عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - نينوس اسعد صوما

صفحات: [1]
1
الموسيقا السريانية الكنسية الأرثوذوكسية
(الجزء السادس)

السنة الكنسية الطقسية
ومصادر الألحان الكنسية



بقلم: نينوس اسعد صوما
 ستوكهولم



موضوع المقال:

بعد أن انتهينا من مصطلحات الموسيقا وتاريخ السلالم الموسيقية للشعوب القديمة وكيفية وصولها إلينا، وبعد أن طرحنا الكثير من الأفكار التي منها ما تعارض بعض الإدعاءات التي أصبحت شبه "مسلمات" بين البعض من مثقفينا وموسيقيينا حيث أخذوها على عللها دون التحقق من صحتها، آن الآوان لندخل الى الكنيسة السريانية الارثوذكسية من باب موسيقاها وعالم ألحانها الذي هو موضوع مقالنا وسنعالج فيه الموسيقا الكنسية وشرح مكوناتها وخصائصها والتعرف على أسماء ملحنيها وطبيعة ألحانها وصفاتها وأسباب دخولها للكنيسة.


لمحة عن السنة الكنسية الطقسية وألحانها:

كانت الصلوات والإحتفالات بالأعياد الدينية في القرون الأولى للمسيحية بشكل بسيط وتُمارس بالخفاء. وكانت طقوس الإحتفالات بأعياد الميلاد والقيامة بسيطة للغاية في بادئ الأمر، فعمد الآباء الكنيسة الأولون بعد تلك المرحلة إلى تنظيم الصلوات وشؤون الكنيسة بعد أن أُلِّفَت الكثير من النصوص الدينية باللغتين السريانية واليونانية فقاموا بتشكيل "السنة الكنسية الطقسية" وبتنظيمها بشكل محكم وجيد مع كافة طقوس الأعياد والمناسبات والإحتفالات الروحية الأخرى، وحصرها جميعاً في سنة واحدة فقط، وذلك حين استطاعت المسيحية الظهور العلني للملآ وإستنشاقها لهواء الحرية الدينية، بعد أن كانت مختبئة تحت الأرض نتيجة الإضطهات التي لاقتها على أيدي حكام الامبراطوريتين الرومانية والفارسية.
 
إن السنة الكنسية الطقسية تتناول حياة السيد المسيح منذ ما قبل الولادة ولغاية ما بعد الصلبوت والقيامة. وتحتوي على قصة بشارة مريم العذراء وولادة السيد المسيح ودخوله للهيكل، ثم ظهوره الإلهي بأقانيمه الثلاث مع عمادته وسائر أعماله العجائبية على الأرض وغيرها من الأحداث، ثم موته وقيامته وإنتصاره على الموت، وتحريره للبشرية من نير عبودية الخطيئة الأولى.
كما أن هذه السنة تتضمن الكثير من الأعياد التي نحتفل بها من تلك التي وقعت أحداثها بعد صعود السيد المسيح إلى السماء، مثل عيد حلول الروح القدس على التلاميذ وعيد انتقال العذراء إلى السماء بالجسد، وعيد اكتشاف الصليب المقدس، وأعياد وتذكارات القديسين والكهنة والموتى وغيرها، وأيضاً بعض المناسبات التي وقعت أحداثها قبل مجئ السيد المسيح مثل عيد مار إيليا النبي مع جميع تذكارات آباء وأنبياء العهد القديم.

وفي القرنين الرابع والخامس الميلادي ظهرت بعض الخلافات العقائدية بين المسيحيين حول طبيعة السيد المسيح، وقد عمد القديس افرام السرياني الذي كان مفسراً كبيراً وشاعراً بارعاً إلى مجابهة الهرطقات بتأليف نصوص دينية على شكل أناشيد ووضع ألحان شجية لها وتلقينها لجوقات الشباب والشابات شعراً وإنشاداَ التي كان يقوم بتعليمها وتهذيبها.
ومن أجل هذه الغاية ولأسباب أخرى سنأتي على ذكرها لاحقاً ظهرت الحاجة إلى وضع نظام للموسيقا الكنسية.
ويمكن أن نعد القرن الرابع ( تاريخ إعطاء حرية العبادة للمسيحيين ) تاريخ ميلاد الموسيقا الكنسية الحقيقي.

وتدريجيا إكتمل تنظيم السنة الكنسية واكتملت نصوص الطقوس الدينية، وتم الترتيب النهائي للألحان الكنسية وتنظيمها في القرن السابع الميلادي في الكنيسة السريانية الأنطاكية على يد العالم الكبير مار يعقوب الرهاوي (توفي 708م)، واستمرت ليومنا هذا، ومنها "طقس العماد، والزواج، ودفن الموتى، والميرون، والشعانين، والميلاد، والقيامة، ورسامات الكهنة والشمامسة، وغيرها".

وتبدأ السنة الكنسية الطقسية بمواضيعها الدينية وألحانها الخاصة بها، فيحتفل في كل موضوع ديني على حدى في يوم أحد خاص به، وتبدأ هذه السنة بالأحد المسمى بأحد "تقديس الكنيسة" لتتبعه أيام الآحاد الاخرى وهي: "أحد تجديد الكنيسة" ثم "أحد بشارة زكريا" و"أحد بشارة العذراء"، و"بشارة يوسف"، ثم "زيارة العذراء لإليصابات" و"ولادة يوحنا" ثم "عيد ميلاد السيد المسيح"، لتتالى أيام الآحاد تباعاً بحسب ما وضعه الآباء الأولون من نظام تقسيم جميع الأعياد والمناسبات والتذكارات على مدار آحاد وأيام السنة وبشكل تسلسلي وفقاً للأحداث التي مر بها السيد المسيح، وهذا نظام معقد نسبياً، وهو معتمد في جميع الكنائس الطقسية القديمة، مع إحتفاظ كل واحدة منها ببعض الإختلافات البسيطة التي تميزها عن غيرها لخاصيتها ومحليتها، وأيضاً بالفروقات الحاصلة في تاريخ الأعياد نتيجة تبني بعضها التقويم اليولياني وبعضها الآخر الغريغوري.


اﻷسباب التي من أجلها دخلت الألحان الى الكنيسة:

كانت الموسيقا والإنشاد منذ أقدم الأزمنة تستعمل في المعابد والهياكل ودور العبادة، لذلك أدخلها اليهود في عبادتهم، ومن ثم تبعتهم الكنيسة المسيحية أيضأ. وكان الهدف من إدخال الموسيقا والإنشاد الى الكنيسة لعدة اسباب، منها ما أكّدها فيلسوفنا السرياني ابن العبري في كتابه "الإيثيقون"، وأخرى هي من إستنتاجاتنا الشخصية:

1. إستقطاب الشعب الى الكنيسة والصلاة
لعبت الموسيقا والأناشيد والرقص، التي كانت مرافقة للإحتفالات الدينية، دوراً كبيراً في العصر الوثني، لإستقطاب الشعب إلى المعابد والهياكل الدينية، وكذلك كان متعارفاً لدى اليهود إستعمالهم للآلات الموسيقية وإقامة صلواتهم وطقوسهم الدينية بطريقة غنائية إنشادية، فارتأى آباء الكنسية المسيحية على عدم التخلي عن هذه الميزة الجيدة والاستمرارية فيها جريأ على عادة الأولين، لكن دون استعمال الآلات الموسيقية، وبطريقة مناسبة لجوهر المسيحية.

2. منافسة هياكل الوثنية المليئة بالموسيقا
كان لابد للكنيسة أن تُدخِل العنصر الموسيقي الإنشادي للكنيسة بشكل كبير وجميل  لينافس الموسيقا الوثنية ويستقطب الناس ويلجم ميولهم نحو الوثنية ولئلّا تكون سبباً في ذهابهم الى هياكلها.

3. بسبب تأثير اللذة المتولدة من سماع الألحان
إن النغمة المهذبة والمعبرة عن الكلمة التي وضعت في الألحان الكنسية، والتي يؤديها الصوت الشجي الحسن، تتولد منها لذة فائقة من سماعها، تؤثر في النفوس والأرواح وتجلب لها السعادة والهدوء والطمأنينة، وتجذبها إلى الفضيلة والخشوع والإحترام، وتخمد فيها الحقد والغضب والميول الملتهبة والمنحرفة فتطهرها من الشر والآثام، وكذلك تلهب فيها الشجاعة وتكسب العقل القوة الروحية للسيطرة على الغرائز الجسدية. لذلك فضّل آباء الكنيسة أن تكون النصوص الدينية كلها ملحّنة للغناء والترتيل للإستفادة من عمل الموسيقا وتأثيرها على المصلين.

4. للإستعانة بها على النشاط في العبادة، والتخفيف عن المصلين من وطأة
الأتعاب اليومية ولتلهيهم عن الشعور بالوقت والملل، وعن الشعور بالجوع والعطش والأمور الحياتية والمتطلبات الجسدية الأخرى.                   

5. العدول والرجوع عن الخطيئة
إن المصلين يتأثرون بالنغمة الحزينة فيبكون على خطاياهم التي ارتكبوها، ويشعرون بالندامة، وتجعلهم يبتعدون عن إرتكاب المعاصي، بل تساعدهم للتعلق بالقيم الإلهية السامية.

6. تأثير التعبير اللحني والصوتي
إن النغمة الصحيحة المتوافقة لطبيعة النص الكنسي، ومع الترتيل (الإنشاد الصوتي) الصحيح المعبر عن معنى هذا النص، يساعدا المصلي كثيراً في تفهم عمق معاني الكلمات الروحية، والمقاصد الإلهية من هذه النصوص لما تحويه من شروحات وتفسيرات عظيمة صاغها الآباء الأوائل بمساعدة الروح القدس، وتدفع النفس البشرية إلى الدخول في حالة التأمل الروحي العميق الذي يأخذها الى عالم الفضائل، ليتحد فكر الإنسان مع الله.


أصول ومصادر الألحان الكنسية وبدايات التلحين:

إن الموسيقا الكنسية لم تخلق من عدم، أو من الفراغ ، إنما جاءت إبداعاً رائعاً من وحي ورحم فكر وحضارة تاريخية عريقة، ضاربة جذورها في أعماق الأرض والتاريخ.
إذ كانت لألحان الكنيسة السريانية الانطاكية إمتدادات لذاك الفكر الخلاق، وإستلهامات من موسيقات شعوب معاصرة لها أو أقدم منها، استفاد منها الملحنون الأوائل فأبدعت عبقريتهم أنغام روحانية  رفعت شأن الكنيسة عالياً، وأغنوها  بألحانهم الخالدة، وهذا ما سنستنتجه من البحث عن مصادر جذورها.
 

1- الموسيقا اليهودية:

لقد نشأت المسيحية من جذور وبيئة يهودية فلسطينية، وكانت صلوات المسيحيين الأوائل في فلسطين هي ذات الصلوات اليهودية المستعملة في هياكل العبادة "الكنيست". وهي على الأغلب مستمدة من نصوص من أسفار العهد القديم مثل المزامير ونشيد الإنشاد، والأمثال، ومراثي إرميا، وطلبة إشعيا، حيث تبنتها الكنيسة الأولى القائمة على التلاميذ والرسل والمبشرين اليهود الأوائل.
وأما ألحان التي استعملوها كانت نفس الألحان المستعملة لدى اليهود وكانت ترتل بأسلوب يدعى اليوم "التنغيم البسيط".
ثم صاغ آباء الكنيسة بعد مرحلة البداية الكثير من الأناشيد على شاكلتها، وصلنا منها القليل وهي معروفة للكهنة والشمامسة المبدعين.
لذا كان المصدر الأول لألحان الكنيسة هو الألحان اليهودية التي حملها الرسل الأولون معهم.


2- موسيقا المدن الآرامية:

كانت معظم منطقة الشرق الأوسط تتحدث بالآرامية أثناء فترة السيد المسيح. وكانت معظم مدن المنطقة تشكل كيانات آرامية لها إما سيادة كاملة أو شبه كاملة أو تابعة لغيرها من الدول الكبرى حينها.
وقد تواصلت الموسيقا العذبة المتطورة في قصور الملوك والأمراء وهياكل الوثنية المتواجدة في المدن الآرامية القديمة عبر الأجيال. واستمرت إلى ما بعد ميلاد السيد المسيح وأستفاد الملحنون السريان الكنسيون منها. فمن وجود ألحان كثيرة من هذا النوع، ووجود سلالم مقامات مختلفة النغمات، وقوالب موسيقية جاهزة، أستنبط الملحنون الكنسيون من طبيعتها ومن جوهرها إبداعات جديدة، جاءت ألحانا كنسية في غاية الروعة، واستلهموا من تلك الموسيقا طرق جديدة في التلحين بما يناسب معاني النصوص الدينية وخاصية الموسيقا الكنسية والنظام اللحني الكنسي.

هناك قول شائع لدى المهتمين بالشأن الموسيقي التاريخي بأن الألحان القديمة المستعملة في المدن الآرامية، تم إدخالها كما هي إلى الكنيسة، لكن هذا قول باطل وغير صحيح مطلقاً، ولا يوجد أي إثبات تاريخي بين أيدينا يبرهن على صحته ويدعم وجوده، فيبقى مجرد إدعاء باطل لا قيمة له.
وأسبابنا في رفض هذا القول هي:

اولاً- موسيقا المدن متطورة وراقية من حيث بنائها الموسيقي، بينما بناء ألحان الكنسية السريانية هو من النوع البسيط والغير معقد. (ربما ينطبق هذا القول على ألحان الكنسية البيزنطية لكونها من النوع الراقي والفخامي).

ثانياً- موسيقا المدن بشكلها العام تخاطب الجسد، بينما الموسيقا الكنسية تخاطب العقل والروح والنفس وتهمل الجسد. فهل يشترك المتناقضان على نوع واحد من الموسيقا!.

ثالثاً-  تعتمد موسيقا المدن على السلالم الموسيقية الكاملة (أوكتاف ، ديوان) أو أكثر من أوكتاف في ألحانها، وهذا واضح من الموروثات الموسيقية التي وصلت لنا. ونلاحظه بشكل واضح في ألحان الكنيسة البيزنطية  الشرقية المتواجدة في بلاد السريان التي نشأت وترعرعت في المدن الكبيرة، حيث أنها تستعمل في ألحانها السلالم الموسيقية الكاملة أو أحياناً سلم ونصف، وهذا أمر لا يتوافق مع مساحات ألحان الكنيسة السريانية الارثوذكسية التي تتكون بمعظمها من أنصاف السلالم الموسيقية.


3- أغان شعبية (ريفية) آرامية:

يقول البعض بأن آباء الكنيسة الأوائل قد أدخلوا بعض الألحان الشعبية الى الكنيسة، لكن لم يستطع هؤلاء تقديم إثباتات وبراهين واضحة وصحيحة لتؤكد مزاعمهم.
ولكن بالإستناد الى تجربتي الخاصة وبحثي المتواضع في هذه القضية ومقارناتي الموسيقية بين ما بقي ووصل لنا من أغاني آرامية شعبية التي عرِّبَت أو تُرِّكَت (من التتريك)، مع الأناشيد الكنسية التي لا زالت مستعملة لهذا اليوم، ينفي القول بإدخال الألحان الشعبية كما كانت عليه الى الكنيسة.
بل أرى بأن الموسيقيين السريان القدماء العباقرة، قد لحّنوا ألحانا كنسية رائعة وجديدة، لكن تشبه سلالمها لسلالم الألحان الشعبية، وربما لقوالبها الموسيقية أيضاً. لهذا أعتقد بأن الباحثين الموسيقيين أصبح لديهم خلط بهذا الأمر، ولم يستطيعوا أن يميّزوا بين ما كان موجود من موسيقا قديمة مستعملة شعبياً في الأرياف، وبين ما لحِّن للكنيسة خصيصاً في تلك الأزمنة، نتيجة تشابه السلالم والقوالب، فخلصوا بالقول بأن الألحان الشعبية الريفية دخلت كما هي للكنيسة نتيجة القواسم المشتركة بينهما، منها أنصاف السلالم وطريقة الغناء.

أما أنصاف السلالم فإن معظم الأغاني والأهازيج الشعبية البسيطة التي لا زالت تستعمل في قرى السهول والجبال وفي أرياف المدن الكبيرة حتى اليوم والتي تبدلت لغتها الى العربية، تتكون ألحانها بمعظمها من أنصاف السلالم الموسيقية، وهذا يؤكد على أن الموسيقا الشعبية تعتمد على أنصاف السلالم الموسيقية.
كما أن اناشيد الكنيسة السريانية تعتمد بأغلبها في تكوينها على أنصاف السلالم الموسيقية أيضاً وهذا قاسم مشترك كبير بينهما.
كما أن طريقة غناء الألحان الشعبية شبيهة بطريقة غناء البعض من الأناشيد الكنسية، والطريقتان تعتمدان على طريقة قرائية في الغناء وكأنما هو كلام يُقرأ مع تنغيم بسيط له. وهذه الطريقة لا تعتمد على التطويل اللحني أي خالية من المدّات اللحنية، إلا في نهايات الجمل الموسيقية الطويلة أي في القفلات، أو في نهاية المقاطع اللحنية .
ومن الأغاني الشعبية الباقية في القرى في سوريا والتي نعتقد بانها حافظت على أسمائها الآرامية: دلعونا، ميجانا، عتابا، مايا، موليا، عاليانا، وغيرها، والتي يمكن دراستها لغويّاً للتأكد من آراميتها، وموسيقياً لمقارنتها بقسم من الأناشيد الكنسية السريانية، لنستخلص منها أوجه التشابه، أو القواسم المشتركة بينها.


4- الموسيقا اليونانية:

كانت المدن الآرامية الكبيرة تتعامل باليونانية لغة وثقافة وموسيقةً، لذا نجد بوضوح مسحة يونانية على بعض نصوص الألحان السريانية وخاصة تلك التي تُرجِمت من اليونانية أو لُحِّنَت على طريقة السلالم اليونانية الكاملة مثل "القوانين"       والتضرعات "التخشفتات"، ولكن عادة تُنشد بطريقة سريانية لا تخلو من الحزن والتذلل والمسكنة والخشوع والخضوع لله.


5- المصدر الرئيسي: "الملحنون السريان":

إنكب آباء الكنيسة الأوائل منذ نشأتها على التأليف والتلحين والإشتغال بالنصوص وبالطقوس فأنتجوا لنا الكثير من الدرر الموسيقية النفيسة كانت باباً كبيراً ليدخل منه بقية الآباء لتبرز مواهبهم ويألفوا الكثير من التآليف العظيمة التي يعجز الإنسان عن وصفها، لما تحويه على ألحان عبقرية معبرة عن نصوص شعرية لا مثيل لها.
لا شك بأن الروح القدوس قد رافق هؤلاء الآباء العظام في تآليفهم الشعرية وشروحاتهم للكتاب المقدس وفي ألحانهم الموسيقية الرائعة وفي كل أعمالهم وخدماتهم الروحية، لما تحويه من عظمة وروعة وصدق وإبداع، فألحانهم فيها صعوبة بالغة في التركيب، وصنعة دقيقة، وروعة في الجمال رغم بساطتها الشديدة وعفويتها، وتعبير موسيقي جميل لمعنى النصوص، وعذوبة وسلاسة في التنغيم.
ونظرة سريعة على أمثلة قليلة من أعمالهم الأدبية أو الموسيقية ستبرهن لنا على مدى عبقريتهم، و بأن الروح القدوس ساهم في كل إبداعاتهم الفكرية.

إن التآليف الكثيرة لعباقرة السريان الآراميين، إبتداءاً ببرديصان الآرامي ومروراً بمار أفرام السرياني، وسويريوس الأنطاكي، ورابولا الرهاوي، ويعقوب السروجي، والقواقين، ويعقوب الرهاوي، وغيرهم، تدل بأن إنتاجاتهم كانت مستوحاة من الأرض الآرامية المنتجة للفكر والحضارة والتاريخ والتي حملتها واستوعبتها اللغة الآرامية التي كانت وعائهم الفكري.


البعض من الموسيقيين الملحنين القدامى:

الفيلسوف برديصان (154 – 222م)، مار شمعون بارصابوعي ( توفي 343م ) ،مار افرام السرياني (306 – 373م)،  مار بالاي ( توفي 342م )، مار سويريوس الانطاكي (توفي 538م)، مار رابولا الرهاوي (360 – 435م)، مار يعقوب السروجي (521م)، مار ماروثا الميافرقيني (توفي 431م)، مار شمعون قوقويو (485-563)م، مار اسحق الرهاوي (توفي 491 م) المعروف بالانطاكي، مار يوحنا بار افتونيا (توفي 538م)،  مار ماروثا التكريتي (توفي 649م) ، ومار يعقوب الرهاوي (708م).

ومن الملحنين المشهورين أيضاً والمعروفين في التاريخ الكنسي من الذين أبدعوا في ألحانهم وعطاءاتهم:
قورولونا (القرن الرابع)، ساويرا سابوخت (توفي 667م)، البطريرك جرجس الاول (790م)، المطران جرجس اسقف الكوفة (توفي 722م)، ابن الصليبي (توفي 1171م)، وغيرهم.


لكم محبتنا
ويتبع في الجزء السابع
[/b]

[/size]

2
الموسيقا السريانية الكنسية
(الجزء الخامس)

السلم الموسيقي لدى الشعوب القديمة (2)





بقلم: نينوس صوما اسعد
ستوكهولم


3. الموسيقا لدى اليونان والرومان:

إن التراث الموسيقي اليوناني غني جداً ويستحق الإحترام لأنه ثروة استفادت منها أمم عديدة، ونبع أرتوت منه الشعوب القديمة.
وكما ذكرتُ في الجزء الثالث من بحثنا بأن اليونانين أخذوا عن الأوغاريتيين السلم الموسيقي السباعي واستعملوه قروناً كثيرة. ثم ظهر الفيلسوف والموسيقار اليوناني "لاسوس" (من القرن السادس ق.م)، صاحب الفضل الكبير في إكتشاف أصوات "السلم الموسيقي السباعي اليوناني"، وكذلك العالم اليوناني الشهير فيثاغوراس دي ساموس (المولود في ساموس 580-500 ق.م) الذي وضع الأبعاد الصوتية الدقيقة والصحيحة للسلم السباعي فسمي بإسمه أي "السلم الفيثاغوري". وبعد جهود وتجارب موسيقية طويلة استطاع هذا العالم الجليل والموسيقي البارع، فيثاغوراس، أن يضبط الأبعاد الصوتية للسلم الموسيقي السباعي بدقة متناهية، وأوجد فيه القاعدة الأساسية في إستخراج الأصوات الموسيقية السبعة، وبناه على أساس أطوال الأوتار وعلى حساب الخماسيات المتتالية.
ثم توالى بعض الفلاسفة والموسيقيين اليونانيين الآخرين الذين عملوا على تطويره وإستخراج النغمات منه وكان منهم "ارستكسينوس" (350 ق.م)  صاحب كتاب "علم الاصوات" وكتاب "علم النغم" وكتاب "الموازين الموسيقية"، و الرياضي الموسيقار "إقليدس" (300 ق.م) صاحب كتاب "النسبة الرياضية".
وكان سلم فيثاغوراس هو الأساس الذي أعتُمِدَ عليه لاحقاً من قبل علماء الموسيقا في إستخراج وحساب الأبعاد الصوتية للسلالم الشرقية والغربية، وهذا ما أكده كبار علماء الموسيقا في الشرق والغرب.

وللأمة اليونانية الفضل الكبير على موسيقات العالم أجمع بما ابتكرته من أنظمة وقواعد كالتدوين الموسيقي القديم ومن إشارات ورموز وإصطلاحات لإكمال صحة التدوين وللتعبير عن جميع الحركات الموسيقية.

وأما الموسيقا عند الرومان فقد إرتكزت على الموسيقا اليونانية، وتطورت كثيراً على أيدي علمائهم، وازدهرت كثيراً وفاقت موسيقا اليونان وغيرهم بفضل العالم والموسيقار "بوتيوس" (سنة 475 م) والموسيقار "كاسيدوروس" (585 م)  الذي ألف دائرة المعارف الموسيقية في ذاك العصر.

والموسيقا الرومانية (اللاتينية والبيزنطية) هي أساس الموسيقا الاوروبية اليوم، والتي تعتبر أرقى وأقوى موسيقات العالم قاطبة. وقد أبدع الموسيقيون الاوروبيون في ألحانهم وتآليفهم الموسيقية ووصلوا إلى حد العبقرية، ولحنوا للكنيسة ألحاناً عظيمة فأغنوها موسيقياً. وجاءت ألحان تراتيلهم سماوية شجية معبرة تنقلك الى عالم الروحانيات اللامحدود بالاضافة إلى ما تتضمنه من صنعة موسيقية عظيمة. وأسسوا أنواع المدارس الموسيقية الغربية كالكلاسيكية والرومانسية والتأثيرية وغيرها، التي تتالت وتعاقبت على أثر تطور الفكر الغربي.

أما تسميات العلامات الموسيقية للسلم الموسيقي السباعي الحالي: "دو، ري، مي، فا، صول، لا، سي". قد وضعها الراهب الايطالي كويدو الارتيزي في القرن الحادي عشر الميلادي.


4. الموسيقا عند الصينيين:

إن الصينيين هم من أعرق الأمم، ويقال بأنهم من أعرقها في الموسيقا أيضاً. والموسيقا الصينية قائمة على السلم الخماسي. ويعود للصينين الفضل في مجال النظريات الموسيقية إختراع قاعدة دائرتي الخامسات والرابعات الموسيقيتين، التي أعجب بها وبنظامها العجيب الفيلسوف الكبير والموسيقي العظيم الفارابي (874-950)م، وهو تركي الأصل وكان تلميذ السريان في الفلسفة، حيث أستخرج  بواسطتها ما يزيد عن ألف وأربعمائة نغمة.
ولا صحة للقول بأن موسيقا الصينيين كانت مبنية على السلم الموسيقي السباعي ثم استبدلوها بالسلم الخماسي كما أوضحت سابقاً في الجزء الرابع من مقالنا.

 
5.  الموسيقا عند الهنود:

كل الشعوب القديمة على إختلاف ثقافاتها وأديانها مجدت الموسيقا، وكان الهنود ولا زالوا أكثر الأمم تمجيداً وتقديساً لها، ويعتبرونها فن سماوي لما يحتوي من رقة وسمو وجمال وقداسة.
قيل بأن الشعوب الهندية القديمة استعملت السلم الموسيقي الخماسي، لكن الإثباتات ضعيفة لإثبات صحة هذا القول، لأن الموسيقا التي أستمرت وتواصلت عبر قرون طويلة ولغاية اليوم في الهند، تؤكد بأنهم أستعملوا السلم الموسيقي السباعي، والتأثير الكبير الذي تركته الموسيقا الهندية على موسيقا الفرس الذين يستعملون بدورهم السلم الموسيقي السباعي، هو أكبر إثبات بأن الشعوب الهندية أستعملت السلم السباعي منذ أقدم العصور، ولا ننسى بأن موسيقا الباكستان وبنغلاديش المنفصلتين عن الهند حديثاً ترتكز موسيقاها أيضاً على السلم السباعي.
كما أن الشعوب المجاورة للهند أستفادت كثيراً من الموسيقا الهندية، مثل التبت والشعوب التركية والمغولية، والفارسية، والأفغانية والكردية. وكذلك أثرت الموسيقا الهندية تأثيراً واضحاً على موسيقا وغناء وإيقاعات الشعوب العربية مثل الخليج واليمن في الازمنة المتأخرة، وعلى موسيقا العراق حديثاً.


6. الموسيقا عند الفرس وتأثيرها على الشعوب العربية والتركية:

أدرك الفرس مثل بقية الشعوب سمو وقوة الموسيقا في الوصول بالأرواح الى الخالد الأزلي، لهذا قدسوا الموسيقا ومجدوها وعرفوا فائدتها وقوتها السحرية على النفس والروح فأدخلوها في معابدهم وشؤونهم الدينية. قال هيرودوتس (حوالي 484 - 425 ق.م): "كانت الموسيقا الفارسية من أرقى الموسيقات وأحلاها نغماً وأشوقها سمعاً".
إن الفرس اتقنوا صناعة الموسيقا وسبقوا الكثير من الأمم في وضع القواعد والإصطلاحات الموسيقية، وساعدهم على ذلك رقيهم ورفاهية شعبهم وشغفهم بالفنون وحكمة مفكريهم. وكان أوج الموسيقا عند الفرس في عهد داريوس (القرن الرابع ق.م)، ولا ينكر الفرس مطلقاً بأنهم استفادوا موسيقياً من موسيقا الهند والشعوب المجاورة لهم.
وأما السلم الموسيقي الفارسي هو سلم شرقي متين ومنظم تنظيم دقيق، وأستعمله العرب والترك ولا زالوا يستعملوه. وأبتكر الفرس أكثر من 360 نغمة موسيقية سميت بالمقامات، ودخلت هذه المقامات مع جميع مصطلحاتهم الموسيقية الايرانية إلى الشعوب العربية والتركية وهي مستعملة حتى اليوم وبأسمائها الفارسية، كما اوردتُ، في الجزء الثاني من مقالنا بعضاً من أسماء المقامات الموسيقية التي لا زالت مستعملة بأسمائها الفارسية البحتة ومنها: راست، سيكاه، شاهناز، نهوند، بسته نكار، بنجكاه، الخ.
وكذلك أسماء درجات السلم الموسيقي الفارسي التي لا زالت مستعملة عند العرب والترك مثل: "يكاه، دوكاه، سيكاه، جهاركاه، بنجكاه، شيشكاه، وهفتكاه، حشتكاه"، ومعناها: "الصوت الأول، الصوت الثاني، الصوت الثالث، الصوت الرابع، الخامس، السادس، السابع ، الثامن".  لكن تغيرت بعض أسماء الدرجات عند العرب مثل:  الدرجة بنجكاه أصبحت نوى، وشيشكاه أصبحت حسيني، وهفتكاه أصبحت أوج.
وما نسمعه اليوم من موسيقا قديمة في العراق التي تسمى "بالمقامات العراقية"، ليست إلا مقامات فارسية الأصل حتى أنها تغنى بلكنة موسيقية فارسية واضحة المعالم، أي أن العراقيين يغنون موسيقا فارسية ولكن بلغة عربية (أحياناً ممزوجة بمفردات دخيلة فارسية وتركية). وهذا التأثير الفارسي الواضح المعالم في الموسيقا والغناء العراقي ناتج عن سيطرة الفرس على العراق الحالي مدة تجاوزت أكثر من 1000 عام، منذ قضائهم على الدولة البابلية حتى خروجهم منه على يد العرب المسلمين في القرن السابع الميلادي باستثناء بعض المراحل، لكنهم عادوا إليه مجدداً كمسلمين ليسيطروا عليه ثانية ويحكموه مئات من السنين الأخرى لكن هذه المرة بإسم "الدين الاسلامي"، حيث أن معظم مظاهر الفكر الإسلامي ومذاهبه الدينية قامت على أكتاف المفكرين الفرس الذين كتبوا معظم مؤلفاتهم باللغة العربية، لأنها لغة الإسلام.
إن هذا الأمر يسقط كل الإدعاءات التي تقول بأن موسيقا العراق الحديثة هي إمتداد للموسيقا السومرية والآكادية والآشورية.  فالتأثيرات الفارسية الواضحة المعالم في الموسيقا العراقية ليست فقط في المقامات الموسيقية العراقية فقط إنما في التواشيح العراقية الإسلامية وخاصة الشيعية منها، رغم وجود موسيقا بدوية تنتمي للصحراء والبدواة وهي ناتجة عن هجوم وغزو الموجات البدوية للعراق بين وقت وآخر لتستقر فيه وتفرض بداوتها وغنائها الصحراوي على الحضارة والمدنية العراقية، كما يؤكد ذلك العالم الإجتماعي العراقي الدكتور "علي الوردي" في كتابه "مهزلة العقل البشري".
 
وهناك تأثيرات فارسية أخرى على العراق ليس فقط في الموسيقا، إنما في بعض مظاهر الحياة فيه كبعض العادات والتقاليد، والكثير من المأكولات التي لا وجود لها في البلاد العربية الأخرى، لكنها مشهورة في بلاد الفرس.
فلا يستطيع العرب والترك ومهما حاولوا التهرب من الحقيقة وتعريب وتتريك الموسيقا ومصطلحاتها، نكران فضل الفرس في الثقافة الموسيقية عليهما.


7. الموسيقا لدى المصريين القدماء ( الفراعنة):

لقد أورد مؤرخو اليونان وفلاسفتهم القدماء، أثناء بحثهم في مدنية وحضارة وادي النيل، أن موسيقا المصريين وآلاتهم الموسيقية كانت أرقى وأقدم موسيقا في العالم، وأستعملوها في عباداتهم وتقديسهم القرابين، وفي الولادات والأعراس والحفلات العامة والخاصة، وكذلك في الجنائز والحروب وفي بذار الأرض والحصاد.

كان السلم الموسيقي لدى الفراعنة خماسياً، لكن عند دخول الهكسوس الساميين (قدموا من سوريا) أرض مصر (1789-1684ق.م) أدخلوا معهم السلم الموسيقي السباعي المتطور والمستعمل لاحقاً عند الآراميين في سوريا، وحل هذا السلم الحديث محل السلم الخماسي القديم في مصر، فعمل عليه الفراعنة وربطوا هذا السلم بالكواكب السيارة وبساعات الليل والنهار، فجاءت ألحانهم رائعة عذبة معبرة، حتى أن افلاطون أعتبرها أرقى الموسيقات، وأقترح أن تكون هذه الموسيقا لجمهوريته الفاضلة.



8. الموسيقا لدى اليهود:

إن التراث الموسيقي الديني عند اليهود قديم جداً، وما تركته التوراة لنا من معلومات حول الغناء الديني هو أكبر دليل على إستعمالهم للسلم السباعي إسوة ببقية شعوب المشرق.
إن الإدعاءات حول تعلم اليهود الموسيقا أو تبنيهم السلم الموسيقي السباعي في بابل أثناء سبيهم على يد الملك نبوخذنصر، هي مجرد كلام بدون إثبات لا يؤخذ به، وتحتاج هذه الإدعاءات الى إثباتات حقيقية وبراهين علمية لنؤمن بها.
وكما أوضحتُ سابقاً (في الجزء الثالث من مقالنا) فإن اليهود استمروا في إستعمال السلم الموسيقي السباعي منذ هجرة ابراهيم الخليل من أور الكلدانيين في جنوب العراق إلى حران ثم إلى أرض كنعان في فلسطين وإلى مصر وعودتهم منها مروراً بمجئ السيد المسيح ولغاية اليوم، فما قيمة الإدعاءات السابقة إذاً.
إن نظرة قصيرة الى أسفار ما قبل السبي البابلي ستعطينا درساً حول هذه الحقيقة.
فهل كان داؤود النبي ومزاميره قبل السبي أم بعده؟
أم كان نشيد الإنشاد قد استورد مع الملك سليمان من بابل؟
 وهل كانت الأمثال، ومراثي إرميا، وطلبة إشعيا قبل أم بعد السبي؟
ماذا كان نوع السلم الموسيقي الذي يستعمله اليهود في موسيقاهم قبل السبي البابلي بألف عام مثلاً؟
أسئلة مطروحة تحاكي العقل أتركها للقارئ الكريم للوصول إلى الحقيقة.

إن الموسيقا لدى اليهود تعتبر من أعرق وأقدم موسيقات العالم التي لا زالت مستمرة ومستعملة لغاية اليوم، وتعتبر أيضاً من أغنى موسيقات العالم الدينية حيث تجاوز عدد أناشيدهم الدينية التسعة آلاف لحن، ورغم النكبات والكوارث الإنسانية التي لحقت بهم خلال التاريخ لكنهم حافظوا على قسم لا بأس به من هذه الألحان وعلى شرقيتها.
إن السؤال المطروح بإستمرار عن شكل الموسيقا اليهودية والسلالم التي استعملوها قبل ذهابهم وأثناء وجودهم ثم عودتهم من مصر الفرعونية، وإعتبارها إشكالية لم تحل بعد، وعدم وجود إثباتات  توضحها، فالمنطق يقول هنا:
إن ابراهيم الخليل الأب الكبير لليهود من جنس الآراميين (أبن الآراميين التائه) والنازح من أور الكلدانيين في جنوب العراق الى أرض الميعاد أرض كنعان حسب رواية التوراة، كان يستعمل السلم السباعي في موسيقاه قبل سكنه أرض كنعان.
ولا بد أن يكون تراثه الموسيقي والألحان التي حملها معه (التي هي جزء من تكوين شخصية الإنسان في موطنه) مبنية على السلم السباعي الأبعاد، ومتوافقة مع موسيقا الكنعانيين في إستعمالهم لنفس السلم. وعند هجرة اليهود إلى مصر التي دامت حوالي 400 سنة استمروا في إستعمالهم للسلم السباعي لأنه كان مستعملاً في أرض مصر أيضاً التي تبدل سلمها الموسيقي من الخماسي إلى السباعي عند إحتلال الهكسوس لها، أي قبل قدوم اليهود إلى مصر بخمسمائة عام تقريباً. فلا شك بأن اليهود أثناء عودتهم من أرض مصر أستمروا في إستعمالهم السلم الموسيقي السباعي، حاملين معهم ألحاناُ جديدة ومتطورة، ومستفيدين من الحضارة الفرعونية العظيمة ومن موسيقاها ومن آلاتها الموسيقية العديدة والمتطورة.

إن زيارة سريعة لكنيست اليهود في أوروبا أو أمريكا ستصدمنا بالحقيقة الصارخة، لأننا سنسمع ألحاناً شرقية حملوها معهم من شقوق التاريخ القديم، وهذا دليل كبير على محافظة اليهود على قدم وشرقية ألحانهم حتى في الغرب.

إن مدة ألفي سنة في إستمرارية اليهود في إستعمالهم الألحان الشرقية لغاية اليوم في الغرب أمر في بالغ الأهمية ينفي إدعاءات من يقول بأن اليهود لم يستعملوا السلم السباعي في موسيقاهم بل تعلموا هذا السلم في بابل. أي أن اليهود كانوا يستعملون سلم موسيقي آخر غير السلم السباعي.
وكذلك ينفي الإدعاءات القائلة بأن اليهود كانوا قد نسيوا موسيقاهم خلال فترة السبي البابلي وتعلموا موسيقا أهل بابل واستفادوا منها كثيراً ونقلوها معهم في عودتهم إلى اورشليم.
بالحقيقة لم يوضح لنا هؤلاء من أهل هذا الإدعاء كيف كانت شكل الموسيقا اليهودية قبل السبي البابلي، وعلى أي سلم كانت ألحانها مبنية، ولم يثبتوا لنا بالمصادر ما الذي نقله اليهود من موسيقا البابليين إلى بلادهم.


شكرا للمتابعة
ويتبع في الجزء السادس
[/b][/color]

3
الموسيقا السريانية الكنسية
(الجزء الرابع)


السلم الموسيقي لدى الشعوب القديمة (1)


بقلم: نينوس صوما اسعد
ستوكهولم

[/size][/b]

تحت هذا العنوان "السلم الموسيقي لدى الشعوب القديمة" الذي يتكون من جزئين، سأوضح بعض المفاهيم الغامضة في سلالم موسيقا الشعوب القديمة، وسأنقد بعضاً منها خاصة تلك التي لا زالت تستعمل كمسلمات لدى البعض، حيث أخذوها وقبلوها على عللها دون مناقشتها والتأكد من صحتها. فالجزء الأول يتناول السلم الموسيقي لدى السومريين وقيثارتهم الموسيقية، وأما الثاني فيتناول وبإقتضاب السلم الموسيقي لدى اليونان والصينيين والهنود والفرس واليهود وغيرهم.
 

1. الموسيقا لدى السومريين:

يقال بأن للسومريين فضل كبير على الموسيقا في إختراعهم بعض الآلات الموسيقية، وعلى التدوين الموسيقي الأول (الذي يعتبر البدايات والمحاولات الأولى في تدوين الألحان الموسيقية على الالواح الطينية بإستعمال رموز من الكتابة المسمارية المقطعية)، وكذلك لإستنباطهم للكثير من الألحان الدينية التي كانت تغنى للآلهة في المعابد وقصور الملوك. 

في عام 1929 أكتشف عالم الآثار البريطاني السير "لينارد وولي" في مدينة أور جنوب العراق، في قبر الملكة "بو آبي شبعاد 2450 ق.م" الذي يحمل الرقم
"1237"، مجموعة من القيثارات وآلات موسيقية ذات أوتار شبيهة بالربابات، وكانت من بين هذه القيثارات المكتشفة القيثارتان السومريتان المعروفتان باسم "الذهبية" و"الفضية" والتي يعود تاريخهما إلى 2450 سنة قبل الميلاد.
ولا زالت "القيثارة الذهبية" محفوظة في متحف الآثار العراقي قسم السومريات ببغداد، وأما "القيثارة الفضية" فهي محفوظة في المتحف البريطاني بلندن.
وقد تم إصلاح هذه القيثارات وإعادة بناؤها على أيدي علماء آخرين في الغرب، والعزف عليها بعد مرور 4500 سنة على صناعتها، وتوصلوا أيضاً إلى معرفة الأسماء السبعة لأوتارها، وحاولوا إيجاد حلول مناسبة للمسافات الصوتية التي بينها.

والقيثارتان "الذهبية" و"الفضية" المتطورتان والمبنيتان من أحد عشر وتراً تدل على ما للسومريين من رقي ومدنية وثقافة فنية موسيقية صناعية بالغة السمو والجمال. وقد ورثت الشعوب، التي أعقبتهم في المنطقة وحلت محلهم بالتتالي، كل حضارتهم وتراثهم الثقافي والموسيقي وآلاتهم الموسيقية وألحانهم وكتابتهم المسمارية.
وللمعرفة هناك قيثارات عادية كثيرة مكتشفة في المقابر غير الملكية، وهي غير القيثارات السابقة، تعتبر أقدم من القيثارتين الذهبية والفضية المذكورتين، فمنها مبنية من أربعة أوتار فقط، ومنها من ثمانية أوتار، ومنها اكتشفت في مراحل متقدمة مبنية من ثلاثة عشر وتراً. 
 
أما السلم الموسيقي السومري فيصرح الباحثون بأنه سلم سباعي، ولكن هذا الأمر يحتاج لمزيد من الدراسة والبحث لمعرفة شكل الأبعاد الصوتية لهذا السلم، بسبب وجود إشكاليات عديدة تدل على عدم وجود ثلاثة "أرباع صوت" التي تميّز الموسيقا الشرقية عن غيرها في هذا السلم، وأيضا على إستعمال السومريين للسلم الخماسي.
(هناك من أدعى وكتب بأن القيثارة السومرية مبنية من سبعة أوتار فقط، لكن هذا الإدعاء غير صحيح ويخلق اشكالية حقيقية حول السلم الموسيقي السومري. فإذا كانت القيثارة تحوي على سبعة أوتار فقط، أي من سبع علامات موسيقية ودون وجود وتر ثامن لنحصل على جواب العلامة الأولى، فإنها تحصر فيما بينها ستة أبعاد صوتية فقط، وهذا غير متوافق مع السلم السباعي ذي الأبعاد السبعة. كما أن عدم معرفتنا لمسافة كل بعد من الأبعاد الستة وكيفية ترتيبها، يدخلنا في مشكلة أعمق وأكبر من الاولى).

إن بعض البحوث الموسيقية وصلت الى النتيجة القائلة بأن السلم السباعي الأبعاد هو من وضع السومريين إستناداً الى قيثارتهم. لكن هذا ليس دليلاً قاطعاً على إختراعهم لهذا السلم. فهذه الفكرة بحاجة الى براهين أكثر وإثباتات أفضل، خاصة ان أصل السومريين وموطنهم الأول قبل إستقرارهم في جنوب العراق غير معروف.
يقول البعض من الآثاريين والمستشرقين بأن السومريين قدموا إلى العراق من وسط آسيا. فإن صدقت هذه النظرية، فإن النظرية القائلة بأن سلم السومريين كان السلم السباعي تسقط. لأن الشعوب الآسيوية كانت ولا زالت تستعمل السلم الخماسي في موسيقاها، ومعروف بأن السلم الموسيقي الخماسي أقدم من السلم الموسيقي السباعي.
لقد ورد في كتاب "تاريخ العود" للباحث الموسيقي العراقي الدكتور صبحي أنور رشيد 1928 - 2010 (وهو عالم في تاريخ الموسيقا وتاريخ الآلات الموسيقية القديمة، وله العديد من الأبحاث العلمية والكتب الموسيقية المهمة منها: "تاريخ الآلات الموسيقية في العراق القديم"، "تاريخ العود"، "مدخل الى تاريخ الغناء"، وغيرها)، حيث يقول: "إن السلم الموسيقي السومري يحتوي على خمسة أصوات كاملة".
فإذا كانت هذه المعلومة صحيحة فإن السلم الموسيقي السومري كان سلماً خماسياً وليس سباعياً، وهذا يلغي النظرية القائلة بإختراعهم للسلم السباعي. وستكون الموسيقا السومرية حسب هذه النظرية مشابهة للموسيقا الأفريقية أو الصينية أو قريبة منهما وخالية من ثلاثة أرباع الصوت.
إن ما ورد لدى البعض عن السلم الصيني الموسيقي بأنه كان سلماً سباعياً إستناداً الى الناي الصيني "تي ذات الثقوب الثلاثة"، ثم تم إستبداله لاحقاً بالسلم الخماسي، هو رأي عار عن الصحة.
فإذا كان الناي الذي له ثقوب خمسة، "وحسب رأي من طرح النظرية السابقة"، لا يستطيع إخراج الأصوات السبعة منه ليعزف به الموسيقا المبنية على السلم الموسيقي السباعي، فكيف سيستطيع ناي ذات ثقوب ثلاثة بإخراج الأصوات السبعة للسلم الموسيقي السباعي.
إن الأقرب للمنطق بأن ناي "تي" صنع بثقوبه الثلاثة لأجل عزف السلم الموسيقي الخماسي وليس السباعي، ليستعمل في الموسيقا الصينية القائمة أساساً على السلم الموسيقي الخماسي.
وإذا كان قد تم إكتشاف ناي سومر "تي - كي" بثلاثة ثقوب مشابه للناي الصيني "تي" فهذا دليل آخر على إستعمال السومريين للسلم الموسيقي الخماسي، بل قد يثبت النظرية القائلة بأن السومريين قد قدموا من وسط آسيا ليستوطنوا في جنوب العراق حاملين معهم موسيقاهم ذات السلم الخماسي وآلاتهم الموسيقية البدائية.

أما الإثبات الآخر الذي يدعم نظرية إستعمال السومريين للسلم الخماسي، هو مكان إستيطانهم في جنوب العراق، أي بجوار الخليج (الفارسي/العربي) على حدود الصحراء العربية التي كانت تتميز "بأفريقية غنائها وإيقاعاتها وإستعمالها للسلم الخماسي".
فالسومريين إن تأثروا بنوع الموسيقا الصحراوية الأفريقية فهذا يأخذنا الى استعمالهم للسلم الموسيقي الخماسي.
ورغم إستعمال أهل الصحراء العربية والخليج في هذه الأيام للسلم السباعي، لكن القفزات الصوتية ذات البعدين الكاملين في غنائهم التراثي، وتأثرهم الكبير بالغناء الأفريقي والإيقاعات الصحراوية، ليست سوى دليل واضح على جذور موسيقاهم القديمة أنها كانت مبنية على السلم الخماسي. فلا يستبعد أبداً إستعمال السومريين للسلم الخماسي نسبة لموطنهم المطل على الصحراء العربية.

وأما ما يدعم نظرية إستعمال السومريين السلم الموسيقي السباعي الأبعاد، هو إستعمال الكلدان في بابل لهذا السلم. فربما وصل هذا السلم للكلدان من بقايا السومريين أو الآكاديين، وهذه مشكلة حقيقية أخرى للفارق الزمني الكبير بين السومريين/الآكاديين والكلدانيين.
إن التوراة تفيدنا بشكل غير مباشر على أن الكلدانيين استعملوا السلم الموسيقي السباعي لأن ما وصل إلينا من ألحان اليهود، مبنية على السلم السباعي. وتقول التوراة "نزح ابراهيم من أور الكلدانيين"، وتقول عنه: "آراميا تائها كان أبي". والكلدان هم من الآراميين، والآراميون استعملوا واستمروا بإستعمال السلم السباعي لغاية اليوم، وهذا واضح في ألحان الكنيسة السريانية بشقيها الشرقي والغربي، مما يؤكد إنتشار السلم السباعي في العراق قديماً.
أما الدليل على إنتشار السلم السباعي بين شعوب العراق القديمة، هو أصل ابراهيم الخليل (الآرامي) الساكن أور الكلدانيين في جنوب العراق، فلقد كان يستعمل السلم السباعي في موسيقاه مثلما استعمله قومه قبل رحيله الى مملكة حران الآرامية التي كانت تستعمل السلم الموسيقي السباعي أيضاً، ثم انتقاله من حران الى أرض كنعان التي كانت شعوبها تستعمل أيضاً السلم السباعي في موسيقاها، ولاحقا جاءت الألحان اليهودية مبنية على السلم الموسيقي السباعي إستمرارية لما حمله معه ابراهيم الخليل من تراث غنائي آرامي مبني على السلم الموسيقي السباعي.
إذاً، إن إستمرار اليهود في إستعمال السلم الموسيقي السباعي منذ ابراهيم الخليل ليومنا هذا هو خير دليل على إستعمال شعوب العراق القديمة المندثرة السلم الموسيقي السباعي. إن جد اليهود ابراهيم الخليل استعمل السلم السباعي في غنائه جرياً على عادة آبائه الكلدان الآراميين، وكان الكلدانيون قد ورثوه عن تلك الشعوب القديمة. ولكن لا نعلم بالتحديد تاريخ وزمن استعمال شعوب العراق القديمة للسلم السباعي، سوى أنه قديم جدا وتجاوز بضعة آلاف من السنين.

حسب أعتقادي بأن السومريين كانوا في البداية يستعملون السلم الموسيقي الخماسي حيث حملوه معهم عند قدومهم من قلب آسيا الى جنوب العراق، ولكنهم عملوا على الإشتغال عليه وتطويره إلى السلم السباعي لاحقاً، أو ربما استعاروا السلم السباعي من الشعوب السامية المجاورة لهم، لوجود دلالات واضحة على إستعمالهم للسلمين الموسيقيين الخماسي والسباعي.


2. السلم الشرقي في الموسيقا القديمة:

عندما عزفت الموسيقتان المكتشفتان: السومرية والأوغاريتية من قبل علماء الغرب، كانت المقطوعتان الموسيقيتان خاليتين  تماماً من ثلاثة أرباع الصوت (ربع الصوت)  المستعملة في الموسيقا الشرقية بكثرة. فأدعى البعض بأن علماء الغرب أخطأوا في عزف هذه المقطوعة وأهملوا ربع الصوت، لأنهم لا يعرفون ثلاثة أرباع الصوت الموجودة في الموسيقا الشرقية، لكن هذا إدعاء غير صحيح مطلقاً، لأن علماء الغرب يعرفون أدق التفاصيل عن علوم الموسيقا والآثار، ونسي هؤلاء بأنهم علماء كبار استطاعوا أن يفكوا أكبر الألغاز التاريخية ومنها الرموز الموسيقية الموجودة على الألواح الطينية، فكيف لا يعرفون ما هي ثلاثة أرباع الصوت التي تستعمل في الموسيقا الشرقية، وتاريخهم يشهد بأنهم استعملوا سابقاً أرباع الصوت في موسيقاهم ثم تم إلغاؤها قبل عدة قرون فقط. بل أن هؤلاء المدعون لم يطلعوا على ما قام به بعض العلماء المشرقيين من تجارب رائدة في هذا المجال حيثوا صاغوا سلالم هذه المقطوعات بأبعاد صوتية خالية من ثلاثة أرباع المسافات الصوتية، وكنت قد أشرت لهذا الأمر في تجربة العالم السوري راوول فيتالي واعتماده "سلم مقام الكرد من درجة مي" الخالي من علامات التحويل الموسيقية الى النصف ومن أرباع الصوت، لعزف الموسيقا المكتشفة في مدينة أوغاريت لإيمانه بأن الموسيقا القديمة الأوغاريتية والآكادية خالية من ثلاثة أرباع الصوت.   
 يقول علماء الدراسات الموسيقية بأن موسيقا الشعوب القديمة لا تحوي ثلاثة أرباع الصوت، إنما كانت تعتمد على أبعاد كاملة، أو أنصافها. وأكد هذا الأمر أيضا الباحث العراقي صبحي أنور رشيد بقوله بأن السلم الموسيقي السومري مبني من خمسة أصوات كاملة، أي خال من ثلاثة أرباع الصوت المتواجدة في الموسيقا الشرقية.


تجربة عزف على القيثارة السومرية:

ننقل الحدث التالي بتصرف حول العزف على القيثارة السومرية لتبيان مقدرتها على مرافقتها للآلات الموسيقية الأخرى أي للاوركيسترا في الحفلات العامة.
 
في بداية الثمانينيات من القرن المنصرم وفي ندوة موسيقية أقيمت فى أحد أجنحة متحف الآثار العراقية فى بغداد، قدم فيها الأستاذ "سالم حسين" وهو واحد من الموسيقيين العراقيين والعرب الرواد، وملحن وعازف قدير على آلة القانون وكان أستاذاً فى معهد الفنون الجميلة في بغداد، وله كتب مهمة فى تاريخ الموسيقا العراقية وسلالمها وكتاب عن آلة القانون، قدم بحثاً موسيقياً وتجارب عزف على نسخة شبيهة مصنوعة على غرار آلة القيثارة السومرية، وبمرافقة فرقة موسيقية مكونة من طلاب وأساتذة المعهد.
وكان من بين الحضور الأستاذ عبد الرحمن جبقجي الباحث الموسيقي السوري المعروف، والأكاديمي العراقي الدكتور طارق حسون فريد، اللذان قدما مداخلات مهمة مع بعض الموسيقيين بخصوص القضايا التكنيكية التي تتعلق في العزف على آلة القيثارة السومرية وإليكم مختصراً لها :

1- إن القيثارة لا يمكن سماع صوتها إذا عزف عليها بالأصابع المجردة أو بإستخدام ريشة القانون كما فعل الأستاذ محاضر الندوة، لكن عند استخدام مضرب (مثل مضرب السنطور) تمكن الجميع من سماع صوتها بوضوح.
2- إن القيثارة عاجزة تماماً على الإستمرار في العزف مع الفرقة الموسيقية الشرقية التي تتسم بكثرة إنتقالاتها النغمية، لعدم وجود "عُرَب أو عَرَبات" (التي هي جزء من الآلة تستعمل لتحويل قيمة البعد الصوتي، لرفعه أو خفضه) في القيثارة، كعُرَب آلة القانون، فكانت الفرقة تتوقف مع كل تغيير في النغم ليتسنى لعازف القيثارة تسوية أوتارها على وفق النغم الجديد، وهذا لا يمكن من الناحية العملية والموسيقية كما حدث أثناء الندوة.
ويحق التساؤل كيف كان الفنان العراقي القديم يقدم فعالياته الموسيغنائية اثناء مشاركة القيثارة في العزف.

ويبدو أن هذه المشكلة لم تكن وليدة اليوم بل هي موجودة منذ القدم، وربما منذ صناعة القيثارة، ففي العراق أكتشف لوح طيني بالخط المسماري فيه تعليمات مهمة عن كيفية الغناء بمصاحبة القيثارة، حيث وضع المدون جدولاً ذكر فيه التغيرات الواجب إجرائها على أوتار القيثارة للحصول على أي نغم أو مقام مطلوب.
وهذه الإشكالية تفتح أبواب تساؤلات جمة حول ما قيل ويقال الكثير عن القيثارة السومرية أو مجموعة الآلات الموسيقية المكتشفة عند الأقوام القديمة في العراق.




شكرا للمتابعة
ويتبع في الجزء الخامس



4
الموسيقا السريانية الكنسية

(الجزء الثالث)

السلم السباعي والشعوب القديمة


بقلم: نينوس صوما أسعد
ستوكهولم



أصل السلم الموسيقي السباعي الأبعاد:

لقد رافقت الموسيقا الإنسان منذ وجوده على الأرض، وأن جميع الشعوب القديمة، مهما بلغت من التقدم والحضارة أو الجهل والتخلف، كانت تملك نوعاً من الموسيقا الخاصة بها، ومعظمها استعملت إما السلم الموسيقي السباعي او السلم الموسيقي الخماسي، وهذا واضح من نتاجات الشعوب الموسيقية التي استمرت لغاية اليوم. 
إذ أن كل الشعوب كانت لها موسيقاها الخاصة بها واخترعت آلاتها الموسيقية وطورتها خلال مجرى تاريخها. والسلم الموسيقي السباعي لم يكن مقتصراً على أمة معينة كما أدعى البعض.
ومن الشعوب القديمة التي استعملت السلم الموسيقي السباعي نذكر: السومريين والآكاديين والآشوريين والكلدانيين والحثيين والحوريين والأوغاريتيين والكنعانيين والآراميين (السريان) والعبرانيين والفراعنة والشعوب الهندية والفارسية والشعبين اليوناني والروماني، وغيرهم. ولازال قسم من هذه الشعوب التي لا زالت مستمرة في الوجود تستعمله في موسيقاها، كاليونان والفرس والمصريين والسريان.

للأسف لا نعلم شيئاً كثيراً بدقة وتفاصيل عن السلم السباعي القديم عند السومريين والآكاديين والآشوريين والحثيين والآموريين وغيرهم، لأن هذه الشعوب زالت من مسرح الوجود، وزال معها سلمها الموسيقي ولغتها وحضارتها، ولم يبق شيء منها سوى تلك الأطلال التي بقيت شاهدة على عظمة وحضارة هذه الشعوب ومدى تقدمها وازدهارها.  لكن علماء الآثار أكدوا مؤخراً من خلال اكتشافاتهم في الحفريات بأن تلك الشعوب كانت متطورة جداً موسيقياً، وكانت لديها آلات موسيقية كثيرة ومتطورة، قسم منها استمر في الإستعمال ووصلت لنا كما كانت عليه لكن مع تغييرات طفيفة في شكلها وفي إمكانيات إستعمالها، مثل آلات العود والناي، وبعض الطبول. لكن أهم حدث مكتشف كان السلم الموسيقي السباعي الذي استعملته هذه الشعوب وعلى رأسها السومريين. وليس بالضرورة أن تتفق جميع السلالم الموسيقية السباعية لجميع هذه الشعوب بمسافاتها الصوتية.

إن أقدم السلالم الموسيقية التي وصلت إلينا عبر تداولها وإستمرارها دون انقطاع كان السلم الموسيقي السباعي اليوناني من القرن السادس قبل الميلاد. فإن كان هذا السلم متكاملاً ومنتظماً في حسابات أبعاده الصوتية في القرن السادس قبل الميلاد، فهذا يعني أن هذا السلم أستعمل في اليونان قبل ذلك الوقت ربما بفترة طويلة جداً، وتناقلته الأجيال شفهياً لغاية وصوله الى فلاسفة اليونان الأجلاء (كانت الموسيقا قديماً جزءاً من الفلسفة)، فأشتغلوا عليه بشكل علمي دقيق، وعملوا على تطويره وتنظيمه وحساب أبعاده الصوتية بدقة، لينتشر في المشرق القديم كله وفي الغرب أيضاً.

وبسبب العلاقات التجارية والقرب الجغرافي بين شعوب شاطىء البحر المتوسط والداخل السوري والأناضول وآسيا الصغرى واليونان، أثرت شعوب المنطقة على بعضها وأنتقلت بعض مظاهر الثقافة المشتركة بين بعضها كأنتقال الأبجدية الفينيقية/الآرامية إلى اليونانيين. وبفضل حركة التأثير الثقافي بين تلك الشعوب، نعتقد بأن السلم الموسيقي الأوغاريتي أنتقل بدوره إلى اليونانيين وأصبح الركن الأساسي الذي أسس عليه السلم الموسيقي اليوناني المتطور.

إن السلم الموسيقي اليوناني إذاً وكما نعتقد قد تطور مباشرة من السلم الموسيقي الأوغاريتي وأستعمله أبناء اليونان فترة طويلة لغاية وصوله ليد الفلاسفة اليونان واشتغالهم عليه وتطويره وحساب وتحديد مسافات أبعاده الصوتية، ليعود بعدها الى الشرق سلماً موسيقياً متكاملاً.
وما يدعم  الرأي بأن السلم اليوناني متطور عن السلم الأوغاريتي هي التأثيرات الفينيقية والكنعانية والآرامية الواضحة في معالم الحضارة اليونانية، وإستعارة اليونان الكثير من أركان ثقافتهم وحضارتهم منهم، وخاصة أبجدية الكتابة اليونانية.

ﻓﻔﻲ ﺳﻨﺔ 1948 اﻛﺘﺸﻔﺖ اﻟﺒﻌﺜﺔ اﻷﺛﺮﯾﺔ اﻟﻔﺮﻧﺴﯿﺔ أقدم نوطة موسيقية في العالم تعود لعام 1400 ق.م، في مدينة أوغاريت التاريخية في موقع رأس شمرا الواقعة على الساحل السوري وإﻟﻰ الشمال من ﻣﺪﯾﻨﺔ اﻟﻼذﻗﯿﺔ ﺑﺤﻮاﻟﻲ 9 ﻛﻢ، وتبين أن هذه النوطة مبنية على السلم الموسيقي السباعي الأبعاد. وﻛﺎﻧﺖ أوﻟﻰ اﻟﺘﻔﺴﯿﺮات ﻧﺘﯿﺠﺔَ ﺑﺤﺚٍ ﻗﺎم ﺑﮫ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻷﺛﺮي اﻟﻔﺮﻧﺴﻲ "ﻋﻤﺎﻧﻮييل ﻻروش" وﻧﺸﺮھﺎ ﺑﺎﻟﻔﺮﻧﺴﯿﺔ ﻓﻲ ﻣﺠﻠﺔ "أوﻏﺎرﺗﯿﻜﺎ" وﻗﺪ ﺟﺎء بنتيجة أن اﻟﺮﻗﯿﻢ الأوغاريتي ﯾﺤﻤﻞ أﻧﺸﻮدةً ﻣﻮﺟﮭﺔ إﻟﻰ إﺣﺪى آﻟﮭﺎت اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ.

إلا أن اﻟﻐﻤﻮض يكتنف ھﺬا "اﻟﺮﻗﯿﻢ اﻷوﻏﺎرﯾﺘﻲ" لأﻧﮫ ﻣﺪون ﺑﻠﻐﺘﯿﻦ وﻟﻐﺎﯾﺘﯿﻦ، اﻟﺠﺰء اﻟﻌﻠﻮي ﻛﺘﺐ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ اﻟﺤﻮرﯾﺔ، وفيه ﻋﺒﺎرات ﺷﻌﺮﯾﺔ رﻗﯿﻘﺔ ﻣﻮﺟﮭﺔ ﻟـ ﻧﯿﻜﺎل زوﺟﺔ إﻟﮫ اﻟﻘﻤﺮ.. أﻣﺎ اﻟﺠﺰء اﻟﺴﻔﻠﻲ ﻣﻦ اﻟﺮﻗﯿﻢ ﻓﻘﺪ اﺳﺘﻐﺮق ﺗﻔﺴﯿﺮُهُ وﻗﺘﺎً أطﻮل، واﺳﺘﻨتِج أﻧﮫ اﻟﻨﻮطﺔ اﻟﻤﻮﺳﯿﻘﯿﺔ ﻟﮭﺬه اﻷﻧﺸﻮدة، وھﺬه اﻟﻨﻮطﺔ ﻣﺪوﻧﺔ ﺑﺎﻟلغة الآﻛﺎدﯾﺔ ذات الكتابة اﻟﻤﻘﻄﻌﯿﺔ (المسمارية) اﻟﺘﻲ ﺳﺎدت ﻓﻲ ﻧﻔﺲ اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﻮﻗﺖ وكانت لغة الشرق الاوسط.

وعزف علماء الموسيقا في القرن العشرين هذه المقطوعة الموسيقية عدةِ مراتٍ وبمراحلٍ مختلفة، بعد أن تعمق علماء الآثار والموسيقا في تفسير الرموز الموسيقية الموجودة في الرقيم الأوغاريتي، وفي النص الشعري المكتوب عليه باللغة الحورية (نسبة الى الحوريين الذين حكموا مساحات واسعة من بلاد المشرق لمدة تجاوزت الاربعمائة عام)، وإجراء تعديلات جديدة على التدوين الموسيقي.

وللعلم كانت البعثة الأثرية الفرنسية قد اكتشفت 36 رقيماً تحوي أشعاراً لأغانٍ باللغة الحورية (أي 36 أنشودة)، لكن معظم هذه الرقيمات كانت تالفة ومتآكلة وغير متكاملة سوى الرقيم المصنف (H-6) الذي كان فقط بحالة سليمة، وهو الذي يحوي النص الشعري للأنشودة والنوطة الموسيقية.

وأغلب هذه الرقيمات تحوي أسماء شعراء (كتاب) نصوصها الشعرية، ما عدا الرقيم السادس المتكامل والذي ومع كل أسف لا يحوي اسم شاعره.

يعود الفضل في القراءة الجديدة والموضوعية للرقيم السادس للباحث في علوم الآثار وأصول الموسيقا العالم السوري "راوول غريغوري فيتالي" (1927 - 2003) الإيطالي الأصل والسوري المولد في مدينة اللاذقية، صاحب الدراسات العديدة في التاريخ والموسيقا، ومن أهمها: "التناظر الشكلي للأحرف الأوغاريتية"، و "أوغاريت لا كنعانية ولا فينيقية"، و "الرقم عبر التاريخ - اختراع وتطور كتابة الأعداد"، "الكنعانيون"، وغيرها. وقد نشر دراسة قيمة سنة 1979 منشورة في عدة مجلات عالمية مختصة بعلم الموسيقا حول الرقيم الأوغاريتي المصنف تحت اسم (H – 6) الذي يضم أنشودة العبادة الأوغاريتية، ويُعد أقدم تدوين موسيقي في العالم أجمع. حيث قدم فيها قراءة جديدة للتدوين الموسيقي لا تعتمد على فكرة تعدد الأصوات، إنما على ترجمة بعض الرموز المتواجدة في الرقيم الى أزمنة موسيقية، وعلى عدم وجود إشارات تحويل موسيقية ( بيمول و دييز)، وعلى عدم وجود ثلاثة أرباع المسافات الصوتية (ربع الصوت)، ليتم عزفها من جديد على درجة مي ومن مقام الكرد الذي لا يحوي إشارات تحويل من هذه الدرجة، وبشكل مغايير للمرات الثلاث السابقة التي قُرأت وعُزفت، لتصبح المقطوعة متطابقة مع أوزان نصها الأدبي، وليس كما قدمها غيره من الموسيقيين حيث اعتمدوا على فكرة تعدد الأصوات، وكانت قراءة يغلب عليها الرأي الشخصي.
ولكن السؤال المهم هو: هل هذا السلم الموسيقي السباعي هو "حوري" لأن لغة الانشودة "حورية"، أم أنه "أوغاريتي" الإختراع؟

إن مجموعة الرقيمات ال 36 الأوغاريتية المكتوبة باللغة الحورية فتحت أبواباً جديدة للمناقشات والأبحاث حول أصول السلم الموسيقي المستعمل في هذا الرقيم  (H-6).

ومن المعروف بأن الحوريين حكموا مساحات واسعة من بلاد المشرق ومنها شمال سوريا، لكن بعد قرون عديدة اختفوا من مسرح الوجود بعد أن ذابوا بغيرهم من الشعوب ومنهم الآراميين. وورث الآراميون بدورهم شيئاً من الحضارة الحورية والكثير من الأماكن والمدن الحورية فطبعوها بطابعهم وأصبحت آرامية مع الزمن.
تؤكد الرقيمات المكتشفة في أوغاريت السورية ما للحوريين من مدنية راقية وانتشاراً واسعاً للغتهم الأدبية، بحيث كتبت فيها أشعار لأغاني "موسيقا أوغاريت"، ولكن هذا لا يعني أن المقطوعة الموسيقية الأوغاريتية هي حورية المنشأ، إنما هي أوغاريتية الإختراع رغم لغتها الحورية.

إن كون لغة الأنشودة في الرقيم (H-6)  باللغة الحورية وكون تدوينها الموسيقي باللغة الآكادية لا يجعلها حورية أو آكادية، بل هي أوغاريتية الإنتاج والهوية والإبداع كما يصرح العلماء.

إن السلم الموسيقي المستعمل في المقطوعة الأوغاريتية هو السلم السباعي المشترك بين شعوب المنطقة كافة ولربما يكون حوري الإختراع أو التطوير، وإلا لما كتبت كل هذه الرُقم باللغة الحورية إن لم يكن السلم الموسيقي حوري المنشأ.

إن أصل السلم الموسيقي السباعي لدى الآراميين واليونانيين هو من الحوريين، وقد عملوا بدورهم على تطويره بما يناسب شخصية موسيقا كل منهما.
فالسلم الموسيقي الآرامي (السرياني) واليوناني جذرهما إذاً واحد، وهو السلم الموسيقي الحوري لأن المنطق وتسلسل التاريخ يقولان هكذا.
وقد ورث الآراميون هذا السلم مباشرة من الحوريين لإحتكاكهم المباشر فيهم، أما اليونان فيبدو انهم أخذوه عن الكنعانيين والفينيقيين بواسطة الأوغاريتيين الذين أخذوه بدورهم من الحوريين.

إن هذا الأمر يقلب الطاولة على مفاهيم كثيرة كانت قد خدمت العلم لفترة معينة لكنها شاخت الآن ولم تعد تصمد أمام الدراسات الحديثة.
أما الأفكار غير العلمية المتدالة بين الناس العاديين والتي لا تصمد أمام إثباتات البحوث العلمية واللغوية فليست جديرة بالذكر. ففي عصرنا هذا فإن العلوم تتطور والأفكار تتجدد، وصاحب الإختصاص اليوم لا يتقبل الكلام الإنشائي الذي يدغدغ فقط أحاسيس الإنسان وليس عقله، إنما يبحث عن الحقيقة العلمية، ويتابع الأبحاث العلمية الجديدة ويتبنى نتائجها أكانت لمصلحته أو ضده، لأن الحقيقة العلمية هي فوق كل إعتبار.


لكم كل المحبة
ويتبع في الجزء الرابع


5
الموسيقا السريانية الكنسية
(الجزء الثاني)


بقلم: نينوس اسعد صوما
ستوكهولم




توضيحات لبعض المصطلحات الموسيقية الهامة

قبل أن أعالج موضوع الموسيقا السريانية الكنسية سأقف بإختصار عند بعض التعابير والمصطلحات الموسيقية  لأشرحها للقارىء الكريم ليتجهز بها عند قراءة الموضوع.

السلم الموسيقي:

يتكون السلم الموسيقي من سبع درجات موسيقية، هي: Do, Re, Mi, Fa, Sol, La, Si.
ومع إستعمال الدرجة الثامنة Do  والتي هي تكرار للدرجة الأولى وتسمى الجواب، يكتمل السلم الموسيقي ويسمى بالعربية الديوان، ويعرف عالمياً بالاوكتاف Octavus ، ويتكون الأوكتاف من ثمان درجات موسيقية، تقسم الى أنصاف درجات عددها 13 نصف درجة موسيقية، ويسمى بالسلم الملون أو السلم الكروماتي.

المسافة الصوتية أو البُعد الصوتي:

تتكون المسافة الصوتية من الصوت المحصور بين درجتين موسيقيتين، أي هي الفارق الصوتي الناتج من الإنتقال بين درجتين موسيقيتين صعوداً أو هبوطاً، كالإنتقال بين درجتي Do و Re، وتسمى هذه المسافة "بالبُعد الصوتي" أو "البُعد الطنيني"، وتقاس مسافته بعدد معين من الذبذبات الصوتية، وهذا البُعد الصوتي هو اليوم مقدار واحد في كل موسيقات العالم.
ويتكون السلم الموسيقي (الاوكتاف أو الديوان) من سبع مسافات صوتية متسلسة مختلفة الأبعاد، وتكون في السلم الموسيقي الغربي الكبير على نحو: (بُعد، بُعد، نصف بُعد، بُعد، بُعد، بُعد، نصف بُعد). والسلم الملون الكروماتي يتكون من 12 وحدة متساوية من أنصاف الأبعاد الصوتية.

علامات التحويل الموسيقية:

إن علامات التحويل الموسيقية مهمتها تحويل المسافات الصوت الكاملة الى أنصافها وتوضع هذه العلامات على المدرج الموسيقي بجانب مفتاح وميزان المدرج. 
وعلامات التحويل هي:
1- علامة " دييز , الرافعة" ومهمتها رفع العلامة الصوتية الى نصف درجة. ( مثل: دو دييز اي درجة دو مرفوعة نصف درجة ).
 2- علامة "بيمول , الخافضة" فمهمتها خفض الدرجة الصوتية الى نصفها. ( مثل: ري بيمول اي درجة ري منخفضة نصف درجة ).
3- علامتا التحويل الشرقية وهي: "نصف دييز" الرافعة ربع درجة صوتية و "نصف بيمول" الخافضة ربع درجة صوتية. ومهمتاهما هي الخفض او الرفع من قيمة الدرجة الصوتية ربع صوت لنحصل على مسافة الثلاثة أرباع الصوت الموجودة في سلالم المقامات الشرقية.
4- علامة "بيكار" مهمتها إعادة الدرجة المتأثرة بإحدى علامات التحويل إلى طبيعتها الصوتية السابقة.

الكوما الموسيقية:

يُقسم البُعد الصوتي الكامل الى تسعة أجزاء صغيرة يسمى الجزء الواحد منه "كوما"، ويقسم البُعد إلى نصفين، ونصف البُعد هذا يرتكز على الكوما الخامسة، ثم يقسم نصف البعد إلى ربعين، ويرتكز ربع الصوت الخافض على الكوما الثالثة، وبذلك نحصل على ثلاثة أرباع الصوت التي تتميز به الموسيقا الشرقية، (إذا كان الفرق الطبيعي بين العلامتين نصف بُعد صوتي، مثل البعُد الصوتي بين Mi, Fa)، والذي يقال له خطأ "ربع الصوت".
ويرتكز ثلاثة أرباع الصوت المرتفع على الكوما السابعة، (إذا كان الفرق الطبيعي بين العلامتين بُعد صوتي كامل، مثل البُعد الصوتي بين La, Si).
وكوما واحدة زائدة أو ناقصة لها أهمية كبرى في إضافة مذاق خاص ونكهة معينة في الموسيقا الشرقية، وتعطي لموسيقا شعب ما أو منطقة ما، هوية موسيقية مميزة عن غيرها.
وتتميز ألحان الكنيسة السريانية الأرثوذوكسية بشكل عام بإستعمال الكوما المرتفعة في سلالمها الموسيقية الشرقية، مما يعطيها هذا الأمر جزءا هاماً من هويتها وشخصيتها وخصوصيتها، ويميزها عن موسيقات شرقية أخرى بعيدة عنها كالموسيقا المصرية المعاصرة التي تستعمل كوما منخفضة في سلالمها الموسيقية مما تكسبها نكهة وهوية مختلفة في ألحانها الشرقية الخاصة بها.

الجنس الموسيقي:

يتكون الجنس الموسيقي من أربع درجات موسيقية تحصر فيما بينها ثلاث مسافات صوتية متوالية ومتوافقة ومختلفة الأبعاد، لكنها لا تتعدى البعدين والنصف، أمثلة:
-  جنس بياتي يتكون من: بُعد ذو ثلاثة أرباع الصوت+ بُعد ذو ثلاثة أرباع الصوت+ بُعد صوتي كامل.
-  جنس نهوند يتكون من: بُعد كامل + نصف بُعد + بُعد.
-  جنس حجاز يتكون من: نصف بُعد + بعد ونُصف + نُصف بُعد.
ونلاحظ بأن مجموع المسافات في جميع الأجناس السابقة هي متساوية الأبعاد الصوتية ومقدارها بُعدين ونصف.  وهناك أجناس كثيرة في الموسيقا الشرقية منها: جنس راست، جنس عجم، جنس كرد ...... والخ .
أما إذا نقص الجنس عن البُعدين والنصف فيصبح جنساً ناقصاً، مثل جنس الصبا الذي يتكون من: بُعد ذو ثلاثة أرباع + بُعد ذو ثلاثة أرباع + نصف بُعد، ومجموعها فقط بُعدين.
وإن بعض ألحان الكنيسة السريانية الأرثوذوكسية تحوي أجناساً من هذا النوع.

وإذا زاد الجنس عن البُعدين والنصف وأصبح جنساً ذو خمس درجات موسيقية تنتج أربع مسافات صوتية سمي جنساً زائداً أو عقد موسيقياً، مثل عقد "نوى أثر" أو عقد "نكريز" الذي يتكون من: بُعد + نصف بُعد + بُعد ونصف + نصف بُعد. ومجموعها ثلاثة أبعاد ونصف.

وأما السلم الموسيقي (الديوان او الأوكتاف) فيتكون من جنسين موسيقيين، هما الجنس اﻷدنى والجنس الأعلى، وكل جنس يتكون من أربع درجات موسيقية، أي من بُعدين ونصف، ويفصل الجنسين مسافة صوتية تسمى فاصل طنيني، ومجموع أبعاد الجنسين مع الفاصل الطنيني (أي الأوكتاف) هي سبعة أبعاد صوتية غير متساوية المسافات.

المقام الموسيقي:

إن الصعود والهبوط على سلم الدرجات الموسيقية الثمانية العدد، والتي تحصر فيما بينها سبعة أبعاد صوتية متتالية ومختلفة المسافات، تصدر لحناً ميلودياً معيناً له نغمة خاصة تسمى بالمقام. وهناك مقامات عديدة وكل مقام له اسمه الخاص الذي يعرف به، وأسلوبه المتميز في سير العمل فيه، وملامحه الموسيقية، وشخصيته الخاصة، مما يميزه عن بقية المقامات الأخرى.
وبتبديل ترتيب الأبعاد الصوتية على السلم الموسيقي، يتبدل اللحن أو النغمة الميلودية ويتبدل المقام أيضاً، مثل مقام الراست ومقام البيات ومقام النهوند ومقام العجم وغيرها.
ويتكون المقام عادة من جنسين موسيقيين، أدنى وأعلى، وأحيانا أكثر من جنسين، فكلما يتوسع اللحن بتكوينه السلمي ويتنوع بنغماته يزداد عدد أجناسه الموسيقية، وربما تصل إلى أربعة أجناس صوتية متداخلة ومتوافقة من حيث التركيب والسمع. وهذا مثل توضيحي في كيفية بناء نغمات مقام الراست فقط من جنسين:
جنس راست أدنى ذو أربع درجات يرتكز على درجة Do.  أي ( دو- ري- مي هابطة ربع – فا )  ويحصر ثلاثة أبعاد مختلفة هي بُعد كامل+    ثلاثة أرباع البُعد +   ثلاثة أرباع البُعد.
وجنس راست آخر أعلى ذو أربع درجات يرتكز على درجة Sol.  أي  ( صول- لا- سي هابطة ربع- دو )  ويحصر ثلاثة أبعاد مختلفة هي: بُعد كامل +   ثلاثة أرباع البُعد +   ثلاثة أرباع البُعد،  ويفصل الجنسين فاصل طنيني (بُعد كامل) بين درجتي Fa   وSol .  وبتبدل نوع أو نغمة الجنس الأعلى يتبدل إسم المقام أيضا، ويكون في هذه الحالة من تفرعات المقام.

ومن المقامات المعروفة والغير المعروفة:

مقام اليكاه، مقام فرحفزا، مقام شت عربان، مقام عجم عشيران، مقام شوق إفزا، مقام حسيني عشيران، مقام سوزدل، مقام العراق، مقام راحة الأرواح، مقام فرحناك، مقام كوشت، مقام الرست، مقام سوزناك، مقام سازكار، مقام حجاز، مقام حجازكار، مقام نكريز، مقام حجازكاركرد، مقام نهوند، مقام نوروز، مقام زنجران، مقام البياتي، مقام أصفهان، مقام عشاق مصري، مقام صبا، مقام عرضبار، مقام السيكاه، مقام نيشابور، مقام جهاركاه، مقام النوى، مقام الحسيني، مقام الأوج، مقام الماهور. وهناك المئات من المقامات وتفرعاتها.
ملاحظة:
تختلف بعض البلدان في أسماء المقامات رغم تطابق سلالمها الموسيقية، وليس بالضرورة أن تتفق جميع البلاد على مسميات مقاماتها، وقد تختلف أيضاً في سير عملها الذي يكسب موسيقاها روحاً مغايرة عن بلاد أخرى، لتتميز بهوية مقامية مستقلة عن غيرها مثل المقامات العراقية.   


السلم الموسيقي السباعي:

إن السلم الموسيقي (الديوان) يتكون من ثمان درجات موسيقية، أو من سبعة أبعاد صوتية متسلسة ومختلفة المسافات، لكنها متوافقة في تنظيمها السمعي وغير متنافرة، سميت بالسلم السباعي الأبعاد.
إن معظم الأمم والشعوب التي تستعمل السلم السباعي، تختلف سلالمها السباعية عن بعضها بسبب إختلاف في مسافات أبعادها الصوتية. لإختلاف هذه الشعوب عن بعضها بعاداتها وتقاليدها وبلغاتها ولهجاتها وأذواقها وظروف تطورها.
وهناك خلط كبير عند البعض بين مفهومي السلم السباعي والسلم الموسيقي (الديوان)، ورغم إرتباطهما ببعضهما، فالسلم الموسيقي (الديوان) هو تتابع الدرجات الموسيقية الثمان، وأما السلم السباعي فهو سلسة الأبعاد الصوتية السبعة المتوافقة التي يحصرها السلم الموسيقي بين درجاته.

السلم الموسيقي الخماسي:

يتميز السلم الخماسي بأنه يتكون من خمس درجات موسيقية تتضمن أربع مسافات صوتية مختلفة الأبعاد، وأهم هذه المسافات التي توضح معالم هذا السلم هي المسافة ذات البُعدين الكاملين.
إن ترتيب المسافات الصوتية الأربع المختلفة الأبعاد ينتج نغمة جميلة ورائعة لها ميزاتها وهويتها ونكهتها وخواصها الموسيقية.
إن البعض من الشعوب يستعملون إلى جانب السلم الخماسي الأساسي ذي الأبعاد الصوتية الأربعة، سلم خماسي آخر ذي أبعاد صوتية خمسة، وهذا السلم الأخير يتكون من ست درجات موسيقية تحوي على خمس مسافات صوتية مختلفة الأبعاد، وأهمها المسافة الصوتية ذات البُعدين الكاملين ويستعمل هذا السلم في موسيقا السودان إلى جانب السلم الخماسي، وكذلك يستعمل اليوم للمزج والإنتقال بين السلمين الخماسي والسباعي لأنه يحوي النكهتين.
وبشكل عام تستعمل السلم الخماسي العديد من الشعوب الافريقية، منها السودان وأثيوبيا واريتريا والصومال وغيرها، وكذلك بعض الشعوب الآسيوية مثل الصين واليابان وكوريا وفيتنام وغيرها.


لكم تحياتي
ويتبع في الجزء الثالث


6
الموسيقا السريانية الكنسية
(الجزء الأول)
بقلم: نينوس اسعد صوما
ستوكهولم



مقدمة عامة:

رغم العنوان الشامل لمقالنا هذا "الموسيقا االسريانية الكنسية"، إلا أننا نعالج فيه فقط موسيقا الكنيسة السريانية الارثوذكسية الانطاكية دون التحدث عن موسيقا الكنائس السريانية الأخرى، على أمل ان يقوم البعض من أبناء التراث الموسيقي السرياني الخاص بالكنائس السريانية الأخرى بالكتابة عن موسيقا كنائسهم السريانية هنا ليكتمل الموضوع.
 
ويعالج مقالنا موضوع موسيقا "الكنيسة السريانية الارثوذكسية" في نشأتها وتطورها وسلمها الموسيقي ونظامها اللحني، ونصحح فيه بعض المفاهيم الخاطئة والمتداولة بين السريان من مثقفين وغيرهم، والتي تراكمت مؤخراً بينهم وقبلوها كمسلمات دون أن يجهدوا أنفسهم للتأكد من صحتها والبحث عن حقيقتها، وخاصة فيما يتعلق بنظام الكنيسة اللحني وسلمها السباعي وآداء الالحان.

لكن قبل ان ندخل أروقة الموضوع لا بد من وقفة عامة عند بعض النقاط والتعابير الموسيقية العامة لنشرحها ونقدمها للقارىء الكريم وثم ندخل في صلب موضوعنا أي الموسيقا الكنسية السريانية.

وكل ما ساقدمه هنا من جديد حول الموسيقا الكنسية السريانية مبني على ملاحظاتي، وكل المعلومات المطروحة هي على الأغلب من إستنتاجاتي الشخصية التي توصلت اليها من خلال خبرتي العملية في المجال الموسيقي الكنسي، بالإضافة الى ما اطلعت عليه من أبحاث العلماء في الموسيقا الشرقية، ومنها ما قدمه لنا العلامة السرياني غريغوريوس ابن العبري (1226-1286) من دراسة حول الألحان الكنسية، وما كتبه البطريرك اغناطيوس افرام الأول برصوم (1887-1957)  في كتابه الشهير "اللؤلؤ المنثور" عن هذا الموضوع.
فمنذ عشرين سنة وأنا مهتم بالموسيقا الكنسية وأتعاطى معها بشكل عملي في الكنيسة السريانية الارثوذكسية في ستوكهولم كمعلم لجوقتها ومرافق لإنشادها في العزف. لذلك أتقبل كل نقد أو إضافة من الضليعين بالموضوع  برحابة صدر.
ومن خلال درسي وعزفي للأناشيد الكنسية، قمت بإعادة طريقة غناء الكثير من هذه الأناشيد السريانية إلى طبيعتها اللحنية الأساسية مرتكزاً على الصفات الإنسانية لألحانها، وأسسها الكنسية الدينية الصحيحة، كمحاولة لإعادة جوهر الألحان الى أصولها وغاياتها الدينية.
خاصة تلك التي وصلت لنا وفيها بعض التناقض بين طريقة آداء اللحن والمضمون الديني للنص الغنائي. وكذلك قمت بإعادة آداء الألحان الكنسية إلى شرقيته وسريانيته الصحيحة في الإنشاد الجماعي (من قبل الجوقة) وفي الإنشاد الفردي (من قبل المنشد والمؤدي)، للخروج من عباءة الآداء الغربي الذي يفرض نفسه وبقوة على غناء معظم الجوقات السريانية في الشرق والغرب.           
وقمت أيضا بمحاولات لإستنباط السلالم الموسيقيه الصحيحة لقسم من الألحان بطريقة توزيع الكومات على سلمها السباعي. وبتجارب صغيرة في ضبط أوزان إيقاعات بعض الأناشيد، بطريقة متابعة مجموعة الضغوط المتواجدة في اللحن، مع الإحتفاظ بهيكل اللحن وجوهره وعدم المس بمجرياته وأهدافه.

ولإستعمال تعابير صحيحية ودقيقة في مقالنا، أفضل إستعمال الكلمات: ألحان وأناشيد وتراتيل، عوضاً عن كلمة موسيقا التي تعني اليوم العنصر النغمي المجرد من الغناء، وهذا الأمر سيبرز بكثرة في الأجزاء الأخرى القادمة من المقال.

أما مقالنا هذا فيضم ثلاثة مواضيع أساسية: فالأول هو مقدمة عامة للموضوع عن ماهية الموسيقا، والثاني هو عن الموسيقا السريانية ونظام الألحان الكنسية وأصله، والثالث عن منشأ الألحان الكنسية والفرق بين النظامين السرياني واليوناني. وكل موضوع يقسم الى عدة أجزاء صغيرة سنناقشها بموضوعية، وسننشرها تباعاً في سلسلة من المقالات.

مدخل إلى الموسيقا
والموسيقا كلمة يونانية مشتقة من اسم ربة الغناء اليونانية "موسا" ، وهي "لغة" يُعبر بواسطتها عن أحاسيس ومشاعر الإنسان وفكره، ويستخدمها في معظم مجالات حياته. وتتولد من الأصوات الصادرة من الطبيعة والإنسان والحيوانات والطيور والآلات الموسيقية وغيرها، لكن الموسيقا بمفهومها الفني السامي هي إنتاج فكري إبداعي راق يتطرق لمواضيع عقلانية بحتة كالقدر أو صراع الخير والشر، أو الهزيمة والإنتصار، أو يترجم ما يختلج في نفس الإنسان من شعور وما في قلبه من أحاسيس إلى موسيقا، كالحب والكراهية أو الفرح والألم وغيرها.
ويمكن أن يؤثر هذا الإنتاج الفكري على السامع ويولد في أعماقه الكثير من المشاعر المختلفة مثل السعادة والحزن.
وتتكون الموسيقا من عنصرين جوهريين هما الصوت والزمن:
أما الصوت فينشأ من إهتزاز ذرات الأجسام الرنانة، ويُسمع صداه بواسطة الأثير. وينتج من تركيب طبقات الصوت المتآلفة لحن ما، قد يُغنى أو يُعزف بواسطة الآلات الموسيقية.
أما الزمن فهو مدة مكوث الصوت وإستمراريته، وله قياسات دقيقة جداً تستعمل في النوطة الموسيقية. ويتم تدوين الصوت والزمن على السلم الموسيقي بإستخدام علامات موسيقية معينة، مع مفاتيح خاصة وأوزان مناسبة لعزفها أو لغنائها لاحقا.
والموسيقا من العلوم الموزونة التي تعتمد على النظام ووحدة الحركة والسكون.  وهذا العلم الموزون مبني على قواعد الصوت وضوابط الزمن، ويستند إلى قياسات وموازين كثيرة ودقيقة للغاية مختلفة ومتنوعة، ويبحث في ترتيب وتعاقب الأصوات المختلفة في الدرجة وفي تآلف الأصوات وتناسبها، بحيث تكون متفقة ومنسجمة غير متنافرة، كي تتركب منها نغمات تستسيغها الأذن أثناء العزف والغناء والتلحين. كما أن هذا العلم يبحث في تنظيم وتركيب النغمات والعلاقات فيما بينها، وفي تركيب أوزان الأنغام والإيقاعات والأشعار.
وهناك علم في الموسيقا يُعرف بعلم تكوين (بناء) السلالم الموسيقية وإستخراج النغمات من قاعدة الدوران الموسيقية العجيبة (دائرة الرابعات والخامسات لإستخراج علامات التحويل المسماة دييز: الرافعة نصف درجة موسيقية، وبيمول: الهابطة نصف درجة موسيقية)، وبناء السلالم عن طريق جمع الأجناس الموسيقية.
وأخيراً يتم تحويل المعرفة والموهبة الموسيقية في هذا المجال إلى صناعة حقيقية تسمى بصناعة الموسيقا لتنفيذ الأعمال الموسيقية من قبل موسيقيين محترفين في الاستوديوهات، أو في عرضها أمام الجمهور بواسطة اوركسترات موسيقية في صالات فخمة، وقد ترافقها كورالات محترفة ومغنيين أوبراليين في حالة الموسيقا الغربية. وأما في الموسيقا الشرقية فتكون مغناة في معظمها، ليستمتع بها الإنسان أو لتحاكي مشاعره وهمومه النفسية.
وقد قيل في الموسيقا مقولات جميلة للغاية من بعض مشاهير التاريخ ومنهم: كونفوشيوس (479-551 ق.م): حيث قال: "إذا أردت أن تتعرف على رقي بلد ما، وما يحفظه من مدنية، فأنظر الى موسيقاه". ومنهم أيضاً الفيلسوف اليوناني افلاطون (428-348 ق.م) بقوله: "الموسيقا جزء هام من ثقافة المجتمع"، وكذلك: "علمنا الإختبار أن نؤسس تهذيب الناشئة على تعليمهم الموسيقا لأنها تربي العقل، وعلينا أن نعالج العقل بالموسيقا أولاً ثم نفوض إليه المعالجة المختصة بالجسد".
وقال الفيلسوف السرياني غريغوريوس ابن العبري (1226-1286م): "الموسيقا غذاء للروح".
وأجمل ما قاله الأديب السرياني اللبناني جبران خليل جبران (1883-1931 م): "الموسيقا كالمصباح تطرد ظلمة النفوس وتنير القلب وتطهر أعماقه".

تحياتي لكم
ويتبع الجزء الثاني
[/b]

7
أحداث الموصل ومقالنا حول الموسيقا

نينوس اسعد صوما / ستوكهولم

ها قد شارفنا على نهاية سنة 2014،  السنة الكارثية التي مرت على شعبنا السرياني في العراق الجريح ودخلت التاريخ من بابه الضيق واضافت الى مآسي شعبنا مأساة جديدة لم تكن في الحسبان، وخاصة مأساة ما حصل في مدينة الموصل وريفها من عمليات تهجير قسرية لشعبنا، ولحقها إفراغ بلداتنا وقرانا السريانية من سكانها الأصليين في سهل نينوى، وما حصل للسريان وللطائفة اليزيدية الكريمة في مدينة سنجار وقراها. كل هذه كانت حقاً كوارث مأساوية أدمت قلب شعبنا وحطمت احلامه وسحقت مستقبله، واهتزت الإنسانية من هول أحداثها.
وكوقفة رافضة ضد هذه الجرائم البشعة التي تعتبر عار على البشرية جمعاء، وإعتراضا على ما حصل وما زال يحصل لغاية اليوم، كنتُ قد أوقفتُ حينها نشر الحلقات المتبقية من مقالنا المتواضع المعنون تحت اسم: "الموسيقا السريانية الكنسية". والذي يبحث في جذور الموسيقا السريانية الكنسية الأورثذوكسية وسلمها الموسيقي ونظامها اللحني السنوي، وخصائص إنشادها، حيث كنتُ قد نشرتُ منه حينها سبعة أجزاء في هذا الموقع الكريم قبل ان اتوقف عن متابعة نشره للأسباب الجسيمة التي ذكرتها سابقاً.
وبالرغم من مرور شهور على هذه الأحداث، لكنه لم يتغير من الوضع السابق والراهن أي شئ على أرض الواقع، سوى إطلاق بعض الخطابات الرنانة وقليل من الزيارات المكوكية لبعض السياسيين العالميين والمحليين، ولبعض رجال الدين من الذين يحاولون مشاركة المتضررين مصائبهم، وبما أن الأزمة ستطول وتطول حسب التصريحات الأميركية، وهذا ما لا نتمناه مطلقا، ولم نكن نتوقعه ابداً، لهذا ارتأينا وفي بداية السنة الجديدة أن نبدأ مرة أخرى بنشر بحثنا كله بشكل متسلسل من بدايته لغاية الاجزاء التي لم ننشرها حينها، وذلك للإستفادة العامة وخاصة لمن فاته الإطلاع على الاجزاء المنشورة.
لكن قبل كل شئ نتمنى ان تكون سنة 2015 سنة سلام على شعبنا السرياني بكافة أطيافه ليستدب الأمن ويعود الى أماكنه التاريخية التي رحل منها، وكذلك نطلب السلام والإستقرار لكل العراق الجريح وسوريا المنكوبة، ونأمل أن يعم الخير والسلام على كل المشرق الحبيب، وأن يضع رب المجد المحبة في كل بقعة من بقاع الأرض.

ولنا جميعاً التوفيق في خدمة تراثنا السرياني المُهمَل وأمتنا السريانية الجريحة.
وكل عام والجميع بسلام
[/font][/size]

8
موسيقا الكنيسة السريانية
         (الجزء السابع)                   

خصائص الألحان الثمانية وخصائص الإنشاد الديني
يتبع في الجزء الثامن

9
موسيقا الكنيسة السريانية
(الجزء السابع)                   

خصائص الألحان الثمانية وخصائص الإنشاد الديني
يتبع في الجزء الثامن

10
الموسيقا السريانية الكنسية
(الجزء السادس)

نظام الالحان الثمانية طبيعتها وصفاتها ومتغيراتها
ولنا لقاء  في الجزء السابع

11
موسيقا الكنيسة السريانية الارثوذكسية
(الجزء الخامس)
ويتبع في الجزء السادس


12
الموسيقا السريانية الكنسية
(الجزء الرابع)
ويتبع في الجزء الخامس[/size][/b]

13
الموسيقا الكنسية السريانية

ويتبع في الجزء الرابع

14
 
الموسيقا السريانية الكنسية

لكم تحياتي
ويتبع في الجزء الثالث
[/size]

15
الموسيقا السريانية الكنسية
الجزء الأول
[/font][/font][/font][/font][/font]

صفحات: [1]