عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - ضياء نافع

صفحات: [1]
1
 
الفيلسوف والشاعر الروسي خومياكوف
أ.د. ضياء نافع
خومياكوف - اسم كبير ومتميّز ومتعدد المواهب في تاريخ الفكر الروسي بالقرن التاسع عشر , القرن الذي كان غنيّا جدا بالاسماء الروسيّة الكبيرة , و لكن خومياكوف لم يعد نجما ساطعا في سماء الفكر الروسي, بل انه الان  شبه منسي  حتى في وطنه روسيا نفسها في الوقت الحاضر رغم العديد من المصادر الروسية عنه , أمّا في عالمنا العربي بشكل عام , فلا يعرفه تقريبا سوى بعض الاشخاص الذين درسوا الفلسفة الروسية وتاريخها وتخصصوا بها في المعاهد والجامعات الروسية , وهم واقعيا بعدد أصابع اليد كما يقول التعبير العربي الطريف , ويعرفه كذلك الذين درسوا الادب الروسي وتاريخه وتخصصوا به في روسيا ( الادب الروسي وليس اللغة الروسية , وهذه مسألة مهمة جدا رغم شبه التلاحم تقريبا بين هذين الاختصاصين ) , وهؤلاء ايضا ليسوا نسبة كبيرة بين الخريجين العرب من الجامعات الروسية بشكل عام , بل وأخذوا بالانحسار تدريجيا نتيجة عوامل عديدة لا مجال للحديث عنها ضمن هذه السطور عن خومياكوف  .
ولد اليكسي ستيبانوفيتش خومياكوف عام 1804 وتوفي عام 1860 , واستطاع ان يصبح – خلال هذه السنوات القصيرة نسبيا – شاعرا وكاتبا مسرحيا وفيلسوفا وفنانا تشكيليّا وصحافيا ومؤرّخا ومترجما , بل انه ابتدأ مسيرة حياته متخصصا في علم الرياضيات بجامعة موسكو, ونتيجة لهذا التنوع الموسوعي الفكري حاز خومياكوف على موقع خاص في اكاديمية العلوم الروسية في السنوات الاربع الاخيرة من حياته, اذ اختارته اكاديمية العلوم في مدينة بطرسبورغ 
  عام 1856 ليكون عضوا مراسلا فيها.
سبق وان قدّمنا تعريفا وجيزا عن خومياكوف في مقالتنا بعنوان – ( الادباء الروس في تاريخ الفلسفة الروسية ) , ونريد هنا ان نتوسع في رسم الصورة القلمية عن هذا المفكّر الموسوعي الكبير , اذ لم نجد بلغتنا العربية مصادر كافية تتناوله وتدرس ابداعاته المتنوعة وتقدّمه للقراء العرب كما يجب مع الاسف .
خومياكوف – فيلسوف قبل كل شئ , وقد أشرنا في مقالتنا تلك , الى انه وضع اسس النزعة السلافية في الفكر الروسي , هذه النزعة التي لعبت دورا هائلا في مسيرة الفكر الروسي في القرن التاسع عشر , وفي الادب الروسي بالذات , والتي يرتبط بها ( اي بالنزعة السلافية) اسم عملاق من الادباء الروس وهو دستويفسكي . خومياكوف وصل الى افكار واساسيات هذه النزعة الفكرية عن طريق التفاعل المطلق مع الكنيسة الروسية الارثذوكسية , حتى ان بعض الباحثين الروس يعتبرونه (رجل دين)  قبل كل شئ , رجل دين متعمق ومتبحّر في فلسفة الكنيسة الارثذوكسية بالذات وتاريخ الارثذوكسية بشكل عام , اي يمكن ان نطلق عليه ما نسميه بالعربية ( لاهوتيّ) ( ان صحّ التعبير) . لقد وصل تفاعله وتعامله مع الكنيسة الروسية الى التقبّل الكامل لموقف الكنيسة في كل شئ , بما فيها الموقف السياسي الواضح من النظام القيصري , اذ انه كان يرى , ان ( روما حافظت على الوحدة بثمن الحرية) , ( اما البرتستانت فقد حصلوا على الحرية بثمن الوحدة ) , ولهذا فان خومياكوف كان الى جانب النظام القيصري والحفاظ عليه وتعزيزه من اجل وحدة الدولة وجبروتها وقوّتها , ولهذا ايضا , اعتبر الرأسمالية والاشتراكية معا (انعكاسا سلبيا للسقوط والانحطاط في اوربا الغربية ) , واستنادا الى هذه المفاهيم قدّم الطروحات النظرية الاساسية للنزعة السلافية في الفكر الروسي , والتي تؤكد على الطريق الروسي الخاص و البحت , الطريق الذي سيؤكد دستويفسكي عليه لاحقا , ويبدأ بالكلام في كتابه الشهير ( مذكرات كاتب ) كيف  ان موسكو يجب ان تكون (روما الثالثة!) , اذ لا يمكن ان تكون في العالم ( روما رابعة), وان الكنيسة الارثذوكسية الروسية هي التي يجب ان تكون القوة الفاعلة والمحرّكة لتلك الظاهرة العالمية.
اما خومياكوف الشاعر , فانه بدأ مبكرا جدا , وبالذات عندما كان يدرس علم الرياضيات في جامعة موسكو عام 1821 , اذ نشر عندها محاولاته الاولى في الشعر وكذلك في ترجمة الشعرالى الروسية ايضا , ومن الطريف ان نذكر هنا , ان خومياكوف قد تزوّج اخت الشاعر الروسي المعروف يازيكوف , الذي يعدّ واحدا من الشعراء الروس المحيطين ببوشكين في ذلك الزمان , اي ان خومياكوف كان يختلط واقعيا مع اوساط الشعراء الروس ويتعامل معهم  الند للند كما يقولون , بما فيهم بوشكين نفسه , وتوجد في المكتبة الروسية عدة كتب بعنوان – بوشكين وخومياكوف , وقد ظهر قسم منها  حتى في نهايات القرن العشرين , اي في الاتحاد السوفيتي بالذات , وتبحث هذه الكتب بالاساس في موضوعة علاقة بوشكين بالنزعة السلافية وموقفه منها ( وهي موضوعة حساسة جدا في النقد الادبي السوفيتي ), وتحدثت هذه الكتب حتى عن العلاقات الشخصية بينهما واللقاءآت العديدة التي حدثت بين خومياكوف وبوشكين , بما فيها بعض النقاشات التي جرت بينهما , والتي تبيّن عدم اتفاقهما بشكل عام رغم العلاقات الوديّة بينهما , ونختتم مقالتنا هذه بالاشارة الى واحدة من تلك النقاشات الطريفة –
قال خومياكوف – في روسيا يوجد حب مسيحي اكثر مما في الغرب , فأجاب بوشكين قائلا – لم أقم  بقياس كمية هذا الحب في روسيا او في الغرب .., لكني أعرف ... في الغرب يوجد اناس وضعوا اسس ذلك ... , ولو ظهروا عندنا , لكان ذلك مفيدا لنا ...   

2
 
عراقيون مرّوا بموسكو(27) – د. وفيّة ابو قلام
أ.د. ضياء نافع
لا اعرف لحد الان كيف اكتب لقبها بشكل دقيق – (ابو قلام) أم (ابو اقلام) , ولكننا كنّا نلفظه ابو قلام في حينها , ولهذا كتبته هكذا في عنوان مقالتي عن المرحومة الدكتورة وفيّة .  تعارفنا اثناء دراستنا في جامعة موسكو في ستينات القرن العشرين , حيث كنت انا آنذاك طالبا في الدراسات الاولية , وكانت هي طالبة في قسم الدراسات العليا . لقد وصلت وفيّة الى موسكو وهي محاطة بهالة من الشهرة و المجد باعتبارها شاعرة (محكمة الشعب) او (محكمة المهداوي) او (المحكمة العسكرية العليا الخاصة)  , وكنّا نتصورها شخصية قوية وصلبة ومناضلة ووو , ولكننا اكتشفنا بعد مخالطتها لفترة طويلة نسبيا , انها امرأة عراقية بسيطة جدا وفي غاية الطيبة وحتى ساذجة الى حد ما , و بالتدريج لم تعد بالنسبة لنا تلك المرأة السياسية الحديدية التي تصورناها قبل وصولها الى موسكو.
كانت وفيّة تعرف حدودها كما يقال , وهذه صفة جيدة جدا في الانسان ( الذي يعرف قدر نفسه ) , فلم تكن (تثرثر!) في الشؤون السياسية ولم تكن (تتبجح !) بماضيها وقصائدها في المحكمة كما كان يتبجح الكثير من العراقيين , الذين كانوا معنا آنذاك , ولم تحاول ان تبرز في اجتماعات العراقيين ومناسباتهم ( وما أكثرها !)  او تطلب القاء كلمة او قصيدة او تعليق بمناسبة او حتى بغير مناسبة كما كان يحاول البعض من المتبجحين , ولم تتكلم عن اطروحتها وتتباهى بعلمها وموهبتها مثل بعض الذين كانوا يحيطوننا , بل انها انجزت اطروحتها بصمت وهدوء وبمعزل عن الآخرين , وكانت اطروحتها عن الرصافي , وسمعتها تتكلم مرة واحدة  فقط عن اطروحتها , وذلك عندما قدّمتها كاملة الى مشرفها العلمي , والذي قال لها , ان الاطروحة جيدة ومتكاملة عن الرصافي ( كانت وفيّة تعرف الرصافي وابداعه أفضل من مشرفها بلا شك لكونها عراقية وتحمل شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من جامعة بغداد ) , ولكن تلك الاطروحة كانت – من وجهة نظر المشرف العلمي السوفيتي - خالية من الاستشهادات الماركسية – اللينينية , وان الاطاريح في الاتحاد السوفيتي لا يمكن ان تكون هكذا , اي دون اطار نظري ماركسي واضح المعالم والمفاهيم , واتذكر جيدا كيف سخرت وفيّة من كلام المشرف آنذاك ( أمامنا طبعا وليس أمامه !), وقالت لنا, انها تبحث الان عن مقاطع عامة ( واستخدمت وفيّة بسخرية كلمة – آيات بدلا من كلمة مقاطع عامة ) حول الادب من أقوال ماركس وانجلز ولينين كي تضعها بين سطور اطروحتها عن الشاعر العراقي معروف الرصافي حتى تكتمل المتطلبات العلمية لمناقشة الاطروحة بنجاح امام اللجان العلمية , وهذا ما تم فعلا بعدئذ.
غادرت وفيّة الاتحاد السوفيتي بعد اكمال دراستها , ولم تحاول البقاء او التشبث بالبقاء كما فعل الكثيرون , متعللين بالاوضاع السياسية في العراق , ولم اتابع أخبارها – مع الاسف - , ولكنني سمعت انها عملت في جامعة باحدى الدول العربية باعتبارها تحمل شهادة الدكتوراه في الادب العربي , ولم أجد انعكاسا لنشاطها الادبي , الا اني وجدت مرة كتيبا صغيرا بترجمتها عن اللغة الروسية حول الواقعية الاشتراكية في الادب الروسي صادر في بغداد , وكان اسلوب الترجمة العربية سليما جدا , رغم ان موضوع الكتيب كان عتيقا ( ان صحّ التعبير) , ويحمل وجهة النظر السوفيتية التقليدية الرسمية المعروفة حول مفهوم الواقعية الاشتراكية , وهي وجهة نظر قديمة جدا ولم يعد حتى المتخصصون السوفييت آنذاك ( في السبعينات , عندما ظهر الكتيب المذكور ) يتكلمون عنه , او يأخذونه بنظر الاعتبار. ولا اعرف متى توفيت المرحومة وفيّة , الا اني قرأت كلمة ( المرحومة ) مقرونة باسمها اثناء مطالعاتي للصحف العراقية , وكذلك قرأت قبل فترة عن صدور مجموعة قصائد لها لم تستطع نشرها في ذلك العصر الصعب نهاية القرن العشرين , ولكنني لم اطلع على تلك المجموعة الشعرية مع الاسف . لقد  كنّا نرى آنذاك , ان قصائدها لم تكن تتميّز بصور فنية و شعرية عميقة بشكل عام  , وانها لم تكن ضمن الاسماء اللامعة للشاعرات العراقيات الكبيرات, وكان هناك أحد الزملاء المتشددين جدا بيننا ( لا اريد ان اذكره  هنا , ولكني اشير فقط الى حرفي اسمه ولقبه – (م.ب.) وذلك لانه توفي منذ فترة طويلة في بغداد) يؤكد دائما انها ليست (شاعرة) وانما ( ناظمة ) ليس الا , وهو رأي غيرموضوعي بتاتا و  يتميّز بالتطرف والقسوة .
الرحمة للشاعرة الدكتورة وفيّة ابو قلام , والذكر الطيب لهذه المرأة العراقية الاصيلة ...             

3
   
تمثال غريبويديف في طهران اولا ثم في موسكو ثانيا
أ.د. ضياء نافع
 تم تدشين تمثال غريبويديف في طهران عام 1912 , اما في موسكو فقد تم تدشينه عام 1959 , والفرق الزمني بين التمثاليين حوالي نصف قرن تقريبا , وهي ظاهرة فريدة وغريبة جدا في مسيرة الادب الروسي , لم يسبق ان حدثت في روسيا مع اي شخصية بارزة اخرى في تاريخ روسيا الطويل , وقصة هذا الحدث الغريب  تستحق التوقف عندها بلا شك , لانها ترتبط بمؤلف المسرحية الشعرية – (ذو العقل يشقى) , المعروفة في تاريخ الادب الروسي والادب  العالمي ايضا ( انظر مقالتنا بعنوان -  مسرحية غريبويديف الشعرية – ذو العقل يشقى ).
غريبويديف كان سفير روسيا في طهران , وقد تعرضت السفارة عام 1829 الى هجوم من قبل قوى اسلامية متطرفة جدا ( وليس بمعزل عن الايادي السياسية الخفية وخططها غير النظيفة وراء الكواليس طبعا ), وتم قتل كل من كان في السفارة من موظفين روس وحرّاسهم , بما فيهم السفير الروسي نفسه , بل وتم التمثيل بجثثهم , وقد تعرّفوا على جثة غريبويديف نتيجة جرح قديم في يده بعد مبارزة حدثت في مسيرة حياته.
 حاولت الدولة الفارسية رأسا تسوية هذا الحدث المأساوي الرهيب مع الامبراطورية الروسية في حينها بالطرق الدبلوماسية الهادئة, وارسلت وفدا كبيرا الى روسيا برئاسة حفيد الشاه , واستطاعت فعلا تسوية الموضوع بعد مفاوضات طويلة و معقدة وصعبة , وقد قدّم الوفد هدايا فارسية نفيسة للجانب الروسي اثناء تلك الزيارة, منها قطعة ألماس نادرة جدا وسعرها خيالي كما تشير المصادر كافة , وزنها حوالي 18 غراما ( 90 قيراطا) , ولا زالت هذه القطعة الفريدة من الالماس معروضة - ولحد الان - في متحف الالماس الموجود في الكرملين  بموسكو , ولا زالت تثير الاعجاب الهائل من قبل كل من يشاهدها , وهو نفس الاعجاب والدهشة , التي أثارتها قطعة الالماس تلك لقيصر روسيا آنذاك عندما قدّمها الوفد الفارسي اليه عند استقباله لهم في مقر عمله .
مقتل السفير الروسي غريبويديف عام 1829 في طهران كان حدثا سياسيا هائلا في تاريخ الامبراطورية الروسية خاصة , وعلى المستوى العالمي ايضا , ولهذا , فقد تراجعت مكانة الشاعر والكاتب المسرحي غريبويديف واصبحت في ( المحل الثاني ) حسب التعبير الشهير للمتنبي , وقد انعكس هذا الشئ واقعيا على الجالية الروسية الكبيرة في بلاد فارس قبل الآخرين , وهكذا ولدت لديهم فكرة تخليد هذا الحدث , وقرروا اقامة تمثال لغريبويديف بالذات عند بناية السفارة الروسية في طهران لاعادة الاعتبار اليه وتخليد اسمه, وأخذوا بتجميع التبرعات من ابناء الجالية, وهكذا تمكنوا من تهيئة المبالغ اللازمة لعمل التمثال, واستطاعوا ان يحققوا خطتهم , وتم تدشين هذا التمثال الضخم للسفير عام 1912 فعلا قرب بناية السفارة الروسية في طهران حيث جرى الهجوم الغادر المذكور . غريبويديف في ذلك التمثال يجلس على كرسي فخم و يقرأ كتابا مفتوحا  يمسكه بيده اليمنى ويتكأ على الكرسي بيده اليسرى, وهو تمثال رمزي عميق المعنى , و يؤكد , ان السفير الروسي والكاتب والشاعر غريبويديف مستمر بعمله وابداعه رغم  تلك النهاية التراجيدية التي اصبح ضحيتها , ولايزال هذا التمثال موجودا في مكانه بطهران لحد الان . وهكذا استطاعت الجالية الروسية عن طريق هذا التمثال تخليد غريبويديف , والتذكير الدائم بتلك الوقائع التراجيدية والمجزرة الدموية ضد السفارة الروسية هناك, والتي قام بها المتطرفون الاسلاميون و القوى السياسية الاخرى الحليفة لهم في طهران عام 1829 .
اما تمثال غريبويديف في موسكو (التي ولد فيها عام 1795) فقد ظهر كما أشرنا أعلاه عام 1959 في الذكرى 130 لمقتله التراجيدي في طهران عام 1829 , وقد أقاموه قرب المكان الذي عاش فيه الكاتب في موسكو . حاول النحات لهذا التمثال ان يوحّد بين الصفتيين التي تميّز بهما غريبويديف وهي –  الشاعر والكاتب المسرحي اولا , والدبلوماسي الرفيع المستوى ثانيا , وهكذا جاء عمله الفني في فضاء واسع حيث يقف السفير الروسي بكبرياء وفخامة وشموخ , وعلى قاعدة التمثال يحيطونه ابطال مسرحيته الخالدة – ذو العقل يشقى , وهم شخصيات لا زالت حيوية وتتعايش مع المجتمع الروسي منذ ظهور هذه المسرحية في القرن التاسع عشر ولحد الان , اذ لا يمر موسم مسرحي في مختلف المدن الروسية دون عرض هذه المسرحية , وتحولت أقوال تلك الشخصيات الى أمثال وحكم لدى الشعب الروسي , وحتى عنوان المسرحية نفسه  اصبح قولا مأثورا عند الروس , وترجمته الحرفية عن الروسية هو – المصيبة من العقل , وقد ترجمه بعض المترجمين العرب هكذا فعلا, الا انه استقر بالعربية ( ذو العقل يشقى ) بفضل المتنبي العظيم (انظر مقالتنا - غريبويديف والمتنبي).       
   
   


4
المنبر الحر / تساؤلات حول تشيخوف
« في: 19:11 11/03/2019  »
تساؤلات حول تشيخوف
أ.د. ضياء نافع
استلمت من الدكتور عماد غانم رسالة الكترونية بهذا العنوان , وقد أثارت اهتمامي الشديد طبعا. الدكتور عماد غانم أحد طلبة قسم اللغة الالمانية في كلية اللغات بجامعة بغداد , وقد سافر الى المانيا بعد تخرّجه , وحصل هناك على شهادة الدكتوراه باختصاصه , وبقي في المانيا , واصبح واحدا من العاملين البارزين في مجال الاعلام الالماني – العربي بفضل عصاميته وموهبته, وهو كأي عراقي حقيقي واصيل يتابع أحداث العراق العامة بشكل عام , و الاحداث الثقافية خاصة بدقّة وتفصيل , وقد أطلع طبعا على مقالتي بعنوان – (أ.د. علي منصور... وداعا) , و التي كتبتها بعد رحيل المرحوم علي منصور( وهو أحد اساتذته عندما كان طالبا في قسم اللغة الالمانية) وأثار انتباهه ما أشرت اليه في نهاية مقالتي تلك حول استعداد (دار نوار للنشر) لطبع مخطوطات الكتب التي أبقاها المرحوم علي منصور , وكتب تعليقا يشير فيه الى استعداده بتزويدنا بمخطوطة المرحوم والتي يحتفظ بها وهي بعنوان – ( معجم المصطلحات الادبية / الماني - عربي ) , وهذا ما تم فعلا , و يجري الان طبع المخطوطة هذه في بغداد (بدار نوارللنشر) وباشراف أ.م. الدكتوره هديل اسماعيل و الاستاذ الدكتور غازي شريف .
هذه مقدمة ضرورية لتعريف القارئ بالدكتور عماد غانم , اما رسالته , التي أشرت اليها في بداية هذه المقالة , فانها تختلف عن عمله الرائد والجميل الذي سيؤدي الى نشر مخطوطة أ.د. علي منصور. رسالته الشخصية لي ترتبط بتشيخوف , فقد عثر د.غانم اثناء بحثه في المصادر العراقية والعربية عن بدايات الادب الالماني المنشور بالعربية وكيفية تقبّل القراء العرب له, عثر على كتاب عراقي صادر في البصرة عام 1934 يتضمن قصتين مترجمتين لتشيخوف. الكتاب هذا بعنوان – (مجموعة قصص من الادب الحديث) , وهو من تأليف عبد الوهاب الامين . لقد ارسل د.عماد هذه الرسالة لي لانه يعرف اهتمامي العلمي بالموضوع طبعا ,  و سألني عن امكانية متابعة هذه المعلومة الطريفة .
شكرا جزيلا يا اخي د. عماد على هذه الرسالة المهمة جدا في تاريخ الادب الروسي في العراق بشكل عام , وتاريخ دراسة انتشاره في العراق , ودراسة موضوعة تشيخوف في العراق بالذات , ولكنني في الوقت الحاضر خارج العراق , وبالتالي لا استطيع متابعة هذه المسألة كما يجب , لهذا أودّ ان اتوجه هنا الى طلبتي سابقا , والذين يشغلون الان مواقع طليعية ضمن التدريسيين في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد ( دون ذكر الاسماء) , اتوجّه لكم يا اعزائي , ان تجدوا هذا الكتاب ( والذي يذكر د.عماد انه موجود في المكتبة الوطنية ببغداد), وان تحددوا عناوين القصتين ومستوى ترجمتها , وتقارنوها بالنص الروسي , وكل ما هو ضروري لدراستها . ان ظهور قصتين لتشيخوف في البصرة عام 1934 ( اي بعد ثلاثين سنة من وفاة تشيخوف ليس الا) – مسألة تثير الفخر للمثقفين العراقيين , ويمكن لهذا الموضوع ان يترجم الى اللغة الروسية , وان ينشر في روسيا , اذ لا توجد في المصادر الروسية عن الادب الروسي في العالم العربي اي اشارة الى ذلك.
هيا يا اعزائي في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد  للعمل من اجل  تحقيق هذه المهمة العلمية الجميلة والممتعة والتي يمكن ان نفتخر بها  في العراق , بل ويمكن حتى ان  ( نباهي !) بها الآخرين . هيا الى دراسة مساهمات المثقفين العراقيين الاوائل و تقييم ابداعاتهم .     

5
ابو بكر يوسف ...وداعا
أ.د. ضياء نافع
رحل في موسكو المترجم المصري الكبير الدكتور ابو بكر يوسف في الثالث من شهر آذار/ مارت من هذا العام2019 عن عمر 79 سنة , واكتب أنا  كلمات الوداع هذه من دولة الجبل الاسود ( مونتينيغرو) , التي وصلتها قبل ايام.
 اللقاء الاول معه حدث بيننا عام 1960 في كلية الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها) بجامعة موسكو, حيث كان ابو بكر في الصف الثاني وانا في الصف الاول (اي قبل 59 سنة) ( انظر مقالتنا بعنوان – ابو بكر يوسف والادب الروسي ) , واللقاء الاخير كان في سفارة العراق بموسكو عام 2014 ( اي قبل 5 سنوات) , عندما أقامت السفارة لي حفل تكريم لمناسبة منحي عضوية الشرف في اتحاد ادباء روسيا , اذ قلت للسفير عندها , انه من الواجب ان يشاركنا في هذا الحفل اول عربي حصل على عضوية الشرف في هذا الاتحاد العتيد , وهو المترجم الكبير وشيخ المترجمين المصريين عن اللغة الروسية الدكتور ابو بكر يوسف . اتصلت هاتفيا به ودعوته لذلك الحفل , فوافق بكل سرور , وعندما وصل الى السفارة العراقية اتصل بي وقال , كيف سيدخل الى السفارة وماذا سيقول لهم عند المدخل , فقلت له ساخرج من السفارة الان واقف عند بابها كي استقبلك بالاحضان, وهذا ما حدث فعلا , وقلت بيني وبين نفسي , ان ابو بكريوسف كان ولا يزال شيخ المترجمين عن الروسية وشيخ المتواضعين البسطاء الكبار, وهو طبعا تواضع العلماء , اذ ان السنابل المليئة ينحنين تواضعا والفارغات رؤوسهن شوامخ كما يقول الشاعر العربي , والذي ذهب بيت شعره هذا مثلا ....
و في كلمتي , التي ألقيتها شفهيّا جوابا على كلمة السفير في بداية الحفل ترحيبا بي ( والتي تحدّث فيها حولي باعتباري اول عراقي يحصل على عضوية الشرف في اتحاد ادباء روسيا) , أشرت , الى ان الضيف الحاضر بيننا الدكتور ابو بكر يوسف هو اول عربي حصل على عضوية الشرف هذه في تاريخ العلاقات العربية – الروسية الثقافية وذلك عام 2000 , وقدمت له شكري الجزيل وامتناني الخالص لانه  وافق على الحضور الى هذا الحفل , وقد أخبرني ابو بكر لاحقا في دردشتنا بعد الحفل, انه اراد ان يتكلم في ذلك الحفل بعد كلمتي ولكنه لم يستطع لكثرة الذين تحدثوا آنذاك , ولانه لا يقدر ان يتزاحم مع الآخرين في مثل هذه المواقف , وقد ضحكت انا وقلت له , انني اتفهم هذا الشئ بدقّة , وقال لي , انه يتابع مقالاتي حول الادب الروسي , وشكرني لاني كتبت عنه عدة مقالات , و توقف بالذات عند مقالة بعنوان – ابو بكر يوسف يكتب عن غائب طعمه فرمان , وكرر شكره على مقدمتي لما كتبه عن غائب , فقلت له , انه رسم في مقالته تلك ( وكانت بعنوان – قاهر الغربة ) صورة قلمية في غاية الجمال والدقة والموضوعية لغائب لم يستطع اي عراقي ان يرسمها له , وانني ( حفظت عن ظهر قلب !) جملة جاءت في تلك المقالة وهي  ان غائب يتصف ب ( حلاوة تمر العراق  وحزن نخيله) , وانني أشرت الى هذه الجملة الجميلة والفريدة والمدهشة في مقدمتي تلك , فضحك ابو بكر وقال , ان غائب انسان رائع وانه معجب جدا به انسانا ومبدعا , وانه يستحق أكثر من ذلك .
وداعا ايها المترجم الكبير الدكتور ابو بكر يوسف , وداعا يا من أقمت وبمفردك( كما أشار اوليغ بافيكين في تعزيته باسم اتحاد ادباء روسيا ) جسرا قويا بين الثقافة الروسية والعالم العربي باكمله , وقد أسماه بافيكين – المصري العظيم والانسان الرائع   

6
رفعت وزهاء وخالد وانا
أ.د. ضياء نافع
رفعت هو المعماري العراقي الكبير رفعت كامل الجادرجي , وزهاء ( التي اصبح اسمها زها بعد ان ترجمه المترجمون مرجّعا من الانكليزية الى العربية لعدم وجود الهمزة لدى الانكليز ولا عند غير الانكليز) هي المعمارية العالمية زهاء محمد حديد , وخالد هو الدكتور المعماري خالد السلطاني – نجم التنظير المعماري العراقي في السنوات العشرين الاخيرة و مؤرّخ العمارة العراقية, وانا (البعيد كل البعد عن المعماريين كافة , والقريب من بوشكين وغوغول وتولستوي ودستويفسكي وتشيخوف , و القريب كذلك من العراقيين الذين مرّوا بموسكو) هو انا الذي (انحشرت!) بين هذه الاسماء الشهيرة من المعماريين العراقيين الكبار بمحض الصدفة الغريبة ليس الا, واليكم قصة هذه القصة الطريفة.
استلمت مرة رسالة الكترونية من الدكتور خالد السلطاني , والذي تمتد صداقتي معه اكثر من نصف قرن من الزمان , فقد كنّا سوية طلبة في موسكو عام 1960 , واستمرت علاقات الصداقة في بغداد السبعينات والثمانينات والتسعينات , والتقينا في الاردن عندما اتخذ ابو الوليد قراره الشجاع والحاسم بالخروج من العراق في تلك الاوقات العصيبة , ولازلنا لحد الان نتابع بعضنا البعض عن بعد وعن قرب ايضا . الرسالة الالكترونية التي استلمتها من د. خالد  كانت تطلب منّي ان اكتب في حدود ثلاثين كلمة عن رفعت الجادرجي , كي يدخلها د. خالد في كتابه الذي كان يعدّه آنذاك بمناسبة الذكرى التسعين لولادة رفعت , وقد اختار د. خالد مجموعة من زملائه للكتابة عن رفعت خارج المعماريين , كي يضفي على الكتاب مسحة طريفة على ما يبدو , من اجل ان يكون هذا الكتاب مختلفا عن الكتب التقليدية الصارمة والمحددة عن المعماريين وفن العمارة . كانت الرسالة بالنسبة لي غريبة بعض الشئ , فهي بعيدة كل البعد عن العوالم التي اكتب فيها ,اذ ما الذي استطيع ان اكتبه عن هذا المعماري الكبير وانا غارق باجواء الادب الروسي وتاريخه ومسيرته وابطاله ورجالاته , او وانا المشغول بتسجيل تاريخ زملائي العراقيين الذين مرّوا بموسكو والذين لم يكتب أحد عنهم بتاتا رغم انهم صنعوا ولا يزالون يصنعون تاريخ العلاقات الانسانية بين الشعبين العراقي والروسي , وهي أهم عندي من العلاقات السياسية الرسمية , اذ اني ارى , ان هذه العلاقات بالذات هي التي تخلق التواصل بين الشعبين قبل كل شئ  , او وانا – اخيرا – ابحث عن قصائد ملائمة من الشعر العالمي المعاصر بالروسية كي اترجمها و اقدمها للقارئ  العربي , لأني اؤمن ان ترجمة الشعر تعني الصياغة الموسيقية العربية للنص المترجم بغض النظر عن كل العوامل والقواعد الصارمة للترجمة , التي يضعها ( النقاد اللؤماء!) حسب تعبير عبد الوهاب البياتي . رسالة د. خالد السلطاني حيرتّني , وبما اني لا أقدر ان أعتذر لهذا الصديق الحبيب , فقد تركت كل خططي وأعمالي حول الادب الروسي وتاريخ العراقيين في موسكو والشعر العالمي باللغة الروسية , وجلست – متوترا- لكتابة تلك الثلاثين كلمة , التي طلبها السلطاني منيّ , وبعد اللتي واللتيا , كتبت له تلك الكلمة, وارسلتها له بالبريد الالكتروني ايضا , وتنفست الصعداء كما يقول التعبير العربي . ومرّت الايام والشهور , ونسيت تلك الكلمة وانا في زحمة الحياة ومرارتها. ومرة , وبعد عدة سنوات , تحدثنا هاتفيا , فسألت د. خالد هل نشر تلك الكلمة , فأجابني انه – وفي زحمة الحياة ايضا- لا يتذكر , فقلت له , انها عزيزة عليّ , فهل تمانع من نشرها حتى ولو انك نشرتها في حينه , فقال انه سيكون سعيدا جدا بذلك , لأن الكتابة عن فن العمارة محصورة تقريبا بالمعماريين اساسا , وان نشرها سيوسّع دائرة الاهتمام بهذا الفن, وهكذا قررت نشر تلك السطور بغض النظر عن كونه نشرها ام لا في كتابه ذاك , وذلك من اجل ان يكون صديقي سعيدا ... 
ثلاثون كلمة حول رفعت الجادرجي
كامل الجادرجي ومحمد حديد من ابناء الحزب الوطني الديمقراطي
العتيد في المملكة العراقية الهاشمية, وقد تركا بصماتهما في مسيرة الاحداث السياسية آنذاك. أفل نجم الجادرجي بعد اعلان الجمهورية العراقية , لكن نجم حديد استمر بالتألق في مجالات المال والاقتصاد والسياسة في الجمهورية الاولى.
رفعت ابن كامل الجادرجي وزهاء ابنة محمد حديد تألقا في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين معا( مثل والديهما), ولكن في الشتات العراقي . كلاهما اصبحا معماريين , وكلاهما استقرا في لندن , وياللغرابة . الفرق بينهما , ان عمارة رفعت ترتبط بالعراق, وهي تتبغدد , أما عمارة زهاء , فانها لا ترتبط بالعراق , وهي تتلندن. الفرق شاسع طبعا بين بغداد ولندن في كل النواحي , ولندن هي لندن وبغداد هي بغداد, ولكن بغداد بالنسبة لنا , نحن ( البغادة) الى القلب أقرب, حيث نلوذ بها لوذ الحمائم بين الماء والطين, بينما في لندن لا توجد حمائم ولا ماء ولا طين.
هل اكتملت (الثلاثون كلمة) التي طلبتها ايها المبدع خالد السلطاني؟

7
الشاعر والوزير الروسي درجافين
أ.د. ضياء نافع
ولد غافريل درجافين عام 1743 وتوفي عام 1816 , اي انه ابن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر,  وترتبط باسمه في تاريخ الادب الروسي – قبل كل شئ -  قصائد ذات سمات ليريكية (عاطفية غنائية ان صحّت الترجمة )  تسمى باللغة الاغريقية القديمة - ( اودا ) ,  اي ان بلاد الاغريق ( اليونان) هي موطنها الاول , وأخذت لغات اخرى عديدة هذه التسمية  من تلك اللغة كما هي  , ومن بينها اللغة الروسية , وقد كانت المرحومة أ.د. حياة شرارة ترى ضرورة ادخال كلمة ( اودا) في مسيرة الترجمة العربية , اذ كانت تعتقد, ان ترجمتها بالعربية الى ( قصيدة عاطفية او عاطفية - غنائية) كما جاءت في بعض المصادر العربية - ترجمة غير ملائمة وغير موفقة بتاتا وغيردقيقة لهذا النتاج الابداعي المتميّز, وهي وجهة نظر تستحق التأمّل بلا شك ( اذ اننا نقول الان بالعربية وبشكل طبيعي جدا – تراجيديا او كوميديا مثلا رغم وجود كلمتي مأساة او ملهاة), وقد كنّا نؤيد بشكل عام  في قسم اللغة الروسية آنذاك رأي د. حياة هذا, وكنّا نقول , ان ترجمة   - ( قصيدة عاطفية) لتلك القصيدة لا يعكس فعلا المعنى المحدد لكلمة - ( الاودا ) كما هي بالروسية , ولكننا لم نصل – مع ذلك – الى قرار واضح وحاسم و نهائي حول ذلك , اذ تشير معاجم المصطلحات الادبية الروسية , الى ان الاودا هي قصيدة مديح او تمجيد لبطل او شخصية بارزة متميّزة او حدث تاريخي محدد , وانها  تمتلك عدة معاني في آن , منها معنى ( اغنية او انشودة ) , وكانت تصاحبها بعض الاحيان حتى موسيقى عند تقديمها لدى الاغريق والرومان , ولهذا تطلق بعض المصادر الروسية صفة ( الشعر الغنائي) على قصائد الاودا .
ظهرت قصائد الاودا في مسيرة الادب الروسي بالقرن الثامن عشر , وبالذات عند لامانوسوف ( حسب قواعد التلفظ الروسي, ولومونوسوف حسب الكتابة) , الذي ساهم بشكل ابداعي وطليعي في الكثير من مجالات الحياة الفكرية المتشعبة , بما فيها اللغة الروسية وآدابها ( انظر مقالتنا بعنوان – لومونوسوف واللغة الروسية وآدابها ) , ولكن هذا النوع من القصائد , اي ( الاودا) ارتبط  مع اسم درجافين بشكل دقيق وحاسم, وقد ابتدأ بكتابتها ونشرها منذ عام 1773 فصاعدا حيث ظهرت قصائده العديدة تلك تباعا , وهكذا اصبحت الاودا شائعة في الادب الروسي على يد درجافين لدرجة , انه كتب كلمات اول نشيد وطني للامبراطورية الروسية .
  كل المصادر الروسية التي تناولت القرن الثامن عشر أشارت , الى ان درجافين  عاش حياة غير اعتيادية ,  اذ انه ابتدأ عسكريا , ثم اخذ يشغل مناصب ادارية رفيعة , منها , انه كان محافظا لعدة مدن روسيّة مهمة , ثم اصبح سكرتيرا لمكتب القيصر , ثم وزيرا للخزانة , وكان آخر منصب له هو وزير العدل في الامبراطورية الروسية , وطوال هذه الفترة التي شغل فيها تلك المناصب الرفيعة, استمر درجافين بكتابة قصائد الاودا , والمساهمة في الحياة الثقافية الروسية , وكان بيته مكانا يلتقي فيه الادباء الروس , ويتحدثون عن الحياة الادبية في روسيا ونشاطاتهم ومساهماتهم الثقافية في مسيرتها , وكان هذا اللقاء يتم شهريا , وليس عبثا , ان هذا اللقاء الشهري في  بيت درجافين بالذات  قد تحوّل بعدئذ وبالتدريج الى  جمعية ثقافية تحمل تسمية طريفة وغير اعتيادية, وهي -  ( حديث محبّي الكلمة الروسية ) , والتي يمكن القول , ان درجافين كان واقعيا مؤسسها ورئيسها , وهي جمعية كانت تضم نخبة من المثقفين و الادباء الروس في ذلك الزمن البعيد , ولعبت دورا متميّزا في نشر الادب الروسي في المجتمع آنذاك .
من الوقائع المشهورة في تاريخ الادب الروسي , والمرتبطة بسيرة حياة درجافين , هي انه قد حضر عام 1815 ( اي قبل سنة واحدة من وفاته) حفل التخرّج , الذي أقامته الليتسيه ( المدرسة التي كان يدرس فيها بوشكين) , وقد ألقى بوشكين عندها ( كان عمره 16 سنة) احدى قصائده , وقد انتبه درجافين الى موهبة هذا الصبي اليافع وتوقع له مستقبلا لامعا في الشعر , وهذا بالضبط ما حدث في مسيرة الادب الروسي كما هو معروف , وكان بوشكين يفخر بتلك الحادثة , وكتب لاحقا في روايته الشعرية الشهيرة ( يفغيني اونيغين) مقطعا طريفا حول هذه الحادثة , ولازالت كلمات بوشكين معروفة لدى الروس عن درجافين , اذ انها تعبّر فعلا عن روحية بوشكين وخصائص شعره الجميل و البسيط والواضح والمرح والمحدد والدقيق , والترجمة الحرفية لهذ المقطع في رواية ( يفغيني اونيغين ) هي كما يأتي–
العجوز درجافين لاحظنا,
و ذاهب هو الى القبر
باركنا ..
وقد كتب أحد القراء الروس , مرة  , تعليقا طريفا حول هذا المقطع   الذي كتبه بوشكين في روايته , و قال فيه , ان درجافين توقع بشكل صحيح مستقبل بوشكين عندما رآه لاول مرة, وان بوشكين توقع ايضا بشكل صحيح مستقبل درجافين عندما رآه لاول مرة...

8
أدب / الاغاني
« في: 20:52 26/02/2019  »
الاغاني
قصيدتان للشاعر الامريكي لانكستون هيوز
---------------------------------------------------------------
ترجمها عن الروسية – ا.د. ضياء نافع

الاغاني
=====
في العتمة
اغنّي لها
الاغاني,
تقول لي-
لا افهم كلمات
 هذي الاغاني,
أقول لها-
لا توجد كلمات
في تلك الاغاني.
========================================================================
السنة الجديدة
=========
تتطاير السنوات
مثل الاوراق الجافة
من شجرة الخلود
شبه العارية.
هل تمتلك اهمية ما
عندما
تسقط ورقة اخرى منها؟
========================================================================
لانكستون هيوز ( 1902-1967) – شاعر وقاص وروائي ومترجم وباحث في فن الزنوج وتاريخهم , ويعدّ من ابرز الادباء السود في الولايات المتحدة الامريكية.

9
الى الشاعر الذي أجاب عندما قالوا له بضرورة ان يتعلّم , ان هوميروسنا سليمان ستالسكي كان اميّا ايضا
===================================

قصيدة للشاعر الداغستاني الكبير رسول حمزاتوف
============================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=====================

لا تلحّ بالامثلة ..
فليس كل العميان
هوميروس..ون,
وليس كل الطرشان
بيتهوفن ..ون ,
وليس كل العرجان
حجي مراد..ون ,
وليس كل الطيور
من ذوي الريش
نسور...

10
دستويفسكي و بوشكين
أ.د. ضياء نافع
آخر عمل ابداعي  قام به دستويفسكي في حياته هو القاء خطابه عن بوشكين , عندما شارك في حفل تدشين تمثال بوشكين  بموسكو في حزيران / يونيو 1880 ( انظر مقالتنا بعنوان – حول خطاب دستويفسكي عن بوشكين) , ولهذا يسمّي نقاد الادب هذا الخطاب ب (وصيّة) دستويفسكي قبل رحيله الابدي , اذ حدد دستويفسكي في ذلك الخطاب كل مفاهيمه عن الادب ودوره في المجتمع, وعن قيمة بوشكين واهميته لروسيا وشعبها وتاريخ ادبها من وجهة نظره, وليس من باب الصدفة ابدا , ان هتف بعض الشباب الذين كانوا يحيطون به في تلك الاحتفالية ويستمعون اليه وهو يلقي خطابه ذاك قائلين – ( ان دستويفسكي نبيّ ! ) , وهو التعبير المتحمس والمتطرف عند الشباب في الكثير من بقاع العالم .
 الا ان الوقائع في حياة دستويفسكي لا تشير الى انه كان يستشهد بنتاجات بوشكين او افكاره ومكانته اثناء مسيرته الابداعية او رسائله الى الآخرين , كما نرى ذلك بوضوح وصراحة عند بعض الادباء الروس الكبار مثل غوغول او تورغينيف  او تولستوي ...الخ , رغم ان دستويفسكي قد تقبّل خبر مقتل بوشكين في مبارزته الشهيرة برعب وحزن شديدين , وكان عمره آنذاك  16 سنة ليس الا, وتشير بعض المصادر الروسية , الى انه اراد حتى ان يعلن الحداد مع اخوته نتيجة هذا الحدث التراجيدي بالنسبة لهم , وعندما  انتقلت عائلة دستويفسكي بعد فترة قصيرة من موسكو الى بطرسبورغ للعيش هناك, فانه  كان يتحدث و يرغب فعلا بزيارة تلك الغرفة , التي فارق فيها بوشكين الحياة في تلك المدينة .
 ومع ذلك كله , فان موضوعة (  دستويفسكي و بوشكين ) لازالت تعدّ ولحد الان واحدة من الموضوعات المثيرة والمهمة امام الباحثين في مجال تاريخ الادب الروسي من الروس ومن غير الروس ايضا , اذ لم يسبق لأحد قبل دستويفسكي ان ( اكتشف!) مكانة بوشكين وقيمته واهميته في تاريخ الادب الروسي , ولم تتكرر ظاهرة ( الاكتشاف) هذه بعد دستويفسكي ايضا في مسيرة الادب الروسي , وفي هذه النقطة بالذات تكمن اهمية هذه الموضوعة وطرافتها , اذ نجح دستويفسكي بتقريب بوشكين ( ان صحّ هذا التعبير) نحو الاتجاهات الفكرية , التي يؤمن بها دستويفسكي نفسه , بما فيها حتى محاولة اثبات ان بوشكين أقرب للنزعة السلافية من النزعة الغربية , حيث كان الصراع وطيسا في الفكر الروسي آنذاك بين النزعتين ( وكان دستويفسكي طبعا الى جانب النزعة السلافية ) . ومن الطريف ان نذكر هنا ما قاله غوركي مرة حول دستويفسكي وبوشكين , اذ أشار غوركي , الى ان دستويفسكي يجسّد ( العبقرية الروسية المريضة ) أما بوشكين فانه ( عبقريتنا السليمة ) , وكلمات غوركي تلخّص  – بدقّة واضحة جدا - كل الموقف الفكري السوفيتي تجاه موضوعة (دستويفسكي و بوشكين) , وهو الموقف الذي استمر طوال كل الفترة السوفيتية كما هو معروف. هذا , وقد كتب أحد المعلقين حول قول غوركي ما يأتي – نعم , دستويفسكي عبقرية روسيّة مريضة , ولكنه كان يحب بوشكين بصدق واخلاص , لهذا استطاع ان يثبت ما اكتشفه في نتاجات بوشكين بانه مفكّر روسي أصيل وكبير , وانه يجسّد الفكرة الروسية والنموذج الاخلاقي للشعب الروسي كما حددت تلك ( العبقرية الروسية المريضة ). 
 ان افكار دستويفسكي حول بوشكين ( والتي جاءت في خطابه المذكور ) هي الخلاصة النهائية لكل تأملاته حول الادب الروسي والشعب الروسي والفلسفة التي يجب – من وجهة نظره – ان تنطلق و تسود في الحياة الفكرية الروسية ( وحقق دستويفسكي كل ذلك ارتباطا ببوشكين واستنادا اليه ) , وعلى الرغم من انه انطلق من بعض الافكار التي جاءت عن بوشكين عند بعض الادباء و النقاد الروس قبله مثل بيلينسكي وغوغول ( خصوصا عند غوغول , الذي يستشهد في بداية خطابه بكلماته عن بوشكين وكما يأتي – بوشكين هو ظاهرة استثنائية , ومن الممكن ايضا الوحيدة للروح الروسية , واضيف أنا من عندي - تنبؤية  ) , الا ان دستويفسكي استطاع في خطابه ذاك بلورة افكار جديدة ومتكاملة عن بوشكين , وان يقول كلمة جديدة بكل معنى الكلمة لم يسبقه أحد في اعلانها , ولهذا يشير الباحثون الى ان دستويفسكي ( اكتشف ) بوشكين , وقد أشار الاديب  الروسي أكساكوف بعد ان أنهى دستويفسكي كلمته تلك الى ذلك قائلا , ان هذه الكلمة قد حددت – وبحسم – المكانة الحقيقية لبوشكين في التاريخ الروسي  .
  ختاما اريد ان اتوقف هنا – وبايجاز - عند موقف شخصي طريف حدث معي مرة حول علاقة دستويفسكي وبوشكين , وذلك في الايام الاولى بعد وصولي الى جامعة باريس لاكمال دراستي العليا هناك في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي , اذ كنت واقفا في ممر القسم الروسي مع مجموعة من الطلبة الفرنسيين , وكانت هناك مدرّسة سوفيتية تقف معهم ايضا , وقد سألها أحد الطلبة السؤال الآتي – من هو الكاتب الروسي الذي كتب رواية بالرسائل ؟ فقالت انها لا تعرف , وان ذلك يقتضي البحث في المصادر الروسية , ثم توجهت اليّ قائلة – هل يمكن لك ان تساهم معنا في الحديث هذا , فقلت لها مبتسما – عندما كنّا ندرس في روسيا , فاننا كنّا نوصي بعضنا ان نجيب عن اي سؤال لا نعرف الاجابة عنه بدقة , انه على الاغلب بوشكين , ولكني اود هنا ان اقول بدقة , ان دستويفسكي قد كتب رواية بالرسائل , وهي روايته القصيرة (المساكين) , ولكن هناك في مسودات بوشكين توجد ورقة تحمل  عنوان  - رواية في رسائل , اي ان بوشكين فعلا خطط لذلك , ولكنه لم يحقق خطته . فسألني الطالب الفرنسي – وهل كان دستويفسكي يعرف بذلك ولهذا كتب روايته تلك ؟ فقلت له مبتسما – استخدم نفس جملة المدرّسة السوفيتية – لا اعرف , وان ذلك يقتضي البحث في المصادر الروسية .

11
ثلاثة كتب عن تشيخوف في سلسلة واحدة
أ.د. ضياء نافع
الكتاب الاول عن تشيخوف في تلك السلسلة من الكتب الروسية صدر العام 1946 , وهو من تأليف يرميلوف , والكتاب الثاني عن تشيخوف في نفس تلك السلسلة صدر العام 1974 , وهو من تاليف بيردنيكوف , والكتاب الثالث عنه ( و ايضا ضمن نفس تلك السلسلة ) صدر العام 2010 , وهو من تأليف كوزيتشيفا .
الترجمة الحرفية لتسمية هذه السلسلة هي – ( حياة الناس الرائعين // البارزين // المشهورين ) , والترجمة العربية الملائمة والمناسبة لهذه السلسلة هي – ( سيرة حياة الأعلام // العظماء ). تصدر هذه السلسلة من الكتب الروسية واقعيا منذ القرن التاسع عشر , رغم انها لم تكن طبعا بمثل هذه الصورة المتكاملة والشاملة , الا انها توقفت بعد ثورة اكتوبر1917 , ثم عادت الى الصدور بمبادرة من مكسيم غوركي في الثلاثينات بالاتحاد السوفيتي( ولازالت هذه الكتب تصدر وعلى صفحتها الاولى جملة – اسسها غوركي عام 1933) , واستمرت بالصدور منذ ذلك الحين و الى حد الان , وصدر منها مئات الكتب المتنوعة حول عظماء روسيا والعالم , وهي كتب تقع في مئات الصفحات وذات أغلفة فخمة وجميلة ومتميّزة , وفي كل كتاب نجد عشرات الصور النادرة والوثائقية لتلك الشخصية , وباختصار, فان تلك الكتب تحولت الى مصادر اساسية في المكتبة الروسية حول تلك الشخصيات , وقد وصلت نسخ طباعة بعض اعدادها من (100000) الى (150000) نسخة وحتى أكثر.
موضوعنا هنا هو الكتب الى صدرت عن تشيخوف ضمن هذه السلسلة , وعلى الرغم من ان هذه السلسة تتناول سيرة حياة شخص معين , اي تسجّل وقائع محددة ومعروفة , الا انها – مع ذلك - تختلف باختلاف المؤلف والمرحلة  التي كانت تمر فيها روسيا , وهكذا نجد الكتاب الصادر عام 1946 عن تشيخوف بقلم يرميلوف يحمل خصائص تلك المرحلة السوفيتية, وليس عبثا , ان هذا الكتاب حاز على جائزة ستالين من المرتبة الثانية . يقع هذا الكتاب في 430 صفحة من القطع المتوسط , وقد تم ترجمته الى عدة لغات , منها لغتنا العربية . يصور يرميلوف في كتابه هذا حسب مفهوم سوفيتي بحت سيرة حياة تشيخوف , والتي كانت تعيسة , وكيف انه ( اي تشيخوف) كان يبشّر بالمستقل الوضّاء , وهكذا نرى عناوين الفصول في كتابه ترسم تلك الصورة – اذ تبتدأ بفصل عنوانه ( في طفولتي لم تكن عندي طفولة ) , ثم نجد بعد ذلك ( نحن نعيش قبيل الاحداث العظيمة ) , ثم نرى بعد عدة فصول فصلا بعنوان - ( لا يمكن العيش أكثر هكذا ) , ثم يأتي بعدئذ فصل - ( السعادة – في المستقبل ) , ثم في الختام تقريبا - ( مرحبا ايتها الحياة الجديدة ). وكل عناوين هذه الفصول مأخوذة فعلا من رسائل تشيخوف او من كلمات بعض ابطاله في قصصه الكثيرة او مسرحياته , وهي منتقاة بدقة ومهارة من نتاجاته ورسائله, وتؤدي بالقارئ الى استنتاج محدد مفاده , ان تشيخوف كان مبشّرا للنظام الذي حلّ في بلده لاحقا , وهو النظام السوفيتي , حيث ابتدأت ( الحياة الجديدة !) , التي يقول فيها أحد ابطال تشيخوف – ( مرحبا ايتها الحياة الجديدة ) كما مرّ ذكره أعلاه. مؤلف الكتاب فلاديمير يرميلوف ( 1904 – 1965 ) كانوا يسمونه ( الناقد الحزبي ) , وكانت كتاباته كلها تؤكد على خط الحزب الشيوعي السوفيتي ونظرته الى الادب , وكان في تلك الفترة مشهورا واسما كبيرا في حركة النقد الادبي السوفيتي , الا ان مؤلفاته فقدت الان اهميتها و قيمتها , اذ اصبح مفهوم ( الحزبية في الادب ) في خبر كان كما يقول التعبير العربي الطريف .
الكتاب الثاني عن تشيخوف صدر عام 1974 , وهو من تأليف بيردنيكوف ( 1915 – 1996), الباحث السوفيتي المعروف , ومؤلف العديد من الكتب النقدية حول تشيخوف وتولستوي وغيرهم من كبار الادباء الروس , وهو بروفيسور في جامعة لينينغراد ( بطرسبورغ حاليا). كتاب بيردنيكوف ذو طابع اكاديمي صرف , وقد وضعه الباحث في قسمين , وكل قسم يحتوي على عشرة فصول . تتوزع فصول القسم الاول بين مدينة تشيخوف تاغنروغ ودراسته فيها , ثم انتقاله الى جامعة موسكو وعمله في الطب والصحافة و كتابة القصص القصيرة و الكثيرة وتأثره بتولستوي وينتهي القسم بالبحث عن افكاره , اما القسم الثاني فيبدأ برحلته المهمة الى سخالين , والتوقف عند جملة جاءت في احدى رسائله تقول , ان الانسان بحاجة ولو الى (قطعة) من الحياة الاجتماعية والسياسية , ويتوقف الباحث في هذا القسم عند الحب لدى تشيخوف ( يوجد فصل خاص بحبيبته ليكا ميزينوفا – وهي كاتبة ناشئة , وهناك قصة حب رومانسية بينهما ) , وعن حياة تشيخوف بعيدا عن موسكو وعن (السعادة الصعبة ) عنده . لازال كتاب بيردنيكوف مهما في مسيرة الدراسات عن تشيخوف في روسيا .
الكتاب الثالث عن تشيخوف صدر عام 2010 , ويقع في 847 صفحة من القطع المتوسط , وقد أصدرته سلسلة الكتب المشار اليها بمناسبة الذكرى (150) سنة لميلاد تشيخوف . مؤلفة الكتاب كوزيتشيفا ( ولدت عام 1941)  من أشهر المتخصصين في أدب تشيخوف بروسيا في الوقت الحاضر, ولديها عدة كتب عنه , منها كتاب مهم بعنوان – تشيخوف في النقد المسرحي الروسي , ويعدّ كتابها عن حياة تشيخوف ضمن هذه السلسلة واحدا من الاصدارات الرئيسة لدراسة حياة تشيخوف وابداعه , وقد اعيد طبعه عام 2012 , ويتميّز بنظرة تفصيلية و شاملة ومتكاملة وموضوعية بكل معنى هذه الكلمات .
ثلاثة كتب عن سيرة حياة تشيخوف صدرت في روسيا, ولكن كل كتاب منها يحمل خصائص تلك المرحلة , التي صدر فيها .


12
تماثيل بونين في روسيا
أ.د. ضياء نافع
بونين – هو آخر العنقود ضمن الاسماء العالمية الشهيرة  في تاريخ الادب الروسي , العنقود الذي ابتدأ بالشاعر بوشكين في القرن التاسع عشر.  ولد بونين عام 1870 في روسيا وتوفي عام 1952 في فرنسا , حيث كان لاجئا ( بعد ثورة اكتوبر1917 التي رفضها) و تم دفنه هناك . لقد عاش بونين في وطنه (50) سنة , واصبح اسما لامعا في مسيرة الادب الروسي , وعاش في فرنسا لاجئا( 32) سنة , و كان يعدّ هناك ابرز اديب روسي خارج روسيا , وحاز على جائزة نوبل للآداب عام 1932 ( وهو اول أديب روسي يحصل على هذه الجائزة ). لقد كان بونين طبعا من الادباء الروس المغضوب عليهم في الاتحاد السوفيتي , خصوصا في الفترة الستالينية , ولكن حذف اسمه في مسيرة الادب الروسي او عدم الاعتراف به  لم تكن مسألة يسيرة , وهكذا عاد بونين جزئيا ( ان صحّ هذا التعبير) الى القارئ الروسي داخل روسيا السوفيتية آنذاك في الفترة التي استقرّت تسميتها بمرحلة ( ذوبان الجليد) بعد وفاة ستالين , لكن دون الاشارة طبعا الى جائزة نوبل او مواقفه الفكرية الواضحة والصريحة بالنسبة لثورة اكتوبر, بل تم ( الافراج !) عن بعض مؤلفاته قبل ثورة اكتوبر بالاساس , وقد شاهدت بام عيني ردود فعل القراء الروس وهم يتزاحمون ويقفون في الطابور بمخازن بيع الكتب السوفيتية من اجل الحصول على نسخة من كتب بونين , التي أعادت دور النشر السوفيتية طباعتها وتوزيعها عندئذ في تلك الفترة , وقد ازدادت عودة بونين الى القراء الروس بالتدريج و بمرور الوقت , اذ ان بونين هو كاتب عملاق متعدد المواهب , فهو شاعر وقاص وروائي وكاتب مقالة من الطراز الفريد والمتميز بكل معنى هذه الكلمات , وليس عبثا , ان الباحثين العرب , الذين كتبوا عن الموضوعة العربية في الادب الروسي قد توقفوا طويلا وتفصيلا عند بونين ( وخصوصا البا حثة المصرية الكبيرة أ.د. مكارم الغمري) .
الا ان هذه العودة لم تكتمل كما يجب الا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي العام 1991 , اذ ابتدأ الكلام العلني والصريح في روسيا الاتحادية رأسا عن بونين باعتباره اديبا كبيرا , وباعتباره اول كاتب روسي حائز على جائزة نوبل , وهكذا تأسست جمعية من محبيه للحفاظ على تراثه في روسيا , و تم نشر أعماله الابداعية كافة ( بما فيها التي كتبها في فرنسا) , وهكذا ايضا ظهرت عام 1995 ( اي بعد اربع سنوات فقط من انهيار الدولة السوفيتية , وفي الذكرى 125 على ميلاده ) عدة تماثيل له رأسا في روسيا , وبالذات في الاماكن الذي كان بونين يرتبط بها , وهي ظاهرة فريدة في التاريخ الروسي , اذ لم يسبق لاي كاتب في روسيا ان اقيمت له عدة تماثيل في آن واحد , وهذا يبين طبعا حب القراء الروس وتقديرهم العالي لهذا الاديب ورغبتهم المخلصة ( بل تعطشهم الحقيقي) لعكس هذا الاهتمام به في تلك الذكرى .
 نتوقف فليلا عند تمثال ضخم له في مدينة فارونش , وهي المحافظة التي ولد فيها . . يجلس بونين في ذلك التمثال على جذع شجرة وهو بكامل اناقته ( ويرتدي حتى  وردة بدل رباط العنق ) ويوجد كتاب مفتوح جنبه على ذلك الجذع, وينظر بونين بتأمل وقلق الى بعيد , وهناك كلب ضخم عند قدميه . لقد اراد النحات ان يجسّد بونين الارستقراطي وقد قرر ان يترك وطنه , ولهذا جعله في أبهى ثيابه اولا لانه واحد من الارستقراطيين الروس , ولكنه كان غارقا في القلق وهو ينظر الى الافق البعيد ,  لانه كان مضطرّا ان يترك وطنه نتيجة تلك الاحداث المحيطة بوطنه , اما الكلب الوفي الذي كان عند رجليه , فانه كان يرمز الى تلك الحياة المتفرّدة التي ستبقى تتذكره,  رغم انه سيتركها  على الارض  التي سيغادرها . التمثال هذا يقع في متنزه كبير ورائع قرب جامعة فارونش , وقرب المكتبة المركزية للمدينة . لقد زرت انا شخصيا هذا التمثال عدة مرات , وأذكر اني كنت اقف مرة عنده متأملا , واقترب مني أحد سكان تلك المدينة , وقال لي انه لاحظ اهتمامي بالتمثال , وفهم باني اجنبي , وبدأ يتحدث عن الفخر والاعتزاز بهذا التمثال باعتباره ( ابن مدينته فارونش ) , وبانه ( اول كاتب روسي يحصل على نوبل ) , ولم اخبره طبعا باني اعرف  كل ذلك , ولكني سألته – ( لماذا يوجد عند قدميه كلب ؟) , فقال – ( ان بونين  كان يحب الصيد دائما , وان النحات صوّره وهو يتهيأ لرحلة الصيد ) , فقلت له مبتسما – ( وهل يذهب االانسان الى الصيد وهو يرتدي احلى الملابس والوردة حول عنقه ؟ ) , فانزعج من سؤالي وتركني , وقد رويت هذه الحادثة الطريفة بعدئذ لاصدقائي الروس , وضحكنا طويلا ...                     
 و في نفس ذلك العام ايضا ( 1995) تم تدشين تمثالين لبونين في مدينة صغيرة هي - يليتس , وتقع قرب فارونش (و تابعة لها). لقد ولد بونين في هذه المدينة الصغيرة وكان تلميذا في مدرستها , ولهذا تم افتتاح تمثالين له , الاول فريد من نوعه لبونين التلميذ , وهو يجلس وترك الزي المدرسي جنبه, والتمثال الثاني وهو يجلس على مصطبة ويضع ساقا على ساق  ويرتدي قبعته وهو في حالة تأمّل . وفي نفس العام ايضا تم افتتاح تمثال لبونين في مدينة اريول , وهو تمثال ضخم جدا ويقف بونين بقامته على منصة عالية جدا , ويعدّ واحدا من اضخم تماثيله في روسيا .
ولم تتوقف حملة اقامة التماثيل لبونين في روسيا , اذ تم افتتاح تمثال له في العاصمة الروسية موسكو عام 2007 , وفي مدينة يفريموف عام 2010 , وفي مدينة نوفغورد عام 2011 , ولا يمكن التوقف تفصيلا عند كل هذه التماثيل , اذ ان كل واحد منها هو تحفة فنية بكل معنى الكلمة .
لقد قال لي أحد الباحثين الروس مرة , ان روسيا تريد ان تعتذر من بونين , ولهذا أقامت له كل هذه التماثيل الكثيرة و المتنوعة  , فقلت له ما أجمل هذا الاعتذار وما أروعه .

13
أدب / الوقت
« في: 19:38 03/02/2019  »
الوقت
=====

قصيدة للشاعرة الصربية لوبيتسا ميليتيج
=======================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
======================

أتعرف أنت
كم هو الوقت ؟
وبشكل عام
أتعرف أصلا أنت
ما هو الوقت ؟
وهل تعرف أنت
كم هو الوقت
الذي
تحتاجه الاشجار,
كي تنمو
وتمنحنا الثمار
بهدوء وسلام
 ليل نهار؟
ولدت لوبيتسا ميليتيج في بلغراد عام 1948 / شاعرة وكاتبة مقالة / خريجة كلية الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها) في جامعة بلغراد .

14
الجمعية الامبراطورية الارثذوكسية الفلسطينية – الروسية
أ.د. ضياء نافع
تأسست الجمعية الامبراطورية الارثذوكسية الفلسطينية ( هكذا كان اسمها الرسمي) في الامبراطورية الروسية العام 1882 , و تقدّم هذه الجمعية نفسها على انها منظمة دينية و علمية وانسانية هدفها مساندة وتوسيع وتسهيل حج الارثذوكس الروس الى الاراضي المسيحية المقدسة في فلسطين , وكذلك التعاون مع شعوب الشرق الاوسط في مجالات الاستشراق وتوطيد العلاقات الثقافية والانسانية معها . واستمرت هذه الجمعية  بالعمل النشيط والمتشعب جدا في فلسطين وسوريا ولبنان وافتتحت الكثير من المدارس الاهلية الارثذوكسية ( والتي كان التدريس فيها يجري باللغة الروسية) الى العام 1917 , اذ توقفت عن العمل بعد  ثورة اكتوبر 1917 في روسيا , وتأسيس دولة الاتحاد السوفيتي وما أعقبها من أحداث هائلة وتغيّرات جذرية في المجتمع الروسي والعالم , وهي احداث معروفة للجميع , وهكذا تحولت الجمعية بعد ثورة اكتوبر1917 الى ( جمعية فلسطينية روسية داخل اكاديمية العلوم السوفيتية ) ليس الا, ولم تستطع واقعيا القيام بدورها السابق طبعا . لكن بعد انهيار دولة الاتحاد السوفيتي عام 1991 , أعادت هذه الجمعية كيانها من جديد  , واستعادت اسمها التاريخي الرسمي (  الامبراطوري !) العتيد كما كان قبل ثورة اكتوبر1917 بالضبط,
  و عادت الى الحياة  في دولة روسيا الاتحادية , وبدأت بنشاطها مرة اخرى بعد توقف دام حوالي مئة عام تقريبا , ونحاول في هذه المقالة التوقف عند هذه الجمعية ( القديمة – الجديدة !) والاطلاع على نشاطاتها, وتسليط الضوء ( كما يقول التعبير الشائع) على ما تقوم به هذه الجمعية من أعمال في منطقتنا في الوقت الحاضر , بعد عودتها الى العمل من جديد.
الجمعية كانت تؤدي نفس الادوار التي كانت تؤديها البعثات التبشيرية العديدة في الشرق الاوسط بشكل عام , والتي تعرفها شعوبنا منذ نهاية القرن التاسع عشر, والتي كانت مرتبطة بدول مثل انكلترا وفرنسا والمانيا والولايات المتحدة الامريكية وغيرها , وجاءت روسيا متأخرة عن تلك الدول , وهكذا بدأت بذلك النشاط منذ 1882 فصاعدا , وهي سنة تأسيس الجمعية المذكورة .
 لقد لعبت كل هذه البعثات التبشيرية دورا كبيرا في توسيع المجالات الثقافية في العالم العربي بلا شك , ولكنها لم تكن بعثات تبشيرية بحتة , وانما كانت تساهم ( ولو بشكل غير مباشر ) في التخطيط  العام لبلدانها في عملية التوغل والتوسع في العالم العربي , وربما يمكن القول , ان طبيعة الاوضاع العامة منذ نهاية القرن التاسع عشر صعودا كان يسمح لهذه البعثات التبشيرية بالعمل في العالم العربي آنذاك , حيث كانت بلداننا في وضع سئ جدا( ضمن اطار الامبراطورية العثمانية ), الا ان الاوضاع قد تغيّرت بشكل جذري , خصوصا منذ النصف الثاني من القرن العشرين صعودا , وان التطور العلمي الهائل , الذي حدث في الوقت الحاضر خصوصا , قد خلق ظروفا جديدة ومختلفة كليّا و جذريا , بحيث انتفت الحاجة  للعودة الى احياء دور مثل هذه الجمعيات التبشيرية, ونضرب على ذلك مثلا واحدا فقط , وهي قضية  الحج  و زيارة الاماكن المسيحية المقدسة في القدس, اذ يستطيع الان كل مواطن يحمل جواز السفر الروسي ان يسافر الى هناك متى يشاء ودون الحصول على تأشيرة الدخول والخروج ( الفيزا) وذلك تنفيذا للاتفاقية بين روسيا الاتحادية و اسرائيل , علما ان عدد اليهود الروس الذين هاجروا الى اسرائيل منذ سبعينات القرن العشرين ( من الاتحاد السوفيتي آنذاك ) ولحد الان  يبلغ حسب الارقام الرسمية سدس عدد السكان في اسرائيل ( اكثر من مليون وربع ) , وان اللغة الروسية اصبحت اللغة الثالثة هناك , وتوجد الان عشرات الصحف والمجلات ودور النشر والمسارح باللغة الروسية , وهناك عشرات الشركات السياحية بين البلدين , والتي ترتبط بها وسائل النقل المتطورة من طائرات ووكالات خدمية للسياح والدعاية...الخ , بل هناك حتى مستشفيات خاصة لعلاج المرضى الروس , اي ان اهداف الجمعية , والتي تأسست من اجل تحقيقها قد اصبحت حقيقة ماثلة للعيان على الارض فعلا , فما هو اذن دور الجمعية الان؟ علما انه توجد الان في روسيا الاتحادية مؤسسة رسمية غنية وضخمة اسمها ( العالم الروسي) , وهي مسؤولة عن موضوع نشر اللغة الروسية في العالم , وقد اسست هذه المنظمة عشرات المراكز الخاصة بتعليم اللغة الروسية , بما فيها في عواصم بعض الدول العربية , وبالتالي , فان مهمة نشر اللغة الروسية , التي كانت تمارسها هذه الجمعية في الماضي لم تعد ايضا مطروحة في عصرنا .
عالمنا العربي لا يحتاج الى الخطاب الديني من قبل جمعيات تبشيرية اجنبية , سواء كانت انكليزية او فرنسية او روسية او مرتبطة باي دولة اوربية او امريكية , اذ ان الشعار الذي رفعه الليبراليون العرب  منذ فترة طويلة , وهو – (الدين لله والوطن للجميع) , هذا الشعار لازال لحد الان صحيحا وضروريا , رغم كل المحاولات البائسة هنا وهناك لتشويهه او لتقليل اهميته, ويمكن ( بل ويجب) ان يحل (بدل ذلك الخطاب الذي تقترحه تلك الجمعيات التبشيرية) - الحوار المتكافئ بين تلك البلدان وعالمنا العربي , والتقدم العلمي الحالي يمكن ان يكفل هذه العملية الحضارية ...     

15
المنبر الحر / بوشكين و غوغول
« في: 19:06 29/01/2019  »
بوشكين و غوغول
أ.د. ضياء نافع
بوشكين بالنسبة لغوغول مثل الاستاذ بالنسبة لطالبه , رغم ان الفرق في الاعمار بينهما ليس كبيرا نسبيا, فقد ولد بوشكين عام 1799 بينما ولد غوغول عام 1809 . لقد كان غوغول ( يلتهم! ان صحّ هذا التعبير) كل ما يصدر عن بوشكين من نتاجات , وكان يعتبره المثل والنموذج الاعلى , وعندما وصل غوغول من اوكراينا الى بطرسبورغ , وكان ذلك عام 1829, استفسر رأسا عن عنوان شقة بوشكين و توجه الى هناك دون اي موعد مسبق  , وطرق الباب ( بعد تردد كبير ) , وسأل عن بوشكين , الا ان الخادم الذي فتح له الباب  قال له , ان بوشكين لازال نائما , فسأله غوغول ( انطلاقا من الصورة الفنية الخاصة جدا التي رسمها غوغول لبوشكين في اعماق روحه وكيانه ) - لأنه كان طوال الليل يكتب القصائد ؟ فأجابه الخادم – لا , لقد كانوا طوال الليل يلعبون الورق , وقد اصيب غوغول بصدمة من جواب الخادم هذا , لانه كان يتصور بوشكين محاطا دائما باجواء الالهام والابداع الادبي البحت.
اللقاء الاول بين غوغول و بوشكين في بطرسبورغ تم  فقط في صيف عام 1831 , وذلك في بيت  الشاعر والناقد الادبي بليتنيف , وكان غوغول قد أصدر كتابه المتميّز الشهير- ( امسيات عند قرية ديكانكا ) , الذي اطلع عليه بوشكين طبعا وكتب عنه تقريظا ممتازا واعتبره كتابا مرحا مدهشا , بل ان بوشكين وجد فيه حتى ( مقاطع شعرية ) , وقد ساعد هذا التقريظ طبعا على التعارف آنذاك و من ثم التقارب بينهما  .
 لقد ساند بوشكين - و بقوة وحماس –  غوغول , وحاول وبكل طاقته على ان يشغل غوغول مكانة متميّزة في الاوساط الادبية والثقافية , وفتح له مجال النشر في مجلته ( المعاصر ), ونشر غوغول فيها فعلا عدة نتاجات من ابداعه , مثل قصته الطويلة المشهورة ( الانف ) , و ( العربة ) وغيرها , ونشر هناك ايضا مقالته النقدية بعنوان ( عن حركة ادب المجلات في 1834 و 1835),  والتي تعدّ لحد الان واحدة من المقالات النقدية المهمة في تراث غوغول . ومن المعروف , ان بوشكين هو الذي أعطى لغوغول فكرة مسرحيته الشهيرة ( المفتش العام) , وكذلك أعطاه فكرة روايته ( الارواح الميتة ), وهما طبعا النتاجان الاساسيان والرئيسان في مسيرة غوغول الابداعية, وقد كتب غوغول نفسه عن ذلك بكل صراحة ودقة , وحاول بوشكين ايضا ان يجد مكانا لغوغول للعمل في التدريس بجامعة بطرسبورغ ( في قسم التاريخ ) , ومن المعروف , ان غوغول ألقى محاضرة (حضرها بوشكين وبعض الشخصيات الفكرية  الروسية الاخرى ومن بينهم الشاعر والمترجم الكبير جوكوفسكي ) في جامعة بطرسبورغ بعنوان ( المأمون ) عن الخليفة العباسي ( لا زالت لحد الان صورة غوغول معلقة في جامعة بطرسبورغ ضمن صور الاساتذة فيها , وقد شاهدتها انا شخصيا  عندما زرت تلك الجامعة عام 2006 مع  رئيس جامعة بغداد آنذاك أ.د.موسى  الموسوي ). 
  و محاضرة غوغول عن المأمون معروفة ومنشورة ضمن كتبه و مؤلفاته الكاملة ومترجمة الى العديد من اللغات, وقد ترجمها الزميل كامران قره داغي الى العربية في بغداد بالسبعينات بشكل رائع ونشرها آنذاك, و تناولها الكثير من الباحثين العرب في بحوثهم وترجماتهم عند الكلام عن الموضوعة العربية في الادب الروسي بشكل عام , ولا مجال للتوسع في هذا الموضوع هنا .
سافر غوغول من روسيا بعد عرض مسرحية ( المفتش العام ) عام 1836 (والتي حضرها قيصر روسيا بنفسه ) و الضجة الهائلة التي ارتبطت بذلك العرض , وسمع بخبر مقتل بوشكين في مبارزته الشهيرة مع دانتيس الفرنسي  وهو في اوربا , وتأثر جدا , بل انه قال (حسب ذكريات احد اصدقائه)  انه تأثر عند سماعه بموت بوشكين أكثر مما لو سمع بموت  والدته , التي تعد أعز انسان لديه . ولم يستطع غوغول – بسبب الحزن – حتى ان يستمر بالعمل في كتابة روايته ( الارواح الميتة ) لفترة من الزمن . وكتب غوغول بعد مقتل بوشكين يقول – ( ...لم أعمل اي شئ دون نصيحته , ولم اكتب دون ان اتصور انه امامي ..) .
 نود ان نشير هنا الى مقالة غوغول الموسومة ( بضع كلمات عن بوشكين ) , والتي حدد فيها غوغول مكانة بوشكين الحقيقية في تاريخ الادب الروسي , وأطلق عليه تسمية - ( شاعر روسيا الوطني الاعظم ) لاول مرة في التاريخ الروسي , ومدى تأثير ذلك على مجمل حركة النقد الادبي في روسيا ( انظر مقالتنا بعنوان – بعض كلمات غوغول عن بوشكين ).
ختاما لهذا العرض عن العلاقات الفكرية المتبادلة بين قطبين من أقطاب الادب الروسي والعالمي ايضا, من الطريف ان نذكر , ان السينما الروسية المعاصرة انتجت فيلما سينمائيا وثائقيا ( 44 دقيقة ) عام 2009 بعنوان – ( كيف اصبح بوشكين وغوغول أقرباء ) , حيث تزوج ابن اخت غوغول حفيدة بوشكين , ابنة الابن الاكبر لبوشكين , و تم زواجهما عام 1881 في ضواحي موسكو , وهكذا ظهر لهم ابناء يوحدون غوغول وبوشكين , وقد حاز هذا الفيلم على جائزة ( الادب  والسينما ) عام 2010 في روسيا.

16
الادباء الروس في تاريخ الفلسفة الروسية
أ.د. ضياء نافع
يحتوي تاريخ الفلسفة الروسية على مجموعة من أسماء بعض الادباء الروس منذ القرن الثامن عشر, وعبر القرن التاسع عشر, ثم  القرن العشرين والى حد الان , ونحن في القرن الحادي والعشرين , ونحاول في مقالتنا هذه الاشارة – ليس الا – الى ابرز اسماء هذه المجموعة والتوقف قليلا عندها ( نؤكد على كلمة (أبرز) , اذ لا يمكن عرض كل الاسماء , فالقائمة طويلة جدا والاجتهادات الفلسفية متشعبة و متنوعة جدا ). ونحاول ايضا الاشارة الى العناصر والخصائص الرئيسية في ابداعهم , و التي ادّت بمؤرخي الفلسفة الروسية وضع هؤلاء الادباء ضمن تاريخ الفلسفة تلك ومسيرتها الطويلة , واعتبارهم ادباء وفلاسفة في آن.
الاسم الاول في هذه القائمة هو لامانوسوف ( نكتب اسمه حسب قواعد التلفّظ الروسية , ويأتي اسمه في بعض المصادر العربية لومونوسوف او لامونوسف), وهو عالم روسي موسوعي كبير , وقد  قال عنه بوشكين - ( انه جامعتنا) , وأطلقوا اسمه فعلا على جامعة موسكو عام 1940 , ولا زالت هذه الجامعة تسمّى جامعة لامانوسوف لحد الان ( انظر مقالتنا بعنوان – لومونوسوف واللغة الروسية وآدابها) . جاء اسم لامانوسوف ضمن قائمة الادباء – الفلاسفة  باعتباره أحد عمالقة التنويريين الروس الكبار , الذين ساهموا بارساء وتثبيت الفكر العلمي التنويري في مسيرة روسيا , وهو سبب وجيه ومنطقي جدا , اذ ان الحركة التنويرية في كل العالم هي جزء لا يتجزأ من الفلسفة فعلا.
 الاسم الثاني في هذه القائمة من القرن الثامن عشر ايضا, و هو راديشيف , مؤلف الكتاب الشهير ( رحلة من بطرسبورغ الى موسكو ) زمن الامبراطورة يكاترينا الثانية ( انظر مقالتنا بعنوان – الامبراطورة يكاترينا الثانية والادب الروسي , وكذلك مقالتنا بعنوان – راديشيف وكتابه رحلة من بطرسبورغ الى موسكو ) . راديشيف – تنويري ايضا ( رغم انه يختلف كليّا عن لامانوسوف ), وقد عرض افكاره الفلسفية العميقة بشكل غير مباشر في كتابه الخطير المذكور , و دفع الثمن غاليا من حريّته كما هو معروف .
نشير, ثالثا , الى عدة اسماء من ادباء القرن التاسع عشرسوية , وذلك لأنهم جميعا يرتبطون باتجاه فلسفي واحد يسمى بالنزعة السلافية او( السلوفيانية ) في مسيرة الفكر الروسي ( وهو الاتجاه الفكري المضاد للنزعة الغربية , ومن المعروف ان الصراع بين النزعتين استمربشكل حاد ومتطرف  طوال القرن التاسع عشر في مسيرة الفكر والادب الروسي ولا يمكن التوقف عند هذه النقطة هنا طبعا )  , وهؤلاء هم كل من – خومياكوف واودويفسكي واكساكوف وتيوتشيف .
خومياكوف (1804 – 1860) هو شخصية متعددة المواهب في مسيرة الفكر الروسي , ويكاد ان يكون شبه مجهول بالنسبة للقارئ العربي مع الاسف , فهو شاعر وكاتب مسرحي  وفنان تشكيلي ومؤرخ وفيلسوف, وساهم حتى بمسيرة البحوث في العلوم البحتة ( وخصوصا الرياضيات )  , ويمكن القول , انه واضع اسس مصطلح ( السلوفيانية ) في تاريخ الفلسفة الروسية ضمن مقالاته وكتاباته العديدة . ولابد من الاشارة وفي هذه العجالة , ان ابداع خومياكوف حاز على اعجاب وتقدير بوشكين وغوغول ودستويفسكي وتولستوي واسماء كبيرة اخرى في تاريخ الفكر والادب الروسي .
الاسماء الثلاثة الاخرى في هذه المجموعة كبيرة ومهمة ايضا في مسيرة الادب الروسي , ولعل ابرزها هو تيوتشيف , الشاعرالاثير والمفضّل لتولستوي , و الذي قال عنه جملته الشهيرة ,  والتي نجدها في كل المصادر الروسية عن هذا الشاعر الكبير  , وجملة تولستوي هذه هي – ( لا يمكن العيش بلا تيوتشيف ), بل ويقال ان تولستوي كان يردد بعض ابيات من شعر تيوتشيف حتى في ايامه الاخيرة. وقد تحولت بعض مقاطع من شعره الى اقوال خالدة ترددها روسيا كلها , ومن تلك الاقوال ابيات فلسفية عميقة من شعره يقول فيها –
روسيا لا يمكن بالعقل فهمها
ولا يمكن قياسها,
   هناك خصوصية  عندها -
 يمكن فقط الايمان بها.
الحديث عن فلسفة تيوتشيف طويل طويل , بل اني وجدت حتى مقالة رائعة وعميقة بالعربية , و لا يمكن عرض مضمونها هنا , ولكني اورد فقط عنوانها , الذي يمتلك بحد ذاته دلالة واضحة المعالم , والعنوان هذا هو  – كلمات الفيلسوف تيوتشيف والزخارف الفلسفية في شعره .
ختاما لهذا العرض الوجيز جدا والسريع جدا لموضوعة الادباء – الفلاسفة في الادب الروسي , نود ان نشير , الى ان هناك عدة اسماء كبيرة في هذا الادب تمتاز بمزج الادب والفلسفة بشكل واضح , ومنهم تولستوي ودستويفسكي , وان القارئ العربي اصبح على اطلاع جيد بشأن ذلك ( انظر, مثلا, مقالتنا بعنوان – تولستوي فيلسوفا , ومقالتنا بعنوان – دستويفسكي فيلسوفا / تأملات ) , ولكن القارئ العربي لم يطلع كما يجب على جوانب اخرى في هذا المجال , ومنها مثلا , عن غوغول فيلسوفا , اوعن فلسفة تورغينيف , ولا نريد الاشارة الى ادباء القرن العشرين مثل بلوك وبيللي وغيبيوس وسولوغوب وبريوسوف وبالمونت وبولغاكوف وغيرهم , اذ ان هذه الاسماء بحد ذاتها لازالت شبه مجهولة لهذ القارئ بشكل عام .
اتمنى ان تثير هذه المقالة الوجيزة انتباه واهتمام المتخصصين العرب , وان يتناولوا مضمونها العام ويتوسعوا بدراسته , اذ اننا نرى , ان موضوعة تداخل الادب والفلسفة - مسألة مهمة لفهم الاداب ودورها الرائد في مسيرة حياتنا ومجتمعنا.

17
أدب / وحيدة أنت يا امي
« في: 19:42 25/01/2019  »

وحيدة أنت يا امي


قصيدة للشاعر الداغستاني خيزري أسدولايف

ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع


وحيدة أنت في الليل
يا امي ,
وتنظرين الى النجوم
في السماء .
كم تشبه هذي النجوم
الاولاد,
الذين غادروا المنزل والبلاد!
لا تسرعي بالبكاء,
أتسمعين
كيف تنطوي الاجنحة
في الهواء؟
انهم أطفال اللقالق
وهم يعودون
الى احضان امهاتهم
هبوطا من السماء.



ولد خيزري أسدولايف في داغستان عام 1956 , وانتقل للعمل في بيلاروسيا عام 1983 , ولا يزال هناك . وهو شاعر وفنان تشكيلي ونحات وموسيقي ومغنّي .

18
أدب / على العشب الاخضر
« في: 21:58 21/01/2019  »
على العشب الاخضر
=============

قصيدة للشاعر الصربي ميلان نيناديج
=====================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=========================

على العشب الاخضر
أرقد أنا,
ويداي معقوفتان
علّيّ.
+++
أنظر الى السماء
أنا,
وتنظر السماء
الّيّ.
+++
ولا توجد
اي كلمات
للسماء
لدّيّ.
====================================================================================
ولد ميلان نيناديج عام 1947 في البوسنة والهرسك , وتخرج في كلية الفلسفة بجامعة سرايفو . وهو شاعر ومترجم وكاتب مقالة ونشر العديد من المجاميع الشعرية , وكذلك اصدر كتبا للاطفال .

19
قراءة في رواية (زمن النساء ) بترجمة أ. د. محمد الجبالي
أ.د. ضياء نافع
صدرت هذه الرواية عام 2016 في القاهرة بترجمة عن الروسية مباشرة , والتي قام بها الاستاذ الدكتور محمد نصر الدين الجبالي – رئيس قسم اللغة الروسية في كلية الالسن بجامعة عين شمس المصرية الشهيرة . تقع الرواية في (261) صفحة من القطع الكبير , وهي من تأليف الكاتبة الروسية المعاصرة يلينا تشيجوفا ( ولدت عام 1957 في مدينة بطرسبورغ) , و الرواية هذه هي اول عمل ابداعي لها ينشر بالعربية , وقد صدرت الرواية عن الهيئة المصرية للكتاب ضمن (سلسلة الجوائز) , وهي سلسلة تعنى بترجمة الاعمال الادبية الحاصلة على جوائز من محتلف اللغات .  لقد بدأت بقراءة رواية ( زمن النساء ) صباحا ,  وانهيتها مساء , وبعد الانتهاء من القراءة خنقني الحزن , اذ ان هذه الرواية كانت تدور حول نفس ذلك الزمن , الذي كنت انا فيه ايضا في موسكو , وتذكرت طبعا كل الاحداث التي عشناها في فترة الستينات , عندما كنّا نقلّي البطاطا بعد عملية تقشيرها مثل هؤلاء النساء في تلك الرواية , من اجل ان نتناول  العشاء ( الفاخر اللذيذ !) , وكنّا نغسل ملابسنا بايدينا ونغليها بسطل خاص بعض الاحيان في المطبخ مثل ابطال تلك الرواية , وكنّا نقف بالطابور وقتا طويلا جدا لشراء اللوازم الضرورية مثل ابطال تلك الرواية , وكنّا نقرأ الشعارات المعلقة في كل مكان عن المستقبل الوضّاء الذي ينتظره ذاك الجيل , الذي سيعيش في ظل النظام الذي سيأتي قريبا , حيث سيأخذ كل مواطن فيه ما يريد حسب حاجته ورغبته , ويمنح المجتمع كل ما يستطيع حسب طاقته وقدرته الذاتية دون اي رقابة من الآخرين , اذ ستختفي حتى الدولة نفسها !!!. 
     وتذكرت  ما كتبه الشاعر العراقي احمد الصافي النجفي عندما عاد الى مدينته الحبيبة بغداد وهو اعمى (بعد سنوات طويلة من الغربة عنها ) وقال بيت الشعر الذي ذهب مثلا وهو – ( يا عودة للدار ما أقساها ++ اسمع بغداد ولا أراها). 
لقد عدت أنا ايضا (اثناء قراءة صفحات تلك الرواية) الى مرحلة شبابي قبل اكثر من خمسين عاما , عندما كنت طالبا في موسكو , وكنت ( اسمع!) مثل احمد الصافي , موسكو , و لا اراها , ولكني رأيتها فعلا على صفحات رواية ( زمن النساء ) , عندما كانت النساء يقشرن البطاطا ويقلونها لتناول العشاء , وعندما كانت النساء يغسلن الملابس باليد , او يغلونها في سطل خاص في المطبخ , وعندما كنّ يقفن  بالطابور عدة ساعات للحصول على الطعام , وكيف كنّ يخفتن اصواتهن عندما يتكلمن  خوفا من الوشايات وكتابة التقارير, وعندما كنّ يستمعن الى نشرات الاخبار الموجهة في جهاز التلفزيون , الذي حصلن عليه بعد اللتي واللتيا وبالاقساط ...
الرواية تسير بهدوء , واحداثها بسيطة للغاية , فهي تدور حول حياة ومصير ثلاث من السيدات العجائز مع طفلة بكماء ولدت نتيجة علاقة خداع قام بها رجل مع بطلة الرواية انطونينا ولاذ بالفرار , وتموت الام بمرض السرطان وتترك ابنتها في رعاية تلك السيدات الثلاث , اذ انها لا تريد لها ان تذهب الى حضانات الدولة وهي بهذه العاهة وذاك التاريخ غير الشرعي المعيب. وتتمحور كل الرواية في الحياة اليومية لمجموعة النساء , وهي الحياة السوفيتية في الستينات , والتي لا يفهمها ولا يتصورها على حقيقتها الا الذين عاشوها فعلا , هذه الحياة المليئة بالصعوبات الانسانية , والتي ترسمها كاتبة الرواية – وبمهارة وموهبة - عبر تلك المعاناة اليومية الصغيرة . ولا يمكن لي ان اكتب خلاصة او مضمونا وجيزا لهذه الرواية سوى القول , ان القارئ الذي يريد ان يعرف كنه الحياة السوفيتية في النصف الثاني من القرن العشرين , عليه ان يقرأ هذه الرواية البسيطة والعميقة والرائعة بكل ما تعني هذه الكلمات .
ختاما , اريد ان احيي مترجم الرواية أ.د. محمد نصر الدين الجبالي على هذا العمل الترجمي الممتاز ,اذ استطاع فيه ان يصل الى المستوى الذي يحلم ان يصل اليه كل مترجم حقيقي وأصيل , وهو ان يمنح للقارئ نصا عربيا سليما , بحيث لا يشعر القارئ بانه يقرأ نصا مترجما , ولولا بعض المفردات الروسية البحتة ( والتي وضّحها المترجم بهوامش دقيقة ) , فان القارئ – اكرر- لا يشعر بان هذا العمل الابداعي الجميل كان مكتوبا باللغة الروسية . اضافة الى ذلك , فاني اريد ان احييه ايضا على تلك المقدمة العلمية والموضوعية والشاملة حول الادب الروسي المعاصر وكل السمات التي يمتاز بها هذا الادب الجديد  (وهي سمات وصفات جديدة كليّا بالنسبة للقارئ العربي المعاصر) , والتي كتبها الجبالي من الصفحة رقم (7) الى الصفحة رقم( 15) , والتي يمكن تسميتها ببحث علمي واضح المعالم . واخيرا , اريد اشير الى اني وجدت بعض المقاطع في تلك الرواية وكأنها مقاطع من الشعر ( وهي طبعا تأكيد رائع لموهبة المترجم ) , واختتم هذا العرض بمقطع من تلك المقاطع التي تمتاز بهذه الروح الشاعرية –
( الذكرى الاولى من طفولتي – الجليد .. باب كبير وفرس نحيل أبيض , وأنا وجداتي نمضي متثاقلات خلف عربة أحصنة . الحصان ضخم , ولكن متسخ لسبب ما , وهناك ايضا جرافات طويلة تنخر في الثلج المتراكم , وثمة شئ ما داكن يتمدد في العربة . تقول جداتي  انه نعش . أعرف هذه الكلمة , لكني أ تعجب من ذلك , لأن النعش في نظري يجب ان يكون شفافا ومصنوعا من الزجاج , حتى يمكن للجميع أن يروا امي وهي نائمة , ثم يرونها عندما تصحو بعد قليل . أعرف ذلك لكني لا أستطيع التعبير..)

20
المنبر الحر / غوغول في ايطاليا
« في: 18:38 13/01/2019  »
غوغول في ايطاليا
أ.د. ضياء نافع
عندما كنّا طلبة في روسيا الستينات من القرن الماضي , كان  الطلبة الروس حولنا في جامعة موسكو  يقولون لنا ( ونحن نتناول سوية طعامنا في مطاعم الطلبة البسيطة , ومنها البطاطا والمعكرونه بالاساس) , ان الكاتب الشهير غوغول هو الذي جلب لنا , نحن الروس, ( المعكرونه ) من ايطاليا  , وكنّا نضحك ونقول لهم – لو انه جلب  ايضا من ايطاليا انواعا اخرى من الطعام عدا المعكرونه لكان ذلك أفضل لنا جميعا ,  وكانوا يقولون لنا , ان غوغول كان مشغولا ب ( ارواحه الميتة ) فقط , ولم يفكر بالطلبة  وطعامهم ( خصوصا بعد قرنين من الزمان!!), ولهذا يجب ان نحمد الله لانه جلب لنا المعكرونه في الاقل . تذكرت كل تلك الاحاديث والنكات والاشاعات والتحليلات ( العميقة!) الطلابية الشبابية في كليّة الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها) بجامعة موسكو حول الاديب الروسي العظيم وانا اكتب مقالتي هذه عن غوغول  في ايطاليا , علما ان مصادر المطبخ الروسي تشير , الى ان المعكرونه قد بدأت بالظهور في روسيا قبل غوغول , لكنها لم تنتشر سريعا في المطبخ الروسي التقليدي آنذاك , لكن غوغول كان يحب المعكرونه في ايطاليا وكان يحاول ان يحضّرها لأصدقائه , وقد كتب العديد من أصدقائه حول ذلك , ولهذا السبب انطلقت تلك الاشاعات والاقاويل بين الطلبة الروس عندما كنّا ندرس معهم .
كان غوغول عاشقا كبيرا  لايطاليا , وقد قارنها مرة في احدى رسائله ب ( السماء ) وكتب يقول , ان الذي كان في السماء لا يرغب ان يحيا في اي بقعة من بقاع الارض , وقال عنها انها ( مثل اليوم المشمس ) مقارنة مع ( اليوم الغائم المكفهر) , وتوجد مقاطع كثيرة جدا في رسائل غوغول عن ايطاليا وحبه لها واندهاشه امام جمالها وطبيعتها , وتحمل تلك الرسائل طبعا روحية غوغول وجمالية اسلوبه في الكتابة ومبالاغاته الطريفة والمتميّزة واسلوبه الغريب , ويقول مثلا , في احدى هذه الرسائل , انه يتمنى ان يتحوّل كليّا الى أنف كبير كي يستنشق الهواء العليل في ايطاليا , ولا مجال هنا للاستشهاد بنصوص كثيرة اخرى من تلك الرسائل الجميلة . وكان غوغول يؤكد دائما , انه (فقط في ايطاليا يستطيع الكتابة عن روسيا!) , وقد كتبوا هذه الجملة الغريبة والعجيبة والطريفة على تمثاله ( وهو يجلس  في حالة تأمّل) في روما وباللغتين الروسية والايطالية , هذا التمثال  الذي تم تدشينه العام 2002 لمناسبة الذكرى (150) لوفاته , وفي نفس المتنزه الذي يوجد فيه تمثال بوشكين في روما بايطاليا .
 لقد عاش غوغول حوالي خمس سنوات في ايطاليا ( من عام 1837الى عام 1842) , وكان يتقن اللغة الايطالية قراءة وكتابة ومحادثة بشكل جيد جدا . وتوجد جملة كتبها أحد الايطاليين حوله تقول – لا أحد من بين الروس تكلم بشكل ساطع عن ايطاليا مثل ( السنيور نيقولا) , الذي عاش في بيوت روما القديمة . وهناك الان ( في بيوت روما القديمة) توجد لوحة من المرمر معلقة على الطابق الثاني من شارع بروما تشير الى الشقة التي عاش فيها غوغول , وباللغتين الايطالية والروسية , وانه كتب هناك روايته الخالدة ( الارواح الميتة ) , وتوجد في تلك اللوحة المرمرية  حتى اشارة , الى ان القيصر الروسي صرف له خمسة الآف روبل من خزينة الدولة الروسية اثناء حياته في ايطاليا. ومن الطريف ان نشير هنا , الى ان هذه اللوحة المرمرية قد وضعتها الجالية الروسية في روما , وبمبادرة شخصية بحتة , ولا علاقة لها بالدولة الروسية آنذاك ابدا , و قد تم افتتاحها في ربيع عام 1902 , ولا زالت طبعا موجودة لحد الان في ذلك الشارع العتيق بروما , وتعدّ في الوقت الحاضر احدى الشواهد , المرتبطة بغوغول في ايطاليا , والتي يزورها السوّاح الروس والاجانب و عشاق غوغول طبعا من كل الاجناس   .
من الضروري جدا ان نتوقف قليلا ( ونحن نتكلم عن غوغول في ايطاليا) عند جمعية ثقافية تأسست في ايطاليا عام 2009 لمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد غوغول , والجمعية هذه اسمها – جمعية (جائزة غوغول في ايطاليا) الثقافية , وهي جمعية خيرية تسعى للنهوض الثقافي والروحي للتراث الفكري في ايطاليا , وقد  ساهمت في تأسيس هذه الجمعية الثقافية  كل من روسيا واوكراينا وايطاليا وفرنسا والمانيا , وتمنح هذه الجمعية سنويا (جائزة غوغول في ايطاليا) لكل من يساهم في تطوير الحوار الثقافي الروسي – الايطالي من الادباء والمترجمين والباحثين وفناني المسرح والسينما والفن التشكيلي وغيرها من الفنون المختلفة الاخرى , وقد حصل على  (جائزة غوغول في ايطاليا ) الكثيرون من فناني ايطاليا وروسيا منذ تأسيسها ولحد الان , ويجري توزيعها  بشكل مهيب جدا في أحد أكبر مسارح روما , وبحضور جمهور كبير جدا وتغطية اعلامية واسعة في ايطاليا وروسيا.
موضوعة ( غوغول وايطاليا ) كبيرة جدا ومتشعبة جدا , وقد تم كتابة عدة كتب روسية حولها , ومنها كتاب صدر حتى في اواسط القرن التاسع عشر في روسيا , وتتناول تلك المصادر رسائل غوغول وعلاقاته الواسعة مع الجالية الروسية هناك ( ومنهم الرسام الروسي الكبير ايفانوف) , الذي رسم لوحة ( ظهور المسيح للشعب ) في ايطاليا , وهي لوحة كبيرة  جدا لازالت معلقة في المتحف الروسي لحد الان , وفي تلك اللوحة يوجد غوغول واقفا بين الذين ينتظرون  السيد المسيح .

21
أدب / المعلّم
« في: 21:49 11/01/2019  »
المعلّم
=====

قصيدة للشاعر الصربي دراغان لوكيج
=====================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=====================

المعلّم –
 تلميذ ابدي.
في السادسة من عمره
يدخل الى المدرسة,
ويخرج من المدرسة
في الستين..
وطوال تلك السنين
يحمل حقيبة
الدفاتر والكتب
والسنين.
........
........
كم من واجبات
 قد كتب !
وكم من دروس
 قد حفظ !
وكم من كتب
 قد قرأ !
لكن
لم ينتابه التعب.
======================================================================
دراغان لوكيج (1928 – 2006) . شاعر وناثر وكاتب مسرحي .  مؤلف لكتب الاطفال , وكان طوال سنوات طويلة محررا  لبرامج الاطفال في راديو بلغراد .

22
دستويفسكي فيلسوفا /  تأملات
أ.د. ضياء نافع
هل كان دستويفسكي اديبا دخل عالم الفلسفة , ام فيلسوفا دخل عالم الادب , وذلك لان الادب والفلسفة في مسيرته الابداعية متداخلان مع بعض بشكل  يكاد ان يكون عضويا ؟ الاجابة عن هذا السؤال الفكري الكبير لازالت غير واضحة المعالم تماما ليس فقط في روسيا, وانما في كل انحاء العالم المتمدن من دول وبلدان وتيارات فكرية متنوعة , رغم ان دستويفسكي – واقعيا - ابتدأ أديبا اعتياديا  بكل معنى الكلمة , وان روايته القصيرة الاولى المعروفة  وهي ( المساكين ) وجدت مكانتها اللائقة بها في مسيرة الادب الروسي بالذات , ولم يحاول ان يطرح نفسه فيلسوفا حتى في ( مذكرات كاتب ) الشهيرة في تراثه , والتي ابتدأ بكتابتها في نهاية حياته , و التي يمكن القول عنها ,انها آخر كتاب أصدره دستويفسكي , وسجّل فيه انطباعاته الفكرية حول تلك الظواهر التي كانت تحيط به من كل جانب في مسيرة الحياة الروسية واحداثها آنذاك.
 توفي  دستويفسكي  في القرن التاسع عشر عام 1881 , ولم تبحث الاوساط الفكرية  الروسية  هذه المسألة مباشرة بشكل جديّ وحقيقيّ ومعمّق ( اي العلاقة المتبادلة في ابداعه بين الادب والفلسفة ) لا اثناء حياته ولا بعد وفاته رأسا, ولكن دستويفسكي أصبح  في الوقت الحاضر ( في روسيا وفي كل العالم ايضا!) اكثر الادباء الروس قربا من  الفلسفة , بل , ان صح التعبير , حتى اكثرهم التصاقا واندماجا ووحدة عضوية مع طروحات الفلسفة ومفاهيمها ومذاهبها, او بتعبير وجيز ومركّز – ان دستويفسكي الان اكثر الادباء الروس فلسفة , حتى مقارنة بتولستوي نفسه ( انظر مقالتنا بعنوان – تولستوي فيلسوفا ), وتوجد الان سلسلة من اسماء الفلاسفة الروس الكبار ( منذ بداية القرن العشرين فصاعدا ) ترتبط – قبل كل شئ – بدراسة مفاهيم وطروحات فلسفة دستويفسكي استنادا الى نتاجاته الادبية وتحليلها, وهذه الاسماء معروفة وشهيرة مثل بيرديايف ( التي تتمحور قيمته الفكرية بالاساس في تلك الآراء وألاقوال والكتابات حول فلسفة دستويفسكي , والتي انعكست في كتابه ( رؤية دستويفسكي للعالم ) المترجم الى العربية  – انظر مقالتنا بعنوان بيرديايف ودستويفسكي ) , وميرشكوفسكي ( انظر مقالتنا بعنوان الكاتب والفيلسوف الروسي ميرشكوفسكي , وبالذات حول كتابه – دستويفسكي وتولستوي ) , وروزانوف ( الذي أطلق على ( المفتش الاعظم ) لدستويفسكي تسمية ( ملحمة فلسفية ) ,  والتي أشار روزانوف فيها الى ان دستويفسكي قد مزج هناك ( حرية الارادة مع القانون المطلق للاخلاق ) , وشيستوف ( انظر مقالتنا بعنوان تشيخوف والفيلسوف شيستوف) , و سولوفيوف ..الخ , ويطلق هؤلاء الفلاسفة كلهم على دستويفسكي تسمية - الكاتب الفيلسوف , وهناك كذلك اسماء فلاسفة من اوربا يؤيدون هذه الآراء ويتوحدون معهم في هذا الاتجاه , بل ويرون انه حتى توجد عند دستويفسكي بدايات الملامح الاولية والاساسية  للفلسفة الوجودية  في العالم , التي بدأت تظهر في اوربا في اواسط القرن العشرين , وذلك ( لأن فلسفة دستويفسكي هي فلسفة الوجود الانساني قبل كل شئ) كما يؤكد أحد هؤلاء الفلاسفة الاوربيين.
لقد تناول الفلاسفة كافة نتاجات دستويفسكي الادبية بالتحليل , ووصلوا الى ان ( الفكرة الروسية ) في تلك النتاجات هي صفة انسانية مشتركة بين المجتمع الروسي والمجتمعات الاوربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر , وان هذه ( الفكرة الروسية ) هي (تجسيد لقانون الاخلاق) في  هذه المجتمعات الانسانية بغض النظر عن قومية تلك المجتمعات وثقافتها ومستوى تطورها, ولهذا اصبحت هذه المجتمعات تتقبل نتاجات دستويفسكي , وأخذت تعتبرها نتاجات تعبر عن الانسان بشكل عام في كل تلك المجتمعات قاطبة, وقد أشار دستويفسكي مرة في احدى رسائله الى أخيه قائلا , الى ان الانسان ( سرّ) , وانه يحاول ان يسبر أغواره ( كي يفهمه ) طوال حياته , وذلك لانه ( اي دستويفسكي نفسه) ( يريد ان يكون انسانا ) , وكان دستويفسكي يتكلم هنا عن ( الانسان ) بشكل عام , ولم يحدد قومية ذلك الانسان او جنسيته طبعا .
ويربط بعض الباحثين هذه الافكار مع المفاهيم الدينية المسيحية الواضحة المعالم عند دستويفسكي , والتي تكمن في تأكيده على الكنيسة الروسية الارثذوكسية والدور الذي يجب عليها ان تؤديه عالميا باعتبار ان موسكو هي – ( روما الثالثة ) كما كان يدعو دستويفسكي , ولهذا , فان ( الفكرة الروسية ) التي بلورها دستويفسكي لا تفقد ( عالميتها !) , او ملامحها الاممية , رغم ارتباطها ب (الصفة الروسية ) تلك , ولهذا ايضا , فان القراء في العالم يتقبلون دستويفسكي ونتاجاته الادبية ذات الروح الفلسفية بغض النظر عن قوميتهم واجناسهم .   
موضوعة دستويفسكي فيلسوفا – مسألة كبيرة في تاريخ الفكر الفلسفي الانساني , وهذه التأملات هي تذكير بالملامح الاساسية فيها ليس الا , وكم اتمنى ان يتناول أحد الفلاسفة العرب هذه الموضوعة يوما , ويدرسها بالتفصيل العميق... 

23
عود على موضوعة حكمت شبّر , والعود أحمد
أ.د. ضياء نافع
كتبت في الحلقة رقم (26) من سلسلة مقالاتي بعنوان ( عراقيون مرّوا بموسكو ) عن أ.د. حكمت شبّر , باعتباره أحد خريجي جامعة لينينغراد الشهيرة ( بطرسبورغ حاليا) , وقد أثارت تلك الحلقة ردود فعل عديدة , ومن جملة ردود الفعل هذه , ما كتبه لي الزميل محمد عارف ( من بلاد الضباب الواضح!) عن اعجابه الشديد بتلك الحلقة , معتبرا اياها ( ... من أجمل أحداث ذاك اليوم !)  واستخدم بيت الجواهري العظيم باهداء  قلبه ولسانه لنا جميعا ,  لانه – (  يجود بأصغريه المعدم !) , وأخبرني , انه قام  بارسل المقالة الى حكمت شبّر رأسا ( وهو مع العلوية على ثلوج دهوك) , الذي سأل بدوره ( عن كاتب المقالة ) , الا ان حكمت قال , ان المنصب الذي يتذكر انهم اقترحوه عليه هو رئاسة ديوان  رئاسة الجمهورية وليس مدير مكتب رئيس الجمهورية كما أشرت أنا في مقالتي , وكتب لي عارف يقول , ان كامران قره داغي فقط هو الذي يمكن ان يحسم هذا الموضوع , وأجبت محمد رأسا  ان يفاتح كامران حول ذلك , واستخدمت بيت الجواهري ( مثله!) قائلا له – ( يا سيدي أسعف فمي ليقولا!) , وهذا ما حدث فعلا , وكتب قره داغي توضيحه الوافي والشافي فعلا باسلوبه الواضح وذاكرته التفصيلية الدقيقة , وقد تبين من توضيح كامران , ان المنصب الذي اقترحه على د.  حكمت شبّرآنذاك هو رئاسة ديوان رئاسة الجمهورية حقا, وليس مدير مكتب رئيس الجمهورية كما كتبت انا بشكل غير دقيق في مقالتي , وهذا هو السبب الذي دعاني ان اعود للكتابة عن موضوعة د. حكمت مرة اخرى , واعتبرت ان ( العود أحمد) كما يقول التعبير الشهير ( وألحقت ذلك حتى في عنوان المقالة ), وذلك انطلاقا من المبدأ السليم – (  الاعتراف بالخطأ فضيلة) , خصوصا و ان سلسلة مقالاتي عن ( العراقيين الذين مروّا بموسكو ) اصبحت الآن ضمن المصادر المعتمدة في توضيح بعض خفايا واسرار ( نواعم!) في تاريخنا العراقي المعاصر , وهي ( نواعم!) مهمة , رغم (نعومتها!) , اذ انها تؤدي دورا محددا ودقيقا وحاسما في كثير من الاحيان , او كما يقول المثل العراقي الجميل والعميق – ( نواية تسند الحب).
 ان الفرق كبير طبعا بين منصب (  رئاسة ديوان رئاسة الجمهورية ) ومنصب ( مدير مكتب رئيس الجمهورية ) , فالاول يجب ان يكون بدرجة وزير ( كما يشرح  كامران قره داغي في توضيحه التفصيلي والشامل المشار اليه أعلاه ) , ويقتضي ذلك المنصب سلسلة من الخطوات والاجراءآت الطويلة , بما فيها موافقة البرلمان , الا ان د. حكمت اعتذر عن الموافقة لاسباب امنية في تلك الاوقات الحرجة, وقرر الاستمرار في عمله التدريسي في النجف . ولو وافق د.شبّر في حينه على مقترح كامران هذا , لاصبح واحدا من القلائل من خريجي الجامعات السوفيتية , الذين شغلوا مثل تلك المناصب الرفيعة , علما انه جديرجدا بذلك المنصب , خصوصا وان الرئيس طالباني ( كما أشار كامران في ذلك التوضيح) قد فرح جدا بترشيحه , لانه تذكره شخصيا , فقد كانا سوية في نفس الكورس بكلية الحقوق في جامعة بغداد عام 1959 , بل ان طالباني تذكّر قصيدة لحكمت شبّر كتبها عن طالباني خصيصا بعد عام 1991 .
تحية وقبلات لثلاثي لينينغراد –  (شبّر وعارف وقره داغي ) يوم جمعتهم تلك المدينة الروسية التاريخية الجميلة وجامعتها العريقة قبل حوالي الستين سنة , وتحية وقبلات لهم يوم فرقتّهم شذرا مذرا احداث العراق الرهيبة ومواقفهم الفكرية المتضادة تجاهها , وتحية وقبلات لهم يوم عادوا الى مثلثهم الاول القديم , لانه ( ما الحب الا للحبيب الاوّل!!!)...   

24
عراقيون مرّوا بموسكو ( 26 )/ أ. د. حكمت شبّر
أ.د. ضياء نافع
نقطتان أود أن أتوقف عندهما في بداية حديثي عن أ. د. حكمت شبّر واؤكد عليهما, اولهما ,  انهم احرقوا كتابه المنهجي عندما كان تدريسّيا في كلية القانون بالجامعة , وهي ظاهرة شنيعة و غريبة وفريدة جدا في تاريخ جامعات العراق  وتقاليدها العلمية , ولا اعرف مثيلا لها طيلة فترة عملي في جامعة بغداد اكثر من 35 سنة متواصلة , وقد ذكر هذه الحادثة أ.د. حكمت شبّر نفسه بتفاصيلها كافة ( في مقالته بعنوان – في الذكرى السبعين للاعلان العالمي لحقوق الانسان ) , وأشار في تلك التفاصيل حتى الى اسم عميد الكلية الذي قام بهذا العمل المشين والدنئ . اما النقطة الثانية , فهي ما ذكره كامران قره داغي مرة في احدى مقالاته حول اقتراحه بتعيين حكمت شبّر بمنصب مدير مكتب رئيس جمهورية العراق السيد جلال طالباني ليحل محل كامران نفسه (وبعد ان حصل على موافقة طالباني ), وكيف تصرّف حكمت آنذاك , اذ طلب من كامران  ان يمهله قليلا من الوقت كي يفكر بالموضوع , ثم اعتذر حكمت بعدئذ عن توليه ذلك المنصب نتيجة ظروفه العائلية الخاصة . لقد أشار احد المعلقين على هذه الحادثة قائلا- ان تعيين حكمت شبر في هذا المنصب كان اصغر من حجمه الحقيقي, وان حكمت تصرف بدبلوماسية عالية حيال الامر , اذ ان رفض المنصب رأسا كان قد يؤدي الى نتائج سلبية , اما تصرفه كما تم ذكره  , فقد انتزع بهذه الطريقة ( فتيل الانفجار او الغضب!) بهدوء وخبرة عالية في شؤون الحياة , و هكذا خرج حكمت من المأزق سالما , ومحتفظا في نفس الوقت بمكانته وقيمته العلمية وصداقته بكامران.
بعد النقطتين التي توقفت عندهما , أعود الى الحديث عن د. حكمت شبّر منذ البداية .
وصل حكمت الى موسكو في بداية الستينيات , بعد تخرجه في كلية الحقوق (كما كانت تسميتها آنذاك) بجامعة بغداد ( وهي الان كليّة القانون ), اي انه كان المحامي العراقي حكمت شبّر , ودرس في قسم الدراسات العليا بكلية القانون في جامعة لينينغراد الشهيرة ( جامعة بطرسبورغ حاليا) , وكان متميّزا بمعرفته المعمقة في اللغة الروسية , وقد كنت شاهدا  مرة -  وبالصدفة المحضة -  كيف ( تبارى!) حكمت مع مجموعة من الطلبة العراقيين حول ترجمة المصطلحات الروسية الى العربية وبالعكس في اروقة جامعة موسكو اثناء انعقاد احدى مؤتمرات رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي ( وكان مندوبا لفرع الرابطة في لينينغراد), وكيف خرج حكمت (منتصرا !) من تلك المباراة.
كان  حكمت شبّر منسجما جدا مع الطلبة العراقيين  و مع المجتمع الروسي الذي كان يحيطه , بل كانت هناك تسمية ( شبه سريّة) في اوساط العراقيين ل ( ثلاثي لينينغراد) يتكون من حكمت شبّر ومحمد كامل عارف وكامران قره داغي كمندوبين للجنة الدفاع عن الشعب العراقي في لينينغراد ( وهو ثلاثي يجسّد الان - وبكل صدق - وحدة العراق حسب المصطلحات المعاصرة للحياة السائدة في عراقنا اليوم , هذه المصطلحات التي تؤكد – مع الاسف الشديد - على الفوارق القومية والطائفية - قبل كل شئ - بين ابناء الشعب العراقي الواحد) . ويسعدني ان اقول هنا , ان هذا الثلاثي قد برز – وبنجاح رائع – في الحياة الفكرية العراقية بعد تخرجهم ورجوعهم الى العراق, ويعّد تألقهم طبعا نجاحا علميا باهرا لخريجي الجامعات السوفيتية كافة آنذاك ( انظر مقالاتنا بعنوان – كامران قره داغي والادب الروسي في العراق / محمد كامل عارف ويسينين / محمد كامل عارف يكتب عن زهاء حديد بالروسية ).
أ.د. حكمت شبّر اصبح واحدا من الاساتذة الجامعيين البارزين في جامعة بغداد والمستنصرية , وبقي اسمه لامعا حتى بعد الالتفاف الخسيس ضده , واخراجه من الجامعة بحجج سياسية واهية , بل ان هذه العملية زادت من شهرته وقيمته العلمية في اوساط الاساتذة الجامعيين , وليس عبثا انه استعاد (بعد اكثر من عشرين عاما )  لقبه الجامعي العلمي الذي استحقه اثناء عمله في الجامعة , وهو الاستاذية ( بروفيسور) , لانه رفض آنذاك الخضوع الى رأي عميد الكلية , الذي اراد اجباره على الدخول في حزب البعث .  وحكمت شبّر اصبح شاعرا معروفا في الاوساط الادبية العراقية , وأذكر كيف ألقى قصيدة في حفل تكريمي للاستاذ الدكتور كمال مظهر أحمد في اتحاد الادباء والكتاب العراقيين , وكيف استقبلته القاعة بالتصفيق الحاد , اذ كنت انا حاضرا في تلك الاحتفالية , وألقيت كلمة عن أ.د. كمال أشرت فيها , الى ان اسمه ورد في كتاب اصدرته اكاديمية العلوم السوفيتية في نهاية الستينات حول المصادر الروسية عن العراق , وانه شغل المكانة رقم واحد بالنسبة لعدد البحوث بين الباحثين العراقيين كافة . لقد كانت قصيدة حكمت شبّر محاكاة لاحدى قصائد الجواهري الشهيرة , وقلت له بعد الحفل , انها( ذكرتّني!) بتلك القصيدة , ولم  أقل انها محاكاة , و ابتسم حكمت برضا ولم يرغب بالحديث المتشعب حولها , لان الموضوع قد يؤدي الى استنتاجات خطيرة طبعا في تسعينيات القرن الماضي. وحكمت شبّر باحث علمي من الطراز الاوّل في مجال اختصاصة , وهو واحد من الخريجين النادرين , الذين أصدروا  اطروحته بالعربية  في بغداد , اضافة الى انه واحد من المترجمين البارزين عن الروسية في العراق , وقد ساهم باصدار ترجماته  في مجاله العلمي.
تحية للدكتور البروفيسور و المحامي والشاعر والمترجم والمثقف العراقي المتميّز حكمت شبّر .

25
تولستوي بين حياة شرارة ومحمد يونس
أ.د. ضياء نافع
المرحومة أ.د. حياة شرارة ( 1935 – 1997) والمرحوم أ.د. محمد يونس ( 1937 - 2009) هما علمان من اعلام   قسم اللغة الروسية في كلية الاداب ثم في كلية اللغات بجامعة بغداد , وعلمان من أعلام الباحثين باللغة العربية والمترجمين عن الروسية في قضايا الادب الروسي  بالعراق بشكل خاص والعالم العربي بشكل عام , وهما ايضا شخصيتان معروفتان في الاوساط الروسية التي تتابع نشاطات الباحثين والمترجمين العرب في مجال الادب الروسي , وقد ورد اسميهما – مثلا - وتحليلا شاملا لاسهاماتهما في مجال الادب الروسي في العالم العربي على صفحات عديدة في كتاب د. الميرا علي زاده الموسوم – (الادب الروسي والعالم العربي) , الصادر في موسكو عام 2014 عن معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية , وكذلك في مصادر روسيّة اخرى .
لقد تناولنا في كتاباتنا عن الادب الروسي مساهمات د. حياة شرارة ود. محمد يونس في كثير من مقالاتنا ( انظر, مثلا, مقالاتنا بعنوان –  حياة شرارة والادب الروسي في العراق - لقطات / ثلاث نقاط حول كتاب بلقيس شرارة – هكذا مرّت الايام / نجوم في سماء كلية اللغات / محمد يونس وداعا / محمد يونس والادب الروسي في العراق ). اليوم نريد التوقف عند اطروحتي الدكتوراه لكل من حياة شرارة ومحمد يونس , اذ انهما قد كتبا اطروحتيهما عن الاديب الروسي ليف تولستوي . ان التوقف عند هذه النقطة المشتركة بينهما قد توضح بعض سماتهما العلمية , وقد تجيب عن بعض الاسئلة حولهما .
حياة شرارة وصلت الى موسكو والتحقت رأسا بقسم الدراسات العليا  يالقسم الروسي بكليّة الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها) في جامعة موسكو , اذ انها كانت تحمل شهادة البكالوريوس في اللغة الانكليزية وآدابها , اما محمد يونس , فقد كان في تلك الفترة طالبا في الدراسات الاوليّة بالقسم الروسي في تلك الكليّة ليس الا . تخرّج محمد يونس اواسط الستينات وحصل على درجة الماجستير وعاد الى العراق , وقد تمّ تعينه في قسم اللغة الروسية بكلية الآداب في جامعة بغداد , أما حياة شرارة , فقد انهت دراستها العليا وحصلت على شهادة الدكتوراه بعده , وعادت كذلك الى العراق وتمّ تعينها في القسم المذكور ايضا . كتبت حياة اطروحتها عن تولستوي والتحليل النفسي في ابداعه , مع التركيز على روايته الشهيرة ( آنّا كارينينا ), ونشرت حياة كتابها الاول في بغداد بعنوان – ( تولستوي فنانا) , وهي اطروحتها واقعيا , ولكنها مشذبة ومزيدة ومنقحة , ولا زال هذا الكتاب يعدّ واحدا من المصادر الاساسية العربية في دراسة تولستوي , وقد صدرت عدة طبعات له . اما محمد يونس , فقد حاول التوفيق بين عمله في قسم اللغة الروسية وبين الاستمرار بالدراسات العليا في جامعة موسكو , وقد استطاع – بصعوبة بالغة – ان ينهي هذه الدراسة مع الاحتفاظ بعمله في جامعة بغداد . اطروحة محمد يونس كانت ايضا عن تولستوي , ولكن مقارنة بالادب العربي , اذ ان طبيعة ظروفه لم تسمح له بالتفرغ للدراسة في موسكو طوال الوقت , وهكذا كتب اطروحته واقعيّا في الادب المقارن . لقد راسل محمد يونس كثيرا من الادباء العرب وحصل منهم على آراء متنوعة عن تولستوي ( منهم مثلا غائب طعمه فرمان وعبد المجيد لطفي ) , وكم اتمنى ان تنشر هذه الاطروحة بالعربية , لعدم وجود اي مصدر عربي لحد الان يمكن ان يعوض عنها . اطروحة حياة شرارة عن تولستوي أدّت بها ان يكون اختصاصها الدقيق – ( تولستوي روسيّا) , اما اطروحة محمد يونس عن تولستوي فانها ادّت به ان يكون اختصاصه الدقيق – ( تولستوي عربيّا) , ولهذا , كتبت لنا حياة شرارة نتاجات رائعة ومتنوعة حول الادب الروسي البحت , اما محمد يونس , فقد كتب لنا كتابه الشهير والفريد في المكتبة العربية وهو -  ( الكلاسيكيون الروس والادب العربي).   
حياة شرارة ومحمد يونس – اسمان كبيران في دنيا الباحثين العراقيين حول الادب الروسي , ويوحدهما – ليف تولستوي .

26
تماثيل في موسكو لتورغينيف وسولجينيتسن وآيتماتوف
أ.د. ضياء نافع
تم تدشين ثلاثة تماثيل كبيرة وجديدة للادباء بموسكو في  نهاية العام 2018 , وهم كل من ايفان تورغينيف و الكساندر سولجينيتسن  وجنكيز آيتماتوف, وذلك لمناسبة الاحتفالات في تلك السنة, التي جرت في روسيا  بالذكرى المئوية الثانية لميلاد تورغينيف وبالذكرى المئوية الاولى لميلاد سولجينيتسن وبالذكرى التسعين لميلاد آيتماتوف, وهكذا اضيفت الى التماثيل  العديدة للادباء الروس في موسكو ثلاثة تماثيل عملاقة جديدة دفعة واحدة في عام 2018, ومقالتنا هنا هي خواطر وذكريات أثارتها تماثيل تلك الاسماء الكبيرة في دنيا الادب الروسي.
التمثال الاول افتتح في العاشر من تشرين الثاني / نوفمبر لتورغينيف , وهي الذكرى المئوية الثانية لميلاده ( تورغينيف كان رئيسا للجنة تنظيم وافتتاح تمثال بوشكين عام 1880 في موسكو) . لقد ساهم الرئيس الروسي بوتين بتدشين التمثال , وقال انه لا يمكن ان نتصور الادب الروسي دون تورغينيف . وتذكرت انا الاسماء العراقية التي ترتبط بتورغينيف , واولهم د. اكرم فاضل و ذو النون ايوب , اللذان ترجما عن الفرنسية والانكليزية معا رواية (الاباء والبنون) , والتي صدرت عام 1950 في بغداد , وهي اول ترجمة عربية لتورغينيف , وتذكرت كيف اعترضت د. الميرا علي زاده عندما ذكرت ذلك في مؤتمر علمي بموسكو , وقالت ان محمود احمد السيد هو اول مترجم عراقي لتورغينيف ( انظر مقالتنا بعنوان – تورغينيف والمترجمون العراقيون) . وتذكرت غائب طعمه فرمان وخيري الضامن , و ترجمتهما في موسكو لمختارات من المؤلفات الكاملة لتورغينيف , وتذكرت أ.د. حياة شرارة , التي ترجمت في بغداد ثلاثة اعمال ادبية له , وكيف اني حاولت ان اثنيها عن القيام بذلك ودعوتها ان تقدم ترجمات لا يعرفها القارئ العربي لان تلك الروايات مترجمة الى العربية ( انظر مقالتنا بعنوان – نجوم في سماء كلية اللغات) , وتذكرت تعليق زميلي الباحث د.جودت هوشيار على مقالتي تلك , والذي لم يتفق مع محاولتي ان اقنع حياة بعدم القيام بهذه الترجمة, منطلقا ( د. جودت) من ان الترجمة هي اجتهاد شخصي للمترجم, وقال ان هناك العديد من الترجمات الروسية لنفس التناجات الاجنبية , وقد ابتسمت ليس الا عندما قرأت ذلك التعليق , لان د. جودت يعلم علم اليقين باني ايضا انطلق من هذا المبدأ , ولكني قلت لحياة , ان القارئ العربي لا يعرف حتى كل الاسماء الكبيرة في دنيا الادب الروسي , وان واجبنا قبل كل شئ ان نساهم بتوسيع دائرة معرفته هذه وليس تكرار النتاجات المترجمة رغم اهمية مبدأ تعددية الترجمات . وقد قالت لي حياة بعد فترة طويلة , ان ترجمتها لمذكرات صياد لم تكن موفقة .
اما تمثال سولجينيتسن , وهو يقف متحديا و شامخا ويداه خلفه , والذي ساهم الرئيس الروسي بوتين ايضا بافتتاحه وأسماه – ( الوطني الحقيقي لروسيا ) , فقد جرى في الشارع الذي يحمل اسمه في موسكو . لقد تذكرت حديثي مع المرحوم هاشم جواد ( انظر مقالتنا – حوار مع هاشم جواد ), الذي جرى معه عام 1971 في بيروت , اذ تحدّث هاشم عن سولجينيتسن آنذاك وقال لي , ان هذا الكاتب كشف للقراء عالما جديدا, لم يتحدث عنه اي انسان سابقا , وقد تذكرت تلك الجملة عندما اقتنيت الترجمة العربية لكتابه الشهير ( يوم واحد من حياة ايفان دينيسوفيتش) , حيث قرأت على الغلاف الاخير للكتاب جملة - ( انها رواية رجعية !) , وتذكرت طبعا كيف اني كنت قد ساهمت في السبعينات بترجمة بعض الشئ عنه , اذ نشرت في مجلة (الاقلام)  فصلا واحدا مترجما عن الروسية من روايتة ( من الدائرة الاولى ) , والتي جلبتها معي من باريس, اذ انها كانت ممنوعة في الاتحاد السوفيتي آنذاك , وكذلك نشرت في مجلة (آفاق عربية) ترجمة كاملة لحواره مع مجلة تايم الامريكية , والذي نشرته آنذاك جريدة (زاروبيجوم) السوفيتية الاسبوعية , وتذكرت طبعا ( وانا ابتسم الان!) ردود الفعل من بعض اصدقائي العراقيين اليساريين ولومهم لي , وتذكرت باني اصدرت كتيبا يقع في 92 صفحة عام 2000 في بغداد بعنوان – ( من بوشكين الى سولجينيتسن) , حيث أعدت نشر ذلك الحوار مع سولجينيتسن.
اما تمثال آيتماتوف , فقد تم تدشينه في ساحة صغيرة تحمل اسمه في تقاطع شارعين بموسكو, ويجلس آيتماتوف هناك وقد وضع رجلا على رجل وهو في حالة تأمّل عميق . لقد تم ترجمة نتاجات آيتماتوف الى( 176) لغة اجنبية , وصدرت في( 128) بلدا في العالم , وهي ارقام تكاد ان تكون خيالية بالنسبة لاديب قرغيزي سوفيتي معاصر, ويعدّ الان واحدا من عمالقة الادب العالمي . وتذكرت طبعا د. جليل كمال الدين , الذي ترجم (عندما كان يدرس في جامعة موسكو) عملا ابداعيا جميلا لآيتماتوف بعنوان ( وداعا يا غولساري) وصدر هذا الكتاب  في موسكو آنذاك , ويعاد طبعه في عالمنا العربي . آيتماتوف الذي يحبه العراقيون ولكنهم لا يعرفونه بعمق , وتذكرت مقالة ممتازة ظهرت قبل فترة وجيزة عنه بقلم د. فالح الحمراني , وكم أتمنى ان يستمر د. الحمراني بكتابة مثل هذه المقالات المعمقة والمفيدة جدا عن الادب الروسي  , والتي هي طبعا من صلب اختصاصه ...

27
 
آراء روسية جديدة حول حركة الديسمبريين
أ.د. ضياء نافع
الديسمبريون هم مجموعة صغيرة من النبلاء الروس الشباب , الذين دخلوا التاريخ الروسي لانهم ساهموا في شهر ديسمبر العام 1825 في هجوم مسلح على مجلس الدوما الروسي بمدينة بطرسبورغ في محاولة لتغيير النظام  القيصري الروسي , وانتهت محاولتهم تلك بالفشل التام , و اعتقالهم طبعا ومحاكمتهم , واعدام خمسة من قادتهم , و تم سجن الباقين ونفيهم الى سيبيريا  ( انظر مقالتنا بعنوان – ريلييف اول شاعر اعدمته روسيا ).
عندما كنت طالبا في ستينيات القرن العشرين بالاتحاد السوفيتي , كانوا ينظرون الى الديسمبريين  باعتبارهم ابطالا في مسيرة نضال شعوب روسيا ضد النظام القيصري , وكانت ( ولازالت) شوارع تحمل اسماء بعضهم في مختلف المدن الروسية , وقد درسنا الكثير عنهم في مادة ( تاريخ الادب الروسي) والخاص بفترة النصف الاول من القرن التاسع عشر وعلاقتهم بالادباء الروس آنذاك , ولازلت اتذكر ما قاله لنا استاذ تلك المادة حول رسم تخطيطي لبوشكين وجدوه في احدى مسودات قصائده يصوّر  مشانق الديسمبريين الخمسة , وانه رسم مشنقة سادسة فارغة جنب تلك المشانق , والتي ربما كان يقصد منها انها مشنقته هو ( اي بوشكين) , ولازلت اتذكر ما قالوه لنا حول التحقيقات الطويلة والعريضة مع بوشكين وغريبويديف التي اجراها معهما النظام القيصري بعد فشل تلك الحركة من اجل التدقيق حول علاقتهما مع الديسمبريين , ولازلت اتذكر قصيدة بوشكين , التي ارسلها عام 1827 سرّا مع زوجة الديسمبري موروفيوف , الذي نفته  السلطة القيصرية الى سيبيريا , وقد سافرت اليه زوجته ملتحقة به . ولم بستطع بوشكين طبعا من نشر تلك القصيدة آنذاك , وقد تم نشرها بعد سنين طويلة , وتعد هذه القصيدة الان من (درر!) قصائد بوشكين كما يقول التعبير العربي الجميل , وهي بلا عنوان مثل الكثير من قصائده , ويطلقون عليها الان في مؤلفات بوشكين الكاملة الشطر الاول كعنوان لها . لقد كانت هذه القصيدة تدخل حتى ضمن مفردات مادة ( مدخل الى الادب الروسي ) في الكلية التحضيرية  لجامعة موسكو عندما كنّا ندرس اللغة الروسية فيها عام 1960, وينهي بوشكين قصيدته تلك قائلا , ان السجون والمعتقلات ستنهار وان الحرية ستنتظركم وان اخوانكم سيعطونكم السيوف , اي سيعيدون اليهم الاعتبار ...
هكذا كانت الامور في الاتحاد السوفيتي , ولكني اتذكر ايضا ذلك الاجتماع الذي حدث في نهاية ستينات القرن الماضي في جامعة باريس بين طلبة القسم الروسي ( وكنت انا من ضمنهم) مع وفد سوفيتي زائر , وقد كان الاجتماع مفتوحا , وحضره الكثير من اللاجئين الروس البيض , الذين هاجروا من روسيا بعد ثورة اكتوبر 1917 وسكنوا واستقروا في باريس . لقد ذكر أحد اعضاء الوفد السوفيتي آنذاك , ان الحكومة القيصرية الروسية كانت حكومة ظالمة ومستبدة ( وهي نظرة سوفيتية معروفة طبعا ) وانها مثلا ( أعدمت خمسة من الديسمبريين , ونفت البقية الى سيبيريا ) , فقامت احدى السيدات الروسيات من الجالية الروسية في باريس وقالت له – ( لو ان مجموعة من الضباط السوفيت هجمت على الكرملين وهي تشهر السلاح بيدها وارادت ان تعتقل رئيس الحزب الشيوعي السوفيتي   وتغيير النظام , فكيف كانت ستتصرف الحكومة السوفيتية  تجاههم ؟؟) . وساد هرج وردود فعل متباينة جدا في القاعة طبعا , ولم يستطع الوفد السوفيتي ان يجيب عن هذا السؤال المحدد والاسفزازي , رغم انه حاول ان يجيب مستخدما جملة كتبها لينين حول الديسمبريين  ومفادها - ( انهم بشكل رهيب بعيدون عن الشعب ) وهذه الجملة  مشهورة وموجودة في المصادر السوفيتية كافة , اما السيدة المذكورة فانها اضافت ان السلطة السوفيتية كانت ستمزّق تلك المجموعة مع كل المحيطين بهم والمتعاونين معهم , وقالت ان القيصر الروسي كان رحيما بهم وانه لم يعدم سوى خمسة من قادتهم بعد محاكمات اصولية طويلة, ونفى البقية , وان زوجات المنفيين التحقن بازواجهن واخذن معهن كل ما يحتاجونه من حاجيات و امتعة.
تذكرت تلك الحادثة في جامعة باريس عندما كنت أطّلع على مختلف الاصدارات الروسية في الذكرى 190 سنة على انتفاضة الديسمبريين , بل ان هناك حلقة خاصة بثتها قناة ( كولتورا) ( الثقافة )  التلفزيونية الروسية عن الديسمبريين , وكانت تلك الحلقة بعنوان – ( الديسمبريون – هل هم ثوار ام ارهابيون ؟) , وقد شاركت فيها مجموعة من المؤرخين والمثقفين الروس المعاصرين . ان عنوان الحلقة بحد ذاته  يجلب الانتباه ويثير الاهتمام , وقد شاهدت  هذه الندوة بامعان . لا يمكن طبعا عرض كل الافكار المتنوعة والعديدة التي وردت في تلك الندوة ( واظن ان ذلك يتطلب مقالة مستقلة , اذ ان تلك الافكار تستحق التأمل من قبل القارئ العربي المعاصر والبعيد عن الاجواء الروسية الفكرية في القرن الحادي والعشرين ) , ولكن الخلاصة التي يخرج منها المستمع للندوة هذه , وكذلك الاطلاع على الآراء الجديدة وتعليقات المواطنين الروس حول هذه الانتفاضة , هو ان الموقف الايديولوجي السوفيتي السابق تجاه هذه الحركة وتمجيد رجالاتها قد تغيّر, وان روسيا الجديدة تبلور الان نظرة اخرى تجاه تاريخها والاحداث الاساسية الكبرى , التي حدثت في مسيرتها الطويلة , وما أحوجنا – نحن العرب – الى دراسة هذه الظاهرة الفكرية في تاريخ الامم .   


28
أدب / الحماقة
« في: 22:46 21/12/2018  »
الحماقة
=====

قصيدة للشاعر الصربي المعاصر رانكو ايوفوفيج
============================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=======================


الحماقة –
انها
قمّة الرقّة ,
انها
الفرح والغبطة ,
انها
 الحريّة .
حماقتي –
هي أغلى شئ
عندي .
الحماقة –
انها الام
والاصل
 لكل  الاجناس
البشرية .
====================================================================================
ولد الشاعر والناثر وكاتب المقالة الصربي رانكو ايوفوفيج العام 1941 في الجبل الاسود , وهو خريج كلية الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها) في جامعة بلغراد .
عندما قرأت هذه القصيدة الصغيرة في نصها الروسي تذكرت بيتا فلسفيّا شهيرا للمعري في قصيدته ( في سبيل المجد ) و هو –
ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا    تجاهلت حتى قيل اني جاهل
وهكذا قررت ترجمتها الى العربية , اذ ان الشاعر الصربي رانكو ايوفوفيج  ذكّرني فعلا بالمعري , فهو ايضا يحاول ان يبدو ( احمقا) للآخرين كي يكون مثلهم , كالمعري , الذي ( رأى الجهل في الناس فاشيا ) وحاول ان يبدو ( جاهلا) مثلهم .
القصيدة في كل الاحوال طريفة و فلسفية وغير اعتيادية – من وجهة نظري - رغم كونها قصيرة جدا .
المترجم

29
عود على تدريس العلوم باللغة القومية
أ.د. ضياء نافع
الى محمد عارف وفرات محسن وكفاح السوداني وصادق حسين وضياء العبادي وبقية الاصدقاء الاعزاء.
ض.ن.
استلمت تعليقات عديدة ومتشعبة جدا حول مقالتي بعنوان ( تدريس العلوم باللغة القومية ) , و لهذا اود ان اعود الى هذا الموضوع المهم - من وجهة نظري – بالنسبة لمسيرة التعليم في عالمنا العربي بشكل عام وفي العراق بشكل خاص , اي بالنسبة لمستقبل اجيالنا اللاحقة , واؤكد على كلمة ( اللاحقة) , لأن هذا موضوع بعيد المدى ويرتبط بالمستقبل البعيد ويتطلب مناقشات طويلة و مستفيضة وشاملة وهادئة وموضوعية , وان يشارك فيها المتخصصون  في العلوم كافة , ولا يخضع الى اجتهادات فردية وانطباعات سريعة ليس الا.
لم استطع ( ولم اخطط طبعا) ضمن مقالتي الوجيزة المشار اليها في اعلاه ان اوضح كل ابعاد هذا الموضوع الواسع جدا , ولكن التعليقات تركزت على تفاصيل كثيرة ومتشعبة جدا لم اتناولها اصلا, اذ تحدث البعض , مثلا ,عن التجربة السورية حول تدريس العلوم الطبية بالعربية والتي تجري منذ زمن بعيد , واعتبرها ( بجرّة قلم كما يقول التعبير العربي الطريف)   فاشلة تماما, دون التعمق بدراسة هذه التجربة من جوانبها المتعددة, وهي نظرة متسرعة جدا وتفتقد الى التحليل الموضوعي الشامل , الذي يحدد ما لها وماعليها , وبالتالي يخرج باستنتاجات علمية محددة عن هذه التجربة الفريدة , والتي – اكرر- انها تجري منذ سنوات طويلة, وتساهم بها اجيال من المتخصصين السوريين , وليس من الضرورة هنا تكرار هذه التجربة حرفيا , ولكن يجب دراستها بامعان  .  وتحدث بعض المعلقين عن عمق اللغة العربية وعظمتها وقابليتها على الاشتقاق والتكييف , وهو موضوع قديم طبعا , ومتشابك – ان صح التعبير – واقول متشابك بالذات لانه يرتبط بالنظرة القوميّة المتطرفة في عالمنا العربي  ( والتي عانينا منها الكثير في مسيرة حياتنا كما هو معروف !), وقد تذكرت حادثة طريفة حدثت في كلية اللغات مرة , اذ قال أحد اساتذة اللغة العربية ( والتي تقوم كلية اللغات بتدريسها بمعدل ساعتين اسبوعيا في اقسام اللغات الاجنبية كافة) قال , ان اللغة العربية هي ( ام اللغات) , فسأله أحد الظرفاء ( اذا كانت العربية ام اللغات , فهذا يعني ان هناك بالضرورة زوج لها , اي أب لهذه اللغات , فمن هو هذا الاب ؟) , وقد غضب استاذ العربية ذاك غضبا شديدا , واعتبر هذا السؤال اهانة للغة العربية ( المقدّسة !) واعتداء  صارخ عليها , وقد حاولنا جميعا – بالطبع - تهدئة الموقف المتوتر ذاك , والذي كان يمكن ان يؤدي الى نتائج وخيمة جدا, واطلقنا بعدئذ على تلك الحادثة الغريبة و الطريفة تسمية - (معركة عشيرة اللغات!).
ان مقالتنا حول تدريس العلوم باللغة القومية تنطلق من مفاهيم اخرى , واهمها , ان لغة الثقافة ولغة العلم واحدة في معظم مجتمعات العالم المتقدم وشبه المتقدم ايضا, فالفرنسي والانكليزي والالماني والروسي و الامريكي والصيني والبلجيكي والياباني والبلغاري والكوري والتركي والبولوني والاسباني والبرتغالي والارجنتيني والنمساوي ووووووو... , كلهم يدرسون العلوم كافة في مدارسهم وجامعاتهم بلغتهم القومية , وكلهم وصلوا الى هذه المرحلة الطبيعية تدريجيا , وليس طفرة واحدة كما يقال , و انما نتيجة لعمل طويل ومسيرة علمية استغرقت عشرات السنوات الكثيرة والطويلة جدا من البحث العلمي المعمق , ففي روسيا مثلا , ابتدأت هذه العملية العلمية منذ زمن العالم الروسي الموسوعي الكبير ميخائيل لومانوسوف في القرن الثامن عشر , الذي خاض نضالا ( وليست هذه كلمة طنانة ابدا , ولكنها حقيقة موضوعية فعلا!) ضد هؤلاء الذين كانوا يؤكدون ( في تلك الفترة) على عدم قدرة اللغة الروسية على القيام بذلك الدور ابدا , وهذا الموقف يذكرنا طبعا بما يقولونه الان في مجتمعاتنا حول اللغة العربية وعدم امكانياتها بالتعبير عن المصطلح الفلاني في العلم الفلاني.
يجب الاقرار والاعتراف, وبلا اي تردد , بوجود لغة بارزة في كل عصر من عصور تاريخ البشرية , لغة سائدة اولى , وكانت العربية واحدة منها في زمن مضى وانتهى عندما كانت بغداد (منارة المجد التليد) , وان اللغة الانكليزية في عصرنا  المعاصر هي اللغة الاولى بلا شك نتيجة ظروف مسيرتها التاريخية عبرعدة قرون , دون ادخال هذه المسألة في اطار ( المؤامرآت الامبريالية !!!) , وقد طالبتني اكاديمية العلوم الروسية عندما قرر معهد الاستشراق الروسي التابع لها ان ينشر كلمتي في كتاب ضمن بحوث مؤتمر المستعربين الروس  ( انظر مقالتنا بعنوان – حول اول معجم روسي – عربي للامثال الروسية في العراق) طالبتني بموجز قصير للكلمة باللغة الانكليزية كشرط من شروط النشر في اصدارات اكاديمية العلوم الروسية , وعندما اعتذرت لهم عن ذلك لعدم امكانيتي كتابة هذا الموجز بالانكليزية , أخذت الدكتوره  الميرا علي زاده على عاتقها تنفيذ هذه الفقرة اعتزازا منها بتلك الكلمة , وذلك لانها كانت رئيسة لتلك الجلسة العلمية, التي القيت فيها الكلمة , وهذا ما تم فعلا.
تدريس العلوم باللغة القومية يعني اولا الاقرار بهذا المبدأ باعتباره ضرورة علمية تعكس تقدم البلد وتعددية لغاته والوحدة  العضوية بين لغة العلم ولغة الثقافة فيه , وتدريس العلوم باللغة القومية يقتضي عملا علميا هائلا لكل فئات الامة من اختصاصيين ومثقفين ولعشرات السنوات , وتدريس العلوم باللغة القومية عملية اجتماعية كبيرة و تدريجية وبطيئة جدا جدا , ولا تتم بين ليلة وضحاها .
 دعونا نتكلم عن تدريس العلوم بلغتنا القومية الان , ونبذر بذورها في تربتنا الان , ونتهيأ للانتقال التدريجي اليها الان , فقد نضج العراق حضاريا بفضل ابنائه في كل مكان بغض النظر عن الاحداث المأساوية التي تجري في عراقنا الحبيب , ومن الضروري ان نلحق بصاروخ التقدم العلمي العالمي.

30
أدب / ارجوكم ايها الصغار
« في: 20:26 17/12/2018  »
ارجوكم ايها الصغار
=============

قصيدة للشاعر الصربي المعاصر ليوبيفوي رشوموفيج
==============================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
 =====================

-مقاطع –
=======

ارجوكم ايها الاطفال الصغار
خذوا بنظر الاعتبار,
ان الكبار
يحبون كتابة الترّهات
على هذا الجدار
وذاك الجدار,
مثلا-
ساشا  السمين
 دماغه ثخين,
نينا تحب كوليا
من سنين,
يسقط مجلس ادارة المبنى
الذي نسكن فيه
 وما زلنا,
والكثير من الشعارات,
والقفشات,
والنكات,
وبقيّة الترّهات...
................
................
========================================================================
سبق لنا ان قدّمنا تعريفا موجزا عن الشاعر الصربي الساخر لوبيفوي رشوموفيج مع ترجمة لقصيدتين له هما – (الفيل ) و ( الغذاء والحمية) , وذلك ضمن مادة بعنوان – قصيدتان من صربيا.

31
هل (شبعنا!) من بوشكين فعلا؟
أ.د. ضياء نافع
من  ضمن التعليقات المتنوعة والمختلفة جدا و ردود الفعل على مقالاتي حول الادب الروسي ( والتي انشرها منذ سنوات عديدة كما هو معروف) , استلمت تعليقا (طريفا!) جدا من أحد القراء المتابعين على ما يبدو بدقة لمقالاتي فعلا, و يقول هذا القارئ في تعليقه ما يأتي – ( لقد شبعنا من بوشكين في مقالاتك !) , ويشير الى انه أحصى هذه المقالات عن بوشكين ووجد انها حوالي الثلاثين مقالة, وذكر بعضها مثلا , وقال ان بوشكين قد ورد ذكره ايضا في مقالات اخرى عن الادب الروسي وذكر امثلة ايضا, وخلص الى تذكيري باستنتاجه هذا , وهو انه ( شبع!) من بوشكين , وقد كان هذا القارئ مؤدبا ودبلوماسيا جدا , اذ انه لم يقل لي ( بعد تعليقه ذاك ) ان اتوقف عن الكتابة عن بوشكين بشكل مباشر وحاسم , وانه آن الاوآن لي ان أجد موضوعا آخر للكتابة غير بوشكين. 
اولا , اريد ان اشكر هذا القارئ الصريح على هذه الارقام  والاحصائيات الدقيقة حول مقالاتي, والتي لم اكن منتبها لها فعلا , وثانيا , أود أن أذكره , باني لازلت في بداية الطريق ليس الا بالنسبة لبوشكين ( شمس الشعر الروسي ) , اذ انني احلم و اخطط  و أدعو الى اعداد مجموعة نقاط مهمة باللغة العربية عن بوشكين , واول هذه النقاط   هي اعداد الببلوغرافيا العربية حول بوشكين , وهي  خطوة ضرورية جدا للانتقال من مرحلة التناول العشوائي لبوشكين باللغة العربية ( كل حسب اجتهاده وامكانياته) الى الخطوة الثانية , وهي التي تتناول بوشكين بشكل علمي وموضوعي وشامل , وتقديمه للقارئ العربي كما يجب , وصولا الى اصدار المؤلفات المختارة ( ولا أقول الكاملة ) لبوشكين بالعربية , وهذا ما حدث في اللغات الاوربية مثل الانكليزية والفرنسية والالمانية منذ عشرات السنين والى الوقت الحاضر . ان اعداد الببلوغرافيا العربية حول بوشكين تقتضي تأليف لجان متخصصة تشمل البلدان العربية الرئيسية مثل مصر وسوريا ولبنان والعراق وتونس وغيرها من بلداننا العربية , وتحت اشراف اكاديمي دقيق وصارم , لانجاز هذه المهمة العلمية الكبيرة , ويمكن للتقدم العلمي التقني في عصرنا تحقيق هذه المهمة عن بعد , ولا ضرورة للاجتماعات الدورية المباشرة بين العاملين على انجاز هذه الببلوغرافيا لتبادل المعلومات والتنسيق بينهم  حول العمل كما كان الحال سابقا. ان انجاز هذه الببلوغرافيا يعني , ان المتخصصين العرب  في ادب بوشكين وابداعه سيعرفون بالضبط ما الذي تم انجازه في هذا المجال , وبالتالي يمكن ان يحددوا ما الذي يجب عليهم انجازه لاحقا , من اجل اتمام وتكملة معرفة العرب بابداع بوشكين , وهكذا , ستبدأ الخطوات اللاحقة الصحيحة والبعيدة عن التخبط او التكرار او الاجتهاد الذاتي البحت , وستكون الاعمال العلمية اللاحقة ذات تخطيط وتمتلك هدفا محددا ومعينا في هذا المجال , وعندها , يمكن ان نقول , اننا بدأنا ب (  التهام! ) بوشكين , وبعد هذا ال ( الالتهام) , ربما سيصل البعض منّا الى حالة ( الشبع!) , التي وصل اليها ذلك القارئ , الذي كتب اليّ , انه ( شبع!) من بوشكين قبل ان يبدأ اصلا ب (تناول الطعام!).
دعونا نطلع اولا على المجلات العربية كافة وطوال اكثر من قرن ونيّف من الزمان, ونجردها ونلتقط منها ما كتبت عن بوشكين , وهناك الكثير من المواد الدسمة عنه .
 ودعونا نطلع على الجرائد العربية في تلك الفترة ايضا , كي نرى , ما الذي نشرته (صحف ابراهيم وموسى) عن هذا الاديب الروسي المتميّز ونأخذه بنظر الاعتبار .
 ودعونا نسجل عناوين الكتب التي كتبها الادباء العرب عنه , والكتب التي نشرها الباحثون والمترجمون العرب عنه , ودعونا نطلع حتى على مسوّدات هؤلاء الادباء والباحثين الذين قدموا لنا كتاباتهم عن بوشكين منذ نهاية القرن التاسع عشر وعبر القرن العشرين وصولا الى عصرنا الحالي .
 ودعونا نبحث عن هؤلاء الذين كانوا يحيطون بهم ونسألهم , لماذا اختار سامي الدروبي مثلا في خمسينات القرن العشرين ترجمة ( ابنة الضابط ) لبوشكين قبل ترجمته لدستويفسكي , ولماذا اختار نجاتي صدقي بوشكين ليكتب عنه كتابه  الرائد الموسوم ( بوشكين امير شعراء روسيا  ) في الاربعينات قبل ان يكتب عن تشيخوف , الاقرب اليه تاريخيا , اذ ان نجاتي صدقي وصل الى روسيا ودرس فيها بعد عشرين سنة فقط من وفاة تشيخوف ليس الا .     
ودعونا  نقوم بكل ذلك قبل ان نبحث عن بوشكين بالعربية في ( غوغل) , واؤكد على كلمة ( قبل) , وعندها يمكن لنا ان نقارن ونرى الحقيقة الجميلة والساطعة .
لنعمل سوية من اجل تحقيق خطوات علمية في دراسة الادآب الاجنبية , اذ ان ذلك ضروري لنا جميعا .

32
 
ريلييف – اول شاعر أعدموه في روسيا
------------------------------------------------
أ.د. ضياء نافع

ولد الشاعر الديسمبري كندراتي فيودورفيتش ريلييف العام 1795 في بطرسبورغ وتم اعدامه شنقا العام 1826 في بطرسبورغ ايضا , اي عندما كان عمره 31 سنة ليس الا , وبذلك اصبح اول شاعر يعدم في روسيا لاسباب سياسية بحتة , اذ انه كان واحدا من قادة حركة الديسمبريين ضد القيصر الروسي, و التي حدثت في شهر ديسمبر/ كانون الاول عام 1825 ( ولهذا أسموهم الديسمبريين), و انتهت بالفشل , وأعدموا خمسة من قادتها بعد محاكمات طويلة , وكان ريلييف واحدا منهم .
 الشاعر الفلسطيني معين بسيسو ( 1926 - 1984) في كتابه الفريد من نوعه بالمكتبة العربية  والموسوم - ( الاتحاد السوفيتي لي ) يستشهد بقصيدة جميلة لريلييف بترجمته هو على ما يبدو , رغم انه – تواضعا ربما - لا يذكر ذلك بشكل مباشر , وأقدّم  للقارئ مقاطع من تلك الترجمة الدقيقة, التي أثارت انتباهي و اعجابي -   
زأرت العاصفة وصخب المطر
وفي الظلام تطايرت البروق
ودمدم الرعد بلا انقطاع
وهدرت الرياح في مجاهل الغابات..
وعلى ضفة (أرتيش) الموحشة
جلس (يرماك) غارقا في الافكار
مشبعا بشهوة المجد..
و( يرماك ) هو قائد عسكري من فيلق القوزاق ساهم في القرن السادس عشر بالحملة الروسية من اجل السيطرة على سيبيريا , وغرق في نهر (ارتيش) هناك, وليس عبثا ان الشاعر الشاب ريلييف كتب عنه هذه الابيات, اذ انها تتناغم فعلا مع روحيته الرومانسية الثورية , ومع تلك الافكار و البطولة التي كانت تكمن في اعماق الشاعر الديسمبري ريلييف منذ بداية مسيرته .
لم يستطع ريلييف في حياته القصيرة ان يحقق طموحه الادبي , اذ ان هاجس الثورة ضد النظام القيصري في روسيا قد سيطر على كل نشاطه , ولكنه – مع ذلك – أصدر كتابين , الاول هو مجموعته الشعرية الوحيدة , وكانت بعنوان – ( افكار) , وتتضمن كل قصائده, و التي منعوها طبعا بعد اعدامه , لكن المعارضة للنظام القيصري في لندن وبرلين طبعتها هناك في ستينيات القرن التاسع عشر ( انظر مقالتنا بعنوان – حول صحيفة كولوكل الروسية في لندن ) , وصدرت طبعا في الاتحاد السوفيتي بعد قرن تقريبا من اعدامه , واعيد طبعها بموسكو في سبعينيات القرن العشرين مرة اخرى وبخمسين الف نسخة .
لم تتميّز قصائد ريلييف بشكل فنيّ خاص به, ولم يحصل على شهرة واسعة بين القراء الروس لا اثناء حياته القصيرة ولا بعد ذلك , ورغم انه كان يدخل ضمن مناهج المدرسة في الاتحاد السوفيتي , الا انه معروف لديهم – قبل كل شئ – باعتباره مناضلا ضد النظام القيصري , والذي تم اعدامه آنذاك مع رفاقه الديسمبيريين الآخرين , وتشير كل المصادر الروسية حول ريلييف الى جملة قالها بوشكين بشأن نتاجات ريلييف وأشعاره , وكلمات بوشكين لا تعبّر عن اعجابه بتلك النتاجات ,والجملة البوشكينية هذه هي كما يأتي – ( ..لا يوجد فيها اي شئ روسي عدا الاسماء ) .
أصدر ريلييف مع رفيق دربه بيستوجيف أعوام  1823 – 1825 مجلة ( النجم القطبي ) , وهي مجلة كانت ناطقة بافكار حركة الديسمبريين بلا شك , ولم يستطع ان يصدرا اكثر من ثلاثة أعداد, ولكنها – مع ذلك - دخلت التاريخ الروسي , وأعاد غيرتسن لها الحياة في لندن ( انظر مقالتنا بعنوان – غيرتسن الاديب والصحفي الروسي المهاجر) , وتعدّ الان واحدة من شواهد ووثائق مسيرة الفكر الثوري الروسي في القرن التاسع عشر.
لقد أشار ريلييف اثناء حياته , الى ان الطريق الذي يسلكه لن ينتصر , ولكنه استمر بالسير به - رغم ذلك – وبعناد واصرار وحتى النهاية , لانه كان  يؤمن و يعتقد بعمق , ان تضحيته لن تذهب سدى , وانه سيساهم في ايقاظ الشعب الروسي , وان قيمته الفكرية تكمن في ذلك بالذات , ويدور الان نقاش واسع حول هذه الافكار في المجتمع الروسي المعاصر , وحتى خارج روسيا , بين الاوساط التي تهتم بروسيا ومسيرتها اللاحقة , ولا يمكن تلخيص هذه المناقشات هنا طبعا , ولكن الشئ الاكيد , الذي يمكن ان نشير اليه هنا , هو ان ريلييف لازال يحيا في روسيا , وان العديد من شوارع روسيا تحمل الان اسمه , وانه لازال رمزا لبطولة من بطولات التضحية بالنفس من اجل المبادئ السامية العليا, حتى لو كانت بعيدة التحقيق جدا, او مستحيلة ...

33
جدانوف و الجدانوفية في الادب الروسي
أ.د. ضياء نافع
 ولد اندريه الكساندرفيتش جدانوف العام 1896 في الامبراطورية الروسية , وتوفي العام 1948 في الاتحاد السوفيتي . التحق عام 1910 ( كان عمره 14 سنة ) للدراسة في مدرسة للتأهيل المهني وتخرج فيها عام 1915 ( وهذا هو كل تحصيله العلمي طوال حياته , التي امتدت 52 سنة فقط !!!), وتم تدريبه في الخدمة الالزامية عام 1916 ( كانت الحرب العالمية الاولى مستعرة منذ 1914 كما هو معروف , وكانت الامبراطورية الروسية مشاركة فيها ) .
 انضم جدانوف الى صفوف الحزب الشيوعي منذ كان عمره 15 عاما , واصبح عضو لجنة محلية في الحزب عام 1917  عندما سقطت الامبراطورية الروسية وانتصرت ثورة اكتوبر 1917, وأخذ يعمل في الصحف الحزبية المحلية التي كانت تصدر في منطقته مثل ( الفلاح والعامل ) و ( الطريق نحو الكومونة ) و ( أخبار الشيوعية )...الخ , ثم انتقل للعمل في لجان الدعاية الحزبية بمختلف اقسامها وفروعها وطبيعتها, وأخذ يتقدم بالتدريج في صفوف الحزب عن هذا الطريق , الى ان وصل الى المساهمة   بعدئذ في أعمال اللجان الخاصة بالاعداد لكتاب - التاريخ الوجيز للحزب الشيوعي البلشفي , وهو اول وثيقة يصدرها الحزب عن تاريخه , و الذي كان يجري الاعداد لها باشراف مباشر من قبل ستالين نفسه , والذي ثبّت فيه ستالين  - كما هو معروف -  نظرته الشخصية الذاتية البحتة  الى الحزب وتاريخه ومسيرته واحداثه ورجالاته ومواقعهم ودورهم , وهكذا وصل جدانوف الى المشاركة باعمال المؤتمر التاسيسي لاتحاد الادباء السوفيت , والذي انعقد العام 1934 في موسكو, وجلس في منصة ذلك المؤتمر العتيد جنبا لجنب مع مكسيم غوركي  , اذ كان ينفّذ في ذلك المؤتمر رأي الحزب الصارم والدقيق ( والذي يعني رأي ستالين بالضبط ) بشأن ما يجب كتابته وما لا يجب كتابته من قبل الادباء , رغم انه ( اي جدانوف) لم يكتب اي شئ في الادب , بل ولم تكن له اي علاقة بالادب اصلا. وفي هذا العام ايضا ( اي 1934) تم اغتيال كيروف – سكرتير لجنة لينينغراد للحزب الشيوعي ( لازالت القضية مجهولة لحد الان , وهناك أقاويل كثيرة عن ذلك ولا مجال للحديث عنها هنا ) , ولم يجد ستالين أفضل من جدانوف ليحل محل كيروف , وقد تطورت العلاقات بينهما لدرجة ان ستالين أصرّ ان تتزوج ابنته سفيتلانا ( التي هربت من الاتحاد السوفيتي بعدئذ) من ابن جدانوف, ويقال ان ستالين حتى أجبرها ان تنفصل عن زوجها الاول من اجل ذلك , وهكذا اصبحا ( ستالين وجدانوف) أقارب . واستمرت مسيرة جدانوف في الحزب صعودا واصبح عضوا في المكتب السياسي , وهو اعلى هيئة ادارية في تنظيمات الحزب كما هو معروف.
صدر لجدانوف اثناء حياته عدة كتيبات لا غير, هي في الواقع خطابات ألقاها باسم الحزب في مناسبات مختلفة , وكانت تحتوي   على قرارات وتوصيات اتخذها الحزب رسميا, ومع المفاهيم والاستنتاجات التي جاءت في تلك الخطابات وتبلورت
بعدئذ , ارتبط اسم جدانوف في تاريخ الادب الروسي , وولد ايضا مصطلح الجدانوفية في الادب  العالمي  .
هناك ثلاث خطابات ترتبط بالادب بشكل او بآخر, الخطاب الاول كان في المؤتمر التأسيسي الاول لاتحاد الادباء السوفيت , والذي حدد مفهوم الواقعية الاشتراكية باعتبارها منطلق كل النتاجات الادبية والفنية في الاتحاد السوفيتي ( انظر مقالتنا بعنوان – غوركي وستالين والواقعية الاشتراكية ) , والخطاب الآخر ألقاه جدانوف اثناء مناقشة كتاب بعنوان – تاريخ الفلسفة الاوربية الغربية , اما الخطاب الثالث , وهو الاهم بين كل تلك الخطابات , فقد كان عن مجلة ( النجم ) , ومجلة ( لينينغراد) . في هذا الخطاب جاءت تلك الاحكام المشهورة لحد الآن حول الشاعرة الروسية آنّا أخماتوفا ( التي قال عنها انها بعيدة عن الشعب بشكل مطلق ), وحول االقاص الروسي زوشينكو ( الذي قال عنه انه ضمن قوى الظلام الرجعية في السياسة والفن ).
يتفهم الانسان الروسي ويعرف بشكل جيد , ان الآراء التي تحدث عنها جدانوف تعود الى ستالين شخصيا , وان جدانوف هو احد تابعيه (المخلصين!) ليس الا , الذين كانوا يؤيدونه بشكل مطلق ودون تحفّظ في كل شئ, ويذكرني ببعض الشخصيات العراقية الباهتة , الذين كانوا يطبّلون للقائد الضرورة في تلك الايام بمناسبة وبغير مناسبة , مثل (وزير التعليم العالي والبحث العلمي!!) , الذي استدعانا مرة ( كل اساتذة جامعتي بغداد والمستنصرية)  الى اجتماع عاجل في القاعة الكبرى للجامعة المستنصرية وألقى امامنا خطابا قال فيه , ان صدام حسين ( نبيّ) , ثم أردف – ( أستغفر الله , ولكني لا أجد غير كلمة نبيّ  يمكن ان تصفه بشكل صحيح !) .
جدانوف من هذا القبيل , وقد تم نسيانه بعد موت ستالين , ولم يظهر في الاتحاد السوفيتي مصطلح الجدانوفية بتاتا , وانما ظهر هذا المصطلح في الغرب , وهو نتاج الحرب الباردة طبعا , وقد ( تسرب!!) الينا من هناك ليس الا , وتلاشى بالتدريج في الغرب وعندنا ايضا, لانه غير صحيح وغير موضوعي بتاتا .
ختاما , نود الاشارة الى قرار اتخذه الحزب الشيوعي السوفيتي العام1989 حول جدانوف , وجاء فيه ( ..انه واحد من منظمي القمع الجماهيري في الثلاثينات والاربعينات .. وانه يتحمّل المسؤولية مع الآخرين على ما جرى في تلك الفترة من أعمال اجرامية ..) , وقد قرر الحزب رفع اسمه من كافة  الاماكن والمؤسسات التي تم اطلاق اسمه عليها في الاتحاد السوفيتي ...
       

34
تولستوي و دستويفسكي
أ.د. ضياء نافع
كلاهما عاشا وأبدعا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في روسيا وأصبحا اسمين بارزين في دنيا الادب والفلسفة , وكلاهما يمثلان الآن ( ونحن في القرن الحادي والعشرين) روسيا امام العالم المتحضّر , وكلاهما يقفان في طليعة الفكر العالمي , وكانا بالطبع يعرفان بعضهما البعض عن بعد ويتابعان نتاجاتهما التي تنشر, ولكنهما لم يلتقيا مع بعض بتاتا طيلة حياتهما, وكم تأسف تولستوي في حديثه مع أرملة دستويفسكي لانه لم يلتقيه اثناء حياته  (كما أشارت ارملته في ذكرياتها عن اللقاء , الذي جرى بينها وبين تولستوي بعد وفاة دستويفسكي) , وكان هذا اللقاء يمكن ان يحدث في بطرسبورغ , عندما كانا كلاهما ( تولستوي ودستويفسكي) حاضرين في جلسة واحدة , حيث القى محاضرته المفكر الروسي سولوفيوف الشاب آنذاك (و الذي سيرتبط اسمه لاحقا بالرمزية الروسية ). لقد قال تولستوي لارملة دستويفسكي , ان ستراخوف ( وهو الصديق المشترك لكليهما ) لم يعرّفهما مع بعض عندئذ, ولكن ستراخوف قال , ان تولستوي كان في زيارة عمل ببطرسبورغ , وانه اشترط على ستراخوف الا يقدمه الى اي شخص اثناء تلك المحاضرة . وهكذا ضاعت ( بالنسبة لتاريخ الادب الروسي) فرصة اللقاء التاريخي بين هذين العملاقين.
الحديث عن تولستوي ودستويفسكي معا حديث قديم في مسيرة الدراسات المقارنة في الادب الروسي وفي الادب العالمي ايضا , وقد ابتدأ منذ نهاية القرن التاسع عشر , ولازال مستمرا لحد الآن , ويكفي ان اذّكر القارئ الكريم بالكتاب الذي نشره ميرشكوفسكي بعنوان – ( تولستوي ودستويفسكي ) الصادر عام 1902 في موسكو ( انظر مقالتنا بعنوان – الاديب والفيلسوف الروسي ميرشكوفسكي) حيث توقفت عند هذا الكتاب , الذي تناول فلسفة الكاتبين والمقارنة بينهما, اذ أشار ميرشكوفسكي هناك الى انهما يجسّدان    العلاقات غير المتكافئة وحتى المتناقضة الى حد ما  بين حقيقتين كبيرتين في الفكر الروسي , والتي يمكن ان نسميهما ( حسب ميرشكوفسكي واجتهاداته ) – حقيقة الاله , وحقيقة الانسان . الحقيقة الاولى يجسّدها دستويفسكي , والثانية يجسّدها تولستوي , وكلاهما ( الحقيقتان) ضرورية للانسان ومسيرة حياته وعلاقاته المتشعبة في المجتمعات البشرية على الارض.
استمرت الدراسات المقارنة بين الاديبين الكبيرين في مسيرة الفكر الروسي , الى ان حدثت ثورة اكتوبر1917 , والتي اصبح دستويفسكي بعدها ضمن قائمة الادباء والمفكرين ( المغضوب عليهم !) , ولكن تلك المقارنات ازدادت في الاوساط الروسية خارج روسيا , اذ استخدم اللاجئون الروس عندها اسم دستويفسكي رمزا لحملاتهم ضد ثورة اكتوبر , ولنتذكر الفيلسوف الشهير بيرديايف مثلا ( انظر مقالتنا بعنوان – بيرديايف ودستويفسكي) , ولكن عندما خفتت مسيرة الاحداث (الطنانة والرنانة!) بعد وفاة ستالين في الاتحاد السوفيتي و بدأت مرحلة ( ذوبان الجليد !) كما استقر هذا المصطلح الطريف في تاريخ الفكر الروسي و العالمي , عاد دستويفسكي الى الحياة الفكرية الروسية من جديد ( بل وانتصب تمثال كبير له امام مكتبة لينين بالذات في قلب موسكو . انظر مقالتنا بعنوان – تماثيل دستويفسكي ) , وبالطبع , عاد الحديث عن المقارنات الفكرية بين دستويفسكي وتولستوي في روسيا مرة اخرى وبحيوية واضحة جدا . ومن غير الممكن التوقف عند سلسلة هذه الكثرة الكاثرة من الكتب والبحوث والمقالات والتعليقات المتنوعة جدا , التي تتناول المقارنة بين هذين العملاقين ونتاجاتهما وتأثيرهما على المجتمع الروسي المعاصر , ولكننا نريد الاشارة هنا فقط الى نقاش حاد وطريف جدا جرى عام 2016 ليس الا  في روسيا حولهما . لقد كتبت الصحافية الروسية ليزوكينا مقالة بعنوان – ( تولستوي ودستويفسكي – كلاسيكيان لا يستسلمان ) , تناولت فيها موقف رئيسة الجمعية الروسية للتأليف فيربيتسكايا حول هذين الاديبين في المناهج المدرسية بروسيا, اذ دعت رئيسة الجمعية الى حذفهما من تلك المناهج , لان عقل التلاميذ غير مؤهل لاستيعابهما . وتهاجم الصحافية رأي رئيسة الجمعية هذا , وتعتبره غير صحيح بتاتا , وتدعو الى اعادة النظر ليس في مفردات المناهج , وانما في الاسلوب السائد في نظام التربية المدرسية, وفي الطريقة التلقينية التي يقوم بها المعلم  اثناءعملية تدريس هذه المواد , وقد أثارت هذه المقالة ردود فعل كثيرة ومتنوعة جدا لدى القراء , وكلها كانت تؤيد رأي الصحافية المذكورة .
ختاما لهذه المقالة الاوليّة والوجيزة جدا, اريد ان استشهد بما كتبه تولستوي , عندما علم بوفاة دستويفسكي . لقد جاء في رسالة تولستوي الى صديقه ستراخوف بتاريخ 5 شباط / فبراير من عام 1881 ما يأتي – ( لم أر هذا الانسان , ولم تكن لديّ علاقات مباشرة معه , وفجأة, عندما مات , فهمت بانه كان أكثر الناس قربا , وعزيزا وضروريا لي ... ... لقد كنت أعتبره صديقي, ولم افكر بشكل آخر , واننا سنلتقي , ولكن الان لن يحدث ذلك ...... لقد انفصل سند من كياني ..... بعدئذ اصبح واضحا , كيف كان غاليا بالنسبة لي , وبكيت , وانا أبكي الآن ...).   

35
عراقيون مرّوا بموسكو (25) / د. حسن البياتي
أ.د. ضياء نافع
وصل حسن البياتي الى موسكو اوائل ستينيات القرن العشرين للالتحاق في قسم الدراسات العليا بجامعة موسكو, وذلك لانه حاصل على شهادة البكالوريوس ( الليسانس) من جامعة بغداد , ومختص باللغة العربية وآدابها . كان د. حسن شاعرا معروفا في العراق , وقد أصدر ديوانين قبل وصوله الى موسكو هما – (من شفاه الحياة )و (جنود الاحتلال ), وقد اراد الشاعر حسن البياتي بالطبع ان يدرس الشعر الروسي ويتخصص به , والتحق فعلا بكليّة الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها ) في جامعة موسكو (والتي كنّا نسميها - نحن العراقيين- على الطريقة العراقية كليّة الآداب) , وفي قسم تاريخ الادب الروسي للقرن التاسع عشر , واختار عنوان اطروحته عن ملحمة شعرية للشاعر الروسي الكبير نكراسوف تتناول بشكل ساخر بحث الفلاحين الروس عن الشخص الذي يعيش بشكل جيد وسعيد في روسيا , وهي ملحمة معروفة جدا في تاريخ الشعر الروسي , وخصوصا في الزمن السوفيتي , لان الشاعر نكراسوف واحد من اركان الحركة الديمقراطية الثورية في تاريخ الادب الروسي , وكان ضمن الاسماء الثورية في هذا الادب مثل تشرنيشيفسكي ودبرالوبوف , وكان رئيس تحرير مجلة ( سوفريمينك) ( المعاصر) الادبية والفكرية , والتي كانت واقعيا لسان حال الحركة التي يسمونها آنذاك في الاتحاد السوفيتي ( النقد الادبي الثوري الديمقراطي) . وكان د. حسن فخورا  جدا بعنوان اطروحته , ويتحدث عنها بين العراقيين ,  لكنه ترك هذا البحث بعد فترة وجيزة , ولا نعرف سبب ذلك , الا ان الاقاويل التي كانت سائدة بيننا , نحن الطلبة العراقيين , كانت تتحدث عن عدم الامكانية العلمية لشخص متخصص بالادب العربي من جامعة بغداد بانجاز بحث دكتوراه في الشعر الروسي وباللغة الروسية دون معرفة معمقة في الادب الروسي وتاريخه , وانه لهذا ترك تلك الاطروحة وعاد الى البحث في مجال اختصاصه الدقيق , وهو الادب العربي , وهكذا انتقل من كليّة الفيلولوجيا الى معهد لغات آسيا وافريقيا , وهو ايضا تابع لجامعة موسكو , وهناك انجز اطروحته حول الصفة المعادية ( اوالطابع المضاد ) للاستعمار في الشعر العراقي المعاصر , وأبدع فيها فعلا, لانه هو شخصيا كان أحد هؤلاء الشعراء . ان انتقال حسن هذا كان خطوة علمية صحيحة جدا وشجاعة ايضا , لم يستطع بعض العراقيين ان يتخذوها آنذاك من زملائه العراقيين الآخرين , اذ ترك اثنان منهما الدراسة لاحقا, وقد اضطرت المجموعة الاخرى منهم ان يدرسوا سنين طويلة جدا خارج الفترة المحددة والقانونية للدراسة من اجل الحصول على الشهادة المطلوبة , بينما استطاع د. حسن ان ينهي دراسته وبنجاح رائع وفي مجال اختصاصه العام و ضمن فترة معقولة , واستطاع ان يتقن اللغة الروسية بشكل جيد جدا , وقد انعكس ذلك بعدئذ على نشاطه العلمي لاحقا بعد عودته الى العراق في مجال الترجمة عن الروسية الى العربية , وأصدر عدة كتب مترجمة عن الروسية , وتتميّز هذه الكتب في كونها متنوعة جدا , وشملت آداب شعوب مختلفة , مثل ادب أمريكا اللاتينية واوربا الشرقية وآسيا والقوقاز  , اي انه استخدم معرفته العميقة للغة الروسية في ترجمة مصادر متنوعة من الادب العالمي , وهي ظاهرة تستحق التأمل والدراسة فعلا , اذ انه تخطى المفهوم التقليدي السائد في عالم الترجمة , وهو المفهوم الذي يؤكد على ضرورة الترجمة عن اللغة الاصلية فقط الى العربية , اي عدم استخدام اللغة الوسيطة في الترجمة , وقد استطاع د.حسن ان يبدع فعلا في ترجماته تلك وان يتميّز بها عن المترجمين العراقيين الآخرين , ولازالت تلك الترجمات متداولة بين القراء لحد الان .
اضطر د. حسن البياتي الى ترك العراق نتيجة الظروف المعروفة آنذاك, وسافر الى اليمن , حيث عمل – وبنجاح كبير- في الجامعات اليمنية , اذ انه كان في العراق ايضا استاذا جامعيا ناجحا , الا انه فقد بصره في اليمن مع الاسف , وهكذا أصبح اعمى , وسافر الى لندن ( حيث يقيم لحد الآن) وهو في تلك الحالة المأساوية الصعبة, الا ان ارادته القوية قد صمدت في هذا الامتحان الصعب, وهكذا استمر د. حسن البياتي في نشاطه الفكري رغم ذلك , واستمر بكتابة الشعر والبحوث والمقالات وحتى اصدار الكتب الثقافية المتنوعة , و اود هنا أن اشير الى كتاب متميّز بين كل تلك النتاجات للدكتور حسن البياتي وهو كتاب بعنوان – (الصرح الترجمي للدكتور علي حواد الطاهر) . و الكتاب هذا فريد من نوعه في المكتبة العراقية عن الناقد والباحث العلمي الكبير والاستاذ الجامعي علي جواد الطاهر , والذي أعده البياتي خصيصا لمناسبة الذكرى العشرين لوفاة استاذ الاجيال    المرحوم علي جواد الطاهر.
تحية تقدير واعتزاز للدكتورالشاعر والباحث والمترجم و الاستاذ الجامعي القدير حسن البياتي , الوجه الناصع لخريجي الجامعات الروسية , وتصفيق حاد له على نشاطاته الثقافية الابداعية المتنوعة وهو في هذه الحالة الصحية الاستثنائية الصعبة .
 استمر في مسيرتك الابداعية البطولية الرائعة يا ابا جميلة العزيز. 


36
حول آخر كتاب أصدره غوغول
أ.د. ضياء نافع
--------------------------------------------------------------
توفي نيقولاي غوغول في بداية شهر آذار / مارت من عام  1852 , وصدر آخر كتاب له  العام 1847 بعنوان – (مختارات من مراسلات مع الاصدقاء) , كما استقر عنوانه لاحقا في الترجمات العربية , اما الترجمة الحرفية للعنوان فهي – أماكن مختارة من مراسلات مع الاصدقاء . الكتاب معروف للقارئ العربي (عن بعد) ان صح هذا التعبير , اذ انه غير مترجم الى العربية حسب معلوماتنا , ولكن الباحثين والقراء العرب غالبا ما يتحدثون عنه , وحتى يلعنونه في كثير من الاحيان , دون الاطلاع الدقيق والموضوعي والشامل على نصوصه بلغتهم العربية , بل انطلاقا من مواقف (ورثوها!!!) من قراءآت  سابقة حول هذا الكتاب ليس الا ( انظر مقالتنا بعنوان - حول بيلينسكي و رسالته الى غوغول ) , وهي مسألة جديرة بالتوقف عندها والتأمل فيها فعلا , اذ انها نادرا ما تحصل في الاوساط الفكرية, وقد حصلت مرة في تاريخ الادب الروسي في القرن العشرين بالنسبة لباسترناك وروايته ( دكتور زيفاغو ) , وهو ايضا آخر كتاب صدر لباسترناك , وكذلك حصلت بالنسبة لكتاب غوغول الاخير هذا في مسيرة الادب الروسي في القرن التاسع عشر.
يتضمن الكتاب (32) فصلا مختلفا ومتنوعا جدا, وهو واقعيا مجموعة مقالات فكرية معمقة, ويمكن القول بكل ثقة , ان بعض تلك المقالات لازالت مهمة لحد الان بالنسبة  للمجتمع الروسي وحركته الفكرية , رغم ان غوغول كتبها قبل اكثر من قرن ونصف , بل ان أحد النقاد قارن كتاب غوغول هذا مرة باهمية ( اعترافات ) جان جاك روسو  . لا يمكن طبعا عرض محتوى او مضمون كل تلك الرسائل المتنوعة ( او فصول هذا الكتاب) في اطار مقالتنا , ولكنني – في الاقل -  أود ان أعرض للقارئ بعض عناوينها ليس الا , والعنوان طبعا يبين للقارئ - بشكل او بآخر- المضمون العام لتلك المقالة بلا شك .
 يبتدأ الكتاب بمقدمة , ثم تعقبها الفصول كما يأتي -  وصية //   المرأة في العالم // اهمية الامراض // ما هي الكلمة //  قراءة الشعراء الروس امام الجمهور // عن مساعدة الفقراء // عن الاوديسه بترجمة جوكوفسكي // بعض الكلمات عن كنيستنا ورجالاتها // عن الشئ نفسه // عن ليريكية شعرائنا // نقاشات// المسيحي يذهب الى الامام // كارامزين // عن المسرح , وعن النظرة الاحادية الى المسرح , وبشكل عام عن الاحادية// مواد للشاعر العاطفي ( الليريكي) في الوقت الحاضر// نصائح // التربية // اربع رسائل لاناس مختلفين حول الارواح الميتة // ضرورة ان نحب روسيا //  ضرورة السفر في ارجاء روسيا // الاقطاعي الروسي //  الفنان التشكيلي التاريخي ايفانوف // / كيف يمكن ان تكون الزوجة للزوج في الحياة البيتية البسيطة حسب النظام الحالي للاشياء في روسيا // مخاوف روسيا و اهوالها // الى صديق قصير النظر// الى شخص يشغل مكانا مهما //  ما هو اخيرا جوهر الشعر الروسي وباي شئ  تكمن خاصيته// عيد الفصح المنور//.
هذه هي عناوين بعض فصول الكتاب او رسائله كما أسماها غوغول نفسه , و اظن , ان مجرد القاء نظرة  عامة على هذه العناوين - ليس الا- يمكن ان  تعكس للقارئ  طبيعة هذا الكتاب الطريف و الفريد وباهميته الفكرية الكبيرة في تاريخ روسيا الثقافي , ففي كل فصل يتناول غوغول – وبروحيته واسلوبه الغوغولي المتميّز المعروف - موضوعا مختلفا من المواضيع المطروحة عندئذ امام الانسان الروسي , واتمنى ان تسنح لي الفرصة لاحقا ان اتوقف بشكل وجيز عند فصول مختارة من هذا الكتاب المهم, واستعرض للقارئ العربي اهم الافكار التي وردت هناك , ولا أقول ترجمته الى العربية , اذ ان تلك مهمة اخرى , اتمنى ان يحققها المترجمون العرب الشباب في المستقبل القريب, وذلك  لان ترجمة هذا الكتاب ضرورية لنا فعلا في هذه المرحلة الفكرية المشوشة , التي نمرّ بها. 




37
تدريس العلوم باللغة القومية
أ.د. ضياء نافع
اطلعت يوم 21/11/2018 على مقالة مهمة – من وجهة نظري - كتبها الاستاذ توفيق السيف في صحيفة الشرق الاوسط اللندنية بعنوان – ( تدريس العلوم بالعربية ..هل هذا واقعي؟) , وقد أثارت تلك المقالة أشجان وأشجان , وذكّرتني بما كنّا نحاول في السبعينات والثمانينات ببغداد ان نطرحه على الساحة العراقية من افكار واقتراحات حول ذلك , حيث تحدثت شخصيا عدة مرات في اجتماعات داخل أروقة  جامعة بغداد , عندما كنت مندوبا لكليّة اللغات , وحتى نشرت عدة مقالات قصيرة ومركّزة في الصحف العراقية آنذاك حول هذا الموضوع , وقد اصطدمت حينها ب ( جدار!!) من الرفض الشديد , خصوصا من العاملين في الوسط الطبي والهندسي بالذات , وأذكر اني حاولت اعداد قائمة باسماء الدول , التي تقوم بتدريس العلوم كافة بلغاتها  القومية , بما فيها دول متقدمة مثل فرنسا والمانيا وروسيا  مثلا, كي أبيّن واثبت لهم , ان تدريس العلوم باللغة القومية في اي بلد لا يعني بتاتا انقطاع ثقافة ذلك البلد عن استيعاب تلك العلوم , الا انهم لم يرغبوا الاستماع الى تلك الاراء ابدا , وكانوا يرددون دائما, ان تدريس العلوم في العراق يجب ان يستمر باللغة الانكليزية فقط , لأن ذلك يعني متابعة حركة العلوم عالميا ونتائج البحث العلمي العالمي , دون النظرة المعمقة تجاه دور اللغة وفلسفتها في عملية الاستيعاب العلمي المتكامل لتلك العلوم , ودون ألاخذ بنظر الاعتبار ان تدريس العلوم باللغة الانكليزية في العراق يرتبط بتاريخ العراق الحديث ومسيرة الاحداث التاريخية فيه ليس الا.
لقد ابتدأ تدريس العلوم باللغة الانكليزية في العراق منذ بداية تأسيس الدولة العراقية في بداية عشرينيات القرن الماضي , لأن الجيش الانكليزي هو الذي احتل العراق بقيادة الجنرال مود , وليس نتيجة تخطيط الكوادر العلمية العراقية وارادتها وقرارها , ويجب الاقرار , ان هذه الخطوة ( اي تدريس العلوم باللغة الانكليزية) كانت صحيحة في حينها ( في العشرينات والثلاثينات) ,ولكن العراق بدأ بالتوسع في الخمسينات والستينات , و بالاطلاع على مسيرة العلوم في بلدان اخرى متقدمة ايضا , مثل المانيا وفرنسا وروسيا ...الخ , وان ابناء العراق , الذين درسوا في تلك البلدان , قد عادوا الى بلدهم وأخذوا يساهمون في تطوير العلوم ايضا , مثل ابناء العراق الذين درسوا في البلدان الناطقة بالانكليزية , وان العراق اصبح مؤهّلا للانتقال التدريجي من بلد اللغة الاجنبية الواحدة الى بلد متعدد اللغات, و صفة البلد المتعدد اللغات الاجنبية أعلى من صفة   البلد الذي تسود فيه لغة أجنبية واحدة , وان العراق بعد اكثر من نصف قرن من الاحتلال الانكليزي هو غير العراق في العشرينات والثلاثينات , وانه آن الاوان ان نفهم هذه الحقيقة وان ننطلق منها لادارة التربية والتعليم في بلدنا لاحقا.   
لقد أشار الاستاذ توفيق السيف في مقالته التي ذكرناها في أعلاه الى جملة وقائع في غاية الاهمية في هذا المجال حول علاقة لغة الثقافة والعلم , مؤكدا , ان ( لغة الثقافة ولغة العلم واحدة ) و يجب ان تكون واحدة لأن ( البيئة التي ينتشر فيها العلم بين عامة الناس , ولا يقتصر على النخبة ...) وهذا التوحد هو الذي يؤدي الى             انسجام ( العلم مع الثقافة العامة ..) , وقد استوقفتني في تلك المقالة تجربة  أحد الباحثين اللبنانيين , والتي أشارت الى ان ( الطالب اللبناني الذي يتقن الانكليزية يحتاج الى اربعة اضعاف المجهود اللغوي , الذي يبذله زميله الامريكي كي يستوعب المادة نفسها ) , وتذكرت معاناة الطلبة العراقيين وكيف يجبروهم على دراسة العلوم بالانكليزية من قبل اساتذة يحتاج  قسم كبير منهم الى تعلمها هم قبل طلبتهم , وهذه المعاناة أعرفها نتيجة متابعتي الشخصية والذاتية اثناء مسيرة حياتي العلمية , والتي كانت مرتبطة باللغات الاجنبية وتدريسها في جامعة بغداد .
تحية للاستاذ توفيق السيف على مقالته العلمية الجريئة , وعلى تأكيده – في نفس الوقت - على أهمية اللغة الانكليزية في عالمنا المعاصر , وكم اتمنى ان يساهم التربويون العرب بهذه النقاشات العلمية المهمة للتطور اللاحق في عالمنا العربي . 
أود ان اختتم مقالتي هذه بالاشارة الى ان البلدان التي تقوم بتدريس العلوم بلغاتها القومية ( وهي الاكثرية بين البلدان المتقدمة او المتوسطة التقدم ) تتابع  - بدقة وحرص -  تطور العلوم باللغة الانكليزية  ومصادرها المختلفة, وتستخدم نتائج مسيرتها في مجال البحث العلمي أول بأول , اذ ان تدريس العلوم باللغات القومية لا يعني بتاتا الانفصال عن حركة البحث العلمي في العالم , وان تدريس العلوم باللغات القومية شئ , والانعزال عن العالم ومسيرته العلمية شئ آخر كليّا .

38
المنبر الحر / بوشكين و تولستوي
« في: 19:26 22/11/2018  »
بوشكين و تولستوي
أ.د. ضياء نافع
أجرى معهد استطلاع الرأي العام الروسي مرة استبيانا شاملا حول الادباء الروس الاكثر قراءة بين الروس انفسهم داخل روسيا وخارجها في الوقت الحاضر, وقد جاء بوشكين اولا  بنسبة 42% داخل روسيا و 38% خارجها , وجاء تولستوي ثانيا بنسبة 27% داخل روسيا و35% خارجها , و تم اجراء هذا الاستطلاع في النصف الثاني من العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين . لقد تذكرت – عندما اطلعت على نتائج هذا الاستبيان الطريف – جملة لتولستوي قالها عن بوشكين مرة , وهي كما يأتي  – (أنا أتعلّم الكثير من بوشكين , انه أبي , ويجب ان اتعلّم منه..) , وقلت بيني وبين نفسي – ياللدهشة ويا للروعة , فالاب بوشكين ( عاش 38 سنة , اذ ولد عام 1799 وتوفي عام 1837 ) والابن تولستوي ( عاش 82 سنة , اذ ولد عام 1828 وتوفي عام 1910 ) يتصدران الادب الروسي لحد الآن بين القراء الروس, ونحن في نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين !!!
موضوعة بوشكين وتولستوي قديمة في تاريخ النقد الادبي الروسي ومسيرته , وقد ابتدأت واقعيا منذ الثلث الاخير من القرن التاسع عشر , ولا زالت مطروحة ( ان صحّ  هذا التعبير ) لحد الان , ومن الطريف ان نشير هنا , الى ان بعض الباحثين الروس قد وجدوا حتى صلة قرابة بين بوشكين وتولستوي وهم يتابعون (أغصان شجرة!) العائلتين وارتباطاتها وتشعباتها, ولكن أحد أصدقائي علّق على هذا الخبر قائلا , انه لا يمتلك اي اهمية في مجال دراسة الادب , وقال وهو يضحك – ( انه كلام نسوان ) , فأجبته وأنا أبتسم , ان نابليون قال – ابحثوا عن المرأة , وان الروس لحد الان يستخدمون هذه الجملة كواحد من الامثال السائدة في المجتمع الروسي ويلفظوها بالفرنسية كما ذكرها نابليون – ( شيرشي لا فام !) , بل ان أحد المعلقين الروس قال , انهما مثل شجرتين تتشابك جذورهما في الاعماق, ولكن ثمارهما مختلفين . و هناك باحث آخر كتب مقالة يعرض فيها رأيه حولهما , وطرح موضوعا جديدا  , وهو كما يأتي -  لو ان بوشكين كتب رواية ( الحرب والسلم ) مثلا , فماذا كان سيكتب عن هجوم نابليون على روسيا العام 1812 ... الخ ..ولكن كل هذه الامثلة الطريفة لا تعني , ان النقد الادبي الروسي لم يطرح بشكل علمي ودقيق موضوعة بوشكين وتولستوي كواحدة من أبرز قضايا الادب المقارن في اطار الادب القومي الواحد , وهي القضية الاصعب مقارنة بقضايا الادب المقارن بين الآداب القومية المختلفة , ونضرب مثلا على ذلك ما تم كتابته في النقد الادبي الروسي حول حكايات بوشكين وتولستوي .  ان دراسة هذه الحكايات الشعبية عند الكاتبين ومقارنتهما مع بعض تشكّل فصلا مهما جدا في مجال الدراسات الفلكلورية الروسية والعالمية ايضا, ويمكن كذلك القول - و بكل تأكيد-   ان مقارنة تلك الحكايات عند بوشكين وتولستوي مع مضامين الحكايات العربية , وخصوصا مع الف ليلة وليلة يعدّ موضوعا حيويا كبيرا بالنسبة للدراسات المقارنة بين الادبين الروسي والعربي , وهو موضوع طريف جدا لا زال ينتظر الباحث العربي الشجاع في مجال الادب الروسي - العربي المقارن .
ويشير بعض الباحثين الروس , الى ان تولستوي هو الاقرب بين كبار الادباء الروس في القرن التاسع عشر الى بوشكين , مقارنة بليرمنتوف وغوغول وتورغينيف ودستويفسكي مثلا , ويرون , ان نتاجات تولستوي تتوافق وتنسجم في نهاية المطاف مع تلك الافكار التي طرحها وتحدث عنها بوشكين في نتاجاته , ويجدون – رغم التناقض والتنافر الخارجي – هارمونية داخلية بين يفغيني اونيغين مثلا عند بوشكين وابطال الحرب والسلم او آنّا كارينينا عند تولستوي , او بين الصور الفنية للقوقاز عند بوشكين وتولستوي , فكلاهما انطلقا من النظرة الروسية البحتة للقوقاز , مؤكدين على القيم الانسانية والمشاعر النبيلة ... 
ختاما لهذه الملاحظات الاولية حول بوشكين وتولستوي نشير الى مقارنة طريفة جاءت عند أحد الباحثين الروس حولهما , ونحن نتفق معها , و ملخص تلك المقارنة يعتمد على الصورة الفنية للشمس , اذ يرى الباحث , ان بوشكين يجسّد شروق شمس الادب الروسي وكل الاحاسيس الساطعة والمتفائلة المرتبطة بهذا الشروق وطبيعته, اما تولستوي فانه يجسّد غروب شمس ذلك الادب , الغروب بكل الوانه الساحرة والمتنوعة والمدهشة الجمال . شروق الشمس رائع , لانه بداية سطوع الضياء , وغروب الشمس رائع ايضا , لانه جميل ومدهش , ولكنه – مع ذلك - بداية انحسار الضياء  .

39
  مع الكساندر الفرنسي الروسي في موسكو
ا.د. ضياء نافع
هاجر اجداده الروس من روسيا بعد ثورة اكتوبر1917 واستقروا في فرنسا , وهو من جيلهم الثالث , الذي ولد في فرنسا أواسط الخمسينات, واصبحت الفرنسية لغته الام طبعا , الا ان اللغة الروسية وثقافتها بقيت تعيش في اعماق روحه وقلبه وعقله, فهو روسي الاب والام و من (أب عن جد) , و (من سابع ظهر) كما نقول بلهجتنا العراقية , و الروسية هي اللغة الاولى التي نطق بها عندما بدأ بالنطق, ولهذا , فقد عاد اليها بقوة لدرجة انه ترك مهنتة , وهو مهندس مرموق , واصبح (رجل دين) متدرج , يعمل – وبشغف كبير - في احدى الكنائس الارثذوكسية الروسية في باريس, وقد التقيته بمحض الصدفة في موسكو اثناء زيارة له ( نتيجة معرفتي القديمة باللاجئين الروس في فرنسا – انظر مقالتنا بعنوان – مع اللاجئين الروس في باريس )  .
لازلت اتذكر نظرة التعجّب والاندهاش لديه عندما تعارفنا , وقد قال لي بعدئذ موضحا ذلك الموقف, انها المرة الاولى التي يرى فيها عراقي عربي يتكلم معه باللغة الروسية وبهذا الشكل الطلق, فقلت له ضاحكا – وانا معجب ايضا بلغتك الروسية ذات اللكنة الفرنسية الجميلة جدا.
ابتدأ الحديث معي – وبحذر شديد – عن الاسلام السياسي , وقال ان هذه الظاهرة لم تكن موجودة في الواقع الاوربي في شبابه حتى ولا نظريا , وانه لا يفهم ولا يستوعب كيف برزت وبقوة هكذا في  الوقت الحاضر؟ فحكيت له قصة مجموعة طلابية عراقية كانت تدرس في احدى الجامعات الروسية في ستينيات القرن الماضي, وبعد ان انهوا الدراسة (و كانوا لمدة خمس سنوات سوية و باكملها في الكلية والقسم الداخلي) جلسوا معا يتناولون ( العشاء الاخير) قبل الرجوع الى العراق , وعندما قال أحدهم ( وكان اسمه يوسف , وهو اسم شائع عند المسلمين والمسيحيين ) , انه سيضطر من جديد الى مرافقة والدته المسنّة الى الذهاب للكنيسة والاياب منها  كل يوم أحد – كما كان يفعل سابقا - لانها لا تستطيع السير وحدها , صاح الجميع اندهاشا – هل انت مسيحي ؟     تعجب الكساندر من هذه القصة , وسألني , هل هذه القصة صحيحة فعلا ؟ قلت له نعم , وانا أعرف هؤلاء الطلبة شخصيا , فسألني مرة اخرى , هل هذا يعني ان المسيحيين والمسلمين في العراق كانوا يعيشون معا وبانسجام كامل ولا تفرقهم الاختلافات الكبيرة بين المفاهيم الدينية  كميلاد السيد المسيح من ماريا العذراء  مثلا ؟ فقلت له , اننا كنّا ننطلق آنذاك – وباخلاص حقيقي - من شعار المتنورين العرب الشهير – الدين لله والوطن للجميع , أمّا ماريا  التي ذكرتها في مثلك, فنحن نسميها مريم العذراء , وان القرآن يتحدث عن ذلك ايضا بالتفصيل, ولم يصدق الكساندر ذلك , فسألته انا متعجبا – ألم تقرأ القرآن ؟ فقال لا انا اقرأ فقط الكتاب المقدس , وسألني رأسا –  وهل يقرأ رجال الدين  لديكم الكتاب المقدس ؟ فقلت له انني بعيد عن الاجواء الدينية , ولا استطيع ان اجيب عن سؤالك بشكل حاسم , ولكن رجل الدين المتبحر ( بغض النظر عن دينه ) يجب ان يعرف كل الكتب السماوية للاديان كافة , او في الاقل مضامينها الاساسية , فقال لي مبتسما – انك تهربت بمهارة  دبلوماسية من الاجابة عن سؤالي , وأضاف – ساحاول أنا ان أقرأ القرآن مستقبلا , فان معرفتي فعلا محدودة جدا حول الاسلام , ونحن في باريس نتجنب الاختلاط بالمسلمين , بل حتى – واقولها لك بصراحة - نخاف منهم بعض الشئ ,  فقلت له, لم تكن هذه الظاهرة موجودة في اوروبا , ولا عندنا , ولكن السياسة ورجالاتها ارادوا ذلك وخططوا له , واستطاعوا فعلا تحقيقه مع الاسف  (لغاية في نفس يعقوب !!!) , وحكيت له , ان المترجمين العرب عن الروسية الان وقعوا تحت هذا الضغط ايضا ,وهكذا , فهم يخافون ان يترجموا قصيدة بوشكين الشهيرة بعنوان ( محاكاة القرآن) كما كتبها الشاعرالروسي الكبير نفسه, وحوّلوا عنوانها الى ( قبس من القرآن) او ( من وحي القرآن), وحكيت له ايضا , كيف التقيت مرة بأديب سوداني لا يعرف اللغة الروسية ومعرفته بالادب الروسي ساذجة وسطحية ليس الا , ولكنه أصرّ – وبقوة وحماس شديدين – ان تولستوي اعتنق الاسلام قبل موته , وانه أوصى ان يدفنوه على الطريقة الاسلامية البحتة , وان ذلك ما تم فعلا , وان ( القوى المعادية للاسلام في العالم !) تحاول طمس هذه الحقيقة الساطعة في تاريخ الادب الروسي , فسألني الكساندر مبتسما – وكيف انتهى هذه النقاش الغريب مع الاديب السوداني ؟ فقلت له , اني لم استطع ان اقنعه باي شئ حول وفاة تولستوي والحقائق المعروفة عن ذلك , عندما هرب من بيته وتوفي بعدئذ في احدى محطات القطار, وهكذا افترقنا – انا والاديب السوداني - وهو مقتنع تماما بصحة رأيه ومعلوماته عن تولستوي , ولا يريد تبديلها ابدا , رغم كل الوقائع والادلة والوثائق ...
آه لو نستطيع تحقيق حوار موضوعي وهادئ بين الاديان دون ارادة السياسيين و خططهم و ( ألآعيبهم!!!) ...  ألا يمكن ذلك؟

40
غوميليوف ابن أخماتوفا وغوميليوف
أ.د. ضياء نافع
غوميليوف - هو الابن الوحيد للشاعرة الروسية آنّا أخماتوفا من زوجها الاول الشاعر والناقد الادبي والمترجم ( اول من ترجم ملحمة جلجامش الى الروسية ) والمنظّر الروسي ( مؤسس مدرسة  الاكمايزم في الشعر الروسي) نيقولاي غوميليوف , الذي اعدمته السلطة السوفيتية العام 1921 , واعيد اليه الاعتبار رسميّا في عام 1992 فقط , بعد انهيار الاتحاد السوفيتي  ( انظر مقالتنا بعنوان - الشاعر الروسي المخضرم غوميليوف).
ولد ليف نيقولايفتش غوميليوف في موسكو, عاصمة  الامبراطورية الروسية العام 1912 , وعاش طوال حياته في ظل النظام السوفيتي , وتوفي العام 1992 في روسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي , اي انه عاصر كل النظم السياسية التي مرّت بها روسيا في القرن العشرين ( الامبراطورية الروسية ثم الاتحاد السوفيتي ثم روسيا الاتحادية ) . وكانت حياته صعبة ورهيبة جدا , اذ تم اعدام والده عندما كان عمره سبع سنوات , وقد انعكس ذلك طبعا على مسيرته اللاحقة و مصيره باعتباره ( ابن عدو الشعب !) كما كانوا يسمونهم آنذاك , خصوصا وان والدته الشاعرة أخماتوفا ايضا ( لم تمجّد الثورة !) , وكانت – كما هو معروف – شبه ممنوعة من النشر في تلك الفترة , وقد تم اعتقاله عندما كان طالبا في كليّة التاريخ بجامعة لينينغراد ( بطرسبورغ حاليا ), الا ان أخماتوفا كتبت رسالة الى ستالين ترجوه فيها ان يطلق سراحه ( انظر مقالتنا بعنوان – رسالتان من آنّا أخماتوفا الى ستالين ) , فأطلقوا سراحه فعلا آنذاك , ومع هذا , فقد  دخل السجون السوفيتية مرتين بعد ذلك الاعتقال , الاولى العام 1938 ( لمدة خمس سنوات ), وبعد فترة السجن أرسلوه عام 1944 الى جبهات الحرب العالمية الثانية , وقد شارك بشكل فعّال في المعارك مع الهتلريين الالمان, وبعد اريع سنوات من انتهاء الحرب (1945) , سجنوه مرة اخرى ,  العام 1949 ( لمدة عشر سنوات ),  و لكنه خرج من السجن عام 1956 , اي بعد سبع سنوات فقط ,   اذ شمله اعفاء السجناء آنذاك , وهي العملية التي أعقبت وفاة ستالين كما هو معروف . ورغم هذه المسيرة الرهيبة والصعبة وغير الاعتيادية والمليئة بالسجون والمعتقلات , فقد عاد غوميليوف الى الدراسة والبحث العلمي باندفاع شديد , وهكذا دخل التاريخ من أوسع أبوابه  كما يقال, واصبح عالما وكاتبا وباحثا وشاعرا ومترجما ومستشرقا وجغرافيّا ومؤرخا وفيلسوفا , ويوجد له تمثال الان في قازان عاصمة جمهورية تتارستان ( وهي جزء من روسيا الاتحادية ) , بل توجد جامعة حكومية رسمية في جمهورية كازخستان تحمل اسمه , وهي جامعة غوميليوف الاورو- آسيوية  في استانا عاصمة كازخستان , اذ يرتبط اسمه – قبل كل شئ – الان مع مصطلح  ( اورو – آسيا) بالنسبة الى روسيا , اذ انه كان يؤكد في العديد من مؤلفاته على هذه النظرية , التي تشير الى   ان روسيا هي مزيج  مندمج و متآخي ومتوحد من الروس والاتراك والمنغول, وان الروس هم تتار اعتنقوا المسيحية , وان الصفة الاساسية لروسيا كبلد هي ( السمة الاورو- آسيوية) , وان على الروس ان يعوا ويستوعبوا هذه الحقيقة , وانه ( تتوحد عضويا في كينونتهم عناصر الشرق والغرب معا) , اي انهم ( اوربيون وآسيويون في آن واحد ) , ولازالت هذه الآراء مطروحة – وبحيوية – امام المجتمع الروسي بشكل خاص , وامام الباحثين حول علم  الاجناس ( الاثنولوجيا ) في العالم بشكل عام , بل ان هناك بعض الباحثين , الذين يربطون ذلك حتى بمسألة الصراع الهائل , الذي كان سائدا في القرن التاسع عشر في اوساط الادب الروسي بين انصار النزعة السلافية وانصار النزعة الغربية , هذا الصراع الذي استغرق اكثر من نصف قرن من النقاشات والتصادمات والمواقف المتضادة  في تاريخ الفكر والادب الروسي ابتداءا من بيلينسكي وتشرنيشيفسكي وعبر تورغينيف ودستويفسكي واستروفسكي وبقية الاسماء الادبية اللامعة  , و على الرغم من  ان  غوميليوف لم يكتب بشكل مباشر حول هذه المسألة بالذات, الا ان الباحثين يرون ذلك انطلاقا من تلك الافكار النظرية , التي ثبّتها غوميليوف في مؤلفاته المتنوعة والعديدة .
 لقد نشر غوميليوف العشرات من الكتب والبحوث العلمية المهمة في مجالات مختلفة من العلوم الانسانية والبحتة , ولهذا فانه دخل التاريخ الروسي من مختلف ابوابه , بل وحتى ظهرت في روسيا بعد وفاته عدة جمعيات علمية تعنى بجمع تراثه ونشرها على نطاق واسع , وخصوصا في مجالات علم الآثار( الاركيولوجيا)  وعلم الاجناس ( الاثنولوجيا) وعلم طبقات الارض ( الجيولوجيا ) , ويدرس الباحثون الان تراثه ويجمعونه , بما فيها قصائده التي كتبها في مرحلة شبابه وهو يحاول ان يحاكي قصائد والده غوميليوف أكثر من قصائد والدته آخماتوفا , وكذلك ترجماته عن اللغة الفارسية الى الروسية , وهي اللغة التي تعلّمها وأتقنها عندما عاش في جمهورية طاجكستان السوفيتية آنذاك , ولا يمكن حصر تلك المجالات المتنوعة لنشاطه العلمي في عدة سطور , الا اننا نود الاشارة في الختام الى بحث علمي متميّز له بعنوان – (هل يمكن للنتاج الادبي ان يكون مصدرا تاريخيا ؟) , نشره عام 1972 في المجلة الاكاديمية المعروفة ( الادب الروسي ) , والذي طرح فيه رأيه بخصوص الملحمة الشعرية الروسية في القرن الثاني عشر ( كلمة حول فوج ايغور ) , والتي تعد واحدة من أوائل النتاجات في تاريخ الادب الروسي , والتي استند عليها الكثير من الباحثين الروس في كتاباتهم التاريخية , و نحن نشير الى هذا البحث المهم ختاما لمقالتنا , اذ اننا نرى فيه امكانية الحديث عن تلك النظرة الموجودة في تراثنا العربي ايضا , اذ غالبا ما نرى انعكاسا لهذا الرأي في بحوث المؤرخين العرب , عندما يستشهدون بمقاطع من النتاجات الادبية التراثية باعتبارها وقائع تاريخية شبه ثابتة في تاريخنا , وهي مسألة تستحق التوقف عندها وتأملها بامعان وحسب مفاهيم علمية دقيقة بلا شك .
غوميليوف – اسم كبير شبه مجهول للقارئ العربي , وهو يستحق ان ندرس تراثه وموقعه في تاريخ الفكر الروسي , وان نقدّم مختارات من نتاجاته للقراء العرب .         

41
أدب / الانسان الصغير
« في: 08:23 11/11/2018  »
الانسان الصغير
=========

قصيدة للشاعرة الارجنتينية الفونسينا ستورني
==========================
ترجمها عن الروسية أ.د. ضياء نافع
====================

أيها الانسان الصغير,
أيها الانسان الصغير,
اطلق الطيرالذي يغنّي,
والذي يريد ان يطير.
أنا طير,
أيها الانسان الصغير,
 و اتنفس فقط
في الفضاء الحر الكبير.
ولكني في قفص,
أيها الانسان الصغير,
في قفص,
أيها الانسان الصغير,
ولهذا
 اسميك صغيرا,
لانك لا تفهمني,
.......
وكي تفهمني,
افتح  قفصي,
كي أطير,
اذ ان الطير
يجب ان يطير.
أنا احبك
- بربع روحي -
ليس أكثر,
مهما حاولت
ايها الانسان الصغير..
=======================================================================
الفونسينا ستوري ( 1892 – 1938) – شاعرة وكاتبة مسرحية ارجنتينية معروفة / سبق ان ترجمنا قصيدة لها بعنوان – أريد أنا / انتحرت ستوري ( رمت بنفسها في البحر) , ويوجد تمثال لها الان في نفس ذلك المكان .


42
 
عن سرفانتس وعن بوشكين وعن الجواهري ايضا
أ.د. ضياء نافع
كان عنوان هذه المقالة في البداية كما يأتي – ( تمثال سرفانتس في موسكو مقابل تمثال بوشكين في مدريد ) , وكان الحديث فيها يدور حول (صفقة ثقافية!) حدثت فعلا بين الاتحاد السوفيتي واسبانيا العام 1980 في مدريد , لكن ربط الحديث في ختام المقالة  مع التمثال النصفي للجواهري في روسيا ومع التمثال النصفي لبوشكين في بغداد قد اضطرني الى تبديل العنوان وجعله كما هو الان . ولنبدأ اولا بالحديث عن هذه ( الصفقة الثقافية) . بطلا هذه الصفقة هما السفير السوفيتي في اسبانيا يوري دوبينين ومحافظ مدينة مدريد , اللذان كانا يعرفان بعضهما البعض , ويلتقيان مع بعض بين فترة واخرى . ويذكر السفير السوفيتي في مقابلة صحفية بموسكو , انهما كانا يتحدثان طويلا في تلك اللقاءات حول العلاقات الروسية - الاسبانية , وقررا عقد هذه الصفقة معا , من اجل القيام بعمل محدد ومتميّز( يبقى من بعدهما ) لتعزيز هذه العلاقات بين الجانبين السوفيتي والاسباني خارج نطاق السياسة والسياسيين وألآعيبهم ومخاتلاتهم وخلافاتهم الدائمية واستخدام كل شئ من اجل مصالحهم الذاتية  ( وخير مثال على ذلك ما نراه اليوم في العراق ونحن في نهاية العام 2018 ),  عمل فنيّ كبيروخالد , ويعكس في نفس الوقت علاقات التعاطف والتناسق والانسجام والمحبة والألفة بين الشعبين الروسي والاسباني طوال مسيرة تلك العلاقات التاريخية.
وهكذا اتفق السفير السوفيتي في اسبانيا مع محافظ مدينة مدريد على اقامة تمثال لبوشكين في مدريد وتمثال لسرفانتس في موسكو , واستطاعا فعلا تنفيذ هذه الفكرة الجميلة والمبتكرة بكل معنى الكلمة, وتم تدشين  التمثاليين العام 1981 , اذ أهدت محافظة موسكو تمثالا من البرونز لبوشكين  الى محافظة مدريد , وأهدت محافظة مدريد الى محافظة موسكو بدورها نسخة طبق الاصل من تمثال سرفانتس الموجود في العاصمة الاسبانية منذ القرن التاسع عشر , وتم افتتاح التمثاليين فعلا في العاصمتين الروسية والاسبانية في احتفاليتين مهيبتين وجميلتين . لقد تم نصب تمثال بوشكين في متنزه فوينتي ديل بيرو بمدريد , وهو متنزه يضم تماثيل اسبانية واجنبية . ويقول السفير دوبينين في تلك المقابلة الصحفية , انهم اختاروا بوشكين لأنه رمز روسيا طبعا , و كذلك لأنه ايضا ( زميل لنا , نحن العاملين في وزارة الخارجية , اذ ان بوشكين كان يعمل في وزارة الخارجية ايضا , بل وان هناك اقاويل تشير , الى انه حتى كان مرشحا للعمل في السفارة الروسية بمدريد ). وتم نصب تمثال سرفانتيس في متنزه الصداقة بموسكو . لقد تخلل الاحتفاليتين في موسكو ومدريد فعاليّات ادبية وفنية متنوعة طبعا وكلمات ألقاها مسؤولون (روس واسبان) كبار يرتبطون بتنظيم وترتيب هذا الحدث الثقافي المتميز , وكل ذلك ذكّرني بما قمنا نحن به في مركز البحوث العراقية الروسية في جامعة فارونيش الحكومية عندما تم تدشين التمثال النصفي للجواهري العام 2009 بمدينة فارونيش الروسية , اذ تم افتتاح التمثال سوية من قبل السفير العراقي في موسكو ورئيس جامعة فارونيش وسط تصفيق الحاضرين من عراقيين وعرب وروس وأجانب , كان من بينهم اساتذة الجامعة المذكورة وعمداء كلياتها واداراتها وموظفيها , وكان يحيط هؤلاء المشاركين في تلك الاحتفالية لوحات تشكيلية عراقية جميلة ضمها المعرض الخاص الذي اقيم بهذه المناسبة, وكانت هناك منصة خشبية في وسط القاعة الفسيحة تلك , حيث كان يقف هؤلاء الذين ألقوا كلمات تناولت تلك المناسبة الفريدة في تاريخ تلك الجامعة , والفريدة طبعا في مسيرة العلاقات الثقافية بين العراق وروسيا , والفريدة ايضا في تاريخ الادب العراقي , اذ انها المرة الاولى التي تم بها نصب تمثال للجواهري خارج العراق باعتباره رمز العراق , وقد أعلنت في كلمتي التي ألقيتها باعتباري مدير مركز الدراسات العراقية الروسية في تلك الجامعة ( وهو صاحب الاقتراح والمبادرة والتنفيذ) , أعلنت ان هذه الخطوة يجب ان تليها خطوة مكملة لها , وهي اقامة تمثال لبوشكين في جامعة بغداد , وان هذا التمثال يجب ان يكون في كليّة اللغات بالذات , حيث يوجد القسم الذي يدرّس لغة بوشكين , اي قسم اللغة الروسية , وقد تم فعلا , بعد سنتين من الجهود , افتتاح تمثال بوشكين في حدائق كلية اللغات كما خططنا آنذاك ( انظر مقالتنا بعنوان – قصة تمثال بوشكين في جامعة بغداد ) .
 تمثال سرفانتيس بموسكو وتمثال بوشكين في مدريد – هي خطوة تمت ضمن علاقات بين سفير دولة بوزن الاتحاد السوفيتي وبين محافظ العاصمة الاسبانية , وساهم في تحقيقها وتنفيذها الجهاز الاداري الضخم لكلا الجانبين , اما تمثال الجواهري في روسيا وتمثال بوشكين في العراق ( وهو حدث ثقافي كبير يوازيه في الاهمية ) فقد تم بجهود فردية من قبل مركز الدراسات العراقية – الروسية في جامعة فارونيش والجمعية العراقية لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية ليس الا , وقد قال لي صاحبي –  لهذا , يجب ان تشعر بالفخر , فقلت له – نعم , أنا أشعر بالفخر وألاسى معا .         

43
كلمات عربية في اللغة الروسية
أ.د. ضياء نافع
وصلت مجموعة كبيرة من الطلبة العراقيين الى موسكو العام 1959 , وكنت أنا من ضمنهم , وكنّا جميعا في مقتبل العمر طبعا , وعندما سمعنا من الروس كلمة ( ستكان ) ومعناها – القدح , قلنا رأسا , انهم أخذوا من لهجتنا العراقية هذه المفردة , وكذلك كان الحال مع كلمة ( سمافر) , اي سماور , بل قلنا نفس الشئ حتى مع كلمة ( جاي – الجيم بثلاث نقاط) كما يلفظ الروس كلمة شاي , وكل ذلك حدث طبعا لأننا كنّا  ( في مقتبل العمر! ) , كما أشرت أعلاه . الان وأنا (في خريف العمر) احاول ان أكتب بضع كلمات عن هذا الموضوع الأثير , والذي رافقني  سنوات طوال من عمري , والذي يرتبط مع عدة أسماء عراقية محددة في مسيرة حياتي .
اول اسم عراقي يرتبط بهذا الموضوع في مسيرتي هو المرحوم فائق ابو الحب ( انظر مقالتنا بعنوان – قبور عراقية في موسكو ) . وصل ابو الحب الى موسكو في اوائل الستينات , والتحق بقسم الدراسات العليا في كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو, بعد أن أنهى الكلية التحضيرية لدراسة اللغة الروسية .  كان ابو الحب يحمل شهادة البكالوريوس من جامعة بغداد , وهو  خريج قسم اللغة العربية  فيها , وكان يعرف العربية و جمالياتها واسرارها بشكل عميق ورائع , وقرر ان يكتب اطروحته للدكتوراه حول الكلمات العربية في اللغة الروسية , وكان مؤهّلا لذلك علميا وثقافيا وبكل معنى الكلمة فعلا , وهكذا بدأ ابو الحب بدراسته , وأخذ يتعمق بالغور في اسرار اللغة الروسية , اذ ان الشخص الذي يعرف لغته القومية بعمق يتوجه بدراسة اللغة الاجنبية بعمق ايضا , وانسجم ابو الحب – نتيجة لذلك الغور العميق في اللغة – مع المجتمع الروسي , وانفتحت امامه سبل العمل في مجال الترجمة من الروسية الى العربية , خصوصا في ستينات القرن العشرين بموسكو , حيث بدأت الدولة السوفيتية بالتوجه الى العالم العربي اعلاميا , وهكذا انغمر ابو الحب بالعمل في موسكو وترك الدراسة , ولم ينجز – مع الاسف الشديد -  اطروحته تلك عن الكلمات العربية في اللغة الروسية , والتي توقع الكثيرون انها ( لو تم انجازها طبعا) ستكون واحدة من البحوث العلمية البارزة والمهمة في هذا المجال شبه المجهول تقريبا في عالمنا العربي الواسع.
الاسم العراقي الثاني , الذي أودّ ان اتوقف عنده هنا هو الدكتور حسين عباس , الموظف حاليا في وزارة الخارجية العراقية وبدرجة وزير مفوض . كان د. حسين  أحد طلبتنا في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد , وكان الخريج الاول بدورته آنذاك , وتم تعينه في القسم , ثم أصبح أول طالب يحصل على شهادة الماجستير في قسمنا , وكتب اطروحته باشراف المرحوم أ.د. محمد يونس , وتم ترشيحه من قبلنا الى معهد بوشكين للغة الروسية للحصول على شهادة الدكتوراه , وفي هذا المعهد العالمي المرموق أنجز اطروحته عن الكلمات العربية في اللغة الروسية , وهكذا أضاف د. حسين الى سيرته الذاتية , انه أول عراقي ينجز هذا العمل العلمي المتميز في مجال الدراسات اللغوية العربية – الروسية في روسيا. لقد التقيته قبل أشهر في موسكو , وتحدثت معه طويلا حول ضرورة نشر اطروحته او – في الاقل -  خلاصة وافية لها باللغة العربية , وقلت له , ان دار نوّار للنشر مستعدة لنشرها , اذ ان هذه الاطروحة يمكن ان تضيف صفحة جديدة في عالمنا العربي , خصوصا وانها تمّت باشراف عالم روسي كبير في اللسانيات واسم بارز في مجال نشر القواميس الروسية وهو البروفيسور ماركوفكين  , وقد وعد د. حسين بتنفيذ هذه الافكار , رغم المشاغل والالتزامات المتشابكة في عمله وحياته . وعندما كنّا نتحدّث عن هذا الموضوع , كان د. حسين يؤكد دائما , ان المصطلح العلمي لهذا الموضوع  يجب ان يكون - ( الكلمات الروسية ذات الجذور العربية)  وليس (الكلمات العربية في اللغة الروسية ) , اذ ان هذه المفردات الان اصبحت جزءا لا يتجزأ من اللغة الروسية المعاصرة , وقلت له ضاحكا – رحم الله استاذ جيلنا مصطفى جواد , صاحب (نظرية!) قل ولا تقل العتيدة.
الاسم العراقي الثالث في هذا المجال هو د. محمود غازي , الاستاذ المساعد حاليا في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد , والذي كان ايضا أحد طلبتنا في القسم المذكور. لقد أنجز د. محمود اطروحته حول نفس الموضوع في جامعة فارونيش الروسية , وكنت أنا آنذاك مديرا لمركز الدراسات العراقية – الروسية في تلك الجامعة , وكتبت تقريرا علميا بشأنها - بناء على طلب محمود نفسه – وقد اطلع على هذا التقرير اعضاء اللجنة العلمية اثناء مناقشة الاطروحة في الجامعة المذكورة , وأخذوه بنظر الاعتبار . لقد كانت هذه الاطروحة ممتازة , وتناولت الموضوع بشكل علمي شامل , وجاء في نهايتها قاموس للكلمات الروسية وامامها الكلمة العربية التي جاءت منها , وقد أهداني محمود نسخة من اطروحته تلك , وكم أتمنى ان يشذبها ويعدّها للنشر باللغة العربية , اذ انها ستكون عندها مصدرا مهما في هذا المجال العلمي الجديد علينا نحن العرب , علما ان اطروحة محمود تختلف عن اطروحة حسين , اذ انهما تناولا الموضوع بشكل متباين .
الاسم الأخير , الذي أود أن اتوقف عنده هنا هو هيلان الراشدي, والذي يقوم في الوقت الحاضر بكتابة اطروحة حول نفس الموضوع في جامعة فارونيش . وهيلان  كان ايضا طالبا عندنا , عندما كنّا فرعا في قسم اللغات الاوربية بكلية الاداب في جامعة بغداد في سبعينيات القرن الماضي , و قبل انتقالنا الى كلية اللغات الحالية , اي ان هيلان ( أكبر الاعضاء سنّا !) مقارنة بحسين عباس ومحمود غازي , وقال هيلان لي عندما أخبرته باطروحتي حسين ومحمود حول هذا الموضوع , انه اطلع عليهما , وان عمله يأخذ منحى آخر . دعونا نتمنى له النجاح في مسعاه هذا , وننتظر اخباره , ونتائج أبحاثه ...       


 


44
سيدة تشيخوف وكلبها الصغير يدخلان التاريخ
أ.د. ضياء نافع

أصدر تشيخوف  قصتة الطويلة – ( السيدة  صاحبة الكلب الصغير)   العام 1898 , وقد مضى الان  120 سنة على اصدارها , ولكن هذه القصة لا زالت تتفاعل مع مسيرة الحياة اليومية وأحداثها , فقد  تحولت الى فلم سينمائي عام 1960 في الاتحاد السوفيتي ,ثم عام 1971 في الارجنتين , ثم عام 1972 في يوغسلافيا , ثم  عام 1975 في بلجيكا , ثم  عام 1987 في الاتحاد السوفيتي من جديد , ثم تحولت الى باليه جميلة جدا في روسيا وضع موسيقاها الموسيقار السوفيتي المعروف شيدرين , ثم تحولت الى نصب من البرونز في مركز مدينة يالطا عند ساحل البحر في القرم عام 2004  بمناسبة مرور 100 سنة على وفاة تشيخوف  ( ونادرا ما يعرف العالم نصبا وتماثيل تتمحور حول نتاجات أدبية بحتة ) , والنصب هذا عمل فني مدهش الجمال يجسّد تشيخوف نفسه برشاقته وهو يقف عند حافة جسر وامامه تقف السيدة الجميلة وكلبها الصغير , ثم تم تدشين تمثال جديد لهذه القصة عام 2013 في مسرح بمدينة يوجنو- سخالينسك ( وهي مدينة ترتبط بسخالين , التي زارها تشيخوف وكتب عنها كتابه المعروف ( جزيرة سخالين) عن وضع المنفيين هناك وتضمّن احصائيات دقيقة عنهم لا زالت لحد الان تمتلك قيمتها العلمية واهميتها الاجتماعية والتاريخية ) . وتم ترجمة هذه القصة الى الكثير من اللغات الاجنبية , بما فيها لغتنا العربية ( تم ترجمة نتاجات تشيخوف بشكل عام الى 92 لغة , وقد ابتدأت هذه العملية الابداعية اثناء حياته ولا زالت مستمرة لحد الان ), وقد جاءت هذه الترجمة العربية طبعا بمختلف الاشكال وحسب اجتهادات المترجمين العرب , وحتى عنوانها خضع لهذه الاجتهادات , وهكذا نجد العنوان في هذه الترجمات كما يأتي  – ( السيدة والكلب ) , و ( سيدة مع كلب ) , و( سيدة مع الكلب )  , و(السيدة والكلب الصغير) , و ( السيدة ذات الكلب الصغير) , و ( السيدة صاحبة الكلب الصغير ) , وقد ترجمها أحد العراقيين مرة باللهجة العراقية كما يأتي ( المريّة ام الجليب الزغيروني) ...الخ).
أعتبر نابوكوف هذه القصة الطويلة (واحدة من أعظم القصص في الادب العالمي) , وأشار الى انها مبنيّة على مبدأ ( الامواج) كما أسماه نابوكوف , ولا تعكس اي مشكلة  , ولا توجد فيها قمة في تطور الاحداث , ولا توجد (نقطة في نهايتها!) .  وقال عنها أحد الباحثين, انها ( آنّا كارينينا  ) تشيخوف , وأشار الى انها حتى أعمق من آنّا كارينينا تولستوي, اذ انها بقيت في منتصف طريقها الذي سلكته باختيارها وارادتها , ولم تنتحر مثلما فعلت كارينينا , وبذلك أثبتت , ان الحب المستحيل أخذ يتعايش مع مسيرة الحياة رغم  سيل دموعها الكبير وتعاستها الهائلة .
لقد أراد تشيخوف  ان يقول لنا , ان (الحب المستحيل) هو أقوى من (الحب الاعتيادي) رغم كل آلامه وتعاسته , وهي موضوعة انسانية خالدة في مسيرة حياة البشر تتكرر بلا انتهاء وبلا حل ايضا , ولهذا انعكست هذه القصة البسيطة في مختلف أشكال الفنون من سينما ونحت وموسيقى وباليه...   

45
أدب / مدينتي الحبيبة
« في: 17:33 01/11/2018  »
مدينتي الحبيبة
=========

قصيدة للشاعر النمساوي  البيرت يانيتشيك (1925-1997)
====================================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=====================

كم هي
 صغيرة -
عندما تراها
من جديد..
بساحاتها
وبيوتها..
+++
وكم هي
 كبيرة -
في الذكريات
الغافيات
في شغاف
القلب..

46
مع د.عادل الجبوري في موسكو
أ.د. ضياء نافع
كنّا معا في قسم اللغة الروسية بمعهد اللغات في جامعة بغداد , وسافرنا بطائرة واحدة من بغداد للدراسة في موسكو , وكنّا في شعبة واحدة لدراسة اللغة الروسية في الكلية التحضيرية قبل الالتحاق بكلية الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها ) في جامعة موسكو , وتخرجنا في نفس العام الدراسي طبعا , متخصصين في الادب الروسي , وفرقتّنا الحياة بعدئذ بدروبها الوعرة , فقد عاد عادل الى العراق وأخذ يعمل مترجما في وكالات الانباء السوفيتية في بغداد , اما أنا , فقد سافرت الى فرنسا للدراسة العليا , وألتقينا في بغداد من جديد , وكان هو يستعد للعودة الى موسكو للدراسة العليا , أما أنا , فقد كنت اتهيأ للعمل في بغداد , وهكذا افترقنا مرة اخرى , وعاد هو الى جامعتنا العتيدة بموسكو , وحصل على الدكتوراه وقرر البقاء للعمل في موسكو , أما أنا , فقد بدأت بالعمل في جامعة بغداد , وكنّا نلتقي بين فترات متباعدة , عند زيارتي لموسكو اثناء العطل الصيفية , وهكذا استمرت الاحوال لحد الان , وحتى بعد عودتي الثانية الى روسيا . د. عادل عمل في وكالات الانباء الروسية اكثر من ربع قرن , والتقى باناس كثيرين من عراقيين و عرب وروس , وكم اتمنى ان يجلس يوما ليسجل ما رآه وما سمعه وما عاناه في مسيرة حياته الطويلة , اثناء عمله في مختلف وسائل الاعلام السوفيتية في موسكو , وما شاهده من وقائع عندما انهارت الدولة السوفيتية في بداية التسعينات , اذ انه واحد من العراقيين النوادر الذين عاصروا  كل تلك الاحداث . وقد حاولت أنا دائما ان أدفعه ليحكي انطباعاته ومشاهداته الغنية تلك , فقد كان مثلا مترجما لوزير الدفاع السوفيتي الجنرال غريشكو اثناء زيارته الى بغداد , وعمل مع بريماكوف عندما كان مراسلا في بغداد , ويعرف د. عادل كل دروب وخفايا وكالة نوفستي للانباء وتاريخها ومترجميها ودورها في وسائل الاعلام السوفيتية , وعمل مع كل العراقيين الذين مرّوا في السبعينات والثمانينات في موسكو مثل غائب طعمه فرمان وجلال الماشطة وأحمد النعمان وغيرهم , وعنده مع كل واحد من هؤلاء العراقيين ذكريات وذكريات , وكل ذلك يستحق ان يسجله للاجيال القادمة , ولكنه لم يفعل , بل انه كان الوحيد بيننا , الذي تخصص بادب بوشكين عندما أكملنا دراستنا في كلية الفيلولوجيا , وكان مشرفه لرسالة الماجستير البروفيسور بوندي , وهو واحد من أشهر المتخصصين السوفيت آنذاك بأدب بوشكين , ولازلت أذكر , كيف كان الناس الغرباء (من كبار السن) يحضرون الى الكلية ويدخلون معنا الى القاعة عندما كان البروفيسور بوندي يلقي محاضراته عن بوشكين , كي يستمعوا اليه والى افكاره الجميلة , والتي لازلت أتذّكر منها تلك الصورة الفنية حول بوشكين والتي رسمها لنا عندما كنّا طلبة في الصف الثاني – ( يجب عليكم ان تطالعوا كتبا كثيرة كي تتفهموا اهمية بوشكين وجماليته , كثيرة جدا , بحيث لو وضعتوها واحدة فوق اخرى , فانها ستكون أعلى من بناية جامعة موسكو الجديدة ) , وقد اندهشنا – نحن الشباب آنذاك – من جملته الطريفة والغريبة والجميلة تلك . لقد روى لي عادل بعض ذكرياته عن بوندي , وكيف كان يستقبله في بيته وماذا كان يقول له عن بوشكين ( وهي أحاديث يمكن ان تتحول الى وثائق مهمة في تاريخ الادب الروسي لكل القراء العرب والروس )  . وحدثني عادل مرة عن لقاء له مع الشاعر الداغستاني الكبير رسول حمزاتوف في احدى مطاعم موسكو الفخمة , وماذا قال له حمزاتوف عندما عرف انه عراقي و متخصص في ادب بوشكين . وكل تلك ( النواعم!) الجميلة تستحق التسجيل للقارئ العربي , ولكن عادل لم يقم بذلك , ليس كسلا بتاتا, فهو أنشط منّا جميعا , ولكنه لم يقتنع لحد الان انه ( مثل كل جيلنا) وصل الى العقد الثامن من عمره المديد , فهو لازال انيقا بشكل واضح جدا, ويولي اهمية لشكله وملابسه وهندامه ( مثلما كنّا في صبانا), و لا زال يمتلك روحا شبابية مرحة , ويسعى الى اقامة جلسات المساء (العذبة !) أكلا وشربا وطربا واحاديثا مليئة بالذكريات الجميلة والضيافة الحاتمية الباذخة ,  بل ولازال يمتلك حتى الآن روح الطفولة النقية الصافية المباشرة وردود فعلها العفوي السريع من وئام وانسجام وغضب وزعل ودلع وعتاب وصلح وكلام ينساب من القلب الى القلب وذكريات مضى عليها اكثر من نصف قرن     وبكل تفاصيلها المتشعبة الصغيرة , وأذكر مرة , انه روى لي كيف أقمنا (حفل عشاء!) في القسم الداخلي عندما كنّا طلبة في الكلية التحضيرية العام 1960 , وساهم كل واحد منّا بما يوجد عنده الا فلان ( وأسماه بالاسم واسم الاب !) , وعندما قلنا لهذا الشخص ذلك , أجاب , انه جلب الملح , وبقينا نضحك عدة أيام على جوابه هذا , ثم نسينا الامر برمّته طبعا , ولكن عادل تذّكر كل تلك التفاصيل وبحذافيرها بعد حوالي الستين سنة , بل انه قال لي معاتبا ومتعجبا – كيف تنسى تلك الحادثة في حياتنا ؟ , وما اكثر تلك الحوادث الصغيرة والجميلة , التي ترتبط بمسيرتنا.
د.عادل الجبوري - واحد من أقدم العراقيين المقيمين في موسكو , وهو لا زال وسيبقى عراقيا أصيلا (قلبا وقالبا) رغم انه يسكن في موسكو منذ حوالي ستين سنة . دعونا نتمنى له طول العمر , وننتظر منه كتابة مذكراته وذكرياته وخواطره , اذ ان ذلك كله يمتلك اهمية ثقافية و تاريخية يا أبا سمير الورد .

47
حول صحيفة   ( كولوكل) الروسية في لندن
أ.د. ضياء نافع
هاجرت المعارضة الروسية في اواسط القرن التاسع عشر الى لندن واصدرت هناك – لاول مرّة في التاريخ الروسي – صحيفة ثورية معارضة للنظام القيصري الروسي , وكان اسمها ( كولوكل – تكتب كولوكول وتلفظ حسب قواعد التلفظ الروسية كولوكل) , ومعنى هذه الكلمة بالروسية – ( الناقوس), واستمرت بالصدور في لندن – وباللغة الروسية طبعا - على مدى عدة سنوات , منذ العام 1857 الى العام1867, وكانت تصدر باشراف غيرتسن وأغاريوف تمويلا وتحريرا, ومقالتنا هذه – تعريف ليس الا  بهذه الصحيفة الفريدة في مسيرة الصحافة الروسية, رغم انها صدرت خارج روسيا , و بهذا الثنائي الابداعي ( غيرتسن وأغاريوف) , الذي لم يتكرر في تاريخ الفكر الروسي , والذي يذكرنا بتلازم اسمي (ماركس وانجلز) في تاريخ الفكر الماركسي, ودورهما معا في مسيرة تلك النظرية, رغم كل الاختلافات الجذرية العميقة والفوارق طبعا من حيث الاهمية و الافكار والعصر والمواقع ...الخ بين ( ماركس وانجلز) من جهة , وبين ( غيرتسن وأغاريوف) من جهة اخرى .
الخطوة الاولى التي بدأت في هذا المجال , هو ما قام به غيرتسن ( انظر مقالتنا بعنوان - غيرتسن الاديب والصحفي الروسي المهاجر) , اذ انه اشترى مطبعة روسيّة في لندن , و اطلق عليها تسمية رمزية واضحة المعنى , وهي – ( المطبعة الروسية الحرة ) , ومن هذه المطبعة بدأت تصدر مجلة ( النجم القطبي ) من قبل غيرتسن نفسه العام 1855, وهذه التسمية ترتبط بحركة الديسمبريين , التي حدثت العام 1825 في بطرسبورغ, وقمعتها الحكومة القيصرية رأسا وبشكل حازم وصارم وشديد, والمجلة تلك كانت تدعو الى ( تحرير الكلمة من الرقابة , وتحرير الفلاح من حق الرق و العبودية ..) , اذ ان اثنان من الديسمبريين كانا يصدران مجلة بهذا الاسم بين عامي 1823 و 1825 , وأضاف غيرتسن على غلافها صورة تخطيطية للخمسة من الديسمبريين الذين أعدمتهم السلطة القيصرية , وبعد صدور العدد الاول من هذه المجلة السنوية من قبل غيرتسن بمفرده , وصل أغاريوف الى لندن , والتحق بغيرتسن , وهكذا بدأ هذا الثنائي الابداعي بالعمل معا طوال حياتهما , وقد توفي غيرتسن عام 1870 , فحاول أغاريوف ان يستمر بمفرده بالعمل الصحفي هذا , ولكنه لم يستطع سوى اصدار ستة اعداد ليس الا من تلك الصحيفة. ومن الطريف ان نشير هنا , الى ان تمثالي غيرتسن وأغاريوف يقفان في مدخل البناية القديمة لجامعة موسكو لحد الان ( والبناية هذه تقع في مركز موسكو , ويشغلها الان معهد شعوب آسيا وافريقيا )  , واحد بالجهة اليسرى والاخر بالجهة اليمنى , اي انهما ظلا متلازمين معا الى الابد.
أثار صدور العدد الاول من مجلة النجم القطبي ردود فعل هائلة في روسيا وخارجها ( ومن جملة الذين كتبوا تحية لها الكاتب الفرنسي الكبير فيكتور هيغو) , وهكذا انهالت الرسائل على هذه المجلة , والتي تحمل موادا متنوعة صالحة للنشر فيها , وتنسجم مع توجهها الفكري , وبعد عددها السنوي الثالث , اقترح أغاريوف اصدار جريدة تتابع الاحداث اليومية , والتي لا يمكن للمجلة السنوية ان تتابعها وتشارك في التأثير بمسيرة تلك الاحداث , وهكذا ولدت فكرة اصدار ملحق لمجلة ( النجم القطبي) , وأطلقوا على هذا الملحق اسم ( كولوكل), وهي تسمية رمزية دقيقة , اذ ان ( الناقوس) وهذا هو معنى الكلمة بالروسية كما أشرنا اعلاه , يعني , انهم يريدون ايقاظ الشعب . الصحيفة كانت شهرية في بدايتها , وتحولت العام 1858 الى الصدور مرة كل اسبوعين , او حتى , ثلاث مراّت بالشهر , وذلك حسب المراسلات واهمية الاحداث داخل روسيا , وكانت عدد صفحات هذا الملحق تتراوح بين (8) الى (10)  صفحة .
اصبحت هذه الصحيفة معروفة جدا داخل روسيا , وقد منعتها الحكومة القيصرية الروسية طبعا , بل انها استخدمت حتى نفوذها لمنعها في روما ونابولي وبعض المدن الاوربية , اما بالنسبة لروسيا , فقد اخترقت هذه الصحيفة الاجواء هناك , وأخذت ترسل نسخا حتى الى الوزراء والموظفين الكبار , لدرجة , ان القيصر نفسه أصدر أمرا تحذيريا لهم يقول فيه – ( في حالة استلامكم الجريدة , يجب عدم اعلام الآخرين بذلك , والاقتصار على القراءة الشخصية فقط ..) , ويرى بعض المحللين , ان هذا الامر القيصري دليل قسوة وتعسف , بينما يرى البعض الآخر انه دليل تسامح وتعامل مرن مع الوقائع , وتوجد في الوثائق الروسية اشارة , الى ان القيصر نفسه كان يطلع على هذه الصحيفة ايضا.
  بدأ نجم صحيفة ( كولوكل) بالافول منذ عام 1860 , اذ أصدر القيصر الروسي في هذا العام قانون تحرير الفلاحين من الرق ( ولهذا يسمون القيصر الكساندر الثاني القيصر المحرر ), ثم حدثت انتفاضة الفلاحين البولونيين العام 1862 , والتي أيّدتها الصحيفة , بينما كان الراي العام الروسي ضدّها , وهكذا قرر غيرتسن وأغاريوف الانتقال من لندن الى جنيف , حيث تم نقل المطبعة الى سويسرا , وظهر العدد رقم 196 في لندن , ثم ظهر العدد رقم 197 في جنيف العام 1867 , وعادت تصدر مرة كل شهر , ثم أعلنوا انها ستتوقف مؤقتا . وفي العام 1858 حاولوا اصدارها بالفرنسية , حيث أعلن غيرتسن , انه ( من الافضل الكلام عن روسيا مع الاوربيين , من الكلام مع روسيا ) , لكنهم لم ينجحوا , وهكذا توقفت نهائيا العام 1868 , وقد حاول أغاريوف  بمفرده اصدارها بعد موت غيرتسن كما مرّ ذكره , ولكنها توقفت بعد (6) اعداد . وفي الذكرى الخمسين على وفاة غيرتسن أعادوا طبعها في الاتحاد السوفيتي ( 1920) , ثم أعادوا نشرها مستنسخة مع هوامش وتعليقات بين 1962 – 1964 , ثم أعادوا نشر الطبعة الفرنسية عام 1978 – 1979 , وتساعد هذه الطبعات طبعا دراسة هذا التراث الصحفي الروسي , وتحليل وقائع التاريخ الروسي بلا شك .
ختاما , أود أن أشير , الى ان أ.د. كفاح الجواهري , ابن الشاعر العراقي الكبير , قد أصدر في بغداد العام 2015 كتابا موسوعيا ضخما  بثلاثة أجزاء بعنوان – الجواهري صحفيا , يضم مقاطع مهمة من مقالات الجواهري في صحفه العديدة مع تعليقات حولها, التي أصدرها الجواهري منذ ثلاثينات القرن العشرين , وعلى الرغم من أهمية هذا الاصدار التاريخي , الا انني لم أجد انعكاسا له في وسائل الاعلام العراقية , وقد تذكرت هذا العمل التوثيقي العلمي الكبير , الذي قام به أ.د. كفاح , وانا أكتب مقالتي هذه عن صحيفة (كولوكل) الروسية .
تحية لذكرى غيرتسن وأغاريوف والجواهري , الذين تركوا لنا بصماتهم الوطنية و الابداعية في مسيرة الصحافة الروسية والعراقية .     

48
أدب / البلبل
« في: 17:33 23/10/2018  »
البلبل
=====

قصيدة للشاعر المكسيكي خوسيه خوان تابلادا
===========================
ترجمها عن الروسية أ.د. ضياء نافع
=====================

طوال الليل ,
وتحت سماء
داكنة
 وكئيبة,
كان البلبل يمجّد
-وهو يهذي –
نجمة
 وحيدة,
كانت تشعّ
في  سماء
ذلك الليل.
========================================================================
خوسيه خوان تابلادا ( 1871 – 1945 ) – شاعر وصحافي مكسيكي , ويعدّ واحدا من ممثلي الحداثة في الشعر المكسيكي . / أصدر  سبعة دواوين ./ كان يهتم ايضا بالفن الياباني , وقضى سنة كاملة في اليابان لدراسته ./  تسنّم تابلادا عدة مناصب رفيعة في بلاده , منها – سفير المكسيك في فنزويلا.

49
جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسيّة
أ.د. ضياء نافع
 قرر مجلس ادارة دار نوّار للنشر استحداث جائزة ثانية , ترتبط مع أهدافها في تعزيز العلاقات الثقافية العربية – الروسية تسمى – جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن اللغة الروسية , وذلك بعد النجاح الباهر للجائزة الاولى – جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي , والذي حصل عليها السيد بوغدانوف وكيل وزير خارجية روسيا الاتحادية ( انظر مقالاتنا حول هذه الجائزة , وردود الفعل التي أثارتها في وسائل الاعلام العراقية والعربية والروسية ).
جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسية هي تكملة منطقية للجائزة الاولى , اذ كيف يمكن للحوار العربي – الروسي ان يتمّ دون الترجمة ؟ وكيف يمكن ان نتحاور دون معرفة لغتي بعضنا البعض ؟ بل ان هناك من قال في اوساطنا , ان الجائزة الاولى كان يجب أن تكون للترجمة اولا , وتأتي جائزة الحوار ثانيا , وأشار آخرون , ان حصر هذه الجائزة بالمترجمين العراقيين يقلل من شأنها وأهميتها , وأنها يجب أن تكون للمترجمين العرب بشكل عام , لأن الهدف مشترك والعمل الابداعي الترجمي واحد سواء جاء من قبل عراقي أو سوري أو مصري أو تونسي ...الخ , وكل هذه الآراء صحيحة طبعا وتمتلك منطقها بشكل عام , ولكن الرأي الاخير قد تبلور واستقر - بعد مناقشات واسعة ومتشعبة - على ان تكون هذه الجائزة للمترجمين العراقيين اولا , وتركنا الباب مفتوحا في المستقبل لكل الاجتهادات اللاحقة .
ستعلن اللجنة الخاصة نتائج جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسية في العام  ( 2019) , ونتمنى ان تحظى بنفس الاهتمامات و النجاحات التي حصلت عليها جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي , وأن تكون لها نفس ردود الفعل الواسعة , التي حدثت بالنسبة للجائزة الاولى , ونتمنى أيضا , أن تؤدي هذه الجائزة الى توسيع نشاطات دار نوّار للنشر مستقبلا , وصولا الى تحويلها الى مؤسسة ثقافية عراقية وعربية وروسية شاملة تضم دار نشر وتوزيع للكتب باللغتين العربية والروسية , وشعبة خاصة للجوائز المتنوعة في مجال تعزيز العلاقات الثقافية العراقية (و العربية) – الروسية . 

50
عود على صندوق الترجمة من الروسية الى العربية بموسكو
أ.د. ضياء نافع
المشروع الكبير يحتاج الى جهود كبيرة والى روح الاستمرارية والمتابعة الدائمة . وانطلاقا من هذه البديهيات البسيطة والعميقة في آن واحد , توجهت مع مندوب معهد الترجمة في موسكو الى السيد بوغدانوف – وكيل وزير الخارجية في روسيا الاتحادية والحائز على جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي , وذلك أثناء مراسيم منحه تلك الجائزة في سفارة حمهورية العراق بموسكو , وشرحت له بايجاز مشروعي حول تأسيس صندوق الترجمة من الروسية الى العربية في معهد الترجمة بموسكو ( انظر مقالتنا بعنوان – نحو تأسيس صندوق للترجمة من الروسية الى العربية بموسكو), وطلبنا – مندوب معهد الترجمة وأنا- منه ان يستمع الى تفصيلات هذا المشروع الكبير والمهم من وجهة نظرنا , وقد رحب السيد بوغدانوف بهذه الفكرة , واعطانا رقم هاتف مكتبه لتحقيق هذا اللقاء  , والاستماع الى تفصيلات هذا المقترح , وقد اتصل مندوب معهد الترجمة فعلا بمكتبه وتم تحديد موعد اللقاء , وهكذا ذهبنا – مندوب المعهد وأنا- الى بناية وزارة الخارجية الروسية بموسكو , حيث أستقبلنا – وبكل ود وترحاب- السيد مورغونوف , سفير روسيا الاتحادية  السابق في بغداد , والذي كان حاضرا ضمن المدعوين في احتفالية تسليم جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي- الروسي في السفارة العراقية بموسكو, واستمع مع زملاء له الى تفصيلات مقترحي حول الموضوع , حيث شرحت له تصوراتي بشأن ذلك , والتي يمكن تلخيصها بتقديم رجاء الى شركات النفط الروسية , التي تعمل في العراق , بتخصيص سنت واحد فقط لا غير من سعر كل برميل نفط عراقي يجري استخراجه وتسويقه من قبلهم يوميا لهذا المشروع , ووفق القوانين والتعليمات المالية الرسمية السائدة في روسيا الاتحادية , وتسجيلها ايرادا لهذ الصندوق , الذي سيكون في معهد الترجمة في موسكو , وتخضع هذه العملية الى رقابة مالية صارمة , ويقوم هذا الصندوق بتمويل ترجمة مكتبة روسية متكاملة من الروسية الى العربية , ويتم الاشارة في تلك الكتب الى انها ممولة من تلك الشركات النفطية العاملة في العراق , وان تلك العملية ستجلب فائدة كبرى للعلاقات الثقافية العربية – الروسية , لانها ستنشر الادب والثقافة الروسية بين القراء العرب , وهذا بدوره يؤدي الى تعميق التفاهم المتبادل بين روسيا والعالم العربي , اضافة الى ان الشركات النفطية الروسية لن يكلفها هذا السنت الواحد من قيمة كل برميل نفط شيئا كبيرا , بل بالعكس , سيؤدي تخصيص هذا السنت الواحد الى تعزيز مكانتها في العالم العربي , اذ ان ذلك يعني , انها سوف تلعب دورا في تنشيط العلاقات الثقافية بين الجانبين العربي والروسي . وتحدثت ايضا عن امكانية المشاركة الفعالة لكافة المترجمين العرب في عالمنا العربي في هذا المشروع الحيوي الكبير في حالة تحقيقه . استفسر السيد مورغونوف ايضا من مندوب معهد الترجمة في موسكو السيد ايغر سيد عن امكانية هذا المعهد بالمشاركة  في تنفيذ هذه الافكار , فشرح مندوب المعهد امكانيات هذه المؤسسة بترجمة مكتبة روسية باللغة الانكليزية , ونجاحاتهم في هذا المجال , وكذلك بشأن ترجمة مكتبة روسية الى اللغة الصينية ايضا , وانهم طرحوا في مؤتمرهم الخامس الذي انعقد في موسكو قبل فترة ( انظر مقالتنا بعنوان – المؤتمر العالمي الخامس لمترجمي الادب الروسي بموسكو) الابتداء بترجمة مكتبة روسية الى اللغة البولونية , اضافة الى ان المعهد قد ساهم بدعم ترجمة عدة كتب روسية الى اللغة العربية ايضا , ولكن ضمن نطاق محصور وضيّق , وأشار مندوب المعهد الى استعدادهم التام للقيام بهذه المهمة العلمية والثقافية الكبيرة.
لقد استمع السيد مورغونوف  الى ما ذكرناه بكل اهتمام ودقّة وانتباه, وتم تسجيل ذلك , ووجدنا من الجانب الروسي تجاوبا تاما وتفهّما عميقا لمقترحاتنا , لدرجة , ان السيد مورغونوف أضاف مقترحا تكميليا لمقترحنا , اذ انه قال , ان العاملين في قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد غالبا ما كانوا يطرحون عليه مشكلة عدم كفاية الكتب المنهجية لتعليم اللغة الروسية للطلبة العرب , وانه يرجو , في حالة تنفيذ هذا المقترح , ان نأخذ هذا الجانب بنظر الاعتبار ايضا , وقد وافقنا وبكل سرور طبعا على هذه الاضافة المهمة لمشروعنا , وتحدثنا ايضا عن دور النشر السوفيتية آنذاك ومساهمتها في اغناء المكتبة العربية حول الادب الروسي , واهمية ذلك الدور الرائد لتلك الدور في حينه , وضرورة دراسة هذا التراث ورعايته وتطويره , بما فيها , دراسة امكانية اعادة طبع بعض تلك الاصدارات ايضا ضمن هذا المشروع الثقافي الكبير .
اتفقنا في نهاية هذا الاجتماع على متابعة الموضوع , وضرورة متابعته من قبل معهد الترجمة في موسكو بالذات , والتنسيق بينه وبين الخارجية الروسية , وذلك ليتسنى لها ( للخارجية ) مفاتحة شركات النفط الروسية العاملة في العراق لدعم هذا المشروع الثفافي الحيوي للجانبين , وعبّر السيد مورغونوف عن أمله الكبير باستجابة تلك الشركات لهذه الافكار , خدمة لتعزيز التبادل الثقافي بين البلدين.
قدّمت للسيد مورغونوف في نهاية اللقاء جزيل شكري وامتناني على هذا الموقف الايجابي تجاه مقترحاتنا حول دعم التعاون الثقافي بين الجانبين , و سألته مبتسما – هل يمكن لي ان انشر ما دار بيننا في هذا الاجتماع ؟ فأجاب رأسا ودون اي تردد – نعم , نعم , بلا شك , اذ لا توجد هنا اي اسرار ...   

51
جلست مع زوجة بوشكين على مصطبة واحدة
أ.د. ضياء نافع
 نعم , جلست فعلا جنب ناتاليا غانجيروفا , زوجة بوشكين , على مصطبة واحدة , وكانت في أحلى واجمل حلّتها , وهي تنظر الى الارض وتصغي بتأمل وهدوء لقصيدة يلقيها عليها زوجها الشاعر الروسي بوشكين , الذي يقف امامها . جلست أنا جنبها بهدوء ايضا كي لا أزعجها وهي تستمع الى زوجها  الذي كان يرفع يده اليسرى عاليا  و هو يقرأ احدى قصائده لها خصيصا , جلست بهدوء وبدأت أنظر الى بوشكين وأصغي اليه , ولم التفت الى ناتاليا , كي لا يدعوني زوجها بوشكين للمبارزة , مثلما دعى دانتيس , فأنا لا أقدر( ولا اريد) أن ابارز بوشكين وأقتله مثلما فعل دانتيس , ولا أقدر (ولا اريد) ان ابارزه وادعه يقتلني , وهكذا بقيت جالسا على المصطبة في موقعي ومحافظا على الهدوء دون أن أنظر اليها , كي لا أثير ردود فعل زوجها المشهور بالغيرة...
لم يحدث كل ذلك في المنام , كما قد يظن بعض القراء , وانما حدث في مدينة بودغوريتسا , عاصمة جمهورية الجبل الاسود , او (مونتينيغرو) كما يسمّيها الاوربيون , وهي احدى الجمهوريات الصغيرة ( سكانها 620 الف نسمة لا غيرحسب آخر احصاء للسكان لديهم) التي انبثقت في البلقان بعد انهيار دولة يوغسلافيا الاتحادية  كما هو معروف , وقد تم اعلان جمهورية الجبل الاسود في العام 2006 ليس الا , والتي تعدّ في الوقت الحاضر أقرب الجمهوريات روحيّا ( مع صربيا) الى روسيا الاتحادية ثقافيا وعقائديا ( اذ ان اكثرية سكانها هم من الارثذوكس ), بل انها حتى كانت – في مرحلة من مراحل تاريخها البعيد – جزءا من الامبراطورية الروسية قبل تأسيس الاتحاد السوفيتي بفترة طويلة جدا, وهناك وقائع و وشائج تاريخية كثيرة مشتركة بين روسيا والجبل الاسود , لا يمكن الحديث عنها هنا بتفصيل.
وفي تلك الجمهورية , وفي عاصمتها , شاهدت نصبا طريفا جدا لبوشكين من البرونز , وهو يقف ويرفع يده اليسرى و يقرأ شعرا لزوجته الجالسة امامه على مصطبة , ويأتي المشاهدون ويجلسون جنبها , ويلتقطون الصور التذكارية معها ومع بوشكين , الذي لا ينظر اليهم , ويستمر بالقاء القصيدة لها . وهكذا جلست أنا ايضا جنبها على تلك المصطبة, وحاولت الاستماع معها الى قصيدة بوشكين...     
النصب الجميل هذا قدمته حكومة موسكو المحلية هدية الى عاصمة الجبل الاسود – بودغورستا عندما وقّعت المدينتان اتفاقا بينهما , وتم تدشين هذا النصب المدهش والرائع  العام 2002 , واصبح يمثّل معلما سياحيا وثقافيا متميّزا من معالم تلك المدينة , ويقع في مركزها , وقد تم نصبه بمستوى الشارع تقريبا , بحيث يقدر المشاهد ان يختلط مع بوشكين وزوجته ببساطة , بعد ان يصعد درجتين عن الشارع ليس الا , والنصب يقف على منصة دائرية , ويتكون من تمثال كامل لبوشكين وهو يقف امام مصطبة , حيث تجلس زوجته ناتاليا غانجيروفا , وفوقها يوجد قنديل بنكهة القرن التاسع عشر . والنصب هذا محاط باشجار باسقة وخلفية خضراء تضفي على النصب جمالا خاصا , وامام النصب توجد لوحتان حجريتان , الاولى مكتوب عليها بالروسية , ان هذا التمثال هو هدية من مدينة موسكو الى مدينة بودغوريتسا , ومكتوب على اللوحة الثانية مقطع من قصيدة بوشكين عن سكان الجبل الاسود , ويقول فيها بوشكين , ان نابليون بونابارت سأل مرة من هم هؤلاء , وهل صحيح فعلا انهم لا يخشون قواتنا وقوانا؟ وهي قصيدة تمجّد شجاعة سكان الجبل الاسود . ومن الطريف الاشارة هنا , الى ان جمهور واسع من سكان العاصمة بودغوريتسا ( بما فيهم مسؤولون كبار ) يجتمعون عند هذا النصب  يوم ( 6 ) حزيران من كل عام للاحتفال بيوم ميلاد بوشكين , وكذلك للاحتفال باليوم العالمي للغة الروسية , والذي اعلنته الحكومة الروسية رسميا في يوم ميلاد بوشكين بالذات , ولم يأت هذا الاعلان طبعا بشكل عفوي , اذ ان بوشكين – كما هو معروف - يعتبر واضع اسس اللغة الروسية الادبية الحديثة , ويعدّ ابداعه قمة تطور هذه اللغة و النموذج المثالي لها.
تمثال بوشكين وزوجته ناتاليا غانجيروفا في عاصمة جمهورية الجبل الاسود يعدّ واحدا من أجمل تماثيل بوشكين في العالم ( انظر مقالتنا بعنوان – تماثيل بوشكين في العالم) , ويؤكد مرة اخرى , ان بوشكين هو رمز روسيا الخالد وممثلها الشعبي امام بلدان العالم كافة.   

52
أدب / أيمكن لي أن أغرق في عينيك؟
« في: 20:59 17/10/2018  »
 
أيمكن لي أن أغرق في عينيك؟
=====================

قصيدة للشاعر الروسي روبرت راجديستفينسكي
==============================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=========================


أيمكن لي أن أغرق في عينيك؟
يا للسعادة لو أغرق في عينيك,
اقترب وأقول – (مرحبا,
اني احبك),
هذا شئ ليس بالسهل ,
-كلا ليس صعبا -
لكن ليس بالسهل ,
ان تحب – ليس بالسهل ,
......
اني اقترب نحو المنحدر,
وأسقط,
أتقدر  ان تتلقفني؟
واذا أختفي
 هل ستكتب لي؟
 أريد أنا أن أكون معك دائما
طويلا ودائما,
كل حياتي ,
 أتفهمني؟
 وأخاف من جوابك لي,
 أجبني ,
 لكن فقط بصمت,
 بعينيك أجبني -
 أتحبني؟
واذا نعم ,
 فاني عندها أعدك
بانك
 أسعد انسان ستكون ,
واذا لا ,
فاني أتوسل اليك-
 بنظرتك
لا تقتلني,
والى  ألمستنقع,
لا تسحبني.
يمكن لك طبعا
 ان تحب امرأة اخرى,
حسنا ..
لكن هل ستتذّكرني ,
ولو قليلا تتذّكرني؟
اما أنا ,
فسوف أحبك...
.......
أيمكن لي ان احبك
حتى اذا كان حبك
مستحيلا...؟
.......
اني سوف احبك ,
وامدّ لك يدّي ,
 عندما تحتاج اليّ .
====================================================================================
روبرت راجديستفينسكي  (1932 - 1994) – شاعر سوفيتي روسي شهير , وهو واحد من أبرز مجموعة ( الستينيين) في تاريخ الشعر الروسي المعاصر ( مع يفتوشينكو وفوزنيسينسكي واخمدوننا والآخرين ), الذين شكّلوا صفحة جديدة في مسيرة الشعر والادب الروسي . أصدر حوالي (50) مجموعة شعرية اثناء حياته , ولا زالت دواوينه تصدر لحد الان . تحولت أكثر من (100) قصيدة له الى اغان روسية شائعة جدا. حائز على العديد من الجوائز والاوسمة منها – وسام لينين , وسام ثورة اكتوبر , وسام الاكليل الذهبي , جائزة الدولة ......

53
مع أ.د. مكارم الغمري في موسكو
أ.د. ضياء نافع
التقينا معا آخر مرة في اواسط السبعينات من القرن الماضي بموسكو اثناء مشاركتنا في الندوة العلمية لمدرسي اللغة الروسية وآدابها في بلدان اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية  ( انظر مقالتنا بعنوان – مكارم الغمري والادب الروسي ), وها نحن ذا نلتقي من جديد بعد اكثر من اربعين سنة في المؤتمر العالمي الخامس لمترجمي الادب بموسكو العام 2018 , وبما اننا افترقنا كل هذه الفترة الطويلة من السنين , فقد كان اللقاء ( الذي استمر ثلاثة أيام) مليئا بالاحاديث والذكريات عن الاشياء المشتركة التي توحّدنا , وما أكثرها , ابتداءا من الاصدقاء والزملاء الراحلين د.محمد يونس ود.حياة شرارة و و و.. , وانتهاءا بهمومنا ومشاغلنا التي ترافقنا لحد الان في مجال ترجمة الادب الروسي ومشاكل تدريسه ونشره في بلداننا العربية .
سألتها رأسا – هل قرأت مقالتي عن (مكارم الغمري والادب الروسي) , فضحكت وقالت طبعا طبعا , وأنا أعتز بها جدا ( قدّمت لها نسخة من كتابي – ( دفاتر الادب الروسي 1) حيث توجد مقالتي تلك, رغم انني لا امتلك غيرها وقلت لها , أفضل ان تكون هذه النسخة لديك مما ان تكون عندي). بدأت أروي لها , كيف كان المرحوم أ.د. محمد يونس يحدثني عنها , فقالت انها لاتزال تحمل أجمل الانطباعات عنه وعن زوجته ام بشار( اذ انهم كانوا يعيشون سوية  في القسم الداخلي بجامعة موسكو اثناء الدراسات العليا ) , وسألتني بتفصيل عن أخبار زوجته واولاده , وحدثتها عن بشار وعمار ومي وحسين , وطلبت مني ابلاغ تحياتها وتمنياتها لهم جميعا , وها انذا اقوم بذلك حسب طلبها , وقلت لها , ان محمد يونس كان يكتب آنذاك اطروحته عن تولستوي , بينما كنت انت تكتبين اطروحتك عن غوركي , وسألتها – لماذا اختارت غوركي بالذات ؟ فقالت , لاننا كنا في ذلك الوقت مسحورين بالاشتراكية ومفاهيمها في كل شئ , بما فيها قضايا الادب والفن , ثم أضافت – ولكنني لم اكتب عن  ادب غوركي بشكل بحت فقط , وانما تناولت انعكاساته في الادب العربي ايضا , وبالذات عند الشرقاوي والخميسي والآخرين , ولهذا فانني اقدّم نفسي دائما على اني متخصصة بالادب الروسي والادب المقارن في آن واحد , قلت لها مبتسما – ولهذا جاء كتابك المتميّز بعدئذ عن  المؤثرات العربية والاسلامية في الادب الروسي , والذي لا زال مطلوبا من القراء العرب رغم انه صدر قبل اكثر من ربع قرن في عالمنا العربي ( انظر مقالتنا بعنوان – حول مقالة تولستوي بدل السخوي ) .
 حدثتها طبعا عن دار نوّار للنشر , ومشاريعي المرتبطة بدار النشر هذه وتوسيعها كي تشغل مكانتها اللائقة بها في مجال الادب الروسي في العالم العربي , بما فيها جائزة نوار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي , وأخبرتها ( سرّا !) باسم المرشح المحتمل ( آنذاك ) لنيل هذه الجائزة , وهو بوغدانوف , فقالت انه اختيار ممتاز و صحيح ودقيق من قبل اللجنة , ومدحته جدا , خصوصا عندما عمل في مصر ( أرسلت لها بعدئذ كل ما ظهر من مقالات وتعليقات بعد اعلان خبر حصول بوغدانوف على الجائزة , بما فيها طبعا مقالة سلام مسافر – نوار يضئ الالفة العراقية الروسية , ومقالة محمد  عارف – وسام الدبلوماسية الشعبية العراقية ) .  دعوتها ان تشارك في نشاطات دار نوار للنشر , وقلت لها , انني اتمنى ان أرى يوما- ما عددا خاصا يحمل اسم أ.د. مكارم الغمري  ضمن سلسلة ( دفاتر الادب الروسي ) يضم مقالاتها وملاحظاتها حول الادب الروسي كي لا تبقى هذه المقالات والملاحظات المهمة للقارئ العربي مبعثرة هنا وهناك في مختلف المجلات والصحف والمواقع الالكترونية , فوافقت على هذا المقترح وقالت انها تتمنى ايضا ان تشارك في هذا المشروع الثقافي الذي يحمل اسم ابنك الراحل, وانها ستفكر جدّيا بتحقيق هذه الفكرة الجميلة مستقبلا  , واود ان اكرر هنا باني انتظر من زميلتي د. مكارم – وبكل سرور – تحقيق الفكرة وتنفيذ هذا المقترح المهم علميا للقارئ العربي .
  ختاما لهذه السطور , اود ان أشير , الى ان احاديثنا خلال ايام المؤتمر الخامس للمترجمين  في موسكو قد تشعبت كثيرا وشملت الادب العراقي طبعا , وقالت لي د. مكارم انها معجبة جدا برواية انعام كجةجي الموسومة ( الحفيدة الامريكية ) , الا انها ضحكت وأضافت قائلة , انها لا تقدر ان تتذكر او ان تلفظ بشكل صحيح لقبها هذا ( اي كجةجي ) , وقلت لها , انني ايضا معجب بانعام كجةجي روائية وصحافية , وانني متابع دائم لكل ما تنشر من روايات ومقالات ذكية ودقيقة وذات نكهة خاصة بها فقط لاغير , وانها فنانة رائعة تعرف كيف تحوك رواياتها ومقالاتها بمهارة فريدة ومدهشة الجمال شكلا ومضمونا .
أ.د. مكارم الغمري – مثلي طبعا – متقاعدة , ولكن , هل تقدر هذه المرأة المليئة حيوية ونشاطا ان تتوقف عن مسيرة الابداع ؟ والمساهمة في حركة الترجمة عن الروسية ؟ واغناء المكتبة العربية بمصادر جديدة عن الفكر الروسي ؟

54
نابوكوف ضد دستويفسكي
أ.د. ضياء نافع
كان موقف نابوكوف من دستويفسكي سلبيا جدا , و انعكس هذا الموقف في محاضراته عن الادب الروسي ( انظر مقالتنا بعنوان – محاضرات نابوكوف حول الادب الروسي ) , وقد أشار  نابوكوف  رأسا في محاضراته تلك , الى ان القارئ ربما لن يتقبّل كلامه عن دستويفسكي , ولن يعجبه , بل حتى ربما سوف يستاء منه , وذلك لشهرة وسمعة ومكانة مؤلف (الجريمة والعقاب) و (الاخوة كارامازوف) وغيرها من النتاجات المعروفة لدستويفسكي في روسيا وفي العالم ايضا . نحاول هنا ان نقدم صورة موجزة ومصغّرة جدا لموقف نابوكوف من دستويفسكي انطلاقا من  ضرورة معرفة القارئ العربي لمختلف جوانب الادب الروسي وتاريخه وخصائصه بشكل عام اولا , وثانيا , لاننا نرى , ان آراء كاتب روسي كبير مثل نابوكوف حول اديب روسي آخر كبير مثل دستويفسكي  تمتلك اهميتها الخاصة رغم كل ما فيها من تنافر- ان صح التعبير -  مع الآراء السائدة بشكل عام حول دستويفسكي ومكانته في دنيا الادب الروسي والعالمي .
 كتب نابوكوف في محاضراته تلك قبل كل شئ , الى انه لا يعدّ دستويفسكي ضمن ادباء روسيا الكبار , بل واعتبره ( كاتبا محدودا) , واستشهد في بداية كلامه عن دستويفسكي باقوال الناقد الادبي بيلينسكي , والتي جاءت في رسالته المشهورة الى غوغول , في ان روسيا ( لا تحتاج الى كنائس جديدة ) , وعلى الرغم من ان بيلينسكي كان يتحدث عندها عن آخر كتاب لغوغول ( انظر مقالتنا بعنوان –  رسالة بيلينسكي الى غوغول ) , الا ان استشهاد نابوكوف  بكلمات الناقد المذكورة كانت تجسّد اشارة واضحة المعالم الى مكانة دستويفسكي , الذي يعتبره البعض - أكبر كاتب مسيحي في روسيا و العالم  ايضا , و يقارنوه  بالرسامين الايطاليين العظام , الذين ارتبطت شهرتهم بتجسيد الفكر المسيحي في اوربا مثل - رفائيل ومايكل انجلو ودافنشي , الذين رسموا تلك اللوحات الخالدة والشهيرة في  تاريخ الديانة المسيحية  , بل  ان  بعض النقّاد  اطلقوا على دستويفسكي فعلا تسمية – ( رفائيل الادب ) .
 يربط نابوكوف  مكانة دستويفسكي في هذا المجال (بعد الاستشهاد بجملة بيلينسكي تلك) بمضمون رواية دستويفسكي  – ( الجريمة والعقاب ) , والتي أكّد الكاتب فيها – كما هو معروف - على الجانب الديني ( المسيحي بالذات ) لبطلها راسكولنيكوف ( انظر مقالتنا بعنوان – راسكولنكوف – بطل رواية دستويفسكي الجريمة والعقاب ), وكيف (ينبعث!) البطل روحيا في نهاية الرواية ويذهب طواعية للاعتراف بجريمته , وذلك  بتأثير علاقته بسونيا وحبه لها , او كما يكتب نابوكوف , بفضل ( حب طاهر لعاهرة !) ,  ساخرا من دستويفسكي وافكاره في تلك الرواية .
دستويفسكي الروائي و دستويفسكي الفيلسوف وحدة واحدة لا تتجزأ بتاتا, وقد دخل دستويفسكي الى تاريخ الفلسفة الروسية عبر ابداعه الادبي فقط ولم يكتب اعمالا فلسفية بحتة مثل تولستوي , لكن نابوكوف لم يأخذ بنظر الاعتبار خاصية  المزج بين الادب والفلسفة عند دستويفسكي , واعتبر ذلك اسلوبا يقلل من قيمة الادب اولا , ولا يمنح الوضوح الضروري واللازم للجانب الفلسفي ثانيا , ولهذا اصبح دستويفسكي بالنسبة له ( كاتبا محدودا ) ,  رغم  ان نابوكوف أشار في محاضراته تلك , الى ان دستويفسكي ( كان يمتلك عبقرية الكاتب المسرحي وليس الروائي ..وذلك لان رواياته تشكّل سلسلة مشاهد وحوارات ..) .
 ان موضوعة علاقة نابوكوف بدستويفسكي قد أثارت الكثير من النقّاد والباحثين في مجال تاريخ الادب الروسي , ويمكن القول بشكل عام , انهم جميعا تقريبا كانوا ضد آراء نابوكوف هذه , واعتبروها متطرفة وذاتية جدا و بعيدة عن المواقف الموضوعية , التي يجب ان يتحلّى بها الادباء عند الحديث عن الادباء الآخرين.   

55
أدب / قلب امي
« في: 15:38 02/10/2018  »
  قلب امي
=======

قصيدة للشاعر الصربي المعاصر رادومير أندريج
=============================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=========================

لا توجد عند امي
ماكنة خياطة,
لكن عند امي
قلب خياطة.
+++
وبهذا القلب
ترتّق لي
 ملابسي الممزقة ,
وبهذا القلب
ترتّق لي
روحي الممزقة.
+++
 لا يدخلون الى غرفتها
 والسلاح بايديهم ,
 يدخلون الى غرفتها
  و الزهور بايديهم .
+++
عندما نكون معا,
كل شئ  يكون نظيفا
 على جسدي,
و في  اعماق نفسي.
====================================================================================
ولد رادومير اندريج العام 1944 في صربيا / شاعر وكاتب مقالة / اصدر العديد من المجاميع الشعرية .

56
حول مقالة – ( تولستوي بدل السخوي)
أ.د. ضياء نافع
كاتب هذه المقالة (القصيرة بحجمها والكبيرة بقيمتها واهميتها) , او محبّرها ( كما يحلو له ان يقول ) هو الاستاذ سمير عطا الله ( صحيفة الشرق الاوسط  بتاريخ 20/9 / 2018 ), وعنوان المقالة جذّاب ووجيز وعميق وشاعري , ويعبّر عن مضمون المقالة رأسا , ويؤكّد طبعا كل ما يمتلك الصحافي اللبناني عطا الله من خبرة وتجربة ابداعية طويلة في مجال العمل الصحفي و ايجاز سحر الكلمات وضغطها وموهبة صياغتها.  ان الايجاز هو شقيق العبقرية حسب تعبير تشيخوف العميق والطريف ( أليس خير الكلام ما قل ودلّ), وقد استطاع عطا الله فعلا ان يجسّد هذا القول في عنوان مقالته  تلك ,   فالعنوان هذا قد وضّح فعلا كل ابعاد الفكرة التي اراد الكاتب ان يقولها لنا.
لقد توقفت رأسا عند هذه المقالة عندما كنت أقوم بالاطلاع اليومي على الصحف العربية صباحا , وعندما قرأتها , قررت رأسا ان ارسلها اولا الى زميلتي الباحثة المصرية المبدعة أ. د. مكارم الغمري , مؤلّفة كتاب ( مؤثرات عربية واسلامية في الادب الروسي ) الصادر  بالكويت في  نهاية القرن الماضي , وذلك لان المقالة هذه هي اعتراف رسمي باهمية كتابها , اعتراف (ولو جاء متاخرا ) ولكنه مهم جدا, لانه يأتي من خارج اوساط المتخصصين في اللغة الروسية وآدابها . هذا اولا , اما ثانيا , فقد أثارت هذه المقالة في اعماق روحي الشؤون والشجون , وتذكرت كل معاناتنا ( نحن المتخصصين العرب في اللغة الروسية  و آدابها  ) عندما رجعنا الى بلداننا العربية بعد انهاء دراستنا في الجامعات والمعاهد الروسية , وكيف قابلونا في بلداننا , وتذكرت حتى جملة لازالت ترن في روحي وعقلي لحد الآن , جملة قالها لي أحد (مدراء!) وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق , بعد ان اطلع على وثائقي واختصاصي, والجملة تلك هي – ( ما لكيت ( لقيت ) غير اختصاص كل هذي السنين ) . وتذكرت ايضا , كيف استدعانا مرة (الملحق الثقافي العراقي !!!) في موسكو عام 1962 الى اجتماع في الملحقية الثقافية , وطلب منّا رسميّا ان ننتقل من كليّة الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها ) بجامعة موسكو الى كليات اخرى ( وكنّا آنذاك في الصف الثاني) , وذلك لان العراق , كما قال هذا الملحق الثقافي ( لا يحتاج الى اختصاصنا هذا ابدا !!! ) , وقد حاولنا مناقشته ( وكان لدينا طبعا حماس الشباب وحيويته واندفاعه), وبعد اللتي واللتيا والنقاش الحاد جدا, قال الملحق الثقافي , ان العراق (ربما يحتاج الى  واحد او اثنين منكم في المستقبل البعيد ليس الا) . وتذكرت ايضا , كيف استطعت – وبصعوبة بالغة - ان اؤسس مركز الدراسات العراقية – الروسيّة في جامعة فارونش الحكومية عام 2007 , وكيف حاولت ان أربط هذا المركز المهم بجامعة بغداد , ولكني اصطدمت بنفس تلك العقلية البيروقراطية , التي لم تستوعب حتى حيوية هذه الفكرة وقيمتها واهميتها التاريخية, وقد اضطررت طبعا الى الغاء هذا المركز بعدئذ نتيجة هذه المواقف .  لقد  أشار الاستاذ سمير عطا الله في مقالته تلك قائلا الى اننا لم ( ننتبه الى وجود أشياء مهمة كثيرة غير الدبابات والقاذفات مما يجمع بيننا وبين الحضارة الروسية منذ ثلاثة قرون على الاقل ) , وهو على حق طبعا , ويدعو الكاتب في نهاية مقالته الى – ( تبادل ثقافي على مستوى الحضارتين ) , وما أحوجنا الى ذلك فعلا , وما احوجنا ان نبتدأ اليوم وليس غدا  باتخاذ خطوات في هذا السبيل , واود – ختاما – ان اشير الى مقالتي بعنوان – ( نحو تأسيس صندوق للترجمة من الروسية الى العربية في موسكو ) كمثل على ذلك , واؤكد على امكانية تنفيذ هذا المقترح , والذي يعتمد بالاساس على استقطاع سنت واحد فقط لا غير من سعر كل برميل نفط تستخرجه الشركات النفطية الروسية في العراق , ويمكن لهذا ( السنت الواحد !) ان يموّل اصدار مكتبة روسيّة كاملة باللغة العربية. 
 


57
أدب / ساعة الانتقام
« في: 21:29 25/09/2018  »
ساعة الانتقام
=========

قصيدة للشاعر الصربي المعاصر ميلوفان دانويليج
============================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=========================

الوقحون الاجلاف بصقوا
فى وجوهنا,
الضباع وابناء آوى
نهشوا
 قلوبنا.
+++
ونحن بكينا ,
 وبكينا,
وبكينا.
+++
بعدئذ توقفنا
عن البكاء,
و هجمنا بنيراننا
على الضعفاء,
-غير المذنبين -
 لانهم ضعفاء.
===================================================================================
ولد ميلوفان دانويليج في صربيا العام 1937 / خريج كليّة الاداب في جامعة بلغراد / شاعر وناثر وكاتب مقالة  و باحث علمي ومترجم عن الروسية والفرنسية والانكليزية / يعيش في فرنسا منذ عام 1984 / عضو اكاديمية العلوم والفنون الصربية .

58
مع سائقة قرغيزية في موسكو
أ.د. ضياء نافع
قال صاحبي -  عنوان مقالتك سيثير رأسا (تصورات !) جنسية في ذهن  القارئ العربي , فقلت له مبتسما , نعم , من المحتمل  ان يحدث ذلك  فعلا , ولكن  كلمة جنس , وجمعها اجناس , ترتبط بالانسان ( و جمع هذه الكلمة – بشر) , وعلم الاجناس يتطلب منّا ان نأخذ (عيّنة!) من البشر , ونضعها تحت الميكروسكوب , ونتأمّلها وندرسها ونخرج باستنتاجات معينة ومحددة من هذه الدراسة والتأملات الدقيقة , ونتائج هذه الدراسات تتوزع  بعدئذ على مختلف انواع العلوم , والشريحة التي اودّ ان نتأمّلها معا هي سائقة سيّارة اجرة ( تاكسي) التقيتها بالصدفة المحضة في شوارع موسكو قبل أيام , عندما استدعيت سيارة اجرة للذهاب الى عنوان معين , واذا بي ارى وراء المقود امرأة في حدود الخمسين , والمسألة طبعا ليست غريبة جدا في تلك المجتمعات , وهكذا جلست – بعد التحية - في السيّارة , التي انطلقت بنا الى العنوان المطلوب. قالت السائقة – من الواضح انك لست روسيّا , فأجبتها  نعم فانا من العراق , وقلت لها مبتسما, كما انه من الواضح ايضا انك لست روسيّة , فاجابت – نعم انا من قرغيزيا . وهكذا بدأ الحديث بيننا . سألتها رأسا – أليست مهنة السياقة صعبة بالنسبة لأمرأة قرغيزية في موسكو ؟ فأجابت – نعم , بل و صعبة جدا , ولكن ما هو الحل , اذ لا توجد فرص عمل تضمن المستوى اللائق للحياة في موسكو , فسألتها , ألم يكن ممكنا ان تمارسي  نفس هذه المهنة في قرغيزيا مثلا ؟ فابتسمت واجابت – انت – على ما يبدو - لا تعرف الوضع الرهيب الذي كان سائدا في قرغيزيا عند انهيار الاتحاد السوفيتي , قلت لها , لقد حدّثني روسي كان يسكن هناك بعض الشئ عن ذلك ( انظر مقالتنا بعنوان – سيريوجا الروسي وانا في الردهة رقم 4 ) , فقالت – لقد أحرق المتطرفون القرغيز بيوت الروس وطردوهم , وفقدت قرغيزيا النظام والامان وسادت الفوضى بدل القوانين و عمّت البطالة في كل ارجاء البلاد, وقررت عائلتنا – نتيجة لكل ذلك - الهجرة الى روسيا , اذ لم يكن هناك مخرج آخر بتاتا , الا ان جدّتي رفضت هذه الفكرة رفضا قاطعا , وقالت انها لن تترك قرغيزيا ابدا مهما حدث او يحدث فيها , وقد أيّدها جدّي طبعا وقال لها انه لن يتركها وحيدة مدى الحياة , ولم نستطع اقناعهما بفكرة الهجرة رغم انهما كانا مسنيين   و عليلين وبصحة غير مستقرة , وهكذا عشنا اتعس حياة هناك, وتحت ضغط تلك الظروف الرهيبة ازدادت صحتهما تدهورا, وفي نهاية المطاف توفيت جدتي , فطرحنا فكرة الهجرة الى روسيا من جديد , الا ان جدّي قال لنا , انه وعد جدّتي بعدم تركها وحيدة , وعليه فانه يوافق على الهجرة اذا أخذنا جثمانها معنا . قلت لها – ربما اراد جدّكم ان يضع طلبا تعجيزيا امام هجرتكم ليمنعكم من الهجرة , فقالت لا اعرف , ولكن جدّي فعلا كان يرتبط معها روحيّا بكل معنى الكلمة , وهكذا قررنا جميعا الذهاب الى المقبرة , وحفرنا قبرها , وأخرجنا التابوت من القبر, وأخذناه معنا وسافرنا بالقطار , ووضعنا التابوت وسط عربة القطار امام انظار جميع المسافرين , ولم تكن هناك سلطة تستطيع ان تمنعنا من ذلك او حتى تتجاسر على ايقافنا, وقد خاف ركّاب  القطارمن هذا المشهد وأخذوا يبتعدون عنّا , وكذلك تجنبتنا شرطة الحدود – في اجواء تلك الدولة المنهارة - بعد ان لاحظت توترنا ووضعيتنا غير الطبيعية بتاتا, اذ اننا كنّا على استعداد  لعمل اي شئ من اجل حماية التابوت والسفر بالقطار الى روسيا , وقد استغرق السفر عدة أيام باكملها , وهكذا وصلنا الى ضواحي موسكو , اذ كان لدينا اتفاق مع مجموعة روسيّة اعطيناها نقودا كي تساعدنا في السكن والاستقرار هناك , ولكننا لم نجد احدا بانتظارنا , وقد علمنا بعدئذ انهم مجموعة من المحتالين , الذين خدعونا وخدعوا كثيرين غيرنا . سألتها – وماذا فعلتم ؟ فأجابت , انهم عاشوا لمدة ثلاثة أشهر في ركن من شارع فرعي , وكان الجو ممطرا وباردا , وقد تمرّض جدّي وتوفي نتيجة ذلك , فدفناه  - كما أراد - قرب جدّتي في مقبرتها الثانية بضواحي موسكو . سألتها متذكرا انهم من قرغيزيا –  ولكن هل راجعتم سفارة بلدكم في موسكو كي تساعدكم ولو قليلا وانتم بهذه الوضعية  ؟ فقالت – لقد أسقطت قرغيزيا جنسية كل الذين تركوا البلد آنذاك . قلت لها – ولكني شاهدت الكثير من القرغيز يعملون الان  بموسكو في المطاعم والمقاهي ويقدمون الخدمات المختلفة , فقالت – نعم , الان سمحت قرغيزيا بالهجرة والاحتفاظ بالجنسيتين حلا للبطالة الهائلة هناك , أما عندما سافرنا آنذاك , فقد كانت الهجرة تعني خيانة الوطن , وكانت الدولة تسحب الجنسية رأسا من كل شخص يهاجر, وتشطب اسمه من قائمة المواطنين .قلت لها في نهاية حديثنا ( ونحن نقترب من العنوان المطلوب) , ان قصتك  مثيرة وحزينة ومؤلمة جدا , ولو اني سمعتها من شخص آخر لقلت انها من نسيج الخيال والمبالغة ليس الا , فقالت وهي تنظر اليّ بحزن واضح جدا – ان الواقع الذي عشناه وعانينا منه ولا زلنا نعاني هو أقسى من الخيال واكثر مرارة منه . 

59
أدب / قصيدتان من صربيا
« في: 21:38 19/09/2018  »
قصيدتان من صربيا
=============

للشاعر الصربي المعاصر ليوبيفوي رشوموفيج
======================
ترجمهما عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=========================

الفيل
===
ابو جدّه –
فيل,
جدّه –
فيل,
أبوه –
فيل,
عمّه –
فيل,
أخوه –
فيل.
+++
لكن هو,
من هو؟
========================================================================
 الغذاء والحمية
=========
الكتاب  للروح – غذاء,
أفضل ما في العالم من غذاء ,
لكن ما العمل
عندما تكون عند الشعب
 حمية من الغذاء.
========================================================================
ولد  ليوبيفوري  رشوموفيج العام 1939 في صربيا / خريج كليّة الآداب بجامعة بلغراد / شاعر وناثر وكاتب مسرحي وكاتب مقالة /    يتميّز بالسخرية في كل كتاباته .

60
بوغدانوف يفوز بجائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي - الروسي
--------------------------------------------------------------
أ.د. ضياء نافع
تم اعلان اسم الفائز بجائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي من قبل اللجنة الخاصة للجائزة المذكورة في دار نوّار للنشر , والمرشح الفائز هو بوغدانوف ميخائيل ليونيدوفيتش - وكيل وزير وزارة الخارجية  في روسيا الاتحادية . وقد جاء في الاعلان , ان اللجنة اتخذت قرارها نتيجة لمسيرة  السيد بوغدانوف ودوره المتميّز في تعزيز الحوار العربي – الروسي بشكل عام , والحوار العراقي – الروسي بشكل خاص طوال فترة عمله في السلك الدبلوماسي الروسي  بوزارة الخارجية الروسية وصولا الى موقعه الرسمي الحالي وهو وكيل وزارة الخارجية في روسيا الاتحادية وممثل الرئيس الروسي السيد بوتين في الشرق الاوسط , هذا وقد أخذت اللجنة بنظر الاعتبار علاقات السيد بوغدانوف الواسعة والمتعددة الاطراف بالجانب العراقي رسميّا وشعبيا, وزياراته العديدة للعراق من اجل تعزيز الحوار العراقي – الروسي , وكذلك معرفته العميقة للغة العربية واستخدامه لها في هذا الحوار الكبير و المتشعب .
 ان لجنة منح جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي تفخر , ان اول حائز على هذه الجائزة في تاريخ العلاقات العراقية – الروسية هو شخص بمستوى السيد بوغدانوف انسانا وموقعا وعلمّا , وتعبّر اللجنة عن اعتزازها بهذه الشخصية المتميّزة في موقعها الوظيفي والعلمي ودورها الكبير في مسيرة العلاقات العراقية – الروسية ,  وتود ان تقدم جزيل شكرها وامتنانها له على موافقته باستلام هذه الجائزة , وموافقته بالحضور الى بناية السفارة العراقية في موسكو لاستلام الجائزة شخصيا من يد  سفير جمهورية العراق في روسيا الاتحادية السيد حيدر منصور هادي العذاري , العضو الشرف في لجنة منح جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي , والذي أطلق على هذه الجائزة تسمية – (الدبلوماسية الشعبية ) لتعزيز العلاقات العراقية - الروسية .
هذا وقد وجّهت سفارة جمهورية العراق في روسيا الاتحادية الدعوات الرسمية للمدعوين لحضور حفل تقديم جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي , والذي سيقام يوم الجمعة  بتاريخ 28 / 9 / 2018 في الساعة 12 ظهرا , وقد حرصت السفارة و لجنة الجائزة على ان تكون هذه الاحتفالية في الشهر التاسع ( ايلول / سبتمبر) بالذات , باعتبار ان العلاقات العراقية – الروسية قد تم التوقيع عليها في هذا الشهر من العام 1944 .
عاش الحوار العراقي – الروسي                           
عاشت جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي   

 

61
أسماء الادباء الروس في محطات مترو موسكو
أ.د. ضياء نافع
عندما كنت طالبا في موسكو قبل اكثر من خمسين سنة , كانت هناك محطة مترو نعرفها جميعا اسمها ماياكوفسكايا , ولا زالت هذه المحطة موجودة لحد الان , وتقع طبعا عند تمثال ماياكوفسكي العملاق في الساحة التي تحمل اسمه في قلب موسكو . تعد هذه المحطة من المحطات المتميّزة برشاقتها وجمالها وعمقها, وقد تأسست العام 1938 , ولازالت عالقة في ذهني صورة لهذه المحطة شاهدتها مرّة , وقد اجتمعت فيها القيادة السوفيتية اثناء الحرب العالمية الثانية بقيادة ستالين . تذكرت ذلك عندما كنت قبل ايام في مترو موسكو وانا استمع الى تسميات محطات تحمل اسماء ادباء آخرين , وهي ظاهرة لم تكن واسعة عندما كنت طالبا في تلك الايام الخوالي , وهو ما اود الان ان اكتب عنه , استمرارا لروحية مقالتي السابقة عن تسميات شوارع موسكو التي تحمل اسماء الادباء الروس تقديرا لهم واحتراما لمكانتهم في ضمائر الشعب الروسي , ( انظر مقالتنا بعنوان –   شوارع موسكو باسماء الادباء الروس ) .
 من المحطات التي لم تكن موجودة آنذاك محطة اسمها ( بوشكينسكايا) , وتقع طبعا عند تمثال بوشكين في ساحة بوشكين امام سينما ( راسيّا ) اي ( روسيا ) , فيا لها من تسميات تكاد ان تكون مترادفة تدخل الى قلب الانسان الروسي بلا اسئذان . وعندما كنت جالسا في عربة المترو , اعلنوا بالميكروفون, انه يمكن للركاب ان ينتقلوا من محطة بوشكينسكايا الى محطة تشيخوفسكايا , فابتسمت وقلت بيني وبين نفسي , ان الذي أطلق هذه التسميات هو متخصص في الادب الروسي حتما , اذ انه يعرف بدقة الوشائج الابداعية التي تربط تشيخوف ببوشكين , بحيث جعل محطتي بوشكينسكايا وتشيخوفسكايا مترابطتين هكذا , مثل حال تشيخوف وبوشكين في مسيرة الادب الروسي ( انظر مقالتنا بعنوان – تشيخوف وبوشكين ) . لقد توجهت خصيصا الى محطة تشيخوفسكايا للاطلاع عليها بدقة كي اعرف لماذا اطلقوا عليها اسم تشيخوف , فوجدت هناك لوحات    جدارية تجسّد بعض نتاجات تشيخوف الفنية منقوشة على الجدران بشكل رائع , ولكني فوجئت بتمثال ضخم لغوركي يقف في احدى الممرات المؤدية الى تلك المحطة , وقد استفسرت عن ذلك طبعا , وعلمت ان المدخل الى هذه المحطة كان  يقع في شارع غوركي , ولكن عندما أعادوا لهذا الشارع اسمه القديم وهو تفارسكايا ( انظر مقالتنا بعنوان – شوارع موسكو باسماء الادباء الروس ) اطلقوا عليها تسمية – تشيخوفسكايا بعد عملية توسيع شبكة المترو , وتركوا تمثال غوركي في مكانه هناك بذلك المدخل دون تغيير, وهو قرار صائب , اذ ان التمثال هذا جميل وفخم ولا يتعارض مع هارمونية المدخل هذا ابدا , ولهذا أبقوه على حاله  رغم تبديل اسم المحطة , ولكني قرأت بعض التعليقات الروسية الساخرة حول ذلك التمثال  تنتقد ذلك القرار , منها التعليق الآتي – ( انه تشيخوف ولكن طعمه غوركي !) والتعليق هذا هو لعب بالكلمات الروسية , اذ ان كلمة ( غوركي ) بالروسية معناها ( المرّ). , اي انه تشيخوف ولكن طعمه مرّ.
وعندما كان قطار المترو يسير وبضجيج كالعادة  اعلن الميكروفون ان المحطة القادمة ستكون- دستويفسكايا , وهي محطة جديدة  نسبيّا تأسست العام 2010 ليس الا , وعلى الرغم من انني كنت متوجّها الى مكان آخر , الا اني قررت ان اخرج من عربة القطار في محطة دستويفسكايا للاطلاع عليها لان التسمية ( الجديدة بالنسبة لي ) اثارت فضولي , واردت ان اعرف وارى بامّ عيني, هل توجد هناك ملامح دستويفسكية هناك , وخرجت فعلا من عربة القطار وأخذت أتأمل تلك المحطة , ففوجئت بصورة هائلة لدستويفسكي في غاية الاتقان والجمال تتصدر جدار المحطة , وهي لوحة مرسومة بالموزاييك تصّور دستويفسكي وهو في حالة تأمل وحزن, وهكذا اقتنعت بصحة التسمية ودقتها, وعدت ادراجي الى عربة القطار القادم الذي  وصل بعد ان غادر القطار الذي تركته . 
ختاما لهذه النظرة السريعة لتسميات محطات مترو موسكو ,اريد ان أشير الى محطة تحمل اسم تورغينيف لم تكن في زماننا ( الستينات ) وهي محطة تورغينيفسكايا (أرتباطا بساحة تورغينيف ) , وقد تأسست العام 1972  , وهناك محطة جديدة نسبيا تحمل اسم الكاتب المسرحي الروسي في القرن الثامن عشر وهو فانفيزين واسمها – فانفيزنسكايا , وقد تم افتتاحها العام 2016 ليس الا ( ارتباطا بشارع فانفيزين ) . واخيرا , اود ان اذكر , انه كانت في زماننا محطة – ليرمنتوفسكايا , والتي كانت تسمى ( كراسنويي فاروتا ) اي ( البوابات الحمر ) , وقد تم تبديل التسمية عندما افتتحوا تمثال ليرمنتوف قربها في الستينات ( انظر مقالتنا بعنوان – سبع نقاط من الذاكرة حول ليرمنتوف) , ولكن بعد التغييرالجذري الذي حدث في روسيا و(موجة!) العودة الى الاسماء القديمة , تم تغيير تلك التسمية ايضا , وهكذا عادت محطة مترو ليرمنتوفسكايا هذه الى -  كراسنويي فاروتا  , رغم ان تمثال ليرمنتوف لا زال قائما عند مدخلها .

62
أدب / الثلج
« في: 18:27 14/09/2018  »
الثلج
===

قصيدة للشاعر الصربي المعاصر نيناد غرويتشيج
==============================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=====================

يتساقط الثلج ,
 لكن
من الذي يرى.
+++
لا شئ ولا أحد يرى,
وحتى
اذا يرى,
لا يريد ان يرى.
+++
نحن ,
 الذين فعلا نرى,
نصمت ,
ولا نرى .
ولماذا يجب علينا
ان نرى؟
===============
===============
ولد نيناد غرويتشيج العام 1954 في مدينة بانجيفو بصربيا / شاعر وناقد ادبي وكاتب مقالة وصحفي / خريج كلية الفلسفة في جامعة نوفي ساد / أصدر اكثر من (11) مجموعة شعرية /  قصائده مترجمة الى اكثر من (15) لغة اجنبية / حائز على العديد من الجوائز الادبية .

63
في المؤتمر العالمي الخامس لمترجمي الادب بموسكو
أ.د. ضياء نافع
بدعوة كريمة من معهد الترجمة في موسكو شاركت باعمال المؤتمر العالمي الخامس لمترجمي الادب , الذي انعقد من 6 الى 9 ايلول/ سبتمبر2018 في مكتبة الادب الاجنبي بموسكو, وقد ساهم في هذا المؤتمر مترجمون وباحثون في مجال الترجمة من ( 57 ) بلدا من بلدان العالم , وكان الوفد الروسي طبعا أكبر الوفود (عددا وعدة !), اذ كان يضم (107) عضوا بين باحث ومترجم واداري , اما البلدان العربية التي شاركت في اعمال المؤتمر   فكانت  ثلاثة بلدان فقط مع الاسف , وهي ( حسب حروف الهجاء ) كل من – سوريا والعراق ومصر, اذ لا تتابع بلداننا العربية - بحكوماتها ومنظماتها - حركة المؤتمرات الثقافية والفكرية في العالم ولا تعرف اهميتها وقيمتها  .
انعقد المؤتمر تحت شعار –  (الترجمة الادبية - وسيلة الدبلوماسية الثقافية) , وعلى الرغم من تسمية المؤتمر وشعاره , فان اعماله ترتبط طبعا باللغة الروسية وآدابها والترجمة عنها واليها بالاساس , وهذا أمر طبيعي جدا, اذ لا يمكن لاي مؤتمر ان يبحث شؤون الترجمة الادبية بشكل عام وفي كل اللغات , ولهذا , فقد اختتم المؤتمر اعماله باعلان الجوائز لاربعة مترجمين اجانب , الذين ترجموا الى لغاتهم القومية الادب الروسي في القرن التاسع عشر و الادب الروسي في القرن العشرين والادب الروسي المعاصر , واخيرا الشعر الروسي . لقد نادوا للصعود الى منصة المسرح اربعة مرشحين لكل جائزة , ثم تم الاعلان عن فائز واحد منهم للجائزة , اما الاخرون فقد استلموا شهادة تكريمية فقط , وقد سررت جدا , عندما نادوا على زميلنا المترجم المبدع عبد الله حبه ضمن مترجمي الادب الروسي في القرن العشرين باعتباره قد ترجم الى العربية رواية بولغاكوف  الحرس الابيض ( انظر مقالتنا بعنوان – رواية بولغاكوف الحرس الابيض بالعربية ) . وعلى الرغم من عدم حصول المترجم الكبير عبد الله حبه على الجائزة تلك , الا ان وقوفه ضمن المرشحين الاربعة وحصوله على شهادة التكريم من لجنة التحكيم تعتبر بحد ذاتها عملا يثير الفخر و الاعتزاز  لكل العراقيين والعرب جميعا , اذ انه كان قاب قوسين من نيل الجائزة .   
    تم افتتاح اعمال المؤتمر بجلسة عامة في القاعة الكبرى لمكتبة الادب الاجنبي , حيث تحدّث اربعة من اعضاء الوفد الروسي وواحدة من اعضاء الوفد الفرنسي , وتوقف المحاضرون الروس عند شعار المؤتمر ( الترجمة الادبية باعتبارها وسيلة الدبلوماسية الثقافية ) , وعند عام 2018 باعتباره عام وحدة الادب الروسي الكلاسيكي , وذلك لان روسيا في هذا العام بالذات تحتفل بذكرى الميلاد اليوبيلي لكل من تورغينيف وتولستوي وغوركي وماياكوفسكي وسولجينيتسن ( انظر مقالتنا بعنوان – روسيا تحتفل بذكرى سولجينيتسن وغوركي وتورغينيف ) حيث تحدث المحاضر قليلا عن كل واحد من هؤلاء الادباء الكبار واعتبر هذه الاحتفالات اعلانا لوحدة الادب الكلاسيكي الروسي بغض النظر عن موقع واهمية كل اسم من تلك الاسماء, و كذلك تحدثوا بعدئذ عن موقع ومكانة اللغة الروسية في عالم اليوم ,  واخيرا عن الاسماء والظواهر الجديدة في الادب الروسي بروسيا اليوم , اما المندوبة الفرنسية فقد تحدثت عن حركة ترجمة الادب الروسي في فرنسا وصولا الى ما يمكن ان نسميه – ( المكتبة الفرنسية للادب الروسي) , وهو مصطلح بدأ يطرق اسماعنا في الفترة الاخيرة ويرتبط طبعا بحركة ترجمة  الادب الروسي الى لغات العالم الرئيسية , ومن الطريف ان نشير هنا , الى ان عنوان كلمتها كان كما يأتي – (المترجم يجب ان يعرف كل شئ ). ثم توزعت اعمال المؤتمر بعد جلسة الافتتاح تلك الى ثمانية أقسام , وكانت هناك طبعا قاعة خاصة لكل قسم , وذلك حسب طبيعة البحوث التي يقدمها كل مشارك , وهذا أمر طبيعي جدا في مؤتمر عالمي يشارك فيه (277) مندوبا . ان هذا التنوع في طبيعة البحوث قد حرمني طبعا من الاستماع الى العديد من تلك الكلمات , التي رغبت بالاستماع اليها عندما اطلعت على عناوين البحوث في دليل المؤتمر , فقد وضعت اشارة عند  تلك البحوث , منها على سبيل المثال وليس الحصر , بحوث الزملاء العرب د. مكارم الغمري ( من مصر ) التي تحدثت عن دور الترجمة في بلورة الاجناس الادبية في المسرح العربي بمصر نموذجا , ود.محمد الجبالي ( من مصر ) الذي تحدث عن صعوبات الترجمة الادبية من اللغة الروسية الى العربية ومن العربية الى الروسية , و د. ثائر زين الدين (من سوريا )  الذي تحدث عن وزارة الثقافة في سوريا وتجربتها بتنظيم ترجمات الادب الروسي باللغة العربية , وهو موضوع كبير يقف منذ زمن طويل امام كل مترجمي الادب الروسي في العالم العربي . هناك طبعا الكثير من البحوث الاخرى الطريفة والمهمة , وأشير الى بعضها ليس الا , اذ أثار اهتمامي البحث الموسوم – ( بوشكين الفارسي – شاعر ام ناثر؟ ) لباحث ايراني , ويتناول صعوبات ترجمة شعر بوشكين الى الفارسية , او , ( الترجمة الى نفس اللغة ولكن في بلدين اثنين) لباحثة فنلندية , وهي مشكلة تقف امام المترجمين العرب , او , ( مشاكل ترجمة عناوين الكتب )  لباحثة بريطانية , او , ( فلسفة النص والتعبير عنها في الترجمة / الشعر الغزلي عند حافظ في الترجمة الى الروسية نموذجا) لباحث أذربيجاني , او , ( ترجمة حكايات تولستوي لاطفال المكسيك ) لباحثة مكسيكية , وغيرها من البحوث المهمة والمرتبطة بواقع الترجمة ومشاكلها . وباختصار , فقد كان هذا المؤتمر فرصة رائعة للاطلاع على قضايا الترجمة من الروسية الى اللغات الاخرى وبالعكس , وقد كانت الادارة وتنظيمها للمؤتمر ناجحة جدا , ودقيقة    جدا , وكم اتمنى ان نتعلم من ذلك التنظيم في مؤتمراتنا العربية .

64
مسرحيتان لاستروفسكي بترجمة أ.د. مكارم الغمري
أ.د. ضياء نافع
هذا حدث مهم لمتابعي و عشّاق الادب الروسي باللغة العربية , واغناء كبير للمكتبة العربية في الادب الروسي بآن واحد , اذ أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب العام 2016 , وضمن سلسلة الألف كتاب الثاني / نافذة على الثقافة العالمية – كتابا للاديب المسرحي الروسي ألكساندر استروفسكي ( انظر مقالتنا بعنوان  استروفسكي – شكسبير روسيا ) يضم مسرحيتين له تحت عنوان ثانوي هو – من روائع المسرح الروسي , بترجمة وتقديم أ.د. مكارم الغمري عن الروسية طبعا ( انظر مقالتنا بعنوان – مكارم الغمري والادب الروسي ) , وبهذا الاصدار تكون الغمري ( التي طالما غمرتنا بابداعاتها الجميلة حول الادب الروسي !) قد أنجزت ترجمة ثلاث مسرحيات للكاتب المسرحي الروسي استروفسكي ضمن تلك المساهمات المهمة في  هذا المجال , اذ سبق لها ان ترجمت مسرحية ( الغابة ) , والتي صدرت ضمن السلسلة المشهورة - ( من المسرح العالمي) في الكويت العام 1984 , ولو تأملنا فقط الفرق الزمني بين الاصداريين ( وهو اكثر من ثلاثين سنة!) لوجدنا الاجابة عن سؤال يدور في أذهان الكثيرين حول القيمة الحقيقية والعميقة لمكانة أ.د. مكارم الغمري في حياتنا الفكرية العربية المعاصرة ودورها الفعّال في نشر الادب الروسي بعالمنا العربي , ولماذا حازت هذه الباحثة المصرية على هذا التقدير المتميّز في الاوساط العربية والروسيّة على حد سواء .
يقع الكتاب في( 176) صفحة  من القطع الكبير , وبغلاف رائق  أخّاذ يتناسق مع روح المسرح وجماليته وارتباطه بالحياة الانسانية , ولا يمكن لكتاب تترجمه ألاستاذة الجامعية والباحثة القديرة د. مكارم الغمري ان يكون خاليا من مقدمة علميّة تكتبها له , مقدمة تضفي على النص المترجم نظرة موضوعية متكاملة تجعل القارئ مستعدا نفسيا لاستيعاب ذلك النص الادبي , وقد جاءت تلك المقدمة ( الدسمة!) من صفحة رقم( 7) الى صفحة رقم (18)  , والتي يمكن القول انها دراسة معمّقة وجيزة لادب استروفسكي وعصره. تناولت الغمري في بداية مقدمتها خصائص مسرح استروفسكي وموقعه في ظل تيارات اجتماعية وفكرية مختلفة في روسيا آنذاك , والصراعات التي كانت قائمة بين عدة تيارات , ابرزها الصراع بين انصار التوجّه نحو الغرب الاوربي , الذين كانوا يرون ان روسيا يجب ان تسلك طريق الاصلاحات الاوربية الغربية , وبين انصار الرجوع الى الروح السلافية , الذين كانوا يؤكدون على خصوصية طريق روسيا المغاير لطريق الغرب الاوربي , ومن الطريف هنا ان نشير , الى ان كلاهما ( انصار الغرب وانصار السلاف ) كانا يعتقدان , ان استروفسكي هو واحد منهم , ولا يسمح المجال بالاستطراد اكثر في اطار هذه المقالة . تتوقف د. مكارم في مقدمتها لاحقا عند مكانة استروفسكي في تاريخ الادب الروسي ولماذا يعتبرونه ( مؤسس المسرح القومي الروسي ) , ولماذا يعدّ لحد الان قريبا من القارئ والمشاهد الروسي المعاصر بما يطرحه من قضايا اخلاقية وانسانية ترتبط بكل مكان وزمان .  تتطرّق الباحثة في مقدمتها حتى الى الحديث عن موضوع الرقابة على الابداع الادبي في روسيا القيصرية , ثم في الفترة السوفيتية , ثم ما بعد تلك الفترة , وتربط هذا الموضوع الخطير بتاريخ روسيا ومسيرتها , والكلام عن الرقابة يذكرنا بواقعنا طبعا , ورغم ان الباحثة لم تتطرّق الى ذلك , ولكن ( الحليم تكفيه الاشارة !) . تتوقف الباحثة لاحقا عند كل مسرحية من المسرحيتين في هذا الكتاب , وتعطي تلخيصا موضوعيا للافكار الرئيسية في كل مسرحية , وتربط تلك الافكار والاحداث بالواقع المصري , وتحاول ايجاد سبل المقارنة حتى مع ثلاثية نجيب محفوظ وابطالها , وعلى الرغم من انها لم تتوسّع في هذا الجانب , الا ان تلك المقارنة الوجيزة بين استروفسكي ونجيب محفوظ تمتلك اهميتها بالنسبة للمهتميّن العرب بموضوعة الادب المقارن , وكذلك بالنسبة للمستشرقين الروس . وتتناول الباحثة في مقدمتها تلك صعوبة ترجمة مسرحيات استروفسكي , لان الكاتب المسرحي هذا كان ( يتعامل مع اللغة بصفتها وسيلة لتصوير الطابع الانساني ) كما تشير د. مكارم الغمري , ولهذا نرى في نصوصه الكثير من التعابير الدارجة والامثال الشعبية , بل ان عنوان المسرحية التي ترجمتها هو عبارة عن مثل شعبي روسي (كما هو حال عدة مسرحيات اخرى له ) , وتتحدث المترجمة عن ذلك وتقول انها بحثت عن مثل شعبي مقارب من حيث المعنى كي تحتفظ بروحية العنوان الذي اطلقه استروفسكي على مسرحيته , وهكذا اصبح عنوان تلك المسرحية في الترجمة العربية – ( لا بينا ولا علينا ) .
تصفيق حاد للمبدعة أ.د. مكارم الغمري على كل ما قدّمته من مساهمات عميقة في مجال العلاقات الثقافية العربية – الروسية , وكل الشكروالتقدير للهيئة المصرية العامة للكتاب وسلسلة الالف كتاب الثاني , والتي تطلق على نفسها تسمية  دقيقة ومعبّرة فعلا وهي – ( نافذة على الثقافة العالمية).

 


65
كتابان بترجمة احمد عبد الكريم حميد عن الروسية
أ.د. ضياء نافع
استلمت بالبريد الاعتيادي الذي كدت انساه ( وليس الالكتروني ) كتابين مترجمين عن اللغة الروسية صدرا في بغداد . هذا حدث هائل جدا وجميل جدا بالنسبة لي شخصيا - هائل لأن الذي قام بترجمة الكتابين هو واحد من طلبتي المبدعين الشباب ( وهي سعادة قصوى لأي معلّم في العالم , عندما يرى ويتلمّس باليد ثمار تلك الشجرة التي غرسها يوما ما في مجال عمله و ارض وطنه !) , وجميل لأنه يؤكد ويثبت بما لا يقبل الشك, ان الحياة الثقافية مستمرة في العراق رغم كل ما يحدث هناك من كوارث ومصائب وصراعات دموية نراها ونسمع بها يوميا.
اريد هنا طبعا ان اتوقف عند هذين الكتابين المترجمين قليلا ( بعد ان اطلعت عليهما بامعان ), وان اقدمهما الى القراء , وان اكتب انطباعاتي حولهما. الكتاب الاول بعنوان – ( فلاديمير بوتين ) , والثاني بعنوان – ( ما لا تعرفه عن كرة القدم الروسيّة ) , وساكون مضطرا للتوقف عند الكتاب الاول فقط , اذ لا تتحمل طبيعة مقالتنا الحديث عن الكتابين معا , واتمنى ان تسنح الفرصة لي للحديث عن الكتاب الثاني لاحقا , علما انه سبق لنا ان تحدثنا عن كتاب سابق للمؤلف نفسه في هذا الموضوع – ( انظر مقالتنا بعنوان – المعجم الروسي العربي في كرة القدم ) . 
الكتاب الذي سنتناوله هنا جاء بعنوان – ( فلاديمير بوتين ) , وعليه صورة ملوّنة كبيرة للرئيس الروسي , اما الغلاف الاخير فعليه ست صور ملوّنة لبوتين بوضعيات مختلفة , ويجب القول رأسا , ان اخراج الكتاب قد تم بشكل جميل وجذّاب , ويجلب انتباه القارئ اليه فعلا . يقع الكتاب في 128 صفحة من القطع المتوسط , وهو صادر عام 2017 في بغداد عن مؤسسة ثائر العصامي . الملاحظة الاولى التي أثارت استغرابي رأسا هو ان المترجم لم يذكر اسم مؤلف الكتاب , وانما جاء على الغلاف فقط – ترجمة احمد عبد الكريم حميد ( دون ذكر اللغة التي تمت عنها الترجمة , وهذا شئ مؤسف , رغم انه شئ شائع جدا في العراق ومعظم بلدان العالم العربي ) , ولم أجد اي اشارة  حتى في مقدمة المترجم الى المصدر الذي قام المترجم بترجمته , ولكني وجدت جوابا على (استغرابي !) هذا في نهاية الكتاب , حيث توجد المصادر والمراجع ( ص121 و 122 , فهناك 17 مصدرا و 8 مصادر من الانترنيت , وكلها باللغة الروسية) , وهكذا فهمت , ان احمد عبد الكريم حميد كان محقّا , عندما كتب على غلاف كتابه , انه ( ترجمة ) , ولكنه ( ربما تواضعا , او , ربما نتيجة لعدم الدقة من قبله او من قبل الناشر ,او, ربما لاسباب اخرى ) لم يكتب على ذلك الغلاف انه – ( ترجمة واعداد) , وفي كل الاحوال , فان ذلك شئ غير صحيح بتاتا , خصوصا بالنسبة لكتاب يتناول شخصية سياسية عالمية بمستوى بوتين وباللغة العربية , اذ ان الكتاب هذا يعدّ اليوم مصدرا مهما للكثير من الباحثين العرب الذين لا يتقنون اللغة الروسية حول هذه الشخصية المهمة والتي تثير الجدل في الحياة الدولية. اضافة الى كل ما ذكرته , فاني وجدت في هذا الكتاب ( من ص 93 الى ص119)  89 هامشا تفصيليا عن شخصيات روسية معاصرة وظواهر سياسية مطروحة بحدة في السياسة الدولية قلما يجد القارئ العربي عنها وعنهم معلومات  علمية دقيقة ومتبلورة, كالتي جاءت هناك في تلك الهوامش , اذ انه ( اي المترجم) أخذها من مصادرها الروسية الاصلية وترجمها وعرضها بموضوعية عالية فعلا وتعتمد على الوقائع المجرّدة ودون استطرادات عاطفية.  ان كتابة (89 ) هامشا تفصيليا حول هذه المجموعة الكبيرة من الشخصيات الروسية والظواهر السياسية بحد ذاته يعدّ عملا علميا رائدا واصيلا , ويضفي على هذا الكتاب صيغة الاعداد العلمي الرصين . لقد كنت احلم ( عندما كنت عميدا لكليّة اللغات في جامعة بغداد من 2003 الى 2006 ) ان اؤسس في كل قسم من أقسام اللغات وحدة خاصة ملحقة بذلك القسم تسمى – (وحدة البحوث ) , وتكون مهمتها تكليف ومتابعة كل تدريسي في ذلك القسم بالقيام بنشاط علمي وترجمي خارج بحوثه العلمية المرتبطة بترقيته العلمية , نشاط يرتبط باختصاصه اللغوي ويكون مفيدا للمجتمع بشكل عام , وذلك لاقامة الجسور بين الجامعة والمجتمع , وقد عرضت هذا المقترح على مجلس الجامعة بعد ان بلورناه في مجلس الكليّة , ولازلت أتذكر ردود فعل أعضاء مجلس الجامعة السلبية على ذلك الاقتراح ( ويشهد بذلك أ.د. موسى الموسوي رئيس الجامعة آنذاك ) , مما اضطرني الى سحب المقترح في تلك الجلسة الصاخبة , وتحويله الى وحدة ادارية عامة في الكليّة ليس الا , خوفا من نسفه كليّا , بعد ان فهمت ان الوضع العام غير مستعد لمثل هذه المقترحات . لقد تذكرت هذا المقترح وتلك الاجواء التي كانت محيطة به , عندما كنت اطالع هذا الكتاب , اذ ان مترجمه أحمد عبد الكريم حميد هو الابن البار لقسم اللغة الروسية في كليّة اللغات , وقد استطاع فعلا ان يستخدم معرفته الممتازة للغّة الروسية , وان يعطي للقارئ العربي صورة متكاملة عن الرئيس الروسي بوتين من أصله وطفولته وشبابه وخدمته في جهاز المخابرات السوفيتية الى عائلته واطفاله ومعلومات عن دخله , اضافة طبعا الى موقعه الرسمي في الدولة الروسية حاليا خلال ربع قرن تقريبا من الزمن , اي ان المترجم استطاع ان يمنح للمكتبة العربية مصدرا مهما جدا يمكن الاعتماد عليه , وهو نشاط علمي خارج نطاق بحوث الترقية , وليس ذلك بالامر الهيّن .
تحية لاحمد عبد الكريم حميد على جهده العلمي المفيد , واتمنى له ولقسم اللغة الروسية الحبيب في كليّة اللغات التقدم والازدهار.

66

اريد ان اعانق زهورك ايها الوطن


قصيدة للشاعر المعاصر أرتور  مونتيرو  فيغا / كوستاريكا

ترجمها عن الروسية أ.د. ضياء نافع


رغم الكراهيّة والانين والمصائب حولنا ،
ورغم تجمّد الصمت في حدقات عيوننا ،
ورغم ان الانهار تجرف الى البحر دماءنا ،
ورغم ارتجاف الزهور برعب في ليلنا ،
ورغم العتمة المريرة في حقولنا ،
ورغم ان الغبار  يحجب الضياء عن نباتنا ،
ورغم ان اللهيب قد خمد في  شمسنا ،
ورغم ان الحقد قد قطّب في الفجر حواجبنا ،
ورغم ان هديل الحمام قد  اختفى من حولنا ،
ورغم ان الدموع قد حجبت وضوح رؤيتنا ،
ورغم ان الحياة والموت يتصارعان في ساحاتنا ،
ورغم ان الكوارث  تخيّم على قلوبنا -
اريد ان اعانق زهورك ايها الوطن
 رغم انف كافة احزاننا .


قال لي صاحبي , هذا شاعر عراقي يكتب باسم مستعار , ولا علاقة له بكوستاريكا , وضحكنا كلانا , ولكن ضحكنا كان ( كالبكا !!) كما يقول المتنبي.
المترجم

67
شوارع موسكو باسماء الادباء الروس
أ.د. ضياء نافع
سألتني فلانة فلانوفنا الروسيّة في باريس – ما أخبار شارع تفيرسكايا في موسكو؟ وفلانة فلانوفنا كانت ممثلة شابة في مسرح موسكو الفني ( الذي يرتبط باسم ستانسلافسكي) قبل ثورة اكتوبر 1917 في روسيا ( وكانت تفتخر دائما انها عاصرت اولغا كنيبر- تشيخوفا أرملة الكاتب الروسي الشهير تشيخوف ) , وتركت روسيا بعد الثورة مثل الكثير من المثقفين الروس , والتقيتها انا في باريس نهاية الستينات من القرن العشرين, ضمن مجاميع اللاجئين الروس هناك , والذين كانوا يسمونهم ( الروس البيض ) تمييزا عن ( الروس الحمر)( انظر مقالتنا بعنوان – مع اللاجئين الروس في باريس ) . سألتني فلانه فلانوفنا ذلك السؤال عندما عرفت اني درست في موسكو . نظرت اليها بتعجب وقلت لها – لا أعرف شارعا في موسكو بهذا الاسم يا فلانة فلانوفنا . تعجبت هي ايضا من اجابتي , وقالت لي – كيف يمكن لشخص درس في موسكو طوال سنين ولا يعرف الشارع الرئيسي فيها , قلت لها , ان الشارع الرئيسي في موسكو هو شارع غوركي , فقهقت وقالت , انه شارع تفيرسكايا يا عزيزي منذ قرون طويلة, وان البلاشفة هم الذين غيّروا اسمه التاريخي واطلقوا عليه تسمية - شارع غوركي , فقهقت أنا ايضا, وقلت لها - انه شارع تفيرسكايا بالنسبة لك ولكنه شارع غوركي بالنسبة لي, وان البلاشفة حافظوا على رونقه وروعته و زادوها جمالا ورشاقة وازدهارا , رغم انهم غيّروا اسمه ( لم نكن نحن الطلبة العرب و الاجانب في موسكو نعرف عندها بشكل عام كل تلك الوقائع الدقيقة وتفاصيلها في التاريخ الروسي الطويل والعريق ). تذكرت هذه الحادثة الطريفة قبل ايام , عندما كنت أسير في شارع تفيرسكايا بموسكو , اذ أعادت روسيا الاتحادية لهذا الشارع اسمه القديم منذ تسعينيات القرن الماضي , وقلت بيني وبين نفسي – نامي بهدوء في قبرك بضواحي باريس يا فلانة فلانوفنا , فقد عاد اسم شارعك الحبيب الى الحياة كما توقعت عندئذ عندما دردشنا آنذاك معا !  نعم  , لم يعد هناك شارع يحمل اسم غوركي في موسكو بعد هذا التغيير الذي حدث آنذاك ,  غير ان  متنزه الثقافة الكبير في موسكو ( بارك كولتوري ) لازال يحمل اسم غوركي , والمتنزه هذا هو الرئة التي تتنفس بها العاصمة الروسية ,
لكن شوارع موسكو تحمل اسماء الادباء الروس الآخرين في كل انحاء المدينة, وقد قال لي مرّة أحد الطلبة العرب ضاحكا, انه يمكن دراسة الادب الروسي بكافة مراحله وانت تتنزه في شوارع موسكو, وهي ملاحظة طريفة حقا وصحيحة فعلا , فهناك شوارع تحمل اسماء ادباء القرن الثامن عشر , وشوارع تحمل اسماء ادباء القرن التاسع عشر, وادباء القرن العشرين , وحتى ادباء القرن الحالي ايضا , واقدم للقارئ العربي هنا قائمة بابرز اسماء هؤلاء الادباء الروس حسب تسلسل حروف الهجاء العربية , ( اكرر انهم الابرز , وليس كل الاسماء ) , وهم –
اسييف ( شاعرومترجم من القرن 20) / اوديفسكي (كاتب من القرن 19 ) / باوستوفسكي ( كاتب من القرن 20 ) / باغريتسكي ( شاعر من القرن 20 )/ بليشييف ( شاعر وكاتب ومترجم من القرن19 ) /  بوشكين ( غني عن التعريف ) / بونين ( كاتب وشاعر من نهاية القرن 19 واواسط القرن 20) / بيدني ( شاعر من القرن 20) / تفاردوفسكي ( شاعر من القرن 20) / تشرنيشيفسكي ( ناقد  من القرن 19) / توتشيف ( شاعرمن القرن 19 )/ تولستوي ( غني عن التعريف ) /  دابرالوبوف ( ناقد من القرن 19 ) /  دستويفسكي ( غني عن التعريف) / راديشيف (كاتب من القرن 18 ) /  سولجينيتسن (كاتب من  القرن 20 ) / سيرافيموفيتش ( كاتب من اواسط القرن 19 واواسط القرن 20) /  سيمونوف ( شاعر و روائي من القرن 20 ) / شولوخوف ( كاتب من القرن 20)  / غانجيروف ( كاتب من القرن 19 ) / غوغول ( غني عن التعريف ) / فانفيزين ( كاتب مسرحي من القرن 18) / فادييف ( كاتب من القرن 20 ) / فيريسايف (كاتب وناقد من نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 ) / فيسوتسكي ( شاعر وممثل مسرحي ومغني من القرن 20) / كارامزين ( كاتب ومؤرخ من القرن 18 ) / كارولينكو ( كاتب من نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 ) / ليسكوف ( كاتب من القرن 19 ) / ليرمنتوف ( غني عن التعريف ) / لامانوسوف ( كاتب وعالم من القرن 18 ) / ماكارينكو ( كاتب من نهاية القرن 19 واواسط القرن 20 ) / ماياكوفسكي ( غني عن التعريف ) / نوفيكوف ( كاتب من اواسط القرن 18 وبداية القرن 19 ) / يسينين ( شاعر من القرن 20) .
ختاما لهذه النظرة السريعة , اريد ان اتجاسر بالتعبير عن تمنياتي واقول , اني احلم في ان يكون عندنا في بغداد يوما ما شارع باسم الجواهري و بدر شاكر السياب  ونازك الملائكة وجواد سليم وعلي الوردي وفؤاد التكرلي وغائب طعمه فرمان ووووووو...

68
المنبر الحر / بوشكين روائيا
« في: 19:24 26/08/2018  »
بوشكين روائيا
أ.د. ضياء نافع
قلت له , ان ( ابنة الضابط ) حسب ترجمة سامي الدروبي , او ( ابنة الآمر ) حسب ترجمة غائب طعمه فرمان , هي ليست رواية , والتي يسمونها بالروسية ( رومان او رامان حسب قواعد التلفّظ الروسي ) , وانما هي رواية قصيرة , ويسمونها بالروسية ( بوفست / الباء بثلاث نقاط) , وان بوشكين كتب ( يفغيني اونيغين ) , وهي (رواية  بالشعر) كما أسماها بوشكين , وتعد العمل الابداعي المركزي والكبير لبوشكين , لانه استطاع ان يقدّم  هناك نفسه باعتباره روائيا وشاعرا في آن واحد, وان دور النشر الروسية لازالت تطبع هذه الرواية لحد الآن , لانها لازالت مطلوبة من القراء الروس , وحكيت له , كيف اني قمت مرة بالتدريس في مدرسة روسية عندما كنّا طلبة في الكلية ( وذلك ضمن درس التطبيقات وبحضور واشراف الاستاذ الروسي ) , وطلبت من التلاميذ ان يقرأوا عن ظهر قلب رسالة تاتيانا ( بطلة تلك الرواية) الى اونيغين ( بطل الرواية هذه ) , فاذا بجميع التلاميذ يرفعون ايديهم لدرجة اني احترت ولم اعرف من اختار لقراءة ذلك المقطع الجميل , والذي يعرفه كل التلاميذ عن ظهر قلب . تعجب صاحبي من هذا القول الذي على ما يبدو انه يسمعه لاول مرة , وأجابني , ان ذلك يتعارض مع كل المعلومات التي يعرفها عن الادب الروسي , والتي اكتسبها من القراءة الواسعة للمصادر العربية عن هذا الادب, ثم سألني - وهل توجد ترجمة عربية لرواية بوشكين الشعرية هذه ؟ فقلت له , اني سمعت مرة من أحدهم ( ولست متأكدا من صحة هذه القصة ) , ان الجواهري ( والذي لم يكن يعرف اي لغة اجنبية )  طرح هذا السؤال على مجموعة من المحيطين به , لانه اراد ان يتعرّف على  عظمة بوشكين ومكانته في مسيرة الادب الروسي ,  والتي سمع عنها الكثير الكثير , وقد جلبوا له فعلا ترجمة عربية لتلك الرواية , وبعد ان اطلع عليها لم تعجبه بتاتا, بل واستخف بها , وقد قلت للشخص الذي حكى لي هذه القصة , ان الجواهري لم تعجبه الترجمة العربية لتلك الرواية , وليس عمل بوشكين الابداعي ذاك , وحكيت له , ما قاله أراغون مرة حول ذلك , اذ سأله أحد الصحفيين – لماذا لا يترجم الى الفرنسية رواية بوشكين هذه , خصوصا وان زوجته الكاتبة الفرنسية الزا تريوليه هي روسية الاصل , وانهما معا يستطيعان ان يقدما ترجمة فرنسية جيدة لتلك الرواية ؟ فقال أراغون – انه حاول ذلك طوال حياته ولكنه لم يستطع ان يترجم سوى فصلا واحدا من تلك الرواية . ومن الواضح تماما , ان اراغون اراد ان يقدم  طبعا عملا ترجميا حقيقيا يليق ويتناسب  مع مستوى بوشكين بالروسية واراغون بالفرنسية . سألني صاحبي – ولماذا لا تترجم انت هذه الرواية الى العربية ؟ فضحكت وقلت له – اني  احاول طوال حياتي ان اترجم قصائد بوشكين , وقد استطعت ان اترجم قصيدتين فقط – الاولى قصيدة (النبي) للمشاركة في جائزة اليونسكو بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد بوشكين  العام 1999( انظر مقالتنا بعنوان – بوشكين واليونسكو وجواد الحطاب ) , والثانية قصيدة صغيرة بلا عنوان , ويطلقون عليها عنوان الشطر الاول منها وهي – كنت اظن ان القلب قد نسى , ونشرتها في مجلة جمعية المترجمين العراقيين في حينها , فقال – ومن سيترجم روايه بوشكين الشعرية اذن ؟ فضحكت مرة اخرى وقلت له – اذا الشاعر الفرنسي الكبير اراغون لم يستطع ذلك , فكيف تريدني ان اترجمها انا ؟ فأجابني – اريد جوابا محددا ودقيقا , فانا ارغب بقراءة هذه الرواية فعلا بعد حديثك الممتع عنها, فقلت له – تعلّم اللغة الروسية , وعندها يمكنك ان تقرأ تلك الرواية وغيرها من النتاجات الادبية الخالدة للادباء الروس, وعندها ستفهم من هو بوشكين – شاعر السهل الممتنع , وما سر عظمته وخلوده في مسيرة الادب الروسي والتاريخ الروسي ايضا , ولماذا يطلقون عليه في روسيا تسمية – ( شمس الشعر الروسي !).

69
مع د. ديكران يوسف كيفوركيان في موسكو
أ.د. ضياء نافع
اخيرا سنحت لي الفرصة ان التقيه وادردش معه حول الزمن الجميل , الذي قضيناه معا في جامعة موسكو ايام الدراسة فيها في ستينيات القرن العشرين , اي قبل حوالي  (60)  سنة مضت , اذ كنّا معا في العام الدراسي 1960/1961 فصاعدا , هو طالب عراقي شاب في كليّة الجيولوجيا بجامعة موسكو , وانا في كليّة الفيلولوجيا بنفس الجامعة , وكنّا نعيش في القسم الداخلي للطلبة معا , كل في الطابق المخصص لطلبة كليته , وغالبا ما كنّا نلتقي في المطعم الطلابي او في الممرات... انه صديقي القديم الدكتور ديكران يوسف كيفوركيان.
 لقد تحدثنا كثيرا عن تلك الذكريات المشتركة في مرحلة ( الصبا والجمال ) , ولكن الاحاديث تمركزت طبعا و
 قبل كل شئ عن زملائنا الذين رحلوا , وكان آخرهم المرحوم الدكتور عدنان عاكف ( انظر مقالتنا بعنوان – عراقيون مرّوا بموسكو / د. عدنان عاكف ). قلت له , اني ذكرت في تلك المقالة أسماء بعض الزملاء في كليّة الجيولوجيا , الذين درسوا معه , ومنهم الشهيد الدكتور حامد الشيباني , وأعرف انك كنت تعمل معه في شركة النفط الوطنية في بغداد آنذاك , فكيف حدث اعتقاله وهو في عمله بالشركة ؟ أجابني د . ديكران قائلا – نعم , هذا صحيح , كنّا نعمل معا , وقد برز المرحوم د. حامد في عمله , واصبح عضوا في لجنة تابعة لوزارة التخطيط مسؤولة عن خطط النفط والغاز في العراق , حيث كان يمثّل الشركة , وقد تعرّض الى ضغوط المنظمة الحزبية للبعث من اجل التسجيل لديهم , وكان يرفض بشدة هذه الضغوط , بل ويستهزأ بهم , وكانوا هم يعرفون طبعا انه يرتبط بالحزب الشيوعي , اذ ان نشاطه هناك كان شبه علني , فقد كان مسؤولا عن احدى اللجان المحلية , وكم حاولت – بحكم الصداقة القريبة معه – ان اثنيه عن الاستهزاء بهم , اذ انني كنت أخشى عليه من غدرهم وحقدهم نتيجة مواقفه الحادة ضدهم , لكن سبق السيف العذل كما يقولون . سألته – وكيف حدث هذا ؟ فقال – جاءت في احد الايام مجموعة كاملة واغلقت جميع ابواب الشركة , وقد علمنا جميعا بذلك , وجاء المرحوم د. حامد اليّ واعطاني مفتاح سيارته , وقال لي , اني أشعر بانهم سيعتقلوني , وطلب منيّ ان اعطي مفتاح سيارته الى أخيه في حالة اعتقاله , وهذا ما حدث بالضبط , اذ انهم أخبروه , انه مطلوب في وزارة التخطيط , ولكنه قال لهم , انه لا يوجد اليوم اجتماع اللجنة هناك , فأصرّوا على ذلك الامر وأجبروه على الذهاب معهم , وهكذا اضطر الى الخروج من الدائرة معهم ولم يعد ابدا , وكم حاول اهله ان يعرفوا مصيره , ولكن عبثا , ومنذ عام 1974 وطوال فترة حكم البعث لم يستطيعوا معرفة اي شئ عنه , وبعد سقوط النظام حاولوا ايضا , ولكنهم لم يحصلوا على اي نتيجة , وهكذا أقاموا له عندئذ مجلس الفاتحة ( اي بعد ثلاثين سنة من اعتقاله !) , وحضر فيها بعض الزملاء الذين كانوا في بغداد , ومنهم المرحوم د. عدنان عاكف . وهكذا خسر العراق واحدا من كبار الاختصائيين الجيولوجيين في مجال استكشاف النفط والغاز. وقد حدثني د. ديكران , كيف حصل الشهيد حامد على شهادة الماجستير في كلية الجيولوجيا بجامعة موسكو بجدارة , وكيف اقترح عليه مشرفه العلمي بضرورة الاستمرار بدراسته لاكمال بحثه العلمي وتطوير النتائج التي توصل اليها عند اعداد اطروحة الماجستير, وكيف استطاع المرحوم ان يبرر اقتراح مشرفه العلمي , وكيف انه كان ( رفعة راس) العراقيين في كليته آنذاك , وحصل على شهادة الدكتوراه فعلا , وكيف انه عاد رأسا الى العراق وتم تعينه في شركة النفط الوطنية , وكيف برز في عمله واختصاصه المهم للعراق ...الخ . لقد ترك الشهيد د. حامد زوجته الشابة واهله وكان في ريعان شبابه . قلت لديكران , أليس من الضروري ان نسجل كل هذه الاحداث والوقائع في تاريخ الخريجين العراقيين من الجامعات الروسية , وان نتحدث بها وحولها للاجيال الجديدة ؟ قال – طبعا , رغم ان مصائب العراق اصبحت كثيرة جدا منذ اكثر من نصف قرن الاخير في مسيرة تاريخنا . واتفقنا معا , ان نسجل هذه الاحداث , ا لتي حدثت للشهيد د. حامد الشيباني وللشهيد د. عبد الرزاق مسلم وللشهيد الفنان د. شمس الدين فارس وبقية الزملاء من خريجي الجامعات الروسية , وانه من الضروري العمل معا من اجل تخليدهم , ولو في كتاب يضم كل هذه التفاصيل المهمة والرئيسية , التي حدثت لهم , والتي يمكن ان تتكرر مع الآخرين , وكم اتمنى ان تتبنى الجمعية العراقية لخريجي الجامعات الروسية في العراق هذه الفكرة وتحاول تنفيذها وتحقيقها .     

70
نجوم في سماء كلية اللغات ببغداد (2)
أ.د. ضياء نافع
هذه هي الحلقة الثانية من مقالاتي حول نجوم كلية اللغات في جامعة بغداد , والتي اكتبها بمناسبة مرور (60) عاما على تأسيسها ( انظر مقالتينا بعنوان – ستون عاما على تأسيس كليّة اللغات بجامعة بغداد / و / عود على الذكرى الستين لتأسيس كليّة اللغات . ) . لقد توقفت في الحلقة الاولى عند المرحومة حياة شرارة ( من قسم اللغة الروسية ) وعند المرحوم الشهيد فؤاد ابراهيم ( من قسم اللغة الالمانية ) , و اتوقف اليوم عند  أسمين اخرين من الراحلين ايضا (وحسب الترتيب الهجائي للاسماء طبعا) , وهما كل من –  المرحوم علي يحيى منصور( من قسم اللغة الالمانية) والمرحومة ماري القطيفي ( من قسم اللغة الفرنسية).
علي منصور
=======
الاستاذ الدكتور علي يحيى منصور رحل في هذا العام ليس الا (2018), ( انظر مقالتنا بعنوان – أ.د. علي يحيى منصور ..وداعا ) . ذكرت في  تلك المقالة , ان علي منصور ترك عدة مخطوطات ولم يحاول ان ينشرها لعدة اسباب اهمها طبعا تواضع العلماء, و اعلنت في تلك المقالة , ان دار نوّار للنشر مستعدة لطبعها ونشرها , وكتبت باني اعرف ضمن تلك المخطوطات - (معجم المصطلحات الادبية / الماني – عربي ) , وقد كتب د. عماد مبارك غانم من المانيا تعليقا على تلك المقالة يقول فيه , ان تلك المخطوطة توجد لديه . ان د. عماد مبارك غانم هو أحد طلبة المرحوم أ.د. علي يحيى منصور , وقد تم الاتصال بالدكتور عماد حول تلك المخطوطة , وكلنا أمل ان تثمر هذه المحاولات , وان يصدر معجم المصطلحات الادبية الالماني – العربي بتأليف الاستاذ الدكتور علي يحيى منصور , وسيكون هذا الاصدار ( في حالة تحقيق اصداره ان شاء الله ) خير تخليد لواحد من علماء كلية اللغات .
ماري القطيفي
=========
وصلت السيدة الفرنسية ماري القطيفي الى بغداد في اوائل خمسينات القرن العشرين مع زوجها الدكتور عبد الحسين القطيفي , واصبحت مدرّسة اللغة الفرنسية في العراق , واستمرت بتدريس تلك اللغة طوال حياتها . ابتدأت ماري القطيفي بتدريس الفرنسية للملك فيصل الثاني , وقد أشارت الدكتورة مها السماوي  في اطروحتها حول تاريخ تدريس اللغة الفرنسية في العراق ( والتي ناقشتها في السوربون هذا العام 2018) الى وثائق محفوظة – منذ خمسينات القرن العشرين - في وزارة الخارجية الفرنسية تتناول تلك الوقائع المرتبطة بتدريس اللغة الفرنسية للملك فيصل الثاني  من قبل السيدة ماري القطيفي, وقد طلبت من الدكتورة مها السماوي – بمراسلاتنا الالكترونية - ان تنشر هذه الوثائق المهمة جدا, لانها تعد جزءا من تاريخ العراق الثقافي , الذي لا زال مجهولا لنا مع الاسف الشديد , وقد أخبرتني الدكتورة مها السماوي , انها تقوم الان بترجمة اطروحتها الى العربية واعدادها للنشر مستقبلا .
لقد التقيت بالسيدة ماري القطيفي شخصيا في اروقة كلية الاداب بجامعة بغداد في سبعينيات القرن العشرين , عندما كنا نعمل سوية في قسم اللغات الاوربية , حيث كانت هي ضمن تدريسّي فرع اللغة الفرنسية , وكان الجميع يشهدون بموهبتها وعمق معرفتها واخلاصها في عملية التدريس , وكان هناك بين اعضاء هيئة التدريس مجموعة من طلبتها السابقين , والذين كانوا يكنوّن لها الاحترام العميق , ويعتبرونها المرجع الرئيسي لهم في كافة الاشكالات الخاصة باللغة الفرنسية . لم تستطع السيدة ماري القطيفي – مع الاسف الشديد – ان تنتقل للعمل في كلية اللغات عندما انفصلا قسم اللغات الاوربية وقسم الدراسات الشرقية من كلية الاداب وشكّلا كلية اللغات عام 1987 , وهي الكلية التي كانت موجودة سابقا ثم الغيت وتم دمجها مع كلية الاداب نتيجة التخبط والقرارات العشوائية التي طالما عانى منها واقع التعليم العالي في العراق ومسيرته المتعثرة , ولكن اعضاء هيئة التدريس في قسم اللغة الفرنسية في كليّة اللغات كانوا يتذكروها دائما , وعندما احتفلنا في كلية اللغات بالذكرى الاربعين لتأسيس الكلية في العام 1998 , كان اسم ماري القطيفي ضمن التدريسيين الذين تم تكريمهم , ولم تستطع هي الحضورنتيجة وضعها الصحي الخاص , فكلفت من قام باستلام الجائزة الرمزية لها عندما اذيع اسمها في تلك الحفلة , وقد صفّقت القاعة كلها عندما اذيع اسم ماري القطيفي تحية لمكانتها العلمية وعرفانا بدورها المتميّز في تدريس اللغة الفرنسية في العراق.   

 

71
هموم المدرسة العراقية في موسكو
أ.د. ضياء نافع
التقيت بمحض الصدفة بمعاون المدرسة العراقية في موسكو الدكتور ثائر اوشانه هيدو , الذي يشغل هذا المنصب منذ عام 2011 ولحد الان . تحدثنا طبعا عن تلك الازمة التي أثارها السياسي الروسي  (المعروف!!!) جيرينوفسكي قبل فترة , وكيف سيطر على البناية الخاصة بالمدرسة العراقية آنذاك وطرد التلاميذ والمعلمين وادارة المدرسة بكل وقاحة, وتذكرنا تصريحاته الطنانة و الرنانة عندما كان يزور بغداد كي يقبض ( كوبونات النفط) وبقية ( الهدايا والعطايا من أعمامه !!!) , وكيف كان يتسوق هو وحاشيته – وبالجملة - من اسواق بغداد من اجل التجارة والمضاربة في اسواق موسكو...الخ , و حدثني د. ثائر كيف اقتحم ابن جيرينوفسكي ( واسمه ايغور ) بناية المدرسة آنذاك مع مجموعة من حرّاسه , ويقدر عددهم باكثر من (15) شخصا , وكيف سيطروا عليها , وهو عمل يذكرنا بتصرفات العصابات والمافيات.....  ان تأمّل هذه الحادثة وتحليلها ودراستها بموضوعية تعني , ان الجانب العراقي الذي يتعامل مع الجانب الروسي غير مؤهل للقيام بهذه المهمة كما يجب , اذ انه لا يعرف ابسط القوانين و التعليمات والقواعد والخصائص الاجتماعية السائدة في روسيا , اذ كان من اللازم والواجب على الجانب العراقي ان يفهم طبيعة العلاقة بين جيرينوفسكي والنظام العراقي آنذاك , وان يستنتج ضرورة فك كل الارتباطات معه على وفق القوانين الروسية السائدة  , والا , فانه سيخسر في مجال العلاقات الثنائية بين الجانبين , وتأمّل هذه الحادثة تعني ايضا , ان الجانب الروسي الذي يمثله جيرينوفسكي والذي يتعامل مع الجانب العراقي غير مؤهل اخلاقيا للقيام بهذه المهمة كما يجب , وعليه , فان الاستنتاج الاساسي , او , الخلاصة من دراسة هذه الحادثة تؤكد على ضرورة صياغة الاطر القانونية الدقيقة في كل الخطوات اللاحقة للعلاقات الثنائية , وهذا يعني طبعا العودة الى المبدأ البسيط والعميق والعظيم , الذي نسيناه مع الاسف , وهو – الرجل المناسب في المكان المناسب ,ولا مجال هنا للاستطراد اكثر , اذ اننا نريد الحديث هنا حصرا عن هموم المدرسة العراقية في موسكو.
سألت د. ثائر – وكيف وضعكم الان بعد ان اضطرّت المدرسة الى الانتقال الى بناية اخرى ؟ فقال انهم استأجروا بناية ب (18) الف دولار شهريا , وان وزارة التربية العراقية هي التي يجب ان تدفع هذه الايجار الشهري الضخم , الا ان هذه الوزارة لم ترسل هذا المبلغ منذ خمسة أشهر , وبالتالي , فان ادارة المدرسة لا تعرف كيف تتصرف امام المؤسسة الروسية المسؤولة عن استلام الايجارات , بل انه أشار الى ان العاملين في المدرسة لم يستلموا حتى رواتبهم خلال هذه الفترة ايضا . تألمّت من هذا الوضع لمؤسسة تقوم بتدريس ابناء العراقيين والعرب في موسكو , وسألته عن الحل لهذا الوضع المتأزم , فقال انه معاون المدير منذ عام 2011 ولحد الان , وانه على قناعة تامة بان هذه المدرسة الضرورية للعراقيين والعرب يجب ان تبقى وتستمر لانها رمز للعراق ودولته , ويجب ان تجد حلا لكل مشاكلها , وانها استطاعت ان تعمل بمختلف الظروف , وانها مؤسسة تربوية عراقية تمتلك تاريخها العريق منذ ستينيات القرن العشرين , وعلى الدولة العراقية ان تحافظ عليها وتحميها , وقال , ان على وزارة التربية العراقية ان تعرف كيف تتعامل مع هذه المؤسسة التربوية الكبيرة , والتي تعمل في اطار دولة مهمة للعراق مثل روسيا الاتحادية .
 دعونا نأمل ذلك من وزارة التربية العراقية , رغم كل ما نرى ونسمع ...   

72
أدب / الكرة
« في: 09:41 12/08/2018  »


الكرة


قصيدة للشاعر اوسكار ألفارو / بوليفيا


ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع



تدحرج القمر
من السماء,
وسقط
في باحة مدرسة
للاولاد.
 فرح الاولاد
 بكرة القمر,
 واخذوا
   يلعبون بها
كرة القدم.
===========
اوسكار ألفارو ( 1921 – 1963 ) – شاعر وصحافي وكاتب من بوليفيا / مؤلف قصص للاطفال مليئة بالخيال المدهش الجمال , وتبدو هذه الفنتازيا الغريبة والرشيقة واضحة المعالم حتى في قصيدته  الصغيرة المنشورة هنا , اذ انه يحوّل فيها (كرة القمر) الى كرة يلعب بها الاولاد كرة القدم !!!

73
تماثيل الادباء الروس في موسكو بعيون عراقية
أ.د. ضياء نافع
طلبت مرة من طالباتي العراقيات في جامعة بغداد , اللواتي كنّ يدرسنّ لاحقا للحصول على شهادة الدكتوراه في الجامعات الروسية,  ان يأخذنّ كامرة , ويلتقطنّ صورا فوتوغرافية عند كل تماثيل الادباء الروس في موسكو , وقلت لهنّ , ان ذلك – في حالة تحقيقه -  سيكون مادة طريفة جدا لكتاب بعنوان – (تماثيل الادباء الروس في موسكو بعيون عراقية) , وانه يمكن لهذه الصور, مع التعليق عليها طبعا , ان تتحول الى  كتاب جميل ومفيد ايضا, يصدر في بغداد او في اي مكان آخر في عالمنا العربي , وانه سيكون كتابا مبتكرا واصيلا و ممتعا جدا لكل القراء العرب , وانني مستعد ان اشارك في هذا الكتاب ودعمه , ولكن الفكرة لم تتحقق مع الاسف . لقد سبق لي ان أشرت الى هذا الحدث بشكل مختصر مرة في احدى مقالاتي , واكرره الان بشكل اكثر تفصيلا , انطلاقا من احتمالية , انه ربما يتقبّل شخص ما من بين القراء هذه الفكرة الجميلة وينفّذها , كي نستطيع ان نقارن بيننا وبينهم , وان نقول لكل العرب وللعالم ايضا –  اين نحن واين هم , وكي نعتذر امام الادباء العرب !!! والى حين ذلك , اود ان اقدم هنا لهذا الشخص ألمنتظر جردا تقريبيا باسماء البعض من هؤلاء الادباء الروس ومواقع تماثيلهم وشيئا ما من تواريخها , و أظن , ان هذا الجرد – ربما -  سيساعده على تنفيذ مهمته هذه ,  الصعبة والطريفة والمفيدة معا ,  واسرع واقول مكررا, ان هذا الجرد تقريبي ليس الا , وانه ليس سوى ملاحظات اوليّة حول موضوع كبير وممتع وجميل.
تماثيل الادباء الروس البارزين والكبار معروفة بشكل او بآخر بالنسبة للقراء العرب , فالجميع يعرف – مثلا -  تمثال بوشكين في قلب موسكو , وهو التمثال الذي تم تدشينه عام 1880 بحضور دستويفسكي وخطابه الشهير عن بوشكين ( انظر مقالتنا بعنوان – خطاب دستويفسكي عن بوشكين ), رغم اني اطمح ان تكون هناك لقطة اخرى قرب التمثال الجميل لبوشكين وزوجته نتاليا غانجروفا عند عقد قرآنهما , وهما يرتديان ملابس الزفاف الجميلة , مع تعليق عراقي خاص حول هذا التمثال الفريد من نوعه ( انظر مقالتنا بعنوان – تماثيل بوشكين في موسكو ) . من الضروري ايضا ان تكون هناك لقطة عند احدى تماثيل تولستوي , واتمنى ان تكون عند تمثاله وهو بملابس الفلاحين الروس و يضع كلتا يديه داخل حزامه , اذ ان هذه اللقطة ستتيح لنا ان نتحدث قليلا عن فلسفة هذا الكاتب العملاق ( انظر مقالتنا بعنوان – تماثيل تولستوي في موسكو) . ويجب طبعا ان تكون هناك لقطة عند تمثال دستويفسكي وهو جالس بشكل متوتر امام مكتبة لينين , ويجب الاشارة هنا طبعا الى ان روسيا الجديدة هي التي وحّدت بين دستويفسكي ولينين رغم كل التناقضات الفكرية العميقة بينهما ( انظر مقالتنا بعنوان –  العودة الى مكتبة لينين من اجل هاشم جواد. ) . ومن المهم ايضا ان تكون هناك لقطة عند تمثال غوركي وهو يقف امام محطة قطارات بيلوروسيا, هذا التمثال الذي رفعته سلطات موسكو قبل اكثر من عشر سنوات بحجة الترميم , ولكن الاقاويل والهمسات بين الناس كانت تؤكد ان هناك اسباب ايديولوجية مخفية لرفعه بحجة الترميم , اذ ان الترميم لا يحتاج الى كل هذه السنوات الطوال !!!  . واخيرا عاد تمثال غوركي عام ( 2018) الى مكانه السابق معززا مكرّما في الذكرى ال ( 150) سنة على ميلاده , وقد كتبت وسائل الاعلام الروسية عن هذه العودة , ولهذا من الضروري التقاط صورة له والتعليق على عودته , اذ انها الدليل على ان غوركي لا زال يناضل لحد الان من اجل الحقيقة , والدليل ايضا على ان روسيا بدأت تقترب من النضوج الفكري العميق , والاعتراف الموضوعي بتاريخها وتقبّل الخلافات فيه على انها وقائع يجب الاقرار بها , باعتبارها حقائق تاريخية .  طبعا يجب التوقف عند تمثال ماياكوفسكي الفخم امام مدخل مترو ماياكوفسكايا الجميلة والانيقة , ويا حبذا لو تتم اللقطة مع اناس  يحيطون به او يسيرون جنبه , وان نتحدث معهم حول ماياكوفسكي , اذ اختلف الروس بشأنه , رغم ان اليسار العربي كان يمجده دائما دون قراءة نتاجاته والتعمق فيها , بل انطلاقا من مواقفه السياسية المؤيدة لثورة اكتوبر 1917 ليس الا . ولابد من التقاط صورة لتمثال شولوخوف , وهو نصب مهيب جدا ومدهش بكل معنى الكلمة , حيث يجلس شولوخوف في قارب وهو يتطلع الى بعيد , وجنبه نهر جارف تسبح فيه ضد التيار مجموعة من الخيول في محاولة لعبور النهر , وقد اثار هذا التمثال – منذ تدشينه ولحد الان - نقاشا حادا بين مؤيديه ومعارضيه , ولكن هذا النقاش لا يقلل ابدا من  فنية وجمالّية هذا العمل الابداعي العملاق. يجب عدم نسيان غريبويديف وتمثاله الكبير وهو محاط بابطال مسرحيته الشعرية ( ذو العقل يشقى ) والتعليق على مكانة هذا الكاتب في تاريخ الادب الروسي وقصة مقتله في طهران عندما كان سفيرا لروسيا هناك ( انظر مقالتنا بعنوان – غريبويديف والمتنبي ). من الضروري طبعا ان تكون هناك لقطة عند تمثال غوغول , واتمنى ان تكون قرب تمثاله امام البيت الذي  توفي فيه , حيث يجلس حزينا وهو في حالة تأمّل ( انظر مقالتنا بعنوان – كنت في بيت غوغول) . يجب الا ننسى تمثال ليرمنتوف , الذي يقف برومانسية امام تلك الحدبقة الغنّاء , ولا تمثال تشيخوف امام البناية القديمة لمسرح موسكو الفني , ولا تمثال بولات أكودجافا وهو يقف على رصيف شارع أربات مختلطا مع الناس كما كان في حياته , ولا تمثال تسفيتايفا وهي تجلس امام بيتها وتكاد تبكي ( انظر مقالتنا بعنوان – كنت في بيت تسفيتايفا), ولا تمثال الكاتب المسرحي أستروفسكي وهو يجلس بهيبة امام مسرح ماللي تياتر , ولا تمثال بلوك , ولا تمثال غيرتسن , ولا تمثال حمزاتوف , ولا تمثال لومونوسوف , ولا تمثال كريلوف , ولا ولا ولا... 

74
مع ( كتاب نصف قرن ) بالروسية
أ.د. ضياء نافع
هذا كتاب غير اعتيادي بكل معنى الكلمة, ابتداء من عنوانه وغلافه , فعنوانه هو - ( كتاب نصف قرن ) , وغلافه خال من اسم المؤلف , و توجد هناك اشارة مختصرة لاسم جامعة موسكو الحكومية بالروسية , وصورة بنايتها القديمة في مركز موسكو, و فوقها صورة اخرى لخريجي كلية الصحافة , الذين التحقوا فيها عام 1963 وتخرجوا منها عام 1968 , وهذه الصورة مؤطرة باطار كلاسيكي  اعتيادي جدا, وهي صورة تذكارية  كنا ولا زلنا نراها معلقة في بيوت كل الخريجين الروس من المدارس او الكليات , عندما كنا نزورهم في بيوتهم , وهو تقليد جميل جدا يؤرخ مرحلة الدراسة بطلبتها واساتذتها, وهي فترة سعيدة دائما في حياة كل انسان , لانها ترتبط بمرحلة الشباب الرومانتيكية الجميلة بحد ذاتها رغم كل مصاعبها ومشاكلها ومطبّاتها. يقع الكتاب في (254) صفحة من القطع المتوسط , ونجد على الصفحة الداخلية الاولى توضيحات لطبيعة هذا الكتاب , والتي تشير , الى ان هذا الكتاب (يوبيلي) , اي يرتبط باليوبيل الذهبي ( نصف قرن ) والخاص بخريجي عام 1968 , وانه صادر من كلية الصحافة في جامعة موسكو الحكومية عام 2018 , ومن هنا جاءت  تسميته  - ( كتاب نصف قرن ) , وهو يضم( 69) مقالة متنوعة  موزعة على خمسة محاور, شارك بكتابتها اكثر من( 60 ) صحافيا من خريجي تلك الدورة بالذات , وكم فرحت , لاني وجدت بين هؤلاء الخريجين عراقيا درس عندئذ في كلية الصحافة بجامعة موسكو , وساهم مع زملائه الآخرين بتحرير هذا الكتاب , وكتب ثلاث مقالات فيه , وهو الزميل الدكتور خليل عبد العزيز , وقد بحثت عن صورته على غلاف الكتاب بين الخريجيين ووجدته فعلا , وكان بالطبع شابا وسيما وجميلا , مثل كل الطلبة الآخرين آنذاك من البنين والبنات ( وخاصة البنات طبعا! ) , اما صورته المنشورة داخل الكتاب جنب مقالاته هناك , فانها كانت ( بعد اليوبيل الذهبي !) تحمل بصمات السنين الطوال وسماتها, وقد توقفت اولا وقبل كل شئ عند مقالات د. خليل عبد العزيز طبعا ( انطلاقا من عراقيتي وتحيّزا لهذه الروح العراقية , وتحيّزا له ايضا , وهل يمكن لي في هذه المواقف ان اكون محايدا !!! ) , حيث تحدث في مقالته الاولى عن مسيرة حياته الصعبة في العراق , وكيف وصل الى موسكو , ثم الى كلية الصحافة , ومن الطريف ان نشير هنا , الى ان اسمه كان عندها ( يوسف الياس يوسف ) ( او يوزف كما كتبوه الروس ! ) , وقد ذكروه بين قوسين بعد اسمه الحقيقي , اذ انهم جميعا كانوا يعرفونه عندها بذلك الاسم ( انظر مقالتنا بعنوان – خمس ساعات في موسكو مع د. خليل عبد العزيز ) , اما المقالة الثانية له في هذا الكتاب  فكانت بعنوان  – (ايرينا فولودينا . هي دائما في ذاكرتي ) , وهي مقالة في غاية الرشاقة والجمال , وتتحدث عن زميلة له في الكلية كانت تساعده في الدراسة لان لغته الروسية اول الامر لم تكن بالمستوى المطلوب , وكيف التقى بها صدفة في القاهرة بعد سنين , ويختتم د. خليل تلك المقالة بالاشارة الى انها ( لم تعد الان بيننا ) , وانها ستبقى دائما في ذاكرته . لقد توقفت طويلا – ومتأمّلا - عند جملة ( لم تعد الان بيننا ) , واستنتجت ان اعتزاز د. خليل بها وتقديره ومحبته لها قد منعه  حتى من استخدام فعل ( توفيت او رحلت), وأكبرت فيه هذا التصرّف الانساني الرائع و الرفيع , اما المقالة الثالثة فكانت بعنوان -  ( الموصل – دماء ودموع ) , وتتحدث – كما هو واضح من عنوانها – عن مأساة الموصل المعروفة , وما حل بها من دمار, ود. خليل هو ابن الموصل البار .
مقالات هذا الكتاب متنوعة جدا وممتعة جدا في نفس الوقت , ولا يمكن اختصارها ابدا , لانها مليئة بالافكار والحوادث , اذ يتحدث فيها الخريجون بحب كبير عن كليتهم , وكيف ان الابناء والاحفاد قد درسوا فيها بعدهم لانهم زرعوا فيهم حب العمل الصحفي الخلاّق , ويذكرون اساتذتهم باحترام كبير , ويتحدثون عن عملهم بعد التخرّج , والصعوبات التي تغلبوا عليها , والنجاحات التي حققوها , والمداليات والاوسمة التي حصلوا عليها , ويمكن لقارئ هذا الكتاب ان يكتب تاريخ وسائل الاعلام السوفيتية منذ اواسط ستينيات القرن العشرين وعبر انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 , وصولا الى يومنا الحاضر , وطبيعة المشاكل والقضايا المتشابكة في الصحافة والتلفزيون ووسائل الاعلام الروسية الاخرى في تلك الفترة الطويلة والعصيبة في تاريخ روسيا ومسيرتها. لقد وجدت انا شخصيا في هذا الكتاب عدة مقالات مهمة جدا , وقررت ان اترجمها الى العربية عندما تسمح ظروفي بذلك, لاني ارى , انها يمكن ان تساعد القارئ العربي على تفهّم طبيعة الاعلام الروسي ومشاكله اولا , و لان هذه المقالات الصادقة ترسم , ثانيا , تجارب انسانية عميقة في مجال العمل الاعلامي , وهو مجال مشترك في كل بلدان العالم , بما فيها طبعا بلداننا العربية.   

75
ترجمة الشعر العالمي عن الروسية / من تجربتي الشخصية
أ.د. ضياء نافع
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
الى الشاعر المبدع يحيى السماوي امتنانا.
ض.ن.
ابتدأ العرب بالتعرّف على بعض ملامح الادب العالمي منذ نهاية القرن التاسع عشر عن طريق اللغة التركية , لغة الامبراطورية العثمانية , ثم استمرّت هذه العملية – رغم بطئها - عن طريق اللغتين الانكليزية والفرنسية في بداية القرن العشرين , وازدادت سرعتها نسبيا بعد الحرب العالمية الاولى , عندما بدأ العرب بتشكيل دولهم الفتية , وهكذا بدأت تتبلور ملامح المكتبة العربية حول الادب العالمي بالظهور , ثم جاءت بعض اللغات الاجنبية الاخرى , ومنها اللغة الروسية في النصف الثاني من القرن العشرين , وبدأ المترجمون العرب عن اللغة الروسية بالاسهام في هذه المسيرة , وعلى الرغم من ان هؤلاء المترجمين ركزّوا جهودهم  في مجال ترجمة الادب الروسي الى العربية , الا ان بعضهم , وانا منهم , حاولوا استخدام المكتبة الروسية الغنية في الادب العالمي ومحاولة نقلها الى العربية ( خصوصا بالنسبة لآداب شعوب آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية ) , وذلك لان العرب كانوا بحاجة شديدة وماسّة جدا للتعرّف على آداب تلك الشعوب العريقة في الثقافة , مثل الصين واليابان والهند وكوريا وغيرها , والتي لم يكن هناك بين العرب من يتقن لغاتهم او  تخصص بآدابهم , وهكذا بدأنا – اضطرارا – بترجمة الآداب العالمية عن طريق لغة ثالثة وسيطة , وهي عملية ابداعية بدأت في العالم العربي  بشكل عام عن طريق اللغتين الانكليزية والفرنسية اولا , ولا مجال هنا للتوقف عند تاريخ و تقنية هذه العملية الابداعية , او مناقشة فلسفتها , او اتخاذ موقف حاسم تجاهها , او شجبها كليا ( كما يفعل البعض ) , او محاولة مقارنتها مع النصوص بلغتها الاصلية , الى آخر الاحتماليات  المختلفة والمتنوعة للتعامل معها , وهكذا فرضت هذه العملية الابداعية نفسها بالتدريج على الواقع الادبي العربي , وبدأ القرّاء بالتعوّد عليها وتقبّلها , لانها منحتهم امكانية التعرف على عوالم ابداعية جديدة بالنسبة لهم وبكل معنى الكلمة , وتراجع الرأي السلبي تجاهها , لانه لم يجد حلا آخر كبديل مقبول لهؤلاء القراء . نريد هنا ان نتوقف قبل كل شئ عند ترجمة الشعر المعاصر بالذات , والتحدّث عن تجربتنا الشخصية , وذلك التزاما بعنوان بحثنا .
لقد مارست هذه العملية الابداعية منذ عودتي الى العراق - بعد انهاء دراستي - في بداية سبعينات القرن العشرين , وكنت حذرا جدا , بل حتى مترددا من الاقدام على هذه التجربة , لاني كنت أعرف ردود فعل الاوساط الادبية العراقية والعربية عموما تجاهها , وهكذا بدأت بنشر قصائد مترجمة عن الروسية لبعض شعراء بلدان بعيدة عن تداولنا ان صح التعبير , وكنت ادقق كثيرا – قبل نشرها - في المصادر العربية المختلفة - وحسب امكانيات تلك الفترة طبعا -  للتأكّد من عدم وجود تلك القصائد بالعربية , كي تكون جديدة قلبا وقالبا كما يقال , وكنت انتظر ردود الفعل تجاه هذه الاسماء المجهولة واقعيا بالنسبة للقراء والادباء معا آنذاك , وأذكر الان المواقف الايجابية المشجّعة من قبل بعض الاسماء اللامعة عندئذ في بغداد , ومنهم الصحافي محمد كامل عارف  - رئيس ومؤسس صفحة آفاق في جريدة الجمهورية البغدادية , والذي كان ينشر- وبكل حماس وحب - القصائد في  تلك الصفحة الواسعة الانتشار في اوساط القراء العراقيين , والمرحوم  الشاعر المبدع يوسف الصائغ , والشاعر محمد جميل شلش ( لا اعرف مع الاسف اخباره نهائيا ), بل ان المرحوم الشاعر عبد الوهاب البياتي ( وكان آنذاك مستشارا ثقافيا في وزارة الاعلام العراقية ) قد اقترح عليّ ان اقدم تلك القصائد له – ( كي يراجعها وننشرها سوية في ديوان شعر مشترك ) , ولكن بعض الاصدقاء نصحوني بعدم الموافقة على مقترحه هذا , لان تلك القصائد ستكون في نهاية المطاف باسمه , مثل ما حدث مع المترجم المصري احمد مرسي في ديوانهما المشترك , الذي صدر في خمسينيات القرن العشرين.
ختاما لهذه الملاحظات , نود ان نشير , الى ان حصيلة هذه التجربة هي  نشر اكثر من( 250) قصيدة من اكثر من( 40 ) بلدا في العالم , ونعمل الان على جمعها  في ديوان شامل سيصدر قريبا عن دار نوّار للنشر . نقدم هنا مقاطع مختارة من تلك القصائد كي تكتمل الصورة الفنيّة للقارئ –
من البوسنة والهرسك – ( أبكي أنا / من الحب الذي / حوّلني / الى عبد ./ تبكين أنت / لأنك / لا تستطيعين / ان تمنحي الحرية / لهذا العبد .).
من أذربيجان – ( احترقت عيوني – ولذت بالصمت / لا اعلن هذا , لذت بالصمت / في الغربة مئات التعاسات , / لمن تحكي ؟ لذت بالصمت .).
 من بولندا – ( بنيت / على الرمال - / تهدّم البناء ./ بنيت / على الجبال - / تهدّم البناء ./ سأبدأ الان / البناء / على الدخان .).
من بيرو – (... ما دام هناك انسان يتألم ,/ فان الوردة لا يمكن ان تكون رائعة . / ما دام هناك انسان جائع , / فان حقل الحنطة لا يغفو تحت ضوء القمر. / ما دام البؤساء يبتلون تحت المطر , / فان قلبي لن يبتسم. ).
من تركيا – ( من الحب الاوّل / حزن يبقى , / ومن النجم الذي يهوى / أثر يبقى ,/ ومن الشاعر الذي يموت / بعض أبيات تبقى .).
من الصين – ( بين كل الاحياء / أمجّد أنا / الفراشات / التي تحلّق فوق النار ,/ فهي الوحيدة بين الاحياء / التي تموت / في أحضان الضياء.).
من قبرص – ( سجى الليل / وفي العتمة هبّت الريح ,/ وهطل المطر,/ وتمرّكز العالم / - وهو يموت -/ في خمسة جنود ,/ كانوا في كمين يختبئون. / أطلقت الاسلحة نيرانها ,/ ودفنت / في خمسة قبور ,/ خمسة عوالم كبيرة ,/ مليئة / بالحب والنور.).
من كوريا – ( الزهرة / تتفتح وتزهر ,/ ثم تذبل./ العشب أخضر / ثم الى أصفر / يتحوّل ./ فقط الحجر / في هذا العالم / لا يتغيّر.).
من الهند – (تعالي / ضميّني ,/ مثلما تضم الارض/ جذور الشجر,/ ومثلما يعكس النهر / ضوء القمر, /  ومثلما الخلود يعانق / الدهر.).
من شعر الهنود الحمر – ( الطيور  / على أغصانها ,/ والنمور / عند سيقانها ,/ والثعابين / بين جذورها ./ الاشجار العظيمة / تدافع عنّا ,/ وتمنح الطعام / للانسان / والحيوان ,/ ولا تطلب منّا / سوى / العيش بيّننا / بسلام .).
من اليابان – (... تكشف ألاغصان وألاوراق / للعيون ./ اما الجذور ,/ المهمّة للحياة , / فتخفيها / عن العيون .).


76
رواية بولغاكوف – ( الحرس الابيض) بالعربية
أ.د. ضياء نافع
ظهرت رواية بولغاكوف الاولى – ( الحرس الابيض) بالعربية هذا العام (2018) , اي بعد اكثر من تسعين سنة على ظهورها بالروسية في روسيا ( عام 1925) , وقد ترجمها عن الروسية الاستاذ عبد الله حبة , المترجم العراقي المعروف , والمقيم في روسيا منذ اكثر من خمسين سنة , والذي قدّم للمكتبة العربية مجموعة كبيرة ومهمة من النتاجات الادبية الروسية لكبار الادباء الروس مثل بوشكين وتشيخوف وبونين وأستروفسكي وتولستوي وغيرهم , ومن الجدير بالذكر هنا , ان دار (رادوغا) السوفيتية للنشر قد كلفته بمراجعة ترجمة يوسف حلاق لرواية بولغاكوف الكبرى ( المعلم وماركريتا ), وقد صدرت هذه الرواية فعلا عن دار رادوغا عام 1990 بترجمة يوسف حلاق ومراجعة عبد الله حبه , ولهذا , فان بولغاكوف وابداعه كان فعلا ضمن اهتمامات هذا المترجم الكبير , وليس من باب الصدفة ابدا , ان أخذ حبه على عاتقه ترجمة رواية بولغاكوف الاولى هذه . وعلى هذا الاساس يمكن القول , ان اسم عبد الله حبه قد  اصبح مرتبطا في وعي القارئ العربي عموما باسم هذا الكاتب الروسي الكبير ورواياته.
تقع هذه الرواية في ( 319) صفحة من القطع المتوسط , وقد صدرت بدعم من معهد الترجمة في روسيا الاتحادية  , وهو تقليد جديد ومهم في عملية نشر الادب الروسي ,  وذلك بدعم ترجمته  الى عدة لغات أجنبية  , ومنها العربية  , وكتب عبد الله حبه مقدمة جميلة ووافية حول مؤلفها بولغاكوف وروايته تلك واهميتها في تاريخ الادب الروسي , وتبين تلك المقدمة , ان حبه هو واحد من هؤلاء المثقفين العرب , الذين يعرفون الادب الروسي معرفة دقيقة , وهي تذّكر بمجموعة المقالات العديدة , التي كتبها الاستاذ عبد الله حول  الادباء الروس والادب الروسي بشكل عام واهميته , وليس عبثا, ان تلك المقالات قد تحولت الان الى مصادر مهمة بالنسبة للقارئ العربي المتابع للادب الروسي , رغم ان تلك المقالات تتضمن في بعض الاحيان قضايا تثير النقاش والجدل بين القراء , وهذا ما نلاحظه في تلك المقدمة ايضا ,  ونود ان نشير هنا , على سبيل المثال وليس الحصر , الى هذه  الجملة – ( استمرت التهجمات عليه من قبل المسؤولين في قسم الثقافة في اللجنة المركزية , واغلبهم من اليهود آنذاك , ممن لعبوا دورا رئيسيا في ثورة اكتوبر وقيام السلطة السوفيتية ..) , ولا مجال الى الاشارة الى جمل اخرى ضمن هذا العرض السريع للكتاب , مثل موقف ستالين من آنّا أخماتوفا .
بولغاكوف لا زال في الوعي الاجتماعي العربي بعيدا عن مكانته الحقيقية , التي يشغلها في مسيرة الادب الروسي وتاريخه , وربما يعود السبب في هذا الى عدم معرفة القارئ العربي بعمق لكل ما حدث في روسيا بعد الحرب العالمية الاولى وثورة اكتوبر1917 , وخصوصا ما حدث في الادب الروسي بالذات , اذ ان القارئ العربي يعرف الجانب السياسي العام لتلك الاحداث ومن وجهة نظر معينة فقط , ولا يمكن تحليل معرفة القارئ العربي المحدودة هذه بكلمات قليلة طبعا , ولكن يمكن القول بلا شك , ان بولغاكوف وقيمته الفنية واهميته كانت خارج تلك المعرفة , خصوصا و ان هذه الرواية ( الحرس الابيض) – كما يشير المترجم في مقدمته - لم تنشر في روسيا اصلا عندما كتبها بولغاكوف في عشرينيات القرن العشرين , بل ظهرت في مجلة روسّية فقط , وتم اغلاقها رأسا عقابا لها على نشر تلك الرواية , ولهذا السبب , فان صدور الترجمة العربية لها يمتلك اهمية كبيرة وخاصة , لانها جاءت لتعريف القارئ العربي المعاصر بالمنجز الابداعي لبولغاكوف , وهو عمل هائل للمترجم القدير عبد الله حبه يضاف الى اعماله الترجمية الاخرى التي تتميّز باختياراتها المهمة والدقيقة واسلوبها العربي السلس الجميل , وأذكر مرة , ان عبد الله قد أخبرني اثناء حديثي معه , انه يعتبر نفسه ابنا للمدرسة المصرية , وقد تذكرت قوله هذا وانا أرى اسم بولغاكوف هكذا – ( بولجاكوف) , واسم روايته ( المعلم ومارغريتا ) هكذا – ( المعلم ومارجاريتا ) , واسم غوركي – ( جوركي ) , بل حتى كلمة ( المسؤولين ) يكتبها ( المسئولين ) , ولكن كل هذه (النواعم!) لا تقلل ابدا من احترامي الشديد لهذا الجهد الترجمي الكبير , الذي قدمه عبد الله حبه للقارئ العربي , وأختتم هذا العرض الوجيز بجملة شاعرية جميلة جدا من تلك الرواية بترجمة عبد الله , وهي  – ( كل شئ سيمضي مع الايام – المعاناة والالام والدموع والجوع والوباء , وسيختفي السيف ...أما النجوم فستبقى ...).
اهلا وسهلا برواية بولغاكوف (الحرس الابيض) بالعربية , وتحية امتنان لمترجمها الى العربية الاستاذ المبدع عبد الله حبه , وشكرا جزيلا لمعهد الترجمة في روسيا الاتحادية على دعمه .
 

77
أدب / الحقيقة
« في: 10:02 22/07/2018  »
الحقيقة
=========

قصيدة للشاعرة كومبو / جمهورية تيفا في روسيا الاتحادية
=================================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=====================

اساس الامل – هو الحقيقة,
لكن الطريق اليها بعيد دائما.
ابحث أنا عن الحقيقة ,
التي تبقى في ذاكرة الشعب ابدا.
+++
متغلبة على كل العقبات,
وعبر العواصف والنكبات ,
اذهب أنا, دون ان اعرف
اين أجد الحقيقة؟
+++
اذهب وانا بالكاد اسير,
 وحدي وباصرار اسير -
في قعر الكذب والنميمة ,
بحثا عن الحقيقة.
===================================
سايليكما سالجاكوفنا كومبو – من جمهورية تيفا ( عدد سكانها 320 الف فقط وعاصمتها كيزيل ), وتقع قرب حدود منغوليا , وهي جزء من دولة روسيا الاتحادية . كومبو تحمل شهادة دكتوراه فلسفة في علوم اللغة والادب , وهي شاعرة ومترجمة وباحثة وناقدة وتكتب باللغتين التوفانية والروسية , واصدرت العديد من الكتب , منها مجموعة من الدواوين المترجمة عن الروسية الى اللغة التوفانية لشعراء روس كبار منهم بوشكين وليرمنتوف ونكراسوف  وأخماتوفا وتسفيتايفا ... . القصيدة المنشورة هنا بلا عنوان في الاصل , والعنوان من وضعنا . 

78
مع د. ابراهيم الخزعلي في موسكو
أ.د. ضياء نافع
الفرق بين عمري وعمره ربع قرن باكمله , فعندما كان د. ابراهيم الخزعلي في المدرسة الابتدائية كنت انا تدريسّيا في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد , ولم نكن طبعا نعرف بعضنا , ولكننا التقينا في موسكو عام 2018 , وكان اللقاء بالصدفة المحضة , و وجدنا اللغة المشتركة رأسا , فكلانا زملاء مهنة واحدة وهي الكتابة , وهكذا اكتشفنا اننا نعرف بعضنا البعض ( عن بعد !) . وها أنا ذا في شقته بموسكو , واتأمل باندهاش واعجاب وحب اللوحات الجميلة المعلقة على جدرانها . لم افهم رأسا لمن هذه اللوحات اول الامر , ولكني توقفت عند لوحة الفنان العظيم شارلي شابلن وهو يقف عند ذلك الجدار الاصم , الذي يعزله عن معالم المدينة الكبيرة والشاهقة , وهي لوحة رمزية جميلة وعميقة و واضحة المعاني , وبعد ان تأملتها بامعان واعجاب قلت له , ان هذه اللوحة الجميلة ليست غريبة عني , وانني شاهدتها في مكان – ما , ولكني – في زحمة الحياة وخضّمها وأحزانها - لا أذكر اين ومتى شاهدتها, فابتسم د. ابراهيم بتواضع وقال – انك شاهدتها على صفحات جريدتنا المشتركة والقريبة الى قلبينا , وهي – (المثقف) , اذ اني نشرتها هناك , وفجاة اكتشفت ان الطبيب والاديب والشاعر ابراهيم  الخزعلي هو فنان تشكيلي ايضا يشار اليه بالبنان كما يقول التعبير العربي  المشهور , وأخذت اتفحص اللوحات الاخرى , التي كانت تملأ جدران الشقة , وتوقفت طويلا عند لوحة تجسّد الشاعر الكبير بدر شاكر السياب والنهر ونخلة عراقية تنحني امامه , و كذلك توقفت طويلا عند لوحة المسجد الذهبي وتخطيطها الهندسي الدقيق والتناسق الهارموني فيها بين القبّة والمئذنة , وبدأت طبعا امطره بالاسئلة حول هذه اللوحات , وعلمت منه انه استلم عروضا كثيرة من اناس كانوا يرغبون بشراء هذه اللوحات , ولكنه لا يريد ذلك لأنها عزيزة على قلبه . وحكى لي كيف يحافظ عليها وهو يتنقل من مكان الى آخر , بل من بلد الى آخر .  وهكذا بدأنا ندردش عن هوايته هذه , فحكى لي  د. ابراهيم كيف بدأت رحلته مع الفن التشكيلي , وتذكر كيف كان يخطط بالقلم الرصاص وهو في المدرسة الابتدائية , وكيف انتبه معلم الرسم في الصف الخامس الابتدائي الى رسومه , وكيف دعاه الى غرفة المعلمين لعرض رسوماته عليهم , وكيف اعطوه قلم جاف ليرسم به امامهم , وكيف طلب منه معلم الرسم  هذا ان يرسم  له صورته , وان تلميذ الصف الخامس الابتدائي حقق فعلا طلب معلم الرسم ورسم بالقلم الرصاص بورتريت لمعلمه بعد ان استلم صورة فوتوغرافية من معلمه هذا. انتقلنا بالحديث طبعا عن الشعر , وقرأ لي الشاعر ابراهيم مقاطع جميلة من قصائده المنشورة هنا وهناك , وقال لي انه يتابع قصائدي المترجمة عن الروسية , وتحدثنا عن اعجابنا المشترك بقصائد الشاعر المبدع يحيى السماوي , وقلت له اني استلمت منه ديوانا ارسله بالبريد من استراليا مع اهداء يعد قصيدة بحد ذاته , فقام د. ابراهيم الى مكتبته وجاء بديوانين من دواوين يحيى السماوي , والتي ارسلها له بالبريد ايضا مع اهداء جميل يكاد ان يكون شعرا , وهكذاخرجنا باستنتاج مشترك , وهو ان السماوي شاعر بالشعر وبالنثر معا , وقد قلت لابراهيم باني كتبت مرة للسماوي في احدى اجاباتي على تعليقه  حول احدى قصائدي المترجمة باني لا استطيع ان اجيبه بنفس المستوى لاني لا املك موهبته الشعرية التي يكتب بها نثره , فوافقني ابراهيم على ذلك .
واستمرت حواراتنا ونحن نشرب الشاي ( ابو الهيل ) , الذي أعده ابراهيم مع الملاحق اللذيذة , والتي طبخها هو نفسه بمهارة يحسد عليها , وقد سألته طبعا كيف استطاع ان يوفق بين مهارته بالطبخ وعمله كطبيب وكتابة الشعر وممارسة الفن التشكيلي , فضحك د. ابراهيم وقال , انها مدرسة الحياة العراقية الصعبة التي عاشها هو والآلاف من العراقيين منذ الحرب العبثية بين العراق وايران , والتي جعلته يعيش متخفيا في جبال كردستان العراق , وفي معسكرات اللاجئين في ايران وسوريا والعمل في شتى المجالات والمهن من اجل لقمة العيش , وفي بيوت الطلبة في الاتحاد السوفيتي اثناء الدراسة والصعوبات عند انهيار الاتحاد السوفيتي واصطدامه بالبيروقراطية الادارية , وعبر صعاب الحصول على وثائق رسمية للسكن والسفر اللاحق وصولا الى كندا , وها هو يقف الان على مشارف انهاء الدراسات العليا والحصول على شهادة التخصص في العلوم الطبية . قلت له وانا اودعه , ان قصة د. ابراهيم الخزعلي ومسيرته تصلح ان تتحول الى فلم سينمائي يسجل معاناة شعب العراق في العصر الحديث , وتاريخ العراق  , وصمود العراق  , وانتصار العراق وخروجه من محنته, وتمنيت ان يكون العراق جميلا وعذبا  مثل قصائد د. ابراهيم الخزعلي  و رائعا ومدهشا مثل لوحاته الفنية المعلقة على جدران شقته...

79
ملاحظات رشيقة حول الادباء الروس
أ.د. ضياء نافع
اطلعت على مقالة جميلة ورشيقة جدا في جريدة ( ليتيراتورنايا غازيتا )( الصحيفة الادبية ) الروسية الاسبوعية (بتاريخ 11-17 / 7 / 2018 ), وقد جاءت المقالة تحت عنوان – أدب أذربيجان المعاصر , والتي أعدّها مركز أذربيجان للترجمة . تتحدث المقالة ( والتي شغلت صفحتين باكملهما في ذلك العدد من الصحيفة ) عن الكاتب الاذربيجاني المعاصر ألتشين  , الذي تحتفل اذربيجان الان  بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين . وألتشين يحمل لقب ( كاتب الشعب) في اذربيجان  , و هولقب تمنحه الدولة لبعض كبار الادباء والكتّاب تقديرا لهم وتثمينا لدورهم في المجتمع , وألتشين بروفيسور جامعة باكو الحكومية ايضا, اذ انه يحمل شهادة دكتوراه في علوم الادب ( وهي أعلى شهادة علمية , و التي يسمونها عندنا – ما بعد الدكتوراه ) , اي انه كاتب وباحث أكاديمي في نفس الوقت , والذي تميّز طوال  مسيرة حياته  الفكرية - منذ شبابه - بمواقفه المستقلّة وغير الخاضعة للجمود العقائدي . بدأ ألتشين طريقه الابداعي عندما كان يافعا , ويعد اليوم واحدا من أشهر الكتّاب والباحثين في أذربيجان , وتم ترجمة نتاجاته الى 20 لغة اجنبية , وبلغ عدد نسخ كتبه بمختلف اللغات حوالي خمسة ملايين نسخة . يقدم مركز أذربيجان للترجمة في المقالة المذكورة مقاطع من كتابه الموسوم – ( العصر والكلمة ) , و يسميها الكاتب نفسه – ( ميني مقالة) , يطرح فيها ملاحظات وأفكار حول الادب الروسي والعالمي , وقد اخترنا بعض هذه الملاحظات ( رغم ان كل تلك الملاحظات مهمة وذكيّة ) وترجمنا خلاصتها وفكرتها الاساسية ليس الا ,  كي نقدمها للقارئ  العربي , لاننا وجدنا في ثناياها آراء رشيقة ومبتكرة وأصيلة  فعلا حول هؤلاء الادباء , ونعتقد انها تستحق الترجمة لاغناء المكتبة النقدية العربية حول الادب الروسي.
همنغواي وبوشكين
===========
 يقول الباحث انه تذكر ( ابنة الضابط حسب ترجمة الدروبي, او ابنة الآمر حسب ترجمة غائب طعمه فرمان ) لبوشكين , عندما بدأ يقرأ (وداعا للسلاح ) لهمنغواي , ويسمي ذلك ( احساس غير متوقع ) , وتكرر الامر نفسه عندما بدأ يقرأ ( الشيخ والبحر  ) ايضا , ولم يجد الباحث سبب ذلك الاحساس , اذ لا توجد روابط محددة بين تلك النتاجات , بل انه لم  يكن يعرف حتى اذا كان همنغواي قد اطلع على نتاجات بوشكين ام لا  , و لم يجد الجواب المحدد على اسئلته تلك , ولكنه عندما قرأ مقابلة مع ابن همنغواي بمناسبة مرور قرن على ميلاد والده , اكتشف , ان همنغواي كان طوال حياته معجبا ببوشكين , وان هناك تمثال نصفي صغير لبوشكين على طاولة همنغواي في بيته بكوبا .
الذنب امام دستويفسكي
=============
  يقول الباحث انه يقرأ نتاجات دستويفسكي من بداياتها الى نهاياتها مرتين , ولكنه يقرأ ( الاخوة كارامازوف ) و ( المقامر ) ثلاث مرات , وذلك  لانه ( بعقله ) يقر ويعترف , ان دستويفسكي كاتب عظيم  , ولكن ( بقلبه ) لا يستطيع ان يحبه , ولهذا , يشعر الباحث بالذنب امام دستويفسكي .
لماذا احب تولستوي ؟
=============
يقول الباحث انه يحلم ان يؤلف كتابا يوما ما بعنوان – لماذا احب تولستوي ؟ , ويضيف , ان هناك العديد من الكتب حول تولستوي , ولكنه مقتنع تماما , ان كتابه سيختلف عن بقية الكتب عن هذا الكاتب الكبير, لانه لا أحد يمكن ان يكتب عنه ذلك الشئ الذي يراه هو شخصيا فيه , او يحسّه  هو شخصيا تجاه ابداعه . ويختتم الباحث هذه الملاحظة قائلا – ان عبقرية تولستوي تكمن , في ان كل (قارئ – مفكر) ينظر اليها بمنظاره الخاص , وانه لا يمكن ان يكون الموقف بشكل آخر بتاتا.
موباسان وتورغينيف
=============
يشير الباحث , ان موباسان كان يعتبر نفسه تلميذا لتورغينيف , ولكن الباحث يرى , ان تورغينيف لم يكن روسيّا بحتا مثلما كان موباسان فرنسيّا بحتا , ويضرب مثلا ببطل رواية  ( رودين )  لتورغينيف , ويقارنه بابطال قصص موباسان , ويصل الى استنتاج مفاده , ان ابطال موباسان يجسّدون الانسان الفرنسي , بينما بعض ابطال تورغينيف لا يجسّدون دائما الانسان الروسي.
تشيخوف وأستروفسكي
=============
 يقول الباحث , ان مسرحيات استروفسكي  مثل حجر كبير و ثقيل يسحبك نحو القعر ويهددك بالغرق , اما مسرحيات تشيخوف , فانها مثل طوق النجاة الذي يمسك بك ويبقيك على سطح الماء ولا يجعلك تغرق , على الرغم من ان مسرح تشيخوف بالاساس يعكس الحياة المملة والكئيبة , التي تخنق الروح الانسانية , ويختتم ملاحظته الطريفة هذه بالقول , ان تشيخوف هو لحد الان لغز فني – جمالي لم نكتشفه  بعد.
==============================================
هذا غيض من فيض كما يقولون , اذ هناك ملاحظات ذكية ورشيقة اخرى تتناول ادباء روس آخرين مثل غوغول و شولوخوف وبولغاكوف وغوركي وتسفيتايفا و.. و.. و.. , واتمنى ان تسمح ظروفي بالعودة الى افكار هذا الباحث الانيق .

80
أدب / سهرة مع تورغينيف
« في: 19:48 15/07/2018  »
سهرة مع تورغينيف
أ.د. ضياء نافع

قضيت سهرة جميلة وغير متوقعة بتاتا قبل ايام مع الكاتب الروسي ايفان تورغينيف ( 1818 -  1883), وها انا ذا اكتب للقارئ حكاية هذه السهرة الغريبة والطريفة, وما اكتشفته – اثناء ذلك - من وقائع جديدة في حياة وابداع هذا الكاتب الروسي الكبير .
بدأت الحكاية عندما طرقت جارتنا باب شقتنا, وهي امرأة مسنة وفي غاية اللطف والادب والرقة , وعندما فتحنا لها الباب واستقبلناها بالترحاب طبعا, قالت لنا , انها تحمل هدية رمزية لنا  , وبعد السلام والكلام , تبين انها تريد ان تهدينا كتابا من مكتبتها الخاصة عنوانه – ( تورغينيف . الحياة . الفن . العصر.) ,  وهو كتاب ضخم طوله اكثر من 30 سم وعرضه اكثر من 20 سم ,و يشبه الالبوم الكبير , ويقع في  184 صفحة كبيرة , وقد أصدرته دار ( سوفيتسكايا راسّيا ) ( روسيا السوفيتية ) عام 1988 , وهي دار نشر سوفيتية مشهورة جدا , وطبعت منه 50 الف نسخة , وبشكل فني فخم وترف بكل معنى الكلمة وبالتعاون مع مطابع المانيا الديمقراطية آنذاك. وقالت جارتنا , ان هذا الكتاب موجود في مكتبتها منذ حوالي 30 سنة , وانها تعتز به كثيرا , وبما انها تعرف حبنا للكتب واعتزازنا بها ومحافظتنا عليها , فانها قررت ان تهديه لنا بمناسبة احتفالات روسيا بالذكرى المئوية الثانية لميلاد تورغينيف , وقالت انها متأكدة من رعايتنا لهذا الكتاب ووضعه في صدارة مكتبتنا المتواضعة , واننا سنتذكرها دائما ما ان تقع اعيننا على هذه التحفة الجميلة . شكرناها طبعا وتقبلنا هذه الهدية القيّمة  بكل سرور مع الممنونية . وقد أثارت هذه الهدية اهتمامي الشديد طبعا , وجلست رأسا للتعرّف على طبيعتها و اسرارها , وقد تبين ان هذا الكتاب بلغتين – الروسية والفرنسية , وتعاون على  اعداده و اصداره حوالي عشرة اشخاص من المتخصصين ما بين من يحمل شهادة الدكتوراه في الادب , والمتخصص في الفنون التشكيلية والفوتوغرافية واللغوية والتاريخ ...الخ من الاختصاصات المتنوعة في العلوم الانسانية .
توجد في الكتاب مقدمة و تسعة فصول  , وامام كل فصل مقولة من مقولات تورغينيف , ونجد في المقدمة جوهر الفكرة , التي أدّت الى اصدار هذا الكتاب , اذ يشير الدكتور بيشولين ( والكتاب من وضعه واعداده ) , الى ان هذا الاصدار لا يتناول سيرة حياة تورغينيف و ليس عرضا نقديا لمسيرته الابداعية في تاريخ الادب الروسي والعالمي, وانما يهدف هذا الكتاب الى التركيز على موقف تورغينيف باعتباره واحدا من شخصيات الثقافة الفنية الروسية باوسع معاني هذه التسمية , وباعتباره واحدا من نقاد الفن , الذين يتفهمون بعمق طبيعة الابداع الفني ونفسية الفنانين , ويتوقف بيشولين عند نقطة شبه مجهولة في حياة تورغينيف , اذ تبين ان الكاتب اراد ان يكون رساما , وحتى انه درس في شبابه الفن التشكيلي , وكان يكتب عن ذلك ويجمع اللوحات التي تعجبه , وكان دائما ما يزور المتاحف ومعارض الرسم , وانه كان صديقا قريبا من الرساميين الروس الكبار في عصره , ويشير الباحث , الى ان القارئ يجد الكثير من الاشارات الى الفن التشكيلي والفنانين التشكيليين على صفحات الروايات والقصص وقصائد النثر التي كتبها تورغينيف , وان الصور الفنية الرائعة الجمال  للطبيعة , والتي رسمها تورغينيف بالكلمات في نتاجاته الادبية جاءت تعبيرا عن عشقه للفنون التشكيلية , اي ان تلك الصور الفنية لم تأت صدفة في ابداع تورغينيف بل نتيجة للارتباط الروحي الأصيل والعميق له مع الفنون التشكيلية بشكل عام .
وكما أشرنا اعلاه , يتضمن الكتاب تسعة فصول , ويتناول كل فصل علاقة تورغينيف بالفنون التشكيلية , وهكذا يتوقف الباحث في الفصل الاول عند تاريخ البورتريتات التي رسمها مختلف الفنانون التشكيليون لتورغينيف , ويتحدث عن كل لوحة من تلك اللوحات الشهيرة له ويعيد نشرها بشكل فني رائع , ويتناول الفصل الثاني مخطوطات تورغينيف والرسومات التي رسمها في مسودات كتاباته , وهو تقليد جميل نجده عند بوشكين وليرمنتوف وغوغول ( درس الباحثون الروس هذه الرسومات والتخطيطات عند هؤلاء الادباء الكبار واستنتجوا منها جوانب نفسية وفنية عديدة لديهم , ولا مجال للتوقف عندها في اطار هذه المقالة طبعا ) , وينشر الباحث العديد من رسومات تورغينيف وتخطيطاته في مسوداته , وكذلك رسوماته لبعض ابطال رواياته . لقد تمتعت كثيرا مع الفصل الثاني من هذا الكتاب , اذ اكتشفت موهبة الفنان التشكيلي تورغينيف , ووجدت لوحات في غاية الجمال والاتقان رسمها هذا الكاتب الكبير , وتوقفت طويلا عند نص خطّه تورغينيف لنص جميل بقلمه , نص يرتبط بموقفه من اللغة الروسية وتعريفه لها , والنص هذا هو قطعة نثر رائعة الصياغة ومشهورة جدا في الاوساط الادبية الروسية , يشير تورغينيف فيها الى ان اللغة الروسية ( العظيمة والجبّارة كما يصفها) تساعده في الغربة وتخفف من توهج شوقه وحنينه الى الوطن, وقد تذكرت اننا درسنا هذا النص في الكلية التحضيرية لجامعة موسكو عام 1960 , عندما كنت ادرس اللغة الروسية هناك , وذلك ضمن مادة ( النصوص الادبية ) او ( المحفوظات ) كما كنا نسميها ضاحكين في اوساط الطلبة آنذاك , وكنت عندئذ احفظ هذا النص (عن ظهر قلب) كما يقول التعبير العربي الطريف , وقررت ان امتحن نفسي , و حاولت ان أقرأ هذا النص عن ظهر قلب دون النظر الى خط تورغينيف له , ولكنني لم استطع ان اتذكر غير بداياته , رغم اني تذكرت كل الاجواء التي كانت تحيطني بالكلية التحضيرية في تلك الايام الجميلة , الايام الخوالي التي كانت ترتبط ببوشكين وتورغينيف وبقية الاسماء العملاقة في تاريخ الادب الروسي واحلامنا الوردية حولهم آنذاك .
ختاما لهذه ( السهرة!) مع تورغينيف , اود ان أشير , الى ان هذا الكتاب يحتوي على مقولات رائعة لتورغينيف تسبق كل فصل من فصوله , واختار مقولة واحدة منها على سبيل المثال وليس الحصر وهي – ( هواء الوطن ضروري للفنان ), وكذلك اود ان اشير الى ان هذا الكتاب يحتوي على أكثر من مئة صورة ولوحة له وللفنانين التشكيليين الروس الكبار ولمخطوطات تورغينيف ورسوماته , وانها مطبوعة بشكل واضح و أنيق ورائع.

81
أدب / لم يحدث اي شئ
« في: 15:41 13/07/2018  »


لم يحدث اي شئ

قصيدة للشاعرة يلينا أفاناسيفنا / جمهورية كومي في روسيا الاتحادية

ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع


لم يحدث أي شئ ,
لكن لماذا
تساقطت الثلوج في اواسط مايس.
+++
لم يحدث أي شئ ,
لكن لماذا
 بدأت أشتاق لعناقاتك.
+++
لم يحدث أي شئ ,
لكن لماذا
اريد الغوص في أعماقك.
+++
لم يحدث أي شئ ,
لكن لماذا
أصبح النهر بلا  ضفاف.
+++
لم يحدث أي شئ ,
لكن كيف
اتلمس الارض والنهر بلا ضفاف.
+++
لم يحدث أي شئ ,
لكن لماذا
تساقطت الثلوج في اواسط مايس.



جمهورية كومي هي جزء من روسيا الاتحادية وتقع في الشمال , عاصمتها سيكتيفكار , والشاعرة يلينا أفاناسيفنا خريجة جامعة سيكتيفكار , وتكتب باللغتين الكومية والروسية , واصدرت عدة مجاميع شعرية . القصيدة هذه منشورة في جريدة ( ليتيراتورنايا  راسّيا ) ( روسيا الادبية) الاسبوعية بتاريخ 13 /7 /2018 العدد 2846 . القصيدة في الاصل بلا عنوان , والعنوان هنا من وضعنا .

82
نجوم في سماء كلية اللغات ببغداد
أ.د. ضياء نافع .
تمر هذه الايام , ونحن في عام 2018 , الذكرى الستون لتأسيس كلية اللغات في جامعة بغداد ( انظر مقالتينا بعنوان –  ستون عاما على تأسيس كلية اللغات في جامعة بغداد , و , عود على الذكرى الستين لكلية اللغات ) , واود هنا ان اتوقف عند بعض الاسماء الكبيرة في عالم اللغات , والتي رحلت , ولكنها أبقت أثرها في تاريخنا العلمي وتاريخ جامعة بغداد ايضا , هذا التاريخ الذي لم يلتفت له – مع الاسف الشديد – مؤرخونا وباحثونا كما يجب , وهؤلاء – حسب حروف الهجاء – هم كل من حياة شرارة ( من قسم اللغة الروسية ) وفؤاد ابراهيم ( من قسم اللغة الالمانية )  , واقدم عن كل واحد منهما شيئا مما يخزنه قلبي.
         حياة شرارة
=======
حياة ابنة اللبناني محمد شرارة , الذي انتقل من لبنان الى العراق واستقر في النجف وتزوج من عراقية , واصبح كاتبا وصحافيا في العراق  يشار اليه بالبنان كما يقول التعبير الكلاسيكي العربي الجميل , والذي لا يزال بحاجة لدراسته باعتباره ظاهرة ثقافية فذّة ومتميزه في تاريخ ثقافة العراق ولبنان معا وفي دنيا النقد الادبي العربي بشكل عام.  حاولت حياة ان تجمع تراثه , وقد اخبرتني مرة ان المواد التي جمعتها تكفي لاصدار ستة كتب , وكانت متألمة وهي تقول لي , ان والدها لم يستطع في حياته ان يصدر اي كتاب , وقد اصدرت حياة  فعلا الكتاب الاول له ويضم مقالاته في التراث العربي فقط , وكان بعنوان جميل وفريد اختارته حياة من شعر المتنبي الخالد وهو – ( الخيل والليل والبيداء تعرفني) , واتذكر كم كانت سعيدة وفخورة وهي تعرض عليّ ذلك الكتاب, ولكنها لم تستطع الاستمرار بمشروعها الثقافي الرائع هذا . كانت حياة حسّاسة جدا , وحالمة جدا , وعنيدة جدا , وتعيش في اطار عالمها الفكري البحت دون مراعاة عالمها الواقعي المحيط بها , ولهذا ارادت ان تجمع كل ما كتبه والدها محمد شرارة من مقالات مبعثرة في عشرات المجلات والجرائد العراقية منذ اواسط القرن العشرين, وان تعيد تصنيفها وطبعها ونشرها في كتب , وهو مشروع عملاق يجب ان تقوم به مجموعة من الباحثين المتخصصين او مؤسسة ثقافية باكملها ,  الا انها حاولت القيام بهذه المهمة بمفردها , و هو عمل نبيل بحد ذاته طبعا وبطولي ايضا , ولكنها لم تستطع تحقيقه , مثلما ارادت – وبمفردها ايضا – ان تقوم بترجمة المؤلفات الكاملة لتورغينيف عن الروسية , رغم علمها ان معظم هذه المؤلفات مترجمة الى العربية , وكم حاولت ان اثنيها عن القيام بذلك , وكنت اقول لها مرارا ان كبار المترجمين العرب قاموا بذلك قبلها مثل غائب طعمه فرمان وخيري الضامن واكرم فاضل , ولكنها أصرّت على تحقيق فكرتها , وقالت لي ضاحكة , انها سوف تطلع على تلك الترجمات بعد انهاء ترجمتها كي لا يؤثر اسلوب تلك الترجمات على عملها , واستطاعت فعلا ان تقدم ثلاثة كتب , الا انها لم تستطع اكمال خططها مع الاسف . لقد عرقلت عملية انتحارها التراجيدية كل هذه المشاريع الثقافية الكبيرة التي بدأت بها .  من الذي سيقوم الان بجمع تراث محمد شرارة وطبعه وتقديمه الى الاجيال الجديدة مثلما ارادت حياة ؟ ومن الذي سيقوم باكمال احلام ابنته حياة محمد شرارة الادبية وخططها العلمية هذه ؟ لقد اقترحت على قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد كتابة اطروحة ماجستير حول أ.د. حياة شرارة , اول تدريسي يحصل على درجة ( بروفيسور ) في تاريخ هذا القسم ,  واعلنت عن استعدادي للمساهمة بذلك العمل العلمي والتعاون مع المشرف والباحث , ولكن ...
فؤاد ابراهيم 
===========
فؤاد ابراهيم محمد البياتي , احد الاعلام البارزة في قسم اللغة الالمانية  , وهو الوحيد بيننا , الذي حصل على لقب – ( الشهيد !) , وما أغلى ثمن هذا اللقب الذي حصلت عليه يا أبا علي الحبيب وما أقساه !!! لقد كنت انا آنذاك مع وفد جامعة بغداد في ايطاليا , وكنا نتهيأ لاجتماع مع مجموعة كبيرة من الشباب الايطالي  المتعاطف مع العراق , والذين قرروا ان يقدموا لقسم اللغة الايطالية في كلية اللغات كتبا باللغة الايطالية من مكتباتهم الشخصية , وتحول هذا الاجتماع الى جلسة عفوية لشجب اغتيال رئيس قسم اللغة الالمانية في كليتنا . وعدت الى بغداد بعد ايام , وعقدنا جلسة لمجلس الكلية  واتخذنا ثلاث توصيات هي – اقامة تمثال نصفي لفؤاد نضعه على المنصة الفارغة في الحديقة الامامية للكلية حيث كان هناك تمثال نصفي لصدام , واطلاق اسمه على القاعة المركزية  للكلية , وعلى مكتبة قسم اللغة الالمانية , ولكن مجلس الجامعة اعترض على مسألة التمثال , واعطانا حق اختيار توصية واحدة من التوصيتين , وهكذا استقر اطلاق اسمه على القاعة المركزية , والتي لازالت تحمل اسمه لحد الان . لقد خلّد الدكتور فؤاد اسمه في كليتنا بعملين قام بهما آنذاك – العمل الاول هو اصداره لكتاب قواعد اللغة الالمانية باربعة اجزاء , والذي قسّمه بين طلبة الدراسات العليا لنيل دبلوم الترجمة , ثم جمعه واصدرته الكلية , وقد أصرّ الدكتور فؤاد ان يثبت اسماء طلبة دبلوم الترجمة على كل جزء من اجزاء الكتاب , اما العمل الثاني له , فهو الذي قام بالاتصال بالسفارة الالمانية واقنع السفير ان تتبرع المانيا ببناء مكتبة قسم اللغة الالمانية , وتزويدها بالكتب الخاصة باللغة الالمانية وآدابها , وهي المكتبة الموجودة حاليا , والتي تزهو بها كلية اللغات لحد الان , والتي تعد مفخرة من مفاخر جامعة بغداد , ولا زلت اتذكر فرحه وهو يشارك بافتتاح المكتبة بحضور رئيس جامعة بغداد عندئذ أ.د. موسى الموسوي والسفير الالماني في العراق . ولم يتفاخر فؤاد يوما بعمله العملاق هذا ابدا , بل ولم يتكلم عنه اطلاقا, لأن تواضع العلماء كان يجري في دمه وتصرفاته وأخلاقه .

83
محضر جلسة عراقية في موسكو
أ.د. ضياء نافع
عشرة أشخاص – كنت انا من ضمنهم – يجلسون بهدوء في شقة احد العراقيين في موسكو. كانت الجلسة رجالية بحتة , ويتراوح عمر الحاضرين بين الثمانين والخمسين سنة , وكان الجميع ينتظرون  البامية  (على أحر من الجمر !!!) , والساعة تقترب من الخامسة عصرا في ذلك اليوم من صيف 2018 . قال احدهم – تعطلتم في بداية التحضير , وهذه هي النتائج , فاجاب الثاني – هكذا الامور دائما عند العراقيين , فاعترض الثالث على هذا الاستنتاج الخطير وقال – هذا موقف عراقي متطرف  كالعادة , فضحك الرابع وأضاف – ولماذا تتعجب ؟ انه موقف عراقي نموذجي مثلما يتصرف السياسيون عندنا , فحاول الخامس ان يفسر ذلك وقال – كل الامور نسبية, فعندما حولوا حكم الاعدام الى السجن المؤبد في ابو غريب  شعرنا بسعادة لا مثيل لها , فسأله السادس – وماذا حدث بعدئذ وكيف خرجت من السجن ؟ اجاب الخامس – عندما زار صدام حسين موسكو – اثناء الحرب العراقية  الايرانية وطلب السلاح , اخبروه بانهم سيعطونه السلاح , وقالوا له - ( ولكنك تعدم الشيوعيين في بلدك !) , فوعدهم بانه ما ان يرجع سيحل المشكلة , وقد نفّذ وعده فعلا, وهكذا اطلقوا سراحنا ولم نصدق ذلك  , فسأله السادس من جديد – اثناء الحرب ؟ , فقال الخامس – نعم , وارسلونا الى الجبهة , ولكن كل الضباط كانوا يرفضون قبولنا ويقولون , انهم سيندسون بين الجنود ويحرضوهم ضد تنفيذ الاوامر . علّق السابع – رب ضارة نافعة . سأل السابع – هل كان الشهرستاني معكم في السجن ؟ اجاب الخامس – نعم , وكان عنده خادم يخدمه في السجن , وكان طعامه خاصا, فتعجب الجميع , واضاف الخامس – لقد ذهبنا اليه في طهران ( بعد ان هرب من السجن بشكل غريب جدا ) وطلبنا  منه المساعدة , ولكنه رفض , فسأله السابع – وكيف وصلتم اليه ؟ فاجاب الخامس – كان عنده مكتب كبير هناك , مثل اي مسؤول كبير . همس الاول في اذن التاسع – هل قرأت رواية بابا سارتر ؟ اجاب التاسع – كلا , ولكني سمعت بها , واضاف – لم اعد اقدر على متابعة روايات العراقيين لكثرتها , فقال الاول – هذا شئ رائع , وظاهرة جيدة جدا . سمع الخامس هذا الحديث فتدّخل قائلا -  لقد عرضت عليك القصة القصيرة التي كتبتها انا , ولكنك شرشحتها , وعندما ارسلتها للنشر نشروها ولم يأخذوا برأيك حولها , اجاب الاول – لم تكن الفكرة واضحة , وعندما كنت اقرأ قصة البير كامو كانت الفكرة تصل رأسا , فقال السادس – انك الان تقف جنبا لجنب مع كامو , فماذا تريد اكثر من ذلك التقييم الكبير . توسع الحديث اكثر ووصل الى طه حسين  وما كتبه حول الشعر الجاهلي والحركات الاسلامية في تراثنا , وتشعبت النقاشات وتناولت اسماء كثيرة من سيد قطب الى سلامه موسى وما بينهما , و كل أدلى بدلوه  بغض النظر عن القبول برأيه او عدم القبول , وكاد النظام يفلت من الجلسة هذه لتعدد الآراء والاجتهادات وتناقضاتها واختلطت الاصوات بين هذا وذاك , ولكن جاءت البامية وملحقاتها , فانقطعت الاحاديث الفكرية المعمقة , وقال العاشر – البامية العراقية الذ واحسن من شقيقتها في كل البلدان العربية ,فعلق الثاني – انها سيدة المائدة العراقية بلا منافس , وقال السادس – انها توحد العراقيين جميعا عربا واكراد وتركمان وكل الاقليات الاخرى بغض النظر عن كل تناقضاتهم واختلافهم , فضحك الجميع , واضاف السابع – ان البامية بحق تعد  (عابرة للطوائف والقوميات!), و علّق الثامن قائلا  - (انها فعلا  فوق الميول والاتجاهات !) , وقال الثالث – عندما كنت في شمال العراق , فاعترض الخامس وهو يقول –  قل في كردستان العراق وليس في شمال العراق, فاجاب الثالث – كلا , انا اقول بعد الاستفتاء ( في شمال العراق ) وليس (في كردستان العراق) كما كنت أقول سابقا , فتدخل الرابع وقال في محاولة لتخفيف حدة النقاش – ساحكى لكم نكتة عن الاكراد , ولكني اقول كردستان العراق بدلا من شمال العراق , والنكتة هي ان احد الاكراد طار من بغداد الى السليمانية , وبعد حوالي الساعة وصلت الطائرة الى السليمانية , ولكن صاحبنا رفض الخروج من الطائرة , وعندما خرج الجميع , صعد اليه مسؤول المطار ليقنعه بالخروج , فقال له المسافر , بانه لو كان يعلم ان الوصول الى السليمانية خلال ساعة لما اشترى بطاقة سفر ولتمشى من بغداد ووصل الى السليمانية , فضحك الجميع , وعلّق العاشر قائلا – ومع كل هذا , فان ما تعرض له الاكراد الفيلية زمن البعثيين هو ابادة جماعية  بحق الانسانية لم يعرفها العراق سابقا , فسأل الخامس – والانفال  وحلبجة ؟ اجاب العاشر – كلها تراجيديات رهيبة طبعا , لكن الحملة ضد الاكراد الفيلية وهم في عقر دارهم كانت مرعبة حقا , فقال السادس – نعم نعم , الفيلية الذين منحوا العراق رضا علي وعزيز الحاج و غائب طعمه فرمان وغيرهم , فقال الخامس – لم اكن اعرف  ان غائب كان فيليا ابدا , فقال السادس – وغائب نفسه لم يقل ابدا ذلك , وانما كان يؤكد دائما انه عراقي ليس الا , فعلّق السابع قائلا – دعونا نتمتع بالباميه بلا سياسة , فقال الخامس – لا لا لا , فالبامية مع السياسة يصبح طعمها عراقيا بحتا, فضحك الجميع , وتناسوا الصراع  الفلسفي والفكري من اجل التسميات وتحديدها , وبدأوا بالتعايش السلمي الجميل تحت شعار - (الانسجام التام من اجل التمتع بالطعام !).     

84
أدب / الشمس
« في: 21:14 04/07/2018  »
الشمس
=========

قصيدة للشاعر المعاصر جوان ابيل / موزامبيق 
=========================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=========================

في هذا اليوم
الشمس أشرقت..
وفوق السطوح
 توهجت ,
وعلى الجدران
 تسلقت ,
وفي العيون
-باشعتها الذهبية-
تلألأت.
+++
والاطفال كانوا يتقافزون
على الرمل الاحمر,
ويتراكضون,
وهم يصنعون
من الطين
اناسا صغارا مضحكين.
+++
أشرقت الشمس
في هذا النهار الذي
بلا انتهاء,
والذي ,
في نوره,
رأيت في عيني حبيبتي
ذلك الامل الندي..
+++
في هذا اليوم
الشمس أشرقت,
وجففت
الملابس المغسولة,
وهي تتأرجح على الحبال,
وخففت
 الالآم غير المرئية,
والمخفية
في اعماق الانسان..
+++
وفي الحديقة
كان الدجاج يحفر
في كومة الازبال,
وفي الشارع,
كنّ يضحكن
بصوت عال-
الفتيات,
اللواتي يعطين انفسهن
في ظلمة الليل
من اجل الخبز ,
نفس تلك الفتيات
كنّ يضحكن للشمس
التي أشرقت,
وسطعت,
في هذا اليوم الذي
بلا انتهاء..
+++
الشمس أشرقت,
وغمرت
السطوح ,
وتسلقت
الجدران,
واضرمت
اللهيب في الوجدان,
نفس تلك الشمس
- يا اخي -
التي
كنت تحلم مرّة
ان تمسكها بيديك..


85
قراءة في كتاب – محطات من حياتي
أ.د. ضياء نافع
هذا كتاب مهم جدا في تاريخ العراق المعاصر , اذ انه ليس فقط ( محطات !) في حياة مؤلفه د. خليل عبد العزيز , بل هو ( حصيلة !) كل حياته في الواقع , ولهذا فانه كتاب صعب , ولا يمكن للقارئ ان ( يلتهمه!!) رأسا , كما يحدث مع بعض الكتب الشيّقة الاخرى , اذ ان الاحداث التي يتناولها د. خليل عبد العزيز تقتضي من القارئ ان يتأملها ويستوعبها بهدوء وتفكير عميق , خصوصا وانني لم أجد الفهرس ( لا في بداية الكتاب ولا في نهايته ) في كتاب بمثل هذا الحجم , اذ انه يقع في (324) صفحة من القطع الكبير , ويتناول احداثا مهمة لاكثر من نصف قرن منذ خمسينات القرن العشرين ولحد الان , احداثا ساهم فيها د. خليل شخصيا , وفي هذه النقطة بالذات تكمن اهمية هذا الكتاب وقيمته التاريخية الكبيرة , اذ ان هذه الاحداث غير معروفة باكملها لنا بتاتا , ولكنها تمتلك اهمية في مسيرة تاريخنا المعاصر, او كما كتب الدكتور كاظم حبيب في مقدمته العميقة و الدقيقة للكتاب – ( ان هذا الكتاب شهادة حيّة وصادقة عن احداث مرّ بها الشعب العراقي وأثرت ايجابا او سلبا على حياته الراهنة ومستقبل اجياله القادمة , انه اغناء للمكتبة العربية .). ولا تهدف القراءة التي نقدمها للقارئ هنا الى تلخيص هذا الكتاب وعرض مضمونه العام , خصوصا وان بعض الباحثين قدّموا هذه الخلاصة , واود ان اشير بالذات الى ذلك العرض الموضوعي المرّكز والذكي , الذي قدّمه الاستاذ جمال العتابي ( انظر مقالته بعنوان (خليل عبد العزيز يبوح بالمخفي ..ولكن )  المنشورة في جريدة الصباح الجديد / بغداد بتاريخ 26/ 6 /2018 ) . ولهذا , فانني  ساكتفي بالتوقف عند نقطتين ليس الا في هذا الكتاب , والتي أعتبرهما  طريفتين و مهمتين وجديدتين , على الرغم من انهما صغيرتين  في مسيرة تاريخنا المعاصر . النقطة الاولى تتعلق بالاتصالات بين الحزب الشيوعي السوفيتي والاحزاب الشيوعية العربية , فمن كان يتصور مثلا , ان مسؤول الاتصالات بين الحزب الشيوعي السوفيتي والاحزاب الشيوعية العربية , والذي يسميه د. خليل عبد العزيز بالاسم يتصرف بهذا الاسلوب مع ممثلي الاحزاب الشيوعية العربية في موسكو – قلب الدولة السوفيتية والمعسكر الاشتراكي !!!,  ولنقرأ معا هذا المقطع من ص192 -193 – ( ..وفي الكثير من الاوقات اهمل السوفييت علاقتهم هذه , ولهذا وضعوا موظفا صغيرا في جهاز مخابراتهم ليس له منصب حزبي مؤثر ليكون وسيطا بين الاحزاب الشيوعية العربية والحزب في الاتحاد السوفيتي, ولم يكن ليمر طلب بمقابلة او اتصال او التماس وحتى حاجة بعينها , الا من خلال هذا الموظف المدعو نيجكين الذي عمل في فترة ما بعد ثورة الرابع عشر من تموز العراقية ملحقا ثقافيا في السفارة السوفيتية في بغداد , وكان هذا الموظف يبتز اعضاء الاحزاب الشيوعية العربية ولا يوافق على ايصال طلباتهم الى القيادة السوفيتية دون ان تقدم له رشاوي معينة , دائما ما كان يحددها هو وليس هم .), ولنتصور انطباع مندوبي الاحزاب الشيوعية العربية وهم يتعاملون بهذه الطريقة مع هذا ال ( نيجكين ) , كي يقابلوا  مسؤولا في الحزب الشيوعي السوفيتي !! , ولكننا لم نقرأ سابقا اي شئ عن هذه الحالة , واننا ( اصطدمنا ) بها في كتاب د. خليل عبد العزيز لاول مرّة . والنقطة الثانية التي نريد التوقف عندها هنا تختلف عن روحية هذا الجو السياسي البحت , الا وهي موضوع الدراسة في الاتحاد السوفيتي وتاريخها , والتي لم نستطع لحد الان تقديمها كما يجب  . لقد حاولنا تسجيل بعض جوانب هذا الموضوع في سلسلة مقالات بعنوان – (رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي) ( 5حلقات) وسلسلة اخرى بعنوان – ( المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي ) (4 حلقات ) , ثم حاولنا ان نقدم قائمة اولية باسماء المترجمين العراقيين عن الروسية (حلقتان ) , وقد أشرنا في تلك القائمة الى اسم الياس البدري ضمن المترجمين العراقيين , واعترض البعض على ذلك , واعتبروه مترجما لبنانيا , وقد اجبتهم  تحريريا باني اعرف البدري شخصيا , ولكن بلا جدوى , ووجدت في كتاب خليل عبد العزيز وعلى الصفحة رقم 209 ما يؤكد ذلك , ونقدم للقارئ هذا المقطع الصغير والمهم في هذا المجال , وهو – ( ..استطاع البعض من الشباب العراقي الحصول على مقاعد دراسية في المعاهد السوفيتية , فقد استطاع محمد علي الماشطة ومصطفى الجواهري الحصول على زمالة دراسية في الاتحاد السوفيتي , وكان قد سبقهما الالتحاق بالدراسة في موسكو مواطنان عراقيان يهوديان  استطاعا الهروب من العراق  بعد اسقاط  الحكومة العراقية  الجنسية عن اليهود العراقيين عام 1949 , وقد وصلا الى موسكو عبر ايران, احدهما واسمه مسرور, اذكر انه عمل كمذيع في اذاعة موسكو باللغة العربية , اما الثاني واسمه الياس البدري فقد تم تعيينه مدرسا لتدريس اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية في موسكو بعد  انهائه الدراسة في كلية الحقوق ...) .
ختاما لهذه القراءة المختصرة جدا ( والتي  لا يمكن لها ان ترسم حتى ولا صورة تقريبية لاهمية هذا الكتاب وقيمته التاريخية ), اود ان اشير الى ما قاله لي د. خليل عبد العزيز في اللقاء الاخير معه في موسكو , وهو ان السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي الدكتور رائد فهمي اخبره , انه يسمع لاول مرة  عن هذه الاحداث في الاتحاد السوفيتي , واقترح عليه ان يقدم كلمة امام اجتماع للشيوعيين العراقيين للتحدث عن ذلك , وهو اقتراح علمي وموضوعي وعملي فعلا من وجهة نظري , اذ ان الاجيال العراقية التي لم تتعايش مع التجربة السوفيتية قد خلقت في مخيلتها صورة مرتبكة ومشوشة  جدا عن هذه التجربة الانسانية الكبيرة و العظيمة في تاريخ البشرية , صورة بعيدة عن واقعها و ترتبط بمستوى الوعي الاجتماعي العراقي وتعكسه و تجسّده ليس الا , صورة تصفها الامثال العراقية الطريفة بدقة , مثل ( لو طخه لو اكسر مخه / لو بسراجين لو بالظلمه / لو هره لو وره / علج المخبل ترس حلكه  ... الخ) . لقد اشار د. كاظم حبيب في مقدمته  للكتاب , الى ان (.. من يعرف الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية الاخرى يدرك صحة تقديرات المؤلف وصواب استنتاجاته) , وهي ملاحظة دقيقة وصحيحة فعلا .
تحية للدكتور خليل عبد العزيز وذاكرته الفذّة على هذه الجهود العلمية الكبيرة , والتي أضافت الى المكتبة العربية هذا المصدر المبتكر والاصيل, وتحية للمبدع فرات المحسن وللدكتور محمد الكحط على مساهماتهما المهمة في اعداد و اخراج هذا الكتاب  .

86
بوشكين داخل روسيا وخارجها / ملاحظات
أ.د. ضياء نافع
هذا موضوع واسع ومتشعّب جدا , لهذا اضفنا الى عنوان المقالة – ملاحظات , اذ لايمكن لمقالة واحدة  - او حتى عدة مقالات - ان تحيط بكل ابعاده ولا حتى بالنقاط الاساسية حوله,  فبوشكين ( الذي توفي عام 1837 ) لا زال ولحد الان ( ونحن في نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ) الاديب رقم واحد - وبلا منافس- في مسيرة الادب الروسي وتاريخه داخل روسيا , ولم يستطع اي اديب روسي آخر ان (ينافسه! ) (ان صح هذا التعبير الخشن جدا) في موقعه هذا , او ( بتعبير أرق وأدق ) ان يحل محله  في قلوب الشعب الروسي , ولكن بوشكين  لم يشغل هذا الموقع خارج روسيا ابدا لا من قريب ولا من بعيد, بل ان هناك ادباء روس , مثل دستويفسكي وتولستوي , يعتبرونهم ( خارج روسيا ) اكبر من بوشكين واكثر اهمية وشهرة منه , ويشكّل كل ذلك ظاهرة غريبة حقا في النظرة العامة للادب الروسي , ظاهرة تستحق التأّمل العميق من قبل اي باحث في مسيرة هذا الادب العريق.
 لا يمكن طبعا ان نتكلم عن بوشكين خارج روسيا , اذ ان هذا يعني الكلام عنه  في كل  من اوربا وامريكا وآسيا وحتى بعض بلدان افريقيا الحديثة , وذلك أمر يقتضي جهود مجاميع كبيرة من المتخصصين , الذين يجب ان يجتمعوا مع بعض ضمن مؤتمرات او ندوات خاصة لبلورة تلك الافكار والوقائع والتأملات بشأن هذا الموضوع , ولكننا مع ذلك نرى , ان طرح الموضوع هذا بشكل مكثّف ومختصر, وكتابة ملاحظات عامة عنه من هنا وهناك – يكفي للتذكير به وللتأمل في اهميته بالنسبة لمتابعي الادب الروسي وتاريخه في عالمنا العربي .
بوشكين بالنسبة لروسيا, كما قال عنه مرّة الناقد الادبي الروسي غريغوريف, في محاولة لتعريفه - ( بوشكين – انه  كل شئ!) , ولم يتغّير هذا الرأي حتى بعد ظهور ادباء – لاحقا - بمستوى تولستوي ودستويفسكي , بل ان تولستوي ودستوبفسكي نفسهما أكّدا هذه الحقيقة , ( انظر – مثلا – مقالتنا بعنوان – خطاب دستويفسكي عن بوشكين) . وروسيا تمتلك سمات شرقية في بعض صفاتها , ومن بين هذه السمات حبها للتقديس والمبالغة , وانطلاقا من ذلك وارتباطا بذلك ايضا , فانها – ربما -  تبالغ برفع مكانة بوشكين الى الاعالي ( انظر- مثلا - مقالتينا بعنوان – (هل بوشكين أعلى من ستالين ؟) , و الثانية بعنوان – ( الشعر أعلى من السياسة ) . ) , ولكن هذه المبالغة لا يمكن – باي حال من الاحوال - ان تجعل الشعب الروسي ( يتوّج!!) بوشكين على عرش الادب الروسي , كما حدث و يحدث لحد الآن , ولا يزال بوشكين يحمل في روسيا - ومنذ سنوات طويلة جدا - لقبه المتفرّد الجميل – ( شمس الشعر الروسي !).
اما بوشكين خارج روسيا فالامر يختلف طبعا , واذا ما توقفنا – مثلا – في عراقنا , او عالمنا العربي بشكل عام , فاننا نجد , ان الجواهري قد أشار الى اسم تولستوي مرة في احدى قصائده باعتباره رمزا لروسيا , و ذلك في قصيدته الشهيرة – ( ستالينغراد ) , والتي كتبها بعد معركة ستالينغراد , وهي المعركة التي حوّلت – كما هو معروف - مسيرة الحرب العالمية الثانية , و البيت  هو –
يا تولستوي ولم تذهب سدى     ثورة الفكر ولا طارت هباء
  يا ثريا وهب الناس الثراء     قم ترى الناس جميعا اثرياء
(ولا مجال هنا للحديث عن رثاء تولستوي من قبل احمد شوقي وحافظ ابراهيم والزهاوي , وردود الفعل الاخرى بعد وفاة تولستوي في العالم العربي ), ولم يخطر في بال الجواهري طبعا ان يستشهد باسم بوشكين هنا , رغم ان بوشكين هو الاقرب من مفهوم (رمز روسيا), مقارنة مع اسماء الادباء الروس الآخرين , لأن ذلك لم  يكن مطروحا في الوعي الاجتماعي العربي لا آنذاك ولا في الوقت الحاضر ايضا . وكذلك الحال خارج العالم العربي , واذا ما أخذنا فرنسا مثلا , وهي التربة الفكرية الاقرب الى روسيا بين كل الدول الاوربية ,وليس عبثا ان لجأ اليها الادباء الروس بالاساس بعد ثورة اكتوبر1917 , فاننا سنجد ايضا , ان بوشكين لا يشغل الموقع الاول بين الادباء الروس هناك , (رغم انه كتب اول قصيدة له باللغة الفرنسية !) , ومع انه يبقى متميّزا بينهم , ولكن دستويفسكي وتولستوي وحتى تشيخوف يقفون في الساحة الفرنسية الند للند مع بوشكين ( ان صح هذا التعبير!) , بل ويبرزون اكثر منه بعض الاحيان , ولا يرتبط الموضوع فقط بطبيعة نتاجات بوشكين , اذ ان ترجمة الشعر دائما هي الاصعب , لكن هذا الوضع يشمل نثره ايضا. ويمكن تكرار القول بالنسبة لانكلترا ايضا , وعلى الرغم من تباين الظروف السائدة فيها مقارنة مع فرنسا , الا اننا نلاحظ تلك الظاهرة ايضا , ومن الطريف ان نذكر هنا , ان السفير الروسي في لندن قد دعى مرّة المترجم الانكليزي الاول لبوشكين واسمه – (انطوني بريغس) للاحتفال معه بيوم ميلاد بوشكين في السفارة الروسية, وقال له , ان الجميع معجبون بترجماته , وانه ( يجعل القارئ الانكليزي يتعرّف على الثقافة الروسية ) , وقد اعلن المترجم  عندها , انه درس الشعر الفرنسي والاسباني والانكليزي , ويجد ان  بوشكين هو أعلى من الجميع ... ولكن رأي المترجم هذا شئ , والواقع في انكلترا شئ آخر ...
لا يمكن طبعا الاسترسال اكثر والتوقف عند بوشكين في بلدان اخرى كالصين مثلا , او الولايات المتحدة الامريكية وغيرها من البلدان الكبيرة , ولكن خلاصة كل هذه النظرة السريعة والشاملة تؤكد ما ذكرناه آنفا , وهو ان مكانة بوشكين في بلده تختلف تماما عن مكانته خارج روسيا , وعلى الرغم من طبيعيّة هذا التباين بشكل او بآخر بالنسبة لاي اديب داخل بلاده وخارجها , الا ان  هذا التباين الكبير بالنسبة لبوشكين  هو امر يستحق الدراسة المعمقة بلا شك.   

87
جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي
أ.د. ضياء نافع

ولد نوّار في روسيا من اب عراقي وام روسية , وانهى تعليمه في بغداد ( مدرسة الموسيقى والباليه ثم الجامعة المستنصرية ) , وعاد  الى روسيا لاكمال دراسته العليا, وحصل على الدكتوراه في طب العيون , وبدأ بعد ذلك رحلة العمل هنا وهناك, وكان في قمة تألّقه  وشبابه عندما داهمته السكتة القلبية , وهكذا رحل ... ولكنه  بالنسبة لنا تحوّل الى راحل لم يرحل ... وقررنا ( والدته وأنا )  - تخليدا لذكراه -  ان نطلق اسمه على دار نشر تعمل في بغداد وموسكو وتنشر الثقافة والمعرفة بين الناس , كي لا ينقطع عمل نوّار الذي رحل , بل يتحول الى واحدة من تلك النقاط الثلاث ( كما جاء في الحديث الشريف – اذا مات ابن آدم ....الخ ) و كي يرتبط اسمه بالنقطة الثانية بالذات وهي  - ( علم ينتفع به !) ,  وهكذا تم تأسيس ( دار نوّار للنشر ) , وأصدرت دار نوّار للنشر خمسة كتب لحد الان , والعمل يستمر فيها ويتوسّع , وقرر مجلس ادارة دار نوار للنشر تأسيس جائزة تحمل اسمه ايضا (انطلاقا من نفس الهدف ), وهي – (جائزة نوار لتعزيز الحوار العراقي الروسي) , وذلك  لان نوار يجسّد هذا الحوار , فهو ابن العراق وروسيا معا , وكان يتكلم العربية مثل اي عراقي عربي ويتكلم الروسية مثل اي روسي , ولذلك , فان الحوار العراقي الروسي يعني استمرار الحياة لروحيّة نوّار , واستمرار الحياة لظاهرة نوّار , واستمرار الحياة لتجربة نوّار...
جائزة نوار لتعزيز الحوار العراقي الروسي في المجالات كافة من ثقافية واقتصادية وسياسية واجتماعية ... الخ  هي جائزة رمزية قدرها خمسة آلآف (5000) دولار امريكي ليس الا , تمنحها لجنة جائزة نوار لمن تختاره من العراقيين او الروس  سنويا في شهر ايلول / سبتمبر ( الشهر الذي تأسست فيه العلاقات العراقية الروسية ( السوفيتية) من عام 1944) .
العراق يحتاج الى الحوار مع روسيا...                                                     
روسيا تحتاج الى الحوار مع العراق...                                                     
نوّار يجسّد روح هذا الحوار بين العراق وروسيا ...                                         
جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي الروسي – تذكير بنوّار...                                 
جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي الروسي – تذكير باهمية هذا الحوار...                       

88
نحو تأسيس صندوق للترجمة من الروسية الى العربية في موسكو
أ.د. ضياء نافع
سبق وان توجهت الى الرئيس الروسئ السيد فلاديمير بوتين بتاريخ 18 / 4/  2013  برسالة تفصيلية حول مقترح يتكون من ست نقاط بشأن مستقبل العلاقات الثقافية العراقية – الروسية , وكانت فكرة تلك المقترحات تتمحور في تاسيس صندوق في موسكو يمول تنفيذ تلك النقاط , والصندوق هذا يتكون من استقطاع بنس  امريكي واحد فقط لا غير من ثمن كل برميل نفط عراقي تستخرجه الشركات النفطية الروسية العاملة في العراق ويتم تسويقه عالميا . ان استقطاع  هذا البنس الواحد لا غير من كل برميل نفط عراقي لا يشكل عبئا ماليا لتلك الشركات النفطية , ولا لاي جهة من الجانب الروسي اوالعراقي , ويمكن تسجيل هذا البنس رسميا في واردات الصندوق المقترح  في موسكو وتحت اشراف رقابة مالية رسمية يتم الاتفاق بشأنها بين كل الاطراف المعنية , ويتم الاتفاق ايضا على آلية عملها وفق القوانين السائدة في روسيا الاتحادية وجمهورية العراق , الا ان الموضوع يتطلب بالطبع تنظيم الموافقات الرسمية الاصولية واللازمة في كلا الجانبين الروسي والعراقي  لغرض المتابعة والتنسيق والاشراف على تنفيذ هذه العملية الكبيرة والدقيقة بلا شك , والاهم طبعا هو الموافقة المبدئية على المقترح والبدء باتخاذ الاجراءآت اللازمة لتنفيذه .  لقد استلمت في حينها اجابة من  مكتب رئاسة روسيا الاتحادية على هذه الرسالة بتاريخ 28/4/2013 وبرقم 262041987171, وكان الجواب ايجابيا بشكل عام تجاه تلك المقترحات , وقد أحالت الرئاسة آنذاك رسالتي الى وزارة الخارجية الروسية لدراستها والاجابة عليها , واستلمت فعلا – بعد فترة – اجابة من الخارجية الروسية بتاريخ 1/7/ 2013 وبرقم9625   , واقترحت الخارجية الروسية  عندها  مفاتحة صندوق  العالم الروسي  بشأن تنفيذ تلك المقترحات, (و صندوق العالم الروسي هو مؤسسة روسية رسمية عالمية مسؤولة عن نشر اللغة الروسية في العالم ), خصوصا وان واحدة من  تلك المقترحات كانت تتضمن تاسيس معهد شبه مجاني في بغداد لتعليم اللغة الروسية ( وبالتعاون والتنسيق مع قسم اللغة الروسية في كلية اللغات بجامعة بغداد ) لكل العراقيين الراغبين بتعلم اللغة الروسية , وذلك لأن اللغة الروسية تعد واحدة من أهم عوامل التفاهم والتواصل المشترك بين الطرفين العراقي والروسي  , الا ان الاوضاع الامنية التي كانت سائدة في بغداد آنذاك لم تكن تسمح – مع الاسف - بانجاز ذلك المقترح , وهكذا تم تأجيل هذا المشروع بمجمله.
لقد مضت أكثر من خمس سنوات على مقترحاتنا تلك , ونحن نعتقد , ان هذه المقترحات لازالت تمتلك حيويتها واهميتها , ولهذا , فاننا نود ان نقترح هنا العودة اليها , وتنفيذها على مراحل , ولتكن النقطة الاولى منها فقط الان ( دار نشر بموسكو للترجمة من اللغة الروسية الى اللغة العربية ) , والتي ترتبط بتأسيس  نواة مركز في (معهد الترجمة في موسكو) يتبنى بلورة الآراء بشأن دراسة كل الجوانب المتعلقة بتنظيم هذا المقترح وتنفيذه في موسكو بالتعاون مع الجهات الرسمية الروسية والعراقية واتخاذ الخطوات الاولى , وذلك لوضع الاسس الرئيسية له , كي يكون من الممكن التخطيط لتنفيذ خطة طموحة وعلمية للترجمة من الروسية الى العربية تشمل كل الجوانب الابداعية للفكر الروسي من تاريخ وفلسفة وآداب وعلوم بحتة ووضع المعاجم والقواميس العلمية المتنوعة وبقية المصادر الضرورية الاخرى  لتأسيس مكتبة متكاملة للفكر الروسي باللغة العربية واستخدام آخر الانجازات العلمية والتكنولوجية  لتنفيذها , ومن نافل القول ان نشير هنا الى ضرورة اشراك اوسع الاوساط من المتخصصين و المثقفين العراقيين والعرب والروس في نشاط هذا الصرح الثقافي الكبير , مستفيدين من التجارب التي مرّت في الاتحاد السوفيتي والبلدان العربية الاخرى في هذا الشأن , خصوصا وان الظروف الحالية خلقت اجواء مساعدة لذلك , اذ توجد في موسكو وبعض المدن الروسية  الاخرى مجموعة من العرب الذين يتقنون اللغة الروسية بشكل ممتاز , ويستطيعوا المساهمة الفعالة بتنفيذ هذا المشروع , وكذلك توجد في العالم العربي كوادر علمية مرموقة سوف تتفاعل مع مشروع  يهدف الى تعميق التفاهم المشترك بين روسيا والعالم العربي .

89
أدب / الافعى
« في: 18:39 18/06/2018  »
الافعى
=========

قصيدة شعبية من جزر الكاريبي
==================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
الى الاستاذ نعمة عبد الله , الذي يقرأ ما بين السطور.
المترجم.
=============================


...............
................
عند الافعى
عيون من زجاج ,
 من زجاج,
تلتف الافعى
حول الجذع,
عيونها من زجاج,
الان  الافعى
عند الجذع,
تتحرك الافعى
بلا أقدام ,
تختفي الافعى
 في العشب ,
تسير متخفّية في العشب ,
تسير بلا أقدام .
...........
............
تضرب انت الافعى
بالطبر,
اضربها أسرع ,
 لكن لا تضربها بالاقدام
فالافعى تلسع,
لا تضربها بالاقدام
فالافعى تهرب,
مع لسانها,
و مع اسنانها ..
.............
...........
الافعى ميّتة
 الآن
بلا فحيح ,
الافعى الميتة
لا تقدر ان تبلع,
لا تفدر ان تمشي,
لا تقدر ان تهرب ,
الافعى الميتة
 لا تقدر ان ترى,
الافعى الميتة
لا تقدر ان تشرب ,
لا تقدر ان تتنفس,
لا تقدر ان تلسع.
...........
.............
الافعى
رقدت...
الافعى
ماتت...   

90
حول انطباعات تولستوي في باريس
أ.د. ضياء نافع
زار تولستوي باريس اول مرة عام  1857 وبقي فيها حوالي  الشهرين تقريبا , وتوجد لوحة معدنية (بالفرنسية طبعا ) معلقة في شارع  ريفولي بباريس , ليس بعيدا  عن متحف اللوفر الشهير, و تشير هذه اللوحة الى ان تولستوي عاش هناك في احدى الشقق , وقد تم وضعها من قبل المسؤولين في العاصمة الفرنسية (ولا زالت معلقة هناك لحد الآن) , كما تفعل كل الدول الحضارية , التي (تزرع !) الثقافة في شوارعها لكل الناس, وتعتزّ بزيارات اعلام الثقافة العالمية لها و تؤرخها و تتفاخر بها , وتولستوي بالطبع في مقدمتهم .
انطلق تولستوي من مدينة بطرسبورغ مع الشاعر نكراسوف والكاتب تورغينيف , واستغرقت سفرتهم من روسيا الى فرنسا (11) يوما باكملها , خمسة أيام منها كانت في العربات التي تجرّها الخيول , حيث وصلوا الى وارشو عاصمة بولندا , ومن وارشو ركبوا القطار الى باريس عبر المانيا , وقد كتب تولستوي في يومياته قائلا – ( ان السفر بالقطار – متعة ), وهو محق طبعا بعد السفر في العربات  .  وفي اليوم الاول من وصولهم الى باريس ذهبوا الى دار الاوبرا , حيث كانت هناك حفلة تنكرية , رغم تعب الطريق . وفي باريس – كما يكتب تولستوي في يومياته – زار متحف اللوفر مرات عديدة ( كان سكنه قريبا من المتحف  كما ذكرنا اعلاه ) , وادهشته هناك لوحات رمبرانت بالذات , وكتب عنها يقول , ان ( الوجوه في لوحاته حيوية وقوية , والتباين رائع بين الضوء والظل..) , واهتم تولستوي بالحي اللاتيني , حيث جامعة السوربون العتيدة, والتي   استمع  فيها الى عدة محاضرات في الفلسفة وتاريخ المسرح الشعري , اما بالنسبة ل ( كوليج دي فرانس ) القريبة منها , والتي لم تكن تمنح شهادات اكاديمية متخصصة , وانما تقوم بتنظيم محاضرات عامة ومجانية للجميع في كل انواع المعرفة , فقد استمع تولستوي  فيها – كما أشار في يومياته – الى محاضرات في الادب الروماني والادب الفرنسي والاقتصاد السياسي والقانون الدولي واللغة اللاتينية والفلسفة .
اما بالنسبة للفنون , فقد كتب تولستوي في احدى رسائله من باريس يقول , انه ( مسرور و سعيد بحياته في باريس ... وانه يتمتع بالفنون ..) , وخصوصا في مسارح المدينة , حيث زار الكثير من تلك المسارح , وكان يسجّل انطباعات  سريعة عن هذه الزيارات , فقد كتب – مثلا – عن مسرحية ( البخيل ) لمولير – ( ممتاز ) , وعن ( زواج  فيغارو ) لبومارشيه  -  (جيد ) , وعن (مسألة المال ) لدوماس الابن – ( سئ جدا ) ...أما بالنسبة للموسيقى, فقد حضر حفلات موسيقية كثيرة بمفرده او مع تورغينيف , وكتب عن احدى هذه الحفلات في الكونسرفتوار , حيث عزفوا احدى سمفونيات بتهوفن , كتب قائلا – ( يعزف الفرنسيون موسيقى بتهوفن مثل آلهة .. اني اتمتع وانا اصغي الى هذه الموسيقى , التي يعزفها من افضل الفنانين في العالم ..) , ونجد في رسالة اخرى كتبها حول تلك الحفلات الموسيقية يقول – ( لم استمع ابدا الى مثل هذا العزف الموسيقي المتكامل , كما في كونسرفتوار باريس ..) .
زار تولستوي في باريس طبعا معالم تلك المدينة الشهيرة والمعروفة , ومن الطريف ان نذكر هنا , انه لم يعجب بكنيسة نوتردام في باريس , واعتبر ان الكاتدرائية التي شاهدها مع تورغينيف في مدينة ديجون أجمل منها , وهي كاتدرائية تعود الى القرن الثالث عشر والرابع عشر , وزار بعض المعالم المرتبطة بنابليون , هذه الشخصية التي كتب عنها لاحقا في روايته الخالدة ( الحرب والسلم ) , وحضر مرة حتى عملية اعدام بالمقصلة لاحد المجرمين الفرنسيين في الساحة قرب أحد السجون , وقد اشمئز من عملية الاعدام هذه , وانعكست تلك الانطباعات الرهيبة من جرّاء ذلك حتى على نظرته  في المستقبل نحو الحضارة الاوربية بشكل عام .
قضى تولستوي حوالي الشهرين في باريس آنذاك كما ذكرنا آنفا, وهي زيارته الاولى لها , اذ انه زارها مرة اخرى , وكتب بعد الزيارة الاولى هذه الى احد اصدقائه يقول – ( لقد رأيت هناك كثيرا من الاشياء الجديدة والممتعة , بحيث كنت ارقد كل مساء واقول لنفسي – كم هو مؤسف ان ينقضي اليوم  بسرعة هكذا ...وبشكل عام , لم يكن لديّ الوقت الكافي للقيام بما كنت اريد القيام به ..)
ختاما لمقالتنا هذه , نود ان نشير , الى ان تولستوي كتب بعد زيارته الاولى لباريس يقول – ( ...ان روعة الحياة الاساسية في باريس تكمن في الحريّة الاجتماعية , هذه الحريّة التي لم يكن عندي حتى ولا مفهومها في روسيا ..) . لقد كتب تولستوي هذه التأملات الفلسفية العميقة عندما كان عمره( 29) سنة ليس الا , ومن الواضح تماما , ان هذا النبيل الروسي كان يتقن اللغة الفرنسية ويعرف كيف يتخاطب بها مع الفرنسيين انفسهم و كيف يتفهم أعماق فنونهم وآدابهم وطبيعة مجتمعهم.
انطباعات تولستوي حول زيارته الاولى لباريس تستحق التأمل , وتستحق المقارنة ايضا مع انطباعات ( البعض!) من ( جماعتنا!!!). 

91
المنبر الحر / جلجامش بالروسيّة
« في: 20:56 14/06/2018  »
جلجامش بالروسيّة
أ.د. ضياء نافع
قدّم المرحوم العلّامة طه باقر لنا – نحن العراقيين –  ترجمة  (كلكامش) قبل عشرات السنين , وارتبط اسم طه باقر منذ   لملحمة ذلك الحين  ولحد الان في وعينا باسم بطل تلك الملحمة , والذي كتبه طه باقر هكذا – (كلكامش) بالكاف . تذكرت ذلك وانا اود ان اتحدث عن الكتب الروسية حول هذه الملحمة الفريدة والرائعة في تاريخنا الرافديني  وتاريخ البشرية ايضا , واحترت كيف اكتب اسم الملحمة وبطلها , هل اكتبه (بالكاف) كما جاء عند استاذنا طه باقر , ام اكتبه ( بالقاف ) كما جاء عند استاذ عراقي كبير آخر هو المرحوم عبد الحق فاضل, ام اكتبه  (بالجيم) كما استقرت كتابته في معظم المصادر العربية ؟ وقررت اخيرا  كتابته بالجيم (على وفق اللفظ المصري لحرف الجيم هذا ) لانه الاقرب الى كل المصادر العربية والاوربية ايضا, واعتذر لاستاذي عالم الآثار العراقي الكبير طه باقر , والذي يبقى رائدا لنا جميعا في مضمون عمله التاريخي العلمي الكبير ذاك , واعتذر لاستاذنا عبد الحق فاضل , الرائد الكبير الآخر في دنيا الترجمة و الفارس في عالم اللغة العربية وآدابها .
ونعود الى جلجامش وملحمته بالروسية . قام الشاعر الروسي غوميليوف بترجمة نص هذه الملحمة عام 1919 عن الفرنسية ( انظر مقالتنا بعنوان – غوميليوف الشاعر الروسي المخضرم ) , وغوميليوف هو شاعر ومنظّر روسي كبير أعدمته السلطة السوفيتية عام 1921 , وبقيت محاولته الترجمية تلك شاهدا على عبقريته شاعرا ومترجما في تاريخ الادب الروسي , الا ان النقد الادبي الروسي لاحقا لم يتناول طبعا اعمال هذا الشاعر والمترجم بالبحث والدراسة بعد اعدامه , بل وانعكس هذا الموقف سلبا حتى على زوجته الشاعرة آنّا أخماتوفا وابنه الباحث و المؤرخ  ليف غوميليوف ( ولا مجال هنا للحديث عنهما ), وهكذا بقيت ملحمة جلجامش منسية بترجمته , على الرغم من انها كانت محاولة رائدة في تاريخ روسيا ومسيرتها الفكرية , وبقيت كذلك منسية لحد الان , رغم عودة النقد الادبي الروسي للكتابة عن غوميليوف في روسيا الحديثة , وربما يعود السبب في كون ترجمته ليست كاملة  اولا , وثانيا لوجود بعض الاخطاء هنا وهناك و حتى اضافات كتبها غوميليوف نفسه ( واشار هو نفسه اليها كي يجعل النص قريبا من القارئ ومفهوما له ) , و من المؤكد ايضا ان السبب يعود ايضا لظهور ترجمة اخرى بالروسية عام 1961 عن الاكدية مباشرة, والتي قام بها دياكونوف  وصدرت في كتاب رائع الاخراج مع دراسة لتلك الملحمة وهوامش غنية جدا حولها . ان صدور هذه الترجمة في عام   1961 يعني ايضا , ان الكلام عن غوميليوف كان لا يزال ( غير مرغوبا به!) رغم بعض الكتابات هنا وهناك حوله , وهكذا اكتسحت ترجمة دياكونوف عن الاكدية  ( ان صح التعبير ) ترجمة غوميليوف عن الفرنسية, والتي اصبحت الان تمتلك اهمية تاريخية ليس الا باعتبارها اول نص بالروسية للملحمة رغم كونها غير متكاملة كما اشرنا آنفا .   هناك اسم آخر في تاريخ ترجمة جلجامش بالروسية وهو شليبكو , الذي انهى ترجمتة للملحمة عام 1920 , وكان من المفروض ان تنشر , ولكن ظروف عشرينات السلطة السوفيتية حالت دون ذلك , ولم تظهر هذه الترجمة الا عام 1987 , ولم تكن كاملة , وظهرت كاملة عام 1994 ليس الا , وفي كل الاحوال بقيت ترجمة دياكونوف في صدارة كل الترجمات ( اعيد طبعها عام 1973 ) لدرجة , ان معهد الثقافات الشرقية القديمة في جامعة الدراسات الانسانية الحكومية قد أصدر عام 2012 كتابا بعنوان – (محاولة ترميم ترجمة دياكونوف) , وذلك من قبل مجموعة متخصصين في قسم تاريخ وآداب الشرق الاوسط القديم في الجامعة المذكورة , وهي محاولة فريدة في تاريخ نشر الكتب او اعادة طبعها في روسيا , وتدلّ بلا شك على اهمية هذه الترجمة في الاوساط الثقافية الروسية منذ صدورها في الاتحاد السوفيتي آنذاك , ولحد الان في روسيا الاتحادية اليوم .
اما الجديد في هذا المجال , فهو كتاب صدر عام 2015 من تأليف يميليانوف ( وهو عالم متخصص في علم السومريات ) , وجاء ضمن سلسلة مشهورة جدا من الكتب عنوانها – ( حياة العظماء ) ( الترجمة الحرفية لهذه السلسلة هي – حياة الناس الرائعين, وهي سلسلة كتب بطباعة فخمة وتحتوي على العديد من الصور الملونة , والتي تصدر منذ زمن الاتحاد السوفيتي واستمرت دون انقطاع لحد الان ) . يقع كتاب يميليانوف في( 358) صفحة من القطع المتوسط , وقد تم طبع (3000 ) نسخة منه , وجاء  باخراج مدهش الجمال ابتداء من غلافه الرائع الذي يحمل ثلاث صور لجلجامش وزقورة اور الخالدة.
لا يمكن بتاتا ايجاز محتوى هذا الكتاب المهم , الا اننا نحاول هنا في ختام عرضنا السريع ان نقدم للقارئ بعض الكلمات التي جاءت في تقديم هذا الكتاب , وهى كما يأتي –
اذا ما وضعنا كل الكتب التي اصدرتها هذه السلسلة , فان كتاب جلجامش يجب ان يحمل الرقم الاول , اذ ان بطل هذا الكتاب هو الاول في مسيرة الانسانية , فهو اول قائد سياسي , واول بطل محارب في المعارك , واول البناة , واول انسان اراد ان يتغلب على مصيره وعلى الموت , واول بطل ثقافي أبقى قصته وسيرته الذاتية للاجيال القادمة ... وما أروع هذه الخلاصة , وما اعمقها !

92
أدب / الحنين
« في: 21:08 12/06/2018  »
الحنين
=====

قصيدة للشاعر يوي غوان – تشزون / الصين
=========================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=========================

في الطفولة,
كان الحنين – طابع بريدي صغير.
أنا هنا,
وماما هناك.
+++
في سنوات النضوج,
كان الحنين –  حدود بطاقة في السفينة.
انا هنا ,
 وعروستي هناك.
+++
مضى الزمان ,
واصبح الحنين – مرتفع قبر واطئ.
أنا هنا ,
واميّ ترقد فيه هناك.
+++
أما الآن,
فالحنين هو – مضيق بحري ..
أنا هنا ,
والوطن هناك .

ولد يوي غوان – تشزون عام 1928 , وتخرّج في كلية الادب الاجنبي بجامعة تايوان ,
 وسافر الى امريكا عام 1958  .  يعد واحدا من شعراء تايوان المشهورين , وأصدر عدة مجاميع شعرية , اضافة الى انه باحث علمي معروف في الصين واوربا وامريكا , ومترجم كبير أصدر الكثير من الروايات المترجمة والمسرحيات والقصائد , اذ كان يتقن اللغات الانكليزية والفرنسية والاسبانية والالمانية .
 توفي في نهاية عام 2017 عن عمر ناهز التسعين تقريبا.

93
تماثيل تشيخوف في روسيا
أ.د. ضياء نافع
توفي تشيخوف عام 1904 , واول تمثال له – وياللغرابة !- تم تدشينه في المانيا عام 1908 , وفي المدينة التي توفي فيها , أما في وطنه روسيا , فقد نسوه , بسبب الاحداث الجسام التي مرّت بها روسيا منذ ثورة 1905 ثم الحرب العالمية الاولى 1914 ثم ثورة اكتوبر1917 ثم الحرب الاهلية التي اعقبتها ثم المرحلة السوفيتية الصعبة في العشرينات , وتذكرته  روسيا في الثلاثينات , عندما استقر الوضع فيها نسبيا , وهكذا ظهر اول تمثال لتشيخوف في المدينة التي  ولد فيها وهي (تاغنروغ ) في جنوب روسيا عام 1935 , وهو تمثال نصفي تم وضعه امام البيت الذي عاش فيه تشيخوف, وقد حضر في حفل افتتاحه اقاربه  , وقصّت شريط  افتتاح التمثال اخته مارينا , واندهشت ( مع زوجته الفنانة المسرحية اولغا كنيبر- تشيخوفا ) من دقة تشابه وتطابق التمثال مع ملامح تشيخوف نفسه . وقد تم استنساخ هذا التمثال بعدئذ في معمل البرونز في مدينة تاغنروغ نفسها,  ووضعوا النسخة المستنسخة في ساحة المدينة الرئيسة ( الساحة الحمراء)عام 1944 , الا انهم أزالوه بعدئذ ووضعوا بدلا عنه تمثالا ضخما لتشيخوف عام 1960 بمناسبة مرور مئة عام على ميلاده , وهو التمثال المركزي ( ان صحت التسمية) لتشيخوف في روسيا و لحد الان , وليس من باب الصدفة ابدا , ان سافر الرئيس الروسي آنذاك دميتري مدفيديف خصيصا من العاصمة موسكو الى مدينة تاغنروغ كي يضع باقة ورد عند هذا التمثال , وذلك عندما احتفلت روسيا بذكرى مرور ( 150) سنة على ميلاد تشيخوف عام 2010 , وهو  حدث لم يتكرر في تاريخ الادب الروسي ابدا, ولا نرى ان هناك ضرورة للتعليق حول عملية التكريم هذه واهميتها من جانب الدولة الروسية لرجالات الادب والفكر فيها.
التمثال المركزي هذا يقع في مركز مدينة تاغنروغ , ويصوّر تشيخوف جالسا على كرسي وبيده اليمنى كتابا, ويبلغ ارتفاع التمثال اكثر من ثلاثة امتار وارتفاع قاعدته ايضا اكثر من ثلاثة امتار, وتحيطه حديقة غنّاء , وقصة هذا التمثال بدأت عام 1904 , اي في سنة وفاة تشيخوف , عندما توجهت مجموعة من وجهاء المدينة بنداء الى مجلس الدوما آنذاك , يطلبون فيه الموافقة على وضع نصب لابن مدينتهم تشيخوف ( والتي أصبحت مدينة مشهورة بسببه), ويعلنون عن تشكيل لجان لجمع التبرعات اللازمة لتنفيذ هذا المشروع , وقد وافقت السلطات المحلية على هذا الطلب في حينها, وتم جمع تبرعات من اجل تنفيذه , وتم نشر اسماء المتبرعين في الصحف المحلية فعلا , الا ان الاحداث العاصفة في روسيا (كما أشرنا آنفا) حالت دون ذلك , وهكذا تم افتتاح التمثال النصفي امام بيت تشيخوف عام 1935 , وعلى الرغم من ذلك , تم وضع حجر الاساس في مركز المدينة لذلك التمثال من قبل اخت تشيخوف , الا ان الحرب العالمية الثانية حالت دون تنفيذه , وهكذا وضعوا نسخة من التمثال النصفي كما مرّ ذكره, وعادوا الى تنفيذ الفكرة عام 1960 في الذكرى المئوية لميلاد تشيخوف .
بدأت تماثيل تشيخوف تتكاثر في المدن الروسية المختلفة , وخصوصا في تلك المدن التي ارتبط بها بشكل او بآخر , واهمها طبعا سخالين , التي زارها كما هو معروف وكتب عنها كتابه الشهير – جزيرة سخالين , اذ تم اولا افتتاح تمثال نصفي له عام 1959 في الكساندرفسكي – سخالينسكي, ثم تمثال نصفي آخر في عام 1975 في جزيرة سخالين نفسها , ثم في مناطق اخرى هناك في أعوام 1990 و1994 و1995 و2000 , ثم ظهرت تماثيل اخرى في مدن روسية عديدة منها – تومسك ورستوف وسامارا وميليخوفو ... , ومن الطريف ان نتوقف هنا قليلا عند تمثاله في مدينة تومسك , اذ انه تمثال كاريكاتيري غير اعتيادي بالمرّة , وعنوانه – ( انطون تشيخوف بعيون رجل سكران يرقد في ساقية ولم يقرأ قصة كاشتانكا ) , ويرى بعض الباحثين ان هذا التمثال الكاريكاتيري جاء مضادا لتشيخوف لانه وصف المدينة في احد ى رسائله وصفا سيئا , ولكن اكثرية الباحثين يرون العكس , ويعتقدون ان مدينة تومسك قدّمت لتشيخوف تمثالا فريدا جدا , اذ لا يوجد في روسيا اي تمثال لاي كاتب بهذا الشكل, وقصة كاشتانكا الشهيرة لتشيخوف  ( والتي جاءت في عنوان هذا التمثال ) تتحدث عن كلبة بهذا الاسم ضاعت من صاحبها ويصف تشيخوف معاناتها وحتى مزاجها , ثم وجدها صاحبها بعدئذ, و يكتب تشيخوف كيف عرفته وعادت اليه , وهي قصة معروفة جدا في اوساط القراء في روسيا وخارجها , وقد كتب ايليا ايرنبورغ مرة  عن هذه القصة يقول , ان والدته قد هزّته وهي تخبره عن وفاة تشيخوف وتقول له – ( لم يعد موجودا ذلك الانسان الذي كتب قصة كاشتانكا ).
ولابد من التوقف اخيرا عند تمثال تشيخوف في موسكو طبعا , هذا التمثال الذي تم تدشينه عام 1998 عندما احتفلت روسيا بالذكرى المئوية الاولى لتأسيس مسرح موسكو الفني , الذي يرتبط بستانسلافسكي ونميروفتش دانتشينكو , المسرح الذي قدّم من جديد مسرحية تشيخوف الشهيرة – ( النورس ) وأعاد لها المجد ( ولا زالت الستارة في هذا المسرح لحد الان تحمل صورة النورس) , وهي قصة معروفة في تاريخ المسرح الروسي والعالمي . تمثال تشيخوف هذا يقف امام بناية المسرح القديمة , وهو من البرونز وقاعدته من الغرانيت الاحمر , ويمثّل تشيخوف واقفا برشاقته وتواضعه وهو في حالة تأمل ...     

94
أدب / القصيدة
« في: 20:04 09/06/2018  »
القصيدة
=======

قصيدة للشاعر الكوري كو اّين
=====================
ترجمها عن الروسية – ا.د. ضياء نافع
=====================


في يوم من الايام
قررت
أن أعتبر القصيدة -
ضيف البيت.
في يوم آخر
 من الايام
فكّرت
ان أعتبرها -
ربّة البيت .
+++
يقولون
ان كل مدخنة
تحلم
ان تنفث دخانها.
+++
واليوم
أعترف,
بأني
لا اعرف -
من هي,
وما هي
 هذي
القصيدة .
=====================================================================================================================================================================================================================================
ولد  كو  اّين عام 1933 في كوريا, وهو شاعر وناثر وكاتب مسرحي , وقد ترجمت العديد من نتاجاته الى لغات اجنبية منها الانكليزية والفرنسية والالمانية والروسية . حائز على عدة جوائز ادبية , منها – جائزة الطوق الذهبي في كوريا.

95
خمس ساعات في موسكو مع د.خليل عبد العزيز (2)
أ.د. ضياء نافع
أشرنا في نهاية الحلقة الاولى من هذه المقالة الى بعض المسائل المهمة , التي جاءت في تلك (الدردشة السريعة!) مع خليل عبد العزيز, منها ما قاله طارق عزيز لخليل   بشكل مباشر وصريح , في انه ( عميل سوفيتي) , فكرر خليل في جوابه انه موظف في معهد الاستشراق السوفيتي التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية, وانه وصل الى العراق بدعوة رسمية من الرئيس العراقي البكر , وطرح على طارق عزيز السؤال الآتي – هل ان هذا يعني , ان الرئيس البكر قدم دعوة رسمية و استقبل ( عميلا) ؟ , ثم أضاف قائلا  له – انه سيخبر الرئيس البكر غدا في اللقاء معه بما قاله له الان. سألته انا – وماذا قال لك طارق عزيز بعد ذلك ؟ أجاب خليل – صمت عزيز , ثم انتقل الى الحديث عن مهرجان الفارابي . وقد قال خليل للبكر ذلك فعلا , فاخبره الرئيس ( في محاولة للتخفيف من وقع كلام طارق عزيز على ما يبدو )  ان صدام كان يسمي طارق عزيز في البداية – ( ابو ريشة) , وتعني هذه التسمية انه من جماعة جيش الليفي التابع للانكليز, والذي اسسه الانكليز بعد احتلالهم العراق ( و كان افراده يضعون على قبعتهم ريشة) . ثم اردف البكر – ان علاقتهما ( اي بين صدام وطارق ) كانت متوترة , ولكنها تغيرت فيما بعد , ولا يدري البكر سبب ذلك  التغيّر, ولكن البكر مع ذلك( تهرب!!) من الاجابة المباشرة حول ما قاله طارق عزيز لخليل . وتذكرت ما حكى مرّة لي أحد ابناء كبار البعثيين حول طارق عزيز , اذ انه ذكر لي ان ضيوفهم كانوا يلوذون بالصمت عندما يحضر عزيز الى مجلسهم , لانهم كانوا لا يثقون به , ويظنون انه سينقل كلامهم الى (جهات اجنبية !). وقد روى لي خليل قصة لا يعرف هو نفسه مدى صحتها تقول , ان الامريكان استدعوا طارق عزيز عندما اعتقلوا صدام كي يتأكدوا من شخصيته , فلما شاهده صدام صرخ في وجهه – اخرج من هنا ايها العميل . ان هذا الموضوع شائك جدا , وسيجيب التاريخ عن كل هذه التساؤلات في المستقبل بلا شك, ولكن لنتذكر كيف تصرّف وطبان ( الاخ غير الشقيق لصدام ووزير الداخلية  لفترة طويلة ) مع طارق عزيز بشكل وقح وغير مؤدب تماما في المحاكمات العلنية , والتي شاهدناها على شاشات التلفزيون, هذه التصرفات التي تعكس حتما الرأي الذي كان سائدا في عائلة صدام حول طارق عزيز , ولنتذكر ايضا ما قاله عزيز نفسه في اللقاء مع علي الدباغ حول هؤلاء الذين كانوا يحيطون بصدام , بما فيهم وطبان طبعا, حيث أسماهم (بما معناه) بالاميين.
النقطة الاخرى , التي جاءت في نهاية مقالتي تلك , والتي أثارت ردود فعل حيوية لدى القراء , هي ما ذكره د.خليل بشأن رواية د. سعد العبيدي حول رسالة بريجنيف الى مرتضى سعيد الحديثي في مدريد عندما استدعاه صدام . لقد قال خليل ان ذلك يتعارض ويتناقض مع المنطق العام كليا , ومع المفهوم السوفيتي للامور ايضا , اذ كيف يمكن لبريجنيف ( وهو في منصبه ذاك !) ان يرسل برقية الى السفير الحديثي في مدريد بهذا المضمون ؟؟؟ الا ان د. خليل قال , ان غفوروف ( رئيس معهد الاستشراق ) كان مندهشا من موقف السفير العراقي مرتضى الحديثي مقارنة بموقف السفير السابق صالح مهدي عماش , اذ كان عماش يهاجم صدام علانية عند زياراته للمعهد, اما الحديثي فقد كان يدافع عنه , حتى عندما قال له غفوروف مرة , انه كان وزيرا للخارجية , وان تعينه سفيرا في موسكو يعني ما يعنيه . وتحدّث د. خليل عن تطور علاقته بالحديثي لدرجة انه دعاه مرة الى السفارة حيث كان يقيم في الطابق الثاني لتناول العشاء , ومدح تصرفاته واخلاقه , وقال انه كان السفير العراقي الوحيد الذي كان يعرف الاصول الدبلوماسية ودقائقها ويعرف ايضا كيف يتناقش مع الآخرين رغم الخلافات بينهم . واستمر الحديثي في كل زياراته للمعهد على موقفه الثابت من حكومته ( انظر مقالتنا عنه في سلسلة – عراقيون مروّا بموسكو – رقم 18 ) , وقد استفسر غفوروف من عامر عبد الله مرة عنه , فقال عامر ان صدام يكرهه , وان مرتضى ايضا لا يوده , ولكن مرتضى لا يريد ان يعلن ذلك امامهم , وقال عامر عبد الله ان صدام  سسيصّفيه ويتخلص منه في المستقبل , اذ انه من جماعة عبد الخالق السامرائي , وقد تذّكر غفوروف كلام عامر عبد الله عندما تم ذلك فعلا . وتحدّث د. خليل عن رأي سوفيتي كان يدور في اوساط المعهد بشأن مرتضى , وهو , انه في حالة استقالته من منصبه , فانهم سوف يبقوه في الاتحاد السوفيتي ضيفا معززا مكرما, ومن المحتمل جدا , ان مرتضى عرف – بشكل او بآخر – بهذا الرأي , وان ذلك هو اساس تلك الحكاية التي جاءت في رواية العبيدي , وكذلك اساس ذلك الرأي الموجود في اوساط عائلته لحد الان .
النقطة الثالثة هنا ستكون حول لقاء د. خليل مع زيوغانوف – رئيس الحزب الشيوعي الروسي , والتي تمت بناء على رجاء من أحد قادة الحزب الشيوعي العراقي , اذ لاحظ العراقيون ان الحزب الشيوعي الروسي يتجاهلهم ولا يدعوهم الى مؤتمراته واجتماعاته ولا يذكرهم حتى في بياناته . لقد نفّذ د. خليل طلب ذلك القيادي العراقي , واستطاع ان يصل الى زيوغانوف , وعندما كان بانتظار خروجه من اجتماع في مجلس الدوما , شاهده زيوغانوف وتذكره , اذ انه كان يراجع مكتب العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي السوفيتي , عندما كان زيوغانوف يعمل آنذاك في هذا المكتب , فقال له من بعيد جملته تلك , وهي – ( لقد كنت شيوعيا يا يوسف في موسكو , فلماذا اصبحت عميلا للامريكان الان ؟ ) . تعجب خليل من هذا( الاستقبال!) , وطلب التحدّث معه , وقد تبين اثناء التباحث على مائدة الطعام , ان زيوغانوف يرى , ان مشاركة الحزب الشيوعي العراقي في مجلس الحكم يعني تعاون الحزب مع المحتل الامريكي , وقد حاول د. خليل ان يقنعهم بضرورة الاستماع الى وجهة نظر الحزب الشيوعي العراقي حول ذلك , وان ذلك يقتضي الاجتماع بين الطرفين قبل كل شئ , وانه ( اي خليل ) يقوم بمهمة ايصال هذا الامر اليهم ليس الا , وقد جرى ذلك فيما بعد . وأضاف د. خليل , ان هذا الموضوع طويل وعريض وشائك ومعقد , اذ انه يرتبط بمفاهيم مرتبكة وغير واضحة في الماضي والحاضر لدى الطرفين العراقي والروس معا.

96
خمس ساعات في موسكو مع د. خليل عبد العزيز
أ.د. ضياء نافع
سنحت لي فرصة اللقاء مع  د. خليل عبد العزيز في موسكو اثناء مشاركته بالذكرى الخمسين لتخرّج دفعته من كلية الصحافة بجامعة موسكو , اذ نظمت كلية الصحافة احتفالية طريفة تكريما لخريجي هذه السنة الدراسية 2018 ولخريجي سنة 1968  , وكان د. خليل من ضمنهم آنذاك , والذي وصل خصيصا من السويد للمشاركة في هذه الاحتفالية الجميلة, ورغم ضيق وقته جدا ومحدوديته, الا اننا استطعنا ان نلتقي كي ندردش ( ولو قليلا) , ولكن هذه الدردشة (القليلة!) امتدت خمس ساعات بالتمام والكمال , وتشعبت الى العديد من المواضيع , ولهذا فاننا كنّا ننتقل من موضوع الى آخر ( بسرعة البرق!) كي نكسب الوقت . كان الهدف الاول من هذا اللقاء السريع هو (استلام وتسليم !) كتبنا الى بعضنا البعض , فهو اراد ان يهديني كتابه ( محطات من حياتي ) وأنا اردت ان اهديه اصدارات دار نوّار للنشر ( المعجم الروسي – العربي للامثال الروسية , وأمثال شرقية مترجمة عن الروسية , ودليل بلدان العالم بخمس لغات , ودفاتر الادب الروسي 1 , ودفاتر الادب الروسي 2) , وعن هذه الكتب بدأ (حديثنا السريع هذا!) , اذ قال لي د. خليل ان أحد قراء كتابه أخبره بضرورة ان تكون مقالتي حول د. خليل ( عراقيون مرّوا بموسكو) في بداية كتابه وليس في نهايته كما جاء في الكتاب, لأنها تشرح للقارئ من هو مؤلف كتاب (محطات في حياتي) , ولكني ضحكت وقلت له ان القارئ يجب ان يطّلع اولا على مضمون الكتاب ثم يتعرّف بعدئذ على كاتبه . اضاف د. خليل , ان احد القراء كان معجبا بتسميتي له في مقالتي تلك ب ( ابو يعكوب ) أذ كان اسمه عندما كنّا ندرس في جامعة موسكو بالستينات - ( يوسف الياس) وليس ( خليل عبد العزيز ), فحكى لي كيف ان السفير العراقي بموسكو آنذاك شاذل طاقة دعاهم مرة الى السفارة وأخبرهم ان الدولة العراقية سمحت بتزويدهم بجوازات سفر , ولكن القنصل العراقي أخبر السفير , انه مدّد قبل اسبوع ليس الا جواز سفر المواطن ( يوسف الياس) لصاحب صورة المواطن ( خليل عبد العزيز) هذا . احتار السفير (والقنصل ايضا ) بهذه المشكلة او (الورطة!) , وقرر السفير عندئذ ان يسحب جواز سفر ( يوسف الياس) ويمنحه جواز سفر ( خليل عبد العزيز ) , فرفض خليل تسليم جوازه السابق , وبعد مناوشات طريفة بينهما ( كانا يعرفان بعضهما من ايام الموصل في العهد الملكي, اذ كان شاذل مدرّسا وخليل تلميذا , وكان خليل يزوده بجريدة الحزب الشيوعي , بل اراد مرة حتى ان يكسبه صديقا للحزب, ولكن شاذل رفض ذلك رغم انه كان يستلم منه جريدة الحزب بكل سرور وحماس وقال له ان هذا الطريق لن يؤدي الى نتائج , وعندما التقيا اول مرّة بموسكو قال شاذل لخليل  ضاحكا وباللهجة المصلاوية ( كي يذكّره بما مضى طبعا) – أنا الان السفير وانت لا زلت طالبا ! ) , وهكذا - وبعد التي واللتيا - وصلا الى حل وسط لهذه المشكلة وهو , ان يطّلع السفير على جواز سفر يوسف الياس ثم يعيده له ويسلّم له جواز السفر الجديد باسم (خليل عبد العزيز) , وقد تم ذلك فعلا , فسألته ضاحكا , وماذا قال السفير عندما اطلع على جواز ( يوسف الياس)؟ فأجاب خليل – لقد مدح شاذل (طريقة  تدبير!) الحزب الشيوعي الدقيقة لهذا الجواز , ثم اوضح خليل لي , ان هذا الجواز كان حقيقيا وباسم ذلك الشخص فعلا , وان الحزب استطاع (الحصول!) على مجموعة من الجوازات الصحيحة ولكنه أبدل صور اصحابها الحقيقيين بصور اعضاء الحزب ( وتم وضع ختم دائرة السفر على الصور الجديدة بواسطة قطعة بطاطا تتنّقل من الصورة الاصلية الى الصورة الملصقة جديدا !!!) الاعضاء الذين يريد الحزب تهريبهم وتسفيرهم الى خارج العراق نتيجة لظروفهم السياسية , وكان هو واحدا منهم ( اذ كان محكوما بالاعدام) , وهكذا تمكن خليل من السفر بشكل رسمي من مطار بغداد. وقد حكى خليل لي قصة طريفة ترتبط بهذه المسألة , اذ انه قرأ مرّة في احدى الصحف البغدادية بيانا من مواطن عراقي اسمه ( يوسف الياس ) يعلن فيه , ان المقالات السياسية التي كانت تنشرها مجلات وكالة انباء نوفستي السوفيتية باسم ( يوسف الياس) لا علاقة له بها لا من قريب ولا من بعيد.
 انتقلنا بعدئذ الى الحديث عن مواضيع مهمة وكبيرة بل وخطيرة ايضا , ترتبط بتاريخ العرا ق المعاصر ومسيرة الاحداث فيه, وهي عديدة ومتشعبة جدا ولا يمكن تلخيصها ببضع كلمات او جمل ليس الا, وتتطلب مقالات خاصة وتفصيلية حولها , منهاعلى سبيل المثال وليس الحصر – كيف اطلق طارق عزيز على خليل تسمية – ( عميل سوفيتي ) عندما استقبله في مكتبه في وزارة الاعلام ببغداد للحديث حول مهرجان الفارابي , وماذا كانت ردود فعله تجاه ما قاله  طارق عزيز له , او , كيف كان جواب خليل على سؤالي له حول ما ذكره د. سعد العبيدي في روايته الموسومة (حفل رئاسي ) (وهي رواية حول احداث مجزرة قاعة الخلد عام 1979) بشأن برقية  ارسلها بريجنيف من موسكو الى السفير العراقي مرتضى سعيد الحديثي في مدريد يحذره فيها من العودة الى بغداد ويدعوه للرجوع ضيفا في موسكو , حيث كان سفيرا للعراق , او , لماذا قال زيوغانوف ( سكرتير الحزب الشيوعي الروسي حاليا) له , عندما شاهده في مجلس الدوما بموسكو قبل فترة ليست بالبعيدة– لقد كنت يا يوسف شيوعيا في موسكو , فلماذا اصبحت عميلا  للامريكان الان ؟ و..و.. و..
 

97
أستروفسكي الروسي و أستروفسكي السوفيتي
أ.د. ضياء نافع

 سبق ان نشرت مقالة بعنوان – ( ملاحظات حول تشابه اسماء الادباء الروس ) , وتناولت فيها هذه الظاهرة الخاصة بالادب الروسي , وتضمنت تلك المقالة اشارة الى اسمي تولستوي وأستروفسكي , وقد توقفت بتفصيلات اوسع عند اسم تولستوي في مقالة لاحقة , وكان عنوانها – ( تولستوي الاول والثاني والثالث في الادب الروسي ) , والتي حظيت بردود فعل طريفة وعديدة من قبل القراء , واتوقف الان عند الاسم الآخر , الذي ورد في تلك المقالة , وهو – أستروفسكي.
قدّم اليسار العربي اسم أستروفسكي للقراء العرب باعتباره نموذجا بطوليا خارقا لمسيرة الادب الروسي في الفترة السوفيتية, وذلك عبر روايته المشهورة – ( والفولاذ سقيناه) كما كنّا نسميها آنذاك في العراق , او (كيف سقينا الفولاذ) كما استقرت تسميتها في الترجمات العربية لاحقا (بترجمة غائب طعمه فرمان), وعندما وصلنا في بداية ستينات القرن الماضي للدراسة في الاتحاد السوفيتي , كنا نعرف قليلا عن هذا الاديب , اذ اننا سمعنا عن ذلك التمجيد له في الاوساط اليسارية ( بعد 14 تموز) في العراق, ولكننا لم نكن نعرف بتاتا اي شئ عن الكاتب المسرحي الروسي  استروفسكي (وهو بنفس الاسم) , والذي شاهدنا تمثاله المهيب امام مسرح ( ماللي تياتر) في مركز موسكو( والتمثال هذا لا يزال هناك طبعا) , واعتقدنا انها للروائي استروفسكي , مؤلف تلك الرواية المذكورة آنفا.
الاسم الكامل للروائي هو – نيقولاي ألكسييفتش أستروفسكي (1904 -1936 ) , أما الاسم الكامل للكاتب المسرحي فهو – ألكساندر نيقولايفتش أستروفسكي ( 1823- 1886 ) , ويميّز الروس بينهما ببساطة , اذ انهم ( الروس )  يشيرون الى الاسم واسم الاب ليس الا ويميّزون بينهما بدقّة , أما نحن – الاجانب – فقد كان الامر صعبا علينا , ولهذا , ومن أجل أن نميّز بينهما , فقد أطلقنا عليهما صفتين مختلفين – فالاول حسب التسلسل التاريخي ( الكاتب المسرحي ) أسميناه ( أستروفسكي الروسي ) , والثاني ( الروائي ) أسميناه ( أستروفسكي السوفيتي ) , وهي تسميات ذات نكهة شبابية ساذجة طبعا, الا انها طريفة , ولهذا ثبّتها عنوانا لمقالتي هذه.   
الكاتب المسرحي , او , استروفسكي الروسي , هو شكسبير روسيا بلا منازع وكما تسميه اوساط النقد الادبي  في روسيا منذ القرن التاسع عشر , وعلى الرغم من الحدبث عنه هنا وهناك في عالمنا العربي ( انظر مقالتنا بعنوان – استروفسكي شكسبير روسيا ) , الا اننا – نحن العرب - لازلنا بعيدين جدا عن استيعاب اهميته في تاريخ الادب الروسي ومكانته في مسيرة الادب المسرحي بروسيا , اذ انه يمثّل أحد اركان الادب المسرحي الروسي ولحد الان  , ونحن في القرن الحادي والعشرين ( وليس ذلك بالقليل !), وهو  الاديب الوحيد في تاريخ الادب الروسي , الذي حرص ان يكتب مسرحية جديدة كل سنة منذ ان بدأ يكتب للمسرح , وطوال حياته في النصف الثاني من القرن التاسع عشر , وكانت الاوساط الادبية الروسية تنتظر مسرحيته الجديدة وتتلاقفها وتعرضها رأسا على خشبات المسارح الروسية في موسكو وبطرسبورغ وغيرها من المدن الروسية , والارقام والوقائع وحدها تبين  وتثبت هذه الظاهرة الفذّة والفريدة في تاريخ الادب المسرحي الروسي , اذ كتب استروفسكي (47) مسرحية , وتم انتخابه رئيسا لجمعية كتّاب الادب المسرحي الروسية منذ عام 1874 , وبقي يشغل هذا الموقع الاعتباري الرفيع الى وفاته عام 1883 , وقد منحه قيصر روسيا راتبا تقاعديا مجزيا , من اجل ان يتفرّغ للكتابة الابداعية بعد ان برز في هذا المجال ( وهي ظاهرة نادرة جدا في التاريخ الروسي والعالمي ايضا ), ولازال  اسم استروفسكي مطروحا في ريبورتوار المسرح الروسي لحد الان , اذ لا يمر موسم مسرحي روسي دون اعادة عرض لمسرحياته , اضافة الى ان السينما الروسية قد انتجت ( 38) فلما مقتبسا من مسرحياته , ويسعدني ان أشير هنا , الى ان الفنان العراقي الكبير المرحوم قاسم محمد ( وهو خريج المدرسة السوفيتية ) قد اقتبس ايضا من مسرح استروفسكي مسرحيته الشهيرة – (الحب والربح) , التي قدمها في بغداد في حينها .
أما استروفسكي السوفيتي كما اسميناه , مؤلف رواية – كيف سقينا الفولاذ , فانه ايضا بحاجة الى دراسته من قبلنا – نحن العرب -  بشكل  موضوعي دون شعارات سياسية جاهزة و معلّبة , دراسة نقدية علمية دقيقة تضع النقاط على الحروف كما يقال , دراسة تحدد مكانته الحقيقية في مسيرة الادب الروسي , وتلك مهمة كبيرة تنتظر رجالها من المتخصصين العرب.
   

98
هل بوشكين أعلى من ستالين ؟
أ.د. ضياء نافع
 ناقشني أحد أصدقائي  حول مقالتي بعنوان –  ( الشعر أعلى من السياسة ) , والتي نشرتها قبل مدة . لقد استعرضت في تلك المقالة بحثا متكاملا ومعمقا للباحثة الروسية أ.د. ميخايلوفا, والذي كان بعنوان – ( الشعر أعلى من السياسة ) , حيث تناول احتفال الاتحاد السوفيتي بالذكرى المئوية الاولى لوفاة بوشكين عام 1937 , وكيف ان الباحثة وصلت الى استنتاجها ذاك , وهو ان الشعر أعلى من السياسة , اذ انها حاولت ان تثبت في بحثها , ان الشعوب السوفيتية آنذاك قاومت ظاهرة (عبادة ستالين) بشكل غير مباشر , وذلك عن طريق تأسيس ما يمكن ان نسميه - ( عبادة بوشكين ) كبديل عنها, وان المحصلة النهائية في عملية المقاومة غير المباشرة هذه  كانت لصالح بوشكين , وعليه , فان الشعر أعلى من السياسة , و يمكن للقارئ الرجوع الى مقالتي تلك بشأن تفصيلات  هذا الموضوع .
 الملاحظة الاولى في ذلك النقاش , هو ان صديقي كان يتحدث معي وكأنني أنا الذي كتبت هذه المقالة , وان كل ما جاء فيها هي أفكاري وآرائي , وبالتالي , أتحمل مسؤوليتها بأكملها , وعبثا حاولت أن أبيّن له , اني عرضت الافكار  التي جاءت بها الباحثة الروسية  ليس الا , وان مقالتي ما هي الا قراءة في بحثها , واني قدمته للقارئ العربي , لانه يعكس نظرة جديدة ومبتكرة جدا في مسيرة الفكر الروسي الحديث , والتي لا يعرفها القارئ العربي بتاتا , وذلك من اجل اغناء معلوماته عن الفكر الروسي وما يجري في كواليسه , وان الباحثة الروسية هي التي تتحمل مسؤولية كل الافكار التي وردت فيها  , الا ان صديقي لم يقتنع بذلك بتاتا , بل اني حتى ذكّرته بالقول المشهور في تراثنا وهو – ( ناقل الكفر ليس بكافر ) , ولكنه رفض ذلك رفضا نهائيا. الملاحظة الثانية في  ذلك النقاش , وهي الاهم , والتي جعلتها عنوانا لهذه المقالة , تكمن في ان صديقي طرح عليّ سؤالا محددا استخلصه من مقالتي تلك  , وهو – ( هل  هذا الطرح يعني , ان بوشكين أعلى من ستالين ؟ ) , وكان يريد منيّ جوابا فوريا محددا ودقيقا لهذا السؤال   . لقد حاولت ان اثبت لصديقي , ان النقاشات حول العلوم الانسانية اوسع من النقاشات حول العلوم البحتة مثل الرياضيات واخواتها , ولا يمكن اختزالها بكلمتي – نعم او لا , وان هناك اجابة ثالثة بينهما هي – (نعم ولكن) , او , (لا ولكن) , وان الاستطراد يأتي بعد هذه ال ( لكن ) بالذات , وان الافكار الجديدة تظهر وتنبثق اثناء تلك الاستطرادات , ومن اجل كسب الوقت واضفاء الهدوء على نقاشنا هذا , حكيت اولا لصديقي , كيف ان القناة المركزية في التلفزيون الروسي أجرت قبل عدة سنوات ندوة حوارية في حلقات كثيرة من اجل تحديد شخصية في التاريخ الروسي تصلح ان تكون تجسّيدا ورمزا لكلمة – ( روسيا ) , وقد اشترك في تلك الندوة شخصيات كبيرة منها الباتريارخ كيريل ( رأس الكنيسة الارثذوكسية في روسيا الان ) و الذي كان آنذاك  مسؤول العلاقات الخارجية الكنسية , ورئيس الحزب الشيوعي الروسي زيوغانوف ( الذي اقترح عندها اسم لينين ) , ورئيس حزب ( روسيا العادلة ) ميرونوف , و فنانون وشعراء وصحافيون كبار, وكانت الندوة تعتمد على تصويت المشاهدين , والتي بلغت اعدادهم حوالي نصف مليون مشاهد , وبعد نقاشات حامية الوطيس جدا , اختارت الندوة أربعة أسماء من التاريخ الروسي هم ( حسب تسلسل عدد الاصوات ) كل من  – نيفسكي وستاليبين وستالين وبوشكين , وكانت الا صوات   متقاربة جدا بينهم , لدرجة انهم اعلنوا هذه الاسماء سوية , و  كل هذه الاسماء لسياسيين عدا بوشكين  , فنيفسكي هو بطل روسي في القرن الثالث عشر خاض حربا مع السويد وساهم في توطيد الدولة الروسية آنذاك , ويمكن القول ان دوره في التاريخ الروسي أصبح منسيا الان, أما  ستاليبين فهو ابن القرن العشرين , ويعد من أبرز الشخصيات السياسية في الامبراطورية الروسية , وترتبط باسمه خطط عملاقة في مسيرة روسيا , وقد تم اغتياله عام 1911 , واقيم له قبل عدة سنوات تمثالا في موسكو , افتتحه الرئيس الروسي بوتين ,  و جاء ستالين ثالثا , وهو الذي حكم الاتحاد السوفيتي من 1923 والى وفاته عام 1953 كما هو معروف , وجاء بوشكين رابعا , وهو ليس سياسيا طبعا , وقد أشار الكثير من المعلقين حينها , ان بوشكين هو الذي فاز في هذه الندوة واقعيا , اذ انه الشخص الوحيد الذي مارس الادب طوال حياته , ومع ذلك فقد اختاره الروس في هذه الندوة باعتباره يمكن ان يجسّد اسم روسيا .
بعد ان حكيت لصديقي هذه القصة , اصبحت اجواء المناقشة هادئة تماما , فقلت له – الان أنا الذي سوف أطرح عليك سؤالي, ولكني لن أطلب منك الاجابة الفورية عليه , فابتسم صديقي وقال – وماهو هذا السؤال ؟ فقلت له , انني اريد ان انتقل الى الساحة العراقية , واود ان اسألك – هل ان معروف الرصافي أعلى من نوري السعيد ؟ وجم  صديقي , ثم قال – دعني افكر...

99
أدب / قصائد من صفحات الجرائد
« في: 08:15 26/05/2018  »
قصائد من صفحات الجرائد
قصيدة للشاعر مانوئيل بانديرا – البرازيل
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع


جوان غوستوسو
 كان حمّالا في السوق ,
وكان يعيش في حي الفقراء المعدمين ..
في بيت خشبي مؤقت
بلا ترقيم ,
ومرّة ,
عند المساء ,
ذهب
الى بار ( 20 نوفمبر ) ,
وهناك
شرب,
وغنّى,
ورقص,
ثم
خرج من البار,
و ذهب
الى بحيرة
رودريغو – دي - فريناس ,
وسقط
 في تلك البحيرة,
وغرق.
==========================================================================================================================================================================================================
مانوئيل بانديرا ( 1886 – 1968 ) – شاعر برازيلي  وناثر وصحافي ومترجم ( عن اللغات الانكليزية والفرنسية والالمانية ) / عضو أكاديمية الادب البرازيلية / حائز على وسام الاستحقاق الوطني في البرازيل عام 1966 / أصدر حوالي عشرة دواوين  والعديد من الكتب في تاريخ الادب.

100
عراقيون مرّوا  بموسكو (24) – لمى علي
أ.د. ضياء نافع
تبلغ لمى علي (16) سنة من عمرها , وقد قضت نصفه في روسيا , اي (8) سنوات بالتمام والكمال , اربع سنوات منها في بطرسبورغ مع والدها ووالدتها , عندما كانا يدرسان في قسم الدراسات العليا في كليّة الآداب بجامعة بطرسبورغ , واربع سنوات اخرى في موسكو مع والدها , الذي يعمل في سفارة جمهورية العراق في موسكو الآن ( ونحن في اواسط عام 2018), ويقول والدها ضاحكا – فاذا طرحنا سنوات الطفولة , فان هذا يعني ان ( لمى عاشت معظم سنوات حياتها في روسيا ) , ومع ذلك وبالرغم من ذلك , فان لمى كانت ولا زالت عراقية أصيلة قلبا وقالبا , و شكلا ومضمونا, ولهذا فان الحديث معها يرتبط فعلا بخصائص وسمات سلسلة مقالاتي بعنوان – ( عراقيون مرّوا بموسكو) , الا ان لمى تتميّز عن جميع هؤلاء العراقيين , الذين كتبت عنهم , اذ اني تناولت في مقالاتي تلك اصدقائي وزملائي ومعارفي وطلابي في روسيا , ولكن لمى هي حالة  عراقية – روسيّة خاصة جدا , وقلّما تتكرر, فامها كانت طالبة عندي في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد اثناء دراستها الاولية , ثم مشرفا لها في دراسة الماجستير , وابوها كذلك ,اي يمكن لي ان اقول , انها حفيدتي وانا جدّها , خصوصا وان فرق العمر بيني وبينها اكثر من ستين سنة , ومع ذلك , فقد أثارت هذه الحفيدة اهتمامي , وحفّزتني على كتابة هذه المقالة عنها , عندما رأيت في غرفتها مرّة كتاب احلام مستغانمي الموسوم – ( الاسود يليق بك ) , وتعجبت , اذ كيف يمكن لهذه الحفيدة ال ( زغيرونه ) ان تقرأ مستغانمي ؟ وتلك هي مأساة ال ( شيّاب) في عصرنا , وأنا بالطبع منهم , اذ اننا نعتقد ان الزمن قد توقف تقريبا, ولكنه واقعيا (يركض!) وبسرعة الى امام . وهكذا بدأنا الحديث أنا ولمى . سألتها متعجبا – هل قرأت الكتاب هذا؟ فأجابت وبثقة تحسد عليها – نعم , وانا متفقة معها في الآراء التي جاءت في الكتاب. ثم أضافت – لقد ناقشنا هذه الآراء مع زملائي وزميلاتي في الصف الرابع العام بالمدرسة العربية , ووصلنا الى قناعة بصحتها , رغم ملاحظات هنا وهناك . كنت مندهشا ومبتسما وسعيدا وانا استمع اليها , وسألتها عن تلك الملاحظات أل ( هنا وهناك ) هذه , فقالت , ان على الفتاة باختصار ان تبقى فتاة , ولا تحل محل الفتى . قلت لها , باني اؤيدها , ولكني حاولت ان اوضح لها بشكل غير مباشر ان تكون حذرة , اذ انها على مشارف الرجوع الى العراق , ويمكن الا يتقبلوا هناك رأسا هذه الافكار , ولكنها استطاعت بذكاء وسرعة ان تتفهم فكرتي , وقالت – نعم , نحن في المدرسة نتابع الاحداث في عالمنا العربي اول باول ونعرف ما يجري هناك , وكلنا ضد تلك الافكار التي تتحدث عن زواج الفتيات القاصرات او تعدد الزوجات ...الخ . كنت في اعماقي اريد ان اصفق لها , ولكني سألتها  بهدوء – هل ما تقوليه هو بتأثير من المجتمع الروسي , الذي تعيشين في وسطه وتتكلمين بلغته ؟ فابتسمت وقالت – واين اختلط انا مع المجتمع الروسي , فانا اداوم بالمدرسة العربية يوميا , وكل اصدقائي هم من التلاميذ العراقيين اوالعرب  هناك , واقضي العطلة اما في العراق واما مع الضيوف الذين يأتون الينا من العراق , ولا وقت لديّ للاختلاط بالمجتمع الروسي , ولا يوجد لديّ اصدقاء روس , اذ كل وقتي للدراسة او للقراءة او للاختلاط بزملائي العراقيين والعرب في المدرسة او لمتابعة التلفزيون او الكومبيوتر او شؤون البيت .
 طبيعة الحديث مع لمى شجعني ان اطرح عليها بعض الاسئلة الاخرى , اذ اني سألتها– هل تحبين قراءة الشعر العربي ؟ فأجابت رأسا – كلا . لقد اندهشت من جوابها الدقيق والحاسم , اذ اني كنت أظن انها ستتحدث عن نزار قباني مثلا , ولكنها حسمت الموضوع نهائيا , غير انها أضافت جملة غريبة وطريفة , اذ قالت – (الا اني عندما قرأت قصيدة (يا دجلة الخير) للجواهري في مناهج المدرسة , أصبح الجواهري بالنسبة لي شخصية اسطورية كبيرة جدا , وعندما ستسنح الفرصة , فاني ساحاول التعرّف عليه بشكل أوسع ) . أعجبني الصدق والدقة والوضوح في تفكيرها , وقلت لها مودعا – حاولي قبل رجوعك القريب الى العراق ان تزوري (بولشوي تياتر) و (المتحف التاريخي) في الساحة الحمراء, كي يبقى طعم موسكو طويلا في فمك. 

101
عراقيون مرّوا بموسكو ( 23 ) – د. بشير الناشئ
أ.د. ضياء نافع
الدكتور بشيرغالب الناشئ واحد من أعمدة العراقيين المقيمين في موسكو منذ أكثر من خمسين سنة , وهو يتميّز باناقته وضخامته وحركته البطيئة وثقته العالية بنفسه و ابتسامته الدائمة وعصاته التي يتوكأ عليها (والتي لا يهشّ بها على غنمه , ولكن من المؤكد ان له فيها مآرب اخرى , اذ انها تضفي عليه الهيبة والوقار ! ) . التقيته ( من غير ميعاد كما تقول وحيدة خليل في اغنيتها العراقية الشهيرة ) , و دردشنا طويلا , وها انا ذا اقدّم ( محضرا وجيزا !!!) لهذه الدردشة  الجميلة, لاني أرى فيها جوانب طريفة (وربما مهمة ايضا) للقارئ  المهتم بتاريخ العلاقات العراقية الروسية بين الشعبين بالذات, وبالتالي فانها تستحق التوقف عندها , وهي جوانب تنسجم وتتناغم مع اهداف سلسلة مقالاتي حول العراقيين الذين مرّوا بموسكو .
درسنا اللغة الروسية ( هو وانا) في العام الدراسي 1959 / 1960 في الكلية التحضيرية للاجانب في جامعة موسكو , الا انه وصل الى موسكو بتاريخ 10 /10 /1959 , اي يمكن القول انه من اوائل الاوائل بين الطلبة العراقيين آنذاك , اذ وصلت وجبتنا الكبيرة ( خمسون طالبا في طائرة واحدة من بغداد) بتاريخ 29 / 10 / 1959 , حيث كان اثنان من وجبته ضمن من استقبلونا حينئذ , هما المرحوم أحمد السماوي وتحسين ( نسينا  كلانا اسم ابيه , ولا نعرف ايضا اخباره) , وضحكنا وقهقهنا عندما ذكرت لهم , انهما قالا لنا عندها في مطار موسكو, ان نناديهم الان بالروسية  , فاحمد اصبح احمدوف , وتحسين – تحسينوف ( حكيت هذه الحادثة لاحد زملائي في قسم علم الاجتماع فقال انها مادة تصلح لتشريح نفسية الفرد العراقي !). وهكذا بدأنا نتذكر الزملاء القدامى , فحكى لي بشير , كيف زارهم المرحوم محمد علي الماشطة ( الذي وصل الى موسكو عام 1957 وشارك في مهرجان الشباب العالمي آنذاك , وبقي للدراسة بعد المهرجان , و كان يدرس في كلية الاقتصاد بجامعة موسكو) , وتحدّث معهم حول ضرورة تأسيس رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي , وكيف انهم جميعا وافقوا على ذلك وساندوا هذا المقترح , ويرى د. بشير , ان ولادة رابطة الطلبة هو تاريخ تلك الزيارة , او بتعبير أدق , ذلك الاجتماع بالذات , وقد أيّدت انا ما قاله , وذكرت له اننا كنّا نسمي محمد علي الماشطة (واضع اسس) الرابطة , وسألته رأسا , لماذا لم يبرز في مسيرة الرابطة الطويلة , ولم يرشح نفسه يوما في قياداتها ولجانها , فقال نعم , لاني كنت ولا زلت بعيدا عن السياسة , وقد حافظت على استقلاليتي , رغم اني صديق دائم للحزب الشيوعي , وهذا يعني , ان النشاط في الرابطة - حسب مفهومه - هو عمل  سياسي , ولم أرغب بمناقشته حول ذلك المفهوم غير الدقيق , اذ ان العمل الحزبي يختلف عن العمل في المنظمات المهنية . تابعنا دردشتنا , وحكى د. بشير لي تميّزه بالدراسة , وحصوله على درجات الامتياز دائما , ثم رجوعه الى بغداد بعد تخرجه في معهد الطاقة عام 1966 , وكيف سنحت له الفرصة بالعودة لدراسة الدكتوراه عن طريق دائرة البعثات في العراق , وهكذا عاد الى روسيا عام 1967 , وبقي فيها منذ ذلك التاريخ ولحد الان , وسألته – هل اصبحت روسيا وطنا له , اذ انه يعيش فيها حوالي 60 عاما من عمره , فقال انه يحن اليها عندما يسافر خارجها , ولكن في الفترة الاخيرة بدأ يكبر , بل ويطغي عنده الحنين الى موطن الطفولة والصبا , اي العراق  , وقال – ربما يحدث هذا بسبب تقدم العمر , فقلت له مبتسما – ما الحب الا للحبيب الاوّل .
انتقلنا بعدئذ في دردشتنا للحديث عن المهن التي مارسها طوال فترة حياته في روسيا , فحدّثني عن عمله مع الشركات الاجنبية في روسيا باعتباره ممثلا لها , وكيف انه سافر مرّة الى البحرين  للتفاوض حول تطوير العلاقات بين الجانبين الروسي والبحريني , وكيف استقبله أمير البحرين نفسه , وحدثني ايضا كيف سافر الى استراليا للتفاوض حول صفقة لشراء اللحوم منها , اذ تبين انهم في استراليا يدمرون اللحوم الفائضة عن حاجتهم كي يحافظوا علي مستوى الاسعار... وحدثني د. بشير ايضا عن عمله في مجال الترجمة في بداية السبعينات , اذ تبين انه ترجم بعض الكتب العلمية عن الروسية , فابديت اهتمامي بهذا الجانب من نشاطه , لان موضوع الترجمة  عن الروسية قريب من قلبي وعقلي , وسألته عن تقنيته في العمل الترجمي , فقال انه لا يستخدم اي قاموس عند الترجمة من الروسية الى العربية او من العربية الى الروسية , فتعجبت من هذا القول , ولم اتفق معه بشأن ذلك بتاتا, وقلت له ان هذا يتعارض مع المفهوم العلمي للترجمة , ولكن الخلاف طبعا لا يفسد للود قضية...

102
عود على قائمة المترجمين العراقيين عن الروسية
أ.د. ضياء نافع
استلمت العديد من التعليقات والآراء المختلفة بشأن مقالتي الموسومة – ( قائمة اولية بالمترجمين العراقيين عن الروسية ) , وقررت ان اكتب جوابا لكل هذه الملاحظات , لاني اعتقد جازما , ان الموضوع يستحق التوسع و وضع النقاط على الحروف كما يشير القول المشهور.
 اولا , اود ان اعبر عن اعتزازي بمن ارسل هذه التعليقات بغض النظر عن روحية العتاب التي جاءت في بعضها , وثانيا , اود ايضا ان اعبر عن فرحي وسروري بردود الفعل السريعة  , اذ ان ذلك يعني حيوية هذا الموضوع وحتى ضرورته في حياتنا الثقافية, وثالثا , اود ان اذكّر الجميع باني اشرت الى ان شخص واحد ( وانا اقترب من العقد الثامن من عمري) لا يمكن ان يؤدي هذه المهمة لوحده ابدا , ودعوت بصريح العبارة الى مشاركة الآخرين بوضع هذه القائمة المهمة , بل واقترحت ان تكون هناك لجان متعددة وحسب الاختصاصات لتنفيذ هذا العمل الكبير ,  وردود الفعل التي استلمتها تؤكد – مرة اخرى – هذه الحقيقة العلمية البسيطة والساطعة في آن , ورابعا , اود ان اكرر ما ذكرته في مقالتي تلك , وهو اني أحلم ان أرى قائمة تفصيلية بالمترجمين العراقيين عن الروسية مع الاشارة الى اعمالهم الترجمية , وذلك لان هذه القائمة – في حالة تحقيقها - ستكون دليلا ومصدرا مهما للباحثين في هذا المجال الفكري المهم , وستؤدي دراسة هذا الدليل وتحليله الى السير ابعد واعمق في تطوير العلاقات الفكرية بين الشعبين  , والى اخضاع عملية الترجمة نفسها الى اسس علمية دقيقة .
والآن اتوقف قليلا عند ابرز الملاحظات التي وردت في هذه التعليقات , ولعل اهمها ما كتبه الزميل العزيز والباحث الكبير أ.د. ميثم الجنابي , اذ أثار اولا موضوع المترجم الياس شاهين , وهل هو عراقي ام لبناني ؟ والحقيقة ان هذا الموضوع طرحه عليّ بعض الزملاء ايضا , وقد أجبتهم بانه عراقي , وانا قابلته  شخصيا ولعدة مرات في القسم الداخلي لجامعة موسكو في بداية الستينات , حيث كان يدرس في قسم الدراسات العليا ( الاسبيرانتورا) في كلية الاقتصاد , وهو من يهود العراق , الذين رفضوا الهجرة الى اسرائيل في حينها بداية الخمسينات , واستطاع الوصول الى الاتحاد السوفيتي مع مجموعة صغيرة عراقية من اليهود ايضا , وهم كلهم من القريبين من الافكار الماركسية طبعا , وكان الياس شاهين حساسا جدا و يتجنب الاختلاط بالعراقيين في جامعة موسكو نظرا لكل هذه العوامل والوقائع , وكنّا نحن الطلبة آنذاك نعامله باحترام , اذ انه كان أكبر منّا سنّا ويتصرف وفق أخلاقية عالية وأدب جمّ. لقد ارتبط الياس شاهين بحركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي منذ الخمسينات , وكان هو أحد واضعي قاموس الجيب الروسي – العربي  الصغير, والذي استخدمناه عند وصولنا للدراسة في موسكو بداية الستينات , اذ لم يكن هناك اي قاموس آخر, وليس عبثا ان الياس تخصص بعدئذ بالترجمة السياسية , وبالذات لكتب ماركس وانجلس ولينين , ولا زالت مطابع بيروت تعيد طبع ترجماته . اما الجزء الآخر من تعليق الجنابي , فانا متفق معه كليا , اذ ان الترجمة عن الروسية الى العربية لم تبلغ بعد ( سنّ الرشد !!!) , وهذا موضوع يرتبط بمستوى الثقافة ومسيرتها في مجتمعاتنا العربية , وأظن , ان وضع قائمة بالمترجمين العراقيين عن الروسية هو بداية طريق التحليل العلمي السليم لحركة الترجمة عن الروسية والتخطيط لمسيرتها اللاحقة .
التعليق الاخير الذي اود التوقف عنده قليلا هوملاحظات احد طلبتي سابقا وزميلي في التدريس لاحقا وهو الرئيس السابق لجمعية المترجمين العراقيين الدكتور علي عدنان , وانا متفق معه بشكل عام , رغم بعض السمات الحادة التي جاءت في تعليقه, وقد ذكرت في مقالتي الى عدم قدرة شخص واحد القيام بهذا العمل العلمي الكبير , غير اني أردت ان احرّك ( المياه الراكدة !) ليس الا , ولكني اريد ان اعلق على تهمة خطيرة جاءت في ثنايا ذلك التعليق , وهي ان يضع شخص اسمه على غلاف كتاب مترجم , واتمنى يا اخي د. علي ان تفضحوا مثل هذه الظواهر في اوساطكم , اذ اننا لم نعرف مثل هذا التدني والانحدار في زماننا.
اخيرا , اقدم ملحقا باسماء المترجمين العراقيين عن الروسية , والذين فاتني ذكرهم في مقالتي تلك مع الاعتذار لهم , واشكر الاصدقاء الذين ساعدوني على تلافي ذلك السهو , واود ان اؤكد مرة اخرى ان هذا العمل يبقى غير متكامل دون مشاركة الآخرين.
الاسماء
=====
د. اكرم عزيز // د. ايناس طارق // د. برهان جلال // د. برهان شاوي // خلف حامد // د. سامر أكرم // د. سعد عجاج // د. سلمان احمد اسماعيل // صادق حسين // د. صادق كمر // ضياء خميس العبادي// د. عبد الجبار الربيعي // المرحوم عدي عجينه // د. علي عدنان مشوش // د. غالب عبد حسين التميمي // فاضل فرج // د. فردوس بريهي // المرحوم د. فلاح الفلاحي// د. كفاح الجواهري // مالك حسن // د. محمد سعدون // المرحوم د. محمد صبري// محمد فريح // د. محمود غازي// د. ميثاق محمد // د. ناظم مجيد الديراوي // د. نهله جواد // المرحوم د. نوري السامرائي // هاشم الموسوي // هيلان كريم // د. ياسين حمزه .


103
قائمة أولية بالمترجمين العراقيين عن الروسية 
أ.د. ضياء نافع
بحثت عن قوائم  خاصة بالمترجمين العراقيين هنا وهناك , ولكني لم أجد – مع الاسف - أي شئ , حتى بالنسبة للمترجمين عن اللغة الانكليزية , رغم ان العراق هو ( انكلوفوني ) منذ دخول الجنرال الانكليزي مود ( محررا وليس فاتحا !) عام  1917 , وبقي العراق هكذا لحد الان , و قال لي أحد اصدقائي وهو يبتسم -  يبدو انه ليس من باب الصدفة ابدا , ان تم دفن الجنرال ( المحرر وليس الفاتح !) في مقبرة الانكليز ببغداد .
 بعد الاستفسارات الطويلة والعريضة من هذا وذاك, قررت أن أبدأ بوضع قائمة بهؤلاء المترجمين بنفسي و معتمدا على ذاكرتي ليس الا , ولهذا حرصت ان اعلن - قبل كل شئ -  ان هذه القائمة ( أوليّة ) , وثبّت هذه الصفة حتى في عنوان المقالة , اذ لا يمكن ابدا لشخص واحد القيام بهذه المهمّة الكبيرة , بل يجب ان تكون هناك لجان في مختلف الاختصاصات تجتمع وتناقش وتستفسر وتقوم بتنظيم استبيانات و تجرد الاوليات الواسعة وتجمع الاسماء منذ بداية حركة الترجمة عن الروسية في العراق ...الخ الخ , ولكنني أأمل – مع ذلك - ان تكون هذه الخطوة المتواضعة حافزا للآخرين كي يشاركوا في هذا العمل العلمي التاريخي الطريف , والذي أؤكد – مرة اخرى واخرى – انه يحتاج الى عمل لجان متشعبة وعديدة من أجل انجازه بشكل صحيح وعلمي ودقيق ومتكامل , ولا يمكن لشخص واحد القيام بذلك ابدا ( انظر مقالاتي – المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي 1 ,2 , 3 , 4 ) . وها هي القائمة الاولية للمترجمين العراقيين عن الروسية , علما انني احلم ان أرى يوما - ما دليلا متكاملا يضم اسماء المترجمين العراقيين كافة مع الاشارة الى اعمالهم الترجمية , التي أنجزوها , اذ ان الترجمة هي احدى مقاييس الحوار بين الشعوب وتفاعل الحضارات المختلفة .

أسماء المترجمين العراقيين عن الروسية حسب الابجدية
=================================
أحمد عبد الكريم – يساهم في حركة الترجمة في العراق .// المرحوم د .الياس شاهين – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي .// أشواق مطلك – تساهم في حركة الترجمة في العراق . // د. آيات يوسف – تساهم في حركة الترجمة في العراق .// د. بشير الناشئ – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي . // برهان الخطيب – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي و اوربا . // د. تحسين رزاق عزيز – يساهم في حركة الترجمة في العراق. // المرحوم د. جلال الماشطة – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي. // المرحوم د. جليل كمال الدين – ساهم  في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي والعراق // د. جميل نصيف التكريتي – يساهم في حركة الترجمة في العراق // د. جودت هوشيار – يساهم في حركة الترجمة في العراق وخارجه .// حسب الشيخ جعفر – يساهم في حركة الترجمة في العراق وخارجه . // د. حسن البياتي – يساهم في حركة الترجمة في العراق وخارجه.// حسين خضر الشويلي – يساهم في حركة الترجمة في العراق . // حسين محمد سعيد – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي ولا زال يساهم فيها في اوربا. // د. حكمت شبّر – يساهم في حركة الترجمة في العراق. // د. حميد حسن علوان – يساهم في حركة الترجمة في العراق.// المرحومه د. حياة شرارة – ساهمت في حركة الترجمة في العراق . //  المرحوم خميس حرج نشمي – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي . // خيري الضامن – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي ولا زال يساهم فيها في روسيا وخارجها. // د. داود كرومي المنير – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي .// دينا ادهام يحيى – تساهم في حركة الترجمة في العراق . // د. رؤوف الكاظمي – يساهم في حركة الترجمة في العراق . // د. زينب كمال الدين – تساهم في حركة الترجمة في العراق . // المرحوم د. سعدي المالح – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي . // سعيد نفطجي – ساهم في حركة الترجمة في العراق . // د.سلام الشهباز – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي ولا زال يساهم فيها في روسيا . // المرحوم صادق الجلاد – ساهم في حركة الترجمة في العراق . // د. صفاء محمود علوان – ساهم في حركة الترجمة في العراق ولا زال يساهم فيها خارج العراق . // د. ضياء نافع – ساهم في حركة الترجمة في العراق ولازال يساهم فيها في روسيا .// د. عادل الجبوري – ساهم في حركة الترجمة في العراق والاتحاد السوفيتي , ولا زال يساهم فيها في روسيا . // المرحوم د. عباس خلف – ساهم في حركة الترجمة في العراق . // عبد الله حبه – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي, ولازال يساهم فيها في روسيا وخارجها .// المرحوم د. عبد الرحمن معروف – ساهم في حركة الترجمة في العراق .// المرحوم د. عبد الرزاق مسلم – ساهم في حركة الترجمة في العراق. // المرحوم د. عدنان عاكف – ساهم في حركة الترجمة في العراق وخارجه. // د. عز الدين مصطفى رسول – يساهم في حركة الترجمة في العراق . //  د. عقيل يحيى – يساهم في حركة الترجمة في العراق .// د. عماد شابا – يساهم في حركة الترجمة في العراق . // المرحوم غائب طعمه فرمان – ( شيخ المترجمين العراقيين في روسيا ) . ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي .// د. غادة طارق العاني – تساهم في حركة الترجمة في العراق. //  المرحوم غازي العبادي – ساهم في حركة الترجمة في العراق .// فاضل قلي – ساهم في حركة الترجمة في العراق والاتحاد السوفيتي ولازال يساهم فيها في روسيا.// المرحوم فائق ابو الحب – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي . // د. فالح الحمراني – يساهم في حركة الترجمة في روسيا وخارجها . // المرحوم قاسم محمد – ساهم في حركة الترجمة في العراق . // كامران قره داغي – يساهم في حركة الترجمة في العراق وخارجه . // د. كامل العزاوي – يساهم في حركة الترجمة في العراق . // د. كمال مظهر أحمد - ساهم  في حركة الترجمة في العراق وخارجه .// كولاله نوري – تساهم في حركة الترجمة في العراق وخارجه. // ماركريت كانيكانيان – ساهمت في حركة الترجمة في العراق. // محمد الطيار – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي ولا زال يساهم فيها  بروسيا. //  المرحوم د. محمد يونس – ساهم  في حركة الترجمة في العراق . // المرحوم د. معروف خزندار – ساهم في حركة الترجمة في العراق . // المرحوم د. مكي عبد الكريم المواشي – ساهم في حركة الترجمة في العراق. // د. منى عارف جاسم  - تساهم في حركة الترجمة في العراق . // د. منذر ملا كاظم – يساهم في حركة الترجمة في العراق .// المرحوم مهدي هاشم – ساهم في حركة الترجمة في العراق.  // المرحوم موفق الدليمي – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي . // د. ناهدة البدري – ساهمت في حركة الترجمة في العراق . // د. هاشم التكريتي – يساهم في حركة الترجمة في العراق . // د. هديل اسماعيل نيازي – تساهم في حركة الترجمة في العراق .// المرحومة د. وفية ابو قلام – ساهمت في حركة الترجمة في العراق.

104
أ.د. علي منصور ..وداعا
أ.د. ضياء نافع

علمت الآن (في مساء هذا اليوم 10/5 /2018)  برحيل الاستاذ الدكتور علي يحيى منصور , اذ استلمت رسالة الكترونية من زوجته ( ولا يطاوعني قلبي ان أكتب – أرملته ) السيدة الفاضلة كفاح السوداني ام محمد, تعلمني فيها بذلك الخبر الحزين , وها انذا احاول ان الملم افكاري وذكرياتي كي اكتب كلمات وداع بحق هذا الصديق الصدوق والاستاذ الجليل والتربوي  الكبير والاكاديمي البارز في تاريخ العراق المعاصر.
علي منصور واحد من أعلام اللغات في العراق , اذ كان يتقن عدة لغات – وبشكل علمي معمق - هي العربية والكردية والتركمانية والانكليزية والالمانية وقليلا من الفرنسية والفارسية والارمنية والسريانية, وكل هذه المعرفة اللغوية الواسعة  و المتنوعة جاءت نتيجة لمسيرة حياته وموهبته ,    فهو من أب عراقي عربي وام عراقية كردية , وقد ولد في كركوك , وهناك تعلّم التركمانية ايضا بحكم وضع المدينة ( يمكن ان نعتبره رمزا رائعا لوحدة العراق التي لا تنفصم !) , ثم التحق في قسم اللغة الانكليزية في دار  المعلمين العالية في بغداد وتخرج فيها واصبح مدرسا  متميزا للغة الانكليزية , وعمل في عدة مدارس في مدن عراقية مختلفة آنذاك , ثم حصل على زمالة دراسية في المانيا , والتحق في جامعة هامبورغ   ودرس هناك ونال شهادة الدكتوراه في الادب المقارن , وعاد الى العراق واصبح تدريسيّا في جامعة بغداد , وعندما بدأت انا بالعمل في قسم اللغات الاوربية ( فرع اللغة الروسية) في كلية الآداب بجامعة بغداد للعام الدراسي 1972 / 1973 التقيته هناك, اذ كان هو أحد أبرز العاملين في فرع اللغة الالمانية, و تعارفنا طبعا ووجدنا لغة التفاهم المشتركة بيننا , فقد كان هادئ الطبع وطيّب المعشر ويتحلّى بتواضع العلماء ومحترما من قبل الجميع اساتذة وادارة وطلبة , وبمرور الايام اصبحت العلاقات اوسع وأعمق , وعندما انتقلنا عام 1987 من كلية الآداب الى كلية اللغات , اصبحنا نعمل في لجان مشتركة ( خصوصا اللجان الامتحانية ), وبعدئذ في مواقع عمل مشتركة , اذ اصبحنا ( هو وانا)  معاوني العميد , وكان  التعاون والانسجام والودّ سائدا بيننا طوال فترة عملنا , مما جعلنا نتحوّل بالتدريج من زملاء في المهنة الى أصدقاء بكل  ما تحمل كلمة ( صداقة ) من معنى , وقد تعمّقت هذه الصداقة خصوصا في عملنا المشترك في كلية اللغات المسائية , وبما اننا كنا نسكن في منطقة واحدة , فقد اصبحنا مثل الاخوة , حيث نذهب صباحا في سيارة واحدة ونرجع مساء في نفس تلك السيارة ( هو وأنا وصديقنا المشترك أ.د. زهير مجيد مغامس من قسم اللغة الفرنسية ) , وكنا طوال الوقت نتحدّث في شؤون اللغات وطبيعة عملنا معا , وكم كانت احاديثنا تشوبها النقاشات الحادة والصريحة جدا بخصوص الواقع العراقي المكفهر آنذاك ومشاكله المعقدة , بما فيها السياسية , الا ان تلك النقاشات كانت تجري  دائما بروحيّة جميلة ووديّة وبعيدة عن التطرّف والتوتر بفضل ابتسامات علي منصور وروحه المرحة ومزاجه الرائق والهادئ دائما ونظرة التفاؤل في أعماقه تجاه كل شئ , بما فيها حتى القضايا المعقدة في حياتنا ( وما أكثرها !), اذ انه كان يجد الجمال في كل شئ , وأذكر مرة انه حاول أن يثبت لنا , ان نفرح عندما يهب ( العجاج ) , وذلك لان العجاج يعني ( اضافة طبقة صافية من الزميج فوق الارض مجانا , وان ذلك سيؤدي الى تحسين الزراعة !) .
ختاما لهذه السطور السريعة عن الراحل علي منصور , أود أن اشير , الى انه ترك مخطوطات عديدة تأليفا وترجمة , وان تواضعه الفذّ جعله لا يتحدث عنها , او يحاول ان ينشرها , واعرف من بين هذه المخطوطات ديوان شعر مترجم عن الالمانية لمجموعة من الشعراء الالمان المعاصرين مع تعريف وجيز بحياة ومسيرة كل شاعر منهم , ويوجد بين تلك المخطوطات ايضا معجم الماني – عربي للمصطلحات الادبية , و يشرفني ان اعلن هنا , ان دار نوّار للنشر مستعدة لنشر هذين الكتابين في بغداد في حالة موافقة ورثته .

105
أدب / المسافات
« في: 18:36 03/05/2018  »
المسافات
======

قصيدة للشاعر هينريك نوربراندت / الدنمارك
==========================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=====================


المسافات
 تطول وتكبر
بين اوراق الشجر,
وتصبح
أبعد وأبعد,
و كذلك المسافات
بين الكلمات
تصبح
أبعد وأبعد,
و بين الاحاسيس والعواطف
ايضا ,
تصبح
 المسافات
أبعد وأبعد,
أمّا
اوراق الاشجار التي  يبست,
والنفوس التي رحلت ,
والاحاسيس والعواطف التي جفّت,
و الكلمات التي تبخّرت,
فانها تتعانق روحيّا
-بهدوء
ودون ان نلاحظ ذلك -
مع تلك التي
لازالت
 تنبض بالحياة..
=========================================================================================================================
===========================================================================
ولد هينريك نوربراندت عام 1945  , وهو شاعر وناثر وكاتب مقالة / عضو الاكاديمية الدنماركية/ حائز على عدة جوائز ادبية في الدنمارك والسويد.

106
المنبر الحر / بوشكين في العراق
« في: 17:19 02/05/2018  »
بوشكين في العراق
أ.د. ضياء نافع
 استلمت رسالة اليكترونية بالروسية من أحد الزملاء الروس بعنوان – بوشكين في العراق , وقد أثارت هذه الرسالة اهتمامي طبعا , اذ اني اتابع موضوعة الادب الروسي في العراق منذ عشرات السنين , وسارعت بفتح تلك الرسالة والاطلاع عليها , وقد تبيّن , انه يطلب منّي ان  اقدّم له استشارة ( او رأيّا )  في مسألة مطروحة امامه الان حول موضوعة – ( بوشكين في العراق) , ويقول في رسالته , انه وجد بعض المصادر الروسية حول هذا الموضوع , ولكنها – كما يرى – غير كافية كما يجب - بشكل عام - لتغطية هذا الموضوع الكبير , المرتبط بشاعر روسيا الاول وعبر كل عصورها .  وهكذا بدأنا الحوار .
قلت له, ان من الضروري ان نحدد – قبل كل شئ – ماذا يعني مفهوم ( بوشكين في العراق ) , وهل يعني ذلك حصر بوشكين في الحدود الجغرافية للدولة  العراقية  بمعزل عن العالم العربي الذي يحيطها ,  اذ ان ثقافة العراق متداخلة بثقافة البلدان العربية الاخرى , والكتاب الذي يصدر في دمشق مثلا عن بوشكين يصل الى القارئ العراقي بعد أيام ,  وقلت له  باني (وبعض الزملاء الذين أذكرهم لحد الان من جيلي) طالعنا بالعراق في خمسينات  القرن العشرين مثلا ترجمة د. سامي الدروبي لرواية بوشكين القصيرة - (ابنة الضابط ) ضمن منشورات ( دار اليقظة ) السورية المشهورة , واعاد غائب طعمه فرمان ترجمة هذا الكتاب بعد اكثر من ربع قرن , وهكذا صدرت رواية ( ابنة الآمر) لبوشكين في موسكو , فهل نعتبر , ان المترجم العراقي غائب طعمه فرمان هو الذي قدّم للعراقيين  رواية بوشكين تلك ( عن طريق موسكو !) , وبالتالي , فان ترجمته تدخل ضمن موضوعة ( بوشكين في العراق ) , بينما  تدخل ترجمة الدروبي لنفس الرواية ضمن موضوعة ( بوشكين في سوريا) ؟ ويمكن التوقف عند كتب اخرى حول الادب الروسي صدرت في القاهرة مثلا , واطلع عليها القارئ العراقي , بما فيها كتاب الباحث والكاتب الفلسطيني الكبير نجاتي صدقي الموسوم – (بوشكين ) , الذي صدر ضمن سلسلة ( اقرأ) المصرية الشهيرة في اربعينات القرن الماضي ,  وذكّرته بقول طريف كان سائدا في عالمنا العربي يوما ما وهو – القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ . وبعد (التي واللتيّا) , كما يقولون , اقتربنا من نقطة مشتركة بيننا في هذا الشأن , اذ توقف زميلي عند التمثال النصفي لبوشكين في حدائق كليّة اللغات بجامعة بغداد , و قال انه واحد من الشواهد المادية والتي لا يمكن تجاهلها في موضوعة ( بوشكين في العراق ) , اذ ان مثل هذا التمثال موجود بمصر والمغرب  فقط في العالم العربي , وأشار الى ان المصادر الروسية حول هذا الحدث المتميّز وغير الاعتيادي مرتبكة وغير متناسقة وحتى متناقضة بعض الشئ , وان مقالتي بعنوان – ( قصة تمثال بوشكين في جامعة بغداد) توضّح كل هذا الارتباك وتجيب عن كل التساؤلات المرتبطة بهذا الموضوع , الا ان هذه المقالة غير مترجمة الى اللغة الروسية , وبالتالي, بقيت مجهولة للقارئ الروسي المهتم بهذا الحدث , واقترح عليّ ان اترجمها وانشرها بالروسية , فقلت له انني متفق معه بشأن ذلك , اذ ان التمثال النصفي لبوشكين في جامعة بغداد  دخل في دوّامة الصراع السياسي العراقي المعاصر واساليبه الملتوية و (غير النظيفة ! ) مع الاسف , الا ان ترجمة المقالة هذه من قبلي خطوة غير متواضعة , اذ  تبدو وكأنني اريد ان  امدح نفسي , او , ان افرض رأيّ , وهذه مسألة حساسة ومحرجة احاول طوال حياتي ان اتجنبها , فضحك صاحبي وذكّرني , ان امثال الشعوب كافة تقف ضد المبالغة في المواقف , وان تلك المبالغة تؤدي الى نتائج مضادة وعكّسية في كثير من الاحيان , وان عدم ترجمة هذه المقالة الى الروسية , بسبب هذا التواضع المبالغ فيه من قبلي, هو مثل واضح وصارخ لذلك, وقال انه ينتظر.
قلت لصاحبي بعدئذ , ان أحد العراقيين , وهو طالبي سابقا وزميلي في العمل بجامعة بغداد لاحقا , واسمه صفاء محمود علوان الجنابي قد أنجز في ثمانينات القرن الماضي اطروحة دكتوراه في كليّة الاداب بجامعة فارونش الروسية عنوانها – ( بوشكين في العراق ) , وانه جمع هناك  المصادر الاساسية  التي ظهرت في العراق آنذاك حول بوشكين وأشار اليها , وناقش افكارها واهدافها , و قلت له انها اطروحة متميّزة جدا  في مضمونها , واقترحت عليه ان يجدها , او , في الاقل ان يجد موجزها الموجود حتما في الارشيف الروسي للاطاريح , ويطلع عليه , وسيجد هناك اجابات  عن كل اسئلته , فشكرني على هذا المصدر المهم  والجديد بالنسبة له , ووعدني ان يحاول ايجاد هذا المصدر . وبالمناسبة , فانني أتوجه الى د. صفاء في ختام هذه المقالة , واقترح عليه ان يفكر بشكل جدّي بتنقيح اطروحته تلك , و ان يضيف اليها بعض المصادر التي استجدّت بشأن موضوعة بوشكين في العراق , ويقوم بنشرها بالعربية, وانا على ثقة تامة , ان مثل هذا الكتاب سيكون ناجحا ومفيدا وطريفا للقارئ العربي اولا , ولتعميق الموضوعة الروسية وبلورتها في مسيرة الادب المقارن ودراساته  في العراق والعالم العربي ايضا.

107
تشيخوف في شارع الرشيد ببغداد
أ.د. ضياء نافع
ياله من خبر جميل ورائع ومثير ! فقد اطلعت على مقالة د. فرحان عمران موسى في جريدة المدى الغراء بعنوان – ( تقاسيم على الحياة .. بين معمارية النص و معمارية التمثيل ) بتاريخ 15/4 /2018 , ثم  على مقالة الاستاذ عبد الجبار العتابي في موقع ايلاف  بعنوان – ( مسرحية تقاسيم عن الحياة .. تهز الوسط المسرحي العراقي ) بتاريخ 16/ 4 / 2018 , وتذكرت رأسا (روح!!!) مقالتي التي نشرتها عن تشيخوف بمجلة الف باء في بغداد قبل اكثر من ربع قرن بعنوان – ( تشيخوف في علاوي الحلة) , واقول (روح مقالتي) , لاني تحدثت عندها عن (احلامي الخيالية !) ليس الاّ حول هذا الموضوع , اما هذا الخبر , فانه يتحدث عن واقع ملموس ومحدد وواقعي, ولهذا فهو خبر رائع , اذ قدّم المخرج المبدع جواد الاسدي مسرحية بعنوان ( تقاسيم عن الحياة ) ( ويا له من عنوان دقيق وذكي ورشيق شكلا ومضمونا ) ,  و المسرحية هذه مأخوذة ( حسب تعبير العتابي ) او ( مستلة) (حسب تعبير د. فرحان)  من قصة تشيخوف الشهيرة ( العنبر رقم 6 ) , كما جاء عنوان هذه القصة في بعض الترجمات العربية , والتي نسميها في العراق ( الردهة رقم 6 ) , اذ ان الطبيب والمحلل النفسي والاجتماعي الكبير تشيخوف رسم ( ولا اقول كتب) احداث قصته تلك عن الحياة في (ردهة ) مستشفى , هذه ال (ردهة ) , التي رأى فيها لينين ( رمزا ) لروسيا القيصرية , ورأت فيها الشاعرة أنّا أخماتوفا ( رمزا ) لروسيا السوفيتية ( انظر مقالتنا بعنوان – تشيخوف و أخماتوفا ), ورأى فيها المخرج العراقي جواد الاسدي الان ( رمزا ) لكل مشاكل العراق الحالي , بعد ان تعامل ابداعيا معها طبعا ( ان تحويل قصة تشيخوف الى مسرحية هو بحد ذاته يعدّ عملا فنيا وابداعيا كبيرا ومتميّزا محليا وعالميا ايضا ) , وهكذا قدّم لنا الاسدي تقاسيم معزوفته عن الحياة العراقية من خلالها , وعلى خشبة منتدى المسرح العريق في شارع الرشيد ببغداد , وعلى مدى خمسة أيام باكملها , وبنجاح كبير لدرجة ان  العتابي قال في عنوان مقالته انها ( تهز الوسط المسرحي العراقي !) , اما د . عمران فقد أشار ايضا الى ذلك النجاح الباهر , رغم انه تكلم عن ذلك بلغة فلسفية معقدة ومتشابكة جدا , لدرجة ان أحد أصدقائي سألني عن معنى بعض جمله , و أردف سؤاله بسؤال آخر , وهو – ( وهل يوافق صديقك تشيخوف نفسه على هذه ( المعمارية !!!) اللغوية المبهمة ؟ فقلت له ان يتوجه بسؤاليه الى تشيخوف نفسه , اذ انني لا استطيع الاجابة عن هذين السؤالين , واعتبرهما ضمن ال ( ترك), وقلت له ايضا , انني استطيع – بشكل او بآخر - ان اساعده بترجمة هذين السؤالين الى لغة تشيخوف وتوضيحهما له, اذا طلب تشيخوف نفسه ذلك , في حالة عدم استيعابه للنص,  فغضب صديقي , وقال لي انك تتهرب من الاجابة لانك لم تفهم معنى تلك الجمل مثلي , ولكنك لا تريد الاعتراف بذلك , فحاولت تهدئة النقاش مبتسما وتغيير مسارالكلام, وبدأت اتحدث معه عن قصة تشيخوف ( الردهة رقم 6 ) واهميتها وقيمتها الفنية في تراث تشيخوف الابداعي و في تاريخ الادب الروسي بشكل عام , وكيف ان تشيخوف سيفرح فرحا شديدا لو عرف , ان المخرج العراقي جواد الاسدي قد وجد في ثنايا قصته تلك جوابا شافيا عن  كل الاسئلة و الاشكالات الفكرية المرتبطة بالوضع القائم الان في بلد عريق مثل العراق , وذلك لان تشيخوف تناول هناك , كما في كل نتاجاته , معاناة الانسان , اي انسان بغض النظر
عن انتمائه القومي ومجتمعه , وسيفرح تشيخوف اكثر , اذا عرف ان المخرج العراقي قد احتفظ حتى باسماء ابطاله كما في النص الروسي رغم التعامل الابداعي التفصيلي مع تلك القصة , اي التعامل الفني الضروري جدا كي تصبح احداث القصة متلائمة مع ما يريد المخرج ان يقوله للمشاهد من افكار وهو يقف في شارع الرشيد في قلب بغداد . وذكرت لصديقي ان هذا الحدث كبير جدا في مسيرة العراق  الثقافية و الفكرية عموما, ويجب علينا ان نشيد بهذا العمل , وان نسانده بكل امكانياتنا , وبدون البحث اللغوي التفصيلي بمفردات مبهمة ومعقدة هنا وهناك ,  وذلك لان هذا العمل الابداعي يعني , من جملة ما يعنيه  , ان العراق يسير بشكل حثيث وصحيح  للخروج من ازمته الفكرية  الرهيبة التي انحدر اليها منذ اواخر القرن العشرين والى حد الان , وان دور المثقفين العراقيين أخذ يبرز اكبر وبصورة اكثر سطوعا  في الوقت الحاضر, وهذه مسألة ضرورية جدا ( اي دور المثقفين ) للمساهمة في عملية انقاذ العراق من ايدي هؤلاء الذين خذلوا الوطن وارادته , فتقديم تشيخوف في شارع الرشيد يجسّد رمزا لاستخدام المثقف العراقي لجواب تشيخوف نفسه على الازمة الفكرية في بلاده انذآك , وهو جواب عميق جدا من كاتب بمستوى تشيخوف , كان يهتّم جدا بمفهوم الحرية الانسانية ويحاول الدفاع عنها و صيانتها والمحافظة عليها بغض النظر عن النظام السياسي السائد في البلاد , وهي مسألة مطروحة الان وبشكل شديد وحاسم امام الانسان العراقي .
تصفيق حاد للمخرج العراقي جواد الاسدي ولكل الفنانين العراقيين الذين ساهموا معه في تنفيذ هذا العمل الابداعي الكبير! 

108
أدب / اللاجئون
« في: 08:53 29/04/2018  »
اللاجئون
======

قصيدة للشاعرة - تامار رادتسينير (1935 – 1991 )
===============================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=====================

نركض دائما
متدافعين
 ولاهثين..
وعندما نصل الى مكان ,
ونريد ان نضع
حقائبنا السوداء
كي نشعر باننا بشر احياء,
فانهم يدسّون بايدينا
نموذجا  للكرة الارضية ,...
و يقولون لنا-
اختاروا
 اين تريدون ان تذهبوا,
فانتم وصلتم من المنطقة الصفراء,
وحروب تدور في المنطقة الحمراء,
ولا يدعوكم أحد
 في المنطقة الخضراء,
ولا توجد مناطق اخرى
على الكرة الارضية.
نسألهم –
هل يوجد
نموذج آخر للكرة الارضية,
فيه
 ولو مكان صغير وضئيل
نتنفس  فيه
 الصعداء؟
.....................
....................
يضحك الموظف
ويقول –
انتم اناس مرحون,
وحتى
كرة أرضية اخرى
تريدون !
ثم يربّت على أكتافنا,
ويغلق الباب مبتسما,
ويقول -
حانت الان
فترة تناول الطعام.
=======================================================================================================================================================================================================================================================
ولدت الشاعرة تامار رادتسينير في بولندا عام 1935 , وانتقلت الى النمسا عام 1959 , وتوفيت هناك عام 1991 . تكتب باللغتين البولندية والالمانية . سبق وان قدّمنا لها قصيدة بعنوان – ( من جديد ).

109
عراقيون مرّوا بموسكو (22) / د. عدنان عاكف
أ.د. ضياء نافع
درسنا اللغة الروسية سوية في الكلية التحضيرية بجامعة موسكو للعام الدراسي 1959/ 1960 , و بعد التخرّج التحقنا سوية في كلياتنا للعام الدراسي 1960/ 1961 بنفس الجامعة , هو في كليّة الجيولوجيا وانا في كليّة الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها) , وعشنا في نفس القسم الداخلي . في   كلية الجيولوجيا كانت مجموعة رائعة من الطلبة العراقيين الموهوبين , وقد تميّز من بينهم  بعض الخريجين , ومنهم ( حسب الابجدية ) – الشهيد الدكتور حامد الشيباني ( الذي اعدمه النظام البعثي في السبعينات لاسباب  سياسية وكان موظفا بارزا في شركة النفط الوطنية ) , و المرحوم  الدكتور عدنان عاكف , ومنذر نعمان الاعظمي ( الذي استمر بدراسته العليا في بريطانيا , واصبح شخصية سياسية وفكرية مرموقة في عالمنا العربي, ولازال هناك لحد كتابة هذه السطور).
منذ ان بدأت بكتابة سلسلة مقالاتي بعنوان – ( عن بعض العراقيين , الذين مرّوا بموسكو ) , كان اسم الدكتور المرحوم عدنان عاكف موجودا و قائما ومطروحا امامي ,  ,اذ كنت اتابع مقالاته الجميلة و المتميزة والحاذقة والذكية, وأضيف ملاحظة هنا او هامش هناك في دفاتر ملاحظاتي او في ذاكرتي, ولكني لم استطع ان اكتب تلك المقالة  ضمن هذه السلسلة , لان سعة مواضيعه وتنوعها وعلميتها واسلوبها الساحر البسيط والعميق في آن , والذي يذكرنا بالتعبير العربي الجميل - ( السهل الممتنع) , كل هذه العوامل كانت تجبرني ان اؤجل كتابة الموضوع دائما كي استكمل كل الجوانب الضرورية واللازمة والمناسبة لذلك الموضوع ,  وفجأة , وبدون اي مقدمات , صعقت بقراءة خبر رحيله !!! لقد طلبت من اخيه الاصغر الدكتورالعاني عند اللقاء به  (عندما كان يعمل في السفارة العراقية بموسكو) ان يخبرني متى سيكون عدنان بموسكو كي التقيه , ولكنه لم ينفّذ وعده مع الاسف , وهكذا لم استطع ان اراه عندما زار موسكو آنذاك , الا اني عرفت انه كان يتابع كتاباتي واخباري , كما كنت انا اتابع نشاطاته الفكرية الواسعة واخباره .
 تميّز المرحوم عدنان اثناء دراسته في جامعة موسكو طوال فترة الدراسات الاولية في كلية الجيولوجيا (خمس سنوات ) والعليا ( ثلاث سنوات) بسموّ اخلاقه ونقاء روحه وبالتواضع العظيم والصدق في علاقاته , وكان بعيدا جدا عن عالم ( القيل والقال) الواسع الانتشار بين العراقيين بشكل عام مع الاسف, وكان طالبا ممتازا دراسيا , وكانت لغته الروسية راقية جدا , وكان متعاونا مع الجميع ومحبوبا من قبل الجميع ويحتفظ بمسافة مناسبة جدا بينه وبين الطلبة الآخرين , وتميّز – قبل كل شئ – بحبه وولعه لقراءة الكتب , بل وحتى ( التهامها!) كما علّق مرّة أحد الزملاء  العراقيين, وهي صفة نادرة جدا جدا بين طلبة الدراسات العلمية البحتة , وكنت أتذّكر هذه ( الهواية !) عند عدنان كلما كنت أقرأ مقالة ممتعة بقلمه الرشيق , وأقول بيني وبين نفسي – ( لقد صقل عدنان موهبته الادبية الفذّة هذه في تلك القراءآت الهائلة ايام شبابه وباللغتين العربية والروسية !!!) , وأتذكر مرّة  اني قرأت تعليقا طريفا جدا لابنته كتبته في صفحتها بالفيسبوك الى ابيها تقول فيه  ما معناه – ( هل رأيت في المنام  أمس بيلينسكي حتى بدأت تكتب بهذا الزخم ؟ ) , وهو تعليق يمتلك دلالة عميقة جدا – في رأي الشخصي – ويرمز الى تلك التقاليد الثقافية الاصيلة, التي زرعها القارئ  والمثقف الكبير عدنان عاكف في نفوس افراد عائلته  .
 مقالات الدكتور عدنان تتميّز قبل كل شئ بالنظرة الساخرة الذكية والطريفة بالرغم من انه يتناول فيها مواضيع علمية كبيرة ومهمة جدا او سياسية حادة تقف امام المجتمع العراقي اليوم , فقد كتب مثلا في التاريخ العلمي العربي ( حسب التعبير الدقيق والحاذق والصائب للاستاذ صائب خليل ) مقالات عميقة ومبتكرة بكل معنى الكلمة , ولكنه استطاع ان يمنحها اطارا مرحا و( خفيف الظل!!) ان صحّت التسمية , وهي موهبة نادرة بين الباحثين , منها على سبيل المثال وليس الحصر مقالة بعنوان  – ( من شرم ( بفتح الشين والراء والميم) الشيخ ) , وهي مقالة مهمة وعلمية ( دسمة !) يمكن ان يكتبها شخص متخصص في العلوم الجيولوجية فقط بمستوى الدكتور عدنان ليس الا , وهناك امثلة عديدة اخرى في مجال التاريخ العلمي العربي , اشير هنا فقط الى عناوينها , اذ لا مجال للتحدّث عنها اكثر من ذلك في اطار مقالتنا هذه , والعناوين هي – ( اللهم ارزقنا بعصر جليدي جديد ) , و - ( الذي رأى على ظهر جبل سمكة ) , و – ( قوموا انظروا كيف تزول الجبال ) , و – ( المسلمون الاوائل وكروية الارض ) وهي مقالة بثلاث حلقات , و – ( الكندي رائد علم المعادن ) , و – ( اناث وذكور في عالم المعادن والاحجار) , وغيرها . ولا نريد ان نتوقف هنا عند مقالات ذات مواضيع اخرى , مثل المقالات السياسية او مقالات رثاء ووداع صادقة وجميلة ومؤثرة لبعض الاصدقاء الراحلين ( مثل مقالته بعنوان – ذكريات من غرفة مهدي محمد علي ) , و كل هذه المقالات تمتلك نفس الاهمية , اذ انها تحمل نفس النظرة العلمية والموضوعية والجمالية التي تميّز بها , ولكننا نود اختتام مقالتنا بالاشارة ( والاشادة  ايضا) بكتاب ترجمه الدكتور عدنان عاكف عن الروسية بعنوان – ( الحياة الروحية في بابل ) للباحث الروسي كلشكوف , ونشرته دار المدى عام 1995 , ويقع في 183 صفحة . ان طبيعة هذا الكتاب تبين – بلا شك – الثقافة الموسوعية للدكتور عدنان اولا , وارتباطه الروحي الاصيل بجذور الحضارة الرافدينية ثانيا , وباختصار , فان الدكتور عدنان عاكف استطاع ان يشيد لنفسه مكانة لائقة بموهبته في صرح تاريخ الثقافة العراقية المعاصرة.
وداعا ايها المتخصص المتميز الكبير في علوم طبقات الارض , يا ابن جامعة موسكو البار ورافع رايتها العلمية الحقيقية. وداعا ايها الكاتب العراقي الاصيل , الذي وظّف موهبته  -  وبكل تواضع العلماء - لانارة طريقنا القومي والوطني شبه المعتم . وداعا ايها السياسي – القديّس , والذي وجدته مرّة يبكي في غرفته بجامعة موسكو نهاية الستينات بسبب الانشقاق في حزبه الشيوعي!!!

110
تولستوي الاول والثاني والثالث في الادب الروسي
أ.د. ضياء نافع
هذا موضوع طريف وغريب في آن واحد , و يرتبط بالادب الروسي بالذات , فلا توجد هذه الظاهرة مثلا في الادب العربي بتاتا , اذ لا يمكن عندنا تكرار اسم واحد لكاتبين اثنين, وفي الادآب الاخرى يجري عادة الحاق كلمة اخرى بالاسم في حالة تشابهه مع اسم آخر من اجل  تمييّز الاسمين , فيقولون فلان الابن , مثلا الكسندر دوما الاب والكسندر دوما الابن ( في الادب الفرنسي ) , اما في الادب الروسي , فان اللقب يبقى نفسه ويتكرر , والتمييز بينهم – بالنسبة للروس - يرتبط باسم الكاتب واسم ابيه فقط , وهي قاعدة ثابتة باللغة الروسية لا يمكن تغييرها ابدا, ويتقبلها الانسان الروسي – بشكل او بآخر - على انها أمر طبيعي جدا , فيقولون مثلا - فلان فلانوفيتش للمذكر وفلانه فلانوفنا للمؤنث ( اي الاسم واسم الاب معا حسب قواعد المذكر والمؤنث ) , اذ انهم ينادون بعضهم البعض هكذا حتى في مسيرة حياتهم اليومية الاعتيادية , و هي واحدة من مشاكل الاجانب المعقّدة , الذين يتعاملون مع الروس باللغة الروسية في داخل روسيا او خارجها, ويا طالما وقعنا – نحن الاجانب - باحراجات شديدة ومطبّات محرجة جدا بسبب ذلك التخاطب المركب (ان صحّت هذه التسمية لغويا طبعا)  بين الروس.
مقالتنا تتناول لقب (تولستوي) مثلا على هذه الظاهرة في الادب الروسي . تولستوي الذي يعرفه القارئ العربي جيدا هو ليف نيقولايفتش تولستوي (1828 – 1910) , وهو عملاق الادب الروسي والعالمي ايضا ,   ويرتبط  اسمه  حتى بالعديد من الآداب القومية في العالم ومسيرتها , بما فيها طبعا الادب العربي , وهو مؤلف الرواية العظمى  ( الحرب والسلم) وبقية النتاجات المعروفة عالميا , وتقع مؤلفاته الكاملة باللغة الروسية في تسعين مجلدا . هذا ال ( تولستوي) هو الثاني ( وليس الاول) في تاريخ الادب الروسي حسب التسلسل الزمني , ولا نجد ضرورة التوقف عنده هنا , والتحدّث عن خصائص ابداعه ( انظر مقالاتنا العديدة عنه , ومنها – تولستوي والتولستوية / تولستوي فيلسوفا / تولستوي بقلم الاديب الفرنسي اندريه مورا / تولستوي وغاندي / تولستوي وتشيخوف / تولستوي يرفض حقوق التأليف .. وغيرها) , اما تولستوي الثالث حسب هذا التسلسل فهو أليكسي نيقولايفتش تولستوي ( 1883 – 1945 ) , والذي يمكن ان نطلق عليه التسمية العربية الجميلة - ( الكاتب المخضرم ) , اذ انه عاش في الامبراطورية الروسية واصبح كاتبا فيها , وهاجر من روسيا بعد انتصار ثورة اكتوبر 1917 احتجاجا ضد الثورة مثل معظم المثقفين الروس آنذاك, ولكنه سرعان ما اختلف معهم و اصطدم بهم في المهجربسبب العلاقة العضوية المتشابكة ( بين مفهوم الوطن وبين مفهوم النظام السائد فيه ), وهي مسألة ابدية و دائمية امام المهاجرين كافة  , وهكذا عاد تولستوي الى الاتحاد السوفيتي واصبح واحدا من ابرز الادباء فيه , بل انه شغل تقريبا الموقع الاول بين الادباء في الاتحاد السوفيتي بعد وفاة غوركي عام 1936 , وحاز على العديد من الجوائز الادبية , منها جائزة ستالين ثلاث مرات (اكبر واعلى جائزة ادبية في الاتحاد السوفيتي آنذاك ) . اشتهر تولستوي الثالث بروايات الخيال العلمي والروايات التاريخية وادب الاطفال والحكايات الشعبية والمسرحيات , وترجم الكاتب العراقي الكبير غائب طعمة فرمان اهم رواية تاريخية له ( وهي ثلاثية ) بعنوان - ( درب الالام) , وكانت روايتة الاخرى - ( بطرس الاول) آخر عمل ترجمي كامل تقريبا  لفرمان , ولكن رحيل غائب ادى الى عدم نشر الرواية في حينها , ولم تنشر لحد الان مع الاسف , رغم المحاولات التي قام بها اصدقاء غائب بشأن نشرها ( انظر مقالتنا بعنوان – مع عبد الله حبه في موسكو ) . ان تولستوي الثالث هو اسم كبير في تاريخ الادب الروسي الحديث , ويمكن القول انه معروف بشكل جيد للقارئ العربي , الا ان هذا القارئ لا زال بحاجة الى التعمق في معرفته والتوسع في دراسة جوانب شبه مجهولة في ابداعه مثل مسرحه او موقعه في مسيرة ادب الاطفال ودوره المتميّز فيه, اذ ان تولستوي الثالث هذا شخصية ادبية متعددة المواهب جدا, ولا مجال للتوقف عندها في اطار هذه المقالة, اذ اننا نود ان نتناول هنا ايضا كاتب آخر يحمل نفس هذا اللقب ( تولستوي ) , وهو تولستوي الاول حسب التسلسل الزمني في تاريخ الادب الروسي , والذي يعد شبه مجهول تقريبا للقارئ العربي مع الاسف , اذ اننا لم نجد له اعمالا ابداعية مترجمة الى العربية , وحتى لو وجدت , فانها لا ترسم للقارئ العربي صورة متكاملة له ولاهميته وقيمته في مسيرة الادب الروسي وتاريخه .
تولستوي الاول  هذا اسمه - اليكسي قنستونتينوفيتش تولستوي ( 1817 – 1875 ) , وهو روائي و شاعر وكاتب مسرحي و مترجم , وابتدأ بالنشر باللغة الفرنسية اولا , ثم بالروسية بعدئذ , وظهرت له في بداية اربعينات القرن التاسع عشر رواية قصيرة انتبه اليها  حتى الناقد الادبي الروسي الشهير بيلينسكي , والذي رأى فيها ( ..علامات موهبة رائعة رغم ان كاتبها لا زال في ريعان شبابه ..) , وهكذا بدأت نتاجاته بالظهور تباعا , واصبح واحدا من الكتّاب المسرحيين , الذين تعرض مسرحياتهم على خشبة المسارح في روسيا, وشاعرا معروفا بقصائده الرقيقة , ومترجما قدّم للمكتبة الروسية قصائد غوته وبايرون وبقية أعلام الشعر الاوربي , ولازالت نتاجاته الابداعية تتفاعل مع الحياة الروسية لحد اليوم .. 

111
أدب / بعد الحرب
« في: 17:27 19/04/2018  »
بعد الحرب
=======

قصيدة للشاعر الروسي – الالماني فالديمار فيبير
=============================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=====================

بعد الحرب
جميع التلاميذ في صفنا
كانوا يتامى -
 بلا أب,
 عداي انا
اذ كان لي اب,
ولهذا السبب
ضربني الجميع مرّة
ضربا شديدا مبرحا,
ولحد الان
لم انس
طعم الدم في فمي,
ولم انس
من الذي ضربني,
ولم انس
كيف ضربني,
لكني أعرف الان –
انهم
أكثر مني
يتألمون ,
عندما هم
يتذكرون...
==========================================================================================================================================================================================================
ولد فالديمار فيبير عام 1944 في سيبيريا بالاتحاد السوفيتي , وهو من اصول المانية , وانتقل الى موسكو حيث تخرّج في قسم اللغة الالمانية بجامعة اللغات الاجنبية, وأخذ يترجم الشعر الالماني الى الروسية , ثم بدأ بالعمل تدريسّيا لمادة ترجمة الشعر في معهد غوركي للادب , ثم انتقل للعيش في المانيا واستعاد جنسيته هناك , وهو الان يحمل الجنسيتين الروسية والالمانية , ويعيش بين المانيا وروسيا .
أصدر فيبير العديد من المجاميع الشعرية المؤلفة و المترجمة وباللغتين الروسية والالمانية , و ينشر نتاجاته المتنوعة ( شعرا ونثرا ) في المجلات الروسية الادبية الشهيرة , وقد تم  ترجمة بعض نتاجاته الى الفرنسية والانكليزية والبلغارية وغيرها من اللغات .
القصيدة هنا, وهي منشورة عام 2017 , بلا عنوان في الاصل , والعنوان من وضعنا , وهو مستمد من الشطر الاول للقصيدة كما هو واضح, والحرب التي يقصدها الشاعر في قصيدته هنا هي  الحرب العالمية الثانية , والتي يسميها الروس – الحرب الوطنية العظمى .

112
أدب / هايتي
« في: 12:38 14/04/2018  »
هايتي
=======

قصيدة للشاعر الفنزويلي  بيردو  لايا
=====================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=====================

انهمر يا مطر الوطن
 أقوى وأقوى
على قلبي الملتهب,
صب سيول الماء المنعش
على نار الذكريات
التي لا تنطفئ,
.........
هايتي..
مئات السنوات
وانا اكتب اسمك على الرمال,
والبحر كل يوم يمسحه,
والحزن كل يوم يمسحه,
وفي الصباح اكتبه من جديد
...................
...................
....................
هايتي ..
كلانا ننظر الى بعض
عبر زجاج البحر اللانهائي ,
وتبكي في عيوني رغبة واحدة –
لينهمر مطرك
على عطشي
الذي لا يرتوي ,
وعلى حزني
الذي لا ينطفي ..

113
الابداع
=====
قصيدة للشاعر الارجنتيني ايزيكييل مارتينيس ايسترادا (1895-1964)
=========================================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=======================
مثل النملة ,
محاولاتها
بلا هدف ولا جدوى -
كذلك أنا ,
وجهدي
ومحاولاتي ..
نعم -
هكذا
 أنا ,
ومن بعدي
لن يبقى -
لا شجر,
ولا كتب,
ولا ابن,
ولا مأوى..

114

الادب الروسي في الوعي الاجتماعي العراقي

أ.د. ضياء نافع

هذه ظاهرة عالمية بلا شك , اذ يرتبط  الادب الاجنبي بالوعي الاجتماعي في كل مجتمع من المجتمعات التي تتعرف عليه , و تحدث هذه العملية في كل مجتمع حسب ظروفه, و كم حاولنا – ونحن نعيش او نتعايش مع المجتمع الروسي  بشكل او بآخر منذ ستينات القرن العشرين ولحد الان – ان نوضح للروس من حولنا , ان ( السندباد البحري) لم يرجع الى البصرة بعد رحلاته الشهيرة ولا يعيش فيها في الوقت الحاضر , وان  ( السجّادة الطائرة او بساط الريح كما نسميها ) لا تهبط في مطار بغداد الدولي , وان ( الجواري ) لا يرقصن الان امام الخلفاء  , وان (حرامي بغداد ) يرتبط فقط بالافلام الامريكية التي عرضته آنذاك ( ولا زالت ترعاه وتعرضه لحد الان مع الاسف !!!)... ولكن محاولاتنا كانت تذهب سدى  دائما امام الانسان الروسي البسيط , الذي ترسخت في وعيه تلك الصور الفنية المدهشة الجمال لحكايات الف ليلة وليلة , والتي لا يمكن باي حال من الاحوال تغييرها في الوقت الحاضر , او حتى زحزحتها . وهذا هو الحال نفسه في الوعي الاجتماعي العراقي , اذ يرتبط الادب الروسي عند الانسان العراقي بثورة اكتوبر الاشتراكية عام 1917 في روسيا والاتحاد السوفيتي
 قبل كل شئ طبعا , اي ان هذا الادب يرتبط ايديولوجيا بالافكار اليسارية الاشتراكية والشيوعية بكافة اشكالها وصورها رغم كل الاحداث التاريخية الكبرى التي حدثت منذ 1917 ولحد الان في روسيا والاتحاد السوفيتي والعالم ,  هذه الاحداث التي أدّت الى تحولات اجتماعية هائلة في العالم قاطبة , بما فيها طبعا تقسيم الاتحاد السوفيتي نفسه الى خمس عشرة دولة مستقلة . صحيح ان المقارنة بين الوعي الاجتماعي الروسي (الذي لا زال يرتبط بحكايات الف ليلة وليلة ) , وبين الوعي الاجتماعي العراقي تكون في صالح العراق من حيث الفترة الزمنية, اذ ان العراقي قد انتقل  - مع ذلك - الى القرن العشرين , رغم ان هذه المقارنة من جانب آخر تعني , ان عظمة حكايات الف ليلة وليلة في تلك السنين  الخوالي البعيدة جدا تعني , ان الادب الروسي منذ القرن التاسع عشر صعودا الى عصرنا يمتلك نفس تلك العظمة ايضا , ولكن تلك المقارنة تبتعد بنا عن هدف هذه المقالة قليلا , ولهذا فاننا نعود الى ذلك الهدف , اي تحديد سمات الادب الروسي في الوعي الاجتماعي العراقي.
ابتدأ الوعي الاجتماعي العراقي تجاه روسيا بالتبلور تدريجيا  في اوائل القرن العشرين , عندما كانت الامبراطورية العثمانية الحاكمة في بغداد ( رجلا مريضا) , وهناك بالذات – وبتأثير من هذه الامبراطورية المتهاوية ومسيرتها التاريخية  - ولد تعبير ( المسقوفي ) عند العراقيين نسبة الى تسمية عاصمة روسيا ( مسقفا ) بالروسية (وهي تسمية دقيقة وصحيحة مقارنة بالتسمية الانكليزية ل( موسكو), وا لتي سادت بدخول الانكليز واحتلالهم لبلادنا ) , اي الموسكوفي باعتباره رمزا للقسوة والعنف  ( انظر مقالتنا بعنوان – روسيا في الوعي الاجتماعي العراقي ), اما الادب الروسي نفسه فقد بدأ بالتبلور في وعينا بعد وصول صدى الاحداث الهائلة في روسيا ,  واهمها طبعا ثورة اكتوبر 1917 الاشتراكية , ومحاولة اتصال بعض رجالات العراق بقادة تلك الاحداث بعد ثورة العشرين وكانوا لاجئين في ايران آنذاك, وهي وقائع معروفة ولا مجال للتوقف عندها هنا , وهكذا ظهرت بعض الاشارات الى الادب الروسي في عشرينات القرن العشرين , واهمها طبعا ما كتبه  محمود احمد السيد (1903 – 1937) وهو من اوائل الماركسيين العراقيين, والذي قدّم للقارئ العراقي (ترجمة عن اللغة التركية ) خلاصات لبعض نتاجات الادباء الروس مثل تورغينيف وتولستوي انطلاقا من مواقفه الايديولوجية  تلك, وقد طرح محمود احمد السيد حتى اسم لينين ضمن ادباء روسيا , وربما يمكن اعتبار ذلك ليس خطأ من قبل السيد وانما نتيجة حماسته لاسم لينين  ليس الا , اذ لا يمكن له عدم معرفة قائد الثورة البلشفية آنذاك ( وهذا موضوع قائم بحد ذاته وبعيد عن موضوعنا طبعا) . جاءت ثلاثينات القرن العشرين واصبحت الدولة العراقية الفتية اكثر نضجا , وابتدأ الوعي الاجتماعي بالتبلور والتمحور حول احزاب عراقية تمتلك برامج واضحة ضد الارتباط مع انكلترا بشكل او بآخر, ومنها طبعا الحزب الشيوعي العراقي , وازدادت معرفة الادب الروسي في تلك الفترة , والتي تميّزت بتنوع النشاطات الثقافية و الفنية والعمرانية , واصبح الادب الروسي راسخا في الوعي الاجتماعي العراقي باعتباره رمزا لنضال الشعب الروسي من اجل تثبيت ثورة اكتوبر وتحقيق اهدافها الاشتراكية, وازداد هذا الاحساس اثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها , عندما اصبح العراق سوقا للكتب المصرية والسورية واللبنانية , وعندما ابتدأ المثقف العراقي نفسه بالمساهمة في ذلك الاتجاه بشكل واسع وفعّال, وقد انتبهت الدولة العراقية آنذاك الى هذه الظاهرة الخطرة بالنسبة لها, وبدأت بمنع الادب الروسي وقمع القوى اليسارية , وهذا أدّى الى نتائج عكسية ( فالممنوع مرغوب ) , و قد أدّى هذا القمع الى توسيع تلك القوى وازدياد تأثيرها , وهكذا الى ان جاءت 14 تموز 1958 واحدثت انعطافا جوهريا في مسيرة الاحداث لصالح القوى اليسارية , وعلى الرغم مما جرى بالعراق في النصف الثاني من القرن العشرين , ظل الادب الروسي راسخا في الوعي الاجتماعي العراقي باعتباره ادب نضال مرتبط بثورة اكتوبر الروسية الاشتراكية ومسيرة الاتحاد السوفيتي بشكل عام , بغض النظر عن كل الوقائع والاحداث , وقد أدّت هذه النظرة الضيّقة و غير الموضوعية طبعا  للادب الروسي الى تحويل حتى بوشكين وليرمنتوف وغوغول وتورغينيف وغيرهم  من اعلام الادب الروسي في العراق الى ادباء مناضلين يدعون في كل نتاجاتهم واعمالهم الابداعية الى بناء الاشتراكية وانتصار الافكار الشيوعية  على وفق مبادئ ثورة اكتوبر 1917 البلشفية الروسية, اي تم تحويلهم الى ماركسيين – لينينيين , رغم انهم ولدوا و ابدعوا و رحلوا قبل ان يلد ماركس ولينين... 

115
ماياكوفسكي و قصيدته بعنوان – ( قصائد عن تباين الاذواق)
أ.د. ضياء نافع
نقّدم للقارئ اولا نص قصيدة ماياكوفسكي هذه  بترجمتي عن الروسية , ليطلع عليها, ثم ننتقل بعدئذ الى تاريخها والتأملات حولها والافكار بشأنها , وذلك كي يكون القارئ على بيّنة  بشأن الآراء التي سترد في هذه المقالة , والتي تعتمد على الفكرة الاساسية الكامنة في تلك القصيدة.
قصائد عن تباين الاذواق
=============
ماياكوفسكي
=======
قال الحصان
وهو ينظر الى البعير –
يا له من حصان عملاق هجين!
أما البعير
فقد صرخ قائلا-
أأنت حصان؟
أنت لست سوى بعير,
بعير
ناقص التكوين.
+++
ربّ السماء   
ذو اللحية البيضاء
وحده
 كان يعرف ,
انهما -
حيوانان
من جنسين
مختلفين.
=======
كتب ماياكوفسكي قصيدته القصيرة هذه عام 1928 عندما كان في زيارة لباريس , (اي قبل سنتين فقط من انتحاره , الذي حدث في عام 1930 ), ونشرها عام 1929 في مجلة  , ثم نشرها مرة اخرى في ديوانه الموسوم - (ذهابا وايابا ) الصادر في موسكو عام 1929 ايضا , وكانت هذه القصيدة في بداية الديوان , وكتب فوقها – ( بدلا من المقدمة ), اي انه اعتبرها مقدمة لديوانه هذا , وكل هذه الشواهد تبين الاهمية التي كان ماياكوفسكي يوليها لهذه القصيدة الصغيرة , والتي تبدو للوهلة الاولى وكأنها – كما كتب احد القراء الروس في تعليقه مرة حول هذه القصيدة قائلا  – (انها تبدو وكأنها قصيدة مرحة للاطفال ليس الا). ان اعتبار ماياكوفسكي لهذه القصيدة (بدلا من المقدمة ) يعني , فيما يعنيه , ان الفكرة الكامنة في تلك القصيدة تعبّر عن فكرة ذلك الديوان باكمله , والفكرة  هذه واضحة هناك وبشكل ساطع , وهي ان ( التباين) حقيقة ثابتة في الحياة, الا ان المشكلة هي عدم الاعتراف بذلك التباين من قبل (المتباينين !) , اي عدم الاعتراف بالرأي الاخر في المجتمع بغض النظر عن الواقع , فكل  جهة ترى نفسها فقط  لا غير وتخضع ( بضم التاء ) الاخرين لنظرتها تلك ليس الا , ف ( الحصان ) يرى ان ( البعير) هو ( حصان عملاق هجين ) , بينما يرى ( البعير) ان الحصان ( بعير ناقص التكوين ) . ان السخرية التي طرحها ماياكوفسكي من النظرة الاحادية للظواهر واضحة تماما , وهي فكرة لم يتناولها الشاعر في قصائده السابقة بتاتا , تلك القصائد التي كان يمجّد فيها فلسفة البناء الاجتماعي الجديد في بلده بالاساس ويتحّدث فقط عن نجاحاته وانجازاته الكبيرة , وكان ماياكوفسكي طبعا  يحاول ان يؤسس شعرا جديدا بموسيقية خاصة به , وهي محاولة عملاقة وجريئة قلّ نظيرها في تاريخ الشعر الروسي والعالمي بشكل عام , و رغم انه لم يستطع تحقيقها واقعيا , ولكنه حاول القيام بذلك وبكل شجاعة , وبالتالي , فانه يمتلك شرف المحاولة , و هذا بحد ذاته ليس بالشئ القليل في هذا المجال الفكري الخطير , والذي يلعب دورا هائلا في مسيرة المجتمعات الانسانية.
ختاما لمقالتنا هذه , اود ان اشير , الى اني سبق لي ان ترجمت هذه القصيدة ونشرتها في حينه , الا اني توقفت طويلا عند العنوان الذي وضعه ماياكوفسكي نفسه لقصيدته تلك , اذ ظننت ان كلمة ( قصائد) الموجودة في العنوان ربما ستربك القارئ , ولهذا , وضعت عنوانا آخر لها, هو ( اجناس مختلفة من الحيوانات ) , ولكني عدت الان الى العنوان الاصلي , والذي يكمل واقعيا الفكرة الكامنة في القصيدة , اذ انها فعلا (قصائد ) , ولكن الشاعر أضاف - ( عن تباين الاذواق ) ومن الواضح انه كان يقصد ( عن تباين وجهات النظر). 

116
قصائد هايكو يابانية من القرن الثامن عشر
=========================

ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=====================


أضاء البرق
وجه بوذا
في ظلمة الحقول البعيدة.
+++++++
+++++++
غرقت اوراق الشجر,
هناك في القعر,
وغطّت الحجر.
+++++++
+++++++
ذبابة شتوية
تدور وتطن حولي هكذا
ونحن في البيت وحدنا..
+++++++
+++++++
البقرة التي بعتها,
عبر الضباب يمضون بها,
من قريتنا.
+++++++
+++++++
عاقبت الطفل ,
لكني ربطته بالشجرة هناك
حيث يهبّ الهواء العليل.
+++++++
+++++++
من اجل ان نستقبل البلبل
كما يجب,
نمسح غبار السياج.
+++++++
+++++++
مطر الزوابع
أعاد الحياة للحصان
الذي سقط وكاد ان يموت.
+++++++
+++++++
الفراشات تتطاير هنا وهناك.
انهم يبحثون
عن الربيع الذي مضى.
+++++++
+++++++
الثلج المتساقط منذ المساء
تحوّل في الصباح الى ماء.
الربيع هو المذنب.
+++++++
+++++++
قمر ساطع
طوال الليل عند البركة,
وأنا أتسكّع متأمّلا.
+++++++
+++++++

117
تشيخوف  بين الطب والادب
أ.د. ضياء نافع
كيف اختار تشيخوف ( 1860 – 1904 ) الدراسة في كلية الطب بعد انهاء المدرسة ؟ وهل خطط في شبابه كي يصبح طبيبا ؟ ولماذا لم يمارس هذه المهنة الانسانية لاحقا بعد ان تخرّج واصبح طبيبا ؟ وهل انعكست مهنته هذه على مسيرة نشاطه الابداعي في مجال الادب ؟ هذه الاسئلة كانت ولا زالت تدور في الاوساط الادبية الروسية والعالمية حول تشيخوف , الذي يعد الان واحدا من الادباء الروس الكبار , و من ادباء العالم البارزين ايضا .
كتب تشيخوف سيرة حياته بشكل وجيز , وأشار هناك , الى انه ( لا يتذكر!) لماذا اختار دراسة الطب عندما أنهى المدرسة, ولكنه أضاف – ( انه لم يندم على ذلك ) . وقد تناول الباحثون في ادب تشيخوف
هذه الاشارات الوجيزة بالدراسة و التحليل , وتحدثوا عن اسباب اختياره لمهنة الطب , وربطوها بوضعه الصعب في مدينة تاغنروغ , اذ بقي فيها تشيخوف وحيدا كي ينهي المدرسة , بعد ان سافرت العائلة الى موسكو بسبب افلاس والده , وقد عانى تشيخوف كثيرا في تلك الفترة طبعا من جراء ذلك , وربما  كان هذا الوضع هو الذي دفعه الى اختيار مهنة الطب والالتحاق في كلية الطب بمرحلة الصبا تلك , اذ ان مهنة الطبيب تضمن العيش الكريم اقتصاديا , اضافة الى احترام الآخرين لهذه المهنة المهمة والضرورية لحياة الناس, ولكن تشيخوف – على ما يبدو - لم يرغب بكتابة هذه التفاصيل الصغيرة والشخصية جدا في سيرة حياته الوجيزة تلك , ولهذا اختصر كل ذلك بجملة ( لا يتذكر) , اذ كيف يمكن للانسان ان ( لا يتذكر ) تلك الفترة التي يقرر فيها اختيار مهنة المستقبل ؟ , ولكن الجملة الثانية هي المهمة  والحاسمة في هذه السيرة الذاتية الوجيزة , اي – ( انه لم يندم على ذلك ) . لقد كان تشيخوف يفخر بمهنته تلك , وكتب بعد تخرجه لوحة علّقها على باب سكنه , وهي – الدكتور أ.ب. تشيخوف , وبدأ يمارس مهنته طبيبا , وأجاب على رسالة سوفورين , الذي نصحه ان يترك مهنة الطب ويتفرغ للادب قائلا – ( انت  تنصحني الا اركض وراء ارنبين , والا افكر باشتغالي في الطب , ولا أعرف لماذا يجب عليّ الا اركض وراء ارنبين بالمعنى الحرفي للكلمة , اذا كان الركض ممكنا ....؟ فانا راض عن نفسي عندما اعي , باني امتلك عملين وليس عملا واحدا. مهنة الطب زوجتي .., اما الادآب فعشيقتي , وعندما تضجر من واحدة , تذهب للمبيت عند الاخرى .....) , وعلى الرغم من ان رسالة تشيخوف ذات طابع مرح وساخر جدا وتحمل روح الشباب , الا انها من جانب آخر تعبّر فعلا عن موقفه آنذاك . لقد بدأ تشيخوف بنشر قصصه القصيرة عندما كان طالبا في الكلية الطبية , ونجح فعلا - و بشكل باهر - في المجالين الطبي والادبي معا, ولم يفكر بالتفرغ في مجال واحد , اذ كان في قمة شبابه آنذاك , وكان على قناعة تامة انه يستطيع ان يؤدي  في آن واحد ( عملين وليس عملا واحدا ) كما كتب في رسالته تلك , ولكن استمرار النجاحات الكبيرة في المجال الادبي أخذ يطغي على عمله في الطب تدريجيا  , وقد حاول توحيد المهنتين , عندما قرر السفر الى جزيرة سخالين والتعرف على الحالة الصحية والاجتماعية للسجناء وسكان تلك الجزيرة النائية , وأصدر بعد السفرة كتابه الشهير بعنوان – ( جزيرة سخالين ) , والذي تميّز عن كل كتبه السابقة واللاحقة –, والذي تضّمن احصائيات علمية فريدة مستندة على الاف الاستمارات  عن الوضع الصحي والاجتماعي للسكان هناك وضعها تشيخوف نفسه , وكتب عن هذه السفرة يقول – ( ان العلوم الطبية لا يمكن ان تؤنبني باني خنتها ) , واعتبر تشيخوف كتابه هذا بمثابة اطروحة دكتوراه في الطب , وان هذه الاطروحة تؤهله حتى للعمل تدريسيا في الكلية الطبية ,  الا ان المجلس العلمي للكلية رفض طلبه هذا , ويقول أحد الباحثين الروس , ان رفض المجلس العلمي لكلية الطب قد خدم الادب الروسي خدمة عظيمة , لانها أجبرت تشيخوف  على تكريس كل جهده للعمل الابداعي والى الابد ,  وهوعلى حق فعلا . لقد ابتدأ تشيخوف في بداية تسعينات القرن التاسع عشر الاقتراب من فكرة التفرغ للعمل الادبي وترك مهنة الطب , لانه اصبح في عداد الادباء الروس الكبار , وابتدأت نتاجاته توفر له ضرورات الحياة الطبيعية , ونجد في احدى رسائله عام 1892 الجملة الاتية – ( ...ان مهنة الطب تعرقل مهنة الكتابة ..) , وقد كتب تشيخوف هذه الجملة عندما انتشرت الكوليرا في روسيا , وكان مضطرا ان يعمل ويسافر الى مناطق مختلفة , وترك تشيخوف اخيرا مهنة الطب عندما سافر للعيش في يالطا بسبب مرضه  , ولكنه استمر بمتابعة كل ما هو جديد فيها.
كتب تشيخوف مرّة يقول – (.. ان العلوم الطبية كانت تمتلك تاثيرا جديا على نشاطي الادبي , انها وسّعت مجال ملاحظاتي ..ومنحتني القيمة الحقيقية التي يمكن ان يفهمها الطبيب فقط , وبفضل ذلك نجحت في عدم الوقوع بالاخطاء.. ). وقال احد الاكاديميين مؤكدا ما ذكره تشيخوف في جملته تلك –  (تشيخوف يصوّر مرض وموت ابطاله بدقة علمية ) .
الطبيب تشيخوف فقط كان يمكن ان يكتب قصصا دقيقة ورائعة مثل - (ردهة رقم 6) و (رجل في علبة) و (الراهب الاسود) وغيرها من النتاجات الابداعية التي لا زالت حيوية لحد الان.

118
أدب / عراة في الربيع
« في: 19:36 26/03/2018  »
عراة في الربيع
===========

قصيدة للشاعر الروسي المعاصر ميخائيل بوجكاريف
==============================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=====================

لماذا
 تتوهج الجبال ؟
لماذا
 ينبعث من الانهار
دخان؟
-لانهم
 في الربيع عراة,
وكأنهم -
انسان.
==================
=====================
ميخائيل بوجكاريف – سكرتير الجالية  الناطقة بالروسية في جمهورية الجبل الاسود , وهي جالية كبيرة تضم عدة الاف من مواطني روسيا الاتحادية , الذين يسكنون ويعملون في دولة الجبل الاسود . بوجكاريف – شاعر وموسيقي وصحافي و شخصية بارزة في مجال العلاقات بين روسيا وصربيا والجبل الاسود , اضافة الى انه متخصص ( يحمل شهادة الدكتوراه) في  العلوم البيطرية . القصيدة المنشورة هنا من ديوانه الموسوم – ( الى الجبل الاسود مع الحب ) , الصادر بالروسية في جمهورية الجبل الاسود عام 2017 .

119
أدب / البيت الذي احترق
« في: 17:42 23/03/2018  »
البيت الذي احترق
===========

قصيدة للشاعر الكازخستاني المعاصر بختيار اسلاموف
==============================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
========================

هناك -
حيث احترق بيتي,
سيبني شخص ما بيتا,
وسوف يستقبل السنة الجديدة
مع الاطفال
 هناك.
+++
هناك -
حيث احترق بيتك,
سيبني شخص ما بيتا,
وسوف يصغي للموسيقى,
ويقرأ الاشعار
هناك.
+++
هناك -
حيث احترق بيتنا,
نحن لن نبني بيتا,
كي تنبت هناك
 الازهار..
=======================================================================================================================
===============================================================================
القصيدة منشورة في مجلة ( نوفايا  يونّست) الروسية / العدد 3 لعام 2017 / ولا توجد معلومات هناك حول الشاعر , الا ان اسم الشاعر( وهو من مدينة ألمآتا – عاصمة كازخستان السابقة ) تدل على انه شاعر كازخستاني شاب يكتب بالروسية , اذ ان مجلة ( نوفايا  يونّست) تعنى بادب الشباب. / القصيدة في الاصل بلا عنوان , والعنوان هنا من وضعنا .

120
تماثيل تولستوي في موسكو     
أ.د. ضياء نافع
توفي ليف تولستوي عام 1910 عن عمر ناهز 82 سنة , وعمل النحّات الروسي ميركورف  رأسا قناعا لوجهه كما يفعلون عادة عند وفاة الناس المشهورين , اذ كانت فكرة اقامة تمثال لتولستوي موجودة لدى هذا النحّات آنذاك , وفعلا بدأ ميركوروف بعمل التمثال المطلوب وانتهى منه بعد سنتين من العمل , واعلن أحد الاغنياء الموسكويين استعداده لاقامة ذلك التمثال على نفقته الخاصة في احدى ساحات موسكو , ولكن منظمة ( اتحاد الشعب الروسي ) , والتي كانوا يسمونها ب ( جورنوسوتيني ) اي ( ذوي الرداء الاسود ) اعلنت انها ستنسف هذا التمثال رأسا حال الانتهاء من تشييده , وذلك لان تولستوي كان ( ضد الكنيسة الارثذوكسية الروسية وابتعد عنها وخرق تعاليمها !) , وهو موقف اتخذته الكنيسة الروسية آنذاك – كما هو معروف -  من تولستوي نتيحة اجتهاداته الفلسفية ( انظر مقالتنا بعنوان تولستوي فيلسوفا ). وهكذا اتخذت السلطات المحلية لمدينة موسكو ( الدوما ) قرارا بالتحفظ على اقامة هذا التمثال نتيجة لذلك وتأجيله , خصوصا وان الوضع السياسي في روسيا كان قبيل الحرب العالمية الاولى متوترا بما فيه الكفاية , لكن بعد الحرب العالمية وثورة اكتوبر 1917 واعلان الدولة السوفيتية وبداية استقرار الوضع العام فيها ,عادت روسيا الى فكرة تنفيذ هذا التمثال نفسه , وهكذا تم افتتاحه فعلا عام ( 1928 ) في موسكو ( قرب البيت الذي عاش فيه تولستوي من 1882 الى 1901 ) , وهو اول تمثال يقام لتولستوي في روسيا  بعد 18 سنة من تاريخ وفاته . يجسّد هذا التمثال تولستوي واقفا وهو يرتدي زي الفلاحين الروس ويضع كلتا يديه في حزامه , وهي وضعية موجودة في عدة صور مشهورة لتولستوي , بما فيها صورة فوتوغرافية معروفة له مع مكسيم غوركي ( هذه اللقطة معروفة حتى للقراء العرب لانها منشورة في الكثير من المصادر العربية حول الادب الروسي ) . بقي هذا التمثال الوحيد لتولستوي في موسكو الى عام 1956 , اذ قرر ادباء اوكرانيا ان يقدموا لادباء موسكو هدية بمناسبة ذكرى  مرور 300 سنة على وحدة اوكرانيا وروسيا , والهدية هذه هي تمثال لتولستوي امام بيت آل روستوف ابطال رواية الحرب والسلم , والذي وصفه تولستوي تفصيلا في روايته تلك . وهكذا ظهر في موسكو تمثال ضخم لتولستوي وهو جالس على كرسي وفي حالة تأمل عميق , ولا زال هذا التمثال قائما في موسكو , وهو التمثال الثاني له . في عام 1972 , وكانت روسيا تحتفل بالذكرى 144 سنة على ميلاد تولستوي تم تدشين تمثال كبيرللكاتب في نفس مكان التمثال الاول بموسكو, اي قرب البيت الذي عاش به كما ذكرنا اعلاه , اما التمثال الاول له , فقد تم نقله الى باحة متحف تولستوي بموسكو . التمثال الثالث هذا يجسّد تولستوي وهو جالس على كرسي , والتمثال مصنوع من الكرانيت الرمادي الغامق , ويعد واحدا من ابدع النصب الموجودة في موسكو . وهكذا اصبح لتولستوي ثلاثة تماثيل كبيرة في موسكو , اضافة طبعا الى الكثير من التماثيل النصفية له في مؤسسات ثقافية مختلفة, مثل ( دوم ليتيراتورف ) ( بيت الادباء ) , وعدة جامعات ومكتبات عامة , وكل ذلك في موسكو فقط , اما في عموم روسيا , فحدّث ولا حرج , كما يقول تعبيرنا الطريف!
هكذا تكرّم الامم عباقرتها و مفكريها , و هكذا تحافظ على ذكراهم في مسيرتها اليوم وغدا والى الابد...

121
أدب / هكذا هي الطيور
« في: 22:12 19/03/2018  »
هكذا هي الطيور
قصيدة للشاعرة الالمانية المعاصرة  اوللا  هآن
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع


تهدي اليّ
 الازهار,
لكن شجيرات الازهار
تبقيها لديك.
تهدي اليّ
 التفاح
الذي يتساقط
في حديقتك .
لكنك
لا تهدي اليّ -
لا الاشجار,
ولا البيت,
ولا الاطفال..
كلماتك رقيقة
مثل شدو طير بعيد.
+++
أقول لك أنا –
كن معي لفترة أطول,
وبعدئذ اختفي.
وهكذا هي الطيور-
تلتقط الثمار الناضجة
وتحملها الى افق بعيد.
 ولدت الشاعرة الالمانية اوللا هآن عام 1946 // شاعرة و روائية // عنوان القصيدة المنشورة هنا بالاصل هو – بداية اكتوبر . 

122
لوحة تذكارية لغوغول في باريس
أ.د. ضياء نافع

توجهت اللجنة الادبية الفرنسية – الروسية الى وزارة الثقافة الروسية بطلب لتمويل مقترحها بشأن نصب لوحة على جدار العمارة التي سكن فيها الكاتب الروسي غوغول اثناء توقفه في باريس عام 1836 , وقد وافقت الوزارة الروسية على هذا الطلب الحضاري الطريف , وهكذا تعاونت الوزارة مع السلطات البلدية للعاصمة الفرنسية وبتنسيق بين الجانبين من قبل اللجنة الادبية الفرنسية – الروسية على تنفيذ هذا المقترح الجميل , اذ انطلقت وزارة الثقافة الروسية من فكرة الحفاظ على كل شئ يخص كبار الادباء الروس والمعالم المرتبطة بهم في العالم , وانطلقت السلطات البلدية الفرنسية من فكرة التأكيد على ان باريس كانت ولا زالت مركزا عالميا يحتضن كل الظواهر الحضارية في العالم, وان هذه المدينة تؤدي دورها في الحفاظ على كل معالم الثقافة العالمية .
تم افتتاح هذه اللوحة التذكارية عام 2013 , وقد حضر حفل الافتتاح مندوب بلدية باريس والسفير الروسي ورئيسة اللجنة الادبية الفرنسية – الروسية وجمع من المثقفين الفرنسيين والروس ومجموعة من محبي الادب الروسي والمتابعين له , وازيحت الستارة عن تلك اللوحة التذكارية , والتي كتب عليها بالفرنسية , ان الكاتب الروسي نيقولا غوغول قد عاش في احدى شقق هذه البناية من شهرتشرين الثاني / نوفمبر  من عام 1836 الى شهر شباط / فبراير  من عام 1837 , واعقب هذا الافتتاح القاء كلمات تناولت هذا الحدث الثقافي والتاريخي الجميل. أشار مندوب بلدية باريس في كلمته  الى ان هذه الاشهر القليلة التي عاش فيها غوغول هنا ( تكفي لنا نحن الفرنسيين ان نحتفل – وبفخر - بذلك , ونحن سعداء بتحويل هذا المكان الباريسي الى معلم من المعالم الذي يرتبط بتاريخ الادب  الروسي ومسيرته , وبغوغول بالذات ..) , اما السفير الروسي , فقد أشار في كلمته الى ان غوغول قد اصبح كاتبا عالميا , وان كل نتاجاته مترجمة الى اللغة الفرنسية , ويعرفه الجميع هنا , ولهذا فان هذه اللوحة التذكارية هي تأكيد على هذه الواقع , وهي في نفس الوقت شرف لباريس واحترام كبير للادب الروسي معا , وتناولت رئيسة اللجنة الادبية الفرنسية – الروسية في كلمتها شهرة غوغول في فرنسا , وقالت , ان الفرنسيين يستشهدون الان باقواله , وانه مع بوشكين وتولستوي ودستويفسكي يشغل مكانة متميزة في مجمل المكتبة الفرنسية بشكل عام وحتى في الكتب المنهجية الفرنسية , والان سيبدأ الفرنسيون بزيارة هذا المكان الباريسي المرتبط بغوغول شخصيا وبابداعه.
اهتمت الاوساط الادبية الروسية طبعا بهذا الحدث , وتم نشر الخبر في مختلف وسائل الاعلام , وأشار بعض الباحثين الروس الى ان غوغول قد ابتدأ في باريس بالذات بكتابة روايته الشهيرة ( الارواح الميتة ) , وانه وضع هناك سطورها الاولى , وكتب آخرون , ان هذه الخطوة تعني – فيما تعنيه – ان غوغول لازال حيّا في القرن الحادي والعشرين ,  وهي ملاحظة صحيحة وجديرة بالاهتمام فعلا , اذ ليس كل الادباء الكبار يتميزون بهذه الصفة الفريدة .

123
أدب / الناس الذين احبهم
« في: 13:52 17/03/2018  »
الناس الذين احبهم
قصيدة للشاعر جونك هو- سينغ / كوريا (مواليد 1950)
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع


لا احب الناس الذين
 بلا ظل.
لا احب الناس الذين
 لا يحبون الظل,
واحب الناس الذين
 هم انفسهم اصبحوا ظلا
للاشجار.
ضياء الشمس
 ساطع
 بفضل الظل..
فعندما تقف في الظل,
ترى لمعان شعاع الشمس
 في  حركة اوراق
 الاشجار.
+++
لا احب الناس الذين
 لا يذرفون الدموع ,
لا احب الناس الذين
لا يحبون الدموع ,
والسعادة ليست سعادة
عندما تكون بلا دموع .
هل يوجد حب
 في اي مكان
 بلا دموع؟
أليس تجسّيد الجمال
عند الانسان –
هوعندما يكفكف الانسان
دموع انسان؟

124
الاديب الالماني هاينريش بول يكتب عن تشيخوف
أ.د. ضياء نافع
هاينريش بول ( 1917 – 1985 ) روائي وقاص الماني معروف , وقد حاز على العديد من الجوائز الادبية , منها جائزة نوبل للآداب عام 1972 . كتب هاينريش بول عن تشيخوف في رسالة الى الصحافي الالماني اوربان في فرانكفورت بتاريخ 28 / 12 / 1983 ,وذلك بمناسبة مرور 125 سنة على ميلاد تشيخوف , الا ان هذه الرسالة لم تنشر اثناء حياة الاديب الالماني , وقد تم نشرها قبل فترة قصيرة ليس الا , واعادت نشرها مجلة ( الادب الاجنبي ) الروسية في عددها المرقم (12) لعام 2017 . نقدم للقارئ العربي خلاصة لهذه الرسالة , لاننا نرى فيها ملاحظات فنية دقيقة وطريفة وموضوعية لكاتب الماني كبير و معاصر حول تشيخوف , ونعتقد ان هذه الآراء تستحق فعلا الاطلاع عليها لاغناء معرفتنا بابداع تشيخوف.
يبتدأ  الاديب الالماني رسالته بالاشارة الى انه لم يكن يمتلك نقودا لشراء الكتب في شبابه , ولكنه استطاع الحصول عندما كان عمره 17 – 18 سنة على عدة اجزاء من قصص تشيخوف , وقد طالعها باهتمام كبير, ولكنها بقيت غير مفهومة بالنسبة له , و بعد القراءة , تبلور لديه رأي  محدد عن تشيخوف  يتلخص في انه – ( كاتب جاف وبارد وروتيني ) , ولم يتقبّل النهايات ( المفتوحة !) لقصصه , وهي ملاحظات طريفة واستنتاجات تتكرر عند الكثير من قراء  تشيخوف في بداية اطلاعهم على قصصه , ولكن هاينريش بول يشير , الى ان هذه النهايات بالذات هي التي أثارته في القراءآت اللاحقة لتشيخوف , وانه وجد فيها ( قوة السرد التشيخوفي ) , والتي أدّت به الى مقارنة تشيخوف بشوبان في الموسيقى , اذ ان البعض ايضا كان يعتبر شوبان ( موسيقارا غير جدّي !) عند الاستماع اليه للوهلة الاولى . يتحدث بول في رسالته تلك عن انطباعاته حول تشيخوف في السنوات اللاحقة , ويقول , ان نتاجاته هي الاقرب الى روسيا الحقيقية من نتاجات هؤلاء الذين يكتبون عن المشاكل الكبيرة والابطال والافكار , النتاجات التي يصفها بول بشكل ساخر وكما يأتي – ( المحشوة بالايدولوجيا التقليدية والجمود العقائدي ...), وانطلاقا من مفهومه هذا يحدد ان تشيخوف ( كاتب واقعي كبير) , ويقول انه هكذا ( يتصور الواقعية , ولا ضرورة للنقاش اسابيع حولها ) , ويشير انه حتى غوركي هو اقرب الى المدرسة الطبيعية مما للواقعية . ينتقل الكاتب الالماني بعد ذلك الى مسرح تشيخوف , ويقول , انه يحب قراءة مسرحياته , ويفضّل القراءة على المشاهدة على خشبة المسرح , ويوضح هذا الرأي الطريف والمتميّز فعلا قائلا , اته اثناء القراءة يتمكن من استيعاب افكار تشيخوف الدقيقة , التي يعبّر عنها همسا او بايماءآت هنا وهناك , اما العرض المسرحي , فان المخرج هو الذي يعرض نفسه هناك وليس تشيخوف , وهذه ملاحظة صحيحة فعلا , وقد تذكرت حديثا طريفا جدا جرى مرّة بحضوري في اروقة القسم الروسي بجامعة باريس في ستينات القرن العشرين , عندما تحدثت واحدة من زميلاتي من طلبة الدراسات العليا هناك ( وهي من أصل روسي ) عن مشاهدتها لمسرحية ( الدب ) الشهيرة لتشيخوف في احد المسارح الفرنسية , وقالت – ( عندما طلب الممثل كأسا من الفودكا , فان الخادم صبّ له الفودكا من سماور كان موجودا على الطاولة ) , وقد سألت الممثل عن ذلك , فقال – ( ان المخرج هو الذي حدد ذلك بغض النظر عن نص تشيخوف المسرحي , وذلك لأن الروس يستخدمون السماور دائما!!!) , والامثلة كثيرة في هذا الشأن , بما فيها عروض مسرحيات تشيخوف في العراق .
يختتم هاينريش بول رسالته تلك بالتوقف عند كتاب تشيخوف – ( جزيرة سخالين ) , والذي يعده كتابا مدهشا وغير اعتيادي كليّا , وهو على حق طبعا , اذ عرض فيه تشيخوف مهارته طبيبا وصحافيا واديبا , ويتمنى الكاتب الالماني ان يقرأ هذا الكتاب (كل الذين يصطدمون او يمتلكون اي علاقة بهؤلاء الذين نسميهم منفّذي العقوبات ) , ومن المعروف ان تشيخوف زار جزيرة المعتقلين النائية تلك وكتب وقائع الحياة الرهيبة فيها بشكل موضوعي ووثائقي , ولا زال هذا الكتاب يمتلك قيمته واهميته لحد الان , بل ان تشيخوف نفسه كان يعتبر كتابه هذا اطروحة دكتوراه  , و التي اراد يوما ان يحققها.
رسالة هاينريش بول حول تشيخوف – اضافة طريفة وذكية واصيلة من كاتب الماني في القرن العشرين للصورة الجميلة في وجداننا لكاتب روسي من القرن التاسع عشر.

125
المنبر الحر / تولستوي فيلسوفا
« في: 20:45 13/03/2018  »
تولستوي فيلسوفا
أ.د. ضياء نافع
يدخل اسم تولستوي ضمن مناهج الفلسفة وتاريخها في روسيا , جنبا لجنب مع بقية الفلاسفة الروس والاجانب الكبار , ويشّكل اسم تولستوي فصلا مهما وحيويا في تاريخ الفلسفة الروسية بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر , عندما ابتدأت أزمته الروحية (هكذا استقرت هذه التسمية في المصادر الروسية كافة حول تولستوي ) في سبعينات ذلك القرن , و أدّت به الى التفرّغ للكتابات والتأملات الفلسفية , التي ضمتّها بعدئذ اربعة مجلدات باكملها في مؤلفاته الكاملة , ومن بينها كتابه الشهير – ( الاعتراف) , الذي كتبه في نهاية السبعينات وظهر مطبوعا لاول مرة في جنيف عام 1884 , و طبع الكتاب خارج روسيا كان يعني طبعا , ان تولستوي لم يكن واثقا من امكانية طبعه ونشره عندئذ داخل روسيا نفسها نتيجة للافكار الجديدة والجريئة جدا فيه , رغم ان تولستوي كان اسما كبيرا ومشهورا ومؤثّرا آنذاك , ( لنتذكر كيف ظهرت بعض مؤلفات ادباء روس في اوربا  قبل ظهورها في روسيا مثل بعض نتاجات غيرتسين و باسترناك و سولجينيتسن وأخماتوفا و غيرهم... ).
يؤكد تولستوي في كتابه هذا , ان الاعتراف ضروري فعلا , وعلى الانسان الاقرار بالخطايا الشخصية له والاعتراف بها, ولكن امام نفسه فقط , وليس امام اي جهة اخرى مهما كانت ( وهو جانب مهم من جوانب اخرى كثيرة أثار الكنيسة الارثذوكسية الروسية في حينها واصبحت بالتالي ضد الكاتب) . لقد طرح تولستوي في كتابه هذا كل طريق بحثه الروحي والاخلاقي منذ مرحلة شبابه , عندما كان ( عربيدا كما هو معروف ! ) وحتى مرحلة نضوجه الفكري والروحي , وقد حاول تولستوي ان يجد اجابات عن كل ما كان يقلق روحه من اسئلة في العلم والفلسفة بشكل تفصيلي لدرجة , انه قرر ( عدم الذهاب الى الصيد حاملا الاسلحة كي لا يغريه هذا الاسلوب البسيط للتخلص من الحياة ) , اذ ان تولستوي كانت تراوده حتى فكرة الانتحار للتخلص من عبثية الحياة في تلك المرحلة من عمره , معتبرا ان الادب الذي يمارسه لا قيمة له.
 لقد كتب تولستوي في كتابه هذا كل الافكار التي كانت تدور في عقله ووجدانه , ويمكن تلخيص ذلك كله في كلمات محددة  , وهي ان الحياة غير ممكنة دون البحث عن معناها وجوهرها , وان البحث عن المعنى في الحياة يعني الشك في كل شئ فيها , حتى بالنسبة للايمان ,  بل انه طرح فكرة اثارت ردود فعل هائلة عندها , وهي , ان الوصول الى الرب يمر عبر الشك به اولا - ( عبر الشك بالرب نحن نصل الى الرب) , وهذا ما قاده في نهاية المطاف الى الابتعاد عن بعض تعاليم الكنيسة , والانفصام عنها , بل و التمرد عليها وعلى تفسيرها لتعاليم الديانة المسيحية وطقوسها و حتى بعض ثوابتها , ولم تصمت الكنيسة طبعا على افكار تولستوي المتمردة هذه, وكان رد فعلها قويا وعنيفا , اذ انها اعلنت رفضها المطلق لافكار تولستوي الفلسفية هذه جملة وتفصيلا , وهو ما أدّى في نهاية المطاف ( عندما توفي تولستوي )  حتى الى رفض الكنيسة الارثذوكسية دفنه وفق الطقوس المسيحية كما هو معروف .
لقد انعكست افكار تولستوي الفلسفية في نتاجات عديدة اخرى له طبعا , بل ان بعض الباحثين وجدوا كثيرا من المقاطع الفلسفية في رواياته وقصصه ورسائله , ونود ان نختتم هذه الملاحظات حول تولستوي فيلسوفا بمقطع من مذكراته , والتي كتبها في مقتبل عمره ( كان عمره آنذاك 27 سنة ليس الا ) , وهي تبين بلا شك سعة خياله و حجم افكاره وانطلاقتها المتناهية  , والمقطع هو كما يأتي – ( ... الحديث عن القدسية والايمان أدّى بي الى فكرة عظيمة وكبيرة , وانا أشعر باني قادر على تحقيقها وان اكرّس حياتي لها , والفكرة هذه – هي تأسيس دين جديد , ينسجم مع تطور الانسانية , ومع دين المسيح , لكنه منقّى ...., دين تطبيقي , لا يمنح الوعود بالنعيم  في المستقبل, وانما يخلق النعيم على الارض ...) .
 لقد عاش تولستوي 82 سنة باكملها , واستطاع ان يؤسس مفهوم التولستوية العالمي ( انظر مقالتنا بعنوان – تولستوي والتولستوية , ومقالتنا بعنوان – غاندي وتولستوي ) , وترك لنا ارثا فكريا ضخما من النتاجات الابداعية الحيوية , والتي لازالت تتعايش وتتفاعل مع الناس في روسيا وخارجها , ولازالت تحتاج الى تأملاتنا و دراساتنا وبحوثنا لسبر أغوارها والغوص في أعماقها واستنباط الدروس والعبر منها , وملاحظاتنا الوجيزة هذه عن جوانبها الفلسفية خير دليل على ذلك.

126
ميخائيل نعيمه والادب الروسي
أ.د. ضياء نافع
 عاش ميخائيل نعيمه 99 سنة باكملها, اذ ولد في القرن التاسع عشر عام 1889 وتوفي في القرن العشرين عام 1988 , وأصدر العشرات من الكتب ذات الموضوعات المختلفة والمتنوعة من قصة ومسرحية ورواية وشعر ومقالات في النقد الادبي والتأملات الفلسفية وعلم الاجتماع والسير الذاتية وغيرها , وذلك لأن ثقافته كانت متنوعة جدا وموسوعية بكل معنى الكلمة . تتناول مقالتنا علاقة ميخائيل نعيمه بروسيا فقط وادبها وفكرها , وتحاول ان تجد جوابا عن سؤال محدد , غالبا ما يدور في اوساطنا الادبية حوله , وهو – هل تأثرت نتاجات نعيمه بالادب الروسي بشكل خاص , والفكر الروسي بشكل عام , وذلك باعتبار روسيا وأدبها هي ( الحب الاول !) بالنسبة لميخائيل نعيمه ؟ .
درس نعيمه في المدارس الروسية , التي كانت منتشرة في فلسطين وسوريا ولبنان في  نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين, والتي كانت تنظمها وتشرف عليها الجمعية الارثذوكسية الفلسطينية في روسيا (توقفت هذه المدارس نتيجة للحرب العالمية الاولى وثورة اكتوبر الاشتراكية عام 1917  ) , وهي مدارس دينية تبشيرية مجانية ( مثل حال المدارس الكاثوليكية او البروتستانتية من الدول الغربية) , وكان ضمن مواد تلك المدارس مادة اللغة الروسية طبعا, وعادة ما يرسلون الخريجين المتميزين فيها للدراسة لاحقا في روسيا , وهذا ما حدث بالنسبة لميخائيل نعيمه ايضا , اذ تم ارساله للدراسة في منطقة بولتافا في اوكرانيا , والتي كانت ضمن الامبراطورية الروسية , حيث درس نعيمه في (السيمناريا الروحية) خمس سنوات ( حتى  عام 1911), و(السيمناريا الروحية) هذه هي مدرسة عليا دينية أرثذوكسية كانت موجودة في بولتافا , وترك روسيا وسافر الى امريكا رأسا, حيث عاش من عام 1911 الى عام 1932 , واكتسب هناك الجنسية الامريكية , ودرس في كلية القانون وتخرّج فيها , وبدأ نشاطه الادبي من امريكا عام 1914, وهذا كله يعني , ان نعيمه وصل الى روسيا عندما كان صبيا عمره 16 سنة ليس الا , وتركها بعمر21 - 22 سنة , وانه التحق بالجامعة  في امريكا بعد دراسته بروسيا , ولكن بعض المصادر تشير , الى انه درس في ( جامعة بولتافا ! ), وانه اطلع هناك على نتاجات الادباء الروس ومجمل الادب الروسي, وكل ذلك طبعا , معلومات غير دقيقة , اذ لم تكن هذه جامعة بالمعنى العلمي المتعارف عليه عالميا .
لا توجد لدينا معلومات تفصيلية عن طبيعة المناهج ومفرداتها في هذه المدرسة الدينية الارثذوكسية العليا, التي درس فيها نعيمه , الا ان اسمها يدل بلا شك ان الدراسة ومفرداتها كانت في اطار المفاهيم الدينية من وجهة النظر الارثذوكسية , وهناك مصادر تتحدث ان نعيمة لم يكمل دراسته هناك بسبب حب فاشل مع امرأة روسية متزوجة , وان مجلس المدرسة الدينية هذه رفض استمراره بالدراسة  , وكل هذه النقاط تقتضي التقصّي والتدقيق في سيرة حياة نعيمه حتما . لقد كتب نعيمه في كتابه  الذي يحمل عنوانا طريفا – ( أبعد من موسكو ومن واشنطن)  ما يأتي- ( ...ومن شعر بوشكين وليرمونتوف ونكراسوف أطللت على الكآبة العميقة في النفس الروسية , ومن روايات تورغينيف استطعت ان ادخل قصور الشرفاء , اما بيلينسكي – سيّد النقاد الروس بلا منازع - فقد كشف لي عن مواطن الصدق والخير والجمال في العمل الادبي , وماذا أقول عن تشيخوف – سيّد القصاصين الروس وغير الروس ....) ( المجموعة الكاملة / بيروت / مجلد 6 / 1978 / ص 209 ) , اما عن تولستوي , فقد كتب نعيمه ما يأتي في كتابه ( الغربال الجديد ) -  ( ...عظيم هو تولستوي لانه مثّل في شخصه , وفي أدبه , وفي حياته طبيعة الشعب الذي أنجبه ..وسيبقى عظيما لانه كاتب عظيم , ولانه حاول ان يحيا حياة العظماء من المصلحين والانبياء ..) ( المجموعة الكاملة / بيروت / مجلد 7 / 1979 / ص 375 ).
ان هذه الاستشهادات التي اوردناها ( والتي لا تتحمل طبيعة المقالة استشهادات كثيرة اخرى مماثلة موجودة في نتاجات نعيمه ) حول الادب الروسي صحيحة ودقيقة وموضوعية بلا ادنى شك , وهي تعني – فيما تعنيه – ان ميخائيل نعيمه قد درس الادب الروسي بعمق ومن مصادره الاصيلة, وانه واحد من الادباء العرب القلائل  الذين يعرفون خصائص هذا الادب واهميته وقيمته , الا ان هذا لا يعني بتاتا , ان نتاجاته متأثرة به كما يقول البعض من الباحثين العرب , ولهذا , فان  الجواب عن السؤال الذي طرحناه في بداية المقالة يصبح واضحا .
لقد اختط ميخائيل نعيمه اسلوبه وموضوعاته ومكانته في الادب العربي الحديث بنفسه ونتيجة لعبقريته الذاتية ومواهبه , بل انه حاول طرح نفسه عالميا ( يشير البعض الى رغبته الشديدة والكامنة في اعماقه للوصول الى مكانة رفيقه جبران خليل جبران ! ولكن هذا الشئ يتطلب الاثبات طبعا وبشكل موضوعي ودقيق ) .
نختتم مقالتنا هذه بالاشارة الى خبر يكاد ان يكون مجهولا للقراء العرب , وهو اقامة تمثال نصفي لميخائيل نعيمه في بولتافا باوكراينا عام 2011 , وفي المكان الذي درس فيه هناك , والذي تحوّل الان الى ألاكاديمية الزراعية , وهو اول تمثال له خارج وطنه لبنان .





127
أدب / في غرفة الشاعر
« في: 08:22 10/03/2018  »
في غرفة الشاعر
قصيدة للشاعر سيسار كالفو (1940 -2000 )// بيرو
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع


خمسون درجة من الفقر..
وصولا الى قلبي –
اصعدوا عليها,
بعدئذ –
الى اليسار...
.......
واذا قابلتم في الطريق
امي ,
التي تحوك لي قطعة من الرقّة
كي أضعها على كتف أحزاني,
اسألوها-
كيف الوصول الى غرفة الشاعر...
.......
واذا قابلتم ايفلين
التي توقف نظرها
على الربيع الذي مات..
اسألوها-
اين تعيش روحي
وكيف الوصول الى غرفة الشاعر ....
.......
واذا قابلتم الفرح
الذي يبكي,
او بحر الرمال,
فاسألوا
حبات الرمال
الى اين تذهبين ...
وعندها ستدخلون الى غرفة الشاعر..
.......
ها هي ذا الغرفة والمصباح
ومحبرة فيها دماء
واخرى فيها فراق,
وفي الزاوية – نسيج عنكبوت
اختلط فيه
 الغبار والدموع ,
وعلى المنضدة – ورقة
انحنى عليها
 رأس الزمان الثقيل..
تأملوا
 غرفة الشاعر,
لا تتكاسلوا,
تأملوا
   غرفة الشاعر....
........ ....
...........
 واذا لا تجدوني
هناك ,
اسألوا
اين انا اليوم
اوقد
الشعل و الحرائق.

128
أدب / رقص تحت المطر
« في: 15:26 04/03/2018  »
رقص تحت المطر
==============

قصيدة من شعر الهنود الحمر
=====================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
========================


نرقص
تحت قطرات
 المطر -
فرحا
 بهطول
المطر,
وبداية سقوط
  المطر
 الغزير.

المطر الغزير-
يروينا,
المطر الغزير-
يملأ
انهارنا
و بحيراتنا.
المطر الغزير-
يمنحنا
الماء
والغذاء.
بالمطر الغزير-
نبقى
احياء.

129
كنت في المؤتمر الخامس عشر لاتحاد ادباء روسيا
أ.د. ضياء نافع
استلمت دعوة كريمة من اتحاد ادباء روسيا لحضور المؤتمر الخامس عشر للاتحاد , والذي انعقد بتاريخ 15 شباط / فبراير من هذا العام (2018) في موسكو , وذلك باعتباري عضو شرف في ذلك الاتحاد , وقد حضرت طبعا – وبكل سرور - جلسات هذا المؤتمر , واستمعت طوال اليوم باكمله الى كلمات المشاركين في اعماله ونقاشاتهم المتشعبة حول مشاكل اتحاد ادباء روسيا و مسيرة اعماله وآفاق مستقبله لاحقا و انتخاب رئاسته ...
 انعقد المؤتمر في ( دوم  ليتيراتروف ) ( بيت الادباء ) , وهي بناية ضخمة تقع في قلب موسكو وذات مدخل مهيب جدا , وموجودة منذ العهد السوفيتي , حيث تضم قاعة كبرى للاجتماعات وقاعات اخرى خاصة للمطاعم ومعارض الكتب واكشاك مفتوحة بشكل فني بديع لبيع مختلف الكتب والمجلات والصحف , وتوجد على جدرانها صور كثيرة جدا للادباء الروس تم التقاطها في مناسبات متنوعة ومختلفة , اذ ان هذه البناية قد شهدت الكثير من الفعاليات الادبية والفكرية خصوصا في العهد السوفيتي , ولهذا فهي تضّم – وليس ذلك من باب الصدفة – تماثيل نصفية جميلة وفنية وفي غاية الاتقان مصنوعة من المرمر الابيض لكل من ماياكوفسكي وغوركي وتولستوي , وهم ادباء روس كبار كانت الآراء السوفيتية مستقرة في حينها حول اهميتهم ودورهم في مسيرة الادب الروسي وتاريخه , ولم أجد تماثيل لادباء روس آخرين , كانت الاوساط الادبية السوفيتية مختلفة بشأنهم مثل دستويفسكي , ولكن الشئ الجديد في تلك البناية بالنسبة لي كان ينعكس على جدار السلّم المركزي , والذي يؤدي الى الطابق الثاني حيث القاعة الكبرى, اذ وجدت هناك صورا لخمسة ادباء روس بحجم كبير مع اشارة الى سنين حياتهم (الحائزين  على جائزة نوبل للاداب) وهم كل من بونين وباسترناك وشولوخوف وسولجينيسن و برودسكي , وهكذا شاهدت اخيرا - وبامّ عيني - الاعتراف الرسمي لروسيا بهؤلاء الادباء الكبار, وتذكرت طبعا ( وانا ابتسم حزنا !) تلك المواقف المتشنجة والمتطرفة وغير الموضوعية التي رافقت تلك الاحداث في حينها في الاتحاد السوفيتي وفي الاوساط اليسارية في كل انحاء العالم , وكيف انعكست على مواقف الادباء والنقاد العرب وكتاباتهم , وتذكرت حتى قصيدة لعبد الوهاب البياتي (يلعن !) فيها رواية ( دكتور زيفاغو) لباسترناك , ويهدد بتحويل جماجمهم الى منافض للسجائر .
النقاشات التي دارت في جلسات المؤتمر الخامس عشر لاتحاد ادباء روسيا كانت تتمحور بالطبع حول شؤون هذه المنظمة , وقد تم افتتاح المؤتمر بالنشيد الوطني الروسي حيث وقف الجميع بخشوع واحترام واضح , ولاحظت ان بعض المندوبين يتمتمون بكلمات هذا النشيد بهدوء , وقد اخبرتني مندوبة شبه جزيرة القرم التي تحدثت معها في الممر في اثناء الاستراحة انها لا تقدر ان تصمت عندما تستمع الى النشيد الوطني , وانها تبدأ رأسا بالانشاد وبشكل واضح مع كلماته اعتزازا بروسيا وعودة القرم اليها, فقلت لها مبتسما اني لاحظت ذلك فعلا . من الواضح تماما , ان الاجواء التي كانت سائدة في هذا المؤتمر هي الروحية الوطنية , فقد تكلم في البداية أحد المندوبين المشاركين في الحرب العالمية الثانية , والتي يسميها الروس الحرب الوطنية الكبرى , وقال انه مرّ وهو في طريقه الى المؤتمر بتمثال بوشكين وتذكّر مقطعا من قصيدته , وهو - ( تحيا الشمس !) , ثم مرّ بتمثال غوركي الذي أسماه ( أكبر وأعظم اديب في القرن العشرين !) , ثم مرّ بتمثال ماياكوفسكي الذي أسماه ( قيصر الشعراء ) , واختتم كلمته بالتذكير , ان اتحاد ادباء روسيا هو- ( اتحاد غوركي ! ) , وقد تذكرت انا تسمية اتحاد الادباء عندنا – ( اتحاد الجواهري !) ...ولا مجال هنا لذكر كل الجوانب الاخرى لانعكاس هذه الروحية الوطنية في المؤتمر المذكور .
ختاما لهذا العرض المقتضب والوجيز لاحداث المؤتمر الخامس عشر لاتحاد ادباء روسيا , يجب الاشارة الى بعض الارقام التي جاءت في كلمات المندوبين , منها ان عدد اعضاء الاتحاد يبلغ اكثر قليلا من 8000 عضوا , وهو عدد قليل نسبيا بالنسبة لعدد سكان روسيا وعدد الادباء فيها, وان اكثر من 20% من اعضاء الاتحاد هم في اعمار تجاوزت السبعين عاما , وان عدد الشباب قليل جدا , وكان ذلك واضحا جدا حتى عند القاء نظرة واحدة فقط على قاعة المؤتمر . اما انتخاب الهيئة الجديدة للاتحاد , فقد تمت في نهاية المؤتمر , وقد كان المشاركون يتهامسون وهم يبتسمون عندما كان رئيس الاتحاد فاليري غانيشيف ( مواليد 1933) يظهر وهو على كرسي متحرك بين الجالسين على منصة القاعة , ويقولون هل سيرشح نفسه مرة اخرى ؟ اذ ان غانيتشيف قد شغل منصب رئيس الاتحاد منذ عام 1994 ولحد الان ( اي على مدى 24 سنة !) , ولكنه لم يرشح  - والحمد لله - هذه المرة , وهكذا انتخب المؤتمر رئيسا جديدا لاتحاد ادباء روسيا وهو –  نيقولا ي ايفانوف (مواليد عام 1956 ) , بعد ان نافسه اديب شاب, وايفانوف شخصية محترمة جدا من قبل معظم الادباء , وقد أشادت وسائل الاعلام الروسية بمكانته الادبية واستحقاقه ان يكون رئيسا لاتحاد ادباء روسيا.   

130
أدب / انانيّة
« في: 20:44 27/02/2018  »
انانيّة
=====

قصيدة للشاعر الاذربيجاني حميد خيريسجي (مواليد 1961)
=================================

ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=========================
استند الى نفسي ,
كي
لا اسقط .
+++
احب نفسي ,
كي
 اواسي نفسي.
+++
وكل صباح -
احيي نفسي ,
كي
اسمع صوتي.
+++
كم هو جيد –
لاني موجود,
والا,
لكان الامر مملّا
فعلا.


131
تشيخوف الكويتي على مسرح اردني
أ.د. ضياء نافع
اهدى لي أحد الاصدقاء قبل ايام العدد الاخير من مجلة ( العربي ) الكويتية العتيدة ( العدد 711 الصادر في فبراير / شباط 2018 ) , وقال لي , انه يعرف حبي القديم لهذه المجلة العتيدة , وقد شكرته جزيل الشكر على هذه الهدية القيّمة الجميلة , وبدأت رأسا – وبكل شغف وحب - بالتعرّف على فهرسها , كما كنت افعل في الايام الخوالي , واستوقفني عنوان غريب في هذا الفهرس عن مسرحية ( العطسة ) , التي قدمتها فرقة مسرحية  كويتية على خشبة المسرح الدائري في المركز الثقافي الملكي بالعاصمة الاردنية , أقول ( استوقفني ) هذا العنوان , لأنه ذكّرني رأسا بقصة  معروفة كتبها تشيخوف بعنوان - ( موت موظف ) , وهي قصة مشهورة جدا لدى القراء في العالم العربي , اذ تم ترجمتها عدة ترجمات وعن اللغات الروسية والفرنسية والانكليزية على مدى السنوات الثلاثين الاخيرة ( انظر مقالتنا بعنوان – حول قصة تشيخوف القصيرة  موت موظف), والتي تتحدث عن عطسة موظف بائس اثناء عرض مسرحي على شخص كان يجلس امامه, وكيف أدّت هذه العطسة اللعينة الى موته في نهاية القصة تلك , ولكني طرحت على نفسي سؤالا محددا وهو – لماذا جاءت هذه التسمية , اي العطسة , اذا كانت هذه المسرحية مقتبسة من قصة تشيخوف ( موت موظف ) ؟ وهكذا بدأت أقرأ تلك المقالة مسرعا لمعرفة الاجابة عن سؤالي هذا , ووجدت الجواب فعلا , وقلت مبتسما لصديقي الذي أهدى لي المجلة – سأكتب مقالة حول ذلك بعنوان – تشيخوف الكويتي على مسرح اردني ( وها انا ذا احقق ما وعدت به صديقي !), لأنني اتابع الادب الروسي وانعكاساته في الحياة الثقافية العربية , واعتقد جازما , ان الموضوعة الروسية في آدابنا تستحق هذه المتابعة الدقيقة من قبل المتخصصين في كلا البلدين , لانها تعني دراسة التفاعل الثقافي والفكري بين روسيا والعالم العربي , و لاني اعتقد جازما ايضا ان الثقافة أفضل سبيل للتفاهم بين الشعوب.
وبعد مطالعتي لتلك المقالة , وهي بقلم الباحث الاردني رسمي الجراح , فهمت , ان مخرج  هذه المسرحية الاستاذ عبد الله التركماني قد اختار تقنية ( المسرح داخل المسرح ) , وعرض مسرحية تشيخوف المعروفة – ( الدب ) , ولكنه اثناء عرض تلك المسرحية , جعل أحد ممثليها يعطس على مؤخرة رأس احدهم , ونتيجة لهذه العطسة , يتوقف عرض مسرحية ( الدب ) , وتصبح العطسة محور العرض , وهكذا يمزج المخرج الاحداث اللاحقة لعرضه بجوهر قصة تشيخوف – ( موت موظف ) , ويحاول استخدامها بشكل ذكي جدا وابداعي , اذ انه يتحدث عن خوف ورعب الناس البسطاء امام السلطة ( في بلداننا طبعا !) بغض النظر عن كونهم ليسوا مذنبين امامها , وهو نفس الهدف الذي طرحه تشيخوف في قصته بشكل ساخر جدا وغير مباشر, ولكن المعالجة الابداعية للمخرج جعله ينطلق في اجواء اخرى , رغم انه استخدم نفس العناصر التشيخوفية , مثل موقف زوجة العطاس ورعبها من هذه العطسة, او تفكير العطاس بالاعتذار عن عطسته , او ضرورة ارسال رسالة اعتذار بالبريد للشخص الذي عطس على مؤخرة رأسه ...الخ تلك التفصيلات الصغيرة والنموذجية طبعا , التي تعكس الخوف والرعب الذي يعاني منه الانسان البسيط الاعتيادي في مثل هذه المجتمعات .
تحية للفنانين المسرحيين في الكويت على هذا المزج الفني الابداعي لمسرحية تشيخوف ( الدب ) مع القصة القصيرة ( موت موظف ) لنفس هذا الكاتب , وتحويرها بهذا الشكل الجميل والرائع , وجعلها تعالج مشاكل مجتمعاتنا , هذا التحوير الذي يدّل - بما لا يقبل الشك-على تفهّم الفنانين الكويتين لاعماق الادب الروسي وروحيته.
ختاما , اود ان اهدي مقالتي الوجيزه هذه الى زملائي المتخصصين الروس , الذين يدرسون – وطوال سنين كثيرة –  موضوع انتشار الادب الروسي خارج روسيا , ويؤكدون دائما على دول الغرب , ولا يلاحظون ما يجري في بلداننا في هذا الخصوص , وقد سبق لي ان كتبت حول هذا الموضوع المؤلم بالنسبة لنا ,  واقول ( المؤلم ) لاننا لا يمكن ان نبرر هذا الموقف من قبلهم , لدرجة , ان بعض الزملاء العرب المتخصصين في الادب الروسي بدأوا يتحدثون عن هذه الظاهرة , معتبرين ان موقف الزملاء الروس هو موقف متعمد . دعونا نأمل ان ذلك الموقف هو نتيجة لعدم معرفتهم فعلا لما يجري في بلداننا من دراسات وترجمات وكتابات حول الادب الروسي , وان علينا ايضا تقع مسؤولية اعلامهم بذلك . 






132
جلال فاروق الشريف والادب الروسي
أ.د. ضياء نافع
جلال فاروق الشريف (1925 – 1983 ) – اسم سوري معروف في الاوساط الثقافية السورية خصوصا والعربية عموما , وقد ارتبط اسمه قبل كل شئ بالسياسة , فقد كان رئيسا لتحرير عدة صحف رسمية حزبية في سوريا ترتبط بحزب البعث السوري , ولكن هناك جانب آخر في نشاطه الثقافي ينعكس في كتاباته حول الادب الروسي , وهو ما نحاول في هذه المقالة  التوقف عنده و عرض ملامحه الاساسية , اذ اننا نرى ان هذا النشاط متميز فعلا في موضوعة الادب الروسي في العالم العربي , ويعتبر جزءا في مجمل ما قام به المثقفون العرب في عملية تعريف القارئ العربي بخصائص الادب الروسي واعلامه في النصف الثاني من القرن العشرين , وان جلال فاروق الشريف – هو اسم يستحق ان يكون ضمن تلك الاسماء  التي ندرس مساهماتها في هذا المجال, وتحديد مكانتها ودورها في مسيرة هذه العملية الابداعية. 
تخرّج الشريف في كلية الحقوق بجامعة دمشق عام 1948 , اي انه ليس متخصصا في الادب الروسي بتاتا , ولا علاقة له به , وان مساهماته في الكتابة حول هذا الادب جاءت انطلاقا من هوايته الثقافية  ليس الا ( وهذا شئ رائع ) , وقد ساعدته على ذلك معرفته الجيدة للغة الفرنسية , والتي اطلع على هذا الادب عن طريقها , اذ نجد ان كل مصادره التي يستشهد بها في كتاباته حول الادب الروسي هي فرنسية .
 بدأ جلال فاروق الشريف بنشر نتاجاته حول الادب الروسي عام 1952 , حيث صدر كتابه بعنوان – ( مقابلات مع مكسيم غوركي ) في دمشق , ثم صدر كتابه الثاني عام 1953 بعنوان – ( غوركي وتشيخوف – مراسلات ) في دمشق ايضا وعن دار اليقظة المعروفة ( والتي لعبت دورا متميّزا في عملية نشر الادب الروسي ) , وصدر كتابه الثالث عام 1964 في دمشق بعنوان – ( علم الادب السوفيتي ) , وفي عام 1972 صدر في بغداد كتابه الرابع بعنوان – ( ماياكوفسكي شاعر الثورة الاشتراكية ) , واخيرا صدر كتابه الخامس عام 1983 بعنوان – ( في الادب السوفيتي ) عن وزارة الثقافة السورية . اما مقالاته حول الادب الروسي , فقد نشر مقالة عام 1953 في مجلة الاديب اللبنانية بعنوان – ( بين غوركي والقيصر ) , وفي عام 1954 ظهرت له مقالة في مجلة الاداب اللبنانية بعنوان – ( انطون تشيخوف ). هذه هي النتاجات البارزة في الادب الروسي لجلال فاروق الشريف , وربما فاتنا الاشارة الى نتاجات اخرى لا نعرفها,  و لكن من الواضح تماما , انها – بمجملها - لا ترسم صورة متكاملة لهذا الادب الكبير , وانما تعكس بعض ملامحه ليس الا , وتركز على فترة محددة من تاريخ الادب الروسي , وترتبط بالذات باسماء تشيخوف وغوركي وماياكوفسكي بالاساس, رغم ان الشريف ذكر في نتاجاته تلك اسماء ادباء روس آخرين طبعا وتحدث عنهم بشكل عام .
المقالة التي نود ان نتوقف عندها قليلا هنا ( وليس ذلك من باب الصدفة , وانما لانها تجسّد فعلا مفاهيمه نحو الادب الروسي ) هي – ( بين غوركي والقيصر ) والتي شغلت (4 ) صفحات  باكملها من مجلة  الاديب, وقد كتبها بعد صدور كتابه الاول بعنوان – ( مقابلات مع غوركي ) , وهو كتاب مترجم عن الفرنسية . مقالته عن غوركي كانت ذات نكهة سياسية قبل كل شئ عن المناضل غوركي وليس عن الكاتب غوركي (رغم انه حاول ان يرسم صورة عامة عن سيرة حياته ) , اذ انه طرح الموضوع وكأن هناك صراع مباشر بين غوركي من جهة وبين القيصر الروسي من جهة اخرى , ويشير الشريف الى ان القيصر قد انتصر على (غريمه!) عندما سحب منه عضوية اكاديمية العلوم الروسية , ولكن غوركي اعاد له الصاع صاعين كما يقول التعبير العربي , و انتصر على القيصر بعد قيام ثورة اكتوبر 1917 , وهو طرح يتميّز بالسذاجة طبعا, وبعيد جدا عن النظرة العلمية والموضوعية, ولكن روحية تلك المقالة كانت تتناغم وتنسجم مع العقلية العربية السائدة آنذاك في الاوساط السياسية اليسارية في العالم العربي عموما , والتي كانت لا تعرف الادب الروسي على حقيقته , وانما كانت تنظراليه على انه ادب يساري ثوري يؤيد افكار ثورة اكتوبر منذ بداياته , و لا يهدف سوى الى تحقيق الثورة ضد القيصرية, وان كل ما عدا ذلك لا يستحق أخذه بنظر الاعتبار.
اود ان اشير هنا ايضا الى اني نشرت عام 1972 مقالة في صفحة ( آفاق ) بجريدة الجمهورية في بغداد ( والتي كانت بادارة الصحافي العراقي الكبير محمد كامل عارف )  حول كتاب جلال الشريف بعنوان – ( عشر ملاحظات حول كتاب ماياكوفسكي شاعر الثورة الاشتراكية) , ولا توجد لديّ  هذه المقالة مع الاسف الان , ولكني اتذكر اني كتبت ان ( عنوان الكتاب يسيل اللعاب ) , ولكن لا يمكن اعتباره بحثا علميا حقيقيا حول ماياكوفسكي ( لم يكن في الكتاب حتى فهرس !!), وانما تجميع مواد من اربعة مصادر فرنسية ليس الا, وانتقدت المؤلف لانه ابتدأ كتابه بالاستشهاد بكلمة ستالين عن ماياكوفسكي ( باعتباره اعظم شاعر سوفيتي !), وقلت له , انه لا يجوز لكاتب عربي يصدر كتابا عن الادب الروسي في سبعينات القرن العشرين دون ان يعرف تلك الوقائع الكبيرة التي حدثت في روسيا. وقد التقيت بالمؤلف في مؤتمر المربد في بغداد , واخبرني انه سمع بمقالتي , فحاولت ( تخفيف !) الوقع  طبعا, وقلت له انه توجد في كتابك ( هفوات ) , وانه بحاجة الى اعادة صياغة . واكرر الان , ان النظرة السياسية الى الادب الروسي تقلل من قيمة اي عمل ابداعي في هذا المجال , وهي الصفة الاساسية  في كتابات جلال فاروق الشريف حول الادب الروسي .
ختاما لهذه السطور , اود ان أشير الى كتاب ( مراسلات غوركي وتشيخوف ) الذي ترجمه جلال فاروق الشريف , وان أشيد به ايضا , لانه عمل وثائقي مهم جدا لتعريف القارئ العربي بخصائص هذين الاديبين الكبيرين , وان هذا الكتاب لا زال – ولحد الان – يمتلك اهميته وقيمته , وليس عبثا ,  اعادة طبعه في دمشق عام 1983 , اي بعد ثلاثين سنة من صدوره.
جلال فاروق الشريف – ابن من ابناء النصف الثاني من القرن العشرين , ونحن بحاجة الى دراسة تراثه في اطار عصره حتما, وانطلاقا من تلك المفاهيم التي كانت سائدة آنذاك .

133
أمثال يابانية مترجمة عن الروسية (13)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – كن حذرا مع الذي يصمت.
التعليق – يقول المثل الطريف باللهجة العراقية في نفس المعنى – من السكوتي طكي وموتي ومن الورواري خلي وفوتي . ( السكوتي – الصموت // طكي – انفجري // الورواري – الثرثار ). المثل الياباني واضح وصارم ودقيق .
+++++
الترجمة الحرفية – اذا أردت ان تعرف نفسك اسأل الاخرين .
التعليق – مثل طريف جدا , ورغم انه غير واقعي بالمرّة (اذ كيف يسأل الآخرين عن رأيهم به ؟) , الا انه صحيح فعلا , اذ ان الرأي الذي يتبلور عن الشخص عند الآخرين يأتي نتيجة تصرفاته الشخصية عبر فترة طويلة من الاختلاط معهم.
+++++
الترجمة الحرفية – عند النهار توجد عيون , وعند الليل توجد آذان.
التعليق – الصورة الفنية في هذا المثل الياباني جميلة جدا  , وهي تذّكر طبعا بالمثل العالمي المشهور – للحيطان آذان , الا انها أكثر وضوحا ومنطقية .
+++++
الترجمة الحرفية – تعرف الانسان عند الكوارث.
التعليق – ونحن نقول الصديق وقت الضيق , ولكن المثل الياباني أوسع  كثيرا في صورته الفنية , اذ انه يتناول الانسان بشكل عام وليس الصديق فقط .
+++++
الترجمة الحرفية –  كلامه كلام بوذا , ولكن قلبه قلب حيّة.
التعليق – اضفنا الى الترجمة الحرفية كلمتي ( كلامه + قلبه ) ليكون المعنى أوضح للقارئ العربي . المثل الياباني ساطع طبعا , وهو يصّور المنافق اللئيم , الذي يتناقض كلامه مع احاسيسه الحقيقية. توجد أمثال كثيرة ومعروفة  عند الشعوب حول هذه الحالة , بما فيها شعوبنا العربية طبعا , ولنتذكر بيت الشعر الذي ذهب مثلا –
يعطيك من طرف اللسان حلاوة   ويزوغ عنك كما يزوغ الثعلب.
 الصورة الفنية في هذا المثل الياباني متميّزة فعلا , اذ انها تقارن بين ( بوذا !) و ( الحيّة !) .
+++++
الترجمة الحرفية – في البداية العناية , بعدئذ الدواء.
التعليق – يقول المثل العربي والعالمي ايضا -  الوقاية خير من العلاج , وهو في نفس المعنى بشكل عام طبعا , الا ان المثل الياباني هذا اكثر دقة , اذ انه يشير الى ( العناية ) وهي تختلف  بالتاكيد عن ( الوقاية ) .
+++++
الترجمة الحرفية – الريح وزهور الكرز لا يمكن ان يكونوا اصدقاء.
التعليق – لان الريح عندما تهب تقتلع الزهور من اغصانها , ولهذا فان الريح والزهور لا يطيقان بعضهما البعض , اي انهما مثل ( حيّة وبطنج !) كما نقول نحن بلهجتنا العراقية .
+++++
الترجمة الحرفية – وفي الكذب توجد حقيقة.
التعليق -  يوجد  بالعربية مثل معروف يؤكد هذا المعنى فعلا , وهو – يفوتك من الكذاب صدق كثير.
+++++
الترجمة الحرفية – يجب مراعاة الاتيكيت حتى في الصداقة.
التعليق – مثل دقيق جدا , فالصداقة تحتاج الى الرعاية مثل اي علاقات اخرى بين البشر , و(الميانة الزائدة التي تتخطى الحدود) كما نقول بلهجتنا العراقية قد تفسد هذه العلاقة , وهناك قول يشير الى ان  - ( المزاح لا يكسب عدوا , ولكن كثيرا ما يفقدك صديقك)
+++++
من كتاب – ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) الذي سيصدر قريبا في بغداد عن – ( دار نوّار للنشر ).

134
أمثال يابانية مترجمة عن الروسية (12)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – الخصومات في البيت تزرع الفقر.   
التعليق – مثل صحيح جدا. يوجد مثل روسي يقول – جدر العائلة يفور دائما , وربما يمكن القول ان المثل الياباني هنا يبين الوجه الاخر للقمر , اي الوجه المظلم له , اذ ان (جدر العائلة يفور) يعنى ان التضامن والوئام يسودان في تلك العائلة , والعكس صحيح طبعا.
+++++
الترجمة الحرفية – التابع المخلص لا يخدم سيّدين.
التعليق –  لنتذكر القول العظيم للسيد المسيح – لا يقدر أحد ان يخدم سيّدين , لانه اما ان يبغض الواحد ويحب الآخر , او يلازم الواحد ويحتقر الآخر , لا تقدرون ان تخدموا الله والمال .
+++++
الترجمة الحرفية – الاخوة يتخاصمون فيما بينهم , لكنهم يدافعون عن انفسهم ضد الغرباء.
التعليق –  يقول المثل العربي المعروف - انا واخوي على ابن عمي وانا وابن عمي على الغريب , وهو في نفس المعنى طبعا. 
+++++
الترجمة الحرفية – المرح , الذي يصل الى أقصاه , يولد الشجن.
التعليق – لكل شئ حدوده ,  وكل شئ يزيد عن حده ينقلب ضده كما يقول المثل بمختلف  اللهجات العربية, اي يصبح  كما قال المتنبي العظيم , وذهب قوله مثلا  - ضحك كالبكا ...
+++++
الترجمة الحرفية – الحاجة للطعام أقوى من الحب .
التعليق – مثل واقعي جدا , فالجوع كافر كما يقول المثل العربي  , والبطن الجائعة صماء امام كل شئ كما يقول المثل الروسي .
+++++
الترجمة الحرفية – يستند الانسان على عقله مثلما يستند الطير على جناحيه.
التعليق – العقل عند الانسان مهم جدا مثل الاجنحة عند الطيور , والرأس بلا عقل هو رأس بصل كما يقول المثل الروسي . يوجد مثل روسي آخر يذّكر بهذا المثل الياباني  وهو - الطير جميل بريشه والانسان بعقله .
+++++
الترجمة الحرفية – لا توجد أدوية ضد العشق.
التعليق – مثل طريف وحقيقي فعلا , ويمكن ان يتداوى الانسان من هذا (المرض!!) ,  حسب الوصفة الخالدة -  ( داوني بالتي كانت هي الداء !) .
+++++
الترجمة الحرفية – لا تحتقر العدو الذي يبدو ضعيفا , ولا تخاف من العدو الذي يبدو قويا.
التعليق – مثل حكيم من شعب مرّ في تاريخه عبر الحروب , ويمتلك خبرة طويلة فيها.
+++++
الترجمة الحرفية – من القوة السابقة لا توجد فائدة.
التعليق –  كلام صحيح , فالمجد السابق يتفاخر به الضعفاء فقط . لنتذكر بيت الشعرالعربي الذي ذهب مثلا , وهو –
ان الفتى من يقول ها انا ذا     ليس الفتى من يقول كان ابي.
+++++
الترجمة الحرفية –                  الهموم – سم للصحة .
التعليق – مثل صحيح جدا . يقول المثل الروسي – العث يأكل الملابس , والحزن يأكل الانسان.
+++++
الترجمة الحرفية – عندما كان ضروريا عملوا منه نمرا , وعندما انتفت الحاجة اليه حولوه الى فأر.
التعليق – مثل طريف يسخر من المنافقين وتقلبات وجهات نظرهم حسب مصالحهم, وما أكثرهم في المجتمعات كافة. يوجد مثل عربي بمختلف اللهجات العربية في نفس المعنى , وهو باللهجة العراقية – اذا حاجتك عند الجلب سميّه حجي جليب ( الجلب – الكلب /// سميّه – اطلق عليه تسمية /// حجي - الحاج )   
+++++
الترجمة الحرفية -  جالسا على جذع لن تصطاد الارنب.
التعليق – ويقول المثل الروسي – دون جهد لا يمكنك اخراج حتى سمكة صغيرة من البركة.  الصورة الفنية طريفة في هذا المثل الياباني .
===================================
من كتاب – ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) الذي سيصدر قريبا في بغداد عن ( دار نوّار للنشر ).

135
محاضرات نابوكوف حول الادب الروسي
أ.د. ضياء نافع
صدر كتاب – ( محاضرات حول الادب الروسي )  في  موسكو باللغة الروسية عام 1999 ليس الا , ويقع في ( 440) صفحة من القطع المتوسط (واعيد طبعه عام 2012 ايضا في  448 صفحة ) , ويتضمن محاضرات الكاتب الروسي الشهير فلاديمير نابوكوف ( 1899 روسيا – 1977 سويسرا) التي ألقاها امام الطلبة الامريكان في الجامعات الامريكية باللغة الانكليزية , عندما كان يعمل هناك استاذا محاضرا , وهي محاضرات في الادب العالمي بشكل عام , والروسي بالذات طبعا . لم يطبع نابوكوف هذه المحاضرات في كتاب خاص اثناء حياته, وقد تم نشر تلك المحاضرات باللغة الانكليزية بعد رحيله, و بمبادرة من المؤرشف فريدسون بادرس وبمساعدة ودعم ارملة نابوكوف وابنه , وصدرت بثلاثة كتب هي – ( محاضرات حول الادب ) 1980 /// ( محاضرات حول الادب الروسي ) 1981 /// ( محاضرات حول دون كيخوته ) 1983 , والكتاب الذي نعرضه هنا هو الثاني , اي – محاضرات حول الادب الروسي , وقد أصدرته في موسكو صحيفة ( نيزافيسيمايا غازيتا ) ( الجريدة المستقلة ) عام 1999 كما أشرنا أعلاه , وأضافت اليه بعض مقالات نابوكوف حول فن الترجمة , و عن بعض الادباء الروس , ومنهم بوشكين وليرمنتوف , وهي مقالات تنسجم مع طبيعة الكتاب ومضامينه.
يبتدأ الكتاب بمحاضرة عنوانها – ( الادباء والرقابة والقراء في روسيا ) , ويمكن القول ان هذا الفصل بمثابة المقدمة النظرية لهذا الكتاب ,  اذ يتناول نابوكوف فيه الخصائص العامة للادب الروسي و موقف الدولة الروسية القيصرية والسوفيتية تجاه اعلام هذا الادب كما هو واضح من طبيعة عنوان هذا الفصل , وتنعكس في هذا الفصل طبعا آراء  نابوكوف العامة حول بنية النظام وعلاقته بالادباء الروس , وهو فصل يحمل سمات كل المحاضرات اللاحقة في ذلك الكتاب من امثلة تفصيلية وصور فنية مرسومة باسلوب نابوكوف وملاحظاته الدقيقة  و التفصيلية ومعرفته المعمقة لتاريخ بلده و مسيرة الادب فيها .
      ينتقل الكاتب بعد هذا الفصل الى سلسلة محاضرات عن غوغول , وتتوزع هذه المحاضرات على اربعين نقطة فرعية, حيث يتناول حياة غوغول منذ شبابه الى موته , ثم يتوقف بعدئذ و بالتفصيل عند خصائص الدولة الروسية آنذاك و في خمس نقاط باكملها و بعنوان غريب هو – ( شبح الدولة ) , وينتقل بعد ذلك الى بطل رواية ( الارواح الميتة )( يرد عنوان الرواية بالعربية بعض الاحيان – النفوس او الانفس الميتة ) , ويكرس له تسع نقاط وبعنوان واحد  – ( السيد جيجيكوف) وهو بطل تلك الرواية (يكتبون اسمه بالعربية بعض الاحيان تشيتشيكوف ) , ويختتم تلك النقاط بنقطة قبل الاخيرة بعنوان – ( تمجيد الاقنعة ) , ويكرس النقطة الاخيرة للتعليقات والهوامش حول غوغول وما ورد بالذات في تلك النقاط  التفصيلية عنه.
ينتقل  نابوكوف بعد ذلك الى تورغينيف , وتتوزع هذه المحاضرات على اربع عشرة نقطة , وتتركز على رواية تورغينف الشهيرة ( الاباء والبنون ) . ثم ينتقل الى دستويفسكي , ويتحدث المؤلف عنه في ست عشرة نقطة تبتدأ من تفصيلات سيرة حياته وتتوقف عند مرض الصرع والهستيريا عنده وخصائص سايكولوجيته وانعكاس كل تلك الامراض على نتاجاته الادبية , ثم يتوقف في نقاط منفصلة  عند بعض تلك النتاجات , وهي  - رواية الجريمة والعقاب ومذكرات من البيت الميت ( يرد العنوان في الترجمة العربية – بيت الموتى او ذكريات من منزل الاموات ) والابله والابالسة ( يرد العنوان في الترجمة العربية الشياطين ) والاخوة كارامازوف , وينعكس في هذه النقاط طبعا رأي نابوكوف السلبي تجاه دستويفسكي , اذ من المعروف ان علاقته به كانت دائما مضادة , وقد تناول الباحثون في تاريخ الادب الروسي هذا الموقف وأشاروا , الى ان نابوكوف لم يفهم فلسفة دستويفسكي ولم يحاول ان يستوعب افكاره , بل ان بعض  النقاد اتهموا نابوكوف بالغيرة الشديدة منه , وهي ( تهمة !) كبيرة طبعا وتتطلب اثباتات وبراهين مادية دقيقة لا توجد واقعيا ,  وهناك من يقول ان نابوكوف كان يمثّل رأي تلك الشريحة من المثقفين الروس الغاضبين على وطنهم روسيا , هذا الوطن الذي تركهم خارجه ولم يلتفت اليهم ولم يرعاهم , بينما دستويفسكي تمسّك به رغم وضعه الصعب ولم يتركه, وهذا الرأي ذاتي بحت طبعا ولا يؤيده  الكثير من الباحثين . ان موقف نابوكوف من دستويفسكي هو موضوع كبير ومعقد ومتشابك في تاريخ الادب الروسي ويقتضي الدراسة والتحليل المعمق لنتاجاتهما الادبية والمقارنة بين مواقفهما الفلسفية والسياسية والفكرية بشكل عام بلا شك , ولا يمكن لنا تحديد موقف معين هنا  حول هذا الموضوع الكبير في اطار هذا العرض السريع لكتاب نابوكوف عن الادب الروسي واعلامه.
ينتقل نابوكوف بعدئذ الى تولستوي , ويوزع محاضراته عنه ضمن ( 128) نقطة تفصيلية باكملها , تبتدأ من حياته ثم يتوقف عند رواية ( آنّا كارينينا ) ورواية ( الحرب والسلم ) , ويختتم تلك النقاط بالحديث عن ( موت ايفان ايليتش ). من المعروف في النقد الادبي الروسي والعالمي ايضا اهتمام نابوكوف الكبير بتولستوي , اذ انه يعتبره قمة الادب الروسي , وواحدا من أعاظم ادباء العالم وفنانيه .
يختتم نابوكوف محاضراته  بالتوقف عند اسمين من اسماء الادباء الروس وهما تشيخوف وغوركي , حيث يتحدث ضمن( 11 ) نقطة عن تشيخوف تبتدأ بحياته , ثم يتوقف تفصيلا عند قصته الطويلة ( السيدة ذات الكلب الصغير) , والتي كان نابوكوف معجبا بها جدا, و يعدّها واحدة من أبرز القصص في الادب العالمي عموما وليس في الادب الروسي وحسب, ثم يتوقف اخيرا عند مسرحيتة - ( النورس). الاسم الاخير في هذه المحاضرات هو غوركي , وقد تحدث نابوكوف عنه بشكل سلبي , اذ من المعروف انهما يتناقضان مع بعض سياسيا وفكريا , وان مواقفهما بعيدة عن بعض بشكل جذري .
ان كتاب ( محاضرات حول الادب الروسي ) لنابوكوف هو عمل علمي هائل الاهمية , يستحق القراءة من قبل الذين يريدون ان يتعمقوا في معرفة الادب الروسي واعلامه اولا , و كذلك من قبل الذين يريدون ان يفهموا موقف نابوكوف الفكري و طبيعة عبقريته في النقد الادبي والبحث العلمي ثانيا.

136
ليليا ماياكوفسكي وشقيقتها  الزا  اراغون 
أ.د. ضياء نافع
 ليليا ( او ليلي حسب بعض المصادر العربية ) وشقيقتها الزا - روسيتان دخل اسمهما في تاريخ الادب الروسي و تاريخ الادب الفرنسي في القرن العشرين , الاولى ( ليليا بريك 1891 - 1978 ) حبيبة الشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي , والثانية شقيقتها الصغرى ( الزا تريوليه 1896 - 1970 ) زوجة الشاعر الفرنسي لوي اراغون.
تناولت المصادر العربية هذا الموضوع هنا وهناك ولكن بشكل غير واسع وغير معمق  وغير شامل ايضا , ولعل أبرز من كتب حول ذلك هو الكاتب المصري عماد ابو صالح , الذي نشر مقالة شغلت خمس صفحات باكملها في مجلة (الفيصل ) السعودية المعروفة, والتي جاءت بعنوان – ( ليلي بريك من عشيقة ماياكوفسكي الى عميلة في الشرطة السّرية ) , وقد ذكر الكاتب في تلك المقالة معلومات تفصيلية كثيرة عن حياة ليلي و سيرتها الشخصية قبل كل شئ وطبيعة علاقاتها مع ماياكوفسكي و مع رجال آخرين ,  وعدا ذلك , فان الكاتب ركّز ايضا في مقالته تلك على الموقف السياسي لبريك وزوجها , و أشار الى انها كانت عميلة للسلطة السوفيتية آنذاك ( كما هو واضح حتى من عنوان تلك المقالة المثير) , بل انه ذكر ان بعض الادباء الروس الكبار ( مثل يسنين وأخماتوفا ) كتبوا على باب شقتها كلمات مضادة لها تشجب تعاونها مع الشرطة السوفيتية السرية , لكن الكاتب لم يكتب , بل حتى  لم يشر بشكل مباشر او غير مباشر الى المصدر الذي اعتمده بشأن  كل هذه المعلومات الخطيرة والغريبة  و الفنتازية اصلا بالنسبة للوضع السوفيتي المتشدد جدا في موسكو , و الذي كان سائدا في عشرينات القرن العشرين آنذاك بعد ثورة اكتوبر 1917 كما هو معروف .
لم تتوقف المصادر العربية كافة عند تأثير هاتين الشقيقتين على ابداع ماياكوفسكي وأراغون , او الى التفاعل الحيوي الكبير لهما مع  تلك القصائد المهمة في تراث الشاعرين الكبيرين , وهو موضوع يقتضي التعمق في دراسة ابداع ماياكوفسكي واراغون طبعا, واذا كان اراغون قد أبقى لنا دواوين و قصائد ترتبط باسم الزا ( مثل عيون الزا او مجنون الزا ) , فان الامر أصعب بالنسبة لماياكوفسكي . المصادر العربية ركّزت على العلاقات العاطفية الشخصية بين هؤلاء بالدرجة الاولى , اذ نظرت ب ( عيون شرقية جدا !!!) الى الموضوع  (والحليم تكفيه الاشارة !), وبالغت فيه , وأضافت اليه طبعا ( كثيرا من التوابل !!!) , ولم تأخذ  تلك المصادر بنظر الاعتبار بتاتا انهم ابناء مجتمع آخر يختلف اخلاقيا – وبشكل جذري – عن الاخلاقيات السائدة في مجتمعاتنا , ولم يخطر في بال هؤلاء الذين كتبوا حول ليليا وشقيقتها الزا اسئلة من قبيل – ( كيف استطاعت امرأة روسية ان تصل الى باريس وتتزوج من شاعر فرنسي كبير مثل اراغون , وان تتحول هي نفسها بعدئذ الى اديبة فرنسية  يشار اليها بالبنان كما يقول تعبيرنا الشهير , وان تكتب نتاجات بلغة فرنسية شفافة ؟؟؟) , او –  ( لماذا كتب شاعر فرنسي بمستوى أراغون تلك الدواوين والقصائد المليئة بالعواطف والاحاسيس الجيّاشة حول هذه المرأة بالذات , والتي لازال القراء وفي كل انحاء العالم يطالعونها بكل حب وتعاطف ولهفة ؟؟؟ ) , او  - ( كيف استطاعت امرأة روسية ان تكرس حياتها في موسكو بعد انتحار ماياكوفسكي لمسألة حفظ تراث الشاعر هذا  من الضياع  , والاشراف على متابعة طبع نتاجاته , وكيف كتبت بشجاعة وثقة الى ستالين نفسه - وفي تلك السنوات العجاف - حول عرقلة البيروقراطية الروسية  لخططها بشـأن هذا الموضوع , وكيف تعاطف ستالين معها فعلا ؟؟؟) , او - ( لماذا كتب ماياكوفسكي اسمها في وصيته قبل ان ينتحر , طالبا من الدولة ان تعتبرها ضمن افراد عائلته؟؟؟).....وهناك الكثير من المواضيع ,  التي ترتبط باسم هاتين الشقيقتين في تاريخ الادبين الروسي والفرنسي , والتي تقتضي البحث والتأمل والتقصي من قبل باحثينا .
موضوع ليليا وشقيقتها الزا ينتظر الباحثين العرب وموضوعيتهم.       

137
أمثال يابانية مترجمة عن الروسية (11)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – سبع مرّات دقّق قبل ان تسئ الظن بانسان او تشكك به.
التعليق – مثل حكيم جدا , لأن ( بعض الظن اثم ) كما تشير الآية الكريمة . المثل الياباني هنا يذّكر بالدقة اليابانية , اذ انه يدعو الى التدقيق ( سبع مرّات !!!) .
+++++
الترجمة الحرفية – نهاية الثرثرة – بداية العمل.
التعليق –  مثل صحيح , لأن الثرثرة تعرقل العمل , والعمل والثرثرة يتعارضان , بل ويتناقضان مع بعض . يقول المثل الروسي – كل الوقت للعمل , وساعة واحدة للهزل.
+++++
الترحمة الحرفية – لا توجد أسلحة ضد البراهين العقلانية.
التعليق –  مثل رائع , لان البرهان العقلاني أقوى من اي سلاح  بالفعل.
+++++
الترحمة الحرفية – الذي يتاجر بالملح , يداه مالحتان.
التعليق – مثل صحيح, اذ ان كل مهنة  يمارسها الانسان تنعكس على خصائصه . الصورة الفنية في هذا المثل الياباني طريفة و منطقية جدا.
+++++
الترجمة الحرفية – تنحّى عن الطريق للحمقى والمجانين.
التعليق – يوجد حديث شريف يقول – أمرت ان اخاطب الناس على قدر عقولهم  , وهذا يعني بالطبع  صحة ودقّة هذا المثل الياباني , اذ يجب التنحي عن الطريق لهؤلاء الذين بلا عقل اصلا كالحمقى والمجانين .
+++++
الترجمة الحرفية – الكلمة يمكن ان تقتل الانسان.
التعليق – يقول المثل الروسي – الكلمة ليست سهما , لكنها تتوجه نحو القلب. هناك قول معروف في تراثنا العربي يشير الى نفس المعنى وهو – احذروا اللسان فانه سهم يخطأ . المثل الياباني هنا أكثر دقّة ووضوحا وحسما. 
+++++
الترجمة الحرفية – القلب الطيب أفضل من الوجه الجميل.
التعليق – مثل صحيح جدا ,وهو يذكرنا بالمثل الطريف باللهجة العراقية -  بالوجه مرايه وبالكفه سلايه . المثل الياباني واضح المعالم , والصورة الفنية فيه دقيقة جدا .
+++++
الترجمة الحرفية – الذي يكذب – هو الذي يسرق.
التعليق – لأن الكذب هو اساس كل الخطايا , وليس عبثا ان كل أمثال الشعوب وحكمهم تحذّر من الكذابين وتصرفاتهم .
+++++.
الترجمة الحرفية – اختلط مع العجوز وكأنه والدك.
التعليق – نبرة احترام الكبير موجودة في حكم وامثال الشرق عموما, والمثل الياباني هنا يعتبر نموذجا واثباتا لهذه الحقيقة الساطعة  .  لنتذكر الآية الكريمة –
فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما ..
+++++
الترجمة الحرفية – مرحلة الشباب لا تتكرر مرتين.
التعليق – كل مراحل الحياة لا تتكرر مرتين طبعا , الا ان الانسان يركّز دائما على مرحلة الشباب , ونجد ذلك واضحا  في أمثال كل الشعوب , لانها المرحلة الاجمل في عمر البشر. لنتذكر بيت الشعر المشهور لدينا –
الا ليت الشباب يعود يوما ......
+++++
الترجمة الحرفية – التعلّق الشديد يمكن ان يتحول الى كراهية شديدة.
التعليق – يقول المثل العربي – الفرق ( او الفاصل ) بين الحب والكراهية شعرة , وهناك مثل روسي في نفس المعنى يقول – تعيش الصداقة قرب اللاصداقة . المثل الياباني اكثر دقة .
+++++
من كتاب – ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) الذي سيصدر في بغداد قريبا عن ( دار نوّار للنشر ).

138
أدب / اريد أنا
« في: 18:29 06/02/2018  »
اريد أنا
=====

قصيدة للشاعرة الفونسينا ستورني // الارجنتين
===========================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=========================

 أن أعود الى الوراء
الى حيث الاصالة والنقاء,
وأن أصبح مثل العشب ,
ومثل الازهار التي
تتفتح لتوّها كالضياء,
وأن أصل الى
منابع الجمال...
وأن أرتوي
هناك
 من الرحيق ,
دون ان أحطّم
كأسها الغميق
 الرنّان.
========================================================================
ألفونسينا ستورني ( 1892 – 1938 ) – شاعرة وكاتبة مسرحية معروفة ومشهورة في الارجنتين وفي كل أمريكا اللاتينية عموما /// أصدرت عدة دواوين شعرية وكتبت مسرحيات لا زالت تعرض على مسارح امريكا اللاتينية , وحائزة على عدة جوائز ادبية  مهمة/// تعد واحدة من أبرز الاديبات في مجال ما بعد الحداثة في امريكا اللاتينية /// ماتت منتحرة (رمت بنفسها في البحر) , ويوجد لها هناك تمثال عند البحر , في نفس المكان الذي انتحرت فيه .

139
ملحقية ثقافية أم ادارة شؤون الطلبة ؟
أ.د. ضياء نافع
--------------------------


اطلعت قبل فترة على كتاب جميل جدا باللغة الروسية يضم مئات من قصائد الهايكو اليابانية المعاصرة مع تعريف وجيز و متكامل بالشعراء الذين كتبوها , وقد قامت الملحقية الثقافية اليابانية في سفارة اليابان بموسكو باصداره وتوزيعه في روسيا. وعندما زرت مرة سفارة سلطنة عمان في موسكو لاحظت عدة كتب انيقة وفخمة بالروسية عن مسقط وعمان تحتوي على صور جميلة جدا لتلك السلطنة وشرح تفصيلي بالروسية حول تلك المناظر الرائعة , وعندما سألت الموظف هناك عن كيفية الحصول عليها أخبرني انها معدّة لكل من يزور سفارتنا, وانهم يقدموها بكل امتنان لكل من يرغب بأخذها . وتكرر هذا الموقف معي عندما كنت في سفارة جمهورية الجبل الاسود  في موسكو قبل فترة , وهي دولة صغيرة وليست غنية بمواردها , ويبلغ عدد سكانها أكثر من نصف مليون نسمة ليس الا , ووجدت هناك عدة كتب بالروسية جميلة وفخمة جدا حول معالم مدنها وثقافتها . لكني لا استطيع قول ذلك – ومع الاسف الشديد – بالنسبة لسفارتنا في موسكو , اذ اني لم أجد فيها اي كتاب حول العراق لا بالروسية او باي لغة اخرى طيلة مراجعاتي لها . واذكر مرة ( قبل عدة سنوات ) ان اتصل احد المستشرقين الروس بي هاتفيا وقال لي انه قابل الملحق الثقافي العراقي و طلب دعما بشأن كتاب أعده هذا المستشرق حول الادب في العراق , ويتضمن قصصا مترجمة من العربية الى الروسية لمجموعة من الادباء العراقيين , وكان طلبه ينحصر بشراء مجموعة من النسخ ليس الا تشجيعا لدار النشر التي أصدرت الكتاب, لكن الملحق الثقافي أخبره ( كما قال لي هذا المستشرق ) ان ذلك لا يدخل ضمن واجباته , وقد سألني المستشرق هل صحيح انه لا يدخل ضمن واجبات الملحقية الثقافية مساندة  كتب تصدر بلغة ذلك البلد الذي تعمل به  تلك  الملحقية الثقافة عن ثقافة بلدها ؟ وقد حاولت طبعا أن أخفف من وقع ذلك , وقلت لهذا المستشرق ( في محاولة من قبلي لايجاد تبرير ما لذلك الموقف ) ان الملحقية الثقافية  على ما يبدو لا تمتلك الحق الاداري بالصرف على تلك الابواب نتيجة الوضع الصعب الذي يمر به البلد في الوقت الحاضر, ولكني في اعماقي تذكرت حادثة شخصية مرّت بي , اذ التقيت مرة بالملحق الثقافي الفرنسي في بغداد في عام 1972 , ولا زلت اتذكر اسمه لحد الان , وهو المسيو لوزغاردي , وكانت بيدي جريدة الجمهورية , حيث نشرت صفحة (آفاق) المشهورة في تلك الجريدة مقالة مترجمة لي عن الكاتبة الفرنسية فرنسواز ساغان مع صورة جميلة لاحدى رواياتها , وقد أهديت نسخة الجريدة تلك له للذكرى , وتحدثت معه لدقائق قليلة ليس الا حول ساغان والمقالة  المترجمة عنها , وتقبل الملحق الفرنسي تلك الهدية بكل امتنان , وجاء في اليوم التالي خصيصا اليّ ليقدم لي هدية هي عبارة عن كتاب فخم حول حضارة فرنسا مع رباط عنق فرنسي جميل , وشكرني شكرا جزيلا لاني ( اساهم بشكل فعّال في نشر الثقافة الفرنسية خارج فرنسا وفي عملية تعريف القارئ العراقي بها !!!).
 الملحقية الثقافية - تسمية كبيرة و رنّانة جدا , وقد توارثنا هذه التسمية منذ عهود تأسيس الدولة العراقية الحديثة , ولكنها  في الواقع لا ترتبط بالثقافة لا من قريب ولا من بعيد, وانما هي كانت شعبة ادارية بحتة في وزارة المعارف ( هل تذكرون هذه التسمية الجميلة؟) تتابع دراسة الطلبة العراقيين في ذلك البلد الاجنبي او ذاك ليس الا , وبعض الاحيان حتى لا تتابعهم اصلا , بل ترسل البريد الى بغداد وتستلم البريد من بغداد وتوزعه , اي انها مركز ارسال و توزيع الرسائل البريدية والالكترونية . واعتقد , انه آن الاوان الآن ان نعيد بنية هذه المؤسسة المهمة في مجال العلاقات الدولية , وأن نجعلها تعكس وجه العراق الحضاري امام العالم ولو حسب سياسة الخطوات البطيئة في البداية , أليس كذلك يا سيداتي وسادتي الكرام في وزارة الثقافة والسياحة والآثار والتعليم العالي والبحث العلمي والتربية والخارجية ووو  ؟؟؟

140
أمثال صينية مترجمة عن الروسية (10)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – أنياب الفيل العاجية لا تنمو عند الكلب.
التعليق – لكل مخلوق خصائصه التي يتميّز بها , ويجب الانطلاق من هذه الحقيقة الواضحة في التعامل مع جميع المخلوقات, اي حسب خصائصهم هم وليس حسب رغباتنا نحن . الصورة الفنية في هذا المثل الصيني طريفة جدا , وهي بلا شك ترتبط بواقعهم . يوجد مثل باللهجة العراقية في هذا المعنى ايضا , وهو – أكلّه ثور يكلّي احلبوه ( أكلّه – أقول له // يكلّي- يقول لي ).
+++++
الترجمة الحرفية – الانسان الحكيم يطلب كل شئ من نفسه, والانسان التافه يطلب كل شئ من الآخرين.
التعليق – مثل رائع يبين  جوهرالفرق بين الانسان الحكيم والتافه فعلا , اذ ان الاعتماد على النفس في كل متطلبات الحياة هو المقياس الواضح والدقيق بينهما. يوجد قول عربي في هذا الخصوص وهو – أعز الناس استغناؤه عن الناس.
+++++
الترجمة الحرفية – من السهل رسم الشيطان , رسم النمر صعب.
التعليق – لان الشيطان موجود بيننا وحولنا ولا يمكن تجنبه في حياتنا اليومية, ولهذا يمكن لاي انسان ان يرسمه بسهولة , اي كما يراه او يتصوره , اما النمر فهو حيوان وحشي وشرس وخطير , ولكن يمكن للانسان ان يتجنبه في حياته اليومية , وبالتالي فان رسمه صعب , لانه لا يتعامل معه في حياته اليومية . المثل الصيني هذا رمزي جدا وعميق جدا .
+++++
الترجمة الحرفية – عندما يرتفع الماء سيكون القارب أعلى.
التعليق – وعندما ينخفض الماء يكون القارب ادنى , اي ان الماء هو الاهم , وهو الذي يتحكّم بالقارب . يجسّد هذا المثل الصيني من هو الجانب الاقوى بين جانبين تربطهما علاقات قريبة ووثيقة ومتبادلة. يقول المثل الروسي في نفس هذا المعنى - المفتاح اقوى من القفل . المثل الصيني أكثر وضوحا. قال لي أحد الاصدقاء العراقيين, ان هذا المثل الصيني يصوّر العلاقة المتبادلة بين الشعب والحاكم , وانه يذّكر في نهاية المطاف بالقول العربي الشهير – كيفما تكونوا يولى عليكم , ولم نصل في نقاشنا مع هذا الصديق ( الذي ينظر الى كل شئ بعيون السياسة) الى قرار نهائي وحاسم بشأن ذلك.
+++++
الترجمة الحرفية – الطيور الكبيرة لا تتغدى بالحبوب.
التعليق –  ونحن نقول مع شاعرنا العظيم المتنبي –
 على قدر اهل العزم تاتي العزائم .....
+++++
الترجمة الحرفية – عندما يموت الارنب , فان الثعلب يتأسف عليه وكأنه قريب له.
  التعليق - الصورة الفنية للمثل الصيني طريفة جدا ومرحة طبعا , وترسم بشكل واضح وصريح موقف الثعلب الذي يفقد  امكانية اصطياد الارنب . يذكرنا هذا المثل الصيني ب (الجانب الآخر !!!) لشطر بيت الشعر الذي ذهب مثلا , وهو –
مصائب قوم عند قوم فوائد .
+++++
الترجمة الحرفية –  عند الانسان العجوز توجد خبرة دائما.
التعليق – يقول المثل المشهور ( اسأل مجرب ولا تسأل حكيم) , والانسان الذي عاش طويلا واصبح عجوزا قد مرّ بالتأكيد بتجارب كثيرة في حياته, ولهذا فيمكن - بلا شك - توجيه الاسئلة له باعتباره واحدا من ( المجربين ) كما يشير المثل المذكور.
+++++
الترجمة الحرفية – من الافضل ان تعرف كيف تصغي , من ان تعرف كيف تتكلم.
التعليق – لان  ( اللسان عدو الانسان ) و ( لسانك حصانك ....) كما تقول أمثالنا العربية ,  و زلة اللسان قد تؤدي بالانسان الى كارثة في مجتمعاتنا , اما الاصغاء فأقل خطورة , ويقول المثل العربي في هذا الشأن – الندم على السكوت خير من الندم على الكلام , وهناك ايضا بيت شعر ذهب مثلا في هذا المعنى ايضا , وهو –
ما ندمت على سكوتي مرة    لكني ندمت على الكلام مرارا
+++++
الترجمة الحرفية – الثروة تبدأ من الاشياء الصغيرة.
التعليق –   يقول المثل الروسي -  التدبير افضل من الثروة , والمثل الصيني يؤكد هذا المفهوم , و يشير الى ان الثروة تبدأ بالحفاظ على الاشياء الصغيرة وعدم تبذيرها . لنتذكر الآية الكريمة – ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين .. .
==================================
من كتاب – ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) الذي سيصدر قريبا في بغداد عن ( دار نوّار للنشر ).

141
عود على الذكرى الستين لتأسيس كلية أللغات
أ.د. ضياء نافع
استلمت كثيرا من الرسائل والتعليقات حول مقالتي بعنوان – ( ستون عاما على تأسيس كلية اللغات في جامعة بغداد ) , واود هنا ان اتوقف  عند بعض هذه الرسائل , اذ اني اعتقد ان تلك النقاط التي أثارتها هذه الرسائل مهمة جدا ويمكن لها ان توسّع الافكار حول ذلك المقترح , وتجعله أكثر تكاملا . وتلخيصا لكل هذه المقترحات وبلورتها , نحاول في أدناه وضعها على شكل نقاط محددة , ومن المؤكد ان  تبرز مقترحات اخرى عند تنفيذها, وهي كالآتي-
1 – تعليق صور التدريسيين الراحلين كافة في أقسامهم العلمية .
2 – تعليق صور العمداء السابقين كافة في غرفة عميد الكلية , بما فيهم عمداء معهد اللغات وكلية اللغات قبل القرار غير العلمي بتاتا  بدمجها مع كلية الآداب .
3 – تعليق صور معاوني العميد السابقين كافة في غرفتي معاوني العميد.
4- تعليق صور رؤوساء الاقسام العلمية السابقين كافة في غرفة رئيس القسم المعني .
5- تكريم التدريسيين المتقاعدين كافة الباقين على قيد الحياة في حفل خاص تقيمه عمادة الكلية بالتعاون والتنسيق مع الاقسام العلمية , وان يكون هذا الحفل كبيرا ومهيبا , ويحضره رئيس الجامعة او من يمثّله وممثل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي , وتقديم هدايا رمزية لكل واحد منهم.
6- يطلق على قاعات كل قسم اسماء التدريسيين الراحلين من ذلك القسم.
7- يعقد كل قسم مؤتمرا علميا يتناول تاريخ القسم واعلامه , ويبحث المشاكل العلمية فيه والمقترحات لحلها , ويطرح فيه التدريسيون آفاق مستقبل القسم , بما فيها آفاق التعاون العلمي اللاحق مع الاقسام المناظرة في جامعات العالم العربي بشكل خاص , وبقية جامعات العالم بشكل عام .
8- يعقد كل قسم ندوة خاصة تتناول مستقبل خريجي ذلك القسم , واتخاذ قرارات وتوصيات محددة بشأن هذه القضية المهمة , و المطروحة بشكل حاد جدا امام الخريجين بشكل خاص و المجتمع العراقي بشكل عام , وان يشارك الطلبة وبصورة فاعلة في اعمال هذه الندوة .
9 – تصدر مجلة كلية اللغات العلمية عددا خاصا بهذه المناسية , تشارك فيها الاقسام العلمية كافة , ويتم نشر فهارس الاعداد السابقة لتلك المجلة منذ تأسيسها , اذ توجد هناك البحوث العلمية للتدريسيين السابقين والحاليين , وذلك احتراما للجهود العلمية التي بذلوها في تاريخ الكلية واقسامها العلمية كافة .
10– تعقد الكلية بعد الانتهاء من تنفيذ الفقرات تلك مؤتمرا علميا واسعا وكبيرا تشارك فيه الاقسام العلمية كافة , والمتخصصون العراقيون والعرب والاجانب وحسب الامكانيات المتاحة في حينها.
اننا نعتقد ان تنفيذ هذه النقاط لا تستوجب امكانيات مادية ضخمة لتحقيقها , ولكنها تتطلب همّة عالية ووقتا لازما وعملا تنظيميا دقيقا ومتابعة ادارية حازمة , واننا على ثقة كاملة , ان كل هذا العناصر متوفرة في عمادة كلية اللغات وادارتها وأقسامها العلمية .

142
أمثال سومرية مترجمة عن الروسية (2)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية –                   المصير – كلب يسير خلفك.
التعليق – مثل رمزي طريف جدا , فمصير الانسان يتبعه دائما مثل كلب, اذ ان لكل انسان مصيره , وليس واضحا هنا ما يقصده هذا المثل السومري بتشبيه المصير الانساني بالكلب , وهل هو تشيبه ايجابي ( اي الكلب بمعنى الوفاء والاخلاص ) , ام سلبي ( بمعنى التعبير المعروف - كلب ابن كلب ), على الرغم من ان أحد أصدقائي الذين اثق بهم قال لي ان المعنى السلبي واضح جدا في بنية هذا المثل , لان الكلب الذي يسير خلف الانسان يعني , انه يتحين الفرصة للهجوم عليه وليس لحمايته .
+++++
الترجمة الحرفية – الايام التعيسة لا عدد لها , لكن الحياة أفضل من الموت.
التعليق – ما أجمل هذا المثل الشاعري وما أصدقه , ويذكّرنا رأسا بقصيدة المعري , وبالذات بالبيت الشعري فيها,  والذي ذهب مثلا , وهو –
تعب كلها الحياة فما اعجب الا من طالب بازدياد.
المعري متشائم طبعا , لهذا يتعجب من ذاك الذي يطالب بازدياد , اما المثل السومري فانه يقول بشكل واضح ودقيق وحاسم – ( الحياة أفضل من الموت ) رغم كل تعاساتها. لا زال هذا المثل السومري يمتلك قيمته وحيويته في مجتمعاتنا لحد الآن .
+++++
الترجمة الحرفية – الصداقة - ليوم واحد , التعاون – للابد.
التعليق – هناك ترجمة اخرى بالعربية لهذا المثل تشير الى ( القرابة ) بدلا من ( التعاون ) وكما يأتي – تدوم الصداقة يوما لكن القرابة تدوم الى الابد .  يوجد فرق كبير طبعا بين (القرابة) و بين (التعاون) , رغم ان كلاهما يتناسب والمعنى العام للمثل , الا ان ( القرابة ) أكثر منطقية من ( التعاون ) , ويتطلب كل ذلك التدقيق حتما , وذلك بالرجوع الى النص الاصلي . المثل بحد ذاته واقعي جدا وينسجم مع طبيعة كل المجتمعات الانسانية والى يومنا هذا .
+++++
الترجمة الحرفية –          لا تعرف البيرة – لا تعرف السرور.
الترجمة الحرفية لمثل آخر قريب من هذا المثل – السرور في البيرة , الشر في الانحراف .
التعليق – وحّدنا هنا مثلين اثنين , لاننا نرى انهما يكمل احدهما الآخر , وان التعليق عليهما معا أفضل وأكثر وضوحا من التعليق على كل واحد منهما على حدة .
تشير المصادر التاريخية الى ان البيرة كانت موجودة في حضارات وادي الرافدين , والمثل السومري هنا دليل يثبت ذلك , والموقف منها واضح ايضا في ذلك المجتمع , و يمكن ايجازه كما يأتي -  القليل منها يمنح السرور, والانحراف عن ذلك , اي الكثير منها والادمان عليها يجسّد الشر والضرر. 
+++++
الترجمة الحرفية – الكلب المدلل يصبح جروا.
التعليق – مثل حكيم جدا , وصحيح جدا , فالدلال يفسد المدلل , وهي ملاحظة دقيقة جدا ومعروفة  ضمن مبادئ التربية الصحيحة والسليمة , وهذا المثل السومري دليل لا يقبل الشك على تطور مجتمعهم . لا زال هذا المثل يمتلك اهميته وانعكاساته في مختلف المجتمعات وعبر مختلف العصور .
+++++
الترحمة الحرفية – الثورالغريب يأكل العشب , وثورك يرقد جائعا.
التعليق –   الصورة الفنية غريبة في هذا المثل السومري , ومن المؤكد انه يرتبط بحالات اجتماعية محددة كانت موجودة لديهم , ولكن المعنى العام للمثل واضح  تماما, وهو يؤكد طبعا على مبدأ سليم جدا , ف ( الاقربون أولى بالمعروف ) .
+++++
الترجمة الحرفية –  يجب على الراعي الا يسعى ليصبح مزارعا.
التعليق – كل مهنة تتطلب تفرّغا لها , وطبيعة عمل ترتبط بها  , حتى لو كانت تلك المهن قريبة من بعضها , مثل الرعي والزراعة ,  فكيف للراعي الذي يجب ان يتنقل مع المواشي حيثما يوجد العشب , ان يصبح مزارعا يعمل في قطعة محددة من الارض ويرتبط بها ؟
====================================
من كتاب – ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) الذي سيصدر قريبا في بغداد عن ( دار نوّار للنشر).

143
روسيا تحتفل بذكرى سولجينيتسن وغوركي وتورغينيف
أ.د. ضياء نافع
تصادف في هذا العام (2018) ذكرى مرور 100 سنة على ميلاد الكساندر سولجينيتسن ( ولد عام 1918) , و 150 سنة على ميلاد مكسيم غوركي ( ولد عام 1868 ) , و 200 سنة على ميلاد ايفان تورغينيف ( ولد عام 1818) , و اتخذت الاوساط  الرسمية والادبية الروسية عدة خطوات  للاحتفالات بهؤلاء الادباء الكبار منذ فترة, والخطوة الاولى والاساسية التي اتخذتها الدولة الروسية في هذا الاتجاه هو تثبيت ذلك على الصعيد العالمي, وذلك ضمن احتفالات منظمة اليونسكو  بذكرى ميلاد هؤلاء الادباء , اذ دخل اسمهم والاحتفالات بهم في القائمة التي نشرتها المنظمة الدولية لعام 2018 وكما يأتي – في 28 مارت / آذار ميلاد غوركي , وفي 9 تشرين الثاني / نوفمبر ميلاد تورغينيف , وفي 11 كانون الاول / ديسمبر ميلاد سولجينيتسن . هذا وقد أضاف بعض المعلقين الروس على صفحات التواصل الاجتماعي اسم ليف تولستوي الى هذه القائمة , وذلك لان تولستوي ولد عام 1828 , اي  ستحل في هذا العام الذكرى 190 على ميلاده , الا ان الاحتفالات الرسمية لا تأخذ ذلك بنظر الاعتبار طبعا . 
ان النظرة الاولى على هذه الاسماء الكبيرة تجعلنا نصل الى استنتاج مهم جدا , وهو نضوج الدولة الروسية , اذ انها تحتفل بسولجينيتسن الذي أسقط الاتحاد السوفيتي الجنسية عنه ونفاه الى خارج حدوده لانه كان معاديا لايديولوجية ذلك النظام بشكل علني في تلك الفترة السوفيتية , وعاد الى روسيا فقط بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبعد ان توجه النظام الروسي الجديد اليه معتذرا, والذي ترتبط باسمه عدة نتاجات ادبية تتناول حياة المعتقلين السوفيت ومعاناتهم في السجون , اولها ( يوم واحد من حياة ايفان دينيسوفتش ) , واهمها هو كتابه الشهير - ( ارخبيل كولاغ) ,  وتحتفل الدولة الروسية بغوركي الذي يرتبط اسمه بالواقعية الاشتراكية وعلاقات وطيدة جدا مع لينين وستالين , ويعدّ حتى أحد أركان الدولة السوفيتية بشكل عام , والذي كرّس مسيرة حياته من اجل انتصار النظام  السوفيتي داخل روسيا وخارجها ايضا لدرجة انه يعتبر ولحد الان رمزا واضحا للقوى الاشتراكية في العالم , وترتبط باسمه رواية – ( الام ) التي يعرفها القراء العرب حق المعرفة , وتحتفل الدولة الروسية بتورغينيف الذي يجسّد النموذج الروسي الساطع للنزعة الغربية وفكرها في صراعها مع النزعة السلافية المضادة لها بالقرن التاسع عشر في روسيا القيصرية , وترتبط باسمه الموضوعة الخالدة حول صراع الاجيال في المجتمع , والذي انعكس في روايتة الشهيرة – ( الاباء والبنون ) . ان هؤلاء الادباء يمثلون اتجاهات فكرية متنوعة و متضاربة و متناقضة , وحتى متصارعة فيما بينها , ولكن وطنهم روسيا وحبها واخلاصهم لها و تاريخ ادبها يجمعهم سوية , ولهذا تحتفل بهم الدولة الروسية الحالية بغض النظر عن كل تلك المواقف الفكرية المتباينة جدا التي تميّزوا بها , وكل ذلك طبعا يعدّ موقفا مشرفا لهذه الدولة ودليلا لا يقبل الشك على نضوجها وعقلانيتها وعلمانيتها وتحررها من النظرة الايديولوجية الضيقة , التي كانت سائدة في السابق و كما أشرنا اعلاه .
وانطلاقا من ذلك , فقد صدرت اوامر ادارية عليا و بتوقيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه و منذ فترة طويلة تنص على تشكيل لجان روسية واسعة و متخصصة برئاسة شخصيات رسمية وفكرية معروفة لتنظيم هذه الاحتفالات على مستوى روسيا وخارجها رسميا وشعبيا , وبكل تفاصيلها وصلاحياتها , وبدأت تلك اللجان فعلا بالعمل الواسع من اجل تنفيذ مهامها وكما يجب . لقد تم الان اعلان الفقرات التي خططت هذه اللجان لتنفيذها بهذه المناسبات , ولا  يمكن عرضها تفصيلا في اطار هذه المقالة طبعا, ولكننا نحاول هنا الاشارة الى اهمها فيما يخص سولجينيتسن ليس الا كنموذج لتلك الفعاليات- 
تم اعداد أكثر من ثمانين فعّالية لدراسة ونشر ابداع سولجينيتسن في مختلف المدن الروسية , وابرزها هو تدشين تمثال له في موسكو , وبالذات في الشارع الذي يحمل اسمه . لقد قدّم النحاتون الروس سبعين مشروعا لهذا التمثال وتم اختيار 51 منها وتم عرضها في معرض خاص للجميع , ومن ثم تم اختيار التمثال // تم افتتاح لوحة تذكارية على البناية التي عاش في احدى شققها الكاتب في موسكو , والتي تم اعتقاله فيها قبل تسفيره من الاتحاد السوفيتي بعد نشره كتابه الشهير أرخبيل كولاغ , وستتحول هذه الشقة الى متحف // يتم الان اعداد فلم سينمائي بعنوان – يوم واحد من حياة ايفان دينيسوفيتش ..
تحية للدول التي تتذكر رجالاتها العظام , اذ هكذا تبني الامم تاريخها وحاضرها ومستقبلها , وما أحوجنا نحن ان نتأمل هذا الحدث وان نتعلم منه ...

 

144
أدب / لا توجد أدوية
« في: 13:37 28/01/2018  »

لا توجد أدوية

قصيدة للشاعر التركي اورهان ولي (1914 – 1950 )

ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع


لا توجد أدوية
 ضد
تساقط الشعر
ولا ضد
الشيخوخة
ولا ضد
 التجعدات
ولا ضد
 الموت
ولا ضد
 الدموع -
هذه أشياء مفهومة
 لنا
و نعرفها
منذ طفولتنا
ولكن -
ضد الجوع
لا توجد ايضا ؟
وضد البطالة
لا توجد ايضا؟
هذا
غير مفهوم لنا.


145
أمثال سومرية مترجمة عن الروسية
أ.د. ضياء نافع
الى روح استاذنا العالم العراقي الكبير المرحوم طه باقر , الذي عرّفني به في قسم الآثار بكلية الآداب في جامعة بغداد في سبعينات القرن الماضي  صديقي المرحوم الاستاذ الدكتور وليد الجادر , والذي كان وليد يسميه وهو يبتسم – عمو طه.
ض.ن.

الترجمة الحرفية – اذا كنت حذرا – ربك معك.
التعليق  - أليس ذلك المثل السومري هو أصل مثلنا المشهور -   العبد في التفكير والرب في التدبير,  ومثلنا الآخر , الذي يقول – يساعد الله الذين يساعدون أنفسهم ؟ وجدت ترجمة عربية ( دون ذكر عن اي لغة ترجمت) لهذا المثل وكما يأتي – شد حزامك يكون آلهك معك , وهي ترجمة جميلة وذات روحية عراقية تنعكس باستخدام تعبير ( شد حزامك ). الصيغة الروسية في نفس المعنى طبعا ولكنها اوضح للقارئ العربي.
+++++
الترجمة الحرفية - يبدأ الشعور بالواجب عندما يشعر الانسان بالخجل.
التعليق  - مثل رائع وعظيم . لنتذكر الحديث الشريف - اذا لم تستح فاصنع ما شئت .
+++++
الترجمة الحرفية – ليس القلب , وانما الكلمة – ام الكراهية.
التعليق – مثل واضح وصحيح جدا . كم توجد لدينا من أمثال مشتقة من المفهوم العام لهذا المثل السومري , منها -  ربّ كلمة جلبت نقمة // ربّ كلمة سلبت نعمة // اللسان عدو الانسان... توجد ترجمة اخرى لهذا المثل ( دون ذكر عن اي لغة ترجمت ) وهي – (القلب لا يؤدي الى العداوة , انما اللسان يؤدي الى العداوة) , وهي في نفس المعنى العام طبعا , الا ان الصيغة الروسية تورد كلمة ( الكراهية ) بدلا من ( العداوة ) , وهي مسألة تستحق التأمل والتدقيق .
+++++
الترجمة الحرفية – القلب لم يلد الكراهية , الكلمة ولدتها.
التعليق – صيغة اخرى وتأكيد آخر للمثل السابق  – ( ليس القلب , وانما الكلمة – ام الكراهية ).
+++++
الترحمة الحرفية – القويّ و الفخور لا يتعايشان معا.
التعليق –  يقول مثلنا باللهجة العراقية - حصانين على مربط واحد  ما تنربط , ويقول المثل العربي - سيفان في غمد واحد لا يجتمعان , ويقول المثل الروسي – دبّان لا يعيشان في مأوى واحد , وهناك امثال في نفس هذا المعنى عند شعوب اخرى , وكل هذه الامثال تذّكر بهذا المثل السومري , وهو الاصل طبعا.
+++++
الترجمة الحرفية – البئر لم يجف , والعطش يمكن تحمّله.
التعليق – الصورة الفنية بسيطة في هذا المثل السومري وبنفس الوقت في غاية الجمال والشاعرية . ان هذا المثل يزرع الثقة في النفس , ويدعو الى الصبر والصمود والامل ,  و – (لولا الامل لبطل العمل). 
+++++
الترجمة الحرفية – لا تعمل شرّا – لن تكون في خوف دائم.
التعليق – مثل  اخلاقي وفلسفي عميق نجده  بصيغ متنوعة عند مختلف الشعوب, اذ ان لكل فعل رد فعل , ولنتذكر الامثال العربية في هذا الشأن , ومنها – قابل الصنيع بمثله // رد الصاع صاعين // رد الكيد الى نحره // رد الاساءة بمثلها , ويقول المثل الروسي في نفس المعنى – يدفع بنفس قطعة النقد ... والاصل طبعا من هذا المثل السومري, الذي يؤكد على المستوى الثقافي والفكري والاجتماعي الرفيع لتلك الحضارة. توجد ترجمة اخرى ( دون ذكر عن اي لغة ترجمت) تقول – (لا تفعل شرا فلن يمتلكك عندئذ حزن وألم ) , والفرق واضح بين (الخوف الدائم) وبين ( الحزن والالم) , و نظن , ان الصيغة الروسية للمثل أكثر دقّة  و منطقية,  اذ ان الذي يعمل الشر للآخرين يخاف من ردود فعلهم تجاهه.
+++++
الترجمة الحرفية – بكى الذئب وقال للرب شاكيا – كم أنا وحيد.
التعليق – مثل رمزي جميل وساخر . لنتذكر المثل الطريف بمختلف اللهجات العربية , وهو باللهجة العراقية -  ضربني  و بجه وغلبني واشتكه ( ضربني وبكى وغلبني واشتكى ).
+++++
الترجمة الحرفية – الذي يأكل أكثر مما يجب لا يقدر ان ينام.
التعليق – المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء.
+++++
الترجمة الحرفية – بال الثعلب في البحر وقال – أنا عملت البحر كله.
التعليق – مثل مرح جدا وطريف جدا وعميق جدا يرسم صورة كاريكاتيرية وواقعية في نفس الوقت عن ( الانا) المتضخمة لدى الكثير من البشر حولنا , و يبين حقيقة غرورهم و تبجحهم الفارغ.  وكم ينطبق هذا المثل على الكثيرين من حولنا . توجد ترجمة اخرى لهذا المثل ( دون ذكر عن اي لغة ترجمت) وكالآتي – الثعلب الذي يبول في البحر يقول ان البحر من بولي.  ونترك للقارئ حق اختيار الترجمة الافضل.
+++++
الترجمة الحرفية – ثوري سيجلب لك الحليب.
التعليق – مثل ساخر جدا , ويذكرنا بامثالنا العراقية الطريفة التي تستخدم نفس الصور الفنية تلك , مثل -  من يبيض الديج ( الديج – الديك)// او //  نكول ثور يكول احلبوه ( نكول – نقول // يكول – يقول )...
+++++
الترجمة الحرفية – لا يستحق ان تختار واحدا من بين الشّرين .
التعليق –  من الافضل الا نختار (أهون الشّرين) فعلا كما يقول هذا المثل السومري , لأن – ( كلا الاخوين ضرّاط  ) رغم ان – ( شهاب الدين أضرط من أخيه) , فهل يجب علينا ان نختار بينهما ؟ المثل السومري على حق , فهو يحلّ المسألة بشكل جذري.
+++++



146
ستون عاما على تأسيس كلية اللغات بجامعة بغداد
أ.د. ضياء نافع
تأسست كلية اللغات الحالية عام 1958 ,  وذلك بمبادرة من المرحوم الدكتور حمدي يونس – مدير التعليم الثانوي في وزارة المعارف العراقية آنذاك , والذي اقترح تأسيس (معهد اللغات المسائي) , وقد أقرّت وزارة المعارف هذا المقترح واستحصلت الموافقات اللازمة على تأسيسه , وهكذا تم افتتاح المعهد المذكور بجامعة بغداد وفق الامر الوزاري بتاريخ  الاول من كانون الاول عام 1958 , وتم تعيين الدكتور حمدي يونس عميدا للمعهد, وتم تخصيص بناية دار المعلمين العالية لذلك المعهد الجديد , وكانت الدراسة فيه لمدة سنتين دراسيتين , وفيه يمكن للطلبة ان يدرسوا واحدة من ست  لغات اجنبية هي – الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية والروسية والصينية, وعلى الرغم من عدم وجود امكانيات لتأسيس أقسام علمية متكاملة لدراسة تلك اللغات في العراق عندئذ طبعا , ولكن عمادة المعهد استعانت بما هو موجود في العراق من كوادر علمية في تلك الاختصاصات آنذاك . وهكذا بدأ العمل وتطور بالتدريج وتحول الى كلية اللغات بشكلها الحالي . لقد احتفلنا في كلية اللغات عام 1998 بذكرى مرور 40 سنة على تأسيسها, وجرى آنذاك تكريم عشرات من الاساتذة والموظفين القدامى في احتفال جميل حضره رئيس الجامعة ومجموعة من ضيوف الشرف , ومن المؤكد ان هناك في كلية اللغات حاليا من يتذكر ذلك الحفل , الذي جرى في قاعة بلاط الشهداء ( قاعة الشهيد الدكتور فؤاد ابراهيم البياتي حاليا).
اكتب هذه الكلمات متوجها الى زملائي في كلية اللغات من العمادة الى رؤوساء  الاقسام العلمية والتدريسيين فيها , والى الادارة وموظفيها , متمنيا ان تبدأ كلية اللغات الحبيبة من الان  بالاستعداد و التحضير لاحتفالية تليق بمستوى كلية اللغات باعتبارها مؤسسة علمية فريدة في العراق , وان  تقدم احتفالا مهيبا بالذكرى الستين لتأسيسها في الاول من كانون الاول عام 2018 الحالي , وان يكون هذا الاحتفال مرتبطا بفعاليات علمية وبحثية يقوم بها التدريسيون في الاقسام كافة , يتناولون فيها تاريخ اقسامهم ويحددون النجاحات التي حققوها والاخفاقات التي جابهتهم في مسيرتهم العلمية , ويقدمون الاقتراحات الواقعية والعملية للنهوض بالعملية العلمية مستقبلا , ويتذكرون أسماء التدريسيين الرواد الراحلين ودورهم في عملية التدريس وبحوثهم العلمية في الاقسام العلمية كافة مثل الدكتور حمدي يونس والاستاذ فراس عواد والدكتور خليل حماش ( من قسم اللغة الانكليزية) و الدكتور قنبر الطويل والسيدة ماري القطيفي ( من قسم اللغة الفرنسية ) والدكتور الشهيد فؤاد ابراهيم البياتي ( من قسم اللغة الالمانية ) والدكتور حكمت الاوسي والدكتور محسن جمال الدين ( من قسم اللغة الاسبانية ) والدكتورة حياة شرارة والدكتور محمد يونس والدكتور جليل كمال الدين والدكتور أدهام يحيى سليم ( من قسم اللغة الروسية) والدكتور حسين محفوظ ( من قسم اللغة الفارسية ) , ومن المؤكد ان هناك أسماء اخرى يتذكرها التدريسيون في كل قسم من تلك الاقسام لا يمكن لي ان أتذكرها وانا في العقد الثامن من عمري.
هذه رسالة مفتوحة لزميلتي  السيدة عميدة كلية اللغات في جامعة بغداد الدكتورة مي اسطيفان ولزملائي اعضاء مجلس الكلية وللتدريسيين في الاقسام العلمية كافة , واتمنى أخذها بنظر الاعتبار وطرحها كمقترح امام مجلس الكلية لدراستها وبلورة الافكار بشأن تنفيذها , اذ انها مناسبة مهمة تستحق فعلا ان تحتفل بها كلية اللغات , مناسبة نتوقف فيها لنتأمل ما تم تحقيقه وما نتمنى ان نحققه في المسيرة اللاحقة لكلية اللغات في المستقبل.
لنتذكر تاريخ 1/12/1958 – يوم تأسيس كلية اللغات في جامعة بغداد , ولنحتفل في 1/12/2018 بذكرى مرور 60 سنة على يوم تأسيس كليتنا الحبيبة.

147
أمثال صينية مترجمة عن الروسية (9)
أ.د. ضياء نافع
الترحمة الحرفية – لا تنشر خارج البيت الاعمال المخجلة داخل البيت.
التعليق – البيوت اسرار , وتشير كل الامثال والاقوال الى ضرورة الحفاظ عليها وعدم الثرثرة حولها , ولكن المثل الصيني هنا يحدد ( الاعمال المخجلة) حصرا , ولهذا يمكن القول ان المثل الصيني اكثر دقة و حسما في هذا الموضوع الحساس , اذ ( لا توجد عائلة دون مسخ) كما يقول المثل الروسي , او( ماكو زور يخلى من واوية ) كما يقول المثل باللهجة العراقية ( ماكو – لا يوجد // زور – مكان مزروع بشكل كثيف // واوية – جمع , والمفرد واوي – ابن آوى) .
+++++
الترجمة الحرفية – اذا لا تعرف التدابير سوف تحزن حتى عندما تمتلك الثروة.
التعليق –  يوجد مثل طريف وسريالي البنية (ان صحّ التعبير) باللهجة العراقية في نفس المعنى, وهو – ( الما يعرف تدابيره حنطته تاكل شعيره) ( الما – الذي لا ) . هناك مثل روسي في نفس المعنى ايضا يقول  – حسن التدبير افضل من الثروة . المثل الصيني أوضح وأكثر دقة .
+++++
الترجمة الحرفية – اذا لا تعترف بالخطأ الاول ستقترف الخطأ الثاني.
التعليق –  لنتذكر القول الشهير في تراثنا – (الاعتراف بالخطأ فضيلة). المثل الصيني يؤكد هذا المعنى العميق للقول العربي ,  اذ انه يبيّن ان عدم الاعتراف بالخطأ يؤدي الى ارتكاب الخطأ اللاحق , وهكذا دواليك , اي ان الاعتراف بالخطأ يوقف الاخطاء اللاحقة , وهنا تكمن ال ( فضيلة) التي يشير اليها القول العربي.
+++++
الترجمة الحرفية – العشب اليابس لا يحترق بلا نار.
التعليق –  لا شئ يحدث تلقائيا , وانما يجب ان يكون هناك سبب – ما  حتما .  لنتذكر - وجعلنا لكل شئ سببا.
+++++
الترجمة الحرفية – لا تنظر الى وجه الكاهن , انظر الى وجه بوذا.
التعليق – مثل فلسفي عميق يؤكد على ضرورة التفريق و التمييز بين الدين و بين رجل الدين , وتتفهم شعوبنا العربية في هذا الزمن الردئ معنى هذا المثل الصيني . يوجد مثل أفغاني في هذا المعنى يقول -  اعمل ما يقوله الملاّ ولكن لا تعمل ما يفعله .
+++++
الترجمة الحرفية – بيد واحدة لا يمكن ان تصطاد ضفدعتين.
التعليق – المثل الصيني المناظر للمثل العربي حول البطيختين , والتي حوّلها العراقيون الى رمانتين باللهجة العراقية , وهو – رمانتين بفد ايد ما تنلزم . المثل العربي أكثر طرافة , لكن المثل الصيني أكثر دقة ووضوحا.
+++++
الترحمة الحرفية – احترم الانسان وليس ملابسه.
التعليق – يقول المثل الروسي في نفس هذا المعنى – حسب الملابس يستقبلون وحسب العقل يودعون. المثل الصيني دقيق جدا وحازم وواضح , اي (يضع النقاط على الحروف) كما نقول.
+++++
الترجمة الحرفية – الانسان النبيل لا يتذكر الشر القديم.
التعليق –  مثل صحيح , ونحن نقول -  المسامح كريم .
+++++
الترجمة الحرفية – الصداقة المبنية على المصلحة ليست وطيدة.
التعليق – مثل صحيح , فعندما تنتهي المصلحة تنتهي تلك الصداقة , ولن يتذكر احد عندها ان ( الصديق وقت الضيق ), و ( عند الشدائد تعرف الاخوان ).
+++++
الترجمة الحرفية – لا نهاية للمعرفة.
التعليق – ولهذا يجب ان (نطلب العلم من المهد الى اللحد), ولهذا ايضا يقول المثل الروسي – ( عش قرنا , تعلّم قرنا) . يجسّد هذا المثل الصيني خلاصة هذه الحقيقة الساطعة والسبب المنطقي لها .
========================================================================
من كتاب – ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) الذي سيصدر قريبا في بغداد عن ( دار نوّار للنشر).

148
أدب / الجملة الاخيرة
« في: 21:04 18/01/2018  »
الجملة الاخيرة
=========

قصيدة للشاعر المكسيكي خوسيه ايميليو باجيكو
===========================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=====================

توجد عدوى
في التاريخ –
تذكروا
نينوى وامبراطوريتها,
وتأملوا
بلاد فارس وامبراطوريتها,
وخذوا بنظر الاعتبار
روما وامبراطوريتها -
ولا امبراطورية
في التاريخ
كان بامكانها
ان تستمر
الى الابد,
لأنه لا يمكن
أن تجد مظلومين
قادرين
ان يتحمّلوا الظلم
الى الابد.
========================================================================
خوسيه ايميليو باجيكو ( 1939 – 2014 ) – شاعر مكسيكي وروائي وقاص وكاتب مقالات ومترجم واستاذ جامعي ( عمل في جامعات مكسيكية وامريكية وبريطانية ) . أصدر حوالي عشرين مجموعة شعرية , وهو حائز على العديد من الجوائز الادبية , منها جائزة بابلو نيرودا وجائزة فيديريكو غارسيا لوركا...

149
لميعة عباس عمارة و لطفية الدليمي في جامعة بطرسبورغ
أ.د. ضياء نافع
نشرت المجلة العلمية لجامعة بطرسبورغ الروسية بحثين للمستعربة الروسية الدكتورة موكروشينا عن دور المرأة العربية ومساهمتها الكبيرة في عملية الابداع الادبي العربي , وقد اختارت المستعربة موكروشينا الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة انموذجا في مجال الشعر والروائية العراقية لطفية الدليمي انموذجا في مجال النثر.
الدكتورة أماليا أناتوليفنا موكروشينا مستعربة روسيّة , وهي في الوقت الحاضر تدريسية  في قسم - (نظرية التطور الاجتماعي لبلدان آسيا وأفريقيا) في الكلية الشرقية بجامعة بطرسبورغ ( لينينغراد سابقا ) , وتساهم – بنشاط وحيوية – في اعمال المؤتمرات العلمية للمستعربين الروس  , والتي تجري عادة في مختلف المدن الروسية وجامعاتها , وقد التقيتها في المؤتمر الثاني عشر للمستعربين في معهد الاستشراق بموسكو ( انظر مقالتنا – حول مؤتمر المستعربين في معهد الاستشراق بموسكو ) , حيث ألقت بحثا متميّزا حول مسرحية مصطفى محمود ( الانسان والظل ) , والتي اختارتها هي بنفسها و قامت بترجمتها من اللغة العربية الى الروسية ونشرتها في بطرسبورغ بدعم من المركز الثقافي الروسي – العربي في تلك المدينة. تحدثّنا اثناء هذا اللقاء السريع عن طبيعة نشاطاتها العلمية في مجال حركة الاستعراب الروسية , وكان العراق  طبعا حاضرا في تلك الاحاديث , وعلمت منها انها قد نشرت بحثين حول الادب العراقي الحديث في مجلة ( فيسنك  بيتربورسكوفو  اونيفرسيتيتا ) ( اخبار جامعة بطرسبورغ ) , وهي مجلة متخصصة بنشر البحوث العلمية للتدريسيين الروس في تلك الجامعة وكذلك في الجامعات الروسية الاخرى , وأثار هذا الموضوع اهتمامي الشديد طبعا, اذ انه يقع  في صلب متابعاتي للعلاقات الروسية – العراقية في مجال الثقافة بشكل عام والادب بشكل خاص , وحاولت التوقف عند هذا الموضوع و الاستفسار منها حول ذلك بشكل اوسع , لكن طبيعة ذلك اللقاء السريع في اروقة المؤتمر المذكور لم تسمح لنا بالطبع ان نتحدث بالتفصيل عن هذين البحثين , فطلبت منها ان ترسلهما لي للاطلاع عليهما اذا كان هذا ممكنا , وقد نفّذت موكروشينا وعدها فعلا , واستلمت البحثين بالبريد الالكتروني كما اتفقنا, ووجدت انهما يستحقان ان نعرضهما للقارئ العربي حتما لكي يطلع عليها , اولا , لان هذا الشئ بحد ذاته يعد حدثا مهما وبارزا وغير اعتيادي بتاتا في مسيرة العلاقات الفكرية ( ان صحّ التعبير ) بين روسيا والعراق و التي جاءت بمبادرة من الجانب الروسي بالذات ودون اي تنسيق او دعم او تخطيط من الجانب العراقي , وثانيا , لأن الكتابة عن المبدعين العراقيين من قبل باحثين أجانب, ومن خارج العراق , و نشرها  في مجلة علمية خاصة بالبحوث والدراسات في جامعة مهمة وعتيدة مثل جامعة بطرسبورغ , كل ذلك يعني الكثير الكثير ويمتلك اهمية استثنائية جدا, خصوصا اذا كان هؤلاء المبدعين من (العيار الثقيل!!!) مثل لميعة عباس عمارة ولطفية الدليمي , (رغم انهما يعتبران طبعا رمزا للرشاقة والجمال في ادبنا الحديث).
ترسم المستشرقة موكروشينا في بحثيها صورة متكاملة عن لميعة عباس عمارة ولطفية الدليمي , حيث تبدأ بالحديث عن ميلادهما ودراستهما الجامعية , ثم تتوقف عند ابرز النتاجات الادبية لهما , وتعرض مواقفهما الفكرية , وتتوقف عند مكانتهما الآن في عالم الادب المعاصر عراقيا وعربيا....
في البحث الذي تناول لميعة عباس عمارة , والذي جاء بست صفحات من المجلة المذكورة , توجد ترجمات لعدة قصائد من شعرها , واول تلك القصائد هي قصيدة - ( عراقية ) الشهيرة , هذه القصيدة الغريبة للقارئ الاجنبي بلا شك بمضمونها المعروف وبشكلها الفني المتميّز , اذ انها مكتوبة على شكل حوار مباشر بين الشاعرة مع رجل , حيث ترفض كل ما يقترحه عليها , والسبب  لانها ( عراقية!) , وهذه القصيدة مثيرة للقارئ الاجنبي بلا شك , وهناك اربع قصائد اخرى مترجمة في ذلك البحث , وهذه الترجمات تظهر للمرة الاولى بالروسية , وهي تكمل طبعا الصورة المتكاملة للشاعرة امام القارئ الروسي , وقد اخبرتني المستشرقة موكروشينا انها حاولت الاحتفاظ بتلك الاجواء الشعرية عند الترجمة , وان ذلك لم يكن سهلا بتاتا, فقلت لها انني اترجم الشعر ايضا على مدى اكثر من اربعين سنة , وبالتالي فانني اتفهم ما كنت تعانيه اثناء ترجمتها لشعر لميعة عباس عمارة.
اما البحث الخاص بلطفية الدليمي فقد جاء بسبع صفحات في المجلة المذكورة , وتناول ايضا سيرة حياة لطفية الدليمي وبداية نشاطاتها الابداعية في مجال القصة والرواية , وتحدثت عن مكانتها المرموقة في هذا العالم الابداعي , وتوقفت بالتفصيل عند روايتها – ( سيدات زحل ) , واشارت الى الطبعات الثلاث لهذه الرواية باعتبارها ظاهرة متميّزة في مسيرة الادب بشكل عام في العراق , وان ذلك يعد نجاحا باهرا لهذه الروائية , وتأسف الباحثة لأن القارئ الروسي لا يعرف ابداعها , اذ لم يقدمها المترجمون الروس الى هذا القارئ , ما عدا قصة لها ضمن كتاب ( لؤلؤة الشرق ) الذي ظهر عام 2015 في بطرسبورغ ( انظر مقالتنا بعنوان – النثر العراقي المعاصر باللغة الروسية ), وان ذلك لا يمكن بتاتا ان يرسم صورة متكاملة لمكانتها الابداعية في الادب المعاصر عراقيا وعربيا .
ان العمل العلمي الذي قدمته المستشرقة موكروشينا في بحثيها عن لميعة عباس عمارة ولطفية الدليمي يعد كلمة جديدة في مسيرة الدراسات الروسية عن الادب المعاصر في العراق , وستدخل حتما ضمن البيبلوغرافيا الروسية حول الادباء العراقيين ومكانتهم في تاريخ  دراسة الادب العربي المعاصر في روسيا .
 لنصفق للمستشرقة الروسية أماليا أناتوليفنا موكروشينا ( وهذا أضعف الايمان ) تعبيرا عن شكرنا لها لتعريف القارئ الروسي بادبنا المعاصر واعلامه , وهو الشئ الذي يجب ان تقوم به مؤسساتنا الثقافية طبعا , ولكن.....  .

150
أمثال صينية مترجمة عن الروسية (8)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – في الوجه ابتسامة , لكن في القلب خنجر.
التعليق – المثل الصيني المناظر للمثل المشهور باللهجة العراقية -  (بالوجه مراية وبالكفة سلاّية) ( مرايه – مرآة // الكفه – الجانب الآخر ), لكن الصورة الفنية في المثل الصيني أكثر قسوة وشديدة الوقع على الانسان , اذ ان الفرق كبير جدا بين ( السلّاية , التي يمكن ان تنغز الانسان ليس الا )  وبين ( الخنجر , الذي يمكن ان يجرح الانسان او يقتله ).
+++++
الترجمة الحرفية – من الصعب على الانسان الجيد و الانسان السئ ان يتخلصا من اشاعات الناس.
التعليق –  هناك قول أصبح شائعا في عصرنا يقول  - (لا تطلق على عدوك رصاصة , بل اطلق عليه اشاعة) , ولا يوجد انسان في المجتمع بلا اعداء  بغض النظر عن كل شئ , لأن – ( رضا الناس غاية لا تدرك) كما يقول المثل العربي المعروف , او (لا يمكن ان تكون حبيبا للجميع) كما يقول المثل الروسي , ولهذا فان هذا المثل الصيني صحيح جدا مع الاسف الشديد في كل المجتمعات.
+++++
الترجمة الحرفية – غرس الشجرة صباحا , ويريد بعد الظهر ان يتمتع بظلها.
التعليق –  يوجد قول ساخر باللهجة العراقية يصف العراقيون به تلك الحالة وهو – ( عباس مستعجل ) , ولكن في كل الاحوال , لا يمكن مقارنة هذا القول - لا من قريب ولا من بعيد - بالصورة الفنية الساخرة والساطعة والباهرة و اللاذعة جدا , التي يتميّز بها هذا المثل الصيني الطريف .
+++++
الترجمة الحرفية – السمكة الكبيرة تتخلص دائما من سنّارة الصيد.
التعليق - يقول المثل الروسي – لن تخدع العصفور العجوز بالخبز اللّين , ويقول المثل الاذربيجاني - الثعلب العجوز لا يقترب من الفخ . المثل الصيني يتحدث عن السمكة الكبيرة , التي تمتلك طبعا خبرة الحياة وتجربتها مثل العصفور العجوز والثعلب العجوز... لنتذكر مثلنا الجميل حول اهمية التجارب في مسيرة الحياة – اسأل مجرب ولا تسأل حكيم .
+++++
الترجمة الحرفية – ثلاثة أشياء لا يمكن اخفاءها – الحب والحمل وركوب البعير.
التعليق – مثل في غاية الطرافة والمرح , وهو حقيقي بكل معنى الكلمة فيما يخص (الحمل و ركوب البعير ) , اما اضافة ( الحب ) الى هذه الاشياء فيجعل هذا المثل طريفا وشيّقا وقريبا من قلوب العشّاق بلا أدنى شك ومفهوما لديهم . يوجد مثل روسي يقول – (الحب والنار والسعال لا يمكن كتمانها) ,اي ان المثل الروسي يجعل ( الحب ) ايضا ضمن تلك الاشياء مثل النار والسعال , وفي كل الاحوال , اضافة (الحب) في تلك الامثال مسألة تثير النقاش , الا انها طريفة فعلا. الامثال العربية في هذا المعنى لا تشير الى (الحب) , و لنتذكرالمثل العربي المشهور – (وهل يخفى القمر).
+++++
الترحمة الحرفية – الكلمات تتطاير مثل الرياح , اما المكتوبة فتبقى.
التعليق – التوثيق مهم في حياة الانسان , وكم ضاعت وعود وكلمات لم توثق في حينها, وتحولت الى ثرثرة ليس الا . يوجد مثل طريف بالروسية عن الثرثرة يقول – انها كتابة على الماء .
+++++
الترجمة الحرفية – عند البستاني الجيد كل الزهور ذات عطر, وعند صانع الادوية العارف كل الادوية تداوي.
التعليق –  يقول المثل باللهجة العراقية في هذا المعنى – ( الما يعرف يركص يكول الكاع عوجه) ( يركص – يرقص // يكول – يقول // الكاع – الارض ).
+++++
الترجمة الحرفية – رأسان أكثر حكمة من رأس واحد.
التعليق – مثل صحيح , ولنتذكر القول العربي الحكيم -  ما خاب من استخار وما ندم من استشار.
+++++
الترجمة الحرفية – عندما تقرر الشجرة ان تقف, فان الريح  لا تنقطع .
التعليق – مثل رمزي جميل يؤكد ان الارادة أقوى من كل العناصرالتي تقف ضدها او العوامل التي لا تساعدها , وانها تنتصر رغم كل ذلك .
+++++
الترجمة الحرفية – لا تتكلم , اذا  كان الكلام لا يغير الهدوء نحو الاحسن.
التعليق – يقول المثل العالمي الشهير –  اذا كان الكلام من فضة , فالسكوت من ذهب . هناك مثل روسي قريب من هذا المعنى وهو – الصمت ليس مخجلا عندما لا يوجد ما تقوله. المثل يتميّز بالشاعرية.
====================================من كتاب ( أمثال شرقية مترجمة عن الروسية ) الذي سيصدر قريبا في بغداد عن ( دار نوّار للنشر) .

151
أمثال صينية مترجمة عن الروسية (7)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – الفأر الجوعان مستعد ان يفترس القط.
التعليق – الجوع كافر كما يقول مثلنا الشهير , ويمكن ان يقلب المفاهيم ومنطقها رأسا على عقب . الصورة الفنية في هذا المثل الصيني ساطعة ومعبّرة جدا, اذ ان بطلها  هو الفأر الضعيف والمسكين الذي يمكن ان يفترس القط عندما يجوع , مقارنة بالقط الشرس الذي يفترس الفأر طوال حياته حتى اذا كان شبعانا. الفأر والقط والعلاقة بينهما هي صورة  تعبيرية و رمزية مشهورة في فلكلور العديد من شعوب العالم.
+++++
الترجمة الحرفية – افتح العينين بسرعة , وافتح الفم ببطء .
التعليق – العين تعني الرؤية والفم يعني تحديد واعلان الرأي حول تلك الرؤية , والمثل الصيني يدعو الى متابعة ومشاهدة الوقائع بسرعة و لكن عدم التسرّع بابداء الرأي حولها , وهو مثل حكيم بكل معنى الكلمة. لنتذكر أمثالنا العربية في هذا المعنى العام –  لسانك حصانك ان صنته صانك وان خنته خانك / رب كلمة سلبت نعمة / اللسان عدو الانسان / عثرة القدم أسلم من عثرة اللسان....
+++++
الترجمة الحرفية – الملح والسكّر بلون أبيض , لكن لا تتوهم بينهما عند تحضير الحلوى.
التعليق – مثل طريف جدا , و يذكرنا بمثلنا الطريف ايضا و بلهجتنا العراقية , وهو - ( مو كل مدعبل جوز ) , رغم ان المثل الصيني  أكثر دقة ووضوحا , فالحلوى لا تتحمل ابدا ( التوهم بين الملح والسكّر !!!) .
+++++
الترجمة الحرفية – الفئران لا تعض القطط.
التعليق – تلك هي القاعدة الطبيعية , و التي يجب علينا ان نتذكرها و ننطلق منها ونتصرّف على أساسها في حياتنا, وليس العكس  .
+++++
الترجمة الحرفية – الشيطان يعرف كيف يختبأ في ظل الصلبان.
التعليق – وهذا هو جوهر الصراع الدائم بين الخير والشر في حياة الانسان , لهذا يجب على الانسان ان يكون حذرا جدا و دائما في مسيرة حياته اليومية , خصوصا في مجتمعاتنا العربية وفي هذا الزمن بالذات , حيث يعرف ( الشيطان !) الذي يختبأ تحت ظلال ( الرحمن !) كيف يؤدّي دوره , والحليم تكفيه الاشارة كما يقول مثلنا العربي المشهور  . الصورة الفنية حاذقة ودقيقة وطريفة جدا في هذا المثل الصيني.
+++++
الترجمة الحرفية – قطعة الخبز الكبيرة تغلق الفم.
التعليق – مثل طريف جدا في المعنى الحرفي للكلمات و المعنى المجازي لها ايضا , فقطعة الخبز الكبيرة تقدر فعلا ان تغلق الفم الذي يتناولها , وهي في نفس الوقت تقدر ان تغلق الفم  الذي يثرثر , والفم الذي يعترض , والفم الذي يطالب , والفم الذي يحرّض , والفم الذي يطلب الرشوة ...
+++++
الترجمة الحرفية – القنفذ يعتبر جلد أطفاله ناعما.
التعليق –  يقول المثل  العربي و العالمي ايضا  - القرد بعين امه غزال . المثل الصيني يعطينا صورة جديدة ومبتكرة و طريفة  ولاذعة جدا لنفس ذلك المعنى .
+++++
الترجمة الحرفية – الغزال والنمر لا يمشيان سوية .
التعليق –  يقول المثل الروسي في نفس هذا المعنى - القش والنار لا يتصادقان . المثل الصيني والمثل الروسي  واضحان وساطعان ومفهومان جدا من حيث المنطق , رغم الاختلاف الجذري للصورة الفنية بينهما.
+++++
الترجمة الحرفية – عند الشجرة توجد جذور , وعند النهر – منبع.
التعليق – ولا يمكن للشجرة ان توجد بلا جذور ولا يمكن للنهر ان يوجد بلا منبع , ولا يمكن للانسان ان يوجد بلا ذلك ايضا . ما أجمل هذا المثل وما أعمقه واروعه , فنحن - البشر- مثل الاشجار والانهار, لا يمكن لنا ان ننفصل عن جذورنا ومنابعنا واصولنا في حياتنا اليومية .
+++++
الترجمة الحرفية – لا يمكن ان تحجب الشمس بالكف.
التعليق –  ويقول المثل العربي - الشمس لا تحجب بغربال. الصورتان جميلتان وساطعتان ومنطقيتان في المثل الصيني و المثل العربي معا .
+++++


152
أدب / الحب
« في: 16:33 09/01/2018  »
الحب
=======

قصيدة للشاعر المكسيكي سلفادور نوفو (1904- 1974 )
==================================
ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع
=========================

الحب يعني -
عندما انت معي
 تكونين,
وانا في حالة وجل,
و في حالة صمت,
وعندما تذهبين
أتذكر صوتك,
واحتفظ بدفء يدك
في راحة يدي.
+++
الحب يعني –
ان انتظرك,
وانت حتما ستأتين,
مثل الغروب,
ليس قبله
وليس بعده,
وعندها
وحدنا سنكون ,
في عالم الاساطير والحكايات والجنون,
على الارض التي
يبست
 خلال النهار.
+++
الحب يعني –
عندما انت لست معي,
وانا أستنشق
 في تنفسات الريح
عطر شعرك,
وأنا أحدّق
في النجمة
التي
 كنت اليها تنطلقين,
عندما تخرجين,
وتغلقين
بوابة الليل.

153
الاختصاص العام والاختصاص الدقيق في جامعاتنا
أ.د. ضياء نافع
تحدّثت مرة مع بروفيسور روسي في كليّة الاداب بجامعة موسكو حول موضوعة الف ليلة وليلة في الادب الروسي وترجماتها الى الروسية وتفاعلاتها وتأثيرها وردود فعل الادباء و القراء الروس تجاهها ...الخ , وهو متخصص في الادب الروسي في القرن الثامن عشر, وقد أجابني بشكل تفصيلي عن كل أسئلتي العديدة عندها وبكل رحابة صدر , وعندما سألته كيف تعامل المترجمون الروس مع الشعر العربي الموجود في الف ليلة وليلة , قال لي من الافضل ان تطرح هذا السؤال على البروفيسور فلان لأن اختصاصه الدقيق هو الشعر الروسي في القرن الثامن عشر , أمّا هو فان اختصاصه الدقيق هو النثر ( السرد) الروسي في القرن الثامن عشر , ولازلت لحد الان أتذّكر جملته التي قالها لي – ( من المؤكد انه سيعطيك جوابا اكثر دقّة وموضوعيّة وشموليّة منّي).
تذكرت هذه الحادثة (التي جرت قبل اكثر من خمسين سنة تقريبا ) عندما اطلعت قبل أيام على جداول الدروس , وعلى قوائم التدريسّيين الذين يقومون بتدريسها في عدة أقسام علمية بكليّة اللغات في جامعة بغداد (وهي الكليّة التي عملت فيها اكثر من ثلاثين سنة من حياتي , وتدرجت علميا فيها وصولا الى درجة الاستاذية) , فوجدت هناك خللا و تراجعا الى الوراء مقارنة مع الوضع الذي كان سائدا فيها بالنصف الثاني من القرن العشرين, وتذكرت كيف كنّا نلتزم وبشكل صارم بهذه التقاليد العلمية العريقة والثابتة في قسم اللغة الروسية مثلا ونحترمها ونخضع لها بمحض ارادتنا , ولهذا أصابني الاحباط – ان صحّ التعبير - عندما قرأت , ان تدريسيّا متخصصا بالادب الروسي يقوم بتدريس مادة تتعلق بعلم اللغة الروسية او بالعكس , اي انه تمّ خرق تلك التقاليد العلمية الثابتة التي تستند الى مفهوم الاختصاص العام والاختصاص الدقيق ( وهو المبدأ العلمي السائد في كل جامعات العالم المتقدّم طبعا ) , والذي يحدد بالتالي اناطة مسؤولية التدريس للمدرسين في الجامعات حسب اختصاصهم الدقيق بشكل صارم  . ان هذا المفهوم العلمي السليم كان يتم خرقه في قسم اللغة العربية بجامعة بغداد عمدا , وذلك عندما كانوا يرسلون الى اقسام علمية اخرى مدرسي اللغة العربية لتدريس مادة اللغة العربية العامة في تلك الاقسام , اي لتدريس مادة اللغة العربية لغير المختصين بها , ونجد عند استفسارنا من هؤلاء التدريسيين عن مواضيع اطاريحهم , بان اختصاصهم الدقيق هو الادب العربي وليس اللغة العربية , وكنّا غالبا ما نثير معهم في اقسامنا هذا الجانب العلمي الدقيق , فيخبروننا بانهم من (المغضوب عليهم!!!)  في قسم اللغة العربية , ولهذا كانوا يبعدونهم عن القسم كي لا يقوموا بتدريس المواد المرتبطة باختصاصهم الدقيق في قسمهم . ومع ذلك , فمن الممكن التساهل بشكل او بآخر بالنسبة لمدرسي اللغة العربية , اذ كان يجري تدريس  تلك المادة في اقسام غير الاختصاص حسب كتاب منهجي محدد ومطبوع ومتوفر عند كل الطلبة , لهذا , كان مدرس المادة لا يخرج بتاتاعن اطار الكتاب المنهجي هذا , ولا يحتاج الى الاجتهاد والتوسع , خصوصا ان تلك الكتب المنهجية كانت تتناول مواضيع لغوية تقليدية ومتكررة في كتب قواعد العربية العامة في المدارس , ومع ذلك , فان هذا العمل يعدّ خرقا لمفاهيم العلم ومتطلباته , ولكن الحالة تختلف تماما في اقسام اللغات الاوربية , فتدريس الادب الروسي مثلا من قبل متخصص باللغة الروسية وخصوصا في الصفوف الثالثة والرابعة مسألة مرفوضة تماما من الناحية العلمية , لأن هذا التدريسي لا يستطيع التوسع في محاضرته امام الطلبة , ولا يمكن له حتى ان يشرح المادة العلمية تلك كما يجب , خصوصا وانه لا يوجد كتاب منهجي محدد في تلك المواد , وان مسيرة الدرس تعتمد بالاساس على محاضرة الاستاذ قبل كل شئ . 
ختاما لهذه الملاحظات السريعة عن الاختصاص العام والاختصاص الدقيق وعلاقتهما المتبادلة والمتشابكة واهمية ذلك في مسيرة حياة الانسان , اود ان احكي للقارئ هذه الحكاية –
 طلب منّي أحد أقاربي مرة ان ارافقه في موعد له مع طبيب متخصص في احدى العيادات الاستشارية , وقال لي هذا القريب , انه يرجوني ان استمع الى ملاحظات الطبيب وارشاداته لانه دائما ما ينسى او لا يستوعب كل مايقولونه الاطباء  له , وذهبت معه طبعا , وبعد ان اطلع الطبيب على وثائق المريض وفحصه سألني– لماذا أتيت بمريضك الى عيادتي؟ فقلت له الحقيقة , فقال  – ان الطبيب المختص بمرض اقاربك يحمل نفس لقبي , وقد توهم مريضكم وحجز موعدا عندي , لهذا ساحوّلكم الى ذلك الطبيب لان اختصاصه الدقيق هو الذي يؤهّله لفحص مريضكم وعلاجه , أما أنا فان اختصاصي الدقيق لا يؤهّلني لذلك , وقد شكرت الطبيب في حينه على هذا الموقف العلمي السليم , وخرجنا من عيادته ممتنين له.
كل العلوم تنطلق من قاعدة الاختصاص العام والاختصاص الدقيق , بما فيها طبعا العلوم الانسانية , ايها الزملاء الاعزاء !

154
أدب / القرية الصغيرة
« في: 21:41 05/01/2018  »

القرية الصغيرة


قصيدة للشاعر تودور أرغيزي (1880 – 1967)// رومانيا

ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع


امتزجت القرية الصغيرة
 بمقبرتها,
فالمقبرة
 لم تعد
تستوعب قبورها,   
وهكذا
وصلت الصلبان قرب بيوتها,
و في كل يوم جديد,
 يتلامع
 صليب جديد
 فوق قبورها,
والصلبان
مثل آلآت الكمان ,
تخضع لمن يقودها.
الطرق ميّتة,
الشوارع فارغة,
وصلبان , صلبان , صلبان..
في كل مكان.
+++
هنا -
درب ترابي ضيّق وطويل,
ملئ بالعشب و الشوك,
تسير فيه وتهذي,
مثل الاعمى.
كن حذرا,
 لا تلتفت الى الخلف,
هنا -
الاموات يحرسون
هذا
الدرب الطويل..
...........
وفي المطرالغزير -
الحذاء ثقيل ,
لانه يمتلأ
بالماء و الطين,
وستصطدم
-وانت في هذه العتمة-
بمزالج يعلوها
 الصدأ القديم,
-وعندها -
ورغم ارادتك,
ستطلب من الاموات -
المأوى ألامين.

155
قراءة في كتاب (سماء بغداد القرمزية) بترجمة د. الحمراني
أ.د. ضياء نافع
هذا كتاب مهم جدا في تاريخ العلاقات الروسية – العربية عموما وتاريخ العلاقات الروسية – العراقية خصوصا, وذلك لأن مؤلف هذا الكتاب الراحل فيكتور باسوفاليوك كان خبيرا كبيرا في شؤون الشرق العربي واللغة العربية و الترجمة من الروسية الى العربية وبالعكس , وعاش سنوات طويلة في العراق واليمن ومسقط و سوريا وتدرّج في العمل بالسفارة السوفيتية ومن ثم الروسية في تلك البلدان كل هذه الفترة الطويلة اولا , وثانيا , لانه كتب هذا الكتاب على شكل سيرة ذاتية تفصيلية وليس كدراسة اكاديمية  لاحداث سياسية معينة , اي انه كتب سطورا وصفحات لم يتوجه بها الى قارئ محدد , وانما كتبها على شكل خواطر ووصف لاحداث عايشها ( ..اعود مرة بعد اخرى الى احداث اعوام 1990 – 1991 . وها اني اجلس اخيرا لاقوم بوصفها , لكني  لا اعرف متى سأستطيع نشرها . ان قول الحقيقة بصورة سافرة دائما محفوف بالخطر , والاكثر خطورة ما يتعلق بمنطقة الشرق الاوسط ... )ص. 23 , ولم يسمح له القدر ان يكمل تلك الصفحات او يعدّلها او يصلحها او يشذبها او يجعلها ملائمة لهذا الطرف او ذاك , ولهذا فانها رسمت بشكل مباشر وطبيعي وغير مصطنع بتاتا وبصورة حقيقية وواقعية ومطابقة تماما لكل ما رآه وسمعه من كل العرب والروس  الذين كانوا يحيطون به طوال هذه الفترة الطويلة , منذ سفرته الاولى للعمل مترجما في السفارة السوفيتية باليمن عام 1964 والى حين وفاته عام 1999 في موسكو , عندما اصبح وكيلا لوزارة الخارجية في روسيا وممثلا آنذاك للرئيس الروسي يلتسين لشؤون الشرق الاوسط .
يقع هذا الكتاب في 302 صفحة من القطع الكبير , ويضم في بدايته مقدمة خاصة بالطبعة العربية كتبها بوغدانوف ممثل الرئيس الروسي بوتين الى الشرق الاوسط و نائب وزير خارجية روسيا الاتحادية الآن , وهذه المقدمة بحد ذاتها تعني وتؤكد الاهمية المتميزة لهذا الكتاب , والقيمة الخاصة التي توليها الدولة الروسية الحالية لما كتبه باسوفليوك باعتباره ( .. تصور شخصي عميق لرجل لم يفهم وحسب – بوضوح ودقة – تلك الاحداث , ولكنه بالدرجة الاولى عايشها بعقله وقلبه وروحه .) كما جاء في مقدمة بوغدانوف تلك . وكتبت ارملة المؤلف في  بداية الكتاب ايضا كلمة أشارت فيها الى وقائع مهمة جدا حول الكتاب , منها, ان مخطوطة الكتاب ( ..بقيت فترة طويلة ملقاة على المنضدة ..بعد رحيل زوجي في الاول من اغسطس 1999 ..وعدت الى المخطوطة عام 2008 ..) , وتذكر , ان زوجها ( ..كان يشك هل بوسعه نشر ما كتبه ..).
يتناول الكتاب عدة مواضيع كبيرة ومتشعبة جدا في تاريخ العلاقات العربية – الروسية بشكل عام , ولكن العراق يشغل المكان الاوّل في تاريخ تلك العلاقات , وذلك لان المؤلف عمل على مدى سنوات في السفارة السوفيتية في بغداد , ثم أصبح سفيرا لبلاده بعدئذ , وبالتالي فقد عاصر احداث العراق الجسيمة وتعايش معها . ان المواضيع التي يتناولها هذا الكتاب  لم يسبق ان كتب حولها لا المؤرخ العراقي ولا المؤرخ الروسي , منها مثلا , الصورة التي رسمها باسوفاليوك لصدام حسين , ولنقرأ  في ص. 25 ما يأتي – ( كنت أنظر لصدام طيلة سنوات تعرفي عليه اي منذ بداية 1969 , بهدوء. وبدوره تعامل معي بمودة . وعلى كل الاحتمالات ابتسم لي , وخاطبني باسمي , ومن وقت الى آخر ربّت على كتفي . ولكني في هذه المرّة في 25 يوليو 1990 لم أشعر فقط – وبشكل مفاجئ– بعدم ارتياح شديد تجاهه , وانما شعرت بالخوف منه. كانت عيونه في هذه المرّة مرعبة , ولاح فيها شرّ خارق للعادة . بعد ذلك أدركت انه في تلك الساعات بالذات تبنى أصعب قرار في حياته , وعانى من الشكوك , هل سينجو من العقاب على المغامرة الكبرى التي يخاطر بها ) . او لنقرأ جملة اخرى حول صدام في ص. 28 – ( .. وللأسف حتى أنا الذي عرفته سنوات طويلة , لم أقيّم فيه روح المغامرة المنحرفة التي لا تستأصل) . او لنقرأ هذه الكلمات في ص. 92 – ( وأنا لست من محبي عبقرية ستالين كقائد عبقري , فضلا عن هتلر , ولكن خلفهما انتصارات عسكرية , اما صدام فخلفه فقط الهزائم  او الانتصارات المشكوك بها , مثل النصر على ايران . وعلى العموم  ان صدام كان     (فذّا) بسطحيته,  فهو لم يعرف اي شئ على مستوى مهني .... وأتذّكر حينما كان صدام يدرس ( يقصد المؤلف عندما كان صدام يؤدي الامتحانات في كلية القانون بجامعة بغداد ) , نشرت الصحف المحلية مقالاته حول .... دور حزب البعث العربي الاشتراكي وبناء الدولة والعلاقات الدولية . لقد كانت نقاشات مدهشة بتفاهتها وبسطحيتها وابتذالها ) . او لنقرأ في ص. 94 – ( اي كلام يمكن ان يدور عن اداء عمل مهني بشكل حسن اذا كانت الوسيلة الوحيدة – تمت بافضل تقاليد الستالينية – تعتمد على اغتيال الزملاء والرفاق). او لنقرأ في ص. 95 – ( انه برز كشخصية فاشلة كبيرة ومتغطرسة بلا حدود ). او لنقرأ في ص. 96 – ( ان صدام وحش لا يمكن تدجينه ) . او لنقرأ في ص. 101 – ( ..واؤكد بمسؤولية ان صدام  ..لم يفهم شعبه ومزاجه وميوله الحقيقية ومستوى حيويته ) . لقد كتب باسوفاليوك كل هذا الكلام في زمن صدام وحكمه , اذ انه توفي عام 1999 . ولا يمكن التوسع أكثر بالاستشهاد حول هذا الموضوع الذي لم يتبلور لحد الان لا في الوعي الاجتماعي الروسي ولا في الوعي الاجتماعي العربي ايضا , والامثلة على ذلك كثيرة جدا ويعرفها العراقيون اثناء اختلاطهم بالروس او العرب , ولا مجال في اطار هذه المقالة طبعا حتى الاشارة الى تلك الامثلة  او اسبابها , بما فيها طبعا الفشل الذريع للنظام الطائفي الحالي في العراق . ان التقييمات الموضوعية للمؤلف حول صدام تجسّد فصلا صغيرا ليس الا في هذا الكتاب المهم , اذ توجد مواضيع اخرى كبيرة هناك ,  بل يوجد فصل باكمله في الكتاب بعنوان – ( تأملات حزينة عن العراق ودكتاتوره وعن العلاقات السوفيتية – العراقية ) من ص 88 الى ص 128  , وهو فصل يحتاج الى دراسة معمقة بلا شك. اضافة الى ان باسوفاليك قد تناول في هذا الكتاب مواضيع تخص روسيا و الاتحاد السوفيتي وبيروقراطية أجهزته وقادته والوضع في وزارة الخارجية الروسية وووو..
وبدل الخاتمة لهذا الكتاب توجد كلمة ليفجيني بريماكوف رئيس الحكومة الروسية السابق يتحدث فيها بكل حب وتقدير عن باسوفاليوك , وقد ذكرتني جملته عنه – ( .. وعموما , علي ان أقول, اني لم التق طيلة حياتي مترجما متألقا من العربية مثله , لقد تمتع بموهبة خاصة كأنه اختفى خلال المحادثة التي يترجمها – وهيّأ للمتحدثين التصور بانهما يتحدثان بلغة واحدة , وبهذا بالتحديد يظهر المستوى الرفيع للمترجم ) , أقول , ذكرتني هذه الجملة بمقالتي , التي كتبتها عن باسوفليوك في بغداد عندما سمعت بخبر وفاته عام 1999 , واتصلت بالراحل أمير الحلو وكان آنذاك رئيسا لتحرير مجلة ألف باء وسألته – وبحذر – عن امكانية نشر تلك المقالة هناك , فأجابني أمير بشجاعته المعروفة بانه سيحاول باخلاص نشرها , ونشرها فعلا في الصفحات الاولى لمجلة ألف باء , وحازت تلك المقالة على اعجاب الاصدقاء كافة , ولا امتلك الآن نسخة منها مع الاسف , الا اني أذكر, اني تحدثت فيها كيف عملنا – باسوفليوك وانا – لثلاثة ايام في ترجمة المباحثات العراقية – السوفيتية الثقافية في عام 1972 بوزارة الاعلام , وكيف التقيت به صدفة في احدى الحفلات الموسيقية بعد فترة طويلة عندما اصبح سفيرا لبلاده في بغداد , ولم اقترب منه طبعا , ولكنه القى نظرة على الجالسين في القاعة وشاهدني , فرفع يديه تحية وهو يبتسم , واضطررت طبعا ان انهض واتوجه اليه , وقلت له بالروسية – ( مساء الخير يا سيادة السفير) فقال لي مبتسما- ( وهل نسيت اسمي يا ضياء ؟) , فاجبته – (لا طبعا يا فيكتور , ولكنك الان سفير ) فقال لي ما معناه , ان المناصب لا تجعلنا ننسى الاصدقاء...
 الشكر الجزيل للدكتور فالح الحمراني , الذي اختار هذا الكتاب وترجمه عن الروسية بمهارته الدقيقة والعلمية المعروفة , وقدّم بذلك الى المكتبة العربية مصدرا مهما وكبيرا جدا من مصادر المعرفة .

156
أمثال صينية مترجمة عن الروسية (6)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية -  قبل ان تمسك النمر من ذيله , انظر اي أسنان عنده.
التعليق – مثل في غاية الطرافة , يدعو بشكل مرح ورشيق وذكي جدا الى ضرورة التفكير بعواقب اي عمل يقوم به الانسان قبل تحقيقه وليس بعده. توجد امثال عربية عديدة في هذا المعنى , منها –من لم يتحسب للعواقب لم يكن الدهر له صاحب // الحذر افضل من التهور // ولآت ساعة مندم // الحذر يقيك الضرر ... وهناك امثال في نفس المعنى عند الشعوب الاخرى طبعا , منها المثل الياباني – المظلة ضرورية قبل ان تبتل , الا ان الصورة الفنية للمثل الصيني تبقى متميّزة وطريفة وفريدة فعلا بكل معنى الكلمة.
+++++
الترجمة الحرفية – من الدورق يمكن ان تصب في الكأس فقط الشئ الموجود في الدورق.
التعليق – هذا هو المنطق , ولا يمكن خرق هذه القواعد المنطقية الصارمة في الحياة مهما كانت الرغبات , و ( الجود من الموجود ) كما يقول مثلنا العربي الجميل .
+++++
الترجمة الحرفية – من يشرب الماء يجب ان يتذكر هؤلاء الذين حفروا البئر.
التعليق – مثل نبيل ومهم وحكيم جدا, وما أحوجنا ان نتذكره في مسيرة حياتنا اليومية , اذ  اننا كثيرا ما ننسى تلك الوقائع والاشياء الرائعة التي تحيطنا , و التي نتمتع بها , دون ان نتذكر هؤلاء الذين وفّروها لنا بفضل جهودهم وعملهم الدؤوب. لنتذكرعظمة هذه الكلمات وعمقها في تراثنا – بالشكر تدوم النعم. 
+++++
الترجمة الحرفية – من يتحدث بكلمات طيبة لا يعني انه طيّب.
التعليق – يقول المثل العربي - حلاوة لسان وقلة احسان . المثل الصيني يدور حول نفس المعنى تقريبا , ولكن بشكل اكثر دقة وبصورة اوضح .
+++++
الترجمة الحرفية – الانسان المضئ لا يقوم باعمال معتمة .
التعليق – ما أجمل هذا المثل الصيني الدقيق , فالانسان المضئ يعني الانسان الواضح والصريح والجيّد , وبالتالي , فانه لا يمكن ان يقوم باعمال تتعارض مع مفاهيمه وصفاته الايجابية تلك.
+++++
الترجمة الحرفية – مهما ترتفع الى الاعلى , لن تكون أعلى من السماء.
التعليق – مثل رائع جدا . لنتذكر الآية الكريمة – ولا تمش في الارض مرحا انك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا.
+++++
الترجمة الحرفية – اذا تخطأ بالطريق يمكن ان تعود, اما اذا تخطأ بالكلمة فلا يمكن عمل اي شئ.
التعليق –  توجد أمثال عربية عديدة في نفس هذا المعنى , منها - عثرة القدم احسن من عثرة اللسان واسلم // سلامة الانسان في حفظ اللسان....
+++++
الترجمة الحرفية – ما تراه العينان حقيقة , ما تسمعه الاذنان مشكوك فيه.
التعليق – مثل صحيح فعلا . يقول المثل العربي باللهجة العراقية – شفت بعيني محّد كلّي ( محّد – لا احد // كلّي – قال لي ) , ويقول المثل الروسي – افضل ان ترى مرة واحدة من ان تسمع مئة مرة .
+++++
الترجمة الحرفية – من الممكن تفادي ضربة السيف , ولكن لا يمكن تفادي ضربة اللسان.
التعليق – لنتذكر بيت الشعرالعربي في هذا المعنى , والذي ذهب مثلا -
 وقد يرجى لجرح السيف برء // ولا برء لما جرح اللسان.
+++++
الترجمة الحرفية – فقط المشاكل الكبيرة تعطي امكانيات و فرصا كبيرة.
التعليق – مثل صحيح , اذ عندها فقط تتبين قابلية الانسان ومواهبه في معالجة هذه المشاكل وايجاد الحلول لها .
+++++
الترجمة الحرفية – في الطريق الطويل لا توجد حمولة سهلة.
التعليق – مثل رمزي جميل يجسّد مسيرة الحياة الانسانية الطويلة , حيث ( لا توجد حمولة سهلة ) فيها , ومع ذلك فان الانسان يتشبث بها . لنتذكر المعري وبيت الشعرالعميق الذي ذهب مثلا –
تعب كلها الحياة فما أعجب الا من راغب في ازدياد
+++++

157
أمثال يابانية مترجمة عن الروسية (10 )
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – الناس الذين يتكلمون كثيرا , يعرفون قليلا.
التعليق – مثل صحيح , فالشخص الذي يثرثر حول كل المواضيع يعني انه لا يعرف محتواها بعمق وانما يعرفها بشكل عام , اوسطحي , او لا يعرفها أصلا, وانه يحب ان يبرز بين الآخرين , ويبين ( عضلاتهّ !) ليس الا.
+++++
الترجمة الحرفية –  عندما تخطأ , لا تخجل من تصحيح الخطأ .
التعليق –  مثل واضح و رائع , وما أكثر الناس الذين يرتكبون الاخطاء في مجتمعاتنا ولا يريدون الاعتراف بذلك , دون ان يدركوا , ان الاعتراف بالخطأ فضيلة , لأن هذا الاعتراف يحرر الروح الانسانية من الضغط المعنوي الهائل لتلك الاخطاء. لنتذكر الحديث الشريف – كل بني آدم  خطّاء, وخير الخطائين التوابون  .
+++++
الترجمة الحرفية – كل طعام للجائع لذيذ.
التعليق –  يقول المثل الروسي الطريف في هذا المعنى - الجوع أفضل طبّاخ , فالجائع يتناول - وبكل شهية و سرور- اي طعام يعدّونه له و يقدمونه اليه .
+++++
الترجمة الحرفية – لا تتخذ قرارا وانت تستمع الى طرف واحد.
التعليق – مثل حكيم جدا , فكل جانب يمتلك وجهة نظر تعّبر عن موقفه ومصلحته , ولهذا يجب الاستماع الى الطرفين من أجل اتخاذ القرار الموضوعي والسليم والعادل ..
+++++
الترجمة الحرفية – أسهل من ان تكسر بيضة بالحجر.
التعليق –  مثل واضح تماما لوصف المهمة السهلة التنفيذ جدا . الصورة الفنيّة  في هذا المثل الياباني طريفة جدا و معبّرة جدا وذات روح ابتكارية بكل معنى الكلمة , وجماليتها تكمن في انها مفهومة لجميع البشر , اذ لا يوجد انسان لا يعرف الحجر والبيضة .
+++++
الترجمة الحرفية – ترى الظهر الغريب ,لكنك لا ترى ظهرك.
التعليق – يذكرنا هذا المثل الياباني بمثلنا العربي الطريف – الجمل لا يرى سنامه , وهو طبعا في نفس المعنى الحرفي والمعنوي للمثل الياباني.
+++++
الترجمة الحرفية – قليل ان نقول متشابهين , انهما ببساطة مثل قطرتين من الماء.
التعليق –  يقول المثل باللهجة العراقية  وفي نفس المعنى - حباية ومفشوكة بالنص (حباية  - حبّة // مفشوكة – مقسومة ). الصورة الفنية في المثل الياباني دقيقة ومنطقية و جميلة جدا.
+++++
الترجمة الحرفية – اعرف حدودك.
التعليق – مثل صارم و دقيق وصحيح جدا , وما أكثر الذين يتصرفون او يثرثرون حولنا دون ان يعرفوا حدودهم ! . لنتذكر القول العربي الجميل والرائع  -  رحم الله امرأ عرف قدر نفسه .
+++++
الترجمة الحرفية – يتميّز مثل القمر عن السلحفاة.
التعليق – مثل طريف وغريب البنية , اذ ان مقارنة القمر بالسلحفاة أمر لا يخطر على البال , وفي نفس الوقت , فان الصورة الفنية في هذا المثل تثبت بما لا يقبل الشك فعلا حالة التميّز هذه.
+++++
الترجمة الحرفية – النقود تؤدي الى الخصام بين الآباء و الابناء.
التعليق –  توجد أمثال عربية عديدة في هذا المعنى , منها - الفلوس تخرب ( او تغيّر ) النفوس // الفلوس على كل شي تدوس .. . وهناك أمثال عند الشعوب الاخرى حول ذلك ايضا , منها المثل الروسي – النقود تعمي العيون ...
+++++
الترحمة الحرفية – عندما تكون عنابر الحبوب مليئة , تعرف الناس ماذا تعني المجاملة و دماثة الخلق.
التعليق –  الجوع كافر , وعندما يحل بمكان , فان الناس تنسى دماثة الاخلاق وتبدأ بالصراع العنيف من اجل البقاء دون مراعاة لتلك الاعتبارات والمجاملات بين البشر.
+++++
الترجمة الحرفية – الطاعة المتناهية لا تعني الاخلاص.
التعليق –  مثل صحيح . يقول المثل باللهجة العراقية  -  كل شي يزيد عن حده ينقلب ضده , والطاعة المتناهية والمطلقة هنا حتى قد تعني نوعا من اشكال النفاق الاجتماعي ليس الا.
+++++

158
أمثال أذربيجانية مترجمة عن الروسية (4)
أ.د. ضياء نافع
الترجمة الحرفية – ليس من كل بيضة يفقس كتكوت.
التعليق – مثل طريف ومرح , ولكنه يدعو- وبشكل جدّي- الى ضرورة الاعتماد على التفكير الواقعي بشأن الحياة , والابتعاد عن الحسابات الخيالية والتخطيطات الساذجة , و التي تؤدي حتما الى الفشل الذريع في مسيرة الحياة .
+++++
الترجمة الحرفية – الضعيف مذنب دائما.
التعليق – يقول المثل باللهجة العراقية -  السطرة بعلبة الفقير ( السطرة – الضربة // علبة – رقبة ) , ويقول المثل الروسي في نفس هذا المعنى – على المسكين ماكار تتساقط كل كيزان الصنوبر.  الضعيف لا يستطيع العيش في مجتمع الاقوياء , فهو مذنب امامهم في كل شئ وفي كل الاحوال , اذ انهم  ذئاب , و ( ان لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب ) كما يقول المثل العربي.
+++++
الترجمة  الحرفية – لا يمكن ان تقطع الشجرة بضربة واحدة.
التعليق –  يقول المثل الروسي -  دون جهد لا يمكنك اخراج حتى سمكة صغيرة من البركة , فكيف بقطع شجرة ؟ . تحقيق الاشياء الكبيرة يتطلب جهدا متواصلا ووقتا طويلا.
+++++
الترجمة الحرفية – الثعلب العجوز لا يقترب من الفخ.
التعليق –  يقول المثل الروسي في هذا المعنى -  لن تخدع العصفور العجوز بالخبز اللّين  . الصور الفنية في المثلين المذكورين جميلة جدا , الا ان المثل الاذربيجاني أكثر منطقية , فالثعلب مراوغ بطبيعته وهو رمز الدهاء والحيلة وليس مثل العصفور , فكيف اذا كان هذا الثعلب ايضا عجوزا , اي انه قد اكتسب خبرة الحياة الطويلة وتجربتها ؟
+++++
الترجمة الحرفية – من الافضل ان تكون خادما للحكيم, من ان تكون سيّدا للاحمق.
التعليق – مثل صحيح , فالانسان الحكيم يبقى حكيما حتى بالنسبة لخادمه , والاحمق يبقى أحمقا حتى لسيّده , ف ( الحماقة أعيت من يداويها ) كما يقول المثل العربي .
+++++
الترجمة الحرفية – اذا بدأت الاخفاقات , فان الاسنان تتكسّر حتى عند أكل الحلاوة.
التعليق – يقول المثل العربي في هذا المعنى – المصائب لا تأتي فرادى , وهو مثل عالمي يتكرر عند الكثير من الشعوب بصيغ مختلفة , وصيغة المثل الروسي هي – لا تأتي المصيبة بمفردها ابدا. الصورة الفنية للمثل الاذربيجاني مبتكرة جدا ومتميّزة جدا.
+++++
الترجمة الحرفية  -  ليس مهما للثعلب كم  سعر الديك.
التعليق – مثل طريف جدا , والصورة الفنية فيه غير اعتيادية تماما , وهو عميق في نفس الوقت , اذ انه يصّور بصدق الموقف الحقيقي للجانب الذي يهاجم ضحيته دون ان يأخذ بنظر الاعتبار الخسائر التي يلحقها هذا الهجوم بالجانب الآخر.
+++++
الترجمة الحرفية – الالم نفسه , عندما تقطع اي اصبع.
التعليق – لنتذكر الحديث الشريف حول المؤمنين , الذين هم (.. مثل الجسد , اذا اشتكى منه عضو , تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى ). يرسم المثل الاذربيجاني صورة فنية واقعية ومعبّرة ودقيقة جدا.
+++++
الترجمة الحرفية – الذي يحترم صاحب البيت يعطي الخبز لكلبه.
التعليق – يقول المثل باللهجة العراقية – يحشمون الجلب لخاطر اهله, ( يحشمون – يحترمون / الجلب – الكلب / لخاطراهله – من اجل اهله , اي احتراما لهم ) , وهو في نفس معنى المثل الاذربيجاني بالضبط .هناك مثل روسي قريب ايضا من المثل الاذربيجاني  هذا , وهو– تحبني , اذن  لاتضرب كلبي .
+++++

159
حول اول معجم روسي – عربي للامثال الروسية في العراق
أ.د. ضياء نافع
الكلمة التي ألقيتها باللغة الروسية في المؤتمر الثاني عشر للمستعربين الروس العاملين في معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية , والذي انعقد بتاريخ 27 - 29 / 11 / 2017 بموسكو , وكانت بعنوان – ( كلمة حول اول معجم روسي – عربي للامثال الروسية في العراق ) .
ض.ن.
==========================
احييكم – ايها الزملاء – واشكركم على دعوتكم للمشاركة باعمال  مؤتمركم في هذا المعهد العلمي العريق , واعتبر هذه الدعوة شرفا كبيرا لي ولزملائي العراقيين المتخصصين باللغة الروسية وآدابها , والذين يعملون في العراق لدراسة اللغة الروسية وآدابها ونشرها في العراق مثلما انتم تعملون في روسيا لدراسة اللغة العربية وآدابها ونشرها في روسيا .
اودّ ان أتحدّث لكم اليوم عن أول معجم روسي – عربي ظهر في العراق للامثال الروسية , وهو من تأليفي , والذي أصدرته (دار نوّار للنشر) في بغداد هذا العام (2017 ).
لقد أسسّت دار النشر هذه في بغداد بعد رحيل ابني قبل عامين تقريبا كي تحمل اسمه , وذلك تخليدا له , وبما ان الراحل ( نوّار ) كان يوحد العراق وروسيا ويجسّد رمز تفاعلهما , فقد خططنا ان يكون الكتاب الاول الذي يصدر عن دار النشر هذه باللغتين العربية  والروسية معا , وكان هذا هو الهدف الاول من اصدار هذا المعجم الروسي – العربي .
عندما نقول هنا , ان هذا هو أول معجم روسي – عربي للامثال الروسية في العراق , فان ذلك لا يعني , ان المتخصصين العراقيين لم يتنالوا هذه الامثال في مسيرتهم غير القصيرة في دراسة اللغة الروسية وآدابها ( تأسس قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد عام 1958 وسيحتفل عام 2018 بالذكرى الستين لتأسيسه), فقد أصدر الدكتور جليل كمال الدين ( 1930– 2014 )
, التدريسي في قسم اللغة الروسية آنذاك ( والاستاذ البروفيسور في القسم المذكور لاحقا) كتابا مهما وقيّما جدا في بغداد عام 1978 بعنوان – ( دراسة مقارنة في الامثال الروسية والعربية ) , وقد ترجم المؤلف  في كتابه هذا الكثير من الامثال الروسية الى العربية وصنّفها حسب مواضيعها وقارنها بالامثال العربية المناظرة لها من حيث المعنى , ولا زال هذا الكتاب لحد الان يعد مصدرا عربيا مهما حول الامثال الروسية في المراجع العربية حول ذلك , الا ان هذا الكتاب كان بالعربية فقط . وعدا ذلك , فقد كتب عدة طلبة من خريجي قسم اللغة الروسية في بغداد أطاريح ماجستير باشراف أساتذة القسم المذكور حول الامثال الروسية ومقارنتها بالعربية عموما وحتى بالامثال باللهجة العراقية ايضا , و أنجز بعض هؤلاء أطاريحهم للحصول على شهادات الدكتوراه  في الجامعات الروسية فيما بعد في نفس تلك المواضيع . الا انه لم يصدر في العراق – رغم كل تلك الجهود العلمية الكبيرة – معجم روسي عربي يضم الامثال الروسية , ولهذا فاننا يمكن ان نقول – وليس دون فخر – ان معجمنا هو المحاولة العراقية الاولى في هذا المجال , وقد أشرنا الى ذلك في مقدمتنا للمعجم . 
وربما يمكن القول ايضا , ان هذا المعجم هو المحاولة الاولى في العالم العربي ايضا حسب علمنا المتواضع , اذ اننا لا نعرف باصدار مثل هذا المعجم من قبل زملائنا العرب في البلدان العربية الاخرى . أما بالنسبة للساحة الروسية , فاننا لا نعرف سوى قاموس التعابير والامثال السائرة الذي صدرت طبعته الثانية عام 1989 بموسكو , من تأليف فلاديمير شكلياروف و فوزي عطية محمد ( المصري الجنسية) , وهو قاموس روسي – عربي تعليمي يمتلك اهمية علمية وتاريخية كبيرة ومتميّزة في مجال القواميس الروسية العربية بلا شك , الا انه يختلف طبعا عن المعجم الروسي – العربي للامثال الروسية الذي نتحدّث عنه هنا , رغم التقارب الواضح بينهما.
وبناء على ما مر أعلاه, فاننا يمكن ان نعلن هنا , ان المعجم الروسي – العربي للامثال الروسية , الذي نتحدّث عنه اليوم هو اول محاولة في عالم العلاقات الثقافية الروسية – العربية , ويسرّنا الاعلا