عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - زيد شحاثة

صفحات: [1]
1
المام جلال العراقي الكردي.. وصبيان السياسية.
المهندس زيد شحاثة
خلال دراستنا في الصف الأول من كلية الهندسة, وكنا مجموعة من مختلف محافظات العراق, أي " شلة".. ومن ضمنها خمسة أو ستة صرنا مقربين جدا, وعلاقتنا تختلف عن بقية المجموعة.
حصل تقاربنا بحكم تلامسنا الفكري والثقافي, رغم أن احدنا من النجف والأخر من البصرة والأخران من بغداد, وأخر كردي.. لكننا لم ننتبه كثيرا لهذا الموضوع, إلا عندما نتندر بنكته عن كرم الدليم, بطريقة المزاح, نريد التحرش بصديقنا علي, أو عن الكرد نريد بها صديقنا هيوا, أو عن دهين أبو علي, ليتحرشوا بي.
لم تخلوا صحبتنا, من نقاشات عميقة, لثقافنا العالية وفهمنا وتفاهمنا, رغم عمرنا المبكر نسبيا, إلا أن نقاشاتنا ورغم حدتها أحيانا, دوما كانت تنتهي بالضحك, ونعود ليروي كل منا نكته ليتحرش بأصدقائه, تغرقنا بالضحك, حتى المستهدف بالمزاح.
في يوم ما, وخلال معسكرات الطلاب المزعجة, التي كانت تقام خلال حكم البعث إجباريا للطبة, كنت وصديقي هيوا نتحدث في موضوع الكرد وحلمهم بالدولة, وكنت أسأله لو خير بين دينه وقوميته, أجابني دون تردد, أنه سيختار الكردية.. صدمت في حينها من جوابه, فلم أكن أتوقع, ولا حتى في أكثر خيالاتي جموحا, أن يترك شخص ما دينه وعقيدته لأجل حلم قومي!
لم يعجب العراقيون بشخصية كردية, كما أعجبوا بشخصية الراحل "المام جلال", فرغم طرافته وأريحيته, وعلاقته المميزة بكثير من المناضلين العراقيين, ونضاله  دفاعا عن مظلومية العراق والكرد.. إلا أن أغلب هذا الإعجاب يعود لواقعيته, ولإحساس الناس أنه كان عراقيا في صميم قلبه, ونجح بشكل حقيقي, في الموازنة بين عراقيته وكرديته.
تحدث بشكل صادق عن حق الكرد في نيل الحرية, وواجب الحكومة في رفع المظلومية عنهم, وعن حلمه بدولة كردية, واكد أنه حلم, وأن من حقهم أن يحلموا.. لكنه مع تصويت الكرد لدستور العراق الواحد, وكان فعلا صمام أمان للكرد, ومفتاح حل لأي مشكلة مع بين المركز والإقليم, فرغم منصبه التشريفي كرئيس للجمهورية, إلا أن ثقله السياسي وتاريخه النضالي, ورصيد علاقاته على الساحتين العراقية والعالمية, أعطاه قوة وسلطة, تفوق ما يمثله منصبه.
ما حصل خلال تشييع جنازته, من لف الجثمان بعلم الإقليم, كان خطوة خاطئة بكل المقاييس, حاول من قام بها, إستفزاز وإحراج كل الأطراف, بحركة صبيانية تخلوا من الحكمة, في وقت كانت أغلب الأطراف, تريدها مناسبة للتقارب, فالرجل كان وسطيا حكيما, يميل للعقلانية.. وكانت فرصة لإذابة الجليد, أضاعوها بإستعراض فارغ.
محاولة البعض تسويق الحدث على أنه إهانة للعراق وعلمه, أو تقليل لقدر الراحل, هدفها سياسي.. فلا هذا ولا ذاك حصل, فالعراق وعلمه أعظم من أن يقيم بلفه حول جثمان أي كان, والطالباني وتاريخه, أكبر من أن يضيعه حمقى بتصرفات صبيانية.

2
كردستان وإستفتاء البرزاني.. وحكايات الوطن والناس.
المهندس زيد شحاثة
منذ كنت طفلا , كنت أحب الكرد, فقد زرت شمال العراق, عدة مرات بصحبة والدي, تغمده الباري برحمته.. ويعود حبي لهم لما عايشته من طيبتهم وبساطتهم, وعدم وجود تكلف لديهم, ومحبتهم الصادقة لمن يزورهم ولو سائحا, وكان والدي يصر على أن ننزل لدى عوائل, تؤجر جزءا من منزلها, وليس في الفنادق, ليحس بحميميتهم, حتى أصبحت لنا صداقات عائلية مع  بعظهم إستمرت لسنوات طوال.. رغم أن ذلك كان خلال حكم البعث اللعين!
بعد عام  2006 وفي أخر زيارة لي لشمال العراق, ورغم متعتها السياحية, أحسست بأن الكرد, لم يعودوا كما  حفظتهم ذاكرتي من قبل, فلم ألحظ نفس الطيبة, وصار التعامل حذرا, ماديا أكثر.. رغم التطور العمراني, وجمال الجو والبيئة, بحكم جبليتها, لكن النفوس لم تعد كما هي من قبل.. فما الذي تغير؟!
الإنسان عندما يكون طيبا, لا يمكن تغيير طيبته بين ليلة وأخرى, ولا تلك الطبيعة الوادعة من تلقاء نفسها, إلا بمواقف صعبة وعصيبة, أو يتم زراعة  طبيعة جديدة بين الأفراد والمجتمع, من خلال ماكنة إعلامية ضخمة, وبخطط مدروسة و ممنهجة, وطويلة الأمد, لتحقيق هدف ما.
رغم علم الجميع, بالتواجد الإسرائيلي  ومنذ سنوات شمالنا, لكن الكل غض الطرف عن ذلك, لإنشغاله بأمور أهم, أو بسرقات أكبر, أو بحثا عن دعم الكرد له في تولي منصب ما.. ورغم ملاحظتنا جميعا, للحملة التي إستهدفت المجتمع الكردي, لتغيير وجهة نظره حول طبيعة العلاقة مع العرب, وملاحظتنا, لزرع فكرة أن العيش المشترك مستحيل, لم نفعل شيئا إزاء ذلك.
إستفتاء الإقليم, ليس نجاحا للبرزاني, أو لمن يريد تقسيم العراق, وإختلاق دويلة تابعة لأمريكا وإسرائيل.. بل زرع التنافر بين العرب والكرد, ونقل الصراع السياسي, بين ساسة الطرفين, وتناحرهما على المناصب والمكاسب, ليكون صراعا قوميا مجتمعيا حقيقيا, وإقناع الكرد بأن العرب أعدائهم .. هو الإنجاز الحقيقي لهؤلاء.. وراجع ما ينشره جمهور الطرفي, في مواقع التواصل الإجتماعي, وسترى الدليل الواضح.
إسرائيل وأمريكا, ومن خلفها من مؤسسات عالمية, أنجزت مهمتها, وزرعت البغض والكره في المجتمع, فصرنا نرى من يترحم, على " علي الكيماوي" ومن يطالب بطرد, العرب والتركمان من كركوك, فأين وكيف سينتهي هذا الأمر؟!
تجربة السنة والشيعة, قريبة جدا, وما حصل من تضحيات وخراب.. درس يجب أن  نتعلم منه, لما يمكن أن يحصل بين العرب والكرد.
فهل نحن نتعلم من دورسنا ؟!



3
زينب بنت علي بين العاطفة والرسالة.. بطولة نادرة.
المهندس زيد شحاثة
إرتبط الضعف والعاطفة في عقولنا بالنساء, ربما بحكم نشأتنا في أحضان أمهاتنا, وما يسبغنه من عاطفة وحنان علينا, , وما نراه من قبولهن  لرغباتنا, وخصوصا خلال سنين عمرنا الأولى, فترى أن من يفقد أمه, يشعر باليتم أكثر, حتى لو كان رجلا بالغا.
عاطفية النساء وضعفهن الجسدي, لم يمنعهن من لعب أدوار مهمة, وصنع مواقف عظيمة, في حياة الشعوب والأمم, غيرت مجرى تاريخها, وصنعت لها مستقبلا مختلفا.. فظهرت منهن  الحكيمة والحاكمة, والطبيبة والعالمة والمخترعة.. وكل شيء.. وهناك عشرات النماذج كمصاديق لذلك.
رغم كل هذا التفوق لهن, في شتى مجالات الحياة, لم يفقدن في أي لحظة من لحظات حياتهم, وحتى وهن في قمة مجدهن وقوتهن, وأقوى مواقفهن وأقساها.. عاطفتهن.
ينقل لنا أهل السيرة وكتاب التاريخ, كثيرا من مواقف سيدتنا زينب بنت علي, عليها وألها أفضل الصلوات, وكيف كانت بطلة نادرة.. بطولة تكاد تتجاوز قدرات البشر العاديين, فما مر بها من أحداث, وخلال أيام قليلة, وهي ليست صابرة, وإنما قوية ثابتة الجنان.. ولا يَستغرب ذلك, وهي تربية علي أبن أبي طالب.
شهدت سيدتنا زينب, شهادة أثنين من أولادها, وخمسة من أخوتها, وأي واحد من هؤلاء يعادل أمة وأكثر.. وممن لا نضير له ولا عديل, وكل ذلك خلال سويعات.. ومع ذلك, نجحت في أن تحفظ من تبقى من عائلة الرسالة, وتحافظ على منهج النبوة.. فهل كان هذا دورها فقط؟ وهل أكتفت بذلك؟!
رغم محاولات الحكم الأموي, التعتيم على قضية الثورة الحسينية, والتعمية على أسبابها, بل وتشويه صورتها, نجحت تلك المرأة العظيمة, في فضح الحكم الظالم, وبيان أسباب الثورة الحقيقية, وأحقية المنهج الحسيني النبوي, الذي مثله جدها أبوها وأخوتها بالإتباع.
مع كل هذه النكبات, وأعباء الدور العظيم الذي تحملته, كانت عواطفها كأم ثكلى وأخت مفجوعة, غير خافية.. لكنها بثباتها وأيمانها بقضيتها, جعل تلك العواطف الجياشة قوة لصالح رسالتها.. فنجحت في فضح الأمويين, وبطلان حكمهم, وظلمهم وجورهم.. حتى دفعتهم حركتها وقوة تأثيرها, للتنقل بها بين البلدان, وتغريبها عن بلدها.
زينب بنت علي هي قدوة لكثير من نساء عصرنا, وتكذيب واضح فاضح, لنقص النساء, وعدم صلاحيتهن لأداء دور مهم وحيوي, في مختلف القضايا, ولعب مختلف الأدوار على تنوعها.. دون أن تتخلى عن كونها إمراة, تملك عواطف لا يملكها الرجال.
عواطف المرأة وطبيعتها الجسدية, ليست نقطة ضعف, بل نقطة قوة, إن عرفت نساءنا, كيف تستخرج مكنون عظمتها, وتستخدم عاطفتها في سبيل رسالتها التي تؤمن بها.

4
عندما قتل الجهل الإمام الحسين.. قديما وحديثا
المهندس زيد شحاثة
ينقل لنا المؤرخون موقفين ثانويين, في حادثتين مهمتين, لهما كبير الأثر في فهم الحدث,  من حيث أسبابه  وما نتج عنه وما أحاط به من ظروف.
فقد نقل في الأولى, أن بعضا من  اتباع معاوية أبن أبي سفيان, عندما وصلهم خبر, شهادة الإمام علي ابن أبي طالب, عليه وأله أفضل الصلاة, في المحراب أثناء صلاته, قولهم متعجبين" أو كان علي يصلي؟!".
في حادثة ثانية, تتعلق بالثورة الحسينية, وما رافقها من أحداث جسام, ومواقف تستعصي أحيانا على قدرة البشر.. يسب أحدهم عياله, متصورا أنهم من الكفار.. أو  يطلب أحدهم منحه, إحدى بناته, لتكون خادمة عنده, معتقدا أنها من أسرى الروم أو الترك؟!
توضح لنا تلك المواقف, وغيرها كثير.. أن التجهيل المتعمد, والتعتيم الإعلام على الأمة, دوما كان أداة ناجحة بيد الطغاة والمتسلطين, لتثبيت حكمهم, وكسب تأييد عامة الناس, من خلال رسم صورة كاذبة, يمكن أقناعهم بها, بشكل أو بأخر.
خداع الرأي العام, ليست عملية سهلة, فهي تتطلب شخصيات وأدوات محترفة ومتمكنة, تقبل بيع عقيدتها وإنسانيتها, وشرفها المهني, مقابل المال أو الجاه والمنصب.. وتمويل ضخم, يمكن أن يشتري الذمم, ويشغل العقول عن التفكير, ويجعلها تكذب حتى نفسها, متنعمة بخير الحاكم , وما يدفعه لها, من رشوة مبطنة بأسم التكريم والهدايا.
الحسين لم يكن شخصا, يمكن تغييبه بسهولة, فهو أبن بنت النبي, وهو صحابي جليل في الأقل.. وقال جده فيه وفي عظم قدره, من الأحاديث ما لا يحصى, ولا يتيح إخفاء شخصه أو مكانته.. ومع ذلك, نجح الحاكم, في خداع  جمهوره, الذي كان بدوره مستعدا, لغسل دماغه جماعيا, بجهله وعدم رغبته بالمعرفة, وتمتعه بالمال دون معرفة مصدره, وببحبوحة العيش الرغيد.. كل ذلك خلال خمسين عام من التجهيل المستمر.
الموقف يتكرر, والدور نفسه, يلعبه بعض القادة والحكام الآن, تغيير وإعادة تفسير للحقائق, وجمهور مستعد مسبقا ليتم خداعه.. فيهيج مع من يريدون الحرب والدمار, ويكره من يتحدث بالتعقل والحكمة والوسطية, أو العكس.. دون أن يعرف أي الموقفين, هو الأفضل للقضية.
صحيح أن يزيد قتل الإمام الحسين, عليه وأله افضل الصلوات, لمعرفته الكاملة, بأنه أحق منه بالخلافة, لكن جهل الأمة, كان الأداة التي نفذت بها هذه الجريمة.

5
القوة والدبلوماسية.. بين الإمامين  الحسن الحسين.
المهندس زيد شحاثة
يزخر التاريخ الشيعي, بكثير من المؤلفات التي ناقشت حياة  الإمامين الحسن والحسين, عليهما وألهما أفضل الصلوات, وطريقة تعاطيهما, مع  قضية الخلافة والحكم, والمطالبة بالحقوق, والدعوة للإصلاح.
يخطئ من يظن أن الإمام الحسن عليه وأله أفضل الصلوات, إقتصرت حركته على عملية الصلح, أو كما يصطلح عليه حاليا " العمل الدبلوماسي".. ويخطئ اكثر من يظن أن الإمام الحسين, عليه وأله أفضل الصلوات, إتخذ طريق الثورة, طريقا أوحد لطلب الإصلاح.
يجمع معظم المؤرخين أن الحسن, تم مبايعته بالخلافة  بعد شهادة أبيه, وحصلت كثير من المناوشات العسكرية بينه. وبين معاوية إبن أبي سفيان, حتى وصلت الأمور لحادثة الصلح الشهيرة, التي تنازل بموجبها الحسن  لمعاوية عن الخلافة, مقابل شروط وضمانات.. فهل كان الحسين بعيدا عن هكذا أجواء؟! ألم يكن شريكا مشاورا في الأقل للحسن؟!
ينقل التاريخ أيضا, أن نهضة الإمام الحسين, سبقتها تحركات دعوية سلمية, ورسائل تشرح موقفه, وما أرتكبه الحكم الأموي من جرائم وأخطاء فضيعة, بحق الأمة والدين الإسلامي.. وكانت كلها تشير لرغبة بالتغيير, دون الإضطرار لإراقة الدماء, لكن المعسكر المضاد, كان يريد الدم.. ويحمل في قلبه حقدا دفعه, لتنفيذ تلك المجزرة الرهيبة في يوم عاشوراء.
 من يحلل خطوات  الحسن , يرى بوضوح, أنه مهد وقدم وهيأ لثوة أخيه الحسين,  وهذا بدوره نجح, في أن يجعل ثورته امتدادا طبيعيا, لدبلوماسية الحسن وصلحه.. فكانت عملية مترابطة متواصلة, في التوعية والتوضيح, عن الفساد وكيفية محاربته وتعريته.. وأين هو الحق, وكيف تسترد الحقوق.
تسلسل واضح, وبناء تدريجي تصاعدي, في نهضة الأمة, وتوعيتها وإستنهاضها, لتقوم بدورها, في إصلاح حالها, ونيل حقوقها.. فمن السطحية فهم حركة الإمامين, على أنها طلب للخلافة فحسب, رغم مشروعية الطلب؟!
بعيدا عن ما يمتلكان من عصمة, وبمقاييسنا, من لم يكن الحسن خائفا, أو ضعيفا من حيث القوة العددية, رغم أنها قوة ليست حقيقية الولاء, ولا  كان الحسين قد إمتلك القوة العسكرية اللازمة للثورة, مع علمهما كليهما بما ستؤول إليه الأمور على وجه الدقة.. إلا أنهما لم يفكرا بالخيار من منظورهما الشخصي, وإنما بمقدار ما ينتجه  للإسلام والأمة من مصالح.
الخيارات والتمييز بينها ليس أمرا هينا, لكن النماذج المشرقة  كثيرة, يمكن التعلم والإعتبار منها.. فليس مهما أن تكون "جريئا وشجاعا" فتختار المواجهة, أو "مسالما وادعا" فتختار الدبلوماسية.. المهم أن يحقق خيارك, مصالحا حقيقة.

6
الدولة وقادتها.. ورجال السلطة ورجال الحزب.
المهندس زيد شحاثة
سطحي جدا, من يظن أن دولة يمكن أن تبنى بين ليلة وضحاها, ولا حتى خلال بضع سنوات.
مهما صرفت من أموال, أو بذلت من جهود.. ربما قد تنجح في أن تبني مصانعا, أو تشيد منشآت وبنى تحتية, لكن بناء مؤسسات, والنجاح في إيجاد من يقودها بشكل صحيح, هو المعضلة الأكبر.
لكي تبنى وطن, يجب قبلها أن تبني الإنسان, ولكي  تنجح في ذلك, يجب أن تعالج مشاكل هذا الإنسان, وتزيح التراكمات النفسية والأخلاقية التي نتجت عن المرحلة السابقة, وتفكك وتعالج كل العقد, نفسية كانت أو إجتماعية.. وتعيد تعريف, مفاهيم أساسية, وترسخها من جديد في جيل جديد تصنع, بعيدا عن مشاكل الجيل السابق.
إصلاح جيل الأزمة, ممن عاصر الحدث, حربا كانت أو حدثا كبيرا, يجب أن يهدف في الأساس, لتحييد هذا الجيل, ومنع إنتقال إسقاطات  مشاكله وأمراضه المجتمعية إلى الجيل التالي.. لننجح في إنتاج جيل جديد, يمكن أن يظهر لنا قادة للمستقبل.
معظم قادة مجتمعنا, وأحزابنا بمختلف توجهاتها, لازالت متمسكة برجال تاريخيين, أو كما تسميهم " أهل الخبرة" ..  ورغم أن الخبرة عامل حاسم في بعض مفاصل الحياة, لكن هذا لم يعفيهم, من حمل ألاف الأمراض والعقد الإجتماعية, أهونها أنهم يقودون الدولة بعقلية المعارضة.. فصاروا رجال سلطة وحزب, حيث لاهم لهم إلا الإحتفاظ بالسلطة, وخدمة أحزابهم.
بعض أخر حاول أن, يعمل بمعادلة مقلوبة, فعمل بشباب لا يملكون من الخبرة شيئا, فكانت الحصيلة تخبطا كاملا.. وهي نتيجة طبيعية.
قلة ممن يملكون الرؤيا, حاولوا المزاوجة بين هذا وذاك, فنجحوا في الإحتفاظ بقدر معقول من الخبرة, مع إتاحة فرص التمكين لشباب, يمكن أن يبرز منهم عدد لابأس به, من القادة.. إن لم تنجح, سطوة السلطان وشهوة الكرسي, بحرفهم فيصبحوا رقما, يضاف لمن سبقهم.. لكن ما رأيناه من ثمر قليل لحد الأن!
لكي تبني دولة, تحتاج لان تبني مؤسسات, لا تتأثر إن ترأسها زيد أو عمر.. ولكي تنجح في النهوض ببلد, يجب أن يكون لديك قادة, يملكون مواصفات خاصة, تتيح لهم قيادة الأمة.
القادة لا يصنعون في مصانع, أو يستوردون.. بل ينتجهم المجتمع, متواجدين فيه, كجواهر لازالت خاما, تحتاج لمن يميزها, ويصقلها بشكل صحيح.. ويمكنها.



7
صناعتنا.. بين عقلية الموظف وعقلية التاجر
المهندس زيد شحاثة
يتصرف الإنسان مع مختلف القضايا, حسب فهمه ومعرفته لهذه القضايا, لذا قيل أن الإنسان عدو ما يجهل.
قد يُقصد بالجهل, نقص المعرفة, وليس بالضرورة نقص الإدراك, ويقصد به, نظر الإنسان لجانب واحد من القضية, دون النظر لبقية جوانبها, فيكون فهمه قاصرا لها, وسيبني فكرته وتصرفاته, إعتمادا على الجانب الذي فهمه منها فقط.
تضم الدولة, جيشا من الموظفين, ممن يعتاشون بشكل مباشر, على ما تصرفه الحكومة لهم كرواتب.. وهؤلاء بدورهم يحركون الإقتصاد المحلي, بشكل صغير جدا.. لمحدوديته كمورد مادي, وكثرة القنوات التي تستنزفه.. فيلجا كثير منهم لعمل اخر, لتعظيم مواردهم, بعد حساب الربح والخسارة, وجدوى عمله ومشروعه الثاني.. رغم أن ذلك يؤثر على حياته الاجتماعية, ومتطلبات أسرته, لكن للضرورة أحكام.
تفكير الموظف والفرد العادي, مقبول لظرف معين.. لكن نفس الموظف, عندما يعمل بدائرته لا يفكر بنفس الطريقة.. فلا يهتم بموارد معمله أو مؤسسته, ولا بالربح والخسارة, وكلف الإنتاج وجدوى كل خطوة يقوم, أو إجراء يتخذه, فهو يفكر أن الإنتاج هو المهم, هذا إن كان مخلصا, ولاوجود لحسابات الربح أو تخفيض الكلف, وتحسين الجودة, على عكس التاجر.. فأنتج هذا معامل ومنشآت خاسرة, صارت عبئا على الدولة, فلاهي جاذبة للإستثمار الحقيقي, و لاهي رابحة تمول الميزانية, فصارت الدولة  تحتفظ بها, لوجود موظفين فيها, يجب دفع مستحقاتهم.
جزء من مشاكل تلك المصانع, تنافس الأحزاب, على مناصبها, وصولا للمناقصات ومواردها, لتمول نشاطاتها.. فأضافت خرابا على خرابها, ناهيك عن أن معظم تلك المصانع تعمل بتكنلوجيا تعود لستينيات القرن الماضي, وعدم وجود دعم حقيقي, كخفض أجور الكهرباء والوقود, وتقديم التسهيلات المصرفية, وتقليل, روتين توريد المواد الإحتياطية, وتعاقدات التحديث.
يتذكر من عاش فترة سبعينات وثمانينات القرن الماضي, جودة الصناعة العراقية, وتمكنها من السوق الإقليمية حينها, وقدرتها على المنافسة, من حيث الجودة والأسعار, لكن ما لا يعلمه الكثيرون, أن من كان يقود تلك المؤسسات, معظمهم من أهل تلك الصناعات, ويفهمون عملهم , ويعرفون معنى الكلف  الإقتصادية, والجودة والسمعة التجارية, وكان هناك دعم حكومي للصناعة, أتاح لها هذه المنافسة.
هل صناعتنا اليوم قادرة على المنافسة, بهذا الوضع المزري, من حيث التخطيط الإستراتيجي, والأهداف المتواضعة؟!
هل من يتولى شان الصناعة العراقية, بمختلف المستويات, يعرفون معنى أن تنتج صناعة بجودة عالية, وبكلفة مقبولة يمكنها المنافسة؟
هل هم من أهل الصناعة أصلا؟!

8
كيف تصبح مشهورا بسرعة
المهندس زيد شحاثة
يحب الإنسان بطبعه أن يكون مشهورا, ومعروفا بين الناس, لأن هذا يجعله يحس بالتميز والإنفراد بشيء ما, وانه حقق شيئا لم يحققه الأخرون.
لكي تصبح معروفا بين الناس, أو كما يصطلح عليه "مشورا", يجب أن تملك ميزة أو صفة, وتكون هذه الصفة مشاعة ومعروفة ومعلنة, ويهتم بها الإعلام, ويروج لها بقوة, ويتفاعل الناس, مع هذا الترويج.
تكتسب الشهرة أحيانا, عن طريق اخر, مثلا كأن تكون فاحش الثراء, وتملك العقارات العظيمة, أو تكون مغنيا أو ممثلا لكثير من الأعمال الفنية.. وكل هذه الشهرة تنالها خلال حياتك, وربما تستمتع بها, وتنال منها جاها وفوائد مادية.
هناك شهرة  تنال في أواخر العمر, بل وغالبها بعد الموت, كما يحصل مع العلماء والأدباء والباحثين, ممن يقدمون خدمات جلية وعظيمة لشعوبهم وللإنسانية, وهو ما يحصل غالبا, في شعوبنا العربية, ومع عظمائنا, ولنا أن نراجع التاريخ لنرى عشرات الأدلة على ذلك.
ظهرت أخيرا طرق سريعة للشهرة, فلم يعد طلاب الشهرة يملكون الصبر, وليس لديهم الإستعداد للتعب, أو نحت الصخر, ويريدونها أن تكون شهرة سهلة المنال, سريعة الحصول.. ولا يهم إن كانت طارئة أو مؤقتة, بل ولا يهم غن كانت سلبية او قبيحة.. المهم أن يكون مشهورا.
أسهل الطرق وأسرعها للشهرة, هو بان تهاجم الدين والمتدينين, إسلاميين أو غيرهم, فعندها سيطبل لك الإعلام, ويتناولك بإعتبارك متنورا, ولم تقبل أن يتجمد عقل, وليس لديك عقدة التقديس.. بغض  النظر عن مدى صحة وقيمة ما تطرح, من نقد.. وأما إن كنت "جريئا جدا" فهاجمت المرجعية, فمرحا مرحا!
طريقة أخرى للشهرة, هي بان تتعرض للخطف, ولو تمثيلا, خصوصا إن كنت علمانيا, أو تدعيها حتى.. لأنك لم تفهم ما معنى العلمانية, وهذه تكون شهرتها أكبر, وربما تنال اللجوء في دولة غربية, من يدري؟!
طريقة أخرى للشهرة, هي بان تهاجم الحكومة والأحزاب, وتسب وتشتم وتتهم الكل بأنهم سراق ولصوص, وأن " لا شريف فيهم" وانك اطلعت على كل وثائق سرقاتهم, وان الدليل لديك ثابت, على سرقاتهم جميعا, وخصوصا إن كنت جزءا منهم, كنائب وتنتمي لحزب حاكم, أو تشغل منصبا حكوميا؟!
أما كنت تنتقد حزبا إسلاميا وتهاجمه, فستنال شهرة لن ينالها إلا ذو حظ عظيم..
رغم كثرة هؤلاء في مشهد حياتنا اليومية, لكن مشكلتنا ليست فيهم, فهم أفاد, ويشبهون السراب, رغم كبره, لكنهم يختفون بسرعة.. مشكلتنا الأكبر, مع الهمج الرعاع, الذين ينعقون معهم, ويرددون كل ما يقوله هؤلاء, وهم لا يفهمون أصلا ما قال وبحق من قيل.
طالب الشهرة, قد يكون فردا, أو مقدما لبرنامج تلفزيوني, في قناة لها أجندتها, أو كاتبا يوجهه من أراد, كيفما أراد " كخروف نذر".

9
العملية السياسية في العراق وتحريك الماء الراكد
المهندس زيد شحاثة
بعد مرور فترة من ممارسة الإنسان لأي عمل, فكريا كان أو بدنيا, يصل إلى مرحلة الروتين, حيث يتكرر العمل, بنفس المشاكل, عندها تنعدم فرص الإبداع, ويتوقف التطور.
قد يظن بعضنا, أن العمل السياسي, كله سيء وخاطئ, وهذا نتيجة لواقعنا خلال الأعوام الثلاثة عشر, وتجربتنا الفتية, وهو تقييم ربما يكون حقيقيا, لكن لا يعني أن العمل السياسي بحد ذاته, يجب أن يكون سيئا, كصفة ملازمة له.
الوطن  لا يدار إلا من خلال مؤسسات, تنظم شؤون الحياة, يمكن أن نطلق عليها مجتمعة اسم "الدولة" وهذه لا يمكن أن تقاد, دون مشروع فكري أو توجه معين, تقدمه جهة أو مجموعة من الأفراد, متفقين حول مبادئ معينة, يعارضهم وينتقدهم أفراد أخرون, يقدمون مشروعا بديلا, يحاولون أقناع الجمهور به, وهذا يسمى بالعمل السياسي.
شكل خروج السيد عمار الحكيم, من حزبه التاريخي" المجلس الأعلى" وتشكيله لتيار جديد, بأسم "تيار الحكمة" مفاجئة لكثير من المتابعين, ليس لأنه خروج لسياسي, من حزب ما, وتشكيله حزبا جديد, فهذا يحصل.. لكن واقع أن المجلس الأعلى, إرتبط تاريخيا بأل الحكيم, ومنذ أيام المعارضة, ضد نظام البعث, وكون الحكيم, نجح في النهوض بواقع المجلس ودوره سياسيا, بعد نكسته الكبيرة, وأمور تتعلق بالكاريزما الشخصية له, كزعيم شاب.. كل ذلك جعل الموضوع, يمثل هزة للواقع السياسي العراقي, وصل تأثير إرتدادتها إقليميا.
مع كل ما رافق الحدث, من تحليلات ومناكفات, ماهي فائدة المواطن العادي, في هذه القضية؟ ماهي "خبزتنا" في هذه  القصة كما يقال؟!
من الصحيح القول, أن عمليتنا السياسية, ولدت عرجاء مشوهة, نتيجة لتخطيط المحتل, وتأسيسه  لقضايا وسياقات, كانت ملغمة لتكون مشاكل مستمرة, ودائمة التأثير, فلا تُحل وتنتهي, ولا تتقادم وتختفي, فأوصلت البلد لحافة حرب أهلية, كادت أن تُطيح به.. وأخطر ما في القضية, أن المشاكل, صارت روتينا معتادا, فتعايش معها المواطن, وصار يتقبلها كواقع حياتي له, وجزء من هذا الواقع.. حال السياسية ومشاكلها.
خروج الحكيم, كان هزة عنيفة, شجعت كثيرا من الساسة, على التلويح, وأحيانا, تسريب معلومات لجس نبض, بنيتهم مغادرة أحزابهم, والتخلص من تراكمات, وأخطاء حصلت ولازالت, وأصبحت روتينا مقبولا, وجزء من العمل السياسي الأعرج.. وهذا ما سيفيد ربما في تحريك مياه عمليتنا السياسية الراكدة.
يقال أن المياه الراكدة تتعفن, أن لم يدخل إليها ماء جديد, أو يتم تحريكها بين حين وأخر, ويقال أن السياسة لا توجد فيها نتائج مضمونة, أو تحقيق لأهداف بشكل كامل.. لكن يقال أيضا أن اليأس.. هو موت خلال الحياة.
هل ستحقق مفاجئة الحكيم, شيئا مفيدا لنا كشعب, بعد كل ما عانينها من ساستنا؟ وهل سينجح الحكيم أصلا, في الخروج والتخلص, من "  تراكمات" الأخطاء السابقة؟
من يدري.. لنتفاءل خيرا وننتظر.


10
أيهما أحق بالتعويض .. من أكل النخالة, أم عذب في السجون وهاجر؟
المهندس زيد شحاثة
في كل دول العالم, وبعد أن تزال حكومات الطغاة, تمر فترة عدالة إنتقالية, تنتهي خلال بضعة سنوات, وخلالها يعوض كل من تضرر, ولو بأذي نفسي, ويحاسب من أعان الطاغية ولو بكلمة, من خلال محاكمة عادلة, أو أي ألية أخرى .
أنفرد نظام صدام, بكثرة من تعرضوا لظلمه وتعذيبه, حتى يكاد القول بانه شمل الغالبية, كلاما مقبولا ومقاربا للواقع.. فمن العوائل العلمائية والأدبية, وطلبة العلوم الدينية, إلى معارضيه السياسيين, ومن هجرهم وسحب جنسيتهم من الكرد الفيلية, ومن هرب بجلده خارج العراق.
لم يسلم بقية الشعب, من أذى حكم البعث وصدام, فبين خوف وإعتقالات وإعدامات دون تهمة, وجوع وخوف, وفقدان لأبسط مقومات الحياة, ناهيك عن الحقوق الإنسانية والخدمات, وعوز مادي, دفع الناس لبيع أثاثهم, بل وحتى شبابيك وأبواب بيوتهم.. وكل من كانت تظهر عليه أي علامات تدين, بل وحتى من كان يتهمه أي بعثي, بأصغر تهمة ولو كذبا!
ما تم سنه من قوانين, لتحقيق العدالة " الإنتقالية" كانت عرجاء ومشوهة, فرغم أنها جاءت لتعوض من تضرر ولن تفعل.. فأي مال أو عقار, يمكن أن يعوض أبوين عن أبنهما؟! أو زوجة شابة فقدت زوجها, وتعرضت لشتى المساومات.. بل وأي شيء في الدنيا كلها, يعادل لحظة رعب عاشها أي عراقي؟! فكيف بأطفالهم؟!
لن ينسى العراقيون, خصوصا من بقي ولم يهاجر, وعاش حكم صدام كاملا, سنوات أكل النخالة ونوى التمر المطحون, المخلوط بالرماد والرمل.. ولن ينسى لحظات الرعب, بين قواطع الجيش الشعبي, ومضايقات البعثيين, وإبتزازاتهم وتهديداتهم.. كما لن ينسى من هجر, ما عاشوه من سنوات عذاب, في خيام الصحارى, أو الذلة في مخيمات اللاجئين, أو الأهوال التي عاشوها, وهم يركبون البحار, ويفرون بين الغابات. هربا من بطش صدام وبعثه اللعين.. فهل يمكننا تقدير, أي فئة تعذبت اكثر من غيرها؟!
هل كل من ذكرناهم, احق بالتكريم و تعذب أكثر, أم من قدم ولده شهيدا في تحرير الموصل؟ أم من أعدمه صدام هو الأحق؟
ولكن لنسأل.. لما يجب المفاضلة بينهم؟! أولا يستحقون كلهم التكريم؟ حتى من بقي هنا وذاق الويل وعذاب حكم الطاغية, وباع أثاث بيته.. ولم يداهن النظام, ولا لبس الزيتوني؟
سن قوانين لتعويض كل هؤلاء, من المظلومين, هو أقل ما يجب تقديمه لهم.. لكن أن تكون تلك القوانين, مبالغا فيها وغير منطقية.. ويتناسى الأخرون, فهذا امر غير مقبول.
كل العراقيين يستحقون التعويض والرعاية, عدى من أيد النظام ولو بكلمة.. ولكن بشرطها وشروطها.




11
نحن والعمامة.. وحكاية لن تنتهي
المهندس زيد شحاثة
من حسن حظي, أني ولدت في قلب النجف الأشرف.. كنت أستيقظ على صوت الأذان الصادح, من مرقد الإمام علي أبن أبي طالب, عليه وأله افضل الصلوات, وأنام على تسبيحات ودعاء مؤذنه ليلا.
وأنا طفل صغير, وعندما أخرج إلى الأزقة, لألعب مع أقراني, أنتبه لأقراني, ولا أبه كثيرا للكبار, إلا بمقدار خوفي من أن يخبروا والدي تغمده الباري برحمته, أنهم شاهدوني ألعب في الشارع, هذا إن لم يحاسبوني أصلا, بسلطة أنهم من منطقتنا, أو أصدقاء ومعارف والدي!
أكثر ما كان يلفت إنتباهي فيهم, أن أكثرهم, يحملون معهم الكتب.. وغالبيتهم كان من طلبة العلم, و" الأفندية" كما كنت أسميهم, ويتناقشون في أمور لا أفهمهما, لكنها تبدو جميلة ومهمة, من كثرة وقوة حواراتهم ونقاشاتهم, غير عابئين بنا نحن الصغار, إلا بمقدار الإبتسامة والمسح على رؤوسنا.
كانت منطقتي " الحويش" تقع في قلب هكذا جو, حتى لكأنك تتنفس في الهواء, علما وأدبا وشعرا, ومن هناك بدأت علاقتي مع العمامة.. التي تعلمت أنها ترمز لشيء عظيم لم أفهمه حينها.. وبعد أن كبرت تعلمت من والدي, أن من يلبس العمة يطلب العلم بمختلف صنوفه, وتفرغ لهذه المهمة, وكان يحترمهم جدا ونقل هذا لي, رغم أن والدي كان متدينا, لكنه كان مدنيا جدا, موظفا حكوميا, وكان كثير النقاش مع أصدقائه من طلبة العلم, حول مختلف المسائل, وحتى الفقهية منها.. فهو من طلبة كلية الفقه.
كان إحترامه لهم, سياقا لم يتزحزح عنده, رغم أن تعامله مع بعضهم يختلف عن الأخر, وعندما كبرت, أوضح لي أنه يحترم, العمامة, برمزيتها لطلب العلم, وهذا شيء مقدس لديه, وإرتباطها الرمزي بنبينا عليه وأله افضل الصلوات, ولما يعرفه من حياة الزهد والتقشف التي يعيشها معظمهم.
سالته عن بعض ممن, أعرف أن له رأيا سلبيا فيهم, ورغم ذلك يعاملهم بإحترام.. فأجابني ببساطة, بني إعلم أن الاحترام, خلق يمثلني, رغم أني لن ولم, أتوقف عن النقد والمناقشة, مهما كانت مرتبة الأخر العلمية, ولكن ضمن أدبي وخلقي, الذي إخترته لنفسي, مع هامش أن أكون أنا مخطئا بالرأي.. كان هذا في أواخر سبعينيات القرن الماضي.
تعلمت منه تغمده الباري برحمته, أن طلب أي علم عمل مقدس, يجب أن يحترم ويدعم ويساعد, بأي طريقة ممكنة, وأنهم بشر مثلنا, لهم حقا بأمور الحياة, كما لنا نفس الحق, ومن المعيب علينا, أن نطالبهم بزهد, لسنا نحن بقادرين عليه.. رغم أن أغلبهم يعيشون فيه, واقعا وإضطرار, وتعلمت منه أن النجف, مدينة علي أبن أبي طالب, وليست مدينة أحد غيره, وهو أولى بضيوفه, ما داموا يحفظون قدر علي أبن أبي طالب.
مرت كل تلك الخواطر والذكريات, أمامي عيني, كشريط يعرض بسرعة, وانا أرى كم السب القبيح والتهجم على المرجعية وطلبة العلم.. هذه ا لأيام, وأتساءل, هل فعلا نحن أبناء هؤلاء الآباء؟
فإن كان هذا خلق أباءنا.. فمن أين أتت تلك الأخلاق, التي يحملها هذا الجيل, أن صح أن نسميها أخلاقا؟
لم يكن النقد يوما يعني سوء الأدب

12
كلام عاقل في زمن الجنون.. أم العكس؟
تذكر أحكام الميراث وقواعده فيما تبين, أن الوارث ليس مسؤولا عن مشاكل الميراث الذي يصل اليه, أو ما أرتكبه المورث من أخطاء لجمع هذا الميراث.
يؤيد ذلك المنطق, فيعتبر أن مدير مؤسسة, ليس مسؤولا عن الاخطاء أو الانحرافات, التي سببها وأحدثها المدير السابق.. لكن النهوض بتلك المؤسسة واجبه, و إلا لما تصدى لتلك المسؤولية وقبل التكليف؟
صحيح أنها ورثت تركة ثقيلة, من الازمات والمشاكل, بل ووضعا خطيرا, من الحكومة السابقة, كاد يذهب بالبلد الى نفق مظلم, يذكرنا بأيام سود عشناها, في عصور سابقة.. لكن هل يعفيها هذا حكومتنا, من مسؤولية العمل على معالجة كل ذلك؟.. وإلا لما تصدت للمسؤولية؟ وقبل من يشارك فيها التكليف؟
لا نتوقع أن يكون كل أعضاء الحكومة, بنفس الوطنية والإستعداد للخدمة العامة, لكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع محاسبتهم على حد أدنى من ألاداء والجهد المقبول, بما يحقق للمواطن العراقي حياة كريمة, بمعايير مقبولة إنسانيا.
روى لي أحد ألاخوان, ممن كان يخدم في الجيش العراقي, ضمن الخدمة الاجبارية, وأبان إحتلال العراق للكويت, أنه تكلم مع مواطن كويتي كبير في السن, عن الفساد المستشري, وسيطرة عوائل معينة, على كل خيرات الإمارة.
كان نظام الطاغية قد شن حملة إعلامية كبيرة, حول فساد الأمراء, وغيرها من الأمور, ليبرر إحتلاله للكويت, وصدقها صاحبي.. فيقول أجابني الشيخ بما معناه" وما يهمني؟ فكل ما أريده أنا وعائلتي متوفر, وأعطتني الحكومة من الخير ما يفوق ما أريده, ومستقبل أولادي مضمون, والدنيا كلها تخدمني, ولا يوجد من لا يحسد الحياة التي نعيشها, فما يهمني ما يفعلون بالباقي؟!"..  وكأن الحكومة رشت الشعب, بتقديم حياة مرفهة له مقابل سكوته, وولائه .. هكذا فهمها صاحبي.
تذكرت الحكاية وأنا أتساءل.. إن كان يحق لنا أن نطالب حكومتنا, بحياة مماثلة, لما صوره الشيخ؟.. ولتعتبرها رشوة مثلا!
الواقع أن توفير هذا المستوى المعيشي والحياة, ليس مستحيلا قياسا بما نملكه من خيرات, ربما في الظرف الحالي, يبدو هذا الكلام وكأنه ترف وبطر, وهو ليس كذلك..  لكن لنقلل سقف احلامنا قليلا, أفلا يحق لنا أن نطالب بحياة تحقق أدنى حدود الكرامة الإنسانية؟!
هل هذا طلب صعب, ولا يصح؟ أم ان العالم هو الذي يسير بالمقلوب؟ هل المقارنة مع أوضاع دول مجاورة شيء معقول؟
هل نحن مجانين حالمون عندما نطالب بأبسط الحقوق؟ أم أن الدنيا هي من أصبحت مجنونة؟!
كيف لو طالبنا بكل ما نحلم به, ونريده..وهو من حقوقنا؟!
من المؤكد أننا سنتهم بالجنون..رسميا.

13
البخاتي.. نموذج لرجال غير عاديين لدور غير عادي
المهندس زيد شحاثة
عندما نتذكر من نفقدهم من أحبتنا, دوما يكون هذا بصورة تخيلية, مرتبطة بحادثة أو موقف ما, وأحيانا نختلقه من خيالنا, لشدة حبنا وشوقنا لهم.
يزداد تخيلنا, كلما كانت معرفتنا أقل بهم.. فنذهب بعيدا في, رسم تلك التخيلات, إعتمادا على صورة لهم, أو كلام سمعناه.. هذا ما حصل معي عندما, أردت تذكر, الشهيد القائد صالح البخاتي.
كلما حاولت وضع صورة للرجل في مخيلتي, لم تفارقني صورة إيتسامته.. حالة لا نتوقعها, من المقاتل والقائد العسكري, والرجل قضى ثلثي عمره في القتال والجهاد؟ وأي قتال.. بين جهاد الأهوار وسجون صدام, فقتال التكفيرين, لتكون الخاتمة في الفلوجة.
في عقولنا صورة نموذجية, للمقالتين وهم عابسين, ووجوههم صارمة, فهم بين الموت والنصر, يحملون أرواحهم على أكفهم, فهل من مكان للإبتسام؟!.. مع ذلك كان البخاتي وأمثاله يضحكون!
كنت أتعجب من ذلك, حتى قرات وصيته بخط يده.. فقد قال فيها واصفا التمسك, بخط الولاية والمرجعية " أن هذا التمسك هو أضعف الأيمان"  فهو يطلب أن " نكون من الداعين والمدافعين بأقصى ما نملك عن هذا الخط".. عجيب أمر هؤلاء الناس, إن كان كل هذا, وما عانوا وقدموا لأجله.. هو أضعف الأيمان!
ختم البخاتي وصيته, داعيا ومتأملا " أن تكون الشهادة عاقبته قتلا في هذا السبيل" وكأنه يعلم تماما خاتمته ويستعجلها.. وفي موقف نشره له قبل إستشاهده بوقت قليل, وبعد إصابة زجاج سيارته, برصاصة لم تخترقها, قال أنه كان قريبا من الشهادة,  وربما لم يوفق, ليكون " مستحقا لها" .. عجبا عن أي أناس نتحدث!
هل الأيمان بقضية, يدفع الرجال, لهذا الحال العجيب؟! أم القضية أكبر من ذلك؟
 ألا تظنون أن هؤلاء رجال خَلقوا, لتأدية دور وحمل رسالة, يعجز عنهما الأخرون؟
ليست مبالغة وغلوا, في وصف البخاتي وأمثاله.. إطّلعوا على حياتهم سيرتهم, وستروون أننا مهما تحدثنا عنهم, لن نفيهم حقهم.






14
عندما نعود إلى عصر الجاهلية
المهندس زيد شحاثة
يروي ما نقل لنا من تاريخنا, أن العرب وصلوا مرحلة من التراجع, الأخلاقي والإجتماعي, خلال فترة ما قبل الإسلام, تجاوزوا فيها, حتى حدود الفطرة الإنسانية, وأتوا أفعالا ربما لم تفعلها حتى الحيوانات.
هكذا تاريخنا يسجل.. ورغم أن العرب لم ينفردوا بهكذا فترات تمر بها الأمم, لكن هذا لا يبررها أو يجعلها مقبولة أو صحيحة, خصوصا إن تذكرنا, أننا أبناء أولى الحضارات وأقدمها, وأجدادنا من قدم الكتابة والعلوم الأولى, وغيرها كثير.. لكن تاريخنا مما لا يمكن نكرانه, بحسناته وسيئاته.
إنتشرت خلال فترة الجاهلية, عبادة الأصنام.. وكانت ترتكز على إختيار كل فرد وعشيرة, إلها مشهورا ليعبدوه ويقدسوه, ويجعلون له القدرات الخارقة, وأحيانا ربما يخترعون لهم إلها.. وهذه القضية, قليلا ما ترتبط بالعبادة أو التدين, إنما ترتبط أكثر بمكانة القبيلة ونفوذها, ورغبتها بالسيطرة على الأخرين, وجوانب إقتصادية وتجارية, ويتبعهم عليه البعض جهلا.
رغم أن الإسلام, أزال كل تلك الألهة وصارت العبادة للواحد الأحد, لكن جانبا من فكرة عبادة وتقديس الأصنام لازال موجودا فينا.. ألا تظنون ذلك؟!
عندما يرى أحدنا فكرة أو شخصا, على أنهما الحق, فهو يراهما وهما فقط, الصواب المطلق, لا يحتملان الخطأ أبدا, وكأن رب العزة لم يخلق غيرهما, ويسفه ويهاجم ويشتم ويسب كل من يختلف معهما ولو جزئيا, بل وربما يكفره ويخرجه عن الملة!
أغلبنا يفعل ذلك بطريقة أو أخرى, فنقدس بشرا مثلنا, وننزههم عن الخطأ تماما, فصاروا مقياسنا, للصواب والخطأ, رغم أن ديننا, وسيرة أهل بيت النبي الكريم, عليه وعليهم أفضل الصلوات, علمتنا أن نعرف الرجال بالحق, لا الحق بالرجال.. فأين نحن من ذلك؟!
إحترام وتقدير, ذوي العقول والأفكار النيرة, وقادة الأمة والمجتمع, شيء حسن جدا, بل وواجب, فالأمة بلا  قادة مخلصين, تسير على غير هدى.. لكن أن نقدسهم, ونعصمهم من الأخطاء, ليس من الدين أو العقل في شيء.
فهل بعضنا عاد هذه الأيام إلى عصر الجاهلية؟ فصنع صنما له, وصار يقدسه؟!
ألا تظنون, أن تصور شخص بأنه, زينب العصر, وأخر مختارا العصر, وغيره المصلح الأكبر, وغيره القائد الفذ ومنقذ الأمة, نموذج لعبادة الأصنام بثوب جديد؟!
هل من أغراض أخرى خلف ذلك؟ أم هو جهل مطبق.. معتاد؟!


15
عندما نخرب بيوتنا بأنفسنا
المهندس زيد شحاثة
تتغير أحوال الأمم, وتتقلب أوضاعها, بين صعود ونزول, فتفقد دورا مهما وحضاريا, فتعمل لإستعادة مجدها الغابر, لكن الأمم العريقة, التي تملك حضارة أصيلة, لا تركع إلا إن فقدت رغبتها بالنهوض.
تراجعُ الأمم, وفقدانها لدورها الحضاري, حال تمر به جميعا, نتيجة لظروف ومحن تصيبها, أو لفقدانها بوصلة طريقها, أو لغياب القيادات الرشيدة.. ويحصل بسهولة وسرعة مخيفتين, لكن النهوض يتطلب زمنا طويلا, مع توفر ظروف مساعدة, وإرادة حقيقية.
الهدم والتراجع, قد يكون بفعل خارجي, ومتعمدا ومخططا له, نتيجة لصراع الحضارات وأسباب سياسية وإقتصادية, أو لأسباب تتعلق بالإستعمار والنفوذ, وكانت تحصل عسكريا وبالقوة.
لم تعد القوة الأن, أداة لهدم الأمم, وظهرت طرق أسهل وأيسر, وأكثر خبثا, من خلال إستخدام الأمة  في هدم نفسها.. فيكون الهدم مجانا دون جهد كبير, ومدمرا أكثر, فأهل مكة أدرى بشعابها.
يقال أنك لكي تهدم أمة, يجب ان تحقق أمورا ثلاث, أولها ان تجعل نسائها, تخجل من جزئية, دورنها كأم وصانعة أسرة ومجتمع وأمة, وثانيهما ان تُفقد المعلم إحترامه, وثالثها أن تسقٌط قدوات الأمة وقادتها, في عيون الناس.
رغم أن تلك الأمراض موجودة, عند غيرنا لكن الجزئية الثالثة, صارت مرضا خطيرا عندنا.. فلم نعد نحترم أي شخص, مهما كان دوره, ولا نقيم وزنا لأي من قادتنا , مهما كانت تضحيته ومسؤولياته, ولا نعرف كيف نقوم بشكل موضوعي ومعتدل, بل وفقدنا بوصلة الأدب العام, في إنتقادنا فصرنا نسقط قدواتنا, دون تمييز, بين حدود النقد والأدب والأخلاق.
تمر هذه الأيام ذكرى وفاة السيد عبد العزيز الحكيم.. وهو من القيادات الشيعية البارزة, أمضى زمنا طويلا معارضا, ولا حاجة لذكر التضحيات التي قدمتها أسرته.. ولكن ما يلفت النظر, هو حجم التهجم والتسقيط الذي تعرضه له في حياته, لمواقف إتخذها أو أفكار ومشاريع قدمها, هوجمت بكل قسوة, وشتم وسب لأجلها.. ثم عاد من هاجمه وشتمه, لتبنيها لاحقا؟!
هو حال لم ينفرد به السيد الحكيم, لكنه تميز عن الأخرين,  ببشاعة ما تعرض له من هجوم ظالم, بإزدواجية  غريبة, في  المواقف مما كان يهاجم لأجله.. لكن ما يميزنا أننا, بعد ما يرحل هؤلاء, نعود ونندبهم ونبكيهم, ونذكر محاسنهم, بل ونضيف لهم أمورا ربما لم تكن موجودة فيهم!
يقول قرآننا الكريم ((يخربون بيوتهم بأيديهم)), في وصف حال اليهود.. فهل نحن نتبع سيرتهم, ونخرب بيوتنا بأيدنا.. ونهدم أمتنا بما نفعله من تلك القبائح الثلاث؟


16
عندما يكون نقص الإدراك.. نعمة
المهندس زيد شحاثة
هل تعرفون كم هو متعب, أن تكون ذكيا؟ وتكون واعيا ومدركا لما يجري من حولك؟ أليس  كونك مع هذ الإدراك, بلا حول ولا قوة لتغييره, هو أشد أذى؟.
في يوم من أيام, حكم نظام البعث, وكنا نؤدي الخدمة العسكرية, التي تفرض على كل العراقيين, وكنا للتو قد أكملنا دراستنا الجامعية, ويعرف من مر بتلك الفترة, كم هي قاسية ومؤلمة.. وخصوصا لمن يملك مؤهلا علميا أو ثقافا وأدبيا.
إمتازت تلك الفترة, بوجود فارق فكري وثقافي وعقلي, بين الضباط والجنود, وبين الجنود أنفسهم, بين من يلتحقون بالخدمة لبلوغهم عمر الثامنة عشرة, ولم يكملوا دراستهم, ومن يلتحقون بعد إكمالهم دراستهم الجامعية.
خلال فترة سابقة, جيء لنا بمجموعة من الجنود, وأذكر أنهم كانوا من صنف المدرعات, لحماية الموقع الذي كنت أخدم فيه, وتُركوا دون مسؤول عنهم.. ومنهم جندي صغير السن, مقارنة بأعمارنا نحن خريجي الكليات, يسكن ريف إحدى محافظاتنا الغربية, وكان ضحوكا بسيطا, يتميز بصوت جميل نسبيا, حين يرتل القرآن, فكنا نحن الكبار, وعند حلول المساء, نجلسه معنا, فيقول أنتم " كأعمامي" فنلاطفه, فنطلب منه أن يرتل لنا, ونستمتع بصوته وبسماع القران.. فكل شيء ممنوع, وضد النظام.
في اليوم المشؤوم, حضر ضابطهم المسؤول لنقلهم إلى مكان أخر, ولسبب لم أعرفه حتى, قام بصفع هذا الصغير.. صفعة جعلته يسقط أرضا, لكن سرعان ما نهض.. لحظتها توقف الزمن عندي, وكأنما أنا من تلقى الصفعة.. إختنقت وأختفى الهواء, وكدت أموت, حاول أصدقائي التخفيف عني, فلم يفلحوا.
حضر الصغير بعد قليل, وكان الغروب قد حل, وكنت أتلوى, وقال بلهجته الغربية البسيطة " أشبيك عمي, أنا ما ضجت وإذا ضربني ..عادي" , نظرت بوجه صامتا, ثم إنفجرت ببكاء هستيري, فاجأ الجميع.. بكاء لم أستيقن حتى أنا سببه.. هل هو بكاء من أهين, ولم يستطع أن يرد إهانته؟ أم هو بكاء لسوء حظي, كوني أفهم وأعرف حقي وإنسانيتي؟!
هدأت بعدها , فقد فرغت كل إنفعالاتي بدموعي, ولكن.. حينها لعنت الشهادة العليا التي درست لأجلها, والثقافة التي تعبت لأجلها, فهما سبب تعاستي.. فما العيب في أن تعيش على هامش الحياة, لا تدري.. ولا تدري انك لا تدري؟!
ألا نتمنى أحيانا, لو كنا جهلاء وبلا وعي ولا إدراك؟
ألن تكون في قمة الراحة والسعادة, ولن يضايقك أي حدث أو شيء؟! أليست نعمة؟ مالي وللشهادة والثقافة؟
سيقال عنك بليد وأبله وبلا إحساس.. أو ليست نعمة, في هذا الزمن الأغبر؟






17
ذقون جاهزة للضحك.. عليها
المهندس زيد شحاثة
يشار للرأي العام, بأنها الأفكار والإتجاهات  والإنطباعات العامة, التي تحدث لدى مجموعة معينة, تجاه قضية, بناء على معطيات ومعلومات أو مواقف محددة.
كلما كانت هذه المواقف والإنطباعات شاملة, صارت تمثل رأيا  لعامة المجتمع والأمة, وتبين موقفها من الحدث المعين, أو القضية الخاصة التي تهمها.. وهذا الرأي والموقف, يتشكل تلقائيا نتيجة لتفاعل المجتمع مع القضية.
أختلف الأمر اليوم, فصار الرأي العام يصنع, أو لنقل بشكل أدق انه "يصطنع".. فيتم تشكيله وتغييره بأدوات إحترافية, تؤثر فيه وتغيره, كيفما يريد أصحاب هذه الأدوات.
غالبا ما تكون تلك الأدوات, معروضة للإيجار, لمن يدفع أكثر.. ثم تطور الأمر, فصار من يدفع أكثر يمتلك تلك الأدوات, على تنوعها وتعددها, فمن قناة فضائية, إلى صحيفة ورقية أو إلكترونية, وأخرها وأحدثها, مواقع  وصفحات, في برامج التواصل الإجتماعي.
أهم أداة لتشكيل الرأي العام, وخصوصا على مواقع التواصل الإجتماعي, هم الأغبياء والجهلة.. ممن يصدقون كل ما يقال, ويساهمون بنشره, دون تمييز وتثبت.. وبعض هؤلاء "الأغبياء" يحملون شهادات مرموقة.. وبمواقع ومناصب حكومية  وإجتماعية مهمة!
إنشغل الرأي العام العراقي, خلال الأيام الماضية, بقضية كلية الجندي المسروقة, ونشرت وثائق ولقاءات مؤيدة, وأخرى مثلها معارضة وتنفي.. وربما ستظهر الحقيقة لاحقا أو تضيع.. فتضاف لباقي القضايا التي تٌشكل فيها لجان تحقيقية, بلا نتائج!
بتجاوز الحادث الأصغر, والنظر للصورة الأوسع, سنلاحظ أننا إندفعنا, كرأي عام ودون تميز, بين مؤيد ومعارض, وبدأنا السب والشتم, والتخوين والنقد الهادم, ثم بلعنا كل ما قلناه وسكتنا.. وكأننا لعبة تقاد, تمشي يمينا ويسارا, حسب ما يريد, من يمسك " بالريمونت".
يقال في وصف, خداع الأخرين, وتدليس الحقائق وتغيرها, وخصوصا أن كان على العامة, أنه " ضحك على الذقون", ويصح الوصف على, التلاعب بالألفاظ, وإستغلال الصلاحيات والمناصب, لأغراض ومصالح خاصة.
 لم يتضح لنا, مدى مطابقة الوصف, إن كان المستهدفون, هم وذقونهم جاهزون للضحك عليهم.. فهل يجوز أن نقول أنهم تم الضحك عليهم؟ كيف وهم كانوا مستعدين لذلك؟ بل وراضين به؟ ويتكرر عليهم دائما؟
هل نحن مشمولون بهذا الوصف, وأن ذقوننا كانت, جاهزة للضحك عليها؟ وخصوصا أنه تكرر, ولأكثر من قضية؟




18
العقلية الأمنية.. بين الحداثة والدينصورية
المهندس زيد شحاثة
تفنن العراقيون في إختراع, توصيفات, لتمثيل وإنتقاد, حالات ومواقف, تخص حياتهم اليومية.. رغم أن كثيرا من تلك التوصيفات, تمثل حالات مأساوية, لكن بطريقة ساخرة.
تندر العراقيون كثيرا, على الخطط الأمنية, التي أتُبعت سابقا, والتي تنتهي بخطوتين, بحسب وصفهم, أولاهما غلق الطريق أو المنطقة المعنية, وثانيتهما وضع المزيد من السيطرات, التي لم تحقق شيئا يذكر, سوى زيادة الإزدحامات المرورية.
كعادتهم بنقد الظواهر بسخرية, وصف العراقيون تلك الخطط, بأنها "ديناصورية" نسبة لهذا الحيوان الأسطوري, وللدلالة على قدمها وتخلفها.. وصارت مقارنتها بخطط كرة القدم, وصفا كوميديا ساخرا أخر.. سخرية تخفي حزنا, وألما وحيرة.
رغم تغيير الوزراء الأمنيين عدة مرات, لكن معظم الخطط الأمنية, المتعلقة بأمن مدننا, بقيت أسيرة الخطوتين السابقتين, بتعديل هنا وتغيير هناك.. ولم تظهر لدينا, تغييرات حقيقية تعطي نتائج ملموسة, ولازالت الخروقات, تحصل.
ما ذكره المختصون, يؤكد حصول تغيير, على مستوى الوزير فحسب, وبقيت الحلقات المهمة, تدار بنفس الأيدي, وبنفس الأفكار البالية, بالرغم من وجود شبهات, بالفساد والإنتماء لنظام البعث, ورغم محاولات الوزراء المتعاقبين, لتغيير هذا الحال, بقيت النتائج كما هي.. خطط متخلفة, دون مستوى الطموح, و خروقات ودماء تنزف, ولا يبدوا أن ذلك سيتوقف قريبا.
لازال قادتنا الأمنيون, يفكرون بعقلية قديمة, فلم يهتموا بشكل حقيقي, بتطوير الجهد الإستخباري, أو  تنقية المفاصل المهمة, وحمايتها من الإختراق, أو تدريب القوى الأمنية, بشكل حديث, يتوافق مع متغيرات العصر, ونوع العدو.. فكيف سينجحون في حماية المواطن بعد كل هذا؟!
لن تتغير نتائج أي حالة, إن كانت مقدماتها نفسها, وكانت العقلية التي تديرها جامدة.. فهل تغيرت العقلية الأمنية التي تمسك بملفنا الأمني؟
من الواضح أن بعضها لم يفعل, ولازال دينصوريا, يظن نفسه يخوض معاركا, في العصر الحجري.


19
دبلوماسيتنا.. وتعبيد الطريق الذي فتحه الحكيم
المهندس زيد شحاثة
وصف السيد عمار الحكيم, بأنه شاب تسلم المسؤولية, بحكم كون عمه ووالدة الراحلين, هما من أسس المجلس الأعلى الإسلامي, ولأهمية ورمزية أسم الحكيم, في العمل السياسي الإسلامي, وثقلهم المرجعي, وتاريخهم النضالي.. صار طبيعيا أن تنتقل إليه الزعامة, رغم وجود زعامات تاريخيه في المجلس, لها سابقة في النضال والجهاد, والعمل ضمن تنظيماته.
رغم أن ظاهر الوصف السابق, يوحي بأنه تسلم المسؤولية, وكأن الموضوع أرث عائلي بحت, رغم أن هذا مؤثر لأهمية ودور عائلته, في الأوساط الشيعية.. لكن مواقف الرجل اللاحقة, ووسطيته ومقبوليته العالية, محليا وإقليميا, وما حققه من تغيرات, رافقت توليه رئاسة التحالف الوطني وأهميته في تسيير العملية السياسية.. أوضح قدرة هذا "الشاب" وإمكانية سطوع نجمه, كزعيم مستقبلي, سيكون له أثر بالغ, في الحياة السياسية في العراق.
منذ أن وعينا, فهمنا أن مصر دولة كبيرة, ولها القدح المعلى في الشأن العربي.. وهي صاحبة الثقل الأكبر في مواقفهم, وتملك الدبلوماسية الأنجح والأنشط, حتى وقعت معاهدة السلام مع إسرائيل, وما رافقها من مقاطعة لها.. عندها بدأت دول "البترودولار" الخليجية, بزعامة السعودية, تحاول أن تأخذ دور مصر, في الريادة العربية, مستفيدة من قدراتها المالية الضخمة, في شراء الذمم, وتغيير المواقف وتبديلها.
رغم تلك الأموال, لم تمتلك هذه الدول, مقومات الريادة, ولم تستطع أخذ دور مصر, لكنها نجحت في مزاحمتها, خصوصا مع الظروف الإقتصادية الصعبة, التي مرت بها, ونجحت في أن تكون محورا ثانيا, في المنطقة العربية, قبالة محور المقاومة, الذي كانت تتصدره مصر سابقا.
كانت زيارة الحكيم ,لمصر وبعدها تونس, حركة سياسية ذكية, فرغم أهمية الإنفتاح على المحيط الإقليمي, لتغيير المواقف السلبية, من النظام السياسي الجديد في العراق, إلا أنها أيضا, أعطت دعما لمصر, في إشارة لرمزية وأهمية, إستعادة الدور الريادي, المصري في المحور العربي, قبالة المحور الأخر.
هي رسالة للمحور الأخر, الذي كان سلبيا جدا, في مواقفه وتعامله مع العراق, ودعم الجماعات الإرهابية, ولو بشكل غير رسمي أو مباشر.. أن العراق يمكن أن يستغني عنهم, ويمكن أن يكون لاعبا مؤثرا في حسم, قوة محور تجاه اخر.
ظرف العراق الحالي ومعركته الكبرى, لن يتيح له أن يكون زعيما للعرب.. لكن لن يمنعه من دعم محور ضد اخر, في تحديد من سيكون هو الزعيم, وتجيير ذلك لمصلحته.
 هنا يأتي دور الدبلوماسية الذكية, في تعبيد الطريق الذي فتحته زيارة الحكيم.. فأين هي دبلوماسيتنا؟!
هل وعت أهمية هذه الفرصة؟

20
شهداؤنا ..مطربة الحي التي لا تطرب
المهندس زيد شحاثة
من منا لم يسمع بالحاج عماد مغنية؟ أو سمير القنطار؟.. من منا لم يشعر بالفخر, كون هؤلاء الشهداء يعتنقون نفس مبادئه؟! أو هكذا يظن.
رغم أن كليهما من شهداء المقاومة الإسلامية في لبنان, لكن مغنية أتعب إسرائيل, حتى جعلته مطلوبها الأول, لكثرة العمليات الموجعة التي نفذها, وخطط لها ضدهم, فاغتالته بعملية إعتبرتها نجاحا باهرا لأجهزتها المخابراتية.. فيما القنطار, كان أقدم أسير لدى إسرائيل, وإغتالته أيضا في سوريا, بعد أن أطلقت سراحه بصفقة تبادل للأسرى, مع المقاومة.
حرص لبنان, وخصوصا المقاومة الإسلامية, على تمجيد هذين الشهيدين, وتخليد ذكراهما وتكريمهما, بشكل يليق بهما,  وبما قدماه من تضحيات عظيمة, وأداء واجب وطني وجهادي مشرف, مرارا وتكرار, في رسالة وفاء مهمة.
قدم العراقيون عشرات الشهداء, خلال سنوات نضالهم الطويلة, ضد نظام البعث, وحتى قبل أن يستحوذ على السلطة, ويتولاها مجرمهم المجنون صدام, بشكل مطلق.. وأستمرت تلك التضحيات, في الجهاد ضد إمتدادات البعثيين وأثارهم المستمرة, كالقاعدة وداعش, ولا نعلم من سيكون بعدهما!
يبدو أن شهداؤنا هم مطربة الحي التي لا تطرب أهلها.. فما أن تمر أيام شهادتهم, حتى نتناساهم, وإلا هل يمكن أن يخبرنا أحد, كيف كرمنا وخلدنا شهداء, كصالح البخاتي ومشتاق الزيدي, أو جعفر المظفر وعبد الرضا الفياض, وغيرهم العشرات؟! هل تذكرونهم, أو تعرفون من هم أصلا؟!
 كيف خلدنا العظماء, كالسيد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الصدر والسيد محمد باقر الحكيم, وقبلهم الشيخ عارف البصري, وأصحابهم من الشهداء السابقين؟!
هل أن تذكرهم يوما في السنة, وإقامة إحتفالية, أو وضع صورة لهم هنا أو هناك.. هو التكريم الحقيقي, لمثل تلك النجوم, التي أنارت سماء الوطن؟!
هل لازلنا نتذكر لما أستشهد هؤلاء؟ ولأجل من؟
إن نسينا لما أستشهد هؤلاء, ولأي هدف وغاية, وتركنا تلك الغايات السامية, وتناسيناه.. فما قيمة أي تكريم أخر بعد ذلك!

21
هل العراقيون بحاجة للتحالف الوطني؟
المهندس زيد شحاثة
يعلم من يهتم بالشأن السياسي, أن تشكيل التحالفات والإئتلافات, ضروري أحيانا, لتكوين كتلة قوية, يمكنها تشكيل  حكومة قوية, وتقدم لها الدعم البرلماني اللازم, لتحقق برنامجها الإنتخابي والحكومي.
بعد سقوط البعث,  وما أفرزته الأحداث بتأثير المحتل, وتجاذبات المنطقة, صارت الطائفة, هوية لمعظم القوى السياسية, رغم محاولاتها, تجميل الصورة, بوجوه من طائفة  أو توجه أخر.
خلال عام 2005, تشكل الإتلاف الوطني, الذي تغير أسمه لاحقا ليكون التحالف الوطني العراقي, ليجمع أهم الأحزاب الإسلامية الشيعية, وتولى زعامته الراحل, السيد عبد العزيز الحكيم.
كان هذا التحالف, هو عماد العملية السياسية, لما يمثله من أغلبية, جماهيرية وبرلمانية, فكان مرشحيه, هم من يتولون رئاسة الحكومة, وهو من يُفاوضه الأخرون, للحصول على المكاسب السياسية " الحصص".
لإعتدال الحكيم, ومقبوليته العالية, لدى الشركاء من كرد وسنة, نجح في جعل الإئتلاف, قائدا فعليا لعراق, وداعما للحكومة, وهو شخصيا, وبالتشاور مع مرجعية النجف, صاحب القرار الحاسم في القضايا المهمة, ولم يجرؤ مسؤول تنفيذي من التحالف, على الخروج عن رأيه.
كان لهذا التحالف, رغم إختلاف مكوناته بأفكارها, أهمية سياسية كبيرة.. فقد نجح في إقرار أول دستور دائم, وإقرار قوانين مهمة,  وكاد أن ينجح في فتح قنوات تواصل مع دول الجوار, رغم مواقفها السلبية.
بعد وفاة الحكيم, تولى الجعفري, الزعامة.. ورغم تاريخه النضالي, لكنه لم ينجح كسابقه, فضعفه النيابي, وإنتماء المالكي لحزبه, وإنفراد الأخير بالسلطة, وتجاهله للتحالف عامدا.. أضعف التحالف, حتى صار  يذكر, لتشكل الحكومة فقط؟!
بعد تولي العبادي الحكومة, وإزاحة المالكي, بتدخل من المرجعية, وما رافقها من تطورات, أختير لاحقا, السيد عمار الحكيم, لرئاسة التحالف, في خطوة لم تكن مفاجئة.. فهو بنفس وسطية أبيه  وعمه, وله علاقات جيدة بالأطراف المحلية والإقليمية.
رغم  أن الرئاسة لسنة واحدة, لكنه نجح في نقل  خبرات حزبه المنظم للتحالف, وسعى لجعله مؤسسة, ونظم إجتماعاته, وبمختلف المستويات,  وقراراته صارت أكثر تنسيقا, ونجح في تقريب الرؤى, وتمرير قوانين مهمة, ما كانت لترى النور, لولا توحد موقف النواب الشيعة واقعيا.
لنتساءل.. ما الذي سيفيدنا نحن من وجود هكذا تحالف أصلا؟
بعيدا عن التخوين العاطفي, والشتم  غير المبرر, ومساواة الفاشل والسارق بالناجح, والسوداوية المفرطة.. فالموضوعية تبين أن الدولة لن تقاد دون عملية سياسية وديمقراطية, ولا يمكن إنجاز هذا دون أحزاب وتيارات, وكتل سياسية تتشكل على أسس ما, وهذه كلها, تستمد شرعيتها من جمهورها وناخبيها.. فلا دولة  بلا أحزاب سياسية.. عدا الدكتاتورية طبعا.
يبدو أن التحالف الوطني, في طور التعافي, ولو بشكل بسيط.. فهل سينجح قادته, في جعله ممثلا حقيقا لتطلعات جماهيره, أم سيعودن لجعله, أداة لتولي رئاسة الحكومة فقط؟!

22
عندما يكون الإعلامي.. "علاميا"
المهندس زيد شحاثة
لا يختلف إثنان ربما , في أثر الإعلام هذه الأيام, بخلق رأي عام, وأهميته في نقل الحقائق بتفاصيلها, وتوثيق ونشر الحوادث العامة, وطنية كانت أو دولية, أو كونه وسيلة, لنقل وتوضيح ,أفكار وسياسات ومشاريع, مختلف الجهات, سياسية كانت أو إجتماعية.
لا يخفى أيضا, جاذبية أن تكون إعلاميا أو كاتبا مشهورا, فيشير لك الناس, أينما تسير بإعتبارك مهما, وقيمة مرموقة بين الناس, خصوصا في مجتمع, يكون ساسته في معظمهم فاسدون أو فاشلون, يخافون أن يتم فضحهم, أو في الأقل إنتقادهم, من الإعلام ورجاله.. فهل يقوم الإعلام بدوره؟
من يراقب إعلامنا, بمختلف أشكاله, مكتوبا كان أو مرئيا ومسموعا , أو مسموعا, يلاحظ الفوضى الهائلة التي تسوده, فلا ضابطة ولا نظام, أخلاقية كانت أو مهنية, فكل يغني على ليلاه.. بشكل يثير الغثيان, ووصلت حد إستخدام مهرجين, في برامج فضائية, وكتاب يستخدمون, أسوء الألفاظ السوقية, التي يخجل من إستخدامها حتى أبناء الشوارع, كقادة صحف.. فهل هذا هو الإعلام الذي يبني ويقوم الوطن؟!
الموضوعية تلزمنا, ذكر وجود عدد كبير, من الإعلاميين الملتزمين, ممن لهم رأي بمعايير, مهنية وأخلاقية معتبرة, بغض النظر عن توجهاتها, ومدى تطابقها مع, وجهات نظر الأخرين.
من  يدقق  بكمّ الإعلانات الكبير, هذه الأيام, عن الدورات المقامة, لتعليم مهنة الإعلام, وخصوصا للجنس الناعم, أو الدعوات لتقديم سير ذاتية, على مواقع وغيرها, يستغرب بل ويتفاجأ, فهل من المعقول أن لدينا هكذا فرص للعمل والإبداع للإعلاميين؟!
ما يثير الإستغراب أكثر, قيام كل من هب ودب, بإعلان نفسه إعلاميا وكاتبا وهو بالكاد يجيد الكتابة, التي لا تخلوا من أخطاء فادحة مخجلة, ناهيك عن أعداد خريجي كليات الإعلام والصحافة, حتى أن أحدهم, أفتتح صفحة له في أحد مواقع التواصل الإجتماعي, وأطلق على نفسه لقب " العلامي", فلم نعرف إن كانت هذه, درجة إعلامية جديدة؟!
يقال أن الكلمة كالرصاصة, يمكن أن تقتل.. لكن الحقيقة أن الإعلام ورجاله وأدواته, سلاح دمار شامل, يمكن أن يدمر أمما, ويجعل بلدانا تنهار.
فهل نحتاج لأدلة على ذلك؟!


23
هويتنا بين الأزمة وضياع الملامح
المهندس زيد شحاثة
يحاول الإنسان دوما, أن ينتمي إلى شيء ما, فكرة كانت أو عقيدة أو ثقافة, أو قومية أو جنسية .. وربما تتبسط الأمور, فيحاول أن ينتمي ولو لعشيرة أو أسرة حتى.
تعرف هوية الإنسان بأنها جوهره وتوصيفه الحقيقي, وعقيدته التي يؤمن بها, وتختلف بين شخص وأخر, حتى لو إتفقنا على مبدأ أو عقيدة, لكننا  نختلف في كيفية فهمنا للموضوع وتفسيره.
نتيجة لما مر به العراقيون, من تاريخ مليء بالصعاب, والإختبارات الشديدة, والأهوال العظيمة.. إمتلئت الشخصية العراقية, بمزيج غريب من التناقضات.. جزء من تلك التناقضات أنعكس على هويتهم التي يقدمونها لأنفسهم.. هذا التناقض, جعلهم في حالة صراع داخلي وأزمة دائمة.
رُبينا منذ صغرنا, على قيم تعطي للدين مكانة مقدسة في نفوسنا, ولتمسكنا بتراث أهل البيت, عليهم وألهم أفضل الصلوات, صار المذهب, لا يقل أهمية, وملتصقا بالدين, وواجهة له.. وعندما كبرنا, وتلاصقا مع ما سبق, فهمنا ما هو معنى الوطن, لكننا فهمنا الوطنية بشكل خاطئ, وزرعت في دخالنا أفكار وعقائد أخرى, كالقومية والعشائرية والمناطقية, وغيرها كثير.
تمزقت عندنا الوطنية, بين ما كان يحاول الحكم البعثي زرعه في الأجيال, من خلال سياساته لغسل الأدمغة, وبين ما نراه من قتال وجهاد ومعارضة,  لهذا النظام القمعي المستبد.
تمزق عندنا مفهوم التدين, بين ما كنا نراه ونقدسه, من حياة زهد وبساطة وعرفان, لرجال الدين وطلبته, وبين ما كان يحاول, بعض أدعياء التدين, من عملاء النظام ورجالاته المزيفين فعله, لتقديم صورة مشوهة عن التدين.
صارت عندنا أزمة هوية, عندما ربط الإعلام الموجه, وبكل ثقله وحملاته المستمرة, بين الدين والتخلف, والعلمنة  والحداثة.. فلا نحن صرنا من أهل الحداثة والتمدن, ولا بقينا على تديننا, فصرنا نتحدث بالعلمانية ونتشدق بها, ونحن متخلفين في أفعالنا.
صار عندنا التدين مخالفا للوطنية, والحداثة تعني الإنفلات, والرقي بابا للتفسخ, فضاعت قيمنا وضاع كثير منا معها.. وكل ذلك مرتبط بضخ فكري وإعلامي ممنهج, ونماذج سيئة, أفقدت بعض قيمنا كل معانيها السامية.
صرنا لانعرف هل نحن مسلمون, أم شيعة وسنة, وهل نحن عراقيون أم عرب, هل نحن مدنيون حداثيون أم نحن تراثيون أصيلون؟
ماهي هويتنا الحقيقية, وما هي ملامحها, في وسط كل هذا التوصيف المتقاطع متداخل؟!
وهل هو توصيف متقاطع أصلا؟! هل هذا يعني أني, لا يمكن أن أكون, مسلما عربيا عراقيا, شيعا مدنيا أصيلا؟!
ما الذي يمنع ذلك؟



24
ألا يستحق شهداؤنا أن نقول لهم شكرا؟
المهندس زيد شحاثة
لا يمكن أن نجد, فئة من الناس, يمكن أن تنال تكريما ومكانة عالية, كما ينالها الشهداء, فلا يفوقهم إلا الأنبياء وأوصيائهم.. هذه المكانة العالية, في التقييم عند الخالق, يفترض أن توازيها, مكانة عالية لدى الأمم.
رغم أن معظم الأمم وعلى مر تاريخها, قدمت تضحيات جسيمة, وعددا من الشهداء مما لا يستهان به, إلا أن أمتنا الوحيدة, هي التي أستمرت تضحياتها وستبقى, في دور يبدو أنه قد كتب لنا, بأن نقيم دولة العدل الألهي, على أرضنا الطيبة المعطاء.
بغض النظر, عن توصيفات ومقاييس الشهادة, ومن يمكن إعتبارهم شهداء, إلا أن غالب شهدائنا, كانوا ممن إختار هذا الطريق بإرادته, رغم ظروفهم الصعبة, وإلتزاماتهم المجهدة, وشباب معظمهم.. وتخلوا عن كل ذلك, تلبية لواجب وطني, أو نداء مقدس.
أختير تاريخ حادثة تفجير النجف الأشرف الدامي, في الأول من رجب, عندما أستشهد العشرات من الأبرياء, يتقدمهم الراحل محمد باقر الحكيم, ليكون يوما, للإحتفاء بالشهيد العراقي, وهو أقل شيء يمكن تقديمه لهم.. تخصيص يوم لإستذكارهم.
في دول عدة, يكون للشهداء, بل وللمقاتلين القدامى, حقوق كبيرة, بأن ترعى أسرهم, ورواتب تحفظ كرامة عوائلهم, ومقاعد دراسية لأبناهم, وتوفير سكن مناسب, أو لنختصرها بأن توفر لهم حياة كريمة, وحسب وضع الدولة وأهمية التضحية.. لكن هل هذا يكفي؟!
هل يكفي مثلا توفير دراسة وراتب, لطفلة فقدت أبوها, فلا تجده إلى جانبها, يوم تخرجها أو يوم عرسها؟!
هل هذا يكفي, لأم فقدت أبنها أو زوجها, وبقيت تصارع الدنيا, وتربي أسرتها وحدها؟! أو لأب كان يمني نفسه, بأبن يراعاه في شيخوخته, فانقلب الأمر وصار هو يرعى أيتام شهيده؟!
ألا يجب وفوق تقديم كل ما يمكن تقديمه وأكثر, أن نبقى دوما نقول لهم ولأسرهم, شكرا وألف شكر؟!
هل تخصيص يوم للشهيد العراقي, والإحتفاء به إعلاميا, وإقامة الندوات والمهرجانات لتكريمهم, كثير عليهم؟!
إن كان يستحق, فلما هذا التعتيم الإعلامي عليه؟! ولما لا يدري معظمنا أن هناك يوما للشهيد العراقي؟ هل الشهيد العراقي أقل شانا من غيره؟ أم أن شهادته منقوصة؟! أم أن الشهادة صارت عندنا حدثا عاديا؟! أي أحمق يقول ذلك؟!
هل أن وجود أسم محمد باقر الحكيم, في شهداء هذا اليوم, سبب لهذا التعتيم؟ رغم إعتدال الرجل ووسطيته, ومقبوليته العالية لدى مختلف الإتجاهات السياسية, وتضحياته الجسيمة التي قدمها هو وأسرته.. ولنتنزل ونقر بوجود خلاف للأخرين معه, فهل هذا سبب يكفي للتعتيم على مناسبة كهذه, تخص كل شهداء العراق؟!
هل التنافس السياسي, بل الحقد هو الوصف الأفضل, هو سبب كل ذلك؟ ألا يوجد شهداء شيوعيون؟ مدنيون ليبراليون؟ من أحزابكم, يا من تمسكون بالسلطة؟!
تعسا لحكومة وأحزاب, تتنكر لتضحيات أبنائها

25
هل يوجد لدينا مثل هؤلاء العظماء؟
المهندس زيد شحاثة
ليس من قبيل الصدفة, أن يتم تغييب قادة الأمم, عندما يتم اغتيالهم أو اختطافهم.. صحيح أن الموت مسالة قدريّة حتمية, لكن توقيتها وأسبابها لا تخلوا من تدخلات بشرية, لأهداف دنيوية, ومصالح خاصة.
تقاس خسارة مثل هؤلاء القادة بمقدار, تأثيرهم في المجتمع والأمة, وقدرتهم على تحويل مسار الأمم, وربما دورهم المفصلي في حياة تلك الأمة.
يخدع نفسه, أو هو أحمق سطحي, من يظن أن أمتنا, لم تنجح في انجاب قادة عظماء, كان لهم الأثر الأكبر, صنع مصير هذه الأمة.. وكانت لهم مواقف عظيمة وتضحيات جسيمة.. ومن يصدق أننا أمة لا تصلح للقيادة, بل ولا حتى لقيادة نفسها, هو مخدوع يصدق, ما يريده الأخرون أن يصدقه عن نفسه.
عندما أغتيل السيد محمد باقر الحكيم, في يوم الجمعة الدامية, وراح معه العشرات من الأبرياء, ورغم وجود من يختلف معه في التوجهات والأفكار وخصوم سياسيين, لكنهم أجمعوا على عظم الخسارة, وفداحة الخطب, ليس لأنه كان زعيما مهما, أو يمثل جهة سياسية, لها جمهور كبير, أو موقعه في المرجعية الدينية فحسب.. لكن لأنه كان الوحيد حينها, الذي يمكن أن يجمع مختلف الفرقاء السياسيين وغيرهم, على طاولة واحدة, ويمكن أن يوحد العراقيين حوله.
كانت تلك المقبولية التي لديه, ووسطيته رغم وضوح مشروعه الإسلامي, هي أهم أسباب إستهدافه.. فالأخرون من أصحاب الأجندات والمشاريع, كانت لديهم خطط أخرى للعراق, ولازالت لديهم أهداف لم تتحقق بعد, وليست القضية بهذه البساطة  أو السهولة.
رغم كل عيوب العلمية السياسية, بنيوية كانت أو شكلية, لكنها لازالت قابلة للإصلاح, لكنها بحاجة لقادة من طراز محمد باقر الحكيم, يمتلكون من الحكمة ما كان يملكه, ويفهمون قيمة حفظ الدماء, لانهم دفعوا منها الشيء الكثير, من أقرب أهليهم وأحبتهم, و يعرفون قيمة الوطن, لأنهم تغربوا عنه كثيرا, وقدموا له أغلى ما يملكون.
هل تظنون أننا الأن, نملك قادة  من هذا الطراز, وبمثل تلك المواصفات؟
نحن أمة ولادة, ولا نخلوا من عظماء.. فقط دققوا النظر.. فربما.

26
عندما يخير الإنسان بين السلة  والذلة
المهندس زيد شحاثة
عندما كنت طفلا صغيرا, مقر ولادتي وسكني, في مركز مدينة النجف الأشرف القديمة, حيث مسكن كثير من العوائل الدينية, وكانت منطقتنا قريبة من مرقد الإمام علي أبن أبي طالب, عليه وأله أفضل الصلوات, كانت الشوارع تعج بطلبة العلوم الدينية, فربطتنا بهم صلات الصداقة والنسب أحيانا, بحكم التجاور والمعرفة الحميمية.
تغير كل ذلك, بعد أن إغتصب البعثيون الحكم في العراق, وصارت الحوزة العلمية وطلبتها, عدوهم الأول, فأستهدفوا بيوتاتها المعروفة بالعلم, كأل الحكيم وأل الصدر وأل بحر العلوم, وأل ياسين وغيرهم كثير.. ولم يسلم منهم حتى البيوتات التي أشتهرت بتعاطي الشعر والأدب فقط.
بحكم عمري الفتي, لم أكن أستوعب الصورة الكاملة للوضع, لكني كنت ألتقط بعض المفاهيم, وأختزنها في ذاكرتي كأي طفل, وأحتفظ بتساؤلاتي في أعماقي, لما عشناه من رعب في تلك الفترة, حيث نشاهد القتل والتنكيل, والإعتقال, لعوائل بأكملها, لا لذنب سوى أنها عوائل علمائية؟!
بحكم قرب أل الحكيم, من منطقتنا, ووجود تواصل وعلاقة, كنت وأنا صغير, أسمع عن ما جرى عليهم من تنكيل, وإعتقال لأغلب رجال الأسرة, بل ولبعض أولادهم, ممن كنت ألعب معهم.. ولم أفهم السبب حينها, فهؤلاء صبية, كيف يمكن أن يكونوا معارضين للدولة؟! وما هو تأمرهم؟ وكيف قبِل محمد باقر الحكيم, وكما سمعت حينها أنه "معارض" وهو وصف لم أفهم معناه حينها.. لم أفهم كيف قبل أن يعدم أهله, ويشرد من بقي منهم في البلدان؟!
كان سؤالا عصي الفهم علي حينها, فلم أعرف أثر تسلط البعث, ولا ما كانوا يخططون له من دمار, ولا إستشراف هذا الرجل لشرور صدام وحكمه.. وحتى من كان يفهم من أخوتي الأكبر, كان يخاف أن يشرح لي, خوفا من زلات اللسان في المدرسة أو الشارع.
كبرنا وتوسعت المدارك, ووفقنا للقراءة  والإطلاع على الأمور.. فصرنا نفهم معنى الوطن والوطنية, بمفاهيم حقيقية, غير ما كان يحاول صدام ونظامه أن يغسلوا به أدمغتنا, ففهمنا معنى التضحية, في سبيل الوطن, بالغالي والنفيس, وماهو هذا  الغالي والنفيس.
رغم أن الإنسان دوما يمر بتجارب, تضعه في محل إختيار بين خيارات ربما صعبة, وفهمت حينها أهمية الحكمة في الإختيار, بين المهم والأهم.. وفهمت أيضا, وبالطريقة الصعبة, أن عملية الإختيار دوما ليست سهلة, وفيها معاناة وصراع داخلي, ولا ينجح في أختبارات الخيارات الصحيحة الكل.
تضحيات أمثال محمد باقر الحكيم وأسرته, وغيرهم من الأسر العلمية, وكل المناضلين الأبطال, لم تكن خيارات سهلة, ورغم أنها كانت في سبيل دين وطن وأمة, لكن ثمنها, كان عظيما وفادحا.
كانت خيارات بين السلة والذلة, وقد أحسنوا الإختيار.

27
هذا ما قدمته عمامتنا.. فما ذا قدم علمانييكم؟
المهندس زيد شحاثة
لا يوجد دم أغلى من غيره, وكل الناس متساوون من حيث القيمة الإنسانية, لكن تلك القيمة تختلف فيما بعد, بإختلاف الأثر الذي تركه كل واحد منهم, خلال مسيرة حياته.
منذ أن أبتلينا, بالهجمة البربرية, التي تلبست رداء, ظاهره الفكر الإسلامي المتطرف, وكانت حلقته الأخيرة داعش, ونحن لازلنا ندفع ثمنا غاليا, لدور ربما لم نختره بداية, لكننا قبلناه وتحملناه على صعوبته.
هذا الثمن الباهض, صار إختيارنا لاحقا, لعلمنا اليقيني, أنه دور رباني مقدر لنا, ولن ينهض به غيرنا لو فرض عليهم, لكننا كنا أهلا له, وها هي دمائنا تشهد لنا.
سبق صدور فتوى التسديد الألهي, ونهوض أتباع المرجعية, للدفاع عن العراق, , وكان غالبيتهم إسلامي الهوى, مرجعي العقيدة, وقلبهم موازين القوى.. سجالات شديدة, خاضها ضدهم أدعياء العلمانية, هاجموا فيه الإسلاميين, لضعفهم وخوفهم من مهاجمة, المرجعية وحوزتها صراحة, فهاجموا أذرعها والمقربين منها.. وحجتهم كان إدعائهم أن الإسلاميين, لم ينجحوا في بناء دولة, وأن العمامة أداة للتعويق, وسبب للتأخر.
رغم أن الإسلاميين كأحزاب سياسية, أرتكبوا كثيرا من الأخطاء, لكن إسقاط تلك الأخطاء, وتحميلها للحوزة وعمامتها, كان  مغالطة كبرى.. وكانت فرصة سانحة, ومحاولة من العلمانيين, لمهاجمة خصومهم الفكريين, كحوزة وتيار فكري إسلامي.
أثبتت المعارك الكبيرة, التي خاضها العراقيون, خلال تحرير أراضيهم ومدنهم, التي وقعت بيد التنظيمات الإرهابية, أن الإسلاميين وعمامة الحوزة, هي من قدمت الدماء الغالية, و هي من تحملت مسؤولية الفتوى والقرار, فيما كان غيرهم, مشغولا بملذاته وملاهيه, ويكتفي في أحسن الأحوال, بخطاب أو بيان, يغرد خارج السرب الوطني العام.
أثبتت العمامة مصداقيتها, وإنطباق أفعالها مع أقوالها, وأنها نفذت ما تدعوا الناس إليه, ولازالت تقدم الشهداء, من طلبة  العلوم والمبلغين, ومن أتباعها بالعشرات ولازالت, بما لا يحتاج لإثبات, أو شهادة عادلة.. فيما أكتفى الأخرون, بمهاجمتها وشتمها؟!
عمامتنا قد أثبتت صدق كلامها بدمائها, هل أثبت من ينتقدهم ويشتمهم, صدق ما يقوله ويدعيه؟
هذا ما قدمته عمامتنا.. فما ذا قدم علمانييكم؟





28
دعونا نرى دينكم الذي تتحدثون عنه
المهندس زيد شحاثة
يعطي العراقيون كشعب, أهمية كبرى لمعتقداتهم الدينية, وهذا طبيعي جدا, إن فهمناه بسياقه الصحيح, فارضه بلد الأديان, ومهبط الرسالات,  وفيه من مراقد الصالحين والأولياء, ما يندر إن تجده في بلد الأخر, من حيث الأهمية والعدد.. يضاف لذك, كون مقرا لعدد مهم من الحضارات القديمة, التي كانت تعطي للدين, دورا مهما في الحياة العامة.
رغم إن المعتقد والإيمان, شيء شخصي بحد ذاته, إلا أنه  يتداخل مع الأخرين, من حيث طريقة وقواعد, تعاملنا مع الأخرين كأفراد, ومع المجتمع ودورنا فيه, وهل كان لهذا الإعتقاد والإيمان, أثر في كيفية تعاطينا, مع الأمور كله, أم انه كان زيا وصورة, نسوقها لأنفسنا بما, لنخدع بها الأخرين.
هذه الفكرة, لا تنطبق على الدين فحسب, بل على الوطنية والخلق الحسن, وغيرها من الصفات.. فالفكرة تخص, مصداقية الإنسان ومشروعه العام, أو أنها للمخادعة فحسب, وصورة زائفة؟
يتسيد الساحة السياسية اليوم, كثير من الأحزاب والتيارات, التي تضع الإسلام عنوانا لها, فهل هي مصداق للسياسي المتدين برجالاتها, أم هي مصداق للنفاق والزيف والخداع؟ وكيف نحكم على ذلك ونقيمه؟
وهل قدموا فعلا مشاريع للوطن, تتماشى مع فكر الإسلام أو روحه التي يدعونها شعارا لهم؟
سؤال خطير يجب أن نفهم كيف, نحدد معايير إجابته.. فهل نطالب السياسي, أن يكون مثلا كعلي أبن أبي طالب؟! وهل هذا ممكن واقعيا؟ وإن كان هذا القياس مغلوطا, فهل يجب إن نقبل أن يكون نموذجا ليزيد والحجاج؟!
نفهم  تدين السياسي والحاكم والموظف العام, عندما تكون المصلحة العامة قبل مصلحته, وأن يؤدي واجب وظيفته, مقابل ما يأخذ من أجر, أن أكون أنا المواطن البسيط, نصب عينيه, يرى ما أحتاج ويعمل لجعل حياتي أفضل.
ربما يشكل البعض دخول بعض رجال الدين معترك السياسية, بل ويهاجمون تدخل المرجعية, في الشأن العام, وهو نقد قاصر الفهم, ضعيف المطلب.. فلا يوجد مانع منطقي, نعم لا يصح إستخدام الدين لأغراض سياسية, لكن أثبتت التجارب, إن هؤلاء يملكون قدرات قد تفوق غيرهم, وقدم بعضهم, ما لم يقدمه الأخرون مجتمعين.
التدين العبادي, شأن بين الإنسان وربه, لكن التدين الحقيقي, هو ما يقدمه هؤلاء لمواطنيهم, من أعمال ومشاريع., وأما غير ذلك.. فهو كلام فارغ.
فدعونا نرى دينكم الذي تتحدثون عنه



29
مقاتلات من الزمن الصعب
المهندس زيد شحاثة
يحتفظ الإنسان دوما بذكريات كثيرة, تبقى راسخة في ذهنه فلا تنسى, برغم مرور السنين, وكثرة الأحداث اللاحقة, وتعقيدات الحياة, خصوصا تلك المتعلقة بسنوات حياته الأولى, والتي ترتبط بوالديه وعلاقته معهما.
كثيرة هي اللحظات التي, تبقى دوما وكأنها, لقطات من شريط سينمائي يعرض, وكأنما الحدث تعيشه الأن, وليس قبل عشرة أو عشرين سنة, ولن تستطيع حينها, أن تمنع إبتسامة, تقفز على شفتيك, أو حسرة تخرج من أعماق قلبك, متمنيا لو عادت تلك الأوقات الجميلة, حيث لا مسؤولية ولا هموم, فهناك من يكفيك عنها.. والديك.
لأننا كنا أسرة كبيرة, كانت والدتي أطال ربي عمرها بكل خير وعافية, تبذل جهدا كبيرا, لتقوم برعايتنا, ورغم أن لدي أختا, كانت تعينها بما يسمح به عمرها, فحينها كان صبية في الثانية عشرة, وكانت ترعانا نحن إخوتها الأصغر منها, لكني لن أنسى مثلا, منظرها وهي تضع بين يديها, قدرا كبيرا, لتصنع لنا " الكبة" وهي تغالب النعاس, فتتوقف في نصف عملها, لتنام لربع ساعة, ثم تقوم لتكمل عملها.
 كنت أتعجب من قدرتها وساعتها البيولوجية الزمنية, فهي كانت تأتي لتوقظني من النوم لكي أذهب لمدرستي, قبل السابعة بقليل, وكانت قبلها قد أيقظت أخي, في الثالثة صباح, والأخر في الرابعة والنصف, والأخر في الخامسة, والأخر ليلتحق بعمله في محافظة أخرى في السادسة, كل ذلك.. دون ساعة توقيت وبين كل تلك المراحل الماراثونية, كان الكل يجد فطوره جاهزا, وتعود هي لتستكمل أعمالها البيتية!
لم تستطع أن تكمل دراستها, وبالكاد " تفك الخط" كما يقال, لكنها علمتنا, ما هو الحرام, وفرقه عن العيب, وكيف نكون متماسكين, كيف نكون عطوفين على بعضنا والأخرين, كراما على قلة ذات اليد.. كيف نتعامل مع المجتمع, كيف نتسامح.. كانت مدرسة صامته.
في يوم ما, وعندما كنت طالبا في الكلية, حيث العنفوان, وكنت عصبي الطبع, خرجت مني كلمات عدم رضا, عن ما هيئته أمي, لي من طعام ومتاع أخذه معي, حيث كنت أدرس في محافظة أخرى, كانت كلمة خشنة.. سكتت أمي ولم تجبني بحرف واحد, لكن  دموعها نزلت.. أدرت وجهي وخرجت, مشيت خمسة خطوات فقط.. لم أستطع, أن أكمل, عدت لها, قبلت يديها, وأحتضنتها, فأبتسمت باكية.. فبكيت بحضنها, قالت لي بلهجتها النجفية المحببة " روح قلبي وربي راضين عنك" ولكم أن تتصورا, إنهار كل الكبرياء, وعنفوان الشباب الأحمق, قبلت يديها, وأنا أذوب خجلا وتصاغرا, أمام عظمة عاطفتها ورقتها وأمومتها.
اليوم وبعد أن تجاوزت السبعين من العمر, وهي بالكاد تمشي للوضوء أو للضرورات, وتقضي معظم وقتها, بين سماع الأدعية المعروفة, أو المراثي الحسينية.. لكنها صامدة كمقاتلة, تعرف أن مهمتها أكتملت, لكنها تأبى أن ترمي سلاحها.. فوجودها بين ظهرانينا, هو بركة ومهمة بحد ذاتها.
مقاتلة صارعت صروف الدهر, وأسوء إمتحاناته.. مقاتلة من الزمن الصعب, لن يسهل تكرارها مرة أخرى.

30
الخور وحقوقنا والأخرين.. وزعيق الفارغين
المهندس زيد شحاثة
إعتاد العراقيون بين فترة وأخرى, على بروز قضية تشغلهم, وتكون فرصة لبيان رأيهم السياسي وتنظيراتهم .. لمن لديه إلمام الموضوع, وهو مختص بها,  ولمن لا يعرف شيئا كذلك, ويسبقهم طبعا بعض نوابهم الجهابذة.
ما يجمع عليه الغالبية, هو ترك أصل الموضوع, وأسبابه وكيفية معالجته, والتفرغ لإتهام هذه الجهة أو تلك, بأنها هي السبب في حصول القضية, وهي من سببت ضياع حقوق العراق, وتربط كل القضايا السابقة واللاحقة بها, إلى درجة تجعلها ربما, وكأنها كانت السبب في سقوط الخلافة الإسلامية؟!
من خلال ما نشر, من معنيين في قضية الحدود الملاحية والخور, يتضح أن القضية, شائكة جدا.. فهي تتعلق بقرارات مجلس الأمن, وترسيم الحدود, وفيها تفاصيل فنية بحرية, وأثار إقتصادية وتجارية, مستقبلية واسعة وبعيدة المدى.
الوثائق المثبتة, أكدت أن حكم صدام وبعثه اللعين, قدموا تنازلات كبيرة لدول الجوار, للحفاظ على حكمهم, وأن تلك التنازلات, وثقت بقرارات لمجس الأمن, وصدرت فيها قرارات من الأمم المتحدة, تتخذ شكل الإلزام لنا كدولة, و أن حكم صدام, أضاع مساحات ليست بالهينة من العراق, وان تلك الأراضي ليست صحاري عادية, بل هي جزء من منفذنا البحري الوحيد,  ورئتنا الإقتصادية الأهم.
وحمل بعض المراقبين والمختصين, الحكومة والبرلمان السابقين, مسؤولية إقرار إتفاقيات تنفيذية لتلك القرارات, مع دولة الكويت, برعاية أممية, قيل أنها كانت جائرة.. وعند عرض إتفاقية جديدة فنية , وكما نقل بانها تحصيل حاصل, ثارت ثائرة بعض ساستنا, ممن عرفوا بزعيقهم المستمر, على أي قضية كانت, وكأن لاوجود لهم ولا قيمة, إلا بالصراخ والمشاكل!
صراخهم وإتهاماتهم, لم تكن لأجل إسترجاع تلك الحقوق المغتصبة, بل كان فقط لإتهام جهات وشخصيات, لأغراض تافهة ودنيئة, تتعلق بقرب موعد إنتخابات محتملة.. وتابعهم على ذلك جمهور لم يفهم, حقيقة المشكلة وماهي الحلول الواجبة, أو الخطوات المطلوبة, ومن هي الجهة التي يجب أن تنفذها, وما هو دوره كمواطن, فأكتفى بالسب والشتم والتخوين.. وكل يرى عدوه أمامه.
الضياع لبعض أرض العراق وحقوقه, قد حصل فعلا, وإستعادتها يتطلب خطوات وقرارات هادئة, لا علاقة بها بما يجري من تهريج وتسقيط.. خطوات بعضها سياسي, و أخرى قانونية وتجارية, وتحركات دولية وإقليمية.. هذا دور يفترض أن تقوم به حكومتنا, وبكل حكمة فنحن في حالة حرب, ولسنا بحاجة لخصم إضافي, وخصوصا مع دولة كالكويت, والتي ورغم ما حصل من نظام صدام, لازالت مواقفها إيجابية.
يصح القول, أن صدام هو من أسس ومهد, لضياع تلك الأراض والحقوق, وكذلك بأن الحكومة السابقة, كان يمكن لها أن تماطل في إقرار تلك الإتفاقيات, كما هو متاح لحكومتنا الحالية أيضا, فهي ليست من الأمور التي تتوقف عليها الحياة؟!
إن كانت لنا حقوق لدى الأخرين, يجب العمل على إستعادتها وبهدوء, والتهريج والسب والشتم والتخوين, لن يعيد حقوقنا.. فلا تنخدعوا بالزعيق.


31
القوّاد.. والسيد المسؤول
المهندس زيد شحاثة
قد يتبادر إلى الذهن عند التحدث عن  " القواد", بأنها جمع لمفردة "قائد", وهذا صحيح من وجهة نظر لغوية.. لكن ما يقصد هنا, هو تلك المهنة المعروفة لدى عامة الناس.
يقول أهل اللغة, ان القوادة, تعني أو تصف, مهنة من يسعى بين رجل وإمرأة للفجور, أو يسهل تلك العملية.. وهي مهنة كانت ولازالت مشهورة, وتمارس بكثرة.. بل وأن بعض الدول تقننها, فتضع لها أنظمة وقوانين, وتتعامل معها كمهنة عادية, وتفرض ربما عليها الضرائب, وتوضع لممارسيها الشروط, ويمنحون إجازة لممارسة مهنتهم, حالهم حال أي مهنة أخرى؟!
بدأ هذا المصطلح "القوادة" يتوسع, من حيث المداليل والمقاصد والإستخدام, ولو بشكل عرفي وشعبي, بين عامة الناس, فصار يستخدم للإشارة به, لمن يقدم خدمات غير شرعية أو قانونية, حتى لو كانت مختلفة عن الإستخدام الأصلي لها.. لكنها تشترك معها في عدم شرعيتها.
يستخدم أحيانا مصطلح " قوادة الفقراء", ليصف مجموعة من البشر, ممن يستفيدون من الأموال والمساعدات المخصصة للفقراء والمحتاجين, من خلال إدعاء تمثيلهم, والسعي لمساعدتهم وتقديم العون لهم, لكنهم يثرون بسرقة تلك الأموال والمساعدات, لحسابهم الخاص.
لا يمكن لعاقل أن يصدق, أن كل هذا الكم من الفساد والفشل, الذي حصل كان نتيجة لفعل المسؤول الفاسد أو الفاشل بمفرده.. فتنوع الفساد وخطورته, وحجمه الهائل من حيث المال المسروق والمضيع, يوكد وجود شبكة, وإن كانت غير متفق عليها من حيث التشكيل, لكنها متعاونة من حيث الأهداف.
كيف يمكن لمسؤول أو صاحب منصب, أن يسرق أو يستغل المال العام؟
من يعرف شيئا ولو قليلا, عن ألية العمل الحكومي, يعرف تماما, أن السرقة ليست بالأمر الهين والسهل, وتحتاج لتعاون أكثر من شخص وجهة.. بعضهم كبار بمناصبهم يصدرون الأوامر, وبعضهم متنفذون في جهات سياسية, يوفرون الدعم  والتغطية والحماية المعنوية.. لكن فيهم أخرون, صغار من حيث الموقع والدرجة الوظيفية.. وربما بعض هؤلاء الصغار, ينتفعون من الفتات الذي يلقى لهم.
بعض من هؤلاء الصغار, يسرقون بأسم المسؤول, فيستخدمون أسمه ومنصبه.. لكن هذا لا يعفي المسؤول من الملامة, فهو من جاء بهؤلاء, وسكت وتغاضى عن هكذا نماذج.
كل هذه النماذج من أعوان الفاسدين, من المتسلقين والوصوليين, واللصوص الصغار, يمكن وصفهم, بأنهم  "قواد للسيد المسؤول", رضوا بهذا الوصف أم لا.. فهم يمارسون "القوادة" فعلا لمصلحته.
"القواد" بمعناه الأصلي مهنته محددة الأفعال, وربما تضر شخصين, طلبا للمال.. لكن هؤلاء القوادين الجدد, يسرقون شعبا, ويهدمون وطنا بأكمله.

32
عندما تصبح الحقوق الأصيلة.. منحة ومنة
المهندس زيد شحاثة
في أحد الأيام, وعندما كنت في موقع مسؤولية, بالكاد يمكن تسميته منصبا, حضر أحد الموظفين, وكنت قد أنجزت له قضية, عادت عليه بمكافأة مالية بسيطة.. بقي هذا الرجل  يشكر ويثني على جهودي الخيرة.. ورغم إني كررت عليه, أنني لم أؤدي إلا عملي, وأن ما حصل عليه, هو حقه فقط, إلا أن أنه بقي يحمدني ويشكرني على " فضلي العظيم" عليه.
عندما خرج الرجل, بقيت منزعجا جدا, رغم أني لم أظهر ذلك له, وأكتفيت بالإبتسام فقط, لكن ما ضايقني حقا, قناعته المطلقة, أن ما حصل عليه, هو فضل مني ومنة؟!
قناعة خطيرة, ومنهج كارثي, أن تتحول الحقوق الأصيلة, الى منحة ومنة من المسؤول.. وهي ثقافة  بعثية بإمتياز, فهم من أشاع فكرة, المكارم السخية للقائد الأوحد, وتبعهم على ذلك, بعض أشباه المسؤولين, في هذه الأيام.. فقلدوا البعثيين وإن لم ينتموا.
هناك خدمات وحقوق, تقدمها الدولة لمواطنيها, لتسيير حياتهم, وتحسين ظروفهم المعيشية, أو لزيادة رفاهيتهم, بطريقة تراها مناسبة, ومن المال العام.. ورغم أنها منح, لكن لا يجوز المن بها.. فهي ليست من جيب السيد المسؤول, مهما علا منصبه.. وهذا لا يعني أن من يمنح من جيبه للأخرين شيئا, يليق به أو يصح منه, أن يمن بما منح.
المشكلة الأكبر في الموضوع, ليست في منة السيد المسؤول, بل تتعلق بقبول الأخر, أن حقه الذي أكتسبه بحكم, إنسانيته ومواطنته, هو منحة ويجب أن يقدم الشكر  عليها, وربما فروض الطاعة؟!
هل يمكن أن نصدق ونقبل, أن هناك من يقدم الشكر لمسؤوليه, لأنهم منحوه راتبه الذي, أخذه لقاء ما قدم من عمل؟!
أي تنازل سنقدمه, عن إنسانيتنا وحقوق مواطنتنا, بعد ذلك؟!
ربما يجب ان نسال أنفسنا بعدها, إن كان يجب أن نشكر السيد المسؤول, عن الهواء الذي نتنفسه؟!

33
متى ترتوي هذه  الأرض من الدماء؟
المهندس زيد شحاثة
يعرف من قرأ شيئا من التاريخ, كم مر على أرض العراق, من محن وظروف صعبة, وكم سالت عليها من دماء.
نشأت في العراق, حضارات كثيرة, وقامت دول في حينها, يمكن أن توصف بأنها عظمى, و جرت معارك كبيرة غيرت مجرى التاريخ, ليس للعراق فحسب, ولكن للعالم بأسره.. ولأسباب وأهداف مختلفة.
ما يجمع كل تلك الأحداث, هو الكم الهائل من الدماء التي سالت, والعدد المهول من الأرواح التي أزهقت.. غالبها أبناء تلك الأرض, التي حبيت بكثير من الخيرات والنعم, مما لا يمكن أن تجدها مجتمعة في أي بلد اخر.
بعض تلك المعارك والمواقف, كانت لضرورات دينية ووطنية, وأخرى كانت تضحيات عبثية لنزوات حكام طواغيت, وانظمة دكتاتورية, فيما كان بعضها الأخر, لوقوع البلد, في وسط معركة لا ناقة له فيها ولا جمل, كونه يقع بين دولتين أو حكمين متحاربين.
تكررت تلك المأسي, حتى أعتاد العراقيون حالة الموت, وصعوبة الحياة, وصاروا يستغربون إن مرت بهم فترات هادئة, فلا قتال ولا موت ولا دمار.. لكن هذا حال مصطنع, فحتى القتال والجهاد, يجب أن يكون طلبا للحياة الأمنة.. وعندما لا يكون هناك خيار أخر غيره.. فهل فعلا لا يوجد خيار غير القتال؟!
مهما طالت المعارك والصراعات, ستنتهي بصلح وسلام يوما ما.. ومن الواضح أن السلام لن يكون مجانيا, وسيحصل على شكل تنازلات متبادلة, وقبول بحلول وسط, تحقق شيئا ما لكل الأطراف.
إعتدنا في العراق, على وجوه تعيش على المشاكل والصراخ, وتصب الزيت على النيران, وتحاول أن تديم الأزمات, وتطيل أمدها لأقصى وقت ممكن, لأن وجودهم مرتبط بها.. فلا إنجازات لديهم, ولا مشاريع لمستقبل البلد, ولا يمكنهم تقديم أي شيء.. فارغون إلا من نفس طائفي يسعى للفتنة, يطلبون كرسيا للحكم, أو منصبا تافها, ولو بأي ثمن كان.
اما أن لهذه الأرض ان ترتوي من دمائنا؟ أما أن لنا أن نتفاهم ونتوقف عن الموت لأجل الموت فحسب؟!
هل التنازل عن أشياء, أو التراجع عن مواقف, أو منح سلطات, او إعطاء حقوق معقولة, لنحقق سلامنا الداخلي.. هو خيار صعب؟ وتلك الدماء؟!
الشهادة في سبيل دين ووطن ومال.. خيار الأبطال, لكن أن تبقى تلك الخيارات مفتوحة إلى الأبد ومستمرة, لأسباب سياسية, او طلبا للسلطة.. هو العبث بعينه, أليس كذلك؟



34
هل نحن نعيش بمنطق المختصر المفيد؟!
المهندس زيد شحاثة
لي زميل وهو صديق قديم أيضا, نعمل بنفس الموقع, وهو يكاد يماثلني في العمر والشهادة.. كنا نتحدث يوما, عن موضوع ما, ولعله كما أذكر كان يخص, أعمال الترميم الجارية في منزله, وكان يصف لي ما كان يعانيه من العمال, من تأخير وعدم دقة في إداء العمل المطلوب, رغم أنه كان يدفع لهم أجورهم وزيادة.
يميل صديقي هذا, في كلامه ووصفه للأمور, للتحدث بطريقة الكوميديا الساخرة, التي كان يستخدمها, لبيان مرارة ما يعانيه.. ومن جملة ما قاله لي واصفا حاله, أن أحد الأسطوات, أكمل له عمله بطريقة " المختصر المفيد".. عندما نطق بتلك الجملة, وكنت قد فهمت, من سياق حديثه ما يقصد, بحصول تقصير فاضح, فيما كان الشخص المعني, مقتنعا أنه قد أدى عملا مفيدا.
لم أستطع ان اتمالك نفسي, من ان أغرق في الضحك.. ضحك كان اقرب للحسرات.. فقد كان وصفا طريفا جدا, ومؤلما بنفس الوقت, فلا يمكن لي حقا, أن افهم كيف, يمكن أن  إنسانا يرتكب الخطأ ويغش ويخون الأمانة.. يبرر لنفسه ويقنعها أنه يفعل الصواب؟!
حالة هذا الأسطى الذي وصفها لي صديقي, ليست فريدة, بل ويمكن إعتبارها بسيطة جدا, إن قايسناها مع مقدار الضرر الحاصل, وحجم المسؤولية, وأثرها في حياة الاخرين.. فكم عايشنا وشاهدنا عيانا, مسؤولين كبارا وصغارا وما بينهما, يرتكبون الأخطاء العظيمة, والتجاوزات الكبيرة, على المال العام, ويخرقون القانون.. ولا يكتفون بذلك, بل ويخطبون فينا, عن النزاهة والشرف.. فعن أي نزاهة وشرف يتحدثون؟!
من المتوقع من كل إنسان  يستأجر لعمل ما, أن يؤدي العمل حقه, وينفذ ما يطلب منه, وحسب رغبة المؤجر.. وقد تحصل أخطاء نتيجة لسهو, او غفلة او قلبة خبرة, فيتم تصحيحها أو في الأقل الإعتذار عنها, لكن أن يقوم المخطئ, بالتفاخر بخطأه على انه قمة الصواب والعمل الصحيح؟!
ولتكون الصورة واقعية في المحاسبة والمقايسة, فكلنا شركاء في شيوع منطق " المختصر المفيد" هذه, فمن منا لا يخالف القانون والمنطق, بعمله أو سيره في الشارع, أو رمي نفاياته, أو حفظ حقوق الاخرين, وغيرها كثير من تفاصيل حياتنا, وكلنا يشتم الفساد والفاسدين, ويسبهم حتى أواخر أجدادهم,.. فهل صار هذا المنطق مقبولا؟!
من الثابت أن الباري لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم, ومن المنطقي القول, أن فاقد الشيء لا يعطيه, فكيف يحق لنا أن نحاسب الفاسدين, ونحن شركائهم إن لم نكن منهم؟
صحيح أن فسادنا بسيط وصغير ربما, وأن هناك حيتانا للفساد.. لكن الفساد هو الفساد, والتلال تكونت من حبات رمل صغيرة, وأن الحيتان كانت يوما ما سمكة صغيرة.

35
ولكن هلا أثبتم أنكم عراقيون ؟!
المهندس زيد شحاثة
تنص معظم دساتير العالم, أو ما يقوم محلها, من أعراف دستورية , أو نظم تأسيسية, على فقرة تخصص تحديدا, بأن من يتولى شأنا عاما, أو دورا في السلطات, في تلك الدولة, يجب أن يكون من حملة جنسيتها حصرا.
هكذا نصوص تمثل إطارا عاما للموضوع.. لكن روح هذا النص, تستهدف أن تحمي هذا المكلف بالشأن العام, من تنازع الولاءات, إن حمل أكثر من جنسية بلد.
عملية إثبات الولاء للوطن, وليكون الوصف واقعيا, لا يمكن أن تحددها وثيقة, أو ورقة وصفة, تطلق على الشخص, تمنح بقرار من حاكم, أو جهة رسمية.. لكن تحديد إكتساب الجنسية, للمواطن ببلد واحد, يضع إطارا قانونيا للحالة, وبشكل ضمني ربما أكثر أهمية, يضع  تصورا ذهنيا وإيحائا للمجتمع, أن من يخدم بوظيفة عامة, يجب أن يكون عراقيا, بالهوية والولاء.
رغم أن مشروعا لهكذا قانون, تم تقديمه من فترة ليست بالقصيرة, لكنه لم يعرض لإقراره, ويبدو أنه لن يعرض قريبا, وربما سيطويه النسيان.. رغم أن الدستور العراقي, نص صراحة, على تحديد جنسية من يتولى مسؤولية الرئاسات الثلاث, لكن بقية السلطات, بقيت مسكوتا عنها.. وبعضها ربما أكثر أهمية وأشد أثرا, من حيث الصلاحيات والسلطات, رغم أن ظاهرها يوحي, بصغرها وظيفيا عن تلك السلطات.
التجارب المريرة التي, رافقت حوادث كشف فساد كبيرة, وهروب مرتكبيها, متحصنين بجنسيتهم الأخرى, وتمتعهم بحماية تلك الدولة, وسكوت حكومتنا عن المطالبة بتسليمهم, رغم أن ما سيتم إسترداده, من أموال مسروقة, ربما سيحل أزمتنا الإقتصادية, وقد يكفي لإعمار البلد, فمن يعرف كم سرق أمثال هؤلاء؟!.. جعل هذا الموضوع مهما جدا.
في مقال جميل, للكاتب المعروف, السيد قاسم العجرش, عند تناوله الموضوع, يرى أن من سيقر هكذا قانون, من الطبقة السياسية ونواب الشعب , كثير منهم يحمل جنسيتين او أكثر, وبالتالي سيتركون القانون كما هو في أدراجهم.. وأن الحل البديل, هو بإبدال طبقتنا السياسية.
هل هذا هو الحل الوحيد؟! ومن المسؤول عن تنفيذه؟! نحن كناخبين, أم ننتظر أمريكا مثلا, لتزيحهم بإحتلال جديد؟! وهل هناك إحتمال أن ينجح الموجودون حاليا, في إثبات أنهم عراقيون بالجنسية والولاء حقا؟!


36
عندما يتم الإجابة قبل فهم الأسئلة
المهندس زيد شحاثة
تختلف الشعوب, في طباعها وعاداتها الاجتماعية, وتختلف أكثر في مستواها الثقافي, ويرتبط بكل هذا, ردود أفعالها, على مختلف القضايا والمواقف التي, تتعرض لها, وتمر بها.
بعض من الشعوب, تكون إستجابتها, بناء على دعوة من منظمات إجتماعية, وأحزاب سياسية, ولا يشترط أن تكون من أتباع تلك الأحزاب, ومؤيدة لسياساتها, لكن لقناعتها بما طرحته من رأي او فكرة, حول تلك القضية, تتفاعل مع الرأي المطروح وتؤيده.
شعوب أخرى, تستجيب بشكل عاطفي وتتفاعل, مع القضايا, بشكل أني إعتمادا, على ما تنجح جهات في تسويقه, من وجهات نظر وتفاسير, بغض النظر عن مدى قربها من الحقيقة, أو مدى فائدتها, وأهميتها للمواطن نفسه.
هذه التفاعلات الجماهيرية, تعود للفرد  نفسه, فان كان تجاوبه مع القضايا, متأنيا معتمدا على تحليل وفهم ولو بحدود مقبولة, فستكون الإستجابة الجماهيرية عقلانية ومنطقية.. وإن كان رد فعل الفرد, إنفعاليا عاطفيا, كانت الإستجابة الجماهيرية, نتيجة حتمية ومطابقة لهذا النموذج.
يشكل البسطاء, غالبية شعبنا.. يضاف لتلك البساطة, عاطفية طاغية, وإنخفاض المستوى الثقافي, نتيجة لتجهيل متعمد, مارسه نظام البعث المقبور, والضغوطات النفسية والإجتماعية والمعيشية التي عاناها المواطن, مما سبب تراكم الغضب, والشعور بالظلم الفاحش.. كل هذا سهل, التلاعب بالرأي العام, وإصطناع صورة ومواقف, من أي قضية, قبل فهمها أو معرفة ماهو الموقف اللازم, لضمان الحقوق والمصالح.
تعرضت مبادرة التسوية الوطنية, لهجمة إعلامية ومن على مواقع التواصل الإجتماعي, وحتى قبل أن تعلن تفاصيلها أو ماهيتها, وما تحتويه من أفكار وأهداف.. وبعيدا عن الدفاع عنها أو إنتقادها, فمن الواضح أن هناك من يهاجمها سرا, وهو يؤيدها علنا, في نفاق سياسي, ليس جديدا, وانساق مع هذا الموقف العشرات, فخونت جهات وشتمت, دون تفهم بل ودون إطلاع على الموضوع.. كما كان هناك مؤيدون يدافعون عنها, وبنفس الأسلوب ربما.
بعيدا عن المثاليات والكلام الإنشائي, فإن حكمنا على الأشياء, يجب أن يكون مبنيا على مبادئ وثوابت, نعتمدها نحن أو من نثق بهم من مرجعيات, دينية كانت أو سياسية أو حتى إجتماعية.. كما يجب ان تحقق لنا, مصالح معقولة ومقبولة, مع حفظها لحقوق الأخرين بشكل عادل.
التسوية كنموذج لقضية تهم مستقبل البلد, وغيرها الكثير من القضايا, يجب أن ندرسها بشكل جيد, ونفهمها بكل تفاصيلها, ونرى نتائجها المتوقعة.. ثم نحكم بعقلانية الواقع والمصالح المشتركة العادلة.. عندها نبني المواقف, بدون إنفعال أو عاطفية فارغة.
يقال ان فهم السؤال نصف.. هلا فهمنا قبل أن نجيب؟!

37
الساسة والتعليم العالي.. تدمير مخطط , أم غباء معتاد؟!
المهندس زيد شحاثة
هناك فرق كبير بين التعلم والتعليم.. فالأول يقوم به الفرد نفسه ليطور مداركه ويزيد مهاراته, والثاني يقوم به أخرون " معلمون", بإختلاف مستوياتهم تبعا لإختلاف مرحلة التعليم, بغرض تطوير قابليات وقدرات ومعلومات, شخص او مجموعة.
معظم  الدول والمؤسسات, تميل إلى إعتماد التعلم, أداة للتعليم, لأنه يحفز ويعتمد رغبة وقدرة الفرد الذاتية على تطوير نفسه وتحسين مهاراته, وتحاول أن تتجنب قدر الإمكان, طريقة التعليم التقليدي, بإلقاء وتقديم العلوم, والمعلومات المباشرة, بشكل جامد, بعيد عن المشاركة.. كما هو متبع غالبا في نظامنا التعليمي.
ليست هذه مشكلة نظامنا التعليمي الوحيدة.. فالتعليم منظومة متكاملة, تبدأ من عمر مبكر للإنسان, وتتطلب أن يكون هناك تكامل وتنسيق, بين مختلف المراحل, في الأليات والأسلوب, والعلوم والمعارف المقدمة, مع مراعاة الشمولية والتخصص فيها, بما يمنع حصول, تضارب أو تقاطع, وبما يخدم, مصالح المجتمع, والدولة ومؤسساتها, وضمن إحتياجاتها الحقيقية المحددة سلفا, وفق معايير ودراسات إحصائية علمية.
يضاف لكل ذلك, أن تكون هناك رصانة, وجدية حقيقية في المنظومة التعلمية, وإزالة أي هامش للعشوائية, والإجتهاد الشخصي الأني, وأن يتيقن كل متعلم, أن الأنظمة والقوانين الخاصة بالتعليم, هي غير قابلة للتلاعب, ولا يمكن تسويفها.
ما يحصل عندنا, من تدخل للساسة, بالتلاعب بالعملية التعلمية, دون الاهتمام بأثار ذلك, على رصانة التعليم, هو تدمير حقيقي لمستوى التعليم في بلدنا.. فمنح دور ثالث, ودرجات إضافية, لأسباب "إنسانية", وسنوات عدم الرسوب لمراحل كاملة, ونظام العبور, وتوسيع القبول, وغيرها من القرارات, التي لا مبرر علمي أو منطقي لها, إلا أغراض سياسية أو إنتخابية, ودعاية بائسة, دفعت بالمتعلمين إلى اللامبالاة, والإستخفاف, بعملية التقويم الإمتحاني, ومجمل العملية التعليمية, نتيجة لهذه الفوضى في القرارات.
صحيح أن البلد يمر بظروف إستثنائية, وهناك مناطق ساخنة, وتهجير جماعي.. لكن هذا لا يعني, أن يتم تهديم العملية التعليمية, بهذا الشكل الفوضوي, ويمكن ان تنفذ حلول وقرارات خاصة, لهذه الفئات بعينها.
مقبول أيضا القول, أن تدمير العلمية التعلمية, بدايته كانت على يد نظام البعث, ضمن خطة ممنهجة, لتجهيل الجيل, وتحطيم روحه المعنوية, وحجب كل تطور علمي, وتقدم إجتماعي يرافقه, لأهداف تتعلق, بالمحافظة على الحكم, وأهداف أخرى, لا حاجة لذكرها, لوضوحها كعين الشمس.. فهل يعني هذا قبول الأمر الواقع والسكوت عنه؟!
يقاس تقدم البلدان, بدرجة تقدم تعليمها.. وقدم عملية التدمير والتجهيل, لا يمنع  القيام بخطوات لتصحيح ذلك, أو في الأقل إيقافه.. كبداية.
أول خطوة يجب ان تقوم بها حكومتنا, هو أيقاف تدخل السياسيين, وخصوصا جهلتهم.. في ما لا يفهمون به.


38
قانون الحشد الشعبي.. هل هو نصر سياسي, أم ضرورة وطنية ؟
المهندس زيد شحاثة
لا تسن القوانين عبثا, دون حاجة وهدف.. هذا ما يفترض أن يحصل عادة.
يختلف وضع العراق, عن أي دولة أخرى.. فالعراق خرج توا, من حكم طاغية مجرم, وأنغمس في سلسلة مشاكل, تتعلق بما خلفه هذا النظام من دمار, وتبعات ونتائج مغامراته الشيطانية,  والدمار والتخلف, في مختلف المجالات الحياتية.
تحمل العراق, فوق كل هذا, أخطاء قوات الإحتلال, وسياساتها السلبية, التي أدت لأن يكون العراق, هدف كثير من التنظيمات الإرهابية, بحجة وجود قوات إحتلال, وأسباب طائفية.. رغم أن حقيقة وجودها كان , حروبا بالنيابة, وأجندات خارجية, إقليمية ودولية, وتصفية حسابات, إنقادت لها تلك التنظيمات, كالخراف تقاد لذباحها.
في لحظة مفصلية من تاريخ العراق, وبعد فشل الحكومة السابقة الذريع, وتراكم أخطائها الكارثية, وبعد سقوط الموصل وما تبعها من مناطق, كانت فتوى الجهاد الكفائي.. هي الخطوة التي, لو لا حدوثها لكنا في حال غير ما نحن عليه الأن
كان الحشد الشعبي ثمرة تلك الفتوى المباركة, وضرورة تطلبتها, معركة الوجود التي كان يخوضها العراق, وتؤيدها نظرة واقعية, لحقائق وطنية, وواقع تاريخي, وجوار إقليمي, فيه ما فيه من مصالح وأجندات.
كان بقاء تلك القوة العسكرية, رغم تشكلها, بإجراءات رسمية وقانونية, دون قانون مشرع, يسبب ظلما وتجنيا, على ما قدمه أبطال الحشد, من تضحيات جسيمة, وما عاناه أفراده, من مشاكل إدارية وقانونية, وخصوصا فيما يتعلق بحقوقهم, وحقوق عوائل شهدائهم.
ورغم أن عسكرة المجتمع خطير, إن لم تكن له أسباب موجبة, لكن حالة الحشد, تختلف جذريا, فلولا ظهوره في الساحة, لكنا نقاتل في أزقة بغداد ربما.. ولأن إستشراف المستقبل بصورة واقعية, يبين أن معظم فصائل الحشد الشعبي, تتبع لجهات سياسية, كان لزاما تقنين تلك القوات, وحصر تبعيتها, وتلقي أوامرها, بيد القائد العام للقوات المسلحة, مع حفظ حقوقها, وما قدمته من تضحيات.
قد يعترض البعض, على وجود هذه القوات, وربما يجعلها جيشا بديلا, أو يتهمها بأنها متشكلة من أغلبية لمكون عراقي, لكن عملها ضمن إطار قانون عراقي, وتبعيتها لقائد القوات المسلحة, يمنع أي تعارض لها مع الجيش العراقي.. وموضوع الأغلبية, إنما هو يظهر واقع حال الشعب العراقي, ويوضح إستجابة كل مكون للدفاع عن الوطن.. أليس كذلك؟!
بعض من يعترض عليه, لا يصرح حقيقة, بسبب إعتراضه, والعائد لخوفه من أن يسبب إقرار القانون, نصرا سياسيا لجهة ما, وأخرون يخافون من تلاشي قاعدتهم الجماهيرية, التي بنوها بخطاب طائفي, ثبت زيفه, بعد سقوط محافظاهم بيد داعش.
رغم أن التحالف الوطني, هو من قدم القانون, وهو من نجح في إمراره, رغم المعترضين, لكنه منجز حقيقي, لكل العراقيين.. وخصوصا من ضحوا ولازالوا, في سواتر الدفاع عن الوطن, ومن مختلف الطوائف.

39
للعراقيين فقط.. فرصة سنوية للعودة إلى الصواب
المهندس زيد شحاثة
 يحتاج الإنسان, في مرحلة ما من حياته, أن يراجع ما  مر به, ويعيد رسم طريقه في الحياة, تصويبا وتقويما, للمرحلة السابقة, وما فيها من نتائج, بناء على ما أتخذه من قرارات.
يغفل الغالبية عن هذه المراجعة, رغم أهميتها, للحماية من الإيغال في الخطأ, لانشغاله بدوامة الحياة ومسؤولياتها, أو لتمتعه بما لديه من خيرات, أو لأسباب تتعلق بالوعي الذاتي للشخص.
تحصل تلك المراجعة أحيانا, نتيجة لصدمة وظرف, او مشكلة وحدث كبير, يتعرض له الإنسان.. لكن أهم ما نحصل عليه, من تلك المراجعة, هو بداية جديدة..  تتيح لنا الإنتفاع والتمتع بما بقي من أعمارنا, في تحقيق أهدافنا الحقيقية, التي أوجدنا الخالق لأجلها في الحياة.
قد يوفق بعضنا, فينال فرصة المراجعة, والأخر لا يوفق لتقصيره, فتمر عليه الفرصة وتفوته, وهو غافل عنها.. إلا نحن العراقيون, ففرصتنا مستمرة سنويا, هل تعرفون ذلك؟!
من وفق للوقوف والإطلاع, على زيارة أربعينية الأمام الحسين, عليه وأله أفضل الصلوات, ولو من باب المشاهدة والإطلاع, للاحظ تغيرا كبيرا, في المزاج العام, وتحسنا في التعامل, وظهور أغلب الصفات الحميدة التي يفترض بالإنسان حملها, وتنحي الصفات السيئة, وربما إختفاءها, ويستمر هذا الأثر, لما بعد إنتهاء مراسيم الزيارة, ولو لمدة معنية.. فهل هذا ناتج من الزيارة فقط؟, وان تلك الطباع الحميدة, ظاهرية فقط؟ أم أنها موجودة وتحتاج لمن يظهرها وينميها؟
صعب ان يتصرف إنسان, بعكس طباعه الحقيقية, وإن نجح في ذلك, فلفترة قصيرة جدا, وبعدها تنكشف شخصيته الحقيقية.. وهذا يعني من دون شك, أن كثيرا ممن يخدم ويشارك, في التظاهرة الحسينية خلال الأربعينية, يملك في مكامن نفسه, بذور الخير, والصفات الحميدة, وهو يحتاج إلى فرصة, وعوامل مساعدة ليظهرها فقط.
كثير ممن يتهم, الحوزة الدينية, والمؤسسات المهتمة بالشأن المجتمعي, بالتقصير في إصلاح المجتمع, وهو إتهام غير موضوعي, لأن موضوع إصلاح مجتمع, ليس مسؤولية جهة بعينها, وإنما هو مسؤولية تضامنية, ولكل دور فيها, واهمها دور الفرد نفسه.. فلا يمكن إصلاح, من لا يريد إصلاح نفسه.
دورنا نحن العراقيون, يختلف عن بقية الأمم والقوميات, المشاركة في الزيارة, لأننا أكثر تماسا وإنغماسا بالحدث, بل المسؤولون عنه, حتى ما بعد نهايته.. هذه المسؤولية, التي تنوء بها حكومة دولة لجسامتها, ينفذها أفراد بجهدهم الذاتي, وبشكل منظم دون اتفاق, ومرتب دون تخطيط, وتغطية دون تمويل مركزي, هي فرصة.. فرصة حقيقية لنا, لنراجع أنفسنا, ونقوم حياتنا.
زيارة الأربعين, فرصة  حقيقية, متكررة سنويا, لنعرف أين نحن الأن, وإلى أين نتجه بحياتنا القادمة.



40
الشهيد البخاتي.. ماذا لو كان موجودا؟!
المهندس زيد شحاثة
انظر دوما للجانب الإنساني من أي موضوع, حتى الجوانب الأخرى أحاول أن انظر إليها, وأقننها من منظور إنساني وعاطفي, هذا أنا وهكذا تشكلت.. وكثير من الناس كذلك.
ضمن نفس الإطار, وما إن تبدأ معركة, أو صولة بطولية لتحرير جزء من بلدنا, ورغم أني أتلهف لسماع أخبار النصر, لكن أكثر ما يشغل مخيلتي, صور من يستشهد, وحال أهليهم, وكيف يقاتل الأبطال, دون راحة وطعام, بأجواء يسودها الموت.
تتسيد تلك الصور وتطغى عليها, تخيلات مستحيلة.. فأتذكر شهدائنا الماضين, تغمدهم الباري بواسع رحمته.. فماذا لو كانوا في المعركة مرة ثانية؟! هل سيندفعون مرة ثانية, كإندفاعتهم الأولى؟ وهم شاهدوا الموت وقسوته, وخصوصا على أهليهم ومحبيهم؟!
هل سيطلبون الشهادة مرة ثانية؟! بهكذا محبة وتضحية تكاد تكود جنونية؟!
ماذا عن نماذج كصالح البخاتي؟!.. وهو قد قضى حياته كلها, معاناة وصعوبات, وعيش جهادي, بين المنافي والأهوار, حيث لا رفيق إلا بندقية وقصب ومياه.. وموت يتربص في كل زاوية ولحظة؟!
قد نحصل على إجابتنا, إن راجعنا, سيرة الإمام الحسين, عليه وأله أفضل الصلوات.. بل لنقل أصحابه, لنبتعد عن جدلية العصمة, فمع اليقين بعدم عصمة أصحابه, نراهم يتسابقون على الموت, ويندفعون نحو عدوهم, وهم يعلمون أن لا خيارات أمامهم إلا الشهادة.. ومع ذلك لا يترددون, بل ولا يراجعون أنفسهم, أو يتفكرون للحظات حتى!
بل أن بعظهم يقول, لو أنه يفعل به مثل ذلك الف مرة, لا يبالي, فعن أي نفوس عالية نتحدث؟!
هكذا مقارنة, مع حفظ المقامات, لكلا المقارنين, تعطينا فكرة واضحة, وإجابة وافية, عن تساؤلاتنا.. فصالح البخاتي وأمثاله من شهداءنا الأبطال, لو أتيح لهم وكشفت عنهم, قبورهم وأكفانهم, لرأينا كيف أن أجسادهم الطاهرة, ترتعش وترتجف, تريد ان تشق أكفانها لتنهض, وتلتحق برفاق العقيدة, مجاهدي الفتوى المباركة.
ألم تنقل رواياتنا, أن الإمام الحسين, عليه وأله أفضل الصلوات, عندما ندب أصحابه وأل بيته, بعد شهادتهم, وقال لهم مناديا, مالي أراكم لا تجيبون.. كانت الأجساد ترتعش, وكأنها تريد النهوض؟ .. فلما نستغرب, هذا, من شهدائنا الأبطال؟! أو ليست القضية هي نفس القضية, والشهادة نفس الشهادة؟!
لكن أليس من السذاجة الظن, أن أرواح شهدائنا, بعيدة عن ساحة المعركة؟! ا
من قال انهم لا يتقدمون الصفوف بأرواحهم  يطلبون الشهادة .. ألف مرة؟!



41
معركة تحرير الموصل.. وطنيتنا المستعادة أخيرا
المهندس زيد شحاثة
لكل معركة أهداف, يرغب قادتها, أن تتحقق بأقل الكلف, وأسرع وقت.. وهذا يشمل جهتي الصراع في تلك المعركة.. هذا المنطق الذي كان يسود قديما.
صارت المعارك اليوم, تشمل أهدافا أخرى, ضمنية وبعيدة المدى, ولا تظهر نتائجها فورا, وربما تتحقق أهداف لم يكن مخططا لها, وتكون كنتائج عرضية للمعركة, وربما تكون غير مقصودة أو متوقعه أصلا؟!
معظم الدول المتقدمة, تخطط لمعاركها طويلا, وتضع خططا بديلة, وتحتسب كل النتائج المتوقعة, قصيرة المدى كانت أو إستراتيجية, وهذا طبيعي جدا.. فالمعارك ليست نزهة, وهناك خسائر في الأرواح والأموال, وربما تترتب نتائج على المعركة, تغير مستقبل البلد ومصيره.
منذ سقوط الموصل, وبعد زوال شبح تهديد داعش, وكسر وهم الرعب, الذي "أزدرع" في الجو العام, بدأ الكل يفكر, في كيفية إخراج داعش, بعد ان تم إيقافهم, والحد من تمددهم.. وهذا شمل حتى المواطنين البسطاء, في منازلهم, رغم بعدهم عن المسؤولية المباشرة, أو التخصص العسكري او القيادي.
معظم العراقيين كانوا يفكرون, في تحقيق أهداف تتعلق, بالنصر العسكري, وطرد داعش, ومحاسبة من تعاون معها, وتسبب بإراقة الدم العراقي, وقبل أن يُحتل جزء من بلده, في خيانة واضحة, لكل القيم.. وهذه كانت أهدافا, بل أحلاما, يمكن وصفها بالبسيطة, مرتبطة ببساطة من يحلمها.
لكن ما لم يكن يحتسبه أكثر المتفائلين, والمحللين المختصين, هو هذه الأمواج العاتية, من الشعور بالوطنية, والإنتماء للعراق.. فمن كان يتوقع أن يسيطر العراقيون, على بساطتهم وطيبتهم, على مواقع تواصل إجتماعي, مثل "تويتر وفيسبوك", رغم المال المعادي, وقوته وتنظيمه؟!
من كان يتوقع, أن ينجح العراقيون, في سحق الإعلام المعادي, ومحاولاته, تغيير الحقائق, وتشويه الصور, ودون إتفاق, أو تنظيم وتوجيه؟!
هل من المعقول أن وطنيتنا عادت فجأة؟!
من قال أن الوطنية, وحب الوطن, شعور يمكن أن يموت؟!
رغم أننا كلنا, ننتظر نصرا مؤكدا, للقوات العراقية البطلة, بمختلف مسمياتها, في الموصل, ونتأمل عودة الحياة, إلى الموصل, بشكل تدريجي وسلس.. وهذا سيحقق أكيدا, لكن هل يمكن أن نقييم اهم ما حققته معركة تحرير الموصل؟
 زوال التراب والصدأ, عن وطينتنا, التي حاول صدام والبعثيون, ومن خلفهم من ساداتهم, قتلها ودفنها في نفوسنا.
أثبتنا لأنفسنا أننا, لازلنا نحب العراق, هذه الأرض الطيبة.


42
المجتمع السني وساسته.. من يقود من؟
المهندس زيد شحاثة
يعتقد المختصون بالدراسات الإجتماعية، على أن المجتمع العربي لازال يميل إلى طباع البداوة، لكن بعض حواضره تقترب بنسب متفاوتة من المدنية والتحضر.. ومجتمعنا العراقي لا يشذ عن ذلك.
تميز المجتمع السني في العراق، بإستغراقه أكثر في حياة البداوة، وإعتماده على نظم القبيلة وقوانينها، في تسيير حياته العامة، بل وحتى الإدارية منها والسياسية، وربما تصل حتى إلى تطبيقات النظم الديمقراطية وتداول السلطة والحكم المحلي، في تجربة ما بعد سقوط نظام البعث.
تقرب السنة من النظام البعثي، والطبيعة الدموية والمستبدة لهذا النظام، صبغ المجتمع السني، بطابع خشن بعيد عن الحداثة، وخلق طبقات من الإنتهازيين والوصوليين النفعيين، ممن لا تهمهم إلا مصالحهم الخاصة والفردية، مهما يكن ثمنها، وبغض النظر عمن يدفع هذا الثمن قريبا كانا أو بعيدا.
واقع أن العراق لن يكتب له أن يستمر بالوجود، دون إكتشاف طريقة ما لتعايش مكوناته، وتقبلها لبعضها الأخر، سيفرض نفسه على الجميع، رضوا ذلك عن قناعة أم فرض عليهم فرضا، كحل لا بديل عنه إلا التقسيم والإحتراب ودماء لن تتوقف قريبا.
لم يبرز من ساسة السنة، ومنذ سقوط النظام ولحد الأن، من نجح في تمثيل مصالحهم وأمتلك رؤيا أو بعد نظر، وامتلك قابلية, كسب جمهوره.. فكان معظم ممن أفرزتهم الانتخابات أو تحركات الشارع، أو أنتجتهم ضغوط وجهات خارجية، مجرد أبواق تماشت مع الخطاب الطائفي الذي تولد في الشارع السني، ودعمته قنوات إعلامية خارجية الأجندة.. حفاظا على حظوظهم ووجودهم الانتخابي.
من جانب أخر فأن معظم شيوخ العشائر، كانوا بعيدين عن مجتمعهم وواقعهم، فكانت تصريحاتهم النارية التحريضية، تطلق من منابر من خارج العراق، أو في إقليم كردستان، حيث يتنعمون بملذات وخيرات، سبق أن نالوها من حكومات سابقة، بحجة تهدئة الشارع السني وإستمالته إلى الحكومة، فكان المواطن البسيط هو الضحية.
ظهور داعش وتغلغلها في أهم المدن ذات الغالبية السنية، نتيجة لوجود حاضنة متقبلة لهم، جعل تلك المناطق ساحات للقتال، ولا خلاف حول الأضرار والنتائج الكارثية, التي ستتعرض لها تلك المناطق، فهي حرب شوارع وقتال عصابات، بين جيش نظامي وقوات عقائدية تدافع عن وطن، وإرهابيين يريدون أن يموتوا محدثين أكبر قدر من الدمار والخراب.
بعد كل هذا هل من حاجة للسؤال من هو الخاسر الأكبر؟
تواصل القائد أو السياسي مع جمهوره وشارعه, شيء حسن, جدا بل وواجب, لكن أن يكون متناغما مع الشارع دون تمييز.. شيء أخر.
واجب السياسي أو القائد أن يقود جمهوره، لا أن يقاد ويصير مجرد واجهة تبحث عن دور لها أمام شاشة أو منصة ما.. فهي لن تدوم، وعلى الجمهور أن يتعلم من الدروس.. فكيف إن كانت الدروس بهذه القسوة؟


43
السنة والشيعة والمصالحة الوطنية.. بين الحقيقة والواقع
المهندس زيد شحاثة
من بديهيات الأمور, أن تراجع القضايا الوطنية, خصوصا إن رافقتها مشاكل وأحداث, تستدعي ذلك, أو وجود اكثر من قومية أو مذهب, تعيش ضمن هذا الوطن, وترافق تلك المراجعة, عملية مصالحة, يقوم بها ويديرها, قادة لهم مقبولية, وأثر بين جمهورهم, وبقية الشركاء, ضمن اطار الوطن.
لكن ما معنى مفهوم المصالحة؟
المصالحة بشكل عام، تعني فتح صفحة جديدة, من العلاقة بين من يتصالحون, والتسامح عن الصغائر, والمحاكمة والقصاص العادل في الكبائر, وتعويض من تضرر, ويسبق ذلك, سن قوانين وتشريعات, لمعالجة كل الإشكالات, بعد دراسة وافية, وبفترة محددة.. ويغلق الموضوع.
يضحك على نفسه, من لا يعترف بأن حكم البعث الصدامي, أعتمد على طائفة بعينها, وهمش وأضطهد وبقسوة, بقية الطوائف والمكونات.. وأن الطائفة المقربة, عاشت رعبا، خلال بدايات ما بعد سقوط النظام، خوفا من ردة فعل، تصورتها ستحصل، ممن ذاق عذاب النظام وويلاته.. وبعد التيقن أن شيئا من ذلك لن يحصل, مارس كثير منهم العنف, طلبا لحق الحكم الذي صدقوا تخيلا, أنه وراثة لهم, بحكم تقريبهم من النظام البعثي!
للحديث بشكل صريح، فأن جوهر عملية المصالحة، حصولها بين السنة والشيعة.. فالكرد ليسوا متفاعلين مع الموضوع, لعدم تأثرهم به داخليا, ينتظرون نتائجه ربما, وما يمكن أن تقدمه لهم, من مصالح وفرص, للإستفادة.
قبل هذا لنسأل، ألا توجد حاجة، لحصول مصالحة داخلية، سنية سنية, وشيعية شيعية؟
الشيعة وتصالحهم, قضية حلها أسهل نسبيا, رغم تعقيداتها وتجذر الخلافات, وإختلافات حول الرؤى, لكثير من القضايا العقائدية والسياسية, إلا أن  كل الخلافات في حقيقتها, بين  قادة وساسة فقط.. صحيح أن جمهور هؤلاء, يتفاعل  ويستجيب لتلك الخلافات, وما يرافقها من تهريج وتصعيد, إلا أن هناك جامعا أكثر قربا للجمهور, من ساسته وقادته, وهو المرجعية.. فهي قادرة وبقوة, على حسم أعقد القضايا, والفصل فيها, برغم أنف الساسة, ولنا في فتوى الجهاد الكفائي, خير دليل.
المصالحة السنية داخليا, أصعب كثيرا, فلا مرجعية تجمعهم, وأن وجدت, فليس لها التأثير أو المقبولية, ولو بجزء يسير مما للمرجعية الشيعية, يضاف لذلك الطبيعة العشائرية البدوية السائدة, وعادات قبلية, وقتال وتنافس وثأر, وتنازع على النفوذ, وتقرب من السلطة والنظام الحاكم.. كل ذلك خلق صعوبة حقيقية, في ظهور ممثل للمكون, له ثقل جماهيري, فكيف بحصول مصالحة؟!
نجاح المصالحة بشكل حقيقي, وليس شكليا, او للدعاية الإعلامية يحصل, عندما ينجح السنة كجمهور, في توحيد صفوفهم, وتحديد مصالحهم الحقيقية, واختيار ممثلين لهم, أفضل من ما موجود حاليا, وقبول واقع, أن غيرهم هو الأغلبية, ويتجاوزون قضية أنهم من حكم العراق لثمانين عاما.. وينجح الشيعة في التوحد, حول رؤية معتدلة وسطية, سبق أن أشارت لها المرجعية , وفي أكثر من مناسبة.. رؤيا تضع أليات, لبناء دولة عصرية, تضمن حقوق الجميع, بشكل عادل.
مصالحة الأقوياء, لا مصالحة الضعفاء, هي من ستعطي نتائج, وليس مطلوبا أن يصبح السنة شيعة, أو العكس.. بل تعني أن نحترم بعضنا, ونقبل وجودنا معا, كأمر واقع لن يتغير.


44
الثورة الحسينية وشعائرها.. وتوضيح الواضحات
المهندس زيد شحاثة
لم يتم تناول أي قضية في التاريخ, بشكل مفصل, شمل معانيها العميقة, وتفاصيلها السطحية الظاهرية, ومواقفها و حوادثها التاريخية, مثل ما حصل مع الثورة الحسينية.
بنفس المستوى, لم تتعرض قضية للنقد والنقاش, مثل قضية الشعائر المرتبطة, بتلك القضية, وهذا يمكن قبوله, لضخامة حجم القضية, وأثرها وما سببته, من تحول تاريخي, في مسيرة الإسلام ودولته.
يركز المنتقدون, وجلهم ممن يدعي المدنية أو العلمانية, على الشعائر والأفعال, التي يقوم بها, من يحسبون محبين وشيعة, للإمام الحسين, عليه وأله أفضل الصلوات, ويطالبون بأن يتم تطبيق أفكار الثورة, بإعتبارها حركة تحررية, حالها كحال, الثورات الشعبية والتحررية, وهو كلام فيه صحة.
يركز منتقدون أخرون, على أهمية منع, ما يرافق تلك الشعائر, من مصروفات مادية, ويحددون موارد  أهم, لتلك الأموال, كالفقراء والمحتاجين, و إعمار المستشفيات والمدارس, وهو كلام ظاهره صحيح, إن تذكرنا أن تلك الأموال تصرف من جيوب مواطنين متبرعين, وأن الإعمار وتوفير الخدمات, هو واجب الدولة.. نعم ربما يصح الإنتقاد, بعنوان التكافل الإجتماعي العام تطوعيا.
يذكر أخرون, ما يرافق تلك المناسبات, من توقف شبه عام للدولة, وتأثر للطرق, وهي علة كبيرة ومؤثرة, لكن هل تتعلق بأصل الفكرة؟! أم بأليات من يطبق, وفهمه للموضوع, وقصور الدولة في إداء واجبها؟!
رغم كل ما ذكر.. وربما أكثر, لكن جوهر القضية, من كونها ثورة, ضد الظلم والفساد, وسعيا لإعادة الحقوق إلى أصحابها, وإظهار الإسلام الحقيقي, بعدما حاول طلاب الملك حرفه عن مساره, مما  لا خلاف عليه, إلا عند بعض الشواذ, من المتطرفين والتكفيريين.
قد نختلف جميعا, في فهمنا للثورة الحسينية, وما يمكن أن نستلهمه منها, والمنقول عن مشاهير المفكرين, بمختلف توجهاتهم, والتي بعضها بعيد جدا عن الإسلام, عن تأثرهم بالثورة الحسينية, مما تواتر ولا حاجة لتكراره, وهذا الإختلاف مقبول جدا, لأن كلا منهم أخذ جانبا واحد, من أعظم حركة إصلاحية وثورية, شهدها التاريخ, لكن فهم كل منهم قاصر, فلا يمكن ان يحيط عقل ما, بكل جوانب تلك الثورة.
قد تظهر هنا أو هناك, تطبيقات غريبة, وأفعال سطحية, أو أمور يراها بعضنا, مسيئة لتلك الثورة, وتصرف النظر, عن محتواها الحقيقي, لكن لنسأل.. وهل تخلوا قضية عظيمة من ذلك؟!
يقول أهل الفلسفة, أن توضيح الواضحات, من أصعب المشكلات, فهل نحن بحاجة لتوضيح, أن الثورة الحسينية, من العظمة, كأنها نبع صافي, يغترف كل منا منها, بحسب قدرته, وطريقته في فهمها؟!

45
قارون.. الظاهرة أم الشخص, وأيهما اخطر علينا؟
المهندس وزيد شحاثة
تنفرد شخصيات في التاريخ, بكثير من الشهرة, وتصير محلا للنقاش والتحليل, وربما تتناولها الكتب السماوية, وتبينها وتشرحها كقصة, بهدف بعث رسائل, والإعتبار من سيرة تلك الشخصية, وما حصل معها, من مواقف وأحداث.
إشتهرت قصة قارون, لإرتباطها بقصة النبي موسى, عليه وعلى نبينا وأله أفضل الصلوات, وما رافقها, من إنحراف, لهذا الشخص, من مؤمن برسالة النبي, إلى كافر, يطلب مصالح دنيوية, وبتفاصيل كثيرة, صارت شائعة ومعروفة لدينا, حتى صارت مضربا للأمثال, لمن يطلب المال والملك, وسوء الخاتمة والمنقلب.
يخطيء من يظن أو يفهم, أن القصص الواردة في الكتب المقدسة, هي فقط لأغراض دينية دعوية, وأنها لتخوفنا من النار, وترغبنا بالجنة.. فهي تعطينا نماذج, لكيفية عيش الحياة, وتنظيم أمورها, وتقنين العلاقات البينية, وغيرها من تفاصيل الحياة الإنسانية.
تطرق المرجعية لهذا الشخص خلال خطبة الجمعة الإسبوعية, خلال الفترة الماضية, ركز بشكل كبير, على ما ألت إليه هذه الشخصية, من إنحراف عن جادة الصواب, وتكسبها المال, بطرق غير شرعية, وإدعائها أن هذا التكسب, تم بجهدها الخاص, دون قدرة الباري عز وجل.
هل كانت المرجعية بذكرها هذه القصة, تقصد النموذج أم الشخص؟
معلوم لدينا, ان المرجعية توقفت عن الحديث في السياسة, بعد أن "بح صوتها", ولم تجد أذنا صاغية, لكنها لم تتوقف عن الحديث بالشأن العام, والنصح والإرشاد, أو ما يمكن أن نسميه "إعادة تربية المجتمع وتهذيبه", وربما ترسل إشارة هنا, وغمزة مهذبة هناك, لمن بيدهم الأمور.
من يفهم أن القصة كانت, تقصد أشخاصا, كانت بيدهم مقاليد الأمور, وكانت بداياتهم, تكاد تكون صحيحة, لكنهم إنحرفوا وأفسدوا, وكاد أن يطاح بالعراق, ويذهب إلى غير رجعة, ربما هم مصيبون.. فالدمار الذي سببه هؤلاء بسوء تدبيرهم, وفسادهم وفشلهم, وإعتمادهم على من, لم يكن أهلا لذلك, مما لا يخفى ولا يحتاج لدليل.. لكنه فهم قاصر ومحدود الأفق ربما.
الفشل والفساد, الحاصل في بلدنا, وعلى مختلف المستويات, ليس من صنع شخص أو مجموعة صغيرة, بل هو منظومة.. قادها, هؤلاء " القارونييون", وتبعهم ونفذ لهم, أذناب ولصوص صغار, وأتاح لهم هذه الفرصة, جمهور أخرس, سكت عن فعل هؤلاء, فتصورا "القارونييون" أنهم, أنما نالوا ذلك " على علم عندهم".
إشارة المرجعية, كانت تحذيرا لنا, بأن لا نتغافل, عن أن كل منا "ربما", كان قارونا وإن لم يعلم أو يقصد, فمن لم يشارك بالفعل, شجع بالسكوت, وأن أمثال قارون كثيرون, وهم خطر كبير, على البلد, لكن الظاهرة, أخطر وأكثر تأثيرا.

46
هل مات صدام فعلا.. وأنتهى؟
المهندس زيد شحاثة
رغم كل الدمار الذي سببه, حكم الطاغية  المجنون صدام,  خلال سنواته التي تجاوزت الثلاثين, وحزبه بفكره المنحرف معه, والذي نتج عن رغبة حقيقية بالدمار, لنا ولمن جاورنا من الدول, حتى وصلت أثاره إلى دول أبعد, بل وغيرت مسار وواقع منطقة الشرق الأوسط, والعالم ككل إلى غير رجعة, ورغم إعدام الطاغية وهلاكه,  إلا أن صدام لم يمت.. نعم مات الشخص, ذهب إلى جهنم وبأس المصير.. ولكن فكره ومنهجه لم يمت.
كل مسؤول لايفهم شيئا, ويدير الدنيا وكأنه يفهم في كل شيء, وفيلسوف عصره, ويجبر الناس على السير في ركابه, وتنفيذ أفكاره الكارثية, وسماع خطبه الرنانة, التي لا تغني ولا تسمن من جوع.. هو صدام جديد.
كل وزير يدير وزارته, وكأنها ملك له, ولعشيرته أو لحزبه, وأنها مرتع لهم يتمتعون بخيراتها, ويديرها كيف يشاء, ولا علاقة للكفاءة أو الخبرة أو الشهادة..فهو أصلا ليس أهلا لمكانه, ولا يملك الاختصاص أو المؤهلات لملء منصب وزارته.. هو طاغية مهما كانت شهادته, أو زيه الكاذب.
كل مدير أو مسؤول صغير, يعامل مرؤوسيه, وكأنهم ملك يمينه, له حق معاقبتهم, ومعاملتهم دون أبسط الحقوق, التي ضمنها القانون لهم, ولا حق لهم بمناقشته, أو إبداء الرأي في طريقة عمله, ويجعل المعمل الذي يديره أو المؤسسة , مملكته و سلطنة يورثها من بعده.. أو يضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب...هو دكتاتور بالفطرة.
كل سياسي يظن أن رأيه, ورأي حزبه وحده هو الصحيح,  والآخرين كلهم على خطا, وأنهم إما طائفيون, يرغبون في إزاحته, عن حقه بكرسيه.. أو خارجون عن القانون.. أو حلفاء خانوه.. هو صدامي العقيدة والفكر والمنهج والتطبيق.
كل موظف أو إنسان, ولو كان بسيطا,  يتصور أن الوطن ملكه وحده, وأنه هو المتضرر الوحيد, والمضطهد الأول, والمظلوم الأكبر, ولم يأخذ من حقه بوطنه شيئا.. هو صدام جديد.. ودائم.
لا نكذب على أنفسنا, فكلنا صداميون بطريقة ما, ومن لم يكن يطبق أفكار صدام, فهو بأحسن الأحوال, لازال أسيرا لأفكار, تتعلق بصدام, ولو كانت بمقاومته!
صدام مات جسدا.. لكن هناك العشرات, بل الآلاف من الصدامات الصغيرة.. في عقولنا وقلوبنا, مادمنا لانقبل وجود الأخر, ولا نحترم فكره ورأيه.. ولا نعتقد أن إحتياجاته ومتطلباته, هي جزء من حقه.
لن يموت صدام النموذج حقيقة,  إلا إن قتلناه.. داخلنا أولا.

47
أخيرا بعد سبات.. رئيس للتحالف الوطني
المهندس زيد شحاثة
في خطوة متأخرة جدا, عن سياقها الطبيعي, تناقلت الأخبار, نبأ إختيار السيد عمار الحكيم, لرئاسة التحالف الوطني, وبإجماع الآراء.
من المنطقي القول, أن التحالف الوطني, هو عماد العملية السياسية في العراق, وواقعا يمثل الأغلبية الشيعية في العراق, على مختلف إتجاهاتهم, الإجتماعية والسياسية.. فأحزابه تمثل أهم التيارات والأحزاب السياسية, ممن تمتلك جمهورا, ولها أتباع ومؤيدين.
التحالفات تنشأ عموما, إن جمعتها أهداف مشتركة, أو في مواجهة حزب وتحالف أخر, كأن يكون أحدهما حاكما, والأخر معارضا.. بحالات أخرى, تتكون التحالفات, نتيجة لعدم حصول أي حزب, على أغلبية كافية في الإنتخابات, تتيح له الإنفراد بتشكيل الحكومة, وهو ما حصل هنا.
رغم كل ما فيه من تناقضات, وما تعرض له من هزات هيكلية, لكن الموضوعية, تحتم أن نقر, بأن التحالف الوطني, هو من يسير العراق, ويدير الحكومة, ويفكك الأزمات, رغم أن بعضها من صنع جهات تنتمي إليه.. وهو ما يحمله  كمؤسسة, مسؤولية كبيرة, فهل هو مؤسسة؟
من يتذكر فترة تشكيل التحالف الوطني, وما أشيع عن دور للمرجعية, في التقريب بين أطرافه, وإزالة ودفن, خلافات أيام معارضة النظام, يفهم أن الهدف كان, وجود مؤسسة تمثل الشيعة, في النظام السياسي الجديد, لتحفظ حقوقهم, وتمكنهم من تعويض ما ضاع منها, خلال حكم البعث.
رغبة بعض الأحزاب والتيارات, في إبقاء "مشروع المؤسسة" ضعيفا, وأبعد ما يكون عن المؤسسة, كانت واضحة, وخصوصا أنها كانت حاكمة, أو تتولى وزارات مهمة, ولا رغبة لها, في رقيب يضع لها, سياسات وأهدافا إستراتيجية, وتكون قراراتها ملزمة.. فالتفرد بالقرارات, كان ولازال سمة المرحلة.. فهل سينجح السيد عمار الحكيم, في "مأسسة" التحالف الوطني؟
عمار الحكيم, تميز بمواقف معتدلة, كانت إمتدادا لسياسة عمه ووالده الراحلين, أتاحت له علاقات جيدة, مع الأطراف السياسية العراقية, وحتى من يختلف معها في المواقف.. وله تواصل جيد مع دول الإقليم, والقوى العالمية المؤثرة, لمواقفه الوسطية, وتدخله في كثير من الأزمات, و تقريب وجهات النظر, فهل سيتيح له ذلك فعل شيء, مهم على الساحة العراقية؟
تجارب سابقة أثبتت, أن مواقف وسياسات الحكيم, رغم محدودية حجم كتلته البرلمانية عدديا, نجحت في تمرير القوانين, وفي بلورة سياساته, والتي يسوقها على أنها مواقف, متبناة ومستقاة, من وحي مواقف المرجعية, وتوحيد مواقف مختلف الأطراف حول بعض القضايا.
هل سينجح في توحيد الموقف الشيعي, وتنظيمه داخليا, بما يتيح "للشيعة", لعب دور حقيقي, في بناء وطن موحد؟
وهل ستكون هذه الخطوة" المتأخرة", بالإتجاه الصحيح, في إختيار قيادات "شابة" بعيدة عن سياسات التأزيم, واللعب على الأوتار الطائفية؟
أسئلة كثيرة تطرح.. وسيجيبنا الزمن القريب عنها حتما

48
إستجواب المسؤولين.. تهريج أم حماية وتسويق انتخابي مبكر؟
المهندس زيد شحاثة
لا يخلوا نظام سياسي, من مؤسسة تشريعية, تكون مسؤولة عن سن القوانين الجديدة, أو تعديل ما موجود منها عند الحاجة, ومتابعة عمل الحكومة وتقويمه, ومحاسبة مسؤوليها التنفيذين عند الضرورة.
تلك المؤسسة التشريعية, برلمانا كانت  أو مجلسا نيابيا, أو كونغرس أو مجلسا للعموم, على إختلاف التسميات, باختلاف الأنظمة السياسية, تهتم بمتابعة عمل الحكومة, ومحاسبتها على الأخطاء, وخصوصا من قبل أحزاب المعارضة, بهدف إظهار فشل الحكومة, وإسقاط رجالاتها, وربما أحيانا.. لتوفير الخدمات للمواطنين, وتحسين حياتهم.
تبقى عملية الإستجواب, أهم ألية لمحاسبة الحكومة وأعضائها, رغم أن هناك أليات غيرها, كالإستضافة للمسؤول المعني, أو المراسلات والاستفسارات الرسمية, إلا أن الإستجواب يعني, أن القضية وصلت إلى حد لا يمكن حله  عن  طريق أخر, وأن الأمر لا يمكن السكوت عنه, وأن المسؤول  يجب أن يتخذ قرار بشأن, إقالته  أو إبقائه في منصبه, وأن الشعب يجب أن يطلع على ذلك.
أحيانا تقوم أحزاب الحكومة, مركزية أو محلية, بقطع الطريق أمام أي جهة معارضة تريد الإستجواب, بأن تقوم هي بإستجواب رجالها, وحينها تتحكم بسير الإستجواب, ونوعية الأسئلة المطروحة, فيكون الإستجواب بلا معنى, بل ويلمع صورة المسؤول.
في حالات أخرى, يكون المستجوب "بكسر الواو", ممن لا يملك الإمكانية الشخصية والفنية, اللازمة لإدارة الإستجواب, وإستخلاص المعلومات, فيبدوا كالأبله أمام المسؤول, فيقوم "بتلطيش" النقاشات يمينا وشمالا, وهي حالة تدعم المسؤول أيضا.
بعض الاستجوابات, لا تهدف لحل مشكلة, وإنما تبحث عن كبش فداء, لتقدمه للجمهور الغاضب لتهدئته, وكما حصل سابقا, في إستجواب وزراء الكهرباء.. وأخرى غيرها تهدف لتصفية حسابات جهات سياسية بينها.
توقيت الإستجواب, هو قضية بحد ذاتها, لكن ما  يميز هذا البعد, هو أن الإستجوابات, تحصل في السنة الأخيرة من عمرها التشريعي, حيث الإنتخابات قريبة.. ولكم فهم السبب.
الإستجواب ألية لمحاسبة مسؤول ما, عن قضية أو أخطاء وفساد, سبق أن تم محاولة حلها بالأليات السابقة, أما أن تصبح أداة سياسية لمهاجمة الخصوم, وإعتبارها دعاية انتخابية مبكرة, بغض النظر عن نتائجها, ضارة كانت او نافعة.. فهذا هو التهريج بحقوق الشعب, والفساد بأم عينه.

49
هل نحن مخدوعون أم سذج.. أم نتهرب من مسؤولياتنا؟!
المهندس زيد شحاثة
 يميل الإنسان بطبيعته, لرمي مسؤولياته على الأخرين.. هذه طبيعة ذاتية, تتعلق بمحاولة التنصل من التبعات الناتجة عن تلك المسؤوليات والأخطاء.
تبرز تلك الظاهر أكثر, في العمل السياسي, فتحاول الحكومة مثلا, رمي أخطائها على المعارضة, وتدعي أن سبب فشلها, عرقلة المعارضة لعملها من خلال البرلمان, والعكس صحيح, فيدعي البرلمان أن فشله في تمرير القوانين, يعود إلى وجود كتلة أو أكثر, وخصوصا كتلة الحزب الحاكم, هي من تعرقل التشريعات, ومراقبة الحكومة وتقويم عملها.
كل تلك المزاعم, لا تصمد أمام التقييم الموضوعي, فلا يمكن تحميل البرلمان, مسؤولية الفشل في تقديم الخدمات, فهو صلب عمل الحكومة, ولا دخل للبرلمان في هذا الملف, إلا بمقدار التصويت على الميزانية.. ولا يمكن قبول, تحميل الحكومة مسؤولية الفشل في إقرار القوانين, لأنه وببساطة صلب عمل البرلمان.. ومن يدعي غير ذلك, فهو كمن يحاول الضحك على الناس ومخادعتهم, وهو لا يكذب إلا على نفسه؟!
ما يحصل في العراق, هذه الأيام, يشبه ما ذكرناه, من تلاعب وخداع للناس.. فالبرلمان المنقسم على نفسه, فشل بشكل كبير, في تمرير قوانين مهمة, كان يفترض أن يتفرغ لإنجازها لأهميتها في حياة الناس, كقانون النفط والغاز, وقانون المحكمة الاتحادية, وقانون الإستثمار, وتعديل كثير من  القوانين المهمة.. وهذا الفشل نتيجة حتمية, للإنقسام الحاد والتقاطع, وإلاسفاف والتسقيط, في لغة الحوار بين مختلف الجهات, وعدم وجود رغبة حقيقية لدى أغلب الكتل البرلمانية, في خدمة المواطن, رغم مطالبة بعضها بالإصلاحات إعلاميا؟!
يقابله فشل حكومي فضيع, في تقديم أبسط الخدمات, وتحقيق الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم للمواطن, والحجج جاهزة, كهبوط أسعار النفط والفساد, وركام أخطاء الحكومات السابقة, لكن أن يحمل كل هذا الفشل للسلطة التشريعية, بحيث توجه كل الاحتجاجات نحوها؟! فهو أمر غريب.. لكن الأغرب أن تجد من يصدق ذلك؟ فهل هم مخدوعون.. أم سذج؟!
المنطق يقول أن الحكومة, هي نتاج إختيار البرلمان, وتوافقاته السياسية, وهذا مما لا عيب فيه من حيث الشكلية.. لكن نفس المنطق يقول, أن هذا البرلمان, الذي يحمًل كل هذه المسؤوليات, هو اختيارنا, فلما نلومه إن كنا نحن من إختاره وأتى به؟!
أن تقبل مسؤولية مهمة شخصية صعبة, فهو إختيارك, لكن أن تحمل فشلك للأخرين, فهذا أقل ما يقال عنه أنه هروب وجبن وخداع.. فكيف إن كان كل ذلك يخص شعبا ووطنا بأكمله؟
قد ينجح حزب أو تيار, في خداع الناس, وقد نساعده بطيبتنا التي قد تصل حد السذاجة, لكن أن يستمر في ذلك, ثم لا نلوم أنفسنا على خداعنا, وقبله سوء إختياراتنا, فهو تهرب واضح من المسؤولية.



50
عقلانية وإعتدال محمد باقر الحكيم.. النموذج الفريد
المهندس زيد شحاثة
من منا لا يذكر ذلك اليوم الأسود, في الأول من رجب؟ عندما أرتكب الإرهاب التكفيري, مذبحة على أعتاب, مرقد الإمام علي أبن أبي طالب, عليه وأله أفضل الصلوات, راح ضحيتها العشرات, يتقدمهم وهدفهم الأول, عدو البعثيين والتكفيريين, السيد محمد باقر الحكيم.
كانت أول جريمة, بهذا الحجم المروع, ودرجة الإجرام والوحشية, وبالحد الأقصى, من التجاوز, على مقدسات أتباع أهل البيت, في العراق.. فهي أستهدفت, أحد رموز وقيادات الشيعة, ممن قل من أختلف حولهم, وفي أطهر وأٌقرب وأقدس الأماكن على قلوبهم, بعد البيت العتيق, ومسجد النبي وقبره الشريفان.
من ينظر, للأمور بعمق, ولا يكتفي بظاهرها, يفهم بكل وضوح, أن المستهدف, ليس فقط شخص السيد الحكيم, بل منهجه المعتدل, ووسطيته التي أتاحت له, أن يكون دوما, محطة تجميع وتوحيد الصفوف, رغم أن الرجل, إسلامي بشكل واضح وصريح, ويحمل منهجا, ورؤيا محددة العالم, وهدفها ثابت, بما يتماشى مع توجهات المرجعية وخطواتها, رغم وجود شركاء, يختلفون معه في الفكر, والتوجه السياسي والديني حتى.
تلك الوسطية, التي يصعب أحيانا كثيرة, فهمها أو تقبلها, من قبل عامة الجمهور, ويرفضها بعض ساسة الأزمات, ممن لا يمكن ان يكون لهم وجود, في الساحة السياسية, إلا إن كانوا يزعقون, أو يسبون ويشتمون, ساعين لخلق أزمة, أو تلاعب بعواطف الناس ومشاعرهم, دينية كانت أو قومية, طائفية كانت, أو غير ذلك.
رغم مرور أكثر من ثلاثة عشر سنة, على تلك الحادثة المشؤومة, إلا أن منهج السيد الحكيم, بالعقلانية والحكمة, المستندة إلى قوة وثبات الموقف, وأرث عائلي, من الجهاد والتضحية, مما  يفتخر به.. كان دوما هو الخيار الأمثل, رغم أن بعض الساسة كانوا يستبعدونه, بهدف كسب عواطف الناس, والتلاعب بمشاعرهم, لأغراض الكسب السياسي.. إلا أنه يصبح خيارهم الحتمي, أذ لابديل عنه, إلا الخراب.
الوضع السياسي المتأزم, الذي نمر به هذه الأيام, يجعلنا نفهم, كم نحن بحاجة لقادة من هذا الطراز الرفيع, ممن يستطيع بعقلانيته وحكمته, أن يطوق الأزمات, ويجمع الخصوم, ويقدم حلولا, تحفظ كرامة الجميع, وتحقق لهم, جزأ من مطاليبهم, ولا ينزلق إلى مستنقع التهريج السياسي, وإنفعال مراهقي السياسة.
بناء مستقبل الأمم ونهوضها, يتطلب قادة من طراز خاص, يمتلكون الرؤيا الواضحة, والمشروع المتكامل, المبني على, أسس صحيحة, وتاريخ ناصع البياض.. وأن خيار الوسطية والإعتدال, هو سنة حسنة دوما, فهل من أذن واعية.. أم سنظل, ننعق مع كل ناعق؟!



51
دوما بعد فوات الأوان
المهندس زيد شحاثة
أكره المؤتمرات, والاحتفالات السياسية, لأنها يندر  أن يطرح فيها شيء مفيد, وتقتصر على كلمات مجاملات, للجهة التي أقامت المؤتمر, أو صاحب الذكرى.
بعد سقوط النظام البعثي بأيام معدودة, وبعد يوم من عودة الشهيد الراحل, السيد محمد باقر الحكيم إلى العراق, تهيأت لي فرصة غريبة للقائه, وفي مجلس خاص, ولم يكن لي فضل فيها, إذ حدث أن أحد الأقارب, وهو من الناشطين بمجال حقوق الإنسان, وكان مطاردا, وتزامنت عودته مع عودة شهيد المحراب, فكان أن ذهب للسلام عليه, وتهنئته بسقوط النظام البعثي.
كنت أتصور نفسي, ولأني احمل شهادة جامعية, وعلى مستوى جيد في القراءة والاطلاع بالشأن العام, اني مثقف.. لكن ما سمعته من السيد الشهيد, تغمده الباري برحمته حينها, جعلني أعيد النظر, ولخطورة ما قيل, وأهمية المواضيع التي نوقشت, أحسست نفسي صغيرا جدا مقارنة , بموضوع الحديث والمتحدثين.
من سمع الكلمات التي قالها, المشاركون في مناسبة يوم الشهيد, وهي ذكرى شهادة السيد الحكيم, في العام الماضي, وما تطرقوا إليه, عن ما كان يحمله الشهيد, من أفكار ورؤيا مستقبلية واضحة المعالم, ومشاريع بناء وطن.. يفاجأ جدا, فهل من المعقول أننا خسرنا رجلا, بهذا الحجم العملاق؟!
لو أستبعدنا, نسبة المجاملة في الكلام, ومبالغة السياسيين, فنجعل ما قيل نصف الحقيقة, فان ما تبقى كلام خطير جدا, ويعني أننا شعب نائم.. لا نميز بين قائد حقيقي يحمل مشروع الوطن, وقائد طارئ, ركب الموجة, وعرف كيف يستغفلنا, ويهيج مشاعرنا, طلبا لصوتنا فقط؟!
الوضع الذي نمر به اليوم, وتخبط غالبية قادتنا, وعدم إمتلاكهم لأي رؤيا مستقبلية واضحة, جعلنا نفتقد, وبكل حسرة, تلك القامة العالية, التي ولدت في رحم المرجعية, وامتلكت أفكارا متنورة ومشاريع مدنية, لا يمتلكها حتى دعاة المدنية في يومنا هذا.
حجم المجتمعين وما يمثلون من ثقل, وما تطرقوا له من أفكار للشهيد الحكيم, تتعلق برؤياه لبناء دولة العراق العصرية العادلة, وكيفية بناء المؤسسات, والتوزيع العادل للثروات.. أفكار لطالما ظننتها تصنع في الغرب فقط, جعلتني أفهم.. حجم الرجل, وعظم وفداحة الخسارة بفقدانه.
لكن دوما و كما تعلمنا نحن العرب, لا نعرف قيمة عظمائنا, إلا بعد رحيلهم.. وبعد أن نكون قد حاربناهم أحياء, وقاومنا أفكارهم العظيمة, بعد مماتهم جهلا.. لنعود ونكرمهم, لكن بعد فوات الأوان.


52
كتلة المواطن.. وغلطة الشاطر
المهندس زيد شحاثة
يعتمد الإسلام, في تقييمه لأداء الإنسان, ومدى إلتزامه, بأوامر ونواهي الخالق, على مقاييس وتوصيفات محددة, لكنها ليست موحدة, فكما نقرأ في النصوص القرآنية إيرادها, عدم تساوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون, أو المجاهدين مع القاعدين.
عدم المساواة تلك, لا تستلزم تمييزا أو انحيازا, وإنما تقصد أن هؤلاء, يملكون ميزات وقدرات, تجعلهم بمحل عدم تساوي مع الأخرين, وتجعل مساواتهم ظلما لكليهما.. ورغم أن ظاهر القضية, يجعلها غير عادلة, إلا أن  اختلاف الناس عن بعضهم, يستلزم وضع مقاييس مختلفة, لجعل التقييم عادلا.
رغم أن العملية السياسية في العراق, ولدت عرجاء مشوهة, إلا أن قصر عمرها النسبي, وأحادية تجربتها, تجعل من الحكم عليها, سلبا أو إيجابا غير عادل نسبيا, فعشرة سنوات, لأحزاب قضت أكثر عمرها, معارضة للنظام, تعمل على هدمه ومحاربته.. وتولي حزب الدعوة فقط للحكم, رغم عمله من خلال تحالف سياسي ظاهريا, إلا أن الواقع يقطع ,أنه حكم بشكل منفرد عمليا.. كل ذلك, يجعل تقييم تجربة الإسلاميين كلهم, على أنها فاشلة أو ناجحة, أمرا غير موضوعي أو عادل.
إعتاد مجتمعنا, على قاعدة أن" غلطة الشاطر بألف", وهي مما تسالم عليه الناس.. خصوصا في تقييم, تجربة الأحزاب الإسلامية, وأبرزها ثلاثة.. حزب الدعوة الإسلامية, وما يسوقه من تاريخ, وعشرات الشهداء أعدمهم النظام, بحجة الإنتماء له.. والمجلس الأعلى, وتضحيات أل الحكيم, وما يظهر على أنه الأقرب للمرجعية وتوجهاتها.. والتيار الصدري وما تمثله رمزية أل الصدر, و مقاومتهم المسلحة للإحتلال.. كل هذا يجعل تقييم أدائهم, من قبل الجمهور غير منصف, وربما يخرج عن إطار الموضوعية.
نتيجة للدور المحوري والحيوي, الذي صار على عاتق المرجعية الدينية, بعد سقوط النظام البعثي, وإلتفاف الجماهير حول المرجعية, جعلها تحت الضغط, والمطالبات المزاجية, لمختلف الجماهير وتوجهاتها.. فصار من الطبيعي أن تكون الجهة الأقرب في توجهاتها, تحت نفس الضغط, فصارت كتلة المواطن, الأكثر تعرضا للمطالبات والضغوطات, والمهاجمة من الحلفاء الانتهازيين, أو الخصوم السياسيين.
رغم أن المرجعية, لم تدعم أو تسوق لجهة ما, بشكل علني أو رسمي, إلا أن عامة الناس, صار لديهم قناعة وقبول, أن تيار شهيد المحراب, بل وكل كتلة المواطن, بما فيها من مستقلين وليبراليين.. هو الأقرب للمرجعية, وهو ذراعها السياسي, بشكل ما, ينفذ أفكارها وتوجهاتها غالبا.
هذا القرب من المرجعية, لم يعفه من النقد, بل وصار من يرغب في إنتقاد المرجعية جهلا, أو يحاول مهاجمتها, من اللادينيين أو المتعلمنين الجدد, ولا يجرؤ على ذلك.. يهاجم كتلة المواطن, لعلمه بأنها لن ترد, وأن ما تسوقه من إعتدال ووسطية كموقف, يصعب فهمه من جمهورنا العاطفي, سيسهل مهمته.
لحد الأن لم يتح لتيار شهيد المحراب, أن يطبق مشروعه الذي يسوقه في أدبياته.. وتجاربه الصغيرة, في بعض المحافظات, لا يمكن أن تعطي مؤشرا ومقياسا دقيقا للتقييم, لكن هذا موقف يتحمل هو نسبة كبيرة من مسؤوليته.. فهو يحسب على الشطار.


53
التكنوقراط.. هل يملكون عصى موسى؟!
المهندس زيد شحاثة
يميل غالبا, من يملك تخصصا ما, إلى المبالغة والتهويل, في أهمية ما يملك من علم أو تخصص, لإعطاء مكانة, ولو غير واقعية لعلمه وتخصصه, وبالتالي شخصه.
راجت هذه الأيام ,الاحاديث عن التكنوقراط وحكومتهم, الموعود بها, وأنهم ربما يملكون الحلول لكل مشاكلنا, وأن لا بديل عنهم, ولكن ألا يجب أن نعرف ما المقصود بالتكنوقراط؟!
ببساطة ودون تفاصيل لغوية أو سياسية, هو يشير لتولي الحكم من قبل مجموعة مختصين, بما يتولونه من ملفات أو الوزارات, وهم "في الغالب" بعيدين عن السياسة والتحزب ومستقلين, على أن تكون, الأحزاب الفائزة بالإنتخابات, هي من تضع البرنامج الحكومي, والضامن لها من الإقالة وسحب الثقة.. وما يقال غير ذلك, تهويل وسفسطة إستعراضية.
يصعب أن نجد في العراق شخصا, لا يميل بأفكاره أو هواه حزبيا, مع جهة وتيار ما, أو ضد حزب بعينه.. ويندر جدا أن نجد, شخصا محايدا ومستقلا, بحيث تنطبق عليه, مواصفات "تكنوقراط".. وهذا ليس عيبا, قدر ما هو واقع.
لكي تنجح حكومة بإداء واجبها, وتحقق ما يتوقعه مواطنوها, يجب أن تكون هناك مقدمات وشروط, وإمكانات وظروف.. وبرنامج واضح وواقعي, مبني على رؤيا متكاملة, متفق على خطوطها العامة بالأقل.. فكم يتوفر من ذلك الأن؟ وكم سيؤثر ذلك على نجاح عمل أي فريق حكومي؟!
التكنوقراط  ربما يكونون, هم الحل أو بدايته, لكن هل يمكن أن يعمل, فريق "غير متحزب" بشكل متجانس, وقائد الفريق يحمل, منهجا حزبيا, واضحا ومنحازا لحزبه؟! وهل يصح أن يطلق على هذا الفريق, انه مستقل او تكنوقراطي؟!
ولو إفترضنا ذلك, هل سيملكون عصا سحرية, لإصلاح الوضع, وحل هذا الكم الهائل, من المشاكل التي تعصف من بلدنا, جراء تراكم السياسات الخاطئة للحكومات السابقة, وهول ما خلفه حكم البعث؟!
رغم قلة من يستحق, أن يطلق عليهم وصف قادة, إلا أن مشكلتنا الأكبر, بل وأزمتنا الحقيقية, ليست بهؤلاء, وهم بضعة أفراد ربما.. فمن يدير الدولة, وينفذ سياساتها, ويطبق قوانينها, قادة أصغر في التدرج الوظيفي, رجال الصف الثاني والثالث, في هيكل الدولة ومؤسساتها.
قادة الظل هؤلاء, هم من ينجح الدولة أو يفشلها.. والتكنوقراط لا يملكون عصا موسى, عليه وعلى نبينا أفضل الصلوات, ببساطة لان مثل هذه العصا, ليست موجودة, والحل يكمن في مكان أخر.
من يبحث عن شيء يريد أن يجده, يجب أن يبحث في المكان الصحيح.. أليس كذلك؟!


54
من كان منكم بلا خطيئة.. فليرم السياسة بحجر!
المهندس زيد شحاثة
من السهل على أي مراقب، أن يؤكد أن معظم الاحتجاجات، التي سادت الساحة العراقية، كانت نتيجة لسوء الخدمات، والفساد وسوء الإدارة، وفشل الساسة، في تحقيق ما يحتاجه المواطن من أبسط متطلبات حياته وحقوقه. طبعا إن إستبعدنا منهم، من خرج لتسقيط خصومه السياسيين، أو الضغط على الحكومة لنيل مطالب ما؟!
لو إرتفعنا قليلا، لنحصل على صورة أشمل سنجد أننا لسنا بحاجة لمناقشة، إن كان هناك حاجة، لعملية مراجعة كبرى، وإصلاحات قد تكون قاسية، فهذا مما لا نقاش فيه.. لكننا سنجد أيضا، أن عملية المراجعة والإصلاحات، يجب أن تكون عميقة، وفي أسس العملية السياسية والمجتمع.
كلنا يعلم أن الدولة والحكومة، وأي مؤسسة مهما كانت بسيطة، عبارة عن منظومة، ومجموعة من الأفراد والأليات، التي تحكم عملهم.. وأن فساد فرد واحد، حتى لو كان رأس المؤسسة، لا يسبب بالضرورة فسادها كلها.. لكن تعاون أفراد من المؤسسة، وسكوت أخرين ولاأباليتهم، وانتفاع بعضهم من الفساد، حتى لو لم يشاركوا فيه، سيكون سببا أكيدا لفساد المؤسسة وسقوطها الحتمي.
مطالبتنا جميعا برحيل الفاسدين، ومحاسبتهم عن كل ما سرقوه، ومحاسبة الفاشلين ومن جاء بهم، يدفعنا لنتساءل.. هل عمل هؤلاء لوحدهم؟!ألم يكن لهم أعوان؟ أدوات وأذرع؟ ألا يجب أن نسأل أنفسنا، إن كان لنا دور كمواطنين عاديين، دور في هذا الفساد؟
قد نجد من يبرر سكوت الأكثرية وصمتها، أنها لا تملك القوة أو السلطة، لطرد هذه الشخصيات الفاسدة، بحجة أنها محمية، فلما أعدنا إنتخابهم مرة أخرى؟ وهل إنتقدنا أفعالهم علنا؟ أم كنا نكتفي بالدعاء عليهم سرا مثلا؟!
من يطالب بمحاسبة الفاسدين، يجب أن يكون غير فاسد، فهل نحن لسنا مفسدين في عملنا؟ ونؤديه كما يجب؟ الطبيب في مشفاه، والمهندس في مشروعه ومصنعه، والمعلم في مدرسته، والشرطي في واجبه، بل وحتى بائع الخضروات مع زبائنه؟
أعتقد أن كثيرا منا، لن يجد جوابا، إن سأل نفسه مثل هذه الأسئلة.. وربما سيكتفي بطأطأة رأسه والسكوت.
يروى أن السيد المسيح، عليه وعلى نبينا وأله أفضل الصلوات وأتم التسليم، سمع ضجة وجمهورا يهلل، فسأل عن الخبر، فقيل له أن إمراة زانية يراد أن ترجم، والكل يتجمع ليشارك بعملية تطهيرها، فتقدم للجمهور، وقال لهم " من كان منكم بلا خطيئة، فليرمها بأول حجر".. تقول بعض الروايات انه لم يتبق أحد؟!
هل سمعتم بالحديث الشريف" أن ... لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"؟ ماذا عن الحديث الذي يقول" لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، أو لأسلطن عليكم شراركم"؟


55
النجف الأشرف.. الشخصية التي حاولوا طمسها
المهندس زيد شحاثة
تختلف المدن عن بعضها, بشخصية معنوية, تميزها عن بعضها.. ولا يسهل فهم تلك الشخصية, إن لم يتم سكناها لمدة كافية, ومعاشرة أهلها والتعامل معهم, وهضم طبيعتهم وعلاقاتهم الإجتماعية, وتفاصيل حياتهم العامة.
تنفرد النجف الأشرف, بخصائص, يندر أن تجد مثلها في بقية مدن العالم, فسبب تأسيسها ووجودها, كان أختيارها من الإمام علي أبن أبي طالب, عليه وأله أفضل الصلوات, لتكون مرقدا له, ولاحقا لشيعته ومحبيه, ثم إنتقال الشيخ الطوسي, في القرن الخامس الهجري, وتأسيسه للحوزة العلمية, بالإضافة إلى صفات تاريخية وجغرافية كثيرة.
كل ذلك جعلها مدينة علوم دينية وآداب وشعر, ونشاط فكري بمختلف أنواعه, وصار طلبة العلوم الدينية, والأدباء والشعراء, أو من يعمل في التأليف والطباعة ونحوهما, هم الوجه السائد في المجتمع.. وصارت المدينة, مصدرا للعلماء الفطاحل, ومنجما للأدباء والشعراء, وكثرت فيها المجالس الدينية والأدبية, حتى صار المواطن العادي فيها, على مستوى ثقافي قد لا تجده في بقية المدن, وحتى القريبة منها.
هكذا حراك فكري, ينتج وبشكل منطقي, بيوتا تمتاز بعلم ما وتشتهر به.. فصار الناس يسمعون, بأل الحكيم وأل بحر العلوم وأل الصدر, وأل كاشف الغطاء وأل الغريفي, وغيرهم كثير, كبيوتات إشتهرت بتعاطي العلوم الدينية, وبرز منها علماء خلدهم التاريخ لنبوغهم.. وصرنا نسمع بأل الفرطوسي وأل جمال الدين, وغيرهم كثير, كبيوتات تتعاطى الأدب, وغيرهم ممن يتعاطى علوما وآدابا, لا يسع المقام لذكرها.
هذا البروز دفع الأنظمة الحاكمة, وخصوصا الظالمة منها, للتعامل مع المدينة بكل قسوة ودموية, وتكرار المحاولة تلو الأخرى, لسحقها وتدميرها, وطمس هويتها العلمية والأدبية, وخلق شخصية جديدة لها, ونتيجة لما تعرضت له من بطش, والعدد الكبير من الأضاحي الذي قدمته, مالت للإنغلاق على نفسها, وصار مجتمعها أكثر تعقيدا من غيره.
لمن يريد أن يدرس, دور أسرة  كأل الحكيم, أو أل الصدر, أو بحر العلوم أو غيرهما, وما قدمته من علوم, وشخصيات فذة كان لها أعظم الأثر, في الإسلام والبشرية, يجب أن يفهم كل ما ذكر, من معطيات وظروف.. لتكون دراسته أقرب للمصداقية, ويجب أن يفهم أيضا, معنى أن تقدم أسرة العشرات من أبنائها, شهداء على يد أنظمة الحكم, كما حصل مثلا مع أسرة أل الحكيم, عندما أعدم عشرات من أبنائها دون ذنب, سوى أنهم طلبة علوم دينية, ولم يرضخ علمائهم لرغبات الطغاة.. وهل يمكن أن يفهم شعور سيدة, أعدم زوجها وكل أبنائها, وأربعة من أحفادها الصغار معهم؟!
هل يمكن أن نتصور شعور طفل, ولد في جو من الرعب والخوف, لأن جيرانه من" السادة" أعتقلهم الجلاوزة, وبقيت جدتهم العجوز وأمهم المرعوبة وطفلتهم الصغيرة؟ أو يمكن أن نفهم إحساس طفل, يخاف الخروج للشارع لأنه يمكن أن يعتقل, وهو لا يعرف ما تعنيه تلك الكلمة؟!
ليس سهلا صدقوني, فمن لم يعش تلك اللحظات المرعبة, لن يفهم أبدا.. لن يفهم, ما عاشته النجف, وكيف تكونت شخصيتها الحالية.



56
نسائلكم.. قبل أن يحاكمكم التاريخ.
المهندس زيد شحاثة
دوما يختار الناس, من يمثلهم أو يتحدث عنهم, ليكون مدافعا عن حقوقهم, ومطالبا بما سلب منها..ونادرا ما نجد, أن من يتم اختيارهم, ينجحون في تحقيق, كل ما تم اختيارهم لأجله.
الإنسان بطبيعته, لا يرضى بسهولة, بل ولا يرضى عن إختياراته الشخصية, التي سبق أن قام بها, لأنه ببساطة يسهل خداعه, مع انخفاض مستوى الثقافة, والجهل بالحقوق, وترك الواجبات وتضييعها, أو تغيّر احتياجاته.
يميل العراقيون بصفاتهم العامة, إلى التسليم بقدرية, لا علاقة لها بالتسليم بمقادير وأحكام الخالق, وربما جعلوها حجة لهم, للجلوس أحيانا, انتظارا للفرج, وتبدل الحال, متناسين أن تغيير الحال بدون أفعال..محال.
رغم أن العراقيين, شعب صعب الإنقياد, دائم المعارضة والجدال, ربما لغناهم الفكري والعقائدي, إلا أن ذلك لم يمنع, ترسخ ميزة شخصية لدى بعض الأفراد, بالطاعة العمياء, للرئيس والحاكم, والقائد والمدير.. عادلا كان أو ظالما, وأن تلك الطاعة من ضروريات الدين, وإن نصره والدفاع عنه, وعن قيادته, نصر للدين والمذهب؟!.
إحتوى تراثنا على قواعد خاطئة, صارت من المسلمات على مر الزمن, فلا ترابط بين المكافأة ومقدار الجهد, وعدم التدبر من تجارب الماضي, بغض النظر عن ماهيته, والعيش على قصص التاريخ المجيد, والتهرب من الأفكار الحالمة, لأنها مضرة بالصحة..والوطن.
مع كل هذا التراث, وتراكماته وإسقاطاته داخلنا, هل يحق لنا أن نسأل من اخترناهم للدفاع عن حقوقنا هذه الأيام..ممثلينا المنتخبون, أين هي انجازاتكم وما الذي حققتموه لنا؟ أين هي بطولاتكم أيها الفرسان؟ أين انتم مما يجري؟.
هل فعلا أنتم تمثلوننا, أم أن هناك لبسا في الموضوع؟ هل أن عدم تقديركم لحجم الخطر المحدق بنا, وسكوتكم عن تحكم حفنة منكم بنا وبكم..هو ما وفقتم له؟ وأين ما وعدتمونا به, وما نريده منكم؟
هل تعرفون حقا ما نريده؟.
إلا تظنون أن من يمثلنا حقا.. أناس أصحاب أفعال.. لم يترددوا لحظة, في تقديم أنفسهم ودمائهم.. ولازالوا يقدمون اليوم, على مختلف جبهات الكرامة, ولستم انتم بأقوالكم الجوفاء وكراسيكم الفارغة..الغارقة في دمائنا؟.
الا تعتقدون سادتي يا فرسان الأقوال, أنكم لم..ولن تمثلونا يوما؟
نسائلكم الآن فأنتبهوا..وإلا سنحاكمكم نحن..والتاريخ غدا.

57
بعض ساستنا..هل هم أغبياء أم يستغبوننا؟
المهندس زيد شحاثة
تتنوع طرق التنافس في عالم السياسية, فبعض الأحزاب يركز على ما يحققه من نجاحات, خلال إدارته لعمل الحكومة, أو لوزارة أو مفصل ما, محليا كان أو وطنيا, وأخر يركز على فشل المنافسين, وما يمكن أن يقدمه لو كان هو في محلهم.
بعض الأحزاب وشخصياتها, تكتفي بالتركيز على تصيد أخطاء الأخرين, حتى لو كانت شخصية, ولا علاقة لها بالعمل أو المهمة المناطة به, وهو أسلوب بدأ ينتشر, لعدم امتلاك هذه النماذج, لما يمكن أن تقدمه للوطن والمواطن. ورغم شيوع هذا الأسلوب, إلا أنه لازال ممقوتا ومحتقرا.
بعض تلك الأخطاء قد تكون حصلت, وبعضها قد يكون مختلقا وكاذبا, لكن الأثر لكليهما يحصل.. ومشكلة الموضوع الاخطر, تتعلق بأثره على الجمهور, وهذا ما يمكن ملاحظته في نظامنا السياسي الأعرج.. فشخصيتنا العراقية, تقيس الأمور بعاطفية غالبا, رغم أنها لاحقا قد, تحتكم إلى عقلانيتها, بعد أن كانت, اتخذت موقفا أوليا, محكوما بتأثرات انفعالية, رغم ذكاء تلك الشخصية, وصعوبة خداعها, إلا أنها سريعة التأثر.
من أسوء نتائج, ما مارسته  تلك الأحزاب والشخصيات, ضد بعضها الأخر, دفعها للمواطن لفقدان الثقة, بكل السياسيين, بل وبالعملية السياسية برمتها, وبالرغم من أن بعض أخطاء ساستنا, مما لا يمكن السكوت عنه, وفضائح الفساد الموثق, فاقت حدود الصبر, إلا أن البديل عن تلك العملية السياسية, على عيوبها, لن يخرج عن دكتاتورية, ستخلق صداما جديدا, عاجلا أو أجلا, ولو بثوب إسلامي.
إن لم تتدارك الأحزاب والتيارات المشاركة, هذا الخطر, وتوقف تلك الألعاب الصبيانية, وتعالج الأخطاء, بعد أن تعترف بكل شجاعة بأخطائها, فستصل بالعراق وعمليته السياسية, إلى حال لا يمكن إصلاحه.
الأخطاء يمكن أن تحصل, ويتقبلها الشعب وينساها, لكن الإصرار على الأخطاء, وإستغباء الشعب, هو غباء بحد عينه وإنتحار سياسي جماعي.


58
العراق والجلوس على مصطبة الاحتياط.. إلى متى؟
المهندس زيد شحاثة
منذ فجر التاريخ, كان العراق مهدا ومقرا, لعدد من الدول والحضارات القوية, التي جعلته يحتل مكانة متميزة, في الإقليم والعالم, وكانت قوة تلك الدول تستند إلى موقع إستراتيجي, ووفرة من الثورات الطبيعية, وقدرات بشرية لها ميزات, تختلف كثيرا بصفاتها عن باقي الأمم, رغم تعددها وتنوعها.
شهدت العصور المتأخرة, إنكفاء لدور العراق حتى أقليميا, وبقي مشغولا بمشاكله الداخلية وأزماته, حتى أصبح مسرحا لحروب الأخرين, ومكانا لتصفية حساباتهم, رغم إزدياد أهميته, لأسباب  أخرى حديثة, كطرق التجارة الجديدة, والتوترات السياسية والمشاكل, بين القوى العالمية التي ظهرت مؤخرا, والتي ربما تربطها علاقات بالعراق, تمكنه من لعب دور مهم وتكوين نفوذ له.
معظم الحكومات المتعاقبة, ومنذ العهد الملكي ربما لغاية حكم البعث المتسلط, لم تفعل شيئا بهذا الاتجاه, وكان يتوقع بعد إنهيار النظام السابق وبدء العهد الجديد, أن تطور نظرية إستراتيجية, حول دور أقليمي ومحوري للعراق, وحتى موقع عالمي مؤثر.. وتعمل على تنفيذها, بخطوات مدروسة ومحسوبة, تسندها سياسة داخلية وخارجية, متماسكة ومتوازنة وقوية.
 ما حصل أن التراجع أزداد، حتى أصبحت اضعف الدول شانا، سياسيا وإقليميا ,هي من تتدخل بشؤون العراق وتملي أجندتها عليه وعلى وضعه العام.. فهل يفتقر العراق لمقومات هذا الدور ومتطلباته؟ أم أن الوقت لم يحن ليكون لاعبا أساسيا في المنطقة والعالم؟
يمكن للعراق لعب هذا الدور.. فإضافة لإمتلاكه المقومات, معظم اللاعبين الإقليمين, ليسوا بمستوى إمكانياته وقدراته, أو نفس الموقع الجيوسياسي, أو العلاقات المتشعبة  مع دول المنطقة, ومختلف قومياتها ومكوناتها ,فأين المشكلة أذن؟
ربما التشخيص الظاهر والواضح, هو في دور قادة العراق الجدد, وأنشغالهم بأمور ومصالح صغيرة وأنية, وعدم إمتلاكهم رؤية واضحة وصحيحة,  لإعطاء العراق دوره الحقيقي, أو ربما هي رغبة لإنغلاق العراق على نفسه, تؤيدها وبقوة, بل وبتدخل مباشر, دول أخرى تحاول أن تشغل مقعد العراق, لأنه المرشح الأفضل لشغل الموقع, وتحقيق كثير من التوازنات, ويمكنه تغيير  الحسابات, والمعادلات الإقليمية في الأقل...فأين ساستنا من كل ذلك؟
إن وقوف المواطن العراقي, في حدود أي دولة, والمعاناة وطريقة التعامل, تجيب بكل وضوح, وتقدم مقياسا مبسطا, عن مستوى وقوة الدور, التي تلعبه الدولة العراقية في الإقليم, و المكانة التي ينظر بها الأخرون.. إلينا كبلد.
إقتناص كل الفرص, والتعامل مع الأخرين بالمثل, وبناء علاقات إقليمية ودولية متوازنة, وبشكل متزامن مع حل المشاكل الداخلية, وبأسرع وقت ممكن, هو بداية الحل.. وإلا بقينا جلوسا على مسطبة الاحتياط, محكومين بموازنات ومعادلات, لا دور لنا فيها, أو لا نستطيع التحكم بدورنا فيها حتى أو موقعنا.
بقائنا بهذا الحال, سيدخلنا في دوامة من الأزمات المتلاحقة, ولن تكون لنا أفعال, وإنما مجرد ردود أفعال.. إن تمكنا من ذلك!


59
الأحزاب السياسية وجمهورها.. وحلم بناء دولة
المهندس زيد شحاثة
تتميز الأحزاب السياسية عن بعضها, بكثير من السمات والميزات, تتعلق مبادئها وأهدافها, أو بأسباب تأسيسها.. لكن هناك تميزا أخر, ربما قد يبدوا غريبا, يتعلق بجمهور هذه الأحزاب, وإختلافه عن بعضه الأخر, وخصوصا في العراق.
جمهور الحزب الشيوعي, أو اليساريين عموما, بمعظمهم ليسوا ممن يتجاهر بتدينه, ويغلب عليهم الثقافة والأدب والشعر, فيما جمهور التيار الديمقراطي, أو ما يسمون انفسهم الليبراليين, تطغى عليهم فكرة التشبه بالغرب, وأفكاره وتقاليده, وحتى ما يتعلق منها بالمظهر أو الشكل, وإصرارهم على  تطبيق علمانية, ربما لا يعرفون هم ماهيتها.. وكلا الجمهورين, يمثلان أقلية في الشعب العراقي.
صاحبة الجمهور الأكبر, هي الأحزاب الإسلامية.. فكتلة المواطن, جمهورها في أكثريته, إسلامي وبمستوى فوق المتوسط من الثقافة, وفيه تيار شبابي لابأس به, يليه التيار الصدري, ويغلب عليه الطابع الشبابي, وجلهم من الإسلاميين البسطاء, ولديه نخبة صغيرة عالية الثقافة, وأقلهم جمهورا هو حزب الدعوة, الذي بقي يعيش على أمجاد, الشهيد محمد باقر الصدر, وجمهورهم حالة خاصة.
أعدم نظام الطاغية صدام, الألاف من الإسلاميين ومن غيرهم, ومن المواطنين المسالمين, ممن ليس لهم أي انتماء سياسي, بتهمة الانتماء لحزب الدعوة.. فصارت تهمة " الإنتماء لحزب الدعوة", عنوان كل معارضة, لنظام الطاغية البعثي, حتى لو كانت شيوعية!
بعد سقوط نظام صدام, ونتيجة لما سبق, ولتوازنات سياسية, لا علاقة لها بالمنطق, و وإبتزازت سياسية, تسلم قادة حزب الدعوة, السلطة والحكم في العراق, وصار لهم جمهور عريض, في ظاهره.. وخصوصا  مريدي قياديه أو رموزه.
ولأننا من مجتمعات العالم الثالث, لازال ربع ناخبينا أو أكثر, يصوت لمن في السلطة, فهو قوي.. وسيبقى هذا الحال, ما دمنا كمجتمع, نرى أن من يسرقنا في الليل "يحوفنا", هو رجل شجاع وبطل؟!
إرتفاع نسبة الفساد, إلى درجة أن عدم الفساد صار هو نسبة والفساد أصلا للمقارنة, وقيام الفاسدين بحملة, ومن خلال جيوشهم الإلكترونية, وقنواتهم الإعلامية, لخلط الأوراق, وتشويه الحقائق, فتاه الفاسد من النظيف, إن تواجد مخلصون أصلا.. فصار الكل يخوض في مستنقع الفساد, حتى لو لم يكن فاسدا أو له علاقة بالموضوع.
كل ذلك جعل من يفكر بالمشاركة, في أي انتخابات قادمة أقلية.. وهذا سيدفع تدريجيا لإفراغ العملية السياسية, وإصلاح النظام, ومشروعة بناء الدولة, مجرد حلم, أم هو وهم؟




60
فسعوهم بأخلاقكم.. إن كنتم تزعمون
المهندس زيد شحاثة
نسمع كثيرا خلال عمليات التفاوض, بأن الأجواء كانت إيجابية, أو أنها كانت عكس ذلك, فما هو المقصود بذلك؟
يقول المختصون, أن هذا المصطلح يستخدم, للإشارة إلى أن الخلافات, بين المتخاصمين السياسيين, لازالت لم تحل, لكن الطرفين وما يحيطهما, من مقدمات وظروف ورغبات, تتجه للإيجاب, يؤيدها رغبتهما الحقيقية, للوصول لحل.
يذكرون كذلك أن تلك الأجواء المحيطة, مؤثرة جدا, وربما تكون حاسمة, في حل القضية, أو وضعها على الطريق الصحيح, والتقليل من أثارها السلبية, فهي ستحدد الطريقة الذي سيسلكه الطرفان في حسمها.
دوما تكون القضايا التي تخص الشعوب خطيرة, ولا يسهل التعامل معها, لأن نتائجها لا تمس فردا, ولا يمكن تعديل أو معالجة, أضرار الأخطاء التي تحصل.. هذا ما يجعل وظائف الخدمة العامة, والتصدي للمسؤوليات القيادية, عملا مرعبا وخطيرا, ولا يجب أن يتصدى له كل من هب ودب.
لاشك أن العام الحالي, سيكون عاما شاقا وصعبا, على العراق وشعبه, إقتصاديا وامنيا, وبالتأكيد اجتماعيا, للتأثير المتداخل للقضايا.. فنحن بلد نفطي, ولا نعرف موردا أخر غيره, وقد إنهارت أسعاره, على الأقل هذا ما جنيناه على أنفسنا, بفضل حكوماتنا السابقة.
رغم التضحيات الجسيمة التي يقدمها أبناءه, في حربهم ضد الإرهاب ومن خلفه, بعقيدة راسخة, أطرتها فتوى المرجعية العظيمة, بالجهاد الكفائي, إلا أن هذا لا يعني أن الموت ليس مؤلما, أو أن هذه الحرب بدون تبعات أو ثمن باهض جدا, وهذا ما سيخلق جوا صعبا.
يصاحب ذلك, ضيق وركود إقتصادي شديد, زرع الخوف في قلوب كل الناس, وجعل نظرتهم للمستقبل سوداوية, ولأغلب الأمور.. وربما نظرتهم فيها شيء من الواقعية, لكنها لمرحلة محددة, فالأمور ستنفرج, أجلا أو عاجلا, ولو نسبيا.. ناهيك عن المشاكل الإجتماعية المتراكمة, منذ حكم نظام الطاغية, وما أضافته أخطاء الحكومات المتعاقبة, بعد سقوط هذا النظام.
في حديث لصادق أهل البيت, عليه وأله أفضل الصلوات, يحمل بين طياته, فكرة رائعة, لمن يعقل, يشرح التكافل الاجتماعي ومراتبه, يقول (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم, فسعوهم بأخلاقكم), للدلالة على أهمية خلق الجو الإيجابي, والتعامل بلطف, حتى مع رد الحاجة, والإعتذار عن قضائها.
الظرف الذي نمر به, سيتطلب من الدولة, إتخاذ إجراءات سيكون بعضها ضاغطا على المواطن وصعبا, لكن أن يرافق ذلك, حرب أعصاب, بتصريحات, تهدده برزقه وحياته يوميا, على شكل تسريبات و تصريحات أو مقترحات, فهل مطلوب موت المواطن, ألف مرة يوميا؟!أو لا تزعمون أنكم جئتم لخدمته؟!
ما يجب أن يفعل فليفعل, لكن أوقفوا تصريحاتكم المتضاربة, التي تحبط الناس, فنحن في حالة حرب, وحاسبوا من يخالف ذلك, فهو يقاتلنا في عمق مجتمعنا.. وأخلقوا جوا إيجابيا متفائلا, داخل المجتمع قدر الإمكان, فالحرب ينتصر فيها, من جبهته متماسكة أكثر.

61
الزبيدي.. بين الإنتقاد الموضوعي, والتسقيط القذر
المهندس زيد شحاثة
لا ينجوا إنسان من نقد يتعرض له, وهذا طبيعي جدا, فهو ليس كاملا بطبيعته, وهو يميل أيضا لأن ينتقد الأخرين, متناسيا عيوبه.
تزداد تلك الإنتقادات, كلما كان الشخص معروفا, أو متصديا لشأن عام, أو في منصب كبير مهم, وهذا يمكن أن يكون طبيعيا, إن علمنا أن هناك خصوما سياسيين له, أو لحزبه وكتلته, أو  ربما يختلفون معه في مواقف سياسية, أو غيرها.
أحيانا تكون تلك الإنتقادات, حقيقية  ومنطقية, رغم أنها ليست بالضرورة صحيحة, وإنما لإختلاف وجهات النظر, وكيفية تفسير المواقف, والمصلحة  المتحققة منها.. لكن أحينا تكون, تلك الانتقادات غير حقيقية, ولامعنى لها, وإنما مجرد محاولات لتسقيط الشخصية, والنيل منها أو من الجهة التي تنتمي إليها.
معظم حملات الإنتقاد, التي تشن في واقعنا السياسي العراقي تسقيطية, حتى أختلط الأمر على المواطن العادي, وضاعت الأخطاء الحقيقية, وسرقات الفاسدين, وسط هذا الكم الهائل من التخوين, والهجوم المتبادل بين مختلف الجهات.
ما يثير الريبة حقا, أن النقد الذي يوجه لشخصية سياسية ما, يكون على شكل حملة منظمة, وتنطلق وتدار, من مواقع معروف تابعيتها لجهات حزبية منافسة, ورغم أن العراقيين, شعب لا يسهل خداعه, لكن كثرة القضايا, والتزوير والتدليس الذي يمارس, يؤدي إلى تشكيك الناس بكل شيء, وهذه نتيجة خطيرة.. فعندها يفقد الناس ثقتهم بكل الجهات وكل الشخصيات, ويضيع السراق والفاشلون الحقيقيون في وسط الفوضى.
تشن هذه الأيام حملة, لتسقيط, وزير النقل السيد باقر الزبيدي, ومن المنطقي القول, أن الرجل ليس معصوما, وربما أرتكب أخطاء.. مع الأخذ بنظر الاعتبار, توليه أكثر من حقيبة وزارية, خلال الحكومات المتعاقبة.. ورغم أن من يعمل يرتكب الأخطاء, وكان يفترض بمن يريد مهاجمته أن يركز على تلك الأخطاء, إن وجدت, إلا أن منظمي حملة مهاجمته, إستخدموا ومع الأسف, وقائع وقضايا, كانت في غالبها مزورة أو كاذبة, وبلغة هابطة, ومليئة بالإسفاف.
رغم أن التزوير يكتشف فورا, لكنه يسبب إرتباكا في أذهان الناس, ومن الواضح أن مهاجميه من جهة بعينها, ومرتبطة بكونه , أحد عرابي تشكيل حكومة السيد العبادي, وعدم التجديد للسيد المالكي لولاية ثالثة.. فهل هذا هو السبب الحقيقي؟ أم أن المقصود هو الجهة التي ينتمي إليها السيد الزبيدي؟
من الجميل ما نشاهده, من قلة من السياسيين, وهم ينتقدون بشكل مباشر, ويستخدمون لهجة قوية, لكنها مهذبة, لا تخرج عن حدود الأدب والأعراف, وتهدف المحافظة على حقوق المواطن, وبناء البلد, لا تستهدف الأشخاص, لأن أغلبية ما يجري في ساحتنا السياسية, يختلف عن ذلك, وربما يؤسس لثقافة جديدة, سيئة جدا وخطيرة.
الانتقاد سلاح ديمقراطي مشروع, لكن أن يتحول إلى حملات تسقيط انتقامية قذرة.. فهذا دليل ضحالة مستوى من يقوم به.


62
بعد مرور سنة.. أين العبادي وإصلاحاته الإستراتيجية؟
المهندس زيد شحاثة
في تصريح نشر قبل فترة, للقيادي في حزب الدعوة, السيد وليد الحلي, وضمن كلام مطول, قال ما معناه " أن إصلاحات السيد العبادي استراتيجية , وقد حققت أهدافها".
من المشهور عن قادة حزب الدعوة, حبهم وإجادتهم للخطابة, وتفننهم في إطلاق المقولات الرنانة, وإختيارهم لكلمات ضخمة المعنى ومعقدة, ومنذ عهد المعارضة, وحتى توليهم سدة الحكم.
يعرّف المختصون بعلم التخطيط والإدارة, كلمة " الإستراتيجي", بأنها خطط محددة بمدى بعيد أو مهتم بالمستقبل, ولا يتعلق بالقضايا, أو الشؤون قصيرة المدى, أو التي تتعلق بموضوع أني أو مرحلي.
سبق أن  أصدر السيد العبادي عدة حزم من الإصلاحات, وكانت في معظمها بعناوين براقة, وتبدوا كبيرة المحتوى والأهمية والأثر, لكنها واقعا كانت شيئا أخر.. فأغلب تلك الإصلاحات, كانت تحتاج قوانينا لتسن, لكي يمكن تطبيقها, بل إن بعضها يحتاج لتعديلات دستورية, وكلنا يعلم مدى صعوبة ذلك؟!
إجراءات أخرى بقيت حبرا على ورق, على الأقل لحد الأن, كتقليل حمايات المسؤولين, وإلغاء المناصب  الزائدة, وترشيق الحكومة ومؤسساتها, أو كانت شكلية من دون أثر حقيقي, وخصوصا إن تذكرنا, أن الهدف الحقيقي لتلك الإصلاحات, على الأقل كما أعلن, هو محاربة الفساد, وإيقاف النزف المالي للبلد, فلم نشاهد أثرا حقيقا, يدل على تحقق هذين الهدفين, ولو بأي نسبة!
ربما  يمكننا القول, أن بعض الإصلاحات, حقق إنجازات معنوية, لتخدير مزاج الشعب, كإقالة نواب رئيس الجمهورية, نتيجة لموقف الجمهور السلبي منهم, خلال توليهم مناصب تسنموها سابقا, وما حصل خلالها من فساد وفشل, وتدهور في الوضع العراقي.
هكذا تصريحات, تذكرنا بأخرى مماثلة, خلال فترة حكم السيد المالكي, وكيف أنبرى قادة من حزبه وكتلته, للدفاع عنه وعن مواقفه, وهذا الدفاع مقبول بداية, إلا أن بعضهم تمادى, وذهب بعيدا في ذلك, حتى أوهموه أنه أقترب من العصمة, ودفعوا الرجل دفعا ربما, لينفرد وحده بكل المسؤولية, وما رافقها من أخطاء كارثية, لأغراض تتعلق بمصالحهم الخاصة.
تفرد شخص ما بالسلطة, تحمل جوانيا إيجابية رغم قلتها, كقوة القرار, ووضوح من يتحمل مسؤوليته, وقدرته على متابعة تنفيذه, لكن سلبياته لاتعد ولا تحصى, بما يفقد تلك الإيجابيات قيمتها.. ونحن من نرى لحد الأن, أي من إيجابيات هذا التفرد, وعشنا كل سيئاته.
العراق ليس بحاجة, من جديد لرجل, دكتاتور منفرد ومستبد برأيه,  فقد شبعنا وجربناه لمدة خمسة وثلاثين سنة, وثمان سنوات عجاف.. وإنما نحتاج رجلا قويا, لا يخاف من مشاركة الأخرين أو إستشارتهم, ولا يتردد في إصلاح الأخطاء, ومعاقبة الفاسدين, بغض النظر عن انتماءاتهم.

63
حملة تسقيط يقودها صاحب بيت من زجاج!
المهندس زيد شحاثة
كلنا يتذكر تلك الأيام السوداء, أبان حكم شيطان البعث المقبور, وماعانيناه من ظلم وتجبر, وقتل لألاف الشباب, وعشرات العلماء, طالهم ظلم النظام, وغيرهم العشرات تشردوا, لمحاربة النظام وتعريته, أو طلبا للنجاة بأرواحهم وعوائلهم.
كانت أخبار المعارضة, تصلنا عن طريق بعض الإذاعات الإسلامية غالبا, بحكم إسلامية اغلب تلك المعارضة, وإذاعات عالمية بين حين وأخر, كانت تركز على نشر أخبار الكرد وتحركاتهم, وبعض المستقلين.
لم تخلوا المعارضة الإسلامية, من خلافات وخصومات, تتعلق بمرجعيتة تلك الأحزاب, أو طريقتها في التعاطي مع الجهاد ضد النظام, بغرض إسقاطه, وأحيانا طلبا للمغانم والمكاسب, وكانت تلك الخلافات, تصل حد الانشقاقات والتشرذم, لبعض التشكيلات.
كان خلاف أجنحة حزب الدعوة, فيما بينها, وخلاف جناحها الرئيسي, مع المجلس الأعلى الإسلامي, هو الطاغي على ساحة المعارضة, لما امتلكه حزب الدعوة من صيت وسمعة, بحكم إعدام النظام لعشرات العراقيين بحجة الإنتماء لحزب الدعوة, وإعدام العشرات من أسرة أل الحكيم, وسجن الباقين منهم, والتحرك الدولي, والعلاقات المهمة, التي إمتلكها الشهيدان, السيدان مهدي ومحمد باقر الحكيم, نجلا مرجع الشيعة العظيم السيد محسن الحكيم.. وما سبباه من أذى, وحرج وضغط دولي على النظام, وفضح كل جرائمه, يضاف لها عمليات كانت تستهدف النظام, بشكل سبب له الأذى.
لم يتوقف هذا التنافس, بعد سقوط نظام البعث, وتشارك الأحزاب الشيعية للسلطة, إلا أنه اتخذ منحا أخر, خصوصا بعد إبتعاد الكثير من الدعاة المؤسسين, وبروز شخصيات كانت ثانوية, وأخرى لا علاقة لها بالحزب أصلا, أو ممن يمتلكون صلة قربى, أو علاقة مصالح, بأحد قيادات الحزب الجديدة, وتوليها لمناصب مهمة في الحزب.. وتحول التنافس, إلى عمليات تسقيط قبيح, تجاوز حدود التنافس السياسي.
إنتقلت عملية التسقيط, إلى مرحلة جديدة, بعد فشل السيد المالكي, في الحصول على ولاية ثالثة, وتشكيل حكومة برئاسة السيد العبادي, كان عراب تشكيلها المجلس الأعلى وحلفائه.. وصلت حد الحرب الشاملة, بألة إعلامية ضخمة, وبكوادر متمرسة, مولت معظمها من المال العام, ولم تكتفي تلك الحملة, بوزراء المجلس أو تنفيذيه, بل وطالت السيد العبادي, وهو من قلب حزب الدعوة, وكان إلى زمن قريب, من مقربي السيد المالكي, لكن ونكاية بالخصم القديم, طاله التشهير والهجوم المقذع.. بل وطالت حتى المرجعية, التي طالبت حزب الدعوة وبشكل صريح, أن يغير مرشحه لرئاسة الوزراء.
تلك الحملة وكما يبدوا, ليس مخططا لها أن تتوقف قريبا, رغم أنها أضرت بالشارع الشيعي, وقوة مفاوضيه مع بقية الشركاء, دون أن يفهم من ينفذها ويديرها, أن الضرر سيطالهم قبل غيرهم.
رغم أن الأحزاب كلها, إرتكبت كثيرا من الأخطاء, إلا أن حزب الدعوة, وخصوصا جناح السيد المالكي, هو صاحب الموقف الأكثر هشاشة, بما يخص ملفات الفساد والأخطاء, فهو تولى السلطة لثمان سنوات, وفي فورة أسعار النفط.
قيل قديما, أن من بيته من زجاج لا يجب أن يرمي الناس بالحجارة.. لكن الحجارة هذه المرة. طال ضررها الشعب كله, وليس صاحب البيت الزجاجي.


64
ما لا يفهمه إلا الأب
المهندس زيد شحاثة
يمر الأنسان بمواقف صعبة جدا, ورغم أنها تمضي وتمر, إلا أنها تبقى مرّة حتى عند تذكرها, بل وأن بعضها مما يستمر ألمه طويلا.
مما لا يمكنني نسيانه, هو ما حصل مع ولدي الأكبر, وكان لازال صغيرا, حيث كان يلهو  قرب أمه, إلا أنه وفي لحظة غفلة, أخذ سلكا مما يستخدم في شحن السيارات, وأدخله في مقبس الكهرباء, فتعرض لصعقة شديدة لم تنتهي, إلا بإنقطاع التيار عن البيت كله.
سببت تلك الصعقة, حروقا بكلتا يديه, وهو لطف رباني, فوق ما أتصور أو أستحق, فنجاته من هكذا حادثة, كان أقرب للمستحيل, لكنه قدر ولطف.
وقت حصول الحادثة, كنت عائدا للتو من أيفاد عمل خارج العراق, وكان أخي قد أسرع به إلى المستشفى, وأسعف الحروق الشديدة التي حصلت بكلتا يديه, وهي إصابة تتطلب, أن  يستمر علاجها فترة طويلة, ولإمتلاكي خبرة في الإسعاف الأولي والضماد, فقد توليت تضميده لشهر كامل.
من يعرف شيئا عن الحروق, يدرك أن تضميدها, يتطلب إزالة جزء من اللحم الحي, بالغسل بسوائل خاصة, وتغطيتها بدهون واقية ومضادة للإلتهاب, وتحتاج رعاية مستمرة, وهي من الإصابات المؤلمة جدا للمريض, فكيف إن كان طفلا؟!
يوميا عشت معاناة لا يسهل تصورها, فولدي يصرخ ويبكي ألما, ويتوسل لكي أتركه, حتى لو مات من حروقه على بساطتها, وأمه تبكي وتصرخ, وتفقد ما تبقى لها حكمة, تريد أن أتركه, لأنه لا يستطيع تحمل ألم التنظيف والتضميد, وبعد أن أنتهي, يهدأ أبني وأمه, يقبلني هو شاكرا, وتعتذر أمه عما قد قالته, دون وعي ولم أسمعه أصلا, فلم أكن مصغيا لها.
 بعد خروجهما, أبقى وحدي في غرفة الضيوف, حيث كنت أضمده, ورغم الجلد والصبر الذين أملكهما, كنت أبكي بشكل هستيري, لأني لم أستطيع أن  أخفف شيئا من ألم ولدي, وأتعجب من نفسي, كيف تحملت ألمه, ولم أفعل له شيئا؟!.
 لازالت أتذكر هذه الأيام ولن أنساها, رغم ما تفضل به الباري علي, من شفاءه ولدي, إلا من أثار بسيطة على يديه, لكن أكثر ما كان يجعلني أعيش تلك اللحظات مرة أخرى, كان حضور مجالس الحسين, عليه و على أله أفضل الصلوات, وخصوصا عندما يذكر الرواة, رمي الإمام بنفسه, بدون النزول من فرسه, على ولده علي الأكبر, وهو مقطع إلى أشلاء.
أفهم جيدا أنه إمام معصوم, وله من القدرة الذاتية والصبر وغيرها من الصفات, ما يجعله إنسانا غير عادي, لكنه أب.. هل يمكن فهم إحساس أب, وهو يرى ولده مقطعا, تغطيه دمائه, وهو عاجز أن يقدم له, حتى شربة ماء.. قليلا من الماء عند إحتضاره؟!
لا أظن أن هناك من يفهم ولو جزأ من الصورة, إلا أب أو أم, وليس أي أب أو أم.. فكيف والمقتول, أشبه الناس بمحمد عليه وأله افضل الصلوات؟!

65
هل البقر تشابه علينا إلى هذه الدرجة؟
المهندس زيد شحاثة
لم يمر العراق, بظروف كالتي نمر بها هذه الأيام, من فورة شعبية ومطالبة بالحقوق.. لكن وكعادتنا نسينا معها, أن نعقد العزم على أن قوم بتنفيذ واجباتنا.
يندر أن تجد عراقيا عندما يتحدث عن ما أل إليه حال العراق, إلا ويستشهد بتطور اليابان ورقي شعبها, أو ما حصل من دمار لألمانيا, وكيف أنهما عادتا وأصبحتا من أعظم الدول, من حيث العمران أو النظام أو التقدم, ولا ننسى نيل الحقوق والرفاهية.
كل من يتحدث عن تجربة هذين الشعبين, يتحدث بتعجب وحسرة, لكنه هو نفسه ينسى أن يتحدث, أو يفهم ويستوعب, ما قدمته تلك الشعوب من تضحية وصبر على المعاناة, لسنين ليست قصيرة, وإستعداد ذاتي لساعات عمل أكثر من المعتاد, أو إلغاء عطل ثابتة, أو القبول بأجر أقل من الاستحقاق, بل ويصل أحيانا إلى حد أن يكفي للأكل والشرب فقط!
تقدم الدول, لا يحصل بين ليلة وضحاها, وإن حصل فلا يكون هدية من أحد, أو تقوم به دولة أو شعب, هدية لدولة أخرى ولشعبها, بل يحصل نتيجة لرغبة هذا الشعب الحقيقية للتقدم.. رغبة مشفوعة بعمل حقيقي, ومثابرة وصبر على ظروف صعبة, وربما تكون قاسية.
سننجح يوما.. لكن عندما تحقق إشتراطات واقعية, أولها حصول اتفاق على حاجتنا للنهوض, وإتفاقنا على أن لابديل لإتفاقنا.. لكن هل سنتفق؟!
ليس بالضرورة أن يكون إتفاقنا ذوبانا في بعضنا, أو إلغاء للأخر, بل يمكن  أن نتخلف بالرؤى, ومن الصحيح والصحي, أن نختلف بالرؤى, لكن يجب أن نتفق على الأهداف, على الأقل الإستراتيجية والوطنية منها.
لازلنا نحبوا في طريق الديمقراطية, ولازال ساستنا هواة, في طريق بناء الدول, ولازالت المشاريع المطروحة, بحاجة للإنضاج أكثر, فأحسنها هو كلام وردي, يصعب تطبيقه, وأكثرها تشاؤما, يدفعنا للموت يأسا.. وسنحتاج للوقت, وهو ما لا نملكه, لا بالمعنى الحقيقي للفقدان, وإنما لان ثمنه دماء وأرواح, وثروات أهدرت.. وستهدر.
عندما ترشدنا المرجعية, إلى الإختيار الأفضل, أو تحدد لنا مواصفات الإختيار الأفضل, فهي ترينا الطريق وتحاول إختصاره علينا, دون أن تفرض علينا وصاية, أو تسلبنا حق الإختيار.. لكن إن أسانا الإختيار, فعلينا أن نتحمل النتائج.
رب ساذج يطلب أن تسمي المرجعية الأمور بمسمياتها, وتحدد على وجه التخصيص , من يجب أختياره.. فما فائدة عملية الإختيار أذن, وهل لازلنا كشعب قصّرا, لنحتاج للمرجعية أن تسمي لنا, وهل أن البقرة تشابه علينا إلى هذه الدرجة؟!
هل فعلا نحن لا نستطيع أن نحسن الإختيار؟ أم نريد أن  لا نتحمل مسؤولية الاختيار؟
فكيف سنستطيع بناء وطن؟ وهل يحق لنا أن نطالب بإقتداء نموذج اليابان أو ألمانيا؟



66
هل العدالة مخيفة إلى هذه الدرجة؟
المهندس زيد شحاثة
ينظر إلى السلطة القضائية, على أنها أهم السلطات التي يمكن أن يلجأ إليها, عندما تتعارض بقية السلطات أو تفقد, كالتشريعية والتنفيذية وغيرها, لأنها ببساطة يفترض أن تكون بعيدة عن التحزب, والتوجهات والتأثيرات السياسية.. يفترض.
في كثير من الدول, وعندما يحصل إنقلاب أو حركة, تزيح السلطة الموجودة, يتم اللجوء وعند الرغبة بإيجاد حل وسط, يمكن أن تقبل به معظم الأطراف, فتسلم السلط إلى القضاء, متمثلا برئيس المحكمة العليا, أو السلطة القضائية في هذا البلد, ليدير مرحلة إنتقالية, تقوم بإجراء انتخابات لتاتي بسلطة جديد, منتخبة من قبل الشعب وبإرادته.
بعض البلدان, وعندما تحصل إتهامات بالفساد, أو تجاوز على المال العام, يسارع المتهم بتلك القضايا, إلى تقديم إستقالته, إعتذارا منه للشعب, إن كان له دور, أو حتى عن غفلته عن إكتشاف ما حصل, أو يسارع إلى تقديم نفسه إلى المحاكمة, ليثبت براءته.
قيل الكثير عن القضاء في بلدنا, لكن معظم الساسة, على الأقل الذين كانوا في السلطة, كانوا يدافعون عنه ويقولون أنه نزيه ومستقل.. فيما كان المعارضون, يتهمون السلطة التنفيذية, بترهيب القضاء والسيطرة عليه, من خلال التحكم بتعييناتهم, أو إعفاءهم من اجتثاث البعث, أو من خلال التلاعب بمستحقاتهم المالية ورواتبهم, أو وتوفير الحمايات لهم.. وغيرها من الأساليب.
اليوم بعد فورة الغضب الجماهيرية التي حصلت, بعد أن وصلت الأوضاع إلى ما لا يطاق, وإعتراف الحكومة بأنها شبه عاجزة عن تقديم ما يتوقع منها, لإستلامها تركة كارثية من سابقتها.. ألا يجب أن يسارع مسؤولو الحكومة السابقة, إلى تقديم أنفسهم للمحاكمة, وعلى أعلى المستويات, لتبرئة أسمائهم من تلك التهم الشنيعة؟!
كلنا سمع التصريحات منهم, وعشرات المرات, وعلى مستوى رئيس الحكومة السابقة و أبرز حلفائه ووزرائه, أن القضاء عادل ونزيه.. أو ليست هذه فرصتهم ليثبتوا تلك الحقيقة, ويبينوا قناعتهم بل ويقينهم بها؟! أم أنهم يخافون القضاء أن يظلمهم؟ أم أن لديهم شيئا يخافون منه؟!
يحاول الكثير من الأحزاب, خلط الأوراق, ورمي الأخرين بتهمهم وفسادهم, وربما سيخدعوننا, يوما أو شهرا.. لكن لن يدوم هذا الخداع.. وسيفضحون.
حاكموهم.. لا لأجل الانتقام, وإن كانوا مستحقين له.. لكن لنعرف جميعا من سرقنا, وكيف وصل إلى السلطة.. ومن أوصله.

67
أصحاب الجلد الثخين
المهندس زيد شحاثة
في لقاء على قناة الفرات الفضائية، وكان أقرب إلى الندوة النقاشية، والتي كان موضوعها الأزمة الاقتصادية، ومشكلة التلاعب بسعر صرف الدينار وإنهياره، حيث أدار النقاش، الإعلامي المبدع ليث الجزائري.
كان ضيوف إقتصاديين، واحد النواب من اللجنة الاقتصادية، وللحقيقة فأن البرنامج، كان متقنا، ونقاشاته علمية وموضوعية.. ولكن كما هو معروف، فلا يخلو جانب من جوانب الحياة، من جنبة سياسية، فكيف باقتصاد بلد.
أهم ضيوف الحلقة، كان الدكتور مظهر محمد صالح.. ولمن لا يعرف الرجل، فهو قامة إقتصادية، وثروة بشرية عراقية، ويعتبر واحدا من خبراء الإقتصاد والسياسات النقدية، في العراق والإقليم وربما العالم، بالإضافة إلى كونه أستاذا جامعيا بشهادة عليا، وتخرج على يديه الكثير من الإقتصاديين في العراق والمنطقة.. وكان إلى فترة قريبة يشغل منصب، نائب محافظ البنك المركزي العراقي.
لا يمكن لأحد نسيان ما حصل للدكتور صالح، خلال الحكومة السابقة، عندما تعرض هو ومحافظ البنك المركزي، وعدد من موظفيهم، للإعتقال بتهمة مضحكة وغريبة، كان محورها رغبة الحكومة السابقة، بالسيطرة على إحتياطي العراق، من العملات الصعبة، وكأنه لم يكفها ما بددته من أموال.. كما بينت كيف يمكن للقضاء العراقي نفسه أن يتجاوز القانون.. في حينها كان السيد الشبيبي خارج العراق، في مؤتمر دولي، وهو أيضا يعتبر أحد أهم خمسة خبراء ماليين على مستوى العالم.. هكذا تحدث الإعلام العالمي؟!
الحكومة وخلال فترة الإعتقال ولعدم تعاونهما، ومعارضتهما لما تريده، قامت بتنصيب غيرهما، وكعادة القضايا الكيدية والمفبركة، تنتهي إلى لا شيء، وأطلق سراح السيد صالح، لكن بأي حال؟! بعد التنكيل، والتعامل بإزدراء والإهانة والظلم الفظيع، والتجاوز على مكانته، وكلنا يذكر حينها، عندما أستضيف على نفس القناة والمضيف، سؤل عما مر به، نزلت دموع صادقة منه، كانت أشد من الرصاص على من ظلمه.
الحكومة الحالية، أعادت له الاعتبار بمحاكمة عادلة، ووضعته في منصب مستشار رئيس الحكومة للشؤون الاقتصادية.. لكن المفاجئ انه عندنا تم سؤاله، عن إحتمالية وجود تدخل للساسة والأحزاب، وتربّحها من أزمة سعر التصريف، ضحك بكل براءة وأجاب، أنه لا يستطيع الإجابة عن هذا السؤال، لأنه يحتاج إلى شخص جلده "ثخين" لكي يستطيع الإجابة عنه، وهو لا يملك مثل هذ الجلد!
هو كان يتكلم بصدق، وكان يعني ما يقوله، فهو الأن في موقع وكبير بقلب الحكومة، ويتكلم عن تجربة.. لكن ما يثير الإستغراب، أن الرجل رغم أنه مستقل، ولا توجد جهة أو حزب، تسنده عند الحاجة.. إلا أنه يبقى مستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ويقول إن جلده ليس ثخينا؟!
ما يقول المواطن العادي إذن؟ وهل ستبقى لدينا الشجاعة، لننتقد الفاسدين والفاشلين؟ هل سيجد سراق المال العام من يردعهم؟
هل سنفكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
جزيتم خيرا، فأنا لم أكتب الكلام أعلاه، ولا علاقة لي بأي كلمة وردت فيه. فجلدي أرق من قشر البصل.


68
الحرب العالمية الإعلامية الأولى
المهندس زيد شحاثة
أختلفت طرق خوض الحروب وأدواتها, على مر الزمن, وتطور الإنسان, وتقدمه الحضاري والعلمي.
هناك صنف من البشر, يميل بطبعه للبحث والاستكشاف, وتقديم كل ما هو مفيد للإنسانية, وهناك صنف أخر, يستفيد من تلك الإختراعات, دون أن يقدم مساهمة تذكر.. لكن هناك صنف غيرهما, يعمل على استغلال هذا التقدم, وما يرافقه من إكتشافات علمية, في مجالات سلبية, كصنع الأسلحة, و أدوات تعذيب.
إستخدام التكنلوجيا والعلوم, لأغراض بعيدة كل البعد, عن الهدف الذي أخترعت لأجله طبيعة بشرية, فكل يجير ما يتاح له, لتحقيق أهدافه الخاصة, ولا إشكال في ذلك إن كان الهدف الخاص مشروعا, ومقبولا من الناحية العقلية والإنسانية.
من يحاول أن يطّلع, على تاريخ الإعلام وأدواته, وكيفية تطورها, سيتفاجأ بالمستوى الذي وصلت إليه.. لكن سيتفاجأ أكثر, بكيفية إنحراف أهداف إستخدامه حاليا, عن أسباب إختراعه.
قديما وعندما رغب الإنسان, في أن يتواصل مع الأخرين, أخترع الكتابة, وحين أراد أن يوصل إليهم, معلومات أو أخبار, أخترع الرسم, وحين فكر في أن يكون له تأثير على الأخرين, فكر في الإعلام بطرقه البدائية, فأخترع الإعلان المعلق, والمنشور الذي تطور لاحقا إلى صحف.
الإعلام اليوم, بما يمتلكه من تأثير كبير, على الرأي العام, وخصوصا الفضائيات والصحف, سلاح خطير.. يمكنه أن يحسم معاركا قبل الدخول فيها, ويغير توازنات عسكرية, ويتسبب بكوارث أو هزيمة لمجموعة ما, وأنتصار أخرى, دون وجود, أسباب حقيقية لذلك.
هذا السلاح كان محرما علينا دوليا نحن العرب, ليس كل العرب طبعا.. فهناك أعراب فاضت أموالهم, فأستثمروها في قنوات فضائية وصحف متعددة, تحت لافتة الحرية الإعلامية.. لكنها مقننة ومحددة, ولا حرية فيها إلا ظاهرا, فهي تعمل بأجندة واحدة, تكاد تكون مركزية, تديرها جميعا, منظومة عالمية, بشكل أو باخر.
ما حصل من تضخيم إعلامي, لعصابة داعش, وحجم التغطية الإعلامية المبالغ فيها, لقدراتهم وإمكانياتهم, والطريقة المحترفة التي كانت تصور وتبث, تسجيلات جرائمهم, تثبت بشكل ملموس, أثر الأعلام, وأهميته, في صنع شيء من لا شيء, فهل تنبهنا ولو متأخرين, لأهمية الإعلام, وخطورة دوره؟
الدول الكبرى اليوم, صارت تحارب بعضها بسلاح الإعلام.. فتسبب إنهيارا في أسعار النفط, لتؤذي دولة ما, من خلال خلق أجواء إعلامية, ونشر أخبار تدعم هذا, أو تظهر إجرام جهة ما, ببث ما يؤيد ذلك, صحيحا كان أو مفتعلا.. فالقضية لا تتعلق بصحة الخبر, قدر تعلقها بالتحكم, بكيفية وحجم تأثيره, وكيفية توجيه هذا التأثير, ومن المستهدف منه؟!
من لم يركب القطار سيفوته, ولم يتهيآ للحرب بأسلحة كافية, سيهزم في بدايات المعركة, بل وقبل أن يدخلها, والحرب العالمية التي نخوضها حاليا, هي حرب إعلامية بإمتياز.
 لكن هل هي حرب, تخصنا كعرب, أم تخص المسلمين وإسلامهم؟


69
أسفرت عن وجهها القبيح أخيرا
المهندس زيد شحاثة
حاولت دولة أل سعود, أن تظهر نفسها, بالإضافة إلى أنها راعية للمقدسات الإسلامية, أنها دولة محبة للشعب العراقي, ومهتمة لمصالحه.
رغم أن إدعائها هذا لم ينطل على أحد, ففلتات لسان السفهاء من قادتها, كانت تظهر الحقد الدفين.. ورغم إدعائها ومن يتبعها من أشباه الدول, بأنها بعيدة عن الطائفية, لكن دورها فيما حصل, في سوريا والعراق, وما يجري اليوم في اليمن, حسم القضية.. حرب طائفية بإمتياز.
لا يختلف إثنان, على أن السعودية, هي الأخت الكبرى لدول الخليج, رغم كل الخلافات, التي تظهر هنا أو هناك بينها, وأي هزة تتعرض لها, ستتبعها بقية الدويلات, تأثرا كهزات إرتدادية, هذا يجعلنا نفهم, لما مواقف معظم دول الخليج, كطفل يعيد ما قالته أمه, أو ببغاء يردد ما لا يفهمه.
وجود دول غالبيتها السكانية, من اتباع أهل البيت عليهم افضل الصلوات, تجاور السعودية أمر لا تقبله, لأنه يهدد وجودها, فهي تعرف أن كينونتها وبقائها, مبنية على مذهب, يدعوا إلى الكراهية, وقتل وذبح الأخرين وإبادتهم,.. بل ويعتبر أن الأخرين منحرفون, حتى لو اختلفوا, عن مذهبها المتشدد بأبسط القضايا!
تدخل قطر الواضح, في المشكلة السورية, وحرب السعودية المباشرة على اليمن, وقبلها تمويل الإرهابيين في العراق, وزعزعة إستقرار لبنان.. أظهر بوضوح, أن هناك حلفا, يراد تشكيله, وإعطائه صبغة "سنية" وإن لم يعلن ذلك, ويؤكده الإصرار على إظهار مشاركة مصرية, وباكستانية وتركية, وغن كانت صورية.. وكلنا يعلم أنها دول تظهر "سنيتها" علنا.
 هذا الحلف يراد منه أن يكون قبالة ما أخترعوه هم, الهلال الشيعي.. فهل سينجحون في تمويه أهدافهم الواضحة؟ وخداع العالم, بإدعاءات الشرعية, والدفاع عن الشعب اليمني؟ ومحاربة الهيمنة الإيرانية؟ وغيرها من الأكاذيب.. وكم سيستمر صمت العالم, إزاء الجرائم المرتكبة؟
السعودية ومن يتبعها من الدويلات, أسفرت عن وجهها القبيح, ولم تعد تخجل من شيء, فهي تعلم  أن الظلم الكبير الذي تتعرض له الأقليات الشيعية في دول الخليج, والتخلف والدكتاتورية التي تمارسها, ووجود تجربة الحوثيين في اليمن المجاورة لها, كفيلة بأنهاء نظامها, بوقت اقرب مما تصورت, وهذا ما لن ترضاه.. أبدا.



70
الجوار العراقي وصلح الحديبية.. دروس وعبر
المهندس زيد شحاثة
إدارة الدولة, فن يحتاج لمهارة وخبرة, وإخلاص حقيقي, كما يحتاج لقوة وشجاعة, وكلها إن لم تكن موجودة, كموهبة ذاتية, فيمكن إكتساب بعضها في الأقل بالتدريب والممارسة, إن إمتلكنا المؤهلات الشخصية لها.
هذه الصفات, لا يجب أن ترتبط بقائد, رغم أهمية ذلك, لكنها يجب أن تتوفر ولو بحدها الأدنى في مجموعة من القادة, المتصدين  للشأن العام, وإدارة الدولة, وتصريف شؤونها, ورسم سياساتها.
تبقى تجارب الأمم السابقة, وما مرت به من أحداث, نماذج يمكن أن نستلهم منها العبر والدروس, ونتعلم من الأخطاء, دون أن نقع فيها, أو نستفيد من الخطوات, والأفكار السليمة, التي تصب في مصلحة الأمة, إن امتلكنا الحكمة اللازمة.
رغم توافقنا جميعا, على أن أفعال الرسول الكريم, عليه وعلى أله أفضل الصلوات, وما تركه من حديث صحيح, هو نتاج توجيه وتسديد رباني, لكن هذا لا يمنعنا من مناقشته, بعض تلك القضايا, ودراستها وما يتعلق بها, للإستفادة من عبرها, وما فيها من أفكار وأهداف.
من الثابت تاريخيا, أنه عليه وأله أفضل الصلوات وأتم التسليم, عقد صلحا مع " المشركين", فيما عرف بصلح الحديبية, وبشروط يبدوا ظاهرها مذلا, وفيه الكثير من التنازلات, أو كما يسميها مراهقي ساستنا هذه الأيام" إنبطاحا", فهل هو كذلك فعلا؟!
ماذا نقول عن ما رافق الصلح من ملابسات, كإزالة صفة الرسالة عنه صلوات ربي عليه واله, أو كيفية تعامل وفد المشركين المفاوض معه؟ وهل هناك  من حاجة للشرح والتبرير, مع كل ما قدمته, كتب السيرة النبوية الشريفة, وما حصل من نصر باهر للإسلام وفتوحات؟! ألا تكفي وتزيد؟!
خلال هذين اليومين, حصل تحرك واسع المدى, للإنفتاح والتواصل, مع دول الجوار, وكلنا يعلم نظرتها السلبية, بل والعدائية أحيانا, للتجربة العراقية, وما يتواتر من دعمها الواضح, لمن يعارض ويقاتل, الدولة الجديدة, فهل هذا التحرك فيه مصلحة؟ أم هو "انبطاح"؟
يكذب على نفسه, من يظن أنه يستطيع, منع تدخل الدول الأخرى بشؤونه تماما.. فالدنيا صارت قرية, والكل يتأثر ويؤثر بالكل.. يمكن تقليل هذا التأثير, وتقنينه, تحت مسمى المصالح المشتركة, أما منعه تماما, فهو وهم.
لنسال هل يمكننا محاربة جميع جيراننا؟ أو يمكننا قبول بقاء وضعنا على ما هو عليه, من تراجع وتردي؟ وهل قدمت لنا سياسة التصعيد, واستعداء الخصوم والشركاء, على حد سواء فائدة تذكر؟ وهل نجحنا في إزالة "فقاعة" واحدة مثلا؟.
الحرب خاسر فيها حتى المنتصر, فهو أنتصر بثمن, أيسره الدماء والأموال, ناهيك عن الخراب وإستنزاف الثروات.. فهلا جربنا طريقا أخر؟ أفلا نتفاوض مع الداعم والممول, وصاحب الأجندة الأصلي؟ وهل هذا يعني أن لا نعمل على بناء قدراتنا, عسكريا وأمنيا؟ وما المانع من العمل بالمسارين معا؟!
كلام العواطف والحماسة الفارغة, للإستهلاك الإعلامي, والحملات الانتخابية, لخداع عواطف السذج والبسطاء, لكن بناء دولة المؤسسات.. دولة عصرية وعادلة, يحتاج لواقعية, تصارح الناس بالحقائق.

71
الوطنية المؤمنة.. ووصف ما لا يوصف

المهندس زيد شحاثة

يسهل لمن يملك براعة في فن التصوير, أو صناعة السينما, أو أي صنف من فنون الكتابة, أن يصف كثيرا من المواقف أو الأفعال.. لكن ليس دائما.
بعض المواقف أو الأحداث, لا يمكن وصفها, ليفهمها الأخرون, فهي مواقف لتُفهم يجب أن تُعاش أو تٌشاهد رأي العين, ويحصل التفاعل معها أنيا, تحمل خليطا من المشاعر والإنفعالات الإنسانية التي تُحس وجدانيا.. مواقف ليست كالمواقف المعتادة في حياتنا.
مثلت صدمة سقوط الموصل, وشعور الإرباك والحيرة التي سادت المجتمع العراقي, نتيجة للفشل الذريع للمنظومة الحكومية, في الإستجابة للحدث, وإنكشاف سيل الأكاذيب والأوهام, التي كنا نعيشها, فجأة وبدفعة واحدة.. كل ذلك مثل نقطة مفصلية, في حياة العراق كبلد.
مواجهة تلك الصدمة, تطلبت موقفا, ورد فعل بنفس قوة الحدث, فكان التسديد الإلهي, بفتوى المرجعية بالجهاد الكفائي, والتي كانت غير متوقعة وصادمة, وخصوصا للاعبين كبار, إقليميا أو دوليا.... لمن لم يفهم منهم, حقا دور المرجعية, لدى أتباع أهل البيت, وطبيعة المسؤوليات, الملقاة على عاتقها, كراعي أبوي للامة, بفلسفة وسطية, لا إجبار فيها.
ما يصعب وصفه, هو نماذج من الإستجابة الشعبية لهذه الفتوى العظيمة.. فبين أبطال تركوا عوائلهم, وهي بالكاد تجد ما تأكله, وذهبوا للجهاد, وأم دفعت بزوجها أو إبنها الأخر, ولم تمضي إلا بضعة أيام, على انتهاء عزاء شهيدها الأول.. أو أب وأولاده يقاتلون معا.. فهل يفهم هؤلاء المنحرفون, ومن خلفهم.. أي أناس يقاتلون؟!
أي مواقف هذه؟! وكيف  توصف؟! بل ومن يمتلك الجرأة لمحاولة وصفها؟! وهل يمكن ذلك؟!
هذا فيض من غيض, من نماذج تفيض تضحية وفداء, ومشاعر وطنية بالفطرة.. بعظهم بالكاد يقرأ أو يكتب, وبعظهم الأخر يحمل شهادة عليا, ويقيم في بلد أوربي, حيث الحياة المرفهة.. فهل فعلا تظنون حقا, أن ما يجمعهم هو فقط عصبية مذهبية؟! ساذج من يظن ذلك.
إن لم تكن هذه المواقف, وطنية حقيقية, نابعة من إيمان نقي.. فما هي إذن؟ وما هي الوطنية؟ وما هو الإيمان؟.




72
رجل يدري.. ولا يدري أنه يدري
المهندس زيد شحاثة
تتمحور لعبة السياسة والحكم والديمقراطية, في معظم تجارب دول العالم, حول حزب أو كتلة متحالفة, تفوز بأغلبية, كبيرة أو صغيرة, وأحزاب أو كتل أخرى, تحصل على عدد أقل من المقاعد النيابية.
يندر أن يحصل حزب أو كتلة, على أغلبية ساحقة, تسمح له بتشكيل الحكومة بشكل منفرد, لكنها تحصل أحيانا.. ومثل تلك الحالات, تسمح لهذا الحزب أن يحقق برنامجه بسهولة نسبية, كما يفترض!.
حداثة تجربة السياسية والحكم, في بلد مثل العراق, دفع  ليكون مقدار ما تناله الأحزاب, من مقاعد برلمانية, مرتبطا بشكل مباشر بإنتمائها, القومي أو المذهبي.. ربما بدأ الجمهور يتأثر بما تنجزه تلك الكتل لجمهورها, لكنها في النهاية لا تخرج عن إطار المذهبية أو القومية, ونتائج عمليات الانتخابات السابقة, خير مصداق.
الأحزاب الشيعية بمجملها, تحصل على مجموع مقاعد مريح نسبيا, يعكس حقيقة كونهم أنهم الأغلبية الواضحة بين المكونات.., وذلك ينعكس على باقي الأحزاب السياسية, التي تمثل صورة للمكون الذي تنتمي إليه.. هذا ما يظهره الواقع, دون خطب إنشائية!
يضم التحالف الشيعي عدة أحزاب, بينها إختلافات, ظاهرها سياسي, وحقيقتها إختلاف في الرؤى, حول كثير من القضايا, غالبها سياسية, يضاف لها إختلافات فكرية, وتباين في المرجعيات التي تسترشد بآرائها تلك الأحزاب.. ناهيك عن فشل بعض الأحزاب التي أستلمت السلطة محليا أو وطنيا, والخصومة السياسية مع الأخرين, دفع تلك الأحزاب لمهاجمة بعضها, بشكل يخرج عن الإطار المقبول للتنافس أحيانا, ولو من خلال شخصيات أو مواقع, وهمية أو بديلة!
حقيقة أن التحالف الشيعي, هو من شكل الحكومة, نتيجة إمتلاكه الأغلبية البرلمانية, جعله "من يملك", وحقيقة أن الأخرين يتحالفون أو يشاركون معه في تشكيل الحكومة, تجعلهم في خانة " من يطالبون".., هذا الوضع لا يعني أن الأول, إن أعطى سيفرط بحقوق جمهوره, أو أن الثاني يستجدي!
التفاوض لتشكيل الحكومات, خصوصا بنتائج انتخابات لا تعطي أغلبية حاسمة لإحدى الكتل, كما جرى عندنا, يجعل الكتل الفائزة بحاجة لتحالفات, لتشكيل الحكومة, وخصوصا مع التنوع القومي والمذهبي, والتداخلات الإقليمية والدولية, في الساحة العراقية.
هذا الوضع يضطر كتلة الأغلبية, لتقديم ما يدفع الأخرين للمشاركة.. مناصب ومشاركة بالقرار السياسي, وإدارة الدولة.. بل ربما يجعلها هذا الفوز غير الحاسم, عرضة للابتزاز السياسي!
التحالف الوطني هو العمود الفقري, للعملية السياسية والدولة واقعيا, وهو من "يملك".. وهو من يدير العملية السياسية, ويجب أن يحسن ذلك.., فثقله الجماهيري وتاريخه النضالي, وقدرته الواقعية على تلك الإدارة, يجب أن يُدرك, وأول من يجب أن يدرك ذلك هم أحزاب التحالف نفسه.. فهل يعلمون ذلك؟!
ينسب لأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب, عليه وعلى اله افضل الصلوات وأتم التسليم, في مقولة شهيرة في وصف أصناف الرجال, منها قوله الرجال أربعة,... ورجل يدري ولا يدري انه يدري, فذلك الناسي, فذكروه.
هل ساستنا في التحالف الشيعي, بحاجة لمن يذكرهم بما يملكوه من قوة!؟.

73
صناعة الرأي العام العراقي.. بين الفعل ورد الفعل

يوصف الرأي العام, بأنه تصور أو حكم, تبنيه وتشترك به مجموعة من الناس, حول قضية ما, أو حل لمشكلة تخصهم, وكلما كان أكثر شيوعا وتطابقا, كان مؤثرا أكثر.
يرتبط الرأي العام, بمسائل تخص مصالح المجموعة, أو حياتهم الخاصة, وقد يكون عفويا دون تخطيط , كإنفعال الناس ضد جريمة بشعة, أو يكون فعالا, عندما يؤدي إلى نتيجة ما, كتظاهرات تؤدي لإسقاط حكومة أو إعفاء وزير, أو ربما باطنيا غير معلن, كسكوت المجتمع عن بعض القضايا, دليلا على رضاه عنها.
يقسم الرأي إلى نوعين, قائد وهو الذي يقدمه القادة والمفكرون, والنخبة من المثقفين, وهم يتبعون رأيا عن دراية ومعرفة, ونوع تابع أو مقلد, ويمثله الغالبية العظمى من الناس, فتردد ما يقوله الأخرون, دون تفكير أو قناعة عميقتين في ما قيل.
الغنى الديني و الفكري والثقافي, والموروث الاجتماعي الأصيل للعراق, جعل العراقيين, يختلفون نسبيا عن باقي الأمم, فهم لا  يتقبلون الرأي بسهولة, وصعبي الإنقياد وجدليون.. لكن كل هذا لم يمنع قطاعات من الشعب, أن تكون بمستوى خطير من الطيبة و السذاجة, فتصدق كل ما يقال, ويكون كلام الفضائيات موثوقا, بل ودليلا راسخا على ما قد قيل!.
هذه الإزدواجية, والانفصال الواقعي بين طبقة المثقفين, وعامة الجمهور, جعل الرأي العام العراقي, منقسما ومشتتا, وجعل موضوعة توجيه الرأي العام , مشكلة صعبة.. صعبة لمن يحمل المشروع والهم العراقي, ولا يملك الأدوات اللازمة للتأثير, وسهل عملية التشويش عليه, لمن يمتلك هذه الأدوات.
المال السياسي, والإعلام الفضائي والإلكتروني خصوصا, هما المؤثر الأبرز حاليا, وهما من يجعل الجمهور العراقي, يتخبط في بناء رأي عام, حول قضاياه, مهما كانت أهميتها وحساسيتها, يقابله قصور وتقصير من الطبقة القائدة والمثقفة في المجتمع.. تلك الطبقة التي تتحمل المسؤولية الأكبر في نشر المعرفة, وتوعية الجمهور, بحقوقه وواجباته, بحكم معرفيتها وثقافتها العالية, وتصديها لقيادة المجتمع.
صناعة الرأي العام, تعني أن يوجه المجتمع نحو تفكير واضح ومحدد في قضية ما, بأفعال محددة, كعرض أدلة, وتوضيح ما يلفه الغموض, بشكل موضوعي وعلمي مبسط, وإن لم يؤدي الدور, قادة المجتمع الصالحون, سيقوم به غيرهم, بإتجاه معاكس لمصلحة المجتمع, وعندها سيكون ما نقوم به, مجرد رد فعل لما يفعله الأخرون, بعقول الناس.. وصارت الفضائيات, تذهب بالناس يمينا وشمالا.. وكما يحصل الأن!.
صناعة الرأي العام.. واجب أخلاقي, مكلف به كل من يحمل علما وثقافة ووعيا, وشيئا من وطنية.. وإحتفاظنا بخصوصيتنا الدينية أو القومية أو السياسية, لا يجب أن تتقاطع مع هذه المهمة بأي حال, فكلنا راع ومسؤول عن رعيته.


74
تضارب المصالح.. والحلول الوسط

المهندس زيد شحاثة
في معظم العلاقات الدولية, سياسية أو اقتصادية كانت أو غير ذلك, يكون المعيار الأول, مقدار المصلحة المتحققة لكل طرف, ويندر أن تجد علاقات مبنية على المبادئ, كهدف ورابط وحيد ومطلق.
يمكن لجهة ما أن تفرض إرادتها على أخرى, وتأخذ معظم المكاسب والمصالح, التي تنتج من هذه العلاقة, لقوتها أو قدرتها على إرغام الطرف الأخر على التنازل, والذي بدوره يقبل بهذا, لظروف أو معطيات تضطره لذلك, لكن هذه ليست علاقة تعايش ومشاركة, بل هي علاقة تنازل وإذلال.
لا تختلف كثيرا العلاقات بين مكونات دولة ما, عن العلاقات بين الدول, فما يربطهم هو المصلحة المشتركة, في بقائهم ضمن الدولة الواحدة.. تاريخهم ومصيرهم المشترك, وكيفية التعايش بينهم, بما يضمن تحقيق حدود مقبولة من مصالح كل طرف, دون التعدي المجحف على حقوق الأخرين.
كان العراق وما يزال, محل أطماع  دولية وإقليمية, تحاول أن تتدخل فيه, بما يلائم مصالحها في المنطقة والإقليم, ومن أدوات تلك الدول, وجود مكونات من الشعب العراقي, ترتبط مع تلك الدول, بالقومية أو الدين أو المذهب, ووجود أفراد من هذا المكون, يرتبطون بعلاقات سياسية أو شخصية, مع هذا البلد.. بعض هذه العلاقات تأتي بمصلحة للعراق, وهو شيء نادر.. لكن غالبها, يكون على حساب مصلحة العراق وشعبه!.
كشف سقوط النظام, عن ما كان مخفيا, من إنشقاقات عميقة في المجتمع العراقي, زرعها النظام البعثي, بتقريب مكونات وقمع أخرى, وبين كذلك سهولة إندفاعنا, بإتجاه تمزيق البلد, ونسيجه الإجتماعي, ودفعه بإتجاه مصير مجهول, مع أقل إستفزاز أو حادثة, يمكن أن تتعرض لها أي جهة.
تأثير الدول إقليمية كانت أو عالمية, لم يكن إيجابيا على الوضع العراقي, وبإتجاه لم الشمل, بل كان باتجاه معاكس, ويدفع باتجاه التشدد في المطالب, وإستغلال أي حادث هنا, أو هفوة هناك ليطالب بما لا يمكن تحقيقه, ويجعله شرطا تعجيزيا, مستغلا رغبة الطرف الأخر في الحفاظ على وحدة العراق, وهي رغبة ممكنة التحقق إن صدقت النيات.
من حق كل طرف أن يطالب, بحقوق جمهوره, ويدفع باتجاه الحصول على أقصى ما يمكن منها, لكن التفكير بهذا الشكل الأحادي والضيق, لن يجعل تلك المطالب تتحقق, فالطرف الأخر, لديه مطالب لجمهوره, ولديه القدرة على التشدد فيها, وربما قد يملك الأغلبية والقدرة على فرضها.. فكيف سيكون الحال عندها؟.
الموضوعية والعقلانية, في الطرح والمطالبة, هي ما يجب أن يسود العلاقات, والخطابات الإنفعالية المتشنجة, ستدفع الطرف الأخر ربما, للإنجرار إلى موقف مماثل, وعندها لن يربح أحد وسيخسر الجميع, والمستفيد الأول, جهات خارجية, منها من يريد تصدير مشاكله, ومنها من يريد جعلنا ساحة لمعاركة مع المتطرفين, ومنها من يريد جعلنا ورقة تفاوضية.. فهل هذا ما نريده فعلا؟!.
المطالبة بالمعقول, والرضا بالمقبول, وحفظ حقوق الأخرين, والوسطية في الخطابات والمواقف, والتجاوز عن الهفوات البسيطة, وتقديم التنازلات المعقولة, لطمأنة الأخرين, هي الحلول وإلا.. فالويل لنا.



75
موظفو التمويل الذاتي.. إلى أين بدون رؤيا؟
المهندس زيد شحاثة
لم تعد الدول المتقدمة, تحتفظ بأي صناعة, أو تديرها بشكل مباشر, لكن هذا لا يمنعها من التحكم بالإطار العام, لنوع وطريقة وقوانين هذه الصناعة.
تختلف بلدان العالم الثالث, من حيث تعاملها مع قضية الصناعة, فالدولة هنا مالكة كافة المصانع, والممول ورب العمل, وتديرها بطريقة مركزية تصل إلى حد الدكتاتورية.
في الدول المتقدمة, لم تعد الوظيفة الحكومية مغرية جدا, لأن موظف القطاع الخاص, يحصل على أجور افضل مما تقدمه الوظيفة الحكومية, في حين يُشمل كليهما بنفس القوانين, بما يخص الحماية من التعسف الوظيفي, أو الرعاية الصحية, أو الحقوق التقاعدية.
فشل حكوماتنا ولحد الأن, في إصلاح حال القطاع الخاص و تحريكه, وجعله المنافس الحقيقي للقطاع الحكومي, والموفر الأول لفرص العمل, وصاحب الأجور الأفضل, وعدم وجود قوانين كافية تنظم وضع العاملين في القطاع الخاص, و عدم تفعيل ما موجود منها, وتلكؤ الملف الاقتصادي.. كل هذا دفع المواطن العادي, لان يستقتل للحصول على وظيفة حكومية, فأرهق الحكومة وميزانيتها.
توجد شركات ومصانع تملكها الدولة العراقية, لها طاقات إنتاجية, أو هكذا كانت.. وتعتمد على مواردها في تسديد نفقاتها, وأجور العاملين فيها, ولا تستلم أي تمويل من الحكومة, تسمى بشركات التمويل الذاتي.
مشاكل الاقتصاد العراقي, وعدم وجود حماية للمنتج, وتقادم المصانع, وأسباب كثيرة أخرى.. جعلت تلك الشركات خاسرة إقتصاديا, ومتوقفة عن الإنتاج, لغياب الجدوى الإقتصادية من إنتاجها, فصارت وكأنها مؤسسات رعاية إجتماعية, أقرب منها لمؤسسة صناعية إقتصادية!.
عدم نجاح الحكومات السابقة, في إيجاد أي حل لهذه المشكلة, وعدم إمتلاك هذه الشركات لأي مورد مالي أخر غير إنتاجها, جعلها تتوقف عن دفع رواتب العاملين فيها لعدة أشهر.. ليتخيل أحدنا نفسه, مع كل هذه المتطلبات المعيشية, ولو بحدودها الدنيا, وهو يعتمد كليا على ما يدفع له من أجر.. فيقطع عنه مورده الوحيد, كيف سيتصرف؟.. فقط نتخيل!.
الدولة ملزمة بحماية أبنائها, كما هي ملزمة بحماية موارد العراق.. وإعادة هيكلة الصناعة العراقية, مع حماية العاملين في هذا القطاع, دون الإنزلاق إلى مستنقع البطالة المقنعة, قد يتطلب حلولا جراحية, مؤلمة ومكلفة.. لكنها واجبة, وأن تكون متأنية وإستراتيجية.. فلن ينفع الترقيع.
شركات التمويل الذاتي, قضية جزئية ضمن إطار أكبر, يتعلق بملف الإقتصاد العراقي.. وإعادة بناء الدولة وقطاعاتها كافة, يتطلب إمتلاك رؤيا واضحة, لماهية المشكلة, والحلول الإستراتيجية الناجعة لها.
هل أمتلكنا تلك الرؤيا.. وهل بدأت الحكومة الحالية, وضع قدميها على أول الطريق؟



76
من سيسمع الصوت المعتدل وسط الصراخ؟
المهندس زيد شحاثة
يعتقد مفكرو الإسلام, أن الأديان أنزلت لإصلاح حال البشر, وتنظيم علاقتهم مع خالقهم عز وجل, ولمنح النفس البشرية الطمأنينة والسكينة, التي يحتاجها, وتتيح له التواصل مع الأخرين بشكل سوي.
يرى أخرون  ومن منظور مختلف, أن الأديان أنزلت بشكل تتابعي لتكمل بعضها الأخر, بشكل مرتبط بتطور العقل البشري دون أن ينسخ بعضها الأخر أو ينفيه, وان الإسلام والقرآن, وكما يعبر عنهما , بأنهما الطبعة الأخيرة من الأديان السماوية وكتبها,  بهما ختم الباري رسالاته, على يد نبيه الأكرم محمد, عليه وعلى اله افضل الصلوات.
بعد كل هذا التقديم نسأل.. هل الأديان بحاجة إلى حوار, وهل من ضرورة لهذه المؤتمرات؟
 الأديان لها اتباع, يتعقدون بها ويؤمنون بمبادئها, وكل واحد من هؤلاء يتبع فكرا أو طريقة خاصة به, في فهم دينه وتفسيره لتعاليمه, وما تدعوا اليه من قيم أو مُثل.. بعظهم وفق لفهم تعاليم  الدين بشكل صحيح, فيما البعض الأخر فهمه بشكل مغلوط تمام, بل وراح يتبع أساليبا متطرفة في تطبيق هذا الفهم المغلوط أصلا.
هذا الاختلاف في الفهم, وكيفية التعامل معه, انتج صراعات فكرية واجتماعية وإنسانية.. بعض هذه الصراعات, انحصر بين دفات الكتب وفي الإعلام, فيما بعضها الأخر راح ضحيتها الألاف, رغم أن كل تلك الأديان تركز على أن الإنسان قيمة عليا ومقدسة.
هذه الصراعات دفعت بالعقلاء من مختلف اتباع الأديان, لمحاولة إيجاد قنوات حوار وتفاهم بين اتباع تلك الأديان, وخلق صيغة تعايش وتقبل للأخر, مع قبول وجود الاختلاف, ضمن الحدود والأطر الإنسانية  العامة لهذه الأديان.
ديننا الإسلامي, وفي معظم فرقه, سمح يتقبل الأخر , يحفظ له حقوقه, بشكل متوازن مع ما يقابله به من واجبات.. إلا بعض الفرق الضالة المنحرفة, التي حاولت فهم الإسلام وتفسيره, عبر عقليات منحرفة, واتباع أراء شاذة وخاطئة.
توجد جهات كثيرة محلية أو دولية, تعتاش على هذا الصراعات وتنتفع منه, وخصوصا ذات الطابع الديني, ويهمها ان يبقى الصراع مستمرا, وهناك كثير من الاتباع, سذج بشكل كافي, لان يندفعوا داخل هذا الصراع الوهمي, وقادة انتهازيون يركبون اي موجة تفيد مصالحهم, أو يغازلون عواطف جمهورهم, ودعاوى الدفاع عن الدين.. فكيف ستكون النتائج؟.
هذه المؤتمرات التي تجمع, اتباع الأديان وقادتهم السياسيين.. ليست للأديان, فتلك الأديان يكمل بعضها بعضا.. لكن الاتباع شيء أخر.
العقلاء دوما, من يبادر, رغم انهم لا يستفيدون شيئا من مبادراتهم, بل ربما يخسرون, لكن هذا دورهم.. فهم عقلاء الأمة.
هل سيسمع صوتهم الهادئ وسط كل هذا الضجيج؟




77
حلفاء أم شركاء.. أم محطة أزمات!
المهندس زيد شحاثة
تبنى التحالفات بشتى أشكالها, لتحقيق أهداف قد تكون مرحلية, أو تكون استراتيجية, أو لتوحيد مواقف ممثلي فئات شعبية, أو أصحاب مصالح مالية أو غيرها.
تتشكل التحالفات السياسية, لتكوين قوة سياسية أو برلمانية, تستطيع تشكيل حكومة, أو تحقق تأثيرا فاعلا, على الواقع السياسي للبلد, أو لضمان تمثيل حقيقي لمكون ما, أو جمهور, يلتقي ويتشارك بميزات خاصة به, رغم إختلاف توجهاتهم السياسية.
بعد سقوط نظام الطاغية, أدى واقع أن اتباع أهل البيت هم المكون الأكبر, في الشعب العراقي, إلى أن يكون منطقيا, أن يتولى من يختاروه سدة الحكم, وبأليات الديمقراطية المتعارف عليها, لكن تعدد أحزابهم وتوجهاتهم, أدت لتشتت أصوات جمهورهم, فكان البديل المحتم, تشكيل تحالف يجمعهم على اختلاف مشاربهم, لضمان قدرتهم على تشكيل الحكومة, وتولي السلطة.
رغم كل العيوب وسيل الانتقادات الحادة من الجمهور, إلا أن التحالف الوطني, نجح بشكل ما, في ضمان أن يكون الأغلبية هم من يدير الدولة, رغم أن ذلك كان بمصلحة طرف على حساب طرف أخر, داخل التحالف نفسه, بطرق وصلت حد الابتزاز السياسي!.
كانت النية عند بدء تشكيل التحالف, أن يكون على شكل مؤسسة لها أليات ونظم, تتيح أن يبقى "البيت الشيعي", مظلة لكل الأحزاب الشيعية, وتنجح في أن تكون راعيا للعملية السياسية, موجها ومراقبا ومقوما, لكنها لاحقا انحرفت عن مسارها كثيرا, فصارت محطة يُلتجأ إليها في الأزمات, وتجارب الماضية تغني عن أي دليل.
في العلاقات بين الأحزاب, هناك شراكة, وفيها يحاول كل شريك أن يحقق اكبر مصلحة ممكنة, ولو على حساب شركائه وإضعافهم, وهو واقعا ما كان يحصل في العلاقات بين اغلب اطراف التحالف, فالمعارضة أغلبها بصيغة تسقيطية, ومن في الحكم, أنفرد برأيه, ونسي أنه أستلم السلطة, بقوة التحالف وتأثيره.. كتحالف.
هناك أيضا علاقة تحالف, وهي علاقة تبنى على أساس أن يقوي الحلفاء أحدهم الأخر, لان قوة أي منهم قوة لهم جميعا, وهي أساس فلسفة تشكيل التحالف, كما سعت إليه مختلف الجهات التي كانت ترعاه, وهي معروفة لنا جميعا.. فهل حصل ذلك؟.
الإنسان يتعلم من تجاربه.. ومسيرة التحالف على قصرها غنية بتجربتها, فيجب أن يتعلم الساسة من دروسها, و يفهموا أن تشكيل التحالف, ليس هدفا سياسيا لتحقيق الحكم فقط, بل هو ضرورة منطقية, ليحفظوا حقوق من يمثلونهم.. وهؤلاء بدء صبرهم ينفذ, فقد ملوّا مناكفاتهم وألاعيبهم السياسية.
رغم كل ما لدينا من ملاحظات, على أداء أحزابنا وتحالفهم عموما, إلا أنه خيار لا بديل عنه, على الأقل, حتى تطور وعينا الجماهيري, ونجاح حزب أو تيار, في إقناعنا ببرنامجه السياسي, وكسب غالبية أصواتنا.. وحتى ذلك الحين, فمؤسسة بأليات ونظم وصلاحيات حقيقية, تدار من قبل أشخاص يملكون القدرات والمؤهلات اللازمة, التي تتيح لهم إدارة وتنسيق, عمل أحزابنا بكل تعقيداتها, هي الخيار الوحيد.. والضروري.
التحالف الوطني ورئاسته, إبتلاء وإمتحان شديد, لكنه مصيري وضرورة إستراتيجية, ولا يجب أن يكون محل تنافس سياسي شخصي, أو لعبة مهاترات سياسية إعلامية.. فمستقبل ملايين من اتباع أهل البيت.. متعلق به.


78

من اكثر أثارة للجدل.. القضية أم الرجل؟
المهندس زيد شحاثة
يوصف كثير من الأشخاص أو الأحداث, بأنهم مثيرين للجدل, فما هو المقصود بها؟ وهل هي صفة إيجابية أو سلبية؟.
يقال عن شيء انه مثير للجدل, إن أختلفت الآراء حوله, وكان سببا للنقاش وتنازعا في وجهات النظر, بين مؤيد مدافع, ومعارض منتقد بشدة.
معروف أن العراق, يعتمد بشكل أساسي, في وارداته على النفط, وما يتم استخراجه وتصديره, يضاف له الإحتياج الداخلي من مشتقاته, ولأن طبيعة النظام والحياة في العراق, جعلت الدولة هي من يدير الحياة, نتيجة لتراكمات النظام السابق, وفشل الحكومات التي تولت الإدارة, بعد سقوط نظام حكم البعث عام 003, في تغيير هذا الحال, أو وضع خطوات بإتجاه صحيح.
إرتباط حياة الناس, بالنفط وأسعار ومشاكله, جعلته موضوعا حاضرا دوما, في مجالس العراقيين, فصار كل ما يتعلق به, مثار جدلهم اليومي, ونقاشاتهم الحادة, وكل فريق يدلو بدلوه, ويبين وجهة نظره ويتحمس لها, وكأنهم خبراء في الشؤون النفطية, رغم تأثر أسعاره, بقضايا سياسية دولية, وملفات شائكة متشابكة, وقضايا فنية تخصصية جدا!.
أخذ الاتفاق النفطي الذي عقد, بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان, حيزا كبيرا من الجدل, وهو شيء طبيعي, لأسباب منها ما سبق ذكره, بالإضافة إلى, ما تم دسه بوعي المجتمع العراقي, ولأسباب سياسية حزبية بحته, أن الكرد خصم لا شريك, وانهم لا يستحقون ولا قطرة نفط, وانهم يحاولون سرقتنا.. ورؤية أخرى, تظن أن التفاهم هو افضل الحلول وأقلها ضررا, وأن هكذا قضايا لا يوجد فيها منتصر, بل توازن يضمن رضا الطرفين, بشكل لا يحقق كل ما يريدانه, لكنه يحقق حدا أدنى منه.. وأن الكرد وتعايشنا معهم, هو أمر واقع يجب أن نتعامل معه.
معظم الأراء المتخصصة , والتي تملك حدا معقولا من الحياد والموضوعية, مدحت الإتفاق وأعتبرته خطوة أولى نحو التطبيع, بعد التصعيد خلال الحكومات السابقة, رغم أنه لم يحقق كل ما تريده الأطراف, ولكن هل هناك إتفاق يحقق لطرف ما كل ما يريده!.
مشكلة هذا الإتفاق الكبرى, كانت أن عرابه هو عادل عبد المهدي, وهو رجل مثير للجدل اكثر من الاتفاق نفسه.. فهو مر بتنقل فكري, كما يروي هو عن نفسه, وهي صفة يعتبرها خصومة تلونا, ويراها مؤيدوه, غنى فكريا وتنقلا عن وعي.. لكن الرجل يمتلك خصوما سياسيين, يرون فيه منافسا قويا, لتولي أهم المناصب, ويمكن أن يحقق النجاح فيها, بإمتلاكه مؤهلا عاليا وتخصصا إقتصاديا, وخبرة سياسية طويلة, وشبكة علاقات دولية واسعة.. فكان الإتفاق فرصة لتسوية الحسابات, بغض النظر عن قناعتهم بالاتفاق!.
لكن أليس واضحا, أن هذه الحكومة أبتعدت عن سابقتها, من حيث فردية القرارات!, ولم يعد بإمكان شخص واحد, حتى لو كان رئيس الوزراء, إتخاذ قرار مهم كهذا بشكل منفرد؟.. فكيف بوزير وحده؟.
الاتفاقات المقبولة, هي ما تنجح في حفظ حقوق طرفيها بحد مقبول, ولا يوجد إتفاق يحقق كل ما يريد أحد الأطراف, والإ لم يعد إتفاقا, وإنما صار وثيقة إستسلام.. ورغم إختلاف آراءنا حول الأشخاص, فلنفكر بأفعالهم, وما يمكن أن ينفعونا به, فهم موظفون لدينا.. لا أكثر.
لنتعلم أن ننظر إلى الأمور بواقعية, ونقيس الأمور بعقولنا لا عواطفنا.. ومقدار مصالحنا منها, ولا نخدع بضجيج من يحاول أن يصفي حساباته مع خصومه.. على حسابنا.


79
المنبر الحر / دروس عند سفح جبل
« في: 11:43 31/12/2014  »
دروس عند سفح جبل
المهندس زيد شحاثة
كنت اصغر إخوتي الذكور, ورغم هيبة والدي تغمده الباري برحمته, والتي كلما أتخيلها, أتذكر أكثر منها كم كان صلبا, ويفرض وجوده في المكان الذي يحتويه, رغم بساطة حاله المادية حينها.
كان شديدا معنا في التعلم والتربية, يشبه كومة الملح الصغيرة التي أصابها الماء, فذابت بلمح البصر في عواطفه, كان يملك جانبين في شخصيته, فلا ندري إن كان صلبا كالماس الذي لا يمكن كسره, أم كان هشا كجليد أصابته شمس تموز الحارقة!.
علّمنا دون إن يتكلم أو يشرح, معنى إن تكون كريما ومضيافا, وأنت لا تملك ما يكفيك, بل ويزداد كرمك كلما ضاقت الحال, وقصرت اليد, فكان يشير لنا, وهو في حالة النزع الأخير قبل وفاته, بان نضيّف من جاء يزوره مودعا, وهو بالكاد كان يمكنه إن يفتح عينيه!..شرح لنا بالتطبيق العملي, كيف إن قيمتنا, بما نحمل من إنسانية, ومقدار ما يمكن إن تنفع الناس به.
في أحيان نادرة كان يعاقبني, كوني الأصغر المدلل, حتى كانت هذه الثغرة هي ما يلجا إليه بعض إخوتي الأكبر, لتفادي العقوبة عن جرائمهم, عن طريق رشوتي "بخمسة فلوس", أو "عسلية", وأي جرائم!.. اللعب في الشارع, أو كسر مصباح الجيران أثناء لعب الكرة, ورغم انه كان يحاسبني, وعينيه تقول لي بكل وضوح, انك لست الفاعل, وانك لا تقول الحقيقة, إلا انه كان يكتفي بتنبيهي, مع وعدي بعدم التكرار, وكأنه يريد فقط تجنيبنا العقوبة!.
أوه.. كم احن إلى تلك الأيام رغم شظف العيش, والخوف على الأخوة الأكبر مني, وهو يجمعنا أو من تبقنا منا, حوله يقص لنا حكايات, عن رحلاته إلى أهوار الناصرية, أو لقاءاته مع الشيوخ والأمراء الحقيقيين, كما كان يحب إن يطلق عليهم.
كم اشتاق له, مع كل كتاب امسكه, وهو يجعلني أتذوق الأدب, وأنا أكاد أتلمس أيام مراهقتي, حين كان يجعلنا نتسابق ليلة الجمعة, بعد أن نجتمع بحضور إخوتي الكبار, حول مدفأة" علاء الدين" الشهيرة, وهو يمسك بديوان المتنبي, أو الحمداني أبو فراس, يطلب إن نكمل له القافية, في لعبة التقفية الشهيرة, أو المطاردة الشعرية.
كم وكم..وهل تكفي الحروف لأسجل ما تعلمته من دروسه؟!, وأعجب ما فيها أنها نادرا ما كانت بكلمات, أو شرح أو توجيه.. فقط تطبيق عملي صادق.
علمني حب الحسين عليه وعلى أله افضل الصلوات والسلام, وجعلني أفهم, ما هي ثورته, ولما نهض, وكيف أبكي بوعي, أحزن بصدق, أجعل حزني هذا عملا, وأن ثورته هي امتداد لرسالة الإسلام, وما هو الإسلام الحقيقي, سماحته ورحمته, ما هي الدعوة بالحسنى, وكيف أكون رسولا, حاملا لرسالة الإسلام.
في يوم, كنت أرتدي قميصا فيه ألوان ملفته لكنها هادئة, إلا انه يختلف عن موديلات زمانه, كان هدية من أحد الأقارب من خارج العراق, وهو شيء نادر في فترة التسعينيات, وكنت أهم بالخروج من المنزل, فشاهدني تغمده المولى برحمته, فقال لي بلكنته النجفية المحببة"بالخير قميصك الجديد, جميل..هل يعود لإحدى أخواتِك؟!,..فهمت رسالته بكل وضوح.
كنت أقول لنفسي دوما, أني يجب إن اكتب عن الإمام الحسين عليه وعلى اله افضل الصلوات, وعنه شيئا..لكن لم أعرف كيف أكتب, وما سأكتب؟ وهل يمكن اختصار حياة إنسان بمقالة أو قصة, أو حتى كتاب ؟..كيف وكل يوم في حياته نضال وقصة, تحتاج بحد ذاتها لمجلدات؟!.
لم استطع دوما تخيله إلا كالجبل..فيه أجزاء جرداء وفيه أخرى دائمة الخضرة, فيه الصعب التسلق والصخري, وفيه السهل المنبسط.. فيه كل المتناقضات..نعم كالجبل.
جبل تعلمت عند سفحه الكثير من الدروس.



80
الخلف والسف.. بين الأقربون والمعروف
المهندس زيد شحاثة
تسعى كثير من العوائل , لتوريث العمل الذي تديره أو تمارسه, لأبنائها والأحفاد, فليس غريبا أن نسمع عن عوائل توارثت مهنة التجارة, أو التعامل المالي, أو السياسية وغيرها.
لا ينجح الأبناء دوما في المحافظة على ما حققه الآباء, لعدم اهتمامهم بالموضوع, أو عدم امتلاكهم مؤهلات ديمومة مسيرة الآباء, أو قد ينجح الأبناء في القفز بما ورثوه, كما أو نوعا أو كليهما, إن إمتلكوا الشغف والرغبة, والمؤهلات اللازمة, وأضافوا إليها, العلم ومواكبة التطور العلمي.. أو تكون النتائج فشلا ذريعا, خصوصا إن كان الأبناء, فاشلين أصلا, ولا يملكون شيئا يؤهلهم لإدامة المسيرة, فتنتج التجربة خلفا, يدمر ما تحقق بسنوات عمل شاق.. خلال أشهر, أو أيام حتى!.
لا يشذ عالم السياسية عن هذا السياق, فنجد أسرا إشتهرت بممارسة العمل السياسي, بعضها معروف عالميا, كعائلة بوش وكندي ورامسفيلد, في أمريكا.. وعائلة غاندي في الهند, وعائلة بوتو في باكستان.
يختلف العرب عن بقية أجزاء العالم, بأن الأسر هنا تورّث حكما بشكل يكاد يكون قسريا, إن لم يكن دكتاتوريا قبيحا, حيث ولي العهد يرث حكم والده, ببيعة صورية داخل الأسرة, وهناك دول قليلة أخرى تحاول ممارسة الديمقراطية, لكن معظمها ليست معفية من محاولات التوريث.. والأسرية.
في العراق, إشتهرت لدينا أسر سياسة, ومعلوم لدينا بأن العمل السياسي بشكله الحقيقي, وُجد في فترتي العهد الملكي, وبعد سقوط نظام البعث, فأشتهرت أيام الملكية, أسر الجادرجي والسويدي, وأبو التمن, والصدر, وال جبر, بممارستها العمل السياسي, وتصدى بعض أفرادها للمناصب.
مرحلة ما بعد نظام البعث, شهدت شكلا أخر من الأسرية السياسية, وكان أغلبها فاسدا, فيستولي أقارب المسؤول, على أي منصب يمكن أن يتاح لهم, بحكم تولي فرد من الأسرة منصبا مهما.. أو مناصب يمكن أن يبتزها لهم, كمحاصصة.. أسرية!.
بعض أفراد تلك الآسر, يمكن أن يُقبل توليهم المناصب تنزلا, إن إمتلكوا مؤهلات وكفاءة علمية وشخصية, رغم أن ذلك يخرج القضية عن إطار العدالة وتكافؤ الفرص, الذي يجب أن تدار به الدولة.. لكن بعضا أخر, ينالها لأنه أبن أو صهر المسؤول الفلاني, رغم أنه لازال يسير خلف قريبه, وكأنه ضمن حمايته كما كان, هذا كل ما يجيده.. السير خلف قريبه وحمل حقيبته أحيانا!.
بعض أخر يمتلك مميزات أفضل, فهو يجيد تربية الطيور, ويعرف كيف يدير مواقعا, لشتم كل من لا يوافق فخامة قريبه, ولا يهم إن كان ذلك في مصلحة العراق, أو من يمثلهم هذا ال..., صحيح أن من مبادئ ديننا, أن الأقربون أولى بالمعروف, لكن ما هكذا تورد الابل!.
هل يحتاج أن نذكر الأسماء؟
نظرة بسيطة لألقاب من يتولون المناصب, العسكرية والإدارية, وبعض المناصب الظلية المفصلية, التي لا ينتبه لها أحد..  وسنفهم من هم المعنيون.. ومن لم يرى من الغربال يقال له أعمى.. ولم نكن يوما سذجا, أو عميان!.

81
زيارة الأربعين و الإداء الحكومي, بين النجاح والفشل.. قراءة واقعية.
المهندس زيد شحاثة
تحظى زيارة أربعينية الأمام الحسين عليه وعلى اله افضل الصلوات, بأهمية كبرى, من المسلمين وخصوصا أتباع أهل البيت عليهم السلام, لأهمية صاحب الذكرى وقدسيته, ولأن الزيارة أخذت منحا ثوريا, متحديا للأنظمة الاستبدادية, وتحولت لتظاهرة ضد الظلم و وتجديدا للبيعة, وتثبيتا للعهد على إتباع منهج أهل البيت, فتجاوز المشاركين فيها عشرات الملايين.
رغم كل محاولات الحكومات السابقة, في تخفيف معاناة المشاركين في المناسبة, وخصوصا بعد انتهاء الزيارة, إلا أنها كانت تفشل لأسباب عديدة, أولها, عدم توفر بنى تحتية تتيح التعامل بشكل صحيح مع الحدث, والعدد الهائل من الزائرين الذي يتطلب أعداد غير معقولة من وسائل النقل, خلال فترة محدودة لا تتجاوز اليومين, وأسبابا أخرى تتعلق, بعدم وجود الخبرة في التعامل مع مثل تلك المواقف.
خلال هذا العام, تكررت المشكلة, وبتغيير مكاني, ففي السابق, كانت المشكلة الأكبر, تحصل في محور كربلاء بغداد, حيث تعمل هيئة النقل الخاص, ووزارة التجارة, وتكون مشكلة محور كربلاء النجف أقل وطأة, حيث تعمل وزارة النقل وأليات وزارة الدفاع, وخلال هذه السنة, تم تغيير موقع عمل الوزارات, وأنشغلت أليات الجيش, بمعاركها مع داعش, فأنتقلت المشكلة لمحور النجف.
حصلت مشكلة أخرى, تتعلق بالظرف الأمني, وما حصل من خرق قبل عدة أيام من ذروة المناسبة, أدت لتوسيع الطوق الأمني, بقرار لم يدرس بشكل شامل, ولم تستكمل بقية إجراءاته, فلم يرافق تعديل الخطة الأمنية, تعديل  لخطط النقل والخدمات, وغيرها من مكملات الخطة, لتتلاءم مع التغيير الحاصل.
كما كان فتح المجال للزائرين من خارج العراق, والذي ربما تجاوز الخمسة ملايين, دون  الأخذ بالحسبان, كيفية إعادتهم, إلى حدود بلدانهم, وكيفية توفير مستلزمات إقامتهم, خطأ واضحا, فقد توجب ضمان تعاون تلك الدول, بتوفير باصات بأعداد مناسبة, وكما سبق أن أعلنت تلك الدول, وعدم الاكتفاء بمشاركة تكاد تكون رمزية في حل المشكلة!.
صحيح أن سكان المدن القريبة, كالنجف وبابل, وبقية المناطق التي يمر بها الزائرون, وكذلك مدينة كربلاء, بذلوا وقدموا ضيافة وخدمات, مشرفة وتكاد تكون فوق الوصف, ولا يمكن توقعها, أو تصور تمكنهم من تقديمها, إلا أن كل ذلك لم يمنع حصول التلكؤ في إعادة الزائرين.
تكرار تلك المشكلة سنويا, وخصوصا بعد المشاركة الهائلة التي حصلت هذا العام, ينبئنا وبشكل واضح, أن الأعوام  القادمة ستشهد مشاركة, إن لم تكن مماثلة لما حصل هذا العام, ففي تصاعد, وهذا يتطلب حلولا غير تقليدية, لأن الحلول التقليدية أثبتت أنها غير كافية, ولنا في ما حصل خلال المرات الماضية دليل واضح.
استشارة شركات عالمية مختصة, والإستفادة من خبراتها, ودراسة تجربة الحج, وإنشاء بنى تحتية للمحافظات المقدسة, تتلاءم وطبيعة المناسبات, واللجوء لفكرة إستئجار الخدمات اللازمة, إستجابة لمن يرفض فكرة استثمار المليارات لمناسبة تدوم لعشرة أيام!.
إستئجار قطارات, بعد إنشاء خطوط سكك حديد كافية, وإستئجار باصات نقل, بأعداد كبيرة مع سائقيها, بعد تهيئة طرق حولية وإستراتيجية خارج المدن, مع ساحات وقوف مناسبة, وإنشاء مطار كبير جدا, وكما مخطط له, أو توسيع مطار النجف الأشرف, وتهيئة ساحات وقوف عملاقة, مستفيدين من الطبيعة المنبسطة والصحراوية, للمنطقة بين النجف وكربلاء, وجعلها حدودا لقطع الطرق, ليست بعيدة, ومناسبة أمنيا, أفكار يمكن أن تحل جزءا من المشكلة.. وقبل كل ذلك, إنشاء هيئة مختصة بالمناسبات الدينية, تكون كفريق أزمة مهني, لديه الخطط اللازمة, و المعدة مسبقا.. ولا نخاف أن نفتح باب الاستثمار فيها, خصوصا لدول تهتم بتلك المقدسات والمناسبات.. وبما يلائمنا.
الحلول التقليدية, تعني حاجتنا لشراء "25 الف" باص لنقل مليون زائر فقط, فكيف إن كان العدد أكثر من  "25 مليون", كما نقلت بعض المصادر؟, وأي طرق ستكفيها؟ وأين ستقف كل تلك الباصات؟ وكيف ستزود بالوقود؟.
لنسأل الأن, هل فشلت الحكومة, ووزارتها المعنية, في أداء واجبها؟.
من الواضح أن غرفة علميات, الزيارة الأخيرة, كان فيها تلكؤ, ولم تكن قراراتها وإستجابتها, متلائمة مع تطور الحدث, وما يحصل على الأرض, وبعض الوزارات نجحت نسبيا, وغيرها فشل جزئيا, وحصلت أخطاء في المنافذ الحدودية, أثرت على عمل وزارات أخرى.. ولأن المواطن العادي, لا يطلع على كل تفاصيل العمل الفني, ولأن المفهوم شعبيا, أن المسؤول عن النقل, هو وزارة النقل, تحملت الوزارة كل السخط والاحتجاج.. لكن الزيارة انتهت بخير.
هذه الحقائق, وما حصلت من أخطاء, لا تعفي أحدا من مسؤوليته, لكنها توفر معطيات, يمكن الإستفادة منها مستقبلا, لتطوير الأداء الحكومي خلال المناسبات, وتوفير ما يستحقه المواطن, من خدمات, على الأقل بحدودها الدنيا.
صحيح أن الحكومة ورثت تركة كارثية من سابقتها, و أن البلد يمر بظرف, يكاد يماثل حربا عالمية, لكن تلك المناسبات, فرص لا تعوض, روحيا وأجتماعيا, وأقتصاديا وحتى سياسيا, فقط أن أحسنّا الاستفادة منها.. وأعددنا الخطط اللازمة, ووضعنا الأشخاص المناسبين في مكانهم المناسب.
تلك المناسبات, لا تتطلب, تمويلا هائلا, لأن أناسا عاديين, تكفلوا بضيافة"25 مليون" زائر, ولمختلف الأحتياجات, وهو ما تعجز عنه بعض الدول ولأرقام تصل عُشّر ذلك.. فقط تحتاج حسن تدبير, ورؤيا واضحة, وعزم حقيقي, لتقديم الأفضل للمواطن. فهو يستحق الأفضل.


82
مجاهدو الحشد الشعبي.. والجدل مع الحمقى

سألني صديق, وهو جدلي يحب أن يناقشني في كل شيء, أحيانا من باب الإستمتاع, وأخرى لأجل إثبات أن وجهة نظره صحيحة, أو فقط جدل لأجل الجدل.. عن المجاهدين, وهل هم مليشيا أم مجاهدين.. أم ماذا؟.
حاولت تجنبه, لأني كنت متعبا, ورأسي يكاد ينفجر من الصداع, إلا أن موضوعه استثارني, فقلت:
أعتقد أن الموضوع بيّن, وهل يحتاج إلى نقاش؟.. رغم انه لم يقل سوى سؤال واحد, إلا أني كنت أستشرف الأتي من جدلياته التي لا تنتهي, وكأنه في سباق لإثبات عكس ما أقول, فقط ليجادل.
قال: وكيف ذلك؟
أجبته وانا أحاول اختصار الموضوع وأتخلص منه: كيف بدأ الجهاد أصلا؟
أجاب دون تردد: طبعا بعد فتوى المرجعية المباركة, بالجهاد الكفائي.
قلت: حسنا, هل يكفي هذا لإعطائها الشرعية المطلوبة؟.. وقبل أن يجيب لسانه, هز رأسه موافقا بالإيجاب, وهو يكاد ينطق, إستبقته قائلا, بل يكفي ويزيد.. أضف لذلك, هدفهم واضح, وقبل أن تسألني كيف أن هدفهم واضح سأجيبك.. فالمرجعية حددت من هو العدو, وماهي واجباتهم ومهامهم, وماهي الأمور التي يجب تجنبها, والأخطاء التي لا يجوز الوقوع فيها.
صمت قليلا, متفاجئا ربما بإستباقي للموضوع, أو باحثا, عما يشّكل به علي.. فقال: وكيف تم تنظيم كل ذلك ونحن نعلم أن الاستجابة عفوية تلقائية؟
أجبت: أنت تعلم أن الكثير من العراقيين, سبق أن خدم في الجيش, فلديهم معرفة بكثير من النظم العسكرية, كما أن الدولة موجودة, في بقية المحافظات, وكثير من الأحزاب الإسلامية, سبق أن مارست العمل العسكري, كمعارضة مسلحة ضد نظام البعث الصدامي, وهي تولت بداية, تنظيم الأمور وتهيئتها, وبعد ذلك حصل تنسيق كبير, مع قوات الجيش, والشرطة, وبقية المنظومات الأمنية.
قال: لكنك سبق أن بينت أن فتوى المرجعية حددت للمجاهدين, دورهم وواجباتهم, وبينت مالا يجب حصوله, فهل التزموا بذلك؟ وهل كانوا كما أرادت المرجعية؟
نظرت إليه قليلا, ثم قلت له: أنت صديقي منذ زمن طويل أليس كذلك؟.. هز رأسه موافقا, فأكملت, إذن تعرفني, ولن تغضب مما سأقوله أليس كذلك؟
قال: نعم بالتأكيد.
قلت: أتمنى عليك, أن لا تكون فارغا.. تردد ما يقوله الأخرون, ممن يريدوننا أن نعتقد, أن أتباع أهل البيت, ليسوا أهلا للحكم, من أعداء العراق, وأعداء المرجعية, و من لسانهم معنا, وأيديهم وسيوفهم مع داعش.. أو تعتقد أن كل هذه الملايين, يمكن أن تكون بنفس الطاعة للمرجعية؟ أو تعتقد أن بضعة أفراد يخطئون تعني أن الملايين كلهم خطأ؟.. بأي منطق هذا؟
قال: الحقيقة.. قاطعته قائلا: أرجوك أترك الحقيقة بمكانها, وكلمني عن الواقع, أو ليست مقدمتك  الدائمة عندما لا تجد جوابا.. في الحقيقة والواقع؟.. أكملت منفعلا, لا أعرف بسببه أو بسبب الصداع أو من سخافة ما يقول: عزيزي إن هذه الأمور تحصل, ولكن كم هي نسبتها؟ هل من المعقول أن تصدّق, ما تقوله تلك الفضائيات المأجورة؟ هل تريد أن تقنعني أن فردا مسيئا, يقلل من قيمة تضحيات ملايين, ممن لا يملكون قوتهم, ومع ذلك لبوا نداء الجهاد, هل تريد أن تقنعني أن رجلا ترك عائلته بلا معيل, بل ولا يملك حتى أجرة السيارة التي تنقله لمعسكر التدريب, حضر لأجل ربح مادي؟.
وأين كان من وصفهم بأنهم بالمليشيا؟ ولم هرب من بيته؟ وهؤلاء تركوا بيوتهم الطينية, وعوائلهم دفاعا عنه؟ وهل يعرف ماهي المليشيات أصلا؟
بدأت اكلمه, وأنا أكاد أصرخ بوجهه, وهو ساكت, يحاول الابتسام, لإخفاء حرجه.. ثم تركته وأنا أتمتم مع روحي: أنتم أسوء من الدواعش, بل انتم الدواعش.. لكن الذنب ليس ذنبكم, فأنتم حمقى, ترددون كل ما تسمعوه, لا تثقون بأنفسكم, فكيف تثقون بأبناء جلدتكم؟
بقيت أمشي وانا أردد.. ما كذب أبو الحسن, عليه أفضل الصلوات, حين وصفكم بالهمج الرعاع.. تنعقون مع كل ناعق.




83
المنبر الحر / الخيار لنا.. دوما.
« في: 12:17 02/12/2014  »
الخيار لنا.. دوما.
المهندس زيد شحاثة
تعقدت العلاقات الدولية والإقليمية, إلى درجة لم يعد فيها, مؤثر واحد أو اثنان, هو ما يمكن حسابه والتعامل, مع امتداداته وتأثيراته, بل صارت العلمية خطوطا متقاطعة, وتوازنات متشابكة, غاية في التعقيد.
تستطيع الدول القوية, أن تفرض رؤيتها, على أي وضع دولي أو إقليمي, أو في الأقل تمنع حصول, ما يعارض مصالحها.. لكن من أين تأتي قوة الدول؟.
تعتبر الدولة  قوية, إن امتلكت نظاما مستقرا, سياسيا وإجتماعيا, وكان إقتصادها قويا متينا, وأمتلكت شبكة علاقات دبلوماسية, قوية وواسعة, تحكمها مصالح متبادلة, وإتفاقات شراكة إستراتيجية, مع مختلف الدول, بمختلف توجهاتها, وخصوصا المؤثرة منها, إقليما أو دوليا, وهذا سيتيح لها, أن تلعب دورا في مختلف قضايا الإقليم.. والعالم.
يحمي كل ذلك, جيش قوي محترف, يمتلك تسليحا عاليا, نوعيا وكميا, بما يشكل ردعا كافيا, وقدرات بشرية وفنية, ومنظومات إستخباراتية ومخابراتية, متمكنة وحصينة جدا, بما يضمن حدود البلد, مع الاحتفاظ بخيار التدخل أو التأثير, في أي مكان في العالم, أينما دعت حاجة الوطن لذلك.
على العكس من كل ذلك, فالدولة إن ضعفت, صارت مسرحا لتجارب الأخرين, وتصارع إراداتهم, ومحطة لتخلص الأخرين, من شذاذ الأفاق, المجرمين والمنحرفين, ومكانا لتقاتل الأعداء وتصارع مصالحهم.. فأين موقع العراق من كل ذلك؟
بلد كالعراق, يمتلك المؤهلات اللازمة, ليكون دولة متقدمة أو قوية في الأقل.. فهو يملك الثروات غير المستغلة, وإمكانات  الاستثمار, والقدرات البشرية المتميزة, كما ونوعا, وله موقع إستراتيجي, وسبق أن أمتلك أرثا حضاريا وإنسانيا.. لكن ما ينقصه القيادة النوعية.
صحيح أن إرادة الأنسان هي المؤثر الأهم في تقدمه وبلده, لكن هذه الإرادة تحتاج, لموجه وجامع لها, يقودها نحو هدف موحد ومحدد, ومن الطبيعي القول, أن هذه  القيادة يجب أن تولد من رحم الأمة نفسها, لكي لا تكون غريبة عن تطلعات الأمة, ولا تنعزل عنها في برج عاجي.. ولان نظامنا برلماني, فان إختيار هذه القيادة يعود إلينا مرة أخرى!.
بناء بلد, ليس كلمة تقال, أو خطوة واحدة تنفذ, بل هو طريق طويل, لكنه يبدأ بخطوة.. وتلك الخطوة بدأناها نحن المواطنون العاديون, عندما ذهبنا وأخترنا, من نظن انهم الأصلح.. وبعيدا عن المثالية, هل يجب أن ندعم من أخترناهم, أم نعمل لإفشالهم؟.
صحيح أن من اخترناهم, أو بعضا منهم, ليسوا تماما كما نتمنى, لكنهم كانوا نتاج الديمقراطية, بالرغم من ملاحظات الكل عليها, لكننا سندفع رواتبهم لأربع سنوات, أفلا نجعلهم يخدموننا بأقصى قدر ممكن؟ أو ليسوا موظفين لدينا؟!
ألا تظنون أننا يجب أن ندعمهم؟ لكن كيف سندعمهم؟ هل بتأييدهم في كل أفعالهم.. أم ماذا؟ ألا تظنون أن تأييد الصواب من إجراءاتهم, وانتقادهم بشكل موضوعي, وبيان رأينا بشكل عقلاني, يصب في مصلحة الوطن, هو الدعم الأفضل؟..لا لأجلهم.. بل لأجلنا.
بعد أربع سنوات, سيعود لنا الخيار, في أن نبقيهم إن نجحوا, أو نستبدلهم, إن لم ينجحوا, أو حققوا اقل مما يمكن..ولا ننسى.. بعد إرادة الباري عز وجل, دوما الخيار لنا.

84
تفكيك الملفات.. وحكومة الفريق المنسجم
المهندس زيد شحاثة
أظهرت الإحداث التي حصلت بعد سقوط نظام البعث عام 2003, وما جرى و يجري من أحداث, أن دولة البعث ومؤسساتها, كانت عبارة عن هياكل خاوية غير حقيقية, بواجهة براقة لماعة, تسيّر بالحديد والنار.
بناء بلد بهذا المستوى من الخراب, خصوصا فيما يتعلق بالإنسان, ليس بالأمر الهين.. لكنه ليس مستحيلا.
رغم كل التسقيط والتخوين المتقابل, التي سادت الساحة خلال الفترة الماضية, بين مختلف الأطراف, بدفع من أطراف خارجية, أو تنافس سياسي محلي, وأبواق ساذجة أو مأجورة, تنعق مع كل ناعق.. فإن العراق لا يخلو من إمكانات وكفاءات فذة, لها القدرة الفنية والتخصصية, على تقديم الخطط والبرامج والمبادرات, لتطوير مختلف القطاعات, والنهوض بالبلد, وحسب منهج وخطوات, معدة بتوقيتات زمنية محسوبة بكل دقة.
عملية النهوض لا يمكن أن يقوم بها شخص واحد, وتشكيل لجان للتعامل معها, يعني تمييعا للموضوع, وتغييبا له, وتركه للمؤسسات الحكومية والوزارات الآن, بما تعانيه من مشاكل فساد, وتضارب في الرؤى, وتنافس سياسي, ومشاكل الروتين الإداري, سينتج ضياعا للجهد والمال والوقت.. وهذه كلها تكاد تنفذ منا.. فما الحل؟.
معظم دول العالم المتحضر, عند حصول أزمة, اقتصادية كانت أو أمنية أو غيرها, يتولى مجلس وزاري مصغر, أو فريق عمل محدد مسبقا, يضم الوزارات المعنية, التعامل مع الأزمة.. فلمشكلة أمنية, يحضر وزير الداخلية والدفاع والاستخبارات أو من يمثلهم, ولمشكلة اقتصادية, يشترك وزير المالية والتجارة والنفط.. وهكذا لبقية الملفات.
تحميل كل هذه المسؤوليات, لشخص رئيس الوزراء وحده, رأينا نتائجه في المرحلة السابقة, وكيف أدى إلى تفرد بالقرارات, والرأي الواحد غالبا يكون مخطئا.. وإنتظار مجلس الوزراء باتجاهاته المتعددة, لاتخاذ قرار حول قضية حاسمة أو مستعجلة, وما يتطلبه التوافق السياسي, وترضية مختلف الأطراف.. كل ذلك يجعل قضية تحسم بيومين, تستغرق أشهرا!.
الاتفاق الأولي الذي حصل قبل عدة أيام, حول موضوع النفط, بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان, نموذج واضح, على إمكانية نجاح المختصين, بعيدا عن الضوضاء الإعلامي, وبإمكانية فنية سياسية, أن تصل لتحقيق تقدم في الكثير من الملفات المعقدة, إن توفرت النيات الصادقة.
أشراك الكل صعب, لكن إشراك الغالبية بشكل ذكي بملفات مختلفة, يجعلهم جزءا من العمل الوطني, اللازم لبناء دولة المؤسسات, ويحملهم المسؤولية, ولا يتيح لهم التنصل من النتائج, وإشراك الأكاديميين والمتخصصين فنيا, من غير المتحزبين, مع الساسة, سيضمن لنا قرارات وخطوات متوازنة.
مضى زمن القرارات الفردية, ولا نجاح بدون عمل الحكومة, بطريقة الفريق المنسجم.
نحن بأمس الحاجة لنقدم للعراقيين, أهدافا تجمعهم, وتطبق وتحقق.. بالفعل وليس بالكلام.

85
جنود من نوع خاص.. بين العجب والسبب.
المهندس زيد شحاثة
تعلمت من والدي تغمده الباري برحمته, أن أخوتي هم أهم شيء في الدنيا, وأنهم بالنسبة لي يجب أن يكونوا بعد المعصومين, ومالهم من قدسية في نفوسنا, كمحبين وأتباع لأهل البيت, عليهم أفضل الصلوات وأتم التسليم.
عندما كنت صغيرا, لم أكن أفهم كثيرا, ملحمة تضحية الإمام الحسين عليه واله افضل الصلوات وأتم التسليم, ولأن والدي كان يدرك, حكم العمر ودرجة الإستيعاب, كان يقرب لي الصورة, بأن يجعلني أتخيل لو أن كل حدث حصل في الطف, جرى على أحد أخوتي أو أخواتي.
ليقرب لي, هول و وفداحة, ما جرى على السيدة العظيمة, زينب بنت أمير المؤمنين عليها وعلى أبيها وأخوتها أفضل التحيات, بأن يجعلني أتصور أن حدثا منها جرى على أختي الكبرى, التي ربتني, وكانت تقوم مقام والدتي, كنت أبكي وأطلب منه أن يتوقف, لأني كنت أبكي حد الإختناق, ولا أستطيع تقبل إستيعاب تخيل ذلك.. فقط  تخيله!.. فكيف بها روحي فداها وهي عاشته لحظة بلحظة!؟.
لأني أحب اخوتي كثيرا, ولهم مكانة خاصة جدا في نفسي, فقد كانت طريقة تعامل العباس, مع أخيه الإمام الحسين, عليهما أفضل الصلوات تسحرني.., بل أكاد أغيب بعالم أخر, فهو لم يقل له يوما أخي.. ودوما كان يناديه بسيدي, أو يا أبن رسول..., أدب عجيب, يكاد لا يصدق, وكأنه جندي مطيع, وليس أخا له, وأبن لأمير المؤمنين!.
هذا جعلني أتسأل, عن أي تربية نالها هذا البطل, وأي بيئة خلقت هذا الإيمان المطلق, والولاء اليقيني, بإمامة أخيه, حتى لا يجرؤا.. أو لا يقبل أن يناديه بأخي.. فقط نداء!.. وأي جنود أمتلك سيد الشهداء, في معركة الطف, وبأي روح كانوا يقاتلون!.
كنت أستمتع بأخوتهم وكيف يتعاملون, من جانب عائلي أخلاقي, الإمام يعرف قدره وما يحمل من شجاعة, وطاعة وولاء, وإقرار بل.. ذوبان بإمامته, وهو يعرف ان أخيه هو إمام, مفترض الطاعة, وأن له دورا مرسوما, في أعظم ملحمة سيسجلها التاريخ.
دوما سأظل أستمتع.. حد البكاء, بمشاعر الاخوة الصادقة, الرقيقة الحنونة الدافئة, بين الإمام الحسين وأخيه العباس, وكليهما مع عقيلة بني هاشم.. فقط منظور اخوي أسري بحت.
أي أب.. وأي أم.. نتاجهما, هذا النموذج !
إنهم علي وفاطمة.. وأم البنين.. وجدهم الرسول الاكرم محمد عليهم افضل الصلوات واتم التسليم.
قيل قديما.. إن عرف السبب.. بطل العجب.



86
المنبر الحر / كالأنعام..بل أظّل
« في: 17:31 22/10/2014  »
كالأنعام..بل أظّل
المهندس زيد شحاثة
أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي, لكل إنسان أن يصرح بآرائه, ويبين أفكاره, ما يحب ويكره, الجهة التي يؤيدها, ويعتقد بصحة أفكارها ومبادئها, بل وما يحب ويكره من أنواع الطعام.
يندر أن تجد شعبا عاطفيا, مثل الشعب العراقي, هو يكره بسرعة, فيسب ويشتم..ويخرج من الملة حتى!..ليعود ويسامح وينسى, فيحب ويمجد بنفس السرعة..يصدق معظم ما يقال حتى مع عدم وجود الأدلة لما قيل, بل ويدافع عنه باستماتة, وكأنه هو من قال, وصاحب القضية والمعني الأول بها؟!.
هكذا هي طبيعتنا, عواطفنا غالبا تسبق عقولنا, فنتفاعل بسرعة, دموعنا تسابقنا, خصوصا عندما يعود البطل في الفلم الهندي إلى أمه, بعد أن سقط منها في النهر, وأنقذه التمساح, وربته القردة, ونجا من سقوط  طائرة, في منطقة جبلية فوق قطار مغناطيسي في الهند!, رغم علمنا أن كل هذه الأحداث, لا يمكن أن تحدث وأنها..فلم هندي!.
بوسط كل هذا الفيض من المشاعر, تجد نماذج لا تملك شيئا منها, وكأنها خلقت تكوينيا, بدون قلب أو روح, بل ربما تظنها لا تعرف ما هي المشاعر, وما تعنيه, تكره وتحقد على البشر كبشر, بدون سبب, وكأنها ترى الحياة بلون اسود قاتم, وأنها عبارة عن حرق ونهب, وذبح ودم.. دم فقط!.
كم أتمنى أحيانا لو كنت طبيبا, وبالتحديد مختصا بالتشريح, أو علوم الطب العدلي, ليتسنى لي يوما, تشريح جثة احد هؤلاء ال..., لا اعرف كيف أصفهم, فقط لأتبين تركيبة قلبه.
هل لديه قلب مثلنا؟ أم حجر؟ أو ليس بعض الحجر خشع وتصدع من خشية الباري, وعظم حمل الأمانة!؟
اغلب الظن أن هؤلاء وأمثالهم, يمتلكون عضلة فقط, تعمل كمضخة للدم للجسد لا أكثر, لا سر فيها..لا روح.
بعد أن نضجت قليلا, وبدأت افهم معاني بعض آيات القران الكريم, على الأقل ظاهره, كنت دوما أتساءل عن المخلوق, الذي تشير له الآية الكريمة, بأنه أظل من الأنعام!.
الآن عرفته


87
المنبر الحر / قسمة ضيزى؟!
« في: 16:58 21/10/2014  »
قسمة ضيزى؟!

لا تخلوا الدول أو الأمم التي تتكون من عدة طوائف من مشاكل, أو إحتكاكات تحصل لأسباب, تعلق بنوع الإختلاف بينها, دينيا كان أو مذهبيا, قوميا كان أو غير ذلك.
مع بداية عصور الخلافة الإسلامية الأولى, أنقسمت الأمة الإسلامية بين مؤيد لأهل البيت وحقهم بتولي الخلافة,وكما نصت عليه أحاديث كثيرة, وهم شيعة أهل البيت, ومعارض لذلك, سمّوا السنة أو الجماعة, وكل لديه أدلته وما يستند عليه في مواقفه, وأنشق عنهم طوائف مؤيدة ومعارضة, تطرفت بعضها فكفرت الأخر, بل أن بعضها أخرجه من الملة وأباح قتله حتى.
لم يسلم العراق من تلك المشكلة, لكنها تهدأ غالبا, وتثار أحيانا, وتراق الدماء فيها, ورغم أن العصر الحديث, شهد حكم الأقلية السنية للغالبية الشيعية, نتيجة لخطأ إستراتيجي من الشيعة, بعدم تعاملهم مع المحتل, بعد سقوط الدولة العثمانية, كما يراه بعض المحللون, وإستعداد زعماء السنة, لتولي السلطة بأي ثمن حينها.
بعد سقوط نظام حكم البعث, والإحتلال الأمريكي للبلد, تغيرت المعادلة, فقاوم الشيعة المحتل بمختلف الأساليب, فكانت مقاومة مسلحة من بعض الفصائل, فيما عمل الساسة, ومن خلال مشاركتهم بالحكومة, بأسلوب الضغط السياسي والدبلوماسي, والاستفادة من العلاقات الواسعة, التي امتلكوها خلال سنوات المعارضة, على إخراج المحتل, و المرجعية تدعم هذا العمل بمختلف توجهاته, بطريقتها الغير مباشرة المعهودة.
كرر السنة ما فعله الشيعة سابقا, فلم يشاركوا بداية, بحجة أن التعامل مع المحتل هو خيانة, وأن مقاومته واجب ديني ووطني, وأن الحكومة التي تشكلت بوجود الإحتلال غير شرعية, بل وأوصلوا الأمر أبعد من ذلك, فصار غالبية الشعب العراقي صفويا, وعميلا لإيران, بحكم تشابه المذهب, وخونة بحكم تعاملهم مع سلطات المحتل, التي تواجدت بقوانين دولية مفروضة, لم يكن لأي فرد من الشعب العراقي خيار فيها, فما الذي يحصل اليوم؟!.
قبل الخوض في إجابة هذا السؤال, لنسترجع أحداثا تاريخية قريبة, فعند دخول الانكليز أوائل القرن الماضي, قاومه الشيعة, ودعموا الدولة العثمانية, لأن ظاهرها خلافة إسلامية, رغم أنها ناصبتهم العداء, فكانت النتيجة أن تسلم النقيب حكم العراق بالتعاون مع المحتل, وأقصي الشيعة منها تماما؟!.
عند سيطرة البعثيين على الحكم, كان أغلب الجيش الذي حارب إيران, مشكلا من الجنود الشيعة, وهم من كانوا ضحيتها, وقلة من الضباط والقادة السنة, وبعد نهاية الحرب, كان إدعاء النصر والتكريم للضباط والقادة, وكرم الجنود بأن منحوا حريتهم في التسريح من الجيش, بلا عمل ولا مستقبل؟!.
مع قرار أمريكا بإزالة حكم الطاغية صدام, وعند نزول قواتها, فمن قاوم تلك القوات, كانت مناطق البصرة والناصرية والنجف, وكلها مناطق شيعية, فيما دخلت القوات إلى مناطق, تكريت والرمادي, بإتفاق بين شيوخ تلك المناطق والقوات المحتلة, ودون إطلاق رصاصة واحدة؟!.
بعد تشكيل النظام الجديد, وتولي حكومة من الغالبية الشيعة مقاليد الحكم, قاتلها كثير من أبناء السنة, بحجة مقاتلة المحتل, وأنها عميلة للمحتل, وراح ضحية ذلك الكثير من الأبرياء, بأسلوب قتل قذر, لا يفرق بين المقاتل والمدني, أو الطفل والمرأة.. لا أدري كيف توصف تلك الأفعال بأنها مقاومة؟!..فيما مقاومة الفصائل الشيعية للمحتل, ندر أن ذهب ضحيتها أبرياء من المدنيين العزل, وبغض النظر عن هويتهم أو مذهبهم.
اليوم مجلس الأنبار, أهم منطقة سنية, يطالب بدخول القوات الأمريكية إلى مناطقه, لحمايتها من داعش.. عجيب, ما حدا مما بدا؟!أو ليسوا هم نفس المحتل الذي أدعوا قتاله؟! وذبحوا الأبرياء بأسمه؟!
بالأمس كانت الحكومة عميلة للمحتل, وصنيعته ويحركها المحتل, اليوم طلب مباشر, وبالأسم للقوات الأمريكية؟!
هل أختلف المقياس؟ أم أن الكلام الأول خداع, والآن هي الحقيقية؟ أم العكس هو الصحيح؟.
أم أنها..قسمة ضيزى؟


88
المنبر الحر / لنتعلم من الفرس
« في: 09:44 12/10/2014  »
لنتعلم من الفرس

العراق بلد حضارات أصيلة و متعددة, هي من أولى الحضارات وأقدمها, لا يختلف اثنان على ذلك, وقدمت كثيرا من المعارف للبشرية.
هذا لا يعني عدم وجود أمم أخرى, تملك حضارات أصيلة, كالمصريين واليونانيين والرومان والفينيقيين والفرس, وغيرهم كثير من الأمم.
تجاور العراق وإيران جغرافيا, جعل تكرار التحاور والصدام بين حضارتيهما, امرأ لا مفر منه, هذا التأثر والتأثير امتد لغاية العصور الحديثة, جزء من هذا التأثير تمثل بحكم وتبعية إحداهما للأخرى, خلال فترات زمنية متفاوتة من العصور التاريخية.
خلال العصر الحديث, وبعد تدهور الدول والكيانات العربية,على علاتها, وتراجع العراق عن دوره التاريخي, وكون إيران دولة كبيرة وقوية, ومؤثرة إقليميا, أصبح لها دور مؤثر في الساحة العراقية, كجزء من دورها الإقليمي, وحماية مصالحها.
مرت العلاقة بين البلدين خلال السنوات المائة الأخيرة, بمراحل صعبة, ومرت بفترات قتال دموية, راح ضحيتها الآلاف من الشعبين, وترك ذلك أثرا نفسيا كبيرا في قطاعات واسعة من الشعبين, فيما يتعلق بنظرة بعضهما للأخر كقومية.
اليوم وبعد سقوط نظام البعث, وظهور نظام حكم جديد في العراق, ومشاكل إيران مع الولايات المتحدة, وبروز قوى إقليمية مؤثرة, اختلفت معطيات المنطقة, فإيران لم تعد تلك الدول التي يمكن تجاوزها, وأمريكا لديها مشاكلها الخاصة, ولا تريد أن يكون لإيران اليد الطولى في ساحتها الخلفية, التي تتحكم بنصف نفط العالم أو أكثر.
كل ذلك وما تقوم به إيران من ملاعبة أمريكا, بأكثر من مكان وملف, وكيفية تعامل إيران مع مختلف الملفات, ونجاحها ولو نسبيا, في معظم تلك الملفات, واُثر إيران على ساحتنا العراقية, يدعونا لان ندرس التجربة الإيرانية وسياستها..ونتعلم منها ما يفيدنا.
إيران لا تقطع شعرة معاوية مع احد, ولا تتخذ مواقف راديكالية, لا يمكنها التراجع عنها, ولديها أجنحة سياسية وتيارات مختلفة, بين صقور وحمائم, ولديها قابلية على تفكيك الملفات وتفصيلها مع أي طرف, وهي مجموعة سلطات ومراكز قوى داخل الدولة, تختلف توجهاتها ولا تتقاطع, تسوق الإسلام والتشيع, كوجه رسمي للدولة, وتحكم بطريقة واليات تكاد تكون ليبرالية!.
 لا تفوت فرصة للحصول على موطئ قدم في الساحة الدولية, حتى في مجاهل أفريقيا, أو غابات أمريكا الجنوبية, لا تترد إيران في حماية مصالحها القومية على حساب أي جهة, وهذا مبرر في عرف السياسية.. وللآخرين أن يحموا مصالحهم كما يشاءون, هي تتعامل مع الأقوياء ومن يثبتون أنفسهم في الساحة.
ساستنا حديثو عهد بإدارة الدولة وقيادتها, معظمهم احترف العمل الجهادي المعارض, ويكاد عمرهم الزمني ينتهي, وهم لازالوا يتلمسون طريقهم, لتعلم كيف يكون احدهم رجل دولة, الا قلة من مشاريع قادة يمكن أن يكونوا نموذجا جديدا لقادة المستقبل.
قيل في المثل "خذوا الحكمة من أفواه المجانين", وهي دلالة رمزية على التعلم ولو من اغرب المصادر, ولا يمكن لأحد أن ينكر أن الإيرانيين مدرسة في السياسية والقيادة..لنتعلم منهم ما يفيدنا, مصالح شعبنا وكيفية حمايتها.. ولنترك ما يهمهم لهم.
تعلم السياسية والعمل بها, ليس بالضرورة يجعلنا خارج الإطار الأخلاقي, فالسياسية فن وعلم..ولنا أن نطبقه كيف نشاء..سلبا أو إيجابا.





89
ثمن المناصب.. ومناصب الظل..وحد الصمت.
المهندس زيد شحاثة
تسعى الأحزاب والحركات السياسية بقوة, لتسلم مناصب تنفيذية أو وزارية, في الحكومة ومؤسسات الدولة لأهداف مختلفة.
بعض تلك الأحزاب, تسعى خلف تلك المناصب, لان تنفيذ برامجها السياسية, وما سوقته من أهداف, ومصالح جماهيرها, لا يمكنها الوفاء بها وتطبيقها, الا من خلال سلطة تنفيذية, أو مناصب وزارية, لتحقيق تلك الأهداف.
بعضها الأخر, يسعى للحصول على مناصب, لتتولاها شخصيات فيه, تحتاج إلى" الكراسي", لان تلك الشخصيات, لا تقبل أن تكون خارج دائرة الضوء, حيث الجاه والسلطة, فهي ولدت لتقود, وهي ترى أنها هبة ربانية جاد بها الزمان ولن تتكرر!.
أحزاب أخرى, لديها أغراض مادية بحته, بهدف الكسب والربح وتمويل الحزب, وأشخاصه, بغض النظر عن شرعية الطريقة وقانونيتها.
هناك أسباب أخرى, للسعي خلف الوزارات والمناصب, كالتحكم بوزارة تهم طائفة ما, أو مجموعة قومية أو جغرافية, لهذا الحزب, أو التحكم بقطاع حيوي, كالمال أو الاقتصاد أو غيرها من قطاعات الحياة العامة للدولة والشعب.
هناك من يجمع بين كل أو جزء من تلك الأهداف..بعضهم يعلن أهدافه النبيلة و يعمل لتطبيقها, فيما بعضهم الأخر يعلن أهدافه بغض النظر عن أحقيتها, ولا يهمه الآخرون, ويستخدم شتى الوسائل لتحقيقها, وغايته تبرر وسيلته, وهناك من يعلن غير ما يبطن, وهناك من لا يعلن شيئا, وهناك من يخلط بين هذا وذاك!.
الاستحقاقات الانتخابية كمناصب, أمر منطقي, فكما نعرف أن لكل حزب جمهور وناخبون, يطالبوه بتحقيق ما وعدهم به, ولديه برنامج يريد تطبيقه, فالمشكلة ليست بالمطالبة بالمناصب, وإنما بكيفية المطالبة بها, وبما هو مستعد لفعله أو تقديمه للحصول عليها؟!.
الأخطر في الموضوع هو مناصب تقع في الدرجة التالية من المناصب الوزارية, كوكلاء الوزراء ورؤساء الهيئات المستقلة,  والمناصب الاتحادية, والمدراء العامون, ومناصب أمانة مجلس الوزراء, ولا نتفاجا أن عرفنا أنها بالعشرات ومهمة ومفصلية في إدارة عمل الدولة..هذه المناصب تملك سلطة فعلية تكاد تنافس سلطة رئيسها, من حيث المرونة والصلاحية العملية, وهي ليست في الواجهة, ولا توجد عليها ضغوط سياسية أو إعلامية.
هذه المناصب توزع في الخفاء, ولا يسمع عنها احد شيئا, ومعاييرها تكاد تكون نكته..إذ لا معايير؟!.
يتناهى للسمع أحيانا أن هذه المناصب, وصلتها المحاصصة الحزبية والطائفية, وأحيانا أخرى يتم "تحزيب" الوزارة أو الهيئة, حسب توجه الوزير أو المسؤول الأعلى, أو قيل أنها نزلت إلى بورصة المناصب, فصار لها سعر..وهذه كارثة كبرى.
الكفاءة والخبرة, والمؤهل العلمي والاختصاص, والنزاهة والقدرة الشخصية..صارت مواصفات غير أساسية في من يتم اختياره لهذه المناصب, وقبولنا أن المناصب الوزارية أو الكبرى, هي مناصب سياسية من الناحية العملية.. يجب أن لاينسحب إلى ما بعده من المناصب.
هناك أمور يتم التغاضي عنها لأنها مصلحة عامة, أو لأنها غير متاحة..لكن يجب أن نضع حدا..لا يجب السكوت بعده.


90
حياء أو خجل..إنها قطرة

يقيم الإنسان بما يحمله من صفات وخلق, ومواقفه التي يتخذها في اللحظات الحاسمة, أو الأمور المفصلية في الحياة.
يبين أهل الاختصاص, أن الحياء من الصفات والأخلاق الكريمة, ويعود ذلك لان هذه الصفة أو الطبيعة الشخصية, تمنع صاحبها من فعل القبيح, التقصير في الواجبات, التعدي على حقوق الآخرين, غيرها من الأفعال المذمومة.
بينما تعتبر صفة الخجل, صفة غير حميدة, فهي توصف بأنها شعور شخصي بالتصاغر أو الذل بدرجة ما, نتيجة للتقصير في الواجب, أو الوقوع في الحرام, وهي ربما تمنع الإنسان من فعل الصواب أحيانا.
العمل السياسي يختلط فيه كثير من الأخلاقيات, أن جاز لنا أن نطلق عليها هذه التسمية..فالكذب, وإظهار غير ما يبطن, والمواقف المتلونة, ومراعاة المصالح الشخصية أو الحزبية, صار صفات تكاد تسود.
ثلة..أو اقل من ذلك, يمكن أن تحس منهم, وفي مواقف نادرة الوضوح, أن تلمح منها أنهم يمتلكون في مواقفهم, شيئا من الأخلاقيات, أو يراعون المعقول والمقبول..ولو في حدودهما الدنيا.
هناك منهم يحاول أن يخلط الأمور..وكأنها كانت واضحة للمواطن العادي!؟, فيصر على مواقف انتهازية لتحقيق مصالحه وأهدافه الشخصية أو الحزبية, ويملأ الإعلام ضجيجا و صراخا, ويرمي جريمة مواقفه على اكتاف شركائه الآخرين.
بعظهم الأخر, يملك شيئا من "الخجل", فلا يظهر في الصورة, ويتجنب الساحة الإعلامية, ويتخذ مواقفه بناء على مصالحه, ولا يعلن عنها أو عن نفسه, ويختفي بين السطور, وفي زحمة المواقف المتناحرة.
قلة قليلة تملك شيئا من "الحياء",فتكون مواقفها محسوبة بدقة, ولان الحق والصواب موقف صعب مستصعب, ولا يسهل توضيحه, في هذا التداخل الهائل في الحقائق والمواقف, والتزويق والخداع الإعلامي, فتكون مواقفهم وكأنها سير على حافة السكين؟!..هكذا مواقف, تكون دوما عرضة للمهاجمة من الآخرين, ربما لكيلا تظهر مواقف الآخرين الهزيلة..وانتهازيتهم.
العراق اليوم يمر بمرحلة خطيرة ومفصلية, وبعض ساستنا,يعيشون في عالم أخر, همهم الكرسي والسلطان والمنصب, ومصالحهم الخاصة بمختلف مستوياتها, وما يخيفنا حقا, أن هؤلاء لا يملكون شيئا من "حياء" أو حتى "خجل"..وكما يقول مثلنا الشعبي, " قطرة سقطت".
متى سيمتلك قادتنا هذه القطرة؟
لكن..السنا من يختارهم!؟.

91
هل تحقق التغيير المطلوب؟.
الحياة بطبيعتها لا تستقر على حال, فهي بتغير دائم.
أحيانا يكون التغيير ايجابيا, وأخرى يكون بالعكس من ذلك..بعض التغييرات تتكون دراماتيكية, وتصل حد التبديل الكامل, أو يكون شكليا, يشمل الصور و الأشكال فقط, وتتدرج والحالات ضمن هذه الحدود.
العمل السياسي, من أكثر القطاعات التي تشهد تغييرا وتبدلا, باستثناء الدول الديكتاتورية والدول المتقدمة جدا, حيث أن الأولى لا يحصل أي تغيير فيها, مادام الحاكم الأوحد باقيا, فيما الثانية تشهد تغييرات نسبية, تتعلق بقضايا اقتصادية وسياسية, تعتبر هامشية مقارنة  بما يحصل مع الآخرين.
بين هذين العالمين تقع أنظمة حكم, تشبه حالنا في العراق,أو بالتحديد تجربتنا السياسية  بعد عام 2003, فبرغم حداثتها, وعدم استقرارها, وفقدانها للكثير  من شروط ممارسة الديمقراطية الرصينة, إلا أنها تجربة ديمقراطية بالمقياس العام.
بفترتي حكم امتدتا لثمان سنوات, كانت تجربة السيد المالكي في الوزارة, محل انقسام سياسي واجتماعي, بل وحتى أسري, فاختلفت الآراء حولها بين مؤيد عاطفي, وشاتم مبغض, وقلة تنتقد استنادا إلى وقائع, إلا أن التيار السائد لمختلف الجهات , كان يميل  إلى إجراء تغيير, والدفع بشخصية جديدة, ولأسباب اختلفت بين تلك الجهات.. لكن هل تغيير شخص السيد المالكي هو المطلوب حقا؟.
الموضوعية تحتم أن نقرر أن السيد المالكي, يتحمل الجزء الأكبر, من الأخطاء والفشل الذي حصل, ولو بملفات بعينها, و يتحمل مسؤولية كسب الأعداء, من خصومه وحلفاءه السابقين على حد سواء, بل ومن حزبه أيضا في المراحل الأخيرة, بسبب تفرده بالقرار, وأسباب كثيرة اخرى لا محل لها هنا...لكن هذا لا يعفي الآخرين من المسؤولية, كمقربيه  وحزبه, وحلفائه السياسيين..بل وحتى بعض معارضيه؟!.
ليكون التغيير حقيقيا, ويحقق ما يطالب به الشعب ودعاة التغيير, يجب أن يبدأ بالرؤى والأهداف, وينتقل إلى المنهج والآليات بكل تفصيلاتها, ويرافقه تغيير الشخوص كتحصيل حاصل, وإلا فقد معناه, وصار تبديلا لوجه بوجه أخر فقط... فما قيمته؟!.
ضمانة أن يكن التغيير حقيقيا, هو تغيير منظور المجتمع لعملية التغيير..ونعتبره ايجابيا بجميع الأحوال, فلا نعشق المسؤول ونؤلهه, أو نسقطه ونشتمه ليل نهار, بل نعطيه الفرصة المعقولة, لكن لا ننتظر لثمان سنوات لنطالب بتغييره!.
التغيير يبدأ من عندنا, بان نراقب ولا نصدق كل ما يقال من وعود, إلا بعد تمحيص وتدقيق, ونطالب ببرنامج واضح للحكومة, ونحاسبها على فقراته بعد متابعة نسب الانجاز, ولكل المشاريع, والوزارات.. وكل حسب محافظته..
تجربة السنوات الثمانية الماضية, كانت درسا صعبا لنا بكل المقاييس.لكنها مضت.
لنتعلم الدرس فقد دفعنا ثمنه, ولنأخذ العبرة منه.. فالتغيير مرهون برغبتنا الحقيقية به.


92
التحالف الوطني.. المؤسسة المنتظر والبيت الأمن.
المهندس زيد شحاثة
يصعب اتفاق البشر حول قضية ما, إلا إن جمعتهم عقيدة, أو مصالح مشتركة, أو خصم مقابل, حول تلك القضية.
 يعتبر العمل السياسي مصداقا واضحا لصعوبة الاتفاق, فتختلف فيه رؤى الأحزاب غالبا, حول القضايا الخاصة بالوطن, بسبب اختلاف توجهات تلك الأحزاب, وتطلعات من تمثله من ناخبين.
بعض تلك الاختلافات جوهرية, تتعلق بأساس القضية ومبادئها, وبعضها الأخر شكلي, يتعلق بالكيف والكم, أو الآليات المتبعة, وفي دول مثل العراق, بتركيبته المتداخلة, قوميا ودينيا, تصبح عملية اختلاف الرؤى مشكلة معرقلة, إن لم يتم التعامل معها بشكل صحيح.
عند رغبة مجموعة بالوصول إلى حل قضية ما, أو تقديم مشروع أو فكرة, يجب إن يكون أحدهم مبادرا, يمتلك الإمكانية ليقود, فيقدم الفكرة أو المشروع المطلوب, ليضاف له ما يريده  الآخرون ويستكملوه, أما أن تترك الأمور على عواهنها, ويقدم كل فكرته, وتناقش كلها, فلن يتم  الوصول إلى حل, إلا بعد استغراق وقت وزمن وجهد.. ثمينة جدا.
الواقع العراقي يقول إن أتباع أهل البيت, هم الأغلبية ضمن مكونات الشعب العراقي, وهذا حمّل الأحزاب الشيعية, مسؤولية إن تكون صاحبة المبادرة, وحاملة المشروع الوطني, وجامعة الأحزاب, باختلافاتها ومتضاداتها..فهل نجحت في ذلك؟.
قلة من الأحزاب الشيعية لها مقبولية واسعة على المستوى الوطني بمفردها, لكن التحالف الوطني كمؤسسة جامعة للأحزاب الشيعية, ورغم انسحاب الأثر السلبي الفردي عليه, إلا انه بالمجمل أكثر مقبولية كمؤسسة تمثل الأغلبية من الشعب العراقي, لكن هذه المؤسسة لم تنجح إلا في فترات قليلة سابقة, في القيام بدورها الحقيقي بقيادة البلد, واخذ زمام المبادرة, لأسباب تتعلق بطبيعة تركيبته , والأحزاب التي هيمنت عليه وعلاقاتها بالآخرين.
أدى ذلك, لظهور موافق منفردة غير منسقة لبعض الأحزاب المكونة للتحالف, تخالف توجهاته العامة, ومحاولات لتحييد التحالف وإفراغه من محتواه, من قبل أعضاء آخرين, وكانت هذه خسارة كبيرة على المستوى الإستراتيجي للمكون الشيعي.
التغييرات التي حصلت , بعد نتائج الانتخابات الأخيرة, أتاحت فرصة حقيقية لإعادة التحالف إلى مكانته, وإعادة بنائه  بشكل صحيح, وجعله مؤسسة لاتخاذ القرار, تحفظ الخصوصية لمكوناته, وتمنحهم القوة العددية البرلمانية, والمكانة السياسية التي تليق بتمثيلهم للأغلبية.
رغم كل الانتقادات إلا إن الجمهور الشيعي, لازال ينظر إلى التحالف الوطني بوصفه المؤسسة, التي يمكن إن تعيد إليه حقوقه المسلوبة,  وتوفر له الخدمات و..تمثله بشكل صحيح في الدولة.
هذا الجمهور يريد  إن يطمأن إن هناك بيتا, أمنا له..يتخذ عنه القرار الصحيح, ويحقق له طموحاته, ويعمل كمؤسسة ملتزمة بما تعهدت به له..فهل سينجحون هذه المرة؟
..من يدري





93
المنبر الحر / شكرا سيد النجف.
« في: 13:03 17/08/2014  »
شكرا سيد النجف.
المهندس زيد شحاثة
لم تغب المرجعية الدينية يوما, عن لعب دور في حياة الناس, والتأثر والتأثير فيها.
منذ عصر الغيبة الكبرى, والعلماء والمراجع يقودون حياة الناس, رغم أن هذه القيادة أحيانا تتراجع ولو ظاهريا, ولا تبدوا واضحة للعيان, إلا أن أثرها موجود ومحسوس لمن يدقق النظر..وعلى مر العصور السالفة.
حاولت المرجعية وطيلة تلك الفترات, النأي بمؤسستها وشخوصها, عن التدخل العلني في لعبة الحكم والسياسة, إلا في المواقف والأحداث المهمة ..فكانت تتخذ موقفا واضحا وصريحا, وأحيانا غير معلن, لحماية مصالح الدين والبلاد والمجتمع, ولنا في مواقفها  من مختلف الانتفاضات والثورات, ودعمها لحركات التحرر والنهضة, ومقارعة الاستعمار, أمثلة وشواهد.
بسقوط نظام حكم البعث عام 2003, وبروز نظام جديد, وتيقن مراكز القوى أن المرجعية الدينية, هي  المؤثر الأبرز في الساحة العراقية, حاولت المرجعية أن تقدم النصح والإرشاد فقط للسياسيين وعامة الناس, ولم تتدخل بشكل مباشر , إلا في مواقف ولحظات مصيرية وحساسة.
نجحت المرجعية في أن تحتفظ بحياديتها, مع مختلف القوى السياسية, وتركت لها كامل المساحة للتحرك ضمن إطار العمل السياسي والتنافس, رغم أنها كانت تستطيع بكلمة أو إشارة أن تقلب الموازين, إلا أنها كانت تريد للشعب وقياداته, أن يتحملوا مسؤولياتهم ويمارسونها, وان يتعلموا قيادة أنفسهم وبلدهم, مع بقائها راعيا وموجها, وحافظا للحدود.
عدا جهات منتفعة ومأجورة, أو موتورة, فقد أجمعت مختلف الجهات, أن المرجعية بحكمتها وحسن استقرائها للأمور, وبتسديد من الباري عز وجل, استطاعت أن تحفظ العراق, من الانزلاق في متاهات خطيرة ما أمكنها ذلك, ولنا في فتوى الجهاد الكفائي..خير دليل.
أظهرت ملابسات تكليف رئيس وزراء جديد لتشكيل الحكومة, ونصائح المرجعية وإرشاداتها, لطف عناية الباري وتسديده لها, في تحقيق أفضل مصلحة ممكنة, للعراق وشعبه, والكل يعلم في قرارة نفسه, انه لولا ثقل المرجعية وأثرها الايجابي المحايد, على مختلف القوى المؤثرة..لما حسم الأمر.
ما أدته المرجعية, ليس جديدا عليها, وهو في صلب دورها وواجباتها, التي اختطتها لنفسها..لكن الاعتراف بالفضل واجب.
..شكرا سيد النجف.


94
اقلبوا الصفحة.. رجاء!.

تمر الامم بمواقف مفصلية, يحصل خلالها تحول في مسارها, أو أوقات يحصل تغيير كبير أو مهم اثنائها.
لكل مرحلة رجال يقودونها, يكون لهم دور متميز, يقدمون شيئا, يحققون تغييرا في حياة شعوبهم, وهناك بعض أخر يفشل, وتتدرج درجات النجاح والفشل حسب الظروف العامة, وقدرات هؤلاء الرجال, وأهدافهم لتولي القيادة.
الميزة الثابتة لمثل هذه الظروف, وجود من يصر على إعادة الزمن إلى الوراء, لأسباب تتعلق بمصالح شخصية ومنافع, وغيرهم يتمسك بشخوص المرحلة السابقة, لتعلقه بهم نفسيا وشخصيا, وقلة لأسباب تتعلق بمبادئ يرون أن شخوص المرحلة الماضية هم وحدهم من يمكنهم أن يحققوها!؟.
يميل الغالبية لمسايرة عجلة الزمن, وتقبل التغيير, وفهمه على انه تغيير طبيعي في حياة الأمة, فكيف أن كان الموضوع يتعلق بتسليم سلطة!؟.
لم نعتد نحن كعراقيين على فكرة تسليم السلطة, و يعود ذلك لترسبات حكم حزب البعث, وعدم وجود الفكرة أصلا في قاموسه, وحداثة التجربة الديمقراطية لدينا, وفي المرتين التي حصل فيهما تغيير في منصب رئيس الوزراء, كانتا بشيء من الصعوبة والضغوطات بشقيها الخارجي والداخلي.
ما حصل هذين اليومين من ولادة عسيرة جدا, لمن يرشح لتولي المنصب, اظهر بشكل جدي إننا كشعب, لازلنا نعيش حكم الرجل والقائد, ولم نصل لمرحلة أن يكون لدينا استعداد لتقبل فكرة أن الحكم مؤسسة, وليس شخصا واحدا.
من المهم جدا أن نفهم,  أن تداول السلطة بشكل سلس وسلمي هو عرف وفهم أصيل في العملية الديمقراطية, وان  عرقلة الأمور, ومحاولة الاعتراض بشكل غير لائق أو قانوني, ستكون له نتائج لا تحمد عقباها, وان الأثر الأكبر سيكون في زيادة الانشقاق الاجتماعي, أكثر مما هو موجود الآن..ناهيك عن التعطيل الذي ستسببه والإرباك في مؤسسات الدولة, وكأنها بحاجة لإضافة..فهي بالكاد يمكن تسميتها مؤسسات..ودولة!؟.
حق الاعتراض مكفول وأصيل, ويجب أن نتمسك به, ولكن ضمن سياقات قانونية وسياسية مقبولة, وبشكل لا يؤثر على وضع الدولة والمجتمع, وخصوصا ونحن في ظرف حساس وخطير جدا..على أن لا ننسى إدعائنا جميعا العمل لتأسيس دولة ومنهج ديمقراطي, تكون فيه المصالح العليا للوطن والشعب, فوق المصلحة السياسية الحزبية أو الشخصية؟!.
العراق بحاجة لجهد جماعي كبير, من كل المواطنين والساسة ,باختلاف توجهاتهم.. وليس مطلوبا أن نتخلى عن توجهاتنا السياسية أو الفكرية, بل  نحتفظ بها ونراجعها, تقويما وتقريبا لمصالح الوطن والناس, والساسة نحن من نصنعهم..بأصواتنا..فلا يصح أن يجعلونا صنيعتهم ويحركونا كيفما يشاءون.
لنتعلم مما فات, ولا نتوقف عنده, فالوقت ثمين, لنبدأ صفحة جديدة..لكن بعيون مفتوحة تراقب كل شيء..ولا ننتظر أربع أو ثمان سنوات لنتذمر بعدها!.
اقلبوا الصفحة رجاء..لنمضي معا في بناء وطن.




95
المنبر الحر / سيكارة..ووطن.
« في: 19:54 06/08/2014  »
سيكارة..ووطن.
نظر يمينا وشمالا, كانت ليلة ظلماء حالكة..إلا من ضوء ذهبي بعيد.
تبسم قليلا, وانحنى قليلا مسلما بالتحية باتجاه الضوء, كم كان يتمنى أن يكون هناك بالقرب منه, أحس بسكينة وهو يتذكر نفسه هناك..يجول في المرقد الطاهر, يستنشق عبير القدسية والمهابة الطاهرة.
ألحت عليه رغبته بتدخين سيكارة, لكن خطورة إشعال السيكارة, ربما يتسبب باستهدافه  من هؤلاء الأوباش, فقناصتهم ينتظرون أي حركة خاطئة, فاكتفى بوضع السيكارة في فمه, والتمتع بما يمكن من طعمها البارد.
أغمض عينيه قليلا, وتخيل أولاده الثلاثة..زوجته الحنونة, تذكر نظراتها الحائرة عندما اخبرها انه تطوع للقتال, وسيتدرب لأسبوعين أو ثلاثة, ويرتحل بعدها للدفاع عن المقدسات والوطن..وعنهم.
اخبرها عن حاجتهم له, لأنه سبق أن خدم كضابط مجند في القوات الخاصة, ويملك من الخبرة والمهارة, ما يفيد في هذه الأيام الصعبة..رغم تقدم السن.
لن ينسى تلك النظرة..فيها مشاعر الدنيا, أحس بحبها الشديد له وتعلقها به, وخوفها وقلقها من المجهول, وتوترها من المسؤولية التي ستتحملها وحدها بدلا عنه كأم..وأب.
لن ينسى دمعة سقطت من عينها, كلؤلؤة تتدحرج..حاولت أن تخفيها عنه, عندما مررت الكتاب الكريم فوق رأسه وألبسته دعاء الحفظ, الذي أعطته إياه أمها, وتحمله منذ طفولتها..وكان هو يخطو باتجاه باب الدار, لكنها لم تحتمل الموقف, فاحتضنته بكل ما تملكه من قوة..فاحاطها بذراعيه بقوة اكبر, واخبرها هامسا بأذنها:
- هناك سر لم أخبرك به من قبل.. وكانت يده تعبث بخصلة بدء يتسرب لها الشيب في سوالفها.
- نعم..اعرفه..انك تحبني..قديمه..ضحكت وهي تغالب دموعها المنحدرة على خديها.
ضحك, وهو يعضّ على شفته السفلى مغالبا دموعا خنقها..
- لم تحزري..بل احبك جدا جدا..يجب أن أتوكل الآن.
فتح ذراعيه عنها..لكنها لم تفعل..وكأنها تريد أن تشبع منه.
سحب نفسا عميقا بكل قوته من السيكارة..لم تشف غليله..تذكر أنها مطفأة.
اللعنة عليكم, ما الذي جاء بكم إلى أرضنا, كان يفكر مع نفسه, وهل كان يجب أن يتطوع؟الم يكن هناك الكثيرون, بل عشرات الآلاف ممن يكفون عنه؟وهو يكاد يتجاوز أواسط الأربعين من العمر؟!.
حرك رأسه يمنا وشمالا, كم ينفض ترابا عن رأسه..اللعنة على الشيطان, قال لنفسه وهو يشجعها, أن لم أتقدم أنا, فمن سيدافع عن الوطن..الشرف..المقدسات؟.
عاد ليتذكر, كيف تم تسريحه عند حل الجيش, وكم هي الصعوبات التي واجهته في البداية, في الحصول على عمل, مع استحالة حصوله على وظيفة, فكل ما يجيده..هو عمله العسكري؟!.
تذكر أيامها جلوسه على مائدة العشاء وحوله أولاده, وزوجته تخفف عنه عناء تعبه, وهو يكلمها بلطف, وعيونه تعتذر منها, لأنه كان يتمنى لها شيئا أفضل..وأطفاله يتغامزون ويتقافزون, ولا يكادون يستقرون في جلستهم..كعادتهم.
تذكر زيارته الأخيرة الى مرقد العسكريين, يوم أمس وقبل انتقاله إلى خط النار..كم كان شعور لذيذا بالسكينة والهدوء, وموثوقية الخطوة والقرار..أحس كان الإمامين يبتسمان له, ويرحبان به, ويقدران حضوره للدفاع عن مرقدهما.. هكذا فهم وهو يغالب دموعه التي أنزلتها, عواطفه الجياشة حينها وشوقه لزيارة المرقد الطاهر.
ابتسم وهو يتذكر كل ذلك..لقد فهم معنى الوطن.
أزعجه كثيرا برود طعم السيكارة في فمه, فانحنى في موضعه, وضع رأسه بين ساقيه, واخرج عود ثقاب, وقرر إشعال سيكارته..وليكن ما يكون.

96
لكن حمزة لا بواكي له!؟.
تحضي الأقليات داخل الشعوب دوما بوضع خاص يختلف عن باقي مكونات الشعب.
بعض تلك الأقليات تكون حاكمة ومسيطرة على البلد, ربما بسبب حاكم طاغية ينتمي لها, او امتلاكها قوة اقتصادية أو مالية, تتيح لها التحكم باقتصاد البلد.
بعضها الأخر يكون مسحوقا, ومضطهدا, ولا يتاح له التمتع بأي من الحقوق الإنسانية المقبولة, وتصل حد المنع من التكلم بلغته الخاصة, أو حماية تراثه التاريخي أو الشعبي.
هناك أقليات نجحت في أن تتكيف ضمن المجتمع الوطني لبلدها, وتعيش في حماية القانون الذي يفترض أن يكفل للجميع حقوقهم, مع احتفاظها بخصوصيتها المعنوية والتاريخية.
لان الدين المسيحي هو دين معظم الدول الكبرى, رغم ادعائها فصل الدين عن الدولة.. ولان معظم دول الشرق الأوسط هي دول مضطربة, وتعاني من تخلف ديمقراطي في أنظمة حكمها..إلا ما ندر, ووجود تمثيل رسمي لدولة المسيحيين, وهي دولة الفاتيكان, فقد حضي المسيحيون في بلدان المشرق العربي والشرق الأوسط, باهتمام تلك الدولة الكبرى ورعايتها.
بعض هذه الرعاية كاذبة ولأغراض سياسية انتخابية تخص تلك الدول, وبعضها يرجع لضغوط شعبية مرتبط بخلفيات دينية, وبعضها حقيقي مرتبط بأسباب انسانية بحته.
كان المسيحيون في العراق دوما, خارج النزاعات التي تحصل, كونهم أصحاب مال وتجارة, ومسالمون, ويندر تعاطيهم السياسة, إلا بشكل فردي.
رغم قيام التنظيمات المتشددة, بأفعال تفوق وصف الوحشية, مع الأكثرية الشيعية في العراق, فقد كان الإعلام العالمي خجولا في التعاطي معها, فيما كان الإعلام الإقليمي والعربي, بعيدا عن الحقيقة ومغالطا ومتجنيا, فصور أن رقبة الضحية هي المعتدية على سيف الجلاد؟!.
بعد سقوط نينوى بيد تنظيم داعش الإرهابي, وقيام هؤلاء بتخيير المسيحيين بين الجزية أو الطرد أو الموت بحد السيف, قامت قيامة الإعلام العالمي, وتبعه الإقليمي بخطى حثيثة..بشكل يثير الاستغراب, وكأن هذا الإعلام كان في سبات, فلم يشاهد ما حصل مع الغالبية الشيعية, بل وحتى مع المعتدلين من السنة, ممن رفض بيعة الخليفة, ثم صحى فجأة ليكتشف إجرام هذا التنظيم؟!.
يروى عن النبي الأكرم, عليه وعلى اله أفضل الصلوات وأتم التسليم, وبعد انتهاء معركة احد, والتي استشهد فيها سبعون من صحابة النبي, واستشهد فيها حمزة عم النبي وأسده, ومثل بجثته, وحينما كان يسمع من بيوت الشهداء, مجالس رثائهم وبكائهم عليهم, كان يقول"لكن حمزة لا بواكي له"..
ما حصل مع المسيحيين من خيارات أهونها مر عليهم, جريمة بحق الإنسانية, ولا تمت للإسلام المحمدي بصلة.
لكن ما حصل من جرائم مع الشيعة ومن فضائع..ولم يكن فيها من خيار..لا يوصف.


97
دعونا نزرع..ولكن ليس زرعا خبيثا!..
يندر أن تجد بلدا يتكون من لون واحد, قوميا أو دينيا أو طائفيا.
نتيجة للهجرات و الحروب والاستعمار, قديمها وحديثها, تغير تكوين معظم الشعوب, فصارت خليطا من القوميات والأديان والمذاهب, بل واختلفت داخل هذه التفصيلات.
معظم الشعوب, مرت بتجارب سيئة من التناحر, ومحاولة التغلب على بعضها, وفرض السيطرة..بعض هذه المحاولات كانت دموية حد الإبادة, وكما حصل مع الهنود الحمر, أو التوتسي, وغيرهم.
بعض هذه الشعوب نجح في صياغة تفاهمات للتعايش السلمي الناجح, وهذا حفظ وحدة وطنهم, مع تمتع كل مجموعة بخصوصيتها, قومية كانت أو دينية أو مذهبية.
قليلا ما نجد بلدا مثل العراق, تعرض لهجرات, ومحاولات احتلال, أو كان أرضا لمعارك الآخرين.. ذلك أدى لان يكون شعبه خليطا من القوميات والأديان, حتى استقر أخيرا على غالبية مسلمة تتميز بخليط قومي, عربي كردي تركماني, وخليط مذهبي شيعي سني, يشكلون ما تفوق نسبته "95%", وأقليات مسيحية وأشورية وشبكية وأيزيدية وصابئية وغيرها.
هذا التنوع لم يخل من مشاكل  غالبيتها لم تكن اجتماعية, لكنها وبشكل مؤسف تغلغلت تدريجيا للنفوس, ,فأصبحت جزءا مفروضا من الشخصيات الاجتماعية لتلك المجموعات, ولنكن موضوعيين فان المشكلة ليست حديثة أو طارئة, لكنها لم تكن معلنة..ومعتم عليها بقوة, ربما لعدم اهتمام أطراف بإعلانها, وسيطرة طرف حاكم منها بشكل مطلق, وسكوت الآخرين أو انتفاعهم.
بعد سقوط نظام حكم البعث عام2003, ظهرت كل المشاكل والحساسيات المخفية على السطح, وساعد على ذلك تغيير طبيعة نظام الحكم, وتضرر مجموعات صغيرة ومن لون معين كانت متنفذة, وممسكة بزمام الحكم في البلد, وأخطاء كارثية من مجموعات اخرى تسلمت الحكم الجديد.
يمكن بسهولة ملاحظة, أن هناك من يحاول أن ينقل التنافس بين ساسة كل طرف, وتناحرهم على المناصب, إلى مستوى اجتماعي, وعلى شكل كره وحقد خطيرين, فصار المواطن العادي, وبشكل لاشعوري, يبني في داخلة فكرة سلبية عن الطرف المقابل..وان لم يكن يصدقها سابقا, أو يفكر بها؟!.
صحيح أن هناك قتل وتشريد للشيعة بالخصوص وحواضن سنية للإرهاب, وصحيح أن هناك انتهازية سياسية كردية واضحة, لكن من الصحيح أيضا أن نقر أن هناك أخطاء في التعامل مع السنة والكرد من طرف الساسة الشيعة.
الوطنية والتعايش, وغيرها من الضرورات الاجتماعية, تزرع ويعاد بنائها في المجتمعات, من خلال برامج ترعاها الدولة, وتخصص لها ميزانيات معتد بها, للوصول إلى السلم الاجتماعي.

98
هل نضجت الطبخة الكبرى؟!

ساد الأجواء السياسية , بل وحتى الشعبية خلال نهايات القرن الماضي, فكرة نظرية المؤامرة.
ونظرية المؤامرة ببساطة تعني أن كل الأحداث أو الأمور التي تحصل في مختلف دول العالم, هي مخطط لها من قبل الدول الكبرى, أو الاستعمارية, أو المؤسسات الصهيونية, أو الامبريالية, وكل يفسرها حسب معتقده, أو يلصقها بمن يعاديه.
تلاشت بعدها تلك الفكرة, وبدأت تستسّخف, ويضحك منها, لأنها ربما تظهر أن القادة بمختلف اتجاهاتهم, دمى صغيرة تحركها القوى الكبرى, وان الشعوب منقادة كالقطعان, باختيارها أو باستدراجها, أو كرها, كما حاربتها القوى الكبرى المهيمنة في العالم, ربما لتخفي أفعالها وخططها الحقيقية, أو للتمويه بين هذا وذاك.
سوقت أمريكا, ومؤسساتها المختلفة, وإعلامها بكل أشكاله, وقبل عدة سنوات فكرة الشرق الأوسط الكبير الجديد, والتي جوبهت بمقاومة شديدة, من أنظمة الحكم المستبدة والعشائرية والعائلية في المنطقة, بحجة أن التغيير يجب أن يكون داخليا, ولا يمكن فرضه من الخارج, فتراجعت أمريكا عن مشروعها..ظاهريا.
ثم بدا الربيع العربي, والذي كان اقرب ما يكون لخريف, غريب مريب..سقوط لأوراق بالية استنفذت كل أغراضها, ولم تعد لها حاجة, وتم امتصاص النقمة الشعبية وتنفيس ما تراكم من ضغط هائل, لكن ماهي نتيجة هذه الثورات..وهذا الربيع!؟.
اليوم هناك الكثير من الأحداث تحصل من حولنا, تبدوا للوهلة الأولى وكأنها غير مترابطة, لنصعد قليلا فوق التل, ونشاهد من منظور أعلى, ولنحلل قليلا.
فجأة ومن العدم ظهر تنظيم متشدد أكثر من سابقيه يدعى داعش, ونمى وتوسع, وكأنه نبتة شيطانية, واخذ الاهتمام, وظهرت حملة للتخويف منه, حتى وصل لأنه يحتل مدنا مهمة في سوريا والعراق, ويهدد بالدخول إلى الأردن, وتسربت أنباء عن ارتداد جزء منه إلى الدول التي دعمته, وعن اضطرابات في تلك الدول, وأمريكا عمليا..تتفرج.
الفلسطينيون يقتلون ثلاثة يهود بعد خطفهم, ويرد الاسرائليون بخطف فلسطيني وقتله بطريقة بشعة, وتنهار التهدئة, وتقصف إسرائيل غزة بالطائرات, فترد حماس بصواريخ تصل لتل أبيب, ويقال أنها إيرانية الصنع, والأمور مرشحة للتدهور أكثر, كل هذا وأمريكا عمليا..تتفرج.
النظام السوري يحاصر قوى المعارضة في حلب, أخر المدن الكبيرة التي استولوا عليها, ويكاد ينهي وجودهم في سوريا, والمعارضة تستنجد بأمريكا والاتحاد الأوربي, وأمريكا في واد أخر, وعمليا..تتفرج.
الحوثيون يواصلون قتالهم ضد نظام الحكم اليمني, ويكادون يطبقون على العاصمة صنعاء, فيطير الرئيس اليماني إلى..السعودية..للتباحث, وهناك الكثير من الكلام عن علاقة وثيقة بين إيران والحوثيين.
لازالت عملية اختيار الرئيس اللبناني المسيحي, تراوح مكانها, بجهات داخلية تعرقل الاختيار, نيابة عن جهات خارجية, لتأزيم الموقف مع أحزاب المقاومة اللبنانية, التي تملك علاقات مميزة مع إيران.
لنحاول ربط كل تلك القضايا معا..ما الذي سينتج هنا؟
الهلال الشيعي والحرب ضده..حقيقة واقعية, وان إيران انضمت إلى المنتخب العالمي للاعبين الكبار, ولم تعد لقمة سهلة.. ولديها أوراق تلاعب بها أمريكا وحلفائها.
أمريكا لديها مخطط كبير جدا, تحاول أن تنفذه وحدها, لكن العالم صار مليئا بصغار..كبروا, وان لم يكونوا بحجمها, إلا أنهم لا يستهان بهم وبقوتهم.. ويريدون لعب دور..لا أن يبقوا متفرجين.
الشرق الأوسط أصبحت ساحة, تلاعب فيه أمريكا إيران وأدواتها دول خليجية وإقليمية, وتلاعب فيه إيران أمريكا, وأدواتها, أحزاب وحكومات.
لن نفاجأ إن أصبحنا يوما, ونجد أن لا وجود لشىء اسمه داعش, وتفعّل التهدئة الصورية بين حماس  وإسرائيل, ويعود اتفاق السلام بين الحكومة اليمنية والحوثيين..ولكن متى؟
متى اكتملت الطبخة الكبرى..واستكملت أهدافها.



99
الأمة.. بين الانحدار وإرادة الحياة
لم تنحدر امة ويتراجع دورها بين بقية الامم, بهذا القدر, كما حصل مع الأمة العربية.
ببساطة لا يمكن فصل الأمة العربية عن الدين الإسلامي, ودورها فيه وفي نشره, لأنها حملت راية نشره في صدر الإسلام و العصور اللاحقة, ومن أرضها انطلقت الدعوة, ونبي الإسلام عليه وعلى اله أفضل الصلوات وأتم التسليم كان عربيا.
هذا التلازم بين الأمة العربية والإسلام, أدى لان يكون تقدم الإسلام مفيدا لتقدم العرب, مثلما أدى لان تكون الحرب على الإسلام, ضمنيا وكنتيجة حتمية حربا على الأمة العربية.
تراجع الأمة العربية لم يكن نتيجة ذاتية فقط, وإنما اشتركت فيه عوامل ومؤثرات خارجية, فرغم التقدم والازدهار العلمي الذي حققه العرب, بعد الثورة المحمدية, وما تلاه من ارتفاع وتيرة هذا التقدم, خلال عصور الفتوحات والاطلاع على ثقافات وحضارات الامم الأخرى, والتلاقح الذي حصل, وما رافقه من زيادة في الموارد المادية والبشرية, وبروز عقول عربية-أسلامية فريدة أسست كل ما نشهده اليوم من العلوم الحديثة.. إلا أن الأمة انحرفت عن مسارها.
الانحراف الذي حصل كانت نتيجة لسوء الإدارة الحاكمة, والانشغال بالملذات, والاستعداد الذاتي للأمة لان تتراجع وتتكاسل, وتتبع قادتها الفاشلين, وهذا من شيم البشر..رافق هذا تقدم أمم اخرى, ومحاولتها اخذ زمام قيادة العالم, وعلى حساب الأمة العربية-الإسلامية, وهو دور تطور متوقع, للأمم التي تغفل عن نفسها.
تغير أحوال الامم صعودا ونزولا, تقدما وتأخرا, طبيعي جدا, وحسب الظروف التي تمر بها, ووعي شعوبها وقادتها لدورهم وحاجاتهم, وتطور مداركهم وتوسعها, وتماشيهم مع تقدم الزمن وكيفية التعامل مع المتغيرات الخارجية والداخلية, وحبهم لبلدهم وأنفسهم..ورغبتهم في التطور.
لا يختلف ما سبق في تاريخ امتنا عن ما يحصل حاليا, فلازالت الرغبة لدينا في التقدم, ضعيفة نسبيا, وفي أحسن الحالات قطاعية, وفي طور الأمنيات والأدبيات الكلامية فقط, ولم تتحول لرغبة حقيقية, يمكن أن تدفعنا لان ننفض عن أنفسنا غبار الواقع المر الذي نعيشه, ولازلنا نتبع الأشخاص,لا الأفكار والمبادئ.. بل ولازلنا بحاجة لمن يقودنا ويوجهنا.
نهضة الامم تتطلب قادة من طراز خاص, ولا تخلوا امتنا منهم.. لكن لا قيمة لقائد ناجح وحقيقي في شعب ميت.
إذا الشعب يوما أراد الحياة...

100
الأكراد.. وخيار الموت أو السخونة
يوصف العمل السياسي بان الحدود الأخلاقية فيه, أمر ثانوي, فيما تكون المصالح والمكاسب هي الأهم.
يصل الحد ببعض المنتقدين للطبقة السياسية, لان يصفها بأنها كلها فاسدة, وكل من يشتغل بها انتهازي, يبحث عن أغراض خاصة, وان كانت الصورة العامة تؤيد هذا الكلام ظاهريا, إلا انه رأي متطرف بعض الشيء.
من الأمور التي تجعل المواطن العادي يشكك في أفعال الساسة وكلامهم, ما يصدرعنهم من تصريحات نارية تكاد تحرق الأخضر واليابس, أو طريقتهم في الابتزاز السياسي لبعضهم الأخر, أو طريقتهم المبتكرة في التفاوض, في العلن أو الغرف المغلقة.
بعض الكتل تفاوض بعضها الأخر بالسيارات المفخخة أو الانتحاريين, والتي دوما تستهدف مكونا بعينه, ربما لتضغط على ممثليه في مجلس النواب, وأخرى تستغل ما بيديها من سلطة للضغط على خصومها, وأخرى تستغل ظروفا معينة لتبتز حلفائها قبل خصومها, بغض النظر عن خطورة الأثر والنتيجة؟!.
تميز الأكراد بطريقتهم الخاصة في التفاوض مع المركز وأحزابه, فرغم خلافاتهم الشديدة أحيانا, واختلاف علاقاتهم المنفردة كأحزاب مع القوى السياسية في المركز, من حيث المتانة أو التنسيق أو البعد التاريخي والإستراتيجي, إلا أنهم دوما كانوا موحدين في التعامل مع المركز.
دوما كان الأكراد يتبعون سياسية خذ وطالب, بل ويرفعون سقف مطالبهم, إلى حد تعجيزي وغير معقول أحيانا, وإلا استخدموا ورقتهم دائمة الخضرة,إعلان الدولة المستقلة بعد استفتاء..معروف النتائج مسبقا.
ما حصل  من سقوط الموصل وتكريت وقرى صغيرة هنا وهناك, وتقدم الأكراد وسيطرتهم على المناطق المتنازع عليها, خلق وضعا جديد, استغله الأكراد للتحدث بصيغة الأمر الواقع, ووضع رجل في الدولة العراقية بسقف مطالب بعلو النجوم, ورجل اخرى في طريق إعلان الدولة الحلم..على الأقل إعلاميا.
الانتهازية السياسية رغم قباحتها, إلا أنها صارت جزء من العمل السياسي في العراق, وتحرك الكرد بهذه الطريقة, وبهذا الظرف الحساس, قمة الانتهازية السياسية, وهذا سيحرج, بل وربما سيجعلهم يخسرون حلفاء تاريخين لهم, وخصوصا ضمن الجمهور الذي كان داعما لهم دوما, مع ملاحظة قوة الحملة الإعلامية الكبرى التي تسوق لزرع البغض للكرد كشعب.
الكرد يجعلون حلفائهم بين خيارين, الموت بتأيد أو غض الطرف عن مطالب الأكراد المبالغ فيها, أو السخونة, وهو فسخ التحالف الإستراتيجي التاريخي معهم, وفي كلتا الحالتين سيخسر الكرد كثيرا.
الأحلام جميلة, والكل يتمنى تحقيقها.. لكن الواقعية والمصالح المشتركة شيء أخر.
المصالح الفئوية أو القومية مشروعة إلى حد ما.. لكن المعقول والمقبول منها شيء أخر.

101
الحكومة القادمة..والتركة الثقيلة
المهندس زيد شحاثة
يعتمد النظام الديمقراطي على اساس مبدأ التداول السلمي للسلطة, وحسب قواعد اللعبة الديمقراطية, وتفاصيلها والياتها المعروفة.
أحيانا تتسلم حكومات, من حكومات سابقة, تختلف معها باتجاهاتها السياسية والأقتصادية, وأحيانا تكون امتدادا لنفس الحكومة السابقة, ربما لأنها من نفس الحزب, أو تحمل نفس التوجهات, والتغيير يتم في الوجوه فقط.
بكل الأحوال, تستلم الحكومة الجديدة إرثا من سابقتها, يضم مشاكل ومشاريع, وبدايات مشاريع, و وقضايا كأنها القنابل الموقوتة, أو الفخاخ المعدة, أو ربما نجاحات متكاملة, أو تحتاج لجهد ومتابعة لتستكمل.
في العراق, لم تتداول حكومات كثيرة في العهد الجديد, فحكومتا السيد علاوي والسيد الجعفري, لم تستمرا لزمن طويل, فلا تكاد تحتسب فترة حكومية, فيما تميزت حكومتا السيد المالكي, بأنهما حكومة أخذت فرصتها كاملة, بل ومضافة وبفترتي حكم.
رغم أن السلطات في العراق ثلاثة وكلها مهمة, إلا أن الواقع العملي يقول أن رئاسة الحكومة أكثرها أهمية وفاعلية, و بحكم العرف السياسي بعد عام 2003, أصبحت من حصة الأغلبية الشيعية المشروطة بقبول بقية شركاء الوطن, لذا أصبح من الطبيعي أن تشغل قضية اختيار رئيس حكومة جديد, كل هذا التنافس والجدل والنقاش السياسي, رغم أن هذا عبر الحدود الزمنية أو القانونية المقبولة أحيانا؟!.
هناك تصاعد كبير لرأي يكاد يكون رغبة شعبية, تؤيدها إرادة مرجعية لا يمكن تجاهلها بسهولة, يطالب بالتغير في شكل ومضمون الحكومة الجديدة, تعارضه طموحات شخصية وأرقام انتخابية, وإرادات إقليمية..وربما دولية أيضا.
بغض النظر عمن سيكون رأس الحكومة القادمة, فانه سيستلم إرثا ثقيلا جدا من المشاكل, والقضايا الملغمة, وأمور واقع الحال التي فرضتها ظروف وجهات إقليمية ودولية, وشاركتها جهات محلية فيه, وفشل في التعامل مع الكثير من الملفات المهمة, مما سيجعل  من مهمة حكومته, أشبه بالسير في حقل ألغام.
الحكومة ستحتاج لأن تكون لديها رؤيا لحل كل تلك المشاكل المستحدثة منها والقديمة, وخصوصا ما يتعلق بالوضع في مناطق الموصل وتكريت, والملف الأمني عموما, والمشاكل المتعلقة بالعلاقة مع المحيط الإقليمي, والمشاكل الخاصة بالوضع الاقتصادي والخدمات, وغيرها الكثير من الملفات.
لا اعتقد أن هناك شخصا او جهة تمتلك عصا سحرية لحل كل تلك المشاكل, والتعامل مع التركة الثقيلة التي ستتسلمها من الحكومة الحالية..لكن الثابت والأكيد أنها يجب أن تكون حكومة فوق اعتيادية, ويجب أن تنجح بكسب دعم قوي من مختلف الشركاء, لتنجح في انجاز شيء ما.
هل هناك سياسي يمتلك القدرة لتشكيل مثل تلك الحكومة؟ وهل هناك أمل بتشكيل تلك الحكومة أصلا؟!.

102
المنبر الحر / نحن والمنغنيز
« في: 16:12 02/07/2014  »
نحن والمنغنيز
المهندس زيد شحاثة
منذ بدْء البشرية في العيش على الأرض, اكتشف الإنسان أهمية المعادن, فكانت البداية مع الحديد, وكما نص القران الكريم, في قصة النبي داوود عليه وعلى نبينا أفضل الصلوات وأتم التسليم.
مع تطور الزمن وتتابع اكتشاف مختلف المعادن, وخصوصا في العصر الحديث أو ما عرف بعصر الصناعة, تعلم الإنسان إن خلط المعادن مع بعضها يكسب التركيبة الجديدة مميزات وصفات لا تتوفر في المعادن التي تكون السبيكة لوحدها.
من هذه المعادن, يتميز معدن المنغنيز بأنه يضفي خاصية الصلادة وازدياد القوة, لأي سبيكة يضاف لها بنسبة معينة, وخصوصا عند الطرق أو التعرض للإجهاد الميكانيكي.
لم تتعرض مجموعة أو طائفة دينية كانت أو مذهبية, للظلم الذي تعرض له أتباع أهل البيت, فلم تتوقف المسالة عند اغتصاب الحقوق بل تعدت إلى مصادرة الأموال, والسجن والتنكيل, والقتل على الشبهة, وينقل لنا التاريخ الكثير من القصص المروعة التي تكاد لا تصدق.
وصل الأمر في العصر العباسي, إلى إن يقتل نسبة من كل مجموعة ترغب في زيارة المراقد المقدسة, بالرغم ذلك لم تتوقف الزيارة, ولم يتناقص أتباع أهل البيت , بل ازدادوا عددا وصلابة في الموقف, واتسعت وانتشرت مبادئهم وأفكارهم, حتى صار بعضهم يحذر من التبشير الشيعي!!
رغم إن المذاهب الإسلامية في الغالب كانت تتعايش بشكل سلمي, إلا من احتكاكات بسيطة كانت تمتص بحكمة المراجع العظام, إلا إن السياسية كانت دوما تلعب على وتر الطائفية, لا حبا بالطائفة, وإنما لمكاسب سياسية فحسب.
تميزت مدرسة أهل البيت بسياسة الحكمة والموعظة الحسنة, والتعامل بالتي هي أحسن, والتجاوز والصفح عن الكثير من التجاوزات, وربما تسامحت في بعض الدماء التي سقطت باعتداء من أتباع مذاهب اخرى, فقط لحفظ الإسلام والمسلمين من الانقسام والتقاتل, إلا أن الظروف الأخيرة التي حلت بالعراق, أظهرت أن أتباع أهل البيت ليسوا ضعفاء, وان لديهم من القوة ما يمكن إن يهزموا أي مخطط سياسيا كان أو تكفيريا.
اثبت أتباع أهل البيت, وخلال فترة زمنية طويلة ربما تعود لعصور تقترب من صدر الإسلام, أنهم مهما اشتد الضغط عليهم زادت صلابتهم وتمسكهم بمعتقداتهم.
رغم خطورة الظرف الحالي الذي يمر به العراق, إلا إن أتباع أهل البيت اثبتوا وسيثبتون أنهم "منغنيز" هذه الأمة, ومصدر صلابتها, ومهما اشتدت الضغوط عليهم..سيظهر معدنهم الحقيقي.

103
حقوق الإنسان..ومخالب الديمقراطية
.
تسعى كل شعوب العالم لتطبيق النظام الديمقراطي في بلدانها, لتنعم بميزاته, وأهمها حفظ حقوق الإنسان.
لكن الأنظمة الحديثة للحكم, تميل إلى أن تضيف للنظام الديمقراطي بتصوره الكلاسيكي في أذهان الناس, تفصيلة صغيرة, تتعلق بحزم الإدارة في تطبيق وإدارة النظام الديمقراطي.
فالنظام أن لم يكن حازما في تطبيق القانون, أو لم يكن ثابتا في تطبيق المبادئ والأسس  التي تقوم عليها الدولة, أو لم يطبق الأحكام, بشقيها العقابية والثوابية, لم تكن له القدرة على إدارة الحياة العامة للمجتمع.
حداثة وقصر عمر النظام السياسي في العراق, سبب حصول تفاوت في مسارات تطبيق النظم, ومختلف تفاصيلها, فرغم أن هناك تقدما نسبيا في تطبيق الديمقراطية السياسية, إلا أن هناك تأخرا واضحا في قضايا اخرى, كالعدالة في تطبيق القانون, والنزاهة ومحاربة الفساد, وبناء القدرات الأمنية, وغيرها الكثير من القضايا.
تمر البلدان بظروف معينة تجعلها, تعلق بعض القوانين والتشريعات, لمصالح عليا تمس البلد وأمنه القومي أو الوطني, لكن هذا يجب أن لا يمس أساسيات حقوق الإنسان والنظام الديمقراطي, وإلا فما قيمة نظام الحكم أن لم يكن في خدمة الإنسان وحقوقه؟!.
لكن النظام الديمقراطي بحاجة إلى أن يكون محميا, ليستمر ويحقق أهدافه, ويحقق الحماية للمواطن..هذه الحماية تكون أحيانا من عدو خارجي, وأحيانا من المواطن نفسه, أو حماية الدولة والنظام من المواطن أن انحرف, لكن هذه الحماية تسبب حصول تماس بين متطلبات حقوق الإنسان, وأهمية حماية البلد ونظامه.
الكثير من السياسيين ولأسباب تتعلق بمصالح خاصة أو فئوية, يفهم النظام الديمقراطي بأنه الحرية المطلقة, حتى لو أدت إلى تضرر الآخرين من شركاء الوطن ولاتهمه النتائج, وكان الديمقراطية هي الغاية بحد ذاتها, وليست وسيلة..للحياة.
لكي تحقق للإنسان حياة كريمة, يجب أن يكون هناك نظام متكامل, يضمن للإنسان حقوقه, ويحدد له واجباته أيضا, بأطر وقوانين تشرع ضمن القنوات التشريعية  المعروفة, ولكي يتحقق ذلك يجب أن يكون النظام الديمقراطي قويا مهابا و تكون تشريعاته مهابة وممكنة التطبيق.
قوة الدولة ونظامها وهيبتها, متعلق بقوانينها وطرق تطبيقها, ومنفذي قوانينها, وقوتها الرادعة عسكرية كانت أو أمنية.
لكي يكون النظام ديمقراطيا قويا وراسخا, يجب أن تكون له مخالب, تحميه عند الحاجة, وتحمي مواطنيه الذين يعيشون تحت ظله, وإلا لكان نظاما للحكم..لا نظاما للحياة.


104
ولدي وداعش..وكيكة عيد ميلاد

شهد السادس عشر من حزيران, ولادة ابني البكر علي, وقد أكمل عامه السابع قبل أيام.
ولأنه يهابني جدا, فقد بدا يتقرب مني قبل الموعد, ويلمح ويؤشر, لأن اشتري له كيكة عيد ميلاده مع بقية المستلزمات, ولكن هذه المرة يريد أن يحتفل بها في روضته السابقة مع أصدقائه وأخوته الأصغر منه.
ولأني موظف حكومي, فان أيام وسط الشهر تعتبر نهاية الشهر بما يخص ما يتبقى من الراتب..أي أن الميزانية تكون خاوية, فكنت أجيبه بكلام غير مفهوم منه الموافقة أو عدمها.
لا اعتقد أن أحدا من أبناء الشعب العراقي, يعيش يومه بشكل طبيعي هذه الأيام, فالأغلب بين مستعد للتعبئة, أو مشغول بعمله أن كان موظفا, أو يهيئ عائلته لغيابه عنها, فالجو مليء برائحة التعبئة والجهاد..لكن الكل يجمعهم ويوحدهم دعوة المرجعية للدفاع عن الدين والوطن, ومتابعة الأخبار ساعة بساعة.
هناك قلة اهتزت معنوياتهم في اللحظات الأولى, وبعد سيل الأكاذيب التي روجها الإعلام العربي, بل والغربي حتى, لكن الأغلب كان ثابت الجنان رغم ارتباكه للوهلة الأولى, ففتوى المرجعية العليا, والاستجابة الشعبية والسياسية الرائعة, حسمت الموقف.
الإرهاب ومنظماته لا تريد احتلال مدن أو السيطرة عليها, أو مقاتلة الجيش والشرطة, أو حتى قتل أتباع أهل البيت فحسب..بل تريد أن تجعل من البقية والذين لا تطاله يدهم, يعيشون حالة رعب وقلق, ويمنعهم أن يعيشوا حياتهم العادية بكل تفاصيلها اليومية.
رغم أني كنت متعبا جدا, بعد نهاية اليوم الوظيفي, وعدم قدرتي على النوم ظهرا, من جراء لعبهم حولي, إلا أني تحاملت على نفسي وخرجت للسوق, فاشتريت له الكيكة التي يريد, مع المشروبات الغازية والحلويات, وحسب ما يتاح لي ماديا, وأنشدت له وصفقت, وجعلته يضحك هو وأخوته ويفرح..ولو قليلا.
أنهم يريدون قتلنا, أو دفعنا لنكون الأحياء الأموات, لكن لن نسمح لهم, فنحن أقوى منهم.. لن نحقق لهم هدفهم بحرماننا من الحياة.

105
الحكومة..والقرارات الدوانيقية

يعتقد معظم الناس, وفي مختلق دول العالم, أن الحكومة تعمل لخدمة المواطن وتوفير احتياجاته, وتسيير أمور البلد.
تتنافس معظم الأحزاب والتيارات السياسية , لكسب رضا الجمهور , من خلال عرض الرؤى والمشاريع, لتقديم الأحسن من الخدمات, وإدارة موارد البلد بأفضل صورة, ناهيك عن تطوير الاقتصاد, وإعلاء شان الدولة سياسيا و امنيا, وغيرها من قضايا الشأن العام.
يفترض أن يكون محور اهتمام الدولة, الفرد والأسرة, وكيفية تحسين حياتهما, وخصوصا لدولة مثل العراق, لازال اغلب أفرادها يعيش بمستويات تقارب خط الفقرة لدول متوسطة أو غنية والتي تملك مثل ما يمتلك العراق من خيرات, أو حتى جزء منها؟!.
 يختلف شكل دعم الدول لمواطنها, فمرة يكون دعما نقديا مباشرا, وأخرى بودائع لأجيال المستقبل, وأحيانا بشكل إلغاء ديون أو قروض أو رسوم أو ضرائب, أو تقديم خدمات مجانية, أو دعم سلع مهمة, على اعتبار أن المواطن هو مالك كل تلك الثروة.
سبق أن أعلنت الحكومة العراقية وقبل عدة أشهر من الانتخابات عن زيادة في الرواتب, وخصوصا للدرجات  الوظيفية الدنيا, وكان هدف الزيادة تحقيق العدالة بين مستويات الرواتب, وهو إجراء حسن بل ومطلوب, أي مراجعة الأجور بشكل دوري, إلا انه إجراء تأخر تطبيقه حينها لعدم إقرار الموازنة, ثم طبق لاحقا وبقرار حكومي دون انتظار الموازنة.
لم تحقق تلك الزيادة الهدف المرجو منها, لأنها أنحصرت بفئات قليلة من الشعب, ولم تحقق شيئا على المستوى الاقتصادي للبلد, بالإضافة للكلام الذي أثير من فرقاء سياسيين, خارج وداخل الحكومة نفسها, من أن الهدف من الزيادة كان إعلاميا انتخابيا فقط.
صدر قرار حكومي لاحق, لم يعلن عنه أو يطبق في حينه, يقتضي باستقطاع "10%" من الرواتب , كاستقطاعات تقاعدية, وبأثر رجعي, وتم الإعلان عنه وبدأ تطبيقه بعد انتهاء الانتخابات, وهو استقطاع سيبتلع الزيادة , وربما يتجاوزها خلال الأشهر الأولى لتطبيقه؟!, أي أن ما أعطته حكومتنا باليمين أخذته باليسار؟!. لا اعرف أن كانت خزينة الدولة لا تستطيع أن تغطي تحمل الدولة لتلك الفروقات؟ على الأقل الأثر الرجعي منها؟.
يروى أن الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور وعندما كان يبني بغداد, وزع على عماله عددا من الدانقات," والدانق هو عملة اقل من الدرهم", ولكنه وبعد انتهاء الأعمال جمع منهم ضرائب بمقدار"40 درهما", حتى قيل الشعر في هذه الحادثة وفي بخله؟!.
يبدوا أن حكومتنا اهتدت إلى الفكرة, وطبقتها, تأسيا بالخليفة..الدوانيقي.

106
مفاوضات تشكيل الحكومة..وقناني الغاز

المهندس زيد شحاثة
يكاد المواطن العراقي يتيه, لكثرة الأخبار الواردة والمتضاربة حول نتائج الانتخابات, واجتماعات الكتل وتفاوضها مع بعضها.
رغم أن النتائج لم تعلن أو تظهر بشكل نهائي, فالتفاوت كبير فيما يتوقعه المراقبون, وما تعلنه بعض الكتل السياسية لما حققته من نتائج من مقاعد, إلا أن الأغلب منهم بدأ يرفع نتائجه المتوقعة, ومعها سقف مطالبه, واستحقاقه الانتخابي.
لجا البعض من الأحزاب والكتل, إلى طرق مبتكرة في التفاوض المسبق, من خلال تسريب أخبار لقاءات واتفاقات مع كتل ,ليوهم بقية الكتل انه اقترب من تحقيق العدد المطلوب لتشكيل الحكومة, أو استخدم نفس الفكرة بطريقة أخرى, فسرب أخبارا عن تحالفات كتل مع كتل أخرى, وأتهمها بأنها تشق صف الجماعة أو المذهب, أو الخيانة حتى, باستبعاد الشركاء الأقرب!.
لان العراقيين اعتادوا كذب ساستهم المستمر, فهم لا يصدقون كل الكلام, لكن الإحباط والفشل في تحقيق ما تصبوا إليه عيون الناس خلال السنوات السابقة, جعلهم يهتمون بأبسط خبر, ويبحثون عن ومضة أمل, لكن الساسة في وادي أخر, وخصوصا بعد انتقال التفاوض من الدعايات والأكاذيب والتمويه إلى..سيارات مفخخة,وكاتم للصوت!.
الأكيد في الموضوع أن كثيرا من تلك الأخبار كاذبة, وان معظم تلك اللقاءات بروتوكولية وللتهاني على الأقل لحد الآن, وان التفاوض الحقيقي يتم في الغرف المغلقة, ومن قبل رجال الظل, وان الحكومة ستولد بعملية قيصرية, بعد فترة طلق ستطول حسب استعداد القادة لتقديم التنازلات السياسية, وقبول التسويات لمصلحة الوطن.
في احد الأيام رافقت والدي ,تغمده الباري برحمته, إلى مجلس صلح عشائري, أو ما يعرف "بالمشية", وكان هناك كثير من الكلام التصعيدي, والتهديد المبطن, والرد المقابل, وتصنع التصلب في المواقف وعدم التنازل, ثم ومن دون مقدمات انحلت الأمور وتم الاتفاق والصلح, وحلت القضية, وعدنا فسألت والدي عن الكلام الذي دار والتصعيد والتهديد والوعيد, فقال بابتسامة الخبير المجرب بأمور الحياة" أنها قناني غاز يفجرونها بوجه بعضهم الأخر, صوت وصورة فقط, لا تضر ولا تنفع".
العراقيون تحملوا كثيرا, ولديهم القدرة على تحمل الأكثر"من قناني الغاز", إن كانت بالصوت والصورة فقط, ولكن هل هي صوت صورة فقط؟!.
وهذه الدماء؟أو ليس لها ولي؟.

107
المنبر الحر / هل سقط منا شيء؟
« في: 17:13 13/05/2014  »
هل سقط منا شيء؟

المهندس زيد شحاثة
من الطبيعي أن تتنافس الأحزاب السياسية فيما بينها لإقناع الناخب ببرنامجها السياسي, وتحاول استمالته ليصوت لها.
من المعتاد أيضا محاولة بعض الأحزاب, ومن خلال مؤيديها وجمهورها, أن تكسب اكبر عدد ممكن من الأصوات بالطرق الاعتيادية, كالإعلام, والندوات التعريفية للمرشحين, وتحركات المرشحين أنفسهم, وقادة الأحزاب, بل وغير غريب أيضا سمعنا عن توزيع هدايا أو منح, أو إطلاق وعود خلال الحملة الانتخابية؟!.
صارت شبكة الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي  ساحة للتنافس بين مختلف الجهات السياسية, لطرح برامجها ودعم مرشحيها, وبيان ميزاتهم, وطبعا إطلاق الوعود الرنانة, وانتقاد الخصوم, وبيان فشلهم وأخطائهم, إلى غير ذلك من الأساليب الانتخابية.
أكدت الانتخابات الأخيرة أهمية مواقع التواصل الاجتماعي, في تسويق مرشحي الأحزاب المختلفة, وبيان أفضليتهم, وانتقاد الأحزاب الأخرى, إلا أن الموضوع خرج عن إطاره المقبول, وتجاوز كل الحدود, فصار الشتم والسب, ومس الأعراض, والتشكيك بالوطنية, والتخوين, واتهامات الفساد, وخيانة الأمانة, و التسقيط الأخلاقي حتى, سائدا في الساحة, وصار بعض الجمهور..ملكيا   أكثر من الملك؟!.
من المقبول, بل والحق الكامل لكل إنسان, أن يعتقد برأي سياسي, ويؤيد جهة ما, وله كامل الحرية أن يدافع عن أفكارها, وينتقد خصومها السياسيين, لكن ضمن حدود القانون والأعراف والتقاليد..و بالتأكيد الآداب العامة!.
أثبتت هذه التجربة أننا شعب عاطفي وانفعالي, نندفع بسرعة, ونتراجع بشكل أسرع من ذلك, فان أحببنا ألّهنا, وان كرهنا..كفّرنا.
انتقاد أداء السياسيين, وانتقاد الأحزاب, وانتقاد الحكومة, بكل التفاصيل..حق, لكن شتم الناس, وتسقيطهم..بل وشتم المراجع!ّ!..لا اعرف كلمة تفيه الوصف.
يروى أن شابا, استخف بسيدة عجوز وضحك منها, لعدم قدرتها على فعل شي ما, لكبر سنها..فقالت له السيدة, لقد سقط منك شيء, فنظر الشاب إلى الأرض ..لم يشاهد شيئا, فقالت له السيدة.. لقد سقطت مرؤتك!.
ليسال كل منا نفسه..هل سقط مني شيء؟.

108
سياسيونا والمال القذر..أخطاء مكررة

المهندس زيد شحاثة
تعتبر الرشوة من اخطر الأمراض التي يمكن أن تصيب أي مجتمع, لأنها يمكن بساطة أن تقلب الباطل حقا, وتسرق حقوق الناس, وتحرف الحق عن مساره.
المال سلاح خطير, يمكن أن يكون أداة عظيمة لتحقيق انجازات رائعة للبشرية, أو يستخدم بشكل سيء, فيجعل الباطل حقا, فيشتري الذمم, ويزيف الحقائق, أو يتسبب بإلحاق الأذى بالآخرين وتشويه سمعتهم, بل ..ويصل حد القضاء عليهم.
نادرا ما تلتزم المجتمعات السياسية, بالسياقات الصحيحة, أو تلتزم بالقوانين, وحتى التي تسنها بنفسها, إلا في الدول المتقدمة جدا,  وتنغمس الكثير من النخب السياسية بأفعال وتصرفات, بعيدة كل البعد عن القانون أو الأعراف المقبولة, سياسية كانت أو اجتماعية.
يلعب المال السياسي دورا خطيرا, في ترجيح كفة جهة ما على منافساتها وخصومها, وربما يكون أداة في التسقيط للمنافسين, أو إعلاء شان الحلفاء, أو كسب ود الجمهور, أو حتى تغييب وعي مجتمعات بأكملها.
لا يشترط بالمال السياسي أن يكون صريحا نقديا, فربما يكون على شكل عقارات أو قطع أراض, أو منح, أو هدايا, أو درجات وظيفية, أو استخدام منشات حكومية أو عامة لأغراض حزبية أو خاصة.. أو الوعود بكل ما سبق.
تؤثر الأخطاء أو التجاوزات على القانون, والتي ترتكب من الجهات السياسية, على سمعة ومصداقية تلك الجهات لدى الجمهور, وتزداد قباحة تلك الأخطاء وتأثيرها أن كانت الجهة التي ترتكبها تدعي السير على نهج إسلامي, أو تقودها شخصيات عظيمة, أو تدعي الانتماء والالتزام بنهج تلك الشخصيات, أو كانت معارضة للحكومة ولا تترك شاردة أو واردة من تصرفاتها إلا وانتقدتها, لكن الخطأ يزداد سوءا وقباحة أن ارتكبته الحكومة!.
نشر قبل أيام فديو يظهر قيام مرشح بابتزاز مواطنين بسطاء, للتصويت له مقابل تمليكهم قطع أراض سكنية, وهكذا حالات مخجلة ليست بالغريبة على مجتمعنا السياسي وساستنا بعد عام 2003, بشقيهم المعارض والحكومي, لكن ما يستفز المشاعر حقا أن السيد المرشح هو قاض سابق!.
هكذا فضائح تجعل ثقتنا تهتز بشدة, لا بالشخوص فقط, وإنما بالجهات التي تدعم هكذا نماذج, بل وبالنظام ككل!؟.
صحيح أن كل شخص مسؤول عن تصرفاته, ولا علاقة للجهة التي تدعمه أو يمثلها بأخطائه..أن لم يثبت عكس ذلك, لكن هذا لا ينفي مسؤوليتها الأخلاقية, وواجبها باتخاذ إجراء تأديبي, أن لم يكن قانوني بحقه.
يقال أن غلطة الشاطر بألف, والمنطق يقول أن غلطة المسؤول بمائة ألف..فكم من ملايين الأخطاء حصلت!؟.



109
المنبر الحر / مزايدة علنية
« في: 20:38 23/04/2014  »
مزايدة علنية

تشهد الحملات الانتخابية في العراق, أمورا وأحداثا كثيرة, بعضها رائع وبعضها مقزز, وأخر طريف مضحك, وغيره لا يمكن تصديقه إلا انه يحصل, وبعضها الأخر خطير ويثير ألف سؤال.
من الأمور التي تشهدها الحملات الانتخابية لدينا, قيام مرشحين بتوزيع مختلف أنواع الهدايا" الرشاوى", على المواطنين, أو لشرائح منهم.
فمن الوعود الانتخابية المعتادة بالتوظيف, إلى توزيع الأوراق وقصاصاتها المختومة بمختلف المنح, والبطانيات والعبي النسائية, وحتى المال النقدي وأرصدة الموبايل .. بل ووصلت حتى وجبة طعام؟!.
خلال الحملة الانتخابية الجارية, حصلت انتقالة جوهرية في الموضوع, حيث بدأت الحملة الانتخابية, وما يرافقها من توزيع قبل فترة طويلة من الانتخابات, فأحزاب السلطة حاولت استغلال ما تملكه من موارد وصلاحيات, فاستغلت توزيع قطع الأراضي, ومنح الوعود, وتقديم الخدمات, ووزعت أسلحة شخصية لبعض شيوخ العشائر ومبالغ نقدية كبير.
ولم تخلوا بقية المحافظات من العاب انتخابية بهلوانية بنفس النهج, ورغم أن الحملات السابقة شهدت توزيع موبايلات حديثة وأجهزة اللوح الرقمي, أو ما يعرف " بالايباد", على الطلبة في حفلات تخرجهم,إلا أن المختلف هذه المرة أن الطالبات وفي بعض الأماكن رافقت هداياهن قلادة ذهبية, وكأن الموضوع يتم التعامل به في بورصة أو مزايدة علنية تتصاعد أسهمها وتتنافس؟!
كل هذا يظهر شراسة الحملة الانتخابية, وأين يمكن أن تصل تلك الجهات للذهاب بشوط التنافس, وما يثير الدهشة هنا والعجب, الإمكانية المالية المهولة لتلك الجهات, ومصدر هذا المال؟!
التنافس الانتخابي والحملات الإعلامية, والتواصل مع الجمهور لكسب وده, عمل مقبول من الأحزاب المتنافسة..لكن رشوة المجتمع شيء قبيح جدا, والأكثر قباحة منه, تجاوب المجتمع مع هذا السلوك.
لنتفق أن الإنسان بطبيعته يحب المال والتملك والحصول على الهدايا والأشياء الثمينة مجانا..وللمواطن الحق في أن يتصرف بما يتملك ببيعه أو منحه أو حتى إلقائه في إلقائه في الشارع.
صوت المواطن العراقي في الانتخابات, وسيلة المواطن الوحيدة لتحسين مستقبله واختيار من يمثله بشكل صحيح, وضمان مستقبل أولاده القادم.. وتلك الهدايا ثمينة ومغرية, ويحتاجها الإنسان لكن فائدتها قصيرة الأمد.
من الحمق أن نبيع شيئا طويل الأمد ويمس مستقبل أولادنا, بفائدة قصيرة ووقتية.

110
المنبر الحر / مجرد حظ
« في: 20:37 23/04/2014  »
مجرد حظ

كنت طالبا شاطرا كما يقال, خلال اغلب سنوات دراستي, لكن والدي  رحمه المولى بجنته, كان مثل البرج خلفي, يدعم ويتابع ويراقب ويحاسب..ويسمع لي.
عندما كان يجدني تراخيت أو تلكأت قليلا, أو نلت درجات ليست جيدة, وابرر له ذلك بان مستوى جميع الطلاب كان كذلك, كان يقول لي" نعم أنت صادق, و أسال أي طالب راسب سيؤيد كلامك, والنجاح مجرد حظ",لم ولن أنسى تلك الكلمات, فهي علمتني دوما أن المبررات وان صدقت, لا تنفي وجود المشكلة أو التقصير.
على مر سني عمر الحكومة الثمانية, كانت تجد المبررات لفشلها في أكثر من ملف, فمن الإرهاب  ودول الجوار وتدخلها السيئ, إلى محاربة الخصوم السياسيين, إلى عرقلة البرلمان لمشاريع وقوانين الحكومة, وأغرب المبررات..حتى عدم استواء شكل الأرض!.
ولم يكن البرلمان أحسن حالا, ففشله في أداء دوره الرقابي والتشريعي, كان يبرر بعدم انسجام تشكيلته, أو عدم استجابة الحكومة, أو الظروف السياسية الدقيقة والحساسة,أو عدم اكتمال النصاب, وطبعا لا ننسى ,عدم استواء الأرض!.
بعد انتهاء الانتخابات التي أنتجت برلماننا الحالي, والذي بدوره أنتج حكومتنا الرشيدة, وفي خطبة من منبر الجمعة بعد إعلان النتائج النهائية, قال الشيخ جلال الدين الصغير, انه ليس متفائلا مما سيحققه هذا البرلمان, أو الحكومة التي سيشكلها, لطبيعة تركيبته, والمماحكات التي حصلت في أوليات جلساته, وحينها ظننت في نفسي, من أن الرجل, رغم أني احترم ما يقول جدا, إلا أن تشاؤمه هذا يعود ربما لتراجع نتائج كتلته حينها..إلا أن الأيام أثبتت صحة تشخيص الرجل!.
من لديه الرغبة بالنجاح, يحاول خلق الأسباب والمبررات لنجاحه بالقدر المتيسر له,مهما كانت الظروف, ومن لا يملك الرغبة, يجد ألف مبرر للفشل.
الحظ موجود كمفهوم, على اختلاف فهمنا وتفسيرنا لمعناه, ولكنه عامل مساعد.
النجاح رؤيا وخطة, وخطوات محسوبة وعملية, لها أهداف واضحة, يقودها تصميم وعزم وإرادة..بأدوات واقعية.


111
لجان..إلى ما لانهاية

يتم تشكيل اللجان لدراسة القضايا أو التحقيق في الأمور المهمة أو الكبرى التي لا يمكن اتخاذ قرار فردي حولها من قبل شخص لوحده.
أحيانا يكون الموضوع حساس, أو يمكن أن يؤدي إلى فتنة ويمس أكثر من طرف, فتشكل لجان من الأطراف المعنية أو جهات مختصة لحسم القضية, وإعطاء الرأي أو القرار فيها, أو كشف حقائقها وخفاياها.
اعتاد العرب على غاية أخرى لتشكيل اللجان, وهو تمويع القضايا وامتصاص نقمة الشارع, ولنا في لجان القمة العربية خير مثال ودليل على ذلك, وكيف أن كل القضايا الكبيرة أو الأحداث الجسام التي مرت بالأمة العربية, فكانت القمم تنعقد وتتمخض عن..لجان؟!.
يبدو أن هذه العدوى انتقلت إلى نظامنا السياسي بعد السقوط, حيث كان المواطن يتأمل أن يختلف الحال ويظهر سياق جديد في إدارة  الدولة,  والتعامل مع القضايا, لكن اللجان بقيت هي الحل الأسهل والأقرب لمتناول يد السلطة, وليست مشكلة أن ينتظر أصلا أن تكون هناك نتائج أو توصيات لتلك اللجان.
ما يثير القضية الآن هو ما نشر من أن هناك نية لوزارة العدل لإغلاق سجن أبو غريب,  بسبب وقوعه في منطقة ساخنة, ويبدوا أن الوزارة اكتشفت ذلك الآن فقط؟!..حيث يذكرنا هذا بحادثة الهروب الشهيرة لأكثر من (500) من كبار قادة القاعدة وبقية التنظيمات الإرهابية, في ظاهرة لم نسمع أنها حصلت في بلد ما يوما؟!, ولنا الحق الكامل أن نسأل أين هي نتيجة التحقيق في تلك الحادثة؟ أو ليست هي السبب الرئيسي في إعادة هؤلاء المجرمين إلى الساحة في العراق وسوريا؟ أو ليست السبب الرئيسي في تأزم الوضع وعودته إلى المربع الأول؟!.
لكن لنسال أنفسنا.. هل هذه القضية الأولى التي تم تشكيل لجنة حولها؟ ومذابح طوز خرماتو؟ والشاي التالف في وزارة التجارة أم نسيناها؟ والفيضانات؟ والتجاوز على المال العام في وزارة التجارة؟ وفي أوضاع السجون؟ وقضايا الاغتيالات اليومية؟ وفضائح الفساد التي صارت تزكم الأنوف؟..وغيرها العشرات.
هناك أمور وقضايا يجب أن تشكل فيها لجان, لكن لجان تهدف لحل القضايا وبيان الحقائق فيها, والتوصية بإجراءات محددة وحلول, وليست للتسويف وامتصاص النقمة..وبأمد مفتوح.



112
أنا الأول..أنا الأخر

من الصعب التصديق أن دولة أو حكومة, بل وحتى شركة صغيرة, يمكن أن تدار بقدرة شخص بمفرده, أن لم يعاونه آخرون, أو يعمل الجميع بصيغة ونظام المؤسسة.
هناك رأي أخر, يذهب إلى أن هناك أفراد يملكون قدرات فريدة ومميزة, تمكنهم من إدارة أو قيادة أي شيء, وحتى دولة بأكملها, لكن أصحاب هذا الرأي غالبا ما يكونون مقربين من أنظمة الحكم الشمولية, أو احد أبواقها , أو منتفعين منها, أو في الأقل ..مستأجرون لقول هذا الرأي.
بعد أن عاش العراق تحت حكم فرد مجنون مصاب بداء العظمة, بالإضافة إلى كم كبير من الأمراض النفسية والعصبية, فان الحديث عن ضرورة أن يكون شخص ما هو القائد الأوحد صار سمجا جدا, رغم أن الكثير من العراقيين لازالوا يعيشون أجواء الحكم البعثي , والطاعة الكاملة للحاكم..في عقلهم الباطن.
من الأمور المعروفة لدى الجميع, أن العمل لا يتوقف على احد, وان الحياة لا تنتظر شخصا, بل تستمر وتسير..ومع ذلك يظهر من يدعي انه وحده كان معارضا لصدام, وهو فقط من ناضل وجاهد وضحى, ويختزل كل تلك الدماء الطاهرة التي سالت في مذبح الحرية..فيه!, ويظهر أخر ليقول انه لولاه..لما كانت الحرية في العراق, ويأتي أخر ليقول انه لولاه..لسقط العراق؟!.
عجيب أمر هؤلاء, او ليس الانجاز والعمل, نتيجة لعمل مجموعة تشاركت في الجهد,من اصغر مشارك إلى صاحب القرار والمسؤول الأول؟, مع الاحتفاظ بتميز تحمل المسؤولية والقرار, لكن هل الفضل لصاحب القرار وحده؟.
المجتمع العراقي بطبيعته يحب القائد القوي, وهو أمر ليس سيئا, ولكن يجب أن نفرق بين صنع قادة أقوياء يديرون دولة مؤسسات تعمل ضمن اطر الدستور والقانون, هدفها خدمة المواطن, وبين  خلق مشاريع دكتاتوريات’ تعود بالعراق إلى المربع الأول..وإلا فما فائدة التضحيات التي قدمت؟وهل هذا ما نريده لمستقبلنا؟
كل من قدم نفسه وقال أنا وحدي فعلت و قدمت, وأنا سأفعل وسأقدم, فهو أناني يريد أن يبني مجدا لنفسه, ولن يخدمنا..وكل من قدم نفسه وقال, نحن معا فعلنا وقدمنا, ونحن معا سنفعل ونقدم..صاحب مشروع.. ربما سينفعنا.
لا عصمة لأحد, ولا طاعة عمياء بعد اليوم..نغير ونجرب, ومن ينجح في خدمتنا فهو الخيار..وإلا سنغيره.

113
المنبر الحر / البنية الأخلاقية
« في: 21:17 01/04/2014  »
البنية الأخلاقية

المهندس زيد شحاثة
تحتاج الدول إلى فترة طويلة, وصرف أموال كثيرة, وجهود جبارة, وخبرات عالية لتنجح في بناء قوات أمنية, أو جيش وطني لحمايتها بشكل صحيح وكفوء.
كثير من مدارس الفكر العسكري أو الأمني, تهتم بموضوعة الاحتراف والقوة القتالية, وهذا منطقي للقوات الخاصة بحماية حدود الوطن, فيما تختلف قوى الأمن الداخلي من حيث الأولوية لمهامها, فيبقى الاحتراف والمهنية والقوة والحزم في مقدمة مميزاتها المنشودة, لكن يضاف لها كأولوية مهمة , بنية أخلاقية تؤطر عملها كونها تتعامل  بشكل مباشر مع المواطن.
أظهرت حادثة قتل الصحفي الأكاديمي محمد الشمري خللا كبيرا في البنية الأخلاقية لقواتنا الأمنية, وكيفية نظر المواطن إلى رجل الأمن, وكيفية تعامل رجل الأمن مع المواطن.
للكلام بموضوعية, يجب أن نركز على قيمة المواطن كانسان بغض النظر عن منصبه أو عنوانه أو مهنته, وأي مواطن عراقي له كامل الحقوق, وهو سيد..وكل من في الدولة من رئيسها إلى اصغر موظف فيها من حيث الدرجة الوظيفية, بمثابة الخادم.. لدى هذا المواطن الفرد, والشعب عموما.
رغم أن حادثة الشهيد الشمري, أخذت صدى إعلاميا ربما نتيجة استغلالها سياسيا, وانتخابيا, ومن جهات كثيرة, وتسويقها إعلاميا من قبل كثير من القنوات الفضائية, وكل منها له أسبابه في هذه التغطية, إلا أن هذا الاهتمام أفاد وبطريقة ما في الكشف عن التراجع الخطير في الأسس والمبادئ الأخلاقية لقواتنا الأمنية..بل ولكل نظام حكومتنا, والدولة بكل مفاصلها, من حيث التعامل مع مواطنها!.
بناء قوات محترفة وقوية ومنظمة ولها مهابة في قلب العدو قبل الصديق, مطلب وطني وضرورة إستراتيجية لحماية حاضر ومستقبل العراق, لكن يجب أن لا ننسى أن تلك القوات هدفها الأساسي,هو حماية امن وراحة المواطن نفسه, وإلا فلا حاجة لوجودها أن لم تحقق هذا الهدف..فكيف أن عملت بعكس ذلك؟!.
الجهد والتضحية التي يقدمها كثير من رجال الأمن, خرافي ويفوق التصور, من حيث البطولة والشجاعة والصبر على التعب والتهديد, وحجم التضحية..لكن لا قيمة لكل ذلك أن لم يكن لمصلحة الوطن..وفي خدمة المواطن العراقي.


صفحات: [1]