عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - أبرم شبيرا

صفحات: [1]
1
أحزابنا السياسية "الكلدانية السريانية الآشورية" ... كونوا أو لا تكونوا
To Be or Not to Be
“William Shakespeare”
==================================
أبرم شبيرا

بعد الإنتخابات البرلمانية في العراق التي تعد من أغرب الإنتخابات في التاريخ جاوزت إنتخابات أعتى دكتاتوريات العالم... وبعد ديموقراطية الحرائق في بغداد وتطاول لهيبها صناديق الإقتراع ... وبعد سرقة ونهب الكراسي المخصص لـ "الكوتا المسيحية" وفي وضح النهار وبأساليب "مشروعة" حسب شرعية النظام الفاسد في العراق وكوتته المخادعة التي كانت ولازالت طعماً سهلاً للذئاب الجائعة... بعد كل هذا وصل السكين إلى العظم و لا ندري كيف سيستمر أبناء شعبنا على هذا المنوال وحقهم الطبيعي يُسرق في التمثيل والتعبير عن صوتهم الحقيقي في الوقت الذي أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية سائرة في هذا الموكب المخادع والفاسد ويسجلون قوائمهم الإنتخابية ويدخلون ساحة الكذب والمخادعة والنهب والسرقة والدجل لانتخابات برلمان إقليم "كردستان" ومن دون أن يستفيدوا من دروس جريمة سرقة كراسي "الكوتا المسيحية" من قبل الذئاب الجائعة في مهزلة الإنتخابات البرلمانية التي جرت في الثاني عشر من شهر مايس 2018 وكأنهم لا يعرفون بأن المشهد نفسه في الإقليم سيتكرر في سرقة كراسي "الكوتا المسيحية" تحت غطاء الشرعية والقانون. لقد قامت الحيتان الكوردية الكبيرة بإرتداء قناع "الكوتا المسيحية" لتدخل البيت المسيحي وتسرق من أصحابها حقهم الشرعي والأصلي في التمثيل. صحيح هو أن عدد الكراسي المخصصة للكوتا المسيحية ليست بكثيرة وإحتمال سرقة كرسين أو ثلاثة وربما أكثر ليست بهدف زيادة مقاعد الحيتان الكبيرة فهي لا تغير موازين القوى في البرلمان بل الهدف منها هو مسخ الحقوق الشرعية للـ "المسحيين" في التمثيل السياسي وإبتلاعها بحجة تمثيل الأحزاب الكوردية لكل "الشعب الكوردستاني" من دون تمييز ديني أو قومي.

قلنا في السابق  ونكرر القول مراراً وتكراراً بأن الذي يتعثر بالحجر مرتين هو جاهل.  هكذا مرة أخرى تسير تسعة  قوائم لشعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" على نفس الطريق ومع أصحاب الضلال والفساد والسرقة لللعب معهم في ساحة إنتخابات برلمان "كوردستان" المزمع أجراءه في 30/09/2018 لنعودة مرة أخرى وننعتهم بالجهل والتخلف لأنهم سيتعثرون بنفس الحجر ومن دون أن يتعضوا من دروس الإنتخابات السابقة التي خرجوا منها بنتائج محبطة. ومن الملاحظ في الإنتخابات السابقة بأن الفأس وقع على رأس قوائمنا الإنتخابية ثم بدأوا بأحتجاجاتهم الورقية التي لا طائلة منها ولا هناك من يسمعها خاصة عندما نعرف بأن المتحكمين في الأرض والعباد مشغولون جداً بكيفية تقسيم كعكة نتائج الإنتخابات ولا وقت لهم أو ذرة إهتمام بصراخ أصحاب قوائم "الكوتا المسيحية" خاصة عندما نعرف بأن الكوتا مستثنين من النظر في موضوع تزوير الإنتخابات ومن إعادة فرز الأصوات لأنهم يؤمنون بأن التصويت للكوتا كان صحيحة 100%... يالها من عدالة وحكمة!!!

المنطق السياسي يقول بأن الحزب أو أي تنظيم يسعى للوصول إلى هياكل الحكم يمثل، او من المفترض أن يمثل، أرقى أشكال الوعي الجمعي أو القومي، ومثل هذا الوعي يشكل حصانة ضد المفاجئات خاصة في العملية السياسية كالإنتخابات مثلا. لقد تفاجئ، لا بل أنصدم، أصحاب قوائمنا الإنتخابية من سرقة كراسي الكوتا ومن النتائج المخزية لإنتخابات برلمان المركز غير مدركين أو جاهلين بطبيعة الكوتا ومن يقف خلفها من اللصوص مما يدل على أنهم كانوا غير متحصنين من هذه المفاجئات، أي بعبارة أخرى بأنهم كانوا غير واعين تماماً بالإحتمالات المتوقعة وهم يسيرون في غابة ملئها الوحوش المفترسة وبالتالي لم يكن يملكون وعياً سياسياً حقيقياً بالأمور التي تتحكم في العملية السياسية. هناك مثل يقول "ليس أشد أعمى من أولئك الذين لا يريدون أن يبصروا" وأيضا هناك قول : ليس أحد أشد صمماً من أولئك الذين لا يريدون أن يسمعوا". ألم يقل المثل "الوقاية خير من العلاج". إذن كان من المفترض لأصحاب قوائمنا الإنتخابية أن يمتلكوا وقاية من فايروس الكرسي قبل أن يبحثوا عن علاج علل الكوتا التي لا علاج لها إطلاقا طالما هي ثمرة من ثمرات شجرة النظام الفاسد. ألا يعرف أصحاب قوائمنا الإنتخابية بأن "النمر لا يستطيع أن  يغير رقطه" فالحال نفسه بالنسبة للمتحكمين في أمور الوطن فهم أيضا لا يستطيعون أن يغيروا عقليتهم وأهواءاتهم وشهواتهم في السلطة والتحكم وإبتلاع الصغير قبل الكبير؟ فما الذي يتوقعونه من إنتخابات برلمان إقليم "كوردستان"؟ غير نفس ما جرى في إنتخابات المركز أو أسوأ منها طالما "نفس الطاس ونفس الحمام" تتحكم في الإنتخابات القادمة.

هناك تسعة قوائم "مسيحية" نزلت إلى ساحة إنتخابات برلمان إقليم "كوردستان" ومن الواضح بأن ما يقرب نصف هذا العدد أن لم يكن أكثر سائر في قطار الأحزاب الكوردية في الوقت الذي يعرف أصحاب القوائم المسيحية "المستقلة" حق المعرفة أكثر مما نعرفه نحن بأن السرقة ستتم في وضح النهار وبـ "شرعية" القانون، إذن لماذ السكوت من قبل هذه القوائم "المستقلة" ولماذا يشاركون في هذه الإنتخابات المعرضة للسرقة"؟؟ السبب عن هذه المشاركة ليس الجهل والتخلف فحسب بل أيضاً غياب المصلحة القومية الشاملة من أجندتهم الحقيقية لأن المهم عندهم هو الحصول على كرسي حتى ولو كان كرسي واحد بدون أرجل والكراسي الباقية حصلت عليها ممثلي الحيتان الكبيرة، ونحن نعرف بأن لا كرسي واحد ولا حتى خمسة كراسي تستيطيع تحقيق الحد الأدنى من المصلحة القومية الشاملة لأمتنا، ولكن كرسي واحد يكفي لكي يكون مصدراً للإغناء والشهرة والأنانية والتحزبية أما غير هذا فبئس المصير. إذن فأن أصحاب القوائم الإنتخابية التي سجلت ستدخل الإنتخابات وسترى سرقة كراسي الكوتا ثم بعد ذلك ... نعم.. بعد ذلك تبدأ إحتجاجاتها الورقية التي حتما ستتطاير في الهواء من دون أي نتيجة... ألا تدركون هذا يا "ممثلي" أمتنا؟. هذه الصورة القاتمة لوضع حال أمتنا من حيث تمثيلها في برلمان إقليم "كوردستان" وستكون نسخة مطابقة للوضع الذي آلت إليه نتائج إنتخابات برلمان العراق الماضية. صورة واضحة بدون رتوش او ضلال وتكون مدركة حتى للأعمى والغبي. فأين موقع أصحاب قوائمنا الإنتخابية من هذه الحالة المزرية الذين لا يعرفون بأن إشتراكهم في الإنتخابات سيضيفون عليها شرعية المستبد والظالم والسارق لحقوق أمتنا في أرضها التاريخية...

هناك مقولة تقول "أشعل شمعة خير من لعنة الظلام" .. إذن قد يبدوا للبعض بأن موضوعي هذا وما قبله هو لعنة للظلام ولا فيه محاولة لإشعال شمعة تضيء طريق قوائمنا الإنتخابية... ولكن هذا غير صحيح إطلاقاً... طبعاً الحل لا يمكن من خلال الجلوس على كراسي البرلمان بل من خلال ترك هذه الكراسي الملوثة والجلوس على كراسي الأمة، ومن خلال الخروج في مظاهرات إحتجاجية ضد سرقة كراسي الكوتا المسيحية. وصحيح هو من يقول بأن إستقالة "ممثلي" أمتنا من الهيئات الحكومية سيفتح المجال أوسع لذيول الحيتان الكبيرة للسيطرة على كل كراسي الكوتا. ولكن الخروج في مظاهرات جماهيرية واسعة ستفعل فعلها في سحب "شرعية" وقانونية هذه الذيول من الجلوس على كراسي البرلمان وفي تمثيلها لجماهير أمتنا وستخلق لأحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية شرعية جماهيرية ستكون أقوى بكثير من "شرعية" ذيول الحيتان الكبيرة ومن المؤكد بأن هناك قوى سياسية تقدمية في الإقليم والمركز سيساندون حق أمتنا في التمثيل البرلماني والحكومي الصحيح وستكون قوة ضاغطة على لصوص الكوتا المسيحية لحين إيجاد أسلوب آخر غير الكوتا لتمثيل المسيحين في هيئات الحكم، فما هو السبيل لإيجاد أسلوب جديد في تمثيل المسيحيين؟؟؟ هذا الموضوع يتطلبه معالجة أخرى في المستقبل القريب وهو موضوع مطروح لقراءنا الأعزاء لتناول وطرح مقترحات لإيجاد  مثل هذا الحل ومن خارج الكوتا الحالية.
 
وأخيرا أقول:
كونوا: أبناء آشور بانيبال ونبوخذنصر والشهداء البطريرك مار بنيامين وفريدون آتورايا والمطران توما أودو والبرفسور يوسف بيت هربوط والمبدعين نعوم فائق وفريد نزها الأصلاء الذين رفضوا الظلم والإستبداد وتحدوا الجبروت من أجل هذه الأمة، كونوا رافضين لهذه السرقة عن طريق الخروج في مظاهرات جماهيرية واسعة وأنا واثق بان لأمتنا أحزاب، كالحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا)، قادرة على حشد جماهيري واسع لرفض هذه السرقة، هذه القدرة والإمكانية والخلفية التاريخ الناصعة لزوعا مع الأسف أصابت بفايروس الكرسي وضعفت مقاومتها لإغراءات الكرسي... فكونوا متحصنين ومستقوين بعظمة أمتنا في مقاومة هذا الفايروس والتخلص منه.
أو
لا تكونوا: من رُكاب قطار اللصوص وسارقي صوت أبناء أمتنا فأتركوهم لحالهم وإغسلوا أياديكم منهم وأرتموا في أحظان هذه الأمة لكي تنعموا بالدفئ والحنان وتستعيدوا عافيتكم وحصانتهم من الأجواء الملوثة ومن فايروس الكرسي. وهنا يجب أن تتذكروا بأن "أسوأ الفساد، هو فساد الأفضل". فأنتم الأفضل والأحسن فأبتعدوا عن الفساد حينذاك سنرفع قبعاتنا إحتراماً وتكبيراً لكم لأن تمثيل الأمة يتطلبه التضحية ووضع مصالح الأمة فوق جميع المصالح الأخرى.



2
نماذج في تخلف قادة أحزابنا "الكلدانية السريانية الآشورية" وقوائمنا الإنتخابية بشأن الكوتا والإنتخابات
=========================================================
أبرم شبيرا
توطئة:
------
في المقال السابق تناولنا موضوع تخلف وجهل قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية وقوائمنا الإنتخابية للكثير من الأمور السياسية وخفاياها خاصة ما يتعلق بالإنتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة وكوتتها المخادعة، وأكدنا بأن المقصد من التخلف والجهل ليس عدم الحصول على شهادات علمية أو قلة المعرفة والثقافة العامة بل غياب المصلحة القومية في عملهم السياسي كنتيجة منطقية لغياب الوحدة أو التفاهم أو التنسيق بينهم المرتكز على الحد الإدنى لمصلحة أمتنا والذي أضمحل وتلاشي في أخاديد التحزبية والفردية واللهوث وراء الكرسي من دون أي إكتراث للنتائج السلبية التي قد تترتب على المصلحة القومية لكل أبناء شعبنا بمختلف تسمياته الحضارية. وحتى لا أكون جانيا على الحقيقة والمنطق، فهنا سأسرد بعض النماذج في هذا السياق.

الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) ....و "إلى الوراءءءء  درر": 4-3-2-1-0
----------------------------------------------
معظم أبناء شعبنا وبمختلف تسمياته الحضارية يقر بأن الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) حزب جماهيري وحدوي ناضل في ظروف صعبة وحقق بعض النتائج المفيدة لأمتنا، وهذا أمر لا يتطلبه المدح والإطناب  أو الإنكار والتكذيب فهو معروف للداني والقاصي وللقريب والبعيد. من هذا المنطلق الإيماني بالدور الكبير الذي لعبته زوعا  ومن رغبتنا الجامحة لأن تكون على المستوى الذي كان معروفاً عليها، لم أبخل جهداً او وقتا إلا وبذلته في تعضيدها ومساندتها وترسيخ صداقتي معها سواء على مستوى القيادة أو القاعدة بحيث وصلت لدرجة بأني مُنحت شرف "تهمة" عضو "مخفي" في قيادة زوعا خاصة في الأيام المظلمة لنظام البعث المقبور. وقد تجلى جهدي ووقتي المبذول لزوعا ليس بزيارتهم في مقراتهم في الوطن والدخول في مناقشات سياسية وقومية بناءة معهم وإنما أيضا في الكتابة لهم بمقترحات وأفكار بمسعى المساهمة في تعزيز وجودها وتحسين أسلوب عملها السياسي وإصحلاح هيكلها التنظيمي والإبقاء على ريادتها في الساحة القومية. ولكن مع الأسف الشديد معظم، إن لم نقل كلها، وجدت طريقها إلى سلة المهملات، أو تم ترحيلها إلى الإجتماعات أو المؤتمرات القادمة والتي تطايرت في الهواء خلال سنوات إنعقاد المؤتمرات أو الإجتماعاعات اللاحقة. من هذه المنطلقات المبدئية أتألم ألماً شديداً ويصيبني الكثير من الإحباط واليأس عندما أجد زوعا في تراجع مستمر خلال السنوات القليلة الماضية وحتى يومنا هذا، وهو الأمر الذي دفعني وأضطرني أن أكتب وأنشر في الإعلام الكثير من الإنتقادات البناءة لها ولبعض قادتها عسى ولعل قد يفيد هذا الأسلوب ويضع قادة زوعا في موقع مكشوف عن الإخطاء التي ارتكبها قيادتها بعد أن فشلت كل المحاولات السابقة. ولكن قبل ان نسبب أسباب تراجع زوعا، خاصة فيما يخص الإنتخابات الأخيرة علينا أن ننصفها بعدالة وموضوعية وأن نقيم الظروف التي مرت بها والعوامل المؤثرة في هذا التحول والتي يمكن تلخيصها بما يلي:

الأول: خارجياً قلنا سابقاً ونكررها هنا وبإختصار، أن التحديات التي واجهتها زوعا قبل عام 2003 هي غير التي بعد عام 2003. فإذا كانت زوعا قد استطاعت  النفوذ من خلال التحديات السابقة ومواجهتها عبر نضال قاسي وصعب أكسبها شرعية ثورية وشعبية واسعة وأجلسها على أكثرية الكراسي البرلمانية المخصصة لشعبنا، خاصة في الإقليم، فإن تحديات بعد 2003 التي ملئها الفساد ونظام قائم على المحاصصة والنهب والسرقة تكيفت زوعا مع هذا النظام وشاركته فلم تستطيع أن تحول شرعيتها الثورية إلى شرعية قانونية صلدة. فبعد أن كان مناضلوها ينامون في العراء وعلى الصخور ويأكلون حتى من لحوم الدببة والثعالب ولم تكن وسائل إنتقالهم أكثر من البغال والحمير، أصبح قادتها بعد عام 2003 تنام في بيوت مريحة وتأكل الطيبات وتنتقل بسيارات مدرعة مع عشرات المرافقين وتملىء جيوب بعضها بألاف الدولارات بعد أن كانت جيوبهم مخرومة لا تختزن فلساً واحد. فهذا الأمر في الإنتقال بين مرحليتن أصاب قادتها بالتخمة وبالتالي بفايروس الكرسي الذي أصبح، أي الكرسي، أول اولياتها خاصة في فترة الإنتخابات، بحيث لم تستطيع أن توازي أو تنسق شرعيتها الثورية مع شرعيتها القانونية وباالنتيجة طغت الآخيرة على الأولى ووضعتها في صفحات التاريخ.
الثاني: قبل عام 2003 كانت الساحة مفتوحة وفسيحة أمام زوعا فكانت اللاعب الأول والرئيسي تقريباً على الساحة القومية لأمتنا أكتسبت من خلال المعاناة وصعاب النضال القومي شرعية شعبية أهلتها لأن تنفذ من خلال الهامش الديموقراطي الذي توفر في إقليم "كردستان" وتفوز بأربعة مقاعد من خمسة مخصصة للكوتا "المسيحية" في برلمان الإقليم مع كرسي وزاري. غير أنه بعد عام 2003 وسقوط حاجز الخوف والرهبة أنفجرت النزعات الطائفية والشللية والمصلحية  في مجتمعنا وأنطلقت من جحورها ونزلت إلى الساحة السياسية على شكل أحزاب سياسية أو منظمات مطالبة بحصتها من كراسي البرلمان بعضها مدعومة أو مصنوعة من قبل الحيتان الكبيرة والمتنفذة. فلم يكن من السهل على زوعا مواجهة هذه النزعات ومن خلفها الحيتان الكبير بأسلحة بسيطة وبإمكانيات شحيحة وبدعم ضئيل أو غير موجود أصلا في صراع تمثل بين الإستقلالية في القرار وبين التبعية والخضوع، وبين التوجهات القومية من جهة والنزعات الطائفية والعشائرية من جهة أخرى، فوصلت المنازلة غير المتكافئة إلى نتائج تمثلت في إزاحة زوعا من كراسي البرلمان دورة بعد دورة حتى آلت الأمور إلى ما عليه في إنتخابات عام 2018.

على العموم أن الذي يهمنا هو إنغلاق صندوق دماغ بعض قادتها إنغلاقاً محكماً أدى ذلك إلى أن تصل الحالة بزوعا إلى  هذا التراجع خاصة فيما يخص دورات الإنتخابات وتحديدا الأخيرة منها.  فقد ذكرنا مراراً وتكراراً بأنه يجب على قادة زوعا أن تفكر ملياً عن الأسباب التي أدت إلى أن تخسر مقعد برلماني في كل دورة إنتخابية سواء في المركز أو الإقليم... فمن بين خمسة مقاعد مخصصة للمكون المسيحي حصلت على 4 مقاعد في الإقليم، ثم في الدورة الإنتخابية التالية حصلت على ثلاثة مقاعد من الكوتا ثم نزلت في الدورة الإنتخابية التالية إلى مقعدين، وشددنا التحذير بأن هذا الإنحدار سيستمر نحو مقعد واحد أو بدون مقعد مالم تبحث قيادة زوعا عن أسباب هذا التراجع وتبدأ بمعالجتها حتى لا تصل إلى الصفر. غير أن نتائج الإنتخابات الحالية لعام 2018 وحصول قائمة الرافدين على مقعد واحد، ولا نقول بأن زوعا حصل عليه بل كان من نصيب زعيم الحزب الوطني الآشوري المتحالف معها، مما يثبت بأن زوعا لم تكترث لمثل هذا الإنحدار الملفلف بجملة عوامل خارجية وداخية مؤثرة جداً على مسيرة زوعا حتى وصل الأمر بها إلى بدون مقعد برلماني. وقمة هذا التجاهل والإهمال والخطأ الفادح هو ترشح السكرتير العام لزوعا السيد يونادم يوسف كنا – رقم 1 لقائمة إئتلاف الرافدين – على محافظة بغداد في الوقت الذي كان معروفاً بان الحشد الشعبي حشد كل قواه لضمان وصول مرشح قائمة بابليون والإستيلاء على كرسي بغداد الذي حصل على 941 صوتاً فقط مقابل السيد يونادم الذي حصل6079 صوتا من دون أصوات الخارج التي تدل الدلائل بأن في معظمها صوتت لصالح إئتلاف الرافدين وتحديداً للسيد يونادم، مما يدل، وبلغة الأرقام، بأن السيد يونادم لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة ولكن خسر كرسي بغداد لأن قائمة حركة بابليون في بغداد حصلت على 33172 في حين حصل إئتلاف الرافدين على 19422 فهذا هو الحكم الظالم وغير العادل لقانون الإنتخابات في العراق وكوتته المشؤومة، حيث كان لازماً على قيادة زوعا أداركه ومحاولة تجنبه بقدر الإمكان. واليوم بعد أن أثبت الإنتخابات الحالية لعام 2018 ما ذهبنا إليه فعلى زوعا أن تأخذ الآمور بجدية لو رغبت قيادتها إعادة أمجادها بإعادة النظر في إستراتيجية عملها التنظيمي والسياسي والقومي خاصة وأن الإنتخابات البرلمانية في إقليم "كرسدتان" قاب قوسين، وإلا ستضطر إلى أن تعلن كهولتها والإحالة على التقاعد وهو الأمر الذي لا نرغبه ولا يرغبه غيرنا من أبناء شعبنا المحبين لزوعا.

 حزب ... مجلس... شعبي كلداني سرياني آشوري
--------------------------------
للحق أقول بأنني شخصياً وغيري من المهتمين بالشؤون السياسية  لم يفهم "الخربطات" التي أقترفها المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (مجلس) فيما يخص تحوله من مجلس إلى حزب. ففي 30/11/2017 صدر بيان تحت شعار (ضمان حقوقنا القومية ووحدة شعبنا التاريخية في وطن يسوده القانون والعدالة) أعلن فيه إنعقاد المؤتمر الثالث…. الثالث... لحزب المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري..... وكتبنا في حينه حول الموضوع بشكل مفصل عن هذه "الخربطات" للحزب وعن مؤتمره الثالث وهو لم يولد بعد ... ويعلن تأسيس هذا الحزب  في مؤتمره الثالث،  في الوقت الذي كان من المفروض أن يكون المؤتمر الثالث للمجلس. ثم ما لبث بعد فترة  طارت كلمة الحزب وعاد الأسم إلى المجلس مرة أخرى. طبعاً كان القصد من هذا "التحزب" للمجلس هو لغرض تسجيله في القوائم المؤهلة لدخول الإنتخابات لعام 2018 غير مدركين بان المجلس كان مسجل كقائمة إنتخابية لإنتخابات عام  2014 حيث كان المطلوب  فقط إعادة تسجيل المجلس مرة أخرى. كل هذا كان يدل بأن المؤتمرين كانوا يجهلون حتى الأبجدية السياسية والعمل السياسي المنطقي والمعقول.

على العموم ما يهمنا هو إنتخابات هذا العام ونتائجها التي لم يكن حالها أكثر من حال زوعا في خسارة كرسي برلماني بعد أن كان يجلس على كرسيين، خاصة والكل يعرف بأن المجلس قام بحملة دعائية كبيرة جداً لمرشحيه حيث خصصت قناة عشتار الفضائية شاشتها ليل نهار للدعاية لمرشحي المجلس وهي الحملة الدعائية الأكبر إتسعاعاً وإنتشاراً ليس مقارنة مع بقية قوائمنا الإنتخابية بل حتى بالنسبة للقوائم العراقية جميعاً، ولكن مع هذا تراجع المجلس من كرسين إلى كرسي.. لماذا؟؟ لأن القائمين على شؤونه كانوا يجهلون العوامل المتغيرة الي لعبت دورها الفاعل في تقليص الكرسين إلى كرسي واحد. الحقيقة تقال بأن المجلس خلال سنواته القليلة من تأسييه حقق نجاح في الحصولين على الكرسين في برلمان الإقليم والمركز في حين هناك أحزاب عمرها يقارب الأربعين عاماً ولم تحقق إي نجاح يذكر بهذا الشأن. ولا أحد يستطيع أن ينكر بأن هذا النجاح كان بفضل دعم وإسناد الحزب الديموقراطي الكردستاني خاصة عندما نعرف بأن الأب الروحي للمجلس هو السيد سركيس إغاجان القيادي البارز في حزب البارتي ووزير مالية الإقليم السابق. ولكن ألم يعرف قادة المجلس قبل إنتخابات 2018 بأن:

1.   الأزمة المالية تضرب الإقليم ولم يعد هناك "نثريات" تصرف للمجلس من قبل البارتي. فمرشيحي البارتي أولى بها لضمان وصولهم إلى البرلمان وكذلك ضمان الأكثرية بشكل مباشر وليس عن طريق ممثلي المجلس.
2.   الكورد بشكل عام والبارتي بشكل خاص يعانون نوع من الفرقة والإنقسامات والتي أثرت على الرأي العام الكوردي مما أستوجب على البارتي أن يقنن أصوات المقترعين ويخصصها لمرشحيه من دون أن يفرط بها لمرشحي المجلس تاركاً المجلس ليقرر مصيره بنفسه. وبأعتقاي الخاص، فإن حتى الكرسي اليتم الذي حصل عليه مرشح المجلس في كركوك  فهو غير بعيد عن العوامل المؤثرة الماضية التي لاتزال تتعشش في أخاديد مجتمعنا في المناطق المتنازع عليها خاصة في كركوك التي تثير التساؤلات عن 20197 صوت حصل عليها المجلس ومرشحها الفائز على 5458 صوت لأن كل الوقائع تشير بأنه لا وجود مسيحي في كركوك بهذا العدد.

أستيقظَ الكلدان على كرسي واحد:
------------------- 
منذ أن بدأت بوادر أكبر مؤسسة دينية في مجتمعنا، الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، برئاسة غبطة البطريرك/الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو بإعلان أهتمامها بالأمور السياسية الكلدانية القومية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر وعن طريق الرابطة الكلدانية، شغل الأمر الكثير من أبناء شعبنا بين رافض له بحجة فصل الكنيسة عن السياسة وعدم تدخلها فيها، وبين مؤيد لهذا الأمر المبني على أساس ضرورة تمثيل الكلدان بنسبة معقولة بإعتبارهم أكبر مجموعة مسيحية في العراق، لأن بالنسبة لهم الكلدان المعروفين بـ "المتأشورين" المتواجدين على كراسي البرلمان والوزارة لا يمثلون الكلدان!!. ثم جاءت صرخة أبينا البطريرك المعروفة’ بـ "أستقيظ يا كلداني" قبيل الإنتخابات لتضيف زخماً قوياً آخر على أهتمام الكنيسة بالأمور السياسية خاصة بالإنتخابات. هذا الأمر، أي تدخل أكبر مؤسسة في مجتمعنا، أثار أنتباهي شخصياً وتوقعت أن تكتسح الكنيسة الكلدانية ممثلة بالرابطة الكلدانية والتي نزلت إلى الساحة الإنتخابية بقائمة إئتلاف الكلدان كل كراسي المسيحيين إن لم نقل أغلبها خاصة عندما نعرف:
1.   بأن معظم أبرشيات الكنيسة الكلدانية سواء في الوطن أم في المهجر روجت بشكل أو بآخر لقائمة إئتلاف الكلدان وطالبت مؤمني الكنيسة بضرورة المشاركة في الإنتخابات ونحن جميعاً نعرف مدى قوة تأثير الكنيسة ورجالها على الكثير من أبناء شعبنا.
2.   للكلدان بنى إجتماعية  وجغرافية وديموغرافية وإقتصادية وعلمية قوية جداً في مقارنتها مع بقية أقسام مجتمعنا، غير أنه لم تنعكس هذه البنى في البنية الفوقية الفكرية لينشأ فكر قومي كلداني قوي قابل على نشوء حركة قومية كلدانية جامعة مبنية على بنى تحتية قوية وراسخة. والسبب الرئيسي في ذلك هو الخلفية التاريخية لتأثير الكاثوليكية وموقفها الكابح للفكر القومي والحركات القومية منذ نشوء هذا الفكر والحركات. وهو موضوع سبق وأن فصلنا فيه.

كل هذه العوامل لم تنفع صرخة البطريرك مار لويس روفائيل ساكو في إستيقاظ الكلدان ولم الشمل والإلتفاف حول قائمة إئتلاف الكلدان غير بكرسي واحد. ولا أدري إذا كان يصح لنا وفقاً للإنتماء الكنسي أن نقول مجازاً بأن الكلدان فازوا بأربعة مقاعد في الإنتخابات، أثنان من قائمة بابليون الحشدية (بغداد والموصل) وواحد من قائمة المجلس الكردستانية (كركوك) وواحد من قائمة إئتلاف الكلدان (أربيل) لأن جميعهم ينتمون للكنيسة الكلدانية حسب إعتقادي. كما يجب أن لا ننسى الوجود القوي والفاعل لأبرشية أربيل الكلدانية وتواجد كلداني كثيف في أربيل خاصة في عنكاوة قد يكون عامل مؤثر في فوز قائمة إئتلاف الكلدان بالكرسي البرلماني لأربيل.

إذن أين الخلل في عدم حصول إئتلاف الكلدان على غالبية المقاعد للكوتا المسيحية رغم صرخة مدوية من أعلى مرجع كلداني ورغم وجود بنى تحتية قوية للكدان سواء في الوطن أم المهجر؟ ويمكن إيجاز الخلل في الأسباب التالية:
1.   من المؤسف بأن قادة إئتلاف الكلدان ورعاتها من الرابطة الكلدانية والكنيسة الكلدانية تجاهلوا وأغفلوا الدروس والعبر للإنتخابات الماضية في كون القوائم التي تسمى بأسماء مفردة أو طائفية لم تنجح ولم تحقق أي نتائج بل كان الفوز دائماً للقوائم التي تبنت التسمية الوحدوية الشاملة لجميع أقسام أمتنا والتي تمثلت في "الكلدان السريان الاشوريين". وهذا الأمر ينطبق بكل حذافيره على بقية التسميات المفردة كالأشورية والسريانية التي لم تفلح ف الإنتخابات السابقة.
2.   لقد ثبت في الماضي والحاضر بأن غالبية شعبنا الكلداني سواء في الوطن أم في المهجر محب للوحدة القومية بين كافة طوائف وأقسام أمتنا وتمثل ذلك في مساندته وتصويته للقوائم التي تسمى بالتسمية الوحدوية. ولا أشك في القول بأن نجاح مرشحي زوعا والمجلس، المتبنيان للتسمية الوحدوية، والوصول إلى البرلمان في الإنتخابات السابقة كان بفعل أصوات الكلدان أكثر بكثير من أصوات الآشوريين والسريان. وحتى في الإنتخابات الحالية لولا تدخل الحشد الشعبي عبر قائمته بابليون وسرقة كرسين لكانا من حصة قائمة إئتلاف الرافدين أو قائمة المجلس.
3.   إئتلاف الكلدان ضم كيانين، هما الحزب الديموقراطي الكلداني والمجلس القومي الكلداني وليس بخاف على أحد من أبناء شعبنا بأن الحزب الديموقراطي الكلداني يعتبر من أفشل أحزابنا السياسية، إن كان فعلاً يستحق تسميته بالحزب، ولا يعود هذا الفشل إلى التخبط في عمله السياسي وعلاقة رئيسه المهزوزة  بالحزب الديموقراطي الكردستاني وبجلوسه على كرسي البرلمان الأسبق ممثلاً عن هذا الحزب ومن ثم طرده من الحزب، بل أن معظم فشله يعود إلى تقوقعه وعناده غير المنطقي بالكلدان وتسببه الكثير من الضرر لهم على المستوى السياسي والتمثيلي. أما بالنسبة للمجلس القومي الكلداني فأنه كان أكثر إنفتاحاً وقبولا للتسمية الوحدوية ومشاركته مع بقية الكيانات الوحدوية خاصة إنضمامه إلى ما كان يسمى بـ "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية، النائم في سبات عميق. هذا التناقض الفاضح بين الكيانين لم يكن يجمعهما سوى التسمية الكلدانية وفايروس الكرسي الذي سعوا إليه في الماضي ولم يحصلوا فوجدوا في دعم وإسناد الكنيسة الكلدانية لهم فرصة سانحة للحصول على حصة من الكعكة البرلمانية. كل هذه العوامل التي غيبها المعنيون بإئتلاف الكلدان جعل أن يفقدوا مصداقيتهم وبالتالي أن يفقد شعبنا وتحديداً الكلدان ثقته بعناصر هذا الإئتلاف. ولكن مع هذا فالبعض يقول بأن فوز إئتلاف الكلدان بكرسي في البرلمان ولأول مرة هو إنجاز كبير. ولكن مثل هذا الأنجاز لا يوازي إطلاقاً ما يملكه الكلدان من قوة في البنى التحتية السالفة الذكر وتأثير الكنيسة على مؤمنيها مما يجعل مثل هذا الإنجاز لا شيء فيما إذا تمت المقارنة بين كرسي واحد وقوة البنى التحتية وتأثير الكنيسة.
4.   معظم أبناء شعبنا بمختلف تسمياته يعارض تدخل الكنيسة في السياسة، فهذا الأمر كان يجب على المعنيين في إئتلاف الكلدان أن يدركوه وأن تحاول الكنيسة الكلدانية الابتعاد عن السياسة بأي شكل من الأشكال وعدم دعم قائمة معنية سواء بشكل مباشر او عن طريق الرابطة الكلدانية أو الإبرشيات التابعة لها. خاصة عندما نعرف بأن للكلدان نخب ثقافية كبيرة وسياسية علمانية مؤثرة تلعب دوراً كبيرا لإبعاد الكنيسة عن السياسة. هذا الأمر أضر إئتلاف الكلدان أكثر مما أفاده وبالتالي لم يحصل إئتلاف الكلدان إلا على كرسي واحد فقط في الوقت الذي كان هناك عوامل، سبق وأن ذكرناها، لو أستخدمت بشكل عقلاني ومنطقي وواقعي لأكتسحت قائمة الكلدان الكوتا المسيحية سواء بغالبية الكراسي أو بأكثر من كرسي واحد.

بعد أن وقع الفأس على رأس حزب أبناء النهرين بدأ يتحرك:
---------------------------------
مهما قيل عن أسباب الخلاف والإنشقاق عن زوعا تبقى صغيرة جداً ومتلاشية أمام سببين:
 الأول: شخصي 100%، ويتمثل في موقف جميع أعضاء، قيادة وقاعدة، حزب أبناء النهرين من السكرتير العام لزوعا السيد يونادم كنا وبالنتيجة كل محاولات عودة المياه إلى مجاريها كانت مشروطة بإزاحة السيد يونادم وعدم قبوله في قيادة التنظيم وبالتالي أدت إلى الفشل. ثم أثناء فترة التحالفات لخوض الإنتخابات جاءت بادرة لتشكيل إئتلاف من زوعا والحزب الديموقراطي الآشوري (أترنايا) وحزب أبناء النهرين لدخول معترك الإنتخابات البرلمانية لا يجمعهم غير موقفهم من مؤتمر بروكسل. غير أن وجود السيد يونادم على رأس هذا الإئتلاف المزمع تشكيله، والذي كان منطقياً لكونه يمثل أكبر تنظيم سياسي في أمتنا وأكثر شعبية، أدى ذلك إلى عدم إنضمام الحزب للإئتلاف وقرر خوض الإنتخابات بقائمته الخاصة.
الثاني: فايروس الكرسي: يظهر بأن الحزب تلذلذ بالكرسي البرلماني الوحيد الذي فاز به عن أربيل في الإنتخابات البرلمانية السابقة لإقليم "كردستان" ويظهر أيضا بأنه أستقوى به ووجد في نفسه قوة كافية لخوض الإنتخابات لوحده من دون السيد يونادم الذي كان باعتقادهم لو أنضموا إلى الإئتلاف سيأكل كل الكعكة ولا تبقى لهم شيء. لكن فايروس الكرسي كان مفعوله أقوى بكثير من طموحات الحزب فقتله عبر نتائج غير مرضية له وخروجه من الإنتخابات كـ "الخروج من المولد بدون حمص".
ثالثا: قد يكون هناك سبب آخر مرتبط بالسببين أعلاه، وهو في الكثير من الأحيان كنًا نسمع من أعضاء الحزب بأن سبب خروجهم عن زوعا وتشكيلهم كيان أبناء النهرين هو لأن زوعا لم يستطيع تحقيق الكثير من المطالب الملحة والمطلوبة لأمتنا وأن مسعاهم لتأسيس الكيان هو السعي لتحقيق هذه المطالب التي فشل زوعا عن تحقيقها. ولكن خلال السنوات القليلة الماضية من تأسيس الميلت وحتى اليوم لم نعرف ما هي هذه المطالب وهل تم تحقيقها على أرض الواقع؟ صحيح هو أن تحقيق مثل هذه المطالب يتطلبها أدوات ووسائل لتحقيقها أو بالآحرى وجود في هياكل صنع القرار السياسي كالبرلمان لتحقيقها وهذا توفر للحزب عند جلوس ممثلها على كرسي برلمان إقليم "كردستان" ولكن ،على الأقل شخصيا، لا أعرف ما الذي تحقق من خلال الجلوس على هذا الكرسي ولم يستطيع زوعا تحقيقه غير البيانات الإستنكارية.

هناك بديهة بسيطة ومعروفة بأن لو أحزابنا السياسية توحدت فإن الموقف السياسي لأمتنا سيقوى عند المطالبة بحقوقها القومية. وعلى الجانب الآخر أيضا لو أنقسمت أو أنشقت أحزابنا السياسية وتم تشكيل حزب جديد وزادت عدد أحزابنا السياسية ستضعف أمتنا في المطالبة بحقوقها القومية وتحقيقها... هذه البديهية تنطبق بكل حذفيرها على المنشقين عن أحزابنا السياسية وتحديداً إنشقاق وخروج أبناء النهرين عن زوعا والذي سبب تشرذم وضعف في قوة الحزب الكبير في أمتنا وأقصد زوعا. وقد لا تجد قيادة زوعا ضعف في هذا الإنشقاق، كما سمعته من بعض قادتها، لكنه من الملاحظ بأن هذا الإنشقاق أنعكس على مستوى الجماهير وخلق فيهم نوع من الإحباط وفقان الثقة بالأحزاب السياسية وتدني شعبية زوعا. فتغييب مثل هذه البديهية البسيطة هي قمة الجهل والتخلف أو هي غلبة المصلحة الشخصية والتحزبية على المصلحة العامة، خاصة عند دخولهم للإنتخابات وهم متشرذمين وفاقدي قوة التأثير وبالتالي خروجهم بنتائج مخيبة لأمال أبناء أمتنا لتزيد بذلك فقدان ثقة أبناء أمتنا بهم وبالتالي تلاشي إهتمامهم بالأمور السياسية والذي تبين ذلك في قلة إهتمام غالبية أبناء شعبنا بالإنتخابات وبالتالي تعرض الكوتا المسيحية إلى القرصنة من قبل الحيتان الكبيرة.

قبل بضعة أيام نشر حزب أبناء نهرين رسالته المفتوحة إلى قيادة الحركة الديموقراطية الآشورية ... ومن خلالها إلى قواعدها ومؤازريها المحترمين ونشرها بتاريخ 31/05/2018 في موقع عنكاوه وقرأها الألاف من قراء الموقع. جميل جداً لهذه المبادرة ولكن نقول:
1.   لقد فقد قادة حزب أبناء النهرين المنطق في أسلوب نشر هذه الرسالة على موقع ألكتروني عام ومفتوح ويخص موضوع حزبي حساس متعلق بجهتين معنيتين بالموضوع. فالرسالة موجهة إلى قيادة زوعا ولكن أرسلت ونشرت في هذا الموقع وقرأها بضعة ألاف ويمكن أن يكونوا قد قرأوها قبل أن يقرأها قادة زوعا. كان من الأجدر والأصح أن ترسل الرسالة مباشرة إلى قيادة زوعا (سري وعاجل !!!) وأن لا تنشر في الموقع،. أو من جانب آخر كان الأصح منطقياً طالما نشرت في هذا الموقع أن تكون موجهة إلى قراء موقع عنكاوة الألكتروني وليس إلى قيادة زوعا. وهنا نقول بأنه من حق الذين أنتقدوا الحزب على نشر هذه الرسالة أن يتهموه بأن غرضها هو التبجح والتظاهر بأنه مبادر للسلم وعودة المياه إلى مجاريها.
2.   على الرغم من أسلوب الرسالة الفاقدة للمنطق فأن تثمينها وتقديرها لهذه المبادرة "السلمية" يجب أن تأخذ بنظر الإعتبار... ولكن ... نعم ولكن، مثل هذا التثمين اوالتقدير يتلاشى نهائياً أمام المبادرات المنطقية والواقعية التي عرضت في السابق على الجانبين في إعادة اللحمة التنظيمية لسابق عهدها، ولكن فشلت أو علقت لأسباب نحن شخصياً نحتفظ بها إحتراماً لكلا الطرفين.
3.   الرسالة جاءت بعد عدم فوز السيد يونادم في الإنتخابات، وهو الأمر الذي أشرنا إليه في أعلاه من أن الخلاف بين الطرفين كان ولا يزال شخصي. إضافة إلى ذلك فأن عدم فوز أي مرشح من قائمة حزب أبناء النهرين في الإنتخابات خلق رد فعل تمثل في رسالته المعنونه إلى قيادة زوعا والتي هي تعبير عن نوع من الخسارة وأريد منها، أي الرسالة، التعويض عن هذه الخسارة بمبادرة "سلمية". وقد أكون صادقاً لو قلت بأنه لو كان قد فاز أي مرشح من قائمة الحزب في الإنتخابات فإن إحتمال عدم نشر مثل هذه الرسالة كان وارداً جدا، حيث كان سيجد في هذا الفوز قوة أخرى لأثبات حقه في الوجود كحزب حقق أكثر مما حققه زوعا. فالرسالة التي جاءت بعد فرز الأصواب وخسارة حزب أبناء النهرين ما هي تعبير عن موقف ضعيف وخاسر. فقيادة حزب أبناء النهرين وأيضا قيادة زوعا يعرفان جيداً بأن هناك الكثير من المبادرات نحو عودة المياه إلى مجاريها الطبيعية ولم تأخذ بها في حينها فكان الأجدر بحزب أبناء النهرين أن يتصل بقيادة زوعا مباشرة لإعادة النظر في هذه المبادرات وإمكانية تحقيقها.   
   
الأحزاب المخضرمة:
 ------------
اقصد بالأحزاب المخضرمة تحديداً حزب بيت نهرين الديموقراطي (كبًا) والحزب الوطني الآشوري (أترنايا) إضافة إلى قائمة تجمع السريان (سرياني). أبتداً أقول بالنسبة لكبًا بأنه أكثر من أربعة قرون من عمره فهو يتخبط في إنشقاقات وتنقلات بين الوطن والمهجر وتحالفات غير مجدية وكذلك صعوبة  نفي تبعيته للحزب الديموقراطي الكردستاني وأخرها دخوله في تحالف إتحاد بيت نهرين الوطني الذي ضم تشكيلات هامشية تطعم التحالف بالبرلماني السيد جوزيف صلوا (قائمة الوركاء الديمقراطية للحزب الشيوعي العراق) واضعاً رهان فوزه في إنتخابات 2018 على الحصان الخاسر، مما ينم عن عدم فهمه لواقع أحزابنا السياسية ودور كل واحد منهم في الساحة السياسية القومية خاصة بعد أن نعرف بأن حزبه، الحزب الشيوعي العراق، قد تحالف مع أكبر كيان شيعي في العراق، تيار الصدر، ويظهر بأنه لم يكن للسيد جوزيف مكان في هذا التحالف ليسير مع قائمة السائرون.

 أربعة قرون من عمر كبًا ولم يفوز في أية إنتخابات برلمانية سواء في الإقليم أو المركز ولم يحقق إي إنجاز يذكر. لماذا؟ كان من المفروض على (كبًا) أن يسأل نفسه هذا السؤال ويبحث بنظرة موضوعية وذاتية وواقعية عن جواب شافي عن علامة الإستفهام هذه. أما بالنسبة لزميله في العمر (أترنايا) فعلى الرغم من أحباطاته في كل تحالفاته الإنتخابية وغياب أي إنجاز من سجله الحزبي فإن أمره في إنتخابات 2018 كان أكثر فطنة وذكاءاً وحقق له الحلم الذي كان بعيد المنال عندما فاز زعيمه السيد عمانوئيل خوشابا بكرسي برلماني، وتمثلت هذه الفطنة والذكاء في:
1.   وضع راهنه على الحصان الرابح ودخوله في تحالف مع أقوى حزب سياسي لأمتنا، وأقصد زوعا، وبالفعل حقق الفوز.
2.   رشح نفسه عن محافظة دهوك وفاز عن الكرسي المخصص لها، المحافظة التي هي بعيدة المنال عن أذرع الحشد الشعبي وتأثيراته وغيره من الحيتان الكبيرة.
3.   هناك تواجد كثيف لأبناء شعبنا في هذه المحافظة بما فيها القرى والقصبات، وأرجو أن لا يتهمني البعض بالعشائرية عندما أقول بأن هناك أعتبارات عشائرية قد تكون لعبت دورها في فوز السيد عمانوئيل.
4.   يبقى هناك سؤال قائم، وهو أن الخلفية التاريخية للعلاقة بين زوعا وأترنايا لم تكن على ما يرام منذ سنوات طويلة وأقل ما يقال عنها بأنها كان تتصف بالجفاء إن لم نقل العداء. وإذا أعتبرنا موقفهما من مؤتمر بروكسل سبباً لتحالفهم فأن هذا وهم وليس مستبعدا ان يتلاشى هذا التحالف بعد فوز زعيم أترنايا وإحتمالية ظهور نوع من المنافسة أو تضارب المصالح بينه وبين السيد يونادم كنا أو بين الحزب الوطني الآشوري و الحركة الديموقراطية الآشورية وإذا ذهبنا أبعد نقول بين قوات دويخ نوشا التابعة لأترنايا ووحدات حماية سهل نينوى التابعة لزوعا... ألله يستر؟ . أرجو أعتبار هذا نوع من التحذير من المخاطر الناجمة عن إفراط عقد التحالف فيكفينا المخاطر الخارجية التي تهدد وجودها في الوطن.

أما بالنسبة لقائمة تجمع السريان، الجديد العهد في الساحة السياسية وما يخص الإنتخابات البرلمانية، يظهر بانها كانت بعيد  عن واقع الحال لأبناء شعبنا السرياني وتوجهاته السياسية والقومية. فجهل أصحابها بهذا الواقع أوقعها في خسارة الإنتخابات. حيث كان يكفيها عدد قليلة من أبناء شعبنا في القصبتين "بيت خديده – الحمدانية" و "برطلة" السريانيتن التصويت لها وفوز احد مرشحيها بكرسي واحد ولكن يظهر بأنهم لم يقوموا بإداءـ "واجبهم البيتي" خاصة وأن أذرع الأخطبوط الحشدي كان واسع الإنتشار والنفود في سهل نينوى الذي حال دون أن يحققوا أية نتائج في بيتهم السرياني فأدى ذلك إلى سرقة كرسي الموصل منهم. هذا إضافة إلى ما سبق ذكره وهو أن غالبية شعبنا يرغب أن يرى بوادر للوحدة القومية وأثبتت السنوات القليلة الماضية بأن التسمية الموحدة مفضلة لدى غالبيتهم بعكس التسمية المفردة، كما سبق وذكرنا في أعلاه بالنسبة لبقية التسميات المفرة كالكلدانية والآشورية.

وأخيرأ:
-----
أكتفي بهذا القدر... مع إعتذاري لطول الموضوع الذي يستحق أكثر وأكثر من هذه الصفحات لأنه فعلاً موضوع هام ومؤلم في نفس الوقت. ومن المؤكد سيقول البعض لماذا أحشر أنفي في هذا الموضوع الذي يخص أبناء الوطن وأحزابهم السياسية وأنا قابع في خيمتي في المهجر... أقول وبملئ الفم... الموضوع يخص أمتي وأنا أبن هذه الأمة إينما كنت في الوطن او المهجر وبالتالي يهمني جداً مصلحة أمتي وإستقلالية قرار أحزابها السياسية التي هي في عين الوقت إستقلالية قرار أمتي فيما يخص شؤونها القومية والوطنية... وهنا للتذكير أقول مرة أخرى، الأمة التي لا يوجد فيها أحزاب سياسية مستقلة ونشطة ستكون  إرادة الأمة مرهونة وخاضعة لإدارة الأمم الأخرى... وأنا لا أريد إطلاقا أن تكون إرادة أمتي خاضعة لإرادة الغير، من هذا المنطلق أنتقد أحزابنا السياسية إنتقادرا موضوعياً وبدون مجاملة لهذا الصديق أو ذاك الحزب لأنني أومن وأمل بأن هذا الأسلوب هو الذي يصحح أخطاء أحزابنا ويقوي من إرادتها وبالتالي تقوى إرادة أمتنا وتصبح غير خاضعة لإرادات الأمم الأخرى.   

3
بعد أن وقع الفأس على رأس أحزاب ومنظمات شعبنا الكلداني السرياني الآشوري
ما الفائدة من الإستنكار والرفض لنتائج الإنتخابات؟؟
=======================================
أبرم شبيرا
غياب مصلحة الأمة  في العمل السياسي هو الجهل والتخلف وليس قلة المعرفة والثقافة:
-------------------------------------------------
للحق أقول بأنني محط جدا ليس بسبب النتائج الهزيلة أن لم تكن الفاشلة لأحزابنا ومنظماتنا وقوائمنا الإنتخابية من جراء انتخابات هذا العام 2018، لأن النتائج كان معروفة سلفاً وهي صورة واضحة عن التشرذم الذي كان سائداً بين القوائم الإنتخابية، بل أن إحباطي هو عن مستوى الوعي الفكري والسياسي المتدني، إن لم يكن معدوما عند قادة هذه الإحزاب والمنظمات ورؤساء القوائم والكتل الإنتخابية التي دخلت لعبة الإنتخابات العراقية. عندما كتبنا قبل بضعة أشهر أو أكثر عن تخلف "الآشوريين" الناجم بالأساس من ضعف أو غياب الوعي القومي وتلاشي المصلحة القومية الشاملة في عملهم السياسي، أنهالت على رأسي الكثير من الإنتقادات والتهم منها بأنني كتبت هذا الموضوع بنوع من التعالي والتجني على قادة أحزابنا ومنظماتنا لأنهم لا يستحقون مثل هذا التجني وهم يعملون ليل نهار من أجل الأمة ويضحون ويناضلون في احلك الظروف وأصعبها في الوطن ونحن قابعون في بيوتنا الدافئة في المهجر. ولكن الفكر أو الرأي شيء والواقع شيء آخر قد يتوافق هذا الفكر أو الرأي مع الواقع أو يختلف ويتناقض معه. وها هو واقع نتائج الإنتخابات يثبت ما ذهبنا إليه من رأي في مسألة الكوتا المسيحية وفساد النظام وخروج ممثلين حقيقين لأمتنا بتتائج محبطة لا تخدم مصلحة أمتنا. وهنا يجب أن أشدد التأكيد بأن ذكري للجهل أو التخلف لا يعني فقدانهم للشهادات الأكاديمية ولا غياب الثقافة العامة عنهم بل جهلهم وتخلفهم هو من الناحية السياسية وأساليبها الهادفة إلى تحقيق مصلحة الأمة.. وبصراحة أقول كل من يعمل لمصلحته الخاصة أو لحزبه ولا يعمل لمصلحة الأمة الحقيقية فهو المعني بصفة الجهل والتخلف. ومثال على ذلك: 1+1=2... هي مسألة بسيطة جداً ومنطقية ومن لا يعرفها فهو نائم في سبات من الجهل والتخلف. وهكذا على نفس النمط أقول أن المصلحة القومية لا تتحقق إلا بوحدة وتفاهم معظم أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية ومن لا يعرف هذه الحقيقة ويعمل من أجلها فهو أيضا نائم في سبات من الجهل والتخلف. نزلت إلى ساحة الإنتخابات عدة قوائم لتمثيل المسيحيين فجاءت نتائجها لتعكس بالتمام والكمال عن تخلف وجهل أصحاب هذه القوائم. ألم يكن يدركون بأن من دون تفاهم ووحدة وتنسيق بينهم لا يمكن أن يحققوا المطلوب وأن باب الكوتا سيكون عرضة للسرقة والنهب وزيف التمثيل؟ الجواب واضح في النتائج المحبطة التي رفضوها. إذن من الملام الحشد الشعبي أو قائمة بابليون أم البارتي أم الذين لم يقترعوا أو .. أو، أم أصحاب قوائمنا الإنتخابية ؟ فعندما توحدون صفوفكم وتنسقون بين قوائمكم ولو في حده الأدني فنتائج  الإنتخابات ستكون مضمونة ومقبولة أو أفضل مما أفرزته الإنتخابات الأخيرة. قريباً شعبنا في إقليم "كوردستان" مقبل على إنتخابات برلمانية، أفهل سيتعض قادة أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية ويتعلموا بعض الدروس من الإنتخابات البرلمانية في المركز ويعوض بعض مما فقدوه؟... نعود لنقول: من يتعثر بحجر مرتين فهو جاهل، فنرجو منهم أن لا يتعثرون بنفس الحجر مرتين وإلا صفة الجهالة ستنطبق عليهم مرة أخرى.
الكوتا المسيحية أسلوب لمسخ تطلعات المسيحيين في العراق:
-----------------------------------------
لقد تعبنا وبح صوتنا وأنهكت قوانا الفكرية من التكرار في القول بأن نظام الكوتا أسلوب رجعي ومتخلف يعكس عن تخلف المجتمع بشكل عام الذي لا يقبل الغير والمختلف وبالتالي لا يخدم إطلاقا مصحلة الشعب أو الأمة التي يخصها الكوتا، والكوتا المسيحية هي التي تهمنا هنا. أما الحديث عن فساد النظام وطائفيته المقيتة (أنطر دستور العراق الذي لا مثيل له في تناقضاته الفاضحة بين طائفيته و محاولة إضافة نوع من التعددية والديموقراطية عليه – لنا مراجعة في هذا الموضوع في وقت آخر) فالحديث عنه بلا حرج. أقولها بصراحة لو كان قادة أحزابنا ومنظماتنا وكتلنا الإنتخابية يعرفون أبجدية نظام الكوتا لما اهتموا به وحاولوا إستخدامه للوصول إلى كراسي البرلمان بل لرفضوه جملة وتفصيلا وأكتسبوا مناعة ضد فايروس الكرسي.. فهذه الكوتا هي للمسيحيين، أي بمعنى آخر هناك خمسة كراسي محجوزة للمسيحيين وليس هناك إطلاقاً أشارة أو تحديد الإنتماء السياسي والفكري لهؤلاء المسيحيين، أي بهذا المعنى كل مسيحي عراقي سواء أكان مؤمن أو ملحد، شيوعي أو بعثي، حشدي أو كردي، شمالي إقليمي أو وسطي بغدادي، من زاخو أو من البصرة، منتمي إلى حزب سياسي (أ) أو لحزب سياسي (ب) فطالما هو مسيحي إذن حسب الكوتا له الحق في الترشيح.  ويعتبر البرلماني جوزيف صليوا المسيحي، الفائز في إنتخابات عام 2014، من قائمة الوركاء الديموقراطية التابعة للحزب الشيوعي العراقي والسيدان أسوان سالم صادق وبرهان الدين أسحق أبراهيم إلياس ضمن قائمة حركة بابليون التابعة للحشد الشعبي والسيدة ريحان حنا أيوب شكرو الفائزة ضمن قائمة المجلس الشعبي الكلداني الدائرة في فلك الحزب الديموقراطي الكوردستاني والفائزون في انتخابات 2018 نماذج واضحة في هذا السياق. أما أن يدافع هؤلاء الفائزون عن مصالح المسيحيين ويحققوا أهدافهم فهذا شأن مختلف مرتبطة بالجهة التي ينتمي إليها والتي أيضا لها أجندة خاصة بخصوص المسيحيين سواء أكانت أجندة حقيقية أو كاذبة تسعى إلى خدمة المسيحيين أو إبتلاع حقوقهم. ولكن مع كل هذا فأن النائب البرلماني في العراق سواء أكان مسيحي أم غير مسيحي فهو يمثل كل العراقيين وليس فئة معينة. لذلك هناك الكثير من علماء السياسة والسياسيون يرفضون نظام الكوتا في الإنتخابات لأنه سهل الإستغلال من قبل أحزاب الأغلبية لصالح أجندتها الخاصة، فمن هذا المنطلق فإن الكثير من دول العالم المتقدمة والديموقراطية لا تأخذ بنظام الكوتا سواء أكانت للنساء أو للإقليات.
أستغرب إستغراباً شديداً عندما أرى إحتجاج قادة احزابنا السياسية الخاسرون في الإنتخابات ورفضهم لنتائجها بسبب سرقة كراسي من حصة المسيحيين من قبل الحيتان الكبيرة.... عجيب ... غريب أمر هؤلاء في جهلهم للسياقات السياسية التي يسير عليها النظام السياسي الفاسد وقراصنته، وجهلهم الأكبر هو في طبيعة الكوتا المسيحية. أليس الفائزون الخمسة للكوتا المسيحية مسيحيون؟ أليس مرشحوا قائمة بابليون الفائزون مسيحيون؟ فهم سيجلسون على هذه الكراسي، شئنا أم أبينا، وسيمثلون قانونياً وشرعياً المسيحيين في العراق، إذن لماذا الإحتجاج والرفض؟ فالقانون تم تطبيقه بحذافيره !!. هناك إستغراب أكثر عن الجهل عندهم في الكثير من الأمور السياسية التي تتحكم بمصير العراق وبمصير أمتنا. فإذا كان من حقهم، على الأقل من الناحية القانونية، الإحتجاج والرفض لنتائج الإنتخابات فيما إذا شابهها التزوير والتلاعب بالنتائج، لكن هذا الحق سيان في نظام سياسي فاسد. لماذا؟ لأن نتائج الإنتخابات المخيبة لأمال بعض من أحزابنا السياسية هي نتيجة حتمية ومنطقية لطبيعة النظام السياسي الفاسد وللكوتا المسيحية كأداة لهذا الفساد. إذن الإحتجاج والرفض يجب أن ينصب على المصدر الفاسد الذي أخرج هذه النتائج، أي على النظام والكوتا وليس على النتائج فحسب، أي على المضمون وليس الشكل.   
 أقول أن مثل هذا الإستغراب يزول عندما ندرك بأن جهل وعدم معرفة هؤلاء القادة بنظام الكوتا البغيض يؤكد ما سبق وأن ذكرناه بالتخلف السياسي لقادة أحزابنا بهذا الشأن. أقولها صراحة من يشارك في أية لعبة كانت، ومنها اللعبة السياسية للإنتخابات العراقية أو في النظام السياسي فعليه أن يلتزم بقواعدها ويحترمها لأن مشاركته في هذه اللعبة هي موافقة صريحة وقبول واضح لقواعدها، وبالتالي لا يحق لكل من يشارك فيها أن ينتقدها ويرفضها طالما هو جزء منه، خاصة بعد خسارته وحرماته من المنافع التي كان يتوقع الحصول عليها من جراء إنتماءه إلى هذا النظام أو ذاك الحزب. وحتى إذا كان من حق الخاسر أن يرفض نتائج اللعبة ويدينها، كما هو رفضهم لحصول قائمة بابليون الحشدية على المقدمة، فإن هذا دليل على جهل مطبق لقادة أحزابنا بالطبيعة السلبية للكوتا المسيحية. فنتائج الإنتخابات السلبية هي ثمرة من ثمرات سلبية الكوتا المسيحية. فعندما يكون الأساس فاشل فأن البنيان سيكون فاشل أيضا أو عندما يكون المبدأ خطأ تكون التفاصيل خاطئة أيضا... مجازاً أقول للمحتجين على نتائج الإنتخابات والرافضين لها أن يشكروا بقية الأحزاب العراقية التي لم تصنع قائمة خاصة بها من المسيحيين، كما فعل الحزب الشيوعي العراقي سابقاً وعمل الحشد الشعبي حاليا، أو تدفع بأعضاءها المسيحيين إلى الإنتخابات وفازوا بجميع الكراسي وليس بأغلبيتها. والغريب العجيب هو دعوة بعض قادة أحزابنا إلى حصر الإقتراع على الكوتا المسيحية بالمسيحيين فقط كحل لحجب وأبعاد غير المسيحيين من التصويت على الكوتا المسيحية وهو أمر إن لم يكن مستحيلاً فهو شبه مستحيل لأنه يفتقر إلى المنطق والتطبيق، ليس لأنه يخالف المبادئ الأساسية للدستور وقانون الإنتخاب بل لأن مسألة التفريق أو التمييز بين المسيحي وغير المسيحي عند الإقتراع أمر في غاية الصعوبة أو الإستحالة خاصة عندما تكون الأسماء الشخصية مشتركة بين مسيحي وغير مسيحي (أنظر على سبيل المثال أسماء قائمة بابليون)،  أو تكون الهوية الشخصية خالية من تحديد الإنتماء الديني. وحتى لو أمكن، أي حصر الإقتراع بالمسيحيين فقط، فإن ذلك سيخضع لتأثير وإغراءات القوى الكبرى المتحكم في النظام الفاسد التي ستعلب دوراً كبيرا في التأثير على الناخبين المسيحيين طالما هناك بعض من أبناء شعبنا خاضع للتجاذبات السياسية التي يقف خلفها قوة السلطة والمال والمركز وهي الأمور التي تسهل مهمتها وتحقق أهدافها خاصة عندما يكون المكون المسيحي غير موحد ويفتقر إلى الإجماع على الحد الآدنى من المصلحة القومية.
إذن ما الحل؟
---------
التحديات التي تواجهها أمتنا في وطن الأم هي تحديات مميتة تضع أبناؤها في التحليل الأخير على مسار الفناء من أرض الوطن التاريخي. فمن هذا المنطلق يصعب جداً أن لم يكن مستحيلاً إيجاد حل لمواجهة هذه التحديات المأساوية. كثيراً ما شبهت أوضاع أمتنا في الوطن كالمرض المميت، سرطان أو ضعف المناعة، فعلى الرغم من المصير المحتوم للمصاب بهذه الأمراض إلا أن العلماء والأطباء يسعون بكل جهدهم العمل لإيجاد دواء شافي أو للتخفيف من حدتهما المميتة أو لإطالة عمر المريض.   والحال نفسه بالنسبة لأمتنا فمهما كان الوضع ميؤساً منه إلا أنه يستوجب على أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية والخييرين من أبناء أمتنا العمل والنضال بالطرق السليمة والمنطقية المبنية على أساس مصلحة الأمة قبل كل شيء لعل قد يجدون الحل المناسب وفي الوقت المناسب لمأساة أمتنا أو للتخفيف من حدتها كحل أولي ومبدئي للأوضاع المأساوية لأمتنا في الوطن. أقولها كما ذكرتها مراراً وتكراراً بأن مثل هذا الحل الأولي والمبدئي لا يمكن أن نجده إطلاقاً ضمن نظام فاسد وعبر أخاديده الظلماء ما لم يتحرروا منه ويعالجوا أنفسهم من فايروس الكرسي ثم البحث عن المفتاح الذي يفتح الباب نحو غرفة الجلوس على مائدة التفاوض والتفاهم بين أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية بروح ملئها المصلحة القومية العليا... ولكن... نعم ولكن "من يعلق الجرس في رقبة القط" حسب المثل المعروف .. اللبيب تكفيه هذه الأشارة.   


4
مقابلة مع أبرم شبيرا حول الكوتا "المسيحية" والإنتخابات
===============================
أبرم شبيرا
---------------------------------------------------------
أبرم 1:
بعيد عن المجاملات والألقاب مثل رابي والسيد والكاتب القومي... نبدأ مباشرة بالأسم ونقول أهلا وسهلا أبرم 2  وبينما نحن في أجواء مشحونة بالمناقشات والإجتماعات وضجيج الندوات التعريفية بالقوائم الإنتخابية لشعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" أو شعبنا المسيحي حسب سياقات هذا الزمن الظالم ونتساءل أين أنت من كل هذه الجلجلة ولم نقرأ كلمة واحدة منك عن هذه الإنتخابات في الوقت الذي ترى بأن معظم أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية وشخصيات مستقلة وكتابنا ومواقعنا الألكترونية مشغولة بها ويسعى كل واحد منهم سواء بتحالفه مع الغير أو دخوله معترك الإنتخابات لوحده وبشكل مستقل من أجل الحصول على كرسي أو كراسي في البرلمان العراقي، ولكن قبل هذا وذاك نود أن نعرف رأيك بما يسمى بـ "الكوتا المسيحية"، فما الذي في جعبتك عن هذه الكوتا؟
أبرم 2:
الكوتا، التي تدخل لأول مرة كمصطلح سياسي وممارسة إنتخابية في تاريخ العراق السياسي وتحديدا ما يخص شعبنا، هو مقتبس من الكلمة الإنكليزية (Quota) والذي لا معنى له بالعربية إلا "حصة" وشاع أستخدامه في المجال الإقتصادي عند تحديد حصة دولة معينة في تعاملها الإقتصادي فيما يخص التصدير والتوريد لبضائعها مع دولة أخرى ضمانا للموازنة في التعامل التجاري بينهما. وشاع إستخدام الكوتا أكثر في عالم السياسة عن طريق تخصيص نسبة معينة أو عدد محدد من كراسي البرلمان أو المجالس البلدية لفئة معينة ومختلفة عن الأكثرية لضمان وصولها إلى هذه الهيئات، والأكثر شيوعا في هذا المجال هو الكوتا النسائية و كوتا الأقليات القومية والدينية وكذلك هناك أيضا كوتا لبعض المناطق لضمان تمثيلها في البرلمان. فالعديد من الدول في هذا العصر تأخذ بنظام الكوتا سواء بالنسبة للنساء أو الأقليات أو المناطق، وهناك فقهاء في القانون والسياسة بعضهم يعارضون نظام الكوتا والبعض الآخر يؤيده ولكل طرف حججه.  العراق واحد من الدولة التي تأخذ بنظام الكوتا فيما يخص النساء والأقليات والمحافظات. وهنا ما يعنينا هو الكوتا المخصصة لشعبنا "المسيحي" بخمسة مقاعد سواء في البرلمان المركزي أو البرلمان الإقليمي في "كردستان".
أبرم 1:
إذن يمكن القول بأن الكوتا المخصصة لشعبنا هو إمتياز جيد وضمان لحقوقنا السياسية في وصول أبناء شعبنا إلى هيئات صنع القرار السياسي في العراق وإسماع صوتهم بمسعى تحقيق مصالح شعبنا من خلال  وجودهم في هذه الهيئات الرسمية... أليس كذلك؟
أبرم 2:
قد يبدو من الناحية الشكلية بأن هذا صحيح ولكن من الناحية الفعلية هو عكس ذلك تماماً. ولبيان ذلك يجب أن نعرف طبيعة المجتمع والنظام السياسي القائم فيه، وطبقاً لذلك يجب أن ننظر إلى الكوتا من ناحتين: من الناحية الرسمية والشكلية، يظهر بأن الكوتا نظام إنساني وديموقراطي يتيح فرصة للأقليات للوصول إلى مراكز صنع القرار السياسي طالما غير ممكن لهم  من الوصول إلى هذه المراكز عن طريق الإنتخابات العامة المفتوحة للجميع دون أي تمييز. هنا يفرض السؤال نفسه وبقوة لنتساءل: لماذا لا يستطيع ممثلوا هؤلاء الأقليات من الوصول إلى مراكز صنع القرار السياسي عبر الإنتخابات العامة التي هي مفتوحة وبالتساوي لجميع المواطنين؟ الجواب واضح وضوح الشمس وهو لأنه أولا: عددهم قليل في مقارنة بالنسبة المطلوبة للفوز بالإنتخابات. وثانيا: الأغلبية من الشعب، وحديثنا هو عن العراق، لا يؤمن بحقوق هؤلاء الأقليات في الوصول إلى مراكز الحكم فلا يصوت لهم. فمن المؤكد لو ترشحوا ممثلي الأقليات وفقاً للأصول المتبعة في الإنتخابات الرسمية فسوف لا يحصلون إلا على عدد قليل من الأصوات ومن بعض من أبناء جلدتهم والتي من المؤكد لا تؤهلهم للحصول على مقعد واحد. إذن العقلية التي تتحكم في المجتمع والتي لا تقبل المختلف تكون هي سيدة الموقف في تقرير مصير وصول أو عدم وصول ممثلي الأقليات لمراكز صنع القرار السياسي. من هذا المنطق نقول بأن الكوتا من الناحية الفعلية هو نظام متخلف ورجعي وليس له نتائج فعلية في ضمان حقوق الأقليات السياسية والدستورية. تصور هناك دول عربية وإسلامية نسبة النساء المقترعات في الإنتخابات العامة أكثر بكثير من نسبة الرجال ولكن ولا أمرأة واحد من المرشحات فازت في الإنتخابات البرلمانية رغم أعطاء الحق لهم في التصويت، وهذا يدل على أن المجتمع متخلف ورجعي لا يقر بحق المرأة، والحال نفسه مع الكوتا "المسيحية" في الإنتخابات العراقية. فبدون الكوتا لا يمكن لممثلي الأقليات الوصول إلى البرلمان.
أبرم 1:
ولكن يا أبرم 2 المهم هو وصول ممثلي شعبنا إلى البرلمان، أليس هذا إنجاز جيد ووسيلة رسمية وقانونية لتحقيق مصالح شعبنا في العراق؟
أبرم 2:
صحيح هو إنجاز ولكن ليس لشعبنا بل للنظام السياسي في العراق والقوى الحاكمة والمسيطرة على مقدرات الوطن. فوجود الأقليات خاصة كشعبنا المسيحي في البرلمان والمؤسسات الحكومية هو كديكور يعطي إنطباع بأن النظام هو ديموقراطي تعددي ووطني ولكن في الحقيقة والجوهر هو نظام طائفي حتى العظم لا بل نظام يمثل قمة الفساد نال شهادات عالية عالمية في الفساد منحت له من قبل منظمات دولية معروفة وأعتبرت العراق من بين أسوء دول العالم من حيث رغبة العيش فيه. أفهل هذا صحيح أم غير صحيح؟؟؟ فمن يقول بأنه غير صحيح فهو منافق وجزء من هذا النظام المتعفن، لأن مشاطرة أو المشاركة في مثل هذا النظام هو كجزء فاسد ومتعن من الكل الفاسد والمتعفن. فكيف نسمح لأبناءنا وهم جزء من شعبنا أن تتلوث أسماؤهم بفساد وعفن النظام السياسي وشعبنا معروف للداني والقاصي، للمؤمن والتكفيري، بالإخلاص والنزاهة والتفاني لخدمة العراق طيله تاريخه المعروف.
أبرم 1:
إذن من هذا المنطلق في وصف النظام السياسي في العراق بالفساد والتعفن والطائفية والمحاصصة يستحيل على ممثلي شعبنا تحقيق حتى الحد الأنى من مصالح شعبنا، أليس كذلك؟
أبرم 2:
هذا صحيح 100%. فعندما نقول بأن الأغلبية العراقية خاصة القوى السياسية التي تمثل هذه الأغلبية والقابعة على كراسي البرلمان هي أصلا لا تؤمن بحقوقنا المشروعة في الوطن لا بل الأكثر من هذا فبعضهم لا يقر بوجودنا ويأمل في يوم ما أن يكون العراق خاليا من شعبنا الأصيل. فإذا كان داعش الإجرامي ظاهر على السطح في إمحاء وجودنا من الوطن فهناك في الكوامن الداخلية لبعض الجالسين على كراسي البرلمان والحكم نفس أفكار داعش ولا يتوانون أن ينقلوها إلى الفعل والواقع عندما تحين الفرصة المناسبة لهم وعندما يسقط القناع من وجوهم وتنكشف بواطنهم الداخلية عبر بعض القوانين المتخلفة والظالمة بحق شعبنا والتي ستصبح عاجلاً أم آجلا ممارسات سياسية في القضاء على وجود شعبنا في الوطن. يتكون البرلمان العراقي من 328 عضو مضافاً إليه 5 مقاعد مخصصة للمسيحيين و 4 لبقية الأقليات، وطالماً الديموقراطية هي الصغية المتبعة في أسلوب الحكم فطبقاً لذلك فالغلبة هي للعدد أي الأغلبية. إذن كل محاولات "ممثلي" شعبنا في البرلمان والسعي للحصول على بعض الإمتيازات لشعبنا سوف تذهب، وذهبت فعلاً، أدراج الرياح. اليس هذا فعلاً تضيع للوقت والجهود لأبناء أمتنا ونحن نعرف شخصياً بأن البعض من هؤلاء "ممثلي" أمتنا لهم كفاءات عالية ومخلصين للعمل المتفاني لشعبنا وللعراق عموماً. أليست هذه حروب دونكيشوتية ضد الشياطين كما وصفناها في السابق؟ قد يكون من الظلم مقارنة وضع العراق مع بريطانيا ولكن الضرورة تفرض نفسها هنا للتأكيد بأن الديموقراطية ليست في الكلمات والسطور والقوانيين والدساتير فحسب بل قبل كل شيء يجب أن تكون الديموقراطية في العقول وذهنية المتعاملين بالسياسة. فعلى سبيل المثال، قبل بضعة سنوات وأثناء الإنتخابات البريطانية العامة جاء بعض من أعضاءالحكومة المحلية في منطقة إيلينك – غرب لندن - التي تسكنها غالبية آشورية إلى النادي الآشوري وبينً لهم بأن لهم الحق في إستعمال لغتهم القومية (الآشورية) في التعليمات والإرشادات الخاصة بالإنتخابات وفعلاً تم طبع (فلاير – منشور) باللغتين الإنكليزية والآشورية. والحال نفسه بالنسبة لقضية إضطهاد الآشوريين المسيحيين في العراق، فأنها لا تطرح  وتناقش في البرلمان البريطاني من قبل أحزابنا وتنظيماتنا القومية، رغم مساعي الحركة الديموقراطية الآشورية بهذا الشأن، بل من قبل أعضاء في البرلمان البريطاني لا علاقة لهم بالآشوريين لا مصلحياً ولا قوميا بل يؤمنون أيما إيمان بحقوق الإنسان والأقليات. والحال أكثر وضوحاً بالنسبة لفوز خمسة أعضاء من أبناء شعبنا في البرلمان السويدي فهم لم يصلوا بموجب كوتا مخصصة لهم ولا بأصوات أبناء شعبنا هناك بل وصلوا للبرلمان بأصوات السويديين. 
أبرم 1:
أرجو يا عزيزي أبرم 2 عدم الإطالة في هذا الموضوع لأنه سبق وأن طرحته بشكل مفصل في مناسبات سابقة، ولكن الذي أريد أن أعرفه منك هو موضوع أختراق هذه الكوتا من قبل بعض القوى السياسية العراقية وإستغلالها لسرقة كرسي أو أكثر من حصة شعبنا، وهو الموضوع الذي أثير وأحتج عليه أكثر من مرة من قبل بعض أحزابنا السياسية؟
أبرم 2:
هذا صحيح فسرقة كراسي الكوتا من قبل بعض القوى السياسية العراقية هي ممارسة لا تخرج عن إطار الفساد السياسي المستشري بين هذه القوى بشكل خاص وبين أخاديد النظام السياسي في العراق بشكل عام. والملاحظ بأن أساليب سرقة كراسي الكوتا تتم بطريقتين:
الأولى: طرح مرشح "مسيحي" منتمي إلى أحدى الأحزاب العراقية سواء بشكل إنفرادي أو تشكيل قائمة على أعتبار أنها قائمة مسيحية هدفها قبل كل شيء هو تحقيق أجندة الحزب الذي ينتمون إليه وإن يظهرون شكلياً بأنهم يسعون إلى تحقيق مصلحة شعبنا، فواقع الإنتخابات السابقة يثبت هذه الحقيقة.
الثاني: التصويت بشكل مكثف من قبل أعضاء أو الموالين "للحزب غير المسيحي" للمرشح الدائر في فلك الحزب لضمان فوزه بكرسي في البرلمان. ففي الإنتخابات السابقة، وليس مستبعداً أن يحدث في الإنتخابات القادمة، فاز مرشح "مسيحي" بأصوات كثيرة جاءت من منطقة لا يسكنها المسيحيون ولم تأتي هذه الأصواب للمرشح "المسيحي" إيماناً بالديموقراطية وبحق المسيحيين في الوصول للبرلمان بل جاءت بأوامر من الحزب الذي ينتمون إليه أو يؤيدونه.
أبرم 1:
إذن ما الحل؟ هل تعتقد بأن محاولات بعض أحزابنا السياسية للحد من سرقة كراسي المسيحيين هي غير مجدية وليس لها آذان صاغية.
أبرم 2:
هذا صحيح لأن مسالة السيطرة أو الحد من سرقة كراسي المسيحيين صعبة جداً أن لم تكن مستحيلة طالما صفة المسيحي تنطبق على المرشح التابع للحزب غير المسيحي والحال نفسه بالنسبة للقائمة الإنتخابية المفبركة من قبل الحزب غير المسيحي طالما أعضاء القائمة مسيحيون. كما لا يمكن منع كردي أو شيعي، على سبيل المثال، من التصويت لمرشح مسيحي دائر في فلك حزب كردي أو حزب شيعي. لهذا السبب نقول بأن الكوتا المسيحية غارقة في بحر من فساد النظام السياسي في العراق ولا تعدو إلا كلمة منمقة يستفيد منها النظام نفسه وبعض "ممثلي" شعبنا في البرلمان الخارقين في نفس بحر الفساد أكثر بكثير مما يستفيد منها شعبنا في العراق.
أبرم 1:
هناك سبع قوائم مسيحية نزلت إلى ساحة الإنتخابات البرلمانية وبحدود 70 مرشحاً  في هذه القوائم وبعضهم في القوائم غير المسيحية تم غربلتهم من قبل المفوضية المستقلة للإنتخابات وثبت عدم شمولهم بإجراءات المسائلة والعدالة، فما رأيك بهذا؟
أبرم 2:
برأيي أن عدد القوائم والمرشحين كبير جداً في مقارنة بالكوتا المخصصة بخمسة مقاعد. والمشكلة ليس في هذا بل في التناقضات الكبيرة والواضح بين هذه القوائم والمرشحيين والتي تعكس وبوضوع التناقاضات والأزمات التي يمر شعبنا بها في العراق. هذا من جهة. من جهة أخرى نرى بأن الظاهر هو غياب الأسم الآشوري بشكل مستقل في القوائم الإنتخابية بعكس الحال مع الأسم الكلداني والسرياني، بإستثناء ما ورد في التسمية المركبة الموحدة (كلداني سرياني آشوري) ومن الملاحظ بأن هذه القوائم سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون تشكل أكثرية وتعكس في نفس الوقت صورة واضحة عن رغبة شعبنا في الوحدة سواء من حيث التسمية أو الفعل. وهناك غرابة بعض الشيء في الإئتلافات والتحالفات، فنرى الذي كان يؤمن ويعمل بالتسمية المركبة والموحدة (كلداني سرياني آشوري) يأتلف في قائمة مع المتمسك وبقوة بالتسمية المفردة. وهناك من كانوا بالأمس دائرون في دائرة التخوين والعمالة يأتلفون في قائمة واحدة. ولما الغرابة أليسوا عراقيون.؟؟؟.. فحالهم كحال الحزب الشيوعي العراقي، العلماني أو الملحد كما يرغب أن ينعته البعض، يأتلف في قائمة واحدة مع التيار الصدري الشيعي المتدين؟؟ ... أنه فايروس الكرسي الذي لا حدود له.   
أبرم 1:
من المنطلقات التي ذكرتها كلها في أعلاه يظهر بأنك لا تؤيد مشاركة أبناء شعبنا في التصويت للإنتخابات القادمة وأنك متشائم تعرض المشاكل المستعصية ومن دون حلول أو نتيجة؟
أبرم 2:
هذا غير صحيح إطلاقا. أولاً أنا أويد وأشجع أن يذهب أبناء شعبنا إلى صناديق الإقتراح ليس بهدف توصيل هذا المرشح أو ذاك إلى البرلمان لأنه من المؤكد لا يمكن أن يعمل شيء في عالم الفساد غير الفساد، بل الغرض من الإقتراع هو أن نعرف أي من القوائم أو المرشحين سوف يفوزون بأكثرية الأصوات حينذاك يستوجب علينا أن نطلق عليهم "ممثلي" أمتنا لأن الإنتخابات هي المعيار الوحيد المتاح، حتى وإن لم نتفق معها ومع كوتتها، فأنه لا خيار لنا غير أعتماد نتائجها في سياق معرف "ممثلي" أمتنا. من هذا المنطلق أضع كلمة ممثلي بين هلالين والقارئ اللبيب يفهمها، (وهي طايره). كما أن نتائج الإنتخابات ستفرز مؤشر وإتجاه أبناء شعبنا بخصوص توجهات وأفكار وسياسيات وبرامج القوائم والمرشحيين. فعلى سبيل المثال لا الحصر، إذا فازت قائمة الإئتلاف الكلداني بأكثر المقاعد فهذا معناه بأن أكثرية أبناء شعبنا يؤيد التسمية الكلدانية المفردة وتوجهات وأفكار الجهات التي تويدها مثل الرابطة الكلدانية والكنيسة الكلدنية الكاثوليكية فيسلتزم علينا أحترام رأي هذه الأغلبية. أما إذا فازت، على سبيل المثال لا الحصر، قائمة إئتلاف الرافدين أو قائمة حزب أبناء النهرين أو قائمة إتحاد بين النهرين الوطني، بأكثرية المقاعد فهذا يعني بأن أغلبية أبناء شعبنا يؤيدون توجهات وأفكار هذه القوائم الداعية إلى وحدة شعبنا المتمثلة في وحدة تسميته الوحدوية "الكلدانية السريانية الآشورية"، كما كان الحال في الإنتخابات السابقة نجاح هذه التوجهات الوحدوية وسقوط التوجهات الفردية. أما إذا فازت قائمة المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري المسنودة من قبل الحزب الديموقراطي الكوردستاني بأكثرية المقاعد فهذا يعني بأن أكثرية أبناء شعبنا يؤيدون توجهات المجلس تجاه الكورد. فمن هذا المنطلق فالواجب يفرض علينا أحترام هذه الأكثرية، وهكذا الحال مع بقية القوائم والمرشحين.
أبرم 1:
وماذا بشأن التشاؤم والذي منه تنطلق في كثير من الأحيان إلى دعوة "ممثلي" أمتنا في البرلمان والهيئات الحكومية الأخرى إلى الإستقالة من جهة وأنك تؤيد أبناء شعبنا الذهاب إلى صناديق الإقتراع من جهة أخرى، أليس في هذا تناقض؟
أبرم 2:
هناك فرق كبير بين التشاؤم وعرض أو بيان حال الواقع بكل أمراضه ومأساته وتناقضاته ومشاكله. فعندنا نعرض واقعنا المأساوي، هو كما يكشف ويعلن الطبيب المرض للمريض، فهذا لا يعني التشاؤم واليأس المميت، بل هي حالة أولية للبحث والوصول إلى دواء أو حل ممكن وحتى أن كان هذا الحل أو العلاج صعب التحقيق، ولكن الأمل يبقى أكسير الحياة والتقدم والنجاح. فأملي كان ولا يزال هو أن يستقيل "ممثلي" أمتنا ويشكلون اللجنة العليا لشؤون المسيحيين "الكلدان السريان الآشوريون" ليكون الإطار الأمثل للعمل القومي وتوحيد الخطاب السياسي. فإستقالتهم سيبين للعالم بأننا لسنا جزء من نظام الفساد في العراق وأن لنا إستقلالية متمثلة في وحدة كياننا القومي ووحدة خطابنا السياسي، ومثل هذا الأمل لا يمكن أن يتحقق ما لم يتعافى هؤلاء ويتخلصون من فايروس الكرسي القاتل.
اما بخصوص التناقض الذي تقول عنه بين الإستقالة وتأييد أو تشجيع أبناء شعبنا للتصويت لكي يفوز البعض بكراسي برلمانية فإن مثل هذا التناقض سيزول عندما نعرف بأن الإستقالة يجب أن تتم وهم في الكراسي البرلمانية وليس في خارجها لأن عندما يكونون خارج البرلمان لا تتحق الإستقالة، أي بهذا المعنى لندع مرشحي شعبنا الوصول إلى البرلمان ومن ثم من هناك يعلنون إستقالتهم لأنه من المؤكد سيكون لهذه الإستقالة ردة فعل قوية داخلياً وخارجياً فلربما سيكون هناك من يسمع صراخنا ويتساءل عن سبب إستقالة "ممثلي" المسيحيين من البرلمان العراق والمنتخبين شرعاً وقانوناً من قبل الشعب المسيحي.
أبرم 1:
حتى نتجب الإطالة التي يملُ منها البعض وليس له الوقت الكافي لقراءة المواضيع الطويلة... فهل من كلمة أخيرة؟
أبرم 2:
لا أعتقد بأنه يختلف أحد في القول بأن وضعنا في الوطن مأساوي وتواجهنا تحديات خطيرة جدا وماحقة تهدد مصير وجودنا التاريخي في الوطن، ولا أعتقد بأن احد سيعارضني بأنه ثلاثة أرباع شعبنا ترك الوطن والباقي يعاني مأساة تراجيدية ولكن صامد... ولكن إلى متى؟ من هذا الواقع يجب أن تكون الممارسات السياسية لشعبنا بمستوى التحديات الماحقة التي يواجهها شعبنا. فإعاقة صدور مشروع قانون مجحف بحق أمتنا أو إسترجاع بضعة دونمات من أرض متجاوز عليها ما هي إلا محاربة الدايناصور بدبوس صغير لا تزيد من صمود شعبنا في أرض الوطن ولا يفكر المهاجر بالعودة... لنكن واقعين فالسياسة هي واقع أو كما قيل بأنها فن المكن... أفهل يدرك سياسيو أمتنا هذا الفن لكي تعاملوا معه ويحققوا النتائج؟؟؟ أمر مشكوك فيه طالما مرض الإنيميا السياسية يحجب نظرهم وعقولهم عن الإدراك الحقيقي لواقع أمتنا المأساوي في الوطن... فحدود هذا الإدراك، مع الأسف الشديد، لا يتجاوز الكرسي والجيب.
 


مفاتيح الحل لمأساة شعبنا في العراق
=============================
الصورة للفنان هارون نقلا عن جريدة الخليج الإماراتية 05/09/2015
-------------------------------------------
ملاحظة:
------
أتبعنا أسلوب جديد في طرح الموضوع كمحاولة للإبتعاد عن الرتابة في طرح الموضوع بالشكل المتعارف عليه فأرجو أن يستصيغه القارئ الكريم.

5
نصف قرن من زمن الإتحاد الآشوري العالمي (AUA) نيسان 1968 -  نيسان 2018
ܚܘܝܕܐ ܬܒ̣ܝܠܝܐ ܐܬܘܪܝܐ
=============================

الجزء الثاني
-----------
أبرم شبيرا

في الجزء الأول من هذا الموضوع تحدثنا عن مسيرة الأتحاد خلال نصف قرن مروراً بالمؤتمرات السنوية التي عقدها ثم باشرنا بالرجوع إلى البدايات الأولى لتأسيس الإتحاد منطلقاً من بعض العوامل الموضوعية السياسية الدولية والإقليمية والعوامل الفكرية القومية التي ساهمت في دفع نخبة من الشباب الآشوري المثقف في إيران للمبادرة نحو تأسيس منظمة آشورية عالمية فدرالية تكون ممثلاً للآشوريين على المستوى الدولي ,والذي أنعقد ف نيسان عام 1968 وأعلن فيه تاسيس الإتحاد الآشوري العام. ثم تطرقنا إلى أيديولوجيا الإتحاد والتي لخصناها في رباعية معروفة في وحدة تسمية الأمة ولغتها وقيادتها ومطالبتها في كيان خاص ومستقل للآشوريين في شمال بيت نهرين. والإتحاد خلال نصف قرن تمكن من تحقيق بعض الإنجاز على المستوى القومي والعالمي خاصة فيما يتعلق في تثبيت بعض الرموز القومية مثل الأول من نيسان كعيد قومي للآشوريين والعلم الآشوري وكذلك السابع من آب من كل سنة كيوم للشهداء الآشوريين والتي أصبحت من الرموز القومية في الممارسات السياسية لأبناء شعبنا في هذه الأيام كما عمل وبشكل فعال في تعميم ونشر الأسم الآشوري على المستوى العالمي والمنظمات الدولية. للإطلاع على الموضوع أنقر على العنوان التالي:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=872527.0

هذا الجزء الثاني هو محاولة لتقيم الإتحاد من عدة نواحي كخلاصة وإستنتاج لما كتبناه في الجزء الأول:

•   كتبتُ هذا الموضوع ليس تأييداً أو مساند للإتحاد أو عمل الدعاية له أو معارضته بل الغرض الأساسي هو توثيق جزء ولو بسيط عن هذه المؤسسة القومية العتيدة. حيث هناك الألاف من الوثائق والكتب والبيانات والتصريحات والتقارير يصعب جداً حشرها في بعض السطور بل يتطلبها مجلدات ضخمة، وأن ما كتبناه هو معتمد على ما هو متوفر في مكتبتي الخاصة وما زوده لي بعض الأصدقاء الكرماء. أن مسألة التوثيق مهمة جداً في حياة الشعوب لأنها تسجيل لتاريخها وهويتها ووجودها هدفها الحد أو منع دخول الأمة في  عالم النسيان، فالتوثيق هو وسيلة  لمعرفة تواصلها وديمومتها عندما تكون متاحة ومعلومة للأجيال القادمة. من هنا أنشاد الإتحاد الآشوري العالمي بأن يهتم بمسألة التوثيق هذه وأن يقوم بجمع كل ما هو متوفر وضمها في مجلد خاص، وأنا متأكد بأن فرع الإتحاد في أستراليا قادر على القيام بهذه المهمة. لا بل أن تاريخ الإتحاد وفكره ونشاطه يصلح جداً أن يكون موضوع دراسة أكاديمية في العلوم السياسية لنيل شهادات عالية في الماجستير أو الدكتوراه وحبذا لو أنتبه طلابنا الأعزاء المهتمين بدراسة نشؤ وتطور الحركة القومية الآشورية لهذا الموضوع.
•   من حيث الإستنتاج أقول: أن من يعرف الأبجدية السياسية سوف يعرف وبسهولة بأنه منذ تأسيس الإتحاد قبل نصف قرن من حيث هيكليته الفدرالية وأهدافه القومية كان إستجابة صحيحة ومباشرة لوضع أمتنا في تلك الفترة ولا يزال بأن هذه الإستجابة، من حيث المبدأ،  سارية حتى يومنا ووسيلة علاجية للوضعنا الحالي. حيث لدينا العديد من الأحزاب السياسية والمنظمات الدولية وعلاقتهم بعضهم بالبعض فيما يخص التنسيق وتوحيد الخطاب السياسي والظهور على المسرح السياسي العالمي هي بعديدة كل البعد عن تحقيق الحد الأدني المطلوب لأن جميعها تدور في دائرة الفتور والنفي والتناقض يتطلبها منظمة فدرالية تكون كمظلة لهم في نطاق عملهم السياسي وفي مواجهة التحديات المشتركة. ومن الملاحظ بأن هناك أكثر من محاولة من قبل بعض من أبناء أمتنا نحو إنشاء منظمة عالمية أو برلمان آشوري أو حكومة في المنفى تكون ممثلة للأشورين في العالم خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. غير أنه من المؤسف القول بأن مثل هذه المنظمة لا يمكن أن تقوم لها قيامة أو تكون فاعلة مالم تكون في إتساق وتفاهم وترابط مع القوى السياسية لأبناء شعبنا في الوطن نحو مسعى لتوحيد الخطاب السياسي القومي كسبيل للوصول إلى صناعي القرار السياسي في بلدان العالم. صحيح هو أن الإتحاد الآشوري العالم نجح في السنوات السابقة في إيصال الصوت الآشوري إلى المنظمات الدولية ولكن في السنوات الآخيرة لم نلاحظ أي وجود أو فاعلية له على أرض الوطن وبالتالي لم يعد له نشاط يذكر لا على مستوى الدولي ولا على مستوى حكومات دول المهجر. لهذا نرى بأنه لا وجود فعلي ولا نشاط محسوس لفروع الإتحاد في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا والشرق الأوسط  وخاصة في العراق وسوريا، فهي أن لم تكن في خبر كان فهي مشلولة ولا وجود لها إلا على الورق. والإستثناء هنا يسجل لفرع أستراليا فهو الكيان الوحيد الناشط له وجود على الساحة السياسية القومية كما له أيضاً إمكانية حشد الجماهير في مناسبات قومية خاصة في إحتفالات الأول من نيسان، وله أيضا علاقة قوية مع الجهات الحكومية خاصة في ولاية ساوث نيو ويلز فحاكم هذه الولاية والمسؤولين السياسية فيها لهم حضور دائم ومشارك في النشاطات التي يقوم بها فرع أستراليا، فلهم تحياتنا الحارة ومزيدا من التقدم.
•   ولو نظرنا إلى فكر الإتحاد منذ تأسيسة وعلى رباعية أيديولوجيته نرى بأنها كانت في السنوات السابقة منطقية ومعقولة في النظر إلى الواقع المأساوي لأمتنا. واليوم أيضاّ أن هذه الأيديولوجية تضع الأصبع على الجرح المتمثل في تعدد التسميات بحث أصبحت التسميات الطائفية لها مدلولات قومية، ووصل تعدد اللهجات إلى درجة صارت كل لهجة لغة قومية. أما الإفتقار إلى منظمة فدرالية شاملة كمظلة لمعظم أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية فالحديث عنها بلا حرج. ولا ننسنى مطالبة الإتحاد بكيان مستقل أو وطن خاصة بالآشوريين في شمال بيت نهرين فهو الآخر يتمثل اليوم في مطالبة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية على كيان أو حكم ذاتي أو محافظة في سهل نينوى... ولكن ... نعم ولكن... يظهر بأن هذه الأيديولوجية تكتسب نوع من الطوباوية والمثالية مقارنة مع واقعنا الحالي المأساوي بحيث يصعب جداً أن لم يكون تطبيقها مستحيلاً خاصة ما يتعلق بقبول التسمية الآشورية من قبل أبناء التسميات الآخرى.. ولكن مرة أخرى نقول بأن تمسك الإتحاد الآشوري العالمي بفكره وأيدولوجيته له دلالة مبدئية راسخة بكل الذي يؤمنون به، فهو واجب علينا، طبقاً لحرية الفكر والتفكير، أن نضعه موضع إحترام وتقدير.
•   لا شك فيه لم يكن طريق الإتحاد خلال نصف قرن من زمنه مفروش بالورود بل عانى الكثير من المطبات والأزمات والمعظلات والتحديات أعاقت في جوانب معينة مسيرته النصف القرنية فكانت هناك، كما نعتقد، عوامل سلبية أثرت على سمعة الإتحاد ومكانته كما كان أبتعاده عن الواقع المعاش في أرض الوطن عامل آخر في تراجع دوره ومكانته بين الآشوريين وتحديدا في الوطن الأم. فمثلاً كان عجز الإتحاد في إقناع الأحزاب السياسية والمنظمات القومية الآشورية من الإنضمام إليه سبباً دفعه لكي يشارك معهم في تحالفات وإتفاقيات وكأنه هو أيضا حزب سياسي كغيره من الأحزاب الآشورية وليس منظمة فدرالية شاملة لهذه الأحزاب والمنظمات، وبالتالي حاول الإتحاد الخروج من هذا المأزرق فلجاً إلى المناورة على هذه الأحزاب عن طريق تأسيس الذراع السياسي للإتحاد ليكون ممثلاً له في التجمعات والتحالفات السياسية الآشورية. غير أن هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح بل ترتبت عليها نتائج سلبية تمثلت في نشؤ خلافات بين الذراع السياسي وقيادة الإتحاد مما إدى ذلك إلى الإنشقاق وخروج الكثير من أعضاء الذراع السياسي عن الإتحاد ولجوء بعضهم إلى تأسيس منظمات أو أحزاب أخرى. نقطة أخرى مؤثرة على الإتحاد كانت تتمثل ولا تزال في مركز السكرتير العام. حيث من الملاحظ بأنه تقريباً منذ تأسيس الإتحاد وحتى يومنا هذا كان السكرتير العام من الآشوريين الإيرانيين، أي بمعنى آخر كانوا قليلي المعرفة والإدارك بالواقع الآشوري والعراقي وجلهم لا يتكلمون العربية ولا يفهمون العقلية العربية أو العراقية التي تسير أمور الحكم في العراق. ولا نخفي القول بأنه في معظم إنتخابات السكرتير العام لعب الآشورين الإيرانيون دورا في تخصيص منصب السكرتير العام لأشوري من أصل إيران وحتى يومنا هذا. وهنا يجب التأكيد بأن هذه الإشارة ليست التقليل من شأن أخوتنا الآشوريين من إيران فهم معروفين بنشاطهم المحموم وبأساليبهم التنظيمية وبإلتزاماتهم القومية إلا أن ضرورة السياسة الواقعية تفرض علينا أن نفهم الواقع، أي العراق، الذي يعيش فيه الآشوريون والسياسات التي تحكمه كأسلوب ناجع للتعامل معه وتحقيق النتائج.
•    لعل، بإعتقادي وإعتقاد الكثير من أبناء شعبنا، بأن أكبر إنتكاسة أصابت الإتحاد هو زيارة بعض من أعضاء قيادته للعراق في الربع الأول من سبعينيات القرن الماضي والدخول في مفاوضات مع حكومة البعث وإقامة علاقات مع هذا الحزب الإستبدادي ومن ثم السماح لبعض الآشوريين الدائرين في فلك البعث حضور مؤتمرات الإتحاد كممثلين للآشوريين في العراق والتي لم تنتج عنها غير إساءات للإتحاد وفقدان الكثير من سمعته الطيبة بين الآشوريين القوميين. ولم تظهر قذارة هؤلاء العملاء للبعث إلا في المؤتمر العام للإتحاد في سيدني عام 1978 عندما حضر هؤلاء العملاء للمؤتمر ومعهم علب من الحلويات (بقلاوة ومن السما) محشية بسموم قاتلة فأدى ذلك إلى تسمم بعض الأعضاء وعوائلهم الذين تناولوها فكان هذا موضوع الصحافة الإسترالية بعد ثبوت السموم في هذه الحلويات في مختبرات رسمية. من هذا المنطلق أقول بأنه تقريباً أنتهى وجود الإتحاد في العراق وأصبح ناشطاً على المستوى الدولي والقاري وانحصر هذا النشاط فقط في فرع أستراليا.
•   وأخيرا، إذا كان الحال قد فرض علينا أن ننعت أيديولوجيا الإتحاد بنوع من الطوباوية فأن نقلها إلى أيديولوجية واقعية قابلة للتنفيذ يتتطلب من الإتحاد أن يفهم واقع أمتنا في الوقت الحالي ويتماشى معه ويدرك أهمية إستقلال أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية إلى تلك الدرجة من الثقة المتبادلة بحيث يفسح لها المجال لكي تنظم إلى الإتحاد وتسعى إلى توحيد الخطاب القومي السياسي كهدف لتحقيق المصلحة القومية الشاملة لجميع مكونات شعبنا بغنى عن الإصرار على تسمية معينة. من هذا المنطلق وبإعتبار الإتحاد نموذج مثالي وممتاز ليكون مظلة لإحزابنا وتنظيماتنا خاصة على المستوى العالمي يستوجب على قيادته الإدراك بأنه منظمة فدرالية وليس حزب سياسي وأن يعيد ترتيب أوراقه القديمة بشكل تتلائم مع العصر الراهن ومن ثم يطلب من الأحزاب والمنظمات إلى عقد مؤتمر عام بهذا الشأن ولا يتصرف فيه كـ (Big Brother) بل أن يكون المنظم والمنسق ويعمل على وضع نظام داخلي جديد تتناوب فيه المسؤوليات بين هذه الأحزاب والمنظمات، حينئذ يشعر هؤلاء بأنهم جزء من الإتحاد الآشوري العالي فلعل نصل إلى خطاب سياسي قومي موحد للجميع أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري. وأنا أرى في قيادة فرع أستراليا أمكانية للقيام بهذه المهمة في إعادة الإتحاد إلى النشاط وفي بناء أسس جديد للمظلة القومية لهذه الأحزاب والتنظيمات.
•   وفي الأخير لم يبقى إلا أن أقول بأن للموضوع عدد كبير وهائل من الرسائل والوثائق والبيانات وتقارير المؤتمرات بحيث تشكل ضخامتها عنصرا صعباً في تبويبها وإستخدامها بشكل متناسق للكتابة عن هذا الموضوع مما قد يؤدي هذا إلى النقص والوقوع في بعض الأخطاء والإرتباكات فأرجو المعذرة من القارئ النبيل فيما إذا أخفقت في هذه المهمة. فهذه المصادر من وثائق وتقارير ومراسلات تجمعت لدي منذ فترة طويلة والفضل كله يعود للأصدقاء الدكتور عمانوئيل يوسف قمبر السكرتير العام الأسبق للإتحاد والمرحوم شموئيل وردا السكرتير السابق لفرع أستراليا والسيد هرمز شاهين نائب السكرتير العام للإتحاد والسيد ديفيد ديفيد سكرتير فرع أستراليا والسيد نينوس نيسان المسؤول الثقافي للإتحاد الذين لم يتوانوا في تزويدي بكل ما طلبته منهم، فواجب الأصول الأدبية والإخلاقية يستوجب أن أعبر عن كامل شكري وإمتناني لجميعهم.


 
   صورة للمجتمعين في المؤتمر الآشوري العالمي في نيسان عام 1968 الذي بموجبه تأسس الإتحاد الآشوري العالمي
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------


محضر الإجتماع باللغة الفرنسية وفيه فقرة تأسيس الإتحاد الآشوري العالمي

------------------------------------------------------------------ 

     صورة للمؤتمر الرابع في طهران 1971 وفيها يظهر رئيس وزراء إيران الأسبق أمير عباس هويدا يفتتح المؤتمر بتلاوة رسالة شاه إيران
---------------------------------------------------------------------------

6
نصف قرن من زمن الإتحاد الآشوري العالمي (AUA) نيسان 1968 -  نيسان 2018
ܚܘܝܕܐ ܬܒ̣ܝܠܝܐ ܐܬܘܪܝܐ
=============================

الجزء الأول
-----------
أبرم شبيرا
نصف قرن في سطور:
-------------
الإتحاد الآشوري العالمي (الإتحاد) وبالإنكليزية (Assyrian Universal Alliance) وإختصاراً (AUA) وبالسريانية/الآشورية (ܚܘܝܕܐ ܬܒ̣ܝܠܝܐ ܐܬܘܪܝܐ) تأسس في مدينة باو (Pau) جنوب غرب فرنسا على أثر أنعقاد المؤتمر الآشوري العالمي للفترة من 10 -13 نيسان  من عام 1968. وعقب إنتهاء الإجتماعات أعلن تأسيس الإتحاد الآشوري العالمي وأعتبر 10 نيسان يوماً لتأسيسه وهناك وثائق أخرى تذكر بأن يوم تأسيس الإتحاد هو في13 نيسان من نفس العام. كما أعلن فيه الأيديولوجية القومية الآشورية. وفي اليوم الأخير للإجتماع أنتخب المرحوم السيد فلاديمير الأبن البكر للجنرال أغا بطرس أول سكرتير عام للإتحاد. إضافة إلى ذلك أعلن في المؤتمر بأن تكون لندن – المملكة المتحدة مكان إنعقاد المؤتمر الثاني للإتحاد الذي أنعقد للفترة من 13-17 آب  من عام 1969 وفيه تم إقرار النظام الداخلي للإتحاد وإنتخاب أعضاء الهيئة التنفيذية وتشكيل ثلاثة فروع إقليمية للإتحاد: في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وآسيا ثم أضيف فيما بعد الفرع الإسترالي. كما تقرر أن ينعقد المؤتمر الثالث في مدينة كولون بألمانيا الغربية للفترة من 22-26 آب من عام 1970. أما المؤتمر الرابع فقد أنعقد في طهران عاصمة إيران للفترة من 23-27 آب عام 1971 والتي حضر إفتتاحه رئيس وزراء إيران الأسبق السيد أمير عباس هويدا، ثم توالت المؤتمرات السنوية: الخامس في جنيف – سويسرا 26-30 نيسان 1972، السادس في يونكر – الولايات المتحدة 25-30 نيسان ،1973، وكان من المقرر أن ينعقد المؤتمر السابع في لبنان إلا أنه لظروف سياسية تم إنعقاده في شيكاغو – الولايات المتحدة 17-23 أيلول 1974. الثامن في جنيف – سويسرا 29 تشرين الأول – 2 تشرين الثاني 1975. التاسع في ستوكهولم – السويد 4-9 تشرين الأول 1976. العاشر في لندن – المملكة المتحدة 3-8 تشرين الأول 1977. غير أنه من المؤسف له لم تتوفر لدينا معلومات أو وثائق عن المؤتمرات اللاحقة خاصة وأن الموقع الألكتروني للإتحاد تعرض للقرصنة وبالتالي إلى إغلاقه. زد إلى ذلك تعرض الإتحاد خلال السنوات اللاحقة إلى بعض المطبات والأزمات والتحديات مما جعل تواتر إنعقاد مؤتمراته السنوية غير منتظمة وبالتالي صعوبة متابعتها وأن ما توفر لدينا هو المؤتمر السادس عشر في لندن – المملكة المتحدة 17-24 آب 1985، الذي أعلن الإتحاد فيه إلتزامه الكامل في دعم وإسناد الحركة الديموقراطية الآشورية – زوعا، والسابع عشر في سيدني – أستراليا 22-27 نيسان 1989 والذي أصدر النظام الداخلي للإتحاد ذكر في المادة الثالثة (الأسم والتأسيس) بأن الإتحاد تأسس في 13 نيسان من عام   1968 ميلادية 6718 آشورية. أما المؤتمر التاسع عشر فقد عقد في موديستو – الولايات المتحدة 26-30 مايس 1994. وفي تقرير أعده فرع أستراليا للإتحاد بمناسبة الثامنة والأربعين لتأسيسه ذكر بأنه  بلغ مجموع المؤتمرات التي عقدها الأتحاد الآشوري العالمي  ثمانية وأربعون مؤتمراً عقدت في مختلف بلدان العالم التي يتواجد فيها ابناء شعبنا

الخلفية التاريخية:
----------
لم يأتي تأسيس الإتحاد من الفراغ أو بقرار نابع من ظروف ذاتية خاصة، بل كانت هناك جملة ظروف موضوعية سياسية وفكرية قومية ودولية وإقليمية شكلت عوامل مهمة في تأسيس الآتحاد.
العوامل الموضوعية السياسية:
-----------------
في السنوات الأولى  من ستينيات القرن الماضي عاش الآشوريون في وطنهم في الشرق الأوسط  في ظروف قاسية وعصيبة وواجهوا تحديات خطيرة هددت وجودهم وهويته القومية في موطنهم التاريخي والتي نشأت من حادثتين:
الأول: بروز العروبة والفكر القومي العربي المتشدد والذي تمثل في الناصرية أو الفكر الناصري في مصر ثم إنتشاره في سوريا والعراق وبروز الحركة القومية العربية على السطح السياسي بفعالية مؤثرة على الوجود القومي للقوميات والأديان الأخرى خاصة في عهد الأخوين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف وبالتالي سنوح الفرص لحزب البعث العربي للإستلاء على السلطة في كل من سوريا والعراق عام 1963.
الثاني: في بداية عام 1961 إندلعت الثورة الكوردية في شمال العراق الذي هو الموطن التاريخي للآشوريين وللمئات من القرى والقصبات والتي كانت تشكل المراكز المكثفة للوجود الآشوري. فنشأ على أثر ذلك صراع مسلح بين الكورد والحكومة المركزية العراقية أدى ذلك إلى تهجير ألاف من الآشوريين من قراهم وتعرض الكثير منها إلى النهب والسلب والتدمير.
العوامل  السياسية الدولية:
---------------
منذ وصول جمال عبد الناصر إلى السلطة في مصر في عام 1953 وما تلى ذلك من تصاعد النزعة القومية العربية وقيام إنقلاب تموز عام 1958 في العراق وما صاحب ذلك إضرابات كبيرة في لبنان وإقتراب الأسطول الخامس من السواحل الشرق للبحر الأبيض المتوسط وتصاعد حدة الحرب الباردة وإشتداد العداء بين العرب والإسرائيلين وبالتالي إغلاق مضايق تيران من قبل عبد الناصر ونشوب حرب الأيام الستة في عام 1967، كل هذه العوامل كانت قد أتاحت الفرصة للقوى العظمى خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أن يكون لها تأثيرا كبيراً في رسم سياسات جديدة للمنطقة. فكانت هذه الأوضاع موضوع دراسة ومراقبة وإهتمام لا بل قلل للأقليات القومية والدينية. ففي ظل هذه الظروف للمنطقة أستوجبت على الآشوريين القوميين البحث والدراسة لإيجاد كيان سياسي قومي عالمي يمثل الآشوريين ويكون له مكاناً في تطور هذه الأحداث لضمان حقوقهم في أوطانهم في الشرق الآوسط، فكان تأسيس الإتحاد الآشوري العالمي إستجابة لهذه التطورات ليكون ممثلاً للآشوريين.
العوامل الفكرية القومية:
--------------
 تفاعلت الظروف الموضوعية أعلاه مع نمو وتطور الوعي القومي السياسي بين الآشوريين خاصة الشباب منهم متأثرين بشكل أو بآخر برواد الفكر القومي الآشوري الوحدوي أمثال آشور بيت هربوت و نعوم فائق وفريد نزها وفريدون أتورايا، فكان للجمعية الثقافية للشباب الآشوري ((Assyrian Youth Cultural Society - AYCS – (الجمعية)  في طهران الدور الرائد في التحركة والمبادرة لطرح فكرة إيجاد قيادة موحدة للأشوريين في العالم. ولما كانت الحركة القومية الاشورية قد أرتبطت بمثلث الرحمات مار شمعون إيشاي بطريرك كنيسة المشرق الآشورية الأسبق، فقد وجدت الجمعية فيه الشخص المناسب لقيادة هذه المبادرة وتشكيل قيادة موحدة للآشوريين في العالم. وفعلا تم مفاتحته عن طريق جمعية الرحمة الآشورية في طهران برسالة مؤرخة في الخامس من شباط عام 6619 لتولي زمام هذه المهمة في زعامة القيادة الآشورية العالمية المزمع تأسيسها. وفي نفس الوقت بعثت الجمعية رسائل عديدة بخصوص نفس الموضوع إلى الجمعيات الآشورية، منها الإتحاد الأشوري الأمريكي القومي في الولايات المتحدة، وإلى شخصيات دينية وقومية معروفة وبارزة على السطح السياسي القومي في الولايات المتحدة وأوروبا. فكان رد البطريرك في رسالة من بضعة سطور يكتنفها الكثير من الغموض وعدم الوضوح وأكتفى بإعلام الجمعية بإستلام رسالتها من دون أن يبين رأيه بالموافقة أو الرفض مع تضمينه بعض الكلمات الخاصة بالتمني لهم بالنجاح والموفقة. غير أنه أثناء زيارته لطهران عام 1967 أعلن بشكل واضح عدم رغبته في التدخل في السياسية وتولي مسؤولية تشكيل قيادة آشورية عالمية منطلقاً من خلفيته التاريخية للحركة القومية الآشورية ومن المعاناة التي عانها من جراء قيادته لهذه الحركة. ثم وجدوا في فلاديمير الأبن البكر للجنرال الآشوري أغا بطرس الشخص المناسب لهذه المهمة فتم مفاتحته فوافق على تولية هذه المهمة.
العوامل السياسية الإقليمية:
---------------
يلاحظ القارئ الكريم بأن فكرة تأسيس الإتحاد الآشوري العالمي لم تنبعث من جهة سياسية بل من الجمعية الثقافية للشباب الآشوري في طهران ثم شارك معها جمعية الرحمة الآشورية في تنظيم وإرسال الدعوات للشخصيات الآشورية المعروفة لعقد المؤتمر الآشوري العالمي. والضرورة هنا تقضي الإشارة إلى دولة إيران التي لم يكن نظامها السياسي بتلك الدرجة من الديموقراطية والإنفتاح للغير ليسمح للآشورين المسيحيين من القيام بنشاط سياسي لو لم يكن مثل هذا النشاط موجهاً بالأساس إلى دول عربية كالعراق وسوريا ولبنان التي لم تكن في وفاق ووئام معهم بل كانت العلاقة معهم مرتبكة ومتوترة خاصة بالنسبة للعراق الذي كان يطالب الآشوريون بوطن لهم في القسم الشمالي منه. فالأمر أقتضى على أيران أن تساعد الآشوريين في مهمتهم السياسية هذه ليكونوا موضوع تأثير على الحكومة العراقية كما كان الحال بالنسبة للكورد. وتجلى بعض من هذه السياسة الإيرانية في المؤتمر العام السنوي الرابع للإتحاد في طهران عام 1971 الذي حضر إفتتاحه رئيس الوزراء الإيراني الأسبق أمير عباس هويدا وتلى فيه رسالة شاه إيران في التمني للإتحاد بالنجاح والموفقية في مهمته القومية.
أيديولوجيا الإتحاد:
----------- 
الإتحاد الآشوري العالمي تنظيم قومي فدرالي يتكون من عديد من المؤسسات والمنظمات والأحزاب السياسية الآشورية في مختلف أنحاء العالم ليكون كمظلة قومية لجميع هذه التنظيمات بهدف توحيد الخطاب السياسي الآشوري على مستوى العالم ومن دون أن تفقد هذه التنظيمات إستقلالها السياسي والتنظيمي. وعلى هذا الأساس ومنذ مؤتمره الأول في عام 1968 وضع مؤسسوا الإتحاد مبادئ فكرية وقومية تكون بمثابة أيديولوجيا قامت على أربعة أسس أصبحت معروفة في السياق العام للحركة القومية الآشورية وهي:
•   أسم واحد، وهو الآشوريون (أتورايه) لجميع مكونات الشعب الآشوري على أساس إعتبار بقية التسميات كالنسطورية والكلدانية والسريانية هي تسميات طائفية كنسية مشمولة جميعها بالتسمية الموحدة (الآشوريون – أتورايه).
•   قيادة آشورية واحدة على المستوى العالمي متمثلة في الإتحاد الآشوري العالمي ليكون هو التنظيم الموحد والقيادة الشاملة لجميع الآشوريين على المستوى الدولي.
•   لغة واحدة لجميع الآشورية ويتم ذلك بعد توحيد الأبجديتن من قبل المختصين في علم اللغات ليطلق عليها اللغة الآشورية.
•   إقامة  كيان قومي حر ومستقل للآشوريين في شمال بلاد ما بين النهرين.
وعلى العموم عرف الإتحاد منذ تأسيسه وحتى يومنا هذا برباعية أيديولوجيته والتي تتمثل في:
اسم واحد لأمة واحدة  - لغة واحدة لأمة واحدة – قيادة واحدة لأمة واحدة – وطن قومي واحد لأمة واحدة.
أنجازات الإتحاد الآشوري العالمي:
-------------------
اليوم قد نتساءل ويتساءل الكثير من القراء عن ماالذي أنجزه الإتحاد طيل نصف قرن من زمنه حيث بالكاد نسمع  في هذه الإيام عن نشاط للإتحاد أو أي إنجاز حققه للآشوريين، لا بل حتى لا نسمع عن أي إحتفال بمناسبة تأسيسه؟ سؤال وجيه ولكن يجب أن لا يكون سبباً لتجاهل الإنجازت التي حققها في السنوات الماضية والتي تشكل بعضها مرتكزات أساسية ورموز قومية للآشوريين أصبحت في هذه الأيام جزء من مستلزمات هويتهم القومية. فللإتحاد الفضل الأول والأخير في تثبيت الأول من نيسان رأس السنة الآشورية في مؤتمره الأول عام 1968، وهي مهمة لم تكن من السهل تثبيتها تاريخياً لولا الدراسة المعمقة التي قام بها رجال أفذاذ في الأريكيولوجيا (علم الأثار) وعلى رأسهم البرفسور الآشوري فرد تيمي الذي أغتاله النظام البعثي في العراق عن طريق تسميمه بمركبات الزئبق البطيئة التسمم لأنه رفض وأستهزأ بسياسة البعث في موضوع "إعادة كتابة التاريخ". ثم ثبت وأقر الأتحاد رموز قومية مهمة صارت لحد هذا اليوم جزء من الهوية الآشورية مثل العلم الآشوري المعروف وإقرار السابع من آب يوماً للشهيد الآشوري والتي تعتبر للأحزاب الآشورية والمنظمات القومية رموز يتناولونها في نشاطاتهم القومية.
وعلى المستوى القومي لعب الإتحاد دوراً كبيرا في تنمية الوعي القومي والسياسي للآشوريين خاصة بين الشباب حيث من المؤكد بأن معظم قادة ومؤسسي الأحزاب الآشورية كانوا متأثرين بشكل أو بآخر بفكر الإتحاد الآشوري العالمي وبشخصياته. فكانت مطبوعاته ومنها المجلات الآشورية تصل إلى العراق ويتناولها الآشوريون بشغف ونهم، خاصة في النادي الثقافي الآشوري في بغداد. ومن سخرية الإقدار كان الإتحاد يرسل المجلة بالبريد العادي إلى النادي وتمر عبر القنوات الأمنية والرقابية إلا أنها كانت تصل إلى النادي ليس إيماناً بحركة الصحافة بل بهدف التقصي والبحث ومراقبة قراء المجلة في النادي وردود فعل الأعضاء. وكانت زيارة السكرتير العام للإتحاد الأسبق السيد وليم يونان عام 1971 للنادي واللقاء بأعضاءه وإلقاء كلمته القومية الحماسية عاملاً مثيرا في عقلية الشباب الآشوري في تلك الفترة. زد على هذا، حيث قام أعضاء من قيادة الإتحاد في بداية السبعينيات من القرن الماضي بزيارة إلى شمال الوطن واللقاء بقيادة الحركة الكوردية وبـ "لجنة المسيحيين" التي كان يقودها الشهيد المقاتل هرمز أبن ماليك جكو للتباحث وضمان حقوق الآشوريين في تلك الظروف التي كانت تعصف بالمنطقة.
هذا على مستوى القومي، أما على مستوى الدولي، فإن الإتحاد سجل عدة سوابق تاريخية في تمثيل الآشوريين على المستوى الدولي. فمنذ تأسيس مؤسسة "منظمات غير الحكومية" عام 1968 التابعة لهيئة الأمم المتحدة، طرق الإتحاد الآشوري العالمي باب هذه المنظمة وقدم طلباً للإنظمام إليها غير أن الطلب لم يرفض بل تم تعليقه وذلك لأسباب سياسية لعب نظام البعث في العراق في تلك الفترة دوراً سلبياً كبيرا لعدم قبول طلب الإتحاد. فإذا كانت الأيادي الخبيثة للنظام البعثي في العراق قد وصلت إلى مؤسسة "منظمات غير الحكومية" وأعاق إنضمام الآشوريين إليها ممثلين بالإتحاد الآشوري العالمي، ألا أنه عجز عن منع إنضمام الإتحاد إلى منظمة "الشعوب والأمم غير الممثلة في هيئة الأمم المتحدة"، وإختصاراً تعرف بـ (UNPO). تأسست هذه المنظمة في شهر شباط من عام 1991 في بروكسيل/بلجيكا وهي منظمة عالمية تقبل فيها منظمات الشعوب والأمم التي تؤمن بالديموقراطية لتكون ممثلة للشعوب الأصلية والأقليات التي لا دولة لهم أو أن أراضيهم محتلة من قبل الغير هدفها الدفاع عن الحقوق السياسية والإجتماعية والثقافية وحماية وتطوير حقوقهم نحو تقرير مصيرهم. فبمجرد سماع قيادة الإتحاد في تلك الفترة بتأسيس هذه المنظمة سارعوا إلى تقديم طلب الإنظمام إليها بأسم الشعب الآشوري. فبتاريخ 07/06/1991 تم مناقشة طلبهم ومن ثم قبول الإتحاد عضوا فيها ممثلاً عن الشعب الآشوري. وعلى أثرها ترفرف العلم الآشوري إلى جانب أعلام الشعوب الأخرى في مقر المنظمة وأدرج آشور (Assyria) كموطن قومي للأشوريين مع لمحة عن الشعب الآشوري وتاريخه، والصور أدناه منقولة من الموقع الألكتروني للمنظمة. وبهذا يتم لأول مرة في تاريخ الآشوريين  قبولهم في منظمة دولية معروفة.



  Assyria




ولم يتوانى قيادة الإتحاد في تعميم  الأسم الاشوري وأبراز مكانة الشعب الآشوري على المستوى العالمي. فللفترة من 29 نيسان ولغاية 3 مايس عام 1997 أنعقد في قصر الأمم في جنيف/ سويسرا المؤتمر السنوى للجمعية العامة لمجموعة عمل الخبراء لللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات التابعة للجنة حقوق الإنسان وهي أحدى الوكالات الدولية المهمة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، حضر هذا المؤتمر وفداً كبيرا من قيادة الإتحاد وتم فيه طرح القضية الأشورية بشكل مفصل وفي ختامه صدر تقريراً مفصلأ عن هذا الموضوع وتم نشره على نطاق واسع. أكتفي بهذا القدر لأنه من المؤكد هذه الصفحات لا تكفي للإنجازات التي حققها الأتحاد خاصة على المستوى العالمي. وأبتر هذا الموضوع إلى جزئين إرضاءاً لقراءنا الأعزاء... فإلى اللقاء في الجزء الثاني.


7

"فايروس الكرسي" يضرب وبقوة على أحزابنا "الكلدانية السريانية الآشورية" السياسية
 ====================================
أبرم شبيرا
نافذة على جانبين: المبهج والمفجع
----------------------
للحق أقول عندما أسمع وأقرأ عن الإنجازات الكبيرة التي حققتها وتحققها أبرشية أستراليا ونيوزلندا لكنيسة المشرق في تأسيس المدارس الآشورية المسيحية وكلية ومعاهد تعليم لغة الأمة أنبهر كثيراً وأبتهج إبتهاجاً عندما أرى هكذا ضوء في نهاية النفق المظلم الذي رسم وفرض علينا ليقودنا نحو الإنكماش ثم الإنقراض من وجه البسيطة. وعندما أحول رأسي على الجانب الآخر مسلطا نظري على ما يجري في أرضنا التاريخية وتحديداً في هذه الفترة التي تسمى بـ "الإنتخابات" أجد أحزابنا السياسية وقوائمها الإنتخابية تتصارع، كما يتصارع الصلعان على المشط – مع إعتذاري الشديد – ويتناحرون ويتهجمون بعضهم على البعض مستخدمين مختلف الأسلحة التي تنم فعلآ على تدني مستوى الوعي القومي الشامل لجميع أفرع أمتنا وغياب المصلحة العام غياباً شاملاً من سلوكم السياسي مقابل طغيان المصلحة الخاصة والتحزبية والطائفية وحتى الشخصية على السطح القومي السياسي، حينذا يملئ قلبي أسى ويكتنف فكري غموض وتشويش عند البحث عن مصير هذه الأمة. الطامة الكبرى هي أن معظم المتناحرين من أبناء أمتنا في ساحة الإنتخابات عناصر معروفة بثقافتها ووعيها و "نضالها" ومكانتها الإجتماعية والفكرية ولكن ما يحز في قلوبنا وافكارنا وضمائرنا هو أن كل هذه الصفات التي يتصفون بها تختفي عندما يظهر ماموت الكرسي أمامهم ويتلحفون بلحاف المصلحة الخاصة والشخصية ليؤدي ذلك إلى إختفاء المصلحة القومية ولو بحدها الإدنى من تصرفاتهم وبالتالي إلى زيادة وتضخم الإحباط والقنوط بين أبناء شعبنا وبالنتيجة فقدان الثقة بأحزابنا السياسية و "زعماءنا"، الأمر الذي أدى ويؤدي إلى تدني شعبية الأحزاب، إن كان لبعضهم شعبية بالأصل. فلو بحثنا في أسباب هذه الظاهرة المرضية التي أصابت أحزابنا السياسية سنجد بأنها مصاب بفايروس يمكن تسميته مجازا بـ "فايروس الكرسي".
الفايروس البايلوجي:
-----------
فايروس، باللاتينية (Virus) ويعرف بالعربي بـ "الحمه"، هو كائن صغير جداً ومسبب لأمراض خطيرة وكثيرة، منها مرض نقص المناعة (الأيدز)، والأكثر شيوعا هو فايروس الإنفلونزا. فهو يضرب جميع أنواع الكائنات الحية ومنها الإنسان وينتقل من كائن إلى آخر عبر وسائل عديدة ومختلفة. ويعود سعة إنتشار الفايروس وقوة تأثيره، خاصة بين البشر، إلى جملة عوامل عديدة منها ضعف المناعة عند الإنسان وإلى سوء الظروف الصحية والمناخية السائدة وإلى نوعية وطبيعة الحياة البشرية ومستواها ونوعيتها خاصة بالنسبة لضعيفي القوى وبالتحديد الأطفال وكبار السن والشاذيين عن الحياة الطبيعية. فهناك العديد من هؤلاء الأشخاص المصابين قتلهم فايروس الإنفلونزا. ومن المعروف عن الفايروسات بأنه رغم تقدم العلم تقدماً مذهلاً إلا أنه لم يستطيع إيجاد علاج كامل وحاسم للأمراض التي تسببها غير القليل منها والتي بمجملها هي نوع من الوقاية من هذه الأمراض، مثل اللقاحات، وتحسين الأوضاع المعيشية للمجتمع لتكون نوع من الحصانة ضد الفايروسات والتخفيف من حدة أعراض الأمراض التي تسببها.
فايروس الكرسي:
----------
وإذا جاز لنا إستعارة مفهوم الفايروس البايولوجي وخطورته على صحة الإنسان وإستخدامه مجازاً على المستوى السياسي القومي لأبناء أمتنا وتحديداً على أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية نرى بأن هناك فايروس خطير يمكن تسميته بـ "فايروس الكرسي" الذي بدأ بالإنتشار كوباء خطير في مجتمعنا القومي السياسي خاصة بعد عام 2003 حيث ظهرت ظروف ملائمة جداً لإنتشار هذا الفايروس وتفكيك مجمعنا إلى ملل وشلل لا بل وصل أمر خطورة هذا الفايروس إلى أكثر أحزابنا وتنظيماتنا قوة وتنظيماً وشعبية، فهي الأخرى لم تسلم من هذا الفايروس الخطير والمدمر فأدى ذلك إلى شبه شلل أو عقم في جسمها السياسي. لا بل والأكثر من هذا حيث يظهر في بعض من المرشحين للكراسي البرلمانية مصابون بفايروس الكرسي إصابة مستديمة فلا يتعضون من الماضي ويحسنون أوضاعهم الحياتية ويتخلصون من الظروف التي جعلت من الفايروس أن يستوطن فيهم حيث يعاودون اللهوث وراء الكرسي رغم فشلهم المستمر والمخيب في السنوات السابقة. لا بل فقد فاق التصور عن خطورة هذا الفايروس بحيث وصل حتى إلى عظام الإنسان الميت والمستشهد في مذبحة سميل ليستغل كداعية إنتخابية لتمثل عرضاً من أعراض المرض الذي يسببه فايروس الكرسي الضارب وبقوة  في مجتمعنا المعاصر. وحال هذا الفايروس هو كحال الفايروس البيولوجي فهو بلا حدود وعابر للقارات مع الهواء إلى مختلف أنحاء العالم ليصيب أفراد من مجتمعنا من بلدان لمهجر فيلهثون من هناك وعبر الألاف الأميال إلى أرض الوطن وراء الكرسي المعلون. والأنكى من هذا وذاك هو ضرب فايروس الكرسي ضربة ساحقة لأحد العناصر الذي كان بالأمس القريب "ممثلاً" لأمتنا في الحكومة ليصطف مع قائمة جلادي أمتنا لعل قد يحصل على مقعد حتى ولو كان ملوثاً بدماء شعبنا المشرد.

أعراض فايروس الكرسي:
--------------
وفايروس الكرسي هو كفايروس البايولوجي مرض إجتماعي خطير أصاب أحزابنا السياسية وقادتها على الرغم من توسع حجم المستويات العلمية لمجمع أبناء أمتنا، خاصة السياسيون منهم، مقارنة مع أقرانهم العراقيين، فأنه هو الآخر لا علاج كامل وحاسم له غير التخفيف من حدته وإيجاد ظروف فكرية ونفسية ملائمة تساعد على خلق نوع من المناعة ضد هذا الفايروس. وكما للفايروس البايولوجي أعراض مرضية معروفة وخطيرة على صحة الإنسان كذلك لفايروس الكرسي أعراض إجتماعية خطيرة على مصالحنا القومية والسياسية. ومن أهم وأخطر هذه الأعراض هو المصالح الشخصية ولا نقول التحزبية أو الشللية لأن خطورة هذا المرض تجاوزت الحزب والجماعة ووصلت إلى الشخص نفسه، أي بعبارة أخرى أصبحت المصالح الشخصية أقوى بكثير من مصالح الحزب نفسه. فعلم السياسة درس وبإمعان ظاهرة تدهور أحزاب العالم الثالث خاصة الثورية منها، وأحزابنا غير مستبعدة. حيث تبدأ كاحزاب جماهيرية ثم بعد إعتلاءها السلطة أو مواقع القوة تبدأ بالإنكماش والتقلص وتتراجع شعبيتها إلى خانة التحزب ثم يستمر إنحدارها نحو العشيرة أو القبيلة ثم إنحسارها في العائلة حتى يستمر التدهور نحو شخصنة الحزب كله في شخص واحد. وحزب البعث نموذج في هذا السياق وبعض من أحزابنا السياسية ليست ببعيدة عن هذه الحالة. فبسبب قوة هذا الفايروس المنتشر بين أحزابنا وقوائهم الإنتخابية نقول بأن كل الدعوات البريئة والخيرة في توحيد القوائم الإنتخابية لأبناء شعبنا للإنتخابات القادمة والنزول إلى الساحة العراقية بقائمة واحدة ما هي إلا لقاحات من نوع (Made in China) لا تأثير فعال لها. وحتى لو أفترضنا إستجابة القوائم الإنتخابية لشعبنا لهذه الدعوات الوحدوية فأنه قبل نزولهم إلى الساحة الإنتخابية سوف يفعل فايروس الكرسي فعله المؤثر وتبدأ أعراض المرض بالظهور في النزاع حول تسلسل الأسماء في القائمة وعلى الرقم (1) وبالتالي عودتهم إلى المربع الأول والتشبث بالكرسي الملعون.
لقد كتب العديد من مثقفينا وسياسيينا ومفكرينا عن النتائج المأساوية التي خلفها داعش الإجرامي وغيره من أسلافه على أبناء أمتنا من النواحي الإنسانية والديموغرافية وتجريد شعبنا من أراضيه التاريخية من دون الإشارة إلى فايروس الكرسي المكمل لهذه المأساة على النواحي السياسية والقومية وفعله الفاعل في تشتيت أبناء الأمة الواحدة ليس بين قائمة إنتخابية وأخرى بل حتى بين أعضاء القائمة الواحدة من خلال الصراع على رقم (1) للقائمة أو الأرقام المتقدمة. لقد سبق وأكدنا مراراً وتكراراً بقوة الترابط بين الكرسي والمصالح الخاصة وأعتبار الأول مصدراً أساسياً تمويليا للمصالح الخاصة والشخصية، فالتاريخ من عام 2003 أثبت وبشكل قاطع  ولحد هذا اليوم هذه الحقيقة. حتى بعض الأفعال التي تعتبر بحكم البعض "إنجازات" حققها "ممثلي" أمتنا من خلال جلوسهم على الكرسي البرلماني أو الوزاري فما هي إلا قطرة في محيط هائج لا تأثير لها في عالم المأساة التي يعانيها شعبنا في أرض الوطن، فهي لا تعدو غير الضحك على الذقون، أو كما قلنا سابقا هي محاربة داينصور ضخم بدبوس صغير، أو هي حروب دونكيشوتية ضد الشيطان. وهنا من الضروري جداً أن لا نحصر المصالح الشخصية في الحقل المالي فقط بل يجب أن نفهمها أيضاً ضمن الشهرة والتكبر والعنجية والتباهي. من هذا المنطلق كنًا ولا زلنا نرى في ترك الكراسي والإستقالة من المناصب البرلمانية والحكومية هو السبيل الفعال والواقعي للخلاص من المصالح الشخصية والتحزبية، لكونها مصدر البلاء على أمتنا ثم أخلاء الساحة من هذا الوباء والبدء بالبحث عن السبيل الممكن الذي قد يؤدي إلى تحقيق مصالح الأمة ولو بحدها الأدنى. وهنا يجب أن لا يفهم بأن هذه دعوة هي عدم المشاركة والتصويت في الإنتخابات القادمة، بل على أبناء أمتنا الإدلاء بصوتهم للقوائم الحزبية المعروفة ليس لغرض إجلاس قادتها على الكراسي البرلمانية بل لفرز هذه الأحزاب المعروفة عن الأحزاب المزيفة وإضفاء عليها نوع من الشعبية الرسمية من خلال معيار الإنتخابات التي هي المعيار الوحيد المتاح في هذا الزمن لقياس شعبة أحزابنا السياسية. فهذا السيناريو يختلف عن دعوتنا السابقة في إستقالة أعضاء البرلمان من كراسيهم وهم في موقع رسمي وشعبي لخلق نوع من الإثارة للرأي العام العالمي للتساؤل عن أسباب هذه الإستقالة لإشخاص منتخبين رسميا. حينذاك سوف يبدأ الرأي العالمي بإعطاء القليل من الإهتمام نحو مسألة مصير شعبنا وطرق حمايته من الإنقراض في وطنه التاريخي.
فايروس الكرسي وقوائم شعبنا الإنتخابية:
---------------------------
هنا أود التأكيد المشدد بأن الغرض من كتابة هذه السطور هو محاولة الكشف عن الفايروس المسبب في فشل معظم أحزابنا السياسية وقوائمها الإنتخابية وكراسيهم البرلمانية والحكومية في تحقيق الحد الإدنى من المصلحة العامة لأمتنا "الكلدانية السريانية الاشورية" والذي يتمثل في فايروس الكرسي، مصدر ومنبع المصالح الشخصية والتحزبية. من هنا نقول بأن الأمر لا يقتصر على حزب معين فحسب بل على معظم أحزابنا وقوائمنا الإنتخابية. فاليوم هناك سبعة قوائم مع شخص نزلت إلى الساحة الإنتخابية وكبقية السنوات الإنتخابية الماضية مصابة هي الأخرى بفايروس الكرسي لأنها تعيش وتتواجد في ظروف سيئة ومأساوية وبمستوي ضعيف من الوعي القومي الجامع لجميع أبناء شعبنا أو إنعدامه بسبب تعشش الطائفية والعشائرية والمناطقية في البنيان الأساسي لأمتنا وإختفاء المصلحة القومية الشاملة. التاريخ القصير من عام 2003 ولحد هذا اليوم لا بل وحتى نحو المستقبل غير المنظور يؤكد هذه الحقيقة الموضوعية طالما الواقع هو نفسه دون نغيير. فمعظم، بل كل القوائم الإنتخابية رغم تأكيدها بأن هدفها الأساسي هو تحقيق المصلحة العامة للأمة أو الجهة التي تمثلها، لكن هذا التاريخ القصير أثبت عدم صحة هذه الإدعاء بل عزز من مصالحها الشخصية والتحزبية والشللية. صحيح هو أن التنافس هو أس الأساس للديموقراطية الحقة ولكن حتى لهذا التنافس أصول وقواعد يستوجب تطبيقها للوصول إلى الأهداف المبتغاة عبر الممارسة الديموقراطية الصحيحة. فنحن أمة صغير منهارة ومعرضة للفناء في أرضها التاريخية أصابها فايروس الكرسي إصابة خطيرة وفتتها في الساحة الإنتخابية إلى سبعة أجزاء لا حبل رابط بينهما فكل واحد يسحبه إلى جهته ليؤدي بالنتيجة إلى تمزيق الأمة لا على مستواها الفكري والقومي بل حتى على مستوى الكراسي البرلمانية حيث أثبتت السنوات السابقة بعجزهم عن جلوسهم مع البعض والإتفاق على ما هو صالح لهذه الأمة حتى في حده الأدنى. أليس عيباً علينا وتحديداً على أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية أن يقول بعض زعماء العراق: أذهبوا ووحدوا خطابكم أو مطاليبكم ثم تعالوا لنناقشها؟؟؟ سواء أكان هذا القول صحيحاً أم حجة للتهرب من النظر في مطاليب شعبنا المشروعة فأنه يعكس مدى تمزق وتشتت أحزابنا وعدم قدرتهم على توحيد أو حتى التنسيق بينهم حول مطالب شعبنا.

الانيميا الفكرية:
----------
الإنيميا هو مرض فقر الدم الذي يصيب كريات الدم الحمر ويسبب إلى تكسرها وإنحلالها في جسم الإنسان ويكثر إنتشاره في البيئة غير الصحية وسؤء التغذية وفي المجتمعات الفقيرة. والأنيميا الفكرية (مجازا) هو مرض يصيب العقول البشرية ويعجز عن إدراك الحقائق الموضوعية بشكل كامل أو صحيح ضمن بيئة  فكرية سيئة وملوثة بأفكار ومطامح بعيدة عن المجتمع ولا تمثله. هكذا الحال مع أحزابنا السياسية وقوائمها الإنتخابية فهي الأخرى أصابت بهذا المرض بسب الظروف السيئة والمرضية التي سببها فايروس الكرسي. ففايروس الكرسي ومن خلال مرض ألانيميا الفكرية ضرب وبقوة على أحزابنا السياسية وقوائمنا الإنتخابية وأصابهم في عجز إدراكهم أو رؤيتهم للمصلحة القومية الجامعة لكل أبناء شعبنا والمصير الذي آل إليه والتحديات المميتة التي أكتنفت هذا المصير المنطلق عبر نفق مظلم لا ضوء في نهايته. فالمصلحة القومية الأسمى لا تتمثل في معارضة القوانين المجحفة بحق أمتنا أو هدم دار متجاوز على أراضي قرانا أو إدانة لجرم أرتكب بحق أحد أبناء أمتنا أو عائلته، بل المصلحة القومية الحقيقة تتمثل في أول الأمر وقبل كل شيء في معرفة الواقع المأساوي والتحديات المميتة التي تواجهها أمتنا في الوطن وتضعه على حافة الزوال من أرضها التاريخية ومن ثم محالة إيجاد السبل للتخفيف من شدة هذا المرض الخطير والمميت. أنه لأمر مأساوي عندما نرى بعض قادة أحزابنا وتنظيماتنا يؤكدون بأن نشاطهم وسلوكهم السياسي، كتعدد القوائم الإنتخابية وتبرير موقع رقم (1) في القائمة، هو ضمن السياق السياسي العام للأحزاب السياسية العراقية وحالهم كحال هذه الأحزاب غير مدركين بأن مصير العرب بشيعتهم وسنيتهم والكورد ببارزانيتهم وطلبانيتاهم والتركمان بسنتهم وشيعتهم هو غير مصير أمتنا في العراق. فمهما كانت المأساة والفواجع التي تنهال على هؤلاء المكونات فأنها لا تهدد مصيرهم وتقلعهم من أرضهم كما هو الحال مع أمتنا. فإختلاف التحديات تختلف بإختلاف المصير. فثلاثة أرباع شعبنا هاجر الوطن هي حالة يجب أن تضع بنظر إعتبار الأول لأحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية الذين يعتقدون بأن جلوسهم على كرسي البرلمان أو الوزارة وإدانة هذا المجرم أو ذاك سيوقف تدهور الوضع القومي والديموغرافي لأمتنا في الوطن، غير مدركين بأنهم يهرولون في مكانهم وأنه بالمقابل شعبنا يطير وبسرعة هائلة في سماء المجهول ونحو الضياع والتلاشي. إذن فما:

الحل:
----- 
لقد أثبت التاريخ القريب وسيثبت التاريخ القادم أيضا بأن كل الحلول لمأساة أمتنا السائرة نحو الإنقراض من الوطن ما هي إلا فقاعات في الهواء لا وزن لها. كما أثبت التاريخ المعاصر إثباتا قاطعاً بأن الحكومة العراقية سواء في المركز أو الإقليم لا تستيطع حماية شعبنا في العراق وتوفير المناخ الملائم للحيلولة دون إنكماشه وإختفاءه من الوطن ولم يعد هناك أي أمل في هذا المجال طالما الفكر الإقصائي هو أجندة المتسطلين على مقدرات البلاد مهما كانت "ديموقراطية" الإنتخابات التي ماهي إلا تبال الكراسي والأدوار، ومهما كانت تصريحاتهم "الحاتمية" في كون شعبنا شعب أصيل ويستوجب حمايته أو ضمان حقوقه. فضمن هذه الأجواء لم يبقى أمام أمتنا إلا الحماية الدولية لهم من هذه السياسات الإقصائية وعجز الحكومة على حماية شعبنا. من المؤسف أن أقول بأن بعض "العباقرة" من أبناء شعبنا الذين أصابوا بإصابات بالغة بمرض الأنيميا يقولون بأن الفواجع والمأساة تصيب كل مكونات الشعب العراقي وليست حصرا على المسيحيين. فإذا كان الأمر الواقعي هكذا، فأنه مع الأسف الشديد لا يدركون هؤلاء بأن حجم ونوعية وتأثير الفواجع والمأساة على غير المسيحيين تختلف كلياً عن التي يواجهها شعبنا المسيحي في العراق. أفهل التحديات التي يواجهها العرب أم الكورد أم التركمان قد أدت إلى تهجير ثلاثة أرباعهم وترك وطنهم كما هو الحال مع شعبنا؟  إذ من هذا الواقع الأليم ليس هناك علاج له إلا الحماية الدولية. ولكن من الملاحظ بأن هناك نوع من الترسبات الماضية للمرحلة الإستعمارية الكولونيالية التي أرتبطت الحماية الدولية بالوسائل العسكرية والتدخل العسكري. غير أن الأمر ليس كذلك بالنسبة لطلب الحماية الدولية لشعبنا لأنه لا يتركز في بقعة معينة حتى يتم حمايته بالوسائل العسكرية بل يجب أن يتم بالوسائل السياسية والدبلوماسية والإقتصادية وبفرض وسائل ضغط تفرض على حكومة بغداد وأربيل للقيام بإجراءات الحماية وإلا ستتعرض إلى عقوبات سياسية ودبلوماسية وإقتصادية لا بل من الممكن أن تعرض أحدى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لمناقشة مثل هذه الحماية وفرضها على العراق.

قد يبدو بأن مثل هذا الطرح فيه نوع من المثالية وقد يكون نظرياً مقبولا ولكن في الواقع الموضوعي وحقيقة الأمر المكتنفة بالظروف الفكرية والسياسية المحيطة بالعراق وتحديدا بشعبنا يجعله أمراً شبه مستحيل لا بل أقول مستيحلاً طالما فايروس الكرسي ضارب ضربته القوية في أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية... مثلما قلنا ألف وألف لعنة على داعش الإجرامي وأخواتها والفكر الإقصائي المغذي لها نقول أيضا ألف وألف لعنة على الكرسي اللعين الذي يمزق أمتنا إلى فتات صغيرة وصغيرة ويسهل تطايرها في الهواء نحو المهجر. وأخيراً، بينما كنت أناقش موضوع إستقالة "ممثلي" أمتنا من الهيئات البرلمانية والحكومية وتشكيل مجلس أعلى لشؤون "الكلدان السريان الآشوريون" مع أحد الأصدقاء، قال أليس هذا حلم من أحلامك الوردية؟ فقلت له نعم أنه حلم ولكن ليكن معلوماً أن الأحلام القومية لا يحققها إلا الأبطال القوميين... أفهل لنا أبطال قوميون؟؟


   

8
نظرات على نظرات الدكتور كاظم حبيب في كتابه الموسوعي:
--------------------------------------------------------------

مسيحيو العراق.. أصالة .. إنتماء ..مواطنة
أبرم شبيرا
---------------------------------------------------------------------------------------------------
أطعلت على نظرات الدكتور الفاضل كاظم حبيب على كاتبه الموسوعي (مسيحو العراق.. أصافة .. إنتماء.. مواطنة المنشورة على موقع عنكاوه: http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=869220.0
فتولدت لديً نظرات على نظراته وليس على أصل الكتاب ذلك لأنني لم أطلع على الكتاب نفسه رغم إنني طلبت من بعض الأصدقاء إرسال لي نسخة منه للإحتفاظ به كمرجع مهم عن المسيحيين في العراق خاصة عندما يصدر من رجل غير مسيحي ولا إكليري بل رجل علمي أكاديمي عراقي ناشط وبشكل واسع ومكثف في مجال حقوق الإنسان ومهتما بشؤون المسيحيين وبمصيرهم في العراق وقريب منهم وتربطه علاقات وثيقة مع الكثير منهم، بل تولدت نظراتي على التفاصيل التي أوردها الدكتور النبيل كاظم حبيب وعلى تلخيصه لهذا الكتاب الكبير في حجمه ومحتوياته بكل أجزاءه الثلاثة وفصوله السبعة عشر وملاحقها كما تضمن الكتاب ثلاثون ملحقا مع مجموعة من الصور وفهرس بالأسماء كل هذا أحتوى بين دفتي الكتاب الحاوي على 1072 صحفة مما يدل على ضخامة الكتاب والذي يمكن أعتباره وبحق موسوعة في تاريخ المسيحيين في العراق. وتجنباً للإطالة في تفاصيل الكتاب ومحتوياته، يمكن الإطلاع عليها في موقع عنكاوه المذكورة في أعلاه.
على العموم، ونحن لا زلنا بإنتظار أن يصلنا أصل الكتاب، نود هنا أن نورد بعض النظرات أو الملاحظات على كتاب الدكتور النبيل كاظم حبيب:
1.   الكتاب نشر من قبل دار نينوى في دمشق لسنة 2018 وليس هناك أي عنوان لهذا الدار أو طريقة الإتصال بها لإقناءه وشراء نسخة من الكتاب. من هنا نطلب من أستاذنا الفاضل د. كاظم حبيب أن يزودنا بأسلوب أو طريقة شراء الكتاب.
2.   للحق يقال بأن الكثير مما تناوله الدكتور كاظم حبيب في كتابه مذكور في العديد من الكتب والبحوث والدراسات التي تناولت تاريخ المسيحيين ولكن يظهر بأن كتاب الدكتور هو شامل تقريباً وملم لجميع مراحل تاريخ المسيحيين وجمع في كتاب واحد ليسهل على القارئ المهتم الإلمام الشامل بهذا التاريخ. 
3.   هناك كتب كثيرة بالعربية أو بلغات أخرى عن تاريخ المسيحيين في العراق وأكثرها عن مرحلة معينة أو عدة مراحل ومعظمها تناولت من وجهة نظر معينة سواء أكانت طائفية أو مسيحية أو شخصية. ولكن كتاب الدكتور كاظم الذي أعتبرناه بحق وحقيقة كموسوعة في تاريخ المسيحيين في العراق لأنه ضامن تقريباً لكل هذا التاريخ  وفي كتاب واحد. حيث ليس من السهل تضمين كل هذا الحجم الهائل من التاريخ الذي يمتد لأكثر من ألفين سنة في كتاب واحد.
4.   من المؤكد بأن أستاذنا الفاضل د. كاظم  نحى منحى أكاديميا غير منحازا في كتابه هذا وقد يكون هذا المنحى غير مقبولا في بعض مراحل هذا التاريخ  من قبل بعض الطوائف أو الكنائس العراقية ولكن الحقيقة الموضوعية التي تناولها الدكتور كاظم في كتابه هذا يجب أن تقبل وتثمن سواء أتفقنا معها أم لا.
5.   لا شك فيه إطلاقا بأن للكتاب أهمية كبرى وعظيمة خاصة في هذه المرحلة الحرجة والمأساوية للمسيحيين في العراق، الشعب الأصيل لبلاد ما بين النهرين الذي يتعرض للتهجير والإبادة، لكن الشيء الذي أثار إستغرابي هو قراءة الموضوع الذي كتبه الدكتور كاظم عن الكتاب والمنشور في موقع عنكاوه أعلاه من قبل قراء لم يتجاوز عددهم أكثر 562 مشارك ولم يعلق عليه غير الزميلين العزيزين ناصر (منصور) عجمايا وألياس متي منصور مثمنين ومقدرين وشاكرين الدكتور كاظم على جهوده الكبيرة في إنجاز هذا الكتاب الكبير، والأغرب أن "نظرات" الدكتور كاظم أختفت بسرعة من الصفحة الرئيسية لموقع عنكاوه. في حين نرى بأنه عندما يكون الموضوع المنشور في موقع عنكاوه يتناول الأحزاب والإنتخابات والشخصيات السياسية ومسائل طائفية وتحزبية التي لا طعم علمي لها ولا رائحة موضوعية ولا فائدة منها إطلاقاً لكون معظمها مهاترات وتجريحات وتحزبات فتنهال عليها المئات أن لم نقل الألاف من المداخلات والتعليقات التي لا يتحملها العقل السليم. كل هذا يدل عن المأساة الفكرية والعلمية التي يعانيها مجتمعنا المسيحي في العراق البعيد عن المواضيع العلمية والأكاديمية.
6.   هنا أود أن أوكد ضرورة تعميم نشر هذا الكتاب ليس بين المسيحيين فحسب بل بين كل العراقيين لأنه تاريخ مهم وناصع من تاريخ بلاد مابين النهرين وضرورة إقتناءه وتشجيع مثل هذه الكتابات الموضوعية في تاريخ المسيحيين في العراق وأولهم رجال الدين المسيحيين، فالواجب يستوجب ويفرض على كل كنيسة في كل مدينة عراقية أو في بلدان المهجر أن يعتلي مثل هذا الكتاب رفوفهم، إن كان لهم رفوف للكتب.
7.   وأخير لم يبقى إلا أن أقول رغم إنني كما قلت في أعلاه لم أقرأ الكتاب بل قرأت ما كتبه الدكتور كاظم عنه... أن أقول شكراً وألف شكر لأستاذنا الفاضل على هذا الإنجاز الكبير ونتمنى لك دوام الصحة والموفقية في خدمة الإنسان المعذب، الرسالة التي حملتها على أكتافك في هذا الزمن الظالم.
 


9
في ضوء بناء المزيد من المدارس الآشورية في أستراليا
--------------------------------

نتسائل مرة أخرى: هل ستموت هذه الأمة بعد خمسة ألاف سنة؟
====================================
أبرم شبيرا
كلما أقرا خبر عن المدارس الآشورية في أستراليا، وأخرها خبر زيارة نيافة مار بنيامين إيليا أسقف كنيسة المشرق الآشورية لولاية فكتوريا ودولة نيوزلندا ومعه أعضاء إدارة الكنيسة في مدينة ملبورن للأرض التي سيشيد عليها مدرسة أشورية جديدة، أبدأ بإعادة النظر في الكثير من أرائي التشاؤمية حول مصير هذه الأمة في هذه الظروف الصعبة والمميتة، سواء في بلدان المهجر أم في أرض الوطن، خاصة ما يتعلق بأنقراض لغتنا القومية وأنصهارنا في المجتمعات الغربية. فقد جاء في خبر نشر على الموقع الألكتروني للكنيسة بأنه "تبلغ مساحة قطعة الأرض المخصصة 7 هيكتيارات وتقع في ضاحية Yuroke  التي تبعد مسافة 30 كلم عن مركز الاعمال التجارية (CBD)، لمدينة ملبورن.... وتهدف الكنيسة من وراء تخصيص هذا الأرض الى بناء مدرسة متميزة خاصة في مدينة ملبورن، والانضمام الى عائلة المدارس الآشورية في سيدني، لتقديم خدماتها لأبنائنا الطلبة وتنشئتهم على أسس تربوية وتنمية الروح الدينية والقومية، من خلال دروس اللغة والايمان المسيحي، والوحدات الدراسية المقررة من قبل حكومة ولاية فكتوريا. وستكون هذه المدرسة، الخطوة الأولى في طريق بناء المزيد من المؤسسات التربوية في ولاية فكتوريا" والتي سبقتها مدارس وكلية في مدينة سدني، وهي ثمار الجهود العظيمة والمثمرة التي يبذلها أبناء أمتنا في أستراليا وكنيستهم المشرقية برعاية نيافة مار ميليس زيا مطرابوليت أستراليا ونيوزلندا ولبنان وأعضاء الهيئات الإدارية للكنيسة والداعمين من أبناء أمتنا في أستراليا لهذه المبادرات القومية والكنسية.

 زيارة نيافة الاسقف مار بنيامين إيليا، أسقف كنيسة المشرق الآشورية على ولاية فكتوريا ودولة نيوزلندا، وبصحبة الأعضاء الإداريين للكنيسة في مدينة ملبورن للأرض المخصصة لتشييد أول مدرسة آشورية مسيحية في مدينة ملبورن. الصورة مقتبسة من الموقع الألكتروني للكنيسة.
=========================================================================
بعد خمسة ألاف سنة... هل ستموت هذه الأمة؟... هذا كان عنوان اللقاءات الفكرية التي عقدنا بالتشارك مع الأعلام المعروف ولسن يونان في كل من مدينتي ملبورن وسدني في منتصف شهر كانون الثاني 2018. والمضمون الجوهري لهذا التساؤل "التشاؤمي" كان يرتكز على القلق والمخاوف على مصير لغتنا القومية خاصة في بلدان المهجر والتي هي أس الأساس لهويتنا القومية، فبفقداننا سنفقد أهم وأخطر مقومات وجودنا القومي في هذا الزمن الظالم والمميت. فإذا كانت الظروف المأساوية المفروضة على أمتنا في أرض الوطن تهدد وجودنا وتقلعنا من أرض الأباء والأجداد عوامل قد تكون مؤثرة على الحفاظ أو الإستمرار في تدريس لغتنا القومية في المدارسة السريانية في شمال الوطن وتضع الجهات والمنظمات القومية المعنية بهذا الأمر والداعمة لإستمرار تدريس لغتنا القومية أمام تحديات خطيرة ومميتة تفرض علينا أن نطرح مثل هذا التساؤل "التشاؤمي". أما في بلدان المهجر فالتحديات الخطيرة مختلفة بنوعيتها وحجمها والتي تتمثل في أنصار وذوبان أبناء شعبنا، خاصة الأجيال القادمة، في بوتقة الثقافات واللغات السائدة في هذه البلدان وضياع أهم مقوم من مقومات وجودنا القومي، وهي تحديات تضع مؤسساتنا القومية السياسية والكنسية أمام مهمة خطيرة وصعبة في مواجهة هذه التحديات للتخفيف من حدتنا أن لم نقل أزالتنا من ساحة الصراع الثقافي والفكري والإجتماعي في هذه البلدان التي تشرع أبواها لجميع الثقافات ولكن في نهاية المطاف ستكون وبالحتم وبنتيجة هذا الصراع الغلبة للثقافة السائدة والمهيمنة والمدعومة بعوامل مادية وديموغرافية ونفسية وإجتماعية وحتى سياسية.
الكل يتفق بالتمام والكمال على  أهمية اللغة  بإعتبارها كإحدى  الركائز الأساسية والمهمة في وجود كل أمة من الأمم بحيث اعتبرها البعض من المفكرين كالروح بالنسبة للأمة، فبموتها تموت الأمة أيضاً. واللغة بهذه الأهمية والخطورة في الوجود القومي  واضحة وملموسة في اهتمامات معظم أبناء أمتنا، خاصة المفكرين والأدباء والمثقفين والسياسيين، وفي أفكارهم وفي أهداف جميع مؤسساتنا الاجتماعية والثقافية والدينية وحتى في الأنظمة الداخلية والمناهج السياسية لأحزابنا ومنظماتنا القومية، بحيث لا تخلوا صحيفة أو نشرة أو محاضرة أو ندوة أو حلقة دراسية من التأكيد على الأهمية الحاسمة لدور اللغة في الحفاظ على كياننا القومي. لا بل، لا ينتهي حديث بين أثنين أو أكثر من أبناء أمتنا سواء في مناسباتهم العامة أو الخاصة عن القومية إلا وأكدوا على أهمية اللغة في وجودنا القومي وضرورة صيانتها والمحافظة عليها من الضياع وذلك عن طريق تدريسها لأطفالنا وتعليم القراءة والكتابة بها. وعلى العموم فإن هذه التأكيدات المشددة على أهمية اللغة هي بحد ذاتها  ظاهرة إيجابية في مجتمعنا تنم عن حرص أبنائنا وقلقهم على مستقبل أمتهم. على أن الذي يهمنا في هذه المسألة هو التساؤل القائم على مدى إمكانية  ترجمة هذا الاهتمام والحرص والقلق على مستقبل لغتنا القومية إلى واقع ملموس وحقيقي وفعلي يساهم  في تحقيق ما يأملون من هذا الاهتمام ويزيل قلقهم من فقدان لغتهم. غير أنه من المؤسف له بأننا نلمس بأن هناك فرقاً كبيراً بين الطموح والأماني في الحفاظ على هذه اللغة  وبين الواقع والتطبيق في تعليم هذه اللغة،  فهذا البون أو الفرق هو نتيجة حتمية للواقع المأساوي من تشرد وعدم الاستقرار والمظالم والمذابح التي فرضت على أمتنا والتي حالت إلى تجريدهم من فرص تحقيق طموحاتهم وأمانيهم في حماية وصيانة لغتهم القومية عن طريق تدريسها لأطفالهم أو تأسيس مدارس ومعاهد لتعليم لغة الأمة، وهي الحالة التي سببت عجز أمتنا عن ترجمة طموحاتهم وأمانيهم في تدريس اللغة الى أطفالهم الى وقائع ملموسة ومثمرة خاصة في عصرنا الراهن حيث التحديات المميتة تهاجم أمتنا من جميع الجهات.
أمام هذه التحديات الخطيرة خاصة في بلدان المهجر، وتحديداً في أستراليا، برزت أبرشية كنيسة المشرق الآشورية في أستراليا برعاية نيافة المطربوليت مار ميليس زيا ونزلت على ساحة الصراع الثقافي واللغوي وبسلاح فعال تمثل في محاولات الحفاظ على لغتنا القومية وتعزيز مصادر الإنتماء إلى هذه الأمة من خلال تأسيس مؤسسات تربوية كالمدارس والكليات ومعاهد تعليم لغة الأم. هذا الأمر، أي تأسيس مدارس وكلية في بلد من بلدان المهجر يعد وبدون أدنى شك سابقة تاريخية في تاريخنا المعاصر وفريد من نوعها. وبنظرة بسيطة وسريعة إلى العوامل التي ساعدت على هذه المبادرة القومية في الحفاظ على لغتنا نرى بأنها تقوم على عاملين: ذاتي وموضوعي. فالعامل الذاتي، يتمثل في النشاط المحموم لرعية كنيسة المشرق وفي تواصل من دون كلل أو ملل لنيافة المطربوليت مار ميليس وأسقفه وكهنته وأعضاء اللجان الكنسية والخيرين من أبناء أمتنا في ألإستمرار في تحقيق الهدف المراد من تأسيس هذه المدارس والكلية والمعاهد اللغوية. أما العامل الموضوعي، فيتمثل في كون أستراليا بلد يقر قانونيا كدولة متكونة من ثقافات متعددة ومختلفة وبالتالي يفرض على الحكومة مساعدة المجموعات القومية واللغوية للحفاظ على لغتهم وتراثهم وكيانهم القومي أو اللغوي. لا بل هنا يتكامل ويتمازج العامل الذاتي مع العامل الموضوعي من خلال قدرة كنيسة المشرق خاصة المطربوليت مار ميليس زيا على فهم طبيعة المجتمع الأسترالي المتعدد الثقافات والقوانين التي تحكمها وعلى أستيعابها والإستفادة منها في بناء المزيد من المدارس الآشورية وتعميم الوعي اللغوي والقومي بين الأجيال خاصة المعاصرة، لا بل أيضا إستيعاب أبناء شعبنا الجدد المهجرين من أرض الوطن والعمل على إستمرار الحفاظ على مقوماتهم القومية من خلال زجهم في هذه المدارس القومية والدينية رغم تراكم الصعوبات المالية والإدارية على إدارة هذه المدارس.
لا أريد أن أدخل في تفاصيل أكثر في هذا العامل الذاتي لعله قد يفهمه البعض بأنه نوع من المجاملة والمدح لكنيستنا المشرقية ورجالاتها في أستراليا، ولكن للحقيقة أقول بأن ما أذكره هنا هو قليل القليل بحق الإنجاز الكبير في أستراليا بخصوص هذه المدارس التي اعتبرناها بحق وحقيقة بأنها سابقة تاريخية في المهجر... والأكثر من هذا، أرجو قبول فصاحتي بالقول: بأنه كان البعض، قليلا أو كثيرا من أبناء أمتنا لا يتفقون مع نيافة المطربوليت مار ميليس زيا بل يعارضونه في مسائل عدة، ولكن اليوم بعد هذه الإنجازات العظيمة وإنفتاحه على بقية أفرع كنيستنا المشرقية، خاصة الظاهر في المقابلات التي أجراها الإعلامي ولسن يونان مع نيافته، قد تغير رأيهم وأصبحوا من المؤيدين لنيافته، علنا أو ضمنا، وهذا دليل على صحة ما نقوله بخصوص هذه السابقة التاريخية في مجتمعنا في المهجر.
ولو حاولنا مقارنة هذه العوامل الذاتية والموضوعية الموجودة في أستراليا مع بلدان المهجر الأخرى، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوربية، نرى بأن العامل الذاتي متوفر والمتمثل في وجود أبرشيات لكنيسة المشرقية وعلى رأسها أساقفة نالوا شهادات عالية سواء في اللاهوت أو التاريخ أو غيرهما من الحقول العلمية، غير أنه مع الأسف الشديد لم يخطوا ولا خطوة واحدة في سياق بناء مدارس آشورية ومعاهد لغوية، كما هو الحال في أستراليا. فنحن نعرف بأن الكنيسة كانت ولا زالت هي المؤسسة الرائدة والراسخة في مجتمعنا في المهجر وكانت منذ قديم الزمان وحتى السنوات القليلة الماضية هي الرائدة في تدريس لغتنا القومية لا بل يمكن أعتبارها كطوق النجاة لإنفاذ هذه اللغة من الإنقراض.  وهذا الأمر، أي الحفاظ على لغتنا القومية من خلال بناء مدارس في بلدان المهجر، أمر يهمني جدا أنا وغيري من القوميين من أبناء أمتنا أكثر من أمر بناء كنائس جديدة والوعض عن التوراة وعن الحوت الذي بلع يونان وعن أساطير النبي داود، ولكن مع هذا فأن هذا الأمر القومي المهم جداً لي ولغيري لا يهز أو يزعزع إيماننا المسيحي وإحترامنا السامي لكنيستنا المشرقية ورجالاتها الأفاضل... نعم يهمي جدا أن يكون الأسقف ورعاً ومؤمناً وصادقا في إيمانه ولكن أيضا يهمني جداً أن يكون أداري بالدرجة الأولى، أو كما سبق وقلنا أن يكون (Managing Director or COE) في إدارته لكنيسته وأبناءها وتحقيق جانبها القومي المتمثل في لغة الكنيسة والأمة معا. فزوال الجانب القومي من كنيستنا هو في الحقيقة زوال الصفة المشرقية لكنيستنا كمؤسسة تاريخية وتراثية وبالتالي إنفصام الجسد عن الروح وحينذاك سيلجأ أبناء الأمة إلى البحث عن هذا الروح، أي الإيمان المسيحي، وسيجده سواء في جنوب أفريقيا أو في الفيلبين أو في الولايات المتحدة أو في أي بلد أوروبي مسيحي ولكن من المستحيل أن يجد لغته في هذه البلدان البعيدة عن أرض الأباء والأجداد.
 أما العامل الموضوعي، فمن المعروف بأنه تقريباً معظم البلدان الديموقراطية التي يتواجد شعبنا فيها لها برامج خاصة في مساعدة الأقليات من النواحي الثقافية والفنية وحتى الإجتماعية وأن كانت أقل "كرماً" من دولة أستراليا إلا أنه مع الأسف الشديد أما أسيئ أستخدام هذه المساعدات أو أستخدمت لأغراض أخرى لا تصب في مصلحة أبناء شعبنا في هذه البلدان أو عجز أو أختلف أو تخاصمون "زعماء" الأمة والكنيسة ودخلوا في متاهات عن كيفية الإستخدام والإنتفاع من هذه التخصيصات وبالتالي ذهبت أدراج الرياح.
من هنا وإنطلاقا مما ذكرناه، فأن نموذج أبرشية أستراليا ونيوزلنده في بناء المدارس الآشورية وكلية ومعاهد لتعليم لغة الأمة يجب أن يحتدى بها الأبرشيات الأخرى للكنيسة في المهجر، لا بل وأقترح على المجمع السنهدوسي لكنيسة المشرق القادم أن يقر قراراً يفرض على الأساقفة في المهجر أن يأخذوا مسألة بناء مدارس آشورية ومسيحية والإهتمام بلغة الأمة بنظر الأعتبار كوسيلة للخلاص أو التخفيف من التحديات التي تهدد مصير أمتنا وكنيستنا في المهجر.
وأخيراً، حتى أكون أكثر واقعياً وموضوعياً، أقول: صحيح هو أن إنحدار الخط البياني حاد وسريع نحو زوال لغتنا وإمحاء وجودنا القومي في المهجر وفق المعطيات الحالية والظروف المأساوية المحيطة بأبناء أمتنا ومن المؤكد بأن المؤسسات التربية من مدارس وكلية في إستراليا لا يمكن التصدي لها وتحويل مسار الخط البياني أو إيقافه عند حده والحيلولة دون إنقراض لغتنا وزوال وجودنا القومي، إلا أنه من جانب آخر أقول بأنه إذا كانت لغتنا القومية وفق المنظور المتوسط معرضة للزوال خلال عقدين أو ثلا ثة من الزمن فإن الموسسات التربوية لأمتنا في أستراليا ستكون عاملاً للتخفيف من حدة إنحدار الخط البياني وزخماً فاعلا ومطولا لفترة إنقراض لغتنا. وبعبارة أوضح، إذا كان من المحتمل أن تنقرض لغتنا القومية في المهجر خلال عقدين أو ثلاثة من الزمن، فأنه بوجود المدارس الآشورية في المهجر كأستراليا سيكون إحتمال إنقراض لغتنا خلال خمسة أو ستة عقود وربما أكثر. وإحتمال ظهور عوامل تساعد على إنقاذ أمتنا والوقوف مرة أخرى على قدميها خلال خمسة أو ستة عقود من الزمن يكون أكثر ممكنناً ومنطقياً من عقدين أو ثلاثة عقود. فالزمن الطويل قد يكون كفيلاً بإيجاد حل لمسألة إنقراض لغتنا في المهجر.
مرة أخرى هنا لا يسعنا إلا أن نرفع قبعاتنا وننحني أمام مثل هذه المبادرات والإنجازات القومية في أستراليا، ونرفع أبهامنا عالية ومشددة  تأييدا وتثميناً وإعجاباً لمثل هذه الإنجازات القومية في هذا الزمن الصعب والقاسي والمجدب بحق أمتنا.
 
============================================================





10
إلى أبناء امتي في أستراليا... مع التحيات
============================================================
أبرم شبيرا
زرت العديد من دول المهجر وألتقيت بالكثير من أبناء أمتي وبمؤسساتهم الدينية والقومية والسياسية ولكن زيارتي لهم في أستراليا ولمدة أسبوعين كان لها طعماً خاصاً ومتميزاً نابعاً من:
أولا: كونها زيارة أولى لهذا البلد الجميل.
ثانياً: إستجابة لدعوة إدارة المدارس الآشورية في سيدني التي هي برعاية نيافة مار ميليس زيا مطرابوليت أبرشيات أستراليا ونيوزلدا ولبنان للمشاركة في حفل إفتتاح المبنى الجديد  لكلية مار نرسي الآشورية. وقد كتبت موضوعاً عن الأهمية الإستراتيجية القومية في بلدان المهجر عن هذه الكلية ونشر في موقع عنكاوه الموقر:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?action=profile;area=showposts;sa=topics;u=1809
 
صرح كلية مار نرسي الآشورية في سدني
===================================
وثالثاً وجود أصدقاء كثر في أستراليا وبعضهم لم ألتقي بهم منذ أكثر من أربعة عقود وغيرهم أعرفهم منذ زمن طويل عبر وسائل التواصل الإجتماعي ولم ألتقي بهم شخصياً.
وما هي هذه السطور القليلة إلا إمتناني العظيم وشكري الكبير لكل أبناء أمتي الذين ألتقيت بهم وشاركتهم الكثير من الأفكار والأراء بحيث أغنت وبشكل مؤثر وفاعل تفكيري ومعتقداتي  ووسعت من مداركي، ولا أدري كيف أعبر عن هذا الإمتنان والشكر غير أن أكتب وأقول من كل أعماق قلبي:
•   شكراً للصديق العزيز والإعلامي المعروف ولسن يونان وزوجته الفاضلة على إستقبالي وضيافتهم لي طيلة فترة بقائي في سيدني وملبورن، لا بل على مصاحبتهما لي ومشاركتهما معي في كل لقاءاتي وزياراتي وسيبقى كرم ضيافتهم ديناً على أعناقي مدى الحياة ويصعب تسديده خلال السنوات المتبقية من عمري.
•   شكرا لنيافة المطرابوليت مار ميليس زيا ومن يقف معه من أشخاص أكفاء ومخلصين لهذه الأمة وكنيستها المشرقية على دعوتي للمشاركة في حفل إفتتاح كلية مار نرسي الآشورية الفخمة وشكرا لنيافته على إستقبالي في مقره ورحابة الصدر والفكر التي أبداها في اللقاء. فكثير من المرات كان يطلب نيافته مني أن أزور أستراليا واللقاء بأبناء أمتي وكنيستي هناك غير إنني كنت أنتظر مناسبة خاصة أو حدث إستثنائي لكي أقوم بهذه الزيارة ولم أجد غير مناسبة إفتتاح المبنى الجديد لكلية مار نرسي الآشورية إلا حدثاً تاريخياً يفرض واجبي القومي على المشاركة فيه وتلبية طلب مطراننا الحبيب.

مع نيافة المطربوليت بمعية الإعلامي المعروف ولسن يونان وعقيلته الفاضلة  أثناء الإفتتاح الرسمي للكلية
=====================================================================
•   لكنيستنا المشرقية بكل تفرعاتنا ورجالاتها مكانة خاصة في إيماني وتفكيري بإعتبارها المؤسسة التاريخية والتراثية والثقافية التي كانت عبر مراحل تاريخية طويلة وصعبة ومميتة طوق النجاة للحفاظ على ديمومة وإستمرارية مقومات هويتنا الكنسية والقومية من لغة وتاريخ وعادات وتقاليد. من هذا المنطلق أقول:  شكرا لنيافة مار يعقوب دانيل مطران أبرشية أستراليا ونيوزلندا للكنيسة الشرقية القديمة ولنيافة المطران مار أميل نونا راعي أبرشية الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في أستراليا ونيوزلندا على الحفاوة التي أبداهما أثناء أستقبالهما لي في مقرهما في سيدني ومناقشة الكثير من المواضيع التي تخص كنيستنا المشرقية ومجتمعنا في الوطن والمهجر.
 
مع المطرانين الجليلين مار يعقوب دانيال و مار أميل نونا
==========================================
أعيد وأكرر مرات ومرات ... الأمة التي ليس لديها أحزاب سياسية نشطة ومنظمات قومية فاعلة هي أمة تكون إرادتها القومية والسياسية مرهونة بإرادة الأمم الأخرى. فمن هذا المنطلق يستوجب علينا أن نضع هذه المسألة في قمة أوليات  عملنا القومي وأن نسعى دائما إلى تفهم هذه الأهمية وأن نتضامن معهم سواء أتفقنا أو إختلافنا معهم فهذه سنة الحياة ومصدراً أساسياً للتحضر والتقدم وأن نعمل ما يمكن عمله من أجل أن يوحدوا خطابهم القومي السياسي وأن يكونوا أحزاباً نشطة ومنظمات فاعلة حتى يستطعون أن يصونوا إرادة أمتنا حرة راسخة ومستقلة غير خاضعة لإرادة الأمم الأخرى.  فعلى هذا الأساس أقول:
•   شكراً للإتحاد الآشوري العالمي وتحديدا لنائب الرئيس والسكرتير العام لإستراليا ونيوزلندا اللذان لم يبخلا على وقتهما إلا ووفروا الكثير منهال لللقاء بهم مرتين في مكتب الإتحاد وإتاحة الفرصة للإجتماع بالسكرتير العام للإتحاد، عضو البرلمان الإيراني، والدخول في الكثير من المواضيع المهمة التي تخص أمتنا، لا بل شكراً على إتاحة الفرصة لي لعقد مقابلة إذاعية معهم في القسم الإذاعي الخاص بالإتحاد الآشوري العالمي. وشكرا أكثر فأكثر على تشريفي بميدالية نصب الشهيد الآشوري في سيدني.
 
من اليمين ديفيد ديفيد سكرتير الإتحاد، ولسن يونان، يوناثان بيت كوليات رئيس الإتحاد وعضو البرلمان الإيراني، أبرم شبيرا ثم هرمز شاهين نائب رئيس الإتحاد.
========================================================
وبهذا الخصوص كتب رابي هرمز شاهين نائب رئيس الإتحاد في صفحته على (Facebook) مايلي:
On Australia Day, January 26, 2018 the Secretary General of the Assyrian Universal Alliance (AUA), the Hon Yonathan Bet Kolia, who is currently on a short visit in Australia welcomed at the AUA -Australia Centre located at Wetherill Park the well-known Assyrian writer, Mr. Aprim Shapera, who is also on a short visit to Australia accompanied by Mr. Wilson Younan, head of the Assyrian program in SBS Radio. The guests were also welcomed by Mr. Hermiz Shahen, Deputy Secretary General of AUA; Mr. David M. David, Regional Secretary of AUA in Australia and New Zealand and president of the Assyrian Australian National Federation and Mr Simon Essavian , AUA Executive Board member and president of the Assyrian Charity and Education community. The meeting lasted more than two hours during which many issues concerning our Assyrian nation were discussed. The AUA Australia Chapter wishes our visitors a pleasant stay in Australia and success in accomplishing their efforts to serve our national interest.

==========================================



•   شكراً للحركة الديموقراطية الآشورية ولمسؤول قاطع أستراليا ونيوزلندا وبقية الأعضاء الأعزاء الذين أتاحوا الفرصة لي للقاء بهم مرتين في مكتب الحركة وتناول الكثير من المواضيع المهمة القومية والسياسية.

مع مسؤولي وأعضاء قاطع أستراليا ونيوزلندا في مقر الحركة في سيدني وإلى جانبي الصديق يترون القادم من الوطن

ونشر القاطع في موقع عنكاوه بخصوص هذا اللقاء  ما نصه:

الحركة تستقبل  الكاتب والناشط القومي الاستاذ أبرم شبيرا في سدني، استراليا.

استقبل قاطع سدني للحركة الديمقراطية الاشورية الكاتب والناشط القومي الاستاذ أبرم شبيرا القادم الى استراليا بتاريخ 18 من كانون الثاني، ٢٠١٨م  في مكتب الحركة في فيرفيلد، سدني ورافقه الإعلامي السيد ولسن يونان مدير إذاعة SBS اللغة الاشورية.
وكان في استقبال الوفد كل من السيد عمانوئيل سادة مسؤول قاطع سدني للحركة والسيد  جورج آدم  معاون مسؤول القاطع  والسيد سركون قليتا عضو هيئة القاطع والسيد هملر شليمون  اداري القاطع.
وناقش الطرفان عدد من القضايا التي تخص شعبنا الكلداني السرياني الاشوري في الوطن والمهجر ، ودور  المهجر في دعم قضيتنا القومية الاشورية في الوطن   وتفعيل دوره من جديد  لتدويل  قضيتنا  ببعديها الديني والانساني والقومي  في  المحافل الدولية.
وفي الختام تمنى وفد الحركة للسيد شبيرا زيارة موفقة وناجحة.
===================================================================
•   شكراً للكثير من أعضاء حزب بيت نهرين في سيدني للوقت الذي وفروها لي ومشاركتهم معي الأحاديث الشيقة وتبادل ولأفكار القومية والسياسية التي تهم أمتنا ووطننا، فلهم مكانة خاصة عندي تمتد لسنوات طويلة ملئها تبادل الأفكار والأراء حول قضايا قومية وسياسية..
 
وبهذا الخصوص نشر على مواقع التواصل الإجتماعي مايلي:
Bet Nahrain Democratic Party – Australia Branch, met with one of our distinguished writers, a nationalistic Assyrian, Rabi Aprim Shapera, who is visiting Australia for the first time from the United Arab Emirates. With him was our own distinguished Australian journalist Mr. Wilson Younan. We had a rewarding discussion about our national political issues. May our Lord bless you both and give you the health to continue to serve our Assyrian nation
===========================================================
وكيف نزور أستراليا ولا ألتقي بمنظماتنا الثقافية والإجتماعية التي تشكل البنية الإساسية التحتية لمجتمعنا في المهجر:
•   فشكرا عميقا ملئه التقدير والتثمين للجهود الكبير التي قام بها ملتقى سورايي الثقافي في ملبرون وبالأخص المسؤولين عن تولي إدارته على تنظيم لقاء فكري وثقافي مع أبناء أمتنا في مدينة ملبرون وشكرا لجميع الذين حضروا اللقاء وشاركوا معنا في إغناء مواضيع مهمة وحساسة ومنها مستقبل أمتنا الذي تمحور حول عنوان اللقاء (بعد خمسة ألاف سنة... هل ستموت هذه الأمة؟). وهو اللقاء ألذي سبقه قبل يوم لقاء آخر مع نخبة من مفكري ومثقفي أمتنا.
 
الأعلامي المعروف ولسن يونان يدير اللقاء مع حضور من المهتمين بالمسائل القومية وبمصير أمتنا
======================================================
وبعد بضعة أيام وتحديداً في 18/01/2017 تلى ذلك تنظيم ملتقى سورايي الثقافي لقاءاً فكرياً آخر في سيدني وتناول نفس الموضوع الحساس الذي أثار إنتباه وتعليقات ومداخلات الحضارين للقاء.. ونشر الملتقى تفصيلا عن هذا اللقاء بادءاً بـ:
الباحث السياسي أبرم شبيرا :
بالعمل والتخطيط للمدى القريب والمتوسط نجعل احفادنا يبنون للمدى الطويل للتفصيل عن الموضوع أنظر: http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=863595.0

 
جانب من الحضور لللقاء الفكري حول (بعد خمسة ألاف سنة ... هل ستموت هذه الأمة؟)
================================================
كرم ضيافة ولقاء بعض منظماتنا وتجمعاتنا الإجتماعية لم تكن قاصرة إطلاقا بل غمروني بالإحترام والتقدير والمحبة وحرارة اللقاء والمحبة والصداقة:
•   فالجمعية الآشورية الإسترالية كانت برئيسها وأعضاءها مثالاً رائعاً في التودد والمحبة والإحترام والتقدير فلهم كل الشكر والتقدير لما قدموا من كرم وتعامل رقي في الصداقة والإهتمام،كما وفروا  لي  فرصة عقد لقاء إذاعي في إذاعتهم (نينوى) والحديث عن الكثير من المواضيع المهمة والحساسة.
 
لقاء جامع مع رئيس وأعضاء الجمعية الآشورية الإسترالية
=========================================
•   أما المجموع المعروف بـ (Lunch Bunch ) فاللقاء بهم في النادي الثقافي الآشوري في سيدني كان له متعة خاصة ملئها الذكريات القديمة والمناقشات المثمرة فهلم كل محبتي وشكري على كرم ضيافتهم ومحبتهم وتقديرهم لي في هذا اللقاء وما بعده.
•   لقاء آخر إذاعي مع محطة SBS قام به الصديق المخضرم نينوس عمانؤئيل كان له مكان خاص في نفسي نابع من شكري وتقديري له ولجميع العاملين في هذه المحطة المهمة التي يبرع فيها أيضا الإعلامي ولسن يونان. وكتب الصديق نينوس بعض السطور عن هذا اللقاء وقال:
“The word (I have NO Time) does not exist in my dictionary. If you want to work for your nation, you can find time” This is what Assyrian writer and thinker Aprim Shapera told SBS. He is currently visiting Australia by invitation from HB Mar Meelis Zaia, to participate in the official opening of Mar Narsai Collage and to present two lectures in Melbourne and Sydney.

 
+الصورة التي نشرها الصديق نينوس في صحة اللقاء
================================================
•   وأنا أكتب هذه السطور كيف ولا أذكر أصدقائي القدماء الذين عاشرتهم منذ أيام النادي الثقافي الآشوري وإتحاد الأدباء والكتاب "الناطقين بالسريانية" وقبل أكثر من أربعين سنة وتبادلنا أحاديث الماضي وأيامه الصعبة والتحديات التي لم تحول دون أن نضع زخماً ولو بسيطاً في مسيرة هذا النادي التاريخي، فلهم كل حبي وتقديري لما وفروهم لي من ذكريات جعلتنا أن نرجع أيام شبابنا وأن نستلهم منها قوتنا للعمل المضني في هذا الزمن الظالم....
•    وهل أنسى أصدقائي الأعزاء الذين عاشوا وعملوا مع في دبي ... كلا وألف كلا... كنتم دوماً أصدقاء أعزاء جمعتنا أيام جميلة ملئها المحبة والإحترام والصداقة الغالية.
•   وأخيراً وليس آخرا ... كما بدأت بالشكر والإمتنان للإعلام المعروف الصديق العزيز ولسن يونان ولعقيلته الفاضلة كذلك أنهي هذه السطور بشكر أكبر وإمتنان أعظم لهما فلولاهما لما أكتملت سفرتي النموذجية إلى أستراليا ولولا مرافقة ولسن لي ومشاركته معي في جميع اللقاءات والإجتماعات لما كان يصيبها النجاح... فألف شكر لك يا ولسن وللعزيزة عقيلتك...
 
جانب من الضيافة العظيمة التي غمروني بها ولسن وعقيلته الفاضلة
==========================================
ولم يبقى هنا إلا أن أصرح بصراحة الأصدقاء والأحباب بأنني ترددت في كتابة هذه السطور وأمعنت فيها العديد من المرات بعد كتابتها خوفاً من الإنزلاق نحو المجاملة والمبالغة بعيدا عن الحقيقة والواقع. كما ترددت كثيرا حول ذكر الأسماء لعل قد تخونني الذاكرة وأنسى بعضهم فأكتفيت بما هو مذكور في الصور المرافقة لهذه السطور. ولكن مع هذا تذكرت بأن كل الذين ألتقيتهم في أستراليا هم أصدقاء أعزاء لا بل أبناء أمتي الأصلاء فإن أخطأت في هذه السطور فأرجو مسامحتي. 



 

 



ملتقى سورايي الثقافي في ملبرون   

11
المدارس الآشورية في أستراليا والأبعاد الإستراتيجية للوجود القومي في المهجر
===========================================
أبرم شبيرا
كلما أقرأ خبر عن المدارس الآشورية في إستراليا، وآخره خبر إكتمال المبنى الجديد لكلية مار نرسي الآشورية المسيحية في سدني والذي سيفتتح بتاريخ 21 كانون الثاني 2018وبكلفة قدرها 32 مليون دولار أسترالي، تتزاحم في رأسي العديد من الأسئلة المحيرة عن أسباب وراء نجاح هذه المشاريع التربوية القومية في إستراليا وليس في غيرها من دول المهجر. وحتى أقنع نفسي أحاول أن أجد إجابات إفتراضية قد تفي بالغرض. أفهل سبب هذا النجاح هو كرم الحكومة الإسترالية ومرونة قوانينها في راعية ثقافة شعوبها، وهي دولة متعدد الثقافات؟ ، أم هو وجود شخصيات قيادة ومؤسسات فاعلة، كأبرشية إستراليا لكنيسة المشرق الآشورية وراء هذا النجاح وإستمراره؟، أم هو قدرة هذه الشخصيات القيادية على فهم القوانين الإسترالية وإستيعابها بالشكل الذي يخدم هذه المشاريع التربوية القومية، في الوقت الذي نعرف بأنه تقريباً معظم الدول الديموقراطية الغربية التي هاجر إليها أبناء شعبنا لها قوانينها الخاصة في رعاية ودعم ثقافة أقلياتها وفيها ابرشيات لكنيستنا المشرقية يرعاها أكليريون من مطارنة وأساقفة وخوارنه وأكثرهم نالوا شهادات أكاديمية بعضها بمستوى الماجستير والدكتوراه في اللاهوت أو الفلسفة أو التاريخ ولكن عندما نقارن المشاريع التربوية واللغوية والثقافية لأبناء شعبنا في هذه الدول مع إستراليا نجد أن ميزان المقارنة يختل إختلالاً حاسماً لصالح أستراليا ليسجل لأبناء شعبنا سابقة تاريخية لم يشهدها تاريخ مجتمعاتنا في المهجر. من هنا فأن الواقع والحقيقة تلزمنا بأن تكون الإجابة على التساؤل أعلاه كامن في قدرة وحنكة الشخصيات القيادية لمجتمعنا في أستراليا وفي ريادة المؤسسة الكنسية النشطة المتمثلة في أبرشية أستراليا ونيوزلنده التي يرعاها غبطة المطربوليت مار ميلس زيا واللجان المختصة بهذا الشأن على فهم وإستيعاب القوانين الإسترالية والإستفادة منها لتأسيس مؤسسات تربوية وثقافية قومية وبشكل ينم عن العقلانية في العمل القومي الهادف إلى الحفاظ على كياننا القومي والكنسي في مجتمعات المهجر بعيدا عن الرومانسية والخيالية في العمل القومي. هنا في ختام هذه التوطئة أود الإشارة إلى سلوك بعض "القومانيين" الآشوريين الذين ينزلون كل لعنات السماء والأرض على رجال الكنيسة عندما يشيدون كنيسة جديدة في أحدى المدن على أساس أن بدل ذلك كان يتوجب عليهم بناء مؤسسات تربوية وثقافية تحافظ على كيان أمتنا في المهجر وليس المزيد من الأبنية الكنسية، ولكن ها هي أبرشية كنيسة المشرق في أستراليا قد بنت وتبني العديد من المؤسسات التربوية والثقافية من مدارس وكليات ولكن كم من هؤلاء "القومانيين" رفعوا أبهامهم ( ) أعجابا بهذه المشاريع التربوية القومية أن لم نقل كتبوا سطورا قليلة تشجيعاً لهذه الجهود النبيلة والمثمرة في خدمة ثقافة أمتنا في المهجر؟         

المدارس في أستراليا وخبر إفتتاح مبنى كلية مار نرسي الآشورية المسيحية ليس موضوع معالجة مباشرة في هذه السطور بل أخذته كمنطلق للإسترسال بجزء من الأفكار والأراء عن مجتمعنا في المهجر قاصداً منها إستكشاف بعض الأبعاد الإستراتيجية للوجود القومي وإيجاد السبل المتينة لتقويم وصيانة خصائصه القومية والتراثية في المجتمعات الصناعية السريعة التطور والتي تصلح تطبيقها في أي بلد من بلدان المهجر. ومن يريد من قرأءنا الأعزاء الإستزادة عن هذه المدارس عليه مشاهدة المقابلة التي أجراها الأعلامي المعروف ولسن يونان مع غبطة المتربوليت مار ميلس زيا على الرابط: https://www.facebook.com/SBSAssyrian/videos/1574489062641755/

وبالنسبة للأبعاد الإستراتيجية القومية للمدارس والمؤسسات التربوية والثقافية في أستراليا يمكن إستخلاصها في حقيقتين موضوعيتن:
الأولى: قومية: وهي حقيقة واقعية موضوعية ومأساوية مريرة في عين الوقت ولكن مطلوب كل الطلب إدراكها وإستيعابها وإستخلاص نتائجها ومن ثم الإنطلاق منها نحو الجدية في عملنا القومي. وتتجلى هذه الحقيقة في الطبيعة "الأقلوية" لمجتمعنا. فنحن، إينما كنًا، في أرض الوطن أم في بلدان المهجر، أقلية، وهي حقيقة مشرفة وموضوع إعتزاز لأنها تحصيل حاصل لاصرار وصمود أجدادنا العظماء من أجل الدفاع عن المبادئ والقيم والحفاظ على كيانهم القومي – الديني عبر سلسلة طويلة من الفواجع والمظالم التي فرضت عليهم في أرض الوطن. فقد أبدعوا إبداعاً قل نظيره في التاريخ البشري في تطبيق القاعدة المعروفة "حماية الذات ناموس الحياة" وبالتالي فالطبيعة الأقلوية لمجتمعنا هي نتاج تطوره التاريخي والسوسيولوجي لفترة تزيد عن خمسة وعشرين قرناً ووفق قانون الإنتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح (مع التحفظ للتفسيرات السلبية لهذا القانون)، وهو القانون الذي لا يزال يفرض أحكامه على أبناء مجتمعنا  والمتمثل في ظروف القهر السياسي والفكري التي تفرضها الأنظمة الديكتاتورية والتنظيمات المتطرفة عليهم في أرض الوطن وتهجيرهم إلى أقاصي العالم وإخضاعهم لمحنة الصراع من أجل البقاء في ظل نظام دولي جديد لم تحدد معالمه بعد.
من هذا المنطلق فالطبيعة الأقلوية لمجتمعنا هي تاريخية في أرض الوطن و"لجوئية" (من اللجوء) في المهجر، تعتمد على اللغة والتاريخ والأرض والعادات والأماني المشتركة لتحديد خصوصيته القومية في عملية الصراع من جل الوجود والبقاء. وإذا كان شعبنا أقلية قومية مقارنة مع الأكثرية العربية أو التركية أو الفارسية في أرض الوطن، فإنه من جهة أخرى أقلية قومية ودينية بين أقلية كردية مسلمة في شمال العراق أو في جنوب شرقي تركيا أو في شمال غربي إيران ضمن الإطار السياسي العام لهذه الدول. من هذا المنطلق تتضاعف وتتراكم التحديات القومية والدينية المصيرية وينعكس ذلك على أهمية مضاعفة وتشديد دعم وصمود نضال شعبنا في مناطقه التاريخية.
أما في المهجر، فإن الصفة اللجوئية للطبيعة الأقلوية لشعبنا تنبع من كونه أقلية لا دولتية (من الدولة) وكان منذ سقوط النظام السياسي الإمبراطوري عام 612 ق.م. ومن ثم في عام 539 ق.م. وحتى أيامنا هذه غير مرتبط بدولة أو بكيان سياسي قانوني خاص به يحكمه الأكثرية من أبناءهم. وهذا ما يجعلهم يختلفون إختلافاً  كبيراً عن الأقليات الأخرى الموجود في بعض البلدان المستقبلة للمهاجرين والتي هاجرت أوطانها لأسباب إقتصادية أو سياسية أو دينية حيث تبقى وتظل دولهم القومية مصدر تحديد هويتهم القومية مهما أختلفوا مع أنظمتها السياسية أو حكامها أو تنافروا مع الظروف الإقتصادية أو الفكرية أو الدينية السائدة في بلدانهم الأصلية. أما بالنسبة لشعبنا فالوضع يختلف كلياً مقارنة بالأقليات الصينية أو البولونية أو اليونانية أو العربية وحتى الأرمنية. فإندماج  وإنصهار مليون صيني أو يوناني أو أرمني أو عربي في المجتمعات الصناعية المتقدمة وهجر لغتهم وعاداتهم القومية وإحلال لغة وعادات الأكثرية المهيمنة لا يعني إطلاقاً إنقراض القومية أو اللغة الصينية أو البولونية أو العربية... فالمسألة بالنسبة لشعبنا شيء آخر. فإفتقارهم إلى كيان سياسي قانوني خاص بهم يؤطر حدود هويتهم القومية، قانونيا وسياسيا، ويحصن وجودهم القومي المتميز يجعل من مسألة إندماج وضياع بضعة مئات من أبناء شعبنا في المجتمعات الصناعية المتقدمة وفقدان لغتهم القومية وعاداتهم التراثية مسألة خطيرة. وحقيقة إفتقار شعبنا إلى كيان قومي مستقل تعرضه، وفق منظور إستراتيجي بعيد المدى إلى ظاهرة الإنصهار والضياع في المجتمعات الصناعية المتقدمة وتشكل نقطة أساسية مهمة تضع المؤسسات الآشورية في المهجر ويمختلف إتجاهاتهم السياسية والدينية أمام مسؤوليات جسيمة في ضرورة خلق البدائل الفعالة لتجديد وترسيخ المقومات القومية لشعبنا في هذه المجتمعات وقد يكون تأسيس مؤسسات تربوية وثقافية نقطة إنطلاق في هذه المسألة كما هو الحال في أستراليا.
ومن الضروري أن ندرك بأن الأهمية الإستراتيجية للمدارس والمؤسسات التربوية والثقافية في أستراليا لا تقتصر على الحفاظ على اللغة القومية ونشرها بين أبناء شعبنا هناك، وأن كان هذا من المهمات الصعبة على الأقل في المنظور البعيد، فإن لهذه المؤسسات أهمية على جوانب قومية أخرى تقوم على زرع روح الإنتماء إلى الجماعة وتعزيز والوعي القومي والتاريخي بين تلاميذ هذه المدارس.
فعندما نشاهد أطفال المدرسة الآشورية في أستراليا وهم يؤدون دورهم في نشاط فني وثقافي له دلالات تاريخية قومية، مثلما هو ظاهر في الصورة أعلاه، فلابد أن يترك ذلك أثراً في عقولهم ونفسيتهم ويتعزز وعيهم وإنتماؤهم القومي إلى هذه الأمة وهو الأمر المطلوب في حده الأدنى كسبيل للحفاظ على وجودنا القومي في هذا القرن.
الثانية، دولية: هناك حقيقة أخرى للأهمية الإستراتيجية لتأسيس المدارس ترتبط بطبيعة النظام الدولي المعاصر والسلوك السياسي والإقتصادي والثقافي للدول الصناعية المتقدمة والساعية نحو العالمية أو الإقليمية متجاوزة لحدود الدولة القومية وللوحدات القومية السياسية والإجتماعية والثقافية التقليدية. فالتطور الهائل في وسائل الإتصالات والمواصلات ونقل المعلومات أحدثت ثورة تكنولوجية هائلة لها أبعاد وأثار إجتماعية وثقافية خطيرة بحيث وصلت إلى درجة أعتبار العالم مجرد قرية صغيرة في هذا الكون ومن ثم الدعوة إلى الثقافة العالمية أو الدولة العالمية والمواطن العالمي متجاوزين بذلك الحدود الإقليمية والقيم والثقافات القومية للشعوب المتعددة. ومن الطبيعي أن تكون الثقافة والقيم السائدة في ظل هذه الدعوة هي ثقافة أو قيم الشعوب الرائدة أو المنتجة للثورة التكنولوجية، أي بعبارة أخرى ستكون ثقافات وقيم الشعوب الصناعية المتقدمة هي التي ستهيمن على هذا الكون. أما ثقافات وقيم الشعوب الأخرى غير المشتركة أو المساهمة في هذه الثورة التكنولوجية، أي الشعوب التي ستكون محل فعل وليس بفاعلين، فإن ثقافتهم ستصبح ضعيفة أو غير فاعلة في ظل العولمة ولا تقوى على مقاومة تيارات الثقافات العالمية المنبثقة من المجتمعات الصناعية المتقدمة. وهذا ما يثير مخاوف بعض الدول العربية والإسلامية من هذه الدعوة وتعلن الحرب المقدسة "الجهاد" ضد التطور التكنولوجي العالمي وضد العولمة.
وإذا كانت مخاوف هذه الشعوب التي كونت دولها القومية المستقلة وترسخت ثقافاتها تاريخياً مبررة بعض الشيء فكيف والحال مع الشعوب والأقليات اللا دولتية التي لم تؤسس بعد دولها القومية الخاصة بها وذات سيادة تحصنها من الغزو الثقافي ومن أمحاء وجودها القومي، أي بعبارة أوضح كيف والحال هذه مع أبناء شعبنا ونحن أقلية صغيرة مقارنة مع الأقليات الآخرى ونعيش في قلب هذه الثقافات ونتواصل ليل نهار الإغتراف منها عبر أجهزتها الأيديولوجية المؤثرة ونرسل أطفالنا وأولادنا إلى مدارسها وجامعاتها طلباً للعمل والمعرفة؟ وما هو مستقبل ثقافتنا ومقومات هويتنا القومية من لغة وعادات وتاريخ بعد سنوات أو عقود أو قرن من الزمن؟ وما هو موقعها وقدرتها على التفاعل وحجمها في ظل الصراعات الثقافية والفكرية والتي ستصبح محور الصراع الدولي في هذا العالم خلال هذا القرن.
للوهلة الأولى تبدو مثل هذه التساؤلات في الوقت الراهن نوعا من الفنتازيا الخيالية يعصب تصور آفاقها السلبية إلى هذه الدرجة. غير أن الواقع الثقافي والفكري والسياسي لمجتمعاتنا المنتشرة من أقصى العالم (أستراليا) إلى أقصاه الآخر (أميركا) تشكل نقطة صغير في بحيرات هائجة وشاسعة من الثقافات الفاعلة، مضافاً إليها خلافات عشائرية طائفية تحزبية  وأيضاْ قساوة الإنجرار اللاهث خلف ضروريات الحياة اليومية وما يصاحب ذلك من تراجعات في المجالات الثقافية والفكرية والسياسية كلها حقائق واقعية محسوسة وليست ضرباً من الخيال، تتيح لنا مشروعية التساؤل عن مصير أمتنا في هذه المجتمعات خلال هذا القرن.
وللإجابة على مثل هذه التساؤلات المصيرية لا يتم بالتصدي المباشر لسلبيات واقعنا في المهجر عبر حلول آنية سريعة الزوال وضعيفة التأثير بل بحلول ذات أبعاد إستراتيجية تتجاوز نتائجها زمننا الحاضر نحو آفاق مستقبلية. فالمتصدي أو المتعامل بشؤون هذه الأمة يدرك، أو من اللازم أن يدرك بأن الأمم والشعوب ليست كالأفراد، فهي تعيش مئات بل ألاف السنين وبالتالي فإن معالجة الوقائع السلبية في المجتمع تستلزم سنوات طويلة من العمل المضني وبذل المزيد من التضحيات المادية والمعنوية ومن جميع أفراد المجتمع والأسر والعشائر والطوائف وفي مقدمتها المنظمات الطليعية من أحزاب سياسية ومؤسات قومية وكنسية. وتأسيس المدارس الآشورية في إستراليا هي خطوة أولى في مسيرة مليون خطوة ولحظة زمن في حقبة تاريخية طويلة في هذا السياق.
ولكن قبل هذا وذاك يجب علينا أن ندرك طبيعة وجود مجتمعنا في بلدان المهجر. فمن خلال إستقراء واقع هذه المجتمعات يظهر بأنه على الرغم من الأجواء الديموقراطية والحرية المتاحة في جميع مناحي الحياة والدعم المالي الحكومي لأنشطة المجموعات الأثنية، فإنها لم تساهم في إنماء الوعي القومي بين أبناء شعبنا وتطويره نحو الواقعية في العمل القومي، بل دفعته نحو الرومانسية خاصة على مستوى السياسة والفكر. وعلى العكس من ذلك تماما، فجرياً على قاعدة الفعل ورد الفعل فأن سياسة الأنظمة الإستبدادية في أرض الوطن تجاه شعبنا ولدت رد فعل أنعكس قومياً وسياسياً وفكرياً وتجسد في عدد من التنظيمات القومية أتصفت بشكل عام بالواقعية في العمل القومي والمطالبة بالحقوق القومية وبالتالي حققت، رغم ظروف القهر السياسي والفكري، إنجازات قلما أستطاعت مؤسسات قومية، وفق سياقها الزمني والمكاني في بلدان المهجر من تحقيقها. فعلى المستوى الثقافي القومي كان النادي الثقافي الآشوري في بغداد وعلى المستوى السياسي كانت الحركة الديموقراطية الآشورية، نموذجان في هذا السياق. ولكن من الملاحظ بأن الميزة الأساسية التي تميز به العمل القومي في بلدان المهجر هو إبتعاده عن الواقعية في العمل السياسي ومن ثم الإنجرار نحو الرومانسية والخيالية، وهي الميزة التي تقارب مفهوم الإغتراب (ليس بالمفهوم الماركسي) عن الواقع المعايش وأساسها قائم على سوء تقدير في ترتيب جدول أوليات العمل القومي. فمعظم المنظمات والمؤسسات أو الأحزاب السياسية العاملة في المهجر ما تزال تأخذ من واقع موضوعي هو في الحقيقة غير واقعها السياسي والإقتصادي والقانوني والإجتماعي أساساً لوعيها ونشاطها، أي بعبارة أخرى، ما زالت هذه المنظمات يتغذى وعيها القومي والسياسي من مذابح بدرخان وجرائم سمكو وبكر صدقي ومن سجون ومشانق الأنظمة الإستبدادية في وطن الأم ومن معاناة شعب ووطن يبتعد عنهم مئات أو ألاف الأميال من دون أن تملك قدرة على تجاوز هذا الوعي التاريخي ومحاولة خلق مصادر أخرى للوعي القومي السياسي يستمد أساسه من الواقع  الحاضر في المهجر بكل تناقضاته العشائرية والطائفية والحزبية وحتى الإغترابية ويوجهه توجيهاً يتناغم مع الوعي التاريخي ويتعاضد مع نضال شعبنا في أرض الوطن. فلا تزال بعض المنظمات الآشورية، على الرغم من عجزها في إقناع الكلدان والسريان إقناعاً فكرياً ومنطقياً بوحدتنا القومية وبمصيرنا القومي المشترك، فإنها تناضل نضالا من أجل البحث عن الوطن الآشوري السليب وطرح الموضوع على المجتمع الدولي وبأسلوب يعكس جهلاً بأبسط مقومات لعبة المصالح السائدة في العلاقات الدولية. كما لا يزال الكثير من الآشوريين "القوميين جدا" يضربون إحتجاجاً في إحتجاج ويرفضون العراق أو "كردستان" تسميات لوطنهم آشور ولكن من دون أن يقرنوا هذا الرفض أو الإحتجاج اللفظي بأي فعل محسوس يتجاوز الخطاب السياسي الرومانسي ألى الواقع الموضوعي القادر على إقناع الغير.
وإذا كان هذا حقاً طبيعياً لا شك فيه إطلاقاً لكل واحد من أبناء شعبنا في عمله القومي ونابعاً في كثير من الأحيان من النوايا الطبيبة للكثير من الآشوريين ومن حرصهم تجاه مصير وطنهم الأم وقوميتهم، فإن الغرض من إثارته هنا هو التأكيد بأن عدم ممارسة هذا الحق وتجسيده في أنشطة وحقائق موضوعية يبقى مجرد حق يكفل تقادم الزمن بإبتلاعه من دون إثارة أي ردود فعل محسوسة وفعالة. فالأهداف القومية لا تتحقق بالنوايا الطيبة بل بالأفعال القيمة.
ولإعادة ترتيب جدول أوليات العمل القومي وإستبعاد الرومانسية وظاهرة الإغتراب من الأساليب السياسية ودفعها نحو الواقعية، يستلزم، بالإضافة إلى المساندة الفعلية لنضال أبناء امتنا ومؤسساتها الطليعية في وطن الأم، العمل على تعزيز الوجود القومي في المهجر وصيانة مقوماته القومية وإبرازها وجعل أمتنا أمة فعل لا أمة خطاب، وذلك عن طريق إستيعاب التطور السياسي والإقتصادي والثقافي وإستغلال الظروف الديموقراطية والحرية المتاحة في مجتمعات المهجر إستغلالا ذكياً ومنطقيا بما يتلاءم مع مصادر الوعي القومي التاريخي فيزيد ذلك من تعزيز مقومات وجودنا القومي في بلدان المهجر ويمكنه من الإحتفاظ بخصوصيته القومية ويتكامل أيضا مع التطورات الهائلة الحاصلة في هذه المجتمعات. فالبقاء كأقلية قومية متميزة ضمن الظروف الفكرية والسياسية السائدة في مجتمعات المهجر لا يكتب لها الإستمرار إلا إذا أستوعبت هذه الأقلية عوامل التطور وحاولت أن تجد لها مكاناً في الركب الحضاري السائر نحو العالمية. أي بعبارة الأخرى اللجوء إلى التكامل مع هذه المجتمعات وليس الأنصهار والضياع فيها. من هذا المنطق تأتي أهمية التنظيمات القومية والكنسية في تعزيز مقومات الأمة وذلك عن طريق تأسيس مؤسسات تربوية وثقافة وفكرية ووضع هذه المهمة في مقدمة جدول أولوياتها السياسية كبعد إستراتيجي لبقاء الأمة في بلدان المهجر ومن ثم دعم نضالها وصمودها في أرض الأباء والأجداد، فالمدارس والمؤسسات التربوية والثقافية في أستراليا نموذجاً ساطعاً وحياً في هذا السياق ولتكن مثالاً يهتدى بها بقية المؤسسات القومية والكنسية في بلدان المهجر.   

12
نظرة من ثقب الباب على:
المؤتمر الثالث لحزب المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري
-------------------------------------------
أبرم شبيرا
نقصد بـ "نظرة من ثقب الباب" شحة المعلومات ومحدودية توفرها وإضطرارنا للإعتماد على ما هو متوفر في وسائل الإعلام وغيرها من الوسائل غير المباشرة. وقبل الإنطلاق في الموضوع أود القول كما سبق وقلت ذلك تكرارا ومرارا عن الثوابت المبدئية فيما يخص أحزابنا السياسية:
1)- أن الأمة التي لا يوجد فيها أحزاب سياسية نشطة وفاعلة ومؤثرة وليس لها إستقلالية في قراراتها، هي أمة ستكون إرادتها خاضعة للأمم الأخرى.
2)- لا يمكن إطلاقا لأي حزب سياسي مهما كانت قوته السياسية أن يمثل ويحقق مصالح الأمة لوحده. بل يتطلب ذلك عددة معين ومعقول من الأحزاب السياسية يتناسب عددها مع حجم الأمة وإمكانياتها المختلفة وظروفها الجغرافية والديموغرافية.
إنطلاقاً من هذه الثوابت المبدئية يأتي كل ما نكتبه عن أحزابنا السياسية هو لمصلحتها لتكون أكثر فاعلية وتأثيراً ومحققة لمصالح الأمة خاصة ما نكتبه عن مؤتمراتها العامة وهذا ما فعلناه بعد إنعقاد المؤتمر الثامن للحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) – أنظر الرابط: http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=839121.0 وهذه السطور عن "حزب" المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (المجلس) تأتي ضمن هذا السياق بإعتبارهما، زوعا والمجلس أكبر التنظيمات السياسية في أمتنا.
في يوم الخميس المصادف 30/11/2017 أنعقد في بلدة ألقوش المؤتمر الثالث لـ "حزب" المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (المجلس) ومن خلال نظرتنا من ثقب الباب يمكن بيان مايلي:
 تأسس المجلس في عام 2007 وفي عام 2009 أنعقد المؤتمر الثاني للمجلس ومنذ تلك الفترة، أي ما يقارب تسعة سنوات، لم ينعقد أي مؤتمر أو كونفرانس للمجلس حتى أنعقاد المؤتمر الثالث في نهاية هذا العام 2017 مخالفاً بذلك نظامه الداخلي الذي كان ينص على إنعقاد المؤتمر كل أربعة سنوات. وإنطلاقاً من إهتمامنا المركزي بشؤون أمتنا وتحديداً بأحزابنا السياسية أقولها صراحة بأنني وقعت في حيرة شديدة من أمري في فهم حيثيات المؤتمر الثالث للمجلس. فالعجالة في اللحاق بالموعد المقرر لتسجيل الأحزاب السياسية العراقية لغرض خوض الإنتخابات البرلمانية والمحلية القادمة أربك المؤتمرون في كل شيء بحيث كانت كل مخرجات المؤتمر متناقضة أو ناقصة أو لا تتماشى مع أبسط متطلبات إنعقاد المؤتمر وزاد من هذا الأرباك والضياع أفتقار القائمين على شؤون المؤتمر إلى الكثير من مستلزمات وإجراءات إنعقاد المؤتمر أو تأسيس الحزب.
أنعقدالمؤتمر بمشاركة مندوب 342 تم إختيارهم للمشاركة وفق آليات حددها النظام الداخلي، حسب ما جاء في بيان "حزب" المجلس علماً بأن المؤتمر أنعقد ليوم واحد فقط ولا أدري كيفية يمكن مشاركة وإستيعاب هذا العدد الكبير من المندوبين في يوم واحد وإتاحة الفرصة ولو لعدد صغير منهم للمشاركة في مناقشات المؤتمر حتى ولو عمل المؤتمرون طوال الليل والنهار أي 24 ساعة، مما يدل على أنه كان هناك تحضيرات وصياغات مسبقة أستلزمها إضفاء الشرعية عليها من خلال عقد مؤتمر وحتى لو كان ليوم واحد. في الوقت الذي هو معروف بأن أي مؤتمر لأي حزب أو تنظيم سياسي يستلزمه أكثر من يوم واحد تجري خلالها تشكيل لجان مختصة في مختلف المجالات وتقديم تقاريرها لمناقشتها في المؤتمر وإتخاذ القرارات بشأنها ومن ثم درجها في منهاج الحزب أو النظام الداخلي. والحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) نموذج في هذا السياق بالنسبة لأحزابنا القومية. كما أن بيان المؤتمر أوقع نفسه في تناقض كبير عندما ذكر"جاء إنعقاد المؤتمر كإستحقاق حسب النظام الداخلي وتلبية للمتغيرات السريعة في الساحتين القومية والوطنية والحاجة الى كل الجهود والآراء للمشاركة في إتخاذ القرارات المناسبة"  في حين أن إستحقاق النظام الداخلي هو أربعة سنوات لإنعقاد المؤتمر وليس تسعة سنوات. وإذا كان هناك حاجة لتلبية المتغيرات السريعة على الساحتين القومية والوطنية كان من الممكن ان ينعقد كونفرانس أو إجتماع موسع للقيادة والكوادر أو الأعضاء المتقدمة لتلبية حاجة هذه المتغيرات وحتى إن كان الأمر متعلق بتعديل أو تغير في أسم الحزب أو التنظيم ومن دون إنعقاد مؤتمر مستعجل والدخول في متاهات لا تخدم المجلس.
المسألة الأكثر غرابة هي تحول المجلس إلى حزب. وتتجلى هذه الغرابة في:
أولا: في كون المجلس تكتل سياسي أو مظلة لمجموعة من الأحزاب الكلدانية السريانية الآشورية في العراق. ففي ظل هذا التحول ماذا سيكون مصير هذا التكل الحاوي على عدد من أحزاب ومنظمات شعبنا، فهل ستنصهر فيه أم تبقى محتفظة بإستقلاليتها؟ علماً بأن بعض الأحزاب التي كانت منضوية تحت هذه المظلة، وهي المنبر الديموقراطي الكلداني وحزب بيت نهرين الديموقراطي والحزب الوطني الآشوري، قد أنسحبت من المجلس قبل إنعقاد المؤتمر لأسباب معينة منها تصرف المجلس كفصيل سياسي مستقل والإنكفاء عن كونه مظلة للأحزاب المنضوية تحتها.
الثاني: المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري، وإن كان من حيث الشكل والتسمية ليس بحزب سياسي إلا أنه من حيث الممارسة السياسية هو حزب سياسي بكل معنى الكلمة حيث كان قد طرح قائمته الإنتخابية وشارك في إنتخابات البرلمانية والمحلية وفاز بعدد من المقاعد وهي الممارسة، أي محاولة الوصول للسلطة، التي تعطي له صفة كاملة في كونه حزب سياسي حسب المفهوم العلمي للحزب السياسي فجاء هذا المؤتمر ليكشف عن مضمونه السياسي الصرف. وقد سبق وأن فصلنا عن كون المجلس حزب سياسي في مقال سابق نشر في موقع عنكاوه الألكتروني، يمكن الإطلاع عليه على الرابط: http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=358303.0
هذا ناهيك على كون المجلس، هو أو قائمته الإنتخابية، مسجل ككيان سياسي في السنوات السابق لغرض المشاركة في الإنتخابات. لذا نرى بأنه لم يكن هناك أي داعي أو سبب يستوجب تحول المجلس إلى الحزب. لربما أعتقد قادته بضرورة تعديل أوضاع الكيانات السياسية للتلائم مع القانون الجديد رقم 36 لسنة 2015 الخاص بالأحزاب و التنظيمات السياسية. ولكن يظهر بأن القائمون على شؤون المؤتمر أو قادته لم يطلعوا على هذا القانون ويعملوا بموجبه حتى يدركوا عدم الحاجة لتحويل المجلس إلى حزب. فالقانون يخص الأحزاب أوالتنظيمات السياسية وليس حصراً بالأحزاب فقط بل أيضا يشمل التنظيمات السياسية. فالجهة الرسمية المسؤولة عن تسجيل الكيانات السياسية هي دائرة شؤون الأحزاب والتنظيمات السياسية التابعة للمفوضية العليا المستقلة للإنتخابات. ففي المادة (2) – أولاً  من القانون المذكور جاء في تعريف الحزب أو التنظيم السياسي: (هو مجموعة من المواطنين منظمة تحت أي مسمى على أساس مبادئ وأهداف وروى مشتركة تسعى للوصول إلى السلطة لتحقيق أهدافها بطرق ديمقراطية بما لا يتعارض مع أحكام الدستور والقوانين النافذة). فالقانون واضح فيما يخص أي مسمى للتنظيم السياسي فهناك تنظيمات سياسية مسجلة لدى الدائرة أعلاه وتحمل أسماء كحركة أو تجمع أو كتلة أو رابطة أو منظمة. إذن كان على قادة المؤتمر أن لا يتحول مجلسهم إلى حزب والأبقاء على نفس الأسم. ولربما كان هناك مواضيع أخرى ضمن النظام الداخلي للمجلس يستوجب ملائمتها مع القانون الجديد، ولكن ثقب الباب لا يتيح لنا فسحة كافة لمعرفة فيما إذا تم تناول هذه المواضيع أم لا.
هناك إشكالية أخرى محيرة ومربكة للغاية بعد إضافة تسمية الحزب على المجلس ليقرأ "حزب المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري". ففي هذه الحالة فالمنطق يفصح بأن هناك المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري ككيان قائم بذاته وله حزب ككيان آخر تابع له. والأنكى من كل هذا هو الإشارة إلى إنعقاد المؤتمر الثالث لحزب المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري، كما ورد في بيانه وكأن كان للحزب مؤتمرين سابقين، الأول والثاني ثم جاء إنعقاد المؤتمر الثالث للحزب، وهناك "خربطة" وإزدواجية أخرى عندما يذكر بأن "المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري يعقد مؤتمره الثالث. هنا لا ندري هل هو مؤتمر الحزب أم المجلس. كان الأجدر أن يكون المؤتمر الثالث للمجلس وأن يتقرر فيه تغيير الأسم مثلاً إلى الحزب الشعبي الكلداني السرياني الآشوري ويصدر البيان بأسم المجلس وليس بأسم الحزب ثم بعد ختام المؤتمر كان بالإمكان إصدار البيانات بأسم الحزب.
الإشكالية الأخرى تمثلت في شعار أو شعارات المؤتمر. فالمؤتمر أنعقد تحت شعار(ضمان حقوقنا القومية ووحدة شعبنا التاريخية في الوطن يسوده القانون والعدالة) ولم يكتفي بهذا الشعار بل أدرج 16 ستة عشر شعارات أخرى معتمدة وهي:
1-   قوتنا تكمن في توحيد الخطاب السياسي لشعبنا.
2-   نناضل من اجل : ارضنا ووجودنا وهويتنا.
3-   سيبقى شعبنا واحداً وموحداً بكل تسمياته.
4-   الحكم الذاتي هو الضمانة في مستقبل زاهر لشعبنا في وطنه.
5-   نتمسك بوحدة شعبنا القومية والجغرافية.
6-   تمثيل شعبنا في كافة المؤسسات التشريعية والتنفيذية في الحكومة الاتحادية واقليم كوردستان حق مشروع.
7-   نعمل على رفع التجاوزات على اراضينا وعقاراتنا.
8-   نعمل من اجل تمتين علاقاتنا وتواصلنا مع شعبنا في الوطن والمهجر وتقوية الاواصر مع ابناء الوطن.
9-   نعمل من اجل استحداث محافظة في سهل نينوى ترتقي مستقبلا الى اقليم حسب المادة 119 من الدستور العراقي.
10   - نعمل من اجل معالجة مشاكل الاراضي والعقارات المتجاوز عليها في المدن والقرى.
11   - نعمل على تثبيت الحقوق الشخصية لأبناء شعبنا في القوانين وفق مبادىء حقوق الانسان والعمل على معالجة القوانين المجحفة التي تتعارض مع الخصوصية الدينية.
12-   تفعيل المادة ( 35 ) من دستور اقليم كوردستان العراق لبناء مؤسسات الحكم الذاتي.
13-    وطن تتجسد فيه المواطنة السليمة والضمانات الدستورية والتشريعية دون تمييز او تمايز بين ابناءه.
14-    نطالب باطلاق عملية سياسية جامعة للكل , تحت خيمة الوطن الواحد.
15-    لتكن الكفاءات والخبرات وتقديم الافضل هي المعايير الحقيقية للتنافس على خدمة المواطن.
16-    الشراكة الحقيقية لشعبنا في الحكومتين (الاتحادية واقليم كوردستان) هو مطلبنا.

ومن خلال مطالعتنا لهذه الشعارات نرى بأنها مجرد حشو كلام إلى درجة لم يستطيع القائمون على شؤون المؤتمر من التفريق بين شعار المؤتمر والأهداف ووسائل تحقيقها وهي السياقات المعروفة في كل الأحزاب السياسية.

وإذا كان ما ورد أعلاه مجرد تناقضات و"خربطات" من حيث الشكل والتسمية والشعارات، فالأنكى من كل هذا هو التناقض الصارخ في مضمونه خاصة من حيث إنتخاب الهيئة الإستشارية والذي تلى ذلك إنتخاب هذه الهيئة للهيئة التنفيذية أو المكتب التنفيذي الذي يعتبر أعلى سلطة تنفيذية في الحزب. من بديهيات الحزب أن مؤتمره العام هو أعلى سلطة تشريعية في الحزب وهو الذي يقوم بإنتخاب الهيئة التنفيذية أو اللجنة المركزية. وبالنظر لكون عدد أعضاء اللجنة المركزية كبير بعض الشيء ويصعب إجتماع جميع أعضاءها للتعامل مع المسائل اليومية والمستجدة فتقوم هي الآخرى، أي اللجنة المركزية، بإنتخاب مكتب تنفيذ أو سياسي لتولي مسؤولية تنفيذية للتعامل مع هذه المسائل اليومية. ولكن يظهر بأن مؤتمر حزب المجلس قد قلب الأمور على عقبها، فكان الأصح أن يقوم أعضاء المؤتمر بإنتخاب السلطة التنفيذية العليا المتمثلة في المكتب التنفيذي وليس الهيئة الإستشارية التي من صلاحياتها فقط هي تقديم المشورة والإستشارات والدراسات لقيادة الحزب التنفيذية وليس إنتخابها. ومن الملاحظ بأن عدد أعضاء المكتب التنفيذي لحزب المجلس المنتخبون من قبل الهيئة الإستشارية يتكون من 9 أعضاء فهو أقرب إلى مضمون اللجنة المركزية لأن مثل هذا المكتب لا يتطلبه أكثر من 5 أعضاء يتولى كل عضو مهمة معينة لكي يكون نشاطه أكثر عملية وواقعية لمستجدات الواقع الذي يعمل الحزب فيه. وهنا أيضا يأتي ضعف أو قلة معلومات القائمين على المؤتمر من حيث المصطلحات (Terminology) ومضمونها، فالهيئة، على سبيل المثال هي جهة إدارية ولها هيكلية معينة متكونة من عدد قد يكون كبيراً بعض الشيء من أشخاص وليس بضعة أشخاص كما هو الحال مع الهيئة الإستشارية لحزب المجلس المتكون من بضعة أعضاء. والشيء الأخير الذي حيرني كثيرا وأربك كل ما نشره حزب المجلس هو صدوره خبر عاجل يقول: (قائمة بأسماء الفائزين الجدد في حزب المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري/ المؤتمر الثالث للحزب في القوش 30/11/2017):
  عاجل.. قائمة بأسماء الفائزين الجدد في حزب المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري/ المؤتمر الثالث للحزب في القوش 30/11/2017

عشتارتيفي كوم/
1- عزوان رزق الله 2- جميل زيتو 3- عدنان عوديشو مندو 4- اسطيفو حبش 5- رهوان يوحنا 6- رائد اسحق 7- حنا نعمو 8- رائدة أوراها 9- يلدا خوشابا 10- عصام عيسى 11- نينوس سياوش 12- سالم يونو 13- هالان هرمز 14- عبدالكريم بهنام 15- جميل إبراهيم 16- ضياء عبد الأحد 17- أمجد عبد الأحد عزيز. الإحتياط 18- إبراهيم يوسف 19- رفيقة إيليا 20- بنيامين ياقو 21- نجيب شليم.
في الحقيقة هذا أمر محير جداً، فما المقصود بأسماء الفائزين الجدد وعددهم 17 في حزب المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري مع 3 أحتياط؟ مع العلم بأنني على الأقل أعرف بعضهم هم أعضاء في المجلس منذ تأسيسه عام 2007. أفهل المقصود هو المكتب التنفيذي أم الهيئة الإستشارية؟ ولكن الأمر كما بين في أعلاه ليس كذلك. وقد يكون أمر حيرتي من هذا الخبر العاجل، أما بسب ضيق فتحة الباب ولم توفر لي المعلومات التفصيلة عن هؤلاء الأعضاء الجدد أو أن إستعجال المؤتمرين للتسابق مع زمن نهار واحد أربك أمورهم وأوقعهم في تناقضات ومتاهاة يصعب حلها وفق أبجديات العلوم السياسية في دراسة الأحزاب السياسية.
وأخير حتى أكون منصفاً بحق حزب المجلس، أشدد التأكيد على إصرار وصمود أعضاءه في إستمرار تبني التسمية الموحدة لجميع أبناء أمتنا المتمثلة في "الكلدان السريان الآشوريون" وإعتبارها مجرد طرح سياسي مرحلي، وليس تسمية قومية جديدة كما يعتقد البعض، طرح أو سبيل نحو المطالبة بحقوقنا القومية الشاملة لجميع أبناء شعبنا وإمكانية تحقيقها من دون تفرقة بين هذه التسمية المفردة أو تلك. ولنا أمل، رغم كل هذه التناقضات والإشكاليات، أن يكون حزب المجلس متماشياً مع الثوابت المبدئية التي ذكرناها في المقدمة في أن يكون من الأحزاب السياسية النشطة والفاعلة والمؤثرة وأن تكون له إستقلالية في قراراته حتى لا تكون إرادة أمتنا خاضعة للأمم الأخرى.



13
الإستفتاء الكوردستاني:

جهل سياسي أم مغامرة سياسية ؟؟؟
---------------------------------------
أبرم شبيرا
لا شك فيه إطلاقا بأن للكورد كل الحق في تقرير مصيرهم القومي وبناء دولتهم الخاصة بهم وفق المعطيات التاريخية والنضالية والجغرافية والديموغرافية والقانونية، وهو الحق الذي يظهر بأنه تشرعن شعبياً بإجراء الإستفتاء ونجاحه بنسبة تزيد عن 92%. ولكن مثل هذا الحق في تقرير المصير المبني على موافقة الأغلبية الساحقة والمعطيات المذكورة يبقى مجرد مبدأ مطلق ما لم يتم نقله وتطبيق نتائجه المتمثلة في إستقلال الإقليم وإنفصاله عن العراق إلى الواقع العملي والفعلي ومن خلال المماسة السياسية الفعلية على أرض الواقع. أي بعبارة أخرى، نقل هذا الحق من عالم القانون إلى ممارسة نتائجه في عالم السياسة. فالعبرة إذن ليست في مضمون وشرعية مبدأ حق تقرير المصير بل كل العبرة هي في نتائجه المتحققة من ممارسة هذا الحق من حيث نجاحه أو فشله.  فواقع الحال يقول وبكل وضوح بأن الإستفتاء الكوردستاني قد فشل ومن جميع الجوانب، لا بل يمكن القول أيضا بأنه أضر الشعب الكوردستاني كثيراً وأهتز نظامه السياسي في الإقليم سواء من حيث مكانته السياسية، خاصة قادة حكومة الإقليم وأحزابه السياسية. حيث فقد الإقليم الكثير من الإمتيازات الأمنية والإقتصادية والإجتماعية والسياسية التي كان يتمتع بها قبل الإستفتاء.
من البديهي القول بأن فشل أي إجراء سياسي أو حركة سياسية أو عسكرية لا بد أن يكون هناك خطأ أو أخطاء في حسابات وتقديرات القادة لمختلف الظروف السائدة والمحيطة بالوضع. وعندما يكون هناك خطاً في الحسابات والتقديرات فلابد أن يكون هناك جهلاً أو عدم الإلمام الكافي بهذه الظروف وبتقدير النتائج. ولكن أيضا هو من البديهي جداً والطبيعي جداً أن يكون للقادة وصانعي القرار عدد معين من المستشاريين والخبراء في شؤون المسألة والظروف المحيطة بالوضع المعني بالممارسة السياسية، أي الإستفتاء موضوع هذه السطور. فمن المؤكد بأن قادة إقليم كوردستان وصانعي القرار كان لهم عدد معين من المستشاريين والخبراء في المسائل السياسية والقانونية خاصة المتعلقة بالإستفتاء وبفهم مبدأ حق تقرير المصير وإمكانية ممارسته وضمان نتائجه المرجوة من الإستفتاء. وعندما تفشل الممارسة السياسية، كالإستفتاء الكوردستاني من خلال نتائجه السلبية على الإقليم والكورد وبقية القوميات والإديان فمعنى هذا بأنه كان هناك جهلاً سياسياً وحسابات وتقديرات خاطئة للمستشاريين والخبراء المحيطين برئيس الإقليم وصانعي قرار الإستفتاء وهم يتحملون المسؤولية الفعلية الكاملة قبل أن يتحملها رئيس الإقليم وصانعي القرار في الإقليم. ولا نستبعد إطلاقاً أن يكون، على سبيل المثال لا الحصر، السيد كفاح محمود المستشار السياسي لرئيس الإقليم سابقا محلل سياسي حاليا كما يكن نفسه بهذه الصفحة، أن يكون بجهله للظروف المحيطة بموضوع الإستفتاء وخطأ تقديراته لنتائجها مسؤولا مباشرة في فشل الإستفتاء وما ترتب على هذا الفشل من نتائج سلبية مؤثرة على الأقليم وشعبه. ويتجلى مثل هذا الفشل في التبريرات الهزيلة وغير المقنعة لهذا الفشل على شاشات بعض القنوات الفضائية لدرجة أصبح حاله كحال ممثل كوميدي فاشل. فبعد أن كان يظهر على بعض شاشات القنوات الفضائية بصفة مستشار سياسي لرئيس الإقليم ويلجأ إلى كل التبريرات والحج في حق الكورد في ممارسة مبدأ حق تقرير المصير وقيامه بإظهار أسس لشرعنة الإستفتاء،  نرى بعد فشل الإستفتاء وإنسحاب قوات البيشمركة من المناطق التي أحتلتها بعد 2014 يتغير لونه وصفته على نفس شاشات القنوات الفضائية فيصبح "محلل سياسي" بدلا من مستشار لرئيس الإقليم كوسيلة ليتهرب من مسؤولية للتبريرات السابقة.  والأنكى من كل هذا وذاك، يضيف السيد كفاح تبرير فشل إرشاداته وخبراته لقادة الإقليم فيما يخص الإستفتاء إلى تبريرات أخرى يحاول أظهار بطولات عنترية في حماية أبناء شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" وقراه ومن خلال التهجم عليهم وبشكل ينم عن إنسان محصور في زاوية ضيفة ومحرجة يلجأ بعد أن أعلن إفلاسه السياسي والفكري إلى إستخدام أوطئ التعابير والأساليب للتهجم على شعبنا وعلى ممثليه في البرلمان العراقي، في الوقت الذي هو معروف لجميع العراقيين وأولهم الكورد الشرفاء بأن إنسحاب قوات البيشمركة وتجريد العناصر المسلحة من أبناء شعبنا في مناطقهم في سهل نينوى فسح المجال لداعش الإجرامي لإحتلالها، وهي مسائل لا يستوجبها الكثير من التفصيل غير أن نذكر حادث مماثل وهو إنسحاب قوات البيشمركة وبسهول من المناطق التي أحتلتها بعد عام 2014 ومنها مناطق شعبنا في سهل نينوى وتركها لقوات الحشد الشعبي من دون اية مقاومة. 
يذكرني تبريرات فشل السيد كفاح محمود بأحدى القصص المشابه للقصص الواردة في كتاب كلية ودمنه. قيل بأن الثعلب أحتج لدى الأسد ملك الغابة وقال بأنه راقص بارع ويعمل حركات بهلوانية أكثر مما يعمله القرد. فأعطى ملك الغابة الفرصة له ليقوم بالرقص وبالحركات البهلوانية. غير أنه بمجرد أن بدأ الثعلب بمحاولة الرقص وعمل حركات بهلوانية ألتف ذيله الطويل حول رجليه فانهار وسقط على الأرض وأصبح موضوع سخرية وضحك من قبل بقية الحيوانات. غير أن الثعلب نهض مرة أخرى وقال أنا فعلاً أعظم راقص بين كل الحيوانات ومنها القرد ولكن ما العمل فأن الأرض غير مستوية وغير صالحة للرقص لهذا السبب سقطت على الأرض. ألله يكون في عون شعبنا الكوردي من خبرات وإرشادات مثل هؤلاء المستشاريين والمحللين السياسيين.
من خلال النتائج السلبية التي ترتبت على الإستفتاء أجزم في القول بأن الإستفتاء الكوردستاني كان مبنياً على جهل أو تجاهل سياسي فيما يخص الظروف والعوامل المحيطة بالإقليم وفي كيفية فهم مبدأ حق تقرير المصير ووسائل تطبيقه، فهو، أي الإستفتاء لا يعدو أن يكون إلا مغامرة سياسية.  وإذا كان المستشاريون لصانعي القرار في الإقليم والمحللون السياسيون على شاشات القنوات الفضائية، امثال محللنا السياسي العبقري كفاح محمود  يجهلون هذه الظروف والفهم لمبدأ حق تقرير المصير وأساليب تطبيقه، فإننا من موقعنا المتواضع ومن معلوماتنا البسيطة نعلمهم بما يلي:
1–  بالأساس أن ظهور مبدأ حق تقرير المصير كان في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وكان يخص الشعوب الخاضعة للإستعمار، خاصة في أفريقيا وأسيا، ويوفر لهم الغطاء القانوني الدولي لحركتهم التحريرية. وأشهرها إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر عام 1960 والخاص بمنح البلدان والشعوب المستعمرة إستقلالها. ولكن بعد تحرر هذه الشعوب وإستقلال أوطانهم تغير مفهوم حق تقرير المصير ولم يعد بالضرورة والحتم قيام كيانات سياسية من خلال إنفصال إقليم عن الدولة التي أكتمل سيادتها وأستقرت وأعترف بها المجتع الدولي.  وهذا ما أكدته معظم المؤتمرات الدولية والمواثيق المعتمدة في هذا المجال. فهناك تقريباً إجماع في رأي فقهاء القانون الدولي الذي يؤكد بأنه لا يجوز تطبيق هذا المبدأ إلا بعد أن تؤخد بنظر الإعتبار الظروف الجغرافية والإقتصادية والتاريخية للدولة المعنية، وأنه يجب أن يقتصر على مبدأ حق الأمم في الحكم الذاتي ضمن إطار من الفيدرالية أو أي شكل لا مركزي آخر ومن دون الإنفصال الكامل. ويبرر فقهاء هذا الإتجاه قولهم بأن جعل هذا المبدأ حقاً عاماً مطلقاً من دون أخذ الإعتبارات المذكورة أعلاه لن يعني سوى خلق فوضى وإضطراب في العلاقات الدولية. وهذا ما أكده المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان لعام 1993 المنعقد في فينا – النمسا والذي يعتبر من أشهر المؤتمرات في هذا السياق. حيث أكد المؤتمرون في بيانهم بأن حق تقرير المصير يجب أن لا يفسر أو يؤول بأنه تخويل أو تشجيع لأي إجراء أو فعل يمزق أو يضعف كليا أو جزئياً سلامة الأراضي ووحدة السيادة للدولة المستقلة. من هذا المنطق نتساءل، هل أخذت القيادة الكوردستانية ومستشارييها الظروف الجغرافية والسياسية والإقتصادية والتاريخية المحيطة بالإقليم بنظر الإعبتار قبل القيام بالإستفتاء؟ الجواب قائم من خلال المواقف السلبية للدول الجوار من الإستفتاء والتي كانت سبباً رئيسياً في فشل تحقيق الإستفتاء نتائجه.
2- ممارسة حق تقرير المصير من خلال الإستفتاء من قبل إقليم أو مجموعة سكانية معينة ضمن الدولة الواحدة له شكلان:
الأول: عندما يجري الإستفتاء بموافقة معظم الأطراف من الحكومة المركزية والأحزاب السياسية النافذة والقوى السياسية والمدنية والمنظمات الدولية حينذاك ستكون نتائج الإستفتاء سواء أكانت سلباً أو إيجاباً مقبولة وملزمة للجميع ومن ثم تبدأ الإجراءات العملية الخاصة سواء بمنح الحكم الذاتي أو الإنفصال عن الدولة فيما إذا كانت نتيجته إيجابية، أو وضعه على الرفوف العالية فيما إذا كانت نتائجه سلبية. والإستفتاء الإسكوتلندي في الممكلة المتحدة ومقاطعة كيوبك في كنداً نموذجان في هذا السياق حيث جرى الإستفتاءان بموافقة الحكومتان البريطانية والكندية والقوى السياسية الفاعلة ورغم نتائجهما السلبية في رفض الإنفصال عن الدوليتن فأن هذه النتيجة كانت مقبولة وملزمة للطرفين. وعلى الجانب الآخر نرى بأن الإستفتاء الذي جرى في تيمور الشرقية كان بموافقة جميع الأطراف الإقليمية والدولية وبإشراف دولي وبالتالي أحترمت نتيجته في إستقلال تيمور الشرقية عن إندونيسيا. 
الثاني: عندما يجري الإستفتاء من طرف واحد طالباً سواء بالحكم الذاتي أو الإستقلال عن الدولة ومن دون موافقة الحكومة المركزية وأكثرية الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وأيضا موافقة أكثرية دول العالم المعنية، عندذاك تكون نتائجه سواء  أكانت سلبية أم الإيجابية، حتى لو كانت نسبته الإيجابية 100% ستكون في هذه الحالة غير مقبولة ومرفوضة من الحكومة المركزية ودول الجوار وبقية الجهات المعنية بموضوع الإستفتاء ويعتبر بنظرهم كمحاولة إنفصال ومؤامرة وتمرد وبالتالي سيسبب ذلك نوع من التوتر وعدم الإستقرار وربما التدخل العسكري لأعادة الأمور إلى مجاريها الطبيعية. والإستفتاء الكوردستاني وإقليم كاتلونيا في إسبانيا نموذجان في هذا السياق.
3- هناك أمر آخر يستوجب توضيحه ومتعلق بما ذكرنا في (2) أعلاه وهو النسبة المؤية المؤيدة للإستفتاء. ففي حالة كون هناك موافقة إجماعية من الحكومة المركزية وأكثرية الأحزاب السياسية الفاعلة في الدولة والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الشعوب، ستكون أية نسبة للإستفتاء  مأخوذة بنسبة عدد المقترعين أو عدد سكان الإقليم أو المجموعة المشمولة بالإستفتاء في الإقليم  صحيحة ومقبولة وملزمة للجميع وبالتالي يكتسب الإستفتاء شرعية كاملة. أما الإستفتاء الذي يجري من طرف واحد ومن دون موافقة الحكومة المركزية وأكثرية الأحزاب السياسية والمنظمات الدولية كما ذكرناه في الحالة الثانية من (2) أعلاه، فأن الإستفتاء مهما كانت نسبته ستكون غير صحيحة لأنها لم تأخذ بنظر الإعتبار مجموع سكان الدولة. فالإستفتاء الكوردستاني للإستقلال  الذي كانت نسبته أكثر من 92% هي نسبة مأخوذة بنسبة المقترعين في الإقليم أو بنسبة عدد سكان الإقليم فتكون في هذه الحالة نسبة غير صحيحة وغير مقبولة وملزمة لأن مجموع شعب العراق كدولة واحدة الرافض بأغلبيته لهذا الإستفتاء، لم يأخذ بنظر الإعتبار وبالتالي سوف يفتقر مثل هذا الإستفتاء إلى الشرعية القانونية المطلوبة وبالتالي ستكون نتائجه وخيمة على الإقليم وشعبه في حالة إصرار قادة على اجراء الإستفتاء.
4 – جميع الإستفتاءات التي جرت في العالم وتحققت نتائجها الإيجابية خاصة فيما يتعلق بإستقلال إقليم من أقاليم دولة معينة وإنفصاله عنها كان لها غطاء شرعي إقليمي ودولي وكان يجري الإستفتاء تحت إشراف ومراقبة المنظمات الدولية خاصة الأمم المتحدة، كما كان الحال مع تيمور الشرقية وجنوب السودان لأن مثل هذه الإشراف الذي يعني قبول نتائج الإستفتاء دوليا سيكون مفتاحاً لقبول الإقليم المستقل بصيغة دولة جديدة في المجتمع الدولي وفي المنظمات الدولية ومنها الأمم المتحدة. أين كان مستشاريون رئيس الإقليم وصانعو القرار، وعلى رأسهم كفاح محمود من هذا الأمر؟ ليس من المعقول أن لا يكونوا على علم ودراية عن أهمية وجود إشراف دولي وموافقة مبدئية على الإستفتاء وقبول نتائجه وإلا فالاصرار على إجراء الإستفتاء من دون أخذ ما ورد أعلاه ماهو إلا مغامرة سياسية، لا بالأحرى هو جهل سياسي مطبق. فخوض مغامرة  حول مسألة معينة قد تكون نتائجها إيجابية أو سلبية في حال كون العوامل الإيجابية والسلبية متقاربة، كأن نقول مثلاُ بأن إيران وعدد معينة من دول العالم كانت  موافقة على إجراء الإستفتاء الكوردستاني في حين كانت تركيا والعراق وأكثرية دول العالم خاصة الكبيرة كالولايات المتحدة الأمريكية ودول الإتحاد الأوروبي رافضة لإجراء الإستفتاء أو متحفظة عليه حينذاك يمكن الحديث عن كون الإستفتاء مغامرة سياسية قد تكون لها نتائج سلبية وإيجابية أيضا. أما أن تكون جميع دول الإقليم والعالم والمنظمات الدولية رافضة للإستفتاء فأن الأمر يتحول إلى جهل سياسي مطبق تكون نتائجه برمتها سلبية ووخيمة على الإقليم وشعبه. والجهل ليس بعدم معرفة الأمور والظروف السياسية المؤثرة بل أخطره هو عندما يغطي التعصب والتعالي والتكبر على الأمور والظروف السياسية وتصبح غير مرئية أو مدركة.
5- لا شك فيه بأن الكثير من سياسيي الكورد وخاصة قادتهم وأحزابهم والمستشاريين هم على دراية كافة من الموقف السياسي للولايات المتحدة الأمريكية تجاه المسألة الكوردية وذلك بسبب العلاقة السياسية التاريخية بين الأثنين. ولكن يظهر من خلال الإستفتاء وموقف الولايات المتحدة منه، أما تم تجاهل هذا الموقف أو هم بالأصل جهلة عنه. فمن المعروف بأن الولايات المتحدة كأي دولة عظمى تتحد مواقفها تجاه الدول الأخرى والحركات السياسية وفقا لمصالحها القومية. ومثل هذا الموقف نجده في علاقتها مع المسألة الكوردية. فهي دعمت وساعدت الكورد وحركتهم القومية طالما كانت هذه الحركة قادرة على إزعاج  وإرباك دول الجوار المتنافرة أو المتخاصمة مع الولايات المتحدة والتأثير على إستقرارها وأمنها. على العكس من هذا، تسحب دعمها ومساندها للحركة الكوردية عندما تبدأ مصالح ولايات المتحدة بالتقارب وإنسجامها مع إستقرار وأمن دول الجوار. وهذا ما حدث طيلة فترة الحركة الكوردية حتى عام 1974 ومن ثم طيلة بداية التسعينيات حتى قبل وبعد إجراء الإستفتاء الكوردستاني. وهو نفس الأسلوب الذي سينطبق على مساعدتها حتى بالأسحلة الثقيلة للكورد في سوريا والآن بعد ظهور بوادر تقهقر داعش  وترضية تركيا وروسيا ضمن مساومات محتملة تفرض على الولايات المتحدة سحب الدعم الأمريكي للكورد وترك مصيرهم لتركيا والنظام السوري كما حدث للكورد في العراق.
وأخيرا وتجنب للإطالة نؤكد القول بأن جزء من المصير الذي أل إليه الإستفتاء ونتائجه الوخيمة يتحملها بعض المستشارين لرئيس الإقليم وصانعي قرار الإستفتاء وفي مقدمتهم السيد كفاح محمود الذي يحاول التهرب من هذه المسؤولية ليس من خلال التخلي عن كنيته كمستشار سياسي لرئيس الإقليم وتحوله إلى "محلل سياسي" بل أيضا من خلال عنترياته على شعبنا المسالم ومحاولته في البحث عن هدف يفرغ عليه فشله وتصريحاته السابقة حول الإستفتاء.. أنه من المؤسف له أن تصل القيادة الكوردية إلى مستوى الإعتماد على كذا شخص متملق الذي كان بالأمس القريب يغرد مع سرب النظام البعثي الغاشم وعبر مجلة أفاق عربية، وليس مستبعدا أن يستمر تغريدته مع أي نظام سياسي غاشم. أنه من المؤسف أكثر أن يكون شعبنا المسيحي الكلدان السريان الآشوريين ضحية لكذا أشخاص وموضع إستغلال من قبل بعض الشخصيات الكوردية البارزة وزوعماء العشائر الذين كانوا أيضا بالأمس القريب جحوش لنظام البعث واليوم يتلذلون بالإمتيازات التي وفرتها لهم الظروف السياسية في الإقليم من سلب أرضي وقرى شعبنا وتهميش وجودنا التاريخي التي أصبحت كلها عوامل تجعل من شعبنا المسيحي أن يفقد الثقة بالقيادة الكوردية وأحزابهم السياسية تلك الثقة التي بناها شعبنا بدمائه الزكية التي بذلها في سبيل الحركة القومية الكوردية.   

14
إنبعاث الآشوريين -  The Rebirth of the Assyrians
مقارنة بين النبؤة التوراتية والحقيقة الواقعية
--------------------------
أبرم شبيرا

تعتبر البروتستانتية، بكل كنائسها وتفرعاتها ورئاستها المتعددة والمنتشرة في العالم  من أكثر الكنائس إهتماماً بالمسائل القومية ونهضة الأمم والشعوب. فمنذ نشؤوها في أوروبا في القرون الوسطى تزامنت أو دعمت أو أرتبطت بالنهضة القومية والتجدد والحداثة في أوروبا وبالفكر القومي والمبادئ الأساسية المرتبطة به. وليس غريباً ان تكون الوحدة الألمانية في القرن التاسع عشر نموذجاً للوحدة القومية ومصدراً كلاسيكياً للفكر القومي وللحركات القومية الأخرى. ولهذه الكنائس أيضاً دوراً في تاريخ الآشوريين المعاصر. فعلى الرغم من الجانب السلبي والمؤثر الذي تركه مبشروا الكنائس البروتستانتية على وحدة كنيسة المشرق وإزدياد تمزقها إلى طوائف مذهبية، فإن لهؤلاء المبشرين دوراً إيجابياً على المستويين الثقافي والقومي. فعندما وصلوا إلى المناطق التاريخية للآشوريين في شمال غربي إيران وجنوب شرقي تركيا في القرن التاسع عشر بدأوا، وكأسلوب من أساليبهم التبشيرية، بنشر الثقافة القومية بين الآشوريين وأهتموا إهتماماً كبيرا بموضوع اللغة وطبع الكتب والمجلات وترجمة الكتاب المقدس إلى لغتهم القومية وفتح بعض المدارس ويرجع الفضل إليهم في التطور الكبير الذي حصل في الثقافة والأدب واللغة وتخريج مثقفين وكتاب وشعراء برزوا على الساحة القومية الآشورية.

من الضروري الإشارة هنا إلى ظاهرة فريدة في هذا المذهب الذي أنتشر بين الآشوريين وتأسست كنائس خاصة بهم، هي أنهم رغم تركهم لكنيسة المشرق وإنتماءهم إلى الكنائس البروتستانتية إلا أنهم لم يتركوا مصدر إنتمائهم القومي الآشوري بل كانت كنيستهم كنيسة قومية حالهم كحال جميع الكنائس البروتستانتية التي هي قومية أكثر من كونها عالمية. من هنا لا نستغرب أن يكون الكثير من رواد الفكر القومي الآشوري والكثير من أشهر أدباء وكتاب وشعراء الآشوريين من أتباع الكنائس البروتستانتية, ولازلنا نسمع حتى يومنا هذا الكثير من الخطب والوعظ لإباء هذه الكنيسة في جوانب كثيرة منها تدور حول القومية والدعوة إلى تنمية الوعي القومي لدى الآشوريين. والكثير يتذكر المدرسة التي كانت قائمة في ساحة الطيران في منطقة كمب الكيلاني في بغداد والعائدة للكنيسة الإنجيلية الآثورية والتي عرف بمدرسة قاشا خندو ودورها في تنمية الوعي القومي بين طلابها.

والملاحظة الأهم عن هذه الكنائس هو إعتمادهم الكبير على التوراة، أي العهد القديم، في تفسير وتحليل الكثير من ظواهر اليوم وفي دعم التوجهات السياسية وإعطاءها زخماً حماسياً يصل في الكثير من الأحيان إلى التطرف. من هذا المنطلق، ليس غريباً أن تكون بريطانيا ومن ثم الولايات المتحدة الأمريكية من أوائل من دعم نشؤء دولة إسرائيل ولايزال حتى اليوم هم من أكثر الداعمين لها متخذين من التوارة منهجاً محتوماً في قيام وبقاء إسرائيل. أما بالنسبة للآشوريين، فمثل هذا التوجه يمكن أن نتلمسه أيضاً في كتابات وأفكار بعض القساوسة أو أساتذة الكتاب المقدس. وتعتبر كتابات القس كين جوزيف والقس جون بكو نموذجاً في هذا السياق فكلاهما آشوريان ينتميان إلى الكنيسة البروتستانتية أو إحدى فروعها. فعلى سبيل المثال أصدر جون بكو كتابه المعنون (آشور النبوءة المنسية) في عام 1992 الذي أكد فيه بشكل جازم بأن الكتاب المقدس قد ضمن نشؤء وقيام الدولة الآشورية مرة أخرى في هذه الألفية وأن الآشوريين هم شعب الله، إلى جانب المصريين والإسرائليين، إلذين سيسودون في منطقة الشرق الأوسط.

ومن أشهر الكتاب، غير الآشوريين، الذين تناولوا هذا الموضوع هو البرفسور الدكتور جوزيف جيمبيرس الذي يعد من أكبر فلاسفة اللاهوت والكتاب المقدس في أميركا والعالم حيث كتب بحثاً عن نهضة الآشوريين (The Rebirth of the Assyrians) طبقاً للتوارة ونشر على بعض المواقع الألكترونية. وكلمة (Rebirth) تعني إنبعاث أو نهضة أو تجدد روحي أو ولادة جديدة حسب القواميس المعروفة. حيث ألف الدكتور جوزيف جامبيرس ستة كتب وشارك في تأليف كتابين وكتب أكثر من 185 كتيب وعمل 18 فيديو كاسيت وعدد لا يحصى من المقالات والبحوث ومعظمها تتركز على تفسير الكتاب المقدس والمسائل المتعلقة به وكان قساً قبل أن يدخل حقول البحث في عالم اللاهوت والديانة المسيحية. ويظهر من سيرة حياته بأنه كان يهودياً ولم يكن يعرف القراءة والكتابة حتى السن السادسة عشر عندما أعتنق المسيحية بعد إنتحار والده المدمن على الكحول. فبالإضافة إلى نشاطه العلمي والكنسي الكبيرين فهو من أعضاء الحزب الجمهوري الأمريكي ويظهر بأنه من المحافظين المتشددين أو قد يكون من المسيحيين الجدد الذين يعتمدون إعتمادا كليا على التوراة وما ورد فيها من أحداث ويؤمنون بأنها ستحدث عاجلاً أم آجلاً. له أهتمامات خاصة بتاريخ العراق القديم بأعتباره موطن أبينا أبراهيم ومركز قصص التوراة كما كتب عن مدينة بابل وحتى عن صدام حسين وحروبه ومحاولة مقارنة ذلك بالأحداث التاريخية التوراتية. وكتب أيضا عن المسيح الدجال الذي سيأتي إلى العالم وتخمن بأنه سيكون من العراق وتحديداً من الآشوريين !!!، غير أنه يظهر بأنه في السنوات القليلة الماضية أطلع على نشاط الآشوريين في العراق والخارج وعلى ضوئها تغير رأيه فيما يخص الآشوريين خاصة عن المسيح الدجال. وأدناه ترجمة لمقالته في (إنبعاث الآشوريين)  مقططفاً منه ما يخص موضعوعنا هذا من دون الإشارة إلى غيره مضيفاً إليها بعض التعليقات والتوضيحات بالخط الأحمر المائل.
يقول الدكتور جوزيف جامبيرس:
أنه مثير للإنتباه مراقبة ثقافة كانت بنظر الكثير ميتة ولكن فجأة بدأت بالإنبعاث. أنه من غير شك هذا ما يحدث حالياً بالنسبة للآشوريين القدماء. أنه يحدث هذا بحسب تصميم النبوءة، فهناك حقيقتان بهذا الخصوص متعلقة بالنبوءة تطالب بالوجود الآشوري في هذا العالم وتحديداً في العراق. أولاً: إن المسيح الدجال سيكون آشورياً (هذا ما كتبه في أحدى بحوثه والذي يناقض ما يكتبه في هذه المقالة وبالتالي غير رأيه بعد إطلاعه على أحوال الآشوريين في الآونة الأخيرة ووجد بأنهم أمة غير منقرضة) وسيكون، (أي المسيح الدجال) معروفاً للعالم بهذه الهوية. ثانياً: أن الثقافة الآشورية سوف تستيقظ تدريجياً وتسيطر في شمال العراق خلال الألفية التي يأتي يسوع المسيح على هذه الأرض وسوف يكون (الآشوريون) أحدى الأمم الرئيسية الثلاث فقط في الشرق الأوسط في خلال ألف سنة القادمة من السلام المثالي. إن النبي إشعيا قد ثبت هذه النبوءة قبل 2700 سنة. (ويقصد الإصحاح 23 –  - 24 - 25: 19 من سفر إشعيا والقائل: في ذلك اليوم تكون سكة من مصر الى اشور فيجيء الاشوريون الى مصر والمصريون الى اشور ويعبد المصريون مع الاشوريين في ذلك اليوم يكون اسرائيل ثالثاً لمصر ولاشور بركة في الارض  بها يبارك رب الجنود قائلا مبارك شعبي مصر وعمل يدي اشور وميراثي اسرائيل)

عندما نستكشف تواصل الثقافة الآشورية مع تمييزها الواضح منذ 2700 سنة، منذ أن دمر الجزء الأكبر منها من قبل تحالف جيوش الأعداء في عام 612 ق.م. والبعض يذكر 603 ق.م. (في 612 ق.م .سقطت نينوى عاصمة الإمبراطورية الآشورية وفي 603 ق.م. سقط آخر كيان سياسي آشوري والذي عرف بأسرونيا في شمال غربي بلاد مابين النهرين)، يتبين بأن قبضة الله مهيمنة في كل شيء. لقد درست وتعلمت من أحداث مختلفة خلال هذه السنين الطويلة لأحفاد هذه الثقافة المتميزة فوجدت بأنها ليست سوى مسألة فوقطبيعية بأن هؤلاء الأحفاد قد بقوا على قيد الحياة. إن هؤلاء الأحفاد يدعون بأنهم كانوا من أوائل المجموعات المتجانسة ومن أصل واحد الذين أعتنقوا المسيحية في القرن الأول من الديانة المسيحية. فاليوم هناك خمس كنائس صغيرة مترابطة مع البعض (ربما يقصد الكنيسة الكدانية الكاثولكية وكنيسة المشرق الآشورية والكنيسة السريانية الآرثوذكسية والكنيسة الشرقية القديمة والكنيسة السريانية الكاثوليكية) تمثل الآشوريين. وكل واحد منهم يدعي بالآرثوذكسية (أي الإيمان القويم) من المسيحية.

تدعي الكنائس الآشورية بأنها حققت نجاحاً كبيراً في خلال 500 سنة الأولى من المسيحية. ساهموا في إنشاء العديد من الكليات والمعاهد وكانوا جزء من حملة نشر الإيمان المسيحي حتى سقوط القسطنطينية بيد المسلمين الغزاة بعد أن إنشاء محمد الدين الإسلامي الذي سعى إلى إخضاع الشرق الأوسط بالكامل للدين الإسلامي. لقد كان نجاح الآشوريين معتمداً على مدى تسامح كل حاكم. فالآشوريون هم تحديداً الوحيدين من أهل الرافدين الأصليين الذين يعيشون في العراق حالياً. فأمبراطورية العرب في العراق لم تنشأ حتى القرن السادس للميلاد. فهناك بحدود مليون ونصف المليون (رقم مبالغ فيه) من الآشوريين يعيشون حالياً (سنة كتابة المقالة)  في العراق. في عام 1935 بعد الميلاد أسكنت عصبة الأمم عدد كبير من الآشوريين في منطقة تعتبر اليوم جزء من سوريا. ويبدو أن هذا المشروع للإسكان كان جزء استرضائي لأن الشعب الآشوري كان قد أهمل وترك خارج التسويات التي جرت بحق الشعوب الأخرى. لقد دمر صدام حسين العديد من قراهم وقتل الآلاف منهم. فتاريخهم الطويل  واضح في كونه من بين الأحداث الأكثر معاناة وحرماناً التي لا تصدق. الإحصائيات تشير إلى أن 400,000 منهم يعيشون حاليا في أميركا (رقم غير مؤكد وتخميني وطبعاً بضيف الكلدان والسريان إلى هذا الرقم). وهناك قصص جميلة حول رجوع الآشوريين إلى وطنهم ومن مختلف البلدان التي هاجروا إليها من أجل البقاء على الحياة. (قصص غير دقيق وغير حقيقية).

في الفترة من 10 – 11 مايس 2002 عقدوا الآشوريون مؤتمراً دولياً في موسكو. (كنت من أحد الحاضرين لهذا المؤتمر والمشاركين فيه فكان مؤتمراً ثقافياً وأثمر ببعض البحوث والدراسات التي نشرت فيما بعد). فهذا الشعب المميز يتوحد ويبحث عن منطقة جغرافية محددة لتكون دولة آشور في القطر العراقي ولكن نجاحهم في هذا المجال يبدو محدوداً جداً. فكل حركة لها مغزى توراتي تواجه مقاومة. (أي بهذا المعنى يقصد بأن مساعي الحركة القومية الآشورية في بناء كيان خاص بهم محكوم بما ورد في التوراة). فالشيطان يكهره كلمة الله لأنه ربما يعرف بأنها (أي كلمة الله) خير لغالبية المسيحيين. فأي مقدار ضئيل من التقدم ومن خلال الحقيقة التوراتية سوف تكون محك للنقد والهجوم ولكن سوف تسود وتدرج في أجندة الله وينتصر. (أي رغم كل مأساة الآشوريين والهجوم عليهم فانهم في التحليل الأخير سوف ينجحون لأن مصيرهم مقرر بمشيئة الله) فللآشوريين مستقبل رائع وسوف يحيون من خلال تجدد المسيحية الأصلية وسوف يكونون أمة عظيمة خلال الألفية. سوف يخدمون الرب يسوع المسيح كملك للملوك وهذا سيساعد لجعل منطقة الشرق الأوسط مركز للحكم الديني في الألفية. فاليوتيبا (أي دولة الخيال أو المثالية) التي حلم بها الرجال (ويقصد الآشوريين) الذين حاربوا الجيوش وماتوا الملايين من أجلها سوف تتحقق على هذه الأرض. وسوف تصبح هذه الأرض جنة عدن.
Joseph R. Chambers جوزيف جامبيرس                                                                                                                   
------------------------------------------------------------------------------------------------
هنا أود أن نوضح للقارئ الكريم بأن عرض هذا الموضوع المثير لا يعني إطلاقاً إتفاقنا مع رأي الكاتب أو غيره من الذين أتخذوا من التوراة منهجاً لتفسير الوقائع السياسية السائدة في عصرنا هذا، فالسياسة هي واقع ومماسة وأهداف ملموسة قابلة للتطبيق وليست مسائل فوقطبيعية لا نلمسها ولانتحسس بها ولكن عرضها والإطلاع عليها ستغني معارفنا بمزيد من المعرفة وبتجارب الشعوب الأخرى، خاصة عندما تأتي من فلاسفة كبار وكيفية التفكير او التخمين بمصير الشعوب. كما أنه من الملاحظ إن إشارة الكاتب إلى الآشوريين قائمة على أمرين. الأول: معتمدا على التوارة وورود أسم الآشوريين فيها للعديد من المرات. ويذكر القس جون بكو في كتابه السالف الذكر بأن هناك أكثر من 150 إشارة إلى الآشوريين في الكتاب المقدس. الثاني: في الفترة التي كتب البروفسور جوزيف جامبيرس موضوعه هذا كانت التسمية الآشورية هي السائدة على الساحة السياسية في العراق وكانت الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) موضوع إهتمام لدى الإدارة الأمريكية خاصة عندما أشمل الرئيس الأسبق جورج بوش الأبن زوعا بالمساعدات المقرر للمعارضة العراقية وأعتبرها جزء مهم من هذه المعارضة ضد النظام البعثي في العراق.

من المعروف بأن الكتاب المقدس بكلا العهدين القديم والجديد يعتبر أعظم مصدر تاريخي متداول وواسع الإنتشار ومرجعاً أساسياً لإيمان المسيحيين بمسيحيتهم. وتتركز أهمية الكتاب المقدس، خاصة العهد القديم منه، على الأحداث التاريخية التي وردت فيه وتحديداً ما يخص بلاد مابين النهرين، بابل وآشور والتي كانت موضوع مقارنة عند الكثير من المؤرخين بالأحداث التاريخية التي وردت في حضارات بلاد مابين النهرين. غير أن الإستكشافات الأثرية التي جرت في بلاد مابين النهرين في القرون الماضية أثبتت صحة بعض من هذه الأحداث التوراتية وبالمقابل لم تتأكد غيرها بل تعارضت أو تناقضت مع ما أكتشف من قصص وأحداث مكتوبة على الحجر، وبالتالي أعتبرت تلفيقاً أو تزيفاً من قبل كُتاب العهد القديم. وإذا جاز لنا أن نقارن الأحداث والقصص التوراتية فيما يخص إنبعاث الآشوريين في الألفية التي سيأتي ربنا يسوع المسيح (له المجد) مع واقعنا الحالي في بلاد ما بين النهرين أو آشور كما يرد في التوراة فإننا سنصطدم بحقيقة واقعية مأساوية ومظلمة لا بل ومهلكة للآشوريين تلك الحقيقة الواقعية التي تقودهم إلى طريق الإنقراض من بلاد آشور التوراتي. هذا الواقع المرير لا يترك لنا كمسيحيين مخلصين لكتابه المقدس ذرة من الأمل لكي يتعزز إيمانا بما ورد في التوراة من إنبعاث الآشوريين. فلو أفترضنا مجازاً بأن لنا إيمان قويم بما ورد في التوراة فيما يخص إنبعاث الآشوريين لقلنا فوراً لكافة قادة أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية ودعاة النهضة القومية الآشورية ناموا قرير العينين ولا تتعبوا حالكم ولا تناضلوا من أجل كرسي في البرلمان وتسعون جاهدين لتحقيق مصالح أمتنا وبناء دولتنا الآشورية، فالعهد القديم ضمن إنبعاثنا من جديد وأكد بناء كياننا القومي أن لم يكن اليوم أوالأمس فأنه بالحتم وبنتيجة حكم التوراة سيتحقق في الألفية القادمة... ولكن مهلاً... ألم يقل المثل بأن الله يساعد الذين يساعدون أنفسهم؟؟؟. فإذا كنًا عاجزين عن مساعد أنفسنا ونعجز عن توحدنا وإتفاقنا على الحد الأدنى فيكيف يجوز لنا أو بالأصح كيف نتجاسر ونطلب من الله أن يساعدنا في بناء دولتنا القومية ونحن غير قادرين على مساعدة أنفسنا؟؟؟ وهناك مثل آخر يقول (منك حركة ومني بركة).





15
ألقوش البطلة تحقق من خلال مدير الناحية فائز عبد ميخا جهوري نصراً قضائيا
------------------------------------------
أبرم شبيرا
حققت "يمت مثواثه" ألقوش نصراً قانوياً كبيراً من خلال فوز مدير الناحية السيد فائز عبد ميخا جهوري بقرار من محكمة القضاء الإداري العراقية بإلغاء القرارات المجحفة بحقه في إقالته من منصبه كمدير لناحية ألقوش. ولهذا القرار العادل مدلولات عميقة تتمثل في صمود وإصرار أبناء ألقوش البطلة على النضال وعلى مختلف الأصعدة لنيل حقوقهم المشروعة في موجهة الظلم والإستبداد الذي تمثل في القرار المجحف والصادر من بعض أعضاء الحزب الديموقراطي الكردستاني (البارتي) المهيمنين على مجلس بلدية ألقوش وما يتعبها من هيئات إدارية.

ولما كان السيد فائز عبد ميخا رافضاً لشمول ألقوش وغيرها من المناطق المتنازعة عليها بضمنها مناطق شعبنا في سهل نينوى لذا كان منذ البداية  واضحاً بأن صدور قرار إقالته من قبل البارتي المتمثل في زمرته في مجلس بلدية ناحية ألقوش كان لأسباب  سياسية بحة ولم يكن له علاقة بالتهم التي وجهت إليه.

فمن خلال الإطلاع على قرار محكمة القضاء الإداري نرى بأن له بعض التوايخ التي لها دلالات معنوية. ومن أهمتها نرى بأن السيد فائز رفع دعوته القضائية بتاريخ 02/08/2017 لإلغاء القرار المجحف بحقه وما لحقه من مداولات وجلسات كلها جرت قبل تاريخ إجراء الإستفتاء في "كردستان" والأراضي المتنازع عليها في 25/09/2017 وما أعقبت ذلك من إنتكاسات على الحركة القومية الكوردية وإنسحابها من الأراضي المتنازع عليها. مما يدل وبشكل واضح شجاعة السيد فائز على مواجهة المتسلطين على أمور بلدته العزيزية ألقوش وإتزان حكمته في اللجوء إلى القضاء الرسمي لنيل حقه المغتصب. ولنا كل الأمل أن تؤكد المحكمة الإدارية العليا حق السيد فائز وتصادق قرار محكمة القضاء الإداري عند طلب المدعي عليهم تمييز القرار.
 ونأمل من السيد باسم بلو قائمقام قضاء تلكيف أن يلجاً، إن لم يكن قد لجاً أصلا، إلى القضاء الرسمي لنيل حقه المغتصب في إقالته من منصبه كقائمقام لقضاء تلكيف، فهو الآخر أقيل من منصبه لنفس الأسباب السياسية المتعلقة برفض الإستفتاء في مناطق شعبنا. 
 




16
الإتحاد القومي الآشوري الأمريكي يطلب من الحكومة العراقية السيطرة على سهل نينوى
عرض و تعليق
======================================================== 
أبرم شبيرا

أصدر الإتحاد القومي الآشوري الأمريكي في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو إتحاد فيدرالي كبير يضم العشرات من المؤسسات والأندية والجمعيات الآشورية في الولايات المتحدة الأمريكية، أصدر تصريحا حول حملة الحكومة العراقية إلى فرض سيطرتها على قرى وقصبات سهل نينوى والذي يشكل مركز موطن الآشوريين في العراق ويشمل العشرات من القرى والبلدات. نشر التصريح بتاريخ 23/10/2017 في الموقع الألكتروني لوكالة  الأنباء الأشورية العالمية والمعروفة إختصارا بـ (AINA) يدعو إلى إنسحاب القوات الكوردية من سهل نينوى وإلى إستحداث محافظة في سهل نينوى تدار من قبل الحكومة المركزية في بغداد، والذي كان مجلس الوزراء العراقي قد أقره في شهر كانون الثاني 2014. وهذا نص البيان مترجم من الإنكليزية إلى العربية:
------------------------------------------------------
 التصريح:
------
أن الإتحاد القومي الآشوري الأمريكي – Assyrian American National Federation  - والمعروف إختصارا بـ (AANF) يؤيد حملة الحكومة العراقية المركزية في إستعادة السلطة الفيدرالية بمنطقة سهل نينوى من العراق. لقد أوضح رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي عزم عودة السيطرة في المنطقة لغاية حدود عام 2003 وطبقاً للدستور العراقي. فبالرغم من التصريحات المضللة لمسؤولي حكومة إقليم كوردستان ووسائل الإعلام التابعة للحزب الديموقراطي الكوردستاني، فأن سكان سهل نينوى الذي طال إنتظارهم لفرصة أعادة بناء حياتهم بعيدا عن الظلم والإضطهار قد رحبوا بهذه الحملة.

إننا نوصي الولايات المتحدة بتأييد إنسحاب قوات البيشمركة من البلدات الباقية في سهل نينوى والتي تشمل ألقوش و تلسقف وأن أي تقسيم لسهل نينوى هو تقويض لإرادة سكانه. فحاليا وجود البيشمركة غير الدستوري في هذه البلدات يعرض وبشدة سلامة السكان للخطر ونخشى بأن أي تأخير قد تكون نتيجته نزوج سكان هذه المنطقة.

نأمل بعد إنسحاب البيشمركة من هذه المناطق، أن تنقل قوات وحدات الحشد الشعبي غير المحلية إلى خارج سهل نينوى وأن يسلم  موضوع الأمن مباشرة إلى وحدات حماية سهل نينوى (NPU) وفي غضون ذلك سوف يتم دعم من قبل الجيش العراقي والشرطة.

ولنا أمل أن لا يتم التعامل مع سهل نينوى كورقة مساومة لتقليل التوترات بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان وعلى حساب الأقليات في المنطقة. نحن نرفض الوضع المتنازع لهذه المناطق، وأيضا نرفض أي إستفتاء في سهل نينوى إلا حين يتم الإستقرار الكامل لسكان المنطقة وأن يكون حق التملك وحرية التجمع والرأي محفوظ لهم. فالمناطق المنكوبة يجب أن ترمم وأن يكون لسكانها الحق الكامل للحصول على خدمات الدولة مثل تلك التي تقدم في المناطق الأخرى من الدولة. فأي مقترحات تخص أي نوع من الإستفتاء لحل مسألة مايطلق عليها بالمناطق المتنازع عليها قبل القيام بهذه الأعمال هي  سابقة لأوانها ومقوضة لمصالح المجموعات الأقلية.

وفي نفس الوقت، نسأل الولايات المتحدة أن تعترف وتساند قرار مجلس الوزراء العراقي لعام 2014 والذي يخول إستحداث محافظة سهل نينوى تدار من قبل الحكومة المركزية في بغداد. فإستعادة السلطة الفيدرالية في سهل نينوى سيكون بمثابة خطوة أولية نحو توحيد البلد والتحرك نحو الإتجاه الصحيح.

نحن نتطلع للعمل مع شركائنا في كلا الدولتين الولايات المتحدة والعراق لدعم سكان سهل نينوى في تطوير أشكال المساندة العملية والديموقراطية للإدارة المحلية والأمن ضمن إطار دولة العراق الفيدرالي الموحد.

مارتن يومارن
رئيس الإتحاد القومي الاشوري الأمريكي
 
----------------------------------------------
تعليق على التصريح:
-----------
الكثير من القراء الأعزاء يعرفون بأن الإتحاد القومي الآشوري الأمريكي تأسس في عام 1933 وهو أكبر تجمع يشمل العشرات من التنظيمات والأندية والمؤسسات لأبناء شعبنا في الولايات المتحدة والذي ينظم في كل عام، من نهاية شهر آب وبداية شهر ايلول، الكونفنشن الذي يعتبر أكبر تظاهرة إجتماعية وثقافية وفنية ورياضية وشبابية لشعبنا في هذا العصر. ومن خلال معرفتي الشخصية والمباشرة بهذا الأتحاد نرى بأنه في جميع ممارساته وتصريحاته وعلاقاته مع الغير يستخدم التسمية الآشورية ولكن من الملاحظ بأن في هذا التصريح يتجنب إستخدام التسمية الأشورية، كما يفعل عادة غيره من المؤسسات والأحزاب في بلدان المهجر التي تعتمد على الفكر القومي التقليدي في حصر كل مصادر إنتماء أبناء شعبنا، من الكلدانية والسريانية، في التسمية الآشورية، كما تفعل وبإستمرار وكالة الإنباء الآشورية العالمية التي نشرت التصريح. لا بل أيضا يتجنب الإتحاد في هذا التصريح أستخدام التسميات الأخرى لأبناء أمتنا مثل الكلدانية والسريانية. فأن دل هذا على شيء فأنه يدل على أن هذا الأتحاد ورئيسه وأعضاء هيئته الإدارية الذين جميعهم من العنصر الشبابي والجامعي يمتلكون وعياً قومياً شاملاً لجميع أبناء شعبنا لا بل لهم نظرة واقعية للواقع الديموغرافي لمناطق سهل نينوى الذي تتعايش فيه مختلف الأديان والأثنيات العراقية. والأهم من كل هذا وذاك هو تجنب الإشارة إلى "المكون المسيحي" وإعطاء إنطباع بأنه مطلب مسيحي كما يتصوره البعض عند الحديث أو طلب إستحداث محافظة سهل نينوى وبالتالي يروجون بأن المسيحيين في العراق يطالبون بمحافظة خاصة لهم.

هذا من جهة، كما يظهر الوعي الواقعي، من جهة أخرى، لهذا الإتحاد من خلال توافق وتناسق تصريحه مع نفس أفكار وتوجهات أحزابنا السياسية الرئيسية في الوطن والمستقلة في قراراتها مثل الحركة الديموقراطية الآشورية وحزب أبناء النهرين والحزب الوطني الآشوري مضافاً إليهم الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية حيث جميعهم كانوا قد طالبوا عدم إجراء الإستفتاء في هذه المناطق المنكوبة والمهجورة وأبدوا تحفظات على الإستفتاء قبل إجراءه، وطالبوا بإخلاء المنطقة من قوات البيشمركة خاصة من المناطق التي عرفت بالمتنازع عليها وتحديداً قرى وبلدات أبناء شعبنا وتسليم مسألة الأمن والحماية للقوات المشكلة من أهل المنطقة وأخضاع هذه المناطق إلى الحكومة المركزية كضمان لوحدة العراق، لا بل لوحدة وتناسق وترابط أراض قرى وبلدات شعبنا في هذه المناطق مع القرى والبلدات المتواجدة في الأقليم وكضمان أيضا لتواجد شعبنا ضمن حدود دولة واحدة معترف دوليا بحدودها الجغرافي والسياسي. أن الكارثة الكبرى ستتكر، كما حدث أثناء الحرب الكونية الأولى وما تبعه من إتفاقيات وتسويات مجحفة بحق شعبنا، عندما ينقسم سهل نينوى ويكون موضوع تسويات بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم "كردستان" وبالتالي إنقسام شعبنا وتشتته بين جهتين متخاصمتين يكون وقودا للتسويات والحروب التي قد تنشأ بينهما. من هذا المنطلق يرفض الإتحاد فكرة أو مشروع تقسيم سهل نينوى بين الطرفين المتخاصمين.     

 
 

17
أضواء على دعوة إستقالة "ممثلي" شعبنا وأخرى على التسمية المركبة
===========================================
أبرم شبيرا
قبل كل شيء أود أن أعبر عن كامل تقديري وعظيم إحترامي لكل الذين دخلوا على الموضوع الذي سبق وأن نشر في موقعنا العزيز عنكاوه دوت كوم تحت عنوان (مأساة شعبنا تتكرر... تتكرر... تتكر) وعلقوا عليه بشكل مباشر أو غير مباشر أو أتفقوا مع ما طرحته أو لم يتفقوا. الموضوع موجود على الرابط أدناه:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=856599.0

للحقيقة المبدئية التي أؤمن بها إيماناً قوياً أقول بأن كل هذا التوافق في الرأي أو الأختلاف يشكل مصدراً مهماً في إغناء أفكاري وفي بناء تصورات منطقية مبنية على تجنب السلبيات والأخطاء التي قد ترد في صلب ما أكتبه وهذا كله بفضل ما يكتبه المعلقون الأعزاء، إتفاقاً أو إختلافاً خاصة المنطقية منها والمتعلقة بصلب الموضوع وليس تلك التي تقوم على تفريغ الكوامن الداخلية السلبية أو تصفية الحسابات بين القراء. وهنا أكد تأكيداً قاطعاً بأن عدم ردي أو تعليقي على ما يكتبه القراء الأعزاء لا يعني إطلاقاً، كما يتصوره البعض بأنه عدم الإكتراث والإهتمام أو الإهمال والأستخفاف، بل هي جميعها، خاصة المختلفة عن ما أكتبه، أقرأها بتمعن وإهتمام كبيرين لأنها تشكل مصدراً مهما في تقويم لبعض أفكاري وطروحاتي لا بل قد تشكل دافعاً قوياً لإستكمال بعض النواقص التي ترد في الموضوع اويتطلب زيادة في التوضيح والتفصيل وتسليط أضواء أكثر ضياءاً على الموضوع، وهذه السطور هي نتاج هذه الحقيقية:

قبل كل شيء أود أن أبدء بالحالة التي يعانيها أي شخص من أبناء أمتنا من غير المنتميين إلى أي حزب من أحزابنا السياسية، لنقل الشخص الذي يؤمن إيماناً قاطعاً بهذه الأمة وبكل مكوناتها السياسية والطائفية والمناطقية والقريوية والعشائرية. فعندما يدخل هذا القومي في نقاش مع المتحزب أو الطائفي أو العشائري فمن الصعب أن لم يكن المستحيل، لا في إقناعه بالفكرة التي يطرحها القومي بل أيضاً بصعوبة إفهامه الموضوع أو النقاط الواردة فيها والتي لا تتفق مع أفكار وتوجهات حزبه. وهذا أمر طبيعي يفرضه إلتزامه الحزبي  ولا لوم على ذلك. فشخصيا قد أتجاسر وأفترض بأنني قومي وغير منتمي تنظيمياً إلى أي حزب سياسي، فعندما أدخل في نقاش أو حوار كتابي مع أي حزبي فمن الصعب جداً الإتفاق على بعض المسائل وحتى أن كانت متعلقة بالمصلحة العامة لأمتنا حسب وجهة نظري التي قد تكون غير صحيحة أو قاصرة في جوانب معينة. فعلى سبيل المثال، بالنسبة للقومي الأصيل ينظر إلى جميع أحزابنا السياسية وطوائفنا الكنسية بإعتبارها مكونات أساسية في بناء مجتمعنا القومي في حين قد لا ينظر المتحزب والطائفي بهذا المنظار الواسع الشامل بل ينظر إليها بمنظار حزبه أو طائفته وما يتعلق بالمصلحة الخاصة بكل حزب أو طائفة. فإذا قيمنا وأبرزنا دور الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) في مجتمعنا وأقمنا معها علاقة قوية صميمية وتواصل مستمر مع قادتها فهذا لا يعني بأننا في إتفاق كامل معها وأنه يجب أن نلغي وجود بقية أحزابنا السياسية أو نهملها كلياً بل على واجبنا القومي أن ننظر إليها ونقيم كل ما هو إيجابي ومثمر في عملها القومي. لقد سبق وذكرنا مراراً وتكراراً بأنه لا يمكن لحزب واحد أن يمثل تمثيلاً كاملا لمصالح الأمة وإلا نحن سنكون بصدد الحزب الواحد والفكر الدكتاتوري. وللمثال أيضا، كتبت العديد من المواضيع عن زوعا وعن دورها الإيجابي في مجتمعنا ولكن هذا لم يمنع من أن أكتب ونثمن دور غيرها من أحزابنا السياسية. فللمثال أيضا، كتبت في الأونة الأخيرة عن الجمعية الآشورية الأمريكية في شيكاغو وعن دورها في إستمرار الوجود القومي الآشوري في المهجر وهي الجمعية التي يرأسها السيد كليانا يونان وهو في نفس الوقت مسؤول حزب بيت نهرين الديموقراطي في الولايات المتحدة وأن معظم أعضاءها هم من منتسبي هذا الحزب أو المؤيدن له وقد أتفق أو لا أتفق مع هذا الحزب كثيراً أو قليلا ولكن واجبنا القومي يفرض علينا أن نضعه في ميزان الأمة ونقيمه. أنه من الجرم أن لا نثمن فعل إيجابي لحزب من أحزابنا السياسية وبالمقابل نقول أيضا بأنه من الجرم أن لا نكشف ونناقش وننتقد فعل سلبي لحزب من أحزابنا السياسية. فالحياة ليست قائمة على جوانب إيجابية فحسب بل لها جوانب سلبية أيضا. وعلى مستوى تطور الشعوب والقوميات وحتى الأحزاب السياسية ذكرنا وقلنا مراراً وتكراراً بأن التطور هو خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء وعلينا كأبناء هذه الأمة أن نكشف ونتحدث ونناقش وننتقد جميع الخطوات الإمامية والخلفية معاً كأسلوب لفهم التطور.
والحال لا يختلف عندما نناقش مواضيع عن كنيسة المشرق الآشورية والذي لا يعني إطلاقاً إهمال أو التقليل من أهمية المواضيع المتعلقة ببقية فروع كنيستنا المشرقية، وللمثال كنتُ من أوائل من كتب وعلق وأقترح مواضيع عديدة عن الرابطة الكلدانية وقيمنا العديد من المرات مواقف غبطة البطريرك مار لويس روفائيل ساكو تجاه مسائل مهمة ومصيرية لأمتنا لأنني بالقول والفعل أنتمي لكل هذه الفروع من كنيستنا المشرقية ولكن مع هذا فأن بيان بعض الأخطاء والسلبيات واجب مفروض علينا ودليل على إهتمامنا بجميع هذه الفروع من دون أي أعتبار لهذا الفرع أو ذاك، فالكل يشكل الأساس الإيماني والتاريخي لكنيستنا المشرقية التي ننتمي إليها جميعاً.

هذه المقدمة، أرجو المعذرة عن إطالتها، أطرحها لنناقش موضوع إستقالة "ممثلي" أمتنا من الكراسي البرلمانية والوزارية وغيرها في هياكل الدولة سواء في المركز أو الأقليم  ومن ثم موضوع التسمية المركبة "الكلدان السريان الآشوريون". وكلا الموضوعين سبق وأن تطرقنا إليها في مناسبات سابقة وهنا قد يكون في الإشارة إليها إفادة.  ولكن قبل هذا وذاك نقول  بأن طرح موضوع الإستقالة هذا لا يعني إطلاقاً التقليل من مكانة وقيمة "ممثلي" أمتنا في هياكل الدولة الفدرالية والإقليمية ولا تجاهلاً لكفائتهم وقدرتهم خاصة والبعض منهم أصدقاء مقربين لنا منذ زمن طويل، فهم "ممثلي" أمتنا على الأقل من الناحية الرسمية والقانونية وحتى الشعبية، سواء قبلنا ذلك أم رفضنا، لأنه تم إنتخابهم وبأكثرية المقترعين من قبل أبناء شعبنا ونحن نعرف بأن هذه الإنتخابات هي المعيار الرسمي المتاح في أعطاء هذه الصفة التمثيلية لهم ولا يوجد غيره في الوقت الراهن. ولكن طرحي لموضوع الإستقالة هو قائم على أساس بأن كفاءتهم وقدرتهم وجهودهم هي في غير مكانها الصحيح، أي بعبارة أخرى هي في مكان ملئه الفساد واللصوصية والمحسوبة والطائفية المقيتة التي يقوم عليها النظام السياسي في العراق وبالتالي ليس مستبعداً أن تنتقل جرثومة هذه الأمراض إليهم، وربما تكون  قد أنتقلت إليهم في خلال فترة بقاءهم في نفس المكان لسنوات طوال وقد تؤدي في نهاية المطاف عند إستمرارهم في البقاء إلى الضعف والإرهاق والموت فكرياً وإجتماعياً وحتى إخلاقيا بين أبناء أمتنا الأصلاء. لهذا فعلى القارئ اللبيب أن يفهم قصدي من وضع كلمة "ممثلي" بين هلالين لدلالة على إحاطتي بها الكثير من التحفظات والتساؤلات رغم إعترافنا الرسمي بوضعهم التمثيلي في نظام فاسد حتى النخاع.

إذن من الطبيعي أن يرفض الحزبي فكرة الاستقالة طالما لحزبه ممثل له في أحدى هياكل الدولة سواء البرلمانية أو الحكومية مبرراً ذلك ضرورة بقاءه هذا الممثل في البرلمان على أساس "النضال" من داخل أروقة البرلمان وإمكانية تحقيق بعض الإنجازات من خلال هذا "النضال" البرلماني  فهو خير من الخروج منه. صحيح مائة بالمائة هذا المبرر فيما اذا كان مثل هذا "النضال" ضمن نظام ديموقراطي وينتج عنه منجزات ملموسة لصالح الأمة. ولكن هنا التساءل ماهي الإنجازات والمصالح التي تحققت لأمتنا منذ عام 2003 والسنوات اللاحقة لوجود "ممثلي" أمتنا في البرلمان غير المأساة والفواجع والتشرد والضياع ومحو الهوية وسلب البيوت والأراضي لا بل وحتى سلب تاريخ حضارة أمتنا وتنسيبها للغير.. النضال يا أخوتي الأعزاء ليس بالبيانات أو الإستنكارات والإدانات التي تصدر من مكتب عضو برلمان فهي ليس إلا حبر على ورق والتي تجف قبل أن تصل آذان المسؤولين ولا تعدو أن تكون غير حروب دونكيشوتية كما وصفناها في السابق وهي أيضا كأستخدام البدوس في محاربة دايناصور ضخم ومفترس. لقد سبق وذكرنا سابقا بأن المستفيد الأول والأخير من تواجد أبناء شعبنا في أروقة الفساد والظلام هو النظام الفاسد نفسه ويستخدمهم كديكور لإضفاء نوع من التعددية على نظامه، أما نحن فلا فائدة غير الصفر. نطالب بالحماية الدولية من المنظمات الدولية والدول الكبرى... حماية مٍن مًن؟؟ مٍن النظام الفاسد وفرسانه  ونحن جزء منه.. موضوع مؤلم ومؤسف لا نريد الإطناب فيه حيث سبق وأن تناولناه في مناسبة سابقة.

ولكن مع كل هذا، فأنه يجب أن لاننكر بأن بعض الأحزاب حقق بعض الجزيئات من الإنجازات وبعض أصدقاءنا الأعزاء في زوعا يشيرون إلى المسيرة النيسانية التي ينظمها حزبهم، الحركة الديموقراطية الآشورية كمثال على ذلك، وهذا صحيح وإيماناً مني فأنا أشارك كل سنة فيها وأكتب بعض السطور عنها مثمناً هذا الإنجاز الفريد من نوعه، ولكن يجب أن نكون سياسيين بالمعنى الكلمة ونفهم بأن السياسة هي واقع، وواقعنا الحالي مليئ حتى التخمة بالتحديات المأساوية والمفجعة والكارثية تهدد في التحليل الأخير أنقراضنا في وطننا التاريخي ويجب علينا جميعاً، وتحديداً أحزابنا السياسية، أن نكون بمستوى هذه التحديات المهلكة ... أفهل بيان أو إستنكار صادر من مكتب عضو برلماني يكون له تأثيراً في هذه التحديات... أفهل مسيرة نيسان رد قوي وفاعل على هذه التحديات ... طبعاً الجواب واضح ولا يحتاج إلى الإفصاح. قلنا في الموضوع السابقة بأن مأساتنا تتكرر وتتكر وتتكر وأسردنا ثلاث حوادث تاريخية مأساوية ولم نتعلم منها ويظهر بأن هذه المأساة ستتكر أيضا لأننا مع الأسف الشديد لا نتعلم من الماضي حتى نتجب العثرات ونحن نواجه التحديات المميتة التي تحيط بأبناء أمتنا في الوطن. فمثل هذه التحديات المأساوية لا تتأثر إطلاقاً ولا تخف أو تزاح قيد أنملة بالبيانات والإستنكارات ولا حتى بالمسيرة النيسانية بل يتطلب مواجهتها بتحديات متقابلة جريئة، بنضال حقيقي وفاعل قد تستطيع دخول ساحة المعركة الحقيقة. وقد وجدنا في فكرة تأسيس مجلس الأعلى "للكلدان السريان الآشوريين" تحدي قد يكون مجدي في حالة توحد أو تفاهم أحزابنا السياسية وممثليهم في البرلمان، ولكن كيف والحال هو تشتت وخلاف وخصام بين هذه الأحزاب وممثليهم قائمة في معظمها على تعارض مصالحهم الحزبية الضيقة وعلى تجاذبات سياسية نحو الغير، خاصة نحو الكبار بحيث لا يستطيعون الإتفاق حتى على أبسط الأمور فكيف والحال مع تأسيس مثل هذا المجلس؟؟؟ موضوع معقد وطويل نطرحه للنقاش في مناسبة قادمة.

أما بالنسبة للتسمية المركبة "الكلدان السريان الآشوريون" التي نستخدمها في كتاباتنا والتي أثارت الكثير من الردود المنطقية والإنفعالية، هنا أود أن أوضح مايلي بخصوص هذه التسمية:
أولا: يلاحظ القارئ الكريم بأنني أضع هذه التسمية المركبة بين هلالين كدلالة على وجود تحفظات عليها وإخضاعها لتفسيرات متعددة ومختلفة.
ثانيا: أستغرب من بعض الكتاب عندما يقولون بأنه لا توجد قومية في العالم بمثل هذه التسمية المركبة، وهذا صحيح، ولكن عندما نشير إليها في كتاباتنا فإنها لا تعني أسم قومية جديدة، بل هو طرح سياسي ورسمي ليعبر عن تسميات هذا الشعب التاريخي ويعكس وحدته الشكلية في هذه التسمية ومن دون أهمال أو حذف أو تفضيل تسمية على أخرى. فكل جزء منها يشكل مضمون واحد يقوم على مقومات معروفة من لغوية وتاريخية وحضارية وحتى نفسية ومصيرية.
ثالثا: من الناحية الرسمية والشعبية ثتب بأن هذه التسمية المركبة هي المقبولة لدى غالبية أبناء شعبنا والمعيار الوحيد لتأكيد هذا القبول هو نجاح جميع أحزابنا السياسية والكتل الإنتخابية التي تتبنى هذه التسمية المركبة في الإنتخابات العامة في المركز والإقليم.
رابعاً: في السابق وفي موضوع آخر، ذكرنا بأن التسمية المركبة ليس إستعمالها حديث العهد ومنذ عام 2003، بل تم إستخدامها من قبل بعض زعماء حركتنا القومية في السنوات السابقة وأثناء الفترات الحرجة وفي الأحوال المأساوية، خاصة بعد الحرب الكونية الأولى والسنوات اللاحقة وكان الغرض منها محاولة حشد جهود وأمكانيات جميع أبناء هذه التسميات بهدف مواجهة التحديات المميتة التي أحيطت بأبناء أمتنا وبمختلف مكوناتهم وطوائفهم وتسمياتهم ومناطقهم ولكن كانت كنيستنا المشرقية بكل فروعها بالمرصاد لهذه المحاولة وتشبث كل فرع بتسميته الطائفية والخاصة متجاهلين النتائج المأساوية التي ستترتب من جراء الفرقة والإنقسام والتي أنهالت في أكثريتها على الكنيسة نفسها ورجالاتها. وهكذا هو الأمر في أيامنا هذه فكل فرع من فروع كنيستنا المشرقية "يستميت" من أجل هيمنة وسيادة تسميته على أتباعه وأخراجها من الدائرة الكنسية والطائفية والولوج نحو الساحة القومية ومقاومته للتسمية المركبة الموحدة لجميع التسميات.
خامساً: قد يقال بأن هذه التسمية المركبة غير جيدة وسيئة وتشوه أسماؤنا التاريخية (مع العلم بأن كل التسميات التاريخة مذكورة فيها) ولكن إذا كانت فعلا تسمية غير جيدة وسيئة أفهل هناك تسمية أخرى أحسن منها تستطيع أن تضمن جميع التسميات التاريخية وتعكس وحدتنا القومية؟؟ هنا نتذكر قول ونستن تشرتشل، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، عندما خسر الإنتخابات وقال"النظام الديموقراطي سيء ولكن لا يوجد أحسن منه".
سادساً" مع كل هذا التأييد في أستخدام هذه التسمية المركبة كطرح سياسي لوحدة مصالح شعبنا، فإن هذا يجب أن لا يمنع من إستخدام التسمية المفردة (الكلدان) أو (السريان) أو (الآشوريون) لكل من يرغب في ذلك ولكن بشرط التأكيد على أن أبناء التسميات الأخرى تشكل جميعاً قومية واحدة ذات مقومات معروفة. ويذكرني هذا الموضوع عندما ألتقيت بمطرانين من مطارنة كنيستنا المشرقية، كلداني وآشوري قبل سنوات عدة ودخلنا في نقاش حول التسمية المركبة التي أعتمدها زوعا في ممارستها وطروحاتها السياسية والقومية مع بقاء الحركة بالتسمية الآشورية. فقالا لو كانت زوعا جادة في هذه التسمية المركبة لكانت قد غيرت أسمها؟ فذكرت لهما في حينها بأن الحزب هو وسيلة أو أداة لتحقيق بعض الأهداف التي تخص مجموعة معينة يدعي بتمثيلها. فزوعا هو أداة تنظيمية لتحقيق أهداف ومصالح شعبنا الواحد المتمثل في التسمية المركبة. وحبذا لو تأسس بالمقابل الحركة الديموقراطية الكلدانية وتدعي تمثيل وحدة شعبنا تحت التسمية المركبة وتسعى لتحقيق مصالح الأمة بجميع مكوناته التسمية والطائفية وتدخل في تنافس ديموقراطي مع زوعا.
سابعاً: إذن من كل ماتقدم فإن جوهر الموضوع الذي يخص التسمية المركبة ونسعى إليه من طرح هذه التسمية الموحدة هو وحدة الأمة بجميع التسميات، أي المهم هو وحدة الأمة وليس التسميات التي ما هي إلا تعبير شكلي متاح في هذه الأيام لوحدة الأمة. هناك مثل قديم يقول (أن روما لم تبن في يوم واحد). والقراء اللبيب يكفيه هذا المثل.       

18
مأساة شعبنا "الكداني السرياني الآشوري"... تتكر... وتتكر… وتتكر!!!
=======================================
أبرم شبيرا

خلال الفترة الممتدة من 1838 ولغاية 1847 قام المجرم بدر خان أمير الجزيرة وبوهتان مع المجرم الآخر نور الله  بمجزة بحق الآشوريين في منطقتي هيكاري وتياري والتي أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 10,000 آشوري مع نهب وسلب وتدمير العشرات القرى ومعها قرية قوجانس مقر بطريرك الكنيسة الآشورية في هيكاري. وكان من بين القتلى ماليك أسماعيل (الأول) زعيم عشيرة تياري العليا بعد  أن جرح في المعركة وأسر ثم أقتيد إلى مير بدرخان الذي طلب منه إعتناق الإسلام  وتزوجيه بأجمل نساء الكورد غير أنه رفض وأهان بدرخان بقوله "بأنه لو طلق زوجاته وزوجه بهن فلا يترك دينه المسيحي ويعتنق الإسلام" فثار مير بدر خان غضباً وهيجاناً فطعن بسفه صدر ماليك إسماعيل بطعنات عديدة فأستشهد في الحال.  وفي تلك الفترة كانت العشائر الآشورية منقسمة إلى قسمين قسم معارض لمشاريع المجرم مير بدر خان والقسم الآخر وقف على الحياد أو أيد بعض من هذه المشاريع. غير أن ما أن أنتهى المجرم بدر خان من جريمته الشنعاء ضد الآشوريين المعارضين حتى ألتفت على العشائر الآشورية المحايدة والمؤيدة له فنكل بهم تنكيلاً وشردهم وأحرق قراهم كما فعل بالآشوريين المعارضين. ولم تهدأ الأوضاع إلا بعد أن تدخلت قوات الدولة العثمانية وبضغط من الدول الغربية وتحديداً بريطانيا فقضت على حركته ونفته إلى جزيرة نائية حتى مات هناك. ومن الجدير بالذكر بأن هناك العديد من الكتاب والمؤرخين والمفكرين المشهورين من أحفاد وأنسال مير بدر خان ومعظمهم أستعربوا ومنهم الكاتب والصحافي المعروف عبد الوهاب بدر خان والمخرجان المصريان علي وأحمد بدرخان، الزوج السابق للفنانة المصرية الراحلة سعاد حسني، وغيرهم. في بداية السبعينيات من القرن الماضي وأثناء زيارتي للمناضل ماليك ياقو ماليك إسماعيل في بغداد تطرق إلى هذا الموضوع وذكر بأنه عشية إنتهاء الحرب العالمية الثانية كان في زيارة لبيروت فزاره بعض من أحفاد مير بدر خان فأعتذروا له شخصيا عن المجازر التي أرتكبها جدهم الأول مير بدرخان ضد الآشوريين وعن قتله لوالد جد ماليك ياقو.

في عام 1915 أتخذ القيادة الآشورية بزعامة البطريرك الشهيد مار بنيامين شمعون قراراً بالوقوف إلى جانب الحلفاء ضد الدول العثمانية كسبيل للتخلص من الظلم والإستبداد والقتل الذي كانت تمارسه الدولة العثمانية وحلفاءها وولاتها ضد الآشوريين في حيكاري. وفي تلك الفترة وقف بعض العشائر الآشورية بالضد من قرار القيادة الآشورية وحتى بعض من أفراد عائلة البطريريك وعلى رأسهم عم البطريرك السيد نمرود بيت مار شمعون وذلك تماشياً مع موقف الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية التي أعلنت حيادها في الحرب حيث كان لعائلة السيد نمرود ميول كاثوليكية. فبعد مقتله في ظروف غامضة وركون أوزار الحرب تخلى الكثير منهم عن كنيسة المشرق الآشورية وأصبحوا من مؤمني الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية بما فهم ماليك قنبر زعيم عشيرة جيلو الذي كان صهر السيد نمرود وشكل عشية إنتهاء الحرب قوات كلدو آشورية وبمساعدة فرنسا. وخلال تلك الفترة أعلنت الدولة العثمانية الفرمان (ويعني باللغة التركية قرار) الخاص بإبادة الأرمن والذي شمل ايضاً المسيحيين خاصة الآشوريين منهم سواء المقاومين لظلمها أو المحايدين أو الميالين لسياستها المخادعة فكانت مذابح عام سيفو المعروف في التاريخ المظلم للأتراك الذي لم يستثنى أي مجموعة من المسيحيين من مذابح الأتراك ولم يسلموا من التشريد والنهب وتدمير القرى فشمل الجميع دون إستثناء وإن كانت بدرجات متفاوتة. وهنا من الضروري أن نذكر، ما سبق وأن ذكرناه في مناسبات سابقة عن أحد المبشرين الغربيين أثناء مذابح عام سيفو عندما قال للقائد التركي لماذا تقتل الآشوريين في حيث أن الفرمان يخص الأرمن فقط؟ فجاوبه القائد التركي قائلا "إنني لا أفرق بين الروث الجاف والروث الرطب، فكلاهما روث قذر وذو رائحة كريهة لا تحتمل".

في عام 1933 عندما طالب زعماء الحركة القومية الآشورية بقيادة البطريرك مار شمعون إيشاي، طيب الله ثراه، بعض المطاليب البسيطة قابلها تصعيد حميم وحقد وضغينة من قبل حكام النظام السياسي في العراق وبالنتيجى تم تهيئة كل الإستعدادات العسكرية والفكرية للقضاء على الآشوريين عن طريق تدبير مذبحة بحقهم والتي عرفت في التاريخ المظلم للعراق بـ "مذبحة سميل" لعام 1933 وما أعقبها من نتائج مؤلمة ومأساوية وعلى مختلف الأصعدة. وفي حينها أرتعب بعض الآشوريون من إستبداد السلطة كما نكث بعض زعماء العشائر الآشورية  بوعودهم في المشاركة مع قادة الحركة وفي مساندة ودعم المطاليب التي أعلنت عنها في مؤتمر سر عمادية عام 1932 فربطوا مصالحهم بمصالح النظام السياسي الإستبدادي في العراق. غير أن مذبحة سميل حرقت الأخضر واليابس ولم يستثنى مجرموها بين آشوري وآخر، بين مؤيد ومعارض، بين مشارك في الحركة والرافض لها، لا بل شملت المذابح والسلب والنهب وتدمير القرى بعض من أبناء شعبنا من الكنيسة الكلدانية، أي شملت معظم "الكفار" حسب نعت مجرمي مذبحة سميل للمسيحيين في العراق. فكانت برقيات استنكار الحركة الآشورية وإدانة البطريرك مار شمعون المرسلة من قبل بعض الآشوريين وزوعماءهم ورجال الكنيسة تنهال على الحكومة العراقية وعلى المنظمات الدولية والتي ثبت زيف وتزوير بعضها.

وقصة المنكوب كورييل البازي معروفة في هذا السياق المأساوي، فهو كان من أكثر المؤيدين للسلطة الحاكمة وأشد المعارضين للبطريك مار شمعون وبقية قادة الحركة الأشورية فلجأ إلى داره في مدينة نوهدرا (حاليا دهوك) أكثر من 80 من أبناء شعبنا ومن مختلف طوائف كنيسة المشرق والذين لم تكن لهم أية علاقة لا بالحركة ولا بقادتها بل طلباً للجوء والحماية من سطوة مرتكي جريمة سميل وفي بيت رجل عرف بموالاته وعلاقته القوية برجال سلطة النظام العراقي. وضمانة لهذه الولاء كان المنكوب كورييل يرفع علماً عراقياً فوق سطح داره كإشارة لكون الدار وساكنيها من مؤيد الحكومة العراقية. غير أنه كل هذا لم يمنع فقام مرتكبوا جريمة سميل بإقتحام داره والتكيل والقتل بكل الموجودين فيه وكان أولهم أبنه الشاب وليم ولم يسلم أحد من هذه الجريمة البشعة ويقال بأن القس الذي كان من بين الموجودين في الدار قد قتل ومثل بجسده وعلق رأساً على عقب بشجرة أمام الدار.

أطلب العذر من القارئ اللبيب عن ذكر هذه الحوادث المأساوية فالغرض منها ليس سردها فحسب لأنها معروفة ومتداولة كثيراً بكتابات ووثائق وتقارير وحتى بمسرحيات وأفلام. وهي من دون أدنى شك معروفة من قبل معظم زعماء أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية ورجال كنيستنا المشرقية ومن المؤكد قرأوا عنها كثيراً لا بل ربما كتبوا مقالات وكتب وأستمعوا إلى محاضرات عنها. لذا أكرر مرة أخرى وأقول بأن الغرض من هذه السطور ليس سرد هذه الحوادث بل الغرض الأساسي منها هو الدروس التاريخية المشتركة بينها والتي يمكن إستنتاجها، ونحن نعرف دراسة التاريخ والإستفادة من دروسه يمهد طريق الحاضر وينور الدروب ويجنب نتائجها السلبية للحيلولة دون تكرارها في الحاضر. وهنا نسأل، لا زعماء أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية ورجال كنيستنا، بل أي شخص عادي جداً ولا أقول تلميذ مبتدأ، عن الدروس المستنبطة من هذه الحوادث. فعلى الفور سيكون الجواب: صحيح أنه كان هناك ظروف موضوعية مأساوية خارجة عن إرادة شعبنا ولكن على الجانب الآخر من الظروف الذاتية سيكون الجواب هو بأن بين كل هذه الحوادث المأساوية هناك عوامل مشتركة يمكن تلخيصها بمايلي:
•   الفرقة بين قادة شعبنا وبالتالي تمزق شعبنا وضياعه في متاهات غير محددة أو مجهولة الأهداف.
•   عجز قادة شعبنا بالكامل عن الوصول حتى إلى الحد الأدنى من المصلحة العامة لشعبنا.
•   تعدد الإنتماءات لقادة شعبنا وكل حسب مصلحته الخاصة دون إعتبار للمصلحة العامة

 من المؤسف له أن لا يتعلم قادتنا القوميين والكنسيين من دروس التاريخ، ولقد قيل ونقول هنا أيضا بأن من يتعثر بالحجر مرتين هو جاهل. ولقد تبين من الحوادث المأساوية السالفة الذكر بأن شعبنا وقادته لم يتعلموا من الدروس فأستمرت المأساة والفواجع متتالية تنكل وتقتل وتهجر شعبنا نحو المجهول. ومن المؤسف جداً أيضا في هذه الأيام لم يتعلم قادة أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية والكنسية من دروس الماضي المؤلم بل أستمروا على نفس المنوال المأساوي الناجم عن التفرقة وعدم القدرة على الإتفاق حتى على الحد الأدنى لمصلحة أبناء شعبنا في أرض الوطن وعلى تشتيت إنتماءاتهم وتحالفاتهم بين جهات مختلفة لا بل ومتحاربة. فاليوم معظم أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية وحتى رجال كنيستنا ضائعون في التفرقة والإنتماءات وفي الحروب الحقيقية والفكرية والتحزبية والمصلحية الدائرة بين الكبار. فعندما نصبح، ونحن قومية صغيرة لا حول لنا ولا قوة لا بل لا صديق ولامؤيد، متورطين في حروب الكبار فلا محال من أن مأساتنا ستتعاظم وستتكر وتستمر. فالصراع السياسي والفكري وحتى العسكري بين حكومة إقليم "كردستان" في أربئيلو (أربيل حاليا) والحكومة المركزية في بغداد وتجاذب إنتماء قادة أحزابنا السياسية تجاه هذه الحكومة أو تلك لهو أمراً محتوماً بنتائج مأساوية مفجعة وسيحاسبهم التاريخ على توريط شعبنا في هذه المعارك الخاسرة كما نحاسب اليوم قادة الأمس الذين كانوا سبباً من أسباب مأساة شعبنا وتكرارها وبشكل مستمر حتى يومنا هذا. والأنكى من كل هذا فهناك ذرات طباشير تتطاير في سماء العراق عن خطة متفق عليها من خلف الستار بين المتحاربين عن تقسيم سهل نينوى بين حكومة الإقليم والحكومة الفدرالية وهو الأمر الذي يعني تمزق شعبنا كما تمزق في الماضي بين الأقاليم والدول المختلفة والمتخاصمة ويضيف مأساة أخرى على ماساتنا التاريخية عندما يزداد شعبنا تمزقاً وتشتتاً بين جهتين متعاديتن، لايطيق بعضه البعض، أي بعبارة أخرى سينحبس شعبنا في مناطق غير مستقرة والتي سميت متنازع عليها والأحتمال كبير أن تكون متحارب عليها في المستقبل القادم فيما إذا بقيت نفسية وأفكار الطرفين متناقضة وغير قادرة على الألتقاء على منصة واحدة تخدم الجميع بما فيها أبناء شعبنا. ومن الملاحظ بأن هناك تكاثف لبعض ذرات الطباشير وتكشف عن هذه الخطة المستورة خاصة عندما أنسحبت قوات البيشمركة من هذه المناطق والسماح للقوات المسلحة الفدرالية ومليشياتها الدخول وبسهول وأريحية من دون إي إعتراض أو مقاومة من قبل البيشمركة وهو الأمر الذي يذكرنا بإنسحاب البيشمركة من بلدات شعبنا في سهل نينوى والسماح لداعش الإجرامي من إحتلالها في صيف عام 2014. وهو السيناريو المفضوح الذي من المؤكد سيتبعه مفاوضات بين الطرفين بعد أن كان سداً منعياً يحول دونها ويصبح شعبنا في كل الأحوال ضحية الحروب والمفاوضات معاً لأنه مع الأسف الشديد جعل قادة أحزابنا ومنظماتنا القومية بإنتماءاتهم المتعددة وعدم توحدهم بخطاب موحد جلعوا من وزن شعبنا الصفر في معادلة هذه الأطراف.

إذن بالأمس وحتى اليوم تستمر وتتكر مأساتنا وعلى نفس المنوال من الأخطاء وعدم التعلم من دروس الماضي ولا يمكن التخلص منها أو التخفيف عنها إلا بالتنحي عنها والخروج منها وعدم إستمرار توريط شعبنا في هذه المنازعات والمناكفات بين الكبار المتحكمين في مقدرات وطننا التاريخي والكف عن التجاذبات نحو الكبار فهي مجرد تحالفات خاسرة ونصيب شعبنا منها هو الصفر وبالتالي تعاظم وتكرار نفس المأساة. ولكن، طالما أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية هي جزء أو تابع لهذا الطرف أو ذاك فإن أمر الخروج من حلقة صراع الكبار يصبح أمراً مستحيلاً مالم تنعتق من هذه الإنتماءات والتحالفات السقيمة ويصبح قرارها مستقلاً ليشكل نقطة إنطلاق نحو التقارب والتفاهيم بين أحزابنا السياسية ووضع الحد الأدنى للمصحلة القومية. وليس هناك طريق لإنعتاق هذه قيادة من التجاذبات نحو هذا المركز أو ذاك إلا بقطع الصلة مع النظام الذي يقوم عليه هذا الطرف أو ذاك، أي بعبارة أخرى ترك المناصب والمراكز الديكورية الشكلية التي يجلس عليها "ممثلي شعبنا" سواء في البرلمان المركزي أو الإقليم وتشكيل مجلس أعلى لشعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" ليتولى أمور شعبنا بعد أن يكون بعملهم الشجاع هذا قد خلقوا وزنا لشعبنا أكثر مما هو من الصفر والذي من المؤكد سيكون له وزناً معتبراً في حسابات الكبار. وهو الموضوع الذي سبق وأن تطرقنا إليه مراراً وتكراراً. ولكن من المؤكد غيري يعرف قبل أن أعرف أنا شخصياً بأن مسألة الجلوس على الكرسي المترهل في البرلمانين مرتطب بالتمام والكمال أما بالمصلحة الشخصية أو الحزبية ولا يمكن أن يتحقق هذا مالم ينتزع هؤلاء رداء المصحلة الخاصة والحزبية واللجوء إلى المصلحة القومية العامة.... وأخيراً أكيد هناك بعض من أصحابي النجباء سيقول ... ترى أليس هذا حلم من أحلامك الوردية ؟؟؟ أقول لهم، أشكر ربنا على أعطاءنا موهبة الحلم بالتمنيات التي نعجز عن تحقيقها في الواقع العملي... ومن يدري ربما سنصحو يوماً من الأيام، قريباً أكان أم بعيدا، من هذه الأحلام ونتفاجئ بأنها فعلا حق وحقيقة على أرض الواقع العملي.
إذا كنَا نريد التقدم ... فلنتحد

معلم الفكر القومي الوحدوي نعوم فائق
--------------------------------------------------------

19
مائة عام (1917-2017) من إستمرار الوجود الآشوري في المهجر
---------------------------------------

الجمعية الآشورية الأمريكية في شيكاغو

Assyrian American Association of Chicago
----------------------------------------





 

أبرم شبيرا
في كل عام عندما أزور شيكاغو – الولايات المتحدة لا يفوتي إلا أن أزور الجمعية الآشورية الأمريكية (القومية) ولا تكتمل متعتي إلا عندما ألتقي بأبناء أمتي هناك ونستمتع ونستفيد من المناقشات القومية والسياسية والثقافية وتبادل الإفكار والأراء سواء مع رئيس وأعضاء الجمعية أم مع غيرهم من الأعضاء الذين يقابلوننا بأستقبال حميم وبكرم نبيل لتستمر المتعة الفكرية والإجتماعية حتى بعد منتصف الليل. وأثناء زيارتنا الأخير أنا والإعلامي المعروف ولسن يونان من أستراليا في  الصيف الماضي ( آب - أغسطس ) 2017، وجدنا جميع أعضاء النادي من رئيسها وهيئتها الإدارية وغيرهم منهمكين للإستعداد والتحضير لإحتفال كبير ومتعدد الفعاليات بالذكرى المؤية لتأسيسها (1917 – 2017) والتي ستقام خلال ثلاثة أيام 13 و 14 و 15 من هذا الشهر (تشرين الأول).

ولسن يونان وأبرم شبيرا في آخر لقاء الصيف الماضي مع رئيس الجمعية وبعض أعضاء هيئتها الإدارية
---------------------------------------------
وفي حينها كنت قد وعدت رئيس النادي وأعضاءها بأنني ردا وإستجابة لكرمهم النبيل وإستقبالهم الحميم الدائم لنا أثناء زيارتي للجمعية وإحتفاءاً بهذه المناسبة الفريدة من نوعها في تاريخنا القومي بأنني سأكتب بعض السطور عن  هذا الحدث الذي نادراً ما نراه في أيامنا هذه، ولكن يظهر بأن الزميل والصديق والناشط أنطوان الصنا كان أشطر مني بكثير حيث سبقني في هذه المهمة فزين هذه الذكرى بسطور ذهبية معطرة عن الجمعية وتأسيسها من قبل الرواد القوميين الآشوريين منذ بداية القرن الماضي. للأطلاع على الموضوع المنشور في موقع عنكاوه  أنظر الرابط:
 http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=855707.0

 أن صديقنا الكاتب الكبير أنطوان الصنا وإن كان قد عفاني من الكتابة بشكل مفصل عن المناسبة إلا أن الوعد الذي قطعته لرئيس الجمعية وأعضاءها هو وعد ونحن نعرف الوعد دين على المرء الحر ويجب إيفاءه . لذلك قررت أن أكتب بعض السطور وأحتفي بهذه المناسبة من جانب آخر قائم على بيان مدى أهمية وجود مؤسسات وجمعيات وأحزاب سياسية ومنظمات قومية في مجتمعنا كدليل على وجود أمتنا وأستمرارها نحو أماد أبعد كما هو الحال مع الجمعية الآشورية الأمريكية في شيكاغو وهي تحتفل بالذكرى المؤية لتأسيسها. وإنطلاقا من هذه القاعدة أقول:

المجتمع ليس تراكم كمي أو قطيع لعدد من الأفراد، بل يستوجب في نشوء أي مجتمع وجود مجموعة من علاقات اجتماعية تنشأ بين الأفراد من جراء التعامل بينهما والتي تعرف هذه العملية بـ "التفاعل الاجتماعي" هدفها  تحقيق الصالح العام والتي تؤدي بدورها إلى ظهور ما يعرف في علم الاجتماع بـ "الجماعة البسيطة" مثل الأسرة والعشيرة والقبيلة، وفي أيامنا هذه مثل الأندية والجمعيات والمنظمات والأحزاب السياسية والأخويات الكنسية وغيرها. ويتصف هذا النوع من الجماعة بعلاقات بسيطة ومباشرة بين أفرادها تقوم على قاعدة عدم التساوي والتماثل في الواجبات والمسؤوليات، وهي القاعدة التي تخلق تفاوت في مكانة كل فرد من أفراد الجماعة والتي تؤدي بالنتيجة إلى ظهور الزعامة أو الرئاسة المتمثلة في الأب أو رئيس القبيلة أو زعيم العشيرة أو رئيس النادي أو الجمعية والذي هو الآخر تكون علاقته مع بقية أفراد الجماعة التابع لها علاقة بسيطة ومباشرة. والجماعات البسيطة، خاصة المتقاربة منها، تلجأ إلى الدخول في علاقات فيما بينها من أجل تحقيق المصالح والأهداف المشتركة فينتج عن ذلك ظهور ما يعرف بـ "الجماعة المركبة" مثل المجموعات السكانية الكبيرة والمجتمعات القومية والمؤسسات العامة والشاملة ومنها أيضا المؤسسات السياسية، والدولة هي أرقى أشكال هذه المؤسسات.

وأثناء هذه العملية، والتي تعرف أيضا بـ "التفاعل الاجتماعي"، تلجاً الجماعات البسيطة وبإختيارها إلى التنازل طوعاً عن بعض من مصالحها الخاصة من أجل خلق المصلحة العامة المشتركة. ولأجل حماية هذه المصلحة العامة تبدأ الجماعة المركبة بالعمل لإظهار ملامحها وخصائصها ومميزاتها العامة المشتركة وتميزها عن غيرها من الجماعات. وخلال عملية تنازل الجماعات البسيطة عن جزء من مصالحها الخاصة من أجل المصلحة العامة  ينشأ نوع من علاقة معقدة بين الجماعات البسيطة تقوم على قاعدة (تعاون/تنافس). فكلما ازداد استعداد الجماعة البسيطة للتنازل بقدر أكبر من مصالحها الخاصة أو تكيفيها مع المصلحة العامة يميل توازن هذه القاعدة لصالح التعاون، فتزداد روح الجماعة في المجتمع ويتعزز وجودها ويتماسك كيانها وتبرز خصائصها العامة بشكل أكثر وضوحاً وتمييزاً عن غيرها من الجماعات. وعلى العكس من هذا تماماً، فكلما تمسكت الجماعة البسيطة بمصالحها الخاصة وقل استعدادها للتنازل عنها أو الجزء المطلوب التنازل عنه، يختل توازن قاعدة (تعاون/تنافس) لصالح التنافس فتزداد روح الأنانية ونزعات التمسك بالمصالح الخاصة وتفضيلها على المصلحة العامة ومن ثم يتعرض وجود المجتمع إلى التفكك أو اهتزاز هويته وبالتالي صعوبة تحقيق المصلحة العامة.

هذه القاعدة النظرية تنطبق بأجل صورها على المجتمع الآشوري وتحديدا في المهجر، موضوع بحثنا هذا ونحن نتطرق إلى الذكرى المؤية لتأسيس الجمعية. فوجود مثل هذه المؤسسات والجمعيات، والتي هي وحدات ثانوية، هي تجسيد لوجود الأمة والتي هي بنية رئيسية كمجتمع متميز وقائم بذاته يختلف من نواحي عديدة عن غيره من المجتمعات المتعددة في بلدان المهجر. ليس هذا فحسب بل أن إستمرار هذه الجمعيات لفترة طويلة لا يعني إلا إستمرار وتواصل وجود الأمة والأكثر من هذا فإن وجود هذه الجمعيات وتواصلها لعقود طويلة هو تعبير عن وجود وعي متميز أو قومي في المجتمع يكون ظاهراً وملوساً من خلال النشاطات القومية والثقافية التي تقوم بها. وبعبارة أخرى يمكن القول: كلما كان هناك مؤسسات وجمعيات وأحزاب ومنظمات قومية كلما يعني وجود وعي قومي في المجتمع. وكلما تواصلت وأستمرت هذه الجمعيات نحو عقود طويلة وقامت بنشاطات تعكس هوية المجتمع كلما يعني إستمرار الوعي القومي نحو تحقيق المصلحة العامة للمجتمع.

ولو أعتمدنا على هذه البديهية في البحث عن علاقة الجمعيات بالوجود وبالوعي القومي في المهجر نرى بأنه خلال العقود الماضية من سنوات القرن الماضي، من بدايته وحتى نهايته، كان مستوى الوعي القومي في المهجر بدرجة عالية وملموس إن لم نقل كان في قمته ومتجسد في مختلف النشاطات القومية المكثفة لعدد كبير من الجمعيات والمؤسسات والأحزاب الآشورية. ولو حاولنا مقارنة تلك السنوات الذهبية بسنوات القرن الحادي والعشرين نرى بأن هناك تدني واضح وإنحطاط إن لم نقل كارثة في مستوى النشاطات القومية والوعي القومي في المجتمع الآشوري في المهجر. ومرجع ذلك هو بالأساس إختفاء الكثير من الجمعيات والمؤسسات والأحزاب في المهجر وحتى الباقي منها فهي لا تتعدى كونها مجرد عنوان أو رقم صندوق البريد ولا غيرها. ولو أخذنا مدينة شيكاغو، كنًا في السنوات الماضية نجد فيها العديد من المنظمات والجمعيات والأحزاب السياسية لها مقرات ومراكز معروفة وتقوم بنشاطات قومية ومحاضرات وندوات عديدة وعلى مختلف الأصعدة ولها مكانة محترمة في المجتمع ومعترف بها من قبل السلطات المحلية والفدرالية. أما في هذه الأيام فالأمر "مخزي"  فإن معظمها أن لم نقل جميعها قد أختفت أو إنكمشت في صندوق بريد ونادرا ما نسمع نشاط ثقافي أو مهرجان فني أو محاضرة في السنة الواحد وإن كان فهو أستثناء ولا يحضره غير عدد قليل جدا من أبناء شعبنا.

ضمن هذه الظروف المأساوية في الواقع والوعي القومي في المهجر وتحديداً في شيكاغو تأتي أهمية وجود وإستمرار الجمعية الآشورية الأمريكية القومية وهي تحتفي بالذكرى المؤية لتأسيسها، وهي الجمعية الوحيدة في شيكاغو ذات النفع العام لمجتمع آشوري يقال بأن نفوسه يتجاوز 80 ألف شخص، المعتمدة على نفسها ومن دون إعانات حكومية أو تبرعات أو مساعدات خيرية. فضمن هذه الظروف المأساوية يصعب جداً على هذه الجمعية ومن يقوم بإدارة شؤونها بإبقاءها قائمة في المجتمع الآشوري وتمشية أمورها وبموارد وإمكانيات شحيحة وفي مجتمع واسع ومتطور ومتسارع ومتعدد الثقافات الذي هو بمثابة "بوتقة" إنصار للثقافات الصغيرة، كما هو الحال في الولايات المتحدة. وهو الأمر الذي يتطلبه إمكانيات عديدة مالية وفكرية وثقافية  في أدارتها وتحمل المسؤوليات وبذل جهود مضنية للحفاظ على الوجود القومي الآشوري في مثل هذه المجتمعات الكبيرة. وما يزيد الطين بلة وأكثر مأساوية هو تعرض هذه الجمعية العتيدة والمسؤولين عن إدارتها إلى إنتقادات حادة ذات صفة تهجمية قائمة على حجج واهية وغير معقولة وهي ليست إلا إنعكاس لتدني مستوى الوعي القومي الصحيح في المهجر وظاهرة من ظواهر التهرب من تحمل المسؤوليات العامة في المؤسسات والجمعيات القومية خاصة تهرب المثقفين والمتمكين و"المتقومنين" من الإسهام بإمكانياتهم في نشاطات هذه الجمعية وتطويرها نحو الأحسن. والأنكى من كل هذا، نرى الكثير من أبناء شعبنا في شيكاغو يرتادون الجمعيات والأندية غير الآشورية أو يقضون أماسي في مطاعم وبارات المدينة ويصرفون مبالغ كبيرة بعض الشيء في الوقت الذي تكون أبواب الجمعية مفتوحة للجميع وتوفر أحسن الخدمات والأطعمة والمشروبات وبأسعار معقولة أكثر بكثير من الأماكن الأخرى التي يرتادونها هؤلاء. وهذا الأمر هو الذي جعل من الجمعية أن تقتصر نشاطاتها الإجتماعية على يومين في الأسبوع وأن تكون نشاطاتها الإعلامية من خلال الإذاعة المحلية قاصرة على ساعات قليلة وعلى بعض النشاطات الثقافية والسياسية في المناسبات القومية المعروفة.

وأخير، مهما قلنا عن هذه الجمعية وأظهرنا بعض من سلبياتها وتقاعسها عن القيام بالعديد من النشاطات القومية والثقافية والفكرية فإن العتب كل العتب واللوم لا يقع على من تحمل مسؤولية إدارتها بل على المجتمع الآشوري في المهجر وعلى أبناءه خاصة المثقفين والمفكرين ومنهم الذين يتغنون ليل نهار بالقومية وبـ "تحرير آشور" من الأجنبي المحتل في الوقت الذي لا يستطيعون تحرير أنفسهم من أمراضهم الفكرية والإجتماعية كالتهرب من تحمل المسؤولية واللامبالات والتسيب وعجزهم عن الخروج من قوقعتهم الكلامية نحو ساحة العمل القومي الحقيقي. نعم ... وكل النعم... نقول للجمعية الآشورية الأمريكية القومية ولرئيسها وأعضاء هيئة إدارتها ولجميع أعضاءها والمرتادين لها ألف مبروك على هذه الذكرى المؤية العظيمة والفريدة في تاريخنا المعاصر، ونأمل من أحفاد أحفادنا أن يحتفلوا بالذكرى المئتين لتأسيسها ليثبوا إستمرار وتواصل وجودنا القومي في المهجر نحو أماد أبعد و أبعد... إلى اللقاء في الصيف القادم.             

Assyrian  American  Association  of  Chicago  is  a non-for-profit educational,  cultural  and  charitable  organization




20
أين مصداقية قادة الكورد بين ”الوثيقة السياسية لضمان حقوق المكونات القومية والدينية في كوردستان” وإزاحة مدير ناحية ألقوش وقائمقام قضاء تلكيف من منصبهما؟
==============================================
أبرم شبيرا

في منتصف شهر تموز الماضي من هذا العام أزيح مدير ناحية ألقوش السيد فائز عبد جهوري من منصبه من قبل مجلس ناحية ألقوش. ولم تمضي أكثر من أسبوعين حتى تم إزاحة قائممقام قضاء تلكيف السيد باسم بلو من قبل مجلس قضاء تكليف. ومن المعروف بأن أعضاء الحزب الديموقراطي الكوردستاني (البارتي) يهيمنون على كلا المجلسين ويأتمرون بأوامر قادة حزبهم. وعلى الرغم من الإحتجاجات والإدانات من قبل أبناء شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" لهذين القرارين المجحفين بحقهما إلا أنها لم تفلح بنتيجة مثمرة فمضى كلا المجلسان بتعيين مدير ناحية جديد لألقوش وقائمقام جديد لتكليف ومن الموالين أو الأعضاء في الحزب البارتي ومن مسيحيي أهالي المنطقتين كسياسة ذر الرماد في العيون المتبعة في المنطقة من قبل الحزب البارتي تجاه أبناء شعبنا وكوسيلة من وسائله في تكريد مناطق شعبنا التاريخية وعن طريق تجنيد أفراد من شعبنا لهذه المهمة.

ومهما قيل من مبررات وحجج وأسباب عن إقالة السيدين فائز وباسم مثل "حسب مقتضيات المصلحة العامة" أو بسبب الفساد فإنها لا تقوى ولاتصمد أمام الحقيقة التاريخية لخلفيتهما الشخصية والوظيفية من نزاهة وإخلاص وتفاني وكفاءة طيلة سنوات خدمتهم في منصبهم الرسمي، لا بل تسقط كل هذه التبريرات والأسباب عند النظر إليها  من خلال فترة الحملات التي قام بها البارتي في تسويق الإستفتاء في مناطق شعبنا وعن طريق إزاحة الرافضين لشمول هذه المناطق بالإستفتاء ومنهم السيدين فائز وباسم والمجئ بغيرهما المؤيدين لهذه السياسة البارتية.

هذا من جهة إبعاد الرافضين لشمول مناطقنا بالإستفتاء، أما من الجهة الأخرى المتمثلة في "الوثيقة السياسية لضمان حقوق المكونات القومية والدينية في كوردستان" والتي شملت أيضا شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" فعلى الرغم من الهشاشة القانونية لهذه الوثيقة وإفتقارها إلى عنصر الضمان السياسي والتشريعي وإلى عنصر الألزام الرسمي لها وبالتالي فهي لا تعدو إلا كونها كلمات منمقة، فأنها من جهة أخرى تخلق تناقض صارخ بينها وبين أزاحة السيدين فائز وباسم من منصبهما وتلزمنا أن نفهم توجهات قادة الكورد تجاه شعبنا من خلال سياسة "العصا والجزرة". وهي السياسة القذرة المتبعة من قبل الأنظمة الإستبدادية في تطويع المعاضرين لها والتي أستخدمها نظام البعث المقبور في العراق تجاه شعبنا أثناء حكمه. ففي الوقت الذي كان نظام البعث المقبور يشرع قوانين عن الحقوق الثقافية والإدارية لشعبنا ويتودد لرجال الدين ويفسح المجال لبعض "يهوذا الأسخريوطي" للترشيح لبرلمانه كان من جهة أخرى يحرم على شعبنا التعلم بلغته القومية ويسعى لإمحاء وجوده القومي وصهره في بوتقة الأمة العربية ويسجن المطالبين بحقوقنا و يعلقهم على المشانق. السؤال هو لماذا كان نظام البعث المقبور يلجأ إلى هذه السياسة للقضاء على شعبنا وإمحاء وجوده القومي رغم أنه كان ولا يزال معروفاً لكل العالم وبالدرجة الأولى للنظام نفسه بأننا قومية صغيرة من بين القوميات العراقية الأخرى وشعب مسالم ووطني لا يسعى إلا خدمة الوطن وأن كل مطاليبه القومية كانت ضمن الأطار الوطني لمجموع الشعب العراقي ولا تشكل أي خطراً على أحد. فالجواب لا نجده إلا في طبيعة الفكر الدكتاتوري الذي من طبيعته مقاومة كل من هو مختلف وخارج إطار هذا الفكر ويسعى للقضاء عليه وإمحاءه من الوجود. لا بل ففي الكثير من الأحيان يصل الأمر إلى الحافات القصوى فيلجأ الحاكم الدكتاتوري إلى القضاء على أتباعه وعلى أقرب المقربين إليه  فيمتد ظلمه وإستبداده حتى إلى أفراد عائلته ويصبح في وضع لا يثق بأحد مهما كان قريباً منه وفي أحيان أخرى يصبح فاقد الثقة حتى بنفسه خاصة عندما تصل هذه الثقة إلى مستوى الثقة العمياء بالنفس التي تحجب عن عقله الحقيقة الواقعية ويصعب قراءة الواقع بشكله الصحيح، فكيف والحال مع شعبنا الذي كان يختلف عنه قومياً ودينيا وثقافياً وإجتماعياً وحضارياً وحتى نفسياً؟ فالقضاء على مبررات وجوده يكون من أولى أوليات الحاكم المستبد.

قد يقول البعض بأن من الظلم والإجحاف مقارنة قادة الكورد أو النظام السياسي في الإقليم أو الفكر القومي الكوردي بنظام البعث المقبور وبالفكر القومي البعثي الإستبدادي من خلال سياسة "العصا والجزرة". وقد يكون لمثل هذا القول جانب من الصحة خاصة عندما نعرف بأن هناك خلفية نضالية طويلة بين الشعب الكوردي وشعبنا وأمتزجت دماء كلا الشعبين على طريق النضال ومقاومة الأنظمة الإستبدادية التي تعاقبت على الحكم في العراق كما أشتركا كلا الشعبين في المعاناة والمأساة والظلم والأنفال. ولكن مما يؤسف له بأن بعض الممارسات الخاطئة والتي تغفل القيادة الكوردية النظر عنها تشوب هذه العلاقة التاريخية ويجعل من الواقع الحالي والمستقبل أمران يثار حولهما الكثير من التساؤلات عن مدى تحمل شعبنا لهذه السياسة الخاطئة والقائمة على "العصا والجزرة"؟. هذه السياسة تفتح الطريق نحو خلق عقلية لدى أبناء شعبنا تقوم على فقدان أو ضعف الثقة بالقيادة الكوردية في المسائل المتعلقة بحقوق شعبنا في الإقليم. لا بل والأكثر من هذا، فهذه السياسة تجعل من البعض من أبناء شعبنا أن ينظر إلى العلاقات النضالية التاريخية المشتركة مع الشعب الكوردي بنوع من الأسف والحسرة لدرجة يعتقد بأن الدماء الزكية للشهداء أمثال هرمز ماليك جكو وفرنسو الحريري والمئات غيرهم التي أريقت على طريق النضال المشترك ذهبت أدراج الرياح ولم تقدر وتثمن ولم تنعكس على جوانب إيجابية في السياسة الكوردية تجاه شعبنا. في الوقت الذي نرى بأن بعض الكورد الذين كانوا بالأمس قادة "جحوش" لنظام البعث يقاتلون مناضلي الحركة القومية الكوردية نراهم اليوم جالسين جنباً إلى جنب مع قادة الكورد ويتلذلون بالأمتيازات التي وفرت لهم. وللحق أقول بأن هذه السياسة تجعل مكان وموقف بعض من أبناء شعبنا المنتمين للبارتي والمؤيدين لسياسته محرجاً وموضع شك وتصبح تصريحاتهم وممارستهم في أنهم أنتموا أو أيدوا البارتي لغرض خدمة أبناء شعبنا، كما كان يفعل بعض من أبناء شعبنا الذين كانوا منتمين لحزب البعث، مجرد كذب لا ينطوي على الخيرين والمخلصين. فالمثل يقول "ليس بإمكان الفرد أن يخدم سيدين أثنين في آن واحد".

 أين هي مصداقية قادة الكورد عندما يخلقون أحزاب من "نفر" قليل من أبناء شعبنا ويتوددون إليهم ويجلسونهم معهم في قاعات المؤتمرات واللجان والهيئات الحكومية وغير الحكومية والدولية كسياسة وأسلوب لإزاحة البساط من تحت أقدام الأحزاب الحقيقية والصميمية لأبناء شعبنا، خاصة الأحزاب التي أشتركت مع الأحزاب الكوردية في النضال ضد الأنظمة الإستبدادية كالحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) وقدمت الشهداء في مسيرة هذا النضال؟ قادة الكورد يعرفون جيداً وأكثر مما يعرفه أبناء شعبنا بأن زوعا حزب سياسي صميمي ومستقل في قراره وفاعل وقادر على الإسهام في بناء الديموقراطية والتعددية في الإقليم جنباً إلى جنب مع الكورد ويستطيع أن يعمل أكثر بكثير من أحزاب الدمى والمخلوقة من قبلهم التي تستخدم كديكور لديموقراطيتهم. إذن فلماذا يهمش قادة الكورد وتحديداً البارتي زوعا ويطرحه خارج العملية السياسية البناءة بمجرد أنه أختلف معه في نقطة معينة أو لم يتفق مع نهج محدد للسياسة القومية الكوردية والتي يستغلها البعض من المتصيدين في المياه العكرة لتهويل وتضخيم هذا الإختلاف على أنه "طلاق بدون رجعة". إننا على يقين تام بأن لو إستجاب قادة الكورد لأقصى مطاليب شعبنا وعالجوا بصدق وصراحة السياسات الخاطئة تجاهه فإن هذا لا يشكل إطلاقاً أي تهديد أو شائبة في المسيرة النضالية القومية للكورد بل يشكل عامل إستقرار وتقدم للمنطقة خاصة والكورد مقبلين على بناء دولتهم الفتية التي لا يمكن أن تنضج وتتقدم مالم تسير على المسار الديموقراطي والتقدمي الصحيح وتنال إحترام وتأييد الدول الأخرى والمنظمات الدولية مدركين كل الإدراك بأن قيام دولة مستقلة يعني الدخول في إلتزامات قانونية ورقابية دولية وبعكسه ستصبح خارج المنظومة الدولية ويصعب لا بل يستحيل أن تكتسب عضوية فاعلة ومحترمة في هذه المنظمات ويصبح حالها كحال بعض الأنظمة السياسية في المنطقة التي تدعي بالديموقراطية ولكن في الحقيقة والواقع هي دول إستبدادية حتى النخاع.

نقولها وبملئ الفم بأن الدولة المزمع إقامتها من قبل الكورد، والبوادر الواقعية تشير إلى قيامها رغم التحديات الخطيرة، لا يمكن أن تدوم لها الحياة بشكلها الديموقراطي وبموقع إستثنائي محترم في مقارنتها مع الدول المجاورة ما لم تسترجع مصداقيتها تجاه شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري"" الشعب المتحضر وصاحب أعظم حضارة في التاريخ. وليعلم الجميع ومنهم قادة الكورد بأن خسارة شعب طيب ومتحضر كشعبنا هو سيكون خسارة حقيقية وكارثية للكورد قبل غيرهم. فالتاريخ أثبت والواقع يثبت أيضا بأن الكثير من الدول والشعوب تقدمت وتطورت لأنها تجاورت أو تعايشت مع شعوب متحضرة. وليتأكد الجميع وفي مقدمتهم قادة الكورد بأن إسترجاع هذه المصداقية ووضع تعامهم مع أبناء شعبنا وأحزابه الصميمية على المسار الديموقراطي الصحيح سيكون ذلك رصيداً غنياً للدولة الفتية ومصدراً مهماً في تحضرها وتقدمها. فللكورد تجارب تاريخية نضالية مع شعبنا ومع حركتنا القومية وعرف مدى إخلاصهم وتفانيهم من أجل القضية العادلة وكفاءتهم العالية في مختلف المجالات، أفليس هذا كافياً لقادة الكورد لتعديل سياستهم تجاه أبناء شعبنا في المنطقة ومعالجة الأخطاء المتراكمة إذا كانوا فعلاً يسعون لبناء دولة ديموقراطية تقدمية ومتحضرة تكون مثالاً جيداً لبقية دولة المنطقة؟

                 



21
رسالة من بعيد إلى السيدان حيدر العبادي ومسعود البارزاني:
----------------------------------

تجميد الإستفتاء لا إلغاءه أو إبقاءه
======================
أبرم شبيرا

فاز الإستفتاء في إقليم "كوردستان" بنسبة كبيرة جداً وهي 92.73%، وهذه النسبة هي، على الأقل من الناحية الرسمية، تعبير جامح وواضح عن إرادة الشعب "الكوردستاني" بالإستقلال عن الدولة العراقية. بالمقابل رفضت الحكومة العراقية هذا الإستفتاء وقامت بأجراءات مضادة للحيلولة دون تفعيله وطالب رئيس مجلس الوزراء السيد حيدر العبادي إلغاء الإستفتاء كشرط أساسي وأولي للدخول في المفاوضات مع حكومة إقليم "كوردستان" لحل المشاكل العالقة. 

بالمقابل رفض السيد مسعود الباررزاني وحكومته وبرلمانه طلب السيد حيدر العبادي في إلغاء الإستفتاء لأن هذا لا يعني إلا إلغاء إرادة شعب برمته تقريبا، وهو أمر أكثر من مستحيل ولا يمكن للسيد مسعود البارزاني إصدار قرار بإلغاءه لأن إلغاء إرادة شعبه يعني من جهة أخرى فقدان مصداقيته وخيانة الأمانة كرئيس لشعبه.  كما أن إلغاء الإستفتاء أي إلغاء إرادة الشعب الكردستاني الذي هو جزء من الشعب العراقي، كما يصرح بذلك السيد حيدر العبادي ويؤكد إستعداده للدفاع عنه سيكون سبباً في فقدان مصداقيته أيضا. وتخفيفاً لحدة الخلاف بين الأثنين والخروج من المأزق أكدت حكومة الإقليم وعلى رأسها السيد مسعود البارزاني بأن هذا الإستفتاء لا يعني تطبيقه مباشرة والبدء بالإجراءات الخاصة بالإستقلال عن الدولة العراقية بل هذا يتطلب عدة سنوات لتطبيقه على أرض الواقع. وبالمقابل رفض السيد حيدر العبادي هذه التفسيرات وأصر على ضرورة إلغاء الإستفتاء كشرط للدخول في مباحثات حول المسائل العالقة بين الأثنين، لأنه من الواضح وجود هذا الإستفتاء أثناء المباحثات سيشكل قوة ضغط على الحكومة العراقية وسند قوي من الطرف الأول على الطرف الثاني وسيشكل خط رجعة لحكومة الإقليم عند فشل المباحثات. كما أن بقاء هذا الإستفتاء الذي سيحوم في سماء المفاوضات سيزيد من أمر تعقيد المباحثات ويأخذ مساحات زمنية طويلة وسوف يحصر حكومة السيد عبادي في زواية ضيقة تحرمه من البدائل الوصول إلى حل مقبول يحفظ وحدة العراق.

إذن بين إصرار وعناد الطرفين حول إلغاء الإستفتاء وإبقاءه وصل الأمر إلى طريق مسدود بالتمام والكمال رغم بعض الوساطات للتخفيف من صعوبة الأمر. ولكن بين إلغاء الإستفتاء وإبقاءه يأتي مصطلح "تجميد" الإستفتاء كحل وسط بين الاثنين. فالتجميد لا يعني إلغاءه كما لا يعني تفعيله بل هو حالة قائمة بين الأثنين يفتح ثغرة في جدار إصرار الطرفين ويمهد الطريق للجلوس والتفاوض من دون وجود إستفتاء فاعل ونشط يورق طرف الحكومة العراقية من جهة ويحيد أو ينزع من حكومة الإقليم سلاح الإستفتاء الضاغط من جهة أخرى. فمن خلال هذا التجميد يبقى السيد مسعود البارزاني على موقفه من عدم إلغاء الإستفتاء وصيانة مصداقيته من جهة كما أن التجميد سوف يسند موقف السيد حيدر العبادي عند الجلوس على طاولة المفاوضات من دون وجود إستفتاء فاعل وضاغط. فالتجميد على الأقل يفتح باب قاعة المباحثات للطرفين ويهدئ الأوضاع المتصاعدة التي تقلق جميع أبناء الشعب العراقي ومن المحتمل جداً بهدوء الأوضاع ستتمهد الطرق للتفاهم بين الطرفين والوصول إلى حل يرضي الطرفين ويردع الأخطار المحيطة بالوطن من كل حدب وصوب.     

22

مختصر في فهم مصطلح الأقلية ومقارنته بمصطلح "المكون المسيحي:
-------------------------------------
أبرم شبيرا
تساؤل:
-----
إستغرب كثيراً من بعض أحزابنا ومنظماتنا الكلدانية السريانية الآشورية والهيئات التابعة لفروع كنيستنا المشرقية من الهلع الفكري والمنطقي في تجنب إستخدام مفهوم الأقلية لوصف شعبنا في العراق مما يضطرون إلى اللجوء لإستخدام مصطلحات غريبة وغير منطقية وواقعية في الفكر والعمل السياسي وفي أساليب المطالبة بالحقوق الخاصة بشعبنا. ومصطلح "المكون المسيحي" نموذج في هذا السياق.

أسباب تجنب إستخدام مصطلح الأقلية:
---------------------
وإذا بحثنا في أسباب هذا التجنب من إستخدام مفهوم أو مصطلح الأقلية سوف نجد بعض من هذه الأسباب في:

أولا: في الفقر المدقع في العلم السياسي والقانوني والعجز في فهم المضامين الفكرية والسياسية للعمل القومي أو تجنب إستخدامها لأسباب مرتبطة بالفكر السائد والمتبني من قبل هذه الجهة أو تلك. وقد سبق وأن فصلنا في هذا الموضوع عن التخلف في مجتمعنا والذي كان من وراءه أسباب عديدة منها الجهل، ليس في العلم والتقافة وإنما في الفكر السياسي والعمل القومي والممارسة السياسية العملية والمنطقية. فالأقلية هو مصطلح قانوني سياسي معترف به دولياً فهناك العشرات من المواثيق الدولية والإقليمية تستخدم مصطلح الأقلية في معالجتها لمسألة الأقليات في دول العالم.

ثانياً: التأثر الشديد للكثير من قادة منظماتنا القومية والكنسية بالفكر السياسي العربي المتخلف خاصة في العراق والذي هو نتاج تخلف الأنظمة السياسية وتبنيها لأساليب إستبدادية وشوفينية وطائفية وشمولية سواء في الفكر أو الممارسة وبالتالي كل المفاهيم السياسية بما فيها الأقلية والديموقراطية وغيرهما تدور في نطاق هذه الأساليب والأفكار. من هذا المنطلق ينظر إلى مفهوم الأقلية على أساس أن له صفة دونية وتحقيرية مستمدة من القلة والندرة أو الضعف والهزالة في مقارنتها مع الأكثرية والذي بإعتقادهم الخاطئ بأنه يتنافي هذا المفهوم مع بنود الدستور الذي يقر بسواسية جميع المواطنين وعدم التفرقة بينهم على أسس دينية وقومية وبين أكثرية وأقلية ... إلخ. ولما كان شعبنا أو، لنكن أكثر وضوحا، ممثلي شعبنا، سواء على المستوى السياسي أو الكنسي جزء من هذا النظام الإستبدادي أو المسايرين له فهم أيضا جزء من الفكر الإستبدادي المتحكم في هذا النظام وأروقته وبالتالي إنتقال كل المفاهيم السياسية والقانونية في هذا الشأن إلى ممثلي شعبنا. أي بعبارة أخرى أصبح مفهوم الأقلية عندهم شأنه شأن المستبدين المتحكمين في مقدرات الوطن له مفاهيم دونية وتحقيرية يستوجب تجنب إستخدامه في وصف شعبنا كأقلية أثناء تعاملهم مع الجهات المعنية في المسائل المتعلقة بحقوقنا المشروعة في الوطن. من هنا تولدت مصطلحات مصطنعة أخرى وهي "الكوتا المسيحية" والنواب المسيحيين والأحزاب المسيحية ... وهلم وجر.

ثالثاً: التحديات والصراعات الحالية في العراق هي طائفية مذهبية بمجملها وبالتالي فإن اللاعبين الأساسيين لهذه الصراعات وللعملية السياسية هي أحزاب ومنظمات وكتل طائفية وبإمتياز في فكرها وممارستها رغم كل الإدعاءات بالمواطنة وعدم التمييز سواء في الدستور أو القوانين. فالإستحقاقات السياسية المبنية على الطائفية والمحاصصة لها الغلبة في العراق على الدستور والقوانين وهو الأمر المؤكد في الممارسة الواقعية والعملية السياسية وفي توزيع المراكز والمناصب. فعلى الرغم من أن الدستور العراقي لا ينص على كون الرؤساء الثلاثة أو نوابهم من مذهب معين أو قومية أو طائفة إلا أن الواقع هو غير ذلك فبموجب الإستحقاقات السياسية "للأخوة الكبار" تم تخصيص هذه المناصب لهم: فرئاسة الجمهورية للكوردي السني ورئاسة البرلمان للسني العربي ورئاسة مجلس الوزراء للشيعي العربي، وهكذا نزولاً إلى المناصب الأدنى التي تتحكم فيها الإستحقاقات السياسية المبنية على الطائفية المقيتة، فيظهر ضمن هذه العملية السياسية الطائفية والمبنية على المحاصصة بأن كل الأدوات السياسية لشعبنا "الكلداني السرياني الآشوري"، أي الأحزاب والمنظمات الداخلة أو المشاركة في هذه العملية السياسية الطائفية تظهر كأنها كيانات دينية وطائفية. فمن هنا جاء مصطلح "المكون المسيحي" كعنصر مميز عن المكونات الدينية الأخرى خاصة المكون الإسلامي الذي هو الصنف المهيمن على الدولة العراقية ويجعلها دولة إسلامية بكل معنى الكلمة. لا بل وأكثر من هذا، فإذا كان "المكون الإسلامي" متجزأ إلى طوائف رئيسية شيعية وسنية والتي هي أيضا تتشعب إلى أفرع أصغر فأصغر كالكتل والمنظمات الشيعية والسنية، فإن مصطلح "المكون المسيحي" تناسق وتناسب مع المكون الإسلامي فتشعبت هو الآخر إلى طوائف منها كلدانية وسريانية أرثوذكسية وكاثوليكية و"نسطورية" آشورية وحتى أرمنية. فهذا الأمر الواقعي هو الذي فرض نفسه وبقوة أن تحبس مقوماتنا القومية المتميزة والتاريخية وتضيع في إطار "المكون المسيحي" ذات الإستعمال الحديث في العملية السياسية والذي ليس له أية مقومات قومية بل هو مفهوم ميتافيزقي ديني يشمل تقريباً كل مسيحيي العراق والعالم أيضاً. وحتى أذا ذكر "المكون المسيحي" من الكلدان والسريان والآشوريين فأن هذا إجحاف بحق بقية أقسام "المكون المسيحي" كالأرمن وبحق من يدعون في كونهم عرب مسيحيون وكورد مسيحيون. أي بعبارة أخرى أن مصطلح "المكون المسيحي" يتناقض مع كل الوقائع المعاصر والتاريخية لا بل ويمحي نضال شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" ووجودنا التاريخي في أرض الأباء والأجداد وكأننا بدأنا بهذا المصطلح الجديد والمصطنع بتاريخ جديد لا أساس تاريخي له. 
ولكن على العكس مما تقدم، نرى بأن مفهوم الأقلية وفق المعايير السياسية المعاصرة في الأنظمة الديموقراطية وفي العلوم السياسية له تفسيرات إيجابية تعلب دوراً كبيرا في فهم وممارسة الديموقراطية بشكلها المثالي التي هي أساس تطور الشعوب من مختلف النواحي السياسية والإقتصادية والإجتماعية والفكرية. فالأقلية بالمفهوم الديموقراطي هو معيار نسبي في مقارنته مع مفهوم الأغلبية وكلاهما يشكلان الظاهرة الديموقراطية الصحيحة، من هنا يستوجب أن نفهم هذه الديموقراطية الصحيحة وعلاقتها بالمفهومين الأقلية والأكثرية.

كيف نفهم الديموقراطية وعلاقتها بالأقلية والأكثرية:
----------------------------
لم يعد للديموقراطية في عصرنا الحاضر نفس ذات المفهوم الأغريقي القديم في أعتبارها حكم الشعب، فمثل هذا المفهوم كان غير واقعياً ولا منصفا لجميع أبناء الشعب الواحد حيث كان يشمل طبقة معينة في العهد الإغريقي دون عامة الشعب. غير أنه بعد أنهيار النظام الإقطاعي في أوروبا وتقلص أو زوال سطلة الكنيسة في الحكم والسياسية وبداية عهد التنوير والثورات الفكرية أثر الثورة الصناعية الأولى التي إجتاحت أوروبا خاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تغير هذا المفهوم لتعني الديموقراطية حكم الأغلبية خاصة بعد نشوء الأحزاب السياسية وظهور البرلمانات المنتخبة من قبل عامة الناس. فمن هناك ظهر في السياسة المصطلحان الأغلبية والأقلية. والأساس الفكري الفلسفي لهذا التطور قام على أعتبار بأنه لا مطلق في الحياة والظواهر، فالمطلق شيء خيالي وما وراء الطبيعة البشرية، أي ميتافزيقيا الذي لا يمكن إداكه ولا الإحساس به ماديا وفعليا في الواقع الإجتماعي. فالحياة والظواهر الإجتماعية كلها تكون قائمة على المفهوم الفلسفي الذي يقول بأن الإنسان في طبيعته يحمل نقيضه وهكذا مع الظواهر الإجتماعية . وكان الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل (1770-1831) الرائد الأول في إكتشاف قانون النقض في الطبيعة الإنسانية والإجتماعية ثم جاء الفيلسوف الألماني كارل ماركس (1818-1883) ليطور مفهوم هيغل في النقض وعن طريق تجريد الجوانب المثالية منه وإضفاء عليه جوانب مادية قائمة على الواقع وعلى دراسة التاريخ فتوصل إلى مفهوم بأن كل تاريخ البشر هو صراع طبقات، فجاء بمفهوم نقض النقيض وكان هذا أسس الأساس الفلسفي الذي ألتفتت إليه المجتمعات الغربية في تطوير مفاهيمها الفكرية والسياسة ومنها الديموقراطية التي بدأت تقوم على ظاهرة وجود بين طياتها نقضيها بإعتبارها ظاهرة سياسية إجتماعية وهكذا ثم يتأتي النقيض الآخر لهذا النقيض، أي نقض النقيض ويحل محله ...  وبأستمرار نقض النقيض تتطور المجتمعات نحو الأمام وتتقدم، وهو القانون الأساسي الذي بنت المجتمعات الغربية الديموقراطية عليه تطورها المستمر، وهو المفهوم الذي سبق وأن أشرنا إليه في مناسبة سابقة والذي يقول بأن التطور هو خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء. من هذا المنطلق جاء مفهوم الديموقراطية القائم على الأغلبية والأقلية ليدخل كلا الجانبين وكظاهرة سياسية إجتماعية في علاقة عضوية لبناء نظام سياسي فعال قائم على هذه النسبية التي تشكل أسس الأساس للنظام السياسي الديموقراطي الذي لا تنحصر فيه العملية السياسية بيد الأغلبية بل تشكل الأقلية كمعارضة (نقيض) عنصرا مهماً أيضا في هذه العملية التي تقوم بين متناقضين من حيث الشكل (أغلبية وأقلية) ولكن من حيث الفعل والواقع كلاهما يشكلان النظام السياسي الديموقراطي. فإذا كان، على سبيل المثال لا الحصر، حزب المحافظين في بريطانيا كأعتى ديموقراطية في العالم، يشكل الأغلبية ويقود الحكومة فأن حزب العمال الذي يشكل الأقلية يكون أيضا جزء مهم من هذا النظام وعن طريق تشكيل حكومة الظل يمارس النقد ويكشف أخطاء حكومة المحافظين كجزء من العملية السياسية لنظام سياسي ديموقراطي مستمد تطوره من هذه العلاقة العضوية بين الأكثرية والأقلية. من هنا نقول بأن كل المفاهيم السياسية منها الإنتخاب بالإجماع أو الحصول على 100% أو 99,9% من الأصوات سواء في الإنتخابات أو في الإستفتاء أو المبايعة للحاكم أو توريث الحكم في النظام الجمهوري كلها مفاهيم لا علاقة لها بالديموقراطية بل تصب في خانة القهر الفكري والإستبداد السياسي وتشكل أسس الأنظمة الشمولية والدكتاتورية. 

الديموقراطية في العالم العربي والإسلامي:
----------------------
معظم الدول العربية والإسلامية التي تتبنى في دستورها الإسلام كدين الدولة الرسمي أو إعتبار الإسلام مصدر أساسي أو وحيد للتشريع يتعارض ويتناقض نظامها السياسي ودستورها مع المفاهيم الصحيحة للديموقراطية لأن الإسلام وقرآنه عندهم هو مصدر الحقيقة والانصاف والعدل الذي لايمكن إطلاقاً النقاش عليه أو الإجتهاد حوله. في حين الديموقراطية أساسها الإجتهاد والنقاش للوصول إلى الحقيقة والأنصاف والعدل. وحتى تخرج هذه الدولة من هذه الحالة الميتافيزقية لمصدر دستورها ونظامها السياسي وتُظهر نفسها كدولة متحضرة وديموقراطية يلجأ حكامها إلى توليف مصطلحات غريبة وبعيدة عن الديموقراطية لغرض إحتواء المعارض وضمه إليها مثل الديموقراطية التوفيقية، وليس ذلك إلا لغرض كبحه في أطار الأغلبية الحاكمة ومن دون أي دور للمعارضة أو الأقلية في مثل هذا النظام. وإذا أخذنا الأقلية "الكلدانية السريانية الآشورية" مثالاً في سياق فهم مكانتهم ودورهم في  النظام السياسي في العراق نجد بأن لا دور فعال لهم أو لممثليهم في البرلمان أو في الهيئات الإدارية الحكومية رغم كفاءتهم العالية وجهودهم المضنية ولكنها جهود ضائعة في متاهات النظام الطائفي والإستحقاقات السياسية للكبار. وحتى "الكوتا المسيحية" التي خصصت لأبناء شعبنا على أساس أنها أنجاز أو "منحة" ديموقراطية للأقليات اخترقت من "الأخوة الكبار" ومسخوا مضمونها حتى تصبح جزء من نظامها السياسي أو تسير في فلكه. فنظام الكوتا  أي "الكوتا المسيحية" في العراق هي أصلاً مفهوم غير ديموقراطي يعكس عجز الأقليات من الفوز بالإنتخابات لأنه بسبب الفكر الطائفي المهيمن على الأمور في الوطن فإن الأكثرية من الشعب وفق إيمانهم الطائفي لا يعترفون بالأقليات ولا ينتخبون المسيحيين لذلك تأتي الكوتا، وهي أيضا من مخترعات هذه الأنظمة الإستبداية التي لاتقبل بالمختلف والمغاير فكرياً ودينياً وإجتماعيا عن الأكثرية الحاكمة، على أساس أن الكوتا هو نظام لحماية حق هذه الأقليات في الوصول إلى البرلمان. وحتى هذا الحق، كما سبق وذكرنا بأنه ممسوخ ومنتهك من قبل الأغلبية المهيمنة.
   

أين موقع الأقلية "الكلدانية السريانية الآشورية" من هذا النظام الطائفي:
---------------------------------------
حتى لا أطيل على القارئ اللبيب، أقولها فوراً وصراحة بأنه لا موقف لشعبنا من الأعراب سواء كأقلية قومية أو بمفهوم "المكون المسيحي" في مثل هذا النظام الطائفي المحاصصي، لأن مُلاك، أو إقطاعي هذا النظام أصلا لا يعترفون وفق إيمانهم المذهبي وإستحقاقاتهم السياسية بشعبنا رغم بعض التصريحات المعسلة هنا وهناك ألا أن الأمر الواقعي والقانوني غير ذلك. ولأثبات هذه الحقيقة الواقعية  أمر لا يحتاج إلى تفاصيل مطولة فسنوات العجاف منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا شاهد على الأنهيار الذي أصاب وجودنا القومي والديني في أرض الأباء والأجداد. والأمر الأكثر خطورة سيكون على شعبنا وقد يكون المسمار الأخير في نعش وجودنا في الوطن هو عندما يتم نهائياً طرد داعش والقضاء عليه عسكريا، لا فكريا، وتبدأ عملية تقسيم الغنائم، كما هو مخطط له في تقسيم سهل نينوى، الذي من المحتمل الكبير أن يبدأ الفصل الأخير في القضاء على وجودنا في الوطن.  من هنا نقول وكما قلنا في السابق بأن كل الجهود المبذولة من قبل ممثلي شعبنا في البرلمانين، المركز والأقليم، ومن رجال الكنيسة هي جهود ضائعة وكانها حروب دونكيشوتية ضد طواحين الشيطان طالما بقوا جزءاً من هذا النظام ويعملوا ضمن سياقاته وأروقته. وحتى لا يتهمني البعض بالسلبية والقنوط ويبدأ بالقول "ما الحل إذن". أقول لا خلاص من هذا النظام إلا الخروج منه وتشكيل نظام قومي وكنسي خاص بأمتنا وكنيستنا المشرقية وهو الموضوع الذي تتطرقنا إليه العديد من المرات في تقديم مقترح إستقالتهم من المراكز البرلمانية والحكومية وتشكيل المجلس القومي الأعلى "للكلدان السريان الآشوريين" وعلى الجانب الآخر جلوس بطاركة أفرع كنيستنا المشرقية في العراق مع البعض وتشكيل "المجلس الأعلى لكنائس المشرق في العراق وليس مجلس الطوائف المسيحية الذي يترنح في مكانه بسبب الأسس الخاطئة التي تأسس عليها.

ولكي أليس هناك البعض وربما الأكثر من أبناء شعبنا يقول عن هذا المقترح بأنه بـ (المشمش) كما يقول المصريون؟؟؟ وحتى إذا قبل البرلمانيون من أبناء شعبنا الإستقالة فهناك أكثر من واحد من "يهودا الإسخريوطي" مستعد لأن يقفز ويحل محلهم، حين ذاك يجب أن نعيد قراءة الكتاب المقدس ونرى المصير الذي لاقاه يهودا الإسخريوطي وإذا عجزنا عن فهم المغزى من مصير يهودا وتركناه يسرح ويمرح بمصير أمتنا حينذاك نقول بأننا شعب لا يستحق الحياة طالما لا يستطيع أن يميز أو يفصل بين الحنطة والزوان.

23
بمناسبة الذكرى (84) على مذبحة سميل للآشوريين:
------------------------------

فلاح آشوري... جاسوس للإنكليز!!!!
=====================
أبرم شبيرا

كتب الكثير عن مذبحة سميل وعن النتائج المأساوية والتداعيات الفضيعة التي ترتبت ليس على الآشوريين والمسيحيين فحسب بل على العراق برمته وعلى مسيرته السياسية وعلى أستقراره السياسي والأمني ذلك لأن مذبحة سميل كانت فاتحة سلسلة من الإضطهادات والتنكيل بمختلف قطاعات الشعب العراقي فكان الآشوريون الذين أستشهدوا في سميل عام 1933 الذخر الأول أو القربان العراقي الأول لسلسلة من شهداء العراق الذين أزهقت أرواحهم من قبل رجال الحكم والسياسة والأنظمة الإستبداية التي تعاقبت على العراق. فما أن أنتهى المجرم الجنرال بكر صدقي ومساعده حجي رمضان من مهمتهم في  التنكيل بالآشوريين في سميل، التي وصفت في حينها بالبطولة والشهامة، حتى أدار وجهته وإستبداده نحو الشيعة والعشائر العراقية في الجنوب فقام بالتنكيل بهم والقضاء على مطالبهم المشروعة فأصبحت هذه الجرائم البشعة منصة عالية للمجرم بكر صدقي ويد طولى من القوة والسطوة ليقوم بأول إنقلاب عسكري في العراق عام 1936 ليكون بادرة لسلسلة من إنقلابات عسكرية في العراق حرمت الشعب العراقي من الأمن والإستقرار.

في حينها أتهم الآشوريين من قبل النظام السياسي في العراق بالعمالة للإنكليز وأعتبروا من قبل مفكري ومؤرخي النظام السياسي أمثال عبد الرزاق الحسني وعبدالرحمن البزاز بالطابور الخامس لبريطانيا فكانت هذه مبررات كافية للنظام السياسي ولبعض قطاعات الجيش للقيام بجريمتهم في سميل ضد الآشوريين الذين طالبوا ببعض المطالب البسيطة جداً والتي كان من الممكن تحقيقها وبسهولة. في حين كل الوقائع التاريخية والموضوعية تؤكد بأن الإنكليز في تلك الفترة كانوا في موقف محرج وعلى مفترق طرق بين منح العراق الإستقلال الشكلي وربطه بإمتيازات خاصة لبريطانيا من جهة والتخلص من المسألة الآشورية التي كانت طاغية على السطح السياسي في تلك الفترة وتعكر سياسة بريطانيا في تحقيق هدفها من منح العراق الإستقلال الشكلي من جهة أخرى. ولما كان أزلام النظام السياسي رافضين لأبسط مطاليب الآشوريين ولم يكن يرغبون أن يكون الآشوريون جزء من النظام الجديد، أصبح موضوع التخلص منهم والقضاء على زعمائهم أمراً مقرراً ومطلوباً. فمهدوا الأنكليز لهذا الأمر ليس بالمشاركة في مذبحة سميل بل عن طريق ترك يد الأكثر تطرفا من المستبدين والظالمين من بعض زعماء الجيش العراقي أمثال المجرم بكر صدقي، للتصرف والقيام بمهمة معالجة القضية الآشورية بكل الوسائل المتاحة وتحديدا العسكرية منها. فكان هذا السبيل الوحيد والمتاح  للإنكليز للتخلص من الآشوريين وضمان إستقلال العراق الشكلي وبالنتيجة ضمان مصالحهم في العراق عن طريق ربطه بمعاهدة عرفت بمعاهدة 1930 والتي أعقبتها إعلان إلغاء نظام الإنتداب ومنح العراق الإستقلال الرسمي وقبوله في منظمة عصبة الأمم عام 1932.

الوقائع الموضوعية في تلك الفترة تؤكد بأن الآشوريين لم يكن لهم أية علاقة عمالة بالإنكليز، بل على العكس من هذا فالدلائل التاريخية وشهود العيان تؤكد بأن بعض من رجال الحكم والعسكر كان لهم صله بالإنلكيز بخصوص التعامل مع مسألة التخلص من الآشوريين ومطاليبهم، ومن بينهم المجرم بكر صدقي. فهناك وثائق تؤكد بأن المجرم بكر صدقي كان عميلا للإستخبارات البريطانية، فقام على ضياء الضوء الأخضر من الإنكليز التخطيط للقضاء على الآشوريين فأمر أتباعه ومساعديه أمثال حجي رمضان للقيام بتنفيذ الجريمة بحق الآشوريين. وهنا نذكر شاهد عيان في هذه المسألة وهو الأستاذ والمؤرخ عبدالمجيد حسيب القيسي، رحمه الله وطيب ذكراه، مؤلف عدة كتب في التاريخ السياسي العراقي ومنها كتاب "التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق". ففي زيارة شخصية له أنا والمرحوم د. سعدي المالح في بيته في أبو ظبي عام 2000 لللقاء به والتعرف عليه والحديث عن كتابه المنوه عنه أعلاه وعن التعقيب الذي كنت قد كتبته عن الكتاب ونشر في حينه في جريدة الحياة اللندنية، فما أن خطونا نحو عتبة دراه حتى قام بالترحيب الحار بنا خاصة عندما عرف بأننا آشوريين لنا ألمام بموضوع كتابه. فبعد أحتساء القهوة مقرونة بالحلويات، بدأ حديثه التفصيلي عن مذبحة الآشوريين في سميل فذكر بأنه كان في تلك الفترة شابا يافعاً يشغل وظيفة مدنية في وزارة الداخلية العراقية أثناء حوادث الآشوريين عام 1933 وكان مرافقاً لحجي رمضان أثناء الحوادث. وبينما كان المجرم حجي رمضان، والحديث للمرحوم عبد المجيد، يقوم بجولاته التفتيشية في المناطق القريبة من سميل يرافقه أثنان من الضباط البريطانيين كمستشاريين له، أقتادوا بعض الجنود العراقيين اليه فلاحان آشوريان من القرى الآشورية المجاورة فكانا في حالة يرثى لها، فالفقر ورثة الملابس والتعب والإنهاك سمات كلها تؤكد بساطتها وسذاجتهما كفلاحين فقراء قرويين لا يعرفون حتى التكلم باللغة العربية، أقتادوهما للمجرم حجي رمضان بالدفع والرفس والضرب فدفعوهما ليركعا أما المجرم الذي سأل الجنود وقال لهم: من هؤلاء؟ فأجابوا ... سيدي...أنهم آشوريين من عملاء الأنكليز. فما كان من المجرم حجي رمضان إلا أن يسحب مسدسه ويطلق النار على رؤوسهما ويردهما قتلا في الوقت الذي كان مستشاريه البريطانيين يسجلون في دفاترهم ملاحظات ويصورون المشهد.

فمن هو الجاسوس للإنكليز... هل هؤلاء الفقراء المساكين الذين لا يعرفون من الدنيا غير الحرث والزرع والحصاد أم المجرم حجي رمضان وسيده المجرم بكر صدقي أم ولي عهد عرش العراق المجرم غازي أبن فيصل الذي بارك جريمة مذبحة سميل وزين صدور المجرمين بأنواط الشجاعة؟؟. فمن يملك ذرة ضمير عراقي حي ونزيه يعرف الجواب بدون أن نفصح عنه هنا. 




24
على ضوء إحلال السيدة لارا محل السيد فائز في مركز مدير ناحية ألقوش:
---------------------------------------

هل يحق للأحزاب غير "الكلدانية السريانية الآشورية، تمثيلهم ؟؟
===================================
الوقائع كما هي:
---------
كثرت في الآونة الأخيرة الأحاديث والكتابات والمناقشات والتظاهرات والإحتجاجات ضد قرار مجلس ناحية ألقوش بخصوص تنحية السيد فائز عبد ميخا جهوري وتنصيب السيدة لارا يوسف زارا  محله كمدير لناحية ألقوش. والوقائع المؤكدة تقول بأن السيد فائز شخصية مستقلة نزيهة منذ توليه المركز عام 2003 ومدعوم من قبل أغلبية أبناء ألقوش ومن الأحزاب الرئيسية الفاعلة في الناحية مثل الحزب الشيوعي العراقي والحركة الديموقراطية الآشورية. أما السيدة لارا يوسف زارا وهي أيضا "ألقوشية" وهي "حزبية" من أعضاء الحزب الديموقراطي الكردستاني (بارتي) حاولت الغوض في العملية السياسية الإنتخابية فترشحت ولكن لم تفز وظلت على هامش العمل السياسي في الاقليم تنشط هنا وهناك لصالح الحزب الذي تنتمي إليه حتى تم إختيارها وبـ "الإجماع" من قبل مجلس بلدية ألقوش لمنصب مدير الناحية من قبل نفس الحزب المهيمن على مجلس الناحية والتابعين له. ومما يثير الإنتباه والإستغراب هو كلمة "الإجماع" التي سبق وأن تكلمنا عنه كثيراً بإعتبارها من مخترعات السلطات الحاكمة في بلدان العالم الثالث ومنها العراق والتي هي شكل من أشكال التسلط والإستبداد وبعيدة عن أبسط مفاهيم الديموقراطية والعدالة لأن الإختلاف هو جوهر الديموقراطية وأساس تطور المجتمعات.  موضوع سبق وأن كتبنا عنه وسنزيد عنه في مناسبة سابقة.

ولكن التساؤل هو:
------------
 لماذا الإحتجاجات والتظاهرات ضد إختيار السيدة لارا فإنتماؤها "الالقوشي" هو كما هو إنتماء السيد فائز فكلاهما يحققان المطلب في أن يكون مدير الناحية من ألقوش... هذا ما يقول البعض من مؤيدي السيدة لارا. ولكن بالمقابل نقول بأن السيد فائز إنتماؤه هو "ألقوشي" 100% ويمثل ضمير أبناء ألقوش، والمظاهرات وغيرها من الفعاليات تؤكد هذه الحقيقة ولكن السيدة لارا رغم إنتماؤها البايولوجي لألقوش فأنها لا تمثل ضمير أبناء ألقوش بل أن إلتزامها الحزبي يجعلها أن تضع مصلحة البارتي فوق مصلحة أبناء ألقوش. وحتى أذا وضعت مصلحة أبناء ألقوش في جدول أولوياتها فأن هذه الأولية بالحتم والنتيجة ستكون وفق منظور البارتي وإستراتيجيته ومصلحته خاصة في هذه الأيام التي تتصاعد فيها حدة الإختلافات حول مسألة الإستفتاء الكوردستاني والمناطق المتنازع عليها التي كانت السيدة لارا على جانب البارتي في هذه المسائل في حين كان السيد فائز على الجانب الآخر الألقوشي القاضي بإبعاد المناطق المتنازع عليها عن الصراعات الدائرة بين المركز والإقليم وإبعاد ألقوش عن مسألة الإستفتاء، ويظهر بأن هذا كان السبب الرئيسي وربما الوحيد في إزاحة السيد فائز من منصبه واحلال السيدة لارا مكانه لتقوم بالمهمة المطلوبة منها في هذه المسائل. والقصة، أو المسرحية السياسية المعد سيناريوها مسبقا من قبل حزب السلطة، تتكرر مع السيد باسم بلو قائم مقام قضاء بتنحيته من منصبه ويظهر بأن هذه المسرحية التراجيدية سيكون حالها كحال قصة ألف ليلة وليلة التي لا تنتهي حتى "ينام شهريار".

الإنتماء إلى أحزاب غير "كلدانية سريانية آشورية":
----------------------------
ولكن السؤال الآخر أيضاً يبقى قائماً: ما العيب في أن ينتمي أحد أبناء  شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" إلى أحزاب أخرى، خاصة أحزاب السلطة، فمن خلال هذا الإنتماء يقوم بخدمة أبناء شعبنا . فقد كان هناك المئات أن لم يكن بالألاف من أبناء شعبنا منتمين إلى حزب البعث العربي الإشتراكي وكان يدعون بأنهم يعملون لصالح شعبنا من خلال إنتمائهم إلى هذا الحزب الذي هو في السلطة ويملك القدرة على تحقيق مطاليب شعبنا. والحال لا يختلف كثيراً عن إنتماء أبناء شعبنا إلى البارتي فهم يدعون بأنهم طالما يعيشون في "كردستان" وأن البارتي هو حزب السلطة ومتنفذ فهو قادر على ضمان وتحقيق مصالح شعبنا، لذلك فمن مصلحة شعبنا أن ينتموا إلى أحزاب السلطة ليحققوا مصالحهم القومية، ومن المؤكد بأن السيدة لارا والداعمين لها هم من هذا الصنف. ولكن لو أخذنا كلا الحزبين البعثي والبارتي كمقارنة لإنتماء أبناء شعبنا إليهما نرى بأن حزب البعث كان حزباً قومياً عربياً وفي أخاديد إيديولوجيته مرتكزات عنصرية وشوفية ومبطنة في بعض الأحيان بتوجهات دينية إسلامية. ولأجل التعامل كحزب قومي عربي مع الإختلافات القومية لغير العرب المنتمين للحزب كان يلجأ إما إلى طريقة خلق كيانات كارتونية خاضعة له، كمحاول تأسيس "حزب البعث الأثوري" في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، أو عن طريق طرح مفاهيم لصهر غير العرب، كالكدان والسريان والآشوريين في البوتقة العربية وإعتبارهم مجرد "عرب مسيحيون" ووفق منهجه الإستبدادي في "إعادة كتابة التاريخ". والحال لا يختلف عن الحزب القومي الكوردي وأقصد البارتي إلا من جوانب بسيطة لا علاقة لها بموضوعنا هذا. فقادة الكورد لهذا الحزب أدركوا منذ البداية هذه المعضلة فأطلقوا على حزبهم أسم الحزب اليدموقراطي الكوردستاني وليس الكوردي على أساس أنه كل قاطني بلد "كوردستان" بمختلف إنتماءاتهم القومية والدينية هم "كوردستانيون"، فظهر مصطلح "الكورد المسيحيون" كوسيلة لمعالجة أوضاع الأقلية الكلدانية السريانية الآشورية والذي هو نفس الصيغة من "عرب مسيحيون" الذي أستخدمه البعث. ومصطلح "كورد مسيحيون" الذي يرتاح له البعض ويستخدمه يتماشى مع مصطلح "المكون المسيحيي" الذي يستوجب على أبناء شعبنا الحذر منه وتجنبه. ولكن من جانب آخر أوقع الكورد أنفسهم في معضلة لها مدلولات قومية وليس دينية فحسب. فمن المعروف بأن مصطلح "كوردستان" له دلالات قومية صرفة لأنه يعني بلد الكورد وأن بقية القوميات ومنها قوميتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" تعيش في هذا البلد ويسهل هضمها ضمن هذا المصطلح "كوردستان"، ولدعم هذه الإدعاء تقوم جهات متسلطة بسرقة تراثنا التاريخي في المنطقة وإعتباره مجرد تراث كردستاني كوسيلة من وسائل هذا الهضم. والجانب الآخر للمعضلة هو أنه مثلما رفض الكورد أن يكون العراق جزء من الأمة العربية في الدستور العراقي وهذا حق مشروع لا غبار عليه كذلك يجب أن يكون للكلدان والسريان والآشوريين حق مشروع في رفض أعتبارهم كورد من خلال مصطلح "كردستان". فكيف يقبل المنطق رفض الكورد في إعتبار العراق جزء من الأمة العربية في الوقت الذي يجعل من الكلدان السريان الآشوريين جزء من الأمة الكوردية من خلال مصطلح "كردستان". فالمنطق مفقود في رفض الشيء وقبوله في نفس الوقت، أو كما يقول المثل الإنكليزي "لا تستطيع أن تأكل كل الكعكة وتحفظه في نفس الوقت في الثلاجة". في زمن الظلم والإستبداد قال الطاغية طلعت باشا وزير داخلية الدولة العثمانية أبان الحرب الكونية الأولى وأثناء مذابح سيفو، قال: "تركيا لا تتسع إلا للأتراك" وأخشى أن يطبق الكورد هذا المثل وتصبح "كوردستان لا تتسع إلا للكورد، وهم كانوا من أكثر الشعوب المكتوية بنيران هذا المستبد.

الحزب هو أداة تعبير عن مصالح الأمة:
----------------------
هناك بعض المبادئ والأفكار الأساسية في فهم الحزب السياسي خاصة ما يتعلق بأحزاب أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" وعلاقتها بالأحزاب الأخرى، منها:
1)   - لقد سبق وأن أكدنا مراراً وتكراراً وفي كل مناسبة متعلقة بأحزابنا السياسية وبحقوقنا القومية في وطننا الأم بأن الأمة التي لا توجد فيها أحزاب سياسية نشطة سيكون مصيرها القومي ومستقبلها السياسي مرهوناً بإرادة الأمم الأخرى. فالحزب السياسي، على الأقل من الناحية النظرية، هو تكثيف لضمير الأمة ومعبر لمطامح أبنائها، أو هو "مثقف جمعي" للجماعة المعبر عنها، حسب تعبير الفيلسوف أنطوني غرامشي مؤسس الحزب الشيوعي الإيطالي. أي بهذا المعنى لا يمكن لأي حزب أن يمثل مجموعة معينة وأن يكون في نفس الوقت ممثلا ومعبراً عن مجموعة أخرى مختلف عنها في طبيعتها القومية أو الاجتماعية أو الفكرية أو مختلفة عنها في المصالح والأهداف والمطامح. وبشكل أوضح لم يستطيع الحزب البعث من تمثيل المصالح القومية لشعبنا في العراق ومن المؤكد أيضاً سوف لا يستطيع البارتي من تمثيل المصالح القومية لشعبنا في "كوردستان"، لأن كلاهما حزبين قوميين يمثلان المصالح القومية للشعبين العربي والكوردي. أن تواجد الأحزاب السياسية ضروري جداً لكل أمة أو شعب لكي تكون معبرة عن مصالحها وداعية لحمايتها، فالأحزاب الخاصة بالكلدان السريان الآشوريين هي لوحدها الحق في ان تعبر عن أبناء أمتنا وعن مصالحهم القومية ولا يحق لأي حزب آخر أن يدعي بمثل هذا الحق. أي بهذا المعنى لا يجوز للأحزاب القومية، كالبعثي القومي العربي والبارتي القومي الكوردي أن يدعيا تمثيل مصالح أبناء شعبنا القومية. أي بهذا المعنى لا تستطيع السيدة لارا بإنتماءها للبارتي تمثيل مصلحة شعبنا في ألقوش.
2)   غير أن هذا لا يمنع بأن أحزاب أخرى غير كلدانية وسريانية وآشورية من الادعاء بمثل هذا الحق التمثيلي، فهناك أحزاب وطنية أو إقليمية أو شيوعية أممية تدعي بمثل هذا التمثيل والحماية لكل أبناء الوطن أو الإقليم أو عامة الناس بدون أي تمييز عرقي أو ديني أو طبقي، فالحزب الشيوعي العراقي مثال ساطع في هذا السياق. غير أن هذا الحق يبقى ضمن إطاره العام يتعامل بالحق القومي للكلدان السريان الآشوريين كجزء من الكل بحيث لا يمكن أن يعبر تعبيراً حقيقياً عاما وكاملاً عن هذا الحق  لأنه ليس هو الجوهر الحقيقي لمبادئه أو استراتيجيته بل هو جزء منه وما على هذا الجزء إلا أن يكون متناسقا ومتوافقاً مع الكل. أو بعبارة أخرى أن يكون تابعاً للكل ويتوجب عليه عدم التناقض أو التعارض معه بل يجب أن يكون متوافقاً على المسائل الوطنية العامة التي من خلالها تتحق المصالح القومية. فالحزب الشيوعي العراقي يرى بأنه لا يمكن أن تتحقق المصالح القومية للكلدان السريان الآشوريين مالم تتحقق مصالحهم الوطنية سواء في المركز أو الإقليم. فالمعادلة الجدلية بين المسائل الوطنية والقومية تبقى قائماً. إذ من المفروض عندما تتحقق المصالح الوطنية يجب في نفس الوقت أن تتحقق المصالح القومية لمختلف القوميات لأن هذه الأخيرة ستكون جزء مهم وأساسي من المصالح الأولى، أي الوطنية. وهي الحالة التي تضمن إستقراراً شاملاً لجميع أبناء الوطن. فمن خلال دراستنا لأحزابنا السياسية وجدت بأن الربط الجدلي بين الحقوق الوطنية والقومية لدى الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) كان سبباً رئيساً في أن تكون من الحركات السياسية الوطنية والقومية في العراق وتحتل مكانة خاصة لها في العملية السياسية وتحقق بعض الإنجازات لصالح شعبنا.
3)   ولكن من المؤسف أن الأمر ليس كذلك في الواقع،  خاصة بالنسبة لأحزاب السلطة. فمن يقرأ أدبيات حزب البعث قبل إستلامه السطلة سيجد فيها مواقف فكرية إيجابية تجاه الأقليات ولكن عندما أستلم السلطة أنقلب على هذه المواقف وأصبح يعمل في الواقع بالضد منها. والبارتي أيضا له مواقف أكثر إيجابية تجاه الأقليات خاصة الكلدان السريان الآشوريين الذين شاركوا معه في الثورة الكوردية  وقدموا التضحيات الكثيرة حتى وصلوا إلى يومنا هذا وهم قاب قوسين لقيام دولتهم الكوردية. ولكن من المؤسف أن هذه المواقف الفكرية للبارتي وهو في مرحلة الإستقواء وتثبيت ركائز سلطلته ينحرف عنها ويلجأ إلى سياسات تكون أقرب إلى الإستبدادية. وموضوع تنحية السيد فائز وأحلال السيدة لارا محله والحال نفسه مع السيد باسم بلو، مثال طري في هذا السياق ناهيك عن السياسيات الأخرى في التجاوز على أراضي شعبنا وتهميش حقوقنا في أرضنا التاريخية وسلب تراثنا التاريخي. من هنا نقول وبملئ الفم بأن السيدة لارا، بغنى عن كفاءتها وشخصيتها وموقعها الإجتماعي، فإن إنتماءها البارتي يجعلها في موقف لا يمكن إطلاقا أن تكون معبرة عن مطامح شعبنا سواء في ألقوش أو في القصبات الأخرى وإن كان هذا ممكنا فأنه سيكون من خلال فكر وممارسة البارتي تجاه شعبنا وقد يكون "الكورد المسيحيون" إطاراً لهذا التعامل.

4)   إضافة إلى إنتماء الكلدان السريان الآشوريين إلى أحزاب قومية غير أحزابهم كوسيلة للهيمنة عليهم، فإن هناك أسلوب أخر غير مباشر وذات أهداف بعيدة المدى أخترعه الأحزاب القومية السلطوية في إستيعاب وهضم الأقليات في بوتقة القومية الكبيرة والمسيطرة وذلك عن طريق خلق كيانات كارتونية كلدانية وسريانية وأشورية ترفع شعارات قومية ومتطرفة أحياناً لغرض منافسة الأحزاب القومية لشعبنا، وكان طبعاً حزب البعث رائداً في هذا السياق. ففي بلدان المهجر حيث لم يكن بالأمكان أن تطال يده نحو أبناء شعبنا هناك خلق مجموعات كلدانية وآشورية كانت مطاليبها القومية خاصة الآشورية منها يصل تطرفها إلى السماء وتتجاوز مطاليب الآشوريين في الوطن كوسيلة لتصغير مطاليبهم وتقزيم أحزابهم القومية وجلب إنتباه وإهتمام الآشوريين بهذه الكيانات الكارتونية. وحتى الأحزاب المزروعة في مجتمعنا من قبل أحزاب السلطة في الوطن نرى بأنها ترفع شعارات قومية تنافس أحزابنا القومية المستقلة ولكن يبقى الأمر والنهي لسياسية وإستراتيجية خالقه. والبارتي يقلد جانب من هذه السياسة في خلق أحزاب كلدانية وآشورية وسريانية ليس لغرض الهيمنة على القرار السياسي القومي المستقل لأبناء شعبنا فحسب بل في تفتيت الإنتماء القومي عن طريق تكثير من مثل هذه الأحزاب وجعلها منافسة لأحزاب أبناء شعبنا وخلق أجواء تعجيزية في بناء خطاب قومي سياسي موحد، وبالتالي ألقاء اللوم على أحزابنا القومية بحجة عدم قدرتهم على تبني خطاب قومي موحد... (روحوا وحدوا قراركم وتعالوا نتفاوض حول حقوقكم... هذا هو كلام المسؤولين الرسميين لقادة أحزابنا القومية عند اللقاء بهم).
5)   إذن العلاقة الجدلية بين الحقوق الوطنية والحقوق القومية لأبناء شعبنا سواء في المركز أو الاقليم يجب أن ينظر إليها من خلال علاقة الخاص بالعام، او الجزء بالكل. فكما سبق وأن قلنا أن أحزابنا القومية المستقلة هي العام في هذه العلاقة الجدلية من خلال كونها تمثل ضمير الأمة. ومن جانب آخر هي الخاص في هذه العلاقة الجدلية من خلال كونها أحزاب وطنية يهمها أيضا مصلحة الوطن لأنه وفق هذه المعادلة، هذا الخاص هو جزء أساسي أيضا من العام. والعكس صحيح أيضا بالنسبة للأحزاب غير الكلدانية السريانية الآشورية، مثالنا هنا هو البارتي، الذي يمثل، او يدعي تمثيل، ضمير الأمة الكوردية ضمن أطاره العام وفي نفس الوقت ترتكز حقوق شعبنا وضمانها ضمن أطاره الخاص لأن الرابطة العضوية التي تربط بين العام والخاص عنده هو نابع أساساً من الشراكة والعلاقات التاريخية بمرارتها وحلاوتها والمصير المشترك كشعبين متأخين خاضوا نضالاً مشتركا ضد الطغاة والأنظمة الإستبدادية التي تعاقبت على السلطة في العراق. من هنا نقول ونؤكد بأن البارتي لا يمكن أن يكون العام أو الكل بالنسبة لمصالح شعبنا أو لتمثيلها في الإقليم بل هو خاص أو الجزء في فكره وإستراتيجيته الذي يجب أن يرتبط بعلاقة صميمية وجدلية مع الجزء العام لأحزابنا القومية المستقلة التي هي من تمثل ضمير أمتنا في المنطقة من هنا تنشأ إستراتيجية التحالفات الضرورية بين ماهو خاص لشعبنا عند البارتي مع ما هو عام لشعبنا عند أحزابنا المستقلة. والجانب الآخر لهذه الإستراتيجية التحالفية أيضا يقوم بين ماهو عام عند البارتي مع ما هو خاص عند أحزابنا المستقلة. فالعام عن البارتي هو حقوق الكورد وضمانها في حين العام عند أحزابنا القومية المستقلة هو حقوق الكلدان السريان الآشوريين وضمانها وما يربط بين هاذين العامين هو الجزء الخاص لكل منهما والذي هو مصدر وأساس التحالف الإستراتيجي بين الشعبين. اما تضمين الكورد للكلدان السريان الآشوريين ضمن الكوردي العام، كما هو الحال مع تعيين السيدة لارا كمدير لناحية ألقوش، للمثال لا الحصر، هو الإستبداد عينه والمعروف بأن عمر الإستبداد قصير لا محال من إنزلاقه في متاهات لا تحمد عواقبها. ونأمل من قادة الكورد وهم على أبواب الإستفتاء لبناء دولتهم الكوردية أن ينظروا إلى مصالح شعبنا الكلداني السرياني الآشوري من خلال أحزابهم القومية المستقلة بأعتبارها هي من تمثل ضمير هذا الشعب كأساس ضامن لمستقبل الشعبين في الإقليم.


25
ألقوش الصمود... بين عام سميل 1933 وعام فائز 2017
==================================
أبرم شبيرا

يخطأ من يظن بأنه من الممكن حصر تاريخ ألقوش ونضالها وصمودها في مقاومة الظلم والإستبداد والحفاظ على كيانها القومي والديني في عدد من المقالات والبحوث والكتب لا بل وحتى في المجلدات الضخمة، ليس لأن تاريخها غابر في القدم ولقرون طويلة من الماضي السحيق وصولا لحاضر اليوم بل لأن هذا النضال والصمود متجذر وبعمق في أصالة أهلها الميامين وفي ضمائرهم ووجدانهم قد يصعب على الظالمين والفاسدين والدكتاتورين والمنافقين من الأدراك والاحساس بهذه الأصالة التاريخية لألقوش البطلة. وقد يبدو من الظلم أن نحصر هذا الصمود والنضال والأصالة لزمن محدود من 1933 لغاية 2017 ولكن أخذنا هذه المحطة كمثال لمحطات نضالية طويلة وكسبيلا وإيضاحاً للمنافقين ومن يقف ورائهم ويساندهم والذين أتخذوا قرار تنحية مدير الناحية الأستاذ فائز عبد ميخا جهوري بأنهم يلعبون بالنار ويضربون رؤوسهم بالسد المنيع ليست لتاريخ ألقوش في الصمود والتحدي فحسب بل في إصرار أهاليها ومن يقف معهم من القرى والقصبات وبلدات أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري وفي بلدان المهجر  للدفاع عن الحق وعن الأستاذ فائز الذي لا تشوب خدماته الجليلة والنظيفة والطويلة لبلدته بشائبة والتي يشهد عليها القريب والبعيد. فتاريخه الشخصي والوظيفي منذ تعيينه عام 2003 ناصع البياض ويتزين بمواقف مشرفة خاصة وقوفه من بقية أبناء بلدته موقفاً شجاعاً لحراسة مداخل البلدة وحمايتها. فخلال كل هذه السنين الطويلة لخدمة الأستاذ فائز لم يجدوا شائبة في مسيرته حتى هذه الأيام لتظهر دوافع سياسية بحتة خلف قرار مجلس ناحية ألقوش ومحافظة نينوى في تنحيته خاصة فيما يتعلق بمواقفه الواضحة من الإستفتاء الكوردي ومن أبعاد بلدة ألقوش والبلدات المسيحية الأخرى من الصراع بين القوى الطامعة في هذه البلدات.

في آب من عام 1933 أثناء مذبحة سميل لجأ عدد كبير من أبناء شعبنا من أتباع كنيسة المشرق الآشورية "النسطورية" إلى ألقوش هرباً من ظلم وإستبداد بعض من قطاعات جيش النظام العراقي وعدد من أفراد العشائر الكوردية المتحالفة معها فتم محاصرتها وتهديد أهلها بالدمار الكامل مالم يتم تسليم اللاجئين إلى السلطات. غير أن هذا التهديد لم يكن إلا حافزا قوياً ومؤثرا في تعظيم نخوة وشجاعة أبناء ألقوش البطلة في الدفاع عن أخوتهم "النساطرة" فوقف الجميع دون إستثناء رجالاً ونساءا وشيوخاً وحتى أطفالا موقف الأبطال في موجهة التهديد المميت وصمدوا وتحملوا كل نتائج الحصار مؤكدين بوقفتهم هذه الأصالة التاريخية لهم في الصمود ومواجهة التحديات حتى تراجعت السلطات العراقية من حصارها بعد أن ألحوا أبناء ألقوش على  المثلث الرحمات مار عمانوئيل يوسف بطريرك الكلدان في تلك الفترة للتدخل وفك الحصار، فهذه وقفة بطولية نادرة ليس في تاريخنا القومي بل في تاريخ العراق أيضا إن لم أقل المنطقة كلها. وهي ملحمة بطولية كتب  الكثير عنها وقيل فيها قصص وروايات وكم كنت محظوضاً أن أسمع بعض من هذه القصص من جدتي الألقوشية التي كانت تتذكرها وترويها وبنوع من الجدية والحماس. وللحقيقة أقول بأنني أشعر بنوع من الفرح والسعادة، إن لم أقل الشموخ، عندما أنظر في هويتي العراقية للأحوال المدنية بأن مكان ولادتي هو ألقوش.

أفهل يدرك المنافقون وغيرهم من يهودا الأسخريوطي الذي يتعشش في بعض من أروقة النظام الفاسد في العراق وأربيل هذه الحقيقة التاريخية في البطولة والشهامة؟؟؟ لا أعتقد... لأنه لو كان لهم ذرة ضمير حي وشذرات من الرجولة والنخوة  والوطنية لكانوا من المساندين لفائز وليس من المتنحين له. أفهل هذا التاريخ في البطولة والصمود كان سبباً لمجرمي داعش في عدم الإقتراب من ألقوش... من يدري ربما قرأوا هذا التاريخ وأستفادوا من دروسه. فنقول لهؤلاء المنافقين والفاسدين والمستبدين أقرأوا تاريخ ألقوش ولعل تستفادون منه كما فعل داعش الإجرامي فتردد في غزو ألقوش.

في تموز من هذا العام 2017 يعود التاريخ في بعض من أجزاءه في البطولة والشهامة والصمود والتحدي لأبناء شعبنا، ليس في ألقوش وحدها وإنما في أمكان كثيرة ومختلفة سواء في الوطن الأم أم في المهجر رافضين القرار الظالم المستند على الفساد والإستبداد والمحسوبية في تنحية الإستاذ فائز من خدمته كمدير لناحية ألقوش.نعم يوم أمس خرج أبناء ألقوش في مظاهرة إستنكارية لهذا القرار الظالم:


ثم لحقتها شقيقتها عنكاوة العزيزة على قلوبنا فخرجوا أبناؤها البررة في مظاهرة مؤكدين وقوفهم مع أبناء ألقوش في تحديهم لقرار تنحية الأستاذ فائز:



وشباب ألقوش التي تجري في دمائهم دماء الشهيد المطران توما أودو والبطل الخالد توما توماس لعبوا أيضا دوهم في رفض هذا القرار والتضامن مع الأستاذ فائز من خلال موقعهم الألكتروني ليؤكدوا بأنه كلهم مع إستاذ فائز... وليسمحني القارئ الكريم أن أخول نفسي وأقول من لندن وفيزبادن وستوكهولم وديتروت وساندياكو وشيكاغو ولوس أنجلس وأريزونا ونصرخ كلنا وبصوت عالي ونقول ... كلنا معك يا أستاذ فائز ومع أهل ألقوش البطلة.


 
========================================================
لقد سبق وذكرت مراراً وتكراراً ... ألقوش التي أنجبت التوماين ... الشهيد البطل المطران توما أودو والمناضل الخالد توما توماس... ولعمري أن ألقوش قادرة أن تنجب ألف وألف توما... واليوم نقول نفس الشيء بأن ألقوش قادرة أن تنجب ألف وألف فائز.
   


26

 بهرا لسان حال الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا)
رحلة نضال طويلة وشاقة
==============================
أبرم شبيرا
عودة بهرا:
--------
بعد إنقطاع دام تقريباً ثلاث سنوات عادت جريدة بهرا، لسان حال الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) بالصدور مرة أخرى وبعدد رقم 653  لتستمر مسيرتها الخامسة والثلاثين لإنطلاقها في 26/06/1982. ولهذه العودة على الساحة القومية أهمية كبيرة في سياق مسيرتنا القومية السياسية خاصة فيما يتعلق بوسائل الأعلام الحزبية ومنها الجرائد والمجلات التي قل ما نراها في مجتمعتنا "الكلداني السرياني الآشوري" لأنها في حقيقة الأمر هي تعبير عن حيوية الحزب حتى وأن كان شكلها ونوعيتها بمستوى لا تضاهي مستويات العصر التقني الراهن ولكن نظرتنا إليها تأتي من خلال أستمراريتها ومواصلتها للرسالة التي تحملها والتي هي شهادة على أثبات الوجود في هذا العالم. وإنطلاقا من هذه الأهمية الإستراتيجية في عودة صدور بهرا، وبناء على طلب المشرف عليها كتبتُ هذا الموضوع ونشر في هذا العدد من بهرا، ولتعميم الفائدة من هذا الموضوع ليكون قراءنا الأعزاء مطلعين على جانب من سيرة هذه الجريدة وجدت في إعادة نشره في موقع عنكاوه الألكتروني فائدة للجميع، المؤيدين لزوعا والمعارضين لها.
 بهرا: رحلة نضال طويلة وشاقة
----------------
كل قطار ينطلق من محطة البداية ويتوقف عبر رحلته في محطات عديدة ولفترات متفاوتة طبقا لأهمية المحطة من جهة وعدد المسافرين من مغادرين وقادمين من جهة أخرى وتنتهي رحلته في المحطة الأخيرة. وقد تتهرأ بعض أجزاء القطار ويصيبها العطل مما يتطلبها التغيير أو الترميم والصيانة لكي يعاود الرحلة مرة أخرى  بشكل سليم وبأمان. أما العكس، أي عدم التغيير أو الترميم والصيانة وتوفر الأدوات الإحتياطية له فأنه لا محال سيتحول إلى قطع من الحديد ويرمى في "السكراب". وقطار المجتمع، أي صيروته التاريخية، لا يختلف كثيرا عن القطار الآلي فله أيضا محطة البداية وله توقفات في محطات عدة تختلف أهمتها من مرحلة إلى أخرى وفيها من يستقل القطار وأيضا من يغادرها إلا انه يختلف عن القطار الآلي بأنه لا تنتهي رحلته التاريخية في المحطة الأخيرة، وإن حدث ذلك بسبب الإجهاد والعطل والتكاسل والجهل فهذا يعني نهاية قطار التاريخ وإختفاءه من مسيرته التاريخية المعروفة وبالتالي فقدان هويته الخصوصية. ولكن بتوفر مستلزمات الإصلاح والتغيير وبهمة الرجال الأوفياء والصامدين والمصرين على إستمرار المسيرة التاريخية فحتماً سيعيد قطار المجتمع مسيرته وتستمر نحو المستقبل.

ومجتمعنا "الكلدو الآشوري السرياني" أستمر قطاره وصيرورته التاريخية لألاف السنين ومن مهده البيتنهريني وحتى يومنا هذا وسار عبر مراحلة تاريخية صعبة ومميتة ولكن أستمر... وأستمر رغم جراحه المثخنة والمرتوية بدماء شهداء الأمة ورغم البوس والإفقار والحرمان والمطاردة والتنكيل والتشتت وعدم الإستقرار... إلا أنه مع هذا أستمر في مسيرته ووصل إلى محطته في الألفية الحادية والعشرين وعرفَ نفسه للعالم الآخر من خلال مؤسسات وتنظيمات وأحزاب سياسية عملت بشكل أو بآخر، نجاحاً وفشلاً ولكن صمدت رغم كل المأساة والمعاناة. والحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا)، سواء أختلفنا أو أتفقنا معها، فإن هذا التباين في الرأي حولها لا يستطيع أحد أن يحجب تجربتها النضالية القاسية والمأساوية منذ تأسيسها عام 1979، فهي تمثل صورة من صور هذه الصيرورة التاريخية لأمتنا. فمن نام على الصخور العرياء الصلدة لجبال آشور وتلحف بظلمة السماء القارصة البرد وبالكاد وجد زاده اليومي من أوراق الشجر ومن لحوم الحيوانات البرية حتى وأن كانت لحوم الثعالب والدببة هو صورة من صور هذه المسيرة التاريخية لأمتنا. ولكن هذه المسيرة التي أستمرت لزمن من 38 عاماً وعابرة لكل المآسي والفواجع لا بد أن تتهرأ وتتعب بعض من أجزاءها وبالتالي لا تستطيع إكمال مسيرتها ضمن الصيرورة التاريخية للأمة أو ستتعثر في طريقها. لهذا فأن أمر ترميمها وتجديدها وصيانتها وبشكل مستمر وأيضاً عن طريق نزول بعض من عناصرها من القطار وصعود الآخرين ضمن حركة تراتبية متناسقة أمر طبيعي لإستمرار هذه المسيرة بشكل سليم وبمنجزات ملموسة. في عام 1992 كانت أكبر وأهم محطة في تاريخ الحركة فوجدها البعض فرصة سانحة لتحقيق بعض المصالح الخاصة. فمن خلال الهامش الديموقراطي الذي توفر في الإقليم  قفز بعض العناصر في قطار زوعا وأستقلوها وتربعوا على مقاعد مريحية ولكن تبين لهم من خلال طول المسيرة ومشقاتها عجزهم عن تحمل الصعاب والتحديات والإستمرار لذلك قفزوا منها في أقرب محطة "إختياري". من هنا نؤكد بأنه من الضروري جداً لضمان إستمرار المسيرة أن تتجدد الحياة فيها وبإستمرار سواء بالقفز منها في المحطات الإختيارية أو ترك العناصر المجهدة و "التعبانه" لقطار المسيرة وصعود عناصر شابة ويافعة ومفعمة بالحيوية والنشاط والتجدد حتى يصبح أمر زيادة سرعة المسيرة بثبات أكثر وبإنجازات أكبر. أما العكس، إي بقاء العناصر المتهرأ و "التعبانة" متكرسة على مقاعد القطار ومحاولة حجزها كلها لهم ولأمد غير محدد وعدم إفساح المجال لغيرهم لتنشيط المسيرة وإفعامها بالحيوية والقوة فهو أمر خطير وغير مضمون في إستمرار مسيرة القطار والوصول إلى محطات متعددة ومختلفة.

 

محطة من المحطات النضالية لزوعا حيث كانت بهرا تنقل على ظهر الحمير والبغال وتوزع على المنضالين المقاتلين في جبال آشور
=======================================================
واليوم نرى بأن بهرا التي هي جزء من هذا القطار، أعتلتها وقادتها عناصر شابة مفعمة بالحيوية والنشاط والتجدد قادرة على حملها ووضعها على مسار مسيرتها المعروفة وقيادتها نحو أماد أبعد.. هي نفس المسيرة التي تطعمت بها أمها (زوعا) بالتجارب القاسية وتحمل الصعاب ومواجهة التحديات المميتة... نعم تلك المواجهات التي تحدت حتى ظلم وإستبداد أزلام نظام البعث المقبور. ففي قيض تموز من عام 1984 أنقض مجرموا نظام البعث المقبور على الشهيد البطل يوبرت بنيامين في منطقة حي الآثوريين في الدورة ببغداد وألقوا القبض عليه بوشاية من يهودا الإسخريوطي.. ألقي القبض عليه لا لأنه كان يحمل كلاشينكوف ولا بازوكا أو أر بي جي ... لا ... لا.. فقد كان يحمل في جعبته نسخة من جريدة بهرا جلبها معه من كركوك لكي يسلمها لرفاقه حتى يطلعوا عليها. ألقي القبض على الشهيد لأنهم يخافون جداً من سلاح أقوى وأكثر فاعلية من هذه الأسلحة وهو سلاح بهرا ... سلاح الكلمة الحرة والمستقلة والرافضة للظلم والإستبداد، سلاح الوعي القومي النابض الذي لا يمكن لأعتى دكتاتور ومستبد أن يضعه خلف القضبان أو يعلقه على المشانق. وفي نفس العام، عندما أعتقل أزلام نظام البعث المقبور مجموعة من مناضلي زوعا كانت بهرا بطلتهم الصنديد فزاملتهم في الزنزانة لتواجه التحديات المميتة وتقاومها. كان رجل الأمن  المستبد أثناء إستجوابهم يلوح بيده نسخة من بهرا وينهق نهيقاً في وجه المناضلين المسجونين سائلا عن الأسماء الذين أستلموا بهرا وقرأوها. طبعاً لغرض إستدعاءهم وزوجهم في السجن لأنهم أستلموا بهرا وقرأوها ولم يقوموا "بواجبهم الوطني" حسب قاموس البعث، في كتابة تقارير الوشاية للأمن عن الجريدة وأصحابها. غير أن صمود المناضلين المتسلحين برسالة بهرا واجهوا إستبداد رجل الأمن بالتحدي الصامت والرفض مستمدين قوتهم وصمودهم من رسالة بهرا. فبصمودهم هذا وعدم ذكر أسمي كأحد قراء جريدة بهرا الأوائل منذ عددها الأول وحتى آخرها حرموني من شرف زمالتهم في زنزانتهم. أليس من أبسط واجباتنا أن نثمن ونقدر دائماً وأبداً مثل هذه المواقف البطولية؟؟   فإنطلاقاً من هذا الواجب البسيط كنت أنا وبضعة أصدقاء شجعان من أوائل من زارهم في سجن أبو غريب في أول زيارة مسموحة لنشد على أيديهم ونعزز من أزرهم وصمودهم، وللأمانة التاريخية أذكر هؤلاء الأصدقاء الشجعان وهم كل من المرحوم أشعيا يونان ونوئيل داود توما وشاؤول شاهين الذي كان شقيقه وأبن عمه من بين المناضلين المعتقلين وطبعاً بعض من أفراد عوائلهم.
نعم... اليوم تعود بهرا مرة أخرى حاملة رسالتها الأولى ومن المؤكد أن قادتها مدركين لكل التحديات الجديدة التي يتطلبها الكثير من المواجهات والتضحيات لكي تستمر في مسيرتها. ونحن بحسب معرفتنا الشخصية بهم لنا أمل بأستمرارها بحيوية أكثر ونشاط أكبر حتى تنطلق من جديد على مسارها القومي المستقل ونحو آماد أبعد ليلتقطها الأجيال الجديدة والقادمة.
 
 

27
في ضوء إنعقاد مؤتمر بروكسل
------------------

إلى متى نظل نحن "الكلدان السريان الآشوريون" ننفخ في قربة مخرومة؟
==============================================
أبرم شبيرا

عنوان هذا الموضوع ليس إلا تذكيرا بما كتبناه سابقا وأكثر من مرة في هذا السياق من أن كل الجهود الفعلية والكلامية والتصريحات والصرخات والبيانات والإستنكارات والإجتماعات... كلها جهود مهدورة وضائعة في غابات ومتاهات الطائفية والحقد والكراهية التي تتحكم وبقوة في جميع مناحي الحياة السياسية والإجتماعية والفكرية لوطننا التاريخي (بيت نهرين) ويصبح شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" خارج سياق الوطن مهمشاً على أبواب الطرد النهائي من أرض الأباء والإجداد محققين بذلك أهداف داعش الإجرامية.

 بمجرد نظرة بسيطة للعقود الأخيرة من تاريخنا وحتى يومنا هذا على الإنتهاكات الظالمة بحق شعبنا  سواء من قبل النظام الطائفي القائم أو القوى المتحكمة في مقدرات البلاد نرى بأن كل الجهود المبذولة من قبل رؤساء كنائسنا وزوعماء أحزابنا وعلى مختلف الأصعدة والمستويات الكنسية والسياسية والقومية  للتعامل مع هذه الإنتهاكات ما هي إلا كالنفخ في قربة مخرومة لا تملك قدرة ولا مقومات القوة والتأثير للخروج من نطاقها المحدد والوصول إلى آذان المتحكمين في مقدرات الوطن، فيما إذا كان لهم فعلاً آذان قابلة لسماع صراخ المظلومين من أبناء شعبنا. أين وصلت صراخ رجال الكنيسة وزعماء أحزابنا وتنظيماتنا القومية وكتابنا ومثقفينا من مظالم بطاقة الهوية اللاوطنية ومسألة منع بيع الخمور وفتاوى قرون الوسطى الهمجية  والتجاوزات على أراضينا التاريخية؟؟؟ أفهل هناك ألتفاته إيجابية من النظام القائم في بغداد وأربيل  تجاه ما يطلبه أبناء شعبنا بكل مؤسساته الكنسية والقومية من أبسط حقوقهم التاريخية في الوطن؟ أفهل هناك في كل العالم يستطيع أن يجزم بأن النظام العراقي ديموقراطي ويحترم حقوق الإقليات الدينية والقومية إحتراماً فعليا لا كلامياً إعلاميا. أليست هذه كلها حروب دونكيشوتية ضد طواحين الهواء الشيطانية، كما سبق وذكرنا ذلك بالتفصيل في موضوع سابق. عندما نطلب حقنا الشرعي في الوطن ونستمر في الصراخ لتحقيقه ولا يسمعها أو لا يأبى لسماعها من يملكون مفاتيح الحل، فهو أهانة وقلة الإحترام لرؤساءنا وزوعماءنا لا بل لشعبنا أجمع... فإلى متى نتحمل هذه الإهانة والإزدراء بالشعب الأصيل لبلاد ما بين النهرين؟

ترى ألا يدرك رؤساء كنائسنا وزوعماء أحزابنا بأن النفخ في قربتهم المخرومة ليس لها صدى لدى الآخرين؟؟؟ إلا يعلم  رؤساء كنائسنا وزعماء أحزابنا بان النظام العراقي والفكر السائد في أخاديده والممارسات السياسية كلها تدور في فلك الطائفية والحقد والكراهية وتكفير الآخر المخلتف. صحيح هو أنه بين فترة وأخرى يخرج عنصر من عناصر النظام الطائفي أو مفكر معمم ويحاول تجميل وترتيش تصريح أو كلام أو "زلة لسان" أو "سوء إستخدام مقطع من حديث شريف" لمعمم آخر تجاه تكفير المسيحيين في العراق ولكن في الواقع الفعلي ما هو إلا كلام في كلام ولا يعكس ما هو في الواقع الفعلي في إنهاء الوجود المسيحي في العراق. في الأيام القليلة الماضية تجادلنا وأختلفنا وتحفظنا على مسألة أجراء الإستفاء العام في إقليم "كردستان" وتساءلنا عن مصيرنا القومي عند قيام الدولة الكوردية، ونحن نعلم كل العلم وفق السياقات التاريخية وتجاربها بأن نتيجة الإستفتاء مضمونة للحاكم، كما سبق وفصلنا عن هذا الموضوع في مناسبة سابقة. واليوم نفس الحال نتجادل ونختلف ونتحفظ على مؤتمر بروكسل ولكن بإعتقادي وبأعتقاد الكثير من الأصدقاء المطلعين بأننا سنخرج  إلى الواقع الفعلي " بدون حمص". فهناك كثير الكثير من التساؤلات عن هذا المؤتمر ومدى إلزامية بيانه أو قراراته الأخيرة وحتى وإن كانت من جهات دولية لها شأناً في تقرير مصير الكثير من المسائل في المنطقة ولكن الحقيقة تبقى نفسها هي الخروج من المولد بدون حمص طالما النفخ مستمر في نفس القربة المخرومة. فحتى البيان النهائي لمؤتمر بروكسل فأنه لا يتعدى عن الكلام المعسول الذي ظل نسمعه طيلة قرن من الزمن.  فكل السياقات التاريخية وتجاربها تؤكد بأننا كنًا دائماً الخاسرين من نتائج مثل هذه المؤتمرات الدولية لا بل مخدوعين بكلمات منمقة غير قادرة على عبور فضاء الكلام إلى محيط الواقع وبالتالي ليس الخروج من المولد بدون حمص فقط بل تراكم المأساة والفواجع على شعبنا أكثر فأكثر وتعاظم الصراعات الداخلية والتخوينات والشتائم بين من شارك في المؤتمر ومن لم يشارك  أو بين من أيده ومن عارضه. الموضوع ليس في مدى جمالية ونمنمية قرارات مؤتمر بروكسل أو غيره بل في مدى إمكانية تطبيقها في حدها الأدنى، وكنائسنا وأحزابنا وتنظيماتنا متخاصة ومختلفة على الصغيرة والكبيرة، فكيف سيكون الحال يوم غد عندما تقر كل الأطراف العربية الشيعية السنية والكوردية والأوربية والأمريكية والروسية بحقنا في سهل نينوى وتعمل بشكل جاد لمساعدتنا في تطبيقه ونحن متخاصمون غير متوحدين أو متفقين على الحد الأدنى. من هنا يجب أن يفهم بأن المسألة لا تخص رفض وإدانة مثل هذا المؤتمر أو تأييده بل الأمر يتركز بالأساس على ما سيترتب على نتائجه من تزايد خصومات وصراعات داخلية بين أبناء أمتنا وزعماءنا الكنسيين والقوميين.

عندما نذهب للحرب ونخوض معركة بدون سلاح فعال فمن المؤكد بأنها ستكون معركة خاسرة لا بل ستزيد من نتائجها المأساوية على مأساتنا التاريخية والمعاصرة خاصة عندما يكون الطرف الآخر من المعركة ذو شأن قوي ويملك أسلحة فتاكة ومختلفة الأصناف من فكرية وسياسية وعسكرية وإقتصادية ونحن نفتقر إفقاراً مدقعاً لكل هذه الأسلحة. فالدبلوماسية والمفاوضات والمؤتمرات كلها الوجه الآخر للحرب ويتطلبها أصناف مختلفة من الأسلحة الفكرية والسياسية والإقتصادية. كيف نصف الذي يدخل معركة... معركة مصيرية... وبدون سلاح غير أن نصفه بالجاهل ... والجاهل هو من لا يتعلم من التجارب ولا يتخبر من التاريخ، أي هو من يتعثر بالحجر مرتين، ولكن نحن نتعثر بالحجر عشرات المرات ولا نتعلم شيئاً من هذه العثرات. في عام 1917 أجتمع في أورمي قادة الآشوريين الكنسيين والعلمانيين مع رجل المخابرات الأول في منطقة الشرق الأوسط البريطاني الكابتن د. ن. غريسي إلى جانب ممثلين من روسيا وفرنسا والولايات المتحدة لغرض مساعدة الآشوريين وإنقاذهم من المأساة والتشرد والضياع. ويقال بأن الكابتن غريسي وعد الآشوريين بكيان مستقل لهم ولكن أنكره فيما بعد. أجتمع الآشوريون مع هؤلاء وهم جياع ومشردين لا حول لهم ولا قوة يقابلهم ممثلي أكبر دول العالم في تلك الفترة مدججين بكل الأسلحة السياسية والفكرية والعسكرية والإقتصادية خاصة ونحن نعرف مهمة الرجل المخابراتي كالكابتن غريسي وطبيعة عمله في المناورة والتملق والخداع والحيل والكذب من أجل تحقيق مصلحة بلاده لذلك فإن كل الوعود، الشفهية طبعاً، التي قطعها للأشورين كانت خداع ووهم وكذب وكانت نتيجتها تعاظم مأساة الآشوريين وتشردهم. وما كان التشرد في مخيم بعقوبة للاجئين ومذبحة سميل عام 1933 والإنشقاقات التي حدثت بين قادة الآشوريين وأتباعهم إلا نتائج هذه المعارك الخاسرة. والحال لم يكن يختلف بالنسبة للوعود الصادرة من رجال الكنيسة الإنكليكانية في بريطانيا للآشوريين في مساعدتهم وتخليصهم من معاناتهم إلا من حيث الأسلوب القائم على "التعاطف" مع الوضع المأساوي للآشوريين وخاصة على كنيستهم المشرقية ليس حباً بهم وإهتمامهم بأقدم كنيسة في العالم ولا إيماناً بالمسيح بل تشجيعاً لهم للوقوف بوجة المبشرين اللاتين وعدم الإرتماء في أحضان المجموعة الكاثوليكية أو الحيولة دون الميل إلى الأرثوذكسية الروسية وإلى روسيا بالذات. وفي عام 1919-1920 هرع الآشوريون من كل صوب ودرب، من العراق وتركيا والولايات المتحدة إلى مؤتمر فرساي في فرنسا وكل وفد يحمل في جعبته مطاليبه الخاصة وأرادوا مقابلة "بهلوانات" العالم المنتصرون في الحرب والإجتماع بهم والمطالبة بحقوقهم القومية وجيوبهم وعقولهم فارغة لا  قيمة لها في سوق المصالح القومية للدول المنتصرة. لهذا لم يسمح لهم حتى الإقتراب من عتبة قصر فرساي فرجعوا خائبون يلعنون أبو أبو الإستعمار البريطاني والفرنسي ويلقون كل اللوم عليهم من دون أن يبحثوا عن سبب واحد حتى يلقوا اللوم على أنفسهم.

فلو حاولنا المقارنة وليس التشبيه، اؤكد ليس التشبيه، بين وضع شعبنا في تلك الفترة مع وضع اليهود، نرى بأن اليهود في تلك الفترة أستطاعوا وضع حجر الأساس لبناء دولتهم والتخلص من المعاناة التاريخية وتمثل هذا الحجر في وعد بلفور لعام 1917 الذي منحه وزير خارجية بريطانيا مستر آرثر جيمس بلفور. هنا هو التساؤل: لماذا منح الإنكليز مثل هذا الوعد لليهود، وعد مكتوب وموثق وملزم رسميا من قبل الحكومة البريطانية، ولم يمنحوه للآشوريين في نفس تلك الفترة؟؟؟ الجواب بسيط جداً ومعلوم: اليهود كانوا ولا يزال يملكون أقوى أسلحة في العالم: الإقتصاد أو المال و الفكر أو العلم، أما نحن فجيوبنا وعقولنا فارغة تماماً ولا يهتم أحد بالجهلاء والفقراء في دنيا المصالح. ولكي ننظر إلى طرفي معادلة المال والعلم في موضوع منح وعد بلفور لليهود نذكر:
 الأول: كان حاييم وايزمان (1877 – 1952) اليهودي والروسي المولد والبريطاني الجنسية، عالماً فيزياويا مشهوريا تمكن من إكتشاف طريقة تجارية لإنتاج مادة الأسيتون وهي المادة الأساسية التي تستخدم في المتفجرات وصنع الأسلحة وكان رئيسا للمنظمة الصهيونية العالمية ثم بعد قيام دولة إسرائيل أصبح أول رئيس لها. أستطاع وايزمان أن يستغل إكتشافه العلمي ويساوم الحكومة البريطانية فحصل منها على وعد بلفور مقابل إعطاء بريطانيا سر الإكتشاف.
الثاني: وعد بلفور قدم إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد (1868 – 1937) والمعروف عن عائلة روتشيلد اليهودية بأنها من أغنياء العالم ويقال بأنها تملك نصف ثروة العالم وتعتبر وبحق أمبراطورية الإعلام فتمتلك وسائل إعلامية هائلة ومؤثرة جداً حتى يومنا هذا ويكفي أن نشير إلى سي أن أن  CNN) ) والكثير من الأقمار الصناعية وسيطرة كاملة على عالم السينما في هوليوود، فهيهات لمن ينكر أو يستخف بالمذبحة اليهودية (الهولوكوست) فالويل له وأين المفر من سطوة اليهود فمصيره سيكون كمصير الممثل مارلون براندو.  فمثل هذه القوة الإقتصادية الجبارة كان يرتعب منها أكبر الدول في العالم وتستجيب لمطاليب أصحابها. أعيد وأكرر بأن هذه هي مقارنة بين النجاح الباهر والفشل المفجع فشتان التشبيه بين الحالتين اليهودية والآشورية.

واليوم تتكرر الصورة في الهرولة نحو مؤتمر بروكسل أو الأمتناع عن حضوره ونحن سائرين على نفس الطريق التاريخي المليء بالأحجار والعثرات ومن دون أن نتعلم كيفية إجتيازها، فبالأصل نحن لا نملك أية وسيلة فاعلة تمكننا من إجتياز هذه الأحجار والعثرات وجيوبنا فارغة وعقولنا مكبوسة في جماجمنا لا تثير مطامع الأطراف الأخرى التي تدعي إهتمامها بوضعنا المأساوي. فالتاريخ يخبرنا بأن كل دول العالم لا تورط نفسها في مسائل لا تخدم مصالحها القومية الخاصة، فالقيم الأخلاقية والإيمانية والإنسانية التي يدعي بها بعض السياسيين الغربيين ويحاولون إستخدامها للتعامل مع قضيتنا المأساوية لا مكان لها في سوق العلاقات الدولية. كل هذه الأمور والتجارب التاريخية تجعلنا أن ننظر إلى مؤتمر بروكسل كأنه مؤتمر عام 1917 وأن نجد بعد قرن من الزمن في المستر لارسن أداكسن عضو البرلمان الأوروبي وعراب المؤتمر صورة الكابتن غريسي. ماذا كانت نتائج مؤتمر عام 1917 غير التناطح والإتهامات والتخوين بعد إنتهاء المؤتمر وما أعقبه من مأساة بعقوبة وسميل. ماذا نتوقع من مؤتمر بروكسل عندما يعلن نتائجه غير نفس نتائج عام 1917 من التناطح والإتهامات والتخوينات بين أطراف وتنظيمات وشخصيات أبناء أمتنا. فإذا سايرنا القائلين بأن أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة والأنانية وتعتمد على الخداع والمكر والبهلوة وقد يكون هذا سبباً لإنشطار "الزعماء" العلمانيين وتشقق مظلة "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية إلآشورية" بين مؤيد لحضور مؤتمر بروكسل ومعارض له، ولكن التساؤل المحير هو كيف الحال مع كنائسنا التي يجب أن تكون واحدة كما هو ربنا يسوع المسيح، له المجد، واحد، ولكن الواقع يقول بأن هذا "الواحد" أنشطر إلى شطرين، شطر حضر المؤتمر والآخر غاب عنه. تصورا كيف سيكون حالنا عندما تأتي لحظة تطبيق قرارات مؤتمر بروكسل؟؟ الله يستر!!

يا إلهي... لماذا كل هذا التشاؤم؟؟؟ ولماذا هذا التشبيه بين عامي 1917 و 2017 وبينهم قرن من الزمن؟ الجواب ليس من عندي بل من التاريخ الذي يقول بأنه في عام 1917 أجتمع قادتنا مع "بهلوانات" العالم وهم مشريدين وغارقين في مأساة وفواجع وجيوبهم وعقولهم فارغة وليس لديهم شيئاً للمقايضة. واليوم نفس الأمر والحال يتكرر نجتمع مع "بهلوانات" العالم وشعبنا مشرد وغارق في مأساة وفواجع وجيوبنا وعقولنا فارغة ولا نملك شيئاً للمقايضة في سوق المصالح الدولية. وحتى نكون منصفين بحق شعبنا نقول بأنه إذا كانت جيوبنا فارغة لأنه ليس فينا فرد من أفراد عائلة روتشيلد، أليس إجحافاً بحق شعبنا أن نقول بأن عقولهم فارغة ونحن نعلم بأنه لدينا شخصيات فذة ومثقفة ونحمد الله ونشكره على كثرة مفكريه ومبدعيه وحاملي الشهادات العليا سواء من الأكليريين أو العلمانيين؟ نعم هذا صحيح ولكن الجهل والتخلف الذي نعنيه هنا هو التخلف في الوعي القومي الصحيح الجامع والمعبر بشكل عام عن المصلحة العامة للأمة. في معظم المجتمعات ودول العالم المتحضرة والمتسلحة بالوعي الجمعي الضامن للمصلحة العامة عندما تتعرض لتهديدات خطرة وتحديات مميتة تنسى إختلافاتها وتناقضاتها وحتى نزاعاتها وصراعاتها وتلجاً لتحتمي تحت مظلة المصلحة القومية لتكون القاعدة المركزية، أو القيادة العامة، لشن حروبها ضد هذه التهديات وبسلاح قوي وفعال يتمثل في تضامن الأكتاف وتماسك الأيدي وتلاحم الأفكار وتوحد الجهود من أجل حماية المصلحة القومية، إلا نحن "الكلدان السريان الآشوريون". فعلى الرغم من معرفتنا بمدى خطورة التهديدات المصيرية التي تواجهها أمتنا فإننا باقون وصامدون على إختلافاتنا ونزاعاتنا التي تفتك بالمصلحة القومية وحتى الدينية لأمتنا في العراق.

إذن نقولها وبملئ الفم بأنه بدون الوحدة أو الإتحاد وليس الإندماج بين تنظيماتنا القومية والكنسية... الوحدة بحدودها الدنيا على أسس المصلحة القومية والكنسية العامة... أي بعبارة أخرى، بدون وحدة الخطاب القومي والكنسي القابل لنقله وتوصيله إلى الطرف الآخر بوسائل فعال ومتاحة لا يمكن لأعظم مؤتمرات الدنيا ولا لأكبر دولة في العالم أن تضمن لأمتنا الإستقرار والأمن والرخاء في أرض الأباء والأجداء طالما مثل هذا الإستقرار والأمن والرخاء مفقود في أنفسنا

ما أجمل وما أروع هذه الكلمات العسلية من إتحاد وتضامن ووحدة الخطاب القومي والمصلحة العامة والتفاهم بين كنائسنا ومؤسساتنا القومية التي نتغنى بها ليل نهار والتي تشكل بيت القصيدة في أفكارنا السياسية الطوباوية... نعم طوباوية لأنها كلمات غير قادرة على الخروج من خيالنا وفكرنا إلى الواقع العملي ليس لأننا لا نؤمن بها بل لأننا جهلاء بكل معنى الكلمة في إيجاد الطرق أو الوسائل الممكنة للوصول إليها وتحقيقها على أرض الواقع، جهلاء لأننا لا نعرف بأن تحقيق هذه المفاهيم الجميلة لا تتم إلا بتنازل كل طرف  بشيء من مصلحتة الخاصة لصالح المصلحة العامة حتى تتحقق. في السابق أقترحنا تشكيل المجلس الأعلى لبطاركة كنيسة المشرق في العراق كأعلى هيئة تمثيلية للمسيحيين وعلى الجانب الآخر أقترحنا تشكيل المجلس القومي الأعلى للكلدان السريان الآشوريين من خلال تنازل ولو بشيء بسيط كل طرف من أطراف المسألة ومنها إستقالة "ممثلي" أمتنا في البرلمانين ومن مجلس الوزراء حتى لا نكون جزء من النظام الفاسد وحتى يصدقنا الآخرون بأننا فعلاً شعب مظلوم وحقوقة مجحفة حينذاك تكون مسألة طلب الحماية الدولية أو تطبيق بنود مؤتمر بروكسل مسألة منطقية وواقعية ونكون حينذاك قد أمتلكنا سلاحاً نستطيع دخول الحرب بها... ترىُ أليس من حق القارئ اللبيب أن يقول من خلال قراءة هذا المقترح بأنني فعلآ أحلم حلماً وردياً؟   

للحق أقول كلما أتطرق إلى هذا الموضوع، أي أهمية الوحدة والتفاهم كسبيل لخلاصنا من وضعنا المأساوي يقفز إلى رأسي قول المثلث الرحمات بطريرك الكلدان الأسبق مار روفائيل بيداود "قديس الأمة والكنيسة" عندما قال:
(ليتن خلاص إلا بخوياثا... لا خلاص لنا إلا بالوحدة)

28
في ضوء قرار الإستفتاء حول إقليم كوردستان:
===========================

.
الدولة الكوردية ... حقيقة أم يوتوبيا
---------------------
أبرم شبيرا
الإستفتاء الكوردستاني:
==============

قررت رئاسة حكومة إقليم كوردستان – العراق إجراء إستفتاء بتاريخ 25/أيلول/2017 لتقرير مصير إقليم كوردستان سواء بإعلان الإقليم دولة كوردية مستقلة أو البقاء ضمن الدولة العراقية، وفي ضوء هذا القرار، وقبل أن ندخل في تفاصيل موضوع "الدولة الكوردية... حقيقة أم يوتوبيا)، نود أن نبين مايلي:
1.   بينت التجارب التاريخية لدول منطقة الشرق الأوسط ومنها العراق بأن جميع الإستفتاءات أتت نتائجها لصالح السلطة والجهة التي طالبت بالإستفتاء. ومن المؤكد بأن الإستفتاء المزمع إجراءه في الإقليم سيكون ضمن نفس النتيجة، أي لصالح السلطة.
2.   الإستفتاء سيكون كغيره من الإستفتاءات مذيلاً بنعم أو لا، أي بهذا المعنى التصويت سيكون إما تأييد إستقلال الإقليم وقيام الدولة الكوردية أم لا، أي ببقاء الإقليم ضمن دولة العراق. ولكن هذا الخيار سيكون محكوماً بالفقرة (1) أعلاه، أي سيكون الجواب وبشكل مطلق أو بالأغلبية بـ (نعم) مستجيباً لمطمح السلطة في إستقلالية الإقليم.
3.   أحتجت بعض الأحزاب على قرار الإستفتاء وغيرها رفضت المشاركة فيها أو بينت تحفظاتها، ومنها بعض من أحزابنا الكلدانية السريانية الآشورية ولكن، رغم إحترامنا للأراء الحرة في هذا السياق، فأنه في كل الأحوال الأمر سيان فلا يزيد أو ينقص من نتيجة القرار شيئاً، لأن رفض المشاركة سيحرمون من خيار (لا) في حين مشاركتهم في الإستفتاء كان سيتاح لهم خيار (لا).
4.   بقدر تعلق الأمر بأحزابنا الكلدانية السريانية الآشورية التي رفضت البعض المشاركة في الإستفتاء أو بينت بعض التحفظات مذيلة بأسباب الإنتهاكات التي تتعرض لها حقوق شعبنا وبالتهميش الذي يعانيه شعبنا في الإقليم فأن الأمر سيان ولا تأثير له على عملية سير الإستفتاء ونتيجتها، رغم أحترامنا الكبير لأرائهم، لأن النتيجة ستكون بالحتم محكومة بالفقرة (1) أعلاه. لا بل يجب أن ينظر للموضوع بنظرة براغماتية تسمو على الرفض والتحفظ لأن في حالة تشكيل دولة كوردية فإنها ستكون عضو في المجتمع الدولي وفي منظمة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان والأقليات أي أن إلتزاماتها القانونية والسياسية والأخلاقية ستكون أكثر إلزامية تجاه حماية حقوق الإقليات ومنها شعبنا في "الدولة الكوردية".   

على العموم، وبينما أنا ضالع متعمقاً في دراسة هذا الموضوع وما يتعلق به من أحقية الشعوب في تقرير مصيرها وتكوين الدول الخاصة بهم ومنهم الشعب الكوردي، وجدت في أرشيفي القديم موضوع كتبته قبل سنوات عديدة عن الدولة الكوردية ومدى إمكانية قيامها متناول الموضوع من الجانب التاريخي وإمتداداته للحاضر والمستقبل. ولتعميم الفائدة وجدت قرار الإستفتاء مناسبة لكي أستل منه الكثير لهذا الموضوع.   

الكورد قومية كبيرة ولكن بدون دولة كوردية:
========================

يعتبر الكورد في هذا اليوم، والذين يقدر نفوسهم بين ( 20-25 ) مليون نسمة، من القوميات الكبيرة  في العالم التي ليس لها كيان سياسي متميز، أو دولة خاصة بهم  رغم كون "كوردستان" ، والذي  يعني بلد الكورد، يمتد جغرافياً إلى مناطق واسعة تشمل أراضي من العراق وإيران وتركيا وأذربيجان وحتى سوريا، ولكن هو بلد بدون حدود  معينة ومثبتة على الخريطة السياسية للعالم، ولا يدل على انه وطن يتطابق مع شعب ومع دولة كوردية موحدة وإنما هو عدة مناطق منقسمة بين عدة دول إسلامية متجاورة أو متصلة ببعضها. ومما لا شك فيه هناك جملة عوامل سياسية وإقليمية ودولية لعبت دوراً مهماً في إفقار الكورد من وحدة قومية أو من كيان سياسي قومي خاص بهم. وقد تنطبق هذه العوامل أيضا على بعض القوميات الأخرى التي مزقتها الحدود السياسية للدول، كالآشوريين مثلا، إلا أن ما يميز الكرد عنهم هو تفاعل هذه العوامل مع عوامل داخلية اجتماعية مرتبطة بطبيعة الكورد أنفسهم التي ساهمت مساهمة فاعلة في هذا الإفقار. وعلى العموم يمكن حصر هذه العوامل في: أولاً : علاقة الكرد بالدين الإسلامي، وثانياً: التركيبة الاجتماعية للكورد.
 
عوامل إفقار الكورد من الدولة القومية:
======================

الأول: علاقة الكورد بالدين الإسلامي:
----------------------
 يجمع معظم المؤرخين على أن الكورد لم يكن معروفين للعالم كقوم لهم خصائص قومية متميزة إلا بعد اعتناقهم الإسلام ولم تبدأ بوادر هويتهم الكردية بشكل واضح إلا بعد الفتوحات الإسلامية. فمنذ دخولهم الإسلام في العام العشرين للهجرة وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب شمل حالهم كحال بقية الشعوب الآرية حيث لم يؤسس العرب الفاتحون لبلدان هذه الشعوب مستوطنات سكانية، ربما بسبب اختلاف الطبيعة الجغرافية، بل تركوهم لحالهم محافظين على تقاليدهم وعاداتهم وخصائصهم المتميزة، لكن مع هذا،  برزوا كمحاربين أشداء ومقاتلين في سبيل دينهم. وصلاح الدين الأيوبي، معروف بالأمثال المضروبة به في شجاعته وبسالته في خدمة الإسلام، فهو الذي كان على رأس أقوى دولة إسلامية في زمانه إلا أنه لم يفكر أو يسعى إلى تأسيس كيان خاص لأبناء شعبه الكوردي فحياته كلها كانت مكرسة في بناء الدولة الإسلامية ومحاربة أعدائها.   

والتاريخ أيضاً يزودنا بدلائل كثيرة على إخلاص الكورد للدين الإسلامي والجهاد في سبيله إذ لم يسجل أية ردة دينية قامت بينهم أو انحراف أو اجتهاد فكري بعيد عن روح الإسلام، وحتى المدارس أو الفرق الدينية التي ظهرت بينهم في فترات معينة فهي الأخرى لم تكن في تناقض أو تعارض مع الاجتهادات العامة للدين الإسلامي، كما أنهم لم يقوموا بثورة أو بتمرد واسع النطاق ضد سلطات الدول الإسلامية التي عاشوا في كنفها مطالبين بحقوق قومية أو داعين إلى تأسيس دولة كوردية أو إلى تثبيت مكانة سياسية خاصة بهم في ديوان الحاكم أو الخليفة أو اقتناء امتيازات خاصة بهم، كما كان الحال مع الفرس والقبائل التركو-المغولية والشراكسة والمماليك، بل كانوا وعلى الدوام، رغم اختلاف انتماؤهم القومي عن الحكام أو عن الأكثرية المسيطرة، كانوا مواطنين من الدرجة الأولى باعتبارهم جزء من أبناء الأمة الإسلامية ودولتها التي لم تكن تفرق بين العربي والأعجمي إلا بالتقوى. وحتى في العصور الحديثة، خاصة بعد تأسيس كيان العراق السياسي وتأسيس جيشه في عام 1921 برز فيه العديد من القادة الذين كان لهم شأناً كبيراً ومؤثرا في الحياة السياسية والعسكرية العراقية إلا أنهم لم يفكروا أو يسعوا إلى بناء كيان كوردي خاص بهم.

ثانيا: التركيبة الإجتماعية للكورد:
-------------------

أما بالنسبة للعامل الثاني، والمتعلق بالتركيبة الاجتماعية للمجتمع الكوردي، فأن الطبيعة الجغرافية القاسية وعزلة المنطقة وصعوبة الاتصال بينها وبين العالم الخارجي من جهة وبين الأقسام المكونة لـ "كوردستان" من جهة أخرى ساهمت في خلق نظام اجتماعي متميز وصلد شكلت العشيرة البنية الأساسية له والتي تمتعت بنوع من الاستقلال الذاتي تجاه السلطة المركزية. فالكورد وعبر التاريخ لم يشكلوا أمة موحدة لها كيانها الخاص بها، بل كانوا مجموعة من العشائر تفتقر إلى التماسك والتضامن فيما بينهم، فكانوا يعيشون في جبالهم المعزولة ويبدون طاعة شديدة إلى شيخ العشيرة ويخضعون إلى أي نوع من الحكومة طالما كانت سلطتها إسلامية وتدعو إلى تطبيق الشريعة والسنة. وقد يبدو أن مثل هذه الظاهرة قد تكون سائدة في بعض شعوب المناطق المجاورة أيضا، إلا أن قوة وصلابة النظام العشائري في الكورد واستقلالية وحداته الاجتماعية جعلتهم في حالة مختلفة، خاصة عندما كانت الحكومات المركزية، وتحديداً الدولة العثمانية، تستغل وضعهم الاجتماعي وتزيد من ترسيخ استقلالية وحداتهم الاجتماعية، أي العشائر، وعزل بعضها عن البعض وقطع الصلة بينهم سواء من خلال سياسة "فرق تسد" أو عن طريق تأليب بعضهم على البعض، أو استغلال بعض العشائر ضد البعض الآخر في حالة قيام تمرد أو ثورة أو محاولة الخروج عن هيمنة السلطة أو تجاوز حدود النظام الاجتماعي السائد ومن ثم إخضاع الجميع في نهاية المطاف وحصرهم في قوالبهم الأصلية وحدودهم الإجتماعية. ومما ساعد على استمرار هذا النمط من التركيبة الاجتماعية للنظام الكوردي هو تداخله وتفاعله مع عامل الدين ومن خلال رأس أو زعامة هذه التركيبة المتمثلة في شيخ العشيرة. فكلمة الشيخ عند الكرد لا تعني  زعيم عشيرة فحسب، كما هو معروف عند العرب، بل يقصد بها ذلك الشخص الديني التقي والورع الذي أوقف نفسه لخدمة الله والدين، سواء أكان منحدر فعلاً من أصول دينية أو مكتسباً لهذه الصفة من الممارسة الدينية في حياته.

ولكن مع هذا، فالتاريخ الكوردي في المنطقة لا ينفي أبداً قيام كيانات كوردية مستقلة في السابق نالت استقلالها عن السلطات المركزية للدول العثمانية، إلا أنها سرعان ما كانت تنهار بعد فترة غير طويلة، إما بسبب موت الشيخ المؤسس الذي قاد الاستقلال، أو باندحاره في نهاية المطاف أمام قوات الدولة المركزية، أو عن طريق تحريض حكام هذه الدولة  لبقية شيوخ العشائر الكوردية للانقضاض عليها. وفي معظم الحالات تقريباً جاء  زوال هذا الاستقلال القصير للدولة الكوردية بفعل تفاعل العاملين السابقين، حيث كان مثل هذا الاستقلال يسبب لبقية الشيوخ الهلع والخوف من جراء تنامي سلطات الشيخ المؤسس للدولة الكوردية والذين كانوا يعتقدون، أو كما كان يصور لهم من قبل السلطات المركزية، بأن مثل هذه الدولة ستكون على حساب مصالحهم واستقلالهم العشائري من جهة، وأنه، من جهة ثانية، هو  تمرد أو عصيان مخالف للدين والشريعة الإسلامية لأنه لا يجوز مقاومة السلطان العثماني باعتباره خليفة المسلمين أو أمير المؤمنين. وفي تاريخ هذه الكيانات الكوردية فتاوى أفتيت بحقها من قبل شيخ أو سيد كردي، كانت من ورائها السلطات العثمانية، لعبت دوراً كبيراً في انهيارها. لهذه الأسباب قيل بأن الصراع الكردي – الكردي الداخلي كان وعلى الدوام أشد بكثير من صراعهم مع أعدائهم ومضطهديهم.

وهناك روايات كثيرة قيلت في عدم وفاق الكورد وتوحدهم وإبقاء الفتنة والقتال بينهم وصلت غرابة بعضها إلى حدود الأساطير. وأغربها قصة لعنة رسول الإسلام النبي محمد على الكورد والتي أوردها كاتب كوردي مشهور أسمه البدليسي في كتابه المعروف (شرفنامه) الذي كتبه في القرن السادس عشر، وهو أول كتاب كردي كتب باللغة الفارسية، وليس الكوردية، يبحث في تاريخهم، حيث ورد فيه بأن في بداية الرسالة الإسلامية أرسل (أغورخان – ملك تركستان) وفداً إلى رسول الإسلام  برئاسة شخص يدعى (بغدور) وكان من أمراء الكورد وكان كريه المنظر، فظاً غليظاً شديد المراس، فلما وقع نظر النبي على هذا الشخص الكريه المنظر وضخم الجسم، فزع ونفر منه نفوراً شديداً. وعندما سأل عن أصله وجنسه قيل بأنه من الطائفة الكوردية وعندئذ دعا النبي قائلاً "لا وفق الله تعالى هذه الطائفة إلى الوفاق والإتحاد"..(أورده زبير سلطان في كتابه القضية الكردية من الضحاك إلى الملاذ، دار الكشاف، دير الزور – سوريه،ط1، 1990، ص 28-29). وعلى الرغم من أن بعض الكتاب ينفون هذه القصة في لعنة الرسول للكورد ويكذبونها لأن الرسالة الإسلامية لم يكن خبرها قد وصل في عهد الرسول إلى بلاد التركستان، إلا أن مع هذا يعطون أهمية لها لكونها قد أوردها كاتب كوردي في القرن السادس عشر الميلادي كان له دراية ومعرفة في عدم وفاق الكورد وتوحدهم.

الكورد والفكر القومي ومبدأ القوميات:
---------------------

في فترة قدوم الأفكار القومية الحديثة من أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بما فيها مبدأ القوميات وحق تقرير المصير وغيرها من المبادئ والمعتقدات التي نادت بضرورة قيام الدول على أسس قومية ووصولها إلى المنطقة، بدأت تتفاعل مع غيرها من العوامل السياسية  في نخر جسم "الرجل المريض" والقضاء عليه وتفتيت إمبراطوريته. فكانت الفرصة مناسبة للكورد للتحرك والتخلص من الاستبداد العثماني واقتطاع حصتهم من التركة وتأسيس دولتهم الكوردية في "كوردستان". ومما كان يساعدهم على تحقيق ذلك هو  قدرتهم العسكرية وخبرتهم القتالية في المناطق العاصية مع كثافتهم السكانية وتركزهم الجغرافي، إضافة إلى السياسات الدولية التي كانت تقضي  بتفتيت الإمبراطورية  العثمانية وتقسيمها إلى دول قومية. غير أنه يظهر بإن هذه الأفكار والمبادئ، والتي كان الأتراك يروج عنها باعتبارها أفكار "مسيحية" كافرة وافدة من أوروبا تهدف إلى القضاء على الدولة الإسلامية، لم تغير من واقع الكورد بشيء ولم تؤثر على العوامل المتحكمة في المصير القومي الكوردي المندمج مع الدولة العثمانية ولا أن تفعل فعلها نحو توحيدهم في كيان قومي أو تعمل على تبنيهم مبدأ قومي واضح يتجاوز البنية الاجتماعية العشائرية السائدة، لا بل وإنما على العكس من هذا، بدأ الكورد  بالدفاع المستميت عن الإمبراطورية العثمانية المتداعية فاستطاع الأتراك استغلال هذا الاندفاع والزج بالعشائر الكردية في أتون نيران الحرب التي لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل غير رغبة الانتقام المنقادة بعقلية عشائرية متحكمة في حياة الكورد. ففي عام 1885 شكلت السلطات العثمانية قوات عسكرية من العشائر الكردية عرفت باسم (قوات الخيالة الحميدية) السيئة الصيت بهدف توطيد السلطة العثمانية في جبال "كردستان" والتي أصبحت أداة فاعلة ومؤثرة ليس في استبداد وقهر الشعوب المسيحية، كالآشوريين والأرمن فحسب، وإنما أيضا في قمع بعض الحركات أو العشائر الكوردية الأخرى التي ناهضت سلطة الدولة. فاستمرت هذه القوات في أداء خدماتها الممتازة للأتراك حتى بعد فترة استيلاء حزب الاتحاد والترقي (تركيا الفتاة) على السلطة السياسية وإزاحة السلطان عبد الحميد من العرش وإعلان الدستور العثماني في عام 1908 حيث تبدل أسمها إلى (الخيالة الخفيفة) والتي أصبحت القوة الضاربة في يد القوميين الأتراك لاضطهاد الشعوب غير التركية وغير المسلمة بهدف تحقيق سياسة التتريك ومن ثم إنجاز حلم إقامة الإمبراطورية الطورانية. ثم وبعد سنة من قيام الحرب الكونية الأولى، ألغيت هذه القوات نهائيا، ولكن مع هذا استمر معظم الكورد في خدمة دولة الأتراك، سواء من خلال انخراطهم في المؤسسة العسكرية أو المدنية أو من خلال تحريض العشائر الكوردية واستخدامهم في الحرب. ويذكر المؤرخون بأنه خلال الحرب الكونية الأولى كانت قيادة الجيش توزع تعليمات على الضباط الأتراك تدعوهم إلى قتل العرب مع الإبقاء على الكورد لغرض استخدامهم في قمع واضطهاد الآشوريين والأرمن وتهجيريهم من أوطانهم إلى خارج أراضي الدولة التركية وإسكان الكورد محلهم.

 ومن سخرية الأقدار أن يستمر الكرد في تقديم خدماتهم العسكرية الكبيرة للترك حتى بعد زوال الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية رغم انتشار الوعي القومي بين قطاعات معينة منهم . يقول المؤرخ الكردي الكبير محمد أمين زكي (كان وزيراً للمالية في العراق أثناء مذابح الآشوريين في سميل عام 1933) في كتابه الموسوعي (تاريخ الكرد وكردستان) الذي كتبه عام 1931 وترجم إلى العربية عام 1936 وطبع في القاهرة، يقول بأنه لما زالت كلمة (العثماني) العامة من الوجود في تركيا، وهي الكلمة الشاملة لجميع العناصر والشعوب الخاضعة للدولة العثمانية والتي كانت قد خدرت نوعا ما أعصاب كل واحد منا نحن أبناء القوميات الأخرى، وحلت محلها كلمتا التركي والطوراني،  شعرت أنا أيضا بطبيعة الحال، كسائر أفراد العناصر العثمانية غير التركية، شعوراً قوياً بقوميتي المستقلة من الترك فحملني ذلك على إظهار الشعور القومي الفياض والإحساس بالعاطفة الوطنية القوية (من مقدمة الكتاب )، وهو الشعور الذي كان يعم بين العديد من المثقفين الكورد وبين بعض شيوخ العشائر الكردية التي طالبت بحق الكورد في تقرير مصيرهم القومي وتأسيس دولة كوردية لهم والذين كانوا قد قدموا مطالبهم وأرسلوا الوفود إلى مؤتمر السلام في فرساي بفرنسا (1919-1920)، إلا أنه مع هذا كله أستمر وبشكل عام معظم الكورد في مساندة الترك وتقديم خدماتهم لإنجاح الحركة القومية التركية وتأسيس الجمهورية التركية الحديثة حيث شاركوا مشاركة فعالة في توطيد أركان النظام التركي الجديد وفي القتال ضد الآشوريين والأرمن وضد القوات الروسية حتى تمكنوا من إفشال معاهدة سفير (1920) وانتعاش "التركي الميت" كما يقول زكي (ص268)، ومن ثم إحلال محلها معاهدة لوزان (1923) والقاضية بموت مشاريع بناء دولة أرمينيا الكبرى وكردستان المصغرة والحكم الذاتي للآشوريين ومن ثم بروز تركيا بقيادة كمال أتاتورك كقوة فاعلة ورئيسية في المنطقة وقادرة على مفاوضة الإنكليز والفرنسيين لضمان استقرار حكمها. وبالمقابل لم يحصل الكورد إلا مزيداً من الاستبداد والظلم والحرمان من أبسط حقوقهم القومية، بما فيها منعهم من التكلم والتعلم بلغتهم الكوردية، ولم يعترف بهم كقومية كوردية بل اعتبروهم مجرد أتراك الجبال.

الكورد والدول الحديثة في المنطقة:
------------------------

بعد استقرار الأوضاع وتوقيع المعاهدات وإقرار تسويات الحدود لبلدان المنطقة والدول المنتدبة عليها من قبل عصبة الأمم والتطورات التي مرت بها شعوبها، لم تتمكن الحركة القومية الكوردية الإفلات من نفس العوامل السابقة المتحكمة في تقرير طبيعتها وإستمرار التقيد بها، خاصة في الدولتين الإيرانية والتركية باعتبارهما دولتان مسلمتان، لا بل وعلى العكس من هذا حيث ظهر الإقليم السياسي كعنصر إضافي وحاسم ومؤثر في سياق تطور هذه الحركة نحو إقامة الدولة الكوردية، إذ تقولب الكورد وحركتهم السياسية طبقاً للدول التي تشكلت حدودها بعد الحرب الكونية الأولى وجزأت الشعب الكوردي إلى أجزاء تفصله حدود سياسية صارمة، خاصة في بداية القرن العشرين حيث أصبحت مسألة السيادة أكثر قدسية بالنسبة للدول الجديدة في  المنطقة،  فسارت وتطورت حركة كل جزء من الشعب الكوردي متأثرة بالعوامل السياسية الخاصة والمحيطة بالدولة التي عاشوا تحت سلطتها. ففي العراق، الذي برز كيانه السياسي في عام 1921، استمرت الحركة الكوردية  كحركة إقليمية أو "قطرية" ولكن من دون أن تستطيع الخلاص من تأثير العوامل السابقة المتحكمة فيها، إذ استمر شيوخ العشائر في قيادة الحركة الكوردية وتأسيس دولتهم، كما كان الحال مع الشيخ محمود الحفيد ومملكته في مدينة السليمانية في شمال العراق في عام 1922 والتي لم تستمر أكثر من سبعة أشهر. والحال نفسه مع قادة جمهورية مهاباد الكوردية التي كانت بقيادة القاضي محمد والملا "مصطفى البرزاني" رحمه الله. والمتابع للحركة الكوردية القومية المعاصرة وللحزب الديموقراطي الكوردستاني نرى كيفية تطورها في العراق من مشيخة الطريقة النقشبدية إلى حركة قومية معاصرة وحزب سياسي بقيادة شيوخ برزان وأنسالهم. ولا يمكن أن نتجاهل هذه الحقيقية في القيادات العشائرية للحركة الكوردية المعاصرة التي تتركز بشكل عام بين العشيرتين البرزانية والطلابانية وفي إقليمين من إقليم كوردستان. هذا ناهيك عن العامل الإقليمي الذي أصبح عنصراً متغلباً ومؤثراً في العلاقة المتنافرة والمتقاتلة بين الحركة الكوردية في العراق مع مثيلاتها في تركيا وإيران وسورية.

على العموم يمكن القول بأن العامل الديني أستمر دوره السابق المؤثر في  الحركة الكردية حتى بعد تأسيس كيانات سياسية جديدة. إذ أن خضوع الكورد في  العراق إلى الحكم البريطاني المتمثل في نظام الانتداب ومن ثم إدارة البلاد عن طريقة حكومة عربية على رأسها ملك عربي، كانت بالنسبة لهم ظاهرة جديدة  جعلتهم ولأول مرة في التاريخ أن يخضعوا لحاكم غير مسلم، بريطانيا، وأن تدار شؤونهم  من قبل حكومة عربية بعد قرون طويلة، إذ أن طيلة تاريخهم تعودوا الخضوع إلى حكومات مسلمة وإلى عناصر آرية أقرب إليهم من العناصر السامية. وقد يكون ذلك سبباً لتأييد العشائر الكردية، باستثناء قليل في السليمانية، انضمام ولاية الموصل إلى تركيا بدلا من العراق في بداية العشرينات، وكان من بينهم شخصيات وزعماء أمثال فتاح بك صهر الشيخ محمود الحفيد، الذي كان يحمل شهادة الجنسية العراقية ولكنه كان عضواً ضمن الوفد التركي المفاوض حول تقرير مصير الولاية ومدافع عن حق تركيا في هذه الولاية بدلا عن العراق. هذه الظروف هي التي ساهمت مساهمة مباشرة في بروز الحركة الكوردية المعاصرة في العراق ومن ثم تبلورها وتطورها نحو مراحل سياسية أكثر وضوحاً وتقدماً في مقارنتها مع مثيلاتها في إيران وتركيا وسورية، خاصة فيما يتعلق بتأسيس أحزاب سياسية ومنظمات قومية وقيامهم بحركات مسلحة ضد السلطة المركزية والتي استمرت لفترات طويلة في  مقارنة مع الحروب والحركات السابقة، ومن ثم الوصول إلى الحكم الذاتي في عام 1970 وحكومة إقليمية وبرلمان في عام 1992، وحتى يومنا هذا مع الإستفتاء حول قيام الدولة الكوردية.  وبسبب التأثير الديني في العقلية الكوردية خاصة بين العشائر وفي الأرياف، فهناك احتمال كبير بأن الظروف المحيطة بالكورد في شمال العراق سوف تصبح أرض خصبة للحركات والنزعات الإسلامية المتطرفة رغم النهج العلماني للأحزاب الكبيرة ولحكومة الإقليم. وما إفساح المجال أمام الكورد لإعتناق المسيحية وتأسيس كنيسة مسيحية كوردستانية إلا نموذج لهذا النهج العلماني وكرد للحركات الإسلامية المتطرفة في المنطقة من جهة وإضهار للعالم الخارجي بأن حكومة الإقليم منفتحة على جميع الديانات من جهة أخرى.

الفوبيا الكوردي:
-------

وهكذا، بقدر اطراد استقرار الحدود الدولية بين الدول الرئيسية، تركيا وإيران والعراق الحاوية على أراضي "كوردستان، وإقرار هذه الحدود في تسويات واتفاقيات معترفة بين الأطراف ومحققة لمصالحهم الخاصة، بقدر ذلك تعاظم تأثير عنصر الإقليم أو القطر على الحركة الكوردية، ليس من حيث تغيير مسارها القومي وتحويل مطامح تأسيس دولة كوردية إلى مجرد يوتوبيا و"حلم وردي" فحسب، وإنما زادت القطرية من خطورة هذه الحركة على هذه الدول، بحيث أصبح مدركاً للجميع بأن أي استقلال كوردي في أي من الأقطار مهما كان نطاقه سيؤثر حتماً وبالنتيجة المباشرة على الكورد في القطر المجاور ويدفعهم نحو نفس المنحى، وبالتالي ظهور بوادر نحو المطالبة بالاستقلال بالجزء الآخر من "كوردستان" في الدولة الأخرى والانسلاخ منها لغرض تحقيق حلم "كوردستان الكبرى"، خاصة وأن العاملين الجغرافي والديموغرافي، من تجاور الأقاليم وتركز السكان في مناطق متاخمة لبعضها، يساعدان كثيرا على تحقيق مثل هذه الدولة، والتي ستكون من دون أدنى شك على حساب أراضي الدول الثلاث الأخرى، إيران وتركيا وسورية، لهذا نرى بأن الحركة القومية الكوردية في إيران وتركيا تطورت بشكل ملحوظ وتبلورت في أحزاب سياسية بعد منح الحكم الذاتي عام 1970 في العراق ولا أحد يستطيع أن ينكر بأن للحزب الديموقراطي الكردستاني كان له إمتدادات مؤثرة وفاعلة على الحركة القومية الكوردية وأحزابها في دول الجوار. وهذا  هو سبب كافي لأن تكون مواقف هذه الدول مفرطة في الحساسية ومعارضة بشدة لأي نوع من الاستقلال الكوردي وبالتالي ظهور نوع من الفوبيا الكوردي في عقلية حكام هذه الدول.  والجدير بالذكر أن الخوف من وحدة الكورد وبالتالي قيام الدولة الكوردية، كان مدركاً منذ أيام كون بريطانيا القوة الفاعلة في المنطقة والتي عملت الكثير من أجل دون قيام الدولة الكوردية  وتضمين ذلك في اتفاقيات دولية. يقول الضابط البريطاني ( دبليو. آر. هاي ) في كتابه المعنون (سنتان في كردستان) المطبوع في لندن عام 1921، والذي زار المنطقة ودرس طبائع الشعب الكوردي، يقول (أن اليوم الذي يستيقظ الكورد وبوعي قومي ويتوحدون سوف تتفتت أمامهم الدولة التركية والفارسية والعربية، ويقصد العراق، وتتطاير كالغبار، ولكن مثل هذا اليوم لا يزال بعيد المنال) ص36. وهناك ملاحظة مهمة جداً يستوجب الإشارة إليها وهي حين ذكر البدليسي ما معناه بأنه لو توحدوا الكورد وأتفقوا لغلبوا على الأمم وأساؤؤا إلى العالم، فمثل هذا القول نلمسه في المخاوف الشديدة التي كانت تعتري عقول الحكام، خاصة العثمانيين والفرس والإتراك والعرب والبريطانيين، من توحد الكورد وتأسيس دولة مركزية لهم، وهي المخاوف التي لا تزال تتعشش في عقول حكام هذه الدول.

ومثل هذا الخوف، الذي بأستمراره وتصاعده وتفاعله مع ظروف إقليمية ودولية، نرى بأنه قد تحول إلى نوع من العقدة تجاه مطالبة الكورد بحقوقهم القومية، وهي المخاوف التي تتحكم في سلوك صانع القرار السياسي لدول المحور الثلاثي لكردستان، إيران وتركيا وسورية، في رسم وتقرير سياسة أمنهم القومي. فجانب من هذا السلوك الجامع والمقلق يمكن استخلاصه من  الحديث المتلفز لرئيس النظام العراقي المقبور صدام حسين في معرض رده  لبوادر الاستقلال الكردي، عندما سحب قواته عام 1991 من شمال خط العرض 36 وخضعت للحماية الدولية وبدأ الكورد بتأسيس حكومتهم الأقلية، حين قال بأنه قبل أن يحرك قواته لسحق أي استقلال كوردي عن العراق سوف تكون القوات التركية والإيرانية قد سبقته في هذه المهمة. وفعلاً فأن الاجتياح المستمر للقوات التركية لشمال العراق وتدخل إيران في شؤون المنطقة لاحتواء الاستقلال الكوردي النسبي ضمن نطاقه الضيق يعكس هذه الحقيقة، كما وأن الاجتماعات الدورية التي كانت تعقدها إيران وتركيا وسورية في الشأن الكوردي كانت تدور ضمن نفس السياق القائم على التخوف من الاستقلال الكردي في شمال العراق.

الكورد بين الفدرالية والدولة المستقلة:
=====================

 اليوم، ومن أي يوم مضى، تدرك قيادات الحركة الكردية القومية كل هذه الحقائق التاريخية وتستوعبها وتحاول أن تحقق جانب من طموحاتها القومية ضمن الأطر المسموح بها والعمل على عدم التضحية بالمطمح الممكن من أجل المطمح غير الممكن، لا بل ويظهر بأن قيادتها تدرك أيضا بأن إزهاق المزيد من الدماء والكثير من الأرواح من جراء اللهث وراء تحقيق  مطمح دولة "كوردستان الكبرى" اليوتوبية غير ممكن في الوضع الراهن المقيد بقيود صارمة مفروضة من قبل ثلاث دول، مضافاً إليها العراق، يغلب عليهم عنصر القوة أكثر من عنصر التفاهم  والتعامل مع الاختلاف القومي، وأن السعي وراء المطمح البعيد المنال  سوف يحرمهم من تحقيق المطمح القريب والذي يتمثل جانب منه بالفدرالية. ومن المؤكد بأن القيادة الكوردية تدرك بأن نتائج الإستفتاء نحو إستقلال الإقليم عن العراق وقيام الدولة الكوردية لا يعني التطبيق المباشر لنتيجته لأنها تدرك جيداً بأن قيام الدولة الكوردية وهي مطوقة بطوق محكم من قبل أربع دول حكامها ليسوا في حالة ود وتفاهم مع الكورد ستكون دولة محاصرة ومن دون منفذ بحري تتنفس من خلاله وتتواصل مع العالم الخارجي، بل ستولد كدولة شبه ميتة ولا تدوم بها الحياة. وبسبب هذا الإدراك فأن نتيجة الإستفتاء التي حتما ستكون بـ (نعم)  سوف يستخدم كورقة ضغط في تعاملها مع العراق والدول المجاورة لضمان أكبر قدر ممكن من الإستقرار والسلم والإنتعاش والتقدم والإزدهار للإقليم قد تكون أمتيازاته ومنافعه أكثر بكثير من إمتيازات ومنافع قيام الدولة الكردية.

29
مختصر في فهم التسميات الرسمية
رأي مقارن بين المكون المسيحي و "الكلدان السريان الآشوريين"
============================================
أبرم شبيرا
مدخل:
----
نشرت الرابطة الكلدانية (رابطة) بيانا تقترح فيه تسمية "المكون المسيحي" كتسمية رسمية في الدستور العراقي وكسبيل لتوحيد خطابنا ومواقفنا ومطالبنا للمرحلة الراهنة خصوصا أنه، كما جاء في البيان، الأكثر إنتشارا محلياً ودوليا مع الإحتفاظ بتسمياتنا الخاصة الحضارية والتاريخية من الكلدان والسريان والآشوريين رافضة بذلك التسمية المركبة "الكلدان السريان الآشوريين". لم يرضى تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية (تجمع) هذا المقترح فأصدر بيانا رفضا مقترح تسمية "المكون المسيحي" وللأسباب التي ذكرها في بيانه وشدد على التسمية المركبة "الكلدان السريان الآشوريين" وأعتبرها تسمية مقبولة على الأقل في المرحلة الراهنة. ثم أنبرى العديد من كتابنا الأعزاء وفي مقدمهم كتابنا الأكاديمي وصديقنا العزيز الدكتور رابي عبدالله  ليدافع عن بيان الرابطة الكلدانية ويبين مغالطات بيان التجمع عن رفضه وإنتقاده لبيان الرابطة. ثم توالت التعليقات والإنتقادات من قبل القراء الأفاضل حول التسمييتن بين مؤيد لهذا المقترح أو لذاك ومن دون أن يتوصلوا إلى نتيجة مفيدة لهذه الأمة اليائسة وهو أمر لا نستغربه في هذه الظروف المأساوية والهائجة من جميع الجهات على أبناء أمتنا.
منذ البدء نود أن نوضح ونشدد في التوضيح بأن هذه السطور ليست إطلاقاً لتأييد هذه التسمية أو تلك، بل هي مجرد محاولة لفهم هذه التسميات ومدى تطابقها على شعبنا في المرحلة الراهنة لتكون مدخلا لتوحيد الخطاب القومي كسبيل واضح ومباشر للمطالبة المنطقية بالحقوق المشروعة لشعبنا، مؤكدين في نفس الوقت تأكيداً مشدداً بأن التسمية القومية ليست ولن تتكون إطلاقا بموجب قرار معين أو إقتراح من جهة متنفذة أو بموجب دراسة علمية أو أكاديمية، بل هي، أي التسمية القومية، نتاج ظروف خاصة وعبر مراحل تاريخية طويلة مرتبطة صميماً بظروف الأمة في الصمود والنضال من أجل البقاء وأثبات الوجود. على العموم، أن محاولتنا الموضوعية في معالجة هذا الموضوع في فهم هذه التسميات لا تكبح رأينا والتي تتطلبها الموضوعية نفسها أن نبين في بعض الأحيان إيجابيات وسلبيات كل تسمية من هاتين التسميتين، فالنبدأ أولاً بتسمية "المكون المسيحي"

تسمية المكون المسيحي:
--------------
عندما يختلط النابل بالحابل وتتخبط حياة المجتمع على جميع الأصعدة السياسية والفكرية والإجتماعية ويضيع أفراد المجتمع في متاهات عويصة يصعب الخروج منها، تبدأ بعض التخريجات الإستثنائية سواء من أساليب أو مصطلحات أو أفكار للظهور على السطح كسبيل للخروج من المأزق.  فبلدان الشرق الأوسط منها العربية والعراق أيضا يكتض بمثل هذه التخريجات. فلو حصرنا سطورنا هذه في الحالة العراقية وتحديداً فيما يتعلق الأمر بشعبنا واستخدام مفهوم "المكون" كمحدد لهوية المسيحيين الرسمية في العراق نرى بأنه هو أحدى تخريجات الأزمة العويصة حول تسميتنا القومية في العراق. هنا سنحاول أن نعالج مفهوم المكون المسيحي من جانبين:
الأول: الجانب الشكلي والحرفي:
------------------
 مفهوم المكون اللفظي او الحرفي يعني مقوم أو مركب أو عنصر أو مُشكل. وفي اللغة الإنكليزية يعني (Ingredient) أو (Constituent) أو (Component) أو(Element) وجميعها في العربية منها والإنكليزية رغم إختلافها في المسمى فإن المكون يعني شكل أو تشكيل عدد من العناصر والمواد والأشياء المختلفة والمتفاعلة بعضها بالبعض لتخرج بنتيجة مختلفة عن العناصر المكونة لها التي تذوب في المكون وتفقد الكثير من خواصها. ومن الملاحظ بأن مصطلح المكون استخدم بشكل عام في العلوم الطبيعية كالكيمياء والفيزياء والأحياء والوراثة وعلم التغذية (Dietetics)، فالمعروف في علم الكيمياء بأن الماء مكون من االهيدروجين والأوكسين وبنسب مختلفة... وهكذا. فلو نظرنا، على سبيل المثال لا الحصر، على علبة مشروب بيبسي كولا نرى بأن هناك العديد من العناصر أو المواد او المحتويات (Ingredients) أمتزجت بعضها بالبعض وتفاعلت لتُكون مشروب بيبسي كولا. ومن المؤسف له بأنه بسبب الأزمات الفكرية والسياسية والعجز والإفتقار إلى خلق أو إيجاد تسميات لبعض ظواهر هذه الأزمات أنتقل هذا المفهوم (المكون) إلى عالم السياسة والإجتماع وبدأ بأستخدامه كما هو الحال في العراق وتحديداً فيما يخص تحديد هوية شعبنا وتسميته بـ "المكون المسيحي".

الثاني: الجانب الموضوعي والفكري:
-------------------
لمفهوم "المكون المسيحي" وللدقة "المسيحي" يعني الشخص المؤمن بالديانة المسيحية أو الذي ينتمي إليها سواء بالولادة أو الإيمان، أي الإنتماء بالمرجع أو الإنتماء بالوعي. ومثل هذا الإيمان من المؤكد يمكن أن نجده في جنوب أفريقيا وفي الفليبين والسويد وغيرهم من بلدان العالم. فالهوية الأساسية لهذا الإنتماء الإيماني لا حدود له غير الديانة المسيحية. فليس لهذا الإنتماء "العالمي"  لغة واحدة أو تاريخ واحد أو أرض مشتركة، أي بعبارة أخرى هناك الكثير من القوميات والشعوب  ينتمنون للديانة المسيحية. وإذا تركنا الساحة الدولية وأقتربنا من الساحة العراقية نرى بأن الإنتماء المسيحي، وأن كانت الديانة المسيحية هي الحدود العامة المميزة للإنتماء الإيماني فأن هذه الحدود مقسمة إلى أجزاء وأطر مختلفة وأحياناً هم في خلاف أو تبيان واضح المعالم. فهناك العديد من الكنائس في العراق تحدد أطار الإنتماء الإيماني للشخص منها الكنائس الرسولية "الوطنية" بمفهوهما المؤسساتي التاريخي كالكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والكنيسة السريانية بشقيها الأرثوذكسي والكاثوليكي وكنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الشرقية القديمة إضافة إلى الكنائس غير المؤسساتية وغير التاريخية، والأصح أن يطلق عليها بالطوائف، كالأرمنية والإنجيلية والسبتية والبروتستانية والروم بشقيها الكاثوليكي والأرثذوكسي. فجميع هذه الطوائف هي كنائس مؤسساتية في موطنها الأصلي غير بلاد ما بين النهرين، هذا الوضع هو الذي يفرض علينا فرضاً صارماً ان نميز بين الكنائس "الوطنية" من جهة والطوائف المسيحية في العراق من جهة أخرى، ولكن مع هذا فإن جميع مؤمني هذه الكنائس والطوائف في العراق يجمعهم بشكل عام الإيمان المسيحي وبالتالي فهم مشمولون ضمن إطار مفهوم المكون المسيحي.

ولكن من الملاحظ بأنه رغم أن الكنائس المؤسساتية "الوطنية" تجمعهم صفة "الكنيسة" المختلفة عن صفة الطائفة فأنهم من جانب آخر تجمع معظم (قد لا يكون جمعهم) مؤمني هذه الكنائس بمقومات مشتركة بشكل عام من لغة وتاريخ وتقاليد وأرض ومصير مشترك وأماني مشتركة تختلف كلياً عن المقومات المختلفة لأبناء الطوائف المذكورة من لغة وتاريخ وتقاليد والإنتماء التاريخي للأرض.أي بعبارة الأخرى فإن مؤمني الكنائس المؤسساتية هم من الكلدان والسريان والآشوريين ويعتبرون قومية واحدة وبمقومات مشتركة بشكل عام ويختلفون عن أبناء الطوائف الأخرى الذين قد يكون لهم لغات وتواريخ وتقاليد وأماني مختلفة، فهناك الأرمن والعرب والكورد وحتى التركمان  ينتمون إلى هذه الطوائف ولكن مع هذا فإذا أعتمدنا مصطلح المكون المسيحي فإن هؤلاء سوف يشكلون جميعاً عناصر لهذا المكون الإيماني.
ولو حاولنا أن نحشر مفهوم "المكون المسيحي" في عالم السياسة نرى بأن معظم دولة العالم وحتى الدكتاتورية منها والثيوقراطية، كإيران، تقر وتعترف بمكونها المسيحي سواء أكان هذا الإقرار شكليا أو فعليا كما كان الحال في عهد نظام البعث البائد وفي عهد النظام الحالي في العراق. وعندما نحشر مفهوم المكون المسيحي في السياسة يعني تضمين حقوق عناصر هذا المكون في القوانين والدساتير وفي الإجراءات الرسمية، أي بعبارة أخرى ،إقرار وضمان الحقوق الدينية لعناصر هذا المكون. ولكن الأمر غير ذلك على أرض الواقع والممارسات الفعلية حيث أن الكثير من حقوق المكون المسيحي في العراق منتهكة ومسحوقة ليس من قبل داعش الإجرامي فحسب بل حتى من النظام السياسي ورجالاته ومعمميه. إذن المنطق يقول بأن المطالبة بدرج تسمية المكون المسيحي في الدستور وإعتباره التسمية الرسمية لشعبنا في العراق يعني المطالبة بالحقوق الدينية لجميع عناصر وتشكيلات المكون المسيحي من دون تمييز في اللغة والتاريخ والعادات، أي من دون تمييز قومي أو أثني. وقد يقول قائل بأنه من الممكن أن تكون التسمية الرسمية لشعبنا "المكون المسيحي من الكلدان والسريان والأشوريين" ولكن كما نعرف وشرحناه في أعلاه فأن المكون المسيحي لا ينحصر في هذه التسميات الثلاث فهناك قوميات وأثنيات وعناصر أخرى مشمولة بالمكون المسيحي وبالتالي لا تتسق هذه الحالة مع الواقع الفعلي لجميع المسيحيين في العراق بمختلف كنائسهم وطوائفهم وأن تسمية المكون المسيحي ليست حصراً على الكلدان والسريان والآشوريين، أي بعبارة أخرى ان هذا سوف سيرجعنا إلى المربع الأول. وأخير يجب أن نؤكد مرة أخرى بأن مفهوم المكون المسيحي هو من تخريجات العصر الراهن البائس في العراق والوضع المزري للفكر العراقي الطائفي السائد والمهيمن على النظام السياسي وتوابعه لا بل أيضا هو من تخريجات الوضع المأساوي لشعبنا الضائع في متاهات التسميات المختلفة لهويته القومية، فخرج مفهوم المكون المسيحي (من لا جاره) على السطح السياسي كطوق للنجاة من هذه المتاهات. من هنا يجب ان لا نستغرب وفق هذا الوضع المأساوي أن تكون "الكوتا اللاديموقراطية" كوتا مسيحية وأن يزور أو يحضر أو يستقبل السيد يونادم كنا من قبل ممثلي الدول الأخرى لا بصفته كسكرتير للحركة الديموقراطية الآشورية ولا بصفة كونه كلداني أو سرياني أو آشوري بل بصفة كونه ممثل عن المسيحيين في البرلمان العراقي والحال أيضا نفسه مع السيد جوزيف صليوا الذي هو ممثل عن المسيحيين في البرلمان العراق لا ممثل عن الشيوعيين أو قائمة الوركاء الديموقراطية.

التسمية المركبة – الكلدان السريان الآشوريين:
----------------------------
طرح المشكلة:
---------
تعتبر التسمية المركبة من أكثر المسائل التي أثير حولها الكثير من المناقشات والمداخلات والأعتراضات والإتهامات وصلت بعضها إلى درجة تخوين وتكفير المتبنيين لهذه التسمية المركبة ونُعتو بشتى النعوت والتسميات لحد إن بعضها جاوزت حدود قواعد الإخلاق في الكتابة ومناقشة المسائل القومية الحساسة التي يتطلبها الكثير من الصبر والتأني والهدوء وإنفاح العقل وتجاوبه مع كل ماهو متفق أو مخالف للمسألة القومية الحساسة كمسألة التسمية المركبة. ولا يخفى على أحد بأن وراء هذا السلوك السلبي تفسيرات وأفكار ومواقف قد تكون فكرية "أيديولوجية" لا بل حتى مصالح شخصية وطائفية وكنسية وتحزبية وغيرها كثيرة. ولا أجانب الحقيقة عندما أقول بأن معظم الذين رفضوا هذه التسمية المركبة أو الذين دخلوا الإنتخابات البرلمانية في المركز والإقليم بتسميات مفردة كالكلدانية أو الآشورية أو المسيحية ولم يفوزوا، هم في خلاف أو عداء مع الجهات المتبنية للتسمية المركبة الذين فازوا بكراسي في كلا البرلمانين. شئنا أم أبينا ورغماً عنًا فإن الجالسين على كراسي البرلمان من أبناء شعبنا هم، حسب الإنتخابات، المعيار الوحيد المتاح حاليا، هم ممثلي شعبنا سواء أيدنا ذلك أو رفضناه  فالأمر سيان لأن شعبنا، أو أكثريته المقترعة، هو الذي أخاترهم. أي بهذه العبارة وبشكل غير مباشرة بأن أكثرية أبناء شعبنا يؤيد التسمية المركبة. فلو أفترضنا بأن الكيانات التي تبنت التسميات المفردة كالكدانية والآشورية والسريانية وفازت في الإنتخابات لأكدنا، وفق المعيار نفسه، بأن شعبنا يؤيد التسمية المفردة سواء أكانت كلدانية أم آشورية أم سريانية. والحال نفسه مع تسمية المكون المسيحي. فإذا فاز أصحاب هذه التسمية في الإنتخابات القادمة فهذا معناه بأن شعبنا، أو على الأقل أكثريته، يؤيد هذه التسمية، حينئذ سيكون لنا رأياً فيه معتمدين على نفس المعيار الوحيد والمتاح، أي الإنتخابات.

خلفية تاريخية للتسمية المركبة:
-----------------
أن التسمية المركبة سواء بالأسمين (كلدان و آشوريون او كلدو وأتور او آشور وكلدان أو آشوريون سريان) أو بالتسمية المركبة الثلاثية (الكلدان والسريان والآشوريين بواو أو بدونها) لها خلفية تاريخية ليس كما وردت في بعض الكتب والمصادر التي تناولت تاريخ أمتنا، وأشهرها كتاب (تاريخ كلدو وأثور) لمثلث الرحمات المطران الكلداني الشهيد أدي شير، بل كما وردت وأستعملت على الساحة السياسية وفي الفكر القومي ومنذ نشوء الحركة القومية لأبناء أمتنا كبقية أمم منطقة الشرق الأوسط في نهاية القرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين. فالتسمية المركبة ليست من نتاج السنوات القليلة الماضية وتحديداً بعد مؤتمر بغداد لعام 2003 الذي تبنى التسمية المركبة بل، أستعلمت منذ منتصف القرن التاسع عشر فصاعداً من قبل رواد الفكر القومي منهم رائد الصحافة الآشورية آشور بيت هربوت ومعلم الفكر الوحدوي نعوم فائق وتلميذه الصحافي الثوري فريد نزها، وجميعهم من أتباع الكنيسة السريانية الآرثوذكسية.  فعلى الرغم من تصميمهم على أعتبار أنفسهم أشوريين إلا أنهم لم يتوانوا أبداً من إستخدام التسمية المركبة لأمتنا وكانوا لإعتبارات تخص مصلحة ووحدة الأمة بجميع مكوناتها يخاطبون أبناء الأمة في مقالاتهم وخطبهم اللهابة بالقول (الأمة السريانية الارامية الآشورية الكلدانية) وذلك بهدف التضمين الحضاري المشترك والمتواصل لهذه التسميات المرادفة لأمة واحدة. كما إن التسمية المركبة أستعملت منذ بداية القرن الماضي من قبل بعض زعماء الحركة القومية وفي المراحل الحرجة وتحديداً عشية الحرب الكونية الأولى والفترات المضطربة التي أعقبتها، خاصة من قبل الجنرال أغا بطرس والقائد ماليك قمبر وكلاهما من أتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية. على أن بعد تصاعد الحركة القومية وتزعمها من قبل مار شمعون إيشاي بطريرك كنيسة المشرق "النسطورية" طغت التسمية الآشورية بالتمام والكمال على السطح السياسي والقومي.

إرتباط الحركة القومية بالتسمية الآشورية:
------------------------
لايستطيع أحد أن ينكر إطلاقاً بأن الحركة القومية في أمتنا وبسبب ظروف موضوعية وذاتية بدأت بالتسمية الآشورية منذ الربع الأخير من قرن التاسع عشر مروراً  ببداية قرن العشرين وما بعده خاصة بين الأوساط المثقفة في مناطق طور عبدين وماردين وهربوط والذين كان معظمهم من المنتمين إلى الكنيسة السريانية الآرثوذكسية ومن ثم أنتقل هذا الفكر القومي التحرري إلى مناطق أكثر إنفتاحاً وثقافة مثل مدينة أورمي في شمال غربي إيران حيث تأسس المجلس القومي وأقر فيه إستخدام التسمية الآشورية بدلا من "سورايا" معتقدين بأن لهذه التسمية الأخيرة دلالات دينية. الجدير بالذكر أن التسمية الآشورية في تلك الفترة لم تكن لها دلالات طائفية مرتبطة بالنسطورية، إذ نلاحظ بأن معظم مؤسسي هذا المجلس ورواد الفكر القومي كانوا من الطوائف الأخرى كالكلدانية، وأشهرهم المطران الشهيد توما أودو، والأرثوذكسية، وأشهرهم فريدون أوراهم أتورايا، والبروتستانية أو الإنجيلية ومدارسهم التعليمية ونشراتهم وصحفهم القومية معروفة في هذا السياق. وتعززت التسمية الآشورية بالحركة القومية بعد تأسيس العديد من الأحزاب السياسية والمنظمات القومية بعد الحرب الكونية الثانية. أنه من نافلة القول والتأكيد على  كون أبناء التسميات الثلاث قومية واحدة لأنهم يحملون عوامل مشتركة من لغة وتقاليد وتاريخ وأرض تؤكد هذه الحقيقة وإن ما يميز بعضهم عن البعض هو الكنيسة ومن يحاول التمييز أو التفريق بين هذه التسميات الثلاث على أسس غير الكنيسة فهو واهم وبعيد عن الواقع والحقيقة. لقد حاول الحركة القومية الآشورية التقليدية تحقيق هدف توحيد هذه الطوائف الثلاث تحت مسمى "الآشوريون" إلا أنها فشلت أما بسبب "تعصبها" لهذه التسمية وإعتمادها على التاريخ أو بسبب عجزها عن إستعياب الواقع الفعلي والموضوعي لأمتنا كما هو. على أية حال، سواء مهم جداً وإستثنائي يفرض نفسه ويقول إذا كان، حسب الحقيقة الموضوعية والواقعية، معظم أبناء الكنائس الثلاث قومية واحدة ويشتركون في نفس المقومات المعروفة في تعريف أية قومية، إذن لماذا لا ينعكس ذلك في وحدة الهوية القومية وبالتالي في وحدة التسمية القومية؟؟ هذا السؤال يفرض عليها أن نبحث وبإختصار في مفهوم الهوية وتحديدا الهوية القومية، وهو أمر سنعالجه في مناسبة لاحقة.

أسباب نشؤ وإستخدام التسمية المركبة:
----------------------
هذا موضوع طويل ومعتقد ومرتبط بمواضيع أخرى أطول وأعقد منه. فعلى الرغم من تأكيدنا على إرتباط التسمية الآشورية بالحركة القومية لشعبنا، فهناك مراحل زمنية معينة وإستثنائية توفرت فيها أسباب معينة تطلب إستخدام التسمية المركبة، وبأختصار نذكر سببين، موضوعي وذاتي:
أولا: موضوعي: من خلال قراءة سريعة لتاريخنا المعاصر خاصة في أعقاب الحرب الكونية الأولى والمأساة والفواجع التي لحقت بشعبنا فرضت هذه الظروف وتطلب الأمر حشداً أكبر وأضخم لأبناء أمتنا ليشمل جميع أبناء فروع كنيسة المشرق والطوائف لغرض مواجهة هذه التحديات المميتة والمصيرية فجاءت التسمية المركبة، خاصة كلدو آشور كصيغة شاملة ومستوعبة لأكبر قدر من أبناء شعبنا. ونفس الحال تكرر بعد سقوط النظام البعثي عام 2003 وضياع شعبنا في متاهات وتخبطات كانت تتطلب نفس الجهود في حشد معظم أبناء شعبنا لمواجهة هذه التحديات، فظهرت التسمية المركبة. ومن الجديد بالذكر أيضا بأنه بسبب نفس الظروف المأساوية والمميتة في سوريا تبنت أكبر وأول حركة قومية في سوريا، المنظمة الأثورية الديموقراطية – مطكستا تسمية أشوريون سريان بعدما أن كانت تعتمد على التسمية "الأثورية".
ثانيا: ذاتي: من الملاحظ بأن في تلك المراحل الصعبة والمميتة برز بعض قادة أمتنا على رأس الحركة القومية من مؤمني الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وأشهرهم الجنرال أغا بطرس والقائد ماليك قمبر فأسسوا قوات تحت مسميات مركبة كقوات كلدو آشور وغيرها فجاءت هذه التسمية بنتائج تمثلت في إنضمام العديد من مؤمني الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية إلى هذه القوات. وهنا يجب أن لا ننسى دور الكنيسة الكاثوليكية والدول العظمى في تلك الفترة كفرنسا من تشجيع هذه التسمية المركبة ومساندتها للقوات المشكلة تحت هذه التسمية. وهنا أيضا وبالمقابل يجب أن لا ننسى دور بريطانيا في دعم التسمية الآشورية ومساندتها للعائلة البطريركية لكنيسة المشرق "النسطورية" التي كانت تتبنى التسمية الآشورية. والحال نفسه بعد عام 2003، حيث تعالى الصوت الكلداني القومي وبرزت شخصيات ومنظمات كلدانية تطالب بالحقوق القومية وشارك الكثير منهم في مؤتمر بغداد لعام 2003 الذي تبنى التسمية المركبة والوضع المأساوي لا زال قائما ومستمر على أشده في هذه الأيام والتسمية المركبة "الكلدان السريان الآشوريين" سائدة بين أكثرية الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية لأمتنا. 
خاتمة وإستنتاج:
========= 
أن هذا الموضوع يأتي على قاعدة إنفتاح العقل وتقبل كل ما يدفع مسيرة أمتنا نحو الوحدة وتحقيق مصالحها القومية في أرض الوطن ويناقش المسألة الشاغلة لمعظم أبناء أمتنا حول التسمية القومية والتي من المفترض أن تكون واحدة معبرة عن قومية واحدة كسبيل لمنع التشتت وتحقيق الوحدة الفكرية والسياسية كعامل أساسي في تحقيق هدفنا القومي السياسي. بأختصار شديد نقول بأن على كل كلداني أو سرياني أو آشوري أن يعتتز بكلدانيته وبسريانيته وبآشوريته ولا أحد في هذا العالم يستطيع أن ينتزع منه هذا الإعتزاز. وأن تبني التسمية الثلاثية "الكلدانية السريانية الآشورية" سواء بوجود حرف الواو بينهم أو بدونها، كطرح سياسي لتحقيق أهداف الأمة بجميع مكوناتها في الوقت الحاضر وضمن الظروف السياسية والفكرية السائدة لا يتعارض مع هذا الإعتزاز. لهذا نقول بملئ الفم بأن التسمية المركبة التي تجمع الكلدان والسريان والآشوريين ليست مسخاً تاريخياً لأي من هذه التسميات الحضارية بل هي تأكيدا على تاريخيتها وحضارتها. يجب علينا أن نعرف بأن أي إنجاز كلداني هو من دون شك إنجاز آشوري وسرياني وهكذا بالنسبة للإنجازات الآشورية والسريانية هي إنجازات للكلدان، وهذا شبهناه في السابق بالأواني المستطرقة. أن التسمية الثلاثية ليست دليل على أزمة في الهوية القومية بل هي إنعكاس لوعي قومي سياسي لإستيعاب الواقع كسبيل لتحقيق الأهداف القومية. أن التحلي بالوعي السياسي القائم على فهم واقع الأمة وعلى وحدتها الموضوعية أمر يجعل من مسألة التسمية موضوعاً هشاً وضعيفاً لايستوجبه الخلاف والنزاع حوله أمام ضرورة وعظمة مسألة وحدة أمتنا كحقيقة موضوعية واقعية.  ففي هذه الأيام الوضع الحالي لأمتنا ومصيرها مربوط على ظهر عفريت طائر نحو المجهول وهو الأمر الهام والمصيري الذي يتطلبه حشد جماهيري قائم على فهم الحقيقة والواقع وبمنظور ووعي قومي مرتكز على أن لا ضمان ولا إستقرار وحياة لهذه الأمة من دون وعي بوحدتها كما هي في الواقع الموضوعي. صحيح أن الحقيقة الموضوعية، التي لا تقبل النقاش في كوننا أبناء أمة واحدة، لم تنعكس في شكلها الوحدوي على الساحة السياسية لتفرز تسمية واحدة وذلك بسبب ظروف مؤثرة سبق وأن شرحناها في أعلاه، ولكن ضرورة وأهمية الوعي بوحدة الأمة كحقيقة موضوعية أمر لامحال منه سيؤدي إلى تتطابق هذه الحقيقة الموضوعية مع شكلها في المستقبل فيما إذا تمت الممارسة السياسية بفكر ووعي منفتح ووحدوي جامع لكل مكونات أمتنا.   

30

الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا)
بين المؤتمرين السابع (2013) والثامن (2017)... نظرة مقارنة
=====================================================
أبرم شبيرا
توطئة:
------
مضى على المؤتمر الثامن لزوعا الذي أنعقد في نوهدرا (دهوك  حاليا) للفترة من 23-25 أذار 2017 أكثر من شهر والذي هو من الأحداث المهمة في تاريخ حركتنا السياسية القومية. وتنبع أهميته في كون زوعا حركة سياسية قومية أكثر شعبية ونشاطا من بين بقية الأحزاب والحركات السياسية لأمتنا وربما حتى العراقية منها ويزيد عمرها عن 38 سنة وحققت بعض الأنجازات التي تعتبر تاريخية في سياقها الزماني والمكاني، هذا نهايك عن إستمرار إنعقاد مؤتمراتها وبحضور عدد كبير من المندوبين بشكل يسوغها علم السياسة والمنطق حسب المفاهيم المتبعة في الدراسات الأكاديمية في العلوم السياسية وهي العوامل التي تعكس مدى قوة تنظيمها وهيكليتها وشعبيتها وأساليب أتخاذ القرارات من أعلى هيئة في التنظيم. ولكن مع كل هذه الأهمية نرى بأنها لم تنعكس في أهتمامات القراء والمثقفين والقوميين غير بعض السطور في التهجم والتجريح والأهانة لبعض قادتها ولغايات تفريغ الحقد والكراهية لهذا المسؤول أو ذاك، أو المدح والتطبيل لها ومن دون أي فائدة تذكر تضاف لصالح زوعا. من هذا المنطلق، فهذه السطور هي محاولة لسد مثل هذا الفراغ في الوعي القومي السياسي لدى أبناء أمتنا خاصة فيما يتعلق بأحزابنا السياسية. ومن الضروري أن يتفهم القارئ اللبيب بأن الكتابة في مثل هذه المواضيع التي طالما نسعى منها الموضوعية وبيان جوانبها الإيجابية والسلبية فأن هذا لا يعني إطلاقاً بأنها مواقف معادية أو تطبيلية لهذه الحركة القومية السياسية. فكشف مثل هذه المواضيع بكل جوانبها السلبية والإيجابية هي التي ستفيد زوعا في مسيرتها السياسية وهي أيضا بالتالي ستضيء بعض المحطات في مسيرة حركة أمتنا السياسية.

عودة إلى التاريخ القريب:
-------------- 
عقب إنتهاء المؤتمر السابع لزوعا الذي عقد في بغداد للفترة من 16 – 18 تشرين الاول 2013 كتبتُ موضوعاً تحليلاً عن المؤتمر وبعنوان (أضواء خافته على المؤتمر السابع (2013) للحركة الديموقراطية الآشورية) متناولا جميع جوانبه الإيجابية والسلبية ونشر في حينها في موقع عنكاوه المؤقر. تناولنا فيه مختلف الجوانب المهمة منها فترة إنعقاد المؤتمر وعدد المندوبين الحاضرين الذي قدر أكثر من (300) مندوباً حسب موقع زوعا الألكتروني وأسلوب إنتخاب السكرتير العام وأعضاء اللجنة المركزية والإحتياط ثم بينًا بعض المقترحات والأساليب الضرورية التي يستوجب إتباعها في إنتخاب السكرتير العام وأعضاء اللجنة المركزية. وفي حينها "أنتخب وبالإجماع" السيد يونادم كنا سكرتيراً عاما لزوعا وفاز بـ "التزكية" لعدم وجود مرشح منافس له مع 16 عضواً لللجنة المركزية وثلاثة أعضاء إحتياط إضافة إلى أختيار ثلاثة أعضاء لعضوية لجنة الرقابة والتدقيق.

زوعا بين المؤتمين السابع والثامن:
--------------------
عندما أطلعت على بيان زوعا عن مؤتمرها الثامن وتمعنت النظر فيه وما نتج عنه من "إنتخاب" السكرتير العام وأعضاء اللجنة المركزية وذلك بهدف كتابة بعض السطور عن هذا الحدث المهم، لم أجد ما يستوجب الكتابة عنه غير القليل لأنه عندما حاولت فعلاً الكتابة وجدت بأنني أكرر نفسي وأكرر ما كتبته قبل ثلاث سنوات عن المؤتمر السابع، فلا جديد ومهم يذكر طالما بقية الأمور الجوهرية خاصة مسألة إختيار السكرتير العام وطريقة الإختيار نفسها من دون تغيير. على أن هذا لا ينكر بأن هناك بعض التغييرات الطفيفة لتعديلات النظام الداخلي الذي لم يصدر لحد الآن بحلته المعدلة وعدم ترشح العضو البارز في اللجنة المركزية السابقة السيد سركون لازار لعضوية اللجنة المركزية الحالية والذي دارت الدنيا عليه أثناء توليه منصب وزير البيئة بإعتباره أبن شقيقة السيد يونادم كنا. ولكن المهم في قمة هذه التغييرات "الطفيفة" هو إعادة فوز 10 من أعضاء اللجنة المركزية السابقة والمنتخبين في المؤتمر السابع لعضوية اللجنة المركزية الحالية في المؤتمر الثامن. وأهمية هذه الإعادة تأتي بأن معظم هؤلاء كانوا بالأمس القريب طلاب أو شباب أعضاء في اللجان الطلابية والشبابية واليوم أعتلوا بفعل إمتلاكهم  للكفاءات الفكرية والنشاطات السياسية مواقع قيادية ومن المؤكد، وبحسب معرفتي الشخصية بهم، بأنهم سيرتقون مستقبلاً إلى مستوى قيادي أعلى من المستوى الحالي. فهذه حالة إيجابية في تعويض "المحاربين القدماء" بالشباب أو بـ "المحاربين الجدد" ولكن ليس بطريقة فصل أو أبعاد "المحاربين القدماء" بل بإبقائهم جزء مهم من تاريخ ونضال وفكر زوعا والأكثر أهمية كمصدر من مصادر تطوير قدرات الشباب نحو مستويات قيادية.

مختصر في مفهوم "المؤتمر العام" وتطبيقات زوعا:
----------------------------
من الناحية النظرية يعتبر المؤتمر أعلى سلطة قيادية في الحزب السياسي والمرجع الأساسي لسياسة الحزب ولقراراته الجوهرية وهي قرارات غير قابلة للرفض والطعن وتكون ملزمة لجميع هيئات الحزب ومن دون إستثناء، ويتمتع بصلاحيات تنظيمية وسياسية وفكرية ومالية واسعة، فهو الذي ينتخب أعضاء اللجنة المركزية أو القيادة العليا ويحاسبها كما ينتخب أعضاء لجنة التفتيش والمراقبة. وفي الكثير من الأحزاب السياسية يقوم المؤتمر بإنتخاب السكرتير العام للحزب أو رئيسه أو نائبه. وبالنظر لكون المؤتمر متكون من عدد كبير من الأعضاء والمعرفين بـ "المندوبين" ويصعب جمعهم بصورة دائمة ومستمرة لذا فهو ليس هيئة دائمة الإنعقاد بل لكل حزب سياسي فترات معينة لإنعقاد إجتماعات المؤتمر. فهناك نوعات من الإجتماعات، وهما: الأول: الإجتماعات الإعتيادية المنتظمة التي تنعقد كل سنة أو سنتين أو ثلاثة أو أربع سنوات، وحسب طبيعة كل حزب سياسي. فزوعا مثلا ينعقد مؤتمره العام كل ثلاث سنوات في حين أن الحزب الشيوعي العراقي ينعقد مؤتمره العام كل أربع سنوات. الثاني: هو الإجتماعات الإستثنائية التي تنعقد بين فترات الإجتماعات الإعتيادية المنتظمة والتي تسمى أحياناً بـ "الكونفراس" لغرض دراسة ومعالجة وإقرار بعض الأمور الإضطرارية التي لا تتحمل التأخير والإنتظار للمؤتمر العام.

هذا من الناحية النظرية، أما من الناحية الواقعية فهناك مسألتين بشأن كون المؤتمر العام أعلى سلطة قيادية وصاحب القرار الأساسي والجوهري للحزب.
الأولى: الوقائع والممارسات الفعلية للكثير من الأحزاب خاصة في دول منطقة الشرق الأوسط التي  تتخبط أنظمتها السياسية والحزبية في العملية السياسية ويصبح مفهوم الإنتخابات النزيهة والممارسات الديموقراطية الصحيحة أمر مشكوك فيه، حيث تبين بأن العناصر القيادية البارزة خاصة السكرتير العام وأعضاء اللجنة المركزية يكون لهم تأثيراً قوياً وفاعلاً على أعضاء المؤتمر العام وبالتالي معظم القرارت التي يصدرها المؤتمر العام تكون في الحقيقة والجوهر حسب توجهات وقناعات هؤلاء القادة المتنفذين. على الرغم بأننا لا نستطيع الجزم القاطع فيما يخص زوعا، لكن نقول بأن مثل هذه الحالة تنطبق عليها في مؤتمراتها العامة حيث لا يمكن تصور صدور قرار من مؤتمرها العام معارض أو غير متوافق مع أفكار وسياسيات وتوجهات السكرتير العام والقادة المتنفذين.
الثانية: بالنسبة لفترات إنعقاد إجتماعات المؤتمر العام الإعتيادية، تبين بأن الأحزاب التي تأخذ بفترات قصيرة كسنة أو سنتين هي الإحزاب المتمكنة والفاعلة والتي يتوفر لها قادة أكفاء لتولي مسؤولية الحزب وقابلة لتغيرها خلال هذه الفترة القصيرة وبالتالي يكون تناوب السلطة مستمراً، وأن مثل هذه الأحزاب هي أحزاب مؤسساتيه تقوم على هيئات منتظمة وفاعلة وليس على قائد واحد أو عدد معين من القادة. في حين نرى بأن الأحزاب السياسية التي تأخذ إجتماعات مؤتمرها العام ثلاث سنوات أو أكثر يكون لها شحة في القادة الأكفاء . وقد بينت تجارب العديد من الأحزاب السياسية التي تنعقد مؤتمراتها ببين فترات الطويلة بأنها تخلق لدى السكرتير العام أو رئيسها  شهوة الإستمرار في السلطة ويسعى للجلوس على الكرسي لفترات طويلة، وهذا الأمر ينطبق نوعا ما على زوعا وعلى الكثير من أحزاب بلدان العالم الثالث التي تكون في العادة أحزاب شمولية تسود هيمنة الزعيم على مقدرات الحزب.     

أحداث خطيرة بين المؤتمرين:
----------------
حدث خلال ثلاث سنوات التي تفصل بين المؤتمرين أحداث خطيرة جداً على المستويين الخارجي القومي والداخلي التنظيمي:
المستوى الخارجي القومي:
---------------
 يتمثل في إحتلال داعش الإجرامي الكثير من مناطق شعبنا عام 2014 وتشريد شعبنا في مخيمات بائسة وإضطرار الكثير منهم إلى الهجرة خارج الوطن أو اللجوء إلى الدول المجاورة مما خلق حالة إحباط ويأس في نفوس الكثير من أبناء شعبنا ولم تعد مسألة الحقوق القومية والمطالبة بها أمراً مهما بالنسبة لهم مقارنة مع النجاة بحياتهم والبحث عن الإستقرار والأمن وضمان مستقبل أبنائهم. فلو حاولنا أن نكون موضوعيين ومنطقيين نرى بأن لا الدولة العراقية بكل قواتها المسلحة ولا ميليشيات الأحزاب العراقية لا بل حتى قوات الدول العظمى أستطاعت الحد من وحشية داعش وكبت عدوانه فكيف والحال مع شعبنا، أصغر وأضعف الحلقات الديموغرافية في الوطن، من التصدي لجرائم داعش ونتائجها المؤساوية على شعبنا، أي بعبارة أخرى أن توازن القوى بين الطرفين معدوماً تماماً بسب هول التحديات المميتة التي يواجهها شعبنا وأحزابه السياسية. من هذا المنطق نقول بأنه من الظلم والإجحاف أن نلوم زوعا وغيرها من تنظيماتنا القومية والكنسية بعجزهم في مواجهة جرائم داعش ونتائجها. فحتى بضعة مئات من أفراد وحدات حماية سهل نينوى (NPU) يجب أن تفهم من صياغة أسمها (حماية) هي ليست بتلك القدرة والقوة والتجهيز لمحاربة دايناصور داعش ولا تملك النعمة الإلهية لداود في محاربته لكولياث الجبار، بل هي لحماية مناطق شعبنا بعد تحريرها من داعش. فبإعتقادي، وفي ضوء إختلال أو فقدان موازين القوى المتصارعة على الأرض، كان هذا أقصى ما تستطيع زوعا عمله ضمن هذا المؤثر الجبار والقاتل. ولكن ماهو الأمر بالنسبة للمستوى الداخلي التنظيمي الذي هو أيضا يرتبط بالمستوى الخارجي القومي بشكل أو بآخر ويتأثر به وإن كان بشكل غير مباشر.
المستوى الداخلي التنظيمي:
---------------
يتمثل في خروج بعض من أعضاء قيادة زوعا ومناصريهم وترك التنظيم، أي بعبارة المفهوم الحزبي، إنشقاق في التنظيم، وما ترتب عليه من نتائج في إلتحاق أعضاء أخرى من زوعا بهم وتشكيل كيان إنتخابي تحت مسمى (كيان أبناء النهرين) – الكيان -  وفوز أحد أعضاءه القياديين بكرسي في برلمان الإقليم وقيامهم بإختيار هيئات قيادية وفتح فروع له وتشكيلات سواء في الوطن أم في بلدان المهجر. فلهذا الحدث أهمية خطيرة وسابقة سياسية في تاريخ حركتنا القومية وأحزابها السياسية. صحيح هو أن هناك إنشقاقات سابقة في أحزابنا السياسية ولكن كانت مجرد شخص أو بضعة أشخاص سرعان ما أختفوا أو رجعوا إلى تنظيمهم السابق وأنتهى الأمر. لكن لإنشقاق زوعا أهمية خطيرة تنبع من كونه يشمل عدد من الأعضاء ومعظمهم كانوا في مستويات قيادية أو أعضاء في اللجنة المركزية لا بل بينهم من مؤسسي زوعا القدماء وكانوا في فترات سابقة يعتلون مناصب إدارية عليا أو برلمانية. ومن الضروري أن نفهم بأنه على الرغم من أن الكيان رسمياً هو  نتاج السنوات الثلاثة الفاصلة بين المؤتمرين السابع والثامن إلا أن جذور هذا الإنشقاق تمتد إلى المؤتمر الخامس المنعقد في دهوك (28-30/حزيران/2007) عندما تنافس كل من السيد توما خوشابا والسيد يونادم كنا على منصب السكرتير العام وبالكاد فاز السيد يونادم بـ (125) صوت على السيد توما الذي حصل على(123) صوت، أي بمعنى الكلمة بأنه كان هناك وبشكل واضح عدم إتفاق بين المندوبين يقارب النصف. فكان من نتائج هذه الإنتخابات بروز نوع من الفتور والتخبطات والتخوينات بين أعضاء قيادة زوعا. وفي المؤتمر السادس المنعقد في بغداد (12-16/آب/2010) تجسد هذا الخلاف أكثر بين أعضاء اللجنة المركزية المنتخبة (14 عضو + السكرتير العام) حيث ظهرت المعادلة التي عرفت بـ (6) مقابل (9) التي بالكاد أستمر أعمالها بشكل إيجابي ومثمر بسبب الإعتراضات والتخوينات والعقوبات... وهلم وجر. وتوضحت الخلافات بشكل بارز  عقب إنعقاد المؤتمر السابع  16 – 18/ تشرين الاول/ 2013 في بغداد عندما أنتخب أعضاء اللجنة المركزية من دون مشاركة الآخرين وإعادة إختيار السيد يونادم كنا كسكرتير عام ومن دون منافس وما تلى ذلك من بيانات وإيضاحات وإتهامات بين الطرفين أنتهى المطاف بتشكيل كيان أبنا النهرين، ثم أعيد المشهد نفسه في المؤتمر الثامن من دون تغييرات جوهرية رغم كل التحديات الخطيرة التي عصفت بشعبنا خلال السنوات الثلاث الماضية.

أن التحديات السالفة الذكر، القومي والتنظيمي كانا من المفترض لا بل من الواجب القومي المطلوب على كلا الطرفين زوعا والكيان أن يتحركوا بشكل أكثر إيجابية وشفافية من أجل التوصل إلى تفاهم ووحدة الصف. فإذا كانت مواجهتهم لجرائم داعش صعبة أو مستحيلة أو قليلة التأثير فأن مطلب الوحدة بين الطرفين أمر سهل التطبيق لو تم وضع المصالح التحزبية والشخصية والحالة النفسية المتراكمة من الماضي جانباً والذي من المؤكد سيكون له تأثيراً على الجانب الخارجي القومي ويعزز من مصداقتهم تجاه أبناء أمتنا ويبعث فيهم نوع من الأمل وتخفيف الإحباط في نفوسهم ويسترجع إهتمامهم بشؤون الأمة ومطاليبها المشروعة. وعلى العموم هناك ضوء خافت جداً في نهاية النفق نستشف منه في قول الكيان في أحدى بياناته مايلي (إننا سنكون مستعدين دوما للحوار، لكن على أسس ومبادئ تخدم العمل القومي وقضية شعبنا، لا على أساس شخصنة الأمور ولا بمخالفة المبادئ التي أتخناها سبيلا للعمل القومي الحقيقي). وبالمقابل جاء في البيان الختامي لمؤتمر زوعا الثامن مايلي (وعن مبادرة حركتنا لعودة الاعضاء السابقين ممن لم تسنح الفرصة لهم  للعودة الى صفوف التنظيم حاليا، او بسبب بعض الشروط والمطالب التي لم تكن من صلاحية اللجنة المركزية، اكد المؤتمر على معالجتها في الفترة المقبلة).
نقولها علنا وصراحة وصدقا بأننا جميعاً والكثير من أبناء أمتنا بإنتظار ما سوف يتحقق من هذين الموقفين بشأن الوحدة بين الطرفين وبالأخص نحن شخصيا بإعتبارنا كنًا من المبادرين في هذا الشأن نقول بأن الكيل قد طفح ولا نريد أن نكشف الكثير من الأمور التي عقدت وعرقلة وربما أفشلت مسألة الحوار نحو الوحدة وذلك خشية من تعكير أجواء الأمل في إستمرار الحوار بين الطرفين. ولكن كما يقال (للصبر حدود) ونؤكد بأن هذا الصبر لا يستطيع الصمود طويلاً أمام تساؤلات الكثيرة والملحة من أبناء شعبنا للكشف عن ما جرى في المناقشات، ووعدا بأننا سنكشفها قريبا فيما إذا لم نتحسس بتحرك إيجابي وفعلي بين الطرفين في هذه المسألة، وهي مسألة لا تتحمل الإنتظار كثيراً وداعش ينهش بجسم أمتنا من جهة والهجرة تبلغ شعبنا من جهة أخرى.

مسألة إنتخاب السكرتير العام:
----------------
هذا الموضوع تم معالجته في المقالة السابقة التي كتبناها عن المؤتمر السابع المشار إليه في أعلاه كما هو جزء من الإقتراح الذي قدم إلى أعضاء التحاور من أجل الوحدة بين زوعا والكيان. في مقالة سابقة وتحت عنوان (أسباب تخلف الآشوريين ... بين الأمس واليوم) الذي نشر في موقع عنكاوه الموقر، ذكرنا فيه سبب تخلف الآشوريين وتحديداً أحزابنا السياسية ومؤسساتنا القومية والدينية هو الجهل ليس بمعناه التعلم والمعرفة بل بالعديد من المسائل القومية والسياسية التي تهم أحزابنا السياسية ولم نستثنى منها زوعا. فالشيء المستغرب هو بأن قادة زوعا لا يرغبون سماع المفيد والصحيح فتكرر نفس الإخطاء في فهم بعض المفاهيم السياسية التي يجب أن تعتمدها في ممارساتها، خاصة مفهوم الديموقراطية وإختيار السكرتير العام وفق هذا المفهوم السحري. كما قبل ثلاث سنوات عشية أنتهاء المؤتمر السابع نكرر القليل مما ذكرناه بخصوص إنتخاب السكرتير العام وأسلوب إنتخابه. جاء في بيان زوعا عقب إنتهاء أعمال المؤتمر السابع (وفي الجلسة الختامية للمؤتمر تم انتخاب السكرتير العام للحركة واعضاء اللجنة المركزية وعلى مرحلتين، ففي المرحلة الأولى تم انتخاب الرفيق يونادم كناً سكرتيراً عاماً للحركة وبالتزكية.. ثم إنتخاب أعضاء اللجنة المركزية ). وفي البيان الختامي للمؤتمر الثامن جاء فيه ( وفي الجلسة الختامية وفي جو ديمقراطي جدد المندوبون بالاجماع ثقتهم بالرفيق يونادم كنا سكرتيراً عاماً للحركة) وفي مكان آخر جاء فيه (وفي اليوم الثالث تم انتخاب السيد يونادم كنا سكرتيرا عاما للحركة من قبل جميع الحاضرين الذين اتفقوا بالاجماع على منح السيد كنا ثقتهم لتولي مهام السكرتير العام للحركة الديمقراطية الاشورية لثلاث سنوات قادمة). لقد سبق وأن أكدنا مراراً وتكراراً بأن مثل هذه المفاهيم في الإجماع، والذي يعيني 100% أو بالتزكية، أي عدم وجود منافس للمرشح الوحيد، مفاهيم بعيدة كل البعد عن الديموقراطية. 

أن أبسط متطلبات الديموقراطية هي أن يكون هناك تنافس وهذا لا يمكن أن يكون إلا بين أثنين أو أكثر، فالديموقراطية لعبة سياسية وكأي لعبة يتطلبها أكثر من لاعب واحد ولا يمكن إطلاقا لشخص أن يلعبها لوحده ما لم يكن يخدع نفسه قبل غيره. فلم نسمع طيلة حياتنا فوز أي رئيس أو حاكم أو زعيم حزب أو حركة بالتزكية في بلدان ذات الأنظمة السياسية والحزبية الديموقراطية. ربما قد نجد في بعض الأحزاب في الدول التي تتبنى الديموقراطية زعيم حزب يستمر في منصبه لسنوات طويلة ويتم إختياره عدة مرات ولكن هذا الإختيار هو إنتخاب ونتاج منافسة مع غيره من المرشحين للمنصب. فهناك العشرات أن لم يكن المئات من أعضاء البرلمان ورؤؤساء دول أو أحزاب سياسية أستمروا في منصبهم لسنوات طويلة ولكن هذا الإستمرار هو نتيجة فوزهم في إنتخابات من بين العديد من المرشحين، وهي الأحزاب أو الدول التي تتمتع أنظمتها بالديموقراطية الصحيحة.  أما إستمرار زعيم الحزب في منصبه عن طريق إختياره بالتزكية أو بالإجماع فإن مثل هذه الأحزاب السياسية هي في معظمها أحزاب متطرفة ومتشددة سواء أكانت في أقصى اليسار أم أقصى اليمين. وحتى هذا لا يعتبر إنتخاب بل تجديد أو تمديد لمنصب الزعيم وهو ما يعرف بالفكر السياسي الإسلامي بـ "المبايعة". إذن من هذا المنطلق نقول بأن السيد يونادم كنا لم ينتخب بل جدد منصبه أو مدد لثلاث سنوات أخرى قادمة ولم تجري عملية إنتخابه طالما كان وحده في الساحة. كما يجب أن لا يفوتنا أيضا أن نشير إشارة عابرة إلى كلمة (الإجماع) وهذه الكملة أيضا هي شقيقة لكلمة التزكية فهي الأخرى بعيدة كل البعد عن مفهوم الديموقراطية، فالإجماع، أي 100% هو أسلوب الأنظمة التسلطية وقد عرفناه ولمسناه وعانينا منه كثيراً في وطننا العراق وغيرها من الأوطان العربية ولا يستوجبه شرحاً مفصلاً، وعلى أمل العودة إليه في مناسبة لاحقة عن فهم المفاهيم السياسية وكيفية ممارستها وتطبيقها على أحزابنا السياسية.

على أن كل هذا لا يعني عدم كفاءة السيد يونادم كنا، فخلال السنوات الطويلة التي تخبر بالممارسة السياسية الصعبة وهو على رأس زوعا ولا يعني أيضاً إستمراره على زعامة زوعا لمدى الحياة، فالعيب ليس في شخصه ونقص في كفاءته وبقاءه في هذا المنصب لفترة طويلة بل في طبيعة مجتمعنا وأحزابنا السياسية التي تفتقر إلى كوادر قيادية بمستوى التحديات الصعبة والمميتة التي واجهت وتواجها أمتنا. لقد كان هناك همسة تسربت من أروقة المؤتمر الثامن لزوعا تقول بأن السيد يونادم كنا أضطر لترشيح نفسه ووعد بأنها المرة الأخيرة له في هذا المنصب وأنه سيتركه خلال الدورة القادمة. وقد يكون مثل هذه الهمسة توافقاً ومطابقاً لما قاله لي شخصيا وأنا في ضيافته في بيته في أربيل مساء يوم 20/11/2016 وبحضور السيد أزاد يونادم بأنه فعلاً يرغب في ترك منصب السكرتير العام ثم سأل رأيي عن ترشيحه لثلاثة من قيادي زوعا لهذا المنصب، فقلت له الأمر والمشكلة الأساسية في الوضع الحالي ليست في تركك هذا المركز بل في إفساح المجال لغيرك من القياديين الشباب لمشاركتك فعلياً في مسؤولية السكرتير العام. فمن هذا المنطلق كنًا منذ فترة طويلة قد قدمنا مقترحاً وكررنا تقديمه لأعضاء لجنتي التحاور بين زوعا والكيان في إلغاء منصب السكرتير العام وإحلال محله "مكتب السكرتارية العامة" المتكون من ثلاثة قياديين (ترويكا) وعلى أن يكون السيد يونادم كنا من بينهم، على الأقل للدورة القادمة. وقد يكون أختيار مساعدان أثنان للسكرتير العام، السيد يعقوب (جوني) كوركيس لشؤون الإقليم والسيد عماد يوخنا للعلاقات الوطنية، بدلا من مساعد واحد كما كان في الدورة السابقة إستجابة خجولة لمقترح ترويكا. هذا الموضوع طويل ومفصل ونوعد القارئ الكريم بأننا سنتناوله بشكل مفصل في الفترات القادمة.

31

رسالة إلى الحركة الديموقراطية الآشورية بعد إنقضاء أعمال مؤتمرها الثامن 23 -25 آذار 2017 في دهوك
================================================


(*)
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
لنا لقاء في رسالة قادمة – أبرم شبيرا










   



(*)  الصورة الكاريكتية للفنان المبدع هارون نقلا عن جريدة الخليج الإماراتية: 16.03.2017


32
كردي يتفرج على مسيرة أكيتو 6767 في دهوك ويقول:
---------------------------------------------

والله... هؤلاء الآشوريون سيكونون دولة
====================================
أبرم شبيرا

قد يكون قول هذا المواطن الكوردي البسيط، وهو يتفرج من على عتبة دكانه في سوق مدينة دهوك على مسيرة أكيتو رأس السنة البابلية الآشورية 6767 التي نظمتها الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا)، وأنا واقفاً إلى جانبه بعد مسيرة طويلة وهو يقول (به خودا ئه م كه ئى ئاشوري ئه بنه ده و له ت) – أرجو المعذرة من الأخطاء والتهجي لأنني لا أجيد اللغة الكوردية – ولكن عرفت معناها من صديقي الذي كان معي في نفس الوقت ويعرف الكوردية والتي معناها (والله هؤلاء الآشوريون سيكونون دولة)، قد يكون  في هذا القول نوع من الإهتمام والدهشة بل حتى الغرابة وهي الحالة الذهنية التي من المؤكد ستثير نوع من الإهتمام والغرابة لدى القارئ الكريم لا بل وعندي أيضا وهو السبب الذي دفعني لكي يكون قول هذا المواطن الكوردي البسيط عنواناً للتطرق إلى مسيرة أكيتو لهذا العام. ومصدر هذه الإهتمام والغرابة ليس ذاتياً وشخصياً فحسب بل هو مستمد من واقع مثير وغير أعتيادي فرضته المسيرة على هذا المواطن الكوردي وعلى المشاركين فيها وأيضا على المتفرجين عليها من ألاف الكورد وهم واقفون على جانبي الطرق التي سارت المسيرة النسانية عبرها. فمن أين أستمد هذا المواطن الكوردي البسيط قوله وشعوره في إمكانية أن يكون للآشوريين دولة؟. فلا بد أنه كان هناك عوامل موضوعية وواقعية عديدة للمسيرة هي التي خلقت مثل هذا الإهتمام والغرابة والدهشة لهذه المسيرة الفريدة من نوعها في تاريخ العراق المعاصر عندما نقارنها مع غيرها من المسيرات والإحتجاجات في العراق آخذين بنظر الإعتبار العوامل السياسية والقومية والدينية والديموغرافية للأشوريين في مقارنتها مع غيرهم من القوميات والمذاهب والكتل السياسية.

أولى هذه العوامل هي الحشود الضخمة للمسيرة والتي قدرها صديقنا بهرم بهرامي عبر منظاره التلسكوبي الرقمي وخبرته الهندسية والإحصائية بحدود لا يقل عن 20 ألف مشارك في الوقت الذي قدره المغردون خارج السرب القومي بحدود 300 مشارك معتمدين على لقطة كاميرا لزاوية من زوايا المسيرة أو لكردوس واحد بث عبر شاشة تلفزيونية.  وهناك صور عن جانب من المسيرة نشرها موقع (زوعا) – www.zowaa.org_   تؤكد حقيقة حجم المشاركين في المسيرة خاصة موقع الإحتفال الذي يبين بأن الألاف من المشاركين والضيوف قد أحتشدوا في الساحة رغم هطول الأمطار بغزارة وإستمرار الإحتفال كما كان مخطط له. والصور في أدناه مأخوذة من هذا الموقع. ولهذه المشاركة أهمية عظيمة لدى أبناء شعبنا خاصة عندما نعرف بأن الظروف الأمنية التي سادت في العراق كانت من الممكن أن تكون حائلاً للكثير من دون المشاركة ولكن عظمة هذه المناسبة وأهميتها في تاريخنا وإشتياقهم للمشاركة فيها بعد إنقطاع دام سنتين وثقة أبناء شعبنا بالمنظمين لها كلها عوامل ساعدت لإندفاع أبناء شعبنا نحو هذه المسيرة التاريخية والمشاركة فيها وبحماس.
 

 

ليس المهم شكل وحجم المشاركين في المسيرة فحسب بل الأهم من هذا هو نوعية المشاركين فيها. فبالإضافة إلى الجماهير المحتشدة التي سارت في شوارع دهوك الرئيسية وعبر أسواقها المزدحمة شاركت كراديس ومنظمات مختلفة ومن عدة قطاعات وتنظيمات شعبنا التي كانت تتقدمها حملة الإعلام القومية والإقليمية والوطنية ثم كردوس كشافة حمورابي التابعة لإتحاد الطلبة والشبيبة الكلدوآشوري الذي اثار الكثير من الحماس والإهتمام بإيقاعاتهم العسكرية كما شغل طلبة المدارس التعليم السرياني حيزاً كبيرا من المحتشدين مبهرين الجماهير بملابسهم وبأزياءهم التراثية والجميلة وتلا كل هذا عدد من قادة زوعا ومنظمات جماهيرية والضيوف القادمون من بلدان المهجر. أن النوعية المتميزة للمسيرة كانت تتمثل في عنصر الشباب المشارك فيها بحجم كبير جداً وبإنفعال منقطع النظير بحيث خلق إنطباعاً إيجابياً مثيرا للدهشة والتي بدت وكأنها تزرع أملاً جديداً في شعبنا لإستمرار مسيرته نحو أجيال أبعد رغم كل الظروف المأساوية والإحباطية التي تحيط بالكثير من أبناء أمتنا.

الأمر لا يحتاجها الكثير من التفاصيل عن هذه المسيرة،  فهي مذكورة في الموقع الألكتروني لزوعا المذكور أعلاه. ولكن الذي نود أن نؤكد عليه هو أن رسالة هذه المسيرة قد وصلت وبكل وضوح إلى من يهمه الأمر، الرسالة التي أكد فيها شعبنا بأنه مهما تعرض إلى القتل والخطف والظلم والإضطهاد وسلب حقوقه وأراضيه فأنه صامد كشعب حي وناشط يصر على ممارسة حقوقه ويحتفل بأعياده في أرض أباءه وأجداده... رسالة تكفي أن نفهمها من المواطن الكوردي البسيط الذي عبر بعفوية عن كوامنه الداخلية بحق الآشوريين في أن يكون لهم دولة وكيان خاصة بهم ولكن إذا كان سقف قول هذا المواطن البسيط عالياً جداً فأن سقف مطاليب شعبنا وأحزابه السياسية هي أقل منه بكثير، سقف يتحدد في هذه الأيام بضمان حقوقه القومية والدينية وصيانة كيانه القومي والقضاء على حالة التجاوزات  لأراضيه من قبل الغير وضمان الأمن والإستقرار فيها خاصة في سهل نينوى وإفساح المجال للقوات المسلحة التابعة لأحزابنا السياسية خاصة لوحدات حماية سهل نينوى (UNP) وعدم عرقلتهم في القيام بواجبهم القومي في ضمان الأمن والإستقرار في مناطقهم بعد تحريرها من منظمة داعش الإجرامية.

وإنطلاقاً من الأهمية القصوى لهذه المسيرة في هذه الأيام الصعبة وحسن تنظيمها وإستوعابها للألاف من المشاركين فيها فالحد الأدنى من الواجب القومي يقضي أن نوجه كل الشكر والتقدير للحركة الديموقراطية الآشورية التي تولت هذه المهمة الصعبة في التحضير لها وتنظيمها وإدارتها من جميع النواحي. ولكن ليكن معلوما لكل القراء وأولهم قادة زوعا وأعضاءها، فهذه الخطوة الجبارة لزوعا يجب أن لا تأخذ من باب المدح والإطناب بها بل هي مجرد خطوة نحو الأمام في مسيرة طويلة وصعبة ستكمل عمرها ألـ (38) بعد أيام تعتريها بعض من المطبات والعوائق والأخطاء والإنتكاسات والخطوات إلى الوراء فمن واجبنا القومي الصميمي أن نشير إليها وندرسها بشكل موضوعي حتى تتمكن من تجنبها في الخطوات اللاحقة لمسيرتها.  كما يقضي واجب الشكر والعرفان أن يُقدم لمحافظة دهوك ولبقية الهيئات الحكومية والعسكرية والحزبية التي سهلت أمر هذه المسيرة بقطع وتخصيص الطريق الخاص للمسيرة وتنظيم حركة سير المرور وضمان الأمن والسلامة سواء للمشاركين في المسيرة أو للمتفرجين أو في تنظيم المرور للمركبات التي أزدحمت في شوارع دهوك.

وأخيراً حتى أكون أميناً وصادقا في نقل رسالة من الشخصية القومية المعروفة عمانوئيل قليتا الذي كان له رغبة جامحة في الحضور والمشاركة في المسيرة كما كان عهده في السنوات السابقة إلا أن حالته الصحية الصعبة حالت دون ذلك فهو حملني رسالة التهنئة والتبريكات لكل المشاركين في المسيرة ولكل المحتفلين من أبناء شعبنا بهذا العيد التاريخي المقدس. نتمنى له كل الصحة والعافية ليكون معنا في مسيرة أكيتو لعام 6768. وكل أكيتو وأنتم بخير.   


 


الشخصية القومية المعروفة عمانوئيل قليتا مشاركاً مع أبناء شعبنا في مسيرة السنوات الماضية





33
 
أسباب تخلف الآشوريين... بين الأمس واليوم
=============================== 
أبرم شبيرا
الجهل:
-----
قبل ما يزيد عن قرن من الزمن شخًص البروفسور الشهيد آشور يوسف بيت هربوت (1858 – 1915) أسباب تخلف الآشوريين في مقالة رائعة نشرها عام 1914 في مجلته المعروفة بـ "المرشد الآثوري". وحددها حصراً في كلمة واحدة (الجهل). ثم بينً أسباب عديدة  كانت وراء هذا الجهل في مجتمعنا في تلك الفترة. طالع الموضوع على الرابط: (http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,831834.0.html)
ومن الطبيعي جداً وطبقاً لوعيه القومي وبأعتباره من رواد الفكر القومي الوحدوي في تلك الفترة لم تكن إشارة البرفسور الشهيد إلى  "الآشوريين" على أنهم أتباع كنيسة المشرق الآشورية فقط بل كان يقصد ضمناً أيضا السريان والكلدان بأعتبار جميعهم أبناء أمة واحدة. وبدون أي جهد يذكر في  قراءة المقالة نرى بأن نفس الأسباب "المئوية - القرنية" لازالت تفعل فعلها المؤثرة في مجتمعنا الحالي. وهنا من الضروري أن نعرف الغاية من كلمة الجهل التي أشار إليها البرفسور الشهيد حيث من المؤكد لم يقصد منها عدم العلم والمعرفة والثقافة والتعليم، كما هو معروف لدينا لأنه كان هناك وفي تلك الفترة خاصة في منطقته  (هربوت) وطور عبدين وماردين وأورمي وسهل نينوى العشرات بل المئات إن لم تكن الألوف من المثقفين والمتعلمين وأساتذة وكتاب وشعراء وبعضهم كانوا ذو شأن يذكر في مجتمعاتهم وبلدانهم، كما هو حال مجتمعنا في هذا العصر الذي نضيف إليه أيضا بلدان المهجر المتطورة، بل من خلال قراءة الأسباب التي ذكرها والتي أدت إلى جهل الآشوريين في تلك الفترة نستنتج وبسهولة بأن القصد من الجهل هو ضعف الوعي القومي وغياب المصلحة القومية وتمزق المجتمع إلى طوائف وملل وسيادة النفور والتناطح بينهم وإفتقارهم إلى الحد الأدنى من التفاهم والوحدة وطغيان المصلحة الخاصة والإنانية على المصلحة العامة وبالتالي عجزهم عن تحقيق الحد الإدنى من مطامحهم وحقوقهم القومية. واليوم، كالأمس على الرغم من وجود الألاف من المثقفين والمتعلمين والمبدعين والمفكرين في مجتمعنا فإنه لاتزال الأسباب التي ذكرها البرفسور الشهيد هي نفسها  سائدة وتفعل فعلها المؤثر في طغيان الجهل على مجتمعنا من ناحية ضعف الوعي القومي وغياب ثقافة الحوار المتمدن والتفاهم والتسامح  وقلة أو إنعدام تجارب التعامل الموضوعي مع  واقع عالمنا السياسي القومي وحتى الكنسي والجهل أو الضعف في فهم صيرورة حركة المجتمع من النواحي التي تتحكم في تطوره وتقدمه وبالتالي ضياع المصلحة القومية في متاهات المصلحة الخاصة والإنانية والغرور والتكبر. وقبل أن نخوض في معرفة نماذج من الجهل والممارسات والأسباب التي أدت وتؤدي إلى تأخر الآشوريين علينا أن نبين أنواع الجهل لتكون مدخلاً لفهم الجهل في عصرنا الحالي.
أنواع الجهل:
--------
عندما أطلعت على تصنيف علماء المنطق والإجتماع لأنواع الجهل وجدت إنطباق بعض جوانبها على مجتمعنا في العصر الحالي. فهم يصنفون الجهل إلى نوعين: الأول: وهو الجهل البسيط: الذي يعلم صاحبه ويعترف بجهله في شيء ما أو حالة معينة ولا يدعي بأنه قادر على معرفة خفايا الأمور ولا يخوض في المناقشات أو يقحم نفسه فيها فهو عالم بجهله أو عدم معرفته بالشيء أو المسألة وحتى أذا أقتحم نفسه في موضوع يجهله فهو سريع البديهية في الرجوع إلى الحق والمعرفة. وقلما نجد مثل هؤلاء الأشخاص في مجتمعنا.
الثاني: الجهل المركب: هو ذلك النوع من الجهل الذي يزعم الشخص ويظن بأنه عالم بكل الأمور وله قدرة فائقة ومعرفة في خفايا الأمور ويقحم نفسه فيها فهو لا يرى في نفسه عجزاً أو جهلاً بل يناقش حتى العلماء والإختصاصين في كل المسائل لأنه يعتقد هو العالم والنابغ الوحيد. وما أكثرهم في مجتمعنا الحالي. والحالة لا يستثنى منها زعماء وقادة أحزابنا السياسية وتنظياتنا القومية وكنائسنا فكلهم علماء وأختصاصيون في كل الأمور وأن تعيين المستشارين أو المختصين في مسألة او طلب أو الأخذة بمشورتهم هو تقليل من مكانتهم في المجتمع. لا بل وأكثر من هذا... بالله عليكم يا قراء الأعزاء هل شاهدتم يوما ما زعيم حزب سياسي أو قادته أو كبار رجال كنيستنا يحضرون محاضرة لأحد المثقفين أو المختصين في حقل ما من أبناء أمتنا؟؟؟ طبعاً مستحيل فهذا بالنسبة لهم عيب أن يحضورا ويستمعوا إلى محاضرة المثقف النابغ لأنهم أكثر علماً ومعرفة منه لذلك لا معنى لحضورهم للمحاضرة والإستفادة منها. هل سمعنا أو شاهدنا حضور العلمانيين من كبار المثقفين والمفكرين للمجاميع المقدسة لكنيستنا المشرقية بكل فروعها كمستشاريين لأعضاءها وأستفادوا من خبرتهم وعلمهم في الشؤون التاريخية والتراثية؟. هنا أتذكر ذات مرة وقبل سنوات عديدة فبينما كان أحد أساقفة كنيستنا يُحضر نفسه لحضور المجمع السنهادوسي لكنيسة المشرق الآشورية قلت له، سيدنا لي بعض المقترحات فأرجو أن توصلها إلى المجمع؟ فرد مندهشاً قائلآ: "أنتم العلمانيين القوميين أخذتوا كل شيء منًا ولم يبقى لنا إلا هذا المجمع السنهادوسي والآن تريدون أن تأخذوا هذا أيضا؟؟!!". 

والحال أسوء بالنسبة لأحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية. ففي هذه الأيام أنعقد المؤتمر الثامن للحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) وهو حدث تاريخي في عصرنا الحالي حضره 300 مندوب (سنأتي بالتفصيل عن هذا الحدث في مقالة لاحقة)، أفهل كان من بينهم أختصاصي أو أكاديمي في المسائل الحزبية والتنظيمية أو أستدعوا أحد أبناء أمتنا المختصين في هذه المسائل وأستفادوا من خبرته وعلمه، فالحقائق الواقعية تعطي الجواب الشافي ولا يستوجبها التفصيل. أتذكر قبل سنوات عديدة كنت في حديث مع قيادي لأحدى أحزابنا السياسية الآشورية عن المؤتمر الذي كان حزبه يتهياً لإنعقاده فكان يتهمني بأنني منحاز إلى زوعا وكثير الكلام والكتابة عنها فقلت له السبب في ذلك لأن لي معرفة عميقة بزوعا وبقادتها وإجتماعاتهم وهم يزودونني الكثير من أدبياتهم التي هي منبع دائم لمعلوماتي عنها فلماذا لا يكون حزبك مثلهم ولماذا لا تسمح لي لحضور مؤتمركم الحزبي وأستمد المعلومات عن حزبكم؟ تصور عزيزي القارئ ماذا كان جوابه: قال أنت جاسوس لزوعا فلو حضرت المؤتمر ستنقل إليهم المعلومات التي نتناولها في المؤتمر والقرارات المتخذة!!! وبعد فترة وجيزة عرفت بأن هذا الحزب عقد مؤتمره "العظيم" في مقهى وحضره 12 شخصاً فقط وطلعوا من المؤتمر كما يطلع الشخص من المولد بدون حمص، حسب المثل العراقي. 

نماذج في الجهل:
----------
صحيح هو أن كلمة "الجهل" قد تكون ثقيلة وغير مقبولة لنعت بعض من أبناء أمتنا خاصة المسؤولين والزعماء وقادة الأحزاب والتنظيمات القومية والكنسية، ولكن أعيد وأكرر ما ذكرته سابقا وذلك تجنباً لسوء الفهم، فالقصد بالجهل هنا ليس غياب العلم والمعرفة والثقافة والتعليم بل هو عجز عن فهم الواقع الموضوعي وضعف أو غياب الأساليب العلمية الصحيحة في التعامل مع واقعنا القومي والكنسي وبناء مؤسساتنا وتنظيماتنا وأحزابنا على واقع وأسس غير منطقية وهشة ومفتقدة لعوامل الإستمرار والنجاح والإتيان بنتائج مثمرة لمجتمعنا والتي تعكس بشكل أو بآخر نوع من الجهل المركب للقائمين على هذه المؤسسات والتنظيمات. وقد يكون هناك أسباب وراد هذا الجهل منها التزمت بموقف معين أو بفكرة مسبقة أو بضيق الأفق المحدد بمصالح خاصة ومحددة وتحزبية أو حتى بعدم معرفة الأصول والمبادئ الأساسية للعمل الجماعي والتفاوض والتباحث للوصول إلى نتائج ملموسة. فالنبدأ أولاً بالكنيسة كمؤسسة تاريخية حضارية مثالاً على ذلك. الكثير من أبناء شعبنا يتجاوزن في إنتقاداتهم إلى حدود الإعتراض والتهم عندما أشير في بعض كتاباتي إلى بطريرك كنيسة المشرق الآشورية بـ "البطريرك الآشوري" مدعين بأن هذا البطريرك ليس وحده بـ "الآشوري" فهناك بطاركة للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وللكنيسة السريانية الآرثوذكسية والكاثوليكية هم أيضا آشوريون فلماذا تحصر صفة الآشوري بواحد منهم؟ فهذا نموذج جيد للجهل بسبب التزمت الفكري المجبول بنزعات طائفية تطغي على الحقائق الواقعية التي تؤكد بأن لكل بطريرك تسمية رسمية ومعروفة لا تقبل غيرها بغنى عن الإنتماء القومي.

لماذا تفشل معظم المباحثات بين فروع كنيستنا المشرقية؟ الجواب: بسبب الجهل في معرفة أساليب وأصول التباحث والتفاوض والمجبولة بالطائفية والمصلحة الذاتية والشخصية وبملك الملوك "الكرسي". التفاوض علم وفن والدبلوماسية جزء منه. فعندما يذهب فريق للتفاوض مع فريق آخر يجب أن يحمل في حقيبته ثلاثة أصناف من الشروط. الأولى: هي الشروط التي يمكن التنازل عنها في الإجتماع. والثانية: هي شروط محكمة وملزمة ولا يمكن التنازل عنها بسهول إلا عبر تسوية بين الطرفين تحقق المصلحة المشتركة من التنازل. أما الثالثة: في الشروط المبدئية الأساسية التي لا يمكن التنازل عنها إطلاقاً لأنها مرتبطة بكينونة ووجود الفريق المفاوض وأي تنازل عنها يعتبر تهديداً خطيرا لوجوده وربما خيانة بنظر أتباعه. هذا من حيث مضمون الشروط أما من حيث شكلها أو طرحها فأن الشروط المسبقة لا يمكن أن تفتح باب التفاوض بين الفريقين لعقد إجتماع والوصول إلى نتيجة. فمثل هذه الشروط هي الشروط المفروضة من قبل المنتصر على الخاسر الذي لا يكون لهذا الأخير غير خيار الإستسلام وقبول الشروط المسبقة والخضوع للطرف الآخر المنتصر. وهناك أمثلة كثير في هذا السياق. فقبل أكثر من سنة، وتحديداً بعد إنتقال قداسة البطريرك مار دنخا الرابع إلى الأخدار السماوية، ظهرت أجواء مناسبة ومشجعة لإجراء حوار لتوحيد شقي كنيسة المشرق، كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الشرقية القديمة، فعرضت هذه الأخيرة بعض الشروط المسبقة للحوار التي تنم وبشكل مطلق وجلي بأنها ستكون مرفوضة من الطرف الآخر وهذا ما أكده غبطة المطربوليت مار ميلس زيا أثناء المؤتمر الصحفي عقب إنتخاب  قداسة مار كوركيس صليوا بطريركاً على كنيسة المشرق الآشورية عندما قال بشأن هذه الشروط بأنها مرفوضة جملة وتفصيلاً. هذا الجهل في معرفة أسلوب التفاوض وشروطه هي التي تسبب دائماٌ في غلق أبواب الحوار الناجح غلقاً محكماً تحول دون حتى التفكير في أعادة الحوار من أجل توحيد شقي الكنيسة.

والأمر لا يختلف عن الحوارات التي جرت بين كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الكلدانية الكاثوليكية. فعلى الرغم، للمثال لا الحصر، كان غبطة البطريرك مار لويس ساكو روفائيل كريماً جداً في تنازله عن الكثير من الشروط وحتى عن الكرسي البطريركي لصالح كنيسة المشرق الآشورية من أجل تحقيق الوحدة إلا أن كل هذا "الكرم" أصطدم بجدران صلد وهو شرط إنضمام كنيسة المشرق الآشورية إلى سلطة الفاتيكان والكل يعرف بأن إستقلالية كنيسة المشرق الآشورية أمر مرتبط بوجودها ولا يمكن تصور التنازل عنها لصالح الفاتيكان رغم كل المحاولات السابقة. وعلى الجانب الآخر هو نفس الشيء، فمهما أكدت كنيسة المشرق الآشورية على الجوانب الحضارية والقومية والتاريخية والطقسية المشتركة مع الكنيسة الكلدانية فإن كل الحوارات التي قامت على هذه الأسس أصطدمت أيضا في نهايتها بالجدران الصلدة للشراكة الهيكلية والإدارية للكنيسة الكلدانية مع الفاتيكان والتي هي أس الأساس لوجودها ككنيسة كاثولكية وبدونها ستفقد صفتها الكاثوليكية وكينونتها وبالتالي لا يمكن التصور التنازل عنها مهما كان للوحدة أهمية حاسمة في وجود وإستمرار كنيسة المشرق في موطنها الأصلي. كل هذا الجهل في معرفة أصول التباحث وشروطه لكلا الطرفين هو الأمر الحاسم الذي يزيد من صلادة الحدود وعلوي السدود بين فروع كنيسة المشرق لا بل ويزيد من تباعد بعضه عن البعض ويتعمق الفتور والإنعزال بينهما وتتوسع حالات الإحباط بين أبناء شعبنا لتفتح أبواب الهجرة مشرعة ويزيد من تفتت صخرة مار بطرس لتنبعث منها الرواح المشهية للوحوش المفترسة المحيطة بأبناء كنيستنا المشرقية لتلتهمه عاجلا أم آجلاً سواء أكانوا في أرض الوطن أم حتى في المهجر.
 
ومن الأمثلة الأكثر غرابة في هذا الشأن، أي في جهل رجال الكنيسة في العراق بهذه الأمور التنظيمية هو مجلس الطوائف المسيحية في العراق وإنضمام كنيستنا المشرقية بكل فروعها إلى هذا المجلس. في الأونة الأخيرة كثر الحديث والإنتقادات عن إنسحاب الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية من هذا المجلس لأسباب لا شأن لنا بها هنا، ولكن نعتقد بأن هذا الإنسحاب كان تصحيحاً متأخراً لخطأ نشأ عند تأسيس المجلس فكان من المفترض على كنائسنا المشرقية ومنها الكلدانية أن ترفضه منذ البداية لأنه مجلس قائم على أسس لا تفرق بين الطائفة والكنيسة. فالكنيسة إضافة إلى جانبها الديني والإيماني فهي مؤسسة رسولية عريقة حضارية تراثية  مرتبطة وبعمق بأرضها التاريخية. أما الطائفة فهي مجموعة طارئة تؤمن بمبادئ ومعتقدات مسيحية لا تمتلك الصفة الرسولية والتراثية. من هذا المنطلق كان يجب أن يكون هذا المجلس بأسم "مجلس الكنائس المسيحية في العراق" ولكن الجهل المحفوف بنزعات طائفية دخيلة هي التي حجبت الحقيقة عن أعضاء هذا المجلس.

أما الحديث عن جهل أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية فهو طويل وبدون حرج. إبتداءاً بالأتحاد الآشوري العالمي (خويادا) الذي يعتبر نموذجاً رائعاً في التنظيم الفدرالي، أو كما نسميه في بعض الأحيان بـ "المظلة" لأحزابنا وتنظيماتنا القومية. فبسبب سوء الإدارة والجهل بالواقع الموضوعي لوجود أمتنا والإنتماءات التي تفعل فعلها في تمزيقها تحول شيئاً فشياً إلى مجرد مجموعة أشخاص أو عصبة عائدة لمجموعة معينة تطل برأسها من حين لأخر بإصدار توضيح أو ببيان إستنكاري أو إستذكاري لا بل حتى طار من بالهم تاريخ تأسيس الإتحاد الذي كان يجب أن يكون مناسبة للقيام بأحتفال سياسي وثقافي وإجتماعي يُذكر أبناء أمتنا بوجوده فأصبح حاله لا يختلف أبداً عن غيره من الأحزاب التي تبحث هنا وهناك عن "مظلة" تحتمي تحتها لعل تقي نفسها من الإنقراض. وأمر الجهل في العمل القومي والسياسي لا ينتهي بالممارسة والأسلوب لا بل وحتى بالتعابير والتسميات. لنأخذ مثلاً "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" فعلى الرغم من جملة العيوب والخروق التي تكتنفه، فلنا له ولأعضاءه كل الأحترام لأنه كما يقول المثل (أحسن من لا شيء) كما ولا يزال صامتاً في شكله وأسمه أمام كل الرياح العاتية المهلكة إلا أنه من جهة أخرى يظهر بأن أعضاءه لا يقرأون أبداً ولا يكترثون لأي ملاحظة أو مقترح في تطويره مما يدل على إصرارهم في جهلهم المطبق حول التحالفات والإتفاقيات السياسية والقومية الصحيحة والمطلوبة في العمل السياسي الناجع. ففي وقت ما قدمنا العديد من المقترحات الموضوعية والعلمية لتطويره ووضعه على المسار الصحيح حتى يتمكن من تحقيق على الأقل من بعض أهدافه ويتجاوز حدود التصريحات الورقية وينزل إلى أرض الواقع. منها على سبيل المثال تغيير تسمية (التجمع) إلى جبهة أو تحالف أو إتحاد ليكون مثلاً (إتحاد التنظيمات....) لأن تسمية التجمع ليس لها دلالات سياسية دائمة بل تدل على ظاهرة إجتماعية مؤقتة. كما أقترحنا تغيير أسم التنظيمات السياسية إلى التنظيمات القومية لتكون، أولاً، هذه التسمية إنعكاساً للوحدة القومية التي تجمع التسميات الكلدانية والسريانية والآشورية، وثانيا، لربما ينتمي إليها تنظيمات قومية غير سياسية مثل الجمعيات والأندية. هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون الذي كان ولا يزال "بلوة البلاوي" في عجزه وتعثره في مسيرته نحو تحقيق الحد الأدنى من المطالب، هو الجهل المطبق أو التجاهل المقصود في معرفة كل عضو حجمه الحقيقي ودوره ومسؤولياته ووجباته وإلتزاماته وحقوقه. أنه من الطبيعي جداً أن تقوم هذه التحالفات بين أعضاء غير متساويين في حجمهم وهيكلهم وأعضاءهم وجماهيرهم وسعة إنتشارهم ونشاطهم، ففي هذا التجمع أعضاء "كبار" – مع التحفظ لهذه الكلمة غير المقصورة-  في حجمهم وأعضاءهم وجماهيرهم ونشاطهم وإنتشارهم إلى جانب أعضاء "صغار" – مع التحفظ لهذه الكلمة غير المقصودة – في حجمهم وأعضاءهم وجماهيرهم ونشاطهم وإنتشارهم فلا يمكن أطلاقاً لا موضوعياً ولا منطقياً أن تكون المسؤوليات والواجبات والإلتزامات والحقوق متساوية، وهذا الأمر هو الذي يجهله أو يتجاهله أعضاء التجمع وبالتالي كل خطواته ستكون عرجاء ولا تتجاوز حدود الورق لتسير على أرض الواقع. لماذا هذا التجاهل أو الجهل؟ لأن بعض قادة التنظيمات المشاركة في التجمع يعتقدون بأنهم أكثر دهاء وفطنة وذكاءاً في المسائل السياسية من ماركس ولينين وجيفرسون ونلسون مانديلا وهوشي منه فهم يعتقدون بأنه عيب عليهم أن يستمعون إلى "الثرثاريين" و "المخربين" وقد أكون أنا واحد منهم في نظر البعض. وهنا سوف لا أنهي هذا الموضوع حول التجمع إلا أن أقول بأنني حاولت محاولة متعبة وبتفكير عميق أن أفهم صرخة رابي روميو هيكاري السكرتير العام لحزب بيت نهرين الديموقراطي منادياً مستصرخاً ضمير القيادات الحزبية ويدعوها إلى التوحيد، كما جاء في مقال الصديق العزيز أوشانا نيسان بخصوص هذا الموضوع، في الوقت الذي ترك رابي روميو هيكاري تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية وأصبح في خارجه وفي نفس الوقت هو ينادي بالتوحد، غير أن أفهم هذه الحالة عبر مضمون هذا الموضوع في الجهل والتجاهل في العمل السياسي القومي الصحيح والموضوعي والواقعي.

وهنا أرغب أن أزيد القارئ معرفة أخرى في جهل وتجاهل بعض من أحزابنا السياسية ليس في عملهم وأسلوبهم السياسي بل حتى في التسمية أو الشعارات التي يرفعونها. فمثلا، وليس للحصر، نأخذ حزب تحرير آشور فهو يرفع شعار "من أجل وطن آشور حراً ومستقلاً" وهذا جيد جداً لأنه حلم كل آشوري في العالم ولكن التساؤل هو ما الفرق بين "حراً" و "ومستقلاً" بالله عليكم يا قراء الأعزاء هل هناك فرقاً بينهما؟ فالحر هو المستقل والمستقل هو الحر فلكلاهما معنى واحد. فلا يمكن أن يكون الوطن أو الفرد حراً ما لم يكن مستقلاً وليس هما إلا إطناب حول حالة واحدة. كان قبل سنوات عديدة ألتقيت بأحد أعضاء الحزب في السويد فذكرت له هذا التشابه في الكلمتين فأقترحت له بأن يكون الشعار "من أجل وطن آشور موحداً وحراً – أو مستقلا" لأن وطن آشور مجزء بين عدة دول ولكي يكون حراً أو مستقلاً يستوجب توحيد أجزاءه قبل ذلك... ولكن هل هناك مستيجب بعد هذه السنوات الطويلة؟؟. وأريد أن اختم هذا الموضوع بمثال آخر في قمة الجهل والتجاهل في المسائل القومية والسياسية. هناك في هذه الأيام وفي بلدان المهجر عدد من أبناء أمتنا يدعون إلى تأسيس برلمان آشوري عالمي أو جماعة ضغط (لوبي) أو حكومة آشورية في المنفى من دون أن يعرفوا بأن تأسيس مثل هذه الكيانات ونحاجها يجب وبالضرورة أن ترتبط بالأحزاب السياسية والتنظيمات القومية في الوطن أو تتواصل معها أو تتعاون معها وأن يكون لها خطاب سياسي قومي موحد، ولكن هم في وادي وأحزابنا السياسية في الوطن في وادي آخر وبيهم جبال من الجهل في العمل السياسي القومي الصحيح.

وأخير هناك العشرات من الأسئلة والمطالب التي يطرحها أبناء شعبنا عن سبب عدم توحد أو تعاون أحزابنا السياسية نحو توحيد الخطاب السياسي والعمل المشترك لتحقيق الحد المطلوب من حقوقنا المشروعة في أرضنا التاريخية ولماذا لا تستطيع فروع كنيستنا المشرقية عن التفاهم والتقارب... فمن يبحث عن جواب على هذه الأسئلة فأنه سيجده في هذا المقال.

                     

34
مفاجأة سارة جدا:
نجاح محاولات التوحيد بين الحركة الديموقراطية الآشورية وكيان أبناء النهرين ؟؟!!
================================================
أبرم شبيرا

أنها فعلا مفاجأة سارة ... بل سارة جداً، لأنه لأول مرة في تاريخنا القومي القديم والوسيط والحديث نستقبل مثل هذه المفاجأت السارة والمفرحة للقلوب والعقول. ولا أعتقد بأن أحد من أبناء امتنا الغيارى لا تبهجه مثل هذه المفاجأت ولكن بالمقابل نقول بأنها مفاجأة مفجعة ومأساوية بالنسبة للأبليس وأخوانه ويهوذا الإسخريوطي وأحفاده. بمجرة نظرة بسيطة إلى الصفحات المطولة لتاريخنا نجد بأن القاسم المشترك بينهم هو الإنشقاق وتمزق جسم امتنا والتمرد عليها والتشرد في زوايا للعالم الأربعة. ولكن في هذه الأيام العصيبة وبين هذه الإرهاصات المدمرة لأمتنا ظهر رجال شجعان من الحركة الديموقراطية الآشورية وكيان أبناء النهرين ليقولوا وبصوت صارخ متحدين قرون طويلة من تاريخنا المأساوي: كفى ... ثم كفى إنشقاقات في كيان أمتنا العظيمة فاتحين صدورهم أمام كل التحديات وعواصف الرياح الصفراء واقفين بصلادة وإصرار على الشروع لوقف نزيف الإنشقاقات التي تفعل فعلها المدمر في أمتنا رافعين رايات أبطالنا التاريخيين شعاراً لهم في الوحدة والقوة كسبيل لإستمرار مسيرة حركتنا القومية نحو تحقيق أهدافها المشروعة وليزرعوا فرحة في قلوب أبناء أمتنا تتمازج مع أفراح عيد الأول من نيسان القادم. أفلا تستحق أبناء هذه الأمة العظيمة فرحة واحدة في هذا الزمن القاسي؟ بلى والله بلى.

هذه الوقفة التاريخية البطولية لم تكن وليدة صدفة بل هي نتاج لمواقف وأفكار أبطال زوعا والكيان، مواقف تاريخية لم نشاهد مثيلاً لها في الحياة السياسية، لا في أمتنا ولا في الأمم الأخرى. فعندما غادر بعض من أبناء زوعا وشكلوا كيان خاصة بهم لم تكن هذه المغادرة لا فكرية ولا منهجية ولا سياسية بل مجرد تحول من موقع تنظيمي إلى موقع تنظيمي آخر، إنتقال من غرفة إلى غرفة ضمن حدود نفس البيت الأبوي الذي شيد قبل ما يقارب أربعة عقود، البيت الذي شيد بسواعد أبناء أمتنا الغيارى وجبلت جدرانه بدماء شهداءنا الأبرار. أي لم تكن مغادرة فكرية ومنهجية وسياسية بل مجرد شكل من أشكال الإختلاف الإداري والتنظيمي. وهذا ما أكده كيان أبناء النهرين في أحدى بياناته عندما يقول (لقد اخترنا وبقناعة تامة وبثقة.. ان نتواصل فيما اعلناه منذ انطلاقتنا، ولكننا نؤكد مرة اخرى بأن فكر ونهج زوعا سيبقى الحاضنة الفكرية لنا.. وملجأنا ومرجعيتنا مهما كانت الظروف، وليس بمقدور كائنا من كان ان يسلخ عنا هذه القناعة، وسنبذل وكما عاهدنا شهدائنا الخالدين ووعدنا رفاقنا وجماهير شعبنا كل جهدنا من أجل الامة والدفاع عن كامل حقوقها المشروعة)
وبالمقابل لم يكن قادة الحركة الديموقراطية الآشورية أقل كرماً ووعياً في إدراك مأساوية الظروف التي تحيط بأبناء أمتنا في هذه الأيام العصيبة فأصدر مكتبها السياسي بياناً جاء فيه: (...انطلاقا من حساسية المرحلة والظرف الدقيق والمنعطف الخطير الذي يمر به شعبنا، ومن اجل المزيد من التلاحم وتقوية الصف الداخلي لحركتنا المقبلة على مؤتمرها قريبا، فان اللجنة المركزية في اجتماعها الاخير اكدت على اتاحة الفرصة امام أعضاء الحركة السابقين ممن اضطرتهم الظروف الذاتية والموضوعية للابتعاد والعزوف عن العمل التنظيمي او الذين اتخذت بحقهم إجراءات تنظيمية، للعودة والتواصل في صفوف التنظيم لتعضيد المسيرة النضالية من اجل اهدافنا المشتركة). نعم... أقولها وبكل ثقة ودقة بأنه إستناداً إلى خلفيتي الأكاديمية البسيطة في العلوم السياسية وتحديداً الأنظمة الحزبية لم أقرأ ولم أسمع طيلة حياتي مثل هذا الكرم الحزبي والتسامح السياسي لا في أحزابنا القومية ولا في الأحزاب العراقية ولا حتى في أحزاب الكثير من دول العالم. فالإستثنائية الفريدة لهذا البيان تمثلت في سعة إنفتاح الأبواب أمام المغادرين للعودة إلى البيت الأبوي من دون قيد وشرط. أي بهذا المعنى، فحتى الذين كانوا ليل نهار يشتمون ويلعون زوعا وقيادتها فأن لهم الحق أن يعودوا ويحضروا المؤتمر القادم... فبهذا فعلاً أثبتوا بأنهم مؤمنين مسيحيين من الدرجة الأولى لأنه يظهر بأنهم قرأوا الإنجيل المقدس بشكل جيد ومارسوا الإصحاح 5: 39 من إنجيل متى عندما ذكر ربنا يسوع المسيح (له المجد) وقال: ((سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ )) . ويجب أن لا ننسى أيضاً بأننا في زمن الصوم وهو زمن المصالحة والتسامح، فمن هذا الإيمان القويم شرع الطرفين بتحقيق الحلم في الوحدة بينهما.
إذن اين المشكلة طالما الفكر والنهج والسياسة والجذور والمرجعية والشهداء والقناعات كلها واحدة بين الطرفين فبهذه السهولة وبعمق التفكير ووضع المصلحة العامة القومية فوق جميع الإعتبارات تحققت الوحدة بين الطرفين ورجعت المياه الصافية إلى مجاريها والكل مبتهجين فرحين وهم ذاهبون إلى المؤتمر الثامن لزوعا متهيئين بالتمام والكمال لإحتفالات عيد الأول من النيسان، عيد التلاحم والوحدة والمصالحة والتسامح... بارك الله فيكم جميعاً على هذه البشرى السارة التي قدمتموها هدية رائعة لأبناء أمتنا المناضلة محفوفة بحزمات من الفرح والسرور والبهجة... أنها فعلاً مفاجأة تاريخية يصعب تصديقها. فحتى الأكثرية التي رأت بأن محاولات التوحيد بين الطرفين سوف لا تنجح حسب إستفتاء الذي أجراها موقع عنكاوه الموقع لم تصمد وتتحقق أمام هذه المفاجأة التاريخية المثيرة للعقول والقولب... ... أنها عاصفة هوجاء في ساحتنا السياسية القومية يصعب تحملها من شدة بريقها المضي لمسيرة حركتنا القومية... أنها بركان الفرح والبهجة لكل المخلصين من أبناء أمتنا... لا بل  أنها زلزال قوي هز صفحات تاريخنا القومي الطويل ونفض منها تراب الإنشقاقات والحقد والكراهية ... فعلاً أنها زلزال هزت الأرض وبمن عليها ... يا إلهي.. زلزال حقيقي حتى أنه هز كل كياني وأفكاري وأيضا هز جسدي هزات قوية متواصلة ومن الكتف إلى الكتف الآخر مقرونة بصدى صوت مرتبك ومتقطع... وإذ بحفيدي الصغير جوزيف يهز جسمي ويصرح: جدو.. جدو... أنهض أستقيظ من النوم لقد تأخرت عن العمل.. فلم أهتم بتحذيراته المتكررة وأنا مستمتع بحلمي الجميل والمفرح فأستنجد بأخته الأكبر منه لتساعده في التشديد من قوة هز جسمي وإجباري على النهوض من فراش النوم فأستلمت لهم ونهضت وكأنني راجع من حفلة عرس كبيرة ملئية بالإفراح والإتراح ثم فكرت مع نفسي وقلت يجب أن لا أكون أنانياً فواجبي "القومي" وتحقيقاً للمصحلة العامة والمنفعة الشاملة يجب عليً أن أعرض هذا الحلم الجميل على القراء حتى هم أيضا يستمتعون به وأن كانوا يستحقوق أكثر من هذا الحلم... يستحقوق أن يتحقق مثل هذا الحلم الجميل في واقع جميل ... ولكن، كما قلنا سابقا، من يستطيع تحقيق الأحلام الجميلة لأمة ما غير أبطالها ... ونحن نعرف في كل أمم العالم لهم أبطال قوميين أفهل لنا أبطال يستطعيون تحقيق مثل هذه الأحلام القومية الجميلة؟؟ 

 

35
استفتاء من موقع عنكاوا كوم

بتاريخ 18 شباط 2017 نشرنا خبر عاجل عن لجنة ثلاثية تسعى لحل الخلافات بين الحركة الديموقراطية الآشورية وكيان أبناء النهرين. فهل تعتقد بأن هذه المساعي ستنجح وتأتي بثمار لعودة كيان أبناء النهرين إلى صفوف الحركة الديموقراطية الآشورية؟

ادارة موقع عنكاوا كوم


---------------------------------------------------------------------------------
نص الخبر

عاجـــــل: لجنة ثلاثية تسعى لحل الخلافات بين الحركة الديموقراطية الآشورية وكيان ابناء النهرين
في 18/02/2017
أضواء على مساعي  لحل الخلافات في مسيرة الحركة الديموقراطية الآشورية

لجنة التنسيق

نتيجة للظروف المأساوية التي تمر بها أمتنا في هذه الأيام  وإستجابة لمطلب الكثير من أبناء شعبنا وتحديداً المهتمين بالشأن القومي في ترتيب لقاء بين قيادتي الحركة الديموقراطية الآشورية وأبناء النهرين لغرض أزالة العوائق والخلافات التي أعترت مسيرة الحركة خلال السنوات الماضية تم تشكيل لجنة ثلاثية للتنسيق بينهما وإجراء الإتصالات التي أثمرت عن تشكيل لجنة ثلاثية من كل طرف.

وبعد إتصالات مثمرة عقد الاجتماع الأول في يوم الجمعة بتاريخ 17 شباط 2017 في مقر الحركة الديموقراطية الأشورية في أربيل فكان فعلا إجتماعا ساد فيه جو من التفاهم والصراحة والإصرار على الوصول إلى نتيجة مثمرة.

 فتم الإتفاق على وضع ثوابت مبدئية لأزالة الخلافات والتي من المقرر مناقشتها وإقرارها في الإجتماع  القادم ولنا كل الثقة بأن قياديي الطرفين هم على مستوى عالي من المسؤولية للوصول إلى نتائج مرضية لأبناء شعبنا لتتعزز ثقة شعبنا في مسيرة حركتنا القومية.
 
ثلاثة من قيادة زوعا وثلاثة من قيادة أبناء النهرين مع ثلاثة من لجنة التنسيق متكاتفين واثيقين من أستمرار نضال الحركة الديموقراطية الآشورية على طريق الوحدة والتضامن.




36


العمل  السياسي القومي الآشوري  -  نظرة مقارنة بين الوطن والمهجر
=======================================
أبرم شبيرا
ملاحظتان:
-------
الأولى: هذا الموضوع كتب قبل إنهيار النظام البعثي في العراق عام 2003 حيث كانت التسمية الآشورية هي وحدها الطاغية على العمل السياسي القومي ولم يكن للتسميات الأخرى الكلدانية والسريانية مكاناً او تأثيراً في العمل القومي السياسي الخاص بأمتنا وبالتالي لم تذكر في الموضوع وذلك تماشياً وإحتراماً لتوجهات ومواقف الكلدان والسريان، خاصة مواقف الكنيسة من تجنب مؤمنيها من التدخل في المسائل القومية السياسية، ومجارات الحركة القومية الآشورية.
الثانية: الأستاذ شيبا مندو رئيس المجلس القومي الآشوري في إلينوي – شيكاغو سيلقي محاضرة في النادي الثقافي الآشوري في عنكاوة مساء يوم السبت المصادف 18 شباط 2017 وبعنوان )العمل القومي بين الوطن والمهجر – نظرة مقارنة( وسأشاركه بتقديم أولي يكون هذا الموضوع الإطار النظري الذي يفسر نشاط هذا المجلس ونجاحه في خدمة المجتمع في ولاية ألينوي بإعتباره من أنجح المؤسسات القومية في بلدان المهجر. فجاء إعادة نشر لجزء من هذا الموضوع (وهو بحث طويل متكون من عشرات الصفحات)  مع تغييرات طفيفة كمقدمة أولية وأسلوب لتوفير الوقت الأكبر للإستاذ شيبا مندو للإسهاب في توضيح معالم ونشاطات هذا المجلس.   

أولا: ظاهرة اغتراب العمل القومي في المهجر:
--------------------------
 مفهوم الاغتراب الوارد في هذا الموضوع ليس القصد منه ترك الوطن والهجرة إلى الخارج فحسب بل يعني النتائج التي تترتب من جراء هذه الهجرة على مستويات اجتماعية وفكرية وثقافية ونفسية. أي أن هذا المفهوم لا يتناول مسألة انتقال جسم الإنسان، إن صح التعبير، من مكان إلى مكان آخر مختلف وإنما يتناول الحالة الذهنية التي تترتب من جراء هذا الانتقال، وهو موضوع فلسفي عميق لا نريد التطرق إليه بإسهاب أكثر مما يفيد بعض تطبيقاته على الواقع الآشوري في المهجر وتأثيرات الاغتراب على العمل القومي.

أن ترك الوطن والهجرة إلى الخارج يعني تجرد الفرد واقعياً وموضوعياً من الرابطة اليومية والحياتية التي تربطه بالوطن ويعني أيضاً الكف عن العيش في العالم الواقعي لهذا الوطن والبدء بالانتقال إلى واقع أخر بعيد عنه يصبح هو عالمه الواقعي الذي يعيش حياته ويمارس نشاطه فيه. أي بهذا المعنى أصبح له واقع جديد آخر، إن لم نقل وطن آخر بكل ما تعنيه هذه الكلمة من التزامات قانونية وسياسية يختلف كلياً أو جزئياً عن الواقع أو الوطن السابق من نواحي عديدة ومختلفة. أن الذي يهمنا هنا هو القول بأن الابتعاد عن الوطن أو "آشور" أو "بيت نهرين" قد نقل هذا الوطن من عالم الواقع والموضوع إلى عالم معنوي وذاتي أو فكري غير موضوعي أو واقعي أو حقيقي للمشتغلين بالمسائل القومية في المهجر. في حين نرى بأن "آشور"، أي الوطن هو المحور الأساسي لمعظم نشاطاتهم القومية في الوقت الذي يعيش هؤلاء ويعملون في واقع آخر يبتعد عن، "آشور" أو "بيت نهرين" آلاف الأميال. فهذا الاغتراب، أي وجود الموضوع أو الواقع في مكان والنشاط الخاصة به في مكان آخر، هو الذي أدى إلى أن يكون "آشور" محوراً روحياً لهم وليس واقعياً وهو المحور الذي أدى بالنتيجة إلى سيادة وهيمنة الطابع الرومانسي والخيالي والطقســي على العمل القومي في المهجر ومن ثم ابتعاده عن الواقعية وعن إمكانية تحقيق المهمات التي أصبحت مستحيلة ضمن هذا الإغتراب. فإذا كان بقاء واستمرار "بيت نهرين" كمحور روحي للعقل والنشاط في المهجر هو ظاهرة إيجابية لها دلالات تؤكد امتلاك الآشوريين لعنصر " الأرض "، سواء أكان واقعياً أو روحياً، كمقوم من مقومات الوجود القومي أينما كان ذلك سواء على هذه الأرض أم بعيدين عنها، وهي الظاهرة التي يستوجب ترسيخها وزرعها وعلى الدوام في أبناء المجتمع الآشوري وفي أطفالهم، فأن الجانب السلبي المرتبط بهذا العنصر يتمثل في جـر وسحب هذا المحور الروحي ومحاولة نقله أو إنزاله إلى واقع أخر مختلف كلياً ومن ثم بناء عليه، وهو مجرد عنصر روحي ومعنوي بالنسبة لهم في المهجر، نشاطهم القومي والذي يؤدي بالنتيجة إلى اكتساب هذا العمل طابعاً خيالياً رومانسياً بعيداً عن الواقع  العملي الذي يعيشون فيه ومن ثم عدم اتساقه معه أو انتظامه بشكل يتناسب مع طموحات أو أنماط تفكير أبناء المجتمع في المهجر. لهذا السبب نرى بأن معظم الأحزاب السياسية العاملة في المهجر قد فشلت في أن تخطو خطوة واحدة نحو أهدافها المعلنة في نظامها الداخلي. من هنا يستوجب تعديل موازين العمل القومي في المهجر بحيث يبقي على "بيت نهرين" محوراً روحياً معززاً بين الكبار والصغار من جهة، وأن يجعل من الواقع الاجتماعي في المهجر بكل أمراضه العشائرية والطائفية والانانية والتحزبية والمصلحية والاخلاقية محوراً واقعياً ومنطقياً للعمل القومي من جهة أخرى، أي بهذا المعنى سنكون إزاء ممارسة سياسية حقيقية واقعية لا رومانسية خيالية. وإذا حاولنا قياس أو معرفة الجانب السياسي والواقعي لهذه الممارسة يستوجب عليها فهمها وفق مفهوم السياسة.

ثانيا: مفهوم السياسة:
-------------
أكثر المفاهيم شيوعاً عن السياسة هي أثنان:
1 - السياسة هي فن الممكن : فالمقصود بالممكن هنا هو الحقيقة أو الموضوع الموجود في الواقع الممكن تلمسه وتحسسه موضوعياً وماديا، أي بهذا المقصد فأن أرض الوطن هي جوهر هذا الوجود في السياسة . أما المقصود بالفن هنا فالمراد به هو قدرة التعامل مع هذا الواقع أو الموضوع بهدف تحقيق الأهداف. فبالنسبة للعمل القومي الآشوري في المهجر، فإذا كان موضوعه أو واقعه كائن في "آشور" والتعامل لا يتم معه وإنما في واقع آخر بعيد عنه حينذاك نكون إزاء عمل لا يمكن أن نطلق عليه واقعياً ولا علمياً بالعمل السياسي طالما هو عمل عقيم لا يملك مقومات إنتاج نتائج أو تحقيق أهداف على الواقع البعيد عنه.

2 - السياسة هي ديموغرافيا على جغرافيا : المقصود بالديموغرافيا الشعب أو السكان وبالجغرافيا الأرض أو الوطن. والإنسان لا يتواجد على الأرض أو في الوطن بحالة استاتيكة جامدة وإنما يمارس نشاطات معين فيه تخص الوطن أو الواقع الذي ينتمي إليه ويرتبط به. لهذا فأن المقصود بـ "على" هو فوق، أي وجود الإنسان فوق الأرض أو في الوطن بكل ما يعنيه هذا الوجود من نشاطات مختلفة الجوانب ومتعددة الأهداف. فوفق هذا المفهوم للسياسة نقول طالما الشعب أو السكان، أي الآشوريون المتواجدون في المهجر، هم على أرض غير أرض "آشور"، وأن هذا الأخير في مكان يبتعد عنهم مئات أو آلاف الأميال ويشكل في الحقيقة محوراً روحياً أساسياً لنشاطهم الذي يمارس على أرض أخرى غير الأرض المستهدفة من نشاطهم، فأن كل نشاطاتهم بهذا الخصوص تبقى بالدرجة الأولى وبشكلها العام غير واقعية في هذا السياق، أي لا يمكن التحقق منها ولا تستطيع تحقيق حتى الحد الأدنى من أهدافها لهذا السبب تظل المؤسسات السياسية من أحزاب ومنظمات تدور في دائرة مفرغة لا طائل أو نتيجة حقيقية تفيد "آشور" من العويل والصراخ ورفع الشعارات البراقة ومن ثم انسراح العمل القومي في عالم الخيال .

على العكس مما تقدم ، فلو أتخذ الآشوريون في المهجر من واقعهم محوراً حقيقيا وماديا لعملهم القومي وحافظوا على "آشور" محوراً روحياً في مكانه مستلهما لهم ولمعنوياتهم وأفكارهم ومن دون سحب هذا المحور ونقله إلى واقع عملهم، الذي هو أمراً مستحيلاً، لتحول نشاطهم القومي إلى سياسة حقيقية مثمرة قابلة لتحقيق أهداف على الواقع الذي يمارس فيه هذا النشاط . وبشكل أوضح، فبدلا من انشغال هذه الأحزاب والمنظمات وتضيع جهودها وأموالها في "تحرير آشور" أو المطالبة بالحكم الذاتي للآشوريين في وطنهم التاريخي عليهم توجيه كل هذه النشاطات والجهود إلى واقعهم في المهجر واستهداف أمراض المجتمع الآشوري فيه وتقوية مقومات وجوده وهي الأهداف التي يمكن تحقيقها وبيسر فيما لم تم تقويم العمل القومي ووضع ومورس في واقعه الحقيقي. وهذا أيضاً هو الذي يجعل من العمل القومي في المهجر أن لا يكون قاصراً على السياسة فحسب بل يشمل وبدرجة أكثر أهمية الجوانب الأخرى من اجتماعية وثقافية وفكرية وحتى اقتصادية ودينية، وهذا أيضا هو الذي يجعل الأندية الاجتماعية والمؤسسات غير "السياسية" والكنائس واللجان التابعة لها أكثر نشاطاً وتحقيقاً لأهدافها والمجلس القومي الآشوري في إلينوي نموذج ساطع في هذا السياق.
 
ثالثاً: واقعية العمل القومي في الوطن :
----------------------
غير ان الأمر ليس كذلك قطعاً في وطن الأم ، فإذا كان "بيت نهرين" محوراً روحياً ومعنوياً للآشوريين في المهجر فأنه ليس كذلك وحسب بالنسبة للآشوريين الصامدين فيه  بل هو، إضافة إلى كونه بعداً تاريخياً وحضارياً، فهو أيضاً يعتبر وبالدرجة الأولى محوراً واقعياً لفكرهم ونشاطهم والأساس المادي الذي يرتكز عليه عملهم القومي والذي يلتصق به ويندمج معه من دون أن يترك فسحة للانسراح  في عالم الخيال والرومانسية. من هنا يكتسب واقعية ومنطقية يتناسق مع واقعية هذا المحور وبالتالي يكون عملاً قومياً سياسياً قابلاً لتحقيق المفيد والملموس لهذه الأمة وبالنتيجة تكتسب مؤسساتهم وأحزابهم قبولاً واحتراماً لكونها مؤسسات وأحزاب قادرة على تجسيد شيئاً على أرض الواقع من ما تقوله أو تعلنه في شعاراتها القومية والسياسية، وهي المؤسسات التي يحق لنا أن نقول بأنها تمارس السياسة في نشاطها القومي طالما أنطبق عليها مفهوم السياسة في كونها ديموغرافيا على جغرافيا وبالتالي وجود إمكانية ممارسة الشعب لنشاطه على أرض الوطن المعبر عن كيانه وهويته القومية، وهي مسائل لا يستوجبها التفصيل لأن واقعية العمل القومي في أرض الوطن وقدرته على تحقيق بعض النتائج والأهداف أمر يمكن تلمسه. ولكن مع كل هذه الواقعية في العمل القومي وإمكانية تحقيق بعض الأهداف فأن للعوامل الخارجية المؤثرة والحاسمة والتحديات الخطيرة دوراً كبيراً في التأثير على هذا العمل في مدى إمكانية هذه الأحزاب من تحقيق بعض الأهداف أو تعثرها، وهذا ما نشاهده في أيامنا هذه في أرض الوطن.

رابعاً: ترابط المحورين الروحي والواقعي في العمل القومي :
---------------------------------
 من الضروري جداً الانتباه عندما اعتبرنا " بيت نهرين " محوراً روحياً ورفضنا سحبه إلى الواقع القائم في المهجر ليكون واقع العمل القومي هناك، وكذلك عندما اعتبرنا نفس "بيت نهرين "محوراً واقعياً لأبناء الوطن ومن ثم بناء أسس عملهم القومي على هذا المحور، من الضروري أن لا نتوهم بأن هناك انفصال وانقطاع بين المحورين وبين الأسلوبين في العمل القومي، فالروح لا يمكن أن تنقطع أو تنفصل عن الواقع بل تظل مرتبطة به تمثل الجانب الميتافيزقي لواقعية الحياة، وهي مسألة فلسفية تتصارع حولها المدارس الفكرية في المادية والمثالية ولا نريد الانجرار خلفها. ولكن أيضا من الضروري أن نفهم بأن الترابط العضوي بين الروح والمادة لا يمنعنا من وضع الحدود والفواصل والتمييز بين كل جانب من جوانب الظاهرة الاجتماعية فديناميكية التأثير والتأثر تبقى قائمة بينهما. لذلك فإذا كانت متطلبات البحث والفائدة المتوخاة من نتائج العمل القومي سواء في الوطن أم في المهجر قد فرضت علينا ضرورة التمييز والفصل بين المحورين الروحي والواقعي فأن التأكيد المشدد يتطلب الإشارة إلى أن نفهم طبيعة العلاقة الجدلية بين المحورين وتناسقهما في تكامل كل محور للمحور الآخر فيما لو تم وضعهما في مسارهما الصحيح خاصة بالنسبة لمسار اسلوب العمل القومي في المهجر والذي يعاني من خلل في فهم المحورين والعلاقة بينهما. ولكن أيضا من الضروري الانتباه والتذكير بأن التكامل هو غير الاندماج والخلط والمزج، أي بعبارة أوضح إن العمل القومي في المهجر يجب ان يتكامل ويتناسق مع العمل القومي في الوطن لا أن يندمج به او يختلط معه، أي بمعنى إن مسألة " تحرير آشور" أو المطالبة بالحكم الذاتي للآشوريين أو التنسيق مع القوى السياسية للقوميات الأخرى لضمان حقوق الآشوريين أو الاتصال والتعامل مع الحكومات المعنية  هي من المتطلبات الأولية في العمل القومي بالنسبة  للأحزاب الآشورية والمنظمات القومية في أرض الوطن باعتبارها اللاعب الرئيسي والمباشر على الساحة السياسية الآشورية في حين تكون الأحزاب الآشورية والمنظمات أو المؤسسات القومية في المهجر اللاعب غير الرئيسي وغير المباشر فيما يخص المسائل المبينة أعلاه  باعتبارها مسائل غير قائمة في الواقع الفعلي الذي تعيش وتعمل وتنشط فيه، فمهما رفعت من شعارات قومية براقة، سواء أكانت صادقة أم منمقة، فأنها لا تستطيع من الناحية الواقعية أن ترفع حجر وتضعه على حجر من أجل بناء جدار لبيت مهدم في قرية آشورية كما لا يتمكن أي من أعضاءها أن يُعلم حرفاً واحدا في المدارس السريانية في شمال الوطن ولكن تستطيع هذه الأحزاب أن تعمل كثير الكثير وبشكل فعال ومثمر من خلال مساندة ودعم القائمين على هذه الشؤون في الوطن (والمجلس المذكور أعلاه نموذج في هذا السياق) لذلك فأن دورها هنا يكون مكملاً لدور المنظمات والأحزاب الاشورية على أرض الوطن ومسانداً لها، وهو الدور الذي يستوجبه الكثير من التنسيق والتناغم حتى يتكامل العمل القومي بشكل صحيح وواقعي. فلا يجوز منطقياً ان يرفع حزب سياسي شعار رومانسي في "تحرير آشور" أو تدعو منظمة قومية إلى المطالبة بالحقوق القومية للآشوريين أو بالحكم الذاتي في الوطن في الوقت الذي جميع أعضاءها وحتى قياداتها قائمة وتعيش في المهجر وبعضهم لم تطأ قدمهم أرض آشور أو ليس لهم ولا عضو مرتبط بتنظيمهم يمثلهم في أرض الوطن، لا بل فالبعض الآخر يرغب في التفاوض مع الحكومة العراقية وهو لا يعرف عن العراق إلا ما سمعه من وسائل الأعلام. هذا الأسلوب هو الذي جعل من العمل القومي في المهجر أن يتصف في عموميته بنوع من الرومانسية ويبتعد عن الواقعية خاصة عندما يبتعد عن واقعه الأصلي ويتخلى عن التنسيق والتكامل مع العمل القومي للمنظمات وألاحزاب الاشورية على أرض الوطن ومن ثم تخفق في تحقيق النتائج المفيدة والملموسة. وأثباتاً لهذه الرومانسية يأتي بعض من أبناء أمتنا إلى الوطن سواء كمستقلين أو منتمين إلى أحزاب سياسية الذين هاجروه منذ سنوات طويلة وما هو المبكي أكثر مما هو مضحك يأتون وقت الإنتخابات البرلمانية العراقية لترشيح نفسهم لعضوية البرلمان يزاحمون أبناء أمتنا الصامدين في الوطن من دون إي إعتبار قومي أو حتى وازع إخلاقي، وطبعاً الإخفاق نتيجة حتمية لهم. والأنكى من هذا وذاك هناك في المهجر أكثر من مجموعة ومحاولات لتأسيس جماعات ضاغطة أو منظمات دولية أو برلماني آشوري في المهجر من دون أن يكون لهم أية صلة أو علاقة بنضال أبناء أمتنا في الوطن ومن دون أن يدركوا بأنه يجب أن يكون خطابهم السياسي واضح وموحد ونابع من الوطن ومتصل بالمنظمات والأحزاب السياسية الفاعلة على أرض الوطن وليس من دائرة الرومانسية في العمل القومية ومن النوايا أو التطلعات البريئة التي لا قوة لها ولاحول من الوصول إلى أرض الوطن.

خامساً: خلاصة وإستنتاج:
-------------
من هنا نقول، إذا كانت الأحزاب الآشورية في الوطن هي اللاعب الرئيسي في المجتمع الآشوري في الوطن ، فإن الأحزاب السياسية والمنظمات القومية في المهجر  يجب أن تعتبر هي اللاعب الرئيسي والفاعل في المجتمع الآشوري في المهجر لان هذا الأخير هو واقعها الذي تعيش وتنشط فيه والتي من المفترض أن تعرف كل خفاياه وأسراره المؤثرة سلباً وإيجاباً  في طبيعة تطور هذا المجتمع وفي جوانب عديدة من حياة أفراده. فعندما تتعامل هذه الأحزاب والمنظمات القومية مع الواقع الآشوري وتسعى في عملها القومي إلى معالجة المشاكل والأمراض التي يعاني منها المجتمع في المهجر، كالعشائرية والطائفية والأنانية والتسيب والتحلل العائلي وغيرها وتدعو، أو تعمل على التضامن الاجتماعي، ونشر الوعي القومي وتصعيد من معنويات الأفراد وتحصينهم من الضياع والانصهار وتقوية الأواصر الروحية بوطن الأم " بيت نهرين "، لا بل والسعي أيضا إلى مساعدة المحتاجين وتدعيم ركائزهم الاقتصادية والمعاشية والعائلية ومساندة الطلاب وتشجيعهم على مواصلة تعليمهم وحثهم على الانخراط في النشاطات القومية والثقافية، حينذاك تسلك المنظمات والأحزاب الآشورية في المهجر سلوكاً صحيحاً وواقعيا في العمل القومي وهو العمل الذي لا يساهم في تدعيم ركائز المجتمع الآشوري وتطويره في المهجر فحسب، وإنما أيضاً يساهم  مساهمة فاعلة وغير مباشرة في مساندة المجتمع الآشوري في أرض الوطن ويدعم دعماً منطقياً وقويماً للعمل القومي والمنظمات والأحزاب الآشورية الفاعلة على أرض آشور . فكلما كان المجتمع الآشوري في المهجر معافياً راسخاً سائراً على دروب التطور والتقدم الصحيحة وتعمل الأحزاب والمنظمات ضمن هذا الإطار كلما زاد ذلك من دعم وإسناد نضال الآشوريين ومنظماتهم وأحزابهم في أرض الوطن وعلى مختلف الأصعدة السياسية والإعلامية والثقافية والاقتصادية. فهذا التكامل في العمل القومي  يفرض ضرورة تخصص المنظمات والأحزاب السياسية ضمن إطار وقاعها الحقيقي، أو الجغرافي أن صح التعبير، وهو التخصص الذي يخلق التعاون والتنسيق المناسب والمثالي بين آشوريي المهجر و آشوريي الوطن ومنظماتهم وأحزابهم ويتم من خلاله تحقيق بعض الأهداف التي يسعى مجتمعنا إلى تحقيقها.



37
أسباب تخلف الآشوريين
البروفسور الشهيد آشور يوسف بيت هربوت (1858 – 1915)
---------------------------------------
أبرم شبيرا
قرن من التخلف:
-----------
هذا الموضوع كتبه البرفسور الشهيد آشور يوسف بيت هربوت بتاريخ 20 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1914  ونشره باللغة التركية والأرمنية في مجلته المعروفة (المرشد الآشوري)  ثم ترجم إلى الإنكليزية ونشر في بعض المجلات الآشورية في الولايات المتحدة الأمريكية وقام الأستاذ توماس بيت عبدالله بضمه في كتاب عن المفكر القومي الكبير ديفيد بيرلي والمعنون (أسطورة أشوري أمريكي في كتاب جديد) الذي عرضناه وكتبنا عنه ونشر في موقع عنكاوة. فعلى الرغم من أن الموضوع  هو للبروفسور الشهيد إلا أن الإستاذ توماس ضمه في هذا الكتاب لكون المفكر القومي ديفيد بيرلي قد علق عليه وكان يعزه إيما إعتزاز لكونه معلمه في الفكر القومي الآشوري. ومن جانبنا رأينا بأن الموضوع رغم أنه كتب قبل مائة سنة ونيف إلا أن له أهمية قصوى في أيامنا هذه لأن نفس الأسباب التي كانت وراء تخلف الآشوريين لا زالت تنهش في جسم الأمة وتجعلها من الأمم المتخلفة، على الأقل من الناحية القومية والسياسية. مائة عام ونيف لم يتعلم الآشوريون من تاريخها ولايزال يتعثرون بها في مسيرتهم القومية ومن لا يتعلم من التاريخ فمن المؤكد سيقع في نفس الأخطاء وقد سبق وقلنا من يتعثر بحجر مرتين هو جاهل.

سطور ذهبية في حياة البرفسور الشهيد:

-----------------------

 لمن لا يعرف هذا الشهيد أو ينكر أصله وفكره القومي وإستشهاده في سبيل أمته نقول بأنه ولد في عام 1858 في هربوت، المنطقة التي تشكل الضلع الثالث لمثلث الفكر القومي الآشوري إلى جانب مديات وطور عبدين في تركياـ ولد بهذا التاريخ وفي هذه المنطقة التي لم يصلها الإنكليز لكي يطلقوا عليهم التسمية الآشورية. لقد عمد السيد يوسف بيت هربوت أبنه بأسم آشور في تلك السنة إعتزازا بأصله وإفتخاراً بالحضارة التي كانت ينتمي إليها. تعلم الشهيد في الكلية التعليمية المركزية التركية فكان مثقفا وشاعراً وناشراً ومتميزا في كونه قومياً آشورياً. وعمل كأستاذ إستاذا للأدب في كلية الفرات في أسطنبول. أصدر صحيفته المعروف بـ (المرشد الآثوري) لمدة ستة سنوات ولم تتوقف إلا بإستشهاده. وأستحق فعلاً لقب رائد الصحافة الآشورية. أعتقلته السلطات التركية عام 1915 مع برصوم بيرلي والد المفكر القومي الكبير ديفيد بيرلي وزج بهما في السجن بسبب مواقفهم القومية وتحركاتهم السياسية فتم إعدامهما في السجن. ومن هناك كان الشهيد يراسل أخيه وفي أحدى رسائله يقول (أنتهز هذه الفرصة لكي أكتب إليكم رسالتي الأخيرة وأعلم بعد مغادرتنا لهذا المكان سيتم تقطيعنا إلى قطع صغيرة.... لا تقلق على موتي يا أخي فأنها مشيئة الله وأنا ذاهب إلى السماء لحماية حقوق الآشوريين في حضور أكبر...).
كان الشهيد ثاقب النظر، عميق الفكر، واسع التصور، يملك قوة فكرية كبيرة في تحليل الأوضاع ومعرفة الظروف السياسية والإجتماعية والفكرية الدينية التي كانت تحيط بأمته في تلك الفترة، وهذا الموضوع في أسباب تخلف الآشوريين واحد من المواضيع المهمة التي كتبها بنظرة ثاقبة عن أساب تأخر الآشوريين. وهذه ترجمة بالعربية من الإنكليزية من الكتاب أعلاه وبشكل عام، وغير حرفي، مع بياني لبعض التعليقات والتضيحات إذا أستوجب سياق الكلام والتي سأضعها بين قوسين.

أسباب تخلف الآشوريين:

--------------
إذا رغبنا أن نعطي جواب لهذه المشكلة نستطيع القول كلمة واحدة ... الجهل!! ولكن بالمقابل فأن هذا الجهل هو نتيجة لعدد من الأسباب المختلفة، منها:
الأول: السبب الرئيسي للوضع الحالي المتخلف للإشوريين هو قديم ومصدره تاريخي. وحتى نفهم هذا الوضع علينا أن ننبش في الماضي السحيق. لم يكن الآشوريون في الماضي شعب مثقف ومتمدن فحسب بل كانوا ناقلي الحضارة والثقافة إلى الشعوب والبلدان الأخرى كفلسطين ومصر واليونان وروما. فمند الأيام الأولى للعهد المسيحي نشروا نور المسيحية في الشرق من شواطئ البحر المتوسط إلى الهند والصين ومن سوريا إلى بحر القزوين وسمرقند وأرسلوا المفكرين والأطباء والمترجمين لتعليم وتثقيف العرب والأرمن واليونانيين وحتى اليهود..... على العموم يمكن القول بأن تقدم الشعوب وفسادها ليست نتيجة يوم واحد أو سنة واحدة بل نتيجة سنين وقرون طويلة. فالأشوريون فقدوا رابطة الجأش وقدرة السيطرة على الأمور بسبب العزلة وهذا السبب كان بالأساس سياسي في طبيعته. فمنذ أن فقد الآشوريون إستقلالهم ولم يعدوا كأمة مهيمنة خصعوا إلى القوى الحاكمة الإستبدادية والظالمة والتي وصفها النبي إرميا بالقوة المرعبة في رسائله النبوئية. (أي بعهذا المعنى الواضح أن سبب تخلف الآشوريين هو خضوعهم للقوى والأنظمة الحاكمة الإستبداية وهذا هو عين الحقيقة منذ القدم وحتى يومنا هذا).

الثاني: السبب الثاني لتخلف الآشوريين هو سبب داخلي، أي النزاع الطائفي في الكنيسة. فالعائق أمام تقدم الآشوريين لم يكن تحديات من الخارج أكثر مما كانت من الداخل كالصراعات العقائدية والطائفية مثل المنوفستية (المذهب القائل بأن للمسيح طبيعة واحده) و ديوفيستية (المذهب القائل بأن للمسيح طبيعتين) فهذا النزاع سبب إنقساماً روحياً وقومياً في الشعب الذي وصل إلى درجة إراقة الدماء وإنقسام دائمي في الأمة. هذا الشقاق سبب إستنزاف الطاقة المادية والمعنوية للأمة ودمر مصادر التنوير، أي المؤسسات التعليمية الواعدة. واحسرتاه !!! وحتى في هذا اليوم فالآشوريون لا يزال معروفين بأسماء مختلفة  مثل النساطرة واليعاقبة والكلدان وأسماء أخرى ... (ما أشبه البارحة باليوم.... أليس إختلافنا وعدم إتفاقنا على تسمية قومية موحدة سبباً لتخلفنا السياسي وضياع حقوقنا القومية؟؟).

الثالث: السبب الثالث هو فقدان اللغة. فعندما خضعت الأمة إلى حكم إستبدادي وإلى الإضطهادات أعتاد أبناء الأمة التكلم بلغة أجنبية وأهملوا لغتهم وبالتالي فأن اللغة الآشورية أصبحت محصورة فقط بين الآشوريين القاطنين في الجبال وأصبحت بمرور الزمن غير مفهومة للأكثرية. عدد من أبناء الأمة كتبوا مواضيع مختلفة بهذه اللغة التي كانت يتعذر الوصول إليها لذلك أعتبرت من دون فائدة وبالتالي بسبب جهل الناس باعوا هذه الأعمال مقابل قطعة من الفضة. ففي هذا اليوم هناك ألاف المجلدات باللغة الآشورية في متاحف لندن وباريس وروما وبرلين وتعتبر كنوز ثمينة. فالأمة التي كانت ترسل بعثات لتنوير الأمم الأخرى الآن أصبحت هي بحاجة إلى بعثات تنويرية. لقد فشلوا في تهذيب ثقافتهم وحضارتهم التي ترجموها إلى اللغات الأخرى كثقافة أصيلة لهم وبالتالي قاد الأمر إلى نهايتها وإلى أن يأخذ الجهل مكانته وبدرجات رهيبة في أبناء الأمة.

الرابع: السبب الرابع هو الجهل المطبق للأكليريوس، أي رجال الكنيسة، والذي، أي الجهل، سبب للأمة أن يأخذ رجالها إلى نوم عميق. فلو كان رجال الكنيسة متنورين ومتحمسين وعلموا الشعب وأبقوا النور مشتعلاً في قلوبهم وعقولهم، لكن لم يكن الحال هكذا. بل على العكس من هذا، فأن الأكليريوس نفسهم تفوقوا على الشعب في الجهل حيث قادوا الشعب بجهل فأصبحوا في حالة من الإرباك والحيرة وأيضا حيروا وأربكوا الآخرين – كمسألة الأعمى يقود الأعمى وكلاهما يغوص في هاوية الجهل. لهذا فالأمة التي أعطت النور والتنوير للأخرين قادت نفسها إلى ظلام كامل.

الخامس: السبب الخامس هو أهمية الكنيسة. ويمكن القول هذا كنتيجة طبيعية للأسباب السابقة الذكر. الكنيسة كانت منصة للإنطلاق وسلوان الشعب ومصدر لشعاع سماوي ومنقذ الروح. فالكنيسة التي كانت تلهم الحياة الروحية لأبناء الأمة، الآن لم تعد كذلك بل تخلت عن هذه الميزة. فلم تعد بقادرة على إلهام الحياة وزرع الثقة في الناس. ولم تعد بقادرة على أن تميز نفسها كمصدر للإلتزامات السامية لقيادة الناس نحو العمل وإلهامهم نحو متابعة القيم المسيحية المثالية في الحياة. لماذا؟ لأن قادة الكنيسة  - الأكليريوس – لم يعدوا واعين عن مهماتهم السامية.

السادس: السبب السادس يتعلق بالعائلة والمدارس. فهاتان المؤسسات لهم دور مهم ليلعبوه في تطور أية أمة والتي تكمل بعضها للبعض ولكن كلا المؤسستين يفتقرون إلى وعي بمهماتهما الرفيعة. فلا العائلة ولا المدارس القومية كانا قادرين على تزويد الأمة برجال مهمين وذو عقول ومستعدون للعمل. وحتى إذا ألتقينا في بعض الأحيان ببعض الأفراد المتعلمين والمنتشرين هنا وهناك والذين يشكلون موضوع فخر وإعتزاز للأمة فأنهم ليسوا من نتاج أمتنا بل النظام التعليمي الأجنبي.

السابع: البيئة تشكل السبب السابع لتخلف الأمة. فكما هو الحال مع الأفراد كذلك في حياة وخصائص الشعوب فللبيئة تأثير كبير أيضاً. فأي واحد يكون محاطاً بأشخاص متنورين ومتعلمين فمن المؤكد سيخضع لتأثير إيجابي وصحي. ونفس الشخص بالنسبة للشخص الذي يعيش في بيئة سيئة سيخضع لبيئة غير صحية وسلبية. فمكان – موطن – الآشوريين لم يكن لصالح تهذيب وتصقيل وتطوير ثقافتهم. فالقبائل والشعوب التي أحاطوا بهم كانوا جهلة ومتخلفين أيضاً. فلو عاش الآشوريون في قسم متحضر من العالم فمن المؤكد بأنهم كانوا قد تأثروا بمثل هذه البيئة. فلو كان مركز السلطة الكنسية في بيروت أو في مدينة مثل لندن بدلا من ماردين (الذي هو محاط بأجناس متخلفة وجاهلة) فكان تأثيرها مختلف ولكانت قد فكرت بشكل مختلف وأنها لكانت قد وظفت مناهج مختلفة لتطوير الناس تحت سلطاتها.

الثامن: السبب الثامن والأخير هو غياب القيم والأهداف المثالية والمهمة. قيل بأن الإنسان هو نتاج تفكيره وهذا موضوع غير قابل للجدال. قبل أن يُعبر الإنسان عن نفسه ويعمل فأنه يفكر أولاً ثم بم فكر سوف يعمل. فالفكر هو مخطط للعمل وبتنفيذ هذا العمل سوف يتحول إلى عادة وهذه العادات تتجمع في شخصية الإنسان لتوجه حياته وقدره. مرة أخرى قيل بأن قدر ومصير أي إنسان يعتمد على تلك الأفكار التي تهيمن على تفكير الإنسان أو العقلية الجماعية للشعب التي تجعل منه أمة. لذلك ففي مجال الحياة فإن تخلف أي أشخاص أو شعوب هو نتيجة غياب القيم المثالية الصالحة عنهم.

ولتلخيص ذلك أود أن أقترح، أن تحقيق التطور الثقافي والتقدم بين الآشوريين، كأفراد أو كشعب فأنه من الضروري أن يكون لهم أعلى القيم في الحياة والعمل لجعها متميزة . ولتحقيق هذا الهدف يجب على العوائل إنجاب أربعة أطفال يحملون القيم والصفات المسيحية والقومية التي ستخدم الأمة. وعلى المدارس أن تخرج قادة. وعلى الكنيسة ورجالها يجب إحياء وإنعاش الوعظ أو التبشير الميت مع لغة متقدة وبرسالة ملهمة ورائعة جداً تمجد حياة الروح. وعجلة الصحافة يجب أن تقوم بصقل صحافتنا وكتبنا لغرض ترقية الحياة الروحية والقومية للآشوريين. لندع العائلة والكنيسة والمدرسة والصحافة أن تتوحد في هذه الروحية والتناسق لغرض تقديم خدمة متبادلة، بهذا فقط هذا التخلف في الأمة الذي ركب رحلة التنوير الذاتي سوف يحقق القيم السامية في حياة الأمة والتي يستوجب متابعتها.

ملاحظات:
-------
أود هنا أن أبين الملاحظات التالية:
1.   البروفسور الشهيد آشور يوسف بيت هربوت كغيره من رواد الفكر القومي الآشوري كانوا من أتباع الكنيسة السريانية الأرثوذكسية وكانو علناً وصراحة يعلون تسميتهم القومية الآشورية معتبرين التسميات الأخرى كطوائف وهو النهج الذي سار في الحركة القومية الآشورية.
2.   حديث البروفسور الشهيد عن جهل الأمة وتخلفها ليس القصد منها تخلفها في الشأن الثقافي والإجتماعي والإقتصادي وإنما هو تخلف في الشأن القومي والسياسي. ففي تلك الفترة كانت مناطق مثل طور عبدين وماردين ومديات وأورمي ومناطق سهل نينوى تعج برجال مثقفين ومتعلمين ولكن حتى هذا اليوم نرى بأن هناك جهل وتخلف في الوعي القومي والسياسي والنظيمي ليس بين أفراد الأمة بل حتى بين السياسيين وأحزابهم ومنظماتهم، وهو موضوع سنعالجه في مناسبة قادمة.
3.   الأمة المتخلفة والجاهلة ليست المجردة من العلم والمعرفة بل هي الأمة التي لا تعرف مصلحتها العامة. فأبناء الأمة وتنظيماتهم الذين لا يعرفون المصلحة القومية ولا يطبقونها فهي أمة جاهلة ومتخلفة  وحتى إذا عرفت المصلحة القومية المشتركة وكثرت الحديث، كما نفعل اليوم فإن قمة التخلف سوف يتمثل في العجز، بقصد أو غير قصد، عن العمل وتحقيق هذه المصلحة القومية العليا.   
4.   وأخيراً يبقى على القارئ اللبيب مقارنة أسباب تخلف الآشوريين قبل مائة سنة ونيف بأسباب تخلفهم في هذه الأيام من الناحية السياسية والقومية والتنظيمية  وإستنتاج ما هو مفيد لوعينا القومي وحركتنا القومية كسبيل لتحقيق المصلحة القومية العليا.
 

 

             




38
وجهاً لوجه ... الجرأة والصراحة
 بين الإعلامي ولسن يونان والمطربوليت مار ميلس زيا
==============================================

=============================================
أبرم شبيرا
الجرأة والصراحة صنوان متلازمان لمنهج وأسلوب لمناقشة علمية وموضوعية هادفة للإجابة على تساؤلات مطروحة بعضها مبهمة وغامضة لدى عامة الناس يهمها جداً أزالة غموضها وتوضيحها، خاصة عندما تأتي من شخصيات تعتلي مسؤواليات في المجتمع، لتكون سبيلا لتوضيح الأمور وإستقرار الأفكار والمشاعر والتوجهات عن مسائل مهمة تهم بشكل عام جميع أبناء المجتمع. وأي إخلال بين طرفي هذه المعادلة، الجرأة والصراحة، ستقود المناقشة إلى تعقيدات أكثر وتشويش مبهم فلا تعدو إلا لغو فارغ. جانب من هذه المعادلة المتمثلة في الجرأة نجدها دائماً في الأسئلة التي يطرحها الإعلامي المعروف ولسن يونان على ضيوفه في برنامجه التلفزيوني الشيق "وجهاً لوجه" عبر قناةSBS  الإسترالية. ففي المقابلات التي أجراها مع شخصيات تمتلك نوع من الصراحة في إجابتهم على الأسئلة الجريئة التي يطرحها نرى بأنها تجذب الكثير من المشاهدين والمستمعين وتحتل أهمية خاصة لدى الكثير من أبناء مجتمعنا. وعلى العكس من هذا عندما يفتقر ضيف البرنامج إلى مثل هذه الصراحة نرى بأن المعادلة تختل ويشوبها الغموض وبالتالي تظهر نتيجة المناقشة باهتة لا تثير إهتماماً كبيراً لدى أبناء شعبنا. هذه الميزة في الجرأة التي يتصف بها ولسن يونان هي التي جعلته من أشهر إعلامي أمتنا في هذا العصر وجعلته أن يكون دقيقاً في إختيار ضيوف برنامجه.

لايخفى على أحد بأن معظم المقابلات التي أجراها ولسن مع مار ميليس زيا مطربوليت أستراليا ونيوزلندا ولبنان لكنيسة المشرق الآشورية عبر برنامجه التلفزيوني "وجه لوجه" لقناة SBS الإسترالية نالت إستحسان المشاهدين وبشكل منقطع النظير وذلك، ليس لأن إجابات غبطته تتصف بالصراحة لأسئلة ولسن والتي تكون بعضها محرجة، بل لأن هذه الصراحة تأتي من شخصية تعتلي مسؤوليات جمة، فبالإضافة إلى سعة مساحة مسؤولياته الكنسية، فله أيضا مسؤوليات قومية ثقافية وتربوية تتمثل في إشراف وإدارة أبرشيته لعدد من المؤسسات التربوية من كلية ومدارس على مختلف المستويات في إستراليا التي تتصف في عصرنا هذا بأنها قفزة نوعية في مسيرة الحفاظ على كياننا الثقافي واللغوي في بلدان المهجر. هذا ناهيك عن تأسيسه وأشراف وإدارة أبرشيته على جمعية "أسيرو" الخيرية التي تصل خيراتها إلى أبناء امتنا في أرض الوطن.

فخلال الأسابيع الماضية وضمن هذا السياق أجرى ولسن يونان مقابلة تلفزيونية مع مار ميلس زيا ضمن برنامجه المعروف وجهاً لوجه، وهي المقابلة التي تأتي ضمن سلسلة مترابطة من مقابلات تلفزيونية أجريت مع غبطته والتي أمتلكت جانبي المعادلة أي الجرأة والصراحة. ويستطيع القارئ النبيل أن يشاهد هذه المقابلة الأخيرة على الموقع أدناه.
http://www.ankawa.org/vshare/view/10225/mar-meelis-zaia

على العموم  وكسباٌ للوقت والجهد وتطبيقا لأسس المعادلة في الجرأة والصراحة بين الأثنين، يمكن تقسيم جوهر حديث هذه المقابلة الأخيرة  إلى محورين:
الأول: كنسي – ديني:
--------------
1-   حوار كنيسة المشرق الآشورية مع الكنيسة الكاثوليكية في حاضرة الفاتيكان سِفرُ طويل ولعدة عقود وجاءت أجوبة غبطته على تساؤل ولسن عن المحطة التي وصلت إليه هذا الحوار. فكان تأكيد  غبطته على إستمرار هذا الحوار وتواصله لتحقيق هدف إزالة الإختلافات في الأسرار السبعة للكنيستين. ولكن مع هذا يبقى التساؤل قائماُ وهو ... ثم ماذا؟ أي بعبارة أخرى، هل يعني بأنه إذا تم إزالة الإختلافات وتطابقت الأسرار السبعة هو إندماج وذوبان كنيسة المشرق الآشورية في الكنيسة الكاثوليكية التي يتجاوز مؤمنيها أكثر من مليار وربع المليار في الوقت الذي لا يتعدى مؤمني كنيسة المشرق الآشورية بضعة ألاف منتشرين في زوايا الأربعة للعالم وبالتالي فقدان إستقلاليتها كما فقدت بعض الكنائس إستقلاليتها وذابت في الكنيسة الكاثوليكية العالمية وخضعت لسلطة وإدارة الحبر الأعظم في الفاتيكان. ولم يخفي غبطته بأن يصرح  عن وجود مخاوف لدى بعض من أحبار كنيسة المشرق الآشورية من هذا الحوار وبالتالي لم تكن مواقفهم مشجعة في سياق التفاهم والتقارب مع الكنيسة الكاثوليكية. ولكن بالمقابل أكد غبطته بثقة وثبات بأن مثل هذا الحوار الكنسي المسيحاني لا يمكن أن يؤدي إلى فقدان الكنيسة إستقلاليتها فأمر فقدان أو الحفاظ على إستقلالية الكنيسة يعتمد على مدى إيمان أحبار ومؤمني الكنيسة في الحفاظ على لوتروجيتها وتراثها وتقاليدها. ولكن هناك حقيقة يجب أن تكشف وهي أن الفاتيكان قد تقبل الشركة في الإيمان المسيحي والأسرار السبعة ولكن لا تقبل إستقلالية السلطة والإدارة، فالمركزية هي للفاتيكان وحدها، وهي المحطة أو العقبة الأخيرة التي سيصل حوار كنيسة المشرق الآشورية مع الفاتيكان.
2-    من المواضيع أو الأسئلة الأكثر حساسية وإثارة والتي أثارت دهشة غبطته وإستغرابه من سؤال ولسن هو عن عزوبية أو بتولية الأساقفة في الكنيسة والسماح لهم بالزواج في هذا العصر معتمداً على المجمع السنهادوسي الذي عقد في عهد مار برصوما عام 448 الذي سمح للأساقفة بالزواح وكان هو أيضا متزوجاً من راهبة.. فلماذا لا يسمح للإساقفة بالزواج... مؤكداً ولسن هذا السؤال الذي يطرح لأول مرة على مطرابوليت في الكنيسة وعلنية وفي وسائل الأعلام. فمن المعلوم بأن هذا القرار في زواج الأساقفة كان قد أبطلته الكنيسة في السنوات اللاحقة كما أكد غبطته مضافاً بأنه حاليا الكنيسة تعاني من بعض الأشكاليات من الكهنة المتزوجين حيث يصبح أمر نقلهم من أبرشية إلى أخرى أمرا صعباً للغاية أو مستحيلاً بسبب إرتباطاته العائلية والإجتماعية في منطقة أبرشيته خاصة موضوع نقل أبناءه من مدرسة إلى أخرى وتتعقد المسألة أكثر بكثير عندما يتم النقل من مدينة إلى أخرى أو من دولة إلى أخرى. فكيف والحال مع زواج الأساقفة وهم يحملون مسؤوليات أكثر بكثير من مسؤوليات الكنهة... ثم يضيف غبطته متسائلا: ما الذي سيضيف زواج الأساقفة على تقدم الكنيسة وتطورها... الجواب عند غبطته لا شيء.
ولكن بالمقابل يقول البعض بأن في هذا العالم المحيط بالمغريات والفواحش قد يكون زواج الأساقفة حصناً ومانعاً للإنجرار وراء مغريات الحياة المعاصرة بعكس العزوبية والبتولية التي قد تضغط عليه هذه الظروف للإنزلاق في متاهاة الخطيئة والزنا كما حدث لبعض أساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات القليلة الماضية وهذا ليس مستبعدا أن يشمل أيضا أساقفة كنيسة المشرق الآشورية فهم بشر من لحم ودم كغيرهم من البشر. ومهما يكن فبإعتقادنا الشخصي بأن مسألة بتولية الأساقفة أو زواجهم ليست من المسائل المهمة المطروحة في هذا العصر بل من الضروري أن ينظر إليها من جانبها الإيجابي كوسيلة لتطوير الكنيسة وتقدمها في هذا العصر الصعب جداً. فدائماً تأكد الكنائس التي تحرم زواج الأساقفة، ومنها كنيسة المشرق الآشورية بأن الأسقف يجب أن يكرس كل حياته التي نذرها أمام الله في خدمة الكنيسة ومؤمنيها، وهذا ما أكده غبطته أيضا. ولكن بالمقابل لم يعد كافياً على الأسقف أو الكاهن أن يكرس حياته لخدمة الكنيسة ومؤمنيها بالتذرع والصوم والوعظ فحسب، بل عليه وفي هذا العصر التي تتزاحم فيه الثقافات وتتنازع الأفكار وتتصارع المعتقدات أن يكرس جزء، قليل أو كثير، من حياته ووقته، وبتوليته أن صح التعبير، لخدمة كنيسته ومؤمنيها على مختلف الأصعدة الفكرية والثقافية بهدف تحصين كنيسته من المؤثرات السلبية وتطوير لوتريجيتها ومقوماتها الإيمانية والتراثية وعصرنتها مع الحفاظ على أسس ومقومات أصالتها التاريخية وإزالة سلبياتها المتراكمة من العصور المظلمة في تاريخ الكنيسة. وحسناً عملت كنيسة المشرق الآشورية عندما وضعت شرط حصول الكاهن على شهادة جامعية أو أعلى إلى جانب الشروط الإيمانية الأخرى لتكريسه كأسقف ليكون بذلك في موقع يستطيع خدمة كنيسته ومؤمنيها على مختلف الأصعدة الكنيسة الإيمانية والفكرية الثقافية وليكون وقته، أو بتوليته، فعلاً مخصصة لخدمة الكنيسة ومؤمنيها وتطوير لتروجيتها وتراثيها في هذا الزمن الظالم الذي يهدد كنيستنا وأمتنا بالزوال. أفهل فعلا أستطاع أساقفة كنيسة المشرق الآشورية الحاصلين على شهادات عليا متخصصة في مجالات علمية وثقافية وتاريخية ولاهوتية من الدخول إلى الساحة الفكرية عن طريق البحث العلمي الأكاديمي لخدمة الكنيسة وتطوير لوترجيتها وتنقية إيمانها من بعض سلبيات الماضي وتوفير الحصانة الإيمانية والفكرية والثقافية والتي هي السبل الأمثل والأقوى في الحفاظ على الكنيسة من الضياع أو إبتلاعها من قبل الكنائس الكبرى؟ سؤال من المؤكد جوابه موجود وبوضوح في الواقع الفعلي لمدى الإنتاج الفكري لأساقفة كنيسة المشرق الآشورية.       
3-   تناقلت الأنباء الشفوية عن إستقالة مار سركيس زيا أسقف بغداد لكنيسة المشرق الآشورية الذي ترك أبرشيته منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي وغادر إلى كاليفورنيا - الولايات المتحدة الأمريكية وفعليا شغر كرسي الأسقفية في بغداد منذ تلك الفترة. كان غبطة مار ميلس صريحاً لسؤال ولسن عن هذا الموضوع مؤكداً بأنه منذ مغادرة مار سركيس أبرشيته في بغداد وبيان رغبته في عدم العودة إليها، طلب عدة مرات من بطريرك الكنيسة تخصيص له أبرشية في كاليفورنيا التي لها أصلاً أسقف للكنيسة غير أن طلبه رفضه وكان آخر رفض من قبل البطريرك الحالي قداسة مار كوركيس الثالث صليوا. القانون... هو القانون... هذا ما شدد في تأكيد غبطته عليه. فعندما نقبل مخالفة القانون فهذا يعني بأنه لا وجود للقانون. فقانون كنيسة المشرق لا يسمح بأن يترك الأسقف أبرشيته ويطالب بأبرشية أخرى من دون موافقة أصولية من المراجع العليا للكنيسة، أي بعبارة أخرى بأن مار سركيس قد خالف قانون الكنيسة وبالتالي نتيجة لرفض طلبه لم يكن أمامه إلى الإستقالة... أي بعبارة أخرى أ، شغور أبرشية بغداد من أسقف يعني حاجة هذه الأبرشية إلى أسقف جديد... ولكن "من يشتهي أسقفية بغداد" في هذا الوضع المأساوي المميت؟ إلا يستحق الأسقف الذي يقبل هذه الأسقفية أن نطلق عليه لقب "بطل" ومأثر من مآثر كنيسة المشرق الآشورية... بلى ... والله بلى... خاصة عندما نقارنه بغيره الذين ينعمون بحياة الرفاهية والسلام والطمأنينة في بلدان المهجر. 

الثاني: قومي  - ثقافي:
--------------
1.   شمل لقاء غبطة مار ميلس مع ولسن جوانب سياسية وقومية أكد في حديثه بانه فعلاً لايكفي أن يكون الأسقف أو المطران أو الكاهن ورعاً وخادما للكنيسة بمفهوما التقليدي فحسب، بل عليه أن يكون خادما لها ولمؤمنيها ومن جميع مناحي الحياة الزمنية والدنيوية. ونحن وصفنا مثل هذا الإمكانية في موضوع سابق بأن يكون (Managing Director) أو (CEO) وإلا ستضيع الكنيسة في متاهات العصر. فجاء لقاء غبطته مع عدد من ممثلي أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية في دهوك أثناء زيارته الأخير لشمال الوطن جزء من إهتمامه بالمسائل القومية التي هي الوجه الآخر لكنيسة المشرق. فتأكيد المستمر على الإحترام المتبادل بين جميع تسميات أمتنا "الكلدانية والسريانية والاشورية" رسالة رعوية وقومية لغبطته... ليعد بالتالي من أكثر أحبار كنيسة المشرق في إيمانه بضرورة وحدة أمتنا كسبيل لخلاصنا. وقد سبق وأن بحثنا في هذا الموضوع وبشكل مفصل وبعنوان  (نظرة علماني على مقابلة غبطة المطرابوليت ما ميلس زيا مع قناة SBS الإسترالية. يمكن قراءة الموضوع على موقع عنكاوة:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=759698.0

2.   أما موضوع المدارس والكلية في أستراليا التي ترعاهم أبرشية غبطته، فالحديث عنها يطول جداً لأنها فعلاً من مآثر الأمة والكنيسة معاً خاصة في بلدان المهجر ونكتفي بالإشارة إليها ومن يرغب المزيد يمكن الرجوع إلى موضوعنا المعنون (المدارس الآشورية في أستراليا ... فكرة وإجتماع... فجهود وإصرار... ثم إنجازات.) على موقع عنكاوة:
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,811123.msg7471918.html#msg7471918

من خلال ما تقدم يظهر تواصل وإستمرار سلسلة لقاءات غبطة مار ميلس مع القناة المذكورة وعلى نفس المبادئ والسبيل وبنفس الأسس الرئيسية للمعادلة القائمة على الجرأءة والصراحة.
 

39
ديفيد بيرلي


أسطورة آشوري أمريكي في كتاب جديد
=========================

أبرم شبيرا

نشر الموقع الألكتروني لوكالة الإنباء الآشورية العالمية (Assyrian International News Agency) والمعروفة إختصارا بـ (AINA) – (www.aina.org) موضوعاً مهماً عن كتاب فريد من نوعه نشر حديثاً عن المفكر القومي الآشوري الكبير والخالد ديفيد برصوم بيرلي كتبُ من قبل (Svante Lundgren). والكتاب هو مجموع ما كتبه بيرلي خلال حياته من مقالات وبحوث وخطب وتعليقات ومراجعات لكتب ومجلات جمعها توماس بيت عبدالله في هذا الكتاب.
جاء في الموضوع بأن ديفيد بيرلي الذي يعتبر من أحد الشخصيات الآشورية الأمريكية الأكثر تأثيراً في القرن العشرين، كان قد ولد في عام 1901 في هربوت (في تركيا حاليا) وأثناء فترة المذابح (سيفو) هاجر عام 1918 إلى الولايات المتحدة حيث قضى فيها بقية حياته، فدرس القانون وأسس مكتبه القانوني الخاص (ومارس مهنة المحاماة). كان من أحد أعضاء المؤسسين للإتحاد القومي الآشوري، الذي عرف فيما بعد عام 1933 بالإتحاد القومي الآشوري الأمريكي وشغل خلال فترة طويلة مراكز عديدة في هذا الإتحاد بما فيه رئيس الإتحاد. وفي عام 1979 توفي عن عمر يناهز 78 سنة.
================================================================== 
كان ديفيد بيرلي منذ عام 1930 وحتى وفاته وافر الإنتاج حيث نشر عدد كبير من المقالات ومراجعات وإنتقادات للكتب في المجلات الآشورية مثل (النجم الآشوري) و (بيت نهرين الجديدة) و (أترا). وقد عمل السيد توماس بيت عبدالله مجهودا عظيماً في جمع تقريباً كل ما كتبه ديفيد بيرلي عن الآشوريين وضمها في مجلد يحتوي على 700 صفحة. ويحتوي الكتاب على مواضيع منشورة سابقاً ولكن فيه مواضيع مهمة جداً لم تنشر سابقاً والتي وجدت في بعض الأرشيفات الشخصية. وعلى العموم فالكتاب مقسم إلى أحد عشر قسماً:
1.   المقالات القديمة التي كتبها منذ عام 1933 وآخرها كان عام 1983، أي بعد وفاته.
2.   مراجعة ونقد لكتب، حيث كان بيرلي قارئ نهم ومراجع جيد للكتب وهذا القسم أكثر كثافة من الأول.
3.   الرسائل، وأختار السيد توماس الرسائل الأكثر أهمية ونشرها في الكتاب.
4.   الخطابات، وهي تشمل الخطابات التي ألقاها بيرلي أو هي مختصرات لهذه الخطابات التي نشرت في المجلات (من المعروف عن بيرلي بأنه كان خطيباً بارعاً ومؤثرا)
5.   كتيب عن الإرساليات التبشرية من عام 1943 (والمراجعة الجديدة في عام 1944 و عام 1946).
6.   مراجعات للنشرة (العدد الخامس).
7.   كتابات تخص بيرلي نفسه.
8.   نصان مكتوبان من قبل مجهول وغير معروف ويعتقد السيد توماس بأنهما مكتوبان من قبل بيرلي.
9.   إقتباسات من بيرلي.
10.    مجموعة صور عن حياة بيرلي.
11.    مقاطع لبعض ما كتبه بيرلي .
والجدير بالذكر للكتاب فهرس شامل الذي يساعد القراء الذين يرغبون التركيز على موضوع معين. كما أن الكتاب هو إلى أبعد حد متعدد الجوانب فلا يعطي صورة عن ما كان يعتقد أو يشعر به بيرلي بل هو أيضا عن أعتقاد وفكر الآخرين عنه وعن النشرة الذي كان يصدرها. لقد بذل السيد توماس بيت عبدالله خلال سنوات عديدة جهود كبيرة لجمع مواد هذا الكتاب ليكون لكل شخص مهتم بالشأن الآشوري مصدر مهم وطريق سهل  لمعرفة هذه الشخصية القومية الآشورية. عملياً أنه قد تم جمع كل شيء عن بيرلي بين دفتي هذا الكتاب ولكن من جانب آخر هناك كتابات لبيرلي قد فقدت ولكن على العموم فأن معظمها قد تم جمعها في هذا الكتاب. أحدى النصوص المفقودة هو السيرة الذاتيه له التي كتبها عن فترة طويلة من حياته والتي كانت مذكورة في المجلات. أنه من المؤسف لا يمكن العثور عليها غير القليل منها عن فترة تنشئته في مدينة هربوت ونجاته من الإبادة الجماعية (سيفو 1914-1918).

ما الذي كتبه بيرلي؟... هناك موضوعان ركز عليهما بيرلي وهما، الأول بدأ نشاطه عن الحركة الأشورية في عام 1933 فكانت مذبحة سميل جوهر هذا النشاط. مرات عديدة كتب عن الخيانة البريطانية للآشوريين والذي كان أيضا موضوع النشرة (الإرساليات التبشيرية). على الرغم من أن والده قُتل من قبل الأتراك أثناء الإبادة الجماعية للحرب العالمية الأولى (من المعروف بأن والد ديفيد بيرلي "برصوم"  كان قد أستشهد مع رائد الصحافة الآشورية آشور بيت هربوت عندما أعدمتهما السلطات العثمانية أثناء مذابح سيفو)، إلا أنه نادراً ما كتب عن هذه الإبادة الجماعية ولم يبين أي حقد تجاه الإتراك، بل بدلا من ذلك ركز على مذبحة سميل وعبر عن نقده الشديد لخيانة بريطانيا للآشوريين. إضافة إلى ذلك فأنه كان مهتماً كثيرا بتاريخ آشور القديم وأنعكس هذا الإهتمام في مراجعته وتقييمه لقائمة من الكتب عن الإمبراطورية الآشورية والحفريات الأثارية في آشور خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين فكان قارئاً متمكاً ونهماً في هذه المسائل. وفي أحدى رسائله وصف مهمة حياته كنضال ضد فكر كون الآشوريون القدماء قساة وقد وجد مثل هذا التوصيف الخاطئ للأشوريين في مصدرين: العهد القديم والشاعر البريطاني لورد بارون.

كان بيرلي كاتباً ممتازا يتميز بتعبيرات نابض بالحياة والحيوية. وكان في العادة يستخدم عبارات منطوية على نوع من المبالغة. وفي مراجعته لكتاب كان ينهيها بتعبير مثل "هذا الكتاب  يجب أن يقرأ من قبل كل آشوري". وحينما كان يكتب عن القوميين الآشوريين كان عادة يشير إليهم كخالدين والعظماء والباقون على الدوام. وكان يستخدم كلمات ضخمة بالنسبة للأشياء أو الكتب التي لا يستهضمها مثل "هذا الكتاب مخادع وليس له أية ميزة لا أدبياً ولا معرفياً". وبمناسبات أخرى كتب بيرلي أيضا عن القضايا الكنسية التي كانت نافذ البصيرة فيها. فعلى الرغم من أنه كان من أتباع الكنيسة الآشورية الرسولية (السريانية) إلا أن معظم كتاباته في هذا الشأن كانت عن كنيسة المشرق الآشورية (النسطورية). فكان جل إهتمامه مركز ضد تهمة الهرطقة لهذه الكنيسة فكان في العادة يؤكد بأن أسم هذه الكنيسة ليس "النسطورية" بل الآشورية. صحيح أن بيرلي كان من أتباع الكنيسة الرسولية الآشورية (السريانية) أو كما كان يسميها "اليعقوبية" فأنه كان متحمساً للتركيز المستمر على جانب مهم وهو الهوية الأثنية الآشورية بغنى عن الإنتماء الكنسي. فكان يقول: تستطيع أن تغير إنتماءك الكنسي ولكن لا تستطيع أن تغير قوميتك. فكان يركز ويقول "الآشوريون هم آشوريون بدون أي تبعيات دينية". يمكن القول بأن بيرلي حارب طيلة حياته وناضل ضد التوجهات المعادية للأشورية والتي كان يراها كتهديد خطير. فإعتقاده أن جميع الأسماء التي أستخدمت في المجتمع يجب أن تزال وتحذف وبعكسه فإن هذه الأسماء الغريبة المنشأ سوف تقضي على الشعب.

مؤلف الكتاب السيد توماس بيت عبدالله يجب أن يثنى عليه وتقيم جهوده في إلقاء الضوء على هذا الآشوري القومي وعلى إعطاءنا سبيلاً لنكون أقرب لمعرفة فكر ديفيد بيرلي.
--------------------------------------------------------------
This book collects the writings of the prominent author, the late David Barsum Perley (1901–1979), who devoted his life to the Assyrian cause. He continuously supported and fought for the rights of the Assyrians. Through his numerous writings, he gave a voice to the situation of Assyrians in their countries of origin in the Middle East. He also vehemently supported the historical Assyrian name, the Assyrian identity and the history of the Assyrians.
للمزيد عن هذا الموضوع وإقتناء نسخة من الكتاب يمكن الدخول إلى الموقع الألكتروني لوكالة الإنباء الآشورية العالمية ((Assyrian International News Agency) والمعروفة إختصارا بـ (AINA) – (www.aina.org)
أنتهى.
------------------------------------------------------------------
صورة لديفيد برصوم بيرلي مقتبس من كتاب (خيانة بريطانيا للآشوريين للكاتب القومي الكبير يوسف مالك – من بلدة تلكيف) وفي هذا الكتاب كتب بيرلي موضوعاً مهماً ومثيراً تحت عنوان (اليعاقبة) وكان بيرلي قد لعب دوراً كبيراً في مراجعة الكتاب والمساعدة على طبعه ونشره حينما كان رئيساً أو نائباً للإتحاد القومي الآشوري الأمريكي).  وفي هذا الموضوع يقول ديفيد بيرلي:

"لايمكن لأحد أن يفهم دوما الآشوريين كأمة واحدة إلإ أن يتمكن من التمييز بين الدين والكنيسة عن تلك الأمة – أن قوة الظروف الكامنة وراء إرادتهم جعلت من الدين قوة حيوية في مقياس إنتمائهم القومي.. ففي غمار ذلك كانت الكنيسة  أكثر الهيئات أهمية في أمة ما بل تمثل الأمة ذاتها... أن كنيسة "العاقبة" هي كنيستي وإني أفتخر بهذه الحقيقة، ويمكنني أن أقول هذا كله بصيغة أخرى وهي أن "اليعاقبة" هم يعاقبة فقط من وجهة نظر أنتماءهم الديني ولكنهم آشوريون من وجهة نظر أنتماءهم القومي، لذلك فأنهم يشعرون بعدم الراحة جراء الظلم الذي يتعرض له أي جزء كان من تركيبهم القومي لأن البعد لا يمزق روابط القرابة والأخوة وهم أخوة إلى الأبد" – من موضوع "اليعاقبة" المنشور في كتاب "خيانة بريطانيا للآشوريين" ليوسف ماليك – 1937.

40
الكنيسة في العراق: التاريخ والتطور والإرساليات التبشيرية
لفرناندو فيلوني
==================================================

أبرم شبيرا

بينما كنت أطالع في جريدة الرؤية اليومية التي تصدر في سلطنة عُمان وجدت فيها ملحق مهم ومثير للإهتمام تحت مسمى "مراجعات" وهو ملحق شهري تصدره وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالتعاون مع جريدة الرؤية. فهو بالإضافة إلى إخراجه وطبعه بشكل ممتاز وراقي فإن محتواته أيضاً تشكل مادة ممتازة ومفيدة للكثير من المهتمين بمجمل العلوم الإنسانية والطبيعية وللمواكبين للإصدارات الكتب الحديثة. فهو ملحق مختص بعرض الكتب المنشورة حديثا وتحليلها ونقدها من قبل كتاب ومفكرين معروفين في العالم العربي. ومن بين هذه الكتب وجدت كتاب (الكنيسة في العراق: التاريخ والتطور والإرساليات التبشيرية) للكردينال الإيطالي فرناندو فيلوني وقامت مكتبة حاضرة الفاتيكان بنشره عام 2016، وعرض الكتاب وعلق عليه الباحث أمين منار وهو إيطالي الجنسية ومن أصول مغربية. أنه من الضروري جداً هنا ونحن نعرض هذا الكتاب والتعليق عليه أن نعرف ونؤكد بشكل جلي بأن كاتب الكتاب (الكردينال فرناندو فيلوني) والمعلق عليه (الباحث أمين منار) يمثلان طرفان مختلفان أن لم يكونا متناقضان في توجهاتهم الفكرية، فالأول رمز من رموز المسيحية الكاثوليكية ومن أبرز دبلوماسي الفاتيكان. أما الثاني، فبالرغم من قلة المعلومات عنه، فإن كل ما نعرفه هو عرضه وتحليله لكتاب مهم آخر وهو (تخيًل بابل – مدينة الشرق القديمة وحصيلة مئتي عام من الأبحاث للمؤرخ وعالم الآثار الإيطالي ماريو ليفراتي) كما أنه نستطيع الإستنباط من عرضه وتحليله وتعليقه على كتاب (الكنيسة في العراق) بأن له توجهات إسلامية التي من خلالها يؤكد بأن وجود المسيحيين في البلاد العربية كان مهدداً من قبل بيزنطيا والكنيسة الغربية وأن حفاظ "النساطرة" و "اليعاقبة" على كيانهما وخصوصيتهما المستقلة كان مقرونا بالحضور الإسلامي ومن دون أن يذكر تأثير الفتوحات الإسلامية وما أعقبها من إرهاصات وإضطهادات من قبل الدول الإسلامية في المنطقة التي كانت سبباً رئيسياً لتناقص أعداد المسيحيين في العراق وسوريا وغيرهما. على عموم، هناك بعض الأخطاء التي ترد في تعليقه على الكتاب منها إعتبار ثيودوروس المصيصي هو نفسه نسطور في حين المعلوم  هو أن الثاني كان تلميذ الأول. كما أنه أعتبار "النساطرة" إلى جانب "الأقباط واليعاقبة" من أتباع مذهب الطبيعة الواحدة (المونوفيزتيون أو اللاخلقديون) خطاً آخر. وهذا ما يلمسه القارئ النبيل من خلال قراءة هذا الموضوع. وأخيراً لم يبقى إلا أن أقول بأن الكتاب والتعليق عليه هي أراء أصحابها ولا تعبر عن رأينا فالغرض من كتابة هذه السطور هو إطلاع القارئ النبيل على هذا الموضوع و تعميم الفائدة. ولتجنب أي تأويل أو سوء فهم فإنني أعرض الموضوع كما هو منشور.
---------------------------------------



41
القديس يعقوب الآشوري في فرنسا عام 421  ميلادي !!!!
Saint Jacques I’Assyrien – 421

=======================================
أبرم شبيرا

المهندس ريمون بنيامين روفائيل خان حفيد القائد العسكري الآشوري الشجاع روفائيل خان أثناء وبعد الحرب الكونية الأولى، هو صديق قديم منذ أيام النادي الثقافي الآشوري في بغداد( +1970) وأيضا صديق جديد متواصل من فرنسا حتى أيامنا هذه. له أهتمامات، بالاضافة إلى لعبة الشطرنج الذي كان أحد أبطالها أيام النادي، تتركز على البحث والتنقيب والمتابعة والإقتناء لمصادر ووثائق وكتب تتعلق بتاريخنا الآشوري وبكنائسنا المشرقية والتي هي مصدر إهتماماتنا المشتركة وتبادل المعلومات  بيننا. فحالما يتم عثوره على مصدر مهم وفريد من نوعه في تاريخنا القومي والكنسي فلا يتواني الصديق ريمون إلا ويبعثه لي ليكون بيننا حديث وتبادل أفكار وتلخيص مشترك ثم الإتفاق على عرض المفيد منه للنشر. بهذا الخصوص عثر صديقنا ريمون على معلومات تاريخية قيمة ومثيرة للإستغراب والتساؤل وهي عن قديس آشوري عرف بأسم سان جاكوب (Saint Jacques I’ Assyrien) – القديس يعقوب الآشوري- في فرنسا منذ عام 421 ميلادي. فما قصة هذا القديس الآشوري منذ الربع الأول من القرن الخامس الميلادي الذي لم نسمع ولم نقرأ عنه أي كتاب أو وثيقة تاريخية تشير إلى أسمه ووجوده ونشاطه... فما سر هذا القديس الآشوري الذي كان يبشر في أوروبا الغربية بعيدا عن موطنه الأصلي فيما إذا أفترضنا فعلاً بأنه جاء من آشور وكننَ أسمه به وأصبح أول مطران لأبرشية وادي تارنتياس (Tarentaise) في كاونتي (مقاطعة) سافوي الذي تقع فيه أوتيلس (Hauteluce) وهي مدينة صغيرة شيد فيها كنيسة سميت بأسمه: القديس يعقوب أو جاكوب الآشوري (Jacques L Assyrien). فكان يطلق عليه أيضا القديس جاكوب من تارنتياس لكونه مطرانها الأول. وهنا أود أن أشير بأنه لكون معظم أسماء المدن والمناطق والأشخاص التي وردت في هذا الموضوع هي من مصادرها الفرنسية فأنني مضطر عند ترجمتها أن أضعها أيضا باللغة الفرنسية وذلك خشية من لفظها بشكل مختلف. كما إنني مضطر، وحسب الضرورة، ان أرفق المصادر أو المعلومات بلغتها الفرنسية الأصلية وذلك تجنباً لشك في هذا الموضوع المثير والغامض بعض الشيء في عالمنا القومي والكنسي. فهذا الموضوع ما هو إلا معلومات من بعض السطور المستلة من هذه المصادر ومعلومات أخرى وفرها لي الصديق ريمون.

 
 
مدينة أوتيلس (Hauteluce) في الصيف والشتاء وكنيسة القديس يعقوب الآشوري ظاهرة في وسطها
========================================================



 



الموقع الألكتروني لبلدية أوتيلس ويظهر فيه شرحاً لكنيسة سانت جاكوب الآشوري
==============================================
وادي تارنتياس (Tarentaise)، الذي تقع فيه أوتيلس (Hauteluce) وكنيستها، يعتبر من أجمل الوديان في أوروبا الغربية وأكبرها بين سلسلة جبال الألب من الجانب الفرنسي ومن أشهر مراكز التزلج على الجليد والجذب السياحي بشكل عام. فبالقرب منها في منطقة ألبيرتفيلي (Albertville) جرت الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 1992.  ولموقع هذا الوادي أهمية جيوإستراتيجية حيث كان في القرون الوسطى الممر الرئيسي بين إيطاليا وفرنسا وأوروبا الشمالية خاصة للتنقل والحج بين الفاتيكان وفينا وميلان. ففي عام 421 كان القديس جاكوب الآشوري أول مطران لتارنتياس (Tarentaise) وبعد وفاته خلفه المطران مارسيل الذي بنى الكاثدرالية في المدينة وسماها بأسم القديس جاكوب الآشوري. ففي الدليل السياحي والتاريخي الذي كتبه جوزيف كارن بالفرنسية لهذا الوادي فيه تفاصيل عن هذا القديس وعن رفيقه أيضا القديس ماكسيم رايس، نستل منه بعض السطور التي تخص القديس والتي ترجمها صديقنا ريمون من الفرنسية إلى الإنكليزية ثم نقلتها إلى العربية.
 




الأبرشية ومؤسسيها
----------------
القديس جاكوب من آشور (d’Assyrei والقديس ماكسيم  من رايس(de Riez )


الأبرشية قديمة جداً، فالتقليد يذكر بأن التبشير كان أول الأمر في هذا الوادي من قبل مبشرين أثنين وهما: سانت جاكوب الآشوري و القديس ماكسيم من رايس فتركوا بصماتهم على أبرشيتين فسميت بأسمهما. هناك القليل عن تاريخ هذين القدسين، حيث يذكر بأنه في عام 410 ميلادي جاء نبيل روماني أسمه هونورات (Honorat)  وأستقر في ليرينز(Lérins,) وهي أحدى الجزر الصخرية على طول ساحل بروفنس (Provence) مقابل مدينة كان الحالية، جاء إلى هذه المنطقة المعزولة ليقود مع بعض من أصدقاءه حياة المصلين ويقوم بالتعليم وكبح الشهوات (التنسك). بعد فترة تجمع حوله العديد من المبشرين ومن مختلف الأمم الذين كانوا يرغبون التعلم منه حب المسيح وخدمته ومن بين الأسماء التي ذكرت أسم جاكوب الآشوري  أو يعقوب الآشوري (JACQUES L’ ASSYRIEN) وماكسيم اللذان أصبحا قدسين مشهورين في المنطقة عام 426 ميلادي. فعندما عين هونرات (Honorat) مطراناً لـ (أرلس – Arles) غادر (ليرانس – Lérins) وأخذ معه المبشر جاكوب ثم ماكسيم. وفي عام 427 ميلادي أرسلهم إلى سيوترونز – Ceutrons)  ووادي (أوستا –  Aosta) للتبشير بالإنجيل وهناك أصبح جاكوب أول مطران لـ (أيسستاس - Eustase.). وبعد أن أكمل جاكوب مهمته توفي في 16 كانون الثاني عام 429 ميلادي في (أرلس – Arles) وهو في زيارة إلى معلمه الأول هونرات (Honorat) الذي كان يحتضر وهو على فراش الموت.


 
 


الكنيسة بعد ترميمها عدة مرات ومنذ القرون الوسطى
=========================================================



 
 


تمثال للقديس سانت جاكوب من تارنتياس Tarentaise (او آشور)
====================================

على العموم أكتفي بهذا القدر، وهنا من الضرورية الإشارة  بأنه قد ترد بعض الأخطاء في الترجمات أو قلة المعلومات عن هذا القديس بسبب شحة المصادر عنه وعدم معرفة منطقتنا وكنائسنا به، لكن الذي يهمنا من هذا الموضوع هو هذه الكنية (الآشوري) التي أستخدمت للقديس يعقوب في فرنسا في الربع الأول من القرن الخامس الميلادي وهو بعيد جداً عن آشور، لكي يثير فينا العديد من التساؤلات والإستفسارات عن هذا القديس الذي لا وجود له في منطقتنا ولا في مصادر كنيسة المشرق ولا في تاريخ الآشوريين ولا ندري فيما إذا كان في زيارة من آشور إلى روما ومنها سلك طريق الحج في ذلك الوادي ووصل إلى تلك المنطقة ليتعلم من معلمه الأول كلمة الرب ويقوم بالتبشير هناك. ولكن مع هذا،  أنه من الضروري أن نشير بأن البعض من رجال الكنيسة كانوا يكننون أسماؤهم بأسماء حضارات معروفة أو أوطان مشهورة لغرض أضافة نوع من الهيبة والعظمة على أسمائهم. فالنأخذ على سبيل المثال الفيلسوف واللاهوتي اللامع والمشهور طيطيانوس والمعروف بـ "طيطيانوس أتورايا" أو الآثوري أو الآشوري الذي وحد الإناجيل في إنجيل واحد وأطلق عليه أسم (دياطسرون). يختلف الباحثون في تاريخ ميلاده فمن يذكر سنة 130 وأخرون يذكرون 120 و  110 ميلادي) ولكن جميع المؤرخين يؤكدون ولادته في بداية القرن الثاني الميلادي في حدياب أي مدينة أربيل (أربائيلو) العاصمة المقدسة للأشوريين قبل سقوط إمبراطوريتهم وحتى بعدها. واليوم مقر لكرسي بطريرك كنيسة المشرق الآشورية. فبالإضافة إلى هذا العامل الموضوعي في فهم لقبه الآشوري لأنه ولد في قلب بلاد آشور فأنه كان هناك عامل فكري مباشر وفلسفي سببَ في أن يُلقب نفسه بالآشوري حيث عرف عنه بنقاشاته المحتدمة مع الأغريق وفلستهم ودخل معهم في صراع فكري وفلسفي حام الوطيس ولم يتفق معهم وعارض الكثير من مفاهيمهم الفلسفية. وفي مواجهته لهم ولحضارتهم التي كانوا يفتخرون ويتباهون بها لقب نفسه بالآشوري مستمداً لقبه من الحضارة الآشورية العظيمة التي كان ينتمي إليها ومن البلاد الذي ولد فيه.

وهنا أيضا يجب أن نلاحظ بأن فترة نشاط القديس يعقوب الآشوري كانت من عام 421 لغاية وفاته في عام 429 إي قبل أنعقاد مجمع أفسس 431 وتحريم تعاليم القديس نسطورس ومن ثم نعت كنيسة المشرق بـ "النسطورية" التي كان معظم أتباعها من بلاد الرافدين ومن أصول آشورية، أي بهذا المعنى من الصعب التكهن بان الأسم الآشوري والتسمي به كلقب لرجال الفكر والكنيسة في فترة كانت الأفكار والفلسفات والمعتقدات الدينية هي الطاغية على المجتمعات خاصة مجتمع بلاد مابين النهرين. إذن من أين جاء لقب القديس يعقوب الآشوري وهو رجل دين بمستوى مطران ويكنن نفسه بأسم حضارة ما قبل المسيحية في الوقت الذي كان سائدا في الفكر التقليدي الكنسي بأن الحضارة الآشورية هي وثنية والأشوريون يعبدون عدد من الآله. من هذا المنطلق يمكن القول بأن مثل هذا الفكر التقليدي الكنسي مخطأ في إعتبار الحضارة الآشورية وثنية والأشوريين كانوا يعبدون عدة آله، على الأقل في فكر القديس يعقوب، وإلا لما تسمى وهو رجل دين بمستوى مطران بأسم هذه الحضارة العظيمة.   

على أية حال، يبقى التساؤل قائماً وبقوة لماذا الآشورية وليس غيرها لقباً لهذا القديس، هل هو فعلاً من آشور أو كان من غير بلد وسمع عن عظمة الحضارة الآشورية وتسمى بها... أحتمالات ... مجرد إحتمالات وما أكثرها.. سؤال محير لا بل لغز يصعب حله طالما نفتقر إلى مصادر تتناول الخلفية التاريخية لهذا القديس الآشوري... ولكن مهلاً عزيزي القارئ ربما لأصحاب التخريفات التي تقول بأن الأنكليز أطلقوا على النساطرة أسم الآشوريين لأسباب سياسية في القرن التاسع عشر لهم حل تخريفي آخر لهذا اللغز فمن الممكن أن يقولوا تخريفة أخرى بأن الإنكليز قد أستخدموا "آلة الزمن" من القصة الخرافية للكاتب الإنكليزي هربرت جورج ويلز (1866-1946) تحت نفس العنوان "آلة الزمن" فركبوها وسافروا بها إلى الماضي إلى الربع الأول من القرن الخامس الميلادي وألتقوا بالقديس يعقوب وأطلقوا عليه لقب الآشوري... فكر آخر زمن، وليس إلا تخريف في تخريف!!!.

وأخيراً نتسائل: هل لأي قارئ أو رجل فكر أو مؤرخ أوإكليري سواء من كنيسة المشرق أو غيرها معلومات عن هذا القديس وسبب تسميته بالآشوري، فلينبري ويعرضها لربما تخفف من وتزول غموض تسمية هذا القديس بالأشوري؟؟



42
"مشكلة الموصل"
ودور المسيحيين في ضمها للعراق بدلا من تركيا
------------------------------------
أبرم شبيرا
ملحوظة:

من الملاحظ بأن هناك المئات إن لم تكن الألاف من الكتب والبحوث والمقالات والتقارير التي كتبت عن هذه المشكلة أثناء وبعد تأسيس كيان العراق السياسي في بداية القرن الماضي وفيها تفاصيل مطولة عنها وعن الدور الذي لعبه العراقيون وبمختلف قواهم السياسية والقومية والدينية سواء المؤيدين لضم ولاية الموصل إلى العراق أو الطالبين بإرجاعها إلى تركيا. ولكن هناك إجحاف سافر وتجاهل مطبق بحق المسيحيين، وخاصة الآشوريين منهم، الذين كان لهم دوراً أساسياً في ضم ولاية الموصل إلى العراق بدلا من تركيا. وهذه محاولة لبيان جزء يسير وبقدر تعلق الأمر بالمصادر والمعلومات الشحيحة عن هذا الدور،  ولكن مهما كان هذا الدور فأنه كان له تأثيراً على مجريات أمور حل مشكلة الموصل لصالح العراق في مقارنته مع دور بقية العراقيين، وهذا سبباً كافيا يمنحنا حق عنونة الموضوع بهذا الدور. فإبتداءاً يستوجب بيان كفية نشؤ هذه المشكلة ودور بريطانيا في ضمها للعراق وتأسيس كيانه السياسي ومواقف العراقيين منها والتقدير والمكافاءات التي تلقاها المسيحيون من رجال الأنظمة السياسية في العراق على دورهم في ضم الولاية إلى العراق بدلا من تركيا.   
نشؤ مشكلة الموصل:
============
كان  بلاد مابين النهرين – Mesopotamia -  (فيما بعد العراق)  يشمل في العهد العثماني على ثلاث ولايات وهي بغداد والموصل والبصرة. وكانت مدينة الموصل (نينوى في العهود السابقة)  في زمن الإمبراطورية العثمانية مركز ولاية الموصل التي كانت تشمل معظم المحافظات الشمالية في بلاد مابين النهرين وكانت جزء من حصة فرنسا حسب إتفاقية سايكس – بيكو الموقعة في العام 1916 بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية حول إقتسام ممتلكات الإمبراطورية العثمانية بعد إندحارها في الحرب. نشأت مشكلة الموصل عشية توقيع معاهدة "مودرس" في 30/10/1918 الخاصة بوقف العمليات العسكرية للحرب العالمية الأولى  بين الحلفاء والدول المندحرة في الوقت الذي كانت القوات البريطانية تحارب القوات العثمانية قرب بلدة شرقاط (آشور الأثرية) جنوب مدينة الموصل بحوالي 85 كم، ثم تواصل تقدمها حتى إحتلال مدينة الموصل في بداية شهر تشرين الثاني (نوفمبر). غير أن السلطات العثمانية أحتجت على ذلك ودفعت بعدم شرعية إحتلال بريطانيا للموصل، فأدعت بأحقيتها فيها معتمدة على أساسين: الأول كون معظم سكان الولاية من العثمانيين المسلمين ومن أصول غير عربية، وتقصد الكورد والتركمان وغيرهم. الثانية كون مناطق شمال بلدة شرقاط بما فيها مدينة الموصل قد أحتلت بعد إتفاقية وقف إطلاق النار. فكان رد بريطانيا لحجج الإتراك في الإعتماد على المادة السابعة من الإتفاقية أعلاه التي تعطي الحق للحلفاء، ومنهم بريطانيا، إحتلال أي مواقع إستراتيجية قد تهدد أمن وسلامة قواتهم، كما وأن المادة السادسة عشر من الإتفاقية تلزم الأتراك بتسليم بريطانيا جميع المواقع الإستراتيجية والحمايات العسكرية في بلاد مابين النهرين بما فيها ولاية الموصل بأجمعها والتي تشكل جزءاً تاريخياً منها.

تسوية مشكلة الموصل:
==============
في السابع من التشرين الثاني 1918 أستسلم القائد التركي علي إحسان باشا إلى مطالب القائد البريطاني الجنرال وليام مارشال وأنسحبت جميع القوات التركية من مدينة الموصل في غضون عشرة أيام. وقبل نهاية عام 1918 تدفق النفط في مناطق ولاية الموصل وبكميات تجارية فكان هذا عاملاً آخر ومؤثر في تعقيد المشكلة مما زاد من تمسك الأطراف المتنازعة على الولاية بما فيها فرنسا، ودعا كل طرف بأحقيته فيها. غير أنه بسبب وجود بريطانيا الواقعي في الولاية والذي فرضته قواتها المنتصرة ومن ثم الإتفاق الذي حصل بين بريطانيا وفرنسا في توزيع ممتلكات "الرجل المريض" في شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه، تنازلت فرنسا لبريطانيا عن ولاية الموصل مقابل منحها إمتيازات خاصة على نهر الراين في قلب أوروبا مع نسبة 25% من أسهم شركة النفط التركية المستثمرة لحقول البترول في الولاية بعد إعادة تنظيمها وتحصيصها بين الدول المنتصرة في الحرب وحلفائها والتي تغير أسمها فيما بعد لتصبح شركة نفط العراق (IPC)

أما بالنسبة لتركيا، فإنها بعد هيمنة الزعيم القومي التركي كمال أتاتورك على المقدرات السياسية في البلاد وإنتعاش "الرجل المريض" وإستعادة حيويته ونشاطه خاصة بعد دحره للجيش اليوناني في الأناضول وإنسحاب الجيش الفرنسي من أضنه وحلول التفاهم بين الحكومة الفرنسية وحكومة أنقرة الجديدة لحل مشاكل مخلفات الحرب، جعلت هذه الظروف تركيا دولة لها موقع مؤثر في مجريات وتسويات الحدود التي كانت تتم بين الدول المنتصرة، فإستطاعت بحكم هذا الموقع القضاء على معاهدة سفير المهينة لها والموقعة في شهر آب (أغسطس) من العام 1920 بين الدولة العثمانية والحلفاء، وبالتالي القضاء على مشروع إقامة دولة أرمينيا الكبرى والحكم الذاتي للأكراد في جنوب شرقي تركيا وضمانات حماية حقوق الأقليات القومية والدينية، ومن ثم توقيع معاهدة لوزان عام 1923 لحل المشاكل الحدودية بينها وبين الدول المنتصرة في الحرب، حيث قضت الفقرة الثالثة على حل مشكلة الموصل وذلك بتعين خط الحدود الفاصل بين تركيا والعراق عن طريق تسوية سلمية تعقد بين الطرفين في غضون تسعة أشهر من تاريخ توقيع المعاهدة وفي حالة عدم التوصل إلى إتفاق بينهما خلال الفترة المحددة يصار إلى إحالة النزاع إلى عصبة الأمم لإقرار مصير الولاية. ولتهدئة الأمور وتحديد حدود النزاع لحين إتمام التسوية النهائية أقر مجلس العصبة عام 1924 وبالإتفاق مع طرفي النزاع رسم خط مؤقت بين العراق وتركيا عرف بخط بروكسل وهو الخط الحدودي الذي أصبح ساري المفعول وأعتمد في حل النزاع فيما بعد والذي أصبح أيضا الخط الحدودي الفاصل بين تركيا والعراق لحد هذا اليوم.

عجز الطرفان، تركيا وبريطانيا، من التوصل إلى إتفاق ودي ونهائي خلال الفترة المحددة فأحيل موضوع النزاع إلى عصبة الأمم والتي أتخذت بتاريخ 13/11/1924 قراراً بتأليف لجنة من ثلاثة خبراء (اللجنة الثلاثية) لتقصي الحقائق في الولاية المتنازع عليها. وعلى ضوء تقرير اللجنة المقدم إلى مجلس العصبة بتاريخ 16/7/1925 أتخذ قرارا في 16/12/1925 بإلحاق ولاية الموصل بالعراق مع إبداء بعض التحفظات والشروط المتعلقة بالتدابير الواجب إتخاذها من قبل حكومة العراق والدولة المنتدبة، بريطانيا، تجاه الكورد والأقليات القومية والدينية، مع بقاء بريطانيا دولة منتدبة على العراق لمدة خمس وعشرين سنة. ومن جانب آخر وخارج إطار قرار مجلس العصبة قامت بريطانيا بترضية تركيا عن طريق منحها 10% من إمتيازات النفط المكتشف في الموصل ولمدة 25 سنة، إضافة إلى قرارات أخرى جرى إتخاذها في الأروقة السرية متعلقة بمصير شعوب الولاية خاصة الآشوريين الذين كان لهم أيضا مسألة عوصية متعلقة بحل النزاعات الحدودية وبمشكلة الموصل، خاصة بعد رسم خط بروكسل الحدودي وبقاء منطقة حيكاري التي كان يسكنها عدد كبير من الآشوريين ضمن أراضي تركيا.

 نشوء الكيان السياسي للعراق:

==================
من خلال ما تقدم ومن إستقراء التاريخ السياسي الحديث لنشوء دولة العراق وظهور كيانها السياسي كدولة عصرية في بداية القرن الماضي، يبدو أن بسبب ضعف أو عدم تكامل وتوافق العوامل الحضارية والثقافية والإجتماعية والدينية واللغوية في العراق، لم تلعب دوراً مهماً في تأسيس كيانه السياسي أكثر مما لعبت العوامل العسكرية والسياسية. وبصورة أوضح نقول بقدر إحتلال القوات البريطانية لأراضي بلاد مابين النهرين أثناء معارك الحرب الكونية الأولى وقدرتها على طرد القوات العثمانية وإنتزاع الأراضي منها وتقدمها نحو الشمال، بقدر ذلك تحدد حدود كيان العراق السياسي. كذلك بقدر فاعلية الدبلوماسية البريطانية وإفلاحها في نقل الأمر الواقع الذي أفرزه وجودها العسكري في المنطقة إلى مستوى السياسة ونجاح مناوراتها السياسية في إبرام المعاهدات والمواثيق، بقدر ذلك تقرر واقعية وقانونية حدود العراق السياسي. ففي مؤتمر القاهرة عام 1920 طرحت بعض المشاريع لتقرير مصير الولايات الثلاث: بغداد وبصرة والموصل، فكان قرار مستر تشرشل وزير المستعمرات البريطاني حينذاك تكوين دولة واحدة من الولايات المذكورة قراراً طبيعياً بالمفهوم الإستعماري في تغليب مصالحه الإقتصادية والسياسية على مصائر الشعوب الأخرى وعن طريق دمج المتناقضات الحضارية والإجتماعية والدينية واللغوية لسكان البلاد المتوارثة من المرحلة العثمانية في كيان سياسي واحد دون أي إعتبار للعوامل القومية والدينية والحضارية، فجاء نصب الأمير فيصل بن الشريف حسين الهاشمي ملكاً على عرش العراق  كحل من خارج هذه التناقضات والقفز من فوقها.

عوامل في تقرير مصير ولاية الموصل:
=========================
هذه العوامل العسكرية والسياسية في خلق كيان العراق السياسي هي عينها التي لعبت دورها الأساسي والفاعل في تقرير ضم ولاية الموصل بكل تناقضاتها القومية والدينية إلى العراق بدلا من تركيا. صحيح هو القول بأن ولاية الموصل في عهد الدول العثمانية وحتى قبلها كان إرتباطها تاريخياً وجغرافيا وإقتصاديا بولاية بغداد وببر الشام أكثر من إرتباطها بالإستانة وأراضي الأناضول، فإن ذلك لم يكن متغيراً فاعلاً في تقرير مصيرها السياسي. فالحال لم يكن يختلف كثيراً من حيث إرتباط  لواء الإسكندرونة حضارياً وجغرافياً وإقتصادياً ببقة مناطق الشام، إلا أن العوامل العسكرية والسياسية التي وفرتها فرنسا لصالح تركيا أفضت إلى تقرير مصير الإسكندرونة وسلخها من سوريا عام 1939 وضمها إلى تركيا. من هذا المنطلق، يأتي إفتراضنا لو أن القوات البريطانية التي كانت تحارب القوات التركية قرب بلدة شرقاط في العراق قد إستجابت لإتفاقية "مودرس" في وقت إطلاق النار وإن قوات الجنرال مارشال قد توقفت عن زحفها نحو مدينة الموصل بعد سريان وقف إطلاق النار لكان مصير ولاية الموصل قد تحدد بالواقع العسكري للوجود العثماني فيها وأصبحت جزء من تركيا. وإذا إفترضنا أن الدبلوماسية البريطانية قد أخفقت في ترجمة الواقع العسكري إلى نتائج سياسية ناجحة ومن ثم استجابت لتأثيرات تنامي القوة العسكرية لحكومة الكماليين في أنقرة وخضعت لتهديداتها في اللجوء إلى الحرب لفض النزاع مثلما خضعت فرنسا وأنسحب من أضنه وأنهار الجيش اليوناني وزال تهديده على أزمير ومضايق البسفور، لكان مصير ولاية الموصل كمصير الإسكندرونة، وأصبحت مساحة دولة العراق لا تزيد عن ثلثي مساحتها الحالية.

مما تقدم يتضح بأن العامل الخارجي المتمثل في الوجود البريطاني العسكري والسياسي كان له الفعل الأساسي والحاسم أكثر مما كان للعامل الداخلي في تكوين كيان العراق السياسي بما فيه ضم ولاية الموصل إلى العراق بدلا من تركيا. فكان هذا العامل الخارجي الأكثر فاعلية وتأثيرا من أي عامل داخلي في حل مشكلة الموصل وضمنها إلى العراق بدلا من تركيا. غير أن العامل الداخلي في هذه المسألة لم يكن غائباً، بل تحدد أيضا دوره وفاعليته بمدى توافقه مع المتغيرات العسكرية والسياسية السالفة الذكر. كما أن هذا التوافق تحدد أيضاً بطبيعة علاقة أطراف العامل الداخلي بالقوى الرئيسية الفاعلة، وأقصد بريطانيا، قبل الحرب الكونية الأولى وأثناءها. وبدءاً بالنخبة العراقية الحاكمة ودورها في هذه المسألة، فإن خلفيتها العسكرية والسياسية وتطبعها بالحياة العثمانية في الحكم والسياسة والفكر ومحاربة الكثير منهم كضباط في الجيش العثماني ضد القوات البريطانية وتأثرهم بكمال أتاتورك، وفيما بعد بهتلر وموسليني وبالنازية والفاشية، وتعطشهم الشديد للسلطة والجاه على حساب المبادئ والقيم، فإن كل هذه الميزات وضعتهم في موقف متناقض عند تعاونهم مع الإنكليز في بناء كيان العراق السياسي وضم الولاية إلى العراق. لهذا السبب تحدد دورهم فقط في ترك بريطانيا طليقة اليدين لحل مشكلة الموصل مقابل وعود وإمتيازات تمثلت في المعاهدة العراقية-البريطانية والتي وقعت بعد أيام قليلة من قرار عصبة الأمم في ضم ولاية الموصل إلى العراق وتحديداً في 13/01/1926. غير أن هذا لا ينفي بأن بعض القوى والشخصيات السياسية البارزة في العراق خاصة القوميون منهم وحزب الإستقلال قد ساندت وأيدت مساعي بريطانيا في ضم الموصل إلى العراق ولكن هؤلاء لم يكونوا مشمولين بتقصي الحقائق من قبل اللجنة الثلاثية التي عينتها عصبة الأمم، بل شملت سكان ولاية الموصل فقط التي كانت في غالبيته من الكورد والتركمان والمسيحيين واليزيديين والشبك وأيضاً العرب وتحديداً في مدينة الموصل.

موقف العراقيين من مشكلة الموصل:
=========================
في الموصل وقف أشهر وأكبر العوائل الموصلية إلى جانب ضم الولاية إلى تركيا بدلا من العراق ولأسباب مختلفة منها دينية وسياسية وإقتصادية وشخصية، لا بل فقد كان لبعضهم إتصالات مع الإتراك وتسلموا منهم مساعدات مالية وكان البعض الآخر موظفون سابقون وضباط متقاعدون من العهد العثماني في حين كان أخرون مندفعين بتأثير العاطفة الدينية أو كرههم للإنكليز والجماعات المؤيدة لهم. ويذكر الدكتور فاضل حسين "بأن مصطفى الصابوني وهو من اشهر العوائل الموصلية وجماعته كانوا قد كتبوا مضبطة أرسلوها إلى الإتراك يطالبون بعودتهم إلى ولاية الموصل... وكانت هناك جماعة تؤيد الأتراك لأسباب سياسية ودينية وأكثرها من الجيل القديم وكانت تعتبر الإمبراطورية العثمانية رمز قوة الإسلام السياسية وقد شعروا بمرارة الهزيمة في الحرب العالمية الأولى كما لم يشعر به أي شعب آخر وقد أفتقدوا الخلافة مثلهم الأعلى الذي يقدسونه منذ وفاة النبي محمد" (د.فاضل حسين، مشكلة الموصل – دراسة في الدبلوماسية العراقية-الإنكليزية- التركية وفي الرأي العام، مطبعة إشبيلية – بغداد، 1977، ط3 – ص 235-236). (أرجو من القارئ الكريم أن يقارن هذا بفكر داعش في الخلافة الإسلامية). ويذكر الدكتور فاضل حسين أيضاً بأن العلاقات العشائرية والعائلية لعبت دوراً كبيراً في تحديد المواقف بين مؤيد ومعارض. فقد ذكر، وعلى لسان الدكتور جميل دلالي سكرتير حزب الإستقلال الموصلي، بأن موقف الصابوني كان هو وطبقة التجار في الموصل بسبب عداوتهم لـ "أل العمري" وضد السادة (آل النقيب وآل المفتي وآل الفخري) الذين أيدوا ضم الولاية للعراق وأن وقوف آل النجفي وآل كشمولة إلى جانب ضم الولاية لتركيا هو بسبب خصومتهم مع آل توحلة المؤيدين للحكومة العراقية (ص236). من هذا يظهر بأن المواقف المؤيد والمعارضة كانت مبينة على أسس قبلية وعشائرية ومصلحية وعائلية ولم يكن هناك أي إعتبار وطني أو قومي لضم الولاية للعراق.
 
أما بالنسبة للكورد، فأن الطبيعة العشائرية والدينية التي كانت تحكم سلوكهم السياسي ومن ثم خضوعهم للتوجهات العثمانية سواء بإنخراطهم في القوات النظامية أو عن طريق "قوات الخيالة الحميدية" والتي سميت بعد إنقلاب تركيا الفتاة عام 1908 بـ "القوات الخيالة الخفيفة" السيئة الصيت في حملات تشريد وإبادة الآشوريين والأرمن، ثم تحالف الكورد مع العثمانيين أبان الحرب الكونية الأولى ضد قوات الحلفاء الروسية والبريطانية، كل هذه الظروف مضافاً إليها عاملي الدين والطبيعة الجغرافية، جعلت غالبية الكورد أقرب إلى الإتراك وتركيا من أي كيان سياسي عربي مستقل في العراق وأن يتواصل عداؤهم للإنكليز حتى بعد إنتهاء معارك الحرب الكونية الأولى  ويقفوا ضد مسعاهم في بناء كيان سياسي موحد في العراق. فكان من الطبيعي أن يميل غالبية الكورد، بإستثناء قليل في السليمانية، إلى تفضيل ضم ولاية الموصل إلى تركيا بدلا من العراق. ولا يمكن أن نتجاهل بأن الكورد تاريخياً قد خضعوا طيلة تاريخهم في المنطقة إلى دول وحكام من عناصر آرية وتركو- مغولية مجوسية أو إسلامية أكثر مما خضعوا للعرب المسلمين أو لحكام غير مسلمين كالإنكليز مثلا. من هذا المنطلق، ليس غريباً أن يرفضوا الكورد خضوعهم ومناطقهم إلى حكم جديد يدار من قبل العرب والإنكليز "الكفار".
والحال لم يكن يختلف كثيراً  بالنسبة لتركمان العراق، لا بل كانوا بسبب اللغة والعنصر والثقافة والدين، أكثر تحمساً لضم ولاية الموصل إلى تركيا. إذن فليس عجباً أن يكون فتاح بك صهر الزعيم الكوردي المشهور الشيخ محمود وناظم النفطجي عميد أسرة النفطجي التركمانية المشهورة في كركوك رغم جنسيتهما العراقية ممثلين لولاية الموصل عند حكومة إنقرة وخبراء ضمن الوفد التركي أثناء مباحثاته مع لجنة التحقيق الثلاثية التي أوفدتها عصبة الأمم عام 1925 بخصوص مشكلة الموصل والذي سبب إحتجاج الإنكليز والحكام العراقيين على ذلك لكونهما يحملان الجنسية العراقية.

واليوم يعيد التاريخ نفسه، فموصل واقعياً لم تعد جزء من العراق السياسي بعد إحتلالها من قبل داعش وأن جميع القوى التي تشارك في عملية إسترجاعها وأن كانت متفقة على هذا الهدف إلا أن هناك إختلافات مذهبية وطائفية وقومية عميقة ومتجذرة لا تحلها عملية إسترجاع الموصل بل من المتوقع أن تزيد من عمقها وتصارعها خاصة بعد أن تصبح عملية توزيع غنائم الحرب وقوداً لتصعيد هذه الخلافات والصراعات. كما أن هناك تجاذبات سياسية إقليمية خاصة بعد تدخل تركيا وتعيد للأنظار مسألة مطالبتها بولاية الموصل أو بالجزء التركماني منها أو بإيجاد موطئ قدم لها وتوسيع مصالحها وترسيخها في المنطقة وتشكيلها كقاعدة لمواجهة إيران في أراض غير أراضيها.     

موقف المسيحيين من ضم ولاية الموصل للعراق:
=================================
أما بالنسبة للأطراف المسيحية في الولاية من الكلدان والسريان والآشوريين، فهناك تجاهل بقصد أو بجهل من قبل معظم الكتاب والمؤرخين ورجال السياسة والنظام السياسي في العراق عن هذا الدور المهم الذي لعبه المسيحيون في ضم ولاية الموصل إلى العراق. حيث كانت مواقفهم مختلفة تماماً عن الكثير من العراقيين في تحمسهم وتأييدهم لضم ولاية الموصل إلى العراق بدلا من تركيا. فكانت مواقف جميع الطوائف والكنائس والقوميات المسيحية متوحدة في هذه المسألة بعكس العرب والكورد التي تضاربت الأراء والمواقف بينهما. فبسبب المعاناة والمأساة والإضطهاد والتشرد والمذابح التي فرضت عليهم من قبل الإتراك في كلا العهدين العثماني والكمالي فأنهم وقفوا وقفة صريحة وقوية إلى ضم الولاية إلى العراق وذلك خشية من عودة الحكم التركي الإستبدادي إلى منطقتهم.  ولم يكن هذا الموقف مبني على الأراء والتصريحات التي أدلوا بها للجنة تقصي الحقائق الثلاثية فحسب بل أيضا كانت هناك عوامل سياسية وعسكرية أرتبطت بطبيعة القوى العسكرية والسياسية الفاعلة في النزاع.
عسكريا: في أعقاب تقويض الكماليين لأركان الحكومة العثمانية وإصدارهم الميثاق القومي لعام 1920 طالبوا بشكل صريح ومطلق بضرورة عودة الموصل وبكل السبل والوسائل إلى تركيا، فإستطاعوا بقوة السلاح أن يقفوا على أهبة الإستعداد للمطالبة بمركزهم القديم في الموصل فأثاروا  الكثير من القلائل  والإضطرابات في المنطقة وعن طريق تحريض بعد العشائر العربية والكوردية والتركمانية للثورة على الإنكليز "الكفرة". فخلال عام 1923 أحتل الأتراك مناطق واسعة من شمال العراق بما فيها مدينة راوندوز وذلك لغرض إحتلال بقية المناطق في الولاية أو بهدف خلق واقع عسكري يساعدهم على حسم النزاع دبلوماسيا لصالحهم. فأزاء هذا الواقع العسكري لم يكن أمام الحكومة العراقية الفتية من حل عسكري لإزالة الوجود التركي من شمال العراق سيما وأن جيش العراق الذي تأسس العام 1921 لم يكن قد أكتمل بناؤه أو أكتسب خبرة حربية خاصة في مناطق جبلية ووعرة، لذلك لم يكن حينذاك أمام بريطانيا، المسؤولة عن حماية كيان العراق، سوى الإعتماد على القوات الآشورية المحلية التي جندتهم في العراق التي كانت معروفة بـقوات "الليفي"، المتمرسة في حرب العصابات والجبال العاصية حيث أستطاعت في غضون أيام قليلة من طرد معظم القوات التركية من المناطق التي أصبحت عراقية بعد إقرار خط بروكسيل عام 1924. فكان هذا سبباً كافياً لظهور إقتراح يقضي بتبديل أسم قوات "الليفي" إلى قوات حماية الحدود، إلا أن المقترح لم ينفذ لأسباب دينية وأخرى مرتبطة بغيرة وإحتجاح بعض قادة الجيش العراقي حينذاك.

سياسيا: إضافة إلى تأثير طلبات معظم المسيحيين على تقرير لجنة تقصي الحقائق والذي خصص حيزاً كبيراً لمسألتهم ووضعهم في الولاية ومن ثم إنعكاس ذلك على قرار مجلس العصية في إعطاء الولاية إلى العراق بدلا من تركيا، فهناك مسألة سياسية مهمة أخرى  لعبت دوراً كبيرا في التأثير على قرار مجلس العصبة متعلقة بالآشوريون الذين شردهم الأتراك من موطنهم الأصلي في منطقة حيكاري جنوب شرقي تركيا أثناء الحرب، حيث كانوا قد أنتقلوا إلى المناطق التي أصبحت عراقية بعد رسم خط بروكسل وجزء من ولاية الموصل، هنا من الضروري جدا أن نعرف بأن الآشوريين الحكاريين لم يهاجروا من دولة تركيا إلى دولة العراق، كما يفسر البعض ولإغراض دنيئة، بل أنتقلوا ونزحوا بسبب الظلم والإستبداد العثماني من منطقة إلى آخرى ضمن بلاد ما بين النهرين لأن العراق لم يكن في تلك الفترة، أي وقت إنتقالهم 1917-1918 قائماً كدولة لها حدود جغرافية وسياسية بل كانت جزء من أراضي بلاد ما بين النهرين وخاضعة لسيطرة الإمبراطورية العثمانية. بعكس بعض العشائر الكوردية التي نزحت من دولة إيران إلى دولة العراق بعد تأسيسه بسنوات وأيضاً بعض القبائل العربية البدوية التي نزحت من صحراء شبه الجزيرة العربية وأستقروا في العراق بعد تأسيس كيانه السياسي  فأصبحوا مواطنون عراقيون من الدرجة الأولى، في حين أصبح الآشوريون في نظر الأنظمة العراقية غرباء نازحين من الخارج. أستغل البريطانيون المسألة الآشورية إستغلالاً كبيرا من أجل الفوز بولاية الموصل وضمها إلى العراق. فعندما قرر مجلس العصبة ضم ولاية الموصل إلى العراق كان قد تخلل ذلك مباحثات في الأروقة السرية بين المتنازعين. فقبول تركيا بقرار مجلس العصبة لم يكن فقط بسبب الإمتيازات المعروفة التي منحتها بريطانيا لتركيا والتي ذكرناها سابقاً، بل كان هناك أيضا تنازل عن الوعود الكثيرة التي قطعتها بريطانيا للآشوريين بضمان عودتهم إلى مناطقهم في حيكاري أو بضم هذه المناطق إلى العراق بعد تأسيس كيانها السياسي. فبين إصرار آشوريي حيكاري على العودة إلى مناطقهم ورفض تركيا، أستطاعت بريطانيا الخروج من هذا المأزق بالضغط على الآشوريين للتنازل عن طلبهم بالعودة إلى حيكاري مقابل وعود بريطانية وعراقية بتعويضهم عن طريق إسكانهم بين بقية الآشوريين في مناطق العمادية ودهوك وزاخو العراقية جنوب خط بروكسل. فأستغلت بريطانيا هذه المسألة قبل صدور قرار مجلس العصبة مدعية بضرورة ضم الولاية إلى العراق لغرض إسكان الآشوريين النازحين إليها من حيكاري ومنحهم الإمتيازات الدينية والدنيوية التي كانوا يتمتعون بها في الدولة العثمانية طالما لم تقبل تركيا لا بضم منطقة حيكاري إلى العراق ولا بقبول تركيا رجوع الآشوريين إلى أراضيهم في حيكاري. غير أن بريطانيا ورجال الحكم العراقي بعد فوزهم بولاية الموصل نكثوا بعهودهم في إسكان الآشوريين في وحدة متجانسة حسب توصية عصبة الأمم حيث تم توزيعهم، رغم رفض غالبية الآشوريين، على أراض متباعدة وبين الكورد والتي كانت في معظمها غير صالحة للزراعة والسكن وبعضها الآخر مبؤة بأمراض معدية كالملاريا، فإستمر الآشوريون مطالبتهم بحقوقهم المشروعة، مما تعقدت مسألتهم في العراق وطغت على السطح السياسي في الثلث الأول من القرن الماضي.

الأنظمة السياسية في العراق "تكافئ" المسيحين على دورهم في ضم الموصل إلى العراق:

--------------------------------------------------------
لم يمض على الدور الكبير الذي لعبه المسيحيون خاصة الآشوريين منهم في ضمن ولاية الموصل إلى العراق إلا وكافئتهم الأنظمة السياسية المتعاقبة على السطلة في العراق ومن ورائها بريطانيا. نعم كافأوهم بالتعامل الآستبدادي في معالجة مسألتهم ومطاليبهم رغم الدور الكبير الذي لعبوه في ضم ولاية الموصل إلى العراق وتعزيز حدوده الشمالي ... نعم كافأوهم بالإستبداد والظلم والمذابح حيث أرتكبت بحقهم في شهر آب من عام 1933 مذبحة في بلدة سميل القريبة من مدينة دهوك وراح ضحيتها ما يقارب 3000 آشوري. ولم تتوانى هذه الأنظمة التي تعاقب على السلطة في العراق خلال العقود التي تلت تأسيس دولة العراق، مهما أختلفت في شكلها ولكن أتفقت في توجاهاتها وسياساته. ففي زمن البعث أرتكبت مذبحة أخرى بحقهم في قرية صورية الكلدانية عام 1969 وتلا ذلك تدمير قراهم وكنائسهم في المناطق التي كانت جزء من ولاية الموصل وتشريدهم وإعتقال وإعدام رجال السياسة والكنيسة فكانت حصة المسيحيين من الإغتيالات والإختطاف بعد عام 2003 أكبر بكثير من غيرهم وعلى رأسهم الشهيد فرج رحو مطران الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في الموصل وغيره من رجال الكنيسة وتدمير كنائسهم وأدرتهم. ومجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد وصمة عار في تاريخ العراق السياسي. أستمر الظلم والإستبداد على المسيحيين في العراق سواء على المستوى الإرهابي أو القانوني حتى يومنا هذا وليس قانون بطاقة اللاوطنية الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة بل كان هناك حلقات تمثلت في  سلب ممتلكاتهم ونهب أملاكمهم والتجاوز على أراضيهم وإحتلالها وتغير ديموغرافيتها. ويظهر من الممارسات والإفكار الإستبدادية لرجال الحكم والسياسية في العراق وفي ظل النظام الطائفي والمحاصصي وسيادة الفوضى بأن الآتي سيكون أكثر عنفاً وظلما على المسيحيين. فاليوم تعود الموصل إلى مسرح الأحداث الدراماتيكية  وبطلها داعش أبناء وأحفاد الإستبدادين والمتطرفين من رجال الحكم والسياسة في العراق ليكمل إفناء الباقي من وجود المسيحيين في الموصل  فيستمر الإستبداد والتشريد ضد المسيحيين في هذه المنطقة والتي توجت هذه المأساة بالأعمال الإجرامية لداعش في تشريد معظم المسيحيين من مناطقهم التاريخية في سهل نينوى.

ولكن مهما تكن قسوة هذه المعاناة والمظام فإن المسيحيين في العراق وبجميع تنظيماتهم السياسية والدينية يحاولون إزالة الحواجز السياسية والنفسية التي خلفتها سلبيات تاريخ العراق السياسي كضمان أولي وأساسي لوحدة الشعب العراقي بمختلف قومياته وأديانه وكركيزة جوهرية صلدة لإستقرار الأمن والسلام في العراق الموحد، وهو الأمل الذي ينشده المسيحيون وغيرهم من الأقوام والديانات الأخرى في العراق المحبة للسلام والتسامح. ولكن الخوف، وكل الخوف هو أن لا يكون الإنتظار لتحقيق هذا الأمل على أرض الواقع كإنتظار كودو في مسرحية صموئيل بيكت!!.   





43
إلى الصديق القديم – الجديد خوشابا سولاقا... مع التحيات
ومع بعض الأفكار عن الردود الإنترنيتية والهجرة وتناقض الأفكار
=====================================
أبرم شبيرا

عزيزي وصديق العمر خوشابا سولاقا... تحياتي أولاً وأخيراً:

تعرف جيداً يا صديقي بأنني قلما أرد، أو بالأحرى لا أدخل في النقاشات الإنترنيتية عن طريق الرد على ما تعلق أنت عليها وغيرك من الأصدقاء الطيبين على ما أنشره وبالنتيجة، بسبب سوء الفهم من قبل البعض، نعتوني بصفات كالغرور والتكبر وعدم الإكتراث وإحترام القراء ولكن أنت كصديق قديم - جديد هو سيد العارفين، بأنني بعيداً جداً عن هذه الصفات وفي أحيان كثيرة دافعت أنت ونفيت عني مثل هذه الصفات. ولكن هذه المرة "تكرم عيونك" يا أبو نورام أكتب هذه السطور لتوضيح ما كتبته في تعليقك على مقال الأخ الصديق بطرس نباتي المتمم لموضوعي (الدون كيشوت المسيحي يحارب الشياطين في العراق) وأعترف بأنك نجحت في سحبي نحو الدخول في مثل هذه الحوارات الإنترنيتية التي في الحقيقة لا أراها مفيده إلا القليل منها وبعضها يستوجبها التوضيح أكثر وهذا هو مقصد هذه السطور، لأن في معظمها (أكرر معظمها وليس جميعها) لا تمت بصلة إلى صلب الموضوع ومغزاه أو هي مسائل شخصية وفرصة لتصفية الحسابات أو مصدرها هو سوء فهم مقصد الموضوع. وتعليقك على مقالة الصديق بطرس نباتي والملحق أو الموضح لموضوعي هو كنموذج على ماذكرته حيث كنت أرغب أن يكون تعليق ملحق بتعليقك لمقالة الأخ بطرس نباتي إلا أنني وجدت في طوله سبب لنشره بشكل مستقل.

قبل كل شيء، موضوعي هو عن الجهود غير المثمرة لممثلي "المكون المسيحي" في "نضالهم" ضد زمرة الطائفية والحقد والكراهية المتربعة على السلطة ومقدرات العراق والتي لا تأتي بنتيجة فالواقائع ثبتت وتثبت بأن أمور ووضع أمتنا في الوطن تسير نحو الأسوء فالأسوء، وكل الدلائل تشير بأننا قادمون نحو كارثة إذا أستمرت الأمور السياسية الظالمة والمحجفة بحق أمتنا على نفس المنوال وبدون تغير. ليس من شيمي وإخلاقي، وأنت سيد العارفين، بأن أحط من قيمة شخص أو أوجه إهانة شخصية له خاصة للمنخرطين في المسائل القومية بل كل ما هو بيان عيوب وعدم جدوى أساليب عملهم السياسي. وهذا كان مقصد موضوعي. فهناك فرق كبير بين الشخص وأسلوبه في العمل ولكن مع الأسف لا يعرفه البعض الذي يعتقد بأن إنتقاد أسلوب العمل هو إهانة للشخص. كما أن أخذ مثال "الدون كيشوت" ليس إستهزاءاً أو إزدراءاً بهم كما يعتقد البعض، فمن يقرأ رواية الأديب الإسباني ميغيل دي تيربانتس سابيدرا عن شخصية (دون كيشوت  لامانتشا) سيجد بأنها شخصية بسيطة نقية وطيبة ومثالية وطموحة يسعى في حروبه مع الشياطن إلى خير الناس لتخليصهم منهم ولكن لم يوفق لأنه لجأ إلى أساليب مثالية خيالية غير مجدية في نهاية الأمر، فهكذا هو حال ممثلي "المكون المسيحي" في حروبهم ضد شياطين في العراق.

هذا كان مقصد موضوعي وهو واضح وضوح الشمس للعقول المتنورة. ولكن من المؤسف ما كتبته يا صديقي عن الهجرة وموقفي منها والمرتكز على حالة شخصية وجلسة شخصية ليس له علاقة إطلاقاً بصلب الموضوع أعلاه ولا بموضوع الصديق بطرس نباتي. لا بل والأكثر إستغراباً هو ذكرك (بأنني والأخ ولسن يونان الإعلامي المعروف كنًا نؤيد الهجرة وترك العراق بحماس شديد لأن بقائنا فيه لا أمل من ورائه وكنا متحمسان لهذا الرأي) فهذه ليست مغالطة كبيرة يا صاحبي خوشابا فحسب بل مصدر إستغرابي الكبير عن كيفية فهمك لرأيي في موضوع الهجرة. هذا الحماس الذي تنعتي به لا أعتقد هو سلوك أو فكر أي إنسان له ذرة من الوعي القومي الصحيح وأنت سيد العارفين بمدى حبي لهذه الأمة وإرتباطها بأرض الوطن كمقوم أساس لوجودها وإستمرارها نحو أماد أبعد. أن موضوع الهجرة كنت قد كتبت عنها بحثاً مطولاً وحاضرت عنه في منتصف التسعينيات من القرن الماضي في سوريا وشمال العراق مؤكداً بأن الهجرة هي عاصفة هوجاء مدمرة لا يستطيع أي شخص كائن من كان ولا أية مؤسسة قومية أو دينية مواجهتها والحد منها أو إيقافها في الوقت الحاضر وفي المستقبل المنظور. وكان أبينا السامي مار لويس روفائيل ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية قد أصاب كبد الحقيقة عندما قال (لا نقف ضد الهجرة ولكن لا نؤيدها) هذا الفهم العميق للهجرة  والعجز عن الوقوف ضدها مبني على معرفة عميقة لواقع مجتمعنا في الوطن ونحن نعرف الكنيسة هي أكثر المؤسسات تضرراً من الهجرة خاصة الكاثوليكية منها. هذه الحقيقة لا يستطيع أحد أن ينكرها إلا الذي يسبح في غيوم السماء. ولكن مع هذا فأن علينا أن نواجهها بأساليب تحد من نتائجها المدمرة خاصة في مجتمعنا في المهجر والتعامل معها بأساليب منطقية وواقعية. وقد شبهت الهجرة في بحثي المنوه عنه بسم الأفعى الذي هو شديد السمية وقاتل للبشر ولكن الخبراء يستطيعون التعامل معه في مختبرات طبية ويستخلصون منه أدوية مفيدة جداً في علاج الأمراض المستعصية. والحال نفسه مع نبات العاكول الصحراوي الذي له أشواك حادة ومؤلمة يصعب قطفه ولكن يستخلص منه أدوية مفيدة جداً للكثير من الأمراض. هكذا هي الهجرة سم قاتل وأشواك مؤلمة لكن يمكن التعامل معها بحذر ومن قبل "الخبراء" لإستخلاص منها نتائج مفيدة لمجتمعنا في المهجر.

فأي من أبناء أمتنا عندما يهاجر الوطن ويستقر في المهجر يصبح أمر رجوعه إليه مستحيلاً وإمطاره بوابل من الوعظ والنصائح ومن خطورة المهجر والإنصهار فيه لا يجدي نفعاً ولا تستطيع تغيير حاله. في المهجر المجالات مفتوحة وبشكل واسع أمام المهاجر وبكل جوانب الحياة السلبية المدمرة والإيجابية البناءة فالمهمة أو الواجب القومي لأبناء أمتنا ومؤسساتهم وأحزابهم في المهجر هو التركيز على الجوانب الإيجابية وليس السلبية، مع عدم تجاهلها، أو الدخول في حروب دون كيشوتية في "تحرير آشور". فبهذه الطريقة أي التركيز على الجوانب الإيجابية بما فيها تقوية المؤسسات ومساندتها وتشجيع أبناء أمتنا لإقتناء العلم والثقافة والإنخراط في السياسية المحلية ومحاربة العشائرية والطائفية والشللية المستشرية في المهجر والإستفادة من الأجواء الديموقراطية الصحيحة، هي الحروب الحقيقية والنضال الصحيح لأبناء أمتنا ومؤسساتهم القومية في المهجر وليس في "تحرير آشور" أو قدوم أشخاص من المهجر لغرض الترشيح للإنتخابات البرلمانية في العراق. فهذا النضال الإيجابي من المؤكد سيكون عامل قوي في دعم وإسناد نضال شعبنا في الوطن. لكن من المؤسف نرى بأن الكثير من المتزمتين في معارضة الهجرة ومحاربتها بأسلحة دون كيشوتية أو حتى بدون أي أسلحة لا يميزون بين هاذين الجانبين، السلبي والإيجابي للمهجر. فمثل هؤلاء لهم عيون أكثر قوة من ستة/ستة في تشخيص الجانب السلبي والتركيز على الأمراض الإجتماعية والفكرية لأبناء أمتنا ولكن في نفس الوقت مصابون بعمى الجانب الإيجابي مثلما يصاب الإنسان بعمى الألوان.  هذا هو رأيي المبدئي عن الهجرة، أي كيفية التعامل مع مجتمعنا في المهجر ويجب أن لا يفهم منه بأنني أؤيد الهجرة وأناشد أبناء أمتي ترك الوطن كما تزعم كما يجب أن يفهم بأن رفضي أعتبار أبناء أمتنا في المهجر مشردين ضائعين لا عمل له ولا شغل بل علينا تشجيعهم على الإنخراط والتكامل مع الحياة في المهجر ومتطلباتها والسعي نحو العلم والثقافة لأن بلد المهجر أصبح بالنسبة لهم من الناحية القانونية والواقعية وطناً لهم، فهذا كله لا يعني إطلاقاً بأننا نؤيد الهجرة.

لنأخذ مثال حياً وقريباً وهو الإتحاد القومي الآشوري الأمريكي والكونفنشن الذي ينظمه في كل سنة. هذه المؤسسة القومية تعتبر من أعرق المؤسسات القومية وأقدمها وأكثرها إستمراراً وثبوتاً حيث كما نعرف بأنه تأسس عام 1933 عقب مذبحة سميل. هذا جانب إيجابي جداً لأن مجتمعنا سواء في الوطن او المهجر يفتقر إفتقاراً مدقعاً على الإستمرار والتواصل لمؤسساته التي هي التعبير الرسمي لوجود الأمة وإستمرارها وتواصلها ولكن مع هذا يجب أن نقول الحقيقة بأن ليس هناك إطلاق أو مثالية في هذه المؤسسة وليست بمستوى الطموح القومي ولكن هذا هو الموجود وأحسن مليون مرة من لا شيء. أما بالنسبة للكونفينشن فأنه مهما صرخنا في وجهه بسبب سلبياته فأنه يبقى المناسبة الفريدة من نوعها في مجتمعنا، سواء في الوطن أم في المهجر، التي تستطيع أن تجمع ألاف من أبناء أمتنا تحت سقف واحد ولعدة أيام وبنشاطات مختلفة ومتنوعة ولمختلف الأعمار خاصة الشباب منهم. ولكن من المؤسف بأن البعض لا يفهم هذه الحقيقة ويصب جام غضبه على الجوانب السلبية منه دون النظر أو تجاهل للجوانب الإيجابية ويسعى لتحطيمها. فالنأخذ الكونفينشن الأخير الذي أنعقد في عاصمة ولاية أروزونا – فينيكس – الولايات المتحدة، في بداية شهر أيلول الماضي الذي أعتبره أنجح كونيفنشن حضرته خلال السنوات العديدة الماضية. فكان بحق وحقيقة كونفينشن شبابي بكل معنى الكلملة من حيث الحضور الذي أعتقد كانت نسبتهم تقارب 75% من الحاضرين أو من حيث النشاطات والسلوكيات السليمة والهدوء والإحترام بين الجميع. رأى البعض بأن لهو ومرح الشباب والشابات على جوانب حوض السباحة في الفندق الذي أقيم فيه الكونفينشن "عار على أمتنا" لأنهم كانوا يرقصون الدبكات الآشورية بملابس السباحة المعهودة والسائدة في الغرب ولم يرتدوا ملابس تراثية أو "لباس إسلامي شرعي للسباحة" فهي ملابس السباحة السائدة في الغرب وحتى في الشرق، لا بل كانت هي السائدة قبل قيام "الديموقراطية والتعددية والبرلمانية" العظيمة في العراق. فهؤلاء الشباب عناصر مثقفة وناجحة في حياتهم الشخصية والعملية وليسوا مشردين في الشواع أو يموتون من الجوع ويأكلون من الزبالة، كما يدعي البعض، وإن كان هناك نفر قليل من هذا القبيل، ولكن لنتجب المثالية ونلجاً إلى الواقعية ونؤكد بأننا مجتمع متكامل فيه كل الجوانب السلبية والإيجابية والمقارنة بين الجانبين هي نسبية ومرتبطة بتطور المجتمع والزمن. 

هذه الممارسة قد نتفق معها أو نعارضها وحسب ثقافة ونوعية معيشة الإنسان ونمط حياته، ولكن لنعلم جيداً بأن نفس هؤلاء الشباب والشابات هم نشطاء في المجالات القومية والثقافية والفكرية لا بل البعض منهم كانوا من أعضاء منظمة "كشرو" النشطة التي تحاول ربط شباب المهجر بأرض الوطن من خلال الزيارات السنوية لشمال الوطن ومن منظمة الشباب والطلبةالآشوري النشيطة جداً وكان من بينهم أيضا من يحمل شهادات دكتوراه في مختلف المجالات العلمية ومن أرقى الجامعات الأمريكية وليست شهادات من سوق مريدي التي يحملها الكثير من "قادة" العراق وبعض من أبناء أمتنا والتي تناقش في المطاعم والمقاهي والفنادق. وما يجعلني أكثر فأكثر في أعتبار هذا الكونفينشن ناجحاً بكل المقايس وخاصة الشبابية منها، ليس فحسب إستلام هيئته الإدارية الجديدة مجموعة شباب وشابات مثقفة جامعية ومعظمهم نشطاء في مختلف المجالات القومية، بل كان إعجابي الكبير بالندوات والحلقات الدراسية المثيرة جداً التي عقدوها في الكونفينشن. حيث حضرت وراقبت عن كثب أثنين من هذه الحلقات التي أثيرت إهتمامي أيما أهتمام وأعجبتني إيما إعجاب بالمواضيع القومية الحساسة المطروحة للنقاش، كمصير وجودنا في المهجر، ووسائل تعليم لغة الأم والحفاظ عليها في المهجر وعلاقة المهجر بالوطن... ألخ. لا بل كانت حلقات أتصفت بقمة التنظيم والإدارة والإلتزام بالوقت وأحترامه وسيادة النقاشات العلمية الهادئة بينهم مبنية على الإحترام والهدوء والتفاهم والتي فاقت كثيراً جلسات وندوات أحزابنا السياسية القادمة من الوطن التي سادها "الخربطة" في إدارتها والصراخ وعدم الإحترام بين المتحاورين، ومن حضرها غيري شاهد على ما أقوله.
هناك نقطة مهمة أشير إليها بإختصار شديد لأنها يتطلبها صفحات مطولة لتفصيلها وهي عجز مجتمعنا ومؤسساته في المهجر من القيام بنشاط ضاغط أو تأسيس لوبي فعال مساند لقضية شعبنا في الوطن، وفعلاً كان هناك مثل هذا اللوبي وحالياً يحاول البعض تأسيس غيره ولكن لنعرف جيداً بأن نشاطها سيذهب أدراج الرياح لأن مثل هذا النشاط يجب أن يكون مرتبط بقضية شعبنا في الوطن ويتناسق ويرتبط بها. فطالما قضيتنا القومية في الوطن غير واضحة وليس لـ "أبطالها" خطاب سياسي موحد لكي يستخدمها اللوبي لتوضيحها على الجهات الحكومية في المهجر ويضغط عليها لنيل دعمها تصبح جهود اللوبي كله ضائعة ومن غير نتيجة. فرسالة اللوبي في الغرب هي إنعكاس لرسالة "الاخوة الأعداء" في الوطن. إذن فمن هو الملام؟؟.   

أرجو المعذرة عن إطالتي في هذا الموضوع لأنه في الحقيقة يعتبر الجانب إيجابي في كيفية التعامل مع الهجرة وفهم مجتمعنا في المهجر، ومن هذا الجانب أفهم حقيقة الهجرة وكيفية التعامل مع نتائجها. أما القول يا أخي خوشابا، باني كنت متحمساً للهجرة وتشيجع أبناء أمتي لترك الوطن إلى الخارج فهذه مخالطة كبيرة إن لم تكن خطيئة بحقي. أكرر أعتذاري من الإطالة بعض الشيء في هذا الموضوع لكن الغرض منه هو بيان بأن بمجرد أن نتحدث عن الهجرة وكيف التعامل معها وعجزنا من منعها أو عدم التهجم على المهاجرين اوتجريحهم بأوصاف غير إنسانية فهذا لا يعني بأننا نؤيدها وندافع عنها كما يعتقد البعض.

صديقي العزيز، حاولت جاهداً أن أجد التناقض في موضوعي المذكور أعلاه والتي تقول أن التناقض صفة في أفكاري وكتاباتي عن جلساتنا "الشخصية" فلم أجده وأعتقد أيضا أنت لم تجد فيه أي تناقض لذا لجأت إلى الجلسة الخاصة مع بعض "رفاق الأمس" وأتهمتني بتشجيع الهجرة المتناقض مع أفكاري القومية. ولكن ما ذكرته في أعلاه عن كيفية فهمي للهجرة قد يكون كافيا لفهم الحقيقة وأفكاري غير المتناقضة وبالتالي لا يستوجبها التوضيح أكثر طالما مثل هذا الفهم لا يتناقض مع أفكاري ووعي القومي لواقع أمتنا في الوطن والمهجر. فحال وجودي في المهجر لا يبعدني فكرياً إطلاقا عن الوطن ولا جسدياً لأن إتصالي مستمر ودائم مع أكثرية النشطاء على أرض الوطن وزياراتي لأكثر من مرة في السنة إلى الوطن واللقاء بأحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية وبالنشطاء القوميين والمفكرين والمثقفين وتنظيماتهم هم مصدر أفكاري وأستمد منهم وعي القومي الذي بموجبه أعمل وأفكر وأعقد الصلات مع غيري لكي أزيد وأقوي روابطي بأرض الوطن وبأبناء أمتي هناك وفي المهجر أيضا.

أرجو أن لا أكون قد أضعت وقتك الثمين في قراءة هذه السطور التي فرضتها عليً لكي أكتبها لك ولكن أقول صراحة بأنني أشعر بأنها ضاعت من وقتي الذي كان مخصص لكتابة موضوع جديد حول مشكلة الموصل التي يحتدم حولها الصراع العسكري الدموي في هذه الأيام، ولكن مع هذا تكرم عيونك يا أبو نورام الورد تستاهل أكثر من هذا الوقت.   




44
الدون كيشوت المسيحي يحارب الشياطين في العراق
===============================

أبرم شبيرا

اليوم معركة الدون كيشوت المسيحي ضد الشيطان في العراق حول قرار البرلمان العراقي بتحريم بيع الخمور محتدمة على أشدها وعلى مختلف المستويات، أعضاء الكتلة "المسيحية" وأحزابهم وكتابهم ومثقفيهم وسياسيهم وأيضا معظم مواقعهم الألكترونية. وبالأمس كانت المعركة أيضاً على أشدها فيما يتعلق بموضوع قانون البطاقة اللاوطنية والتي لازالت نيرانها مشتعلة ومتداخلة مع معركة اليوم. وبعد أمس كانت المعركة من طراز آخر قائمة ضد إبتلاع بعض القوى السياسية حق المسيحيين الكامل من الكوتا الخاصة بهم. ولو ذهبنا قليلا أبعد نرى بأن الحروب القائمة على مفهوم "ضد المجهول" أو تحت مسماة رنانة دراماتيكية مثل "محاربة الإرهاب" وهم الأرهاب بذاته، كانت أكثر مأساوية ودموية إبتداءاً من مجزرة سيدة النجاة فصعوداً نحو تشريد المسيحيين من مناطقهم في البصرة والعمارة والدورة وبغداد وموصل وخطف وإغتيالات رجال الدين وفي مقدمتهم الشهيد المطران فرج رحو، رحمه الله في فسيح جناته. أما معارك التغيير الديموغرافي والتجاوزات على أراضي شعبنا في مناطقه التاريخية فلها طابع آخر مرتبط بقلعه من جذوره وتشريده في أركان الدنيا من دون أرض أو أساس تاريخي للأباء والأجداد. والحديث عن جحيم داعش وما قبله من مذابح الأنفال وصورية وسميل وسيفوا كلها حلقات متشابه في مضمونها ضمن سلسلة مترابطة رسم تاريخ العراق الدموي وبشكل واضح وجلي. من يعتقد بأن من أقر ووافق على قانون تحريم الخمور والبطاقة اللاوطنية وبالعي الكوتا المسيحية ومرتكبي مذابح سيدة النجاة وصورة وسميل ومجرمي داعش مختلفون فهو واهم مثل الواهم الذي يضع الفرق بين (حسن كجل وكجل حسن). إعتذاري الشديد من أسم حسن المستخدم في هذا المثل العراقي.

لقد دخل أباؤنا وأجدادنا معارك كثيرة ضد الظلم والإستبداد، وأن كانت في معظمها خاسرة عسكريا إلا أنها كانت معارك لها نتائج مرتبطة بالوجود والثبات لأنهم دخلوها بكرامة وعزة النفس وعبر ساحات مختلفة عن ساحات مضطهديهم وبأسلحة وأفكار وأهداف مختلفة ميزتهم عن غيرهم من عدة نواحي دينية وقومية وحضارية وإنسانية فكانت وأصبحت الأساس الذي أعتمد عليه وتواصل معها وجودنا التاريخي في أرض الأباء والأجداد وحتى يومنا هذا. ولكن مما يؤسف له أن "أبطال" معاركنا في هذه الأيام يدخلون المعارك من نفس ساحات مضطهديهم ومستخدمين أسلحة "فاشوشية" غير قادرة على مقاومة  قوة وسطوة شياطين الطائفية والحقد والكراهية وتكفير المختلف. أمر يعرفه أجهل الجاهلين بأنه عندما يجلس عضو برلمان مسيحي تحت نفس القبة مع زعماء الطائفية والحقد والكراهية والتكفيرية فأنه لا محال منه مهما أختلف عنهم وأعترض على قرارتهم فأن الحكم النهائي هو للـ "الديموقراطية" العراقية، الأول من نوعها في تاريخ الفكر السياسي. فالخضوع لحكم الأكثرية الإستبدادي أمر يقره نظام البرلمان العراقي وديموقارطية العراق الطائفي. لهذا لا مفر أمام "ممثلي" شعبنا المسيحي إلا الخضوع المهين لقرار الأكثرية سواء صوتوا ضده أم كانوا معه، فالأمر سيان في كلا الحالتين.

من هذا المنطلق فأن كل الحروب التي دخلها المسيحيون في العراق كانت خاسرة وكانت خسارتها معروفة مسبقاً. واليوم الحالة تتكرر نفسها مع نفس سلسلة الإضطهاد التي يستخدمها البرلمانيون زعماء الطائفية والحقد والكراهية في ضرب المسيحيين في العراق وقلعهم من جذورهم التاريخية وحضارتهم العتيدة. وكل الدلائل الفكرية والسياسية تؤكد بأن السلسلة لا تتوقف عند بطاقة اللاوطنية وتحريم الخمور، بل إنطلاقاً من هذه الدلائل فمن المتوقع جداً بأننا سنرى يوم غد تشريع يحرم المسيحيين من تسمية أبناؤهم وبناتهم بالأسماء المسيحية أو الحضارية ومنع السفور على النساء المسيحيات وفرض الحجاب والبرقع عليهم، لا بل وتحريمهم من قيادة السيارات وإختلاط الجنسين في المدارس والأماكن العامة. وليس مستبعداً أبداً أن يصبح موضوع فرض الجزية وإعتبار المسيحيين ذميون، ليس لأن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع في العراق بل لأن الطائفية الممقوتة وتكفير المختلف  مبادئ أساسية متمركزة في فكر المتسلطين على الحكم والسياسة في العراق ويحكمون الأمور طبقاً لها وعلى الآخرين أن يخضغوا لها.

أنه من المؤسف أن نقول بأن كل الحروب التي يخوضها المسيحيون ممثلين ببرلمانيوهم فيما يخص موضوع تحريم الخمور هي حروب خاسرة حالها مثل حال حروب ضد البطاقة اللاوطنية وغيرها من التشريعات والسياسات  والممارسات الإستبداية بحق المسيحيين طالما هم جالسون بجانبهم على نفس كراسي البرلمان وتحت نفس القبة ويستخدمون نفس الأسلحة "الفاشوشية" ويلعبون في نفس ساحتهم الحربية. وبإختصار العبارة نقول وبملئ الفهم بأن جهودهم ضائعة بين أمواج العاصفة الطائفية الإستبدادية وأنهم يسبحون بعكس التيار الجارف، ولا محال لهم، إن كانوا صادقين في عملهم ويسعون إلى خير هذه الأمة، إلا ترك ساحة الإستبدادية وترك البرلمان والخروج منه نحو أبناء أمتهم والجلوس تحت قبة الوحدة القومية والدينية وهو ما دعينا إليه سابقا إلى تشكيل (المجلس القومي للكلدان السريان الآشوريين) من جميع "ممثلي" شعبنا في البرلمانين المركزي والإقليمي هذا على الجانب القومي السياسي وأيضاً على الكانب الديني الكنسي تشكيل (المجلس الأعلى للمسيحيين في العراق) من رؤساء جميع كنائسنا المشرقية في العراق... ولكن، كما قال ذات يوم أحد أصدقائي عندما طرحت مثل هذا المقترح (بالمشمش – كما يقول المصريون) ولا يخرجون من هذا المشمش إلا عندما تكون المصالح الشخصية والتحزبية والطائفية المسيطرة على نشاطاتنا السياسية والدينية أضعف من عوامل الحب والتفاني والإخلاص لهذه الأمة ولكنائسها المشرقية.

وفي الأخير، رغم أن هذا الموضوع مطروق في السباق إلا أنه أرتئينا أن نعيده ولكن  بصيغة وأسلوب آخر فوجدت في موضوع كتاب دون كيشوت للكاتب الإسباني ميجيل دي سيرفانتش (1547-1616) والذي كتبه في عام 1605 ميلادية حالة دراماتيكية لحروب وهمية تشبه في جوانب منها حروب "ممثلي" أمتنا في البرلمان العراقي. ولتجنب الإطالة وجدت في ملخص رواية دون كيشوت التي كتبها الأديب والشاعر عماد تريسي سبيلاً للإختصار.

دون كيشوت الرجل الذى حارب طواحين الهواء معتقدا بأن الشياطين تسكن فيها. فهو رجل نحيف طويل قد ناهز الخمسين - بورجوازي متوسط الحال يعيش في إحدى قرى إسبانيا في القرن السادس عشر , لم يتزوج، ومن كثرة قراءاته في كتب الفروسية كاد يفقد عقله و ينقطع ما بينه و بين الحياة الواقعية ثم يبلغ به الهوس حداً جعله يفكر في أن يعيد دور الفرسان الجوالين و ذلك بمحاكاتهم والسير على نهجهم حين يضربون في الأرض و يخرجون لكي ينشروا العدل وينصروا الضعفاء، ويدافعوا عن الأرامل و اليتامى والمساكين فأعدَّ عدته للخروج بأن استخرج من ركن خفيٍّ بمنزله سلاحاً قديماً متآكلاً خلَّفه له آباؤه فأصلح من أمره ما استطاع، وأضفى على نفسه درعاً، ولبس خوذة و حمل رمحاً وسيفاً وركب حصاناً أعجف هزيلاً. وانطلق على هذه الهيئة شأن الفرسان السابقين الذين انقرضوا منذ أجيال .ثم تذكر وهو سائر في طريقه فرحاً مزهواً أن الفارس الجوال لا بد له من تابع مخلص أمين، فعمد إلى فلاح ساذج من أبناء بلدته و هو سانشوبانزا  ففاوضه على أن يكون تابعاً له و حاملاً لشعاره و وعده بأن يجعله حاكماً على إحدى الجزر حين يفتح الله عليه ، وصدَّقه سانشو ووضع خرجه على حماره و سار خلف سيده الجديد.

معركة طواحين الهواء :
 
 أول المعارك التي سعى هذا الفارس الوهمي إلى خوضها كانت ضد طواحين الهواء إذ توهم  ولم يكن قد شاهد مثلها من قبل  أنها شياطين ذات أذرع هائلة و اعتقد أنها مصدر الشر في الدنيا، فهاجمها غير مصغٍ الى صراخ تابعه وتحذيره ورشق فيها رمحه فرفعته أذرعها في الفضاء ودارت به ورمته أرضا فرضَّتْ عظامه .

معركة الأغنام :
 
ثم تجيء بعد ذلك معركة الأغنام الشهيرة، فلا يكاد دون كيشوت يبصر غبار قطيع من الأغنام يملأ الجو حتى يخيل إليه أنه زحف جيش جرار، فيندفع بجواده ليخوض المعركة التي أتاحها له القدر ليثبت فيها شجاعته ويخلد اسمه و تنجلي المعركة عن قتل عدد من الأغنام وعن سقوط دون كيشوت نفسه تحت وابل من أحجار الرعاة التي رموها بها فيفقد فيها بعض ضروسه .
و تتوالى مغامرات دون كيشوت الذي يجرجر وراءه تابعه المغلوب على أمره وتتوالى هزائمه في كل المعارك التي خاضها وهو في كل مرة يدرك أنَّه قد هزم بالفعل، و لكنَّه لا يفسر الأمر على الوجه الصحيح فيرجعه عن جنونه، إنما يفسره على أن خصومه من السحرة قد أرادوا حرمانه من نصر مؤكد فمسخوا بسحرهم العمالقة الشياطين الى طواحين هواء و مسخوا الفرسان المحاربين إلى أغنام ....
هذه القصة قدمت الصراع الدائم بين الخير والشر- الحياه و الموت -الواقعية و المثاليه، و بين واقع عملي نفعي يفرض وجوده على البشر فدون كيشوت كان قصده الأصلي أن ينشر الحق و العدل والقيم النبيلة،  لكنه سار فى الطريق الخطأ وهو طريق الأوهام و انتهى عمله إلى لا شيء، وتحولت الأمور إلى الأسوأ .بينما تابعه سانشو بانزا يمثل الواقعية التي تطلب الفائدة الملموسة و النفع القريب .
والرواية تبيِّن كيف أنَّ الإنسان يمكن أن يتصارع مع أوهام و خرافات، وهو مؤمن بها و في النهاية لا يكسب شيئاً، بل يخسر أشياء كثيرة منها حياته.
-----------------------
وأخيرا، المثل يقول بأن الإشارة تكفي اللبيب، ولكن هنا أقول من خلال سردي مختصر لقصة الدون كيشوت بأن الإنسان البسيط تكفيه هذه الإشارة ليفهم المقصد.






45
كنيسة المشرق الآشورية بين الهرطقة والوحدة القومية
===================================

أبرم شبيرا

مدخل:
----


مدخل الموضوع هو من جانبين متعاكسين بل متناقضين. الأول هو إنعقاد الجمعية العمومية لمجلس كنائس الشرق الأوسط في عمان/ الأردن للفترة من 6-8 أيلول 2016 و بغياب... نعم بغياب مزمن لكنيسة المشرق الآشورية، بل الأصح نبذ عضويتها ورفض قبولها في المجلس. والثاني هو رسالة قداسة مار كوركيس الثالث صليوا بطريرك كنيسة المشرق الأشورية في العالم الكلي الطوبى المؤرخة في 28 أيلول 2016 والموجهة إلى رئاسات الحكومة العراقية حول طلب إدراج أسم السريان في الدستور العراقي.
 
إلى متى يا مجلس كنائس الشرق الأوسط؟
--------------------------------------

نعم ... ثم نعم... السؤال يبقى فارضاً نفسه لزمن يقارب من ستة عشر قرناً: إلى متى تبقى كنيسة المشرق الآشورية كنيسة هرطوقية بنظر مجلس كنائس الشرق الأوسط والأصح بنظر الكنيسة القبطية؟. فقبل الدخول في التفاصيل، نقول لمن لا يعرف عن هذا المجلس بأنه  تأسس عام 1974 ومقره في بيروت والعضوية فيه هي على شكل مجموعات كنسية عائلية تضم أربع مجموعات وهي (1)- عائلة الكنائس لأرثوذكسية ويطلق عليها في بعض الأحيان بالبيزنطينية وتشمل أربع كنائس وهي كنيسة أنطاكية للروم الأرثوذكس وكنيسة الروم الأرثوذكس في القدس وكنيسة الروم الأرثوذكس في قبرص وكنيسة الأسكندرية وسائر أفريقيا للروم الأرثوذكس. (2) – عائلة الكنائس الأرثوذكسية الشرقية اللاخلقدونية والمعروفة بـ "المنوفستية" وتشمل ثلاث كنائس وهي القبطية والسريانية الأرثوذكسية والأرمنية الأرثوذكسية وفي بعض الأحيان يضاف إليها الكنيسة الحبشية والأريتيرية. (3)- عائلة الكنائس الإنجيلية وتتكون من ستة عشر كنيسة، وهي أسقفيات ومجموعات قسس هي أكثر من ان تكون كنيسة بالمفهوم العام. (4)- عائلة الكنائس الكاثوليكية والتي أنضمت للمجلس عام 1990 وتتكون من سبع كنائس وهي المارونية والروم الكاثوليك الملكيين والإقباط الكاثوليك واللاتين في القدس والأرمن الكاثوليك وأيضا كنائسنا المشرقية ذات التقليد السرياني وهي الكلدانية الكاثوليكية والسريانية الكاثوليكية.

ومن  أهداف المجلس هي تعزيز روح الوحدة المسيحية بين الكنائس المختلفة في المنطقة، وذلك من خلال توفير سبل الحوار فيما بينها ومن خلال إقامة الدراسات والأبحاث المشتركة التي تشرح تقاليد الكنائس الأعضاء، وإقامة الصلوات المشتركة لاسيما أسبوع الصلاة من أجل وحدة الكنائس المسيحية كما يدعو هذا المجلس إلى  الدفاع عن حقوق الإنسان وتحقيق العدالة والمساواة في المواطنة في دول الشرق الأوسط وهي من أولويات أهداف المجلس المجلس. ولكن من خلال تعقيب قرارات المجلس وتوصياته وتطبيق لأهدافه نرى بأن كلها كانت بمثابة كلمات منمقة على الورق لم تخرج من أطارها الكلامي خاصة وهو يمر بأزمات مالية وإدارية تجعله مؤسسة شكلية مشلولة بالتمام والكمال أمام التحديات الجسيمة والمميتة التي يواجهها المسيحيون في الشرق الأوسط. إذن نتسائل أين هذه الأهداف النبيلة والمبادئ المسيحية من رفض قبول كنيسة المشرق الآشورية عضواً فيه؟

سطوة الكنيسة القبطية على المجلس:
-----------------------------------

تسيطر الكنيسة القبطية سيطرة تامة ومطلقة على هذا المجلس. فعدد مؤمنيها الذي يقدر بأكثر من 10 ملايين يعطيها زخماً قوياً ومركزاً متفوقاً كما أن كونها ضمن عائلة الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والتي منها الكنيسة السريانية الأرثوذكسية والأرمنية الأرثوذكسية المتحدتان معها في العقيدة واللاهوت (كمنوفستيين) والمختلفان عنها في العنصر واللغة والثقافة والتاريخ عوامل تعطيها إمتدادات للتأثير على الكنائس الأخرى ذات التقليد السرياني (كالكلدانية والسريانية الكاثوليكية) وذات التقليد الأرمني (كالكنيسة الأرمنية الكاثوليكية). كل هذه العوامل جعلت من الكنيسة القبطية بمثابة "الأخ الأكبر" (Big Brother) لتفرض إرادتها على العشرات من كنائس الشرق الأوسط خاصة فيما يتعلق بتحريم كنيسة المشرق الآشورية وفرض الفيتو القبطي على قبولها في هذا المجلس وأبعادها عن بقية الكنائس المسيحية خاصة شقيقتيها: الكلدانية والسريانية بشقيها الأرثوذكسي والكاثوليكي. هذه السطوة والهيمنة هي التي جعلت من البعض أن يطلق على المجلس بـ "النادي القبطي". ومن المعروف عن الكنيسة القبطية بأنها كانت في الماضي تستطيع أن تختار لها بطريركاً سريانياً وذلك بسبب العقيدة المشتركة غير أن منذ المجمع المقدس للكنيسة في عام 1985 وبرئاسة البابا شنودة الثالث الذي تبنى مواقف صلدة ومتطرفة تغير الأمر فقد تقرر أن يكون البطريرك قبطياً مصرياً فقط إنطلاقاً من ضرورة الحفاظ على ثراتها وثقافتها وفكرها وبطريقتها الخاصة.

في عام  2010 عصفت بالمجلس مشاكل مالية وإدارية جمة وأكثرها تعقيداً كان تقديم الكنيسة القبطية إستقالتها من المجلس وإعلان البابا شنودا الإنسحاب الرسمي منه عقب وصف بطريرك الروم الأرثوذكس في القدس الكنيسة القبطية "بالخيانة" ربما بسبب تحريم البابا شنودا كل قبطي يزور القدس وكذلك على أثر مطالبة البطريرك بإقالة جرجس صالح الأمين العام للمجلس حينذاك والذي كان ينتمي إلى الكنيسة القبطية فأعتبرت الكنيسة القبطية هذا أهانة لها وللبابا شنودا. وتضامنا مع الأقباط وإنطلاقاً من الراوابط العائلية للكنائس الشرقية (المنوفزتية) أنسحبت الكنيستين السريانية والارمنية اللأرثوذكستين من المجلس أيضاً. غير أن مع هذا حاولا كلا الكنيستين مع بعض الكنائس الإنجيلية إقناع البابا شنودا للعودة إلى المجلس غير أنه ربطت العودة إلى المجلس بتقديم إعتذار رسمي من بطريرك القدس عما بدر منه بحق الكنيسة القبطية. وضمن هذا المستعى  قام المثلث الرحمات مار زكا عيواص، البطريرك السابق للكنيسة السريانية الأرثوذكسية بزيارة البابا شنودا في مصر لبحث موضوع عودة الكنيسة القبطية إلى المجلس وفعلا بعد عام ألتأم شمل الكنائس الأرثوذكسية الشرقية وعادوا إلى المجلس مع عودة الكنيسة القبطية ولكن مع كل هذا أستمر هيمنة هذه الكنيسة و سطوتها على الأمور الحساسة والهامة خاصة موضوع قبول عضوية كنيسة المشرق الآشورية في المجلس.

تحريم كنيسة المشرق الآشورية !!:
------------------------------

منذ أن تولي المثلث الرحمات قداسة مار دنخا الرابع البطريرك السابق لكنيسة المشرق الآشورية سدة البطريركية لم يتواني أبداً في فتح أبواب الحوار والتقارب مع الكنائس الأخرى حتى المخلتفة عنها عقائدياً. ومن بين هذه المحاولات تقديم الكنيسة طلب الإنضمام إلى مجلس كنائس الشرق الأوسط أثناء إنعقاد جمعيته العامة الرابعة في عام 1986. غير أن الطلب رفض رفضاً قاطعاً من قبل الكنيسة القبطية وأنضم أليها أيضاً السريان والأرمن. فذكر بأن البابا شنودا قال بأنه يستحيل عليه أن يجلس مع الآشوريين الهراطقة في مجلس واحد. أضافة إلى هذا السبب العقائدي الرئيسي في رفض طلب كنيسة المشرق الآشورية كان هناك موضوع آخر إداري وتنظيمي متعلق بطبيعة إنضمام الكنائس للمجلس وفقاً لأسلوب العائلة الكنسية. فمن المعروف عن هذه الكنيسة بأنها الكنيسة الوحيدة المستقلة في التاريخ والعالم فهي ليست ضمن أية من العائلات الكنيسة الأعضاء في المجلس والمذكورة في أعلاه. لهذا السبب كان أمر إنضمامها للمجلس مرتبط أيضاً بضرورة دخولها ضمن أحدى العوائل الكنسية المذكورة. وفي عام 1994 عندما وقع المثلث الرحمات مار دنخا الرابع مع قداسة البابا الراحل مار يوحنا بولس الثاني  البيان المسيحاني الذي أعتبر إيمان هذه الكنيسة إيماناً قويماً رسوليا صائباً وما أعقب ذلك من إتصالات وإجتماعات كنيسة المشرق الآشورية مع شقيقتيها الكلدانية والسريانية الأرثوذكسية وأزالة بعض ترسبات الماضي من طقس الكنيسة خاصة ما يتعلق بقرلس، قديس كنائس العائلة الأرثوذكسية الشرقية خاصة القبطية، أصطفت كنيسة المشرق الآشورية مع الكنيسة الكلدانية ضمن العائلة الكاثوليكية كوسيلة رسمية لدخول المجلس وإكتساب عضويته. غير أنه مرة أخرى وكالماضي وقفت الكنيسة القبطية وقفة صارمة ورافضة لقبول كنيسة المشرق الآشورية عضوا في المجلس مالم ترفض وتدين وبشكل واضح وصريح البطريرك نسطور ومعلمه تيادورس المصيصي وتعاليمها وكذلك تغيير طقس الكنيسة وبكل ما يتعلق بمفاهيم وتعاليم هاذين القديسين حتى أنه وصل الأمر للبابا شنودا قبل وفاته إلى القول بأن الآشوريين لا يدخلون الجنة!!

كان من الطبيعي أن ترفض كنيسة المشرق الآشورية الشروط الإستبدادية للكنيسة القبطية لقبولها في المجلس فبقى الأمر كا هو من دون تغيير في بقاء هذه الكنيسة خارج المجلس. نكتفي بهذا القدر لأنه كتب كثيراً عن هذا الموضوع ولكن الذي نرغب أن ننهي هذا الموضوع هو القول بأن هناك كنائس، خاصة الإنجيلية منها، أعضاء في المجلس تعاليمهم ومعتقداتهم بعيدة بعض الشيء عن المبادئ والعقائد الأساسية للمسيحية التي يؤمن بها أعضاء المجلس فحتى البعض منهم لا يؤمنون بأن مريم العذراء هي أم الله.  فوفق المفهوم القبطي للهرطقة هم هراطقة أيضا ولكن لا تتجاسر الكنيسة القبطية بوصفهم كهراطقة أو طرحهم خارج المجلس. أفهل تخشى الكنيسة القبطية من أتهام هذه الكنائس الإنجيلية بالهرطقة لأنها كانئس قوية من الناحية السياسية والمالية وإنتشارها العالمي ويقف خلفها دول كبرى من أوربا وأميركا فتخشى سطوتها في حين تفرض هي سطوتها على المجلس وتحرم كنيسة المشرق الآشوريةمن العضوية فيه وتتهم مؤمنيها بالهرطقة لأنهم أقلية صغيرة لا سند لهم ولا قوة ولا دولة ساندة لهم؟  من هذا المنطلق نقول بأن رفض الكنيسة القبطية لقبول كنيسة المشرق الآشورية في المجلس بسبب "هرطقتها" هو أدعاء باهت وغير مقبول ولا أساس له في ظل الأخوة المسيحية القائمة على التسامح والمحبة، خاصة ونحن نعيش في هذا العام يوبيل الرحمة والسلام والمحبة والتسامح الذي دعى إليه قداسة البابا فرنسيس ، فهو ليس أكثر من حقد تاريخي متزمت عمره أكثر من ألف وخمسائة سنة منبعه الحقد الذي كان قائماً بين قولس ونسطورس.

موقف الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والسريانية الأرثوذكسية:
---------------------------------------
   
 لا شك فيه أن غياب كنيسة المشرق الأشورية عن الكنيستين الشقيقتين الكلدانية والسريانية بفعل الفيتو القبطي يضعهما في موقف محرج وصعب فلم يكن من خيار أمامهم، بسبب سطوة الأقباط، إلا الإنصياع للقرار الإجماعي للمجلس المبني على الفيتو القبطي. هذا من الناحية الرسمية والبروتوكولية ولكن في الواقع وفي كوامن أحبار هاتين الكنيستين كان الأمر مختلفاً بعض الشيء، أمراً مؤلماً ومحبطاً من عدم قبول هذه الكنيسة عضواً في المجلس و الجلوس إلى جانبهما. فتحريم هذه الكنيسة ونعتها بالهرطقة لا يعني إلا إمحاء أكثر من ألف سنة من تاريخ وتقاليد ومعتقدات الكنيسة الكلدانية، كنيسة أباء وأجداد مؤمنيها، كما يقول نيافة المطران سرهد جمو في أحدى بحوثه، فيجعلها بالتالي من دون أساس تاريخي ورسولي. وخلال إجتماعات برو أوريانتا في فينا في منتصف التسعينيات من القرن الماضي بين الكنائس ذات التقليد السرياني وبمشاركة كنيسة المشرق الآشورية أظهرت الكنائس الكاثوليكية تعاطفاً كبيرا مع هذه الكنيسة وكرسوا دراسات عميقة وبحوث علمية في تبرئة نسطور والظلم الذي فرض عليه في مجمع أفسس لعام 431 بحيث وصل الأمر إلى الكنيسة القبطية لتطلق عليه بأنه تحالف كاثوليكي/آشوري ضد قديسها قورلس وضد المعتقدات الأساسية للمسيحية الأرثوذكسية. وتمثل قمة التعاون بين الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وكنيسة المشرق الآشورية في الإتفاقيات التي حصلت بينهما في النصف الثاني من التسعينيات من القرن الماضي كسبيل لإيجاد طرق التقارب والتفاهم والوحدة بينهما. غير أنه لأسباب بعضها معروفة والآخرى غير معروفة أنهارت كل هذه المحاولات وأنهارت كل ما تبعها من محاولات أخرى لتقلي نفس المصير.

أما بالنسبة للكنيسة السريانية الأرثوذكسية فبالرغم من التباين اللاهوتي والعقائدي الشديد بينهما  فأنه كنتيجة للتراث السريانى المشترك مع االكنيسة الأشورية مضافاً إليه التاريخ النضالي المشترك ضد الظلم والإستبداد في عقود القرن الماضي والإصطفاف معاً كأبناء أمة واحدة في نفس الحركة القومية، كان هناك ميل من السريان الأرثوذكس لإحداث تقارب مع الكنيسة الأشورية، لا بل ويعلنون نوعاً من التعاطف معهم. وتمثل قمة هذا التفاهم في إجتماعات شهر آذار لعام 1998 في دير مار مارون في عناية بلبنان وصدور قرارات مهمة على طريق التفاهم والتقارب بينهما وإزالة الخلافات، غير أن كل هذا وبعد أسبوع واحد فقط أصطدم بقرارات الإجتماع الذي عقدته عائلة الكنائس الأرثوذكسية، القبطية والسريانية والأرمنية في دير بيشوي في وادي نطرون بمصر فصدر قررات عديدة منها التأكيد المطلق على رفض وإدانة كافة التعاليم "الهرطقية" لعدد من رجال الكنيسة ومفكريها ومنهم نسطورس فوصفوا أتباعه ومؤمنيه بالهرطوقين، وهي أشارة واضحة ومقصودة إلى كنيسة المشرق الأشورية ومؤمنيها. ليس هذا فحسب بل تقرروا أيضا بأنه لايمكن لأي كنيسة من كنائسهم الثلاث أن تقوم بمباحثات وأتصالات مع الكنائس الأخرى إلا بعد أن يتم البحث مثل هذه الأمور حصراً ضمن عائلة الكنائس الشرقية الآرثوذكسية وبموافقتهم، وهذا يبين ويقصد بكل وضوح الإجتماعات والمباحثات التي كانت تعقد بين الكنيستين السريانية الآرثوذكسية والمشرق الآشورية المنوه عنها في أعلاه مما حدا هذا الموقف بأن تتوقف نهائياً المباحثات بين هاتين الكنيستين. هكذا أنطبق الموقف الرسمي مع الواقع الفعلي لموقف هاتين الكنيستين مع كنيسة المشرق الأشورية. ولكن يبقى موقف هذه الكنيسة الأخيرة تجاه شقيقاتها الكلدانية والسريانية موضوع للطرح والنقاش.

كنيسة المشرق الآشورية ونهجها الوحدي القومي:
--------------------------------------------

أمر يهمني جداً كما يهم غيري من العلمانيين المهتمين بالمسألة القومية لأن نظري إلى الكنيسة بشكل عام هو في كونها مؤسسة تاريخية تراثية إلى جانب كونها روحانية ولاهوتية. من هذا المنطلق يرتكز أهتمامي بالكنيسة بمدى منهجها وطروحاتها نحو الوحدة القومية لأبناء كنائسنا المشرقية، الكلدانية والسريانية والآشورية. وكنيسة المشرق الآشورية معروفة في هذا السياق منذ أن تسنم المثلث الرحمات مار دنخا الرابع سدة البطريركية. وإذا كان البعض لا يتفق مع طرحه في كون الكلدان والسريان جزء من الأمة الآشورية وأن التسمية الآشورية هي المناسبة لجميع مؤمني كنائس المشرق فإن النهج الوحدوي الجديد لقداسة مار كوركيس الثالث صليوا البطريرك الحالي للكنيسة يعتبر طفرة نوعية في هذا السياق لا بل سابقة تاريخية في عصرنا الحالي. وهذا ما تجلى بكل وضوح في رسالته المؤرخة في 28 أيلول 2016 والموجهة إلى الهيئات الحكومية العراقية الثلاث، رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب. والذي طالب فيه تعديل المادة 125 من الدستور العراقي. ولأهمية الفحوى التاريخي للرسالة ندرجها كما هي (تطالب كنيستنا: كنيسة المشرق الآشورية في العراق بتعديل المادة 125 من الدستور العراقي وفق سياقات الدستورية المتبعة، وذلك بإدراج أسم (السريان) مع تسمية أخوتهم (الكلدان والآشوريين) حسب ما ورد في المادة أعلاه، لكون (الكلدان السريان الآشوريين) مكون عراقي واحد بلغة وثقافة واحدة وتاريخ مشترك واحد الممتد لألاف السنين، كما ونطالب بالإيعاز إلى الجهات المعنية بدرج هذا المكون في البطاقة الوطنية بحقل منفرد ضمن حقل القومية. لتكن نعمة الرب معكم لتحقيق ما فيه خير للعراقيين جميعاً) – كوركيس الثالث صليوا، بطريرك كنيسة المشرق الآشورية في العراق والعالم – 28 أيلول 2016).

أفهل هناك أي صعوبة في فهم النهج الوحدوي من الرسالة؟؟؟ كلا وألف كلا.. أفهل هناك سابقة تاريخية لبطريرك في كنائسنا المشرقية طالب السلطات الحكومية بإدراج أسم مؤمني كنيسة أخرى في الدستور؟؟ كلا وألف كلا.. أفهل هناك مسؤول كنسي رفيع المستوى في كنائسنا المشرقية صرح رسمياً وجهاراً بأننا أبناء أمة واحدة تجمعنا مقومات اللغة والثقافة والتاريخ الممتدة لألاف السنين؟؟ كلا وألف كلا.. أفهل هناك رجل من رجال كنائسنا المشرقية أكد على تسميتنا الوحدوية (الكلدان السريان الآشوريين) الشاملة والضامنة لكل الأسماء الحضارية الزاهية ومن دون تفضيل أي أسم على أخر أو إعلاء شأن تسمية مؤمني كنيسته على الأخرين؟؟ كلا وألف كلا.. عندما أطلعت على بيان السينودس المقدس للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية المنعقد بتاريخ 22 أيلول 2016 في أربيل وعلى بيان المجمع الإنطاكي السرياني الأرثوذكسي المقدس  للفترة من 27 أيلول لغاية 1 تشرين الأول 2016 المنعقد في لبنان وبحثت في السطور وبين طياتها وخلفها فلم أستشف منهما أي سطر أو كلمة تصب على طريق وحدتنا القومية وتشفي غليلي وغليل غيري من أبناء أمتي حتى يكون منطلقا في تعزيز ثقتهم وإيمانهم بكنائسنا المقدسة وبمنظماتنا القومية وحتى تكون أيضا بداية على طريق خلاصهم من نيران البركان الهائج الذي يحرقهم جميعاً وبدون تمييز... يظهر بأن الصرخة التاريخية لأبينا السامي البطريرك مار روفائيل الأول بيداويد، رحمة الله في أفسح جناته، عندما قال ( لا خلاص لنا إلا بوحدتنا... فبالوحدة نحترم أنفسنا ويحترمنا غيرنا) لم تصل آذان مسؤولي امتنا وكنائسنا فكيف والحال مع صرخات الأبناء  الفقراء لهذه الأمة والكنيسة نحو الوحدة والخلاص؟؟؟
طوبى لفاعلي السلام فإنهم أبناء الله يدعون
(متى 5: 9)

46
رحلة فكرية على أجنحة عصفورة جان يلدا خوشابا:
-------------------------------
من أزقة منطقة كراج أمانة...
 فالنادي الثقافي الآشوري في بغداد...
 ثم إلى الكونفنشن الآشوري ألـ (83) في  أريزونا
-------------------------------------------------------
فرضت عصفورة الأخ جان يلدا خوشابا – أنظر الرابط أدناه –  من خلال موضوعه (العصفورة والأستاذ أبرم شبيرا ... ذكريات كي لا تنسى) ديناً ثقيلاً بعض الشيء على كتفي لأن الوعد الذي قطعته له بالرد والكتابة عن هذه الذكريات أصبحت فعلاً ديناً، والوعد كما يقال هو دينً على الإنسان الحر. تمثل صك هذا الدين في طلبه (أن تكتب لنا عن أيامك في كراج أمانة وقبلها ومن كان معك من الأصدقاء وعن ذكرياتك في النادي الثقافي الآثوري... وعن تعليمك والجامعة التي تخرجت منها وشهادتك المهنية ومن كان معك من أبناء شعبنا ومتى تركت الوطن وعن لندن وذكرياتك في أيامك الأولى فيها وأين تعمل وخاصة أنت المعروف عن السفر والترحال والنشاط ومحبة الفكر وإرتباط بالقلم).... يا سيدي العزيز جان هذه الأمور التي مر على بعضها أكثر من أربعين سنة تتطلب صفحات طويلة وطويلة وأنت تعرف الكثير من الأخوة القراء لا يستهضمون قراءة مثل هذه المواضيع الطويلة فيكف والحالة مع القلب الصغير لعصفورتك؟؟.
وحتى أخفف من ثقل هذا الدين فلا بد أن أشكر صديق العمر (داينمو القلم والفكر) المهندس خوشابا سولاقا الذي أوفى نيابة عني الجزء الأكبر من هذا الدين عندما كتب صفحات طويلة وبأجزاء عديدة عن النادي الثقافي الآشوري في بغداد وعن ذكرياته والتي هي في مجملها ذكريات مشتركة عشناها يوماً بيوم بمرارتها وحلاوتها. لهذا السبب لا أريد تكرار سرد تلك الذكريات وذكر أسماء الأصدقاء الأعزاء الذين عملوا معنا في مختلف الحقول القومية السياسية في تلك الفترة ولكن كل الذي أود قوله هو كنًا نحن سواء قبل تأسيس النادي أو بعده مجموعة شبابية مؤمنة إيماناً عميقاً أن لم يكن إيمانا "عمياوياً" بأمتنا الآشورية ونحن في مقتبل عمرنا الشبابي والعمل وبكل السبل والإمكانيات الشحيحة ومن دون أي إكتراث للمخاطر السياسية والإستبدادية المحيطة بنا وبهدف تعميم هذا الإيمان وترسيخه بين بقية شبابنا والذي توسع ليشمل مجموعة أكبر من الأسماء الذين ذكرهم صديقنا خوشابا. فكنًا بأوضح العبارة تنظيم فكري قومي وليس تنظيم هيكلي، تنظيم  تجمعنا قوة الصداقة وتربطنا صفات النزاهة والثقة والإيمان المطلق بالمبادئ القومية الصميمية المشتركة متطهرين من أي مصلحة خاصة أو شهوة لكرسي أو منصب فكان وبحق العصر الذهبي لحياتنا ومنبع لفكرنا من تلك الفترة لحد هذا اليوم سائرين على خط واضح وصريح لا تشوبه شائبة ولا تغرينا مغرية. 

للعمر أحكام قاسية منها حكم إمحاء بعض الذكريات التي مر عليها دهراً طويلاً، وما ذكره صديقنا خوشابا خضع جزء بسيط منه إلى هذا الحكم. ولكن كما يقال الشيء بالشئ يذكر، فما أن يحدث أمر أو لقاء مع بعض الأصدقاء المعنيين بالأمر حتى تقفز الذكريات المنسية من نطاق اللاوعي في الدماغ إلى نطاق الوعي فيبدأ شريط الذكريات بسرد أحداثه. وهناك الكثير من هذه الذكريات التي لم يذكرها صديقنا خوشابا لعصفورة الأخ جان، ومنها:
1.   كلما أزور شمال الوطن ألتقي بالكثير من الأصدقاء ومنهم صديقنا الأديب الكبير د. عوديشو ملكو أشيتا الذي كان من احد عناصر تنظيمنا الفكري القومي فنتبادل الكثير من الأحاديث الماضية والمعاصرة الشيقة والمهمة. في شهر أيلول من العام الماضي 2015 كنت في عنكاوة أثناء فترة رسامة قداسة مار كوركيس الثالث صليوا كبطريرك لكنيسة المشرق الآشورية وككل مرة ألتقيت بالصديق د. عوديشو ملكو وتبادلنا الكثير من الأحاديث في باحة الكنيسة خاصة المتعلقة بموضوع سيامة البطاركة والمطارنة وما يتعلق بمجموعتنا، فحفز حديثنا دماغي وفتح باب الوعي لبعض من الذكريات المتعلقة بالموضوع.  وأليك يا عصفورة بعض من هذه الذكريات التي كانت قادرة على الإنفلات من حكم العمر: ذات يوم، كان في السبعينيات من القرن الماضي، لا أتذكر بالضبط السنة والشهر، هرع د.عوديشو وطلب من مجموعتنا إجتماع فوري وعاجل لمناقشة موضوع مهم جداً، فتم الشمل في بيت صديقنا خوشابا فذكر بأن البطريرك مار دنخا الرابع (الراحل إلى الأخذار السماوية) أعلن ترشيحه ليكون مطراناً للكنسية في العراق بعد أن أنتقل المطران مار يوسف خنانيشو إلى جوار ربه. كان الموضوع بمثابة صدمة لنا ومثير لا بل ومحير أيضا لأنه كان أكبر بكثير من حجمنا الفكري لكي نتمكن من إتخاذ قرار بشأنه. غير أنه بعد مداولات ومناقشات طويلة واضعين بنظر الإعتبار جميع الظروف الموضوعية والفكرية خاصة فكرنا القومي التقليدي تجاه الكنيسة كان قرارنا بأن يرفض د. عوديشو الترشيح ولا يقبل بالدرجة الكهنوتية بمستوى مطران وهذا ما تم فعلاً. وبهذه المناسبة يجب أن أشيد بالفكر "الثوري" – أن الصح التعبير – لقداسة البطريرك الراحل الذي منذ تسنمه كرسي البطريركية دأب قداسته على أحداث تغييرات جذرية وبناء أسس موضوعية في إختيار الدرجات الكهنوتية العليا والتخلي عن النظام السابق القائم على تحديد هذه الدرجات وحصرها في عشيرة أو مجموعة معينة والذي كان قائماً في زمن حيكاري. فبنظرة موضوعية للواقع أعتمد قداسته على عشيرة تياري بإعتبارها أكبر العشائر الآشورية وعلى أشيتا باعتبارها أكبر أجزاءها لا بل أكثرها علماً ونباغة بالأمور اللغوية والتاريخية والكنسية، فعلى هذا الأساس كان إختيار قداسته لصديقنا عوديشو ملكو ومن ثم للأستاذ القس ورده صليوا الجالس حالياً ببركة الرب على كرسي البطريركية.
2.   في شريط ذكريات صديقنا خوشابا ذكر التنظيم القومي الذي شمل الأخوة شليمون إيشو (حالياً كاهن رعية كنيسة المشرق الآشورية في سرسنك) وإسحاق أنويا أسي وكوركيس... وغيرهم، الذاكرة لا تسعفني لذكر غيرهم من الأخوة في التنظيم، وأعتقد كان أسم التنظيم "الحزب الآشوري الديموقراطي التقدمي" وكنًا في حينه، أي في السبعينيات من القرن الماضي، في إتصال وحوار معهم للتنسيق في العمل القومي وربما الإندماج معهم أو الإنضمام إليهم بعد أن عرضوا علينا النظام الداخلي للحزب وبعض البيانات المطبوعة. وكان الصديق آدم بتيو ججو قد كلف من جانبنا للحديث معهم في حين كنت أنا المستمع وذلك لغرض الوصول إلى بعض الإستنتاجات لمعرفة طبيعة تنظيمهم وأفكارهم. وفعلاً بعد عدة إجتماعات توصلنا إلى قناعة بوجود في هذا الحزب عنصر أو أكثر من الذين كانوا أعضاء في حزب البعث ثم أنظموا إلى هذا الحزب وبالفعل ثبت فيما بعد بأن هذا العنصر هو الذي وشى للجهات الأمنية وتم إعتقال أعضاء الحزب ومصادرة آلة الطابعة العربية التي كان يملكها الأخ إسحاق أنويا مع بعض البيانات والأوراق الحزبية ثم بعد عدة أسابيع تم إطلاق سراحهم... كما قلنا سابقا بأن  الشيء بالشيء يذكر... وبينما أنا في شيكاغو في شهر آب الماضي لهذا العام وفي جلسة عائلية ومع بعض الأصدقاء في منزل شقيقتي، لا أدري بشكل أو بأخر ونحن نتطرق إلى المسائل القومية والحزبية وصلنا إلى سيرة تلك الأيام وظروف أعتقال أعضاء الحزب الآشوري الديموقراطي التقدمي فكان مفتاح صندوق ذكريات تلك الفترة بيد شقيقتي لينفتح وينطلق البعض منها حيث ذكرت بأنه بعد الإعتقال مباشرة جاء الصديق آدم بتيو ججو إلى منزلنا مسرعاً ومرتبكاً، حيث هرب من الجامعة (كان طالب في كلية الإدارة والإقتصاد بجامعة بغداد) وكنت أنا أداوم في وظيفتي وخوشابا سولاقا طالب في كلية الهندسة،  فصعد إلى غرفتي الخاصة يبحث في الصندوق والحقيبة المكتضة بالأوراق والكتب والمواضيع السياسية والحزبية وصور لزعماء وأبطال آشوريين أخذ البعض منها وأحرقها فوق سطح البيت أما الباقي والمهم منها خاصة الكتب المتعلقة بتاريخ الآشوريين مثل كتاب (الآشوريون في التاريخ – إيشو ماليك جوارو) و كتاب (تاريخ الآشوريين – البروفسور ماتييف بار متي) وبعض النسخ من مجلة (كوكبا آشوريا – الإتحاد الآشوري العالمي) وضعها في كيس وأعطاءها لشقيقتي التي بدورها أخذتها وخبئتها في منزل جارنا منو البيلاتي في أحدى أزقة منطقة كراج أمانة. وهذان الكتابان لا زالا بمعيتي وأثار عصرها في الكيس بادية عليهما. وبعد إطلاق سراح أعضاء الحزب أستمرت علاقتنا معهم ضمن إطار النادي الثقافي الآشوري خاصة مع الأخ شليمون أيشو الذي كان على رأس الحزب، كما اعتقد.
3.   صحيح هو أعتراف الصديق خوشابا بأن ذاكرته لم تسعفه لذكر كل الأسماء، وما أكثرها، التي كانت ضمن تنظيمنا الفكري، ومن بينهم الصديق سركون منصور كشتو.... مرة أخرى الشيء بالشيء يذكر... أثناء أيام إنعقاد الكونفشن الآشوري ألـ (83) للفترة من 1 – 5 أيلول من هذا العام في مدينة فينكس في ولاية أريزونا، تقدمت نحوي سيدة وقورة وقالت: إلا تعرفني؟ فقلت مع الأسف لا. فقالت أنا شقيقة سركون.. ثم أردفت وقالت: كيف تنسى الأيام الخوالي التي كنتم تجتمعون في منزلنا في منطقة الغدير وكنت أحضر لكم الشاي ولكن كان سركون يمنعني من الدخول فيأخذ صينة الشاي مني وأنا في الصالة لأنه لم يكن يرغب أن أسمع أحاديثكم ولكن كنتُ أنا ووالدتي نستطرق السمع من خلف الباب والدموع تنهمر في عيون والدتي خوفاً من الأحاديث السياسية والقومية اللهابة حيث كنتم تعتقدون بأن إنبعاث الإمبراطورية الآشورية اصبح قاب قوسين، فكنت كأخت أشاطر مخاوف والدتي على أبنها من ظلم وإستبداد النظام السياسي الجائر.
أكتفي بهذا القدر من الذكريات، وما أكثرها، في أزقة منطقة كراج أمانة لأنتقل إلى النادي الثقافي الآشوري في بغداد ولكن أين أضع نقطة  بداية قلمي وأبدأ الكتابة والصديق خوشابا لم يترك شاردة ولا واردة إلا وذكرها بالتفصيل في بحثه عن تاريخ النادي الذي نشره على هذا الموقع بأربعة أجزاء وهو بحث يتماثل كما تتماثل أفكارنا وإيمانا مع الكتاب الذي كتبته عن النادي تحت عنوان (النادي الثقافي الآشوري – 1970 – 1980 – مسيرة تحديات وإنجازات) والذي نشر عام 1993 في الولايات المتحدة الأمريكية. وهنا من الضروري على القارئ اللبيب أن يتطلع جيداً على عنوان هذا الكتاب. فبالنسبة لفترة عشر سنوات التي تناولها الكتاب تعتبر من أخطر وأهم فترات تاريخنا المعاصر وفيها أحداث سياسية وقومية مهمة جداً وتحديات مفعمة بالإنفعال والحركة والعمل الدؤوب التي أثرت وأنعكست على تطور الفكر القومي الآشوري وأثمرت بإنجازات عظيمة قلً مثيلها في تاريخنا المعاصر، وتفاصيلها مسطرة في كتابنا المذكور. فبالإضافة إلى التحديات الخارجية المتمثلة في السياسة الإستبدادية لنظام البعث وإلى سياسات غيره من الأحزاب العراقية التي كانت تحاول إستيعاب وكسب أعضاء لهم من أبناء أمتنا سواء بشكل مباشر أو عن طريق السيطرة على النادي فإن التحديات الداخلية كانت أيضا في وسط معركة الفكر القومي الآشوري التقدمي ومنها الأفكار والممارسات الطائفية والعشائرية التي كانت تمزق مجتمعنا إلى أوصال وشلل. وهنا أُذكر صديقنا خوشابا قبل تذكير عصفورة جان مسألة في هذا السياق لأن هو كان في قلب الحدث ولم يأتي ذكره في ذكرياته. في بداية قيام الجبهة المشؤومة لحزب البعث التي تورط فيها أيضا الحزب الشيوعي العراقي وبعض الأحزاب الكوردية كان بالمقابل تصاعد في الوعي الفكري القومي الآشوري نحو ممارسات ونشاطات قومية خاصة في طلاب الجامعات وشباب النادي الثقافي الآشوري. ففي حينها، أعتقد كانت بداية السبعينيات من القرن الماضي، منع نادي بابل الكلداني، الذي كان غالبية أعضاءه من قصبة ألقوش، منع طلاب الكلدان الجامعيين من إقامة حفلة تعارف على حدائق النادي، كما كان يفعل طلاب الآشوريين الجامعيين في كل سنة، وذلك ربما خوفاً من السلطات الأمنية أو إيمانا من بعض أعضاء النادي بأن حفلة طلاب الكلدان لها صفة عنصرية شوفينية، وهي الإسطوانة التي كان يكررها بعض أعضاء حزب الشيوعي العراقي. فلجأوا إلينا، بحكم الزمالة الجامعية التي كانت تربط بعض من أصدقائنا بهم. فبعد أخذ وعطاء ومشادات مع الهيئة الإدارية للنادي الثقافي الآشوري حصلنا الموافقة على أقامة حفلة تعارف للطلاب الكلدان الجامعيين على حدائق النادي وشاركنا فيها. وما ذكرني بهذا الحدث هو وجود لي صورة عن الحفلة وصديقنا خوشابا "يدبك" على رأس الخكا (دبكة) وأنا بجانبه مع أصدقاءنا الألقوشيين. أفرد هذا الحدث للمقارنة بين تلك الفترة، فترة العصر الذهبي للفكر القومي الذي لم يكن تنخر به مرض التسميات واللهوث خلف الكراسي والمناصب وبين الفكر القومي لهذا العصر الذي تقضم الطائفية والتحزبية والعشائرية أجزاء منه وتجعله بحكم المشلول.

ومن المآثر التاريخية في النادي الثقافي الاشوري نحو محاربة التصدع الطائفي في مجتمعنا هو تنظيم أول لقاء بين البطريركين مار دنخا الرابع، أسكنه الله فسيح جنانته، وما أدي الثاني، أطالة الله من عمره، وهو مأثر مسطر في كتابي أعلاه وأستطيع أن أستل منه بعض السطور. فالنادي لم يكن كيان للتجمع واللهو وقضاء الأماسي والثرثرة وأنما كان منظمة فكرية قومية شاملة لجميع الطوائف والعشائر دون أي تمييز. فقد كان أعضاءه الخيرين الواعيين يشعرون بمرارة التمزق الطائفي الذي أصيب به بعض أجزاء المجتمع الآشوري فحاولوا جاهدين التصدي لهذه الحالة وبكل الوسائل الممكنة سواء أكانت مباشرة عن طريق النادي أم بشكل غير مباشر عن طريق أعضاءه النشطين الواعين والذين كانوا يمثلون الطليعة المثقفة للمجتمع الآشوري قاطبة. وقد أدرك هؤلاء منذ الوهلة الأولى صعوبة لا بل وخطورة مهمة التصدي ومعالجة حالة التمزق هذه، إلا أن هذا لم يثن عزيمتهم في المضي قدما بمحاولة قد تكون البادرة الأولى على طريق إنعاش الآمال لإزالة الأحقاد وسوء الفهم القائم بين الأطراف المتنازعة. وفعلاً، ففي إحتفالات النادي بعيد الأول من نيسان عام 1977 دعي كل من قداسة البطريرك مار دنخا الرابع وقداسة مار أدي الثاني لحضور هذه الإحتفالات وللتصافح بينهما وإلقاء الكلمات أمام الجمهور الذي أمتلأت به حدائق النادي لإثارة الحماس والشعور القومي نحو إزالة الأحقاد التي تفشت في المجتمع الآشوري من جراء الإنقسام الحاصل في الكنيسة.
وفعلاً لُبيت الدعوة من قبل الطرفين ووضعت الهيئة الإدارية، التي كانت برئاسة المرحوم روميل كوركيس الذي كان من أحد عناصر تنظيمنا الفكري، تفاصيل خطة اللقاء بينهما دون إثارة أية حساسية أو سوء فهم تمس قداستهما. وكانت الخطة تقوم على أساس قدوم قداسة مار أدي الثاني أولاً إلى النادي والجلوس في مقدمة المحتفلين في حدائق النادي، يليه قداسة مار دنخا الرابع والدخول إلى مبنى النادي وتفقد المكتبة وأسلوب تدريس اللغة الآشورية ومن ثم الخروج إلى حدائق النادي للتصافح والتعانق مع قداسة مار أدي أمام الجمهور والبدء بإلقاء الكلمات الترحيبة والمباشرة بفقرات الإحتفال. غير أن الخطة فشلت في تحقيق أهدافها السامية ففقدت الهيئة الإدارية السيطرة على الوضع بعد أن أصبح خارج نطاق قدرتها بسبب الدور الخبيث الذي لعبه البعض في إفشالها، فرجال الأمن والمتعاونون معهم وبعض أعضاء "اللجنة المركزية للطائفة الأثورية في العراق" أحاطوا بقداسته وطلبوا وبإلحاح عدم خروج قداسته إلى حدائق النادي والبدء بالإحتفالات مع قداسة البطريرك مار أدي الثاني إلا بعد حضور بعض المسؤولين في الدولة (أعتقد محافظ بغداد) لهذه الإحتفالات ومن ثم مرافقتهم له عند خروجه. غير أن الإنتظار لهذا المسؤول طال أكثر مما يجب وأخذت خيوط المؤامر لإفشال الخطة تظهر للحاضرين، فأثر هذا الإنتظار الطويل على حضور قداسة البطريرك مار أدي الثاني الذي ظل ينتظر في الحديقة لبدء الإحتفال، فأضطر تحت زخات المطر التي بدأت تساهم أيضا في إفشال هذا الهدف النبيل للنادي إلى المغادرة. بعد ذلك نهض العضو المهندس يوبرت بنيامين وصرخ صرخة مدوية في الحاضرين مستنكراً الإنشقاق الطائفي الذي يمزق الآشوريين وهتف عالياً بحياة الأمة الآشورية وبنضالها من أجل وحدة كافة طوائفها فنال إستحقاق الحاضرين. ويوبرت أستشهد في عام 1985 بعد أن اعدمه النظام العراقي الفاشي شنقاً حتى الموت بسبب إنتماءه للحركة الديموقراطية الآشورية.. رحمه الله.. ودمه على أعناقنا جميعاً للسير على طريق نضاله.

وبهذه المحاولة كان النادي قد أضاف إلى سجله الحافل بالإنجازات القومية تجرية رائدة على مستوى وحدة الأمة وظلت هذه التجربة في ذاكرة الأعضاء الخيرين يستذكرونها إينما كانوا بنوع من الإعتزاز والفخر للدور الواعي لهم والرائد في التوعية القومية وكذلك يستذكرونها بنوع من المرارة والتألم لفشل المحاولة في تحقيق أهدافها النبيلة. ليس هذا فحسب بل هناك العشرات من مثل هذه المبادرات القومية نحو وحدة الأمة ويكفي أن نقول بأن النادي كان فعلاً مدرسة لتخرج الكوادر القومية النبيلة والمناضلة فالكثيرون منهم اليوم هم مؤسسي وقادة أحزاب سياسية ومنظمات قومية وكبار المثقفين والكتاب وإختصاصين في الأدب واللغة ولا تكفي مئات الصفحات لتسطير أسماؤهم ومساهماتهم في المجتمع الآشوري فهم يؤدون دورهم ونشاطهم القومي الذي بدأوه في الأيام الأولى لإنتسابهم إلى النادي في خدمة الأمة الآشورية مستلهمين منها دروساً وعبر نافعة ومثمرة لمسيرتهم النضالية مكملين مسيرة التحديات والإنجازت التي قادها النادي الثقافي الآشوري لعقد من الزمن.

سرد الأحداث والتحديات والإنجازات للنادي الثقافي الآشوري عمل يقارب المستحيل ليس لكون بعضها قد دخل منطقة اللاوعي لأعضاءه بل لكونها كثيرة جداً ويصعب حصرها ولكن مع هذا فإن جزء من هذا البعض يبقى متحرراً من سجن اللاوعي وينتقل إلى منطقة الوعي وذلك لكونه مثيراً ونشاطاً رائداً ليس على مستوى النادي أو الآشوريين فحسب بل على مستوى العراق ككل. ومن هذا البعض أذكر مهرجان الشعر الشعبي العراقي الذي أقامه النادي على حدائقه والذي كان نشاط ثقافي أدبي الأول من نوعه في العراق حضره أكبر شعراء العراق الشعبيين ومن مختلف قطاعات الشعب العراقي وتوجهاته الفكرية والسياسية وأيضاً حشد كبير زاد عن الألف بحيث لم تكن حدائق النادي كافية لإستيعابه مما أضطر الكثيرون الجلوس على حائط سور النادي أو تسلوا الإشجار وجلسوا فيها. وكان الشعراء الشيوعيون المعرفون ببراعتهم في هذا المجال أكثر حضوراً وبروزاً ونشاطاً وإثارة لحماس الجمهور مما أثار ذلك غضب السلطات الأمنية فتم في اليوم التالي إستدعاء رئيس وأعضاء الهيئة الإدارية إلى دائرة الأمن للمحاسبة والتوبيغ وتوجيه لهم تهمة إقامة مهرجان شعري للشيوعيين.

هذا غيض من فيض... الفيض الذي لا تستطيع مئات الصفحات من إشباع متعبة القراء الأعزاء وبالأخص أعضاء النادي من قراءتها والإستمتاع بذكرياتها ولكن لتحقيق هذا الهدف هناك بعض الأفكار والمشاريع المستقبلية بخصوص هذا الموضوع تم تداولها مع الكثير من أعضاء النادي فإستحسنوها كثيرا وبتحمس، منها:
1.   الكتاب الذي كتبته وبحث صديقنا المهندس خوشابا وغيرهما من المواضيع والمقالات عن النادي ليست بكافية بل وبدون شك فيها نواقص كثيرة لا يملئها إلا ذكريات العديد من أعضاء النادي. لهذا فقد تم الحديث والإتفاق مع بعض الأعضاء ذوي الإمكانيات على تأليف مجلد توثيقي ضخم عن النادي معتمدين على ما كتبه الصديق خوشابا وما ذكرته في كتابي كأساس لهذا المجلد.
2.   الإتفاق على إعادة تجمع أو الإتحاد (Reunion) بين أعضاء النادي لعقد تجمع ومهرجان ثقافي فني إجتماعي كإعادة للأسبوع الثقافي الذي كان ينظمه النادي في السنوات الماضية ويقام مثل هذا التجمع والمهرجان في النادي الثقافي الآشوري في عنكاوة وينظم ترتيباته خاصة للقادمين من خارج الوطن وبإدارة المهندس توما روئيل يوخنا الذي كان فعلاً المهندس البارع لمثل هذه التجمعات والنشاطات للنادي الثقافي الآشوري في بغداد واليوم يستعيد شبابه وبراعته في هذا المجال أيضا في النادي الثقافي الآشوري في عنكاوه. كان من المؤمل أن يعقد من هذا الإتحاد في هذا العام 2016 غير أن الظروف السياسية والإقتصادية والأمنية في الوطن بيت نهرين حالت دون ذلك ومن المؤمل أن يتحقق هذا الحلم الجميل بعد أن تستقر الأوضاع في الوطن.

طلبات عصفورة الأخ جان يلدا كثيرة وحاولت بقدر المستطاع وبما تسمح به مساحة هذه السطور أن أشبع بعض من رغباتها عن ذكرياتنا في منطقة كراج أمانة وعن النادي الثقافي الآشوري في بغداد، ولكن يؤسفي القول بعدم تحقيق رغبة العصفورة فيما يخص مسائل "شخصية" وذلك خشية من تطبعها أو تفسيرها بنوع من النرجسية والإنانية خاصة وهي معروفة للعديد من الأصدقاء والقراء ولا يستوجب تكرارها. أما بخصوص حشر موضوع الكونفشن الآشوري ألـ (83) في عنوان هذا المقال هو لأنه جاء بسبب ركون العصفورة على رأسي وأنا أحضر الكونفشن لهذا رغبت أن أكشف بعض الأضواء على هذا التجمع الكبير في موضوع مستقل للأيام القادمة لأنني خشيت من أن عصفورة الأخ جان لا تتحمل أجنحتها المزيد من الصفحات هنا وبالتالي لا تستطيع الطيران وإيصال الأخبار إليكم.
مع تحياتي الحارة.     
 


http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,820413.msg7488296.html#msg7488296

47
روسيا... أين موقعها في  ميزان العمل السياسي الآشوري؟؟
نظرة مقارنة بين الماضي والحاضر
=============================================

أبرم شبيرا

رجاء:
-----
أرجو من القارئ اللبيب أن يدرك بأن إستخدامي للمفردة القومية "الآشوري" هنا ينطلق من حقائق موضوعية تاريخية ومعاصرة لأن أولاً: تاريخياً، نشؤ الحركة القومية في مجتمعنا عموما جاءت بهذه التسمية القومية التاريخية وشارك فيها ضمن هذه التسمية عدد كبير من أبناء الطوائف والتسميات الأخرى بل كانوا رواداً لها وقدموا شهداء في سبيلها. وثانياً: الواقع المعاصر يؤكد بأن الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية التي تتسمى بهذه التسمية القومية، رغم تبنيهم للتسميات المركبة هي أكثر نشاطاً وبرزواً على السطح السياسي، المحلي والإقليمي والدولي، وتحديدا ما يخص موضوع  بحثنا. وهذا كله  لاينفي وبتأكيد مطلق إيماننا الراسخ  بوحدة أمتنا بجميع تسمياته التاريخية والحضارية، الكلدانية والسريانية والآشورية.

الآشوريون والبحث عن حليف في وقت الأزمات والحروب:
--------------------------------------
عندم تعصف الأزمات والمصائب بأية أمة أو دولة خاصة وقت الحروب وإشتدادها لا بد مثلما لها عدو ومصدر هذه المصائب والحروب يكون لها أيضا حلفاء وأصدقاء  لأن لهم مصالح عامة مشتركة من هذه الصداقة أو التحالف. وهذا هو حال كل الحروب المعروفة في التاريخ، خاصة الحروب المعاصرة حيث من النادر جداً أن نرى دولة تدخل حرباً لوحدها بل يكون لها حلفاء وعلى نفس الجبهة. وحروب التاريخ خاصة المعاصرة كالحرب العالمية الأولى والثانية وحتى الحروب الإقليمية هي شواهد على ما نقوله. عصفت الرياح الهائجة للحرب الكونية الأولى بشعبنا في موطنه الأصلي، هيكاري وما جاورها من مناطق أخرى، ووضعته في دوامة الدمار والتشرد والفناء فكان على زعامة الأمة المتمثلة في المؤسسة البطريركية، وعلى قمتها الشهيد الخالد مار بنيامين شمعون البطريرك الأسبق لكنيسة المشرق الآشورية وأخته سورما خانم وشقيقه ربخيلا (قائد القوات) داود، البحث عن سبيل منقذ للأمة ولم يكن هناك إلا خيارين ممتين، أما البقاء في مواقعهم والتعرض إلى المزيد من المذابح وبالتالي الفناء الكلي أو الوقوف مع دول الحلف البريطاني الفرنسي الروسي ضد الدولة العثمانية. فكان الخيار الثاني أهون الخيارين وأقل مرارة رغم النتائج المأساوية التي كانت متوقعة الوقوع على شعبنا من جراء ذلك. فمن المعروف وبشكل عام بأن القيادة الآشورية في تلك الفترة وضعت كل البيض في السلة البريطانية ويتمادى بعض المؤرخين والكتاب القول بأن المؤسسة البطريركية أرتمت بالتمام والكمال في أحضان بريطانيا فأستغلتها لتحقيق مصالحها في الحرب ضد الدولة العثمانية وبعض العشائر الكوردية المتحالفة معها.

أن طرح مثل هذه التعميم على القيادة الآشورية غير صحيح لأنه يفتقر إلى تفاصيل العلاقات والتوجهات والأفكار التي كانت سائدة بين أفراد القيادة الآشورية. صحيح كل الصحة بأن سورما خانم وربخيلا داود كانا من أشد المناصرين للتحالف والتعاون مع بريطانيا ولكن على العكس من هذا بالنسبة للشهيد البطريرك مار بنيامين شمعون. كثيرا كتبُ عن عظمة الشهيد مار بنيامين وإيمانه القوي وحبه المفعهم بالأحترام لأبناء أمته وكنيسته وضخامة تضحياته ولكن قليلاً، أن لم يكن معدما، أية كتابة عن فكره الإستراتيجي في التحالف مع الآخيرين ضمن معطيات تعتمد على الظروف الموضوعية والواقعية. ففي خضم الصراعات السياسية والمصلحية والدينية والكنسية والتبشيرية التي كانت تنهش بجسم كنيسة المشرق، كان الشهيد مدركاً كل الإدراك بأن وضع روسيا غير ذلك ومختلف بعض الشيء. فبالنسبة للتبشير بين أبناء أمته وكنيسته، كانت الكنيسة الروسية الأرثوذكسية أقل شراسة في التبشير، أن لم يكن محدودا جداً أو معدوماً، في مقارنة مع تبشير الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية الإنكلكانية والأمريكية. فالخلفية التاريخية للكنيسة الروسية في تعاملها الإنساني مع مئات الألاف من أتباع كنيسة المشرق الذين نقلوهم هرباً من الإضطهادات العثمانية وحلفاءها في منتصف القرن التاسع عشر وأستقروا في المناطق الجنوبية لروسيا في جورجيا وأرمينيا وتحت رعاية هذه الكنيسة والذين عوملوا كمواطنين شكلت هذه الخلفية مصدر ثقة للبطريرك تجاه روسيا وكنيستها الأرثوذكسية خاصة وأن هذه الكنيسة هي أرثوذكسية بكل معنى الكلمة ولم يظهر فيها هرطقات أو إنحرافات كما هو الحال مع الكنائس الغربية. وعلى الجانب الآخر الموضوعي والجغرافي، أدرك البطريرك وبنظرة جيوسياسية بأن روسيا بلد شاسع وقريب من موطن الآشوريين لا بل محاذي له وتُمثل قوة إقليمية في المنطقة. فمثل هذه الجيرة والعلاقة الجيوسياسية، كعامل موضوعي ثابت على مدى الدهر كثبوت الجغرافيا، يكون عادة مصدراً  لمصالح ثابتة ومستديمة للطرفين. على العكس من بريطانيا وفرنسا فأن بعدهم الجغرافي عن موطن الآشوريين وشراستهم الإستعمارية جعل من العامل الجيوسياسي والجغرافي غائباً كلياً في خلق مصالح ثابتة ومستديمة للطرفين بل كان حال كلا الدولتين كحال اللص الذي يأتي من مكان بعيد ويسرق البيت ثم يهرب، لهذا السبب عندما حقق الدولتان مصالحهما الخاصة في المنطقة تركا الآشوريين للذئاب المفترسة.

كان الشهيد مار بنيامين عظيماً في فكره الإستراتيجي عندما حاول الإقتراب والتحالف مع روسيا وللأسباب المار ذكرها، ففي أكتوبر من عام 1917 زار البطريرك حكومة روسيا القصيرية في القوقاز ومنح وسام القديسة آن من الدرجة الأولى وكما منح 200 ميدالية القديس جورج للمقاتلين الآشوريين الذين شاركوا مع القوات الروسية ضد القوات العثمانية والفارسية وبعض العشائر الكوردية. يؤكد بعض المؤرخين، خاصة الروس منهم، بأنه لولا قيام ثورة أكتوبر البلشفية عام 1917 وإنسحاب القوات الروسية من المنطقة ومن ثم عقد لينين زعيم الثورة معاهدة  برست ليتوفسك عام 1918 مع الألمان وخروجها من الحرب لكان الأمر مختلف ولكان التحالف الإستراتيجي الآشوري – الروسي أستمر وحقق نتائج غير تلك النتائج المأساوية التي جاءت من التحالف مع بريطانيا. صحيح إذا كان عامل إنسحاب الروس من المنطقة والحرب وترك الآشوريين في ظروف صعبة جداً وماحقة سبباً لإنهيار مثل هذا التحالف الإستراتيجي فأنه علينا أن لا ننسى أيضاً عامل داخلي مهم وحاسم وهو عدم الإتفاق أو الخلاف بين الآشوريين عن الجهة أو الدولة الواجب التحالف معها، خاصة بين البطريرك مار بنيامين مع روسيا من جهة وسورما خانم وربخيلا داود مع بريطانيا من جهة أخرى. فعندما تفعل الظروف المأساوية والمميتة باي شعب أو أمة تبدا الدسائس والمؤمرات بين بعض من ضعفاء النفوس وتحديدًا على مستوى القيادة أو المتنفذين، وهذا حال جميع الأمم بما فيها أمتنا خاصة في ظروف كظروف الحرب العالمية الأولى. ففي تلك الفترة كانت بريطانيا، الداعم الرئيسي لسورما خانم وربخيلا داود تتخوف جداً من ميل الآشوريين بقيادة مار بينامين إلى روسيا والتحالف معها ومن ثم قلب موازين القوى في المنطقة وإعاقة طريق تحقيق مصالحها الخاصة. لذلك لم ترغب بريطانيا القضاء مباشرة على البطريرك خشية من فقدان العلاقة مع سورما خانم وربخيلا داود ومن ثم إنفراط خيط التحالف معهما بل كل ما رغبته هو جذب وتوريط البطريك للوقوف في الحرب معها ضد الدولة العثمانية وحلفاءها لذلك تم تدبير رسالة مزورة بتوقيع البطريرك وفيها طلب منه إلى القوات البريطانية لمساعدته في حربه ضد العثمانين ووضعت الرسال في قطعة خبر وحملها شخص لتوصيلها إلى ضابط إنكليزي فتم إبلاغ السلطات العثمانية بالأمر فقبض على المراسل ومعه الرسالة مما سبب ذلك هجوما كاسحاً على الآشوريين ومن ثم إضطرارهم الإنضمام إلى القوات البريطانية. في كل الأزمان والأماكن إن إنعدام الإتفاق بين أعضاء القيادة من جهة والخيانة من جهة أخرى كانا عاملان حاسمان في إستحالة تحقيق مطامح الأمة وبالتالي دفعها نحو دوامة الصراعات حول المصالح الخاصة بعد ضياع مصلحة الأمة في متاهات هذه الصراعات والإنهيارات. ومن الملاحظ بأن هذا العامل الموضوعي الجغرافي في التحالف مع روسيا تتبين أهميته من خلال عدم تأثره بالمبادئ السياسية والفكرية الشيوعية التي كانت تحملها الثورة البلشفية حيث أستمر البطريرك الشهيد التراسل مع لينين زعيم الثورة البلشفية في روسيا في أكتوبر عام 1917 من أجل ضمان التحالف معها ضد العدو المشترك.

ليس هذا وعلى مستوى تحالف مار بنيامين مع الروس فحسب، بل كان له بعد جيوسياسي على المستوى المحلي حيث كان يرى في الكورد، وخاصة القبائل القوية والفاعلة على الساحة السياسية مثل قبيلة شيكاك بزعامة شيخها إسماعيل أغا المعروف بـ (سمكو) حليفاً إقليمياً. فالجغرافيا كانت العامل الموضوعي والواقعي يفرض قوته على الآشوريين وبقيادة بطريركهم للتحالف معهم وتشكيل قوة مؤثرة في المنطقة وكان الروس من المؤيدين له في هذه الخطوة فكان ضباط منهم يرافقون البطريرك أثناء محادثاته مع سمكو غير أن خدر وخيانة وخسة المجرم سمكو وقيامه بإغتيال البطريرك أفشل كل مخططات الآشوريين في التحالف معهم. لقد ثبت كون الدولة الفارسية من وراء دفع المجرم سمكو لإغتيال البطريرك، لكن مثل هذا الإغتيال صب في مجرى تحقيق المصالح البريطانية في المنطقة حيث أصبح الآشوريين بدون قيادة وضاعوا في متاهاة التهجير والضياع والإنسياق نحو "أبو ناجي".  حقا أصاب كبد الحقيقة عندما قال الأديب الكبير والمؤرخ الشماس كوركيس بنيامين أشيتا  في كتابه ( رؤساء الآشوريين في القرن العشرين) المكتوب باللغة الآشورية الحديثة  "بأن لو لم يكن الآشوريون قد فقدوا مار بنياميــن في تلك الفترة لربمـا كانت مسيرة تاريخ أمتنا قد تطورت بشكل آخــر، ومن دون أدنى شــك كانت بشكل احسن مما هو عليه الآن لأنه بالتأكيد ما كان يسمح للانتهازيين أن يلعبوا لعبتهــم كما فعلوا بعد الحرب العالمية الأولى وكما يفعلون اليوم" (ص25).
على الجانب المدني أو العلماني ظهر المفكر العبقري القومي التقدمي الشهيد فريدون أتورايا وهو مفعماً بتأثير العامل الجيوسياسي في عمله القومي السياسي. فإذا حسبنا الشهيد مار بنيامين على الجانب الديني واليميني فأن الشهيد فريدون أتوراياً هو محسوب على الجانب التقدمي اليساري ولكن بين اليمين واليسار كان هناك عامل قوي يجمع بينهما وهو التحالف والعمل مع روسيا ثم الإتحاد السوفياتي بالنسبة لفريدون أتورايا وكلا الشهيدين أدركوا إدراكاً عميقاً أهمية تحقيق المصلحة القومية من خلال هذا الإدراك والبناء عليه تحالف ومصالح دائمة ومستديمة. ففي بيانه المعروف بـ "منفستو أورمي" – أي إعلان أورمي لعام 1917  – أنظر عزيزي القارئ تأثيره بالماركسية وب "منفستو" المنشور تحت عنوان "يا عمال العالم أتحدوا" من قبل كارل ماركس وزميله فريدريك أنجلز – دعا فيه إلى تأسيس دولة آشورية حرة موحدة ورسم حدودها من منطقة أورمي مروراً بشريط حدودي فاصل بين تركيا والعرب إلى إنطاكية على البحر الأبيض المتوسط يجمع جميع جميع طوائف وكنائس أمتنا. وتجلى فكره الإستراتيجي في ضرورة وجود منفذ للدولة الآشورية على البحر لتكون رئة تتنفس من خلالها نحو العالم الخارجي. وحتى بعد قيام الثورة البلشفية أستمر المطالبة بمشروعه في قيام الدولة الآشورية وضمن جمهوريات الإتحاد السوفياتي. غير أنه مرة أخرى يعود عامل الخدر والخيانة والخسة المنبعث من بين أخاديد بعض الخونة في مجتمعنا وبنفس أسلوب التخلص من مار بنيامين. ففي عام 1925 عثرت السلطات الستالينية على رسالة مزورة وبتوقيعه يطلب من السلطات البريطانية التدخل لمساعدته فألقي القبض عليه وأعدم في عام 1926 بتهمة التجسس لصالح بريطانيا. وقد دلت الأحداث فيما بعد بأن المؤسسة الكنسية وعلى رأسها سورما خانم وربخيلا داود ومن وراءهم بعض البريطانيين كانوا وراء تدبير هذه الرسالة المزورة للإيقاع به والتخلص منه ومن مشروعه القومي في بناء كيان قومي آشوري ضمن جمهوريات الإتحاد السوفياتي، لأن بالنسبة إليهم كان الشهيد فريدون أتورايا شيوعيا وغوغائيا وفوضويا يسعى لسلب الزعامة من البطريرك والمؤسسة الكنسية. حقاً لو أفترضنا مجازا بأن الآشوريين كانوا قد قبلوا بمشروع فردون أتورايا وتحقق كما فعل الأرمن في تلك الفترة لكان في هذا اليوم للآشوريين دولة مستقلة حالها حال دولة أرمينيا.

البيروستروكيا وكنيسة المشرق الآشورية:
----------------------------------
كان البطريرك الشهيد مار بنيامين في إتصال دائم مع الآشوريين في روسيا وجمهوريات القوقاز حتى بعد قيام الثورة البلشفية في أكتوبر عام 1917. غير أن إستشهاده في بداية شهر آذار من عام 1918  حالت خلال هذه الفترة القصيرة دون بناء أسس قوية ومستمرة لهذه العلاقة في ظل النظام الجديد. ثم جاءت مأساة الحرب والتشرد والضياع وهيمنة بقية أفراد العائلة البطريركية الموالين لبريطانيا على مقدارات الآشوريين وما تلاه من نتائج مأساوية مضاعفة مثل مذبحة سميل لعام 1933 ونفي بطريرك الكنيسة وعائلته خارج العراق في الوقت الذي كان ستالين يشدد من قبضته الإستبدادية على السلطة ويقضي على معارضيه والمشتبهين بهم فشمل هذا إعدام العشرات من كبار المثقفين والأكادميين والقوميين الآشوريين بمن فيهم الشهيد فريدون أتورايا. كل هذه العوامل فعلت فعلها القوي في قطع علاقة الآشوريين في الإتحاد السوفياتي مع غيرهم من الآشوريين خاصة مع أخوتهم في بيت نهرين فأندمجوا في المجتمع السوفياتي وأصبحوا بحكم الآشوريين المنسيين إن لم نقل الضائعين. 

البيروستروكيا ((Perestroika والتي تعني إعادة البناء كان المنهاج الإقتصادي للرئيس الأسبق لجمهوريات الإتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف في الثمانينات من القرن الماضي والتي كانت البداية التي هزت العالم وإحدثت تغييرات جذرية سواء على المستوى السوفياتي أو العالم. فتأثيرها كان شاملاً وعاماً على جميع شعوب ودول العالم ولم يستثنى منها حتى الآشوريين ومؤسساتهم في الإتحاد السوفياتي وعلى كنيسة المشرق الآشورية في العالم أيضا. وفعلاً فقد تم إعادة بناء هيكلية المجتمع الآشوري في الإتحاد السوفياتي والجمهوريات المنضوية في رابطة الدول المستقلة (Commonwealth of Independent States ) وإختصارا بـ (CIS) التي كانت في السابق من جمهوريات الإتحاد السوفياتي. فعندما تسنم البطريرك الراحل إلى الأخدار السماوية قداسة مار دنخا الرابع كرسي البطريركية وضع نصب عينيه أهمية الإتصال بالآشوريين في الإتحاد السوفياتي وإرجاعهم إلى كنيسة أبائهم. وفعلا قام قداسته في عام 1982 بزيارة إلى الآشوريين في الإتحاد السوفياتي ثم تكررت الزيارة في عام 1988. وفي المجمع السنهادوسي للكنيسة المنعقد في سدني – أستراليا في شهر آب من عام  1994 أسندت مسؤولية الإهتمام بالآشوريين ولم شملهم حول الكنيسة إلى قداسة البطريرك مار كوركيس الثالث صليوا (في وقتها كان مطربوليت للكنيسة في العراق) الذي زراهم في شهر مايس من نفس العام ووعدهم بإرسال كاهن ليقدم لهم الخدمة حسب طقوس كنيسة المشرق. وفعلاً وفي شهر كانون الثاني من عام 1995 زار قداسته وبصحبته القس خامس هرمز، حاليا مار أسحق خامس أسقف دهوك، معظم الآشوريين في روسيا وبعض دول رابطة الكمونولث فأقاموا القداديس حسب طقس كنيسة المشرق بعد إنقطاع طويل دام أكثر من قرنين ونصف القرن. وكنتيجة لذلك فقد أعترفت السلطات الروسية بكنيسة المشرق الآشورية وسجلت ككيان كنسي في وزارة العدل الروسية. وبفعل التبرعات السخية الضخمة لبعض الآشوريين تم بناء كنيسة مريم العذراء الضخمة في موسكو التي أصبحت الخيمة الجامعة للأشوريين المتحمسين للعودة لجذورهم. وفعلاً شاهد شخصياً أثناء زيارتي لموسكو في شهر مايس من عام 2002 القداس الذي أقامه القس/الأسقف مار أسحق في هذه الكنيسة الضخمة التي أحتشد فيها المئات من أتباع الكنيسة فكانت فرحتهم لا توصف ولا تقاس عن مدى تعلقهم بكنيستهم وأمتهم الآشورية.

البيروستروكيا والآشوريون القوميون:
-----------------------------
قد أكون أسرفت بعض الشيء في بيان دور كنيسة المشرق الآشورية في إعادة معظم الآشوريين في روسيا ودول الكمونولث المستقلة إلى إيمانهم بكنيستهم الأم بعد أكثر من قرنين. وهذا الإسراف في هذا الدور ليس القصد منه إلا بيان مدى تأثير ذلك على الجانب القومي والمدني للأشوريين هناك. فعلاً فقد كانت البيروستروكيا أعادة كاملة وواسعة وجذرية لبناء المجتمع الآشوري في الإتحاد السوفياتي نحو التحول من المجتمع السوفياتي الشيوعي إلى الساحة القومية الآشورية. ففي شهر تشرين الثاني من عام 1990 عقد في موسكو أول مؤتمر آشوري للجمهوريات السوفياتية الإشتراكية المعروفة بـ (USSR) فكان أول نافذة جديدة يطل من خلالها عدد كبير من المثقفيين القوميين وكبار الإكادميين الآشوريين. قد يستغرب القارئ الكريم عندما أقول بأن عدد الأكادميين الآشوريين وحملة لقب البروفسور موجودون في روسيا وجمهوريات الإتحاد السوفياتي السابقة أكثر بكثير من جميع الأكادميين وحملة لقب البروفسور ليس في موطن الآشوريين التاريخي، بيت نهرين، إيران، تركيا وسوريا، بل في جميع أنحاء دول المهجر أيضا. فللكثير منهم بحوث قيمة جداً وعلمية في دراسة تاريخ الآشوريين ومن نواحي مختلفة ولهم كتب ونشرات غنية في البحث الموضوعي معظمها مستمدة من الأرشيف الروسي الخاص بتاريخ الآشوريين الذي يعد أكبر وأعظم أرشيف في العالم فحتى مركز الوثائق البريطانية الذي في معظمه وثائق وتقارير لا يضاهيه في مجال البحوث الموضوعية والدراسة العلمية والأكاديمية لتاريخ الآشوريين. وقد يكفي هنا أن أشير إلى مجلة (ملثا) التي يصدرها النادي القومي الآشوري باللغة الإنكليزية،  والتي كان يحررها مجموعة من العلماء والبروفسوريين الآشوريين وعلى رأسهم البروفيسور الدكتور سركيس أوسيبوف، ففي كل عدد منها نجد بحوث سياسية قومية في غاية الأهمية قلما نجد مثيلا لها وتجلت أهمية بعضها في ترجمة العديد من البحوث التي كتبت بالروسية خاصة التاريخية منها المحفوظة في الأرشيف الروسي.
في شهر مايس من عام 2002 أستلمنا أنا وبعض من زملائي دعوة لحضور المؤتمر الآشوري العالمي الذي نظمه الإتحاد الآشوري في موسكو (خويادا) وبتعضيد ومشاركة هيئة تحرير مجلة (ملثا) الذي أنعقد في موسكو لعدة أيام حضره عدد كبير من الآشوريين المثقفيين من دول المهجر وشاركوا ببحوثهم القيمة فيه وشاهدنا فيه عجب العجب من المستوى الراقي للوعي القومي والعلمي للآشوريين الذي حضروا من روسيا ومن دول كومنولث المستقلة وشاركوا ببحوثهم التاريخية والقومية القيمة، حقاً أقولها وبصراحة كان مستواهم الفكري والعلمي والقومي يفوق كثيراً المستوى الذي نعرفه في موطننا الأصلي وفي بلدان المهجر... ولكن... ولكن أين نحن من كل هذا... أين نحن من فهم الأهمية الجيوسياسية لروسيا وبقية الدول كومنولث المستقلة والأكثر من هذا التساؤل هو أين قياداتتنا السياسية والحزبية من هذا العامل الفكري والجيوسياسي في علمهم السياسي القومي؟؟؟؟     

اليوم... أين "القيادة الآشورية" من هذا الفكر القومي والجيوسياسي؟:
---------------------------------------------------
عاملان مهمان، الذاتي والموضوعي أو الفكري والواقعي، يشكلان عنصران حاسمان في كل ظاهرة ومنها الظاهرة السياسية وتحديداً لكل حركة قومية سياسية بما فيها الأحزاب والمنظمات القومية، وهو الموضوع الذي يخصنا هنا. أسهبنا بعض الشيء في أعلاه عن هذان العاملان: الموضوعي المتمثل في الموقع الجيوسياسي لروسيا وبقية دول كمونولث المستقلة، خاصة جورجيا وأرمينا حيث عدد كبير من الآشوريين هناك، وعن العامل الفكري المتمثل في المستوى الراقي للوعي القومي الصميمي لمعظم المثقفيين والمفكرين الآشوريين في هذه الدول. ولكن مع الأسف الشديد بأن قيادتنا السياسية والقومية تتجاهل مثل هذه العوامل أو لا تدرك أهميتها في العمل السياسي خاصة عندما ننظر إلى الموقع الجغرافي لموطننا الأصلي المحيط بدول وشعوب مختلفة عن شعبنا من جوانب عديدة وكثيرة وضرورة البحث والإعتماد على العاملين المذكورين للخروج من المأزق الجغرافي لوطننا. اليوم تضع قيادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية كل البيض في السلة الأمريكية ودول الغرب كما فعل قادة الأمس عندما وضعوا كل البيض في السلة البريطانية والفرنسية ولم يجنوا منها غير الدمار والتشرد والضياع. ألا يتعلم قادتنا من التاريخ... ألم نقل في السابق من يتعثر بحجر مرتين فهو جاهل. أفهل حقاً قادتنا جهلاء ويجهلون العوامل الفكرية والموضوعية المهمة في مسيرة كل حركة قومية؟

اليوم يهرع معظم قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأحياناً إلى الدول الأوربية وأستراليا ويلتقون بأبناء أمتنا هناك ويعقدون الندوات المباشرة والتلفزيونية ويجتمعون، إذا سنحت الفرصة، مع مسؤول حكومي أو غير حكومي ويبدأ الكلام والحديث عن الوضع المأساوي في الوطن عن دور حزبه أو تنظيمه في مواجهة التحديات هناك ثم يعدون إلى الوطن وليس في جعبتهم غير التصفيق والكلام المنمق والمديح الذي لا يمكن صرفه في المصرف القومي لحساب أمتنا. في هذه الأيام الحديث يدور وبسخونة عن تحرير سهل نينوى و "الأخوة الأعداء" في تسابق نحو الحصول على حصة من الكعكة، فيما إذا ترك الكورد أو الشيعة أو السنة او غيرهم، جزءاً منها لنا. أعود وأكرر أسفي الشديد عن جهل قادة أحزابنا لمسألة مهمة وهي خلق التوازن في العمل السياسي فوضع البيض في سلة واحدة هو أمر خطير يحشر الأمة في زاوية واحدة وضيقة لا خيارات لها ولا إرادة حرة. من هنا يستوجب البحث عن خيارات أخرى لخلق توازن في العملية السياسية مع الغير ولم نجد حالياً طرف مؤثر في خلق التوازن غير روسيا والمثقفين الآشوريين القوميين هناك. فعلى قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية إعادة الوصلة مع أبناء شعبنا هناك وبناء أسس للولوج نحو الجهات الرسمية والتنظيمات غير الحكومية واللقاء بهم كما يفعلون مع شعبنا والمسؤولين في الولايات المتحدة وأوربا وأستراليا. أتذكر في صيف العام الماضي وبينما كنًا مع مجموعة من المثقفين الآشوريين مجتمعين في الجمعية الآشورية الأمريكية في شيكاغو ذكر الناشط القومي والمحلل السياسي نمرود سليمان (أبو طارق) بأنه سيشارك مع وفد المعارضة السورية لزيارة موسكو واللقاء بوزير خارجيتها سيرغي لافروف وطُلب منه أن يقدم جدول بالمطالب الآشورية للوزير فكان رد فعلنا إيجابيا بضرورة تزويده بمثل هذه المطالب والإستفادة من هذه الفرصة التي قد لا تتكرر. وكعادتنا الدائمة خرجنا من اللقاء ولم يحصل أبو طارق غير نتيجة هذه المعادلة (طلب X صفر = صفر).

 في السياسية هناك حقيقة واضحة بأن الفرد الواحد لايمكن أن يكون مؤثرا ويحقق نتائج على المستوى القومي ما لم تكن جهوده عبر منظمة أو حزب سياسي، فاللاعب الأساسي في السياسة هي أحزاب وتنظيمات وكتل وإتحادات وغيرها. ولما كان "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" لا زال، رغم علاته وعثراته، هو الموجود حالياً كتنظيم سياسي قومي لعدد من الأحزاب والتنظيمات، عليه نقترح أن يقوم وفد من هذا التجمع لزيارة أبناء شعبنا في روسيا وجورجيا وأرمينا وتاترستان وغيرهم واللقاء بهم  وبتنظيماتهم وإيجاد السبل للقاء مع المسؤولين الحكوميين وغير الحكوميين وطرح وضعنا المأساوي لهم ومحاولة كسب بعض الدعم المعنوي والمادي منهم ليصب في نهاية المطاف في لعبة توازن القوى المطلوب في التعامل مع الدول المختلفة.

لقد سبق وأن ذكرنا في مناسبات سابقة بأن في السياسة لا صديق دائم ولا عدو دائم بل مصلحة دائمة وهذه لا تقوم لها أسس الدوام والإستمرارية مالم يتوفر لها العوامل الذاتية والموضوعية التي سبق وأن ذكرناها. للولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوربية مصلحة خاصة في منطقتنا تأسست منذ زمن طويل، منذ مرحلة الإستعمار الكولينيالي والحرب الباردة. وروسيا لها مصلحة خاصة في المنطقة أيضا ولكن تسعى لتعزيزها وتوسيعها، أي بما يعني بأنها لازالت تبحث عن رقعة أوسع لثتبيت قدمها بعد أن ثبتها مع إيران وسوريا وحتى تركيا. وهنا من المهم أن ندرك أيضا الأهمية الإستراتيجية لهذه الدول الثلاث لكونها محيطة بأرضنا ووطننا التاريخي في شمال بيت نهرين. ولكن يجب أن نعرف جميعاً، وأولهم قادة أحزابنا وتنظيماتنا، بأن "الخبر الحار والمكسب" في السياسة ليس ببلاش بل له ثمن. فهل نملك الثمن لكي نشتري مثل هذا الخبز ... أي بعبارة أوضح هل لنا ثمن نعطيه للمقابل حتى يتحالف معنا على المصلحة المشتركة ونحقق مطمحنا القومي بالعمل معه وليس له. فالتحالف السياسي قائم على الأخذ والعطاء أفهل لنا شيئاً نعطيه حتى نأخذ بمقابله ما يفيد أمتنا؟؟؟ طبعاً الجواب بكل صراحته هو كلا ... لا نملك أي شيء حتى نكون قوة مؤثرة تجلب أنظار الغير نحونا بجدية وفاعلية. لا أنا شخصياً ولا أنت عزيزي القارئ ولا أحد في العالم يرغب أن يعقد صفقة مع شخص مفلس وغير متسق ومنتظم في حياته وعمله. هكذا هو الحال مع الدول والأحزاب والتنظيمات أيضاً فلا أحد منهم ينظر بجدية وفاعلية على مطاليبنا القومية ولا يسمعون صراخ أبناءنا في الوطن مالم تكون قوية ومدوية.. فأين نجد هذه العوامل التي تجعل من أمتنا شيئا أو بضعة غرامات من الوزن في ميزان القوى السياسية ونحن أمة فقيرة لا سند لنا ولا قوة ؟؟؟ دعونا نعيد مرة أخرى صرخة المثلث الرحمات مار روفائيل بيداويد البطريرك الكلداني الأسبق عندما قال:(لا خلاص لنا إلا بالوحدة... فبالوحدة نحترم أنفسنا ويحترمنا غيرنا). إذن إذا توحدنا سوف نحترم أنفسنا ويحترمنا غيرنا وهذا هو بيت القصيدة نحو الغير لكي ينظر إلى وضع أمتنا وطموحاتها بنوع من الأحترام والجدية والتعامل السوي وإلا فالمأساة والفواجع والتهجير ستظل تلاحقنا لسنوات وسنوات.

48
الذكرى الـ (83) لمذبحة ا|لآشوريين في سميل آب 1933:
يوم الشهيد الآشوري بين الوعي المتقدم والوعي المتأخر
أبرم شبيرا
توطئة:
---
كُتبَ الكثير عن مذبحة ســميل لعام 1933 ونتائجها المؤلمة على مختلف جوانب الآشوريين من ديموغرافية وجغرافية وقانونية وسياسية كذبح ما يقارب ثلاثة آلاف آشوري بـرىء وتدمير وحرق ونهب العديد من القرى والقصبات وتشريد سكانها ونزوح قسم منهم الى سورية هربا من "الجهاد المقدس" المعلن ضدهم طلبا للأمن والاستقرار وما صاحب ذلك قرار الحكومة بنفي البطريرك مار شمعون إيشاي وعائلته وبعض من قادة الحركة القومية وتجريدهم من الجنسية العراقية ومن ثم النتائج القانونية والسياسية التي ترتبت على الآشوريين كتعقيد مسألة الحصول على شهادة الجنسية العراقية أو تحريمهم منها والتشكيك في وطنيتهم وإعتبارهم عراقيين من الدرجة الثانية أو أدنى وتصعيد النخبات الحاكمة التي تعاقبت على السلطة في العراق سياساتها الاستبدادية تجاههم ومن ثم ترسب كل ذلك كمخلفات فكرية في أفكار ومفاهيـم العديد من الكتاب والمؤرخين العراقيين الذين تناولوا تاريخ الآشوريين المعاصر في كتبهم أو مذكراتهم أو في أوراقهم الشخصية أو في ممارساتهم السياسية والسلطوية ولم يسلم من هذه الترسبات حتى بعض من أبناء أمتنا فأعتمدوا عليها في وصف الآشوريين بأوصاف معيبة وشنيعة غير مقبولة منطقياً خاصة  تجاه القادة وزعماء هذه الحركة التي وصفها البعض بـ "حركة 1933 المشؤومة". ولكن مع كل هذه النتائج السلبية التي ترتبت على مستوى الفكر والوعي القومي وعلى مسار الحركة القومية الآشورية وعلى مستوى الكنسي أيضاً فهناك تقصير في البحث الأعمق والأشمل في تحليل هذه الحدث الحاسم في تاريخ الحركة القومية الآشورية وتحديدا فيما يخص تبني السابع من شهر آب يوماً للشهيد الآشوري. التساؤل هنا هو: كيف أدرك ووعى الآشوريون أو بعض من مفكريها بأن هذا الحدث سيحتفل به الآشوريين كيوم للشهيد ضمن وعي متقدم وكيف أن الإتحاد الآشوري العالمي التي تبنى هذا التاريخ كيوم للشهيد الآشوري في عام 1970 كوعي متأخر عن الحدث. من هنا نحاول أن لا تمر هذه المناسبة المهمة في تاريخ الآشوريين المعاصر من دون إضافة شيء جديد عنها... شيء من المؤكد لن يكون وافياً طالما هو جديد ونتطرق إليه من زاوية مختلفة ومفهوم جديد من خلال الوعي بهذا الحدث الحاسم في مسيرة الحركة القومية الآشورية.

الوعي المتقدم والوعي المتأخر:
---------------------
 بدءأً بالنوع المتأخر، فنقصد به إدراك ووعي الحدث ونتائجه المترتبة عليه بعد سنوات طويلة وقد يكون هناك جملة عوامل تحجب وعي هذا الحدث ونتائجه. ولكن بعد تغير أو زوال هذه العوامل يبدأ الوعي بالحدث ونتائجه فهذا ما نسميه بالوعي المتأخر. ومثال على ذلك: دولياً: اطلقت الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية شيطان التطرف والإرهاب، القاعدة ثم داعش، لتنهش بالدول العربية والإسلامية ولم تكن تدري بأن السحر سينقلب على الساحر وأن ليهب أرهاب هذه المنظمات الإرهابية سيصل عتبة دارهم لأن مصالحهم الخاصة كانت الحاجب الكثيف الذي يغطي وعهم الصميمي بشرور هذه التنظيمات الإرهابية. فبعد عقود من الزمن أدركوا ووعوا هذه الشرور، ولكن كما يقول المثل العراقي "بعد خراب البصرة". وأقليماً: قد تكون زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات للقدس في عام 1977 مثال عند العرب للوعي المتأخر. ففي حينها بسبب عنجهية الفكر القومي العربي الكلاسيكي وتخلفه نعت السادات بأبشع النعوت ووصف بصفات الخيانة للأمة العربية ولقضية فلسطين غير مدركين بأن كل الحروب التي دخلها العرب مع إسرائيل كانت خاسرة وكارثة للفلسطينين والعرب وأنه من الممكن إسترجاع الأراضي المحتلة أو بعضها من إسرائيل عن طريق الدبلوماسية والتفاوض وهذا ما تحقق عندما أسترجعت سناء من إسرائيل إلى مصر. واليوم وبعد عقود طويلة تعقل الفكر القومي العربي وأرتكن إلى الواقعية فوعوا، ولكن متأخراً، بأن ما أنجزه السادات من مفاوضاته مع إسرائيل  وإسترجاع سيناء يعتبر بمثابة إنجازاً تاريخياً عظيماً بحيث وصفه البعض بأن بطل مصري من التاريخ المعاصر. واليوم يعجر غيره من قادة العرب من إسترجاع شبراً واحداً من الأراضي التي أحتلتها إسرائيل. والأنكى من هذا، ففي عام 1947 عندما قررت الجمعية العمومية للأمم المتحدة تقسيم أراضي فلسطين بين العرب واليهود كانت حصة العرب منها 11 ألف كم2 ولم يكن العرب يدركون بسبب تطرفهم القومي والديني بأن إسرائيل ستكون أقوى دولة متنفذة وقوية ومسنودة من الدول العظمى فخسروا حصتهم في حروب عام 1953 و عام 1967 واليوم يطالبون بـ 17% من هذه الأراضي ولم يحققوا مطلبهم لا بالصواريخ ولا بالتفاوض.

قوميا: قد يكون الوعي المتأخر للكلدان نموذجاً في هذا السياق. فالكلدان، كتسمية وحضارة وإنتماء كان ولا يزال مصدراً لتحديد هوية الغالبية من أبناء شعبنا ولكن بسبب ظروف وعوامل معينة، كالموقف السلبي للكاثوليكية من الفكر القومي والخشية من إستبداد الأنظمة السياسية عليهم، لم يرتقي واقعهم الموضوعي وينعكس في وعي قومي حتى في أكثر الأزمان ظهوراً وتأثيرا للفكر القومي المنبعث من البلدان الأوربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين فلم تنشأ فيهم حركة قومية خاصة بالكلدان، وهو موضوع سبق وأن تطرقنا إليه في مناسبة سابقة. واليوم، ونتيجة لزوال بعض العوائق أمام الوعي الكلداني ظهراً متأخراً بعد عام 2003 وأنعكس في تنظيمات وأحزاب سياسية خاصة بالكلدان. أما على الجانب الآشوري، فأن التاريخ يؤكد بأنه كان لهم وعي قومي متقدم ظهر وتأثر بالفكر القومي وحركات التحرر القومي المنبعث من البلدان الغربية في القرنين الماضيين وأنعكس في تنظيمات قومية وأحزاب سياسية أستمرت وتواصلت وبأشكال مختلفة حتى يومنا هذا. ولكن فيما يتعلق باليوم الشهيد الآشوري، موضوع بحثنا، لم ينعكس هذا الوعي إلا بشكل متأخر وبعد سبعة وثلاثون عاما من الحدث عندما قرر الإتحاد الآشوري العالمي في عام 1970 أعتبار السابع من آب يوماً للشهيد الآشوري وبدأ منذ تلك الفترة الإحتفال به.

الوعي المتقدم ليوم الشهيد الآشوري:
---------------------
أسلفنا وأسهبنا بعض الشيء وحاولنا بقدر الإمكان فهم الوعي المتأخر عبر عرض بعض التجارب التاريخية ولكن عند مقارنة ذلك بالوعي المتقدم سنرى بأنها مقارنة صعبة لأنه من السهولة الوعي بحدث وبنتائجه بعد مرور زمن طويل عليه ولكن الوعي المسبق بالحدث ونتائجه ليس بالأمر السهل حيث يبدو بأنه يدخل في سياق التخمينات والتأويلات وهي ظواهر أو سياقات تبتعد كثيراً عن الواقعية والموضوعية ويصعب إثباتها مالم يكون هناك أبحاث علمية مستقبلية ولجان مختصة في تحليل الحدث والوصول إلى إستنتاجات تكون أقرب إلى المنطق والواقع ويكون الزمان أو التقادم الزمني كفيلاً بإثبات صحتها. ليس هذا فحسب بل القيام بمثل هذه المهمة البحثية والتقصي لحقائق الحدث يتطلب وعياً عميقاً للحدث وإدراكاً مسبهاً وإيماناً حماسياً به حتى يتم تحليله والوصول إلى إستنتاجات منطقية وواقعية. ومثل هذه العوامل والصفات من النادر أن نجدها في المجتمعات مالم يتوفر لها الإمكانيات الفكرية والعلمية في تقصي الحقائق وتحليلها والوصول إلى إستنتاجات مستقبلية حولها وهي حالات نادرة في المجتمعات الشرق أوسطية التي هي مجتمعات رد فعل وليست فعل وهو حال مجتمعنا أيضا. فنحن أمة رد فعل وليس فعل، أي نتفاجئ بالحدث ويقع علينا كالصاعقة والسبب في ذلك لأنه لم نكن نملك وعياً مسبقاً به. فالوعي هو حصانة ضد المفاجئات وهو موضوع سبق وأن تطرقنا إليه في مناسبات سابقة ولا نريد الإطالة أكراماً لأصدقاءنا الأعزاء.

من هنا نتساءل: أين نجد هذا الوعي المسبق في مجتمعنا لبعض الحوادث المهمة كحركة عام 1933 ومن ثم بناء إستنتاج عليه ليصبح هذا اليوم، الثامن من آب لعام 1933، يوماً للشهيد الآشوري؟ أين نجد هذا المفكر العبقري والقومي النبيل في أمتنا حتى يستنتج بأن الأجيال القادمة سترد ذكر الإستشهاد الآشوري في هذه الحركة وبعد سنوات طويلة. نعم هناك حالة إستثنائية فريدة جداً تتمثل في المفكر العبقري والصحافي الثائر فريد إلياس نزها. فهو الوحيد والإستثنائي والنادر جداً الذي أستنتج من خلال معاركه الفكرية الحامية ضد الطائفية والشللية بانه ستكون هذه المناسبة يوماً للشهيد الآشوري وقبل أن يقره الإتحاد الآشوري العالمي عام 1970 ويستمر الآشوريون الإحتفال به حتى يومنا هذا، فالواجب القومي الملزم لنا يفرض أن نظهر ونبرز مثل هذه الرموز في أمتنا وأن نعيد ونكرر ذكراه وأعماله ومواقفه الشجاعة مرات ومرات حتى تكون واضحة ومعلومة للأجيال الحالية والقادمة. فمن هو هذا العبقري والمفكر الكبير الذي تمكن من هذا الإستنتاج؟؟ 
 
المفكر فريد نزها وإستنتاجه بيوم الشهيد:
-----------------------
ولد فريد إلياس نزها عام 1894 في مدينة حماه في سورية ومن عائلة سريانية أرثوذكسية نزحت من هربوط في أعالي بلاد بيت نهرين واستقرت في سورية ومنها هاجر الى الأرجنتين ومن هناك، ومنذ الثلاثنيات وحتى الخمسينيات، كان يصدر مجلته المعروفة بـ"الجامعة السريانية"، التي عبرت عن مواقفه القومية الجريئة والشجاعة حيال مسألة وحدة طوائف كنيسة المشرق، وهذا بحد ذاته موضوع يستوجب مناقشته بشكل مفصل وفي فرصة اخرى. على أن الذي يهمنا هنا هو قدرة هذا المفكر الكبير في اكتشاف الحقائق التاريخية وتحديد الابعاد المستقبلية لابناء أمته خاصة فيما يتعلق  بسيادة وهيمنة الخوف في مجتمعنا من السياسة والمسائل القومية وبالتالي الخضوع للاستبداد الذي ساد في قطاعات واسعة من أبناء أمتنا أثناء وبعد مذبحة سميل التي تشكل منعطفاً كبيراً وحاسماً في مسيرة الحركة القومية الوحدوية لأبناء أمتنا والتي جعلت الكثير من الآشوريين وحتى بعض القوميين منهم وزعماء العشائر ورجال الكنيسة أن يصطفوا مع الأنظمة الإستبدادية ومع الدكتاتوريين والإستبداديين ضد مناضلي أمتنا. أن أهم ما توصل إليه المفكر فريد نزها من خلال قراءته لحدث 1933 وإستشهاد الألاف من أبناء أمتنا من جهة وهيمنة الخوف من المسائل القومية عند البعض من جهة أخرى جعل أن يتصول إلى إستنتاج بأن في المستقبل سيردد أبنا الأمة ذكرى الإستشهاد في سميل. فعلى الرغم من أن فريد نزها لم يكن صارماً وحاداً في رسم الاسم القومي الشامل للآشوريين في تلك الفترة، ولاعتبارات كان يقدرها حق تقدير، لذلك كان يخاطب أبناء أمته في مقالاته الافتتاحية اللهابة  بالقول ( الأمة السريانية الارامية الآشورية الكلدانية) وذلك بهدف التضمين الحضاري المشترك والمتواصل لهذه التسميات المرادفة لشعب واحد وأمة واحدة.

وللإقتراب أكثر فأكثر من موضوعنا هذا، نذكر بأنه كان فريد نزها يصدر مجلته باللغة العربية ثم أضاف اليها اللغتين الاسبانية والسريانية الغربية وكان يكتب أسم المجلة بالاسبانية كما يلي  ( ASOCIACION  ASIRIA)  وفي العدد  الثاني، شباط 1939 للسنة الخامسة وفي الصفحات 10 – 12 كتب فريد نزها بخصوص تأثير الخوف والخضوع للاستبداد من جراء مذبحة سميل والنتائج المرعبة التي أفرزتها على بعض أبناء أمتنا وقال:
"أحد الأفاضل من أدبائنا الأغيار في الوطن – وكان من موصل - كتب مرة الى مدير الجامعة السريانية ( وهو فريد نزها نفسه ) بقوله: أمح أو أصلح أو غير أسم المجلة ( الاسباني ) فان هذا التعبير  ASIRIA لا يروق لحكومة البلاد عندنا (أي بعد ستة سنوات من مذبحة سميل) وهو يفيد المعنى " الآشوري " وهذا لا يليق أيضا بك وأنت من عائلة سريانية معروفة بغيرتها وتمسكها بالعقيدة السريانية الخ.. فأبتسم المدير ( أي فريد نزها ) من هذا التضمين لدى قراءته تلك العبارة ولم ير غير العياذ بالله العظيم واللواذ بحوله من هذا البلاء المقيم. أنني أسأل جناب الأديب : اذا لم ترُق التسمية الآشورية لجناب الحاكم هل تجيز لك