عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - برهان الخطيب

صفحات: [1]
1
أدب / النقد وما قبله وما بعده*
« في: 09:34 01/03/2015  »


النقد وما قبله وما بعده

برهان الخطيب

ما يجري في الطبيعة المحيطة بالإنسان لم يعد عفويا تماما، معلوم الإنسان يعمل للسيطرة على البيئة لجعلها لراحته، كذلك ما يجري في المجتمع، من الوطني إلى دولي، للأوطان قوى متفرقة، للدولي قوة واحدة، الثانية تأكل من الأولى تكبر، تتعاضد الأولى يحدث توازن وربما يتغير مسار الأحداث. ضمن ذلك السياق تجري صراعات اقتصادية وسياسية وثقافية وعسكرية، الحياد مات. لأي من تلك الصراعات أوجه متعددة أيضا تعدد البشر، التعدد يشمل الوسخ والنظيف، مع حدة الرغبة في الوصول إلى الهدف تتغلب الوساخة على النظافة، المهم تحقيقه،  ضمنا الثقافي المناط به النظافة الروحية، الروحي يُضرب عرض الحائط، تبقى للتنميق أهمية التسويق، هنا يحدث انفصام بين شكل مقبول معقول ومضمون غير مقبول غير معقول لـ "بضاعة فكرية" . كل شيء بضاعة في سوق كبيرة. تلك مقدمة لا بد منها لإنارة بضاعة، تصير بالإعلام مشاعة.. أو مضاعة.. أو طرقاعة.
د. صالح الرزوق يشاء قراءة روايتي "الجسور الزجاجية" والكتابة عنها ويرسل إليّ مقاله أنبهه لأخطاء جوهرية في نهاية مقاله ومنتصفه منها استنتاجه بأن في الرواية مثلث كيت كذا يعقبه مثلث آخر فتان لفلان وعلان، لا بأس في الاجتهاد طبعا، أحب الأفكار الريادية لكن ينبغي أن تكون مقامة في الأقل على الأصول لا لإقحام قد يؤدي لاغتيال موضوع المقال، كلامه عن المثلثين مثلا غير بعيد عن مودة في الفن، مسرح، رسم، كتابة أيضا، يضع الواضع والحمد له مثلثا هنا مثلثا هناك، ليأتي عقل المتلقي يقاربهما يجمعهما يشكل منهما في لذة إبداعية النجمة المعروفة، هنا يتحقق هدف المصمم، آخر يرى أكثر من هدف ربما، أنا أرى أربعة أهداف حتة وحدة في ذلك. الأول تهمة أو سمة لنقل مُضمرة تُلبس النص، اللوحة، المشهد مسرحي، طالما تُنزَّل عليه الفكرة مثل ملائكة الرحمة، أو لعله في جهة أخرى يستوعب تلك النجمة فعلا، فهو نص أو عرض صهيوني عموما.
الثاني: فكرة نقيض تتصدى للأولى تصدي الجاكوج للبيض: إدعاء وجود النجمة لهو في الحقيقة من مروّج لها ينسبها لمن ينقده أو يعرض له لانتقاده لها، للتنكيل به في الحقيقة، بإظهاره متعاطفا معها بين جماعته السحرة مما يسبب له بينهم نفرة.
الثالثة: في حسبان النجمة فكرة جديدة على العمل الإبداعي يعني على مبدعه الفخر بغنى عمله لو يتعاطف معها، فعليه الفرح على الثناء، وتأدية المطلوب من ذلك في أفضل أداء.
الرابعة: إحباط المبدع تيئيسه تحميله ما ليس يريد حمله.. إلخ. هنا أبدو أنتقل من عالم نور مرئي إلى عالم ظلمات غير مرئي، من بوزوتيف ايجابي إلى عالم نيغاتيف سلبي، كما في أدب كافكا الغيبي. نعم عند التقصي يبدو الحقيقي غير حقيقي والعكس أيضا، ذلك ليس على صعيد الأدب فقط بل على صعيد الواقع الحقيقي أيضا سوف نرى، بل ان مهمة الأدب الحقيقية يجب ان تكون كشف عالم النيجيتيف، التصدي للأكاذيب.
طبعا لتلك التعقيدات غير البريئة أنصح د. صالح بقراءة مقالات أخرى نشرها أساتذة أفاضل قبله عن هذه الرواية منهم الأديب الكبير عبد الرحمن الربيعي والناقد المعروف د. قيس العذاري والأستاذ الجامعي الجليل د. صالح هويدي وغيرهم. الاستنارة برأي السابقين مهم للاحقين، هكذا المعتاد عند كتابة دراسة رصينة،  يرد د. صالح بأنه أرسل مقاله إلى الجريدة قبل تغيير رأيهم والعزوف عن نشرها والتعديلات قد يدخلها ويعيد نشر المقال لاحقا. ثم يظهر مقاله بصحيفة لندنية حديثا "القدس العربي" يتبعه تعليق مركّز  من قارئ.. 




إضافة:
في مقاله المذكور يقارن د. صالح الرزوق "الجسور الزجاجية" مع "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ و "الكونت دي مونت كريستو" لأسكندر دوما، في مقاربة لا تخلو من دقة نظر، بُعد نظر، يقول عن بطلة الجسور الزجاجية:  إنها متزوجة في وقت واحد من مزعل، الذي تعتقد أنه ميت، ومن صلاح  الشخص البديل الذي حل محله. ليكون حارس الشرف وقيمته الانجراحية وخادم ربة الينبوع. والتي للأسف لا نجد إشارة واحدة على تخصيبها. كأنها عاقر. كأنها أرض بور. مصدر للفتن ونشوب النزاعات فقط.
هو مصيب هنا، العقم مصدره الخروج عن النسق الإنساني على الصعيد الشخصي، عن تطور الأحداث سلميا على الصعيد الاجتماعي، أما على الصعيد السياسي.. نعم لم تلد ثورة 14 تموز غير انقلابات، البطلة رمز لتلك الثورة اكتشفه النقاد الذين تناولوا الرواية بالتحليل قبله،  شاء د. صالح تجاهلهم النتيجة يتعجل في النهاية يقع في استنتاجات بعيدة عن فحوى تلك الروايات كما يصوغها مؤلفوها يتوقف عند أفكار مسبقة يُلبسها لها. أورد السطور التالية من مقاله كما وردت في صحيفة القدس العربي.
يقول د. صالح:

 1  في كل الأحوال فكرة الانتقام كانت سادية عند نجيب محفوظ. لا يشوبها الشعور بالذنب. وعنفية لا تهدأ ولا تخبو نارها إلا بعد تحقيق التوازن مع الشرط النفسي
2 ألا يذكرنا هذا بنموذج مماثل هو رواية الكونت دي مونت كريستو لإسكندر دوما؟. كان النزاع حول الحق بالامتلاك وضمن أفراد نفس الحلقة.. أصدقاء من نفس الجيل. وكأننا أيضا أمام حالة من بقايا أحفورة العصر الأمومي.
3 وروايته "الجسور الزجاجية" هذه تتابع مسار حياة بطلها الذي يولد في السجن ثم يدخل في معركة غير متكافئة مع الحياة الغادرة والمريضة والمشرفة على الأفول ليموت في السجن أيضا. وهو موت نفسي وفني، لأن شخصيته تتوقف عن النمو وتدخل في السبات.

التالي تعليق القارئ  ورد في الصحيفة عند نهاية المقال:   
قراءة صالح هذه كأغلب قراءاته مصطنعة، بمعنى إقحام أفكار خارجية على عمل أدبي لنفيه، في معركة فكرية دائرة ضمن الحرب ضد المنطقة العربية التي يراد لها أن لا تسمى عربية، يتكلم في خاتمة نقده عن موت البطل، الذي يترك معقله الشيوعي إلى آخر سوف نرى، هو موت حزبي نعم لكنه نهوض عنقاء من الجانب الآخر. أورد سطورا هنا من آخر صفحة للرواية لتوضيح الصورة:
"هل يمكن هجر واحات ظليلة؟ ربما، لو كان فيها زاد كاف لبلوغ قوس قزح وفي الموقين عينا إنسان، هو الرجاء، فقط لا تسلّم نفسك لأحد فقد يحشوها أيان شاء يصوبها أنى رغب، فتكون فشلتَ في ما سعيت إليه.. حريتك. تحققك.  وإلاّ اشتبكت المسالك أدت إلى ضياع أو جنون، رأسك يرفض، دعه يحتج حتى تبلغ الرضا تمنح روحك وجهة أمان. ولنقيضي عدنان بالكثير أدين فلولاه ما تخلصت من نقيض في داخلي. هكذا يا فرات، يا صديقي العنيد، مدة الزيارة تنتهي. تعال كلما استطعت. لا تقطع بي. تراني جالسا غالبا مع أصدقاء السجن اقرأ كتابا أو أمارس تطريز الحقائب الصغيرة بالنمنم الملون، أو أتعلم حياكة السجاد، معها تجد أفكاري تضفر، تشتبك حينا، تتشعب حينا آخر، لكنها تجري كالأنهار تبحث عن مصبات وجدت في البحار قبل أن تشق تلك الأنهار مجاريها. فهل تجدني الآن أدركت مواقع تلك المصبات؟..”
تنتهي الرواية، فماذا نفهم؟ البطل يرمم حاله، لا ييأس، لا يندحر كما يصوره الناقد.
انتهى تعليق القارئ أعود أقول في الختام:
 وهناك لوم موجّه إلى الرواية من الناقد يتهم  فيه مؤلف الجسور الزجاجية  بأنه لم يحمّل الشيوعيين ذنب أحداث ما بعد ثورة تموز 1958 هنا لا بد لي من القول ان الرواية ذاتها تحمل الرد، يتجاهله الناقد، مزعل البطل الرئيس لهذه الرواية يترك حزب الشيوعيين في النهاية بعد اكتشاف أنه لم يكن يرى الأحداث سوى بالأسود والأبيض.. مثل حالم، فماذا يريد الناقد بعد أوضح من ذلك التوضيح؟ أن يصعد على رأسه يهتف بسقوط ذلك الحزب! يبرئ بقية الأحزاب المستمرة حتى اليوم بلعبة رفع كبس على رؤوس العراقيين حوالي قرن من الزمان يكسب قادة، سادة، ويخسر كل الشعب؟ 
 
 


2
أدب / أسرار تحت أسرار الحكاية 5
« في: 17:19 05/02/2015  »

أسرار تحت أسرار الحكاية 5

 
برهان الخطيب

في قلب الروائي تأريخ نائم يوقظه رافد.. سلسلة صور ممتدة إلى قاع نسيان..
أواصل سبره مازحا في الظاهر: أمسيتنا الأدبية لتبادل معلومات استخباري؟!
_  جديدة عليك أبو البراهين؟ التبادل ليس دائما خذ  هات.. يا لبراءتك!
_  وجود لاقطة في ملابسك غير مستبعد؟!
_  ملابسي أعرفها ملابسك فتشتها أثناء نومك.. احذر غيري.. ذاك مثلا.
يعود زميله نمير حاملا الصينية: يا مرحبا أبو حسن كلمات الأمسية في رأسي ضاجة خاصة مزاح أحدهم لا أفهمه تماما.. يستبدل لقب الخطيب بالخطير لماذا!
كأن شيئا لم يكن وبراءة المعترفين في عينيه.. يعقّب رافد مستفسرا:
_  فعلا.. متدينون علمانيون حاولوا استفزازك أزعجتك الأمسية؟
 
أسرار تطل من كلام رافد تحتها أسرار، كيف يتسنى له معرفة المحجوب؟! انغمس تلقائيا في تحليل بعض ما أسمع.. صحيح له تأريخ قديم مع حزبه يمكنه الوصول إلى الكثير لكن معرفة م خ تدل على اطلاعه على ملف، على تقرير أمن قديم جدا لا يُحرق مع بغداد بقنابل الغزو. الإطلاع عليه قبل الغزو مؤشر علاقة بنظام صدام، لا بأس. الإطلاع بعد الغزو؟ لا بأس هذه المرة مؤشر إلى الحكم الحالي. شيء لا يشبه شيئا، نقيضه، أو.. للنظامين امتداد في كليهما، كيف؟ برزخ أمني؟ نظام أعلى عابر أنظمة يجعلهما فريقي كرة.. فرجة ناس من غير تماس.. وهو الحاكم على الراس.. بالقسطاس! قضايا السياسة متعبة حقا، لذلك يلجأ البعض للأدب.
لكن معرفته عن نسنس، نسرين، شأن خطير، هل له صلة مباشرة معها؟ غير مباشرة؟ أو أن حاسوبي مراقب، هذه المرة مؤكدة، ذلك تفصيل غير مهم جدا في حسابي، في ذاته، ليس غريبا التجسس على حواسيب في شائع أقاويل وأخبار، أيضا ليس مهما جدا لماذا يُراقب، السبب واضح، لمعرفة نوايا، لشك في إرهاب، لكشف سر كباب، دعهم يشكون، دعهم يشتغلون، الناس لازم تعيش، الأكثر إثارة: مَن يراقب؟ ما صلته مع رافد، بالتالي مَن هو رافد بالضبط؟ أعرفه سابقا شيوعيا محترما، اليوم حزبه متعاون مع احتلال أوكي ذلك ليس توب سيكريت ولا شأني تكتيك حزبه. لكن فهم الوضع صحيحا واجبي لأكتب رواية صحيحا، بينما يفتح تحليل المعلومة بابا أبعد.. على مؤخرة العالم، على ثقب أسود، بلوغه غير مُيسر، بماذا؟ بسفينتي الأدبية الأبية؟ شغلها آخر، عزف كمان لنسوان، كذلك مستحيل استجواب رافد كما الوصول بسفينة فضائية إلى ثقب معتم، محتمل استكمال صورة بل صيرورة نَص ظاهر خفي بمحاكمة عقلية لو نبقى نتحرك في منطقة العقل، بسؤال مثلا عن دافعه لذكر بل لفضح نسرين، أية مصلحة ولمن في كشفٍ خطير، من أين يضمن سكوتي. بل لعله يراهن على كشف ما أسمعه، يصله بعد حين، بدورة قيل قال باحثة عن يقين، عسى يعرف ما في حب و لب من رنين وما في جعب من أنين!
تلك ليست زلة لسان.. أو أن قديم الألفة وراء رفع الكلفة؟ أو ذلك اختبار قدرة.. لي؟ على حصر سر بين اثنين أو أكثر؟! مَن وراء الاختبار؟! أمن المريخ؟ أمن السويد؟ أمن العراق؟ أمن العرب؟ لا حضور ظاهرا لأمن قربي سوى مجلس أمن مشترك مصغر متناثر هنا هناك.. ممن؟ في ذلك دافع لي نحو تواطؤ معه.. لا أريده مع كائن.. لو كان كائنة أو كاهنة حلوة ربما يختلف الحال.. هيا.. واصل الدوران رقصة حول هذه القصة، عد لانشغال عتيد حول محور جديد حديد، عُقلتك الذهنية المعتادة، دورانك العنيد، حتى ارتماء دوار في جب مديد.. في حب سعيد.. أو يكتمل رأي سديد!
 
وصولك إلى نسرين يكشف جانبا من حكاية خفية، حيث المتهم لا رافد وحده وإلاّ ماذا مَن لا ملائكة تحشر سيرتها بيني بينه، ماذا تريد الخاتون حقا؟ ماذا يمكن أن أقدم لها.. أو لهم.. غير تساؤلات اعترافات لا تسر عبّاد الأسرار؟ بلاها السفر إلى بغداد محفوف بخطر.. معها يتضاعف نحو بطر خال من نظر.
وما زالت الرغبة في لقائها وأكثر تدغدغ المشاعر، أو السفر إليها لتعرف حسب أكثر.. عنها، عن رافد، عن بغداد، عن حكاية على الأفق، تنكص.. لا رؤية أبعد مما أنت فيه، لا معرفة أوسع، لا حياة فخر وجدارة، بل حيرة ماذا تفعل بخيارة!
لا تقل الأفضل لمراهق أبدي فيلم خداعي يصرف انتباهه، غواية المعرفة ليست كأية غواية، ليست قوة هوجاء. لها هدف مضمر منه إنارة البيئة الداخلية، فالخارجية، تمهيدا لعلو عليهما.. أو العلو عليك و.. تركك في أزرى بيئة.
بالمعلومة الجزئية ومواصلة التحليل يعقب الاستنارة اعتلاء، رسم صورة جديدة لحقيقة قديمة، ظاهرها تقليدي جوهرها انقلابي، قبلها الصورة، النَص، تخطيط تجريبي، تجميع أجزاء. قلتُ ذلك في مكان؟ معلوم، لا بد من التدرج، من الانتقال في الزمان والمكان، ليكتمل الكشف ترتسم المعلومة فنا عند الأوان.
واضح.. نوبة الكتابة مرة أخرى، انزلق خلسة إلى رواية، الولوج فيها لا يختلف عن الوقوع في مرض، في حب، في فكرة ملهمة كبيرة. لا وعد ينفع ولا قَسَم بعدم الاقتراب إلى المطب. يغير المصير مساره رغم الأنف والشوارب واللحية. ثمة أسئلة لها أجوبة تطلب التقصي، بسرد، على نفسي أولا، مقاربة زواياها المظلمة، أفلح في الإنارة تصير جاهزة للعرض على غيري. قبل ذلك كل تهويم مجرد بحث، عمل تجريبي، ليكن جامحا، مسهب أفكار، لا تعلو الصور تؤسس رواية فنية منتظمة حتى يستوي عمقها مع قاع القلب والذكرى والنسيان.
 تحولات شخص عند منعطف تتيح إطلاعا على غير الظاهر.. تشكّله يتراكم..
 
أبدا ليس صدفة، بدافع لا أعلم عنه الكثير يكشف القدر عبر رافد عن نصف سر مثير..
خيالي يعذبني، يستحثني لبلوغ النصف الآخر، لتكتمل معرفة، لأمسك بيدي عالمنا الصغير الكبير، تكتمل تطلب سامعا، كالذي كنته لرافد قبل قليل، قد يكون الضمير.. أوسع.. قارئ خلف الظَهر يبحث عن منفذ من حال مكفهر أو مرير.
إنما والحق قد لا يقال حيث يسود جُبن، عقاب، كسل، رشوة، خور، رافد ليس المحرك الأول للتقصي.. ولا الأخير، الوقائع ذاتها جاذبة، محورها كلمات تبدو كاذبة، نصف غامضة، مجاهل حريق أزرق بعيد ينير، نحوه شبه منشَده أسير.
تكتمل الرؤية تصير رواية.. غالبا خلال الكتابة.. هكذا تًهزم من الوجود كآبة.
 
 الرعد المنير في السماء قبل قليل حقيقي، يسبقه تراكم غيوم كمئات كلمات قبل تلميحات رافد المدوية، من أكثر من شخص في أوقات وأماكن متباعدة، تبرز سهوا عمدا عن تبصير عن تدبير لإيصال معنى، تعبر دون تعليق مني تجنب ما ليس شأني ملامسته، تاركة تفاصيل تتحدى الزمن الغابر العابر على ميزان الذاكرة، إضافة رافد تحولها صورا ناطقة، خيوطا، نسيجا، رواية مع التقصي والسبك والحبك.
 نعم، المؤثر في المشهد بطل، الإنارة تبرز ما تشاء منه.. معه.. ضده.
مَن ليس له وجه لا حق له في كلمة، في بطولة، في نبل، في ظهور برواية نزيهة صريحا، جوار مؤثر آفل، نقيضه، سلبي، نيابة عن ذات تنشق مع مجتمع له قوة قانون وأخرى خفية تحلم بسيطرة عليه، يجتمع الضدان في فرد يصير مجتمعه.
في الإعلام البطل لتمرير نمط، لتكرير نفط، لصنع أفلام، لأحلام.
فهل المؤثر هنا رافد المتراجع بعد لمعة وأخرى، زميله نمير المتحرك كنمر في حذر لسبب قد يكون اختلافا في مصلحة أو فكر، هما غالبا عملة واحدة، أو المؤثر نسرين هناك؟ تنوي تطويبي، تأميمي، لا أذكر كيف نطقها رافد. أو البطل غيرهم لا يظهر حاليا على الساحة الممتدة من ستوكهولم إلى موسكو فبغداد؟ ربما هو الروائي حقا هذه المرة في سعيه نحو حقيقة مغيّبة، خلاف الصحافي المخاطر بحياته في سعي وراء معلومة مرتبة، أو الكل أبطال.. في ساحة لم تعد هادئة ولا مهذبة؟!
الرواية الصادقة تجيب تلقائيا مَن البطل.. مَن الحبيب.. كيف هو.. وما بقية الزبيب!
 
رافد وزميله خلف غيمة دخان، من غير تصورات أجيب: كل شيء تمام. في صمت أضيف: والرواية القادمة تمام، في بغداد، حتى مع مستفِز له عدة أسماء، يحفز لكتابة تهزم الرتابة، لو تبلور الحقيقة في غيابه يصير موضوعها مَعابة، كذلك البطولة الغيّابة. الباقي نزاع على صدارة، في خفاء أو علن، في تفاهة أو مهابة.
 كيف أحدد البطل الحقيقي لرواية من زمننا غير كذابة!
أهبل ينثر صورا شخصية متصورا نفسه البطل وهو دمية دميمة مُغتابة؟
قوة خفية بل ظاهرة مؤثرة فيه فينا ولا تدري الغالبية المرتابة؟
أو هو قوة طبيعية قوة فرد تابعة؟ أو قوة فرد.. منه نابعة؟!
شخص يعلم يسكت خوفا وراء سجف؟! آخر يكشف حقيقة تبين لا ولم يخَف؟
لا بد أن يكون البطل حرا ليكون بطلا.
وإلاّ يصبح العيش والرواية إرغاما، بذاءة تائهين تهين.
التفاصيل أولا، تنسيقها على ساحة، يحدد مَن البطل في النهاية. فرد حياته إرادته؟ قدر، مؤسسة، تواجهه؟ أيضا بإرادة تحاول امتصاصه تحريكه إلى هدف قد ينقض هدفه.
يبدع الفرد.. ينحني القدر له.. يكون الفرد هو البطل.
يجبن.. يتراجع.. ينحني للقدر.. يصير العيش عسف وهوان.
لفرد وجه واحد، للقدر عدة وجوه.
ذلك يجعل نزالهما لهوله وامتداده نزال عمالقة.
يستبدل القدر وجهه.. يَظهر قزما. فرد له إرادة.. عملاق. ينكسر تنكسر بطولته.
كل ذلك في خفاء، القدر أو ظله أو نائبه يحدد أين متى يتعرض للعاصي، غالبا ينفرد معه بعيدا عن الأعين، كي لا يهرع لنجدته أخوته البشر يهزموا مؤسسة القدر يقيموا أخوّة التفاهم الفسيحة.
 القدر، سمه ما شئت، يستهدف الجميع فرادى لخدمته، وإلاّ ما كان ولا يكون.
سلاح الفرد الشريف النبيل إرادته، نباهته. إنما تثبيت ذلك عليه مؤجل حتى الإثبات.
سلاح القدر المال، المكر، الجمال، كل شيء.
وللحوار مع الجميلة على هامش الأمسية صفحة تُنقل للرواية، متنازع على كتابتها مع ذلك القدر، حيث الكل شبه سكران، دوران هنا هناك رقصةً شفافة يفوز بها فنان.
 



3

هوى غير طبيعي
 الحكاية من الداخل4


برهان الخطيب

 
الصبي متمدد على بطنه في ساحة بيت الجد العتيد، يتطلع إلى قعر البئر البعيد، وجهه مهتز هناك بطيئا لا يحيد، يبحث عن رأي سديد، يكشف ما تحت الماء والعقارب والقاع الوصيد، أبعد من مسارب ومنابع تمتص صيحة صداها لا تعيد.. في الكبر إذ يلتفت إلى صباه الجميل، تجره الذكرى إلى ما وراء تفاصيل، إلى ما يفسر صورة لا  أسطورة، إلى ذات في صيرورة، ظل يلازم إرادة شمّاء، إلى متداخل في عدة أسماء، المغيِّر المتغير، المسيطر المتحكم، قدر، قوة خفية، لهما وجود لا نراه، لهما ظل من ظلنا أبعد من منتهاه، أو الغياب التيّاه، بقدر ما نمنح من تقدير واعتبار وانتباه. 
 
 في انتظار نهاية دوام الطلاب، عند المقهى المقابل للثانوية، يلوم مالك زميله جوقي على كذبه. يرد القصير المتحفز دائما لعراك: لا بد من الكذب في السياسة أو لا أحد يتبعك. الصبي صامت، يسمعهما، يفكر في نقاشات أبيه وعمه..
_  يعني يس يم في وإلى عالم كذب؟
المسلول يصدَّق أنه في لجنة ثورية، يمسك شاربا لم ينبت، ينفخ صدرا لا يرتفع:
_  والكتمان ضروري بالعمل السري، أنا عضو بلجنة ثورية فعلا.. أخفيت عنكم.
 يلتفت مالك الحزين أو الحائر إليه:
_  يعني قريبا حضرتك من قادة العراق!
يلومه جوقي: كبيرة علينا؟ نحن فعلا من قادة العراق الخفي الجديد!
ينصحهم الصبي ملتحفا حكمة أبيه: التعملق كمصدَّق بالسياسة يكسر الرقبة، يتحرر العراق من الرجعية بمظاهراتنا يركبه جيش، تكتيك غاندي أقوى..
الرفقة تسأل بصوت واحد: وما هو كتكوت غاندي؟!
يحار كيف ينقل إليهم رأي كُبَرة، أخيرا: الحذر يغلب القدر.. يقول فاهم.
 
 آخر ساعة من دوام طلبة الثانوية، نظرات صاحب المقهى مترصدة، تبدد شحنتهم العاطفية وارد، كذلك التي قيل عنها فيهم ثورية. أخيرا تظهر القرود الضخام مشوربة الأنوف خارج القضبان، تلتقي الأعين تطلب التبيان، شررها يشعل المظاهرة في لحظة من الزمان، تشبّ تدبّ حريقا يخلب العيان، تظهر عربة الطابوق الصغيرة في الساحة الدائرية تملأ المكان، يقال لبناء بيت يقام هناك.. و..
 يتضح أخيرا تلك فرية، من لجنة تنسيق سرية، م خ ركن فيها، يؤكد رافد ذلك بعد نصف قرن من العرفان، بعد كلام وسرحان مع فلان وعلان..
تفرغ الحمولة المزدوجة، تناقلها الأيدي في دقائق، الذكريات تعود حاضرا مع كشف سرها، سيارة الشرطة تحضر لتفريق المظاهرة بعد فوات أوان، المطر الحجري ينهمر، سلاحا ماضيا لعطشى حرية، لا يروّي الأرض طبعا ولا يروّيهم يتضح لاحقا.
يجري الصبي إلى ومن المقهى جالبا الماء، يغسلون جروح شرطة، يُنقلون إلى المستشفى بسيارتهم، غيرهم ينجو، يثوب لرشده، يشغّل الهراوة على المتظاهرين، تتفرق معركة الأخ مع أخيه، يكفر الصبي بثوريته، قبل ترقيته من ابو جلمبو إلى ميرابو فيها..
 
  تفتح المتوسطة أبوابها، عيون تراقب الثوار الصغار الأربعة، كذلك غيرهم، في الفرص يتكلمون مع الصبي المشورب عن السويس والنفط وطوابع يحصل عليها بالمراسلة، بشراء من بغداد، ألبومها بعد اكتناز يعطيه لخاله، يتضح لاستمالة نجم وسيم في سماء المسيب المليئة بقهر، مساء آخر ونجوم الليل تظهر.. في فراغ السطح أسئلة أكبر.. لا عجب لو نظروا إليه كبيرهم، تحتدم القراءة والاستماع للراديو، لعمه، لأبيه، لأمه.. لخاله، مزيد من معرفة واحترام لياقة وواجب، في الأقل ضرورة مرافقة لبدلة أو سترة جديدة يخيطها له ابن عم أبيه بين سنة وأخرى، في دكانه المجاور للفرات، أناقة الفكر متصلة بالمظهر حتما..
 كل يوم يلتهم كتابا، خطة ناجعة لتوسيع حدود الذات، يأتي على معظم خزين مكتبة البيت، فالمكتبة العامة، شاربه يكثف، بالعطلات يسافر إلى المسيب لزيارة بيتيْ جديه، يتكلم خاله عن تنظيم مظاهرة سلمية في البلدة تستبق عنفية وشك اندلاع، عسى بالتغيير يُمسك المصير، تتاح مقاربة البنات والمنكر يباح..
_  مصر تسيطر على قناة السويس علينا السيطرة على نفطنا.
ينتهره خاله: برهوم حاكيني.. تريد أن تكون بطلا.. والله ابتلينا بالجهلة!
 
يوم اجتماع البستان قرب نادي الموظفين، ظله قرب خاله، كيانه قرب م خ وقريبيه، بيض الوجوه، لكنتهم محببة. يقول خاله عنهم بعد حين:
_  يختلطون بأقاربهم هنا يخفون كونهم سوريين أرسلتهم جهة لتحريك شارعنا، نمشي مع حلوين لا بأس.. لا نقلبها.. فاحذر. بلغتَ؟ نزل الماء؟ تركب الصغير تكن رجلا.
يؤنب الصبي خاله: نفكر بالجمهورية وأنت تفكر بما لك دائما أنت عكس المطلوب!
يضحك الخال تحت النجوم الوفيرة فوق سطح بيت الجد الغارق في ظلام أغبش :
_ ابن أختي ما العمل والبنات حبيسات بيوتهن واحدتهن تقول لها سلام عليكم تحبل.. مَن نرقع.. الحائط؟.. المطلوب إثباته ما دائما صحيح.
_  العب رياضة مثلي اقرأ كثّر السباحة.
_  تكذب عليَّ. ما ينفع. البطة تسبح. جنس بني آدم سرسري لازم يلوص.. بس يمكن أنت تختلف.. رومانتيزي شايف حضرتك.
ويضحك الخال وحده عاليا في ظلام يخفي الوجوه والأفكار وأوساخ المدينة!
يعود يقول.. لا تصدق كلامي ابن أختي.. أختبر ميولك أنا.
 
في السفرة التالية يكشف قرندل للصبي أثناء دورهما بلعب الطاولي في المقهى:
_  خالك مع الأسف ليس مع الوطنيين، مناصر لنوري السعيد زلمة الإنكليز، لذلك تعرقلت مظاهرتنا، اعتقلوا الأسمر، أخوي الصغير صديقك، م خ هرب، غيره، أنا مبتعد، واسمك أبعدوه، لا زلتَ نونو، لا تهتم، ندري أنت مختلف عن خالك مدافع العرش، يقول الملك من عشيرته، التغيير سلمي أحسن تحت مظلته، بينما لا علاقة للهاشمية قرية جدك بعائلة الملك الهاشمية، والسلمي غير ممكن بعد قتل سجناء..
لا ينقل الصبي كلمة في أي من الاتجاهين، بداية لا يصدق تماما ما يسمعه، و.. تعود نفس الكلمات بعد خمسين عاما، بلقاء في دولة أوربية، تبعد آلاف كيلومترات عن المسيب، على لسان الرجل الثالث، عالم الغيب، يعرفه حسنا، وقت يصيب مرض الشك الجميع، قرندل ذاك، الشهم، يمتدحه أمام الصديق المشترك: ابن الأخت صادق يختلف عن خاله تماما.
ويبقى رافد يحجب الأهم من المهم، يرسم قوسا كبيرا بأنملته في المطعم:
_  في الشيب يمتد خيط غير مرئي من الرأس إلى تحت، من أوربا إلى صبا في الوطن، إلى الشام، إلى انكلترا، إلى موسكو، فالعراق، من خفايا حكاية غريبة.
_  ضمنا ما يحجبه حضرتك.. اسم م خ الحقيقي؟
_  منصبه كبير من زمان.. لا يحسن زجه في أمسيتنا لا يحبذ هو ذلك.
 
 رافد مع اطلاعه الواسع لم تُتح له معرفة اسم م خ كاملا على الأرجح ولا كل تفاصيل الحكاية. رئيس أقوى مخابرات يعلم الكثير لكن ليس كل شيء. إنما لرواية حديثة مستمدة من حكاية غير عابرة، حكاية رافد وغيره من محترفي السياسة منذ الخمسينات، الحاسم لا إثارة الاهتمام بالغريب والتافه والعجيب، بل.. بالسامي والجميل النبيل، الأندر الأجدى الأنفس. يضبط متطلَّب الفن الرواية تزداد قيمتها، خاصة في عالم يعاني نقصا من المعاني والمعالي، من عدم ظهور خاف مطلوب، يربط أجزاء يباعدها تعسف وخطوب، لكيان واحد مرغوب. أو تتفرع رواية وأخرى، بتأثير ما يُصنع بأهواء من موجود ناقص، بخيال وجهد تُفكك خيوط متشابكة عن أوهام وأكاذيب، في واقع شبه مغلق.
كآثاري أمام آنية قديمة محطمة يجمع الصبي الذي يكبر ولا يكبر، في حذر، كسرات واقع يندثر، حكاية قديمة متجددة، عهد يمضي يشكّل لحظة راهنة.. للحظة تالية.. حب المعرفة كما الوهم قد يقتل.. إذا لم ينتبه مهووس لخطورة منحدرات على جانبيه.
 
في ساحة المدرسة المتوسطة فتى وسيم يبادله النظر، يسبي كاتب المدرسة وغيره، في دلال يتباهى بين الأقران بقدرته على صفع الموظف دون خوف عقاب.
_  ويمكنكم صفعه لو تركتموه يحبكم.. انتقاما في الأقل من إدارة تركبكم.
ذلك من أعاجيب يستهجنها يتبيَّن ما وراءها في كبر، على مستوى عال يبطل العجب، جوقي يتحدى المتهتك المنتهك: تكذب أو أرنا مؤخرتك نصدقك.
يتملاه المثلي مكابرا، خداه أحمران، بشرته صافية، عيناه لامعتان متواثبتان:
_  اذهب واصفعه قل له أنا أرسلتك لا يرد عليك.. أو أبو الخمسة هذا لك.
ويستدير. ذلك الكاتب المسكين يتضح واقعا في هوى غير طبيعي لا يرى من العالم غير هواه، أسيره يسقط. يتدلل الغاوي أمام المسلول: وأعطيك أنت بوسة لو تترك القطيع وتطيع..
تشتت يكاد يُفشل المظاهرة الحقيقية، خُلية وخلية، تنقسم واقعين متجاورين. الشخص الرصين المعبأ بأسرار، رافد، المنافس الحقيقي على قيادة التلاميذ، يتأكد بطريقة ما إن الصبي المشورب لولب، محور، يسيطر بصرامة على المثلي، يسحب منه قدرة شد انتباه وجذب، يكسب آخرين.
من هو رافد بالضبط؟ ماذا يريد من مهتم بالثرى والثريا، يقترب يبتعد عنه بندول ساعة، يجذب جوقي وبقية الخلية إليه، أبو الشوارب لا ينجذب، يعرف عن رافد تأخره في دروسه، نيته ترك المدرسة، علاقاته عديدة مغلفة في المدينة، يمتاز بذلك على غيره، والصبي عليه بشطارة الدروس وقوة الحجة في نقاش، رغم ذلك يسحب رافد منه مجموعته يتركه وحيدا..
الصبي يثير الصف بجُمل وطنية.. حتى بدرس الإنكليزية.
لا يحتمل أستاذها رده على سؤال عن الفرق بين rob   والأخرى steal  حين يضعهما الصبي في جملتين تبيَّن فرق نهب عن سرق، اللص يسرق ليأكل، الغرب ينهب نفطنا. النهب أكبر. يجن المدرس، يصفعه، يرد الصبي المشورب مسيطرا على انفعاله:
_  شكرا للوسام أستاذ!
يطرده المدرس من الصف إلى المدير، والمدير:
_  ليس كل ما تفكر فيه يمكن قوله ابني. لا تأتي إلى المدرسة يومين، قل لوالدك أن لا يراجعني بهذا الموضوع، ولا يكتب رسالة إلى بلاط الملك المفدى، الحل هنا.. عند الإدارة.
 
تبدأ مشاكل له مع إدارة المدرسة، مع ظله، أعمق..
غياب الصبي عن مدرسته يطول، يُصاب بحمى، يعود أخيرا إليها، يستقبله التلاميذ بطلا، للفت الأنظار ثمن، يبتعد إلى صفه مسرعا، يتطلع رافد إليه في إعجاب.. في حسد..
 غريب استبدالهم ذلك المدرس خريج لندن بآخر، لقبه الوكيل، و حصة الإنكليزي يبدأها بالسؤال السابق، عن الفرق بين   rob والأخرى steal   يهيمن الصمت على تلاميذ الفصل، المسلول يسعل، جوقي يتململ، يلتفت الوكيل مبتسما للصبي، يكرر السؤال، يوجهه إليه، أبو الشوارب في قمة إحراج، الرد على الصفعة أو استقبال جديدة؟ مرة أخرى أمام مقولة شيخ زبير: أن يكون أو لا يكون، و يكرر الجواب بهدوء وإصرار منتظرا الطرد، لكن الوكيل يبتسم عريضا في حماس:
_  أحسنت أبا البراهين.. تفضل أجلس.
ذلك الأستاذ  يتبدى قمة في الوطنية، يستحوذ على حب معظم التلاميذ.
 
الامتحانات على الأبواب، النتيجة حسنة كالعادة، العطلة تبدأ، ثم في منتصفها..
 على سطح بيت الجد في المسيب توقظه أخته فجرا:
_  لك اقعد.. الثورة بدأت.. الثورة نجحت.. صرنا جمهورية.. تهانينا!
يهب من الفراش، البيغ بانغ يبدأ توا، يجري في الفضاء.. كوكبا لا يؤسر على مدار.
 
 أشهر العطلة الصيفية سريعة، يعود التلاميذ إلى صفوفهم رافلين بمشاعر جديدة.  الوكيل يختفي. مدرس الإنكليزية القديم يعاد للمدرسة، ينفرد مع الصبي المشورب بغرفة الإدارة، يكلمه كصديق كبير لصغير.. معتذرا حزينا:
_  اضطررت لصفعك عزيزي، أنا ماركسي في الحقيقة، لكني كنت خائفا، حمدا يتعدل الوضع بالجمهورية. المهم، قريبا تمثل أنت مدرستنا بمباراة الخطابة فهمت؟
_  نعم أستاذ.
_  أريد منك بختام كلمتك هز حبل عاليا، أعطيك إياه، تخفيه بالمنصة تحت يدك، ثم ترميه على الجمهور.. لتذكيره بضرورة سحل الخونة أعداء الثورة.
 يؤدي الصبي المهمة كارها، غير مدرك مكيدة فيها، تأليب جماعة على أخرى، يُمنح الجائزة الثالثة، الثانية لأخته، الأولى لفتاة أيضا. ذلك المدرس يهدي كتاب (ما هي الماركسية) اليوم التالي له هامسا: أنا شيوعي أيضا. يُنقل إلى الوزارة مديرا عاما، ثم ينقلب قوميا  مع الانقلاب الربيعي الجديد أول 1963 ويُرفّعوه.
 
واحد من جماعة رافد يتمتم للصبي في ساحة المدرسة أثناء الفرصة:
_  أعطني وعد رجل.. أن يبقى ما أقوله بيننا.. لو ما توافق عليه.
_  تبادل الأسرار معرفة، يوسع العقل، يشرح الصدر، لكن.. أوعدك.
_  أنت خوش عنصر، انضم لحزبنا خادم الشعب. عمك وعمتك معنا من زمان.
لا يعلم حينه إن بعض الصور تُستنسخ، تُغيَّر تفاصيل فيها فتبدو خاصة.. بمن يختارهم قَدر لمهام غامضة. لاحقا، تجميع صورة عن حياة غائبة قد يكشف معاني خفية، حاضرة، سعتها لا بما كسبت من مال، عمارة كبيرة، صغيرة، بل بمعناها.
المعنى، عن وجود ملموس أو محسوس، يرتهن الحركة.. ميكانيكية أو إبداعية.
 
 وللحركة دافع، في رواية، في واقع، في إنسان أو أمة. عندك إمكانية الفعل تتحرك إلى بغيتك، تنقصك ترد تلقائيا في الاتجاه المضاد. عقل الشَبِع يحرك لإشباع العقل، لإبداع، يخون يخسر. عقل الجائع يحرك لحفظ الذات، يخون يدوم، بذلك يتحدد..  من أين وإلى أين.
 
الصبي وخاله يجريان من مقهى إلى مقهى، صباح لا يمحى من ذاكرتهما، منتصف تموز 1958 التلفزيون هنا هناك قد يظهر صورة، صوت المذيع باق وراء نمش رمادي أصم. مساءً تهرع قطع عسكرية من حامية المسيب إلى العاصمة، تدعم الثورة، الصبي شبه تائه في الشوارع الضاجة، م خ ليس في أي مكان. والخال مهموما:
_  كما توقعت، صديقنا م خ وأخوه وابن خالته ليسوا عراقيين، مرسلين من جارتنا سوريا لطبخ ثورة للعراق على غرار مصر، شبّت انتهى دورهم، انسحاب لبلدهم.. في رقبتهم دم عائلة ملكنا كما في رقبة البلاشفة وخادعيهم الأجانب دم القيصر وأهله.. كذلك دم ملك فرنسا في رقبة الأجانب، كل الملوك، هكذا هو الأجنبي يُقيم يُقعد يكسب ليتقاتل غيره إلى جهنم!
_  تدري الكثير خالي فلماذا لا تفرح بالثورة!
_  اشتغل معي ابن أختي في بدالتنا تفهم.. انقلاب الدنيا مستمر بحسبان.. تهدأ بعد أجيال.
 
في الكتب القديمة لمكتبة البيت أيضا كلام عن مؤامرة عالمية، يساهم هو فيها بتأجيج مظاهرة ولا يعلم؟! لا يفهم كل شيء، ما يحدث أكبر من تفاصيل متفاعلة في عقل مراهق منفعل بتغير العالم سريعا بجهد مجموعة متناثرة مُحكمَة من البشر.. سماها م خ  طليعية.. الآن يختفي.. بدر أفل.. أو تخطيط إلى أجل!..
في السنين التالية تتعدد الطلائع، تكبر، تصغر، تتقاتل، تتراكم وقائع، حقائق، مظاهرة ما قبل الثورة في الذاكرة نجمة فجر، تظهر تختفي ناعمة ساطعة، سطوع أول قبلة، كذلك خشنة، فجة، كصفعة مدرس، تمسحها ظهيرة استثنائية، ككل ظلام سابق في نهار لاحق، بلفحة نهد عارم.. على وجهه الصارم..
 هتافات تأييد بعيدة، أهل المحلة يجرون، لفرجة، لمساهمة، لصياح، تنتبه الجارة لغياب أهله، تدخل ساحة بيته شبه المظلمة بغطاء الجنفاص، لبؤة هائجة تنوي افتراسه، تدفعه بخشونة تنزوي في الحمام الصغير، يتبعها في هدوء خائفا، تغرقه وراء الباب بين نهديها وشفتيها، يختلط عليه من أين تبدأ الثورة وإلى أين تمضي ويمضي.
 
  إنما.. مهلا.. مهلا.. ستوب!.. أيها الكاتب الكبير.. ماذا تسرد! عيب عليك..
أصلا.. مَن قال لك حق أن تكون بطل رواية؟! من قال عندك مفتاح العودة إلى ذلك الماضي الخطر حتى اليوم، العطر في ذاكرتك بين صحو ونوم.. أوكي.. تجديد ممكن.. تجديف نو!..
ماضي الأبطال يصنع أرشيف أممهم، هل تضع ماضيك هنا وليد مستقبل لغته الرمز نهايته دخان.. في لفائف سيجار.. حاضنة لعابر الأشواق إلى الآفاق.. لمن؟!
البطل الحقيقي هو المؤثر في الأحداث، هو رافد حتى الآن، سلبي، إيجابي، مزيج منهما، غير مهم. هو الاتساق، المرحلة تحدد المجرى، كصخور نهر دفّاق.
 أو أنت تهدم السدود.. ليكون السرد فسيحا صادقا يتجاوز الحدود.
هنا صراع بين رواية ولا رواية، بين فن وواقع، بين محافظة و تحرر.
 
 



4


مرآة الصبا تتهشم
الحكاية من الداخل3


برهان الخطيب


حصان الجد وبقرته في حجرة الاستقبال، يتطلعان إلى القادمين في فضول، زوجته الثانية رغم ولادتها ثلاثة أعمام على تسميتها القديمة "الجديدة" تعلف الدابتين الجت وأوراقا جالسة على ديوان، لا يسلم عليها كعادته بعد دخول البيت، ولا هي مهتمة بأحد، دقيقة مزاح مع الحصان ويتركون الاستقبال إلى الحجرة الداخلية، أربع درجات فوق ساحة البيت، الجد يقرأ كتابا على حصيره، عمامته جواره، يضعها على رأسه إذ يراهم عند المدخل متوقفين في انتظار ترحيبه..
أخيرا يتقاطر زملاؤه يقبلون يد الشرع، يصليه الجد بنظرة حمراء: وأنت، تتشبه بالزنديق والدك! يد جده أمامه، من الخلف يدفعه صديقه الحلي، الشاعر المعروف بعد سنوات، يقلد الزملاء أول وآخر مرة في حياته مهمهما: لا تتكلم عن أبوي بسوء.. جئنا نشوفك نسلم عليك.. جدّو..
 تلك اللحظة يكبر، غير سهلة وقفة تحد وقرار، حتى من ذي محتد وأصول قيل، كذلك بعيد الشجرة في أول ظهور ببنطلون جنز في المدينة، يتفاخر مدير المدرسة الشرس بخطبة الخميس بأناقة الصبي المشورب، لحظات لا تنسى تستحق السرد وعمه الأريب لا يهتم لها بما يدوّنه في مجلة الأديب بعد فصله من دار المعلمين متهما بالشيوعية.. يضطر الجد ليبتسم، عيناه صفراوان كهرب، كعيني الأخت الوسطى، صلبتان كنبرته:
_  بوشت! تحكي كباريّة مثل أبيك، شلونه؟ صداقته مع المنكر أين وصلت؟
يتجاهل الصبي السؤال، يلتفت إلى مهند مهادنا: تعال سلم على جدي الشرع!
 مهند يهمس من مدخل الحجرة: ما أقدر انزع حذائي، عندي فركاس والدنيا باردة، انتظركم هناك. يتراجع إلى ساحة البيت. يضحك التلاميذ، يُنعت منذ ذلك الحين: فرجاس ما ينجاس.
لا يلومه الصبي على انسحابه السريع، ولا نبزهم له باللقب البديع..
معتاد.. شخص لا يتدخل في غير شأنه، آخرون يبحثون عما يُضحك في بؤس، ذاهب بعيدا لاختزان انطباعات رواية قد تُكتب مستقبلا.. من حساب إلى حساب..
حادث آخر وآخر يستحق السرد لا يلتفت عمه إليه، عراك أثناء نقاش تلاميذ، انشطار مهند عنهم، حلقة السياسة الأولى، الكل طرف في معركة رغم أنفه، باختصار يبدأ الصبي يرى الواقع قصة، مثل كبار، العم لا يستمع له حسنا، يكتب همّه ينشر، ذات الوقت يتوجب الحذر لصد خطر، عنه عن الأهل، يبرز حتى من نقاش بين العم الثوري والخال الملكي، تلقائيا يقف هو مع فقراء العالم، مسافته عن صديقه مهند ابن مدير المعارف، أياد ابن المتصرف، ضياء ابن وكيل الإنكليز بالسوس، أحمد ابن مدير الشرطة، بل وعن ظله، تصغر تكبر بما ينتاب من خلاف معهم في أنَفة، من خوف طرد من مدرسة، داخل حلم كبير.. في ألفة.
الصبي يقفز فوق المراهقة إلى رجولة، كذا تعترف أمه لجارتها، في عزلة بغرفته يقرر وضع مدونة أفضل من التي يدبجها عمه، لا يطلعه عليها حتى تكتب صحف عنها يطلبها منه، كي لا ينسى الوعد يخط رقعة "لا تثق بأحد" يضعها تحت زجاجة منضدته، بين صور مدن مراسليه من مصر ولبنان والسعودية، يراها أبوه يعاتبه على "انفصاله" مبكرا عنه، يرد بوحي مما يقرأ: كل الثمار تبتعد عن أشجارها في النهاية. يحزن أبوه عن جد: كذلك تنطق الحِكم مبكرا مثل أنبياء.. ليتك لا تُرجم يا ابني من جهلة في المستقبل! تتغير معاملته له، يبدأ يحترمه.
ومثلما يتشوق الصبي "المفكر" ليكبر لا "يتهيب صعود الجبال" يغمه الكبر لاحقا في عالم "كثير الحفر".. 
 
إحساس بازدواجية وثنائية الوجود يداهمه تهديدا قبيل البلوغ، قبيل 14 تموز المعروف، بدنه لصبي و.. رجل فيه يشتعل، كما مصر بالعدوان الثلاثي عليها تشتعل تغدو مشعلا، نورها ينصب من الراديو في كل البلاد المنكوبة مثلها، بحرب وفقر وأمراض وجهل، يسكته والده حين يدمدم قربه: ضروري نثور أيضا، سيادة كرامة ينقص الأمة. يكبر الخطر على مثيري عواطف واضطرابات، مَن يصل خبره مركز الشرطة ولا واسطة له يقلعون أظافره، رغم ذلك يلتهب التلاميذ حماسة، أبوه يخاف الفصل من مهنته التعليم، عمه ينتظر إعادته لكليته، خاله يظل لغزا دائما، صديقه م خ هناك حذر في العطلات، هادئ، مبتسم، دمه يركض أزرق في عروقه الشفافة، جلده أبيض ناعم، مجمل كلامه يتطابق مع أحلام الصبي، من هناك بداية..
باجتماع البستان القريب من بيت الجد يتفقون، تأجيج مظاهرات في البلدة ومركز اللواء.. يعود الصبي إلى مدينته، ينبذ المناوشات مع والده وجارته. مع ثلاثة من زملاء مدرسته المتوسطة يدور على بيوت ومحلات ناس يعرفهم ولا يعرفهم، منهم مدرسون، يتطور نقاش إلى خصام، المظاهرة تندلع أخيرا، المدينة تنضم إليها.
 
 قوى ظاهرة خفية تحرك الناس، أشجار في عاصفة، تتغير اتجاهات الريح ومواقع الكائنات، كذلك الصور والأفكار في رأس محتار، معادلات و نتائجها خارجه، بين شك و يقين، هزل و جد، تتشكل خلية أولى، جوقي القصير، محسن المسلول، مالك الحزين، طالب آخر من صفهم أول متوسط، التفافا حوله، أثناء الفرص، خارج المدرسة، يناقشون هدم سقف العراق، حرث أرضه بأظافرهم، العالم كله يتزلزل أمامهم تحتهم، يبقون جعلان تتمختر أو يقولون كلمتهم، يصدر أول قرار.. يسمعه السمك اللابط والبط واللا بط المُجتمع مثلهم عند الشط..
 
الصبي أبو شوارب المخشوشن الصوت يقترح بتعليم سابق من م خ: ننشط خارج مدرستنا، وجوهنا وجوه برت لانكستر وكيرك دوجلاس وكلارك غيبل معروفة فيها، نروح إلى الثانوية، يشكّوا في أعمارنا الصغيرة نفهمهم أرسلنا القادة الكبار، لجنة ثورية.. كلفتنا إخباركم..
_  ما هذا؟! لم تقرءوا عن غافروش الثورة الفرنسية، المظاهرة اليوم بعد نهاية الدوام، الجميع يشارك، المتأخر خائن، تطوق مصر الشقيقة وبغداد كلبجة حلف ونحن نأكل لبلبي هنا.. أين الغيرة.. أين الحَمية؟!
 لا يتوقع الصبي وميسرته المسلول أي دوجلاس، وميمنته جوقي أي غيبل، يحمي ظهرهم الحائر مالك بدل الحزين من مسعور قد يهجم على داعية الثورة، أن يكون لكلامه فيهم، من وراء سياج الثانوية، تأثير الفلفل الملهب في دبر جحا. الحماية المشددة حوله تترك إلهامها حتى في الطلاب الكبار وراء القضبان، قرود سجناء انقلبوا غوريلا، ثوارا، بعضهم يسأله متلمظا: من أنتم؟ كم تدفعون، أكو ركوب؟.. يكذب جوقي: كيف لا تعرفنا، إذاعة صوت العرب تتكلم عنا، نحن من اللجنة الثورية لتنظيم مظاهرات الحلة أم الباقلا!
 اليوم التالي توصد مدرسته، يعود مع جوقي والمسلول والحائر إلى المدرسة الثانوية، قرب سورها ينفخون صدورهم: يا جبناء، صغار المتوسطة والدلقلية أشطر منكم! يلازمون المقهى المقابل في انتظار نهاية الدوام، قبل أول هتاف منه بين الطلاب تنتظم المظاهرة، مَعلما في تاريخ اللواء، عفوية، صاخبة، في سيل عرمرم، متوقعين ظهور الشرطة بين لحظة وأخرى.. و تحدث معجزة..
 
و يسكت الأديب الأشيب أمام جمهور الأمسية الأدبية ملتقطا أنفاسه، يضيف:
_  تظهر عربة محملة بالطابوق أمامنا صدفة..
 
في الطريق إلى المطعم الزجاجي يكشف رافد، بعد نصف  قرن، سر العربة:
_   لم تكن معجزة ولا صدفة ولا عجب.. العجب عن غموض.. عن جهل..
 
مرآة الصبا تتهشم يوما دون خسران، يدهش لصورته الجديدة، الحصيلة لا قيمة لرواية بريئة في عالم غير بريء، ولا قيمة لرواية غير بريئة في عالم يفقد براءته، براءة العالم لا تستعاد برواية، بروايات، ممكن ترميم براءة إنسان بها، لا الإنسان، ذلك يعني وضعه في مجابهة ضد غيره.. ذلك أفضل من غفلة؟!
 
بالكبر تغيّر صور ما لها من أثر إلى غير المتوقع، إلى تغير المندثر، تحريض طلبة دون رد فعل لا يمر، والده ينذر: الشرطة منتبهة لك، الهدوء لازم.  و.. تمرر الخطر منه وعليه، جزءاً من حصة مشاركة قوة خفية تنوي قلب الأشياء؟ النظام وقلبه من مصدر واحد؟!
بعد التغيير لا يدهش والده من رفعها شعار الناقمين والجماهير، تنشد معهم:
اسألوا الشرطة ماذا تريد.. وطن حر وشعب سعيد!.. 
طبعا، شعار خصم ليس ملكه.
 
 



5
أدب / الحكاية من الداخل 2
« في: 22:21 21/12/2014  »


الحكاية من الداخل 2

برهان الخطيب


المؤلف قبل كتابة رواية يجابه ديناصورا يبُعث حيا، يُفترَس منه.. أو يصعد ظهر الوحش. من أجل نتيجة طيبة يستنفر كل قوته الظاهرة، في عجز يلجأ إلى الاحتياطي منها، إلى خفية، قد يستلهمها من تعاويذ وملفات وحكايات وتنازلات، إلهام الروائي يمتزج ببداياته، يتحرك الوحش من الماضي، له سن ناعمة هذه المرة، في فم وليد نهاية الحرب العالمية الثانية، سن تبدو غير طبيعية، تفصيلا بل ظل روائي عنيد، لنص له تعقيد، من زمن عربيد، كشف فحواه يحرر الآه، وقد يستجلب مشاكل ويخاصم فطاحل، يستعاد ما قيل عن مسنون، ريتشارد الثالث، لويس الرابع عشر، غيرهم، يُولدون مع لعنة في فمهم، سن صغيرة، تصدّق الجدة بلقيس والأقارب ذلك، تؤكد رغم الانتظار المتشوق الطويل لميلاد أول حفيد من ابنة أثيرة بأنه قد يجلب شؤما، عليه المرور بالموت بطريقة ما، فيطير الشر المتربص ويعود الخير يسكن بيتها. وعلى ديدنها في مزج الخارق والمألوف يتفتق خيالها المتحاور مع الطيور والأفاعي والملائكة المارة وراء المكشوف، خاصة عند الوسن والشجن والمحن، عن تدبير لا سابق له ولا تصوير، يتلخص في رمي الطفل المسنون من السطح مصحوبا بنذير، وعلى الأب أو غيره أن يكون في ساحة البيت مستعدا بحسن تدبير، لتلقفه وإنقاذه من مصير عسير، بعد ذلك الخير وفير، أو يهوى على الأرض ويخسروه، ومعه خطب خفي غير يسير.
 لا يتمكن والده في ساحة بيت الجد عن الأم رغم صياحه من ثني خالته عن عزمها الخطير، تحمل الطفل بعد الأربعين يوما تمضي إلى السطح في نية التغلب على القدر، بما يميز الآدمي من قوة وحذر، والوالد يهرع من حجرة النفاسة متعجلا استبدال البنطلون بدشداشة، في طقس يتجاوز النجاسة إلى قداسة، الأصح تسهيلا للقف طفله في الحضن، كأن كل ذلك يجري على شاشة.
 
 يُنقذ الطفل طبعا، من حكايته يطلع راوية، بكلمات يصور ديدن غابرين ومعاصرين، قتل معلن وآخر لا يبين، تفاصيل تفاطين يصممها لزمكان عاقلين، بينه بينها مسافة لرؤية ويقين، مبكرا ينجز "خطوات إلى الأفق البعيد" يتبعها "ضباب في الظهيرة" عابرا محنة وأخرى إلى مدى بإرادة لا تلين.
 يصطاده والده بين أطراف الدشداشة، كسمكة لاحقا من الفرات، ترتفع هلاهل، ميلاده الحقيقي يبدأ، أسطورة تصنعها الجدة تنفذها ببصيرة ثاقبة، ثم يفتح الجد شيخ مهدي والد أبيه قرآنه مغمضا عينيه، يضع إصبعه على مهبط للوحي يقرأ: قل جاءكم من الله برهان. يقول هذا اسمه. والطفل يمشي بعد حين.. كرئيس الوزراء برهان الدين باش أعيان.. بطة ممتلئة.. تغري لقنص وترقيص وتلحين..
غالبية ترفع محاسن فوق عيوب في اعتراف، أي اعتراف معرض طعن، أيها السارد لا تظهر نفسك متأنقا عطرا كريم محتد، القارئ الفطن يفهم كم من الصدق في كتاب وخطاب. تموه تفاصيل وأسماء حماية لخصوصية أصحابها والسارد ذلك حق، كذلك ليس كل شيء يُعرف، ولا كل ما يُعرف يقال، تحلّق فوق الأرض لا ترى نصفها الخفي عنك، والبعض في ابتكار عراقي بامتياز ُقتل ويُقتل لموقف، لكلمة، تموزي، الحسين، فهد، الملك فيصل، قاسم، الصدر، صدام، طويلة قائمة الذين اقتيدوا على أرضنا إلى حتفهم لهدف عام، ذلك يجعل لموضوعهم قيمة وقيام، على كفة وعلى الأخرى حياتهم وإلى أمام، وما يزال الباب مفتوحا للأنام.
 
نصير حكاية، عن اختلاف ورغبة في وئام، مطلوبة، مسارها من نطفة إلى عصبة مذمومة أو مرغوبة، و لكل حكاية بداية ونهاية، كثيرا ما تكون بجريمة مصحوبة، بعاطفة مشبوبة، حادث يكبر يستحق السرد، لجمهرة صاحية وأخرى معطوبة، بفن تنجز.. تذيع تشيع، لـ وعن حياة تنقضي من بقاء إلى فناء، غالبا مرعوبة.
 
 تسعيرة الحياة في عراق اليوم مائة دولار، متغيرة حسب السوق، تلك معلومة من شخص يحدثني عن شيء أعرفه، فلا يجوز الكذب والهذر، و ربما السعر أرخص على مكان تحضّر. العالم برأيه يخربه مصلحون. عندهم القتل تفليس حَب. قبل ذلك يصل أو لا يصل تنبيه إلى مَن عليه النور والدور، علنا وربما من أقرب الناس، همسا من عابر سبيل في غير إحساس، كي لا يشاع صاحب الطلب مبتذل أو غدار، لا، كذلك مِن القتل في بغداد ما يُحب، تكريما لـ .. ومِن الحب ما قتل.
بلي، من جريمة أو محاولة جريمة تبدأ رواية، لا من عدم أو ندم، الدافع للسرد متنوع، كالمدفوع، فضول، تقصٍ، شهرة، رغبة محبطة أو مشتتة، تشف، ذلك في واقع وخلفية، في رواية تصير أممية، يُستخدم السرد فوق التشويق لسبر ضفاف، لتزويق أخلاقي وسواه، يرفعه يبرره، حيث البشر أرقام معادلة، مفاهيم فلسفية، رموز قراء.. ومنهم، فيكتسب كتاب جدواه، سلعة تموسق الآه، تقتل الضجر، تشحذ الانتباه.
 
 من أين تبدأ؟ يسأل كاتب نفسه مرات ذلك السؤال وغيره، في محاولة لملمة وعرض تفاصيل وافرة، كل شيء يخضع لمساءلة واتهام، ضرورة هذه الجُملة وتلك الكلمات، النص مفتعل من غير تبرير، كذلك ضروري ترويض حادثة روائية تنزع لغيب وتغريب، تجمح إلى غير الممكن، تصير عصية على التصديق، كل ذلك في صراع متأجج حول الكاتب، فيه، فعلا ناميا بـ  ولتجسيد الصورة العامة، وقت الشد والجذب فيه وخارجه من قوة وأخرى حتى ذروة تجل وغياب. 
مجرم محترف لا يترك أثرا دالا عليه، كذلك الروائي، نقيضه.
ذاك البوكسر يتحرك من حقيقة إلى وهم، في حسم، يبدأ الهدم. والروائي، البودل، من وهم إلى حقيقة، بحدس، يضبط، يدقق وقائع، يدعم الواقع، من تخريب إلى بناء، وخلاف المحترف ينتقل من رذيل إلى فضيل.
 
مع سن مبكرة كل شيء مشكوك فيه، ثم كما في رواية عميقة مبهرة يتضح العكس هو الصحيح، الجدة تتصور مجاعة وفيضان وشك اندلاع، يتبدى العام من أحلى الأعوام، يتذكر الوالد.. الحرب تنتهي، الأرض تزهر، يمر فيضان الفرات ناعما، تمتلئ مناضد الطعام والأسواق بالأرزاق، والقلوب بالأشواق، مخزن الجدة بهدايا الأهالي بعد استقبال طفل وآخر جديد، راتب التعليم إلى ترفيع، يغضون الطرف عن محاضرات خارجية، يرسل العم والعمة إلى العاصمة لدخول كلية، الجد مهدي بعد التثنية يفرح بأول حفيد بين يديه، لا يزور الجدة في كربلاء غير مرة كل شهرين، يتهمه الوالد بإضاعة الذمة والعمامة، بتغليب دنياه على دينه، وتحدث القطيعة..
الجد المعمم غاضب، ابني الكبير عاق، يعاشر شيوعيين، يدخل يهودا بيته، يعاقرها خفية وعلنا، فماذا انتظر منه؟ لا قدم له في بيتي ولا لي في بيته، ربيته خرّجته بأول دورة تعليم في العراق للغة جناب الانكليز فليكف عن ثرثرة المعيز يصرف من راتبه على أمه ونسلها العزيز.
 الوالد يأخذ ابنة الخالة زوجته وطفليهما يبتعد عن الجد عن بلدته المسيب إلى مركز اللواء، الحلة، ربع راتبه لأمه وصغارها في كربلاء حتى يستقل الأخوان الأصغران عن الخالين، يفتحان ورشة حدادة، يقول لهما دوركما حان، يبقى يدفع لأخته وأخيه الثالث نصف مصروف دراستهما بكلية دار المعلمين ببغداد، لا تنتهي المشاكل حتى بوفاة الجد والابن البكر وروح العائلة بعد عقود..
 جذور المشكلة في الماضي نعم، في إخفاقات تصير لغافل ذكريات سعيدة، لروائي تظل تعيسة، سوءَ فهم يتطلب التشريح، السبر، كقرد على جلده وجلد أخيه، علاجا ذاتيا، تلقائيا.. بسرد مضاد للشائع المعتاد.
 
تخيب مساعي التوفيق بين الوالد والجد، وبينهما والعم والعمة، تستمر جلسات العصر والخمر والسياسة والكياسة على اليسار في الحلة، على اليمين في المسيب مجالس العزاء ولوم الأبناء وأولهم الأكبر لخروج عن المألوف، الصبي في الوسط يفكر ويفكر، صراع بلا طائل بين أقرباء، يصيّروه لأضداد وهو لأنداد، في ظله يكبر من طور إلى طور، من كتكوت إلى طير، يبزغ شاربه قوس قزح يعيده إلى الأفق بلا فرح..
مشكلة مزمنة حادة، تترك في نفس مرهفة ندوبا، تزهر أدبا، صبّارا في بور..
 
أخيرا ربيع حقيقي، تلاميذ مدرسة حمورابي الابتدائية عصافير تزقزق، قفص الباص اللامع بالدملوغ، السفرة المدرسية الفصلية إلى البلدة القريبة، مسقط الرأس والأحلام، جارة الفرات وبابل أم الدنيا، مهند ابن مدير المعارف يقتفي المعلم، لا يدري ماذا يفعل، أخيرا يقترب إلى الصبي ابن معلم الإنكليزي، يسأله: تركب خانة الشواذي أو الصدر؟ آخرون ينادون للالتحاق، لا يترك مهندا وحيدا، يجره معه إلى حوض الوسط، غناء، تصفيق، ضحك لا ينتهي، ظهرا يفتحون صرر الطعام، معه حقيبته المدرسية، أكبر كمثرى تراها عين تتدحرج، أجنبية يشتريها والده خصيصا له للسفرة، لا يكره التلاميذ واحدا منهم، على العشب قرب سدة الهندية تحوم عينا مهند فوق الحقيبة وهو يقضم شريحة دجاج، ألذ طعام في حضن الطبيعة الأم، يصعب العلس قرب زملاء بلا طعام، يتلقفون البطاطا وبيضة. يسأله مهند: والأجاصة لمن؟ يرد الصبي: تفضل، خذها..
تمتد يد المهذب الجم تسحب الكوكب الدري، يُضاء وجهه، يسكت التلاميذ، تخشخش الثمرة، تقطر عسلا، يعود التلاميذ إلى اللغط والخبز مبتسمين، غانمين السلامة، من أسنان مقحامة..
يتوقف الباص على تقاطع شارعي المسيب، جولة في سوقها ساعة، يحيطه زملاء لاقتحام الولاية والتوغل إلى النزيزة، يحذره معلم الرياضة: أبوك لا يريد روحتك إلى بيت جدك!..
مهند يلتزم الباص. الصبي يعترض: ما نهاني عن زيارته.. تجيء معنا مهند؟
ينضم ابن مدير المعارف إليهم.. يسكت المعلم.
 



6
أدب / الحكاية من الداخل 1
« في: 19:42 24/11/2014  »
الحكاية من الداخل 1

برهان الخطيب

عن سوء أدب أو غيره يرفع بعض أهل البلد إصبعه الوسطى أحيانا نحو وجه مهاجر، في طريق، بار، أو حديقة. تطوف تلك الإصبع مكبرة لي في حلم، كذلك قرب مبنى النادي، قبيل محاضرة ألقيها بأمسية أدبية، تنتهي وضجر يلاكمني بقفازات غير مرئية، جولة عاشرة أو عشرين.
 بعدها نذهب ثلاثة فرسان للعشاء في مطعم شرقي متواضع، عودتي من غوتنبرغ جنوب غربي السويد إلى شقتي في ستوكهولم وشيكة، أفكر ونحن ندخل المكان الدافئ: يمكن كتابة رواية حول تلك الأصبع، ورواية أخرى حول لماذا نحن ثلاثة، وأخرى حول ضجر في فردوس، وجزء آخر أكبر حول لماذا نحن هنا، تفاصيل وافرة تتراكم، رغم دفنها عميقا كنفايات نووية تطل من صمتنا عاليا ونحن نجلس، منذرة بإشعاع أو صخب لا ينتهي عند مائدتنا.
 يتردد رافد حين يسأله زميله: مَن يذهب لجلب الأطباق؟ في العيون خوف من دس سم في طعام، لما يزل الكثير حولي أجهله، يطلب رافد من زميله لو يخدمنا، ويمضى الرجل شبه مرغم. ونسكت ينظر أحدنا إلى الآخر..
في السماء خارج قفص المطعم الزجاجي يهدر رعد، يتدحرج دمدمة عفريت فوق الرؤوس منزلقا إلى البحر، تبتلعه الأمواج غير مسموعة هنا في صمت.. في هدوء.. يستفسر رافد مروضا نبرته:
_   طالما نحن وحدنا.. تسألني عن شيء؟ 
يتجاوز التحفظ، أبقى في ترقب:
_  لا. تريد أنت أن تسألني؟ تفضل..
_  شبعتُ من الهمس في أذنك منذ وصولك غوتنبرغ.. وأنت صاموت لاموت!
أتناسى معلومة وأخرى تضايقني، تحضرني ذكرى أتصورها طريفة:
_ عام 1963 حدثنا أكرم الحوراني في بيته بالشام أنه سأل عبد السلام عارف بمصر بعد ثورة تموز، وناصر قربهما، لماذا أنت ساكت؟ رد عارف عندي خطاب مهم اليوم. لامه الحوراني: وشو يعني، خايف يخلص الحكي، نجيب غيرو!
يلتفت رافد إلى الزميل هناك قرب منصة الشواء:
_  و خطابك للأمسية انتهى و حكينا ما يخلص.. و حضرتك سكوت.. قلة ثقة؟
_  لا أسرار عندي رافد.. الرواية خزانة أسراري.. تدري.
_  لكلٍ سره.. حتى روائي ملعون خصب سرده.
عيناه في عينيّ، تفصلنا المائدة الصغيرة، عنده الكثير يثير شهية السؤال، كذلك عندي له، نفضّل الصمت، لا نصل بالكلام إلى مكان غير الذي نحن عليه. جامد الوجه يرد تحية بعيدة، يتمتم سابرا خفايا:
_  معارفنا بدءوا يقولون صرنا نتشابه.
_  فعلا.. كلانا دبدوب.. شيبوب.. حبّوب.. من نفس المدينة والمدرسة.
_  يقصدون بالأفكار لا بمظهر.. ولا بمتوسطة وغيره قبل ألف عام.
أكرر ما كنتُ قلته يوما: يفكر الناس بطريقة متشابهة يصلون نفس النتائج.
يتلصص من تحت أجفانه المنتفخة:
_  سمعت ذلك منك قبل التحرير بزيارتك الأولى غوتنبرغ، حينه ذكرتَ كلمة صحيحة بدل متشابهة الحالية.. ثالثة لا يريدون.
لا أسأل مَن لا يريد زيارة ثالثة ولا لماذا.. ذلك واضح.. فيلم جديد إخراج قديم!
يتلفت بطيئا: يريدون كشف مَن أنت حقيقة.. لمعرفة كيف التعامل معك لاحقا.
أعاتبه: عدة كتب آخرها عن الغزو غير كافية للمعرفة.. أنا أيضا لا أعرفك إذاً!
يوقف نظرته عليَّ: الأفعال أهم من الأقوال. معرفة العمق مهمة. أنت في النور.
_  وأنت في الظل دائما؟ على أيهما تعتمد بورصة المخاخخات الدولية!
_  على كل شيء.. لا تختبرني في اختصاصي.
بعد قليل يستفسر: أنت جاد بفكرة استقرارك في بيتكم القديم ببغداد؟
_  حتى الحجر المقذوف إلى السماء يعود إلى أرضه أخيرا.
رغم شعور حصار أرى "أخبار آخر الهجرات" تحت الأنظار، بسببه تلك الإحاطة في هذه المحطة. في حزنه المقيم يواصل مبارزة عقلية: نعرف كل شيء، حضرتك صموت، سوسو بوسو هناك تدعوك؟ الآن حتى البيوت زجاجية لا فقط جسورك، والآتي هناك ربما أسوأ من حرب. إنما أفهمك، الوحدة منهكة غير طبيعية، أنا سافرت إلى ليبيا جلبت ابنة أحد رفاقنا زوجة.
أتناسى دهشتي لعلمه بمشروع سفري إلى "سوسو بوسو".. استغرب:
_  ما عرفتني على حرمتك!
_  كانت حاضرة في الأمسية بالصف الخلفي.. حزينة دائما مثل قلبي.
أتوجس الأعماق مثله لكن في مزاح:
_  غير الطبيعي طبيعي في وضعنا حتى تحوَل رفيق لمثابرات.
يرمي هو أيضا عصفورين بحجر:
_  مخاخخات مثابرات مخابرات.. بالتنازل انسجام.
_  لا شيء بقى لتنازل رفيق رافد. كل العراق خسر.. شيوعيين بعثيين إسلاميين ليبراليين.. وأنا وأنت.. دقي يا موسيقى!
_  قريبا ترى بعينك، بوسو هانم تنوي ركوبك، أبطالك هناك يفكرون في قتلك، تضطر لتنازل آخر، تبقى تراوح هنا بالسويد، تستمتع بغربتك، بجهنمك.. تعبيرك.
_  لمضايقات من قوى عنصرية وخفية.. وإلاّ هي نعيم.
_  العنصري مكتّف والخفي مكثّف يغيّر العالم والمثقف مثلك يشكو دائما.
_  تغيير لمصلحة ابن البلد أو لسرقته؟ بحرب أو بتنمية؟ لتأورب أو تشورب؟
_  تبعث رسالة إعجاب لأوربا؟!
_  تقرأ أفكاري.. أو تلك أفكارك يا نائبا عن حالي وخالي؟!
_  أغنية. معظمنا يميز مطلعها.. يا غربة في خيالي.. من مقديشو لمالي!
_  سيد رافد بعد الهجع أراك تطرب لكل أنواع العزف حتى التانغو!
_  الكشف لا العزف، قلها صريحة لا تخف. الوشايات والأخبار تصلنا أخيرا.
_  أخبارك عجيبة فعلا لا أفهمها أحيانا.
يواصل الحفر بكلماته كمثقب رصين في أعصابي: أحاول إثارتك لعلك تصارحني!
_  غريب أمرك رافد.. أصارحك بماذا وأنت تعلم أكثر من عزرائيل؟!
_  نظراتك تخفي شيئا. لا تتردد. لم يبق للتأريخ غير احتقاره.. ذلك شِعرك، وأمس تكلمتَ بأريحية مع صاحبنا عن مثليته، فلماذا تخفي، أنا أصارحك بالكثير!
_  لا أحد ينجو من كلام سوء.. لكن بربك ماذا تتصور أخفي عنك؟
_  بربك ها؟.. وما لقيت غيري تحلّفه!
_  الرفيق الأعلى لينين استنجد به.. أو تبتَ عن اللينينية تحولتَ إلى الليبية!
_  هو ليس الأعلى. أنت تكتب وتستسلم لإغواء المعرفة فلا تستكثرها عليَّ.
_  لو عندي ما يقال عنك وأخبرتك زدتَ وطلبتَ المستحيل.
_  أدري مَن يتآمر كفاح ينفذ تهديده يقول عني جاسوس لينهيني؟ افضحْنا برواية.
_  يا رافد.. الخير أبو النوايا.. رضيعه يرعاه القارئ على صفحاتي.
يسخر رافد في ضغينة: الخير جمهورية غير مستقلة سيد برهان!
يحيّرني بتملصه، أعذله: والأمسية الأدبية، وجلستنا هذه، كيف نفهمها؟!
_  بقايا ماض قديم نرميه إلى مزبلة التاريخ.. تدري أين مكانها؟
_  لا أدري، حتى في بغداد لو سافرت أجد الخير كأي مكان أقصده مع نية طيبة.
_  لا عند حاقدين  فضحتَ حيثياتهم برواياتك. الرد انتقام.. ولو في شكل غرام.
أركن تحامله على أصدقاء الماضي، أناور منساقا معه: هذا رأيك؟
_  لا تسمع رأيي خليك على طريقك، "ليلة بغدادية" رواية ناجحة، قصدتني بشخصية مزعل فيها.. خاب حلمه الكبير، غيّر خندقه، ظل محبا لصديقه القديم ووطنه.. ذاته غنية.. لكن ثقافته محدودة.. يصبح ضحية التغيير.. هذا توقعك لي؟
_  أنت من أذكى قراء رواياتي رافد.. من اليوم أسميك رافدين!
_  عشناها سوية قبل أن تُكتب.. عرفنا زواغيرها.. تأثيرها حياة أخرى.. عليه تأريخنا غير عقيم.. لو سلمنا بلا جدوى النزعة التوفيقية.
_  الأفضل برأيك البقاء على تأليه الصراع !
_  الصراع أبدي أبو البراهين، المهم توجيهه لصالحك، باستمالة الحلوين مثلا.
_  صالح الناس واحد تفاريش رافد.. ناس منطقتنا قبل غيرهم..
_  يعني راوح مكانك كلام مثقفين أو نهاية مزعل لإصراره على قيم انتهت.
_  تذكر قمر القناة؟
_  تحته اختار كل منا طريقه تباعدنا أنا للعمل الحزبي أنت للكتابة و.. نلتقي!
_  الناس تلتقي في محطة..
_  بمحطة بغداد القادمة يطلبك قريبا باشا م خ  بواسطة سوري.. ينفعك بشغلة.
_  بينغو! دعوتي إلى هنا لتبليغي ذلك.. لكن مَن هو م خ.. و.. باشا؟!
_  نسيتَ التآمر! أعددتَ معه لثورة تموز أيام زمان، ببستان المسيب سيد برهان.
_  غير معقول! معلومتك هذه من ملف غيب.. و.. ماذا يريد فتى صار باشا؟!
_  لم أقل شيئا، تمام؟ باشا ولماذا إمكانياته كبيرة نتركه أيضا.
_  تكشف سرا من غيب ولم تقل شيئا؟ ماذا غيره في ملف أكس وأين مكانه.
_  لكلٍ ملفه.. كَبر.. جنة أو نار.. هذه أيضا جديدة؟ ماذا علمك بونكر ونكير!
 
 قبل النوم أسحب الغطاء أخفي رأسي، أهمس للاقطة النقال: قضيتي وقضية رافد أكبر من جوع معلومات، أدري مَن كان رافد.. مَن صار لا أدري، خطابه القديم يتبدل، تتغير زاوية نظره، يعلم الكثير، من جهة عالمة، الشك يفضح صاحبه أحيانا، الرجل يرى ينطق من جهتين متقابلتين، في ذلك تحذير وخطر. لماذا الاهتمام به؟ تعرف حقيقته تتبيّن وضع البشر، ذلك يعني ثمة ما يُخفى، هكذا توضع كتب عن غفلة أو يقظة. خلاصة: أمامي عمود رواية.. أحتاج أعمدة أخرى.. ذلك للنظري، العملي يتوازى معه، يتعقد، فوق سوسو بوسو وقهر منتظر هناك تبرز ازدواجية رافد، لغز م خ .. من أين جاء به.. مجاهل السفرة  تزداد.. ركوب العقل ينبغي قبل طائرة بغداد..
أغفو..
كلماته ترميني خمسين عاما إلى الوراء، إلى أيام البستان المجيدة، إلى ميلاد قربه، إلى ثورة منتظرة، إلى هذيان ونداء بعيد مديد..
_  .. برهان.. اذهب إلى مدرستك.. حرِّكها.. اصنع معنا يا زلمه ثورة..
يتلاشى همس الضيف السوري في دخان، في نخل ودغل البستان، وسواس ذلك الصيف يصير منتصفه ثورة شجعان، حياة تقلب، غبار، أخبار، أسود، أبيض،  إلى تشكيل لوني فتان، تهويمات، امرأة المحلة عاشقة معشوقة تكبرني سنوات، حكاية مثيرة عابرة قارات، قوة مراهق محسوسة وأخرى أقوى في كلمات، م خ ينطقها مختصرا من بؤساء هيغو صفحات، تتفجر هتافا بتحفيز من الأم نحو سماوات، يشق الصالة ينير ظلمات، فيلم مصطفى كامل يوقف، الجمهور خارج السينما، تظاهرة تملأ الشارع..
 
موج يغيض.. يفيض.. يتدفق.. لا يخرس..
رعود لا تظهر في الأنباء.. تعود وتفصح عنها الأصداء!..
 



7

مادلين..
 فصل من الرواية الجديدة

برهان الخطيب

 جارتنا مادلين شابة متزوجة جميلة، قسماتها واضحة محفورة في رخام، عيناها واسعتان فيهما لهيب دائم، شفتان نافرتان مطلتان على البشرية تدعوان لثورة جنسية عارمة، نظرتها صريحة تخدر إذ ترسو على وجه مراهق غير حائر غير خائر، معذب بشهوة ويأس من حب عاثر، ابن الخامسة عشرة ماذا يمكنه أن يفعل وخيال زوج سمين طويل يحرسها في حضور وغياب، يصد عنها بصوت عارم وطيف صارم أشرس الذئاب، تغيم أفكار المراهق إذ يوشك بلوغ طيفها واجتياز الباب، على عتبتها تنظر إليه وهو إليها في عتاب، يلعب مع ابنها الكرات الزجاجية في عَذاب، من نظرتها بلمعان تلك الكرات والسماء في عينيها العِذاب، يذوبان بالآخر في صمت متبلين بالرضاب، ينتظر تدعوه لمساعدتها في البيت تنزله إلى السرداب، لا تنبس والفراغ بينهما يمتلئ يمتلئ بالرغاب، لا يجرؤ لو تفعل هي يفعل مثلها هو، ولو يعود زوجها من دكانه القريب يلقي عليه مطلبه الغريب، يحبها يريدها زوجة.. حين يبلغ قريبا.. طلّقها رجاءً.. واهتف معي لتسقط كل الحدود والقيود!
 تكلفه مادلين أخيرا شراء حاجة من السوق، بجلب بعض الأشياء من السرداب، في الليل يسمع من السطح زوجها يثرثر بالراء كالفرنسيين، يعب البيرة، ينزل الصبي يجلس على عتبتها يدخل بيتها يجلس معهم أمام التلفزيون المشوش، يلعب مع الابن والابنة في ساحة البيت،  يخرج أبوهما إلى المرافق أو المطبخ:
_   هاه ما تسأل أمك أبوك عنك.. شوقت تنام لعد.. بكغه ما عندك مدغسه!
 لا يرد المراهق. بعد أسبوع من التشورب ابنها يقترح: نغوح لبيتكم نلعب هناك أحسن.
يذهب الصبي إلى بيته مع ابن مادلين التي يحبها، يجلسان على العتبة، الحمار الواقف منذ الضحى في الشمس ينتظر راعيه، ابن الفحّام يرمي منتصبه بحجارة تداويه، يبتعدان عن ذلك السفيه، يفترقان، تسأله مادلين عند العتبة:
_  هذا اسمك هنا بمجلة الموعد بباب التعارف؟!
_  أسمي.
_  تستلم رسائل من بنات؟
_  واحدة اسمها كريمة انقطعت.
_  لازم غازلتها.
_  لا، المصرية أم حسنين زوجة المعلم بشندي بدرب الأكراد هناك قالت هي قريبتي، فضحتنا.
_  كم رسالة استلمتَ حتى الآن؟
_  رسالة رسالتين في اليوم هذا الشهر.. أحيانا بالأسبوع واحدة.
_  مَن يكتب إليك.. من أي مدينة.. كلهم بعمرك؟
_  كلهم أكبر مني.. من مصر.. من السعودية.. ولبنان.
_  ماذا يكتبون ماذا يريدون؟
_  كل شيء.. واحد أرسل صورة عبد الناصر والدي مزقها قبل مجيء الشرطة.
_  من وين درى يأتون للتفتيش؟!
_  تلميذه ابن السري مسلم خبره قبل ساعات.
_  هذا أنت صغير وخابط المجلات والدنيا إذا كبرت ش راح تسوي!
_  صغير؟.. أحبك يا مادلين أكثر من عشرين طرزان والله.
_  لك مسخّم ش قلت! لكم واحدة قلت هذا الكلام وكيف تحبني..
_  بس لواحدة أنت.. وأحب أشوفك كل يوم..
_  يعني مثل أغنية عبد الوهاب بس!
_  أي أغنية.. أي عبد الوهاب.. أنا والعذاب وهواك؟!
_  هاي ش بك انخبصت لك أخاف تحبني صدق.. الرسائل خليني أشوفهه.. أنشر اسمي هواة مراسلة على عنوانك.. ولا تقول لأحد.
 
بعد فترة زوجها يعود إلى بيته مبكرا من دكانه، يستدعيه، مادلين باكية، حاجبها يرتفع تنبهه، يخبصه حضور الطفلين، حرف الغين يرن كجرس البيت بدل الراء:
_  جاغنا... عزيزنا.. ماذا بينك وبين مادلين؟
_  لا شيء عمي.
_  عمت عينك! اليوم جاء شغطي إلى دكاني مع المجلة هذي.. ش أعطتك مادلين مقابل اللعبة؟
_  اسمها صدفة على عنواني.
_  مليون اسم وما اختغت غيغ اسمها صدفة.
_  فكرتُ تزيد الرسائل المرسلة إليَ.. مارلين بت مونرو ما عندنا استخدمت مادلين.
_  يعني مغتي بغيئة من هذي اللعبة؟
_  لا علاقة لها أبدا لعبتي وحدي هذي ما تصورت الشرطة تراقب الموعد.
_  أدغي أنت ولد طيب.. قلت نفس الكلام للشغطي وصغفته مع غبع عغق.
 
ذلك اليوم ينكسر الحب ويغغق المراهق في.. خزي. وجهها في البال. ملامحها محفورة في الذاكرة.
 
أتناسى أوراق نسرين، تطلع أمي إلى الحديقة، تسلم على خلدون جواري تخرق صمتها معي:
_  لا تتصور مَن خابرني!
_  مادلين.. أو خادمتنا قبل انتقالنا لبغداد.. نسيت اسمها..
_  غير معقول.. سمعت كلامي بالتلفون!
_  عشرون مترا بيننا وأنتِ داخل البيت.
_  كيف تذكرتَها.. مادلين فعلا.. دَرَت أنت في بغداد.. سألتْ ما زلتَ تتذكرها؟
 
غرور يدفعني لادعاء التقطتُ تفكيرها على شاشة ظنوني، بلورتي السحرية. لكن معرفتي تهمس: أمك تبعدك عن امرأة تقترب إليها، ليس هناك وسيلة أفضل لإبعاد امرأة غير امرأة أخرى، استذكرتَها بمحبة على ورقة أمس تتحرك من مكانها إليكَ اليوم، مَن يحرك الأشواق ولماذا، أو مَن يوحي إليها بمادلين، ماذا وراءه، لمتاهة ردهات.. يحرسها متتبع أخبار خفية.. باي باي للصدفة!
 
_  الأغرب أن أنساها. الزمن يتوقف أحيانا سنوات لا يدري. كيف حالها؟
_  أرملة تقول.. حلوة كما حين أحبني الصغير برهان.. يريد أزوره؟..
_  كنتِ دعوتِها.. طبعا أحب أشوفها.. وكل يوم.
_  غرامياتك لا تنتهي.. لو حويت ابنة عمك أو ابنة خالك عجت الحديقة بالأطفال اليوم.
_  زواج الأقارب يندثر والقوة الخفية تتدخل في كل شيء.. أو أنا غلطان؟
_  دعوتها.. دعوتها.. قل لها أنت ما تريد إذا أنتَ باق في منزلي.
 
أودعها مع خلدون بنظرة متفهمة عدم رضاها الأزلي.. ونعود لحديثنا المأساوي الهزلي..
 
_  الغرام يا خلدون لا ينتهي حين لا يبدأ..
_  أمك بعمر الملكة إليزابيث أدري لكنها أفصح وأكثر نشاطا وشعبية أرى!
_  ليت إليزابيث كانت أمي.. أقلل تحت تاجها من همّي.
_  مشاكلك مع النساء من كل الأنواع لا تنتهي.. لذلك سر.. استمر قد نقف عليه.
_ لا أحد يمكنه الوقوف عليه.

8

الثقافة العراقية تشرق من الغرب
برهان الخطيب


منذ تأسيسه في ستوكهولم عاصمة السويد قبل حوالي عامين يصدر المركز الثقافي العراقي هنا، بموازاة ما يقوم به المركز الثقافي الآخر في لندن، عددا من الأعمال الأدبية لكتاب ناشئين ولبعض آخر معروف على الساحة الأدبية العراقية ضمن نشاطات ثقافية متنوعة تشمل عرض أفلام وإقامة أمسيات أدبية وموسيقية ومعارض فنية للرسم والنحت، أمسيات باتت تجتذب عددا متزايدا من مثقفي الجالية العراقية هنا وسويديين مهتمين بالثقافة العراقية إلى جنينة روحية وارفة ظلال لثقافة متنوعة تميز بها العراق منذ القدم تعيد المرء إلى أيام وحدة الذات العراقية الكبيرة على دروب التفاعل الصحي الخلاق مع المحيط نحو تعافٍ من متاعب الغربة وأوجاعها.
من تلك النشاطات أقيم مؤخرا معرضا رسم لعماد وفؤاد الطائي، شقيقا الرائد الرسام المعروف سعد الطائي، كذلك تأبين راحلين، مكي البدري، سعدي المالح، غيرهما، إنما تبقى الإصدارات الأدبية جوار تلك النشاطات للمركز الثقافي من أبرز المعالم الثقافية العراقية هنا، لوصولها عبر مؤسسات التوزيع بعيدا  إلى شتى أنحاء العالم، وإيصالها رسالة الإبداع، إصدارات تستدعي أكثر من وقفة، لسبر ما في متنها، قيمتها الفنية، محتواها العام. في قراءة متأنية قد تساعد على تقييمها ومعرفة من أين وإلى أين نمضي، ثقافيا، سياسيا، اقتصاديا، و سعيا لاستجلاء تجليات الروح العراقية وما لها من أنوار تبدد ظلمات طريقنا الوعرة إلى رقي حقيقي كان لنا هذا الحصاد..
معلوم لكتابة رواية أو مسرحية ثمة أصول وقواعد، معرفتها ضروري، يخرج كاتب عنها يضع جديدة، أو يجد نفسه وكتابه في فوضى. حتى الطبيعة الحرة لها منطق، نظام، كذلك الإبداع ينبغي أن يكون، لإدامة تفاعل داخلي خلاق، تفاهم خارجي وتشويق، بغض النظر عن مستوياته، فكري عال أو غرائزي هابط، لبناء شكل متين للعمل، يحفظ الأفكار والمشاعر في صيغ عالية. التدرج مثلا في تقديم الأشخاص والوقائع ضروري، لتتم الإحاطة شيئا فشيئا بالحدث وغيره من أركان العمل الفني، الفعل يعقبه رد فعل، إدراك يعقبه إدراك أعلى. الترتيب المبرر للسرد لازم لتدفقه طبيعيا منطقيا، تنوع الشخصيات يديم الفعل، الحدث، الاختلاف في رواية يثريها، كما في وطن يتميز بديناميكية، ضمن إطار تفاهم، لكنا صرنا نجد عند كتّاب جدد شخصيات وأحداث متراكمة منذ أول صفحة، كما في غزو، في إنزال كلي للجميع دفعة واحدة، لبدء اللعب من غير إبداع، كشف كل الأوراق في سهو، كما بلعبة قمار عصبية، عليه يخسر المؤلف اللاعب رصيده أمام القارئ، خسارة مدبر آثم ومجتمع غافل عن حاله أمام مستقبله، ذلك ما نجده في كتاب "قلب جدتي نحاسة" للولائي جاسم. منذ البداية يقدم كاتبه في صفحاته الثلاث الأولى كل شخصياته دفعة واحدة، بعدها يتساءل قارئ هذا النص لماذا أواصل القراءة، ما الدافع، تساؤل مشروع في هذا الحال، زد تغدو قراءة سرده الخاص ثقيلة. هناك فرق بين سرد فني وسرد غير فني، بهلواني، البهلواني أيضا يمكن جعله فنيا، السرد نجعله فنيا إذا التزمنا بمنطق صارم، يحكمنا يحاكمنا على كل كلمة نضعها، لماذا نضعها هنا؟ ذلك سؤال تلقائي يردده مؤلف حصيف أثناء السرد يبتكر الرد عليه منطقيا مواصلا الكتابة، من غير ذلك يسقط في ثرثرة.
الثرثرة تتكلم عن أمور خاصة بلا إيحاء. تُرفع تُوسع لعرض العام، تُطرح مترابطة، فعل مركيز مثلا، يغدو السرد فنيا. ولائي لا يقترب إليه من قريب أو بعيد في جنجلوتيته عن الجدة فلانة، يعطي هوامش تشرح حواره العامي والأفضل لو كتبه بفصحى وسط تتجنب غث وتكرار العامية مستفيدا من حلاوتها في آن، مرتكزا عليها عند الضرورة القصوى، على ثرائها وعمقها. كذلك خذ هذه اللجاجة.. يضع صورته في طفولته على الغلاف مبررا ذلك بشرح آخر: هكذا كان المؤلف وقت تحدثت الجدة نحاسة (يا للاسم!) عن محتويات الكتاب.. فانظر إلى أي مدى ترتفع النرجسية عوض رفع الشأن العام بموازاة الخاص، كما تقتضي رواية غير وثائقية، يظهر كلاهما بحجمه بمبدأ التضاد والتلاؤم، كما بلوحة رسم فنية، لكن بالكلمات.. ولننظر إلى ما هو آت..
بالفصل الأول ينتحل "المؤلف" حكاية فولكلورية معروفة ينقلها على لسان الجدة، باعتبارها حكايتها الخاصة، يتبعه نقل طبيعي آخر دون انتقاء، فصل آخر، ثرثرة مع ضابط جوازات بين الأم وبناتها، الهوامش تترا لترجمة العراقية إلى العربية في تمزيق للسرد ما بعده تمزيق. أسلوب منذ أول جملة مفتعل، اقرأ معي رجاءا فاتحته: الحكاية القادمة، أعني بها حكاية الفصل الأول، روتها لي الجدة.. إلخ.. بينما الأجدى كتابتها: حكاية الفصل الأول روتها الجدة لي.. وانتهينا.
هذه السمة، تشتت التعبير ومعه انتباه الكاتب والقارئ، لازمة لمعظم الكتاب الجدد بل ولكثرة من "المتمرسين". العنوان ذاته: "قلب جدتي نحاسة" خال من جاذبية، من تبرير لكتابة رواية دع عنك قراءتها. ما هم قارئ من يوميات فلان أو علان يسردها في طبيعية مملة، ولماذا تعريف الجدة مرتين "جدتي" ثم اسمها البائخ "نحاسة"، لعله أرادها جدة الأمة العراقية لكنه لم يفلح في تقديمها جدة لأحد، دع عنك بداية الرواية نفسها، مضخمة مفخمة لحال نعرفه جميعا نحن العراقيين بسيطا. يقول: رجال العائلة كالوزراء والأطفال أولاد وبنات وزراء.. إلخ.. كأنه لا يدري درزن وزراء لصوص، دمى، على قحف أزرق. بعد حين يتضح استلهام جاسم كل كتابه من مقدمة رواية "الجنائن المغلقة" حيث كلام الجدة بلقيس هناك لدخول تاريخ العراق عبر عائلتها وغيرها، وما تلك الصلة بين جدة الجنائن والتأريخ إلاّ لكونها قابلة مرخّصة خرج من بين يديها نصف أهالي البلدة، أما جدة الولائي فهي جدة وزراء (حتة واحدة) من أول صفحة وما رأينا بعد ذلك غير واقع فاقع!
مرة أخرى: ما فرق الأدب عن اللغو؟ مَثَلنا يقول: الكذب المصفط أحسن من الصدق المخربط، يعني الخيال مهم لكن الترتيب أهم، في شكل، الشكل الصادح بمضمون جديد فوق فوضى المخيلة والواقع، بمعنى جديد، إظهار الأساسي فوق الثانوي، الخيال المكمل للواقع - لا الذي يغتاله - مبرزا الخفي بصور غير مباشرة.. حيثما نجد ذلك هناك يكون الأدب والفن.
نتكلم عن صدق دون ترتيب أمام طبيب نفسي ذلك قد يساعد في شفاء فوضى حواس، أفكار، فرد ما، لا فوضى اجتماعية سياسية، بعض علاجها نعم في الأدب المدرك. الأدب الصائب خيال يغني الواقع، والثرثرة خيال أيضا لكن تستهلك الواقع عبثا. نص، رواية، من غير مشكلة تعرضها، تعالجها، تتفاعل معها، تستشرف جمالياتها، لا تسمى رواية. هذر نحاسة خرط حقيقي، وُضع على صفحات تكرّم المركز الثقافي بطبعها صارت كتابا محسوبا على الثقافة العراقية، وقت هناك نصوص أخرى رائعة لا تجد ناشرا يتبناها، هيمنة مافيا الأدب كبيرة على النشر وغيره أدري من تجربتي المستمرة أكثر من نصف قرن، خلّونا من مافيا السياسة والاقتصاد الآن، نعم كل منها امتداد للأخرى، امتداد لهذا العقم الثقافي حولنا حوله العقم السياسي والخراب الذي ينتج داعش وحواضنها من مثقفي صمت علمانيين قيل وشيوخ كفر مدججين بدين زائف وقادة أحزاب يسارية يمينية يدعون لوطن في العلن، في الخفاء عن جهل أو بغاء أو غباء يساهمون في نحره نرى مواصلين دعوى تقدم ووطنية. منشورات المركز الثقافي نَفَسُها الوطني واضح، لعل ذلك وراء دعم نشرها، في محاولة لكسر طوق الهيمنة، ذلك يُحسب عاليا للمركز.
نعود إلى "رواية" "قلب جدتي نحاسة".. يا للعنوان المبهر لكاتبها الولائي، لا نجد لقلبها مكانا في الرواية.
 وإذا كان الكتاب يُقرأ من عنوانه فليس هناك أدل من عنوان كتاب باسم الأنصار "ليس لدي ما أقوله" يبقى للقول عنه. إنه يكتب عنه على الغلاف "شعر" ولو نقول عنه غير ذلك من عين الوزن لا نتجنى، لا روح لنصوصه، لا علاقة لها بشعر من قريب أو بعيد، شكلا، مقالا، مآلا، إلاّ قليلا سوف نرى، من صفحته الأولى إلى الأخيرة هذر. طبعا يمكنك أيضا تفسير كلماته حسب الهوى عاليا ولا تخطأ، هكذا سحر الكلمات، من هنا قد تراود "شعريتها" بعض قرائها، حيث الكلمات تغدو شماعات تعلق عليها معانيك، خذ قوله في أول قصيدة دون اختيار: وعندما وضعت كفي على الجسد هجم المجهول على قلبي بشراسة.. انتهى الاقتباس، وددت لو صحت: حي، يا الله! فالجسد يمكن أن يكون جسد القائل أو غيره، جسد المرحومة مارلين بأحلام، أو سايروس بأفلام، أو غيرهما، والمجهول يمكن أن يكون ما لا ندريه من تداعيات، أو ما نبتدعه من خطايانا وأخطائنا من ويلات، تداعيات يمكن تصورها حتما، المشترك موجود، في قعر الكلمات، عليك الغوص بينها تجده فإطلاق الآهات، هكذا اللعبة مع المجهول إلى آخر سطر من معلقات أبي الهول. خذ هذا أيضا دون اختيار عرض أو طول: تربط الأم طفلها (في) عمود النور باكية وتتوجه صوب قوس قزح ينتظرها، ثم تنطلق به نحو البعيد من دون كلام.. يا سلام! هكذا الشعر أو.. القارئ لا يفهم.. دون المستوى.. هكذا الشاعر يقرر، حسب النيات، كذلك يفعلون في السياسة، غرب يقرر لنا نيابة عنا وعلى المواطن أن يصدق: كل ما يفعلونه من الفنون والممكن، عليه قبوله! أما الويلات.. لا تلتفت إليها فيما هو آت.
 باسم الأنصار يغرّب بكلماته بحثا عن معاني بعيدة، تلك إحدى وسائل الشعر لإيصال رسائل مديدة، لكن تلك الكلمات بدل الاصطفاف في انسجام وتناغم تمهيدا لخلق الإيحاءات تتدفق شذر مذر معها المعنى يتمزق، يقول مثلا: ولن يكون بوسع الزقزقات (أي زقزقات لا نعلم!) إيقاف التجاعيد الزاحفة نحو الأيام (لا مع الأيام).. عليه يتشتت المعنى يتيه الشعر. نعم، اللعب بالكلمات ضروري، كما في سيرك بأشياء، لخلق الدهشة، إنما ينبغي لقفها طائرة وإلاّ يحدث ما لا يُحمد يا أحمد.. أحمد كاتب آخر.. كي لا يزعل باسم.
 نتساهل نقول باسم يوفق أحيانا إلى حد، ففي "الخروج ضد النهارات النائمة" ينجح باسم في إبداع نص له دلالات عديدة، لغة محلقة مرئية، ينجح أكثر في "أرفع راية المنفى عاليا" حيث يؤكد على جدوى التمرد الفردي المدرك بوجه بعض أملاءات الغربة، مشوِّهة الذات كاشفة بعض أسرار التأريخ. كذلك ينجح في إقامة شكل ملفت من كلمات بسيطة، قد يتهاوى كبيت كرتون بنفخة، قل نفحة، لو تأتي بمعنى في غير أوان. "البكاؤون" نموذجا إذ يعطي لكلٍ سببا للبكاء إلاّ هو الشاعر يبكي بصورة فريدة، في ذلك شيء من قلة احترام نحو الآخرين.
ونحن نقرأ ما يسمى اليوم شعرا نتساءل ما الشعر؟ سابقا هو اتساق، تعبير ينظّم فوضى شكلا، مضمونا، دع نبل الغاية منه الآن، نقاش حولها لا ينتهي. شكلا.. بإنجاز هيأة للقصيدة، بإيقاع، بترتيب لفظي معنوي خُلق في اللغة مع نشوئها قبل إعادة اكتشاف الشاعر جزيئاته ولملمتها بطريقة تُحسب له إبداعا، شعرا. ومضمونا.. باجتلاب أو جني المعنى من الغامض والمجهول البعيد عن إدراك عادي. اليوم نرى الشعر نقيض ذلك، ربما لكون الإيقاع مع تطور اللغة والفكر صار يعيق تجلي معاني معقدة ومشاعر متقدة، فنفلت منه إلى شعر بلا حدود، على نول كل شيء اليوم بلا حدود، فنانون بلا حدود، أطباء بلا حدود، ثوار بلا حدود، أوطان بلا حدود، وغدا.. نسوان بلا حدود، وذلك في نزعة خفية معاكسة، لتحويل اتساق مكبِّل لروح إلى فوضى، عسى يعقبها نظام جديد، غير واضح المعالم حاليا، ذلك تمشيا وما يجري في عوالم السياسة، شكلا مضمونا. إذاً تغييب الإيقاع أو قلبه على عقب، كما في الأغاني، هجع ليكن بريك دانس، حسنة ملص مغنية شانصون تجيد الدنص، ذلك متلائم مع الجديد لا مع لائم عن المتعة صائم. تفتيت المعنى يتماشى على أي حال مع استبدال ثقافة وطنية بغربية، عولمية، الأسطر الأخيرة هذه مكروهة عندي قبل عقدين ثلاثة إذ تمنيت تغيير الحال بثورة، أما ونحن نكتشف أن الثورات تصير عورات يقودها مرتزقة يهدمون الأوطان يستبدلون هوية الإنسان ببيضاء اكتب عليها ما تشاء نضطر لاعتراف بضحالتها.
المهم، أجمل ما ورد عند باسم: الرغبة تخلق الخوف لدى القتلة إلاّ أنها تخلق السؤال لدى الحكيم. ص 56 ، كذلك: أصبحت رحالة بعد أن سرق مني الهواء ص 58 ، والقليل غير ذلك.
ثناء سام بكتابها "عودة عشتار" تقدم قصائد وجدانية بلغة بسيطة عفوية انسيابية دون مغالاة تجعل القارئ يشاركها لحظاتها الهاربة، تطلعاتها البعيدة، شاعرة تستلهم صورها من واقعها المحلي متحصنة ضد سعي بعضهم وراء الغريب نتيجة استلاب في الغربة. مشروطة بإدراكها تبحث عن معاني تمنح اللحظات الهاربة قيمة. إنها قصائد فيها من النعومة والتلقائية ما يجعل قارئها يتابعها سطرا سطرا إلى نهاية كتابها في متعة. ذلك لا يعني إنها بلغت قمة التعبير الفني، كلا، ثمة هنات عديدة في تعبيرها عن أعماقها بدقة، إنما يمكن تناسي ذلك ومتابعتها للتعرف في الأقل على خفايا امرأة شرقية تهدأ تثور تبقى حصيفة طبيعية. دخلت صفحتها على الفيس بوك لاستكمال فهمي لها وجدت آراءها منطقية رصينة، حاسوب مكتبة ياغوبزبيري لا يكتب بالعربية آنذاك، فتركت لها على عجالة هذه الأسطر بالإنكليزية:

Commonsense in a mad, mad, mad world is dear
where from you’ve  got such  mind, good &  clear
but theft, they can do it, during daylight  with beer
I mean theft of mind, conscious & no one can hear
So, Miss thanaa.. would you be careful.. my dear


 قصائد ثناء البسيطة تذكرني بقصائد الشاعر البارع الستيني خالد الحلي الذي بلغ قمة إبداعه في ديوانه "مدن غائمة".. ثناء حين تكتب لا تنغلق على أنوثتها، تنفتح على هموم وتطلعات ناسها وبلدها وإنسانيتها. أحيانا وربما غالبا يتغلب الإيقاع على العواطف وسياق المعاني عندها تنساق وراءه مضحية بشيء من المحتوى، كقولها مثلا: شك يشاطرني، أنثى فوقها برقع، أعود نادما أهجع، أغلق أبوابي الأربع، (الصواب هنا: الأربعة. الباب مذكر، كذلك لا ندري أي أبواب، ولماذا أربعة) وتطلبين مني أن أرجع لذلك المخدع، لا لن أرجع.. واضح تحول الشعر هنا إلى سجع. لو استعاضت ثناء عن الإيقاع بمواصلة استبطان حالتها الشعرية كثفت المعنى، أمطرته صورا، زوابع، لكنها تتوقف غالبا عند حد خشية انزلاق بعيدا عند المعقول، عند "الخوف على نفسها من الكسر" في ما ألذ جسدي مثلا ص 56 بينما يستمطر القارئ من ذلك أكثر من معنى، كسر الرغبة، كسر الماضي، كسر العفاف، كلامها، مكتفية بقول: أخاف عليّ من الكسر.. لعل لها أكثر من حق في ذلك. 
نجم خطاوي له "نصوص الحكمة" كتاب بين الشعر ونقيضه، كما في حياة الشرق الأوسط اليوم، بين الواقع ونقيضه، يطير كغيره من شعراء اليوم بالصور بكلمات مجنحة ناشرا ململما عواطف متقلبة بين الوطن والغربة، يرسم صورا قهارة يسميها شعرا، حكمة، لا أدري ماذا بعد وهي أحيانا تشبه نكتة، ليس في ذلك ما يعيب كثيرا سوى إسرافه في استعمال الورق،  قصيدة "قبلة" في ص 33 من 19 كلمة، يضعها على صفحة كاملة، هذا نصها:  قبلته و في روحها لهيب عشق خارق وأنوثة ناعسة كالورد، قبلها ورأسه فارغة إلاّ من كرة القدم وهدف مسي الأخير. انتهت المعلقة. لا لوم هنا عليه. معظم "كتاب الغربة" كتبوا مضطرين، في ص42 يقول نجم خطاوي بقصيدة ميني من النوع المذكور: شكرا للشعر لولاه لهلكنا.
إنما لكتابة الشعر الحق، لتركيب صورة جديدة، ينبغي أن نفعل ذلك بمنطق، حتى والخيال بعيدا يحلق.
 يقول خطاوي مثلا: اعتلوا صهوة راياتك.. ص 74
إنما تلك صورة فاقعة، تذكرنا بالخازوق أكثر من أي  شيء آخر.
أفضل ما في كتابه، وهو ليس قليلا، قوله: حين تشح الحانات لا تقرب حانة الأراذل منتصف الجلسة يصير الشراب كالسم والكؤوس سكاكين ص71
من مجمل قصائده نفرز مرثاته "حديقتي الغرائبية" أرى لها قيمة فنية، كذلك "هموم" ثم  "سباقات" وغيرها. كتابه يستحق القراءة على أي حال فهو ليس من الكتب البريئة في عالم غير برئ، لا يجتر الماضي، إنما يحلّق في الحاضر مستشرفا مستقبلا أفضل لقارئه، تلك فضيلة في عالم الاستغراق في الذات.

ولعبد الرضا المادح قصص قصيرة بعنوان "أحزان القمر" في 64 صفحة، اطرح منها حوالي عشرين صفحة إهداء وفهرس ورسوم وفراغات وسواها، الباقي تخطيطات قلمية كان ينبغي أن تقدم نفسها دون شروح لكن هيهات، يقدم خبرا في بضعة أسطر أو مشهدا من زمن مات يسميه قصة، حسنا، قصة "8 شباط" لا يفهمها إلاّ من يحمل معه أوليات وتفاصيل تأريخ العراق، و(القصة) الثانية عبارة عن حلم وردي ينبو عن واقع من بردي، هنا أيضا السرد ينقل الخبر بلا فن، بلا إبداع.
الثالثة عن امرأة تطلب من رجلها جلب الماء من النهر أثناء الحرب، يفشل في ذلك.
 المهم في أي قصة ليس الحدث طبعا بل كيف نكتبه، ذلك ما يصنع الفن، أمامنا إذاً أيضا محاولة لتعلم كتابة القصة.
القصة الرابعة.. مشهد أطفال لم يروا تلفزيون، يتكلمون عنه، الخاتمة احدهم يفتح تلفزيونا حديثا يقول: لكل زمان طنطله. انتهت الملحمة. الخامسة ذكريات عن البصرة، السادسة أيضا مران على الكتابة. وإذا كانت القصة الأولى عن البصرة، فالرابعة عن مهاجر تخيبه الهجرة، تتبعها صورة لنزول الإنسان على القمر، واضح قصد كاتب تلك السطور تبيان البون الشاسع بين تأخرنا وتقدمهم من غير تغلغل في  أسباب ذلك، من غير وجع رأس، على ديدن كثرة تكتب اليوم، يُتشبث بالسطح والأعماق تجر النتيجة غرق مستمر. القصة المعنونة "رقم" أيضا من صفحة واحدة، فيها ملامح قصة، تفاصيل، خصوصية، الابتسار يغتال مشروع إتمامها. يتحول النص بعد قليل إلى قصص قصيرة جدا، الميني يحسدها على القصر، قصص من سطر وسطرين، صدق أو لا تصدق، حظها أسوأ من حظ صويحباتها. مقابل ذلك هناك صفحة كاملة لتوجيه الشكر لأحدهم نقح المجموعة، رغم ذلك تقرأ في ص 44 : مستندتاً يقصد طبعا مستندةً. أيضا: حض ص 47 يقصد حظ،. قس الباقي على ذلك ولا تدهش.. أو تموت من الدهشة.
كتاب "تسفير" لمؤيد عبد الستار هو الأكثر نضجا بين الكتب التي نشرها المركز الثقافي العراقي في ستوكهولم، مجموعة قصص يسرد فيها المؤلف تجربة التغرب بلغة واقعية سلسة ذات تفاصيل دقيقة تغنيها وصولا في خواتمها غير المتوقعة غالبا لشكل فني يجعل من قصته عملا  إبداعيا خاصة قصته الأولى "تسفير" التي تعرض لمحاولة عراقي تم تسفيره إلى إيران للعودة إلى وطنه، إلى خطيبته، ونهاية تلك المغامرة بتيه على بعير نهاية تذكرنا بنهاية أبطال غسان  كنفاني في "رجال تحت الشمس" كذلك بتجربة جسار في رواية " نجوم الظهر". لا شك ينجح مؤيد أيضا بقصته "امرأة من ورق" إذ يتحدث عن الحرية الفردية الواسعة في الغرب ونهاية مغترب إلى محاولة شراء دمية تشاركه حياته تعوض له خسارة عمره بين الوطن حيث الجهل والمنفى حيث الحرية الصادمة.
النصف الثاني من كتابه "تسفير" مكتوب بلغة جرائد تنقل الخبر لا تستبطنه كما يجب، لا ترقى لقصص فنية رغم طرافتها وتمحور القصص الأخيرة منها حول رياض الخائب في بحثه عن زوجة مع تنقله من الخليج إلى المحيط.
شكرا للمركز الثقافي العراقي في ستوكهولم ورئيسه د. أسعد راشد على هذه الباقة من "أزهار النشر" مع كونها برية ضارية أجدها تضاهي "أزهار الشر" الآتية من هنا وهناك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ


9
وما أدراك ما الإدراك
حمير مجنّحة.. ترفس السماء!

برهان الخطيب

الانحطاط العميق الذي يعيشه بعض العرب، سياسيا رغم ثورة، اقتصاديا رغم وفرة، ثقافيا رغم حرية، له أسبابه، في عمى الإدراك، في تشتيت المصادر وتوظيفها لخدمة الخارج أكثر مما لخدمة العرب، منها مصادر الإدراك ذاتها، الإعلام، النشر، التوجيه المعنوي من الدولة شبه الغائب، وتقصير التفكير الحر خاصة لأفراد حملوا القلم زينة وقت حرب تشن على المنطقة.
أحدهم يكتب مؤخرا يقول بأني تدخلت في مقالة له قبل عشرة أعوام ظهرت في عدة صحف ومواقع مرموقة مسحتُ أضفتُ غيّرت فيها.. لأمدح نفسي.. "فيا لقدرتي المديدة على التغيير وبالاتجاه الذي أريده وأنا لا أدري" يضيف بأنه: رد هو عليّ آنذاك.. فضحني.. وأنا سكت. إذاً المفروض هنا أن أصيح:  "يا مصيبتي.. كشف عورتي التي تباهيت بها وجها لوجه قدّامه!" والدليل على ذلك عنده أنني لم أرد عليه إلاّ بعد الأعوام العشرة التي هزت ما هزت، بمقال ينتقد سبعة كتب صادرة عن المركز الثقافي العراقي في ستوكهولم لكن.. لانتقص من كتابه الجديد.. "مدوّخ الأنس والجن حتما.. طالما أنطقني أخيرا".. وإذاً عليّ أن أصيح هنا في انبهار: "كذلك مرحى لقدرتك الرهيبة على الصبر يا برهان وأنت لا تدري كل ذلك الزمان.. إنما أنطقك كتابه أخيرا فلا تفخر.. فأعترف: لا عجب.. للصبر حدود يا حبيبي".. ولذلك كله ولأسباب أخرى، لا يعلن عنها نرى، ينهض هو يعيد إلى الحياة اليوم مقالته القديمة تلك، الأحفورة المدفونة في ذاكرته عميقا طويلا، يتحف بها القراء، شاء من شاء، أبى من أبى، كذلك يتمنى لي في نهايتها كما قالت العرب: "عوفيت!" من غير تشكيل فتُقرأ الكلمة حسب المزاج فأقول: ليت العرب تعافي حال الحافي أولا، السويد تعافيني عند الضرورة، واضح من "مقاله" ابتلاء العرب والسويد بغيري من عباقرة شجعان من شاكلته.
 يذكّره كاتب معروف في زاوية اترك تعليقا بكلمة لماحة مَن هو برهان الخطيب، فيعود أبو عشرة أعوام يستل فنه القتالي يدحض ذلك التعليق بفسفساء معلومات، يدري العارف كلها خطأ ويفسح له مجالا للنشر بغية إعادة صياغة الإدراك في قالبه، يتنطع عن قيام طلفاح خال صدام بحلاقة شعر أشخاص في السبعينات يضعني بينهم، وأنا أصلا غادرت العراق قبل تلك الفترة، واصطدامي بطلفاح قضيته معروفة منذ أواخر الستينات، لإصراري رسميا على تقديم خال صدام لمحاكمة بعد إطلاقه النار على والدي، ذلك مثبت في محضر تحقيق الحادث الجنائي، المذكور بصحيفة شبه رسمية أيضا، بعد ذلك تنصحني موظفة تطلع على مخطوطة روايتي "شقة في شارع أبي نؤاس" المطلوبة برسالة إليّ من مصلحة السينما لإخراجها للشاشة عام 1968 بأخذ الرواية والهجرة لو شئت السلامة. بموازاة ذلك يقف الأهل ضد حبيبة القلب، مضايقات، طموحات، أغادر العراق إلى روسيا مهندسا مسئولا عن دورة تدريبية، معي ثلاثة كتب من تأليفي أهلتني للفوز بمقعد في المعهد الأدبي العتيد هناك من غير وساطة، عبر سفارتنا أستقيل رسميا من وظيفتي كمهندس من ثلاثة لديوان رئيس مهندسي وزارة الإصلاح الزراعي المسئول عن مشاريع ومشتريات وإيفادات الوزارة أبدأ مشوار غربة مريرا خصبا حصيلته أكثر من عشرين كتابا تأليفا عن حال العراق وترجمة عن حال الأمم الأخرى حاملا وطني في قلبي كما كتبت بعد أربع سنوات بمجلة ألف باء.. 
ذلك توضيح لا بد منه في سوق هرج ثقافة اليوم، أدخله مضطرا، لسرقة تحفة من حياتي ومحاولة بيعها جهلا غدرا رأينا بسعر بخس. لكن، أمام صيحة ذلك الدلال، بأنني خلال الأعوام العشرة الأخيرة كنت في سخونة، بسبب سكوتي عنه حتى أنهيته بنقد "كتابه" وتسفيهه، انتقاما منه برأيه، لا بد لي أن أشكره على تلك السخونة، خلالها ذكرت أبدعت عدة كتب ومقالات قمت بعدة سفرات ضحكت آلاف المرات، مرة طبعا بسبب مقاله "الفلتة" ذاك، وعاليا عند كلامه عن الشجاعة، جبان مسرحية في دور شجاع يُضحِك حتما، ليته يسبب سخونة أخرى من ذلك النوع، لي أنا الذي لم يشعر سخونة في حياته غير مرة في الطفولة. إذاً لو شعر هو أني في سخونة حين تصادفنا في طريق فذلك حتما لأن وجهه لا يثير في المرء غير ذلك الإحساس.. عنده، الرجاء العودة إلى صورته "أم ضحكة جنان" للتأكد من كلامي. 
 
نعود إلى "فضيحته" المدوية.. سمعها جيرانه.. لا.. لا أدري. إنما هو لأمر معروف تدبير "فضائح" لساسة يخرجون عن "صراط" مستقيم مافيا تريد الهيمنة، ذلك معتاد، معاد، يصل إلى اغتيال، بالمه، كندي، لوثر كينغ، الليندي، لومومبا، قاسم، قائمة طويلة، لا يُوفر منها فنانون، رحم الله سعاد حسني، أدباء، كنفاني لا يُنسى، إذا لم يكن انتحر كعادة الأدباء الحساسة، هذه المرة بحضوره إلى مكان الاغتيال ليصفّوه يخلصوه من عالم يتسخ بتافهين يظهرون على الملأ ملائكة، كذلك الإعدام المدني وارد، دستويفسكي.. ألم يقودوه إلى ساحة الإعدام ويعفى منه، تشيرنيشيفسكي.. ألم ينزلوا الحربة على رأسه وقالوا لن نفعلها، وحضرتي ألم يقاد إلى سجن البتروفكا الشهير قبيل البريسترويكا لأني لم أذعن لدعوة عمالة لأجنبي ذلك بموازاة وعد بجائزة كبرى في حال أتعاون معه ليسفروني من ذلك السجن والحرب العراقية الإيرانية في ذروتها إلى المجهول بعد شغل دؤوب مخلص عشرة أعوام بأكبر دار نشر هناك بذريعة نفاد إقامتي وهي نافذة، قلت للمسفِّر متذكرا السابقين مقارنة بحال لاحقين: هذا إعدام مدني! يرد ضمن ما يرد: مضبوط، ينال منه الأصدقاء أحيانا قبل الأعداء. و.. قد يمرر الاغتيال المعنوي على درجات، بمقاطعة، تهميش، تشويش، إزعاج، ساكن بيت يدوّي بعد النزول فيه يطلب تبديله يقال انتظر عشر سنوات، مكائد لا تنتهي، يُستخدم فيها أصدقاء أقارب فضائيات صعاليك مجرمون، تفعل كما نريد أيها المستهدَف طائعا مختارا أو لك الويل الويل يا يمه الويل.. أحيانا حتى "يمه" تبدو مساهمة في صناعة ذلك الويل! أو.. لا تبتئس يا ختيار، هو اختبار، حتى محاولة قتل فاشلة يمكن تحويلها لمزاح، لاختبار، في إدراك جبار يعيش على مصادرة ما يمكن من إدراك، ذلك يحتاج فوضى منظمة لا تُكشف سرها لا يُطال.. صناعتها بزنس عال.. طلبا لحسن مآل.. هكذا أدري من بعض الأهوال.. منه الوافد في مقال.. إنما والحق يحسن أن يقال.. ما قيل فيه لا يرقى لذلك التفسير والحال.. هو سعي إذاً لتسجيل نقطة في سجال.. بين ذبابة وملاكم.. أو عتّال.
لفوضى ثقافية سياسية اقتصادية نعيشها سبب داخلي قبل أن يكون خارجيا، ينتظم خُلُقنا رغم تشويهات اغراءات ننتظم نتقدم، ينتظم خُلقنا بإصرار منا، لا بجوائز من الخارج قد تحفز نرى على ترويج السلاح عليكم.. بدل السلام عليكم.. فرنكشتاين منتقم فيكم.. بدل ضمير يدعو لتآلف وسيطرة على المصير.. ذلك إذا آمنا بأن الصراع القائم في المنطقة بين بشر عقلي، قبل أن يكون ضد قوى توحش هنا.. جشع هناك.. لكن.. أواه! يُقال على مسرح واه، الصراع متعدد السمات تعدد إدراك أبعاده. منه مَا يُرى طبقيا، قوميا، دينيا، طائفيا، لتغليب الجزئي منها على الكلي لها، لغلبة جزء على الكل الداخلي، النتيجة دوام الصراع، خسارة الجزء والكل في آن، بتدمير ذاتي، كما بتدمير الذرة للحصول على طاقتها الكامنة لفائدة خارجها. في الواقع كل أنواع الصراع متداخلة. ثمة قيمة قصوى لإدراك، في تحديد طبيعة الصراع ونتائجه، بل طبائعه، في إبراز الثانوي منها على أساسي، ذلك لو شئنا الذود عن أنفسنا وعن تقدمها.
 الإدراك نسبي، ليس الكل يتصرف عن إدراك تام، ثمة تصرف عن إدراك محدود رأينا، داعش مثلا تعتقد نفسها منقذة للأمة، على الواقع تدمرها، وتدمر ذاتها، الدمار تراه طريقا إلى الخلافة، لا تدري ان المجتمع الدولي وطرف منه غير بعيد يساعدها مرغما أو مختارا لتحقيق مآربها، لتحقيق مآربه في تفاقم صراع سني شيعي يدمر بعضه بعضا على طريق إلغاء وجود منافس أكبر لو توحد، من العرب، من آخر معه تهديد نووي متخيل محتمل، من إيران في الظاهر، إيران تكسب حين تغلّب رسميا خطابها المدني على الديني، كما في واقعها، فالقصد من محاصرة المنطقة في قلبها إيران إمساك بقية طاقة المنطقة باليد، إبقاؤها سوقا تابعة لا منتجة، لا منافسة، أشرت. ذلك الطرف غير البعيد في مرحلة أخرى لا يسمح على العموم ببقاء داعش صرنا نرى اليوم، أو أي قوة دينية أخرى فاعلة على الساحة استراتيجيا، لنشازها البيّن حسب معتقد العولمة عن مسيرة الحضارة المجتمعة نحو كل واحد يُوحَّد لا يوحِّد، القرية العالمية. المجتمع الدولي في الفوضى المتقنة المقننة قادر على تحقيق هدفه، بالضرب بداية حجرا بحجر، لاحقا جوا، لاحقا برا، ولو بالواسطة.
ذلك يعني ان إدراك داعش غير مدرِك تماما، محدود، يؤدي لتدميرها في النهاية، بإدراكها أولا.
في حرب الأخوة، قلت ما زلت أقول، القائمة اليوم في منطقتنا، في كل حرب، للإدراك وصياغته الدور الأكبر لتصريف الأمور، تسيطر على الإعلام تسيطر على العالم. المثقف في هذه المعمعة يحاول الارتقاء بإدراكه من المحدود إلى أبعد، طبيعته المتناقضة أو المتفاعلة مع الغير تدفعه لسبر البعيد، عند البعض إلى حين، إلى أن يجد في وقفة على تلة ملائمة له من مرتفع الوجود السياسي أمنا، منفعة، ُيسمى ذلك عند غيره انتهازية، خيانة للشعب.. أو حصافة عنده.. خاصة حين يقر لنفسه، لغيره، بعدم قدرته على ارتقاء أعلى، لو يتبجح  يصر بأنه توصل هناك إلى الحقيقة الكلية يتكلم عنها بأبهة نيابة حتى عن المريخ كما يفعل ذو الهذيان والصريخ الذي رأيناه يصير مثل المرحوم عبد الفتاح القصري الممثل الهزلي بدوره الشهير مع زينات صدقي ممثلة الشعب إذ يصيح: أنا كلمتي كلمة راجل متنزلش الأرض أبدا! فتذكره بل تنذره تزلزله زينات زوجته العاتية بذلك الدور رافعة صوتها وشبشبها عليه مثل سيف: حنفي!!! فيخفض عبد الفتاح أي حنفي عينه السليمة إلى الأرض مستسلما لسلطة زينات الشعبية الطاغية بمذلة يقول بلا حول:  خلاص! حتنزل المرة دي! بس المرة الجاية مش حتنزل الأرض أبدا!..
مثقف يراعي مصلحته، يوازن بين الداخل والخارج، بين الشبشب والصاروخ، لا نلومه كثيرا.
لكن تلك المرة الجاية لا تأتي أبدا، حنفي يبقى في الحضيض رغم ادعاء رجولة وزينات وليّة عليه لا له، مع تغير الزوجة طبعا، حسب الدور المرسوم لذلك النوع من شبه مثقف مأزوم. في الواقع يواصل بعض آخر من المثقفين ارتقاء المرتفع، لرؤية الأبعد والجديد ولو في ذلك خطورة عليه، عرقلة، إقصاء، تهميش يقال اليوم، تسفيه كما رأينا، يعرفه مَن يثبت على موقف في وجه مافيا تريد الأفق ملكا لها، كل شيء بيدها، توظيفه في مسعى تغيير المنطقة، بحرب، بحب، بقلب الحقائق، بمنطق أيضا، بفهلوة باختصار. الضباط  المتدربون أمريكيا سلموا ثلث الجيش العراقي تقريبا والموصل لداعش في انقلاب موقوت لإفشال نتيجة الانتخابات العراقية الباهرة والنهج الوطني المتصاعد بها، المالكي يقصي منهم  مَن يقصي يتلافى انهيارا، أشرت لذلك بمقالة سابقة، اليوم بريمر يقلب الآية يقول لأنهم أُقصوا من المالكي سقطت الموصل، يحمّل قيادته العراقية الوطنية المخلصة للبلد مسؤولية الفتنة لا حضرة مشعلها وراء ستار، بما في ذلك الاتهام من إهانة للعسكري العراقي عموما.. إلاّ المتدرب أمريكيا طبعا، ما هذا؟ لا يخلص أحد من تجريح وانتقاص عندهم إلاّ من تأمرك؟ مَن البِجح في هذا الحال و مَن الجدع السمح؟ الظاهر الواضح من كل ذلك مسعى لتبرير التدخل الخارجي المستمر مجددا، للعودة إلى المنطقة بقوة إتماما لبناء الشرخ الأوسط الجديد، أقصد الشرق الأوسط الجديد، ولو بتخريب بقية بيوت أهله على رؤوس مَن لم ينزح منهم بهذه الفتنة الأكبر نرى كل يوم. كذلك يعلق السيد بريمر مسؤولية حل الجيش العراقي السابق برأس الأكراد والشيعة، يعني هكذا منذ البداية وقبل الغزو يتم تصنيف الخانات مسبقا، ليتحرك لاحقا كل الحال العراقي ضمنها كما رسم له قبل سنوات: طائفيا، قوميا، لا وطنيا، نحو تقسيم مؤهل لاستمرار وتفاقم مشاكل لا تطفئها غير وحدة الانتماء للوطن الواحد، على الأقل كما في أوربا، كما في الغرب عموما، متناسيا انه تم قبل الغزو استبيان أهل الرأي ولو شكليا حول مصير الجيش العراقي بعد الغزو، رأيي يعرفه مَن سمعه، حي يرزق: يجب الاكتفاء بتبديل بعض القيادات العليا وتنشيط الباقي بقوة جديدة وعدم المساس بأي من القوى الوطنية، السيد المستبين دهش حينه من وقوفي إلى جانب الجيش أكد قال: كل الذين خدموا في الجيش العراقي لهم رأيك موقفك. ذلك يعني أن لجيشنا سمعة طيبة حتى بين الذين تمرمروا في الخدمة وقرار حله جاء من الخارج لا من مخلصين لبلدهم عمدوا لاحقا لتكوين رديف مساند من أهل البلد عن ضرورة وطنية لحماية الوطن ينتبه لها الجيش الروسي اليوم فيقيم أيضا جيشا آخر داعما للرسمي.
 
 من ذلك نفهم أن في الحرب الدائرة على منطقتنا وأبعد، بل على الأبعد عبر منطقتنا، علنا، في خفاء، يُستعمل الإدراك وتوجيهه سلاحا ماضيا في قيادة شعابها، ذلك يتضمن توجيه الإعلام نوهت، الثقافة عموما، السياسة، الاقتصاد، كل حياة المنطقة الروحية والمادية، لتحقيق هدف القائمين على الحرب، ترويض الإدراك العام، الإدراك الفردي، العلاقات الخاصة، العائلية، العامة، غيرها، تحويلها إلى المجرى المطلوب حسب متطلبات الهدف، ضمنا التجريح، التشهير، رفع أكاذيب إلى مصاف حقائق ومقدسات، خفض حقائق إلى مرتبة أكاذيب، دبلوماسي، حزبي، مثقف، أي منهم يمارس ذلك الدور، مدركا أو ناقص إدراك، على يسار أو يمين، مستفيدا أو منفعلا، لا يختلف عن تكفيري داعشي يؤجج الحال على طريق الخطأ..
نعود من ساحة السياسة إلى ساحة الثقافة، لتوضيح الصورة أكثر، مع الفرق الكبير بين النجم الذي يعرفه الجميع ساطعا في سماء العالم بسبب العراق، أو الكوكب السيد بريمر، لا الكويكب طبعا، وآخر.. الكويتب الذي ذكرته، نرى هذا يدخل مهزلة دامية يظنها بدعة منه منزّلة سامية، أو منازلة في الأقل، مقارنته بالسابق مقارنة المريخ بالبطيخ طبعا، يعني نحتاج مجهرا لرؤيته بحجمه الطبيعي، تحت عدسة تبرز المخلوقات المجهرية، فنرى ذلك النهج، نهج تأميم الحقائق والقيم وقلبها في صورة وأخرى، توظيفها في استثمار جديد، قائما عنده على قدم وساق، ذلك الكويتب دبج قلنا قبل عشرة أعوام مقالا" يفتخر يسميه حتى اليوم "رسالة لئيمة" يتهمني بها بأني فرضت رأيي عليه، يا للاستخذاء لاحظ، بل أجبرته على توقيع مقال أدخلت فيه جُملا وربما جَملا ونشرته من باب مديح الذات. لم أرد عليه حينه تدرون، صديقة سألتني آنذاك لماذا لا أرد عليه؟ قلت: على تفاهة لا أرد. كلماته متناقضة تدحض نفسها بنفسها عند القارئ، ومحررو الصحف فوق يعلمون الحقيقة، بقية الناس لو تشاء تكتشفها مع الوقت.. ونسينا الموضوع، حتى أني صادفت ذلك الآدمي في طريقي أكثر من مرة عطفت عليه والله تكلمنا لا أشعر حتى رغبة في الكلام عن "رسالته اللئيمة" كي لا أحرجه.. نسأل لماذا تلك السيرة تعود بعد عشرة أعوام. يقلب هو آية يقول بسبب تصفية حساب من جانبي بالمقال ضد كتابه، وأنا لا حساب لي مع أحد، أتناسى أغفر لضيم طفيف، إنما الموضوع هكذا..
المركز الثقافي في ستوكهولم أهدى مؤخرا لي كتبا نشرها منها "رواية" الكويتب، يعني لم أتعمد الحصول عليها، لم أطلبها، بالمقابل وعدت مديره بتقديم تلك الكتب للقارئ عبر الصحافة، أوفيت وعدي، سبعة كتب، عرضت ما فيها من حسن وسيء، "رواية" الكويتب لم ترق لي لسبب منها لا مني، ككتاب آخر وآخر، حرام؟ كفرت؟ لازم تعجبني؟! بعد ذلك من دون مؤلفي تلك الكتب يرسل الفارس إلى موقع إلكتروني "مقاله" الطويل يحرم فيه يحلل، يعيد كلمات "رسالته اللئيمة" كما يسميها بنفسه قلنا متهما إياي هذه المرة بأني سكت عشرة أعوام لأنتقم منه بما كتبته اليوم عن "روايته"! بينما هو يعترف بمقاله بالنص يقول: كلما ظهر جيل جديد لروائيين حقيقيين (لا أضع نفسي بينهم).. انتهى الاقتباس منه، يقصد نفسه طبعا، عليه هو يدين نفسه بنفسه. المعنى: إذا أنت تقول عن نفسك أنك لا تضعها بين الروائيين الحقيقيين فما ذنبي أنا حين أقول ذلك أيضا، أو أنا ملزم بتقدير "روايتك" عاليا وهي لا ترقى لأن تكون حتى مسودة رواية؟! بالقوة تريدها جيدة؟! ندري حتى الغرب، حتى احتلال، يفرض ثقافته بأساليب أرقى، خلافه الناقد منتقم أسود؟ بهذلوه قبل ما يفضحنا، هزئوه كي لا تبقى لكلمته قيمة.
بلوى فعلا! العتبى على مَواقع نت تفسح مجالا لمن هب دب التزاما بحرية تعبير بلا حدود، تنشر "مقالة" غير مهذبة تبدو في صيغة مؤدبة، في تأدب يزيح الأدب تفضحه صيغته غير المرتبة، حال يشبه لو يمنح الخالق حميرا أجنحة تطير بها.. فتأخذ في رفس السماء في نشوة متعجبة!

 شواهد أحجم عن ذكرها حرصا على ترك موتى وأحياء يرفلون في راحتهم، لست من هواة إثارة فضائح وأقاويل. لكن يتجاوز التجريح حدوده إلى كسر بابي انتهاك خصوصيتي ذلك حدث يحدث لا أسكت. قد يقول قائل: أدباء ناشئون هنا كتبوا تعبوا تفضل المركز الثقافي في ستوكهولم بنشر أعمالهم أنت تشطب عليها بمقالك "الثقافة العراقية تشرق من الغرب" فأقول: أساتذة معروفون أعجبهم ذلك النقد، نصحوني بعدم الرد، لكني آثرت التوضيح في هذا العهد.. إذاً.. يا ناس اقرءوا تلك الأعمال ونقدها اقبل منكم أي حكم..

يوما دعوت لقيام سلطة خامسة، سلطة القارئ،  للعب دور حَكم في الأقل بين ناقد وكاتب، ولو مع الناقد تجربة أدبية نصف قرن ومع الكاتب عقل نصف قرد، ففي الفوضى السياسية التي نعيشها تزداد الحاجة لضوابط ترشيد حال ينفلت سياسيا اقتصاديا ثقافيا، فوضى تنعكس على مجمل حياتنا، على بيوتنا، كل شخص يصير إمبراطور زمانه بقدرته لا بأس، لكن لا بقدرة مواقع نت مستعدة لتتويجه على أفضل منه حين يتقافز لها تحت طلبها على لحن طبلها، مواقع أُسست أساسا لخدمة ثقافة احتلال، ثقافة الضرب والضارب والمضروب، ثقافة مؤخرات لوبيز وكردشان التي يكرهها كل شرفاء الأرمن ونكاح جهاد القرداوي، لا لخدمة ثقافة وطنية داعية لأخوة بين البشر وقيم معقولة قبل أن تكون سماوية.
 ناقد يكتب عن أعمالي منذ سنوات أرسلت له ذلك "المقال" سألته: بربك هل تدخلتُ يوما في كلمة مما تكتبه؟ هل طلبتُ منك يوما أن تفعل هذا أو ذاك؟ هل بدر مني أي شيء ينم عن تطفل عليك أو على غيرك؟ رد عليّ: على ذلك الكاتب مراجعة مقاله والاهتمام بنقد روايته، لي شخصيا نشروا بصحيفة وأخرى بفضلك..
 المقالجي إذاً يخرط خرطا لا ينبت عليه شعر يقال عندنا، منذ البداية يخدع حتى قارئه، يقول مثلا بأني ألومه على وضع صورة المؤلف على الغلاف، وذلك اللوم بمقالي واضح صريح: لوضعه صورة الصبي على الغلاف دون ضرورة والقول عنه هذا هو المؤلف وقت تكلمت فلانة. كذلك المقال الذي يفتخر بنشره في الشرق الأوسط والحقيقة صلحته أنا نعم، لضعف أسلوبه، صادفته بالقطار أخبرته نشر. والمقال الثاني بالقدس العربي أيضا عدلته لغويا ونشر هناك. حينه قال لي  محرر الصحيفة المعروف في لندن ذاكرا اسم "كاتب المقال" الفارس المغوار بالحرف، احجبه لتجنب بذاءة: هذا الشخص.. نعرفه لا ننشر له.. لكنا نشرنا مقاله هذا لخاطرك. شكرته طبعا أكدت له على إن أسلوب ذلك المخلوق يحتاج مراجعة فعلا قمتُ بها، وانتهينا.
بعد ذلك وقبل ذلك لم يُنشر له لا بهذه الصحيفة ولا بتلك شيئا.. واضح لعدم تقبلهم له.
مقال الزمان امتدحني به كثيرا عرضه علي كسابقيه قلت له نحذف المديح، من غير تواضع حقيقي أو زائف، لا لأني لا أستحقه قلت في خاطري بل لأني لا أريده من شخص غير راسخ.. تبيّن فعلا كذلك. ثم نُشر المقال أو غيره على مواقع النت، بعدها يخابرني حول مقال آخر لا أعلم عنه شيئا إطلاقا فعلا، استغرب ما فيه من سؤال إليّ وجواب مني لم يصدرا، أفهمته لا شأن لي بذلك الموضوع إطلاقا وانتهينا.

قبل عشرة أعوام إذاً ينشر هو رسالة يسميها بنفسه "لئيمة" يعيد سفاهتها اليوم يضيف عليها، يزج أنفه حتى في أمور لا يعرف عنها شيئا بكلام عن غائب فرمان وصداقتنا، ليوحي لو ردوا عليه كما عبّر أحد الزملاء بدقة بأنه من الحاضرين في الثقافة بين الكبار، عن زيارة غائب لدمشق حين كنت فيها منتصف الثمانينات، طارقا بذلك مجاهل وعرة له حتى من غير أن يتعوذ "دستور يا أسيادي دستور" فهل ننصحه فعلا: تكلم عن "روايتك" ونقدها لا تدس أنفك بعيدا في شأن لا تعرفه، القارئ والعارف يحكمان أخيرا على الغائب والموجود، يتطاول أكثر يكرر هلوسته يصير كلامي مع أسياده.. آنذاك تعرف شغلها معه حتما.. تصوّب له أو لعلها تصوّب نحوه.. تضعه في مكانه أفضل مني.. أو ينالها من زعل متبادل المزيد. وإذا ليس له أسياد فمصيبته أوهى.. من بيت عنكبوت.
ومنذ سنوات تم تجميع مقالات نقدية في الشأن الثقافي، مما كتبته نخبة من المثقفين، في كتاب استبعدتُ منه مقالات ذلك الشخص لنخلص من ضجيجه من رغبته إظهار نفسه بطريقة فجة، وصل الكتاب الكترونيا إلى المركز الثقافي العراقي في ستوكهولم مؤخرا قصد نشره، اطلع الورائي أقصد ذلك "الروائي" على استبعاده منه ثارت حفيظته.. لا أدري تماما..
ها، زوجته الكريمة دعتني يوما لبيتها زرتها، عرفتني على شاعرة مطلقة، خابرني بعد ذلك زوج الشاعرة رجاني أن لا اتصل بمطلقته لأنه يريد إعادتها إليه، احترمت رغبته عاليا وعدته بالمطلوب نفّذت ذلك. بعدها عرفتني الزوجة الكريمة على فنانة سألتني عن أغنيتي المفضلة قلت "عد وآني أعد" دعتني هذه إلى أمسية افتتاح فضائية ما بعد حين فاجأتني بتقديم تلك الأغنية فيها ثم سألتني عن رأيي قلت: أداء ممتاز. ثم قامت الفنانة عرفتني على مثقفة اذربيجانية لم أشأ اللقاء معها لاحقا. وبعد أمسية أدبية أخرى دعتني تلك الزوجة الكريمة بحضور بعلها الكويتب وغيره إلى بيتها، ألحت عليّ لمرافقتهم إلى هناك لإكمال السهرة، لكني اعتذرت عن تلبية الدعوة. ذلك كل ما بيني وبين ذلك السيد، لا علاقة لي معه لو يكتب ولا صداقة. بعد تهجمه عليّ فكرت: لا تصنع المعروف في غير أهله.. حكمة صحيحة فعلا.
لا بأس، وذبابة تشوش على ملاكم ممكن هشها.. لا ترعوي.. نسأل محمد علي كلاي ما العمل معها.



صفحات: [1]