عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - ناهدة محمد علي

صفحات: [1]
1
المنبر الحر / الإرجوحة
« في: 16:42 08/12/2017  »

الإرجوحة
الدكتورة / ناهدة محمد علي
الزمان منتصف الستينات - المكان أحد أحياء بغداد
كان هناك بيت مزهر في أحد الشوارع الفرعية في حي جديد من أحياء بغداد ، كان البيت محط أنظار الجميع بحديقته الفواحة دائماً وفتياته الست الجميلات ، لكن نور كانت أجملهن وأكثرهن ذكاءاً ورهافة حس ، وكانت مهمتها أن تعتني بالحديقة ، ولم تكن أمها تسمح لها بالخروج كثيراً لأنها كانت تخشى عليها من ( العين والحسد ) ومن تحرش إبن الجيران ، لذا كان مفتاح الباب دائماً في جيب الأم . كان حلم نور أن تصبح ذات يوم مهندسة لذا فهي تعد والدتها دائماً بأنها ستبني ذات يوم بيتاً خيالياً معلقاً أشبه بعش العصفور وكان هذا مثار ضحك الأم وقهقهات الأخوات . كانت لا تقضي وقتاً طويلاً في إنجاز واجباتها المدرسية لكي تهرع بعد هذا إلى المطبخ لمساعدة أمها ، وبالرغم من هذا فقد كانت الأولى على صفها .
يدخل الوالد مساءاً إلى البيت ويبدأ بتقبيل فتياته وكان يسميهن عصافير الجنة لكن نور كانت هي المفضلة لديه .
كان المكان المفضل لنور هو إرجوحة الحديقة والتي كانت تصدر صوتاً غريباً في ذهابها وإيابها ، ولم يكن هذا يزعجها بل كان يثير فيها النعاس ، فتغفو قليلاً وكأنها في حضن أمها ، ثم تفيق فجأة على صوت أمها الذي يناديها للعشاء ، وبعد العشاء يجلس الأخوات على الإرجوحة لتحكي كل منهن ما جرى لها خلال النهار .
كان اليوم هو يوم الجمعة والجميع في البيت ، سُمع طرق على الباب في الصباح الباكر فهرع الأب إلى الباب ثم عاد بعد قليل وهو مُستغرب حائر لا يفقه ما الأمر ، سألت الأم ما الذي يجري على الباب قال :- وجدت مرآة كبيرة بطول الباب متكأة عليها ، فسألت الأم ولمن هي قال : لا أعلم ، قالت : إذاً ضعها في الممر عل صاحبها يعود إليها .
كانت نور كثيرة الحركة ، تتحرك يميناً ويساراً لتنظيف المنزل خاصة يوم الجمعة وكان عليها تنظيف غرفة الجلوس والممر فأسرعت لكي تعود إلى غرفتها لتكمل واجباتها المدرسية ، وفي هذه الأثناء دُقَ الباب ، فهرعت نور نحو الباب وإصطدمت في طريقها بالمرآة فتهشمت وأصبحت فُتاتاً ، قام الوالد بفتح الباب وهو ينظر حزيناً إلى المرآة المهشمة ، أخذت نور ترتجف وهي خائفة ثم دخلت الجدة إلى البيت وتسمرت أمام المرآة المهشمة ، وصاحت من كسرها إنه فأل سيء ، إنه فأل سيء ، وأخذت تولول وتقول يا لحظكِ يا إبنتي ستموتين وأنت صغيرة . قادها الآب إلى غرفة الجلوس وأخذ بتهدئتها قائلاً : ألا زلت تؤمنين يا أمي بهذا ، قالت : نعم وهناك قصص كثيرة سمعتها ولا أزال أذكرها ، إن هذا سيزرع الخراب في بيتكم وستحدث الكثير من المصائب ، قال الأب ساخراً ولِمَ كل هذا قالت لأنها مرآة كبيرة وهي بطول الفتاة وليست أية واحدة صغيرة ، ثم إستدركت وقالت : أعلمتم من وضعها على الباب ، أجاب الأب لم نره ، فصرخت الجدة أترون إنهم هم من وضعها ، تساءل الأب ومن هم ؟ قالت الجدة : إنهم فريق من الجن الذين يمقتون البشر ولا يضمرون لهم أي خير .
في صباح اليوم التالي أسرعت نور إلى مدرستها وهي لا تعلم من الأمر شيء ، عبرت الشارع بسرعة وكادت إحدى سيارات الإجرة أن تدهسها ولولا سرعتها لتَمزَق جسدها تحت العجلات . وصلت نور إلى المدرسة فقابلتها مدرسة الدرس الأول وأنبتها على تأخرها . بقيت الفتاة ساهمة رغم محبتها لدرس اللغة العربية ، كانت تدور في رأسها أفكار عديدة متطاحنة ، تهشم المرآة ، بكاء الجدة ، حزن أمها ورعبها ووصيتها لها بأن تنتبه في الطريق .
بقيت الجدة في البيت وإنتظرت إبنها إلى حين عودته من العمل ثم إختلت به بعد أن عاد وأشارت عليه بأن يأخذوا الفتاة إلى أحد الشيوخ المعروفين لكي يُبطل السحر عنها وإلا ستنزل الكوارث على هذا البيت . سمعت نور الحديث الجاري بين جدتها ووالدها فأخذت ترتجف وذهبت لتحتمي بالإرجوحة وظلت الإرجوحة تزقزق إلى أن نامت نور في حضنها .
في صباح اليوم التالي ذهب الأب حزيناً مكتئباً إلى محل الحدادة الذي يمتلكه ، كان متعباً وبالكاد يلتقط أنفاسه لأنه لم يستطع النوم أثناء الليل ، وكان يعمل وعيناه شبه مغلقتان ، أمسك بإحدى قطع الحديد لكي يقطعها إلى نصفين فكاد أن يقطع يده  وجرحها  جرحاً بليغاً ، أوصله أحد العمال إلى المستوصف ثم أوصله بعد تضميده إلى البيت . حينما رأته الجدة صرخت وقالت : ألم أقل لكم إنها بداية المصائب . عند المساء بدأ المطر يهطل بغزارة وكان هناك شرخ في غرفة الجلوس فأخذ الماء يتسلل منها وينزل إلى فرش الأرض . أخذ الجميع ينظر بخوف إلى الماء المتساقط من السقف وهرعت نور بعدها إلى غرفتها محاولة النوم . بقي الوالد يتحاور مع أمه ، سألها ما الذي سنفعله ، قالت : لن ينتهي هذا إلا بموت الصغيرة . كان باب الغرفة مفتوحاً وتناهى إلى سمع نور حديث جدتها . ظلت الفتاة تفكر ما الذي سيحدث لأخواتها وأمها . كانت تقلب الأمر في رأسها الصغير وتحاول أن تتخذ قراراً لتحمي عائلتها ، لكنها كانت خائفة وهي تعلم ماذا يعني أن تتخذ القرار . كانت ترى المصائب وقد أخذت تصدق جدتها . لقد قالت لها والدتها إن الشيخ الذي يستطيع فك السحر سيأخذ مبلغاً طائلاً من أبيها وقد لا يستطيع ذلك ، وستبقى المصائب تحل عليهم الواحدة بعد الأخرى .
أصبح الصباح وأحست نور بأنها مريضة ولن تستطيع الذهاب إلى المدرسة . وبعد أن بقيت وحيدة مع والدتها وبعد خروج الجميع أسرعت نور إلى إرجوحتها لتبثها أحزانها . وظلت الإرجوحة تنوح وكأنها تودعها . بقيت نور في الإرجوحة إلى حين عودة والدها فأخذها من يدها وأدخلها إلى البيت . لم تشأ نور أن تأكل مع الجميع بل دخلت إلى غرفتها لكي تنام . كانت حزينة وغاضبة من نفسها وعلى نفسها . تريد أن تفعل شيئاً نبيلاً وجريئاً لكي تحمي أخواتها وأمها من مصائب ستنزل بهم قريباً ، وتخيلت بخيالها اللامحدود كل المصائب التي ستنزل بهم ، قالت جدتها : سيسقط سقف المنزل عليكم وستحترق الورشة التي يعمل بها والدها ، وربما ستكون إحدى الفتيات طُعماً لأحد الفاسقين . ظلت نور ترتجف في فراشها وتشعر ببرد شديد . قُبيل الفجر قفزت نور من فراشها ثم صعدت إلى سقف المنزل وكأنها تمشي في نومها ، وضعت إحدى قدميها على جدار السقف ولم يبق إلا وضع القدم الأخرى . كانت دائما تحلم بالطيران وتحلم أن ينبت لها جناحان ، وقد آن الأوان لها أن تطير ولا فرق إن كان حلماً أم يقظة . كان الهواء بارداً ومنعشاً . وفكرت أنه سيكون طيراناً رائعاً ، ثم سقطت من الأعلى وأحست أنها لم ينبت لها  جناحين بعد ، فسقطت عند أقدام إرجوحتها .


2

لونوا العالم بالبرتقالي
الدكتورة / ناهدة محمد علي

هذا هو شعار الحملة العالمية للقضاء على العنف ضد المرأة والتي تبدأ من تأريخ ٢٥ / تشرين الثاني إلى ١٠ / كانون الأول ، وقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة ( أنطونيو غوتيريش ) إلى وقف العنف ضد النساء والفتيات واصفاً هذه الظاهرة ( بالواقع اليومي ) ، ثم أشار إلى أن ثلث نساء العالم قد تعرضن للعنف في حياتهن . وقد بينت إحصائيات الأمم المتحدة بأن ٧٥٠ مليون إمرأة بالعالم قد تزوجن قبل سن ١٨ وأن ٢٥٠ مليون إمرأة قد تعرضن للختان .

رغم أن نسبة العنف في الدول العربية وخاصة ضد النساء لا تزال مرتفعة جداً لكن الكثير من الدول العربية قد شارك في حملة الأمم المتحدة للقضاء على العنف ضد المرأة . فقد شاركت الإمارات من خلال  مؤسسة  دبي للنساء والأطفال  ، وشارك ديوان المرأة الكويتي ، وأيضاً المجلس القومي للمرأة في مصر من خلال بعض الفعاليات مثل المعارض التي تحكي عن تأريخ المرأة المصرية خلال ١٠٨ عام . كما شاركت تونس  في هذه الحملة والأردن والبحرين .

ورغم أن القوى التقدمية في كل البلدان العربية ومنظمات المجتمع المدني قد دعت دائماً إلى محو ظاهرة العنف ضد المرأة ، إلا أن هذه الظاهرة لا تزال موجودة وبإصرار في كل فئات المجتمع ولجميع الأعمار النسائية ، وكما هو معروف أن هذه الظاهرة هي ظاهرة عالمية فهي ليست مقتصرة على الدول المتقدمة أو المتخلفة بل كما تجد هذه الظاهرة في الصومال تجدها أيضاً في أمريكا وفرنسا وإنكلترا وبجميع المستويات العمرية والثقافية وتبدأ أشكاله من التسلط المادي والجسدي إلى التسلط المعنوي والعقلي والتسلط على الموقف والقرار وعلى الإنفصال أو الإرتباط وتتفشى ظاهرة تخلخل إجور النساء في كل العالم عدا القليل منها ثم صعوداً إلى حوادث الإغتصاب والقتل التي تملأ الصحف اليومية العربية والغربية على السواء ، وهنا تتعدد الأسباب والعنف واحد ، وهي ما بين ظاهرة ( غسل العار ) في المجتمعات الشرقية وعقاب الخيانة الزوجية في المجتمعات الغربية . كما يوظف الشرق الدين خطأً بملاحقة المرأة وإستلابها والتفنن في عقابها ظالمة أو مظلومة وممارسة مختلف أنواع التعذيب الجسدي والنفسي عليها ، فهي قد تُحرم من نفقتها أو أولادها لأي سبب بعد الطلاق . وتتفشى ظاهرة الإقصاء الجسدي للمرأة في الدول العربية فتختفي قسراً الكثير من النساء دون معرفة مصيرهن وقد ساهم في ذلك مساهمة أكيدة المصابون بالشبق الديني ، ووقعت المرأة ما بين إدعاء المحرمات ذات القائمة العريضة فإرتُكبت الفواحش تحت مسميات مختلفة مثل ( جهاد النكاح ) ووُظِفت المرأة جنسياً حتى أصبحت ( الزانية المجاهدة ) .

إن اللون البرتقالي الذي دعت إليه الأمم المتحدة ما هو إلا خليط ما بين الأصفر والأحمر وهو لون الخريف ممزوجاً بلون الدم الذي ينتشر في كثير من البقع على سطح الأرض ، أما اللون الأصفر فهو ما بعد الحروب من الخراب والجفاف وهو خريف الأرض المصطنع الذي ترسمه السياسات الكارثية ، ولو كان ميزان السياسات غير هذا لكانت المرأة بألف خير . فعدم التوازن الإقتصادي والإجتماعي والثقافي يجعل من المرأة كألإسفنجة تمتص كل هذا ، ولا فرق هنا بين مثقف وجاهل وغني أو فقير فالمحور العام يساهم مساهمة أكيدة في صنع قراراتنا ، ويجعل من السهل علينا أن نتوجه نحو الأضعف بالتنفيس عن عُقدنا ونقاط ضعفنا وتوفز أعصابنا وما يكتمه عقلنا الباطن من طموحات مريضة وهذا يحدث لأفراد كل المجتمعات .

إن حالات الهوس الإجتماعي يجب أن تُحارب من قبل كل الدول من خلال برمجة العقل البشري برمجة علمية وإنسانية راقية من خلال برامجها الإجتماعية والثقافية وهذا ما يجعل مبدأ المساواة سائداً وبشكل حقيقي في الدين والجنس والعرق واللون ، وكلما أمسكت المرأة بالسلاح الإجتماعي والإقتصادي كلما دفعت العنف عن نفسها بشكل أفضل ، ولن يدفع العنف عن المرأة أحسن من يدها الطولى .


3


حين ضاعت المرأة العراقية على طاولة الصراع البرلماني
الدكتورة / ناهدة محمد علي
كنت أطالع صباح هذا اليوم في إحدى المواقع الإخبارية عن ذكريات دخول داعش عام2014  إلى الموصل ،  فقرأت ما هو معروف عن إختطاف الأيزيديات وإستخدام أطفالهن في معسكرات التدريب الإرهابي لكن أكثر ما راعني ما قرأته عن طفلة في الثامنة من عمرها في أحد المخيمات في زاخو والتي قام بإغتصابها داعشي في الأربعين من عمره وقد فعل  ذلك من قبل بأمها وهو بالتأكيد من المحرمات في الدين الإسلامي ، فتساءلت عن أي إسلام يتحدثون وما أشبه اليوم بالبارحة ، فقد قنن ذلك وشرعه عباقرة القانون في البرلمان العراقي ، حيث أجازوا أن تستباح عُذرية الطفلة العراقية قبل أن تكون مهيأة عقلياً وجسدياً للزواج .
لقد وقع العراق منذ الثمانينات على مباديء حقوق الطفولة وحمايتها لكنه سلم عهدته إلى بعض رجال الدين ، ويعلم الجميع بأنهم هم من أجازوا ما هو أبشع من زواج القاصرات ألا وهو ( زواج المتعة وزواج المسيار ) مما لا يوافق حتى أردأ العقول والضمائر ، وهذا يندرج تحت مصطلح ( الزنا ) الذي يعلموه جيداً ، لكنه زنا مُشرع وهذه ظاهرة لم تمارس في أغلب الدول الإسلامية .
إن ظاهرة زواج الأطفال هي ظاهرة تطفو على السطح في فترات الحروب والفساد الإجتماعي والإقتصادي ، والمراد منها هو تقليص التكاليف المادية على رب العائلة وتخليص هذه العائلة من فئة الإناث . لقد برزت هذه الظاهرة في العراق في فترات الأزمات السياسية والإقتصادية ، وظهرت أيضاً في سوريا وفي اليمن ، وهناك المئات من الفتيات القاصرات زُوجن قسراً لرجال بأضعاف أعمارهن ، وكان هذا لأجل رفع العبء الإقتصادي عن كاهل الأب وتحويله على كاهل الزوج .
لقد إنتشرت هذه الظاهرة وأبحرت مع صفوف اللاجئين العراقيين والسوريين  إلى جميع دول أُوربا وأمريكا ، وإكتشف البوليس الغربي ذلك وقام بملاحقة أولياء الأمور الذين حاولوا التخلص من فتياتهم بتزويجهن ليس من خلال القانون ولكن من خلال رجال الدين المتواجدين هناك ، فأيهم أكثر نُبلاً وشرفاً ، أولياء الأمور لهؤلاء الفتيات أم سلطة القانون الغربي . ولقد إنتشرت هذه الظاهرة أيضاً كما ذكرت  بعد نشوب الحرب في اليمن وإنسحب ذلك على الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية ، فقد تهدمت البنية التحتية تماماً لهذا البلد وإنتشرت المجاعة والأوبئة وأُغلقت عشرات المدارس أو تحولت إلى ملاجيء أو مخازن سلاح وتهدم الكثير منها ، فتسرب طلاب وطالبات المدارس وأصبحت الفتيات عبئاً ثقيلاً على كاهل الآباء ، فما كان إلا أن تنتقل ولاية الفتاة إلى الزوج وهكذا زُوِّج آلاف الفتيات الصغيرات اليمنيات إلى رجال مُسنين ، وكان هذا كمن ينقل الثقل من اليد اليمنى إلى اليسرى ومع ذلك يبقى العبء الإقتصادي ثقيلاً على المجتمع برمته ، أي أن هذا الحل لا يتبع المنطق إطلاقاً .
لقد إنتفضت الأقلام الشريفة لتتحدث عن مسخ قانون الأحوال الشخصية العراقي 188 لعام 1959 ، وكلنا نعلم أن هذه العملية ما هي إلا غزل سياسي ما بين القوى الدينية المتصارعة ، أيهما أقوى ديناً ولم يُخرجوا من الدين إلا أوضاع المرأة ، فإذا أردت أن يُعرف تدينك فضع المرأة تحت المجهر ما بين اليمين واليسار ، وما بين الأعلى والأسفل ، تُلاحق في عملها وكلامها ولباسها وعلاقاتها ، وعلى هذا الأساس فلا حق لها في الإختيار أو الرفض ، وعلى هذا الأساس أيضاً فهي تتزوج بمن يرغبون ومتى ما رغبوا ، وهي هنا سبية في بيتها ولا فرق في إنتقالها من بيت الأب إلى بيت الزوج .
لو نظرنا إلى المكتسبات التي حصل عليها الشعب العراقي بعد  2003 لوجدنا أنه لم يتغير شيء ولم يجر الإهتمام بتطوير البنية التحتية ، بل ظهرت على السطح ظواهر سلبية كثيرة ، فقد إزدادت نسبة الجريمة المنظمة وغير المنظمة وإزداد عدد المطلقات والمحجبات قسراً إزدياداً كبيراً كما إزداد عدد المتزوجات قسراً وعادت ظاهرة الإتجار بالبشر وتجارة الأعضاء  وتجارة الجسد ، وأصبحت المرأة العراقية مجرد بضاعة تدور في السوق ويكسب الجميع من دورانها إلا هي . فحتى النساء العراقيات ذوات المستوى العلمي والثقافي الجيد بدخولهن مجالات العمل المختلفة تشكل حركتهن خطورة كبيرة عليهن لأن المجتمع العراقي حالياً وبإعتراف الكثير من المنظمات الإنسانية العالمية ومنها منظمة حقوق الإنسان  بأن المجتمع العراقي هو الأكثر خطورة في العالم مع المجتمع في الصومال واليمن وأفغانستان . ولو سأل سائل ما علاقة هذا بزواج القاصرات لكان الجواب واضحاً لكل ذي منطق ، وكل الظواهر السلبية المذكورة تشكل ثقلاً على العقل العراقي وعلى نفسية الفرد العراقي ، فيحاول عباقرة القانون هنا إيجاد منافذ وثقوب يتنفس منها القلب العراقي المنتفخ كألبالون وهو لا يعلم أن هذه المنافذ ستؤدي إلى كوارث أعمق فها هي نسبة الطلاق قد أصبحت مرتفعة جداً والزواج المبكر أحد أسبابها حيث تتزوج الفتاة الصغيرة وهي غير مُستطيعة أو مُدركة لمهامها الزوجية وينتج عن ذلك أيضاً الآلاف من الوفيات للحوامل من الفتيات الصغيرات وإحتمالات الولادة المبكرة ووفيات الأطفال المولودين مبكراً ، حيث  كما هو معلوم أن أجساد هؤلاء الفتيات هي غير مُعدة بعد للحمل والولادة .
إن اللعب على طاولة القمار الشرعي في البرلمان العراقي لن يكتب النهاية السعيدة للزواج المبكر ، كما لن يكتب النهاية السعيدة للغزل السياسي بين الأحزاب الدينية المتصارعة لأنه يقدم وببساطة الجسد العراقي المتعب ثمناً لذلك .

4


قراءة نقدية للمجموعة القصصية ( عطر الحب )

 للدكتورة غادة . م . سليم
الدكتورة / ناهدة محمد علي

أود أن أوضح للقاريء المسار الأدبي للقراءة النقدية والذي سيتنقل ما بين الإسلوب الأدبي ، الهدف من القصة ، المغزى الضمني ، الطرح الجريء لقاصة عربية .
إستعملت الدكتورة غادة سليم لغة السهل الممتنع وربما كانت قد تأثرت بإسلوب الأدب الإنكليزي أو الخلفية العلمية الجيولوجية لها . لكن هذا لم يمنع أن يكون إستخدامها للغة إنسيابياً شعرياً يكاد أن تنطبق عليه مقاييس قصيدة النثر .
لا تعطي عادة الدكتورة غادة المغزى الحقيقي لقصصها جاهزاً ، لكنها تترك القاريء يسرح بخياله باذلاً جهده للوصول إلى المغزى الضمني للقصة ، وهي تعطي للقاريء حرية الوصول إلى هذا المغزى والنتيجة قد تكون مختلفة ما بين قاريء وآخر وهذا يكاد يشبه لوحة سريالية تتوزع أجزاءها بأشكال مختلفة ثم تجتمع لتبين فحوى واحد وهدف واحد للقصة  . وقد لاحظت أن قصص المجموعة قد إستوحت من الشعر إسلوبه ومن الفن التشكيلي طريقته في بسط الحقائق .
إنتهجت الدكتورة غادة نهجاً متحيزاً لإنصاف المرأة ، وأنصفتها في تبيان إنوثتها ومشاعرها ومخاوفها ورغباتها ولم تخف شيئاً منها ، وأعتقد أن القاريء العربي لا يُخجله ما يقرأ فقد طرحت القاصة العلاقة ما بين الرجل والمرأة بدون إسفاف ولم تتاجر بالغرائز بل طرحت الحقائق ممزوجة ما بين الحس الإجتماعي العاطفي والحس السياسي ببوتقة واحدة لا تزعج القاريء ولا تثير حفيظته وهو في النهاية مبهور بإنتصار الحقيقة ، لأن هذا وببساطة هو جزء لا يتجزأ من حقائق المجتمع العربي وأدق تفاصيل مشاعر الفرد العادي فيه .
تذكرني مجموعة القاصة غادة بألإسلوب الشعري لقصص الكاتبة الجزائرية الفرنسية  أحلام مستغانمي  وقصص زكريا تامر لكنها أعطت لمجموعتها نكهتها الخاصة .
تميز إسلوب القاصة بالنفس القصير اللاهث وصولاً إلى الهدف وهي تصدم القاريء أحياناً بما لا يتوقعه .
إن شخصية القاصة تقف دائماً وراء أبطالها فهي قد تلعب دور المرأة أحياناً أو تتقمص دور الرجل أحياناً أخرى ، ويبقى فكرها هو ما يُسيِّر الأبطال وهي تفرض ما تتوقعه من الرجل الشرقي أو المرأة الشرقية ، وقد طرحت موضوع الحب والخيانة والإخلاص بإطاره الخاص والعام فما ينطبق على العلاقة بين الرجل والمرأة ينطبق أيضاً على العلاقة بالوطن ، فالإخلاص قيمة لا تتجزأ والخيانة تتشابه .
بما أسلفت من خصوصيات هذه المجموعة أرى أن القاريء العربي يستمتع بالتفصيلات وبالسرد الدرامي وبألنفس الطويل للكاتب ، وقد إختارت القاصة النوع القصصي الذي يُمتع القراء ( النخبة ) الذين لا يحتاجون إلى الكثير من التفصيلات لمعرفة الواقع والهدف . إن القاريء العربي العادي يرغب بالعيش مع الأحداث ومع الشخصيات وأن يتقمصها ليهرب من واقعه ، وكما يحب المتحدث العربي أن يطيل بالوصف لكي يستمتع بما يصفه ، كذلك القاريء يحب أن يعلم كل شيء عن الشخصية المقروءة ويحب أن يرسم ملامحها لكي يستمتع ومشكلة الإستمتاع هي الهدف الأسمى للكثير من القراء العرب وهم ليسوا قطعاً من القراء ( النخبة ) والذين يكتفون بالقليل من التفصيلات والكثير من الإيحاءات ليصلوا بخيالهم إلى الحقيقة .
لقد عودنا كتاب الخمسينات والستينات والسبعينات مثل فؤاد التكرلي ومهدي عيسى الصكر ولطفية الدليمي على إمتصاص أحداث الشارع العربي والعراقي بشكل خاص وهي كثيرة ومتناقضة ولهذا أسبابه والتي تتركز بالوتيرة الهادئة لنمط الحياة والتي تغيرت وبشكل سريع في المجتمع العربي ، فقد أصبحت وتيرة الحياة مسرعة وغير منظمة لكنها مُتلاحقة ولا يجد القاريء العربي وقتاً طويلاً لمتابعة التفصيلات ، فأخذت القصة القصيرة تقصر وتقصر إلى أن وصلت إلى حدود ( نصف السطر ) .
إن القاصة قد عبرت سد ( يأجوج ومأجوج ) إلى العالم الغريب القاسي لتقتنص منه الحكايات الدرامية .
التميّز :
أولاً - قصة  الإفتراس  .
 تتميز هذه القصة بمغزى عاطفي سياسي وبنقد درامي سريع مع لهاث الشخصيات الحميمي الغير مبتذل وهو جزء من الإلتزام الأدبي والقيمي للقاصة ومثلاً - أتذكرين يوم قضينا ليلة كاملة يفترس أحدنا تضاريس الآخر - .
ثانياً - قصة التلويحة .
تميزت هذه القصة بواقعية شديدة المرارة  عن عنفوان الرجل الشرقي وضعفه في آن واحد وعن خذلانه لمن يؤمن به ، وتكشف القاصة أيضاً عن ضعف المرأة الشرقية وعن رضاها به فتقول - ألا تعلم بأن جناحيْ قد قُصا منذ زمن بعيد - . وتعكس هذه القصة إحباط المرأة وشعورها نحو منقذها فتقول - تلفتُ من حولي بحثاً عن ذاك الذي جئت أنشده ، فلاحَ لي وجهه عبر النافذة من خارج المبنى وهو يلوح لي مودعاً -
ثالثاً - قصة كرة الأماني .
تعكس القاصة هنا أيضاً إحساس الإحباط ما بين المرأة والرجل وكيف تبني المرأة العربية آمالها على الرجل ثم تتحطم هذه الآمال فوق الكبرياء وهشاشة الشخصية . تقول القاصة عن بطلتها - كانت حياتها مؤجلة ، ترتجي أن يأتي يوم وتتحقق تلك الأماني - - كان في كل مكان حيث آمالها ترتطم وتتمزق أشلاء وهو يعلو مسرعاً لاهثاً يحاول أن يلتقط الكرة وينظر إليها من بعيد . عندها أحست أنه لن يكون حبيباً وإنما كان الجلاد - .
رابعاً - قصة روبوت .
تحكي قصة روبوت مشكلة الكثير من الشباب العربي المتعرض للضغط الإجتماعي والسياسي حتى يتحول إلى فصيلة المتحجرات ، تقول القاصة على لسان بطلتها - لكنها كانت تعرف أنه يداري ويغالط ، إذ لمحت مرة ترقرق الدموع في عينيه عندما حدق بالخارطة وإرتسم إسم مدينته البعيدة في جبهته وتذكر حياته السابقة والموتى لا يبكون - . وهنا تتحول الدراما العاطفية إلى دراما سياسية . وكان الوصف القصصي هنا وصفاً جمالياً أخاذاً  لحالة حب سرابي . وإسترعى إنتباهي أيضاً الوصف الملون في قصة الشفق القطبي .
خامساً - قصة عطر الحب .
أعطت القاصة لحالة الحب الغير نمطي بين البطل والبطلة سرداً جميلاً ، إلا أن البطل يظل مركز الضعف في الحبكة الدرامية رغم قوته كما حددته القاصة . تقول القاصة على لسان بطلتها - عندما تحدثنا أحسست كألذي يعتمد على قاموس الجيب الصغير … وفجأة ينفتح أمامه قاموس أُوكسفورد الشهير - . وهنا توضح القاصة عشق المرأة لمن يختزلها فهو الرجل القوي والحكيم وهي المرأة الضعيفة ، وهنا المرأة تريده الأقوى ولا تغضب إلا للخيانة وكل ما عداه يسعدها . إن مشاعر المرأة الشرقية متناقضة مع قوتها ومهزوزة رغم تجذرها ، وحاولت القاصة هنا أن تلقي الضوء على هذه المشاعر . وقد نجحت برأيي في جميع قصص المجموعة أن تكشف كشفاً أزلياً خضم المشاعر الجياشة العاطفية بجزأي المجتمع العربي واللذين يُفترض أن يتكاملا لكنهما في تناقض مستمر . وقد أبرزت الدكتورة غادة سليم في مجموعتها عنف الأحاسيس الإنسانية مستوحاة من عنف البيئة العربية وأوضاع المجتمع العربي ، وقد أمسكت القاصة بأدق المشاعر لتضعها في بوتقة تغلي وهي جزء من غليان المجتمع العربي . والذي يلفت الإنتباه أن الإستخدامات الشعرية الإنسيابية قد جاءت لتصب الماء البارد فوق الصهر الإنساني لمشاعر وهموم المرأة والرجل في المجتمع العربي . وكان إستخدامها للشعراء ولنُبذ من قصائدهم في مقدمة كل قصة .
ولكي تؤكد الدكتورة غادة إسلوبها الشعري كتبت في بداية مجموعتها القصصية كلاماً جميلاً راق لي وبهرني :
إليكم حكاياتي
أمنياتي
أشجاري
أزهاري
فراشاتي
تعوم ببحر من الألم
فمن يلتقط الوجع
كان هذا بالنسبة لي مُلتقطاً للوجع ، ثم أدرجت الدكتورة غادة في بداية كل قصة مقطعاً شعرياً لشاعر ما وبدأت ( بمي مظفر ثم جولي بوك ، يوسف الصائغ ، بدر شاكر السياب ، دنيس ستون ، كريم جخبور ، ريم قيس كبة ، لميعة عباس عمارة ، محمود درويش ) .
وقد أبدعت في نهاية قصة خيانة حينما تحدثت بإسلوبها الشعري عن حب يذوي رماداً بعد أن كان ناراً بقولها  :
لو كان هناك حارس يحرس أصابعك
لو كان هناك جلاد يحصي أنفاسك
لو كان هناك مارد يقتفي آثارك

لما غفرت لك كل هذا الغياب
لقد عممت القاصة مشكلة الخيانة والإخلاص في جميع قصصها لكنها تفننت في إيجاد الهدف وفي تحريك الإسلوب على مستويات مختلفة مفعمة بعطرها الشعري الفواح .





5


مرثية لإحد عشاق الوطن
الإسم : عدنان حسين عوني
الميلاد : 1929
المهنة : محامي
الدكتورة / ناهدة محمد علي
لقد عرفت ( العم عوني ) أو هكذا كنا نسميه منذ سنوات ، وكان شخصية صعبة وسهلة ، ودوداً محباً وغاضباً حين اللزوم ، لا ينسى مناسبة وطنية وقد كان لمناسبة ١٤ تموز مكانة خاصة في قلبه . أذكرُه داخلاً إلى قاعات الإحتفال متوكئاً على عصاه من ناحية ومن الناحية الأخرى على إحدى إبنتيه . كان يُقدس النساء وطالما أحنى قامته حاملاً باقات الورد للمبدعات .
لم أجد شخصاً في الثمانين يحمل ذاكرته الوقادة ، كان يحمل فيها سجل الوطن ، كل وثباته وإنتفاضاته ، أفراحه وأحزانه ، أسماء وتواريخ كانت تبهر الجميع . كنت أجد نفسي مُحاوِرة  جادة وحادة إلا أني أمامه كنت أخسر أحياناً ولم يكن هذا يُغضبني بل كنت أضحك كطفل خسر مسابقة مع والده .
قال لي ذات مرة سأذهب إلى إحتفال الجالية بعيد المرأة وهذه ربما ستكون طلقة الجندي الأخيرة ، قلت له : من يحمل توازنك العقلي لا يموت أبداً ، فالموت هو موت العقل ، وقلت لم أر في حياتي إنساناً بعمرك متفرداً بآرائه ، صلباً في مواقفه ، نقياً في أحاديثه ، ففرح بعد سماعه لهذا الإطراء وشكرني لكني بادرته وقلت : أنت تعلم أنا لا أُجامل أبداً ، وكان بودي أن أُطريه أكثر لكن مصيبتي هو أني أضع مسافة بيني وبين من أحترمه وأعتز به .
إنه الجيل الجسر الذي لم يعد موجوداً في عراقنا ، الجيل الذي صنع القيم وصنع الثورات ولم يتعلم أن يتاجر بالسياسة أو بمصير الوطن ، كان يحمل الإرث القديم والجديد معاً ، يغضب للحق ولا يغضبه إلا الباطل . ذات مرة قال لي أبكاني ما كتبتِ ، هل هذه هي مهمتك ؟ ، قلت له : لست أنا سيدي بل هو الواقع المر ، وما أنا إلا حزمة ضوء ضئيلة . كان طفلاً وقت ما يشاء وشيخاً وقوراً أوقاتاً كثيرة . ولو تساءلنا لِمَ يُحب الناس شخصية مثل هذه ، ربما لأنه يحمل العراق في قلبه أينما ذهب ، يحمل معه إرثه الحضاري وجذوره النبيلة والتي لم نعد نجدها إلا عند أقل القليل ، كما أنه يحمل تألقاً حضارياً متفوقاً وراقياً في تعامله مع الشباب ومع النساء وهذا ما يفتقده المغترب العراقي حيث نجد أن الكثير منا من ينزل إلى الجذور حتى لا يعود بإستطاعته التنفس أو منا من يحلق عالياً بلا أجنحة فاقداً هويته وماهيته وحتى لا يعود يعرف من هو .
حينما نازعه الموت كان يردد آخر ما سمعه عن أخبار الوطن ، قال لإحدى إبنتية ( ضاع الوطن ) ، وحينما سمعت ذلك قلت في نفسي إنه آخر عُشاق الوطن ، أحبه حياً وميتاً ، عاش فيه ونقله معه أينما ذهب ، ولو خُيِر لإختار أن يُدفن فيه ، لكنه حفظ العراق بقلبه كجوهرة ساطعة تلتمع كإلتماع قطرات نهر دجلة أيام صفائه ، وكحلاوة تمر الزهدي ، وعبير عطر الياسمين في كل حديقة عراقية وكبريق نجوم السماء العراقية قبل أن يملأ الدخان الأسود سماء وأرض العراق .

6
حين تحولت المرأة العراقية إلى جامعة قمامة
الدكتورة / ناهدة محمد علي
لقد مر تأريخ المرأة العراقية السياسي والإجتماعي بطريق نضال طويل من أجل الحقوق الديمقراطية ، وقد تحدث عن هذا الكثير من عمالقة السياسة والإجتماع العراقيين ومنهم الدكتورة ( سعاد خيري ) .
لقد كان تطور المرأة العراقية منذ الخمسينات بخط بياني متصاعد رغم الإرهاب السياسي ، وقد أثبتت المرأة جدارتها في الكثير من المجالات الأدبية والعلمية والفنية  ، ومرت بسنوات من الحصار السياسي والإقتصادي عانت به المرأة والعائلة العراقية الكثير من الويلات لكنها بقيت مرفوعة الرأس ، ترفع اللافتات وتقود المظاهرات السلمية ، ولم تستطع سنوات الحصار الإقتصادي أن تلوي ذراع المرأة العراقية . وبعد أن إرتفعت صادرات النفط لتغطية هبوط الأسعار وإرتفعت أيضاً نداءات الديمقراطية وتطبيقاتها في المجتمع ، نكست المرأة العراقية رأسها وإلى ما تحت القدمين .
كان هناك في إحدى العشوائيات خارج مدينة بغداد مجموعة كبيرة من النساء الأرامل والمطلقات يعشن مع أطفالهن في مستوى ما دون خط الفقر وتقع صرائفهن قرب ( مكبات القمامة ) والتي تأتي من مدينة بغداد . يستيقظ هؤلاء النساء عند الخامسة فجراً ليتلقفن حاويات القمامة قبل حرقها ويتعرضن من خلال خروجهن فجراً إلى الكثير من المعاكسات والتحرش المصحوب بالعنف من قبل سائقي سيارات التاكسي والسكارى ولا ينقذهن سوى صراخهن وشهامة بعض الرجال . يقمن بحمل أطفالهن على الجزء الأيمن من ظهورهن والجزء الثاني لأكياس القمامة . يقمن بفصل محتويات ( الزبالة ) ويضعن العلب المعدنية في كيس وقطع القماش القديمة مع بقايا الأطعمة المتعفنة والخبز اليابس في كيس آخر ويقمن بإطعام أطفالهن من هذا الخبز . كان هذا هو مصدر رزقهن الوحيد حيث يأتي الوكيل بعد طلوع النهار ليشتري منهن القمامة .
أرجو أن لا يَعجب القاريء فالعراق الآن هو بلد العجائب حيث يقتات فقراء العراق على مزابل المدن في بلد مهما تعددت إلتزاماته العسكرية يُفترض أن يتبقى من مبيعات النفط الشهرية والتي تُعد بالمليارات ، أقول يجب أن يبقى منها الكثير للفقراء ، ولم يعد يتساءل الناس عن مصير موارد العراق فالكل يعلم أن هناك خلل كبير في تصريف هذه الموارد وكل من يأتي يفضح الذي قبله وهلم جرى .
إن أطفال هذه المناطق يعيشون على المياه الآسنة وبرك المياه ، يشربون منها وفيها يغتسلون ، ويصابون بالكثير من الأمراض الجلدية والمعوية ، فتسقط شعور رؤوسهم وتتقيح جلودهم .
كانت إحدى النساء تولول فوق أكياس القمامة ولا أحد يدري أتبكي زوجها القتيل أم حظها العاثر . أما بقيت النساء فكن يتساءلنا بغضب عن المسؤول عن أوضاعهن ولِمَ حُرمن من الرعاية الإجتماعية ومن الرواتب الزهيدة التي يُفترض أن تعطى لهن .
جاءت إليهن بعض القنوات الفضائية والتي صورت واجهات الفشل الحكومي لأغراض سياسية .
لم تكن هذه الظاهرة هي الوحيدة التي تُفجع المشاهد أو القاريء ، حيث أننا نلاحظ ما بين السطور تفسخ العلاقات الإجتماعية وتوضح السقوط الإجتماعي للعائلة العراقية حيث الكل يريد النفاذ بجلده ويطبق مقولة ( إذا جاءك الطوفان فضع ولدك تحت قدميك ) . فقد إبتعد عن هؤلاء النساء الأخوة وقطعوا صلتهم بهن وتزوج بعض أزواجهن من نساء أصغر سناً وبقي هؤلاء الأمهات هن الراعيات الوحيدات لأطفالهن ولمزابل المدينة بعد أن كانت راعية المجتمع العراقي .
لا يمكن أن نلقي اللوم على الإرهاب فقط وإنما نلقيه على الإنحدار السلوكي والإجتماعي للفرد العراقي ، فكل الوسائل أصبحت هنا مبررة للوصول إلى الدينار . فنحن نفرش سجادة الصلاة ثم نطويها لنرتشي أو لنقتل أو لنتجسس على جارنا لكي نسرقه أو نخطف إبن قريبنا الغني ، وأن نغتال زهرات المجتمع العراقي من أستاذات جامعيات وطبيبات وصيدلانيات ومهندسات وإعلاميات . لا تقولوا أنه الإرهاب الأجنبي ، بل هو إرهابنا نحن ، ونحن فقط الحاضنين للإرهاب ، وفي كل مدينة دخلها داعش كان فيها حاضنة قوية من أبناء المدينة ضناً منهم أنهم سيقلبون الموازين . ونحن من إستقدم الإرهاب لفرقتنا ونحن من غذاه . وكل ما بقينا لا نسمع للآخر ، وكلما إمتدت يد المدير أو الوزير أو القاضي أو المحامي وأستاذ الجامعة والمدرسة للرشوة بقيت فوهات البراكين الإجتماعية تبعث حممها يميناً ويساراً ، وبقيت كرامة الفرد العراقي وبضمنها المرأة والطفل بين أكياس المزابل .


7
لماذا نقتل أطفالنا
الدكتورة / ناهدة محمد علي

للجواب على هذا السؤال نحتاج إلى فرز حقائق كثيرة مر بها العرب والمسلمون بشكل عام وإنتهت بأن يقفز العربي والمسلم من مرحلة الطفولة إلى الرجولة أو الأنوثة ويصبح فرداً بالغاً تُطبق عليه قوانين الكبار وتُرفع عنه حقوق عدة منها حق الرعاية وحق الحماية وحق إحتواء الدولة والمجتمع له وقيادته نحو الطريق الأسلم وتأهيله للدور الأمثل للمجتمع وإذا أخطأ فله حق التسامح والتربية والإرشاد وتصفيته من الشوائب التي علقت بشخصيته والتي تعود أسبابها لأخطاء عائلية أو مجتمعية .
إن قلة الخبرة والوعي الإجتماعي قد تدفع بالطفل إلى أخطاء صغيرة وأحياناً كبيرة ، وبتوسع العمليات المعرفية والقدرة على الإدراك والفهم والتحليل والإستنتاج تصبح إحتمالية الخطأ أقل وتصبح ردود الأفعال السريعة والتلقائية أقل بكثير وبهذا تقل إحتمالية الأخطاء في السلوك وإحتمالية تقدير النتائج .
تضع الدول المتحضرة الأطفال السلبيين أو الذين يمارسون السلوكيات الخاطئة في مؤسسات التصحيح السلوكي وتحيطهم بالرعاية الكاملة والحس الإنساني لمخلوقات تنقصها التجربة والخبرة والنظرة الواضحة والسليمة للأمور .
إن ما نلاحظه اليوم من زج الأطفال في الجيوش النظامية وغير النظامية وفي جيوش الحركات السياسية والإرهابية ، وهم منتشرون في الكثير من الفرق المسلحة في سن الرابعة عشر أو السادسة عشر في سوريا والعراق والصومال واليمن وأفغانستان وإيران ومن يحاول الهرب منهم من فوهات البراكين يجد نفسه غارقاً على السواحل الأفريقية والليبية والتركية ويتعرض الكثير منهم للإستغلال والإتجار في البشر ، ويبحر الكثير مهنم بدون عوائلهم مما يعرضهم إلى أبشع أنواع الإستغلال ومنها الإستغلال الجنسي ، وقد يُعرضون للبيع كعبيد وخدم أو كأعضاء فاعلين في تجارة الجنس أو قد تتلقفهم الحركات الإرهابية كأرخص المقاتلين وأكثرهم طاعة .
إن جرائم الأطفال في كثير من الدول العربية والإسلامية توضع في حيز جرائم الكبار وتجد لها نفس العقوبة ، حيث تُمارس عقوبة الإعدام على أطفال إرتكبوا جرائم القتل وكثير من الأحيان يُستحصل إعترافهم بعد التعذيب والتهديد . لقد أعدمت إيران طفلاً في الخامسة عشر سنة ٢٠١٣ وقد بقي قبل ذلك سجيناً لفترة وعوقب  لقتله طفل أصغر منه . وقد ذكرت المديرة الإقليمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمنظمة العفو الدولية ( ماجدلينا مغربي ) إن هذا رابع طفل يُعدم هذا العام في إيران ، وتعتبر إيران من الدول القليلة التي تنفذ حكم الإعدام بالأحداث ، وقد ذكرت منظمة العفو الدولية بأن عدد أحكام الإعدام  للأطفال حتى ٢٠١٧ قد بلغ ٨٩ حالة مِن مَن تقل أعمارهم عن الثامنة عشر في إيران .
ذات يوم عرض التلفزيون العراقي بعض الأحداث الذين جندهم داعش في الموصل ، كان أحدهم واقفاً أمام أحد الضباط العسكريين معصوب العينين ومكتوف اليدين إلى الخلف ، كان بعمر يقرب من الرابعة عشر ، يقف مرعوباً وهو يجيب على أسئلة القاضي العسكري وكان منظراً محزناً ، فمن المؤكد أن هذا الحدث قد تعرض لضغوط وإرهاق شديد ، وقد أظهر الإعلام العراقي الكثير من الأحداث الهاربين من قبضة داعش وهم يشكون وحشية داعش وإرهابه لهم وتخويفهم بقتلهم وقتل عوائلهم إذا لم ينخرطوا في صفوفهم . لذا يجب أن يعامل مثل هؤلاء الأحداث بالكثير من التفهم والإنسانية ووضعهم في دائرة الإصلاح الإجتماعي .
لا يشمل هذا الوضع كل الدول الإسلامية ، وهناك دول مثل ماليزيا قد ضربت المثل الأعلى في رعاية الطفولة ورعاية الطلاب ، فقد حاربت عمالة الأطفال وعملت المستحيل لتقليل تسرب الأطفال من مدارسهم وتقديم مُنح مادية للعوائل الفقيرة حتى لا تضطر لتشغيل أطفالها ، كما أقامت نظام تعليمي وتربوي ممنهج علمياً ويقدم الكثير من الرعاية التربوية والنفسية للأطفال .
إن تقديم الإحتواء المجتمعي للطفل سيقابل في المستقبل بإحتواء الفرد البالغ لمجتمعه وتقديم الإحساس بالأمان والرعاية الإنسانية للمجتمع  لاحقاً ، حيث أن ما نزرعه نحصده ، وإن جعلنا زرعنا هشيماً فنحن فقط الملومون .



8
المنبر الحر / الولاية لمن ؟!
« في: 18:24 10/08/2017  »

الولاية لمن ؟!
الدكتورة / ناهدة محمد علي
في دراسة أجرتها حديثاً منظمة الأمم المتحدة حول مكانة المرأة في الدول العربية وعن قناعة الرأي العام بفكرة المساواة بين الرجل والمرأة وأحقية الرجل في الولاية .
إنما تروج له الصحافة العربية عن التطور الحاصل لموقع المرأة في المجتمع العربي يبدو محض هراء ، والأغرب من هذا أن غالبية النساء العربيات لا زلن مقتنعات بأحقية الولاية للرجل وأن الدور الأساسي للمرأة هو رعاية الشؤون المنزلية وأن للرجل حق معلوم في ضرب زوجته .
أُجريت الدراسة على أربع دول عربية وهي المغرب ومصر ولبنان والأراضي الفلسطينية . وأجرت منظمة الأمم المتحدة بالتعاون مع منظمة ( بروموندو ) إستطلاع عام 2016 على هذه الدول الأربع وهو الأول من نوعه والذي يُلقي نظرة موثقة على وجهة نظر الرجل العربي لدوره كرجل وقناعته بفكرة المساواة ، وقد مر الإستطلاع على الفئات العمرية ما بين 18 - 59 وقد تبين من خلال هذا الإستطلاع بأن قناعة الكثير من الرجال في هذه الدول هو أن المرأة قد خُلقت لرعاية المنزل ، أما قناعة الكثير من النساء في تلك المناطق فكانت مشابهة لقناعة الرجل .
آمن 86,8 ٪ من الرجال في مصر ، 71,5 في المغرب ، 80 % في الأراضي الفلسطينية بفكرة أن وظيفة المرأة الأساسية هي رعاية المنزل والطبخ  ، كما آمن النساء بنفس الفكرة 76,7 ٪ في مصر ، 71,5٪ في المغرب . وقد آمن بفكرة إستحقاق المرأة للضرب أحياناً 53,4% من الرجال في مصر ، 38,2٪  من الرجال في المغرب 3% في لبنان 34٪ في الأراضي الفلسطينية . أما من النساء فقد آمن 32,8٪ منهن في مصر 20,6٪ في المغرب 5٪ في لبنان 36 ٪ في الأراضي الفلسطينية بفكرة إستحقاق المرأة للضرب .
أما عن فكرة أحقية الرجل بالولاية فقد آمن بها77,9 ٪ من الرجال في مصر ،76,8٪ من الرجال في المغرب ، 35٪ في لبنان ، 82٪ في الأراضي الفلسطينية . أما من النساء فقد آمن بفكرة الولاية للرجل79,1٪ من النساء في مصر ، 56,4 ٪ من النساء في المغرب ، أما في لبنان 45٪ من النساء ، 64٪ في الأراضي الفلسطينية .
لقد تبين من خلال الإستطلاع في المناطق الأربعة أن40٪ من الرجال ممارسون العنف ضد المرأة متعكزين على فكرة ( القوامة ) وحتى في المجتمعات الليبرالية مثل المغرب . ومن الغريب في الأمر أن الدراسة قد بينت أن87٪ من الرجال المصريين وأكثر من نصف النساء يؤيدن ختان الإناث ، كما أكد أكثر من نصف الرجال والنساء بأن المرأة يجب أن تتزوج من مغتصبها .
لم أشأ إضاعة القاريء بالكثير من الأرقام والإحصائيات لكنه في الدراسات الإجتماعية لا يصدُق شيء مثل الرقم والصورة ، ولم أفاجأ أنا بهذه الأرقام ،  إذ أن ما يقوله الإعلام السياسي شيء وحقيقة الأمور في مجتمعنا العربي شيء آخر . وقد لا حظنا تراجع المستوى الإقتصادي والمعيشي للدول المعنية بهذه الدراسة وقد نزل إلى قعر المجتمعات التطور التكنولوجي والمعرفي ، ولا غرابة في أن يطفو على السطح أجزاء من العرف الإجتماعي البالي ممزوجة بالكثير من الخرافات وفكرة النقاء الأمثل للمرأة بولاية الرجل أحياناً وختان الإناث أحياناً والعنف الأسري أحياناً أخرى .
إن المرأة العربية هي إسفنجة المجتمع تمتص كل الإحباط السياسي والإقتصادى للرجل ، كما أنها تمتص مشاكل الطفولة والقهر والعوز الذي يعانيه الطفل العربي ، وكانت معارك مدينة الموصل المثال الأوضح لما تعانيه المرأة العربية ، فهي ما بين الإرهاب السياسي لداعش والإرهاب العشائري لإتهامها بجرائم الشرف وإرهاب الأزواج العاطلين والذين يعانون من النكوص السياسي والإقتصادي والإجتماعي . والرجل هنا حين لا يستطيع أن يرفع يده فوق السلطة أو فوق التطرف الإرهابي أو فوق الجوع والإذلال يستطيع حتماً أن يرفع يده فوق هامة زوجته مؤكداً رجولته .
إن ثورات التحرير العربية والتي جاءت  بمفاهيم تحرير المرأة والرجل على حد سواء قد عانت هي أيضاً من النكوص السياسي وإبتدع السياسيون مطاليب جديدة شُرعنت بالدين مرة وبالتراث والتأريخ مرة أخرى ، لكنهم إستلبوا الإثنين معاً وإبتلعوا القشور وأجبروا الناس جميعاً على إبتلاعها ، فلا غرابة أن نرى دولة مثل مصر أو لبنان أو المغرب أن يتراجع فيها الفكر الإجتماعي ، فمشكلة المرأة العربية وحلولها هي النقطة الفاصلة ما بين الحضارة والتخلف .

9
الجذور التحتية للقاعدة وداعش
الدكتورة / ناهدة محمد علي
قد يتساءل البعض منا عن سبب معاناتنا لوجود الحركات الإرهابية والتي هي سلسلة متصلة كفوهات براكين ما أن تخمد إحداها حتى تشتعل الأخرى ، والجواب هو حتماً لدى  الباحثين في مجالات الإقتصاد وعلم الإجتماع وعلوم الدين .
قد تتواجد لدى بعض الأمم حركات إرهابية دينية متطرفة أو عنصرية متطرفة كما حدث في أمريكا وبعض الدول الأوربية لكنها لا تجد الأجواء المناخية الملائمة للإرهاب وسرعان ما تخمد ، وذلك لرفض الدولة والمجتمع لها وبسبب النمو الإقتصادي السريع والمتوازن والذي يحتوي الكثير من العاطلين وما عدا ذلك فالدولة تقدم المساندة والرعاية الإجتماعية ، مع إرتفاع الوعي السياسي والمستوى التعليمي والثقافي ومنح الحرية الكافية للأديان وشعائرها وإحترام الرأي الآخر .
إن إنتشار الفساد الإقتصادي والإداري في الدول العربية ، وتدني مستوى الفقر إلى حدود المجاعة في البعض منها رغم غناها بالموارد والمعادن قد أدى إلى إحتباس الغضب الشعبي لدى أفراد المجتمع خاصة الشباب منهم وإلى محاولتهم لإيجاد البديل ولا بديل بسبب إنتشار البطالة إلا باللجوء إلى موارد وطرق غير مشروعة ومنها الإنخراط بفصائل إلإرهاب .
لا تشكو البيئة العربية من قلة المصادر أو الخامات لكنها تُصدَر سريعاً كما هي وبدون أن تمر بجيوب أفراد المجتمع . يدعم هذا الخلل  المستوى التعليمي لأفراد المجتمع العربي ونوعية هذا التعليم ، فقد إبتعد التعليم العام في الدول العربية عن الجودة النوعية في مضمون المواد الدراسية ومناهجها وأساليبها حتى يتخرج الشاب العربي وهو حافظ للكثير من المواد والكثير من النظريات التي أصبحت مجرد تأريخ لدى الشعوب المتحضرة . وبالتالي لا يقدم هذا الشاب لمجتمعه شيئاً ولا يؤخر ولا تؤثر فاعلية هؤلاء الشباب في الإقتصاد العربي ، ولا تُطور المستوى التكنولوجي في الصناعة المحلية . وتنتشر هنا محدودية الفكر للمجتمع العربي بشكل عام ويظهر في الآفاق ضيق الأفق ويتحول الدين إلى مذاهب وشيع وشيوخ تقسم المذهب الواحد إلى مذاهب متفرعة وتتحول الفرق الدينة إلى أحزاب سياسية كل يبحث عن الحكم بمفرده جاعلاً من نفسه الأفضل والأصلح ، وقد يشتشرس البعض منهم فيستحل دم الآخر وتكون النتيجة أن يفقد المجتمع قيمه ويصبح حتى غير المنتمين لهذه الأحزاب هم منتمين لمصاحهم ومع تكسر القيم يصبح كل شيء ممكن وكل شيء جائز ، ويصبح الكسب مشروعاً حتى وإن كان غير مشروع ، وتنتشر أنواع من التجارة لم يعرفها المجتمع العربي من قبل كتجارة العملة وتجارة السلاح والمخدرات وتجارة الأعضاء وأخيراً تجارة الجسد .
وعلى هذا لا يجب أن نفرح حينما تُهزم إحدى المنظمات الإرهابية لأن جذورها ستلد المزيد ، وسيخرج من بين أفواج الشباب العاطلين في العراق وسوريا وليبيا ومصر واليمن ولبنان الآلاف من الوحوش الإنسانية التي تعتقد بأنها ستعدل كفة الميزان المعوج وبطريقتهم أي بالتقويض لا البناء إذ أن البناء هو نتيجة حتمية وبوتقة ينصهر فيها العلم والمحبة والإيمان بالمستقبل والعطاء وهذا هو ما ليس في برنامج الإرهاب .
إن النقاط السوداء في إقتصاد الدول العربية وبعض الدول الإسلامية قد أدت إلى إنخفاض حاد في مستوى المعيشة إلى دون مستوى خط الفقر للكثير من أفراد الشعب . ويعتبر الفقر والبطالة مع إنخفاض المستوى التعليمي والوعي المجتمعي من أكثر الموردين للإرهاب .
هناك دلائل إحصائية على تدني المستوى المعيشي في البؤر التي يتواجد فيها الإرهاب . ففي تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة عام ٢٠١٥وكتاب ( حقائق العالم ) الصادر سنوياً عن وكالة الإستخبارات الأمريكية ، يتبين بوضوح مستوى الفقر الذي وصلت إليه الدول العربية ، مثل الصومال ٧٣٪ من السكان دون مستوى خط الفقر ، وفي اليمن ٥٤٪ من السكان دون مستوى خط الفقر ، السودان ٤٦٪ ، موريتانيا ٤٢٪ ، سوريا ٣٥،٢ ٪ ، ليبيا ثلث السكان دون مستوى خط الفقر ، لبنان ٢٨،٦٪ ، مصر ٢٥،٢٪ ، العراق أكثر من ٢٥٪ ، الجزائر ٢٣٪ ، المغرب ١٥٪ ، تونس ١٣٪ ، الأردن ١٤،٤٪ ، البحرين ١٢٪ .
ومن تقرير التنمية المستدامة للأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، ٢٠١٠ - ٢٠١٢ يتبين مستوى الفقر UNDP
الذي وصل إليه المجتمع في اليمن والعراق وسوريا ، وبعد خمس سنوات من الحرب الأهلية في سوريا  أصبح ٨٠٪ من سكان سوريا  تحت خط الفقر . وبعد إحتلال العراق بعشر سنوات وحسب إحصاءات البنك الدولي يتبين بأن أكثر من  ٢٨٪ من الأسر العراقية تحت خط الفقر بسبب النزوح الجماعي وإنخفاض أسعار النفط وإرتفاع مستوى البطالة . أما إرتفاع مستوى الفقر في اليمن فقد قفز من ٤٢٪ سنة ٢٠٠٩ إلى ٥٤٪ عام ٢٠١٢ ، وأعلنت حالياً في بعض المناطق من اليمن وخاصة في مناطق القتال المجاعة الحادة حيث تعيش الكثير من الأسر اليمنية على أقل من دولار في اليوم الواحد ويعيش الكثير منها على التسول ، ويعاني أكثر من نصف مليون طفل من سوء التغذية وبنسبة ٢٠٠٪ منذ عام ٢٠١٤ الأمر الذي يُنذر بوقوع مجاعة عامة بالبلاد ، ويتم تجنيد الأطفال الذكور وتزويج الفتيات الصغيرات قبل بلوغ سن ١٨ ، وبلغت نسبتهن حوالي الثلثين مقابل ٥٠٪ في مرحلة ما قبل الصراع المسلح   . ومما يجدر ذكره  بأن هناك ١٥ مليون يمني بدون رعاية صحية ، وقد توقفت المؤسسة التعليمية عن تقديم خدماتها ، وأستُخدمت معظم المدارس  كمأوى للأسر النازحة . أي أن هناك إنهيار كامل للبنى التحتية والفوقية . وينطبق هذا الوضع في كل بؤر الصراع في العراق وسوريا وليبيا .
 أما مصر فقد زادت نسبة البطالة وإنخفض عدد السياح وإنخفضت إحتياطيات العملات الأجنبية وأصبح الجنيه ضعيفاً وأصبح حوالي ٢٦٪ من ٩٠ مليون نسمة تحت خط الفقر . وتفاقم الفقر في تونس حتى عم سدس سكانها ، وتعتبر تونس واحدة من أكبر الدول الموردة للمقاتلين لداعش ، وحسب تصريحات القادة التونسيين هناك ترابط أكيد ما بين الفقر والإرهاب . أما في فلسطين فبسبب البطالة يرتفع مستوى الفقر ويضطر بعض العمال للعمل في الأراضي المحتلة ، أما في غزة فالوضع أسوأ من الضفة الغربية .
إن من الواضح أن هناك إرتباط حقيقي ما بين مستوى الفقر والبطالة وتهدم البنى التحتية وبين مستوى بؤر الإرهاب ، حيث يُصعِد مستوى الفقر مستوى التأزم النفسي والأخلاقي ويرفع من مستوى الغضب الشعبي الذي يُعبَر عنه بأشكال مختلفة قد تكون إيجابية أو سلبية ، الإيجابية منها هي تشكيل الأحزاب السياسية الحرة والديمقراطية والصحافة الحرة ، والسلبية منها تتشكل بشكل قنوات إرهابية أو عصابات منظمة أو غير منظمة ، وقد ينتشر الفساد المالي والإداري ويحاول هنا أعضاء االطاقم الحكومي أن يكسبوا كسباً غير مشروع لرفع مستواهم الإقتصادي على حساب الفرد العادي وهو تخريب آخر للوضع الإقتصادي للمجتمع . ونلاحظ هنا بأن الموارد الإقتصادية لم تعد توظف لصالح أفراد الشعب بل لدوران المنظومة العسكرية لإبقاء السلطات في مواقعها . وهنا يصبح الإرهاب سبب ونتيجة لمستويات الفقر الحالية في الدول العربية ، لكن أساس المشكلة وبداياتها هو في سوء إستثمار وتخطيط الوضع الإقتصادي وبناء البنى التحتية وما يتبعها من رفع للمستوى التعليمي والصحي .
لا يجب أن يفرحنا إندحار القاعدة أو داعش لأن جذور الإرهاب وحواضنه لا زالت موجودة وينتظر المجتمع العربي أن يتغير الفكر الإقتصادي والسياسي للسلطات العربية فبدل القمع السياسي يأتي قبول الآخر ، وبدل الإضطهاد الديني تأتي الحرية المطلقة بإختيار الدين والمذهب ، وأن يختفي من أجندة القادة العرب لصوص المليارات والتي فيها يختفي رغيف الخبز للكثير من العوائل العربية .


10
المنبر الحر / أمهات الدواعش
« في: 17:39 04/04/2017  »


أمهات الدواعش
الدكتورة / ناهدة محمد علي
لم يولد الدواعش من بطون النيازك الساقطة لكنهم ولدوا من أمهات عربيات أو مسلمات وهن كأي أم عربية تتميز بالسخاء والطيب وسوء الطالع ، فهن معنفات منذ صغرهن ووقعن كلهن ما بين المجتمع الظالم وسوء الأحوال المعيشية وكثرة الولادات . لا أجرؤ أن أقول أن أي أم منهن قد علمت وليدها منذ الصغر كيف يقتل صاحبه وأخيه وكيف يحرق مدرسته ، وكيف يجعل من نفسه ملكاً بلا تاج لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ، بل أكاد أسمع أنينها حين يمرض ولدها وحين يضربها زوجها وحين لا تجد ما تشتري به كسوة العيد لأولادها .
جرت مقابلة لأم أردنية وهي أم لداعشي قام بتفجير إنتحاري في الأردن وقُتل فيه . كانت خائفة ممن يسألها وبم يسألها وعن ماذا يسألها ، تنظر بعيون جاحظة ووجه سُلبت منه الدماء . سألها المقابل كيف أصبح إبنك داعشياً ، قالت : لم أشعر بعلاقاته المريبة ، كان يأكل معنا وينام معنا لكنه كان يخرج كثيراً ، كنت ألاحظ أنه قد أصبح قاسياً في سلوكه مع إخوته ويعلو صوته في أرجاء البيت ، وكنت أعتقد أن تصرفه كان بسبب بطالته ، نحن فقراء لكني لم أبخل عليه يوماً بما عندي . سألها المقابل هل أقمت له العزاء ، قالت : كلا ومنعت أهلي من ذلك ، قال لها هل تدعين له بالمغفرة ، قالت : كلا بل أدعو عليه لأنه لم يفكر بنا وبأهل بلده .
كنت أعلم أن ليس هناك أماً في الأرض تدعو على ولدها القتيل حتى ولو كان قاتلاً ، لذا فالمرأة كانت تكذب لتدفع عنها وعن عائلتها غضب المجتمع ، فهي ما بين خسارة وخسارة .
قال أحدهم كنت طالباً في كلية الحقوق ! ، إعتقلني النظام وبعد أن خرجت قررت أن أحمل السلاح لأقتل القتلة ، وكان الضحية شعبي .
كان أحد الضباط العراقيين الذي أحيل على التقاعد بعد الإحتلال ٢٠٠٣ وجد نفسه بين يوم وليلة بلا رتبة ولا سلاح ولا مرتب شهري يُقيت منه أولاده ، أحس هذا الرجل بالظلم بقسوة الوطن عليه وعلى عائلته فقرر أن يعدل الميزان ، فإنخرط في التنظيم وقد أقنع نفسه بأنه خارج عن القانون  في كل الأحوال وليس هناك من طريق آخر لإعادة الحق إلى نصابه . وحينما أعطي سكيناً أحس بثقلها وبعد سنة إمتلأت جيوبه بالسكاكين ولم يشعر بعدها بثقلها أو ثقل الرؤوس التي قطعها .
مات كل هؤلاء بيوم واحد ، وظل صوت أم عربية يئن في سكون الليل وهي تهدهد فوق مهد فارغ وتندب حظها العاثر وتقول :
( ردتك إلي صايه ، ردتك إلي عون ) ثم تجيبها أم أخرى من مكان بعيد وتقول ( دللول يلولد يبني دللول ، عدوك ذليل وساكن الجول ) . ولم يذكر هؤلاء الأمهات سوى أول سن ينبت ، وأول خطوة ، وأول كلمة ينطقها . لم يستطعن أن يَرين أيدي أولادهن وهي ملطخة بالدماء ، أو وجوه أولادهن وهي جامدة حينما تسمع عويل الأمهات وصراخ الأطفال . ولم يعلمن بأن أولادهن قد جعلوا من أنفسهم آلهة وصنعوا لهم جحيماً خاصاً بهم يرمون به كثيراً من الناس وكثيراً من تراب الأرض المنقوع بالدم .

11
واقع المرأة العربية المعاصرة

الدكتورة / ناهدة محمد علي

تتميز المرأة العربية المعاصرة بتباين موقعها حسب واقعها الإجتماعي ، ويتباين أيضاً مستوى الوعي الإجتماعي لديها في التصدي للظلم  .
إن الواقع التأريخي لنضال المرأة لإستحصال حقوقها الديمقراطية يمتد عبر سنوات طويلة  وبالتحديد في ٢٨ / شباط / ١٩٠٩ في نيويورك حيث أقيم إحتفال بذكرى إضراب ١٩٠٨ لإتحاد السيدات الدوليات . وقد خرج في هذا الإحتفال  ١٥ ألف إمرأة بينهن مهاجرات للمطالبة بحقوقهن الإجتماعية والسياسية .
 لقد تبنت الأمم المتحدة في ١٩٧٧ الإحتفال بيوم ٨ / آذار كيوم عالمي للمرأة ، وقد رُفع في كل سنة شعار لأجل إسناد حقوق المرأة ، وكان الشعار المرفوع لسنة  ٢٠١٧ ( كوني جريئة من أجل التغيير ) . وقد أعتبر بعد ذلك عطلة رسمية في دول مثل أفغانستان حالياً ، منغوليا ، كمبوديا ، فيتنام ، زامبيا وفي الصين ومدغشقر ونيبال .
إن المظاهر الإحتفالية قد عمت الكثير من الدول ، فلقد خرجت في استراليا مثلاً في هذه السنة مظاهرات في عدة مدن للمطالبة بالمساواة بالأجور خاصة للعاملات في دور الحضانة ، وإنطلقت أيضاً في لبنان مظاهرات نسائية للمطالبة بالحقوق السياسية والإجتماعية ، وفي الصين يعتبر يوم ٨ / آذار يوم إجازة رسمية للنساء ، أما في اليابان إنطلقت بعض المظاهرات النسائية التي تطالب بالمساواة في الإجور ، أما في آيسلندا فلقد قامت هذه الدولة بإجبار الشركات على دفع إجور متساوية للعمال بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الجنسية ، وفي الهند حيث ترتفع معدلات العنف وحالات الإغتصاب شاركت ٣٠ منظمة نسائية في الدعوة لإنتزاع الحقوق للمرأة ، وقد شهدت أندنوسيا مظاهرات لنساء يرتدين ملابس ملطخة باللون الأحمر لتوعية المجتمع بمخاطر العنف الأسري والإغتصاب .
هذه نبذة سريعة عن المظاهر النضالية للمرأة قديماً حتى الوقت الحالي .
إن أنواع من الظلم الإجتماعي والإقتصادي قد وقع على كاهل الرجل كما هو على كاهل المرأة . لكن المرأة قد عانت واقع التهميش والنظرة الدونية وهي مهمشة فكرياً ومستغلة جسدياً ، فهي تعاني من الإقصاء بسبب التطرف الديني ومن تجارة البشر وتتراكم الكثير من الجرائم الفردية والمجتمعية فوق كاهلها ، وقد تدخل هي أيضاً في حيز الجرائم الإرهابية مُرغمة أو مقتنعة بسبب التشويه الحاصل في الفكر العقائدي .
تتعرض المرأة أيضاً للعنف الأسري علاوة على العنف المجتمعي وكثيراً ما يكون المُعَنِف هو الزوج أو أحد الأقارب ، وهذه هي إحدى حلقات العنف الإجتماعي الذي يتفجر للأسباب نفسها والتي هي ما بين التخلف الإقتصادي والإجتماعي وإرتفاع نسبة الأمية بشكل عام وأمية النساء بشكل خاص . وهناك ظواهر عديدة لهذا العنف منها الإعاقة البدنية والنفسية ، المنع من العمل أو السفر ، ختان الإناث ، الزواج المبكر ، الولادات المبكرة للأمهات القاصرات ، وإرتفاع نسبة البطالة بين النساء ، فهى حسب تقرير ( الأسكوا ) والتي هي اللجنة الإقتصادية الإجتماعية التابعة للأمم المتحدة لمنطقة غرب آسيا ومن بينها ١٣ دولة عربية ، أن في ٢٠١٣ تبلغ نسبة البطالة بين النساء ٤٠٪ من مجموع العاطلين في بعض الدول العربية . فمثلاً في السعودية تنتشر البطالة بين النساء وخاصة بين حاملات الشهادة الجامعية ، وفي مصر حسب بيانات منظمة العمل الدولية تبلغ نسبة البطالة بين النساء أربعة أضعاف البطالة بين الرجال ، وتتراوح أسباب البطالة ما بين الأسباب الإجتماعية والثقافية والإقتصادية والنزاعات والحروب .
تبلغ نسبة الأمية بين النساء البالغات في الدول العربية حوالي  ٣٦،٥٪ في ٢٠٠٩ ، بينما تبلغ أمية الذكور ٢٧،٣٪ ، وفي دولة مثل اليمن تبلغ نسبة أمية النساء فيها ٦٥٪ .
إن العنف الأسري يحاصر تطور المرأة في الدول العربية ، وتشير بعض الإحصائيات إلى أن ٥٢٪ من الفلسطينيات يعانين من العنف الأسري ، و٤٧٪ من الأردنيات ، ٣٠٪ من الأمريكيات ، و ٩٥٪ من ضحايا العنف في فرنسا هم من النساء ، و ٨ من ١٠ من ضحايا العنف في الهند هم من النساء .
إن مشكلة الأمية والبطالة والعنف الأسري هي من أقسى الكوارث الإجتماعية التي تصيب المرأة والتي منعتها لأجيال كثيرة من التطور الذي تطمح به الكثير من الرائدات في مجالات الثقافة والفنون والأدب رغم بروز العديد من النماذج المتفوقة والطموحة من رائدات الثقافة العربية  ، إلا أنهن لم يكنَ قاعدة بل إستثناء .
إن المشاركات السياسية للمرأة في العالم والعالم العربي ليست بمستوى الطموح ، فقد ظهرت أول وزيرة في العراق في نهاية الخمسينات ، ويتواجد الآن في العراق نساء يشغلن مناصب وزارية وبرلمانية ، لكنها لا توازي المشاركات الذكورية في العملية السياسية ، فحسب تقارير الإتحاد البرلماني العالمي أن النساء يشكلن في العالم العربي ١٧٪ من أعضاء المجالس النيابية ولا تزال المشاركة ضعيفة في برلمانات العالم ، حيث يشكلن ٢٣٪ من البرلمانيين ، وكدليل على إستلاب المرأة وإعاقة إستحصالها لحقوقها لم تستطع البلغارية ( إيرينا بوكوفا ) أن تنجح في الفوز بمنصب الأمين العام للأمم المتحدة ، وهي منذ ٢٠٠٩ تشغل منصب رئيس منظمة ( اليونيسكو ) ، كما ترشحت رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة ( هيلين كلارك ) ولم تستطع الفوز بهذا المنصب . وقد ترشح أيضاً  أخريات لم يستطعن منافسة الرجال  .
ساهمت المرأة العربية في ثورات الربيع العربي وخاصة في المظاهرات والإعتصامات لكنها لم تجني ثمار نضالها بعد ، لقد  حددت منظمة الأمم المتحدة عام ٢٠٣٠ عاماً  لمناصفة كوكب الأرض ما بين الجنسين وهي مهمة تبدو صعبة للغاية وتحتاج إلى الكثير من الجهود للقضاء على أنواع من الإستغلال  والتمييز والعنف . ومن الملاحظ أن دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية قد تراجعت في العقدين الماضيين وأصبحت في المركز ٥٢ عالمياً فيما يخص تمثيل المرأة في الحكومة ، فكيف بنا نحن دول العالم الثالث أو ما يسمى بالدول النامية .
سألقي الضوء هنا على بعض أحوال المرأة العربية الحالية .
يقول مساعد الأمين العام للأمم المتحدة ( كيفن كندي ) بأن هناك ٧ ملايين إمرأة سورية متضررة من النزاع والحرب في سوريا يقمن بإعالة أسرهن لكنهن يتعرضن للعنف ويحتجن للمساعدة ، أما الناشطة السعودية الدكتورة ( هيفاء الحبالي ) فتقول نحن نطالب بقوانين لمكافحة التحرش بألمرأة والطفل والحصول على الحق في قيادة السيارة والسفر بدون إذن الزوج ، وترى هذه الناشطة بأن ( الولاية ) هي القدرة على الإنفاق ، وتضيف كيف لي وأنا إمرأة عاملة وأنفق على بيتي أن يكون ولي أمري إبني المراهق . أما الناشطة المصرية ( سحر الموجي ) فتقول إن مشكلة المرأة لا تنفصل عن مشكلة الرجل الذي يعاني من غياب الحريات والقمع والصعوبات الإقتصادية . أما الناشطة السورية الكندية ( عفراء جلبي ) فتقول أن الأزمة السورية جعلت المرأة عرضة للإختفاء القسري والقتل والتهجير ، وتضيف لا يزال الوعي الفكري والديني والثقافي في المنطقة ضحلاً لا يتغير وأن التوجه الإقصائي نحو المرأة لا زال موجوداً .
أما في العراق فتؤكد الناشطة النسوية ( هناء أدور ) سكرتيرة جمعية الأمل على أن إزدياد حالات الطلاق في العراق والتي أصبحت منذ ٢٠٠٣ إلى ٢٠١٦ ( ٦٢٥ ) ألف حالة طلاق يعود سببها إلى فقدان الإستقلال الإقتصادي والإجتماعي ، وأضافت بأن نظرة المجتمع إلى المطلقات هي نظرة دونية . وصرحت أستاذة علم الإجتماع الدكتورة ( فوزية العطية ) إن الثمن الذي تدفعه المرأة يتضاعف بإنتشار القانون العشائري في المحافظات على حساب المدنية . وأضافت العطية من أهم أسباب إنتشار الطلاق هو الزواج المبكر مع الأوضاع الإقتصادية المتردية ، فيقوم الأهالي بتزويج بناتهم للتخلص من أعباء المعيشة ، وليس للطرفين وعي بمسؤولية الزواج . وتلعب أيضاً وسائل الإتصال الإجتماعي دوراً في بث الأُفكار غير المنطقية عن الزواج ، ومن الممكن أن تسبب رسالة على الهاتف أو على وسائل التواصل الإجتماعي الطلاق أو القتل . ويبدو أن ٧٠٪ من دعاوى الطلاق ترفعها المرأة . وقد توافق المحاكم على الطلاق في حالات العنف العائلي أو محكومية الزوج أو إنضمامه إلى الحركات الإرهابية . وتؤكد الأستاذة ( أدور ) على أن العنف الإجتماعي قد بدأ منذ السبعينات . وأجمعت أدور والعطية على أن مقياس تطور أي مجتمع هو دور المرأة فيه والقوانين التي تحمي حقوقها ، لكن غياب سلطة القانون يفسح المجال لسلطة العشيرة ومدعي الدين .
إن مشاكل المرأة العراقية قد أصبحت متسعة بإتساع رقعة العراق ، ففي الجنوب تنتشر الأمراض الإجتماعية وتسود المشاكل الإقتصادية التي تجعل العائلة العراقية تدور في دائرة الفقر والأمراض الإجتماعية والبيئية ، ويلعب التصحر والتغير في المناخ في خلق بيئة غير صحية للأم والطفل ، أما في الوسط الذي إستقبل الآلاف من المهجرات تنتشر ظواهر التسول والجريمة والإحتيال والنصب ، ويبحث الكثير من هؤلاء المهجرات عن العمل الشريف فلا يجدن أمامهن سوى التسول أو الخدمة في البيوت . أما شمال العراق حيث تستعر مشكلة النازحات من مدينة الموصل والرمادي  واللاجئات والسبايا اللواتي تمتلأ الملاجيء بهن وبأطفالهن ويتعرض الكثير منهن للعنف وللأمراض الجسدية والنفسية ، وهناك حالات كثيرة من النساء وصلن  إلى مصاف الجنون أو الإنتحار ، وقد عانى الكثير من العراقيات مسلمات ومسيحيات وأيزيديات وصابئيات من حالات الإعتداء الجسدي والجنسي من قوى الإرهاب والإرهابيين ، وأصبح البعض منهن سبايا تحت سقف داعش ، وباعهن البعض إلى البعض الآخر بثمن بخس . ولم تسلم المرأة العراقية بكل أديانها وطوائفها من قبضة الإرهاب .
أخيراً إن القمع الذكوري للمرأة هو ظاهرة عالمية ، وتساهم المرأة نفسها أحياناً بترويج هذه الظاهرة ، وأعجبني ما قالته النائبة الكردية ( ريزان مصطفى ) وهي عضوة لجنة المرأة والأسرة والطفولة النيابية ( إن المرأة العراقية تواجه تحديات أمنية ومشاكل وعراقيل تمنع تقدمها السياسي ) . وقالت أيضاً الدكتورة ( جمان هردي ) وهي باحثة في قضايا المرأة ورئيسة قسم اللغة الإنكليزية في الجامعة الأمريكية في السليمانية ( إن المرأة تتبنى رؤية قامعها وتتحول إلى وكيلة للنظام الأبوي وتقوم بضبط النساء الأخريات ليطعن النظام العام . سنعمل لفضح الظلم المخفي في اللغة والعلاقات والأعراف المجتمعية ) .
إن المرأة العربية ليست ملاحقة برأيي من قبل الرجل ، لكنها ملاحقة من قبل النظام الإجتماعي السياسي العربي ، وهو نفسه من يلاحق الرجل والمرأة وكلاهما سواء ، فأما أن ينصهروا في بوتقته أو يطوفوا على السطح ناجين بأنفسهم .
إن الطريق الذي مرت به المرأة العربية كان طويلاً ، ومنذ بداية القرن العشرين ظهرت رائدات في جميع المجالات ، وظهرت جمعيات نسائية خيرية ثم إتحادات نسائية ديمقراطية  ولمعت أسماء مختلفة في دول عربية مثل لبنان مصر العراق الجزائر مثل  مي زيادة وهدى شعراوي في مجالات الأدب والسياسة ، وبولينا حسون  في مجال الصحافة النسائية في العراق ، ومناضلات مثل جميلة بوحيرد . ثم لمعت بعدها بسنوات في مجالات الأدب والعلوم والتكنولوجيا والفنون ، نساء بارزات في مجال الأدب مثل  نازك الملائكة وإنعام كجي ولميعة عباس عمارة وأحلام مستغانمي ، أما  في مجالات الإبداع العلمي فقد برزت المعمارية العراقية ( زها حديد ) والفيزياوية المغربية الدكتورة  كوثر حفيظي  التي ترأس أكبر مختبر فيزياوي في أمريكا ، وفي مجال الفنون برزن مبدعات مثل المخرجة الدكتورة خيرية المنصور والتشكيلية عفيفة لعيبي . هؤلاء النسوة سطعن  في سماء المجتمع العربي رغم كل التحديات المجتمعية ، ولا زال الأمل في ولادة المزيد منهن من رحم الأم العربية المعطاءة .



12

قراءة نقدية لكتاب قواعد العشق الأربعون
الدكتورة / ناهدة محمد علي
الكاتبة  Elif Safak هي كاتبة تركية إشتهرت بعد صدور روايتها ( لقيطة إسطنبول ) عن المجزرة الأرمنية في تركيا .
في روايتها ( قواعد العشق الأربعون ) تسرد الكاتبة قصة زمنين غير متعاقبين ومكانين متباعدين ، فهي ما بين مدينة ( ماساشوستس آلأمريكية ) والثانية تمر من سمرقند وبغداد إلى مدينة قونية التركية ، وهي ما بين القرن الثالث عشر 1244- 2008 .
وبإلقاء نظرة سريعة على حياة الكاتبة نجد أنها درست العلوم السياسية وإهتمت بدراسات حول المرأة . وهي القائلة المرأة دائماً زوجة أحدهم أو أم أحدهم أو أخت أحدهم ، وأنا أريد أن أكون أنا .
عاشت الكاتبة مع أم مطلقة وقامت جدتها بتربيتها وكان أصدقاؤها هما الكتاب والقلم . إهتمت الكاتبة بالمنسيين وبالأقليات ولذلك حُكمت لإتهامها بمعاداة القومية التركية ولفضحها لمجازر العهد العثماني . أبدعت الكاتبة في رواية ( الحليب الأسود ) والتي كشفت فيها معاناة الأمومة .
تقول شفق المتدينين والملحدين الكل منهم متأكد من معتقداته ، أما الصوفية فهي ليست متأكدة من شيئ .
صدرت رواية قواعد العشق الأربعون والتي تكشف عن أسرار العقيدة الصوفية في الولايات المتحدة في شباط 2010 وفي المملكة المتحدة في حزيران 2010 وبيعت 550,000 آلف نسخة من الرواية ، ولهذا أصبحت الرواية الأكثر مبيعاً في تركيا . وتُرجمت أعمال الكاتبة إلى أكثر من 42 لغة وإمتد نشاطها الأدبي إلى حوالي 22 كتاب .
في رواية قواعد العشق الأربعون كانت الشخصية الرئيسة المعاصرة هي ( إيلا ) روبن شتاين اليهودية الأربعينية الغير سعيدة في زواجها والتي تعمل كناقدة في وكالة أدبية ، وكانت مهمتها الأولى هي نقد كتاب ( الكفر الحلو ) للكاتب عزيز زاهارا . تُفتن إيلا بالقصة وكاتبها وتتملكها قصة بحث ( شمس التبريزي ) عن جلال الدين الرومي ، وكيف حول الدرويش شمس التبريزي رجل الدين الفقيه ( جلال الدين الرومي ) إلى صوفي وشاعر عاطفي وداعية للحب . وتصبح ( إيلا )شغوفة بأفكار التبريزي الفلسفية والتي تؤكد على توحيد الناس وأديانهم والتأكيد على الحب المتواجد في قلوب البشر ، وربطت إيلا حياتها بقصة هذه الرواية وأحبت فلسفتها وكاتبها(  زاهارا ) ، والذي فتح أمام عينيها أبوباً كانت موصدة وأطلقت سراح مشاعرها تجاه حب الله ومخلوقاته .
إن المميز بالرواية أنها تسير بزمنين مختلفين متباعدين وشخصيات مختلفة لكنها تحمل نفس الروح ونفس الفلسفة .
يبدأ الكتاب بكلمة للتبريزي يقول فيها ( عندما كنت طفلاً رأيت الله ورأيت الملائكة ، رأيت أسرار العالمين العلوي والسفلي فظننت أن جميع الرجال قد رأوا ما رأيته ، لكني سرعان ما أدركت أنهم لم يرو .
إن قصة الرواية تسير بشكل متوازي ومتقن وبفكرة واحدة . تقول الكاتبة يسير خط الرواية بأشكال عدة ولا يختلف القرن الحادي والعشرون عن القرن الثالث عشر . ولقد كان هذان القرنان عصر صراعات دينية وطائفية وساد فيه سوء التفاهم الثقافي والإحساس العام بعدم الأمان والخوف من الآخر ، وفي هذه الأوقات يكون الحاجة إلى الحب هي جوهر الحياة وهدفها السامي .
إن قراءة ( إيلا ) لقصة ( الكفر الحلو ) قد غير حياتها وأثرت فيها فلسفة التبريزي كثيراً كثيراً .
لقد تنقل التبريزي ما بين سمرقند وبغداد وقونيه ودمشق حتى لقى حتفه في قونيه على يد قاتل مأجور في رحلة بحثه عن الله وبحثه عن الحب . يقول التبريزي ( ما لم نتعلم كيف نحب خلق الله فلن نستطيع أن نحب الله حقاً ) .
لقد إلتقى التبريزي والرومي في ( قونيه ) التركية وبث التبريزي في روح الرومي نفساً فلسفياً جديداً ليتحول الخطيب ورجل الدين الفقيه إلى داعية للحب وداعية لوحدة الأديان وتفضيل العشق الإلاهي على غيره من بُدع الحياة ، وتحول الرومي إلى شاعر عاطفي يدعو إلى المحبة ويرقص رقصة الدراويش كما يدعو إلى التحرر من جميع القيود والقواعد التقليدية ، لكن هذا لم يلق القبول من الكثير من الناس .
دعا التبريزي في عصر سادت فيه النزاعات إلى روحانية عامة شاملة فاتحاً الأبواب أمام محبة جميع البشر بلا إستثناء وبدلاً من الجهاد الخارجي دعا الرومي إلى الجهاد الداخلي أي جهاد الأنا وجهاد النفس وقهرها . وما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه الدعوة لكان تغير وجه الأرض ولما حدث أي تطهير عرقي أو ديني أو طائفي بإسم الطهارة الروحية وما هو إلا ( وساخة روحية ) .
وبعد مرور 800 سنة تأتي الرواية الأخرى الممتدة من قصة التبريزي والرومي وهي ما بين إيلا اليهودية وزاهارا المسيحي في رواية ( الكفر الحلو ) حيث تتواجد نفس القواعد للعشق ، وتنقلب حياة إيلا وتأخذ بمراجعة حياتها الأسرية ورتابتها فتهدر حياتها وتلتحق بمؤلف الرواية الجديد والذي أسلم وأصبح بإسم ( عزيز ) وأخذ يضع قلادة الشمس على صدره كي تذكره ( بشمس التبريزي ) ، لكن الموت داهمه بعد ذلك وأصيب بسرطان الجلد ثم مات في قونيه ودفن بجوار قبر الرومي .
كانت قواعد العشق الأربعون نموذجاً صافياً وغريباً للعشق البشري الإلاهي ، وسأدرج هنا بعض هذه القواعد لأن الرواية بنيت لا على أساس السرد الدرامي بل على أساس السرد الفلسفي لموضوع التوحد مع الذات الإلاهية وعدم التركيز على الذات الإنسانية لأنها دائماً مصدر للإختلاف والخلاف والتي هي السبب الرئيسي للمعارك الدينية والطائفية والسياسية بينما التوحد مع ذات الله هو ما يجمع البشر ويوحدهم حسب تصورات الفلسفة الصوفية .
قواعد العشق الأربعون
-   إن الطريقة التي نرى فيها الله ما هي إلا إنعكاس للطريقة التي نرى فيها أنفسنا . فإذا كنا نرى الله من خلال الخوف والملامة فهذا يعنى أن هناك الكثير من الخوف والملامة في أنفسنا ، أما إذا رأيناه من خلال المحبة والرحمة فإننا نكون كذلك .
-    إن الطريق إلى المحبة يمر من خلال القلب لا من الرأس ، فإجعل قلبك لا عقلك دليلك الرئيسي .                        وبرأيي أن هذه القاعدة هي مخالفة للمنطق حيث أن العقل هو الفاصل دائماً بين الخطأ والصواب وقد يسحب القلب الإنسان إلى أخطاء كثيرة ، لكن الصوفي لا يبالي بالنتائج بل بالطريقة للوصول إليها .
-   قسمت هذه القاعدة قراء القرآن إلى أربعة مستويات من البصيرة . الأول المستوى الخارجي وهو للأغلبية ، والثاني المستوى الباطني ، والثالث باطن الباطني ، أما الرابع فهو مستوى العمق والذي لا يمكن الإعراب عنه بالكلمات بل بالصمت .
-   يمكن للإنسان أن يعرف الله من خلال كل شيئ في الكون ولا يقتصر هذا على المسجد أو الكنيسة أو الكنيست ، إن عرش الله موضوع في قلب عاشق حقيقي ، وتركز هذه المقولة على نوع الصلة بالله ( لم يعش أحد بعد رؤيته ، ولم يمت أحد بعد رؤيته ، ومن يجده يبقى معه إلى الأبد ) .
-   يتكون الفكر من عُقد تربط البشر ، لكن الحب يذيب جميع العقد .
-   الصوفي لا يحمد الله على ما منحه إياه فحسب بل يحمده على ما حرمه منه .
-   الصبر يعني أن تنظر إلى الشوكة وترى الوردة ، وأن تنظر إلى الليل وترى الفجر ، ولكي يصبح الهلال بدراً هو محتاج إلى الوقت .
-   في هذا العالم  معلمون وأساتذة مزيفون ، فلا تخلط بين المعلمين من أجل السلطة وبين المعلمين الحقيقيين .
-   إن البشرية لوحة جميلة رسمها خطاط ماهر ، تتساوى فيها جميع النقاط من حيث الأهمية . إن من السهل أن تحب إلاهاً لكن الأصعب أن تحب إخوانك من البشر بكل نقائصهم .
-   يوجد نوع واحد من القذارة والتي لا يمكن تطهيرها بالماء النقي وهي قذارة الكراهية والتعصب .
-   إذا أراد المرء أن يغير الطريقة التي يعامله بها الناس فيجب أن يغير أولاً الطريقة التي يعامل بها نفسه .
-   في هذه الحياة تجنب التطرف بجميع أشكاله لأنه يحطم إتزانك الداخلي .
-   يشبه العالم جبل من ثلج يُردَد فيه صدى صوته .
-   إن ترك كل شيئ للقدر وعدم المشاركة في عزف موسيقى الكون هو جهل مطلق .
-   في هذا العالم ليست الأشياء المتشابهة أو المنتظمة بل المتناقضات الصارخة هي ما يجعلنا نتقدم خطوة إلى الأمام .
-   ليس من المتأخر مطلقاً أن تسأل نفسك هل أنا مستعد لتغيير الحياة التي أحياها حتى لو تبقى من حياتك يوم واحد .                                                                                           إن هذه التعليمات الفلسفية هي محصلة وجوهر للفكر الإنساني بكل فلسفاته المادية والمثالية . وقد حاول التبريزي والرومي كما حاول زاهارا أن يعبروا الطريق الأسهل والأسلم للفكر الإنساني لكنها الرؤية الأعمق لنوع العلاقات البشرية ، فليس هناك لون محدد أو جنس محدد أو قومية محددة أو دين محدد أو طائفة محددة بل هناك هدف واحد وسامي هو التوحد مع الذات الإلاهية وعشق كل مخلوق موجود في هذا الكون ، وقد إستوحو هذا الفكر من خلال دراسة كل الأديان والتاريخ المادي والمعنوي للبشر . وقد كانت إحدى الأهداف السامية هو توحيد العنصر البشري وإحترام الآخر ومحبته وصولاً إلى الكمال الإنساني . إن النقطة التي تدور حولها هذه الفلسفة هي أن محبة البشر هي جزء من محبة الله وكان الدرويش الراقص الذي يدور حول نقطة واحدة مَجَرات سماوية تدور حول الثقوب السوداء والتي قد تبتلع كل شيئ لكنه يولد كل يوم نجم جديد . ومن أجمل ما عرفت عن هذه الفلسفة هو أن الإنسان مجبر على المساهمة في عزف موسيقى الكون ليصبح هذا الكون سمفونية رائعة لا نشاز فيها .

============================
      . #*E


13
المنبر الحر / الولد الذئبي
« في: 10:08 29/01/2017  »


الولد الذئبي
ناهدة محمد علي

في إحدى القرى العربية المعزولة كان هناك الكثير من العوائل الفقيرة والتي تمتهن الزراعة بالرغم من شحة المياه وقلة المطر ، وتكسب قوتها اليومي مع كثير من الجهد الصيفي والشتوي . كان بعض العوائل تتميز بكثرة ذكورها وهي أكثر رفاهاً من غيرها ، وكانت عائلة أبو طارق تعيش على ما تزرعه ، وللعائلة إبنتان تساعدان في موسم الحصاد . بعد الحرب التي لم يعلم أهل القرية مصدرها ولا سببها والتي حرقت الكثير من مزارعهم  جاء رجال يضعون على رؤوسهم عمائم أحياناً ومناديل أحياناً أخرى قاموا بإحتلال الجامع فخاف أهل القرية منهم وخافوا أن يدخلوا الجامع ، وصبغ هؤلاء الرجال شبابيك الجامع وضببو زجاجه باللون الأسود ، ولم يعد يرى المزارعون ما يحصل في الداخل .
ذات ليلة بدأ قصف مكثف فوق البيوت ، البيوت الطينية والحجرية ، وفزع الصغار والكبار وإعتكفو في بيوتهم . إحترقت بعض البيوت وإحترق من في داخلها ، وقد  وقعت إحدى القذائف على بيت أبو طارق الطيني ، وكان طارق بالصدفة يطعم الكلب الذي في الخارج فنجى من الموت بإعجوبة . كان يوماً مظلماً لم ينسه هذا الولد لسنوات حيث هرول يميناً ويساراً فلم يجد من يأويه وبات في العراء مرتجفاً ومحتضناً كلبه ثم هرول في الصباح إلى الجامع فوجد الرجال الملثمين هناك ، رحبوا به وأطعموه ، إستأنس بهم طارق وحسبهم عائلته الجديدة وكان وقتها في السادسة عشر من عمره . لازمه أحد الرجال وبدأ بإطعامه لمدة إسبوع ولم يثق طارق بغيره .
ذات يوم طلب الرجل من طارق أن يرافقهم في طلعاتهم الليلية ، وكان الولد يعود بعدها في كل مرة مرعوباً باكياً لكنه كان يخفي دموعه خوفاً من العقاب . ذات يوم عاد الولد والدماء تملأ كفيه وقميصه ، بقي منزوياً ومرتعباً طوال الليل ولا يستطيع الكلام مع أحد حتى غلبه النعاس ، فحلُم ببيتهم القديم وكيف كانت توكل له مهمة إطعام الدجاج والكلب ، وكانت أمه تحذره من أن يتأخر عن إطعامهم ، كان يتذكر كلامها جيداً وكانت تقول له حاذر من أن تتأخر لأنهم سيموتون جوعاً وتصبح آثماً بحقهم وحينما إستهزأ بكلامها عنفته وقالت لا تضحك فللإنسان والحيوان روح لا يصح قتلها ، وداعبت شعره الأسود وأعطته رغيفاً ساخناً . إستيقظ من النوم وهو يشم رائحة خبز أمه . حينها قرر أن لا يخرج مع القوم أبداً .
تقدم إليه صاحبه  قائلاً لماذا ترفض الذهاب معنا ، هل تريد أن أحز رأسك أنت أيضاً ، إسمع واسكت ثم دفعه من كتفه دفعاً إلى الخارج .
بقي طارق على هذا الحال شهوراً ثم لاحظ القوم تغيراً في ملامحه وزوغاناً في عينه ثم أخذ يهذي ليلاً أثناء نومه ، ثم بدأ يصرخ بين الآونة والأخرى أثناء الليل وأحياناً أثناء النهار .  تخيل البعض منهم أن الشيطان قد دخل إلى عقله وأنه يجب أن يُضرب حتى يخرج الشيطان من جسده ، فرُبط على سطح الجامع بلا طعام أو ماء حتى يفيق من هذيانه . كان الجوع يعصر بطنه وقلبه وعقله ويبتعد عنه عقله إلى البعيد .
تُرك طارق على هذه الحال لمدة أربعة أيام ، ولاحظ الرجل المناوب بأن الحبل الذي يلف الولد قد قُضم بقوة فتركه ساعات وعاد إليه فوجد أن أكمام قميصه قد قُضمت أيضاً .
وفي الصباح التالي خرج الجميع إلى غزوهم وبقي الرجل المسؤول عن طارق ، فبقي يراقبه وهو محتار بأمره وغير مصدق لما يجري له . قرر الرجل أن يطعمه وإقترب منه رويداً رويداً حاملاً بعض الطعام ، إنتابه بعض الخوف وهو يراقب وجه الولد المزمجر وقد جحظت عيناه وأصبح صوته مختلفاً لم يكن صوتاً بشرياً ، كان يصرخ وكأنه يعوي كذئب جائع ، إقترب الرجل منه أكثر محاولاً تخويفه وإسكاته لكن الولد بادره وإستل منه سكينه وحدثت معركة ضارية بين الإثنين .
في الصباح عاد القوم وصعدوا مهرولين إلى سطح الجامع فوجدوا صاحبهم غارقاً بدمه وقد تقطع جسده وفُتح صدره وقد نُزع القلب من صدره وتبخر الولد ولم يكن له أثر .
لاحظ أهل القرية أن شبحاً لشاب أشعث يتجول في المقبرة ليلاً وقد سمع البعض عواءه وكان ما بين الصراخ والبكاء . حسب البعض أنه حيوان جائع يبحث عن فريسته لكن شاباً إسمه أحمد قد تعرف على صديقه القديم ( طارق ) رغم تغير سحنته وقد أقسم أمام رجال القرية بأنه قد رآه ذات ليلة ولكن لم يصدقه أحد ، قال أحمد: كان طارق يهرول وراء إحدى النعاج بسرعة مذهلة ، وكان أشعث الشعر طويل الأنياب أحمر العينين ، وقد تغطى فمه بالدماء ، لكنه كان ينام ليلاً وقد يستيقظ أحياناً فجأة فيعوي قليلاً ثم ينام .
خاف أهل القرية على أولادهم من الغرباء وقرروا مغادرة القرية ، وقبل أن يفعلوا ذلك فاجأهم الأطفال بقولهم بأن القوم الغرباء  قد إلتقوا بهم ووزعوا عليهم الكثير من الحلوى والسكاكين الصغيرة الملفوفة بقماش أسود .

14

عرس الدم في الموصل
الدكتورة / ناهدة محمد علي

تحت النيران الحارقة نزح من الموصل حوالي ١٣٣ ألف نازح من كافة الأديان والطوائف وقد دُفن في أرضها من دُفن ، ومنهم من جاء من أقصى الجنوب أو الوسط لكي يموت في هذه الأرض .
كان من بين هؤلاء الشباب شاب جاء من بغداد جيبه فارغ وقلبه مليئ بحبه لوطنه ، وكان قلبه مليئاً بالأمل بأنه سيعود ذات يوم لأمه وخطيبته لكي يستطيع أن يؤسس بيتاً صغيراً وعائلة ، وإنتظرته أمه لكي يجلب لها الفرح والأحفاد بعيداً عن الرصاص والدم . ذكرتني قصته وشخصية أمه بشخصية الأم في مسرحية  لوركا  ( عرس الدم )
كان يوم عرسه قد تحدد في ١ / ١ / ٢٠١٧ ، لكن الشاب قد قتل في ٣١ / ١٢ / ٢٠١٦ . جاء من يطرق الباب فهرع الجميع لكي يلقوا العريس ، لكن السيارة الواقفة بالباب لم تكن تحمل أشرطة ملونة أو وروداً منثورة فوقها بل حملت صندوقاً صغيراً كتب عليه الشهيد فلان والرقم كذا . بحثت الأم بعينيها وحينما لم تجده في السيارة أدركت أنه هو الذي فوقها فقفزت إلى الأعلى تريد إحتضان الصندوق لكن الصندوق كان مقفلاً ولا يحوي سوى الرماد . لم تستطع الأم أن تقدم شيئاً رغم فزعها وحزنها الشديد إلا أن تفي بوعدها .
تحول وجه الأم إلى اللون الأزرق الأرجواني وكأن جلدها الخارجي قد أصبح حديداً مصفحاً ، عيونها زائغة لا تستطيع التركيز على شيئ أو أحد ما . دخل إليها الكثير من المعزين ، بحثت بين وجوههم عن وجهه وكان لها بصيص من أمل أنه لا زال موجوداً  وتحت صفيح جلدها بركان من الألم لا يمكن لأية قصيدة أو مسرحية أو أغنية رثاء أن تعبر عنه . وقررت أن تقيم العرس بموعده ، ودقت الطبول في أرجاء البيت . كان الكل واجماً وهي الوحيدة التي ترقص وتلطم وتضرب بقوة على عينيها وكأنها إكتفت بما رأته في حياتها ولم تعد تريد المزيد ، وذكرني رقصها ببيت الشعر العربي القديم :
( لا تحسبوا رقصي بينكم طربا … فالطير يرقص مذبوحاً من الألم )
كانت زغاريد النساء أشبه بصراخ الولادة وكأنها تعيد ما عانينه منذ اللحظة الأولى لولادة هؤلاء الشباب ، وقد عدنا إلى نقطة الصفر علهن يبدأنا من جديد لكن ما زرعنه قد إحترق  وأمست أرضهن بوراً يابسة .
ظلت الطبول تدق في هذا البيت وفي بيوت كثيرة لسبعة أيام وإجتمع الثكالى مع بعضهن لكنهن لم يتبادلن الكلام ولا النظر  بل بحثن بالوجوه الداخلة والخارجة عن الوجه المحبب لديهن 
إنهم الكثير من أبناء العراق الذين ولدوا لكي يموتوا أو أنهم لم يولدو قط ، أو ربما ولدوا ليموتوا بعد الرضعة الأولى .


15


لماذا تُختن المرأة في المجتمعات الشرقية
ناهده محمد علي

تواجهنا اليوم ظاهرة مميزة سلباً في المجتمعات الشرقية . ومنذ عقود والكثير من الباحثين والأطباء يتحدثون عن هذه الظاهرة ويحاولون تحليلها وعلاجها ، ويجمعون على أن الهدف الأساسي لحدوث هذه الظاهرة هو الحفاظ على شرف المرأة ، لكن من الواضح أن الختان لم يمنع بعض الذكور من ممارسة الرذيلة ولن يمنع أيضاً وقطعاً الإناث من ذلك .
لقد نشرت منظمة الصحة العالمية إحصائية تشير إلى هناك ١٢٥ مليون إمرأة بالعالم يعانين من ظاهرة الختان ومن آثارها السلبية .
لقد كُتب الكثير عن هذه الظاهرة وأبرز من كتب برأيي عنها هي الدكتورة ( نوال السعداوي ) في كتبها ( الأنثى هي الأصل ، المرأة والجنس ، المرأة والدين والأخلاق ) . وتنتشر هذه الظاهرة في الكثير من الدول والقارات في آسيا وأفريقيا وأمريكا وأوربا حيث تُختن الآلاف من الفتيات وفي أعمار مبكرة بدعوى الحفاظ على طهارتهن . ويتعرضن هؤلاء الفتيات لحالات صحية ونفسية خطيرة منها النزيف الحاد الذي يؤدي أحياناً إلى الوفاة ، والكثير من الإلتهابات والمضاعفات لإنعدام الوسائل الصحية من قِبل الممتهنات لهذه المهنة بالإضافة إلى حالات نفسية كثيرة منها العجز الأنثوي والإحساس بالدونية والإعراض عن الزواج ، ومع كل هذا تبقى الفتاة المختونة مراقبة إجتماعياً إذ أن سوء النوايا الإجتماعية ستبقى تلاحق هذه الفتاة لأن الشكوك هي الممول الأساسي بمراقبة المجتمع لهذه الفتاة وإجراء عملية الختان هي الإجراء الأولي لمتابعة الفتيات والإهتمام بالجزء الأسفل من أجسادهن ، وأعتقد أن نسيان الجزء الأعلى هو الطامة الكبرى لأن الإهتمام بعقل الفتاة هو الرقيب والضامن الوحيد لطهارتها .
إن العلاقة بين الذكور والإناث تتخذ أشكالاً ومضامين وحشية برأي السلفيين لكن ليس كل إختلاط سيؤدي إلى التماس المباشر والجسدي بين الجنسين ولكنه حتماً سيؤدي إلى التماس العقلي وهو المطلوب والذي لا غنى عنه لتطور الجنس البشري ، وفي كل الأحوال العالَم ليس كله غابة وليس كل سكنته وحوشاً .
لقد إنتشرت هذه الظاهرة في الكثير من دول العالم كما ذكرت والكثير من الدول العربية . ونشرت منظمة اليونيسيف في اليوم العالمي للختان إحصائية مفادها بأن هناك ١٦٨ ألف حالة ختان في عام ١٩٩٧ في الولايات المتحدة ثم قفز الرقم إلى ٥١٣ ألف في هذا العام . أما في أوربا فإن مئات الآلاف من الفتيات قد تعرضن للختان ويعتقد أن جميع هؤلاء هم من أصول آسيوية وأفريقية وعلى الأكثر مسلمين . أما في الدول العربية فتُعد(  الصومال وجيبوتي والسودان ومصر واليمن ) هي من أشد الدول تطبيقاً لهذه الظاهرة .
مفردات إحصائية اليونيسيف
الصومال - ٩٨٪ من الفتيات ما بين ٤ -١١ وكثيراً ما تؤدي هذه العملية إلى الوفاة في هذا السن المبكر بسبب النزف أو التسمم .
جيبوتي - ٩٣٪ . وقد قام إتحاد نساء جيبوتي بالتعاون مع وزارة المرأة والتخطيط العائلي واللجنة الأفريقية بمحاربة ختان الإناث .
مصر - ٩١٪  برغم صدور قانون يحرم ختان الفتيات في سنة ٢٠٠٨ ، وقد حُكم على أحد الأطباء بالسجن مع الأشغال الشاقة لقيامه بهذه العمليات . لكن مصر تبقى من أكثر الدول إنتشاراً لهذه الظاهرة رغم معارضة ونشاط منظمة حقوق الإنسان ومكافحتها للتمييز ضد المرأة لكنها تلاقي صعوبات بالإقناع ما بين القرى المصرية .
السودان - تبلغ نسبة المختونات ٨٨٪  رغم مقاومة الحكومة  ومنظمات المجتمع المدني وسعيها للقضاء على هذه الظاهرة في سنة ٢٠١٨ ، وتُرجع بعض الدراسات أسباب تجذر هذه الظاهرة إلى تمسك القبائل العربية المتواجدة في شمال السودان بها منذ القرن الرابع عشر ، ويعزو بعض الباحثين الأسباب إلى العادات الفرعونية والذين إبتدعوها ويقال أن مومياء بعض الملكات الفرعونيات قد تبين  فيها وجود هذه الظاهرة من ذلك الوقت .
موريتانيا - المختونات ٦٩٪ ،ويُعتقد هناك بأن الإسلام يُلزم بختان البنت قبل سن ٦ سنوات كما يُعتقد أنه يقي من العقم والشهوة . وعلى ذكر المعتقدات الدينية لقد صدرت الكثير من الفتاوى الدينية التي تؤكد على أن هذه الظاهرة هي خارج نطاق السنة النبوية فليس هناك ما يثبت هذا في القرآن الكريم أو في الأحاديث النبوية .
اليمن - يبلغ نسبة المختونات ١٩٪
العراق - المختونات ٨٪  . لقد أصدر تنظيم داعش في الموصل فتوى بتطهير كل النساء في العراق .
أما في منطقة كردستان العراق وفي مدينة أربيل فقد بلغت نسبة ختان الفتيات نسبة ١٦،٧ ٪ وللنساء البالغات ٦٧،٦٪ . أما في السليمانية فتبلغ نسبة المختونات من الفتيات ١١،٨٪ ومن النساء ٦٠،٣ ٪  . وفي مدينة دهوك ٤،١٪ للفتيات  و٧،٤٪ للنساء . وفي حلبجة ١،١٪ للفتيات و٤٠٪ من النساء .
إن هناك الكثير من حالات الوفاة التي تحدث للفتيات الصغيرات بسبب النزيف الحاد وإنخفاض ضغط الدم ، كما حصل للطفلة سهير ١٣ سنة في منطقة الجيزة بمصر إذ توفيت أثناء العملية بسبب النزف الحاد .
وفي دراسة قامت بها منظمة الصحة العالمية بعنوان ( الحياة الجنسية وعلاقتها بختان الإناث في مصر ) جاء فيها إن الدافع الرئيسي للختان هو السيطرة على الحياة الجنسية للمرأة وضمان عذريتها . ومن خلال بحث أجري على ٦٠٠٠ عائلة مصرية ما بين ( ٢٠١٥ - ٢٠١٦ ) أكد المبحوثون بأن المسألة عائلية وشخصية ولا تخص الحكومة ، وأعتقد أن ما يقصد هنا هو أن الأمر لا يعني المجتمع ويُفترض أن تبقى الأعراف كما هي لكن هذه الأعراف ليس لها علاقة بالدين الإسلامي ولا بالأعراف الإنسانية ، إذ أن إقتطاع جزء من جسم المرأة هو أمر في غاية السهولة لكن إقتطاع العادات البدائية التي تسود المجتمع الشرقي هو أصعب بكثير أذ تبقى هذه العادات كغيوم سامة وخانقة تحيط بأجوائنا وهي ليست وحدها بل أن هناك العديد من العادات التي تركض وتلهث وراء الجسد الإنساني فأحدهم يقطعه من فوق ويجعله بلا رأس والآخر يقطعه من أسفل ويجعله بلا أعضاء ويبقى جسد الإنسان الشرقي لا يحركه عقل أو إحساس عاطفي ، وهنا ندرك حتماً بماذا تفوقت علينا المجتمعات الغربية ، فهي تبني العقول والأجساد ونحن نقطعها إرباً .







16
لماذا يُدمن الشاب العراقي على المخدرات
الدكتورة / ناهدة محمد علي

إطلعت قبل أيام على إحصائية دولية عن مدمني المخدرات في العراق ، فكانت الإرقام تسطع بضوء أحمر قاني يُقلق كل إنسان شريف .
لقد مر العراق بقرون من المآسي السياسية والإقتصادية ، لكن مشكلة المخدرات لم تظهر بشكل واضح في الثمانينات أو التسعينات بل ظهرت بعد الإحتلال الأمريكي ٢٠٠٣ حيث كان من المعروف أن الكثير من الجنود الأمريكان كانوا يتعاطون المخدرات ويتداولونها فيما بينهم . وقد راجت تجارة المخدرات في العراق في ذلك الوقت ، وكانت تمر عبر مسارات الخليج العربي وإيران وتركيا وأفغانستان . تقول الإحصائية إن كل ثلاثة من عشره من الفئة العمرية  ١٨ - ٣٠ هم من متناولي ومتداولي المخدرات ، وقد إنتشرت ظاهرة ( الكبسلة ) بين الشباب العراقي وحتى بين الفئات المتعلمة منهم وخاصة العاطلين ، وسبب هذا الكثير من الجرائم وحوادث السير والطرقات . كما تنتشر الحبوب المخدرة والمهدئة بين الفتيات بسبب كثرة التأزم الإجتماعي والبطالة وإنتشار ظاهرة العنوسة ، وقد تتناول هذه المهدئات ربات البيوت نتيجة الضغوط الإجتماعية عليهن ولكثرة المخاوف النفسية وضعف الوضع الأمني الذي أدى إلى إنتشار الكثير من الأمراض النفسية لدى الشباب مثل التشنج العصبي والكآبة والسادية والماسوشية والتي تُعالَج من قبل الشاب بذاته أو الطبيب المعالِج  بإستخدام هذه المخدرات والمهدئات . إن الآلاف من العراقيين يضطرون للإعتكاف في بيوتهم للحفاظ على سلامتهم ويشمل هذا المتقاعدين الشباب وهم فئة واسعة من المجتمع العراقي الذين تركوا وظائفهم ومواقع أعمالهم ليركنوا في بيوتهم ، وأحوال هؤلاء النفسية تُظهر تأزماً نفسياً شديداً لأسباب مادية ومعنوية ويُعالج هذا أيضاً بالحبوب المهدئة أو المخدرة .  وقد ترتفع الكميات المتعاطاة  حيث يكتفي جسم الإنسان بالبداية بالقليل من هذه المواد ثم يتكيف الجسم بالكمية المتعاطاة فيطلب المزيد ويصبح المدمن خطراً وشرساً ويشطب على كل القيم والقوانين للحصول على هذه المخدرات ، كما حصل لإحدى الطيدلانيات الشابات بعد أن رفضت أن تبيع الدواء المخدر بدون وصفة طبية لأحد الزبائن فقام بقتلها وطعنها عدة طعنات للحصول على مراده .
لقد أخذت المخدرات تأخذ أشكالاً مختلفة للدخول إلى أجسام الشباب العراقي ، فظاهرة الأركيلة تنتشر في المقاهي والمنتزهات والشواطئ وفي البيوت أيضاً كما تنتشر ( سكائر المرجوانا ) بين الشباب بالإضافة إلى الحشيشة مما أدى إنتشار ظاهرة الموت السريع والمفاجئ بعد جرعات عالية من الحبوب أو الأركيلة .
إن الشاب العراقي يتواجد حالياً ما بين المطرقة والسندان فهو أما أن يتعاطى ويبقى متسكعاً ما بين المقاهي واضعاً وثيقة تخرجه في جيب وفي الجيب الآخر علبة الكبسول المهدئ ، وهناك خيار ثان هو أن يرمي في وثيقة تخرجه إلى البحر ويمسك بعلبة الكبسول سائراً إلى من يمده بالمال في الدنيا والشهادة في الآخرة فيمشي على هذا الدرب وهو مخدر بدون أن يتاح له أن يتمتع بجائزة الدنيا أو الآخرة فيفجر قلبه في الهواء بعد أن يكون قد تعب من الحزن والغضب الذي لا نهاية له ، لذا فقد تتعدد الأسباب لكن الموت واحد وتبقى حرقة قلوب الأمهات على الشباب الذين أرضعنهم حليباً حلو المذاق فسُقوا المر من قبل المجتمع وسقوا أمهاتهم به .





17


أطفال المسلمين أم محرقة اليهود
الدكتورة / ناهدة محمد علي
في متابعة سريعة لكل ما يجري من أحداث عسكرية وسياسية على الساحة العربية والإسلامية ، نجد أن الكثير من المجندين في الجيوش العربية والإسلامية النظامية وغير النظامية ومن قوى المعارضة يستخدمون الصبية لا كدروع إنسانية فقط ضد الهجمات المعاكسة بل كقوى فاعلة تحمل السلاح بجميع أنواعه لكنها لا ترتدي خوذاً ولا دروعاً بل يُنظر إليهم كمادة قتالية فاعلة لسرعة حركتها ولإجورها الزهيدة وقلة تكلفتها والتي بضمنها نوع وكمية الألبسة والأطعمة ، كما أنهم يُستخدموا لشدة طاعتهم وخوفهم من القادة العسكريين أو التنظيم المعارض .
إن من يحدق في وجوه هؤلاء الصبية لا يجد فيهم رجالاً مقاتلين بل أطفالاً ذوي نظرات خائفة تقول للكامرة ولمن ورائها إن كنت نبيلاً بما يكفي فساعدني ، وإن كنت قوياً بما يكفي فإنتشلني . لكن ما يحيط بهؤلاء هو أتربة متصاعدة ودخان وليس هناك من يسمع ويرى . إن الإعلام العربي يلهث وراء الأخبار السريعة والمثيرة وليس لديه الوقت للدخول بالتفصيلات ، وهو يعلم من له الحق ومن عليه لكنه لا يستطيع أن يضع الحلول ، فما تحت الإعلام العربي بناء هش وليس صلد وتكفي نفخة واحدة من حاكم أو مسؤول لكي يتهاوى على بعضه .
إن الغريب في الأمر أن الكثير من القوى المعارضة في العالم العربي والإسلامي ترفع شعارات قيمية براقة لكنها تهرب من تطبيقها وتجعلها ضبابية على أرض الواقع ، ولم يعد واضحاً من له الحق ومن عليه ، الجيش الأفغاني مثلاِ أم المعارضة ، الجيش السوداني أم المعارضة ، الجيش السوري أم المعارضة ، الجيش العراقي أم معارضوه ، فكل يرفع أعظم القيم وأنبلها لكن رجل الشارع يرى العكس دائماً ، فالكل متشابه في عدوانيته وقسوته ، والكل لا يفضح عدد قتلاه ويبحث عن قتلى معارضيه ، وتحتوي صحارينا الجثث المترامية وعجباً أنك تجد أن الكثير منهم لا زالوا صبية بين ١٤ - ١٦ ، والأعجب أيضاً أن الكل كافر برأي الآخر ، والكل يبحث في شوارع بغداد ودمشق وصنعاء وبنغازي عن صبية تائهين متضورين يُلوّح لهم بالخبز والحلوى وأحاديث كاذبة باطنها مر وظاهرها حلو ، فتدمع عيون هؤلاء الصبية والكثير منهم أيتام ليهرولوا وراء الأحذية العسكرية الثقيلة .
إن الكثير من الأطفال والصبية يخرجون من تحت الأنقاض مصابين بالرعب والخبل من قسوة البالغين . تستخدمهم وسائل الإعلام التابعة للقوى المتقاتلة فيتهم بعضهم بعضاً ويشوه صور بعضهم بعضاً بصور هؤلاء الأطفال يتقاذفونهم يميناً ويساراً لغرض الفوز الإعلامي ولكسب الرأي العام المحلي والعالمي ، أما من يقترب من هؤلاء الأطفال فسيسمعهم يشتمون الكل لأنهم يسلبون منه الحياة والفرح الطفولي والذهاب اليومي إلى المدرسة واللعب تحت أشجار النخيل والزيتون وأغصان الياسمين .
لم تكن محرقة اليهود لأغراض عرقية أو دينية فحسب بل كانت أيضاً لأغراض سياسية وأقتصادية جعلها هتلر حلاً لأزماته . لكن محرقة الأطفال العرب والمسلمين لا هدف لها ولا واعز ولا فائدة منها فهذه الشريحة من شرائح المجتمع غير مهيئة لا للهدم ولا للبناء لأنها بذاتها في طور البناء ولم تكتمل بعد قدراتها الجسدية والعقلية ، فهي محتاجة لمن يمدها بنسغ الحياة بالغذاء الصحي وبالتعليم وبالقدوة وبالتغذية الروحية والإنسانية المستمرة ، أما عملية تحويل هذا الطفل إلى رجل من خلال وضعه في المصانع العسكرية فهي جريمة إنسانية فهو مقتول قبل أن يكون قاتلاً ، وهو من يموت على قارعة الطريق في أحياء حلب أو بغداد أو الموصل أو صنعاء . وفي هذه الحال نحن أمة لا تستحق أن يولد لها طفل ، وما دام هؤلاء هم ليسوا نور الأمة وإمتدادها ومستقبلها ، وقد حكمت هذه الأمة على نفسها أن تكون بلا مستقبل حين تضع أطفالها في المحرقة ليُضيئ فنارها وهو لن يضيئ حتماً إلا قليلا .

18

خواطر -٨٠
حينما يُظلِم المرء من الداخل هل يبحث عن البريق

الدكتورة / ناهدة محمد علي

تسير المجتمعات الشرقية والغربية نحو التعتيم الداخلي للفرد  الغير مقصود لكنه يجري حسب ما تتطلبه الحياة المعاصرة ، فكلما كثرت المصانع والتكنولوجيا الحديثة  وكلما إزدادت الإنارة الخارجية وإنتشر شعاعها في كل بيت وشارع قلت الإنارة الداخلية للفرد العادي فهو لا وقت لديه لمحاسبة نفسه أو للحوار معها ، ولا وقت لديه لملاحظة وتربية أولاده ، ولا حتى لطبخ وجبته أو خياطة ثوبه ، فهو لا يستطيع الرؤيا من الداخل فنوره الداخلي قد بدأ ينضب زيته . فالمجتمع ينوب عن الفرد بكل هذا فهو يصنع له غذاءه ويربي أولاده ويحاور نفسه عنه ، فهنا لا يسمع الفرد نفسه ، ولن تقول له نفسه  هذا صحيح وهذا خطأ ، كما تقدم له شبكة المعلومات ما يحتاجه لصياغة ذوقه الخاص والعام ، فهي تحدد له ما يحب وما يكره ومن ينتخب ومن لا ينتخب ، وعلى هذا الأساس تأتي قراراته جاهزة مصنوعة من خارج إرادته ، فالقناعة هنا تُقسَر على الإقتناع ، والقرار هنا لمن يدير المجتمع حيث يدار كمصنع واحد في غرفة سيطرة واحدة وقد يدير هذه الغرفة رجل واحد أو مجموعة ميزت نفسها عن المجتمع بوسيلة القوة أو المال فأصبحت تدير عقول الجميع . وقد تدير هذه النخبة المجتمع نحو الإتجاه الصحيح أو إلى العكس . لذا أصبحت أذواقنا متشابهة ومعلوماتنا متناقلة وفكرنا واحد ، فقد يندفع مجتمع ما نحو حالة الحرب أو السلام ، وقد يندفع مجتمع آخر نحو العلو التكنلوجي أو النكوص الحضاري ، وقد يتسم مجتمع بشفافيته وإنسانيته بينما يندفع مجتمع آخر إلى الهمجية والقسوة والشراسة ، وليس بالضرورة أن يكون هذان المجتمعان يحملان إرثاً حضارياً لهذا أو ذاك ، بل هو صناعة مبتكرة قد يبتكرها قادة سياسيون أو شركات إنتاجية إحتكارية أو مفكرون مهووسون أو مفكرون يحملون مشاعل الحضارة الإنسانية الراقية . فالمنحنيات الحضارية والصعود الفجائي إلى الأعلى يحتاج أيضاً إلى فعل فاعل يدير حركة المجتمع سلباً أو إيجاباً .
أما في مجتمعاتنا الشرقية  فالأكثرية منا هم من يحملوا نوراً داخلياً وهم من يفكر ويحاور لكنه لا يحاور بصوت عالِ ، بل يبقى حوارهم الداخلي  خافتاً إلى حد الهمس ، فلا يساهم بتغيير ولا في إدارة حركة المجتمع ، وما أكثر هؤلاء في مجتمعاتنا الشرقية أو ما تسمى بالمسميات التالية ( المجتمعات النامية أو المتخلفة أو دول العالم الثالث ) ، فينكفئ وعاء النور لديهم ليحرقهم من الداخل متحملين آلام الحريق لكنهم لن ينبسوا بكلمة لأنهم ليسوا في مواقع التغيير وقد أحاطت بأنوارهم حُجُب كثيفة تمنع نورهم من الوصول إلى العالم الخارجي لكنهم يتهامسون أحياناً مع بعضهم البعض بهمس تحذيري يدق للآخرين الناقوس بقولهم الداخل إلى أراضينا مفقود والخارج منها مولود .

============================

19

لماذا يضع الإرهابيون اللثام

الدكتورة / ناهدة محمد علي

لقد تعود العرب الأوائل على وضع اللثام في حالة الرعي والحركة السريعة في الصحراء للحاق بعدو ما في حالة القتال ، إلا أن المقاتلين الصناديد كانوا يكشفون وجوههم للموت ، على عكس من يخشى الثأر كذلك يضعنه النساء المقاتلات ، ولدينا نماذج تأريخية من النساء مثل ( خولة بنت الأزور ) وغيرها . وهنا يُستخدم اللثام تحسباً من التعرف وقد يقي أيضاً من أتربة الصحراء وحرها ، ولا زالات هناك قبائل في المغرب العربي يضع رجالها اللثام دون النساء كقبيلة ( الطوارق ) لأسباب عرقية وتراثية وبيئية .
إن الكثير من الدراسات النفسية التي أجريت على الجنود المقاتلين  الأمريكان  وقوات الأمن قد أثبتت بأن وضع اللثام أو القناع يجعل الجندي أو رجل البوليس أكثر شراسة وقسوة وأكثر جموداً في تطبيق التعليمات وكأنه ( روبوت ) مشحون بها . ولكن لماذا يا ترى تلعب قطعة القماش الصغيرة هذه هذا الدور الخطير في تغيير وقولبة شخصية رجال الجيش والشرطة . والذي يحصل هنا هو أن مرتدي القناع يجب أن يخلع جلده الإنساني ليتحول إلى شخص لا ملامح له وغير معروف من قِبل الضحايا ، وهو في هذه الحالة يصبح مجهولاً لنفسه أيضاً ويتحول تلقائياً إلى سلاح أوتوماتيكي جاهز للإطلاق على الدوام ، وتسقط قيمه جميعها ما عدا غريزة حب البقاء ويبٍقى لديه ( البقاء للأقوى ) ومنطق القوة ، ويصبح بهذا رجل الأمن لا ماض له ولا مستقبل بل يقتصر وجوده على الحاضر والنقطة التي هو فيها ، ولا يعود يؤثر فيه ما قرأه أو درسه في السابق أو ما شاهده من مشاهد إنسانية ، بل يحيط به ظلام تام والنقطة المضيئة الوحيدة التي أمامه هي وجه عدوه .
إن وضع العازل والفاصل على وجوه هؤلاء يجعل هناك فاصلاً بينهم وبين الناس عامة وجميع أفراد المجتمع أو الجيش
المعادي أو المتظاهرين العزل ، ووضع اللثام يخلق للمقاتل الشرس نوع من الحماية الذاتية والتي تعطيه المناعة ضد الخوف وهو بهذا قوي بذاته لا بذوات الآخرين . إن الذي يحصل هو أن مشاعر هذا المقاتل قد تهبط إلى أدنى مستوى ولا يبقى لديه سوى عمليات حسابية لكم وماهية من يقف أمامه ويتحداه ، أين يتحرك وكيف ، وكيف سيواجهه ومبلغ القوة التي يحتاجها ، وهو بهذا يتحول كما ذكرت إلى ( روبوت ) إنساني من لحم ودم .
إن سبب وضع اللثام يعبر عن خوف المهاجم من ضحيته ومن التعرف عليه ، وخوفه أيضاً من تقابل وجهه الإنساني بوجوه أخرى قد تؤثر في إتخاذه لقراراته وقوة إندفاعه ، فوجوه الأطفال والنساء الخائفين عادة تعطي نسغاً إنسانياً ينتقل إلى وجه المقاتل ثم إلى قلبه وقد يتراجع أو يرحم ، فيقفل اللثام منافذ الرحمة ، ويصبح المقاتل أي واحد ولا أحد . إن الضحية لا ترى من المهاجم سوى عينيه وتقف قطعة اللثام هذه كحاجز أمام التواصل الإنساني . وقد توضع من قبل اللصوص والمجرمين فلا يتحرك أمامه سوى الهدف المادي المنشود والذي جاء اللص والمجرم من أجله .
 إن الواعز الوحشي الغير إنساني موجود فينا جميعاً وللأسف ولكنه بدرجات متفاوته جداً ، فقد يكون بدرجة غير محسوسة لدى البعض ودرجة واضحة عند البعض الآخر ، ولأجل هذا تلعب عوامل عديدة ذاتية وموضوعية . وقد أجريت بعض الدراسات على جنود وطلاب أمريكان وأستُخدم في إحدى التجارب العلمية فريقين من الطلاب ، أحد الفريقين إرتدى لثام والثاني أخذ يلعب بدونه ، ووجد الباحث أن مرتدي اللثام هم أكثر قسوة وخشونة من الفريق الآخر والبعض منهم أخذ يحاول تعذيب الفريق الآخر حتى أخذ البعض منهم يصرخ مستنجداً أمام الكامرة لإخراجة من التجربة . إن وضع اللثام يعطي قوة مضافة للمواجهة ولكي يستنفر ويتضخم لديه الإيعاز بالهجوم فوق الحوافز الإنسانية . إن هذه العملية برمتها تحول الجنس الإنساني إلى جنس ثالث لا هو إنساني ولا هو حيواني ، بل بينهما ، والفرق هنا هو أن الحيوان يقتل ليأكل لا ليتلذذ بالقتل ، أما الإرهابي فهو يقتل لأجل الطاعة ولأجل إخضاع الآخرين لعقيدته أو مبدئه أو دينه ويحرك كل ما حوله وفق مقاييسه . إن هذا يشمل كل الحركات العنصرية في العالم والذي يستخدم أفرادها اللثام ، فكما هناك حركات عنصرية إسلامية دينية هناك أيضاً حركات عنصرية لجميع الأديان الأخرى يتراوح لثامها ما بين الأبيض والأسود والأحمر ، كما هناك أيضاً حركات عنصرية عرقية لسيادة الرجل الأبيض  على ما عداه من الألوان ، وهناك أيضاً النازيون الجدد الذين يستخدمون شكلاً آخر من اللثام ، وكل أشكال اللثام وألوانه تصب في اللون الأسود والذي يُدخل مرتديه في بئر عميق مظلم ليغرق فيه بكل قيمه ويُسقط عنه جلده الإنساني ليعوضه باللثام الذي يخدر كل عصب إنساني فيه ويحوله إلى خشب متآكل .

20
المنبر الحر / جيل الملاجيء
« في: 17:53 12/09/2016  »
جيل الملاجيء

الدكتورة / ناهدة محمد علي

إن حصيلة النكوص الحضاري للأمة العربية هو خروج الكثير من أفراد المجتمع العربي من بيوتهم وإلى العراء ، لا كما كان العربي سابقاً يخرج بحثاً عن الماء والكلأ بل يخرج هنا بحثاً عن الطمأنينة وخاصة النساء والأطفال ، وقد تجرف السيول الأطفال لوحدهم فيهرولون لا يلوون على شيء ، وقد يبيتون في العراء لزمن طويل ، ولا فرق هنا أن تمطر السماء عليهم مطراً أو عرقاً ، أن تعوي الذئاب من حولهم أو يدغدغ هديل الحمام أسماعهم ، أن يجدوا ما يأكلونه على بساط الأرض اليابس أو أن يعضوا وهم جوعى على أطراف أثوابهم .
قد يفرق الهلع ما بين الأطفال وأمهاتهم فلا يجدون غير الملاجيء المهلهلة الباردة يأتون إليها من كل صوب ، يأتون إليها من بغداد ومن الموصل وكركوك والرمادي والفلوجة ومن حلب وحماه وحمص ، من مدن ليبية وتونسية وسودانية ، من فلسطين ولبنان وجنوب تركيا ، لا يجمعهم معاً سوى الرعب والهلع والحزن الطفولي الشارد الذي لا يعلم أين هو ولِمَ هو هنا . يختفي بعض الصبية منهم ، البعض يقول أنهم قد ماتوا في البرد القارص والبعض يعلم أنه قد جاء من يقتنصهم  ويذهب بهم إلى البعيد ، ظهر أحدهم وهو في الرابعة عشر من عمره  يحمل حزاماً ناسفاً في مدينة كركوك وظهر العديد منهم في معسكرات تدريب الأطفال من قِبل داعش في الموصل . مات العديد من الرضع وحديثي الولادة في هذه الملاجيء ، ولم يكن حزن الأمهات قاصراً على فقدان أطفالهم بل تعدى ذلك إلى خوفهم على أولادهم الصبية من أن يلتحقوا بالعصابات الغازية والتي تغزوا البيوت والمحلات ، ويُستهدف هؤلاء من قِبل قادة هذه العصابات لإستبعادهم عن مجال الشك والريبة من قبل السلطات الأمنية .
هناك فوارق جسيمة ما بين اللعبة السياسية الوسخة وما بين الواعز الإنساني النبيل ، فلِمَ يوضع طفل صغير مثل الطفل السوري ( عمران ) على كرسي الإعتراف لكي تصوره الفضائيات ولكي يتقاذفه السياسيون ويرجم به بعضهم بعضاً ، ولا فرق هنا أن يكون فوق رأس هذا الطفل أطنان من التراب والفزع والدم ، ولا فرق أن يكون الطفل واجماً لا يقوى على أن يقول للمصورين لِمَ أنا هنا ولِمَ تصورون ولِمَ أقبرتموني ، ولِمَ تخرجون ، لم يكن يستطيع السؤال ولم يكن يتوقع الجواب ، فالكل لاه في سبقه الصحفي ، والكل لاه في سبقه السياسي ، ولا مشكلة لديهم في كدمات الطفل أو دمائه الجارية .
يتعلم الطفل هنا أن يكون قاتلاً أو مقتولاً وأن عدوه الحقيقي هو الحضارة الإنسانية ، فقد يظهر في أي موقع حضاري ، وقد يظهر في أنقرة أو في بروكسل أو في باريس أو لندن أو في أي دولة عربية ، كما يُسخر العشرات منهم في تفجيرات بغداد .
إن من خلال ملاحظتي لوجوه هؤلاء الأطفال لا أجد فيهم تخلفاً عقلياً أو جنوناً وراثياِ أو مكتسباً ، بل أجد ما بين أعينهم الكثير من الهالات السوداء والتي تعتبر أول علامات التعاطي للمخدرات ، أو الـ ( كبسلة ) كما هو شائع . من هنا نستنتج بأننا نقحم أطفال المستقبل في ماضينا ونجعل ماضينا هو مستقبلنا وعلى هذا الأساس أيضاً لا يبقى لدينا حاضر ولا مستقبل ، لأننا الحاضر وهم المستقبل ، وكلانا ندور في محرقة الإرهاب والتخلف السياسي والإجتماعي .




21
لماذا لا يتخلص العرب المحدثون من سيف تأبط شراً

الدكتورة / ناهدة محمد علي

لا زال الكثير من أفراد المجتمع العربي المعاصر يحملون عصا الجاهلية ولا زالوا يهشون بها على غنمهم ، وقد يكون الغنم أسرتهم أو أصدقاءهم أو موظفيهم ، ولا زال فيهم عنصر الرغبة في القنص والصيد ، لكن من يقع في الشباك هم بشر مثلهم ، ولا زال الغزو تجارتنا الرائجة ، وقد يغزو الأفراد بعضهم بعضاً  وتغزو أيضاً الدول العربية بعضها البعض الآخر ، ولا مانع أن يكون أحدنا أُمياً لكي يعلمنا القراءة ، أو دونياً لكي يعلمنا كيف نعلو ، وكيف نعلو ونحن لا زلنا نمسك بسيف ( تأبط شراً ) ، والذي كان يغزو البدو الرحل ليقتلهم وليحصل على قوتهم القليل ، ولا ينجو من كيده حتى الأطفال والصبية وحتى لو هربوا وإستخبوا فهو يلاحقهم ليقتلهم وهو عالم تماماً بأنه لن يجد في جيوبهم شيئاً ولا حتى في بطونهم .
 إن من يستطعم طعم الدم قد مرّ بمرحلة قصيرة تحول فيها طعم الدم من مالح مج إلى حلو المذاق .
تعود العربي أن يحصد أكثر مما يزرع وأحياناً لا يزرع شيئاً ويرغب في الحصاد وهو في هذه الحالة لا يحصد سوى ( العاقول والصبير ) والذي أدمى أيدينا وأقدامنا ، وكلما يبس جرح إنفتح آخر حتى إمتلأنا بالجراح وأصبح كلنا ( فرنكشتاين ) ، وأمسى البعض الآخر يمشي كمومياء ملفوفة بالضمادات ، وقد تمشي هذه المومياء بلا عيون فتصطدم بنا كل يوم . نجد من هؤلاء الكثير ما بين الرمادي وحلب وما بين الموصل وبغداد ، وبين سيناء وبيت المقدس وبنغازي وطرابلس   ، والكل يركض هناك إلى ميقات حتفه  ، لا يحملون معهم قطرة ماء بل يتطلع الكل إلى السماء وينتظر هطول المطر ، وحين لا يأتي المطر يركض الجميع عشوائياً يميناً ويساراً ولا يجدون أمامهم سوى أنابيب النفط الحارق فيحرقون بها الصحراء ولا يرتوون مرددين قول الشاعر ( إذا مت ضمآناً فلا نزل القطر ) .
إن الكثير من العرب المعاصرين يخبئون أكفان الموتى تحت جماجمهم ، فهم غير مستعدين للحياة ومؤهلين للموت ولا يدري أحدهم من أين سيأتيه الموت ، هل من بين يديه أو من خلفه ، من فوقه أو من تحته ، ولا يدري لِمَ يحمل بين يديه حياته وشهادته وبيته وعائلته فقد تتناثر هذه في الهواء في أية لحظة يشاء فيها البعض الآخر ، ويترصد بعضنا بعضاً ، ونتعلم من بعضنا البعض كيف نحترم موتنا لكن أحداً لم يعلمنا كيف نحب حياتنا ونقدس كل يوم يمر بنا .
يُعلم العالم المتحضر أطفاله وكهوله كيف يسيرون في حديقة الزمن وكيف يحترمون الأرض التي يمشون عليها وكيف يثمنون وجودهم فيها ، ويعشقون كل ما فيها وأثمن ما فيها وما عليها وهو الإنسان .



22


الدكتورة / ناهدة محمد علي

أما السؤال السابع  فقد أجابت القاصة شبر : بأن الإعلام العربي ظل يعزف على أوتار العاطفة والطائفية والعشائرية ، وإستغبى القاريء بأخبار تعوزها المصداقية وأشعر المواطن العربي بأنه مهمش ومقيد بالكثير من النواهي والقيود وأصبحت الشخصية العربية تعيسة لم تحقق ما حلمت به طويلاً . أما جواب الشاعرة الفارس عن هذا السؤال والذي ( راق لي ) وقالت : رغم أنه من الصعب أن ينمي الإعلام العربي الشخصية العربية لكن هناك محاولات فردية تسعى إلى تطوير الشخصية العربية ، لكن هذا هو كألعزف على آلة موسيقية وسط ضجيج المكائن وصراخ الناس .
أما السؤال الثامن وهو حول الإعلام الأكثر تأثير على رجل الشارع هل هو الإعلام الغربي أم  العربي ، إتفقت الإعلاميتان شبر والفارس على أن المصداقية والثقة مفقودتان في الإعلام العربي ومن الصعب حسب رأي الفارس أن يولي رجل الشارع الثقة لمؤسسة تسيّرها المصالح الحزبية أو الفردية والدينية . وبرأي الإعلاميتين بأن الإعلام الغربي لا يخلو من الترويج والدعاية المفبركة ومن السذاجة أن نوليه كامل الثقة .
يأتي السؤال التاسع حول الميزة الإعلامية للإعلام العربي في بداية القرن الحادي والعشرين أجابت الفارس : بأن الإعلام العربي إتجه إلى الشكل دون المضمون الفكري أو الرسالة الإعلامية وأبسط مثال على ذلك هو برامج الأطفال في القنوات العربية والتي تبلد الطفل وتحصره في دائرة اللون والصورة لجذبه دون التفكير في تقديم رسالة ثقافية أو فكرية .
أُضيف إلى ما قالته الفارس وهو أن التطور الإعلامي هو جزء من التطور العالمي للإعلام والقفزة النوعية الشكلية والضمنية للإعلام ، لكنه وللأسف وبسبب مشاكل الأمة العربية السياسية والإقتصادية لم يُعطى الإهتمام الكافي للمضمون الإعلامي بل بقي مقنن ومبرمج حسب الرغبات الحكومية والسلطوية وأُعتُني بالشكل والتصميم الخارجي وإضافة الألوان المبهرجة لجذب القاريء إلى ما يريده رجل السلطة وهذا يتبع الفضائيات أيضاً حيث إختفت أسماء المخرجين وكتاب السيناريو العمالقة وظهرت أسماء تركض وراء زحام شباك التذاكر ولا تعير إهتماماً للنصوص الأدبية والفنية . والإعلام هنا هو بوتقة لكل أنواع الفنون والآداب كما هو صناعة محكمة ، وقد تستورد هذه الصناعة أداتها لكنها لا تستطيع أن تستورد العقول التي تدير هذه الصناعة . إن ثروة الإعلام الحقيقية هو في كم ونوعية الكتاب والمخرجين  والممثلين والرسامين والموسيقيين والذي يجب أن يُخرج منهم أفضل ما لديهم وأن يوفر لهم الإعلام الرعاية الثقافية والمادية والأمنية ، كما يستطيع الإعلام أن يرتفع بالبعض منهم فيظهر في القرن الحادي والعشرين فنانون وأدباء قرناء لفناني وأدباء القرن الماضي مثل ( يوسف شاهين وتوفيق صالح  ويوسف إدريس وحنا مينه والماغوط ) . إن عمليات الهدم الثقافي والحضاري قد جاءت مع هدم البنى التحتية والإقتصاد العربي بسبب الحروب الخارجية والمحلية وغياب الديمقراطية الحقيقية والتي هي الحاضنة الطبيعية لنمو جيل جديد من المبدعين والمثقفين الإعلاميين .
وحول السؤال العاشر كان رأي الإعلامية الفارس : بأن النص الإعلامي الناجح قد واجه ردعاً حكومياً وشعبياً ، كما أن هذا النوع من  النصوص هو قليل ويحتاج إلى تكاتف جهود المبدعين . أما شبر فتقول : بأن النص الهزيل قد إنتشر مؤخراً كما أن الشهادات التقديرية والدروع تمنح لغير المستحقين والذين يمثلون دولهم في المهرجانات تمثيلاً سيئاً . كما أن تعدد الفضائيات والتي ينفذ كل منها أجندة معينة جعلت القاريء والمشاهد في حيرة من أمره ، فهو لا يدري يكذب مَن ويصدق مَن ، ويلتجأ القاريء هنا إلى شبكات التواصل لإرضاء قناعاته ولشغل وقته . وأجابت على هذا السؤال الأستاذة الإعلامية نزهة صادق بقولها : أن العالم العربي بكل إعلامه ونظمه بقي عصياً على الديمقرطة ، لذلك فمعظم النصوص الإعلامية الناجحة والتي تدعو القاريء العربي إلى طرح الأسئلة العميقة حول حقائق تخص حياته ووجوده لم تلق سوى الردع الحكومي ، أما الشعب فجزء كبير منه مخدر بوسائل متعددة وقد جُهز تأريخياً لهذا منذ أن أُفرغ التعليم من محتواه الحقيقي . وأُعقب على جواب الأستاذة نزهة بأن التعليم النظري قد حصر عقول الطلاب في مواد الحفظ الغيبي وهذا يشمل الآداب والعلوم ، ولهذا قلت دائماً بأننا ( أمة أدب لا علوم ) ، وأدبنا هنا هو حضارة فوقية والتي لايمكن أن ترتكز وتُبنى إلا على حضارة تشمل تطوير الإقتصاد وتطوير الموارد الطبيعية وإستخدامها إستخداماً علمياً .
وحول سؤال الطموح الإبداعي لللمتحاورات وإمكانية القفز فوق المستوى الإعلامي أجابت الأستاذة نزهة : إن الإبداع لا نهاية له إلا أن المساهمة الفعلية في تشكيل الرأي العام وتطويره ليست بالأمر الهين ، ولا يكفي للإعلامي أن يكون ملماً لما يقع في العالم بل يجب أن يكون باحثاً مجداً ومطلعاً على أهم الأنساق الفكرية المؤسِسة لصورة الواقع .
أما الأستاذة شبر فتقول : لم أبلغ طموحي ولا أستطيع القفز فوق المستوى الإعلامي  ولا أستطيع أن أظفر بالقاريء النوعي ، ولهذا أكتب محاولة التلاؤم مع المستوى الفكري للقاريء . يهمني القارىء العراقي ثم ألعربي وحلمي بأن تترجم أعمالي إلى اللغات الحية .
وعلى هذا السؤال أجابت الأستاذة الفارس : لو بلغت الطموح لتوقف العطاء وما زلت مصرة على تحقيق الطموح ، والهدف هو إخراج العقل العربي من التبعية والتقوقع وزرع الثقة بأحقيته بالتفكير الحر والتحليل المنطقي دون إتباع ما يفرضه المجتمع والموروث . ثم ذكرت الفارس ما وضحته بإحدى المقابلات التلفزيونية بأن العقل هو كل ما يمتلكه الإنسان وهو ميزته الوحيدة ويجب أن يقفز هذا العقل من قوقعة الممنوعات والتحجيم والتدجين الإجتماعي والديني الموروث بما منحتنا إياه الطبيعة من تفوق .
وعلى أجوبة المحاضرات أضيف : إن القفز فوق المستوى الإعلامي ليس مستحيلاً وينطبق هذا على كافة مجالات الإبداع ، فكل مخترع قد قفز فوق من قبله من العلماء ، وكل أديب فذ قد قفز فوق الأجيال السابقة ، والإعلام هو مجمع للصناعة والعلوم والآداب ولا بد لبقائه من أن يتفوق على نفسه ، وإن فقد الديناميكية يفقد الإستمرارية ويضمر ، لذا نجد الكثير من الأدباء ممن يظهر فجأة ويختفي فجأة ، كما أن الكثير من المواقع والفضائيات تظهر أيضاً ثم تختفي ، والسبب الأساسي في ذلك هو أنها كررت نفسها وفقدت القدرة على تجاوز الآخرين وأصبحت نسخة من غيرها فهمشها القارئ والمشاهد . ومهما كان الوعي الثقافي بسيطاً لدى الأفراد إلا أنه يبقى لديهم الوعي الفطري بين الغث والسمين ، وإن كان المتلقي العربي لا يتعاطف بسهولة مع المستوى النوعي الجيد للنصوص إلا أنه ينبذ السيء منها فطرياً وتلقائياً .
وحول السؤال الأخير والذي هو فحوى الحوارية ، وحول إمكانية الإعلامي المبدع في أن يخلق قيماً وسلوكاً راقياً للفرد العربي لكي يتخلص من العدوانية والشراسة والتوجة الميكيافيلي  ولإيقاف النكوص الحضاري والسلفية . أجابت الأستاذة الفارس : بأنه لو تكاتفت جهود القلة الواعية حاملي الرسالة الإعلامية والإنسانية ليكون صوتهم قوة مسموعة ومؤثرة مع إعطاء الصورة الحضارية المثالية يكون ممكناً على هذا الأساس التغيير الفكري نحو النوعي الحضاري التطوري ونحو السلام الإنساني . وافقتها الأستاذة نزهة وأكدت على أنه على المدى البعيد يمكن خلق قيم وإعادة صياغة المعنى للفرد العربي في نسق ينبني بعمقه الذهني والتقبل الغيري والذي يستوعب الآخر للعيش المشترك في وطن واحد  يؤمن بالإنسان ، كما يجب أن تكون هناك رغبة سياسية في إعادة ترتيب العلاقة مع الماضي وخاصة مع الإستبداد والإعتراف بمواطن الخلل حتى يتم تجسيدها وتجاوزها ، ولن يتم ذلك إلا بإستنبات لمفهوم الحرية ، لأنها سؤال عن حاضر الإنسان وعن مصيره ، بل وعن ماضيه وكيفية وعيه لذاته كما قال الكاتب ( أحمد برقاوي ) في مؤلفه ( مقدمة في التنوير ) .
حرية الإعلام أصبحت اليوم ضرورة راهنة لإعادة تأسيس تأريخ جديد والذي ما هو إلا مسار وعي الحرية بذاتها حسب تعبير ( هيكل ) ، وهذا الوعي لن يتأسس بعيداً عن بناء تأريخه لمفهوم الحرية عبر كل المؤسسات وأهمها الإعلام ، وبهذا سيكون الإعلام لبنة لمؤسسة الشفافية عوضاً أن يصبح ساحة لتضليل الرأي العام وتصفية الحسابات السياسية .
أما الأستاذة شبر فأجابت : بأنه يوجد في العراق عدد من الإعلاميين المبدعين الذين يطمحون لتغيير واقع الجماهير لكن هذا يحتاج إلى تضافر جهود الإعلاميين  والأدباء والعلماء والفنانين ، ويحتاج إلى تغيير البرامج الدراسية ، وإلى قوانين تضمن للمواطن حقوقه ، ويمكننا هنا أن نحلم بأن نخلق قيماً وأخلاقاً وسلوكاً راقياً للفرد العربي .
بعد أن إستمعت وإستمتعت لجميع إجابات المتحاورات أقول : بأن إمكانية خلق إنسان عربي جديد بعقلية ومنطق علمي وقيم إنسانية لا تقبل المساومة في إستعادة الأجزاء النقية من التراث العربي وربطها بالواقع المعاصر وإن حصل ذلك فستتميز جميع المؤسسات المحلية بالطابع العلمي والإنساني ، وأي خلل يكون في هذه المؤسسات الإقتصادية والعلمية ستنعكس على واجهة الإعلام ، فالإعلام مرآة صافية لما يحدث على أرض الواقع ، وليس غريباً أن هذا يشمل حتى المؤسسات الإعلامية التي لا تتميز بالشفافية التي تستمد عدم شفافيتها من خلال مؤسسات الدولة وأسلوب إدارتها ، لذا ينضح الكأس بما فيه . ولا نستطيع أن نلوم المؤسسة الإعلامية فقط لقلة مصداقيتها أو قيمها فهي رافد من روافد الشبكة المؤسساتية الحكومية إن صلُحَت تلك صلُحَت هذه ، أما المواقع الحرة ذات التمويل الفردي المحلي أو الخارجي فهي إن لم تتبع التحزبات السياسية أو الدينية المتطرفة فهي بألف خير وهي منبع حقيقي لتنوير الفكر العربي ، لكنها كما ذكرت تحتاج إلى إقامة قاعدة مادية متينة تساعد على القضاء على البطالة والتقهقر الإجتماعي والإقتصادي ، وقتها تفرز هذه القاعدة المادية قيماً جديدة ونظيفة لا تنبني على مجتمع إستهلاكي فقير وتخرج إلى الضوء سلوكيات عربية لا تحمل مبدأ الشوفينية أو الإعتزال عن الأمم الأخرى ، وتخرج بمباديء إنسانية ملونة بألوان التراث العربي وهذه لا تولد كما ذكرت من التيارات الهوائية بل من التيارات الفكرية الأصيلة والتي تفرزها القاعدة المادية لمجتمع الإنتاج لا  الإستهلاك ، وهنا يستلم الإعلام الراية أو الواجهة ليغرز ويكرس للقيم الجديدة ، ومن المعلوم إجتماعياً إن القيم القديمة لا تموت فجأة والقيم الجديدة لا تولد أيضاً فجأة ، بل تحتاج إلى وقت وعناء ، وأمامنا الكثير من الأمم التي نهضت من خراب الحروب الطاحنة كالأمة الإنكليزية والفرنسية والألمانية واليابانية والروسية ، ثم بنت بعدها إقتصاداً قوياً ثم نظاماً تربوياً وإعلامياً راقياً ساهم في بناء شخصية جديدة للفرد تعتمد على المنطق والعقل والفكر الإنساني ، ويعكس إعلامها صور النجاحات والإخفاقات بمصداقية وثقة عالية وإحترام للمُلقي والمُتلقي من أفراد المجتمع .

23
رائحة الدم والعنف في الدراما الرمضانية

الدكتورة / ناهدة محمد علي

كانت الدراما الرمضانية تتوجه من قبل نحو محاولة إحياء المثل العليا والقيم الطيبة في نفسية المشاهد العربي ، وما كنا نراه في دراما المشرق والمغرب العربي هو إظهار للجانب الخير في التراث العربي والإسلامي والتذكير بقيمه النبيلة فيما يخص العلاقات العامة في المجتمع العربي وعلاقة العوائل العربية مع بعضها البعض وحتى مع الأجناس والأديان الأخرى . كان المجتمع العربي وقتها يعيش حالة من الركود والهدوء الإجتماعي رغم التخلف الإقتصادي ولم يكن هذا التخلف قد زعزع بعد القيم العربية الطيبة في إكرام الضيف والإحسان الإجتماعي ومصالحة الأعداء ، وكانت التجمعات العائلية توثق الصلات المجتمعية . قد كان هذا قبل حدوث التقلبات السياسية والتي إعتمد معظمها على قوة الحديد والنار ، وإستشرس الجميع على الجميع ، وأصبح القول الفاصل ( نفسي وما بعده الطوفان ) . وجاءت التكنولوجيا الغربية والتي وُضعت أصلاً للتوسع المعرفي أفقياً وعمودياً ، إلا أنها أستخدمت في المجتمع العربي وخاصة في مجال الإعلام والفنون وتكنولوجيا التواصل الإجتماعي إستخداماً سطحياً ، وتحولت العلاقات الإجتماعية من اللقاءات الحية إلى جلسات الغرف المغلقة والمظلمة على صفحات الفيسبوك . لقد أخرجت حركة المجتمع العنفية لاحقاً دراما إنسانية ليست بإنسانية ، وخاصة في الشهر الذي يُفترض أنه شهر الخير ، فظهرت في الدراما المصرية والخليجية والأردنية مظاهر تكرس الثأر وحب السطوة والنفعية ، ولا تعالج بقدر ما توحي للشباب بالسير خلفها . وتظهر في كل سنة أجيال من المسلسلات التي تروج للعنف ولا تبقى في الذاكرة طويلاً ، وهناك أسماء كثيرة لهذه المسلسلات الحضرية والبدوية وحتى التأريخية منها مثل الدراما المصرية ( ٧ أرواح ) أو ( الخانكة ) أو ( ونوس ) أو ( وعد الغريب ) أو ( سمرقند ) .
حين يتابع المشاهد العربي هذا النوع من الدراما على مائدة الإفطار يشم منها رائحة الدم والكراهية ويمضغها مرغماً مع طعامه ويكاد لا يبتلعها ، إذ أن ما يخرج من بين السطور هو الكثير من قيم الشر التي قد يسقطها المشاهد على نفسه ويستوعبها الشباب خاصة ويتقمصون شخصياتها التي لا توحي بالخير .
إن الفنون عادة هي إفراز حقيقي لحركة المجتمع الإقتصادية والسياسية والإجتماعية ، وكلما أصبحت ظاهرة العنف متعارفاً عليها ومتعوَداً عليها كلما إتصلت بكل مظاهر الحياة في ذلك المجتمع حتى أنواع الرياضة المرغوبة ، وتبرز كذلك في مجال الأدب والفن ، فالمخرج وكاتب السيناريو هو جزء من ذلك المجتمع ، ويفرز جميع إفرازاته إلا عباقرة الفن والأدب ومن يستشرفون المستقبل ويخططون لغد أفضل ، فيكتب ما يجب أن يكون ، ويرسم ويُخرج ويصور ما يجب أن يكون أكثر مما هو كائن ، إذ قد يُظهر المؤلف أو كاتب السيناريو الظواهر السلبية لكنه يضع علاجاتها وأدوات هذا العلاج ونتائجه لكي لا يغرق المشاهد في هوة من السلبيات ، أي أن يُظهر إحدى الظواهر مثل ظاهرة العنف ضد النساء لكنه لا يدع المشاهد يتمتع طويلاً بمظاهر العنف حتى يصبح سادياً ، بل يقفز فوق هذه الظاهرة سريعاً لكي يقدم البديل الأفضل ويضع النقاط على الحروف لكي يفهم المشاهد بأنه لا طائل من العنف أو القسوة المجتمعية .
إن الكوارث الإجتماعية التي تعيشها الشعوب تفرز دراما مأساوية أو تراجيديا إنسانية ، وما عاشته مثلاً بعد الحرب العالمية الثانية الأمة الألمانية والروسية والفرنسية قد أظهر الملامح الإنسانية المأساوية في الدراما المُنتجة بعد الحرب ، لكنهم تعدوا هذا بسرعة لكي لا يسقط الفرد العادي الخارج من الحرب للتو في فخ آخر إسمه الهبوط النفسي أو التفكير المتواصل للإنتقام ، وهذا ما يربط أيدي وأرجل الفرد ويجعله غير قادر على البناء والتطور وإستيعاب مشاكله الإقتصادية ، لذا إستطاع الإنسان الأوربي بشكل عام أن ينسى كوارثه الإجتماعية ويجعلها في الذاكرة فقط موثقة في الدراما وفي الأفلام الوثائقية وتعدى ذلك إلى ما هو أفضل لبناء القيم الجديدة لمجتمعات تنهض من تحت ركام المدافع وتجعل حياة أبنائها حياة أفضل بأفكار وقيم لا تنبعث منها رائحة العنف والدم .
 


24
عودة الطفل العراقي إلى مرحلة الإلتقاط

الدكتورة / ناهدة محمد علي

لا أود هنا أيها القاريء الكريم أن أُدرج إحصائيات وضعتها المنظمات الدولية أو الحكومية عن عدد الأطفال الجوعى أو المتسربين من مدارسهم أو كم يموت منهم سنوياً في العراق ، لكني أود أن آعرض صوراً تتكلم عن أوضاع الطفولة العراقية حيث تهرول أسراب طويلة من الأطفال إلى ساحات العمل أو إلى ساحة الباعة المتجولين أو ساحات الشواذ والتجنيد الإرهابي .
تقول هند : أنا طفلة في الثالثة عشر ، زوجني أبي إلى رجل بالخمسين ولديه زوجتان ، وإشترط الرجل على أبي  أن يبقى الزواج سراً ولفترة شهرين ، وأنا لا أعلم الآن هل أنا متزوجة أو لا .
ويقول وليد : أخرجتني أُمي من المدرسة لكي أعمل في ورشة للنجارة . أعود بعد السادسة إلى البيت مع بعض الطعام لأمي وإخوتي ، لا يسترنا البيت من الحر أو البرد لكننا لا زلنا أحياء فيه والحمد لله .
قالت سمر : أنا طفلة في الثانية عشرة أنهض مبكراً في حوالي الساعة السادسة صباحاً إلى مدافن المزابل مع بعض الأكياس الكبيرة ، ويخرج معي الكثير من الأطفال لإلتقاط بعض العلب أو بعض الأدوات الصالحة للإستعمال ، وبعض الأوراق وعلب الكارتون والكبريت وعلب المشروبات الغازية والأطعمة وهي مطلوبة للبيع ، وأكثر ما يسرني هو أن أجد بعض أعقاب السكائر لأبي وبعض أعقاب الصمون . قد نتعارك قليلاً أنا والآخرين لكننا نعود إلي بيوتنا متصادقين .
رفع حميد عينيه المتسمرتين على الأرض ، ثم جمع شجاعته ونظر في وجهي وقال : أنا طفل في الثانية عشر أجلس كل يوم منذ الصباح وحتى المساء في مقهى للشواذ لا أحمل في جيبي طعاماً سوى بعض السكائر ، أعمل لوحدي وأحياناً أحتاج إلى مساعدة السمسار الذي يأخذ معظم أجري ، تعلم أمي بالأمر لكنها تقول هذا أفضل من أن أقدم أخواتك للسمسار ، ضحك الجميع ولم يُعقب أحد منهم .
قال زاهر أنا أعمل دليلاً لأحد اللصوص الكبار ، أُراقب البيوت الفارغة وبيوت الأغنياء ، ويتطلب مني هذا وقتاً طويلاً وبعض أجور النقل والتي يتكفل بها العم جواد والذي أعتقد أن هذا هو ليس إسمه الحقيقي ، وإذا مُسكت أو أُلقي القبض عليّ فهو من يخرجني بمساعدة بعض أصدقائه من ضباط الشرطة .
خرج صوت هاديء ومُتعب وكأنه بكاء متقطع من طفلة قالت أنها تُدعى جميلة وهي في الحادية عشر ، قالت : أنا أعمل في متجر للخياطة تملكه إمرأة هي أصلاً مديرة مدرسة للبنات ، وقد إلتقطتني من بين الطالبات لشطارتي في ( درس الفنية ) وقد علمتني مهنة الخياطة لكنها تقوم بضربي كلما أخطأت في وضع الأزرار وكلما إنكسرت إبرة الماكنة ، لكني شاكرة لها لأنها تساعدني بدفع مصروف البيت بالأجرة التي تعطيني إياها .
أخيراً قال نور الدين : أنا في العاشرة ويدعونني نور ، أعمل مع أبي في فتح ( بالوعات البيوت ) وأحياناً المجاري العامة ، يستخدمونني لصغر حجمي لذا يربطونني بحبل سميك وينزلونني إلى البالوعة لإخراج ما بها من أوساخ . يعلم أبي خطورة الأمر ولكن لا مصدر آخر للعيش لدينا . قبل شهر إنزلق أحد أصدقائي في داخل البالوعة وإنحل الحبل من حول وسطه ولم يستطيعوا إخراجه وإبتلعته البالوعة ، حزنت كثيراً وأرعبني الأمر لكني لا زلت أعمل في نفس المهنة مع أبي .
هذه كانت باقة ورد طفولية خشنة تتكون من أطفال عراقيين يعيشون في القرن الحادي والعشرين وفي زمن يدرس فيه الإنسان تربة المريخ والزهرة ، وفي بلد يبلغ واحد من ثلاث أكبر إحتياطيي النفط في العالم . لقد إنطفأ البريق من عيون هؤلاء الأطفال وأُسكتت مشاعرهم ، وتعودو بأن لا يتألمو وأن لا يصرخو ، بل كان المهم أن يكون لديهم صحن مليء بالطعام يتناولونه بعد طول عناء . يخرجون صباحاً وهم لا يعلمون ما ينتظرهم خلف الأبواب ولا بد أن يكون لديهم أظافر طويلة لكي يحفروا عميقاً في الأرض علهم يجدون الماء الذي يرويهم . يحكم هذه المجتمعات الطفولية قانون الغاب والذي يحكم بأن تصطاد أو تُصطاد .
ملاحظة : إكتشفت أن جميع هؤلاء الأطفال يضعون تحت وسائدهم صوراً لبيوت نظيفة فيها الكثير من الطعام واللُعب والمحبة والطمأنينة ، تتوهج فيها السعادة الطفولية  وتبتسم أفواههم وتظهر فيها أسناناً لؤلؤية براقة ناقصة أحياناً لكنها تنبت في مكانها الصحيح بلا إعوجاج أو نخر .



25
إزدياد ظاهرة العنف ضد المرأة بعد الربيع العربي

الدكتورة / ناهدة محمد علي


إن العنف ضد المرأة هو ظاهرة عالمية لا تتحدد بدولة أو قارة دون أخرى ، ولا بدولة فقيرة أو غنية ، ولبيان ذلك سنورد بعض الإحصائيات عن هذه الظاهرة ، ففي كندا مثلاً ٦٠٪ من الرجال يمارسون العنف وهو على الأكثر عنف أسري ، ٩٥٪ من ضحايا العنف في فرنسا هم من النساء ، ٦٦٪ من ظواهر  العنف في الهند هي عنف عائلي ، وتبلغ نسبة المُعنفات في البيرو ٨ نساء من كل ١٠ ، كما تبلغ نسبة النساء المتعرضات للعنف في تركيا ٦٠٪ وهن فوق سن الخامسة عشرة ، ونصف هؤلاء النساء قد تعرضن للضرب المستمر والعنف الأسري . وتتحدد أسباب العنف  ما بين الظروف الإقتصادية والإدمان على الكحول والمشاكل الأسرية وقلة مستوى الوعي عند الطرفين  .
إن ضحايا العنف من النساء لا يقاومن العنف بعنف مماثل ، وتتحدد أساليب الدفاع ما بين ترك البيت لتفادي العنف أو اللجوء إلى المحاكم القضائية أو الأقارب لحل النزاع ، ولا تطلب معظم النساء الطلاق خوفاً على أسرهن . ولا يخفى ما يعانيه الأطفال من مخاوف ورعب مستمر بسبب النزاعات العائلية .
 أما في العالم العربي فقد كان العنف الذكوري قيمة إجتماعية قديمة تميز بها المجتمع العربي لقرون عديدة قبل ثورات التحرير وبعدها . وقد أُعطيت بعض الحقوق الديمقراطية للمرأة بعد ثورة يوليو في مصر وثورة ١٤ تموز في العراق وبعد تحرير الجزائر وظهرت قوانين جديدة للأحوال الشخصية وأعطيت للمرأة بعض الحقوق في العلم والعمل والإنتخاب . وجاءت بعدها الإنتكاسات ثم ظهرت ثورات الربيع العربي فقفز مؤشر العنف إلى أعلى وخاصة بعد أن سُحب البساط من تحت أرجل الثوريين وأبتُلعت الثورة في مصر وتونس والعراق وليبيا . وبعد الآمال التي علقها الشباب على الثورة ظهرت ظواهر إجتماعية خطيرة منذ ٢٠٠٤ ، فقد أصبح سن الزواج القانوني في الضفة الغربية ١٥ سنة ، وقد تعرضت ٥١٪ من نساء غزة في عام ٢٠١١ إلى العنف المحلي ، ولا ينص القانون اليمني على سن محددة للزواج ، والكثير من المتزوجات قد تزوجن قبل سن الخامسة عشرة .
حسب تقرير تومسون رويترز حول وضعية المرأة العربية تبين أن أوضاع المرأة في الدول العربية في تردي مستمر وضمن ٢٢ دولة عربية جُعل تسلسل التقرير من الأفضل نحو الأسوأ . والدولة الأفضل في رعاية شؤون المرأة هي دولة جزر القمر على فقر مواردها ثم دولة الكويت وسلطنة عُمان . أما الأسوأ فهي مصر وتقع في المرتبة ٢٢ ، أما المرتبة الـ ٢١ فكانت  للعراق ، وهكذا أصبحت  الدول التي كانت رائدة من رواد ثورة التحرير والديمقراطية وهي مصر والعراق في مؤخرة الدول التي ترعى أوضاع المرأة العربية وخاصة بعد ثورة الربيع العربي والتي تفاءلت بها المرأة العربية لكن الخطاب السلفي قد ختم على المرأة بالشمع الأحمر وجعلها تنحسر متراجعة إلى بيتها خوفاً من القتل العشوائي والمحاربة الإجتماعية والأوضاع الإقتصادية المهزوزة . وليس من الغريب أن تُهمش المرأة في مصر وهو البلد الذي تجري فيه الآن عمليات الختان على حوالي ٢٧ مليون إمرأة ، وقد نجحت في الإنتخابات من مجموع ٩٨٧ مترشحة ٩ مرشحات فقط في ٢٠١٢ . أما في العراق فتتراجع أوضاع المرأة بشكل مستمر وتطفو على السطح ظواهر كانت موجودة من قبل مثل عدم الإذن بالحصول على جواز سفر إلا بموافقة الأهل ، كذلك عدم السفر إلا بإذنهم وإزدياد حالات الزواج من القاصرات والزيجات الصورية مثل الزواج العرفي والمسيار وزواج المتعة . وظهرت أيضاً ظواهر جديدة على المجتمع العراقي والعربي بشكل عام مثل إنتشار تجارة الجسد بسبب إنتشار البطالة وسوء الأوضاع الإقتصادية ، وتنتشر رقعة ومساحة هذه المهنة بسرعة بظهور شريحة من السماسرة المروجين لها ، وعلى هذا الأساس كثُرت ايضاً جرائم الشرف وإزدادت نسب حالات الطلاق مع عودة ظاهرة تعدد الزوجات رغم سوء الحالة الإقتصادية . ويفرز هذا وضوحاً مؤلماً يبين مستوى الإهتزاز  الزلزالي لقشرة المجتمع العراقي ونواته والتي هي العائلة .
إن الخطاب السلفي السياسي قد ركز على الكسب السياسي كما ركز على وسائل هذا الكسب وإعتمد على التصعيد الذكوري والتهميش الأنثوي ، وكأن غمط حقوق النساء كانت هي الورقة الرابحة لكسب أصوات الذكور والتأكيد على الطاعة ثم الطاعة للرجل لكسب الرضى السياسي . وظهرت المرأة وكأنها العائق أمام تقدم الرجل وهي من ترفع شرفه إلى أعلى أو تكبسه إلى أسفل ، وهي ايضاً من ينافس الرجل في المواقع الإقتصادية . ولعبت النزاعات المحلية والطائفية دوراً في إرهاب المرأة وجعلها تفضل الرقود في البيت على مناطحة الرجال ، لذا تتقاعد الآلاف من النساء لأسباب صحية مفتعلة لكي تنجو بجلدها من إرهاب الشارع والدولة . وقد عاد الرجال السلفيون إلى أحكام الجاهلية لجعل المرأة وحركتها عورة تدعو إلى الخجل منها ، وقد فندت ذلك الآيات القرآنية  بقوله تعالى في سورة النحل ( وإذا بُشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ، يتوارى من القوم من سوء ما بُشر به أيُمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ) . وفي قول للنبي ( ص ) ( إنما النساء شقائق الرجال ) ولم يقل عبيد للرجال . وهناك الكثير من الآيات القرآنية التي نفت دونية المرأة .
 إن الكثير من الأدبيات والتقارير للمنظمات العالمية قد حاربت التمييز على أساس الجنس منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام ١٩٤٨ ومنذ إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة ١٩٧٤ والذي يؤكد على حماية النساء والأطفال في حالات الطواريء والنزاعات المسلحة خاصة نساء الأقليات . وقد أكدت منظمة الصحة العالمية على أن ٨٠٪ من القتلى في النزاعات المسلحة هم من النساء والأطفال ، ويثبت هذا ما حصل في شوارع بغداد والقاهرة بعد ثورة الربيع العربي .
من هذا كله نخلص إلى أن أوضاع المرأة العربية قد تراجعت بعد الربيع العربي بسبب إحتواء هذه الثورات من قِبل غير الثوريين ، لكن هناك عوامل مساعدة هي في الواقع أسباب ونتائج لهذه الثورات مثل إرتفاع نسبة البطالة وتغيرات الجو والبيئة العربية ، وهبوط المستوى الإقتصادي بعد هبوط أسعار النفط وإنغماس الشعوب في النزاعات المحلية ، كل هذا قد ساهم في إزدياد ظاهرة العنف ضد المرأة بالإضافة إلى سوء التخطيط العلمي لحركة المجتمع الإقتصادية والإجتماعية ، وهناك دول إسلامية مثل ماليزيا قد إحتوت ظاهرة البطالة ، ودول أخرى إحتوت ظاهرة هبوط أسعار النفط بموارد جديدة مثل دولة الإمارات وسلطنة عُمان ، وبالمقابل هناك دول تزخر بإحتياطي نفطي هائل مثل العراق وليبيا لكنها تعاني من مشاكل إقتصادية وإجتماعية كبيرة ، كما تعاني المرأة فيهما من ظلم إجتماعي كبير ، ولا يخفى أن السبب هو  إنعدام التخطيط العلمي مع وجود النزاعات المسلحة والتي تؤثر تأثيراً كبيراً على موت القيم الديمقراطية وإحياء قيم جاهلية قديمة لم تعد مناسبة لعصرنا الحالي ، كما سُخرت الموارد الطبيعية لتغذية قنوات هذه النزاعات بدل إرواء البنى التحتية والقنوات الإقتصادية والإجتماعية . وتبقى هنا المرأة بين عودة التقاليد القديمة  وخوف المرأة من أن تطالها بنادق الإرهاب فتبقى في خندق أرضي لا حول لها ولا قوة . والحديث هنا عن غالبية النساء في بلدان الربيع العربي لكن هذا لم يمنع من وجود رائدات في المجالات العلمية والإجتماعية مع تعرضهن لحالات المطاردة والإغتيال من قِبل قوى الإرهاب والحركات السلفية كما حدث في العراق للكثير من الطبيبات والصيدلانيات وأساتذة الجامعة من النساء والصحفيات ، والأسماء كثيرة لا عد لها ولا حصر وكأن هذه القوى غير الثورية تقول أنتن حجر عثرة في طريقنا وفي طريق أهدافنا ولا بد أن تعود المرأة كما كانت لا تنطر ولا تسمع ولا ترى .


26
هل يصبح التوحد ظاهرة عامة لدى الأطفال العرب

الدكتورة / ناهدة محمد علي

لقد إنتشرت حالات التوحد لدى أطفال العالم في السنوات  الأخيرة   وأثبتت دراسة حالية في الولايات المتحدة على أن ١ من كل ٥٠ طفل أمريكي في سن الدراسة مصاب بخلل التوحد ، وقد بلغت نسبة الزيادة عن عام ٢٠٠٧ حوالي ٧٢٪ . ولو إطلعنا على النسب العالمية لوجدنا أن كل ١٠ آلاف حالة ولادة هناك ( ١٥ - ٢٠ ) حالة خلل توحدي ، وتبلغ حالات التوحد في كل أنماطها بالولايات المتحدة الأمريكية حوالي ٥ مليون طفل . وأشارت الدراسات إلى أن إصابة الذكور هي أكثر من الإناث ، حيث قد تبلغ النسبة ٤ مرات أكثر من الإناث .
أما في الدول العربية فقد إنتشرت حالات التوحد موخراً حتى أصبح في العراق مثلاً ٧٥ طفل لكل ١٠ آلاف . وفي دراسة أجراها معهد كامبردج عن المصابين بالتوحد في العراق توضح بأن التوحد قد إنتشر بنسبة كبيرة مقارنة قبل عقدين من الزمان . أما في سلطنة عُمان فهناك ١،٤ حالة لكل ١٠ آلاف طفل ، وفي دولة الإمارات هناك ٢٩ حالة لكل ١٠ آلاف طفل . كما إنتشرت هذه الحالات في دول عربية أخرى مثل مصر ، ليبيا ، تونس ، ولم يبلغ الإهتمام بهذه الحالات المستوى المطلوب ، لذا يشكل علاج هؤلاء الأطفال عبئاً مادياً على العائلات العربية الفقيرة ، وتؤكد التقارير على أن متوسط التكاليف الطبية للطفل المصاب سنوياً تبلغ أكثر من ١٠٧٠٠ دولار سنوياً . وقد تكفلت بعض دول الخليج إقامة معاهد ومؤسسات تربوية وعلاجية لهؤلاء الأطفال مثل دولة الإمارات المتحدة .

إن إنتشار الخلل الدماغي المسمى التوحد أو الخلل الذي يصيب وظائف المخ الإنساني في الدول العربية قد أدى إلى حرمان شريحة كبيرة من الأطفال العرب من الحياة الطبيعية والذين يُفترض أن يكونوا بعد سنوات قليلة شباباً تنتظر منهم أوطانهم الكثير لكن ما سيقدمونه هو القليل وفي نفس الوقت يمتلك هؤلاء الأطفال قدرات ومواهب إبداعية يمكن الإستفادة منها إذا توفرت العناية اللازمة لهم  حتى سن البلوغ . إن ألأوضاع الحالية لأطفال التوحد تسبب الكثير من الأحزان لآلاف الأمهات العربيات .
ولو حللنا أسباب الخلل المنتشر بين أولادنا لوجدنا أن أهم أسبابه هو التلوث الهائل الذي أصاب الكثير من أجزاء الوطن العربي وخاصة دول النفط وقد سبب هذا الكثير من التشوهات الخلقية والعصبية ، فمحارق النفط والغازات المنبعثة ، وشحة المياه وتلوثها والأغذية المُسمدة كيمياوياً أو المعاملة جينياً ، والتلوث الحاصل في الهواء حيث أكوام المزابل والمجاري المائية الملوثة في المدن والقرى العربية ، مع الإستخدام الغير علمي للمبيدات الحشرية . ويزيد في هذا تفاقم الأوضاع النفسية والجسدية للأمهات الحوامل حيث تعاني الأم العربية من قسوة الظروف الإجتماعية في البيت والشارع والمجتمع وكثرة المشاكل النفسية التي تعاني منها المرأة العربية ، فهي موضوعة دائماً كفاصل ما بين الخير والشر والكفر والإيمان ، وهي تبتلع الكثير من السموم الإجتماعية والأخلاقية ، ولوحظ أن الكثير من النساء العربيات اللواتي مرّ بدولهن الربيع العربي العاصف ، يبتلعن أيضاً الكثير من المهدئات لتهدئة مشاعر الخوف وعدم الطمأنينة لديهن . وقد تضطر النساء الحوامل إلى أن يقبعن في بيوتهن فيبقى محيط البيت وجوِه الخانق هو البديل عن التنزه في الحدائق والمنتزهات والتي تحمل للأم وطفلها الكثير من الأوكسجين الذي يؤثر تأثيراً إيجابياً على نمو الدماغ في الأجنة ، كما أن رياضة المشي تساعد كثيراً لتحريك الدورة الدموية في جسم الأم الحامل .
إن ظاهرة التصحر التي إنتشرت في الدول العربية قد ساهمت مساهمة فعلية في عدم صحة الهواء والماء ومما أثر سلباً على صحة الأجنة وأدى ذلك إلى إنتشار ملحوظ في عدد الأطفال المتوحدين والذين سيوضعون قريباً في مرتبة الشباب غير المنتجين إلا إذا أُستغلت مواهبهم في مجالات مثل الموسيقى والرياضيات والرسم والنحت ، ولهذا يجب أن يتواجد كادر علمي متخصص ومؤسسات تربوية متخصصة تقوم بالعلاج التربوي والنفسي مع تطويرها لإبداعات هؤلاء الأطفال ، وأعتقد أن القليل من الدول العربية قد أولت الرعاية الكافية لهؤلاء الأطفال وبضمنها بعض دول الخليج .
إن المقارنة بين رعاية الدول الغربية والرعاية الحاصلة في الكثير من الدول العربية لأطفال التوحد تعطي صورة كاملة للغبن الحاصل لهؤلاء الأطفال ، حيث يرعى هؤلاء في الدول الأوربية مؤسسات علمية نشطة تلتزمهم طوال حياتهم وبالنتيجة تتطور أوضاع هؤلاء الأطفال فيصبحون منتجين فاعلين ويخرج منهم أحياناً نوابغ في مجال الموسيقى والرياضيات ، وفي حالة عدم قدرتهم على العمل تلتزم الدول بإعالتهم طوال حياتهم . ولو سلطنا الضوء على الكثير من المتوحدين في الدول العربية لوجدنا أنهم ضمن أوضاع يُرثى لها ويوضعون في خانة المجانين أو المختلين عقلياً أو المتخلفين . ويعالج الكثير منهم من قِبل أُسرهم بأساليب متخلفة وبواسطة السحرة والمشعوذين على أساس أنهم قد مُسو من قِبل الجن ، وقد يعاني الكثير منهم من الضرب المبرح أو الكي بالنار لكي يخرج هذا الجن .
إننا نعامل هؤلاء الأطفال كما نعامل ثرواتها المحلية ، أي بلا علمية كاملة وبمنظور خرافي تعدته الأزمنة والحِقب ، فمواردنا  تُستهلك بدون أن تكون منتجة أو مطورة ، كذلك الإنسان العربي لا تُهيأ له الأسباب الموضوعية الكافية للنمو والتطور ، والملاحظ أن  الكثير من الدول العربية تعاني من مصادر  الإشعاع بعد أن أصبحت مقبرة للنفايات النووية كما حدث في العراق وسوريا ، فبدلاً من أن تكون مصدراً للخير والعطاء في إستهلاك وتنمية الموارد الطبيعية والمحافظة على نظافة البيئة من جميع أنواع التلوث لكي تُنتج هذه البيئة عنصراً إنسانياً غير ملوث  أصبحت بقاع عديدة في هذه الدول مصدراً للفناء الإنساني جسداً وعقلاً .


27
حوارية عن الوطن والأدب
الدكتورة / ناهدة محمد علي

عبر الود والمحبة للوطن والأدب نثرت بعض الأسئلة السهلة الممتنعة على رأس قاصتين وشاعرة ، وكان توجهي لطرح هذه الأسئلة هو معرفة أفكارهن حول صلة الوطن بالأدب ، وعبر التوسم لمخزونهن الثقافي وتجربتهن في هذا الموضوع . للوطن حديث لا نهاية له ، فالبعض يهبه دمه وروحه ، والآخر يهبه عقله ونتاجه ، لكن البعض أيضاً قد يطالب الوطن أن يفرش له وسادة من حرير ،  والغالب من الأدباء العرب من يفضل على هذا حصيرة السجن إن كان المقابل ضميره أو قلمه .
كان اللقاء مع القاصتين من العراق صبيحة شبر والدكتورة غادة محمد سليم ومن سوريا الشاعرة فرات أسبر . وللقاصة صبيحة شبر خمسة مجموعات قصصية وأربعة روايات وهي ( التابوت ، إمرأة سيئة السمعة ، لست أنا ، العرس ، التمثال ) والروايات هي ( أرواح ضامئة للحب  ، العرس ، فاقة تتعاطم وشعور يندثر ، هموم تتناسل وبدائل  ) . أما القاصة غادة محمد سليم فأنتجت مجموعة ( الهاوية ، عطر الحب ) . وقدمت الشاعرة فرات أسبر دواوينها الشعرية الأول بإسم ( نزهة بين السماء والأرض ) والثاني ( مثل الماء لا يمكن كسرها ) والثالث ( خدعة الغامض ) والرابع ( زهرة الجبال العارية ) .
أسئلة الحوارية الثقافية حول الوطن والشعر والقصة مع القاصتين العراقيتين صبيحة شبر والدكتورة غادة محمد سليم والشاعرة السورية فرات أسبر .
١ - ماذا يعني الشعر والقصة للوطن ؟ ، وماذا يعني الوطن للشعر والقصة ؟
  ٢ - ماذا قدم الشعر العربي والقصة العربية للوطن ، وهل هما قادران على التأثير السلبي والإيجابي ؟
 ٣ - هل يستطيع المفكرون والمثقفون العرب أن يتبادلوا الأدوار مع الساسة ؟
 ٤ - لماذا يهاجر المفكر والعالم العربي إلى الغرب ؟  وهل الغرب حاضنة جيدة للفكر الخلاق ؟
 ٥ - من كان أديبك المفضل ومن هو حالياً ؟ وهل تطور المستوى الثقافي والذوقي لديكِ ؟   ٦ - لماذا تكتبين هل هو لأجلك أم لأجل الآخرين ؟
 ٧ - ماذا يعني لك السقوط المجتمعي ، هل هو تفتت القيم العربية أو تهدم البناء الإقتصادي ، أم الإثنين معاً ؟  وهل أحدهما سبب لظهور الآخر ؟
 ٨ - هل يصنع العالم العربي حضارته من خلال الغرب ؟  وهل يستفيد العرب حقاً من التكنولوجيا الغربية لبناء حضارتهم الجديدة ؟   
٩ - لماذا تخشى القاصة والشاعرة العربية أن تعي الواقع المكتوب من قِبلها ؟  وهل تستطيع الدخول الى ذهن القاريء العربي من خلال الخيال فقط ؟ 
١٠ - من هو المثل الأعلى للقاصة والشاعرة العربية ؟ هل هو رجل الدين أو السياسة أم رجل الفكر ؟ .
 حول السؤال الأول - ماذا يعني الشعر والقصة للوطن ، إتفق الأديبات الثلاثة على أن العطاء متبادل ، فالشعر والقصة يقدمان العطاء الثري وبلا مقابل للوطن ، ولا يهب الأديب كلماته فقط بل يهب من روحه وتجاربه بشفافية وصدق ، وليس مهماً  أن يرضى البعض أو قد لا يرضى البعض الآخر ، ويهب الوطن بالمقابل للأديب الثقة والأمان  ويبدو أن بدون هذا قد يتجمد قلم الكاتب أو يضطر إلى أن يكتب ما هو خارج قلبه وعقله  وأن يُفّرِش الأكتاف بريشته .
وفي جواب السؤل الثاني عن قدرة الأديب على التغيير السلبي والإيجابي وما يمكن أن يقدمه للوطن . أجابتني القاصة صبيحة شبر على أنه منذ نشوء الأوطان والأدب العربي يدافع عن قيم هذه الأوطان وحقوقها ، والأدب قادر على التغيير نحو الأفضل  إذا كان المبدع حريصاً على تقدم وطنه ، ولكن في أيامنا هذه تسود وللأسف النعرات الطائفية ونجد أن بعض الأقلام قد تغذي هذه النعرات . ثم أجابت الدكتورة غادة محمد سليم لقد قدم شعراء وكتاب الفكر الحر الكثير لأوطانهم وقد تصبح الكلمة أحياناً أمضى من الرصاصة ، منذ أن ساوى المتنبي بين القلم والرمح . وأجابت الشاعرة فرات أسبر بقولها إن الكلمة هي تراث الوطن ولكل منا ينبوعه الأول والذي هو الوطن الذي تشكلنا منه ، والشعر العربي هو ذاكرة الأمة وتأريخها وقيمها والذي يذكر العراق يذكر السياب والرصافي ولا يمكن الفصل بين الوطن وشعرائه كل منهما يكمل الاخر ، وحول إمكانية التغيير الإيجابي والسلبي أماطت الشاعرة السورية فرات أسبر أن الشعر يمر بصراع حاد لفهم أهمية الشعر وتأثيره على الواقع الإجتماعي  ، وأشعر بالإحباط أمام هول الصراع الذي يمر به العالم العربي  . وقد أثار سؤال تبادل الأدوار بين المفكرين العرب والساسة جدلاً ،  وعلقت  الدكتورة غادة هو أن المثقف العربي  إنسان حر يجب أن لا يُقيد بأفكار مرسومة إلا إذا كان هذا المثقف مرتبطاً بحزب معين ، وقد ينتهي الأمر بهذا المثقف أن يصبح رجل سياسة . أما القاصة صبيحة شبر فقد أجابت على هذا السؤال بقولها لوكانت شعوبنا مثقفة ونسبة التعليم فيها مرتفعة فسيكون بإمكان المفكرين أن يتبادلوا الأدوار مع الساسة ،  ومع عدم وجود الوعي الكافي للأمة فإن الكتابات والأفكار قد تكسد أو تفشل في إيصال الأفكار . ثم أجابت الشاعرة أسبر قائلة حول موضوع تبادل الأدوار ، لقد قرأت ذات يوم قصة مؤثرة حول الفيلسوف الفرنسي سارتر حين وشى به البعض إلي الرئيس ديغول وطلب منه محاكمته فأجابه ديغول هل تريدني أن أحاكم فرنسا كلها ، وإذا قارنا هذا بما يحدث للكثير من الأدباء العرب الذين يقبعون في السجون فسنرى إن كم الغبن الذي يعاني منه الكاتب العربي هو هائل حقاً ، وأخلص الى القول أن الأديب هو ضمير الأمة ، فمتى كانت الأمة بخير فضميرها بألف خير .
أما عن السؤال الذي يبحث عن أسباب هجرة الأديب والعالم العربي أجابت القاصة شبر ، في الغرب يجد الأديب والعالم البيئة المناسبة التي تحتضنه ويجعلهم متفوقين . وعلقت الشاعرة أسبر ، العالَم العربي لا يمنح أفراده حقوقهم وخاصة حقوق النساء ، المرأة هنا تابعة إسماً وإنتماءاً وهي تعود إلى شيء ما أو عائلة ما أو رجل ما . وعلقت على هذا الدكتورة غادة بقولها إن الشاعر روح حرة يحتاج الى التحليق ويمنع هذا مقص الرقيب السياسي والأخلاقي ، أما العالِم فهو يهاجر ليتخلص من البيروقراطية في المؤسسات العلمية . وجواباً على سؤال الأديب المفضل والتطور الثقافي والذوقي ، أجابت الشاعرة أسبر . قرأت قديماً لنجيب محفوظ وغائب طعمه فرمان والزياد وطه حسين ، أما حالياً  فلا أُحدد فهم كُثر ، فقد تربيت في بيت أدب وشعر وكان أفضل ما يميز بيتنا هو مكتبته الكبيرة . وعلقت الدكتورة غادة ، كان أديبي المفضل هو الكاتب الكولونبي غابرييل غارسيا ماركيز والكاتب العراقي فؤاد التكرلي وحالياً أقرأ للكاتب الأفغاني خالد حسيني والكاتب العراقي سنان أنطون والقاص زكريا تامر ، أما عن تطور المستوى الثقافي لديّ فهو ليس كذلك بل هو تطور للتجربة الأدبية والذاتية والتغييرات الموضوعية التي حصلت في العالم العربي والعالم ككل والتي كان لها تأثيرها على الرواية والشعر .
إن السؤال الذي تشابهت فيه أجوبة الأديبات الثلاثة هو ( لماذا تكتبين )  ، فقد عبرت كل منهن عن تأريخها الإجتماعي والثقافي ، فالقاصة شبر قد ذكرت بأنها تكتب من أجلها أولاً ومن ثم للآخرين ، وصرحت بأن الكثير من القارئات يخبرنها بأنها تعبر عنهن وهذا ما تُسعد له . وفي الحقيقة أن الكاتبة شبر تخلط ما بين القاص والعام وهذا برأيي هو إحدى سمات الأديب الحقيقي ، فهي تتقمص كل شخصيات الشارع والمجتمع وتصبح ( هي هن وهن هي ) وبالرغم من أنها لا تلغي تأريخها لكنها تكتب بخطها عن تأريخ الآخرين . أما الدكتورة غادة فقالت أكتب لنفسي أيضاً ثم ذكرت جملة أعجبتني حين وصفت الكاتب كألنحلة التي تنتج العسل ولا يهمها من سيأكل هذا العسل ، ثم قالت كتبت مجموعتي القصصية الأولى ( الهاوية ١٩٨٧ ) تحت مقص الرقيب ، لكن مجموعتي الثانية ( عطر الحب ٢٠١٦ ) لقد كتبتها بتمرير نصل حاد على قلبي لأكتب ما أريد . وفي الواقع كانت هذه المجموعة القصصية للدكتورة غادة هي قفزة نوعية للأدب النسائي ، حيث قفزت ما بين ساحلي السياسة والحب وكتبت بموضوعية تامة وشفافية عن مشاعر المرأة العربية وعن أشياء حرم المجتمع العربي على المرأة الحديث عنها وبقيت سراً مقفلاً بين أسوار البيوت وفي خيالات المرأة العادية التي صدّقت حرمانها وفضلت عليه الخيال ، فقامت الدكتورة غادة بتوقيع هذا الخيال وفرضه على الواقع . ثم ذكرت الشاعرة فرات بعض الكلمات التي إعتبرتها جزء من قصيدة نثرية حين قالت ( حلقت طويلاً قبل الإجابة على هذا السؤال والذي فتح أبواباً كثيرة وجراح أكثر ، ثم تساءلت هل تعرفين بأن الكتابة قد فتحت أمامي أُفقاً واسعاً لفهم الأشياء ومعرفتها ومعرفة ذاتي لذلك أشعر أحياناً بتوتر حاد وأحياناً أشعر بأني سحابة فيها الكثير من الجمال فأكتب الكثير من الشعر ) . وأكثر ما أعجبني هو قولها الشاعر العربي يعيش من خلال الخوف والشاعرة العربية رهينة المحبسين ، تخشى على نفسها إن تجرأت على القول والكتابة لذلك الحدود ضيقة ومحصورة .
وهكذا أجد أن الكاتبات الثلاثة يعشن حالة من التوجس إتجاه الرأي العام العربي ، فهي لا تستطيع أن تقول الكثير . وقد تقول القليل مما تعرفه خوفاً وطمعاً لإرضاء الرأي العام والذي قد لا يرضى .
وكان سؤال السقوط المجتمعي ، وهل هو تفتت القيم العربية أو تهدم البناء الإقتصادي أو هو كلاهما معاً . تناولت الجواب الأول الدكتورة غادة فقالت إن السقوط المجتمعي لا يحدث فجأة بل يسبقه إنتشار أنواع من الفساد السياسي والإداري والأخلاقي والإقتصادي ، فردت القاصة شبر بأن السقوط يعني إندثار القيم الإنسانية التي نشأنا عليها ومنها إحترام الآخر وإحترام القانون والإخلاص في العمل ، ثم علقت إن هدم البناء الإقتصادي ليس سبباً لإندثار القيم وهناك أمم فقيرة لكنها من أروع الشعوب في التلاحم والوحدة الوطنية . إن ما قالته القاصة شبر هو حقيقة معاشة في بعض الأمم لكن معظم الحروب سواء كانت عالمية أو محلية نُلاحظ بعدها تهدم البناء الإقتصادي ثم غياب القيم الإنسانية بسبب إنتشار البطالة وتسرب الأطفال من المدارس وتظهر ظواهر مثل إنتشار الجريمة المنظمة وغير المنظمة وظاهرة الطلاق والإدمان على المسكرات والمخدرات ، لكن هذا لا يمنع من وجود مجتمعات بدائية تعيش على الرعي أو الزراعة البدائية ولا زالوا محتفظين بإرثهم الحضاري وقيمهم النبيلة وهم متساوون في الكفاية وعامل الرضى الإجتماعي متوفر لديهم أيضاً .
ثم أجابت الشاعرة فرات أسبر على هذا السؤال بقولها إن الحرب الأخيرة والتي أُطلق عليها الربيع العربي هي أكبر نكسة عرفتها مجتمعاتنا العربية ، وقد أثبتت لنا وللعالم بأننا ما زلنا نميل إلى التخلف في تفسير الواقع والمجتمع ، ثم تساءلت هل من المعقول في يومنا هذا وفي عصر الفضاء والتكنولوجيا أن يوجد سبايا من بين نسائنا . وحول مدى إستفادة العرب من التكنولوجيا الغربية أجابت القاصة الدكتورة غادة  أن الأسلوب المتبع لدى الغرب في علاج الأزمات هو إعتماد الأسلوب العملي القائم على التحليل العلمي وينطبق هذا على مجالات الإقتصاد والسياسة والتعليم والصحة ولحل مشكلة البطالة والمحافظة على البيئة ، أما الدول العربية فتعتمد على المقاييس الفردية والإجتهادات الذاتية وأحياناً يعالج الخطأ بخطأ آخر .
أجبت الجميع بقولى أن المجتمع العربي لا يزال مجتمعاً إستهلاكياً يصرف مليارات الدولارات لشراء الكماليات وأدوات الزينة ولشراء الأغذية المعلبة في حين لا يوجد أفضل من الأرض العربية لإنتاج الغذاء العربي وخلق الكفاية الذاتية ، وما يحتاجه العالم العربي هو نشر سريع للصناعة الخفيفة والثقيلة والإستفادة من خبرات الغرب في هذا المجال ، وقد إستفادت بعض دول الخليج من هذه الخبرات بخلق إيرادات إضافية تحسباً للنفاذ المستقبلي للنفط وإيجاد مصادر للطاقة البديلة . وحول سؤال لماذا تخشى القاصة والشاعرة العربية أن تعي الواقع المكتوب من قِبلها ، وهل تستطيع الدخول إلى ذهن القاريء من خلال الخيال فقط . أجابت الدكتورة غادة إن الأديبة العربية تخشى المساءلة والنظرة غير الموضوعية لها وخاصة في نقاش موضوع الجنس حتى لو كان في السياق فهو تابو محرم عليها ، ثم أردفت أنا أكتب بحرية ولا سقف يحد كتاباتي . أما القاصة شبر فأجابت إن ما تكتبه القاصة والشاعرة تستمده من الخيال والواقع معاً والخيال وحده لا يكفي ، وما نشهده في عالمنا العربي هو شديد الغرابة . وأنا أُؤكد ما قالته القاصة شبر بأن ما يجري في عالمنا العربي لا يعتمد على أسس المنطق بل كثيراً ما يعتمد على التلقائية والعشوائية والصدفية في وضع الكثير من المناهج  للمؤسسات الإجتماعية والإقتصادية . أما الإعتماد على الخيال فأقول بأنه أحياناً يُعتمد لتطوير الواقع فكثير من المخترعات كانت مجرد خيال علمي ، وكثير من المشاعر والقيم يعرضها الخيال الأدبي ليُتعلم منها ثم تصبح حقيقة مُعاشة منتشرة أحياناً .
أخيراً إلتف الأديبات الثلاثة على السؤال الأخير حول من هو المثل الأعلى لديهن ، هل هو رجل الدين أو السياسة أو الفكر ، أجابت الدكتورة غادة أفضل رجل الفكر ورجل السياسة متلون حسب مصلحة حزبه ، ورجل الدين مُكبل بنصوص لا يمكنه إجتيازها ، أما رجل الفكر فهو حر في إطروحاته . ولاقى هذا الجواب صدى في قلب الشاعرة أسبر ، فقالت رجل الدين يهمش وجودي ككائن بشري ويضعني في خانة الحلال والحرام ورجل السياسة لا يمثلني لأنني أنتمي إلى الأرض والإنسان وإلى الروح البشرية التي تسمو إلى الجمال . أما القاصة شبر فقد عبرت عن واقعيتها المعهودة وقالت يجب أن لا نعمم ، فقد يكون أحد رجال الدين مثلاً يحتذى به بينما البعض الآخر هم بعيدون عن ذلك ، وقد يكون أحد رجال السياسة مثلاً ، لكن رجل الفكر الذي يدعو إلى الحرية والمساواة في كتاباته ولا يطبق ذلك في بيته وأسرته فكيف أن يكون مثلاً أعلى . وأنا في الواقع إلى جانب ما قالته القاصة شبر ، وقد إتفق الجميع على المصداقية سواء كان رجل فكر أو سياسة أو رجل دين ، ويمكن أن يكون أحدههم هو المثل الأعلى للأديب العربي أو الفرد العربي بشكل عام ، وهناك دائماً نقاط ضوء من هؤلاء مثل (  سعد زغلول ، غاندي ، الأم تريزا ) ، وغيرهم كُثر . فقد يجر أحدهم العالم إلى الويلات كما فعل هتلر وأيضاً قد يجره نحو الإصلاح الإجتماعي والسلام بين الأمم ، والمهم هنا أن يمنح الكاتب العربي الرؤيا الجميلة للإنسان حول مجتمعه .
إن الحوار الذي دار بين الأديبات الثلاث كان رائعاً وتلقائياً ، وقد أختلف مع إحداهن في هذا وذاك إلا أن الخطوط العريضة تجمعني بهن ، وأكثر ما مس شغاف قلبي هو قول القاصة الدكتورة غادة أن الكاتب بشكل عام هو كالنحلة التي تنتج العسل ولا يهمه من يأكل هذا العسل وهذا برأيي هو قمة التفرد والشفافية ، فالكاتب هنا يكتب من فوق السطور ومن تحتها ويترك للقاريء الحرية في أن ينهل أو لا . وما أثار إنتباهي وإحترامي في أجوبة القاصة شبر هو أن الكثير من الأمم الفقيرة قد إحتفظت بقيمها وهذا يذكرني بما كنا عليه قبل أن تتفتت القيم العريقة . وكان في أجوبة الشاعرة السورية أسبر ما يشير إلى عالمها النقي والذي قد تخلص من أدران العصر حينما قالت إن الكاتب العربي منتمي إلى الأرض والإنسان وإلى الروح البشرية التي تسمو إلى الجمال . وأقول أخيراً إن الكاتبة العربية لديها إمكانات زاخرة لا يمكن أن تنطلق قبل أن يُفك أسرها المجتمعي ، وقبل أن لا تلاحق من قبل المشككين ، وقبل أن يُفتح لها الصندوق الزجاجي والذي وُضعت فيه كفأر للتجارب فتخرج إلى العالم وتكون هي من يقرر تجاربها وحركتها ورفضها وقبولها ، وسموها وإنحطاطها ، فهي فقط من عليه أن يقرر .



28
ماذا تفعل أفلام الـ Action  العربية  بالشباب العربي

الدكتورة / ناهدة محمد علي

من المعروف أن أفلام العنف والحركة الأمريكية والأوربية تعتمد على السيناريو المحكم والتسلسل الدرامي والمنطقي ، مع تبيان الهدف من الفلم والذي يمثل توجهات المخرج ، ويكون على الأكثر قيمة أخلاقية وهي ليست بالضرورة إيجابية ، بل قد يتجه المخرج إلى توجهات تؤكد مبدأ البقاء للأقوى والأذكى مع تبيان المسوغ لذلك وإقناع المشاهد بوجهة نظر المخرج ، وهنا تكمن القدرة التكنيكية للمخرج الغربي على الإقناع بالصورة والمؤثرات الصوتية وإختيارات الكادر المناسب أي سعة المساحة في الصورة والتلاعب بأبعادها وعمقها ، وإختيار الممثل المناسب بوجهه وشخصيته وطريقة نطقه للكلمات واللغة المستعملة . ومع وجود السيناريو المحكم  قد يقتنع المشاهد بأن هذا القاتل له كل الحق بإرتكاب الجريمة وقد يتعاطف معه أيضاً الجمهور لقوة الأسباب والتقديم المنطقي لهذه الجريمة ، كأن يُنقذ البطل طفل أو مدينة من الهلاك فينفذ عدة عمليات قتل . وقد تثير قوة الحركة للممثلين وسرعتها المُشاهد فيتقمص الدور ويدخل داخل العملية الدرامية ، وإن لم يستطع أن يكون هو البطل أثناء العرض فسيكونه بعد الفلم وفي الحياة العامة .
إن أبطال هذه الأفلام هم المثل الأعلى للكثير من الشباب الأوربي فقد يقربه من الجريمة أو قد يبعده عنها ، لذا فإن كَتَبَة هذه السيناريوات هم في الحقيقة مربين فاعلين لهؤلاء الشباب ، وهنا تكمن قوة التكنيك السينمائي للسينما الغربية في إستخدام أدواتها إبتداءً بالكامرة وإنتهاءً بمواقع التصوير والتي قد تثير الخيال أو تثير الإشمئزاز والرعب .
إن أفلام الحركة والعنف العربية تأتي بتقليد مشوه للأفلام الغربية . فإختيار المواقع التي تشبه الطبيعة والمباني الأوربية وإختيار الممثلين وحركاتهم التي تقلد النجوم الأوربيين والسيناريو الذي يعتمد على أحداث وتجارب قلما تحدث في البلاد العربية ، فتسلق فتاة لناطحة سحاب أو إقتحام البنوك ذو التكنيك العالي يبدو غير منطقي ومقنع ، وليس المهم هنا أُسلوب العرض وتبيان قابلية المخرج السينمائية ، بل المهم هو وقائع الأحداث التي لا تبدو حقيقية والتي تخالف طبيعة المجتمع العربي ، فلهذا المجتمع خصوصية واضحة في مشاكله الإجتماعية وفي أساليب العنف الممارسة ونوع الممارسين لهذا العنف من خلال فرز الشرائح الإجتماعية التي يبرز فيها العنف . ويجب أن تكون أسباب العنف مُسبَبَة للمشاهد لكي تقنعه بالسبب والنتيجة . ففي عالمنا العربي مساحات العنف تكون عادة ضيقة إلا في حالة العنف الجماعي أو المنظم من قِبل فرق إرهابية منظمة من قِبل أية جهة كانت ، ولا يرتفع مستوى التكنولوجيا في إستخدام السلاح أو أساليب المواجهة . وقد تتشكل أسباب العنف الدرامي من قِبل الأعراف القديمة أو التوجهات السياسية المختلفة المرتبطة بالأوضاع الإقتصادية . وإذا كانت الأسباب مقنعة لحدوث هذا العنف الدرامي كالفقر أو الجهل أو الظلم الإجتماعي فقد يتعاطف المشاهد أو أكثر من ذلك فقد يتقمص شخصية أبطال الفلم ويصبح مقاتلاً لمجتمعه لتحقيق الهدف الذي حققه أبطال الفلم  . إن المشكلة في هذا كله هي في كون هدف المخرج هو خلق فعالية عدوانية بقصد إمتاع المشاهد ، فيمتلك المخرج في هذا شباك التذاكر وعقول المشاهدين الشباب ، فيخرج منهم من يمارس عدوانيته داخل بيته أو في داخل منطقته أو مجتمعه بقصد النجومية أو الإصلاح ، فتتحول بهذا مجاميع من الشباب إلى مصلحين مفسدين ، حيث يتقمص الشاب شخصية البطل لكنه لن يستطيع الدخول إلى جوهر الفلم إذا كان الفلم توجهه تربوياً وإصلاحياً ، أما إذا كان الفلم كما ذكرت سابقاً توجهه تجاري فسيقلد الشاب السلوك العدواني والحركات البهلوانية لكي يصبح ( طرزان أو سوبرمان ) مجتمعه .
إن دور الإعلام في تربية الجيل الجديد قد أخذ موقع الصدارة في تأثيره الفاعل بعد أن كان موقعه الثالث بعد الأسرة والمدرسة لكثرة عدد الساعات التي يقضيها المراهقون الشباب أمام شاشات التلفاز والكومبيوتر . لذا تُعتبر دراما الـ Action  وسيلة خطرة وفعالة في صياغة السلوك العدواني والوحشي لدى جيل الشباب ، وقد دلت الكثير من الدراسات الإجتماعية الأمريكية على أن الكثير من مدمني الجريمة هم في الحقيقة من مدمني أفلام الأكشن وبالتحديد أفلام الجريمة .
وندرج أدناه أسماء بعض الأفلام الأجنبية التي تُكرس وتكشف أيضاً واقع العنف والجريمة والتي عُرض البعض منها على الشاشات العربية :-
الشاشات العربية :-( Black Belt , Swordsmen , The Defender , The Green Mile , Hunger , T Hurricane  )
لا يمكن للمخرج السينمائي أن يخرج بواقع منطقي من أُسس غير منطقية في المجتمع العربي ، وقد سار الكثير من المخرجين العرب على طريق تشويه الواقع العربي للرأي العام الغربي والمحلي ، وهناك قائمة كبيرة من أسماء أفلام الأكشن التي إختلطت عليها المقاييس ، فخلطت العنف بالعواطف الإنسانية وجعلت من المجرم عاشقاً ولهاناً لكي يتعاطف معه المشاهد ويبرر له أفعاله وليس هناك رؤية واضحة للخط الدرامي المتصاعد ولخط الجريمة وأهدافها ، وكل ما يراه المشاهدون يجعل المرضى منهم يتلذذون بمشاهد العنف والأسوياء قد يبتعدون وقد يقتربون واقعين في حبائل المخرج أو كاتب السيناريو . وندرج هنا بعض أسماء هذه الأفلام والتي يسود فيها العنف غير المبرر والتي تنشط الرغبات العدوانية لدى الشاب العربي مثل :-
فلم ( شد أجزاء 2015 - ، جمهورية إمبابة — 2015 ، وش سجون 2014 -  ، ولاد رزق  2015 - ، خطة بديلة 2015 - ، القط - 2015 ، كرم الكينج 2015 -  ) .
كل هذه الأفلام وغيرها الكثير تروج لعالم الجريمة والمخدرات بشكل أو بآخر ، وقد يكون المخرج قاصداً العكس لكن الذي يرسخ في أذهان المراهقين هو كيفية الكسب السهل للثروات وعالم الإنتصار المثير لهم . وقد ينجح المخرج في إيصال فكرة تربوية أو قيمية جيدة ويعود هذا لقوة تكنيكه .
إن السؤل الكبير هو لماذا العنف ، هل هو ضرورة أو متعة ، وفي الحالة الثانية يصبح الفلم متعة للمصابين بالهوس العنفي وليس للعامة ، أما إذا كان ضرورة فهو للدفاع القسري عن النفس أو عن المجتمع .
إن الممثل العربي يجاهد في تغيير ملامح وجهه وجسمه وحركته وطريقة إستخدامه للسلاح تقليداً للممثل الغربي فيخرج بهذا الممثل من شخصيته الحقيقية متقمصاً شخصية أحد النجوم الغربيين . وهكذا فإن واقع هذه الأفلام تبتعد عن الواقع الإقتصادى والإجتماعي العربي ، فتأتي  نُسخاً مشوهه لأفلام الدرجة الأولى الغربية . إن مُثُلنا العليا تستدعي أن تخلق أفلام الحركة جيل من الشباب بقيم تكاد تختفي من قاموس المجتمع العربي مثل ( الشهامة والنخوة ) التي تجعله بطلاً حقيقياً لا عدوانياً ، وقد سادت هذه القيم لقرون عديدة وبإمكان الدراما العربية أن تعيد لهذه القيم مكانتها ليصبح الشاب العربي بطلاً أسطورياً حقيقياً وليس بطلاً خرافياً ، يتسم نشاطه الحركي بالخير والذي حتماً تستطيع الدراما السينمائية أن توجهه نحو الشر لقوة التأثير النفسي لفن السينما إذ أصبحت الدراما السينمائية أدب القرن الحادى والعشرين كما قال المخرج الفرنسي ( كلود ليلوش ) .


29
هل ينقلب الربيع العربي في العراق إلى خريف

الدكتورة / ناهدة محمد علي

إنما يُثلج الصدر حقاً هو تصدر الشباب والشابات العراقيات مظاهرات الجمعة في العراق ويذكرني هذا برنين صوت الشباب المصري في مظاهرات الربيع العربي حيث دوى الصوت القائل ( يا حرية فينك فينك أمن الدولة بيني وبينك ) .
ولو نظرنا تحت المجهر لثورات الربيع العربي ومن أبرزها التونسية والمصرية لوجدنا أن حماس الجماهير هو نفسه لكن ثورة الشباب في العراق ليست نفسها . ففي الثورة المصرية والتونسية كانت البطالة والجوع هي من يقود الشباب الناقم وتدفعها عيون الأمهات الثكالى والرجال الذين سُلبت إرادتهم الحرة لسنين طويلة ، لذا كان ميدان التحرير في مصر هو موقع إنطلقت منه إرادة الشباب العربي ، والذي يثير الإحترام هناك أنه كلما إنحرفت الثورة عن مسارها الصحيح جاء من بين الشعب من يُعيدها إليه . وهنا نتساءل ، يا ترى لِمَ لَم يستطع الشعب العراقي أن يفرض شروطه وإرادته على الحكومات ، والجواب الأكيد هو أن التوجهات السياسية بين أفراد الشعب قد جعلت هذا الشعب شعوباً عدة وليس شعباً واحداً ، وهناك أهداف خفية لكل تيار ولكل حزب قد تجمعهم بعض الأهداف ولكن هناك أهداف كثيرة تفرق بينهم ، وكل له إرتباطاته الداخلية والخارجية ، وكل له أسماء مقدسة يريد تصعيدها ولن يضحي بها ، لذا أن شمس العراق وتربته وماءه  قامت بدور التوحيد ، لكن من يقوم بدور الفصل عقائد لا حصر لها تبني أسواراً من إسمنت بين كل فريق وآخر وهكذا يمشي رجل الشارع وعينه اليمنى على الآلاف من أبناء شعبه وعينه اليسرى على العشرات من رفاقه وأعضاء حزبه وتياره ، والجميع لا يدرون أن عيون الوطن تنظر إليهم كجمع واحد أو كفرد واحد .
هناك حكاية قديمة قرأها الكثير منا في المرحلة الإبتدائية وهي حكاية الحكيم الذي طلب من أولاده السبعة أن يجمعوا سبع عصي وطلب منهم أن يكسروا الحزمة فما إستطاعوا رغم قوتهم ، ثم طلب منهم أن يأخذ كل واحد عصاه ، فكسر كل عصاه بسهولة .
لقد أصبح الفساد العراقي ذو قدرة حديدية والمعروف أنه لا يكسر الحديد إلا الحديد ، لذا فإن الأساليب السلمية للمتظاهرين لا تنفع إلا في الدول المتحضرة والتي تحسب ألف حساب لغضب أي فرد وكل فرد ، لكن السلطات الأمنية لا تحسب أي حساب لرضى المتظاهرين بل تُربِت على أكتافهم وهي تكتم سخريتها منهم وقد تُسيل دماءهم ، وهنا نخرج بمحصلة وفكرة خطيرة لكنها معروفة وهي أن العنف يجب أن يقابله عنف مساوي وموازي له في الكتلة والحجم ، وإلا سيبقى الشعب ضعيفاً ، وقد علمنا التأريخ بأن الحقوق تؤخذ ولا تعطى ولن يقدمها أحد لأحد على طبق من فضه . أقول آسفة إننا لسنا في دولة متحضرة يكفي فيها أن ترمي بيضة فاسدة على وجه رئيس الوزراء لكي يقدم إستقالته ، بل نحن في بلد تشم فيه رائحة الفساد في كل زاوية وزقاق وأفسد ما تكون هنا عقول الساسة المخضرمين ، لذا لن ينفع هنا البيض الفاسد بل الذي ينفع هو ما قاله العرب الأوائل والذي هو ( أن آخر الدواء الكي ) ، والدواء هنا هو أن يتحول الربيع العربي إلى خريف عاصف يقلع جذور الأشجار السامة والتي لا تثمر ولا تزهر بل تسمم من يلمسها وتجعل السماء العراقية ملبدة بغيوم حمراء دموية لا تمطر إلا على جباه المجرمين .



30
المرأة والعهر الإجتماعي والعهر السياسي

الدكتورة / ناهدة محمد علي

تعتبر مهنة الدعارة من أقدم المهن في التأريخ الإنساني حيث وُجدت مع تواجد الفوارق الإجتماعية من جهة ومع وجود الغرائز الإنسانية من جهة أخرى ، فتٌُدفع المرأة بهذا دفعاً إلى الهاوية ، فتضطر إلى بيع قطع من جسدها ، كما قد يضطر بعض المحتاجين إلى بيع أجزاء من أجسادهم مثل العين والكلية ، إلا  أن تجارة الجسد من قِبل المرأة تبقى مدعاة خجل وعار لها ولمجتمعها .
لو ألقينا الضوء على إنتشار مهنة الدعارة في الدول العربية لوجدنا أن هذه المهنة تتمتع بالمشروعية القانونية في بعض الدول وقد تحميها الدولة أحياناً أو تلاحقها وتمنعها في دول أخرى . وتنتشر في الكثير من الدول العربية هذه التنظيمات اللا أخلاقية وتتركز في المناطق القديمة والمعزولة وفي أطراف المدن وتتباين مواقعها ما بينم الملاهي الليلية والشقق المؤجرة في دول مثل مصر وسورية والمغرب وتونس والأردن ولبنان ودول الخليج ( عدا السعودية ) . وتعمل العاملات في هذا المجال تحت عنوان  ( فنانة )  لممارسة الترفيه لزبائن هذه المحلات . ويسهل إنتقال هؤلاء ( الفنانات ) ما بين لبنان وسوريا والأردن ، كما ظهرت هذه التنظيمات في اليمن تحت إسم  الزواج العرفي القصير المدى وبأشكال الدعارة التقليدية أيضاً حيث ينتقل بعض الخليجيين للإستفادة من هذه الخدمات . أما في العراق فقد كانت موجودة من قبل الإحتلال ثم إزدادت بشكل كبير بعد الإحتلال ، حيث تبلورت شرائح نسائية عاطلة وعدد هائل من الأرامل والأيتام ، وإضطُر البعض منهن للإنخراط في هذه المهنة . وقد تبلور من بين العاطلين سماسرة قاموا بتنظيم هذه المؤسسات والتي تعتبر من أكبر العمليات المنظَمة لتجارة البشر ما بين العراق والأردن وسوريا ودول الخليج ، وإمتلأت الملاهي الليلية بهن سواء مع القادمات من دول أوربا الشرقية وبعض جمهوريات الإتحاد السوفيتي السابق .
ندرج هنا بعض الملاحظات عن أوضاع الممتهنات لهذه المهنة في الدول العربية والتي تشكل بيئة صالحة لها ، فهي تسقي هذه النباتات السامة بتربة ملوثة هي أشد سُماً .
في المغرب مثلاً يوجد في العاصمة ما لا يقل عن ٧٣٣٣ عاهرة وأغلبهن مطلقات أو أرامل أو منقطعات عن الدراسة الإعدادية . أما  تونس فتعتبر البلد العربي الوحيد الذي يسمح بمزاولة تجارة الجنس في بيوت مغلقة ، لكن هذه المهنة قد حوصرت بعد ثورة الربيع العربي أو ثورة الياسمين في تونس . وقد ألقت الضوء على هذه البيوت المغلقة الصحفية الألمانية ( كرستينا أُجلين ) . وتقوم الدولة بتشديد الرقابة الصحية على هذه المواقع ، وكانت تونس هي أول دولة عربية تعرض فلماً مغربياً عن تجارة الجنس من مخرج مغربي ( نبيل عيوش ) بعنوان ( الزين اللي فيك ) والذي مُنح جائزة في مهرجان كان السينمائي ، ثم عُرض في تونس ٢٠١٥ وحصل على الجائزة الكبرى في مهرجان قرطاج السينمائي ، وفي مهرجان ( دريم ستي ) . وقد أخرج الفنانان ( ليلى سليمان من مصر ورود غلينز من بلجيكا ) فلماً وثائقياً عن بعض الأزقة التي تمارس فيها هذه المهنة داخل البلدة القديمة في تونس وفي منطقة الأضواء الحمراء . وقد تعرضت هذه المناطق لحالات الغضب الشعبي وحوصرت النساء الممتهنات بعد الثورة الإسلامية . أما في مصر فتكثر هذه التجارة في الملاهي الليلية والبيوت الخاصة وقد أُعتبرت لفترات طويلة مورداً سياحياً وأستُخدمت أيضاً لأغراض سياسية ، فقد كشفت تصريحات أحد الضباط الكبار السابقين في المخابرات المصرية عن عمليات تسمى ( عمليات الكونترول ) والتي يُستخدم فيها صناع الجنس نساءً ورجالاً إستخداماً إستخبارياً بالتوجه إلى وجوه سياسية وإقامة علاقات معها لغرض الحصول على المعلومات السياسية وتستخدم أحياناً لغرض الهدم الشخصي لبعض الشخصيات السياسية المعارضة ، وأحياناً للتجنيد في أجهزة الأمن وهذا يشمل الأجانب والمصريين ، وقد بدأت هذه العمليات منذ الستينات ، وقد أكد هذا ضابط الإستخبارات المعروف (محمد صفوت الشريف ) والذي أكد أيضاً بأن ( الجنس هو أخطر طريق للمعلومات ) ، وتتم هذه العمليات بحجة المحافظة على الأمن القومي .
إن إرتفاع مستوى الدخل في دول الخليج وخاصة الإمارات قد جعلتها سوقاً رائجة للكثير من الجنسيات لصناع الجنس من عربيات وأجنبيات ، وقد إنضم إلي هذه المهنة مؤخراً الكثير من العراقيات الهاربات من الجحيم الإقتصادي والسياسي العراقي .
إن إتفاقية حظر الإتجار بالبشر وإستغلالهم للدعارة قد وُقعت منذ عام ١٩٤٩ ونُفذت في ١٩٥١ ، لكن الكثير من دول العالم مثل الأمريكيتين لا زالت تمارس هذه التجارة كما في اليابان أيضاً والتي تدر عليها هذه المهنة أرباحاً طائلة ، ففي سنة ٢٠١٥ درت هذه المهنة ( ترليون ين ياباني ) أي ما لا يقل عن ١٪ من الناتج القومي الإجمالي وهو ما يعادل الميزانية المالية المخصصة للدفاع في اليابان . وتُمارس هذه المهنة أيضاً في كل دول العالم مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا والدنمارك وايطاليا وتدخل فيها عناصر من كافة شرائح المجتمع ومعظم الأعمار . وتعتبر قانونية في هولندا وسويسرا وبلجيكا وألمانيا ، ويستخدم فيها الكثير من النساء القادمات من آسيا وأوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية .
ولو لاحظنا المؤشر العام لهذه الظاهرة نرى أن معطم الدول الأوربية تسمح بممارسة هذه المهنة لكنها تحرم الإتجار بالبشر ، أي الدفع القسري أو إستدراج العاملات إلى هذه المهنة أو إستجلابهن من آسيا وأوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية .
إذا وضعنا تحت المجهر إحدى الدول العربية والتي إتسم مجتمعها لقرون عديدة بالصرامة القيمية لوجدنا أن هذه المهنة قد إنتشرت بين أوساط الفقراء بعد تدني الحد الأدني للفقر وإنتشاره بين الملايين من العراقيين ، ولا فرق هنا بين المتعلمات وغير المتعلمات ، ولوجدنا أيضاً أن هذه الشرائح قد إبتعتدت تلقائياً عن المجتمع العراقي وإتخذت أطراف بغداد سكناً لها في مناطق تسمى ( الكمالية ، الطوايل  ومناطق القواسم ) ، وتعتبر هذه المناطق بقع سرطانية ضمت كل بكتيريا المجتمع العراقي ، فظهر فيها العاطل والعاطلة ومن أطاح المجتمع بحسه القيمي وأصبح لا فرق لدية بين الخطأ والصواب ، والكل على خطأ ويدعي الصواب ، وقد تعود أن يرى منذ ثلاثين سنة أو أكثر بأن كل شيء مباح ، فدم الآخر مباح ، وملكه مباح ، والشر والخير يلتقيان في برزخ ضيق ولا ضير من ممارستهما في آن واحد . لقد إطلعت على الكثير من الفيديوات الوثائقية التي تفضح مجموعات من السماسرة والذين يوظفون أخواتهم أو زوجاتهم في هذه المهنة ويدعون بأنهم موظفين وهو مجرد ( أكل عيش ) وكأي تجارة أخرى ، لذا فهم يضعون تسعيرة لكل فتاة حسب عمرها وجمالها ، وقد لاحظت أن الكثير منهن خريجات جامعيات وعاطلات ، أو أرامل ومطلقات .
ولو تساءلنا لمِا تبوء محاولات الأجهزة الأمنية والجمعيات الإنسانية والمنظمات الإجتماعية والفرق الدينية بالفشل . إن هذه الظاهرة هي غريبة على المجتمع العراقي والجذور المغذية لها هي نفسها المغذية للكثير من الظواهر السلبية المفزعة والتي ظهرت في العراق قبل ٢٠٠٣ وتبلورت بعد الإحتلال ، حيث تعلم الفرد العراقي أن يسرق المال العام السائب لوحده ثم من خلال مافيات مبرمجة ، ثم تعَلم أن يخطف أطفالاً من أبناء منطقته ، وتعَلم أن يقتل لقاء مقابل بخس ، وأن يدعي التزمت للدين فيقوم بهدم المساجد ويصنع فتاوى يقلب فيها القرآن رأساً على عقب ، ثم أصبح يرتكب جرائم جماعية بعد أن كانت فردية . إن الضمير الإنساني يحتاج إلى ضربة واحدة لكي ينحدر إلى الأسفل درجة بعد درجة ، فبعد السرقة الأولى تسهل كل أنواع السرقة ، وبعد القتل الأول تسهل كل أعداد القتلى ، كذلك مهنة الدعارة ، فهي من إنجاب الفقر والتفكك الإجتماعي ونسب الطلاق المرتفعة ، وإحباط الرجل والمرأة العراقية من بعضهما ومن مجتمعهما حتى أصبحت هناك أعداد متزايدة من المتجهين إلى دروب الظلام ، وفي المقابل هناك من يُمسك بقيمه بأظافره ويُمسك بمصارين بطنه حتى لا يحس بالجوع .
أُرسلت لي صورة عن إمرأة عراقية تبحث في مزابل بغداد عن العلب الفارغة للمشروبات الغازية لكي تبيعها ولا تضطر للتسول أو غير ذلك ، كما تنتشر في بغداد خبازات البيوت أو منظفات المدارس والدوائر الحكومية ومهناً كثيرة إمتهنتها النساء الفقيرات والأرامل وبعض المطلقات  ، كما يقفن صامدات بوجه الفقر والرذيلة الكثير من المناوبات الليليات من طبيبات وصيدلانيات بالإضافة إلى أعلام الأدب والأكاديميات اللواتي يفخر بهن العراق .
لا يمكن للفقر أن يكون هو السبب الوحيد للإتجاه نحو هذه المهنة ، بل هو التكسر القيمي للفرد والمجتمع معاً ، فاليابان مثلاً لا يعاني نساؤها من الفاقة لكنها المهنة الأسهل والتي تدر ربحاً بلا مقابل .
هناك العديد من الأمثلة على إستدراج السماسرة من تجار البشر في العراق للكثير من الفتيات وقد يبدأ عملهم بالزواج الصوري لإحداهن ثم تبدأ المتاجرة بها منذ الليلة الأولى ثم يقوم بنقلها من رجل لآخر وإستلام أتعابها . بعد ملاحظتي لأحد الفيديوات لاحظت أن السمسار لا يشعر بأي ذنب وقد تعود على ما يقوم به ويعتاش عليه  . لا أدري إن كان هذا الرجل قد بحث طويلاً عن عمل قبل أن يقرر أن يكون سمساراً ، ولا بد أن جدار القيم قد تكسر لديه قبل الإحتلال وهؤلاء هم البعض من جيل الحصار والجوع والمطاردات البوليسية والظلم الإجتماعي والسياسي ، وقد وجدوا أن صرحاً دموياً قد بني من جديد فألغى أحلامه بالتغيير فهو واقف في نقطة لا ماض لها ولا مستقبل ، فقرر البعض من هؤلاء أن يتجهوا نحو الطريق الأسرع والأسهل فهو أما أن يكون قاطع طريق أو قاتل مأجور أو سمسار للدعارة . لقد قُتلت الكثير من الفتيات في منطقة ( زيونة ) لإشتباه عملهن في مجال الدعارة ، وقد قُتل ٢٧ فتاة في إحدى الشقق من خلال إحدى الميلشيات وبواسطة مسدسات كاتمة الصوت ، وهكذا وقعن هؤلاء النساء ما بين أحابيل السياسة والسياسيين ، فهن نتاج للبيوت والعوائل التي تهدمت من قبل وبعد الإحتلال والبطالة المنتشرة بين الشباب ، وتحطم البنية التحتية وبعدها التفكك واللامبالاة الأخلاقية .
إن السياسة العربية عريقة بإستخدام النساء ومهنة الدعارة للوصول إلى أهداف محددة وهي محمية من قبل شبكات حكومية وأمنية متورطة فيها كما حدث للسورية ( ناريمان حجازي ) والتي أزاحت اللثام عن شبكات محمية للدعارة في سوريا يديرها عشرات الأشخاص من سوريين وعرب وهم يتمتعون بالحماية من قضاة وضباط أمن الذين يتقاضون مبالغ طائة من السماسرة  حيث تتم حمايتهم وإبلاغهم مسبقاً  بأي حملات مداهمة على الأوكار الموجودة في دمشق أو اللاذقية أو مدن الساحل . وحينما قدمت ناريمان إعترافاتها للقاضي ، تساهلت السلطات مع الأسماء التي كشفتها وأُطلق سراحهم بعد فترة وجيزة بينما سُجنت ناريمان . ولقد تحدث الكثير من المواطنين من سوريا ومصر لإذاعة هولندا العالمية عن كيفية إقناع السماسرة للأهالي لتزويج بناتهم لأثرياء الخليج ، ثم تُسحب لتجد نفسها بعد ذلك في الشقق المفروشة ، وتحدَث أحد المحامين العراقيين لهذه الإذاعة عن الدعارة المقنعة في بغداد على نطاق واسع إذ ترتدي العاهرة الحجاب خشية  ملاحقتها ، وقد تتم هذه التجارة من خلال زواج ( المتعة أو زواج المسيار ) .
لقد رفض البرلمان العراقي ظاهرة الدعارة ودور المافيات الإقليمية وبعض الدول العربية في ظهورها وآثارها القاتلة على المجتمع العراقي ، كما أكدت التقارير الدولية عن آلاف الفتيات اللواتي أختُطفن في السنوات الماضية ومن بينهن آلاف الأيزيديات في ظل تجاهل حكومي وأمني .
يذكر الكاتب البريطاني ( جون برادي ) في كتابه المعروف ( خلف حجاب الرذيلة ) عن تجارة وثقافة الجنس في الشرق الأوسط ، وقد وصف الكاتب العرب بأنهم مصابون بالقلق الجنسي ، وأن إحباطاتهم تتفاقم لأسباب كثيرة ، ويتحدث الكاتب عن دول مثل سوريا ومصر والمغرب واليمن وممارسة الجنس غير المشروع فيها بأساليب مختلفة ، حيث تباع القاصرات لرجال كهول وفقاً للتقاليد القبلية ولمدة معينة ، ويؤكد على أن صناعة الجنس مزدهرة في الخليج العربي كما تزدهر المثلية الجنسية وينتشر ما يعرف بالجنس الثالث في المجتمعات العربية ، ولهم مقاهي خاصة وأماكن للتجمع ومصطلحات معروفة فيما بينهم . وقد أكد برادلي على أن تجارة الجنس قد أصبحت أكثر تسييساً في مصر منذ أوائل القرن العشرين ، وحاربتها الحركات اليسارية والإسلامية وأُعتُبرت بيوت الدعارة رمزاً للإنحطاط والنفوذ الأجنبي ودعت إلى إغلاقها .
إن الدول العربية ترفض إعداد الإحصائيات الضرورية عن أعداد المتورطين في هذه التجارة ، وأعتقد أن هذا سببه الرغبة في الحفاظ على سمعة الدولة وتورط بعض المسؤولين بتلك الشبكات . إن الأمر الواضح في هذه المشكلة هو صعوبة حلها حلاً جذرياً إلا بقلب الواقع الحضاري للدول العربية ، حيث تميزت من قَبل الأمة العربية بالسمو القيمي ، ولكن ما أن تكاثرت على جسد الأمة العربية السكاكين حتى بدأ هذا الجسد  بالتقرح ، والأكثر إيلاماً من هذا هو أن هناك من يتمتع برؤية هذه القروح ويدعي محاولته لعلاجها تارة بتعويذات المشعوذين أو بسيوف المجاهدين ، وتارة أخرى بكاتمات الصوت ، ثم تارة بالرجم ودفن الأحياء ، ثم تارة أخيرة بحرق المدن بأكملها لتطهيرها ولكن بلا جدوى لأنهم نسوا تطهير الجذور .

31
حينما يفقد الفرد المسلم حسه الإنساني
الدكتورة / ناهدة محمد علي
كلنا قد قرأ عن الأطفال الذين يجندهم الإرهاب لأغراض قتالية أو لأغراض دفاعية . وآخر ما قرأت أن تنظيم الدولة قد جند الآلاف من الأطفال السوريين اليتامى للقتال في الموصل ، وإستخدمهم أيضاً كدروع بشرية في الأنبار .
إن من يقرأ التأريخ العربي والإسلامي لا يجد فيه أطفالاً مجندين ولم يستخدموهم كدروع بشرية للدفاع عن خيمهم أو صروحهم . أما الشباب المجند في هذه التنظيمات فهم غير مخيرين ،  فأما أن يختاروا البطالة أو التسول أو الإبحار إلى المجهول أو قد يلتجيء إلى من يعده بخير الدنيا وخير الآخرة ، وكيف لا يقبل وهو يائس من الدنيا ومعتقد بأن وراء مهنة القتل سيكون خير الآخرة ، وأظن أن هذه المهنة هي الوحيدة المتاحة له والتي لا تطلب منه تأهيلاً أو رأسمال غير جسده وهي تتشابه بشكل أو بآخر مع مهنة الدعارة .
إن وضع الطفل العربي هو بين فكي رحى تطحنه وتحوله إلى أداة للقتل بدل كونه أحد أهم أدوات البناء ، وإستغلالهم على هذا النحو هو جريمة إنسانية ، فالمجتمعات المتحضرة تكرس كل حضارتها لأجل أطفالها وتضع الأولويات لهم في قائمة حساباتها المعنوية والمادية وتحميهم الدولة حتى من عوائلهم وتوفر لهم الرعاية الإجتماعية وخاصة لمن يفتقدوا إلى العائلة والمأوى .
إن قراءة سريعة للأنظمة السياسية العربية البائدة سواء في العراق أو مصر أو ليبيا أو تونس نجد أن القمم الرئاسية تضع الهدف الأسمى لوجودها هو الإستيلاء الكامل على السلطة والموارد المادية للبلاد ، ومن الملاحظ أيضاً إن ما يسرق من أموال الشعب يوضع في حسابات الأبناء وهذا ما أُكتشف في جميع الدكتاتوريات العربية ، فهم يسرقون اللقمة والكتاب والرفاهية من حياة أبناء شعبهم ويحولونها إلى حسابات أبنائهم المتخمين . وحينما تأتي البدائل من تنظيمات إرهابية وسلفية وتكفيرية تُسلب أيضاً حقوق الأطفال
، ويوظفون الكيان الجسدي والمعنوى للطفل لصالحهم . ولو تساءلنا عن لب الإسلام لوجدنا أن القرآن الكريم ليس فيه نص واحد يدعو فيه إلى الإرهاب الحالي ، ففي قوله تعالى  : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) والتي هي أحسن  هنا ، هي الكلمة والحوار ، وهاتان الوسيلتان تعطيان المتلقي أن يختار طريقه بكل حرية ويسر ورأسه فوق جسده لم يُسلب منه لأنه من سيفكر ويقرر .
إن اسلوب القسر لأجل صناعة القرار لم يعد وسيلة حضارية ، وما يستخدمه الدعاة في كل الأديان هو اسلوب الحوار والإقناع ، لكن الخُلق المتميز والنبيل هو أفضل الدعاة وأكثرها نجاحاً ، وإن هذا هو أساس بقاء كل الحضارات لإتاحة الفرصة للأفراد بأن يقرروا توجهاتهم السياسية والدينية . أما مهمة السلطات فهي الحماية وليس القسر ، فهي موظفة لحماية كل ما هو موجود على أرض الدولة من مخلوقات حية سواء كانت إنسانية أو حيوانية وكل مكونات الطبيعة فيها . إن من الغريب أن نجد أن الدول المتحضرة لا تحتوي فقط الأطفال الفاقدي المأوى بل تحتوي أيضاً حتى الحيوانات التي ليس لها مأوى مثل الكلاب والقطط وتضعهم في دور خاصة يجدون فيها المأوى والرعاية ، أما نحن المسلمون فنسلم أيتامنا لمن يطعمهم كرهاً وكراهية ويطبعهم بطابعه الدموي . ومن المضحك أن نري أن الكلاب السائبة والمستشرسة في بغداد العريقة قد أخذت تحتل المباني المهدمة وخاصة الحكومية والويل لمن ينازعها فيها ، وهي تتجول ليلاً كألشقاوات ، ومن المعروف أن الإنسان والحيوان أيضاً يتطبع بطابع بيئته فإذا كانت بيئته لطيفة ومتسامحة فسيكون هو أيضاً كذلك ، أما العكس فالعكس أيضاً .
وفي الواقع أن السلطات المحلية لا تهتم لسكنة البلاد بجميع أنواعهم وأجناسهم  بخلاف الكلاب البوليسية المحيطة بهم . ولو قارنا بين مسؤول غربي ومسؤول عربي لوجدنا أن الأول يعتقد صادقاً بأنه مسؤول عن أصغر مخلوق في بلده مهما كان جنسه وخاصة فئة الأطفال والذين هم خميرة المستقبل والورود التي ستتفتح لتعطر المجتمع كله ، أما المسؤول العربي فهو يعتقد صادقاً أيضاً بأن الأطفال هم جنود المستقبل وحماة القصور الرئاسية فقط لا غير .


32
هل تعشق المرأة العربية واقعها أم خيالها
الدكتورة / ناهدة محمد علي

لقد عانت المرأة العربية قروناً وهي محرومة من جانب مهم من جوانب حياتها وهو الجانب الحسي والعاطفي ، وكانت النتيجة دائماً  هو أن تفرغ المرأة حاجاتها الحسية في حبها لأبنائها المُغالى به أو بتمسكها بجانب الكماليات الشكلية والتي قد تعوض بعضاً من هذا الحرمان ، وهنا يأتي التطرف فحيث الحرمان يأتي التطرف ، وقد تركز المرأة العربية وقتها ومشاعرها في بيتها أو في جوانب أخرى قد تخفف من التوتر العاطفي مثل التطريز والخياطة وهي تكتسب هذا من الجيل السابق من الأمهات اللواتي ألغين مشاعرهن من قبلها ، لذا فهي تسير على نفس المنوال ، فلا تقترب من الخطوط الحمراء ، ونجد أن الأغلبية من النساء لا تسمح لنفسها أن تختار من تحب هي بل من يختاره أهلها وذلك لأسباب قيمية ومادية ، لذا لا تسمح المرأة العربية للجانب العاطفي على أرض الواقع أن يتغلب عليها ، ولا يسلم من هذا الخوف الشاب العربي أيضاً ، فالتي يختارها قد يوضع عليها علامات متسائلة أو مستهجنة لأنها سمحت لأحد ما أن يقدم لها مشاعره ، ولذا يعاني الشاب العربي من هذا الطوق على المشاعر ولكن بشكل أقل لكون الذكر العربي معفي من المساءلة لكنها تنسحب على الفتاة التي يقترب منها .
إن الذي تفعله المرأة العربية لتفريغ الشحنات الطبيعية العاطفية هو أن تغلق جانب الواقع وتفتح جانب الخيال بمشاهدة الأفلام العاطفية وقراءة القصص الرومانسية وخاصة التي توضح مواقف عاطفية أو جنسية ، وهنا تكون المرأة العربية فاعل سلبي متفرج وتجري عملية إسقاط ما بين بطلة الفلم أو القصة والقارئة أو المتفرجة منعاً لغضب القيم والأعراف ، لذا تكثر في الأسواق القصص الرومانسية والإباحية والتي تفلت من الرقابة بشكل أو بآخر ، والمشكلة في هذه القصص والأفلام أنها لا تعالج مشاكل المرأة وتقوم بتوظيف العاطفة للوصول إلى هذا الهدف ، بل تجعل الهدف البحت هو عرض العواطف والغرائز وهي ليست وسيلة للتعبير عن ظلم إجتماعي أو قيمة إجتماعية بالية ومعالجتها لكنها عادة تكون الأكثر بيعاً ويكون غلافها على الأكثر مثيراً للعواطف والغرائز . أما البحوث العلمية الإجتماعية والتي تشرح واقع المرأة وتفسر حرمانها بوقائع وأرقام وظواهر هي أغرب من الخيال ، لا تجد الكثير من الراغبات من النساء لقراءتها إلا الأقلية من المثقفات والمختصات بمجال الظواهر الإجتماعية ومشاكل المرأة . وتعاني المرأة العربية من الملل السريع لقراءة مثل هذه المؤلفات لأنها تجعلها تعيش واقعها مرتين وهي تحاول دائماً الهروب من هذا الواقع ، وعلى هذا الأساس تبقى المرأة العربية مطمئنة في حيز الخيال حيث يوفر لها هذا الخيال العاطفج وهو ما حُرمت منه منذ بداية حياتها . ولقد تعودت المرأة العربية أن ترتدي الحداد على عواطفها لكي تبقى بوضع إجتماعي محترم ، ولكي لا يوضع عليها علامة ( X ) ولن تجد في هذه الحالة من يشاركها حياتها وهي قد تختار مرغمة بين أن تلغي مشاعرها أو تمشي مطأطأة الرأس لبقية حياتها .
إن القصص الإنسانية العالمية والعربية قد طرحت موضوع العواطف لكنها قد وظفتها للوصول إلى طرح إنساني نبيل وكشف ثقافي وإجتماعي ، والأمثلة على ذلك كثيرة للقاريء العر بي ، وهذه الأمثلة هي من يبقى في الغربال ومن يخلده التأريخ على مدى العصور ، فرواية البؤساء لفيكتور هيجو ، الأم لغوركي ، والدون الهاديء لتشيخوف ، والحرب والسلام لتولستوي ، والشيخ والبحر لهيمنغوي ومن ثم ما طرحه الأدب العربي كدعاء الكروان لطه حسين ، رجال في الشمس لغسان كنفاني ، والوشم لعبد الرحمن مجيد الربيعي ، والشراع والعاصفة لحنا مينه ، وأنا أحيا لليلى بعلبكي ، والحرام ليوسف إدريس ، وموسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح ، وذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي ، والنخلة والجيران لغائب طعمة فرمان ، وحكاية زهرة لحنان الشيخ ، ومهدي عيسى الصقر في غضب المدينة ، وصبيحة شبر في رواية العرس .
كل هؤلاء خلدهم التأريخ والصحافة العربية وقد أعطو الواجهة الصحيحة والحلول الصحيحة لمشاكل المجتمع العربي ، وقد وظفو الخيال العاطفي لشرح قصور المجتمع العربي وتناقضاته ، ولكن وللأسف يبقى الأدب المستهلك هو الأكثر رواجاً ويبقى أيضاً الأدب الإنساني الراقي هو الأكثر عمقاً في ذاكرة التأريخ . ولا يعد هذا هو خطأ القاريء العربي بل هو من أخطاء المجتع بأكمله لأنه سد منافذ الواقع وممارسة الحقوق المشروعة وفتح على مصراعية باب الخيال وخصوصاً الخيال المريض ، ويأخذ الخيال العاطفي مساحة أكبر من حقيقته ، وقد يتمتع محترفو فن الكلمة لمزايا حرفية جيدة ومزايا قيمية هابطة ، وهم من يجعلوا صورة المجتمع العربي أمام القاريء الغربي تعكس ألواناً مشوهة وتبعث ريحاً عفنة ، لكن الأهم من هذا هو أن المرأة العربية قد أصبحت مدمنة على هذا النوع من الأدب وتلاحقه في الصحافة الورقية وعلى صفحات النت وهو من تخبئه تحت وسادتها لأنه يجعلها تخرج من أرض الواقع المريض إلى الخيال المريض .


33
المنبر الحر / طيور بلا أجنحة ( 3 )
« في: 20:12 19/12/2015  »
طيور بلا أجنحة ( 3 )
الدكتورة / ناهدة محمد علي

لاحظ خفر السواحل قرب إحدى القرى التركية قارباً صغيراً يتمايل في البحر العميق . خرج هذا القارب في صباح ماطر قبل أيام محملاً بالعوائل السورية المكونة معظمها من نساء وأطفال هاربين من نيران المقاتلين والذين لم يعلم الأهالي إتجاهاتهم الطائفية أو السياسية ولم يكن هذا هو ما يهم الأهالي بل كان ما يهمهم هو الليالي الماطرة بلا فحم وبلا تدفئة والأطفال الرضع الذين يموت البعض منهم بسبب عدم وجود طبيب في القرية ، فلقد هرب الجميع من النيران وأصبحت القرية بلا مدرسة أو مستوصف . لم يكن هناك ما يزرعه الأهالي أو يحصدونه بل كانوا يعتاشون على ما تبقى لديهم من الحنطة والشعير .
كان زيد هو أحد المحمولين في هذا القارب والذي سرح بنظره بعيداً متذكراً فرحه اليومي وهو يمشي في حقل أبيه إلى المدرسة ، ويوم كان يلعب سعيداً في بيت جيرانه والذي تعود أن يلعب فيه عصر كل يوم حتى أن سمع صوت إرتطام كوخه المجاور بالأرض وإشتعال النيران فيه ، إحترق والداه وأخته الرضيعة ، ولم ويعلم وقتها ماذا يفعل وهو في العاشرة من عمره غير أن يبقى في بيت جاره ، إنهمك الجميع بإطفاء النيران المشتعلة لكنه بقي متسمراً وكأنه قد فقد وعيه ، ثم وجد نفسه بعد أيام في هذا القارب بعيداً عن رائحة حقله المحترق وكوخه المشتعل ، ووجد نفسه في بلاد غريبة حيث قالو له إنه الخلاص من الموت والجوع وأنه لا عودة إلى الوراء إلا بالذكريات ، ولم يكن لزيد الكثير من الذكريات وهو لم يعد يرغب في سكب المزيد من الدموع ، بل صار منتظراً كما ينتظر الجميع . همس جاره إلى زوجته بقوله : إن المصير مجهول سنعرفه بعد ساعات حينما نصل إلى الملاجيء التركية ، وهناك سيتقرر بقاءنا أم لا .
سيق الجميع إلى الملجأ الكبير وأُدخلوا إلى إحدى الخيام ، وكانت خيمة خفيفة لا تقيهم من البرد والرياح الشديدة ، لكنها كانت تحتوي على مدفأة نفطية صغيرة  ، وكانت هذه هي ما يحتاجون إليها . إنتظر الجميع موعد وجبة العشاء لأن الجوع كان قد عصر قلوبهم وبطونهم حتى جف ريقهم وخارت قواهم ، ثم سُمع جرص مطعم الملجأ والذي إصطف أمامه الجميع حيث يقوم بعض المسؤولين بتوزيع الطعام وأرغفة الخبز عليهم  مع القليل من قناني الماء . لم يكن مذاق الطعام شهياً إلا أنه ملأ بطونهم فإستطاعوا النوم عميقاً حتى الصباح .
كان يمر الكثير من ممثلي المنظمات ورجال السياسة مع المصورين والذين كانوا يأتون للمخيم ليصوروا خدماته ، وقد أخذ الجميع يمدح الجهات المسؤولة وكرمها في ضيافتهم ، وحينما يعود البعض منهم إلى الخيام كانو يشتمون أصحاب البدلات والقمصان المكوية ويلعنون حظهم الذي أتى بهم إلى هنا . فكر زيد طويلاً وتمتم مع نفسه قائلاً : لِمَ لم يسألني أحد عن مأساتي التي مررت بها ، ولِمَ لم يلاحظوا الكثير من الأطفال المرضى والمتواجدين في الخيام ، ولِمَ لا نعود لدراستنا في هذا المخيم ، والكل هنا يظهر رضاه عن الخدمات المتوفرة لكنهم حينما يجتمعون حول المدافئ ليلاً يلعنون العرب وقادتهم وسياساتهم حيث لا أحد يبالي بهم . لم يكن زيد يهتم بأحاديث السياسة لكنه يحب سماع الذكريات الجميلة حول مواسم الزرع والحصاد وحفلات الزواج التي تأتي معها ، فيسرح  بخياله بعيداً إلى حيث خبز أمه الحار وحلوى العيد الساخنة وأسنان أخته الرضيعة التي بدأت تظهر كالؤلؤء الأبيض . قطعت خياله وجوه العجائز المتكئات على بعضهن في طريقهن للعودة إلى خيمهن بعد سمر مسائي حزين ودافيء .
كان زيد تلميذاً مجتهداً ، وكانت أمه تحلم بأنه سيكون يوماً ما طبيباً بارعاً يخدم أبناء قريته ، لكن حلم أبيه الكبير كان أن يكبر زيد ويستلم زراعة الحقل مكانه ، وكان يفضل حلم أمه لشغفه بالدراسة . لم يعد الآن حائراً بين حلم أمه وأبيه فلا دراسة ولا زراعة وهو ينتظر مصيراً مجهولاً وقد يكون جامع قمامة في إحدى الدول الأوربية أو ربما سيصبح بائعاً متجولاً في سيارة ( الآيسكريم ) كما رأى في إحدى الأفلام الأجنبية ، لكن عليه الآن أن يصبر وينتظر وربما سيكون الإنتظار طويلاً . أحس زيد ببرد شديد في قدميه ، كانت جواربه مثقبة وحذاؤه قديم لا يقيه البرد .
جاء ذات يوم إلى المخيم مندوب أحد الأغنياء الأوربيين ليقوم بتبني عدد من الأطفال ، لم يقع الإختيار على زيد ولم يشعر هو بالأسى لأنه لا يريد الإبتعاد عن أصدقائه ، ثم أنه لا يعلم ما الذي ينتظره مع هؤلاء الأثرياء ، فربما أرادوه خادماً أو عبداً  لذا هو مرتاح لبقائه في خيمته الباردة ، فهو ينام متى ما يشاء ويستيقظ حينما يشاء ويسرح بتفكيره ساعات إلى بلاد لا تُشَاهد فيها البيوت وهي تحترق ويلعب بها الأطفال فرحين بحدائق مزهرة ، وكما قال جاره ذات مرة أن تلك البلاد تكثر فيها ملاعب الأطفال وتكثر في هذه الملاعب الحيوانات الجميلة والألعاب المسلية . قطعت أحلامه رائحة الطعام المنبعثة من خيمة المطعم ، لاحظ زيد أن هناك شاباً يطيل النظر إلى فتاة محددة ضمن الأسراب التي تكاثرت على تلك الخيمة ، لم يهتم زيد بذلك بل أراد فقط أن يملأ بطنه وحسب ، لكزه أحد أصدقائه ضاحكاً سيحدث عرس هنا عن قريب ، لم يبال زيد بالأمر بل ركز نظره على نوع الطعام الذي لم يعجبه كثيراً ، أخذ صحنه ورغيفه وهرول إلى خيمته .
جاء ذات صباح نائب لإحدى المنظمات ، قالوا له بأنها منظمة عالمية تبحث عن بعض الأطفال المتميزين لتأخذهم في رعاية هذه المنظمة ، وقد طلب المندوب أن يبعثون له بهؤلاء الأطفال على أن يكونوا صغار السن ، لم يكن زيد صغيراً جداً لكنه قرر أن يذهب معهم ، كان يعرف القليل من الإنكليزية ، سأله الرجل ماذا تريد أن تصبح في المستقبل قال : سأصبح كما قالت أمي طبيباً ، ثم قال زيد هل لي أن أسألك سؤالاً واحداً ، فضحك الرجل وقال إسأل ، قال : هل في بلدك حرب وطائرات تُسقط نيراناً حارقة ، أجاب الرجل طبعاً لا ، قال زيد : في المخيم الكثير من العجائز والأطفال المرضى لِمَ لا تأخذهم منظمتك وتأويهم فالبرد هنا شديد وهم أولى مني ، وقد يموت البعض منهم في أي ساعة . صوَب المندوب نظره طويلاً إلى زيد وقال : بل سنأخذك أنت ، فأنت تثير الإنتباه فعلاً .


34
المنبر الحر / طيور بلا أجنحة ( ٢ )
« في: 18:10 08/12/2015  »
طيور بلا أجنحة ( ٢ )
الدكتورة / ناهدة محمد علي

في إحدى القرى الفلسطينية وفي صباح شتائي شديد البرودة ، كان ( أيمن ) وهو طفل في العاشرة وكبير إخوته الثلاثة هو المسؤول في عائلته بعد رحيل والده والذي كان قد قُتل في إحدى الهجمات الإسرائيلية على القرية . بعد هذا أخذت أم أيمن تعُد ولدها لكي يصبح مسؤولاً ومعيناً لهذه العائلة ، فهو من يُكلف بالتسوق وتوصيل إخوته للمدرسة كل صباح ، وهو من يقف قرب البيت لكي يفتح كُشك أبيه لبيع السكائر ، والذي يكاد يكون المحل الوحيد الذي يتكوم عليه الزبائن كل صباح قبل ذهابهم إلي أعمالهم .
كانت المنطقة التي يسكن فيها أيمن منطقة مُحتلة وقد تعَوَد الجميع على رؤية الجنود الإسرائيليين يتهادون ذهاباً وإياباً في المنطقة ، وقد حذرته أمه مراراً من التحرش بهم لحاجتهم إليه ، كما أخبرته بأن هذه العائلة لن تتحمل فقدان  فرد آخر منها .
تعَود أيمن أن يذهب كل صباح إلى مخبز القرية الوحيد والذي يُشم رائحة دخانه من بعيد وكان المحل الوحيد الذي يحصل على تجهيز النفط له بعكس بيوت القرية والتي كان يضطر بعض سكنتها الى شراء النفط المهرب من المناطق الإسرائيلية ، وكان هذا المخبز هو المكان الوحيد الذي تنبعث منه الحرارة  والدفء كما يُشم منه من بعيد رائحة الخبز الشهية .
خرج أيمن في ذلك الصباح كعادته وحسب طلب أمه لجلب الخبز والذي يعتمد عليه طعامهم ، رافق أيمن جاره مسعود وهو شاب في حوالي الثامنة عشر ، كان الطريق طويلاً لكنهما أخذا يتمازحان طوال الطريق إلى أن أوقفتهما دورية إسرائيلية وبعد تفتيشهما سمحا لهما بالمرور مواصلين طريقهما . وبعد ذلك بدقائق أخذ تقاذف النيران ينتشر في جميع الإتجاهات ، وحار أيمن ، أيعود إلى الوراء أم يواصل الطريق ، ولم يجد الإثنان شيئاً يحتميان به ، أمسك مسعود بيد أيمن وهرولا نحو صخرة كبيرة ليحتميا بها ، أخرج مسعود منديلاً أبيض ليسمحوا لهما بالمرور بدون إطلاق النار عليهم ، لم يسمعهما أو يرهما أحد ، وإستمر إطلاق النار بشكل كثيف وطار جزء من الصخرة التي يحتميان بها . إختبأ أيمن خلف مسعود وهو يرتجف من الخوف والبرد معاً ، فكر أيمن بإخوته ولم يشأ أن يموت هنا لكنه لم يستطع أن يتحرك يميناً أو يساراً ، لم يبال الجنود بالمنديل الأبيض وإستمر الإطلاق بإتجاههما والإتجاهات الأخرى .
كان أحد المقاتلين يتناوش مع الجنود وقد تكاثروا عليه من كل المداخل . مر صوت إطلاق شديد قرب أُذني أيمن فإلتفت إلى مسعود فوجده مضرجاً بدمائه ومتكئاً على الصخرة ، كاد أيمن أن يبكي لكنه تماسك وإستجمع شجاعته وأمسك بجسد مسعود الميت محتمياً به ، وإستمر إطلاق الرصاص وبشكل عشوائي وكثيف ، كان هناك مصوراً ومراسلاً لإحدى الصحف الأجنبية وكان يلتقط الصور بسرعة رغم صراخ الجنود وإحتجاجهم . قرر هذا المصور أن تكون هذه هي صورته الأخيرة لكي ينسحب من بين النيران فالخطر يتزايد من حوله .
بعد أن عاد المصور إلى الفندق الذي يسكنه أخذ بمراجعة شريط الصور التي إلتقطها ليتفحص صلاحيتها وليختار الصور المؤثرة والتي سيرسلها إلى صحيفته ، كانت الصورة الأخيرة التي وقف أمامها مذهولا وحزيناً ، مرعوباً وآسفاً ، أحس هذا المصور بالإشمئزاز من كل ما رآه لكنه قرر أن يختار صورة واحدة تعبر عن هول الواقعة والتي قد تُرضي سكرتير التحرير ، قام بنقل الصورة من تلفونه النقال إلى الكومبيوتر وهو يردد ممتعظاً ( إن هذا ليس بالعدل ، ليس بالعدل إطلاقاً ) . كانت الصورة هي صورة أيمن مضرجاً بدمائه ومتكئاً على كتف مسعود ، وكان الإثنان مستلقيان على الصخرة الكبيرة والتي لم تستطع أن تحميهما ، بل تفطرت وأدخلت النيران إلى جسديهما .



35
المنبر الحر / طيور بلا أجنحة ( ١ )
« في: 19:31 30/11/2015  »
طيور بلا أجنحة ( ١ )
الدكتورة / ناهدة محمد علي

إستيقظت الطفلة وحيدة ذات الست سنوات على صوت دوي هائل صباح أحد الأيام العاصفة بترابها الأحمر ، وجدت الطفلة أن بيتها الصغير قد تهدم وأن أخويها وأبويها قد دفنوا تحت الأنقاض ولم يظهر منهم سوى أكفهم الممدودة إلى الأعلى وكأنها تستنجد بالسماء . لم تكن وحيدة قد فهمت ما حصل بل أحست أن شيئاً مرعباً قد إجتاح بيتها ، وحاولت نفض التراب عن جسدها وهي تصرخ متألمة ثم خرجت إلى الشارع ، ولم يشعر بها أحد من الجيران أو المارة المزدحمين حول الأنقاض ، وهرولت الطفلة وكأنها تبحث عن والديها يميناً ويساراً ، تناديهما ولا تسمع شيئاً حتى وصلت إلى منعطف الشارع حيث وقف الكثير من المتسولات يستعطفن المارة ، لاحظت إحداهن الطفلة فأمسكت بها وكأنها تمسك بصيد ثمين وأسرعت بها إلى البيت . أطعمت المرأة الطفلة ثم قالت لها هنا ستنامين وأنا أمك الجديدة ، ففتحت وحيدة عينيها وهي لا تفهم شيئاً ، وعند المساء فُتح الباب ودخل منه رجل في منتصف العمر تلطخت ملابسه بالدماء وكان يعمل قصاباً في متجر للحوم يعود إلى أحد أقاربه ، دخل الرجل وإغتسل ثم إقتربت منه زوجته هامسة وقالت : إحذر لن تفعل ما فعلته من قبل فستجعلها تهرب كسابقتها ، قال : ما لي ولها  ، كان البعض من أقارب وحيدة يبحثون عنها في الشوارع والمناطق المجاورة لكنهم لم يعثروا على أثر لها .
في اليوم التالي أخبرت المتسولة زوجها بأن وجود الطفلة معها لم يجلب لها الكثير من المال ، ولا يكاد المارة يلحظونها ، فهمس الرجل بأذن زوجته على أنه يجب أن يقوم بقطع يدها لكي تجلب المزيد من العطف والنقود من المارة ، فمانعت الزوجة وقالت : لم يحتمل الصغير الذي قبلها ومات من شدة النزف ولم تنفع كل الضمادات التي إستخدمناها ، وأخاف أن تنتهي هذه الطفلة بنفس الطريقة ، ونخسر نحن  النقود التي يجلبها وجودها معنا ، ولم يعد الناس يتعاطفون معنا لكثرتنا  على ناصية الشارع ، وإسترسلت المرأة فقالت : لقد قامت  إحدى صاحباتي بحرق جلد أحد هؤلاء الأطفال فجلب لها هذا الكثير من المال من رقيقي القلوب المتعفنين ، فضحك الزوج وقال : ألا ترين الفتاة جلد على عظم وأخاف أن يحترق عظمها ، قالت : الأحسن يدها ، قال : حسناً غداً صباحاً إعطيها بعض الطعام وسأقوم أنا بالمهمة .
 وعند الفجر كان هناك صراخ مدوي في بيت المرأة المتسولة وإستمر لدقائق ثم أعقبه سكون مطبق ، وخوف ورعب في وجه المرأة وزوجها ، وبقي الإثنان متسمرين في مكانهما ، ثم قالا لم نكن نعتقد أنها ضعيفة لهذه الدرجة ، ثم قالت المرأة ربما لآننا لم نستطع إيقاف النزيف أو لقلة دمها ، ثم تابعت في كل الأحوال لا يهمنا الأمر ولكن أين سنضعها ، قال الرجل : هناك حفريات في مجاري الشارع ، كلها مفتوحة ، سنغرقها في إحداها وينتهي الأمر .
بعد أيام طفحت مجاري الشارع وبان ما في داخلها ، ثم جاءت إحدى سيارات الشرطة لترفع جسد الطفلة ، وكتب أحدهم تقريراً بأن الطفلة مجهولة الهوية . ثم نشرت الصحافة اليومية تقريراً مختصراً عن موت الطفلة وكان من الغريب في الأمر أن يكون هذا التقرير إلى جانب مقال كُتب حول طفلة ألمانية نابغة في سن السادسة قامت بعزف مقطوعات ( بيتهوفن وموتزارت ) على البيانو ، وقد لُقبت هذه الطفلة المتميزة بذات الأنامل الذهبية .


36
الفكر الذكوري في الفلم الأفغاني ( أُسامة )
الدكتورة / ناهدة محمد علي
بتأريخ 31/ 10 / 2015 تم عرض فلم أُسامة الأفغاني من قِبل التيار الديمقراطي العراقي في نيوزيلندا والذي دعا إليه منظمات المجتمع المدني العراقية الذين إطلعوا من خلاله على الأفكار المتخلفة لحركة طالبان وخاصة ما يتعلق بقضية المرأة وتحررها ومكانتها في المجتمع وإستلاب حقوقها في التعليم والعمل وإعتبارها عبداً تابعاً للرجل .
إن السينما كما قال المخرج الفرنسي كلود ليلوش هي ( أدب القرن الحادي والعشرين ) . وتلعب الصورة السينمائية دوراً مؤثراً جداً في ذهنية المشاهد وتطبع آثاراً لا تُمحى فيها ، وهي حتماً أكثر عمقاً من الكلمة والرقم ، ولطالما أثرت الصورة المعبرة في الضمير الإنساني وفي الرأي العام العالمي الحر ، فصور الظلم الُإجتماعي والمجاعات والعنف السياسي والإجتماعي وبشاعات الحروب تفجر بركاناً من الرفض الإنساني ، فما قرأناه عن الحرب العالمية الأولى والثانية وحرب فيتنام وحرب الخليج والإحتلال الأمريكي للعراق شيء وما رأيناه مسجلاً عبر الصورة الوثائقية والتسجيلية والدرامية شيئاً آخر ، فكل رؤيا لإنفجار قنبلة هيروشيما في الصوت والصورة تشكل عبئاً ثقيلاً على الضمير الإنساني .
إن التكنيك السينمائي لفلم ( أُسامة ) كان تكنيكاً بسيطاً لكنه يتمتع بسيناريو محكم ومتصاعد إلى حين القمة الدرامية والتي بإعتقادي تتوزع ما بين دفن المرأة الشاهدة وهي حية وما بين إغتصاب الطفلة وتقديم القفل الحديدي لها لتصبح السجينة الجديدة . وقد لعبت الطفلة المسماة ( أُسامة ) دورها بإنسيابية طبيعية ، وبقيت هذه الطفلة متميزة بطفولتها ، وهنا تكمن القوة الدرامية حيث أثار هذا غضب المُشاهد من المجتمع الذكوري والبدائي المتخلف .
إن هذا الفلم الإجتماعي السياسي يختلف عن الأفلام السياسية الفرنسية والأمريكية ، فالكامرا هناك تقدم فناً راقياً يشد المشاهد بإستخدام إمكانيات الكامرا المتطورة كحركة ( الزوم ) السريع والبطيء للتأكيد على موقف ما أو الإنتقال إلى مواقع متعددة بصورة واحدة لفضح المتناقضات ، أو إستخدام مؤثرات صوتية تدعم المشاهد الدرامية ، وقد أُستخدم في هذا الفلم كدعم صوتي الأغنية الأفغانية الحزينة وكذلك أصوات الدجاج حين وُضعت مجموعة من النساء المتظاهرات في القفص وأصوات صرير أبواب السجون . ولا أعتقد أن تكلفة الإنتاج لهذا الفلم كانت كبيرة ، وقد إعتمد كما ذكرت على قوة القصة والسيناريو .
إن المجتمع الأفغاني برمته يعاني من الإنكسار الإجتماعي حيث لا كرامة للرجل أو للمرأة على السواء ، وأعتقد أن كل مجتمع تعاني فيه المرأة من الإنكسار والتهميش يعاني فيه الرجل أيضاً ويعاني فيه الأطفال من جزر كبير في منح الحقوق الإنسانية ، وفي كل المجتمعات التي تعاني من الخراب الإقتصادي والسياسي والإجتماعي ينعكس هذا الخراب على النفس الإنسانية ، ويكون الرجل العربي على المحك أولاً ، فهو من يصطدم بالسلطة وبألضيق الإقتصادي والتفسخ الإجتماعي ، وينعكس هذا بدوره في داخل عائلته ، فتمتص النساء والأطفال كل هذا الخراب وهم الأضعف حيلة من بين شرائح المجتمع .
لقد نقل السلفيون الهوس البدوي الصحراوي ولبسوا العمامة والسيف تقليداً لحضارة بداية الفتوحات الإسلامية ، وقد إعتنوا عناية فائقة بالمظهر الخارجي لهذه الحضارة ولم يهتموا بفحواها . وقد هدم السلفيون الأفغان البنية التحتية للمجتمع الأفغاني ، فلا صناعة ولا زراعة وقد حاربوا التكنولوجيا الحديثة بكل قوتهم وظهر هذا واضحاً في الفلم ، فالجوع والبطالة كانا ظاهرين في كل شارع وبيت ، وقد تبع هدم البنية التحتية هدم كامل للبنية الفوقية ، فلا تربية ولا تعليم ولا طب يُعين المرضى المتراكمين في المستشفيات البدائية ، أما العلاقات الإجتماعية فمبنية على السيادة الإقطاعية الذكورية والدكتاتورية الفجة من قِبل الولاة والملالي .
لقد عاد المجتمع الأفغاني هنا إلى مرحلة الإلتقاط والصيد ، وأُستُخدم الدين هنا لوضع الهيبة وعدم المساءلة للوالي .
ليست مشكلة المجتمع العربي والإسلامي هي إستعباد الرجل للمرأة وإستعباد الرجل من قِبل السلطة ، بل هي الهيكلة الإجتماعية والإقتصادية المستهلكة والتي تنشر أول ما تنشر البطالة والفقر ، وترتفع بطالة النساء في هذه المجتمعات أكثر من الرجال بالإضافة إلى الأمية الأبجدية والثقافية ، وتلعب الأعراف البدوية دوراً هاماً لتهديم العلاقات الإجتماعية . وفي حديث موجه من قِبل الكاتب السلفي ( عبد المنعم المنسي ) إلى بطل الكيبورد المصري ( وائل غنيم ) الذي لعب دوراً في تحفيز الجماهير المصرية في ثورة الربيع العربي في مصر ، ذكر الكاتب السلفي ( بأن المرأة كائن مُحدد بالإقامة المنزلية وتبقى شريفة طالما بقيت فيه ، وإذا ما خرجت رافقها الشيطان أينما ذهبت ، وينبغي للمحرَم أن يرافقها ولا يصح خروجها إلا للضرورة ) وقد أكد هذا الكاتب على عزلها عن المجتمع وتحريم العمل عليها .
إن العرف البدوي والبدائي كان له أشباه في كثير من الحضارات القديمة والفرق هنا أنهم قد تعدوها لكننا لا زلنا نتمسك بها ، وكل الحضارات تقريباً تتطور بشكل عمودي إلا الحضارة العربية والإسلامية فهي تتطور بشكل دائري ، فتبدأ ثم ترتقي ثم تعود من حيث بدأت .
أقدِم هنا نماذج شبيهة لوضع المرأة العربية والمسلمة في الحضارات القديمة ، فقد كان وضع المرأة في الصين القديمة كما بينتها رسالة لإحدى سيدات الطبقة الراقية تكشف عن أحوال المرأة وتقول ( نشغل نحن النساء آخر مكان في الجنس البشري ، ويكون نصيبنا أحقر الأعمال ، وأن الذكور يقفون على الأبواب كأنهم آلهة قد سقطوا من السماء ، أما البنات فإن أحداً لا يُسَر بميلادهن ، وإذا كبرن إختبأنا في حجراتهن ، ولا يبكيهن أحداً إذا إختفين من منزلهن ، وقد سُميت المرأة في الصين القديمة بـ ( المومياء المؤلمة ) ، أما في الهند القديمة فقد ذُكر في أساطير ( مانو ) بأنها مشغولة ( بحب الز ينة والشهوات المدنسة ) ومجردة من الشرف ، والنساء هن كألباطل نفسه ، وبتشريع مانو إن الزوجة يجب أن تخدم زوجها كما لو كان إلاهاً ، وهي تخاطب زوجها بكلمة يا مولاي أو يا إلاهي ، وتمشي خلفه بمسافة ولا تأكل معه بل مما تبقى من طعامه .
وفي حضارة الهندوس وبعض الحضارات الأخرى في الهند القديمة تُحرق كل زوجة يموت زوجها على مقربة منه والتي لا ترضى يذلها الشعب إذلالاً يجعل الموت أهون عليها .
أما الحضارة الإغريقية فقد قال سقراط الحكيم ( إن وجود المرأة هو أكبر منشأ للأزمة في العالم ، وهي تشبه شجرة مسمومة ظاهرها جميل ولكن عندما تأكل منها العصافير تموت حالاً ) .
أما الحضارة اليونانية القديمة فقد كانت المرأة تُباع من قِبل الزوج متى شاء ، لذا فهم يقدمون لأصنامهم إمرأة قرباناً كلما أصابتهم مصيبة ، ولم تسلم منهم حتى إبنة إمبراطورهم ( أجاممنون ) .
أما لدى الرومان القدماء فهي أداة للإغواء ويُسخرها الشيطان لأغراضه ، ولذا فهي محتقرة لديهم ، ويُفرض عليها أن لا تأكل اللحم وأن لا تضحك وأن لا تتكلم ، وكانوا يضعون قفلاً على فمها يسمى ( موزليز ) ، وكان تعدد الزوجات شائعاً وبدون تحديد ، ويعطي الرومان السلطة للزوج في قتل زوجته .
ولم يكن وضع المرأة في الحضارة الفارسية القديمة بأفضل من هذا ، إذ كانت تعتبر جزءاً من أملاك الزوج ، وكانت الديانة الزيرادشتية تعتقد أن المرأة سبب الشرور ويحق للزوج أن يقتلها متى ما شاء ، وكان تعدد الزوجات أمراً شائعاً أيضاً .
إن الفكر السلفي العربي والإسلامي قد أكد على العُرف الجاهلي وحكم على المرأة أن تستتر في بيتها ، وأن لا يكون لها رأي ولا مشورة ولا يمكنها السفر أو قيادة السيارة أو توريث جنسيتها لأبنائها وحدد عملها الأساسي لخدمة الزوج والأبناء .
لقد جاء في تقرير قدمته مؤسسة ( تومسون رويترز ) لإستطلاعات الرأي حول أوضاع المرأة في 22 من الدول العربية ، وقد شارك في هذا التقرير الكثير من الخبراء والناشطين والناشطات وكانت الدول الأسوأ هي مصر ويليها العراق في سوء أوضاع المرأة وإستلابها ، ومن الغريب في الأمر أن هاتين الدولتين العريقتين في الحضارة وفي مجال النضال السياسي والديمقراطي قد قدمتا للمرأة التهميش والإستلاب الإنساني ، بينما كانت الدولة الأولى في الإهتمام في أوضاع المرأة هي جزر القمر ثم سلطنة عُمان ، وقد حدد التقرير أن 99،3٪-;- من نساء مصر يتعرضن للتحرش ولا فرق هنا بين إمرأة وأخرى ، مثقفة أو غير ، جميلة أو غير ، صغيرة أو غير ، وأن 91٪-;- منهن يتعرضن للختان .
أما في العراق فمن الواضح أن التناحر الطائفي والسياسي قد أزال كل القيم النبيلة التي كانت تحمي المرأة ، وأصبحت المرأة كما يصفها السلفيون هي الفاصل ما بين الجنة والنار والنور والظلام ، ونسي هؤلاء جرائم الميليشيات والعصابات المنظمة والإرهاب السياسي ، وركزوا أحقادهم على النساء ، علماً بأن 17٪-;- من القوى العاملة العراقية هم من النساء ، وبالمقابل تعاني المرأة العراقية من زواج القاصرات والولادات المبكرة ، ففي كل ( 1000 ) حالة ولادة هناك 68 من القاصرات ، ولا تستطيع المرأة العراقية الحصول على جواز سفر بدون إذن من ولي أمرها ، وتنتشر الكثير من جرائم الشرف في العراق وغيره من الدول العربية والإسلامية ، وعلى هذه الجرائم هناك عقوبات مخففة أو إعفاء كامل وبدون ضوابط ، وقد حدثت الكثير من حوادث الإعدام العلني للنساء في أفغانستان والسعودية ، وفي المغرب مثلاً 78٪-;- من مرتكبي الجرائم ضد النساء هم من الأزواج ، وينتشر في فلسطين زواج القاصرات ، أما في الأردن فيحق للزوج الزواج بإمرأة أُخرى إذا لم تنجب له الزوجة ذكراً ، ولا تعترف اليمن بسن محددة للزواج .
كل هذا يعطي لنا صورة قاتمة لأوضاع المرأة العربية والمسلمة ، ولو تساءلنا أين يكمن السبب ، هل هو في فئة الحكام التي تقود مجتمعاتها إلى الوراء ، أم في الشعوب التي تعبت من النضال ورضخت للأمر الواقع وخاصة فئة النساء . وإذا علمنا أن المرأة العربية تصرف المليارات من الدولارات على أدوات الزينة وخاصة في دول الخليج العربي حسب إحصائية مجلة الأسرة الخليجية ، وإحصائية أخرى تقول بأن نسبة السمنة بين النساء في السعودية تبلغ 55٪-;- وترتفع أيضاً نسبة المدمنات على التدخين ونسبة المطلقات ، وهذا يؤكد على أن شرائح من النساء العربيات قد بدأت في البحث عن البدائل السلبية لتحررها الحقيقي من عبودية المجتمع الذكوري ، ولا أرى أن منظمات النساء في المجتمع العربي والإسلامي قادرة على التحرك أكثر من المدى الذي يُسمح لها به ، وأن منطق القوة والعنف الأُسري والمجتمعي هو دائماً الأكثر فاعلية في هذه المجتمعات .


37
ماذا فعلتم بشباب العراق
الدكتورة / ناهدة محمد علي
لقد إطلعت على الكثير من البرامج التربوية والمهنية الأُوربية ووجدت أن الأطفال والشباب يأخذون حيزاً هاماً من إهتمام الدولة بالأفراد . ويبدأ الإهتمام بالشاب الأُوربي مثلاًِ أو الأسترالي أو النيوزيلندي منذ اليوم الأول لدخوله المدرسة ، حيث يجري الإهتمام بالصحة العقلية والنفسية له متوازية مع الصحة البدنية إلى حين تخرجه ، وتقوم الدولة بدفع مصاريف الدراسة لغير القادرين مع دفع رواتب للمصاريف اليومية للطالب ، ثم تتولى الدولة تهيئة الأعمال المناسبة لتخصصاتهم والتي حُددت مُسبقاً حسب إحتياجات الإقتصاد المحلي ، مع إجراء برمجة تتلاءم ما بين قدرات الطالب وحاجات البلد الإقتصادية .
ولو إطلعنا على كشف دوري لأعداد الخريجين العرب والموازنة بين تخصصاتهم وإحتياجات الإقتصاد لهم لوجدنا أن الملايين من الخريجين الشباب يجوبون الشوارع العربية بحثاً عن عمل ثم يعودون في النهاية لممارسة مهن آبائهم والتي لم تكن لتحتاج إلى كل هذه السنوات من الدراسة ، وقد يختار هؤلاء الشباب الهجرة وفي هاتين الحالتين يكون البلد قد خسر تكاليف الدراسة وخسر أيضاً قدرات هؤلاء الخريجين وتخصصاتهم .
وقد إخترعت بعض الدول العربية حلولاً جنونية لمشكلة الخريجين العاطلين وهي زجهم في السجون والإصلاحيات وقد تكون الأسباب واهية مثل الشكوك الوهمية على تحركاتهم أو تشابه الأسماء مع أسماء إرهابيين . وقد يضع بعض العباقرة والذين أُسميهم العسكريين التربويين أو العكس حلولاً لأزمة الإرهاب والأزمات الإقتصادية ولشحة فرص العمل والغلاء المعيشي ، بأن يلتقطوا عشوائياً هذا أو ذاك من الشباب ثم البدأ بتأديبهم أو بالأحرى تعذيبهم على طريقة العصر الحجري بكيهم بالحجر المشوي لكي تأكل النار أيدي هؤلاء الشباب وأقدامهم ولكي يثبتوا لفئة الشباب بأنهم الأقوى ولا منازع لقدراتهم الإبداعية في فنون الإستخبارات العسكرية العربية ، إلى أن يصبح أحد هؤلاء الشباب الأبرياء والذي هو ( عدي حاتم سليمان ) مُعوقاً بسبب إحتراق كفيه بالكامل لمجرد تشابه عفوي مع إسم أحد أبناء الإرهابيين . وأتساءل كم يد قُطعت سهواً ، وكم رأس قُطعت غدراً ، حيث تتقاذف الشباب القوى العسكرية والقوى الإرهابية فيتدحرجون ككرة هشة ما بين هؤلاء وهؤلاء .
لا يجد الشاب العراقي مكاناً يأويه ويخلصه من ضياعه سوى مقاهي الدخان والأركيلة ، ولا تسعه شوارع بغداد على وسعها ، لكن السجون والمقابر قد وسعته ، فها هي أعداد مدمني المخدرات والأركيلة يزدادون بشكل مُرعب ، وقد حكى لي أحد الأصدقاء بأن شاباً قريباً له قد سقط ميتاً فجأة وهو مدمن إدماناً ثقيلاً على الأركيلة حتى كان وجهه مليئاً  بألهالات السوداء وأخذ يعاني من قصور في القلب على صغر سنه ، فسقط فجأة ميتاً . فسُجل في دفاتر الوفيات بأنه قد مات لسبب مجهول ، لكن السبب الحقيقي كان واضحاً ألا وهو البطالة والحرمان من الحياة الطبيعية والسعادة الحقيقية التي يستحقها أي شاب ، وقد دفع البحث عن هذه السعادة إلى الهرب إلى المجهول طلباً للفرح اليومي البسيط والحياة الآمنة وهم يحملون عذاباتهم وعذابات وطنهم معهم أينما ذهبوا ومع كل منهم ذكرى أليمة قد تكون في جسده أو في روحه . وإلى الذين يتحدثون عن الإصلاح لا تجعلوا المجتمع مدرسة إصلاحية لشبابه ، بل إجعلوا هذه المدرسة لتربية السادة المتنفذين  ليتعلموا ما يجب وما لا يجب فعله .


38
الزهايمر المرضي - السياسي
الدكتورة / ناهدة محمد علي
يعتبر مرض الزهايمر من أخطر أمراض الشيخوخة وأكثرها شيوعاً ، حيث يعاني 5% من الناس بين سن 65 - 74  من هذا المرض ، وتزداد النسبة مع التقدم بالعمر فتصبح في سن 85  بنسبة 50% ، وهنالك عدة أسباب لهذا المرض تتعلق بكيمياء المخ ، حيث يتراكم نوع من البروتين غير الضار في العادة بين خلايا المخ وتمنع إتصالها , وإسمه العلمي Amyloid beta , ويحدث المرض أيضاً حينما تحدث تغيرات بألياف بروتين آخر إسمه Tau protein حيث تلتوي ألياف هذا البروتين وتلتف لـذلك يتهدم المبنى الداخلي للخلايا الدماغية بالإضافة إلى ضعف الإتصال بينها ، لذا تتلف الخلايا العصبية لهذا المريض ثم يُقضى عليها فيما بعد ، وقد يصل المريض في المراحل المتأخرة إلى الصعوبة في المضغ والبلع والتحكم في الإفرازات الخارجية مع التوهان التام وعدم القدرة على تحديد الزمان والمكان ، وعدم القدرة أيضاً على إيجاد الكلمات لأي موضوع مهما كان بسيطاً ويومياً ، وتصبح ذاكرة المريض كورقة بيضاء أو ذاكرة طفل مولود للتو ، ولا يمكنه التعرف على من حوله وبيته ، وينسى المريض مواقع الأشياء ويبدأ بتضييع كل شيء مثل مفاتيح السيارة لكنه ينتهي في المرحلة الأخيرة بأن لا يعرف لأي شيء تستعمل هذه المفاتيح ، ويصعب عليه الربط بين المسميات والأشياء ، ووجوه الأشخاص والأسماء .
وقد يعاني المريض في المرحلة الأولى من الكآبة والعزلة وفقدان الرغبة في الحركة ، وفقدان الثقة بالآخرين والعدوانية ، ونسيان المواقع القريبة والأحداث القريبة ، وهو قد ينسى ما حدث بالأمس لكنه يتذكر أشياء حدثت منذ زمن ، ثم يبدأ رويداً رويدا بنسيان هذه أيضاً وتتحول مشكلته من ضعف الذاكرة إلى إنعدام الذاكرة . والأسباب تتعلق بالعوامل الوراثية والتي هي العامل المشترك للكثير من الأمراض ، ويتعلق أيضاً بنوع الغذاء وخلوه من الخضراوات والفواكه مع عدم التمرين العقلي والمواصلة بالتفكير العقلي ، ومن المهم لإبعاد هذا المرض أو تأخيره الإنغماس في الأعمال العقلية والقراءة والإستخدامات الألكترونية والإطلاع والحفظ المستمر وتمرين الذاكرة على حفظ الأسماء والمعلومات ، وكما تتعرض العضلات الجسدية للضمور إذا ما إبتعد الإنسان عن الحركة والتمارين الرياضية يمكن أن يتعرض العقل للهشاشة والضمور بالإنزواء وعدم الإطلاع والإبتعاد عن الممارسات العقلية والمقارنة والتحليل . ويلاحظ أن هناك الكثير من المبدعين والنشطاء العقليين الذين هم فوق سن الـ 60 والـ 70  ، ومن العلماء مثل أنيشتاين ومن الأدباء مثل  تولستوي ، الجواهري ، لكن لكل قاعدة إستثناء ، وقد يصيب الزهايمر الإنسان في سن مبكرة في الـ 40 مثلاً فتبدو على هذا الشخص الشيخوخة المبكرة والقصور العقلي فيعود كما بدأ طفلاً في ذاكرته وقد تُختصر حياته لأن إرتباط المخ بالعمليات الحياتية للجسم الإنساني هو إرتباط وثيق .
إن الكائن البشري هو كتلة متوازنة وأي خلل بالمراكز الأساسية مثل الدماغ أو القلب يُشكل قلباً لموازين هذا الإنسان وتفكيره وحركته .
إن المصابين بالزهايمر المرضي هم غير مخيرين بإختيار هذا الدهليز المظلم بفقدان الذاكرة وعدم الربط بين تفاصيل الأشياء ومسمياتها والذي يقلب موازين حياة هذا الفرد ، لكن هناك من يختار هذا المرض عمداً ليحوي عقله نظريات فلسفية أو سياسية غير مكترث في المنطق أو الزمان والمكان ويطبق نظريات ليس لها علاقة بالحاضر أو الماضي والمستقبل ، وقد تبدو مجرد تهويم غير منطقي لأشخاص يُعتقد بأنهم أسوياء ، لكنهم يسيرون على نهج غير سوي . وقد خرج علينا التأريخ بفلسفات كثيرة لا يحكمها المنطق  ، لكن هناك بالعالم العربي منظمات سلفية أو سياسية تأخذ من الماضي الشيء القليل ولا تعتمد على حقاق الحاضر والمستقبل ، فتصاب بفقدان الذاكرة وتطالب الشعوب بأن تفقد ذاكرتها أيضاً ، فهي قد تأخذ بالأداة التي إستعملها المسلمون الأوائل وهي السيف لكنها تخطيء الإتجاه فتذهب إلى الرقبة الخطأ ، وتخطأ التصويب ، فلا تأخذ بحيثيات الحاضر وإحتياجاته ومنطقه وتغيرات الز من . ويأتي بعض مروجي الفلسفات السياسية فينسى تماماً قدرة الفرد العربي على التغيير ، وينسى أيضاً نسبة إحتماله والترمومتر المتعلق بنسبة صبره ، وتأتي المنظمات الإرهابية فتلغي الفكر والتأريخ العربي والإنساني ، فهي لم تلاق رواجاً في أكثر الشعوب تخلفاً بل تتكشف ثم تتعفن وتأتي بدائل لها فتنقلب الموازين ، فيصبح القاضي مداناً ويصبح المدان بر يء ، وفقدان الذاكرة في هذه الحالة لا ينفع مؤسسي النظريات الساسية العنفية أو الإرهابية ، وإن صبر الشعب حيناً فهو لن يصبر طويلاً مهما تعددت الديانات والقوميات ، والدليل على ذلك ما حدث في الهند والصين وروسيا . ولم يذكر التأريخ ملك أو قائد حاصر شعبه  ولم يُدخل الفرح على قلوب أبناء الشعب إلا وزال بعد حين ، وكل النظريات الإستبدادية تنفيها الذاكرة السوية للشعوب مثل ( جوع كلبك يتبعك ) ونظرية ( فرق تسد ) . وما يحدث الآن في العراق هو دليل على ذلك ، فلم تستطع الطوائف أن تقسم الشعب لأن مطالبهم موحدة ، ولأن ذاكرة الظالم محدودة وأحياناً بلا ذاكرة ، فهو ينسى التأريخ السياسي العر اقي ، فقذ يربط العراقيون الأحزمة على البطون لحين وقد يصكوا على أسنانهم لحين آخر ، وقد تصبح بيوتهم مدفن لآلامهم ، لكن المرجل العراقي قد ينفجر وليس هذا مرهوناً بدرجة حرارة الجو ، بل بدرجة القسوة التي تعرض لها العراقيون ، لذا فكل دساتير الدول العربية ناقصة وبضمنها العراق ، وهناك صفحة مقتطعة تضم التأريخ السياسي والإجتماعي لكل شعب والذي يحدد نسبة تحمله ويوم إنفجارة .


39
لماذا يصفق العراقيون بيد واحدة
الدكتورة / ناهدة محمد علي
يتساءل دائماً المثقفون العراقيون وحتى العرب منهم لمَ لم يستطع السياسيون العراقيون أن يتفقوا جميعاً على الصح وإتفقوا جميعاً على الخطأ ذاته ، فهم يسيرون بصف واحد نحو الكرسي ومتى ما وصلوا إليه تفرقوا كصفوف النمل التي تنحدر سريعاً نحو ثقوبها ناشطة بجمع ذخيرتها الخاصة بها . لكل عراقيي الأرض ترن كلمة الديمقراطية في كل خطاب سياسي وفي شعار كل حزب وفي تسمية معظم الأحزاب ، ولا نجدأي تطبيق حرفي أو معنوي لمعنى هذه الكلمة والتي فيها تتطور الشعوب وبدونها تنهار ، وبها تتقدم كل دول العالم ، منذ إنهار بسببها سجن الباستيل ، لكننا بها نتفرق وبها نختلف ، فها هم السياسيون يمسكون بشعارهم لكنهم يقولون من يخالفني هو ضدي  ومن يحاورني هو نقيضي  ومن يكشف أخطائي هو عدوي  ومن يطالب بالتغيير السياسي أو الإجتماعي هو دكتاتوري . وعلى هذا الأساس تعددت أهداف السياسيين العراقيين وإختلفت نهاراً وتوحدت في ظلام الليل ، وعلى هذا الأساس أيضاً لم ينجزوا ولا هدف واحد وكل ما أراده الشعب البسيط هو الغذاء والدواء والماء ، ثم طمحوا فحلموا بالكهرباء خاصة في الصيف القائض ، وحينما طالبوا بالحد الأدنى لم يطمحوا أن تمتلئ ثلاجاتهم بأطعمة المنطقة الخضراء ، ولم يطمحوا أن يمتلكوا بيوتاً فاخرة كبيوت الوزراء ، ولم يطمحوا أيضاً أن يجدوا العلاج المجاني لأوجاعهم ، وكل ما أرادوه هو بيوتاً آمنة وباردة يهربون بها من لهيب الشمس . لكن الخُطب السياسية المشتعلة ظلت تلهب ظهورهم .
في كل دول العالم لا يستطيع أي رئيس وزراء أن يصمد ليومين متتاليين أمام أمواج المظاهرات الغاضبة ، وقد يسقط رئيس الوزراء لمطلب دافعي الضرائب أو لأجل توفير فرص عمل أكثر ، أما نحن العراقيون فلم نعد نحلم ، فالأحلام قد مُنعت في بلاد الأساطير السياسية ، وإلا لمَ لا يستطيع بلد يملك ثالث إحتياطي نفطي بالعالم أن يوفر التيار الكهربائي لكل فرد ولكل بيت ولكل كوخ ، ولمَ يظهر السياسيون العراقيون بشكل تهريجي مزيف أيام الإنتخابات ومن ثم ينتفخوا وينتفشوا كألنطيحة في صحراء العرب ، ومن ثم تنبعث من أجسادهم الروائح الكريهة . وقد يصفق إبن الشارع لهذا أو ذاك أملاً به ، ومن المضحك المبكي هنا أن هذا يذهب بسيارته الفارهة وحمايته إلى قصره وذاك يذهب بأحلامه الصيفية إلى كوخه  وكل منهم يحلم على قدر حجمه ، وكل منهم يعتقد أنه يحلم بالأفضل ، فذاك يحلم بأرباح النفط وصعودها ونزولها وهذا يحلم بليلة باردة ينام فيها ولا يستيقظ أبداً .
من المعروف أن كل سياسي وقائد هو المربي الأكبر لشعبه لأنه يقع في بقعة الضوء ، ولذا تحول الكثير من العراقيين قبل حوالي عقدين من الزمن إلى لصوص وجزارين ، ثم تحول الكثير الآن إلى متسولين أو مرتشين وبقي الكثير وهم يعضون بأسنانهم على شرفهم ويحلمون فقط ، أما سياسيو العراق فقد جعلوا وبدهاء الدين وسيلة لكي لا يُناقشوا ثم وضعوا الحسين وسيلة لكي لا يُقتلوا ، ثم وضعوا أيضاً الإرهاب وسيلة لكي لا يُحاسبوا .



40
كارثة الطفل العربي - العمالة –
الدكتورة / ناهدة محمد علي
إن مشكلة عمالة الأطفال في الدول النامية هي مشكلة قديمة أوجدتها عدة ظواهر إقتصادية وإجتماعية ورسخ أُسسها مراحل الإستعمار السياسي والإقتصادي والذي إستنزف الموارد الطبيعية والبشرية وإستُنزف الشباب العربي مادياً وروحياً , وكان هذا هو الكارثة الحقيقية للطفل العربي إذ أُضطُر الأخير إلى أن يقف بجسده الصغير أمام الموج الهادر من الفاقة والجوع وسوء النظام التربوي وقصوره , وكان أن تناول الطفل أي عمل يقع تحت يديه منعاً للموت جوعاً , ولم تكن المدارس تستوعب كل الأطفال لقلتها وضيق إنتشارها .
أشارت دراسة لمنظمة العمل الدولية صدرت في شباط 2004 إلى أن العالم سيكسب أكثر من خمسة ترليون دولار ستعود بالفائدة على الدول النامية إذا إستطاع التخلص من مشكلة عمالة الأطفال , وتجدر الإشارة إلى أن الدول النامية تحوي على أعلى نسبة لعمالة الأطفال في العالم , ومن الغريب أن تكلفة التخلص من هذه الظاهرة تتطلب 760 مليون دولار فقط , وكانت التقديرات العالمية منذ 2002 قد أكدت على  أن عدد الأطفال العاملين في العالم قد وصل إلى 325 مليون طفل 8 مليون منهم يمارسون الدعارة ويشاركون بالصراعات المسلحة , كما يؤكد التقرير على إختفاء التقارير الرسمية للدول العربية عن ظاهرة عمالة الأطفال وعدم الإعتراف بوجودها , بينما تشكل عمالة الأطفال في الدول العربية نسبة 15% من نسبة الأطفال العاملين في العالم  وتبلغ النسبة في قارة آسيا كلها 17% وأمريكا اللاتينية 16% وأفريقيا 23% .
تحصل منظمة اليونيسيف على معلومات ميدانية من دول عديدة مثل البرازيل , الباكستان , السنغال , نيبال , الفلبين , أُوكرانيا , كينيا , كرواتيا , الكونغو . وحسب تقارير المجلس العربي للطفول والتنمية أن هناك في الدول العربية أكثر من 6 مليون صبي عامل و3 مليون صبية عاملة . ترتبط هذه الظاهرة بظاهرة البطالة في الدول العربية وتنتشر في معظم هذه الدول  مثل العراق , سوريا , السودان , مصر ,ليبيا , الجزائر , اليمن , فلسطين , الصومال وغيرها , وتبلغ نسبة البطالة في هذه الدول حوالي 12,2% وتزيد هذه النسبة سنوياً بنسبة 3% . تنتشر البطالة في الدول العربية لأسباب كثيرة منها سوء إستخدام الموارد الطبيعية وسوء تطوير الموارد البشرية مع قصور الأنظمة التعليمية وإهمال التعليم المهني منذ المراحل الدراسية الأولى . تلعب الصراعات المسلحة دوراً كبيراً في نشر البطالة حيث تقوم بهدم البنى التحتية ومن ثم البنى الفوقية فترزح حتى الدول الغنية منها بطائلة من الديون لتحول ميزانيتها إلى ميزانية حرب أو توفير السلاح والذي قد يصبح ضمن مفهوم حالة الحرب أهم من الغذاء والدواء وتغلق المعامل أبوابها ويهرب المزارعون إلى المناطق الآمنة وتشح فرص العمل ولا يستطيع أرباب العمل تحمل أجور البالغين فتدفع الأقل لصغار العاملين وبساعات غير محدودة وتحت ظروف غير صحية وغير إنسانية . وحسب التقارير الدولية يندفع 67,7% من الأطفال العاملين في العالم إلى سوق العمل بكل أنواعه . وتشكل أيضاً ظاهرة عدم إلتحاق الأطفال بالدراسة وعدم الإنتظام بها سبباً أساسياً مع الفقر والبطالة لعمالة الأطفال . يوجد في العالم 140 مليون طفل متسرب من الدراسة الإبتدائية , 13% منهم في الدول النامية , وهناك 130 مليون طفل في العالم لا يتردد بإنتظام على الدراسة الإبتدائية بسبب الإرتباط بالعمل .
إن الأوضاع الإقتصادية بالعالم تشكل سبباً أساسياً في عمالة الأطفال , ففي دراسة حديثة للبنك الدولي يؤكد على أن  22% من  سكان العالم يعيش على أقل من دولار في اليوم , ويعيش 34% من سكان العالم على أقل من دولارين باليوم ونتيجة لهذه الأوضاع الإقتصادية المزرية تقدم العوائل الفقيرة أولادها لسوق العمل بأرخص الأجور وبساعات غير قانونية حيث تفتقد ظروف العمل إلى الأجواء الصحية التي يحتاجها الطفل بين أفراد عائلته أو في مدرسته فتكون النتيجة أن تسوء أوضاع الطفل الجسدية والروحية بسبب قسوة ظروف العمل في مهن تعتبر خطرة على صحة الطفل مثل النجارة والحدادة وجمع القمامة والصناعات الجلدية والصوفية وتنظيف المنازل والحدائق والعمل الزراعي وتربية المواشي والدواجن . وينخرط الطفل العربي في هذه المهن وتطلب العوائل المزيد لدفع متطلباتها وقد تضطر لتشغيل معظم أبنائها لسوء الأوضاع الإقتصادية ذكوراً وإناثاً , وتعمل الفتيات الصغيرات في ورش الحياكة والخياطة ضمن ظروف صحية صعبة .
يعاني الطفل العربي في دخوله لسوق العمل من تشوهات خلقية ونفسية , فيصاب الكثير منهم من تشوهات بالعمود الفقري وأصابع اليد والقدمين وتتأثر حاستي السمع والبصر بسبب الأضواء والأصوات القوية في مهن مثل النجارة والحدادة وصناعة الزجاج , ويصاب الطفل بجروح مختلفة وأمراض خطيرة مثل ( الكزاز ) , لكن الأمراض النفسية ليست بأقل خطورة حيث تتنامى في الطفل العدوانية والشراسة وحب الإنتقام بسبب الإحساس بالغبن والمعاملة القاسية من قبل صاحب العمل يضاف إلى هذا الإنحرافات الجسدية والجنسية , حيث يضطر الطفل أحياناً للمبيت في ورشة العمل مع غيره من البالغين بالإضافة إلى عدم النمو العقلي بالشكل الطبيعي للطفل . إن التسمم الجسدي للطفل العامل من خلال إستنشاقه للغازات السامة أثناء العمل وتخريب جهازه التنفسي والمناعي لا يقل خطورة على التسمم الروحي الذي يصاب به الطفل , فقد يبتعد الطفل رويداً رويداً عن عائلته ومجتمعه ويعيش عالماً مشوهاً فلا هو طفل ولا هو بالغ , فيتقوقع في عالم غريب لا يحق له أن يحلم بالألعاب أو الفرح الطفولي , ومن خلال إستماعي إلى حديث بعض الأطفال العاملين وجدت أن اللغة المستخدمة هي لغة سوقية مع إستخدام بعض الألفاظ الغريبة التي تتداول في ورش العمل . وقد يفقد هذا الطفل محبته لوالديه وإحساسه بإستخامهم له وحرمانه من الدراسة دون أقرانه كما يفقد إحساسه بالأمل المستقبلي , إذ لا يعلم هذا الطفل إلى أين هو سائر .
إن تركيب النظم التعليمية بحيث يُعطى الإهتمام الأوفر للتعليم المهني ويبدأ المجتمع بتدريبهم في المراحل الأخيرة من المرحلة الإبتدائية ثم يستمر إلى المرحلة المتوسطة والثانوية وهكذا ينتج المجتمع صناعاً مهرة قادرين على رفع مستوى نوعية وكمية الإنتاج الإقتصادي , لأن العمل غير الماهر لهولاء الأطفال لن يطور مستوى الإقتصاد أو الإنتاج المحلي . ويجب أن توضع حلول علمية لمشكلة البطالة ويعتبر توفير السلام المجتمعي وتطوير الإقتصاد هو ضرورة حتمية لحل مشكلة البطالة مع مشكلة عمالة الأطفال , إذ لا يمكن لأي إقتصاد في العالم أن يتطور بوجود الصراعات الداخلية والخارجية , فعملية إستثمار الموارد الطبيعية والموارد البشرية تبدأ بتوفير الأمان السياسي لكي يكون هذا الأمان حاضنة جيدة لنمو الإقتصاد والمحافظة على القيم الإجتماعية النبيلة , وهناك أمثلة كثيرة على تزامن الإنهيار الإقتصادي مع الإنهيار القيمي كما حدث للكثير من المجتمعات التي عاشت حروباً طويلة المدى وإنهيارات مجتمعية وإقتصادية .
وقد ينحرف الطفل المتسرب من المدرسة إلى المساهمة في الصراعات العسكرية ويصبح أداة من أدوات القتل , وتصبح محاولة توعيتهم سلبياً بالوعي الديني من قبل الميليشيات المتطرفة هي السبيل الوحيد للحياة لديهم , ومن الطبيعي أن يكره هولاء الأطفال الحياة فيصبح الموت والقتل مهنتهم بدون أن يجد تفسيراً لهذا بل يصبح هولاء الأطفال كالبباغاوات يكرر المفاهيم المتطرفة بدون إستخدام المنطق وبدون القدرة على التحليل
, وهو لا يمتلك الخبرة ولا التجربة لخوض هذه المعارك ولا يتجرأ على التحليل بل يدخل إلى تدريبات قاسية وحياة خشنة غير مألوفة , وقد يشعر الطفل معها بتعاسة وخوف شديدن ولكنه لن يستطيع الخلاص . وقد شاهدت موخراً فيديو بكيفية تدريب تنظيم طالبان وتنظيم داعش لأطفال في الثامنة والعاشرة من عمرهم , وكانت ملامحهم تُعبر عن القهر الجسدي والنفسي فهم لا حول لهم ولا قوة ولا خلاص إلا بالإنصياع للأوامر . ويُقَدم البعض منهم كأكباش فداء في العمليات الإنتحارية , ويُستبدل حب الوطن هنا بحب التنظيم وحب العائلة بحب القادة , وحب الخير بحب القتل , ويُستبدل أيضاً البناء بالهدم .
ويدور الطفل العربي ضمن هذه المطحنة حيث يقدم الفقر لنا أسوأ نموذج لبيع العوائل لأطفالهم إلى أصحاب الورش أو إلى دور الدعارة أو إلى التنظيمات الإرهابية . وقد ينخرط إلطفل العربي إلى العصابات الإجرامية التي تمتهن السرقة أو قد يمتهن التسول بعاهات حقيقية أو مصطنعة , وقد يكون هذا نتيجة حتمية لمعيشة الكثير من أبناء المجتمع العربي دون خط الفقر , وحين يصبح المجتمع العربي أشبه بلعبة ( اليو يو ) لا يمسك بزمامها إلا العشوائيون ذوي التفكير التسلطي والدكتاتوري والنفعي , حيث لا يسقط قائد لدينا إلا ويُكتشف سلبه لإقتصاد البلد وتحطيمه للبنى التحتية  بأفكار أقل ما يقال عنها أفكار ( نيرونية ) حيث يظن أنه في برجه العالى لن يصل إليه الحريق .



41
المنبر الحر / الأم طوعة العراقية
« في: 17:48 27/07/2015  »
الأم طوعة العراقية
الدكتورة / ناهدة محمد علي
في كل مجتمع وأحياناً في كل بيت من يتسم بالخير أو الشر , وليس هناك قطعاً شراً أو خيراً مطلق . قبل سنوات قليلة كنت على تواصل مباشر مع الكثير من النساء العراقيات , رأيت فيهن قوس قزح مختلف الألوان , منهن ذات اللون الحاد ومنهن ذات اللون اللطيف , بينهن من يعالج الناس بلا مقابل ثم تُقتل بالشوارع المظلمة , ومنهن من تمد يدها للرشوة لتستلم أتعابها الجنائية وهي القاضية , ورأيت طالبات جامعيات وهن يشترين أسئلة الإمتحانات ويدفعن ثمن اطروحة التخرج , ورأيت أيضاً من جعل مهنة الصيدلة محطة لبيع الأدوية الفاسدة , ورأيت من تفتح دكاناً للتنجيم والشعوذة , لكني رأيت أيضاً من تعول أطفالها اليتامى من خدمة البيوت والمدارس وتسكن بيتاً من الصفيح لا يقيها الحر ولا البرد , وسمعت عجباً عن إمرأة تفجر نفسها بين المصلين أو بين فقراء الباعة والبنائين , ثم رأيت من هن فخرُ لأمتهن , طبيبات يخصصن أياماً لمعالجة الفقراء مجاناً , ورأيت أيضاً قاصات مبدعات لم يوقفهن الصراع اليومي ومجرى الدم عن أن تكتب أجمل أحلامها عن العراق , وقد قالت لي حين سألتها لِمَ لا تغادرين ؟ , قالت : إن بغداد هي أجمل مدينة في العالم ولن تفارقني أبداً .
رأيت نساءً يحملن راية الفكر الأكاديمي الأصيل ولا يتاجرن بما يحملن , ورأيت أيضاً نساءً يعانين من أمراض مختلفة وأحياناً مستعصية , يذهبن للعمل إلى مؤسساتهن ثم يعدن يخدمن في بيوتهن بلا شكوى أو ألم , قالت لي إحداهن هناك من هن أسوأ حالاً مني وأنا أطبخ يومياً طبخاً إضافياً لإحداهن وهي متسولة وتُعين ستة أطفال , إمتهنت التسول حينما رفض إخوتها إيواءها مع أطفالها .
عدت بعدها إلى مهجري وصحوت ذات يوم لأجد في بريدي الألكتروني فيديو لإمرأة  تُعد نموذجاً رائعاً للأم العراقية , كانت هذه المرأة من مدينة تكريت ومن منطقة العلم بالتحديد , قامت هذه المرأة المُسنة بإنقاذ وحماية العديد من الشباب الذين نفذوا من الإعدام الجماعي في مجزرة سبايكر من قبل تنظيم داعش , قامت هذه المرأة بإخفاء هؤلاء الشباب في بيتها وتضييفهم ثم ترحيلهم في الوقت المناسب إلى مدينة كركوك بحماية شباب عائلتها من خلال سيارات الحمل التي يمتلكونها . كان معظم الشباب الهارب من سكنة الجنوب أي أنهم من الشيعة , وهذه المرأة هي من السنة , لم تفكر هذه المرأة ولا للحظة بالطائفية وكل ما فكرت به هو أن هؤلاء هم أولادها وأولاد الوطن ولا يحق لأحد أن يسلب شباب هذا الوطن حياته . بعد فترة عاد هؤلاء الشباب إليها بعد أن هدأت الأوضاع لكي يُقَبلوا يديها ورأسها وأسموها (  الأم طوعة ) وهي شخصية تأريخية من مناطق الجنوب يُقال أنها ساعدت على إنقاذ ( مسلم بن عقيل ) , والمهم في الأمر أن نموذج هذه المرأة يضرب المثل الأعلى لقادة البلد الذين يمتلكون اليد العليا ويمتلكون موارده  وأرواح أبنائه أو هكذا يظنون , والذين إذا خُيروا ما بين الغنى الفاحش والمُثل العليا إختاروا الأول , والذين إذا ما ماتوا سينساهم التأريخ , ويذكر أحد بسطاء الناس أو بسيطاته , ولا يهم إن كان من أي طائفة أو قومية , ولا إن كان أمياً أو متعلماً , بل الأهم هو أنه كان إنساناً لا يُبدل إنسانيته بشيء ولا لشيء إطلاقاً .

42
هل يحتاج العالم العربي مجدداً إلى سفينة نوح


الدكتورة / ناهدة محمد علي
ألتقيت بصديقة قديمة كانت تعمل لسنوات طويلة كطبيبة في العراق و تميزت هذه المرأة بحسها الإنساني وطالما كنت أستشيرها حينما أُصاب بوعكة صحية . إبتعدت هذه المرأة عن السياسة لكنها لم تبتعد عن المآسي البشرية , قالت لي : أترين ما يحدث في الدول العربية , قلت : وما الجديد في الأمر ؟ , قالت : إني أتساءل أهو غضب من السماء أم هو نحن الغاضبون , نحن نأكل لحوم بعضنا بإسم الدين , نحن ندخل إلى الجوامع في العراق وسوريا وليبيا وتونس والكويت واليمن ونقوم بتفجير المصلين , ونقتل طلاب المدارس وعمال البسطات والعلماء والأدباء والصحفيين , العالم كله يبني ونحن نهدم , ألا يتعلم العرب أبداً , ألم يعلموا أن لا بقاء مع الخراب والتخريب , فكل أمة تنوي البقاء قد تعلمت البناء , لا تقاتل بعضها البعض بل تتجمع وتتساند , وأمامنا الأمة الروسية والصينية والهندية والألمانية . ثم توقَفَت وسَرحت بعينيها إلى البعيد ثم قالت : أتدرين ما الذي نحتاجه نحن قلت ماذا ؟ قالت : نحتاج إلى سفينة نوح ثانية , فضحكت طويلاً وقلت :  أتتمنين الطوفان ليغرق كل شيء , ولكن من تتمنين أن تحمل هذه السفينة , ربما برأيك المسنين والمرضى والأطفال والنساء , قالت : لا لا لا يبقى فيها سوى الأصلح , سوى من لم يلوث يده بالدماء أو الكسب غير المشروع , ولم يخطر برأسه ولا للحظة أن يستفيد من عذابات أو حرمان الآخرين , ومن يحمل الكتاب في يد وفي يده الأخرى المحبة لكل البشر وإن أختلفوا عنه في الدين واللون والقومية , فمشاعرنا نحن البشر واحدة وآلامنا واحدة أيضاً , قلت : أنت تطلبين الكثير وتبحثين عن الفردوس المفقود وأين هي هذه المدينة الفاضلة التي تبحثين عنها , قالت : هي جزيرة بعيدة لكن السفينة ستمر بها , وركاب هذه السفينة يحملون ضمائراً نقية مثل كثير من البشر الطيبين , ضحكت وقلت : سننتظر الطوفان . قالت : إذا كان الطوفان هو الحل , فليأتي وليأخذ السحر الأسود من رؤوسنا . تمتمت بصوت منخفض وقلت : سننتظر طويلاً حتى يأتي المخلص وسننتظر أكثر حتى تُبنى سفينة نوح الجديدة وهذا يعتمد على ضمير من يستورد الخشب فقد يكون مُستهلَكاً ومن يبنيها فقد تكون شركة وهمية , وقد يثقبها إرهابي متسلل ليصلوا قبلنا إلى الجنة ؟؟ .

43
حكم الجاهلية - إستعباد النساء
الدكتورة / ناهدة محمد علي
لقد مر التأريخ العربي مروراً طويلاً في تعامله مع النساء وهو للأسف لم يكن أبيضاً أبداً .
مرّ إستعباد المرأة العربية منذ الخيم ذات الرايات الحمراء ووأد البنات بدرجات مختلفة القسوة والحساسية في التعامل الجنسي والإنساني مع المرأة , ولما كانت المرأة دائماً موضعاً للمتعة فقد أُعتبرت مصدراً للخزي والعار تُراقب وتُلاحق وتُقتل حتى قبل إرتكابها للإثم تحسباً وحفاظاً على شرف العشيرة .
لقد وضع الإسلام تغييراً محسوساً لأوضاع المرأة العربية ومكانتها وحرم قتلها لأسباب عديدة وجعل ( لباس التقوى ) هو خير لها . لكن ذلك لم يمنع خلفاء الدولة الأموية والعباسية ومن بعدهم من تشويه وضع المرأة المسلمة وجعلوا منها جارية وعبدة وحطوا من مكانتها ومكانة أبنائها مع وجود بعض الشاعرات والأديبات والواعظات . وبعدما جاء الحكم العثماني جاء معه عالم ( الحريم ) والفصل التام بين النساء والرجال في البيت والشارع والمجتمع , لا يدخل أحدهما عالم الآخر وإلا إرتكب المعصية , لكن هذا لم يمنع من إنتشار الفساد الإجتماعي وإستمرار عالم الجواري والقيان .
وبعد قيام الثورات العربية وإنطلاق صرخات التحرير للمرأة من قِبل رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين ومصطفى أمين وبعض الناشطات العربيات  إستبشر النساء خيراً وجاء الفرج ببعض الحقوق الديمقراطية التي وضعت في الدساتير العربية ومنها حق التعليم وإختيار الزوج وغيرها , لكن هذا لم يكن إلا حبراً على ورق فقد بقي المجتمع العربي ضاغطاً وبشدة على الفتاة العربية في مسألة الخروج للتعليم والعمل وحرية إختيار الزوج وقد تذبذب هذا أيضاً بين حاكم وآخر حسب درجة ديمقراطيته في أي دولة عربية , وفي كل الأحوال بقي الرجل العربي هو القاضي والحكم في كل مشاكل المرأة العربية .
لقد مر التأريخ العربي بفترات صخب ومظاهرات مطالبة بالحقوق الديمقراطية تصاحبها مظاهرات نسائية مطالبة بحقوق المرأة وتشهد لذلك ثورات  52 في مصر و58 في العراق وثورات التحرير في الجزائر وتونس والتي برزت فيها وجوه نسائية  من العراق  ( عدوية الفلكي حاملة العلم في أنتفاضة 1948 ضد معاهدة بورتسموث , صبيحة الشيخ داود , أمينة الرحال ونزيهة الدليمي ) ومن مصر ( هدى شعراوي , صفية زغلول وسهير القلماوي ) ومن الجزائر ( جميلة بو حيرد ) وغيرهن .             
إن السلفيين والمتطرفين في كل الدول العربية يقفون حائلاً أمام المطالبات النسائية في الحقوق الإنسانية وكانت حجة السلفيين دائماً هو الحفاظ على المجتمع الإسلامي ونقائه , لكن الحقيقة تقول إن المجتمعات الإسلامية لم تتراجع إلى الوراء بسبب الشحة في شرف النساء بل هي الشحة في الشرف العام , حيث الإتجاهات السياسية والإقتصاد والموارد الطبيعية تتفسخ وتباع بلا ثمن ويعطي من لا يملك لمن لا يستحق . وقد ظل موج هؤلاء الهادر هو أقوى من الموج النسائي الضعيف إذ أن منطق القوة هو من يحكم هنا .
لقد وجدت هذه القوى المتطرفة من يساندها وبقوة في العشائر العربية وخاصة البعيدة عن المراكز وعشائر الصحراء والمناطق التي ينعدم فيها التعليم ويكثر فيها الوعاظ الجهلة , ويصبح هنا القانون العرفي هو القانون السائد ويصبح العُرف هو قوة العشيرة وقائدها الحقيقي , وكان هذا العُرف سنداً دائماً لشيوخ بعض العشائر لدعم وجودهم وإختياراتهم ومصدر قوتهم , وأكثر ما يحافظ عليه العُرف العشائري هو مبدأ الثأر وغسل العار , وهاتان القيمتان تشكلان تراثاً أساسياً في حكم العشائر , لذا فالمرأة العربية غير مخيرة في أن تصبح رجلاً مقاتلاً يدافع عن عرضه ضد ذئاب الصحراء , أو تصبح عبدة تباع وتشترى بأبخس الأسعار , أما إذا كانت من ذوات النسب فقد تباع مقابل قطيع من الجمال وإن لم تكن فقد تُباع مقابل حمار . وبما أن العشائر العربية لا تمتلك الكثير فهي لا تمتلك النفط ولا الزراعة أو الصناعة لكنها تمتلك الموارد البشرية , فالرجال هنا للغزو والثأر والصيد والقنص والتجارة أحياناً , أما النساء فهن للمتعة والإنجاب وأحياناً للمبادلة , وقد نتساءل كيف تستخدم النساء للمبادلة , أقول أن عالم العشائر أو إقتصاد العشائر لا يقتصر على الثروة الحيوانية والتي هي الجمال والأغنام والكلاب بل يشمل الثروة البشرية والتي هي الرجال والنساء كما ذكرت , لكن الرجال هنا هم ليسوا أهلاً للمبادلة بل تقتصر على النساء فقط حيث يكثر زواج ( الكصة بكصة ) وهو الزواج المتعاكس بين عائلتين , لكن هناك شكلاً آخر للمبادلة وللخروج من الأزمات العشائرية بين شيوخ العشائر والأزمات المادية , فقد يُفضل شيوخ بعض العشائر بيع بناته للعشيرة الأخرى على بيع جماله , وحينما تتقاتل العشائر في غير حالة الحرب  ولا تجد العشيرة ( حلالاً ) تستند إليه لدفع الجزية تُستخدم في هذه الحالة الثروة الإحتياطية والتي هي (  النساء ) فتُهدى المرأة بلا مهر ولا زفاف ولا طلقات البنادق وتصبح في بيت زوجها عبدة محتقرة تعاني الإذلال والقهر وقد يعاني أولادها من الذل أيضاً حتى يمقتها أولادها لأنها أورثتهم العار .
إن ما حصل لدى بعض عشائر العراق الجنوبية يؤكد الإنحطاط الثقافي للمجتمع العشائري العراقي والعودة بخطوات سريعة إلى الوراء , لأن إستخدام النساء لحماية رجال القبيلة من القتل هو إستهانة بمكانة المرأة كإبنة وكأم وكزوجة , وأين هو الشرف العربي في أن تحمي الإناث ذكورها , وهو قلب جاهلي لموازين القيم الإجتماعية , ولِمَ هنا تدفع النساء ثمن أخطاء الرجال وعنجهيتهم , وسيخرج من الأعداد الغفيرة المباعة على شكل زواج   ( الفصلية ) أجيالاً من الذكور والإناث الكارهين لعشيرتهم ولأُمهاتهم وهذا تقويض لبنية المجتمع العراقي . وهل نحن بحاجة إلى المزيد من الكراهية , فمن الواضح أن المجتمع العراقي يغلي بالكثير من الكراهية بإزدياد نسبة الطلاق والخيانات الزوجية والفساد الإجتماعي والإداري ولسنا بحاجة إلى المزيد .
إن الكثير من عشائر العراق الأصيلة تقاتل الإرهاب والظلم الإجتماعي لكن البعض منها يسانده والبعض الآخر يبيع تراب الوطن للذي يدفع أكثر . لا يمكن للمجتمع العراقي أن يضحي بفتياته وأطفاله الأبرياء لأجل حماية المجرمين وهي ( قسمة ضيزى ) , وقد كثُر ما فقده العراق من بناته وأبنائه وكثُر من ضحّى بهم حتى أصبح العراق خفيفاً ما فيه الكفاية لأن يطير كقشة في مهب الريح .







44
المنبر الحر / نحن أمة أدب لا علم
« في: 15:04 08/06/2015  »
نحن أمة أدب لا علم

الدكتورة / ناهدة محمد علي
لقد كان دائماً ميراثنا الثقافي معتمداً ومؤطراً للأدب بكل فروعه . فقد برع شعراء الجاهلية حين علقوا معلقاتهم , وتوارثهم المتنبي وأبي تمام وسيبويه والفراهيدي والجاحظ , ثم توارث هؤلاء أجيال من الشعراء المداحين المختصين بمدح الخلفاء الأمويين والعباسيين وحتى الأندلسيين ولم يمنع هؤلاء من ظهور فلاسفة وعلماء مثل إبن خلدون مؤسس علم الإجتماع وإبن رشد والفارابي وعلماء أفذاذ مثل إبن سينا الذي ألف كتاب القانون في الطب والذي أُعتبر مرجعاً طبياً هاماً لقرون عديدة , كما إشتهر إبن الهيثم بعلم الرياضيات والفيزياء وطب العيون , وقام إبن النفيس في إكتشافه المعروف للدورة الدموية الصغرى , أما الكندي فقد كان مَجمعاً للعلوم والفنون فإشتهر بالكيمياء والفيزياء والرياضيات والموسيقى والطب .
كان هذا السرد التأريخي الموجز لبعض العلماء العرب لأجل إعطاء الوجه التأريخي لعلومنا والذي توارثه الكثير من العلماء العرب المعاصرين من أمثال العالم العراقي عبد الجبار عبد الله وجعفر ضياء جعفر والعالم المصري أحمد زويل في مجال الكيمياء والدكتور الفلسطيني منير حسن نايفة في مجال الفيزياء والدكتور المصري محمد النشائي في مجال الفيزياء والبروفيسور اللبناني إدغار الشويري في مجال الفضاء والدكتورة السورية شادية رفاعي في مجال فيزياء الفضاء والدكتور المصري المعروف مجدي يعقوب المشهور بجراحة القلب عالمياً والعالم المصري المعروف فاروق الباز في مجال الجيولوجيا .
 إن  السرد السابق هو إلقاء ضوء خاطف وربط للميراث الثقافي العلمي للعلماء العرب  وإشارة إلى الكثير من الأساتذة والمبدعين العرب في مجالات علمية متعددة , لكن كل هذا لم يجعلنا أمة علم فمعظم هؤلاء العلماء لم يجدوا التربة الصالحة لعلومهم في أوطانهم بل إحتوتهم الجامعات والمؤسسات العلمية العالمية وما كان بمستطاعهم أن يخدموا مجتمعاتهم بعلومهم وإن أرادوا ذلك وأكثر من هذا كان دائماً وجود هؤلاء في أوطانهم كان دائماً مبعث خطر فكري وجسدي عليهم وفي أحسن الأحوال قد يتعرضون للإهمال .
أما الميراث الثقافي الأدبي فقد قاوم كل أنواع الحصار السياسي والثقافي , وخرج من خلال الحركات السياسية الكثير من الأدباء المبدعين , ولم يعاني الأدب العربي من الولادات المتعثرة كما عانت العلوم والمخترعات العلمية والتطور التكنولوجي العربي لأن هذا الأخير كان أكثر صعوبة وثقلاً ويحتاج إلى ظروف موضوعية أشد رسوخاً من الآداب , فلم يكن مفترضاً للأديب العربي الدرجات العلمية أو التجارب العلمية بل إعتمدت دائماً على الفطرة العربية السليمة وكان ثوار الريف والمدينة يلقون بأشعارهم وكانت رهافة الحس العربي والخيال الأدبي الواقعي هوالأساس للكثير من الإنتاج الأدبي , وجاءت أجيال من الشعراء إستلمت راية المتنبي وأبي تمام مثل الرصافي والزهاوي ومحمود شكري الآلوسي والجواهري والسياب من العراق , ومن الشام إبراهيم اليازجي وبطرس البستاني , ومن مصر رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين والعقاد ونجيب محفوظ , وإستلم أيضاً هذه الراية أدباء أفذاذ لا عد لهم ولا حصر من أمثال أمل دنقل , أحمد فؤاد نجم , محمود غنيم , نزار قباني , أنيس منصور , حنا مينة , محمد الماغوط , غسان كنفاني , يوسف إدريس زكريا تامر وغيرهم كُثر . كان هؤلاء أجيال من إفرازات المجتمع العربي بكل تقلباته السياسية والإجتماعية والثقافية . لكن الأدباء المعروفين لم يكونوا كل ميراثنا الأدبي بل أن كل مدينة عربية أو حي أو قرية تزخر بالأدباء والشعراء وتضج بها مقاهيهم وجلسات سمرهم وحتى مجالس التأبين لديهم , ولا يحتاج الشاعر العربي سوى قلم وورقة وخيال جامح , ولا فرق هنا أن يكون الشاعر جائعاً أو مترفاً , أمياً أو متعلماً , وهو لا يحتاج هنا إلى مختبر علمي أو سنوات يقضيها من عمره في إجراء التجارب العلمية ويعتمد العلماء في هذا على كثير من الظروف الموضوعية التي يجب أن يوفرها له المجتمع والتي ينتج عنها التقدم العلمي في حركة المجتمع بأكمله .
لقد توارثنا الأدب العربي ولم نتوارث العلوم وكأن عقارب الزمن قد توقفت بالنسبة للعلوم , أما ما أنتجه المجتمع العربي من علماء ومختصين فقد حُكم عليهم أن يتقيدوا بأُطر وظيفية غير مدروسة وأضطر الكثير منهم للهجرة لدول أُوربية والتي أطلقت العنان لعقولهم الفذة لكي تمارس إبداعاتها العلمية , ومعظم ما ذكرناه من علماء عرب قد أُضطروا للهجرة لممارسة نشاطاتهم العلمية , وقد أُضطر أيضاً الكثير من علمائنا الشباب إلى ممارسة وظائف عادية بعد إن إنتهت مخترعاتهم العلمية على رفوف المؤسسات العلمية أو وزارات الشباب , وقد يتلقفها أحد المتنفذين ليتاجر بها , ويلعب الدور الكبير في هذا قصور الوعي الإجتماعي والوطني وقصور التخطيط العلمي مع تخلف البرامج التعليمية وظمور التعليم المهني . وقد جاء في تقرير منظمة اليونسكو على أن 20% من شباب الدول العربية لا يكملون التعليم الإبتدائي ويفتقدون إلى المهارات اللازمة لعالم العمل , ويؤكد التقرير على أن في مصر مثلاً نسبة عدم الإلتحاق بالتعليم الإبتدائي هو واحد من خمسة , ويعمل الشباب المفتقد للتعليم بشكل غير قانوني وغير مؤهل في المؤسسات غير الرسمية بدون ظروف مستقرة للعمل ويتقاضون على هذا الأساس أُجور تبقيهم تحت خط الفقر . وبتقرير للأمم المتحدة والذي يرصد ( التعليم للجميع ) , يوضح بأن الربيع العربي قد كشف إستياء الكثير من خريجي الجامعات الغير قادرين على العمل كما أكد التقرير على أن الملايين من شباب المنطقة العربية لم يكملوا المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي ويعملون لقاء إجور متدنية وهم مهملون من قِبل الهيئات المسؤولة عن مشاكل التعليم والعمل .
إن الكثير من الدراسات السكانية تؤكد على أن الشعب العربي هو شعب منتج للزيادة السكانية لكنه شعب غير منتج بل هو مستهلك للحضارة العالمية .
لقد أكد تقرير برنامج الأمم المتحدة منذ 2009 على أن من المتوقع وصول أعداد السكان في العالم العربي في 2015 إلى ( 395 ) مليون نسمة , وقد تتجاوز نسبة سكان الحضر منهم حوالي 60% بحدود عام 2020 . إن هذا يعني أن الفرد العربي لن يجد ما يأكله وهو مستهلك للإنتاج الزراعي العالمي لأن الأرياف العربية قد أصبحت غير منتجة للغذاء نتيجة للظروف الإقتصادية والبيئية المتردية ونتيجة لهجرة المزارع وهو قد يفضل العيش على الكفاف في المدينة على العيش في الريف حيث لا تتوفر الخدمات الإقتصادية وبالخصوص الزراعية منها والخدمات الصحية والماء والكهرباء مع قلة معاهد التعليم المهني الزراعي في الريف والمدينة , والتعليم هنا لا يوفر إحتياجات الإنتاج المهني والإقتصاد ولا تتوفر إحتياجات هذا التعليم من خطط وبرامج وورش ومختبرات . وقد أكد تقرير البرنامج الإنمائي على أن أكثر من 65 مليون عربي يعيشون في حالة فقر تام كما يؤكد على أن معدلات الفقر العام تتراوح ما بين 28% و 30% في حدها الأدنى في سوريا ولبنان وقد زادت هذه النسبة بعد الحرب , ونحو 60% في حدها الأعلى في اليمن , ونحو 41% في مصر . ويبلغ عدد الجياع في العالم العربي 25,5 مليون جائع , والغريب في الأمر أن التقرير قد أكد على أن الدول العربية الغنية مثل العراق والإمارات والسعودية والكويت لا تستثنى من ذلك بل يعاني من الجوع فيها شرائح واسعة في المجتمع .
 لو حللنا أسباب الجوع والفقر في الدول العربية لوجدنا أن سوء التخطيط العلمي وسوء التخطيط الإقتصادي واللذان سببا البطالة هو السبب الأساسي لذلك حيث تتميز الدول العربية بأعلى نسبة للبطالة في العالم وتبلغ حوالي 20% , وينعكس هذا على عمالة الأطفال حيث تضطر العوائل الفقيرة إلى إرسال أطفالها لورش العمل بدل مقاعد الدراسة للحصول على قوت يومهم
إن الكثير من الأرقام والإحصائيات لا توفرها المؤسسات العلمية والإقتصادية العربية ولا الوزارات المسؤولة , وإن قُدمت التقارير  فهي أما أن تكون ناقصة أو مشوِهة للحقيقة لذلك يعتمد الباحثون على تقارير وإحصائيات المنظمات الدولية والإنسانية . ويذكر مقياس عالمي للفساد والذي يضع معيار تصاعدي للشفافية بأن العراق يقع في النقطة الأخيرة لهذا المقياس ووضع أيضاً في المؤخرة الصومال والسودان وأفغانستان , وأُعتبرت هذه الدول وفي مقدمتها العراق في حيز الدول الأكثر فساداً في العالم .
 وينعكس الفساد الإداري والإقتصادي على مستوى الزراعة والصناعة . ورغم قلة الإنتاج الصناعي تتمز الدول العربية وخاصة العراق بأنها من الدول الأكثر تلوثاُ بالعالم , إذ أن الملوثات هنا لا تأتي من مخلفات الصناعة بل من مخلفات الفساد الإداري والمالي والإقتصادي بشكل عام مع عدم توفر العلاجات العلمية لدرء هذا التلوث . وقد أكدت النشرة البيئية العالمية على أن موقع العراق هو في المرتبة الأخيرة حيث خصصت خمس مرايا باللون الأخضر الغامق ثم الأخضر الفاتح ثم الأبيض ثم الفرنفلي ثم الكستنائي وهو لون الصدأ والذي يتمتع به وللأسف العراق العزيز . وتأتي الملوثات هنا من سوء الخدمات في نظافة المدن ومحروقات آبار البترول والبنزين والغازات المنبعثة عن المجاري والمزابل ومولدات الكهرباء بالإضافة إلى أكداس الحيوانات النافقة والإشعاع الناتج عن حرب الخليج والحرب مع إيران  . وقد جاءت سويسرا بالمرتبة الأولى للنظافة البيئية , لكن من المضحك إن موقع العراق قد جاء بعد اليمن وأريتيريا وليبيا , ولم يكن هذا التلوث البيئي إلا نتاج منطقي لهبوط المستوى العلمي وهبوط القدرات المهنية والتكنولوجية للمجتمع العربي قي التخلص من نفاياته بكل أشكالها . وليس التلوث البيئي إلا جزء من أنواع كثيرة من التلوث القيّمي والإجتماعي وآخر ما وصلنا إليه هو التلوث السياسي .
إن المجتمع العربي قد أصبح معتمداً  على إنتاج العالم الصناعي والزراعي مقابل المواد الخام , ومع هذا لا زالت الكليات الأدبية تخرج الآلاف من العاطلين كما لا يجد خريجي الكليات العلمية فرص كافية للعمل أو للتطور وتقل بشكل أكثر المعاهد الزراعية والصناعية لقلة الوعي الإجتماعي وقلة إحترام المجتمع لهذا النوع من المعاهد على قلتها . وكمحصلة لكل هذا لا يمكن للدول العربية أن تصبح دول علم وتكنولوجيا , وعلينا أن نحمد الله على أن لدينا هذا الزخم الواسع من الأدباء والشعراء الذي يشيرون بأقلامهم الفذة لمواقع الخلل ويحلمون بالفردوس المفقود كما يحلمون بربيع عربي آخر يعقب هذا الشتاء وعلى الشعوب العربية الإنتظار .


45
الطفولة العراقية والحرمان
الدكتورة / ناهدة محمد علي
إطلعت اليوم على مجموعة من الإحصائيات عن أوضاع الطفولة في العراق والتي أصدرتها منظمة ( أطفال الحرب ) و ( اليونيسيف ) .
في تقرير منظمة ( أطفال الجرب ) أكدت هذه المنظمة على أن العراق هو من أسوأ مناطق الشرق الأوسط في علاج مشكلة الطفولة , وتبلغ نسب الأطفال والشباب 56% تقريباً من مجموع السكان  , كما ترتفع نسبة عمالة الأطفال , ويُستغل بعض الأطفال بحدود سن 14 في العمليات الإنتحارية ! .
في مسح أُسري تعاونت فيه الحكومة العراقية مع منظمة اليونيسيف جرى تشخيص أن 32% من أطفال العراق قد حُرموا من الخدمات الصحية والإنسانية مع أن مجموع الأطفال الذين هم دون سن 18 يبلغ 16,6 مليون نسمة وهذا يعني أن شعبنا نصفه من الأطفال ؟ .
تؤكد التقارير الحكومية على أن 99% من الولادات هي مسجلة لكن معدل الوفيات للأطفال الحديثي الولادة هو 32 لكل 1000 , أي أنه يموت سنوياً 35000 ألف طفل حديث الولادة , بالإضافة ألى أن 1 من كل 4 من الأطفال يعاني من تخلف جسدي أو عقلي بسبب نقص التغذية والظروف الصحية والبيئية المتردية ! .
إعترضت منظمة اليونيسيف على نسبة المتعرضين للعنف الجسدي في المدارس , وتبلغ نسبتهم تقريباً 3,3 مليون تلميذ مع أن العراق قد صادق على وثيقة حقوق الطفل , لكن العنف لا زال يمارس في داخل المدارس وخارجها , ونلاحظ أن أكثر من ربع الأطفال بعمر 2 – 14 ونسبتهم 27,7% يتعرضون إلى العنف الأسري كأسلوب للتربية , كما يتعرض الطفل للقسوة من قِبل الأسر الريفية بنسبة 75% أكثر من الأسر الحضرية , ويتعرض الذكور أكثر من الإناث ! .
بجمع هذه المعلومات ثم تسليط الضوء عليها نجد أن الطفل العراقي يعيش في حالة مزرية من الحرمان المادي والمعنوي , الجسدي والنفسي , ويتصل هذا بحرمان الأمهات من الرعاية الصحية الجسدية والنفسية وبسبب التلوث الحاصل للغذاء والهواء والماء مع نقص التوفير اللازم للغذاء الصحي والماء , ولا ننتظر بعد هذا إلا ولادات مشوهة أو ناقصة ومريضة ومع حاجة العراق إلى أجيال بناء تساهم في عملية التنمية وترميم البناء الفوقي والتحتي للمجتمع لكن النتيجة هنا هو ليس ما يحتاجه العراق وما نزرعه نجنيه , وإلا لماذا يرمي الطفل العراقي بنفسه في أحضان الإرهاب ليوزع لحمه على السماء والأرض , ولماذا يصل الطفل إلى هذا القرار اليائس فالموت هنا لديه هو أفضل من الحياة , ولماذا أيضاً لا يجد الطفل العراقي الرعاية والحنان في المدرسة أو في البيت بل يصبح الطفل هنا لضعفه متنفساً يتنفس من خلاله المعلم المريض والوالد المهووس في القسوة والعنف ليخرجان من داخلهما الغضب الإجتماعي الذي لا يستطيعان أن يسقطانه إلا على من هو أضعف منهما , وبالمحصلة يتخرج من بيوتنا ومدارسنا من يمارس العنف مستقبلاً أينما كان وتتحقق القاعدة المعروفة العنف يولد العنف .
تنتشر الآن في أحياء العراق مظاهر جديدة للفساد الإجتماعي يمارسها الأطفال والشباب , فهم بالإضافة ألى إستخدامهم لأنواع الحبوب المخدرة والمهلوسة تستخدم الآن أنواع من السكائر المخدرة ( والنركيلة ) والتي أخذت تدخل إلى البيوت العراقية بعلم الوالدين أو بدونه حيث أن منطق القوة يفرض نفسه وعلى نفس الأسس ولا يستطيع الوالدان هنا إلا السكوت مرغمين . كما ينتشر ليلاً الشباب المتصيد , وإنفجار الشباب هنا هو شكل منطقي ونتيجة للضغط الإجتماعي , وقد يساهم هذا الإنفجار في تحطيم بنية المجتمع العراقي , وتساهم أنواع المخدرات في خلق جيل غير مبالِ بالموت والحياة ولا حدود فاصلة بين الشر والخير ولا خطوط حمراء لمجتمع يسهل فيه القتل والسرقة والإحتيال والرشوة , وعلى هذا تصبح القيم الخيرة مجرد ملصقات جدارية لا يقرأها أحد لأن كثير من أطفالنا قد تربوا في مدارس هبط فيها المستوى الدراسي وإنعدمت فيها القدوة ومن أُسر تفككت فيها الأواصر الأُسرية بسبب إرتفاع نسب الطلاق وعودة تعدد الزوجات , ولم يعد القاعدة أو القيمة القديمة والتي هي ( العطف على الصغير وإحترام الكبير) معلقة في مدارسنا أو على جدران بيوتنا , وأصبح الدين واحداً من القيم الخيرة التي يمر عليها الطفل أو الشاب وعلى فمه ألف إبتسامة ساخرة وحائرة لأنه وببساطة يرى أن البعض يقتل والآخر يسرق والثالث يرتشي ثم يذهب ليتوضأ للصلاة .



46
إعلان
نحتفي بخليل شوقي ...... الفنان الخلّاق
تقيم جمعية الثقافة العربية النيوزيلندية أُمسية إحتفائية عن الفنان العراقي الخلّاق خليل شوقي والأمسية يقدمها الفنان المسرحي فاروق صبري مبتدءاً بمشهد مسرحي تعقبه مقاطع من بعض مسرحيات خليل شوقي ومسلسلاته الدرامية بالإضافة إلى بعض مشاهد من أفلامه السينمائية قام بترتيبها ومونتاجها الفنان سامر حاتم الذي صمم أيضا بوستر الأمسية والتي يتحدث خلالها فاروق صبري عن المحتفى به وبمنجزاته الإبداعية ومسيرته الحياتية .
وخلال الأمسية سيحضر العديد من الفنانين والمسرحيين عبر أصواتهم أو عبر الاتصالات التلفونية ومنهم الفنانتان مي شوقي وروناك شوقي وهن يتحدثن عن خليل شوقي كأب ومبدع ، وأيضاً سيكون حاضراً صوتياً الدكتور فاضل خليل العميد السابق لأكاديمية الفنون ببغداد والباحث الفنان الدكتور فاضل السوداني والفنان القدير غازي الكناني والفنان قصي البصري والمسرحي رياض محمد والاحبة الفنانون والمسرحيون العراقيون والعرب نتمنى مشاركتكم هاتفياً وسيكون خط التلفون الفايبر(00642102976087 ) مفتوحاً طوال فترة الأمسية التي تبدأ الساعة السادسة مساءً وحتى الساعة التاسعة مساءً ليوم السبت 30|5|2015 (يرجى الإنتباه لإختلاف التوقيت واليوم بين نيوزلندا وباقي البلدان).......
العنوان : مقر الجمعية الدائم في :
REEVESE ROAD , PAKURANGA 13
Auckland
New Zealand
اللجنة الإدارية



47
هل أصبحنا قتلة محترفين
الدكتورة / ناهدة محمد علي
تصفحت صباح اليوم مواضيع الأخبار العربية ووجدتها كالأتي : - مقتل 135 طفل في هجوم ( لعاصفة الحزم ) على الحوثيين , إشتداد هجمات الجيش السوري على قوى المعارضة السورية , سقوط العديد من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين لعمليات تحرير قرى الأنبار , والمضحك المبكي هنا أن الجيش العراقي لا يستطيع الإمساك بالأرض لأنه مشغول بالتقدم إلى الأمام , أما أرواح القتلى التي أُزهقت فهي إلى الله تشتكي .
لم يكن هذا الخط الإخباري مميزاً لهذا اليوم بل كان ظاهرة كل يوم في بلاد العرب من أقصاها إلى أقصاها بل وفي معظم بلاد المسلمين , فنحن مشغولون دائماً بقتل بعضنا وهي  مهمة عسيرة , فلدينا مشكلة التمويل ومشكلة التحفيز الإعلامي والتجنيد , ومشكلة إختراق المنظمات السياسية والإجتماعية , ومشكلة إختراق النطاق الأمني الدولي مع تفادي نقمة الرأي العام العالمي وهذا هو الأمر الأصعب ومع كل هذا فالكل يسعى إلى الشهادة السريعة لأجل لقاء ربه بوجه أبيض , ولا فرق هنا كم قتل ومن الذي قُتل . ويبقى هنا وضع الأسرى وهو معروف  في الشرع الإسلامي , لكن الكل يقفز فوق هذا الشرع وفيهم شيوخ ومرضى لا حول لهم ولا دخل في كل ما يجري , وإن إستجار الهاربون في أوطانهم وقفوا طويلاً وإنتظروا طويلاً قرار أصحاب القرار بينما تسارع المنظمات الإنسانية العالمية على بعد آلاف الأميال لنجدتهم . ويعتبر الأطفال هم أكثر الفئات تضرراً حيث تُدك مدارسهم ويُقتلون قتلاً أو ذبحاً لأن فينا من بدل المقولة القديمة والتي سقطت من على جدران المدارس وهي ( العلم نور ) إلى مقولة ( العلم ضلالة ) وعلى ضوء هذا تحتم على الطبيبات وأساتذة الجامعة من النساء أن يلبسن الخِمار لكي لا ترى ولا تُرى , وهذا الذي لا تفارقه مسبحته ليل نهار هو نفسه من أعطى الضوء الأخضر للدبابات الأمريكية أن تقتل الأبرياء لا على التعيين , وهم من سمح للرعاع بإختراق الوزارات ونهبها وحرق أرشيفها ووثائقها ولا عجب في هذا فهو مال ليس له صاحب , وكانت هذه اللعبة هو تكتيك نفسي لإمتصاص الغضب الجماهيري خوف أن يُسقط عليهم , وصدقوني إن البعض من العراقيين أسفاً يتمنون لو تُرفع الحراسة عن أبواب الوزارات حتى يستطيعوا تكرار نفس ما حدث في السابق لأن شيئاً لم يتغير فالأقدام لا زالت تجوب في الشوارع بحثاً عن الرزق وأحياناً بحثاً عن القمامة .
إن المشكلة هنا هو أن الفرد العراقي إعتقد ولسنين بأنه يُسرق في خبزه وكرامته وعندما وجد فرصة للإنتقام أعطى الفرصة حقها , إلا أنه أغفل الحقيقة القائلة بأن الخطأ لا يعالج بالخطأ ولا يمكن لكل فرد أن يُنصب نفسه قاضياً وحكماً , ولا يمكن أن يصبح الجميع سمكاً والكل صياد .
إن من يطلع على الثورات التي حدثت في كل الدول العربية لا بد أن يرى أن خط الدم هو الرابط المشترك لسلسلتها , كما في تونس وليبيا ومصر وسوريا  واليمن والسودان , لكن العجيب  في الأمر أن هذه الشعوب وإن تقاتل أفراد شعبها مع بعضهم لكن عمليات السلب والنهب لم تكن ملموسة لديهم , وهذا يجعلني أتساءل هل لا تزال عقدة ( الفرهود ) متأصلة في الشعب العراقي في كل مرحلة تأريخية مر بها العراق أو هو رد فعل للنهب الهولاكي الذي أغرق بغداد ومكتباتها وقصورها بالدم .
يبقى السؤال المحرج الأخير والذي هو هل ينتقل لدينا جين الشراسة وحب القتل عبر أجيالنا , ولِمَ لم تستطع الحضارة الإسلامية أن تحدده . لقد تميز أجدادنا الصحراويين بأنهم حينما كانت تضيق بهم الصحراء ويملون الجلوس في الخيام وإحتساء القهوة تشتعل فيهم الحمية القبلية لغزوا القبائل المجاورة بحجة طلب الكلأ والماء وهما للجميع مع إستطاعتهم المحاورة فيما بينهم ويضاف إلى هذا أن البدوي يترفع عن أن يزرع طعامه وطعام ماشيته بل يحبه جاهزاً أمامه وبإنتظاره , فيقوم بهجماته وفق مبدأ البقاء للأقوى ومنعاً للضجر , وهكذا تقبل العربي الطريقة المشوهة لإدامة البقاء , فهو لا يصنع أسباب الحياة بل يلتقطها جاهزة على حساب موت الآخر, وهذه النزعة قد أجادها العربي والدليل على ذلك بأنه باع نفطه خاماً ولم يطوره أو يحوله إلى صناعة أو زراعة حديثة فإقتصاد الجزائر مثلاً يعتمد في 97% من ميزانيته على إيرادات النفط ولا أعتقد بأن العراق هو أفضل من الجزائر  ولم يتقن العرب من الفنون أكثر من فنون القتال وللأسف لم يطور حتى هذه الفنون بل أصر على خنجره وسكينه وما تهبه له الدول ذات المصالح من الأسلحة , ولم يُسجَل للجيوش العربية ذات السلاح المستورد الإغارة إلا على جيرانها والأقربون أولى بالمعروف حتماً , وهذا دليل على إستمرارية نزعة البداوة , فالبدوي لا يستطيع أن يذهب بعيداً إلى ( الصين ) مثلاً بل يحاول إقتناص خبز جاره باللين أو بالشدة , وكمثل بسيط على نظام الإغارة ما فعله صدام على جيرانه الكويتيين وغيره من الملوك والرؤساء العرب . إن الحقيقة المرة هنا أن الفرد العربي العادي هو ذرة من نظام عام متبع فالكسل وقلة الإبداع وحبه للقنص والصيد بالقوة هو ما يميزه , وقد آن الأوان أن يوقف هذا الجيل الوراثي وأن نطعمه بجينات وراثية جديدة تدخل إلى أدمغتنا لنحاصر أنفسنا قبل محاصرة الآخرين وإستلابهم مادة وروحاً فكراً وتكويناً .

48
العراق هو الأسوأ صحياً في منطقة الشرق الأوسط
الدكتورة / ناهدة محمد علي
لقد مر علينا قبل أيام ذكرى يوم الصحة العالمي بتاريخ 7 / 4 / 2015 وكنت أود أن ألقي الضوء على بعض الحقائق عن الأوضاع الصحية التي يعيشها الفرد العراقي والتي ترتبط بشكل حاسم بألأوضاع السياسية , وما بين الواقع والخيال يتراكض العراقيون لعلاج أنفسهم وأطفالهم , ومن يدفع أكثر يحصل على العلاج الأفضل ومن لا يدفع فقد يموت دون معرفة السبب , ويبقى إسم المتوفي في دفاتر المستشفيات تحت كلمة ( مجهول ) وسبب وفاته ( غير معروف )  .
إن مشكلة وزارة الصحة العراقية هي كمشاكل كل الوزارات والتي ترفع شعارات متفائلة وتقوم بتطبيقها بشكل مزري ومحزن , وقد يقوم بعض الوزراء بأعمال بطولية مثل كشف الرشوات الضئيلة لكنها تغفل الرشوات الكبيرة , ولكي يجعل الوزير من نفسه بطلاً وطنياً قد يُعطي لنفسه الحق في أن تُعامل حمايته المواطنين بإحتقار شديد حتى تصل إلى درجة إطلاق الرصاص عليهم أو دهسهم أمام الموكب السامي للوزير . كان هذا حقيقة وهو ما فعلته المواطنة الوزيرة ( عديلة حمود ) وزيرة الصحة العراقية . لا أدري لِمَ يفهم السياسي العراقي مسألة البطولة بشكلها المقلوب , لِمَ لا تكون البطولة بأن يرفع الوزير بنشاطه الوطني مستوى عمر الفرد العراقي إلى المستوى العالمي , فقد بلغت الوفيات للأعمار ( 15 – 59 ) حسب تقرير منظمة الصحة العالمية ( 222 ) حالة لكل ( 1000 ) حالة مقارنة مع المعدل العالمي والذي هو( 176 ) حالة . ولِمَ لا تكون البطولة بأن يُوفَر العلاج المجاني لأطفال العراق , حيث تؤكد اليونيسيف على أن ثلث أطفال العراق قد حرموا من الحقوق الإنسانية والأساسية وبضمنها العلاج الصحي والتعليمي . ولِمَ أيضاً لا تكون البطولة لرفع مستوى الأداء الصحي للأطباء وتوفير الأجهزة الطبية الحديثة والعلاجات الحديثة , وإشراك الأطباء العراقيين بالكونفرنسات الطبية العالمية لأجل الحصول على الكفاءة اللازمة وتطوير المعلومات بدل الإيفادات المتتابعة للوزير وأتباعه .
إن مؤشر معهد ( غالوب ) للصحة البدنية قد أعطى منذ 2011 ( 47 ) نقطة للعراق وهو الأسوأ صحياً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا , بينما حصلت دول عربية أخرى مثل الإمارات والكويت على ( 80 ) نقطة , وأعتقد أن الأوضاع قد إزدادت سوءاً في الوقت الحالي . ولو تساءلنا عن أمر قد حيّر الجميع وهو إلى أين يذهب من لا يملك المال للمستشفيات الخاصة أو للعلاج في الخارج  , وهذا برأيي هو نوع من أنواع أحكام الإعدام أو تطبيق مبدأ ( البقاء للأصلح ) أو بالأحرى للأقوى , وعلى هذا الأساس لا تملك  وزارة الصحة لكم أيها العراقيون لا ضراً ولا نفعاً , وعلى هذا الأساس أيضاً ليس هناك أي ضرورة لرفع المسدسات بوجه المرضى الفقراء فقد حُكم عليهم مسبقاً  بالموت البطيء وفي الحالتين سيعرضكم هذا للمساءلة القانونية من قِبل الضحايا أنفسهم .

49
أغصان بلا جذور
قصة واقعية قصيرة

الدكتورة / ناهدة محمد علي

ولُدت ذات يوم في إحدى المناطق الشعبية طفلة جميلة لإمرأة متوسطة العمر تعمل دلالة للملابس النسائية وكان زوجها الفقير يكبرها بسنوات عديدة , زُفت إليه مرغمة وعاشت معه مُرغمة , وحين خرجت ذات يوم لجولتها الطويلة عادت بعد ساعات لتأخذ طفلتها من عند جارتها , ثم دخلت بعدها إلى بيتها ووجدت زوجها نائماً فتركته إلى الصباح ثم حاولت أن توقظه ولكن بلا جدوى , ثم أدركت حينها أنها قد فقدت زوجها وخرجت إلى الجيران لأجل مساعدتها في دفنه .
تقدم للمرأة الشابة رجل عُرف عنه البخل والشراسة ومزاولة بعض الأعمال الممنوعة كتجارة المسروقات , فرضيت به المرأة لحاجتها إلى رجل ما تستند إليه ولم يكن للمرأة خيار في هذا وإعتقدت أنه سيكون راع لها ولإبنتها . كان سعدون زوج مديحة يعامل الطفلة وهي في السابعة بشراسة وخاصة بعد خروج أُمها ثم أصبح الإثنان الزوج والزوجة متفقان على إستغلالها للعمل المنزلي , وحينما كان الإثنان يختليان في غرفتهما كانا يكلفان الطفلة ( أغصان ) بمزاولة الأعمال المنزلية الشاقة , فهي تغسل الصحون والملابس وتعجن العجين لليوم الثاني ثم تذهب بعدها للنوم في غرفتها .
أصبحت أغصان في العاشرة , وكان سعدون مدمناً للخمر , يصرف ما يحصل عليه من تجارة الممنوعات على شراء ( العرق والسكائر ) ولم تنفع إعتراضات مديحة على حرمانها وإبنتها من المصروف , وما كان منها إلا الإضطرار إلى العودة إلى مزاولة مهنة ( الدلالية ) والتي كانت تستغرق النهار بطوله ثم تعود بعدها مُتعبة إلى البيت لتجد سعدون نائماً وهو مخمور , أما الطفلة فكانت خائفة ومرعوبة على الدوام , تبكي ولا تعلم الأم سبب بكائها , كانت أغصان مصابة ( بالتوحد ) ولم تكن تستطيع التعبير عن آلامها بشكل واضح , ولم تستطع أن تفهم ما يجري لها أو من حولها . ذات مرة أخذتها أمها إلى إحدى ( المشعوذات ) والتي أمرتها بكي يديها وقدميها لكي يخرج ( الجني ) من رأسها , وقد صدَقت المرأة أقوال ( السحّارة ) .
ذهبت المرأة إلى البيت لكي تضع ( الصيخ ) الحار على أيدي وأرجل الطفلة والتي أغمي عليها من شدة الألم , وظنت الأم أن الجني سيخرج من رأس  أغصان  وستعود الطفلة طبيعية كبقية الأطفال , لكن وضع         أغصان  قد إزداد سوءاً وأصبحت تبكي وتصرخ طوال النهار , لكن هذا لم يمنع الأم من تكليفها  بألأعمال المنزلية لكي تستطيع الخروج في عملها اليومي والعودة في نهاية النهار لتجد زوجها يغط في شخيره , أما الطفلة فكانت تبكي على الدوام وهي مرعوبة في إحدى زوايا المطبخ . لاحظت الأم ذات يوم بعض الدماء على ساقي الطفلة فظنت أنها قد جرحت نفسها فأمرتها بالإغتسال والنوم .
في صباح اليوم التالي توسلت الطغلة بأمها كي لا تتركها وتعلقت بها ثم أشارت أغصان إلى مناطق معينة في جسدها وما بين ساقيها وأشعرت الأم بأن هذه المناطق تؤلمها , قامت الأم يضربها ضرباً مبرحاً لإسكاتها ثم قالت لها اسكتي يا ( مجنونة , أنت مخبلة ) ثم خرجت سريعاً .
ظلت الطفلة تصرخ وهي تعلم ما ينتظرها لكنها لا تجيد التعبير عن آلامها ولا تعرف أحداً يمكنه مساعدتها , ولا تعلم أيضاً كيف تشرح الأمور لجيرانها فقررت السكوت والإستكانة .
عاد سعدون مبكراً إلى البيت وتوجه مباشرة إلى غرفة ( أغصان ) وطلب منها تقديم الطعام له وبعد أن شبع ذهب ليكرع من قنينة العرق المركونة قرب السرير , وأخذ يبتلع الجرعات سريعاً حتى ثَمِل , ثم جر قدميه جراً إلى غرفة أغصان وأغلق بابها , كانت الطفلة ترتجف وتصرخ بشكل هيستيري وظلت تصرخ إلى أن سمع سعدون قفل الباب يدور فأسرع بالخروج من الغرفة وتظاهر بالنوم .
هرعت الطفلة إلى أمها وهي تصرخ مشيرة إلى مواقع الألم , نظرت الأم إلى زوجها فوجدته نائماً ودفعت بأغصان بقوة إلى الأرض وطلبت منها إحضار الطعام ثم الذهاب إلى النوم .
عند الصباح تجولت أغصان في أرجاء المنزل لوحدها وبزغ في ذهنها الصغير شعاع يدفعها للخروج إلى الخارج حيث حريتها , حيث يمكن أن تلعب وتلهو بدون أن يؤلمها أحد . خرجت الطفلة مسرعة كعصفور فر من قفص بدون أن تتناول شيئاً , وفرت إلى الشارع ثم إلى الشارع الآخر وأحست أن لها جناحين تطير بهما , لم تكن أغصان تجيد الإلتفات يميناً أو يساراً أو تنتبه إلى الأصوات . كانت تقفز من رصيف إلى آخر فلا حدود لديها للحركة , هرولت مسرعة إلى الشارع الكبير وكأنها تبحث عن شيء لكن هناك من هو أسرع منها حيث مرّ من فوقها كما مرت سنواتها القليلة سريعة وبلا فرح , طار جسدها في الهواء ليرتمي ثانية إلى الأرض . حصلت أغصان على حريتها كما أرادت ووضع سائق مجهول حداً لآلامها
وُضعت أغصان على طاولة التشريح وبيّن التقرير الطبي بأن الطفلة قد تعرضت للإغتصاب لعدة مرات وعلى مدى سنوات , وحينما إطلعت مديحة على التقرير بعد أن أخبرها مركز الشرطة بمصير الطفلة المجهولة الهوية . لطمت الأم على وجهها وكأنها قد إستعادت أمومتها بعد زمن طويل , أخذت تبكي بحرقة وتطلب لنفسها الموت ولإبنتها الحياة وظلت متجمدة أمام جسد الطفلة وكأنها تنتظر عودتها إلى الحياة ولكن هيهات فقد كانت هذه الأغصان الجميلة بلا جذور .


50
المنبر الحر / حرامية بغداد
« في: 15:35 18/03/2015  »
حرامية بغداد

الدكتورة / ناهدة محمد علي

يُحكى أنه في قديم الزمان كان هناك رجل يمتهن السرقة لم تستطع الشرطة الآمساك به ولا أن تتخذ عليه دليلاً واحداً , وقد ضج أغنياء بغداد من هذا ( الحرامي ) , حتى أُكتشف بعدها بأنه كان أغنى أغنياْ المدينة وأكثرهم حماسة للقبض على هذا الحرامي المدعو ( أبو حزام ) .
أعجبني وأزعجني ثم أضحكني وأبكاني خبران بثتهما آحدى القنوات الفضائية العراقية , الأول كان إلغاء وزارة حقوق الإنسان من قِبل البرلمان ورئاسة الجمهورية والثاني إثبات من قِبل لجنة النزاهة في البرلمان على وجود مشاريع وهمية لم تُنفذ بقيمة 100 مليار دولار مع وجود الإيداعات المصرفية لها . الخبران يكادان يلتصقان ببعضهما كتوأمين مع أنهما منفصلين , ويكاد الأول يشير إلى الثاني بأصابع الإتهام والعكس صحيح , ويكاد أحدهما يقول للآخر ( أنت السبب ) وكلاهما مترابطان بسلسلة واحدة . ولِمَ تبقى هنا وزارة لحقوق الإنسان في بلد إنعدمت فيه هذه الحقوق منذ زمن بعيد حيث أن الإحصائيات القليلة في خروقات الأوضاع الإنسانية قد تجاوزت أي بلد آخر , فنحن نرى هذه الخروقات في البيت والمدرسة والشارع والجامعة والجامع وفي كل دوائر الدولة , وأشارت إلى هذا جميع تقارير الأمم المتحدة ومنظمة اليونيسيف والتي تحدثت عن ظواهر تأزمت في الفترة الأخيرة كظاهرة التسول وعمالة الأطفال والإستلاب الجسدي والجنسي للأطفال وتدني مستوى الفقر وخاصة لدى شريحة النساء الأرامل . ولو تواجدت حقاً الحقوق الإنسانية للفرد العراقي لَما حمل هذا الفرد روحه على كفه ولصُرفت المليارات المسروقة على توفير الغذاء والدواء والتعليم ولأصبح العراق جنة بموارده .
إن مشكلة رجال السياسة في العراق هو أنهم يحملون أقنعة عديدة , فقناع يظهر به على الشاشة وقناع في كابينته الوزارية وقناع آخر مع أتباعه ومريديه , وأشك أنه قد يرتدي قناعاً قاتماً في غرفة نومه , ولست هنا في مجال مناقشة إزدواجية شخصية السياسي العراقي لكني أضع بعض الحقائق في بقعة الضوء , أقول هذا وقد أذهلت العالم قدرات سياسيي العراق الفائقة في التمحور والتملص وتزوير الحقائق والأرقام .
في التقارير الأخيرة للأمم المتحدة عن اللاجئين العراقيين والسوريين بأن هناك ما لا يقل عن ( 12 مليون طفل متضرر في العراق وسوريا ) بسبب الأوضاع السياسية المتفجرة في هذين البلدين , ولو وضع سياسيو العراق صور الأطفال المشردين إلى جانب صور أطفالهم المدللين لما إستطاعوا النوم أبداً .

51
حينما يبيع الإرهابيون الفتيات العراقيات لمَ لا يشتريهن العراق
الدكتورة / ناهدة محمد علي
إطلعت مؤخراً على فيديو وثائقي عن إحدى الناشطات الأيزيديات والتي تتابع قضايا الفتيات الأيزيديات السبايا واللواتي إحتجزهن تنظيم  داعش  ( كإماء ) لتوفير الخدمة المنزلية والجنس ومعظمهن قاصرات , ما رأيته وسمعته كان يبعث على الإشمئزاز والإشمئزاز منا نحن العرب , فمن الذي يشتري ومن الذي يبيع , والأغرب من هذا أن فيهم من يُرسل هؤلاء الفتيات كهدايا لقادة التنظيم كما كان في قديم الزمان , ولكن إذا إفتقد الداعشيون الحضارة والحس الإنساني فأين الدولة العراقية من حماية بناتها . إن أولاد هذه الدولة قد أصبحوا كفئران في متاهة لا يعلمون مخرجها .
كان أحد الشباب الأيزيديين ينتقل من موقع إلى آخر لكي يجد أخواته وليشتريهن من داعش وكان هذا الشاب فقيراً لا يملك سوى ( ساعته ) ليساوم عليها .
إن ما يبذله الجيش العراقي من جهود مضنية تثير الإحترام والمحبة , لكن مهام الدولة العراقية هي ليست في العمليات العسكرية فقط بل تشمل الهيمنة الإنسانية على كل فرد عراقي إناثاً وذكوراً لترفع عنهم الذلة والإستعباد لا أن تدك القرى  فوق رؤوسهم وعليهم وعلى أعدائهم , ولا أن تتركهم هائمين على وجوههم يبحثون عن مخرج , البعض يتجه شمالاً والآخر يتجه وسطاً وجنوباً وكأن مداً من الموج الهادر يلاحقهم أينما ذهبوا , وترمى على كاهلهم كل أزمات السكن وغلاء الأغذية وحتى مزابل الشوارع وتُقفل الكثير من المدارس بوجوه أطفالهم , وقد لا يجدون مهرباً من الضياع سوى مسالك التسول أو الجريمة .
أقول : إن من يرفع العلم العراقي في كل زاوية لا بد له حقاً أن يرفعه في قلبه ليُضلل به على كل طفل عراقي وإمرأة وأن يدفئهما به ويسترهما من أعين الطامعين , وأن لا ينام ليله منعماً ولا يبتلع طعامه متلذذاً ولا يحتضن أطفاله سعيداً إلا حينما ينام أطفال العراق جميعاً شبعى آمنين مطمئنين في أحضان أمهاتهم ماذا وإلا فلينكَس هذا العلم حتى تُمسح منه بقع دم أطفال العراق ودموع أمهاتهم , وأن لا يُرفع أبداً إلا وهو مرفوع الرأس .

52
من يلعن الناس في العراق
الدكتورة / ناهدة محمد علي
تتشعب حاجات الناس اليومية , وقد يصبر البعض  ويكفر البعض الآخر , والجميع على أبواب خزينة الدولة وعلى ميزانيتها ,  ولكن منطق الدولة أو بألأحرى رجالها والذين بأيديهم مفاتيح المُلك هم من يقرر أن تكون الخزينة فارغة ( أم مليانه ) وهم في كل الأحوال ناظرون إلى جيوبهم ثم إلى جيوب حُماتهم ثم إلى توفير الأمن والأمان لهم ولسلطتهم وأسباب الأمن من جيش وشرطة , ومن ثم إلى جيوب الفقراء , وفي هذه الحالة هو حق وألف حق لمسؤول اللجنة المالية في البرلمان العراقي أن يلعن الناس بقوله وفي تقريره المالي ( يلعن أبو الناس ) لأنه برأيه هم الرعاع فهم لم يتجولوا في القارة الأمريكية ولم يجربوا حياة الترف والرفاهية , ولم يمتلكوا بنوكاً ولم يدخلوا الأسواق المالية , وأخيراً لم يقودوا أحزاباً ترفع شعارات المساواة والديمقراطية , وأقصى ما يتمنونه هو تخريج أبنائهم من الثانوية ولقمة الخبز الحلال . لا أفهم لِمَ يلعن الناس الدكتور   ( أحمد الجلبي ) وقد سلموه ( الصاية والصرماية ) , فهم من يحملون أرواحهم على أكفهم يومياً ويعجنوا خبزهم بعرقهم الحار , وهم من تنتشر دماؤهم على أرصفة بغداد , وهم أيضاً من أحنوا ظهورهم ليصعدوا من فوقها على الكراسي . ومن يستطيع أن يلعن الجوعى والخائفين والذين يبعثون بأبنائهم لمقاومة الإرهاب وأيديهم على قلوبهم عسى أن يعودوا سالمين , وهم من حفروا الخنادق حول بغداد ليجعلوا من ركام أجسادهم سداً يحمي بغداد من الطوفان , ومن من هؤلاء المتعطرين يجرأ على السير في شوارع بغداد وأزقتها وينظر في عيون المارة ويقول ( إسألوني قبل أن تفقدوني ) , وهم وإن سألوه فلن يجيب , وإن أجاب فهو كاذب , وإن صدَق فستدور من حوله وعليه شبكات الفساد والفاسدين الذين لن يسمحوا أن تمر أنابيب النفط إلا عبر جيوبهم .
لقد سمعت من الكثير من الزملاء والأصدقاء بأن العراقيين مغلوب على أمرهم وسيبقون هكذا حتى تتقطع سلسلة الفاسدين والمستهينين بقوة الشعب العراقي , ولكن السؤال يبقى دائماً من يقطع سلسلة الفساد , أهو الشعب نفسه أم نحتاج إلى تكملة الدور الثاني من الإحتلال , أم يجب أن نتعلم من الشعوب المغلوبة كيف تغلبت . ومن خلال قراءات للتأريخ السياسي لشعوب مثل الهند , فيتنام , الصين , روسيا , سنجد أن هذه الشعوب لم تعتمد على قوى خارجية للإصلاح بل إستفاقت قواها الذاتية وأصلحت الخلل الذي فيها , أما بالنسبة لنا فجذورنا الذاتية لا زالت بخير لكنها بحاجة إلى مطر غزير لتستعيد خضرتها وحينها يوضع لاعنوا الشعب العراقي في مزابل التأريخ ويقف كناسوا شوارع بغداد الفقراء على قمة قبة البرلمان أو ما يسمى قانونياً ( بمجلس الشعب ) .


53
المنبر الحر / مقاتلون عند الفجر
« في: 16:53 14/01/2015  »
سيناريو درامي
مقاتلون عند الفجر
الدكتورة / ناهدة محمد علي
ولدت إمرأتان ذات يوم في منطقة شعبية وفي حي من أحياء بغداد ولدين , وكانتا قد تصادقتا وعاشتا جور الأزواج والعذابات سوية . كُنَ لا يعلمن بوجود العيادة الشعبية في نهاية الحي , ولم يتعودن على زيارة الطبيب ولا أخذ الفيتامينات أثناء فترة الحمل , بل كانتا تأكلان ما يتيسر لهن من طعام وهن منهمكات في أعمالهن المنزلية ليلاً ونهاراً , ولم يسمح لهن الوقت بالتزاور إلا قليلاً , أسمت الأولى ولدها ( سفيان ) والأخرى أسمته ( حسن ) . نشأ الصبيان مع بعض وأرضعت كل منهما ولد الأخرى ليصبحا أخوين . كانت العائلتان فقيرتين فلم يكمل الولدان دراسة الثانوية وإنخرطا في مسالك العمل المختلفة , وإنتهى الأمر بحسن أن أصبح شرطياً في مركز شرطة الحي , أما سفيان فقد أصبح عامل بناء حيناً  وأحياناً عاطلاً متجولاً وباحثاً عن عمل في طرقات بغداد .
المشهد الأول :
 عمل حسن في مركز شرطة الحي وهو لم يتعود أن يحمل سلاحاً أو يضرب أحداً أو يلاحق المجرمين , فقد حصل أن شهد ذات يوم عملية ضرب أحد المساجين وتكرر هذا المشهد أمامه يومياً حتى أصبح معتاداً عليه . عاد ذات يوم إلى البيت وهو فرح وخائف وقائلاً لأمه لقد قمت لأول مرة بضرب أحد المجرمين الذي ضُبط وهو يقفز على جدار أحد البيوت , قالت أمه : ولِمَ ضربته ؟ قال : لقد حاول الإفلات وأنا مسؤول عنه , سكتت الأم وهي ممتعضة ثم قالت : يا بني لا تؤذي الضعفاء , أنا متأكدة أنه فقير وجائع , أثار هذا الكلام غضب حسن فقال : نحن أيضاً فقراء يا أمي وهو مستحق لهذا .
إستمر حسن في عمله اليومي , يخرج باكراً ويقضي يومه بتفقد أمور الموقوفين , وذات يوم هرع إليه زميله المناوب قائلاً : أحدهم مضرب عن الطعام وقد سقط مغشياً عليه , أظن أنه ممن ( يعملون بالسياسة ) قال حسن : سأحمله إلى سيارة الإسعاف ولكن لا تنزع السلاسل من قدميه لئلا يهرب بعد أن يفيق . نظر حسن إلى وجه السجين وهو في داخل سيارة الإسعاف , كان أصفر ذابلاً وضعيفاً لا يستطيع الحركة , أحس حسن بالحزن عليه وبدأ يتمتم قائلاً ( لماذا السياسة , الناس تريد تعيش وبس )
في المساء عاد حسن إلى بيته حزيناً وحين سألته أمه عن سبب هذا قال : كاد أحد السجناء أن يموت إحتجاجاً على سجنه , وكان العريف يضربه وهو مغمى عليه , بدت علامات الغضب على الأم وقالت : إتقوا الله في عباده .
نام الولد قلقاً ومتقلباً طوال الليل وعند الفجر صعد إلى سطح المنزل وكأن هواء البيت لم يعد يكفيه , وفي ذات الوقت كانت إبنة جاره شيخ الجامع تنشر غسيلها على السطح , نظر إليها حسن فأعجبه جمالها قائلاً في نفسه ( يا سبحان الله ما هذا ) ثم عاد مطأطأ رأسه إلى الأرض ومتمتماً    ( أحنه وين وهمَّ وين ) .
أخذ حسن يومياً يصعد إلى سطح المنزل منتظراً رؤية إبنة شيخ الجامع , وتعجب ذات يوم حين رآها تفرش الحصير على السطح وتضع عليها آنية الشاي والحلوى , ثم رأى إمرأة غريبة تتحدث مع والدتها . لم ينس حسن اليوم الذي سمع فيه من أمه بأن إبنة الجيران قد خُطبت لأحد التجار , أحس وقتها بأنه شاب مسلوب الحقوق وضائع في عالم لا يرحم الفقير , كان كلما أحس به وقتها هو أنه غاضب جداً .
المشهد الثاني :
ظل سفيان يبحث عن عمل ثم وجده أخيراً في بسطة عمال البناء , إرتاح حينها وظن بأنه قد وجد مستقبله .
إستيقض سفيان صباح اليوم التالي وذهب مسرعاً وحاملاً فطوره معه , توقف قليلاً على قارعة الطريق منتظراً ( الأسطة ) مع زملائه ثم جاءت بعد قليل سيارة ( البيك أب ) وصعد الجميع إليها .
ذات يوم إستيقظ سفيان متأخراً وحينما نظر إلى الساعة أصابه الرعب وخرج مهرولاً دون أن يتناول فطوره , كان خائفاً وحانقاً على نفسه , ولم يلتفت إلى أمه وهي تصيح ( اللفة يمه اللفة ) . هرول سفيان إلى ناصية الشارع وقبل أن يصل لاحظ جمعاً غفيراً من الناس والكل في صراخ وبكاء , هرعت نحوه إحدى النساء مولولة ( وين علي ما شفته ؟ ) قلت لها : لقد وصلت الآن , كان الجميع خافضي الرؤوس وباحثين في تراب الأرض , وكان هناك بقع كبيرة من الدم تترنح من حولهم , أحدهم وجد يداً فرفعها إلى الأعلى قائلاً وصارخاً هذه يده وهذا نعله , قالت إحدى الأمهات وهي تشم خصلة شعر , هذا شعره , إنه هنا وهذه قطع من قميصه , إنه هنا . أحس سفيان بالغثيان والدوار وإنزوى في إحدى الزوايا واضعاً منديله على فمه ثم ركض في الإتجاه المعاكس حيث وجهة البيت , وحين تلقته أمه وهي مرعوبة قال : لا زلت حياً والجميع قد مات .
المشهد الثالث :
أخذ سفيان يتجول بين المحلات باحثاً عن عمل , الكل كان ينهره ,
البعض بهدوء ولطف والآخر بصراخ وغضب . أحس سفيان أنه وحيد في هذه الأرض وذليل , لا أحد يرغب في تشغيله ولا مكان له في هذه الحياة وكادت السماء أمامه تنطبق على الأرض . جلس على قارعة الطريق وفكر طويلاً بالإنتحار , ثم فكر متسائلاً كيف سيعود لأمه وهي تنتظره وتنتظر أجرته لتدفع بها إيجار البييت , فكر وقال لن أعود ثم تخيل وجه أمه الحزين منتظرة إياه طويلاً ووجه أخواته الصغيرات وهن يقفلن باب المنزل بعد غروب الشمس خائفات . إشتهى خبز أمه الحار ولمستها الحانية على رأسه صباحاً . جرجر رجليه ومشى بإتجاه البيت قائلاً في نفسه غداً لا بد لي من العمل , سأبحث عنه وسأجده حتماً إنشاء الله .
بقي سفيان متجولاً لعدة أسابيع حتى تورمت قدميه من كثرة التجوال بين أصحاب المتاجر . قال لأمه ذات يوم بعد عودته لم يعد هناك رحمة , فالكل يصرخ بوجهي قائلاً ( إمشي الله ينطيك ) وكأني أتسول منهم , ذهبت إلى سوق الحدادين فطلبوا مني المهارة وإتقان الصنعة وقالوا لي ليس لديك أية فرصة للعمل وأنت على هذه الحال ثم تساءل أين نذهب نحن يا أمي فأجابته أمه ليس أمامك إلا العمل في الجيش أو في الشرطة , غضب سفيان وقال أُفضل الموت على أن أكون معهم , إنهم يكرهوننا , أجابته أُمه ليس الجميع يا إبني إذهب إلى صديقك حسن وأطلب العمل معه في سلك الشرطة .
في مساء اليوم التالي ذهب سفيان إلى بيت حسن ففتحت له الباب أم حسن قائلة ( ليش تكطع يا وليدي ما ثُمر بيك حليبي ) , أجاب سفيان ضاحكاً ليس الأمر كذلك يا خالتي ولكن الدنيا تدور بي فلا أجد عملاً أو مصلحة أعيش منها وأصرف على أُمي وأخواتي , قالت أم حسن لِمَ لا تعمل مع حسن ؟ قال أين هو ؟ قالت هو على سطح المنزل سأُناديه لك .
نزل حسن مسرعاً وإحتضن سفيان قائلاً أين أنت يا أخي , أجابه الآخر : لم يعد لي أمل في هذه الحياة ساعدني لأجد عملاً , أجابه حسن سأسأل مأمور المخفر علّه يساعدنا .
في بداية صباح اليوم التالي قدم حسن ملفاً لوثائق سفيان , وحينما قلبها المأمور قال لينتظر فهناك العديد من الراغبين في العمل , إمتعض حسن وشكا الأمر إلى زميله المناوب فقال له صاحبه : هناك العديد من أقرباء المأمور قد قدموا أوراقهم وهو طبعاً سيفضلهم على أولاد المساكين من أمثالنا  .
المشهد الرابع :
خرج حسن من المركز غاضباً وإحتار كيف سيخبر سفيان بالأمر ثم ذهب مباشرة إلى بيت سفيان . خرج الآخر إليه مسرعاً ونظر كل منهما إلى وجه الآخر , ثم قال سفيان : تعال أدخل لقد فهمت ما تريد أن تخبرني به , لا داعي لأن تقول شيئاً .
إستمر سفيان بالتجوال في شوارع بغداد على غير هدى , فلمح رجلاً أشعث طويل اللحية يراقبه من بعيد , فلم يبال بالأمر , وأحس سفيان بعدها بأن الرجل يتابعه . مشى سفيان طويلاً ثم إلتفت فجأة فوجد الرجل الأشعث متجهاً نحوه قائلاً إجلس لنتحدث , أجابه سفيان ما الأمر ؟ هل أنت شرطي ؟ لستُ سياسياً ولا إرهابياً بل أنا مجرد شاب عاطل , فضحك الآخر وقال : هذا ما أعرفه يا سفيان , تعجب الشاب قائلاً : كيف تعرف إسمي , قال الأشعث أنا أعرف عنك كل شيء . ماذا تقول لمن يعطيك عمل كريم الأجر آخره الجنة , ضحك سفيان وقال : وأين هذا العمل ؟ أهو في السماء أم في الأرض , قال الأشعث في الإثنين معاً , ثم قال : هل ترى ما أنت فيه وهل ترى وضع أخواتك في هذا الضياع , ألا تخشى عليهن من الجوع والفقر ومن صاحب البيت الذي قد ينتظر قليلاً ثم يرمي بأغراضكم إلى الشارع . هل ترى كل هذا ؟ قال سفيان : أراه , فقال الأشعث : لنبدأ الآن , كل عملية تقوم بها أجرها ( 1000 ) دولار , بهت سفيان وقال ما نوع هذه العملية , قال الأشعث : تفجير مواقع الكفار والظالمين , أصاب سفيان الرعب وقال وهل سيُقتل الناس في هذه العملية أم سنقوم بتخويفهم , قال الأشعث : نعم سيقتلون ( ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) , هم أعداؤك أنظر إلى حالك , لن تجد عملاً بين الشيعة لأنك سني والكل يكرهك , فستموت جوعاً مع أمك وأخواتك . قال سفيان أأقتل أبناء شعبي قال الآخر إنهم أعداؤك , لا تفكر بالأمر وإقبل عرضي , سيأتي اليوم الذي تُذبحون فيه ذبح الخراف .
عاد سفيان مسرعاً إلى البيت ومرتعداً من كلام هذا الرجل مردداً مع نفسه إنه مجنون ولا شك .
حينما حل المساء سمع سفيان طرقاً قوياً على الباب وحينما فتح الباب وجد أمامه العجوز صاحب البيت , دخل العجوز إلى داخل الدار وبعد أن جلس طلب قدحاً من الماء فجاءت أخت سفيان الكبيرة وقدمت للعجوز الماء لمح سفيان نظرات العجوز الخبيثة , قال سفيان خير إنشاء الله , أجابه العجوز لديكم ثلاثة أيام وسأرمي بأغراضكم في الشارع , قال سفيان ولِمَ لا تنتظر قليلاً ؟ قال صاحب الدار إنتظرت أسبوعاً كاملاً وسأنتظر أكثر في حالة واحدة , قال الشاب وما هي , قال العجوز أعطيني أختك هذه لكي تخدم زوجتي أم أولادي , قال سفيان وإن رفضت , أجابه الرجل تكون قد جنيت على نفسك . خرج العجوز مسرعاً وغاضباً وبقي صوت الرجل الأشعث يتردد في أُذن سفيان ( إنهم يكرهونكم ولن يكون لكم مكان في هذا البلد ) . أخذ سفيان يفكر بجدية بما قاله الأشعث ويطرد من مخيلته صور الموت والدم قائلاً في نفسه ( العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم ) , ومردداً أنجوع نحن ويغتنون هم .
نام سفيان متقلباً حتى الصباح ومتسائلاً أأذهب للبحث عن عمل جزافاً أم أذهب للبحث عن الرجل الأشعث . خرج مسرعاً عند الصباح وتجول باحثاً عن ذلك الأشعث ثم تعب وجلس على ناصية الشارع , وإذا بجسم ثقيل يسقط بقربه قائلاً هل فكرت في الأمر يا أخي , نظر سفيان طويلاً إلى وجه الأشعث وأحس بكراهية له لكنه غالب نفسه وخرجت من فمه الحروف زاحفة , وقال : نعم قبلت , ضحك الرجل وأعطاه حزمة كبيرة وظرفاً فيه نقود , ثم وضّح قائلاً : هذه تضعها في شارع المحلات والأخرى في سوق الخضراوات عند الفجر , قال سفيان وإذا حاولوا الإمساك بي هل سأفجر نفسي . أجاب الرجل ضاحكاً وهل تظن أنهم إذا أمسكوا بك سيتركونك حياً , وفي كل الأحوال لك ( الجنة ) .
في فجر صباح اليوم التالي خرج سفيان مسرعاً بدون أن يودع أمه كعادته وفي أثناء هذا خرج حسن باكراً إلى عمله وكان أمامه مأمورية التجوال في أسواق الحي , قاد سيارة الشرطة مع زميله وبدأ بتفقد منطقة المدارس ثم عرج بعدها إلى الجامع ليصلي الفجر ولمح من بعيد سفيان يخرج من الجامع مسرعاً . بعد أداء حسن لصلاة الفجر خرج من الجامع ليكمل دوريته وبدأ بشارع المحلات فلمح سفيان يتحرك مسرعاً ويضع صندوقاً صغيراً تحت أحد الجدران , تساءل حسن عما يفعله سفيان في هذا الوقت وفي هذا المكان . كان الشارع فارغاً في ساعات الفجر الأولى . إستمر حسن في جولته في المدينة وهو يفكر بما يفعله سفيان . طلعت الشمس أخيراً وخرج الناس إلى أعمالهم وإلى الأسواق , وإستمر حسن بتأديته لدوريته , وإستغرب حين رأى سفيان يجلس بين عربات الخضار ويضع صندوقاً مماثلاً لسابقه تحت العربات , تساءل حسن عما يفعله سفيان , وكان عجبه ممتزجاً بكثير من الخوف والحزن على صديقه , وقرر أخيراً أن يتقدم نحوه ليسأله عما يفعله . إقترب حسن مسرعاً وقد لاحظ أن سفيان يحاول الإسراع بالخروج ولاحظ أيضاً أن صاحبه يرتدي قمصلة سميكة في هذا الطقص الصيفي الحار . صرخ حسن ما الذي تفعله هنا , فصرخ سفيان إبتعد بسرعة , لا تقترب , إبتعد بسرعة , غضب حسن وقال : أقول لك ماذا تفعل , قال سفيان : قلت لك إبتعد لا تقترب مني ولا تلمسني , لكن حسن إقترب ووضع يده على قمصلة سفيان أثناء محاولته لإستدراج سفيان ومساءلته , أدرك حسن بخبرته أن سفيان يخفي تحت قمصلته شيئاً فحاول فتحها , لكن سفيان إبتعد غاضباً فأدرك حسن حينها أنه أمام أحد الإرهابيين , قال من بعيد لماذا يا أخي ؟ ,  لماذا , قال سفيان لإخر مرة أقول لك إبتعد وإلا , صرخ حسن لا لن أبتعد قبل أن أنزع هذا عنك , إنزعه الآن , دوّى في أثناء هذا في المكان إنفجار هائل وترامت على مد البصر قطع الخضار مصبوغة باللون الأحمر وطار في الجو كفان متشابكان لم يعلم الجميع لمن هي , لكن أم حسن ثم أم سفيان بعد وصولهما  لمكان الحادث قد علمتا  أنهما لحسن وسفيان , وعلمنا نحن أيضاً بأن سفيان لم يشأ قتل أخيه لكنه فعل .




54
لماذا نلطخ وجه الإسلام بالدم
الدكتورة / ناهدة محمد علي
في بلاد يتجول فيها أكثر من 22 مليون عاطل والرقم قابل للزيادة سنوياً ويشكل من هم دون الـ 25 عاماً 60% من السكان , يتكرر التقاتل فيها يومياً بإسم الدين حيث لا فرص للعمل مخططة ولا مستوى عادل للكفاية الصحية وحيث تبلغ النفقات الصحية للفرد العراقي أقل من 167 دولار سنوياً , ولو قارنا هذا بمجموع النفقات الصحية للفرد في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً حيث يبلغ أكثر من 7410 دولار لوجدنا أن البون شاسع وعلى هذا الأساس تتراجع فرص الحياة أمام الجميع ولا تبقى إلا فرص الموت . وتشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية بأن متوسط عمر الفرد في العراق يبلغ 62 – 70 وبالمقارنة بمتوسط العمر للفرد في المملكة المتحدة والذي يبلغ 78 – 82 لوجدنا أن فرص الحياة أمام الفرد العراقي والعربي بشكل عام تبدو قليلة .
إن الشباب العربي يأخذ أسوأ ما في الماضي والحاضر فهو يأخذ من الماضي أساليب حروب الفتوحات فيما وراء الحدود وليس داخلها , ويأخذ من الحاضر تفوق التعاليم العرفية على التعاليم الدينية وتفوق الإنتماء للطائفة على الإنتماء للوطن , وهو بهذا يقاتل ضمن مساحة ذهنية ضيقة ومساحة عمرية ضيقة أيضاً فلم يسمح المجتمع له بأن يتعلم الكثير وإن تعلم فلا مجال لتطبيق ما تعلمه , كذلك ما يقدمه للمجتمع غير مدفوع الثمن , فهو لن يحصل على الرعاية الصحية والإجتماعية التي تسمح له بالعمر الطويل , فلا وقت لدى الشاب العربي لتحصيل مكتسباته فهو على عجل ولا طريق غير ممارسة الغزو الداخلي للشباب مع بعضهم البعض , فالغزو الخارجي لن يعتمد على الخناجر والسيوف ولا حتى على الأسلحة الخفيفة والثقيلة وما يُفتقد هنا هو التكنولوجيا والتخطيط العلمي , وإذا خرجنا من ساحة الحرب تقوم التكنولوجيا بتوسيع المساحة الذهنية والعمرية , ولا يعود الشاب عاملأ على الناعور أو ورش النجارة بل ضمن إقتصاد متين ومخطط .
إن الشباب العربي سيخرج من هذا كله بنتيجة واحدة ( إلى أين سيذهب ؟ ) , فهو إن درس القليل أو لم يدرس لن يستطيع الإستفادة من تحصيله العلمي وفرصته الوحيدة بالنجاة هي في البحث عن التأريخ العربي وعن نقاط الضوء فيه , وقد يجدها في عهد النهضة الإسلامية وتطور العلوم والترجمات وبزوغ الفكر العربي وهو يطمح من خلال هذا إلى العدل والنبل القيمي والشهامة  وفتح بيوت المال للمسلمين سواسية , لكن الخلل هنا جاء في عدم إستيعاب التغير الزمني الذي لا يقبل العودة إلى الخلف حتى ولو كان الماضي أجمل , ومن يستطيع السير ألى الخلف لمسافات طويلة ؟ , فهو بغض النظر عن كونه غير منطقي هو أيضاً غير مريح للفكر والجسد , إذا كان كل شيء سائر ألى الأمام إبتداء من حركة الذرات وإلى حركة المجرات وتطور الأنواع والنمو الخلقي والعقلي للإنسان , كما لا يمكن أيضاً للأبحاث والعلوم أن تعود إلى الوراء بل تتقدم إلى الأمام مستندة ألى تأريخها ومستفيدة منه .
كذلك يطبق هذا على الأدب بشكل عام إذ لا يستطيع الفرد العربي المعاصر إستساغة المعلقات السبع ولا إستخدام اللغة العربية القديمة حيث أضاف الزمن والحضارات صيغاً وكلمات جديدة على اللغة العربية . و نستخلص من هذا أن التأريخ العربي والإسلامي هو محطة للدراسة والنظر لا للممارسة اليومية و لكن المشكلة هنا هو أنه ليست للشباب إستساغة للحاضر وإلا لما إستدار نحو الماضي ومارس قطع الرقاب ولا فرق هنا بين مسلم ومسيحي وصابئي وإيزيدي بل المهم لديه أنه قد أصبح ممتهناً للجهاد , وما دام بناؤه للحاضر مستحيلاً فهو سيبني في منطقة الماضي , والغريب في الأمر إن هذا النوع من الشباب العربي ليست لديه الجرأة لمقاتلة التكنولوجيا الغربية وإن تجرأ قليلًاً فلأغراض إعلامية بحته .
وإذا تساءلنا من حرم الشباب من مساحة الحاضرسنجد حتماً سلسلة طويلة من القادة المعتوهين والمتصفين بحب السلطة والمال , وما أن يًقبر أحدهم حتى يولد ثان وثالث ممن يقلدون أسلافهم وممن يضرب المثل السيء للشباب العربي , فينقسمون قسمين قسم يُقلد وقسم يرفض وينحرف الإثنان الأول إلى حافة الجريمة والإحتيال والنصب على أبناء شعبه , والثاني يجعل من نفسه قصاباً مبتدأ ملوَّثاً بالدم ورامياً ببقع الدم هذه على وجه الإسلام ومستقطباً لكراهية الشعوب للإسلام والمسلمين .

55
تضخم الأنا لدى الفرد العراقي

ناهده محمد علي
     
تتكون ( الأنا ) لدى الفرد العادي منذ ولادته ومن خلالها يسلك سلوكاً غريزياً للحفاظ على حياته من خلال عملية الإمتصاص لحليب الأم أو الحليب الإصطناعي أو بكائه أثناء الجوع أو الألم , أو عملية التخلص من فضلات الأمعاء . ويمتزج حبه الغريزي لأُمه ( بألأنا ) لديه حيث هي الشخص الذي يوفر له إحتياجاته المادية والمعنوية والنفسية , ويشعره بالراحة بعد تغذيته وتنظيفه والتواصل الروحي معه , ويمتزج حب الطفل لذاته مع حبه لأُمه لأنها من يوفر له الإحساس بالرضى والكفاية .
وبعد سن البلوغ يقوم الفرد بتحقيق ذاته بطرق مختلفة منها دراسته ونجاحاته النظرية والعملية وذهابه إلى مواقع الدراسة والعمل بمفرده وبدون راعي كما يحقق ذاته من تجاربه العملية لقيادة العجلة أو السيارة أو الإصلاحات البيتية , كذلك في إقامة العلاقات الروحية مع الجنسين والإنخراط في العمل الإجتماعي والعلاقات الإجتماعية . كل هذا يبدو منطقياً وسهلاً إلا حين تتعارض المصلحة الذاتية مع مصلحة العائلة أو الجماعة أو المجتمع بشكل عام , وقد تتعارض أهداف المؤسسات الإجتماعية أو أهداف السلطة التنفيذية مع مصلحة الفرد حين تُسيس أو تُبرمج أهدافها أو مشاريعها لغير صالح الفرد العادي بل مصالح قيادية فردية أو أطماع توسعية أو إستثمارات أجنبية مبنية على الإستفادة من جانب واحد أو أهداف تخدم فلسفة محددة لمجموعة ضيقة في المجتمع ويتم تعميمها قسراً على جميع أفراده , وهناك أشكال كثيرة للتعارض ما بين الفرد والمؤسسات الإجتماعية والقيادات الفردية .
إن من المعروف أن إحتياجات الفرد الأولية والأساسية تبدأ بالغذاء والماء والدواء والتعليم وحق العمل ثم تنتهي بأسباب الرفاهية التي يتمتع بها الفرد العادي في الدول التي يرتفع فيها مستوى الكفاية الإجتماعية . وقد يصل مستوى التعارض إلى التقاتل لتحقيق المصالح ويبدأ هذا حتى في العائلة الواحدة حين ينعزل أو يتقاتل بعض أفرادها لغرض تحقيق ذاته في أمر ما . وقد تتصادم الأنا الفردية مع الأنا الإجتماعية فيكون الفرد بهذا خائناً لقيم الجماعة ومنفذاً لرغباته الفردية , وقد يكون أيضاً متفرداً في أفكاره وقيمه ونظرياته , وقد يتبع في تحقيقها أساليب علمية أو أدبية لم يعرفها أو يقرها المجتمع بل ينكرها ثم تتعمم تدريجياً وتصبح بعد هذا فكرة ونظرية رائجة بعد تضحيات كما حدث في نظرية تكون الأرض وكرويتها والتي عارضها المجتمع الكنسي ونظرية تكون العالم وبدايته , والكثير من النظريات الفلسفية والإقتصادية والتي قد تتفق مع مصالح البعض وتتصادم مع مصالح البعض الآخر .
إن تضخم الأنا الفردية القائم على أسس غير منطقية أو علمية وبمنظور فردي بحت ومجحف بالمصلحة العامة , وقد يكون هذا خطراً هو ما نبحث فيه , حيث تولدت عبر سنوات طويلة لدى الفرد العراقي فكرة الحفاظ على الأنا مهما دفع من ثمن وتحتوي هذه الأنا ( قيمه وشرفه وأحلامه ومصالحه المادية ) والتي واجهت كسراً قاسياً من قبل الأنظمة والحكومات والمصالح الخارجية ومالكي السلطة والمال الذين لن يسمحوا للفرد العادي أن ينفذ غير مصالحه , وحينما يتواجد هذا الفرد مع نفسه يجد نفسه خاوياً فهو يرهق نفسه بالعمل والدراسة ولا يحصل على شيء , محباً لوطنه وهو منبوذ فيه فتتضخم لديه الأنا رويداً رويداً حتى تبدأ بالمصادمة مع أهداف المؤسسات الإجتماعية المسيسة , وقد يتمكن هذا الفرد من أن يُرهب أو يًرعب هذه المؤسسات , ويمكنه أيضاً أن يُرعب السلطة وقادة المال والسياسة ولكي يعيد لهم بعض الصفعات , وقد يحصل هذا الفرد على بعض المكاسب المادية , ولكنه لن يوفر لنفسه الإحساس بالراحة والطمأنينة التي يحتاجها . وقد تصبح ظاهرة التضخم هذه ظاهرة عامة , فتتكاثر البقع السوداء على الثوب الأبيض حتى لا يكاد يُرى لونه , ومن هنا تأتي ظاهرة الفساد الإجتماعي والمالي والإداري . إن كل ما يفعله هذا الفرد هو لأجل تحقيق الأنا لديه وإسعادها ورفاهيتها , وهو بتنازعه غير السلمي هذا لن يحصل إلا على القليل من متعة الإنتقام لنفسه والقليل من الكسب المادي الغير منتظم والغير مأمون , وعلى هذا الأساس إن هذا التصادم بين الفرد والمؤسسات الإجتماعية أو العكس لن يؤدي لا إلى راحة الفرد ولا راحة المجتمع , والذي يحصل هنا أن حرباً داخلية ومحلية تحصل بين الأفراد والجماعات والفرق المختلفة كما يحصل في العراق حالياً , حيث أن مصلحة الفرد العادي لا تتعدى أسوار حدود بيته وإذا إستكثرت المؤسسات الإجتماعية على الفرد مصالحه الخاصة فسيخرج هذا الفرد من أسوار بيته مقاتلاً للحصول عليها , وهذا ما يحصل فعلاً , وسبب المشكلة هنا هو ما أُسميه ( الغباء الإجتماعي ) حيث أن مصلحة هذا الفرد والمؤسسات الإجتماعية هي واحدة , ويستطيع الفرد حتماً أن ينفذ مصالح هذه المؤسسات , ويستطيع أيضاً القائد النزيه أن يتجرد من مصالحه الشخصية ومن التضخم الهائل للأنا لديه وهو ما يثير غضب الفرد العادي إذ قد يتساءل كل يوم ولا يجد جواباً , لِم ينام القادة مثلاً في قصور مشيدة وضمن حراسة مشددة , وينام رجل الشارع على حصيرة توجع عظامه ولا يدري ما الذي سينتظره أو يباغته في الغد . إن الكثير من الأفراد والذين ضُربت مصالحهم وأهدافهم الخاصة المشروعة قد يتكاتفون ويصبحون خارجين عن القانون السلطوي ويتبعون قوانينهم الخاصة وقد تكون أكثر عدلاً من قوانين السلطة . ولو تساءلنا لِمَ هذا التعارض لوجدنا أن تضخم الأنا لدى القادة الكبار وتحقيقها اللامشروع واللاأخلاقي هو أكبر بكثير من تضخم الأنا للفرد العادي , إذ هي كما ذكرت لا تتعدى أسوار بيته , ولأجل صبره الطويل قد يتحول هذا الفرد إلى ( حرامي ) من الطراز الأول أو إلى قاتل شرس أو مدمن سلاح أو حامل لغضب عظيم ومحطم لكل ما يقف أمامه من معوقات مادية أو قيمية معنوية , ولن يلاحظ كل السعادات والألوان البراقة التي يلوّح بها القادة لقاعدتهم , ولو علم القادة المتعاظمون وهم جالسون على قمة الهرم بأن أي تفطر أم زلزال للقاعدة التي يرتكزون عليها تطيح بهم من أعلى بعد عدة هزات حتى تتفتح الأرض وتحتويهم .

56
مَن سَجَن الطفل البصري في قفص الدجاج
الدكتورة / ناهدة محمد علي
لم يحدث إطلاقاً أن تعامل المجتمع العراقي بقسوة شديدة مع الأطفال دون السادسة ويحدث هذا ما فوق هذا السن , مع أن أساليب التربية العربية تؤكد على أن       ( العصا لمن عصى ) , إلا أن المجتمع العراقي كان معتدلاً دائماً في شدة تعامله مع الأطفال , وأفرز هذا المجتمع أقوال شعبية مثل  ( خد وعين ) للدلالة على
 أهمية توفير الحنان والحزم معاً للأبناء في التعامل الأُسري كذلك أقوال أُخرى مثل ( لو كبر إبنك خاويه ) وهذا يدل على لزوم مصاحبة الوالد للولد بعد بلوغه والإقتراب منه وتربيته من خلال الصُحبة والصداقة الأبوية , إلا أن شدة قسوة الظروف الإجتماعية التي مرَّ بها المجتمع العراقي دفعت إلى المزيد من القسوة نحو العنصرين الضعيفين في المجتمع واللذين هما الأطفال والنساء .
بالأمس قابلت إحدى الصديقات والتي بادرتني بقولها , أكتبي أُكتبي عن هذا الطفل العراقي البائس , قلت : وما الجديد في الأمر , قالت : إطلعي على الفيديو وسترين العجب . وبعد أن إطلعت على فيديو الطفل هذا , بقيت واجمة وظننت أني سأُصاب بنوبة قلبية , وقمت لأشرب كأساً كبيراً من الماء ولأُريح قلبي , وماذا رأيت ؟ , أتصدقون أن عائلة عراقية بصرية قد حبست على سطح المنزل وفي قفص للدجاج طفلاً في الثالثة من عمره , لأن أُمه قد تركته لعمته بعد أن قُتل والده . كان الطفل الصغير جاحظ العينين واجم الوجه لا يستطيع الكلام أو الوقوف والمشي والحركة , إشتد به الهُزال ولم يكن فاهماً بما يجري من حوله , وربما كان يأكل مما يأكله الدجاج . وقد أُلبس بعض الملابس من قِبل إدارة المستشفى , وحينما وضعه الشرطي على الفراش كان يبدو وكأنه أصغر من عمره . لقد فضح أمر هذا الطفل أحد أولاد الجيران الذي تسلق السطح لصيد الحمام , نُقل الأمر للشرطة ثم إلى مستشفى الفيحاء في البصرة . تزاحم العراقيون الشرفاء لمساعدة هذا الطفل والتبرع له من الداخل والخارج , كلُ يريد أخذه لتربيته . كان هذا الطفل في المدينة التي إشتهر أهلها بالكرم والنبل والشفافية وهي مدينة الشعر والشعراء , ولا أدري لِمَ تصل القسوة بالفرد العراقي إلى الحد الذي يُعامل به الطفل اليتيم معاملة الحيوانات البيتية . كان سبب قسوة هذه العائلة هو المال والأرث , وربما كان إنتشار السجون في مدن العراق وعلى مدى المراحل السياسية المختلفة كان أحد أسباب هذا التفكير الإجرامي , حيث عانى أهل الجنوب من الظلم والإضطهاد لسنوات طويلة والذي أدى إلى تخشيب الحس الإنساني لدى البعض منهم , فهم يكررون ما مورس عليهم , يكررونه في داخل بيوتهم ومع زوجاتهم وأبنائهم وفي شوارعهم ومحلاتهم حيث تكثر المتاريس والبوابات بين منطقة وأُخرى , وتكثر نقاط التفتيش بين شارع وآخر حتى أصبح العراق سجناً كبيراً . ويكرر الفرد العراقي هذا في داخل نفسه حيث يبني لها سجناً يحميها حيناً ويحاصرها حيناً آخر , لأن كل حركة مفاجئة قد تنتهي بكارثة , لذا حجّم الفرد العراقي تفكيره وحركته وجعل مركز إهتمامه المال والطعام والشراب , وأخذ يسعى لطلب المال وبأي طريقة كانت وكل الطرق مشروعة ما دامت تريح كاهل هذا الفرد , وأصبح الأطفال أثقال لا تتحملها النفس العراقية , وأصبحت مصاريفهم أثقال , وحركتهم وتفكيرهم الطفولي المرح ثقل كبير للإنسان العراقي الحزين والمُكبل .
إن التحليل النفسي لعملية تعذيب طفل يؤكد على وجود مرض نفسي أُصيب به الشخص المُعَذِب في طفولته وهو يستفرغ ما مُلأ به , وهناك تقارير عن وجود الكثير من عمليات التعذيب والقتل الجماعي العائلي والقهر العائلي من قِبل الزوج أو الأبناء الكبار وهما العنصران القويان في العائلة , ويُمارس العنف أيضاً على الآباء الشيوخ الغير قادرين على الحركة والأكثر شيوعاً ممارسته على الأطفال الصغار ومثال على ذلك حبس الأطفال في القبو أو في الظلام , إطفاء السكائر على جلودهم و تقييدهم ومنعهم من قضاء حاجاتهم , تجويعهم وإستخدام التيار الكهربائي لتعذيبهم , أو رميهم من فوق مرتفع كأسطح المنازل . ويحدث هذا لدى الأقوام المتحضرة والبدائية , فقد ذكرت وسائل الإعلام النيوزيلندية بأن البعض من سكان الجزيرة الأصليين يقومون بإطفاء سكائرهم على جلود أطفالهم أو رميهم بالهواء عدة مرات حتى يُغمى عليهم , أو وضعهم في غسالة الملابس , هذا بالإضافة إلى القهر الجسدي الجنسي .
إن الفرد العراقي قد إمتص الكثير من الآلام وها هو يعصر إسفنجته فوق رؤوس أطفاله كما حصل في حالة الطفل البصري , لكن هذا لا يمنع من وجود الكثير من الفقراء الذين يعانون ويكدحون لأجل توفير الحياة الأفضل لأبنائهم , ويدخل في هذا أساليب التربية البيتة والرؤى الدينية والمستوى الثقافي والتعليمي .
أخيراً لا أعتقد أن شرطة البصرة قد ألقت القبض على الجناة بفعل أمر إداري أو بأمر القانون ! لكن دوافعهم كانت إنسانية وأبوية فطرية نبيلة وما بعد هذا فالمسؤولون نائمون على فراش من حرير وليتقلب أطفال العراق وفقرائه على الجمر , وليتحول البعض منهم إلى ذئاب بشرية , ولتنتشر الميكيافيلية في العراق ولتطبق المقولة الوحشية القديمة ( إذا جاءني الطوفان وضعت إبني تحت قدمي لأنجو ) .


57
المنبر الحر / الطائر المقدس
« في: 12:55 27/11/2014  »
قصة قصيرة   ( للبالغين فقط )
                             
الطائر المقدس
الدكتورة / ناهدة محمد علي    
يُحكى أنه حصل في الماضي القريب إجتماع هام في مملكة الطيور حول الرعب الذي سببته لهم مملكة العرب , قال حكيم مملكة الطيور : نحن لم نعد نستطيع النوم بعد غروب الشمس مطمئنين , ولم نعد نأكل غير فُتاة المزابل , فقد يبُس الزرع عندهم وإختفت الحبوب , وأصبح ريشنا عفناً لقلة الماء , إنهم يقتلوننا لجوعهم ويكرهون طيراننا لقلة حيلتهم , ولا تشرق شمس إلا ونحن نسمع صراخ الأمهات وعويلهن . قال أحد الطيور الذي عُرف بتغريده الجميل والذي سحر الجميع , لو هاجرنا فسنجد في كل بلد من بلاد الأرض حرب في شكل مختلف , فهناك أرض يتقاتل فيها البشر السود مع البشر البيض وأرض تعمل فيها المصانع ليل نهار ويسممنا دخانها , وأرض أخرى فيها كل ما نشتهيه وتنتشر فيها الغابات والأحراش لكن الأمراض تنتشر بين سكانها ونصاب ببعض منها . نفذ صبر حكيم الطيور وقال : ما الحل إذاً ؟ , قال الطائر المُغرد , الحل أن نعود إلى الماضي , ضحك الجميع وقالوا : عن أي ماضي تتحدث , أنت تعلم إن عجلة الزمن لا تعود إلى الوراء , قال : سأدعو الله أن يعيدني إليه عسى أن يُستجاب دعائي , قالو مستهزئين سنرى .
قضى الطائر المغرد ليلته قلقاً يدعو الله أن يعيده إلى الماضي لأن قبائل الطيور قد كرهت الحاضر . حين أصبح الصباح أخذ التعب من هذا الطير مأخذا كبيراً ونام نوماً عميقاً وحينما فتح عينيه بعد وقت غير طويل رأى أنه يطير بين شوارع غير مرصوفة ورؤوس غير محلوقة وسلال الباعة المتجولين التي تعرض الطعام هنا وهناك , قال الطائر : إستجاب الله دعائي ثم توقف على غصن شجرة فوجد طائراً سميناً ولا يستطيع الحركة قال له من أين أنت قال طائرنا : أنا من الحاضر فضحك الآخر وقال أتحب العودة الى الماضي , قال طائرنا نعم , قال الآخر لن تجد هنا مبتغاك , فالقوم هنا قد ضعفت قوتهم , وهناك قوم أشد قوة يقال لهم المغول جاءوا من بعيد لإحتلالنا وسنغرق بدمائنا . فزع طائرنا المغرد وهرب إلى شجرة عالية إستقر عليها وإنتظر الغروب , وما أن حل الظلام حتى أخذ الطائر المُغرد بالدعاء إلى الله للعودة إلى الماضي الأبعد , ثم نام الطائر عميقاً حتى الصباح و وحينما فتح عينيه وجد نفسه في مدينة غريبة ومنظمة بشكل غريب , وجوه البشر فيها تمتلأ إتزان وحكمة , يسيرون أسراباً وكأنهم مجندون لا يدفع أحدهم الآخر ولا يزاحمه . هبط طائرنا على شجرة صغيرة فقابله طائر فتي , فقال له طائرنا أين أمك ولماذا أنت وحيد , قال الصغير : هنا الكل يعمل والعمل هو شرفنا , ومنذ أن وضع حمورابي مسلته وقوانينه ونحن نسير عليها لا نحيد يميناً أو يساراً , لكل منا واجب وعمل ومن يخالف هذه القوانين يعاقب بشدة , إمتعض طائرنا وهز جناحيه وقال : أنا طائر حر وأُحب حريتي ولا أريد قيوداً ولا سدوداً , الفضاء هو مملكتي ولا يطوعني أحد . هرب الطائر إلى شجرة تقع في أطراف المدينة وقبل أن ينام دعا الله قائلاً أطلب منك ربي وللمرة الأخيرة أن تعيدني إلى الماضي السحيق  حيث الزرع وفير والأرض تفوح منها رائحة الأزهار , لا دماء فيها ولا قتال , ولا ظلم فيها ولا قوانين , ولا سيد فيها ولا عبيد , بل أرض فسيحة وفضاء أوسع . وحين أصبح الصباح وجد نفسه في غابة كبيرة يُسمع فيها خرير الأنهار من كل جانب تتمشى الناس فيها عُراة يلتقطون الثمر ويقطعون الحب من سنابله ويأكلون , ليس لديهم سلال لجمع الثمار والحبوب بل يأكلون القليل ويتركون الباقي على أغصانه أو سنابله . رفع الطائر عينيه إلى السماء فوجدها صافية لا دخان فيها ووجد على النهر صغار السمك تتقافز سعيدة من فوق الأمواج , تلفت طائرنا يميناً ويساراً وهو يتساءل أين قوارب الصيد وأين شباك الصيادين , وأين بقايا علب الدخان والطعام الفاسد , ثم تجول مستغرباً وقائلاً لا أثر لرجال الشرطة الذين يتصيدون المجرمين والأبرياء , ولا أثر ايضاَ لمواقد شواء الطيور المدجنة , وتبسم الطائر ضاحكاً وقال : لا أجد هنا فتياناً يتمايلون وبأيديهم قناني الكحول بل أجد أُناس متحابين لا يحتاجون إلى الكحول لينسيهم أحزانهم , ولا أدري لمَ الكل يطير بفرح وكأن لهم أجنحة مثلنا . توقف طائر مُسن قرب طائرنا وقال : نحن مجمع الطيور لا نخشى هنا شيئا  وإنظر إلى الأعلى تجد أسرابنا في الأفق تدور في السماء وحين يحل المساء يغرد الجميع ويقص حكاياته . تبسم طائرنا وقال : أود البقاء هنا وتوسل الطائر إلى لله أن يبقيه في الماضي السحيق , قال فيه حريتي وطعامي وسكينتي وأماني , لا أريد الرجوع إلى حيث رائحة البارود بدل رائحة السنابل وأطلق الطائر تغريدة سحرت الجميع .
حين يئست قبائل الطيور من عودة طائرها المغرد أدركوا أنه قد فضل الماضي السحيق وأصبح جزءاً من ذلك الماضي , فقرروا أن يبحثوا عن هذا الماضي لعيشو فيه .

58

أنحب أمواتنا أكثر من أحيائنا

الدكتورة / ناهدة محمد علي

إن جمال الحياة الإنسانية له مظاهر عديدة في كل ما يحيط بنا بما فيه من جمال الطبيعة والجمال الإنساني والحيواني . والكائن البشري يحب كل ما هو ممتع ولذيذ وبضمنها المتع المشروعة وغير المشروعة ، لأن كل ما أحس الفرد بأنه حي بإستخدامه لحواسه وغرائزه يجعله يشعر بمتعة يومية بالحياة ، ولا فرق في هذا بين متحضر ومتخلف وبين فقير وغني ، إلا أن تقبل الإنسان لهذا العطاء اللامتناهي من المتعة هو مختلف طبعاً من فرد لآخر ، ليس حسب الرقعة الجغرافية والمناخية والإقتصادية بل حسب تكوين هذا الفرد ونوع تربيته ومستوى الإكتفاء الذاتي له ، فهناك من يكتفي بالقليل من الطعام وهو سعيد ومن يكتفي بالقليل من المتعة الثقافية أو الروحية ، وهناك من يتحسس جمال كل كائن من حوله ، ،هناك من يمر بجميع الأحياء والمكونات الطبيعية وبضمنها نفسه مرور الكرام ، والمهم هنا هو إيجاد الحيز الذي يتحرك فيه الإنسان ويجعله سعيداً ، وكلمة سعيد هي حد الإكتفاء والإشباع . إن علينا أن نثمن الفترة الزمنية التي نعيش فيها لننجز كل ما نحبه قبل نقطة الصفر ، وهذا ما يجعلنا أيضاً نقدر الحياة والأحياء لأنهما أجمل كنز لهذه الأرض .
حينما نقلب صفحات التأريخ العربي نجد أن الفرد العربي لا يثمن الأحياء إلا حين موتهم ، حيث يصبح هؤلاء الأموات هم مدار حياة المجتمع وتأريخه ومنجزاته وتراثه وإرثه الحضاري ، ونحن العر ب ننتظر موت الأديب والعالم ورجل السياسة لكي نكرمه ونعظمه بالنياشين ، وكم من أديب ذُكر بالخير بعد موته ، وكم من عالم إشتهرت منجزاته بعد موته ، ونكتشف فجأة بأنه عاش فقيراً معدماً منسياً أو منفياً ، فالحياة لدينا غير مقدسة بل هو الموت ما نقدسه ، وربما ولهذا السبب يكثر لدينا الأموات ويقل الأحياء ، وربما لهذا السبب أيضاً لا يجد الكثير من المتفوقين الدافع للبروز ، وإذا ما إنتبهت السياسات العربية الى أحد المبدعين وتكرمت بتكريمه سيكون هذا عادة قبل شهر من وفاته أو فترة زمنية قصيرة ، ويكون حينها هذا التكريم عديم الفائدة لأن هذا المبدع أو ذاك لن يجد الدافع للمواصلة بسبب كبر سنه ، وقد يجد الكثير من المبدعين العرب فرصتهم بالتألق من خلال المنظمات العالمية والحكومات الأجنبية ، كما حدث سابقاً بالنسبة للعالم عبد الجبار عبد الله ولاحقاً للمصممة المعمارية العالمية زها حديد . وقد تكون هناك أسباب مضافة لتهميش الأحياء المبدعين منها الإحساس العالي بالغيرة والحسد وتفوق إحساس المنافسة على النزاهة الثقافية .
إن التأريخ البشري يؤكد على إرتباط الحياة والموت وكلنا إمتداد لأفراد أصبحوا جزءاً من الماضي البشري وكل ما حولنا يؤكد على ذلك . رأيت ذات يوم فيديو عن طيور البطريق والتي تموت وتتجمد في مناطق القطب وهي تحتضن بيضها ، وقد تموت الكثير من الأمهات وهن يلدن أولادهن ، لكن المختلف لدينا نحن العرب هو أن الموت قيمة لوحده ، نمجده ونعظمه ولا يوازي هذا تعظيم قيمة الحياة والسعي لأجلها والمحافظة عليها ولذا فإن حياة الكثير من أبناء الشعوب العربية لا تساوي ثمن رصاصة واحدة ولا يعني هذا أن هؤلاء الأفراد مستحقون للموت بل يعني بأن ليس هناك قيمة لحياتهم . ولو قارنا بكم الإحترام للحياة الإنسانية والحيوانية في كثير من الدول المعاصرة لوجدنا أن سياسياً كبيراً يمكن أن يُسجن إذا أساء التعامل مع حيوانه ، وقد يُحاسب رجل البوليس إذا أساء التعامل مع شخص ألقي القبض عليه لجريمة ما ، وقد تشتعل وسائل الإعلام بهذا الخبر وتتنافس الأحزاب المعارضة لإظهاره . أما نحن فقد نجعل الأكداس البشرية ولا فرق أن يكونوا بالغين أو أطفال سلالم لنرتقي عليها الى المجد ، لأننا وببساطة ندمر الحياة الإنسانية بوحي الخيال الديني والعسكري المريض ، ونعتقد أن هذا الدمار البشري هو ضرورة حتمية للنجاح حينما لا نمتلك مقومات الحياة وأسسها والتي هي التطور الإقتصادي والثقافي ، ونبدأ هنا في البحث عن أسس الموت ووسائله لا إرتقاء الى الأفضل بل بحثاً عن بدائل للحياة .


59
أدب / الورود السوداء – قصة قصيرة
« في: 09:17 05/11/2014  »
الورود السوداء


 قصة قصيرة

الدكتورة
ناهدة محمد علي


حلمت ذات يوم بأنني أتجول في حقل واسع وأقطف وروداً سوداء , لم أشأ أن أخبر أمي بذلك وكنت وقتها يافعاً وقد قُبلت لتوي في معهد التكنولوجيا وكان كل ما حولي بهياً ورائعاً , ملابسي الجديدة , كتبي وزملائي والفتيات الجميلات اللواتي من حولي وحتى أساتذتي كانوا على غير شاكلة معلمي الثانوية . أحببت أيضاَ طعام الكفتريا مع الجاي الأسود , كنت أختلس النظر الى الفتيات الضاحكات وتمنيت لو أثير إنتباه واحدة منهن ولكني كنت خجولاً بطبعي , ولا أجيد الحديث مع النساء .
عدت الى البيت سعيداً وحين جاء وقت النوم تذكرت حلم البارحة  وقررت أن أخبر أمي به صباحاً . وما أن أخبرتها  حتى وجمت وسهمت عيناها الى البعيد , كانت أمي إمرأة طيبة وصبورة وقد عانت الكثير في حياتها ولم أسمعها يوماً تتأوه أو تندب حظها . كانت تقدم لي رعاية إضافية وتقدمني على إخوتي ويريحني صوتها كل صباح ( صباح الخير يُمّه هشام ) وأهرع إليها لآخذ منها مصروفي . لم تكن ساندويجات الكفتيريا ألذ من ساندويجات أمي لكني كبرت على حمل طعامي معي . مرت السنوات وأنا على هذه الحال ولم أفلح خلالها بإقامة علاقة جدية مع زميلة من  زميلات الجامعة , ثم تخرجت من المعهد وكان صوت النفير يقرع الأبواب للإلتحاق بالجيش , حاولت الهرب وكنت الولد المدلل لأمي لكن أخي الأكبر أصر على إلتحاقي والمشاركة بالحرب العراقية الإيرانية كما شارك من قبلي أخوتي الآخرين , حاولت التملص لكن الكل كان خائفاً من أن تنتقم السلطة من عائلتنا . أخيراً أذعنت للضغوط وإستسلمت للأمر وذهبت لأودع أمي , كانت تبكي بمرارة لكنها لم تنبس بكلمة واحدة بل جعلت تبكي طويلاً وكأنها تودعني الى الأبد , أقنعتها بأني عائد إليها وتركت سجادة الصلاة مفتوحة لأعود إلى البيت بعد حين . ذهبت وكان كل ما حولي أسود دامس , الكل يقتل الكل , والكل يصرخ ( الله أكبر ) ثم يقتل الآخر . ذات يوم كنت أحدث زميلي في الحفرة ضاحكاً وعيني تنتقل يميناً ويساراً خوف المباغته , وحينما أنهيت كلامي الضاحك والسريع إلتفت فوجدت زميلي مضرجاً بالدماء وقلبته فإذا هو ميت , أحسست أن الموت قاب قوسين مني أو أدنى . أصبحت أكثر حذراً وكنت أسير أحياناً أياماً ولا أجد ما آكله غير العلب الصغيرة التي تسبب لي آلاما في بطني .
إلتقيت مرة ببعض الزملاء فأخبروني بأنهم قرروا الإستسلام للجانب الإيراني لأنهم مرضى وقد تعبوا من القتال , قلت لهم أخاف أن أفعل هذا وأخاف أن يقتلني الذي خلفي .
ناداني الآمر ذات صباح وقال لي قد حان موعد الزيارة فهرعت راكضاً الى السيارة اللاند روفر , وحينما وصلت إلى بغداد لم أصدق بأني أسير في شوارع الحي الذي أسكن فيه , وهرعت إلى أحضان أمي وبقيت في البيت إسبوعين لا أود الخروج منه , ثم حان سريعاً موعد العودة وتمنيت يومها أن لا أصحو أبداً , لكني صحوت وذهبت ونُقلت إلى الجبهة , وكان قتالاً عنيفاً وبشعاً كنت أتمنى فيه الموت كل يوم , وذات يوم قررت أن أعبر الشط وأهرب إلى البعيد , لكن النهر كان عميقاً وأنا لا اجيد السباحة كثيراً ثم قررت ذات صباح أن أرمي بنفسي إلى الماء بعد أن مات من حولي كل أصحابي , ولم يعد يهمني ما يحدث بعدها . ظلت أمي تحافظ على سجادتي مفتوحة في غرفتي لسنوات عديدة , ثم أغلقتها ووضعتها تحت رأسها ربما لكي تحلم بي , وبقيت في إنتظاري كل يوم تخرج بعد صلاة العصر إلى الباب وتنتظر طويلاً حتى يخيم الظلام فتقفل بابها وهي تتمتم سيعود , سيعود إنشاء الله . وبقيت أمي مصدقة بعودتي إليها , حتى أنها كانت تحكي لأخواتي عن ماذا ستطبخ لي وكيف أنها ستدللني وتهدهدني كما كنت صغيراً  . لم أكن موجوداً طبعاً في عالمها لكننا كنا نحلم سوياً بنفس الحلم والفرق أني لم أعد أبداً إلى بيتي لتحقيق حلمها , ثم بعد طول إنتظار ماتت أمي في 2003 وهي تحلم بأن الورود السوداء قد تحولت إلى ورود بيضاء , وبعدها قامت أخواتي بزراعة الكثير من الورود البيضاء في حديقة المنزل والتي لم يستطع أحد أن يقطفها وعاشت دورة حياتها الكاملة صيفاً وشتاءً وربيعاً ثم خريفاً . ونامت أمي نوماً طويلاً وهي مطمئنة وبقيت أنا في البعيد البعيد الذي لن يعود أبداً .

60
المنبر الحر / نحن من يزرع الشوك
« في: 19:02 30/09/2014  »
نحن من يزرع الشوك
الدكتورة / ناهدة محمد علي
إن مشاكل المجتمع العربي ليست مُسَببة من قِبل البيئة أو الموارد الطبيعية أو حتى العوامل المناخية والجغرافية بل تكمن في الموارد البشرية , إذ أن نوع هذه الموارد تجعل المجتمع العربي يغلي بمشاكل إقتصادية وإجتماعية وسياسية لا حصر لها . فالمستوى الإقتصادي والتعليمي والإرث الإجتماعي لهذه الموارد البشرية تجعلها قابلة للهدم لا للبناء , ويفرز منها تكوينات هامشية قد تعيش تارة على الماضي وتارة على مستقبل خرافي غير قابل للتحقيق , وتفتقد هذه التكوينات الى التخطيط العلمي في إدارة حياتها الأسرية والمجتمعية , وقد تدخل في تكوينات سياسية أو دينية غير مبرمجة وغير منطقية , وكل من هذه التنظيمات تدعي على أنها الكل وتمثل الكل وفي الحقيقة تحتوي برامجها على الكثير من الخصوصية وهي ليست بالكل , وهذه مشكلة كبيرة حين يدعي الخاص بأنه يمثل العام وهو لا يمثل سوى نفسه , ويقدم له الرأي العام والذوق العام بالمقابل رفضاً عنيفاً ورد الفعل يأتي مساوياً للفعل نفسه من قِبل هذه التكوينات , لذا أصبح لدينا مجتمعات هامشية تظهر بها العشرات من التنظيمات والتي تحاول إحتواء الموارد البشرية لكنها تُفزع العقول العربية الفذة وتدفعها الى الهرب الى الخارج هاربة من خصخصتها لمجموعة ما أو حزب ما الى عالم أكثر حرية وأكثر إحتواء .
ماذا نفعل نحن لأطفالنا وهم الموارد البشرية التي ستبني لنا , فنحن بفخر نجعل منها موارد أولية مغشوشة للبناء أو نستنزف طاقتها إناثاً وذكوراً أما بالزواج المبكر أو بالعمالة المبكرة والتي قد بلغت نسبتها أكثر من 10 مليون طفل عربي .
إننا وبفخر أيضاً نجعل الأطفال العباقرة ذوي الحساسية العالية منبوذين في أُسرهم ومجتمعاتهم , وتنظر الأسرة العربية الى هؤلاء على أنهم شواذ لا يُفتخر بهم بل يُخشى منهم وعليهم , وقد تُربط الكثير من سلوكياتهم لأفعال الجن أو الشياطين , في حين أن أطفالنا المرضى وخاصة المصابين بالأمراض العصبية والنفسية وإختلال عمل الدماغ مثل مرض ( التوحد ) فيُتعامل معهم على أنهم ضيوف ثقلاء لأُسرهم ومجتمعاتهم لأنهم غير منتجين في حين أن منهم من يكون عبقرياً في مواد محددة مثل الرياضيات أو تقنيات الكومبيوتر أو في الرسم والموسيقى . ولا يتمتع الطاقم التعليمي بالكم المطلوب من الإبداع المهني أو الحس الإنساني والذي يتطلبه العمل في هذا المجال مع هؤلاء الأطفال .
لنأخذ نماذج من ثلاث دول عربية أولها العراق , حيث مات عبقري الرياضيات ( عادل شعلان ) وهو فقير مُعدم وبائع بسيط , أما الأطفال المتوحدين فقد يُعانون في المدارس العربية من الضرب المُبرح وهم في سن مبكرة , ولا يستطيع هذا النوع من الأطفال معرفة لماذا يُضرب ولا نستطيع نحن أن نعلم كيف يفكر الطاقم التعليمي في هذه المدارس , فقد أوردت وكالات الأنباء في الإمارات نموذجاً لهؤلاء الأطفال في المدارس الخاصة .
أما في اليمن فينتشر الزواج المبكر للفتيات , وفي تقرير لمنظمة اليونيسيف عن الزواج المبكر في اليمن أوضحت المنظمة بأن 48% من الفتيات وخاصة الريفيات يتزوجن بسن 10 – 14 . وتبلغ نسبة الزواج المبكر في مصر الى حوالي مليون فتاة  ونسبة الوفيات بينهن أثناء الولادة  1 من 70 . وتشتهر قصة الفتاة اليمنية (نجود ) والتي زُوجت في سن العاشرة لرجل يكبرها بأضعاف سنوات عمرها والتي تصور تصويراً إنسانياً كَم المعاناة والشراسة التي عانتها في زواجها المُبكر وكَم الألم الذي سببه لها إنقطاعها عن حياتها التعليمية , ولولا إحتواء إحدى المحاميات لها لظلت هذه الفتاة تقبع في سجن الزوجية المبكر .
إن الزواج المبكر يعتبر أحد الحلول الإقتصادية التي تضعها العوائل الفقيرة والعوائل الريفية لمصير فتياتها وبضمنها الأسر العراقية .
إن الحلول التي يضعها البعض منا لأوضاع الأُسر العربية تعود بنا الى الوراء بخطوات طويلة لكي نحصل على راحة البال لمصير أطفالنا , إلا أن هذه الحلول ليست إلا براكين تُغرق المساحات الواسعة بالحمم البركانية والتي لا تفرق بين صغير وكبير وتحرق مواردنا البشرية .
إن إحدى المشاكل المنتشرة بين أجزاء الموارد البشرية العربية هي مشكلة ( الهروب أو النزوح ) من المناطق الساخنة الى المناطق الهادئة نسبياً حيث لا يجدون إلا الأبواب المغلقة في مجالات العمل والتعليم , ولا يحلم هؤلاء الهاربون بغير الغذاء والماء , وكم من الطاقات الشابة تغرق في أنصاف المحيطات وقُبالة سواحل الدول الإسكندنافية واستراليا وماليزيا والتي قد يئست من طول الهرب .
من البديهي لو أننا أردنا أن نبني صرحاً حضارياً شاهقاً فيجب علينا أن نوفر مواد للبناء لا للهدم ويكذب من يقول إننا نهدم لكي نبني بعدها , لأننا إن تصفحنا تأريخ مجتمعنا العربي فلن نجد مجتمعاً هدم قدر ما هدمنا , وكلما بنى جيل صرحاً جاء الذي بعده ليقوضه , حتى لم يعُد لنا تأريخاً ولا حضارة وأصبح تأريخنا وآثارنا تباع بالمزادات العالمية بثمن بخس .
لقد صبرت الشعوب العربية طويلاً , وجاء الوقت ليتوقف الإفتاء بعدم صلاحية كل شيء والعودة لقرون مضت , وقد أعطى المجتمع العربي الفرصة لهيئاته القيادية لكي تبني لكنها لم تزرع إلا الشوك . والذي أدى الى أن يفرز المجتمع العربي من جروحه أنواعاً من القيح الملوث والذي إنتشر في الجسد العربي ودعا البعض منا الى أن يضع حلولاً قسرية لبتر هذه القدم وتلك اليد لكي يُنقذ هذا البعض رأسه .

61
المنبر الحر / البيت العراقي
« في: 15:54 28/08/2014  »
البيت العراقي


الدكتورة / ناهدة محمد علي
يمتلك العراقيون إحساساً وطنياً عميقاً ولا فرق في هذا بين مواطني الأقليات والأديان , فلم أجد يوماً فرداً عراقياً سواء كان في الداخل أو الخارج لا يتمسك بترابه وكأنه يحمله معه أينما ذهب . أذكر يوماً أن صديقة لي قد عادت من العراق وحينما إلتقيت بها قالت لي : أحمل لكِ هدية رائعة وكانت بعض من التراب العراقي معبأة في قنينة زجاجية , وأضافت لدي واحدة مثلها أضعها في غرفة الجلوس , ولم يكن هذا شيئاً من الخبل بل حقيقة يحملها العراقي أينما ذهب يعض عليه بأسنانه حين يجوع أو يتوجع , حين يُنفى أو حين يُسجن وحتى حين يتطرف إلا أنه في هذه الحالة يمسك بالطرف الخطأ وهو غير شاعر بهذا .
قبل أيام مررت بمتحف أشبه بقوس قزح للمحبة العراقية وقد تمثل هذا في  ( السوق العراقي والخيري ) الذي أقامته جمعية المرأة العراقية النيوزيلندية الثقافية . كان السوق يبيع منتجات العوائل العراقية المهاجرة وبعضاً من ممتلكاتها كالملابس والتحفيات العراقية والمآكل العراقية المألوفة وبعض المجوهرات اليدوية الصنع , وكان الهدف الأساسي لإقامة هذا السوق هو جمع ألوان الطيف العراقي مع التبرع للنازحين العراقيين , وكان هذا
  والتي خصصت مبيعاتها كلياً لصالح I CARE  بالتعاون مع منظمة
المساعدات للنازحين . إحترمت كثيراً ما قامت به هذه المنظمة والتي تديرها طبيبات عراقيات شابات إتسمن بالرقي الفكري , ولن يكن هؤلاء الشابات يعانين الفقر أو الجوع لكنهن يحملن القلب العراقي النبيل والذي تجاوب حتماً مع صرخات الإستغاثة التي تمزق الأسماع كل يوم كما كانت تمزق أسماعي وتخترق أوردتي وتحرمني النوم .
كان الفلكلور العراقي جميلاً بتحفياته ولوحاته الأثرية , وأضاف الى هذا لوناً حضارياً بعض المبدعات من الفنانات التشكيليات , كما أثار إنتباهي إحدى الرسامات البصريات والتي فاقت حد تصوري بوجود قدرات إبداعية لدى شاباتنا في المهجر , وكانت صور الأهوار ومخططات الفرس العربية في غاية الجمال , وكانت هذه الفنانة الشابة ( علياء داود ) والتي جاءت من بعيد ورغم إلتزاماتها العائلية إستطاعت أن تعطي الوقت اللازم لموهبتها .
وبتجوالي في ( البزار العراقي ) وجدت وجوه شابة يانعة وباسمة من الفتيات والشبان العراقيين بأحلى ملابسهم ويعملون كخلية نحل متجانسة , هؤلاء هم النُخب التي سنعتمد عليها في المستقبل . لقد وجدت أن مبيعات الأطعمة العراقية المعروفة فاقت جميع المبيعات , فالشعب العراقي كما هو معروف شعب أكول . كانت القهوة العربية مع التمر والحلوى توزع مجاناً للحاضرين بطقوس عراقية أصيلة وأباريق فلكلورية مما أثار شغف الزائرين الأجانب كل هذا كان جميلاً لكني لم أقم بإعداد هذا الريبورتاج لأقول هذا فقط بل لأُلقي الضوء قليلاً على النفس العراقي الطيب الذي يعطي وبدون حساب , فقد أعطى الكثير على مدى التأريخ وأعطى على مدى كل الثورات ومن قِبل كل الشرائح الإجتماعية ولم يطالب بالمقابل ومع ذلك كانت مكتسباته قليلة دائماً , ولم يكن كافياً إقامة صرح واحد للجندي المجهول فهناك آلاف كثيرة للجنود المجهولين سواء كانوا أمواتاً أو أحياء ولن يحضى كل هؤلاء بأوسمة الفخر أو الميداليات الذهبية , ولم ينتظروا منا كلمة شكر واحدة .
تساءلت كثيراً لِمَ نحن العراقيون نحوي نسيجاً واحداً , فقد رأيت في هذا البيت أو السوق العراقي العربي والكردي والتركماني , والسني والشيعي , والمسلم والمسيحي والصابئي , ووجدت أن الكل يحتضن الآخر مرحباً بالكل , وكان ذوقنا واحد ومزاجنا واحد . نبهني صوت أحدى الشابات العراقيات المتبرعات وهي تحمل صندوقاً كارتونياً  وتنادي بأعلى صوتها  ( تبرع بدولار لتروي عطشاناً من النازحين ) فتسارع الجميع ولم يتساءل أحد أين الدولة العراقية بملياراتها وأين الأمم المتحدة بمنظماتها من هؤلاء الهاربين من الموت الى الموت .
حاولت أن أكتب عن مأساة النازحين بموضوع منفصل لكنني كلما قلّبت أرشيفاً أجد قلمي وكأن الحبر قد تجمد فيه لا يريد أن يسيل لهول المأساة , وأبقى أُردد بغضب الى أين يافقراء العراق , أنتم وأطفالكم الى أين ؟ .
تساءلت أيضاً لِمَ يجتمع العراقيون في المهجر على المحبة والعطاء ولا يستطيعون هذا في الداخل , لا لأنهم لا يريدون بل هم لا يقدرون , فهم مفتقدون دائماً الى المنظم , والغريب في الأمر إن كل التنظيمات السياسية تجعل أحزابها وتنظيماتها هي الوطن , وتُقدَم هذه التنظيمات على أنها الوطن والمواطن .
إن ما يقدمه قادة الجمعيات والتنظيمات الإجتماعية هو مفخرة في القدرة التنظيمية النزيهة بدون مصالح مادية أو معنوية , وهذا ما يجب أن يُضرب به بالمثل للقادة السياسيين في العراق . ويقود الكثير من هذه المنظمات نساء مثقفات ثقافة عالية ومتفانيات تفانياً في ضم الجالية العراقية نساءاً ورجالاً وبكافة تشكيلاتهم الحزبية والمذهبية , وهناك نماذج كثيرة من هذا النوع مثل نموذج قيادة جمعية المرأة العراقية النيوزيلندية الثقافية متمثلة بالدكتورة ( غادة محمد سليم ) في إدارة أعمال الجمعية , وقد قدمت هذه المرأة العراقية نموذجاً راقياً للتعامل مع المذهب والقومية والأقلية , ولا أقول أن أبناء العراق وبناته لا يملكون هذا النموذج ولكن الفرق يظهر في أن من يرفع أو ترفع رأسها للمطالبة بالحق وحتى تحت قبة البرلمان ستجد حتماً من يسقطها ومن أعلى قِمم الجبال العراقية لكي تكون عِبرة لمن إعتبر بعد هذا , وإذا تساءلنا لِمَ كل هذا أقول وللأسف إن القِلة الغير مفكرة تقصم ظهر الأغلبية الواعية وهي ببساطة الأقوى .
إن العراقيين في المهجر يتحركون ضمن جو سياسي وإجتماعي مختلف , فالخبز متوفر للجميع , ولا تباع هنا كمامات الأفواه في الأسواق , ولا تُمارس الضغوط على الناخبين كما يحدث في العراق حيث تُمارس الضغوط على الفرد العراقي من جميع الجهات وتظل تحاصره حتى تُفرز الوحش الصغير الذي في داخل البعض منا .
أقول إن ما تفعله النساء العراقيات بأجسادهن الصغيرة وعقولهن الكبيرة يستدعي الإنحناء له تقديراً حيث لا مكاسب معنوية أو مادية , بل روح معطاءة من القلب والنفس العراقي الذي يُشعل شموع المحبة في كل الجوامع والكنائس والأديّرة .
أرفع تقديري لما تفعله المثقفات العراقيات في تقديم القدوة الجميلة للعرب والمسلمين أمام أنظار الغرب لكي لا يثير وجودنا الرعب بينهم بل يرون جوهرنا الجميل الملون تحت زخات المطرالشتوي وموسيقى التخوت الشرقية .

62
المنبر الحر / من يعدِل الميزان
« في: 12:28 26/07/2014  »
من يعدِل الميزان
الدكتورة / ناهدة محمد علي
حينما قرأت تأريخ الحروب والكوارث البشرية وجدتها لا تمتد إلا لسنوات محدودة وحتى الحربين العالميتين إستمرت لوقت محدود  ثم إنتهت بالنصر للبعض والإنهيار للبعض الآخر , وقد أولد هذا الإنهيار تغييرات إقتصادية وسياسية جذريةً , بعكس الشعب العربي الذي عاش ويعيش كوارث إنسانية مستمرة ولقرون إمتدت منذ إنهيار الدولة العباسية والى يومنا هذا لأننا وببساطة لا نستفيد من أخطائنا ولا نتعلم منها بل تقودنا هذه الأخطاء الى إنهيارات أعمق وأقسى , لذا أخذ بحر الدم يتسع ويتحول أبناؤنا الى سكاكين تذبحنا , وتتشكل منهم التنظيمات الإرهابية والعشائرية والطائفية لأنهم حينما فتشوا في مربع المتاهة لم يجدوا إلا مخرجاً واحداً فهم أما أن يرموا بأنفسهم الى النار الحارقة أو أن يعيشوا النار يوماً بيوم , فقد أبصروا قبل الرُشد وبعده كيف أن كل بلد عربي ينقسم الى قلة من الظالمين وكثرة من المظلومين وقِلة من المتخمين وكثرة من الجائعين , وأبصروا قلة من المتعلمين وكثرة من الجهلة , ثم أبصروا قِلة من السياسيين وكثرة من المغلوب على أمرهم , وبين الحين والحين أخذوا يبصرون بأي وسيلة يعتلي الجاهل والجائع والمظلوم وكانت النتيجة هي إستخدام القوة ثم القسوة ثم تسييد الأعراف الماضية ولأنهم لم يجدوا أعرافاً جديدة تنقذهم مما هم فيه حيث لم يعد هناك قاعدة مادية علمية متينة ونظيفة يبنى عليها قيم نظيفة أيضاً لذا وضع بعض أولادنا السكاكين في أحزمتهم وإعتلوا صهوة ( البيك أب ) وأخذا يحلمون بنشر العدل الذي مضى وإعادة الدولة التي مضت لكنه ليس إلا حُلم لأن الناس غير الناس ومتطلباتهم لم تعد كما كانت , فالعربي لم يعد يعيش في خيمة , ولم تعد الصحراء مرتعاً له , ولم تعد أعراف الصحراء هي ما يؤمن به , ولم يعد العربي يتآلف مع ذئاب الصحراء بل أصبح يخافها ويقتلها قبل أن تقتله , لذا فالعرف الصحراوي هو آخر ما يحتاجه العربي إذ أن آلامه وأحزانه وحرمانه من العدل لا يحله ولا يفك أسرار متاهته إلا الأعراف العلمية المتحضرة والتي لا تؤمن بإسالة الدم البريء وتؤمن بأن الحياة البشرية ليست عبارة ( عن قاتل ومقتول ) بل تعايش وتجانس وحوار مستمر بين القوميات والأديان وبين الفئات القوية والضعيفة , لأن دائرة الدم وببساطة هي دائرة مغلقة تعود فتبدأ من جديد وأول ما تبدأ تبدأ بمن وضع الخط المائل الأول فيها ثم تدور مسرعة ثم تزيد من سرعتها حتى تنهك الجميع ثم تتبعثر يميناً ويساراً , ولن نخرج إلا بنتيجة واحدة وهي أن الجميع كان على خطأ وإننا يجب أن نبدأ من جديد لكي لا ننتهي على شكلنا الحالي , ولكي لا نبكي على الأطلال ثانية ومن جديد .

63
هل يتبادل الإنسان الأدوار مع الحيوان

الدكتورة / ناهدة محمد علي
حينما نتصفح تأريخ الجنس البشري والحيواني نجد تشابهاً وتنافراً أحياناً بين الطباع والغرائز وفي بعض الإحتياجات أيضاً , ويحتاج الحيوان الى التواصل الإجتماعي لكنه يتعامل مع كل هذه الإحتياجات بطريقة مختلفة فهو يأخذ ما يحتاجه فقط , لا يحب التخمة ولا الشراهة , ولا يؤمن بتخزين الغذاء إلا بعض الحشرات وبعض الطيور , لا يعترف بالملكية الخاصة أو ملكيات المواقع , فله كل شيء ولا شيء له لا في الأرض ولا في السماء . حينما  قرأت عن طِباع الوحوش وجدت أنها لا تقتل إلا إذا جاعت , وإذا ما جاعت لا تأكل أطفال جنسها , ولم تتسبب يوماً في حريق الغابات الرائعة في العالم بل جعلتها محمياتها الطبيعية وجعلها الإنسان مصدراً لوقوده وآثاثه , يحرق هيكتارات منها بعود ثقاب واحد . لا يمتلك الحيوان ما يقاتل به سوى جسده , إلا أن الإنسان بتفوقه العقلي إستطاع أن يحول الموارد الطبيعية الى أسلحة فتاكة حتى إستعمل الغذاء والماء والهواء كأسلحة دمار شامل . يصنع هذا الإنسان قنابل الفناء من بضعة كيلوغرامات من          ( البلوتينيوم ) . شاهدت قديماً مشاهد للفيديو عن قنبلة ( هيروشيما ) وأعدت مشاهدته مرات ومرات ورسخ في ذاكرتي مشهد الأجساد المحترقة والرذاذ الذري المتناثر في الجو والذي قد خُطط له من قِبل علماء الجيش الأمريكي , وكلما كانت نسبة الخراب أشد كلما كان الهدف أكثر إصابة ونجاحاً . كان هناك طفلاً بين الركام الذري وربما كان في الثانية من عمره تلون وجهه بلون الرذاذ الدخاني وكان جسده الصغير مرتجفاً كل جزء منه يرتجف بإتجاه مختلف , كانت عيناه مفتوحتين بفزع ولم يكن يفهم شيأ مما يدور من حوله وأجزم أن في رأسه الصغير كانت تدور أسئلة كثيرة تبدأ كلها بكلمة ( لماذا ) , كانت الأشلاء منتشرة من حوله وهو حتماً ينتظر دوره في الموت . وضعت هذه الصورة الى جانب صور كثيرة جمعتها عن بعض الحيوانات المفترسة وهي ترعى صغار الحيوانات الأخرى أو تراقبهم ولا تؤذيهم الى جانب صور الحيوانات العملاقة كالفيل والغوريلا والحصان والجمل والتي تكتفي بالعشب الأخضر واليابس أحياناً , ومن الغريب في الأمر إن الأرض تمتلئ بالطيور لكنها لا تزاحم البشر لا في أرضهم ولا في سمائهم حتى يخطر بالبال بأن المنطقة خالية من الطيور لكنها وببساطة أكثر أدباً منا .
إن الفطرة التي فُطر عليها الحيوان هي فطرة سليمة لو إتبعها الإنسان لعاش سليماً معافى . ومن خلال إطلاعي على إحصاءات ثروات الشعوب وجدت أنه لا توجد دولة فقيرة في العالم , والخلل الوحيد الموجود هو في توزيع الثروات وفي الإحتكارات المحلية والعالمية , ولو طبق الإنسان مبدأ الإكتفاء الذاتي أي أن يزرع ليأكل ويُنتج ليوفر ما يحتاج لا ليحتكر أو يرفع أسعار الغذاء حتى لو إضطر الى أن يرميه في البحر أو يخزنه ليملأه بالمواد الحافظة لكي يرفع سعره , ولو لم يفعل هذا الإنسان لوصل الطعام الى كل فم , ولما تواجد الملايين من الجائعين في الدول المنتجة للذهب الخام , يجمعه المنتجون من أرضها وجبالها وأنهارها ولا يسد المنقبون بالدولارات القليلة رمقهم كذلك يجوع جامعو الملح , وجامعو الكلس من الجبال الكلسية ومعظمهم من صغار السن والذين يصابون بأمراض تنفسية كثيرة قد تقضي عليهم .
أنا لا أدعو هنا الى أن يترك الإنسان حضارته ويعود الى مرحلة جمع القوت , لكني أتمنى لو يعود الإنسان الى فطرته وكلما إبتعدنا عنها إقتربنا من نموذج ( الإنسان الوحش ) . إن الإرث الثقافي الذي يتعلمه الأطفال منا هو أن من يجمع النقاط لأكثر الضربات إصابة هو الفائز , ومن يملك إحتياطي الذهب في العالم هو من يُسيِّر سياسات العالم وهو من يُسخر علماء الطبيعة لتخريبها ونعلمهم أيضاً كيف نتبادل الأدوار مع الحيوان لنهبط نحن وليرتفع هو ولا ينقصنا في هذا سوى أن تنبت لنا ذيولاً وأنياب .

64
الطلاق الحر بين الجماعات والأفراد
الدكتورة / ناهدة محمد علي
تلتزم الجماعات الإنسانية بعلاقات متفردة ومالكة حيث قد يمتلك فرد ما جماعته ويسخرها جميعاً لأغراضه الخاصة وتصبح أهدافه هي أهدافها وسبله في التطبيق والحياة هي سبلها . وقد يكون هذا الشخص قائداً فذاً لمجتمع ولأُمة ولإرثها الحضاري أيضاً , فيخطط لها خطوطاً عبقرية لأجل الصعود الحضاري كما فعل عبر التأريخ قادة عباقرة في الشرق تبرز أسماؤهم مثل ( نبوخذنصر أو حمورابي أو هارون الرشيد ) , أو كما فعل في الغرب ( يوليوس قيصر أو تشرشل ) . وقد يفعل القائد العكس فيرد الأمة الى الإنهيار الحضاري مثلما فعل ( هتلر ) بالأمة الألمانية ومثل ما يفعل كل القادة العرب جيلاً بعد جيل .
كذلك يفعل الفرد العادي في إرتباطاته الإجتماعية , فهو قد لا يستطيع أن يمتلك مجتمعاً ويسيره وفق هواه لكنه يمتلك نواة المجتمع ( العائلة ) ويسيِّرها وفق مخططاته , وقد يحتمل هذا التخطيط الخطأ والصواب , وحينما لا تعود العائلة تقدم له المطلوب من النتائج السارة أو الناجحة والممتعة فقد يحاول هذا الفرد شقها وتقسيمها نصفين ليحظى برأيه بالجزء الناجح والسار والذي قد يكون مالاً أو عقاراً أو أولاداً وهو برأيه أيضاً يحافظ على الموازين التي وضعها وأسسها طوال حياته ولن يقبل بأقل منها . لكن الحياة وللأسف تتحرك كثيراً كطبقات القشرة الأرضية في أوقات الزلازل , فقد تهبط القشرة الأعلى وتصعد الأعماق بكل ما فيها من أبخرة وغليان , فيكون العنصر الأضعف وهو المرأة على الأكثر في حالة غليان فتطفو على السطح لتحرق كل شيء أي كل مؤسسة الزواج والإرتباط العائلي .
إن تزايد حالات الطلاق في العالم العربي والعراق بشكل خاص يشير الى أوضاع إقتصادية وإجتماعية ومعرفية متدنية . إن هناك مثل إنكليزي شائع ( ما يأتي بسهولة يذهب بسهولة ) , فمعظم الزيجات العربية تحدث وفق مقاييس عُرفية وتتفتت سريعاً ضمن نفس المقاييس , وخاصة حينما يأخذ الجيل الجديد كل أوليات الحضارة بدون تفكير ضمني لها , فهو يلبس ( الجنز ) ويذهب الى ( الجم ) ويتابع آخر الأخبار من خلال المواقع الألكترونية ولا يعرف من الكتب غير أسمائها , ويقوم بتطبيق الشكل الخارجي للحضارة الأوربية على شكله الخاص لكنه لا يعنيه مضمون هذه الحضارة , لذا فكل شيء لديه سهل وسريع , فهو قد يبني ويهدم في آن واحد , وتكون إحدى هذه التقاطعات لدى الفرد العربي المتحضر هي مؤسسة الزواج والتي تكاد تشبه في هذه الحال الشركات الصغيرة والتي تُفتح بسرعة وتُغلق بسرعة حال إفلاسها دو محاولة للتغيير أو التطوير
إن المجتمع العربي مجتمع ضيق بعكس المجتمعات الأُوربية التي تتسم بالسعة لإحتوائها للمشاكل الإجتماعية وخاصة مشاكل الأسرة من خلال المؤسسات الإجتماعية والتي تُعنى بالنساء اللواتي يعانين من القهر الجسدي والنفسي , وكذلك مؤسسات الطفولة والتي تحتوي أطفال العوائل المطلقة وتقوم بعلاج المشاكل النفسية للأطفال نتيجة الطلاق وترتيب العمل الملائم للمرأة لأجل إستقلالها الإقتصادي . لا أقول أن ظاهرة الطلاق غير موجودة في المجتمعات المتحضرة بل هي موجودة وبنسب متفاوته وسنقوم بدرجها لاحقا . إن أسباب هذه الظاهرة بين العالم المتحضر والمتخلف تتشابه أحياناً وتتعاكس أحياناً أخرى , لكن الفروق الأساسية هنا هي في أساليب إحتواء هذه المشكلة من قبل الدولة والتي تحل أموراً كثيرة قبل الطلاق وبعده من خلال مؤسسات الإرشاد الإجتماعي والبيوت الخاصة للجوء العائلي .
إن المرأة العربية في الغالب حاضنة جيدة للأطفال لكن المجتمع العربي يمتص قوى هذه الأم , فهي ما بين العمل ورعاية الأطفال تختزل نفسياً ومادياً بالإضافة الى أن الضغط الإجتماعي قد يصيبها بالتشنج العصبي والذي كثيراً ما تفرغه على رؤوس أطفالها لكنها لن تتخلى عن حضانتهم , ويبقى أطفال العوائل المطلقة مهمشين في حياة قطبي مؤسسة الزواج الرجل والمرأة , فهم كالبضاعة الكاسدة للشركات المفلسة لا يشتريها أحد ولو بثمن رخيص , لكن القطب الأكثر إنسانية كثيراً ما يحتوي هؤلاء الأطفال ولو أنهم سيمثلون دائماً عنواناً لخسارتها الأنثوية ونتاجاً لفشلها الإجتماعي .
إن نسب الطلاق في العالم العربي في تزايد مستمر , فقد نشرت جريدة الخليج نسباً إحصائية عن مركز المعلومات وكانت هذه الإحصائيات تظهر هذا التزايد المستمر , فقد وصلت حالات الطلاق في مصر 40% ونصف هذه الحالات تحدث في السنة الأولى للزواج وقد زادت النسبة بعد إصدار  ( قانون الخلع ) , كما أن نسبة الطلاق في دول مجلس التعاون الخليجي قد وصلت الى 47% وكان معظمها في دولة الكويت حيث قد بلغت 48% وفي الإمارات 26% , أما في السعودية فحسب الدليل الإحصائي لوزارة العدل في السعودية قد بلغ 24% وهذا يعني حالة طلاق أمام كل ثلاث حالات زواج , كما أكد الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري على أن مصر قد أصبحت تشهد حالة طلاق كل ( ست دقائق ) , كما أكدت إحدى الدراسات في قطر على أن أكبر نسبة من المطلقات تتركز في الفئة العمرية ما بين 20 – 24 , وأكدت هذه الدراسات على أن نسبة الطلاق في مدينة الرباط المغربية تصل الى 23% وترتفع قليلاً في المدن الأخرى
إن مشكلة الطلاق في العراق أصبحت تشكل نقطة مظلمة في تاريخ المجتمع العراقي وللأسباب المعروفة والتي هي الأسباب السياسية والإقتصادية والإجتماعية , فالعائلة العراقية وكأي عائلة في العالم هي كقطعة ( الإسفنج ) والتي تمتص كل المشاكل والمعضلات الإجتماعية وأوساخ المجتمع ونفاياته لتُعصر حتماً على رأس الطفولة العراقية .
لقد إطلعت مؤخراً على أقوال الكثير من المحامين العراقيين ومنهم المحامي المعروف ( طارق حرب ) حيث إتفق الجميع على أن الزيادة الهائلة في حالات الطلاق في المدن العراقية وبضمنها بغداد والمناطق التابعة لها قد وصلت ما بين 20 – 50 حالة طلاق يومياً وأكثرها بين الفئات العمرية 28 – 38 , وفي السنوات الثلاثة الأخيرة أصبحت تقع حالة طلاق واحدة لكل حالتي زواج أو ثلاثة ويشمل هذا كل محافظات العراق ومنها المحافظات الجنوبية , حيث تقع في مدينة ميسان ما بين 52 – 75 حالة طلاق يومياً مسجلة في محكمة الأحوال الشخصية , كذلك في الأنبار حيث تقع 35 – 42 حالة طلاق يومياً , وفي كربلاء أكثر من 45 حالة طلاق يومياً .
إن من المؤسف والمضحك إن المحامين العراقيين قد جعلوا من حالات الطلاق تجارة رائجة وخاصة المحاميات , حيث تُجَمل المحامية الطلاق للموكلة وتدفعها الى رفع عدة دعاوى لزيادة الأتعاب مقابل الوعود بأعلى معدل للنفقة والحضانة والطلاق القضائي , ويلجأ الزوج الى محامي لرفع دعوى المطاوعة وإسترداد الحضانة . وهكذا أصبح الطلاق تجارة رابحة بالإتفاق مع ( العرضحالجية ) الذين يروجون للمحامي بتوزيع بطاقاتهم التعريفية على أبواب المحاكم .
إن بعض المحامين يتهمون المحاميات المختصات بالأحوال الشخصية بتشجيع الطلاق ومنهم المحامي ( طارق حرب ) والذي إتهم منظمات المجتمع المدني - والتي تُسانَد مالياً من قِبل الولايات المتحدة – بعقد مؤتمرات وندوات تحرض المرأة على إتباع النمط الأمريكي في التعامل الأسري حتى أصبحت تعتبر الكلام الذي يوجهه الزوج إساءة بالغة ويطالب هذا المحامي المنظمات بتكريس مفهوم قدسية الزواج بدلاً من الترويج للأفكار الأمريكية . إن ما ذكره هذا المحامي المعروف يحتمل الكثير من الصواب والخطأ , فأنا معه بخصوصية المجتمع العراقي والعربي وضرورة المحافظة على المؤسسة الزواجية لحفظ نواة المجتمع من التدهور ولكي لا يتزعزع المجتمع بكل ما فيه من قيم , ويأتي هنا الطلاق كسبب ونتيجة لضياع القيم حتى تصبح هناك سلسلة طويلة وصلبه من التفسخات الإجتماعية . ولا أتفق حتماً مع هذا المحامي حول رأيه بمهمات منظمات المجتمع المدني والتي يجب أن تلعب دوراً هاماً في توعية المرأة العراقية وتمسكها بحقوقها الديمقراطية والإجتماعية وخاصة في علاقتها مع الرجل .
بالإطلاع على الكثير من حالات الطلاق المعلنة على الرأي العام لاحظت أن القسوة والشراسة هي أحد الأسباب المهمة لحالات الطلاق وتكون أحياناً الشراسة متبادلة بين الأم والأب وكثيراً ما تُسقط على الأبناء وتُمارس أحياناً من قِبل زوج الأم أو زوجة الأب . وتعتبر الخيانة الزوجية التي ظهرت في المجتمع العراقي بعد الإنفتاح الظاهري لهذا المجتمع على المجتمعات الغربية والتطبيق الساذج لفكر الدراما الأمريكية والتركية شكلاً ومضموناً حتى أصبحت المرأة العراقية تطالب الزوج بأن يكون بوسامة ورقة بطل أفلامها المفضل والعكس صحيح . كما تلعب الظروف الإقتصادية في المجتمع العراقي دوراً خطيراً في تفتيت العائلة , إذ دفعت هذه الظروف العائلة العراقية الى إتباع طرق مشبوهة للمعيشة أو للتسول أحياناً . وليس صحيحاً أن الطلاق يحدث دائماً بسبب شراهة الزوجة بل بسبب التأزم النفسي اليومي لقلة المستلزمات المادية والتشوه الحاصل في مصادر المعيشة أي في الماء والغذاء والدواء , ويبرز عدم وجود الإحساس بالأمان كسبب أساسي لرفع مستوى التوتر العصبي للعائلة العراقية وبالتالي تنخفض القدرة على تحمل المشاكل العائلية حتى ولو كانت هشة وبالتالي ايضاً تصبح أي مشكلة عائلية هي  ( القشة التي تقصم ظهر البعير ) . وكثيراً ما يعتقد الرجل أو المرأة بأن الخلاص من المسؤولية هو خلاصه الفردي , وهكذا يصبح الفرد العراقي كطير في مصيدة لا يستطيع الطيران الى اليمين أو اليسار لكنه يستطيع فك الخيط الذي يربطه بالقفص ليطير عشوائياً .
إن البطالة في العراق هي أحد الأسباب الأساسية لحالات الطلاق التي وصلت حسب بيان مجلس القضاء الأعلى في سنة 2009 الى أكثر من 820 ألف حالة طلاق , وأعتقد أن الرقم قد تضاعف الآن بسبب الأزمات الإقتصادية والأزمات النفسية والعصبية للفرد العراقي .
يقف الفقر حاجزاً بين الأسر وبين تحقيق أحلامها وتصبح الأمور أكثر تعقيد ما بين الزوج والزوجة , ويدخل الأبناء ليرفعوا نسبة التوتر لإحتياجاتهم الكثيرة والمتعددة , وقد يؤدي هذا أحياناً الى محاولة الأب لفك قيود إرتباطه بالأسرة للتخلص من مسؤولياته المادية ومشاحناته اليومية , وهناك من يقول بأن المادة 40 والمادة 41 من قانون الأحوال الشخصية قد سهلتا الطلاق فقد نصتا على إجازة الطلاق ( لمن تضرر ضرراً تعذر معه إستمرار الحياة الزوجية ) وأيضاً على ( جواز طلب التفريق من قِبل أي من الطرفين عند قيام خلاف بينهما ) , وألزم المُشرع إجراء التحقيقات اللازمة لمعرفة أسباب الطلاق والإتجاه نحو التحكيم والسعي لإصلاح العلاقة بين الزوجين , لكن دور الباحث الإجتماعي هنا ضعيف وهو الشخص المخول قضائياً للإصلاح , وهو من يحدد إمكانية إستمرار الزواج أو إستحالته .
إن مشكلة الطلاق هي مشكلة عالمية ولو نظرنا إليها نظرة شمولية لوجدنا أن إختلاف البيئة والوضع الإجتماعي والإقتصادي لا يمنع وجود أسباب موحدة للمشكلة مثل مشكلة البطالة التي تعتبر مشكلة عامة في العالم , كذلك إختلاف مستوى الوعي الإجتماعي بين الزوجين مع إختلاف الإتجاهات والرغبات السلوكية , وإختلاف وجهات النظر حول جميع الأشياء من أدقها الى أصعبها وليس لهذا علاقة بالمستوى التعليمي أو المستوى الحضاري الإجتماعي بل بمستوى الوعي الفردي والإدراك الحسي والذوق والأمزجة الفردية , وهذا العامل قد يُستهان به لكنه مهم جداً , فالتراكم الكمي والنوعي للتجارب المتناقضة في تناول الأشياء ومحبتها أو كراهيتها قد يولد كم من الإحباط المتواصل لدى أي من الطرفين ثم يولد الجفاء أو الكراهية لأن ما يحبه الفرد وما يكرهه هو وجوده وجوهره , وما يحبه هو ويكرهه الآخر يضيف كميات متراكمة من الكراهية شيئاً فشيئاً يؤدي أحياناً الى كراهية الآخر ونبذه . وكلما كانت المواضيع يومية كلما كان الإحباط متواصلاً وقد يتوقف عند نقطة الصفر .
إن الفقر هو الهالة السوداء التي تحيط بالعائلة في العالم وتلون حياتها باللون الأسود وكثيراً ما تتواجد عوائل فقيرة في دول غنية كما هو في الأمريكيتين , وقد يحدث الطلاق بدون إلتزامات قانونية بل على شكل الإنفصال الوجداني والمكاني .
إن ظاهرة الطلاق تتشكل في كل دول العالم بنسب مختلفة ولا فرق بين الدول الفقيرة والغنية المتحضرة أو المتخلفة , وتتراكم الأسباب في الدول المتحضرة والغنية ما بين ضعف الإنسجام الفكري والحسي وتناقض الرغبات والإتجاهات والميول الحسية والدينية والسياسية والإجتماعية , لذا نرى دولة متقدمة مثل السويد هي في مقدمة بلدان العالم في حالات الطلاق وتبلغ نسبة الطلاق فيها 64% , أما في روسيا البيضاء 68% , لاتيفيا 63% , أُوكرانيا 63% , بلجيكا 56% , فنلندا 56% , المملكة المتحدة 53% , الولايات المتحدة 47% , هنكاريا 46% , كندا 45% , النرويج 43% , فرنسا 43% , ألمانيا 41% . أما دول مثل كازاخستان 15% , أوزبكستان 12% , تركيا 6% , قبرص 13% , إيطاليا 12%  .
من هذه الإحصائيات نلاحظ أن هناك دول غنية ومتحضرة قد إرتفعت بها نسبة الطلاق ويعود هذا الى تزاحم شخصية الرجل والمرأه على القيادة الأسرية حيث ترتفع نسبة الرضى عند الأنثى وتصبح أكثر صعوبة وهذه أحدى فضائل الحضارة وتعقد الحياة الإجتماعية , كما نلاحظ أن الدول التي تلعب بها المؤسسات الدينية دوراً مهماً في المجتمع وتقوم بتوعيته بخطورة هذه الظاهرة مثل إيطاليا حيث يلعب الفاتيكان دوراً في تشديد العلاقات العائلية , كذلك الحال في تركيا وفي قبرص .
أما ما يحدث في الدول العربية فهو إنعكاس مشوه للتناحر الأوربي العائلي , حيث أصبحت متطلبات المرأة الشكلية والحسية متزايدة والعكس صحيح لدى الرجل , ومع ترافق الأزمات السياسية والإقتصادية ينخفض مستوى التشكيل الحسي للعائلة العربية ويصبح الركض وراء ( اللقمة ) هو الأهم , وأصبحت متطلبات الرجل مرتفعة في البحث عن مستوى أعلى للوعي لدى المرأة , لكن معظم حالات الزواج في الدول العربية تقوم على أُسس عُرفية ومقاييس جمالية ثابتة , وبعد شهور الزواج الأولى يصبح الجمال الأنثوي غير كافي ويبدأ البحث عن الجمال الداخلي وحينما لا يجد الزوج هذا يصاب بالملل ويتحول هذا أحياناً الى نفور وكراهية , ومن هنا تأتي إزدواجية شخصية الرجل العربي فهو يحب ضعف الأنثى ويكرهه ويطالب بزيادة الوعي والمستوى الثقافي لدى المرأة لكنه لا يحتمله لأن هذا  يصطدم بسلطته الذكورية , فهو يرتاح للمرأة المطيعة ويحترم المرأة ذات الشخصية القوية  ولهذا هو يقترب ثم يهرب , ثم يعود يحلم بهذا النوع من النساء والذي لا يجده في زوجته , فهو يحلم ( بالمرأة السوبر ) والتي هي بمنتهى الجمال والذكاء والرقة معاً لكنه في الواقع يحمد الله على أن زوجته لا تجلب الأنظار ولا تحاوره حتى ينهار , ويُبقي زوجته على هذه الحال لسنوات ثم يتراكم لديه الإحباط من هذه المرأة حتى لا يعود يطيقها ويعيش حالماً بيوم الخلاص .
إن الحضارة العربية في وقتها الحالي قد أصبحت حضارة هشة لا تستند على قاعدة مادية تكنولوجية متطورة والتي تفرز قيماً متطورة , لذلك يقلد الفرد العربي ما يراه على الشاشة وعلى قنوات التواصل الإجتماعي وما تنقله الميديا العربية من أخبار الموضة والثقافة والعلوم , وأصبح الفرد العربي على هذا الأساس كمن يتفرج على الألعاب النارية وسط ظلام دامس ويذهب سريعاً ليجربها في بيته .
إن هناك تجارب عالمية رائعة لدول نهضت سريعاً بإقتصادها ومجتمعاتها وطورتها بشكل مدروس , دول إسلامية متحضرة مثل ( ماليزيا ) . فقد أصدرت ماليزيا قراراً بمنع عقد أي زواج إلا بعد مرور المتقدمين للزواج وإقرارهم بإجتياز ( دورات في الحياة الزوجية والأسرية ) في مجال التخطيط لوضع الأهداف للحياة الزوجية والتخطيط لأساليب زيادة المودة بين الزوجين وكيفية إدارة مشكلات الزواج وإدارة الميزانية الأسرية . وقد ساعد هذا على الإقلال من نسبة الطلاق من 30% الى 7% .
إن المشكلة الأساسية في العالم العربي هو قلة المؤثرات الإقتصادية والمعرفية الصاعدة , كما أن إدارة الدولة لحياة الأسرة العربية ضعيفة في دول مثل العراق , حيث أن مؤسسات المجتمع المدني لا تقوم بالدور الكافي لإدارة حياة الأسرة العراقية وتطويرها , كما يلعب الباحثون الإجتماعيون المرتبطون بالمحاكم القضائية دوراً كبيراً في الحث على الطلاق لأنه أصبح التجارة الرابحة لديهم , وحيث ينهمك القادة السياسيون بحل المشاكل السلطوية تتفكك العائلة العراقية بعلم وبدون علم منهم , وتوضع الحلول الغريبة للعائلة العراقية فتخرج قوانين أغرب كقوانين القرون المظلمة والتي ساد فيها العرف الهولاكي التتري وليس الديني , كألقانون الذي يسمى بـ ( القانون الجعفري ) والذي يبدو أنه قد وضع لحل المشاكل الإقتصادية للفتيات اليتيمات وللإقرار بشرعية بطالة الفتيان وتقييدهم بزواجات مبكرة جداً لإدخالهم بمعمعة المشاكل الخاصة وليتركوا جانباً  المشاكل العامة وليبقى وبرأيهم الشارع نظيفاً من الفتيان المتسكعين والفتيات المتسولات والهاويات في الحضيض , وهكذا وبرأيهم أيضاً تٌحل كل مشاكل المجتمع العراقي وهم في الحقيقة يفتحون حفر الجحيم على فتيان وفتيات العراق .


65
تريد أرنب أخذ أرنب ... تريد غزال أخذ أرنب ... !!!

الدكتورة / ناهدة محمد علي
أينما تجولت بين  ثنايا الفيسبوك وجدت الأصبع العراقي ( البنفسجي ) يمده الفرد العراقي الى الشمس عالياً علّه يُقلل من حريقها لكنها ورغم كل الأيدي والأصابع الممتدة لا زالت تحرق جلود العراقيين .
لم يفت الكثير من الواقعيين بأنه رغم مناداة الجميع بالديمقراطية لا تزال هذه الكلمة نبته لا جذور لها فينا , فنحن قد تربينا على عدم المساواة , وعدم المساواة في كل شيء وفي كل من . فالدستور العراقي القديم والجديد يقول لا فرق بين القوميات والأديان ولا فرق بين أبناء وبنات الشعب العراقي , ولا فرق بين الأغنياء والفقراء , لكن الحقيقة أن هناك فرق وفرق وفرق .
فلقد تربينا على أن يكون الذكر ذكر  والأنثى أُنثى , وتربينا على النكات البذيئة حول القوميات الأخرى , وعلى تحاشي أهل الكتب السماوية الأخرى , وربما لم يكن العُنف المرئي موجوداً من قبل , لكن شدة غليان المشاكل الإجتماعية والإقتصادية إنعكس عصبياً على فروة رأس الفرد العراقي المظلوم حتمياً وأزلياً , فهو يسكن الصرائف وتحت قدميه معظم إحتاطي العالم من النفط , ولا مشكلة هنا , فإن كل البلدان الفقيرة هي غنية بثرواتها  فقيرة بمستوى دخل أفرادها وإذا تساءلنا كيف نحل هذه ( الحزورة ) أقول إن الحل سهل , فكل الجيوب العملاقة العالمية والمحلية تأخذ معظم مردود المحاصيل وتبقي القليل لأفراد الشعوب , ولا بد هنا من طرد هذه الجيوب لكي تحل محلها الجيوب الفارغة . لقد قرأت مؤخراً بأن هناك شركتان عالميتان تسيطران على معظم المحاصيل الزراعية الهامة في العالم وتبقي القليل لأفراد الشعوب المنتجة , فهي تحتكر شراء وتسويق محصول الموز وحبوب الصويا مثلاً وتبقي للمحليين 10% من المردود المالي ويبقى المزارعون والمنتجون بأوضاع إقتصادية وصحية رديئة يشربون الماء الملوث ولا يأكلون الطعام الكافي . فيا تُرى من يسرق القوت العراقي , ولِمَ يبيت الكثير من أطفال العراق بمعدة خاوية , ولِمَ يبني اليتامى لأنفسهم بيتاً من القماش وأعواد النخيل , ولِمَ لا زال الكثير من العراقيين يعطف بعضهم على البعض الآخر رغم جو الكراهية السائد , ولِمَ نجد حبوب العقاقير المهدئة في جيوب الكثير من أبناء العراق , وعلى أي رصيف يسير العراقيون إذا كانت كل الأرصفة ملغمة بالسيارات المفخخة , ثم كيف يحرق المسلمون محصول الحنطة ويمنعون الماء عن أطفال المسلمين , وماذا أيضاً ؟ . وأعجب كيف تبقى بقية من الطيب العراقي وسط العالم الوحشي هذا , وبعد هذا لا زلنا نتحدث عن الديمقراطية , عن أي ديمقراطية تتحدثون , وكيق تُحدث غريقاً عن الديمقراطية وهو يصارع الموت ليطفو . إن ما أراه أن الناس تحتاج خبزاً وأماناً لا أحزاباً تدعي كلها الديمقراطية , لكنها حينما تعتلي صهوة الكرسي تصاب ( بالزهايمر ) وتنسى وعودها , لذا ما أراه أن الناس تريد أن يصمت الجميع وتتكلم الضمائر , وإذا كانت هناك محاولة حقيقية للتغيير فأنه مرعب , ما يجب أن يحدث لأنه تقويض لكل البنى الأساسية المادية المتعفنة بكل مرتكزاتها , وإلى أن يحدث هذا , وإذا حدث فهناك دخان وأتربة تحتاج الى وقت طويل لتهبط الى الأسفل وتصفو السماء ليظهر لونها الحقيقي .


صفحات: [1]