمحت له القوانين الدولية بذلك  ؟ هل نصدق وقوع ما يعرف بمثل هذه المعجزات عبر التاريخ الغابر والحاضر ؟ أم أنها " خزعبلات " , إن صح التعبير ,  من تأليف البشر ؟ أو أوهام من صنع خيالات شخصية  , جوهرها إيحاءات يسخرها الإلهام الكنسي لتحقيق أهداف معينة ؟ .

ما المقصود بالمعجزة ؟ أعجوبة أو حدث يتحقق من قبل قوى خارقة الطبيعة , وهي علامة هبة تمنح للشخص الذي تتم عليه الأعجوبة  كما في شفاء مصاب بمرض مميت , وقد تحدث كعلامة لمهمة خاصة كما في ظهورات العذراء , ولا يمكن تفسيرها بالإستناد إلى قوانبن الطبيعة , أو بالإعتماد على الأسس العلمية , فلذلك تنسب صراحة لله .
  هنالك ثلاث أنواع اساسية للمعجزات :   
                                                1 . فائقة الطبيعة : مثل القبامة من الموت                                                                       
 2 . عكس الطبيعة : كالبقاء حياً بعد الحرق . من الناحية الطبية يعتبر الحرق حرجاً إذا تجاوز 70 % من مساحة الجسم  حتى لو كان من الدرجة الأولى , ومميتاً عند تجاوزه 90% إلا إذا حدث عكس ذلك بإعجاز                                                                                                             
 3 . خارج الطبيعة : مثل شفاء الأمراض المستعصية بالتضرع والصلاة وباستخدام قوى طبيعية لتحقيق تأثيرات خارقة .

أقرت الكنيسة الكاثوليكية منذ عام 1588 وما بعده ضوابط صارمة لإختيار القديسين ، وأكدت على وجوب توفر متطلبات محددة للمعجزة الطبية , منها حصول الشفاء الفوري من المرض , وما معناه ينام معلولاً ليستيقظ سلبماً . ولا بد ان يكون الشفاء كاملاً ويستمر لفترة طويلة , أي أن لا يصحو المريض أياماً معدودة لينتكس بعدها , حيث هنالك بعض الأمراض التي تنحى هذا المنحى والتي من خصائصها التناوب بين فترات صحوة وانتكاسة . بالإضافة إلى أن حدوث  الشفاء تلفائياً  بدون تداخل طبي معين . ويشترط  أن تكون الإصابة بمرض عضوي خطير أو متقدم ,  أو بعاهة أو عوق مستديم مثل العمى والتشوهات الولادية والمكتسية . والأهم أن يعجز علم الطب من تفسير ما حصل . ولا تدخل الأمراض النفسية والنفسجسمانية ضمن إطار المعجزة الطبية . 

 لماذا منذ عام 1588
؟ كانت القداسة في تقليد الكنيسة الكاثوليكية قبل هذا التاريخ مجرد إجماع او إتفاق الآراء على من يبجل , أي يتم اختياره محليا , مثل تقديس الرسل , ألشهداء , ألنساك ’ من يشفي   المرضى , ومن يكرس  نفسه لخدمة الإيمان وأعمال الخير كالعطاء والتحمل ورعاية المحتاجين والإهتمام بالمصابين إثناء الوباء , وما شاكل من الخصال  الحميدة النابعة من جوهر الكتاب  المقدس . إعتبرت جميعها معجزات ذلك الوقت وغدت مجتمعة ضمن سيرتهم كقديسين , وأعلن عنهم من قبل المطارنة المحليين . وتجدر الإشارة بإن كل شهداء الكنيسة من أجل الإيمان والتشبث بالمسيح تم رفعهم إلى مرتبة القداسة في تلك الفترة .
 بدأ الدور البابوي في التطويب في القرن الثاني عشر , وأخذت مركزية الفاتيكان بالتبلور تدريجباً وبالإزدباد مع مرور الوقت , وتم وضع أسس يمكن الوثوق بها حول فضائل ومزايا القديسين  , وأيضاً اعتماد شهادة العشرات بل المئات من الشهود لدعم وتأكيد حصول المعجزة المعلنة . ورغم ذلك تعرضت الكنيسة الصخرة في القرن السادس عشر لهجمات عنيفة من قبل ما يسمى بالحركات الإصلاحية بقيادة " مارتن لوثر " و "جون كالفن " وآخرين , والتي شملت جوانب كنسية إيمانية وسلوكية  متعددة كما هو معروف للقراء الكرام , ومنها عملية " التطويب " . إدعى منهم , إضافة إلى ما ادعوه , بأن بعض  القديسين ليس لهم وجود على الإطلاق , وإنما شخوص وهمية من صنع أبناء تلك المنطقة منحتهم الأبرشية المحلية درجة القداسة , كما شجبوا بشدة مشاعر الإثارة المرتبطة بالمعجزات . وكرد فعل لهذه الإتهامات , بسط المقر البابوي  مركزيته بصورة أوسع وأشمل , وتشكلت لجان وهيئات مختلفة وآخرها " مجمع قضايا القديسين " , وتم إقرار ضوابط محددة وصارمة للترشيح للقداسة ومنها : ألتإكد من حقيقة وجود المرشح ... ألسيرة الذاتية المثالية ... تثبيت الإعمال الصالحة التي تنسب إليه , والمزايا والخصال التي يتصف بها .. ألدليل الطبي الرصين لأية معجزة طبية تحصل بشفاعته .... والتي تعكس جواب الكنيسة الأم للمنشقين من خلال تزويدهم بالدلائل والبراهين إعتماداً على استشارة الأساتذة اللامعين والحكماء من الأطباء , وأن الكنيسة تفاوم الجهل والخرافات والتعصب ...                      يتبع الجزء الثاني لاحقاً ...

جوانب من المحاضرة المقدمة ضمن نشاط الصالون الثقافي الكلداني لشهر كانون الثاني 2015 في وندزر- كندا
            .                          
                                   

7
يا لسخرية الزمن – لمن أشتكي
د. صباح قيّا
تجاوزت مأساة شعبنا المسالم النصف عام . لم تتغير الأمور عن الواقع الأليم رغم الجهود المبذولة من جهات متعددة , سواء الجادة  منها ’ ام ذات الأغراض  الدعائية  المرحلية ’ أو الأبعاد السياسية الآنية منها أو البعيدة المدى  , وحتى العمليات العسكرية لم تحرز تقدما ملموساً يتوخى منه الأمل بنهاية قريبة للمسرحية التي صاغتها الحيتان وأخرجتها الثعالب ويؤدي دورها وحوش الغاب الكاسرة  .   لا بل تفاقمت المعاناة النفسية وساءت الآلام البدنية وتضاعفت العلل الجسدية بعد أن غرق حلم العودة وغاص في بحر القنوط العميق , وأضحت قوارب النجاة كأنها السراب ببصر تائه في صحراء قاحلة ...

كم أنت مسكين يا شعب نينوى ... سطا على دارك الجار بفضل حاملي راية العار  , وسرقك الصديق , وغدر بك الرفيق ,  وصرت هائماً على وجهك تبحث عن طريق ... أنت هابيل بقبضة قابيل .. أنت يوسف بقسوة إخوانه ... أنت من حمل صليب المسيح بطمع يهوذا ..  أنت هملت  بطموح عمه ...  أنت ضحية لعبة  المصالح الدولية التي  لا تأبه بدين او مذهب ,  ولا تكترث بالعجزة والأرامل  وبالأطفال والثكالى , ولا تفرق بين مؤمن وكافر ...  أنت كبش فداء  الساسة الكبار ومشاريعهم المستقبلية والتي هي فوق كل اعتبار  وليذهب من يذهب إلى حيث .

يقال عنها صناعة غربية ... ألماضي القريب يذكرنا بصناعة خاسرة ... أحداثها لا تزال في الأذهان عالقة ... إسألوا فيتنام ومعظم أفريقيا ؟ ... بل هي مصالح غربية ... كيف انكسر  جيش المليون وتبعثرت آلياته ومعداته , وغابت طائراته , ودمرت مدافعه الثقيلة ودباباته , وقطعت أغلبية أفراده المسافة إلى البصرة مشياً على الأقدام ؟  ... ولولا مستلزمات اللعبة لسقط النظام حينها .. وعجباً ما حصل بعد كل ذلك الإذلال ... ظهر الحرس الخاص , وبغطاء مروحيات النظام , استطاع أن يسحق المعارضة في معظم محافظات الوطن .. وأعادها تحت جبروت سلطته مجدداً ... حصل كل الذي حصل والقيادة الغربية لم تتدخل إطلاقا ولم تتعرض للمروحيات بل تركتها تسرح وتمرح في ألأجواء لتمطر الناقمين بنيرانها ... ومن غرائب تلك اللعبة وأسرارها عودة شعب كردستان إلى مثواه بعد بضعة أيام فقط من فراره زاحفاً إلى دولة مجاورة .. وتمت عودته سالماً بحماية القيادة الغربية ... ليضع بعدها أسس الدولة المستقلة وبمباركة غربية أيضاً .

لن أغوص في بدعة أسلحة الدمار الشامل والجرح البليغ الذي أصاب البلد الغالي وسكانه الأبرياء بسببها ... فما قيل أعلاه يكفي لأسأل دهاقنة الغرب : هل حقاً لم تلمحوا عبور بضع آلاف من المحسوبين على البشر مع آلياتهم ومعداتهم نحو مدينة الموصل وأطرافها ؟ أم أن ذلك هو ما أعددتم له وبه ترغبون ؟ ..  أشك أني سأحصل على الجواب ... يا لسخرية الزمن .. لمن أشتكي ؟  .

   
رباعيات شعرية – لمن أشتكي
د. صباح قيّا   
ألقيت في الحفل التضامني الذي أقامته, برعاية أبرشية مار توما الرسول الكلدانية ,  إذاعة صوت الكلدان وبرنامج تبني عائلة مساء 24 تشرين الثاني 2014 في مشيكن (تحت شعار ) نحن معكم لأننا ن .
 
لمن أشتكي والموصلُ صليبُها ينزفُ
وكنائسُ المسيحِ  بقنابلٍ تُقذفُ
وشعبنا بلا مأوىً ولا ماءٍ يرتشفُ
والله أكبر في ذبحه يغلو ويسرفُ                       لمن أشتكي

أيُّ ربٍ يفتحُ مبغىً ويدعوه بجنه
يجني أثمانَ الدخولٍ من إباداتٍ ومحنه
يحلمُ المؤمنُ فيها وطءَ أجسادٍ مِجنّه
لا يبالي من يضاجعْ حسنٌ كان أم فتنه                لمن أشتكي

لمن أشتكي والسيفُ بالأعناقِ معلّقُ
تدخلُ الإسلامَ أم جزية مما تُسترزقُ
أو الرحيلََ عدا ما الجبينُ له يعرقُ
والموتُ لمن يعصي الشروطَ حتماً محققُ            لمن أشتكي

لمن أشتكي والأمُّ من ثديها لا تُرضعُ
سرقوا الطفولةِ وعويلُها لا ينفعُ
وعلى الثرى أبٌ من جرحهِ يتوجّعُ
وفي الحيّ غريبٌ بعذابهم يستمتعُ                    لمن أشتكي

لمن أشتكي وتلكيفُ تُسقى دمعَ أهليها
وبغديدا تبصرُ غزواتِ تكريت ماضيها
وتلّسقفْ شهدتْ أقفاصاً مات من فيها
وباقوفة تحكي ضربَ من صدَّ دينَ غازيها         لمن أشتكي

لمن أشتكي ونبعُ الإيمانِ كاد أن يُخرقْ
تلك ألقوشُ نجاها اللهُ غزوةَ الفُسّقْ
أبى من أبنائها إلا أن  يحرس كالبيدقْ
وجموعُها الأخرى بأهلِ دهوكْ تتخندقْ             لمن أشتكي

لمن أشتكي وفي قرانا يسرحُ الألمُ
لا بناءٌ لا ديارٌ لا وجوه تبتسمُ
كلُّ من تلقاه جراحُهُ ليس تلتئمُ
متى الحلولُ والأشهرُ تمضي تتقدمُ                لمن أشتكي

لمن أشتكي واللعبةُ أسرارٌ وخفايا
بضعً آلافِ دخيلٍ يغنمُ كلَّ السرايا
لم يخضْ جيشٌ قتالاً نكثَ عهدَ الوصايا
فرَّ مذعوراً كفأرٍ يحتمي جحرَ الزوايا             لمن أشتكي

لمن أشتكي وشكوايَ لن تلقَ اهتماما
هو عصرُ المصالحِ ليس للمرءِ احتراما
 عند صنّاع القرارِ يفقدُ الرأيُ التزاما
يقلبُ الأبيضَ أسودْ ثمَّ يرمينا اتهاما              لمن أشتكي

هوذا العالمُ منهوكٌ بأنواع المهازلْ
دولٌ تنعمُ جاهاً ودويلاتٌ تقاتلْ
لعبةُ الساسة آثامٌ بأقوال فضائلْ
تدّعي الحقَّ جهاراً ثمَّ  تنحرهُ بباطلْ             لمن أشتكي

يا تُرى من ذا الذي يرسمُ للكون طريقا
كلُّ شبرٍ في ربوع الشرق يلتظُّ حريقا
غرق العدلُ وغاص في المحيطات عميقا
كتم الأنفاسَ  باليأس زفيراً وشهيقا             لمن أشتكي

أيها الغربُ لماذا في الموازين تحابي
تنصرُ من ترتأيه حتى لو كان مرابي
هل تظن الحكمَ حكراً نتسى أيام الحسابِ
كلُّ من بالأرض حيٌ سوف يمضي للترابِ      لمن أشتكي

أنا لا أنكرُ عيشي في ثناياك كريما
لا تفرّقْ بين شكاكٍ بربٍ أو قويما
سلطةُ القانونِ تقتصُ سفيهاً أو حكيما
كلَّ من خالف في فعله عرفاً مستقيما          لمن أشتكي

جلُّ خوفي من صنيعٍ باسم أركان الحضاره
 يفتح الباب لقومٍ جبُلَ الغدرَ خياره
ينشرُ الفتنةَ جهراً يكره حتى الحجاره
إحذروا القادمَ كالنعجة من تلك القذاره         لمن أشتكي

أيها الغربُ متى عن غيّك تصحو وتفيقْ
وخلايا الحقد في المساجدِ تختطُّ الطريقْ
يومها في دورِ سباتٍ لغدٍ دامٍ محيقْ
عندها لن يجدِ نفعاً ندمٌ أو لوم صديقْ          لمن أشتكي

أيها الغربُ أتعلمْ إنه دينُ الخيانه
تدعو آياتُهُ قتلاً مائةٌ غير الإهانه
كلُّ من صار خليفه زال بالغدر كيانه
طعنةُ الخنجرِ تُدمي بعد إعلان الأذانه          لمن اشتكي

كم تمنيتُ زماناً أن اعود لدياري
فهيَ كالوردة عبقٌ رغم أشواك البراري
مرُّها حلوُ المذاقِ وسواها لا أجاري
متعةُ العاشقِ أن يُكوى بجمرٍ أو بنارِ          لمن أشتكي

أنا في المهجرِ ضيعتُ مفاتيح المفاخرْ
صرت كالمهزوم في دنيا القمارِ لا يقامرْ
أحنو على بلدٍ ضاق بي كي منه أهاجرْ
أرمق في العلياءِ بشوقٍ جنح َ كلّ طائرْ        لمن أشتكي

كيف تنسوني حبيباً أعشقُ حتى الثماله
فالعراقيُ جذورٌ يرتوي ماءَ الأصاله
نفسي تشتدُّ حنيناً في الشتاتِ مهما طاله
هيَ جيناتٌ ورثناها تباعاً من سلاله            لمن اشتكي

أنا إبنُ الرافدينْ دجلةُُ والفراتُ مائي
هربت بالأمسِ ممن يحجمَ اليوم إيوائي
لا أمانٌ لا وئامٌ مسخَ معنى الإخاءِ
يشتري الجاهلَ كي يقصي ََ أصحابَ الذكاءِ      لمن أشتكي

أتظلُّ يا فؤادي للعذاباتِ مشتاقا
كفاك خفقاً على من كان بالأمسِ عراقا
وهو اليومُ مخاضٌ لغدٍ يولدُ عاقا
ودموعٌ تلسعُ الخدَّ لهيباً واحتراقا                لمن أشتكي

أنا مهدُ الحضاراتِ بابلُ أصلي وفصلي
غدر الفرسُ بها مزجوا الدماءَ بوحلِ
لاح في الأفقِ صليبٌ هرع الجمعُُ يصلّي
بشّرَ الناس على الأرضِ سلاماً لا بقتلِ         لمن أشتكي

أنا أتباعُ المسيحِ هذا فخري واعتزازي
أيُّ دينٍ يطلبُ العفوَ لبطّاشٍ وغازي
غير من قال بحقٍ لغريمٍٍ لا تجازي
خدك الأيمنُ بالصفعِ لثانيه موازي             لمن أشتكي

لمن أشتكي وصراخي صدىً لن يلقى مجيبْ
ذنبي من دينٍ ينادي حبَّ عدوٍ كالقريبْ
أغدو شهيداً بأرضٍ كي في السماءِ لي نصيبْ
كم نظلُّ ندفع الأثمانَ طوعاً دون حسيبْ          لمن أشتكي

أتركُ الأمرَ لربٍ إنه مجدُ الأعالي
ليست المرةُ الأولى أن نهددْ بالزوالِ
هو من يفرجُ ضيقاً يقلبُ حالاً بحالِ
منه نرتجي خلاصاً لهُ أبغي بسؤالي            لمن أشتكي

8

ألذكرى 94 لتأسيس الجيش العراقي – قصيدة
د. صباح قيّا
أكتب هذه الأبيات الشعرية بمناسبة الذكرى 94 لتأسيس الجيش العراقي ... ألجيش الذي سطر أروع الملاحم البطولية والمواقف الوطنية عبر تاريخه الخالد .. ألجيش الذي بعث للشعب الإطمئنان والأمان أيام زمان .... ليفرّ اليوم مذعوراً كالجرذان ... فبئس كل من ساهم في هدم ذلك البنيان ....
ألعسكريةُ بحرْ                     فيها دروسٌ وعبرْ
تنشرُ الرعبَ بنفسٍ              عيشها دوماً في خطرْ
كلُّ صبحٍ ستلاقي                 ضابطاً عينيه شررْ
ويلٌ لمن في ساحة              العرض مال أو استدرْ
عقابه الزحف أو                الحبس أو تحليق الشعرْ
ألرهط مثل روبوتٍ              ينجز أمرَ من أمرْ
ورغم البؤس والأسى          وجوّ القشب والقهرْ
تبقى الذكريات عنها           عبرةً لمن اعتبرْ
  لا عدل فيها يرتجى          والسوق جبراً لا مفرْ
بعض يقاد للوغى              وآخرٌ لا يؤتمرْ
منهم ينام ليله                 وغيره باقٍ خفرْ
ذاك جنديُّ قتالٍ                وذا في حضوة المقرْ
كلٌّ بحسب صنفه              بل واسطة بها أجرْ
تدريبُها لا يحتملْ              إيعازات يمين يسرْ
والشوربةُ عجيبةٌ             عدسٌ نصفُه حجرْ
مريضُها مخادعٌ           إجازةٌ هي الوطرْ
منْ لم يمتْ بطلقةٍ        مات حيّاً من الضجرْ
أحلى ما فيها الإجازه    يا ليتها طول الدهرْ
كم مرةٍ يسعى لها        والآمرُ في المؤتمرْ
هيهات أن يململَ         أو يسألَ هل من خبرْ
قد تحجبُ لوجبةٍ         فمن سيلغي ما صدرْ
كرامةٌ مهدورةٌ           والحقُ زال واندثرْ
ألحرُّ فيها خاسرٌ         ومن تملّقَ ظفرْ
حتى البغالُ سئمت      فكم صوب الوادي انتحرْ
لم تكنْ قبلاً هكذا       عهدَ الملوك والدررْ
أو بعده لفترةٍ            ساد الرجالُ لا الغجرْ
لم يكنْ حزبٌ حاكماً     جيوشه كراً وفرْ
ماذا دهاهم يومنا      عادوا بما الأمس قبرْ
هزيمة شنيعة           في نينوى غزى عمرْ
سيوفُه لا ترحمُ          تحصد مالاً وبشرْ
كيف جيش لا يقاوم     مسألة فيها نظرْ
تبريره لا ينطوي      على الصغار والكبرْ
فاللغز سرٌّ حينها       بالغد يعلن ما استتر ْ

9
شذرات عسكرية من الذاكرة ( ١ ) - ألمتزلفون
د. صباح قيّا
شاءت الصدف أن أشارك في دورة طبية تدريبية في المستشفى الرئيسي لقيادة القوة البحرية في مدينة البصرة الدافئة . حدث ذلك في المنتصف الأول من سبعينات القرن الماضي وأنا في مستهل خدمتي المهنية . كنت ضيفاً على المستشفى لأغراض التدريب فقط ولم أكن من ضمن منتسبيها أساساَ . رن جرس الهاتف في الصباح الباكر من  عطلة الجمعة وأنا منهمك في متابعة المرضى الراقدين " تحت المشاهدة " من خفارة اليوم السابق , وعددهم يقترب من العشرين , باعتباري  الطبيب الخافر ذلك اليوم , وهو السياق المتبع آنذاك في المسشفيات العسكرية  المنتشرة في الوطن الجريح . أعلمني خفر البدالة بأن السيد القائد على الخط .... 

أنا : نعم سيدي ..... هو وبلهجة سورية : مين ? .... أنا : طبيب الخفر تفضل سيدي .... هو : مين طبيب الخفر ? ذكرت له إسمي .. فبدأ يحدثني بلهجة قلقة , وجمل مبعثرة . كلّ ما استطعت أن أفهم منها ... في بنتي مريضة ... وأنه سيرسل السائق لاصطحابي لداره حيث ترقد إبنته . وبعفوية  , قلت له .. سيدي أنا ضابط الخفر أيضاً ... فأجابني : شو يعني ضابط الخفر ... وبسذاجة الموظف الحدث .. قلت يعني أنه لا يغادر الستشفى... فردّ بحدة .. مين ده وضع القانون ? .. وبدون قصد إطلاقاً , سقطت الجملة من فمي ... ده قانون الجيش العراقي . أقفل السماعة حالاً . عدت بعدها إلى مشواري مع المرضى ... ولم تمضي دقائق معدودة , حتى رن ّجرس الهاتف  ثانية ليعلمني خفر البدالة بأن هنالك على  الخط من يود أن يكلمني . أنا: نعم تفضل ... هو وبدون مقدمات : هل تعرف من كان معك على الخط ؟ ... أنا ببساطة : غير السيد القائد ... هو : يعني كنت تعلم بأنه السيد القائد ؟ ... أنا بثقة :  طبعاً . أقفل السماعة مباشرة بوجهي كما يقال . وبصراحة , لم أتضايق مما حصل , فالإنتهاء من مهمة مرضى " تحت المشاهدة " كان شاغلي .

في صباح اليوم التالي , ومع بدء الدوام مباشرة , أتاني الإنضباط مسرعاً يبلغني لمواجهة السيد مدير الخدمات الطبية ... لاحظته يدقق الصفحة التي كتبتها في سجل " كشف الخفارة " , ومعه في الدائرة ضابط برتبة مقدم ركن . بادرني المدير بالسؤال : كيف كانت الخفارة ? أجبته : إعتيادية ... هل حصل شيئ ما ? فاستعرضت فترة الخفارة بيني وبين نفسي ... لم يحدث حريق , لم يكن هنالك شجار , ولم يفارق الحياة أي مريض  ... وبعدها نطقت : كلا , كانت هادئة . فعقب مندهشاً : يعني ألم يخابرك أحد ... وهنا " طخّت عندي " كما يعبّرُ عتها بالعامية... تقصد السيد القائد .. فقال لي بحماس :  إي , نعم , إخبرني تفاصيل المحاورة بينكما ... سردت له كل ما ذكرت أعلاه ... نظر إليّ مليّاً وتململ وهو يهز رأسه : يا دكتورنا الصغير أنت تصلي " أبانا الذي في السموات " , والسيد القائد هو " أبانا الذي في الأرض " . وفي هذا الإثناء , اقترح الضيف الضابط , ويبدو أنه ميال للحق والمنطق للمدير بأن يقنع السيد القائد على أن أساس الإشكال عدم إلمامي باللهجة السورية , وموقفي كان بحسن نية . إنصرفت مطمئنا .َ 

إنتشر خبر محاورتي مع القائد الذي يتجنبه كل من يحاول أن " يسلم على ريشه " , والذي تغذي جبروته شلة من المتزلفين والمنتفعين , بين عساكر القاعدة البحرية باختلاف رتبهم ودرجاتهم الوظيفية . ألكل يسأل ويود معرفة شكل الطبيب الذي جابه , كما يشاع , هيبة القائد السوري الأصل  بقانون الجيش العراقي . والحق يقال , لم تكن مجابهة مني أبداً , ولم أحاوره بذلك الأسلوب لأغدو بطلاً بنظر البعض , ولم يخطر ببالي يوماً أن أتجاوز على " المافوق " , أو أخالف النظم والتعليمات العسكرية . كل ما بدر مني ينبع من تشبثي بالقانون واحترامي له , وكانت الغاية من عفوية " ده قانون الجيش العراقي " هي محاولة إيصال المعلومة إليه كي أتصرف بما يحمي ذاتي ويضمن حقوقي . فليست الحكمة بمخالفة القانون بل بكيفية  الإحتماء به . أتعلم أحياناً مبادئ رائعة , لأجد نفسي ضحية تمسكي بها , وخاصة في مجتمع ذلك الزمان حيث المسؤول , وكما نوه عنه الحكيم مدير الخدمات هو " أبانا الذي على الأرض " , وأن القانون , بحسب أحد فلاسفة اليونان , وضع لحماية الأقوياء .

والآن أين بيت القصيد ,... كان السيد القائد يجتمع يوم خفارتي مع ضباط ركنه وآخرين . أعلمته زوجته , إثناء الإجتماع , بأن إبنتهما مريضة . وعدها بتأمين وصول الطبيب إلى دارهم حالاَ . إتصل بالمستشفى وحصل له معي ما حصل . جن جنونه من تعبيري " ده قانون الجيش العراقي " . إدعى أحد ضباط ركنه المتزلفين بعدم وجود مثل هذه المادة القانونية , وأنها من تأليفي  , أو من المحتمل كنت أجهل أن من كلمني هو القائد فلم أتعامل مع المخابرة بجد . طلب منه أن يتصل بي والذي أكدت له شخصية من كلمني . إمتعض القائد بعد ذلك كثيراَ . ألح عليه الوصوليون بمعاقبتي وخاصة الذي خابر ثانية وأنكر بإصرار وجوب عدم مغادرة ضابط الخفر وحدته قانوناً لأي سبب كان . إتصل القائد بعدها بالمدير الحكيم الذي أدى واجبه الطبي تجاه المريضة , ثم تعامل مع الحدث بضمير عادل .

مرت الأيام ودار الزمن . كنت مع زميل لي في غرفة فحص واحدة في المستشفى التعليمي العسكري ببغداد حيث يتهيأ كل منا للإلتحاق بمعمعة الدراسات العليا . دخل ضابط برتبة مقدم ركن عرفته  وهو لم  يعرفني . إستقبله زميلي بحفاوة وتبادلا الحديث الذي كان معظمه يدور حول ذم القائد أعلاه ووصفه بأنواع النعوت المقززة . كنت أسمع سباب وشتائم ضيف زميلي على من كان يتملق له سابقاً , تظاهرت بانشغالي مع كتابي الطبي . تقدم نحوي قائلاً : دكتور هل تسمح بقليل من وقتك ... أخبرني عن ظلم ذلك القائد وتعسفه وأشياء كثيرة ... وكيف أن أحد الأطباء الشباب ذلّه , فقصّ عليّ بعض ما أوردته أعلاه . سألته : ألم تكن أنت من نفيت أمامه بشدة ورود تلك الفقرة في القانون ؟ ألست من ألح عليه بمعاقبة الطبيب ؟ بدى عليه الإرتباك  و تلعثم في الرد على أسئلتي . ثم قلت له : هل تعرف من هو الطبيب ؟ أجاب : لا أعرفه شخصيا ولكن إسمه .... فذكر إسمي ... ونزل الخبر عليه كالصاعقة بقولي له :  إنه أنا ... بدى أمامي , وسط دهشة زميلي , كالفأر المذعور . تركنا خائباً عندما أيقن بأن تبريراته لن تلقى صدىً عندي . 
     
ألمتزلف متواجد في كل مكان وزمان . يبتسم لابتسامة المدير , ويكشر  أضعاف تكشيرته  . يمدح عندما لا يستوجب المديح , ويبالغ في التقريع  لإمتعاض طارئ . غايته الوصول إلى موقع لا يستحقه , أو المحافظة على درجة غير كفءٍ لها . قد يفلح في تحقيق مآربه من خلال التملق والتزويق وكلمات الثناء الزائفة والجمل المنمقة , ولكن إلى حين , حيث سرعان ما ينكشف أمره وتشخص نواياه , أو يزاح ليأخذ محله بديل أمهر منه تلوناً وتزلفاً . وهذا ما حصل بالفعل لضابط الركن المتزلف , حيث تمّ نقله بإيعاز من القائد إلى مكان لا يحسد عليه أبداً ....

هل يتعظ الإنسان من عاتيات الزمن ؟ أشك في ذلك ... ألبشر من يجعل إبن البشر إنساناً معبوداً ... يرسم له طريق الضلال ويدفعه للسير بانحراف ... هذا ما هو موجود بالفعل على أرض الواقع في مجتمعنا الشرقي , وفي معظم بل جميع الحلقات الإدارية والسياسية والإجتماعية , وللأسف الشديد , حتى الدينية  .. ألكل يسعى لمجده بحق أو بزيف .. والمصيبة الكبرى عندما يتهيأ المجد الوهمي للمسؤول , لأي مسؤول , بفعل الإطراء اللامعقول لنخبة المتزلفين ... وما أكثرهم .
       


10
ألعفة عند الكهنة والواقع المنظور
د. صباح قيّا     
أعود عشرات السنين إلى الوراء وأنا أستعرض خيوط الحوار بين المرحوم والدي والمرحوم احد أصدقائه من  القسس من نفس ضيعته والذي كان يزوره مراراً بغية إقناعه للسماح لأحد إخوتي الصغار  ألذي كان في المرحلة الإبتدائية آنذاك  للإلتحاق إلى سلك الكهنوت لما لمسه من حماس أخي واندفاعه الممزوج  بعقله الطفولي الساذج لإمتهان العمل الديني من خلال الرتبة الكنسية التي سيحملها بعدئذٍ ... أتذكر جيداً رفض والدي بصرامة لم تقبل المساومة إطلاقاً وتإكيده على ضرورة زواج القسس ، وأنه لن يسمح أن يدخل أيٌ من أبنائه ذلك الحقل إلا بعد أن تسمح الكنيسة لرجال الدين بالزواج قبل رسامتهم ككهنة ... لم تفلح كافة محاولات راعينا النجيب لإقناعه وتغيير رأيه وكانت النتيجة امتعاضه ( أي زعله ) ولم يصل دارنا بعدها ... أفهمني والدي رداً على تساؤلاتي وقتها بأنه ينطلق من تجربته الشخصية في باكورة شبابه ،  ومغادرته دير ( ربان هرمز ) إلى غير رجعة بعد مكوثه فترة وجيزة فيه ،  مخيباً ظنّ وآمال المرحوم جدي الذي نذر احد اولاده ليكون راهباً ... وأضاف بأن للجسد غرائزه الطبيعية  يتعذر بل قد يستحيل قمعها ، ولكن  يضطر الكاهن لكبتها ثمّ تبرز كسلوكيات ومزايا تؤثر سلباً على موقعه الروحي والانساني ، وفد تقلل من الإحترام والإجلال  الذي يجب أن يتمتع به بين الرعية ... وكانت معظم محاججة والدي للأب الجليل تصب بهذا الإتجاه ... ولم يرُق مثل هذا المنطق للكتيرين بالأمس ، وحتماً له اليوم صدىً آخر .

كان زواج رجال الدين معمولاً به منذ نشأة الكنيسة رغم المحاولات التي سادت في العام 300 بعد الميلاد وبعده لإيقافه . واستطاع البابا  " بندكت الثامن "  في القرن الحادي عشر منع الزيجات الجديدة ، وأيضاً حرمان الأبناء من إرث آبائهم القسس والمطارنة كرد فعلً لإثرائهم من واردات وممتلكات الكنيسة ، والذي سيرثه الأبناء من بعدهم ، علماً بأن القوانين كانت لا تسمح للبنات بالأرث . ثم جاء البابا " كريكوري السابع " في نهاية نفس القرن ليلغي كافة زيجات  رجال الكهنوت في إجراءٍ فريدٍ من نوعه بغية كبح قرصنة المطارنة الطاغية ذلك الزمان ، ومن لم يمتثل للقرار غادر جسم الكنيسة إلى يوم الدين ..... ولا تزال الكنائس اللاتينية  تلتزم به ، ما عدا  ،  استناء من شروط العفة ،  عند قبول المتزوجين من آباء المذاهب الأخرى للمذهب الكاثوليكي ، والذي صدر في تموز 1980 ... وهنالك من الكنائس التي هي في شراكة إيمانية مع الفاتيكان  من تقبل المتزوجين لسلك الكهنوت ، وتشمل ، من حسن الحظ ، كنيستنا الكلدانية ، وأيضاً الكنائس الكاثوليكية المنتشرة في جمهورية جيكيا ، المجر ، سلوفاكيا ، أوكرانيا ، وربما أخريات في الشرق ، وهذه الممارسات أقرب إلى الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية .

تشير الإحصائيات في الولايات المتحدة عن نقص في سلك الكهنوت بنسبة 17 % منذ عام 1960 ، رغم زيادة الكاثوليك بنسبة 38 % . كما أن عددا غير قليل من كل بقاع العالم غادر  الكهنوت بقصد الزواج . وهنالك من يدعو لعودتهم مجدداً لسد النقص البارز في عدد الكهنة ، ولكني شخصياً أتحفظ على ذلك ... فالذي يعصي بحجة عدم تحمل "العفة " سيعصي لأسباب أقل أهمية منها ... وداعاً له ومع السلامة ....       كما تشير الأحصائيات بأن 20 % من القساوسة الكاثوليك متزوجون ، وأمنيتي أن ترتفع سريعاً لتصل 100 % . .. لماذا ؟ لسبب بسيط جداً وهو قناعتي كقناعة المرحوم والدي بأن الغرائز الجسمانية الطبيعية لا يمكن قمعها .. وليست قناعتي مجرد رأي شخصي أو معلومة أبي وحسب  ، وإنما مضافاً إليها معرفتي ودراستي المهنية لوظائف الجسم عامة وأعضائه المتعددة خاصة وما يطلق عليه ب " علم الفسلجة " . ورغم إيماني العميق بالكتاب المقدس وتعاليم  "سيدنا المسيح " له المجد ، وإدراكي بأن " العفة " ضرورية للسير على خطاه ، وأيضاً لتكريس ما جاء برسائل القديس " بولس " ، والتفسيرات اللاهوتية المتشعبة حول الموضوع ، إلا أنني ، وبصراحة ، لأ أستطيع هضم من لا يتماشى مع حقيقة أن الكاهن مهما بلغ في مرتبته الروحية والكنسية ، يبقى بشراً كسائر البشر له أحاسيسه ومشاعره ورغباته وحاجاته  التي تحركها الماكنة الطبيعية للجسم ، والتي كما تسعى لإشباع غريزة الجوع عنده ، فإنها أيضا  تتوق لإشباع الغرائز الإنسانية الأخرى وأهمها غريزة الجسد ... وتساؤلي من الذي لم يخالف وصية الله السادسة أو ألتاسعة ؟ ممكن الإجابة  بعد مراجعة الذات بأمانة ... وسؤالي الأهم : من الكاهن الذي يعمل بمواهب الروح القدس ويتحلى بثماره في زمن كل شيئ فيه متيسر ومباح  ؟ .... ومن الذي يتقيد بوصايا الله العشرة في وقت ذاب المحظور في بحر الحرية المطلقة  ؟  فإذا كان من اليسير عليه أن يحجم عن واحدة ، فهل يصعب عليه الإحجام عن الأخرى،  وخاصة التي تخزن في داخلها قوة جامحة قد تكون كامنة لبعض الوقت ، ولكن إلى متى ؟ والمغريات بلا حدود وسهلة المنال  ...

لا أريد الخوض بما هو معلوم ومعلن من فضائح وخطايا القيادات الكنسية الغربية  نتيجة " حكم العفة" المفروض على الرعاة الكاثوليك جميعاً  .. وقد يتبادر إلى الذهن بأن " العفة " من سمات آبائنا الأفاضل فقط لشرقيتهم المحافظة ، وغاب عن الأذهان بأن العادات الشرقية تتجنب الفضائح وتستر المكشوف ، وتفعل عكس ما تقول ، وتقول ما لا تفعل ... وقد رأيت بأم عيني مطراناً في بغداد يقف بعد القداس مباشرة يتلقف قبلات الحسناوات وعناقهن ويظل ممسكاً بأيديهن ما دامت تشع حرارة ، هذا من جهة  ، ومن جهة أخرى لا يكترث بل لا يرد السلام ، وإذا أجاب فبجفاء ، كون الصوت ليس أنثؤياً .. وسيادته من مجتمع شرقي على نياته ... وأذكر أيضاً في زيارتي لأحد القساوسة الأصدقاء في مدينة الرشيد  والذي وافاه الأجل قبل سنوات . وخلال وجودي معه جاءته مكالمة هاتفية فهمت من خلال الحديث بان على الجانب الآخر قسيس . وكانا يتكلمان باللغة الكلدانية ، كانت المفاجئة لي حينما سأل  محدثه فيما لا تزال " ألمرأة المسلمة " مستمرة بالتسلل إلى سكن احد الآباء الذي أعرفه جيداً ولا يزال حياً يرزق .. ربما اعتقد واهما بأني لا أفهم الكلدانية فأخطأ الهدف ...... وفي أكثر من زيارة من زياراتي الطبية المنتظمة لدار رعاية المسنين في العاصمة بغداد ، لمحت كاهناً من معارفي هناك. إعتقدت أنه آت لمنح بعض من بركته الواسعة لكبار السن ، واكتشفت بعدها أنه على علاقة غرامية مع إبنة من تشرف على الدار والتي تزوجها ، والحمد لله ،  تاركاً البلد والكنيسة نحو أرض الشتات ، وحسناً ما فعل ....  هذا غيض من فيض .......

ما دفعني لكتابة هذا المقال بسبب مناقشة هادئة مع إثنين من أقراني  حول رعاة كنائسنا   .. أبديت رأيي بأن لكل فرد  سلبياته وإيجابياته ، ولكن المقياس يأتي من محصلة الميزتين  ، وذكرت إسم أحدهم وقلت بأنه  على الأقل لا يزوغ بعينيه ، وما أن انهيت كلامي حتى انتفض الإثنان معا ً خلاف ذلك .. تألمت كثيراً في حينه ، ,اخبرتهما بأني مع زواج الكهنة ، وما دام الأمر على هذه الصورة فسأدعو إليه بشدة ... فإذا كانت دوافع " حكم العفة " سياسية ولاهوتية ومادية ذلك الزمن  ، فبالإمكان إبطاله  استنادا إلى نفس الدوافع ... فيا كهنة المستقبل تأهلوا ... كي تجعلوا " حكم العفة " منظوراً واقعياً لا زائفاً ...
 

11
المنبر الحر / إتركوا دين الله
« في: 08:45 07/12/2014  »
إتركوا دين الله

د. صباح قيّا                                  
   
    بغداد أيام زمان حيث ينتشر معظم المسيحيين في المحلات الكائنة بين عقد النصارى في رأس القرية والأورفلي ( ألسندباد حالياً ) . كانت مناطق السكن ,  بصورة عامة ،  خليطاً من أديان وقوميات ومذاهب مختلفة يغلب عليها طابع المسلم و المسيحي ، وتنصهر الطوائف الفرعية جميعا ضمن أحد المسميين الرئيسيين ... كل محلة تعتز بساكنيها جميعاً ويقف البعض جنبه مع البعض الآخر في السراء والضراء ... تدافع عن نفسها تجاه الهجمات المعلنة أو المفاجئة وتحاول كل واحدة تسقيط المحلة الأخرى ، وقد يتحد عدد منها لتشكيل قوة تخشى البقية صولتها وبأسها .. وسعيدة الحظ من يقطنها أحد شقاوات بغداد وما أكثرهم ذلك الوقت . لم تكن المعارك التسقيطية تتعدى التراشق  بالحصى والحجر الناعم ونادرا الضرب بالأيدي أو بالعصي ، ولا اتذكر استخدام الآلات الجارحة أو الأدوات المعدنية .
 
شاءت الصدف يوماّ أن تدخل مجموعتنا المسيحية مع المجموعة المسلمة لمحلتنا في جدل حول دين الله . كلٌ يدعي أن الله من دينه ، ويسند ذلك بحجج ساذجة تتناسب مع العقل الطفولي وما اكتًسبَ من البيت و المدرسة ، أو الكنيسة والملاية . لم نصل بجدلنا إلى نتيجة مقنعة ، فاتفقنا أن نستشير كبار العمر في السوق القريب من دورنا . أطلقنا لأقدامنا العنان نحو السوق ووقفنا عند أول دكان  والذي صاحبه رجل يقارب الثلاثين من العمر يبيع الرقي ....  بادره من يمثل كل مجموعة وبصوت واحد .. عمو عدنا سؤال .. إي تفضلوا... أجاب الأثنان سويةً : عمو ألله مسلم لو مسيحي ؟ تراجع في جلسته إلى الوراء قليلاً  وبدأ يحدق بنا جميعاً الواحد تلو الآخر , أتذكر جيدا ابتسامته وهو ينظر إلينا تباعاً ، وبدت كأنها تخفي بطياتها  الكثير من المكر والدهاء وخاصة أنه  كما يقال " إبن سوك " ويستطيع أن يميز البشر بسهولة . توجه بقوله للمجموعة المسلمة : أنتم ماذا تقولون ؟ أجابوا ألله مسلم . فعقب على الفور : أنتم على خطا . إستبشرت مجموعتنا خيراً وعمّ البشر على وجوهنا  ونحن نشعر بأن الغلبة لنا لا محالة . إلتفت إلينا مردداً : أنتم ماذا تعتقدون ؟ أجبناه جميعاً وبثقة كونه سيقف إلى جانبنا : عمو طبعاً مسيحي . فانتفض ثانية : أنتم أيضا على خطأ . خيّم الوجوم على الجميع بلا استثناء ، ينظر واحدنا للآخر بحزن وخيبة أمل  والكل لا يرغب بسماع ما سينطق به حيث لا بد  أن يكون الله يهودي وهذا ما لا نوده إطلاقاً ... ولم تمضي لحظات حتى فاجأنا مقهقهاً : إسمعوا جيداً : الله لا مسلم ولا مسيحي ولا يهودي ... سررنا بهذا النبأ ،  فالمهم ألله  ليس يهودياً  ، وقد  زال عنا ما كنا نخشاه ...  وبدون وعيٍ صرخنا سويةً : إذن عمو ما هو دينه ؟ أجاب بهدوء مصحوب بابتسامة شاحبة : ألله  كافر وليس له دين . عقدت الدهشة لساننا ، شكرناه بكلمات مبعثرة ومقتضبة ، وقفلنا عائدين لحيّنا صامتين . تركنا الله في شانه منذ ذلك الحين ولم نتطرق إليه أبداًَ .. وتواصلنا ندافع عن محلتنا بأخوة ومودة ... غادرناها بعد أن عشناها أصدقاء أحباء ، ولن نستطيع العودة إليها بعد لأننا أصبحنا اليوم عنها غرباء .

من يحزن على من ؟ من يبكي على من ؟ أليوم يحزن على البارحة ويبكي على الأمس أم العكس هو الصحيح ... عندما كان الله كافرا ً ، كان أبن الوطن مؤمناً أو كافراً  والسلطة تحسب حساب الكفر والأيمان وتضعهما في ميزان هيهات أحدهما يغلب ... كانت هنالك صحافة تكتب .. برلمان ينتخب وداخله معارضة تنقل معاناة الشعب تدخل السجن ولا تهرب ... كان في السجن عذاب وسجناء جلهم من المثقفين بين الجموع تهتف وتخطب .. يسقط الإستعمار ... يحيا  الوطن والويل لمن على الأمة يكذب .... ورغم تباين الفكر ولكن من اجل البلاد عانق الإيمان الكفر ولم يعتب ..  تعاقبت حكومات ورغم الكفر باسم الدين لم تضرب ... قلب الجيش الأمور وثبت أن من كان على السلطة منها لم يكسب ... أخطأ الجيش فمن من بعده من الخزينة لم يسلب  ؟ ...

اعقبت الحركة الإنقلابية للجيش حقبة إنفرادية .. أصبح السجن الواحد سجوناً والألم آلاماً .. غدت الديمقراطية دكتاتورية والتعددية أحادية ... برز الشعراء وتسارع المتزلفون ... لكل مديح ثمن وللتصفيق هدية وللهتاف مكرمة ... سكتت الكلمات وماتت الحرية ... ذابت الوطنية في بحر الخنوع .. ألكل يجب أن يقف بخشوع .. اختلط الكفر بالإيمان.. لا يعرف من في البداية ومن في النهاية .. تارة صلاة وأحياناً ملذات .. انحسر المبدأ وصارت خدمة القائد هي القضية ، ومات الحزب كموت الهوية .

أستبشر الناس بالتغيير ... سيذوق الكل طعم الحرية.. ستفرغ السجون وتسود العدالة بين الرعية ... لن تداس الكرامة ولن  يساوم المواطن على آرائه السياسية أو معتقداته الدينية ... كم توهم الشعب وكم فاته بأن من جاء بالتغيير على دبابة أجنبية لا يمكن أن يخرج الوطن من العبودية أو يمنح الفرد مفاتيح الوطنية... أصبحت الدولة الواحدة دويلات ... والقومية لهجات ولغات ... والدين بدعأ وفتاوٍ وآيات ...  والأحزاب مصالحأً وشركات ... والبرلمان مهازلاً ومهاترات...  جعلوا من الله للأثم حججا واجتهادات ... حلل الإ يمان بالله قتلاً وذبحاً ً ...  سلباً ونهباً ... سبياً  واغتصاباً .. حرقاً ودماراً ... كلّ الشرور وكل الموبقات ...
كم تمنيت أن يظل الله كافراً كما كان كي يحافظ الإنسان على أخيه  الإنسان كأيام زمان .. وتباً لما يجري اليوم باسم الإيمان

12
مسيحيو الشرق ضحايا شذوذ الغرب
د. صباح قيّا
في حوار جانبي مع مجموعة من زملاء المهنة الأجانب خلال عملي في المملكة المتحدة  قبل أقل من عشر سنوات ، ألمحت بأن مستقبل الشعب البريطاني الأصيل في طريقه إلى الإنقراض التدريجي بسبب الواقع الشاذ الذي يرضى  به المجتمع  ويتقبله بقناعة ، وبالتحديد عزوف معظم الشباب عن الإرتباط الزوجي  ، والميل  بدلاً عن ذلك إلى بناء علاقة مشتركة تماماً بين الفتاة والفتى ،   مع العيش سوية في سكن واحد ولمدد غير معلومة قد تصل إلى سنوات طويلة أحياناً ، بدون عقد ديني أو مدني  ، وأيضاً بدون التخطيط للإنجاب والذي نادراً ً ما  يحدث رغماً عنهما . ولا غرابة أن يهجر أحدهما الآخر ليحل بديل جديد بين فترة وأخرى ويستمر الحال على هذا المنوال وتظل نتيجة هذا النوع من الإقتران إما  ندرة حصول الذرية أو إنعدامها تماماً والتي هي بدون شك  العامل الأساسي في ديمومة أيَّ  مجتمع .... هذا من ناحية ، أما الناحية الأخرى فهي تنامي ظاهرة العلاقات الحميمية بين أفراد الجنس الواحد ( ألذكور معاً ،  أو ألإناث معاً ) ، وتشريع القوانين اللازمة لحمايتها والدفاع عنها ، إضافة إلى مباركة وتشجيع الزيجات التي تحصل بين الراغبين منهم ،  والتقيد بكافة تبعاتها حالها حال أية زيجة طبيعية... كل ذلك بذريعة حرية الفرد الشخصية  واحترام خياراته .. وتبقى المحصلة أشد تأثيراً من سابقتها وهي لا ذرية على الإطلاق  ..... ثم عقّب أحد الزملاء السوريين بزهوٍ قائلاً بأن المملكة المتحدة ستتحول إلى دولة إسلامية بعد حوالي خمسين عاماً ... وهنا إنبرى أحد ابناء العم سام ، وكما يقول المثل الدارج " راد يكحلها عماها "  ، مدعياً بأنه لا خوف على بلده ما دامت هنالك ولادات متواصلة ناتجة عن اللقاء المبرمج أو العشوائي الحاصل بين المراهقين والمراهقات من بني جلدته ، والذي سيساهم في الحفاظ على شعب المملكة من الإندثار .
 
لا يمكن إنكار حقيقة اهتمام الغرب بمصالحه الذاتية  ، وأن كل ما سبق واتخذه من إجراء وما سيتخذه لاحقاً يصب في خدمته ومن أجل تحقيق أهدافه المعلنة والمخفية ... وقد فتح ولا يزال الباب على مصراعيه لأستقبال حشود متباينة ومن دول شتى بحجة أو أخرى . قد تكون سياسية الهدف ،  أو مذهبية الفكر ، أو قومية المنشأ ، أو حتى كايدي عاملة ، وما شاكل ... كل ذلك لتنفيذ أجندته الوطنية أو الإقتصادية أو كلتيهما معاً ، ولم يدر بخلده أن ينقلب السحر على الساحر ويغوص في ورطة من صنعه لا يعلم كيفية معالجتها وسبل تجاوزها بدراية وحكمة ،  كون معظم من جاء بهم من بيئة وتقليد وفكر من الصعب بل العسير الإندماج مع بيئته الجديدة ، بل على العكس  يضمر له الحقد والكراهية مع الرغبة بالإنتقام نكاية وحسداً لتاريخ مضى وواقع معاش ... لقد سقط الغرب في خطا استراتيجي قاتل باستقباله من لا يستطيع التعايش مع من يختلف معه بالرأي والإيمان ، بل لا يعي معنى ذلك كونه من بلد أحادي الدين أو المذهب كلياً أو بالأغلبية المطلقة ، وقد تشبّع بتعليمه من كتاب أقل ما فيه " أن لا تجعلوا اليهود والنصارى  أولياء عليكم " ... كل ذلك إضافة إلى العمل الدؤوب مع سبق الإصرار إلى نقل أوجه التباين والتطرف إلى أجياله المتعاقبة عن طريق التربية البيتية مدعمة بالدعم الفكري من المساجد والمدارس الدينية المنتشرة هنا وهنالك ، وبالذات  التي تتبع  مبدأ " اهل السنة " الرافض لنهج الأجتهاد  حيث " لا اجتهاد في الدين" عنده  ، بعكس المذهب الشيعي الذي يتحلى بنهج الإجتهاد كميزة بارزة وشائعة ومقبولة . لذلك شهد العالم هجمات  " 11 سبتمبر " في نيويورك ، وتفجير الأنفاق في لندن ، ومن ثم  ظهور الحركات السلفية المتطرفة وترعرعها بمسمياتها المتنوعة ووحدة هدفها ، ألا وهو الحلم بالعودة إلى مجد الخلافة وبسط نفوذها تدريجياً والسيطرة على العالم وتطبيق الشريعة الإسلامية الغابرة  واهمها  نشر الإسلام بحد السيف كما انتشر سابقاً . وبالفعل بدت بوادره في سوريا والعراق ، وتمارس نكباته في افغانستان ، الصومال ، نيجيريا ، وإلى حد ما في مصر والسودان والمغرب العربي ، وحتى باكستان ودول العالم الأخرى ذات الوجود السني ، والله يعلم كم هي الخلايا النائمة في المجتمعات الغربية التي آوت واحتضنت  ذويها  ، والتي تعمل في نفس الإتجاه ، والتحق الكثير من أتباعها مع تلك الحركات الإسلامية كما هو معلوم وواضح ... كل ذلك من عمل أهل السنة ، وتبقى ردود فعل أئمة الجوامع ومفتيها  باهتة أو شبه معدومة ،  بل ربما مقتنعة ومسرورة في داخلها لما يحصل وهي التي تؤمن إيماناً لا ريب فيه بأن عصر الخلافة هو العصر الذهبي للدين الإسلامي ، وتتمنى عودته اليوم قبل الغد ...
 
ما هي حلول الغرب إزاء هذا التناقض الإجتماعي والواقع المرير ؟ لا يمكن للغرب الديمقراطي أن يسنّ قوانين تفسر بالتعسف ، ولا يمكنه وضع إجراءات يفهم منها تقييده لحرية الفكر والتعبير ، ولا يمكنه تغيير أعرافه بشخطة قلم .... في الغرب سياقات من العسير تجاوزها دون الرجوع إلى رأي الشعب ... إذن أبسط الطرق التي يسلكها  للحد مما  ورد اعلاه  يتم بتطعيمه  بمن بقي من الشعب المسيحي في وطنه الأم والذي ظلّ متمسكاً بأرضه وجذوره رغم التحديات والمصاعب الحالكة ، ولكنها لم تصل إلى ما وصلت اليه بالأمس القريب وما هو مستمر لهذا اليوم ولغد مجهول , من تهجير للنفوس ، ودمار لأماكن العبادة ، ومصادرة للممتلكات العينية والمادية ، وقتل ، واغتصاب ، وفرض الجزية أو الإسلام ، والكثير الكثير من الموبقات والأفعال اللإنسانية .... استطاع الغرب أن يضع الشعب المسيحي المنكوب في أرض الأجداد في زاوية ضيقة جداً لا يمكن الخلاص منها إلا بهجر من  أحب بعمق وتفانى بخدمته بإخلاص ونكران ذات ... وبذلك يكون قد أجبره على طرق باب الهجرة وبالحاح ، وهذا ما أراده وخطط له العقل الإنكليزي بعد كارثة أنفاق لندن ووافق عليه الغرور الأمريكي الذي لم يفق بعد من مأساة مركز التجارة العالمي ... وبذلك يقع الشعب المسيحي  ضحية لما حصل  وما يتوجس منه العالم الغربي ، وخاصة أن مسيحيي الشرق معروفون بعمق إيمانهم وحبهم للعمل وسرعة اندماجهم مع المجتمع الجديد وسهولة اكتساب قوانينه .. فهل هنالك أشهى من هذا الطعم ؟ ...

قد تلعب هجرة مسيحيي الشرق "  بعض " الدور في حل مشكلة الغرب المستعصية ، ولكن لا ولن تتمكن أن تلعب " كلّ " الدور ..... وحتى  " البعض "  قد يكون مرحلياً وإلى حين ... لماذ ؟ ... ألملاحظ  أن الإنجاب في الدول الغربية ,  وخاصة التي لا تسود فيها الكنائس الرسولية  , محدود جداً .. وحتى عند مسيحيي الشرق يتحدد أفراد العائلة بعامل عمر الزواج  والرغبة في أبوّة  عدد من الأطفال بمعدل ثلاثة لكل زيجة على وجه التقريب  بحيث بالإمكان الإهتمام بتربيتهم حسب الأصول ، أي تتفوق النوعية على الكمية ... أما عند  الإسلام ، فالزواج نصف الدين ويتحقق ذلك حالما يشب المسلم عن طوقه ، ولا تحديد لعدد الأطفال كونهم زينة الحياة ... أي الكمية على حساب النوعية ... إضافة إلى ممارسته لحقه الشرعي في الزواج باكثر من واحدة رغم كونه يقطن بلدا لا يسمح بالإقتران إلا بواحدة فقط لا غير ، ولكنه يتحايل على القانون بزواجه واحدة قانوناً والأخريات الثلاث عند " السيّد " ، وليس للمفرخة حدود ،  فلذلك وعلى المدى البعيد يفوق عدد المسلمين أعداد الأديان الأخرى ... وهذا ما يهدد الدول الغربية ويؤيد التوقعات والإحصاءات بسيطرة الإسلام على الغرب  وحكمهم له في المستقبل القريب أو البعيد ... ما هي الوسيلة الناجعة لتلافي ذلك ؟ ألجواب بكل بساطة يكمن في الحد من قبول أتباع الفكر الذي قد يأخذ مساراً إسلامياً سلفياً أو متطرفاً , وتشجيع هجرة معتنقي الأديان الأخرى السماوية منها وغير السماوية ، وحتى الذين لا علاقة لهم بخالق أو دين ما دامت المبادئ الإنسانية في صلب عقولهم وسلوكهم ... فهل يسمع الغرب ويتعظ ؟ أشك في ذلك ما دامت مصالح ساسته الآنية فوق كل اعتبار ...
أيها الغرب متى عن غيّك تصحو وتفيقْ
وخلايا الحقد في المساجد تختط الطريقْ
يومها في دور سباتٍ لغدٍ دامٍ محيقْ
عندها لن يجدِ نفعاً ندمٌ أو لومُ صديقْ 


13
ماذا يٌستشفُّ من مسلسل بيانات البطريريكية حول الأبرشية
د. صباح قيّا
أكرر ما ذكرته سابقاً بأن ما يعنيني أساساً وحدة الكنيسة الكلدانية والتفاف الرعية حولها ، مع قناعتي التامة بأن أي إنسان مهما بلغ من درجة الكمال فإن مآله إلى التراب يلحق من سبقه منذ بدء الخليقة . واضيف بأن ما أكتب نابعاً عن استقلالية تامة ولن أنحاز إلى أية جهة مهما كبر شأنها ، وأناقش الأمور حسب اجتهادي الخاص من دون أية تأثيرات مباشرة أو غير مباشرة . وأشدد على احترامي لكافة رعاة الكنيسة باختلاف درجاتهم الروحية ومواقعهم الوظيفية, رغم اختلاف وجهات النظر في جوانب غير قليلة. 
لن أعود لمناقشة حيثيات ما حدث سابقاً ، لماذ ؟ كيف ؟ لو ؟ متى ؟ أين ؟ من ؟   ...  بل أبدأ من الذي حصل ، وما سيحصل  لاحقاً .... ألكرة لا تزال في الفاتيكان ... ماذا يمكن أن نستشف من بيانات البطريريكية المتتابعة منذ دحرجة الكرة إلى ملعب الحبر الأعظم ؟ ... يظهر أن الموضوع قد ابتعد عن الحلول التوافقية ، وأن الإصرار على سيادة القانون ,  وعودة الأبناء  الضالة كل إلى عرينه , والعزم على منع تكرار تلك الممارسات الكيفية مستقبلاً ، هي السائدة .... كيف سيكون فحوى القرار الفاتيكاني ؟ هل سيأخذ بنظر الإعتبار ظروف الكهنة والرهبان ويتعاطف مع موقف الأبرشية التي احتضنتهم ؟  أغلب الظن كلا ... إذن هل سيصدر قرار ينسجم مع رأي البطريريكية ؟ على الأكثر نعم ... لماذا كلا  ونعم ؟ ... لن اخوض في الجانب الأول وأترك للقارئ الكريم أن يستنتج ذلك  ، ولكني سأغوص في الجانب الثاني وأشير على استدلالات " نعم " .....

من خلال مراجعة ما كتب في موقع البطريريكية  بأكثر من قلم متنفذ ومؤثر ، يمكن القول بأن هنالك في الفاتيكان طبخة على نار هادئة لصالح الكرسي البطريريكي ... وأن رائحة الشواء قد تسربت .. فلذلك تميزت إيضاحات البطريريكية المتعاقبة بالثقة من جهة ، وبالحزم من جهة أخرى .... ولأمسك تلك البيانات من " الجعب " كما هو معروف في اللهجة العامية .

ألبدء " توجهات البطريريكية وقراراتها " وحسب الرابط :
http://saint-adday.com/permalink/6764.html
" نذعن أنه قد توجد ثمة، حالات خارجة عن فهمنا، توحي بأنها لفرط التصاقها بشظف اللقمة، وسقف العيش، تنتظر انهيار القضبان، لتوضح في عودتها الى القطيع، تعقيدات الاشواك التي كبلتها،"
بلا شك بأن ما ورد في هذا المقال يختلف كلياً عن ما أعلن سابقاً من ناحية الأسلوب الفلسفي , والصياغة االواضحة للوصول وإصابة الهدف. ومعظم ما جاء فيه يشير بقوة إلى رائحة الشواء المتسربة أعلاه ، وأشدها : " انهيار القضبان " ، و  " الأشواك التي كبلتها " .

تمّ مع " نداء أخير إلى الرهبان والكهنة الموقوفين " وحسب الرابط :
http://saint-adday.com/permalink/6754.html
" وعليه لا يخدعنكم أحد، إنما فكـّروا مليًا في مستقبلكم المبنى على الله وعلى أخلاقكم وروحانيتكم، وليس على وعود مطرانكم، مع تقديرنا له، كما ليس بمقدور البطريرك ان يحميكم امام الخطأ.  اننا نؤكد ان حلّ المشاكل يتم من خلال الدائرة البطريركية وليس خارجها والامور قانونيا تسير لصالح البطريركية وليس لصالحكم "
أستطيع أن أجزم الآن بان رائحة الشواء قد اشتدت وأن الطبخة في طريقها إلى المائدة .

وأخيراً لا آخراً مع " رسالة الى سيادة المطران باوي سورو " وحسب الرابط :
http://saint-adday.com/permalink/6747.html
لماذا هذه الرسالة من  المطران يوسف توما لصديقه المطران باوي سورو ؟ والتي تشير إليه باصابع الإتهام وكأنه هو المسؤول ليس عن إعلان البيان فحسب  ، وإنما أيضا عن كتابته ...  قد يكون ذلك صحيحا ، ولكن حتماً بايعاز وموافقة وتوجيه المطران الأول في الأبرشية .... هل ذلك يعني بأنه سيشمل بالطبخة ، أم مجرد لسعة تحذيرية ... هذا ما ستكشفه الأيام القريبة القادمة .
لا أرى الحاجة لمراجعة بقية الإيضاحات فجميعها تصب في نفس المعنى ....

من خلال مراجعة سريعة لسجلات الطلاق والإفتراق ، يتبين بأن معظمها بسبب إشكالات ومعضلات يتحمل مسؤوليتها الجانبان بدرجات متفاوتة ، ولكن كان بالإمكان تجاوزها لو تحلى كل جانب بالعقل الراجح وسعة الصدر ... ومن النادر جداً حدوث ذلك  بسبب جوهري لا يمكن التغاضي عنه كالخيانة الزوجية مثلاً ....
ما اخشاه الآن على كنيستي العتيدة أن يحصل الطلاق لا بسبب انتهاك عقائدي أو هرطقة لاهوتية كما حصل عبر تاريخها الطويل ، ولكن بسبب عوامل من الممكن السيطرة عليها ببساطة وحلها بيسر ... وما يقلقني أكثر التبعات التي تنتج عن الطلاق من تفكك الأسرة وتشتت أبنائها ... يتوهم من يعتقد بأن ضياع 1% ليس مهما أو مؤثراً   ، بل أنا أقول بأن فقدان أية نسبة من الرعية مهما كانت ضئيلة هو كارثة ... دعائي يا رب أن لا تحل على الشعب الكلداني فاجعة جديدة ... فما يعانيه اليوم كاف ولن يتحمل المزيد ....

   .

14
ما تعلمته من الأب فيليب هيلايي
         
د. صباح قيّا
شاءت الصدف أن أكون آخر رئيس للهيئة الإدارية لأخوية الشباب الجامعي المسيحي قبل تأسيس النادي الجامعي السرياني كبديل واقعي عنها بعد تخرج أغلبية أعضائها الأساسيين والبارزين وتأهل الكثيرين منهم ، ثم إنشغالهم في الصفحة الجديدة من مسيرتهم الحياتية . كان ذلك في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي ، و تزامنت  تلك الفترة أيضاً مع ذكرى الأحتفال بمرور خمسة عشر عاماً على تشكيل  الأخوية . إنطلقت مع مجموعة من الأعضاء نحو مقر المرحوم الأب فيليب هيلايي في كنيسة العائلة المقدسة بمنطقة البتاوين باعتباره أول أب مرشد لأخويتنا ،  بغية مرافقتنا إلى كنيسة أم الأحزان في رأس القرية لمقابلة المثلث الرحمات البطريرك بولس شيخو في مقره آنذاك . أشار عليّ بعض الأخوة المخضرمين بوجوب تهيئة كلمة بالمناسبة تلقى أمام غبطته .  إنتبه الأب فيليب إليّ وأنا منهمك بالبحث عن الكلمات والجمل التي تعكس  أهمية العمل المشترك وعمق  العلاقة بين الرعاة الدينيين و فئة العلمانيين  ، فطلب مني تسليمه القلم والورقة . وما هي إلا دقائق معدودة  فإذا بي أقرأ مشاعر صادقة تشكر ولا تتملق ، تعاهد ولا تتسلق ، تعبّر ولا تتمنطق ... جوهرها الإحترام والتقدير لمن هو لها جدير ، والتماس المغفرة عن كل خطأ حتى ولو طفيف أو صغير ، مع التمنيات  بطول العمر وفخرنا به كراع حليم كبير . أثارت الكلمة استحسان غبطته الذي بدى واضحاً من خلال تعليقه التربوي القصير ، وأيضا الحضور لتصفيقه الحاد وإشادته بما جاء فيها من معنىً وفير ..... شكرت المرحوم هيلايي مبيناً له دهشتي وإعجابي بأفكاره الجميلة وأسلوبه المميز ... عقب بما معناه  :  أنا في بدء السلك المهني وحديث الخبرة العملية  ، ستصادفني مواقف متعددة وأعمل مع عقول مختلفة وثقافات متباينة ، والحكمة أن أضع الأمور في ميزانها الصحيح ، وأن اخاطب كل مركز بما يستحق بدون تجاوز الأعراف السائدة أو التنازل عن الحقوق الفردية أو العامة ،  ولكن بصياغة  يطمئن لها الطرف  المقابل حتى ولو لم يتفق معها....وملخص النصيحة الأبوية هي: أن لا اخدش جلداً بتعابير نابية ، وأن لا أزيده نعومة بجمل منمقة  .... مثال رائع تعلمته من الأب فيليب هيلايي وأنا إبن العشرينات ، ليتطور ويصقل بعدئذ بإضافات الأقدمين واستشارات الإختصاصيين ، والذي ثبت مردوده الإيجابي في مناسبات شتى ، ومع مراجع يتصاعد سلمها الوظيفي مع مرور سنين خدمتي .
ألكتابة هي نوع من الإعلام مهما كان الهدف منها . إنتقاء الكلمات وترتيب الجمل ودرج الأولويات فن وموهبة ودراسة .. ألدراسة تُعلّم بدون شك ، وهي أيضا أداة صقل للموهبة والفن الظاهرين أو الكامنين ، ولكنها  لن تقدم الكثير لصاحبها عند عدم توفر ما يكفي من الموهبة ، وعند افتقار القابلية الفنية الضرورية لتصفيف الأحرف ووضعها ضمن  الكلمات ثم الجمل الصحيحة . فلذلك ليس كل من يعالج المرضى طبيباً ، وليس كل من يعلم التلاميذ معلماً ، وليس كل من دحرج الكرة لاعباً ... والحكاية لن تنتهي ... والأهم ليس كل من قام بالكرازة كاهناً ...
 ألكرازة ، بحسب رأيي المتواضع ، شكل من أشكال الإعلام
  بقدر ما هي دعوة لإيصال وترسيخ رسالة الإيمان عند جمهور الرعية ... ما ألاحظه من على شاشة التلفاز  ومن زياراتي المعدودة لبعض الكنائس غير الرسولية في مناسبات معينة ، بأن راعيها يمتهن فن الخطابة ويلم بكافة جوانبه ، ويتقن الحديث إلى الناس بما يتناسب مع طبيعتهم السايكولوجية وتطلعاتهم الروحية والدنيوية ، ويستطيع بذكاء أن يتغلغل إلى مكنونات عقولهم ، وأن يكسب ثقتهم ويشدهم إليه بسهولة ... وأحياناً أتصور نفسي أمام " راسبوتين " في حركاته المسرحية ونظراته السحرية ودعواته الشيطانية .. قد لا ينطلي عليّ شخصياً ، ولكنه استطاع ذلك " الباستر "  اليوم  ان يقنع الكثيرين ، وربما بالغد أكثر .... لا أشك لحظة واحدة بأنه قد سبق له اجتياز دورات متنوعة بهذا الخصوص تؤهله لتأدية مهمته بجدارة , وأن يتبوأ المكانة التي فيها باستحقاق .
وما الاحظه على النقيض من ذلك ، بأن البعض من آبائنا الأجلاء يتلو كرازته قراءة . ورغم ما قد تحتويه من عمق وأصالة ، إلا أنها لن تحمل الوقع والتأثير المرجو منها على السامع ، وعلى الأغلب  لن تثير اهتمامه ويشرد عنها  بعيداً ، وربما يترك الكنيسة إلى أخرى بحجة ضعف الكرازة وسطحيتها ...  ما هو الحل ؟ ألقرن هو الواحد والعشرون ، الأجواء مهجرية والتنافس فيها شديد والمغريات بلا حدود ... في هذا الزمان والمكان لكل معضلة حل .. ألدورات التأهيلية متوفرة ولكافة الإرهاصات الإنسانية والمعاناة الشخصية ... يتوفر مستشارون لمن يرتبك في الإمتحانات وخاصة الشفهية منها .. لمن يساوره القلق قبل موعد الأختبار ... لمن يتلعثم في المقابلات وتطير منه الكلمات ... لمن تفلت أعصابه بسرعة ... لمن لا يتمكن من السيطرة على نوبات الغضب والإنفعال ... لمن يتسرع في القرار وتتغلب عليه الأهواء المزاجية .....والقائمة تطول .... إضافة إلى الدورات التدريبية والتأهيلية في فن الخطابة ، وفن الإعلام ، وفي كافة المجالات الحياتية التي تساهم في بلورة شخصية الإنسان بما يتناسب مع موقعه الروحي او الدنيوي ...
من السوء أن يتطاول الأبن على الأب ، وأن يتجاوز الكاهن قولا وكتابة على سيده ... ولكن الأسوأ من يقابل الإساءة بمثلها أو أسوأ منها .... معرفة الذات حكمة .. والحكيم من يستفيد من الإمكانيات اعلاه .. وأكثر الناس حاجة لها من يتعامل مع الرعية من موقع إداري أو سياسي أو إجتماعي والأهم من موقع روحي ،  إيمانه الكتاب المقدس وإلهامه الروح القدس ...     

15
ألصمتُ سيّدُ الكلام
د. صباح قيّا
كان يحلو للرئيس المصري في نهاية الخمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي أن يصب جام غضبه في خطبه الوحدوية الرنانة عل رأس القيادة العراقية آنذاك قائد انقلاب تموز 1958 ، الذي تركه لشأنه يسترسل في لومه وذمه بأساليب  بعيدة كل البعد عن الخطاب الديبلوماسي ، مما أثار حفيظته أكثر فتمادى في نعوته الإستفزازية , ورغم ذلك بقي صامتاً لحين إعدامه عام 1963 ،  عدا الإشارة اليه في قوله " إن ذلك الدعي  مسيلمة الكذاب " في إحدى كلماته .........
أتذكر وأنا أتابع الجلسات الشعرية لواحد من مهرجانات المربد عبر  شاشة التلفاز  ، أن صعد شاعر مهجري عراقي الأصل ليقدم قصيدته " ألصمت " وبين دهشة الحضور والمتابعين ظلّ صامتاّ للحظات محدقاّ بهم  بعمق وشرود  ثمّ ترك المنصة ، وكأن لسان حاله يقول :
 لا تحسب أن الصمتَ نسيانُ          فالجبلُ صامتٌ وبداخله بركانُ .... ......................    وقد قيل الكثير من الشعر حول " الصمت " أورد منه على سبيل المثل لا الحصر بعض مما  نظمه " ابو العتاهية " :                                                يخوضوا أناس في الكلام  ليوجزوا     وللصمت في بعض الأحايين أوجز                                                  إذا كنت عن أن تحسن الصمت عاجزاً   فأنت عني الإبلاغ في القول أعجز            وأيضاً في قول أحد الشعراء :                                                                                                                                            والصمت عن جاهلٍ أو أحمقٍ شرفٌ   وفيه أيضاً لصون العرض إصلاح                                                  أما ترى الأسد تخشى وهي صامتة  والكلب يخسى لعمري وهو نباح 
          كما أن الكتب الإجتماعية والتربوية وحتى الدينية  زاخرة بالعديد من الأمثال و الحكم حول الكلام والسكوت  ، ومنه ما ورثناه تباعاً ونردده في مناسبة واخرى كالقول : ألكلام من فضة والسكوت من ذهب ... خير الكلام ما قل ّ ودل ... ألساكت عن الحق شيطان أخرس ... ألسكوت من الرضا ,, ولن تتوقف القائمة عند هذا الحد .... وكإجتهاد فلسفي ، من الممكن الإشارة بأن " الصمت أبلغ من السكوت " ، فإذا أعتبر السكوت  إعراضاً عن الكلام حقاً كان أم باطلاً ، فيظل الصمت إمساكاً عن قول الباطل دون الحق . فعند الصمت تتكلم العيون وتنطق النظرات ، وتهمس الشفاه وتصرخ تعابير الوجه ... لتقطيب الحاجبين معنى ولإحناءة الرأس مغزى , ولإستقامة الجسم هدف ......   لقد ارهب المسيح رئيس الكهنة قيافا بصمته الرهيب ( متى 26 : 63 ، مرقس 14 : 61 ) ، كما حاز بصمته أيضاً على إعجاب بيلاطس وتهكم هيرودس وخيبة أمله ( متى 27: 13 – 14 , مرقس 15 : 4 - 5  ، لوقا 23: 8 – 10 ، يوحنا 19 : 9 ) . 
  منح الخالق الإنسان هبة الكلام ليتحاور ويتناغم مع أخيه الأنسان .. أختصه من بقية المخلوقات بصوت مميّز  ولغات مختلفة ... أغدق عليه القابلية لكتابة ما ترده من أفكار وما يبغي أن ينقل من أقوال .. فكم محظوظ هذا الكائن الحي بصورة إنسان يَنطق ويفهم ما يُنطق ؟  يَكتب ويقرأ ما يُكتب ؟ ... لكن يتبادر السؤال : هل هبة الكلام ،  المسموع عامة والمقروء خاصة ،  حقاً نعمة ؟ أم قد تكون على قسم نقمة ولصاحبها وصمة ؟ ... بدون شك أن مساحة ما ينشر اليوم شاسعة , وحجومات ما ممكن الإطلاع عليه واسعة ... أليراع يدون ما ترضاه رغبة حامله وبحرية قد تمتد احياناً وعند البعض إلى ما لا نهاية .. أو قد تتحدد وبدرجات متفاوتة حسب مقاييس كاتبها وشروط ناشرها ... تختلف الغايات والنيات  ، وتتباين الثقافات والمستويات الدراسية ... يختلط الحابل بالنابل ويحرق الأخضر على حساب اليابس كما يقال ... واحد يكتب لإثارة المشاعر ودغدغة الأحاسيس ... آخر لترويض الذات وتغطية عقده النفسية وشططه العقلي ... وثالث كانه في مباراة نسوية كلامية يتوهم بخروجه منها منتصرا ...  ورابع متبجحاً بالمعرفة وفي داخله متلازمة حب الظهور أو السيطرة ... ولا ينكر إطلاقاً بأن الغالبية تكتب لغايات نبيلة وأهداف سامية ... تقارع الحجة بالحجة المماثلة أو الأقوى منها ... تزيد على كل معلومة معرفة أخرى ... تبادل الود بالود وتقابل الإساءة بحسنة ...
قد تاخذ المقالات  طابعاً نقدياً قاسياٌ ولاذعاً وحتى جارحاً  ، وتنهج  بعض المداخلات والإضافات نفس المنوال وربما أشد ...  وقد تطال رموزاً وشخوصاٌ في مواقع وظيفية أو درجات خدمية لا يجوز حسب اعتبارات معينة المساس بها أو التعرض لها بمثل ذلك الأسلوب ... ومن جهة أخرى قد تتجاوز  حدود اللياقة الإجتماعية والآداب الإنسانية وتبتعد مسافات بعيدة عن المنهج الخطابي السليم والسلوك العقلاني المعتدل ... كيف يجب أن يكون رد الفعل ؟ ألصاع بالصاع ؟ كلا ... مثقال بمثقالين ؟ كلا .. رد حكيم وهادئ ؟ ممكن ... ومهما كانت نغمة رد الفعل يظلّ الصمتُ سيّد الكلام عندما لا يستحق الكلامُ كلاماً . أتخيل نفسي في مكتبي , ويدخل أيٌ كان فجاة وبدون أن يطرق  الباب ، ويبدأ ، بدون سابق إنذار , بالتهجم عليّ قذفاً وشتماً ... كيف سيكون رد الفعل الأولي  ؟ ... ألصمت لإمتصاص انفعاله وكبح جماح غضبه ... لماذا الصمت ؟ .. هنالك احتمالان : إما أن يكون مختلاً  عقلياً أو قد اصابه مسٌ من كذا ... كيف للعاقل أن يجيب غير العاقل ... أو أن يكون قد كلف بإداء هذا الدور المسرحي لإستفزازي وسحبي إلى موقف  لا تعرف أو تحمد  عواقبه ... كيف للبيب أن لا يفهم معنى الإشارة ... وعليه يبقى الصمت سيّد الكلام لمن لا يستحي من الكلام .                                                                                                                                                           

   

17
         
لو وُضع القانونُ على  بغلٍ  لفطسْ
   
د. صباح قيّا   
   
بدءأً ذي بدء ، لا بد أن أنوه بأني لست ضد أي طرف في الصراع ، بل مع وحدة الكنيسة وهيبتها ، وليس هدف المقال الإنتقاد أو الإساءة لأحد على الإطلاق . أحترم كافة رجال الدين باختلاف درجاتهم الكهنوتية  ومواقعهم الكنسية ، ولكن ذلك لا يمنع من تبيان وجهة نظري بقدر معرفتي واجتهادي وباستقلالية تامة . كما أن ما يرد من مسميات ليس إلا تشبيه مجازي لتعزيز الفكرة وتحقيق الهدف .

لا شك بأن الكثير من كتاب الموقع وزواره قد ذاق طعم الخدمة العسكرية في البلد الأم ، ورغم مرارته السائدة إلا أن  لحلاوته النادرة نكهة خاصة . لا أبالغ إن قلت بأن السلك العسكري يتميز بخصوصيته المعروفة كمدرسة ذات جوانب متعددة وأبعاد مختلفة ، منها الصالح والطالح ، والأبيض والأسود ، وما شاكل من المفردات المضادة ...  وتبقى للفرد خياراته ، طوعاً أو غصباً ،  حسب حظوظه وثقل سنده ( أي واسطته ) ، وهنالك من  يحصل ، استثناءً ،  على مبتغاه نتيجة سعيه الذاتي وشطارته .... وربما يتذكر من سنحت له فرصة العمل في مناطق كردستان الجميلة أهمية " البغل " والحاجة الماسة اليه فيها . ذلك الحيوان الهجين والعاقر الذي ورث الصبر من أبيه " الحمار " ، والقوة من امه " الفرس . يؤدي واجبه بدون كلل وملل ابتداءً من الضياء الأول وحتى الضياء الأخير من اليوم الواحد حاملاً المؤن والمعدات لنقلها عدة مرات يومياً إلى أعلى ربيئة على الجبل .... المعروف عن القانون العسكري بأنه شديد جداً , وأن معظم عقوباته تنفذ حالاً وبدون نقاش .. ولذلك تستوجب المرونة عند تطبيقه على كثير من المخالفات إلى درجة التغاضي عن معظمها وخاصة الطفيفة منها ، وتخفيف الحكم قدر الإمكان بالنسبة للمخالفات الشديدة ، مع التأكيد على وجوب إطاعة الأوامر وتنفيذ التعليمات بدقة واحترام سيادة القانون ... ومن أجل أن يكون مثل هذا الإجراء سياقاً غير معلن ، يلتزم به ، أدبياً ،  من له سلطة فرض العقوبة وخاصة الضباط الأحداث قليلي الخبرة ، كان يحلو للقادة والآمرين ترديد هذه الجملة بانتظام : لو وضعنا القانون العسكري على بغل لفطس .  والحق يقال ، بأن كافة القوانين  سواءً عسكرية أم مدنية لا تحتمل لو طبقت بنودها حرفياً على من ارتكب  جنحة أو جناية أو جريمة .. وهذا ما حمل بالمحامين المتميزين من الإستفادة من بعض نقاطه المبعثرة داخله وتفسيرها لصالح المتهم للتخفيف من شدة عقوبته .... وكمثل مبسط عندما يستوقف شرطي المرور سائقاً بسبب مخالفة معينة  .. قد يفرض عليه العقوبة المقررة لتلك المخالفة ،  أو ربما يخفف  أو يعفو عنه  كلياً  بحسب الحجة التي يطرحها له السائق وقناعة الشرطي آنذاك ، وقد يكون لبعض العوامل البشرية في حينه دوراً سلبياً أو إيجابياً ً بالقرار .

من لا يخطأ ؟ أنا خاطئ .. فلذلك أتناول القربان بانتظام ، وأتلو فعل الندامة مع الجموع .. لماذا لا أتلوه منفرداً ؟ ... لأني لا أود الأعتراف أمام الكاهن ... لماذ ؟ لأني لست واثقاً بأنه سيحفظ سرّي ...  لماذ ؟ لأني عرفت بعض اسرار الناس منه ... لماذ ؟ لأنه بشر  والخطيئة تولد مع البشر ... كيف وهو كاهن ؟ هذا لا يعني أنه معصوم من الخطأ ... إذن لماذا أذهب إلى الكنيسة ؟ لأني علمت نفسي أن لا أصلح الخطأ بخطأ .
نعم ومليون نعم ... لا يجوز إصلاح الخطأ بخطأ يساويه أو يفوقه بالمقدار ولكن يعاكسه في الأتجاه .

 هنالك من ارتكب معصية كنسية وغادر خلافاً للقانون إلى أبرشية مهجرية ولاقى بقصد او بعفوية قبولاً فيها .. مضت سنونً طويلة على هذه الحالة ... كيف التعامل معها ؟ تم التعامل معها ووضع القانون على البغل ، وتظل الأمنيات أن لا يلحق أي أذى ً حتى ولو خدش طفيفاً به ... هل الأجراء صحيح أم خطأ ؟ ألجواب يتقبل الإحتمالين ... كونه صحيح ... لأن ما حصل يعتبر خروجاً عن فحوى القانون الكنسي ، وخاصة أن الفاعل نذر نفسه وأقسم بإيمانه على الطاعة ونكران الذات وما شاكل .. لم ولن تقبل مبرراته لأنه أساء للروح القدس وأبتعد عن جوهر المسيحية وخصالها الإنسانية المثالية ... رحم الله الفيلسوف " طاغور " في قوله : من هو المعتوه الذي يقول أن كل شئ يسير بنظام  ؟ ، ومن هو المعتوه الذي يقول أن كل شئ موجود حيث يجب أن يكون ؟ .... كونه خطأ ... لأنه إجراء ظاهره قانوني وباطنه في قلب الشاعر ، تفوح منه رائحة لوي الذراع وتصفية حسابات شخصية ومواقف ندية ، وتتغلب فيه  الغرائز البشرية على المزايا الكهنوتية .... لم تدرس تبعاته وعواقبه دراسة معتدلة شاملة والذي تجلت نتائجه بوضوح من خلال رد فعل الأبرشية ، ومن ثم إيضاح البطريركية ، والتي تذكرني بالمعارك الكلامية للنسوة في  أزقة بغداد القديمة ... أسفي على كنيستي العريقة أن أراها  منبراً لمهاترات طفولية تتحكم فيها طموحات ذاتية تسعى لأمجاد  خيالية ... رحم الله الزعيم غير المسيحي والقائل " الرحمة فوق العدل "  والذي دفع حياته ثمناً لمبادئه وعلى يد من غفر لهم ومنحهم حباً وجاهاً ( المحبة والغفران والعطاء ) . لا غرابة في ذلك وهو إبن الرافدين مربع الكلدانية والمسيحية الحقة .

  ألكرة الآن في ملعب الحبر الأعظم ( ألبابا ) ... أرفع صلاتي وأتضرع للرب أن يكون في عونه وأن يتجاوز الموقف المعقد والشائك الذي وضعه فيه رعاتنا الأفاضل .... ما هي السيناريوهات المحتملة ؟ هل سيقف مع الشرعية ويدعم البطريريكية ؟ ... هل سيراعي ظروف الخارجين عن القانون الكنسي ويسند الأبرشية ؟ ... لن يكون أي من الحلين مناسباً وأشك أن يتم اختيار أحدهما لحساسية العلاقة بين الطرفين والتي هي  حتماً غير خافية على المؤسسة الفاتيكانية ، إضافة إلى أن اختيار أي منهما سيزيد الجروح إيلاماً ، ولن يكون ذلك في مصلحة القيادة الكاثوليكية .. أغلب الظن أن هنالك حل توافقي يرضي كافة الأطراف إلى حد ما .... والحكمة أن يدعى القطبان إلى حاضرة الفاتيكان لتنقية القلوب وتصفية الأجواء حتى ولو ظاهرياً ، ويتفق على عودة الكهنة والرهبان المعنيين إلى أرض الوطن لمدة محددة على أن يعود من يرغب بذلك إلى كنيسته التي يخدمها الآن  ... كل الحلول بهذا الإتجاه مقبولة وعلى الرحب والسعة .. ألمهم أن لا يضع البابا القانون على البغل والذي لا يمكن أن يتحمله إطلاقاً بل سيؤدي إلى شرخ كبير في جسده يتعذر  بل قد يستحيل التئامه ... وللحديث صلة ... 

 

18

" رفقاً بالرعية " يا إعلام البطريركية ويا موقع كلدايا نت
د . صباح قيّا
ما أجمل الأسشهاد بما سطره العظام على مر العصور ، ومقولة  البابا الراحل يوحنا الثالث والعشرون ( 1958 - 1963  ) : "  ألتاريخ هو معلم الحياة  " لم تكن اعتباطية ....  أتذكر جيداً ما تسمى بحرب الأيام الستة من حزيران عام 1967 وكيف تساقطت  أمة المائة مليون آنذاك أمام دويلة مساحتها أصغر من أية ولاية كندية ونفوس ساكنيها أقل من نصف ساكني بغداد .... كنت في المرحلة الجامعية والإمتحانات النهائية قائمة في تلك الفترة ، ورغم ذلك أحال الطلبة ، بضجيجهم وجدلهم المتواصل ،  نادي كلية طب بغداد الجديد والواسع إلى ساحة حركات ومسرح للعمليات . كل طالب  يخطط ويقود على سجاه ... ثم خاب ظن الجميع بسبب قيادات  ساهمت بشكل كبير في إذلال شعوبها نتيجة لضعف  في تقدير الموقف ... يتكرر المشهد بين فترة وأخرى رغم اختلاف الأحداث وتغير الأشخاص ... ويظل الخلل في تقدير الموقف محور معظم  بل جميع الإخفاقات في شتى مجالات الحياة ...
قطعت عهداً على نفسي أن لا أحشرها في الشأن الكنسي قدر الإمكان بعد مناقشة عابرة مع احد آبائنا الكلدان . عزمت قبلها أن اكتب حول بعض المظاهر الخاصة بعلاقات رجال الكنيسة مع بعضهم ... لا غرابة أن يشكك طبيب بإجراءات زميله ، أو أن يسئ صاحب مطعم لسمعة قرينه ، أو أن تغار أم من تحصيل إبن قريبتها ... ومثل هذه الممارسات وغيرها  شائعة  بين شرائح المجتمع المختلفة  ... تعودت عليها ولن تثير اهتمامي ... ولكن ، وللأسف الشديد ، لم ألمس تقييما إيجابياً من كاهن لأخيه في الإيمان ، ولا أبالغ إن قلت ، وبصورة عامة ، ان العكس هو الصحيح .. أي ما معناه أن البعض من آباء الكنيسة يستمتع عند سماعه ما يقلل بطريقة أو بأخرى من مقام البعض الآخر ... ظهرت علامات الإمتعاض على الأب الفاضل وألح عليّ أن أتغاضى عن الموضوع وأن لا أخوض في خصوصيات العائلة الكنسية إطلاقاً لأن " الشق " ،  حسب تعبيره ، أوسع بكثير من تصوري ، وما الظاهر إلا حيص بيص من المخفي الذي هو أعظم . زادت كلماته من معاناتي ووعدته حسب رغبته .
مرت الأيام وبدأت المياه الآسنة تطفو على  السطح . لا أريد أن أغوص في حيثيات الموضوع ... ولكن ما يدعو للأسف ويثير الشفقة هي ردود فعل عدد من حملة القلم بين مؤيد ومادح  لهذا الطرف ومعارض  وجارح للطرف الآخر . فبدل أن يزيلوا الأشنات ويفتحوا قنوات لتصريف تلك المياه الراكدة وتصفيتها ، أضافوا اليها المزيد من الأعشاب الصفراء والحلزونات الموبوءة . فأطلقوا لأقلامهم العنان تكتب ما تشاء بدون حدود بحجة حرية التعبير والرأي وتناسوا أن للكتابة حدود كما أن للتعري ،  وما ينطق به اللسان ، ولإلتهام الطعام  حدود ... فلكل شأن في الحياة حدود يفرضها العقل السليم على صاحبه  وتتحكم فيها قوانين المجتمع والطبيعة .... تذكرت سذاجة زملائي الطلبة وحماسهم  في إدارة دفة الحرب أعلاه رغم جهلهم بأبسط مبادئها ... والأنكى من ذلك أن تنشر تلك الآراء في موقع أفهم من عنوانه , من نحن ،  بانه يتحفظ عن نشر ما يسئ ويجرح .. ولا أعلم كيف يعرّف هذا الموقع الإساءة والتجريح ؟ وبعض مقالاته تجرحني وتسئ لي عن بعد  ، فكيف عن شعور المعني شخصياً  ؟ . وبالمقابل أقرأ إعلاما صادراً من أعلى موقع كلداني  يصف أسقفاً بالمخادع ، ولا أدري  متى ستقطع السلسلة غير الموفقة من إعلامه ؟ ....
يحضرني وأنا أتابع ما  يجري من رد وبدل بين أنصار القطبين   ما قاله رئيس جمهورية مصر المقتول حينما سئل عن رأيه بالحرب العراقية –الإيرانية ، بأنها صراع شخصي بين إثنين فقط .  ليس المهم اليوم إن كان ذلك صحيحاً أم لا ، فلقد أصبحت تاريخاً مؤلماً بعد أن دفع الشعبان ثمن سوء تقدير الموقف من قبل رأس قيادة كل جانب ... قناعتي بأن ما يدور حالياً داخل البيت الكنسي الكلداني هو أيضاً أساسه  صراع شخصي بين قطبين ولن أحيد إطلاقاً عن هذه الحقيقة مهما كانت تبريرات وحجج كل جانب ... لا أعتقد بأني أمتلك الحق في تذكيرهما بأركان المسيحية الأساسية : المحبة والغفران والعطاء ، وأن الزوغان عن أي منها يؤدي بدون شك الى حلول كارثة مدمرة بين أفراد الرعية يتعذر معرفة مديات وحجم  تأثيرها  . تعلمت من مهنتي أن أشخص الداء من خلال الأعراض المرضية والمظاهر السريرية ، وان أصف العلاج الفعال استناداً لذلك التشخيص .... فالعلة هي المواقف الشخصية ، رغم أني لن أرضى لنفسي اتهام الأول وتبرئة الثاني أوبالعكس ، والدواء يكمن في العودة الى ممارسة الأركان الثلاثة أعلاه ووضعها موضع التنفيذ الفوري قبل أن يصبح المرض عضالاً ، وحينها لن يفيد الندم .
لا بد قبل أن اختم موضوعي أن أشير لرسالة الحبر الأعظم الموجهة لرأس القيادة العراقية يحثه فيها على الإنسحاب من دولة شرعية وتجنيب الشعب العراقي المغلوب على أمره نكبة محققة .. وأيضاً نتيجة قصر النظر في تقدير الموقف ، ألحق التحالف الدولي هزيمة نكراء بجيش المليون وتتابعت الويلات على الشعب المسكين ...  رغم أني قد لا أستحق أن أكون ضمن حاشية  البابا الراحل  ، وحاشى أن يكون أي من القطبين العملاقين رأس الهرم في القيادة العراقية .. ولكن ذلك لا يمنع الإستفادة من أحداث الماضي  والحذر من تكرار أخطاء مماثلة ربما  تنجم عنها عواقب وخيمة  .... ألتمس ، رفقاً بالرعية , موقفاً جريئاً وشجاعاً من البطريركية الموقرة أن تغض النظر مرحلياً عن الملاحقة القانونية الكنسية لمن لم يراعي التقيد بنظام ودستور الكهنوت أو الرهبنة  لظروف معينة ، على أن تسري الإجراءات القانونية مباشرة على من يحذو لاحقا حذو من سبقه في نفس المضمار .... كما ألتمس ، رفقاً بالرعية أيضاً ، من موقع كلدايا الأغر أن يمتنع عن نشر كل ما يسئ بشكل أو آخر لأي من رعاة الكنيسة مهما كان موقعه في السلم الكهنوتي وخاصة  من يقف أعلى السلم وظيفياً .... حتماً سيزيل ذلك قلق المؤمنين في المهجر ً ، ويخفف إلى حد ما من معاناة المهجرين في  أرض الأجداد .
أسفاً لمن يطالع التاريخ                       ومن دروسه لا يتعلم

19

محنة الثقافة في بلاد المهجر

د . صباح قيّا                 

ممكن القول ، بصورة عامة ،  بأن حجم المعلوماتية العامة أوسع عند المواطن العراقي مقارنة بقرينه من بلاد الغرب . قد يكون البعض  ناجما عن المناهج الدراسية ، والبعض الآخر بسبب طبيعة الفرد في ميله للتزود بكل ما من شأنه أن  يساهم في إشباع رغبته بالمعرفة والتي تمكنه من المشاركة بالأمور الحياتية من جوانب متعددة . وقد ظهر ذلك جليّا في حديثي مع زميلة لي في العمل من أصول فليبينية حيث أبدت استغرابها وتعجبها لذكري مفردات بسيطة عن بلدها وأحوال الساكنين فيه ، وأكدت ، من خلال اختلاطها وتجربتها في بلاد المهجر ، بأنها من النادر أن تصادف من يعرف موقع موطنها الأصلي وعاصمته ، فكيف بتفاصيل الديانة السائدة والمستوى المعاشي هناك .... نعم .. ما يثير اهتمام المواطن الغربي مصالحه وكيفية تحقيق طموحاته الذاتية والسبل التي تؤمن له حياة رغيدة ، وتظل معرفته عن أية دولة ما بقدر تأثير أحداثها على مصالح دولته وأمنها الأقتصادي والسياسي والعسكري , والذي يلعب الإعلام دوراً رائدا ً في تعميق مفاهيمه سلباً أم إيجابا.
ما يدعو للقلق في الوقت الحاضر هو انحسار الولع الثقافي عند الأجيال المتعاقبة في أرض الشتات ، وهيمنة التطلعات   المادية اللامحدودة أحياناً ،  والسعي الدؤوب لتأمين المتطلبات الشخصية والعائلية عند غالبية المهاجرين ، مما يجعل فقر التثقيف الذاتي والعزوف عن حضور النشاطات التعليمية المتنوعة  ظاهرة مميزة  .  ولا غرابة أن نصل يوما ما إلى مرحلة يعزف فيها القلم عن الخوض في مواضيع ذات الإهتمام الشامل أو المشترك خارج دائرة الكسب الشخصي  ،  وتنحصر الكتابة في حيز ضيق يسدد خدمة نفعية لصاحبه وشركائه فقط .... فكما أختفت في الأمس القريب نتاجات مهجرية أبدع في خلقها جبران ونعيمة وأبو ماضي وغيرهم  ، فأيضا ستزول تدريجياً كتابات الجيل الحالي وما يليه ولن نجد من يقرأ أو يكتب بعدئذ ما من شأنه توسيع مدارك الفرد وصقله بالنفائس الثمينة من علوم وآداب .
من  المهم الوصول إلى القمة ، ولكن الأهم الصمود  فيها ...  ذلك  أحد مبادئ الحرب الثابتة .. بل بالأحرى مبدأ حياتي أساسي في سعي الأنسان لتحقيق هدفه ولنيل مبتغاه . وفي خضم الصراع بين الخلفية الثقافية لمهاجر اليوم والغد مع البؤس الثقافي لجيل مهاجري الأمس وما قبله ، برزت الرغبة في تأسيس كيان ثقافي كخطوة جريئة لنقل الموهبة الثقافية من عرين الأجداد إلى بقعة محددة من بلاد الغربة ... تم تسميته " ألصالون الثقافي الكلداني " تيمّنا بصالون العلامة الأب أنستاس الكرملي . سيمد الصالون ذراعه لكافة التنظيمات الثقافية في عموم كندا خاصة وأمريكا الشمالية عامة كي تتوحد الجهود ويثمر عنها " ألإتحاد الثقافي المسيحي " ....   
ألقيت القصيدة أدناه عند افتتاح النشاط الثقافي للصالون وفي باكورة نتاجه الأول " مهرجان الأدب والفن " . 
قصيدة أهلاً بالحضور
د. صباح قيّا 
أهلاً بهذا الحضورِ من جمعنا الواعي                منه نستقي الرأيَ وجوهرَ الإبداعِ
لولاكمُ لما صار لفعلنا شأنٌ                                     ولا تعانقت أوراقُنا بيراعِ
 حتى الكلماتُ لا تسمعْ لها أذُنٌ                        ولا العيونُ تبصرُ روعةَ الإشعاعِ
ولا الحناجرُ تشدو لحنَ شاعرِها                           أو أناملٌ تعزفُ أعذبَ الإيقاعِ
ولا الأنوفُ تشُمُّ عِبقَ أُلْفَتِنا                                أو لسانٌ يذوقُ حلاوةَ الأطباعِ
هوذا الكلدانيُّ صالونٌ تزهو به                                 ثقافةٌ للفكرِ وجهٌ بلا قناعِ
يتخطّى سُبُلَ الصعابِ مجاهداً                            أن يدْرَءَ المهاجرُ شبحَ الضَياعِ
مهدُ الحضاراتِ عراقُنا إلهامُهُ                      تهفو له النفسُ رغمَ نكْباتِ الصراعِ
قد الفناها زماناً غابرً تشريداً                               وذبحاً ليومنا هذا بلا انقطاعِ
لنْ يرضخَ الإيمانُ لغزوةِ آفةٍ                        تحصدُ الأجسادَ بأسْمِ ربٍ واشتراعِ
فإيمانُنا صخرةٌ لنْ تقوى عليها                          أحكامُ الخلافةِ وأسيافُ الرعاعِ
إسألوا الأسبانَ كيف عادوا لديارٍ                       أوى المنفى بنيها لقرونٍ سَباعِ
واقرأوا التاريخَ عن كنيسةٍ منحتْ                    على دربِ الشهادةِ قطعاناً وراعِ
غدرَ الفرسُ بها وملوكٌ أغرقوأ                     الأرضَ دماءً في اضطهاداتٍ تِباعِ
وباسمِ الفتحِ غزا من يدعو بالسيفِ                       لدينٍ فيه القتلُ بآياتٍ مشاعِ
لم يسلم الإيمانُ من تتارٍ أحرقوا                  مجدَ منْ يرفضُ الكيلَ لصاعٍ بصاعِ
صورةُ الأمسِ تعودُ اليومَ هلْ نصدّقْ               لو في الشاشةِ خلناها أفلامَ خداعِ
هي الحقيقةُ سراجٌ على جبَلٍ                         كيف يُخفى والعلمُ تشعّبُ الأنواعِ
عذراً إن أحزنتكم بعضٌ من كلماتي                 فالحزنُ لشعبٍ تاهَ في تلك البقاعِ
عشقَ الجذورَ فهالهُ أن يهجرَ                    الأجدادَ لو للأمنِ بصيصٌ من شعاعِ
له مني ومنكم إحناءةُ هامةٍ                           فطوبى للمطرودين بِرّاً والجياعِ
وطوبى لبطنٍ حملتْ سهلَ نينوى                    وطوبى لمن للعدلِ والسلامِ ساعِ
سيظلُّ إسمُ المسيحِ في القلبِ خِفقاً               مهما الزمانُ قسى بموكبِ الأتباعِ
هيَ العقيدةُ محبةٌ في صُلبها                           وبشارةٌ تُغني العقولَ باقتناعِ
ومغفرةٌ لمنْ أغارَ بأهلها                             فالسيفُ هالكُ من يأتيهَ للقلاعِ
وصلاةٌ علّها تَهدي منْ يُكَبّرُ                      اللهَ ويقطعُ الرأسَ كالعبدِ المَطاعِ
ُأنا هو الطريقُ والحقُّ والحياةُ                      لهُ منْ نرفعُ الصليبَ بلا نزاعِ
هذي الرسالةُ من صالونٍ يُزَيّنُ                  بِشْرُ النفوسِ رَحْبَهُ أوّلَ اجتماعِ
فتحيةً لمنْ حملَ الثقافةَ                                 مِشعلاً وشدَّ ذراعنا بذراعِ
نلقاهُ على حُبِّ المعارفِ مرةً                    كلَّ شهرٍ أغلى ما نملكُ منْ مَتاعِ
               

20
سرطان الفكر.. هل من علاج ( 2 ) ؟
د. صباح قيّا       
قبل عقد من الزمان ، وصلت مع عائلتي المملكة المتحدة . شاءت الصدف أن نشتري جهاز الحاسوب من محل صاحبه من أصول باكستانية ، والذي كمعظم  القادمين من تلك الديار لا بد أن يسأل عن أصلنا وفصلنا ، متى وصلنا وما هو عملنا ، وأسئلة متعددة أخرى  تشبع عنده رغبة الفضول من جهة ، وتوهمه بأنها  احدى الأساليب الناجحة لكسب الزبائن من جهة أخرى . ورغم المصلوب على الصليب البارز على صدر زوجتي إلا أنه يخاطبنا وكأننا من دينه ما دمنا ننتمي إلى بلاد الرافدين العزيزة .... لم نكترث لأسئلته الشخصية ولا لأعتقاده فينا إطلاقاً حيث كما يقال " أخذناه على كد عقله " . ثم تغير منحى حديثه متهماً الأنكليز بأنهم يضطهدوهم ويخططون لتدميرهم ونحن معهم باعتبارنا من ملّته ، وعلينا أن نتكاتف ونتحد ونعمل بحذر لنفشل  نواياهم ونحافظ على إيماننا ... سألته : هل كنت في باكستان تملك محلاً كهذا وهل حالتك المادية كما هي الآن ؟ ... هل كنت تملك منزلا كالذي تسكنه هنا ؟ ...  عدد من اولادك أكمل الجامعة والبقية  ستنهيها  لاحقاً ، فهل أوصد أحد طريق مستقبلهم ؟ ....  أنت تذهب للجامع وتمارس شعائرك الدينية بحرية تامة ، فهل من اعترض سبيلك ؟ ... أين يا أخي الأضطهاد والتدمير ؟ ... إنه فقط في عقلك المريض وعقل أمثالك .. تفتح لكم الدول أبوابها وتنقذكم من عذاب بلدانكم و تنقلكم من حياة البؤس والعبودية إلى أجواء النعيم والرفاهية ، ورغم ذلك تضمرون لها  الحقد والكراهية ولكل من لا يسير على خطى الآيات القرانية .... بدل أن تعلموا أطفالكم المحبة والعيش بسلام مع بني الإنسان رغم تباين الإيمان ، تلقنونهم الضغينة وتزرعون في قلوبهم روح العداوة والنكران .. حتما سينشأ جيل وربما تعقبه أجيال مشبعة بمنهج  الغدر والعدوان ، تسلب وتسبي .. تذبح وتقتل باسم ما جاء في كتاب القرآن .. إنه فكر يصيب حامله كالسرطان .. لو ترك من دون علاج سينتشر إلى كل البلدان ويقضي على إبداعات العقل في كل مكان ولأيّ زمان .
من السذاجة الأعتقاد بأن  الحركات الأسلامية المتطرفة تغسل دماغ اتباعها بغية القيام بمثل تلك الأعمال غير الإنسانية وتحت راية " الله أكبر . بل على العكس .. ينفذون ما يناط اليهم بقناعة تامة واندفاع يدل على عمق إيمانهم بما هم فاعلين... كيف للواعي أن يصدق بأن غسيل الدماغ يصيب مهناً متعددة من أطباء ومهندسين وعلماء وأدباء  ... ذكوراً وإناثاً بأعمار متباينة .. أقواماً من بلدان شتى   .. جنسيات وأعراقاً متباعدة ... . إنه في حقيقة الأمر  فكر يستند إلى آيات يؤمن حاملوه  بأنها منزلة من خالق الكون ، والجنة من نصيب من يطبق هذا الفكر قولاً وعملاً . ومن العسير جداً القضاء على فكر يرتبط بالله . فالتاريخ يدلنا على افكار وفلسفات من صنع الأنسان غابت بعد انتعاش مرحلي وتوارت الى حد ما عن الوجود مثل الوجودية والفوضوية والمثالية وما شاكل وآخرها الماركسية ، ولكن لا يذكر لنا  عن فلسفة تتعلق بالأيمان بالله واندثرت عدا بعض  البدع الفرعية  التي ظهرت وحاربها الأصل مثل الخوارج وأيضاً الذين ألهوا الأمام علي   .. ورغم حد السيف ألذي أجبر الكثير من المسيحيين سابقاً  على اعتناق فلسفة دينية جديدة إلا أن المسيحية ظلت صامدة بعقيدتها وأهلها حتى هذا اليوم وستظل للآت من الزمان . ولا أزال عند قناعتي برفض " غسيل الدماغ " بين حتى القاتل باسم الله .. فإذا قبلت ذلك فيعني إذن  قبولي " غسيل الدماغ " بين المسيحيين الأوائل الذين من شدة إيمانهم صاروا طعماً للاسود .. لا بد النظر لما يجري الآن بموضوعية وعدم الأنزلاق خلف العاطفة ومعالجة هذا الداء الفكري بعقلانية بغية إيجاد أفضل السبل للحد من انتشاره على أقل تقدير .
بصراحة وبدون مجاملة أو إساءة لأي كان .. يمكن القول بأن  " داعش" هي الأسلام الحقيقي  .. فما يحدث الآن هو امتداد لما حصل في بداية الدعوة الأسلامية وخلال غزواتها . أنتشر الدين بحد السيف وعلى منهاج " أسلم تسلم " .... ولكن مضى ذلك الزمان ولا بد اليوم من التفريق بين " مفهوم الأسلام " الذي كتبه التاريخ وتعيده " داعش " للأسف الشديد ، وبن المسلمين الذين تشعبوا إلى فرق ومذاهب واتجاهات متقاربة في بعضها ومتباعدة في بعضها الآخر . منها لا يزال  يتقبل " إسلام أيام زمان " ، وأخرى ترفضه بل بعضها اجتهد لتعزيز رفضه . وبصراحة أكثر .. استطاع الشيعة من خلال منهج  " الأجتهاد "  أن يقتربوا كثيراً من الواقع بتغييرهم مفاهيم كثيرة  ، وأن  يبتعدوا نوعاً ما عن " مفهوم الأسلام " كما كان .. كما أن  " المرجعية "  وقاعدة  " تقليد الأعلم "  أوجدت  في الوسط الشيعي نوعا من النظام والأنضباط  وحالت دون ظهور البدع  والأفكار الشاذة ... وكما هو معلوم أن لفتوى " المرجعية " تأثير كبير للالتزام والتقيد بمضمونها . ومن النادر أن تظهر  " فتوى " ذات تأثير سلبي على المجتمع بكامله أو على بعض أطيافه . وقد يكون لذلك علاقة بما قيل " مات عليٌ مسيحياً " . ولا أبالغ في الرأي بأن الشيعي يقترب من جوهر المسيحية عند تعمقه في مذهبه . وقد عرف الخليفة عمر بن الخطاب رغم كونه مقرباً من السنة  بالعادل لأنه اجتهد كثيراً مع النصوص وخاصة المحمدية منها فلذلك تميزت خلافته بالكثير من المآثر والخصال الأنسانية .
يفتقر السنة منهج " الأجتهاد " .. ويصرون على ان " لا اجتهاد مع النص " ... يمجدون الفترة المحمدية وغزواتها التدميرية ، ويعظمون  عهد الخلفاء وعدالة حكم الخلافة حسب اعتقادهم ، أمنيتهم العودة لذلك الزمان . فلا غرابة أن يظهر منهم وبينهم " داعش " و " القاعدة "  و " النصرة " وما شاكل .. كلها تمارس أبشع أنواع ألقهر والتسلط في سبيل الله ... تلتزم بالنص الوارد في آيات القتل والدمار دون الأخذ بنظر الأعتبار تطور الكون  واختلاف الظرف والمكان . تبشر بهذا الفكر وتدعو له  .. تبقى النتيجة واحدة .. وهي امتداده  لمسافات شاسعة وبين جماعات تزداد عدداً وبسرعة غير معهودة ... كانت القاعدة فقط .. واليوم " داعش " ومن يدور  في فلكيهما .. وفي الغد تتفرع كالأخطبوط وتزحف إلى كل مكان إن ترك الفكر كما هو الآن ... متى يستفيق العالم المتحضر ويضيق قليلاً على حرية الأنسان ؟  .. ليبحث عن الخلايا النائمة التي تعمل بصمت  وفي الخفاء .. والتي تبشر للتعصب والتطرف ، ثم العنف والأرهاب ... متى تحدد من لهجة  خطباء الجوامع والمساجد وتفرض عليهم الألتزام بألأحكام السلمية لكتاب القران والأبتعاد عن كل ما يغرس بذور العنف والدمار ، وليعلموا الأجيال كيف تتأقلم وتتكيف وتتعايش بألفة ومودة في كل مكان وزمان ؟ .... فالمهجر تربة خصبة لنمو مثل هذا  الفكر  وتصديره ،  والظاهر أن ذلك يسر قيادته المذهبية التي التزمت وتلتزم الصمت ، ولم يصدر منها ولا اعلم متى يصدر منها موقف جديً وعكسي ً تجاه ما يجري عل  الساحة ... وللأسف الشديد أن السني  يغدو ارهابياً عند تعمقه في مذهبه .. فمن سيعالج ذلك ؟ .... 


21
سرطان الفكر... هل من علاج ؟
د . صباح قيّا              
زارني في عيادتي ببغداد مريض عراقي من أصول ارمنية عاد لتوه من زيارة لأقربائه في دولة أرمينيا بعد سقوط المعسكر الإشتراكي . سألته بعد أن أنهيت المعاينة السريرية . كيف أحوال الأرمن هنالك ؟  بالتأكيد أنهم مسرورون بعد حصولهم على الإستقلال وحلم أرمينيا الكبرى غدى ضمن الممكن بعد أن كان شبه مستحيل . اجابني مبتسماً : دكتور ،  كما تعلم ,  أن  أهم عاملين يحددان سلوك الأنسان في المجتمع هما سلطة ألقانون وعمق الإيمان ، واستمر قائلاً : في السابق كان هنالك حكم يفرض الطاعة والإلتزام بصرامة وحزم ، فلذلك توفر النظام رغم ضعف الإيمان  . أما الآن فلا هذي ولا تلك.. فتصور واقع الحال وما آلت اليه الأمور .. بصراحة وللأسف الشديد هنالك فوضى . 

نعم .. شرائع الدول تتحكم بأبنائها ، وتعاليم الأديان بأتباعها ... يدافع المواطن عن بلده بقدر يتناسب مع قوة شعوره بالأنتماء ، ويتمسك بمعتقده بما ينسجم  مع شدة إلأيمان .. يتبادر الآن تساؤلي : أين موقع  الموجة الجديدة والتي يطلق عليها " داعش " بين ناموس البشر ورسالة السماء ؟  وفي أية مسافة  تقف ؟ لقد كتب عنها الكثير وفي كل لحظة تعيد علينا الأقلام ما سبق وأن قرأناه ونادراً بالخبر الجديد . قالوا عنهم : إرهابيين .. متطرفين متعصبين .. تكفيريين .. قتلة مجرمين .. أدمغة مغسولة لا ترحم ولا تلين .. بلا ذمة  ولا ضمير  .. أعداء  الله وأحفاد الشياطين .. والكثير الكثير من الصفات والنعوت التي تزيّن الفجار والفاسقين ومصاصي الدماء من السفاكين ، وعليهم اللعنة الى يوم الدين .. آمين .... برايي الشخصي تلك المزايا نابعة عن عواطف وردود فعل إنسانية  طبيعية الى حدٍ ما ، ولكنها ليست قريبة من التشخيص الفعلي لهذا الداء الفكري ،  والذي من دونه لا يمكن وصف العلاج اللازم لشفائه من جهة ، واتخاذ الاجراءات الوقائية للوقاية منه والحد من انتشاره من جهة  أخرى ... إنه سرطان فكري  يتوهم من يعتقد بسهولة استئصاله ..  لماذا ؟ عودة الى ما ذكر أعلاه عن ناموس البشر .. إنهم ينفذون ما يؤمرون به بدقة وقناعة .. إطاعتهم عمياء لتعليمات مرجعهم ويلتزمون بها شاكرين .. يذهبون للموت بجرأة ويقاومون حتى النهاية بشجاعة . كل من في صفوفهم  مقتنع تماماً بذلك ،  والحماس يلهب من يلتحق معهم .. أعمار متفاوتة ، أجناس  متنوعة ، لغات متعددة ، مهن ومواهب مختلفة ... طريقهم واحد وهدفهم واضح . لا يتردد أي منهم لنيل الشهادة ، وتتسارع الفتيات لدخول الجنة من خلالهم ... إنها سلوكيات  فكرية  فائقة الطبيعة ... والآن مع شريعة الله .. يخافون الله ويهابونه من خلال تطبقيهم لآياته حرفياً ... يقتلون حسبما يشاؤون إعلاءً لأسمه... يستقبلون الموت بفرح لينالوا ما وعدهم به في جنته . هكذا كانت البداية قبل 1400 سنة والتاريخ يعيد نفسه .. إنه الفكر ولن يدحر إلا بالفكر ، رغم أن  السيف قد يقضي على حامله .

من الذي يستطيع أن يواجه هذا السرطان الفكري ويهزمه بالحجة والمنطق ؟ أنا  ؟ كلا..   أنت ؟ كلا ... نحن ؟ كلا ....... " هم "  ؟ نعم .  " هم " من يتمكن على ذلك إن حقا أراد ... " هم " من قرأ ويتبع نفس الكتاب وصاحبه .. هم من تصل كلمته الى جموعه ... فبدل أن يردد على الجيل عظمة الأمة أيام زمان وعدالة الخليفة في كل مكان ... وبذلك يغرس عند الأطفال بذور العودة الى تلك الأيام بنفس الطريقة القديمة المبنية على القتل والدمار ، والأختيار بين دفع الجزية أو حد السيف او اعتناق الأسلام .. والذي بدوره يؤدي الى نمو التطرف والتعصب بدل الألتزام ، ومن ثم العنف والإرهاب بدل الوئام كما يحصل الآن .... وأيضا " هم " من  عليه أن يعلم الدين بآياته المكية السلمية ، ويتجاوز آيات المدينة الدموية بل يلغيها من منهاجه تماماً لكي يقطع الطريق عن حمل مثل هذا الفكر الهدام .... إنه صراع وحرب فكرية بين من يقوم  بتنفيذ  ما جاء في آيات المدينة حالياً  وبين من يؤمن بنفس الدين ويتحتم عليه رفضها إن حقاً يرغب بالأنتصار .... فإن لم يتجرأ على ذلك يبقى الكلام المعسول عن هذا الدين بأنه يدعو للمحبة والسلام  مجرد كلمات يستهلكها قائلها قبل غيره ... ولا يمكن إنكار من أفلح بالأبتعاد عن تلك الآيات بإدخاله مبدا " ألأجتهاد " والذي خفف كثيراً من تأثيرها على أتباعه ... وللأسف الشديد لا يأخذ بمبدأ " ألإجتهاد " الكثير من المذاهب  وهي نفسها التي يتحول أصحابها الى سيوف حادة بسبب التقيد بالنص الحرفي رغم تغير الوقت والظرف .

 لا تخلو المسيحية من التقيد بالنصوص حرفياً ... وهنالك من يعيش في هذا القرن بالطريقة التي كان  يعيشها المسيح ورسله .. حياة بسيطة في الملبس والمأكل..  يعتمد على إبداعاته الذاتية ويرفض منتوجات العصر .. ولكن لا يختلف في الجوهر عن من يواكب العصر بإيمانه ... ألكل يبشر بالمحبة ويدعو للسلام .. إنه فكر الإيمان المسيحي ألذي يرفض العنف ويؤمن بأن " من ياتي بالسيف به يهلك ... جوهر الإسلام كما ذكر أعلاه .. ولكي يبتعد المسلم عن من يجاهر اليوم بجوهره كما جاء قديماً وعن من يدعو لتطبيقه و تنفيذه  كما تم سابقاً عليه أن يجابه بالقول وبالفعل هذا الفكر وإلا فهو ضمناً متضامن معه وإن لم ينتمي  .ً

لا بد أن اذكر أنه في بداية الحرب العراقية – الأيرانية وأنا في المستشفى مع بعض الزملاء نستمع مساءً الى بيان القيادة العامة للقوات المسلحة . كان بيننا أحد الزملاء ممن حصل على شهادة الأختصاص في جراحة الكسور والعظام  من المملكة المتحدة يحسب القتلى من الطرفين حسب البيان ثم يردد مباشرة بأسف وحزن المجموع يعقبه "  نقص من  أمة ألأسلام  " ، مثلاً  20 قتيل من الجانب الإيراني و 10 شهداء من قواتنا  ولسان حاله يقول :  نقص 30 من امة الإسلام .... ماذا سيولد عن هذا الفكر ؟ وما هي الأجواء التي ستترعرع فيها فلذات أكباده ...  فحتماً مثل هذا الفكر يجعل الأيمان نقمة لا نعمة ... أجتنبوه ولا تمارسوه فالحل أنتم لا نحن ... والعلاج الشافي عندكم وليس عندنا .. أنه دينكم واجبكم  أن تشذبوه ... فمن على استعداد للموت كقنبلة موقوتة , لا يهمه الموت بأية وسيلة أخرى ... هذا ما يجب أن تمنعوه .. ولن يتحقق الا بتغذية الفكر ثقافة التعايش السلمي وقبول الطرف الآخر ...

22
مُناداة......مَنْ أنادي
   د. صباح قيّا
هنالك مثلٌ عراقيٌ شائع ومعروف منذ القدم ولا يزال يستخدم لحد الآن ، ولا أعتقد أن من سكن بغداد لا يعرفه , ألا وهو : إذا كانت لك شغلة عند الكلب سميه " حجي جليب " . وذلك لكي يحقق لنا  " الحجي البشري المزيّف " ما نبتغيه ، أي بالعربية الدارجة " يسويلك الشغلة " . ذلك ما كنت أوصي به من يصل بريطانيا من زملائي عند لقائي به أبان فترة دراستي خلال الربع الأخير من سبعينات القرن الماضي . ولكن بطريقة معكوسة ... أي يطلق البريطاني على أي واحد منا " حجي  جليب " عندما يشعر بامكانية خدمة مصلحة بريطانيا , عند العمل في مؤسساتهم الصحية ،   ولو بشعرة واحدة أكثر من غيرنا ،  .. إذن مصلحة بريطانيا فوق الجميع ... وليس هنالك أي تفضيل بسبب الدين أو المذهب وما شاكل .. بل نحن بنظرهم أجانب شرق أوسطيين ولتكن عقائدنا وأفكارنا  ما تكن ... ألمهم الأستفادة القصوى من خدماتنا بما يتلاءم مع الخطط الكفيلة ببقاء بريطانيا دولة عظمى أو متطورة على أقل تقدير.  ...   
مرت السنون ... وأنا في عيادتي الخاصة ببغداد ، والعراق ما يزال داخل الكويت والتهديدات بهجوم دولي مرتقب وشيك على أشدها والكل يترقب بقلق وشجون ، جاءني  أحد أقرباء والدي ( من أبناء العمومة )  ،  يودعني  قبل سفره مهاجراً الى الولايات المتحدة الأمريكية . سألته ، لمعرفتي مسبقاً بخبرته السياسية ، عمو: ما هو رأيك بما يجري ؟ أجابني بثقة : تعرف عمك جيداً .. لا علاقة له بالدين أو الكنيسة أو الله .. قضى معظم سنين حياته متنقلاً بسبب مشاعره الوطنية من سجن الى آخر .. ما يحدث حاليا مخطط طويل الأمد لتدجين الإسلام ... تذكر ما قاله لك عمك ولا تنساه  ...... نعم قد يكون ذلك الحدس صحيحاً .. ولكن متى وكيف ؟ وكم من الضحايا ستسقط لحين تحقيق إسلام معتدل ... إسلام متحضر ... إسلام يتقبل الفكر الآخر... إسلام مسالم لا يصرخ متوعداًً بآياته الدموية ... إسلام بحق وحقيق على طريق المحبة والسلام .
 ما يهم ألعالم الغربي مصالحه وأمنه فقط ، ولتذهب بقية الأمم إلى حيث ... صبره طويل ولا يبالي لتحقيق هدفه لو ابيدت شعوب وملل ما دامت بعيدة عنه ... صبر وعمل سبعين عاماً ليسقط قطباً جباراً اصبح بين ليلة وضحاها نموراً من ورق ... أين الأحزاب الأممية الأوربية  التي كانت على  أوج عظمتها في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا ؟ ... أين حركات التحرر في العالم الثالث وخاصة في أمريكا اللاتينية  ؟ ... كم من البشر مات أو اختفى أو عذب حتى الرمق الأخير في غياهب السجون القاسية أو ضاع في الغابات والأدغال الوعرة  ؟ ... ولكن بعد كل هذا وذاك غدت تلك الدول عموماً كما يريدها الغرب المتحرر .... ستسقط داعش حتماً ... وستختفي كافة الحركات الدينية المتطرفة آجلاً أم عاجلاً ... ولكن بثمن باهض تدفعه الشعوب المغلوبة على أمرها ، وخاصة الأقليات المتواجدة في  ظل تلك الوحوش الكاسرة ... بدأنا الدفع من الآن .. ولكن متى يسدد الحساب ؟ هذا ما أخشاه ويقلقني ... فحتى يفيق العالم سيحصد الموت معظم النفوس ... ويا ربي سترك ... آمين . 


مُناداة......مَنْ أنادي
د. صباح قيّا
                                                     
دمعي على وطني الجريحِ بأهله يشقى
صفْوُهُ فرَّ طريداً زادَ مِنْ جُرحِهِ عُمقا
هامَ في سوحِ الضياعِ لا يبالي ما سيلقى
مِنْ صِعابٍ تجعلُ الإنسانَ رقّا   مَنْ أنادي

نحنُ مُذْ غدرنا الملكَ المُفَدّى في تناحرْ
نصطفي منْ يعتلينا ثمَّ نُلقيهِ خسائرْ
كمْ سحلنا كمْ قتلنا كمْ هتفنا لمُكابِرْ
لمْ نُميّزْْ بينَ بطاشٍ وغافِرْ    منْ أنادي

تلكُمُ الأخلاقُ عنْ أعرافِ ماضينا غريبه
نحنُ شعبٌ ألفَ العيشَ حبيباً وحبيبه
غمرتْ أطيافُهُ الأمسَ موداتٍ وطيبه
ما دهاها اليوم في شكٍ وريبه   منْ أنادي

منذُ ميلادِ الحضاراتِ على أرضي الجميله
ألُقتْ ريادةُ العرشِ بأقوامٍ أصيله
غدرتها ستُّ موجاتٍ أرادتها ذليله
قاومَ الأصلُ مفاهيماً بديله     منْ أنادي

نحنُ في سومرَ كتبناها حروفاً بديعه
وفي بابلَ شيّدنا ما تضاهيه الطبيعه
ومِنْ آشورَ أجبرنا الممالكَ أنْ تطيعَ
كيفَ للآثارِ تلكَ أنْ تضيعَ    منْ أنادي

ليسَ عيبٌ أنْ نعيدَ مجدَ ماضينا التليدَ
فمنَ الماضي دروسٌ ترفدُ العصرَ الجديدَ
خيرةُ الأقوامِ يوماً لشرورٍ لنْ تعيدَ
تتبنى للغدِ شعباً سعيدَ         منْ أنادي


نحنُ في التاريخِ لا ننسى إباداتِ المغولِ
أسكتوا مليونَ نفسٍ أحرقوا ذُخْرَ العقولِ
مزجوا الماءَ دماءً بصراخٍ وعويلِ
بزغَ الفجرُ فعدنا للأصولِ       منْ أنادي

سطوةُ الدهرِ علينا من غريبٍ وقريبِ
أصدقاءٌ في الحصادِ غرماءٌ في القلوبِ
أفرغوا ما في الكنوزِ ملؤوا كلَّ الجيوبِ
نقمةٌ حلّتْ على هذي الشعوبِ    منْ أنادي

جاءنا غزوٌ جديدًٌ أطلقوا إسمَهُ داعشْ
أعلنَ القتلَ حلالاً وهْوَ عنْ دينِهِ طائشْ
لحِقَتْهُ فتياتٌ لدمشقَ مِنْ مراكشْ
تبتغي الجنةَ مِنْ فعلِ الفواحِش   مَنْ أنادي

شنّوا الإبادةَ جمعاً باسمِ أحكامِ الخلافه
ألصقوا باللهِ فكراً يُظهرُ الربَ خُرافه
لو إلهٌ يبعثُ الدينَ آياتٍ سَيّافه
نُبشّرُ الكفرَ في كلِّ  مسافه    مَنْ أنادي

أيُّ دينٍ يحسبُ النحرَ مِنَ اللهِ رساله
أيُّ نفسٍ تقطعُ الرأسَ وتدعوهُ عداله
أيُّ خُلْدٍ يفتحُ البابَ لأرذالٍ حُثاله
تشتهي الغلمانَ والحورَ وصالَ    مَنْ انادي

شهدتْ بغدادُ منذُ البدءِ غزْواتٍ عديده
لمْ تكُنْ وقتاً كهذي قسوةُ البطشِ شديده
حتّى هولاكو أباحَ فترةً غيرِ مديده
عادتْ الأحوالُ آمالاً رشيده       مَنْ انادي

ما قيلَ منذُ ألفينِ قد غدى اليومَ حقيقه
طردوا السكانَ قسْراً سرقوا حتى الوثيقه
ذنبُهُمْ حملُ صليبٍ مجدُهُ ربُّ الخليقه
كمْ يدومُ جرمُ شُذّاذٍٍّ صفيقه    مَنْ أنادي

ما عهدناهُ حديثاً لم يكُنْ صُنْعَ بلادي
فبلادي وطأتها غربةٌ منَ الأعادي
لمْ تبايعها القفارُ لا ولا حتّى البوادي
تبّاً منْ زيّفَ كُنْيَةَ البغدادي    مَنْ أنادي

كمْ يظلُّ الجرحُ من دون علاجٍ وشفاءِ
فهْوَ لو باتَ طويلاً قادنا نحو الفناءِ
وطأةُ الأمراضِ أنْ تُترَكَ من غيرِ دواءِ
جُرحنا نزفُهُ فاقَ كلَّ داءِ      مَنْ انادي

أين الضميرُ هلِ العالمُ حقاً في سباتِ
أم لها يرقصُ سراً وهْوَ خِلٌّ للجناةِ
لمْ يطقْ جيشُ يديه صدَّ آلافِ الغزاةِ
تركَ الأرضَ وغابَ في الفلاةِ    مَنْ أنادي

غزَواتٌ  غزَواتٌ غزَواتٌ غزَواتُ
ثمَّ حرقٍ ودمارٍ وبالناسِ نكاياتُ
تُطربُ الغازيَ حيناً بعداً يطويها المماتُ
تُروى للأجيالِ عنها حكاياتُ    مَنْ أنادي

ملأَ الوهمُ عقولاً ظنّت الغزوَ ذكاءَ
ومع صبحٍ منيرٍ يكشفُ اللهُ الغباءَ
كيف تقوى أن تكيدَ سبعَ مليارٍ عداءَ
سيفيقُ الكونُ يرميها هباءَ      مَنْ أنادي

موجةُ الحقدِِ أتتنا بالغدِ حتماً سترحَلْ
إسألوا التاريخَ عنها يعلمُ ما قد سيحصَلْ
نكَباتٌ سابقاتٌ لم تكنْ من هذي أفضلْ
كلُّ منْ جاءَ بسيفٍ بهِ يُقتَلْ    مَنْ أنادي

ما نراهُ اليومَ حلماً أمْ علاماتِ النهايه
رؤيا يوحنا تشيرُ بابلَ هي البدايه
تقسمُ إلى ثلاثٍ إنها رمزُ الحكايه
ومليكٌ يحملُ السلمَ برايه     مَنْ أنادي



23
المنبر الحر / مناجاة... أينَ أنتِ
« في: 11:35 20/07/2014  »
مناجاة... أينَ أنتِ
د. صباح قيّا   
في المرحلة الثانية من دراستي في كلية طب بغداد  , كان يشارك غرفتي في القسم الداخلي أحد طلبة المرحلة الأولى من كلية طب الأسنان . كنت املك مذياعاً قديما يطلق عليه " راديو أبو الساعة " جلبته من البيت , و كان المذياع الأول الذي اشتراه المرحوم والدي ثم انتفت الحاجة اليه فأصبح ضمن ما موجود في الدار من " عتيك متيك " الى أن " كمركته " كما يقال ، رغم اضطراري لتأديبه أحيانا براحة يدي كي يستمر بالبث ولو مع بعض " الخرخشة " . شاءت الصدف ان أنهض صباح يوم بعد زميلي  الذي كان عند المغاسل المشتركة لطابقنا وسبق له أن فتح المذياع على غير عادته . أطفأته بعفوية . رأيت الغضب يتطاير من عينيه بعد عودته الى الغرفة وخاطبني بعصبية واضحة .. لماذا أطفأت الراديو ؟ أجبته : هل هنالك مشكلة.. أننا لم نتعود فتحه ونحن نتهيأ للذهاب الى الكلية . اصر بأني تعمدت ذلك حيث كانت فقرة تلاوة القرآن الصباحي . لم يعر اهتماما باعتذاري وكل محاولاتي لأقناعه بأن ما حدث لم يكن مقصوداً . فبدأ يكرر صارخاً بصوتٍ عالٍ  .. قتلك حلال ... قتلك حلال .. قتلك حلال ... وأنا انظر اليه مشدوهاً وقد عقدت المفاجأة لساني .. تسارع الطلبة الى غرفتي ... وعندما علموا بحقيقة الأمر لاقى منهم الإستهجان والملامة ’ حيث كانت الأفكار العلمانية والإتجاهات القومية هي السائدة آنذاك في الحرم الجامعي ولم تكن للحركات الدينية وحتى المعتدلة منها أي دور يذكر ...  اضطر زميلي بعد أن خذله أقرانه من نفس الدين وحتى نفس المذهب الى الإعتراف بتسرعه ... هذا مثال بسيط يجسد " ثقافة القتل " ... والتي قد تنضج أو تتلاشى بتأثير عوامل متعددة ومتشابكة ...المهم أنها ذابت عند شريك غرفتي وصرنا ولا نزال  أصدقاء متآخين .
مرت سنونٌ طويلة ... أطل على شعبنا المسلوب الإرادة الحصار الجائر .... كنت ألاحظ الأعمار الصغيرة واليافعة من أبناء منطقتي يتوجهون فرحين مبتسمين أيام الجمع لأداء الصلاة في الجامع الذي لا يبعد كثيراً عن داري .. لكن ، وللأسف الشديد، ينعكس المظهر حال خروجهم من الجامع .. أرى في وجوههم تعابير الحقد والكراهية والغضب .. أشعر من نظراتهم المخيفة بأن غريزة الخطيئة أقرب اليهم منها الى الشيطان . لا  غرابة في ذلك ما دام الخطيب يهدد ويتوعد ... أقتلوهم ... ألكفرة .. ألملحدين  ... ألصليبيين المشركين .. أعداء الله ورسوله .. أجركم عند الله عظيم .. ستفتح لكم أبواب الجنة  والنعيم ... هذا مثال آخر على " ثقافة القتل "  ... ولكن تأثيراته خطيرة وعواقبه وخيمة ... يعاد المشهد في كل خطبة وبانتظام .. أناس في عمر الزهور يغسل دماغها تدريجياً .. من العسير أن يتلاشى مثل هذا التطعيم ، بل حتما سينضج عند الكثيرين ... هذا ما حصل بالفعل ونحن شهوده ...
مارس الإنسان القتل منذ بدء الخليقة .. ألأخ قتل أخاه ضمن أول عائلة وردت في الكتاب المقدس ... أفراد العائلة الحاكمة يتخلص البعض منهم من البعض الآخر بخبث ووحشية طمعا في اعتلاء سدة الحكم . دولٌ اكتسحت أخرى .. أمبراطوريات أبادت مثيلاتها ... حروب ومطاحنات على مدار التاريخ ... ألأسباب متنوعة والحجج كثيرة ... يبقى الهدف واحدا .. ألدمار والقتل لمن لا يرضخ ..
ظهرت العذراء أمنا مرات عديدة ... لم تظهر لأيقاف الأقتتال والحد من الحروب وبغي الأنسان على أخيه الإنسان ... ظهرت تدعونا للتوبة والصلوات ... تباركنا للتشبث بالخالق ونلتصق بالإيمان ... ذلك هو طريق المحبة والسلام ... هل من يسمع ؟   



مناجاة... أينَ أنتِ
د. صباح قيّا                 
   
أماهُ مهما كتبتُ لنْ آتيكِ بالجديدِ
فما قيلَ قبلَ اليومِ لا يُجارى بالمزيدِ
شعبكِ في متاهاتِ الأرضِ يشقى كالعبيدِ
يا شفيعةَ الخَلْقِ أمَّ الوجودِ            أينِ أنتِ

نحنُ مِنْ أجلكِ للشهادةِ جمعُنا يمضي
مذ حملنا رايةَ الصَلْبِ نشرناها بومْضِ
نفخَ الشيطانُ ناراً كيْ علينا هو يقضي
ولهيبُ الشرِّ يشتدُّ ويلْظي            أينَ أنتِ

هَوَذا الكنائسُ صِرْحُها قد أمسى خرابا
أرعبوأ الكُهّان فيها وأذاقوهمْ عذابا
زيلتْ الصلبانُ عنها أشبعوا الناسَ حِرابا
يقرعُ الناقوسُ في حزنٍ سرابا      أينَ أنتِ

هلعٌ في كلِّ دارٍ أو معاناةُ مصائبْ
طفلةٌ تصرخُ ماءً ونساءٌ لا تُجاوبْ
ورجالُ الحيِّ ليلاً في عذاباتٍ تناوبْ
وسياطُ الذلِّ تُدمي كلَّ جانبْ        أينّ أنتِ

دخلوا دارَ العذارى واستباحوأ حُرُماتِهْ
قُصَّراً كُنَّ الصبايا تِلْكَ مِنْ صُلْبِ سِماتِهْ
أيُّ دينٍ يختلي الجسمَ المُسَجّى بِمماتِهْ
كيفَ يا العذراءُ نرضى بِزُناتِهْ      أينَ أنتِ

ما شادَ على الأرضِ سنيناً أفْنتْهُ دقائقْ
مَنْ سيحكي قصةَ الدينِ بتصويرِ الحقائقْ
لا بناءٌ لا رموزٌ لا ولا حتّى رقائقْ
أعدموأ تاريخَ مجدٍ بحرائقْ        أينَ أنتِ

نحنُ لا نقوى على قهرِ الغزاةِ بالمعاركْ
قد جَبَلْنا الدينَ سِلْماً رغمَ موجاتِ المهالكْ
كمْ شهيدٍ عانقَ الموتَ صليباً بهِ ماسِكْ
وحصادُ السيفِ قسّيسٌ وناسِكْ    أينَ أنتِ
لا نظُنُّ الغربَ عنّا في دِفاعٍ أو قتالِ
فَهْوَ لا يسْنُدُ ديناً لا يُجازيهِ بمالِ
دينُهُ الدولارُ حصراً ببديلٍ لا يبالي
لمْ يكُنْ قيصرُ مِنْ هذي الخصالِ   أينَ أنتِ

نحنُ لا نملُكُ غيرَ مجدِ الألهِ سلاحا
لمْ نُقاتِلْ برصاصٍ أو نبادلْهُمْ رماحا
كمْ رِقابٍ نُحِرَتْ جَهْراً فزادَتْها جراحا
دمُها السفيحُ يرويهِ سياحا       أينَ أنتِ

ذنبُنا أنَّ المسيحَ في ثنايانا يَشُِعُّ
إبنُكِ نالَ صليباً نحنُ للصلبانِ نَبْعُ
خدُّنا الأيمَنُ كالأيسرِ صَفْعاً لهُ يدعو
كمْ مِنَ الأديانِ للغفرانِ شَرْعُ    أينَ أنتِ

قبلَ ألفيْنِ مِنَ اليومِ تَعَمَّدْنا مسيحَ
جاءَنا توما الرسولُ دَلَّنا الدربَ الصحيحَ
ومعَ بغيَ الزمانَ أصبحَ الشعبُ شحيحَ
منْ يُداوي الوطنَ الأمَّ الجريحَ   أينَ أنتِ

قد هجرنا البلدَ الغالي بأسمالِ المتاعِ
بعضُنا لاقى نجاحاً والكثيرُ في ضَياعِ
تركَ الأبنُ أباهُ وتوارى في البقاعِ
قسوةُ العيْشِ وقلبٌ في صراعِ   أينَ أنتِ

يا تُرى هل نتركُ الأيمانَ أمْ نبقى عليْه
مَنْ سِوانا جابَهَ الليْثَ براحاتِ يديْهِ
وعويلُ الحقدِ للأجسادِ أنْ تُرمى إليْهِِ
مَجَّدَتْ والطُعْمُ يُلهي ساعِدَيْهِ    أينَ أنتِ

مريمُ العذراءُ يا أسمى النساءِ الطاهراتِ
قد ظهرتِ في زمانٍ ودعوتِ للصلاةِ
سنُصَلّي اليومَ حيّاً أمْ يُساقُ للمماتِ
وصدى التسبيحِ يدوي للخطاةِ   أينَ انتِ

نحنُ لا ننشُدُ أنْ نبصُرَ قِواماً بَهِيّا
صورةُ العذراءِ بالقلبِ وبالأفكارِ تحيا
كلُّ ما ندعوهُ رحماكِ لمَنْ صارَ شقِيّا
وغدى الجورُ على الدهرِ عتِيّا   أينَ أنتِ



24
عذراً لدجلة والفرات
د. صباح قيّا                                                                                                                      
في الربع الأخير من سبعينات القرن الماضي وخلال عملي كمقيم في إحدى مستشفيات بلد الضباب , اقتربت مني إحدى الطبيبات الإنكليزيات بعد أن قيل لها بأني من بلاد الرافدين .  بدت عليها ملامح الحزن والإمتعاض في آن واحد . بدأت كلامها بعد أن قدّمت نفسها قائلةً بانفعالٍ خجول : لماذا تطمرون الأهوار ؟ أنها من روائع الطبيعة .. سكنتها أقوام مختلفة وقامت على ضفافها حضارات متعددة ... يعتقد أنها جنة عدن على الأرض وشجرة آدم قريبة منها... ما جدوى بناء عمارات شاهقة وهي متوفرة في كل مكان وبالإمكان تشييدها في اية بقعة وزمان ؟ .. ولكن من أين لكم أن تأتوا ثانية بهذا الإرث الرائع الخلاب بعد أن تحولوه الى صرح عصري لا يختلف عن المنتشر في بقاع المعمورة . غادرتني برهة من الزمن لتعود   . The Marshes of Iraq بعدها مع كتاب " أهوار العراق "   
إستمرت تحدثني بحماس عن العديد من أهوار جنوب الوطن الحبيب وبتفاصيل أجهلها شخصياً . أشارت لبعض الكتب التي قرأتها وتحتفظ بمجموعة أخرى تعود اليها عند الضرورة . عقدت الدهشة لساني ، ولم يكن لي جواب يشفي غليلها ويخفف من مشاعرها المريرة . ليست لي أية معلومات عن مشاريع الدولة آنذاك وخططها المستقبلية بشأن الأهوار ... بعض ما أتذكره من دراستي أنها مصدر الأسماك والرز ، وأهلها يتنقلون بينها بواسطة ما يسمى " المشحوف " , وأن مرض البلهارزيا يستوطنها ، ولا يعتبر ذكورها رجالاً الا بعد أن يتلون إدرارهم باللون الأحمر الدامي .
ومرت السنون .. ما كان يعتقد أنها جنة عدن ، تحولت إلى جهنم على الأرض ... طُمر البعض  منها وغُيّر مسار البعض الآخر لآغراض تعبوية عسكرية هذه المرة ,  وانتهى التجديد الحضاري فوق الرفوف العالية .... إستبشر أهاليها منذ زمن قريب بعهد جديد حاول أن يعيد لها الحياة .. ولكن بناء السدود وتحويل سريان مصادر مياهها من قبل ثلاث من دول الجوار أفشل ذلك  .......
مسكينة " بنت العم سام " ستموت في حسرتها على أهوار الجنوب  إن كانت ما تزال على قيد الحياة ... ولكن كم من الأنام سيموت حسرة على ما آل وسيؤول اليه نهر دجلة وأخيه النهر المقدس " ألفرات " ؟ لننتظر والأيام حبلى بالأحداث ..
                                            *****************************************
عذراً لدجلة والفرات
د. صباح قيّا                         
أسفي لدجلة يستجديَ ماءَ                           تباً لمنْ سقيَ العراقَ دماءَ
وذا الفراتُ يبكي يومَهُ عطشاً                      فبدى بطولهِ رقعةً جرداءَ
يا بئسَ منْ سدَّ المنابعَ أصْلَها                وزاغَ عنْ مهدِ الحضارةِ أسماءَ

تلكَ المياهُ كمْ شِعرٍ ألُقَتْ بهِ                     وكمْ مُطربٍ صَدحَ لها غناءَ
وعاشقٍ ناجى الهزيعَ حبيبةً                     فخالَها في ليلةِ البدرِ حوراءَ
وصائدٍ جنتْ منَ الأسماكِ وزناً                   شِباكُهُ زادَ منْ مالِهِ رخاءَ
وغريقٍ لفَّ منْ وحْلِها كَفََناً                      قدَراً طالَهُ الحمامُ أمْ رِضاءَ
 وكمْ منَ الأقوامِ مدّتْ بساطَها            خصوبةُ الأرضِ كانتْ لها إغراءَ

روافدُ الخيرِ ضاقتْ غدرَ راعيها             فخطّت من القريضِ لهُ هجاءَ
مسكينةٌ خضرُ المروجِ تناثرتْ              مِنْ شدّةِ القَيْظِ أوراقُها صفراءَ
وعنْ ضفافِها قبائلٌ رحَلَتْ                   على أرضِ الشتاتِ ذاقتْهُ شقاءَ
وكمْ منَ الأشجارِ ماتتْ عروقُها                ومنَ الطيورِ هجرَتْها ظِماءَ

أينَ العيونُ لمْ تبصُرْ فواجِعَنا                   ولا الآذانُ تَرْنو لها سُمَعاءَ
فِعْلُ المروءَةِ غابَ عنْ مزاياهم                  فغَدى التآخيَ داءً لا دواءَ
تلكَ السِقامُ لا يدنو لها بَشرٌ                  إلا الذي ركَبَ الرؤوسَ غباءَ
  يا ويلَ منْ حسِبَ البلادَ لُعبةً                 عَبَثاً بأمرِها يلهو متى شاءَ

يا حسْرَتي لتاريخٍ مجدُهُ شطٌّ              منَ النهرينِ ماءٌ لمْ يبخلْ عطاءَ
يا ليتَهُ منْ دمْعِ السماءِ يُدامُ                  ونعمةُ الخالقِ لا تذهبْ هباءَ

عُذراً لدجلة والفرات كلاماً                    حَبَسْتُ لهُ دمعَ عينيَّ حياءَ
نظَمْتُهُ شعراً يُجَسّدُ داخلي                       أنَّ الفؤادَ يهفو لهُما وفاءَ         
*********************************************************

25
المنبر الحر / هيَ كبوة
« في: 09:45 28/06/2014  »
يبدو أن الثمرة قد أينعت الآن .. ولكن هل حان قطافها أم بعد ? .. وتكمن الخطورة في كلمة " بعد " ... كلا لم يحن قطافها الآن بل بعد .. بعد أن يتشتت كل الشعب وتتفتت  وحدة الوطن ... بعد مزيد من الدم يراق ...  وأفجع المآسي تحل على أرض العراق ... وأهله يتجرع مر المذاق .
لقد اختمر ما كان يحاك في دهاليز السياسة اللعينة وما خطط له دهاقنتها منذ زمن بعيد .... أن لا يبقى عراق ... ويظهر أن الوقت اليوم هو الأنسب لكي يتحقق هدف أن ينتهي العراق والذي طالما كان ولا يزال حلماً لدولٍ ثلاث ليس إلا... إنتقاماً لأحداث تاريخية  تسبق الميلاد في بعضها , وإلى وقت قريب لبعضها الآخر .
دول ثلاث لا تنسى , ولا تود أن تنسى , بل لم ولن تنسى إطلاقاً :
ألأولى : كيف تنسى سبي الإمبراطور الآشوري سنحاريب , وسبي الإمبراطور البابلي الكلداني نبو خذنصر , وحديثا الصواريخ التي زادت الطين بلة .
ألثانية : سقطت إسطورتهم على أرض الرافدين , واضطرت إتباع دين جديد , وبالأمس القريب أعلنت قبولها وقف القتال , رغم قناعتها أنَّ تجرّعَ السم أهون من هذا القرار  .
ألثالثة : لم تكن يوماً في الحسبان , شعبها اعتاش من صيد اللؤلؤ , كم توسلت قبلاً أن تلتحم مع الوطن الأصيل , حتى أنعم الله عليها بالذهب الأسود فصارت دويلة لها كيان . تصدر اليوم  أنواع المذلة والهوان كرد فعل لما لقيت نتيجة لسوء في تقدير الموقف .
نعم .. لن يغمض جفن هذا المثلث الرهيب حتى يمحى إسم العراق .
إستفيقوا أيها الرفاق .. إبدأوا العمل من أجل الوفاق .. قاوموا الشقاق ... إدرأوا عن أنفسكم بذور الحقد والنفاق .... و حافظوا على العراق ... رجاءً إهتفوا ليحيا العراق ....
هذه أبيات شعرية مني لكم عسى ولعل الضمير يستفاق ....                                 
هيَ كبوةٌ
                                                                                                                                                                    د. صباح قيّا
دولٌ لوحدةٍ تتقدم ُ                             وبلادي مذاهباً تنقسمُ
تلك اوربا كمْ حروبٍ شهدتْ             ومآسٍ يندى لذكرِها القلمُ
ورغمَ التناحرِ صاغتْ يومَها                أُطُراً لغدٍ لها تبتسمُ
هو ذا اتحادً  لملمَ شملَهم             بالأمس كان عداءً لا يرحمُ

أين الإخاءُ يا مَنْ لشيعتِكمْ                   مِنْ سنّتِكمْ ذريةٌ تنعمُ
وكذا السنيةُ مِنْ أبنائها                    عمرٌ مع العباسِ مُلتحمُ
وعلى الكنيسةِ صليبٌ بين                الجوامعِ شعاعٌ به النعمُ
ألف الوفاقَ وجمعُهُ مع                        الهلالِ وأهلِهٍ يترنّمُ

كفى قتلَ بعضِِكمُ لبعضٍ و                 لسانُكُمْ للأغرابِ يتّهمُ
قد ولّى زمانٌ تغزوا القبائلُ               جارَها وتسبي ثم تغتنمُ
أسفاً لمَنْ يُطالعُ التاريخَ                      ومِنْ دروسِهِ لايتعلّمُ

مهدُ الحضاراتِ هلْ حقاً غدِرَ            الزمانُ بهِ هَجرتْهُ الشِيَمُ
أمْ أنها غيمةٌ تطولُ به                      زمناً مِنْ بعدِهِ تتشرذَمُ
نعمْ هيَ كبوةٌ فلا الكلْديُّ            يرضخْ ولا الآشوريُ يستسلمُ
ولا الحسينُ يرضى سطوةَ الظلمِِ            أو الخطّابُ بهِ تتحكّمُ
وحتى المندائيُ يغدو ثائراً                صيانةُ الأوطانِ له مَلْهمُ
وذا الأرمنيُّ فخرُهُ ماضٍ ما                زالَ عنه الحاكمُ يتكتّمُ
سلِ اليهوديَ منْ ذاقَ دجلةَ                   كمْ هو لدارهِ  يتوحّمُ

عراقُنا لنْ يموتَ فإنْ ماتَ              لا لن تعيشَ مِنْ بعدِهِ أممُ
هوَ العراقُ زهورٌ مِنْ عِبقِها          في َجنان الأُلفةِ شعبٌ ينسمُ
هيَ الحلولُ سلامٌ لرهابِ             العيشِِِ وجراحِنا نِعْمَ البلسمُ


26
ســـلبياتــــــي هــــــــــــــــــيَ

د. صباح قيّا   
ألدروس المستنبطة تعبير يحلو تداوله عادة بين العسكريين ، ونادراً ما تغفل الكتب العسكرية ذكره  وخاصة التي تستعرض معارك الحربين الكونيتين الأولى والثانية . ويستفاد منها للأعداد للمواجهات المستقبلية من خلال التحليل المفصل للأيجابيات والسلبيات لأية معركة . وقد تؤدي تلك الدروس عادة اما الى تهميش قائدها أو الى رفع شأنه  , و تصل  أحياناً الي الدرجات الدنيا من الوحدة العسكرية المشاركة في القتال . وقد تكون هي  وراء المثل الشائع " للخسارة قائد واحد وللفوز ألف قائد " .   

شاءت الظروف أن احضر مع عدد من زملائي خلال السنوات الأولى من تخرجنا تحليل أحد التمارين العسكرية ألتي قام به جحفل لواء مدرع  في منطقة جبل حمرين لأستنباط ما يمكن من الدروس تحسبا لما قد يحصل لاحقا والذي حصل بالفعل . انزوينا مع الصنوف الساندة الأخرى كالأعاشة والآليات في المقاعد الخلفية بعيدا عن الصنوف الحربية ، والذي هو  في الواقع  جزء من السياق المتبع عند ترتيب درجات الجلوس في مثل هذا النوع  من الاجتماعات  ، مما يعزز شعورنا عامة بأننا " لا بالعير ولا بالنفير " وبأن الطبيب في الجيش كالبصل " مأكول مذموم " وأيضا كقرندل " دك الكبة كوم قرندل .. أكل الكبة نام قرندل " . استعرض الحضور حسب السلم الوظيفي والرتبة العسكرية ما أجاد به كل واحد منهم في انجاز واجبه وتنفيذ مهمته على الوجه الأكمل ، وأضاف البعض منهم مبادرته الذاتية في معالجة موقف معين ظهر خلال  الأقتتال الوهمي ولم يكن في الحسبان أو ضمن الخطة الموضوعة . رغم ما احتواه ذلك الأستعراض من حقائق  الا انه لا يمكن انكار عناصر التشويق والمبالغة في قسم منه  بغية الحصول على تكريم المراجع العليا بعد جلب انتباه الحكمين ودغدغة مشاعرهم  ... استمر الحال على هذا المنوال بين التعظيم والتضخيم  الى أن صعد المنصة ضابط حدث في مقتبل العشرين من عمره . كانت المفاجئة حين استهل العرض بقوله : سلبياتي هي : واستمر مسترسلا بسلبياته الواحدة بعد الأخرى مع ذكر وشرح ما كان يجب عمله لتلافيها وتجاوزها .. ثم انتهى من حيث بدأ دون التطرق لأية فقرة ايجابية شخصية اطلاقا ، بل ختم كلمته بجملة عميقة : ايجابياتي من ايجابيات أقراني في الفريق .  بصراحة كنت بادئ الأمر  مع زملائي ينظر واحدنا الى الآخر بقلق وحزن ،  ونأسف بل بالأحرى نرثي لحال هذا الشاب المسكين عديم الخبرة والذي  يجهل تماما الطريق الى أكل الكتف . ولكن اصبح بعدئذ مثار اعجابنا وتثميننا لصراحته وجرأته وصدقه مع نفسه وتقييمه العادل لأدائه واستعداده لتحمل عواقب اعترافه علنا بما يعد خروجا عن المالوف ... هذه ليست قواعد اللعبة في مجتمعنا أبداً ... عادتنا أن ندعي الكمال .. نصف النفس بما يعرف  انها اسماء الله الحسنى .. نستلطف كلمات المديح والتبجيل المطلقة ....  ألأحسن ... ألأعظم ... ألأجمل  ... ألأروع .. ألأذكى ... ألأشرف ... والقائمة لا تنتهي ...  نهوى الشعر لنسمع الكلام الجميل .. نمنح الهبات لنزايد بها منافسينا ولنتذوق عسل الكلام ممن وهبت له  .. يقال ، والعهدة على الراوي ،  بأن الرحالة المرحوم يونس بحري كان قد حكم عليه بالأعدام في عهد الراحل عبد الكريم قاسم الذي  قرر العفو عنه ، وعند تبليغه بذلك القرار وهو في السجن صاح بأعلى صوته " عاش الزعيم الأوحد " ، فلازمته كنية " ألأوحد " لحين غدره . ومن دون شك أن معظمنا ، ان لم يكن جميعنا ، على دراية كاملة بالصفات والألقاب الفريدة والمتميزة التي اسبغت أو اسبغها على نفسه من جلس على الكرسي من بعده والى يومنا هذا .

قال المسيح : لا تظنوا اني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء . ما جئت لأنقض بل لأكمل . ( متى 5: 17-18 ) . ولكن ما يحدث في عصرنا المرير هو العكس تماما . لا يتوانى المسؤول الجديد من انتقاد سلفه والأنتقاص من اسلوب عمله واجراءاته المتنوعة ومحاولة ابراز أبسط الهفوات وتهويلها ... كل ذلك لكي يشاد له بالبنان ولسابقه بالهوان . وما يمارسه اللاحق أصاب به السابق  من كان قبله .. هذا هو ديدن الفلك الأجتماعي المريض  وكانه سلم وراثي . ألمشكلة تكمن في عدم مراجعة الذات في حينه وعدم قبول الرأي النقدي البناء وتجربة  الخبير  لمعالجة الممارسات السلبية بحكمة ودراية , بل يتم ذلك بعد أن يستفحل الخلل ليغدو فضيحة وحسب المثل  " بعد أن يقع الفاس على الراس " .  فلا غرابة أن تعلن الأحزاب والتنظيمات باتجاهاتها المختلفة والمؤسسات ذات التخصصات المتنوعة  وحتى الشخصيات المتنفذة بعد مرحلة معينة عن تحليلها المسهب لأسباب اخفاقها الجزئي أو الكامل  وفشلها النوعي أو العام  . لماذا ؟ لسبب بسيط .. أنه من العسير على الأذن الصماء أن تنشد لحناً عذباً .

قيل منذ القدم : من معلمي تعلمت الكثير ، من زملائي تعلمت أكثر ،  من تلاميذي تعلمت أكثر وأكثر .... نعم أن الحياة مدرسة يتعلم الكل فيها من البعض .  لا يستوجب دخول حرب لكي نستنبط  دروسا . فكل زاوية من زوايا هذا الكون الواسع هي مدرسة... من كل حدث حياتي درس ،  ومن كل انسان على أرض الواقع  معلومة ... أصغي لكي أتكلم وأتكلم لكي يصغى لي... أقرأ كي أكتب وأكتب حتى غيري يقرأ.. حتما في خضم الصراع مع موجات الحياة المتلاطمة تبرز ممارسات ، مواقف ،  سلوكيات ، أفكار ، وصفات يطلق عليها سلبيات ... وممكن الحد منها وتضييق الدائرة عليها ومن ثم اذابتها بمراجعة منتظمة ودورية للذات البشرية .. أردد عاليا :  سلبياتي هي 1 , 2 , 3 ....  وتلك يا صديقي ايجابياتك ... نستنبط درس الحياة من كلتيهما ، ويسير بدرب النجاح كلانا ...             

27
توطئة
هذه أبيات شعرية ليست لأديب بل من طبيب... ليس فيها الغريب العجيب ... وانما مجرد كلمات استقبال وترحيب... سمح لي بها مشكورا مقص الرقيب ( ألمونسنيور الفاضل داود بفرو ) .... آمل أن تروق لكم وتطيب... رجائي الاصغاء اليها اجلالاً لغبطته ومرافقيه  بصمت مهيب ......
       عنوان القصيدة :         
                                  أهلاً غبطةَ البطريرك
د. صباح قيّا               
تحييكَ وندزرُ تحيةَ الانسانِ                   وترحابنا بك لا لنْ يقاسَ بأطنانِ
أتيتنا سهلاً وحللت بنا أهلاً                      فلكَ من جموعنا قبلةَ الأوطانِ
ومنْ امهاتِنا زغرداتٍ يفوحُ                 صداها عبرَالنُسيْماتِ عبقَ ريحانِ

قدمتَ منْ بغدادَ عيونُنا صوبُها                      وقلبٌ لها يخفقُ بكلّ حنانِ

أطلقت َ أصالةً وحدةً تجدداً                  دربَ مستقبلٍ نوره أسمى الأماني
لها ابنُ الرافدينِ يطلُّ شامخاً               من كلِّ حدبٍ وصوبٍ يهفو بوجدانِ

دعوتَ عودتَنا ومنْ لا تسرْهُُ                    لولا البلادُ يعوزُها بسطُ الأمانِ
حتّى الذي قبلَ البقاءَ مخيّرا              لم يخلو عيشُه منْ ذعرٍ أو منْ هوانِ

أعلنتَ نكبتَنا فحقاً مصيبةٌ                  أنْ تغدو الكنائسُ صرحاً بلا صلبانِ
فكأنها سماءٌ تلاشى نجمُها                     أو جنائنُ خلدٍ تخلو منَ السكانِ

أوعزتَ رابطةً وجذرَ ثقافةٍ               تاهتْ على أرضٍ لمْ تكنْ قبلاٍ مكاني
أملٌ لمنْ ملَّ السنينَ مهمّشاً              ولمنْ في الشتاتِ عانى منَ الهجرانٍ
تلكَ التفاتةٌ ما أسمى مقاصدُها               تشدُّ راحةَ القاصي بقبضةِ الداني
هي وحدةٌ للحاملين مشاعلاً                        يصدُّ بريقُها سطوةَ الذوبانِ
تشعُّ بعمقِها تاريخَ حضارةٍ                    كمْ منْ مآثرِها غابَ عنِ الأذهان
هذي الحقيقةُ لا يمكنْ تجاوزَها                 عذراً لمنْ أنكرَ أصالةَ الكلداني

يا غبطةَ البطريركِ شعبُك واثقٌ               أنّكَ للرعيةِ لستَ محضَ قبطانِ
بلْ أنتَ أبٌ وامٌ وأختٌ وأخٌ                      ليومِنا هذا والآتِ منَ الزمانِ
وللكنيسةِ جذعٌ تنامى عودُه                      للأبرشياتِ كتفرّعِ الأغصانِ   
هي المحبةُ لا منْ بديلٍ غيرِها                  يدعو بما تقرُّه دعوةُ الايمانِ
تلكَ الرسالةُ كمْ منْ أجلها نُحِرَتْ          على مذبحِ الأخيارِ سِيقَتْ كحملانِ 
جحافلٌ جُلَّ ذنبِها بُشرى المسيحِ             الاهاً تسعى لمجدهِ دونَ نُكرانِ
هيَ المسيحيةُ ثالوتٌ يَسجُدْ لهُ            منْ رسمَ الصليبَ علامةَ استئذانِ
صلاتَه أبانا الذي في السمواتِ               يَصدحُ بها  حيّاً أمْ لُفَّ  بأكفانِ

كان الأمل أن تلقى القصيدة مع التوطئة مباشرة بعد القداس الأحتفالي لغبطة البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو ، حسب رأي راعي الكنيسة الجليل  . ولكن , للأسف الشديد ، لم تدرج ضمن برنامج الزيارة الذي أعدته اللجنة المكلفة بذلك. هل حدث سهواً ؟ قصداً ؟ اجتهاداً ؟ أم ضحية التسلط الكنسي العلماني ؟. المهم ، أن الأب الجليل التقى ابنتي ، التي هي ضمن فريق جوقة الكنيسة ، بعد مغادرة البطريرك ، مستفسراً عني ومتسائلاً لماذا لم أقدم القصيدة ؟ أجابته أنها لم تكن مدرجة ضمن برنامج الزيارة ... أضاف ألأب أنه حاول البحث عني بعد القداس ولم يجدني .... ألحق معه.. لقد بدى لي متعباً جداً ... ولا غرابة من ذلك بعد أزمة الكنيسة في " تورنتو " ، والتي ، حمداً وشكراً  للرب ،  انتهت بسلام .... ألأمل أن تسود المحبة بين أبناء الرعية كافة ، والأهم التجرد عن صفة " ألأنا " التي تصيب عدواها بعض ، وأكرر البعض , من العناصر القريبة والمقربة من صاحب القرار ....       

28
ألكاهنُ ثقافةٌ وطموحٌ
د. صباح قيّا
يعزف البعض عن الذهاب الى الكنيسة لأسباب متعددة ، وقد يقتنع البعض الآخر بحضور قداديس الأعياد فقط  وربما المناسبات الخاصة ايضاً لعدد محدود منهم . ومن الملاحظ أن الغالبية العظمى من هذا البعض تقتصر على ذوي التحصيل الدراسي العالي  وعلى من يتمتع بمركز اجتماعي مميز ، خاصة في المدن التي تتوفر فيها كنيسة واحدة تتناسب مع عدد ابناء الرعية فيها . ومنهم من وجد ضالته  في حضور طقوس كنائس أخرى اشباعاً لغريزة الشعور الاستعلائي تجاه أبناء جلدته أو حتى كنيسته .    وكتحصيل حاصل لهذا التباين الأجتماعي والوظيفي وكمحاولة ذاتية  لمعالجة  ذلك العزوف  وتبريره ، برزت ظاهرة كنيسة الأغنياء وكنيسة الفقراء وبالأخص في أماكن محددة من بلاد المهجر حيث  الكثافة السكانية العالية من الكلدان مما يستوجب توفير كنيستين على الأقل  . لم تكن تلك الظاهرة , حسب قناعتي ، من صنع آباء الكنائس الأفاضل ، وانما بدعة استحدثتها وهللت لها  شريحة واسعة نوعا ما  من الرعية جلّ همها التسابق الأعمى  لتعزيز  تقليعة مظاهرها  الوهمية وكبريائها المصطنع  سواء عن جهل  أو عن دراية ، أو نتيجة  تقليد او ابتكار  ، ولكن حتما بدافع ما يسمى " الفنطزة والعنطزة " ليس الا ....

تحضرني وأنا أكتب المدخل أعلاه طريفة حدثت لي في بغداد مع ابن عمتي قبل أكثر من عشرة سنين .  اتفقنا أن نلتقي في مدخل  كنيسة مركز القديس يوسف ( كنيسة السنتر ) بعد قداس الأحد . رأيته بالفعل ينتظر في الموعد والمكان المحدد ، وحال مشاهدته لي سألني بانفعال : هل موعده معي حقا أمام كنيسة أم أمام نادي اجتماعي ؟  ابتسمت له فقط ... لم يكن سؤاله مفاجئة لي وهو الذي  ترعرع في ناحية يرتاد أهلها الكنيسة بانتظام  للصلاة وتأدية واجب الأيمان دون الأهتمام اللامعقول بوسائل  البهرجة والزخرفة .... والحقيقة يجب أن تقال .. لا كنائس في بغداد للفقراء أو للأغنياء , وانما مظهر الحضور الكنسي  يعتمد على المستوى الحياتي لتلك المنطقة ، ورغم ذلك لا يمكن نكران أن كنيسة السنتر اللاتينية  تنفرد بحضور طبقة اجتماعية ، غالبتها كلدانية ,  يغلب عليها طابع المغالاة في اللبس والتبرج . وربما نقلت تلك الجموع  عدواها الى بلاد المهجر فنشأ بذلك مرض كنائس الأغنياء .

تدّعي  الفئة المتعلمة جداً من العزوفين اعلاه ، بأن كرازة الأب أيام الآحاد سطحية وساذجة وكأنها من دروس التعليم المسيحي  للأطفال ، أو معلومات أولية  عن الأيمان المسيحي كالذي كان متبعاً في القرى أيام زمان حيث البساطة ومحدودية التعليم سمة دارجة وهذا ما لا ينسجم مع الثقافة العصرية والتطورات الحياتية ... من وجهة نظري ذلك تبرير مجحف وحتى غير عقلاني  وغير منطقي وبعيد كل البعد عن واقع الحال .... كهنة اليوم ثقافة واسعة وتحليل عميق وطموح مشروع لبلوغ ما تصبو اليه الكنيسة من المستوى المعلوماتي لمواجهة التحديات الخطيرة ، وما أكثرها ، التي تعترضها . ألكل يعلم أن الكنيسة أنجبت عبر مسارها العسير والمؤلم من الأفذاذ ما تعجز المجلدات عن احتوائه ... لست بصدد التطرق الى ماضٍ  بعيد بل الى أمس قريب والى  ماذا عن اليوم وما ينتظر الغد .... 

حدثني راعي الكنيسة في لندن قبل سنوات عن تجربته عند تقديمه محاضرة عن الأيمان على طلبة احدى الجامعات هناك ... لم يكن لمعظمهم أية علاقة بالرب بل ينكرون الخالق بشدة مع سبق الأصرار ... لم تخلو أسئلتهم ومناقشتهم من الأستفزاز والأستهزاء والأستهانة بالخلق الألهي .... ما هي  اذن صفات الكاهن اليوم وكم يجب أن تصل سعة ثقافته وحجم معلوماته لتفنيد معتقدات مثل هذا الجمع وأيضا معالجة رغبات وميول  شرائح اجتماعية متنوعة وقوانين دول تتعارض في بعض بنودها مع دعوة الأيمان وتعاليم الكنيسة .

لا تتطور الدولة عندما يقودها الرعاع ، وتخسر الشركات حتما عندما يفتقد مجلس ادارتها الكفاءة والخبرة ، وتنحسر المؤسسات التعليمية اذا عهدت ادارتها لأشباه الأميين ، وتتضاءل شعبية الأحزاب عندما تنحرف عن مبادئها خدمة لمصالح قيادييها .... هذه أمثلة لحلقات ادارية محورها تدبير اداري .... أيضا الكنيسة تحتاج الى راعي يدبر أمر الرعية بنجاح  .. ثقافة الكاهن ضرورية وحاجة ملحة  وطموحه مشروع ما دام ضمن التحديدات الكنسية .. أستمتع بكاهن يجيد الأستماع ويبرع في الخطابة ... كرازته تحليل عميق لكلمات سهلة ممتنعة ... يستذكر الماضي ليمنح  اليوم حلاوة  والغد أملاً ... يعزز ثقة الحضور بابتسامة صادقة .. تحضره الدعابة والنكتة تخفيفاً لهموم الرعية ...

هنالك مثل انكليزي شائع فحواه  " لا تحكم على النأس قبل أن تجربهم " . وعليه لا أتقبل راياً سلبياً على الكنيسة ممن لا يعرفها ... لا أتقبل التقليل من مستوى كرازة الكاهن ممن لم يستمع اليها ... لا اهاب طموح الكاهن اطلاقا بل على العكس ادعو له زيادة الأطلاع واستمرارية التحصيل المعلوماتي الذاتي منه والمبرمج ما دامت خدمة الرعية غايته واعلاء شأن الكنيسة هدفه . من حق الكاهن أن يطمح في صعود السلّم الأداري الكنسي  ويسعى له بتجرد بأستثناء كلمة الرب ....       


29
أدب / نعم أنا كلداني
« في: 16:18 23/05/2014  »
نعم أنا كلداني
د. صباح قيّا
أنا لا أرى العيب في كوني كلداني                       بل العيب كل العيب في غدر الزمان
أنا من بابل أصلي وهذي كنيتي                          والفخر ان تظلّ مجد كل ّ انسان
نعم انا كلديّ فهل هي بدعة                               أم أنها صحبتي منذ عمق الزمان
ما كنت أبدا للتعصب رائدا                                ولكن حتما لن أرضى احتواء كياني
جبلت اسمي مفردا فاذا بهم                               أزادوه زورا بثالث وبثاني
ما للتسميات من سعيّ سوى لعبة                         صاغتها السياسة بخبث وافتنان
ليست الوحدة اسماء تركّبها                               حزيبات مصالحها تعلو كلّ بنيان
بل الوحدة حلم لا يطاق مناله                             ان لم تتغنى له الذات بنكران
ماذا دهاهم لا يتركوا شأن شملنا                         فما نملك كاف لا نرنوا لأثمان
دع كلامهم حروفه تتبعثر                                فمتى الكلام كان ختما بضمان
من كان بيننا بجذره مشككا                               فخياره اذن عبادة الأوثان
تبقى أيادينا لجمعهم ممدودة                              نقر بما عندهم بكلّ امتنان
اني خلقت لأب قال ما قاله                               نقلا له أجدادي نعم انا كلداني




30
زملائي : لا تجعلوا كندا محطة هجرتكم
د. صباح قيّا
ألتخصص... حلم معظم طلبة كليات الطب بعد التخرج ، ان لم يكن جميعهم  . أتذكر تلك المرحلة وكيف كنت مع البعض من زملائي نستعرض لوحات الأطباء في شارع الرشيد ثم الباب الشرقي خلال  مسيرتنا كل يوم خميس تقريبا  من الكلية في باب المعظم الى مطعم " عمو الياس " أو مطعم "  تاجران " حتى نستقر في سينما الخيام او غرناطة أو سينما النصر . كنا ننبهر بالشهادات " زميل كلية الجراحين الملكية البريطانية " ، عضو كليات الأطباء الملكية البريطانية  ، "  حاصل على شهادة البورد الأمريكي " ، " دبلوم عال بأمراض المناطق الحارة " ..... خريج  لندن ، أدنبره ، كلاسكو ....... متدرب في مستشفيات  ألمانيا ، النمسا ، نيويورك ... كنا نفخر بأساتذتنا وتحصيلهم العلمي ، وبالأخص ألذين منحوا الشهادات الفخرية العالية نتيجة جهودهم وخدماتهم ألمتميزة في حقل اختصاصهم . لم ننجذب ، مع كل احترامي وتقديري ، الا للذين اكملوا تخصصهم في بريطانيا أو أمريكا ، وفي  ألمانيا أو ألنمسا لبعض الأختصاصات الفرعية ... هكذا كانت عقلية ذلك الزمان ، ولكنها بدون شك صائبة . تحقق الحلم واصبح حقيقة واقعة للكثيرين من رفاقي وأنا ضمنهم . استقر معظمهم حيث ذهب ،   وعاد نفر قليل الى أرض الوطن ،  وكنت من ضمن العائدين .

قيل : اثنان لا يشبعان .. طالب العلم ، وطالب المال . يصنف الطبيب ضمن طالب العلم ، ولو أن ذلك لا يمنع تحوله الى طالب المال اذا استجاب لغريزته الذاتية على حساب أدبيات ألمهنة ،  ومن الصعب جدا أن تجتمع عنده الصفتان في آن واحد ، وحسب قناعتي العلم والمال خطان متوازيان  ، حيث يفقد العلم اصالته اذا أشرك معه حب المال ، ولذلك يقتنع  ألأكاديميون بأجر أقل من أقرانهم غير ألأكاديميين مفضلين تمتعهم بالأجواء العلمية والبحثية كمصدر لسعادتهم  متناسين الى حد ما أطر  المباهج الحياتية ... وكأن لسان حالهم يردد " خير جليس في الحياة كتاب " . ولكي يحصل  الطبيب العراقي على ما تصبو اليه نفسه ، وكطموح شرعي لأكمال متطلبات المهنة ، لا بد له أن يشد الرحال الى حيث تتوفر الفرصة لنيل العلم وزيادة المعرفة وصقل الموهبة والتأهل للدرجة الأعلى ومن ثم التأطر بها . وما معناه أن هجرة الطبيب العراقي ضرورية وحتمية  سببها جوهري ومقبول وهدفها الزامي وسامي . ولكن ذلك لا يعني أن تكون دائمية ، وانما مرحلية تنتهي ببلوغ هدفها ، الا اذا استجدت مسببات تضطره الى ألبقاء . وتدل قراءات الواقع بأن هنالك أكثر من عامل في بلدنا يدفع بأبناء رعيتنا عموما بمغادرة أرضنا ألطيبة ، فكيف بالأطباء وطموحهم الطبيعي ؟ .

يقال أيضا : ألأنسان  نتاج  ظروفه ، وحياته قد تتغير صدفة ، ونادرا ما تأتيه نفس الفرصة أكثر من مرة . شاء القدر أن أهاجر , وعمري يقترب من السن التقاعدية ، الى حيت أنا ألآن . لم تكن " كندا " اطلاقا في حساباتي المستقبلية ولم أتصور يوما ما أن تصبح محطة هجرتي . وبصراحة  ، لم تثير اعجابي  لحد اليوم  ، ولا أعتقد بأن شعوري سيتغير غدا . ورغم المثل   " وقع الفأس على ألراس " ، لكني متيقن  تماما بأنها " حكمة ربانيّة " ، وايماني بالرب يعزز ذلك ، والذي سبق وأن رافقني في مواقف حرجة وظروف عسيرة ، ثم قادني بأقتدار الى برّ الأمان . فهل هنالك أروع  وأسعد من الأيمان ؟ .

لم يكن صعبا عليّ  ، بفضل خبرتي البريطانية ، الحصول على عمل ضمن اختصاصي ، والذي ما زلت أمارسه بشوق . ولا بد أن أعترف بأن أجرتي من ذلك مثل " خبز باب الآغا " : " حار ومكسب ورخيص " . وعلى كل حال " قليل في الماعون أفضل من ماعون فارغ " ، و " ألشغّال أهيب من بطّال عطّال " . اكتشفت بعد فترة وجيزة بأن هنالك حلقات دراسية للأطباء ألمهاجرين تعقد مرة أو مرتين أسبوعيا بدعم من احدى ألمؤسسات الصحية في تورنتو . التحقت بالحلقة في المدينة التي أسكنها حيث التقيت بزملاء من بلدان مختلفة وباختصاصات متنوعة واعمار متباينة . ألكل يكافح جاهدا لأجتياز سلسلة الأمتحانات المكلفة وقتا وثمنا لعله يحضى بعدئذ بمقعد في احدى المستشفيات المنتشرة في عموم كندا لاكمال مشواره المهني . للأسف الشديد ، أن معظم من التقيتهم  بدون عمل ، يعتاش  من المعونات الحكومية ومما تبقّى من خزينه الخاص . ونفر قليل يعمل اما سائق تاكسي ، أو وسيطا لأيصال المواد الغذائية ، او في محطات الغاز أو المعامل المنهكة ، او تغطية النوبات الليلية في بعض المحلات التجارية . وسعيد الحظ منهم من أنهى  أو لا يزال ضمن احدى البرامج الصحية مثل التمريض ، التأهيل الطبي ، مسك السجلات الطبية ، فني مختبر ، وما شاكل .... ، كل ذلك بغية الحصول على عمل يكفل له عيشة هانئة حسب تصوره ، متناسيا  أنه طبيب سهر الليالي وضحى بالكثير . علما أنني أعرف عددا لا بأس فيه خارج الحلقة الدراسية  ممن ترك مهنته الى غير رجعة . هذا هو جزء من الواقع المؤلم هنا " يشوفوك  الموت حتى ترضى بالسخونة " .

 ترسخت عندي القناعة بأن الهدف الرئيسي لجلب المهاجرين من ذوي الخبرة والاختصاص هو للاستفادة منهم أساسا في اشغال الوظائف الوسطية ضمن حقل اختصاصهم والتي حتما سيبدعون فيها ، وليس لممارسة اختصاصهم الفعلي ، وأبسط مثال لذلك عندما يقوم  الطبيب بواجب فني مختبر أو ممرض . بعد مدة  قصيرة أنيطت لي مسؤولية الحلقة ولم أتخلى عنها ، طوعا ،  رغم توقف دعم المؤسسة الصحية ، لأسباب مالية ، لها ولكافة الحلقات الأخرى المنتشرة في  "محافظة اونتاريو " منذ تشرين الأول 2012   ولقد عبّرت عن قناعتي أعلاه خلال مراسلاتي مع المؤسسة وحسب الرابط المرفق .

ما دفعني الى كتابة الأسطر أعلاه  ألمقالة المرفقة والمنشورة في " مجلة الأتحاد الكندي الطبي " ألعدد السابع ، ألمجلد 186 في 15 نيسان 2014 . وفيها اشارة واضحة عن شحة فرص العمل بل ربما عدم توفرها اطلاقا للكنديين من خريجي الكليات الطبية غير الكندية . فكيف يكون الحال للعراقيين القادمين حديثا ؟ وفيها ايضا تلميح للسلطات الكندية برفض هجرة الأطباء اليها كما كان معمولا به في سبعينات وثمانينات القرن الماضي .   ما أرجوه منك " زميلي العزيز "  قراءة " ألصالون " بامعان ودقة   ثم تقرر ما يحلو لك ، فانك حر في اختيارك وقرارك ، واعلم بأن العمل استنادا الى هوية نقابة الأطباء العراقية وبعض الوثائق الدراسية وحتى اجتياز سلسلة الامتحانات التي يرتفع سعرها ويتكاثر عددها سنويا قد أصبح ضمن التاريخ الغابر . احسب حسابك جيدا وادرسه من كافة الجوانب قبل أن تعد عدتك للرحيل ، والا سينتهي بك المطاف عاملا في محطة الغاز او متناوبا ليليا وحتى الصباح في احدى محلات ماكس الشهيرة ، وسعيد الحظ من يقبل في احدى الدورات الصحية .

  
http://upload.ankawa.com//files/2/ankawa1/rabet%20%281%29.pdf
http://upload.ankawa.com//files/2/ankawa1/rabet%20%282%29.pdf


31
تشريب عصفور لنْ يُشبعَ وليمة ... ألكوتا نموذجاً
د. صباح قيّا    
لم يسبق لي المشاركة في أية انتخابات برلمانية منذ تشكيل ألدولة ألعراقية , ولم أشغل نفسي يوما ما في معرفة تفاصيل القوائم ألمتنافسة وماهية ألاشخاص المرشحين . ليس ذلك انتقاصا من أحد على ألاطلاق ، ولكن  ,  بصراحة  , لم أرغب بصداع مصدره ليس من صميم أهتماماتي ,  مع احترامي  لكافة ألمتنافسين قوائما وأشخاصا ،  وتمنياتي بالحظ السعيد لكل منهم .... ولكن ؟... ولا بد من وقفة وجيزة أمام هذه أل "  لكن "  .... قد يختلف ألموقف في انتخابات ألأسبوع ألقادم . ربما من يسأل : لم هذا ألتغيير بعد عمر طويل بعيدا عن هذا ألمرشح وذاك ، من يمثل ومن يدعمه ؟  كيف  فاز وغيره  خسر ؟  ، وحتما ستستمر ألتحليلات والتبريرات واستخلاص  الدروس ألمستنبطة للأستفادة منها في ألمنازلات ألمستقبلية .... نعم .. تساؤلات منطقية ومشروعة ....

 أعود الى أل " لكن " ألان لأقول :  استوقفتني ، خلال قداس يوم ألأحد ، دعوة غبطة ألبطريرك ألكلداني مار روفائيل لويس ألأول ساكو رعيته  للمشاركة في ألانتخابات ألبرلمانية وحسب ما  جاء على لسان  راعي الكنيسة ألجليل ... سألت نفسي : أليس ذلك يتناقض مع " أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله " ؟ ورغم كون ثقافتي ألدينية  متواضعة ومعلوماتي  أللاهوتية تقترب من ألصفر ، الا أني اقتنعت بأن دعوة غبطته لا تتعارض مع ما أمر  به الرب من اطاعة قانون ألأنسان وبنوده من جهة ، واطاعة وصايا ألخالق وتعاليمه من جهة أخرى . ألم يكن مثلث ألرحمات ألبطريرك ألكلداني مار يوسف عمانؤيل ألثاني ( 1852-1947 ) عضوا دائما في مجلس ألأعيان منذ تشكيل ألدولة ألعراقية والى حين وفاته  ؟ أليس ألتاريخ ألماضي والمعاصر زاخرا بعدد غير قليل من ألشخصيات ألدينية ألمسيحية ألتي دخلت معترك ألحياة ألسياسية  وساهمت ببسالة  في مقارعة ألظلم والطغيان والوقوف بحزم وصلابة بوجه قوى ألشر والأستبداد , ومنهم من تبوأ مناصب قيادية رفيعة وصلت أحيانا الى أعلى سلطة في ألدولة  ؟ هل ننسى ألذي زعزع معسكرا كان الى وقت قريب احد اقوى قطبين في ألعالم فأضحى جزءا من الذاكرة ؟  أذن لماذا نتردد نحن من ولوج كنيستنا هذا ألشأن ألحياتي ألمهم ؟ كيف نرضى لانفسنا أن  نتقبل  تهميش دورها  ؟ ألم يحن ألوقت لكي تكسر كنيستنا ألقيد ألذي يحاول أن يحدد من اداء مهامها ألوطنية  بالتمام والكمال خدمة لرعيتها ألمشتتة والحائرة  ؟ ’ ألى متى نرضخ لمن يهرع بتوجيه أصابع اللوم والتشكيك لكنيستنا متذرعا بقصد أم بدون قصد " بما لقيصر وبما لله "  ؟  .

اعترف بعدم معرفتي ماذا تعني " ألكوتا " . تعلمت وأعلّم : ليس عيبا عدم ألمعرفة ، بل ألعيب كل ألعيب رفضها  عند توفر فرصة اكتسابها . استفسرت من احد معارفي  .. أخبرني تعني " ألمحاصصة " ، ولكنه يجهل أصلها أللغوي . شكرت ألشبكات ألعنكبوتية ألتي زودتني بتفاصيل وافية عنها :  مصطلح انكليزي  بمعنى نصيب أو حصة نسبية , أطلق لأول مرة في ألولايات ألمتحدة ألأمريكية على سياسة تعويض ألجماعات ألمحرومة اما من قبل ألسلطات ألحكومية أو من قبل أصحاب ألعمل في ألقطاع الخاص . عجيب أمور .. غريب قضية .. ايقنت ألان أنني أنتمي الى  ألجماعات ألمحرومة ألتي تصدقت عليها ألحكومة ب " كوتا خماسية " . حمدا لك يا رب لجهلي بالقضايا ألسياسية ولم أكن طرفا في هذا ألتشكيل ألمعيني ، والا   لازمتني ملامة نفسي  الى لحدي .

بدات ألخطوة ألتالية : ألبحث عن ألقوائم  ومرشحيها  . يا للهول.. تسع كيانات ،   وعشرة مرشحين  لكل كيان .. يعني هنالك تسعون متنافسا لخمس مقاعد فقط ... والله صارت زحمة .. والطامة ألكبرى من مجموع 328 مقعدا برلمانيا ، أي أقل من 2% . علما بأن نسبة ألمسيحيين في ألبرلمان  عند تشكيل ألدولة ألعراقية كانت  5% من مجموع 100 مقعدا . وقد منحت هذه ألنسبة آنذاك  تقديرا لمواقفهم  ألوطنية وخاصة عند ألتصويت لضم ولاية ألموصل الى ألعراق ، ولولا زخم الصوت ألمسيحي في حينه لكان حال الموصل أليوم  كحال ألاسكندرونة  ضمن ألحدود التركية   ... ولو بقي ألوطن على عهده ألبائد ألعميل ألرجعي لأصبح  لنا 15 ممثلا ، وهي ألنسبة ألفعلية  ألتي نستحقها على أقل تقدير .  لا أعتقد أن ذلك ألعدد ألضئيل سيكون له ثقلا ملموسا في صياغة ألقرارات ولن يجد له بسهولة آذانا صاغية عند طرحه ما يلزم من المقترحات ، هذا اذا افترضت أن ألكل سيتحد  تحت خيمة  " ألكوتا ألمسيحية " ،  وحتى لو تمتع أي من أضلع ألمعين ألخماسي بحكمة حمورابي وصلابة عبد السطيح وبلاغة ميرابو وشجاعة جيفارا فلن يتمكن من تغيير مواقف ألبرلمانيين ألآخرين والمستمدة أصلا من ألخطوط العامة والخاصة لتنظيماتهم .
 
برأيي أن " ألكوتا " نتاج لعبة ألكبار . قد تلعب اصواتنا بعض الدور لدخول أي من ألمرشحين قبة ألبرلمان ، ولكن ألفضل ألرئيسي لذلك يعتمد على تحريك ألكبار لتلك أللعبة بالأتجاه ألذي يخدم مصالحها وينفذ أجندتها . ومما لا  شك فيه  أن أللعبة بدأت باتجاه محدد منذ أن اختار ألحاكم الأمريكي أعضاء مجلسه ألأنتقالي ، وأستمرت تسلك نفس ألطريق  خلال الدورتين ألسابقتين ، الا أن قراءات ألمرحلة ألحالية تدل على تغيير جديد في ألمسار ، وأغلب ألظن سيكون جزئيا نتيجة ألثقل ألمتساوي تقريبا بين ألمركز والأقليم في تحديد هوية أفراد " ألكوتا " . وربما لم يبدي ألمركز سابقا اهتماما جديا بمن سيمثلنا ، ولكن  داخله  ألآن أكثر  تأييدا و حماسا لبعض الكيانات نظرا  للمستجدات ألبارزة على الساحة ألمحلية والدولية من ناحية ، و لتطور ألاحداث فيما يتعلق بالمسائل ألعالقة بينه وبين ألأقليم من ناحية ثانية . وحسب تقديري أن التغيير سيطال أثنين  على ألأقل ، وبذلك سيودع ألبرلمان وجوها مألوفة ليستقبل بدلا عنها أخرى  جديدة .

يقال بأن ألسياسة تعني فن ألمناورة . والسياسي ألمحنك هو الذي يجيد ذلك ألفن ويتقنه ويبدع فيه .  من وجهة نظري أن رأس ألقائمة ألذي أبعد نفسه عن ألترشيح يفهم  هذا الفن ويمارسه  بجدارة . سوف لن يخسر كالذي يقف على رأس قائمته وأيضا ضمن مرشحيها ،  فيما اذا لم يبتسم له ألحظ ولم يفز في ألأنتخابات . ماذا سيحل بمستقبله ألسياسي ؟ وكيف سيقنع مؤيديه ويواجه مناوئيه ؟ .. على كل حال سيكون لي في حينه  لكل حادث حديث .  

مهما حصل ستبقى " ألكوتا " بواقعها ألحالي  مجرد عصفور لا يصلح  تشريبه لأطعام شخص واحد ، فكيف بالمدعوين الى ألوليمة ...    
 

 
            
  
  

32
ألمطران عمانؤيل دلي في عيادتي
د. صباح قيّا      
ذهلت وأنا أهمّ بمغادرة عيادتي ألكائنة في ساحة بيروت – شارع فلسطين  بعد أن أنهيت معاينة ألمرضى . كان ذلك مساء يوم لا أتذكر تاريخه بالضبط ، وعلى ألأغلب في تسعينات ألقرن ألماضي . وجدته جالسا بزيه ألكنسي  بهدوء في صالة انتظار ألمرضى . بادرته "  سيدنا " أهلا وسهلا ، تبارك ألمكان بوجودك .. انشاء الله خير ... أجابني بصوته ألحنون ألمميز  .. انشاء الله خير ..وأضاف :  أتيت لزيارتك كما وعدتك .. نعم كان قد وعدني قبلا أن يزورني في ألعيادة واعترف بأني لم أسأله في حينه عن سبب ذلك ، وظننته  يشكو من علة ما ، ومن ألأفضل أن أسمعها في ألمكان والوقت ألمناسب . ويا للعجب حينما اخبرني سكرتير ألعيادة بأن ألسيد ، وهذا ما أطلقه عليه ابن مدينة ألعمارة أصلا , ظل منتظرا حوالي ساعتين وأصر على ذلك لحين مغادرة أخر مريض وألح عليه أن لا يعلمني بوجوده أبدا ....
هل تصدقون ؟ هذه هي ألحقيقة وربما عبّرت عنها بأقل من استحقاقها . ترك معي وصية ... ولم يمضي سوى  يوم أو يومين من لقائنا حتى  جاءني من كانت ألوصية لأجله ليبلغني شكر و سلام سيدنا " ألمطران " وأن ألموضوع  سار بالأتجاه ألصحيح  ولا حاجة ان اشغل نفسي به بعد . أليس هذا ألموقف مثالا نموذجيا للبساطة وألتواضع ؟ كان بامكانه  ، وبكل بساطة  ، أن يدعوني لأذهب اليه بدل أن ياتي هو بنفسه . حتما كنت سأهرع ملبيا طلبه وبدون تردد . فرجل ألدين كمثله يستحق كل ألأجلال والتقدير .

تقادمت ألسنون ... أطل على كنيستي في ألمهجر فتباركت وكل ألجموع بحضوره . التقيته في زيارته هذه وهو برتبة " بطريرك " ودرجة " كاردينال " . أحزنني أن أراه مثقلا ومتعبا وقد هجرته ألذاكرة بدرجة كبيرة وفقد صوته صداه ألمعهود . وبعد فترة قصيرة أعلن عن استقالته ليستقر بعدها في دار رعاية ألمسنين وفيه ينتقل الى ألأخدار ألسماوية لينعم بالراحة ألأبدية بين جمع ألأخيار والطيبين . نعم .... وكما قيل : للفرح وقت وللحزن وقت .. للضحك وقت وللبكاء وقت ..  للولادة وقت وللموت وقت .

رحلت وكنيستك لا تزال متصدعة . هجرتها مواكب قبلا وما تزال تتبعها  لمذاهب وأديان اخرى ، والمرارة ان من بينها بدع غريبة لن تلتقي معها حتى لو التحمت ألسماء بالأرض . كهنة  أفرزتهم كنيستك لتحتضنهم كنائس مغايرة ، ولا تعرف ألرعية السبب ، وقناعتي لن تقبل ذلك مهما كان الا اذا أغرّ بهم ألشيطان فخالفوا وصايا ألله ألعشرة . أخشى أن لا يكون ذلك نتاج معصية  من أراد لهم : حسب ما أقول تسير وعن خطأي تسكت ، والا حسابك عسير ومن عقابي لن تفلت .  أبرشيات سكنت ألمهجر فتعلمت لغة ألحرية ألمطلقة وتناست أنها غصن شجرة محددة وجذورها واحدة ، ولولا بعض ألحياء وفسحة ألأمل وحكمة  ألرب لأعلنت استقلالها . أعاهدك .. أبتي .. مهما حصل سأظل لكنيستك وفيا  وللمحبة رائدا .  

رحمك الله سيدي .. ولذكراك اقدم هذه ألأبيات ألشعرية ألمتواضعة

إرتحلت ومثل شخصك لا يرحل                   ذكراك ينبوع نظل منه ننهل
باركت عرسي غداة زفة موكبي                 وحنان لحنك غار منه ألبلبل
أمضيت عمرك للكنيسة راعيا                     وخرافك من وعظك تتشربل
وكم كاهن منك استقى كلماته                  وجئته قيما ليس منها أنبل
جاهدت كي تعيد لبابل مجدها                 وحصلت ما لم نظنه سيحصل
إطار إسم جدودي به مزينٌ                       دستور بلاديَ فهل منه أجمل ?                      
وداعا يا مثلث ألرحمات وثق                      أن ألكثير لجنبك يتوسل
فنم مستريحا في رحاب مسيحنا               واليك من شعبك رحمة أنقل



  
 

33
ألأخ زيد ميشو... ليست نصيحة
د. صباح قيّا
     يغلب على بعض القراء ،  وهم قلة ألقلائل ،  أن لا ينقد النص ألمكتوب بل يتعرض للكاتب بكلمات ونعوت بعيدة كل ألبعد عن ألأسلوب ألعصري والحضاري في ألكتابة , و قد تصل أحيانا الى ألمساس بسيرته ألذاتية  وحتى تفاصيل حياته ألعائلية وعلاقاته ألأجتماعية . من يتحمل هذا ألنوع من التعليقات ؟  ... بلا شك تختلف ردود ألفعل من شخص الى آخر ... فمنهم من يهجر ألموقع الى آخر لا يسمح بالمداخلات ,  وقسم آخر يرد بالمثل وربما  أشد وأكثر متلذذا بما قيل  " ألصاع صاعين " ، و " ألبادئ أظلم " . وطرف ثالث يتقبل الموضوع برحابة صدر ،  وقد يناقشه بهدوء وعقلانية ،  أو يفضل   اهمال  صاحبه تماما .. . ولم لا ؟ "  فالباب اللي تجي منها الريح سدها واستريح " .  وبالمقابل نرى كاتبا يسطر كل ما هو مشين ومعيب ويتمادى في تهجمه ألصبياني على كل من ينقد مقالته أو يبدي وجهة نظر مختلفة ، وحتما سيشعر بالزهو لأنه استطاع أن يمسح ألأرض بناقده . وقد يتفاخر  بهذا ألأنتصار ألوهمي أمام مقربيه ومعارفه ، وربما يعيد قراءة ذلك عليهم مرات ومرات  .... فمن يدري ؟  . ولم تجد نفعا أشارات عدد غير قليل من كتابنا ألنجباء لهذه الظاهرة ألمؤلمة , فبقيت مقترحاتهم وحلولها جملا جميلة في أرشيف ألموقع . ويذكرني ذلك بما قاله ألفيلسوف الهندي طاغور : من هو ألمعتوه ألذي يقول أن ألعالم يسير بنظام ؟  , ومن هو ألمعتوه ألذي يقول أن كل شئ موجود حيث يجب أن يكون ؟

لا أجد أية غرابة في مثل هذه  ألسلوكيات  ألتي تلاحظ  في " ألمنبر ألحر " للموقع .... أيّ موقع وبدون تحديد .. فهي انعكاس لما نصادفه بالفعل على أرض ألواقع . وعلى سبيل المثال ، لو طرح عنوان  معين ساخن  للمناقشة بين مجموعة  متباينة او حتى متجانسة . ماذا سيحصل ؟ واحد يناقش بالحجة والمنطق ، وثان بانفعال وعصبية وقد يترك ألمكان غاضبا ، وثالث بتطرف وتزمت ، ورابع بكياسة يغلب عليها طابع ألمجاملة ،  وخامس يفضل ألسكوت حيث " ألجلوس على ألتل أسلم " ، ولن تجد ردود الفعل ألمختلفة حدودا  ...  وليس بعيدا أن تنجم حينها أو بعدها مشادة كلامية قد تتطور الى  مجابهة بالأيدي والأرجل وكل ما يمسك به بسهولة ، وربما ينقل احدهم الى ألمستشفى وآخر يقام له مجلس عزاء . هذا هو ديدن الأنسان منذ ألبدء .

 وما ألموقع ألا مزيج هجين ... أهواء ومزايا متباعدة ومتقاربة .. تتقاطع وتتوازى ...  فيه ألكبير والصغير ، ألذكر وألانثى ، ألمؤمن بالخالق وناكره  ، ألمتطرف والملتزم ، ألمتمدن والقروي ، ألمتعافي والسقيم  ...والقائمة تطول .. . وتبرز هنا وبوضوح  ظاهرة " تباين ألثقافات " ، وليس ألمقصود بذلك اختلاف ألتحصيل ألدراسي ، وانما الترسبات ألناتجة عن ألتربية ألبيتية والظروف ألمحيطية ألتي تلعب دورا مهما  في تشذيب الفرد  وتهذيبه ومن ثم  تتحكم الى حد ما في سلوكه وتواصله  ألأنساني  . من حسن ألحظ ان ما يحصل في الموقع مجرد  سجالات كتابية ، وعسى أن لا ينقلب " غرماء ألقلم " الى أعداء عند التقائهم على أرض ألواقع .

لا أكون مخطئا في قولي أن ألشريحة العظمى من  رواد ألموقع منتشرة في بلاد الشتات ، وهي ألتي  جاوزت منتصف ألعمر ،  وتملك الوقت ألكافي للجلوس أمام شاشة ألحاسب . ومن الحقائق ألمقبولة بأن ألأنسان كلما تقدم بالعمر يزداد حكمة ، فلذلك يحتكم  في حل ألأزمات ويعول عليه في تقريب وجهات ألنظر . وأيضا يعاب عليه ان بدرت منه تصرفات غير مسؤولة يقال عنها صبيانية  أو تفوه بكلمات نابية غير لائقة كالتي تصدر عن عقل طفولي غير ناضج لا يعي ما ينطق به . ومن هنا أنطلق الى ألمنطق العلمي ألذي يقر بمرور ألكائن ألبشري بمرحلتين طفوليتين : مرحلة بعد الولادة والتي هي ألطفولة ألطبيعية ،  ومرحلة قبل الموت عند ألأفتراض بأن الحياة كتبت له لحين وصوله مرحلة ألكهولة  . ويظهر بأن هنالك في ألموقع من وصلها وربما مبكرا بعض الوقت ، فأطلق لقلمه ألعنان مشبعا الآخرين تجريحا وتقريعا بلا هوادة غير مدرك لمشاعر ألمقابل ناسيا تعابير ألأسف وألأعتذار . وما ألغرابة في ذلك ؟ فلقد عاد الى فترة  طفولته ألأولية ،  ولكن لن يشار اليها بالبراءة والعفوية ولن يغفر له الا أذا أعلن هو نفسه صراحة  عن ذلك ... وبالطبع ليس هنالك من هو على استعداد للقول " حليب أمي فاسد " . وبذلك لن يقطع مسلسل الشتائم والتجريح والشخصنة الا اذا تدخل المشرفون على الموقع ، حيث لم تستطع أن تغير الأقلام التي أبدعت في ألتنويه عنها ضمن " ثقافة ألشتيمة " و " ألشتائم حيلة ألمفلس " وأخرى مماثلة من واقع ألحال .

وحسب قناعتي فأن مهمة ألمشرفين على ألموقع في هذا ألصدد  ليست يسيرة اطلاقا ، ولكنها ليست مستحيلة . وقد يكون   حذف ألموضوع ألساخن ذي ألسجالات ألمقرفة والمقززة بالرغم من عقمها أسهل عليهم  من مراقبة كافة ألمداخلات ومن ثم  غربلتها . كما أني متيقن بأن ألعدد ألحقيقي لرواد أي عنوان مهما كانت شدة جذبه وتاثيره يتراوح بين 500 – 1000 زائر أو أكثر بقليل ، وما المواضيع ألتي جاوزت ذلك الا نتيجة تكرار دخولها لمرات عديدة من قبل نفس ألاشخاص .  ومهما كان ، فان كافة ما ينشر ينقل بعد بضع  أيام الى ألأرشيف وغالبا ما يطويه  النسيان خلال شهر من الزمان .  وبصراحة ، أن أكثر ما يؤلمني هي ألمقالات ألتي تفوح منها رائحة التطرف ،  والتي تروج للفرقة  ، وأيضا ألتي تحوي " كلمات حق يراد بها باطل " .  والأشد من ذلك ألتي تتعرض للسيرة الذاتية  وجل هدفها الشخصنة . وبالمقابل فاني لا اتردد من تصفح العناوين ألتي هي اساسا ليست من اهتماماتي ولكن لسبب بسيط كون كاتبها ، وما أكثرهم ،  يتميز قلمه بألأعتدال والوضوح والرزانة ، حتى وان أختلف معي بالفكر والرأي ... فكأني بذلك ألقي عليه ألتحية تقديرا لأسلوبه ألخطابي المتحضر  .

والآن معك .. أخي زيد .. كلي ثقة بأنك على دراية بما قصدت .. ليست نصيحة أبدا . فكلمة النصيحة حذفتها من مفرداتي من زمن بعيد .. استهجن من يقول لي " أنصحك " ، كما اني لا أوجه النصيحة لاي كان وحتى ألطفل . مجرد ابداء الرأي .. لأني اعرفك شخصيا وأعرف معدنك ألحقيقي وما تحمل من طيبة وميل لخدمة ألآخرين بدون مقابل ، وايضا  روحية ألعمل ألجماعي ألهادف ، والكثير من ألخصال ألأنسانية ألاخرى ألتي أتوقف عن ذكرها . ألست أنت نفسك من ألح علي بمواصلة ألكتابة بعد نشر مقالتي ألأولى عن " انتخابات مجلس ألخورنة " ؟  . للأسف ألشديد ، أوجدت لك غرماء كثيرين بسبب مقالاتك النقدية ألتي تتجاوز  أحيانا دائرة ألنقد ألمتعارف عليه ، وسبق أن ناقشتك وناقشك آخرون على ما اعلم حول  هذه ألنقطة بالذات  ، وأيضا بسسب صياغتك للجمل كي تصل بألفكرة الى الهدف ألمنشود  ولكن بأسلوب لا يسر له البعض . وعلى العكس من ذلك ، تملك قاعدة واسعة من قرائك المعجبين والمتابعين بشغف لما تكتب ، وهم ، بلا شك بانتظار عودتك بشوق .  

أهدي اليك هذه ألأبيات ألشعرية ألمتواضعة ألتي نظمتها خصيصا لك . وللعلم أن آخر ذكرياتي مع نظم ألشعر كانت قصيدة ألقيتها في " مهرجان ألمسابقة ألأدبية " ألذي نظمته ألأخوية ألتي كنت ، بفخر واعتزاز ،  أحد  أعضائها ألنشطين ، تلك هي   " أخوية ألشباب ألجامعي ألمسيحي " . أي من زمان بعيد جدا جدا .... وكما تلاحظ أن قافيتها حرف " ألخاء " ، وهذه ألقافية مع حروف " ألظاء " ،  " أالضاد " ، " ألذال  " ، و" ألغين " من اصعب ألقوافي في ألشعر ألعربي ألعمودي .  

أبسط يراعك وقرطاسك يا أخي            وعد زيدا لنقدك أللاذع ألشمخ
بعض يجول برأيه متباهيا                  حتى ألشتائم لا تنجو من النفخ
لا فخر من جلّ همه جرح غيره           كتقشيب نسوة في زوايا ألمطبخ
فامنح غريمك فرصة ألمتسامح            والحب لا يقاس بمال او فرسخ
ليس ألتغاضي عن ألأساءة شحة           بل هي ألدليل بأنك أنت ألسخي


آمل أن أقرأ لك قريبا وبحلة جديدة وخاصة نحن على مقربة من عيد الفصح ألمجيد ... مبارك لك وللعائلة ألكريمة عيد ألقيامة ألعظيم ... حقا قام  ألمسيح .. حقا قام ...
        
  

34
ذكرياتي مع أللغة ومشاعري
د. صباح قيّا
أسأل نفسي بين فترة وأخرى : لماذا لم أتعلم لغة ألأجداد نطقا ؟ , من هو ألملام أساسا ؟ أنا  أم والديّ , اخوتي أم أصدقائي ؟  ألمحلة أم ألمدرسة ؟ ليس ألجواب بالصعب اطلاقا بعد أن بلغت مرحلة ألنضج , بل بالآحرى تجاوزت ذلك . قناعتي ألان بأني أنا شخصيا أتحمل ألوزر ألأكبر .. كانت لغة " السورث " هي ألدارجة في ألبيت بين والدي ووالدتي , وأيضا يتكلمها ألكثير من أبناء محلتنا . اذن لماذا عجز لساني عن نطقها ؟ انه على ألأغلب تقاعسي وانعدام ألرغبة ألجادة في تداولها ، ربما نتيجة ألعقل ألطفولي ألذي يستمد سعادته من أللعب مع شلة من اقرانه رغم تباينها من جانب وتشابهها من جانب آخر،  ولكنها من دون شك  تستمتع بألحديث  بلغة مشتركة واحدة . أتذكر جيدا بأن أصابع ألأقرباء وألأصدقاء كانت توجه نحو ألمرحومين أبي وأمي تحملهم مسؤولية جهل أولادهم بلغتهم . لأ أعلم كيف تمكنت بعدئذ والى حد اليوم من فهم معظم ما يدور بين أبناء رعيتنا بلهجاتهم ألمختلفة وحتى ألأثورية ( الآشورية ) منها . قد  يخفف ذلك من ألشعور بالأثم ولكن لا يبرر بتاتا  الخطأ ألجسيم  ألذي ارتكبته بحق نفسي وبحق أطفالي من بعدي
 .....  
شاءت ألظروف أن نزور ضيعة والدي لأول مرة وأنا في ألمرحلة ألأعدادية . أقترح ألبعض أن نذهب انا وأخي ألمرحوم ألأكبر مني سنا واخي ألأصغر مني الى ألمقهى ألوحيد آنذاك لنسلّي أنفسنا ونمضي وقتا ممتعا هنالك . راقت لنا ألفكرة وتحمسنا لها فأطلقنا ألعنان لأقدامنا صوبها .  جلسنا لوحدنا في احدى زواياها .  ألكل يرمقنا بنظرات مريبة غاضبة . النادل يتجاهل اشارتنا له متعمدا ويلتفت نحونا بعصبية واضحة نفهم منها :  اخرجوا حالا والا ... وبينما نحن في حيرتنا اقترب صوبنا أحد معارفنا من منطقة سكنانا مرحبا ومندهشا في آن واحد  من وجودنا   ...  شاركنا منضدتنا ونادى على ألنادل " بالسورث "  لجلب ألشاي .. أجابه النادل بانه لا يخدم ألغرباء .. أفهمه صديقنا بأننا لسنا غرباء وانما أصلنا من هذه الضيعة .. فقال له ألنادل اذن لماذا لا يتكلمون " ألسورث " ؟  أقنعه صاحبنا باننا نفهمها ... وعندئذ بدت عليه علامات  ألارتياح  وتقدم الينا بابتسامة ودودة  مصافحا ومعاتبا ... واعدناه بأننا في ألمرة ألقادمة سنخاطبه " بالسورث " ... وكانت تلك ألزيارة ألأولى والأخيرة للمقهى ....

مرت ألسنون ... جاءني يوما احد زملائي في الكلية يدعوني لحضور اجتماع  في كنيسة ألمطران ألراحل ألأب آنذاك اسطيفان كجو لتشكيل اخوية تضم الطلبة ألجامعيين ألألقوش باعتباري أحدهم . حضرت في ألوقت المحدد حيث انتظمنا في ساحة الكنيسة بشكل دائرة يتوسطها ألمرحوم ، وبعد مقدمة مقتضبة طلب من كل واحد من ألحاضرين ألتعريف عن نفسه وعرض وجهة نظره وما يرتأيه من افكار ومقترحات . أستجاب ألحضور تباعا للطلب وطبعا " بالسورث " الى أن جاء دوري في ألكلام , وما أن ابتدأت الجملة ألأولى من كلامي حتى خيم ألوجوم على ألجموع , ألواحد ينظر الى ألآخر بأستغراب .  أحسست  بأن البعض منهم يحدق بي والشرر يتطاير من عينيه . تبعثرت ألأحرف وتطايرت ألكلمات وكأن عقلي أصبح في شبه غيبوبة .. أستفقت على ألصوت ألحنون للمرحوم ألذي يعرفني حق ألمعرفة من خلال نشاطي في أللجنة ألثقافية لأخوية ألشباب  ألجامعي ألمسيحي ألتي كنت أحد أعضائها ألبارزين  ،  وسبق  أن استضفناه  لألقاء عدة محاضرات فيها  وقمت شخصيا بادارة معظمها .  , مما قاله ألمرحوم عني :  من أصول القوشية ، ولد وترعرع بعيدا عنها ولم يزرها الا نادرا ، يفهم " السورث " جيدا ولكنه لا يستطيع ألتعبير عنها كلاما ، أرجو أن نسمح له أن يتكلم بالعربية . وكان لي ما اراد ... وبعد انتهاء ألاجتماع  تكرر المشهد ألذي حدث معي في ألمقهى .. مودة صادقة ممزوجة بعتاب  .

قفزت بي ألأيام لأصل كلية ألضباط ألأحتياط ... وفي فترة من فترات ألاستراحة بعد وصلة تدريبية شاقة , وبينما انا جالس بين مجموعة من زملائي توجه نحوي فجأة احد ألتلاميذ مستفسرا مني  " بالسورث " ان كنت انا من يقصد  ... وعندما اجبته بالأيجاب امتعض وغادر على الفور بدون أية اضافة اخرى . تعجب زملائي من هذا التصرف الغريب ولم أجد أنا تفسيرا مقنعا لهم . وبعد مدة من ألزمن نقل لي بعض أقاربي رأيه عني باني متكبر وأتعمد  عدم التحدث " بالسورث " ، ولم يقتنع أبدا بتاكيدهم له باني أفهمها  فقط ...

 يبرز ألآن تساؤلي : هل قلل عدم اتقاني لغتي من اعتزازي بمسقط رأس والدي ومثوى أجدادي ؟ تتفق ألاغلبية بأن أهم مقومات ارتباط ألأنسان بأصله وفصله هي ألأرض واللغة... فهل يعني ذلك أن من لا  يسكن تلك ألأرض ولا يتكلم لغتها فقد ارتباطه بأهلها وتاريخها ؟ كيف نفسر اذن استمرار الألتحام ألروحي والمعنوي وحتى ألجسدي لمن غادرها طفلا أو لمن لم يطأها اطلاقا ولأجيال ماضية وربما قادمة أيضا ؟ كيف يكون ألحال عندما تنسلخ تلك ألارض من ساكنيها ألأصليين عنوة أم  بتأثير ظروف قاهرة ؟ ماذا سيحصل لذلك ألالتصاق ألعقلي والعاطفي والمادي عندما تنحسر أللغة تدريجيا وتنصهر في بودقة ألواقع شئنا به أم أبينا ؟ ألأرض نغادرها تباعا واللغة تتآكل يوميا فمن سيحافظ بعدئذ على خيوطنا ألممتدة نحو ألبقعة ألتي تحمل تراثنا وتحكي قصة تاريخنا ويرقد في أعماقها أسلافنا ؟ هنالك عامل جوهري تتوازى أهميته مع عامل أللغة ان لم يتفوق عليها أحيانا . ذلك هو " ألشعور " وما يحويه من أحاسيس انسانية ملتزمة وصادقة . فعند توفر ألعاملين نكون قد حققنا أسمى معاني التمسك بالأرض والأنتماء الى ماضيها وحاضرها . ولكن أي العاملين له الكفة ألراجحة ان اختلف ميزان احدهما ؟ كلنا يعلم بأن ألأستاذ ألناجح هو ألذي يستطيع ايصال المعلومة الى طلبته . والأستاذ ألمرموق من يمتلك المعلومة من ناحية  ويتمكن من نقلها الى تلاميذه من ناحية أخرى . فلا فائدة ترجى ممن يتحلى بالخاصية الأولى ويفتقد الثانية , ولكنه يثمر من هو عكس ذلك رغم صغر حجم معلومته. فاللغة هي " ألمعلومة "  ، والشعور هو " ألأمكانية " .. وعليه فان أللغة ان لم تكن مقترنة بالشعور تظل مجرد لغة ... ويبقى ألشعور حتى بدون أللغة طريقا معبدا صوب قلب ألحبيبة ...    
  

35
ألتصميم ألذكي ... شذرات مختارة 2
د.صباح قيّا    

  هنالك فقط  نموذجان لأصل ألكائنات . أذا الحياة لم تتطور فذلك يعني أنها خلقت .......  

ألسؤال  ألان : لملذا تجادل نظرية ألتطور بشدة وعمق ؟ ألجواب ببساطة :  لأنها تطرح أسئلة أساسية عن ماهية  ألانسان ... هل هو نتاج عرضي لقوى مخفية في ألطبيعة ؟ أم أنه قمة الخلق ألذي قصده حب ألرب ؟ هل يمكن تفسير كل ما تتصف به ألحياة من جمال وتعقيد وتنوع على ألاختلاف ألعشوائي أو ألأقتناء ألطبيعي ؟ أو أن ألعالم بما يحتوي يعزى الى عمل مصنّع بارع ؟ ... هل ألتطور حقيقة ؟ وهل أبعد دور ألله  ؟ أم أن ألله استخدمه لخلق ألأنسان ؟  هل هنالك دليل علمي على كون الحياة مصممة ؟ ...بالرغم من صعوبة  تخيل سلسلة اسئلة أهم من تلك ... يبرز ألسوال ألتالي :   كيف  يتلاءم  " ألتصميم ألذكي " مع  ألصراع  ألدائر بين ألخلق والتطور ؟ . تتطلب ألاجابة  فهم معناه ومعنى كل من " ألتطور  و  " ألخلق " .

يشمل  التطور معان كثيرة ومختلفة  وعليه يتعذر ايجاد تعريف محدد له ... بعض ما يعنيه لا يقبل ألجدل مثل تغير ألأشياء بمرور الوقت , أو تكيف ألكائنات لتغير ألأجواء ألمحيطة . وكمثل على ذلك اكتساب ألبكتريا خاصية ألمقاومة ضد مضادات ألحياة , أو تغير حجم مناقير ألعصافير بتبدل ألطقس. ويطلق على هذا النوع من ألتطور ب " ألتطورات ألصغيرة "  , ولا يشكك فيه أحد . وكم هي مفيدة فكرة " ألتطورات ألصغيرة " لعلم ألأحياء الا أنها غير ذات صلة بالأدعاءات  ألكبيرة للدارونية , حيث لا ينهض عنها نوع جديد – ألبكتريا تبقى بكتريا والعصافير تظل عصافيرا . ولكن يحصل ألألتباس والأرتباك عند ألمجاهرة بأن " ألتطورات ألصغيرة " تؤدي حتما الى  " التطورات ألكبيرة "  محدثة تغيرات جذرية تنتج عنها أنواع جديدة كاملة تماما . ولتؤكد , بدون دليل , بأن ألكائنات ألحية لها قابلية غير محدودة  للتغير .
  
 " التطورات ألكبيرة " هي الميزة ألمركزية لنظرية ألتطور ألتي تستند على نقطتين جوهريتين : ألنقطة الأولى تدعي بأن  ألكائنات ألحية تنحدر برمتها من سلف مشترك . وتعلل ألنقطة ألثانية هذه ألعملية كنتاج للانتقاء ألطبيعي متمثلا بالأختلافات ألعشوائية ، وألتي تعمل صدفة وحسب ألحاجة  بعيدا عن أي قصد واضح او مصمم مباشر . أي بمعنى آخر أن ألطبيعة تنتقي ألكائن ألأصلح , ألأقوى ، ألأسرع ، وألأصح للبقاء ولأنجاب ألذريات ... لا غرابة في هذه ألفكرة مطلقا حيث أنها تلاحظ يوميا كظاهرة منطقية . ولكن ما يثير ألجدل هو ألأدعاء بأن هذه ألعملية بمفردها تؤدي الى نشوء أنواع جديدة من ألكائنات ... وبذلك ممكن ألقول وببساطة بأني وحيوان ألحلزون أبناء ألعم , وقد يكون ألقرد أحد أجدادي ضمن ألشجرة ألمفقودة للعائلة .

لا شك أن نظرية ألتطور حققت ألكثير مما جاء فيها ,  ولكن نظرا لظهور ثغرات تطبيقية مهمة وملموسة أضيف اليها علم ألوراثة منذ أربعينيات ألقرن ألماضي وسميت بعدئذ ب " ألدارونية ألحديثة " أو " نظرية ألتطور ألمعاصرة " ، والتي تقر بأن كائنا ما يصير أصلح من غيره من خلال ألتحولات ألعشوائية للجينات ، أي بحسب لسان ألعموم : بضربة حظ .

يتوهم البعض بأن مؤيدي " ألدارونية " يقتصر على رافضي الله فقط . ولكن واقع الحال يدل على تمسك قسم من ألتطويريين بأعتقاده أن ألله استخدم " ألدارونية " لأنتاج ألأشكال ألحياتية ألمختلفة والمعقدة المنتشرة في ارجاء ألمعمورة , ويقر بأن ألأيمان بالرب يتفق مع " تطوير دارون " من ناحية . ولكنه من ناحية أخرى يدعي  بأن ألكون لم يوفر ألدليل ألعلمي عن وجود مصمم  ذكي في ألطبيعة , ويقر بأن ألعالم ألأحيائي قد يبدو مصمما  ولكن ذلك اما بتاثير حدس ديني أو وهم  صنعي .

لماذا ألتركيز في ألأحياء والفيزياء والكيمياء ألحياتية على ألدليل ألعلمي لتصميم ألحياة ؟ ولم يبتعد الانسان عن ألأيمان ؟ هنالك من يعتقد بأن الكتاب ألمقدس خليط من نصوص قديمة كتبت من قبل سذج لا يفقهون نصف ما كتبوا عنه , ولم يكونوا اطلاقا ملهمين من قبل ألروح ألقدس . وأيضا يلقن ألطلبة في هذا ألعصر أن ينظروا الى العالم بطريقة تعرف ب " الطبيعية " وألتي تبصره كنظام مستقل من ألمادة والطاقة، ويعمل بقوانين طبيعية غير متقطعة . وتحسب كل ما موجود في ألكون حدث صدفة وحسب ألحاجة . سواء كان  ألله  موجودا ام لا ، فان الطبيعة تعمل من دون ألأشارة اليه ولا تظهر أية علامة لحضوره .

جلّ ما يرمي اليه " ألخلق "  هو أن ألكون تم خلقه من قبل قوة أزلية عليا ، خارقة وغير منظورة . هنالك مجموعتان من ألخلقيين . أحداهما تؤمن ب  " الخلق الحديث للأرض " اعتمادا على ما جاء في سفر ألتكوين من ألكتاب ألمقدس ، وألذي فحواه بأن  ألله خلق ألعالم في ست ايام كاملة ، وأن عمر ألكون 10000 سنة تقريبا ، كما أن ألمتحجرات ألمكتشفة عبر حفريات ألعلماء يعزى معظمها الى طوفان نوح . أما ألمجموعة ألأخرى فتحبذ " ألخلق ألقديم للأرض "  حيث تسمح  بمساحة أعرض في تفسير سفر ألتكوين ، كما أنها تعتمد  ألمعايير ألعلمية للتواريخ مثل 4.5  بليون سنة تقريبا لعمر ألأرض ، و 13.7 بليون سنة لعمر ألكون . وأيضا تتقبل " ألتطورات ألصغيرة "  كطريقة ألله في تكيف ألأنواع ألموجودة  لتغير ألمحيط والأجواء ، ولكنها ترفض " ألتطورات ألكبيرة " .

أين موقع " ألتصميم ألذكي " من " التطور "  ومن " ألخلق " ؟ غالبا ما يخلط مع " ألخلق " ولكن في الواقع يختلف عنه تماما . فبدل أن يبدأ بشرح معين لسفر ألتكوين ، فانه يبدأ بالتحرّي عن ألعالم ألطبيعي . وعليه ، فأن ألأختلاف ألأعظم هو عدم اعتماد " نظرية ألتصميم ألذكي " على افتراضات لاهوتية مسبقة للتعرف على ألفعالية الذكية ، بل على طرق موثوق بها نمت وتقدمت  ضمن المجتمع ألعلمي .......................... يتبع
 
        

36
ألتصميم ألذكي ... شذرات مختارة 1
                                                                                                                        د. صباح قيّا

شدد البابا بنديكتوس السادس عشر في كتابه " ألخلق والتطور " على ألثغرات وأوجه ألقصور في نظرية ألنشوء والأرتقاء ألتي تفتح ألمجال لتساؤلات أساسية عن بدء ألخليقة  ، وقال أيضا : ان " نظرية داروين "  لا يمكن اثباتها من خلال ألتجريب والملاحظة لأنه من ألمستحيل وضع عشرة آلاف جيل في مختبر . وأن احتمال صحتها ليس صفرا لكنه ليس واحد ايضا . وأضاف : يبدو لي أنه من ألمهم الأشارة الى أن نظرية ألتطور تثير تساؤلات تدخل في نطاق ألفلسفة وتقود هي نفسها الى ما وراء مجال ألعلم . كما أشاد البابا في نفس ألوقت بالتقدم ألذي أتاحته ألعلوم بقوله : ان ألعلوم ألطبيعية فتحت أبعادا واسعة للفكر كانت مغلقة حتى ذلك الحين ونقلت الينا معارف جديدة ، وهي تطرح اسئلة يجب أن توجه للمنطق ولا ينبغي أن نتركها للاحساس ألديني .

لا يمكن اغفال الاندفاع الملموس والجذب الواسع  لمعظم علماء ألطبيعة لتلك ألنظرية منذ أن نشرها عالم ألاحياء ألبريطاني تشارلز داروين 1809-1882  في كتابه " أصل ألأنواع " عام 1859 ، والتي تفسر تنوع ألحياة من خلال عملية تطور بطيئة في اطار ألصراع للبقاء .  قد يكون ذلك ناتجا عن قناعة عند ألبعض ، ولكن حتما هنالك من لحق بالبقية على قاعدة " حشر مع الناس عيد " . وايضا روج لها آخرون ظنا منهم بأن ذلك يجعلهم مصنفين  ضمن خانة ألعلماء ألتطويريين رغم محدودية مساهمتهم أو عدمها تماما.  ربما نبتعد عن جوهر ألحقيقة  لو اعتقدنا بأن عمل " داروين " الرئيسي  كان محاولة منه لوضع مفهوم التطور على أساس علمي صلب ، فذلك كان شأنا ثانويا ، فهو لم يحصل على تدريب منهجي في ألعلوم الطبيعية على ألاطلاق ، وكان يؤمن بأن ألكائنات ألحية ترث صفات مكتسبة ، والتي هي ألآن نظرية منقرضة  من ألناحية ألعلمية  . ورغم اسهاماته المفيدة في اختصاصات علمية متعددة كعلم ألحيوان ، ألنبات ، ألجيولوجي ، وعلم ألمتحجرات ، ولكن يبقى أبرز انجاز دائم  له ليس في حقل ألعلم وانما في عالم ألفلسفة .

لم تحضى " نظرية ألتطور" بدعم واسناد طبقة واسعة من العلماء والباحثين فحسب ، وانما تنعم بتأييد ومؤازرة ديانات وطوائف شتى تعدها من اولوياتها الاساسية ، وتشمل   ألبوذية ، ألكونفوشيوسية ، ألهندوسية ، ألتاوية ، وحتى من يطلق على إسلوبه ألأيماني بالبروتستانتية ألمتحررة ,    وألكاثوليكية ألمعاصرة ، واليهودية ألأصلاحية ، وما شاكل . ولا نغفل ألملحدين ، واللادينيين ،  ومن يعرف بالأنسانيين  .  

قناعتي بأن "  نظرية ألتطور " هي نوع من  ألفلسفة لتفسير الوجود والحياة  ، ويكمن شيوعها واتساع رقعتها بسبب إقتران  هذه ألفلسفة  بالنظرية العلمية . ولو لم يكن  عامل ألعلم هو السائد لتدحرجت وغاصت في اعماق ألنسيان كما حصل لكافة ألفلسفات ألألحادية التي ظهرت بعد منتصف ألقرن ألثامن عشر ، وأيضا ما آلت اليه حديثا ألفلسفة ألوجودية ألملحدة , وأخيرا النظرية ألأممية الاقتصادية . وبالرغم من مرور اكثر من قرن ونصف على ظهورها وما لاقته ولا تزال  من ثشجيع مادي ومعنوي فانها لم تستطع أن تقدم ما يبرهن على صحتها .  وعليه ، وكما هو معروف ، فان ألنظرية بدون برهان تظل نظرية ولن تصير حقيقة اطلاقا . وتدل قراءات الواقع بأن أفلها بدأ يتضاءل تدريجيا ،  ولو ببطء شديد ، ولكن باتجاه نظرية ألخلق .

ألصراع بين أنصار  " نظرية ألتطور " والذين يعرفون بالتطويريين , وأنصار " نظرية ألخلق " الذين يدعون بالخلقيين ، قائم منذ عدة عقود . كل يحاول اثبات أرجحية نظريته بالحجة ألعلمية والدليل ألملموس . لا نقرأ في حيثيات صراعهما ألمستديم جملا تصغيرية أو اتهامات باطلة مثل الايمان بالخزعبلات أو الغيبيات أو ألأساطير أو ألخرافات ... والقائمة تطول . لا يصف ألتطويري  نفسه بالمتبحر أو يدعي بأنه تنويري وغريمه متخلف  جاهل و غارق في بحر ألظلمات والضلال . كل طرف بدائرته عالم وليس بعلمه أو معرفته واهم . ولن يرضى أي طرف أن يفرض فرضيته على الطرف ألآخر وانما محاولة كسبه عن قناعة بعد إثبات صحة فرضيته وتقديم البرهان المطلوب   . .. فهل نتعلم  ؟  ومتى  ؟

عادة ما ينتقد التطويريون ألخلقيين لأنتقائهم ألأخطاء ألتي تظهر في نظرية ألتطور بدل السماح لنموذج ألخلق بالأرتكاز على جدارته ألذاتية . ما لا  يحاول أن يعيه ألتطويريون هو أن هنالك فقط  نموذجان لأصل ألكائنات . أذا الحياة لم تتطور فذلك يعني أنها خلقت . وعليه فان أي دليل ضد التطور هو دليل للخلق ، وأي دليل ضد ألخلق هو بمثابة دليل لصالح ألتطور ......... يتبع .







37
رسالتي ألرابعة الى راعي الكنيسة الكلدانية
                                                                                                                            د. صباح قيّا
بادئ ذي بدء ....  اعترف بأني لم يسبق لي ألتصويت لأي مرشح برلماني , سواء كان نوابي أو أعياني ، منذ تشكيل ألدولة العراقية ولليوم , ولم أقرر بعد  عن مشاركتي بصوتي أم لا خلال ألأنتخابات ألبرلمانية  القريبة ألقادمة . احتراماتي لكافة ألمرشحين ضمن ألقوائم أو بدونها  مع تمنياتي بالحظ السعيد للجميع .                                                                                                      

  أمضيت ألأشهر ألأولى من دخولي كلية طب بغداد في أحد فنادق ألحيدرخانة في غرفة مطلة على شارع ألرشيد , وسنحت لي الفرصة ولمرات عديدة من ألأستمتاع بألألحان ألشجية والأهازيج  والهتافات التي كانت تنطلق من افواه مواكب المتظاهرين في مسيراتهم بمناسبات مختلفة . ومن تلك ألتي اتذكرها دائما ولا أنساها بسبب مشاهدتي للعديد من أحبائي واقربائي يرددونها بحماس في احدى هذه  التظاهرات وهي : جزائر أحرار .. جزائر أحرار ... فلتسقط انكلترا وفرنسا ألفاجرة وأمريكا أم العار ... يسقط ألأستعمار . وتشاء الصدف أن يستقر كل  من رأيته من معارفي  ذلك الوقت في دولة " أم العار " أو حليفاتها أو صديقاتها  .. ولم أسمع اطلاقا عن هجرة اي منهم الى ألبلدان التي كانوا يحملون ، مخيرين أم مضطرين , عقيدتها  , وينفذون , بوعي أو بدونه ,  اجندتها  ... انه المضحك المبكي من ناحية ... والتناقض الفكري ألمتأصل  في نفوسنا بسبب  الجينات التي تتحكم بالعقلية ألشرقية عامة والعربية  خاصة , من ناحية اخرى ... أحلل لنفسي ما أحرم لغيري , وأحرمها مما أحلل لغيري  ... أقول عكس ما افعل , وأفعل غير ما اقول ....  لن أستثني أحدا حتى نفسي .. واشمل بذلك رجال كنبستي ... لأنهم من نفس طينتي .. وعلى كروموزومهم  ترقد اشباه جيناتي ...

 تعلمت : " أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " . لا أصدق بان الكنيسة تشتط عن هذا التعليم المقدس  ... من الضروري جدا جدا توخي الدقة والحذر في اختيار الكلمات والجمل التي تنسب اليها لكي لا يساء القصد ويحرف المعنى , وبذلك يهتز موقفها ويتسرب الشك الى  رؤوس رعيتها . هل اطلعتم على الترجمة الخبيثة لكرازة البابا بمناسبة الميلاد ؟  وما تلاه من التوضيح الفوري وقبر الفتنة في مهدها .. هذا ما نود أن نلمسه من كنيستنا على لسان من ينطق رسميا بأسمها .. مع تجنب التعابير المطلقة والصارمة , الا بما يمس ألأيمان المسيحي . وايضا ألأبتعاد عن التعميم  والتاكيد على ذكر الحقائق كما هي وبصراحة , فالكنيسة ليست مؤسسة أمنية او ما شاكل لكي تتعامل مع رعيتها بالشفر . يكفي ما نحن عليه من تشرذم ولن نتحمل المزيد .

  تـساؤلي الآن : من هم ألاشخاص المستغلون والذين ينتحلون صفة الشيخ ويدعون تمثيل طائفة الكلدان ؟ انني لم اسمع الا بشيخ واحد يلقب ب " ألشيخ ألكلداني " , ولا أعتقد ان هنالك غرابة في الموضوع .. أعرف الكثيرين ممن يحمل لقب " ألكلداني " ’ وأيضا " ألسرياني " و " النسطوري " و " اليعقوبي "  ...  ألخ...  ألأنسان حر باللقب الذي يفضله .. وما هو مرفوض حتما من يدعي بأنه  " شيخ ألكلدان " أو " الشيخ على ألكلدان " .. أعلموني من هو ؟ كي أخصه في مقالتي القادمة  .... هنالك من يقول بان المسيحية تخلو من صفة  " ألشيخ " . , ولكن .. ألم يلقب  صاحب ألترجمة السبعينية وألذي ساهم بنقل ألتوراة من العبرانية الى اليونانية ب " ألشيخ " ؟ كما ان أول رئيس جمهورية لبناني , وهو ماروني كاثوليكي , يعرف ب " الشيخ" . وهنالك عائلة عراقية كاثوليكية سريانية كانت تملك مراكب جنوب العراق تلقب ب " ألشيخ " .  ولا أعلم ماذا ستقول كنيستنا عند بروز " ألشيوخ ألكلدانية " ألجديدة والقادمة من أور ألكلدان ؟ وذلك ليس بالحدث ألبعيد أبدا .

 تساؤلي الثاني : لماذا قبلت  وسمحت ل " ألشيخ ألكلداني " بزيارة وتفقد العديد من موسساتتنا الكنسية  ومن ضمنها بعض كنائسنا ؟ وماذا عن ألزيارات لشخصه وفي مقر عمله وألتي قام بها رجال دين وممثلون عن  كنيستنا  ؟ أضافة الى دعوته لحضور بعض النشاطات ألكنسية  ؟. لا يا كنيستي ألغالية والعزيزة عليّ وعلى ألكثيرين .. لن يسعدنا هذا ألتناقض , ولن تسرنا هذه ألأزدواجية على ألاطلاق .

لا يقتصر اطلاق  كلمة " الشيخ " في ألعصر ألحالي على رئيس القبيلة أو ألعشيرة ’ بل يتعداها ليشمل شرائح أخرى  من المجتمع . وتعني , من الناحية اللغوية , من أدرك الخمسين من العمر .  ولكنها أيضا  تطلق على من له مكانة علمية او فضل أو رياسة ، بالأضافة الى من له مال وجاه ، او سطوة وسلطان , بغض النظر عن العمر . وذلك يعزز ألامتلة ألمذكورة اعلاه .

اقف ألآن برهة وجيزة لأقرأ ألتوضيح : لا أحد يمثل ألطائفة ألكلدانية كنسيا الا رئاستها وسياسيا الا أحزابها ألمعتمدة . تساؤلي ألان : ما المقصود بالطائفة ؟ هل الكنيسة لا تعترف بالكلدان كقومية ؟ ... نحتاج الى اجابة صريحة وواضحة ....  نعم لا أحد يمثلنا كنسيا الا رئاستنا ... أؤيد ذلك مائة بالمائة  رغم كون ألأسلوب يغلب عليه طابع  " ألأنا " ,  ولا استغرب ذلك ما دام ألتعبير صادرا من عقلية  شرقية لا تعترف الا بذاتها  وقدرتها المتميزة  وأوحديتها القيادية .... والأهم ماذا تعني " وسياسيا الا احزابها ألمعتمدة " ؟ ... سؤالي :  معتمدة ممن ؟ من ألكنيسة ؟ من سلطة الدولة ؟ من الحكومة المركزية أو من حكومة ألأقليم ؟ ما هي ألمعايير من وجهة نظر كنيستنا المبجلة لكي تكون تلك التجمعات ألسياسية  أو ألتنظيمات الحزبية " معتمدة " وما يظهر حديثا ويبرز جديدا على الساحة ألعراقية " غير معتمدا " رغم كون ذلك ضمن المقررات الدستورية ولا يتعارض مع القوانين ألمرعية ألسائدة ؟ هل سبق لتلك " ألمعتمدة " أن قدمت فروض الطاعة لرئاسة كنيستنا ألجليلة لكي تسند بصورة غير مباشرة من خلال ألأشارة ألسلبية لمن قراءات الواقع تقر بحظه ألاوفر في نيل بطاقة ألدخول الى قبة ألبرلمان ؟؟  .

 يا أقدم كنيسة في ألتاريخ المشرقي وربما في ألأيمان المسيحي  ... هل من ألممكن ألأفصاح لرعيتك ألمهمشة عن ألذين نددوا بالتصرفات ألتي دفعتك لأصدار مثل هذا ألتوضيح ألذي لن يؤدي الا الى ألمزيد من ألضياع والفرقة والأشتطاط الكنسي والرعوي ... هل يعقل أن تنقاد كنيسة ألشهداء عبر ألتاريخ الغابر والمعاصر الى رسائل أقل ما يقال عنها بأنها تحوي " كلمات حق يراد بها باطل " .    
        


38
ميلاد مجيد ... أم عطلة سعيدة
  د. صباح قيّا  
فاجأتها بردي العفوي السريع "  ميلاد مجيد  " جوابا على تهنئتها لي العام الماضي بعبارة " عطلة سعيدة  " .  أمرأة من أصول لبنانية مسلمة تعمل معي في نفس المؤسسة الطبية . كانت دهشتها أشد من سيل اسئلتي المتعاقبة اللاحقة , وبدأت , أحيانا ،  تتعثر وتتلكأ من الخجل ألذي بدى واضحا على محياها ، وبريق وجهها يتلاشى تدريجيا فيغدو بلون ورقة الشجر أيام الخريف . ربما لم تصادف مثل هذا الموقف المحرج  قبلا ، ولم يسبق لها أن تلقت اعتراضا جديّا بهذا الشكل  منذ استقرارها الحديث نسبيا في بلاد المهجر  .
 لماذا يا أختاه " عطلة سعيدة " والمناسبة هي الأحتفال بذكرى ميلاد  " السيد المسيح " ألذي ، بلا شك ، تعترفين به وأنت " مسلمة ملتزمة " وتفهمين جيدا ما جاء في كتابكم ؟ ألكل هنا يهنئ بهذه الطريقة ... طيّب ... ماذا يقول لك الأهل والأحباب في عيد ميلادك ؟... مبروك الميلاد وانشاء الله مائة عام ...          
أنت ترعرعت في بلد يتعايش فيه المسيحيون والمسلمون ... هل يحتفل الناس ب " العطلة السعيدة " أم ب " الميلاد المجيد " و " رأس السنة الجديدة " ؟ : ماذا تنشر الصحف وماذا يقدم الأعلام  بهذه المناسبة ؟ كيف يخاطب الملوك والرؤساء وكافة المسؤولين في شتى الدول الأسلامية والأقطار العربية في رسائلهم الى المسيحيين في كافة دول العالم عامة ودولهم بصورة خاصة ؟ ... نهنئكم بذكرى ميلاد نبيّ المحبة والسلام ...                                                                                              
هل تعلمين من ابتكر هذه البدعة الضالة ؟ , ومن يروج لها ؟ ومن يعمل على  بسطها ونقل عدواها الى بقاع العالم قاطبة ؟ وما هو الهدف الحقبقي الذي يكمن في عقول المخططين والمدافعين عنها بضراوة وعناد ؟ ... كلا لا أعلم ولم أتصور اطلاقا أنها تحمل في طياتها أبعادا خبيثة وخفايا لعينة ...  ، جيد  .. أنا لا أريد الخوض في ألتفاصيل , ولكن , وباختصار , أنها نتاج النرجسية عند بعض الساسة الذين لا يترددوا أن يمدوا  أيديهم للشيطان من اجل مصالحهم الذاتية ... انها دعوة الذين يرعبهم الأيمان المسيحي لمقاومته ورفضه كل ما يشذ عن الحياة الانسانية السويّة .. أنها حلم الشعب ألذي  لا يعترف بنزول المسيح  بعد وينتظر قدومه ليقوده الى الخلاص ويحكم العالم .. انها لوثة العقول المريضة التي ترفض وتحاول أن تمحي  كل ما له علاقة بالرب بحجة احترام حرية الفكر وتجنب كل ما يثير أو يخدش المشاعر الفردية  .. أنها ... وانها .. وانها ..... شكرا أخي , لقد نورتني .. أرجو قبول اعتذاري وثق باني لن استخدمها ثانية , وسانقل ذلك الى زوجي وافراد عائلتي  ، ونعود كما كنا في لبنان الأرز : عيد ميلاد سعيد وسنة جديدة مباركة ..... نعم ... نعم ... لنردد سوية :

                               Merry Christmas & Happy New Year “ Yeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeeee                                                                                             “ Happy Holiday ”  Nooooooooooooooooooooooooooooooooooooo                                                
ماذا نعمل ازاء هذا المد الغريب والآخذ بالأستفحال تدريجيا والذي قد يقوض ركنا جوهريا من أركان الرسالة الأيمانية باضطراد رقعته وسعة شموليته مع تعاقب الاجيال  ؟ الى متى نصبر ونظل متفرجين على التقليم المبرمج لما جبل عليه أجدادنا واباؤنا لألفين عام من الزمان ؟
أيها البابا المبجل في روما .. أيها البابا الجليل في الأسكندرية .. أيها البطاركة والمطارنة  والأباء الموقرين في كل زاوية من العالم الصغير .. تحدثوا الينا واقترحوا علينا بما سيلهمكم به الروح القدس . .. اننا على ثقة بان الكنيسة ستبقى شامخة بصمودها وراسخة في ايمانها .. لم تنحني سابقا  لتائهات القدر ولن تزعزعها اليوم  شرائع النفر القليل من اشباه البشر . أني على استعداد بالاستمرار في عملي يوم عيد ميلاد المخلص كي اذيب لحن " العطلة السعيدة " في جوف من يعزف على هذا الوتر .
وأنتم يا أحبائي العلمانيين .. ردوا بقولكم " ميلاد مجيد " على من يمد يده اليكم  او يفتح فاهه معكم  ب " عطلة سعيدة " . وهنيئا لكم جميعا حلول " عيد الميلاد المجيد "  واطلالة " السنة الجديدة المباركة "
Viva ….Viva … HAPPY CHRISTMAS                      Down … Down … Happy Holiday
 

                                                                                                                                                                                            

39
المنبر الحر / حكايات طبية – 8
« في: 11:37 30/11/2013  »
حكايــــــــــــــــــــــــــــات طبيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة – 8
د صباح قيّا
    ( Poliomyelitis )  شلل  الأطفال
ودخل يسوع كفرناحوم , فجاءه ضابط روماني وتوسل اليه بقوله: " يا سيد ، خادمي طريح الفراش في البيت ولا يقدر أن يتحرك " . فقال له يسوع : " انا ذاهب لأشفيه " . فأجاب الضابط : " أنا لا أستحق ،  يا سيدي ، أن تدخل تحت سقف بيتي . ولكن يكفي أن تقول كلمة فيشفى خادمي . فتعجب يسوع من كلامه وقال للذين يتبعونه : " الحق أقول لكم : ما وجدت مثل هذا الايمان عند أحد في اسرائيل . ثم قال يسوع للضابط : اذهب ، وليكن لك على قدر ايمانك " . فشفي الخادم في تلك الساعة . ( متى  8 : 5 – 8 , لوقا 7 : 1 – 10 ، يوحنا 4 : 43 – 54 ) .
رسم المصريون القدامى أول صورة لضحاياه ... واستمرت المعركة معه منذ ذلك الزمان .. يهاجم بدون سابق انذار .. يعيق أو يميت  خلال ساعات .. يطرق باب الغني والفقير  ، الكبير  والصغير . استحق شهرته  كأشدّ الأمراض رعبا حيث سبق وأن شلّ  وقتل ، في ذروته ، أكثر من نصف مليون سنويا في كل قطر من  أقطار المعمورة قاطبة  . عصفت موجات وبائية منه  خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي عدة  بلدان منها كندا ، الولايات المتحدة ، والمملكة المتحدة ، فأثار الهلع بين سكانها وامتلأت مستشفياتها بالمبتلين به .
شلل الأطفال مرض معد جدا .. سببه فيروس .. يصيب كافة الأعمار وبالأخص الأطفال دون سن الخامسة من العمر .  ينتقل من شخص الى آخر ، غالبا ، عند تناول الطعام او شرب الماء الملوث ببراز المريض ، ونادرا ، بواسطة الرذاذ المتطاير من الفم .  وينتشر بسهولة الى  كافة أطفال البيت الواحد . تتراوح مدة الحضانة من 3 – 35 يوم ، وتسري العدوى من 7 – 10 ايام قبل وبعد ظهور أول عرض للمرض الذي يستقر  في الأمعاء أولا  ثم يهاجم الجهاز العصبي المركزي بعد دخوله مجرى الدم . ويتمكن من قتل خلايا العصب الذي يتحكم في نشاط  العضلات وبمعدل 1/200 حالة .
   يبدأ المرض  بارتفاع طفيف في درجة حرارة الجسم . وخلال 2 – 3 أيام يشكو المريض من صداع ، صلابة الرقبة  وآلام عضلية في الظهر والأطراف  مع ارتفاع شديد في درجة الحرارة ، وأيضا احتقان البلعوم ، ليونة الغائط  ، واضطراب المعدة . ويعقب ذلك شلل الوجه أو الصدر , فقدان حركة الأطراف السفلى او العليا ثم صعوبة التنفس الذي يؤدي الى الوفاة احيانا .
يتم التشخيص بالكشف عن الفيروس في نموذج من الغائط ، او في مسحة من البلعوم .
بالرغم من عدم توفر علاج شاف ، الا أن الحرب الكونية المعلنة  ضده في صفحاتها الأخيرة والنصر يقترب من البصر بعد مضي 5000 سنة على الصراع القاسي معه  . كل ذلك بفضل اللقاح الوقائي الذي اكتشفه  الدكتور جوناس سالك عام 1955 ، والآخر المكتشف من قبل الدكتور البرت سابن سنة 1961 وهو المفضل حاليا في جدول التطعيم الدوري للأطفال والذي يعطى بشكل قطرات عن طريق الفم مع اللقاح الثلاثي في الشهر الثاني والرابع والسادس ، ويعزز بجرع منشطة في الشهر 18 وبين 4 – 6 سنة من العمر .
وبعد ان تم صد الفيروس بايصال اللقاح الواقي الى صحاري السودان وغابات الكونغو ومن جبال النيبال الى معسكرات اللاجئين في افغانستان . برزت ، للاسف الشديد ،  مخاوف جادة من امكانية انتشار المرض الى دول الجوار ومن ثم الى اوربا وبقية بقاع العالم  بعد  تشخيص عدة اصابات في سوريا بسبب عدم الالتزام بمواعيد تناول اللقاح من ناحية وخلل البنى التحتية من ناحية اخرى  كنتيجة للحرب الأهلية الدائرة هناك منذ أكتر من عامين  . وبغية تطويقه ، يستوجب اعطاء اللقاح لجميع اللاجئين من سوريا ، وايضا التحري عن الفيروس بمسح المجاري وخزانات تصريف المياه لدول اللجوء والتي تشمل بلدنا الحبيب . 
 




40
المنبر الحر / ارهاب القلم
« في: 21:05 23/11/2013  »
ارهاب القلم
د. صباح قيّا                
لم يطرق سمعي مصطلح " الأرهاب " الا قبل فترة وجيزة ، حيث لم يكن مألوفا أو متداولا  خلال مراحل دراستي . كانت المسميات للاجرام متنوعة ، منها   القتل  ،  السرقة ، السطو ، الأغتصاب ، الأحتيال ، النشل ، الخيانة ، التجسس ، والقائمة تطول , ورغم ذلك لا اذكر انه كان من  ضمنها , واذا كان , فربما مهمّشا ومغمورا في ذيلها. و فجأة  بسط جناحه في بقاع مختلفة من العالم ، وانتقلت عدواه الى بلدي وبقسوة قلّ مثيلها . نسبه أصحاب القرار الى متطرفين .... دينيين  ..أو مذهبيين .. أو قوميين .. , ولم تسلم بعض التنظيمات الوطنية والسياسية من دائرتهم .. فأحيانا تشمل  واحيانا اخرى تعفى  . كيف  ؟ ولماذا ؟ لأ أعلم .. فالأمر والنهي عندهم ..

يتبادر الآن السؤال : هل حقا لم يمارس الأرهاب عبر تاريخ البشرية ، قبل الميلاد وبعده ؟ بحسب معلوماتي المتواضعة أنه رافق الانسان منذ بدء الخليقة ، ولكن بصيغ وأشكال متباينة . ليس بالضرورة أن ينتج القتل عن الأرهاب . فكل ما يجبر عليه الأنسان بدون حق , وما يملى على المجتمعات قسرا هو ارهاب . الدكتاتوريات .. حكم الحزب الواحد .. التهجير .. الأستغلال .. التسلط .. التهميش .. الأحتواء .. الغاء الطرف الآخر .. تقييد الحريات .. وووو ..  وقد يكون رد الفعل ايجابيا متمثلا بالمقاومة السلمية أو بالسلاح , أو سلبيا على خطى الهجرة والأغتراب .

ربما يتذكر البعض رجل الأمن ايام زمان والذي يعرف ب " السري " , ينشر الرعب أينما ظهر فتتوارى الجموع عن انظاره ، ورغم ذلك يقدم له المأكل والمشرب في المقاهي والمطاعم مجانا . كما كان في كل زقاق من بغداد ما يسمى ب " شقاوة المحلة " يجمع النقود من اهلها ، وما يطلق العموم عليها    ب " الخاوة "  ، بحجة الدفاع عنهم وحمايتهم , ولا يتوانى عن مشاكسة هذه وتلك بحيث يضطر اصحاب الشأن  الى  الأنتقال الى محلة أخرى . وتحضرني حادثة ظريفة قرأتها في احدى المجلات الفكاهية لتلك الأيام ,  ولست متأكدا ان هي " حبزبوز " أم " قرندل "  : اعتادت الجندرمة العثمانية أن تجمع الأتاوات من الأهالي بطريقة أو اخرى . ومن خلال تفقدها المفاجئ لاحدى القرى العراقية لاحظت أن الدجاج طعامه الحنطة . تظاهر قائد الجندرمة بالأمتعاض موبخا الأهالي على هذا الدجاج المرفه والعساكر طعامهم خبز شعير , فاصدر حكمه فورا بتغريم القرية 100 روبية . وبعد شهر واحد عادت الجندرمة الى القرية وكان الدجاج يتمتع هذه المرة بالشعير . ورغم ذلك أصدر القائد نفس الحكم بحجة أن العساكر بدون خبز . وكانت المفاجئة في زيارتهم الثالثة حيث كانت الارض نظيفة ، كنست من الحنطة والشعير بعد أن أنذرهم الاطفال باقترابهم من القرية . أبدى القائد حزنه على الدجاج لتركه جائعا بدون طعام , وقبل ان يصدر حكمه ، بادره المختار قائلا بأن كل دجاجة تعطى فلسان يوميا لتشتري ما تشتهيه . عندها رحلت الجندرمة وبدون رجعة . أليست الامثلة المذكورة نماذج للأرهاب وبأسايب مختلفة ولاهداف متنوعة ؟ . وما علينا الا صدها بما يتناسب مع جوهرها .

وفي خضم ذلك  السلم الارهابي بدرجاته المتفاوتة ، برزت  في الآونة الاخيرة ظاهرة جديدة للأرهاب أدعوها " ارهاب القلم " . فبعد أن كان الكاتب يتوسل لنشر قصته أو قصيدته أو كل ما يعبر عن أفكاره ، نتيجة لمحدودية وسائل النشر من ناحية ،  وأتباعها لسياق انتقاء الأفضل من ناحية أخرى . وجد ضالته حاليا في المواقع الالكترونية ليسطر ما يحلو له ويطيب . ومن دون شك أن الأهواء والأمزجة والنوايا ووو ... لن تلتقي دائما  ولا يمكن أن تغدو بوتيرة موحدة بسبب الفكر النير الذي يتمتع به المخلوق وقابليته الفذة على التغيير والتجدد ، والتي تتمايز بنسب متقاربة  أو متباعدة بين الأفراد . وقد دأبت بعض المواقع ، مشكورة ، لتخصيص منابر حرة كفرصة ثمينة لأبداء الرأي ومناقشة الطرف الآخر . ولا يخفى على الباحثين والأكاديميين بأن الدراسات والرسائل الأكثر جذبا واهتماما وأثارة هي  الغير نمطية أو غير المألوفة أو التي تاتينا بنتائج جديدة او غير قياسية . وهي بالذات التي تحفز الكثيرين لمناقشتها وتأييدها أو دحضها , ولكن بأسلوب حضاري خال من العنتريات وكلمات التصغير أو جمل الأستهزاء والتحقير . وهذا ما يحصل ايضا على المواقع ، فالمعروض عليها غير متجانس ، والكثير منها زاخر بالمداخلات وردود الأفعال ... ولكن ، وللاسف ألشديد ، يلجأ البعض , وهذا البعض والحمد لله هو قلة القلائل , الى التهجم والأستفزاز والتشهير بصاحب المقال بدلا من التطرق للبّ الموضوع بأمانة وحسن دراية ... والظاهر انه لم ولن يعير اهتماما بما جاء على الموقع من نداءات مخلصة ولن يبال بما اتفقت عليه الاغلبية بأن " الشتائم حيلة المفلس " .

انني ، وبصراحة ، مع المواقف النقدية مهما كانت قاسية أو لاذعة ما دامت لا تشتط عن صلب الفكرة المطروحة . أما أن تستهدف محاورة الرأي الآخر انتهاكا  لسيرة الكاتب الشخصية أو لصق  الأتهامات شمالا ويمينا أو كيل الشتائم والسباب وكل ما يخرج عن الأخلاق الكتابية والذوق العام ... تلك خطوط حمراء لا يتجاوزها الا ذوي العاهات الفكرية والاجتماعية ..

لا اريد الخوض في دوافعها وخفاياها .. معروفة للجميع وحتى لصاحبها .. ولكن التمس مخلصا بالأبتعاد والكف عنها . لا تألوا المواقع جهدا في التضييق عليها والحد منها قدر الأمكان .. ورغم ذلك ينجو القسم منها بين الآونة والأخرى ليظهر هنا وهنالك .  وكحالة انسانية طبيعية ، يختلف رد الفعل تجاهها من شخص الى آخر . فواحد يكيل لها الصاع صاعين مولدا المزيد من المهاترات والمشاحنات  ، وآخر يردها بدبلوماسية وشياكة ، وثالث يهملها ويستمر في نتاجه . ورابع يهجر الموقع الى اخر يسمح له بانتقاء ما يراه مناسبا من الردود أو يختار من لا يسمح بها على الاطلاق ، وبذا يذعن الى ما يصبو اليه " ارهاب القلم " , فيخسر القراء  قلما جميلا ويفقد الموقع مساهمة جادة . وقد حصل ذلك بالفعل ، حيث رحل والتجأ اليها ،  ولم يعد ،  عدد غير قليل مفضلا  الأستقرار هناك .

أناشدكم ايها الكتاب والقراء الأعزاء  أن تتحدوا لصد هجمات " ارهاب القلم "  قبل أن تتوسع رقعته وتستفحل شدته .. وبذا نخسر منبرنا الرائع " المنبر الحر " .  فما أخشاه ان يضطر الموقع لحجبه أو تقليصه .. وبذا نحرم من نقد  بعضنا بأسلوب موضوعي وطرح افكارنا بقبول الطرف الآخر .. فالأختلاف في الراي ليس خلافا .. فقد تكون غريمي  في القلم .. ولكنك حتما ستبقى زميلي على الموقع وصديقي عندما ألتقي بك .    
            


41
الأسماء المستعارة والعزف على القيثارة
د. صباح قيّا 
   ايام زمان... كان يحلو للصبية من ابناء الزقاق الواحد  أن  يبتدعوا بين فترة زمنية واخرى ملهاة معينة لتنتقل عدواها بسرع متفاوتة الى المحلات االاخرى , وتبدا بعدئذ حلقات المنافسة بينهم لحين تتويج الفائز منهم فردا كان أم فريقا . فمن لعبة " الدعبل " على سبيل المثال  الى " المصراع  " ومن ثم " ألغميضة " و "  تك رجل " المسماة  في بعض المدن " شلة شلة " أو " حلّة باجلة "  والى غير ذلك  من فنون البراءة المتعددة   التي تصبح  " موضة " مرحلية  بمجرد النطق بها . تلك كانت وسائل التسلية , عموما , خلال العطلة الصيفية . ولكنها تقترب من الفعاليات المدرسية  خلال أيام الدوام  ، فتغدو الريادة , على الاغلب ,  للالعاب الرياضية , وتبادل الكتب الخارجية ،  وأحيانا  ممارسة التمثيل والرسم , اضافة الى تشكيل المجاميع الدراسية . وشاءت الصدف ان يبتكر احد طلاب زقاقنا  فكرة  " النشرة الجدارية   " على غرار " النشرة الجدارية الدورية " التي كانت مفخرة معظم االمدارس ذلك الوقت . كنت حينها في الصف الاول المتوسط , وساهمت بموضوع عنوانه  " خواطر طالب غريب " . وبدل أن اكتب اسمي الصريح : ذيلت مقالتي باسم " ألأيسر " . لم يكن لاختياري له  أيّة علاقة بالاتجاهات السياسية سواء  اليسارية منها او اليمينية او الوسطية ، حيث كانت جميعها غير متداولة وغير معروفة , آنذاك ،  في محيطنا الساذج . وأيضا , لم اكن افهم بالسياسة " طكة " كما يقال . وما ان أبصرت الحشود المندفعة للاطلاع على محتويات النشرة  كلمة " ألأيسر " , حتى صرخت ضاحكة و مشيرة بأصابعها عليّ : هذا أنت ... هذا أنت ...  لم تنطلي عليهم لعبتي ، فالكل يعلم انني يساري " اليد والرجل " . وكيف لا وسبق أن لاحظوا مرارا وتكرارا  قلمي بالكف الأيسر وركلتي للكرة بالقدم اليسرى . وهكذا .. من اجل تجنّب نقد خاطرتي حسب ما ظنّه , وهما  أم حقيقة ,  داخلي , دفعت  ثمن عفويّتي لمدة غير قصيرة ، بحيث اصبح اسمي الجديد ، مضافا اليه بعض المشتقات اللغوية ، ملازما لي  لحين انتقالنا الى حيّ آخر .
نلاحظ اليوم الكثير من الاسماء المستعارة تعزف نشازا أو طربا على أوتار القيثارة بحرية تامة وبلا ايّة قيود  اجتماعية ، نفسية ، أدبية ،  ثقافية ، او شخصية . وليذهب  السامعون الى الجحيم او الى النعيم ، بحسب اللحن والتأليف الموسيقي الموجه الى السامع ، ذما أم مدحا ، معارضة  أم تأييدا ، تهكما أم تبجيلا , تقريعا أم تثمينا ... ستصبح عاجلا أم آجلا ظاهرة سلبية لو بقينا عنها صامتين وعن أصحابها ساكتين ... طبيعة الانسان أن يطلق لنفسه العنان لو يسمح له بأن يكتب ما يشاء بثقة شبه عمياء ، ويناقش شتى المواضيع على المنبر الحر بأحرف نقدية لاذعة وحتى جارحة , وينعت القاصي والداني بأحقر  الصفات ، ويقذف حسبما يرتأي بأنواع الشتائم والسباب ... لم لا  ما دامت كنيته ليست حقيقية وصورته الشخصية ممحية ... وبالتالي لن يخضع  سلوكه وأدبه لأعراف وتقاليد المجتمع  ، ولن يتحدد بأية  احكام اخلاقية أو تربوية .
 دأبت معظم النشريات والدوريات باختصاصاتها المتنوعة  على فرز حقل يتمكن فيه القراء من  مناقشة أو نقد او اضافة أية طروحات اخرى لما جاء في المواضيع المنشورة في اعدادها السابقة والتي حتما تزيدها صقلا ووضوحا ... وفي كل الاحوال فان جميعها تؤكد على أن  " ما ينشر يعبر عن رأي الكاتب وليس رأيها " . وقد نلاحظ في قسم منها عدم الافصاح عن الاسم الصحيح لصاحب المقال بل يكتفى بالاشارة اليه ب " أبو ....... "  أو " أم....... "  وما شاكل ذلك . ومهما يكن .. فأن المعني , بدون شك , معروف لدى هيئة التحرير ، ولا بد أن ينسجم فحوى موضوعه مع شروط النشر والخط العام لذلك الأصدار . مع العلم أن  العدد الأكبر من الأصدارات يرفض النشر الا بذكر الأسم الصريح للناشر ، مع ابراز صورته الشخصية أحيانا .
 وكنتيجة لانتشار المعلوماتية بشكل واسع على شبكات التصفح الالكترونية المتنوعة ، وتوفر المواقع المتعددة  باهداف وأبعاد مشتركة أو متباينة ، واحتواء قسم منها على منابر " ابداء الرأي والرأي المقابل " كاسلوب حضاري معتمد للتعبير عن حرية الفكر ، تولدت عند البعض فكرة التخفي خلف مسميات واختصارات وهمية  , ويستدل من واقع الحال على تفاقم تنفيذها واضطراد مساحة وجودها والتفنن في عناصر الجذب اليها . ومهما بلغ الأمر بها ، تظل , من وجهة نظري ، سلوكا غريبا وبدعة مضللة لا ترتقي الى مستوى الشرعية  حتى لو نسبت الى اسم تقليدي ان لم يكن معززا  بصورة شخصية .
 يتبادر الآن تساؤلي :  هل المشرفون على الموقع على علم بتفاصيل كنى حامليها ؟ اذا كان الجواب نعم .. فرأيي أن يوجه نقاش ادبياتهم أو  الرد على مداخلة أي منهم الى  " السيد المشرف العام على الموقع "  . اما اذا كانت الاجابة كلا .. فأقترح حجبهم عن النشر وجمع  كل ما يرد منهم في " ارشيف المجهولين " , وذلك للحد من عادة العزف الحر المطلق على القيثارة قبل ان تستفحل فتغدو ظاهرة قاسية جبارة .
لم يميل هذا البعض للتخفي والتنكر لحقيقته والتردد من تعريف  نفسه بصراحة ووضوح وكما هي ؟                            هل لأنه يضعف امام كلمات النقد وردود الأفعال ؟ اذا كان واثقا ومؤمنا بعمق بأنه ذو رأي سديد ، عندئذ لن يهتز للرأي الآخر أو للموقف المعارض .                                                                                                           
هل كونه يخجل من اسمه أو جنسه أو شكله ؟ ذلك ما فطن عليه منذ الصغر ، والله خلق الأنسان على صورته ، والجمال جمال الروح والفكر .                                                                                                                      هل قد يكون ملاحقا أو حذرا من مصدر معين لسبب ما  ؟  عذره مقبول ولكن .. من الأفضل التنسيق مع مسوؤلي الموقع  ويبدأ قلمه   " أعتذر عن الافصاح عن نفسي لأسباب خاصة " .                                                                     
ان لم يكن الجواب نعم لأي مما ذكر ... اذن أعلموني من هو ؟ ان جهلتم ذلك .. ابعدوا قيثارته عني لأني لا أطرب ولن أستمتع  الا  لمن أعرف أو لمن أرى .

42
حكايــــــــــــــــــــــــــــات طبيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة - 7
 
د صباح قيّا  
   
( Scurvy )الأسخربوط  
ويضربكم الرب بالقروح التي ضرب بها المصريين , وبالبواسير  والجرب  والحكة حتى لا  تقدرون على شفائها . ( سفر التثنية 28 : 27 , سفر اللاويين 21 : 20 و 22 : 22 ) .
لم يخطر ببال أحد بأن تناول برتقالة واحدة يوميا كانت كفيلة بدرء المرض الذي عصف بحضارة وادي مصر واليونان وروما وحصد من البحارة اكثر مما فعلته فوهات البنادق والتقلبات الجوية القاسية .  وفي ظروف متعددة  تسبب في اعاقة أو موت اعداد من الارواح فاقت بكثير ما احدثته فعاليات الجيوش المتناحرة ، وبذلك تحكّم بمصير أمم تعتمد كليا على التفوق العسكري ...
 يطلق عليه " مرض الأسخربوط " أو " داء الحفر " . دوّن المصريون أعراضه عام 1550 قبل الميلاد . وشرحه  " ابو قراط " بالتفصيل في القرن الخامس قبل الميلاد . انتشر بين القوات الصليبية ، وكان كارثة البحارة في عصر النهضة ... اقتبس احد البحارة الفرنسيين آنذاك علاجه من الأقوام الاصلية لكندا السفلى ، والمستحضر من استخلاص عيدان شجرة الصنوبر مع الماء الحار . وأيضا من ضحاياه الكثير ابان  " مجاعة البطاطة العظمى " في القرن التاسع عشر ,  وبين جيوش الحرب الأهلية الأمريكية .
سببه نقص " فيتامين سي " المتوفر بكميات مناسبة في الفواكه وخاصة الحمضيات ، وفي الخضروات ... خزين الجسم البالغ 300 ملغم – 2000 ملغم  يفرغ خلال 1 – 3 أشهر .... وللمحافظة عليه ,  يحتاج البالغ من الذكور الى تناول 90  ملغم يوميا , وترتفع الى 125 ملغم عند المدخنين . كما يكفي مقدار 75 ملغم منه للأنثى البالغة ,  تزداد الى 110 ملغم عند المدخنات , والى 85 ملغم اثناء الحمل , و 120 ملغم للمرضعات .... تحتوي البرتقالة الواحدة متوسطة الحجم على 70 ملغم من الفيتامين , ونفس الحجم من الطماطة على 23 ملغم منه ... تفقد الخضروات  20 – 40 % منه خلال الطبخ .
من النادر جدا حدوثه اليوم ولكن .. من الممكن ظهوره عند الطفل المعتمد على حليب الأبقار خلال السنة الاولى من عمره . وقد يصيب المدمنين على الكحول , أو كبار السن المنعزلين لوحدهم وجلّ طعامهم من المعلبات والأغذية الجاهزة أو من مطاعم الخدمة السريعة . وربما بين اللاجئين أو المحتجزين الذين يقدم لهم طعام مواده الغذائية محددة جدا ومكررة . ولا ننسى المبتلين بالأمراض المزمنة المصحوبة بقلة الشهية او سوء امتصاص الامعاء .
أهم اعراضه : انعدام الشهية ، الشعور بالضعف أو الانهاك , فقدان الوزن ، آلام المفاصل والعظام ، جفاف العين والفم , تجعد الشعر ، تيبس الجلد ,  الاسهال , ضيق التنفس .  وبتقدم المرض تبرز اعراضا اخرى مثل نزف والتهاب اللثة , سقوط الاسنان , تبقع وتقرح  الجلد والنزف تحته ، نزف داخل العضلات والمفاصل ، الرعاف , التبول والبراز  الدمويين  ،  تاخر التئام الجروح ، وفقر الدم .  توقف النمو عند الاطفال .... ثم الموت المفاجئ .
علاجه بسيط جدا وكلفته معقولة أيضا ... تعويض الجسم بالفيتامين بتناول الحبوب المتوفرة في معظم الأسواق ... أللجوء الى الحقن  فقط عندما يشكو المريض من الغثيان . يعزز العلاج بالعقاقير بالاكثار من شرب عصير الفواكه  وتناول المواد الغذائية الغنية به .
التثقيف الغذائي مهم جدا لمنع الاصابة به مع التأكيد على اهمية استهلاك الاغذية الطازجة ، وأيضا الارشاد على الوسائل الضرورية التي تساعد على التقليل من خسارة  الفيتامين اثناء عمليات التحضير او الطبخ .            


43
ما أحلاك لو عدت كما كنت يا عاشوراء

د. صباح قيّا            
تاخذني الذكرى الى سنوات بعيدة ... حينما كانت بغداد أزقة ضيقة , وجمالها شارع الرشيد ، وساكنوها في الفة ومحبة . كنا صغارا ننتظر بلهفة وشوق حلول عاشوراء وبالأخص عطلة 10 محرم . لم يكن ذلك غريبا أبدا  في تلك الحقبة الزمنية  ، حيث كان  الكل يترقب ايضا  بفرحة مشتركة موعد حلول الأعياد الدينية المختلفة والمناسبات الوطنية آنذاك مثل يوم تتويج الملك ,  وذكرى اطلاق الرصاصة الاولى من قبل الشريف الحسين في  9 شعبان من كل عام  .

كانت الجموع تحتشد منذ صباح  ذلك اليوم على امتداد رصيفي شارع الرشيد لمشاهدة المواكب القادمة من منطقة السراي باتجاه الباب الشرقي . لم تكن المناسبة حكرا على مذهب او طائفة معينة  بل كانت كرنفالا يحتفل بذكراها الجميع , وتقليدا اجتماعيا يساهم الكل في احيائها .... كانت المواكب تسير  بمجاميع منظمة  ومتباعدة عن  بعضها البعض بضع  خطوات ... يتقدم كل موكب حاملوا الرايات واللافتات  التي تدل على جهة انتمائه ...فهذا موكب محلة الوشاش , وذلك موكب المشاهدة ، وآخر موكب المدرسة الجعفرية ، ورابع موكب الفيلية .. كان المشاركون من كافة أطياف المجتمع البغدادي .. الشيعي ... السنّي ... المسيحي والصابئي بالأخص  ضمن المواكب المدرسية .. العربي .. الكردي والفيلي .. التركماني ...الأعجمي . كل مجموعة تقف بين الفينة والأخرى لتردد كلماتها المتفق عليها  بلحن يمتزج  فيه الحنان مع الحماس  ، ثم تعبر عن مشاعرها بطريقتها  المفضلة . معظمها تضرب الصدر بالكفين  وهذه هي " اللطمية التقليدية ، بعضها تستخدم الزنجيل وهي الشائعة عند الفيليين والأعاجم , وأقلها تلجأ الى " الطبر بالقامة " . كان يحلو لنا – نحن الصبية المسيحيين – أن نجتمع عند المذياع لنستمع الى "  مقتل الامام الحسين "  بصوت المرحوم عبد الزهرة الكعبي ، منتظرين بفارغ الصبر أن يصل الى فقرة  المسيحي الذي اشترى رأس عليه السلام  وهو في طريقه الى الشام وقوله " عجبا من امة قتلت ابن بنت نبيها " . كنا نتفاخر ونتباهى بذلك بين أصدقائنا في المحلة من المسلمين . والحق يقال ، لم نلق من رد فعلهم غير التثمين والامتنان .
 
مرت السنون وتغير النظام .. ولكن لم يتغير عاشوراء بعد .. اقترح اربعة من زملائي ان نذهب سوية الى الكاظمية ليلة العاشر من محرم ( اقصد ليلة تسعة على عشرة محرم ). وبالفعل غادرنا مكتبة الكلية الطبية  , بعد أن أنهينا مراجعة محاضرات ذلك اليوم , لنصلها مشيا على الأقدام بدأ من باب المعظم . أتذكر أحد زملائي شيعيا وآخر سنّيا ، ولست متأكدا من مذهب الثالث والرابع . لم تكن معرفة مذهب الطالب أو دينه  على درجة من الاهمية ذلك الوقت ، بل الأهم تحديد  اتجاهه السياسي , حيث كانت المشاعر الوطنية والقومية ومحاولة الكسب الى هذا الجانب أو ذاك هي السائدة . كانت تلك الليلة مكرسة ل " مراسم التشابيه " , حيث تمر المواكب بالتعاقب تحكي لنا مراحل قصة المقتل تفصيليا بتشابيه شخوصها .... لم يلتفت احد الى هيئتنا الغريبة مطلقا .. لم نشعر  أننا غرباء عن تلك الجموع .. لم نسأل .. من أنتم ؟.. من أين أتيتم ؟ .. هل فيكم مسيحي أو سنّي ؟ شربنا الماء السبيل .. وتناولنا الطعام مجانا . وعدنا أدراجنا سعداء فرحين .

تعاقبت الأيام .. أطل علينا حكم جديد .. كنا ثلاثة اطباء أحداث في البصرة الفيحاء .. زميل لي والده آثوري " آشوري " وأمه كلدانية ، وآخر أعلمني بعد أكثر من سنة من لقائي به بأنه شيعي . عرض علينا بعض المعارف بان نقضي ليلة  التاسع من محرم ، المعروفة عند العموم  ب " ليلة الطبك "  ، في شارع  أبو الأسود ،  حيث سيمر به موكب التطبير بالقامة ، وستكون هي السنة  الأخيرة التي يسمح بها لأحياء ذكرى عاشوراء . وبالفعل أتينا مساء  وقضينا الليل باكمله داخل سيارتي التي أوقفتها على الرصيف . وعند الفجر ظهرت المجموعة فجأة من عكس الاتجاه المتوقع , وذلك تمويها للشرطة التي كانت تحاصر تلك الجهة . معظم المشاركين ضمن المجموعة من الشباب و صغار السن .... الدماء تسيل من فروة روؤسهم .. أغمي على أحدهم .. نقل حالا الى الجامع القريب من موقع سيارتي ... نادى علينا احد معارفي لندخل الجامع ونشاهد الاجراءات العلاجية .. شاهدنا شيخ  يمسح رأس المصاب بمسحوق اسود اللون ثم سقاه بعصير أصفر اللون .. إستفاق من غفوته وقفز كالنمر مع قامته ليلحق بأقرانه ويعود الى التطبير مجددا . عرفنا من الشيخ بأن المسحوق لعظام حيوانية  تحرق ثم تطحن . أما العصير فخليط من الحمضيات مضاف اليه قليل من ماء الورد.  ألكل كان يعلم من أنا والى أي دين أنتمي .. نعم فمحل خالي هناك أزوره بانتظام ...قٌدموا لنا الأمان .. شاركناهم مشربهم ومأكلهم .. استقبلونا بمودة وودعونا بمحبة .

غادرت وطني الحبيب الى بلد الضباب طلبا لمزيد من العلم وبغية نيل الشهادة العليا والحصول على الاختصاص الذي أنا اليوم حامله . رحل معي عاشوراء .. انتابني الحزن واعتصرني الالم .. حتما ساعود .. ولكن احساسي يبلغني  بأن عاشوراء أيام زمان لن يعود كما كان .  
          

44
حكايــــــــــــــــــــــــــــات طبيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة - 6
د صباح قيّا

( Tuberculosis )التدرن  

 يضربكم بالسل والحمّى والبرداء والالتهاب والجفاف واللّفح والذبول ، فتتبعكم حتى تبيدكم . (  سفر التثنية 28 : 22 ، سفر  اللاويين 26 : 16 ) .

زائر شرير ، ممكن ان يحل ضيفا عنوة ومن غير استئذان  في أي ركن من ارجاء المعمورة ، تتزامن ضيافته غير المرغوب فيها مع تاريخ البشرية .  أكتشفت  آثاره في العمود الفقري لعدد من المومياء المصرية التي عمرها 5500 عام . وذكر في المدونات الطبية الصينية 2700 سنة قبل الميلاد . حصد من الارواح الانسانية ما لم تصله اية كارثة او وباء منذ بدء الخليقة . اطلق عليه  " ابو قراط " اسم " الاضمحلال " ، وعرف  في العهد القديم من الكتاب المقدس ب " الذبول " ، علما أن الكلمة الدالة عليه في النسخ العبرية القديمة هي  " سجاجيفيث " ، التي هي نفسها المستخدمة حاليا في اللغة العبرية الحديثة لتعني " التدرن او السل " . وهذا ما يعزز كونه المقصود في السفرين اعلاه حيث انه المرض الاكثر شيوعا آنذاك الذي يؤدي الى فقدان الوزن والذبول ، وحتما تعرض له الأسرائيليون القدامى خلال مكوثهم في مصر .

 يختفي احيانا ولفترات زمنية متباينة  ليظهر فجاة ثانية . حلاوته الأحياء الفقيرة ، ولكن لا يستثني احدا من قساوته . اصاب العديد من المشاهير في بقاع متباعدة من العالم منهم : الملك توت عنخ امون ، الكاتبة اميلي برونتي والكاتب انطون شيخوف ، الموسيقار قريدريك شوبان والممثلة فيفيان لي، الزعيم هوشي منه  ، الأم تيريزا وآخرين كثيرين .

مرض مزمن سببه عصيات جرثومية تستهدف ، عموما ، الرئتين  رغم امكانية اصابتها لأي عضو من اعضاء الجسم . تنتقل ، على الأغلب ،  استنشاقا عن طريق الرذاذ المتطاير عبر الانف والفم . ولكن في بعض مناطق الكون ، كأربيل مثلا ، فانها تنتشر بتناول الحليب و مشتقاته التي مصدرها الأبقار المصابة بالتدرن البقري . لماذا أربيل ؟  الجواب : لاعتياد بعض  ساكنيها على استهلاك الحليب بدون بسترة , مع العلم ان العصيات تموت بعد غليانه لمدة خمسة دقائق .

ممكن للعصيات ان تركد بخمول  لبضعة عقود بعد دخولها جسم الانسان ويطلق على هذا النوع "التدرن الأبتدائي "  ، ثم تستعيد عافيتها وتنشط عند ضعف مقاومته وبذا تظهر عليه اعراض المرض و يسمى عندئذ " التدرن الثانوي " . ولذلك  تبرز اهمية التقييم الدوري لتلافي حصوله او للكشف عنه عند المبتلين بالصنف الاول منه  . وهذا ما يحصل بالفعل للمهاجر الجديد الى كندا ، حيث يتم الكشف الأولي عنه باجراء ما يسمى " اختبار تيوبركلين "  Tuberculin Test على الجلد . فاذا ظهرت نتيجته موجبة ، يرسل حينها  لتصوير الصدر بالاشعة السينية Chest X Ray . يعطى العلاج الجذري عند ثبوت الاصابة في الصدر ، ويكتفى بالعلاج الوقائي عند نظافته . يترك بامان من كان أختباره الجلدي سالبا .

هنالك ارباك علمي ، من وجهة نظري ، بالنسبة للأطفال القادمين من بلدي الحبيب " العراق " . يبدأ تطعيم الطفل هناك بلقاح ضد التدرن  " بي سي جي " BCG  ، حسب الجدول المعتمد ، في اليوم السابع  من الولادة ، وهذا ما يجعل نتيجة " اختبار تيوبركلين " موجبة لسنوات عديدة بعد اخذ اللقاح ، وقد يبقى كذلك لحين عمر البلوغ  وربما  يتعداه . ورغم ذلك  توصي الدوائر الصحية المعنية هنا ضرورة بدء العلاج الوقائي لمعظم اطفالنا ان لم يكن جميعهم . ومن حسن الحظ  ان النظام الصحي الكندي يقرّ بحرية الخيار ، الا في حالات محددة ، للتقيد بأي اجراء طبي او عدمه ، وذلك ما يسمح  لمعظم عوائلنا بالعزوف عن اقتناء العقار الوقائي لاطفالها ، وبذا تجنبهم التعرض لتأتيراته الجانبية .  ومن الجدير بالذكر أن لقاح ال " بي سي جي "  لم يدرج ضمن جدول التلقيحات في كندا .
 
اهم اعراضه : ارتفاع درجة حرارة الجسم ، فقدان الشهية , الشعور بالضعف مع فقدان الوزن ، السعال الدموي والتعرق الليلي . وقد يتطور بظهور  مضاعفاته مثل انكماش الرئة او ذات الرئة التدرني . واحيانا تسلك العصيات طريقها عن طريق الدم الى اعضاء الجسم الاخرى  مؤدية الى حصول " التدرن الدخاني " او تستقر في عضو معين محدثة التدرن فيه .

ممكن علاجه جذريا  بتناول مضادات الحياة  لمدة  6 - 9 اشهر , ويتطلب أحيانا اعطاء انواع متعددة منها وخاصة عند اكتساب العصيات القابلية على مقاومة بعضها  .



45
رسالتي الثالثة الى راعي الكنيسة الكلدانية


د. صباح قيّا  
     
في العام الأول من سبعينات القرن الماضي وضمن النشاط الثقافي الأسبوعي لأخوية الشباب الجامعي المسيحي  التي كنت احد اعضائها ، خطرت لي فكرة تقديم محاضرة عن الهجرة والتي كانت محدودة نوعا ما ذلك الوقت وربما اقتصرت على فئة معينة او اكثر من ابناء شعبنا المسيحي . وبالفعل قدمتها بعنوان  الهجرة والأغتراب " . حاولت فيها جاهدا  وبحسب امكانياتي وخبرتي  في تلك المرحلة الشبابية المبكرة ان اقنع بعض شباب الأخوية المتحمس للهجرة ,  التي كنت انا من اشد المعارضين لها ، بالعدول عنها . ولكن ... كانت خيبة ظنّي كبيرة من خلال المداخلات ومن ثم المناقشات التي تواصلت حتى بعد انتهاء الوقت المخصص لها . لم يغير حزني وأسفي من واقع الأمر ، واستمر احبائي تباعا  بمغادرة البلد الى ديار المهجر.

كيف كان الموقف ، بصورة عامة ، من الهجرة  ؟ ... بعد اقل من عشر سنوات على محاضرتي ، حضرتْ الى دار احد معارفي امرأة من رعيتنا تطلب يد ابنته لأخيها المستقر في ديترويت . بدأت تستعرض محاسنه وانجازاته والحالة المادية التي وصل اليها والمستوى الاجتماعي الذي هو فيه .. ووووووو... وبعد كل هذه الواوات ، قاطعها الرجل الوقور قائلا : " دعيني اقتنع بامريكا اولآ و بعد ذلك  نتحدث عن موضوع اخيك " ....  كل هذا تغير جذريا بعد الظروف الشاقة والحصار القاسي ، فأضحت امريكا ودول الغربة هي الهدف ، وليأت منها اي من كان ولأي فتاة  .  وفي حوار مع زميل لي يخطط لتهريب ولديه خارج الحدود أبان منع السفر لحملة الشهادات الهندسية والمجموعة الطبية , سألته عن شعوره عندما يفترق عنه ولداه ؟ أجابني بثقة : " سعادته من راحة ولديه " . نعم ... كم هي رائعة هذه الجملة  " سعادة الاباء من راحة فلذات أكبادهم " ....  رغم ذلك بقيت متشبثا بموقفي .

 ثم جاء الأجتياح الأجنبي .. ارى زملائي ... يسقط الواحد تلو الاخر .. هذا يقتل .. وذلك يختطف .. واخر يساوم على ابنه .. ورابع يهدد على منصبه ، وغيرهم يسلب بعقر داره  .. كل عالم مستهدف  وكل عليم مسثضعف . الشارع ملك الرعاع  والعقلاء مذعورون . السلطة لشداد الافاق والحكماء مهمشون . وعلى حين غرة دخلت الطائفية المقيتة على الخط فكانت كنائسنا اولى ضحاياها .

لعب الحظ دوره ، فغادرت بلدي الحبيب على امل العودة اليه بعد عام . احوال الوطن تسوء يوما بعد اخر ، ونصائح عدم العودة تصلني بالحاح . مواكب الشهداء من الابرياء تزداد , وأشلاء المغدورين تتهاوى على مذبح الأخيار وباستمرار . لقيت نفسي مهاجرا الى حيث انا الان . اسأل نفسي بين الفينة والاخرى : هل كنت محقا في موقفي آنذاك ام واهما ؟  أعود الى المقولة الرائعة للبابا الراحل يوحنا الثالث والعشرون :  " ألتاريخ هو معلم الحياة " .  لأستعرض معكم بعض الحقائق  التي عاصرتها شخصيا : ...

 أقرأ في الموصل الحدباء بعد الرابع عشر من تموز 1958 لافتات هنا وهناك تهدد وتدعونا الى الرحيل فورا والا سنلقى مصيرا مظلما بل اسودا داكنا . ثم بدأ مسلسل الغدر والاغتيالات يطال اابناء شعبنا بدون تمييز ... قالوا عنا مشركين كفرة  ، ملحدين شيوعيين . هل كان هؤلاء سلفيين ارهابيين ام اسلاميين سياسيين ؟ كلا ... أعلنو انفسهم قوميين وحدويين . يا للعجب ؟ اذن لماذا فعلوا ذلك بالمسيحيين ؟ ... شد الكثير الرحال الى منطقة آمنة داخل الوطن الغالي .. وبذا حصلت  الهجرة القسرية الأولى ... اسالوا من سكن منهم  منطقة الغدير في بغداد  لمزيد من الوقائع المؤلمة .

وبعدها ... و بغفلة من الزمن ، نفذ من غربال الخيانة من جلس على كرسي الرئاسة لسنوات . نحمد الرب انها كانت قصيرة .. لم ترق له الأسماء حنّا ، توما ، ميخا , ججو ، وكل ما يمت الى الرسل والقديسين بصلة . اسرع الموت اليه قبل ان يسعد بما في عقله المريض رحمه الله . هل كان  اسلاميا متطرفا ؟ كلا .. ايضا ادعى انه قومي وحدوي ... هل نسي ام تناسى بان قياديي اكثر من حزب قومي وحدوي من المسيحيين ..  اذن أحوالنا حسب مزاج حكامنا .. هذه هي النكاية الاولى .

ولسوء حظنا ، هرب طيار من شعبنا  بطائرته المقاتلة الى  دولة اسرائيل . صحيح أن خيانة الوطن مرفوضة رفضا باتا مهما كانت اسبابها ودوافعها وحججها , ولكن ..  كم من غير المسيحيين من سلك درب الخيانة قبله وبعده ؟ لماذا دفع الطيارون الكفاة من شعبنا ثمن فعلته  وسرح معظمهم , ان لم يكن جميعهم . كما أقفلت امام شبابنا  ابواب الانخراط الى هذا السلك الحيوي لفترة غير وجيزة . هل كان مهندسو هذا الأجراء اسلاميين متعصبين ؟ كلا .. صرحوا انهم قوميون وطنيون .. هذه هي النكاية الثانية .

هل سمع احد منكم او يعرف ضابطا من ابناء شعبنا في الصنف الحربي  برتبة لواء ركن أو بدون ركن ؟  هل سألتم أنفسكم لم لا يرقى الضابط الحربي المسيحي او المندائي الى هذه الرتبة ؟ ألجواب بسيط جدا ... لأن ذلك يتعارض مع ما ورد في  كتابهم .. هل كان الملوك والرؤساء منذ تشكيل الدولة العراقية والى عام 2003 مذهبيين طائفيين  ؟  كلا.. اعتقدناهم  وطنيين , ثم علمانيين , وأخيرا دينيين غير متدينيين ... هذه هي النكاية الثالثة .

ما ورد اعلاه  هو البعض  وليس الكل ... ورغم ذلك بقيت صامدا ... لن اغوص في تداعيات ما يحصل اليوم في بلادي الحبيبة ... معروفة تفاصيلها للقاصي والداني , المرئية منها والمستورة . كل ما استطيعه هو :  أن استمر في رفع صلواتي ودعواتي لمن لا يزال قانعا ببقائه في موطن اجدادي ومن ضمنهم اخي والكثير من أقربائي وأصدقائي .

أعترف بأني لم أكن مخيرا ابدا في غربتي ، ولم افكر لحظة واحدة ان يكون البلد الذي انا اليوم فيه موطن هجرتي . ورغم  أن الهجرة ، اساسا ،  ليست  قناعتي ، الا انها اضحت واقع ساعتي .... أفكر بالعودة .. وحتما من ترعرع من افراد عائلتي هنا سوف يرفض مرافقة رحلتي ... أنه ابن هذا الوطن وغريب عن وطن ابيه ... قد افلح في اقناع من كان يملك بعض النضج  قبل الرحيل الى هنا .. ولكني متيقن انه لن يصبر هناك وسيعود مع اول طائرة ..... سوف لن يستسيغ نمط النظام واسلوب الحياة  بعد ان تشبع بنعيم الحرية في وطنه الجديد ....ٍسأظل بعدها وحيدا .. ساسعد في البدء بعودتي ولقاء أحبتي .. ساعود بسهولة الى عملي .. وحتى لو تعذر ذلك  استطيع أن اعتاش من ممارسة مهنتي . ولكن .. بعد حين سيدب السأم في نفسي , ويداهمني  الملل  ويعكر الشعور بالوحدة والاشتياق الى عائلتي اركان سعادتي .. سالتفت يمينا ويسارا عند مرضي  ملتمسا رفقة زوجتي وحنان ابنتي .. سأقرر حينها العودة وأبدأ بحزم امتعتي صوب عائلتي .. فوطني أهلي " وحيثما أهلي هنالك وطني "

46
العلم يعانق الايمان في كنيستي الكلدانية

                                                                                                                                       د. صباح قيّا  
ماساة كبيرة أن نفقد فجأة رياضيا يافعا  يتمتع ظاهريا بصحة جيدة .  ورغم أن موت القلب المفاجئ  يحصد ، عموما ، كنديا واحدا كل 13 دقيقة وامريكيا واحدا كل دقيقتين ، تبقى نسبته ضئيلة نسبيا عند الرياضيين ويتراوح من  واحد في 50000  الى واحد في 300000 خلال فترة تمتد الى عشر سنوات . يعزى السبب الرئيسي في معظمها الى حصول خلل في انتظام ضربات القلب خلال او بعد القيام بجهد رياضي عنيف عندما يكون القلب مصابا بعلة او مرض لم يتم تشخيصه قبل الحدت القاتل . اتفق الباحثون على اعتبار سن ال 35 هو الحد الفاصل بين الرياضي اليافع و الرياضي غير اليافع . وغالبا ما يحدث موت القلب المفاجئ بين الصنف الثاني نتيجة ضيق او انسداد الشرايين الاكليلية المتصلبة و التي تنقل الدم المشبع بالاوكسجين الى القلب . اما عند الصنف الاول , فاسبابه متعددة والاكثر شيوعا هي الوراثية اوالولادية كضخامة القلب  وهطول الصمام التاجي , او غير الولادية كالتهاب عضلة القلب او اعتلالها . هنالك بعض العلامات التحذيرية التي يستدل عند  الشعور بها بان حياة الرياضي في خطر واهمها :
فقدان الوعي او الاحساس  به او ضيق التنفس خلال او بعد الممارسة الرياضية مباشرة . ... الم الصدر غير الاعتيادي خلال الممارسة الرياضية ... ارتفاع ضغط الدم المفاجئ ... وجود حالات معينة من امراض القلب عند الاقرباء الاقربين مثل ضخامة القلب  وايضا التاريخ العائلي لموت القلب المفاجئ  .
اما اهم سبل الوقاية فتتضمن : مسح طبي شامل للرياضيين بالاستناد الى التاريخ المرضي والفحص السريري .... كشف اي خلل في انتظام ضربات القلب مبكرا باستخدام جهاز " التلفون القلبي " .... البدء باجراء الاسعافات  الاولية الطارئة للقلب والرئتين فورا .
كل ما ذكر اعلاه وتفاصيل اخرى استمتعت بها رعيتتنا الجليلة وضيوفهم , بعد الانتهاء من قداس الاحد 6 تشرين الاول , خلال الفعالية العلمية التي اقامها مركز وندزر لامراض القلب في قاعة كنيسة العائلة المقدسة الكلدانية .
 كان الحضور مميزا حيث تزامنت  مع " شيرا مار سوريشو " الراهب الذي عاش اوئل القرن السابع الميلادي وأسس ديرا   تكونت الى جانبه قرية يرقد فيها ضريحه  اطلق عليها " امرا دمار سوريشو " اي قرية مار سبريشوع والتي تقع على مسيرة ساعتين شمالي قرية سناط  وتفصل بينهما سلسلة جبال عالية تكون الحدود بين العراق وتركيا . يحتفل سكان القرية والقرى المجاورة بعيده في الاول من تشرين الاول ، فتقصده ذلك اليوم جموع غفيرة من المسيحيين وغير المسيحيين  ، ينحرون الذبائح ويهيئون الطعام في فناء الكنيسة , ثم يشترك فيه الجميع , باعتباره طعاما مقدسا ،  في جو من التاخي والمحبة . وقبل الطعام تختلي الجموع وتصلي طالبين شفاعته لنيل النعم الضرورية . ولا يزال ابناء القرية حتى يومنا هذا يحتفلون اينما وجدوا بتذكاره ويعيشون تحت ظل حمايته القديرة . وهذا ما حصل بالفعل يوم ذكراه هنا حيث تناول ضيوفنا من بركته وبذا تعانق علمهم مع ايماننا والتحمت مشاعرهم مع احاسيسنا وتصافحت الايادي مع بعضها البعض  بكل مودة  ورقة ... اناس من اديان ومذاهب واعراق وقوميات متباينة وحدهم وطن المهجر بعيدا عن تاثيرات الساسة اتباع قيصر  .
  




47
حكايــــــــــــــــــــــــــــات طبيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة - 5
                                                                                                                                      د. صباح قيّا          
( Plague )الطاعون
وقال يسوع : ستقوم امة على امة ومملكة على مملكة  ، وتقع زلازل شديدة ، وتحدث اوبئة ومجاعات في اماكن كثيرة ، وتجري احداث مخيفة ، وتظهر علامات هائلة في السماء . ( متى 24  : 1 – 14 ، مرقس 13 : 1 - 13  ، لوقا  21 : 7 - 19 ) .
حينما تموت الفئران تباعا في اية بقعة من العالم ، صغيرة كانت ام كبيرة ، تقرع نواقيس الحذر ويدب الهلع والفزع  بين السكان جميعا في كل مكان من ارجاء المعمورة . هذا هو " الموت الاسود "  ات الى الانسان لا محالة .  يثير الرعب اينما حل , وحتى في وقتنا الحاضر فان اية حالة يشك بكونها مرضية كفيلة  ببث مشاعر القلق عند الحكومات  واحلال شلل وقتي لمعظم اقتصاديات العالم .  كيف لا ؟  وقد سبب لقرون عديدة كوارث عظيمة وحصد الملايين من البشر في اسيا وافريقيا واوربا . وفي اماكن متعددة ، لم يبق في حينه من الاحياء ما يكفي لدفن موتاهم . واغلب الظن بان تقهقر جيش الملك الاشوري  سنحاريب عند ابواب اورشليم  حصل بعد انتشار الوباء بين مقاتليه ( سفر الملوك الثاني 19:35 ، اشعيا 37 : 36 ) .  كان يعتقد بانه نتيجة غضب الالهة , او قوى خارقة ، او اضطرابات سماوية  وغالبا ما كانت تتهم مجاميع بريئة بنشر المرض وتعاقب بقسوة من قبل الحشود المرتعدة .
انه مرض الطاعون الذى تكرر ذكره في النسخ الانكليزية من  الكتاب المقدس 120 مرة في اشارة الى الاوبئة والبلايا والامراض الفتاكة اوالمستعصية التي اشارت اليها التراجم العربية ولم يأت ذكر الكلمة كاشارة مباشرة لما هو معروف عنه حاليا ، والذي ظهر الوباء الاول منه عام 541 م وامتد لقرنين من الزمان قتل خلالها 100 مليون تقريبا . اما الثاني الذي اطلق عليه " الموت الاسود " او " الطاعون العظيم " فقد بدأ عام 1334 م  في الصين وانتقل الى اوربا حاصدا 25 مليون من سكانها ال 75 مليون نسمة انذاك . وحتى بغداد عانت بشدة من زيارته اليها وقضى عل ثلثين من قاطنيها  . وانتشر الثالث عام 1860 م  من الصين ايضا الى المرافئ المختلفة لينهي حياة اكثر من  10 ملايين خلال العشرين سنة اللاحقة . عرف حديتا في الهند في النصف الاول من القرن العشرين وفي فيتنام خلال الحرب 1960-1970 . وحاليا تسجل  من 1000 – 3000 حالة كل عام في بقاع مختلفة من العالم اهمها جنوب الصحراء الكبرى ومدغشقر ( 95 % من الحالات المسجلة ) .
اكتشف العالمان " يرسن " و " كيتاساتو " في عمل منفصل في هونك كونك الجرثومة المسببة للمرض عام 1894 والتي تنتقل الى الانسان عن طريق البرغوث بعد ان يغادر فريسته الميتة ، بسبب المرض ، من الفئران او البشر باحثا عن دم دافئ ليعتاش عليه . ولذلك اعتاد البعض قديما الهروب من الدار حال مشاهدتهم فأرا ميتا فيه . وينتج عن ذلك النوع الاكثر شيوعا  والمسمى " الطاعون الدملي " الذي يتميز بالارتفاع السريع لدرجة حرارة الجسم  مع كبر حجم الغدد اللمفية المصحوب بالالم وبالاخص الغدد العنقية  وتحت الابط  والمغبنية . وينسب الباحثون اليه الضربة العاشرة التي انزلها الرب على فرعون و ارض  مصر  فمات كل بكر فيها ( سفر الخروج 11: 1 – 8 ) .   كما  ينتشر من  شخص الى اخر عن طريق الرذاذ المتطاير عبر السعال في النوع الرئوي منه والذي يصيب الرئتين مسببا الحمى العالية والنفث الدموي وذات الرئة . وتزداد المخاوف من طريقة انتقاله هذه وذلك لامكانية استغلالها كسلاح فتاك  في الحرب الاحيائية . وتم ذلك بالفعل ابان الحرب العالمية الثانية من قبل اليابان في صراعها مع الصين . وبالرغم من ان الجرثومة لا تقاوم الحرارة واشعة الشمس وتفنى خلال ساعة واحدة ، فان ذلك كفيل بتحقيق الهدف المرسوم . ومن حسن الحظ ان علاجه بمضادات الحياة  في يومنا هذا سهل وفعال ، وعليه يبقى احتمال انتشاره في الدول المتقدمة كوباء ضئيلا . اما النوع الثالث والمعروف ب " التسممي "  فيحصل كمضاعفات للنوعين اعلاه حيث يسوء وضع المصاب وتظهر الانزفة والخثر هنا وهناك ، ثم الغنغرينا وخذلان الاعضاء  فالوفاة .
مدة الحضانة تتراوح من 1 – 6 ايام ، وقد يموت المريض خلال بضع ساعات من ظهور الاعراض اذا ترك بدون علاج الذي ، لكي يكون تام الفعالية ، لا بد وان يبدأ خلال ال 18 ساعة الاولى من الاصابة . اما اللقاح المتوفر ، فاستخدامه محدود جدا وتاثيره لا يتجاوز السنة .
ممكن اتخاذك بعض الخطوات لدرء مخاطر تعرضك للمرض واهمها : التقليل من اماكن استيطان الفئران حول المنزل او مقر العمل او المساحات الترفيهية بازالة الاعشاب واكوام الخشب وكل ما يمكن ان يكون ملاذا و طعاما لهم .... لبس الكفوف عند التخلص من الحيوانات الميتة و المحتمل اصابتها ...  استخدام طاردات البراغيث على الجلد والملابس خلال تواجدك في مناطق  التعرض لها ... االاعتناء بنظافة قطتك او كلبك وتذكر انهما مع السنجاب عرضة للاصابة بالطاعون  .       


       

48
نعم للموقف ....... كلا للكراهية
د. صباح قيّا        
 الموقف والكراهية  صفتان مختلفتان ولكنهما , عموما , متلازمتين ، هامش الفصل بينهما ضبابي  و مبهم الى حد ما ،  وغالبا ما يتداخل فهم الاولى وكانها الثانية او بالعكس ، وهنا يبدا الارباك ويترعرع الشك وينحرف العقل البشري الى منزلق جدلي ، فينشا الصراع ، وتولد عنه المشكلة ، التي تتفاقم كما ونوعا لتصبح ازمة ممكن استيعابها بسهولة في مراحلها المبكرة ، ولكن يصعب ذلك مع مرور الوقت ، ويغدو مستحيلا الا بزوال الحافز او المحفز ( بكسر الفاء ) او المحفَز ( بفتح الفاء )  ... وهذه هي الطامة الكبرى .
 تلتقيان بجوانب متعددة . كلتاهما تتدرج ضمن مدى محدد وتنتج كرد فعل لفعل حقيقي  احيانا ووهمي احيانا اخرى ،  يتباين بحسب المستوى التعليمي والثقافي والواقع التكويني والتربوي والمنشا العرقي والطبقي وكافة المرتكزات الحياتية الاخرى .
ومهما كان مدى التداخل ودرجة الالتقاء بينهما ، فانهما غير مندمجتين او ملتحمتين ولا  بد من التمييز بينهما وتحديد محيط الدائرة لكل منهما كي نتمكن من طرح اختلاف ارائنا ووجهات نظرنا ونتقبل بعضنا للبعض الاخر كموقف انساني حضاري  بعيد كل البعد عن الخلافات وخال من شوائب  الكراهية بنوعيها المعلن والمخفي .
الموقف من ( بكسر الميم ) ؟ ..... قد يكون سلبيا او ايجابيا ، مؤيدا او رافضا ، صلبا او مرنا ، هادئا او متشنجا ، قاسيا او رحيما ، ظريفا او ساخرا ، طريفا او لاذعا ، ، يقترب او يبتعد ، يتطابق او يتباين ، فلا يزال هو الموقف . ولكن متى ما اصبح  عدائيا ، نفسيا او جسديا ، بالكلمات او باللكمات ، فانه بذلك يخرج من بابه السامي  ليدخل دار الكراهية .  فليس الموقف كراهية ولا يعني البتة ان يكون نابعا من كرهك  لمن اتخذته تجاهه مهما تطرفت درجته . فمن منا لم يسبق له ان واجه في ظرف معين موقفا غريبا او شاذا من صديق عزيز او قريب حنون  ؟ , وبعدئذ تعود العلاقة احلى واروع  .
جوهر الموقف قضية .. حدث .. فعل .. لفرد او لمجموعة ، لمنظمة او لمؤسسة ، لدويلة او لدولة . فغاية الموقف هو الجوهر وليس لمن له ذلك من الطرف الثاني ، والا لانقلب الراي والراي الاخر الى جدل شخصي عقيم  قد يتجاوز الخطوط الحمراء في ردود فعله . و رغم ان الموقف الصائب ينبع من فكر نير وتحليل عميق ونظرة ثاقبة ، الا انه ، وفي مناسبات معينة ، قد يتاثر بالمصلحة الشخصية المشتركة او بحب الذات المفرطة ، فينحرف عن مساره السليم سالكا درب المحاباة  اوالمجاملة ، وبذلك يفقد اصالة دوره وسمو هدفه ،   فتنكشف اوراقه الفعلية  وترمى ادعاءاته في محرقة التاريخ .
ماهية الموقف ظاهرة صحية .... اما الكراهية فهي ضعف واعاقة ذاتية ...  ماهيتها ظاهرة مرضية تنجم عن خلل عميق في التقويم التربوي وتفاعل غير سليم مع المحيط الاجتماعي . واقصى درجاتها هو " الحقد "  .  قد نكره ملبسا او مسكنا  ، ماكلا او مشربا ، كتابا او مؤلفا  ، ممثلا او مذيعا ، منظرا  او صورة . طالبا او استاذا ، فقيرا ام غنيا ،  لمجرد الشعور بالكراهية ليس الا ... فمن منا لم ينفر ممن لا يعرفه او يلتقي به اطلاقا . نردد مرارا وتكرارا ، وبكل بساطة ، اكره هذا واكره تلك ... لا احب فلان ولا اجرع فستكان ... لماذا ولم ؟ ... انها غريزة الكراهية المتاصلة بتفاوت في اعماق كل واحد منا ، والتي نحن بامس الحاجة لترويضها ومن تم اذابتها لا كبتها لئلا تنفجربعدئذ  في ظرف معين نافثة بسمومها على القريب والغريب وعلى الداني والقاصي .
ادعو الى الموقف الواعي بكافة ابعاده وسماته .. ارفض الكراهية سطحية كانت ام عميقة ، طفيفة ام شديدة ، بالقول او بالفعل. ومهما كان بعد المسافة بين المواقف فانها تقترب من بعضها رويدا رويدا بالحوار المتواصل الخالي من الضغائن والاحقاد .   ولنجعل من  منابر مواقعنا ركائزا لطروحات متباينة وادبيات مختلفة ... ولنزرع في دواخلنا صداقات مخلصة ومودة نقية .
اقرا ما ينقصني .. اكتب ما يروق لي .. انشر ما يسعدني .. اطرح ما يثيرني .. احاور واناقش .. اختلف واتفق .. اقترب وابتعد .. هذا موقفي من قضيتك وليس من شخصك ... قد يسرك او لا يسرك .. لا اهينك ولن احتقرك او اشتمك ... فتلك مشاعري لشخصك لا لقضيتك ... لن تعرفها حقيقة حتى نلتقي .. حتما سامدّ لك ساعدي .. وربما اقبلك او اشتمك في حينه .. فمن يدري ؟ .      

49
المنبر الحر / حكايـات طبيـة - 4
« في: 19:45 18/09/2013  »
حكايــــــــــــــــــــــــــــات طبيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة - 4
د. صباح قيّا   
     
( Malaria )الملاريا
( متى 8 : 14- 17، مرقس 1 : 29 -34  ، لوقا 4 : 38-41 )
ثم ترك المجمع ودخل بيت سمعان. وكانت حماة سمعان مصابة بحمى شديدة ، فتوسلوا اليه من اجلها . فدنا منها ، وانتهر الحمى فتركتها ، فقامت في الحال واخذت تخدمهم .

جاء ( من باب الطرافة )  في  كرازة لاحد الاباء المجددين من الشباب  ان نكران القديس بطرس للمسيح كان بسبب شفائه حماته في كفرناحوم , ويظهر ان المسكينة الحماة لم تسلم حتى من القديسين الاوائل ، فعلاقتها بزوج البنت ( بطنج وحية ) منذ ذلك الزمان . لم تكن اعجوبة طرد الحمى هي الوحيدة الواردة في العهد الجديد ، وانما ذكرها انجيل يوحنا ( 4 : 47 - 52 ) في اشارة لشفاء ابن احد رجال حاشية الملك والذي كان يسكن كفرناحوم ايضا . عرف الارتفاع الشديد في حرارة الجسم انذاك ب ( الحمى الكبرى ) لخطورته من جهة ولتمييزه عن نوع  ثان لا يشكل تهديدا ملموسا على حياة المريض من جهة اخرى . يتفق معظم ذوي الاختصاص ، ان لم يكن جميعهم ، ان الحمى الشديدة في كلتا الحالتين هي  نتيجة الاصابة بمرض الملاريا المنتشر ذلك الوقت بشكل واسع في تلك المنطقة . 
عرفه الانسان  منذ القدم ، وربما تزامن مع تاريخ البشرية ذاتها . كان عاملا  اساسيا لهزيمة جيوش جبارة وانحسار امم وحضارات عظيمة ، لعب دورا فعالا في مصائر ملوك وقادة لامعين ، وجاوزت الخسائر بسسببه   تاثيرات الاسلحة نفسها . يعتقد بانه وراء موت مشاهير في التاريخ كالاسكندر المقدوني ، البابا كريكوري الخامس ، البابا ليو العاشر ، جنكيزخان ، الملك ادوارد الرابع ، الشاعر دانتي ،  واخرين كثيرين  ، منهم من اصيب وشفي منه كالرئيس جورج واشنطن , ابراهام لنكولن ، المهاتما غاندي ، والقائمة تطول .
يسبب الملاريا طفيليات يطلق على كل منها " بلاسموديوم " ، وهنالك اربعة انواع اساسية ، اكثرها انتشارا هو ال " بلاسموديوم فيفاكس " الذي يتواجد بنسبة 70 % - 90 %  في معظم اسيا ، جنوب ووسط امريكا ، والشرق الاوسط . يليه ال " فالسيبارم " المنتشر بنسبة 85 % في افريقيا . ثم ال " اوفالي " وال " ملاريي "  بمعدلات ضئيلة هنا وهنالك .
ينتقل الطفيلي بواسطة لسعة انثى بعوضة " انوفلس " والتي طعامها المفضل دم الانسان الضروري لنمو  بيوضها ، وتنشط عادة منتصف الليل في الاماكن المغلقة  وخاصة  ذات الاجواء الحارة والرطبة والمشبعة بثاني اوكسيد الكاربون ، وتنجذب عموما  نحو الاحجام الكبيرة من الذكور البالغين ( سبحان رب العباد ) . ونادرا ما بنتشر المرض عن طريق اعطاء الدم من مصاب الى سليم ، وقد ينتقل ايضا  من ام مصابة الى وليدها  اثناء الحمل او خلال الولادة ، وبين المدمنين نتيجة استخدام حقن مشتركة . يجب ان يمتنع المصاب من التبرع بالدم لمدة 3 سنوات على الاقل بعد شفائه .
تظهر اعراض المرض بعد الاصابة باسبوع وبتلاث مراحل : مرحلة البرودة ( القشعريرة ) والتي تحدث غالبا في منتصف النهار وتستمر من 15 دقيقة الى ساعة واحدة ، تليها مرحلة الحرارة التي تتجاوز 106 درجة فهرنهايت وتستغرق 2 - 6 ساعة وعادة يصحبها صداع ، غثيان ، قلق ، اضطراب وتشوش ،  تعقبها مرحلة التعرق الغزير حيث تبدآ درجة الحرارة بالانخفاض لتصل المعدل الطبيعي خلال 2 – 4 ساعة ويعود المصاب الى حالته الطبيعية . تتكرر هذه المراحل كل 48 ساعة في حالتي " الفيفاكس و الاوفالي " ويطلق عليهما " الملاريا الثلاثية الحميدة " ، وكل 72 ساعة في " الملاريي " وتسمى   الملاريا الرباعية الحميدة " ،  ولا تأخذ مراحل " الفالسبارم " نمطا معينا بل تتكرر عشوائيا وتعرف  ب " الملاريا الخبيثة " لشدتها وخطورة مظاهرها مثل : اختلال الوعي او فقدانه التام  ، نقص السكر في الدم ، فقدان السوائل والاملاح ، النوبات الصرعية التي يطلق عليها " ملاريا الدماغ " ،  خذلان الكلية , ثم الوفاة .
يتم تشخيصه بفحص مسحة خفيفة وسميكة من دم المصاب تحت المكرسكوب بعد صبغها ، وتلاحظ الاشكال المختلفة لنمو الطفيلي داخل الكريات الحمر .
يمكن علاج المرض وشفائه جذريا بالعقاقير المتوفرة التي تختلف اصنافها  ومدتها حسب نوع الملاريا ، وقد سجلت  حالات مقاومة الطفيلي  للبعض منها . ونظرا لمرور الدورة الحياتية لطفيلي الملاريا بمراحل نمو متعددة سواء داخل جسم البعوضة او الانسان ( كرياته الحمر وكبده ) ، فان ذلك يجعل ايجاد عقار ناجح او لقاح فعال امرا صعبا .
ما يستوجب عليك عمله لو سافرت الى حيث يستوطن المرض :
غلق الابواب والشبابيك مساء لمنع دخول البعوض . استخدام طاردات البعوض وشبكات النوم ويفضل المشبعة منها  بقاتل البعوض . ارتداء الملابس التي تغطي معظم مساحة الجسم .  تناول عقاقير الوقاية من المرض وحسب ارشاد الطبيب الواجب استشارته  قبل سفرك بمدة مناسبة . مراجعة طبيبك حال شعورك بالحمى بعد اسبوع من عودتك وخلال السنة الاولى منها  .
ملاحظة : بدآ برنامج مكافحة الملاريا في بلدي الحبيب بعد منتصف خمسينات القرن الماضي وبمساعدة منظمة الصحة الدولية ، وتخلل البرنامج مد وجزر حتى عام 2011 حيث اعلن العراق نظافته من المرض ....

 





         


50
مبادرة
مشجعة من كنيستي الكلدانية
                                                                                                                               د. صباح قيا                
للاسف الشديد ، ان المال هو محور الحياة في الوقت الحاضر ، فبدل ان يكون وسيلة ، كما يقال ، فانه الغاية في معظم الاحيان . قد تعلمنا  " يترك الرجل اباه وامه ويلتصق بامراته " ، اما الواقع  " يترك واحدنا مبادءه , قيمه , مثله , وحتى احباءه ومقربيه ويلتصق بدولاره " . وبالطبع لكل قاعدة استثناء رغم ندرته عندما يرتبط بما يطلق عليه رياء " وسخ الدنيا.
هنالك الكثير من الكلام واللغط ،  بحق احيانا وبدون حق احيانا اخرى ،  : اين تذهب واردات الكنيسة  ؟ ، لمن تصل صينية القداس ؟ . حدثني احد الموثوق بهم عما لاحظه بعد ان استلم مسوؤلية حسابات احدى كنائسنا في بغداد بتكليف من راع لا غبار علية البتة والذي احزننا جميعا بانتقاله الى  ملكوت السماء . قال لي : في الاحد الاول وصل ما جمع خلال القداس اربعة اضعاف ما مدون في سجلات سابقيه , اعتقدها صدفة ، ولكنها تكررت في كافة الاحاد اللاحقة . ازدهرت الكنيسة بملحقاتها الجديدة وتحديثها للقديمه منها . اخبره الاب الراحل بانه كان متيقنا منه لتحقيق ما يصبو اليه . السؤال  : هل كان الراعي على علم بافعال ذلك النفر الضئيل من رعيته ؟ جوابي : نعم ، ونعم الى ما لا نهاية . ولكنه فضل الصمت وتصرف بهدوء حفاظا على تماسك الرعية وكما يقول المثل " الف عين من اجل عين تكرم " . فهل هنالك اغلى من عين الرعية عند الاب الذي يحمل كل ما تعنيه كلمة الاب من معنى ؟ .
لقد سمعت من عدد غير قليل من ابناء شعبنا بان اهم سبب لعزوفهم عن حضور قداس الاحد هو حجتهم بان الكنيسة همها وهدفها جمع اكثر ما يمكن من النقود . قبل فترة قصيرة ، كنت , بحكم مهنتي ، احد الحاضرين حفلا اقامته الجمعية الاسلامية هنا  للتعريف عن الاسلام المسالم والمتحضر . لاحظت بان ثلثي المدعوين من الحضور ليسوا بمسلمين . ما لفت انتباهي بالذات وكان وما  يزال  مثار دهشثي واعجابي هو الكم الهائل من  التبرعات الواردة من ميسوري الحال من ابناء جادتهم  واكثرهم فضل عدم الاعلان عن اسمه ربما متاثرا بتعاليم المخلص " فاذا احسنت الى احد فلا تجعل شمالك تعرف ما تعمل يمينك ، حتى يكون احسانك في الخفية ، وابوك الذي يرى في الخفية هو يكافئك  "  . اما نحن ، وبكل صراحة ، لا يطيب لمعظمنا العطاء بدون بوق وطبل ودف ، فالمظاهر والمزايدات ديدنا حتى على حساب ايماننا .
يتبادر الان تساؤلي : من المستفيد من عطاءات الرعية ؟ .  اتذكر من خلال عملي في احدى المدن الحدودية الجنوبية ابان الحرب العراقية – الايرانية ، عندما كان جميع البالغين من الذكور عسكرا ، والنساء العراقيات ماجدات ، والصغار طلائعا ، ان دعيت لحضور اجتماع طارئ لمناقشة ظاهرة الرشوة والاستغلال المتفاقمتين بشكل مقرف انذاك . بدأ كل واحد من الحضور يدلو بدلوه ويسمعنا من النصح والارشاد ما يفوق بها اثقف كاهن واعلم امام ، وانا اقرأ الرشوة والاستغلال في اعين الاغلبية منهم . حان دوري ، وانا الطبيب الوحيد بينهم ، فنطق فاهي كالاتي : كما هو معروف ، هنالك ثلاث قوى رئيسية ومتنفذة في كل مؤسسة  : الامر الذي له سلطة الامر والنهي , ضابط الامن الذي يهابه الكل لما لتقريره من عواقب وخيمة ،  و ضابط التوجيه السياسي الذي لا يقل سطوة عن ضابط الامن . فاذا لم يرتشي او يستغل اي واحد منهم ، فهل يتجرأ من له موقع اخر بذلك .  وحينها خيم السكون على القاعة والوجوم على الوجوه . وبعد ان انفض الاجتماع , همس باذني من اكن له الود والتقدير لامانته ونزاهته قائلا : شلك بيها يا دكتور ؟ فأجبته: لماذا دعينا الى الاجتماع اذن ؟ . عودتي مجددا : هل يستطيع الجالس داخل الكنيسة مستمعا ان يمد يد الحرام ؟  الا اذا كان فلتة زمانه .
في مبادرة جميلة من كنيستنا هنا تدل على اهتمام ايجابي برعيتها هي البدء بجمع ما تجود به جيوب الحضور بعد قراءة الطلبات ثم تترك على المذبح امام الجمع المؤمن لتبارك من قبل راعي الكنيسة مع  الخبز والشراب  رمز جسد ودم المسيح . رب قائل ، ان هذا تقليد للكنائس اللاتينية ويتعارض مع تراثنا وتقاليدنا . اجابتي : كل ما في طقسنا من صنع الانسان الذي هو فكر خلاق يستمر بتجدده ويتلاشى بركوده . كم تمنى " مرهون " باكيا  في مسرحية "  النخلة والجيران " ان تبقى " الطولة " دون ان يطالها الهدم ليحل محلها بناء عصري ، فلم يسعفه بكاؤه او تجدي توسلاته . اننا نشد بقوة على يد كل راع  يقرب كنيسته ،التي هي كنيسة كل المؤمنين ، من رعيته . اننا مع كل تجديد يعزز من رسالتنا المسيحية . يستوجب ان لا تقف ذريعة التراث امام كل ما من شانه تقوية الايمان والاقتراب من الرب في زمن تتزعزع به معظم  القيم ويبتعد الانسان تدريجيا عن خالقه . من غير المعقول ان اتشبث بالبابونج والزعفران وحبة الحلوة وتتوفر عندي خيارات العلاج الشافي .    
 استفسرت من رئيس مجلس الخورنة عن الجهة التي ستكمل مشوار الحساب ، فاجابني انها مهمة اللجنة المالية او مجلس الخورنة . اقتراحي ، لما لموضوع الصينية او التبسية  كما يسميها البعض من حساسية ، ان يعد ما فيها  من قبل اللجنة المالية بحضور ممثل عن المجلس الخورني وممثل علماني يستبدل في كل قداس . ثم يوقع الكل في السجل الخاس بذلك .
  

 

51
المنبر الحر / حكايات طبية - 3
« في: 22:30 04/09/2013  »
حكايــــــــــــــــــــــــــــات طبيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة - 3
                                                                                                                             د. صباح قيا              
الصرع   ( Epilepsy )
( متى 17: 14-21 ، مرقس 9 : 14-29 ، لوقا 9 : 37-43 )
ولما وصلوا الى الجمع ، تقدم رجل الى يسوع ، وجثا أمامه ، وقال: " يا سيد ، ارحم ابني لأنه مصاب بالصرع ، وهو يتعذب عذابا شديدا ، وكثيرا ما يسقط في النار أو في الماء ، وقد احضرته الى تلاميذك ، فلم يستطيعوا أن يشفوه " . فأجاب يسوع قائلا : " أيها الجيل غير المؤمن و الأعوج ، الى متى أبقى معكم ؟ الى متى أحتملكم ؟ أحضروه الى هنا ! " وزجر يسوع الشيطان ، فخرج من الصبي ، وشفي من تلك الساعة .

لا بد لمن سكن بغداد ايام زمان ان يتذكر ما المقصود ب ( ابو رعيصة ) التي كانت تطلق على من قد تنتابه نوبة صراخ فجائي تعقبها مباشرة حركات لاارادية مصحوبة بتشنج عضلات الجسم و بالأخص الاطراف العليا والسفلى مع صك الاسنان وسيل اللعاب خارج الفم واحيانا عض اللسان والتبول او البراز الذاتي غير المسيطر عليه  ، و تستمر دقيقتين او اكثر  ليخلد بعدها  ( المرعوص )  ، حسب التسمية انذاك ،  الى النوم الذي ربما يستغرق حوالي النصف ساعة . كنا ، ذلك الحين ، صغارا  نهرع مسرعين  باتجاه مكان الحدث ، ونرى النسوة يهرولن حاملات طاسات الماء , والرجال يلوحن بمناديلهم ليضع اولهم منديله بين اسنان فكيّ  المصاب كي يقي اللسان من كماشة الفكين . وبعدها تتم مراحل الافاقة بالمناداة احيانا وبالماء احيانا اخرى ، فيستفيق مشدوها ،  ولكن لا يتذكر ما حصل له اطلاقا . كنا نلاحظ مشاعر الرحمة والشفقة وعلامات الرقة على جميع الوجوه . هكذا كانت قلوب الناس  ذلك الوقت .
من المحتمل ان التعبير الدارج  " ابو رعيصة " مشتق من الاسم اللغوي للمرض المنوه عنه والمعروف ب  " الصرع " والذي يحدث نتيجة خلل وقتي في النشاط الكهربائي لخلايا المخ ، اما جزئيا ويطلق عليه " الصرع الجزئي " او شاملا جميع الخلايا ويعرف حينئذ ب " الصرع الاكبر " . ولا يمكن معرفة سببه في حوالي  70% من المصابين به ، ولكن يظهر احيانا بعد اصابات الراس ، نقص الاوكسجين عند الولادة ، اورام الدماغ ، التهاب السحايا الدماغية ، بعض الامراض الوراتية ، او حالات التسمم .
عرف الانسان النوبات الصرعية منذ القدم ، وذكرت في العهد القديم  مرات عديدة ، وسمي المرض ب " مرض السقوط " ، كعقاب للفرد بسسب خطاياه ، او كتحذير للمجتمع كي لا ينتهك شرائع الله . وبحسب قانون التلمود ، كان العبد يباع مع ضمانة لمدة 100 يوم يعاد فيما اذا حصلت له نوبة صرعية . كما كان يظن وهمآ  بانه مرض وراثي فلذلك تمنع المراة المصابة من الزواج . وايضا لا يسمح للرجال المصابين  بامتهان الكهنوت او القضاء من جهة ، و لا يجوز للكاهن او المرشد ان يتعامل مع او يعالج مصابا  خوفا من انتقال المرض اليه من جهة اخرى لاعتقادهم بانه معد .
وكان العرف السائد في القرون الوسطى بان مرضى الصرع تمتلكهم الشياطين وقوى  نجسة اخرى . ومن الطرق الشائعة التي كانت تستخدم انذاك  لايقاف النوبة هي تعريض المسكين الى مراحل طقسية  قاسية بغية طرد الارواح الشريرة منه والتي غالبا ما تؤدي الى الحاق الاذى به ،  واحيانا وفاته . واستمرت النظرة الظلامية الخرافية ووصمة العار تلاحقهم لقرون عديدة .  وفي عام  1983 م اقر القانون الكنسي رفع الحظر الذي يمنع دخولهم المعاهد الدينية الكاثوليكية والى غير رجعة .
ليس الصرع بمرض عقلي ، ولا تقتصر الاصابة به على عمر او جنس محدد ، ولا توجد علاقة مثبته علميا بينه وبين الذكاء حيث يمكن ان يظهر على اناس بمستويات متباينة من الذكاء رغم حصوله عند بعض  المتميزين بذكائهم ، اذكر منهم على سبيل المثال : يوليوس قيصر ، نابليون ، سقراط , نوبل ، دستوفسكي ، و جارلس ديكنز .
نادرا ما ينشأ المرض عن اسباب وراثية , فاذا كان احد الوالدين مصابا فان امكانية تعرض الطفل تقريبا 10% ، وتزداد الى 4:1 اذا كان كلا الوالدين يعاني منه .
من الممكن تشخيص الحالة بسهولة من خلال التاريخ المرضي والوصف الدقيق للنوبة ، والمسند باجراء مخطط كهربائية المخ . وهنالك عدة طرق لعلاجه ، اهمها العقاقير المانعة او المسيطرة على التشنج ، واللجوء نادرا للجراحة وخاصة للنوبات الصرعية المتكررة .
ما يمكن عمله اذا صادفت نوبة صرعية :
تجنب وضع اي شيء في فم المصاب ، فهذا الاجراء غير مقبول في الوقت الحاضر .  لا تحاول مسكه او التحكم في حركاته و تشنجاته . قف قريبا منه وابعد عنه الادوات الحادة وكل ما هو مؤذ . حاول ان تضعه على جانبه . ستنتهي النوبة خلال دقيقتين او ثلاث . حاول ان تهدئ من روعه قدر المستطاع  بعد استعادة وعيه .







52
حكايــــــــــــــــــــــــــــات طبيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة 2
                                                                                                                        د. صباح قيا      
هل ضاع البرص بين البهق والمهق ؟

كان حديث الحلقة الاولى من حكايات طبية حول مرض البرص والمعروف حاليا بالجذام . ومن خلال بعض المداخلات شعرت بحصول بعض الالتباس الناجم عن الاطلاع على الشروحات المنشورة في المواقع العربية والتي تخلط بين البرص والبهق من ناحية وبين البرص والمهق من ناحية اخرى ، ناهيك عن الخلط  بين البهق والمهق . المشكلة تكمن في المعاجم والقواميس الطبية العربية المختلفة، حيث يحلو لكل معد ان يترجم بحسب ثقافة و تعليم القطر الذي ينتسب اليه. اما المعجم االطبي المعول عليه والمعتمد من قبل الجامعة العربية فهو : المعجم  الطبي العربي الموحد الذي اهدى لي نسخة منه معده استاذي المرحوم الدكتور محمود الجليلي .

لا بد وان الكثير من القراء قد صادف يوما ما انسانا جسمه كليا ابيضا ، وكذلك لون شعره ، يتحاشى النظر الى الشمس بعينيه ذات اللون الازرق . انه احد انواع المهق  الاكثر شيوعا من النوع الاخر الذي يصيب العينين فقط . كلاهما ينتقل وراثيا . الاول ، بواسطة الكروموزوم الجسدي كصفة متنحية ، وعليه لا بد ان يكون كلا الوالدين حاملا للمرض وليس مصابا به ، وفي هذه الحالة يظهر كاملا  في ربع عدد افراد الذرية من الجنسين , ويكون نصفه حاملا له ، والربع الاخر سليما . اما النوع الثاني ، فينتقل عبر الكروموزوم الجنسي الانثوي  - اكس - حيث ستحمله مستقبلا نصف الاناث ولن تصاب به ، بل سيبتلى به نصف الذكور . .......... ولكن، استميحكم عذرا ، ارجو ان لا تقولوا بان كل البلاوي تاتي من محبوبتنا حواء ......  .

و بدون شك ، جميعنا قد التقى في المدرسة او محل العمل او بمحض الصدف ،  بمن تبرز على جسمه بقعة منفردة او بقع متعددة بيضاء اللون ، مع احمرار فاتح في قسم منها في بعض الاحيان ، وباشكال وحجوم متنوعة . انه البهق الذي قد يتشابه مع المهق عندما يكون منتشرا وواسعا .  وهنالك اختلافات جوهرية  بينهما :
المهق  ، كما اسلفت ، مرض وراثي  ،يظهر عند الولادة بسبب خلل في تكوين صبغة الميلانين ، اما البهق فهو مرض مكتسب يظهر عادة بعد الولادة نتيجة التخريب المناعي الذاتي للخلايا التي تفرز صبغة الميلانين ، وقد يصاحب ايضا  بعض الامراض ذات العلاقة بالمناعة الذاتية مثل فقر الدم الوبيل و قصور العدة الدرقية .
أهم اختلاف بينهما هو تحسن البهق بالعلاج  ، اما المهق فلا علاج له لحد الان غير التاهيل النفسي والاجتماعي ، وهو حالة مستقرة لا تتطور ولا تتحسن ، غير ان الامهق  اكثر عرضة للاصابة بسرطان الجلد بسسب اشعة الشمس فوق البنفسجية وانعدام صبغة الميلانين ، اضافة الى ما يعانيه من عمى وظيفي وحساسية شديدة للضوء وحركة العينين السريعة اللاارادية .

تختلف نظرة المجتمع الى المصابين بالمهق باختلاف ثقافته و تقاليده . ففي بعض دول افريقيا متلا يعتقد بانه لعنة من الالهة او الاجداد المتوفين ،  وهنالك ازواج يتركون زوجاتهم حال ولادتهم امهقا ، علما بان الزوج يشترك مناصفة مع  الزوجة في نقله .  و في تنزانيا ، حصرا ، يقوم السحرة وممارسي الطب الشعبي باستخدام اجزاء من جسم الامهق في طقوس خاصة ظنا منهم بان لها مقدرة سحرية لجلب الحظ السعيد وكسب المال السريع ،  وتصدر الى بلدان اخرى لهذا الغرض بعد قتل هؤلاء المساكين وتقطيعهم  . اما في زمبابوي ، فيعتقد بان ممارسة الجنس مع امراة مبتلاة به يشفي المصاب بمرض نقص المناعة المكتسبة – الايدز -   ، وبالفعل سجلت حالات اغتصاب غير قليلة لم تؤدي الا الى  نقل فيروس الايدز الى المغلوب على امرها . وفي جامايكا ، يعتبر الامهق ملعونا ويعزل اجتماعيا . ومن الخرافات الاخرى المنتشرة بين قسم من الافارقة ، بان مرضى المهق ليسوا من جنس الانسان وانما اشباح لا تموت بل تختفي وهم يولدون من امراة سوداء ورجل ابيض او اوربي .
 
ورغم ذلك ، فقد برز من ضحاياه عدد لا يستهان به في مجالات شتى كالتمثيل والادب والشعر وحتى السياسة.
ومن شاهد الفلم التحريفي ( شفرة دافنشي ) لا بد ان يتذكر الممثل الامهق الذي قام بدور الشرير .

فما جاء ذكره  في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد هو البرص ، والذي شفاه الرب . وجهود الكنيسة الكاثوليكية المتواصلة منذ زمن طويل لمكافحة هذا الداء الوبيل وخدمة المبتلين به  ما هو الا امتداد لاعجوبة السيد المسيح .

                            Albinism  المهق            Vitiligo  البهق                    Leprosy البرص
 




53
هل تمنع الإعاقة الابداع


الدكتور صباح قيا

 جاء في تعريف منظمة الصحة العالمية للاعاقة بانها مصطلح يشمل أية مشكلة في وظيفة الجسم اوهيكله ، وايضا الصعوبة التي
يواجهها الفرد في تنفيذ مهمة او عمل ، إضافة الى المعضلة التي يعاني منها  في المشاركة في مواقف  الحياة
أما المعاق فيعرف بانه الشخص الذي يختلف عن المستوى الشائع في المجتمع في صفة او قدرة شخصية سواء كانت ظاهرة كالشلل
وبترالاطراف وكف البصز او غير ظاهرة مثل التخلف العقلي والصمم والاعاقات السلوكية والعاطفية
والسؤال الذي يتبادز الى الذهن ؟ هل توارى المعاقون عن الانظار مفضلين العيش بعزلة كاملة او نسبية بعيدا عن اطياف المجتع
منكمشين على انفسهم ومستسلمين لبلوى اعاقتهم نادبين حظهم على ما خلقوا به او ما اصابهم خلال مسار حياتهم ؟ ويأتي الجواب سريعا
 كالبرق وبلا تردد كلا ومليون كلا
لقد ابدع الكثير من المعاقين في مختلف جوانب الحياة السياسية منها والادبية والاجتماعية والعلمية ودخلوا التاريخ من اوسع ابوابه ،
وكانت ولا تزال مساهماتهم وانجازاتهم نموذجا للإقتداء به ومنارا تحنو له اطول الرقاب ، ويستوجب سرد الامثلة على ذلك مجلدات
عديدة لاستيعابها
فقد برع في الادب او الشعر او الفلسفة على سبيل المثال لا الحصر كل من هوميروس وبشار بن برد وابي العلاء المعري وطه حسين
بالرغم من فقدانهم البصر ، والف بيتهوفن اروع مقطوعاته بعد اصابته بالصمم ، اما اعجوبة المعاقين هيلين كيلر فلم تثنها الاصابة
بالعمى والبكم والصمم عن تعلم عدة لغات وعن بروزها في التأليف والكتابة ، ولن اغفل ذكر عالم الرياضيات ستيفن هاوكنك المصنف
 كاعظم عالم في القرن العشرين بعد اينشتاين والذي كان ولا يزال مثار اعجابي وتقديري من جهة وحيرتي من جهة اخرى ، فها هي
بحوثه مستمرة رغم شلله الكامل تقريبا، اما طريقة تدريسه المتواصلة عبر الحاسب المجهز بماكنة لتشكيل كلماته فانها بحق تسلب الالباب
ويستدل من ذلك بان المستحيل يغدو ممكنا عند توفر الارادة القوية مدعمة بالموهبة المتميزة
ومن دون شك هنالك اعداد هائلة من المعاقين الذين لم تصل نتاجاتهم مستوى الشهرة ولكنهم ساهموا في تقديم خدمات جليلة للانسانية من
خلال اعمالهم ونشاطاتهم المتنوعة
ويطرق سمعي الان سؤال اخر .. هل تقتصر الاعاقة على ما جاء في تعريف المنظمة العالمية ؟ ، وهل المعاق هو فقط الذي فقد عضوا
او اصيب بعاهة ما ؟ وياتي الجواب مجددا كلا ومليون كلا
اكتبها بصراحة واستميحكم عذرا ، اننا جميعا معاقون بشكل او باخر، ولن استثني احدا على الاطلاق حتى نفسي ، اننا معاقون رغم
خلونا من اية عاهة ظاهرية او افة خفية ، اننا معاقون رغم سلامة عقولنا واكتمال ابداننا ، ان اعاقتنا هي في ازدواجية تفكيرنا وفي قصر
 مقاساتنا وضيق افاقنا وفي ذبذبة سلوكنا وتقلب مزاجنا
ان في اعماقنا جمبعا واحدة على الاقل من هذه المزايا;
نمارس النميمة عند دعوتنا للصدق ، نضمرالحقد والضغينة حين يستوجب الغفران والتسامح ، نتصرف بغطرسة وكبرياء حيث البساطة
 والتواضع ، ننظر بازدراء واشمئزاز حين نلتمس الاحترام والتقدير ، نبشر بالكراهية في اجواء المحبة ، نتشبث بالقشور ونترك الجوهر
، ننطق بالضلال وننسى المنطق ، ننظر بحسد حينما يتطلب الاعجاب ، نتبنى التطرف والانفعال وقت النقد، ونحرم لغيرنا ما نحلل
 لانفسنا
ان اشد انواع الاعاقة قسوة على المجتمع هي تلك المرتبطة بالسلوك الشخصي او الضمير الفردي واذا توفرت الموهبة في مثل هذا الشكل
من الاعاقة فانها حتما تحيل اي  بناء الى خراب و رماد
فمتى افلحنا في تصفية عقولنا وتنقية قلوبنا وازلنا الشوائب من ادمغتنا وابداننا ونجحنا في غرس الخصال الانسانية في اعماق ذاتنا نكون
بذلك قد حققنا اسمى معاني الابداع   

54
رسالتي الثانية الى راعي الكنيسة الكلدانية
                                                                                                                          د. صباح قيا
في بدء مسيرتي المهنية وفي قضاء من اقضية كردستان الجميلة ، اعارني امام من الاخوة الاكراد ينتسب الى احدى الوحدات الطبية المتجحفلة آنذاك مع القطعات العسكرية في تلك المنطقة ، كتابا بعنوان " من  شعراء الارض المحتلة " والذي يحتوي على مختارات شعرية لخمسة شعراء فلسطينيين ، اتذكر منهم محمود درويش ، سميح القاسم ، و معين بسيسو ، وللاسف الشديد ،  تخونني الذاكرة عن درج الاثنين الاخرين . ولميلي الشديد لقراءة الشعر وبالاخص القصائد التي تحكي المعاناة مهما اختلفت دوافعها ومسبباتها متاثرا باستاذ اللغة العربية في مرحلة دراستي المتوسطة وهو يشرح بنبرة شجية حالمة القصيدة التي تنسب الى ابن زريق البغدادي ومطلعها:
لا تعذليه فان العذل يولعه     قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه
، قرأ ته من الفه الى يائه بمتعة ولكن ممزوجة بحزن وأسى ، فكم هو قاس الاحساس بالغربة وانت في بلدك او ان تسكن مضطرا وطنا ليس من خيارك ،  وكم هو اليم ان تداس ليعطى استحقاقك لغيرك . فلكل قصيدة في الكتاب قصة حزينة ، وهو برمته معاناة شعب كسير . ولكن ... رغم ضخامة وهول هذه المعاناة فانها قد جاءت  ممن هم - تاريخيا - اصحاب الدار ، فكيف الحال اذن عندما  تاتي ممن هم – تاريخيا -  غرباء عن  الدار ؟ . وهذا ما حصل ويحصل لشعبنا المسيحي ، والذي بسببها تبعثر شمل  العائلة الواحدة : الابن في استراليا ، البنت في هولندا ، الاخت في السويد ، الاخ ما زال ينتظر في ارضنا الجريحة ،  الوالدان  في  نيوزيلندا ،  والعائلة الاوفر حظا من انتشر افرادها بين امريكا وكندا .  
من اروع ما وهب الخالق للانسان هما :  القابلية على التكيف لمتقلبات الظروف مهما بلعت قسوتها ، ورحمة النسيان لالام الماضي رغم شدتها  . وهكذا ، مع مرور الوقت ،  تتلاشى معظم الصعوبات ويقترب المهاجر من الاندماج مع مجتمع بلاد المهجر بسرعة تزداد تدريجيا حتى تضمحل الفروقات تماما مع تعاقب الاجيال .  ومن هنا سيبدأ قلقي بل بالاحرى معاناتي وربما ملامتي من قبل هذه الاجيال . أسمع ما لا يسمعون ، اقرأ ما لا يقرأون ، اكتب ما لا يكتبون ، وانطق بما لا ينطقون. أتساءل : من سينظر الى كتاباتنا ؟ من سيطلع على مواقعنا ؟ من سيتعمق في جذورنا ؟ من سيفخر بتراثنا ؟ من سيثمن جهودنا ؟ من ؟ من ؟ ومن ؟ ...... اعتقدت ، واهما ، باني وجدتها ! فاذا بالاعين تنظر شزرا ، والشفاه تتراقص رعبا ، والوجوه تتساءل  بازدراء ، والجباه  تحملق باستهجان ...... ومن بين هذا الجمع الناطق بصمت يطرق مسامعي صدى حاد: لماذا نعلم ابناءنا لغة الاسلام ؟ فاذا بي اتمتم بما كان يردده الممثل جعفر السعدي في المسلسل الشهير " الذئب وعيون المدينة : ...عجيب امور غريب قضية ....
من البديهيات المعروفة بان لكل معضلة حل ولكن ليس بالضرورة ان يكون الامثل . من الممكن بكل بساطة الالتجاء الى كنائس اخرى ليتعلم ابناؤنا لغة تعليمنا وثقافتنا ولكن من يضمن عدم  حضورهم مستقبلا  الفعاليات الطقسية لتلك الكنائس وبذلك نكون قد ساهمنا ، من غير ان ندري ،  في زيادة التناقص التدريجي الملحوظ في رواد كنائسنا الكدانية . وبدون شك  ان هذا الخيار اسلم من تعلمها من خلال الايات القرانية والاحاديث النبوية كحل بديل اخر .  ولكن لم هذا التعقيد ؟ فكل الطرق تؤدي الى روما ، وروما هي الصخرة وكنيستي حجرة من حجرها . اني على يقين بان الكثير ممن خدم في سلك التعليم على استعداد للمساهمة وتقديم جل خدماته في هذا المجال . وايضا هنالك من لهم الخبرة باعداد المناهج المناسبة لمختلف المستويات .  ستتهيا من خلال تعليم اللغة فرصة ثمينة  للحفاظ على تقاليدنا و قيمنا وترسيخ عاداتنا الاجتماعية وشرح تاريخنا والاطلاع على تراثنا . فما لمسناه ونلمسه في مدارس بلاد المهجر وحتى الكاثوليكية منها هو تعليم التلاميذ في مراحل عمرية مبكرة كيفية تجنب الحمل قبل الزواج ، وطرق ممارسة الجنس الواقي ، والتبليغ عن اية مضايقة من الاهل ، رغم كون تلك الاعمار ،  وبالاخص من بين  ابناء رعيتنا ، غير مهيأة نفسيا وفكريا لاستيعاب مثل هذه المواضيع .
في مقولة للبابا الراحل يوحنا الثالث والعشرون : "  التاريخ  هو معلم الحياة "
فلنصغي - نحن معشر الحياة تلاميذ اليوم – بدقة وامعان الى استاذ كل الاجيال كي نعي الحاضر من خلال سبر اغوار الماضي .                                                                                                                                  
اللغة العربية من اللغات السامية الا ان بدايتها لا زالت مجهولة، واقدم نص اثري ورد فيه اسم العرب هو اللوح المسماري المنسوب للملك الاشوري شلمانصر الثالث . واقدم نص عربي مكتشف مكتوب بالخط النبطي وهو نقش ( النمارة ) المكتشف في سوريا والذي يرجع لعام 328 م ( النص القراني في القرن السابع ) .
يشير الكتاب المقدس ( اعمال الرسل اصحاح 2 :11 ) الى ان من من بين الذين اجتمعوا في علية صهيون ، حيث تمت معجزة حلول الروح القدس ، فيما اصبح معروفا بالعنصرة ، كان من تكلموا العربية ، مما يؤكد وجود المسيحيين العرب في فترة انطلاقة المسيحية الاولى .
دخلت المسيحية بلاد العرب نتيجة مجهودات تبشيرية فردية في العراق والشام وتاسست ممالك قوية من المسيحيين العرب – المناذرة في الحيرة والغساسنة في بصرى واتباع الحارت بن كعب في نجران في اليمن - .                                  
ظهرت بين المسيحيين العرب قبل الاسلام شخصيات ادبية وشعراء اغنوا المكتبة العربية ، ليس في حينه بل على مدى الايام ، منهم عمرو بن كلثوم ، امرئ القيس ، النابغة الذبياني ، عدي بن حاتم الطائي .                                          
كانت السيدة خديجة بنت خويلد زوجة رسول الاسلام عربية نصرانية والتي زوجها له عمها الراهب ورقة بن نوفل .
 يمثل العرب بكافة دياناته حاليا 20 %  فقط من عدد مسلمي العالم اي ان 80 % من المسلمين عموما لا يتكلم اللغة العربية .
اذن ، استطيع ان اعذر نفسي الان واقول  بكل ثقة ، بان اللغة العربية ليست لغة الاسلام ، وانما  " لغة كتاب المسلمين " ... فمن له اذنان فليسمع ... .

 


55
حكايــــــــــــــــــــــــــــات طبيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة 1
                                                                                                                                   د. صباح قيا  
 ( Leprosy ) البرص

( متى  8 : 1- 4  ،  مرقس  1: 40 - 50  ،  لوقا 5 :  12– 16 )
ولما نزل يسوع من الجبل ، تبعته جموع كبيرة . ودنا منه ابرص ، فسجد له وقال : يا سيدي ، ان اردت فانت قادر ان تطهرني . فمد يسوع يده ولمسه وقال : اريد ، فاطهر ! فطهر من برصه في الحال .

يعود تاريخ الاصابة بمرض البرص الذي يعرف حاليا بالجذام او مرض هانسن ( نسبة الى العالم النرويجي  جي هانسن الذي اكتشف العصيات المسببة للمرض عام 1873 م   )  الى ما قبل  4000 سنة  ق م .  وقد عثر على اول اشارة له في ورق البردي المصرية حوالي 1550 ق م وقام ابو قراط بشرحه سنة 460 ق م . كما كان المرض شائعا عند الاقدمين المصريين واالصينيين والهنود وجاء ذكره لمرات عديدة في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد .
انتقل المرض الى اوربا بواسطة الرومان والى امريكا لاحقا عن طريق الاوربيين. وقد عرف في كندا منذ القرن التاسع عشرة حتى منتصف القرن العشرين ليستقر بعدئذ  في بطون كتب التاريخ الكندي , ولكن عولجت حديثا حالات معدودة جدا بين المهاجرين الجدد الذين رحلوا من موطنهم الاصلي مع مرضهم .
البرص مرض مزمن ينتقل  عبر الرذاذ المتطاير من الانف والفم  . العدوى بطيئة جدا وفترة الحضانة واسعه قد تتراوح من ستة اشهر الى ثلاثين سنة او اكثر وتحتاج الاصابة به الى ملامسة طويلة  ومتكررة . وربما يلعب العامل المناعي للجسم دورا مهما في حدوثها  او عدمها  . يشمل المرض اجزاء متعددة من جسم الانسان واهمها الجلد الذي يتغير لون مساحات كبيرة منه وتظهر التقرحات هنا وهناك وتتاكل الانسجة الخارجية تدريجيا والتي قد  تؤدي الى فقدان جزء من الاعضاء كالانف على سبيل المثال ويبدو الوجه مشوها  كوجه اسد كهل متعب .  و ايضا يستهدف العين مسببا العمى اضافة الى الاغشية المخاطية للانف. والاهم اصابة الاعصاب المحيطية التي تبدا بفقدان الاحساس ليتطور شيئا فشيئا وصولا الى بتر ذاتي لجزء من طرف او اكثر. وينتشر اليوم في كافة ارجاء المعمورة  مليون  الى مليونين ممن يعانون من اعاقة مستديمة بسبب اصابة قديمة او حديثة بالبرص.
وخلال المراحل التاريخية المتعاقبة كان البرص مثيرا للرعب والفزع عند الاصحاء و نصيب من الم به  الازدراء والعزلة والاستهجان . كان الاعتقاد السائد بانه لعنة او عقوبة من الله ووصمة عار  فلذللك تمنع صلاته مع الجموع . وفي اوربا خلال القرون الوسطى تحتم على المجذومين ارتداء ملابس مميزة ، قرع الاجراس لتحذير الاخرين بوجودهم عن قرب ، او السير على جانب معين من الطريق بحسب اتجاه الريح . وحتى في العصر الحديث تتم معالجة المصابين في مستشفيات منفصلة ويفرض عليهم العيش في عزلة تامة في  مستعمرات مهيئة لذللك اطلق عليها مستعمرات الجذام ، والتي يسمح فيها رسميا بالتزاوج بين المجذومين انفسهم ، وبالفعل سجلت حالات عديدة في اكثر من مستعمرة بالرغم من ان  المرض  يؤدي عند  الذكور الى الاصابة احيانا بالعقم او العنة 0
هنالك في عراقنا الحبيب مستعمره للجذام و بالذات في مدينة العمارة قريبا من الحدود الايرانية حيث كانت تأوي بضع مئات من المجذومين  لم يبق منهم الان سوى عدد لا يتجاوز مجموع اصابع اليدين بسبب فرار الاخرين بعد الاجتياح الدولي عام 2003 م . يعيش هذا العدد الضئيل في ظروف قاسية جدا حيث لا ماء ولا كهرباء  ولا رعاية اجتماعية او غذائية او طبية منتظمة ،  و يحضر لتفقدهم  بين الاونة والاخرى بعض المتطوعين من دائرة صحة محافظة ميسان ، ويقدم لهم احيانا فاعلو الخير من القاطنين قريبا منهم الماكل والملبس وبعض الوسائل الحياتية كالتدفئة والتبريد حسب الموسم . مع العلم ان منظمة الصحة الدولية بادرت منذ عام 1995 م  بتوفير  العلاج الثلاثي ام دي تي مجانا لمرضى الجذام في كافة انحاء المعمورة .
يولي الفاتيكان اهتماما واسعا بمرضى الجذام . وللكنيسة باع طويل في خدمة هؤلاء المرضى المنبوذين حتى من ذويهم ، وهي مستمرة في توفير الاسناد الروحي والطبي لهم اضافة الى منحهم فرص المعافاة والاندماج مع المجتمع . وهنالك اكثر من 520 مستعمرة تدار من قبل الكنيسة  منتشرة في بقاع مختلفة من العالم لتحقيق هدفها السامي وخاصة ان التمييز ضد المرض ما يزال خطيرا في كثير من الاقطار  . ولقد تجلى الابداع الكنسي بتطويب الراهبة الامريكية ماريان كوب عام  2012 م  والتي امضت اكثر من ثلاثين عاما ابتداء من عام  1880 م  ترعى المجذومين في مستعمرة  كالاوبابا في جزر الهاواي حتى وفاتها لاسباب طبيعية  داخل المستعمرة عام 1918 م .
  



56
رسالتي الأولى الى راعي الكنيسة الكلدانية
                                                                                                                        د. صباح قيا
لكافة مجالات الحياة ولمختلف تشعباتها هدف اساسي ، و من اجل تحقيقه لا بد من وجود محور او مركز تتفاعل حوله كل الجهود بهمة واندفاع بغية تأمين الوصول اليه بانسيابية ويسر. وكمثال على ذلك ما يجري في العائلة الواحدة حيث يعمل الوالدان بجد و بدون كلل من اجل تنشئة  ذريتهما وتهيئة الظروف الممكنة لرسم طريق المستقبل بما يرفع من شأن العائلة من جهة وبما يوفر من عيش رغيد للذرية من جهة اخرى ،   فالذرية في العائلة هي المركز او المحور وسعادة الاباء من راحة ابنائهم.                                                                                                                             
وفي معظم او ربما في جميع  الاعمال التجارية ياتي الزبون اولا ، فهو المركز الذي تتكثف حوله كافة النشاطات والفعاليات طمعا في تلبية متطلباته واشباع رغباته وصولا للمبتغى الرئيسى لهذا المجال الذي هو الكسب المادي .
اما في مهنة الطب فالمريض هو المحور او المركز بدون منازع. فما الاموال الطائلة التي تبذر في البحوث و التقنيات المتطورة الا لاجله ، ولقد سنت قوانين متعددة لحماية حقوقه واحترام خياراته ، كما يتحتم على الطبيب مواكبة احدث المعلومات الطبية واخر المبتكرات العلمية  مساهمة منه في تقديم  أفضل الخدمات المتيسرة  لتعجيل شفائه  واذا تعذر ذلك منحه حياة نوعية مناسبة على اقل تقدير.
ولكن تكمن حيرتي في الكنيسة الكلدانية التي كانت بالامس كنيستي ولا تزال اليوم وستبقى غدا والى الابد . ومن اعماق حيرتي يبرز هذا السؤال : من هو المحور او المركز الذي تجتمع حول دائرته فعاليات الكنيسة المتعددة ؟ صحيح ان تأدية الواجب في  الصلاة و عبادة الخالق وتناول القربان هو جوهر القداس ، ولكن كيف نضمن استمرار ذلك بانسيابية ايجابية ؟ فهل الكاهن هو المركز؟ أم انه الرعية بحضورها الفاعل وبعطاءاتها المادية والعينية ؟ ام انه انشطة العلمانيين في المجالس واللجان والتنظيمات والأخويات  المشكلة من قبل الكنيسة او المرتبطة بها ؟ يبقى الجواب مبهما الى حد ما في الكنائس الشرقية بصورة عامة وكنيستنا الكلدانية بصورة خاصة .
لقد افلحت الكنيسة الكاثوليكية في الغرب في التغيير الى حد كبير فجعلت من الرعية مركزا  و محورا اساسيا في كنيستها وذلك بعد الانتكاسات الاليمة التي حصلت لها  عبر الازمنة الغابرة ، وهي تجاهد اليوم بكل عزم  و اصرار كي  تتواصل مع متطلبات العصر رغم التحديات الخطيرة التي تواجهها نتيجة لتقبل شرائح غير قليلة من المجتمع من ناحية  وتشريع الدول بالتعاقب من ناحية اخرى لقوانين بعيدة كل البعد عن الرسالة السماوية  بحجة حرية الفرد في الاختيار وذريعة احترام حقوقه .   
ولمست انا شخصيا اهتمام الطقس الغربي بالرعية اولا خلال حضوري في بغداد  قداسا لاتينيا لاول مرة... كان ذلك في النصف الثاني بعد الستين من القرن الماضي بعد رفض البطريرك الراحل  لويس شيخو استمرار اجتماع اخويتنا " اخوية الشباب الجامعي المسيحي " في كنيسة ام الاحزان وذلك باشارة مقصودة من المطران الراحل الاب انذاك موسيس المعروف ب [  قس عنتر ]  لاختلاف الاخير  مع الهيئة الادارية للاخوية لاسباب اجهل تفاصيلها لحد اليوم كوني  كنت عضوا عاملا في اللجنة الثقافية ذلك الحين .  استمرت اخويتنا  بعدئذ باجتماعاتها المنتظمة وانشطتها العلمانية المتعددة ولكن في كنيسة عذراء فاطمة بعد ان احتضنتنا على الفور صدور الاباء اللاتين الواسعة بحنان ورقة . وما اثار استغرابي في بادئ الامر ليس قصر فترة القداس فحسب وانما مواجهة الكاهن للرعية خلال مراحل القداس. كنت المح تعابير وجهه وانفعالاته المنسجمة مع الكلمات واشاهد كل مجريات القداس من كسره الخبز ورفعه الكاس ورشفه رمز دم المسيح . لم يكن هنالك وقت كي اسرح بفكري في عالم خارج محيط القداس. وبمرور الاسابيع تحول استغرابي الى قناعتي بان مواجهة  الكاهن للحضور ما هو الا دليل واضح على الاهتمام الجاد بالرعية وتكريس لمشاركتها في  القداس ، فالرعية اذن هي المركز وهي المحور. وتساءلت لم لا تحذو كناؤسنا حذو هذا المنوال ؟ فجاء رد اصحاب القرار  حادا ، لاذعا ، و صارما بحجة اعتزازهم وفخرهم بنموذج الطقس الكلداني ورفضهم القاطع للتغيير او التقليد. ولكن ، والحق يقال ، اليس طقسنا هو اقتباس او  امتداد للطقوس الوثنية القديمة بعد اجراء التحويرات اللازمة والضرورية كي يتماشى مع الايمان بالرب الخالق ؟  حيث استعضنا عن تسبيحهم للالهة المتعددة بعبادتنا للاله الواحد بثالوثه المقدس . شكرت الرب  لعدم وجود محاكم التفتيش وقتئذ والا لاتهموني بالهرطقة واذاقوني مر العذاب . ويا للعجب ، لم يمض وقت طويل على نجاتي حتى بدأت كناؤسنا الواحدة تلو الاخرى بممارسة القداس والكاهن وجها لوجه امام الرعية .
ومظهر اخر يؤكد اولويات الرعية عند كنيسة الغرب الكاثوليكية هو وقوف الكاهن عند باب الكنيسة مباشرة بعد انهائه القداس بتواضع و خشوع والابتسامة على محياه معظم الوقت مودعا و شاكرا الجموع على حضورها .
اني على يقين بان هذه الممارسة الحضارية ستنتقل عاجلا ام اجلا الى كنائسنا بمبادرة جريئة من قبل  احد الكهنة من الجيل  المعاصر الصاعد ذي الفكر المتجدد وعلى الاكثر من بين رعاة كنائسنا في المهجر . ولكن ؟ حذار حذار .... فقد يحلو للبعض الاستفادة من هذه الفرصة للتسامر مع الكاهن او طرح مواضيع شخصية او عامة دون الالتفات اطلاقا  للجموع المحتشدة بانتظار دورها . والاهم من ذلك ... حذار الى ما لا نهاية ...  ان ينقلب التوديع الى عناق وتقبيل  ، فاذا كانت عادة الانحناء صوب يد الكاهن لتقبيل ما في محبسه ، وليس لتقبيل يده ، قد افل زمانها وفي طريقها للاندثار للاسف الشديد ،  فلا يعني ذلك الاستعاضة عنها  بما يثير الاحاسيس البشرية ويوقظ الغرائز الجسدية من سباتها ... تذكروا بان الكاهن بشر يمتلك ما نمتلك و يشعر بما نشعر ، وقد ينزلق في لحظة ضعف ... والامثلة على ذلك غير قليلة . 
من الممكن ، وبكل بساطة ، تجنب الوقوع في مثل هذه المآزق بتوجيه الكاهن للالتزام بتقاليدنا الموروثة وعدم الاشتطاط عن الاعراف السائدة في مجتمعنا المحافظ ، وان يعيد ذلك مرات ومرات والى حين  ان تصبح العادة سياقا متبعا . 
     
                                                                                                                         

57
الديمقراطية الانتقائية لكنيستنا الكلدانية في وندسور-كندا

الدكتور صباح قيا      
تعلمنا منذ نعومة اظفارنا بان الديمقراطية تعني حكم  الشعب.  وكم كان يحلو لنا ان نتغنى بكلمة الديمقراطية بعد ثورة الرابع ععشرة من
تموز عام ١٩٥٨ حيث اوحي لنا ذلك الحين بان الديمقراطية هي احلى ما يتمناه المرء واسمى نظام يسعى اليه كل شعب لتحقيق المساواة
والعدل وارساء دعائم الحرية وتوفير العيش الرغيد واحلال بشائر السلام والى غير ذلك من الاوصاف الصادرة من حلاوة اللسان وعسل
 الكلام
ومرت الايام والسنون واذا بالديمقراطية تتشعب وتتكاثر ، فبزغت ديمقراطيات متنوعة منها الديمقراطية الليبرالية والديمقراطية الشعبية
 والديمقراطية الجماهيرية والديقراطية النبيلة والى غير ذلك من المسميات  الجذابة الخلابة, وهكذا ضاع الحابل بالنابل واختلط الامر
على الفكر البشري الهادف وفقدت كلمة الديمقراطية ذات الاصل اليوناني مفهومها الحقيقي وتاهت في ازقة المتشوقين لتحقيق مصالحهم
الشخصية على حساب ضمائر الشعوب المعذبة
وفي خضم هذا الضياع لمفهوم الديمقراطية بين المسميات العديدة طلعت علينا كنيستنا الكلدانية العزيزة بديمقراطية جديدة
كاسلوب عصري وحضاري من وجهة نظرها لانتخاب مجلس الخورنة الموقر لعامي ٢٠١٣ و ٢٠١٤ ولقد ارتأيت انا تسميتها
 بالديمقراطية الإنتقائية, حيث يحق للأب الراعي بالاشتراك مع اللجنة المشكلة من قبله إنتقاء ما يحلو له من المرشحين ورفض طلبات
 ترشيح من لا يروق له بالذات ولربما للجنته أيضا إن كان لها حقا دورا جادا في إبداء الرأي واتخاذ القرار بالمعنى الصحيح ،
 كل ذلك رغم توفر شروط الترشيح الموضوعة من قبل الكنيسة متمثلة براعيها الجليل
ومن الصدف الطريفة خلال متابعتي لاحوال الشعوب وامور الدنيا وخاصة في بعض دول الجوار لبلدي الحبيب العراق تبادر الى ذهني
 هذا السؤال ; هل أن هذه الديمقراطية الانتقائية وليدة كنيستنا الكلدانية أم انها اقتباس من اسلوب انتخابات الرئاسة الايرانية
 الاخيرة ، فلربما التقى اللباس الكهنوتي لوندسور مع العمامة الايرانية في اتحاد هادف لبسط الطريق امام تحقيق الوحدة الالهية الشاملة
بعد أن عجرت لحد الان والى حد ما قمم الكنيسة الكاثوليكية في أرجاء المعمورة من تحقيق ولو جزءٍ يسيرا من الوحدة المسيحية التي هي
الامل الكبير لكل المؤمنين عبر السنوات الغابرة واللاحقة ، أم أن هذا اللقاء نابع من اعماق الكروموسومات والجينات التي تتحكم في
 سلوك وتفكير الانسان وكقاسم مشترك لانماط البشر في تلك البقعة من عالمنا الواسع
ليس القصد من هذه الكلمات عتابا او لوما لاحد على الاطلاق ، حيث عودت نفسي تجنب العتاب واللوم قدر المستطاع متأثرا بكتابي
 الفيلسوف الاجتماعي ديل كارنيجي ، الاول دع القلق وابدأ الحياة والثاني كيف تكسب الاصدقاء وتؤثر في الناس واللذين قرأتهما بشغف
وامعان في الصيف الأخير من مرحلة دراستي الثانوية ، إنما الغرض الحقيقي هو إيضاح موقفي من هذه الممارسة السلبية التي ابتدعتها
كنيستنا الكلدانية-فرع وندسور- في بلد الحرية والمساواة ، ولكي تنتبه كناؤسنا الاخرى في المهجر وأن لا تسقط بين مخالب هذا الاسلوب
 
الغريب الذي من دون شك يؤدي الى بعثرة وتفريق شمل الرعية بدلا عن لم و توحبد  الجمع المؤمن  
 وفي الختام لا يسعني الا أن أصرخ باعلى صوتي وداعآ وداعآ لكنيستي الكلدانبة وإلى حين، وأن أبدأ لنفسي مسارآ جديدآ ولكن ضمن
 ايماني الكاثوليكي الذي لا ولن يتزعزع ولسان حالي يردد قول الشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري
هذا ما جناه أبي علي       وما جنيت أنا على احد
 
 
  






صفحات: [1]