1
المنبر الحر / في استذكار مؤية وليمة الدم الآشوري مذابح سيفو عام 1915
« في: 22:27 25/03/2015 »في استذكار مؤية
وليمة الدم الآشوري
مذابح سيفو عام 1915
وليمة الدم الآشوري
مذابح سيفو عام 1915
بقلم: نيسان بيغازي
مرت سنوات وتلتها عقود ليكتمل في هذا العام 2015 قرنا على وليمة الدم الآشوري التي اقيمت على مائدة آل عثمان وأدواتهم في المنطقة مخطط لها مسبقاً لتطال دماء وممتلكات ابناء شعبنا في مدن وقرى امتدت من اورمي شرقاً مروراً بتياري وأكاري وصولاً الى طور عبدين والجزيرة الفراتية غرباً ورغم مرور هذه الحقبة الزمنية الطويلة على هذه المجازر ألا أنها لا تزال، ويجب ان تبقى، تثير اهتمام القائمين بالشأن القومي بهدف الاستجابة لدعوة التاريخ لنا للنهوض بدورنا المطلوب في تحريك واثارة هذا الحدث الاليم كلما سنحت لنا ولاجيالنا القادمة فرصة اثارته والتعامل معه وكأنه حديث العهد وقع بالامس وأن دماء الآلاف من شهدائنا لا تزال طرية، اضافة الى كونه واجباً قومياً نتحمله جميعاً كدين في رقابنا ودماً مقدساً سفك من اجل قضيتنا ووجودنا وسيظل هذا الدم يشعرنا بذنب كبير لا نستطيع ان نتبرأ من ذمته علينا اذا عجزنا او تقاعسنا في رد الاعتبار لهذه الامة واعادة كرامة هذا الدم الغالي . ان التقادم مهما طال على هذه الجرائم لا يلغي التاريخ لانه سجل الامة وثروتها ودرس مفتوح للقادم من الاجيال، ولا مرور الزمن يحرم حق المطالبة بانصافه من كل جوانبه ، لاننا لم نخسر الارواح والممتلكات فحسب بل فقدنا ما تبقى لنا من ارض اجدادنا في هذه المناطق من وطننا بيث نهرين اضافة الى ما ترتب عنها من جرح عميق وآثار سلبية في نفسية ابناء شعبنا ظلت عالقة في اذهانهم الى يومنا هذا ولا يزال هذا الجرح يقطر دماً. ان مذابح سيفو الرهيبة عام 1915 لم تكن الاخيرة في التاريخ النضالي لشعبنا بل اعقبتها مجازر وتهجير جماعي اجباري استهدف وجودنا القومي والديني اتسمت ايضاً بالعنف والغلو في القتل ونزوح جماعي في سميل 1933 وصوريا 1969 وكنيسة سيدة النجاة في بغداد 2010 وفي السقوط التاريخي الثاني المذهل لنينوى 2014 وما جرى ويجري في بلدات وقرى ضفاف نهر الخابور والجزيرة في سوريا 2015.
لكن كل هذه المجازر والويلات رغم مساوءها الا انها أرست الاسس الكفيلة في خلق حالة النضج في الوعي القومي الحديث لامتنا ووفرت القاعدة النوعية له بحيث جعلته أكثر اقتراباً لنيل حقوقه ، كما انها قطعت الشك باليقين من حيث قدرة وقابلية شعبنا في التواصل الحي بين مرحلة واخرى من مراحل مسيرته الشائكة وستكون ايضاً سبباً في فتح باب لنهضتنا في المستقبل لان الظروف والمؤشرات الموضوعية المحلية والاقليمية والدولية المتسارعة مؤاتية لتحقيق واقع جديد قادم لنا اذا وفقنا في التعامل الجاد مع هذا الواقع ومعطياته واستثماره لصالح قضيتنا وهذا يتوقف على مدى امكانية تجميع قدراتنا وبما نملك من ادوات العمل القومي المشترك تدفع بأتجاه تنشيط جهودنا لتهيئة وتعبئة العامل الذاتي اولاً استعداداً لاثارة وتحريك ملف قضيتنا القومية بأتجاه العامل الموضوعي ثانياً.
1- العامل الذاتي :
ويتمثل في احزابنا السياسية ومؤسساتها المدنية وكنائسنا وباحثينا وأصحاب الفكر والرأي بما يمتلكونه من الفهم الواعي لتحريك الجماهير وخلق رأي عام حول محتويات حقوقنا ومطالبنا وتوجيه هذه الجماهير بالاتجاه المطلوب له لكي يساهم في اذكاء روح الاستعداد لدى الجماهير بحتمية اتخاذ مواقف مصيرية في الاوقات الصعبة لا سيما المتعلق منها بمستقبل ومصير الامة . وقد تجسد هذا الموقف المصيري حين ارتفعت صرخات التنديد والشجب من لدن احزابنا السياسية وكنائسنا ومؤسساتنا الموقرة ضد الممارسات الهمجية التي اقترفها تنظيم داعش بحق ابناء شعبنا في الموصل وفي قرى ومدن سهل نينوى هذا الموقف كان سبباً في الهام روح الاستعداد لدى جماهيرنا للخروج بمسيرات احتجاجية عارمة مطالبة بحقها الشرعي في الحياة وضرورة حمايتنا من الاستبعاد الفكري والتعسف الديني المنظم وأظهرت قدرتنا على اتخاذ المواقف التي لايمكن ان تقابل بالصمت أوالخوف ثم كان لها صداها الواسع في اوساط ابناء شعبنا في المهجر ادخلتهم في اطار الفعل المؤثر لقضيتنا والذي تتطلبه المرحلة الحالية اثارت الاعجاب والامل لانجاز الكثير من الواجبات في الوطن والتعامل مع ما ينتج من مخاض للمرحلة القادمة، اما على الصعيد الدولي فقد ساهمت هذه الاحتجاجات في تحريك الضمير العالمي بما ظهرت من اصوات الاستنكار والادانة ومواقف أقليمية ودولية ومن جهات رسمية ومنظمات انسانية وشخصيات عالمية تنادي بضرورة حماية الاقليات القومية والدينية في الشرق الاوسط الملتهب عموماً وفي العراق بوجه الخصوص وتحديدا ابناء شعبنا كونهم اكثر استهدافاً من الناحية القومية والدينية والتغيير الديموغرافي . ان المواقف المصيرية وكما هو معروف لا تقبل التجزئة او الاختلاف عليها كونها الآصرة التي تربطنا معاً ويتحمل مسؤوليتها الجميع ولهذا على النخب القومية ان تسلك طريق الحكمة في تغليب ثقافة الحوار والتعاطي مع كل ما يوحد المواقف من اجل ترميم وتحصين واقعنا القومي الهش ليستعيد عافيته ولتنال قضيتنا ثقلها وبعدها السياسي خارج اطار بيتنا الداخلي كشعب عانى ولايزال يعاني ما يكفيه من مذابح ، فواجع التهجير واغتصاب الحقوق وتمزيق وحدته وليس لدينا خيار آخر سوى تجسيد علاقتنا وتأجيل خلافاتنا البينية التي ليس لها ما يبررها ورفض الاشتباك في المصالح الشخصية او الحزبية لانها تعطل طاقات الجماهير ، والتفاعل معا ضمن الثوابت التي تجمعنا والغير قابلة للاحتكار قطعا لتوحيد خطابنا بالصيغة الافضل والحد الممكن من الاتفاق في الاطار الذي نحافظ فيه على قرارنا السياسي وارادة شعبنا الحرة في التعبير عن ذاتنا وقناعاتنا لاننا نحن اصحاب المعاناة والمآسي نشعر بها ونتألم منها ودفعنا ثمنها دما وارضا ، مع حقنا في كسب مؤيدين وداعمين لقضيتنا كأصدقاء لها وليس اوصياء عليها .
2-العامل الموضوعي :
ويتمثل في المحافل الدولية المختلفة التي تولي لمسألة الاقليات والشعوب الاصيلة اهتمامها في الدفاع عنها وحمايتها وهنا ينبغي ان نجيد استثمار المناخ الملائم لكسب مواقف وصداقات هذه المحافل لاسيما في الظروف والاوضاع الحالية الحافلة بارهاصات الغليان والتغيير الحاصل في الدعم والتاييد الدولي للشعوب المضطهدة وايصال صوتنا ومطالبنا على عقر دار اصحاب القرارات وليس الى مسامعهم فقط كشعب مهمش ومسلوب الارادة والقرار في وطنه تدرج حقوقه دائما في ادنى الاوليات ويعاني من تكرار التدخل في شؤونه الداخلية تصغيرا او تحقيرا له من قبل المكونات ذات الكثرة العددية.
وحتى يكون صوتنا مسموعا ومعتبرا فالمنطق يفرض حتمية مناقشة قضايانا المصيرية التي لاتقبل التجزئة والمساومات بشكل جمعي مبرمج ومتفق عليه وبصوت واحد عند طرحه في الاوساط الدولية والمعنية وليس بضجيج مزعج من الاصوات تطلق منفردة ومتبعثرة من جهات متعددة ولقضية واحدة تختلف هذه الجهات في توصياتها وقناعاتها وهنا لسنا ضد التنوع في الرؤى والافكار والبرامج لاننا امة حية لابد بل من الضروري ان تنجب مثل هذا التنوع والاختلاف في الهام لحركة الحياة وديمومتها ، نعم قد نختلف في الاسلوب او الآليات لانها قابلة للنقاش لكن لا نختلف على الهدف لوضوحه لدينا جميعا كونه قضية مفصلية مهمة تتعلق بوجود امة من عدم وجودها يدعي الجميع العمل من اجل تحقيق ما ينقذها من التشتت والضياع ، فالواجب القومي يحتم علينا ان نقبل احدنا للاخر في هذا السياق حتى نرغم الغير على قبولنا وطرح ما تحتويه حقيبتنا من مطالب وحقوق منصفة في اتجاهين :
1-على الصعيد الدولي:
من المعروف ان تطور مسار الحماية الدولية لحقوق الانسان ومن خلال الامم المتحدة وتشريعاتها بهذا الشان تشكل حلقات مترابطة من مبادئ تتمحور حول الانسان كفرد باعتبار انه من خلال تحقيق حق الفرد تتحقق حقوق افراد المجتمع ككل، وفيما يخص الاقليات القومية والدينية ورغم وجود نصوص في المثياق الدولي المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية تعترف بحقوق الاقليات الا انها تضمن حماية حقوق هذه الاقليات كافراد ضمن الاقلية وليس الاقلية كمجموعة متميزة داخل البلد الا ان الواقع اثبت ان الضمانات الحقوقية هذه الممنوحة للاقليات ليست بالوسائل الفاعلة للحفاظ على التعايش بين الاقليات وبقية السكان ذات الاكثرية العددية في المجتمع ولهذا فان مشكلة الاقليات ستبقى بحاجة ماسة الى ضمان جماعي يكون موازيا مع ضمان حق الفرد ومعاملتهم معاملة خاصة ككيانات جماعية وحمايتهم ليس كافراد بل كمجموعات بشرية لان اضطهادها هو جماعي وليس فردي عليه لابد من وجود ضمانات دولية بموجب معاهدات وتشريعات لها قوة قانونية ملزمة لحماية الاقليات والشعوب الاصلية من اجل الحفاظ على هويتها وتراثها وثقافتها وتامين حقوقها واستقلالها الاداري في اوطانها، وعلى منظمة الامم المتحدة التي اقرت يوم 9 آب من كل عام يوما عالميا للسكان الاصليين ومطلب امينها العام الاعتراف بهذا اليوم في احتفالية آب الماضي ان يجعل من هذا اليوم يوما لنصرة قضايا هذه الشعوب ولسماع اصواتهم ومعاناتهم التي لاتزال تعاني من التمييز والتهميش وحمايتهم من الاضطهاد والقتل والتهجير الذي يهدف القضاء على التنوع الانساني الذي لا يختلف عن القضاء على التنوع الحيواني.
2-على الصعيد الوطني:
جميعنا يعرف ان ما اصاب العراق خلال العقود التسعة الماضية واوصله الى حالة من التصدع السياسي والاجتماعي وتقلبات قاسية معروفة لم يكن الا بسبب تجاهل النخب الحاكمة لحقيقة واقع التنوع الذي يتصف به مجتمعنا العراقي وتغليبها للهويات الفرعية على حساب قيمة الهوية الوطنية مما ادى ذلك الى فواجع حلت بالشعب العراقي وتحديدا اقلياته الاثنية والدينية التي ينظر الى حقوقها دائما برخص واهمال هذه الحقوق المتعلقة بارادة العيش كانت تثير استفزاز السلطات وقلقها لان المطالبة بالحق معناه الخيانة – العمالة - المؤامرة لذا فهي تستحق التأديب والقمع ومذابح سميل شاهد على ما نقول ولم يعد بامكان الاقليات السكوت عن هذه الاضطهادات او الصبر عليها سواء كانت على مستوى التعامل المبني على التعالي والتصلب القومي والديني ، او على مستوى قيمة الانظمة الدستورية المعتمدة من قبل السلطة الحاكمة والتي لاتتحدد وقيمتها ابدا بموادها الدستورية وانما تكمن في صدق الارادة والنوايا على تطبيقها وتطويرها بتطور الحياة في البلد وهي بالتالي دساتير غير ضامنة لحقوق الاقليات كونها تتناقض مع التعهدات الدولية ولاتحترم عمليا الاتفاقيات بهذا الخصوص .
وامام هذه الحقائق ليس لدينا خيارات متاحة وبعد تجربة طويلة الا التحرك لتحقيق التالي:
1-المطالبة بتفعيل تنفيذ مجلس الوزراء العراقي من حيث المبدأ الصادر بتاريخ 21/1/2014 والذي ينص على تحويل اقضية سهل نينوى الى محافظة مستقلة تخص ابناء شعبنا الذين لازالوا متواصلين العيش في ربوعها منذ آلاف السنين وتتضمن الشروط الضرورية لتمكين التعايش السلمي في دولة ذات طابع تعددي من الناحية السكانية- الجغرافية - الاقتصادية - السياسية على ان تكون منطقة آمنة محمية دوليا لحين عودة اصحابها المهجرين قسرا منها تتمتع باستقلالها الارادي ضمن العراق الاتحادي اللامركزي.
2-متابعة نتائج المبادرات والاصوات التي اطلقت من قبل جهات عالمية متعددة مهمة اظهرت استعدادها لتبني موضوع حماية شعبنا لا سيما بعد سقوط نينوى ومن بعدها ما تعرض له ابناء شعبنا في قرى نهر الخابور الجزيرة ، الجزيرة النهرينية ، ونأمل ان لا تكون هذه الاصوات مجانية لتلطيف الخواطر ، بل لتكن تأكيدا للالتزام على الحماية ، ونقطة شروع لانقاذ الاقليات.

