1
المنبر الحر / حريتنا في استراليا، ليست انهزاماً لها أمامنا
« في: 05:22 24/01/2015 »حريتنا في استراليا، ليست انهزاماً لها أمامنا
سامي القس شمعون – سيدني
ما أن قررت ومع سبق الاصرار والترصد، ومن باب المزاح، ان اكون طائفياً ومتعصباً للحظة، حتى شاهدت أصدقاء من حولي يضربون بعرض الحائط الصداقات والعلاقات الانسانية التي بنيناها سوية خلال عشرات السنوات الماضية بسبب الاختلاف فيما بيننا بالفكر، المعتقد أو بالرأي.
هذه المزحة كررتها ثلاث مرات، مع من يختلف عني سياسياً، أولاً، ثم كررتها مع من يختلف عني فكرياً، وثالثاً دينياً خلال فترة شهر واحد أعقبت احداث مقهى سيدني الارهابي، لكي اختبر ويختبر غيري اني قادر على ما هو قادر عليه من أساليب تحقير وتخوين وتكفير.
فما ان ألتقيت بصديق قديم لي، معروف بتوجهه السياسي المتعصب، ازاء تعدد الآراء والذي فيه يخوِّن كل الاحزاب الأخرى، حتى أمطرت حزبه بعشرات السلبيات، رغم ان الكثير منها غير صحيح، وسارعت لكي يجن جنونه، الى تخوينهم للقضايا المصيرية من خلال استخدام اسطوانة مشروخة الحقائق والمفاهيم، فهاجمت بها توجه حزبه دون اعطائه فرصة واحدة للرد، فما كان من صديقي هذا الا أن يختلق أعذاراً لانهاء لقائنا، مشمئزأ مما سمع، احتماءً من ضربات " مزيفة" موجعة وجهتها تحت حزام حزبه.
الامر تكرر، عمداً، بعد ان وجدت طريدة جديدة "لمسرحية التعصب" هذه، من خلال لقائي بأحد أبطال الانترنت من الذين ينغلقون على فكر محدود ويستميتون في الغاء الآخر ولا يقبل الا رأيه فقط، وله شهوات تميل للعنف الالكتروني، فلبست قناعي ومارست تمثيلي معه وكنت موفقاً جداً لانني نجحت في أثارة انتباه الناس من حولنا بسبب صراخه، فتوقفت في اللحظة التي اراد الحديث فيها ينزاح الى خانة الشتائم.
وبعد ان أتقنت اللعبة "المقززة" لمرتين، وبعد ان اجبرت ضميري على النوم الاجباري، للمرة الثالثة، خضت آخر حروبي الطائفية، لكتابة هذا المقال، مع من يختلف عني مذهبياً، ورغم اني فشلت في اثارة اعصاب من التقيته في حينها، الا اني استطعت أن أنقل له رسالة مفادها، أنا طائفي فاذن انا موجود!
لا يخفى على الكثيرين الفرق بين الحريات التي أعطيت لنا في بلداننا السابقة، وبين ما وجدنا انفسنا فيه في استراليا حتى شعر البعض منا انهم ملكيون أكثر من الملك، عندما وضعوا سقفاً شاهقاً لحرياتهم متجاوزين كل خطوط الطول والعرض لهذه النعمة، فباتوا يضرون في استراليا أكثر مما ينفعون من خلال نصب قنابل القدح والشتم والحقد، واطلاق رصاص الكراهية على الاخر المختلف، بأسم الحرية، حتى اختلط الحابل بالنابل وساد الاعتقاد ان من يحمل جنسية هذا البلد، هو اقوى من البلد، وان قدمت له الحكومة احترامها، اعتبرها نقطة ضعف وانهزام لها!
الحكومة هنا تضمن حرية حتى لمعارضيها، فتسمح لهم بالتظاهر ضدها وبكل ارتياح وتقدير، وتسمح ايضأ بمراقبة اعمالها وانتقادها، على العكس من مفهوم المعارضة في بلدان الشرق الاوسط والتي تشير هذه الكلمة فيها، الى الرعب والهرب في نفس من يسمعها، لخشيته من بطش السلطة فيه.
من لا يحافظ على نعمة الحرية المعطاة له بصورة صحيحة، ويحاول أن يختزلها لنفسه ويستثقلها على الآخرين، سوف يعزف على أوتار الدكتاتورية وان كانت رئته تتنفس في بلد ديمقراطي. هذه الدكتاتورية تبتدأ حدودها من خلال مشاعر الاستعلاء والتكبر والتشبث بلغة مغلقة متشرنقة غير مستوعبة للانفتاح، وتتميز يالتلاعب بأدبيات استقبال الآخر.
عندما تغفو المحبة تصحو بديلةً عنها الكراهية وتزداد عاهات النفس آنذاك، حدةً والخطوط الحمراء تقاطعاً، من خلال إطلاق العنان لتثبيت التفرقة وتحويل الاختلاف إلى خلاف قائم، خدمة لمصالح فئة أو جماعة التي تغذي نظريات الاصطدام مع الآخر والاعتداء عليه.
هؤلاء الذين يعتبرون ان الحرية تعني اشاعة الفزع والفوضى والتعدي على الاخرين، مخطئون، لانه كما ان لهم في استراليا حرية، فانه لها ايضاً قوانين عدالة والتي ستطبق بمنتهى الحرص، ضد من يخالفها، المشكلة تكمن في من يعتقد ان الحرية هي فقط، عندما يتوافق الاخرون مع رأيه، وفكره وسياسته، وما خلاف ذلك فهو كفر وتضليل، فقد قابلت كثيرين يعتقدون ان حرياتهم في استراليا هي انهزام لها، فما أن يوقف شرطي لسائق مخالف للسير، او يحدث سوء فهم في مؤسسة وظيفية، حتى تتحول الحرية الى صراخ لان صاحب هذا الشأن في بلد حر، كما يدعي، فتبدأ رحلة انتقاص المقابل لانه مجرد موظف يريد اداء واجبه على أكمل وجه. وكم من حقوق غير شرعية تم اغتصابها بهذه الطريقة.
اللعب البهلواني في الحرية التي أعطتها لنا استراليا ومحاولة ثلمها تعطي تنبيهاً لنا اننا أمام مرض حضاري يسلب الإرادة، وأمام من يرى في أفكاره، الحقيقة المطلقة والمعرفة المطلقة ولا سواهما وغيره لا يفقه شيئا، وكل هدفه تشريع نبذ الآخر والانتقاص منه وذلك إرهاب فكري لا جدال فيه، يعيق انعتاق الحوار إلى فضاءات أوسع افقاً مستقبلاً. بذار المحبة، التسامح والتعاون المشترك بين المختلفين، هي أجنة تستحق منا كل الرعاية لتطهير الفضاءات الحرة من العناصر الدخيلة في سبيل خلق محطات التقاء تصبوا أهدافها في خدمة الجميع.
اود ان اختم المقالة بالقول، من لا يحافظ على نعمة الحرية المعطاة له مجاناً، سيجد نفسه اسيراً لنقمة العبودية للتعصب!




