عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - أبرم شبيرا

صفحات: [1]
1
التعليم السرياني في الوطن
مرحلة تاريخية من نضال وتحديات وإنجازات

=============================================
أبرم شبيرا
تقديم:
=====
في كل زيارة كنت أقوم بها إلى شمال الوطن "إقليم كردستان العراق"  لم يكن يشغلني أي شيء ويمنعني من زيارة المدارس السريانية والأقسام الداخلية للطلبة والطالبات لأنها في الحقيقة والواقع وبعيداً عن أية مجاملة أو عاطفة يعتبر تحقيق التعليم السرياني في الوطن أعظم إنجاز تحققه أمتنا في تاريخها الطويل خاصة في مجال تعليم اللغة والتي هي أحدى الراكز الأساسية والمهمة في وجودنا القومي، وهي الأهمية التي جعلت من بعض المفكريين على اعتبارها روح الأمة، فبموتها تموت الأمة أيضا. هذه الأهمية لللغة نجدها لدى معظم كتابنا ومثقفينا وفي برامج معظم تنظيماتنا القومية السياسية والإجتماعية والثقافية بحيث لاتخلو صحيفة أو برنامج حزبي من التأكيد على أهمية اللغة وضرورة الحفاظ عليها. على العموم فإن هذه التأكيدات المشددة على أهمية اللغة هي بحد ذاتها ظاهرة إيجابية في مجتمعنا  والتي تنم عن حرص أبناءه وقلقهم على مستقبل أمتهم. على أن الأهم من كل هذا هو مدى أمكانية ترجمة هذا الإهتمام والحرص والقلق على مستقبل اللغة القومية إلى واقع ملموس وحقيقي وفعلي يساهم في تحقيق ما يأملون من هذا الإهتمام ويزيل قلقهم من فقدان لغتهم القومية. إنطلاقاً من هذه الأهمية جاء التعليم السرياني لينقل هذا الحلم إلى واقع ملموس عبر مراحل من الكفاح الصعب والطويل والمضني لمواجهة التحديات الصعبة، إن لم تكن مستحيلة، وتحقيق الإنجازات القومية العظيمة والفريدة من نوعها في تاريخ أمتنا. فلأول مرة في تاريخنا الطويل تدرس العلوم الطبيعية والإنسانية بلغتهم القومية ضمن مدارس خارج نطاق الكنيسة، مرحلة يجب أن لا تمر علينا بالبساطة والنسيان، بل علينا تقديرها وتثمينها في كل مناسبة، خاصة بمناسبات إفتتاح مدارس التعليم السرياني في الوطن.

التعليم السرياني في شمال العراق – حقائق وأرقام:
===========================
من الصعب جداً على أي إنسان له ذرة ضمير ووعي بهذه الأمة أن لا ترتجف أبدانه وتغرق عيونه بالدموع وينهذل ذهنه عند دخوله إلى احدى صفوف التعليم السرياني ويشاهد التلاميذ بين جدران رطبة وسقف متهري وهم جالسون على رحلات متكسرة ملئهم الثقة والهمة والإصرار وكلهم صور معبرة عن التحدي نجدها في عيونهم البريئة لمواصلة التعليم بلغتهم القومية مهما كانت االصعوبات... أن الشعور الذي ينتابه الإنسان المؤمن بخلود هذه الأمة لا يمكن له أن يوصف مشاعره عند الدخول إلى أي صف من صفوف التعليم السرياني ويشاهد ويسمع التلاميذ وهم يدرسون مواد علمية كالفيزياء والكيمياء والرياضيات والأحياء والتاريخ بلغتهم القومية، مشاعر تجعل الإنسان واثقاً كل الثقة بخلود هذه الأمة وتواصيلها نحو أجيال طويلة قادمة. كانت بداية التعليم السرياني عام 1992-1993 ومع إنتهاء مرحلة التعليم الإبتدائي في السنة الدراسية 1997-1998 تكون هذه المرحلة قد أكتملت وأصبح التلاميذ مؤهلين للإلتحاق بالدراسة الثانوية مبتدأين بالصف الأول المتوسط. فبعد جهود مضنية وتجاوز المعوقات المختلفة تم إفتتاح أول مدرسة متوسطة بأسم "مدرسة نصيبين" في مدينة دهوك وبدأوا الطلاب دراستهم فيها للسنة الدراسية 1998-1999.
في تلك الفترة زرت بعض المدارس ومنها مدرسة نصيبين وقابلت طلابها ومعلميها والمسؤولين التربويين والإداريين فشهادة ولمست أعظم إنجاز تاريخي في يتحقق لأمتنا على الواقع، لم أكن في حينها قادراً أن أصف مشاعري الفياضة تجاه هذا الإنجاز العظيم  فمهما كانت تفاصيله مؤثؤة فسوف يعجز أي إنسان عن توضيحها ويعطي الحق الكامل لهذا الحدث الججل والعظيم، فما كان مني إلا أن تراودني فكرة تجسيد هذا الحدث العظيم من خلال قلمي في كتاب يفصل بعض من هذا الإنجاز العظيم لأمتنا، فكانت مساعدات وإرشادات ودعم كل من الإستاذ داود هيدو داود المشرف التربوي للتعليم السرياني في دهوك والإستاذ أكد موشي مراد المشرف التربوي للتعليم السرياني في أربيل والإستاذ نزار حنا مدير التعليم السرياني في وزارة التربية والأستاذ الأديب يونان هوزايا والإستاذ الشماس أندريوس عضوا لجنة الترجمة والتأليف المناهج السريانية والإستاذ رعد إيشايا إسحق مسؤول فرع دهوك للحركة الديموقراطية الآشورية أنذاك خير دعم لتجسيد جزء من هذا الإنجاز العظيم في كتاب. فأثمر دعم وإسناد هؤلاء الأساتذة عن إصدار كتاب تحت عنوان (التعليم السرياني في شمال العراق... حقائق وأرقام) والذي صدر عام 2001 وبجهود ومثابرة الإستاذ يوسف شكوانا الذي كان في حينها يعتلي وبشرف مسؤولية الحركة الديموقراطية في الولايات المتحدة.
في هذا الكتاب الذي قسمناه إلى عدة أقسام منها (أهمية تعليم لغة الأم، تجارب تدريس اللغة السريانية، أسباب فشل التجارب السابقة، بداية تجربة جديدة في التعليم بلغة الأم، لماذا التسمية السريانية للغتنا القومية، طموح يتحقق: التطبيق العملي لقرار التعليم السرياني، أنواع وعدد طلاب المدارس السريانية، مناهج التعليم السرياني، مدرسة نصيبين المتوسطة: تواصل التعليم السرياني نحو مراحل متقدمة، الأقسام الداخلية لمدرسة نصيبين، تحديات وصعوبات، تقييم التعليم السرياني، ماهو المستقبل، خاتمة وإستنتاج). طبعاً ليس في النية الدخول في تفاصيل هذه المواضيع تجنباً للإطالة، حيث في تقرير الإستاذ داود هيدو داود عن هذه التجربة العظيمة بعض من هذه التفاصيل لذلك أدرجته في أدناه ضمن الملاحق لكي يطلع القارئ المهتم ما أورده شخص كان جزء من هذه التجربة وعايش أحداثها بشكل مباشر ويومي، ولكن لبيان بعض المعوقات والتحديات التي واجهة هذه التجربة والجهود العظيمة التي بذلت لتجاوزها أود أن أسطر بعضمنها وكما يلي:
1)-  تنص الفقرة الرابعة من المادة الخامسة لقانون وزارة التربية في الإقليم رقم 4 لسنة 1992 على مايلي (جعل لغة الأقليات لغة التعليم في المرحلة الإبتدائية في المناطق التي تقطنها على أن يكون تدريس اللغة الكردية إلزامياً). صدر هذا القرار في شهر أيلول فكان من المفترض بدأ الدراسة باللغة السريانية للعام الدراسي 1993-1994 لغرض توفير الوقت اللازم لتهيئة جميع الأمور الفنية والتعليمية والمادية والكوادر لأن العام الدراسي 1992-1993 كان على الأبواب ولم يكن بالإمكان المباشرة بالتعليم السرياني في ذلك العام. غير أن تعليمات وزارة التربية قضت بتطبيق الفوري للتعليم السرياني فوضعت المعنيين بالأمر في موقف محرج ومقلق جداً فلم يكن ممكناً تجاوزه إلا بالجهود العظيمة التي بذلت من قبل المخلصين لهذه الأمة من معلمين ومؤسسات وأحزاب ونخص بالذكر منها المركز الثقافي الآشوري والحركة الديموقراطية الآشورية، فأفتتحت شعب للصف الأول بتاريخ 06/03/1993 في مركز محافظة دهوك وأعتبر التاريخ الرسمي لإفتتاح المدارس السريانية. ولكن الإشارة تجدر هنا في القول بأنه كان هناك مدرسة سريانية أخرى في سرسنك ترعى من قبل القس شليمون إيشو حيث تأسست عام 1992 وليس لنا الكثير من المعلومات عنها فيما إذا كانت قد أفتتحت طبقاً لقرار وزارة التربية السالف الذكر أم كانت بمبادرة شخصية وكنسية.
2)- كان من المفترض أن يكون التعليم باللغة السريانية إلزامي حسب الصفة الإلزامية للقانون، غير أنه فسر من قبل المعنيين في وزارة التربية وبتأثير من بعض عوائل مجتمعنا الذين وقفوا بالضد من التعليم السرياني، فسر على أساس إعتباره إختياري وترك عوائل شعبنا حرية الإختيار بين التعلم باللغة السريانية واللغة الكوردية. غير أنه بسبب ضعف الوعي القومي وقلة إهتمام العوائل باللغة وفقر معرفتهم بأهميتها لجأؤا الكثير منهم إلى المدارس التي تعلم بالكوردية، خاصة في أربيل. غير أن الغيارى من عوائل شعبنا تحدوا الأمر خاصة في محافظة دهوك فأرسلوا أولادهم إلى المدارس السريانية وهم كلهم ثقة بنجاح هذه التجربة الفريدة رغم المخاطرة وعوامل العرقلة والفشل التي أحيطت بها، وفعلاً كانت هذه المواقف الجليلة والشجاعة عاملاً في إنجاح التعليم السرياني ومواصلة مسيرته حتى وصوله إلى المرحلة الثانوية.
3)- تواصل التعليم السرياني نحو مراحل متقدمة – مدرسة نصيبين المتوسطة: في صيف من عام 1998 تخرج طلاب المدارس الإبتدائية السريانية وأصبحوا أمام وضع محرج ومقلق وغامض في مسيرة تعلمهم باللغة السريانية للمرحلة القادمة لا بل وضع التعليم السرياني برمته في وضع سيمهد الطريق لإفشاله وتلاشي الأماني المرجوة منه في حالة عدم مواصلته نحو مرحلة الدراسة الثانوية. تمثل هذا الوضع المقلق بما يلي:
أ) – المشكلة الفنية والعلمية: عدم وجود بالأساس مدرسة سريانية في هذه المرحلة والمستلزمات العلمية من مناهج وكوادر وأبنية وتجهيزات مطلوبة لتأسيس مثل هذه المدرسة.
ب)- المشكلة القانونية: لم يكن هناك تشريع خاص يقر بالتعليم لمرحلة الثانوية ذلك لأن القانون أعلاه ينص فقط على المرحلة الإبتدائية.
على هذا الأساس كان يستوجب على القائمين بشؤون تعليم لغة الأم مواجهة هذه المشكلة عن طريق توجه الإهتمام والجهود لخوض "المعركة" وعلى مستويين:
المستوى الأول- فكري وثقافي: ليس غير الإستاذ الأديب يونان هوزايا عضو لجنة الترجمة وتأليف المناهج بقادر على ألقاء الأضواء على هذه "المعركة". ففي مقابلة شخصية أجريتها معه بتاريخ 21/02/1999 في عنكاوه ذكر وقال (منذ إقرار البرلمان لحق أبناء أمتنا في التعلم في المدارس بلغتهم القومية بدأنا مع تشكيلات التعليم السرياني في المديرية العامة للتربية ثم مع مديرية التعليم السرياني والمركز الثقافي الآشوري في دهوك  وغيرهم من المؤسسات الثقافية والإجتماعية والمختصين في شؤون اللغة والمشرفين التربويين، بدأنا بمراقبة ومتابعة عملية التعليم السرياني مراقبة دقيقة ويومية وخطوة فخطوة من أجل معرفة مسيرتها الصحيحة وتذليل عقباتها وتوفير مستلزماتها بهدف إنضاج هذه التجربة وإنجاحها لتكون قاعدة لمرحلة متقدمة أخرى. وفعلاً بعد أن قطعت نصف الرحلة وأمضت ثلاث سنوات، أي في عام 1995 من مسيرتها تأكد لنا نجاحها وبشكل ملفت للنظر، ليس للآشوريين وحدهم وإنما لغيرهم أيضا بما فيهم المسؤولين في الدوائر والوزارات المعنية، بل تأكد لنا جميعاً بأنه لا محال من إستمرار مسيرة التعليم السرياني حتى وصول محطتها الأخيرة، أي الصف السادس الإبتدائي وإجتيازها بثقة عالية. ولكن كنا مترقبين وحرصين أشد الحرص على التحرك وعلى مختلف الجبهات وفي الوقت والظرف المناسبين وقبل وصول مسيرة التعليم السرياني محطتها الأخيرة بفترة معقولة ومناسبة. لهذا شرعنا في البدء مرحلة تهيأ الأجواء الفكرية والثقافية والفنية من خلال عقد مجموعة من الندوات والحلقات الدراسية واللقاءات من أجل الإستعداد لطرح موضوع مواصلة التعليم السرياني نحو المرحلة الثانوية على المسؤولين المعنيين – أنهت المقابلة). شخصياً لاحظت جزء من هذه التحديات وعايشت ظروف القائمين عليها لفترة معينة وخاصة مسألة أستكمال ترجمة الكتب وإعدادها وشاهدت وأنا في دمشق في عام 1998 كيف كان الإستاذ الأديب يونان هوزايا يسهر الليالي حتى بزوغ الفجر وهو منكب على ترجمة الكتب التعليمية إلى السريانية، وفي حينها كنت أوبخه على عدم الإهتمام بصحته ولكن كان يقول: يجب عليً إكمال ترجمة هذه الكتب حتى تكون في متناول أيدي طلاب الصف الأول المتوسط قبل مباشرة الدوام الرسمي وإلا فأن التعليم السرياني سينهار برمته... وفعلاً يمكن أن أكد بأن الأستاذ يونان هوزايا وغيره من اللذين ناضلوا نضالاً مستمياً لإنجاح التعليم السرياني ومواصلة رحلته حتى النهاية هم أبطال مجهولون في هذه المعركة ورواد الإنجازات التي تحققت لهذه الأمة في التعليم باللغة السريانية.
المستوى الثاني- سياسي وقانوني: بعد عقد عدد كبير من الندوات واللقاءات والحلقات  وتوضيح خارطة الطريق نحو المرحلة الأعلى للدراسة أنتقلت المعركة من مجالها الفكري والثقافي إلى السياسي والقانوني. ففي نهاية عام 1995 عقدت ندوة موسعة في المركز الثقافي الآشوري في دهوك تحت شعار (لغتنا وجودنا، واجب علينا أن نحافظ عليها) حضرها عدد كبير من المسؤولين والإختصاصين فأقروا العديد من القرارات والتوصيات ومنها توصية بخصوص تطوير التعليم السرياني وضرورة إستمراره نحو مراحل ما بعد الإبتدائية. ثم أستمر أصدار التوصيات بهذا الشأن في الندوات والحلقات الدراسية اللاحقة وأقرت نفس توجيهات حول مواصلة التعليم السرياني للمرحلة الثانوية ورفعها إلى الجهات الرسمية المعنية وتحديدا وزارة التربية التي قامت بتحويل التوصية إلى مجلس الوزراء ثم أنتقلت الوصية بين الوزارات ورئاسة مجلس الوزراء والبرلمان غير أنه لإسباب سياسية تفاعلت مع التطورات التي سادت في المنطقة في تلك الفترة لم يتخذ قرار بهذا الشأن مما أدى إلى قيام الكتلة الآشورية مع عشرين عضواً من أعضاء البرلمان بالتوقيع على الوصية ورفعها إلى رئيس البرلمان. مرة أخرى المسألة تأخرت في مجلس الوزراء وبشكل لم تكن أبداً بعيدة عن التأثيرات السياسية والتي غلفت بحجة عدم توفر الكوادر اللازمة بهذه المرحلة وغيرها من الحجج التي لم تصمد أمام إصرار جميع الخيرين من أبناء شعبنا على ضرورة تحقيق هذا المطلب القومي. وفعلاً وفي نهاية الجولة تم حسم المسألة فقامت رئاسة مجلس الوزراء وفي بداية شهر تشرين الثاني، أي بعد أن كان الموسم الدراسي مستمراً وتجاوز الشهر، بإصدار قرارها المؤرخ في 02/تشرين الثاني 1998 والقاضي بالموافقة على فتح مدرسة أهلية في دهوك للراغبين بالدراسة السريانية وبإشراف وزارة التربية وطبقاً لنفس مناهج الرسمية للمدارس الأخرى. وعقب إستكمال الإجراءات الروتينية مع وزارة التربية وبعد أسبوع من إصدار القرار تم في العاشر من تشرين الثاني 1998  إفتتاح المدرسة رسمياً في مركز مدينة دهوك وسميت بأسم مدينتنا التاريخية الخالدة "نصيبين" وعين الإستاذ بهمود حنا مديراً لها. والمدرسة كانت متكونة من الصف الأول المتوسط ومن ستة شعب وكان عدد طلابها 136 طالب وطالبة. وهكذا أستمرت رحلة التعليم السرياني وتصاعدت نحو مراحل أخرى من خلال فتح الصفوف والشعب في المدارس الأخرى وفي مناطق مختلفة حتى إكتمال المرحلة الثانوية وتهيئ الطلاب لدخول الجامعة وهم متسلحين تسليحاً علمياً كاملا بلغتهم القومية.
4)- وأخير لم يبقى إلا أن نشير بخصوص مرحلة التحول والتطور الكبير الذي حصل في التعليم السرياني بانتقاله وبنجاح من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة المتوسطة إلى الدور العظيم والوقفة الشجاعة التي وقفها معظم العائلات وأولياء أمور الطلبة الذين أنهوا المرحلة الابتدائية. فهؤلاء جميعاً خاطروا بمستقبل أطفالهم من أجل إنجاح تعليم لغة الأم نحو مراحل متقدم وحققوا بعد صمود وشد الأعصاب من تحقيق هدفهم في استمرار أبنائهم الدراسة في المرحلة المتوسطة رغم تأخر افتتاح مدرسة نصيبين . فبعد أن تخرج هؤلاء من المرحلة الابتدائية في بداية صيف عام 1999 وانقضت العطلة الصيفية وشارفت على انتهائها وأستعد الطلاب للذهاب إلى المدارس في الأول من تشرين الثاني أصبح موقف هؤلاء محرج للغاية إذ لم تكن هناك مدرسة سريانية متوسطة لاستيعاب خريجي التعليم السرياني الابتدائي ولم تفتح أبواب هذه المدرسة، أي مدرسة نصيبين، إلا في العاشر من كانون الأول 1999 وبعد حصول الموافقة اللازمة لافتتاحها، كما سبق وأن نوهنا عنها. فطيلة هذه الفترة الحرجة والمقلقة لأولياء الأمور رفضوا إرسال أبنائهم إلى غير التعليم السرياني وأبقوهم في بيوتهم منتظرين افتتاح المدرسة المتوسطة حتى أثمر صبرهم وصمودهم بشروع أبواب مدرسة نصيبين واستقبال طلابها. أنه حقاً موقفاً مشرفاً وقفه الجميع وقفة مسؤولة شجاعة لعبت دوراً كبيرا في إثمار مسيرة التعليم السرياني بثمار انعكست في الهمة والنشاط الذي بادر بها الجميع حيال إنجاح هذه المدرسة . فألف تحية وتحية لجميع العائلات ولأطفالهم على هذا الموقف الشجاع فلولا هذا الموقف لما كانت مدرسة نصيبين قائمة في هذا اليوم . أما بعض العائلات القليلة جداً والتي لم تستطيع الانتظار طويلاً خوفاً على مستقبل أطفالهم، وهو خوف مشروع لا غبار عليه، فقد أرسلوا أطفالهم بعد تخرجهم من الابتدائية إلى المدارس المتوسطة الأخرى واستمروا الدارسة فيها لسنة واحدة، أي الصف الأول المتوسط، ولكن سرعان ما أن نجحوا إلى الصف الثاني حتى أرسلوهم إلى مدرسة نصيبين مقتنعين كل الاقتناع بأن التعليم السرياني في المرحلة المتوسطة قد نجح واجتاز الصعوبات والتحديات وسوف يستمر حتى نهايته الأخيرة المقررة له.
5)- الحق يقال لولا وجود الأقسام الداخلية لإيواء الطلبة لما نجح التعليم السرياني في مرحلة المتوسط، فهذا العامل الحاسم يستوجبه بعض التفصيل وسنحاول بقدر الإمكان إختصار مما ورد في كتابنا المذكور في أعلاه.
حق التعليم بلغة الأم في أرض الوطن حق مشروع لا غبار عليه ولكن نقله وتحويله من المبدأ إلى الواقع يستوجبه توفر مستلزمات لتحقيقه، منها وجود عدد كافي أو مناسب من الطلاب والمدرسين والاختصاصيين والمشرفين التربويين لفتح المدارس واستمرار التدريس فيها ووجود بنايات مناسبة تصلح أن تكون مدارس. وبقدر تعلق الأمر بعدد الطلاب الذين تخرجوا من الدراسة الابتدائية والمطلوب لفتح مدرسة متوسطة لهم لم يكن هذا العدد كافياً حتى في أكثر المناطق كثافة كمدينة دهوك وذلك بسبب التشتت الديموغرافي والجغرافي لشعبنا في المنطقة الشمالية فلم يكن أمام القائمين على شؤون التعليم السرياني حل لهذه المشكلة عندما تقرر فتح مدرسة نصيبين الأهلية المتوسطة في دهوك إلا عن طريق اللجوء إلى الأسلوبين التاليين :
الأول: توفير وسائط نقل كبيرة كالباصات لنقل الطلاب يومياً من مناطق داخل مدينة دهوك والبعيدة عن مكان المدرسة وأيضا من القرى والقصبات المحيطة بالمدينة كمنصورية وسميل وغيرهما ومن ثم إرجاعهم إلى بيوتهم بعد أنتهاء الدوام المدرسي فكان هذا الأمر يتطلبه أما شراء  باصات أو تأجيرها مخصصة لنقل الطلاب وكل هذا الأمر كان متوقفاً على توفر الأموال اللازمة لتحقيقه.
الثاني : فتح أقسام داخلية للطلاب الذين يعيشون في قرى وقصبات بعيدة عن مركز مدينة دهوك كسرسنك وعقرة وشقلاوة وديانا وصبنا وديرلوك وزاخو وعمادية وعقرة وغيرها للمبيت فيها حتى يتسنى لهم الدوام في مدرسة نصيبين في دهوك ذلك لأنه يستحيل على طفل أو أي من كان السفر يومياً من وإلى المدرسة من مناطق بعضها تبعد أكثر من مائة كيلومتر. والأقسام الداخلية لمدرسة نصيبين في دهوك ظاهرة فريدة من نوعها في المنطقة وفي تاريخ أمتنا ومن عدة أوجه منها :
أولاً : أنها لأول مرة في المنطقة وفي تاريخنا  يفتتح أقسام داخلية لطلاب يدرسون معظم موادهم العلمية باللغة السريانية في المرحلة المتوسطة وأعمارهم لا تتجاوز الثانية عشر أو الثالثة عشر من العمر أو أكثر بقليل، فمثل هذه الأعمار يتطلبها رعاية خاصة وعناية فائقة ليست من الأمور السهلة ما لم يخصص لها جهود مكثفة وأموال طائلة لتعيين المشرفين والاداريين عليها .
ثانياً : أنها ظاهرة فريدة في المنطقة لأنه ليس هناك تجارب سابقة في فتح أقسام داخلية لمرحلة الدراسة المتوسطة لا لأبناء أمتنا ولا لغيرهم .
ثالثاً : أنها لا تعتمد على مصادر مالية ثابتة ومستمرة بل أعتمدت كليا على مصادر ذاتية وفرتها اللجنة الخيرية الآشورية وبعض الخيرين من أفراد ومؤسسات أمتنا في المهجر، فهي لم تستلم مساعدات لا من أية دولة أو حكومة معينة، والحكومة الاقليمية غير ملزمة بمساعدتها لأنها تعتبرها خارج العملية التربوية كما وأن مدرسة نصيبين هي مدرسة أهلية وليست حكومية. هذه الأسباب وغيرها جعلت من إدارة هذه الأقسام الداخلية مهمة صعبة وشاقة للغاية فلم يكن يكتب لها النجاح والاستمرار إلا بجهود مضنية وتضحيات كبيرة لأنها لم تكن توفر النوم للطلاب فقط بل كانت أيضا توفر لهم وجبات الغذاء والعناية الصحية والرعاية الإجتماعية مما كان يتطلب ذلك توظيف أطباء وأخصائيين في هذه المجالات.
6)- الصعوبات والتحديات: ذكر الإستاذ داود هيدو في تقريره آنف الذكر هذه الصعوبات ولكن هنا أود أن أذكر صعوبات أخرى منها سياسية ونفسية وإجتماعية.  كان يدرك الجميع في تلك الفترة بأن منطقة فوق خط عرض 36 كانت غير خاضعة للحكومة العراقية المركزية يسودها نوعاً من التوتر السياسي والقلاقل المقرونة بخوف اجتياح قوات النظام العراقي للمنطقة وما يترتب على هذا الاجتياح من متابعة ومعاقبة الذين ساهموا في إنشاء المؤسسات الرسمية والشعبية أو المشاركة في نشاطاتها أو دعمها، والحالة هذه تنطبق على بعض أبناء شعبنا في المنطقة فهم كانوا يعتقدون، بأنه طالما التعليم السرياني ومؤسساته ومدارسه نشاطات وظواهر لا تتفق مع نهج الحزب الحاكم في بغداد وقد لا يرضى أو يوافق عليها، بل يمنعها أو يزيلها من الوجود ويعاقب كل من شارك فيها خاصة وهي مدعومة من أحزاب سياسية آشورية كالحركة الديمقراطية الآشورية المحسوبة على المعارضة العراقية، لذلك كانوا يعتقون بأن مساهمتهم فيها أو دعمها أو حتى إرسال أطفالهم إلى مدارس التعليم السرياني سوف يعرضهم للمسائلة والمعاقبة من قبل النظام العراقي عند قدوم قواته إلى المنطقة . هذه الحالة المقرونة بنوع من الخوف السياسي خلق نوع من التردد والسلبية تجاه التعليم السرياني. ولكم من الملاحظ أن استمرار مسيرة التعليم السرياني وبنجاح رغم كل المخاطر والمخاوف المحيطة بالمنطقة أثر بشكل كبير على تناقص مثل هذه الحالات وبالتالي اقتصارها على عدد قليل جداً بحيث لم يعد لها أي وزن يذكر في التأثير على المسيرة المستمرة للتعليم السرياني نحو مراحل متقدمة، وهذا ما أنعكس على تزايد عدد طلاب المدارس السريانية وتعاظم ثقة الطلاب وأولياء أمورهم بها. إذ من الملاحظ بأن بعض العائلات ترددت في إرسال أطفالهم الذين تخرجوا من المدارس السريانية الابتدائية إلى مدرسة نصيبين بل أرسلوهم إلى المدارس الكردية المتوسطة، ولكن بعد رسوخ التعليم السرياني في المرحلة المتوسطة واجتيازه السنة الأولى نحو السنة الثانية وتعاظم ثقة القائمين على شؤونه في الاستمرار حتى نهاية المرحلة ترك ذلك انطباعاً إيجابيا بناءا في نفوس هذه العائلات تجاه التعليم السرياني وبدأت مخاوفهم بالتبدد والزوال فبدءوا بنقل أطفالهم الذين نجحوا من الصف الأول في المدارسة الكوردية إلى الصف الثاني في مدرسة نصيبين.
أما بالنسبة للصعوبات الإجتماعية والعائلية فمن المعروف بأن العائلة في مجتمعنا في المنطقة، هي كغيرها من العائلات الشرقية، محافظة بطبيعتها، خاصة في المناطق الريفية والزراعية، فلها أواصر عائلية حميمة بين أفرادها يصعب عليهم الفراق أو الغياب الطويل بينهم، وهي حالة معروفة للكثير  ولا يستوجبها التفصيل، ولكن الذي يهمنا من هذه الإشارة هو كيف سيكون الحال مع طفل عمره بحدود 12 إلى 13 سنة أن يفارق أهله لمدة قد تطول أشهر؟ وكيف تثق العائلة بالجهة التي تأوي هذا الطفل وهو بعيد عن بيته ؟؟  وكيف تطمئن إليه وهو محروم من حنان الأم ورعاية الأب ؟؟ أسئلة وأسئلة كثيرة كانت تثار حول طلاب مدرسة نصيبين الذين جاءوا من مناطق بعيدة ويقيمون في الأقسام الداخلية في دهوك. الجواب الوحيد والشافي لهذه الأسئلة، لا بل والحل الأمثل لهذه المشكلة كان يكمن في الجهود العظيمة والمثالية التي وفرتها اللجنة الخيرية الآشورية في الأقسام الداخلية (أربعة أقسام داخلية للطلاب والطالبات) التي تشرف عليها. فقبل كل شيء يجب الاعتراف بأن هذه اللجنة والمنظمات والأحزاب الآشورية الفاعلة في المنطقة والمساندة للتعليم السرياني استطاعت أن توفر، من خلال إخلاصها لأبناء شعبنا وصدقها في عملها القومي، ظروف فكرية ونفسية واجتماعية كانت قادرة على خلق أجواء اتسمت بالثقة والمصداقية بين عائلات الطلاب وصلت إلى حدودها المثالية عندما وضعت هذه العائلات كل الثقة بهذه المؤسسات وأتمنتهم بوضع أطفالهم بين أيديهم وتربيتهم ورعايتهم ومن دون أن يشعروا التلاميذ بأية غربة أو انزعاج بسبب فراق أهلهم وبعدهم عنهم طيلة فترة الدراسة. في أحدى زياراتي الى هذه الأقسام الداخلية ومقابلتي للطلاب والطالبات أكدوا لي جميعاً بأن ما يلقونه من رعاية وإشراف في المدرسة وفي القسم الداخلي ممتاز جداً، فذكروا بأنهم يتلقون ثلاث وجبات طعام صحية وبكميات تفي حاجتهم وبزيادة كما أن ملابسهم تغسل وعلى الدوام وغرفهم وافرشتها نظيفة جداً مثلما هي في البيت وفي كل قسم داخلي عاملة تقوم بتنظيف كل شيء كما هناك مشرفة  إجتماعية ترعي شؤونهم وتنظم أمورهم الشخصية والدراسية أيضاً، وهناك بعض المشرفين هم بالأصل وفي نفس الوقت مدرسين في مدرسة نصيبين وهذا ما يجعل الأمر أسهل إليهم في استمرار المطالعة والدرس في القسم الداخلي والتي قد تكون تجاوزتهم في المدرسة بسبب إدراك الوقت فهذا ساعدهم كثيراً في إداء واجباتنا البيتية بشكل صحيح وتحت إشرافه". أما بخصوص بعدهم عن أهلهم ذكروا بأن ما توفره لهم المدرسة والأقسام الداخلية من رعاية خاصة وعناية كبيرة تعوض الكثير عن هذا البعد كما وأن أهلهم في كثير من الأحيان يأتون إلى دهوك لقضاء بعض الحاجيات فيزورونهم في القسم الداخلي ويقضون  معهم ساعات طويلة وفي أحيان أخرى يقضون معهم بعض الليالي عندما يبقون في دهوك عند بعض أقربائهم، كما أن المشرفة كان تسمح لهم في بعض أيام العطل، وخاصة في عطلة نهاية الأسبوع، أن يزوروا أقاربنا في دهوك بعد أن يرافقهم  مرافق. أما في أيام العطل الطويلة والأعياد فإنهم كانوا يذهبون إلى بيوتهم ويبقون مع أهاليهم حتى نهاية العطلة وهذا كله كان يرتب وينظم ويصرف عليه من قبل اللجنة الخيرية الآشورية.... أفلا تستحق اللجنة الخيرية الآشورية أن نرفع قبعاتنا لها تقديرياً وأحتراماً وتثميناً لهذه الأعمال الجبارة التي قامت بها؟؟.
هذه بعض الصعوبات والتحديات التي واجهها التعليم السرياني وهناك صعوبات ومشاكل آخرى تتعلق بالمواقف المخزية والجبابة للبعض من المحسوبين على مجتمعنا ومحاولة وضع الصخر في عجلة التعليم السرياني وإفشالها وذلك سواء لسبب أو غرض في نفسيتهم المريضة أو خوفاً من الآخرين المعادين لمسيرة أمتنا نحو الأمام. ومن المضحك والمحزن في آن واحد أن نرى اليوم البعض من هؤلاء يتبجحون بفكرهم القومي ويسعون أن يكونوا في مقدمة الساحة القومية السياسية مظهرين أنفسهم كأبطال ومنقذين لأمتنا ولكن ماضيهم أسود ملطخ بتاريخهم المخزي، أمر لا يستوجبه غير بضعة كلمات فقط والإشارة تكفي اللبيب.

أكتفي بهذا القدر وأطلب العذر من القارئ الكريم على الإطالة لأن مثل هذه المسألة والإنجاز العظيم الذي تحقق لأمتنا من التعليم السرياني يستحق أكثر بكثير من هذه الصفحات، فالذي ذكرته في هذه الصفحات من الصعوبات والتحديات والإنجازات للتعليم السرياني كله كانت للفترات الماضية الممتدة للسنوات من 1992 ولغاية 2000 وربما أكثر بقليل، ولكن مما نلاحظه بعد هذه السنين نوع من التحول في مسار التعليم السرياني لذلك أطلب من القارئ الكريم تمديد هذا العذر لأذكر مايلي:
1)- نلاحظ بعد عام 2003 وما نتج من إرهاصات وتخرصات وتخبطات على مختلف الأصعدة سواء في المجتمع العراقي عموما أو في مجتمعنا خصوصاً قلة الإهتمام بالتعليم السرياني من قبل أحزابنا وتنظيماتنا القومية والسياسية وبإعتقادي الخاص أرى بأن سبب ذلك هو تحول الإنتباه وتكريس معظم الجهود نحو الكراسي البرلمانية والوزارية وتغليب المصالح الحزبية الخاصة على المصلحة القومية العامة.
2)- لعبت الهجرة دوراً كبيراً ومؤثراً على التعليم السرياني وتناسب تصاعد وتيرة الهجرة تناسباً عكسياً مع تقلص عدد الطلاب والمدرسين وبالتالي توجه أنظار العوائل نحو أبواب الهجرة أكثر من توجهها نحو المدارس السريانية.
3)- الظروف المأساوية والمميتة المحيطة بمجتمعنا وتعرضه إلى حالة من التردد والقلق والخوف من تصاعد عمليات الإرهاب عوامل مهمة وخطيرة في مسيرة التعليم السرياني فأصبح ضمان الحياة بأمن وسلام من أوليات أبناء مجتمعنا متجاوزاً وبخطوات كثيرة أهمية التعليم السيرياني.
4)- وأخيرا نتسائل ما مصير التعليم السرياني في عصر داعش وإرهابه المميت؟ أين أبناء امتنا من التعليم السرياني والإرهاب يطرق أبوابهم ليل نهار. أين سيكون التعليم السرياني وما مصيره عندما يكمل داعش إجتياحه لبقية مناطق شعبنا؟؟؟ أسئلة تشاؤمية كثيرة يحق لنا أن نطرحها وقد لا نجد لها أجوبة مقنعة في الوقت الحاضر ترضي أبناء شعبنا. ولكن كل هذا يذكرني بحديث ماضي مع الصديق رعد إيشايا أسحق البازي، الذي كان مسؤولا لمكتب الحركة الديموقراطية الآشورية في دهوك عندما دخلت معه في نقاش في التسعنيات من القرن الماضي حول الموضوع فقلت له: ما مصير التعليم السرياني إذا إجتاحت قوات صدام حسين المنطقة وسيطرت عليها؟ فقال هذا ممكن حيث سيقوم بقتل وإعتقال أعضاء الأحزاب المعارضة ومنهم أعضاء زوعا والبعض الآخر قد يهرب مرة أخرى إلى الجبال، وقد يقوم بهدم أو إغلاق المدارس السريانية ويحرق الكتب التعليمية ويطرد أساتذتها ولكن... نعم ولكن... لا يستطيع صدام ولا غيره من عتاة الدكتاتورية والإستبدادية  أن ينتزع لغة الأم من لسان بضعة ألاف من أطفالنا الذين تعلموها في هذه المدارس سواء بقوا هؤلاء في الوطن صامدين مكملين مسيرة أمتنا نحو الأمام أو هاجروا إلى بلدان المهجر وهم حاملين معهم لغتهم القومية.     





الملاحق:
==========

ملحق رقم 1: تقرير الإستاذ داود هيدو داود المشرف التربوي للتعليم السرياني في دهوك

=================================================
بتاريخ 14/2/1999 كتب الإستاذ داود هيدو داود المشرف التربوي للتعليم السرياني في دهوك وبخط يده تقريراً طويلاً عن بداية ومسيرة التعليم السريانية ولكونه مفصلا عن مسيرة التعليم السرياني وجاء من شخص عايش يومياً أيام هذه المسيرة أرى عرضه ولو بشكل مختصر فائدة لإعطاء صورة أوضح عن مسيرة التعليم السرياني:
البداية:
=====
كانت البداية بعد صدور قرار مجلس قيادة الثورة الخاص بمنح الحقوق الثقافية للناطقين بالسرياني "كما سماهم نظام بغداد" لأبناء شعبنا الآشوري بكل طوائفه، إلا أن التعليم كان مجرد شكليات ولإغراض الدعاية والإعلام الذي أعمى العالم بأسره حيث أن مواقف النظام وسياسته تجاه القوميات الأخرى في العراق كانت على عكس ما يدعي به. وعلى ضوء ذلك كانت مجالات المبادرة والتطور معدومة في مجال التعليم بلغة الأم وأن المناهج والبرامج التي وضعت كانت مشلولة ومجرد دروس ثانوية لا قيمة لها ... أستمر هذا الوضع بضعة سنوات ومن ثم ألتف عليه إلتفافاً تاماً ووضع على الرفوف العالية. بقى الوضع هكذا إلى ما بعد الإنتفاضة الجماهيرية التي عمت معظم مناطق العراق عام 1991 فكان من أفرازاتها إنبثاق المجلس الوطني (البرلمان) الكردستاني بعد إنتخابات عام 1992 تلته تشكيل حكومة الإقليم والهيئات والمؤسسات الإدارية لملئ الفراغ الذي أحدثته الحكومة المركزبة بعد سحب الدوائر الحكومية الرسمةي من شمال العراق، فعقب ذلك سن قوانين خاصة لكل وزارة من وزارات الإقليم لتمشية الأمور الرسمية ومن تلك القوانين قانون وزارة التربية رقم 4 لعام 1992 وبموجبه بدأ التعليم السرياني في محافظتي دهوك وأربيل.

الإنطلاقة:
========
كانت تلك نقطة البداية والإنطلاق في مسيرة عظيمة وهائلة نحو بناء مستقبل مشرق زاهر لأبنائنا التلاميذ للتعليم بلغة الأم التي هي الفرصة الأولى التي أتيحت لأبناء شعبنا في تاريخ النضالي الطويل. فبعد صور القانون المذكور أعلاه بدأت نشاطات مكثفة لتطبيقه وإخراجه إلى الوجود الفعلي فعقدت عدة ندوات مع المعلمين وأولياء أمور التلاميذ في دهوك وأربيل فشكلت عقب ذلك لجنة متابعة من عدد من المعنيين حيث قامت بعقد عدة إجتماعات ومؤتمرات تربوية وأهمها مؤتمر موسع في أربيل بتاريخ 04/01/1992 وعلى مستوى رئاسة الوزراء برئاسة السيد رئيس الوزراء (أنذاك) الدكتور فؤاد معصوم وبحضور السيد وزير التربية ووكلاء وزارات التربية والصحة والشؤون الإجتماعية وأعضاء برلمانيين من القائمة الآشورية ورئيس أساقفة أربيل ووفد يمثل محافظي أربيل ودهوك وعدد كبير من المختصيين والخبراء. خلال الجلسة تم مناقشات وحوارات للوصول إلى حلول وأسس وأنظمة الخاصة بتطبيق وتعميم تدريس مادة اللغة السريانية. ثم بعد التوصل إلى آلية لتطبيق النظام تم تشكيل ثلاث لجنان وهي اللجنة العليا للدارسة السريانية في وزارة التربية واللجنة الفرعية في كل أربيل ودهوك. وعلى أثر ذلك بدأت اللجان فوراً بإعداد المناهج وطبعها وفي وقت قصير جداً وقياسي وقد تحملت الحركة الديموقراطية الآشورية جميع النفقات اللازمة لوضع الكتب الدراسية بين أيدي التلاميذ وهذه كانت حقاً أعظم هدية لهم. ومن جملة النشاطات التي قامت بها اللجنة الفرعية في دهوك هو حصر أو أجراء تعداد لكافة التلاميذ الآشوريين في مدارس المحافظة وتحديد مراكز تجمعهم وقدمت قوائم بأسماء المدارس وأسماء التلاميذ إلى المديرية العامة للتربية.
إفتتاح المدارس وبدء الدراسة السريانية:
==========================
على أثر ذلك صدرت أوامر إدارية من المديرية العامة للتربية في دهوك فتح شعب للدراسة السريانية في المحافظة ويمكن أن نقول أن التاريخ الرسمي لإفتتاح المدارس الرسمية للتعليم السرياني في محافظة دهوك هو 06/03/1993 حيث تم إفتتاح ستة مدارس في مركز المحافظة في كل من سميل ومجمع المنصورية وبيرسفي وزاخو وكواني وديرلوك وعقرة، علماً بأن مدرسة سرسنك كانت قد فتحت في شهر تشرين الثاني 1992 وأن هذه المدارس كانت في البداية تشمل على شعبة واحدة فقط للصف الأول الإبتدائي حسب قرار وزارة التربية لتستمر الدراسة بالإنتقال إلى الصف الذي يليه وهكذا إلى أن وصلت الدراسة في العام الدراسي 1998-1999 إلى الصف الأول المتوسط حيث شهدت مسيرة التعليم السرياني تطورات هامة ومثيرة وجديرة بالفجر والإعتزاز بها.
من الجدير بالذكر هو أن مدارس المحافظة خضت أعظم تجربة في مسيرتها التعليمية ألا وهي الإشتراك في الإمتحانات العامة (البكالوريا) الوزارية في العام الدراسي 1997-1998 في الصف السادس الإبتدائي وقد دلت نتائج الإمتحانات على النجاح الباهر للعملية التعليمية في المحافظة بالتعليم بلغة الأم لكافة المواضيع حيث كانت نسبة النجاح تزيد على 76% في الدولة  وهذه أعلى نسبة حصلت عليها المدارس الإبتدائية في مثل هذه الإمتحانات وأن معظم مدارسنا حصلت على نسبة نجاح 100% وحصلت على المركز الأول أو المراكز المتوفقة على مستوى المحافظة. كان التعليم السرياني في بدايته في شُعب مذابة ضمن صفوف المدرسة التي تقع في مراكز تجمع أبناء شعبنا، في مركز المدينة والتجمعات والقرى لكن بعد إستمرارية الدراسة وتعدد الشُعب ضمن تلك المدارس أصبح من الضروري  فصل تلك الشُعب السريانية وجعلها مدارس سريانية مستقلة فكانت أول مدرسة سريانية مستقلة بملاكها وتلاميذها هي مدرسة ديرسم السريانية التي تم إفتتاحها في 18/11/1995 في منطقة حي الأسرى في مركز المحافظة (دهوك) تلتها مدرسة بهرا السريانية في 02/12/1995 في مركز قضاء سميل مكونة كل منها من ستة صفوف والدراسة فيها باللغة السريانية لجميع المواد بالإضافة إلى دراسة اللغة الكردية والعربية والإنكليزية وحسب الإنظمة. توالت بعد ذلك إفتتاح مدارس سريانية مستقلة في مركز المحافظة والأطراف حيث تم فتح مدرسة نوهدرا في 25/10/1997 في منطقة حي الجمعية في مركز المحافظة ثم مدرسة سرسنك السريانية في سرسنك في نفس السنة وأخيراً مدرسة أورهي في منطقة بروشكي في مركز المحافظة في 21/10/1998. ومن الجدير بالذكر أن في المحافظة (دهوك) حاليا (وقت كتابة هذا التقرير في 14/02/1999) يوجد 17 (سبعة عشر) مدرسة سريانية (يذكر الإستاذ هيدو أسماء المدارس في جدول مرفق بتقريره... ويذكر بأن بعض هذه المدارس تدرس فيها جميع المواد التدريسية باللغة السريانية وبعضها الآخر يدرس فيها السريانية كلغة إضافة إلى التعليم المسيحي... لماذا: يقول الإستاذ هيدو: لأن هذا كان إختيار أولياء أمور التلاميذ وبتأثير من جهات معينة لا تومن بأن تكون لغة التعليم هي اللغة السريانية وهذا أثر سلباً على مسيرة التعليم في مناطق تواجد هذه المدارس... ومن جانب آخر المعاكس يقول الإستاذ داود:  أن أوليات أمور التلاميذ أستمروا على رفد المسيرة التعليمية السريانية وتشجيعها في كافة المجالات وكان الإسناد الأعظم هو إستمرار إرسال أبنائهم إلى المدارس السريانية بالرغم من بعدها من مناطق سكناهم وتعرض التلاميذ إلى الكثير من المشاكل والمصاعب لكن بالرغم من ذلك أستمر التحدي عند بعض الذين يعانون من عقدة الخوف كما يسميها الكاتب القدير أبرم شبير، الخوف من شيء لا يعرفونه أو جعل بعض الأوهام التي تراودهم من العقد نفسها).

وفي ذكر بعد المدارس عن سكن التلاميذ، حريُ بنا أن نذكر دور الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) واللجنة الخيرية الإجتماعية الآشورية اللذين كانتا سنداً دائماً منذ بداية الخطوة الأولى في التعليم ولحد الآن وقد كانت الحركة الديموقراطية الآشورية السند الأوحد لعملية التعليم السرياني مستغلة موقعها السياسي وثقلها في المجتمع والأوساط السياسية متمثلة بالكتلة البرلمانية الآشورية والتمثيل الوزاري التي لم تبخل في بذل الجهود المضنية لجعل المدارس السريانية وعملية التعليم السرياني حقيقة ثابتة وموجودة ومستمرة وبنجاح منقطع النظير بالرغم من الحملات العادية لها منذ البداية لا لشيء إلا من أجل إفشال هذه المشروع الوطني والقومي الهائل الذي أعمى بصائر المعادين. أما اللجنة الخيرية الآشورية  فقد قامت بالدعم المالي للعملية منذ البداية فقد صرفت أموال طائلة في طبع الكتب المدرسية من السنة الأولى ولحد الآن وكذلك مكافأة المعلمين والمحاضرين وأجور نقل التلاميذ في الكثير من المدارس نذكر منها على سبيل المثال نقل تلاميذ مدارس بهرا ونوهدرا من بيوتهم إلى المدرسة وبالعكس وكذلك صرف نثريات إلى لجنة التعليم التي تغطي جانب من مصاريف المدارس كشراء الأوراق واللوازم المدرسية الأخرى وصرف مكافاة للمحاضرين شهريا بمعدل ثلاثمائة دينار لكل محاضر ويتراوح عدد المحاضرين بين 14-17 محاضراً أو أكثر أحيانا في مدارس محافظة دهوك فقط.
الكتب المدرسية (المنهجية) المعتمدة في مدارسنا السريانية هي ترجمة يمكن أن نقول بأنها حرفية لكتب المناهج التربوية الرسمية المعتمدة في المدارس الرسمية في الإقليم والعراق. وقد قامت لجنة الترجمة المشكلة في وزارة التربية بترجمتها تباعاً وحسب المراحل حيث تم ترجمة وطبع كتب الصف الأول الإبتدائي في بداية السنة الدراسية 1992-1993 وأثر إقرار التعليم السرياني وقبل إفتتاح المدارس بوقت مناسب حيث كانت الكتب المدرسية في متناول أيدي التلاميذ في بداية إفتتاح المدارس. وقد تولت اللجنة الخيرية الآشورية توفير الأموال اللازمة لتغطية مصاريف تلك الكتب ولحد الآن وتساهم كذلك مطبعة وزارة التربية في توفير بعض المستلزمات اللازمة للطباعة وكذلك ساهمت منطمة (SC) البريطانية في طبع كتب الصف السادس وإعادة طباعة كتب القراءة السريانية للصفوف الثاني والثالث والرابع. والآن وبعد أن وصلت الدراسة السريانية إلى الصف الأول المتوسط تم ترجمة وطبع كتب الصف المذكور وهي الآن بين أيدي طلابنا وفي متناولهم. نؤكد ونقول بأن لولا الدعم المالي المنقطع النظير الذي وفر من قبل الحركة الديموقراطية الآشورية واللجنة الخيرية الآشورية لما كانت الدراسة على وضعها الحالي ولكان الفشل الذريع للعملية بأجمعها ولكانت نكسة في مسيرة التعليم السرياني.
الكادر التعليمي والدورات:
==============
كما هو معروف لدى الجميع بأنه لم تتح الفرصة لأبناء أمتنا التعلم بلغتهم بسبب الأنظمة الفاشية التي حاولت دائماً صهرنا وطمس حضارتنا وأن القلة القليلة التي تعلمت اللغة وأصولها وآدابها كانت ضمن محاولات شخصية أو في الكنائس والأديرة مما أدى إلى صعوبة توفير الكادر التعليمي الماهر الملم باللغة وآدابها. لقد دأبت اللجان المشرفة على التعليم السرياني والجهات المختصة وبالتعاون مع وحدات التدريب في وزارة التربية وبمساندة اليونيسيف إلى فتح عدة دورات قصيرة الأمد أقصاها لمدة شهر وقد تم تدريب وإعداد المئات من المعلمين والمعلمات في تلك الدورات ليحملوا على عاتقهم مسؤولية التعليم باللغة السريانية في مدارسنا. ومن جانب آخر حصلت الموافقة على تدريس اللغة السريانية في معاهد إعداد المعلمين والمعلمات وبواقع حصتين في الأسبوع من خلال دروس الدين. وبالرغم من عدم كفاية هذه الحصص لإعداد المعلم ذات الإمكانيات العلمية ليكون معلماً في المدراس السريانية إلا أنه مع هذا فأن هذه الدورات كانت تعطيه الأسس والمبادئ الأولية في التعليم السرياني ومن ثم يتم تدريبه وإعداده في حياته العملية بعد تعيينه ونقله إلى المدارس السريانية. (ثم يذكر الإستاذ هيدو العشرات من الدورات التي أقيمت في إعداد وتدريب المعلمين المرشحين للتعليم في المدارس السريانية إضافة إلى العديد من الحلقات الدراسية للوقوف على مشاكل التعليم السرياني وطرق تطويره والتي شارك فيها العديد من المختصيين ورجال العلم والمعرفة إضافة إلى بعض المسؤولين في الإقليم... ويتابع الأستاذ هيدو ذكر هذه الحلقات ويركز على الحقلة الدراسية الثالثة حيث يؤكد في القول بأن هذه الحلقة الدراسية كانت بمثابة إنتقالة نوعية في مسيرة التعليم السرياني حيث توصل المتحاورون إلى ضرورة تواصل التعليم السرياني في نحو مرحلة المتوسط والمراحل الأعلى منها وتم رفع توصية بهذا الشأن إلى وزارة التربية وبدورها إلى مجلس الوزراء....)
المعوقات والمشاكل:
===========
من خلال الندوات والإجتماعات والحلقات الدراسية والدورات الخاصة بالتعليم السرياني ومن خلال متابعتنا اليومية الميدانية للمدارس توصلنا إلى نقاط مشتركة لأهم المشاكل والمعوقات التي تصادف عملية التعليم السرياني في المحافظة (دهوك) منها فنية وتقنية ومنها تتعلق بأبنية المدارس والوضع المعاشي للمجتمع الذي نعيش فيه والظروف الصعبة التي نمر بها. وفيما يلي بعض تكل النقاط المهمة:
1)- بنايات المدارس: لكون أبناء شعبنا منتشرون في جميع أنحاء المحافظة وبكثافات متباينة ومختلفة فإننا نلاقي صعوبات كبيرة لتجميع الطلاب في صفوف أو مدارس خاصة بالتعليم السرياني، وبسبب التوسع والإنفجار السكاني أدى إلى إتخاذ بنايات المدارس لتداوم فيها أكثر من مدرسة أو أكثر من دوام واحد (دوام مزدوج).
2)- بُعد سكن التلاميذ من المدارس:  لكون التلاميذ منتشرين في جميع أحياء المحافظة فذلك يكون من الصعب جمعهم في مدارس خاصة إلا إذا توفرت سيارات خاصة لنقلهم وهذه تتطلب أموال طائلة (للباص والسائق والبترول والصيانة... إلخ).
3)- الوضع الإقتصادي: حرم الكثير من التلاميذ الانخراط في صفوف الدراسة لعدم إمكانية العائلة من توفير المستلزمات اللازمة للطلاب كالدفاتر والحقائق وحتى الملابس وغيرها من اللوازم.
4)- جهل أولياء أمور التلاميذ لغة الكتب المنهجية (المطبوعة بالسريانية... لكونها كتب علمية مصطلحاتها غير معروفة لأولياء الأمور) ويمكن أعتبارهم أميين (بهذا الشأن) بالرغم من حصولهم على شهادات عليا في لغات غير لغتهم.
5)- طبع الكتب وخاصة العلوم والرياضيات باللونين الأسود والأبيض فقط مما يؤدي إلى عدم الإيفاء بالغرض أو الإستفادة منها بصورة صحيحية وجيدة وأن الطباعة الملونة تكلف أضعاف الطباعة الحالية وكذلك نوعية وجودة الورق المستعمل في الطباعة.
الواقع والطموح:
============

2
من أرشيف الحركة القومية الآشورية:
----------------------

فشل إشراك بطاركة كنيسة المشرق في العمل السياسي
================================
أبرم شبيرا
مختصر في الأرشيف القومي:
ليس قصدنا من البحث في بعض من صفحات أرشيف الحركة القومية الآشورية سرد الوقائع التاريخية السياسية لمجتمعنا المعاصر بل هو عرض جوانب من هذه الوقائع التي الكثير منها غير منشورة ولا معروفة لأبناء شعبنا وقد تكون بعضها ذات قيمة يستفاد منها في معرفة التاريخ  وإشتقاق الدروس والعبر منها، فالمقولة القائلة بأن من ليس له تاريخ ليس له حاضر ومن ليس له حاضر ليس له مستقبل صحيحة بالتمام والكمال. من هذا المنطلق يجب علينا جميعاً، وتحديدا المهتمين بشؤون أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" وأحزابها السياسية وتنظيماتها القومية، أن تكون على دراية ومعرفة بالخلفيات التاريخية لحركتنا القومية تجعل منها مساراً مستنيراً لهم في مسيرتهم على طريق النضال القومي لكي تستفاد منها، فتأخذ المفيد منها وتتجنب العثرات والسلبيات التي واجهها من سبقهم في هذا المضمار وبالتالي تتجنب التعثر بنفس الحجر مرتين. وهنا أرى أنه من المفيد ونحن نتكلم عن الأرشيف أن نفرق بين مصطلحين وهما: الأول: التأريخ (بوضع الهمزة على الألف) والذي يعني تدوين الأحداث التي مضى عليها زمنا معينا. والثاني هو التاريخ (بدون همزة على الألف) والذي يعني  تحليل وفهم للأحداث التاريخية عن طريق منهج يصف ويسجل ما مضى من وقائع وأحداث و يحللها و يفسرها على أسس علمية صارمة بقصد الوصول إلى حقائق تساعد على فهم الماضي والحاضر و التنبؤ بالمستقبل (حسب موقع وكيبيديا)، وهو من أهم مواضيع علم السياسة والإجتماع. أي بهذا المعنى فأن الأحداث المدونة التي مضى عليها زمناً تعتبر المادة العلمية لموضوع التاريخ، فعلى أساس هذا الفهم للتاريخ نكتب هذه السطور في موضوع (فشل إشراك بطاركة كنيسة المشرق في العمل السياسي) رغم قلة المراجع في هذا الشأن والتي قد تؤدي إلى عدم إمكانية تغطية الموضوع بكل جوانبه المطلوبة لفهم هذا الموضوع المهم لاسيما في الوقت الحاضر الذي يدور حوله الكثير من المناقشات عن دور الكنيسة ورجالاتها في المسألة القومية السياسية.
فعلى الرغم من الفقر الذي نعانيه في الوثائق والأرشفة عن مختلف مناحي حياة أمتنا خاصة السياسية منها وتحديدا الحركة القومية، فأن هذا لا ينفي وجود بعض الوثائق المهمة بهذا الشأن، رغم قلتها، ولا أدري أن أصف نفسي بالشخص المحظوظ في إقتنائي القليل جداً من هذه الوثائق إن لم أنسب كل الفضل إلى كرم وفضل بعض أصدقائي الذين تكلفوا وزودوني بنسخة منها، ومنها رسالة مهمة بهذا الشأن وبعض الوثائق الأخرى المتعلقة بموضوعنا هذا التي زودها لي صديق عزيز وكريم منذ سنوات وبقت على الرفوف العالية لمكتبتي الصغيرة وأرى الآن قد حان الوقت لنفض الغبار عنها

دعوة لتأسيس قيادة آشورية عالمية بإشراك بطاركة كنيسة المشرق:
====================================== 

لأسباب موضوعية وذاتيه، منها جغرافية وفكرية وثقافية وسياسية، كان أبناء شعبنا في إيران من أوائل المبادرين إلى تأسيس منظمات ثقافية وفنية وسياسية. وحتى المنظمات والجمعيات التي تأسست في العراق وفي المهجر كان معظم مؤسسيها ورؤسائها من أبناء شعبنا من إيران. ولعل من أشهرها الجمعية الأدبية للشباب الآشوري في طهران التي طبعت وأصدرت العديد من الكتب في تاريخنا القومي إضافة إلى نشاطات قومية وسياسية أخرى. ففي عام 1966 وبالتعاون مع الجمعية الخيرية الآشورية في طهران وبكتابها المؤرخ في الخامس من شهر شباط لعام 1966 وجهت دعوة الى جميع بطاركة كنيسة المشرق وزعماء الجمعيات الآشورية والشخصيات التقليدية والفكرية والثقافية لعقد مؤتمر وتأسيس قيادة عالمية للأمة تحت تسمية "مجلس الاتحاد الآشوري العالمي" واقترحت أن تكون برئاسة مثلث الرحمات مار شمعون إيشاي، بطريرك كنيسة المشرق وطالبت منه أن يتولى مسؤولية الإتصال ببقية الأسماء المقترحة لعضوية القيادة العالمية. ومن أسماء البطاركة وغيرهم الذين يهمنا الإشارة إليهم في هذا الموضوع والدور المقترح لكل واحد منهم، نذكر:
•   غبطة مار إيشاي شمعون، كاثيليكيوس بطريرك كنيسة المشرق – كليفورنيا، الولايات المتحدة - رئيسا
•   قداسة مار إغناطيوس يعقوب الثالث –  دمشق، سوريا - بطريرك الكنيسة "الآشورية"  (اليعاقبة) – رئيس مساعد. (ذكروا الأشورية بدلا من السريانية)
•   قداسة مار عمانوئيل  بطريرك الكلدان –  بغداد، العراق – رئيس مساعد !!!!
•   قداسة بطريرك الكنيسة المارونية – بيروت، لبنان – رئيس مساعد !!!!
•   السيد كميل شمعون المحترم، رئيس لبنان السابق،  بيروت، لبنان – رئيس مساعد
•   السيد ياقو ماليك إسماعيل، قائد عسكري سابق في الجيش الآشوري، كندا -  مستشار ميداني
•   السيد يوسف ماليك خوشابا،... (الأقامة والوظيفة مجهولة)، مستشار ميداني
•   السيد ماليك لوكو شليمون تخوما، (الوظيفة مجهولة)، الحسكة، سوريا – مستشار ميداني
•   السيد ديمتري (أغا) بطرس إيلوف- تولوز، فرنسا – سكرتير للمراسلات الفرنسية
•   السيد أبرم دي كليتا، لندن، المملكة المتحدة – مستشار سياسي
•   البرفسور أبرم إسحق، جامعة أوكسفورد، المملكة المتحدة – مستشار عام وللأمم المتحدة.
أضافة إلى شخصيات إجتماعية وثقافية وعلمية ورؤساء مؤسسات آشورية معروفة في الولايات المتحد الأمريكية وفي إيران جاوز عددهم عشرين شخصية فأكتفيت بالشخصيات المذكور أعلاه لكون لهم صلة مباشرة وأكثر بهذا الموضوع.

 والأسباب الموجبة التي بينتها اللجنة التحضيرية لدعوة تأسيس قيادة آشورية عالمية تلخصت بما يلي:
1-   وصول جمال عبد الناصر إلى السلطة في مصر وإشتداد حكمه وقيام الوحدة بين مصر وسوريا وما صاحب ذلك من تصاعد نزعة العروبة وتصاعد تعصب القوميين العرب والناصريين وظهور تهدادات لأمن دول المنطقة كلبنان وإسرائيل وتعرض وجود الأقليات في الشرق الأوسط كالآشوريين والكورد والشيعة إلى التهديد والوعيد من قبل الأكثرية العربية المتشددة.
2-   قيام الثورة الكردية في شمال العراق ودخولها في صدامات مسلحة مع الحكومة العراقية وتعرض المنطقة، والتي هي قلب موطن الآشوريين، إلى الحركات المسلحة والإجتياحات العسكرية مما سبب ذلك هجرة أبناء شعبنا وبأعداد كبيرة إلى المدن الكبيرة.
3-   إزدياد نفوذ وتأثيرات الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوربية كبريطانيا وفرنسا وحتى إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط وبالتالي دخول العامل الدولي في رسم أو التأثير على سياسات المنطقة، لهذا نرى في تقارير اللجنة التحضيرية أعطاء أولوية كبيرة لمنظمات وشخصيات من أبناء أمتنا في الولايات المتحدة الأمريكية وإعتمادها كلياً عليهم وعلى قدرتهم للتأثير على الإدارة الأمريكية لمساندة القيادة الآشورية المقترحة.

في كتابه المؤرخ في الثاني عشر من شهر شباط لعام 1966 رد المثلث الرحمات مار شمعون إيشاي على الدعوة الموجبه إليه والطالبه منه الإتصال بالأشخاص المعنيين لتشكيل القيادة العالمية، رد بشكل يصعب جداً على قارئ الكتاب أن يفهم موقفه من هذه الدعوة فهو، بذكائه وفطنته المعروفة لم يرد لا بالسلب ولا بالإيجاب بل كل ماذكر فيه هو إمتنانه الكبير لمرسلي الدعوة ومباركته لهم بالروح القدس طالباً لهم كل الموفقية في خدمة أمتنا الآشورية. إلا أنه خلال زيارة قداسته لإيران في عام 1967 رفض وبشكل مباشر  فكرة تولي مسؤولية زعامة التنظيم المقترح لا بل رفض الفكرة من أساسها حينئذ أدركت اللجنة التحضيرية  تخلي البطريرك عن رغبته في البقاء كزعيم للأمة الآشورية  فأضطروا إلى اللجوء إلى شخصية آشورية أخرى تكون معروفة على المستوى القومي فوجدوا ضالتهم في السيد ديميتري أبن الجنرال أغا بطرس الذي كان يعيش في تولوز في فرنسا. وعند مفاتحته بالفكرة وافق عليها ومن ثم بدأت التحضيرات للمؤتمر الأول التأسيسي للإتحاد الآشوري العالمي الذي أنعقد في منتصف شهر نيسان من عام 1968 في مدينة باو في فرنسا  ومن دون مشاركة أي من البطاركة وعدد كبير من الشخصيات التي وجهت الدعوة لهم، وبالتالي يمكن القول وبجزم بأن محاولة إشراك بطاركة كنيسة المشرق في تأسيس قيادة سياسية عالمية آشورية قد فشلت، لا بل ماتت وهي في مهدها، خاصة عندما نعرف بأن البطريرك مار شمعون إيشاي الذي كان اللاعب الأساسي والقائد "الأوحد" للحركة القومية الآشورية في الثلث الأول من القرن الماضي لم يعد مهتماً بالسياسة ولا بالتدخل في الشؤون القومية، وهذا ما سنأتي عليه في السطور القادمة.

تقييم دعوة تأسيس قيادة آشورية عالمية:
========================

ولو حاولنا تقييم فكرة وجهود الشخصيات والمنظمات التي بادرت بهذه الفكرة، نقول بأن قراءتها للعوامل الخارجية التي دفعتها لهذه المبادرة كانت صحيحة، غير إن فقر المعرفة أو ضعف الوعي بالعوامل الداخلية المتعلقة بشؤون أمتنا خاصة في العراق وبطبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين أجزاء كنيسة المشرق وبطاركتها وأيضا ببعض الشخصيات المدعوة للمشاركة في هذه القيادة كانت عوامل حجبت النور عن هذه الفكرة ولم تخطو خطوة واحدة غير تأسيس الإتحاد الآشوري العالمي ومن شخصيات لم تكن كما كان مقترحاً. لا ننكر بأن النية الطيبة والحماس القومي كإستجابة للوضع السياسي في تلك الفترة كان من وراء فكرة تأسيس القيادة الآشورية العالمية ولكن هذا الإندفاع والحماس غطى أو  تجاهل حقائق لم تكن ظاهرة لأصحاب الدعوة أو تم إستصغارها مقابل عظمة ومثالية الفكرة وبالتالي لم تظهر إلى النور كما كان مطلوباً لذلك فشلت محاولة إشراك بطاركة كنيسة المشرق في العمل السياسي بل فشلت الفكرة الأساسية برمتها. ويمكن إرجاع أسباب الفشل إلى مايلي:
 
1)-الشخصيات المدعوة للتأسيس والقيادة:
الشخصيات الكنسية:
 يظهر بشكل جلي جهل أو عدم معرفة اللجنة التحضيرية لطبيعة الشخصيات المدعوة للتأسيس، ربما لأسباب تتعلق بقلة المعلومات عن الكنائس وعن بطاركتها. وهذا يتجلى، على سبيل المثال، في كنية البطريرك مار شمعون إيشاي حيث أن كنيته حسب تقليد كنيسة المشرق هي قداستة  (His Holiness) وليس غبطتة  (His Beatitude) فهذه الكنية تطلق على المطارنة. والأنكى من هذا هو إدارج أسم المثلث الرحمات مار يوسف عمانوئيل الثاني بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ضمن المدعوين للتأسيس ومنحه منصب نائب رئيس للقيادة في الوقت الذي كان قد غادر إلى الأغدار السماوية في عام 1947 وكان المثلث الرحمات مار بولس الثاني شيخوا هو بطريرك الكنيسة في عام 1966 . نعتت اللجنة التحضيرية الكنيسة السريانية الأرثوذكسية بالآشورية وهذا نموذج للفكر الآشوري القومي التقليدي في تأطير جميع كنائس المشرق بالتسمية الآشورية، كما يفعل حتى يومنا هذه بعض الآشوريين ومؤسساتهم. فالآشورية ليست التسمية الرسمية والواقعية للكنيسة فهي تسمية  بالأساس غير مقبولة لها. تجاهلوا من قائمتهم قداسة مار اغناطيوس ميخائيل تبوني (توفي عام 1968) الذي كان بطريرك الكنيسة السريانية الكاثوليكية في تلك الفترة وهو من الشخصيات الكنسية المعروفة في تاريخ كنيسة المشرق وأول كاردينال كاثوليكي من الشرق وكان مدافعاً قوياً عن أبناء شعبه لذلك أعتقلته السلطات العثمانية في حلب عندما كان مطرانا ولم يطلق سراحه إلا بعد حملة عالمية شارك فيها ملك النمسا في تلك الفترة. ذكروا قداسة بطريرك الكنيسة المارونية ولكن بسبب جهلهم لأسمه لم يذكروه ولكن منحوه منصب نائب رئيس للقيادة. كان مار بولس بطرس الثاني المعوشي هو بطريرك الكنيسة في تلك الفترة وأول بطريرك ماروني ينال لقب الكاردينال.
الشخصيات العلمانية:
أدرجت اللجنة التحضيرية العديد من الشخصيات العلمانية ولكن للإختصار ذكرنا سبعة منهم، ثلاثة منهم من الزعماء التقليدين، ماليك ياقو (المهجر – كندا) و ماليك يوسف (العراق) وماليك لوكو (سوريا) وأربعة منهم شخصيات سياسية وعلمية. فإذا كان بعضهم معروفين للقراء مثل كميل شمعون وديمتري أبن أغا بطرس فلا أعتقد بأن الآخرين معروفين خاصة بالنسبة للـ (أبرمين)، فالسيد أبرم دي كليتا كان نائب القنصل البريطاني في العراق غادرها إلى إنكلترا بعد ثورة 14 تموز عام 1958 وكان ملما بالأمور السياسية لذلك كان منصب مستشار سياسي للقيادة الآشورية العالمية ممنوحاً له، ولا ينكر بأنه رغم قلة نشاطه القومي في لندن إلا أنه بقى حتى آخر أيامه آشورياً قومياً فكان يحب أبناء شعبه ودائم الإرشاد والنصح للجيل الجديد. أما أبرم إسحق فكان بروفسوراً في الإقتصاد في جامعة أوكسفورد ومعروفاً على الساحة البريطانية وفي حينها قيل بأنه كان يساهم في إعداد الميزانية العامة للحكومة البريطانية. أصله من منطقة أورمي في أيران فعندما زرناه قبل عدة سنوات في بيته في مدينة أوكسفورد كانت هناك قطعة على المدخل الخارجي لبيته مكتوب عليها "أورميا"، لكن رغم كفاءته العلمية العالية وشهرته إلا أن مساهماته في المسائل القومية الآشورية لم تكن بمكان حتى تستحق الذكر، حتى أنه رفض ذات مرة دعوة النادي الآشوري في لندن لإلقاء محاضرة في النادي. لم تدرجه اللجنة التحضرية في قائمة القيادة الآشورية العالمية ومنحه منصب مستشار للشؤون العامة والأمم المتحدة إلا بسبب شهرته العلمية الواسعة. أما بالنسبة لماليك يوسف ماليك خوشابا (تصورا الشخص الوحيد من العراق من بين العشرين أسماء المقترحة والأمر برمته كان يتعلق بالوطن القومي للآشوريين في العراق حتى أن اللجنة التحضيرية لم تكن تعرف مكان إقامته ووظيفته)، كان ماليك يوسف يعيش في العراق وضابط متقاعد من الجيش العراقي برتبة عقيد وقد أدرج أسمه في قائمة القيادة ومنح منصب مستشار ميداني لا لكونه ملماً بالشؤون العسكرية فحسب بل في تلك الفترة كان المسؤول الأول عن أتباع الكنيسة الشرقية القديمة لأنه لم يكن لهم بطريركاً حتى عام 1968 حين تم إختيار مار توما درمو مطران الهند لكنيسة المشرق بطريركاً على الكنيسة الجديدة/القديمة لحين وفاته في عام 1969 ثم خلفه  قداسة مار ادي الثاني في عام 1970.

2)- تقليد التنظيم اليهودي العالمي:
من خلال القراءة المتمعنة في كتاب اللجنة التحضرية وبعض الوثائق التي أصدرتها بهذا الشأن نرى بأنها تحاول تقليد نموذج التنظيم اليهودي العالمي في تأسيس المنظمات العالمية التي لعبت دوراً فاعلاً في قيام دولة إسرائيل. فإذا كانت المقارنة تصح في البحوث العلمية مأخوذاً جميع العوامل الموضوعية والذاتية بنظر الإعتبار لكل أمة فأن التشبيه أو التقليد في البحث والدراسة أمر لايمكن أن يؤدي إلى نتائج مقبولة وذلك بسبب إختلاف ظروف كل أمة عن  الأخرى وتباين العوامل الموضوعية والذاتية. كان هناك عاملان أساسيان في نجاح التنظيم اليهود العالمي في مهمته لتأسيس دولة لليهود، وهما (1) -  الوعي القومي المتعمق والمتزاوج مع المعتقد الديني بضرورة تحقيق حلم اليهود التوراتي في قيام دولة إسرائيل و (2) – التمويل وتكريس كل الإمكانيات المادية في سبيل تفعيل التنظيم اليهودي وتحقيق الحلم التوراتي، وكلا العاملين لعبا الدور الأساسي والفاعل في التأثير على حكومات الدولة الكبرى وعلى الرأي العام فيها في تحقيق الحلم اليهودي. عاملان مهمان جداً وأساسيان لكل تنظيم يسعى لتحقيق هدف معين، وهما العاملان الغائبان عن مجتمعنا وسبباً في فشل أو تعثر تحقيق أي تنظيم قومي لهدفه، خاصة الهدف الأسمى في تأسيس كيان مستقل للأمة. فواقع أمتنا كان ولايزال يبين فقرنا المدقع في التمويل والإمكانيانت المادية، وحتى لو توفرت بحدودها الدنيا فأن تكريسها للمسألة القومية أمر غائب عن واقعنا القومي. أما بالنسبة لعامل الوعي القومي المتعمق والصحيح فإن التناقضات الطائفية والعشائرية والقريوية والصراعات الشخصية كلها عوامل غيبت الوعي القومي وشلت فعالية أي تنظيم قومي من تحقيق هدفه. وهذه التناقضات والصراعات كانت واضحة بين الأسماء المقترحة لتأسيس القيادة الآشورية العالمية، ولازالت مثل هذه التناقضات المستميتة تنخر في جسم أمتنا حتى يومنا هذا وتشل فاعلية تنظيماتنا وأحزابنا.         

3)- التناقضات الفكرية والصراعات الشخصية:

نظرة بسيطة إلى الأسماء المقترحة لتأسيس القيادة الآشورية العالمية والمناصب المقترحة لكل واحد منهم سيظهر على الفور عمق التناقضات الدينية والفكرية والصراعات الشخصية التي كانت سائدة بينهم. فمن الناحية الكنسية والدينية ليس منطقياً ولا مقبولاً إطلاقاً أن يكون بطريرك كنيسة المشرق "النسطورية" مار إيشاي شمعون رئيساً وقائداً وفي مستوى أعلى في التنظيم والقيادة من بقية بطاركة فروع كنيسة المشرق، خاصة عندما نعرف بأن هذه الكنيسة هي أصغر فرع من فروع كنيسة المشرق وكانت بالنسبة لهم كنيسة هرطقية. صحيح أن قيادة الحركة القومية الآشورية كانت قد أرتبطت بأسم البطريرك مار إيشاي شمعون خلال سنوات النصف الأول من القرن الماضي وعمل على هذا الأساس والصفة وهذا هو الذي دفع اللجنة التحضيرية على وضعه في قمة القيادة المقترحة إلا أنه من الملاحظ بأن آخر نشاط قومي قام بها البطريرك مار إيشاي شمعون كان عام 1945 عندما قدم بالتشارك مع الإتحاد القومي الآشوري في الولايات المتحدة طلباً إلى مؤتمر السلام العالمي المنعقد في مدينة سان فرنسيسكو عام 1945 طالباً ضمان حقوق الآشوريين في وطنهم التاريخي ثم طلباً آخر عام 1947 إلى هيئة الأمم المتحدة والخاص بالمذابح التي أرتكبت بحق الآشوريين عقب إنهيار جمهورية مهاباد الكردية في إذريبيجان الإيرانية، وبعد هذا التاريخ غاب عن الساحة القومية السياسية ولم يعد يهتم أو يتدخل في الأمور السياسية فأنكفأ نحو المسائل الكنيسة والدينية والشخصية، وهذا الأمر كان أكثر وضوحاً عند زيارته للعراق عام 1972 حيث رفض كل مخططات نظام البعث في العراق وتجنب التدخل في المسائل السياسية والقومية. فهذه المسائل السياسية والقومية التي كانت شغل الشاغل للبطريرك في الماضي لم تعد تعني له شيئاً لذلك رفض دعوة تأسيس القيادة الآشورية العالمية، كما أن مثل هذه المسائل لم تكن تعني أيضاً بشئ إلى بقية بطاركة فروع كنيسة المشرق. هذا ناهيك عن السيد كميل شمعون الذي كان ثاني رئيس للبنان وقائدا لحزب الوطنيين الأحرار، أحد الأحزاب القوية والفاعلة على الساحة اللبنانية الذي لايمكن أن نتصور ولا في حدود المنطق أن يقبل ليكون نائباً لشخص لاحول له ولا قوة وربما لم يسمع عنه إطلاقاً.

أما بالنسبة للتناقضات الفكرية والصراعات الشخصية التي كانت تتحكم في العلاقة القائمة بين الأسماء المقترحة للقيادة فهي كثيرة ولا يمكن إطلاقاً تصور قيام مثل هذه القيادة والتناقضات العميقة تتحكم في تفيكرهم وسلوكهم. فالبطريرك مار إيشاي شمعون وماليك ياقو من جهة و ماليك يوسف من جهة أخرى كانوا في صراع فكري وشخصي أن لم نقل عشائري في تلك الفترة من عام 1966، وهو الصراع المتوارث من السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى وتحديداً أثناء الحركة القومية الآشورية لعام 1933 والذي تداخل وتفاعل مع الإنقسام الكنسي في بداية الستينيات من القرن الماضي عقب تبني كنيسة المشرق للتقويم الغريغوري وتزعم ماليك يوسف التيار المناهض والذي بقى على التقويم الغريغوري ومن ثم ظهور الكنيسة الشرقية القديمة. أما بالنسبة لماليك لوكو شليمون زعيم عشيرة تخوما الذي كان حليفاً قوياً للبطريرك ولماليك ياقو أثناء حركة عام 1933 فأنه بعد رحيله إلى سوريا وما أعقب ذلك، خاصة في الأربعينيات من القرن الماضي من أزمات إقتصادية من جراء الجفاف وتلف المحاصيل الزراعية وظهور بوادر المجاعة بين أبناء شعبنا هناك ومن ثم طرح مشروع تهجريهم إلى البرازيل، وقع ماليك لوكو في خصام شديد مع البطريرك بخصوص هذا المشروع وتجلى ذلك في رسائله الذي أتهم البطريرك في كونه غير مبالي بشعبه المتذرع جوعاً في سوريا ووصفه بالدكتاتور لأنه رفض مشروع تهجير الآشوريين إلى البرازيل.

ضمن هذه التناقضات العميقة التي كانت سائدة بين الشخصيات المقترحة لتشكيل القيادة الآشورية العالمية لا تسمح لنا أن نتصور حتى في الخيال قيام مثل هذه القيادة التي كان يتطلبها وبالدرجة الأولى تفاهم وتعاون وتنسيق، وهي الأمور المهمة التي غابت عن اللجنة التحضرية وبالتالي فشلت الفكرة ولم ترى النور لحين قيام الإتحاد الآشوري العالمي وبشخصيات وفكرة مختلفة بعض الشيء، والتي سنأتي عليها في مناسبة أخرى. فالمثل الذي يقول "حسابات البيت تختلف عن حسابات البيدر" كان ينطبق على أعضاء اللجنة التحضرية وهو المثل الذي لا يزال ينطبق على الكثير من أبناء شعبنا وخاصة السياسيين منه.

خاتمة وإستنتاج:
==========

ليس من الصحيح في البحوث والدراسات العلمية أن يكون الإستنتاج واضح ومستنبط منذ البداية، كما هو الحال في موضوعنا هذا حيث من العنوان يظهر بأن إشراك بطاركة كنيسة المشرق في العمل السياسي هو عمل فاشل. ولكن أشارتي إلى هذا الفشل إبتداءاً من العنوان هو من باب التأكيد المتشدد على فشل مثل هذا الإشراك خاصة في عصرنا الحالي. كثيرا ما يحتج العلمانيون خاصة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية على ما يعتقدونه بأنه تدخل من رجال الكنيسة في الأمور السياسية حتى وأن كان تصريح أو رأي عن مسألة قومية معينة أو مباركة منهم لأحزابنا ومنظماتنا بالتوفيق والنجاح. والعكس صحيح أيضا فأن الكثير من رجال الكنيسة يعتقدون بأن بيان رأي مثقف أو كاتب من أبناء أمتنا رأيه في مسألة دينية أو كنيسة هو تدخل في شؤون الكنيسة. وإذا كنا قد أكدنا بفشل إقحام رجال الدين في العمل السياسي فأنه بالمقابل والتأكيد المشدد سيكون الفشل أيضا مصير أي تدخل من أحزابنا السياسية في الشؤون الكنسية لا بل نتائج هذا الفشل كثيراً ما تكون مهلكة وسلبية على طبيعة العلاقة العضوية التاريخية بين كنيستنا وأمتنا. والقصد من العلاقة العضوية هو أنه لايمكن لطرف أن يتواجد ويعيش إلا بتواجد وعيش الطرف الآخر من العلاقة. بعبارة أخرى لا يمكن لكنيستنا المشرقية بكل فروعها أن تتواجد وأن تستمر بدون تواجد وإستمرار أمتنا والسبب معروف وهو الإشتراك في مقومات وجود وإستمرار كل طرف من طرفي العلاقة. فكل ضرر وتعسف وظلم على طرف هو بالنتيجة ضرر وتعسف وظلم على الطرف الآخر، وهكذا أيضا فكل تقدم وإزدهار على طرف من طرفي المعادلة هو بالنتيجة تقدم وإزدهار على الطرف الآخر، هذه العلاقة العضوية يجب أن تكون في مقدمة تفكير وسلوك رجال أمتنا الكنسيين والعلمانيين وهي الأساس الذي يبنى عليه الإحترام المتبادل والعمل كل في حقله الخاص من دون تدخل من الآخرين. هذه العلاقة العضوية الترابطية بين الطرفين لا يعني إطلاقاً تداخل بعضهما بالبعض وإختلاط حدودهما ومن ثم فقدان طبيعة وجود كل طرف وخواصه الفكرية والرسالة التي يسعى لتحقيقها، فحال أمتنا في هذه العلاقة العضوية بين الطرفين هي شبيه بطبيعة الماء المتكونة من الأوكسين والهايدروجين العنصران اللذان يشاركان وبنسب معينة ومعروفة في تكونين الماء ولكن من دون فقدان خواصهما. نكتفي بهذا القدر لأن موضوع العلاقة بين الكينسة والأمة طويل جداً ومعقد وحالة قد تكون نادرة لا تكفي هذه الصفحات للتفصيل فيها، فأكتفي بالهمس في إذا أبناء شعبنا وتحديداً الكنسيين والسياسيين منهم، بأن أي تدخل في شؤون الطرف الآخر هو أمر محكوم بالفشل المحتوم وضررُ للأمة والكنيسة ويعرقل مسيرة الطرفين نحو تحقيق رسالتهما.
"ليس أحد أشد صمماً من أولئك الذين لا يريدون أن يسمعوا"




3
عندما يفلس التاجر يبحث في أوراقه القديمة ... د. حبيب تومي نموذجاً
=========================================
أبرم شبيرا
إفلاس الكاتب كإفلاس التاجر:
-----------------

في الحقيقة أقرأ كل الردود والإنتقادات التي ترد على المواضيع التي أكتبها مهما كانت خاصة تلك التي تختلف مع ما أكتبه، لأنني أعتبرها مهما كانت سلبية مصدر مهم للإلهام الفكري وتطويره وتحسين منهجي في الكتابة وتجاوز الإخطاء التي قد تعترض الهدف الذي أسعى إليه من وراء كتاباتي. لذلك أعتبرها نوع من "النقد البناء" لأنني أعتبر نفسي منفتحاً فكرياً  وبالتالي أستفاد من كل ما يكتب. من هذا المنطلق لا أصرف أي وقت في الرد عليها لأنني أخصص كل وقتي لتطوير أفكار ومنهجي في الكتابة خاصة وأن مثل هذا الوقت ثمين جداً لي لأن في معظمه وبحدود تسعة ساعات مكرس للعمل الذي هو مصدر رزقي ورزق عائلتي وهو الأمر الذي جردني من الحلم الذي كنت أحلم به في أن أكون كاتب أو باحث متفرغ. هذا من جانب، وهناك جانب آخر يفرض عليً أن أرد على البعض الذي يقحمني في مواضيع ليست لي بها أية صلة مباشرة، مواضيع بعيدة كل البعد عن الواقع والحقيقية مما يلزمي أدبياً أن أوضح الأمور ليس من باب النقد والتهجم بل من أجل توضيح وتفسير أمور غائبة عن الشخص المعني خاصة عندما لا يملك أي سند أو مصدر أو حقيقة عن الموضوع فيظل يدور في دائرة مفرغة ويحوم حول معلومات وتفسيرات وقصص أصبحت من زمن الماضي فيصبح حاله كحال التاجر الذي أفلس من جراء أعماله الفاشلة والخاسرة مما يضطر إلى اللجوء إلى دفاتره القديمة والبحث فيها لعل يجد ما ينقذه من ورطته ولكن من دون جدوى. ويعتبر كاتبنا د. حبييب تومي في معظم كتاباته خاصة في موضوعه الأخير المعنون (هل ساهمت زوعا بتفريق صفوف شعبنا؟) والمنشور في موقع عنكاوه بتاريخ 22/01/2014. وهنا تجدر الإشارة إلى أن عنوان الموضوع لا يمت بصلة بمتنه وهي الصفة التي تتصف بها معظم كتاباته مظهراً تخبطه وضياعه بين عنوان الموضوع ومتنه. وإذا كان هذا الموضوع قد أشبع نقداً وتوضيحاً وتصحيحاً من العديد من القراء ولم يعد هناك مجال آخر جديد غير أدلو بقلمي وأعرض ما خصني به وببعض المواضيع التي طرحها والتي فيها الكثير من المغالطات والتجني على الواقع والتاريخ.

أوراق د. حبيب تومي القديمة:
=================

معظم ما يكتبه يتركز على معاداته المستميتة لوحدة شعبنا والتسمية الأشورية وحتى للتسمية الوحدوية "الكلدانية السريانية الاشورية" وإصراره العنيد على تفريق شعبنا وتمزيقه معتمداً على أسس خاطئة ومفاهيم لا وجود لها إلا في ذهنه أو إهانته لأحزابنا السياسية خاصة الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) وجعلها شماعة لتعليق كل أعماله الفاشلة خاصة الإنتخابية منها وحتى لو واجه أي كلداني أو مؤسسة كلدانية أو الكنيسة الكلدانية أية مشكلة فليس سبب ذلك إلا زوعا والأحزاب الآشورية أو يونادم كنا، وهذا هو الذي يجعل من كل كتاباته أن تفقد مصداقيتها، فبأسلوبه هذا لا يضر نفسه فحسب بل يضر الكلدان أيضاً ويشوه أسمهم أكثر مما يفيدهم ومن خلال وضعهم في حقل معادي لبقية أخوتهم ليس من الآشوريين فحسب بل من الكلدان المتنورين والمدافعين عن كلدانيتهم وبأسلوب علمي ومقنع. يهاجم د.حبيب زوعا هجوماً وبأسلحة من غير بارود معتمداً على ذهنيته المتكلسة الغير القادرة على فهم السياسة والأمور المتعلقة بها. ويسند حروبه على ثلاثة مصادر أو دلائل لعنصرية زوعا وإقتتالها من أجل التسمية الآشورية المفردة.

أولاً: كتاب أبرم شبيرا:
لا أدري إذا يقبل د.حبيب إمتناني وشكري له لمنحه لي لقب "منظر الزوعا والفكر الآشوري" وهو فخر وشرف لي أن ألقب بهذا اللقب والذي طبعاً لا أستحقه وليس لي الحق في مثل هذا اللقب وأنا غير جدير به لأنه بعيد عن الواقع والحقيقة... والأنكى من كل هذا فأنه يجزم بأن أبرم شبيرا هو من المؤسسين الأوائل لحركة زوعا؟؟!!! ويظهر أن هذا الكرم الهائل في منحي هذه الألقاب السامية لهو أكثر بكثير مما يمنحني زوعا والذي لا يتجاوز كلمة "رابي" الشائعة الإستعمال في شمال الوطن مع (إستكان جاي) كلما أزور مقراتهم في الوطن.  بالله عليكم يا قراء ويا قيادة وأعضاء زوعا أين الحقيقة من هذا القول... سيدي العزيز يظهر أنك بعيد ... لا بل بعيد جداً عن زوعا ولا تعرف شيئاً عنها وأنت صاعد نازل (حدرا) بها... أخي العزيز... أنصحك أن تقراْ أولاً تاريخ تأسيس زوعا وهو متوفر في موقعه الألكتروني أو أن تطلبه، إذا تجرأت، من أحد أعضاءها وسوف تحصل على تفاصيل كاملة عن تأسيس زوعا والشباب الذين ساهموا في تأسيسها فإذا وجدت إسمي بينهم حينئذ سوف أعتذرك لك وأوافقك الرأي وأعترف بجهلي في شأن أحزابنا السياسية خاصة زوعا، ولكن مع هذا فأن لزوعا وغيرها من التنظيمات القومية لشعبنا لها مكانة خاصة في تفكري وإحترامي الكبير لهم وهذا لا يمنعني أن أنتقد ممارستهم الخاطئة فأنا أؤمن إيماناً قوياً بأن الأمة التي ليس لها أحزاب سياسية نشطة تكون إرادتها القومية مرهونة بل خاضعة لإرادة الأمم الأخرى، وهو موضوع سبق وأن كتبنا عنه كثيراً.

هذا من ناحية، في محاولة تهجم د. حبيب على زوعا من خلال إتهامه لها بالعنصرية والتمسك بالتسمية الآشورية يعتبرني مصدراً أساساً في دعم إتهامه هذا معتمداً على ما ذكرته في كتابي المعنون "الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر – دراسة في العقلية العراقية تجاه الأقليات"، ويصفه من باب التصغير بـ "الكراس" في الوقت الذي هو كتاب يقع في 112 صحفة من القطع الكبيرة ونشرته دار الساقي في بيروت ولندن عام 2001 وهي أكبر وأوسع دار للطباعة والنشر في الشرق الأوسط تهتم بشؤون شعوب وتراث هذه المنطقة. فالكتاب هو دراسة موضوعية معتمدة على مراجع مهمة وأساسية في الموضوع، فلو كان كراساً كما تقول لما نشرته هذه الدار المشهورة ولا كان له مكاناً في بعض المكتبات في بيروت وفي شارع أجوير في قلب لندن ولا في بعض المعارض الدولية للكتاب مثل الشارقة  والقاهرة وبيروت، ولعلمك لا زالت هذه الدار تتصل بي وتطلب مني المزيد من البحوث لنشرها.  صحيح هو ما ورد في هذا الكتاب من إشارة إلى التسمية الآشورية ولكن هذه التسمية لم ترد إعتباطاً ونحن نتكلم عن زمن عمره أكثر من عقد ونيف. إستاذنا الفاضل، يظهر بأنه لا تعرف حتى أبجدية السياسة التي هي  فكر وممارسة وبهذه الممارسة يتطور الفكر عبر مراحل زمنية فإذا لم يتطور يصبح دوغما وفكر جامد لا مكان له على الواقع. وكما نحن نعرف أيضا بأن السياسية هي فن الممكن. وهذا الممكن لا وجود له في الخيال والذهن  بل في الواقع المنظور إليه بحالة حركة وتطور فمن المفروض أن تكون هذه المفاهيم معلومات أولية وإبتدائية لك لأنها جزء من الفلسفة الماركسية وأنت كنت شيوعياً يجب أن تكون ملماً بها ولكن يظهر، بالرغم من تاريخك الماركسي الشيوعي، بأنك لم تطلع عليها ولا تعرف عنها شيئاً. 

قبل عام 2003 من كان يجرأ أن يقحم أسم الكلدان في السياسية القومية أو تضمين التسمية الكلدانية كقومية في الفكر القومي ؟؟؟ كم حزب سياسي كلداني كان موجوداً قبل تلك السنة؟؟؟ وهل يستوجب أن نشير إلى إحصاء نفوس العراق لعام 1977 عندما كتبوا معظم الكلدان "عربي أو كردي" في حقل القومية في إستمارة الإحصاء وأولهم بعض من إقربائي الذين كنت ألح عليهم أن يكتبون كلدان أو الناطقين بالسريانية وليس أثوري،  ولكن كان ردهم "خلينا مستورين على خبزنا". واقع الحال في تلك الفترة كان يفرض على كل إنسان وكاتب موضوعي أن يتناول التسمية الكلدانية كما كانت معروفة كتسمية طائفية بل كان عليه إحترامها كما هي وكما كان يرغب أتباعها أن توصف ومن دون "توريطها" في السياسة. يؤسفني أن أقول يا إستاذنا الكريم بأن أعتمادك على أفكار ومفاهيم طرحت قبل أكثر من عقد ونيف وضمن ظروف مختلفة وتحاول معاملتها وسحبها إلى واقع الحال في هذا الزمن وضمن ظروف أخرى مختلفة هو نوع من التكلس الفكري أن لم نقل رجعي ويظهر بأنك لم تعد تعرف شيئاً من هذا الواقع لذلك تحاول أن ترجع إلى الماضي وتبحث ما يسعفك من الأوراق القديمة. الكلدان يشكلون الأكثرية من أبناء شعبنا واليوم هناك فكر قومي كلداني وأحزاب سياسية كلدانية فالجاهل وحده ينكر مثل هذا الواقع الذي يفرض قوته على تفكرينا ونعتبره كل الإعتبار في عقولنا وكتاباتنا وسلوكنا ونجد تأطير لهذا الواقع بالتسمية الوحدوية "الكلدانية السريانية الأشورية" طرحاً مقبولاً للجميع. في عملية إحصاء لعام 2000 كنت من أشد المعارضين للتسمية المركبة التي أعتمدتها السلطات الأمريكية أشوري/كلداني/ سرياني لحقل الأثنية بعدما كان هذا الحقل تحت مسمى آشوري فقط في الأحصاء السابق لعام 2000 حيث كانت الكلدانية والسريانية ضمن الحقل الآشوري وكان رواد ومتحمسوا هذه التسمية المركبة الكثير أو معظمهم من  الكلدان في الولايات المتحدة وفي مقدمتهم نيافة المطران مار سرهد جمو. ولكن الواقع تغير بعد أكثر من عقد من الزمن وعلى ألإنسان الواعي والمتطور أن يعي هذا الواقع ويتغير معه فأصبح هذا الواقع معروفاً للجميع حيث ربحتُ شخصياً مع الكثير من أبناء شعبنا المتنورين خطوتين إلى الأمام بتبني التسمية الوحدوية "الكلدانية السريانية الآشورية" في حين خسر الآخرون خطوتين وتارجعوا نحو التسمية المفردة "الكلدانية" وتقوقعوا فيها.

 البعض ينبذ التسمية الوحدوية ويرفضونها ولكن الإنتخابات البرلمانية في المركز والإقليم التي أفرزت فوز الأحزاب السياسية المتبنية للتسمية الوحدوية "الكلدانية السريانية الآشورية أكثر من مرة وهزيمة الأحزاب المتبنية للتسمية المفردة الكلدانية أو الآشورية أكثر من مرة لهو دليل قاطع على قبول شعبنا لهذه التسمية الوحدوية ونحن نعرف بأن هذه الإنتخابات هي المعيار الوحيد المتوفر حالياً في العراق في معرفة شعبية أحزابنا سواء قبلنا ذلك أم رفضنا فهذا لا يغير من الواقع شيئاً... أنا أقول بكل صراحة وبفخر وإعتزاء مثلما كنت أقرأ الواقع قبل عقد من الزمن ونيف وأستخدم التسمية الآشورية فإنني بنفس الصراحة وبنفس الفخر والإعتزاز وربما أكثر إنني أقرأ واقع اليوم وأستخدم التسمية الوحدوية "الكلدانية السريانية الآشورية" فهذه التسمية هي إغناء قومي وفكري وحضاري أما التسميات المفردة فهي إفقار بكل معنى الكلمة. إنني أعيش في قلب هذا الواقع ولكن أنت يا حبيبنا العزيز تعيش في خارجه وبعيد جداً عنه تعيش في الماضي إن كان لك فكر ماضي له صلة بفكر كلدانيتك الذي تطرحه اليوم. أن الإنتقال من التسمية المفردة (الآشورية أو الكلدانية أو السريانية) إلى التسمية الوحدوية "الكلدانية السريانية الآشورية" هو إنتقال داخل الحدود التي تحدد وجود أمتنا ضمن مقوماتها القومية المعروفة وهو ونوع من التطور وإستيعاب الواقع، أما الإنتقال والتحول من أيديولوجية ماركسية شيوعية إلى التطرف القومي الضيق مقرونً بالطائفية المقية فهو أمر قد يوصف بالإنتهازية.


ثانياً:عنصرية زوعا وآشوريتها:
ليست بمحامي دفاع عن زوعا فغيري من أعضاء زوعا ومؤيديها أكفئ مني بكثير للقيام بهذه المهمة، ولكن لغرض أستبيان الجوانب العلمية والموضوعية في دراسة زوعا كنموذج جيد للحزب السياسي ألزمني للكتابة في الموضوع الذي يظهر فيه وبشكل جلي بأن أستاذنا الكريم د. حبيب يجهل جهلاً مطبقاً مفاهيم كثير في السياسة والفكر ورغم ذلك فهو يورط نفسه فيها بإجتراره للقديم والتخبط فيه وبالتالي يصبح حاله كحال من ينطمس في رمال متحركة فيزداد إنطماسه كلما تخبط في حركاته محاولاً الخروج منها. فمن أكثر الأمور إستغراباً هو أنه يحاول أن يفرق بين مفهوم الحركة ومفهوم الحزب بقوله بأن زوعا بدأت أولاً كحركة ثم تحولت إلى حزب. غير أنه في أبسط مفاهيم علم السياسة التي يجهلها د. حبيب لا يوجد مثل هذا التفريق. فالحزب السياسي مهما كانت تسميته حزب أو حركة أو منظمة أو عصبة، أو جبهة أو حتى جمعية ونادي ومجلس فأن معرفته لا تتم من حيث الأسم والممارسة بل من حيث المقومات المكونه له. فـ (1) عدد من أفراد و (2) فكر أو أيديولوجيا و (3) نظام داخلي و (4) وهو الأهم: السعي للوصول إلى السلطة لتحقيق الأهداف فهذه هي المقومات أو الأركان الأساسية التي تجعل من أي تنظيم أن يكون حزباً سياسياً بغنى عن تسميته. وتاريخ زوعا يبين بأنه تأسس من إندماج عدد من المنظمات والمجموعات الشبابية التي كانت هي بحد ذاتها تشكل حزب بالمفهوم العلمي له.  كما أن الحزب ليس الغاية أو الهدف بحد ذاتيه بل هو وسيلة أو أداة لتحقيق الأهداف لهذا السبب ليس بالضرورة أن يكون أسم الحزب مطابقاً للأهداف التي يعمل من أجلها... فالحزب الشيوعي العراق، الذي من المفروض أن تكون أنت سيد العارفين عنه، ليس هدفه خدمة الشيوعيين العراقيين فقط بل كل العراقيين. وحزب العمال البريطاني لا يعمل من أجل العمال فحسب بل للبريطانيين جمعياً، وهكذا الحال مع بقية الأحزاب السياسية في العالم ومنهم زوعا. 
فعلى الرغم من تسميته بـ "الحركة الديموقراطية الآشورية" فأن هدفه هو العمل لصالح جميع أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآِشوري وليس للآشوريين فقط وهو الواضح وبشكل جلي في جميع أدبياته الحديثة. ويظهر من سطحية تفكير د. حبيب تومي في التاريخ إصراره على كون هذه التسمية عنصرية غير أن الكثير من علماء الأثار والتاريخ وعلم الآشوريات أثبتوا بالدليل القاطع بأن الآشوريين لم يكونوا يشكلون عنصراً أو عرقاً مستقلاً بحد ذاته بل أن تسميتهم الآشورية هي تسمية حضارية مرتبطة بتاريخ حضارة بلاد مابين النهرين، وهي الحضارة التي كانت تشمل عدد من الشعوب والأعراق، ونظرة بسيطة إلى أدبيات زوعا سوف نعرف كتفية أستقاق وجود أمتنا من الحضارات التي ولدت في بلاد مابين النهرين. فعنصرية التسمية "الآشورية" عند الدكتور حبيب تذكرني عندما كان رجال الأمن وأزلام البعث يحاربون النادي الثقافي الآثوري في بغداد (1970 – 1980) بحجة كونه يستخدم مصطلحات عنصرية كـ "الآثوري". شخصياً عندما كنت عضواً في هيئته الإدارية تم إستدعائي مع أثنين من أعضاء الهيئة الإدارية إلى دائرة الأمن وتوجيه تهمة العنصرية إلى النادي طالباً حذف كل كلمة "آثوري" الواردة في النظام الداخلي للنادي لأنها كلمة عنصرية وعندما عرضنا عليهم النظام الداخلي فلم يجد فيه أي كلمة "آثوري" بل وجد بأن أهداف النادي المدرج فيه تشمل ثقافة وفنون جميع العراقيين فإنحرج موقفه ثم لجأ إلى أسم النادي قائلاً: أليس أسم النادي آثوري فيجب إلغاء هذا الأسم من النادي وطبعاً رفضنا ذلك حيث عاش النادي ومات بنفس الأسم. أشك في أن د. حبيب تعلم منهم هذا الأسلوب في نعت الآشورية بالعنصرية لكونه شيوعياً في تلك الفترة وأيديولوجيته مغايره لأيديولوجية البعث، ولكن تواتر الخواطر والأفكار ممكن دائماً خاصة في تلك الفترة التي كان الشيوعيون  في غرام سياسي مع حزب البعث العراقي ويتبادلون القُبل ضمن جبهتهم المشؤومة في بداية السبعينيات من القرن الماضي.

يتهم د. حبيب زوعا بكونه مخترع التسمية المركبة "كلدو أشوري" ثم "الكلدان السريان الآشوريين" في مؤتمر بغداد لعام 2003، وهذا قمة الجهل في التاريخ القومي السياسي لأمتنا. فصفحات هذا التاريخ تبين بأن رواد الفكر القومي الوحدوي والذين كانوا معظهم من أتباع الكنيسة السريانية الأرثذوكسية كانوا من أوائل من أستخدموا التسمية المركبة لأمتنا أمثال نعوم فائق وفريد نزها وغيرهم كثر فكانوا في كثير من الأحيان يطلقون عليها الأمة السريانية الآشورية الكلدانية البابلية الأرامية وهي أطول بكثير من التسمية الثلاثية المستخدمة في أيامنا هذه ولكن كل هذا لم يفرقوا بين هذا الجزء من الأمة عن ذاك بل كانوا مناضلين في سبيل وحدة الأمة وماتوا من أجلها. وفي خضم النضال القومي من أجل تقرير المصير عقب الحرب العاليمة الأولى كانا الجنرال أغا بطرس وماليك قمبر ماليك بنيامين وهما من أتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية يستخدمون التسمية المركبة لأمتنا مثل كلدو وآشور أو آثور وكان مقاتليهم يقاتلون تحت هذه التسمية. وهناك العشرات من الكتاب من الكلدان والسريان والآشوريين أستخدموا هذه التسمية المركبة في كتاباتهم سواء فرقوا التسمية المركبة بحرف الواو أو بدونها ولكن كل إشاراتهم لهذه التسمية كانت إشارة إلى شعبنا كأمة واحدة. أن السياسي والقومي والمتفحص في تاريخنا القومي يدرك على الفور بأن الغرض من هذه التسمية المركبة ليس خلق أمة جديدة، كما يتوهم البعض، بل كان بالأساس وفي ظروف عصيبة وصعبة للغاية حشد جماهيري وجمع طاقات الأمة بمختلف طوائفها وأقسامها في وحدة واحدة وكسبيل لتحقيق الأهداف المنشودة وحقوق الأمة. هكذا جاءت التسمية المركبة "الكلدانية السريانية الآشورية" في عام 2003 كتسمية توحيدية بهدف حشد الجماهير وتجميع طاقات الأمة كوسيلة لضمان حقوقها خلال الإرهاصات التي أعقبت هذا العام ولازالت هذه الإرهاصات ونتائجها المدمرة في تصاعد مستمر والتي يتطلبها بالمقابل حشداً جماهيرياً لجميع إمكانيات وطاقات أبناء شعبنا في وحدة واحدة ضامنة لحقوقنا القومية في الوطن وليس بالتشتيث وتقسيم الأمة في وحدات صغيرة غير قابلة للإستمرار والتعايش مع الوضع السياسي الحالي.       

أن زوعا كحزب سياسي يصلح للدراسة والتحليل والنقد أيضا كنموذج لأحزابنا السياسية في مجتمعنا وبهذه الصفة فهو يمتلك مقومات التطور وقد سبق وأن فسرنا تطوره هذا في مناسبات سابقة وبمفهوم (خطوتان للأمام وخطوة للوراء) وفي ظروف معينة وقاسية وإستثنانية قد ينقلب هذا المفهوم ليصبح (خطوتان إلى الوراء وخطوة إلى الأمام) ولكن في كلا الحالتين فأن حركته كحزب يمتلك عنصر التطور، وهو الظاهر في منهاجه السياسي ونظامه الداخلي عن كيفية تطوره من حيث التسمية المفردة "الآشورية" إلى التسمية الموحدة "الكلدانية السريانية الآِشورية" وهو نفس التطور القائم على فهم الواقع المتطور والذي سبق الإشارة إليه في أعلاه ولا يستوجب التفصيل فيه حيث قام الأخ يوسف شكوانا بهذه المهمة وبشكله المفصل والشامل في رده على مقالة د. حبيب موضوع البحث والذي نشر أيضا في موقع عنكاوه، لم يبقى هنا فيما يخص زوعا وإتهامه بالعنصرية إلا أن أشير إلى موضوع نقد زوعا وإدعاء د. حبيب برفض ومحاربة زوعا لمنتقديها وهو الموضوع الذي خصني بشكل غير مباشر لأنني كثيرا أنتقد زوعا فالمعروض في وسائل الأعلام بهذا الشأن قليل جداً بالنسبة لما أكتبه إليهم مباشرة أو أثناء مقابلتي مع قادتها فصداقتي معهم لم تمنعني أبداً من الإستمرار في النقد وفي بعض الأحيان نقد لاذع وصميمي ولكن في كل الأحوال الحقيقة تقال سواء قبلناها أم لا فإني شخصياً لم أجد أي محاربة من قبل زوعا بسبب إنتقادي لها بل على العكس من هذا تماماً، فعندما أتواجد في الوطن أزور يومياً مقرات زوعا ولا ألقى منهم غير الترحيب الحار والإحترام اللائم أبتدءاً من قمة قيادتها حتى أسفل قاعدتها ولكن هذا لا ينفي إطلاقاً بأن يكون عضو في زوعا أو في قيادتها شحيح الفكر وضيق التفكير فلا يقبل النقد، ولكن برأي تبقى هذه المسألة شخصية صرفة متعلقة بالفرد نفسه وليس بزوعا كحزب سياسي. وأخير، وحتى نكون أكثر علمية وموضوعية في شأن الأحزاب السياسية، يجب علينا أن نفرق بين الحزب السياسي وقيادته... فالقيادة كأعضاء متقدمين في الحزب هم جزء من الحزب وليسوا كله، فالدراسة العلمية تشمل الحزب وكل مقوماته ونشاطه وإنجازاته وليس جزءاً منه كالقيادة. وعندما تيشخصن الحزب بشخصية القائد أو عدد معين من أعضاء القيادة ويصبحون هم الحزب عندذاك يكون لنا أمر آخر ودراسة أخرى لسنا بصددها هنا، وقد سبق وأن فصلنا عنها في مناسبات سابقة.

ثالثا: المناضل توما توماس وحصار ألقوش 1933:        
لم يستطيع كائن من كان وحتى المجرم صدام حسين أن ينكر بأن المرحوم توما توماس (أبو جوزيف) كان مناضلا صنديداً صلباً قضى شبابه وشيبه حتى مماته شيوعياً مخلصاً لمبادئه وأميناً للحزب الذي أنتمى إليه. وعندما يتعرض د. حبيب إلى مواقفه تجاه شعبنا فأنه لا ينصفه كاملاً بل يحاول أن يضفي على مواقفه نوع من الطائفية مظهراً كانه كان كلدانياً طائفياً ويعادي الآشورية وأحزابها السياسية خاصة زوعا. صحيح هو ما ذكره المناضل أبو جوزيف عندما قال: "لايمكن تبدل أسم الكلدان بجرة قلم إلى آشوريين كما يحلو للأخوة الآشوريين" وهو أمر مرفوض بالتمام والكمال ولكن لنعلم ليس كل الآشوريين فالمتعصبين منهم والمتخلفين منهم فقط يحلو لهم ذلك. ففي التسعينيات من القرن  الماضي وفي كل زيارة إلى دمشق كنت أجتمع مع المناضل أبو جزيف في مقر زوعا وبحضور المناضل الشيوعي الآخر المرحوم سليمان يوسف (أبو عامل) وكان كل أحاديثنا على تشكيل هيكلية أو منظمة من عدد من نخبة مثقفي أمتنا غير الحزبيين ومن جميع الأقسام والطوائف لغرض السعي لتوحيد الأمة، ولم أجد لا فيه ولا في أبو عامل أي نوع من أفكار وتوجهات للتفرقة بين الكلدان والآشوريين والسريان بل كانوا من الأنصار المتحمسين لوحدة شعبنا وتحت تسمية جامعة ومشتركة ولكن مع الأسف الشديد حالت المنية دون تحقيق كلا البطلين أحلامهم.

أما بالنسبة لحصار الجيش العراقي لقصبة ألقوش في صيف عام 1933 بعد لجوء الآشوريون النساطرة إليها طلباً للحماية ووقوف أبناء ألقوش الأبطال سداً منيعاً أمام الجيش العراقي ورفضهم لتهديده في تدمير ألقوش بالمدافع في حال عدم تسليم الآشوريين اللاجئين إليها، فهذه الملحمة البطولية لأبناء ألقوش تعتبر من أكثر أوراق د. حبيب تكراراً وقدماً لا بل مع الأسف الشديد بتناولها أفقد مغزاها البطولي والقومي الرابط بين الآشوريين النساطرة وأبناء ألقوش لدرجة التسفيه والتبسيط. فهو يرى بأن لجوء الآشوريين إلى ألقوش وطلب الحماية ووقوف أبناء ألقوش وقفة البطولة إلى جانبهم كان بسبب وجود رابطة مسيحية دينية بينهما في الوقت الذي نعرف بأن هناك وفي نفس المنطقة عشرات من القرى المسيحية الكلدانية لم يلجاً إليها الآشوريون طلباً للحماية. سيدي العزيز، سمعت هذه الملحمة من جدتي الألقوشية التي ولدت قبل الحرب الكونية الأولى وعاشت أكثر من مائة عام ومات في السبعينيات القرن الماضي فكانت تروي لنا هذه الملحمة التي عايشت أحداثها بموضوعية أكثر من روايتك. أن صمود أبناء ألقوش لم يكن بسبب الرابطة الدينية وبغرض حماية المسيحيين فحسب بل كان نوع من رد الجميل للأشوريين النساطرة من قبل أبناء ألقوش الأبطال. ففي بداية العشرينيات من القرن الماضي كان الحاكم العثماني صقيلي يفتك بأبناء وبنات ألقوش وعندما سمع بعض من القوات الآشورية المنتسبة للجيش المعروف بـ "الليفي" بجرائم هذا المجرم تقدموا إلى ألقوش وقبضوا عليه وقتلوه شر قتلة ويقال، حسب رواية جدتي، بأنه ربطوه من رجليه بالحبل وهو حي وسحلوه إلى أعلى جبل ألقوش ثم دحرجوه من هناك إلى أسفله ثم سحلوه مرة أخرى إلى الجبل ودحرجوه من هناك إلى أسفله، وهكذا حتى أصبح كتلة حمراء من اللحم والعظام. فعندما أشدت الأزمة وقاربت هلاك الآشوريين النساطرة وهم في عهدة وحماية أبناء ألقوش الأبطال عام  1933 هبوا ليدافعوا عنهم رغم المخاطر والنتائج المهلكة التي كانت تنتظره فردوا الجميل كما يفعل الرجال الشجعان والشرفاء.

أكتفي بهذا القدر وأختم هذه السطور بالهمس في أذان د. حبيب تومي وأقول له بأنني لم أتجاهل ولم أقلل من كنيته العلمية بوصفه دكتور ولا يهمني فيما إذا كانت شهادتة في الدكتوراه من سوق مريدي أو من جامعة هارفرد ولكن الذي أريد أن أقوله هو أن الشهادة العلمية خاصة العليا منها التي تؤهل حاملها أن يوصف بالدكتور ويضع حرف (د) أمام أسمه ليس للمهاترات وتجاهل الحقائق التاريخية وتغييب الموضوعية من الواقع والحقيقة بل أن مثل هذه الشهادة هي مسؤولية علمية وإخلاقية في البحث الرصين والدراسة الموضوعية لمسائل في الحياة والمجتمع وتكريسها لخير جميع الناس، وحبذا لو كانت شهادتك بهذه الصفات وتسير على نفس الخطى الذي يسيرون عليه أبناء الكلدان الأصلاء أمثال د. ليون برخو ود. عبدالله رابي، وغيرهم كثر الذين يحملون شهادات علمية حقيقية ويخدمون جميع أبناء أمتنا من خلال خدمتهم لكلدانتهم... صدق المثل القائل: "الإناء ينضح بما فيه".   


4
تشكيل القوات المسلحة لشعبنا "الكلداني السرياني الآشوري"
بين النزعة الحزبية والمصلحة القومية

============================================
أبرم شبيرا
الأحزاب وتشكيل القوات المسلحة:
==================

أعلن أكثر من حزب من أحزابنا السياسية "الكلدانية السريانية الآشورية" تشكيل قوات مسلحة لغرض "تحرير" وحماية الأراضي التي أحتلتها المنظمة الإرهابية (داعش) وهجرت شعبنا منها إلى المناطق الشمالية الأكثر أمنا. ويظهر على الساحة السياسية القومية بأن الأحزاب الرئسية كالحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) والحزب الوطني الآشوري (أترنايا) والتحالف القائم بين إتحاد بيت نهرين الوطني وحزب بيت نهرين الديموقراطي (تحالف) وكل على حد وبدون تنسيق بينهم شكلوا قواتهم الخاصة بهم ودعا كل جانب منهم أبناء شعبنا إلى التطوع فيها. هذا من جانب الأحزاب السياسية أما من جانب شعبنا فإن العديد من كتابنا ومثقفيها أبدوا خشية وقلقاً وتخوفاً من تشكيل هذه القوات بسبب إفتقارها إلى المقومات الضرورية والمطلوبة للقيام بواجباتها العسكرية كمصادر التسليح والتمويل والتدريب والمعلومات الإستخباراتية. وذهب البعض الآخر إلى إتهام هذه الأحزاب بإستخدام موضوع تشكيل القوات المسلحة لأغراض الإستهلاك السياسي والدعاية الحزبية وإعتباره كرد فعل للشلل الذي تعانية وإنعدام قدرتها على المواجهة الحقيقية للتحديات الماحقة التي تحيط بأبناء شعبنا، لا بل كان تخوف البعض الآخر أكثر بكثير حيث ذهب أبعد من هذا إلى وضع أحتمال المواجهة المسلحة بين هذه القوات أو تورطها في صدامات جانبية سيؤدي ذلك إلى تعميق الجروح وتعظيم الكارثة التي يواجهها شعبنا حالياً خاصة وأن هناك تجاذبات سياسية نحو القوى السياسية والحزبية والحكومية (بغداد وأربيل) المهيمنة على الساحة السياسية أو محاول تأطيرها ضمن الأطار الحكومي أو الحزبي سواء أكان ذلك في المركز أو في الإقليم. على أن هذا لا ينفي وجود بعض من كتابنا ومثقفينا المنتمين لهذه الأحزاب أو الموالين لها في تأييد مبادرة تشكيل القوات المسلحة الخاصة بشعبنا كسبيل لأثبات وجودنا في العملية العسكرية الهادفة إلى تحرير أراض شعبنا من المنظمة الإرهابية وتوفير الحماية الأمنية اللازمة لها بعد تحريرها.
دعوات للتنسيق العسكري:
===============

من الملاحظ، رغم الصفة الحزبية لكل تشكيل عسكري التي شكتلها أحزابنا السياسية، فإن كل واحد منهم دعا في نفس الوقت أو أظهر "إستعداده الكامل للتنسيق والتعاون مع الجميع لتوحيد الصفوف من أجل ضم جميع القوات العسكرية وتأسيس قوة عسكرية موحدة خاصة بأبناء شعبنا ضمن السياقات القانونية"، وهذا ما جاء في بيان قيادة قوات سهل نينوى التابعة للتحالف الصادر بتاريخ 14 كانون الثاني 2015.. وزوعا أيضا لم يخفي " إستعداده للتنسيق مع القوات العسكرية المتواجدة في سهل نينوى والتعاون من أجل تحرير هذه المناطق وعودة أهلنا المشردين إلى مساكنهم وأراضيهم وإعادة الحياة إليها، بما يضمن توليهم مسؤولية الإدارة الذاتية ..."  (أعلان تشكيل وحدات حماية سهل نينوى الصادر من قبل لجنة الجهد العسكري التابعة للحركة الديموقراطية الآشورية 25 تشرين الثاني 2014). والحال أيضا لم يختلف مع أترانايا، الذي كان أول من بادر إلى تشكيل قوات مسلحة، فيما يخص دعوته للتنسيق والتعاون مع غيره من القوات المسلحة التي شكلتها الأحزاب السياسية. ثم جاء صديقنا المخضرم الكاتب الكبير خوشابا ومن منطلق قومي شامل لا تحزبي في مقالته المعنونة "دويخ نوشي والواجب القومي لتنظيمات أمتنا لتحرير الأرض والإنسان" ليلمل هذه الدعوات ويختصرها في تأكيده على ضرورة عدم ربط القوة العسكرية  بهوية حزبية سياسية لكيان سياسي بعينه أو هوية مذهبية لمذهب معين لأي مكون ، بل أن تكون هويتها قومية خالصة... ويكون ذلك معياراً في اختبار مدى مصداقية وجدية نوايا ومقاصد أحزابنا السياسية التي شكلت مثل هذه القوات". هكذا وعلى نفس المنوال جاءت دعوات بعض كتابنا ومفكرينا في ضرورة "قومنة" هذه الإجزاء المسلحة في وحدة قومية واحدة وكوسيلة لإكتساب تشكيل هذه القوات مصداقية وثقة لدى أبناء شعبنا. وجاء ت مثل هذه الوحدة الشاملة للقوات المسلحة في البلاغ الصادر من قيادة كيان أبناء النهرين بتاريخ 9 كانون الثاني الذي دعا إلى "الإسراع بتشكيل هيئة سياسية عليا تضم ممثلين عن أكبر عدد ممكن من أحزاب وفعاليات شعبنا السياسية العاملة في الوطن، تتولى مسؤولية تأسيس مجلس عسكري من الاختصاصيين يكلف بمهمة تشكيل قوات عسكرية نظامية من أبناء شعبنا للمشاركة في تحرير ومن ثم حماية قرى وقصبات شعبنا في سهل نينوى بالتعاون والتنسيق مع القيادة العسكرية الموجودة في المنطقة، ولمسك الأرض فيما بعد. ... وبغير ذلك فإن أية صيغة أخرى لهكذا قوات لن تعدو أن تكون إلا أداة لمشاريع حزبية تنافسية على الصعيد الداخلي، وأداة لتنفيذ أجندات ومصالح من خارج الإطار القومي، مع إمكانية تحولها لأداة مضافة في مصادرة قرارنا المستقل والاستمرار في إفقاد شعبنا الثقة بضمان حقوقه واحترام إرادته الحرة القائمة على قاعدة الاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة بين المكونات".

وقبل أن نعلق على هذه الدعوات التوحيدية، أولاً وقبل كل شيء على القارئ اللبيب أن يلاحظ بأن إشارتنا إلى أحزابنا السياسية "الكلدانية السريانية الآشورية" هي إشارة بصغة الجمع والتملك المربوطة بـ (نا) بعد كلمة الأحزاب للدلالة والتأكيد على أعتبار هذه الأحزاب هي أحزابنا، أحزاب أمتنا، مهما كان موقفنا معها ومهما كان فشلها ونجاحها فإن واجبنا القومي يفرض علينا تقديرها وإحترامها ليس بالتملق والمديح الأعمى لها بل بتقييمها موضوعياً والبحث عن سلبياتها وإيجابياتها وبيان ما هو الأصلح لها لأن مثل هذا التقيم لايضر أحزابنا السياسية بل سييسر مهمتها الشاقة وبالتالي يسهل عليها السير وبخطوات ثابتة وراسخة نحو تحقيق أهداف أمتنا. من هذا المنطلق سيأتي تقييمنا لدعوات أحزابنا السياسية نحو التنسيق والتعاون بين القوات العسكرية التي شكلتها أو نحو تشكيل مجلس عسكري قومي لجميع التشكيلات العسكرية الحزبية أو نحو أبعاد صفتها الحزبية وتضمينها في إطار قومي بعيداً عن التحزب ومن ثم معرفة مدى قدرتها على توفير حد أدنى من المصداقية لدى أبناء شعبنا لتكون قوات عسكرية قومية مقبولة ومدعومة من قبل الجميع. وحتى نعرف هذه حقيقة ومصداقية هذه الدعوات ومدى جديتها وواقعيتها، اي القابلية على تطبيقها على أرض الواقع، علينا أن لا نغفل واقع وحقيقة أحزابنا السياسية من حيث عملها القومي والتعاون أو التنسيق القائم بينهم خارج نطاق التعاون والتنسيق العسكري. فهذا الواقع لا يبشر أمره بالخير، فالإشارة إليه يعد من باب الأطناب  والتكرار لأنه معروف تقريباً لجميع أبناء شعبنا المهتمين بشؤونه القومية أو غيرهم ولكن مع هذا أوكد وأقول بأن الواقع يبين وبكل وضوح بأنه من الصعب جداً أن لم نقل المستحيل أن نجد تعاون وتنسيق مثمر وجاد بين أحزابنا السياسية في الأمور الإعتيادية والبسيطة جداً فكيف نتصور أن يكون هناك تعاون وتنسيق، ولا نقول توحيد، في الأمور العسكرية الأكثر حساسية والأكثر تعقيداً وإرتباطاً بمصير ومستقبل شعبنا المطرود من أرضه.

وحتى نكون أكثر واقعية وإثباتاً لما ذهبنا إليه في أعلاه، فنظرة واحدة إلى واقع ووجود ونشاط تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية (تجمع) قد يكفي لأثبات ذلك. فالكيانات التي شكلت قوات مسلحة (زوعا وأترنايا والتحالف) هم أعضاء رئيسيين في التجمع والجميع يعرف مدى عجز هذا التجمع من التحرك خطوة إيجابية واحدة غير إصدار بلاغات أو بيانات وحتى هذه، رغم بساطتها وعدم قدرتها على تجاوز حدود الكلمات إلى الفعل الواقعي،  فأنها في معظم الحالات تفتقر إلى الإجماع أو التفاهم أو الحد الإدنى من الإتفاق، لا بل وأكثر من هذا ففي معظم الأحيان تقريباً نرى رفض حضور عضو من أعضاء التجمع للإجتماع أو خروجه من الإجتماع وهو "زعلان" ولا يطفي حرارة موقفه هذا إلا بإصدار بيان توضيحي أو بلاغ يبرر عدم حضوره للإجتماع أو رفضه للبيان أو البلاغ الصادر من التجمع. وحتى بالنسبة للبلاغ الصادر من كيان أبناء النهرين ودعوته إلى تشكيل مجلس عسكري وقوات نظامية لجميع أبناء شعبنا من دون إرتباطها بحزب معين، فعلى الرغم من كونه أكثر منطقياً ومقبولا لكون الكيان لم يشكل قوات عسكرية خاصة به مثل بقية الأحزاب، فإن منطقية هذا البلاغ أو صدقيته أو حسن نيته سوف يصطدم بالواقع المرير لأحزابنا السياسية ولا يستطيع تجاوزه نحو التطبيق أو الإستجابة لهذه الدعوة خاصة ونحن نعرف بأن زوعا، احدى الأحزاب الرئيسية المشكلة للقوات المسلحة، لا تريد أن تسمع أسم هذا الكيان ولا تعترف به وفي السابق رفضت كل دعوات ردع الصدع في تنظيمها فكيف نتصور أن تستجيب لدعوه غاية في الحساسة والتعقيد والخطورة، خاصة ونحن والجميع يعرف بأن الثقة معدومة تقريباً بين أحزابنا السياسية بشكل عام وليس بين زوعا والكيان فحسب. أن أمر هذه الدعوات في "قومنة" القوات المسلحة تشبه كثيرا الشخص الذي يدعو إلى إقامة مشروع ضخم وهو "مفلس" لا يملك التمويل الذي هو أساس كل مشروع وأنها تشبه أيضاً من يريد أن يشيد بناية ضخمة من دون أساسات. إذا فالأساس لإنجاح هذه الدعوات وتأسيس المجلس العسكري أو القيادة العسكرية القومية الشاملة لجميع الأحزاب وبالتالي ضمان المصداقية والثقة والدعم من قبل أبناء شعبنا هو قبل كل شيء أن تجلس هذه الأحزاب مع البعض من دون شروط مسبقة وخالية تماماً من النزعة التحزبية، حينذاك يمكن النظر في مثل هذه الدعوات ومدى مصداقيتها أو قدرتها للتطبيق على الواقع العملي.

هذه الأمور البديهية في عالم السياسة من المفروض أن تكون واضحة ومعلومة ولها قوة إلزامية وإخلاقية لقادة أحزابنا السياسية لأنها تتعلق بمصير الأمة ومستقبلها خاصة في الظروف المميتة التي تحيطة بأبنا أمتنا في هذه الأيام، ولكن من المؤسف له أن مثل هذه البديهية غائبة كلياً عن أفكار وممارسات قادة أحزابنا السياسية... لماذا؟:
1.   هيمنة النزعة الحزبية تماماً على الأفكار والممارسات وغلبتها على المصلحة القومية والسعي الحثيث والركض الملهث نحو منصة تزيد من علوية الحزب ووزنه في الإستقطاب السياسي الفارض سطوته على الساحة السياسية العراقية والفاعل فعله على أحزابنا السياسية أو بالأصح على بعض من قادتها.
2.   غياب الحد الأدنى للمصلحة القومية من الأجندات العملية لأحزابنا والمطلوب للجلوس معاً وبناء الثقة والعمل سوية.
3.   الإفتقار الكلي لمعظم أحزابنا السياسية لأساليب العمل الحزبي المشترك خاصة ما يتعلق بكيفية المباشرة والدعوة للدخول في تحالف أو جبهة. فليس، وفق النزعة الحزبية المهيمنة على العقول والممارسات، أن يقبل حزب دعوة حزب آخر للدخول أو الإشتراك في عمل سياسي مشترك أو جبهة أو الإنضمام إلى القوة العسكرية، موضوع بحثنا هذا، وسبق لهذا الحزب أن شكلها أو أسسها. فمثل هذه الدعوة و القبول لا ينظر إليه إلا من باب الإهانة والخضوع لهذا الحزب.
4.   شحة المعرفة السياسية والثقافة الحزبية لمعظم قادة أحزابنا السياسية وهو أمر قد ينطبق على الكثير من قادة الأحزاب السياسية الأخرى وقادة الدول ولكن أمرهم يختلف حيث أن الكثير من قادة أحزابنا يعتبرون أنفسهم فلاسفة وعباقرة في عالم السياسة ولا يحتاجون إلى مشورة أحد من أبناء أمتنا العارفين  بهذه الحقول في حين نرى على العكس من هذا فإن معظم الأحزاب السياسية في العالم المتقدم يعتمدون على مراكز بحوث ومثقفين ورجال فكر مضطلعين بالأمور السياسية تكون مصدر معلومات قادة هذه الأحزاب في عملها السياسي... بالله علكم... هل سمعتم يوما ما بأن قادة حزب من أحزابنا السياسية قد دعت أحد مفكري ومثقفي أمتنا سبق وأن كتب مقترحات وقدم أفكار مفيدة لأحزابنا السياسية للتباحث معه عن مقترحاته وأفكاره المطروحة لتطوير الحزب ؟؟؟؟ شخصياً قدمت الكثير من هذه المقترحات والأفكار ولم أتلقى بالمقابل غير التخوين والتجريح والإهانة وفي بعض الأحيان فتور أو إنقطاع علاقة الصداقة التي تربطني ببعض من قادة هذه الأحزاب... الله يكون في عون هذه الأمة!!! 

على العموم وإنطلاقاً من هذا الغياب في المعرفة السياسية خاصة في مسألة الأحزاب السياسية وتشكيلها للقوات المسلحة سنحاول بقدر الإمكان البحث في نظرية من النظريات أو فلسفة من الفلسفات التي قد تفيد جوانب منها في إعطاء صورة أوضح لهذه المسألة.

تأطير فكري لتشكيل القوات المسلحة:
======================

سعياً للإختصار وإبتعاداً عن التفاصيل في النظريات والفلسفات التي تعالج مثل هذا الموضوع والتي قد تكون مملة للبعض، أبدأ وأقول بأن كل مجتمع من مجتمعات العالم يقوم على بنى إجتماعية وهذه البنى تنقسم إلى بنية تحتية وبنية فوقية. كان كارل ماركس أول من تطور فلسفة البنى الإجتماعية في نظريته عن المادية التاريخية ثم جاء المفكر أنطونيو غرامشي، مؤسس الحزب الشيوعي الإيطالي، فأضاف إليها مفاهيم جديدة وتطورها بشكل تتلائم مع الظروف المستجدة للمجتمع. المجتمع المدني عند ماركس كان يتطابق مع البنية التحتية (قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج) والتي أعتبرها مسرح التاريخ ولها الدور الفاعل في المجتمع. جاء غرامشي وبعد دراسة مستفيضة للظروف الإجتماعية في البلدان الأوربية، فلم يختلف عن ماركس في إعطاء الدور الفاعل للمجتمع المدني إلا أنه قسم البنية الفوقية إلى مستويين أثنين من مستويات البناء الفوقي. الأول "المجتمع المدني" الذي يشمل جميع الأجهزة الإيديولوجية من أحزاب ومنظمات سياسية وحقوقية ومعاهد فكر ومدارس والمؤسسات الثقافية المختلفة. والثاني هو "المجتمع السياسي" والذي يشمل على الجهاز القمعي المتمثل في الجيش والشرطة والأمن والسجون، أي بعبارة أخرى كل ما يتعلق بالقوة المسلحة.
وعلى الرغم من شمول البنية الفوقية للمستويين: المجتمع المدني والمجتمع السياسي، إلا إن هذين المستويين لا يختلطان مع البعض رغم وجودهم ضمن إطار البنية الفوقية بل تبقى هناك حدود تفصلهما وتميزهما بعضهما عن البعض. مثلاً الإشارة إلى الأجهزة الأيديولوجية للمجتمع المدني هي بصيغة الجمع، أي هناك عدد معين من هذه الأجهزة في حين الإشارة إلى جهاز القمع للمجتمع السياسي هو بصيغة المفرد أي هناك جهاز واحد فقط. تتصف الأجهزة الأيديولوجية بنوع من الإستقلالية بعضها عن البعض وبحرية معينة في التحرك والنشاط ضمن إطار وطني قومي يعرف بالمصلحة القومية العليا.  في حين يتصف الجهاز القمعي بالصرامة والحزم ويتحرك في إطار محدود ومغلق. من هذا المنطلق نقول بأن كل مجتمع من مجتمعات العالم المستقرة والمتطورة سياسياً يكون لها عدد من الإجهزة الإيديولوجية (المجتمع المدني) مع جهاز قمعي واحد (المجتمع السياسي). من هذا المنطلق يبقى الجيش والقوات المسلحة لمثل هذه المجتمعات بعيداً عن السياسة ولا يتدخل فيها ولا ينتمي منتسبيها إلى الأحزاب السياسية وإذا أنتمى أو تدخل في العمل السياسي عليه الإستقالة من القوات المسلحة. وهذا هو حال معظم الدول الديموقراطية.  أما في المجتمعات التي يكون فيها أكثر من جهاز قمع (الجيش والقوات المسلحة) فهذا ليس إلا دليلاً على عدم إستقرار مثل هذه المجتمعات وسيادة الفوضى والإضطرابات والحروب فيها. والعراق الحالي نموذج جيد في هذا السياق.

ومن المعلوم بأن القوات المسلحة أو الجيش في الدول الديموقراطية والمستقرة ليس بتابع إلى أي حزب أو جهة إلا للحكومة بأعتبارها ممثلة الشعب، ولكن عندما تتعرض المصلحة القومية العليا إلى خطر داهم، خاصة أثناء الحروب، فإن المجتمع المدني بكل أجهزته الأيديولوجية من أحزاب ومنظمات يتكثف وجودها في وحدة صغيرة مكثفة تلعب دوراً رئيساً في تحريك المجتمع السياسي (القوات المسلحة) نحو ضمان المصلحة القومية العليا وحمايتها من المخاطر الناجمة عن الحرب. أما في المجتمعات المتخلفة سياسياً والتي يتحكم في سلطتها وفي مجتمعها السياسي (القوات المسلحة) حزب سياسي واحد أو فرد دكتاتوري فإنه في وقت الأزمات والحروب تهتز لا بل تتلاشى المصلحة القومية العليا وذلك بسبب عدم قدرة الحزب المهيمن على السلطة أو الدكتاتور للتعاون والتضامن مع الأحزاب السياسية وتضمينها في عملية صنع القرارات التي تخص المجتمع السياسي (القوات المسلحة)، لهذا تظهر معارضة الأحزاب السياسية للسلطة أو للحرب وتشتد أكثر وقد تلجاً إلى التعاون من الطرف الآخر للحرب. وهناك أمثلة كثير في في هذا السياق ولكلا الحالتين. أثناء الحرب العالمية الثانية كان حزب المحافظين البريطاني في السلطة ولكن أشرك جميع الأحزاب المعارضة البريطانية معه في تشكيل "غرفة حرب" لتكون القيادة الموجهة للقوات المسلحة البريطانية ولا زالت هذه الغرفة موجودة في مقر الحكومة كرمز للوحدة الوطنية في مواجهة الأخطار. في حين نرى بأن الحزب النازي ألماني أنفرد بقيادة الجيش فواجه معارضة من غيره من الأحزاب السياسية وبالتالي خسرت ألمانيا الحرب. 

ولو حاولنا تطبيق هذه المفاهيم على مجتمعنا "الكلداني السرياني الاشوري" نقول إذا قبلنا ظاهرة تعدد الأجهزة الأيديولوجية (الأحزاب السياسية والمنظمات القومية) كوسائل لممارسة السياسة الديموقراطية فإن أمر وجود تعدد في الجهاز القمعي، أي القوات المسلحة، أمر غير مقبول وشاذ يعبر عن عدم إستقرار المجتمع وسيادة الفوضى فيه ومرد ذلك يعود إلى عدم توفر لأحزابنا السياسية الحد الأدنى للمصلحة القومية العليا لتكون قاعدة للتعاون بينهم. فإذا كانت هذه الأحزاب تتحرك ضمن الحد الأدنى من إطار المصلحة القومية وبشكل ديموقراطي واضعين هذه المصلحة في أولويات أجندتهم العملية فأنه بالنتيجة مثل هذا التحرك يطرح جهاز قمعي (قوات مسلحة) واحد فقط يكون معبراً عن إستقرار المجتمع . غير أن الأمر يظهر عكس ذلك فالواقع الفكري والعملي المزري لأحزابنا السياسية وإفتقارهم إلى الحد الأدنى من المصلحة القومية هو الذي يعكس وجود قوات مسلحة عديدة، أو بالأحرى مليشيات أو عصابات مسلحة، وهو الأمر الذي يعرض المجتمع إلى مخاطر قد لا تحمد عواقبها ولا يستطيع مجتمعنا تحملها في مثل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها.

وحتى نكون أكثر واقعية وأيضا وحتى لا يتهمنا البعض بأننا "نتفلسف" ونحن قابعون في "قصور" الرفاهية في المهجر نقول بأن لدينا على الساحة القومية في الوطن تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآِشورية (تجمع) رغم كل عيوبه وفشله في تحقيق خطوة نحو الأمام إلا أنه نقول: هذا الموجود... وأحسن من لا شي... فأنه من الممكن أن يكون الإطار المراد لتشكيل مثل المجلس العسكري الذي دعا إليه كيان أبناء النهرين ويسعى هذا المجلس إلى توحيد شرذمات القوات المسلحة التابعة للأحزاب، خاصة ونحن نعرف بأن الأحزاب (زوعا وأترنايا والتحالف) التي شكلت هذه القوات هم أعضاء فاعلين في هذا التجمع ولهم مكانة على الساحة السياسية القومية. أنه عمل بسيط جداً لو وضعت أحزابنا السياسية مصالحها الحزبية الضيقة جنباً وتبنت المصلحة القومية، حينذاك فأن هذه المصلحة ستسهل كل الأمور لهم وتعبد طريق هذه الأحزاب إلى قلوب أبناء مجتمعنا، حينذاك سنتوقف عن "التفلسف" ونغلق أفواهنا ونبدأ بتشييد تماثيل لهم وتسجيل أسماؤهم في سجل المناضلين الشرفاء. أمر بسيط جداً حتى الطفل البريء يدرك فائدته لمجتمعنا فكيف بالنسبة لقادة أحزابنا في عدم الإدراك والعمل على إفادة هذا الشعب البسيط المنهك تحت وطأة ظلم الزمان والإنسان. 


5
سِفرُ الخروج الكلداني
=============
أبرم شبيرا
لقاء فكري في ديترويت - مشيكان:
شرفني كثيرا اللقاء بعدد من مثقفي وكتاب ونشطاء قوميين من أبنا شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري"  في ديترويت - الولايات المتحدة الأمريكية خلال أيام أعياد الميلاد والسنة الجديدة ومناقشة قضايا قومية وسياسية  وتبادل الأراء بروح أخوية وموضوعية وصولاً إلى ترسيخ التقارب والتفاهم حول القضايا المشتركة والمصيرية التي يواجهها شعبنا في أرض الأباء والأجداد وفي بلدان المهجر أيضاً، هذا من جهة ولكن من جهة أخرى أدهشني، لا بل وحيرني كثيرا تخوف البعض من المحسوبين على المثقفين والمهتمين بالشؤون القومية والسياسية لأمتنا من مثل هذه اللقاءات الفكرية ولم أجد لحيرتي  تفسيراً إلا في خشية وتخوف هؤلاء من لوم أو عقوبة يفرضها عليهم مسؤولهم الحزبي بسبب اللقاء بأبرم شبيرا الذي أنتقد حزبهم وزعيمهم أو من "مقاطعة" أبرم شبيرا لكونه لا يتفق مع توجهات طروحاتهم أو إيديولوجياتهم الحزبية... الله يكون في عون هذه الأمة.

 على العموم، أعيد وأقول شرفني شرفاً عظيماً اللقاء بالسادة  عصمت كرمو - رئيس منطمة كاسكا في امريكا /علاء منصور - ممثل كيان ابناء النهرين في مشيكان/ خالد كجوجا - ممثل حزب بيت النهرين الديمقراطي في مشيكان/ مسعود بريخو - ممثل اتحاد سورايا القومي/ انطوان الصنا - ممثل المجلس الشعبي في مشيكان/سام كساب - ناشط قومي ورجل اعمال /حبيب حنونا - باحث وكاتب مستقل /داود برنو - ناشط قومي وكاتب وباحث مستقل/ عبد فرنسي - ناشط قومي وحقوقي وعضو لجنة المجلس الشعبي في مشيكان. وكان في قمة تشريفي كون جميع هؤلاء الأفاضل من توجهات فكرية مختلفة وإنتماءات متعددة كلها شكلت مصدراً للإغناء الفكري لي وبالتأكيد لهم أيضا وعززت الصداقة بيننا وتعاظم الأحترام المتبادل كأسلوب لللقاء والتباحث والتناقش في مسائل تهم مصلحة الأمة ومصلحة الجميع. ولا يسعني في الأخير إلا أن أشكر الأخ والأستاذ أنطوان الصنا على قيامه بتدبير وتنسيق هذا اللقاء.

شذرات فكرية على كتاب "سفرُ الخروج الكلداني":
خلال اللقاء قام الباحث الأستاذ حبيب حنونا بإهداء لي كتابه المعنون "سفرُ الخروج الكلداني" . والكتاب، كما هو مذكور على غلافه الأول، هو دراسة تاريخية في التهجير القسري للكلدان من موطنهم كلديا في جنوب العراق من قبل الملوك الآشوريين وتوطينهم في آثور خلال عهد الإمبراطورية الآشورية (912-612) ق.م. وهجراتهم بسبب الإضطهاد الديني من قبل الساسانيين وبعض الخلفاء العباسيين والمغول. وهو من منشورات المنبر الديموقراطي الكلداني الموحد في ديترويت لعام 2013. كان الأستاذ حبيب حنونا قد طلب مني أن أبين أو أكتب بعض الملاحظات والتعليقات على الكتاب، وإستجابة لطلبه وبكل رحابة صدر وإنفتاح فكري قرأت الكتاب أكثر من مرة وخلال قراءته توقفت أكثر من مرة لا بل تعثرت في بعض من معلوماته التاريخية الواردة فيه ليس بسبب صعوبة أسلوبه بل لأنها وضعتني في موقف متناقض ومحير، في موقف مؤيد تأيداً كاملاً لبعضها من جهة ومختلفاً ومتسائلاً عن البعض الآخر من جهة أخرى، مما وجدت بعض الصعوبة في كتابة هذه السطور خاصة وأن معلوماتي التاريخية في هذا الموضوع شحيحة ولا تسعفي كثيراً للخروج من هذا المأزق، ولكن ليس في الأمر حيلة، فالوعد الذي قطعته للأستاذ حبيب أصبح ديناً ثقيلآ على رقبتي ولن أتحرر منه إلا بكتابة هذه السطور.

الكتاب، أن صح التعبير هو تقرير أو بحث تاريخي مفصل عن تاريخ الكلدانيين وعلاقتهم بالآشوريين القدماء، يصلح أن يكون أطروحة جامعية لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ وهذا كان فعلاً ما يمطح إليه الإستاذ حبيب حنونا ولكن يظهر أن ظروفه الخاصة لم تسمح بتحقيق هذا الطموح. وجرياً على الأسلوب المتبع في تقييم وعرض الكتب، أبداً أولاً من حيث الشكل وبإقتضاب شديد أقول مرة أخرى بأن شكل الكتاب يوحي بأنه تقرير أو بحث أو أطروحة جامعية أكثر مما يبدو شكله ككتاب. فهو يقع في 82 صفحة من القطع الكبيرة، أفتقر إلى فهرس لفصوله وأقسامه وهو الأمر الذي كان يجب أن يدرج في مقدمة الكتاب ليسهل على القارئ متابعة مضامينه. على العموم فالكتاب بالإضافة إلى المقدمة يقع في خمسة فصول مع خلاصة و ثلاثة ملاحق مع جدول بالمصادر العربية والإنكليزية المعتمدة ونبذة عن سيرة المؤلف. الفصل الأول هو عن (الكلدان في التاريخ: المماليك الكلدانية، الأمبراطورية الكلدانية، دور الكلدان في تطور الحضارة الإنسانية، الديانة الكلدانية القديمة، لغة الكلدان، الكلدان في الكتاب المقدس، التواجد الآرامي في الدولة البابلية وتعايشهم مع الكلدان، الكلدان والبابليون والكاشديم). أما الفصل الثاني فهو عن (الآشوريون في التاريخ: عواصم الدولة الآشورية، الآشوريون بعد سقوط الدولة الآشورية...). الفصل الثالث معنون بـ (الكلدان في البلاد الآشورية – تهجير الكلدان قسراً من قبل الملوك الآشوريين وتوطينهم في آثور... مع ملاحظة تقول بأن المقصود بآثور هو شمال بلاد النهرين والتي تشمل كردستان الحالية، جنوب شرق تركيا، شمال غرب إيران وشمال شرق سوريا). الفصل الرابع معنون بـ (سياسة التهجير الجماعي في الدولة الآشورية – أهدافها ونتائجها) أما الفصل الخامس فهو عن (هجرة الكلدان إلى المناطق الآشورية نتيجة الإضطهادات الدينية، ويقسمها الكاتب إلى مرحلة حكم الفرس ومرحلة حكم الخلفاء ومرحلة التتار والمغول) ويختم الفصول بموضوع (شاهد عيان على النساطرة الكلدان) ثم الخاتمة. أما الملاحق الثلاثة فهي، الأول عن (كنيسة المشرق – عيتدا د مدذخا، نشوها، أثنيتها، وظهور المذاهب في الكنيسة الجامعة ...) والثاني عن (إنشقاق كنيسة المشرق وإنبثاق الكنيسة الكلدانية) والثالث عن (أسماء بطاركة الكنيسة الكلدانية منذ إنبثاقها إبتداءاً بمار سولاقا يوحنان وإنتهاءاً بغبطة مار لويس روفائيل الأول ساكو). وتشمل هذه الملاحق على معلومات وأحداث تاريخية عامة ومتداولة في الأدب والتراث وتاريخ كنيسة المشرق ومعروفة لأبناء شعبنا فتبدو وكأنها إطناب وتكرار لها ولم تكن هناك ضرورة لضمها إلى الكتاب. ولكن يظهر بأن الإستاذ حبيب ألحقها بالكتاب بنوع من أسلوب البحث العلمي ليصل إلى مبتغاه في ربط التاريخ القومي بالتاريخ الكنسي ومعرفة طبيعة المكونات الأثنية والإيمانية لشعبنا (الكلدوآشوري) منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا وهو الأمر الذي حققه في كتابه.

أما من حيث المضمون، فقبل كل شيء أقول بأن الإستاذ حبيب عمل بحثاً وتدقيقاً مضنياً في المراجع الخاصة بالموضوع ليصل إلى الهدف الذي كان يسعى إليه وتبين بأنه خزين من المعلومات والخبرات التي يحسد عليها أي كاتب أو باحث في هذا الحقل خاصة وأنه يمتلك أسلوباً علمياً ومنطقياً في طرح الأفكار وإسنادها بالمراجع القيمة لتأكيدها وترسيخها حتى تكون قراءتها وفهمها سهلاً للقارئ ويحقق الهدف المراد من بحثه هذا. زد على ذلك بأن ما يساعد على تقبل وتفهم أراءه وأفكاره هو رفعة إخلاقه وسمو فكره وهدوء طبعه وإنفتاح عقله للإستماع إلى الآخر حتى ولو كان مختلفا عما يؤمن به، وهذا ما لمسته شخصياً من خلال لقاءي به ومناقشة الموضع معه. فهذه الصفات النبيلة هي التي شجعتني أن أقرأ الكتاب وأكتب هذه السطور سواء أتفقت معه أم لا. على العموم، نقول بأنه كان من الصعب على الإستاذ حبيب أن يتناول تاريخ ما يزيد عن خمسة ألاف سنة في بضعة صفحات ويحقق الهدف المبتغاة من بحثه وهذه الصعوبة أجداها أكثر في تلخيص مضمون بحثه ولكن مع هذا فإنني سأقتصر على المفاهيم والأفكار العامة التي تناولها في هذا الكتاب.

يقول الإستاذ حبيب بأن "الهدف من هذه الرسالة أو الأطروحة هو الإجابة على التساؤلات ... هل إن العنصر الكلداني أختفى من التاريخ بإنتهاء الدولة الكلدانية، وهل تمكن الفرس القضاء عليهم في القرن الرابع الميلادي في عهد شابور ومن تلاه؟ وهل أنصهر الكلدان جميعاً في الموجات العربية القادمة إلى العراق في القرن السابع الميلادي وجحدوا عقيدتهم المسيحية؟ وهل أستطاعت كل هذه الأحداث  بدأ من سقوط الدولة الكلدانية عام 539 ق.م. وصولاً إلى غزوات المغول في القرن الثالث عشر الميلادي أن تفني الكلدان عن بكرة أبيهم ولم يبقى لهم أثراً؟ أم أن الكلدان تواصلوا خلال المعايشة في المهاجر مع سكان شمال بلاد النهرين بما فيها المنطقة الآشورية نتيجة التهجير القسري من قبل الملوك الآشوريين ونتيجة الإضطهادات العرقية والدينية بسبب إعتناقهم المسيحية؟ وهل حقاً أن جميع رعايا الكنيسة الكلدانية وكنيسة المشرق الآشورية هم آشوريون فقط وليس بينهم العنصر الكلداني؟ إن الذي حدث للكلدان عبر التاريخ حدث للقوميات الأخرى في المنطقة، لا بل الذي حدث للآشوريين من مآسي وإضطهادات بدءاً من سقوط دولتهم في 612 ق.م. وصولاً إلى أحداث الحرب العالمية الأولى 1914-1918 أكبر بكثير مما حدث لأخوتهم الكلدان"  ثم يتساءل الإستاذ حبيب ... "وهل حقاً أن الكلدان إندثروا ولم يبقى لهم أثر؟؟؟ هذا هو السؤال الصعب الذي نستخلص من خلال هذه الدراسة الإجابة عليه". (ص4).

إذن من خلال هذه الأسئلة التي يطرحها الكاتب ويبحث عن جواب لها سوف يظهر من خلال بحثه بأنه رد وبشكل غير مباشر على الفكر القومي التقليدي عند بعض الآشوريين إن لم يكن عند غالبيتهم والقائل بأن الكلدانيين القدماء ما هم إلا طبقة إجتماعية أمتلكوا معرفة واسعة في التنجيم والفلك وأنهم تمكنوا من أن يصوا إلى الحكم في بابل ولم يستطيعوا أن يحكموا أكثر من 87 سنة ومن ثم بعد سقوط دولتهم تلاشت هذه الطبقة (الكلدانيون) وأنصهرت في الشعوب الأخرى للمنطقة الوسطى والجنوبية من بلاد مابين النهرين واختفت من الوجود ولم يعد لها وجود يذكر. أما بالنسبة للكلدان الحاليين من أتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية فما هم إلا آشوريين تكثلكوا في منتصف القرن السادس عشر الميلادي وأطلق الفاتيكان عليهم أسم الكلدان وعلى كنيستهم أسم "الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية" لكي يتم فصلهم وتميزهم عن الآشوريين وعن أتباع الكنيسة النسطورية "الهرطقية". فيقول الإستاذ حبيب "إن غالبية أبناء ورجالات كنيسة المشرق بشقها الآشوري يتنكرون للتسمية الكلدانية كتسمية قومية، ولا يقرون بوجود الكلدان أصلاً، لا بل يدعون أن الكلدان التاريخيين قد أندثروا وذابوا في الموجات القادمة إلى العراق وبالأخص العربية منها في مطاوي القرن السابع الميلادي ولم يبقى منهم أثر!! وأن ما يطلق عليهم الكلدان حالياً هم آشوريون أقحاح وتسميتهم الحالية لا تعدو كونها تسمية كنسية وطائفية محضة ولا علاقة لكلدان اليوم بالكلدان التاريخيين إطلاقاً". ولكن بالمقابل وبأسلوب موضوعي غير إنحيازي يقول الكاتب "أما الطرف الآخر – رعايا الكنيسة الكلدانية – فلا يقل تزمتاً وتمسكاً بتسميته الكلدانية عن الطرف الآشوري، ومرد ذلك إعتزازهم بالأمة الكلدانية التي تسمت كنيستهم بأسمها منذ قرون عديدة، وترسخت هذه التسمية في وعيهم وعقولهم وأصبحت أمراً واقعاً وجزء لا يتجزاً من هويتهم القومية" (ص 2). ولكن أيضا أضيف وأقول: يقلد بعض الكلدان من هذا الفريق "المتزمت" الفكر الآشوري "المتزمت" في القول بأن الآشوريين الحاليين لا علاقة لهم بالآشوريين القدماء وأنهم مجرد طائفة نسطورية أطلق الإنكليز عليهم تسمية الآشوريين لإغراض سياسية بحته.

 إنطلاقاً من هذا الجدل الدائر بين الطرفين عن الهوية القومية لرعايا كنيسة المشرق بشقيها الكلداني والآشوري يبحث الكاتب في الجذور الأثنية للشعوب والأقوام التي أعتنقت المسيحية في بلاد النهرين منذ القرون الأولى للميلاد... فيتساءل: "هل كانوا آشوريين فقط أم كانوا خليطاً من الكلدان والآشوريين والآراميين"؟. ينطلق الأستاذ حبيب في بحيث عن الأجوبة للأسئلة أعلاه إلى قاعدة أساسية مهمة يعتمد عليها للوصول إلى الهدف المبتغاة من بحثه هذا فيقول"أما الذين يدعون أن الآشوريين قد أنمحوا من وجه الأرض إثر سقوط دولتهم (612 – 609 ق.م.) وأن الكلدان قد أندثروا وإنصهروا بالكامل مع الموجات العربية في القرن السابع الميلادي وما بعده، فذلك محظ إدعاء باطل، فالشعوب لا تموت مهما كان قهرها كبيرا، فلا الفرس ولا العرب ولا المغول ولا العثمانيون أستطاعوا قلع جذور الكلدان والآشوريين، ولن تستطيع قوة أخرى، لا الآن ولا في قادم الأزمان". من هذا المنطلق يجول الإستاذ حبيب في التاريخ معتمداً على مصادر ووثائق كثيرة ليصل إلى نتيجة مفادها بأن الكلدان كأقوام سامية تواجدوا منذ أقدم العصور في المنطقة الجنوبية والوسطى والتي كانت تسمى "كلديا"، الموطن الأصلي للكلدان. وخلال فترة بروز قوة الأمبراطوية الآشورية ودخولها في صراعات وحروب مع شعوب هذه المنطقة تابع الآشوريون سياسة تهجير الشعوب المغلوبة، بضمنهم الكلدان، من أوطانهم إلى بلاد آشور وإسكانهم في مناطق متعددة. فخلال مائة سنة ونيف أستطاع الآشوريون من تهجير مئات الآلاف من الكلدان من الجنوب إلى الشمال، فيورد الإستاذ حبيب أسماء الملوك الآشوريين الذين قاموا بتهجير الكلدان وأعدادهم والمناطق الآشورية التي أسكونهم فيها (ص46-ص54).

سقطت الأمبراطورية الآشورية نهائياً عام 609 ق.م. على أيدي الجيوش الكلدانية المتحالفة مع الميديين فتقاسموا أراض الأمبراطورية الآشورية بينهم ثم في السنوات اللاحقة أنسحب الميديون وتركوا الأراضي الآشورية في آشور، خاصة شرق نهر دجلة، إلى الكلدان. سقطت دولة الكلدان عام 539 ق.م. على أيدي الأخمينين الفرس وبقيادة ملكهم المسمى قورش وبمساعد اليهود السابئة في بابل والذين كان يؤمنون بأنه "المسيح المخلص" الذي سوف يأتي ويخلصهم من أسرهم في بابل ويرجعهم إلى موطنهم وهم الذين أطلقوا هذا الأسم "قورش" على هذا الملك والذي يعني قم وأنهض باللغة الأرامية التي كان يهود يتكلمون بها، هذا حسب تفسير الباحث لوقا زودو. بدأت الإضطهادات للكلدان بعد هذا التاريخ وزادت من هجراتهم نحو شمال البلاد وتعاقبت هذه الإضطهادت والنزوح في الفترات اللاحقة في عهود الفرس والخلفاء المسلمين والمغول والتتار وقبائل التركو-المغولية التي سيطرت على البلاد إلى درجة لم يعد أي وجود للكلدان في هذه المناطق الجنوبية والوسطى غير الذين دفعوا الجزية فبقوا في هذه المناطق ومن ثم وبمرور الزمن ذابوا في المجتمعات العربية الإسلامية.

كل هذه الإضطهادات لم تستطيع أن تفني الكلدان عن بكرة أبيهم، كما يقول الباحث، بل  تواصل وجودهم خلال المعايشة مع سكان شمال بلاد النهرين بما فيها مناطق بلاد آشور. والحال نفسه كان بالنسبة للآشوريين فبعد سقوط أمبراطوريتهم وأن العديد من مدنهم المشهورة ومنها نينوى قد سويت بالأرض وأن الكثير من أفراد السطلة الحاكمة قد قضي عليهم ولكن لم تحدث بحقهم إبادة جماعية شاملة وإن أزالة الشعب الآشوري من الوجود بكاملة أمر غير وارد إطلاقاً. "غير أن العديد من أبناء الشعب الآشوري تمكنوا من الفرار والإلتجاء إلى أماكن بعيدة خاصة الجبلية منها ومن ثم عادوا بعد حين إلى قراهم ومدنهم مثل نينوى وأربيل وكرملش وسنكار وغيرها وعاشوا عيشة طبيعية مع بقية الأقوام الأخرى التي وفدت وحلت بالديار الآشورية بعد سقوط إمبراطوريتهم" (ص 24). ويورد الباحث العديد من الأدلة والبراهين على بقاء الآشوريين في موطنهم بعد سقوط دولتهم، وهو الأمر الذي أكده الكثير من الباحثين في تاريخ المنطقة وفي مصير الآشوريين بعد سقوط إمبراطوريتهم.
 
هناك حقيقة أكدتها الوقائع التاريخية فيما يخص تهجير الشعوب خاصة المهجرين قسراً أو بسبب الظلم والإضطهاد وهي أنه بعد زوال الأسباب المؤدية للتهجير فإن الكثير من هذه الشعوب المهجرة عادت إلى أوطانها رغم مرور زمن طويل خاصة الشعوب التي تختلف من نواحي عديدة عن الشعوب التي هجرتها وأستوطنتها في مناطق أخرى غريبة عنها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية عاد معظم أو أكثرية اليهود الذي سباهم الآشوريون إلى أوطانهم ونفس الحال بالنسب لعودة يهود السبأ البابلي الذي سباهم ملوك الكلدان. وهكذا أستمرت هذه العودة في الفترات اللاحقة التي كان اليهود يتعرضون إلى الظلم والإضطهاد حتى بعد عام 1968 عقب وصول حزب البعث إلى السلطة في العراق وتعرض اليهود إلى شتى أنواع التهم والظلم والحرمان فوجدوا في العودة إلى إسرائيل سبيلاً للإنعتاق من أوضاعهم المزرية في العراق. والحال أيضا كان ينطبق على الآشوريين بعد سقوط أمبراطوريتهم حيث عاد الكثير منهم إلى قراهم ومدنهم بعد إستقرار الأوضاع، وهو الأمر الذي أكده الإستاذ حبيب وغيره من المؤرخين. ولكن من الملاحظ بأن مثل هذه البدهية في عودة الشعوب المهجرة إلى أوطانها الأصلية لم تنطبق على الكلدان الذين سباهم الآشوريين من وطنهم كلديا إلى بلاد آشور ولا على الكلدان الذين هربوا من ظلم الفرس والخلفاء المسلمين والمغول وأحتموا في المناطق الجبلية في شمال بلاد النهرين، وهو الأمر الذي لم يتطرق إليه الإستاذ حبيب بل أكد على تعايش الكلدان مع شعوب بلاد آشور وإستمرار تواجدهم في تلك المنطقة البعيدة عن كلديا وحتى يومنا هذا. وعندما نحاول أن ندقق أكثر في حيثيات وإرهاصات تواريخ تلك الأزمان لا نجد تفسيراً لهذا الأمر إلا بالقول:
أولا: أن سبأ الآشوريون لليهود يختلف عن سبأهم للكلدان. فاليهود هُجرو من وطن بعيد مرتبط بمعتقدات توراتية يختلف ومن نواحي عديدة عن بلاد آشور الغريب عنهم. في حين أن تهجير الآشوريين للكلدان من كلديا إلى بلاد آشور كان إنتقالا وترحالاً من منطقة إلى أخرى ضمن بلاد مابين النهرين موطن أباءهم وأجداهم الأكديين والسومريين والبابليين فلم يكن غريباً عنهم خاصة ونحن نعرف بأنه كان هناك علاقات وتزواج وإختلاطات بين البابليين والكلدانيين والاشوريين ولم يكن هناك مانع طبيعي يحول دون ترابط وتواصل أجزاء ومناطق بلاد ما بين النهرين وسهولة التنقل بين مناطق البلاد.
ثانياً: رجع اليهود من السبأ الآشوري والبابلي إلى موطنهم لأن الآشوريين والكلدانيين كانوا يختلفون عنهم من نواحي عديدة دينية ولغوية وإجتماعية وحتى نفسية وعنصرية وبالتالي لم يكن بالإمكان إستمرار العيش معهم وظلوا ينتظرون الفرص للعودة إلى موطنهم. في حين أن الكلدان المهجرين إلى بلاد آشور لم يكن يختلفون عن الآشوريين لا من حيث اللغة ولا الثقافة ولا الديانة لذلك كان أمر التعايش بعضهم بالبعض سهلاً  لكونهم من أصول تاريخية واحدة وحضارة مشتركة  لهذا لم يكن أمر العودة إلى موطنهم الأصلي كلديا وارداً طالماً وجودوا في آشور موطناً لهم،  ولعل ترك الميديون بلاد آشور للكلدان بعد إسقاط الإمبراطورية الآشورية تفسيراً يأتي ضمن هذا السياق.
ثالثا: أرتبط غزو الآشوريين والكلدانيين لبلدان اليهود بأمور إلهية وتوراتية فجاء قلعهم من أرضهم وسبأهم إلى بلاد آشور وبابل الغريبة عنهم كعقاب من الله حسبما ورد في التوراة، أي بعبارة أخرى كانت حروب خارجية، دينية وحضارية أن صح التعبير. في حين أن الحروب والإجتياحات التي كان يقوم بها الاِشوريون إلى المناطق الجنوبية من بلاد ما بين النهرين وإلى كلديا لم تكن مرتبطة بتفسيرات ميتافيزقية وتوراتية بل كانت بهدف الهيمنة والسيطرة على معظم أراض بلاد ما بين النهرين وإخضاعها للإمبراطورية الآشورية وهكذا كان الحال مع الكلدان في غزوهم لبلاد آشور، أي بعبارة أخرى كان حروب داخلية أهلية إقليمية لشعب بلاد ما بين النهرين.

أن الهدف الذي سعى إليه الباحث من الإشارة إلى هجرة الكلدان لموطنهم كلديا إلى المناطق الشمالية وإستقرارهم في بلاد آشور وتعايشهم مع الآشوريين هو للتأكيد والقول بأن غالبية شعب شمال بلاد ما بين النهرين هو مزيج من الآشوريين والكلدان وعندما جاءت المسيحية أطرتهم ضمن أطار إيماني ومؤسساتي تمثل في كنيسة المشرق. وفي خلاصة بحثه يقول "لقد أختلط الشعبان على كل الصعد ثقاقياً ولغوياً وإجتماعياً ودينياً آصرهم المصير المشترك والسيف الذي طالهم بدون تمييز بسبب عقيدتهم المسيحية... فمن المؤسف حقاً أن توحدهم المسيحية وتفرقهم مذاهبها... أن في عروق كل آشوري دم كلداني، وفي عروق كل كلداني دم آشوري ولا تستطيع أن تميز بينهم لولا إنتمائه لهذه الكنيسة أو تلك..... أن الرعايا الحاليين لكنيسة المشرق بشقيها الكلداني والآشوري هم خليط من أحفاد الآشوريين التاريخيين الذي أستمر تواجدهم في وطنهم التاريخي، ومن أحفاد الكلدان التاريخيين الذين رحلوا قسراً من موطنهم كلديا وأستقروا في آثور أيام الدولة الآشورية ... إضافة للكلدان الذي أجبرهم الظروف أن يتركوا مدنهم في جنوب العراق نتيجة الإضطهادات الدينية بسبب عقيدتهم المسيحية وإحتموا في مدن شمال ما بين النهرين.." (ص 64). وهنا من الضروري أن أقول بأنه ليس قصد الإستاذ حبيب عند الإشارة إلى مصطلحات مثل الدم والعنصر والعرق وغيرها من المفاهيم البايولوجية في كونها عوامل مشتركة بين الكلدان والأشوريين ومقومات أساسية في تحديد هويتهم، بل أن الإشارة إليها تأتي من جانب تعظيم قوة ربط العوامل المشتركة التي تجميع بينهم من حضارية ولغوية وتاريخية وإجتماعية وحتى نفسية ودينية ذلك لأن جميع النظريات التي تعتمد على الدم أو العرق في تحديد هوية الشعوب والأقوام  والقوميات قد أصابها الكثير من السخف والبطلان ولم تعد مقبولة إطلاقاً في عالم يسوده ثقافات وحضارات وأثنيات متعددة ومختلفة. وهذا يتأكد عندما يشير الأستاذ حبيب إلى أثنية كنيسة المشرق فيقول: أن كنيسة المشرق لم تكن كنيسة كلدانية ولا كنيسة آشورية بحتة، كما يريدها البعض، فلقد كانت أممية مسكونية متعددة الأثنية، تجمعها العقيد المسيحية الواحدة، وتأصرها اللغة الأرامية حيث كانت لغة التفاهم المشترك بين الجميع، إلا أن الكلدوآشوريين كانوا الغالبية فيها منذ البداية، أي أن العنصر الكلداني الآشوري كان هو المسيطر في كنيسة المشرق، فالنقاوة في العرق ضرب من الخيال.

ولكن إذا أتفقنا مع الأستاذ حبيب في الإقرار بالتاريخ السحيق للكلدانيين وإمتلاكهم مقومات قومية وحضارية ودينية ومن ثم عدم تلاشهم بين الأمم الآخرى لا بل بقاءهم وتعايشهم مع الآشوريين في المناطق الشمالية لبيت نهرين – موطن الآشوريين القدماء فكل هذا يفرض علينا سؤالاً محيراً وهو: لماذا لم تظهر حركة سياسية قومية مستقلة للكلدان في أعقاب ظهور مبادئ التحرر القومي وحق تقرير المصير للشعوب أبان الحرب الكونية الأولى وما قبلها؟ في حين ظهرت مثل هذه الحركة في الآشوريين وتسمىت بالتسمية القومية لهم وأستمر على الساحة السياسية لأكثر من قرن من الزمن... سؤال سبق وأن بحثنا عنه في أحدى المواضيع السابقة عن الكلدان والسياسة القومية وأرى من المفيد أن نعيد صياغته ونشره مرة أخرى في مناسبة أخرى. 

وأخيراً، سواء أتفقنا أو لم نتفق مع الأستاذ حبيب في هذه الحقيقة التاريخية فإن هناك واقع حال يحكم وبموضوعية تامة بعيداً عن التأويلات والتفسيرات... واقع حال ينطق بكل وضوح ويقول بأننا نحن الكلدان والسريان والآشوريين شعب واحد تجمعنا مقومات حضارية وتاريخية وقومية وحتى نفسية ودينية مهما كان حقيقتنا التاريخية سواء تطابقت مع هذا الواقع أم لا... ومهما كانت تسميتنا القومية أكانت مفردة أو مركبة فالأمر سيان أمام الضرورة الملحة لوحدتنا التي هي السبيل الأول والأساسي لنيل حقوقنا القومية في وطن الأباء والأجداد والسلاح الذي يرتبط بالبندقية في ساحة المعركة... فالوحدة القومية ورفع السلاح أمران متلازمان ضمن علاقة عضوية لا مفر منها لتحقيق الأهداف، وهو الموضوع الذي سنتاوله في مناسبة لاحقة. 
 
   



6
الشخصية القومية المحامي روبرت قليتا يتعرض لتهمة غادرة
=====================================
أبرم شبيرا

عُرف عن المحامي روبرت وليم قليتا بهدوء طبعه وسمو أخلاقه وسعة أفاق تفكيره وغزارة ثقافته القومية والقانونية وإتقانه لحرفيته مهنته في الحقل القانوني وتقدسيه لها كمحامي محترف يعرف حدود القانون وكيفية إستخدامه وبإتقان ودقة ليس في خدمة زبائنه فحسب بل لأي إنسان يعوزه المشورة القانونية والمساعدة الإنسانية. هكذا عرف الناس المحامي روبرت قليتا ليس في الولايات المتحدة الأميركية فحسب بل في جميع مجتمعاتنا المسيحية الكلدانية السريانية الآشورية المنتشرين في أنحاء العالم. لا بل وأكثر من هذا بكثير، فقد عرف عنه في كونه من أكثر الناشطين في الحقل القومي يخدم وبكل أخلاص وتفاني أبناء شعبه في الولايات المتحدة الأمريكية أو في أي مكان كانوا خاصة أبناء شعبنا المحتاجين والهاربين من ظلم الأنظمة الإستبدادية في وطننا العراق وسوريا، فإنشغاله بمهنته لم يحول ذلك للتضحية بالوقت والجهد وحتى المال لمساعدة أبناء شعبه. كما لروبرت قليتا مواقف جريئة وشجاعة ومشاركة مستمرة في نشاطات قومية وسياسية كثيرة وسافر إلى شمال الوطن بيت نهرين ليشارك ويعايش وبشكل مباشر أوضاع شعبنا هناك ويسعى بكل ما أمكن من مساعدتهم للتخفيف من الظلم الذي عانوه على يد المتطرفين والأرهابين، لذلك عرف عنه في كونه محامي مختص في قضايا الظلم والإضطهاد الذي يتعرض له شعبنا في وطنه التاريخي.

أنه من المؤسف حقاً، أن تتعرض مثل هذه الشخصية النشطة والنبيلة إلى مؤامرة غادرة وإلى تهمة بعيدة جداً عن أخلاقه وسلوكه وإخلاصه لمهنته كمحامي وإلتزامه التام بقانونية أعماله. ففي 23 من هر أيلول 2014 كان المحامي روبرت قليتا والدكتور آدم بنيامين الذي يعمل كمترجم معه إلى الأعتقال بتهمة ضمان وحصول على اللجوء السياسي للمسيحيين العراقيين، تهمة قائمة على أساس كاذب ومزيف بأن المسيحيين في العراق غير مضطهدين على أيدي المتطرفين الإسلاميين في العراق، في الوقت الذي يعرف كل العالم مدى تعرض المسيحيين في العراق إلى الظلم والإضطهاد ونتيجة ذلك تهجروا الكثير منهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية والبلدان الأخرى التي تؤمن لهم الأمن والسلام من خلال طلبهم للجوء السياسي وقيام روبرت قليتا وجميع الموظفين العاملين في مكتبه في شيكاغو بمساعدتهم في هذه المسألة الإنسانية ووفقاً للقانون الأمريكية للهجرة.

من جانب آخر، أنه لأمر يشار إليه بالبنان أن يقوم أبناء شعبنا في الولايات المتحدة الأمريكية وفي بعض دول العالم بحملة واسعة لمساندة روبرت قليتا ومطالبة المدعي العام بإسقاط التهمة عنه وعن الدكتور آدم بنيامين. فقد ألهب هذا الظلم بحق روبرت قليتا حماس أبناء شعبنا في الولايات المتحدة الأمريكية فقاموا عبر وسائل الإتصال الألكترونية والتواصل الإجتماعي حملة شعبية واسعة تحت عنوان (standwithrobert) لمساندة روبرت قليتا وتبرئته من هذه التهمة الباطلة حيث تم جمع أكثر من ثلاثة ألاف توقيع من مختلف الأماكن. ففي خبر نشر على الموقع الألكتروني لـ (AINA) – الوكالة الآشورية العالمية للأنباء – ذكر بأنه في يوم الأحد الماضي (07/12/2014) عقد تجمع شعبي واسع في قاعة المجلس القومي الآشوري في شيكاغو حضره أكثر من 1500 آشوري أمريكي ومن بينهم شخصيات معروفة لدعم ومساند المحامي روبرت قليتا في التهمة الموجهة له حيث ألقيت كلمات عديدة كلها تدعوا إلى إسقاط التهمة عنه. فكان من بين الحاضرين السيد شيبا مندو رئيس المجلس القومي الآشوري في شيكاغو والسيدة ماركريت خمو رئيسة اللجنة الخيرية الآشورية في شيكاغو ونيافة الأسقف مار كوركيس يونان والأب الفاضل كوركيس سليمان وكان أيضا بينهم المحامي روبرت قليتا والدكتور آدم بينامين ومعهم أفراد عوائلهما حيث ألقى روبرت قليتا كلمة مؤثرة جداً شاكراً الحاضرين على دعمهم المستمر له في هذه المسألة. وفي حديث لمحامي بيل مورفي الذي وُكل في هذه القضية للدفاع عن روبرت قليتا قائلاً: إنني فخور جداً لتمثيلك في هذه القضية. ثم أستدعي روبرت قليتا للحضور على المنصة فوقف الحاضرون وبحماس شديد قوبل بالتصفيق والهتافات حيث ألقى كلمة مؤثرة جداً وشاكراً للحاضرين والمساندين لقضيته.
 

المحامي روبرت قليتا واقفا على المنصة يلقى كلمته (الصورة منقولة من (AINA)
==========================================

ففي كلمة حماسية ومؤثرة عبرت السيدة ماركريت خمو عن قلقها وقلق مجتمعنا في الولايات المتحدة الأمريكية  خاصة فيما يتعلق بقرار أصدره القاضي الفدرالي للهجرة قبل أسبوعين مصرحاً ومؤكداً بأنه ليس هناك أي إضطهاد للمسيحيين في العراق !!! ثم أشارت السيدة ماركريت عن غضب وإستياء الحاضرين من مثل هذا التصريح حيث قالت بأن القضايا الأثنى عشر التي تولاها روبرت قليتا ودافع عن أصحابها والتي أتهم بهما هم مسيحيون عراقيون هربوا من العراق بسبب الظلم والإضطهاد لهم من قبل الجهات الإسلامية المتطرفة. وقالت أيضا بأن روبرت قليتا محامي مشهور لقضايا الهجرة فهو من القلائل المختصين في قضايا المسيحيين العراقيين فوصفته بأنه المحامي الذي يعرف بالضبط وبدقة المعاناة والظلم الذي عانوه ويعانوه المسيحيون في العراق وسوريا، محامي يعرف الوضع المأساوي لشعبنا في وطنه فهو ليس غريباً عنه حيث يعتبر بالنسبة لهم الضوء في نهاية النفق المظلم والطويل. وقالت أيضا بخصوص الدكتور آدم بنيامين بأنه من الناشطين المحبوبين في الحقل القومي عمل مع روبرت قليتا لسنوات عديدة فكلاهما سافراً إلى العراق في الماضي لتقديم دعمهم ومساندتهم شعبهم وتقييم الوضع هناك وأن عملهم القانوني تجاوز قاعات المحاكم إلى الأعمال الإنسانية ومشاريع مفيدة لشعبنا.  ثم قدم أبناء شعبنا في الولايات المتحدة إلتماس إلى المدعي العام طالبين بسحب التهمة ضد المحامي روبرت قليتا والدكتور آدم بينامين.   
 


السيدة ماركريت خمو تلقي كلمتها المؤثرة في الحاضرين
(الصورة منقولة من (AINA)
==========================================

وأخيراً لم يبقى في هذه السطور القليلة إلا أن أقول بأنني عرفت المحامي روبرت قليتا عن كثب ولمست غزارة ثقافته وطيبة قبله وتأثرت بحماسه في العمل القومي والإنساني وبشجاعته في خوض أصعب القاضايا وأعقدها من أجل مساعدة شعبه المضطهد من دون أي تميز بين طائفة وأخرى أو عشيرة وأخرى فكان في قلوب جميع أبناء شعبنا وسيبقى كذلك رغم كل التهم الباطلة الموجهة له... أنه حقاً أمراً غريباً أن يصدر من الهيئات القضائية في الولايات المتحدة الإمريكية تصاريح تقول بأن المسيحيين في العراق غير مضطهدين... أليس هذا غريباً وعجيباً؟؟؟  وهنا لا يسعنا غير أن نقول بأننا نقف وبكل صلابة وإصرار مع المحامي روبرت قليتا والدكتور آدم ميخائيل في محنتهما هذه، ونأمل أن يعودا إلى حياتهم الطبيعية بعد إسقاط التهمة عنهما ويستمر عملهما القومي والإنساني تجاه شعبهم الذي يعاني أقسى أنواع الظلم والإضطهاد في هذه الدنيا.

7
من أرشيف الحركة القومية الآشورية:
---------------------

خيت خيت ألب ـ محبة وإتحاد آشوري
 
================================================
أبرم شبيرا
توطئة:
======

جانب من الأزمة الفكرية والثقافية التي يعاني شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" يتمثل في ندرة الوثائق التي تتناول تاريخ شعبنا خاصة السياسية والقومية وتحديداً عن أحزاب ومنظمات الحركة القومية الآشورية فلا نجد كتاباً علمياً موثقاً لأحداث الكثيرة والكبيرة التي مر بها شعبنا غير بعض الورقيات متناثرة هنا وهناك وقد يكون هنا كراس أو كتيب كتب وطبع ونشر بشكل محدود والكثير منها أصبحت من المقتنيات الشخصية لأفراد جعلوا منها مجرد ديكور لرفوف بيوتهم أن لم تكن متروكة في صناديق مهملة. وإستشعاراً بهذا النقص وإستجابة للحاجة غصتُ في أرشيف الرفوف العالية لمكتبتي الصغيرة أرتب مقتنياتها وأبحث عن شيء يسد هذا النقص ولو قليلا فوجدت مقالاً عن أول تنظيم سياسي قومي آشوري في العراق المسمى ( ) والذي يعني (حب أو محبة وإتحاد آشوري وتحت عنوان (خوبا وخويادا آتورايا ولد في الصحراء) وكتبه باللغة الإنكليزية السيد ميخائيل بيوس وكان قد نشر في مجلة نينوى، مجلد 22، عدد 3 لسنة 1999 ثم أعيد نشره في موقع بيت نهرين الألكتروني لعام 2001). الموضوع هو أكثر من مقالة بل يمكن أعتباره بحثاً تاريخياً موضوعياً أعتمد كاتبه على الوقائع والأحداث والتواريخ والشخصيات التي أستمد منها معلوماته وجلها من المقابلات التي أجراها مع الأفراد الذين عاصروا تلك المرحلة أو اللذين شاركوا في هذا التنظيم وأنظموا إليه ونشطوا في مجلات قومية متعددة والتي من خلالها يظهر بأن السيد ميخائيل قد بذل جهداً كبيراً ووقتا طويلاً في توثيق مرحلة من مراحل الحركة القومية الآشورية وهو أمر يستحق عنه كل الشكر والإمتنان للجهود الكبيرة التي بذلها في أخراج هذا الموضوع عن هذه المنظمة التي الكثير من أبناء شعبنا وتحديداً السياسيين منهم لا يعرفون عنها شيئاً غير أسمها ومؤسسها. وهذا الموضوع الذي أكتبه هو تذكير وتثمين لجهود السيد ميخائيل وتخليدا لذكرى مؤسسة الحركة أوسطه موشي وتعميماً لفائدته. أخذت معظم معلوماتي من بحثه ولكن بعد ترجمته وإعادة ترتيب معلوماته وأحداثه وتبويبها ليكون قراءته أسهل على القارئ اللبيب.

تأسيس الحركة:
==========

البذور قد زرعت (The Seed is Sown): هكذا يبدأ السيد ميخائيل بحثه، فيقول: في عام 1942 كانت قد ولدت حركة قومية آشورية جديدة، حركة خُبا وخوياد آتورايا والتي عرفت أختصاراً بـ (خيت خيت ألب) الأحرف السريانية الأولى لـ (خُوبا وخوياد آتورايا). كانت بذور الفكر القومي قد زرعت أولاً في مجموعة من الموظفين الآشوريين في قاعدة القوة الجوية الملكية البريطانية في جنوب العراق (الشعيبة) قرب البصرة ثم كانت أكثر إنتشاراً وتوسعاً ونمواً في المجمع المدني لقاعدة هذه القوة في الحبانية في وسط العراق. كانت الحركة نتاج فعال لمجموعة من الأشوريين القوميين الشجعان التي أستمر نشاطها الفعال لحين واجهة بعض الإنتهازيين والأنانيين فبأيديهم الغادرة توقفت الحركة وأنتهت بعد أن أستمر نشاطها لمدة تقارب خمس سنوات. تأسست الحركة وأنتظمت على يد موشي خوشابا وعرف شعبياً بأسم (أوسطه موشي) الذي كان يعمل نجاراً في قاعدة الشعيبة للقوة الجوية الملكية البريطانية حيث بدأ نشاطه من هناك بين الآشوريين الذين كان يتراوح عددهم بضعة مئات من الموظفين المدنيين والحرفيين من مختلف المهن، أي بعبارة أخرى بدأ أوسطه موشي نشاطه أولا بين الطبقات البرجوازية الصغير التي كانت تمتلك قدراً معيناً من الوعي القومي والثقافة العامة.  ثم أنتقل مع غيره من رفاقه إلى قاعدة الحبانية وهناك تكثف نشاطه وتوسع تنظيم الحركة أكثر بين الآشوريين في الحبانية التي عرفت في حينها بأجوائها الإجتماعية والتقارب بين العوائل وتشكيل مجموعات إجتماعية وفرق فنية ورياضية عديدة فكانت هذه الأجواء مناسبة جداً للقومي المتحمس أوسطه موشي ليشارك هذه التجمعات ويطرح فكرة تأسيس المنظمة. فبعد مناقشاته الطويلة والمثمرة مع عدد من القوميين ذوي الخبرة والفكر النير الذين كان يثق بهم أسس حركة خيت خيت ألب والتي كانت بشكل أو بآخر تشبه أسلوب ونظام حزب طاشناق (الحزب القومي الأرمني) الذي كان أوسطه موشي عضواً فيه لمدة 15 سنة عندما كان في روسيا.

من هو أوسطه موشي؟:
=============

إستناداً للمعلومات المستمدة من أبنه أونر عام 1995، ولد موشي خوشابا في (صوليز) في بلاد فارس عام 1876 فكان الأبن البكر للسيد خوشابا والسيدة سًنام وهي أرمنية. في عام 1885 هاجرت عائلة أوسطه موشي إلى أرمينيا وكان عمره حينذاك تسع سنوات. عاش وترعرع في أرمينا لمدة 26 سنة حيث درس وخدم كضابط في الجيش وأنضم إلى حزب طاشناق الأرمني قبل أن يعود إلى مسقط رأسه (صوليز) عام 1911. وأثناء الحرب الكونية الأولى خدم كضابط في قوات الجنرال أغا بطرس القائد العام للقوات الآشورية التي كانت تحارب جنباً إلى جنب مع القوات الروسية والبريطانية ضد الأتراك وبعض العشائر الكوردية المتحالفة معهم. وبعد مأساة وفواجع الحرب والتشرد من الأوطان وصل أوسطه موشي مع عائلته إلى بلاد مابين النهرين (العراق فيما بعد) عام 1918 مع أكثر من خمسين ألف مهاجر من أورمي وهيكاري. كان هو وشقيقيه (سايمون) و (يوسب) يعملون كنجارين في الحبانية وكان متزوجاً من السيدة (راخه – راشيل) أبنه السيد يوسب بادل وكان لهما ولدان: أرام و أونر وبنت أسمها يوليه. عاش أوسطه موشي حياة هادئة وبسيطة جداً حتى وفاته في عام 1951 وعن عمر ناهز الخامسة والسبعون. 

يتساؤل السيد مخيائيل بيوس: أي نوع من الأشخاص كان أوسطه موشي النبيل والمتواضع لكي يمتلك القوة في تأثير والقيادة والسيطرة وإكتسابه لمحبة وأحترام رفاقه في الحركة؟؟  كان أوسطه موشي مثقفاً وكثير القراءة والإطلاع وقرأ العديد من الكتب المعروفة في السياسية والفكر والإجتماع ويقال بأنه كان أيضاً لغوياً يقرأ ويكتب باللغات الآشورية والأرمنية والروسية والإنكليزية والفارسية والتركية والكوردية وبعض الشيء من العربية. كان أوسطه موشي خطيباً بارعاً وفناناٌ مبدعاً في فن الرواية والحديث حيث كان يتحدث ويروي للتجمعات الآشورية في الحبانية قصص وروايات عن التاريخ الآشوري فكانت له براعة فائقة في جلب إنتباه المستمعين الذين كانوا في البداية عدد قليل ثم أصبحوا بالعشرات. كان أوسطه موشي يعرف فنون الرواية والحديث الشيق بحث عندما كان يصل إلى حدث مهم ومثير كان يقطع الحديث ويوعد مستمعيه بأن يكمله في اليوم التالي كما هو الحال بالنسبة للمسلسلات التلفزيونية الحالية. ومن خلال هذه القصص والروايات كان أوسطه موشي تدريجياً يبدأ الحديث عن المحبة والإتحاد والقومية وغيرها من المواضيع المتعلقة بالمصلحة القومية وذلك لغرض يهدف إليه في إنماء الوعي والمحبة والإتحاد بين الآشوريين كسبيل وطريقة لضمهم إلى الحركة.
كان أوسطه موشي جذاباً وذو شخصية كرازماتية ليس في مظهره وملبسه بل في فكره ومصادره الثقافية وفي صوته وأسلوبه ومضامين حديثه وكان بكل معنى الكلمة شخصاً ذكياً ومثقفاً فكان يوصف بالمتواضع والمحتشم و "جينتلمان". فكان يتحدث لمستمعيه مستعملاً أسلوب لغة العيون (Eye Contact) ويتكلم بهدوء وببطئ ليجعل معاني حديثه ذات مصداقية ومفهومة ومؤثرة على مستمعيه بحيث كانوا يشعرون بأنه فعلاً في حضور شخص ذو معرفة عميقة وثقافة عالية. كما عرف عن أوسطه موشي بقوة ذاكرته وإمتلاكه لموهبة في ربط كلمة بكلمة وجملة بجملة وفي إتساق تام ويربطها باحاديثه السابقة مما كان يسلب إنتباه مستمعيه. ولم يكن أوسطه موشي بعيداً عن موهبة الشعر وتأليف الأغاني القومية ومنها أغنية (جونقا زخما – الشاب الشجاع) التي كان يرددها الكثير من الشباب في تلك الفترة. وعرف أيضاً عنه بأنه كان ينبذ العنف ووسائل القوة في مواجهة الخصوص فكان رجل مسالماً خاصة مع أبناء شعبه الآشوري. ففي الكثير من الأحيان كان يطرح له بعض من الأعضاء الشباب المتحمسين فكرة مواجهة خصوص الحركة الذين يسببون المشاكل لهم وتصفيتهم بالقوة والعنف غير أنه كان يغضب كثيراً ويقول : لا نريد أن نقتل... "لقد جئنا لنوحد شعبنا ولا نريد أن تأتي قطرة دم من أنف أي واحد منهم ... ولكن عندما يتلطب أمر قضيتنا فإننا سنقوم بكل مايلزم وضروري في مواجهة هؤلاء اللذين يقفون ضدنا".

هل كان أوسطه موشي شيوعياً:
===================

ليس غريباً على شخص عاش وترعرع في روسيا وسافر إلى الإتحاد السوفياتي وزار الكثير من مدنها ومعالمها ومعاهدها أن لا يتأثر بالشيوعية خاصة وأن ثقافته الواسعة وفكره النير وأسلوبه الشيق في الحديث كانت من سمات الكثير من الشيوعيين الآشوريين ولا نستبعد أن يكون قد ألتقى أو أجتمع بالآشوري الثائر الآخر بيتر (بطرس) فاسيلي الأب الروحي للحزب الشيوعي العراقي الذي جاء من نفس المنطقة وعاش فيها وعاصر نفس الزمن وأحداثه المأساوية رغم عدم وجود مصادر تؤكد هذه الفرضية. من هذا المنطلق لم يكن غريباً أن يتهم أوسطه موشي في كونه شيوعياً. كان أحد الأعضاء السابقين للحركة قد سمع فيما بعد بأن أوسطه موشي كان شيوعياً ولكن آخرون من أعضاء الحركة رفضوا هذه التهمة وأكدوا بأن أوسطه موشي كان قومياً ويكفي أنه كان لفترة طويلة عضواً في حزب طاشناق الأرمني وهو الحزب القومي المتشدد والمعروف عنه بمعاداتة للشيوعية. وكانت تهمة الشيوعية ضد أوسطه موشي قد وصلت للحكومة العراقية والسلطات البريطانية وعلى أساس هذه التهمة أستدعي من قبل مفوض مركز الشرطة في الحبانية فوجه إليه تهمة الشيوعية والتي كانت في حينها أخطر التهم بالنسبة للسلطات العراقية والبريطانية، فما كان من أوسطه موشي وبشجاعته المعروفة إلا أن يلعن مفوض الشرطة ويقول له: ربما أنت شيوعي وليس أنا، ثم أردف قائلاً: على حكومتك أن تأتي وتُقبل أرجلنا لأننا نحن ضد الشيوعية غرضنا هو توحيد شعبنا وصد الشيوعيين من التغلل بيننا. ويذكر بأن الضابط البريطاني المسؤول في المجمع المدني في الحبانية كان أيضا قد أستدعى أوسطه موشي مع عدد من رفاقه إلى مكتبه في مقر القيادة البريطانية فقام الضابط وهددهم بالسلاح واضعاً مسدسه على طاولته قائلاً: إذا كان صحيحاً بأن شعبكم له حركة شيوعية فإنني سأطلق الرصاص عليكم من هذا المسدس؟.
على العموم يمكن القول بالإستناد إلى المعلومات البسيطة والمتضاربة بأن أوسطه موشي كان ماركسي المنهج والعمل السياسي ولكنه كان قومياً آشورياً متحمساً ومخلصاً لشعبه في عمله القومي وعلى هذا الأساس فأن خيت خيت ألب وبتنظيمها ومنهجها كانت تخلق نوع من الفكرة عن النظام الشيوعي. يتسائل السيد ميخائيل بيوس: هل كانت خيت خيت ألب نوعاً من الشيوعية للقومية الآشورية؟ ونحن بدورنا نؤكد مرة أخرى بأن أوسطه موشي كان ماركسي المنهج والتنظيم وقومي الفكر والعمل السياسي، ولم يكن شيوعياً لأن هناك فرقاً كبيراً بين الشيوعية كنظام سياسي وإقتصاي والماركسية كفكر وفلسفة ومنهج عمل سياسي.

هيكلية تنظيم خيت خيت ألب:
=================

مهما كان تهمة الشيوعية الموجهة لأوسطه موشي صحيحة أو غير صحيحة فإن هذا لا ينفي إطلاقاً تأثره بالفكر الماركسي وبالأسلوب الماركسي اللينيني في العمل السياسي والتنظيمي، فإذا لم يكن شيوعياً فأنه بالتأكيد كان ماركسياً من حيث المنهج السياسي وأسلوب عمله الحزبي وهذا يظهر جلياً في هيكلية تنظيم خيت خيت ألب الذي أتبع الأسلوب اللينيني في تأسيس الحركة كما أنه من المؤكد بأن وجوده كعضو في حزب طاشناق الأرمني لفترة طويلة تأثر بأسلوب تنظيم هذا الحزب الذي كان من المؤكد يعتمد أيضا على الأسلوب اللينيني في النظام الداخلي وهيكلية الحزب وهو الأسلوب المعتمد في الأحزاب اليسارية واليمينية خاصة التي تنشط في الأجواء السياسية الإستبدادية والتي تكون في غالبيتها أحزاب سرية مقاومة للأنظمة السياسية.
كانت الحركة قد تأسست وقادت من قبل أوسطه موشي ونشطت في المجتمع الآشوري في الحبانية وجند وأنظم إليها عدة مئات من الموظفين المدنيين الآشوريين وخاصة القوميين منهم خلال خمس سنوات من عمر الحركة التي كانت حركة سرية لأن النشاط القومي السياسي الآشوري كان ممنوعاً ومحرماً من قبل السلطات البريطانية والعراقية ويعاقب كل من يقوم بمثل هذا النشاط السياسي حيث كانت هذه السلطات قد أجبرت كل من يوظف لديها عليه أن يوقع على وثيقة تنص على حماية سرية عمله والولاء لمستخدميه من السلطات البريطانية. لذلك طبقاً لهذه الظروف التي كان يتطلبها نوع من السرية في العمل السياسي كان تنظيم خيت خيت ألب هرمي الشكل يبدأ من القاعدة وينتهي في القمة قائم على أساس الخلايا واللجان والفروع ومن ثم اللجنة المركزية. كان تنظيم خيت خيت ألب يتكون من عشرات الخلايا وكل خلية تتكون من ستة أعضاء أوأكثر وكان يعطى لكل عضو أسم حركي حفاظاً على سرية أسمه الحقيقي فكان لا يعرف أعضاء الخلايا الأخرى بل يعرف فقط رفاقه في نفس خليته. كان لكل خلية مسؤول عنها يشكل مع مسؤولي الخلايا الأخرى لجنة ويكون لكل لجنة مسؤول وهو بدوره مع مسؤولي اللجان الأخرى يشكلون جمعية أو فرع التي يكون لها رئيسا فهو الذي يكون له حق الإتصال باللجنة المركزية أو برئيسها أو بأحد أعضاءها. هكذا كان التسلسل الهرمي للتنظيم وطريقة الإتصال الذي يشبه كثيراً أسلوب لأحزاب الماركسية وبعض أحزاب العالم الثالث ومنها بعض من أحزابنا "الكلدانية السريانية الآشورية" السياسية في هذه الأيام.
كان للحركة قًسم مفروض على العضو الجديد أن يتلوه أمام أحد المسؤولين في الحركة أو أمام أوسطه موشي نفسه كشرط لقبول عضويته في الحركة وكان القسم يتضمن التعهد على الولاء وقبول الأوامر الصادرة من القيادة أو اللجان العليا والحفاظ على سرية الحركة والدفاع عن أهدافها والأخلاص لها. يروي أحد الأعضاء السابقين في الحركة بأنه عندما أصبح عضواً فيها أخذه مسؤوله المباشر إلى منزل أوسطه موشي الذي جلب الكتاب المقدس وسيفاً وطلب منه أن يركع وأن يضع يده اليمنى على الكتاب المقدس ثم وضع أوسطه موشي السيف على كتف المرشح  للعضوية وبدأ  بتلواة القسم الحزبي طالباً منه أن يردده من بعده وبعد ذلك يعطى له الأسم الحركي. ومن الغريب أيضا كان أوسطه موشي يجلب سكيناً وشوكة ويضعهما على الطاولة، ولا أحد من الأعضاء السابقين للحركة الذين قابلهم السيد ميخائيل بيوس أستطاع ذكر نص القسم تماماً ولا مغزى السكين والشوكة. ولكن لا أدري إذا كان يصح لنا أن نحزر بأن مغزى السكين والشوكة اللذان يرمزان كأدواة لأكل الطعام هو بأن الشراكة في التنظيم من خلال إكتساب العضوية هو كالمشاركة على المائدة الواحدة في أكل الطعام. كانت اللجنة المركزية، وكما هو معروف لدينا، هي القيادة العليا التي تصدر القرارات والأوامر وكانت تتكون من الأعضاء المؤسسين والقدماء إضافة إلى البعض الآخر المنتخبين، وقد عرف فيما بعد بعض من هذه الأسماء وغيرهم من الأعضاء النشطاء منها أوسطه موشي وأخوه سامسون وديفيد أسحق وبولس أودا وإيوان وردا ورابي أبرم بنيامين وبنيامين كاندلو و شاول سليمان و روفي ميخائيل وسركيس مايكل وأويقم يونان وديفيد كوركيس وهناك أسماء أخرى لم تذكر من قبل الذين قابلهم السيد ميخائيل بيوس. ومن الجدير بالذكر بأن بعض من هؤلاء الأشخاص بقوا نشطين في الحقل القومي والإجتماعي حتى بعد زوال تنظيم خيت خيت ألب.

كانت أجتماعات كل خلية وكل لجنة أو اللجنة المركزية تعقد بشكل سري في أمكان مختلفة عادة في بيوت الأعضاء أو في أماكن معزولة وبعيدة عن السلطات الحكومية. ولكن من المؤسف له لم نستطيع أن نعرف فيما إذا كانت الحركة تعقد إجتماعات للمؤتمر العام او الكونفراس وفيما إذا كان لها نظام داخلي ومناشير ولكن عرفنا بأن الأعضاء كانوا يدفعون إشتراكات عضوية بسيطة قدرها 100 فلس عراقي كانت تجمع وتحفظ في صندوق الحركة وبشكل سري خوفاً من أن ينكشف غرضها السياسي للسلطات البريطانية ومن ثم أحالته إلى السلطات العراقية. وفي نهاية عمر هذه الحركة كان في صندوقها مبلغ قدره 300 دينار عراقي، أي تقريباً 100 دولار أمريكي وقد أقترحوا بعض الأعضاء تبرعها لأوسطه موشي الذي كان في نهاية أيام خيت خيت ألب يعاني من مشاكل إقتصادية ومالية غير أن بعضهم رفضوا هذا المقترح لكي لا يفسر على أنه تفضيل مصلحة أوسطة موشي على غيرها من الأمور لذلك فقد تم التبرع بهذا المبلغ إلى كنيسة مار كوركيس لكنيسة المشرق في الحبانية.

أهداف الحركة:
===========

كان المجتمع الآشوري في الحبانية قائماً على مزيج من عشرات العشائر والطوائف التابعة لمختلف الكنائس المسيحية، مثل كنيسة المشرق والكنيسة الكلدانية وكنائس الروم الأرثوذكس وعدد قليل من أتباع البروتستانتية فكان بينهم نوع من التحامل والتحيز بين المجموعات التي جاءت من مناطق مختلفة (أورميشنايه، شابطنايه، طورايه) من جهة وبين العشائر والطوائف لمختلف الكنائس من جهة أخرى والذي كان يتزاوج مع التعصب الأعمى والإستياء والغيض والشعور المعادي وحتى الصراعات النفسية بين هذه المجموعات. ضمن هذه الأجواء كان عمل أوسطه موشي ومنظمته يهدف إلى توحيد هذه المجوعات المتصارعة في وحدة من الأخوة والمحبة. يقول أحد الأعضاء السابقيين للحركة بأن هدف أوسطه موشي من تأسيس خيت خيت ألب كان لغرض محاربة الإختلافات والنزعات العشائرية والشللية والطائفية وتوحيد الشعب بمحبة وبقيادة واحدة وكانت هناك شواهد عديدة وأفعال تؤكد غرضه في تحقيق هذه الأهداف. من هذا المنطلق يظهر بأنه كان للحركة في منظورها البعيد هدف قومي سياسي من خلال توحيد الشعب وزرع المحبة بين أفراده والعيش بتجانس وفي نفس الوقت نشر هذه الرسالة في المجتمع الآشوري إينما كان. ذكر أحد الأعضاء السابقيين للحركة بأن الغرض الرئيسي لأوسطه موشي من تحقيق المحبة والوحدة بين أبناء شعبه وتطوير الروح القومية الآشورية ومساعدة بعضهم للبعض بكل الطرق الممكنة كان بهدف بعيد المدى قائم على ضمان وطن قومي للأشوريين وتحقيق الهوية القومية في الوطن الشرعي للأباء والأجداد.
لقد كان صدى خيت خيت ألب قد أخترق وتسرب إلى المجتمعات الآشورية في بغداد وكركوك والبصرة وحتى إلى سوريا وإيران. ويقال بأن رسالتها كانت قد قوبلت بحماس خاصة من قبل الآشوريين في عبدان وطهران ومن قبل الموظفين الآشوريين العاملين في محطات ضخ البترول لشركة نفط العراق حيث كانت الرسائل ترسل إلى سوريا وإيران بيد أعضاء موثيقين بهم وبشكل خاص رسائل لأغراض تنظيمية وفكرية. قال أحد الأعضاء السابقين بأن صوت الحركة كان قد وصل حتى إلى المجموعات الآشورية في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال إرسال رسائل بيد طيار آشوري أمريكي كان يزور الحبانية.  ولكن السؤال يبقى قائماً وهو هل حقق أوسطه موشي ومنظمته خيت خيت ألب أهدافها؟؟ هذا ما سنبحثه وبإختصار في السطور القادمة.

خيت خيت ألب وعلاقتها بالإضرابات العمالية:
=========================

هل كان لخيت خيت ألب علاقة بالإضرابات العمالية في عام 1948 في كركوك التي قام بها عمال شركة نفط العراق (IPC) وفي الحبانية في عام 1952 أو كانت بفعل تأثيرها بشكل أو بآخر أو بمشاركة بعض أعضاؤها السابقون في هذين الأضرابين.  فيما يخص الإضرابات العمالية في كركوك فالجواب هو قطعاً لا. فالكثير من أعضاء الحركة يؤكدون عدم وجود علاقة خيت خيت ألب بالإضرابات التي كانت قد نظمت وقادت من قبل الشيوعيين العراقيين الذين تعرضوا للإعتقال والقتل والجرح والبعض الأخر للإعدام، خاصة ونحن نعرف بأن خيت خيت ألب أنتهت، على الأقل تنظيمياً، في عام 1947 ولكن فكرياً لم تكن قد أنتهت نهائياً بل بقى تأثير فكرها في أعضاءها السابقين ولسنوات طويلة. من هنا نقول، رغم هذا النفي في عدم وجود علاقة خيت خيت ألب بالإضرابات، فأنه بإعتقادي ليس من المستبعد أن يكون بعض الشيوعيين الآشوريين الذين شاركوا في إضرابات كركوك كانوا سابقاً يخدمون في المؤسسات العسكرية أو المدنية البريطانية في الحبانية وكانوا ربما قد تأثروا بأفكار أوسطه موشي خاصة بمنهجه الماركسي في العمل السياسي وشاركوا في إضرابات كركوك العمالية. حيث يذكر المناضل التاريخي المرحوم توما توماس في أوراقه التي نشرت في موقع ألقوش دوت كوم الألكتروني بأنه كان يعمل في الحبانية منذ عام 1942 كضابط في القوات البريطانية وأنه هو والعديد من الضباط الآشوريين وغيرهم في الحبانية كانوا قد تأثروا بالأفكار الديموقراطية، خاصة بعد الإنتصارات التي حققها الإتحاد السوفياتي في الحرب الكونية الثانية وإنضمامهم فيما بعد إلى الحزب الشيوعي العراقي ثم  تسرحوا من الخدمة في القوات البريطانية وبدأوا العمل في شركة نفط العراق، ومنهم المناضل توما توماس  فمن المحتمل جداً أن يكون هؤلاء الضباط، خاصة وهم خيرة مثقفي شعبنا في الحبانية في تلك الفترة قد تأثروا بفكر خيت خيت ألب وبدعوات أوسطة موشي في الوحدة والعمل السياسي وبالتالي ليس من المستعد أن يكونوا قد شاركوا في إضرابات كركوك بشكل مباشر أو غير مباشر.

أما بالنسبة للإضرابات العمالية في الحبانية في عام 1952 فأن الأراء أختلفت وتضاربت حولها، حيث يعزوا بعض الأعضاء السابقيين للحركة حدوثها إلى هاجس خيت خيت ألب أو على الأقل إلى فكرها وروحها في حين يعتقد البعض الآخر بأن هذه الإضرابات كانت مؤامرة مدبرة ضد الآشوريين من قبل المجموعات الكوردية أو عناصر غير آشورية في الحبانية من أجل وضع اللوم على الآشوريين وجعل سبعة من أعضاء الحركة السابقين كبش الفداء والذين تم سجنهم لمدة عشرة أشهر وبدون محاكمة. أما البعض الآخر من الأعضاء السابقين فيعتقدون بأن هذه الإضرابات لم تكن مسبقة التدبير بل حدثت بشكل عفوي وكرد فعل لقيام القوات البريطانية المسلحة بغلق مدخل المجمع المدني بعد أعتقال أحد عشر آشوري في يوم قبل حدوث الإضرابات. على أية حال مهما كانت علاقة خيت خيت ألب من خلال أعضائها السابقيين بهذين الإضرابين سواء بشكل مباشر أو غير مباشر فأنه ليس مستبعداً إطلاقاً أن يكوف فكر هذه الحركة محركاً لأعضائها السابقين للمشاركة في الإضرابين.

نهاية تنظيم خيت خيت ألب:
==================

أستمرت الحركة في نشاطها الفعال لحين واجهة بعض الإنتهازيين والأنانيين فبأيديهم الغادرة توقفت الحركة وأنتهت بعد أن أستمر نشاطها لمدة تقارب خمس سنوات وكان توقفها فجائياً بعد أن كشفتها سلطات القوة الجوية الملكية البريطانية، ولكن لا يزال الأمر غير واضحاً عن كيفية إكتشاف أمر هذه الحركة من قبل السلطات. فالبعض يعتقد بأنه كان بسبب الصراع من أجل السلطة والقيادة في الحركة. أحد الأعضاء السابقين المشهورين في الحركة أدعى بأن أوسطه موشي كان منقاداً من قبل المتملقين والأقارب. آخرون نكروا هذا وأكدوا وبحزم بأن أوسطه موشي كان محبوباً ومحترماً كقائد ولم يكن له خصوم ومناوئين لأنه كان متواضعاً ولم يتعالى أبداً على أحد. البعض الآخر من الأعضاء السابقين يعتقدون بأنه كان هناك أيادي آشورية غادرة تسلسلت إلى الحركة وكشفت أمرها للسلطات لكسب حضوة الموظفين البريطانيين. أحد القياديين السابقين للحركة أدعى بأن أحد الأعضاء أراد الأنتقام لنفسه بسبب السخط الذي إنتابه من جراء تنزيل درجته الحزبية ففشى أمر الحركة للمسؤول البريطاني عن المجمع السكني. لايزال أحد الأعضاء يعتقد أنه بسذاجة وضحالة بعض الأعضاء أفشوا سر الحركة عندما كانوا يتحدثون بحسن نية إلى الموظفين البريطانيين والذين بدورهم بلغوا المراجع المخابراتية البريطانية. ونفس العضو يقول بأنه شاهد تقرير بالغ السرية عن الحركة تم تسريبه من مكتب ضابط بريطاني رفيع المستوى من قبل موظف مدني آشوري. لهذه الأسباب كان الكابتن لوفيت كامبل قائد السرية البريطانية والمسؤول عن المجمع المدني قد أستدعى أوسطة موشي مع عدد من رفاقه وتوجيه تهمة الشيوعية لهم، كما سبق وذكره في أعلاه. وعضو قيادي آخر في الحركة ذكر بأن الكابتن كامبل كان يعتزم طرد 150 عضواً من أعضاء الحركة خارج المجمع المدني. نفس العضو السابق في الحركة يقول بأن شخصين من المقربين إلى الضباط البريطانيين أخذوا القضية من أمام الكابتن كامبل وبسرية سربوها إلى قادة خيت خيت ألب لحل الحركة قبل أن يتفاق الوضع وينكشف الأمر إلى السلطات العراقية.
أنه من الثابت بأن سلطات القوة الجوية البريطانية في الحبانية كانت خائفة من أن تكون الحركة شيوعية ولكن بعد التحقيق المكثف أدركوا بأن أوسطه موشي أنسان مثقف وله قابلية القيادة ولكن لم يكن له نوايا سيئة تجاه البريطانيين أو الحكومة العراقية وأن هدف الحركة كان وطنياً وقومياً لخلق المحبة والوحدة والرفقة في المجتمع الآشوري، وهذه الأهداف في الحقيقة لم تكن أسنان قادرة على العض، حسبما ذكر الكاتب. ولكن من جانب آخر من المحتمل أن السلطات البريطانية أدركت بأن أوسطه موسي ربما سيكون مشكلة لهم لا تحتمل لهذا السبب طرد من وظيفته كنجار، وقيل في حينه بأنه كان مراقب وكان بين حين وآخر يستدعى من قبل قائد الشرطة العراقية لإستجوابه، وهذا حدث خلال الفترة 1947-1948. ويعتقد عضو آخر سابق في الحركة بأنها لم تمت الحركة بل أن روحها بقت فاعلة وإن الإضرابات العمالية في الحبانية لعام 1952 كانت قد دبرت بهاجس من حركة خيت خيث ألب وبفعل روحها. ويختم هذا العضو حديثه بالقول بأنه إذا كانت روح الحركة لازالت حية وفاعلة حتى بعد التهديد المميت للكابتن كامبل فإن فشل الإضرابات العمالية في الحبانية هي التي قتلتها بالفعل وما نتيج عن ذلك من أعتقالات. على أية حال فإن أوسطه موشي لم يعتقل ولم يطرد من القاعدة الجوية في الحبانية لقد تُرك أن يعيش مع عائلته في أحدى البيوت البسيطة جداً، ربما كان رهن الإعتقال المنزلي. على الرغم من أن أبنه الأصغر أرم كان ذو مورد عيش كبير إلا أن أحد رفاق أوسطه موشي يقول بأن مؤسس الحركة وقائدها عاش في ظروف إقتصادية صعبة للغاية.
   
هل حققت خيت خيث ألب أهدافها:
===================

يذكر أحد أعضاء الحركة السابقين ويقول: في الحقيقة بعد تأسيس الحركة في الحبانية تحسنت الظروف كثيراً وبالنتيجة ظهرت أجواء ومشاعر من الأخوة وخفت الفروقات العشائرية والطائفية فكانت هناك خلافات أقل مما كانت عليها في السابق والناس أصبحوا أكثر وديةً ومحبة. يقال أيضا بأنه عندما كانت تظهر أية مشكلة فكان أعضاء الحركة يتدخلون لحلها وتلطيف الأجواء وتحسينها بين العوائل: بين الأصدقاء، بين الزوج والزوجة، وبين الوالدين والأبناء ويخففون من المشاعر والمواقف الصلبة ساعين إلى الهدوء والسلم بينهم. لا وبل حتى كان أعضاء الحركة قادرون على أعطاء المشورة والنصائح للفتيات للإستقامة والعفة. ويذكر عضو سابق آخر ويقول بأنه حتى لو فقد أي شخص عمله أو كان مريضاً أو هو بحاجة فكانت الحركة وبأسلوبها الهادئ والمرن تعرض له مساعدة بسيطة من صندوق الحركة.
على العموم، مهما كان الجواب بالنسبة لتحقيق خيت خيت ألب لأهدافها، إلا أنه برأي الشخصي أقول لا أحد يستطيع أن ينكر بأن المجتمع الآشوري في الحبانية، وبفعل نشاط خيت خيت ألب من جهة والإحتكاك بالبريطانيين من جهة أخرى كان من أكثر المجمعات الآشورية تقدماً وإنفتاحاً وتحضراً أن صح التعبير عن غيره من المجتمعات الآشورية في المدن الأخرى وعلى مختلف المستويات الإجتماعية والفنية والرياضية وحتى السياسية والقومية إضافة إلى المجتمع الآشوري في كركوك الذي هو الآخر كان متقدماً من نواحي عديدة وبفعل إنتقال الكثير من الآشوريين من الحبانية إلى كركوك والعمل في شركة نفط العراق. كانت الحياة الإجتماعية في الحبانية في أوجه قمتها تتمثل في التجمعات والأندية والحفلات والسفرات ولا ننسى بأن خيرة لاعبي كرة القدم العراقية كانوا قد نشأؤا وترعروا في الحبانية أمثال شيخ المدربين المرحوم عمو بابا وأرم كارم ويورا إيشايا وعمو سمسون و إديسون إيشايا و هرمز جبرائيل ودكلس عزيز وشدراك يوسف وعمو يوسف وعشرات غيرهم. ومن الحبانية كان الأغنية الآشورية الأصيلة تصدح بأصوات مطربين معروفين في التراث الغناء الآشوري، ولو دققنا في بيلوغرافيا مؤسسي وقادة أحزابنا السياسية لوجدنا الكثير منهم ولدوا في الأجواء القومية للمجتمع الآشوري في الحبانية ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر سركون داديشو عن حزب بيت نهرين الديموقراطي و يونادم كنا عن الحركة الديموقراطية الآشورية وغيرهم كثر. كما لو دققنا في تواريخ تأسيس الأندية الآشورية المعروفة في تاريخنا المعاصر، مثل النادي الرياضي الآشوري في بغداد وفرعه في كركوك والجمعية الخيرية الآشورية في بغداد وفرعها في كركوك والنادي الآشوري في لندن وغيرها كثيرة في بلدان المهجر، نرى بأن أبناء الحبانية كانوا من مؤسسيها وروادها في إدارتها.
ليس هذا فحسب، بل شخصياً أتذكر في بداية السبعينيات من القرن الماضي ومن المؤكد الكثير من أصدقائي يتذكرون أيضا بأنه كلما كنًا نلتقي بشخص له أفكار قومية كنًا على الفور نقول بأنه من جماعة خيت خيت ألب مما يؤكد بأن فكر الحركة لم يكن قد زال بل كان راسخاً في فكر الكثير من القوميين الآشوريين في تلك الفترة.   

نظرة عامة للوحدة الآشورية:
==================

بعد كل هذا أعجبني أكثر ختام موضوع السيد ميخائيل بيوس الذي ختمه بالإشارة إلى النظرة العامة للوحدة الآشورية فيقول:
أن القوميين الآشوريين في الماضي خاطروا بحياتهم وبعوائلهم وأيضا بأمن حياتهم من أجل العمل لرفاهية ووحدة شعبهم. ما هي فرص وحدتنا القومي في هذا اليوم وبواسطة قادتنا خاصة في الغرب الذين لا يتمتعون بالراحة وعدم المخاطرة وبحياة الرفاهية فحسب بل أيضا بالحرية والأمن السياسي. أن شعبنا الآشوري متوق للمحبة والوحدة تحت قيادة واحدة متوحدة، ولكن يبدو بأنه حلم محير لأنه من الواضح بأن محبتنا هي الغدر والكراهية وأن وحدتنا ممزقة ومتشرذمة بإتجاهات مختلفة. ربما ما نحتاج إليه بالحقيقة هو أن نخلق رجل حكيم وحليم ومنكر الذات وغير أناني، رجل سلام ونيات طيبة... قائد كأوسطه موشي حتى يجلب كل هذه الشرذمات في وحدة وقيادة تحت علم واحد.... هل هناك رجل أو مجموعة رجال في المستقبل القريب أو إننا ننشأ ونحلم بأمل كاذب؟؟ 
صورة وحديث:
=============


 
صور لفرقة بابليون الموسيقية في الحبانية ويظهر فيها عاز الساكسفون السيد إسخريا عوديشو إسخريا الذي كان من مؤسسي النادي الآشوري في لندن ومن المؤتمين عليه. والصورة الأخرى تظهر جانب من الحفلات والنشاطات الإجتماعية التي كان يقوم بها الآشوريون في الحبانية... هذا كان قبل أكثر من ستة عقود وفي بلدة صغيرة – الحبانية – وبإمكانيات ضعيفة ولكن الآن ونحن في القرن الحادي والعشرين... أين الآشوريين في شيكاغو على سبيل المثال من مثل هذه النشاطات، فاليوم لا يوجد هناك غير نادي واحد لا يفتح أبوابه إلا في يومي الثلاثاء والجمعة... أليس هذا ما يسمى بالتأخر ... الأجتماعي على الأقل. (الصور من ألبوم السيد أسخريا عوديشو أسخريا).
=======================================
صور منقولة من مجلة (بوخرا أتورايا – المراقب الآشوري) التي كان يصدرها المرحوم أندريوس ماما (الأول من اليمين – الجالسون في الصورة السلفى) في لندن ويظهر فيها مدى نشاط وتفوق الآشوريون في الحبانية من خلال الفرق الرياضية، خاصة في كرة القدم والسلة والهوكي حيث كانوا أبطال في الكثير من المواسم الرياضية.. وفي الصورة ألعليا يظهر شيخ المدربين عمو بابل ويورا وإيدسون وهرمز كوريل. أتذكر في السبعينيات من القرن الماضي كان الفريق العراقي لكرة القدم بعهدة المدرب السوفياتي يوري وكان أكثر من ثلثي الفريق من الآشوريين، وجلهم من الحبانية،  فتدخل إتحاد الكرة العراقي متسائلاً ومحتجاً على كثرة الآشوريين في الفريق، فقال يوري لهم مستغرباً : من هم الآشوريين... أهل هم ناس غرباء وغير عراقيين... أنا أعرف بأن كل أعضاء الفريق هم من العراق!!


8

ألف مبروك لشعبنا على هذا الإنجاز العظيم.
على ضوء إجتماع تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الاشورية

=============================================

أبرم شبيرا

قبل كل شيء أود أن أعتذر ومن كل أعماق قلبي على إتهامي لأبناء شعبنا وتحديداً أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية تهمة تقليدهم للعرب في السياسة والفكر وتناول الأوضاع القومية وتغليب المصالح التحزبية والخاصة على المصلحة القومية وعجزهم عن طرح الحلول المناسبة والممكنة للأمور المستعصية لحلها كطريق لأسعاد شعبنا وتخليصه من المعاناة والمأساة الكرونيكية. بل على العكس من هذه التهم فإن أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية يمثلون قمة الديموقراطية ونموذجاً عالمياً رائعاً في ممارسة الديموقراطية وطرح الحلول الشفافة والموضوعية لمعالجة أو تخفيف من هذه المأساة والفواجع التي يعانيها شعبنا في الوطن بعيداً عن المهاترات والكلام الفارغ الذي لايشبع ولا يغزر. ومثل هذا النموذج الرائع للديموقراطية والفكر النير والموضوعي نشاهده دائماً في إجتماعات تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية (تجمع) وكان آخرها الإجتماع المنعقد في يوم السبت المصادف 22 تشرين الثاني 2014 في مقر حزب بيت نهرين الديموقراطي في أربيل نموذجاً رائعاُ في هذا السياق الذي في ختامه صدر بلاغاً تضمن مواضيع مهمة جداً بحيث عند قرائتي له "خجلت" من نفسي على إستعجالي في توجيه تهم باطلة لأحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية المناضلة – أقرأ البلاغ على الرابط أدناه:
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,759908.0.html

في بداية الإجتماع أكد المجتمعون على الواقع المزري الذي يعيشه أبناء شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" المهجرين من مناطقه التاريخية في سهل نينوى على أيدي تنظيم داعش الإرهابي وأعتبره بمثابة إبادة جماعية لمكون أصيل من مكونات الشعب العرابي ... والله كلام مضبوط وجميل وغيرهم لم يذكروه أبداً، جرأة إيما جرأة... ولمعالجة هذا الوضوع المأساوي لشعبنا المهجر أكد أحزابنا القومية على مواجهة هذه الهجمة الإرهابية والتصدي لهذا الواقع المرير وعدم الإستسلام لما يفرض على شعبنا من محاولات قلع جذورنا من أرض الأباء والأجداد.... لا بل وأكثر من هذا بكثييييييييييير ... فقد أكد الإجتماع على التواصل والإستمرار في النضال من أجر تحرير كامل مناطقنا ومدننا في سهل نينوى وإعادة شعبنا إلى أرضه ومسكنه وتحقيق كامل حقوقه القومية العادلة والمشروعة من خلال الشراكة الوطنية الحقيقية ... فعلا تعجبني هذه الشراكة الحقيقية مع اللصوص والنصابين القابعين على السلطة ومراكزها في الدولة العراقية.... ولم يقتصر نضال أحزابنا والتصدي لهذا الواقع المرير بل أكدوا على ضرورة أن يكون لشعبنا وقواه السياسية الدور الواضح في تحرير مناطقه في سهل نينوى ... كيف يكون هذا الدور ؟؟؟ والله لا أدري ... فلربما هو سر من أسرار السياسة والإستراتيجية العليا لأحزاب التجمع وأمل أن يتجسد هذا الدور في تحرير مناطقنا التاريخية في القريب العاجل وضمن فترة زمنية قادرة على إقناع شعبنا بالثبوت والصمود والبقاء في أرض الوطن وعدم هجره إلى الخارج.

شجاعة أخرى أظهرها أحزاب التجمع عندما أنتقدوا وبشجاعة كاملة وواضحة تفوق شجاعة البطل الآشوري الآسطوري (قاطينه) وبدون أي خوف أو تردد دور الأمم المتحدة والحكومة في الإقليم والعراق في التعامل مع أزمة المهجرين من ناحية تقديم الحاجات الإنسانية الضرورية وإنشاء مراكز الإيواء التي تضمن للمهجرين العيش الكريم لحين التحرير والعودة إلى بيوتهم ومساكنهم وتعويضهم ... وناشدوا هذه الجهات للإسراع في تقديم الدعم الكامل للمهجرين خصوصاً وأن الشتاء قد حل ... بعد وكت...  ونأمل أن لا ينقضي الشتاء والدعم المطلوب محمول على ظهر سلحفاة حيثئذ تصل المساعدات "الشتوية" في عز الصيف الحار... ولكن نحن نؤمن بقدرة قادر بأن هذه المساعدات الشتوية ستتحول إلى مكيفات هواء وثلاجات ومجمدات ولربما قد يستفيد منها شعبنا ويحملها معه وهو على طريق الهجرة نحو الخارج، حينذاك ستكون هدايا من أحزابنا يتذكرون بها إنجازتهم العظيمة. وفي الختام عاهد الإجتماع شعبنا بالبقاء على العهد ومواصلة النضال ... الله يساعدكم ... وعدم الإستسلام للواقع المرير حتى نيل الحقوق المشروعة في الوطن أرض الأباء والأجداد ... ماشاء الله ... عفارم عليكم ... والله زلم حقيقيين من أبناء آشور وكلدو وحمورابي وسنحاريب ونبوخذنصر... خير خلف لخير سلف!!!

هنا ونحن في الختام يجب أن لا ننسى قمة من قمم الديموقراطية والشفافية لأحزابنا التي يمارسونها ليل نهار وهي أن كل حزب أو تنظيم منضوي تحت المظلة المخرومة للتجمع له كامل الحرية في الحضور أو عدمه وأبداء رأيه بكل صراحة وحرية من دون خوف وإرهاب ... من هذا المنطلق الديموقراطي لم يحضر الإجتماع كل من الحزب الديموقراطي الآشوري وحركة السريان المستقلة ومنظمة كلدو آشور للحزب الشيوعي الكردستاني... لماذا؟؟؟ لا.. لا.. ليس لأسباب شخصية أو تحزبية ولا لأن فلان لا يعجب فلان وكان قبل قرن من الزمن قد صرح تصريحاً منافي لهذا الحزب أو التنظيم ... بل السبب الرئيسي لعدم الحضور هو الإختلاف على وسائل النضال وكيفية الإستماتة في الكفاح لتحرير مناطق شعبنا المهجر وتباين في أساليب الصمود والتضحية من أجل البقاء في الوطن وعدم هجره نحو الخارج... هذه هي السياسة وإلا فلا... الإختلاف المشروع وارد خاصة ونحن نعرف بأننا أمة تحمل فكر وحضارة تزيد عن سبعة قرون وليس عيباً أن يكون إختلاف بين أحزاب هذه الأمة التاريخية..... من هذا المنطلق كان من حق ... بل كل الحق... للحزب الوطني الآشوري، العضو الفعال في التجمع الذي لم يحضر الإجتماع، أن يصدر تصريحه 
(أنظر الرابط: http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,759945.0.html ) حول الظلم الجائر لإجتماع التجمع والبيان الصادر عنه لأن كاتبي البلاغ  تناسوا عن عمد "دويخ نوشا" الذين وقفوا في جبهة القتال بأسم شعبنا ... وضحوا بأرواحهم من أجل إعلاء الشأن القومي والوطني ويعكسوا الرؤية الفعلية بتواجدهم الفعلي في القتال وليس ضمن الأحلام أو على الورق أو الإستعانة بالآخر لبناء قوة بأسم أماتنا وشعبنا ...(لا أدري إذا كان هناك فرقاً بين أمتنا وشعبنا أم هو تكرار لكلمات أم هنا فرق بينهما ونحن لا نعرفه).... هكذا يمارس الحزب الوطني الآشوري حقه الديموقراطي الكامل في بيان رأيه .. ولم لا ... وأن قواته "دويخ نوشا" المناضلة تتعرض للتجاهل والإهمال من قبل أخوتهم في الدم، ونحن بدورنا رغم بعدنا عنهم بألاف الأميال فأننا أكدنا ونؤكد مرة أخرى في عدم القول بأن تشكيل هذه القوات هو لمزايدة سياسية وقومية أكراماً للحزب ومناضيله وجلهم أصدقاء ومعارف لنا ولكن هناك أسئلة كثير تحوم حولها من حيث عددها وتمويلها ماليا ولوجستيكياً ومدى إستعدادها وقدرتها على مواجهة جبروت أرهاب داعش. شاهدت هؤلاء المناضلين وكان عددهم يتجاوز العشرة أشخاص على بعض شاشات التفلزيون والأنترنيت بملابسهم الحربية وأسلحتهم اليدوية (رشاشات) في قرية الشرفية القريبة من قصبة ألقوش يصرحون عن أستعدادهم للقتال والدفاع عن الأرض. بصراحة تأثرت كثيراً بكلامهم وصمودهم رغم قلتهم وضعف تسليحهم فلمست فيهم الأصرار للدفاع والحفاظ على أراضيهم.  وعلمت حينها بأن بعض من قوات داعش في مركبتين كانوا قد تقدموا نحو الشرفية لإحتلالها إلا أنهم تراجعوا قبل أي يصلوا إليها، ولا أدري .. ربما خوفاً من هولاء "دويخ نوشا" أم رهبة من مناضلي أبناء ألقوش البطلة التي هي الأخرى نظمت بعض من أبناءها، خاصة من الحزب الشيوعي، في مجموعة مسلحة لمقاومة إرهاب داعش... ومن يدري، ربما كانت قوات داعش قد سمعوا أو قرأوا عن التاريخ البطولي لأبناء ألقوش في مقاومة الظلم والإستبداد فخوفاً منهم لم يتقدموا نحو الشرفية ولا نحو ألقوش.

وهنا يجب أن لا يغيب عن بالنا التنافس الشريف والمضني بين أحزابنا في الكفاح والنضال من أجل الأمة والركض نحو ساحة القتال لتلبية نداء الأمة، فما أن بادر الحزب الوطني الآشوري (أترنايا) تشكيل قوات "دويخ نوشا" حتى هرع الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) وحزب بين نهرين الديموقراطي (كبا) لدخول ساحة التنافس في النضال وحرب التحرير وأعلنوا رغبتهم في فتح مراكز للتطوع وتشكيل قوات خاصة بشعبنا إستعداداً للنزول إلى جانب "دويخ نوشا" إلى ساحة القتال وتحرير أراض شعبنا ولكن المشكلة الكبرى لن تكون في تمويل هذه القوات المشتركة ولا في تجهيزاتها العسكرية والإستراتيجية والإستخباراتية وإنما مشكلتها الحقيقة والكبرى ستكون في تولي قيادة هذه القوات، أفهل سيكون قائدها من زوعا أم كبا أم أترنايا ... أمر يستوجبه إجتماع مهم وصدور بيان عنه قبل أن تنزل هذه القوات الساحة وتبدأ بالصدام المسلح بينها وتصبح فرجة للجيران.

لم يبقى إلا أن أشير بأن "الأخوة الأعداء" الأعضاء في عائلة التجمع أكدوا على أخويتهم الصميمة وأتفقوا جميع المجتمعين على إصدار البلاغ،  وبأعتقادي الخاص أعتبر هذا إنجازاً عظيماً لشعبنا أكثر بكثير من عظمة كراسي البرلمان أو كرسي مهلهل في مجلس الوزراء الذي كانوا يتقاتلون عليه وفرطوا به لأنه ليس ذات أهمية يملئ الجيوب، فالبلاغات هي أكثر أهمية لأنها مصيرية متعلقة بمستقبل شعبنا في الوطن. كان بعض من أبناء شعبنا قد طرحوا مقترحات وأفكار لأحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية حول ضرورة تشكيل غرفة عمليات أو لجنة إغاثة أو مجلس "حرب" أن صح لنا التعبير ونحن محترقين بنيران الحرب الطائفي في الوطن ولكن كل هذا وذاك هو لاشيء ولا أهمية له في مقاييس أحزابنا السياسية بل المهم جداً هو أن يجلسوا في إجتماع وينثروا أوراق نضالهم وصمودهم في هذه الحرب اللعينة فهو أسلم وأضمن في رفع معاناة شعبنا وتخليصه من الظلم والإستبداد، لأن داعش وأمثالها من الحاقدين على البشرية يرتعبون من أوراق النضال والكفاح أكثر من أي شيء آخر... هذا كان آخر إكتشاف أكتشفوه أحزابنا السياسية وسجلوا به براءة أختراع في عالم السياسة والنضال القومي ... مبروك. 

وأخيرأ أود أن أعير أنتباه القارئ اللبيب إلى ظاهرة فريدة جداً في معظم المناسبات والبلاغات التي تخص شعبنا، فحالنا كحال العرب. فعندما يصدر بلاغ أو بيان عن إجتماع معين ولو كان من بضعة سطور نرى بأنه يرفق بعدد كبير من الصور عن الإجتماع، وهذا ما نشاهده في بلاغ إجتماع المجلس حيث أرفق بخمس صور ولنفس الأشخصاص الذين حضروا الإجتماع دون أي إختلاف غير وضعية جلوس الشخص وهذا ما نشاهده أيضا عند زيارة أحدى الشخصيات المعروفة في مجتمعنا، سواء أكان زعيم حزب أن مطران أبرشية معينة، لأبناء شعبنا حيث يرفق الخبر بعدد كبير من الصور. أستغربت عن هذا الموضوع فلجأت إلى صديق لي مختص في علم النفس للإستفسار عن هذه الظاهرة، فقال بأن إرفاق عدد كبير من الصور وتكرار نفس المشهد فيها ليس إلا دليلاً على شعور بالنقص تجاه مضمون موضوع الإجتماع أو الزيارة لأن المعني به هو أضهار للقارئ أو المشاهد مدى أهمية هذا الإجتماع أو الزيارة من خلال الصور العديد المنشورة مع الموضوع. ولكن رغم إحترامي الشديد لرأي صاحبي النفساني فإنني لا أتفق معه فيما يخص أحزابنا وإجتماعاتهم وبلاغاتهم لأنهم فعلا لا يشعرون بالنقص عندما يصدرون بيانهم ويرفقوه بالصور، فهم ممتلئين بشعور العظمة والنضال والكفاح والصمود فالصور التي ينشرونها هي مجرد للتذكير فقط لأبناء شعبنا بأن نضالهم مستمر وإن كان عبر كلام  أو صور أو على ورق... فهذا هو نضال أحزابنا منذ زمن ولا أعتقد أنهم سيتخلون عنه. فمرة أخرى نقول ألف مبروك لشعبنا على هذا النضال المستميت لأحزابنا وتنظيماتنا المناضلة... وأيضا نقول عود بعين الحسود لأن هناك الكثير يترصدون طرق نضال أحزابنا ويحسدونها.

وقبل أن أختم عرض صور نضال وكفاح أحزابنا هذه، اعترف بأنني سبق وأن ظلمتهم بتهمة تشبيه أساليب عملهم السياسي بالعرب وبالأحرى بالعرب العراقيين، ومن المؤسف له أن أعترافي هذا لم يثنيني عن الإستمرار في توجيه التهم لهم، وها أنا قابع – بطران -  في خيمتي في المهجر أنتقدهم وهم مستمرون بالنضال والكفاح على أرض الوطن معرضين حياتهم للخطر والموت... وليس لنا ألا القول: الله يكون في عونهم، فأن عجزنا من مجازاتكم على علمكم القومي البطولي هذا فأن الزمن القادم سيخلدكم وستضع صوركم إلى جانب أبطال أمتنا مثل أمير الشهداء البطريرك مار بنيامين وتوما أودو وفريدون آتوريا وأغا بطرس... نعمة لا تفرطوا بها ... أستمروا في النضال حتى يصيب بلاغاتهم وتصريحاتكم قلب داعش ويمحوها من الوجود.   

9
نظرة علماني على مقابلة غبطة المطرابوليت مار ميلس زيا مع SBS الإسترالية
=============================================


أبرم شبيرا

 

أجرى الأعلامي ولسن يونان المعروف بجرأته وصراحته في طرح أسئلة مهمة ومباشرة وحساسة، وبعضها محرجة، على ضيوف برنامجه التلفزيوني “وجهاً لوجه” الشيق في إذاعة وتلفزيون SBS الإسترالية في سيدني، أجرى مقابلة مهمة وحساسة مع غبطة مار ميلس زيا مطرابوليت أستراليا ونيوزلندا ولبنان لكنيسة المشرق الآشورية التي عرضىت أيضاً على شاشة موقعنا العزيز عنكاوة دوت كو كما تكرر عرضها على شاشة فضائية ANB في كاليفورنيا. ونظراً للأهمية القصوى لهذه المقابلة وما تضمنتها من تصريحات وأفكار قد تكون جديد على كنيسة المشرق الآشورية خاصة جانبها العلماني، وتحديداً القومي منها الذي يهمنا جداً ويتسق مع ما نؤمن به في هذه المرحلة المهمة التي يمر بها شعبنا المسيحي "الكلداني السرياني الآشورية" في العراق. إذن من هنا نؤكد بأن نظرتنا على هذه المقابلة ستقتصر على جانبها العلماني من مسائل قومية ولغوية وإجتماعية التي تضمنتها المقابلة ولا يشمل جانبها الديني واللاهوتي والطقسي إلا إذا وجدنا فيها علاقة مباشرة ومهمة ومؤثرة على هذه المسائل حينئذ سنضطر إلى الإشارة إليها.

يعاتبني بعض الأصدقاء والقراء عند إشارتي إلى قداسة مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية في بعض من كتاباتي كـ "البطريرك الآشوري"، فيقولون وبنوع من الحماس مقروناً بنفحات من التعصب: أليس بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية آشورياً أيضاً أو أليس بطريرك الكنيسة السريانية الآرثوذكسية وشقيقتها الكاثوليكية آشوريون أيضا، فلماذا تحصر صفة "الآشوري" على بطريرك واحد دون غيره؟؟؟. فالجواب هو بسيط و واضح لو نظرنا للأمر من دون تعصب وحماس لهذه التسمية. فقداسة البطريرك مار دنخا آشوري القومية ولكنيسته تسمية آشورية فهذه تسميته القومية ولا يرغب في أن يتسمى بتسمية أخرى. وعلى العكس من هذا فبقية البطاركة الإجلاء ليست تسميتهم ولا تسمية كنيستهم آشورية ومن المؤكن بأن قداستهم لا يرغبون بأن يتسموا بهذه التسمية بل بالتسمية الكلدانية أوالسريانية التي عرفو بها ولايمكن أن نفرض عليهم تسمية أخرى. وحتى نكون موضوعيين وصادقين في كتابتنا علينا الإعتماد كلياً على الواقع في بناء أفكارنا وليس على ما نتمناه. لا بل ويزيدون من عتابهم لي عندما أكتب موضوعاً أو تعليقاً على خطب أو رسائل قداسة البطريرك مار دنخا الرابع خاصة المرسلة إلى أبناء الكنيسة بمناسبة أعياد الميلاد أو القيامة ويتهمونني بنوع من المحباة والمجاملة لقداسته وهو أمر منافي للحقيقة والواقع، لأنه ليس لي علاقة عائلية أو عشائرية مع قداسته من جهة كما إنني ليست من المسيحيين المتعصبين لهذا الفرع من كنيستنا المشرقية أو ذاك، فإيماني المسيحي لا يتعدى ما أمرنا به ربنا يسوع المسيح له المجد. ولكن على الجانب الآخر من الأمر، عندما أرى بأن قداسته يشير ويؤكد على وحدة أبناء أمتنا المنتمين إلى جميع فروع كنيسة المشرق مهما كانت تسميتهم كلدانية أو سريانية ويعتبرهم أبناء قومية واحدة ويفضل أن يطلق عليها التسمية الآشورية، سواء أتفقنا مع هذه التسمية أم لا، فإن الفكر القومي الوحدوي لقداسته وفي أعتبار جميع أبناء فروع كنيسة المشرق قومية واحد يجمعهم اللغة التاريخ والحضارة هو الذي يثير أهتمامنا ويستوجبه التقدير والثمين والإشادة به. حبذا لو بقية بطاركة فروع كنيستنا المشرقية الأجلاء صرحوا بمثل هذا الفكر القومي الوحدوي، بغنى عن التسمية التي يفضلها قداستهم، لكنًا رفعنا قبعاتنا أمامهم وعظمنا هذا الفكر القومي الوحدوي وأشدنًا به كثيراً.

أسوق هذه المقدمة كمدخل لألقاء الضوء على مقابلة غبطة المطرابوليت مار ميلس زيا لأكشف بعض من الجوانب القومية والإجتماعية والتراثية وحتى المصيرية التي تهم شعبنا خاصة في الوطن الأم. تابعت بعض التعليقات وردود أفعال لبعض الأصدقاء عن هذا اللقاء وما تضمنه من مواضيع مهمة جداً وجديدة على كنيسة المشرق الآشورية. فالبعض أعتبارها إنقلاباً على مواقف الكنيسة ومفاهيمها المعروفة والآخرون أعتبروها إستدارة 180 درجة (U Turn) والأكثر من هذا وذاك قال البعض "شكراً لداعش" فإن جرائمها بحق شعبنا هي التي خلقت ردة فعل لدى غبطته ليطلق مفاهيم جديدة في الوحدة كحل للخلاص من المأساة والفواجع التي تضرب بقوة بأبناء شعبنا. في حين أعتقد البعض بأنها مجرد نوع من المجاملة والدبلوماسية لتلطيف الأجواء مع الكنيسة الكاثوليكية وتحديداً الكلدانية التي شابها بعض الإشكاليات في الآونة الأخيرة، خاصة عندما أشاد بمواقف قداسة مار لويس روفائيل الأول ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وتثمينه لجهوده العظيمة تجاه شعبنا المسيحي ومعاناته الحالية في وطن الأم.

ولكن لو نظرنا ودققنا وبنظرة موضوعية لمضامين هذه المقابلة لوجدنا بأنها إستجابة للواقع الموضوعي الذي يعانيه شعبنا بكل جوانبه القومية والكنسية سواء في أرض الوطن أم في المهجر لتؤكد بأن هناك نوع من الإصرار على المضي قدماً في مسألة الحداثة والموالاة للعصرنة من خلال فهم التطورات السريعة والراديكالية التي تجتاح العالم وتؤثر على حال شعبنا أينما كان. فإنطلاقاً من هذه النظرة الموضوعية، اعتقد بأن المتنورين والمحدثين من رجال الكنيسة قد أدركوا بأن الأصالة التي تتمع بها كنيسة المشرق لا تكفيها في هذه الأيام مالم تتزاوج مع المعاصرة لتكتمل مسيرتها نحو المستقبل. فبدون المعاصرة لا يمكن للأصالة أن تدوم وتبقى ضمن المستجدات السريعة والتطورات الهائلة لهذا العصر كما وإن المعاصرة من دون الأصالة ستضع أبنا الكنيسة في مهب الريح ويفقدون كل مقواتهم التاريخية والثراثية واللغوية المشتركة مع الكنيسة، كمؤسسة حضارية تراثية وتاريخية. فالموازنة الدقيقة والحساسة بين الأصالة والمعاصرة مطلوبة في هذا الزمان وهو أمر ليس بالسهل والهين بالنسبة لمؤسسة تاريخية عريقة ككنيسة المشرق التي تشبعت بأصالتها الحضارية والتراثية وحتى القومية، لا بل وتزمتت في بعض من جوانبها. ومثل هذا الموضوع كنًا قد تناولناه قبل أكثر من عشرين سنة عقب توقيع الوثيقة المسيحانية بين قداسة البطريرك مار دنخا الرابع والقديس الراحل يوحنا بولص الثاني عام 1994 والتي من خلالها توسعت أبواب الحوار مع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، وفي حينها ذكرنا بأن كنيسة المشرق الآشورية تعمقت وترسخت في أصالتها وبالنتيجة كانت قد فقدت قدرتها على المعاصرة والحداثة في حين أن الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ذهب بعيداً في المعاصرة والحداثة وأبتعدت عن أصالتها، من هنا تصبح وحدة الفرعين لكنيسة المشرق مصيرية ومهمة جداً في الجمع بين الأصالة والمعاصرة كسبيل لإستمرارها نحو أجال بعيدة ومستقبلية، ومثل هذا التزاوج بين الأصالة والمعاصرة وجدناه في ثلاثية شعار قداسة البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو في الأصال والوحدة والتجدد واليوم نجدها في مضامين مقابلة غبطة المطرابوليت مار ميلس زيا.       

 كانت إفتتاحية المقابلة حول اللقاء الآخير لوفد من كنيسة المشرق الآشورية برئاسة قداسة البطريرك مار دنخا الرابع مع قداسة البابا فرنسيس الأول في الفاتيكان في بداية شهر تشرين الأول 2014. قد يكون التطرق إلى هذا الموضوع شأناً دينياً كنسياً ولاهوتيا خاصة فيما يخص النقاش الدائر منذ فترة ليست بقصيرة حول توحيد الأسرار الكنيسة السبعة ووحدة الإيمان المسيحي الذي ينشده كل كنائس العالم ولكن من جانب آخر جاء هذا الموضوع ليوضح غبطته ويزيل الغشاء والضبابية التي تغطي عقول بعض من أبناء الكنيسة في أن التباحث مع الفاتيكان وإزالة الفوارق البسيطة في أسرار الكنيسة لا يعني إطلاقاً ذوبان كنيسة المشرق الآشورية في الكنيسة الكاثوليكية، بل إن إستقلالية الكنيسة ستبقى وإن السطلة والولاية وعصمة البابا لا تحول دون التباحث والتقارب مع الكنيسة الكاثوليكية والوحدة في إيماننا المسيحي الذي أمرنا به ربنا يسوع المسيح. وأكد غبطته بأنه لم يبقى غير أمور بسيطة جداً في توحيد الأسرار والتي سيتم التوقيع عليها في السنة القادمة، حينذاك سيكون للموضوع تفاصيل أكثر. ومن الملاحظ بأن هذه العقبة، أي السلطة والولاية، يتمسك بها كل جانب ولكن هناك حلول وسطية مطروحة منذ سنوات عديدة تتمثل في مفهوم "القدم" أو الأولية في الكراسي الأسقفية، ونحن نعرف هناك كراسي أسقفية في العالم ومنذ زمن بعيد كان لبعض الكراسي الأولية لذلك من الممكن أن تتوحد الكنيستين بإعتراف بأولوية كرسي (روما) الفاتيكان مع احتفاظ كنيسة المشرق بشقيها الآشوري والكلداني بإستقلايتهم في السطلة والولاية.

جوانب التحديث والتجدد والأصالة ظهرت واضحة في مقابلة غبطته وتمثل بعضها في تقصير مدة القداس ومراسيم الدفن الطويلة والمملة وفي تحديث الطقس وإمكانية إقامته باللغة التي يفهمها الناس وفي المستوى الثقافي والتعليمي للكهنة ورجال الدين خاصة ضرورة حمل شهادة الماجستير لكل من يرسم أسقفاً في الكنيسة. وموضوع ضرورة وجود كرسي البطريركية في بيت نهرين، أو في الشرق الأوسط، كما ذكر غبطته هو من المواضيع الحساسية والمتداول على ألسنة الناس الذي تطرق غبطته إليه مؤكداً بأن هناك إتفاقاً وإجماعاً على ضرورة أن يكون كرسي البطريرك القادم في الشرق الأوسط، أطال الله من عمر البطريرك الحالي مار دنخا الرابع، وهو موضوع مهم سيتم التطرق إليه مع غيره من المواضيع المتعلقة بتحديث الكنيسة في المجمع السينودي الذي سينعقد في أربيل بعد عيد القيامة القادم. وهنا أود أن أعلق وبإختصار على موضوع وجود كرسي البطريرك خارج بلاد بيت نهرين - العراق لغرض توضيح بعض الأمور والأسباب التي جعلت من هذا الكرسي أن يكون خارج وطن الأم. أولاً يجب أن نفهم بأن وجود الكرسي البطريركي لم يكن إختيارياً بل كان منذ فترة طويل إجبارياً فرضت الظروف المأساوية التي ألمت بالكنيسة وبأتباعها أن يكون كرسي البطريرك خارج العراق. فبعد مأساة وفواجع الحرب الكونية الأولى وما أعقبها من جراء تأسيس دولة العراق وتربع رجال الفكر الإستبدادي على السلطة ومأساة مذبحة سميل لعام 1933 أودت بالنتيجة إلى طرد البطريرك المثلث الرحمات مار شمعون إيشاي ونفيه خارج الوطن وتجريده من جنسيته العراقية. وحتى بعد إستدعائه من قبل سلطة النظام البعثي في العراق في بداية السبعينيات من القرن الماضي للعودة إلى العراق وإعادة جنسيته العراقيه له وتعينه "رئيساً للقومية الآشورية في العراق" ومنحه بعض الإمتيازات الأخرى إلا أن مواقفه القومية المعروفة وخلفيته التاريخية في التعامل مع  عقلية النظام السياسي في العراق لم يكن بإمكانه البقاء والإستقرار في العراق في ظل ظروف يسودها الإستبداد والظلم، فقفل راجعاً إلى مقره في الولايات المتحدة الأمريكية. والحال نفسه مع قداسة البطريرك مار دنخا الرابع المعروف بمواقفه القومية التي لم تكن مرضية للنظام البعثي في العراق، لذلك رغم زياراته المتعددة للعراق وإقرار أحدى المجاميع السنهودية للكنيسة بنقل كرسي البطريرك إلى العراق، إلا أنه لم يكن بالإمكان مسايرة النظام وأزلامه وإقامة البطريرك في العراق خاصة بعد إشتداد الظروف المأساوية في العراق وتورطه في حروب داخلية وخارجية. زد على ذلك الوضع القانوني للبطريرك حيث كان من الناحية القانونية والرسمية إيراني الجنسية يجعل موقفه ووجوده وممارسة نشاطه في ظروف كان العراق في حرب مع إيران أمراً بعيد الإحتمال، فبقى المهجر ساحة فسيحة للإفصاح والمجاهرة بمواقفه القومية، وحتى الأتفاق الجماعي الذي ذكره غبطة مار ميلس حول ضرورة كون مقر البطريرك في العراق أو الشرق الأوسط سيكون مقروناً بتوفر الظروف السياسية والأمن والإستقرار للعراق أو أي بلد آخر في الشرق الأوسط، فبإعتقادي الخاص إذا توفر حد أدنى من الأمن والإستقرار فإن مقر البطريرك الجديد، أطال الله من عمر البطريرك مار دنخا الرابع، سوف لا يكون في بغداد بل سيكون أما في أربيل أو في بيروت.

لعل، لا بل من المؤكد بأن أكثر المواضيع المهمة والحساسة التي ذكرها غبطته في هذه المقابلة هو موضوع التسمية القومية لشعبنا، وهو الموضوع الذي أعتبره البعض إنقلاباً كبيرا في المفاهيم القومية لرجال كنيسة المشرق الآشورية. حيث شدد غبطته التأكيد والقول: كفانا حروباً أنترنيتية حول التسمية ... آشورايا ... كلدايا ... سرينايا..  فأن لم نتوحد جميعاً فأن مصير الأمة هو الزوال ... إننا أمة واحدة بلغة واحدة وتاريخ واحد وتراث واحد ... أما بالنسبة للتسمية فأن الجواب متروك للزمن القادم... الزمن الماضي أستطاع أن يحمينا من الضياع فمن المؤكد إن توحدنا فأن الزمن القادم سيجد الجواب لهذه المعضلة في التسمية. وهنا تدخل مقدم البرنامج السيد ولسن وقاطع غبطته قائلاً: وماذا بشأن قداسة  مار دنخا الرابع، وهو بطريرك هذه الكنيسة الذي يؤكد على التسمية الآشورية ويعتبر أبناء الكنيستين الكلدانية والسريانية جزء من الأمة الآشورية؟ أعترف غبطته بأن السيد ولسن قد نال منه بهذا السؤال فكان جوابه مخرجاً لهذا السؤال فذكر بأن للبطريرك رأي خاص يؤكد بأننا جميعاً أبناء أمة واحدة وهي الآشورية ولكن رأيي الشخصي هو نحن ثلاث "أمم" سريان كلدان وآشوريون ... فلا أستطيع أن أفرض على غيري تسمية كلدان أو آشوريين أو سريان فهذا الموضوع يجب أن نتركه لأننا نريد أم لا نريد فنحن من أصل واحد وقومية واحدة ومصير بقاؤنا في أرض الوطن مقرون بتوحدنا أولاً ومن ثم العمل سوية من أجل البقاء والإستمرار كأمة واحدة في أرض الوطن.

زار غبطته مع عدد آخر من أساقفة الكنيسة شمال الوطن قبل بعضة أسابيع وهناك ألتقى بأبناء شعبنا المهجرين من بلداتهم وأراضيهم فسأله السيد ولسن عن مشاهداته هناك فأكد غبطته بأن الوضع سيء جداً ولم يعتقد بأنه سيستمر هكذا فإذا لم يضمن لهم الأمن والإستقرار وبناء الإقتصاد المنهار وتوفير المدارس والمستشفيات فأن معظمهم سيتركون الوطن ويهاجرون خارجه.. وعلق غبطته على طلب السيد مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان العراق منه بأن يناشد المسيحيين بالبقاء في الوطن وعدم الهجرة خارجه فقال: لا نستيطع الطلب من شعبنا بعدم الهجرة طالما أن أبسط مقومات الحياة والعيش غير متوفرة له فعندما تفقد الأرض  جاذبيتها فأن الشعب لايستقر عليها بل يتركها ويهاجر. فداعش يطرق باب شعبنا المسيحي يومياً ويهدده. وفي لقاءه مع أمرأة وزوجها، أعتقد غبطته بأنهما من بلدة برطلة، ذكرا له بأنهم طردوا من بيتهم وهجروا لا من قبل داعش بل من جيرانهم الذين أدعوا بأنهم من داعش فهددوهم مما أضطروا لترك كل شيء والخروج نحو شمال الوطن، فكيف يرجعون إلى بيوتهم وهناك أكثر من داعش؟.  أما بخصوص الحكم الذاتي لشعبنا فذكر غبطته بأنه لا يعني إطلاقاً الإنفصال عن العراق، بل توفير مقومات أساسية لمناطق شعبنا التاريخية لكي يستطيع أن يدير نفسه بنفسه فهو الحل الوحيد لتطوير هذه المناطق وبقاء شعبنا المسيحي ومن أجل ذلك ناشد غبطته الحكومة العراقية بأن لا تقتصر المساعدات والتخصيصات المالية للكورد فحسب بل يجب أن تشمل شعبنا المسيحي أيضا.

هذه هي بعض الأضواء التي رأيتها ضرورية لتسليط ضوءها على المقابلة  التي تلتقي بالإفكار والمفاهيم التي أومن بها في وحدة أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية، والتي تجعلني عضو في العائلة "الوحدوية" التي يومن بها غبطته وغيره من رجال الكنيسة المنشدين لوحدة كنائسنا وأمتنا. هذه الأضواء ليس بكافة لإعطاء صورة واضحة عن الجوانب الأخرى للأفكار التي طرحها غبطته في المقابلة، فللإستزادة يمكن مشاهدتها على الموقع الألكتروني لأذاعة وتلفزيون SBS الإسترالية: www.sbs.au/assyrian .

10
المسيحيون العراقيون بين الهجرة والتهجير وموقف الكورد منهم
========================================

أبرم شبيرا

توضيح:
========

هذا الموضوع هو إستكمالاً للموضوع السابق الذي نشر تحت عنوان "إفراغ المسيحيين من مناطقهم التاريخية وفق نظرية الموامرة... لماذا تُرسل قوات البيشمركة إلى كوباني بينما مدن كردستان والمحيطة بها محتلة ومهددة من قبل داعش" –
أنظر الرابط أدناه:
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,757764.msg7330909.html

والغرض من هذا الإستكمال هو زيادة بعض التفاصيل عن الموضوع الذي كان من السعة والتفصيل يصعب توصيل المغزى إلى القراء الكرام كما وأنه يأتي إستجابة وتوضيحاً لبعض الردود التي وردت على الموضوع وأخص بالذكر وليس تحديداً الصديق المخضرم (صديق ما يقارب نصف قرن من الزمن) المهندس خوشابا سولاقا،. على أية حال يمكن تلخيص ماأسعى إليه هو في النقاط التالية:

أولا: نظرية المؤامرة:
===========
كل الوقائع والدلائل والشواهد تؤكد بأن هناك مؤامرة تحاك ضد دول المنطقة وتحديدا العراق، فبعض جوانب هذه المؤامرة قد تكون بفعل فاعل وبتخطيط مسبق والبعض الآخر هو بفعل الصراع الطائفي المستميت في العراق والدول المجاورة. فوصول داعش إلى هذا المستوى من القوة والسيطرة لم يكن متصوراً لا في الواقع ولا في الخيال كما أن القضاء عليها أو الحد من قوتها وسيطرتها، كما يرغب البعض بذلك، أمر لا يزال مجهولاً وورقة لعب غير مكشوفة في أيد اللاعبين الأساسيين في المنطقة والعالم، ولا نرغب في الدخول في تخمينات لأننا كما سبق وأن ذكرنا سابقا بأننا في موقع بعيد عن مصادر صنع القرارات السياسية والعسكرية وبالتالي تأكيد تفاصيل هذه المؤامرة مبنياً على التخمينات غير وارد لمسألة حساسة ومتعلقة بمصير شعوب المنطقة. من الطبيعي جداً أن يكون وقع النتائج المدمرة للزوبعة السوداء التي تعصف بالمنطقة على شعبنا المسيحي "الكلداني السرياني الآشوري" أكثر مأساوية ومميتة وذلك لكونه أضعف الحلقات الديموغرافية بين شعوب المنطقة ليس ذلك بسبت قلتة العديدية أو إفتقاره إلى قوة الحماية الذاتية فحسب بل بسبب التناقضات والإختلافات الحضارية والتاريخية والثقافية التي تحكم العلاقة بينه وبين بقية شعوب المنطقة، خاصة الدينية منها التي وصلت إلى درجة أن تحولت إلى منظار ينظر من خلاله إلى الواقع السائد في المنطقة. من هنا، لم يكن متاحاً أمامنا غير النظر إلى كل هذه المأساة والفواجع والتحرك غير الجدي والبطئ تجاهها إلا من خلال وجود مؤامرة  مرسومة تجاه المنطقة وشعوبها.

من حق بعض القراء أن يرفض مسألة وجود مؤامرة أو خطط شيطانية مرسومة مسبقاً تجاه المنطقة لأنه مع الأسف الشديد الكثير منهم تشبع بمفهوم نظرية المؤامرة السائدة في العقلية العربية التي تعتقد بأن كل صغيرة وكبيرة هو من تدبير الإستعمار والإمبريالية فحتى أنجاب حاكم عربي لعشرة بنات من دون ولد ليكون ورثياً له أو إصابته بالعقم فأن تفسير ذلك وفق هذه العقلية هو من تدبير الإستعمار والإمبريالية. في حين نرى على العكس من هذا تماماً فإن هناك وقائع وشواهد مبينة وواضحة  وممارسات على أرض الواقع ولها نتائج مؤلمة ومأساوية تسحق شعوباً بكاملها تشكل الأساس المادي لوجود مؤامرة، أو تخطيط مكبوت المضمون تجاه المنطقة وشعوبها.


ثانياً:المسيحيون بين الهجرة والتهجير:
============================

معظم الكتاب والقراء لا يفرقون بين ظاهرة الهجرة والتهجير لشعبنا المسيحي في العراق ويظهر هذا جلياً في التعليقات والردود التي وردت على الموضوع السابق. في منتصف التسعينيات من القرن الماضي كتبنا بحثاً مطولاً عن ظاهرة الهجرة وحاضرنا عنها لأبناء شعبنا في سوريا والعراق ضمن نشاطات نظمها قادة المنظمة الآثورية الديموقراطية والحركة الديموقراطية الآشوري والكثير من الحاضرين لم يسعدهم النتائج التي توصلنا إليها في حينها ولكن اليوم تظهر هذه النتائج على الواقع الذي توقعناه قبل أكثر من عقدين ونصف العقد من الزمن. وعلى العموم، أنه صحيح القول بأن نتيجة كل من الهجرة والتهجير هي واحدة تتركز على إرتحال أرض الوطن والإنتقال إلى بلد آخر ولكن هناك إختلاف كبير بينهما، وبأختصار نقول: الهجرة ظاهرة ديموغرافية تظهر ضمن ظروف تكون على الأغلب هادئة ومستقرة نسبياً تخضع لإرادة الفرد وتقرر من قبله وتتاح أمامه فرص إختيار الزمن والوقت للترحال وتصفية أموره خاصة المالية منها، كبيع العقار الذي يملكه وأثاثه وتحويل أمواله ومدخراته إلى الخارج أو حملها معه كما تتاح له فرص إختيار وسيلة الإنتقال، براً أو جواً، مباشرة إلى مقصده أو عبر دولة ثالثة وربما تتوفر له أيضا فرصة إختيار البلد الذي يرغب الهجرة إليه ويكون هدف الفرد من الهجرة في أغلب الأحيان هو البحث والسعي نحو ظروف أقتصادية أحسن مما كانت متوفرة لديه في الوطن وإلى وضع سياسي أكثر إستقراراً وأمناً أو تكون ضمن مفهوم جمع شمل العائلة وفي معظم الأحوال تكون الهجرة محكومة بقانون الطرد (من الوطن) والجذب (من بلدان المهجر). هكذا نفهم هجرة أبناء شعبنا في بداية السبعينيات من القرن الماضي طبعاً بإستثناء قليل جداً تمثل في المطاردين من قبل النظام السياسي.

أما التهجير، فهي ظاهرة ديموغرافية تكون مسبباتها عوامل سياسية وعسكرية وحربية لا تخضع لإرادة الفرد بل تفرض جوانبها المأساوية والمميتة فرضاً على الفرد لتقلعه من موطنه الأصلي وترميه خارجه، فهي تمثل جانب من قانون (الطرد والجذب) وهو الطرد. فالتهجير هي ظاهرة تظهر ضمن ظروف مأساوية وإستثنائية غير مستقرة ولا تتاح أمام الفرد أية فرص لتصفية أموره المالية وبيع عقاره أو تحويل أمواله ومدخراته أو أختياره للبلد المراد الإنتقال إليه وعلى الأغلب يكون هدف الفرد هو الهروب من الإستبداد والظلم المميت وضمانه حياته وحياة أسرته في مناطق أكثر أمناً وإستقراراً وفي معظم الأحوال تخلق ظاهرة التهجير حالة من التشرد والضياع واللجوء ومستوى متدني جداً من العيش مما قد يتطلب ذلك تدخل بعض القوى الإقليمية والدولية أو المنظمات الإنسانية لأن مثل هذا الوضع قد يكون مؤثراً على السلم والأمن للدول المجاورة. وهنا تنطبق المقولة القائلة بأن "الحفاظ على الحياة ناموس طبيعي". ففي هذا الوضع من التهجير لا يأبى الفرد لأية ألتزامات أكانت وطنية أو سياسية أو قومية أو دينية غير الحفاظ على حياته وحياة أسرته وإينما كان ذلك ممكنا. فالبلد الذي يوفر له مقومات العيش والحياة المستقرة يصبح بالنسبة له هو موطنه. فشعبنا عشية الحرب الكونية الأولى تعرض للتهجير من موطنه الأصلي في حيكاري وطور عبدين وماردين وأورمي وهكذا هو الحال من تهجير شعبنا من الموصل وسهل نينوى وغيرها من القصبات والبلدات في شمال الوطن والتي سبقتها تهجيره من البصرة وأحياء في بغداد كالدورة وغيرها.... نكتفي بهذا القدر ولنا الأمل أن تتاح الفرصة للتفصيل في هذا الموضوع الحساس في مناسبة لاحقة.

هذه الواقعية في فهم وضع شعبنا في العراق في هذه الظروف العصيبة  قد يعطي أنطباعاً للبعض بأنها تشجيع للهجرة ولكن الأمر ليس كذلك إطلاقاً بل هي نظرة واقعية لحقيقة الأمر المفروض على شعبنا والتي هي أس الإساس في فهم هذا الواقع ومعالجته بالوسائل المتاحة لتخليص شعبنا من هذه الفواجع وليس بالتمنيات وطروحات ميتافيزقية والتي قد يعتبرها غالبية شعبنا المبتلي بنيران المأساة والفواج كـ "بطر". فاليد التي في النار غير التي في الثلج. وقد نقول بأن يجب أن يتمثل شعبنا بالأبطال للحفاظ علىي أرضهم هذا صحيح حيث أن شعبنا أنجب أبطال تاريخيين ضحوا بحياتهم من أجل الحفاظ على أرضهم ولكن كانوا قلة قليلة جداً. ضحى  البطريرك مار بنيامين وغيره من الأبطال بحياتهم من أجل الحفاظ على أرض موطنه في حيكاري ولكن شعبه لم يكن بالمستوى الذي يمكن أن يحافظ على أرضه أمام التحديات المميتة فتركها نحو مناطق أكثر أمنا. فما أشبه اليوم بالبارحة وما أشبه موصل وسهل نينوى بحكاري وماردين وديار بكر لا بل أسوء من ذلك لأنه ليس لشعبنا أبطال ولا حتى أشباه أبطال في هذه الأيام.

ثالثاً: الكورد وموقفهم من تهجير المسيحيين:
==============================

الكورد، كقومية معروفة لها كل الحق أن يكون لها دولة مستقلة في المناطق التي غالبيتها من الكورد حتى وإن كانت هذه المناطق تاريخياً غير كوردية، فالأمر الواقع (fait accompli أو de facto) هو الذي يتحكم في الأمور السياسية والقانونية وليس الأمور التاريخية. من هذا المنطلق للكورد الحق في الدفاع عن أبناء جلدتهم المتواجدين في البلدان الأخرى خاصة المتاخمة لأقليم كردستان العراق التي تشكل في طموحهم النهائي جزء من "كردستان الكبرى"، وهكذا هو الحال معنا نحن "الكلدان السريان الآشوريين" فلنا كل الحق في الدفاع عن أي كلداني أو سرياني او آشوري إينما كان يعيش وفي أي بلد من بلدان العالم. ولكن هذا الحق يبقى مجرد حق مطلق ويؤخذ على أطلاقه ولا يتحول إلى حق واقعي إلا بالممارسة السياسية وربما العسكرية إذا تطلب الأمر لتنقله من حالة الإطلاق إلى حالة الواقع، وهو ما يحاول الكورد فعله من جراء إرسال قوات البيشمركة إلى كوباني لمساندة قوات الحماية الكوردية في حربها ضد تنظيم داعش الإرهابي. صحيح هو القول بأنها مجرد قوات رمزية لا يتعدى عددها 150 مقاتل ولكن بالمقابل فأن هذه القلة في العدد قابلها عامل نوعي تمثل في الأسلحة المتطورة  جداً التي تم تزويدها من قبل بعض الدول التي غيرت موازين القوى في مدينة كوباني وحالت دون أن تحتل برمتها من داعش ومن المحتمل جداً أن تندحر داعش وتنسحب من هذه المدينة في الأيام القليلة القادمة.

من المعروف بأن مقابل كل حق أو حقوق هناك مسؤولية أو مسؤوليات والتي تشكل العنصر المهم عند ممارستها في نقل الحق المطلق إلى الواقع. فحتى بالنسبة للفرد الواحد فأنه لا يستحق أي حق أو حقوق ما لم يكون له مسؤوليات وواجبات يجب إدائها لتحقيق التوازن المطلوب بين الحقوق والواجبات. فالحقوق الهائلة التي تتمتع بها القوى المتحكمة على السلطة في العراق ومنها الحكومة العراقية والهيئات الأخرى يقابلها مسؤوليات وواجبات وأهمها هو حماية الشعب العراقي، والمسيحيون جزء، لا بل الجزء المهم، من هذا الشعب يستوجب عليهم حمايتهم من أي إضطهاد او ظلم مهما كان نوعه. ولكن المثل يقول "فاقد الشيء لا يعطيه" الذي ينطبق بكل حذافيه على الحكومة العراقية لأنها هي نفسها ورجالاتها وغيرها من الهيئات الحكومية يفتقدون إلى الأمن والحماية وبالتالي من الطبيعي لا يستطيعون توفير أي نوع من الأمن والحماية للشعب العراقي ومنهم المسيحيين. أما في إقليم كردستان فمما لاشك فيه بأن حكومة الإقليم قامت بمسؤوليتها في توفير الأمن والإستقرار وقدر من الرفاهية والطمأنينة لشعب الإقليم بمسلميه ومسيحييه وهذا هو من صلب واجباتها الذي يشرعن ممارسة حكمها على الإقليم. فإذا تعرض أي مكون من مكونات شعب الإقليم إلى الظلم والإضطهاد فمن واجب حكومة الإقليم أن تهب للدفاع عنه وحمايته وبكل الوسائل.

أما بالنسبة لمناطق كمدينة الموصل وسهل نينوى والقصبات القريبة منه التي هُجر شعبنا منها، وإن كانت رسمياً خارج الحدود الحالية لإقليم كردستان إلا أنها كانت فعلياً تحت تأثير كبير لحكومة الإقليم وخاصة الحزب المهيمن، الديموقراطي الكردستاني (البارتي) سواء من خلال تواجد قوات البيشمركة فيها أو مقرات الحزب أو عبر نقاط السيطرة والتفتيش المنتشرة في أنحاء مناطق سهل نينوى، فالعلم الكردستاني كان يرفرف على سطوح عدة مباني في هذه المناطق. هذا الحق الواقعي الناجم من تواجد قوات البيشمركة في هذه المناطق فرض عليهم مسؤوليات وواجبات في حمايتها وحماية شعبها من أي إعتداء أو ظلم. ومما يزيد من هذه المسؤوليات والواجبات على الكورد  هو عنصر إخلاقي وإجتماعي ناجم من العلاقة التاريخية والسياسية والنضالية بين المسيحيين والكورد. لقد كان الكثير من الكلدان والآشوريين جزء مهم من الحركة القومية الكورية الحديثة وفي قيادتها وحتى في يومنا هذا هناك عناصر مهمة في قمة قيادة البارتي والعديد منهم ضحى بحياتهم وأريقوا دمائهم وأستشهدوا من أجل الحركة الكوردية. ويكفي هنا أن نشير إلى الشهيدة ماركريت جورج والشهيد هرمز ماليك جكو والشهيد فرنسو الحريري وهناك المئات منهم؟ ألم يكن آدم مسيحياً – كلدانياً أكان أو آشورياً أو سريانياً - الشخص الذي جعل جسمه درعاً لحماية الزعيم الكوردي المرحوم ملا مصطفى البرزاني من شذايا قنابل مؤامرة  إغتياله المدبرة من قبل المجرم ناظم كزار؟؟  من هذا المنطلق كان من أهم واجبات ومسؤوليات الكورد وقوات البيشمركة الدفاع عن سهل نينوى وأهلها وعدم إنسحاب البيشمركة وتركها لتكون لقمة سائغة لمتعشي الدماء من التنظيم الأرهابي داعش. فهذه الحماية ليست منية أو إستجداء المسيحيين من الكورد لحمايتهم بل هو واجب وطني وإنساني مفروض على الكورد وقوات البيشمركة وحكومةالإقليم. من هنا كان السؤال المحير عن عدم ممارسة الكورد لمسؤولياتهم في حماية المسيحيين في هذه المناطق وعن إنسحاب البيشمركة منها  وطلب تسليم السلاح من أهالي بعض هذه المناطق وبالتالي لم يكن أمامنا جواب على هذا السؤال المحير إلا من خلال نظرية المؤامرة لإفساح الطريق لداهش ليحتل هذه المناطق وإفراغها من شعبها الأصيل وتشريده إلى مناطق هي بمثابة "ترانزيت" نحو التهجير إلى الخارج ثم يحين الوقت وينسحب منها قوات داعش فيأتي الآخرون ليسكونها.

لقد دفع البارتي المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري إلى الساحة السياسية القومية ليكون في مقدمة المنادين بالحكم الذاتي لمناطق تواجد شعبنا في سهل نينوى وخلق أسباب وعوامل وتأويلات لتفضيل ضم هذه المناطق إلى إقليم كردستان بدلا من المركز في الوقت الذي لم يتحرك البارتي ولا حكومة الإقليم قيد أنملة تجاه تحقيق مثل هذا الحكم الذاتي أو الإدارة المحلية لمناطق شعبنا في الأقليم التي هي جغرافياً وديموغرافياً أكثر واقعياً لتطبيق الحكم الذاتي أو الإدارة المحلية والمدعومة بمسودة دستور الإقليم الذي ضل يترنح في مكانه. فلا الدستور الحالي ولا قوانيه ولا قراراته الوزارية والإدارية أستطاعت إيقاف التجاوزات على أراضي شعبنا في الإقليم، فكل هذا يعطينا تصوراً بأن هناك فعلاً سلسلة متواصلة من مؤامرة لتجريد شعبنا من أرضه وتهجيره خارج وطنه التاريخي رغم التصريحات العسلية لبعض القادة في الإقليم في حماية المسيحيين وضرورة بقائهم في الوطن وعدم الهجرة إلى الخارج التي لا وزن لها على أرض الواقع خاصة في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها شعبنا.   

رابعاً: من يحمي مناطق المسيحيين:
======================

أستغربُ من بعض القراء عندما يلقون كل اللوم على أحزاب وتنظيمات شعبنا لعجزهم في مساندة شعبنا في الوطن وحمايته من المأساة التي يتعرض لها. أنه فعلاً لأمر أكثر إستغراباً مما نتصوره لأن هذه الأحزاب والتنظيمات لم تستطيع أن تفعل شيئاً لشعبنا في ظروف أقل قسوة ومأساوية وظلماً فكيف تستطيع أن تتحرك وتعمل وتأتي بنتائج مفيدة في هذه العاصفة الهوجاء التي أثارتها داعش وحلفاءها المكوشفين والمستورين؟؟؟. يقول البعض بأن حماية أراضينا هو واجب علينا وهذا صحيح ولكن ما هي الطريقة أو الأسلوب الذي يمكن القيام بهذه الحماية؟. المناطق المحتلة بالقوة العسكرية لا يمكن تحريرها إلا بالقوة العسكرية أو بوسائل أخرى مؤثرة تضعف قوة المحتل العسكرية. لا نقول بأن طرح مسألة تشكيل قوات من شعبنا هي مزايدة سياسية بل هي غير منطقية وواقعية فحالها كحال من يحاول قتل مجموعة ذئاب مفترسة بدبوس صغير. المسيحيون جزء مهم وأصيل من الشعب العراقي والعراق بشماله وجنوبه موطنهم الأصلي والدفاع عنه هو واجب وطني مقدس مفروض عليهم. ولما لا يملك أبناء شعبنا المقومات الأساسية للقيام بهذه المهمة وتشكيل قوات خاصة به لتحرير أراضيه فإن عليه الإنضمام إلى من يملك مثل هذه المقومات الأساسية لتشكيل القوات المطلوبة لتحرير أراضيه والحفاظ عليها، ولا يملك مثل هذه المقومات غير حكومة العراق المركزية وحكومة إقليم كردستان. الحق يقال ومثبوت بالبراهين والوقائع والحقائق بأن "اليد مغسولة" من حكومة العراق المركزية لأنه ثبت بأن جيشها متواطئ مع داعش في إحتلال الموصل وسهلها ومناطق أخرى من العراق. إضافة إلى ذلك هناك حقائق واقعية لا يمكن إنكارها أو تجاهلها إطلاقاً مهما عبرنا عن وطنيتنا. فالتناقضات التي تحكم العلاقة بين المسيحيين والأحزاب والقوى المتحكمة في شؤون العراق عميقة معظمها مرتبطة بالعقيد والمذهب خاصة وأن هذه الأحزاب والقوى هي طائفية دينية مغلقة لا يمكن أن نتصور عضو مسيحي فيها وبالتالي فإن أي تفاعل في هذه الحالة هو معدوم بين المسيحيين وهذه الأحزاب والقوى السياسية.

لم يبقى هنا إلا حكومة إقليم كردستان لنطرح إحتمال الإنضمام إليها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر وعن طريق تحالفات أو تجحفل مقاتلون من شعبنا مع قوات البيشمركة أو غيرها ورسم خطط مشتركة لتحرير مناطق سهل نينوى. هذا الإحتمال نطرحه ومن موقع بعيد وغيرنا من أبناء شعبنا الناشطين على أرض الوطن أجدر منًا في النظر والبحث فيه وإمكانية تطبيقه. فهناك عوامل كثير تساعد في نقل هذا الإحتمال إلى الواقع والتطبيق. ففي الإقليم هامش ديموقراطي أستطاع أحزابنا التحرك ضم هذا الهامش ويحققوا بعض الإنجازات كما أن القوى السياسية وحكومة الإقليم أكثر علمانية مما هو موجود في المركز وبالتالي فإن أمكانية التفاعل والتفاهم معها يكون محكوماً بالمصالح السياسية والقومية وليس بالعوامل الدينية والطائفية. زد على ذلك هناك كوادر متقدمة في الأحزاب الكردية خاصة الرئيسية منها كالبارتي وفي هياكل الدولة وفي البيشمركة فكل هذا يفتح المجال للتباحث والوصول إلى نتيجة قد تؤدي إلى زحزحة الوضع المأساوي ويخفف من معاناة شعبنا بعد عودته إلى أراضيه في سهل نينوى. وقد يبدو من طرح هذا الأحتمال بأنني أوقعت نفس في تناقض واضح. فمن جهة الكورد يفسحون المجال لداعش ليحتل مناطق سهل نينوى ويغضوا النظر عن التجاوزات الديموغرافية على أراض شعبنا في الإقليم ولكن من جهة أخرى نطرح إحتمال التفاعل والتعاون معهم لتحرير أراض شعبنا والحفاظ عليها. أن مثل هذا التناقض لا يمكن أن ينظر إليه إلا من خلال السياسة وعبر موازين المصالح القومية التي تحكم طرفي التناقض. فإذا أمتلك أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية القوة اللازمة والتأثير الفاعل في العلاقة السياسية مع الكورد فأنهم يستطيعون أن يقلبوا الموازين لصالح شعبنا، وكلنا نعرف بأن أمتلاك مثل هذه القوة والتأثير يبدأ من توحيد الخطاب السياسي والفعل القومي. هنا رجعنا مرة أخرى إلى المربع الأول مكررين نفس "الإسطوانة" في ضرورة تضامن وتفاهيم بين أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية، وهي الدعوات التي لم تقع إلا على الإذان الصماء رغم  الإنفجارات المدوية للمدافع والصواريخ وهول الكارثة التي وقعت على شعبنا. كلنا نعرف بأنه لا أحد سيساعد شعبنا في هذه المحنة المميتة مالم يساعد أبناء شعبنا أنفسهم أولاً. فلا يمكن أن نتصور أن يهب الكورد لمساعدتنا ونحن نصرخ بأصوات ناشزة ومتعددة وغير مسموعة كما لا يمكن أن نتوقع حماية دولية لمناطقنا وكل حزب وتنظيم يهرع منفرداً  لعرض المطالبة بهذه الحماية ويعرض عضلاته على شعبنا المبتلي بمصائب هذه الدنيا. لقد أيقضت مجزرة سيد النجاة بعض من وعي قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية فألتموا خجولين تحت مظلة "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" واليوم يعاني شعبنا أكثر من مجزرة... مجزرة الإقتلاع من الأرض والتهجير والقتل والنهب والتشرد والضياع، أليس هذا كافياً ليوقض ضميرهم ويخطوا خطوة واحدة لتحقيق حلم أبناء أمتنا في هذه الأيام في العودة إلى أراضيهم ... ولكن نحن نعرف بأن """الأحلام القومية لا يحققها إلا الأبطال"""" أفهل لنا أبطال في هذا الزمن؟؟؟.       
     

11
أين نخوتكم يا قراء عنكاوه دوت كوم – 2
--------------------------

أبرم شبيرا

على ضوء الإستجابة  الضعيفة والمخزية لحملة تواقيع لمذكرة عاجلة الى الحكومة العراقية للمطالبة بمعونة مالية فورية لتوفير منازل مؤقتة للنازحين من محافظة نينوى والتي تبين مدى عمق التسيب وعدم المبالاة في مثل هذه المسائل المهمة والخطيرة في حياة أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية وهي المهمة التي لا يتطلبها تضحيات لا بالمال ولا بالحياة أو الوقت غير بضعة ثواني في كتابة بضعة كلمات. وحتى للذين يخشون من ذكر أسمائهم  كان بإمكانهم الكتابة بأسماء مستعارة غير حقيقة ولكن الأمر ليس في تقديم التضحيات حتى ولو كانت في أبسط صورها بل في النفوس والوعي. قد تتنوع أساب ممانعة الكثير ممن تجنوا الإستجابة المسؤولة عن هذه الحملة والرد عليها أو توضيح رسالة هذه الحملة ويتطلبها الكثير من السطور الطويلة التي لا يعجبه البعض ويملُ من قراءتها في الوقت الذي يقضي ساعات وساعات أمام المسلسلات التفزيونية التركية والعربية. على أية حال أرى بأن التعامل مع هذه الأسباب  والمبررات المانعة للتوقيع على هذه الحملة سيكون ببعض الأمثلة المفيدة في هذا السياق.
المثال الأول: قصة رقصة الثعلب:
تروى قصة رقصة الثعلب، أعتقد هي من روايات قصص "كليه ودمنه" بأن الثعلب أدعى لبقية الحيوانات بأنه راقص من الدرجة الأولى وطلب من ملك الغابة أن يسمح له بالرقص وعمل حركات بهلوانية ينافس القرد في هذه الموهبة. فسمح له ملك الغابة بذلك ونزل إلى الساحة وألتم حوله جمع غفير من الحيوانات. وعندما بدأ الثعلب بالرقص ألتف ذيله الطويل حول رجليه فسقط على الأرض فأهتزت الغابة من ضحك بقية الحيوانات على الثعلب فما كان منه إلا أن يبرر فشله في الرقص بالقول بأنه فعلاً راقص من الدرجة الأولى ولكن ما العمل فأن الأرض التي رقص عليها غير مستوية بل متموجة ومليئة بالصخور والأشواك.

هكذا هو حال بعض من أبناء شعبنا لهم مبررات لكل صغيرة وكبيرة وحتى لتوفير بضعة كلمات لحملة إنسانية مفيدة لشعبنا. ومن الملاحظ بأن معظم هذه التبريرات تنطلق من كوامن داخلية مستمدة من عدم الثقة بمؤسسات شعبنا حتى ولو كانت مؤسسات معروفة بنزاهتها وعملها القومي والخيري لأمتنا. فما الضرر من كتابة بضعة كلمات لحملة قامت بها عنكاوه دوت كوم وكوادرها وهي مؤسسة أو موقع معروف يخدم أبنا شعبنا ولسنوات طويلة. إذن فالمسألة ليست بنزاهة وصدقية مؤسساتنا فحسب بل في الطبيعة النفسية لبعض أبناء شعبنا وموقفهم السلبي تجاه هكذا حملات إنسانية.

المثال الثاني: هكذا أنتصرت إسرائيل على الدول العربية:
قلنا سابقاً ونكرر القول بأن شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" يقلد العرب في الكثير من الأمور خاصة السياسية منها والقومية. فالدول العربية بمئات الملايين من نفوسها لم تستطيع دحر إسرائيل ذات بضعة ملايين من النفوس والأنتصار عليها في أية معركة من معاركها المتعددة ضدها. صحيح القول بأن لإسرائيل قوة عسكرية هائلة وسلاح متطور ونووي أيضا وجيش منظم و "عقائدي" يحارب من أجل وطنه المهدد من قبل العرب. زد على ذلك بأن هناك قوة عظمى متمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية تقف مساندتة لها وبشكل مباشر وفاعل في حربها مع العرب ولها أيضا منظمات ضغط فاعلة وجبارة وقادرة على التأثير على صانعي القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، ليس هذا فحسب فهناك أغنى أغنياء العالم وعلماء يعتبرون نفسهم جزء من الشعب الإسرائيلي. كل هذا واضح ومبين في بيان أسباب إنتصار إسرائيل على الدول العربية ولكن يقف خلف كل هذا شيء مهم جداً هو تضامن بعضهم بالبعض والتضحية سواء بالمال أو الحياة أو الوقت من أجل أن تبقى إسرائيل قوية وأقوى من العرب. هناك أمثلة كثيرة في هذا السياق ولكن أسوق هنا مثال بسيط جداً يتسق مع الحملة التي تقوم بها عنكاوه دوت كوم والردود عليها ولكن من دون التشبيه أو حتى المقارنة.

يذكر بأن كولدا مائير (1898 – 1978) رئيس وزراء إسرائيل الأسبق ( 1969 – 1974) كانت في زيارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لغرض جمع التبرعات ومساندة إسرائيل، فنظم لهذا الغرض حفلة عشاء دعي إليها أكبر الشخصيات اليهودية وأغناهم وقيل في حينها بأن سعر العشاء كان خمسة ألاف دولار للشخص الواحد وحضرها ما يقارب خمسمائة شخص. عندما أعتلت كولدا مائير المنصة قالت في كلمتها بأنه يؤسفها القول بأن العشاء المذكور في Menu  - القائمة قد ألغي وأنه عوضاً عن ذلك سوف يكون صحن العشاء متكون من فطيرة خبر مع الزيتون الذي لم يكلف أكثر من دولار واحد، فبدلا من أن تذهب تكاليف العشاء المقرر إلى صاحب المطعم (وكان يهودياً أيضا) فأنها ستتحول إلى تبرعات من قبلكم لمساندة إسرائيل، فما كان من الحاضرين إلا أن هبوا واقفين يصفقون لكولدا مائير ويهتفون بحياة إسرائيل ثم أنهال عليها شيكات بملايين الدولارات كتبرعات أخرى لإسرائيل. بالله عليكم... تصورا لو كان الأمر مع العرب في مثل هذه الحالة لكان جميع الحاضرين قد أحتجوا وصرخوا في وجه رئيس الوزراء وضربوه بالصحون والكراسي وطلبوا إسترجاع فلوسهم أو قاضوه في المحاكم وفضحوه في الصحف باعتبار نصاب ومحتال أن لم يكن قد قتلوه.   
ليس هذا فحسب بالنسبة لأسرائيل، بل حتى في الدول الغربية التي أكثرية من أبناء شعبنا يعيشون فيها، حيث يلاحظون وجود المئات من الجمعيات الخيرية والمتبرعين والمتطوعين للأعمال الخيرية والإنسانية وكثير منهم ضحوا بحياتهم وهم يقومون بواجبهم الإنساني ليس لخدمة شعب بلدهم فحسب بل شعوب البلدان الأخرى. زد على ذلك حيث نسمع بين حين وآخر بعشرات أن لم يكن المئات من المشاهير الأغنياء ، بيل كيتس نموذج في هذا السياق، وكذلك الممثلين المشهوريين يتبرعون بالملايين للأعمال الإنسانية والخيرية ويؤسسون جمعيات في هذا المجال. أما في الدول العربية فإن وجدنا جمعية خيرية وإنسانية فأنها لا تعدوا أن تكون مسنودة أو شكل آخر لمؤسسة حكومية والكثير من أموالها أن لم يكن جميعها تذهب لمساعدة المنظمات الإرهابية... كم ممثل عربي سمعنا بأنه تبرع ببضعة مئات من أمواله الضخمة للحملات الإنسانية والخيرية لشعبهم ولا نقول لشعوب العالم الأخرى؟؟؟ فكلمة "تبرع" أو "متطوعون – Voluntaries لا وجود لها في القاموس الإنساني العربي.

هكذا حالنا نحن "الكلدان السريان الآشوريين" كحال العرب في هذا السياق الإنساني والقومي. ألم نقل سابقاً بأننا نقلد العرب كثيراً ... فكم جمعية إنسانية وخيرية لدينا غير الجمعية الخيرية الآشورية التي برغم من جهودها الكبيرة في محاولة مساعدة شعبنا بإمكانياتها الشحيحة فإن تهمة سرق الأموال حجة واردة دائماً لعدم التبرع لها. كم متبرع في مجتمعنا تبرع بأمواله أو الجزء الأكبر منها غير المرحوم آدم بنيامين في أميريكا وسيدة أخرى في لندن الذين تبرعوا بأموالهم إلى الجمعيات الخيرية الآشورية ولكن بعد وفاتهم. الحملة التي بادرها موقع عنكاوه دوت كوم وكوادره لا تطلب منًا التبرع بفلس واحد بل مجرد بضعة كلمات وليس أكثر من ذلك ... أفهل هذا كثير علينًا ونحن ليل نهار نتغنى ونطالب بحقوقها القومية ونريد إنتزاعها من أنياب المتربصين لتفريغ وطننا التاريخي من شعبه؟؟؟؟.
ليس لي في الأخير إلا أن أزيد مثل أو مثلين يخص هذا الموضوع:

الله يساعد أولئك الذين يساعدون أنفسهم
الصانع المهمل أو الفاشل يلقي باللائمة دائماً على أدواته.

12
إفراغ المسيحيين من مناطقهم التاريخية وفق "نظرية المؤامرة"
====================================

لماذا تُرسل قوات البيشمركة إلى كوباني بينما مدن كردستان والمحيطة بها محتلة ومهددة من قبل داعش ؟؟؟
أبرم شبيرا

بمباركة إقليمية وعالمية أرسلت القيادة الكردية قوات البيشمركه إلى مدينة كوباني (عين العرب) في شمال شرقي سوريا لمساند قوات الحماية الكردية في حربها ضد تنظيم داعش الأرهابي الذي يكاد يحتل المدينة برمتها في الوقت الذي هناك مدن وقصبات في سهل نينوى متاخمة لحدود إقليم كردستان العراق وبعضها كان تحت هيمنة وسيطرة قوات البيشمركة تركتها هذه القوات وهُجر سكانها إلى المناطق الشمالية نحو العراء وعلى طريق هجرة وطنهم التاريخي إلى الخارج... سؤال محير والإجابة عليه أكثر حيرة... يترك البيشمركة أراضيه في العراق محتلة من قبل تنظيم إرهابي مهدد لوجود الكورد في الأقليم ويتجحفل مع قوات الحماية الكردية في سورياً لمحاربة داعش، ومن المعروف عن قوات البيشمركة بأنها أكثر القوات العراقية المنظمة والمدربة والمجربة في الوقت الذي نرى بأنها تتجنب مواجهة داعش مواجهة فاعلة وجدية، وهو الأمر الذي زاد من حيرة هذا التصرف والإجابة على التساؤل المطروح.

من المؤكد بأن هناك غايات من وراء هذه الخطة تصب بالدرجة الأولى في مصلحة اللاعبين الأساسيين في هذه الزوبعة يطمحون من وراءها أهداف إستراتيجية، وهي أهداف وسياسات نجهلها ونحن في موقع بعيد عن مراكز ومصادر صنع القرار السياسي والعسكري لهذه العملية العسكرية. ولكن إنطلاقاً من نظرتنا للأمور الحالية والمفجعة التي ألمت بشعبنا المسيحي "الكلداني السرياني الآِشوري" في العراق يستوجب علينا أن ننظر إلى هذه العملية العسكرية برمتها، أي من حيث ترك البيشمركة لقوات داعش أن تحتل البيت وتذهب لمحاربتها خارج البيت، من منطلق لم يترك لنا خيار غير أن ننظر أليها من زاوية "نظرية المؤامرة"  الهادفة إلى تهجير المسيحيين من مناطقهم خاصة في سهل نينوى المتنازع عليها مع العرب والحكومة العراقية ومنع داعش من أحتلال مدن كردية (صافية من دون أقليات) في سوريا تشكل في المنظور البعيد جزء من كردستان الكبرى.

وفق سياق هذه الخطة يتبادر إلى ذهني تاريخ أكثر من قرن، عندما رسمت الدولة العثمانية إستراتيجيتها في بناء أمبراطورية جديدة، خاصة بعد إنحسار نفوذها في الغرب وتحرر بلدان البلقان وتوجهها نحو الشرق لبناء أمبراطوريتها الطورانية بقيادة حزب الإتحاد والترقي التركي. كان وضع الكورد في الإراضي العثمانية بالنسبة للأتراك مسألة يسهل إستيعابهم ضمن عملية التتريك لكونهم مسلمين ودمجهم في الإمبراطورية الطورانية بينما كان وضع المسيحيين معقداً ويصعب إستيعابهم في هذه الإمبراطورية لكونهم مسيحيين. زد على ذلك كون المسيحيون مختلفون عنهم حضارياً وثقافياً ولغوياً وحتى نفسياً. لذا لم يكن أمام الأتراك غير معالجة وضع المسيحيين إما بذبحهم أو تهجيرهم، وهذا ما تم فعلاً وبمساعدة فعالة من الكورد الذين أسكنوهم في مناطق المسيحيين بعد تهجيرهم منها.
 
  واليوم يأتي داعش ليعيد التاريخ ويطبق نفس السياسية الهمجية تجاه المسيحيين، والكورد يقفون متفرجين بعد أن هرب قواتهم وتركوا الساحة لقوات داعش لتفرغ هذه المناطق من سكانها المسيحيين ويلجأوا إلى مناطق في أقليم كردستان أكثر أمناً ولكن ليست إلا أماكن للإستقرار المؤقت فإما ستفتح لهم أبواب الهجرة إلى الخارج أو سيتوفر لهم الأمان للعودة إلى مناطقهم الأصلية وهو أمر أصبح صعب التصديق بعد أن أصبح وجود داعش في هذه المناطق أمراً واقعيا ويتطلبه جهود كبيرة جداً وفترة زمنية طويلة لتصحيح الوضع والعودة إلى حالته السابقة وهو الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى تسريع وتيرة الهجرة إلى الخارج وبالتالي خلو مناطق المسيحيين منهم أو إقتصارها على بضعة بيوت يصبح وضعهم كنقطة بحر بين المحتلين الجدد.

فلو وضعنا سيناريو لعملية إفراغ المسيحيين من مناطقهم وفق نظرية المؤامرة، فبإختصار سيكون كالآتي:

•   بقاء أحتلال داعش لمناطق المسيحيين لسنوات عديدة وعدم الجدية في مواجهتها لطردها منها كما يحدث حاليا. فعوضاً أن ترسل القيادة الكردية البيشمركة لتحرير هذه المناطق نرى بأنها ترسل هذه القوات إلى الخارج.
•   بقاء المسيحيين في مناطق أقليم كردستان العراق كلاجئين وبحالة مزرية وكـ منطقة "ترانزيت" للهجرة إلى المحطة الأخيرة في الخارج... (دفعت مردي ... كما يقول المثل الكوردي)
•   بعد سنوات طويلة، قدرها الأمريكان، بثلاث سنوات لتحرير مناطق المسيحيين من داعش سوف يتطلبها سنوات عديدة أخرى لأعادة تعميرها وتأهيلها للسكن فيها، فخلال هذه السنوات الطويلة سيزداد فقدان المسيحيين لأي أمل للعودة إلى مناطقهم والعيش فيها مرة أخرى والنزعات الإسلامية المتطرفة تحوم حلولهم وتنبعث من المناطق المجاورة لهم.
•   بعد تحرير مناطق المسيحيين من داعش سيخلق حالة من الفراغ في هذه المناطق وطبقاً لقانون الدفع والجذب سوف ينزح إليها غيرهم خاصة الكورد لملئ هذا الفراغ وهي بأصل مناطق تطمح إليها القيادة الكردية لضمها إلى كردستان العراق ويصبح حالها كحال مناطق حكاري وماردين ووان وأورمي وغيرها وبالتالي تكتمل مؤامرة التجاوزات على أراض المسيحيين ويصبح وضع المتجاوزبين وضعاً "قانونياً" بسبب عدم عودة سكانها الأصليين إليها، حجة أستخدمت سابقاً للإستلاء على أراضي المسيحيين في الإقليم.
•   البيشمركة يذهب إلى كوباني لمحاربة داعش ومنعها من السيطرة عليها لأنها مدينة كردية صرفه وجزء من الطموح الكردي لدولة كردستان الكبرى، بينما مناطق المسيحيين في العراق ليست كردية صرفة ولكن اللعاب الكردي يسيل لبلعها وضمها إلى دولة كردستان الكبرى، فالواجب الرفاقي يقضي على القيادة الكردية أن تشكر داعش لأنها تقوم بهذه المهمة نيابة عنها.
•   هناك أفكار وطروحات تطرح أيضا وفق نظرية الموامرة والتي تقول بأن بعض الدول الغربية ترغب وتعمل على تهجير المسيحيين من مناطقهم إلى هذه الدول على أساس كون المسيحيين أناس مسالمين وأكفاء يستفاد منهم لدمجهم في مجتمعات هذه الدول وهي مسألة ليست بتلك الصعوبة لأنهم دينهم هو نفس دين شعوب هذه الدول. هكذا يظهر ووفق هذه النظرية بأن  رياحها وعواصفها تهب على شعبنا المسيحين من جميع الجهات وتضعه في زوبعة أو دوامة يصعب جداً الإنفلات منها.

أنه من حق الجميع الذين نصبوا خيامهم في المهجر، وأنا واحد منهم، أن نصف مثل هذه التفسير بأنه تشاؤمي جداً، ولكن من يعرف الظروف المميتة المحيطة بشعبنا في وطنه سوف يرى بأنه ليس هنا نقطة أو حالة بسيطة تجعلنا أن نتفائل وأن نكون متفائلين وفق المنظور الحالي للوضع القائم. حقاً أنه لأمر مؤسف جداً أن يقسو علينا الدهر في هذا الزمان الغدار وتفرض الظروف المأساوية والسونامية علينا أن نلجأ إلى نظرية المؤامرة في تفسير وإستنتاج الوضع المأساوي الذي يعيشه شعبنا في وطنه التاريخي لأنه لم يبقى أمامنا أي حيلة أو ملجأ نلجأ إليه في تفسير الأمور بما يخدم مصلحة شعبنا في العراق ويضعنا في موقف أكثر تفائلاً بالمستقبل الغامض.

يقول ربنا يسوع المسيح عليه المجد:
"تعالوا إليً يا جميع المتعبين والرازحين تحت الأحمال الثقيلة، وأنا أريحكم"
(متى: 11-28)




13
أين نخوتكم يا قراء عنكاوا دوت كوم ؟؟؟
==========================
أبرم شبيرا

كثيراً ما أدخل في نقاشات عميقة مع صديق لي يعرفه الكثير من أبناء شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" بمواقفه القومية وتبرعاته السخية ومساندته لأحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية حول مصير شعبنا في الوطن والحلول المناسبة والممكنة للخروج من معضلته في العراق، هذا كان قبل إحتلال داعش للعراق. ولكن خلال السنوات القليلة الماضية تغير صاحبي كثيراً وأصابه الكثير من التشاؤم والقنوط واللامبالاة من جراء تصرفات معظم أحزابنا السياسية وسلوكهم الإناني الماضي نحو التشرذم والتخاصم لتحقيق مصالح حزبية ضيقة بعيداً عن المصلحة القومية. وبالمقابل كنت أجادله بمواقف إيجابية وواعدة من أجل التخفيف من هذه المواقف التشاؤمية وبث فيه نوع من التفاؤل وإستمرار تشجيع أحزابنا السياسية للمضي قدما والذي يتطلب وقتاً طويلاً لتحقيق أي إنجاز حتى ولو كان صغيرا لأن ما يحيط بشعبنا من ظروف صعبة ومميتة في العراق يجعل أمر تحقيق خطوة صغيرة إلى الأمام إنجاز كبير، وكنت أضرب له مثلاً وأقول: "أن مرض الأيدز – نقص المناعة، مرض خطير ولا دواء له في العصر الحالي ولكن العلماء لم يتوقفوا عن البحث والدراسة  والتحاليل ولسنوات طويلة من أجل إيجاد دواء لهذا المرض الخطير والمميت. وحال شعبنا هو كحال هذا المرض فلا دواء لمعضلته في العراق ولكن على أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية أن تستمر في عملها السياسي القومي ولسنوات طويلة حتى يتم إيجاد الدواء المناسب لمعضلته. فكان صديقي يرد وبنوع من الإستهزاء بهذا المثل الذي طرحته له ويقول: "والله ...العلماء سيجدون الدواء لمرض الأيدز ولكن نحن سوف لا نجد الحل لمرضنا أبداً لأننا أسوأ امة خلقها الله على هذه الأرض... أمة لا تعرف أسمها ولا تستطيع أن تخلق بسمة على شفاه أبناءها"!!!.

تذكرت هذا الحديث وأنا أقرأ حملة تواقيع التي طرحها موقع عنكاوه دوت كوم حول جمع التواقيع لمذكرة عاجلة إلى الحكومة العراقية للمطالبة بمعونة مالية فورية لتوفير منازل مؤقتة للنازحين من محافظة نينوى موجه إلى الدكتور حيدر العبادي رئيس مجلس الوزراء وإلى السادة الوزراء في الحكوم العراقية والمنشورة على قمة الصفحة الرئيسية ومنذ بضعة أيام فأصبت بصدمة كبيرة من جراء الردود  القليلة واللامبالات من هذه الحملة حيث لم يتجاوز عدد الموقعين على هذه المذكرة وقت كتابة هذه السطور أكثر من 442 توقيع وبعضها تواقيع مكررة، في الوقت الذي نجد القراء يدخلون على مواضيع وكتابات ومقالات منشورة في الموقع وبأعداد هائلة وكبيرة جداً ويقرأونها أو يردون عليها خاصة المواضيع الميهنة لرموز كنائسنا وقادة أحزابنا ورجالاتنا وغيرها كثيرة من المواضيع الهابطة والغوغائية ولا يستطيعون توفير أقل من عشرة كلمات لمساندة هذه الحملة النبيلة... أين مروءة أبناء شعبنا وموقفهم من النازحين والمشردين تحت أمطار الشتاء ونحن ليل نهار نلعن داعش والحكومة العراقية والبيشمركة على ما سببوه لأبناء محافظة نينوى وشردوهم إلى الخيم والعراء في عنكاوة ودهوك وغيرهما من المناطقة الآمنة... أين أقلامنا التي نكرسها وبصفحات طويلة ومملة في الوقت الذي لا نستطيع كتابة أقل من عشرة كلمات والتوقيع، فهذا أقل الإيمان... أين إيماننا بقضية شعبنا خاصة هؤلاء المتباهين بكراسيهم ومواقعهم وبأقلامهم وبشهاداتهم ؟؟ ... هذا الموقف اللامبالي من مسألة مهمة ومصيرية جعلتني أن أعيد التفكير في موقف صاحبي من كوننا "أسوء أمة خلقها الله" – مع التحفظ – وأن أتهئ وأحضر نفسي لمواجهته وأنا في موقف ضعيف من جراء الردود القليلة على هذه الحملة النبيلة.
من أعماق قلبي أشكر جميع الذين وضعوا تواقيعهم على هذه الحملة مهما كان إنتماؤهم القومي أو الديني أو الحزبي، فالمسألة الإنسانية كهذه لا يتطلبها الخلاف مهما أختلفنا في أمور أخرى، ولنا كل الأمل أن يهيئوا بقية أبناء شعبنا أقلامهم للمضي قدماً والتوقيع على هذه الحملة التي حتى لو لم تأتي بالنتيجة المطلوبة فأنها على الأقل ستبين للحكومة العراقية وشعبنا العراقي بأننا شعب لنا كلمة واحدة تجاه ما يعانيه أخوتنا في العراق.

14
برلمانيو شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" في العراق والسويد - نظرة مقارنة
============================================
أبرم شبيرا
توطئة:
في شهر نيسان الماضي (2014) أُنتخب خمسة من مرشحي قوائم شعبنا للبرلمان العراقي، أثنان من قائمة الرافدين العائدة للحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) ومثلهما من قائمة المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (المجلس) وواحد من قائمة الوركاء الديموقراطية العائدة للحزب الشيوعي العراقي وفقاً لنظام "الكوتا" الذي خصص خمسة مقاعد للـ "المسيحيين" والتي هي ضمنا للـ "الكلدان السريان الآشوريين". وفي شهر أيلول الماضي (2014) أسفرت نتائج الإنتخابات البرلمانية العامة في السويد عن فوز خمسة من أبناء شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري"  بمقاعد نيابية في البرلمان السويدي. ومن المفارقات الكبيرة بهذا الشأن هو أن نفوس العراق يزيد عن 36 مليون نسمة ويقدر عدد المسيحيين (في السنوات الأخيرة) بحدود 400 ألف ولهم خمسة ممثلين في البرلمان العراقي بينما نفوس السويد يقدر 9,4 مليون نسمة والتقديرات غير المؤكدة لنفوس أبناء شعبنا تتراوح بين 30-40 ألف ولهم أيضا خمسة ممثلين لشعبنا في البرلمان السويدي ولكن مغزى هذه المفارقة يكمن في كون السويد بلداً ديموقراطياً بكل معنى الكلمة وساحات العمل السياسي وهيئاته التمثيلية والحكومية مفتوحة بالكامل لجميع المواطنين حيث تحتل السويد المرتبة الأولى في العالم للديموقراطية حسب ترتيب الإكونوميست والسابع حسب ترتيب منظمة الأمم المتحدة للتنمية البشرية. أما العراق فالحديث عنه هو بلا حرج  فأنه يحتل المواقع الأخيرة من بين كل دول العالم من حيث فساد النظام السياسي وأبواب الهيئات التمثيلية والتنفيذية مغلقة في وجوه الكثير من المواطنين. من هنا قد تبدو المقارنة بين العراق الذي نظامه في قمة الفساد وعدم الإستقرار والسويد الذي نظامه في قمة الديموقراطية والأمن والإستقرار كأمر مفروغ منه كمن يقارن بين النار والثلج. ولكن على العموم أن معرفة مواقع ودور أبناء شعبنا في أي نظام سواء أكان دكتاتوري فاسد أم ديموقراطي حضاري أمر يهمنا في هذا العالم الصغير الذي يتشتت أبناء شعبنا فيه. من هنا نقول، إذا كان بين كل الفائزين (المجموعة العراقية والمجموعة السويدية) جامع مشترك من لغة وتاريخ وحضارة وعادات وآماني يجعلهم ينتمون إلى قومية واحدة وحصل كل واحد منهم على مقعد برلماني، إلا أن هذا لا يعطينا الحق في أن نضع كلا المجموعتين في حقل التشابهة والتطابق بينهما، بل أن المقارنة هي الفيصل الموضوعي في النظر إليهما ومن جوانب عديدة ومختلفة، منها:

1)- أسلوب الفوز بالمقاعد البرلمانية:

المجموعة العراقية وصلت إلى البرلمان العراقي عن طريق نظام الكوتا المخصص للمسيحيين. ولقد سبق وأكدنا مراراً وتكراراً في كون هذا النظام أسلوباً غير ديموقراطياً ضمن  نظام أو اجواء غير ديموقراطية. فالمقصود من الكوتا البرلمانية هو "ضمان" وصول مجموعة أو أقلية إلى البرلمان عن طريق تخصيص عدد معين من المقاعد لها لأنها لا يمكن لها التنافس في الإنتخابات العامة مع غيرها من الأحزاب الكبيرة والمهيمنة والفوز بأي مقعد برلماني، لماذا؟؟؟ ... لأن الأحزاب أو الأغلبية السائدة في العراق لا تعطي صوتها للمرشح المسيحي لكي يفوز في الإنتخابات البرلمانية العامة، فعقلية معظم السياسيين في العراق ورجال الحكم مكبلة بالطائفية المقيتة ونظام المحاصصة القائم عليها وهو نظام على النقيض تماماً من النظام الديموقراطي. فالديموقراطية ليست نظام على ورق أو كلمات مدرجة في الدستور بل قبل كل شيء يجب أن تكون العقول والأفكار ديموقراطية وتنعكس في التشريعات ومن ثم تنقل وتمارس وتطبق في الواقع الفعلي. فطالما مثل هذه العقول والأفكار لا تسمح للمسيحي أن يكون رئيس جمهورية أو رئيس مجلس وزراء أو يتولى منصب وزاري سيادي فأنه لا مكان للديموقراطية في الواقع الفعلي للعملية السياسية في العراق وكل حديث عن الديموقراطية والكوتا المسيحية هو هراء وتغطية لنظام لا ديموقراطي في المحاصصة الطائفية. وقد يظهر بأن الطائفية والمحاصصة مسألة تشريعية يقرها الدستور والقوانين غير أن الأمر ليس كذلك. فطالما الإسلام هو الدين الرسمي للدولة ومصدر أساسي أو وحيد للتشريع فإذن ليس للـ "الذمي" – إي غير المسلم - ولاية على المسلم. فالمسألة بالأساس هي دينية وليست تشريعية.

 ومن الملاحظ  بأن حتى الكوتا لا تسلم من النهب والسلب وبالتالي لا يمكن أن يحقق هذا الأسلوب ضماناً صحيحاً لحصول الممثلين الحقيقيين للمسيحيين على حصتهم من المقاعد البرلمانية. فعندما يكون المبدأ غير صحيح فكل التفاصيل القائمة عليه ستكون غير صحيحة أيضاً، أي بعبارة أخرى، حتى لو حصر حق تصويت المسيحيين لقوائم كوتتهم ومن دون غيرهم، كما يطالب بعض من أحزابنا السياسية، فهو أمراً لا يمكن تطبيقه والسيطرة عليه إطلاقاً. من هنا يظهر بأن تجاوز هذا الحق وقنصه سهل جداً وعن طريق دفع الأحزاب الأخرى "غير المسيحية" قوائم أو وجوه مسيحية لغوض الإنتخابات والتنافس مع الأحزاب المسيحية. فإذا كان مثل هذا الأمر مقبول بعض الشيء بالنسبة لأحزاب كالحزب الشيوعي العراقي والديموقراطي الكردستاني لكونها أحزاب تضمن حقوق المسيحيين في أجندتها فإن هذا الأمر من الناحية القانونية سيكون مقبولاً أيضاً على "داعش" أو أخوان المسلمين لو أفترضنا دفعهم بأحد المسيحيين لغوض الإنتخابات على أساس الكوتا المسيحية. فالكوتا هي مسيحية من الناحية الرسمية والشكلية فقط ولكن فعلياً  وواقعيا فإن بابها مفتوح مشرعاً للجميع ولغير الممثلين الحقيقيين للمسيحيين أيضا. وعندما نشير إلى عبارة "غير المسيحيين" فأن المقصد ليس دينياً، أي أنتماء المرشح لغير الديانة المسيحية، بل المقصد هو مدى تمثيلة، علناً وصراحة قانوناً وفعلاً، هو أو كتلته للمسيحيين.

أما المجموعة السويدية فإن فوزها بخمسة مقاعد في البرلمان السويدي جاء نتيجة للنظام الديموقراطي السائد في السويد وألأسلوب الديموقراطي المتبع في الإنتخابات العامة والطبيعة المنفتحة والسلسة للنظام الحزبي  في البلد. فخمسة من أبناء أمتنا لم يفوزوا بمقاعدهم البرلمانية بحسب كوتا مخصصة لهم في كونهم مسيحيين، كما هو الحال في العراق، بل جاء من خلال إنتمائهم إلى القوائم الإنتخابية للأحزاب الوطنية الكبيرة والفاعلة على الساحة السياسية. فثلاثة من الفائزين هم من قائمة الحزب الإشتراكي الديموقراطي والآخران من قائمتي الحزب الديموقراطي المسيحي وحزب الشعب الليبرالي. فالمساواة الحقيقية بين جميع المواطنين السويديين يجعل الطريق سالكاً لأي مواطن سويدي أن يرشح نفسه طبقاً للنظام السياسي وقواعد العملية الإنتخابية وأن يقترع كيفما يشاء وللمرشح المفضل لديه دون أي أعتبار ديني أو قومي أو عنصر تمييزي آخر. من هذا المنطلق فأن فوزهم لم يكن بفعل تصويت المسيحيين لهم بل بفعل تصويت السويديين لهم عموماً، وهذا يؤكد، بغنى عن أسلوب التصويت وكيفية الحصول على الأصوات المطلوبة للفور بمقعد برلماني والحزب الذي ينتمون إليه، يؤكد مدى فاعلية هؤلاء ومكانتهم المتميزة سواء في أحزابهم السياسية أم بين أبناء الشعب السويدي عموماً الذي أنتخبهم.

2 – مجال العمل السياسي:
صحيح هو أن العضو البرلماني في كلا البرلمانين العراقي والسويدي لا يمثل فئة أو مجموعة أو مقاطعة معينة بل يمثل  جميع المواطنين، إلا أنه بسبب إنتماء العضو البرلماني إلى قومية أو منطقة معينة وإلمامه بشؤونها فأنه في الكثير من الأحيان يظهر عند طرحه مسألة معينة للقومية أو الدين أو المنطقة أو الحزب الذي ينتمي إليها يظهر كأنه يمثله،  وهذا واضح في كلا البرلمانين، إذ يحق لعضو البرلمان أن يطرح مثل هذه المسألة ليس بصفتها الخاصة بل كجزء من مسألة وطنية عامة تهم الجميع وليس الفئة أو القومية أو الحزب الذي ينتمي إليه. فعندما يطرح العضو "الكلداني السرياني الآشوري" في البرلمان السويدي مسألة تتعلق بمذابح سيفو والضغط على تركيا للإعتراف بالمذابح المرتكبة بحق شعبنا عشية الحرب الكونية الأولى أو المطالبة بإسترجاع الكنائس في تركيا لأصحابها الشرعيين أو التعويض لهم أو طلب الحماية الدولية لأبناء شعبنا في العراق وسوريا، فإن هذه المسألة تعتبر مسألة عامة متعلقة بحقوق الإنسان والأقليات وضمان السلم والأمن في العالم وهي من المبادئ الأساسية والجوهرية للنظام الديموقراطي في السويد التي تهم الجميع وليس شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" فحسب. وعندما يطرح مثل هذا الموضوع للمناقشة والتصويت عليه، فإن معظم أعضاء البرلمان سوف يصوتون عليه بالإيجاب لأنهم يؤمنون بهذه المبادئ. والحال نفسه بالنسبة لممثلي شعبنا في البرلمان العراقي، فعندما يطرح موضوع متعلق بقضية مشروعة لشعبنا في العراق فأنها لا تطرح باعتبارها قضية خاصة بشعبنا فحسب بل على أساس كونها قضية وطنية تهم جميع أبناء الشعب العراقي وممثليهم في البرلمان لأن الشعب "الكلداني السرياني الآشوري" جزء صميمي من الشعب العراقي وبالتالي فقضيته من المفترض أن تهم جميع أعضاء البرلمان العراقي. غير أن الأمر ليس كذلك، فطبقاً للعقلية الطائفية التي تتحكم في معظم أعضاء البرلمان العراقي فأنهم سينظرون إلى مثل هذه المسألة كأنها مسألة ضيقة وخاصة تهم المسيحيين فحسب دون غيرهم فإما تفرفض من قبل غالبيتهم أو تؤيد من قبل بعضهم لا حباً بالمسيحيين بل لإغراض أخرى بعضها متعلقة بالتلاعب بموازين القوى في البرلمان أو بتصفية حسابات قائمة بين الأحزاب الممثلة في البرلمان.  من هذا المنطلق يكون مجال العمل السياسي للمجموعة السويدية رحباً واسعاً وشاملاً ومقبولا من أكثرية زملائهم في البرلمان وبالتالي يمكن أن يحققوا بعض الطموحات التي يطمح إليها شعبنا سواء أكان ذلك في السويد أم في موطنه الأصلي. والعكس صحيح بالنسبة للمجموعة العراقية فأن مجال عملهم السياسي سيكون ضيقاً ومحدوداً جداً أن لم يكن مستحيلاً يراوغ في مكانه من دون نتيجة وذلك بسبب تحكم العقلية الطائفية على مقدرات الأمور وعدم إستيعابها، جهلاً أو قصداً، لطموحات الجزء الآخر والمهم من الشعب العراقي الذي يختلف دينياً وطائفياً وقومياً وحتى حضارياً ونفسياً عن الأكثرية المهيمنة. وبالتالي يصعب جداً تصور تحقيق أية مطمح أو مصلحة لشعبنا من خلال وجود ممثلين له في البرلمان العراقي. فما الذي يستطيع خمسة نواب مسيحيين، حتى لو وحدوا خطابهم السياسي حول مسألة معينة أن يفعلوا أمام أكثر من ثلاثمائة عضو برلماني لا يؤمن أساس بالمسألة المطروحة.  من هذا المنطلق كنًا وأستمرينا في طرح مسألة إستقالة ممثلي أبناء شعبنا في البرلمان والحكومة طالما المستفيد من هذا التمثيل ليس شعبنا بل المستفيد هو أما النظام السياسي وعن طريق إضافة نوع من الشكلية الديموقراطية على النظام ومن خلال تواجد المسيحيين في البرلمان أو تكون الإستفادة شخصية بحتة للعضو البرلماني المسيحي.

3- الإنتماءات الوطنية والطائفية والحزبية وتأثيراتها الفكرية:
من الطبيعي جداً أن يكون ممثلي شعبنا في البرلمان العراقي من المواطنيين العراقيين وفي البرلمان السويدي من المواطنيين السويديين، وهو أمر ليس ذو أهمية في المقارنة بين المجموعتين، ولكن أصل الإنتماء إلى هذا البلد أو ذاك أو إلى طائفة من طوائفنا الكنسية أو إلى الحزب السياسي أمر يهمنا جداً في هذه المقارنة. فالمجموعة العراقية إنتماؤها للعراق هو بـ "الأصل". بينما المجموعة السويدية إنتماؤها للسويد هو بـ "المرجع". فمن الطبيعي أن تخضع وتتأثر المجموعة العراقية بكل العوامل السياسية والتاريخية والإجتماعية والدينية للعراق ولأكثرية شعبه. والحال نفسه بالنسبة للمجموعة السويدية هو خضوعها لكل مثل هذه العوامل في السويد ولأكثرية شعبه. وبين الحالتين بون شاسع يفصل الإستبداد والدكتاتورية والظلم والفواجع وعدم الإستقرار السائد في العراق عن التمدن والديموقراطية والمساواة والرفاهية وضمان الحريات والحقوق السائدة في السويد، وبالتالي ينعكس هذا في مساحات الحرية المتاحة لكل مجموعة وسلاسة العمل السياسي وضمان حريته وتحقيق نتائجه. لقد سبق وأن ذكرنا مراراً وتكراراً كون أبناء شعبنا، خصوصاً السياسيين منهم، مقلدين ومن الدرجة الأولى للعرب وتحديداً للعراقيين في الأمور السياسية وفي أساليب العمل السياسي والذي ينعكس في العمل السياسي للمجموعة العراقية.  بينما مثل هذا التقليد للعقلية العربية السياسية لا نجده في المجموعة السويدية لأن معظمها (اربعة من خمسة) هم أصلا من تركيا هاجروا وهم صغار السن إلى السويد أو هاجر أهلهم إلى السويد وولدوا فيه وبالتالي فإن تأثيرات العقلية الديموقراطية للسويد وغالبية شعبه ستكون أمراً طبيعياً عليهم.
أما من ناحية الإنتماء الطائفي أو الكنسي، نجد أن المجموعة العراقية تنتمي بشكل عام إلى الطائفتين الكلدانية الكاثوليكية والمشرقية الآشورية في حين تنتمي المجموعة السويدية (أربعة من خمسة) إلى الطائفة السريانية الآرثوذكسية، ولا يمكن النكران بأن لمثل هذا الإنتماء تأثير على العمل السياسي والوعي القومي. ففي دراسة سابقة في التركيبة الإجتماعية لشعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" ذكرنا بأن "المجتمع الآشوري" يقوم على وحدات إجتماعية رئيسية (بنية تحتية) تتكون من العشائر، والعشائرية هي نزعتها الفكرية (بنية فوقية). أما "المجتمع الكلداني" فأنه يقوم على وحدات إجتماعية رئيسية (بنية تحتية) تتكون من القرى، والقريوية هي نزعتها الفكرية (بنية فوقية). ولا أحد يستطيع أن ينكر مدى تأثير هذه النزعات الفكرية في العمل السياسي والوعي القومي وحتى في الأمور الإجتماعية والدينية والكنسية.  في حين يقوم "المجتمع السرياني" على وحدات إجتماعية رئيسية تتكون من المناطق والبلدات(بنية تحتية) والمناطقية هي نزعتها الفكرية (بنية فوقية). ولكن بسبب سعة هذه الوحدات الإجتماعية وتداخلها بعضها بالبعض وإنفتاحها على العالم الخارجي فإن تأثير نزعتها الفكرية هو أقل بكثير من التأثيرات العشائرية والقريوية للأشوريين والكلدان على العمل السياسي والوعي القومي، لهذا لا نستغرب أبداً أن يكون رواد الفكر القومي الوحدوي من أبناء السريان وأن تكون المنظمة الآثورية الديمقراطية أول تنظيم سياسي قومي في مجتمعنا المعاصر وأن يكون مجتمعنا "الكلداني السرياني الآشوري" في المهجر الذي غالبيته من السريان أكثر إستقراراً وتقدماً ووعياً ونشاطاً، والسويد نموذج في ذلك، ففريق أسيرسكا لكرة القدم ومجلة خويودو وإتحاد الإندية الآشورية و قناة سوريويو وعدد آخر من الأندية الإجتماعية الناجحة كلها نتاج هذا النشاط والإستقرار والتقدم والوعي القومي. في حين نرى على العكس من هذا في المجتمعين الكلداني والأشوري حيث تعشش العشائرية والقريوية في الكثير من الأحزاب السياسية والمؤسسات الإجتماعية وتجعلها دكاكين خاصة لأبناء عشريتهم أو عائلتهم أو قريتهم.

أما من حيث الإنتماء الحزبي لكلا المجموعتين، فأن زوعا والمجلس هما من الأحزاب القومية المسيحية "الكلدانية السريانية الاشورية" قد هيمنا على الكوتا المسيحية ومن يقول بأن هناك إختلاف فكري وأيديولوجي بين الأحزاب "الكلدانية السريانية الآشورية"  بما فيهم زوعا والمجلس فهو واهم ولا يعرف من دنيا السياسة والأحزاب شيئاً، فالإختلاف بينهم هو أسمي وشخصي ولا غيرهما وأحيانا هو إختلاف في التجاذب السياسي الخارجي. فهذا الأمر، أي عدم الإختلاف الفكري والأيديولوجي، كان من المفترض أن يوحد ويقوي العمل القومي المشترك بين ممثلي زوعا والمجلس في البرلمان العراقي ليظهروا فعلاً كممثلي شعبنا ولكن الأمر بخلاف ذلك تماماً فالصراع الشخصي والتحزبي بينهما وصل إلى حالة لا تطاق من قبل شعبنا، إلى حالة فقدان مصداقيتهما والثقة والأمل من تحقيق نتائج من خلال جلوسهم على الكراسي البرلمانية. وتخصيص مقعد وزارة العلوم والتكنولوجيا في الكابينة الجديدة برئاسة حيدر العبادي من غير مرشيحهما نموذج حي و"فريش" في هذا الصراع الحزبي.  في حين نرى بأن المجموعة السويدية تنتمي إلى ثلاثة أحزاب وطنية، لا قومية ولا دينية، تخص المسيحيين أو شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري"  وبين هذه الأحزاب السويدية إختلاف لا بل تناقض فكري وإيديولوجي تاريخي كبير وواضح، ولكن فوق كل هذه الإختلاف والتناقض لهم جامع مشترك وقوي يرتكز على المصلحة الوطنية السويدية. فعندما تطرح مسألة تخص أبناء شعبنا سواء في السويد أم في خارجها بإعتبارها مسألة متعلقة بحقوق الإنسان والأقليات والحريات وضمان الأمن والإستقرار فإنها تطرح  كجزء من المصلحة الوطنية السويدية التي يستوجب على معظم الأحزاب السياسية وممثليهم في البرلمان الدفاع عنها فيكون شعبنا في نهاية المطاف هو المستفيد من هذه المسألة. من هنا يظهر بأن إنتماء أبناء شعبنا للأحزاب السياسية الكبيرة والفاعلة  في بلدان المهجر يحقق فائدة لأبناء أمتنا أكثر من إنتمائهم إلى أحزاب قومية أو دينية تخص شعبنا في المهجر. وقد تطرقنا إلى هذا الموضوع وبشكل مفصل في كتابنا المعنون (محطات فكرية على طريق العمل القومي الآشوري – نظرة مقارنة بين الوطن والمهجر – مطبعة ألفا غرافيك، شيكاغو، 2000) والذي بينًا فيه بأن الأحزاب السياسية والمنظمات القومية الآشورية في المهجر والتي تتخذ من "آشور" أو بيت نهرين، - وطن وأرض كجوهر ومضمون لنشاطهم القومي والسياسي وهذا الوطن بعيد عنهم بألاف الأميال جعلهم يدورون في فلك الخيال والرومانسية ولم يستطيعوا من تحقيق أية خطوة تفيد آشور أو شعبنا في بيت نهرين وأصبح حالهم قيد الضمور أو الجمود، فكان الأجدر بهم أن يتخذوا من وطن المهجر ساحة عمل لهم من خلال إنتمائهم إلى الأحزاب السياسية ومحاولة الترشيح والفوز بمقاعد تقربهم من مراكز صنع القرار السياسي لكي يستطعون من خلالها خدمة أبناء أمتنا في وطنهم آشور، كما فعل ممثلو شعبنا في السويد والتي هي حالة يستوجب الإقتداد بها.

15
على نفس طريق النضال القومي للأب ... رحل الأبن نورا زيا بوبو (د. هرمز)
==============================================================
أبرم شبيرا

حاولت من خلال البحث في مراجعي وإستذكار أفكاري ومعرفتي بالتاريخ القومي المعاصر لأمتنا لم أجد كهونتاً، بإستثناء المثلث الرحمات مار شمعون إيشاي بطريرك كنيسة المشرق السابق، ناضل من أجل أمته وواجه الكثير من المعاناة والصعاب وتشرد من بيته ووطنه مثل الخورأسقف زيا بوبو دوباتو الذي كان يعيش في الموصل وظل هناك طيلة عقود عديدة يخدم أبناء كنيسته ككاهن جليل ومحترم بينهم. فلم يمنعه الجلباب الكهنوتي وصليبه المقدس من أن يخوض غمار النضال القومي الصعب. فقد عُرف بنضاله القومي العنيد ومواقفه الصلبة الثابة خاصة في عهد النظام البعثي العراقي حيث قاوم كل ضغوط وتهديدات وإغراءات النظام البعثي بتسليم أبنه "الهارب" د. هرمز أو إرشاده على الطريق الدال إليه وطلب العودة إلى الموصل، مما أضطر في بداية الثمانينيات من القرن الماضي اللجوء الى إيران مع عائلته هرباً من ظلم وأستبداد النظام له ولأبنائه وعائلتــه. وفي حينها أهتمت بعض الهيئات الدولية والمنظمات المعنية بحقوق الأنسان بقضيتــه وتناولتها وسائل الاعلام الدولية فقدمت شــكوى الى الحكومة العراقية بهذا الشـأن.  وكانت المعارضة العراقية حينذاك قد أعتبرته من العناصر البارزة فيها خاصة وأنه كان أول كاهن مسيحي يعارض علناً النظام الإستبدادي في العراق. وفي 23 أيول من عام 1989 أنتقل الى جوار ربه فكان مثواه الآخير في أورمــي شمال إيران. وهناك الكثير من المفارقات في حياته وهو على طريق النضال والحرية منها ولادة حفيده في مقر الكفاح المسلح للحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) في قرية زيوا وكذلك إجراء مراسيم زواج (بوراخا) لأبنة المناضل المرحوم توما توماس لأحد أعضاء الحزب الشيوعي العراقي وفي مقر الحزب في نفس القرية. وهناك الكثير من هذه المفارقات المجبولة بالمعانات والعبر المثخنة بالجراح على طريق النضال القومي والمراحل الأولية لتأسيس زوعا سطرها أبنه المرحوم د. هرمز كذكريات والتي نشرها في الأعداد السابقة لموقع عنكاوه دوت كوم.


عرفتُ المرحوم المناضل د. هرمز منذ زمن طويل ولي ذكريات كثيرة معه ولعل أهم ما أذكره وبكل التفاصيل هو اللقاء الذي تم في بيت السيد زيا بتيو ججو (ميخائيل) في الموصل في خريف من عام 1981 والذي دار فيه نقاشات سياسية حادة عن الكثير من الأمور السياسية ومنها القومية وتحديداً عن زوعا وتأسيسها وفكرة الإلتحاق بركب الكفاح المسلح وفي وقتها قدم كلاهما ميخائيل ود. هرمز لي نسخة من نشرة كانت تكون من صفحة مطوية ومطبوعة بآلة الطابعة على ورق باهت ورث وبإخراج بسيط جداً يظهر بأنها كانت قد أنتقلت بين أيادي كثيرة وبسرية تامة والتي تتطورت فيما بعد لتصبح  جريدة بهرا لسان حال زوعا، وذكرا بأنها مبعوثة بطرق سرية من قبل الرفيق ياقو (يونادم) كنا. وكان الحديث يجري معهما بأعتبارهما من قيادي زوعا ومؤسسيها وكان هذا واضحاً من التفاصيل الدقيقة والمكثفة التي طرحوها لمرحلة تأسيس زوعا والخطة الرامي للإلتحاق بركب الكفاح المسلح والتي لم يكن من الأمان طرحها وكشفها لأي واحد غيري لأن معرفتهم بي وموقفي من المسائل القومية كان مضموناً عندهم خاصة وأنه كان لي معرفة قديمة مع السيد ميخائيل ججو وبعائلته ومنذ مرحلة الصبا في مدينة كركوك. أن مثل هذا التاريخ، أي عام 1981 وتحديداً في الخريف وعلى الأرجح كان شهر أيلول لا يمكن أن أجادل أحد في مدى صدقيته لأنه مرتبط ببعض الأمور الشخصية التي لا تنسى، منها إنني تزوجت في شهر تموز عام 1981 وبعد عودتي من شهر العسل بفترة قصيرة تم نقل خدماتي في الشركة التي كنت أعمل فيها إلى الموصل التي شاركت في الأعمال التصميمة والإستشارية لسد الموصل. وخلال وجودي في الموصل كنت كثير التردد إلى بيت السيد ميخائيل ججو واللقاء معه ومع المرحوم د. هرمز ولم يستمر بقائي في الموصل بضعة أشهر حتى رجعت إلى بغداد في بداية شتاء عام 1981.

ألتقيت الكثير من المرات بالمرحوم د.هرمز سواء في الوطن أوفي سوريا وكنت معه كعادتي مع الكثير من قيادي زوعا صريحاً ومن دون مُراء او مجاملة وفي بعض المرات أغلف إنتقادي لهم بنوعة من الفكاهة والنكتة لأنهم يعرفون جيداً ليس لي مطامح شخصية و "كرسية" او مناصبية من وراء إنتقاداتي. ففي أحدى لقاءاتي مع المرحوم في دمشق في التسعينيات من القرن الماضي قلت له وهو في طريقه للسفر إلى إستراليا لزيارة بعض أفراد عائلته، قلت "هينئاً لكم يا قيادي زوعا... ليش لا... يومياً مسافرين إلى بلدان العالم والحركة تدفع تكاليف سفركم.. خوش مناضلين!!!"  كان من الطبيعي أن يثور المرحوم غضباً وهيجاناً على قولي هذا ولكن بخصاله المعروفة في الهدوء وحفة صوته أخفى غضبه الجامح ورد بهدوء مقرون بالبسمة وقال: ما هذا القول... أن كل تكاليف سفري من جيبي الخاص وإن ذهابي إلى إستراليا هي زيارة شخصية لعائلتي... ثم أردف وقال: لماذا لا تنتمي إلى زوعا وتسافر أنت على حسابها؟" كان فعلاً، رغم ثوريته وحماسه في العمل القومي، قليل الكلام ولا يتدخل إلا عند الضرورة وقد لاحظت شخصياً بأنه لم تكن له مطامح "كرسية" فهو من بين القلائل من قيادي زوعا الذين لم يستلموا مناصب رسمية وأعتقد أيضا بأنه لم يطالب بها رغم كونه في قمة قيادة زوعا طيلة سنوات طويلة.

في السنوات القليلة الماضية، لم تكن زياراتي السنوية لشمال الوطن إلا وأن ألتقي به ويدعوني إلى بيته لتناول العشاء خاصة الأكلة الشعبية المعروفة بـ "دوخوا". في ذات مرة وبينما هو منزعجاً نفسياً ومرتبكاً فكريا بسبب "الخصام" مع قيادة زوعا قمنا بزيارته في بيته مع الصديقين العزيزين شليمون صبنيا وشقيقه سامي صبنيا فكان بادياً عليه نوع من الإنشراح والبهجة من زياتنا له، وبعد مغادرتنا بيته قال الصديق سامي: "يعتقد د. هرمز بأنك مبعوث من قيادة زوعا له لمفاتحته لردع الصدع والعودة إلى صفوف قيادة زوعا" ولكن رغم أن الأمر لم يكن هكذا ولا كان الهدف من الزيارة الشروع بمبادرة التصالح إلا أن ما لمسته وبشكل مباشر وعميق هو حب المرحوم، لا بل عشقه المميت أن صح التعبير، لزوعا ومعاناته من الإشكاليات التي كانت قد بدت تظهر في قيادة زوعا لأنه كان يؤمن إيماناً لا جدال فيه بأن زوعا هو بيته وعائلته ولا يمكن أن يغادره إطلاقاً وقد تجلى مثل هذا الإيمان في غيره من رفاقه الذين غادروا قيادة زوعا ولم يؤسسوا حزباً آخر بديلا عن زوعا ولكن يظهر بأن الأمر كان يأخذ مساراً آخر بعد القطيعة الكاملة مع قيادة زوعا.  فكانت بوادر تأسيس كيان خاص من قبل القادة السابقين لزوعا ظاهرة وأصبحت ملموسة بعد تأسيس كيان أبناء النهرين وأصبح المرحوم في قمة قياته.

لا أريد أن أطيل أكثر لأن لقاءاتي ومناقشاتي وذكرياتي كثيرة مع المرحوم، غير أن أشيد بظاهرة نادرة وفريد تتصف بها الحركة الديموقراطية الآشورية وهي إستمرار مسيرة النضال بين الأب والأبن... فبالأمس أستشهد المناضل يوسف توما هرمز سائراً على طريق النضال القومي الذي سار عليه والده المرحوم توما هرمز، واليوم يموت المناضل نورا زيا بوبو على نفس طريق النضال القومي الذي سار عليه والده المرحوم زيا بوبو دوباتو... وهكذا ففي هذه الأيام أرى بعض الشباب في الوطن سائرين على نفس طريق نضال والدهم في الحركة الديموقراطية الآشورية فمثل هذا التواصل في العمل القومي هو ضمان لإستمرار النضال القومي في الوطن.

أنتقل المرحوم نوراً من هذا العالم وهو بعيداً عن الوطن مثلما أنتقل والده البطل الخورأسقف زيا وهو بعيداً عن الوطن أيضا. ونحن بينما نواسي ألمنا الشديد بمغادته الأبدية وفقداننا لمناضل معروف، أقترح أما أن يكون مثوى المرحوم د.هرمز إلى جانبه مثوى والده في بلدة أورمي في شمال إيران أو أن تنقل مثوى والده ويدفن إلى جانب أبنه في أحدى بلداتنا العريقة في شمال الوطن، وبهذا تستمر المسيرة على نفس طريق النضال القومي في كلا العالمين الدنيوي والسرمدي. فألف رحمة على روح المرحوم نورا زيا بوب دوباتو ونطلب من ربنا يسوع المسيح أن ينعم عائلته بالرحمة والصبر وأن يستمر نضاله ويتجسد ويكتمل في بقية رفاقه السائرين على دروب النضال القومي نحو آفاق أبعد.



   

16
الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين ... نعمة أم نقمة ؟؟؟
====================================
أبرم شبيرا

توطئة: يؤسفي القول بأن الكثير من أبناء شعبنا وفي مقدمتهم بعض من قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية بعيدين عن فهم السياسة ورسم إستراتيجية لمعالجة أمور شعبنا المسيحي "الكلداني السرياني الآشوري" وتقدير أبعادها المستقبلية ووضع الحلول المناسبة لها في حالة وقوع الكوارث والفواجع. ففي اللغة الإنكليزية مصطلح يعرف بـ (Contingency Plan) أي خطة للطوارئ والأمور غير المنتظرة للأحوال المضطربة أو المتوقع إضطرابها، وهل هناك حالة مضطربة أو متوقع إضطرابها أكثر فأكثر من أحوال شعبنا المسيحي في العراق والذي يتطلبه مثل هذه الخطة؟؟؟ يعيش الإنسان عشرات السنين وقد يصل عمره إلى مائة سنة، أما الأمم والدول فتعيش مئات بل ألاف السنيين. على هذا الأساس نقول بأن خطة معالجة أمور الإنسان أو شخص تختلف كلياً في أبعادها ومنظورها المستقبلي عن خطة معالجة أمور الأمم والدول. فأهداف الشخص قد تتحق في سنة أو بضعة سنيين ولكن تحقيق أهداف الأمة والدول يتطلبها فترات زمنية أكثر بكثير. فالأسف الأكبر هو أن معظم، إن لم يكن جميع، سياسات مجتمعنا هي قصيرة الأجل، فإما تكون لتحقيق أهداف تتلخص في المنفعة الشخصية والمصالح الخاصة للذين يمثلون شعبنا أو تكون بعد أن "يقع الفأس على الرأس" والذي شرحنا عنها في موضوع سابق، ولا نجد سياسات إستراتيجية في تخمين أو توقع الأمور المستقبلية ورسم خطة طارئة لها عند وقوعها، وهذا ما نشاهده اليوم في تخبط قادة وزعماء أمتنا في معالجة المأساة التي يتعرض لها شعبنا في الحاضر القائم من دون أن يكون لهم أية خطة طوارئ قائمة على دراسة الوقائع والتوقعات الممكنة أن تحدث في المستقبل لذلك جاءت هذه المأساة كفاجعة صاعقة وقعت على أبناء شعبنا.  هذا الموضوع الذي نعيد نشره، كتبناه في بداية عام 2011 عندما كان شعبنا المسيحي يُضطهد ويُطرد من مدينة الموصول وكنًا نتوقع الأسوء على أيادي متطرفة قذرة في نفس المدينة شكلت مدخلاً سهلاً لدخول داعش المجرمة للمدينة وإحتلالها. وفي حينها ذكرنا بأنه ليس للمسيحيين أمان في العراق غير الحماية الدولية. لذا أرجو من القارئ اللبيب أن يقرأ الموضوع في سياقه الزمني وقبل وقوع الأحداث الأخيرة الناجمة من أحتلال داعش المجرمة لأراضي واسعة من العراق وتشريد شعبنا وبالتالي تصاعد نداءات الحماية الدولية للمسيحيين وتوفير منطقة آمنة لهم... وهنا نعود ونقول مرة أخرى "منو يسمع منو يقرأ" فنزيد عليه ونقول أيضا "منو يعمل"... وحتى أن عملوا فالفائدة المرجوة من هذا العمل ستكون قليلة بعد أن خسر شعبنا الكثير الكثير، ليس في سلب بيته وأثاثه وإنما وطنه أيضا.   

أسئلة معقولة في زمن غير معقول:
بعد أن فقد المسيحيون في العراق الأمن والسلام والإستقرار، وبعد أن عجزت الحكومة العراقية وأي جهة أخرى من توفير الحماية اللازمة والضامنة لإستمرار حياتهم في العراق بشكل طبيعي تطرح  اليوم أسئلة تصبح في الزمن غير المعقول أسئلة معقولة لا بل مقبولة أيضاً. هذا الزمن غير المعقول الذي يصبح فيه أبن الوطن الأصيل غريباً ومنبوذاً... هذا الزمن غير المعقول الذي جعل من أغنى بلد بالبترول في العالم أن يقف أبناؤه ساعات طوال وفي طوابير طويلة من أجل الحصول على بضعة ليترات من البترول ... هذا الزمن غير المعقول الذي يجعل أبناء البلد ذو النهرين العظيمين عطاشا، هذا الزمن الذي جعل من أبناءه ألأصلاء محشورين في معضلة الخيار بين شرين أحلاهم مُر ... هذا الزمن الذي دفعنا أن نبحث في موضوع الحماية الدولية للمسيحيين العراقين ونتساءل فيما إذا سيكون ذلك نعمة عليهم تسترد أمنهم وسلامتهم في وطنهم الأم أم سيثير ذلك هيجان وغضب الحكومة العراقية والقوى السياسية الأخرى ويزيد الإرهابيون إرهاباً وقتلاً بالمسيحيين في العراق وتصبح نقمة عليهم؟ أسئلة وأسئلة فرضت علينا الظروف الحالية أن تطرح وتناقش في هذا الزمن غير المعقول.

معضلة  المسيحيين العراقيين:
المعظلة، وبالإنكليزية (Dilemma) تعني إكراه الشخص على إختيار واحد من خيارين وكلاهما صعب وفي غير مصلحته، أو كما يقال أحلاهم مُر. فمعضلة المسيحيين العراقيين في هذه الأيام هي إنجبارهم على مواجه خيارين لا يكفي أن نصف أي منهما بالصعب بل بالمهلك. فأمامهم أما خيار البقاء على أرض الوطن وتحمل الإرهاب ونتائجه المدمرة أو الهجرة إلى المجهول. يقال بأن ما يدفع المرء إلى المُر هو الأمرُ منه. تفيد كل الإحصائيات الدولية والأقليمية والمحلية لا بل حتى الواقع الفعلي لوجود المسيحيين في العراق بأنه في تناقص شديد ومثير للقلق والمخاوف. هذا الواقع الذي لا يعني إلا إختيار المسيحيين لخيار الهجرة رغم مرارته، خاصة في الظروف الحالية الصعبة، ليظهر بأنه أقل مرارة من مواجهة نتائج الإرهاب المدمرة والفانية للحياة، فحال المقتلعين والمطرودين من بيوتهم في المناطق الجنوبية والوسطى والموصل والإحتماء في المنطقة الشمالية، كما وإن المهجرين إلى تركيا وسوريا والأردن والدول الغربية كلها حقائق واقعية تثبت ما ذهبنا إليه. من هنا يمكن القول بأن إختيار مسلك الهجرة في الظروف المأساوية التي تسحق المسيحيين في العراق سحقاً يصبح أمراً غير مستغرباً في ظل غياب الأمن والسلام والإستقرار. فالعيش بأمن وسلام هما سُنة حياة الإنسان، وهي السُنة التي تدفع بالإنسان للبحث واللجوء إلى أي مكان من العالم يوفر له عناصر البقاء والعيش. لذا يمكن القول بأن المكان الذي يستطيع أن يوفر الأمن والسلام للإنسان يصبح هو الوطن بالنسبة له. أما المكان أو الوطن الذي لا يستطيع أن يوفر لأبناءه مثل هذه العناصر في العيش فأن مسألة الإنتماء إلى أرض الأباء والأجداد تتراخى تدريجياً وبمرور الزمن تفقد أهميتها في ظل ظروف الإرهاب والقتل والتشريد. قيل أن تكون غريباً في أرض غريبة هو أمراً طبيعياً أما أن تكون غريبا في وطنك ومرفوضاً فهو أمراً شاذاً وغير طبيعي.
وبينما هجرة المسيحيين لوطنهم في تصاعد مستمر، نرى على الجانب الآخر بأنه لا توجد أية جهة سواء أكانت عراقية حكومية أم مدنية ، مسيحية أم غير مسيحية، دولية أم إقليمية تؤيد هجرة المسيحيين من العراق بشكل علني وفصيح، رغم وجود مؤامرات وخطط إرهابية تسعى إلى تفريغ العراق من المسحيين سواء قتلاً أو تهجيراً لغرض إقامة الدولة الإسلامية، مثلما كان يفعل العثمانيون بالمسيحيين قبيل الحرب الكونية الأولى وأثناءها. من هنا نقول طالما الحكومة العراقية لا تستطيع توفير الحماية اللازمة للمسيحيين من جهة وترفض، على الأقل بالكلام والتصريحات، هجرتهم إلى أماكن أكثر أمناً وإستقراراً من جهة أخرى، إذن موضوع الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين أو تدويل قضيتهم تصبح مسألة مشروعة للطرح والمناقشة.     

دعوات الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين:
أكتسب موضوع الحماية الدولية أو الأجنبية للأقليات في بلدان الشرق الأوسط وتحديداً المسيحيين منهم سمعة  تاريخية سيئة للغاية وذلك بسبب إستغلال هذا الموضوع من قبل الدول الكبرى كحجة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ولإغراض تحقيق مصالحهم الخاصة ومطامعهم الإستعمارية. فقبيل الحرب الكونية الأولى أستغلت بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية هذا الموضوع كمعبر للتدخل في شؤون الدول العثمانية حتى تمكنوا من تفتيتها وتحقيق مطامعهم الإستعمارية من دون أن يتحقق للأقليات المسيحية من أتباع هذه الإمبراطورية شيء يضمن لهم أمنهم وإستقلاهم، بإستثناء قليل في لبنان. ويعتبر إستغلال بريطانيا للمسألة الآشورية في العراقية بعد الحرب العالمية الأولى نموذجاً واضحاً في هذا السياق، فأرشيف دائرة الوثائق العامة البريطانية في لندن زاخر بوثائق ومراسلات وتصريحات تخص موضوع حماية الآشوريين المسيحيين وضمان حقوقهم وتحقيق مطالبهم غير أنهم لم يحصلوا من كل هذه الضمانات الورقية في حمايتهم إلا مزيدا من المأساة والمعاناة.
 
واليوم وفي ظل الظروف المأساوية التي يعانيها المسيحيون في العراق، خاصة بعد مجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد وما أعقبلها من هجموم على بيوت المسيحيين وقتل أعداد منهم، تطرح بعض دعوات الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين من جهات غير رسمية يشوبها نوع من الخشية والخجل ولكن أكثر هذه الدعوات صراحة ووضوحاً كانت الرسالة المشتركة التي وجهتها كل من أيطاليا وفرنسا وبولندا والمجر بتاريخ 08.01.2011 إلى السيدة كاثرين أشتون الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية في الإتحاد الأوروبي تطالب فيها بإدراج مسألة إضطهاد المسيحيين في الشرق الأوسط في جدول أعمال قمة مجلس وزراء الإتحاد الأوروبي المزمع عقده في نهاية الشهر الجاري، مؤكدين بأن الإتحاد الأوربي لا يمكن أن يبقى غير مبال بما حدث في الأشهر القليلة الماضية وإن إجراءات ملموسة يجب أن تتخذ بشأن حماية المسيحيين في العراق ومصر. لا بل كان وزير الخارجية الإيطالي أكثر وضوحاً عندما ذكر بأنه يجب عدم مساعدة الدول التي لا تستطيع حماية مواطنيها من المسيحيين.  ثم جاءت دعوة بابا الفاتيكان بضرورة حماية المسيحيين في الشرق الأوسط والتي أثارت غضب وهيجان جهات عربية عديدة منها مصر التي أستدعت سفيرها في الفاتيكان للحضور إلى مصر إحتجاجاً على تصريحات البابا.

عجز الحكومات ورد الفعل تجاه الحماية الدولية:
لا شك فيه بأنه بسبب الخلفية التاريخية السيئة لدعوات أو مشاريع الحماية الدولية للأقليات المسيحية في الشرق الأوسط، تركت إنطباعاً سيئاً وردود سلبية غاضبة تجاه هذه الدعوات والمشاريع سواء من جهات حكومية رسمية أو قوى سياسية أخرى. وجميع هذه الردود الرافضة للحماية الدولية للمسيحيين تستند على أنه تدخل في الشؤون الداخلية وإنتهاك لسيادة الدولة وإعتبار حماية أمن وسلامة مواطنيها من المسيحيين شأناً داخلياً وليس دولياً. ولو حاولنا معرفة الدوافع الحقيقية النفسية والسياسية في رفض الحماية الدولية للمسيحيين من قبل رجال الحكم في الدول العربية التي يُضطهد فيها المسيحيين نرى بأنها نابعة، أولا: من الحساسية المفرطة في موضوع السيادة والمبالغة فيه إلى درجة إنتهاك أبسط حقوق الإنسان. وثانيا: من الترسبات الماضية المتعلقة سواء بمفهوم الإستعمار أو الإحتلال الأجنبي. وثالثاً: تأتي كغطاء لتغطية عجز هذه الحكومات في حماية المسيحيين في أوطانهم وإظهار كأنها فعلاً قادرة على حماية جميع مواطنيها من دون الحاجة إلى حماية خارجية والتي تعتبرها إهانة سياسية تحط من هيبة وكبرياء الحكومة في قدرتها على القيام بأهم واجباتها وهي حماية مواطنيها. فلو أخذنا العراق نرى بأن حكومتها هي نفسها غير قادرة على حماية نفسها وموظفيها فكيف والحال مع حماية المواطنين العادين وخاصة الطرف  الآخر المختلف، ففاقد الشيء لا يعطيه، كما يقول المثل. فكيف توفر الحكومة الحماية للمسيحيين الذين لا حول لهم ولا قوة في الوقت الذي لا تسطيع الحكومة وأعضاؤها العيش بحياة طبيعية من غير أن يكونوا محاطين بأسوار بشرية وحواجز كونكريتية تحميهم من نيران الإرهابين والتي هي أيضا غير مجدية في كثير من الأحيان. كما إن عقدة التدخل الخارجي في الشأن الداخلي مرتبطة بعقلية معظم الماسكين على زمام الحكم في العراق وتتحكم في سلوكهم بشكل سلبي لأنهم جمعيهم لم يتمكنوا من إزاحة النظام الدكتاتوري البعثي في العراق الذي فتك بهم وبالشعب العراقي طيلة أكثر من ثلاثة عقود إلا بالتدخل الخارجي الأمريكي وإسقاط الصنم ومن ثم تربعهم على الحكم في العراق بفعل الدبابات الأمريكية. فهؤلاء يدركون كل الإدراك قابلية التدخل الإجنبي وإحداث التغيير، فخوفاً على أن ينقلب السحر على الساحر فأنهم يرفضون التدخل الخارجي في مسألة حماية المسيحيين.

للحكومة العراقية مشاريع في حماية المسيحيين إلا أنها لا تتجاوز حدود الكلام والتصريحات وردود فعل للمجازر التي أرتكبت بحقهم. صحيح أن هذه المجازر تعتبر كارثة ومصدر للهلع والخوف لكن مثل هذه التصريحات الفارغة والمعالجات العقيمة والأساليب "الدونكوشية" في تناولها للحيلولة دون وقوعها والإستقراء الخاطئ لأسبابها والطروحات الإستهلاكية في معالجتها هي الأكثر هلعاً وخوفاً لأنها بالتأكيد لا تضع اليد على الجرح بل سوف تزيده نزفاً وتدميراً. وطروحات تشكيل مجلس حماية المسيحيين وربطه برئاسة الجمهورية في العراق نموذجاً حديثاً لمعالجة عقيمة ومبتورة في هذا السياق.. فالحكومة العراقية ترفض لا بل تستنكر الحماية الدولية للمسيحيين وتدويل قضيتهم في العراق مؤكدة بأنها سوف تخلق رد فعل وبالتالي ستزيد من إرهاب الأرهابين ضدهم. هذا الإدعاء لم يتأكد أو يثبت بعد ولم ينفذ لحد هذا اليوم أي مشروع في الحماية الدولية للمسيحيين لكي نجزم تزايد الأرهاب ضد المسيحيين، لكن من المؤكد والواضح بأن معظم تصريحات رجال الحكم في القضاء على الأرهاب وحماية المسيحيين هي التي أفرزت ردود فعل قوية لدى الإرهابين وزادوا من أرهابهم إرهاباً ضد المسيحيين ولم يقلُ أو يتوقف عند حدود هذه التصريحات التي هي معروفة  لدى الإرهابين بأنها "كلام فارغ" أكثر مما هي معروفة لدى المواطن العراقي العادي. فالعمليات الإجرامية التي أرتكبها الإرهابيون بحق المسيحيين بعد مجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد يثبت ذلك، ودلائل الوضع القائم تشير بأن العمليات الإرهابية ضد المسيحيين ستزيد عنفاً وقوة رغم كثرة تصريحات وإجراءات الحكومة العراقية فيما يخص حماية المسيحيين طالما الحكومة تتنصل عن المعالجات الجذرية للمسألة وقلعها من جذورها. 

نوعية الحماية الدولية للمسيحيين ومسؤولية الحكومات:
يتخوف الكثير من طرح أو قبول موضوع الحماية الدولية للمسيحيين بسبب تصورهم بأن مثل هذه الحماية ستكون عن طريق التدخل العسكري للقضاء على الإرهاب وفرض القوانين والإجراءات الخاصة في حماية المسيحيين. هذا الأسلوب الكولنيالي لم يعد له مكان في عالم اليوم، العالم الذي أصبح قرية صغيرة بفعل الثورة التقنية في وسائل الإتصالات والإعلام والتأثير متجاوزة كل الحدود السيادية التقليدية، العالم الذي أصبحت الدول فيه ملزمة لا محال منها بلعبة "العولمة" وقوانينها وبعكسه ستصبح خارج اللعبة معزولة ومقيدة بجملة من التشريعات الدولية المتجاوزة للقوانين المحلية. فقبل كل شيء فأن الأسلوب الكولينيالي المرتبط بظاهرة الإستعمار التقليدي لم يعد له وجود في عالم اليوم. كما أن مثل هذا الأسلوب الذي يتطلب التدخل العسكري مرتبط أساساٌ بجملة عوامل جغرافية وديموغرافية. فتمركز الكورد وبكثافة في المنطقة الشمالية سهل أمر حمايتهم دولياً حتى أمنت لهم الحكم الذاتي وبصلاحيات واسعة. في حين نرى بأن مثل هذه العوامل لا تتوفر في وضع المسيحيين العراقيين، فهم منتشرين في مختلف أرجاء العراق وغير متمركزين بكثافة في منطقة معينة يستوجب حمايتها. لذلك فإن موضوع الحماية الدولية بهذا الأسلوب مستبعد نهائياً في المرحلة الحالية مالم يكونوا ديموغرافيا متواجدين في منطقة معينة توفر لهم أولاً الحماية الذاتية وثانياً الحماية الدولية في حالة عجز الحكومة عن توفير مثل هذه الحماية، من هنا تأتي الأهمية المصيرية للمسيحيين في أن يكون لهم منطقة حكم ذاتي وإلا فمصيرهم سيتقرر بالخيارين المهلكين، أما مواجهة الموت على يد الإرهاب أم الهجرة نحو المجهول. 

الحقائق الواقعية أثبت بأن عملية القضاء على الإرهابين بشكل نهائي ومن خلال المواجهة العسكرية المباشرة أمر صعب ما لم يعالج الإرهاب والقضاء عليه من جذوره الذي نشأ منها. فالتصدي للمشاكل والتعقيدات الدينية والفكرية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية ومعالجتها أمر أساسي وأولي في القضاء على الإرهاب أو حصره في حدود ضيقة، وهي من المسؤوليات الإساسية والجوهرية للحكومة. فهناك خيط رفيع يوصل بين، على سبيل المثال لا الحصر، قرار منع بيع الخمور وغلق النوادي الإجتماعية في بغداد وبين مجزرة كنيسة سيدة النجاة والتي جميعها تصب في هدف أسلمة الدولة العراقية. فكيف تستيطع الحكومة العراقية من مكافحة الأرهاب في الوقت الذي هي تهيأ الأجواء لنشؤ وإستمرار هذا الأرهاب الذي له جذور وفروع تكمن في مثل هذا القرار وغيره. فالإرهاب يبدأ من الفكر والقرار وينتهي بالفعل الإجرامي في القتل والتنكيل. من هنا نقول، بأن الحكومة العراقية إن لم تكن قاصدة ومساهمة بشكل أو بآخر في هذا الإرهاب فهي جاهلة في فهم الواقع وفي أسلوب تحمل مسؤولياتها الإساسية في حماية مواطنيها وتحديدا المسيحيين منهم. فهذا القصد أو الجهل ليس بسبب لهث المسؤولين في الحكومة المستمر والمتواصل وراء مصالحهم الطائفية وتكريس كل إمكانيات الحكومة وأجهزتها في حماية هذه المصالح بحيث لم يعد لها وقت وإمكانيات كافية توفرها لحماية مصالح المواطن والوطن بشكل عام، بل أيضاً بسبب إفتقار معظم أعضاء الحكومة العراقية والمتولين لأمور السلطة الرسمية وغير الرسمية إلى خبرات وتجارب سياسية في الحكم والتعامل مع الآخر المختلف، والمختلف بنظر وعقيدة الإسلامي المتطرف، وما أكثرهم في الحكم، لا يعني إلا "الكافر" الذي لا يستوجب العيش والإختلاط معه في دولة الإسلام. من هنا نقول، لو تملكت الحكومة العراقية إمكانيات فكرية منفتحة ومناهج سياسية متمدنة في حل المشاكل التي يعاني منها الشعب العراقي لأمكنت البدء في عملية القضاء على الإرهاب بشكل جدي ومنطقي. أليس الفعل الإجرامي بحق جمعية آشور بانيبال الثقافية في بغداد الذي أرتكبته الأجهزة الأمنية وبمباركة محافظ بغداد شكل من أشكال الإرهاب ويصب في نفس خانة مجزة كنيسة سيدة النجاة؟ فهذه المجزرة ما هي إلا قمة جبل الثلج في الفعل الإجرامي قائم على عدد هائل من القرارات والسلوكيات المتطرفة المتعفة في عقول رجال الحكم والسياسة في العراق.
من هنا نقول وبصريح العبارة بأن التدخل الدولي لحماية المسيحيين يصبح في مثل هذه الظروف أمرُ لا بد منه لتصحيح الأوضاع في العراق وتثبيت حق المسيحيين في البقاء في الوطن والقيام بواجباتهم وممارسة حقوقهم بشكل طبيعي. وعلى القابضين على السلطة في العراق أن يطمئنوا بأن شكل التدخل لن يكون بالتدخل العسكري لإزاحتهم من السلطة بل المطلوب من الدول التي تدعي بالديمقراطية وتدافع عن حقوق الإنسان أن تلجاً إلى الوسائل الأخرى في الحماية من إقتصادية وقانونية ودبلوماسية للتأثير على رجال الحكم في العراق بقصد تغيير سلوكهم الإرهابي حتى يتمكنوا من القضاء على الإرهاب الإجرامي وتوفير الحماية للمسيحيين. أي بعبارة أخرى ما لم يزاح  الفكر الإرهابي من عقلية رجال الحكم في العراق لا يمكن أن يقضى على العمل الإرهابي. وأولى هذه الوسائل القانونية في الحماية هو الفرض والضغط على الحكومة العراقية للإلتزام بالتشريعات والمعاهدات الدولية الخاصة بحماية الأقليات القومية والدينية والتي كان العراق ولا يزال طرفاً فيها. وأهمها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1977 الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة والذي فرض فيه على الدول التي توجد فيها أقليات إلتزامات بضرورة حماية حقوقها القومية والدينية. وفي عام 1976 دخل هذا العهد حيز التنفيذ وأصبحت له قوة القانون حين صادقت عليه 87 دولة حتى عام 1987 ومنها العراق. وبالنظر لتزايد إنتهاكات حقوق الأقليات في الكثير من البلدان وحرصاً من المجتمع الدولي في توفير الغطاء القانوني لحماية الأقليات القومية والدينية أصدرت الأمم المتحدة في نهاية عام 1992 أعلانها المشهور بهذا الصدد والمعروف بـ "إعلان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية وإلى أقليات دينية ولغوية" الذي أقر حق الأقليات بتمتع بكافة حقوقها القومية والدينية، لا بل فأن هذا الإعلان ألزم الدول المعنية على تعديل قوانينها بما تضمن هذه الحقوق. صحيح أن لهذه الإعلانات وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ليس لها قوة قانونية ملزمة للدولة ولكن لها قوة إخلاقية ومعنوية يعكس الإلتزام بها تحضر الدول ورقي أخلاق رجالاتها، ولكن أين الحكومة العراقية من مثل هذه التشريعات الحضارية الإنسانية في الوقت الذي تمارس سياسات وسلوكيات كلها تصب في خانة الأرهاب وتحقق هدف الإرهابين في تفريغ العراق من المسيحيين؟؟ إذا كانت مثل هذه التشريعات ذات مغزى أخلاقي ولا يلتزم بها إلا الذين لهم إخلاقيات ديمقراطية، والحكومة العراقية بعيد كل البعد عن مثل هذه الأخلاقيات فأن الأمر يستوجب اللجوء إلى وسائل أخرى أكثر واقعية في التأثير على الحكومة العراقية وتغيير سلوكها نحو المسيحيين. ويبدو أن تصريح وزير الخارجية الإيطالي في عدم مساعدة الدول التي لا تستطيع حماية مواطنيها من المسيحيين هو نموذج في الوسائل الفعالة بهذا الشأن ولكن الأمر يبقى دائماً وأبداً في مدى مصلحة هذه الدول الكبرى في تنفيذ مثل هذه التصريحات والقرارت. أفهل يستطيع المسيحييون العراقيون من أن يكون لهم ثقلاً في هذه المصلحة حتى تلجاً حكومات الدول الكبرى إلى حمايتهم؟. في عام 1933 أنتهت مصلحة بريطانيا من إستخدام الآشوريين المسيحيين في تحقيق مشاريعها السياسية في العراق فتركتهم تحت رحمة سيف الحكومة العراقية حينذاك فأرتكبت بحقهم مذبحة سميل في شهر آب 1933. وبعد سبعة عقود، أي في عام 2003 لم يكن للأمريكان مصحلة مع المسيحيين العراقيين فتركوهم تحت رحمة سيف الأرهاب فكانوا أول الخاسرين من سقوط نظام البعث في العراق في الوقت الذي كان الكورد والشيعة أول الرابحين من سقوط هذا النظام... لماذا؟ لأن مصالحهم تطابقت مع مصالح الأمريكان في العراق، واليوم في هذا الزمن الغادر جعل من المسيحيون أن ينظر إليهم كـ "كفار وغرباء" لأنهم يدينون نفس ديانة المحتل في حين أصبح أرهابيو الفكر والممارسة أصحاب الوطن الشرفاء معادين لكل أجنبي وغريب... أليس هذا الزمن غير المعقول الذي قلب الشعب العراقي الأصيل إلى غريب يستوجب طرده؟؟

وأخيرا:
أفهل يدرك السياسيون المسيحييون وأحزابهم وممثليهم هذه الحقائق؟؟؟ نحن قلنا منذ البداية ونستمر القول بأن لنا الثقة بممثلي شعبنا لدى الهيئات الحكومية وبقدراتهم الفكرية والسياسية ولكن لعبة المشاركة السياسية مع أرهابي الفكر المتمثلين في الحكومة العراقية لعبة خاسرة لم يجني شعبنا منها إلا مزيدا من الإرهاب والتقتيل والتهجير وأصبحت كل الوسائل والتصريحات في حماية المسيحيين العراقيين نقمة عليهم. من هنا نعيد ونكرر بأن إستقالة ممثلي شعبنا في البرلمان ومجالس المحافظات والحكومة سيكون فعل يسحب البساط من تحت أقدام الحكومة العراقية التي تستغل مشاركة المسيحيين معها في العملية السياسية لتغيطة فكرها الإرهابي تجاه المسيحيين ولاشك فيه بأن إستقالة ممثلي شعبنا سيترك أثراً على المستوى الدولي لكي تلفت الدول الكبرى المعنية بحقوق الإنسان والأقليات النظر بشكل جدي وعملي في أوضاع المسيحيين العراقيين، حينذاك تكون البداية الأولى لإمكانية فتح باب للحماية الدولية للمسيحيين التي حتماً ستكون نعمة بعد أن أصبح عجز الحكومة العراقية في حمايتهم نقمة عليهم.


17
هل يستطيع الشيوعيون تمثيل المسيحيين في العراق ؟؟
 ===================================
أبرم شبيرا

توضيح:قبل كل شيء أود أن أوضح بخصوص أستخدام تسمية المسيحيين والتي في مضمونها وشكلها أعني بها بشكل عام الكلدان والسريان والآشويين ونفس الحال عند الإشارة إلى الأحزاب المسيحية. فالتسمية المسيحية فرضت علينا وبدت تطغي على التسمية القومية لأن في الحقيقة والواقع الحالي للعملية السياسية في العراق تسير برمتها وفق عوامل دينية وطائفية تستخدم كمعايير في تعامل القوى السياسية مع بعضها وتتسنم مناصب في هياكل الدولة على أساسها. فوفق هذا المعيار فالكوتا هي مسيحية وليست قومية كلدانية سريانية آشورية على الأقل من الناحية القانونية والرسمية، لذلك ليس غريباً وفق هذه المعايير أن نطرح موضوع الشيوعيين وتمثيلهم للمسيحيين في العراق ونحن نعرف مسبقاً موقفهم من الدين بشكل عام. وهذا ليس بعيدا عن العقلية العراقية في تقييم الأمور وقياسها بالمعايير الدينية، فالعقلية العراقية التقليدية تضع المسيحي العراقي مع المسيحي الإنكليزي أو البرازيلي أو جنوب أفريقي في خانة واحدة، فكلهم مسيحيون، إن لم يكونوا كفاراً حسب العقلية المتطرفة وما أكثرها في هذ الأيام. موضوع طويل سبق وأن فصلنا عنه في كتابنا المعنون (الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر- دراسة في العقلية العراقية تجاه الأقليات - من إصدارات دار الساقي، بيروت، 2001). من هنا أستوجب التوضيح والتأكيد بأن التسمية المسيحية هي في مضمونها إشارة إلى الكلدان السريان الآشوريين وألى أحزابهم السياسية القومية.
الحزب الشيوعي العراقي والكوتا المسيحية:في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة أستطاع الحزب الشيوعي العراقي التغلغل إلى الكوتا المسيحية عن طريق طرح قائمته "المسيحية" تحت مسمى  قائمة الوركاء الديموقراطية لتنافس بقية القوائم المسيحية، فأستطاعت قائمته أن تحصد مقعد برلماني كان من حصة السيد فارس يوسف ججو من بين خمسة مقاعد مخصصة ككوتا للمسيحيين، أما بقية المقاعد الأربعة فقد فاز بها بالتساوي كل من قائمة الرافدين التابعة للحركة الديموقراطية الاشورية (زوعا) وقائمة المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (المجلس) وهما أكبر الأحزاب المسيحية في العراق.  ففي خضم المناقشات والتحديات وغموض التحالفات والبيانات والتصريحات المتناقضة  بين رؤساء القوائم المسيحية وأحزابها قبيل أختيار رئيس الوزراء العراقي الجديد حيدر العبادي أعضاء كابنته الوزارية، حصل ما لم يكن في الحسبان، حيث أختير السيد فارس يوسف ججو وزيراً للعلوم والتكنولوجيا ومن خارج ترشيحات زوعا والمجلس مما أثار ردود فعل تراوحت بين قوية وإحتجاجية وتحديداً من زوعا التي خسرت كرسي الوزارة الذي كان من حصتها في الكابينة السابقة و مترددة وحائرة وتحديداً من المجلس لأن إختيار السيد فارس للكرسي الوزاري لم يكن ضمن الأشخاص المرشحة من قبله رغم تحالفه مع قائمة الوركاء الديموقراطية.

أن وصول الحزب الشيوعي العراقي عن طريق ممثله المسيحي إلى البرلمان ثم إلى مجلس الوزراء، سواء باركه البعض  وهلهل له أو أنتقده البعض الآخر وهاجمه، فأنه من الناحية السياسية الموضوعية يعتبر إنجازاً كبيراً ونجاحاً باهراً للحزب الشيوعي العراقي من جهة وتراجع ونكسة للأحزاب المسيحية "لكلدانية السريانية الآشورية"، والمقصود بهم تحديداً زوعا والمجلس من جهة أخرى. ومرد ذلك وبشكل عام يعود إلى سببين:الأول: ذكاء وحنكة الحزب الشيوعي العراقي وخبرته الواسعة والطويلة في الأمور السياسية وقدرته العالية في تقدير الأمور ورسم سياسات خاصة في معالجتها وبالشكل الذي يخدم فكره وإستراتيجيته. فقد أستطاع الحزب الشيوعي العراقي من إستغلال الكوتا المسيحية والتغلغل من خلال العيوب والثغرات الموجودة فيه بحيث وأن كانت الكوتا مخصصة للمسيحيين إلا أن هذا قانونياً لا يمنع غير الأحزاب المسيحية من تشكيل قوائم يكون أعضاؤها من المسيحيين  لغوض الإنتخابات على أساس الكوتا المسيحية. لقد سبق وأن شرحنا بالتفصيل في نظام الكوتا وقلنا بأنه أسلوب غير ديموقراطي لنظام غير ديموقراطي ولا نريد الإطناب فيه حفظاً على مضمون موضوعنا هذا. لقد أدرك الحزب الشيوعي وبفطنته وذكاءه بأن الوصول إلى هياكل الحكم من برلمان وحكومة عن طريق الكوتا المسيحية أسهل بكثير من تشكيل كتلة إنتخابية خاصة به أو دفع مرشحين من أعضاءه إلى الإنتخابات  مباشرة لأن منافسة القوائم المسيحية سيكون أسهل وإحتمال الفوز بمقعد أو أكثر وارد جداً طالما لا يتطلب مثل هذا الفوز أصوات كثيرة بل يكفيه بضعة مئات من الأصوات ويمكن توفيرها من خلال تصويت أعضاء الحزب الشيوعي المسيحيون منهم وغيرهم، لقائمته المسيحية أو لمرشحه المسيحي. في حين لا يمكن أن يضمن الفوز عند منافسته للأحزاب الكبيرة الشيعية والسنية والكردية وغيرها التي نزلت إلى ساحة الإنتخابات. وطبقا للعيوب والثغرات الواردة في الكوتا، لم يكن الحزب الشيوعي العراقي وحده الذي أنزل قائمته المسيحية إلى الساحة بل أيضا عملها الحزب الديموقراطي الكردستاني (البارتي) حيث دفع بقائمته المسيحية إلى ساحة الإنتخابات ولكن لم يستطيع أي واحد من أعضاء هذه القائمة الفوز بمقعد في البرلمان لأن البارتي كان أحوج بكثير إلى أصوات أعضاءه لضمان فوزه بمقاعد أكثر في البرلمان وتجنب التفريط بها لصالح قائمته المسيحية التي كان يعتبرها ضمنا ورقة خاسرة في منافستها مع بقية الأحزاب والقوائم المسيحية. وربما أكتفى البارتي بحليفه (المجلس الشعبي) الذي أعتبره الورقة الرابحة في الإنتخابات وواثقاً من فوزه بمقعد أو أكثر.

الثاني: من قرأ أو سمع ما جرى بين الحزبين المسيحيين الكبيرين زوعا والمجلس قبيل أختيار السيد فارس ججو لمنصب الوزير لأدرك على الفور التصرف "الصبياني" – أن صح التعبير – الذي تصرفا به.  لقد تصرفا زوعا والمجلس كصبيان يتصارعون على دمية  ساحباً كل واحد منهما من طرفيها مستنجدا بهذا وذاك ومن دون أي إعتبار للمصلحة العامة التي من أجلها أختارهم أبناء شعبنا حتى أنفلت من أيديهم وأنكسرت. ليس هذا فحسب، بل التصرف الذي قاما به كلا الحزبين أثناء فترة الترشيح لمنصب الوزير لا يتسق مع المنطق ولا يقبلها العقل. فالمجلس أتفق مع قائمة الوركاء الديموقراطية (الشيوعية/المسيحية) فرشحوا ثلاثة أشخاص لهذا المنصب في حين نرى بأن هذا المنصب ذهب إلى السيد فارس ججو الذي لم يكن من بين هؤلاء الأشخاص وهو الأمر الذي أثار حنكة المجلس مبيناً سعيه ورغبته في أن يكون المنصب من نصيب أحد أعضاءه. أما الحديث عن سلوك زوعا في هذا السياق فأنه أمر أكثر غرابة وحيرة. فسعياً لهذا المنصب وترسيخاً لما كان له في الكابينة السابقة (وزارة البيئة في عهد المالكي) فلم يجد من يتحالف معه إلا مع ممثل اليزيديين الوحيد في البرلمان وهو ليس بالأصل محسوباً على الكوتا المسيحية فله كوتته الخاصة بملته. وحتى هذا الأمر، أي التحالف مع اليزيديين، احيط بكثير من الغموض والتناقض خاصة عندما أنكر ممثل اليزيديين وجود مثل هذا التحالف مع ممثلي زوعا في قائمة الرافدين. تصرف زوعا والمجلس لا يمكن أن يوصف إلا بالتخبط والضياع في متاهات الركض وراء منصب وزاري ضاربين عرض الحائط كل القيم المطلوبة في تحقيق المصلحة القومية لأمتنا ولو في حدها الأدنى. أين قيم ومبادئ وأفكار "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" (التجمع) من هذا السلوك المتخبط في عالم المصالح الخاصة والإنانية، أليس كلاهما زوعا والمجلس الأخوة الكبار في هذا التجمع ويتحملون مسؤولية أكبر؟ أفهل لديهما أجوبة على تساؤلات شعبنا في تضيع هذه الفرصة من بين أيدي "ممثلي" شعبنا من جراء أنانيتهما ولهوثهما المستميت من أجل مجرد كرسي.؟ إلا يثبت هذا بأن التجمع هو مجرد تنظيم مهلهل وكارتوني لا يتفق أعضاؤه إلا على إصدار بيانات وإستنكارات لا قيمة لها وتأثير. أما عندما تفوح روائح كراسي البرلمان والحكومة فالخلاف بينهم يتجاوز كثيرا التنافس السياسي المعقول والمشروع ويصل إلى حدود الصراع وبأسلحة التخوين والإهانات والتجريح  ... حقاً أنه لأمر محير ويطرح على ساحتنا القومية مئات الأسئلة والإستفسارات التي لا أجوبة لها وبالتالي تترك أجواء غامضة ومريبة تكون مصدر لزيادة فقدان أبناء شعبنا ثقتهم بأحزابنا السياسية. لذلك وكنتيجة لكل هذا التصرف المتهور خرجا كلاهما، زوعا والمجلس، من الموُلد بدون حمص، فكانت ملعقة من الحمص من نصيب الحزب الشيوعي العراقي وكل صحن الحمص من نصيب السيد حيدر العبادي رئيس مجلس الوزراء الجديد، حيث أستطاع أن يضرب عصفورين (المسيحيون والشيوعيون) بحجر (كرسي) واحد. لقد صدق المثل العراقي القائل "اللي ما يعرف تدابيره حنطته تأكل شعيره" مثل ينطبق بكل حذافيره على مشهد تنافس زوعا والمجلس على كرسي الوزارة.

الأحزاب السياسية وتمثيلها لإرادة الشعب: لقد سبق وأن أكدنا مراراً وتكراراً وفي كل مناسبة متعلقة بأحزابنا السياسية وبحقوقها القومية في وطننا الأم بأن الأمة التي لا توجد فيها أحزاب سياسية نشطة سيكون مصيرها القومي ومستقبلها السياسي مرهوناً بإرادة الأمم الأخرى. فالحزب السياسي، على الأقل من الناحية النظرية، هو تكثيف لضمير الأمة ومعبر لمطامح أبنائها، أو هو "مثقف جمعي" ، حسب تعبير الفيلسوف أنطوني غرامشي، للجماعة المعبر عنها.  أي بهذا المعنى لا يمكن لأي حزب يمثل مجموعة معينة أن يكون ممثلا ومعبراً عن مجموعة أخرى مختلف عنها في طبيعتها القومية أو الاجتماعية أو الفكرية أو مختلف عنها في المصالح والأهداف والمطامح. إذن أن تواجد الأحزاب السياسية ضروري جداً لكل أمة أو شعب لكي تكون معبرة عن مصالحها وداعية لحماية حقوقها. فالأحزاب المسيحية هي لوحدها لها الحق في التعبير عن المسيحيين وعن مصالحهم القومية ولا يحق لأي حزب آخر غيرهم أن يدعي بمثل هذا الحق. غير أن هذا لا يمنع أحزاب أخرى غير مسيحية الصفة من الادعاء بمثل هذا الحق التمثيلي، فهناك أحزاب وطنية أو إقليمية أو شيوعية أممية تدعي بمثل هذا التمثيل والحماية لكل أبناء الوطن أو الإقليم  بدون أي تمييز عرقي أو ديني أو طبقي. ولكن هذا الحق يبقى ضمن إطاره العام يتعامل بالحق المسيحي/لقومي  كجزء من الكل بحيث لا يمكن أن يعبر تعبيراً عاما عن هذا الحق المسيحي لأنه ليس هو الجوهر الحقيقي الكامل لمبادئه أو استراتيجيته بل هو جزء منه وما على هذا الجزء إلا أن يكون متناسقا ومتوافقاً مع الكل. أو بعبارة أخرى، أن يكون تابعاً للكل ويتوجب عليه عدم التناقض أو التعارض معه بل يجب أن يكون متوافقاً على المسائل الوطنية العامة.. فمن الناحية النظرية قد يكون مقبولاً المنادات بالمساواة  بين الجميع لكن من الناحية الفعلية والواقعية لايمكن أن تقوم لهذه المساوات قيامة إذا كانت أحدى هذه المجموعات قد عانت إضطهاداً وقمعاً من جميع النواحي مالم تزال هذه المعاناة ويرتقي وضعها إلى مستوى بقية المجموعات "المحظوظة والمستريحة" وتكون هذه المجموعات مستعدة ذهنية وسياسية لتقبل الآخر المختلف للمشاركة معها في النظام السياسي والتساوي معها في الحقوق والامتيازات، أي مواطنون متساويون وليس مواطنون من الدرجة الثانية أو أدناه كما كان الحال مع شعبنا في العراق. من هنا نقول  بأن عدم وجود أحزاب مسيحية (قومية) نشطة تعبر عن طموحات الأمة ستكون إرادة هذه الأمة مرهونة بإرادة الأمم الأخرى. فالحزب المسيحي "الكلداني السرياني الآشوري" يحمل معه كل الحق القومي والسياسي ويتعامل معه كاستراتيجيته المبدئية العامة ويمثل ضمير الأمة نفسها ومعاناتها وطموحاتها، فهو العام في الإطار السياسي الديمقراطي وليس الخاص كما هو الحال مع بقية الأحزاب. وضمن هذا الإطار القومي العام يقيم علاقته السياسية مع بقية الأحزاب ويبني منظوره الوطني الديمقراطي معها. أي بصريح العبارة لا يمكن أن يتحقق المطلب الوطني ما لم يتحقق المطلب القومي، والحزب هو الأداة في تحقيق مثل هذا المطلب القومي والوطني معاً، وهذا ما نجده في شعار (زوعا) الذي يقول: (عراق ديمقراطي حر... تعزيز وجودنا وضمان حقوقنا القومية). فكانت زوعا رائدة في سياق الربط العضوي بين الحقوق القومية والوطنية من بين معظم أحزابنا السياسية.

 من هنا نقول بأن انتماء شخص مسيحي (كلداني سرياني آشوري) إلى حزب غير الأحزاب المسيحية/القومية "الكلدانية السريانية الآشورية"، لا يمكن أن يكون ممثلا حقيقياً للمسيحيين ويطالب بحقوقهم القومية أو الدينية لأنه بالأصل تابع لحزب آخر ويعمل وفق أجندته وليس وفق أجندة الحزب المسيحي.، فإذا كانت له مطالبة بحقوقنا السياسية والقومية فإن هذه المطالبة لا تأتي إلا كجزء من مطالبته للحقوق الوطنية لجميع المواطنيين.  هذا من الناحية النظرية، والذي لا ينطبق  على الأحزاب القومية غير "الكلدانية السريانية الآشورية" وعلى الأحزاب الدينية والطائفية غير المسيحية،  بل ينطبق على الأحزاب الوطنية والإقليمية كالحزب الشيوعي العراقي والأحزاب الكردية أو "الكردستانية". فلو أخذنا الحزب الشيوعي العراقي، مضمون موضوعنا هذا، فهو حزب لا قومي ولا ديني. فهو يستمد فلسفته وإستراتجيته السياسية من الإيديولوجية الماركسية – اللنينية وتطبع بطابع أممي ولكن بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي تغييرت معظم الأحزاب الشيوعية في العالم  ومنهم الحزب الشيوعي العراقي، وأصبحوا أكثر "وطنيين" من كونهم أمميين فإنسجموا مع الحياة السياسية للبلد وبدأوا يشاركون في العملية السياسية ويسعون للوصول إلى السلطة عن طريق الوسائل المتاحة قانونياً، لا بل حتى أن بعضهم غير أسمه من الحزب الشيوعي إلى أسم آخر ينسجم من الوضع السياسي لبلده.  هكذا هو حال الحزب الشيوعي العراقي الذي أصبح "وطنياً" أكثر من كونه أممياً واضعاً موضوع النضال من أجل حقوق جميع العراقيين، ومنهم المسيحيين، في مقدمة أجندته. فلم يعد يحمل "المظلة عندما تمطر السماء في موسكو" بل أصبحت مظلته تكفي لتغطية مصالح وحقوق جمعيع العراقيين وتحديداً المظلومين منهم، وهل هناك مجموعة عراقية مضلومة وحقوقها مهضومة أكثر من المسيحيين الكلدان السريان الآشوريين؟؟ لذلك لا نستغرب أبداً أن نجد الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه فكرياً وتنظيمياً في العراق وحتى يومنا هذا مزدحماً باعضاءه المسيحيين، إبتداْ من أباء الحزب الأوائل  كبطرس فاسيلي (آشوري) و تلميذه يوسف سلمان يوسف – فهد (كلداني) مؤسس الحزب وأول سكرتير عام له، مروراً بالبطل التاريخي توما توماس (أبو جوزيف) و أبو عامل وأبو نضال، ووجدنا الروح الوطنية والقومية لهؤلاء في وجوه ونضال الكثير منهم أمثال هرمز الآشوتي و جونسون أغاجان وشميران مروكي وغيرهم كثر. عرفنا هؤلاء عن كثب ودخلنا معهم في نقاشات سياسية وقومية غنية ومفيدة ووجدنا فيهم بأن أفكارهم القومية لا تقل أهمية عن أفكارهم الوطنية والشيوعية... ولماذا نذهب بعيدا... ألم يكن المناضل التاريخي أبو جوزيف هو الذي أرشد زوعا على طريق الكفاح المسلح وهي في بداية مسيرتها القومية؟؟.

هل يستطيع الحزب الشيوعي تمثيل المسيحيين ومطالبة حقوقهم القومية؟إستناداً لما تقدم في أعلاه يأتي تساؤلنا: هل يستطيع الحزب الشيوعي العراقي  تمثيل المسيحيين (الكلدان السريان الآشوريين) ويطالب أو يدافع عن حقوقهم القومية والدينية عبر أحد أعضاءه المسيحيين الفائزين بمقعد في البرلمان أو المعينين في أحدى الوزرات من خلال الجزء الخاص (المسيحيون) من الإطار العام لسياسيته الوطنية والشيوعية (المواطنون). أي هل ستكون مطالبته ودفاعه عن حقوق المسيحيين من ضمن مطالبته العامة لجميع المواطنين العراقيين أم سيكون قادراً على التركيز على ماهو خاص بالمسيحيين. ومثل هذا التساؤل تأتي أهميته لأنه لا يملك الحزب الشيوعي أو ممثله في البرلمان أو الحكومة تجربة في هذا السياق لأنه لأول مرة في تاريخ العراق السياسي يصل شيوعي إلى أحدى هايكل الدولة العراقية ممثلاً عن المسيحيين. رسميا وقانونياً نعرف بأن هذا الكرسي هو لخدمة جميع أبناء الشعب العراقي وليس حصراً لخدمة المسيحيين ولكن رغم ذلك  نرى أن الممثلين المسيحيين في البرلمان كانوا يطرحون في أحيان كثيرة هموم ومشاكل شعبنا على البرلمان ويلتقون بأبناء شعبنا على أساس صفتهم الرسمية هذه. ولكن بالمقابل مالذي عمله هؤلاء لشعبنا المسيحي غير التباهي وملئ الجيوب وتعيين الأقارب كحاشية لهم... فالنظام السياسي في العراق كان فاسداً حتى العظم ومن شاركه أصبحت هذه الصفة لصيقة به سواء أكان ذلك حقيقة أم تهمة باطلة. وحتى بمجئ رئيس مجلس وزراء جديد (شيعي عربي) ورئيس جمهورية جديد (كردي سني) ورئيس برلمان جديد (سني عربي) فهذا لا يغير من النوع شيئاً طالما نظام المحاصصة قائم بكل حذافيره. فهذا النظام السياسي الطائفي والمحصص هو نتيجة طبيعية للنظام الحزبي الطائفي المهيمن على مقدرات البلاد  فهو بطبيعته المغلقة نظام فئوي لا مكان لبقية مكونات الشعب العراقي فيه أو للغير من الطوائف الأخرى. إذن ما الذي سيفعله كرسي يتيم لا حول له ولا قوة تجاه جبروت وإستبدادية نظام سياسي غارق في ظلام الطائفية والشللية؟؟ ماالذي يستطيع أن يفعله السيد فارس يوسف ججو وزير العلوم والتكنولوجيا في مجلس الوزراء أو أعضاء الكوتا المسيحية الفائزين بكراسي البرلمان؟؟ فهؤلاء رغم كل الجهود التي سيبذلونها فأنهم لا يشكلون غير موجة لقطرة ماء في بحر كبير هائج ملئه عقول طائفية وتحزبية لا تقر أصلاً بوجود المسيحيين في العراق وحقهم في نيل حقوقهم القومية. النظام الديموقراطي ليس بتوفير الكوتا للأقليات التي لا تستيطع الوصول إلى هياكل الدولة عن طريق الإنتخابات بشكل عام بل بوجود العقلية التي تمثل الأكثرية التي تقبل وتؤمن بحقوق الأقليات. في البلدان الديموقراطية الغربية الكثير من أعضاء البرلمان والحكومة يدافعون عن حقوق الأقليات من دون وجود ممثل لهم في هياكل الدولة.  فقبل سنوات عديدة جاء أعضاء من الحكومة المحلية في منطقة إيلنك في لندن إلى الآشوريين في النادي الآشوري وطلبوا منهم طبع الكراسات الخاصة بالإنتخابات المحلية والعامة في بريطانيا بلغتهم القومية (السريانية). وأيضا هنا العديد من أعضاء البرلمان البريطاني طرحوا معاناة شعبنا في البرلمان ودافعوا عنها. فهؤلاء ليسوا من أبناء شعبنا ولا ممثلين له وصلوا للبرلمان بالكوتا بل كانوا أنكليز يؤمنون بالديموقراطية وبحق الجميع في ممارسة حقوقه ؟؟ وهنا يجب أن لا نغفل السيد يلماز كريمو عضو برلمان السويد وكذلك السيدة أنا إيشو عضوة الكونكرس الأمريكي فلم يصلا إلى هذه المراكز عن طريق كوتا خاصة لشعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" بل أنتخبهما السويديون والأمريكيون الذين يؤمنون بحقوقنا ويؤيدونهما في مطاليبهم القومية الخاصة بشعبنا سواء في بلدهم أم في موطنهم الأصلي، فالفرق شاسع جداً ولا يصح المقارنة إطلاقا بين طريقة وصول هؤلاء لمراكز في هياكل الدولة وقدرتهم على العمل لصالح شعبهم وبين طريقة وصول أعضاء الكوتا المسيحية لبرلمان العراق. فالعقلية الديموقراطية هي أولاً وأخيرا العامل الحاسم في النظام الديموقراطي وليس بعض السطور في قانون أو دستور لا يؤمن بها أصلا أصحابها أو ممثليهم الذين شرعوها. لهذا السبب قلنا ونقول بأن الكوتا أسلوب غير ديموقراطي في نظام غير ديموقراطي.
وأخيراً:ضمن كل تعقيدات الكوتا المسيحية وإرهاصات النظام السياسي العراقي ومهاترات فرسانه الطائفيين ... نعود ونتسائل مرة أخرى هل يستطيع السيد فارس يوسف ججو المنتمي إلى الحزب الشيوعي العراقي والحاصل على مقعد في البرلمان العراقي ومن ثم توزيره بمنصب وزير العلوم والتكنولوجيا على أساس الكوتا المسيحية أن يمثل المسيحيين وينجح في مساعيه في رفع بعض من معاناة شعبنا في وطنه الأم... وهل يستطيع البرلمانيون المسيحيون من تحقيق بعض من أحلام شعبنا؟؟؟ من المؤسف القول بأنه إستنادا إلى التجارب السابقة وإلى طبيعة النظام في العراق، أشك في تحقيق خطوة واحدة في هذا السياق مالم تتحق معجز في العراق وأن يتحول الطائفيون إلى ديموقراطيون هو أمر سنتركه للسنوات الأربعة القادمة ولا نقول للألفية الرابعة. ولكن مع كل هذا الأسف والعجز فأن الأكثر أسفاً وألما هو أن نرى "ممثلي" أمتنا في البرلمان والحكومة، وهم نفر قليل جداً لايستطيعون أن يتكاتفوا أو حتى أن يبتسوا في وجوه بعضهم البعض. إننا لا نريد من ممثلي زوعا والمجلس في البرلمان ولا من السيد الوزير فارس ججو تحقيق المعجزات بل نطلب منهم ماهو أبسط بكثير وهو أن نراهم متكاتفين بعضهم بالبعض مرتبطين كالأصابع الخمسة لكف اليد ونشر صورة التكاتف هذه في وسائل الإعلام حتى يراه أبناء شعبنا وتبرد قلوبهم المكتوية  بنيران الظلم والإستبدادي وحتى تظهر صورة وحدة أمتنا في صورتهم... مطلب بسيط جداً وتحقيقه سهل جداً أيضا لو تجردوا من الإنانية والتحزبية... حققوا هذا الحلم وسوف نرفع قبعاتنا أحتراماً لكم.       

18
المسيحيون "الكلدان السريان الآشوريين"
أمة رد فعل وليست فعل

====================
أبرم شبيرا
تعلمنا من العرب أسوء عاداتهم السياسية:
من المؤسف أن نقول بأننا نحن "الكلدان السريان الآشوريين" أمة تعلمنا من العرب أسوء عاداتهم وسلوكهم وتفكيرهم السياسي، منها إننا أمة رد فعل وليست فعل كما هو حال العرب في حياتهم السياسية. ننتظر إلى أن "يقع الفأس على الرأس" ثم نبدأ باللغو والكلام والتحرك عن كيفية معالجة الوضع، وهذه صفة من صفات الأمم المتأخرة أو الأمم ذات الوعي المتأخر. في حين تكون الأمم المتقدمة والمستقرة أمم فعل أومبادرة مباشرة ناجمة عن دراسة موضوعية عميقة وواسعة  لأحوال الأمة والظروف المحيطة بها ووضع إستراتيجية طويلة الأمد يشكل تطبيقها على أرض الواقع مرحلة من مراحل تقدمها على مختلف مناحي الحياة، وهي الأمم ذات الوعي المتقدم. فالعرب ضيعوا فلسطين بسبب حروبهم ضد إسرائيل التي جاءت كرد فعل لحروب إسرائيل الإستباقية. وطبعاً العراقيون لا يختلفون عن هذه السياسة المنبعثة من رد فعل لفعل معين، فكل الحروب الخارجية والأهلية في العراق جاءت كرد فعل عشوائي كان أقل ما يقال عنها بأنها مدمرة للشعب والوطن معاً. أي بأختصار أن الأمم المتقدمة بهذا المعنى تملك حصانة ومناعة ضد المفاجأت في حين الأمم المتأخرة لا تملك مثل هذه المناعة بل تنصدم بأية مفاجئة حتى ولو كانت صغيرة. والحديث عن الحياة السياسية للأمة، تقدمها أو تأخرها، هو الحديث عن مدى فاعلية حكوماتها وأحزابها السياسية ومنظماتها وزعماءها ومفكريها ومدى إنعكاس هذه الفعالية على مستوى الفعل والمبادرة المباشرة.

أمتنا بين الفعل ورد الفعل:
عقليتنا وسلوكنا السياسي لا يختلف عن العرب، فتاريخ عقد من الزمن لأمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" المزدحم بالمأساة والفواجع والتشرد كان كله قائم على كوننا أمة رد فعل وليست فعل، أمة تتحرك بعد أن يقع "الفأس على الرأس" ويبدأ النزيف بغرق الأمة في دماء لا نهاية لها فيصبح كل رد فعل في معالجة هذه الحالة عقيم أو في أكثر الأحوال صعب السيطرة عليها والحد من نزيفها ما لم تتدخل ظروف خارجية للحيلولة دون إستمرار هذه الحالة المزرية والمميتة للأمة أو التخفيف عنها. فبين الفرمان العثماني قبل مائة سنة و(ن) داعش التكفيرية سلسلة طويلة من المأساة والفواجع شكلت في كل مراحلها المختلفة صدمات لأمتنا وزعامتها ولم يتم مواجهتها إلا بردود فعل متشجنة غير مجدية لأن الأمة بزعامتها ومؤسساتها لم تكن تملك الوعي المتقدم في إدارك الظروف المحتملة وإستنتاج الحلول ومن ثم إستحضار أفعال لمعالجتها قبل وقوعها، أي قبل أن يقع الفأس على الرأس.  وحتى لا نغور في الماضي الأليم سنكتفي بألام ومأساة أمتنا المتولدة من إنهيار دولة العراق قبل عقد ونيف من الزمن وتسنم ملوك الطائفية والتكفيرية كراسي الحكم في البلد ومن ثم إجتياز داعش لهم في ساحة سباق التطرف والتكفير وتربعها على العرش. ففي أعقاب الإضطهادات والإغتيالات والتشرد التي تعرض لها شعبنا خلال الأعوام القليلة الماضية في جميع أنحاء العراق أنطلقت شذرات فكرية هنا وهناك من قبل بعض مثقفي أمتنا يدعون إلى الحكم الذاتي لمناطقنا التاريخية كوسيلة لتحقيق التنمية والتطور لهذه المناطق وضمان حمايتها من التطرف والأرهاب، والأخر من المثقفين دعى إلى حماية دولية لأمتنا طالما دولة العراق نفسها عجزت عن حماتنا. قبل بضعة أعوام، وبينما كان أبناء أمتنا في الموصل وسهل نينوى يتعرضون إلى شتى أنواع الخطف والقتل والتهديد بقلعهم من أراضيهم، كتبت موضوعا مطولاً عن الحماية الدولية وتحت عنوان (الحماية الدولية للمسيحيين في العراق – نعمة أم نقمة) ثم قبل فترة وجيزة كتبنا موضوعاً آخر مضمونه مقارب للموضوع السابق وتحت عنوان(هل للمسيحيين العراقيين أمان غير الحماية الدولية) وكلاهما نشرا في موقعنا العزيز (عنكاوه دوت كوم) ونأمل أن ننشرة مرة أخرى توخياً للفائدة...  ولكن "منو يقرا ومنو يسمع" كما يقول العراقيون. لابل وأكثر من هذا، فمعظم أبناء أمتنا وتحديداً أحزابنا الكبيرة وبعض من المؤسسات سواء المدنية أو الدينية والكنائس ورجال الدين، رفضوا رفضاً قاطعاً مطلب الحكم الذاتي، بإستثناء قداسة البطريرك مار دنخا الرابع الذي أكد في معظم كلماته عن أهمية الحكم الذاتي لأمتنا كوسيلة لحمايتها وإستمرار وجودها في أرض الوطن. وحتى مبادرة المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري في طرح مطلب الحكم الذاتي لسهل نينوى يجب أن لا يستبعد عن الطموح الكردي في ضم هذه المناطق إلى إقليمهم فهو الآخر تعرض إلى هجموم عنيف مشحون بشحنات العمالة للكورد.

 فقبل سنوات قليلة وبينما كان الأرهابيون يشحذون السكاكين والفؤوس ويشردون أبناء أمتنا من مناطقهم خاصة من مدينة الموصل وينشرون الرعب والخوف فيها وفي قرى سهل نينوى سواء عن طريق الخطف والإغتيال والتهديد أو عبر الخطب الملتهبة لأئمة الجوامع والمساجد، كانت الحكومة العراقية وغيرها من هيئات الحكم بعيدة كل البعد عن هذه التهديدات، سواء بالطرش أو القصد، ومشغولة في ترسيخ كراسيها في الحكم وسرقة الشعب ونهبه وأحزابنا السياسة ومنظماتنا القومية تشاركهم في هذه الجريمة تلهث وراء كراسي البرلمان والحكومة ويتناطح بعضهم بالبعض من أجل كرسي أو منصب وزاري. نهايك عن اللعنات التي كانوا يمطرونها على كل من يطالب بالحكم الذاتي لأبناء أمتنا في مناطقهم التاريخية. أما طرح موضوع الحماية الدولية فكان بالنسبة لهم كفر وإلحاد ويجب أن لا يصل إلى مسامع رجال السلطة والسياسة في العراق وإلا أتهمونا بالعمالة للأجنبي وطلب التدخل منه في شؤون العراق الداخلية بينما هم، أي رجال السلطة والسياسة في العراق، نتاج هذا التدخل الأجنبي وتحديداً الأمريكي وبفضله هم متواجدون ومستمرون في السلطة. وحتى بالنسبة لإقليم كردستان فإن أمنه وأستقراره هو بفضل هذا التدخل الأجنبي وحمايته، فضرب الطيران الأمريكي لقوات داعش الجاثمة على مشارف أقليم كردستان نموذج حي في هذه الأيام. إذن لماذا يحق طلب الحماية الدولية للعراقيين بشيعته وسنته وكرده ولايحق للمسيحيين الكلدان السريان الآشوريين فهم، بإعتبارهم أضعف حلقة في السلسلة الديموغرافية العراقية، أحوج من غيرهم لمثل هذه الحماية.

إنقلاب على الذات:
لا أدري هل نقول سبحان الله على مغير الأحوال أم نقول بأن كل الفضل يعود لداعش في تغير الأحوال.  فبعد أن وقع فأس داعش على رأس أبناء أمتنا أنقلب الرافضون إنقلاباً حاداً وبدأت ردود أفعالهم عليها في مطالبتهم ليل نهار لمناطق آمنة لأمتنا وحماية دولية لها وفي مقدمتهم أحزابنا الكبيرة وكنائسنا ورجالاتها الكبار، أمرُ كان يستوجب أن ينطلق حينما كان المتطرفون يخطفون أبناء أمتنا في الموصل ويدعون الملالي  في خطبهم إلى طرد المسيحيين منها و قبل وصول داعش إلى بيوتنا وطردنا منها. فكل هذا يدل على أننا لم نكن نملك وعياً بذلك المستوى حتى نستيطع دراسة الوضع دراسة عميقة وإستنتاج منه دروس أو خطط ومن ثم أستعداد للقيام بفعل في معالجة الحالة عند وقوعها أو قبلها. وحتى أكون أكثر منصفاً في كلامي هذا ولا أظلم أبناء امتي جميعاً في نعتهم بعدم تملك الوعي الإستباقي للحالة، نقول بأنه قد يكون صحيحاً بأن مثل هذا الوعي الإستباقي كان متوفراً لدى بعض من قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية وكلذلك لدى كبار رجال كنائسنا ولكن قوة المصالح الخاصة والشخصية بالنسبة لقادة الأحزاب الناجمة من خلال مشاركتهم في هيئات الحكم تغلبت وطغت على هذا النوع من الوعي. أما بالنسبة للكنائس ورجالاتها فأن "عقدة عدم التدخل في السياسة" والإمتثال لقوانين الدولة حتى ولو كانت إستبدادية لم يفسحا المجال للإفصاح عن هذا النوع من الوعي فيما إذا كان موجوداً بالأصل. جاءت داعش لتقلب الأمور رأساً على عقب فتهددت كراسي الحكم وأهتز وجود ممثلي أحزابنا في هيئات الدولة وأصبحت  على وشك الإنهيار وضعفت قوة قوانييها أو تلاشت وأصبحت مجرد ورق مما أدى كل هذا إلى الإنكشاف والإفصاح عن مثل هذا الوعي الذي أصبح متأخراً في طلب منطقة آمنة أو حماية دولية خاصة بعد أن خسر أبناء أمتنا كثير الكثير وأصبحوا مهددين في وجودهم وحياتهم،، لهذا سيصبح أمر تحقيقها من الأمور الصعبة جداً خاصة بعد أن تدخلت فيه مؤثرات خارجية وداخلية وخسر أبناء أمتنا كثير الكثير وحتى أن بعضهم فقدوا الثقة في رجوع الأمور إلى حالتها الطبيعية، سواء بحماية دولية أو بغيرها، وأخذوا يطرقون باب الهجرة إلى خارج الوطن.

ماذا بعد إندحار داعش؟:
لا شك فيه أن ما قام بها أبناء أمتنا الخيارى، سواء في الوطن أم في المهجر ورجال الكنيسة بكل أطيافهم خاصة بطاركة المشرق ومطارنتها وأحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية تجاه مساعدة أبناء أمتنا من محنتهم المميتة أمر يستحق التقدير والتثمين حتى ولو كان كرد فعل لجرائم داعش فهو أمر لا نستطيع إنكاره ولكن الأمر الأهم هو بناء فعل للمرحلة القادمة خاصة بعد إندحار داعش وتحرير مناطقنا وعودة أصحابها الأصليين إليها. كان كل العالم  يتصور قبل بضعة أشهر بأن داعش هي مجرد عصابة أو منظمة إرهابية كغيرها من المنظمات المعروفة ولكن ظهر الأمر غير ذلك. فقد أمتلكت داعش أراضي واسعة من العراق وسوريا وأصبح لها زعيماً أو خليفة وأموال طائلة وجيش جرار كامل التسليح قادر على تهديد دول بحالها، أي بعبارة أخرى أصبحت داعش دولة تحارب دول قائمة منذ عقود طويلة، مما أصبح أمر دحرها وطردها من الأراض التي أحتلتها صعباً للغاية ويتطلبه وقتاً طويلاً. على أن الدلائل تشيير ولو ببطئ، خاصة بعد تدخل الطيران الأمريكي وإسناد السلاح الإيراني للكورد ومعاضدة الدول الغربية لقوات البيشمركة والجيش العراقي وتحرير بعض القرى والقصبات والمدن من سيطرة داعش، بأن البداية قد بدأت في إندحار داعش وطردها من مناطقنا التي أحتلتها. فإذا كان أمر دحر داعش صعباً للغاية ويحتاج وقتاً طويلاً فأن أمر عودة أبناء أمتنا إلى بيوتهم أصعب بكثير ويحتاج وقتاً أطول أيضا، وهو الأمر الذي يجب أن يرتقي إلى مستوى الوعي الإستباقي للقيام بفعل لغرض تحقيق هذا الأمر. الكل يتحدث عن نكبة هذه الأيام وربما يعمل على أن يعود أبناء أمتنا إلى بيوتهم ويطلبون الحماية الدولية لهم ولمناطقهم ولكن هذا ليس بالأمر الكافي فالمشكلة الكبيرة جداً سوف تبدأ بعد عودة أبناء أمتنا إلى بيوتهم وقراهم. فمن المعروف بأن معظم القرى والقبصات التي دخلتها داعش دمرت الكثير من بيوتها من أساسها ونهبت محتوياتها سواء من قبلها أو من قبل من كان وراؤها أو المرحب بها بحيث أصبحت غير قابلة للسكن والعيش فيها إطلاقاً ناهيك عن إفتقارها للخدمات العامة وتدمير بنيتها التحتية. فالعودة إليها ستكون كارثة أخرى يستوجب التنبه لها والعمل لها من الآن قبل وقوعها وإلا فأن أبواب الهجرة إلى الخارج سوف تنفتح بمصراعيها أو سيهجرون بيوتهم والسكن في المدن الكبرى وإفساح المجال للغير لإستمرار التجاوز والإستيلاء عليها، حينذاك لا يستطيع أحد أن يلومهم على ذلك.

من هذا المنطلق نقول فقبل أن يقع فأس هذه الكارثة على رأس أبناء أمتنا فإنه يستوجب على زعماءها الذين هم في مواقع متقدمة سياسية وحزبية وكنسية وإجتماعية أن يبدأوا بوضع خطة شاملة وطارئة للإغاثة تبدأ من عملية واسعة لنقل النازحين بوسائل نقل توفر لهذا الغرض ومن ثم أسكانهم في مخيمات سكن حديثة من البيوت الجاهزة (Pre-Fabricated ) السريعة التجهيز والنصب ملائمة للعيش قريبة من قراهم وبيوتهم متوفر فيها كل الخدمات العامة من مستشفيات ومدارس وعقب ذلك تبدأ حملة واسعة لأعادة إعمار البيوت والقرى والبنية التحتية. من المؤكد بأن مثل هذ الأمر هو أكبر بكثير من طاقة جميع أبناء أمتنا بكل تنظيماتهم وبكل المساعدات المالية للخيرين منهم، فالمسألة لم تعد مسيحية كلدانية سريانية آشورية بل إنسانية بكل معنى الكلمة وبالتالي فأن المجتمع الدولي معني بهذا الأمر وبشكل مباشر وهو الأمر الذي يجب أن يُعمل به لتقديم دراسة وافية عن مشروع إغاثة شاملة للمنطقة إلى الهيئات الدولية وتشكيل لجان خاصة للمتابعة من داخل الوطن وخارجه. وحتى يطمأن شعبنا على أمنة وسلامته بعد عودته فأن أمر الحماية الدولية وإرسال قواة دولية أو فرض عقوبات إقتصادية على المعتدي سيصبح أمراً مهماً للغاية وإلا سيظل شعبنا قلقاً وخائفاً من عودة داعش رقم (2) وما أكثرهم في هذه الأيام في العراق والبلدان الإسلامية المحيطة بشعبنا ووطنه.

وأخيراً:
 عندما أشاهد عبر شاشة قناة عشتار الفضائية، ألف شكر لها، مشاهد مطولة عن معاناة شعبنا المُهجر من بيوتهم ومن مختلف الطوائف والملل والقرى والقصبات تجمعهم معاناة مشتركة ... وعندما أشاهد قداسة بطاركتنا المشرقيين الأجلاء ومطارنتا الكرام متكاتفين وملتصقين بأبناء أمتهم وكنيستهم ويجتمعون مع قادة أحزابنا ومنظماتنا للتداول في شأن توحيد الخطاب ووضع خطة شاملة لمعالجة الوضع... عندذاك تفرض هذه المشاهد وبقوة علينا لنقول: لماذا توحدنا المأساة والفواجع وتجمعنا بعضنا بالبعض وتظهرنا كأمة وكنيسة واحدة؟... لماذا ننتظر حتى يقع الفأس على الرأس ونبدأ بالتحرك والتوحد؟... أسئلة محيرة جداً .. ولكن أسمحوا لي أن أكون جريئاً وأقول بأن المأساة والفواجع والدماء أصبحت إلى جانب اللغة والتاريخ  والتراُ والوطن أحدى المقومات الأساسية والمهمة المشتركة لوجودنا القومي والكنسي... ألم توصف كنيستنا بـ "كنيسة الشهداء"؟؟ ألا يشكل مذابح سيفو وسميل وصورية جزء من ذكرياتنا وكينونتا القومية ... أليس غريباً أن تكون المأساة والفواجع أكثر قدرة على توحيدنا من اللغة والتراث والتاريخ والأرض؟؟؟  كنتُ محقاً عندما قلتُ في السابق بأننا أمة الإستثناءات في التاريخ وعالم اليوم؟؟؟ إن أحزابنا وكنائسنا متوحدة ومتفاهمة ومتقاربة في خضم المعاناة والمأساة الحالية فمن المحتمل كثيراً بأنه لو أستمدوا تفاهمهم ووحدتهم من هذه المعاناة والمأساة وبفكر واحد وقلب واحد سوف يكون لفعلهم في إنقاذ الأمة أو التخفيف من معاناتها أمر ذا شأن ويسجل لهم التاريخ فعلتهم هذه في صفحاته الذهبية ولو لمرة واحدة وقبل أن يسحقها التاريخ ويطمرنا بين صفحاته المنسية.
يقول ربنا يسوع المسيح لبطرس الرسول:
"أنت صخر. وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وقوات الجحيم لن تقوى عليها"
 (متى:16-18).

19
أبرم شبيرا

قبل كل شيء أطلب المعذرة من قرائنا الأفاضل على هذا العنوان الذي قد يبدو بأنه لا يتسق مع المنطق الأدبي في الكتابة الرصينة ولكن أعتقد بأن العذر سيكون مقبولا لأن العنوان نتاج مأساة وعذابات تحرق قلوبنا وتدمر نفسيتنا على ما يعاني شعبنا في وطنه الأم على يد عصابات متوحشة تعيش خارج تاريخ هذا الزمن، وبالمقابل البعض الآخر من أبناء شعبنا في المهجر يعيشون في أجواء مخملية وتخمة. خلال تواجدي في مدينة شيكاغو خلال الأسابيع الماضية حضرت حفلتين للعرس ولكن للحق أقول لم أستمتع بهما إطلاقاً بل تعذبت كثيرا وعانيت من الإزدواجية المدمرة التي أستولت على عقلي وضميري عندما كنت أشاهد أبناء أمتي فرحين مستمتعين بأفراحهم ومسراتهم وعلى الجانب الآخر من البحار شعبنا يتشرد وينام في العراء ويقتله الخوف والجوع وتسلب منه أراض أبائه وأجداده والهروب نحو المجهول. يقال بأن الحياة يجب أن تستمر ولا أحد يستطيع أن يجبر الناس جبراً على عدم الإستمتاع بنعمتها ومسراتها، فهي مسألة شخصية متعلقة بعقل وضمير الشخص نفسه ولكن الأمر يختلف كليا مع المنظمات والمؤسسات التي أنشأت على مقومات قومية وتنشط بأسم الأمة وأبناؤها، ومنها الكثير في مجتمعنا في بلدان المهجر وأهم ما يجب ذكره في هذه الأيام هو "الإتحاد القومي الآشوري الأمريكي" المعروف بـ "الفدريشن" الذي ينظم سنوياً مهرجانه المعروف بـ "الكونفينشن". وفي هذا العام سيقام في مدينة الملاهي والقمار لاس فيغاس في أميركا للفترة من يوم المخميس 28 آب حتى يوم الأثنين الأول من شهر أيلول 2014، سيقام هذا الكونفينشن وشعبنا في الوطن يواجه ظروف مأساوية ومميتة ويطرد من أرض أبائه وأجداده والأطفال والشيوخ يموتون جوعاً ومرضاً.

أقول وبإختصار لمن لا يعرف شيئاً عن الفيدريشن بأنه تنظيم فيدرالي متكون من عدد كبير تجاوز في بعض السنوات أكثر من ثلاثين منظمة آشورية في الولايات المتحدة الأمريكية. تأسس عام 1933 بعد مذابح سميل ومن ثم أقام مهرجانه "الكونفينشن" الأول لغرض جمع الأموال ومساعدة ضحايا شعبنا من جراء هذه المذابح. ومنذ تلك الفترة، إبتداءاً من آخر يوم الخميس من شهر آب حتى أول يوم الآثنين (عطلة عيد العمال في أميركا) أستمر وبشكل منتظم إقامة الكونفينشن كل عام متنقلاً من مدينة إلى أخرى. وخلال هذا المهرجان الذي يقام في أحدى الفنادق الفخمة أو المنتجعات السياحية ويحضره الألاف من أبناء شعبنا تنظم فعاليات ونشاطات مختلفة من إجتماعية وثقافية وسياسية وفنية. ومما لا شك فيه يتم من خلالها تحقيق أرباح لصالح الفيدريشن ونسبة من هذه الأرباح كان يتم أرسالها كمساعدات مالية للمحتاجين من أبناء شعبنا في الوطن، وهي الرسالة التي من أجلها تأسس الفدريشن.

شخصياً، إنني من المواظبين على حضور الكونفينشن كل عام لأنه في الحقيقة يعتبر أكبر وأوسع تجمع لأبناء أمتنا وملتقى الكثير من الأصدقاء وخاصة القدماء منهم ومن بلدان مختلفة. قبل بضعة أيام سألني صديق في شيكاغو وقال: يظهر بأنك ستحضر الكونفنشن لهذا العام. فكان جوابي بالنفي. أستغرب صديقي وهو يعرف بأن مثل هذه الفرص لا تفوتني أبداً فقال: لماذا؟ فقلت: لا أريد أن أضع نفسي في موقف متناقض كموقف حضوري لحفلتي العرس وأشاهد الناس فرحين مبتهجين يرقصون فرحاً ومرحاً ويقضون أوقاتنا في غاية البهجة والسرور في الوقت الذي شعبنا يحترق في وطنه الأم. ومثل هذا الموقف أوالشعور وجدناه في العديد من أبناء شعبنا في أميركا وفي الرسائل والمكالمات والإتصالات العديدة التي بعثت إلى الفدريشن وتحديداً إلى رئيسها الحالي السيد وليم يومارن تطلب منه إلغاء الكونفينشن لهذا العام إحتراماً وتضامنا مع ما يعاني شعبنا في الوطن الأم اوالتبرع بالتكاليف إلى الجمعيات الخيرية والتطوعية التي تساعد شعبنا في محنته هذه فهو أحوج من صرفها وهدرها في الكونفينشن. رد السيد يومارن على هذه الرسائل، وفي رده كان فيه جوانب من المنطق والدفاع عن الكونفينشن وإستمراريته. حيث ذكر بأن الكونفينشن مستمر في إقامته منذا 1933 وهي الصفة، أي الإستمرارية، التي يتصف وينفرد بها عن غيره من المنظمات والنشاطات لأبناء أمتنا، وهذا صحيح بالكمال والتمام حسب رأينا لأن معرفة الأمم والشعوب لا تتم إلا من خلال مؤسساتها ومنظماتها والنشاطات التي تقوم بها وإستمراريتها. كما أكد السيد يومارن بأن نسبة من الأرباح التي ستتحقق من الكونفينشن سيتم التبرع بها وإيصالها إلى أبناء شعبنا المحتاجين في الوطن مضيفاً بأن الفدريشن سبق وأن تبرع بخمسة عشر ألف دولار لهذا الغرض.


أن مثل هذا الشعور تجاه ما يحدث لأبناء شعبنا مطلوب من الجميع وهو ما لمسناه من تنظيم الكثير من مؤسساتنا القومية والكنائس للمظاهرات والمسيرات الإحتجاجية في عدد من مدن العالم والمقابلات مع المسؤولين في الإدارة الأمريكية والحكومات الأخرى ولكن من جهة ثانية يجب أن يكون هذا الشعور أو الفعل أو المسؤولية بمستوى حجم وعمق المأساة والكوارث التي يعانيها شعبنا في الوطن. أن "شعرة من جلد الخنزير" كما يقول المثل، لا تكفي لمثل هذه الظروف ولا تخخف من مثل هذه المعاناة المميتة. ما قيمة أن يتبرع شخص بحفة من الدولارات وهو يملك الملايين وما تأثير كلمة أو مظاهرة من مؤسسة قومية كبيرة وشعبية وكنيسة مؤثرة في الناس في حجم وعمق هذه المأساة ؟؟ كانت القديسة الأم تيريسا تقول "أن التبرع يجب أن يؤثر أو يؤذي المتبرع" وهو صورة من صور التضحية البسيطة وهذا هو المطلوب من أبناء  شعبنا ومؤسساته القومية والدينة المختلفة وتحديداً الكونفينشن الذي نحن بصدده في هذه الظروف المؤلمة. من هذا المنطق ومن حجم الفدريشن وتاريخه الطويلة وأهمية الكونفينشن وشعبيته وحضوره الواسع وإمكانية مساعدته لأبناء
شعبنا في الوطن بالحجم المناسب للمأساة التي يعانيها، أقترح مايلي:

1.   أن يتبرع بكافة الأرباح، بعد حسم التكاليف، الناجمة من واردات الكونفينشن ونشاطاته خاصة ونحن نعرف بأن تكلفة تسجيل كل شخص لحضور الكونفينشن هو 150 دولار ومن المؤكد بأن الحضور سيكون كبيراً لأن المنتجع الذي سيقام فيه الكونفينشن هو مكان ساحر ومغري للناس خاصة بكثرته لمناطق اللهو والترفيه والكازينوهات والقمار أيضا، كما أنه من المؤكد سيحقق الكونفينشن أرباح أخرى من النسبة التي يتقاضها من أجور غرف الفندق ومن النشاطات الأخرى خاصة من ليلة "العشاء الرئاسي" حيث يمكن التقليل من تكلفته والباقي يذهب للجمعيات الخيرية في الوطن.

2.   لا نطلب من الكونفينشن فتح باب التطوع لتجنيد الشباب والذهاب إلى الوطن لمحاربة وحوش تنظيم داعش بل نطلب منه فتح باب التبرع بالأموال خلال فترة إنعقاده وتشكيل لجنة بهذا الخصوص.

3.   على جميع الفنانين والمطربين الذي سيحيون الحفلات والأمسيات الغنائية أن يتبرعوا بأجورهم ويجسدوا الكلمات والمعاني القومية لأغانيهم ويقفوا وقفة صميمية صادقة مطلوبة في هذه الأيام في مساعدة أبناء شعبنا في الوطن الملتهب لعل قد تسد تبرعاتهم جوع طفل أو توفر الدواء لرجل مريض وتطفئ بعض من نيران المأساة والفواجع التي تلتهم وطنهم الأم ويثبتوا بأن مشاعرهم القومية ليست بزيارة الوطن والغناء هناك فقط بل بالتبرع أيضا بالأموال الناتجة من نشاطهم الفني في مثل هذه المناسبات الكبيرة والشعبية. يذكرني هذا المقترح بالوضع اللبناني حيث قبل بضعة أسابيع تكبد الجيش اللبناني خسائر بشرية وبينهم عدد من ضباط ومنتسبي الجيش من جراء دخوله في معركة مع تنظيم داعش في منطقة عرسان على الحدود السورية في الوقت الذي كان لبنان يتهئ ككل موسم صيف لإقامة مهرجاناته الفنية والغنائية ولأشهر مطربيها وفنانيها غير أنه قامت قيامة الصحافة والمعترضين لهذه المهرجانات طالبين إلغائها ترحماً بروح شهداء جيشهم غير أن الأمر سار بشكل مرضي للجميع حيث تقرر إقامة المهرجانات وتخصيص كل الأرباح وأجور الفنانين والمطربين المشاركين فيها لصالح شهداء الجيش وعوائلهم... مثال قريب يمكن الإهتداء به.   

4.    يقام في الكونفينشن بعض من النشاطات الثقافية والفكرية والسياسية والمحاضرات فمن المطلوب أن تكون في هذه السنة كلها مكرسة لطرح وبحث ومناقشة الحالة المأساوية المفجعة التي يعانيها شعبنا في الوطن وطرق التعامل معها أو التخفيف منها، كما أنه من الضروري أن تكون دعوة المسؤوليين الأمريكيين للحديث في الكونفينشن موجهة للذين لهم مواقف إيجابية تجاه ما يعاني شعبنا في الوطن.

5.   يجب أن يكون البيان الختامي للكونفينشن والمندوبين الحاضرين عن المنظمات المنظوية تحت لواء الفيدريشن أن يتطرق وبالكامل عن أوضاع شعبنا في الوطن وأن ينشر على نطاق واسع. كما أنه من الضروري توجيه رسائل بهذا الخصوص إلى رؤساء دول العالم وتحديداً الكبرى منها وإلى الأمم المتحدة والإتحاد الأوربي والفاتيكان وغيرهم.

6.   وأخيرا يجب مراعاة الظروف المميتة التي يواجهها شعبنا في الوطن عند إقامة الحفلات الساهرة ويكون هناك نوع من التنظيم والسيطرة عليها لكي لا تخرج عن نطاقها المعقول في هذه الظروف.

ولم يبق في الأخير إلا أن أقول، فإذا كان من حق بعض أبناء أمتنا في المهجر عدم حضور الكونفينشن مراعاة للحالة المأساوية التي يعانيها شعبنا في وطن الأم، فأنه من جانب آخر يجب عليهم أن يضيفوا لهذه المشاعر الطيبة وقفة طيبة وعن طريق التبرع بالمبلغ، أو بجزء منه، الذي كان مخصصاً لحضور الكونفينشن لكي يثبوا مشاعرهم الطيبة القومية تجاه أمتهم التي تحترق في بلاد آشور. وشخصياً لم أندم على عدم حضوري للكونفينشن ككل عام لأن عوضاً عن ذلك تبرعت بجزء يسير من المبلغ الذي كنت متوقعاً أن أبذره في الكونفينشن... والله وحبنا العظيم لأمتنا من وراء القصد. 

20
المنبر الحر / طوفان نينوى الثاني
« في: 21:21 11/08/2014  »
طوفان نينوى الثاني
===============
أبرم شبيرا

يذكر العهد القديم من الكتاب المقدس قصة طوفان طام إجتاح المدينة العظيمة نينوى (الموصل حاليا) والذي من المحتمل أن يكون قد حدث بين القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد وفي عهد الملك الآشوري  العظيم سنحاريب (705 – 681 ق.م) ودونت أحداثه في سفر يونان من العهد القديم  وهو المعروف عند العرب بأسم "النبي يونس". وهناك كنيسة قديمة على تل في الموصل مشيد عليها جامع يعرف بهذا الأسم ويعتقد بأن هذا الموقع كان معبداً آشورياً قديماً. قصة هذا الطوفان جاءت عندما طلب الرب من النبي يونان حمل رسالته إلى مملكة آشور التي كانت عاصمتها نينوى ليبشر أهلها بالخلاص من الطوفان الآتي إليها، ليبلغ أهلها وملكهم برسالة الرب قائلا " هيا أمض إلى نينوى المدينة العظيمة وبلغ أهلها لأن أثمهم قد صعد إليً"( يونان: 1-2). فبعد رفض النبي يونان رسالة الرب ومواجهته لسلسلة من الحوادث والتجارب أطاع الرب وحمل رسالته إلى هذه المدينة العظيمة. "فهب يونان وتوجه إلى نينوى بموجب أمر الرب. وكان نينوى مدينة بالغة العظمة يستغرق إجتيازها ثلاثة أيام، فدخل يونان المدينة ... وأبتدأ ينادي قائلا "بعد أربعين يوما تتدمر المدينة" (يونان: 3-3).

يستمر سفر يونان في سرد قصة ذهابه إلى نينوى وبعد تبلغ رسالة الرب إلى أهلها وملكها "آمن شعب نينوى بالرب، وأعلنوا الصيام وأرتدوا المسوح من كبيرهم إلى صغيرهم. ثم بلغ إنذار النبي ملك نينوى، فقام عن عرشه وخلع عنه حلته، وأرتدى المسح  وجلس على الرماد. وإذاع في كل نينوى مرسموماً ورد فيه  "بأمر من الملك ونبلائه، يمتنع الناس عن الأكل والشرب وكذلك البهائم والغنم والبقر، لا ترع ولا تشرب ماء. وعلى جميع الناس والبهائم أن يرتدوا المسوح، متضرعين إلى الله تائبين عن طرقهم الشريرة وعما أرتكبوه من ظلم، لعل الرب يرجع فيعدل عن أحتدام سخطه فلا نهلك... فلما رأى الله أعمالهم وتوبتهم عن طرقهم الآثمة عدل عن العقاب الذي كان ممعاً أن يوقعه بهم وعفا عنهم" (يونان 3-5/10) وهكذا كان خلاص المدينة العظيمة وشعبها.

هكذا تورد قصة طوفان نينوى في العهد القديم من الكتاب المقدس وخلاصها وشعبها من الدمار بعد صيامهم وتذرعهم إليه وتبين بأن ربنا كان رحيماً ورؤفاً مع الشعب الآشوري وملكه وكثير الإحسان فلم ينتقم منهم من جراء أثمهم بل رجع عن عقابهم بعد توبتهم. لا بل وتؤكد هذه القصة بأن عبادة الله الواحد ومخافته والتضرع إليه وطلباً للغفران والتوبة لم تكن حكراً على اليهود وحدهم في تلك الأزمة، بل شملت الشعوب الأخرى ومنها الشعب الآشوري، وهي القصة التي آمن بها الشعب الآشوري حتى بعد سقوط كيانه السياسي الآمبراطوري وإعتناقهم المسيحية حيث كان للكتاب المقدس وتأثيره في أحياء ذكرياتهم القومية التاريخية عن بلادهم ومدنهم وملوكهم وقعاً كبيراً  عليهم خاصة عن سحر وعظمة نينوى التي شكلت محور أساطير العهد القديم بما فيها قصة قدوم النبي يونان إليها وخشوع ملكها لإرادة الرب. وبسبب إرتباط تاريخ الآشوريين وكنيستهم بالمآسي والفواجع والتشرد وخضوعهم لشتى أنواع الإضطهاد، أرتبط هذا الطقس، أي الصوم للخلاص من الفواجع والكوارث، بهم طيلة تاريخهم الطويل وتتابعوا على ممارسته حتى إنتظامه سنوياً في العصور الحديثة بشكل ثابت ومستقر وأدرج في التقويم الكنسي لكنيسة المشرق وأعتبر من المناسبات الدينية المهمة للصيام والتضرع إلى الرب خالق الجميع. وصحيح القول بأن كان هناك شعوب وكنائس أخرى كانت تلتزم بهذا الصوم الرباني، مثل الأقباط، إلا أنه أصبح من ممارسات الماضي والمنسية ولم تعد لها أي وجود في طقوسهم الكنسية على العكس أتباع كنيسة المشرق الذين ألتزموا بهذا الصوم طيلة قرون طويلة لأنه كان جزء من تاريخهم القومي والديني.

هذا من الناحية التوراتية لقصة طوفان نينوى ولكن من الناحية الموضوعية والأركيولوجية لها آمر آخر مختلف بعض الشيء. فعندما تمت الإكتشافات الآثارية في المدن الآشورية في القرنين الماضين، أماطت اللثام عن بعض الغموض الذي كان يكتنف تاريخ الشعب الآشوري وأمبراطوريته فتم كشف جوانب من أسرار وإلتباسات بعض الوقائع التاريخية، فتأكدت بعضها التي دونت في التوراة ونفت أحداثاً آخرى بل وتناقضت مع بعضها الآخر. وبقد تعلق الأمر بقصة مجئ النبي يونان إلى المدينة العظيمة نينوى وتبليغ رسالة الرب إلى الآشوريين وتحذيرهم من دمارها فإن الآثار والرقم الطينية والإسطوانات الكتابية المكتشفة في خرائب نينوى وغيرها من المدن الآشورية والتي تعد أكثر تفصيلاً وتدويناً للأحداث التاريخية ووقائعها من أي آثار أخرى مكتشفة في بلاد ما بين النهرين وهي التي كانت مصدراً لنشؤ علم الآشوريات، خاصة علاقة الآشوريين وملوكهم باليهود وأنبيائهم، لا تحمل أي إشارة إلى النبي يونان وقدومه إلى نينوى لتبليغ قضاء الرب في تدميرها. بل على النقيض من ذلك، نرى أن فترة حكم الملك سنحاريب أتصفت، إلى جانب التفاصيل الدقيقة عن الحروب التي شنها ضد اليهود وغيرهم من الأقوام، بإنجازات كبيرة وأعمال ضخمة في البناء والتعمير خصوصاً في مجال الري وتنظيم السقي والسيطرة على المياة وخزنها وتوزيعها عن طريق بناء سدود وإنشاء أنظمة ري تعتبر إنجازاً عظيماً في سياقها الزمني. وهناك الكثير من الشواهد على هذه السدود والأنظمة التي لازالت بقاياها قائمة حتى اليوم في شمال العراق. أن أمر هذه الأنظمة في السيطرة على المياه وتنظيمها كان مطلوباً وضرورياً في بلاد آشور لأن الأنهار والجدوال كانت كثيرا ما تفيض في نهاية الشتاء وبداية الربيع وتشح ويجف بعضها في منتصف الصيف وبداية الخريف، مما يوحي بأن الفياضانات كانت عاملاً حاسماً في تهديد إستقرار الأوضاع الإقتصادية والسياسية في بلاد آشور. وتؤيد التواريخ الإغريقية بأن سقوط نينوى عام 612 ق.م. بيد الغزاة لم يكن ممكناً دون فيضان هائج دمر أسوارها العظيمة وهذا ما تأكد أيضا في التوراة حين أشارة إلى طوفان طام يخفي معالم نينوى (ناحوم: 1-8).

ذكرت في كتابي المعنون (الآشوريون في السياسية والتاريخ المعاصر – من منشورات إتحاد الأندية الآشورية في السويد – 1997 ص219 وما بعدها) عن قصة طوفان نينوى وصوم أهلها مايلي: تخبرنا المنحوتات الجدارية والإسطوانات الكتابية المكتشفة في قصر الملك سنحاريب في مدينة نينوى بأنه قام بأعمال بناء ضخمة جداً لضمان قصره والمدينة من الفيضانات التي كان يسببها نهر الخوصر أو "خو أصر" ويعني باللغة البابلية/الآشورية والسريانية عشرة أضعاف، مما يدل على أن هذا الرافد الذي كان يجتاز أسوار نينوى ويصب في نهر دجلة كان يفيض في مواسم الفيضانات أكثر من حجمه الطبيعي بعشرة أضعاف ويسبب أضراراً جسيمة للبلاد ويتلف محاصيلها الزراعية كما يسبب المجاعات وإنتشار الأمراض والأوبئة وبالتالي يهدد الأمن السياسي والإستقرار الإجتماعي نتيجة هذه الأضرار والفواجع. ففي مثل هذه الظروف المأساوية من الطبيعي جداً  أن يلجأ الناس إلى الصلوات والصوم والتذرع إلى الرب لتخليصهم من المأساة والفواجع التي تصيبهم ونحن جميعاً شاهدنا في عصرنا الحالي دعوات رجال الدين لأتباعهم  للصلاة والصوم لتخليصهم من مثل هذه المصائب خاصة أوقات الحروب والأزمات. وشخصيا كنت في الموصل في شهر نيسان من عام 1981 وشاهدت الفيضان الهادر لنهر الخوصر يمر من جانب أسوار بقايا مدينة نينوى يغطي الجسر الذي يربط بين طرفي النهر تجرف مياهه الطينة أوساخ وقاذورات وأنقاض وأغصان أشجار وحتى بقايا حطام لسيارات وعربات متكسرة والناس على طرفي النهر متخوفين من الأضرار التي سيسببه هذا الفيضان على بيوتهم ومزارعهم وبالتالي إرتفاع أسعار المحاصل الزراعية وتكلفة المعيشة والذي كان حديث الساعة في تلك الأيام. وعلى هذا الأساس قد تكون قصة النبي يونان ومجيئه إلى نينوى لتبليغها قضاء الرب في تدميرها متوافقة ومتزامنة مع فيضان وإعصار عصف بنينوى ومن ثم الجهود العظيمة التي بذلها الملك في السيطرة عليه ومعالجة نتائجه المدمرة، وبعد ذلك تم تدوينها في التوراة بما يتوافق مع المنهج التوراتي في تدوين الأحداث ومع التقليد اليهودي في تفسير الظواهر التاريخية.

على العموم مهما كان تفسير طوفان نينوى بجانبيه الديني والأركيولوجي فأنه كان بفعل عوامل طبيعية خارقة وخارجة عن إرادة الإنسان ولكن طيلة تاريخ هذه المنطقة عصفت بها طوفانات ومن نوع آخر كانت بفعل عوامل بشرية تمثلت في غزوات وتدمير أركان حضارة هذه المنطقة. واليوم عوضاً عن الزبالة والأنقاض والأوساخ والقاذورات وبقايا سيارات متكسرة التي جرفها نهر الخوصر لهذه المدينة العظيمة وسهلها الفسيح فأن وحوش داعش تجرف لهذه المنطقة أوساخ وقاذورات من نوع آخر لايمكن أن توصف بأنها من فعل إنسان في الألفية الثالثة بل هي من قبل مجموعات خارجة عن حاضر هذا العالم لا تعرف من رحمة الله وسماحته شيئاً. وإذا كان طوفان نينوى الأول موسمياً وبفعل ذوبان ثلوج جبال آشور وفيضان أنهار البلاد فأن الأمر هو كذلك مع الطوفان الثاني حيث من المؤكد سيكون موسمياً فبمجرد أن تشرق شمس الصيف الحارة سيحترقون بنيران جهنم الذي سيرسلها الله عليهم ويزيحهم من صدور شعبنا في سهل نينوى كما فعل الله في قضاءه لعوامل الطوفان الأول لأجدادهم قبل ألاف السنين.

وإذا كان الملك العظيم سنحاريب قد تواضع جداً وخضغ لإرادة الله وقام عن عرشه وخلع عنه حلته، وأرتدى المسح وجلس على الرماد يطلب من الرب الغفران ليخلص مدينته وشعبه من كوارث وفواجع الطوفان ويأمر شعبه بالصوم والصلاة، أفهل سيفعل حكام البلاد اليوم نفس ما فعله هذا الملك العظيم ويقومون من عرشهم الطاووسي ويركعون أمام الرب يطلبون الغفران عن الذنوب والجرائم والسرقات التي أرتكبوها بحق شعبهم ويتوحدون لكي يتخلصون من مأساة وفواج الطوفان الثاني. فداعش وطوفانها ما هي إلا نتيجة أثم وخطايا حكام البلاد ولا يتم الخلاص منها إلا بطلب الغفران ليس من الله وحده فحسب بل من الشعب الذي سرقوا منه كل شيء حتى رزقه اليومي. وبينما كنت أكتب هذه التمنيات "البريئة" لشعبي المتألم في وطنه التاريخي قفز إلى رأسي دستور العراق لعام 2005 وإلى ديباجته التي لا تعترف أطلاقاً بمثل هذه المعجزات في خلاص الشعب من كل الطوفانات التي أجتاحت بلاد ما بين النهرين وإلى إنتمائها لتاريخ العراق العظيم خاصة ما يخص شعبنا الأصيل وتواصل وجوده لقرون طويلة في موطنه التاريخي، فأين هذا الدستور وأصحابه من الفواجع والطوفانات التي دمرت الحضارة البابلية والأشورية والكلدانية والسريانية والأرامية وهو أمر لا أراه غريباً إطلاقاً لأنهم ليسوا من أحفاد بناة هذه الحضارات العظيمة بل هم غرباء عنها وعن أرض بلاد ما بين النهرين في مقارنتهم مع شعبها الأصيل من المسيحيين الكلدان السريان الآشوريين. فإذا كان الأمر هكذا مع هؤلاء الحكام الكارتونيين فكيف الأمر مع زعماء أمتنا وممثلي شعبنا في البرلمان والحكومة وهم يصرحون ليل نهار بأنهم أحفاد حمورابي وآشور بانيبال ونبوخذنصر وغيرهم من العظماء؟؟ أفهل هم قادرون على تقليد جدهم الأكبر سنحاريب في التواضع وقيامهم عن عرشهم المخملي ونزولهم من كراسيهم المهلهة إلى أرض الواقع متكاتفين بعضهم بالبعض متضرعين إلى الرب لكي يخلص شعبنا من فواجع الطوفان الثاني ؟؟. لقد كان سنحاريب ملكاً محارباً وقويا وشديد المراس ولكن في نفس الوقت كان مؤمناً بربنا الخالق وبقدراته الخارقة في تخليص شعبه من الفواجع والكوارث... فعلينا جميعاً، وفي المقدمة زعماء أمتنا ورؤساء منظماتنا ومؤسساتنا القومية والدينية أن نتمثل بهذا الملك العظيم كسبيل للخلاص من الطوفان الثاني.   

 

21
لقاء هام وظرف صعب:
 البطريرك مار دنخا الرابع يستقبل الإعلامي ولسن يونان والكاتب أبرم شبيرا

==========================================
في لقاء خاص وإستثناني أستقبل صباح اليوم (الثلاثاء 05/08/2014)  قداسة مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية في العالم في مقر إقامته في شيكاغو – الولايات المتحدة الإمريكية كل من الكاتب أبرم شبيرا من لندن – المملكة المتحدة والإعلامي ولسن يونان من سدني – إستراليا. ففي هذا  الظرف الصعب جرى حديث مستفيض وتبادل الأراء حول ما يجري في وطننا الحبيب بيت نهرين – العراق وسوريا من أحداث مأساوية وتداعيات خطيرة أثرت وتؤثر على أبناء شعبنا الآشوري وعلى كل المسيحيين وعلى مستقبل كيانهم القومي والديني في أرض أباءهم وأجداهم. وفي ختام اللقاء تمنى قداسته مع الزائرين أن يكون شعبنا وتحديداً الأحزاب السياسية والمنظمات القومية وغيرها من المؤسسات المدنية والدينية أن يكونوا بمستوى الحدث خاصة في بلدان المهجروأن يتحملوا مسؤوليتهم تجاه أخوتهم في الوطن من حيث أبداء المساعدات المعنوية والمادية لهم للتخفيف من معاناتهم والصعوبات التي يواجهونها في أرض الوطن.

22

هل للمسيحيين في العراق أمان غير الحماية الدولية؟؟؟

أبرم شبيرا

فشلت كل المراهانات على أقامة نظام ديموقراطي تعددي في العراق يقر بحقوق جميع مكونات الشعب العراقي ومنهم شعبنا المسيحي من "الكلدان السريان الآشوريين" لا بل أنهارت دولة العراق تماماً فجاءت داعش لتدق المسمار الأخير في نعش هذه الدولة فتحطمت المقومات الأساسية المعروفة في علم السياسة التي تقوم الدولة عليها من شعب وأرض وحكومة وسيادة. فمهما حاولنا التعبير عن وطنيتنا وقوة إنتماؤنا للعراق وللشعب العراقي فأن هذا لا يكفي أبداً لتغطية أو أزالة التناقاضات الصارخة والصراعات المدمرة التي تفعل فعلها في العراقيين لتجعل منهم شعوب مختلفة متناقضة ومتصارعة إنتماؤها الأساسي لطائفتها أو شلتها وليس للوطن الواحد وبالتالي إختفاء صفة الشعب بالمعنى الإجتماعي والسياسي للعراق وتلاشي الحد الأدنى من المسؤولية تجاه المصلحة الوطنية العليا للعراق. أما الأرض كمقوم أساسي وموضوعي فلم يعد موجوداً في الواقع والحقيقة غير شكله الرسمي على الخارطة حيث أرض العراق مقسمة واقعياً وفعلياً إلى عدة أقسام وكل قسم يسيطر عليها فئة أو طائفة أو حركة معينة ومن يقول عكس هذا فهو يجانب الحقيقة والواقع. أما الحكومة، وإن كانت هناك حكومة نتحدث عنها، فإن أمرها عجيب وغريب. فليس عجز أو صعوبة البرلمان الحالي من إختيار رئيس لها ورئيس جمهورية ورئيس مجلس الوزراء عامل في تلاشي الحكومة بالمعنى المعروف لها بل أن خلال السنوات الأربع الماضية لم تكن هناك حكومة مكتملة الجواب، فطائفة معينة كانت ولازالت هي الحكومة بعينها خاصة وأن مناصب مهمة بالإضافة إلى رئاسة مجلس الوزاء كوزارة الدفاع والداخلية أحتكرت من قبل هذه الطائفة وحصرت في شخصية السيد نوري المالكي. أين السيادة في العراق؟؟؟ فإقليم كردستان أصبح من حيث الواقع دولة مستقلة بكل معنى الكلمة وإن لم يكن ذلك معلنا رسمياً. وعشائر المنطقة الغربية من العراق والقوى الإسلامية المتطرفة تسيطر على مناطق كثيرة وعلى محافظات ذات إغلبية سنية ثم جاءت داعش لتقطع أجزاء  واسعة من العراق وتحتل مدن كبيرة وأصبحت تهدد بغداد أيضا. من هذا المنطلق فالواقع يظهر بشكل جليً بأنه لم يعد هناك دولة العراق بالمعنى السياسي والقانوني المعروف بل أصبحت ساحة تناقضات عميقة وصراعات مستديمة ومنطقة نزاع غير محددة المعالم.

ضمن هذا الوضع المأساوي لدولة يتداعى أسسها وتنهار ولا تسطيع حكومتها من حماية نفسها فكيف تستطيع حماية الآخرين خاصة الذين يشكلون رقم صفر في حساباتها الطائفية ومصالحها السياسية كشعبنا المسيحي "الكلداني السرياني الآشوري" فالرهان الذي راهن عليه بعض من أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية على إقامة النظام الديموقراطي في العراق وشاركت مع القوى المتحكمة في مقدرات البلد وجلها طائفية وإسلامية متطرفة فشلت فشلاً ذريعاً ولم يعد هناك أي مبرر لإستمرار مشاركتها في النظام الفاسد المنهار خاصة وأنه لم يبقى هناك أي بريق أمل لأمان وإستقرار تستطيع هذه الدولة من توفيرها لرعاياها المسيحيين. هذا الواقع المؤلم والمأساوي أجبرنا أن نقول بأنه لم يبقى أي ضمان لإستمرار وجود شعبنا المسيحي في العراق إلا الحماية الدولية له. وقد يقول البعض، خاصة المتنفعين من مشاركتهم في السلطة بأن هذه الأحوال المأساوية تفعل فعلها المدمر في الكثير من العراقيين ومن مختلف الأديان والأطياف وليست حصراً على المسيحيين، فإذا كان هذا صحيحاً من حيث الواقع ولكن مخطئ من حيث النتيجة المترتبة على المسيحيين من جراء هذه المأساة، ليس بسبب كونهم أقلية وأضعف حلقة في سلسلة حلقات العراقيين فحسب وإنما هذه المأساة تهدد وجودهم التاريخي في بلاد النهرين وتقلعهم من جذورهم وتتركهم للرياح الصفراء التي تدفعهم نحو المجهول. لقد سبق وأن فصلنا في هذا الموضوع عدة مرات وفي مناسبات سابقة ولا نريد الإستزادة فيه لأن المنافع الناجمة من مشاركة بعض من أحزابنا في النظام المنهار أصبحت كشمع تسد آذانهم وعمامة تغلق عيونهم وتمنعهم من تبصر الواقع وفهمه.     

أن موضوع المنطقة الآمنة للمسيحيين في العراق وحمايتهم الدولية ليس بالأمر الجديد فله خلفيات تاريخية تمتد إلى المرحلة العثمانية ثم تأسيس كيان العراق السياسي ومنحه الإستقلال عام 1932 من قبل الدولة المنتدبة بريطانيا، خاصة فيما كان يعرف بالمسألة الآشورية في العراق والتسويات الدولية العديدة التي طرحت لحلها. ومن الملاحظ بأن مسألة الحماية الدولية للمسيحيين في العراق أو في الدول العربية والإسلامية أكتسبت منذ البداية حساسية مفطرة ولا زالت قائمة لحد هذا اليوم لأنها من جهة تفسر وكأنها تدخل من الدول الخارجية في الشؤون الداخلية للعراق وتعريض سيادتها وأمنها للخطر، كما أنها تاريخياً مرتبط بالمرحلة الإستعمارية وإستغلالها من قبل القوى العظمى لتحقيق مآربها السياسية والإقتصادية من جهة أخرى خاصة عندما نعرف بأن جميع هذه القوى العظمى كانت مسيحية فكان توفير الحماية للأقليات المسيحية أمراً يزيد حساسية وتعقيداً في حين مثل هذه الحساسية لا نجدها عندما تدخلت هذه القوى العظمى المسيحية لحماية الأقليات غير المسيحية كما كان الحال مع الكورد والأقليات المسلمة في يوغسلافيا السابقة. ومن خلال القراءة التاريخية لموضوع الحماية الدولية للمسيحيين في العراق، سواء بمجرد التصريح به أو محاولة تنفيذه،  نرى بأن نتائجه كانت سلبية  جداً على المسحيين في العراق لا بل يمكن القول بأنها كانت ضارة ومؤذية فتتركت إنطباعات خطيرة في الفكر العراقي السياسي وفي عقلية النخبة الحاكمة والقوى السياسية الأخرى تجاه المسيحيين في العراق وخاصة الآشوريين منهم فرسمت تجاهم سياسات قانونية وفكرية أثرت على وضعهم كمواطنين عراقيين فحرموا من حقوقهم الوطنية والقومية ولكن مهما كانت خطورة طلب الحماية الدولية للمسيحيين ونتائجها السلبية فأنها ليست بتلك الخطورة والمأساة التي يتعرض لها المسيحيون في العراق.

لقد كانت الحساسية السياسية والفكرية المفرطة تجاه موضوع الحماية الدولية للمسيحيين في العراق وتوفير منطقة آمنة لهم مدركة ومستوعبة من قبل تنظيمات وأحزاب أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" خاصة تلك المشاركة في العملية السياسية أو المتحالفة مع القوى السياسية الحاكمة سواء في المركز أو الإقليم لذلك نرى في معظمها كانت تتجنب أو تعارض مثل هذه الفكرة لا بل كانت ترفضها وتقاومها، والبعض منها كان يرفض حتى فكرة الحكم الذاتي أو الإدارة المحلية للمناطق التاريخية لأبناء شعبنا وذلك أما بأعتبارها فكرة غير منطقية لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع أو أن موضوع الحماية الدولية قد يثير ردود فعل سلبية تؤثرة على المشاركة في العملية السياسية ومن ثم فقدان الحضوة عند بعض القوى السياسية المتحكمة على أمور البلد وبالتالي فقدان المصالح التي تجنيها من المشاركة مع الأقوياء والمتنفذين. وكانت الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) بأعتبارها أكبر وأقوى الأحزاب السياسية لأبناء أمتنا المشاركة في العملية السياسية نموذجاً واضحاً في سياق رفض الحماية الدولية أو المنطقة الآمنة وحتى الحكم الذاتي.
إذا كانت مجزرة سيدة النجاة لم تترك ردود فعل لدى أحزابنا وتنظيماتنا السياسية والقومية غير ولادة عسيرة لتنظيم هزيل وهش وهو "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" فإن ما يجري على الساحة العراقية وأبطالها القوى الطائفية المتزمة وما صاحب ذلك من إكتساح داعش لأراضي واسعة من العراق وفي عرض دراماتيكي لا يصدقها أي عاقل في العالم  قد أثرت وبشكل مأساوي خطير وزادت من معاناة أبناء شعبنا وهزت كيانهم وقعلتهم من جذورهم ودفعتهم نحو المصير المجهول فأنه كان من المفترض أن يترك هذا الحدث المأساوي أثره الكبير والفاعل على أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية لا بل وحتى الدينية منها. غير أن الأمر غير ذلك فلم يخلق هذا الحدث المأساوي إلا إصدار بعض البيانات والتصريحات عن مدى خطورة هذا الحدث المأساوي ومن دون تحرك سياسي فاعل حتى يترك إنطباعاً إيجابياً لدى أبناء شعبنا المكتويين بنيران هذه الأحداث المأساوية. حسناً فعلت الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) عندما أصدرت لجنتها المركزية بتاريخ 27 حزيران 2014 بياناً عن الأوضاع العصيبة التي يمر بها العراق وعن تدارس الأوضاع السياسية والأمنية خاصة المحيطة بالمسيحيين وتحديداً في سهل نينوى وتأثيراتها على إستمرار بقاءهم وتحديداً الكلدان السريان الآشوريين في مناطقهم التاريخية. ولما كانت زوعا من أكبر التنظيمات القومية لأمتنا وذات خبرة ودراية في الأمور الوطنية والقومية وعملت وتعمل في ظروف قاسية وماحقة  إلا أنه من الملاحظ بأن هذا البيان ليس بالمستوى المطلوبة ويحقق الحد الأدنى من محاولة لمعالجة أو التصدي للوضع المأساوي المحيط بأبناء امتنا في الوطن، خاصة والوضع الحالي يزداد عنفاً ومأساوية. أن ماجاء في بيان زوعا أعلاه بخصوص دعوة القوى السياسية والوطنية والمجتمع الدولي بتحمل المسؤولية وجعل سهل نينوى منطقة آمنه أمر يثير نوع من الشفقة على تجاهل قيادة زوعا بقصد أو بدونه للوضع الراهن لهذه القوى السياسية بجميع أصنافها خاصة المتحكمة في مصير العراق التي لا ترى في المسيحيين "الكلدان السريان الآشوريين" إلا رقم صفر في حساباتها الإستراتيجية، فكيف تطلب زوعا الحياة من الميت ؟؟. كما أن مناشدة زوعا للمجتمع الدولي أمر يفتقد إلى المنطق والعقل، فهي لا تعدو إلا مناشدة في الهواء وعلى الورق لا تصل آذان الغير ما لم تكن هناك معرفة ودراية باللعبة السياسية الدولية التي تقوم على المصالح القومية  للدول خاصة القوية منها.

في الحقيقة يؤسفي جداً لا بل يولمني أيضا أن أرى حركة قومية سياسية كبيرة لشعبنا لازالت غير مدركة للكثير من الأمور والقوانين والتشريعات الدولية التي تدعم مطالبنا المشروعة. ففي بيانها المذكور توجه زوعا دعوتها إلى القوى السياسية والوطنية والمجتمع الدولي بتحمل مسؤولياتها  طبقاً للأعلان العالمي لحقوق الشعوب الأصلية الصادرة من الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2007 من غير أن تدرك بأنه لا يحق لهذه الجمعية إصدار تشريعات ملزمة للدول الأعضاء بل هي مجرد توصيات أو مناشدات إخلاقية مثالية لا تقوى أمام مصالح الدول الخاصة. والأنكى من هذا فأن هذا الأعلان تحديداً، الذي هو حاصل تحصيل لسلسلة من البيانات والأعلانات للجمعية العامة بخصوص الشعوب الأصلية، لايخص أو ينطبق على شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" لأن المقصود بالشعوب الأصلية هي تلك المجموعات البشرية التي تعيش في ظروفها الدموغرافية والأنثروبوليجية الخاصة بها والشبه المعزولة عن العالم الخارجي وعن تأثيرات المدنية والحضارة الصناعية كقبائل الأمازون في أميركا الجنوبية وهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وسكان أستراليا الأصلية (الأبريجونيون) ونيوزلندا والجزر المحيطة بهما وبعض القبائل في دول جنوب شرقي قارة آسيا. لذلك نرى بأن دول مثل أميركا وكندا وإستراليا وبعض دول جنوب شرق آسيا يرفضون على الدوام الأعلانات والبيانات الخاصة بالشعوب الأصلية ولا يصوتون عليها كما فعلوا ورفضوا التصويت على الأعلان أعلاه. في حين هناك العشرات من القوانين الدولية والإعلانات الخاصة بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات القومية والدينية كان من الممكن جداً الإستزادة منها والإشارة إليها في موضوع الحماية الدولية للمسيحيين في العراق ولكن ما يزيدنا آسفاً وألماً هو أن معظم، أن لم يكن جميع، قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية تصد آذانها وتحجر عقولها ولا تريد أن تسمع أو تسفيد من خبرات أبناء أمتنا المختصين في مثل هذه المجالات ... لماذا؟؟؟ لأن ظاهرة التحزبية المقية التي تطغي على عقول الكثير من قادة أحزابنا تجعلهم أن ينظروا إلى أبناء أمتنا غير المنتمين إلى حزبهم أو المقربين إليهم أو المنتمين لعشيرة القائد بنظرة  شك وريبة عن كل ما يصدر عنهم حتى ولو كان لصالح الأمة ومسيرتها القومية.

على أية حال أننا لسنا بصدد إنتقاد أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية وأبناء أمتنا في الوطن يحترقون بنيران الأرهاب  فإيماننا قائم دائماً بأن بدون الأحزاب والنظيمات القومية لا يمكن أن يتم المطالبة بحقوق الأمة ونيلها. فالسياسة، خاصة السياسة الدولية، لاعبوها الأساسيين هم الأحزاب والتنظيمات وليس الأفراد, لذلك فالمسؤولية العليا فيما يخص وضع شعبنا في العراق تقع عليهم ويجب التحرك قبل أن يحترق وجودنا القومي والتاريخي في الوطن نهائياً ويتحول إلى رماد تتطايره الرياح الصفراء, والتحرك يجب أن لا يكون بالبيانات والإجتماعات بل بالأفعال المنطقية والجماعية والمجردة من الإنانية والتحزبية. أن ما يحيط بأبناء أمتنا في الوطن قد أزال كل المبررات والمخاوف التي كانت ترفض الحكم الذاتي أو تأسيس محافظة سهل نينوى أو الإدارة المحلية لمناطق شعبنا فالمبررات التي بررت هذه المخاوف أصبحت لا شي بالنسبة للمخاوف الناجمة من الأحداث المأساوية الأخيرة. كما أن الوضع المأساوي في العراق وتحديداً المحيط بأبناء شعبنا يفرض على أحزابنا وتنظيماتنا، بعد فقدان الثقة وإمكانية حماية الدولة لهم، اللجوء إلى منافذ أخرى طلباً للحماية والأمن والإستقرار، ولم يعد منفذ آخر إلا الحماية الدولية. هنا أود أن اشير إلى نقطة معينة وهي طرح بعض المعنيين من أحزابنا أو مفكرينا أو كتابنا موضوع ربط الحماية الدولية بمنطقة محددة لأبناء شعبنا وتوفير الحماية لها ويقولون بأنه لايمكن توفير الحماية الدولية مالم تكون هناك منطقة محددة وواضحة لأبناء أمتنا ويتساءلون كيف تتم الحماية الدولية وشعبنا مشتت في مناطق مختلفة ولايمكن القيام بفعل ميكانيكي بنقل جميع أبناء أمتنا في منطقة معينة وتوفير الحماية الدولية لهم لتكون منطقة آمنة. إذا كان مثل هذا الربط بين الأثنين منطقياً من حيث الواقع وأمنية يتمناه جميع أبناء شعبنا ولكن من الناحية الفعلية وتطبيق أو توفير الحماية الدولية ليس بالضرورة، خاصة في المرحلة الحالية وفي الوضع الديموغرافي لشعبنا أن يترابط الأثنين، أي المنطقة الآمنة والحماية الدولية. فإذا كان توفير الحماية الدولية لمنطقة آمنة يعطي إنطباعاً بأن توفير مثل هذه الحماية لا يتم إلا بالتدخل أو العمل العسكري، فأن مثل هذه الحماية الدولية يمكن توفيرها لشعبنا المبعثر في مناطق مختلفة بوسائل أخرى غير عسكرية وبوسائل الضغط سواء الإقتصادية أو الدبلوماسية أو ثقافية منها وهو الأمر الذي يجب التركيز عليه والعمل تجاهه من قبل أحزابنا وتنظيماتنا القومية. هناك حقيقة موضوعية ديموغرافية وسياسية لا يتجاهلها إلا الأعمى والغبي وهي أن معظم مناطق شعبنا التاريخية تقع في منطقة إقليم كردستان وأن حكومة الأقليم والقوى السياسية المتنفذة توفر الحد الأدنى من الديموقراطية والحرية لشعبنا ولأحزابه السياسية وتنظيماته القومية لممارسة نشاطاتها وضمن توجهات علمانية غير متطرفة في مقارنتها مع القوى المتحكمة على السلطة في بغداد وهو أمر ضروري جداً ويجب أن يضع بنظر الإعتبار خاصة عند الحديث أو المطالبة بالحماية الدولية لشعبنا. فالمنطق والواقع يفرضان أن تكون مثل هذه الحماية من خلال أو التنسيق مع حكومة إقليم كردستان التي وفرت الكثير من الوسائل في حماية شعبنا من إضطهاد الغير له. أن مجرد طرح هذا الموضوع، أي العمل مع أو التنسيق مع حكومة الإقليم في توفير الحماية لشعبنا، سيقفز فوراً على ساحة الأنترنيت بعض من أبطالها الكارتونيين ويبدأون بسرد صفحات التاريخ الأسود للعلاقة الكوردية المسيحية متغافلين بأن الوضع الحالي والمصلحة القومية لشعبنا ولضمان مصيره في مناطقه التاريخية يمحو وبقوة كل صفحات هذا التاريخ ويفتح صفحات جديدة ومثمرة لكل أبناء المنطقة. قرأنا الكثير عن جرائم بدرخان وسمكو الشيكاكي وغيرهم وعن التجاوزات على مناطقنا في الأقليم ولكن لواقع اليوم ضرورياته لا يفسح المجال إطلاقاً للتذكير بالماضي الأليم لأن ما يفرزه الواقع  الحالي من مأساة وفواجع مؤثرة على أبناء شعبنا في العراق يلزمنا إعطاء الأولية لمصلحة شعبنا ولمستقبله وهو الأمر الحاسم والمهم الذي يجب أن يكون في قمة جدول الأوليات لأحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية. لقد قال السياسي الإنكليزي المخضرم ونستون تشرشل، بأنه ليس هناك صديق دائم أو عدو دائم  بل مصلحة دائمة، فهل يتعض أحزابنا السياسية من مثل هذه المقولات في السياسة التي تأكدت على الواقع وعلى الساحة السياسية الدولية؟

على العموم وحتى نختصر في هذا الموضوع الشائك والمثير للحساسية، نقول: على أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية أن تتحرك فوراً ووفق المعطيات الموجودة على واقع الحال لشعبنا ولعموم العراق وأن تفهم بأن الحماية الدولية لا يمكن توفيرها ما لم تكون مبررة بشكل منطقي ومدركة بشكل واضح من قبل الدول المعنية بتوفير هذه الحماية وأن يكون لها مصلحة في ذلك سواء أكانت مصلحة سياسية أم إقتصادية أم معنوية أخلاقية متعلقة بأمر حماية الأقليات وحقوق الإنسان. كما يجب أن تدرك أحزابنا السياسية وتفهم بأنه لا فعل مؤثر للأفراد في هذه العملية أو إنفراد حزب واحد بهذه المهمة فالأمر يتطلب عمل جماعي يكون له وقعاً مؤثراً على الدول أو المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بهذا الشأن. هنا أطرح شخصياً أربعة مرتكزات أساسية كخارطة طريق يسير عليها أحزابنا السياسية لتحقيق الحد الأدنى من هذه المهمة:1.   كيف ستصدق الدول والمنظمات المعنية بتوفير الحماية الدولية مطلب شعبنا في توفير هذه الحماية  و"ممثلي" أمتنا يشاركون النظام الفاسد والمساهم سواء بقصد أو بإهمال في معاناة شعبنا؟؟ ... كيف ستقتنع هذه الدول والمنظمات بجدية صراخ أبناء أمتنا من جراء المعاناة المأساوية التي يعانونها و"وزيرنا المسيحي" يقف مباشرة خلف رئيس مجلس الوزراء مسانداً له اثناء خطابه المتلفز الملئ بالحقد والكراهية والطائفية؟؟ وحتى نستطيع أن نخلق قناعة عند هذه الدول والمنظمات بجدية معاناة شعبنا ومطلبه في الحماية الدولية، على "ممثلي" أمتنا في البرلمان والحكومة تقديم إستقالتهم فوراً إحتجاجاً على عجز العراق بحكومتها وبرلمانها في توفير الحماية لأبناء شعبنا، حينذاك سيتوفر أساس منطقي لمطلبنا في الحماية الدولية وسيكون عاملاً مساعداً لهذه الدول والمنظمات في فهم معاناة شعبنا في العراق. وهو موضوع سبق وأن تطرقنا إليه في مناسبات عديدة ولكن المبررات التي قيلت في حينها عن ضرورة البقاء مشاركين في أجهزة الدولة العراقية كوسيلة ضامنة لتحقيق حقوق شعبنا في العراق قد أضمحلت ولم يعد لها وجود بعد أن أنهارت الدولة ولم يعد لحكومتها وبرلمانها سطلة للتحكم في إستقرار وضمان الأمن وتحقيق حقوق شعبنا في العراق.2.   على أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية خاصة المنضوية تحت المظلة المخرومة لـ "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" أن تعمل لإخراج هذا الكيان المريض من غرفة الإنعاش المركز وأن ترسم له خطة لتفعيله بشكل أكثر جدية فاتحة الأبواب لغيرهم من الأحزاب والتنظيمات للإنظمام إليه أو العمل سوية وأن يتحركوا من خلال الفسحة الديموقراطية المتوفرة في إقليم كردستان وأن يفتح باب الحوار مع حكومتها والأحزاب المتنفذة حول ضرورة توفير الحماية المطلوبة، الدولية والأقليمية، لأبناء شعبنا ليس في الأقليم فحسب بل أيضا في المناطق الأخرى المتاخمة لحدود إقليم كردستان خاصة المتنازع عليها.3.   في ظل الظروف المأساوية الراهنة لأبناء شعبنا في الوطن، لم يعد للتسمية القومية المركبة أو المنفردة أية أهمية في تقرير مصير شعبنا وإنفاذه أو التخفيف من معاناته، فكفانا مهزلة وسخرية في الإصرار على تسمية معينة وشعبنا يحترق بنيران الحقد والكراهية والتطرف. لا شك فيه أن طرح مسألة الحماية الدولية لشعبنا ونحن متفرقين وغير متفقين على مسائل ثانوية جداً في مقارنتها مع الوضع المأساوي الحالي لشعبنا أمر غير مفهوم ولا مقبول عند الدول والمنظمات المعنية بالموضوع. لهذا فإن الوضع المأساوي والمطالبة بالحماية الدولية يفرض علينا أن نطرح مسألة التسمية جانباً وأن يتم التركيز على الحماية الدولية للمسيحيين في العراق فهذه التسمية ستكون أكثر أثارة وإهتماما للدول والمنظمات المعنية. فالحركات الدينية المتطرفة كداعش لا تعرف ولاتفهم من هو كلداني أو سرياني أو آشوري فكلهم كفرة وخنازير وقردة لا فرق عندهم... هذا الفكر الديني المتطرف هو نفسه الذي كان يتبناه العثمانيون أثناء مذابحهم ضد المسيحيين، فأثناء عمليات الحرب الكونية الأولى قال أحد المبشرين الغربيين لقائد عثماني الذي كان ينفذ المذابح بحق المسيحيين: لماذا تذبح الآشوريين وأن الفرمان يخص الأرمن فقط، فقال له "أنا لا أستطيع أن أفرق بين الروث الجاف والطري فكلاهما روث وسخ ورائحته كريهة". 4.   يبقى موضوع دور شعبنا في بلدان المهجر أمر مهم آخر في مسألة توفير الحماية الدولية لشعبنا في الوطن. فعلى منظمات شعبنا المدنية وحتى الدينية، وأقصد الكنائس، في المهجر أن تنهض وتقوم بدورها في أثارة الرأي العام في هذه الدول عن الأحوال المأساوية المفجعة لأبناء شعبنا في الوطن وأن يتم التنسيق بينها وبين أحزابنا ومنظماتنا في الوطن من أجل توحيد التوجهات والسياسات وتوجهها نحو تحقيق مطلب الحماية الدولية للمسيحيين في العراق.

وأخيرا قد تبدو هذه المرتكزات كنوع من الأحلام الوردية خاصة ونحن نعرف المستوى الواطئ لتضحيات وإستعدادات أحزابنا ومنظماتنا من أجل مصلحة الأمة ومحدودية قدرتها وفعلها في هذا المجال، ولكن شعورنا وإحساسنا بالوضع المأساوي لأبناء أمتنا في الوطن فرض علينا أن نحلم بأماني لها صفات الأحلام الوردية، أحلام يمكن تحقيقها ولو بحدها الأدنى لو توفر الإستعداد لدى أحزابنا للتنازل عن بعض الشيء عن حزبيتها وأن تمد يدها لتتكاتف بعضها بالعض، وهي مسؤولية كبيرة تقع في المقام الأول على جميع أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية... أنهي هذا الموضوع وأقول أن طرح الحماية الدولية للمسيحيين في العراق لم يكن وارداً لطرحه في السنوات التي خلت بسبب حساسيته المفرطة والمخاوف الناجمة عنه ولكن كل شيء أصبح واردا ومقبولاً في ضوء  معاناة شعبنا في أرض أبائه وأجداده. فالمنطق يقول طالما الحكومة المعنية في العراق لم تعد ها قادرة على توفير الحماية لمواطنيها فإذن من حقنا أن نطرق أبواب أخرى لتوفير الحماية لشعبنا في العراق كضمان لإستمرار وجوده في أرضه التاريخية.   
   

23
بمناسبة زيارة قداسة البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو لقداسة البطريرك مار دنخا الرابع
------------------------------------------------------

وحدة فروع كنيسة المشرق... بين الممكن وغير الممكن

أبرم شبيرا
أهمية للموضوع:
لاشك فيه بأن هناك مسائل تشكل قمة إهتمام أبناء أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" وتثير بشكل خاص أهتمام كتابها ومثقفيها وأحزابها السياسية ومنظماتها القومية لما لها من أهمية في تقرير مصير وجودنا الديني والقومي ومدى إستمراريته نحو المستقبل الغامض الذي يكتنف أمتنا من جميع الجوانب سواء في وطن الأم أم في المهجر، وليس هذا الإهتمام إلا إنعكاس لمدى أهمية هذه المسائل في تقرير هذا المصير، وتأتي مسألة وحدة فروع كنيستنا المشرقية، وتحديدا الكلدانية الكاثوليكية والمشرق الآشورية والسريانية بشقيها الأرثوذكسي والكاثوليكي  في قمة جدول الإهتمامات، وليس أدل على ذلك غير مشاهدة عدد القراء لمواضيع متعلقة بوحدة فروع كنيستنا المشرقية وبكلمات كبار رجالاتها ومؤمنيها. لم أتطرق هنا إلى فرع كنيسة المشرق: الكنيسة الشرقية الجاثيليقية القديمة لأنه ليس هناك أي إختلاف مبدئي وعقائدي وطقسي مع كنيسة المشرق الآشورية، فالخلاف هو إداري فقط يتمثل في رئاسة الكنيسة، خاصة بعد أن تم تسوية موضوع التقوم الكنسي وتوحيد تاريخ الإحتفال  بعيد الميلاد، إضافة إلى أن نشؤ هذا الفرع في بداية الستينيات من القرن الماضي لم يترك لحد هذا اليوم أية تداعيات على المستوى القومي والإجتماعي والتسموي أيضا، على أن هذا لا ينفي إطلاقاً وجود نزعات عشائرية وشخصية تعشعش خلف هذا الخلاف وإستمراره.  أكرر التأكيد هنا بأن تطرقنا إلى مثل هذا الموضوع الكنسي وإبراز أهميته لا علاقة له إطلاقاً بإيمان ومعتقدات وطقوس كل كنيسة، فأحترامها وسموها لدينا نحن العلمانين "الأقل إيماناً" نابع من الأهمية القصوى للكنيسة كمؤسسة تاريخية وحضارية وتراثية وإرتباط هذه المؤسسة إرتباطاً عضويا بالكيان القومي وإشتراكها بنفس مقومات الوجود وخضوعهما لفعل التأثير والتأثر بين الجانبين الكنسي والقومي في مجتمعنا منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا.     

وحدة الكنيسة وفنجان قهوة:
فإذا كان الأمر بهذه الأهمية، فأنه من دون شك أن يستغرب القارئ النبيل من عنوان هذه السطور عن حشر "فنجان قهوة" في موضوع مهم وحاسم في كنيستنا المشرقية وأمتنا مثل موضوع "وحدة فروع كنيسة المشرق. وقد يعتبره البعض نوع من المزحة أو الفكاهة ولكن الأمر  ليس كذلك إطلاقا ، بل لهذا "الحشر" جانبان: الأول: ظرفي; يعود إلى أواخر التسعينيات من القرن الماضي. ففي أحدى لقاءاتي مع قيادي وأعضاء المنظمة الأثورية الديموقراطية المناضلة، دار نقاش  حول مسألة وحدة فروع كنيستنا المشرقية خاصة بعد صدور االبيان المسيحاني في عام 1994 من قبل البابا الراحل (القديس) مار يوحنا بولس الثاني وقداسة الأب السامي مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية الذي أعتبر إيمان هذه الكنيسة إيماناً قويماً رسوليا صائباً وما أعقب ذلك من إتصالات وإجتماعات بين فروع كنيسة المشرق، الكلدانية والآشورية والسريانية الأرثوذكسية. وعندما سألتُ من قبل أحد المشاركين في الإجتماع عن السبل لهذه الوحدة فقلت على الفور "فنجان قهوة" فأثار ذلك أستغراب الحاضرين مما أستوجب توضيح ذلك، والذي هو الجانب الثاني من هذا "الحشر".

ثوابت مبدئية راسخة:
أن حشر "فنجان قهوة" في هذا الموضوع الحساس، والذي سنأتي على ذكره فيما بعد، هو موضوعي واقعي وفكري يتعلق قبل كل شيء بمعرفة طبيعة كل فرع من فروع كنيسة المشرق. فمن أبسط أبجديات المعرفة بحقيقة وطبيعة كل فرع هو أن هناك ثوابت مبدئية وتاريخية صلدة يصعب جداً أن لم يكن مستحيلاً تجاوزها أو المساس بها لأنها مرتبطة بكيان ووجود كل فرع من فروع كنيسة المشرق وبالتالي فأن أي تنازل أو المساس بها هو إخلال أو تهديد لوجود كل فرع، وهي الثوابت التي جعلت من كل فرع أن يتشكل هيكلها وشؤون إدارتها ككنيسة مستقلة بحد ذاتها ومعروفة بأسمها المتداول كنسياً وشعبياً ورسمياً.

 إبتداءاً، فالكنيسة الكلدانية الكاثوليكية هي كنيسة جامعة في شركة إيمان وترابط إداري ومسلكي مع الكنيسة الكاثوليكية في روما ولا يمكن بأي حال من الأحوال التنازل أو الإنقطاع عن هذا الإتحاد لأن أي مساس به سوف يفقد طبيعتها الكاثوليكية وبالتالي تفقد أس الأساس الذي قامت عليه. فتاريخ هذه الكنيسة يبين أفعال وإجراءات مستمية قام بها بعض من أباءها للحفاظ والبقاء في شركة مع الفاتيكان لأنهم كانوا، ولايزال أباء الكنيسة في هذه الأيام، يدركون بأن وجود الكنيسة وطبيعتها الإيمانية والإدارية مرتبط بهذا الإتحاد. ولتأكيد هذه الحقيقة نرى بأنه منذ البداية وتحديداً منذ أن أرسل الأساقفة الثلاثة مار يوحنان سولاقا عام 1553 إلى روما لم يكن القصد جحد إيمانهم المشرقي "النسطوري" بل ظلوا هؤلاء مؤمنين ومخلصين لعقيدتهم وهذا واضح من الكتاب الذي أرسلوه مع مار يوحنان سولاقا إلى بابا روما عندما يقولون في مقدمته "نحن خدامك النساطرة الشرقيين" فبقت هذه الكنيسة كنيسة أباؤهم وأجدادهم كما يصفها نيافة المطران مار سرهد جمو، بل كان القصد إدارياً وتنظيمياً وتعبيرا عن رفض نظام التوريث في كنيسة المشرق وحصر سدة البطريركية للكنيسة  بعائلة أبونا الألقوشية. وهذا ما يؤكده بالتفصيل فطاحلة الكنيسة الكلدانية أمثال الأب الراحل يوسف حبي والمطران مار سرهد جمو (للإستزادة: أنظر بحث الأب الدكتور سرهد جمو بعنوان كنيسة المشرق بين شطريها – مجلة بين النهرين – 90/96 (24) 1996، ص181 – ص 203). هذا الإرتباط الإداري والتنظيمي بقى جزء مهم جداً من كينونة الكنيسة الكلدانية ولحد هذا اليوم ولا يمكن التنازل أو المساس به. غير أن الأمر لم يستمر هكذا بالنسبة للإيمان المشرقي "النسطوري"، بل خلال القرون الخمسة الماضية تم لتنتة (من اللاتين) الكنيسة الكلدانية وأبتعدت عن "النسطورية" وأضحت هذه الأخيرة كنيسة هرطقية مرفوضة من قبلها.
 
أما الكنيسة السريانية الآرثذوكسية فإيمانها القويم والأساسي هو ضمن إيمان الكنائس المعروفة بـعائلة "الكنائس الشرقية الآرثوذكسية" أو اللاخلقدونية التي رفضت مجمع خلقدونيا (عام 451) ومنها الكنيسة القطبية الأرثذوكسية والأرمنية الآرثوذكسية والحبشية أيضا، وهي الكنائس التي كانت تعرف بـ "المونوفزتية" القائلة بطبيعة واحدة للمسيح، وموقفها معادي جداً لكنيسة المشرق الآشورية التي عرفت نكاية بها بـ "النسطورية" معروف وواضح لدرجة وقفت هذه العائلة الكنسية الأرثوذكسية وبقيادة الأقباط موقفا صارماً ورافضاً لقبول كنيسة المشرق الآشورية عضواً في مجمع كنائس الشرق الأوسط مالم تجحد هذه الكنيسة التعاليم النسطورية وتعلنها كهرطقة دينية، لا بل وصل الأمر إلى أن يعلن المرحوم البابا شنودا، البابا السابق للكنيسة القبطية الأرثوذكسية،  بأن الجنة محرمة على الآشوريين وسوف لا يدخلونها أبداً   رغم أن أكبر وأعظم مرجعي ديني في عالم اليوم، الفاتيكان، كان قد أقر عن أصالة إيمان هذه الكنيسة.

أما كنيسة المشرق الآشورية، وأن كانت منذ بداية إنتشار المسيحية في القرون الأولى مستقلة بشكل أو بآخر وطبقاً للأوضاع السياسية المتذبذبة بين الأمبراطورتين الفارسية والرومانية البيزنطينية غير أنها أضحت مستقلة تماماً إدارياً وسلطوياً منذ بداية القرن الرابع وتحديدا في عهد البطريرك مار داديشو عن الكنيسة الغربية، فبقت هي الكنيسة الوحيدة في التاريخ والعالم مستقلة لحد هذا اليوم بإدارتها وسلطتها وبإيمانها المشرقي القائم على طقس مار أدي ومار ماري وبعض من التعاليم التي تتشابه مع تعاليم نسطورس ومعلمه تيادورس المصيصي، كما أصبحت الكنيسة الوحيدة غير المرتبطة أو المتشاركة مع بقية الكنائس ضمن المجموعة العائلية للكنائس المعروفة كما هو الحال مع الكنيسة الكلدانية ضمن عائلة الكنائس الكاثوليكية الشرقية والكنيسة السريانية الأرثذوكسية ضمن عائلة الكنائس الأرثذوكسية الشرقية. ومن الواضح عن هذه الكنيسة بأنها ليست معروفة بإيمانها المشرقي فحسب بل إنه طيلة تاريخها الطويل تأثرت بكثير من التقاليد والعادات والمماسات التي تعود إلى عهود ما قبل المسيحية مستمدة من حضارة بلاد مابين النهرين خاصة من الحضارة  البابلية الآشورية التي توافقت وأنسجمعت مع معتقدها الإيماني وأصبحت جزء من الممارسات الكنسية. زد على ذلك فإن أباء ورعية هذه الكنيسة تأثروا بالإفكار القومية وبمبادئ التحرر القومي منذ نشؤها وقدومها من أوربا إلى موطنها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين إلى درجة أصبح بطريركها زعيماً دينياً وقومياً لأبناء شعبه فتطبعت بالمقومات القومية الآشورية إلى درجة إكتسابها الصفة الرسمية الآشورية لتسميتها منذ منتصف الستينيات في إيران ثم في منتصف السبعينيات في العراق من القرن الماضي وإن كان مثل هذه التسمية القومية للكنيسة لها بدايات منذ منتصف القرن السادس عشر عندما دخلوا بعض من مؤمنيها في إتحاد وشركة مع الفاتيكان كما يذكر ذلك نيافة المطران مار سرهد جمو في بحثه المنوه عنه في أعلاه.

هل وحدة فروع الكنيسة ممكنة؟:
من الملخص أعلاه، نرى بأن كل فرع أو كنيسة من الكنائس الثلاث لها أسس راسخة وثابتة لايمكن تجاوزها أو حتى التفكير في التنازل عنها أو المساومة عليها لأنها كما سبق وأن ذكرنا تشكل أساس كيانها ووجودها. وعندما نتكلم عن الوحدة فلا معنى لها سواء إندماج أثنين أو أكثر في كيان واحد، أي إندماج الفروع الثلاثة في كنيسة واحدة وأي تفسير آخر للوحدة سوف يشذ لا بل لا يعكس مضمون هذه الكلمة في الإندماج، وهو الأمل الذي يتأمله معظم أبناء شعبنا المنتمين إلى هذه الكنائس الثلاث خاصة عندما تكون هناك تصريحات أو كتابات أو مراسلات أو لقاءات بين كبار رجال هذه الكنائس وتتحدث كثيراً عن هذه الوحدة. ولكن ماهو مضمون هذه الوحدة التي لم تحدد أبداً، خاصة بالنسبة للكنيستين الكلدانية والآشورية، هل هي إنضمام كنيسة المشرق الآشورية إلى الكرسي البابوي وفقدان إستقلاليتها وبالتالي تطابق مصدر الإنتماء لكلا الكنيستين وتحقيق الوحدة. أم هذه الوحدة هي تخلي الكنيسة الكلدانية عن إنتماءها إلى الكرسي البابوي ومن ثم توحدها مع كنيسة المشرق الآشورية؟. وطبقاً للحواجز المبدئية والعقائدية والتاريخية التي ذكرناها يبدوا بأن أمر مثل هذه الوحدة غير ممكن في الوقت الحالي ولا في المستقبل المنظور. ففي الوقت الذي كانت التحضيرات تتهيأ للقاء ومناقشة مسألة الوحدة بين الكنيستين نرى بأن الكنيسة الكلدانية في مجمعها السينودي في بيروت في شهر آذار من عام 1997 تقر وبشكل واضح وصريح بأنها لن تتخلى عن إنتماءها للكرسي الفاتيكاني. وبالمقابل، وبعد شهرين من الزمن، تبعه قرار كنيسة المشرق الآشورية في مجمعها السينودي المنعقد في شهر حزيران عام 1997 الذي أكد على تمسك الكنيسة بإستقلاليتها عن أي كرسي آخر. وهناك شواهد تاريخية ومحاولات سابقة تؤكد عدم إمكانية تحقيق الوحدة بين الكنيستين طالما تمسك كل واحد منهما بالأساس الجوهري لقيامها، ونذكر منها مايلي:

بمجرد صدور البيان المسيحاني لعام 1994 من قبل الفاتيكان وكنيسة المشرق الآشورية المنوه عنه أعلاه، أنبعث الضوء الأخضر للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية فبدأت الزيارات وأنطلقت اللقاءات والإجتماعات بين هذه الكنيسة وكنيسة المشرق الآشورية فكانت البداية الأولى لتنقية الأجواء وفتح القلوب، فبادرت كنيسة المشرق الآشورية بتقليم وتهذيب طقسها بحيث تم  إزالة الدخيل وكل رواسب الماضي وتحديثه بما يتلائم مع العصر الحديث ومن دون المساس بالأساسيات والمبادئ العقائدية المعروفة وبدأت بأرسال أبناء الرعية إلى كلية بابل التابعة للكنيسة الكلدانية في بغداد وإلى الفاتيكان للدارسة والتخرج منها ككهنة أو أساقفة. أما بالنسبة للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، فهي الأخرى بدأت بالنظر والإقتراب أكثر فأكثر من طقس وتقاليد كنيسة المشرق والإشتقاق من تاريخها الكثير من الممارسات العقائدية وأعتمادها رسمياً بحيث توقفت عن إطلاق على  تعاليم كنيسة المشرق الآشورية كتعاليم هرطقية، لا بل العكس من ذلك حيث بدأ فطاحل هذه الكنيسة بالبحث العميق والدراسات المستفيضة في تاريخ كنيسة المشرق فأضحى لهذه الكنيسة إمتدادات تاريخية تبدأ من القرون الأولى للكنيسة في بلاد مابين النهرين وليس من تاريخ إتحادها مع الفاتيكان في منتصف القرن السادس عشر الميلادي فأصبح التصريح في كون الكنيسة "النسطورية" كنيسة الأباء والأجداد أمراً مألوفاً عند البحث في تاريخ الكنيسة الكلدانية. ومما ساعد على ذلك وجود "فرسان" وحدة الكنيستين: المثلث الرحمات مار روفائيل الأول بيداويد البطريرك الأسبق للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وقداسة أبينا السامي مار دنخا الرابع بطريريك كنيسة المشرق الآشورية فتوالت اللقاءات والمراسلات  بينهما وكان أكثرها أثارة وإهتماماً اللقاءات والقداديس التي أقيمت مشتركة بينهما سواء في الوطن أم في الولايات المتحدة الأمريكية. ومن حضر أو شاهد شريط الفيديو لحفلة إستقبال المثلث الرحمات مار روفائيل الأول بيداويد التي أقامتها كنيسة المشرق الآشورية في شيكاغوا في تسعينيات القرن الماضي لأستنتج على الفور بأن الوحدة بين الكنيستين لا محال منها فقد أصبحت قاب قوسين خاصة ما أثاره خطاب المثلث الرحمات مار روفائيل بيداويد في الوحدة من حماس وإنفعال الحاضرين لدرجة أصبحوا لدقائق واقفين يصفقون ويهتفون إستبشاراً بهذه الوحدة الكنسية الوشيكة التحقيق.
 
 وفي بيروت وتحديداً في اليومين 17 و 18 من شهر أيلول عام 1998 عقد قداستهما وعدد من مطارنة الكنيستين إجتماعاً مهما وفي أعقابه صدر البيان عنهما وأهم ماجاء فيه هو "أن هذا الإجتماع هو إستكمالا للحوار القائم من أجل الوحدة بين الكنيستين منذ سنوات... ثم يشكرون كل الذين عملوا لكي يتححق هذا الحلم الكبير في الوحدة الذي هو البدء جدًيا بإستعادة وحدة كنيستهما، كنيسة المشرق العريقة....  وتناولت المباحثات مفهوم الوحدة وتحديها كنسياً، والتركيز على ضرورة تحقيقها رغم كونها مسيرة ليست بالهينًة... فتدارسوا السبل الكفيلة للوصول إليها حثيثاً...لأنهما كنيسة واحدة في الأصل واللغة والتاريخ والثراث .." وكان من مقررات الإجتماع تشكيل أربع لجان عملية وهي 1 – لجنة التنشئة الكنسية، 2 – لجنة التعليم المسيحي، 3 – اللجنة الطقسية، 4 – اللجنة الرعوية ورسالة العلمانيين.... كما أقروا طبع كتب طقسية ووضع كتاب مشترك للتعليم المسيحي ... والبدء بمشروع موسوعة كنيسة المشرق للتعريف بتاريخ هذه الكنيسة وشخصياتها وأماكنها التراثية وآدابها وطقوسها وقوانينها، وإرساء حجر لموسسة تدعم مشاريع الكلدان والآثوريين المتعددة... وفي الختام ناشد المجتمعون مؤمني كنيستيهما وكل المحبين أن يضاعفوا الصلوات الحارة كي يتحقق تصميم الله ومشيئة المسيح فتكون هناك كنيسة واحدة تجمع بين الطرفين .... وتم التوقيع على البيان من قبل قداستي مار روفائيل الأول بيداويد بطريرك بابل على الكلدان و مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية. وعقب هذه اللقاءات تشكلت لجنان مشتركة للبحث في الخطوات العملية لتحقيق الوحدة بين الكنيستين.

لقد أسرفت بعض الشيء في ذكر بعض النقاط المهمة من هذا البيان الذي صدر بثلاث لغات، سريانية وإنكليزية وعربية  لأنه فعلاً وحقيقة كان من أهم الخطوات العملية والمنطقية التي أتخذت من قبل الكنيستين على طريق التقارب والتفاهم والوحدة، ولكن يظهر بأن صلاة المؤمين لم تكن شديدة الحرارة فأصطدمت كل هذه النيات الصافية والمخلصة لأباء الكنيستين بجدران وحواجز قوية غير قابلة للإختراق وتحقيق الوحدة وأهما مسألة الولاية والسلطة في الكنيسة الكلدانية وعلاقتها بإستقلالية كنيسة المشرق الآشورية. إلا أن هذا لا ينفي وجود أسباب أخرى في إنجماد هذه المباحثات واللجان العملية ولكن حتى لو كان بالإمكان تجاوزها ففي النهاية كان إصطدامها بالحواجز العقائدية الأساسية خاصة موضوع السلطة والولاية محتوماً. أتذكر بهذا الخصوص المقابلة التي أجراها موقع عنكاوه دوت كوم  في شهر تشرين الأول عام 2010 مع نيافة مارغريغوريوس يوحنا أبراهيم، مطروبوليت حلب للسريان الأرثوذكس (المخطوف منذ أكثر من  سنة مع نيافة المطران مار بولص اليازيجي مطران الروم الأرثوذكس في سوريا، نأمل من ربنا يسوع المسيح أن ينعمهم بالصبر والقوة وييسر أمر إطلاق سراحهم) بعد مشاركته في سينودس الأساقفة من أجل الشرق في الفاتيكان حيث كان قد قدم ثلاث إقتراحات ومنها كان مقترح فصل الشركة عن الولاية والسلطة حيث قال للبابا بندكتوس السادس: "ما هو المانع بأن أكون أنا السرياني الأرثوذكسي في شركة إيمان معك وأن لا تكون لك ولاية وسلطة عليً"، فكان جواب البابا "هذا أمر صعب جداً، ثم ضحك وضحكت معه، لأني أعلم بأن هذا الأمر يحتاج لجهود جبارة ليكون ضمن الأمور المقبولة" أي بهذا المعنى بأنه في الظرف الحالي والمستقبل المنظور لانرى أية خطوات يمكن أن تجعل مسألة الفصل بين الشركة في الإيمان ومسألة الولاية والسلطة من الأمور المقبولة.

أما بالنسبة للكنيسة السريانية الآرثوذكسية فعلى الرغم من كون إيمانها ولوتروجيتها الإنطاكي مختلف عن كنيسة المشرق الآشورية إلا أن الحس القومي المشترك والمرهف لبعض أباء ورعية هذه الكنيسة وللخلفية التاريخية في التعامل المشترك على المستوى القومي ومواجهة التحديات الخارجية جعل من كلا الكنيستين أن تبدأ بخطوات وإجتماعات لبحث مسألة التقارب والتفاهم بينهما فتشكلت بهذا الخصوص لجنة من المطارنة لكلا الكنيستين للبحث في هذه الأمور، خاصة اللقاءات والمباحثات التي تمت ضمن تجمعات (برو أوريانتل) في النمسا بين الكنائس التي تجمعهم التقليد السرياني. ففي الثاني من شهر أذار (مارس) عام 1998 عقد إجتماع بينهما في دير مار مارون في عناية بلبنان فتوصلوا بعد بحث مستفيض في المسائل  الكنسية واللاهوتية إلى توصيات مهمة، وبنظرتنا العلمانية كانت توصية تشجيع إستخدام اللغة السريانية/الأرامية في مختلف البرامج الأدبية والتعليمية من أهمها. وفي الختام تقرر رفع التوصيات للمصادقة عليها من قبل المجلس السينودي لكلا الكنيستين والذي كان من المؤمل أن يعقد في التاسع من شهر تشرين الأول 1988 في فينا – النمسا.

غير أنه لم يمضي أسبوع واحداً فقط ... أكرر مرة أخرى .. أسبوع واحد فقط، عن هذا الإجتماع حتى عقد بطاركة الكنائس الشرقية الأرثوذكسية الثلاث (القبطية والسريانية والأرمنية): البابا الراحل شنودا الثالث وقداسة الراحل مار أغناطيوس زكا الأول ومار أرام الأول، إجتماعا للفترة من 10-11 أذار (مارس) 1998 في دير بيشوي في وادي نطرون في مصر، فبعد تأكيدهم على إيمانهم القويم الأرثوذكسي وتعاليم قديسهم قورليس الذي وصف بالعظيم صدر عنهم مقررات عديدة منها التأكيد المطلق على رفض وإدانة كافة التعاليم "الهرطقية" لعدد من رجال الكنيسة ومفكريها ومنهم نسطورس فوصفوا أتباعه ومؤمنيه بالهرطوقين، وهي أشارة واضحة ومقصودة إلى كنيسة المشرق الأشورية ومؤمنيها. ليس هذا فحسب بل تقرروا أيضا بأنه لايمكن لأي كنيسة من كنائسهم الثلاث أن تقوم بمباحثات وأتصالات مع الكنائس الأخرى إلا بعد أن يتم البحث مثل هذه الأمور حصراً ضمن عائلة الكنائس الشرقية الآرثوذكسية وبموافقتهم، وهذا يبين ويقصد بكل وضوح الإجتماعات والمباحثات التي كانت تعقد بين الكنيستين السريانية الآرثوذكسية والمشرق الآشورية المنوه عنها في أعلاه مما حدا هذا الموقف بأن تتوقف نهائياً المباحثات بين هاتين الكنيستين. وأتذكر في حينها بعد هذا الإجتماع للكنائس الشرقية الأرثوذكسية كنت قد ألتقيت بمثلث الرحمات مار أسحاق ساكا مطربوليت الموصل وضواحيها للسريان الأرثوذكس فكان شديد الغضب ومحبطاً من نتائج هذا الإجتماع فقال نحن أبناء أمة واحدة (يقصد أبناء الكنيستين السريانية الأرثوذكسية والمشرق الآشورية) ولنا مقومات مشتركة من شعب ولغة وتاريخ وتراث وعادات ومصير واحد أما مع الأقباط  فلا يربطنا بهم غير العقيدة الدينية. وأضاف وقال "أعرف بأن هناك المئات أن لم تكن الألاف من الزيجات بين أبناء هاتين الكنيستين أما مع الأقباط  فلا أعلم فيما إذا كانت توجود زيجة واحدة بين أبناء كنيستنا والكنيسة القبطية". ومثل هذا الموقف الغاضب والمحبط كنا قد سمعناه من بعض أباء الكنيستين الكلدانية الكاثوليكية والسريانية الآرثوذكسية عندما أستخدم ممثلوا الكنيسة القبطية الفيتو ضد قبول كنيسة المشرق الآشورية عضواً في  مجمع كنائس الشرق الأوسط رغم إقرار جميع الكنائس الكاثوليكية خاصة بعد البيان المسيحاني المشترك لعام 1994 بأصالة ورسولية كنيسة المشرق الآشورية.

يجب عدم تضيع الممكن من أجل غير الممكن:
لو أمكن تجاوز الأمور والتعقيدات الشخصية والمخاوف من التأثيرات المعنوية على هيبة الكراسي الكنسية لوجدنا بأن هناك الكثير من الممكنات التي يسهل تحقيقها بين جميع فروع (كنائس) المشرق مهما كانت قوة وتأثير الحواجز الصلدة (غير الممكنات) التي ذكرناه في أعلاه. وأولها وأبسطها وأسهلها هو "فنجان قهوة"!! وما قصدته هنا هو أنه من الممكن جداً في كل سنة أن يجتمع قداسة بطاركة فروع كنيسة المشرق لمجرد اللقاء وإحتساء القهوة فقط من دون الدخول في أية مناقشات أو جدالات كنيسية ولاهوية في تحقيق الوحدة بينهما وتعميم مثل هذا الإجتماع في وسائل الأعلام العامة، والقصد من فنجان قهوة ليس بمعاناه المعروف بل أستخدمته كرمز للقاء والضيافة بين الناس. قد تبدو السذاجة في هذا الأمر ولكن من المؤكد بأن مثل هذا اللقاء البسيط والممكن جداً سيترك إنطباعاً إيجابياً مؤثراً وقوياً على نفسية رعية فروع كنيسة المشرق وعلى أبناء أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" أنطباعاً يعكس لقاء الأخوة في الإيمان والكنيسة والأمة. مثل هذا اللقاء وإيجابيته المؤثرة أفضل بكثير من الأحباطات التي يصاب بها أبناء الكنيسة والأمة من جراء الأحاديث والإجتماعات والمباحثات عن وحدة فروع الكنيسة ولكن من دون نتيجة تذكر مما يخلق نوع من اليأس وفقدان المصداقية حول أي محاولة نحو الوحدة. فلا سلطة ولا ولاية الفاتيكان ولا فيتو الأقباط ولا إستقلالية كنيسة المشرق الآشورية تكون حائلة أمام لقاء حول "فنجان قهوة" الأخوي اللا لاهوتي.

تمعنت النظر جيداً في البيان الختامي لإجتماع بيروت لشهر أيلول لعام 1998 بين الكنيستين الكلدانية الكاثوليكية والمشرق الآشورية فعلى الرغم من تأكيداتهم على وحدة الكنيستين التي قلنا عنها بأنها غير ممكنة إلا أنني وجدت فيه من كلمات وطموحات ممكنة جداً يمكن أن تتجاوز إجتماع "فنجان قهوة". لقد ذكر المجتمعون بأن التعددية ضرورة حياة وسمة حضارية، متحاشين التطابق الشكلي وساعون نحو وحدة الإيمان ومبادئ ومثل وقيم في التنوع الذي أصبح اليوم واقعاً بسبب إنتشار الآشوريين والكلدان في كل مكان... أن مثل هذه الأمور ممكنة جداً وبعيدة عن الحواجز المانعة للوحدة، فلماذا نضيع الوقت والجهد ونفقد المصداقية ونزرع أمال في نفوس أبناء أمتنا وهي بعيدة أو مستحيلة المنال من خلال اللهث والركض وراء غير الممكن ونترك الممكن، خاصة عندما نعرف بأن إيمان الكنيستين وطقسهما متطابق تقريباً ولا حدود بينهما إلا حد إداري ومن صنع الإنسان. أن هذا الممكن جداً نراه في سيماء أباؤنا القديسين مار دنخا الرابع ومار لويس روفائيل الأول ساكو وفي تطلعهم الشديد نحو التقارب والتفاهم وإزالت الحواجز بين الكنيستين خاصة عندما نعرف جميعاً بأن الهجرة تعصف بأبناء أمتنا عصفاً قويا نحو المجهول وتضع الكنيسة قبل الأمة في متاهات مجهولة لا تحمد عواقبها. ومن يدرك هذه الأمور ومصاعبها وتحدياتها الماحقة عليه أن يدرك بأن تجاوزها وحلها ليس بالأمر السهل بل يتطلبها جهود ضخمة وتضحيات من الجميع، كهنة وعلمانيون، وعبر مراحل زمنية قد تطويل وقد لا نحصد نحن في هذا العصر نتائجها بل يحصدها أبناؤنا وأحفادنا، فالمهم هو أن يبنى الأساس ومن ثم تأتي الأجيال القادمة لتشييد البناء. هناك نظرية فلسفية تقول "أن تراكم وإستمرار الكم سيؤدي بالنتيجة إلى تغيير في النوع، فلو إسترشدنا بهذه النظرية في القول بأن إستمرار وتراكم اللقاءات وبشكل منتظم وعبر مراحل زمنية  فأنه بالنتيجة والحتم ستؤدي إلى تغيير نوعي قد يتمثل في تغيير الأسس الصلدة المانعة للوحدة التي ذكرناها في أعلاه أو تعديلها أو تطبيعها لتستقر على الطريق المؤدي إلى وحدة الفرعين (الكنيستين)، لأنه (ليث طالن  خلاص إلا بخوياذا) – أي لا خلاص لنا إلا بالوحدة ... مقولة ذكرها مثلث الرحمات مار روفائيل الأول في اللقاء أعلاه. وأخيراً نسترشد بقول ربنا يسوع المسيح "طوبى لفاعلي السلام فإنهم أبناء الله يدعون (متي 5/9). والسلام هو مفاتح الوحدة. وإيماننا قوي بقداسة بطاركتنا الأجلاء بأنهم يملكون مفاتيح السلام وهم اللذين يستطيعون صنع السلام والوحدة وما علينا نحن العلمانيين إلا أن نتبعهم، ومن لا يتبع السلام وصانعيه فهو الشيطان بعينه.


24
لا يا سعدي ... يا أبن عنكاوه ... لا
====================
أبرم شبيرا
لا يا سعدي ... لا ... لم يكن الوقت مناسباٌ لكي تغادرنا وأنت في قمة نشاطك المعهود به.. لا يا سعدي ... لا لا.. فالسنين القادمة كانت أمامك  والمزيد من العطاء المبدع كان بإنتظارك لتخرجها إلى النور ليعزز طريقنا نحن الذين زاملناك منذ زمن طويل... الزمن الذي بدأ في بداية السبعينيات من القرن الماضي في النادي الثقافي الآشوري.. الزمن الذي لم يكن قد غزا الشيب شعر رأسنا فكنا في قمة النشاط الشبابي أنت ومن معك من الماركسيين والشيوعيين من جهة اليسار والبعثيين من جهة اليمين ونحن اللذين كنا معروفين بـ "القوميين المستقلين" في الوسط. تارة يحتدم النقاش مع هذه الجهة وتارة أخرى مع الجهة الأخرى... فإذا كان النقاش مع البعثيين يشوبه الكثير من التذبذب والمواجهة والتحدي، فالنقاش معكم كان فكرياً جدلياً وموضوعياً رغم أن العاطفة القومية كانت ديدننا الأول والأخير في مواجهة الأفكار الماركسية والشيوعية ولكن النتيجة كانت في صالحنا جميعاً... في تطوير أفكارنا ومناهجنا القومية السياسية في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ العراق المعاصر لأننا كنًا نتعلم منكم ومن رفاقك الشيوعيين الذين كانوا من خيرة مثقفي وسياسي أمتنا في تلك المرحلة نتعلم منهم أمور كثيرة في الفكر وأساليب العمل السياسي وضمن أجواء محمومة بالكبت والقهر الفكري، فكانت لجنة أصدقاء الأدب الآشوري في النادي من الأطر الأدبية والفكرية الرائعة التي عملت أنت ورفاقك من خلالها في أعلاء شأن هذا النادي وريادته في مسيرة تطوير الأدب والثقافة الآشورية.

صورة تعود لنهاية عام 1970 مستلة من كتابي (النادي الثقافي الآشوري – 1970 -198 – مسيرة تحديات وإنجازات) ويظهر في الصورة المرحوم سعدي المالح في  الأول من اليمين وهو لا يزال في ريعان شبابه ولكن بنشاط محموم ومبدع منذ تلك الفترة يشارك كبار الأدباء والمثقفين من أبناء أمتنا.
=======================================================================
عندما أستبد نظام البعث العراقي بسلطته وبدأ بمطاردة المعارضين له من السياسين والمثقفين والأدباء أرتحل سعدي وأختفى كبقية زملاءه وشخصياً لم أعد أسمع عنه شيئاً غير أنه غادر إلى الإتحاد السوفياتي للدراسة والحصول على شهادة الدكتوراه في الأدب المقارن ومن ثم سمعنا بأنه بعد سنوات وتخرجه من الجامعة  بدأ العمل كأستاذ لللغة العربية وآدبها في أحدى الجامعات الليبية، هكذا بدأ الترحال به بين دول العالم متنقلاً بين لبنان وكنداً حتى أستقر به المقام في مدينة مونتريال في كندا ومن هناك بدأ بإصدار جريدة المرآة الآسبوعية للجالية العراقية والعربية فكانت ذات شهرة واسعة بين هذه الجاليات شكلت مصدر رزق له في حياة الغربة الصعبة.
عاد الزمن دورته لنلتقي مرة أخرى في بيروت حيث تليقنا دعوة من الدكتور عماد شمعون رئيس الجبهة السريانية الثقافية في بيروت لحضور مؤتمره الثاني تحت عنوان (الآشورية، حضار ولغة وهوية شعب) والذي عقد في الأول من شهر مايس عام 1998 وشارك إلى جانب سعدي وأنا العديد من المثقفين والمفكرين والكتاب منهم المرحوم هرمز أبونا وسعيد لحدو وكابي موشي (المعتقل حاليا من قبل النظام السوري) إضافة إلى مشاركة بعض رجال الدين منهم مثلث الرحمات مار نرسي دي باز مطربوليت كنيسة المشرق الأشورية،  فشارك سعدي ببحثه القيم (الجذور الآشورية للكلدان) وشاركت أنا بموضوع (فصل الكنيسة عن السياسة) وتكللت أيام المؤتمر بالعديد من الندوات واللقاءات والمحاضرات كانت في معظمها من تنظيم وإدارة بعض من قادة المنظمة الديموقراطية الآثورية اللذين حضروا إلى بيروت لحضور المؤتمر أو المشاركة فيه أو من قبل الجمعية الثقافية الآشورية في بيروت.
 

صور أثناء فترة الإستراحة لمؤتمر (الأشورية، حضارة ولغة وهوية شعب) في بيروت
==================================================

يظهر بأن الحظ كان إلى جانبنا أن نلتقي مرة ثانية وبعد بضعة أشهر في السويد حيث تلقينا دعوة للمشاركة في المؤتمر الأول لجمعية آشور في السويد الذي أنعقد للفترة من 24 – 30 تشرين الثاني 1998 إلى جانب عدد كبير من المثقفين والكتاب والشعراء والفنانين حيث أتحف سعدي الحاضرين للمؤتمر بمحاضرة تحت عنوان (مدخل إلى تاريخ عنكاوه وضواحيها في عهود قبل المسيحية) وشاركت أنا بمحاضرة (الزعامة القومية في المجتمع الآشوري) وكان إلى جانبنا من المشاركين كبار المثقفين والأدباء والشعراء والبعض منهم يظهر في الصورة أدناه:
من اليمين: الفنان المبدع سامي ياقو ثم الكاتب سليم مطر، أبرم شبيرا، البرفسور د. ميخائيل عبدالله، الأديب المعروف ميخائيل ممو، فالفنان المبدع شليمون بيت شموئيل، ثم د. سعدي المالح و د. محمد البندر.
======================================================================
عاد سعدي من مؤتمر آشور إلى مونتريال وهو مفعهم بالأفكار والمشاريع ومتأثراً بكل ما جمعه بأصدقاءه وكبار أدباء ومثقفي شعبنا فوجد في جريدته الأسبوعية المرآة لا تشفي غليل عطشه وحبه للعمل لهذه الأمة.. كيف يكون سعدي بعيداً عن أبناء أمته أمر لا يمكن تصوره ولايحتمله هو، لذا بدأت المشاعر القومية تدغدغ فؤاءه وتعشش أكثر فأكثر في عقله فلم يستقر به الأمر إلا أن يترك جريدة المرآة ويؤسس دار نينوى للطباعة والنشر في مدينة مونتريال فبدأ بأصدار مجلة فصلية بأسم عشتار كمجلة فصلية حضارية ثقافية فكانت بكل معنى الكلمة مجلة ذات مستوى راقي من حيث الشكل والطباعة ومحتوياتها والمساهمين فيها. فصدر العدد الأول في شتاء عام 1999 وأحتوت على مواضيع مهمة وقيمة جداً ولكتاب ومثقفين وأدباء وفنانيين معروفين. غير أن صدور مثل هذه المجلة الراقية والمكلفة من حيث تحريرها وطباعتها وتوزيعها أمر لم يكن من السهل لشخص واحد أن يتحمل عنانها خاصة في مجتمع كمجتمعنا المتخلف من حيث الوعي القومي وأدراكه لأهمية الصحف والمجلات والإعلام في تطوير ثقافته ووعيه القومي والسياسي فبدأت العثرات المالية تتصدى صدور المجلة وبشكل منتظم، كما هو الحال في تاريخ معظم الصحف والمجلات التي أصدرها أبناء أمتنا، لذا وجد صاحب هذه المجلة الراقية نفسه في نضال مستميت من أجل أن تبقى هذه المجلة في النور وتصل إلى أيادي أبناء أمتنا فبعد مشقة وتضحيات جمة صدر العدد الثاني والثالث – ربيع وشتاء عام 1999 مدموجاً فكان ذلك آخر المطاف لهذه المسيرة القصيرة لعشتار ولكن الصعبة والمثمرة جداً حيث جمعت بين كبار مثقفي وكتاب وشعراء وأدباء أمتنا قلما نجدهم أو وجدناهم في المجلات والصحف الآخرى. ونظرة بسيطة لغلاف وأسماء المشاركين فيها وفهرست المواضيع المنشورة في العدد الأول تعوض عن الشرح المطول وتؤكد ما ذهبنا إليه أعلاه في وصف المجلة في كونها راقية وعظيمة ومن جميع الجوانب.


 
 

وبهذا يكون سعدي قد سطر مرحلة عظيمة في تاريخ صحافتها وأن كانت قصيرة إلا أنها كانت نموذجاً رائعاً لمجلة لا نجد مثيلاتها في معظم الصحف التي تصدر باللغة العربية. ولكن مع الأسف الشديد وبسبب العجز المالي لم يستطيع سعدي متابعة المسيرة الصعبة. وفي أحدى إتصالاتنا الهاتفية علم سعدي بأنه تم نقل خدماتي في الشركة التي أعمل فيها في لندن إلى دبي فقال لي بأنه على وشك أن يغلق دار نينوى للطباعة والنشر ومجلة عشتار التي يصدرها لأنه أفلسته ولم يعد له مصدر رزق فأستغربت لهذا الخبر المحزن وعندما أستفسرت منه عن السبب فذكر كلمة لازالت محفورة في ذاكرتي فقال (هذا مصير الذي يعمل بإخلاص وتنفاني من أجل أمته) وطلب منيً أن أجد له عمل في الإمارات العربية يتلائم مع مؤهلاته فجاء الحظ مرة أخرى أمامنا ليلم شملنا في الإمارات حيث أبلغته بوجود وظيفة شاغرة كرئيس تحرير لمجلة شهرية معروفة فتقدم لها عبر الإنترنيت وتم مقابلته من خلالها فمن بين العشرات من المتقدمين إلى الوظيفة ومنهم كبار الصحفيين والأدباء العرب والأجانب تم إختيار سعدي وتعينه بمركز رئيس تحرير المجلة... هكذا مرة أخرى جنباً إلى جنب بدأنا مسيرة أخرى من الأفكار والنشاطات واللقاءات والزيارات... وأتذكر منها الزيارة التي قمنا بها إلى بيت الأستاذ عبد المجيد حسيب القيسي في أبو ظبي مؤلف الكتاب المشهور(التاريخ السياسي والعسكري للأثوريين في العراق) الذي طبع عدة مرات وكتبنًا عنه بعض التعليقات والردود. وسعدي مثله كمثلي كان يحب الإختلاط بأبناء أمته ويحضر مناسباتهم وأعيادهم فكنًا مع البعض نزور الأصدقاء وبعض من أبناء أمتنا المتواجدين في الأمارات أو نقوم برحلات بحرية أو صحراوية جعلتنا أن نقضي أيام ممتعة غير قابلة للنسيان...     

بعض الصور عن الزيارات للأصدقاء والسفرات خلال عام 2000
======================================
من الأخبار المثيرة التي كانت قد أثيرت إهتمامنا بشكل كبير في تلك الفترة هو نشر خبر في الصحف الإماراتيةعن إكتشاف أثار دير قديم لكنيسة المشرق في جزيرة صر بني ياس تابعة لإمارة أبو ظبي تبعد عن البر بحدود 7-10 كلم وعن مدينة دبي بحدود 400 كلم قيل بأن تاريخه يعود إلى نهاية القرن الثالث الميلادي، وفي أماكن أخرى قيل بأن تاريخ إنشاء الدير هو منتصف القرن السابع الميلادي وأنشأ من قبل الراهب يوحنان من رهبان هذه الكنيسة الذي قدم من جنوب بلاد مابين النهرين للتبشير بين صيادي الجزيرة. كان موضوع هذا الخبر هاجساً سيطر على عقلنا وشدً فينا رغب زيارة هذا الدير وبقينًا ننتظر الفرصة السانحة للقيام بهذه الزيارة حيث لم تكن مثل هذه الزيارة مسموحة لعامة الناس لأن الجزيرة كان محمية طبيعية وكانت جامعة نورويج البريطانية تقوم بالحفريات الأثارية في موقع الدير. في تلك الفترة أنعقد مؤتمر عن البيئة في أبو ظبي ودعي إليه الكثير من علماء البيئة والصحفيين ومنهم سعدي بأعتباره رئيس تحرير للمجلة وكان من ضمن برنامج المؤتمر زيارة هذه المحمية الطبيعية. خبر سار وعظيم جداً بلغني به سعدي وأدرج إسمي من ضمن الوفود الزائرة للجزيرة فكانت الزيارة يوماً رائعاً في مشاهدة المحمية غير أنها لم تكتمل بالكامل لأنه لم يسمح لنا بدخول موقع الدير غير أن نطل عليه من خلف السياج المحيط به. على العموم بعد عقد من الزمن وأكثر سنحت الفرصة لي مع بعض الآشوريين في الإمارات لزيارة موقع الدير ومعنا نيافة مار كوركيس صليوا مطربوليت كنيسة المشرق الأشورية في العراق.   

د. سعدي المالح  يناقش موضوع الدير القديم مع مسؤولة الملحقية الثقافية في السفارة الأمريكية في أبو ظبي والمستشارة الصحفية للسفارة المصرية في أبو ظبي أثناء الزيارة لمحمية جزيرة صر بني ياس في إمارة أبو ظبي.
=======================================================================
نشاطات وفعاليات سعدي خلال فترة تواجده في الإمارات كانت كثيرة ولم تقتصر على الصحافة فحسب بل شارك في الكثير من اللقاءات والندوات وألقى بعض المحاضرات ومن أههما المحاضرة التي ألقاءها في إتحاد الكتاب والأدباء في أبو ظبي في منتصف عام 2000  وحتى لا أطيل على القارئ الكريم من تكرار ما سبق وأن كتبنا عن هذه المحاضرة أقول بأن الصحف اليومية الكبرى في الإمارات نشرت خبر هذه المحاضرة ومنه نص ما نشرته جريدة الخليج اليومية.

أساطير كلكامش وتواريخ آشور وحكايات عنكاوا في محاضرة د. سعدي المالح
===========================================================
المثقف الملتزم الأصيل يبقى أصيلاً مهماً مهما تغيرت به الظروف المحيطة به، فهكذا هو حال بعض المثقفين الآشوريين الذين دفعتهم صعاب الحياة المعاصرة إلى الإنتقال من مكان إلى مكان ولكن ... نعم... ولكن مع ثبوت راسخ في القيم والمعتقدات والأفكار التي آمنوا بها وألتزموا بها في مناهجم الفكرية والعملية. فاذا كانت متطللات الخبز اليومي قد دفعت بعض المثقفين الآشوريين إلى العمل والإقامة في دولة الإمارات العربية المتحدة فإن هذا لم يحولهم إلى الابتعاد عن الساحة الثقافية والفكرية بل على العكس من ذلك ظلوا نشطين منتجين، ومن بين هؤلاء الكاتب والأديب الدكتور سعدي المالح .

ففي مساء يوم الإثنين المصادف 8/5/2000 نظم اتحاد الكتاب والادباء في أبو ظبي محاضرة للدكتور سعدي المالح تناول فيها تجربته الأدبية والظروف التي أثرت عليها من خلال معايشته لحياة الناس في قريته عنكاوا ومن ثم ترحاله عبر أقطار عديدة ومختلفة كما تضمنت المحاضرة قراءة لقصته الجديدة والتي تلتها قراءة نقدية أخرى لاستاذ النقد الادبي الدكتور سليمان قاصد، حضر الأمسية مجموعة من المهتمين بالأدب والثقافة كما حضرها عدد من المثقفين الآشوريين المتواجدين في دولة الإمارات العربية .

وقد تناول الصحف الرئيسية كالاتحاد والبيان والخليج هذا الحدث بالعرض والتحليل ولتعميم الفائدة نعيد ما نشرته جريدة الخليج اليومية بهذا الصدد .



بعد أقل من سنتين من العمل كرئيس لتحرير تلك الصحيفة ترك سعدي عمله وغادر إلى كنداً ليبدأ من هناك مشواراً آخر جديد يربطه بمدينته المفضلة بيروت فأصبح متنقلا بينها وبين مونتريال لوضع أسس جديد لكيان ثقافي وأدبي غير أن سقوط الصنم البعثي في العراق فتح الطريق أمامه ليعود إلى موطنه... إلى مسقط رأسه ليستمر من هناك مرة أخرى فواصل العمل حتى أستقر به المقام على موقع المدير العام للثقافة والفنون السريانية موقع مناسب لشخص مناسب غير أن المنية قطعت الطريق عنه ليكمل المسيرة فتركها من دون فارس يقودها نحو الأمام تاركاً لي شخصياً ذكريات جميلة وممتعة وربما بعضها مرة وخشنة ولكن كنًا قادرين على بلعها وهضمها من دون أن تؤثر على مسيرتنا الفكرية والثقافية... أتذكر بهذا الخصوص كنت أجادله عن لقبه (المالح) فكنت أقول له أما أحد أجدادك كان يعمل في جمع الملح وتجارتها أو كان أحد مستشاري الملك الآشوري في قلعة أربيل (قلا ليتا – التي جاء منها عائلة قليتا) وأن المالح مشتق من كلمة (مالوخا) أي المستشار بالسريانية وترجم خطاً إلى العربية بـ (المالح)  فكان يفضل التفسير الثاني على الأول وفي معظم الأحيان لم أكن أسميه بأسمه المعروف بل كنت أناديه أما (برت عنكاوه – أي أبن عنكاوه) أو (برت مالوخا ـ أي أبن المستشار) فكنا نضفي على مناقشتنا الجادة والمملة في بعض الأحيان نوع من المزحة والفكاهة لغرض تلطيف الأجواء بيننا.
هذا ما تسمح به هذه الصفحات القليلة للكتابة عن مسيرة الراحل عنا الدكتور سعدي المالح الطويلة ولكن رحيله لم يكن خاوياً بل ترك لنا أرثاً ضخماً وثميناً من الإنتاجات الأدبية والثقافية وكان الكثير في أنتظاره وهذا الذي جعلنا أن نصرخ عند سماع خبر وفاته أن نقول لا يا سعدي ... لا... فالوقت ليس مناسباً لرحيلك. رحمك الله وألهم عائلتك بالصبر والسلوان مفعمة برحمات ربنا يسوع المسيح.

25

المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري و الحركة الديموقراطية الآشورية
وجهة نظر مقارنة


أبرم شبيرا

كمراقب ومهتم بالشأن السياسي القومي لأمتنا "الكلدانية السريانية الاشورية" وبالنشطاء والفاعلين على الساحة القومية لايمكن أن نضع الأمور في نصابها الصحيح والمنطقي إلا أن نلتصق بالواقع ونكتشف منه، وبنظرة موضوعية لا إنحيازية، الحقائق كما هي لكي نمتلك الحد الأدنى من المنطق والقبول لوجهة نظر أو رأي في مسألة معينة خاصة المسألة القومية السياسية التي يحتدم فيها النقاشات والمناطحات الفكرية والتي بعضها تخرج عن أطارها العلمي وحتى الإخلاقي المعروف في تناول مثل هذه المسائل المهمة. خلال أيام القليلة الماضية أحتفل المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (المجلس) بالذكرى السابعة لتأسيسه، وشأن ونشاط هذا المجلس خلال هذه السنوات القليلة في حياته السياسية مسألة لا يمكن أن تمر على المهتم بالشأن السياسي القومي لأمتنا إلا أن يتفحصها وبنظرة موضوعية مهما كان موقفنا منه إيجابيا أو سلبياً فهذا شأن فكري ذاتي وشخصي أما الوقائع التي تدخل في الدائرة الموضوعية فهي خارج النطاق الذاتي والشخصي وبعيدة بمسافات متعدة بتعدد الأراء والأفكار عن البحث العلمي الواقعي والرصين.

تأسس المجلس قبل سبع سنوات، أي في عام 2007 وفي منطقة الحكم الذاتي لكردستان العراق ولهذا التاريخ وما قبله مدلولات وإستنتاجات منها أن هذا التاريخ هو بعد سقوط الصنم البعثي في عام 2003 وما لهذا السقوط من تداعيات وإفرازات على المتسوى السياسي. وما يهمنا نحن هو تأسيس العديد من الأحزاب السياسية وظهور منظمات بمختلف توجهاتها السياسية والإجتماعية والثقافية وحتى الطائفية والعشائرية ومنها المجلس وبالتالي هيمنة التخبط وضياع الفكر السياسي القومي الرصين في النزاعات التي نشبت بين هذه الهايكل الجديدة والقديمة من أجل إقتناء كرسي برلماني أو حكومي واللهث وراء المصلحة الذاتية والشخصية من دون أعتبار للمصلحة القومية التي يتطلبها حد أدنى من التفاهم والتعاون وربما التحالف لتحقيق مثل هذه المصلحة خاصة في الظروف المأساوية الحالية التي يمر بها أبناء شعبنا. الملاحظ أيضا بأن هذه الأحزاب والتنظيمات بما فيها المجلس قد تأسسوا  في منطقة الحكم الذاتي حيث وفرت السلطة فيها هامشاً ديموقراطياً أتاحت الفرص لتأسيس الأحزاب والتنظيمات أو تزايد نشاط غيرها المتواجدون على الساحة السياسية قبل هذا التاريخ.  والظاهر للعيان أنه تقريباً معظم اللذين أسسوا هذه الأحزاب والتنظيمات بعد عام 2003 لم يكونوا معرفين على الساحة السياسية القومية ولم تكن لهم تجارب في هذا الحقل أو لهم علاقات وطيدة بالأحزاب والتنظيمات القائمة قبل 2003 أن لم نقل بأنهم كانوا يعادون قيام الأحزاب في أمتنا سواء خوفاً من النظام البعثي أو جهلاً بأهمية الأحزاب في حياة كل أمة، لا بل وكان البعض من هؤلاء أعضاء في أحزاب سياسية عراقية كالحزب الشيوعي العراقي أو الديموقراطي الكردستاني (البارتي) وحتى حزب البعث العراقي أو بقوا يحملون الإنتماء المزدوج بين الحزبين بعد تأسيس أو الإنتماء إلى الحزب الجديد. الأهم من كل هذا وذاك الذي يشترك به معظم الأحزاب والتنظيمات التي تأسست بعد عام 2003 مع المجلس هو أن هذا الأخير ينفرد بصفة فريدة ونادرة هي أن تأسيسه جاء على يد أو بتوجهات أو بإدارة أو بمبادرة شخصية تحتل منصباً حزبياً ورسمياً رفيعاً وهو السيد سركيس أغاجان الذي كان كادراً متقدماً في البارتي ووزيرا للمالية ونائباً لرئيس الوزراء ومقرب إليه. وقد يشارك مع المجلس هذه الصفة والإزدواجية الحزب الديموقراطي الكلداني الذي أسسه السيد عبد الأحد أفرام وهو أيضا كان من كوادر البارتي المتقدمة إلا أنه لم يستطيع تحقيق أية خطوة على الساحة السياسية القومية بعكس الحال مع المجلس وربما يكون سبب إخفاق الحزب الديموقراطي الكلداني على الساحة السياسية هو تبنيه للتسمية الكلدانية المفردة بعكس الحال مع المجلس الذي تبنى التسمية المركبة التي كانت صالحة ومفيدة في منافسة زوعا وكسب شعبية على جميع المستويات الكلدانية والسريانية والاشورية، كما أن وجود منافس واحد وقوي وفاعل في مواجهة زوعا أحسن وأكثر عملياً من منافسين وتشتيت الجهود، خاصة بعد ترك قيادة زوعا لمنطقة الإقليم وتوجهها نحو بغداد ودخولها في تحالفات مع القوى السياسية الفاعلة هناك فكان هذا أمراً مطلوباً لملئ الفراغ النسبي الذي تركته زوعا في الأقليم، ولربما جاء تأسيس المجلس في سياق ملئ هذا الفراغ.

وعلى المستوى الرسمي، جاء المجلس من بين كل الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية التي تأسست بعد عام 2003  ليبرز كلاعب كبير ومتميز وفاعل على الساحة السياسية القومية في حين لم تستطيع بقية الأحزاب والتنظيمات من مجاراته حتى الأحزاب السياسية العتيدة التي تأسست قبل هذه التاريخ ولها تاريخ سياسي طويل مثل حزب بيث نهرين الديموقراطي (كبًا) والحزب الوطني الآشوري (أترنايا) بإستثناء الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) الذي نافسها نداً بند وعلى مختلف الأصعدة الرسمية والشعبية. ففي الوقت الذي كانت زوعا وحدها على الساحة القومية حصلت عام 1992 أربعة مقاعد من 5 مقاعد المخصصة للكوتا "المسيحية" في برلمان إقليم كردستان والمقعد الآخر أقتنص من قبل البارتي عبر وجه "مسيحي" مع حصول  زوعا أيضا على مقعد في الوزارة  في حين نرى بأنه أصبح لها في إنتخابات عام 2010 مقعدين ومن دون وزارة بعد أن حصل المجلس على ثلاث مقاعد مع منصب وزاري. وفي الإنتخابات البرلمانية لهذا العام 2014 لإقليم كردستان أحتفظت زوعا بالمقعدين مقابل المجلس الذي تقلص مقاعده من ثلاث إلى أثنين وحصول المنافس الجديد الآخر لزوعا: كتلة أبناء النهرين على المقعد الآخر من الكوتا. والمنافسة محتدمة ولم تحسم بعد على كرسي الوزارة في الكابينة الجديدة لأقليم كردستان.أستمرت هذه المنافسة بينهما حتى في  إنتخابات البرلمان المركزي في نهاية شهر نيسان الماضي 2014 حيث حصل كل منهما على مقعدين والمقعد الخامس من الكوتا حصل عليه الحزب الشيوعي العراقي عبر ممثله المسيحي. وكان المجلس قد دخل الساحة القومية منذ تأسيسه بمطالب وإنجازات تظهر في شكلها العام كمواجهة ومنافسة لزوعا.. جاءت قناة عشتار الفضائية للمجلس مقابل فضائية آشور لزوعا التي أنقطعت خلال فتراتها حتى أختفت بسبب ظروفها المالية كما قيل، وجاء مطلب المجلس للحكم الذاتي مقابل مطلب زوعا في الإدارة المحلية لسهل نينوى ثم جاءت التسمية الشاملة والمركبة لأسم المجلس مقابل التسمية المفردة لزوعا... وهكذا حتى تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية لم ينجو من هذا التنافس الذي شله تقريباً. ولو أخذنا الإنتخابات والفوز بالمقاعد في البرلمان كمعيار لقياس مدى قوة الحزب سنرى بأن هناك تنازلاً وتقلصاً في المواقع البرلمانية لزوعا من عام 1992 لغاية عام 2014 فمن اربعة مقاعد ثم إلى إثنان في الأقليم ومن ثلاثة مقاعد إلى أثنين في المركز وبقاء نفس الوجوه تقريباً وعلى نفس الخط التنازلي وهو الأمر الذي يستوجب على قيادة زوعا النظر فيه بجدية وضخ مسيرتها بدماء جديدة وإلا فالخط التنازلي سيستمر في الإنتخابات القادمة وسيصبح حالها كحال رجل متقاعد طاعن في السن لا يعمل شيء غير إستذكار أيام شبابه المفعمة بالحيوية.     

لو أي باحث في الشأن السياسي القومي حاول مقارنة هذا التنافس المتوازن والند بالند بين كل من المجلس وزوعا مع الواقع والخلفية التاريخية والسياسية لكل منهما لوقع في حيرة من أمره ولا يخرج منها إلا بفرضيات غير مؤكدة.  فزوعا تأسست عام 1977 وبفعل عناصر قومية شبابية ومثقفة معروفة ضمن تجمعات صغيرة وعبر مراحل لم تكن من السهل العبور من خلالها حتى تم ولادة تنظيم زوعا من مخاض صعب وعبر ظروف قاسية ونظام إستبدادي. كما أن زوعا شاركت في النضال السلبي والكفاح المسلح وتحالفت مع المعارضة العراقية بهدف إسقاط النظام البعثي في العراق وقدمت شهداء كثر وتخرج من مدرستنا كوادر سياسية مثقفة سواء بقوا منضمين إليها أو تركوها كما أن زوعا عقدت عدة مؤتمرات حزبية عامة تعتبر بكل المقايس العلمية المعروفة في دراسة الأحزاب السياسية مؤتمرات قياسية في تاريخنا القومي السياسي سواء من حيث التحضير لها وحضور المندوبين وتشكيل اللجان المختصة وأساليب إتخاذ القرارات وإنتخاب القيادات وتوزيع المسؤوليات. وأخيراً وليس آخراً لا أحد يستطيع أن ينكر بأن لزوعا الفضل الكبير في نشر الوعي القومي الصحيح بين أبناء أمتنا وأبراز قضيتنا القومية على الساحة السياسية الوطنية والعالمية وأعتبرها الكثير من المثقفين والكتاب ظاهرة حزبية فريدة من نوعها في تاريخنا السياسي المعاصر.

أما المجلس الذي يعتبر فتياً (7 سنوات) في مقارنته مع زوعا (35 سنة) فقد تأسس في ظروف مريحة وتحت ظل نظام سياسي يوفر هامشاً من الديموقراطية لتأسيس الأحزاب السياسية وممارسة نشاطاتها ولم يمر قبل تأسيسه الرسمي بمراحل صعبة مختلفة حتى يولد المجلس بل ولد بقرار قطعي وحاسم  أتخذه بعض الشخصيات وقد يكون مثل هذا القرار مبادرة مباشرة من السيد سركيس أغاجان أو بتوجهات من الجهة التي ينتمي إليها (البارتي) وهذا ليس مستبعداً لأنه لا يوجد في العالم كله حزب يسمح لأحد كوادره أن يقوم بتأسيس تنظيم أو حزب من دون حصول موافقة الحزب الذي ينتمي إليه ويستوجب أن يكون فكر هذا الحزب الجديد غير متجاوز لحدود أجندة الحزب الآخر السياسية والأيديولوجية وإلا فصل من حزبه الأصلي. من هذا المنطلق  يصبح المجلس موضوع شك وريبة عند البعض من منتقديه ومهاجميه على كونه من صنيعة البارتي وأداته السياسية في التعامل مع الشأن "الكلداني السرياني الآشوري". ويميل هذا الشك أكثر فأكثر نحو تأكيد تبعية المجلس للبارتي مستنداً على الأموال الضخمة جداً التي توفرت للمجلس وإستخدمها في نشاطه السياسي والقومي المنافس لزوعا مثل قيامه بخدمات كثيرة وضخمة كإعادة بناء القرى وتوفير الخدمات الطبية ومساندة المؤسسات الدينية والثقافية وإنشاء محطة تلفزيونية (فضائية عشتار) والتي تعتبر لحد هذا اليوم من أنشط وأنجح الفضائيات في مجتمعنا والجميع يعرف بأن لا أحد من مؤسسي المجلس ولا من مناصريه يملك الملايين من الدولارات لكي تكرس لخدمة المجلس لهذا السبب بقى مصدر هذه الأموال الضخمة مجهولاً لحد هذا اليوم رغم كون هناك إشارات وتلميحات بأن مصدرها هو البارتي، خاصة في فترة كون السيد سركيس أغاجان وزيرا للمالية والتي تقلصت هذه المبالغ بعد إنتهاء مهمته كوزير، أو هي من جمعيات خيرية عالمية خصصت هذه المبالغ لمساعدة المسيحيين في العراق، هذا الغموض جعل الشكوك حول تبعية المجلس للبارتي تقترب من الحقيقة.

مهما كان مصدر تأسيس المجلس وأمواله الضخمة فإن هذه الحقيقة الموضوعية للمجلس يجب أن لا تجعلنا أن نغض الطرف عن الجانب الآخر من الحقيقية الموضوعية، فالواقع الظاهر للعيان، أتفقنا معه أو لا فهذه ليست مشكلة الحقيقة الموضوعية بل مشكلة الشخص الناظر إليها، أن المجلس أستطاع خلال فترة قصيرة من عمره السياسي أن يكتسب شعبية واسعة في مجتمعنا وهي المصدر الذي أهلته أن يدخل الإنتخابات البرلمانية بقوة وكثافة ويفوز بمقاعد منافساً بذلك الحزب العتيد زوعا  فأنحصرت المنافسة بينهما وكأنما أصبحنا أمام نظام الحزبين المعروف في العالم. أستطاع المجلس أن يستغل الأموال الصخمة المتاحة له في كسب ود ورضى الكثير من كبار رجال الدين كما  أستطاع أن يستغل الأموال في تعمير بعض القرى "المسيحية" والتي عجز زوعا عن القيام بهذه المهمة فترك بذلك إنطباعاً قوياً لدى أبناء أمتنا بأن المجلس فعلاً يعمل من اجلهم ويحقق إنجازات على الأرض. ولكن بالمقابل يظهر بأن الأموال الطائلة التي صرف في تعمير هذه القرى لم تقم على جدوى إقتصادية ففائدتها كانت محدودة جداً، أما بسبب العدد القليل الذي سكنها أو هي بيوت لعطلة نهاية الأسبوع للبعض الآخر الذي يعيش في المدن الكبيرة لأن هذه البيوت تفتقر إلى البنية التحتية وإلى مصادر عيش ساكنيها. فكان من المفترض أن تقام في أول الأمر بنى تحتية وإنشاء مشاريع إقتصادية تكميلية للمحاصيل الزراعية التي تزرع في هذه القرى تكون مصدر عيش لسكانها وضمان لإستقرارهم فيها. ولكن يظهر بأن هذه الموضوع، تعمير القرى، كان لغرض بناء شعبية واسعة للمجلس والقيام بمهمة عجز منافسه زوعا القيام بها وقد نجح فيها تقريباً. وقد يكون أيضا لهذه البيوت غير العملية نية سياسية مبيتة لبيان بأن الكرد عامة والبارتي خاصة يعملون المستحيل من أجل المسيحيين في المنطقة يعمرون قراهم ويبنون لهم البيوت ولكن لا يسكنوها بشكل كامل  ليظهر مثل هذا الإدعاء كغطاء للتجاوزات الواسعة على أراضي المسيحيين وتبرير التغيير الديموغرافي لمناطقهم التاريخية.   

على العموم لقد سبق وقلنا بأن الأمة التي لايوجد فيها أحزاب سياسية وتنظيمات قومية نشطة وفاعلة ومخلصة ستصبح إرادة هذه الأمة مرهونة بإرادة الأمم الأخرى... والحق يقال بأن المجلس مع زوعا نشط وفعل على الساحة القومية إلا أن رغم كل التهم الموجهة إليه في تبعيته للبارتي  فأنه في الظاهر لم تثبت هذه التبعية من خلال ممارسته لعمله السياسي وقد يكون هناك نوع من التعاون والتكامل مع البارتي، كما يفعل زوعا مع غيرها من القوى السياسية العراقية وهو أمر طبيعي في الحياة الحزبية من أجل تحقيق مصلحة معينة إلا أن هذا لا يكفي لإثبات تهمة التبعية. فعلى سبيل المثال لا الحصر لقد سمعنا وقرأنا بأن ممثلا المجلس في البرلمان المركزي المنتهي ولايته كانا قد غادرا جلسات المجلس عند طرح الموازنة العامة للمناقشة، وبرر المجلس غيابهما في كونهما في مهمة رسمية أو في إجازة،  فتعرض المجلس إلى إنتقادات شديدة من قبل البعض واصفين أياه بالتبعية للبارتي معتمدين على مغادرة أو غياب ممثلي الكتلة الكردستانية لهذه الجلسات لأن هذه الموازنة لم تكن منصفة لإقليم كردستان. ولكن بالمقابل كلنا نعلم بأن غالبية أبناء أمتنا موطنهم هو في هذا الإقليم إذن بعبارة أخرى كانت الموازنة غير منصفة بحق أبناء أمتنا أيضا ومن غادر جلسات البرلمان أو رفض الموازنة كان تصرفاً صحيحاً من منظور المصلحة العامة لأمتنا أما من نظر إلى هذا التصرف كأنه فعل خاطئ وأستخدم غياب ممثلا المجلس عن الجلسات لأقامة تهمة تبعية المجلس للبارتي فأنه، مع الأسف، نظر إليه من منظار ضيق شخصي أو حزبي، وهو نفس الأمر الذي ينطبق على زوعا عند تحالفه مع القوى الشيعية أو غيرهم فيما إذا كانت مصلحة أمتنا من وراء هذا التحالف. في إنتخابات شهر نيسان الماضي، وضمن كراسي الكوتا "المسيحية" فاز المجلس بمقعد أربيل – عاصمة إقليم كردستان – وفازت زوعا بمقعد بغداد – عاصمة العراق -  افهل يمكن أن نفسر هذا الفوز بتبعية المجلس إو تحالفه مع الكورد والبارتي وكذلك بتبعية أو تحالف زوعا مع القوى الشيعية وعلى رأسها نوري المالكي؟؟.. ربما!!     

هناك نقطة مهمة جديرة بالمقارنة السياسية والحزبية بين المجلس وزوعا منظوراً إلى هيكلهم التنظيمي. فالمجلس يشبه كثيراً الأحزاب المعروفة بالهيكلية، أي التي لا تنشط إلا في وقت الإنتخابات والمناسبات العامة، فطبيعة هيكلها التنظيمي بعدم وجود خلايا وتنظيمات منتشرة في جميع أمكان تواجد أبناء شعبنا سواء في الوطن أم في المهجر تجعله أن لا ينشط جماهيريا وعلى الدوام غير وجود له فرع هنا وهناك. فحين على العكس من هذا فتظهر زوعا كحزب سياسي متكامل من جميع الجوانب التنظيمية إبتداءاً من لجنته المركزية وسكرتيرها العام إلى أصغر خلية أو منظمة أو فرع إضافة إلى تنظيمات وهياكل أخرى منظمة إليه أو تابعة له من خارج هيكلها التنظيمي كالإتحادات النسائية والطلابية والشبابية والخيرية وغيرها. أما من حيث الرئاسة أو القيادة فالمجلس ينفرد بحالة فريدة من نوعها ليس في مجتمعنا ولا في العراق وربما ولا في العالم أيضا وهو أن هيئة رئاسته تتكون من ثلاثة أشخاص محددين بالتسميات الثلاث (كلداني وسرياني وآشوري) ويتناوب كل واحد منهم على رئاسة المجلس لمدة ثلاثة أشهر فهذا أمر رغم صفة القيادة الجماعية الظاهرة فيه إلا أنه غريب جداً حيث أن فترة الأشهر الثلاثة لا تكفي إطلاقاً لممارسة أمور القيادة وخوض التجارب وإكتساب خبرتها كما أن أمر إنتقال هذه الخبرة من أحدهم إلى الآخر خلال هذه الفترة القصيرة تكون غير مكتملة ولا يمكن ضمانها لإستمرار نفس السياسية والنهج في التعامل مع الجماهير أو مع غيره من القوى السياسية. هذه الصفة في القيادة الجماعية وبفترتها القصيرة ستحجب إمكانية بروز زعيم أو قائد متمكن وبارز في القيادة ومن جانب آخر تحجب بروز القائد الأوحد أو الزعيم الكاريزمي وبالتالي ظهور الدكتاتور. وإذا ذهبنا مجازاً مع الشكوك القائلة بأن المجلس مصنوع من قبل البارتي وأن السيد سركيس أغاجان هو المؤسس الحقيقي ووكيل البارتي لهذا المجلس فإذن من مصلحة البارتي أن لا يبرز في المجلس زعيم مقتدر ذات صفة كرازميتة آخر قد ينافس السيد سركيس أغاجان على زعامته، ولربما يقول البارتي """ كفانا شرور يونادم كنا"""  أو قد يكون هذا الأسلوب الجماعي كسلاح في يد البارتي والمجلس لمحاربة غريمه زوعا لبيان أن زعامة السكرتير العام لزوعا هي قيادة فردية دكتاتورية وأن للمجلس قيادة جماعية. بعكس الحال في زوعا حيث أن أسلوب إنتخاب السكرتير العام من قبل الهيئة العامة للمؤتمر يخلق زعيم كاريزمي ويظهر كانه القائد الأوحد لا بل قد تتمادى سطلته لتتجاوز وتصل حدود الديكتاتورية وهو الأمر الذي عفى عليه الزمان وطلبنا في مقترحاتنا لزوعا عدة مرات تغيير النظام الداخلي وجعل إنتخاب السكرتير العام من قبل اللجنة المركزية المنتخبة وليس من أعضاء المؤتمر العام ولدورات محدودة مقطوعة بفترات زمنية محددة يتم خلالها التناوب في القيادة من دون أزاحة المجربين والمقتدرين خارج دائرة القيادة. ولا أدري إذا كان يصح لنا أن نقول بأن فوز المجلس بمقعدين في الإنتخابات البرلمانية المركزية لهذا العام بشخصتين جديدتين لهم صفة أحترافية تكنوقراطية أكثر من كونهما سياسيين محنكين كما أن تغيير المجلس للممثليه في هياكل الدولة وبقاء زوعا محتفظاً بنفس الوجوه, وربما تبادل الأدوار على المستويات البرلمانية والوزارية ليبقى (نفس الطاس ونفس الحمام) أن يفهم في هذا السياق أي تناوب السلطة في المجلس وإستمرارها في زوعا. ويبقى إنعقاد المؤتمرات العامة للمجلس وزوعا موضوع آخر يستوجب المقارنة. فزوعا كحزب سياسي متكامل تكون معظم مؤتمراتها قائمة على حضور المندوبين والكوادر المتقدم وأعضاء اللجان العليا ولا يحضرها غيرهم ويستمر المؤتمر أكثر من يومين أو ثلاثة أو أربعة وتتم فيه إنتخاب أعضاء اللجان المختصة لتدارس مختلف المواضيع المطروحة في جدول المؤتمر ويتم التحضير له قبل فترة ليست بقصيرة. أما مؤتمرات المجلس، وهذا ما شاهدناه وسمعناه من غيرنا، بأنه لا ينعقد إلا ليوم أو يومين ويكون أشبه بمهرجان خطابي ويحضرها عدد من غير أعضاء المجلس سواء كضيوف أو مستشارين أو بعض الشخصيات المعروفة في المجتمع وهذا أمر لا نستغربه كثيرا لأن هذا الأسلوب يتناسب مع الطبيعة التنظيمية للمجلس.

وأخيراً أكتفي بهذا القدر وأخلص إلى أن أعيد وأكرر ما سبق ذكره بأن الغرض من هذه المقارنة ليس تفضيل هذا الحزب على ذاك وإنما هو إستبيان كينونتهم وطبيعتهم التنظيمية ونشاطهم السياسي ومنافستهم ضمن أطر معينة مقبولة التي يجب أن لا تتجاوز الحدود المعروفة في التعامل بين الأخوة والسائرين على نفس الطريق الذي هو حتما طريق شائك وصعب يستوجب التضمان والتعاون من أجل الوصول إلى الحد الأدنى من المصلحة القومية فإذا كنا فعلاً نحب أمتنا ومصلحتها العامة يجب أن نكترث لتنظيامتنا القومية والسياسية وحتى الدينية لأن الغير لا يتعرف على أمتنا ولا يميز حقوقها المشروعة إلا من خلال هذه التنظيمات والأحزاب. من هذا المنطلق نرغب رغبة شديدة أن يكون لنا أحزاب سياسية نزيهة ومخلصة وتعمل من أجل هذه الأمة وليس من أجل مصلحتها الخاص. 


       


26
أين الفاتيكان والكاثوليكية العالمية من نكبة كنيستنا الكلدانية ؟؟؟
=============================================
أبرم شبيرا

جاءت صرخة أبينا السامي مار لويس روفائيل الأول ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في وصفه لأوضاع الكنيسة المأساوية بـ "النكبة" والناجمة عن تناقص أعداد المؤمنين في موطنها الأصلي، بيت نهرين بسبب التهجير المفروض عليهم من الأوضاع المفجعة التي تحيط بهم من جميع الجهات وتدفعهم نحو ترك الوطن والهجرة إلى بلدان الإغتراب، جاءت هذه الصرخة المؤلمة والموجعة لتعكس المعاناة والمأساة المحيطة بهذه الكنيسة في وطنها التاريخي لتعبر وبعمق عن أصالة البطريرك وإلتصاقه بكنيسته وبأبناءها وبكل المعاناة والمشقات التي تواجهها ليتحملها ويستمر في تحملها ومن دون تردد أو تراجع... يذكرني هذا الموقف بالموقف الذي وقفه أحد أباء كنيستنا المشرقية عندما كانت المذابح تفعل فعلها في أبناءها في القرون المظلمة الماضية وطلبوا منه بعد فراغ كرسي البطريركية لعدة سنوات أن يتولى كرسي البطريركية فقال لهم "من يشتهي كرسي البطريريكة في هذا الزمان". نعم من يشتهي كرسي البطريركية في الظروف المأساوية المميتة المحيطة بالكنيسة وبعموم المسيحيين  في العراق غير الإنسان المؤمن والشجاع والنبيل.

أين الفاتيكان والكاثوليكية العالمية من مأساة ونكبات كنيستنا الكلدانية في العراق؟؟؟ أن مثل هذا التساؤل يجب أن نوجه بالدرجة الأولى إلى إنفسنا، إلى جميع أبناء أمتنا في وطننا الحبيب بيت نهرين قبل أن نوجه إلى الغير البعيد عنا وعن وطننا لأن معاناة الكنيسة ونكبتها هي معاناة أبناء أمتنا ومصدرها الأساسي هو تهجيرهم من أرض الوطن إلى أقاصي العالم المختلفة وتناقص عددهم بشكل دراماتيكي مخيف يهدد وجود الكنيسة في موطنها الأصلي. وإذا كان مثل هذا التساؤل الموجه إلى أبناء أمتنا يكتنفه نوع من المثالية فأننا نقترب أكثر من الحقيقة والواقع عندما نوجهه إلى "ممثلي" أمتنا في البرلمانين المركزي والأقليمي وفي الحكومتين وإلى جميع قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية التي تدعي تمثيلها لهذه الأمة بغنى عن التسمية القومية التي يفضلها هذا الحزب أو تلك المنظمة. ولكن مما يؤسف له أن قرع غبطة البطريرك لأجراس الخطر والنكبة وقعت على آذان صماء مشحونة بالركض واللهوث وراء كراسي البرلمان الذي لاشغل شاغل لهم في هذه الأيام إلا التناطح كالديك من أجل الوثوب على كرسي حتى ولو كان مهلهلا لا يقوى على عمل شيء غير ملئ الجيوب والبطون، وهذا ما أثبته تجارب السنوات الماضية في التعامل مع نظام سياسي لا يعترف فعلاً بوجود غيره خاصة عندما يكون هذا الغير مختلف عنه حضارياً ولغويا ودينيا/طائفيا وحتى نفسياً وإجتماعياً. كان من الواجب على جميع أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية المتصارعة في هذه الأيام على الكراسي البرلمانية والحكومية أن يفتحوا فسحة صغيرة في آذانهم ويسمعوا ناقوس الخطر الذي قرعه غبطة البطريرك ويحسوا بمعاناته ثم يتكاتف بعضهم بالبعض ويهرعوا مثلما يلهثون نحو الكراسي البرلمانية والحكومية إلى مقر البطريريكية ليعلنوا وقوفهم إلى جانب قداسته في محنته هذه والتي هي بالأساس محنة كنيستهم قبل أن تكون محنة غيرهم. صحيح أن مثل هذا "التمني" لا يحقق شيئا على أرض الواقع وقد لا يخفف من معاناة الكنيسة الناجمة من تقلص رعيتها ولا يسد أبواب الهجرة أمامها ولكن من المؤكد سيكون له مردود معنوي قوي ونفسي وسيقع مفعوله على نفوس أبناء أمتنا ويحسون بالتكاتف القائم بين كلا الجانبين الديني والقومي في أمتنا ويعطي زخماً قوياً لأباء الكنيسة وعلى رأسهم غبطة البطريرك على الصمود أكثر فأكثر في مواجهة المعاناة والمأساة التي تحيط بالكنيسة ويلمسون لمسة اليد بأن هناك من يقف خلفهم في هذه المحنة المميتة، لا بل والأهم من هذا سيكون مثل هذا الموقف العلماني والقومي والسياسي المتحسس والمساند لغبطة البطريرك عامل قوة له في أية خطوة يخطوها قداسته لتخليص الكنيسة من نكبتها أو التخفيف من معاناتها.

ولكن ما السبيل لتخليص الكنيسة من نكبتها أو التخفيف من أسبابها؟؟ للوهلة الأولى تبدو المسألة متعلقة بهجرة أعداد كبيرة لأبناء الكنيسة والأمة لأرض الوطن وتشتتهم في بلدان مختلفة من العالم وهو المرض الخطير الذي أشار غبطة البطريرك إليه والمسبب في وصف الكنيسة بالمنكوبة. لا شك بأن غبطته قد وضع الأصبع على الجرح، ولكن المشكلة تكمن في أن لا أحد من عالمنا الديني والقومي يستطيع أن يقف أمام سيل هذه الهجرة فهي كعاصفة هوجاء أو بركان هائج لا يقوى أحد لا من أباء الكنيسة ولا من قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية على الحد منها أو هم قادرون على إيجاد حلول لها طالما لا يملكون القدرات اللازمة لحل المسألة أو التخفيف منها، فهي خارج إرادتهم وفوق أمكانياتهم الشحيحة في مجال التأثير على أبناء الكنيسة والأمة وإقناعهم بالصمود والبقاء في أرض الوطن لأن الأرهاب والمأساة والفواجع المحيطة بهم والتي تدفعهم لترك الوطن أقوى بكثير من إمكانياتهم ومن النصح والإرشادات الموجهة إليهم سواء في عدم الهجرة أو العودة إلى الوطن... هذا موضوع طويل وحساس وسنتناوله في وقت لاحق.

صحيح جداً بأن المأساة والفواجع لا تخص أبناء كنيسة معينة بحد ذاتها بل تخص وتفرض قوتها على جميع المسيحيين لترك الوطن، ولكن بالمقابل صحيح جداً بأن نعرف أيضا طبيعة كل كنيسة من كنائسنا في الوطن وحدودها وإختصاص بطريركها في تمثيل أبناء كنيسته وإدارتهم ورعايتهم. فعندما يقرع غبطة البطريرك أجراس الخطر المهددة لكنيسته وتصل إلى حدود وصفها بالمنكوبة فأنه يفعل ذلك لكونه الرأس المدبر الأعلى للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في بلاد ما بين النهرين. وصحيح جداً بأن الإيمان المسيحي العميق والصلد لغبطته يجعله أن يكون أمر ومصير جميع المسيحيين في العراق بكل كنائسهم وطوائفهم في صميم قلبه وضميره لكن هذا أمر يختلف عن أمر إدارة  شؤون كنيسته التي لها حدودها الإدارية غير المتجاوزة لحدود إدارة الكنائس الأخرى. من هذا المنطلق قرع غبطته أجراس الخطر والزوال لكنيسته في موطنها الأصلي ولم يتطرق إلى الكنائس الأخرى.

ولكن لماذا هذه الخطورة والخشية من زوال وجود الكنيسة الكلدانية من موطنها التاريخي وهي كنيسة كاثوليكية وفي شركة وإيمان مع الفاتيكان ومع كل الكنائس الكاثوليكية في العالم.  فالإيمان المسيحي الكاثوليكي ليس له حدود أو وطن فبإمكان أبناء الكنيسة الكلدانية أن يجدوا إيمانهم الكاثوليكي في أميركا وأروبا  وأستراليا وحتى في الصين وجنوب أفريقيا. إذن الخشية والخطورة في زوال الكنيسة الذي أعلنه غبطته لا يتعلق بالإيمان الكاثوليكي لكنيسته لأن الإيمان المسيحي سرمدي وموجود في كل مكان من هذه الدنيا وخالد كخلود ربنا يسوع المسيح له المجد لا زوال له. ولكن الأمر يتعلق بـ "الكنيسة" بما تعينه وتحتويه هذه الكلمة من مضامين مؤسساتية وحضارية وتقاليد قومية ولغوية وتاريخية وتراثية وإجتماعية وحتى نفسية وفكرية تجعلها كنيسة مختلفة بكل هذه المضامين عن بقية الكنائس الكاثوليكية في العالم رغم شركتها معهم في الإيمان الكاثوليكي. ولما كانت كلمة "كنيسة" تعني الجماعة (من كنشيا بالسريانية) فإن هذه الجماعة هي التي تكون حاملة  لمضامين الكنيسة المذكورة ومتصفة بها وتعطيها صفتها أو تسميتها المعروفة – الكنيسة الكلدانية والتي تجعلها مختلفة عن بقية الكنائس "الجماعات" الكاثوليكية الأخرى. فخطورة زوال الكنيسة هو بسبب تناقص أفراد هذه الجماعة وهجرتهم إلى خارج موطنهم الأصلي، أي بعبارة أخرى تناقص كل المضامين التي تحملها الكنيسة (الجماعة) في موطنها الأصلي وليس هناك أي ضمان أو تأكيد بأن مثل هذه المضامين ستصمد وتتواصل في مجتمعات المهجر للعقود القليلة القادمة.

هذه الخطورة ونكبة الكنيسة الكلدانية واضحة في صرخة أبينا السامي مار لويس رفائيل الأول ساكو لكن النكبة الكبرى لا تتمثل فقط في هجرة أبناء الكنيسة موطنهم الأصلي بل ما تفرزه هذه الهجرة من نتائج خطيرة على وجود الكنيسة في بلاد مابين النهرين وهي فقدان سلطة البطريرك وولايته في إدارة أتباعه في بلدان المهجر وهم الأكثرية في هذه الأيام وعدم قدرته على بسط ولايته عليهم لتشملهم وهم خارج بلاد مابين النهرين بل أنتقلت هذه السلطة والولاية إلى الفاتيكان وعبر الأبرشيات التي تأسست في هذه البلدان  بحيث لم يعد للبطريرك الكلداني سلطة حتى في نقل ساعور كنيسة من أبرشية إلى أبرشية أخرى في بلدان المهجر فمثل هذه السلطة محصورة بالفاتيكان فحسب والتي تشمل صعوداً نحو الدرجات الكهنوتية العليا بما فيها المطارنة ورؤساء أساقفة. فبسبب الزخم الهائل والرغبة الجامعة في الهجرة وترك الوطن أهتز وأختل الوضع الديموغرافي بحث أصبح أتباع الكنيسة في بلدان المهجر أكثر منهم في الوطن وبمرور الزمن يظهر بأن هذا الخلل سيتمر أكثر فأكثر بحيث تنقلب وتتحول الهوامش في بلدان المهجر إلى مراكز رئيسية ويتقلص المركز في الوطن ليصبح هامش لا حول له ولا قوة خاصة في الظروف المأساوية الحالية لاسيما وهناك عوامل سياسية إقتصادية وأمنية من أستقرار ورفاهية تساهم مساهمة فعالة في هذا الخلل وفي ظاهرة الإنتقال بين المركز والهوامش.

معظم رجال الكنيسة الكلدانية الأجلاء يدركون هذه الحقيقة – سلطة وولاية البطريرك الكلداني -  ونحن كعلمانين لا نعرف إلا القليل عنها والمتمثلة في "نكبة ملبار" الهندية. فبعد الإضطهادات الوحشية والمذابح  التي أرتكبها قساوسة ومبشرون برتغاليون من أتباع الكنيسة اللاتينية الكاثوليكية بحق أتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في مقاطعة ملبار – جنوب الهند في القرون الثلاث الماضية وتدمير كنائسهم ومآثرهم ومصادر تقليدهم الشرقي  جاء المجمع الفاتيكاني الأول الذي عقد بين عامي 1869و 1970 في عهد البابا بيوس التاسع ليقرر قراره الظالم بحق الكنيسة الكلدانية ويجرد البطريرك من سلطته وولايته على أتباع كنيسته في الهند. وكان المثلث الرحمات مار يوسف أودو البطريرك الكلداني حينذاك ( 1847 – 1878) قد حضر المجمع مع ما يقارب 800 أسقف ورجل دين من أنحاء العالم. ففي هذا المجمع ناضل مار يوسف نضالاً مستميتاً مدافعاً عن الحق الشرعي لكنيسته على أتباعها في الهند وسجل مآثر بطولية تاريخية في إستماته من أجل كنيسته غير أن بسبب سيطرة كاردينالات معينون من قبل البابا على مجريات أمور المجمع والمعروفين بصرامتهم وعنجهيتهم وظلمهم للكنائس الشرقية وجهلهم بتاريخها تعرض مار يوسف إلى التوبيخ والتحقير والإهانة بسبب إصراره على حق البطريرك على رعيته في ملبار وبالتالي لم يقوى على الإستمرار في نهجه الدفاعي غير أن يستسلم لهم فيضطر لقبول قرار المجمع في تجريده من سلطته وولايته على أتباع الكنيسة الكلدانية في ملبار وإخضاعها للفاتيكان، فكان هذا الإستسلام أمراً سهل تثبيته على كرسي البطريرك عند عودته إلى موطنه في مواجهته للبطريرك الكلداني الآخر المنافس له ومن ثم إعتراف السلطان العثماني به كبطريرك على الكلدان بفعل التأثير والضغط الفرنسي فكان أول من لقب بـ "بطريرك الكلدان في بابل".

بغنى عن ظلم وقسوة قرار المجمع الفاتيكاني الأول بحق الكنيسة الكلدانية والإهانة التي تعرض لها مار يوسف أودو، فلو نظرنا إليه بمنظار ذلك العصر لربما قد نجد لهذا القرار نوع من المنطق والواقع. فجغرافياً الهند بلد بعيد عن مقر رئاسة الكنيسة الكلدانية وقلة المواصلات والإتصالات في ذلك الزمان لضمان إدارة أتباع الكنيسة من بلد بعيد لم يكن بالأمر السهل في الوقت الذي كانت قوى الإستعمار وممثليه المبشرين اللاتين يجبون البحار والأمصار ويحتلوا البلدان الأخرى وتستغل كنائسها من أجل مصلحتها الخاصة ضاربة عرض الحائط كل القيم المسيحية والكنسية. إضافة إلى هذا كانت الكنيسة الكلدانية في ملبار الأبرشية الوحيدة لها خارج بلاد ما بين النهرين في ذلك الزمان. حضاريا، الهند وبحضارتها العريقة تختلف عن حضارة بلاد النهرين من جميع الجوانب ولا يخفى تأثير كلا الحضارتين على أتباع كنيسة كل بلد سواء من حيث اللغة والطقس والتقليد والممارسات الكنسية الأخرى. ولكن... ولكن... إذا كان الأمر هكذا قبل قرن ونصف القرن وأنحصر قرار المجمع الفاتيكاني الأول في تجريد البطريرك الكلداني من ولايته على أتباعه في الهند لهان الأمر ولكن تداعيات هذا القرار أنسحبت على البلدان الأخرى خارج بلاد مابين النهرين بحيث أخذت عقدة ملبار تعقد الأمور أكثر فأكثر لتجرد البطريرك من أية صلاحية وولاية على أتباعه خارج بلاد ما بين النهرين بما فيها أتباعه في الأبرشيات التي تأسست في هذا الزمان في أميركا الشمالية وأستراليا وأوربا فأنحصرت ولايته فقط ضمن موطنها الأصلي بلاد ما بين النهرين. فإذا كنًا قد أعطنا مجازاً صفة المنطق والواقعية لقرار المجمع الفاتيكاني الأول لأسباب جغرافية وحضارية فأنه بالمقابل ليس لتداعيات هذا القرار وإنسحابها على البلدان الأخرى في المهجر أي منطق أو واقعية لأن بالأساس والفعل أتباع هذه الكنيسة في المهجر ليسوا هنود أو قبارصة أو فرس بل هم كلدان من أبناء الحضارة البابلية الآشورية بكل ما تحمله هذه الكلمة من مضامين تاريخية وحضارية وثقافية ولغوية كما أن الجغرافيا لم يعد لها تأثير على مجتمعات هذا الزمان كما كان في الماضي خاصة بعد أن أصبح هذا العالم قرية صغيرة بفعل التطور المذهل لوسائل المواصلات والإتصالات وتوفرها وسهولة إقتناؤها. فليس من المنطق أن يكون الأب والأم في بلاد النهرين من ضمن ولاية البطريرك الكلداني ويكون الأبن والبنت في الولايات المتحدة أو أستراليا من ضمن ولاية الفاتيكان فهذا التناقض في وجود الكنيسة الكلدانية هو العامل الذي يزيد من نكبتها ويهدد زوالها ككنيسة بمفهوم الجماعة من موطنها الأصلي. هذا الأمر يذكرني بحديثي مع أحد مطارنة كنيستنا الأجلاء بخصوص الهجرة فقلت له لو سهل أمر الفيزا ومنحت لأبناء أمتنا لهاجر أكثر من 85% منهم فرد نيافته على الفور وقال أنت مخطئ فإن 100% سيهاجرون لأن أنا أيضا سأهاجر طالما لا يبقى لكنيستي أتباع في الوطن أو يكونوا قلة قليلة لا حاجة لهم لمطران!!

إذا كانت مقرارت المجمع الفاتيكاني الأول ظالمة ومجحفة بحق بعض الكنائس ومنها الكنائس الشرقية وتحديداً الكلدانية فأن مقرارات المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) الذي أنعقد في عهد البابا يوحنا الثالث والعشرون كانت عظيمة ومنصفة وأتسمت بالإنفتاح والتسامح ومعالجة الأخطاء والنواقص التي صدرت من المجمع الفاتيكاني الأول فكان من أهم قراراته أعطاء للكنائس الحق في إستعمال لغتهم القومية في طقوسهم عوضاً عن اللاتينية إضافة إلى قرار تطوير علاقات إيجابية للكنيسة الكاثوليكية مع الكنائس الأخرى والتأكيد على حقوق الإنسان وحرية الأديان والأهم من كل هذا وذاك هو التأكيد على الحقائق الأساسية للديانات الأخرى والكنائس غير الكاثوليكية وإصلاح الجوانب الروحية للكاثوليكية بما فيها السلطة والولاية الكنسية. فكان اللقاء التاريخي بين قداسة البابا يوحنا بولس الثاني وقداسة مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية من ثمار هذه العقلية المنفتحة للفاتيكان فجاء البيان المسيحاني الموقع بين الطرفين والإعتراف بكنيسة المشرق الآشورية ككنيسة رسولة أصيلة متطابقة في إيمانها مع الكنيسة الكاثولية نموذجاً رائعاً في هذا المضمار. وليست مصادفة أن يعلن الفاتيكان في شهر نيسان الماضي قداسة كلاهما، البابا يوحنا الثالث والعشرون والبابا يوحنا بولص الثاني، بل هو تثميناً للدور التاريخي الذي لعبه كلاهما في إنفتاح الكاثوليكية نحو الديانات والكنائس الأخرى.

أتذكر بعض الأحاديث والأقوال التي كان يعتمد عليها بعض الأساقفة من كنيسة المشرق الآشورية أثناء فترة الإجتماعات في القرن الماضي بين هذه الكنيسة من جهة والفاتيكان والكنيسة الكلدانية من جهة أخرى وإندفاعهم الحماسي نحو الوحدة بين هذه الكنائس فكان يقولون "أنه بعد أقل من خمسة عقود – أكثر أو أقل – ستختفي كنيسة المشرق الآشورية وتزول من الوجود وستذكر في صفحات كتب التاريخ فقط لذا فالوحدة مع الفاتيكان سيكون سند قومياً عالميا لها والسبيل الوحيد لإنقاذ الكنيسة وإستمرار وجودها"!!! أمرُ لا يزال الواقع الحالي لا يؤيد مثل هذا الإختفاء وليس له دلالات واقعية على زوال هذه الكنيسة من الوجود في المنظور البعيد. واليوم الكنيسة الكلدانية التي هي كنيسة كاثوليكية في شركة وإيمان وضمن سلطة وولاية الفاتيكان ومنذ أكثر من 500 عام كيف سيكون الفاتيكان والكاثوليكية العالمية سنداً لها وتخلصيها من نكبتها وهي مكبلة بعقدة ملبار وتجعل من البطريرك مدبراً على أقلية من أبناء كنيسته في حين الأكثرية خارج سلطته وولايته؟؟؟ ماالذي فعله عملياً وعلى أرض الواقع سينودس الأساقفة من أجل الشرق الذي أنعقد في الفاتيكان عام 2010 من أجل بحث وضع المسيحيين وكنائسهم المشرقية غير النصح والوعض التي لا تقوى أبداً أمام قسوة وظلم الظروف المأساوية المحيطة بالمسيحيين في أوطانهم ؟؟؟ صحيح هو من يقول بأن الكنيسة الكلدانية كانت منذ عقود طويلة تحت سلطة وولاية الفاتيكان ومكبلة بعقدة ملبار ولم تصل إلى درجة وصفها بالكنيسة المنكوبة لأن هجرة أبناء هذه الكنيسة لم تكن بتلك الدرجة من الخطورة  في تلك الأزمان أما اليوم فأن مصدر نكبتها هو تزايد أعداد المهاجرين إلى خارج وطنهم وبقاء الأكثرية خارج سلطة وولاية البطريرك وليس الأمر متعلق بمسألة ملبار. فإذا كان الأمر هكذا وليس حل للحد من هذه الهجرة أو هناك منظور عملي لعودة المهاجرين إلى وطنهم يقول البعض بأن نقل كرسي البطريرك إلى الولايات المتحدة الأمريكية باعتبار أكبر تواجد للكلدان هناك يكون حلاً معقول لضمان سلطة البطريرك وولايته على الأكثرية من أتباعه، كما هو الحال مع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية. أن مثل هذا الرأي ينقصه الكثير من الواقعية وفهم تاريخ وأساس وجود وقيام هذه الكنيسة كما وأن المقارنة غير واردة إطلاقاً ولا تصح بين الكنيستين. فالكنيسة الكلدانية منذ تأسيسها كان كرسي البطريرك في بلاد النهرين - حاليا العراق وأساس وجودها ونشاطها مرتبط بالأساس بوجود كرسي البطريرك في العراق، فلا وجود أو قيامة للمركز البطريركي خارج العراق في حين كان كرسي بطريرك المشرق ومن ثم المشرق الآشورية في تنقل مستمر من منطقة إلى أخرى بسبب المظالم والفواجع التي أنصبت على أبناءها ولم يستقر المقام بهذا الكرسي في العراق عند تأسيس الدولة العراقية وحتى يومنا هذا خاصة عندما نعرف بأن لهذه الكنيسة ورجالاتها توجهات قومية لا يمكن لها أن تتعايش في ظل أنظمة إستبدادية ظالمة التي توالت على الحكم في العراق. كما أن نقل كرسي البطريرك الكلداني خارج العراق سيجعل ذلك حاله كحال بقية المطارنة في خارج العراق خاضعين لسلطة وولاية الفاتيكان ويفقد حتى إستقلاليته المحدودة في تدبير شؤون رعيته في العراق في حين بطريرك كنيسة المشرق الاشورية مستقل في قراراته وإدارته لأبناء كنيسته أينما كانوا وله ولاية وسلطة كاملة عليهم سواء أكانوا في العراق أم خارجه.

وأخيرا وتجنباً للإطالة نكرر ونقول بأنه صحيح أن مصدر نكبة الكنيسة الكلدانية أساسها هو هجرة أبناؤها أرض الوطن وبقاء أقلية فيه مقارنة مع الأكثرية في بلدان المهجر وبقاء هذه الأكثرية خارج سلطة وولاية البطريرك، ولكن نحن جميعاً كنائس وأحزاب وتنظيمات عاجزين ليس لحل هذه المشكلة العويصة بل ولحد هذا اليوم لم نسمع بأن أحد من هؤلاء قد وضع خطة مدروسة عملية للحد منها غير الوعض والنصائح. فإذا كنًا عاجزين عن إيجاد الدواء لهذا الداء المميت فعلى الأقل علينا وخاصة على الكنيسة الكلدانية المعنية بهذه النكبة أن تجد ما يساعد على إيجاد الدواء حتى ولو كان الأمر يتطلب وقتاً طويلاً وجهود مضنية. أن التخلص من عقدة ملبار وبسط البطريرك الكلداني سلطته وولايته على الكلدان في المهجر سيكون سنداً قوياً له وللكنيسة في توحيد الولايتين في ولاية واحدة وبالحتم والنتيجة سيخلق ذلك وحدة كنسية كلدانية واحدة ومن جميع الجوانب الطقسية والإدارية ورابطاً وجسراً متيناً بين الوطن والمهجر حينذاك يمكن التحدث عن الهجرة أو عودة المهاجرين عبر هذا الجسر إلى الوطن والبحث عن الحلول المنطقية لها لا بل سيكون هذا التحرر من "عبودية" ملبار عاملاً مهماً يفتح الأبواب واسعة أمام الحديث عن الوحدة بين الكنيستين الكلدانية والآشورية الذي كان دائماً عائقاً مانعاً للقيام مثل هذه الوحدة، وهو الأمر الذي سنتطرق إليه في مناسبة قادمة.

من هنا أعيد وأكرر بأنه إذا خطى غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو هذه الخطوة في التحرر من عقدة ملبار وأستلهم روح الكفاح والإصرار من مار يوسف أودو في الدفاع عن حقوق كنيسته يستوجب على الجميع أكليريين وعلمانيين أن يقفوا خلفه في هذه المهمة النبيلة، ومن هنا أيضا يأتي دور "ممثلي" أمتنا في البرلمانين المركزي والإقليمي وفي الحكومتين وجميع قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية في الوقوف مع غبطته لفتح أفاق جديدة في كنائسنا نحو الوحدة الحقيقية ولنا آمل كبير وثقة عالية في أبينا السامي مار لويس روفائيل الأول ساكو ليكمل الخطوات الأول التي بدأها المثلث الرحمات مار روفائيل الأول بيداويد مع قداسة أبينا السامي مار دنخا الرابع نحو وحدة الكنيستين لتكون هي أيضا ضامنة لتخليص الكل، الكنيسة والأمة، من النكبات التي تتعرضا لها في موطنهم الأصلي بيت نهرين.       

           



27
كرسي الوزير المخصص "للمسيحيين" في حكومة إقليم كردستان
 هو إستحقاق قومي وليس غنيمة حزبية

=====================================================
أبرم شبيرا

في هذه الأيام لا شغل يشغل أحزابنا "الكلدانية السريانية الآشورية" ومؤيديها ومعارضيها غير الحملات الإنتخابية للبرلمان العراقي ومجالس المحافظات بشكل عام، حالهم كحال بقية الأحزاب والكتل العراقية مضافاً إلى ذلك العمل المضني الآخر لهم هو السعي و "النضال" من أجل الحصول على كرسي الوزارة في حكومة إقليم كردستان والذي حدد بوزارة يتيمة: وزارة النقل والمواصلات. فالمعروف للقارئ الكريم  بأن كتلة الرافدين التي تمثلها الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) وكتلة التجمع التي يمثلها المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (المجلس) لكلا الكتلتين مقعدين من مقاعد برلمان إقليم كردستان والمقعد الآخر من خمسة مقاعد المخصصة "للمسيحيين" حازت عليه كتلة كيان أبناء النهرين (كيان) رغم حداثة وجودها ككيان جديد على الساحة السياسية، فخلق ذلك نوعاً من "الحيرة" لدى السيد نجرفان البرزاني المكلف بتشكيل الكابينة الجديدة في تخصيص هذا المقعد للجهة المستحقة، وهذا واضح من خلال اللقاءات التي عقدها مع هذه الكتل الفائزة بالمقاعد الخمسة. 

هذا التساوي في المقاعد البرلمانية بين الرافدين والمجلس وفوز أبناء النهرين بالمقعد الخامس خلق نوع من خلخلة التوازانات بين الكتلتين حيث سيلعب الكيان الدور الحاسم في قلب الموازين بينهما أو كما يقال ستكون "بيضة القبان". فالخلفية السياسية و "الشخصية" بين قيادة زوعا وكتلة أبناء النهرين التي تتسم بنوع من الخلافات الصلدة والمتجاوزة إلى التصريحات العدائية من جهة، وواقع الحال القائم على التقارب واللقاءات بين قادة المجلس أو قيادات مكون تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الاشورية (تجمع) مع أبناء النهرين من جهة أخرى تبين بأن هناك على الطريق نوع من التحالف بين المجلس وأبناء النهرين لتكوين كتلة نيابية تمثل الأكثرية (3 مقاعد من 5) كسبيل وضمان لإقتطاف كرسي الوزارة. ويحاول المجلس إيجاد له أساس قانوني ودستوري للحصول على هذا المنصب بالإعتماد على تفسير المحكمة الإتحادية العليا للمادة 76 للدستور العراقي لعبارة (الكتلة النيابية الأكثر عددا) بقرارها المرقم 25/2010 والمؤرخ في 25/3/2010 والقائل بأن الكتلة النيابية الأكثر عدداً إما هي الكتلة التي تتكون بعد الإنتخابات من خلال قائمة إنتخابية واحدة ... وحازت على العدد الأكثر من المقاعد أو الكتلة التي تجمعت من قائمتين أو أكثر من القوائم الإنتخابية التي دخلت الإنتخابات بأسماء وأرقام مختلفة ثم تكتلت في كتلة واحدة ذات كيان واحد في مجلس النواب، أيهما أكثر. وقد جاء هذا التفسير للمحكمة عندما نشأ خلاف حول أحقية الكتلة النيابية في تشكيل الوزارة بعد الإنتخابات البرلمانية لعام 2010. ولما كان فوز قائمة دولة القانون بزعامة نوري المالكي بأصوات أقل بقليل من القائمة العراقية بزعامة أياد علاوي لجأ إلى التحالف مع بعض الفائزين بمقاعد البرلمان لجعل كتلته هي الإكثر عددا وبالتالي ضمن منصب رئيس مجلس الوزراء وتشكيل وزارته في الوقت الذي كانت القائمة العراقية هي الأكثر عدداً بالأصوات الفائزة في الإنتخابات إلا أن أياد علاوي خسر منصب رئيس مجلس الوزارة طبقاً لقرار المحكمة أعلاه. وهذا الأمر لا نستغربه إطلاقاً سواء أكان دستورياً أم لا، فترشيح رئيس دولة أو رئيس وزراء في بلدان العالم الثالث وتحديداً في الدول العربية فأن فوزه مضمون مائة بالمائة سواء بغطاء قانوني صحيح أم مزيف أم التلاعب بالأصوات والإجراءات. فتاريخ هذه البلدان تبين بأن لا رئيس دولة أو رئيس وزراء رشح نفسه وخسر الإنتخابات (طبعاً هناك إستثناء قليل جدا) وأحدث الأمثلة على ذلك هو إعادة وصول نوري المالكي لرئاسة مجلس الوزارة عام 2010 وسبقه أيضاً  أحمدي نجاد رئيس جمهورية أيران السابق كلاهما وصلا إلى منصبهما بطرق ملتوية تعرضوا إلى إنتقادات كثيرة باعتبارها غير قانونية. واليوم يقدم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقه نموذجاً رائعاً في هذا السياق حيث يعتبر ولأول مرة في تاريخ العالم رئيس جمهورية يعاد إنتخابه للمرة الرابعة ولا يستطيع بسبب المرض المشي أو الكلام أو حتى اعطاء تصريح بعد فوزه بالإنتخابات. 

لقد فصًل الصديق العزيز أنطوان صنا مسؤول المجلس في ولاية مشيغان في الولايات المتحدة في هذا الموضوع والذي سبق وأن نشر في موقع عنكاوه دوت كوم وأستند على قرار المحكمة أعلاه في شرعنة منصب الوزير ليكون من حصة التحالف القائم أو في طريقه للقيام بين المجلس والكيان. وزيادة في هذه الشرعنة أشارة إلى كون حصة الوزارة في الحكومة المركزية (وزارة البيئة) لزوعا هو بسبب فوزها بثلاثة مقاعد من خمسة في البرلمان المركزي وبالتالي كانت هي الكتلة الأكثر عددا. وهكذا على نفس المنوال فإن مقعد الوزير في حكومة الأقليم سيكون من حصة تحالف المجلس والكيان باعتبارهما شكلوا كتلة موحدة تعتبر الأكثر عدداً ضمن الكوتة المسيحية. ولكن فات على صديقنا العزيز أنطوان أن يدقق النظر في الفقرة أولا من المادة 76 من الدستور العراقي والتي تخص تحديداً وبشكل واضح منصب رئيس مجلس الوزراء ولا يخص الوزراء أو غيرهم. فهذه الفقرة من هذه المادة تقول (يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة الأكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ إنتخاب رئيس الجمهورية) وهذا واضح وضوح الشمس ولا لبس فيه وليس فيه أية سوابق أو تطبيقات فيما يخص الوزراء أو غيرهم بل هي حصراً برئيس مجلس الوزراء، وبالتالي لا علاقة تفسير المحكمة الفدرالية العليا للمادة 76 بتعيين الوزراء بل أن هذه المهمة هي حصراً ضمن صلاحيات الشخص المكلف بتشكيل الوزارة سواء في الحكومة المركزية أم في حكومة الإقليم. هذا ناهيك عن التزمت الحزبي السائد في أحزابنا السياسية الذي يخلق لدينا نوع من الشك في صعوبة دخول المجلس والكيان ضمن كتلة واحدة وبتسمية واحدة في البرلمان لتشكيل الكتلة الأكثر عدداً ومن ثم الحصول على الكرسي الوزاري اليتيم وكيفية الإتفاق للجلوس عليه.

أما على الجانب الآخر فأن زوعا تحاول وبشتى الطرق لضمان هذا الكرسي لها في وزارة الإقليم، فمرة تهاجم المجلس في إدعاء أحقيته بهذه الكرسي ومرة أخرى تستند على واقع فوز قائمتها الرافدينية بالعدد الأكثر من الأصوات في الإنتخابات الأخيرة لبرلمان الإقليم في مقارنتها مع بقية قوائم الكوتا المسيحية وأخذت تعمل وبشكل مستقل عن بقية القوائم وعن التجمع ولم تكن من ضمن الأحزاب والتنظيمات التي أجتمعت بالسيد نجيرفان حول تخصيص هذا الكرسي بل حاولت وتحاول أن يكون إجتماعها بشكل منفرد كسبيل لضمان الكرسي لها، لا بل وصل الأمر في خصومتها إلى درجة عالية من الحساسية والإثارة قاربت ووصلت لحدود الهجوم والتفنيد من أجل إزاحة المجلس والكيان عن طريقها للحصول على الكرسي الموعود به في وزارة الإقليم.

لقد سبق وقلنا، لا بل وبح صوتنا من الصراخ ونفذت أحبار أقلامنا من الكتابة للتأكيد والقول بأننا أمة صغيرة تفتقر إلى المقومات السياسية والإقتصادية والجغرافية التي تساعدها على النضال من أجل ضمان حقوقها المشروعة في أرض الوطن خاصة في هذه الأيام العصيبة. كما أننا أمة لها طموحات بسيطة وسلمية ومعروفة ومحددة لا تتعدى على حقوق الآخيرين ولا تتجاوزها. ففي هذه الأجواء المأساوية تأتي النزاعات والحروب الكلامية بين أحزابنا لتزيد الطين بلة وتصبح كالمصارعين على الحلبة يتصارعون من أجل الفوز بحزام البطولة والآخرين من حولهم كجمهور يهتف ويصرخ تشجيعاً لهذا المصارع وتحقيراً للآخر... هكذا أصبح حالنا القومي والسياسي منذ أن أنطلقت "الديموقراطية" في العراق عام 2013 وكل واحد يقفز على حلبة الصراع من أجل الفوز حتى ولو كان يعيش في أقصى منطقة في العالم حيث يظهر بأن روائح الشواء المزكية للنفوس والأنوف المنبعثة من كراسي البرلمان والحكومة قد وصلت إلى هذه المناطق وطيًرت البعض من هناك ليدخل حلبة الصراع وينافس الآخرين من أبناء الوطن !!. هكذا يظهر من خلال هذا النزاع القائم بين الكتلتين الرئيستين وبينهما كتلة أبناء النهرين بأن الكرسي اليتيم أصبح غنيمة يسعى و يتصارع كل واحد منهم من أجل خطف هذه الغنيمة كما كان يفعل البدو في حروبهم القبلية. لا أدري فيما إذا كان قادة أحزابنا المتصاعة من أجل هذه الغنائم وضاربين مصالح الأمة بعرض الحائط يدركون أم لا بأن نتيجة تصارعهم هذا خلق حالة من اليأس واللامبالاة لا بل وتعاظمت بين أبناء أمتنا خاصة بين المثقفين والمهتمين بشؤون الأمة بحيث أصحبوا من أعضاء "حزب الكنبة" الكلداني السرياني الآشوري، وليس المصري، ومن المؤكد بأن تصارع الأحزاب سيزيد وقوداً ولهبا لإثارة الكثير من أبناء أمتنا للإنتماء لهذا الحزب القديم الجديد. وأنا شخصياً وغيري كثر يحسون بأن هناك الكثير من أبناء أمتنا خاصة المثقفين منهم بأن اليأس بدأ يدب فيهم وأخذوا يبتعدون عن المسائل القومية ويخفت أهتمامهم بها وكل هذا بسبب الوضع الحالي لأحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية المزري الذي يكشف لهم بأنهم يعملون لصالحهم الشخصي أو الحزبي وليس لصالح الأمة. وهناك ظاهرة مرتبطة بهذه الحالة وهي ترك الكثير من أبناء أمتنا للأحزاب أو التنظيمات التي كانوا ينتمون إليها وقلة أو عدم وجود إنتماءات جديدة لهذه لأحزاب والتنظيمات وهي حالة تعكس هذا الوضع المزري لهذه الأحزاب والتنظيمات وعلى قادتهم أن يخصصوا القليل من "نضالهم" من أجل الكراسي وتخصيصه لدراسة هذه الحالة والوصول إلى نتائج تحد منها.

قرأنا وسمعنا الكثير الكثير عن أسباب الخروج "التنظيمي" لأبناء النهرين من تنظيم زوعا، منها إن قيادة زوعا الحالية لم تلبي حاجيات الأمة ولم تفعل شيئاً في الكثير من مستحقات الأمة.. وهكذا فالأسباب كثيرة أختلطت بأسباب شخصية وعائلية وقريوية أيضا وقد جاء تنظيم أبناء النهرين لكي يحاول أن يقوم بهذه المهمات القومية التي عجزت عنها أو أغفلتها قيادة زوعا الحالية فمن أجل ذلك دخلت إنتخابات الإقليم وقطفت كرسي واحد وتحاول مع المجلس أن يكون لها مكان أيضا في كرسي الوزارة الموعود به كما تحاول أن تقطف كراسي أخرى في إنتخابات البرلمان المركزي في نهاية هذا الشهر. إن ذاكرة أبناء أمتنا للأسف شحيحة ومحدودة تنسى الماضي بسرعة ولكن تصريحات قادة أبناء النهرين بخصوص المهمات التي ستعى لتحقيقها هي حديثة العهد ويتذكرها أبناء أمتنا جداً لذا فهذا الكيان وضع نفسه أمام مسؤولية كبيرة وحاسمة. فإذا تمكن من تحقيق ولو الحد الأدنى من مشروعه الطموح فمن المؤكد فأن أكثرية أبناء أمتنا سيقبلون ويصدقون الأسباب التي جعلتهم خارج تنظيم زوعا أما إذا فشلوا أو عملوا من أجل مصالحهم الشخصية الخاصة وقلدوا السابقين منهم في البرلمانين فأنه من المؤكد أيضا سيكونون موضع رفض وإدانة من قبل أبناء أمتنا وسيظهر بأن أسباب خروجهم عن تنظيم زوعا كان مجرد تبريرات لتصفية حسابات شخصية وتقاتل من أجل المنافع الخاصة وليس من أجل مصالح الأمة.

من هذا المنطلق فعلى كيان أبناء النهرين وبكرسيه الوحيد أن لا يستخدم بيضته القبانية لإخلال التوازن بين الكتلتين الرئيسيتين وترجيح كفة على حساب كفة أخرى لأقتطاف الكرسي الوزاري في الإقليم بل عليه أن يقف في الوسط ويكون نقطة أرتكاز مركزي بين الكتلتين لخلق خط مستقيم يقف على جانبه الأيسر كتلة الرافدين وعلى جانبه الأيمن كتلة المجلس، رغم الصعوبة الشخصية والنفسية لهذا الموقف، ولكن التضحية ولو بأقل الممكنات ضروري جداً لإثبات "ممثلية" هذه الأحزاب لمصالح الأمة، عند ذاك سيتحول الكرسي الوزاري من غنيمة حرب إلى إستحقاق قومي. وتحقيق هذا الإستحقاق القومي ليس بالضرورة أن يكون من خلال الأحزاب والكتل هذه  بل من الممكن، بل الممكن جداً، أن يكون من خلال أحد أبناء أمتنا غير المرتبطين بهذه التنظيمات والمعروفين بنزاهتهم وكفاءتهم والصامدين في أرض الوطن والمهتمين بالمسائل القومية ويقف من خلفه أعضاء الكتلة "المسيحية" في البرلمان مساندين له لكي يستيطع تحقيق الحدى الأدنى الذي يطمح به أبناء أمتنا، عند ذاك سيثبتون بأنهم فعلاً يعملون لصالح الأمة وليس لصالح حزبهم ويستحقوق أن نطلق عليهم "ممثلي الأمة" في البرلمان والحكومة.

أكيد لا بل أكثر من أكيد سوف يقول بعض القراء أن هذا الأمر هو "في المشمش" كما يقول المصريون... أنه نوع من الحلم الوردي الذي بدأنا في السنوات الأخيرة أن نحلم الكثير مثل هذه الأحلام الوردية الخاصة بطموحاتنا القومية، وسبب الغرق في مثل هذه الأحلام هو العجز في تحقيق الأمال والطموحات على الواقع فتقفز إلى منطقة اللاوعي والأحلام... نشكر ربنا القدير على توفير هذه النعمة لنا وإبقاؤنا على  صلة بأبناء أمتنا ولو حتى عبر الأحلام الوردية...وسنشكر أحزابنا وتنظيماتنا القومية إذا إستطاعوا إيقافنا عن هذه الأحلام، وليس سبيلا إلى ذلك إلا عن طريق  تكاتفهم والسعي جميعاً وبيد واحدة لتحقيق ولو الحد الأدني من طموحاتنا القومية عند ذاك سنرفع قبعاتنا أحتراماً لهم وننحي أمامهم تقديراً لجهودهم وتضحياتهم في سبيل الأمة ويبدأ عدد أعضاء حزب الكنبة "الكلداني السرياني الآشوري" بالتناقص مقابل زيادة الإهتمام والإلتصاق بأحزابنا السياسية.

28
المسيرة النسانية – أكيتو  6764 بين الأحلام القومية الوردية والواقع الحزبي
==================================================
أبرم شبيرا
أتصل بي أكثر من صديق متسائلاً عن سبب عدم الكتابة عن المسيرة النيسانية – أكيتو عام 6764 كعادتي من كل عام بعد مشاركتي في المسيرة  وإنتهاء الإحتفالات بهذه المناسبة العظيمة في تاريخ أمتنا. هذا صحيح حيث كانت نيتي أن أكتب بعض السطور بعد مغادرتي أرض الوطن مباشرة ولكن ترددت كثيراً عندما عاينت موقع عنكاوه دوت كوم وهو مزدحماً بمواضيع شتى في معظمها ذات مضامين لا تسر القارئ اللبيب الذي يطمح أن يقرأ موضوعاً ينمي قدراته العقلية ويزيد من معارفه في موضوع جديد ويقوي وعيه القومي والسياسي، فجلها مناطحات عقيمة وتصفية حسابات شخصية أن لم نقل شتائم وإهانات لا علاقة لها سواء بالرسالة التي يحملها هذا الموقع الألكتروني الكريم أو بالموضوع المنشور الذي يرد عليه، وبشكل عام، ردود من هذه الأصناف والتي لا تمت بصلة لا من قريب ولا من بعيد بأصل الموضوع، وهي حالة لا نستغربها خاصة في هذه الأيام عندما نفهمها من خلال النزعة الحميمة للحملات الإنتخابية التي تقوم بها تسع قوائم تتناطح على الكوتة المسيحية المحددة بخمسة مقاعد للبرلمان العراقي مع عدد آخر من المقاعد المخصصة لمجالس المحافظات.  ولكن عندما تذكرت الموضوع الذي كتبته قبل هذه المناسبة ببضعة أيام وتحت عنوان (إحتفالات الأول من نيسان – أكيتو بين المصلحة القومية والنزعة التحزبية) والذي نشر في الأعداد السابقة لموقع عنكاوه وجدت من المناسبة أن أكتب بعض السطور التي تعتبر تقريباً مكملة للموضوع السابق وإستنتاجاً له.

من خلال مشاركتي في مسيرات أكيتو للسنوات القليلة الماضية والتي كانت تنظم من قبل تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية (تجمع) أدرك معظم المشاركين في هذه المسيرات بأنها لم تكن بمستوى المسيرات السابقة التي كانت تنظم من قبل الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) لا من حيث تنظيمها ولا من حيث جماهيريتها والمشاركين فيها ولا من حيث متعتها وحماسها القومي فعجزها عن التعبير عن وحدة وتفاهم وتناسق مكونات التجمع كان واضحاً من خلال الشعارات التحزبية المرفوعة والحساسيات الناجمة من صراخ الهاتفات المتضاربة والأغاني والنشاطات الفنية الأخرى. وإيماناً منا بالتضامن والتعاون بين جميع أحزابنا السياسية وتنظيماتها القومية وضرورة تحالفهم وإنعاكس ذلك في نشاطات قومية، كنت في حينها طرحت  فكرة قيام التجمع نفسه، بأعتباره نموذج حي وقائم في التحالف المطلوب، بتنظيم إحتفالات متعددة لا تقتصر على المسيرة فحسب بل يليها في الأيام التالية نشاطات أخرى ثقافية وفنية وإجتماعية ورياضية. ولما كانت المسيرة ظاهرة جماهيرية شعبية فأن من المناسب أن تقوم زوعا بتحمل مسؤولية إدارتها وتوفير المستلزمات اللازمة لها لكونها أوسع جماهيرية وأكثرة قدرة وإمكانيات وخبرة في هذا المجال على أن تقوم بقية مكونات التجمع بالنشاطات الأخرى في الأيام التالية وكل حسب قدرته وطاقته وخبرته في أحدى من هذه النشاطات. غير أنه كالعادة، فأن ما يؤسف له أن معظم قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية لا أذان لهم يسمعون بل لهم أفواه واسعة لإطلاق التصريحات والتنديدات فقط..("العود في عين الحسود"). وبالرغم من ذلك فإن إهتمامي وإيماني بالتضامن بين أحزابنا وتنظيماتنا لم يتراجع بل بقى على حاله كما كان في المقال المنوه عنه أعلاه فأقترحنا مرة أخرى أن يقوم التجمع بتنظيم مسيرة عام 6764 ولكن من دون رفع شعارات وأعلام وهتافات حزبية بل يقتصر هذا على الأعلام والأناشيد القومية فحسب حتى تظهر وتبرز الجوانب القومية للمسيرة ويثبت التجمع هويته التضامنية، ولكن بقت أحزابنا وتنظيماتنا كالسابق بدون أذان حتى تسمع فظهر بأنه كنت أحلم أحلاماً قومية وردية أصطدمت بالواقع الحزبي الصلد الذي يتحكم في حياتنا ونشاطاتنا القومية فأستيقضت في مسيرات 6764 من هذه الأحلام ووجدت نفسي في مسيرات حزبية إنتخابية تراجعت المصلحة القومية وأحتمت خلف الأصوات الإنتخابية والتحزبية.
 
مسيرتان وحزبان:
1 -   مسيرة زوعا:

المسيرة النيسانية التي نظمتها زوعا في مدينة دهوك كانت أكبرها وأكثرها تنظيماً وجماهيرية. فالمشاركون فيها كان عددهم يتضارب بين 15 ألف إلى 20 ألف مشارك ومن مختلف الأعمال والأجناس. ليس هذا فحسب بل وبكل موضوعية نقول بأن المسيرة كانت ناجحة وحققت جانب من الرسالة التي ترمي إليها، فخط سير المسيرة في الشوارع الرئيسية لمدينة دهوك وإصطفاف أهالي هذه المدينة على جانبي الطريق وإطلال غيرهم من شرفات منازلهم كان أمراً مثيراً للإهتمام لا والإستغراب من العدد الهائل المشارك في المسيرة وبالأغاني والشعارات التي وقعت وبقوة على آذانهم وصدمت عقولهم والأكثر من هذا كان أصرار المشاركين خاصة كبار السن والأطفال وحتى الرضع وهم بمعية أمهاتهم وهم يواصلون السير صعوداً نحو نهاية خط المسيرة في منطقة سد دهوك البعيدة بحدود أربعة كيلومترات من منطقة إنطلاق المسيرة من المركز الثقافي الاشوري.


 

             

الكل الأطفال وكبار السن شاركوا في المسيرة
======================================

والأهم أيضا في هذه المسيرة هو تواجد الوفود القادمة من بلدان المهجر خاصة الشباب والشابات ومن دول الجوار سوريا وإيران ومشاركتهم فيها ككل عام خاصة من منظمة "كشرو" أي الجسر، التي أنشأت قبل بضعة سنوات من قبل بعض الشباب والشابات في الولايات المتحدة هدفها الأسمى هو تشجيع الشباب والطلاب على زيارة أرض الوطن خاصة  بمناسبة الأول من نيسان، وهو موضوع مهم وذات بعد إستراتيجي في التعامل مع موضوع الهجرة وسنأتي عليه في مناسبة قادمة. ولكن وبنفس الموضوعية نقول بأن المسيرة رغم هذا فقد كانت حزبية بكل أهدافها الأساسية حيث تمكنت زوعا من إستغلال هذا الحدث وهذا التجمهر الهائل للقيام بحملة إنتخابية واسعة والتعريف بالمرشحين في قائمتها، قائمة الرافدين. وهذا أمر لا نستغربه حيث في كل دول العالم تعمل الأحزاب السياسية على إستغلال المناسبات العامة للقيام بالدعاية لأفكارها أو لمرشحيها في الإنتخابات. وأخير لم يبقى ألا أن أذكر شيئاً آخر جديد نوعا ما وهو مشاركة معظم قيادة زوعا وأعضاءها في البرلمانين المركزي والإقليمي في هذه المسيرة كغير عادتهم في مسيرات السنوات السابقة ولا ندري فيما إذا كانت هذه المشاركة إستجابة لإنتقادنا لهم في عدم مشاركتهم في مسيرات السنوات السابقة أم هو القيام بحملة دعائية مكثفة لمرشحي زوعا للإنتخابات القادمة وأنا ومعي الكثير من القراء يميلون للإحتمال الثاني لكونه أقرب بكثير إلى الحقيقة والواقع.

 

سلاما لجميع أبناء أمتي ....متكاتفاً مع بهرم بهرامي وأزاد يونادم وأبرس أيوان في مسيرة أكيتو التي نظمتها زوعا في دهوك

2 - مسيرة المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري:
ونفس الأمر وجدناه أيضاً في تنظيم المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (المجلس) لمسيرة وإحتفال بهذه المناسبة في سهل نينوى وبالقرب من دير مار متي ولا أستطيع أن أعطي لي حق الحديث المفصل عن هذه المسيرة لأنني لم أشارك فيها غير مراقبتها من خلال وسائل الإعلام وخاصة قناة عشتار الفضائية التي يملكها المجلس والذي أستفاد منها كل الإستفادة في حملته الإنتخابية والتعريف بالمرشحين لقائمته وهو أمر طبيعي في أن "يحتكر" مالك هذه الوسيلة لنفسه من دون غيره طالما يكون هذا الغير منافساً له ويسعى لحصول ما يسعى هو أليه من مقاعد في البرلمان أو مجالس المحافظات. وعلى العموم يمكن القول بأن مسيرة المجلس كانت إحتفالاً خاصة به ولم تصل إلى الطموح الذي نطمحه من رسالة المسيرة في الأول من نيسان وأهمها هو إيصال هذه الرسالة لغير من أبناء أمتنا، فتنظيم هذه المسير خارج المدن الكبيرة وفي مناطق أبناء أمتنا جعل منها مسيرة منك وإليك وإن حققت غرضها الخاص للمجلس إلا أنها عجزت عن إيصال الرسالة القومية والحضارية لعيد أكيتو لغيرنا.

3 – الأحزاب والتنظيمات القومية الآخرى والمسيرة:
ليس أكثر من القول بأن موقف ومشاركة بقية أحزاب وتنظيمات أبناء أمتنا كان سلبياً خاصة المنضويين تحت المظلة المخرومة لتجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية في تنظيم مسيرة خاصة بهم أو المشاركة مجاملة لأبناء شعبنا في أية من المسيرتين أعلاه ولكن ظاهرة التحزب جعلت لهم موقفاً سلبياً ولم يشارك أي واحد منهم في أي من المسيرتين من جهة كما يظهر عجزهم وعدم توفر الإمكانيات المطلوبة للقيام بتنظيم مسيرة جماهيرية بهذه المناسبة كما فعلت زوعا والمجلس فحال ذلك أن يكون موقفهم هكذا وربما يكونوا قد أرسلوا برقية تهنئة لأبناء شعبنا بهذه المناسبة أو نشاط آخر لكنه لم يصل إلى مستوى أن يكون معروفاً  للناس أو لوسائل الإعلام. أما الحديث عن الأحزاب والتنظيمات الكلدانية التي تعتمد على التسمية المفردة "الكلدان" فقد غابوا نهائياً وككل عام عن ساحة هذه المناسبة فكان الأجدر بهم أن يتكاتفوا وينظموا مسيرة خاصة بهم يحتفلون بالسنة الكلدانية الجديد 7314 ولكن يظهر بأن "أرض الكلدان" طارت وأصبحت في سان دياكو فأحتفلوا هناك بهذه المناسبة وبجمهور كبير ملئها الأفراح والتهاني والمسرات.
كيف نفهم هذا الواقع:
هذا يبين حقيقة ناصعة البياض يصعب على البعض من معاينة بريقها بسب قصر نظرهم للأمور الواقعية... لقد أسلفنا مراراً وتكراراً بأن السياسة تقوم على فهم الواقع والتعامل معه بأساليب مختلفة. فهذا الواقع للحقيقة  يبين بأن زوعا والمجلس حزبان أو تنظيمان رئيسيان في مجتمعنا وأن التسمية المركبة التي يعتمدونا هي أكثر قبولاً بين أبناء أمتنا ولا ينعكس ذلك في قدرتهم على تنظيم احتفال الأول من نيسان بل أيضا في فوزهم على كراسي برلمانية وحكومية والتي عجز عنها بقية الأحزاب سواء في تنظيم الإحتفال أو بفوز كرسي برلماني أو حكومي. ومن المحتمل أن يتكرر فوزهم في الإنتخابات القادمة أن لم يظهر كيان أبناء النهرين منافساً جاداً لهم. إن التصريح بهذه الحقيقة لا يضعنا في موقف مؤيد أو معارض لهذا الحزب أو ذلك التنظيم، لأنها مسألة موضوعية لا علاقة لها بالرأي الشخصي لذلك معاينة وفهم الواقع ضروري جداً للتعامل معه والوصول إلى نتائج موقفة ولكن لا زال البعض الذي بسبب قصر نظره للأمور الواقعية يصر على أن التصريح بهذه الحقيقة الموضوعية هو "بوق" لهذا الحزب أو ذاك التنظيم أو الدعاية له ومثل هؤلاء لايزال موجودون على الساحة السياسية ويقودن أحزاب وتنظيمات يدعون تمثيل الأمة .. مشاء الله
وأخيرا:
نعيد ونكرر بأن أسعد الأيام من حياتي الشخصية هي الأيام التي أزور بها أرض أبائي وأجدادي وأستمتع ليس بالمشاركة مع أبناء أمتي في المسيرة النيسانية فحسب بل زيارة قرانا الجميلة وأدرتنا التاريخية وما يزيد من سعادتي وأهتمامي هو اللقاء ببعض من قادة أحزاب وتنظيمات شعبنا ولكن مما يؤسف له بسبب قصر هذه الزيارة وتعدد الإهتمامات فأنها أقتصرت على زيارة مقرات زوعا في أربيل ودهوك واللقاء والنقاش مع بعض من قادتها كذلك زيارة مقر كيان أبناء النهرين في عنكاوه والذي لا يبتعد عن مقر زوعا إلا بضعة أمتار والدخول معهم في مناقشات جادة وحميمة حول الوضع الحالي وقيام الكيان ومستقبله التنظيمي والسياسي. وفي كل زيارة لأرض الوطن لا يفوتني إلا أن أحج إلى قرية بليجانه وأزور قبر الشهيد الخالد يوسف توما وأتلو صلاة ربانية بسيطة على قبره معاهدا أمام الله بأن لا أسلك غير الطريق الذي سلكه وأستشهد من أجله. وأخيرا تبقى زيارتي للنادي الثقافي الآشوري الحديث العهد في عنكاوه وإلقاء محاضرة فيه أمر مثير للإهتمام وسنترك موضوعه لمناسبة قادمة.

 

زيارة الوطن لا تكتمل إلا بزيارة قبر شهداء أمتنا في قرية بليجانه ومنها قبر الشهيد الخالد يوسف توما
 

زيارة لمقر زوعا في دهوك واللقاء أكثر من مرة مع السيد يونادم كنا وغيره من قادة زوعا... شكراً على إستضافتهم الكريمة لي في مقراتهم وتوديعي في مطار أربيل
======================================================

أحدى الزيارات لمقر كيان أبناء النهرين في عنكاوه واللقاء ببعض من قادته... شكراً لهم على توفير ساعات من وقتهم لمناقشة قضايا سياسية وقومية مختلفة...  وشكراً أيضاً على إستقبالهم لي في مطار أربيل

29
إحتفالات الأول من نيسان - أكيتو
بين المصلحة القومية والنزعة التحزبية

==================================
أبرم شبيرا

من المؤكد الكل من أبناء شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" يتفقون على أن عيد رأس السنة البابلية الآشورية - أكيتو والإحتفالات التي ترافقه هو ظاهرة قومية تاريخية حضارية عامة تتجاوز وتتخطى كل الظواهر الثانوية السائدة في مجتمعنا من الطائفية والتحزبية والشللية وغيرها وبالتالي لا يحق لأي من كان أن يخصخصه وينسبه لوحدة ويطبعه بطابعه الخاص مهما كانت قوته وجبروته وشعبيته. هذا من الناحية القومية، أما من الناحية الحزبية فقبل كل شيء يجب أن نفرق بين الحزبية، كظاهرة أو كنظام سياسي للممارسة السياسية والحكم في ظل تعدد الأحزاب في أنظمة تتسم بنوع أو آخر من الديموقراطية والتعددية وبين التحزب أو النزعة الحزبية والتي هي ظاهرة  يتصارع فيها الأحزاب لغرض تفرد وتسلط حزب واحد على الساحة السياسية ومحاولة هيمنته على بقية الأحزاب من دون مراعاة للمصلحة القومية، وهي من "مخترعات" العالم الثالث التي عرفت بنظام الحزب القائد. من هذا المنطلق نقول بأن أحتفالات أكيتوا يجب أن تكون ضمن إطار المصلحة القومية لأمتنا وليس ضمن النزعة التحزبية لحزب معين. ولكن السؤال هو: من يمثل المصلحة القومية؟

درس طلاب وأساتذة العلوم السياسية نظرية الأحزاب السياسية وظهر لهم بأن في معظم الأحوال بأن كل حزب سياسي يحاول أن  يمثل المصلحة القومية أو الوطنية أويدعي بتمثيلها مهما كان موقعه من السلطة أو حجمه أو تاريخه أو إمكانياته. بعبارة أخرى، يحق لكل حزب سياسي أن يدعي تمثيله للأمة التي ينتمي إليها وهكذا هو حال أحزابنا "الكلدانية السريانية الآشورية" فللكل الحق في الإدعاء بهذا التمثيل والتعبير. ولكن ما هو الأساس الشرعي الذي يشرعن مثل هذا التمثيل والتعبير؟ أنه الجماهير ولا غيرها. فالحزب الجماهيري هو الحزب المنتشر وبشكل واسع بين أبناء الأمة وله أعضاء كثر وتنظيمات وفروع عديدة وله وتأثيرات قوية على مجمل الساحة السياسية وله الأمكانيات في تحقيق بعض الأهداف، فمن هذه الأسس يكتسب الحزب شرعيته في تمثيل الأمة. ولكن الجميع يعرف بأن معظم العلوم خاصة الإنسانية منها لا تقبل بالمطلق والشامل بل تعتمد النسبية كأساس موضوعي في فهم الظواهر الإجتماعية ومنها دراسة الأحزاب السياسية. من هذا المنطلق فلو أعتمدنا الموضوعية، فأنه لا أساس شرعي لأي حزب يقوم على المطلق والشمول، أي 100% او 99.9% كما هو الحال مع الأحزاب الشمولية والدكتاتورية، فهذا هو الإستبداد بعينه وتزوير لإرادة الجماهير وتحريف لمصلحة الأمة. فسقوط مثل هذا الحزب الشمولي في الهاوية والتحديات الخطيرة  المدمرة والتمرد عليه والإنشقاقات الداخلية لا محال منها سيواجهها عاجلاً أم آجلاً. من هذا المنطلق كنًا قد سبق وأكدنا مراراً وتكراراً بأنه لا يوجد حزب واحد قادر على تمثيل مصلحة أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" بالكمال والتمام بل يتطلب تحقيق هذه المصلحة عدد معين من الأحزاب يتناسب عددها مع أمكانيات الأمة البسيطة وطموحاتها المشروعة.

معظم أبناء أمتنا يدركون بأن الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا)، حزب سياسي بكل المقايس المطلوبة في شرعنة إدعائه في تمثيل مصلحة الأمة لما تمتلكه من مقومات في مثل هذه الشرعنة ولكن كما سبق وأن قلنا بأن هذه الشرعية لا تصل إلى النسبة المطلقة او الكاسحة لذلك هناك أحزاب أخرى تمتلك مثل هذه المقومات في شرعنة إدعائها في تمثيل مصلحة الأمة وبنسب متفاوتة من حيث التأثير والإمكانيات. من هذا المنطلق ولغرض تمثيل مصلحة الأمة بنسبة عالية وكاسحة تدخل هذه الأحزاب في تحالفات من أجل تحقيق قدر أكبر من هذه المصلحة. والدخول في كذا تحالف لتحقيق المصلحة القومية لا يتم إلا بين أحزاب سياسية غير متساوية من حيث القوة والإمكانيات والشعبية ونسبة الشرعية، ولكن هم على مستوى متساوي من حيث الطموحات القومية ولو بحدها الأدنى وبالتالي من خلال هذا التحالف يتكامل بعضهم للبعض ويعملوا سوية لتحقيق مثل هذه المصلحة. في تاريخنا السياسي المعاصر نماذج من هذه التحالفات إلا أنها ومع الأسف الشديد لم تدرك آلية تشكيل هذه التحالفات وموقع كل حزب فيها، مسؤولياته وحقوقه، ولم تستطيع أن تنزل من الورق إلى الأرض لتحقق أبسط بسيطات مصلحة الأمة.

واليوم يتواجد تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية (تجمع) على الساحة السياسية والذي تشكل في عام 2010 من قبل أثنى عشر حزب وتنظيم مع عدد من شخصيات مستقلة، فهو، إستناداّ إلى التجارب السابقة في هذا الشأن ومقارنته بهم، يعتبر من أنجح التحالفات السياسية في مجتمعنا. فلو دققنا النظر في طبيعة تشكيل هذا التجمع نجد بأن العوامل أو التحديات الخارجية تمازجت وتفاعلت مع الوعي السياسي لقادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية المشكلة لهذا التجمع، أي تفاعلت العوامل الموضوعية مع الذاتية في تشكيله. وهو الموضوع الذي فصلنا فيه كثيرا في مناسبة سابقة. غير أن الواقع يقول ويثبت بأن مسيرة أكثر من ثلاث سنوات للتجمع تتسم بنوع من الخجل وفقدان الثقة بين أعضائه وبالتالي تعثر كثيراً في عمله بسبب عوامل داخلية أكثر من كونها عوامل خارجية وكل هذا يرجع إلى عدم وصول الوعي السياسي والقومي لدى بعض من قادة هذه الأحزاب إلى مستوى قادر على فهم طبيعة  هذه التحالفات وموقع كل حزب فيها وحدود مسؤولياته وحقوقه، أي بعبارة أخرى لم تستطيع هذه الأحزاب من الإنفلات من التحزبية وتفضيل المصلحة القومية على المصلحة الحزبية خاصة عندما تنبعث روائح الإمتيازات المغرية من مصادر كراسي البرلمان والحكومة والمناصب الأخرى فتزكم العقول وتخدر الوعي السياسي وبالتالي يضعف الوعي بالمصلحة القومية والعمل الجاد من أجل تحقيق الحد الأدنى منها. مثال بسيط وحي: المعلن عنه بأن هناك 13 كياناً أعلن أسمه عن خوضه لإنتخابات البرلمان العراقي المزمع إجراءه في شهر نيسان 2014 للتنافس على الكوتا المسيحية، وهو عدد كبير في مقارنة مع حجم أمتنا الصغير وطموحاتها البسيطة. فأين الوعي السياسي بالمصلحة القومية بين قادة هذه القوائم، أليس هذا التحزب بعينه وتجاهل لأدنى مطامح أمتنا التي يتطلبها عدد أقل بكثير من هذا العدد حتى تكون المنافسة مقبولة وديموقراطية وقادرة على السير في طريق تحقيق هذه المطامح من دون شرذمتها بين الكتل. والأنكى من كل هذا فهناك بعض من هذه الكيانات يدرك قادتها بأن فرص الفوز بمقعد في البرلمان العراقي ضئيل جداً أن لم يكن معدوماً ولكن التحزبية عملت فعلها المؤثر والقوي في دفعهم لدخول هذا المعترك محاولاً إثبات بأنه كبير وقادر على منافسة الكبار وهو لايعدو أن يكون إلا من بضعة أشخاص أو يحلم حلماً وردياً.

هذه السطور التي أطنبت بها بعض الشيء هي كمدخل لفهم الظاهرة القومية العظيمة المتمثلة في إحتفالات الأول من نيسان – عيد أكيتو ودور الزعة التحزبية فيها وتأثيرها في التقليل من عظمتها. لقد سبق وفي مقالة سابقة ذكرنا بأن المسيرات الإحتفالية للأول من نيسان كانت تنظم من قبل زوعا وكانت آخرها عام 2010 فكانت ناجحة بكل المعايير. وبعد هذا العام بدأ التجمع بتنظيم هذه المسيرات للأعوام التالية ولكن الحقيقة تقال بدون رتوش ومجاملات بأنها لم تكن بنفس المستوى السابق لا من حيث جماهيرتها (المشاركون) ولا من حيث تنظيمها وسبل توصيل رسالتها للآخرين، لا بل عبرت عن تشرذمنا وتحزبنا المقيت لهذا الحزب أو ذاك من خلال رفع الأعلام والشعارات الحزبية والطائفية بحيث لم يكن هناك شعارات كافية تعبر عن الوجه القومي والتاريخي والحضاري لهذه المناسبة. والأنكى من كل هذا كان قد غادر بعض قادة أحزاب وتنظيمات التجمع ساحة الإحتفالات أو عدم المشاركة في تنظيمها بحجج غير مقبول طبقاً للوعي القومي للمصلحة القومية المطلوبة في إنجاح هذه الإحتفالات القومية أو بحجة أن زوعا كانت هي المسيطرة عليها وفرضت وجودها على الإحتفالات مخالفة بذلك الإتفاقات المعقودة في التجمع بشأنها. وهذا صحيح بأن زوعا كانت هي المسيطرة وفارضة لوجودها على الإحتفالات وهذا أمر طبيعي جداً لو فهمنا طبيعة وقوة وشعبية وإمكانيات كل حزب أو تنظيم من أعضاء التجمع وهو الفهم والإدراك الذي يؤكد بأن قيام التجمع بتنظيم المسيرة النيسانية لم تكن إلا شكلية وكان تنظيمها فعلياً من قبل زوعا. وتأكد هذا من خلال الزيارات لمقرات زوعا سواء في أربيل أو دهوك ومشاهدة العدد الهائل من الزائرين لهذه المقرات والإحتفالات المقامة فيها ولبضعة أيام في الوقت الذي كانت مقرات الأحزاب الأخرى أما مغلقة أو فارغة دون أي إحتفال غير لافة على الباب بهذه المناسبة. من هذا المنطلق الواقعي والموضوعي كنًا بعد مسيرة عام 2013 قد أقترحنا في مقالة سابقة أن تقوم زوعا بتنظيم هذه المسيرة وأن تقوم بقية الأحزاب بنشاطات ثقافية وفنية وإجتماعية آخرى لتكتمل الحلقة الإحتفالية لعيد أكيتو الذي كان يستمر لعدة أيام وكل حسب إمكانياته وقوته وتأثيره في مجال معين دون غيره.

وحتى لا نقلد طير النعامة في السياسة وندس رأسنا في الرمال ونخشى روية الواقع كما هو، نقول بأن زوعا اليوم ليست كالأمس، خاصة بعد عام 2013، عام سقوط الصنم البعثي. فبالأمس كانت زوعا تستمد كامل شرعيتها من جماهير الأمة وموأزرتها وأستطاعت رغم الأمكانيات الشحيحة والتحديات الخطيرة أن تحقق أعظم الإنجازات في هذا العصر والمتمثلة في دعم وإسناد التعليم السرياني وعلى مراحل دراسية مختلفة، مضافاً إلى هذا كانت زوعا مصدر ألهام لأبناء أمتنا سواء في الوطن أم في المهجر وشحذ الهمم ودفع الوعي القومي الصحيح بخطوات ملموسة نحو الأمام، فشاركت كممثلة للأمة مع المعارضة العراقية والقوى الديموقراطية في إسقاط النظام، فكسبت إلى جانبها خيرة مثقفي أمتنا ناهيك عن المساندين والداعمين لها. ولكن من المؤسف له يظهر بأن مثل هذه الشرعية بدأت بالتراجع نوعا ما لحساب الكراسي البرلمانية والحكومية فأصبحت هذه الأخيرة مصدر آخر لقوتها وشرعيتها مبتعدة عن الجماهير وطموحاتها بخطوات ملموسة إلى درجة أصبحت القوائم الإنتخابية كدكاكين سياسية ليس لزوعا وحدها بل لمعظم أحزابنا وتنظيماتنا القومية بحيث سنصل قريباً خاصة عند دنو فترة الإنتخابات وحلم الفوز بكراسي برلمانية أو حكومية أن تحل هذه الدكاكين محل الأحزاب نفسها وهو ما نشاهده في هذه الأيام. هذا التحول النوعي الجزئي في شرعية زوعا كان من الطبيعي أن ينعكس على كيانها الداخلي وأن يتخلخل ويفرز أعضاء قياديين وكوادر متقدمة خارج التنظيم الرسمي لها. وجرياً على "موديل" تأسيس الدكاكين الإنتخابية أسس هؤلاء كياناً إنتخابيا تحت تسمية "قائمة أبناء النهرين" ونزلت إلى الساحة السياسية وبقوة وفازت بكرسي في برلمان إقليم كردستان وحالياً تعمل بهمة ونشاط أكبر لتفوز بأكثر من كرسي في برلمان العراق المركزي.

هذه الحالة الإستثنائية لتنظيم زوعا، من المؤسف الشديد لها أن يتجاهلها قادة زوعا ويصرون على أنها ظاهرة طبيعية في الأحزاب السياسية وقد مرت هي بها في السنوات السابقة عندما خرج "نفر أو نفرين" من قادتها وتركوا التنظيم، لكن الأمر ليس هكذا فالعدد الكبير من "الخارجين" وتشكيلهم كيان إنتخابي قابل لتحدي زوعا وغيرها من الأحزاب يجعلنا أن ننظر للمسألة بنظرة جادة مختلفة تماماً ويستوجب عدم تجاهلها إطلاقاً والهروب منها. نقول مرة أخرى، أنه من المؤسف الشديد جداً أن تتجاهل زوعا كل نداءات السلام والمصالحة  بين الطرفين التي صدرت من أقرب أصدقائها ومؤزريها ومحبيها وهو التجاهل الذي بالنتيجة والحتم سيضع مسألة شرعيتها المستمدة من هؤلاء موضوع شك وريبة وفقدان جوانب من مصداقيتها في مسألة المصلحة القومية والإقتراب بل الإلتصاق بالتحزبية أكثر فأكثر وصولاً إلى ظاهرة الشللية المقيتة التي تختزل الحزب في "نفرات" قليلة تصبح هي الكل في الكل. هذا الوضع الفريد من نوعه في تاريخ زوعا يجعلنا أن نعيد النظر في  مسألة تنظيم مسيرة أكيتو وأن نقترح تنظيم هذه المسيرة من قبل التجمع ولكن بشرط مطلق وحاسم وهو أن لا ترفع شعارات حزبية أو تجير اللافتات بأسم أي حزب أو تنظيم أو تطلق هتافات حزبية منرفزة ومهينة في بعض الأحيان للأحزاب الأخرى المشاركة في المسيرة كما شاهدناه في السنوات الماضية، بل يجب أن تكون جميعها شعارات وهتافات تعكس الجوانب القومية لهذه المناسبة وتبين بأن مصلحة الأمة فوق مصلحة الأحزاب وعلى هذا الأساس ستصل رسالة المسيرة إلى الآخرين وليس على أساس الحزب الأقوى صراخاً وتعلية للشعارات.

يقول العلماء بأن سنة واحد من قرن العشرين وما بعده تقابل مائة سنة من القرون الماضية من حيث تقدم البشرية ويرجعون سبب ذلك إلى عدة أسباب منها ظهور نظرية المنظمة أو تنظيم حياة البشر من جميع المناحي. وهذا ما نشاهده في المجتمعات المتقدمة ولا نجده في المجتمعات المتخلفة. إذن، حتى نعطي للمسيرة النيسانية طابعاً متقدماً وحضارياً يجب أن يكون التنظيم سيد الموقف في جميع الجوانب، ولكن لم يبقى على الأول من نيسان غير أسبوعين أو أقل ولحد هذا اليوم لم نسمع أو نقرأ أية تحضيرات لهذه الإحتفالات. أن التحضير المسبق للإحتفال مهم جداً خاصة لأبناء شعبنا في المهجر الذي في كل عام يشارك فيه عدد لابأس به خاصة القطاع الأهم، الشباب والطلاب. فأمر هؤلاء يختلف عن مشاركة أبناء الأمة في الوطن لأن معظمهم من الموظفين أو المرتبطين بأعمالهم أو كونهم طلاب جامعات وإن تقرير المشاركة في الإحتفال يتطلبه تخصيص الكثير من الوقت والمال وقطع المسافات الطويلة والقضاء بضعة أيام في الوطن وهو أمر صعب للغاية في المجتمعات الغربية التي يتطلبها إستعداد وتحضير مسبق. إن حضور ومشاركة هؤلاء خاصة الشباب والطلاب من بلدان المهجر أمر في غاية الأهمية لأنها أحدى الوسائل التي تجعلهم مرتبطين بأرض الوطن ويستذكرونه دوما عند عودتهم وهذا ما لاحظته في المؤتمر العام للإتحاد القومي الآشوري الأمريكي (كونفينشن) في شهر آب من العام الماضي في سان دياكو في ولاية كاليفورنا حيث عقد البعض من هؤلاء الشباب والطلاب ندوة عرضوا فيها مشاهداتهم ومشاركتهم في المسيرة النيسانية وزياراتهم لقرى وقصبات أبناء أمتنا في الوطن مدعوماً بسلايدات وأفلام فكان ذلك مثار أعجاب شديد من قبل الحاضرين وعاملاً مهماً في تشجيع أبناء أمتنا لزيارة الوطن خاصة أثناء الإحتفالات بعيد أكيتو فخلق ذلك ردة فعل قوية لديً مما حدا بيً أن أدخل في مداخلة معهم فيها نوع من الفكاهة والبهجة فقلت لهم "هنيئاً لكم لقد ضمنتم لكم دخول الجنة لأن من يزور أرض الوطن ويشارك في إحتفالات أكيتو سوف يدخل الجنة... وأشكر ربي لأنني ضمنت لي دخول الجنة بمشاركتي كل سنة في هذه الإحتفالات؟؟!!"

نأمل أن نراكم في مسيرة أكيتو القادم ولا يهمنا من سيكون المنظم لها فالمهم هو أن تعلو مصلحة الأمة عالياً وأن تكون هناك نشاطات ثقافية وفنية وأدبية وإجتماعية وأن نشارك فيها جميعاً والتي يجب أن ترافق مسيرة أكيتو كما كان يفعل أجدادنا البابلين والآشوريين قبل ألاف السنين... فلنكن جميعاً موضع ثقة عند أرواحهم ونسير على نفس دروبهم التي قادت البشرية إلى الحضارة والتقدم.
   
 

30
التغيير الديموغرافي للمناطق "الكلدانية السريانية الآشورية" في العراق
وجريمة التطهير العرقي

===============
أبرم شبيرا
مختصر في المفاهيم:
============
الديموغرافيا:
 يتفق معظم أساتذة وطلاب علم الإجتماع والجغرافيا على إرجاع مصطلح ديموغرافيا إلى اللغة اليونانية كغيره من المصطلحات  ذات الأصول الإغريقية، والذي يعني: ديمو – الشعب وغرافيا ـ الدراسة، أي بعبارة أخرى فهذا المصطلح يعني علم أو دراسة السكان من جميع الجوانب المختلفة  ولا أرى ضرورة في التفصيل في تعريفه اللغوي أكثر من هذا، ولكن هناك نقطة مهمة تتعلق بهذا الموضوع وهو أن السكان، وباللغة الإنكليزية (Inhabitants) يربتط إرتباطاً قوياً بالأرض لأن السكان (من فعل سكن) لا يمكن أن يمتلك مثل هذه الصفة إلا بوجود أرض يسكن عليها وبشكل دائم، لهذا السبب لا يمكن إطلاق صفة السكان على القبائل المتنقلة والبدو الرحل لأنهم لا يسكنون بشكل دائم على قطعة أرض معينة. وتظهر قوة الربط العضوي بين السكان والأرض من خلال التسمية التي يكتسها كل واحد من الأخر. فالكثير من الشعوب أكتسبوا تسميتهم من الأرض التي سكنونها وأعتبروه موطناً لهم والعكس صحيح أيضا فالكثير من الأراضي او الأوطان سميت بأسم السكان الذي يقطنها. وهناك أمثل كثيرة في هذا السياق، ويكفي هنا أن نشير إلى أرض الكلدان نسبة للكلدانيين وبلاد آشور نسبة للأشوريين، من هذا المنطلق يظهر مدى قوة الربط بين السكان والأرض وصعوبة الفصل بينهما.

من خلال هذا الربط العضوي تصبح الأرض مصدراً لحياة ومعيشة السكان الرئيسي وتنشأ بين أفراده علاقات خاصة ومتميزة تمارس من خلالها مجموعة من العادات والثقافة واللغة أو اللهجة والذكريات وتواريخ الأسلاف فتصبح بالنسبة لهم مصادر مهمة في تمييزهم ثقافيا وإجتماعية عن غيرهم من السكان. لهذا السبب تصبح العلاقة العضوية بين السكان والأرض ذات أهمية كبرى وحساسة إلى درجة يجعل مصير أو تقرير وجودهم المتميز متعلق بهذه القطعة من الأرض التي عرفت بشكلها الموسع في العلوم السياسية والقانونية بالإقليم أو الدولة وإن إي إنفراط في عقدة الربط العضوي بين السكان والأرض سيؤدي لا محال إلى ما عرف في العلوم الإجتماعية بالتغيير الديموغرافي.

التغيير الديموغرافي:
 ليس قصد موضوعنا هذا التغيير الديموغرافي الناجم من تغيًر سكان منطقة معينة من حيث حجم السكان وتوزيعه وكثافته ونسبة الولادة والوفيات والحالة الإقتصادية والإجتماعية ونسبة الأعمار وغيرها من المواضيع التي يدرسها علم السكان والجغرافيا البشرية وإنما القصد هو إرتحال أو ترك السكان لأراضيهم أو تهجيرهم إلى أمكان أخرى لأسباب تتراح بين الحرب والعنف والقوة أو التهديد بإستخدام القوة أو بقوانين جائرة أو بسبب قسوة الظروف الإقتصادية والسياسية التي تفرض على السكان الأصليين وتجبرهم على ترك موطنهم حتى يفسح المجال لسكان آخرين يحلون محهلم. ومثل هذه الإجراءات التعسفية في التغير الديموغرافي هي ممارسات غير قانونية لا بل جريمة ضد الإنسانية عالجها الكثير من القوانين والمنظمات الدولية وأقرت بصفتها الإجرامية والعقوبات الناجمة عنها. وقد عرف مثل هذه الجرائم في التغيير الديموغرافي بجرائم التطهير العرقي، وباللغة الإنكليزية بـ (Ethnic Cleansing)

التطهير العرقي - (Ethnic Cleansing):

إن الترجمة الحرفية لهذا المفهوم من الإنكليزية إلى العربية يشوه معناه ومضمونه المراد دراسته ككثير من المصلطحات الإنكليزية واللاتينية التي ترجمت إلى العربية بمعنى آخر لا ينطبق مع المضمون المراد دراسته. وكلمة (Ethnic) أو (Ethnicity) أو (Ethnical) والتي كثيرا ما تلفظ بالعربية كما هي في الإنكليزية بـ (الأثنية) لا تعني تحديداً ومضموناً بالعرق أو العنصر أو الدم بل لها معنى إجتماعي سوسيولوجي وأنتروبولوجي. فالأثنية تعني مفهوم يقوم على تحديد هوية جماعة معنية قائمة على أسس مشتركة من التجارب والإفكار والممارسات والأرث الثقافي واللغوي والأرض والتاريخ المشترك. أي بمعنى آخر هو نوع لفظي آخر لمصطلح القومية أو الأمة في الفكر السياسي المعاصر. ففي العربية (التطهير العرقي) يظهر بأنه يقوم على أساس العرق أو العنصر أو الدم ولكن في حقيقة الأمر مثل هذا التطهير يقوم على أساس فصم رابطة السكان عن أرضه وبالتالي تطهير وقضاء على كل المقومات التي تحدد أثنيته أو قوميته من خلال هذه الأرض. أي بهذا المعنى فالتطهير هنا هو تطهير أثني أو قومي وليس عرقي عنصري، ولكن جرياً على العادة فالإستخدام الشائع في القاموس السياسي هو التطهير العرقي.
 
تعرف الموسوعات التطهير العرقي كمصطلح الذي يطلق على عملية الطرد بالقوة لسكان غير مرغوب فيهم من إقليم معين على خلفية تمييز ديني أو عرقي أو سياسي أو إستراتيجي أو لاعتبارات ايديولوجية او مزيج من الخلفيات المذكورة. او من خلال السجن أو القتل او التهجير الذي تقوم به مجموعة مسيطرة تشكل الغالبية على مجموعة عرقية اخرى تشكل الاقلية من اجل الحصول على مناطق تقطنها المجموعة الاثنية التي تنتمي لها الاغلبية وقد تكون عمليات التطهير العرقي وفي حالات عديدة مرافقة لمجازر ترتكب ضد الاقلية المستهدفة عرفت بـ "الإبادة الجماعية".

التطهير العرقي ضد الكلدان السريان الآشوريين:
============================
الخلفية التاريخية:
سكن الآشوريون والكلدان والسريان منذ أقدم العصور في منطقة سماها الإغريق بـ (ميسوبوتميا)  (Mesopotamia) وباللغة السريانية (بيت نهرين) وترجمت إلى العربية بـ "بلاد ما بين النهرين" وهي ترجمة خاطئة فالصحيح هو بلاد مابين الأنهر أو الأنهار لأن في هذه المنطقة أكثر من نهرين (دجلة والفرات) كما أنه لا يوجد لا في اللغة السريانية ولا في اللاتينية أو الإنكليزية صفة التثنية، ففيها صفة المفرد و الجمع فحسب. وهو أمر يدركه اللغويون أكثر منًا بكثير. على العموم لكون هذه المنطقة غزيرة جداً بالمياه، مصدر نشؤ الحضارات، أصبحت أيضاً مصدر أطماع شعوب وقبائل يفتقرون إلى مثل هذه المصادر للحياة والحضارة لذلك تعرضت المنطقة إلى غزوات عديدة وعبر قرون طويلة من الزمن خاصة بعد زوال القوة السياسية والعسكرية لسكان هذه المنطقة من الآشوريين والكلدانيين فأحتلت أراضيهم وسكنها شعوب وأقوام جاءوا من خارج هذه المنطقة يختلفون عنهم إختلافاً كلياً ومن نواحي عديدة، حضارية ولغوية وتاريخية وحتى نفسية ودينية، فكان نتيجة ذلك أكبر وأوسع تطهير عرقي لهذه المجموعة البشرية في التاريخ فتحولوا من أكثرية بشرية إلى أقلية تسكن في مناطق معزولة أو شبه معزولة ومحاطة بهذه الشعوب والأقوام الغريبة التي أحتلت معظم أراضيهم وسكنوها حتى يومنا هذا. وشهد بداية القرن العشرين أوسع عملية تطهير عرقي وأثني وديني قامت بها سلطات الدولة العثمانية ضد الكلدان السريان الآشوريين وطرتهم بالقوة والقتل والتشريد والمجاعات من اراضيهم التاريخية ضمن سياسة عرفت بتتريك الأقوام غير التركية وغير المسلمة. وفي العراق منذ تأسيس كيانه السياسي عام 1920 لم تنقطع سلسلة التطهير العرقي للأصحاب الحقيقيين والتاريخيين لبلاد ما بين النهرين وأقصد تحديداً الكلدان السريان الآشوريين وعن طريق زحف الأقوام الأخرى من الكورد والعرب وغيرهما على أراضيهم التاريخية سواء بشكل طبيعي وبطيء أو بأساليب العنف والقوة والتهديد والطرد أو حرمانهم من المقومات البسيطة للعيش بحياة آمنة ومستقرة كالأمن والسلامة والطمأنينة. واليوم لايمكن فهم تجاوز الكورد على أراضي الكلدان السريان الآشوريين في إقليم "كردستان" ولا الإجراءات الجائرة التي يقوم بها بعض الموظفين والدوائر الرسمية في مناطق سهل نينوى وبحجج مختلفة إلا كحلقة من حلقات سلسلة التغيير الديموغرافي لأراض الكلدان السريان الآشوريين وتطهير المنطقة من مقومات وجودهم التاريخي فيها. ونظرة بسيطة على جغرافية المنطقة نرى بأن هناك مناطق كثيرة شكل الكدان السريان الآشوريين الأكثرية وضمن مناطق متجاورة ومتجانسة لكن بعد الحرب والعقود التي لحقتها تحولوا إلى أقلية بعد أن رحلو قسراً من مناطقهم التاريخية ولم تبقى منطقة متجانسة لهم إلا في سهل نينوى وفي بعض القرى الصغيرة المعزولة في جبال شمال العراق، وهي في هذه الأيام أراض معرضة للتغير الديموغرافي وتغيير معالمها التاريخية والتراثية.   

الوضع الإستثنائي وعلاقته بالتغيير الديموغرافي:
عاش ويعيش الكلدان السريان الاشوريين وضعاً ديموغرافياً وجغرافياً وجيوسياسياً إستثنائياً لا مثيل له، ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب وإنما تقريباً في معظم أنحاء العالم. فهم أقلية بكل معنى الأثني والإجتماعي والديني والجغرافي والسياسي. جغرافياً فهم يعيشون على هوامش وحدود دول : عراق وتركيا وإيران وسوريا وحتى أرمينيا وروسيا، يشبه حالهم الجغرافي كحال الكورد ولكن من جهة دينية يختلفون عنهم في كونهم مسيحيون يعيشون في هذه الدول التي تدين بالإسلام الذي هو دين الكورد أيضا، أي هم كجزيرة صغير يعيشون وسط بحيرة إسلامية. وهنا يجب أن لا ننسى بعض الجهات الإسلامية المتطرقة التي لا تجد في هذه الأقلية المسيحية إلا ككفار وملحدين وعملاء للغرب المسيحي. إضافة إلى ذلك يختلفون لغوياً عن الأكثرية والدول المجاورة التي يتكلمون بلغات لا تمت بأية جذور لغوية، عدا العربية، إلى اللغة السريانية التي يتكم بها الكلدان السريان الآشوريين. هذا ناهيك عن الوضع السياسي الذي يحيط بهم إذ أنه ليس لهم أية إمتدادات سياسية أو دولة تشاركهم أثنياً ولغوياً ودينياً يمكن أن يشكل مثل هذا العامل السياسي دعماً لهم في مطاليبهم القومية والحفاظ على كيانهم وأراضيهم عند تعرضها للتجاوزات والإحتلال، كما هو الحال مع التركمان في العراق وحتى الأرمن. كل هذا الوضع الإستثناني للكدان السريان الآشوريين هو نتيجة مباشرة للتغير الديموغرافي لمناطقهم التاريخية فأصبح هذا الوضع الإستثناني عاملاً مشجعاً للطامعين بأراضيهم للتمادي في التجاوز عليها وإحتلال البقية الباقية وتغيير معالمها الديموغرافية. فهذا الوضع الإستثنائي الناجم من التغيير الدموغرافي شكل عاملاً من عوامل هجرة الكدان السريان الآشوريين وعلى المستويين: الهجرة الداخلية والهجرة الخارجية، وهو موضع آخر ويستوجب التفصيل عنه في مناسبة أخرى.

الغيير الديموغرافي والدستور العراقي:
=========================
النص الدستوري:
تطرقت المادة 23 من الدستور العراقي لعام 2005 بهذا الخصوص على مايلي:
أولا: الملكية الخاصة مصونة ويحق للمالك الإنتقاع بها وإستغلالها والتصرف بها في حدود القانون.
ثانياً: لا يجوز نزع الملكية إلا لأغراض المنفعة العامة مقابل تعويض عادل، وينظم ذلك بقانون.
ثالثا:   أ – للعراقي الحق في التملك في أي مكان في العراق، ولا يجوز لغيره تملك غير المنقول إلا ما
   أستثنى بقانون.
   ب – يحظر التملك لأغراض التغيير الديموغرافي.
وقد جرى العديد من التفسيرات والإجتهادات فيما يتعلق بالفقرتين (أ) و (ب) من ثالثاً أعلاه. والذي يظهر كأنه هناك تعارض بينهما، ذلك لأنه حاول البعض أعتماداً على الفقرة (أ) تفسير نص الفقرة (ب) لتحقيق أغراضهم من التملك والتي ينتج عنه تغييراً ديموغرافياً في بعض المناطق التي لها خصوصية أثنية وقومية ودينية ومذهبية. غير أن المحكمة الإتحادية العليا حسمت الموضوع بقرارها المرقم 65/إتحادية والمؤرخ في 23/07/2013 وأكدت على منع التملك لإغراض التغيير الديموغرافي حتى بوجود حق العراقي في التملك في أي مكان في العراق إذ أن الفقرة (ب) وردت في الدستور بعد نص الفقرة (أ). وقد جاء في قرارها "أن الدستور العراقي حظر تمليك أو تملك الأشخاص أفراداً أو جماعات للعقارات بكل أجناسها وأنواعها وفي أي مكان من أرجاء العراق سواء كان ذلك على مستوى القرية أو الناحية أو القضاء أو المحافظة وبأي وسيلة من وسائل التمليك أو التملك وذلك إذا كان وراء ذلك التمليك أو التملك هدف أو غاية للتغيير السكاني وخصوصيته القومية والأثنية أو الدينية أو المذهبية، حيث نص أن المادة (23/ثالثا/ب) من الدستور ورد مطلقاً في حكمه وهادفاً مع النصوص الدستورية الأخرى في الحفاظ على الهوية السكانية بمناطقها الجغرافية في العراق القومية منها والأثنية والدينية والمذهبية وشكل قيداً لنص المادة (23/ثالثا/أ) من الدستور التي أجازت للعراقي تملك العقار في أي مكان في العراق، لأن نص المادة (23/ثالثا/ب) من الدستور ورد بعد نص المادة (23/ثالثا/أ) من حيث الترتيب التدويني ولأنه كما تقدم ورد بصيغة المطلق والمطلق يجري على إطلاقه" وكان القرار قد صدر بإتفاق جميع أعضاء المحكمة العليا.

لاشك فيه أن هذا النص الدستوري وقرار المحكمة بشأن هذه المادة جاء إنتصاراً لمبادي العدل والإنصاف وهو نصراً، على الأقل قانونياً ونظرياً، على التجاوزات والتمليك المؤدي إلى التغيير الديموغرافي خاصة لأراض القرى والقصبات التي لها خصوصية تاريخية للكلدان السريان الآشوريين لذا فإن أي إجراء بهذا الشأن فهو باطل قانونياً. فوفق هذا النص لا يجوز تملك المسلمين الأراضي والعقارات في مناطق ذات أغلبية مسيحية إذا كان الهدف تغيير هوية المدينة السكانية أو بالنتيجة سيودي هذا التملك إلى تغيير ديموغرافي ولا يجوز لغير القوميات كالعرب والكرد والتركمان تملك أراض مهما كان نوعها في مناطق الكلدان السريان الاشوريين طالما ذلك يؤدي إلى تغيير ديموغرافي لهذه المناطق.

إفتقار القانون إلى الأرادة السياسية:
بالرغم من كون هذا النص في الدستور العراقي معززاً بقرار المحكمة الإتحادية العليا حماية للأقليات الأثنية والدينية، إلا أن تطبيقه يحتاج إلى إرادة سياسية وطنية للسلطات التنفيذية وهو أمر مشكوك فيه من خلال التجارب والممارسات الخاصة بالتجاوزات والتغيير الديموغرافي للمناطق الكلدانية السريانية الآشورية، خاصة عندما نعرف بان أسلوب المخاصصة الطائفية المقيتة تعشش في أروقة الأجهزة التنفيذية. صحيح ما قاله الشيخ همام حمودي رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراق أثناء جلسة إستماع أوروبية في بروكسيل في 16 أيولز 2013 ما مضمونه بأن المسيحيين يعيشون دستورياً عصرهم الذهبي ولكن ليس كذلك في الواقع. ولكن أخطاً كثيرا كما يخطئ عادة معظم العراقيين وبعض من سياسي الكلدان والسريان الآشوريين عندما يقولون بأن واقعهم لا يختلف عن واقع بقية العراقيين فالجميع مستهدفين على حد سواء. غير أن الأمر ليس كذلك إطلاقاً فإستهداف المسيحيين من الكلدان السريان الآشوريين في العراق هو إستهدافاً لوجودهم التاريخي في أرض أبائهم وأجدادهم وإقتلاعهم من جذورهم في حين أن إستهداف غيرهم من المسلمين من العرب السنة أو الشيعة أو الكرد هو إستهدافاً سياسياً وليس ديموغرافياً. وهذا أمر فصلنا فيه في مناسبة سابقة ولا يستوجب الإطناب فيه أكثر من هذه الإشارة. وبإختصار نقول بأن النص القانوني لا تكون له أية قيمة أو قوة على أرض الواقع مالم يطبق من قبل الهيئات التنفيذية وبإرادة سياسية وطنية وليس طائفية أو عشائرية أو تحزبية، فالديموقراطية وحماية الشعوب الأصلية للوطن ليست بالنصوص بل بالنفوس الطيبة والمنفتحة والمتمدنة.

وللإرادة السياسية المبنية على الطائفية قوة بحكم تحكمها في الهيئات التنفيذية في تفسير المواد الدستورية والقانونية بما يخدم مصالح الطائفة التي تمثلها. فمن السهول على الهيئات الإدارية للمحافظات والأقضية والنواحي إصدار قرارات في إنتزاع ملكية أرض بحجة المنفعة العامة كما يحدث في مسألة بناء مساجد أو حسينيات في مناطق كلدانية سريانية آشورية، كما حدث في ناحية برطلة وغيرها من القصبات في سهل نينوى والذي قد يظهر بأنه بناء مثل هذه المساجد والحسينيات لا يؤدي إلى تغيير ديموغرافي. ولكن الأمر ليس كذلك إطلاقاً لأن بناء هذه المساجد والحسينيات تبنى للمسلمين من الشيعة والسنة والتي حتماً ستكون نقطة جذب لهم من المناطق الأخرى إلى هذه المناطق والسكن فيها. كما أنه يجب أن نؤكد بأن التغيير الديموغرافي لا يحدث دفعة واحدة بل عبر مراحل وفترات مختلفة ومتعددة ومن المؤكد وجود مثل هذه المساجد والحسينيات هو نقطة بداية في التغيير الديموغرافي لتلك المناطق خاصة عندما نعرف بأن الفلتان الأمني الذي يضرب الأقليات قبل غيرهم يساعد كثيراً في تسريع عملية التغيير الديموغرافي.

أما في مناطق الكلدان السريان الآشوريين في إقليم "كردستان" فالتغيير الديموغرافي فيها رغم أنه يلتقي مع التغيير الديموغرافي القائم في مناطق سهل نينوى في الهدف إلا أنه ينحو منحاً آخر أكثر قوة وتأثيرا، ليس بسبب إفتقار هذه المناطق إلى الخدمات الأساسية فحسب بل أيضاً إلى تجاهل القوة العشائرية المتحكمة في بعض من هذه المناطق لكل قرارات وأنظمة السلطات المحلية لا بل هناك حالات ساعد أو تورط بعض من عناصر السلطات المحلية والعسكرية في تجاوز وإستلاء على الأراض الكلدانية السريانية الآشورية كما حدث مؤخراً في قرى منطقة نهلة وفي قرية كوري كفانه. فإن تغاض السلطات المركزية والمحلية عن مثل هذه الإجراءات التعسفية والممارسات اللا قانونية تشجع الطامعين في المزيد من الأراضي والبساتين على إستمرارهم في تجاوز وإحتلال والسكن في أراضي الكلدان السريان الآشوريين.

أخيراً نود أن نبين بأن الإعتماد على النصوص الدستورية والقوانين والأنظمة والقرارات الإدارية للسلطات التنفيذية قد تكون سنداً لسياسي أبناء أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية إلا أنها غير كافية إطلاقاً للحد من التجاوز على أراض هذه الأمة التاريخية، بل يتطلب هذا السند إرادة سياسية قومية فاعلة تجد لها الحياة على أرض الواقع. فكتابة الإحتجاجات والإستنكارات لا آذان صاغية لدى السلطات الرسمية ولا يخترق جدران هذه الأذان إلا بالنزول إلى الساحة السياسية وتسير إحتجاجات جماهيرية وتقديم إستقالات ممثلي الأمة من الهيئات الحكومية والبرلمانية أو تجميد عضويتهم وإيجاد السبل التي قد توصل هذه الإحتجاجات إلى الرأي العام العالمي وقد يكون التنسيق مع أحزاب ومنظمات أمتنا في المهجر عامل ضغط على السلطات العراقية المركزية والإقليمية لأخذ مسألة التجاوز على أراضي أمتنا بنوع من الجدية في معالجتها أو الحد منها والإ فمصير هذه المناطق سيكون كمصير المئات من القرى والقصبات التي أحتلت بالكامل من قبل الغير وبالتالي تفقد أمتنا أهم عنصر من عناصر وجودها التاريخي في أرض الأباء والأجداد ولا حل لهذه المعظلة وإيقاف التغيير الديموغرافي إلا أن يحكم ويدير أبناء أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية أراضيهم بأنفسهم سواء بالحكم الذاتي لمناطقهم أو بالإدارة المحلية والذي من الضروري أن يسبق ذلك إعادة ترتيب ورسم الحدود الإدارية لبعض المناطق لتكون ملائمة لمثل هذا الحكم الذاتي أو الإدارة المحلية وهو أمر نعيده ونكرره مرات ومرات يتطلبه إرادة سياسية قومية وطنية فبدونها يبقى العمل السياسي هباء والجهود المذولة في هذا الشأن تدور في حلقة مفرغة لا جدوى منها، عند ذاك سيكون لنا شأناً أو موقفاً آخر من الهجرة التي تذبح بأمتنا وتقطعها أوصالاً.


 
             
 
     
 

31
تعرض الشخصية القومية المعروفة عمانوئيل قليتا إلى حادث سقوط خطير

ابريم شبيرا


تعرض قبل بضعة أيام الشخصية المعروفة والناشط القومي عمانوئيل قليتا إلى حادث سقوط خطير أودى به إلى نقله فوراً إلى المستسفى حيث تبين بأنه مصاب بكسر كبير في منطقة الحوض إضافة إلى مضاعفات آخرى تداخلت مع حالته الصحية الضعيفة مما أستوجب أجراء عملية جراحية له ومعالجة المضاعات الأخرى لتجعله طريح فراش المرض في أحدى المستشفيات الكبرى في دولة الإمارات العربية المتحدة. ومن المعروف عن السيد عمانوئيل بأنه من بين قلة قليلة من رجال الأعمال الناجحة الذين أنخرطوا في المسائل القومية والنشاطات السياسية والأعمال الخيرية ومن دون أن يستكين إلى الراحة والهدوء رغم عمره العتيد وتدهور حالته الصحية بشكل عام.
فقد كان من أنجح رؤساء النادي الآشوري في لندن في الثمانينيات من القرن الماضي حيث لعب دوراً كبير في هذا النادي ومن نواحي عديدة جعلته أن يتذكروا أعضاءه دوماً أيام رئاسته للنادي. كما كان عضواً نشطاً في الأتحاد الآشوري العالمي (AUA) ومسؤولاً ماليا عنه لسنوات طويلة وفي السنوات الأخيرة كان رئيساً للجمعية الخيرية الآشورية في بريطانيا. وبالنظر لمساهماته الكبيرة في الحقل القومي وتبرعاته السخية للجمعية الخيرية الأشورية وللكثيرمن المحتاجين وخاصة أبناء أمتنا المهجرين في سوريا والأردن فقد أختاره الأتحاد القومي الآشوري الأمريكي ((Federation في مؤتمره العام كرجل لعام 2010، ومن ثم تم تكريمه كشخصية قومية مرموقة من قبل الجمعيات الآشورية في ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية.

رغم إغتراب السيد عمانوئيل عن وطنه لفترة تزيد عن نصف قرن إلا أنه لم ينقطع أبداً عنه فكان وعلى الدوام في أتصال مع أبناء أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" ليس من خلال إنضمانه أو مشاركته مع الأحزاب السياسية أو المنظمات القومية في بلدان المهجر بل من خلال زياراته المتكررة سواء لشمال الوطن أو إلى سوريا والأردن. فعلى الرغم من حالته الصحية المتدهورة وصعوبة المشي والتحرك إلا هذا لم يمنعه من مشاركته السنوية في مسيرة عيد أكيدو في الأول من نيسان من كل عام وأنخراطه في الفعاليات والزيارات إلى قرى وقصبات أبناء شعبنا في شمال الوطن.

نطلب من ربنا يسوع المسيح أن يفعم السيد عمانوئيل برحمته ونعمته ليشفى من هذا المصاب الأليم لنا جميعاً ونأمل أن نراه في مقدمة مسيرة أكيدو في الأول من نيسان من هذا العام كعادته المعهودة.  

32
ذكريات عن إعتقال وإستشهاد الخالدين يوسف ويوبرت ويوخنا
=====================================

صدام حسين: " للمرة الثالثة يعملها الآثوريون... وهذه المرة راح أكسر راسهم"

أبرم شبيرا

في هذه الشهر الذي تمر الذكرى (29) على  إستشهاد الخالدين يوسف توما ويوبرت بنيامين ويوخنا إيشو من  مؤسسي وقيادي الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) بعد إعتقالهم في صيف عام 1984 ومن ثم أعدامهم من قبل النظام البعثي المقبور في بداية شهر شباط من عام 1985، تكثر الأقلام والكلمات بهذا الحدث الحاسم في التاريخ المعاصر للحركة القومية لأمتنا لما وقفه هؤلاء الخالدين مواقف بطولية قل نظيرها سواء أثناء الإعتقال أو المحاكمة الصورية ومن ثم إرسالهم إلى مسرح الإستشهاد في سجن أبو غريب غربي بغداد. ومن حق، لا بل هو واجب، رفاقهم في الحركة وأصدقاءهم أن يعبروا بكل ما تجيش بها مشاعرهم وأفكارهم وترسخ مواقفهم وتؤكد سياساتهم تجاه هذه المسيرة البطولية لهؤلاء الشهداء ولكن في نفس الوقت ليس من حق أحد أي من كان أن يستغل هذا الحدث وأسم الشهداء لتأكيد وترسيخ بعض السياسات والمواقف التي لم تكن لا من قريب ولا من بعيد من ضمن السياسات والمواقف التي أستشهد هؤلاء الأبطال من أجلها، وأنه من المؤسف لا المغزي أن يستغل البعض ذكرى إسشهاد هؤلاء الأبطال للتناطح وكسب المكاسب. صحيح كان هؤلاء من قادة زوعا ومنضمين إليها ولكن إذا أعتبرنا زوعا الحركة الرئيسية والحزب الممثل لأمتنا فإذن هؤلاء هم شهداء الأمة قبل أن يكون شهداء زوعا لذلك فمن حق وواجب كل إنسان محب لأمته أن يثمن تثميناً عاليه هذه البطولة في التضحية والإستشهاد.  

على أية حال، أن تسطير هذه السطور ليس الغرض منها تأييد هذه السياسات والمواقف أو رفضها لأن قدسية الحدث لا يسمح لنا إطلاقا التطرق إلى مثل هذه المسائل التي تؤخر ولا تقدم ولكن الغرض هو أنعاش ذاكرتي عن الأيام التي سبقت إعتقال المجموعة التي تراوح عددها أكثر من 21 عضوا في زوعا والأيام التي قضوها في السجن وحتى آخر أيام إعدام الشهداء وما صاحب ذلك من اجواء مرعبة ومخيفة سادت بين معظم أبناء أمتنا في تلك الفترة. هذه هي بعض الحقائق عن تلك المرحلة الحرجة من مرحلة  إعتقال وإستشهاد مناضلي أمتنا ولكن من المؤكد ليست كلها لأنها مجرد ذكريات مر عليها ما يقارب ثلاثة عقود وربما تآكل جزء منها بالتقادم الزمني فهي عرضت بوجهة نظر شخصية معايشة لجوانب من الحدث ومن المؤكد العديد من أعضاء زوعا ومن أفراد عوائلهم وأصدقائهم لهم الكثير من الذكريات المؤلمة عن هذه المرحلة والتي هي من الضروري لزوعا أن تقوم بتوثيقها ونشرها لأنها مرحلة مهمة في سلسلة النضال القومي المعاصر لأمتنا.  

في ليلة من شهر تموز عام 1984 خرجنا من النادي الثقافي الآشوري في بغداد وكنا مجموعة زادت عن عشرة أشخاص وبينهم أعضاء وكوادر في زوعا وإنطلقنا إلى منطقة الدورة حيث كان مسكن أحد أعضاء زوعا وهناك قضينا ساعات طويلة دنت من طلوع الفجر في أحاديث ومناقشات حامية ووطيسة في السياسة والقومية والأحزاب جرت بين عدد من الذين كانوا معروفين بـ "المستقلين" وأنا واحد منهم وأعضاء من زوعا. لم يكن جوهر المناقشات الإختلاف على المسائل القومية وأهمية وجود تنظيم سياسي ومساعدته بقدر الإمكان خاصة بعد ألتحاق زوعا بركب الكفاح المسلح في شمال الوطن وما يتطلب ذلك من مساعدات مالية ومعنوية، لكن الإختلاف كان على أسلوب العمل الذي كان يسلكه بعض أعضاء زوعا المشاركين في هذه المناقشات والذي كان قائماً على الإندفاع والحماس في الفكر والعمل القومي والتنظيمي وعدم الإحتراس وتقدير المخاطر الناجمة من العمل شبه المكشوف في ظل نظام سياسي مستبد لا يقر ولا يعترف بمثل هذا التنظيم. وكان هذا الأسلوب يعكس أمرين: أولهما: إخلاص وتفاني هؤلاء من أجل أمتهم وإستعدادهم للتضحية من أجلها ومن دون خوف أو تردد. وثانيهما: قلة الخبرة والتجربة في العمل السياسي والتنظيمي حيث معظمهم كانوا من الشباب والطلاب اللذين كانوا في مقتبل حياتهم السياسية.
 
في اليوم الثاني من بعد مناقشات الليلة الماضية، جاء إلى مسكني أحد الكوادر من اللذين شاركوا في المناقشات وهو صديق عزيز وكان جاري ساكناً في نفس المنطقة في بغداد فأعترف بأن ما ذكرته في مناقشات الليلة الماضية هو صحيح وأن مثل هذا الأسلوب سيعرضهم إلى الإعتقال من قبل النظام حيث كانت هناك أخبار غير مؤكدة تأتي من كركوك بإحتمال قيام أزلام النظام البعثي بحملة إعتقالات ضد أعضاء زوعا... وفعلاً لم تمضي بضعة أيام حتى بدأت سلسلة الإعتقالات إبتداءاً من كركوك وموصل وحتى بغداد لا بل وطالت معسكرات الجيش حيث كان البعض من أعضاء زوعا في الخدمة العسكرية الإجبارية وشملت هذه الأعتقالات أيضا صديقي وجاري المنوه عنه أعلاه.  ومن يتابع حيثيات وتفاصيل الأيام السابقة لإعتقالهم والمحاذير أو التهديدات التي وجهت إلى البعض من المعتقلين من جهات أمنية أو غير أمنية كلها تؤكد حماسهم وعدم الخوف من الإستمرار في العمل السياسي من جهة وقلة الخبرة السياسية والتنظيمية والإفتقار إلى الحذاقة والفطنة في الإختفاء عن العيون الإستخباراتية والإبتعاد عن قبضة السلطة من جهة أخرى، وهو ما سبق وأن أكدناه في أعلاه.  

 أمضى مناضلوا زوعا ما يقارب ستة أشهر بين المعتقل والمحاكمة الصورية والسجن بعد أن حكم عليهم بالسجن المؤبد مع مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة. وبعد ورود أخبار عن الحكم عليهم وزجهم في سجن أبو غريب والسماح بزيارتهم في الأيام المحددة، كنت أنا والصديقان نوئيل داود توما والمرحوم إيشايا هرمز يونان أول من قام بزيارهم في سجن أبو غريب إضافة إلى أفراد من عوائلهم، ونحن الثلاثة لم تكن لنا أية صلة عائلية معهم بل مجرد علاقة صداقة وهذا ما أثار مخاوف البعض من المعتقلين على زيارتنا لهم لأنهم كانوا يعتقدون بأن من بين السجناء عملاء للنظام يراقبون زوار السجن وإننا بهذه الزيارة سنعرض حياتنا للخطر. لم يكن بين المعتقلين الشهداء الثلاثة يوسف ويوبرت ويوخنا وقد جاءت الأخبار بأنه حكم عليهم بالإعدام ولكن كان في السجن مجموعة من أعضاء حزب الدعوة الإسلامي الذين حكم عليهم أيضا بالإعدام ولكن عندما رفع قرار المحكمة إلى رئيس النظام البعثي المقبور صدام حسين للمصادقة عليه خفف الحكم من الإعدام إلى السجن المؤبد مع العلم بأن البعض من هؤلاء كانوا قد شاركوا في أعمال العنف والإغتيالات، وفي حينها ذكروا بأن الشهداء الثلاثة كانوا معهم وأنه من المؤكد عندما تحول المحكمة قرار الحكم بالإعدام إلى رئيس النظام للمصادقة عليه سوف يخفف الحكم إلى المؤبد كما فعل معهم لأن الإثباتات ضدهم ليس قوية وكافية لكي يحكم عليهم بالإعدام، وهذا الكلام زرع نوع من الأمل في قلوب أهل الشهداء بأنه في القريب سوف يلتقون بهم في السجن. وبعد مدة تم تبليغ عوائل الشهداء لزيارتهم غير أن الأمر لم يكن هكذا فتبين بأن تبليغهم هو لإستلام جثثهم التي وضعت في أكياس (كواني) ويقال بأن عيونهم كانت مقلوعة.

بعد إجراء المراسيم الكنسية وبنوع من التردد والخوف، تم دفن الشهيدين يوبرت ويوخنا في مقبر "الآثوريين" في منطقة الراشدية على طريق بعقوبة، أما جثة الشهيد يوسف فقد حملها والده المناضل توما الزيباري ليدفنه في قريته "بليجانه" في شمال الوطن. كنًا في بغداد نزور قبر الشهيدين لوضع بعض الزهور عليها وتبخيرها ولكن إستلمنا تحذيرات في حينها بأن حارس المقبرة هو مخبر للأمن العراقي يقوم بأخبارهم عن الزائرين لقبر الشهيدين ولا ندري فيما إذا كان مثل هذه المعلومات صحيحة أم لا ولكن من المؤكد بأن كل الزهور والمأثورات التي كانت تضع على القبرين كانت أما تسرق أو تتلف من "مجهول" والحارس ساكن هناك ليل نهار. لهذا كانت المخاوف والمحاذير سائدة في عدم تعمير وتزين القبرين والتقليل من زيارتهما. والحال أيضا نفسه مع قبر الشهيد يوسف في قرية بليجانه الذي زرته أيضا عدة مرات لم يتم تعميره مع قبر الشهيدين يوبرت ويوخنا إلا بعد سقوط الصنم البعثي. كنت أعرف معظم المعتقلين ومنهم الشهداء الثلاثة وكانت لي مع بعضهم علاقات صداقة قوية وتتداخلات فكرية سياسية  بحيث كنت أعرفهم حق المعرفة ومن جوانب كثيرة فكلهم كانوا بالنسبة لي مناضلين شجعان من الدرجة الأولى. ولكن وحسب إستبدادية النظام وقوانينه الجائرة كانوا كلهم "مجرمين" يستحقوق العقاب ومن من جانب آخر ووفق المعايير الديموقراطية والإنسانية لا بل الواقعية فأنهم كانوا أبرياء بكل معنى الكلمة فلم يقترفوا أي جرم ولا حاولوا الإستلاء على السلطة أوإغتيال رجالاتها ولكن النظام الجائر حكم عليهم بتهم جائرة لا أساس لها قائمة على ألإنضمام إلى تنظيم سري له إتصالات بجهات خارجية في زمن الحرب والعمل ضد السلطة وإقتناء سلاح وأجهزة "متطورة" للتجسس على أساس أن المسدس الصغير القديم (من زمن العصملي) والكاميرا البسيطة التي عثرت عند الشهيد يوخنا إيشو أولت وفق هذا السياق لتبرير حكم الإعدام بحقهم. من المؤكد بأن القاضي المستبد حكم على هؤلاء الثلاثة بأقصى عقوبة مستندا إلى مكانتهم في التنظيم ومعرفة خلفياتهم ودورهم ونشاطهم في الحركة ولكن الأمر المثير للإنتباه هو أن أسمائهم الثلاثة تبدأ بالحرفين (ي) و (و)،  أي يوسف – يوخنا – يوبرت ربما هذا تيسر للقاضي إيجاد كبش الفداء وتحقيق رغبة رئيسه المستبد في كسر رأس "الآثوريين"؟؟. وقيل في حينها بأنه حكم  بالإعدام أيضاً على السيد يونادم كنا الذي هو الآخر يبدأ أسمه بنفس الحرفين، أهي مصادفة أم مقصودة من القاضي؟
 

زيارة لقبر الشهيد يوسف توما قبل تعميره في قرية بليجانه في شمال الوطن وفي حينها دفنت قلمي في تراب قبره معاهداً أمام الله والحاضرين بأن لا أسخره إلا لخدمة نفس الرسالة التي من أجلها أستشهد.

بين إعتقال مناضلي زوعا في صيف عام 1984 ولغاية يوم الشهادة في شباط 1985 كانت هذه الفترة من أكثر المراحل رهبة وخوفا في مجتمعنا حيث بعد إعتقالهم أختفى معظم أصدقائهم وحتى بعض من أفراد عوائلهم وأقاربهم خوفاً من بطش النظام. فمثل هذه الأجواء تكون أرضاً خصبة لإنتشار وتناقل الإشاعات والإخبار المؤكدة وغير المؤكدة كإنتشار النار في الهشيم. فكنا في حينها نسمع الكثير منها من يقول بأن فلان قد أتصل بأعلى الجهات الرسمية لإطلاق سراحهم ومنهم من كان يقول بأنه سيفرج عنهم قريبا كما أفرج من قبل عن بعض الآشوريين بعد فترة قصيرة من إعتقالهم في السنوات القليلة الماضية  ... وهكذا، ولكن من أكثر الإخبار إثارة التي كانت قد وصلتنا هو ماذكر بأن رئيس النظام المقبور صدام حسين كان قد قال أثناء المصادقة على قرار إعدام الشهداء: "للمرة الثالثة يعملها الآثوريون... وهذه المرة راح أكسر راسهم". فأصبح هذا الخبر وخاصة ما قصده بالمرة الثالثة لغزا لدينا للتأويل والتحليل... فما هي المرتين السابقتين التي عملها الآثوريون حسب أعتقاده.... هل هي حركة عام 1933، و مشاركتهم في قمع تمرد مايس عام 1941 والمدعوم من قبل النازية والذي قام به بعض من تلاميذ أودلف هتلر وكمال أتاتورك... أم كان القصد هو أعتقال مجموعة من الشباب الآشوري بتهمة تشيكلهم تنظيم سياسي في بداية السبعينيات و مرة أخرى لمجموعة أخرى في الثمانيات من القرن الماضي ومن ثم الإفراج عنهم بعد عدة أيام. ولكن مهما كان القصد فأنه من المؤكد بأن رئيس النظام المقبور لم يستطيع كسر رأس الأثوريين ومن يمثلهم سياسيا، إذ تواصل الآشوريون ممثلين بنضال الحركة الديموقراطية الآشورية في تلك الفترة بشكل أكثر فاعلية وحماس فأنضم إليها المئات من الشباب ومن مختلف الطوائف والملل من أبناء شعبنا وشاركت مع بقية الفصائل السياسية الوطنية في العمل من أجل نيل حقوق شعبنا في الوطن. ولكن عدم قدرة أعتى نظام دكتاتوري على كسر رأس الآثوريين جعلني أن أتذكر الدودة الصغير جداً التي تولد في التفاحة وتفسدها ومن ثم تفسد البقية إن لم تكافح منذ البداية.. وحسرتاه.. هناك ملامح على وجود مثل هذه الدودة في مجتمعنا وفي بعض أحزابنا وتنظيماتنا والتي بدأت تتحول إلى تنين مفترس بفعل الرائحة الزكية المشهية التي تنبعث من كراسي الحكومة والبرلمان، فإن لم تكافح هذه الدودة والحد من تحولها إلى تنين مفترس فإن الفساد لا محال سوف ينتشر في كل أجزاء الأمة وتنظيماتها القومية. أمل أن لا نصل إلى هذه الحالة المأساوية المهلكة ...  وهنا أيضا تذكرت المثل التوراتي الذي يقول "الأمل المرجأ يمرض القلب" (سفر الأمثال 13-12). واالقارئ اللبيب يفهم المقصد من هذه الأمثال.  

فليكن دم الشهداء الأبرار وذكرى إستشهادهم سبيلاً قوياً وفاعلاً في إبادة مثل هذه الدورة وقتل التنين لكي يستمر عجز أعتى دكتاتوريات العالم من كسر رأس الآشوريين. فإذا كان الآشوريون وحدهم على الساحة السياسية في تلك الفترة ولم يستطيع الدكتاتور المستبد من كسر رأس الآشوريين فكيف سيكون الحال لو توحدوا مع الكلدان والسريان تحت راية قومية واحدة؟؟؟                    

    


33
المنظمة الآثورية الديموقراطية (مطكستا)
=========================

ألا يستكين مناضليها إلى الإستقرار والراحة ؟
أبرم شبيرا

ليس بالكثير من أبناء أمتنا (الكلدانية السريانية الاشورية) يعرفون عن مطكستا وتاريخها ونضالها. وقد تكون هناك جملة أسباب وراء ذلك، فالستار السياسي الذي كان يقطع التواصل بين العراق وسوريا من جراء التوتر السياسي والعقائدي بين طرفي حزب البعث الذي سيطر على كلا البلدين لعقود طويلة خلق حاجزاً فكرياً منع تبادل الإفكار والخبرات خاصة بين تنظيماتنا السياسية والقومية. كما كانت الطائفية المقيتة عاملا آخر لدى الكثير من أبناء أمتنا خاصة أولئك المتقوقعين في برجهم الطائفي المظلم الذين لم يروا في هذه المنظمة القومية الوحدوية غير كونها منظمة طائفية خاصة بالسريان السوريين. وتأتي التسمية "الأثورية" للمنظمة عاملاً آخر ومؤثراً في تعمية عيون وكبت عقول البعض من أبناء أمتنا عن معرفة حقيقة هذه المنظمة القومية الوحدوية المناضلة. لقد سبق وأن شرحنا في مناسبات سابقة عن العوامل التي أدت إلى تسمي هذه المنظمة بهذه التسمية وفصلنا في القول بأن الحزب أو المنظمة السياسية ما هو إلا أداة لتحقيق أهداف معينة وليس بالضرورة أن تكون  التسمية متطابقة من حيث الشكل مع مضمون الأهداف التي يتبناها الحزب. فتاريخ هذه المنظمة ومسيرتها النضالية تؤكد تأكيداً قاطعاً بعملها وأهدافها الوحدوية لأمتنا. فالكدانية أو السريانية أوالأشورية كلها ورود جميلة وزاهية في حديقة أمتنا الواحدة المسورة بمقومات معروفة من لغة وتاريخ وعادات ومعتقدات وأماني مشتركة، وهي الحالة نفسها التي تنطبق على الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) في معرفة التسمية عن مضمون الأهداف، حقائق تشكل من كلال التنظيمين أحزاب سياسية حقيقية فاعلة على الساحة سواء في العراق أم في سوريا أم في بلدان المهجر. وبعض المنظمات الكلدانية، خاصة التي تؤمن بوحدة أمتنا "الكلدانية السريانية الأشورية" وتشارك مع غيرها على طريق هذه الوحدة وتحديدا المنضوية تحت خيمة "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" هي الأخرى يجب أن نفهم علاقة تسميتها "الكلدانية" بمضون أهدافها القومية الوحدوية.

 هذه هي حقائق عن المنظمة الأثورية الديموقراطية (مطكستا) ومن المؤكد بأن طبيعة علاقتي ببعض قادتها لا تحيدني عن الموضوعية في فهم تاريخها ومسيرة نضالها المشرف الذي يجعل من كل إنسان مؤمن بأهداف وشرعية حقوق هذه الأمة أن يقف معها أو يساندها حتى ولو بقليل من الكلمات والسطور تعبر عن هذه الحقيقة الموضوعية.



مع بعض قيادي مطكستا: من اليسار كابي موشي (المعتقل حاليا من قبل النظام السوري)،  سعيد لحدو، أبرم شبيرا وبشير سعدي في زيارة لأحدى أديرتنا التاريخية في الجزيرة السورية في منتصف التسعينيات من القرن الماضي
===============================================
   
فالريادة السياسية القومية لهذه المنظمة تشكل جزءا من حقيقتها الموضوعية وتجعلنا جميعنا أن نقر بهذه الحقيقة. فهي تشكل أول حزب سياسي بالمعنى العلمي في تاريخ أمتنا والتي تأسست في تموز عام 1957 في سوريا. ومن يتابع الخلفية الفكرية والقومية لهذه المنظمة سيجد أن فكرها القومي الوحدوي نابع من الأسس الأولى التي وضعها رواد الفكر القومي الوحدوي منذ منتصف القرن التاسع عشر فصاعداً، أمثال الشهيد آشور يوسف بيت هربوت وبرصوم بيرلي ونعوم فائق وفريد نزها وشكري جرموكلي وسنحاريب بالي وديفيد بيرلي وغيرهم بالمئات وجميعهم من أبناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية ولكن إيمانهم القومي العميق بوحدة أمتنا "الكلدانية السريانية الأشورية" لم تستطيع الحواجز الطائفية من أعاقة نضالهم القومي سواء السياسي أو الفكري في مسيرة وحدة هذه الأمة كما هو الحال مع مطكستا في هذا العصر.

الريادة الأخرى والميزة التي تميزت بها مطكستا في نضالها هو في كونها الحزب السياسي الوحيد لأمتنا الذي تعرض قادتها للإعتقال في سوريا لأكثر من مرة، فلا يمضي عقد من الزمن حتى يزج النظام السوري بعض قادة المنظمة في سجونه بسبب نضالهم السياسي والقومي والإنساني كل هذا من دون أن يزعزع المواقف المبدئية لمطكستا الراسخة لا بل أستمر نضالها المعهود من دون خوف أو رهبة من سلطة النظام. فبعد أن تعرض بعض قادة المنظمة إلى الإعتقال لمرتين في السنوات الماضية فلم يستكينوا إلى الراحة والهدوء أو الخضوع لسطوة النظام بل إستمر نضالهم رغم الظروف الصعبة المميتة الحالية في سوريا والتي وضعتهم مع بقية أبناء شعبنا  بين مطرقة النظام وسندان المنظمات الأرهابية وجعلت مهمة نضالهم صعبة للغاية ومحفوفة بالمخاطر والمهالك فكان من أحد نتائجه إعتقال النظام السوري لمسوؤل المكتب السياسي لمطكستا المناضل كبرئيل (كابي) موشي كرويه في قامشلي ثم نقله إلى دمشق وزجه في دهاليز سجونه المظلمة ومن دون أن يعرف مصيره لحد هذا اليوم.



أن الحديث عن فكر ونضال مطكستا لا تكفي صفحات كثيرة لا بل ربما كتب ومجلدات، فتسطير هذه السطور ولو بقلتها تأتي من باب التضامن مع قادة مطكستا في محنتها هذه وأن نعبر عن تضامننا معها ومع الصديق المناضل كابي موشي فنشد أيدينا على أياديه ونتذرع لربنا يسوع المسيح ليعطيه المزيد من القوة والصبر والإصرار على النضال من أجل حقوق شعبنا الكداني السرياني الآشوري وأن تفتح أبواب السجون أمامه لينطلق إلى الحرية مع بقية أبناء شعبنا بشكل خاص والشعب السوري  بشكل عام... وهنا نعيد ونؤكد القول:

والجبناء يموتون كل يوم … الأبطال يبقون أحياء خالدون
     

34
الوحدة  الكنسية والقومية في رسائل قداسة بطاركة كنيسة المشرق...
قداسة مار دنخا الرابع نموذجاً

أبرم شبيرا
لي خزين من المعلومات والمراجع والكتب عن كنيسة المشرق بكل تفرعاتها وكذلك صداقات حميمة ووثيقة مع عدد كبير من رجالها الأفاضل، إلا إنني أتردد كثيراً في الكتابة عن الشؤون الكنسية والدينية ليس بسبب عدم إختصاصنا الأكاديمي في هذه المسائل بل رغبة منًا في عدم "دس أنوفنا" في مسائل لها رجالها وكتابها يكتبون عنها بموضوعية العارف ولها فطاحل يبرعون بببراعة المختص. لكن عندما يتعلق الأمر بمسألة تهم، لا بل تمس وبقوة وعمق الكيان القومي الذي أجد نفسي جزء منه وبالمسائل الكنسية التي ترتبط بهذا الكيان، في هذه الحالة لا أستطيع من كبح إندفاعي وإهتمامي إلا أن أقرأها وبنهم وشغف وأعبر عنها بما تجود بها كلماتي وأفكاري خاصة عندما يتعلق الأمر بمسألة خطيرة جداً تخص وحدة أمتنا المجيدة وتقارب أفرع كنيستنا المشرقية المقدسة.
من هذا المنطلق قرأت رسائل جميع بطاركة فروع كنيسة المشرق الأجلاء منها الكلدانية الكاثوليكية والسريانية الآرثوذوكسية والكاثوليكية والشرقية القديمة وكذلك كنيسة المشرق الآشورية التي بعثها قداستهم عبر الأثير إلى رعيتهم وإلى كافة المسيحيين بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة 2014. فروح الإيمان المسيحي وعمق المحبة للرعية ومعايشتها روحياً عبر هذه الرسائل لمست نسماتها روحي وعقلي ووجدت نفسي كمسيحي مشرقي مؤمن إيماناً مطلقا بإنتمائي لهذه الكنيسة رغم تعدد تسمياتها وبطاركتها وتنوعها في وحدة المسيح الأحد الواحد، أن أرفع ضراعي إلى ربنا يسوع المسيح وأن أشكره على النعمة التي أنعمها علينا في الحفاظ على كياننا المؤسساتي والديني طيلة قرون طويلة من الظلم والإضطهاد والتهجير. لقد عبرت كلمات قداسة بطاركة فروع كنيسة المشرق الأجلاء عن هذه الوحدة الروحية التي تجسدت في وحدة ربنا يسوع المسيح. ولكن كعلماني مؤمن إيماناً مطلقاً بوحدة أو تقارب أفرع كنيستنا المشرقية وما يترتب على ذلك من إنعكاسات إيجابية مباشرة ومؤثرة على ووحدة قوميتنا رغم تنوع تسمياتها الحضارية الجميلة، فإن هذه الأمور تشد وتؤثر وبقوة على إنتباهي لأقرأ مثل هذه الرسائل وأبحث ما يوري عطشي ويغني حيفي عن وحدة أو تقارب أفرع كنيستنا ووحدة أمتنا، لكن لم أجد منها شيئاً إلا في رسالة قداسة البطريرك مار دنخا الرابع التي أحتوت أفكار ودعوات في هذا السياق والتي خلقت في فكري وروحي ردود فعل لم تستكين إلا أن أعبر عنها من خلال هذه السطور. وهنا لا أعتقد أن يلومني أحد على إشارتي هذه وتفردي بهذه الرسالة لأنه من حقي، وحق أية إنسان في هذا الكون، أن ينجذب نحو الأفكار والدعوات التي تروي عطشه وتشبع جوعه في الوحدة الكنسية والقومية لأمتنا، وبالحتم والتأكيد المشدد لكنت قد أنجذبت أكثر فأكثر وأرتوت روحي وفكري وكياني أكثر فأكثر لو كانت مصادر هذه الدعوات والأفكار والمواقف قد تعددت من خلال رسائل بقية البطاركة الأجلاء. 

وسياقاً لما جاء في أعلاه فأنه من المفيد أن أستل بعض السطور من كلمة قداسة البطريرك مار دنخا الرابع التي لمست إيماني المسيحي في وحدة الكنيسة وألتصقت بمعتقدي في وحدة أمتنا. يقول قداسته "كلنا نلنا المعمودية بأسم الأب والروح القدس في الكنيسة المقدسة، لذلك عرفنا بالمسيحيين، عليه فنحن إخوة وأخوات ولدنا ولادة روحية من أم واحدة هي المعمودية. نحتاج للوحدة والسلام والمحبة والتقدير أن يكونوا بيننا كأعضاء بيت مسيحي واحد، خاصة نحن الذين نعيش في بلدان الشرق الأوسط. لا يوجد أي ضرر حول أي أسم يكون لكنيستنا، كمسيحيين مؤمنين يجب أن نحب ونحترم ونعمل معاً كأعضاء قطيع مسيحي واحد، وكأمة واحدة لأننا لسنا ثلاث أمم، بل أمة واحدة وشعب واحد، بالدم والتاريخ واللغة وكلنا كأمة آشورية مسؤولين لكي نحافظ على سلامة أبناء أمتنا كشعب آشوري واحد لكي نكون معروفين ومقبولين في القوانين التشريعية لبلدان الشرق الأوسط كأمة واحدة، لأن توفيق أمتنا هي فرح وتوفيق لجميعنا وفشلنا هو حزن وندم وخسارة لجميعنا. لذلك جميع أبناء أمتنا لأي كنيسة ينتمون يجب أن يكونوا منتبهين وساهرين لكي يحافظوا على السلام والوحدة، خاصة الأحزاب السياسية وجميع مؤسساتنا القومية، أن يعملوا بإيمان مع بعضهم البعض كشعب آشوري واحد، وأن يبتعدوا عن الكراهية والغيرة والجدالات الهدامة التي تجلب خسائر وإنقسامات كبيرة على نجاحات أي أمة... أنتهى الإقتباس". الرسالة كانت بالأصل قد كتبت بالسريانية الحديثة (السورث) ومترجمة إلى العربية ونقلت هذه السطور كما هي، ونشرت مع بقية رسائل البطاركة الإجلاء في موقعنا الموقر عنكاوة دوت كوم.
بإختصار لو أمعنا النظر في هذه السطور لأدركنا على الفور التأكيدات التي يؤكدها قداسته، وهي:
•   كنسياً: كلنا أخوة وأخوات ومن معمودية واحدة وجميعنا أعضاء بيت مسيحي واحد.. ولا يوجد ضرر حول أي أسم يكون لكنيستنا. أي هنا تأكيد مشدد على الوحدة المسيحية المطلوبة لكنائسنا، أي الإشارة هنا ليست محصورة في كنيسته (الآشورية) المشرقية وحدها، فالجميع ليكونوا كقطيع مسيحي واحد.
•   قومياً: هناك دعوة صريحة إلى الأحترام والعمل معاً، ليس كقطيع مسيحي واحد فحسب، بل كأمة واحدة وليس كثلاث أمم، وإن لم يشر قداسته إلى التسميات إلا أن القصد هنا هي الآشورية والكلدانية والسريانية، لأننا شعب واحد بالدم والتاريخ واللغة ولا يهم لأي كنيسة ينتمون أبناء هذه الأمة الواحدة، كما يقول قداسته.
•   سياسياً: هناك دعوات صريحية ومباشرة لأبناء الأمة عامة وبشكل خاص للأحزاب السياسية والمؤسسات القومية ليكون منتبهين وساهرين لكي يحافظوا على السلام والوحدة وأن يبتعدوا عن الكراهية والغيرة والجدالات الهدامة التي تجلب خسائر وإنقسامات كبيرة على نجاحات أي أمة. وهناك تأكيد ضمني على أنه لايمكن أن تكون أمتنا مقبولة ومعترف بها في تشريعات وقوانين بلدان الشرق الأوسط ما لم نكن كأمة متوحدة واحدة.
•   آشورياً: يستمر قداسته تأكيده على كون جميع أبناء الطوائف الأخرى، رغم عدم ذكره لأسماءهم في هذه الرسالة، جزء من الأمة الآشورية رغم إنتماءهم الكنسي المختلف، لأنهم أبناء أمة آشورية واحدة تجمعهم مقومات مشتركة من لغة وتاريخ وعادات.
هذا الأمر في تأكيد قداسته لأشورية أبناء أفرع كنيسة المشرق يرفضه البعض الذي يجد إنتماءه القومي في تسميات غير آشورية مثل الكلدانية والسريانية. فإذا كان من حق أي شخص في هذا الكون أن يرفض بما لا يتوافق أو يتلائم بما يعتقده، خاصة عندما يتعلق هذا المعتقد بمسألة مهمة محددة لمصير وجوده، فأن على الجانب الآخر أيضا يحق لكل شخص في هذا الكون أن يصرح ويعلن بما يؤمن به ويعتقد بأن هذا الإيمان هو جزء من الحقيقة التي يراها ضمن الظروف الموضوعية والذاتية المحيطة به. فهكذا هو إيمان قداسة البطريرك مار دنخا الرابع منطلقا من هذه الظروف ليؤكدة إيمانه في كون الكلدان والسريان مع الآشوريين يشكلون أمة واحدة وهي الأمة الآشورية، وهذا أمر سواء رفض أو أستوعب مغزاه فأن ذلك لا يغير شيئاً من هذا الإيمان الذي شيد على مجموعة ظروف موضوعية وذاتية، وسنأتي على ذكرها لاحقا.
لا أبوح بسر في القول بأن مثل هذا الإيمان في وحدة أمتنا بمختلف طوائفها الكنسية يشكل جزء أساسياً من إيماني وحبي لهذه الأمة التي أنتمي إليها بغنى التسمية المفضلة هذه أو تلك. أن ظروف كل مرحلة من مراحل أمتنا يفترض على أبناءها أن يجدولوا أولويات مصلحة أمتهم الأساسية والمصيرية، ففي هذا العصر وبظروفه العاصية والمميتة تأتي مسألة الإيمان بوحدة الأمة والعمل من أجل تجسيدها في قمة جدول أولوياتها أما التسمية فهي تحصيل حاصل لهذه الوحدة. أي بهذا المعنى لو أتفق معظم الذين يجدون إنتماءهم القومي في تسميات متنوعة وعملوا من أجل تحقيق المصلحة المشتركة للأمة ، بغنى عن الإصرار على هذه االتسمية أو تلك، فأن نتائج هذا العمل القائم على تجسيد وتطوير مقومات الأمة من لغة وعادات وتاريخ وأماني مشتركة كفيلة عبر الممارسة السياسية القومية أن تطرح التسمية التي تلائم أمتنا في المرحلة التي تمر بها. من هنا يأتي التأكيد المشدد في هذه المرحلة التي تمر بها أمتنا إلى العمل كأمة واحدة وبمضون واحد القائم على المقومات القومية والكنسية المشتركة لنيل حقوقها، والمستقبل كفيل بطرح الشكل الذي يتلائم مع هذا المضون ويعكسه، فإذا كان الشكل لا يتطابق مع المضمون في مرحلة معينة فأن الممارسة الفعلية ستكون العامل الحاسم الذي سيجعل الشكل يتطابق مع المضمون ويتفاعل كلاهما بشكل جدلي دون إنفصام، ومثل هذا التطابق لايمكن أن يتم من دون وعي متطور لتاريخ الأمة وحضارتها، ومن ثم الوعي الموضوعي للواقع الذي تعيش الأمة فيه.       
  ليس بغريب أو جديد أن نسمع من قداسة البطريرك مار دنخا الرابع مثل هذه المواقف الوحدوية تجاه الكنيسة والأمة، ففي كثير من المناسبات أكد قداسته عليها. ومثل هذا التأكيد ليس نابعاً من مرحلة آنية مؤقتة أملت ظروفها على قداسته لتأكيد هذه المواقف التي تشبع رغبات المؤمنين من أبناء أمتنا في وحدة الكنيسة والأمة. فهناك جملة ظروف خلف هذه التأكيدات.
أولها: الظروف التاريخية والموضوعية التي جعلت من كنيسة المشرق الآشورية أن تكون الوجه الآخر للعملة. فالأرتباط العضوي بين الأمة والكنيسة في مجتمعنا جعل أن لا نجد أية فسحة للفصل بينهما، فالعوامل المشتركة التي تجمع الأمة والكنيسة جعلت أن تكون المؤسسة الكنسية هي الأطار العام والمؤسسة القومية الرئيسية التي ينظر من خلالها إلى الأمة ويتعرف الآخرون عليها وهذا كان السبب الرئيسي أن يكون بطريرك هذه الكنيسة راعياً لها وقائداً للأمة، وهذا أيضا هو السبب الذي جعل من الصعب على الآخرين التفريق بين الدين والقومية في مجتمعنا.
ثانيها: الظروف الذاتية، من المعروف أن قداسته عاش وعمل في ظروف قومية صميمية في إيران منذ تسنمه المراتب الكهنوتية إبتداءاً من راعي للكنيسة الآشورية حتى رسامته لرتبة الأسقفية للأبرشية الإيرانية. وكانت إيران منذ نهاية قرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين مركزاً إشعاعياً للفكر القومي الوحدوي ومنشأ للحركة القومية الآشورية المعاصرة والتي أستمرت وأنبعثت بشكل أكثر وضوحاً في منتصف الستينيات من القرن الماضي حينما كان قداسته راعياً للأبرشية، هناك خلقت الجمعيات الثقافية القومية والشبابية النشطة الظروف المناسبة وهيأت المستلزمات الضرورية لتأسيس الإتحاد العالمي الآشوري والذي أنعقد أول مؤتمر له في عام 1968 في فرنسا. لقد كنت محظوظاً أن أقتني نسخ من المراسلات (والفضل يعود لأحد قياديي الإتحاد الآشوري العالمي فله ألف شكر) التي كانت تقوم بها هذه الجمعيات وتتراسل مع كبار الشخصيات الدينية والقومية من أجل تأسيس إتحاد عالمي يجمع جميع أبناء فروع كنيسة المشرق، ومنها الرسالة الموجهة إلى خمسة بطاركة لكنيسة المشرق: الكلدانية الكاثوليكية والسريانية الأرثوذكسية والسريانية الكاثوليكية والمشرق الآشورية والمارونية الكاثوليكية وإلى زعماء قوميين عرفوا بمواقفهم  القومية البطولية أمثال ماليك ياقو ماليك إسماعيل والمفكر القومي ديفيد بيرلي وغيرهم. كان من الطبيعي أن تفعل هذه الظروف فعلها المؤثر في فكر قداسة مار دنخا الرابع وأن يتمسك بالمواقف القومية وبالتسمية الآشورية التي أرتبطت وبشكل قوي بالحركة القومية منذ بداياتها الأولى ويستمر التمسك بها في دعواته الوحدوية الكنسية والقومية و ضمن التسمية الآشورية التي كانت التسمية التي تبناها القوميون والمفكرون الأوائل رغم تعدد إنتماءاتهم الكنسية.
كل ما ورد أعلاه يطرح موضوع "تدخل الكنيسة في السياسة" أو "فصل الكنيسة عن السياسة"، الموضوع الأكثر إثارة بين أبناء الأمة في هذه المرحلة... ولكن كما قلنا لكل مرحلة من مراحل الأمة لها ظروفها الخاصة المختلفة عن المرحلة السابقة... هكذا نقول: اليوم غير البارحة. وموقف قداسة البطريرك مار دنخا الرابع واضح بهذا الشأن. ففي الكثير من رسائله وكلماته، وأتذكر بهذا الخصوص كلمته في النادي الآشوري في لندن قبل بضعة سنوات، عندما قال "بأن هذه الأيام غير أيام حكاري وبداية القرن الماضي. فالظروف الحالية لا تسمح أن يكون البطريرك زعيماً وقائدا للأمة يقودها في الحروب والمفاوضات ويمثلها قومياً وسياسياً لدى غيرها من الأمم، فلنا أحزاب سياسية ومنظمات قومية في هذا العصر هي التي تقوم بتمثيل الأمة وليس الكنيسة" ... ويؤكد قداسته في القول أيضاً "ولكن مع هذا فأنا كفرد آشوري منتمي إلى الأمة الآشورية من حقي أن أعبر عن أفكاري وإيماني القومي وبإنتمائي لهذه الأمة، وكذلك من واجبي كرجل دين على رأس الكنيسة أن أصلي وأدعوا ربنا الخالق إلى أن ينعم أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية بالموفقية والنجاح والوحدة"، ومثل هذه الدعوات والمواقف نلاحظها دائماً أثناء مقابلة قداسته للكثير من قادة وممثلي أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية. لا بل وقد وصلت دعوات قداسته إلى تأييده أن يكون لأمتنا منطقة حكم ذاتي أو إدارة مستقلة ضمن دولة العراق، وهو التأييد الوحيد من بين بطاركة ورجال الدين لكنيسة المشرق بكل فروعها.
مما تقدم يتساءل البعض، أليس ما ورد أعلاه تدخل في السياسة من قبل قداسته وهو يصرح بأنه بمنأى عن مثل هذا التدخل. فالجواب يقوم على:
أولاً: يجب أن نفرق ونوضح بأن هناك فرق بين التدخل في السياسة والإهتمام بها. فالتدخل ينشأ عن فعل مؤثر في العملية السياسية وفي أحزابها السياسية بينما الإهتمام هو تعبير عن موقف من هذه السياسة. من هذا المنطلق فقداسته لا يتدخل في السياسة القومية ولا يعمل بفعل يتعلق بشؤون الأحزاب السياسية وإنما، باعتباره فرد من أفراد هذه القومية، فأن أمرها يهمه ويعبر عن إهتمامه بها من خلال كلماته ودعواته.
ثانياً: العلاقة العضوية والجدلية بين الكنيسة والأمة الغير قابلة للإنفصال، تجعل أن يظهر بأن كل أهتمام بأمر الكنيسة هو إهتمام بالأمة نفسها. فالعلاقة بين الكنيسة والأمة قائمة على الترابط العضوي بينهما غير أن هذا لا يعني بأنه غير ممكن التمييز بينهما، فلكل جانب له حدوده وعوامله الخاصة ولكن من جانب آخر لكل واحد منهما تأثير ضمن العلاقة الجدلية المتبادلة طالما هناك عوامل ومقومات مشتركة بين الأثنين لايمكن فصلهما عن أي طرف من المعادلة، مثلما لا يمكن فصل الروح عن الجسد إلا بالموت. فاليوم الذي تنفصل مقومات أمتنا من لغة وتقاليد وتاريخ عن أبناءها فلا محال من موت الأمة والحالة أيضا بالنسبة للكنيسة فإذا فقدت لغتها وتاريخها ولتروجيتها زالت من الوجود ككنيسة مشرقية معروفة.
هكذا يجب أن نفهم موضوع التدخل في السياسية من قبل الكنيسة أو الفصل بينهما، فهو موضوع طويل وعميق لبحث علمي لكتابي المعنون "الفصل بين الكنيسة والسياسة في المجتمع الآشوري" الذي أحاول إنجازه ونشره منذ عام 2000 ولكن يظهر بأن تعقيدات الموضوع والتطورات الحاصلة على الكنيسة بكل فروعها والأرهاصات التي فعلت فعلها في أمتنا في الوطن تجعل مسألة إنجازه شبه مستحيلة ... وهو الأمر الذي يجعلني أخشى بأن تنتهي حياتي ولا ينتهي هذا الكتاب.         
         

35
هل كانت العناية الإلهية وراء إختيار أباء الإرسالية الكلدانية في لندن لرتبة الأسقفية؟

أبرم شبيرا

في الحقيقة ترددت كثيرا في تسطير هذه السطور بعد أن قرأت القرار السنهادوسي للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في إختيار الأب الفاضل حبيب هرمز ججو النوفلي راعي الإرسالية الكلدانية في لندن لرتبة الأسقفية من بين عدد آخر من الأباء الأفاضل للكنيسة، لا بل وقد يجد القارئ اللبيب بأن تطرقي لمثل هذا الموضوع الكنسي غريباً بعض الشيء وأنا غارق في الكتابة عن عالم السياسة والمسألة القومية. ومع كل هذه المطبات يقفز تساؤل عن ماهية هذه العناية الإلهية في هذا الإختيار وأين تكمن في هذا الموضوع. لا شك فيه رغم بساطة إيماننا المسيحي بكل أفرع كنيستنا المشرقية ولوتروجيتها وقراراتها السنهادوسية إلا أن هناك أعتقاد سائد في إيماننا المسيحي هو أن العناية الإلهية دائماً هي التي تحوم في المجامع السنهادوسية وتدفع المشاركين فيها إلى إتخاذ القرارات الصائبة وتحديداً في إختيار ورسامة الأساقفة والمطارنة. لقد حفزني قرار إختيار الأب الفاضل حبيب النوفلي لرتبة الأسقفية أن اعيد شريط ذكرياتي ومعايشتي لهذه الأرسالية في لندن ولم أجد مخرجاً للكتابة عن هذا الإختيار إلا الإعتماد على العناية الإلهية في تفسيرها وعلاقته بالسوابق المماثلة. حيث كان هناك قرار سنهادوسي آخر مماثل في عام 2002 عندما أختير الأب أندراوس أبونا رحمة الله، الراعي السابق لنفس الإرسالية لرتبة الأسقفية ومن ثم بعد رسامتة من قبل قداسة البابا الراحل يوحنا بولص الثاني تم تعيينه من قبل مثلث الرحمات مار روفائيل بيداويد معاوناً بطريركاً للكنيسة، فكانت الرسامة من قبل قداسة البابا لرتبة الأسقفية الثاني من نوعه، كما أعتقد، في تاريخ الكنيسة الكلدانية بعد رسامة مار يوحنان سولاقا بطريركا على الكنيسة في منتصف القرن السادس عشر.

على العموم ليست الإرسالية الكلدانية في لندن هي القاسم المشترك بين الإختيارين بل هناك قواسم آخرى قد لا نجد أو قلما نجد مثيلاً لها. كانت بداية خدمة الأسقف مار أندراوس أبونا، رحمة الله، في أبرشية البصرة للكدان للفترة من عام 1967 لغاية عام 1971 وها بعد أكثر من أربعة عقود تأتي رسامة الأب/الأسقف الفاضل حبيب النوفلي لأبرسية البصرة والجنوب ليتم مواصلة خدمة الرب في هذه المدينة. لقد كانت صلتي القوية والمباشرة مع الأسقف الراحل عاملاً مؤثراً في التفاعل معه في مختلف المجالات الثقافية والفكرية وبالتالي سهولة إدراك ومعرفة طموحاته المختلفة في تطوير كنيسته وإرساليته والتقرب وبشكل متفاعل مع رعيته في لندن والذي لم يكن ممكنا في هذه المدينة الكبيرة التي ينتشر أبناء رعيتها في أرجاءها البعيدة والمختلفة إلا بمواصلة الجهد والعمل الدؤوب في تطوير أرساليته بالإعتماد على مصادره الذانية. بعد إنتقاله إلى جوار ربه كنت قد كتبت مقالة عنه ونشر في موقعنا العزيز عنكاوة دوت كوم ووصفته بمطران الصعوبات والتحديات لأنه أستطاع حل الكثير من الصعوبات التي كانت تواجه الإرسالية في لندن لا بل وتطويرها. إضافة إلى ذلك فقد كان موفقاً تماماً في الإستفادة من الفرص الكبيرة التي توفرها مدينة لندن عاصمة العالم الثقافية والفكرية وترسيخها لتعزيز دوره وفاعليته ليس بين أبناء رعية كنيسته بل حتى خارجها، فعمل بكل جهد في إصدار النشرة الكنيسة "القيثارة" بالرغم من الموارد المالية الشحيحة والتي كانت توزع مجانا. كما كان فاعلاً وحاضراً في الكنير من المناسبات والندوات والحلقات الدراسية ولم يستقر به الحال إلا بعد أن رسم برتبة الأسقفية ونقل إلى بغداد.
جاء الأب/الأسقف الفاضل حبيب النوفلي ليكمل المسار بنفس الإصرار والهمة فأنهل من مناهل العلم والثقافة والصحافة في لندن الكثير منها ورسخ مكانة إرساليته الكلدانية بين رعيته وحتى خارجها.

  بعد رسامة مار أندراوس أبونا، رحمة الله،  أسققاً ومعاوناً بطريركياً أنتقل من لندن إلى بغداد – العراق وها هنا تتكرر العناية الإلهية في إنتقال الأب/الأسقف الفاضل حبيب النوفلي من لندن إلى البصرة – العراق. وقد يبدو أمر هذا الإنتقال مسألة أو أجراء كنسي رسمي مطلوب تنفيذه من قبل المعنيين به، ولكن في طياته يدرك أبسط إنسان على هذه البسيطة المخاطر الجمة الذي يعينه هذا الإنتقال من مدينة لندن بكل إستقرارها وأمنها ورفاهيتها إلى بلد كان ولا يزال يطغو عليه أعمال القتل والعنف والخطف والحرمان من أبسط مقومات الحياة الإعتيادية. لقد سجل الأسقف الراحل أندراوس أبونا سابقة تاريخية وكنسية في قبول الإنتقال من بلد متحضر ومتطور ومستقر إلى بلد القتل والخطف والفوضى ولا أدري فيما إذا كنت صائباً أم مخطئاً في القول بأنه من الصعب جداً أن لم يكن مستحيل لأي رجل دين يقبل نقل خدمته الكنسية من أوربا إلى العراق في مثل هذه الظروف المميتة. وها اليوم يعود قرار المجمع السنهادوسي للكنيسة الكلدانية وينقل الأب/الأسقف الفاضل حبيب النوفلي من لندن إلى العراق ويكرر السابقة التاريخية  لتلك التي بدأها الأسقف الراحل مار أندراوس أبونا.

سطرت هذه السطور القليلة لأجل الترحم على روح المرحوم الأسقف مار أندراوس أبونا وكذلك لأجل الصلاة لأجل الأب/الأسقف الفاضل حبيب النوفلي في أن يوفقه ربنا يسوع المسيح في خدمة كنيسته في البصرة. وحسناً فعل المجمع السنهادوسي الكلداني في إختياره لأبرشية البصرة آملاً أن تكون الرعاية الإلهية دوماً مع جميع رجال كنيستنا المشرقية بكل تفرعاتها.
   

36
نشاطات مهمة ومثيرة لأحزابنا "الكلدانية السريانية الآشورية"
===================================

أبرم شبيرا
كان صاحبي وصديقي العزيز (ت.ر.ي) من عنكاوة مخطئاً في إنتقاداته المستمرة لأحزابنا السياسية في كونها خاملة ومن دون نشاطات سياسية وثقافية وإجتماعية وقانونية ولغوية تتم من خلال اللقاء مع أبناء أمتنا مباشرة وتقديم لهم محاضرات وندوات وحلقات دراسية تنظم من قبل أعضائها وبالأخص قياداتها حتى يكون أبناء أمتنا على بينة ودراية على ما يجري على الساحة السياسية والقومية ويثبتون لهم بأنهم هم فعلاً طليعة هذه الأمة وحراسها ويهتمون بمن يمثلونهم وبشكل مباشر من خلال اللقاءات المستمرة معهم  أن ما أثبت خطأ صاحبي وهو أن أحزابنا ليست مجرد كلام وشعارات و "مناقرات" بعضهم للبعض كالديك وكشف أوراقهم ورميها وتجردهم حتى من ورقة التين التي كانت تغطي عيوبهم. فجدول النشاطات المهمة والمثيرة للإعجاب التي قامت بها أحزابنا السياسية خلال فترة قصيرة وصلت إلينا عبر قنوات خاصة. وبسبب ضخامة هذه النشاطات وتعددها فأن صفحات طويلة لا تكفيها ومراعاة لأصدقائي الأعزاء في الإختصار وعدم تضيع وقتهم في قراءة صفحات مطولة أدرج بعض... أقول مرة أخرى ... بعض من هذه النشاطات المهمة التي قامت بها أحزابنا السياسية "النشطة" جماهيرياً.

الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا):  ليس من الأصول والمعقول أن لا نذكر زوعا أولاً لأنها الحزب الكبير والأكثر جماهيرية بين أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية. فنشاطاتها الجماهيرية القومية لا الحزبية "الكوادرية" لا تحصى ولا تعد. صحيح أن القيادة أدركت بأن اللقاءات بكوادرها وعقد ندوات تنظيمية والقيام بزيارات رجال الدين والحكومة والأحزاب الأخرى لا تكفي لإعطاء صورة واضحة ومباشرة لأبناء أمتنا خاصة بالنسبة للأحداث الداخلية/الحزبية والخارجية/القومية لذلك وضعت خطة مفصلة لعقد عدد كبير من اللقاءات والمحاضرات والندوات مع أبناء أمتنا لتوضيح مثل هذه الأحداث المهمة. فداخلياً: عقدت القيادة الجديدة جداً وسكرتيرها العام "الجديد" و "الفريش" جداً ندوة في المركز الثقافي الآشوري في نوهدرا تناولت الظروف التي سادت قبل إنعقاد المؤتمر السابع وما صاحب ذلك من تسهيلات وصعوبات في إختيار المندوبين للمؤتمر والمعايير الممتازة والحديثة التي وضعت في إنتخابهم. ولكون زوعا أدرى من غيرنا جميعاً بأن زمن العقلية الستالينية في التنظيم الحزبي القائم على "الديموقراطية المركزية" و "نفذ ثم ناقش" والتبريرات القائمة على "السياقات التنظيمية" قد ولى وأنسحق تحت أجهزة الإنترنيت والفيس بوك وتويتر التي جعلت لأصغر عضو حزبي إمكانية الإتصال والحديث أن لم يكن النقد والتهجم على أعلى عضو في قيادة الحزب لذلك لم تخفي في ندوتها كل ما جرى في المؤتمر من مناقشات ومداخلات ومن ثم الأساليب أو "المسارات التنظيمية" ،المصطلح الأكثر روجاً في مفاهيم زوعا في هذه الأيام، التي أتبعت في إنتخابات اللجنة المركزية وإعادة إختيار السكرتير العام لتولى مهماته لثلاث سنوات قادمة.. ولا يستطيع أحد من الذين حضروا الندوة أن ينكر مدى أهميتها والتي كانت واضحة ومبينة من خلال التصفيق المستمر ووقوف الحاضرين تعبيرا للإعجاب والتقدير والذي كان يسبب قطع وتشويه سلسلة أفكار القائمين على الندوة.

خارجياً، لم يكن عند زوعا موضوع له أهمية يفوق أهمية الإنتخابات الأخيرة لبرلمان إقليم "كردستان" لأنها مصدر خبز للبعض وبالتالي لا يمكن أن تمر النتائج التي تمغضت عنها من دون أن تبين هذه الأهمية من خلال هذه الندوة... فبعد إستراحة قصيرة تكرمت زوعا بتوزيع الحلوى والمرطبات للحاضرين، بدأ القسم الثاني من الندوة حول هذه الإنتخابات، ولكن قبل كل شيء لم تغفل مشكلة قائمة أبناء النهرين فتم طرحها مقرونة بإنتقادات لاذعة لها وخروجها عن المسارات التنظيمية للحركة ثم بعد ذلك تم طرح موضوع قائتمتها (قائمة الرافدين) وكيفية التحضير لها والمعايير التي أعتمدت في إختيار اعضاءها وتسلسلهم، ولا أخفي سراً بأن أسلوب سرد هذه المعايير ومنطقيتها أثارت جلً إهتمام الحاضرين فمن خلال قوة التصفيق الذي هز القاعة لم تستطيع قيادة زوعا وسكرتيرها إكمال الندوة فأعتذرت للحاضرين ولكن بالمقابل نزلوا وتصافحوا وجلسوا معهم جلسة الأصدقاء والأقرباء حتى منتصف الليل بعد أن ضاع حق الحاضرين في طرح الأسئلة والتي كان من الممكنة أن تكون بعضها محرجة لزوعا ولم يكن تجنبها ممكناً إلا بهذا الأسلوب في النزول للحاضرين وتناول المشروبات مع الجمهور الحاضرين وإن كان البعض أعتبرها نوع من الرشوة ولكن في الحقيقة لم تكن كذلك بل كانت كلها محبة وود حامي بين الطرفين. يذكرني هذا بجواب أحد رجال الكنيسة عندما سألته ذات مرة لماذا لا يعقد رجال الكنيسة ندوات ولقاءات مع رعيتها للمناقشة وإبداء الأراء لمعرفة حقيقة أفكار وتوجهات الرعية بشكل مباشر، فقال لي لأنه قد تكون هناك أسئلة محرجة ولا نريد أن نكون في مثل هذه المواقف المحرجة ونحن رجال دين (بدون تعليق)!!!

الحركة الديموقراطية الآشورية النهرينية: من هو ملم بتاريخ الحزب الشيوعي العراقي خاصة في مرحلة الستينيات من القرن الماضي لأدرك على الفور مدى تشابه حالة زوعا بحال هذا الحزب الذي كان أكثر جماهيرية ونضالاً في تاريخ العراق. ففي تلك المرحلة خرج مجموعة من قادة الحزب الشيوعي العراقي وكوادرها المتقدمة ومثقفيها المعروفين بقيادة عزيز الحاج عن قيادة تنظيم الحزب ولكن لم يشكلوا حزباً جديداً وذلك إعتزازا بإنتمائهم الصميمي للحزب الشيوعي ولتاريخه بل ظلوا تحت نفس التسمية وكالآتي (الحزب الشيوعي العراقي – القيادة المركزية) وذلك تميزاً عن تنظيم الحزب الشيوعي العراقي الذي عرف باللجنة المركزية بزعامة عزيز محمد. وحال الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية بعد تبني المقاومة المسلحة خاصة في منطقة الأهوار ومن ثم فشله وإحتمائه تحت أجنحة حزب البعث العراقي والمصير الذي آل إليه هو تاريخ سياسي طويل لا نرغب الغوص والضياع فيه أكثر من إشارتنا هذه ومقارنته بزوعا النهرينية ذلك لكون يظهر بأن كلاهما هما رأس بدون جسد... أي بعبارة أخرى قيادة بدون قاعدة.

وإنطلاقاً من هذه الهيكلية (رأس بدون جسد)، الظاهرة الجديدة في حيااتنا الحزبية والقومية، أنطلقت زوعا النهرينية بقوة لعقد إجتماع موسع مع أبناء أمتنا لتوضيح موقفها وسياستها وكيفة إستمرار نضالها في المستقبل القريب بهذه الحالة الإستثنائية والتي سميت بـ "الإصلاح من الخارج" وهي ظاهرة سياسية إستثنائية أخرى، خاصة بعد فوز أحد مرشحي قائمتها (أبناء النهرين) بمقعد في البرلمان "الكردستاني". ونطراً للأهمية القصوى والحساسة التي يوليها أبناء أمتنا من جميع التوجهات والأصناف والطوائف للحالة الإستثنائية التي تمر بها زوعا هرع أضخم عدد من جماهيرنا إلى قاعة فندق دلشاد في نوهدرا حيث انعقدت الندوة لأن ليس لزوعا النهرينية قاعات وأندية ومراكز ثقافية تابعة لها فهي حديثة العهد على الساحة السياسية ككيان سياسي ولازالت خزينتها قاصرة على حفنة من الدنانير بعد أن صرفت ما حصلت عليه من تبرعات على الحملة الإنتخابية. جلستُ في مقدمة الحاضرين للندوة والتي أكتضت بهم القاعة لأنني من المهتمين بشؤون أحزابنا السياسية ودراستها، ولكن الحق يقال بأنه من البداية وحتى النهاية كانت الندوة سلسلة من الأفكار السياسية النيرة والتوضيحية لأسباب لجوئهم إلى أسلوب الإصلاح من الخارج والأسباب التي تمنعهم من تأسيس حزب سياسي جديد وهم مؤهلين تنظيمياً وفكرياً لمثل هذا التأسيس ومن ثم وضحوا السياسة التي سيتبعونها وفيما إذا سيحاولون إيجاد أو خلق أو كسب جماهير وأعضاء لهم تكون بمثابة جسم لرأس زوعا النهرينية. في الحقيقة أفرحتني جداً هذه الندوة والتوضيحات التي جاءت فيها من قبل قيادة زوعا النهرينية لأنه كان بالنسبة لي ولغيري من الحاضرين تنويراً مهماً وكان بعكس توقعاتنا السابقة في أن تكون مثل هذه الندوة كلام في كلام والذي سمعناها طيلة أشهر عديدة عن المسائل الشخصية والإنتقادات الجارحة والتهجمات كلها تبرير لهذا الموقف أو ذاك. ولما كانت زوعا النهرينية هي نفسها زوعا وجزء منها ولها بعض من لمسات ستالينية في الممارسة السياسية والتعامل مع الجماهير فلم نندهش أن تبلع هي الأخرى حق الحضارين في توجيه الأسئلة والمداخلات ليس خوفاٌ منهم بل لأن الوقت الذي صرف كله على التوضيحات لم يكن متاحاً للجماهير لبيان رأيها ومداخلاتها،  فخرج الحاضريون من القاعدة من دون تقديم حتى قنينة ماء لهم لأنه كما سبق وأن ذكرنا في أعلاه بأن الخزينة لم تكن تسمح بذلك خاصة ونحن نعرف بأن ممثلها المنتخب للبرلمان لم يقبض راتبه بعد حتى يستطيع التبرع به كما ذكرت بذلك رئيسة قائمته النهرينية أثناء الحملة الإنتخابية.

المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري: لحد هذا اليوم لم نعد نعرف ما هو المجلس.. أهو حزب سياسي أم تنظيم قومي أم منظمة من منظمات المجتمع المدني أم عصبة من المثقفين والمتنفذين. لقد حاولنا جلً جهدنا إستخدام معظم المعايير المعروفة في علم السياسة لمعرفة طبيعة هذا المجلس ولكن من دون جدوى. وهذا لا يهم ولا يهم أيضا فيما إذا كان هذا المجلس من إختراعات الحزب الديموقراطي الكردستاني، فالمهم أن المجلس هو لاعب نشط وفاعل على الساحة القومية رغم أنوفنا جميعاً، فله ممثلين في البرلمان العراقي والإقليمي وله تلفزيون يشاهده الكثير من أبناء أمتنا وقام بأعادة بناء وتعمير الكثير من قرانا المهدمة والمهجورة وسجل إنجازات المجلس طويل لا تسع صفحات كثيرة لها. إنطلاقاً من هذا الغموض الذي يكتنف طبيعة كيان هذا المجلس لدى معظم الجماهير وتوضيحاً لبعض التوقفات والتقشف في المصاريف على المشاريع القومية وعلى تلفزيونه فقد عقد المجلس ندوة في صالة مقره في نوهدرا والتي لم تكن من السعة لتستوعب زخم الجماهير المتعطشة للسماع لمثل هذه المسائل من قيادة المجلس لذا أضطر المجلس إلى إفراغ المرآب (الكراج) من السيارات وجعلها قاعة للندوة.

عندما بدأت قيادة المجلس كلامها وشرحها المطول عن إنجازاتها خاصة عن النتائج الإيجابية التي تحصدها من جراء الإنتخابات البرلمانية وتوزير أحد قادته في وزارة الإقليم والرد على التهم الموجهة له في كونه مدعوماً من قبل البارتي، فأن كل هذا لم يمس أحاسيس الحاضرين ولم تثار إنفعالاتهم لأنه كلام مسموع ومعروف للجميع. غير أن الأهم من كل هذا وذاك كان كلام السيد رئيس المجلس الذي لتوه عاد من "المؤتمر العاجل لمسيحيي الشرق الأوسط" الذي عقد في بروكسل وهو من المواضيع المهمة التي يخص مصير أمتنا في الوطن لذا كان من الواجب الحضور لهذا المؤتمر المهم وإستيعاب المواضيع التي طرحت فيه وإقتناء بعضها لتطبيقها على واقع أمتنا المسيحية في العراق لربما تحد من سيف الهجرة الذي يقطع أوصال الأمة ويشرذمها نحو زوايا العالم. من هذا المنطلق فقد أبدى الحاضرون أهتماماً عظيماً ومنقطع النظير لكلام السيد رئيس المجلس عن هذا المؤتمر وعن أهميته فكان الحماس والأمل أيضا بادياً عليهم من مثل هذه المؤتمرات التي بالحتم ستضع حداً لمأساة هجرة أبناء أمتنا للوطن لأن البلدان الأوربية المسيحية مهتمة إهتماماً عظيماً بمصير المسيحيين في الشرق الأوسط، فلم تنتهي الندوة إلا بصلاة ربانية وتضرعات إلى ربنا الخالق لحماية هذه البلدان على الجهود العظيمة التي يبذلونها في حماية المسيحيين وهي الجهود التي تؤكد وبحزم بأن مثل هذا الإهتمام ليس لأغراض تحقيق المصالح الخاصة الوطنية لهذه الدول بل هي لحماية المسيحيين في المشرق.

وفيما نحن بصدد هذا المؤتمر العظيم والعاجل لمسيحيي الشرق الأوسط فأنه ليس من الأنصاف والعدل أن لا نذكر مؤتمر آخر مشابه له عقد في لبنان تحت عنوان "مؤتمر مسيحيي المشرق" الذي حضره أيضا بعض من قادة المجلس ووزراء سابقيين وقياديين من أحزابنا. فلما سمع هؤلاء السيدات والسادة الكرام الذين حضروا هذا المؤتمر أصابهم نوع من "الحسد القومي" من عقد المجلس للندوة وتناول موضوع المسيحيين في الشرق الأوسط لذا أتخذ الجميع وبالإجماع قراراً لعقد مثل هذه الندوة في القريب العاجل لشرح ما دار في المؤتمر والتوصيات المتخذة بشأن حماية مسيحيي المشرق... نشكر ربنا على هذه النعمة الكبيرة التي أنعمها علينا من خلال قادة أبناء أمتنا الحريصين علينا من الضياع والتشرد والضياع.

تجمع التنظيمات السياسية "الكلدانية السريانية الآشورية": كتبنا عن هذا التجميع الكثير وإقترحنا بعض المقترحات المفيدة له ولكن يظهر من كثرة آذان الأعضاء فيه ضاعت المقترحات أو لم تسمع نهائيا ولم يكن قصدنا من هذه المقترحات إلا بيان إهتمامنا الكبير بهذا التجمع الذي يعد ظاهرة إيجابية في حياتنا السياسية وكنًا نأمل منه أن يتطور أكثر ويعمل على سد الثغرات الظاهرة في مظلته المخرومة. صحيح أن هذا التجمع يصعب عليه إتخاذ قرارات حاسمة بسبب طبيعة تكوينه وأسلوب التصويت فيه على القرارات ولكن في هذه المرة وعبر هذه السلسلة من النشاطات المهمة والمثيرة لأحزابنا السياسية عقد التجمع العزم على إقامة ندوة أيضاً من قبل ممثلي الأحزاب والتنظيمات التي صمدت وبقيت تحت هذه المظلة المخرومة رغم إنحراف البعض عنها واللعب وحده في الساحة السياسية. فالندوة التي عقدها التجمع كانت من التنوع والتعدد بتعدد وتنوع أحزابنا السياسية وغيرها التي لم تعد كينونتها معروفة كما هو الحال مع المجلس الشعبي. في الحقيقة رغم أن الجمهور الحاضرين لم يكن متحمساً كثيرا لهذه الندوة معتقداً بأنها ستكون مجرد كلام يدافع كل حزب عن وضعه ويبين بأنه هو الفاعل النشط فيه ولكن مع هذا كانت هناك مواضيع مهمة طرحت في الندوة. فكلا التنظيمين "الكلدانيين" المنبر الديموقراطي الكلداني والمجلس القومي الكلداني طرحا مواضيع حساسة ووضحا من خلال طرحهما كيف أن "كلدانيتهم" لا تتعارض إطلاقاً عند تحالفهما مع غيرهما من الأحزاب السياسية في كوننا جميعاً أمة واحدة وأن التسمية التوحيدية هي التي تجمعها بعكس التسمية المنفردة التي تفرقنا، فكان كلامهم كـ "العسل" حلواً وبتاراً كالسيف في ردهم على بعض الذين يتهمونهم ويطلقون عليهم بـ "المتأشورين" مؤكدين على كلدانيتهم وفي نفس الوقت على وحدتهم كأمة لها مقومات مشتركة مع بقية أبناء الأمة المعروفين بالآشوريين أو السريان. كان هذا الموضوع مثيراً جداً ونال إهتمام الحاضرين بشكل كبير في مقارنة مع المواضيع الأخرى... فنالوا إستحسان الحاضرين من خلال إستمرار التصفيق وعلو الهتافات.

أما الأحزاب الأخرى التي شارك ممثليها في الندوة ضمن هذا التجمع ، فهذا حزب بيت نهرين الديموقراطي، الذي يعتبر حسب إدعاءه بأنه من أقدم الأحزاب الآشورية، تناول وبشكل مفصل علاقته بالحزب الذي يتبنى نفس التسمية في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة وعن تنظيماته ونشاطاته وسعة شعبيته بين أبناء أمتنا وفيما إذا كان فعلاً حزباً محصوراً على الآشوريين فقط أم تتجاوز عضويته إلى الكدان والسريان أيضا ليس بالكلام فقط وإنما بالحقيقة والواقع. أتذكر قبل سنوات طويلة ذكر لي زعيم هذا الحزب في الولايات المتحدة و "العالم" بأن أسم الحزب مقترن بأسم وطننا العزيز بيت نهرين وليس بالأسم الآشوري كما تفعل زوعا وغيرها من الأحزاب الآشورية وهذا هو الذي سيجعل من الكلدان والسريان أن ينضموا للحزب، ولكن اليوم لا أعتقد يوجد كلداني ولا سرياني في هذا الحزب في أميركا بل هو من أشد الأحزاب تطرفاً ومعادياً للتسميات الأخرى لأمتنا. أما الحزب الوطني الآشوري فهو الآخر له سجل طويل في العملية السياسية لأنه في الحقيقة ينافس حزب بيت نهرين الديموقراطي في تاريخ التأسيس فكلاهما تأسسا في السبعينيات من القرن الماضي لهذا فأن شرح كل هذا السجل من قبل ممثل الحزب في الندوة يعتبر أمراً متعباً وطويلاً فأكتفى بطرح مواضيع عامة ومختصرة عن نضال الحزب وعن أسباب تبنيه للتسمية المركبة بعد أن كان حاله كحال زوعا من أشد المتمسكين بالتسمية الآشورية...

ممثلوا الأمة في البرلمان "الكردستاني":
من أكثر النشاطات أهمية وإثارة كانت الندوة التي عقدها ممثلو أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" المنتخبين لبرلمان إقليم "كردستان" الجديد واللقاء الحاسم بينهم وبين جماهير أمتنا وكان هذا الإهتمام والإثارة بادية منذ الوهلة الأولى عندما دخل الممثلون الخمسة لأمتنا قاعة جمعية الثقافية الكلدانية في عنكاوة وهم متكاتفين جنباً إلى جنب معبرين عن قوة وحدتهم وهم يمثلون هذه الأمة المبتلية بمصائب العصر الديموقراطي في العراق حاملين على ظهورهم مأساتها ومعاناتها التاريخية والمعاصرة والمستقبلية ومن دون إكتراث لإنتمائهم الحزبي أو "القائمي"..  كان لدخولهم القاعة وهم بهذه الوحدة والتكاتف ردود فعل قوية تمثلت في وقوف جميع الحاضرين الذين أحتشدوا في القاعة مع عواصف من التصفيق والهتافات بحياة أمتنا المتوحدة والمتمثلة في هيئة هؤلاء الممثلين في البرلمان "الكردستاني". وكما توقع الحاضرين للندوة كان موضوع التغيير الديموغرافي لأراضي وقرى شعبنا أول المداخلات للندوة حيث تم شرح فيها الخطوات الحاسمة التي سيتخذونها في البرلمان وسوف يقلبون كراسهم رأساً على عقب إذا لم يتم إصدار قرارا واضحاً من البرلمان ينص على إيقاف التغيير الديموغرافي والخطوات الفعلية في تحقيق ذلك وبالتالي سوف يعلقون عضويتهم أو يستقيلون من البرلمان إذا لم يتم إتخاذ مثل هذا القرار ... مرة أخرى هزت القاعة من قوة التصفيق من الهتافات الصارخة والمدوية فكان إستمرار هذه الحالة الإنفعالية قد خلق حالة من الحماس وبلغ ذروته إلى درجة إنبعاث ذبذبات قوية تسببت في تصدع جدران القاعة  فكانت كالزلزال تزلزل الأرض أيضا فأهتزت القاعة إهتزازاً قوياً من هذا الحماس والهتاف المدوي فلم يستطيع الحضور الصمود في كراسهم، ولا أخفي سراً أن أقول بأن حالي كان كحال الحاضرين يشوبه نوع من الإرتباك مقرناً بالخوف من هذا الزلزال التي زلزل أيضا كياني وجسمي... نعم بدأت أكتافي تهتز وتتحرك يميناً وشمالآ وإذ بصوت أبني يصرخ وهو يهز كتفي ويقول: بابا ... بابا... إستيقظ من النوم لقد تأخرت عن العمل... فما كان مني إلا أن قفزت من سريري بداعي التخلص من الزلزال الذي أحدثته هذه الندوة والندوات السابقة ثم أمعنت النظر حولي فلم أجد من الحضور والمحاضرين إلا أبني واقفاً بجنبي وغارقاً في الضحك من حالتي المرعبة فقطع ضحتكه التي كان يكتنفها نوع من الإستهزاء بالحالة التي أنا فيها قائلاً: يظهر يا بابا بأنك كنت تحلم حلماً مثيراً ... أليس كذلك؟؟؟ فقلت له: نعم ولكن لم يكن حلماً واحداً بل أحلام عديدة ومثيرة... وأنا في هذه الحالة رفعت يداي متذرعا للرب الخالق شاكراً له على هذه النعمة التي أنعمها علينا نحن البشر في إمكانية الحلم بكل ما نتمناه ونرغبه... نعمة الحلم التي لايستطيع أعتى دكتاتور في العالم أن يمنع الإنسان من هذه النعمة... ولكن ماذا بشأن تحقيق هذه الأحلام... هناك مثل يقول "الأحلام لا يحققها إلا الأبطال"  أفهل لدينا نحن أبطال يستطيعون تحقيق أحلامنا؟؟؟... أفهل تحقيق أحلامنا البسيطة المذكورة في أعلاه يتطلبها أبطال؟؟؟    
  

                      

37
الأحزاب "الكلدانية السريانية الاشورية"
في ضوء مشروع قانون الأحزاب السياسية العراقي

=================================
أبرم شبيرا
مختصر في خلفية قانون الأحزاب في العراق:
بعد تأسيس دولة العراق بدأت الحكومة العراقية ومن خلفها بريطانيا بأصدار مجموعة قوانين لتنظيم الدولة الجديدة, والذي يهمنا هنا هو قانون الجمعيات والأحزاب السياسية الذي صدر عام 1922 وعلى ضوءه شكلت عدد من الأحزاب السياسية من قبل شخصيات في معظمها كانت إمتدادا للعهد العثماني أو للجمعيات والأندية التي تأسست قبيل إنهيار الإمبراطورية العثمانية. وفي عام 1954 عدل هذا القانون بمرسوم رقم 19 وأخطر ما جاء في هذا التعديل هو إسقاط الجنسية العراقية عن كل من ينتمي إلى الحزب الشيوعي العراقي كما ألغى هذا المرسوم رخصة كافة الأحزاب السابقة لصدوره. وبعد الإنقلاب الدموي في 14 تموز عام 1958 أنهارت الحياة الحزبية  ولم ينظم أمورها إلا بعد صدور قانون الجمعيات الجديد في عام 1960 الذي بموجبه أجاز تأسيس أحزاب سياسية ولكن بسبب الفوضى وعدم الإستقرار الذي ساد الحياة السياسية في تلك الفترة فلم يخرج القانون إلى حيز التطبيق الفعلي.
عندما أستولى حزب البعث على السطلة في العراق كان من الطبيعي أن تنعكس دكتاتوريته في التشريعات التي أصدرها ومنها قانون الأحزاب السياسية رقم 30 لسنة 1991 الذي بموجبه كرس مفهوم "الحزب القائد" وفرض واقعياً أمر نظام الحزب الواحد رغم سماحه بمشاركة شكلية ومحدودة جداً  لبقية الأحزاب ضمن "الجبهة الوطنية" التي كان قائدها الحقيقي والمهيمن على بقية الأحزاب التي فرض عليها أن لا تتعارض مبادئها مع مبادئ إنقلاب 17 تموز لعام 1968، أي بعبارة أخرى أن تكون خاضعة له بالتمام والكمال، وحتى هذه المهزلة لم يعد لها وجود بعد توريط نظام البعث العراق في حربين مدمرين فأصبح الإنتماء إلى أي حزب غير حزب البعث جريمة وخيانة للوطن تصل عقوبتها إلى الإعدام.

قرار بول بريمر في الأحزاب السياسية:

بعد سقوط الصنم في نيسان من عام 2003 ، أصدر بول بريمر رئيس سلطة الإئتلاف المؤقت قراراً فضفاضاً رقمه 97 لسنة 2004، والذي عرف بـ "قانون الأحزاب والكيانات السياسية" الذي لم يكن يمتلك أية ركن من أركان القانون بل كان مجرد تعليمات لتنظيم الحياة الحزبية في العراق تمهيداً لإجراء إنتخابات المجلس الوطني وظهر قصوره الكبير في عدم إشارته إلى مسألة تمويل الحزب ومصادره وإمتلاك الحزب للنظام الداخلي وخلوه من ضوابط مطلوبة ومعروفة في الحياة الحزبية. غير أن ما تميز به هذا القرار هو عدم الإشارة إلى تدخل الدولة في شؤون الأحزاب وأمورها الداخلية ولم يحدد شروط تأسيسها أو عملها فكان في أحلام بريمر خلق نوع من الديموقراطية الليبرالية ضمن الإطار العام لمصالح وأمن الولايات المتحدة، أي بعبارة أخرى حاول بريمر خلق ديموقراطية ولكن من دون وجود ديموقراطيين حقيقيين في العراق. أعقب ذلك ظهور عدد هائل من الأحزاب والكتل السياسية ومعظمها قدم من الخارج أو جاءت مع القوات الأمريكية وبعضها كانت موجودة وقائمة في العراق قبل سقوط الصنم والعدد الأكبر تشكل بعد ذلك ومن دون أية ضوابط منظمة لتأسيسها ونشاطها فخلق ذلك فوضى في الحياة الحزبية بحيث جعل من العراق أن يكون الدولة الأولى في العالم من حيث تخمة الأحزاب السياسية. فسجلات الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات تشير بأن هناك بحدود 500 حزب والآخر يرى بأن هذا العدد يتجاوز إلى 550 فلم تكن هذه التخمة في الأحزاب إلا نتيجة عدم وجود قانون أو نظام ينظم الحياة الحزبية ويحدد مفهوم الحزب بشكل رسمي وقانوني، فلا قواعد قانونية تنظم أمور هذه الأحزاب غير مصادقة المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات عليها وذلك لأغراض الإنتخابات.
هكذا أصبح العراق بدون قانون للأحزاب السياسية فسادة نتيجة ذلك الفوضى في جميع الأنشطة السياسية وكان بطلها الأوحد الكيانات الطائفية التي هيمنت على الحياة السياسية وعلى ضوء هذه الفوضى جرت أنتخابات البرلمان لعامي 2006 و 2010 فكان من الطبيعي أن يكون لهذه الكيانات أكثرية المقاعد في البرلمان العراقي.

مشروع قانون الأحزاب السياسية العراقي الجديد:     
ينص الدستور العراقي لعام 2005 في مادته (39 - أولاً) على "حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية، والإنضمام إليها مكفولة، وينظم ذلك بقانون". وطبقاً لهذه القاعدة الدستورية قدمت الحكومة العراقية مشورع قانون الأحزاب السياسية العراقي ووافقت عليه رئاسة الجمهورية والذي يتكون من 11 فصلاً و 69 مادة. أحيل المشروع إلى مجلس النواب لمناقشته وإقراره غير أنه بسبب الخلافات الحادة بين الكتل السياسية في البرلمان والتعديلات التي أجريت عليه من قبل اللجنة القانونية البرلمانية  لم يتوصل خلال جلساته المتعددة ولحد هذا اليوم إلى صيغة يتم من خلالها تمرير القانون وإقراره خاصة من قبل الأحزاب والكتل الكبيرة والمسيطرة التي تتخوف بشكل رهيب من بعض مواد القانون التي تضر بمصالحها ويهدد مركزها المهيمن فيما إذا أقر القانون وطبق، فبسبب هذه الممطالة والتأخير فأنه أصبح من المؤكد أن لا يتم إقراره في الدورة البرلمانية الحالية وسيترك للدورة الجديدة أي بعد إنتخابات عام 2014. لقد كان محقاً من  قال بأنه لو طبقت بعض مواد هذا القانون في الوقت الراهن على الأحزاب السياسية الحالية لكان أغلب زعماء هذه الأحزاب، ومنها طبعاً أحزابنا "الكلدانية السريانية الاِشورية" قابعين خلف قضبان السجون, أما في إقليم "كردستان" فإن "المجلس الوطني الكردستاني" كان قد أصدر قانون "الأحزاب السياسية" رقم 17 لسنة 1993 الذي بموجبه يتم تنظيم وتأسيس الأحزاب السياسية. وهو موضوع سنتركه لفرصة أخرى أذا أتيحت لنا.

كما ذكرنا بأن مشروع القانون يتكون من 69 مادة، وهي مواد ذات مضامين غريبة وعجيبة، فحال هذا القانون كحال لص محترف ومجرم خطير يحاول تجميل سجله الشخصي ببعض شهادات حسن السلوك والسيرة وشهادات "سوق مريدي" في التحصيل العلمي. ففيه مواد تأخذنا إلى العهود الدكتاتورية السابقة من جهة ومواد أخرى تمثل قمة الليبرالية والديموقراطية والتي يستحيل تطبيقها في الأجواء السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية والعنصرية، مواد لا يمكن تصديق قبولها من قبل الأحزاب الكبيرة والمهيمنة... قانون يحاول خلق ديموقراطية ومن قبل رجال لا يؤمنون بالديموقراطية إطلاقاً. على العموم أن الذي يهمنا من هذه المواد هي التي تخص تحديداً أحزابنا "الكلدانية السريانية الآشورية" وتؤثر في مسألة تأسيسها وتسجيلها ونشاطها وتمويلها وسوف نذكر بعضها.

تأثير مشروع القانون على الأحزاب "الكلدانية السريانية الآشورية:

من أكثر المواد تأثيراً، والتي سنشير إليها من حيث قوة تأثيرها وليس من حيث تسلسها كما وردت في المشروع، هي كالآتي:
1)- المادة 11  من الفصل الرابع الخاصة بشروط تأسيس الحزب، والتي تقول (أولاً - أ: يقدم طلب التأسيس تحريرياً إلى رئيس محكمة القضاء الإداري في بغداد مرفق به قائمة بأسماء عدد لا يقل عن (2000) ألفي عضو مؤسس مقيمين في (6) ست محافظات عراقية على أن لايقل عدد المؤسسين عن (100) مائة عضو في كل محافظة من هذه المحافظات). ب: (يستثنى الأحزاب التي تمثل الأقليات من الشرط الوارد بالفقرة (أ) من البند أولاً والمتعلق بإقامة الأعضاء المؤسسين في (6) ست محافظات).
أدرك المشرع واقع الأقليات من حيث إستحالة إقامة 100 مؤسس لأحزابهم في كل محافظة لأن الواقع الديموغرافي لكل الأقليات العراقية هو محصوراً في بعض المحافظات خاصة في بغداد والمحافظات الشمالية لهذا أستثناهم من هذا البند. أما النص الوارد في البند (أ) فأن المشرع قد تجاهل، بقصد أو جهل، كلياً واقع الأقليات من حيث عدد سكانها ومدى إمكانية جمع 2000 ألفي مؤسس لكل حزب فهذا أمر يستحيل في واقع الحال تطبيقه على الأحزاب "الكلدانية السريانية الآشورية"، إذ كان من الضروري أن يدرك المشرع هذا الواقع ويأخذ بعدد معين يقوم على نسبة عدد سكان هذه الأقليات. فلو قبلنا مجازاً بأن الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) بأعتبارها أكثر الأحزاب السياسية شعبية وجماهيرية قد يمكنها جمع 2000 شخص فأنه يقارب المستحيل أن تستطيع بقية أحزابنا "الكلدانية السريانية الآشورية" من جمع هذا العدد حتى ولو إجتمعت جميعاً في كيان واحد خاصة عندما نعرف بأن أكثر من نصف سكان القومية التي تدعي هذه الأحزاب تمثيلها مهجرين خارج العراق. هذا الأمر سوف يكرس ويشرعن هيمنة الحزب الواحد والذي يتنافى كلياً مع الديموقراطية التي ينشدها القانون، وهو الأمر الذي ربما قصده المشرع العراقي في الإبقاء على الأحزاب الكبيرة مهيمنة على مقدرات الحكم في العراق حيث هناك أيضا أحزاب عراقية أخرى لايمكن أن تجمع هذا العدد خاصة فيما يتعلق بالبند الخاص بإقامة 100 مؤسس في كل محافظة.

2)- المادة 4 من الفصل الثاني (المبادئ الأساسية) – البند: ثالثاً: والذي يقول (لا يجوز أن ينتمي أي مواطن لأكثر من حزب سياسي في آن واحد). هذا البند يؤثر بشكل خاص على أحزاب الأقليات لكونها في كثير من الحالات موضوع تجاذب للأحزاب السياسية الكبيرة وإختراقها من خلال دس بعض أعضائها في أحزاب الأقليات. وتجربة إختراقات وجذب الحزب الديموقراطي الكردستاني لبعض الأحزاب "الكلدانية السريانية الآشورية" هي نماذج في هذا السياق. وبقدر تعلق الأمر بهذه الأحزاب فهناك أمور واضحة بأن أعضاء في الحزب الديموقراطي الكردستاني، وبعضهم كوادر ولهم مواقع متقدمة، أسسوا أحزاب سياسية تسرح وتمرح وتدخل العملية الإنتخابية بأسم حزب معين ولكن تخدم أجندة حزب سياسي آخر. فتطبيق مثل هذا البند على هذه الأحزاب أمر يستحيل طالما يمكن إخفاء وإنكار الإزدواجية العضوية الحزبية للعضو المؤسس.

3)- المادة 8 من الفصل الثالث (أحكام التأسيس) والذي تقول: (يشترط لتأسيس أو إستمرار أي حزب مايلي: (البند: ثالثا) والذي يقول (تميز برنامج الحزب في تحقيق أغراضه تميزاً واضحاً عن برامج الأحزاب الأخرى). هناك الكثير من الإنتقادات التي وجهت من قبل القانونيين والمختصين في هذا المجال لهذا البند لأن الكثير من الأحزاب العراقية تتاشبه برامجها السياسية، فكيف والحالة مع "الكلدان السريان الآشوريين" وهم أقلية صغير ولها سجل بسيط في المعترك السياسي. لقد سبق وأن ذكرناً مراراً وتكراراً بأنه بسبب كون أمتنا صغيرة وبسيطة في تفيكرها ومطامحها ومطالبها القومية التي يشترك بها تقريباً معظم أحزابنا السياسية لذلك فإن التشابه وارد جداً في مناهجها وبرامجها السياسية فهي في جوهرها واحدة وأن أختلف شكلها وأسلوب طرحها وصياغتها.

4)-  المادة 11 من الفصل الرابع، البند ثانياً (ترفق بطلب التأسيس الوثائق التالية (قائمة بأسماء الأعضاء المؤسسين معززة بتواقيعهم الشخصية ومصدقة من كاتب العدل – الفقرة ب من هذا البند). أمر لا يقبله المنطق والواقع لهذا تعرض هذا البند إلى هجوم كبير من المهتمين بهذا الموضوع لأن التصديق يتطلب الحضور الشخصي لجميع المؤسسين ألـ (2000) إلى دائرة كاتب العدل للتوقيع على القائمة والتأكد من هويتهم ثم تصديق القائمة فمثل هذا التصديق لا يمكن أن يتم إلا بالحضور الشخصي للمؤسسين وإلا كيف يتم التأكيد من تواقيع المؤسسين؟!. هذا ناهيك بأن هذا البند يكشف كل الجوانب الشخصية للمؤسسين من عناوينهم وتواقيعهم وصور هوياتهم والتي يتطلبها في بعض الأحيان نوع من السرية خاصة في ظل الحكومات التي لا يمكن الوثوق بديموقراطيتها.

5)- الفصل الثامن (الأحكام المالية) بجميع مواده وبنوده وفقراته: هذا الفصل اأثار نقاشات وإحتجاجات وإنتقادات كبيرة جداً لا بل وتخوف منها والسبب واضح جداً لأن الوضع الحالي لمعظم، أن لم يكن جميع الأحزاب العراقية لا هم لها إلا الفلوس والتي يقال بأنها تفسد النفوس، فهذا الفصل ينظيم الأمور المالية للحزب السياسي وتصبح تحت رحمة الحكومة وتراقبها وتعاقب على مخالفاتها ولكن الذي يهمنا نحن هو مايلي:
- المادة 44 – البند: أولاً، الذي يشير إلى (عند إستلام – أي الحزب – التبرع يتم التحقق من هوية المتبرع وتسجل في سجل التبرعات الخاص بالحزب)، والبند ثانياً يذكر (يتم نشر قائمة أسماء المتبرعين في جريدة الحزب). من المعورف بأن الأحزاب "الكلدانية السريانية الآِشورية" تستلم تبرعات كثيرة من أشخاص ومنظمات سواء من داخل الوطن أو خارجه، فتصور عزيزي القارئ كيف سيكون موقف شخص يرغب في التبرع لأحدى هذه الأحزاب وأسمه وهويته وكنيته مكشوفة للملء ولنظام سياسي لا يتواني في أن "يهجم بيت" هذا المتبرع في أي وقت يشاء.
- المادة 45 – البند ثانيا، الذي يشير إلى (تمنع كل التبرعات المرسلة من أشخاص أو دول أو تنظيمات أجنبية)، وهذا البند مكمل للبند السابق ونحن نعرف مدى خطورته على أحزابنا السياسية لأنه الكثير منها تستلم مثل هذه التبرعات من منظمات ومن أبناء أمتنا في المهجر وإستمرار ذلك يعني تعرضها للعقوبات المنصوصة عليها في هذا المشروع القانوني. هذه المادة أثارت وتثير الكثير من التساؤلات والإعتراضات لأنه من المعروف معظم الأحزاب العراقية لها صلات ومصادر مالية من خارج العراق وتطبيقه كما سبق وذكرنا بأنه ستجعل معظم زعماء هذه الأحزاب ومنها أحزابنا أن يقبعوا في السجون.
أكتفي بهذا القدر، فهذا موضوع قانوني دستوري وسياسي يتطلبه دراسات مطولة ويخص بالدرجة الأولى الأحزاب العراقية بشكل عام ولكن حاولت الإختصار والتركيز على ما يؤثر على أحزابنا السياسية بشكل خاص.

خلاصة الكلام:
•   معظلة العراق السياسية واضحة كل الوضوع في مشروع هذا القانون الذي يجمع في مواده مفاهيم ديموقراطية من حيث تنظيم ومراقبة أنشطة الأحزاب السياسية خاصة في مراقبة مواردها المالية كما للبعض الآخر من مواده مفاهيم مستمد من الأنظمة الدكتاتورية السابقة للعراق خاصة في تقييد الأحزاب وربطها بدائرة الأحزاب السياسية التي ستكون أحدى دوائر وزارة العدل.  فالمفترض أن تكون الأحزاب السياسية، بإعتبارات من أهم مؤسسات المجتمع المدني، مرتبطة بهيئة مستقلة غير حكومية... ولكن السؤال يبقى هل هناك إستقلال لأي دائرة من نفوذ الأحزاب الكبيرة المتنفذة والمهيمنة على الحياة السياسية في العراق؟؟
•   موضوع تأسيس الأحزاب أو تسجيلها من قبل 2000 شخص أمر في غاية الغرابة، فمثل هذا الرقم ربما لا نجدها في أكثر الدول ديموقراطية فهذا العدد يتراوح في بعضها من 50 إلى 500 شخص وحتى نفسه بول بريمر – السئ الصيت – أوجب في قراره المذكور أعلاه وجوب تأسيس الحزب بطلب من 500 شخص. فيما يتعلق بأحزابنا السياسية يظهر بأن مثل هذا الرقم قد يكون مريحاً للحركة الديموقراطية الآشورية (زوها) وممكن توفيره وبالتالي ستستمر كـ "الحزب القائد" لأمتنا مؤطر بإطار قانوني، ونحن سبق وأن كررنا العديد من المرات بأنه لا يمكن لأي حزب مهما كانت شعبيته أو قوته أن يمثل وحده مصالح الأمة في إطار ديموقراطي وإلا فسنكون أزاء ممارسات إستبدادية دكتاتورية. لهذا لو كنًا فعلاً نرغب في تطبيق الديموقراطية وتعبر مصحلة الأمة من خلال أحزابنا فأنه يتطلب وجود عدد معقول (وليس تخمة) من الأحزاب السياسية يتناسب هذا العدد مع حجم الأمة وإمكانيتها وطموحاتها. من هذا المنطلق يتطلب الواجب القومي من أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية أن تتآلف وتتوحد وتحاول أن تجمع، إذا تمكنت، هذا العدد المطلوب لتأسيس حزب جديد وعصري يكون مؤهلاً وقادراً على منافسة زوعا منافسة عادلة في التعبير عن مصالح الأمة وتحقيق طموحاتها. لكن كما سبق وأن ذكرنا فأنه قد يقارب الإستحالة في جمع 2000 شخص لتأسيس مثل هذا الحزب الجديد لهذا السبب يستوجب على "ممثلي" أمتنا في البرلمان العراقي أن يعترضوا على المادة التي تنص على 2000 شخص لتأسيس الحزب وأن يكون هذا العدد مناسب لعدد سكان أبناء أمتنا واضعين بنظر الإعتبار مسألة تهجيرهم من وطنهم الأم بنظر الإعتبار.
•   مسألة تمويل الأحزاب والتبرعات هي الآخرى خطيرة يستوجب على أحزابنا السياسية الإستعداد لها قبل إقرار هذا المشروع ويصبح قانوناً نافذا قابلاً لأخذهم وزجهم في السجون في حالة مخالفتهم له. ولكن مع كل هذه المخاطر نرى بأن بعض قادة أحزابنا خاصة الممثلين في الحكومة العراقية والبرلمان لم تعد مصادر تمويلهم من الخارج ذات أهمية كبيرة مثلما كان في السابق حيث أن كراسيهم ومن تحتها توفر لهم مصادر مالية ضخمة وقد "يتكرمون" ويعطون بقشيشاً ((Tip لأحزابهم وإعتبارها نوع من التبرع السخي ويسجل في سجلات المتبرعين...(عود في عين الحسود)!!!
•   ولكن ... ولكن أفهل هذا الطرح في تآلف وتوحد شرذمات أحزابنا لغرض تأسيس حزب كبير هو نوع من اليوتوبيا وحلم وردي... فالجواب قطعاً هو بنعم لأن مثل هذا الطرح سوف يصطدم بالجدران الصلدة لمصالح هذه الشرذمات، ولكن مع هذا فإن ضميرنا الحي وواجبنا القومي يستوجب تنويرهم بأن هذه الجدران ستتآكل بمرور الزمن وستصبح هشة وتنهار من تلقاء نفسها إذا لم تضع مصلحة الأمة فوق مصلحتها الحزبية الخاصة وأنا متأكد كل التأكد بأن معظم أبناء أمتنا لهم نفس ضميري الحي ويحبون مصلحة الأمة ولا أشك في بعض من قادة أحزابنا السياسية لهم مثل هذا الضمير الحي ولكن بالدرجة الأولى مطلوب منهم إثباته لا بالقول بل بالفعل لأنهم يعتبرون قدوة للأمة التي يحاولون تمثيلها من خلال مواقعهم الحزبية والرسمية. 
     

     
       

38
أضواء خافتة على المؤتمر السابع (2013) للحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا)

أبرم شبيرا
أضواء خافتة:
هذه بعض المواضيع التي أطرحها تحت كشاف الأضواء الخافتة التي توفرت عن المؤتمر السابع لزوعا والتي لم تكن كافة لدينا لكشفها تحت الأضواء الساطعة وطرحها بما عليها ولها رغم إننا طلبنا شفهياً وتحريراً من قيادة زوعا السماح لي ولبعض المهتمين بشؤون زوعا حضور المؤتمر لنكون كمراقبين محايدين وعلى بينة بما يجري في أروقتة وبمناقشات المؤتمر والذي حتماً هو لصالح زوعا أكثر مما هو لصالحنا نحن لأنه من المحتمل جداً أن يصدق أبناء أمتنا ما نكتبه أكثر مما يصدق ما تذكره زوعا نفسها ويكون صوتنا قائماً على بيان كل الجوانب الإيجابية والسلبية معاً، وهو ما نفعله في هذا الموضوع، بينما من المؤكد أن طرح زوعا سيكون قاصراً على الجوانب الإيجابية فقط ، وهذا وإن كان أمراً طبيعياً لكل حزب سياسي إلا أنه من جانب آخر يحق لأبناء أمتنا أن تعرف كل الجوانب الإيجابية والسلبية خاصة لحزب يعتبر من الأحزاب الرئيسية والكبيرة لأمتنا.       
تساؤل مشروع:
===========
معظم أبناء شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" وكثير من غيرهم يقرون ويعترفون بأن الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) حزب سياسي كبير وفاعل على الساحة القومية ويشارك كثيراً أو قليلاً، سلباً أو إيجاباً،ً مع بقية القوى السياسية العراقية في مخاض العملية السياسية في العراق. فبهذه الصفة التي تتصف بها تشكل زوعا إهتمام الكثير من أبناء أمتنا خاصة المهتمين بشؤوننا القومية وتحديدا المثقفين منهم الذين يهمهم دراسة ومعرفة طبيعة ونشاط أحزابنا السياسية. من هذا المنطلق من المفترض أن يشكل المؤتمر السابع لزوعا أهمية لديهم تنعكس في بعض الكتابات والدراسات الموضوعية لا التهجمية أو مغطاة بسلبية كاملة من دون النظر إلى الجوانب الأخرى التي تصلح أن تعرض وتدرس وتنتقد وبموضوعية سواء أكانت جوانبها سلبية أم إيجابية فمعرفة كلا الجانبين يساعد كثيراً لا زوعا فحسب وإنما يطور مسيرة حركتنا القومية من خلال تطوير أحزابنا السياسية أيضاً. فلا التهجم والسلبية المطلقة تفيدنا ولا التطبيل والتزمير لهذا "الزعيم" وإرسال البرقيات ذات الطابع "موافج" تفيدنا، فهي تأخر أكثر مما تقدم. إنطلاقاً من مبدأ الموضوعية في دراسة هذا الحدث نتسائل، أين المثقفين الموضوعين، الذين يهمهم زوعا وتشغل تفكيرهم مثل هذه الكتابات الموضوعية المساهمة في تطوير حركتنا القومية وأحزابنا السياسية؟؟؟ ولعل مثل هذا التساؤل أوجهه بالدرجة الأولى إلى نفسي وذلك لكوني من المتهمين بزوعا وبمسيرتها ونشاطها. وإنعقاد المؤتمر السابع ودراسته من خلال بعض المحاور الرئيسية التي وصلتنا عبر القنوات  العامة يهمني ويدفعني لكي أكتب عنها ومن دون التطرق إلى القرارات "الداخلية" التنظيمية التي وصلت إلينا شذرات بسيطة منها وغير رسمية ولا تصلح للعرض والدراسة بسبب شحتها كما أنها لم تصدر او تعلن من قبل الجهة المعنية.   
محاور رئيسية:
==========
يذكر البيان الختامي للمؤتمر السابع لزوعا بأنه أنعقد للفترة (16 – 18) من تشرين الأول 2013 وبمشاركة 271 مندوباً (ومرات أخرى ذكر 300 مشارك) من جميع الفروع والمكاتب في الوطن وقواطع المهجر وبعد التحاور والنقاش من قبل اللجان المختصة التي تشكلت لدراسة مواضيع مختلفة تم إقرار ببعضها وصدور القرارات عنها ومن ثم إنتخاب السكرتير العام أولاً وبعد ذلك إنتخاب (16) عضواً للجنة المركزية مع (3) أعضاء إحتياط. وبغنى عن الإشارة إلى المواقف والسياسات والمناهج التي ناقشها المؤتمر والقرارات التي إتخذها فإن المحاور الرئيسية، وليست كلها بل بعضها، التي تهمنا هنا هي كالآتي:
1) – فترة إنعقاد المؤتمر:
 يظهر بأن زوعا لم تتخلص من عقدة أو "موديل" أحزابنا السياسية في إنعقاد "مؤتمرهم" خلال فترة نهاية الأسبوع (Weekend Conferences) فقد لاحظت من خلال متابعتي للأحزاب والتنظيمات القومية لأمتنا إنعقاد "مؤتمر" معظم أن لم يكن جميعهم على الإطلاق خلال أيام نهاية الأسبوع. فإذا كان لهذا مبررات منطقية تقوم على إستغلال فرصة العطلة الأسبوعية ليتسنى للمندوبين حضور المؤتمر فأن له من جانب آخر مدلولات تدل على صعوبة حضور المندوبين في أيام الأسبوع الأخرى وعدم إمكانيتهم للتضحية بها أو الحصول على إجازة من عملهم أو دراستهم من أجل حضور المؤتمر. ومن خلال متابعتي لأيام إنعقاد مؤتمرات زوعا السابقة لاحظت ما يختلف عن أحزابنا السياسية الأخرى هو إنعقاده لمدة ثلاثة أيام أو أكثر وهو أمر طبيعي بسبب إزدحام برنامجه السياسي والذي يتطلبه مناقشات مكثفة وطويلة من قبل اللجان المختصة ومن ثم إقرارها. في حين مؤتمرات أحزابنا وتنظيماتنا القومية الأخرى لا تستغرق أكثر من يوم أو يومين في أقصاها ولا تخرج بعضها عن إطار المهرجان الخطابي والكلمات الرسمية. وهذه نقطة تسجل لزوعا وتجعلها فعلاً من الأحزاب الحقيقية والكبيرة في أمتنا. والملاحظة التي أود الإشارة إليها هو إنعقاد المؤتمر السابع في أيام عيد الأضحى للمسلمين وهي المناسبة التي تكون قيادة زوعا خاصة سكرتيرها العام مشغولين بزيارة قادة وزعماء الأحزاب السياسية العراقية وتهنئتهم بهذه المناسبة وهو أمر مطلوب رسمياً ومجاملة يستوجب القيام بها ولكن يظهر بأن قيادة زوعا بادرت إلى إعطاء أهمية أكثر لحضور المؤتمر من هذه المجاملة ولكن بالمقابل كنًا نتمى لقيادة زوعا أن تعطي نفس الأهمية لحضور أحتفالات الأول من نيسان الماضي ومسيرتها الضخمة واللقاء بجمهرة أبناء شعبنا خاصة الشباب والطلاب القادمين من بلدان المهجر، ولكن يظهر بأن أهمية الحزب وأوليته تفوق أهمية الأمة في أعيادها وإحتفالاتها عند قيادة زوعا وهذا ما شاهدناه في نيسان الماضي في بغديدا فبعد ثلاثة أسابيع حضر معظم قادة زوعا وعلى رأسها سكرتيرها العام إحتفال ذكرى تأسيس زوعا ولكن غابوا عن إحفالات الأول من نيسان مفضلين إحتفالات حزبية على إحتفالات الأمة. ونأمل أن لا يتكرر هذا في نيسان القادم وأن نرى السكرتير العام لزوعا في مقدمة المسيرة وإعطاء لها أولوية قبل غيرها من المناسبات.

2) – حضور المندوبين:
يعتبر الباحثون في العلوم السياسية أن أحد عوامل قوة الحزب هي في جماهيريتة وشعبيته ويكون عدد أعضاءه معياراً لهذه القوة. فحضور 271 مندوب للمؤتمر السابع، حسب التقرير الختامي لزوعا، تعبير عن مدى سعة جماهيرية زوعا وكثرة عدد أعضاءها. فإنتخاب أو إختيار مندوبين بهذا العدد الكبير يدل على أن هناك أعضاء كثر قد يتجاوزون بضعة آلاف، فيما إذا أتبعت الأصول المعروفة في إنتخاب وإختيار المندوبين للمؤتمر. وهي الحالة التي تجعلنا أن نقر ونعترف مرى أخرى بزوعا كحزب سياسي كبير في أمتنا سواء وقفنا مع توجهاتها أم خالفناها أو تهجم البعض عليها وأهان قيادتها فهي مسائل لا أهمية لها ولا تأثير في حقيقة كون زوعا حزباً جماهيرياً وله من الأعضاء ما يحقق لها هذه الصفة. لقد سبق وذكرنا مراراً وتكراراً مسألة تعريف الحزب السياسي وأكدنا بأن الحزب هو مجموعة من الأشخاص يؤمنون بمبادئ وأفكار مشتركة ويخضعون لنظام موحد ويسعون للوصول إلى السلطة السياسية لتحقيق أهدافهم، أي بهذا المعنى الحزب يجب أن يكون له أربعة مقومات وهي مجموعة من الأشخاص (الأعضاء) والفكر (الأيديولوجيا) و التنظيم (النظام الداخلي) والسعي للوصول إلى السلطة السياسية لتحقيق الأهداف. وبقدر تعلق الأمر بموضوع الأعضاء فقد يرد عليه بعض الإعتراضات وذلك بسبب عدم ذكر العدد المطلوب لهذا المقوم، أي بهذا المعنى ربما بضعة أشخاص تكفي لتكوين الحزب. ولكن المتفق عليه وبشكل مطلق هو أن العدد يجب أن يكون كافياً لكي يشغل جميع تنظيمات الحزب المذكورة في النظام الداخلي من أعلاها، اللجنة المركزية إلى أصغر خلية – على سبيل المثال لا الحصر – وهي الحالة التي لا تنطبق إطلاقاً على جميع أحزابنا السياسية بإستثناء زوعا التي لها من الأعضاء ما يكفي وبزيادة على إشغال جميع تنظيماتها التراتبية. فلدينا بعض الأحزاب التي لا يتجاوز عدد أعضاؤها أكثر من أصابع اليد في الوقت الذي يتطلب المئات من الأعضاء لملئ هياكلها التنظيمية المذكورة في نظامها الداخلي، ولا أدري كيف سيكون حال معظم أحزابنا السياسية عندما يقر مشروع قانون الأحزاب العراقية لعام 2011 من قبل البرلمان العراقي وتطبق المادة (111 – أولاً) من الفصل الرابع (إجراءات تسجيل الأحزاب) والتي تنص على تقديم طلب التأسيس تحريريا الى رئيس محكمة القضاء الاداري في بغداد مرفق به قائمة باسماء عدد لا يقل عن (2000) عضواً. فالتساؤل هو هل أن لجميع أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية مجتمعة هذا العدد؟؟؟ عليها التفكير قبل تطبيق هذا القانون، وهذا موضوع طويل سنخصص له فرصة أخرى. أتذكر بهذا الخصوص مسألة مضحكة ومحزنة في عين الوقت عن حزب سياسي ملئ الدنيا بالصراغ و (الأمتانايوتا) وأشورايوتا التي من خلالها يحاول قضم وبلع مئات الألآف من الكلدان والسريان وهو مجرد من الأسنان تماماً. عقد هذا الحزب جلسة في لندن في منتصف التسعينيات من القرن الماضي وسماها مؤتمر عام وبناء على طلب الحزب حضر أحد أصدقائي الأدباء إلى الجلسة ظناً منه أنه ضيف شرف أو مراقب يستطلع مجريات مؤتمر الحزب فكان عدد الحاضرين للمؤتمر أثنى عشر شخصا فقط وبعد ساعات من الثرثرة قالوا لصديقي الأديب أنه أنتخب عضواً في اللجنة المركزية لأن العدد المطلوب لهذه اللجنة هو ثلاثة عشر عضواً وليس لهم غير أثنى عشر وهو سيكمل العدد (بدون تعليق).

من الملاحظ بأن كثرة عدد المندوبين لمؤتمر زوعا السابع وهو تقريباً أكثر من المؤتمرات السابقة وفي ظروف صعبة وقاسية للغاية داخلياً وخارجياً، ولا ندري ما هي المعايير والطرق التي أعتمدت في إختيار أو إنتخاب المندوبين وتسهيل أمور حضور هذا العدد الكبير ولكن هي حالة يجب أن تدرس من خلال الظروف الصعبة التي مرت وتمر بها زوعا حالياً خاصة بعد إنقطاع  عدد كبير من القياديين والكوادر المتقدمة من التنظيم وتشكيلهم قائمة أبناء النهرين وحصولهم على مقعد في برلمان إقليم "كردستان" وقد يكون من وراء حضور هذا العدد الكبير كرد فعل للأوضاع الصعبة التي تمر بها زوعا ومحاولة إثبات بأنها لازالت بحالة صحية وثبات كما يمكن إعتبارها رسالة موجهة لأبناء أمتنا بأن لها قواعد واسعة وراسخة فلم يؤثر خروج عدد من القياديين والكوادر المتقدمة على أوضاعها وقواعدها وشعبيتها وقوتها. وأخيراً لم يبقى بهذا الخصوص إلا أن نشير بنوع من التقدير والتثمين والإعجاب أيضاً لإنعقاد المؤتمر في بغداد لمدة ثلاثة أيام وحضور 271 مندوب وفي أجواء غير مستقر وآمنة خاصة أثناء أيام عيد الأضحى التي تكثفت فيها الإنفجارات والأعمال الإرهابية ناهيك عن المستلزمات المطلوبة من الإقامة والتنقل والمعيشة وغيرها من الأمور المطلوبة لهذا التجمع الكبير، فمثل هذه الظواهر هي التي تفرض علينا أن نقر بأن زوعا حزب سياسي كبير سواء قبلنا هذه الحقيقة أم رفضناها فهذه مسألة شخصية لا تأثير لها على حقيقة الأمر.

3) - السكرتير العام وأعضاء اللجنة المركزية:
نعالج هذا المحور من جانبين، الأول: إنتخاب السكرتير العام. والثاني: أسلوب إنتخابيه وأعضاء اللجنة المركزية.
إنتخاب السكرتير العام:
 يذكر البيان الختامي لمؤتمر زوعا بأنه "في اليوم الثالث تم إنتخاب السيد يونادم كنا لمنصب السكرتير العام بالتزكية من قبل الحاضرين الذين أتفقوا بالإجماع على منح السيد كنا ثقتهم لتولي مهام السكرتير العام للحركة الديموقراطية الآشورية ثلاث سنوات قادمة". مقصد الكلام أن السيد يونادم كنا قد فاز بمنصب السكرتير العام لزوعا بالتزكية وبالإجماع. هنا نود أن نؤكد بأن التزكية هي من مصطلحات وإختراعات وممارسات بلدان العالم الثالث التي تدعي بالديموقراطية، لا بل هي من خزعبلات الأنظمة السياسية والحزبية للبلدان العربية لغرض تكريس وإستمرار الجلوس على كرسي الحكم والتسلط، فالتزكية هي بعيدة كل البعد عن الديموقراطية. فأبسط متطلبات الديموقراطية هي أن يكون هناك تنافس وهذا لا يمكن أن يكون إلا بين أثنين أو أكثر، فالديموقراطية لعبة سياسية وكأي لعبة يتطلبها أكثر من لاعب واحد ولا يمكن إطلاقا لشخص أن يلعبها لوحده ما لم يكن يخدع نفسه قبل غيره. فلم نسمع طيلة حياتنا فوز أي رئيس أو حاكم أو زعيم حزب أو حركة بالتزكية في بلدان ذات الأنظمة السياسية والحزبية الديموقراطية. ربما قد نجد في بعض الأحزاب في الدول التي تتبنى الديموقراطية زعيم حزب يستمر في منصبه لسنوات طويلة ويتم إختياره عدة مرات ولكن هذا الإختيار هو إنتخاب ونتاج منافسة مع غيره من المرشحين للمنصب. أما إستمرار زعيم الحزب في منصبه عن طريق إختياره بالتزكية فإن مثل هذه الأحزاب السياسية هي في معظمها أحزاب متطرفة ومتشددة سواء أكانت في أقصى اليسار أم أقصى اليمين. وحتى هذا لا يعتبر إنتخاب بل تجديد أو تمديد لمنصب الزعيم وهو ما يعرف بالفكر السياسي الإسلامي بـ "المبايعة". إذن من هذا المنطلق نقول بأن السيد يونادم كنا لم ينتخب بل جدد منصبه أو مدد لثلاث سنوات أخرى قادمة ولم تجري عملية إنتخابه طالما كان وحده في الساحة. كما يجب أن لا يفوتنا أيضا أن نشير إشارة عابرة إلى كلمة (الإجماع) وهذه الكملة أيضا هي شقيقة لكلمة التزكية فهي الأخرى بعيدة كل البعد عن مفهوم الديموقراطية، فالإجماع، أي 100% هو أسلوب الأنظمة التسلطية وقد عرفناه ولمسناه وعانينا منه كثيراً في وطننا العراق وغيرها من الأوطان العربية ولا يستوجبه شرحاً مفصلاً.
الملاحظة الأخرى التي يستوجب ذكرها، هي أنه خلال مؤتمرات زوعا الماضية كنا نجد أثنين أو أكثر من أعضاء زوعا يرشحون أنفسهم لمنصب السكرتير العام، سواء أكان ذلك ترشيحاً جدياً أم شكلياً وللديكور فقط وإضافة نوع من الديموقراطية على إنتخاب السكرتير العام. والحق يقال بأنه في بعض من هذه المؤتمرات فاز السيد كنا وبصعوبة وبقليل من الأصوات، ولكن في هذا المؤتمر نجد بأن السيد يونادم كنا كان وحده ولم ينافسه أحد فتم تجديد ولايته من دون منافسة. ولو حاولنا أن نحلل هذا التفرد بمجل الظروف التي مرت بها زوعا يمكن أن نجد الأسباب في مايلي:
أ) -  ربما يأتي هذا التمديد، خاصة بعد الإنتقادات الكبيرة التي وجهت إلى السيد كنا ومن مختلف الجهات التي دعت إلى النتحي عن المنصب بعد أن مكث فيه سنوات طويلة وترك المجال لغيره،  كرسالة سواء أكانت موجهة إلى المنقطعين عن التنظيم أو إلى أبناء أمتنا لتؤكد بأن السيد يونادم كنا لا يزال في موقع القوة وله شعبية واسعة ودعم مطلق وبالإجماع من قبل أعضاء زوعا ومؤتمره العام الذي يعتبر أعلى سلطة تنظيمية للحزب.
ب)- بعد إنقطاع وخروج "الرعيل الأول" من التنظيم وعدم إمكانية حضورهم للمؤتمر وهم في أكثريتهم مجربين نفس تجربة السيد يونادم كنا وعبر سنين طويلة وصعبة وبعضهم منذ تأسيس زوعا، جعل هذا الغياب الساحة خالية من منافس جدي وحقيقي للسيد يونادم كنا وبالتالي أصبح وحده في الساحة.
ج)- عدم وجود منافس جدي وكفوء وسياسي محنك ذو خبرة واسعة أكتسبها عبر سنوات طويلة وصعبة من بين المندوبين الحاضرين للمؤتمر، كما هو الحال مع السيد يونادم كنا لكي يستطيع أن ينافسه بكشل جدي وفعال، حيث إن جميعهم – ما عدا السيدان يونادم كنا وآشور أبرم -  هم من "الرعيل الثاني" الذي أنتمى إلى زوعا بعد عام 1992، ولكن هذا لا ينكر وجود دماء شابة ذات مستوى عال من الفكر والوعي والإخلاص توحي لنا أمكانية إعتلاءها منصب السكرتير العام في السنوات القليلة القادمة.
د)- وحتى إذا كان هناك منافس من بين الحاضرين للمؤتمر وتقترب كفائته من كفاءة السيد يونادم كنا، فإن القيادة الكرازماتية والمؤثرة التي يتمتع بها السيد يونادم في زوعا وفي مجتمعنا أيضا تجعل من هذا المنافس أن يفكر أكثر من مرة قبل دخوله المنافسة، وما يترتب على هذا التنافس من إحتمال فقدان الإمتيازات وموقعه في زوعا وربما خسارة الحظوة التي يتمتع بها عند السيد كنا. فاليوم جميع الذين نافسوا السيد كنا في المؤتمرات السابقة هم خارج التنظيم أو "متقاعدين".
هـ)-  قد يكون هناك سبب آخر متعلق برغبة زوعا في الإستمرار وعدم التغيير خاصة في هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها بشكل خاص وأبناء أمتنا بشكل عام ولربما كان منافسة السيد يونادم كنا وخسارته في الإنتخابات أو التنحي عن منصبه وإفساح المجال لغيره قد يعطي إنطباعاً بأن زوعا أو السيد يونادم قد خضع للضغوط التي مورست ضده وضد زوعا بهذا الشان، ومثل هذه الخسارة أو التنحي وفي هذه الظروف تعتبر حسب عقليتنا المشرقية إهانة يصعب تحملها. وعلى العموم وبقراءة سريعة للظروف الصعبة والقاسية التي تمر بها زوعا من جهة وأمتنا من جهة أخرى لا نرى في الأفق أي إحتمال لتنحي السيد كنا عن منصبه خلال السنوات الثلاث القادمة ولكن حتى نتجنب ظاهرة "الزعيم الأوحد" فعلى زوعا أن تخلق زعماء بمستوى السيد كنا وهذا لا يتم إلا من خلال المشاركة الفاعلة معه في قمة المركز التنفيذي وهو الموضوع الذي إقترحناه مباشرة لها في تغيير النظام الداخلي وخلق "ترويكا" قيادية عبر إحلال "مكتب السكرتارية العامة" بدلا من منصب السكرتير العام يتكون من ثلاثة أعضاء من بينهم السيد كنا يتولون أمور السكرتير العام سنوياً وبالتناوب خلال فترات إنعقاد المؤتمر العام. وقد يبدو هذا الأمر غريباً وإستثنائياً في الأحزاب الشرق الأوسطية، ولكن ما ضرر في أن نضيف إستثناءاً آخر إلينا، أليست أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" أمة الإستثناءات؟؟

أسلوب إنتخاب السكرتير العام وأعضاء اللجنة المركزية:
هذا المحور سبق وأن تطرقنا إليه سواء بشكل عام وعن طريق نشره في المواقع الألكترونية أو بالكتابة مباشرة إلى قيادة زوعا. وبإختصار شديد نذكر بأن لإنتخاب السكرتير العام طريقتان، الأولى: بعد إنتخاب أعضاء اللجنة المركزية من قبل المؤتمر العام تعقد اللجنة المركزية إجتماعاً لإنتخاب السكرتير العام من بين أعضاءها. والثاني: يتم إنتخاب السكرتير العام من قبل المؤتمر العام ثم بعد ذلك يتم إنتخاب أعضاء اللجنة المركزية. لقد كانت زوعا تأخذ بالطريقة الأولى في إنتخاب سكرتيرها العام ولكن تغير في السنوات القليلة الماضية وبدأت تأخذ بالطريقة الثانية. ولكل طريقة مزايا وعيوب، فالطريقة الأولى يكون السكرتير العام مراقب ويمكن كبحه من قبل الجهة التي إنتخبته، وهي اللجنة المركزية. والحالة نفسها بالنسبة للطريقة الثانية ولكن يكون السكرتير العام مراقب ويمكن كبحه من قبل الجهة التي إنتخبته وهو المؤتمر العام. معظم ظواهر بروز شخصية السكرتير العام وربما تسلطه تأتي بسبب كونه منتخباً بالطريقة الثانية لأنه قد تكون فترة إنعقاد المؤتمر طويلة وصعبة لكي يتم فيه محاسبة مخالفات وتقاعس السكرتير العام. ومما يزيد من بروز شخصية السكرتير العام وربما تسلطه هو عدم تحديد الدورات التي يمكن للسكرتير العام ترشيح نفسه. ففي السابق كانت زوعا قد حددت بدورتين الإ أنه في السنوات القليلة الماضية رفع هذا القيد وفتحت المجال لترشيح السكرتير العام نفسه لدورات متتالية وغير محددة. ومن المؤسف أن تأخذ زوعا بهذه الطريقة في إنتخاب سكرتيرها العام فهو أسلوب معروف مستمد أساسه من الأحزاب الشيوعية خاصة في المرحلة الستالينية التي فيها يستبد السكرتير العام ويتحول إلى صنم معبود، ونأمل أن تكون زوعا قد فكرت ملياً في هذا الموضوع والذي سبق وأن أقترحناه لقيادتها مباشرة. فوفق هذه الحالة مهما كان السكرتير العام ديموقراطياً ومشاركاً في إتخاذ القرارات مع بقية أعضاء القيادة، كما نلاحظه ونسمعه دائماً من السيد كنا، إلا أنه في الظاهر، خاصة بالنسبة للمجتمعات كمجتمعنا الذي عانى من ظاهرة الدكتاتورية والتسلطية، يظهر السكرتير العام كأنما هو الزعيم الأوحد ومصدر كل القرارات.
أضافة إلى ذلك فأن من مساوئ الطريقة الثانية في إنتخاب السكرتير العام هو ضياع طاقات كفوءة قادرة على تولي مهامات قيادية في الحزب. فعندما يتنافس أثنان على هذا المنصب ويخسر أحدهما نرى بأنه أما أن يتردد في أن يرشح نفسه لللجنة المركزية بعد خسارته أو أن النظام الداخلي لا يسمح له بذلك. في حين عندما يترشح أثنان من أعضاء اللجنة المركزية وحسب الطريقة الأولى فإن خسارة أحدهم لا تؤثر على موقعه كعضو في اللجنة المركزية وربما سيختار كنائب للسكرتير أو يتولى أحدى المكاتب التنفيذية المهمة في اللجنة المركزية.
أكتفي بهذا القدر وأستميح القارئ الكريم عذراً من الإطالة بعض الشيء في هذا الموضوع، فهو من الأهمية والحساسية الذي يستوجبه صفحات مطولة لا بل أنها فرصة مناسبة لأن أقول بأن زوعا بشكل عام تصلح أن تكون موضوع أطروحة جامعية لنيل شهادة الماجستير أو الدكتوراه في العلوم السياسية وتحديدا في الأحزاب السياسية لما لها من مصادر كثيرة وإمكانية إجراء مقابلات مع مؤسسيها أو قيادتها حول مسائل كثيرة، ومن المفضل أن يكون البحث الأكاديمي في هذا الموضوع من غير أعضاء زوعا لكي تضمن الحيادية المطلوبة في البحث العلمي الموضوعي.   

39
عرب وين طنبوره وين
مثل ينطبق بكل حذافيره على المدعو محمد مندلاوي المستميت عشقاً بجرائم سمكو

==============================================
                                                                                                                                أبرم شبيرا

عرب وين طنبور وين ... مثل يضربه العراقيون على الأشخاص المتخلفين والمتأخرين عن الوضع العام السائد. وقصة هذا المثل هي أن أحدى القبائل البدوية هرب جميع أفرادها من جراء غزو قبيلة أخرى لمرابعها وعندما وصلوا إلى منطقة آمنة لم يجدوا بينهم طنبور وهو أسم أمراة من قبيلتهم حيث كانت قد بقيت إلى جانب خيمتها الممزقة والمنهارة وعندما سأل أحد من أفراد قبيلتها عنها قالوا... عرب وين طنبور وين. هذا المثل ينطبق بكل حذافيره على المدعو محمد مندلاوي في مقالة، الأصح شتيمة عنصرية حاقدة، تحت عنوان (سمكو شكاك ثائر كوردستاني أرعب محتلي كوردستان وأذنابهم في حياته ومماته) ونشر في جريدة (كردستان بوست) بتاريخ 25/10/2013.

في الحقيقة أقولها صراحة بأنني تأسفت على تلك الدقائق القليلة التي صرفتها لقراءة هذا الموضوع وأنا منهمكاً بوضع اللمسات الأخيرة عن موضوع يتعلق بالمؤتمر السابع للحركة الديموقراطية الآشورية والذي سأنشره في الأيام القليلة القادمة غير أنه إستجابة لطلب صديق عزيز لي لبيت طلبه بهذه السطور القليلة وأن كان موضوع مندلاوي لا يستحق حتى سطراً واحد للرد عليه، لأن الرد عليه سيكون شبيهاً بقصص ألف ليلة وليلة والتي لا تنتهي أبداً ولا يشبع شهريار من حكايات شهرزاد. فهكذا فإن عنصرية مندلاوي وحقده على الآشوريين، أحفاد الملوك العظماء والأمبراطورية العظيمة التي ساهمت مساهمة كبيرة في الحضارة الإنسانية، وجهله بالوقائع التاريخية الحقيقية لا تكفيه كتب الدنيا كلها لإقناعه بخطئه وأسلوبه في كتابة هذا الموضوع المعتمد كليا على بعض الكتب والمراجع في معظمها حاقدة ولسان حال الأنظمة الإستبدادية التي تعاقبت على السلطة في العراق وبعضها الآخر منطلقة من حقد طائفي وإستعماري على أبناء كنيسة المشرق الآشورية. فالأسلوب الإنتقائي المعروف كأسلوب إنتهازي غير موضوعي الذي يسود بالكامل على منهجه في إستخدام المراجع يدل على مدى إنتهازيته في إنتقاء ما يخدم حقده وعنصريته. ولنأخذ نموذج بسيط في هذه الإنتقائيه الإنتهازية حينما يذكر  سفر ناحوم من التوراة الذي يتنبأ بدمار نينوى وإستئصال ذرية آشور ولكن بالمقابل يغفل عمداً أو جهلاً الفقرات الآخرى من هذا السفر عندما قال ناحوم (لقد نعست رعاتك يا آشور واضطجعت عظماؤك وتشتت شعبك على الجبال ولا من جامع يجمعهم ) - ناحوم : 3 : 18 . وتفسير هذا واضح ومبين فالرعاة، والذي يقصد بهم الملوك والزعماء والقادة، لم يفنوا ولم يضمحلوا وانما أصبحوا خاملين هادئين غير فاعلين في الحياة العامة في حين قصد نفس الشيء بالنسبة لعظماء آشور والمعني بهم الحكماء والفلاسفة وكبار رجال الدين والعلم. أما بالنسبة للشعب فواضح كل الوضوح بأنه لم يفنى ولم يتلاشي بل كل ما يقوله عنهم انهم تشتتوا في الجبال ولا يوجد تنظيم أو دولة أو كيان معين يجمعهم في وحدة واحدة، كل هذا يدل على أن الآشوريين كانوا موجودين في جبال شمال الوطن منذ أقدم الأزمنة وليس وجودهم مقرون فقط بإضطهادات تيمورك لينك كما يدعي مندلاوي. هذا الجهل والعمد في بيان الحقيقة التاريخية لوجود الآشوريين منذ أقدم الأزمة يجعل من منداوي أن يعجر التفريق بين الشعب والدولة، فالصحيح هو أن الآشوريين فقدوا كيانهم السياسي ولكن بقوا كشعب معروف في التاريخ ومتواجد على الدوام سواء ضمن دويلات صغيرة في جبال آشور أو ككيانات قومية إجتماعية خاضعة للدول الأخرى. الكورد لم يكن لهم طيلة تاريخهم المعروف نظام سياسي مستقل أو دولة خاصة بهم أفهل تجرد الكورد من دولتهم الكوردية سوف يلغي وجود الكورد كشعب معروف؟؟؟ فإذا أعترف مندلاوي بهذه الحقيقة فإذن لا وجود للكورد ولا وجود له أيضا.

 يظهر في هذا الموضوع وغيره من المواضيع المتطرفة والعنصرية التي يكتبها مندلاوي بأنه مصاب بمرض عمى الألوان فهو لا يرى غير اللون الأحمر فلو كان صحيح النظر والتفكير لرأى بقية الألوان الجميلة لا اللون الدموي وحده. لا أعتقد إطلاقاً بأن مندلاوي سمع عن الفيلسوف الآشوري (طيطيانوس – 120 ميلادي تقريبا) الذي كان يطلق على نفسه بـ (طيكيانوس الآثوري أو الآشوري) كتحدي للإغريق ومعتقداتهم الوثنية. لو كان قد قرأ أشهر كتاب في التاريخ لهيروديت، المعروف بأبي التاريخ، لعرف كيف أشار إلى الآشوريين في بلاد آشور بعد سقوط إمبراطوريتهم  بقرون طويلة ووجد أيضاً بأن لا أسم للكورد ولا لكردستان في تلك الأزمنة. فكل الكتاب والباحثين الموضوعيين يعرفون بأن أسم الكورد كمجوعة بشرية وقبائل مشتتة في الجبال لم يظهر إلا بعد إعتناقهم الدين الإسلامي وأن تسمية بلاد آشور بـ "كردستان" كان لأسباب سياسية وعسكرية أطلقها الترك والفرس.

أما بخصوص عجز مندلاوي التفريق بين الآشوريين والنساطرة فهو أمر آخر ليس إلا جهل مطبق أو حقد عنصري. وهذا يذكرني بنكته سمعناها منذ سنوات طويلة وتقول: بأن جندي كان خفر في المعسكر وكانت كلمة السر تفاح ولما جاء ضابط الخفر من بعيد وطلب من الجندي كلمة السر كإجراء أمني غير أن الجندي نسى كلمة السر (تفاح) فذكر بدلاً عنها أسم برتقال غير أن الضابط وبخه وعاقبه وقال خطاً فأن كلمة السر هي تفاح. فقال الجندي وما الفرق يا سيدي فكلاهما التفاح والبرتقال فاكهة. هكذا هو حال "فيلسوف كردستان" يجهل أبسط الأمور في التفريق بين القومية والمذهب. والأنكى من كل هذا فهو يصف المدان طارق عزيز بالنسطوري ومدافع عن النساطرة... أليست هذا بربكم نكتة أو قمة الجهل المغطاة بالعنصرية، فكل العالم وحتى أغبى شخص في هذا الكون يعرف بأن طارق عزيز كان من عائلة كاثوليكية ومنكر لها وملحد في نفس الوقت ولا دين له غير البعث ولا أدري كيف أستطاع منلادوي بخزعبلاته أن يطلق عليه أسم نسطوري.

من باب الله أنصح مندلاوي أن يقرأ بعض الكتب الموضوعية عن الآشوريين ليعرف بأنه ليس كلهم من أتباع كنيسة المشرق الآشورية، فهناك الكثير منهم من أتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والإنجيلية والأرثوذكسية. وليعرف أيضا بأن التسمية الآشورية للكنيسة كانت معروفة منذ القرن السادس عشر الميلادي حيث كان  أسم آشور يرد على هذه الكنيسة سواء ككنيسة في شرق آشور أو كنيسة آشور وحتى أنها لم تكن نسطورية. وعجز مندلاوي الفكري لا ينحصر في عدم قدرته على التقريق بين القومية والطائفة أو الدين بل يتجاوز هذا العجز أو الحقد إلى الجغرافيا أيضا. فالآشوريون ليس كلهم من منطقة حيكاري التي كانت جزء من أراضي الإمبراطورية الآشورية وبلاد مابين النهرين ونزحوا منها بل كان هناك آشوريون من أتباع هذه الكنيسة في مناطق كثيرة أصبحت عراقية بعد تسويات الحدود عقب أنتهاء الحرب الكونية الأولى مثل برواري بالا والعمادية وزاخو وبيبادي ومنطقة صبنا ونوهدرا (دهوك) وسميل وغيرها كثيرة كانت مناطق آشورية مسيحية منذ القدم وقبل أن ينقل العثمانيون الكورد من مناطق في أواسط أسيا إلى هذه المناطق وتكريدها وإسكانهم فيها كمنطقة عازلة بينهم وبين الصفويين الفرس. فالآشوريون الحيكاريون لم ينزحوا من بلد أو دولة إلى بلد أو دولة أخرى، بل أنتقلوا بفعل جرائم ومذابح العثمانيين وبعض العشائر الكوردية من منطقة إلى أخرى داخل بلاد مابين النهرين الخاضع للدولة العثمانية. في حين الكورد إن لم يكن جميعهم بل معظمهم نزوحوا من دولة أو بلد إلى دولة أوبلد آخر خدمة لمصالح العثمانيين في حربهم ضد الصفويين الفرس. المهزلة التي يعتمدها مندولاي هي أعتبار المجرم سمكو الإيراني المولد والجنسية بطلاً لكورد العراق بينما ينكر على الآشوريين، الشعب الأصيل لبلاد مابين النهرين، عراقيتهم. ولا أشك في أن يكون أصل مندلاوي من نفس أصل سمكو. 

لا أريد أن أصرف دقائق أخرى على الكتابة في هذا الموضوع لأنه سبق وأن تطرقنا إليه في مناسبة سابقة عن جرائم سمكو الذي لم يخدم الكورد ولم يضف شيئاً إلى الحركة القومية الكوردية بل كان خادماً مخلصاً لإسياده الفرس ومرات أخرى للعثمانين ولم يكن إغتياله خدراً وخسة لأمير الشهداء القديس مار بنيامين بطريرك كنيسة المشرق إلا نموذجاً واحداً من جرائمه التي طالت حتى بعض العشائر الكوردية، وهو الأمر الذي أدركه المسؤلون في إقليم كردستان في حذف أسم هذا المجرم من شوارع  أربا ئيلو (أربيل) و نوهدرا (دهوك) والذي يستحق كل تقدير وتثمين.

ولم يبقى من هذه الدقائق القليلة إلا أن أقول تماشيا مع المثل أعلاه:
عالم وين مندلاوي وين

 

40
مهزلة تاريخية في إقليم "كردستان"
إسماعيل أغا مجرم تاريخي يتحول إلى بطل قومي للكورد
==================================
أبرم شبيرا

لا يستطيع أي من كان أن ينكر بأن للكورد أبطال تاريخيين ناضلوا من أجل أمتهم الكوردية وسعوا إلى أقامة دولتهم الخاصة بهم ومن حقهم أن يفتخروا ويمجدوا أبطالهم هؤلاء ويخلدونهم بشتى الوسائل ولا يستطيع أحد أن ينكرهم فهم رموز نضالهم من أجل نيل حقوقهم القومية. فالملا مصطفى البرزاني (رحمه الله) يتربع على عرش هؤلاء الأبطال لما له من دور كبير ورئيسي في بناء وقيادة الحركة القومية الكوردية المعاصرة فمن حق الكورد أن يشيدوا له صرحاً عظيماً وأن يخلدوا إنجازاته الكبيرة لأمته الكوردية في كتب التاريخ وفي بقية وسائل الإعلام والمعرفة. والحال لا يختلف عن الشيخ محمود الحفيد البرزنجي الذي أسس دولة كوردية في السليمانية ولكن لم تدم طويلاً، كما من حق الكورد أن يعتبروا قاضي محمد مؤسس جمهورية مهاباد الكردية في أذربيجان عام 1946 شهيداً كوردياً بعد أن أعدمته السلطات الإيرانية عام 1947. ولكن ... نعم ولكن...  أن يتحول مجرم معروف في تاريخ المنطقة كإسماعيل أغا المعروف بـ (سمكو) زعيم قبائل الشيكاك المشاكسة إلى بطل قومي كوردي وتدرس سيرته السوداء في المناهج المدرسية ويطلق على شارع في أربيل بأسمه أمر غريب جداً ومهزلة تاريخية لا بل وأعتقد إهانة للكورد نفسهم في إعتبار المجرمين أبطال لهم. أن تسمية شارع بأسم هذا المجرم في أربيل من قبل المسؤولين في البلدية لا بد أن يكون أما بسبب:
1.   جهلهم الكامل والمدقع بتاريخ هذا المجرم والمذابح التي أرتكبها ليس بحق المسيحيين الآشوريين وإغتيال بطريركهم الشهيد مار بنيامين شمعون عام 1918 فحسب بل وحتى التنكيل والتدمير لبقية العشائر الكوردية. فجهل وغباء هؤلاء بتاريخ هذا المجرم نموذج لعدم قدرة البعض للتفريق بين المجرم والبطل وضياع المعايير الأخلاقية في التمييز بينهما.
2.    نزعتهم الشوفينية وحقدهم على الغير والمختلف وسلوكهم نفس منحى المجرم سمكو في الغدر والخيانة والخسة وإعتباره نموذجاً للبطل القومي في الوقت الذي هو مجرم تاريخي يعرفه الكورد الشرفاء قبل غيرهم.

كل الحقائق التاريخية تؤكد بأن السلوك العدائي لسمكو تجاه الآشوريين المسيحيين لم يكن لمقاصد سياسية وقومية بل كان سلوكاً شخصياً وعشائريا يستمده من النوازع الدينية المتطرفة التي كان يغذيها حكام وولاة أقاليم الدولة العثمانية للقضاء على الآشوريين "الكفرة" ومن سياسية فرق تسد" التي مارستها الدولة العثمانية وأحياناً أخرى الدولة الفارسية بين الآشوريين وبعض العشائر الكردية من أجل زيادة سعير الخصام والإقتتال بينهم ومن ثم ضمان إستمرار السيطرة عليهم وعلى مناطقهم. لقد تجلى سلوك سمكو العدائي تجاه الاشوريين في حقده الشديد على البطريرك الآشوري مار بنيامين الذي كان يتمتع بمنزلة إجتماعية مرموقة ومحترمة ليس بين أبناء الشعب الآشوري فحسب بل أيضا بين الكثير من زعماء العشائر الكردية. وتذكر سورما خانم، شقيقة البطريرك مار بنيامين في كتابها المعنون (تقاليد الكنيسة الآشورية وإغتيال مار شمعون، المعاد طبعه ونشره بالإنكليزية عام 1983) بأن بعض من القبائل الكوردية التي كانت تحترم البطريرك جلً إحترام كانت تلجأ إليه لفض نزعاتهم العشائرية وقبول حكمه لا بل كانوا أيضاً لا يترددون إطلاقاً في أكل اللحوم المذبوحة من قبل أحد أفراد عائلة البطريرك. كانت هذه المنزلة الرفيعة للبطريرك مار بنيامين تزيد من سعير حقد المجرم سمكو على البطريرك ولم يتوانى من إستغلال أية فرصة للإنتقام منه. ففي عام 1915 تعرض الآشوريون إلى المذابح والتهجير من قبل القوات العثمانية ومساند بعض العشائر الكوردية فكانت فرصة لسمكو لتحقيق مآربه الإجرامية. فحينما دخلوا منطقة حيكاري دمروا معظم القرى الآشورية وأحرقوا حقولهم. ويروي أحد المؤرخين بهذا الشأن بأن أبن سمكو البكر دخل قرية قوجانس، مقر البطريرك، وهي مهجورة فإنتزع سيفه وأخذ بجنون وهيجان يطعن به جدران وسقوف منزل البطريرك مستأسداً بصراخه المدوي ومتألما بسبب فشل تحقيق رغبات أبيه وأسياده العثمانيين بتوجيه طعنات سيفه إلى صدر البطريرك مار بنيامين بدلا من الجدران الصماء.

ثم جاءت الفرصة مرة أخرى عام 1918، عندما رتبت الإستخبارات البريطانية في شمال بلاد فارس (كانت الصحافة البريطانية تطلق على سمكو بـ روبن هود الشرق)  مع بعض ضباط القوات روسيا البيضاء أمر عقد إجتماع صلح وسلام بين عشائر الشيكاك الكوردية والآشوريين لإغراض تخدم مصالحهم الإستراتيجية في المنطقة. وقد وجدت الحكومة الفارسية تطابق مساعيها للتخلص من البطريرك مار بنيامين الذي رفض نزع سلاح الآشوريين في منطقة أورمي لحين ضمان الأمن والإستقرار لحياتهم مع مسعى سمكو لقتل البطريرك. فإستجاب سمكو لمطلب الحكومة الفارسية وللإغراءات التي عرضت عليه فتم إستدراج البطريرك مار بنيامين إلى ديوان سمكو للإجتماع به بحجة عقد إتفاق سلام بينهما وكانت خطة لإغتياله والتخلص منه قد وضعت موضع التنفيذ. وفعلاً تحققت مآرب سمكو في إغتيال البطريرك بعد فض الإجتماع حيث أنهال الرصاص وبكثافة من السطوح على البطريرك ورجاله المرافقين له، وهي نكبة إجرامية لا مثيل لها في تاريخ المنطقة تمثلت في قتل رجل سلام جاء ليصنع السلام ولكن قوبل بالغدر والخسة والخيانة. ويكفي هنا أن نشير على مدى وحشية سمكو وجماعته في التمثيل بجثة البطريرك وسرقة ملابسه وقطع أصبعه لأخذ الخاتم الذهبي للبطريرك بعد أن عجزوا عن نزعه من أصبعه. يذكر الكاتب الكوردي عوني الداوودي في مقالته عن إسماعيل أغا (سمكو) المنشور في موقع باهوز الألكتروني والمؤرخ في 11 أيلول 2013 بأن "سمكو ككل سياسي وعسكري أصاب في الكثير من الأحيان ونجح وفي المقابل أخطأ مرات عدة، ومن كبرى أخطائه التي لم يغفرها له التاريخ، هي حادثة إغتيال البطريرك مار شمعون، الزعيم الروحي والسياسي للآشوريين".

ومن الجدير أن نعرف الأسباب التي ذكرها سمكو في إغتيال البطريرك مار بنيامين شمعون فيقول " ... جائني ممثل عن الحكومة الإيرانية وطلب مني أن لا أساعد الآشوريين مقابل الصلح والمفاوضات وفي نفس الوقت كنت على علم بمآرب الآشوريين ومطامحهم في بسط نفوذهم على شمال كردستان وأحتلالها ولهذا قتلت مار شمعون ..." نفس المرجع.  هذا المجرم الذي كان يلقبه البعض بـ "قهرمان كردستان" أي بطل كردستان، والذي كان له جيشاً جراراً مسنوداً من الإيرانيين وأحيانا من الإتراك تفوق قوته وعدده وعدته عشرات المرات قوات الآشوريين القليلة التسليح والمنهكة من جراء تشريدها من أوطانهم فكان من المفترض بسمكو كـ "بطل كردستان" أن يواجه الآشوريين مواجهة الرجال الأبطال في معارك يتم من خلالها تقرير المصير والقضاء على الاشوريين وزعيهم الروحي والقومي. ولكن يظهر بأن الخسة والخيانة والغدر التي كانت تجري في عروقه قد طغت على سلوكه فلجأ إلى أساليب الخونة والجبناء في إغتيال البطريرك وليس إلى المواجهة العسكرية الشريفة. لقد كان الأتراك محقين أن يطلقوا عليه تسمية "سيمنقو"، أي الرجل المحتال والماكر. 

لقد حاول الآشوريون جل جهدهم القضاء على سمكو المجرم إلا أنهم لم يوفقوا في ذلك... لأن حتمية القضاء عليه ظهرت فيما بعد بأنها ليست مهمة الآشوريين... فالإنتقام حتى من أعدائهم بأسلوب الغدر والخيانة لم تكن من شيمتهم، بل كانت مهمة القدر والعناية الربانية حيث فرض القدر سخريته على مصير سمكو ليقضى عليه من قبل نفس الجهة التي خططت لإغتيال البطريرك مار بنيامين. فبعد الحرب الكونية الأولى وضعف الدولة الفارسية من السيطرة على أقاليمها الشمالية وجد سمكو في هذا الوضع فرصة لتحقيق مآربه فلم تهدأ الأمور به أبداً وبنزعاته الهمجية فأستمر في سلوكه العدواني فقام بإستغلال هذا الوضع فأقدم على التنكيل وإخضاع عشائر تلك المنطقة فتوسعت حركته حتى عام 1922 عندما جردت الحكومة الفارسية حملة عسكرية كبيرة ضده فقضت على حركته قضاءاً مبرماً، إلا أن سمكو وبمكره المعروف تمكن من الفرار من قبضة القوات الفارسية والنجاة بنفسه واللجوء إلى شيخ من أقربائه في راوندوز في شمال بيت نهرين. غير أن الحكومة الفارسية وضعت نصب أعينها أمر القضاء عليه وبكل السبل وذلك لكونه مجرماً هارباً من العدالة، فأدركت السلطات الفارسية طمع سمكو الشديد للمال والمغريات الأخرى في التسلط والجهاه فأستخدمت هذه الوسائل للإيقاع به. ففي عام 1930 أستطاعت الحكومة الفارسية من أستدراجه إلى منطقة آشنوك شمال بلاد فارس بوعود كاذبة وإغراءات سياسية وهمية فتمكنت من إيقاعه في الشرك الذي نصب له وبنفس الطريقة والخطة التي أغتيل بها البطريرك مار بنيامين فأنهال الرصاص عليه من البنادق الفارسية ليقضي عليه نهائياً... هكذا عادت "العناية الإلهية" لتنتقم لدم الشهيد مار بنيامين وترسم سخرية القدر ضلالها لتقتل سمكو المجرم بالأسلوب نفسه الذي أغتيل به مار بنيامين ومن قبل الجهة نفسها التي دبرت مؤامرة إغتياله. (من كتابي المعنون: الآشوريون في السياسية والتاريخ المعاصر، طبع إتحاد الأندية الآشورية في السويد، 1997). ومن الجدير بالذكر بأن غباء سمكو وعشقه للجاه والمال وطموحه في السيطرة والحكم والإغراءات التي عرض الإيرانيون عليه مقابل إغتيال البطريرك مار بنيامين قد طغت على ذاكرته ولم يتعلم من التاريخ دروساً حيث كان الإيرانيون وقبل 25 سنة قد قتلوا وبنفس الطريقة وأثناء المفاوضات شقيقه الأكبر جوهر أغا وقبل ذلك بسنوات عديدة  قتلوا جده الأكبر إسماعيل خان وأثناء المفاوضات أيضا.   

هذه سطور قليلة بحق المجرم سمكو والتي تعتبر سطور سوداء في التاريخ الكوردي ويستوجب محوها لا تبجيلها وتعظيم صانعها... فأين الحكومة الأقليمية من هذا السلوك الذي يلطغ سمعتها أكثر مما يمجدها؟؟  أين سيادة رئيس أقليم كردستان السيد مسعود البرزاني من هذا السلوك المشين للعائلة البطريركية التي وفرت الحماية واللجوء لأجداده وأعمامه البرازنيين وحمتهم من سطوة العثمانيين؟؟ أين هذا العمل المشين من قيم النبالة والمودة التي كانت تربط البرازانيين بالآشوريين عموماً وبالعائلة البطريركية خصوصاً طيلة عقود طويلة. أين الأعضاء "الآشوريين" في المراكز القيادية للحزب الديموقراطي الكوردستاني من هذا التمجيد لمجرم نكل ببطريكهم وأنا أعتقد لبعضهم صلة قرابة بالعائلة البطريركية؟؟؟ والسؤال الأخير والمهم يبقى موجهاً إلينا.. وهو أين "ممثلي" أمتنا في برلمان وحكومة الإقليم ومن خلفهم أحزابهم "المناضلة" من هذه الإهانة لعموم المسيحيين في العراق؟؟؟ أفهل لديهم مسلكاً يسلكونه لمواجهة المسؤولين عن هذه الإهانة ومحوها؟؟؟ حينئذ سيسجل شعبنا "إنجاز" لهم أستطاعوا تحقيقه أم سوف يغضون النظر عنه وكأن شيئاً لم يحدث؟؟؟     

41
الكورد بين الواقع المزدهر والتاريخ المفبرك - 2
===========================

أبرم شبيرا
في القسم الأول من هذا الموضوع تحدثنا عن المفاسد التي تؤثر على الواقع الكوردي المزدهر وتسيء إلى سمعته الدولية والإقليمة وإلى نضال حركتهم القومية التي عانت الكثير من ظلم وإضطهاد الدول التي عاشوا في كنفها، وذكرنا، على سبيل المثال لا الحصر، أهم هذه المفاسد والتي تمثلت في تجاوز بعض العشائر الكوردية وشيوخها على أراض المسيحيين الكلدان السريان الآشوريين وما يصاحب ذلك من تغيير ديموغرافي لأراضيهم التاريخية ومن دون أن تتحرك الحكومة الإقليمية والقابضين على الأمور السياسية للحد منها، كما أشرنا إلى المهزلة العقلية لبعض المسؤوليين في أربيل في تحويل  إسماعيل أغا (سمكو) زعيم قبائل الشيكاك المشاكسة من مجرم تاريخي معروف إلى بطل قومي كوردي وتسمية أحدى شوارع أربيل بأسمه!!!. والمهزلة التاريخية الأخرى التي أشرنا إليها تمثلت في كتابات بعض المثقفين والمؤرخين الكورد في فبركة تاريخ طويل ضارب القدم في المنطقة وعن طريق اللف والدوران حول بعض القبائل البدوية والرحل التي عاشت على أطراف بلاد آشور وأعتبارهم مصادر مهمة في التكوين القومي للكورد المعاصرين. ثم فصلنا فيه العوامل التي أدت إلى حرمان الكورد من إقامة دولتهم القومية المستقلة وأرجعنا هذه العوامل إلى عامل الدين الإسلامي الذي ناضلوا الكورد نضالا مستميتاً من أجل الدفاع عنه وعن الدول الإسلامية، العثمانية والفارسية والخضوع الكلي لهما طالما كان الحكام من نفس دينهم  ومن دون أي إعتبار لقوميتهم أو البحث عن إمتيازات أو حقوق خاصة بهم كقومية كوردية مستقة. وأرجعنا سبب تفتتهم وتشرذمهم وعدم توحدهم وظهورهم كقومية واضحة المعالم إلى تركيبتهم الإجتماعية القائمة على البنية العشائرية الصلدة التي كانت مصالحها فوق جميع الإعتبارات وتتقاتل فيما بينها من أجل الحفاظ على هذه المصالح. وفي هذا القسم سنبين إستمرار تأثير هذين العاملين (الدين والعشيرة) في الحركة الكوردية حتى بعد إنتشار الأفكار القومية ومبادئ التحرر القومية وحق تقرير المصير للشعوب. وقبل هذا يجب أن لا يفوتنا أن نجيب على تساؤل قد يطرأ على البال وهو، ألم يكن هناك مجموعات آخرى جاورت الكورد وكانت بنيتها الإجتماعية قائمة على العشيرة وقاد رجال الدين حركتهم القومية، مثل الآشوريين على سبيل المثال؟؟؟ هذا صحيح ولكن الأمر كان مختلفاً تماماً. فالعشائر الآشورية لم تتقاتل فيما بينها ولم يكن بالإمكان للسلطات التركية والإيرانية إستغلالها كما كان الحال مع الكورد بل كانوا في تناسق وتناغم، بإستثناء نزاعات عادية وبسيطة حول المرعى والغنائم، وشكلوا نظاماً إجتماعياً متناسقاً على رأسه مجلساً متكون من رؤساء العشائر (ماليك) مع بطريرك كنيستهم المشرقية. كما أن قيادة حركتهم القومية من قبل رجال الدين، وخاصة البطريرك كان يختلف كلياً عن رجال الدين الكورد "شيوخ" فهؤلاء كان خصوعهم للفتاوى الدينية الصادرة من السطات العثمانية أمر حتمياً في التأثير وقمع أي حركة لها بوادر الإستقلال فحين كان البطريرك بعيداً عن مثل هذه الفتاوى ولم يكن بالإمكان للسلطات العثمانية إستغلال الدين لضرب حركتهم طالما هناك إختلاف في الدين .
============================

في فترة قدوم الأفكار القومية الحديثة من أوربا،  بما فيها مبدأ القوميات وحق تقرير المصير وغيرها من المبادئ والمعتقدات التي نادت بضرورة إقامة الدول على أسس قومية ووصولها إلى المنطقة في الحقبة المحصورة بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والتي بدأت تتفاعل مع غيرها من العوامل السياسية في نخر جسم "الرجل المريض" والقضاء عليه وتفتيت إمبراطوريته، كانت الفرصة قد أتت للكورد للتحرك والتخلص من الاستبداد العثماني واقتطاع حصتهم من التركة وتأسيس دولتهم الكوردية في "كردستان". ومما كان يساعدهم على تحقيق ذلك هو قدرتهم العسكرية وخبرتهم القتالية في المناطق الجبلية العاصية وكثافتهم السكانية وتركزهم الجغرافي، إضافة إلى السياسات الدولية التي كانت تقضي بتفتيت الإمبراطورية العثمانية وتقسيمها إلى دول قومية وحق الشعوب في تقرير مصيرها الذي أورده الرئيس الأمريكي ودرو ولسن عقب إنتهاء الحرب الكونية الأولى. غير أنه يظهر بإن هذه الأفكار والمبادئ، والتي كان الأتراك يروجون عنها باعتبارها أفكار كفرة ومسيحية وافدة من أوربا تهدف إلى القضاء على الدولة الإسلامية لم تغير من واقع الكورد بشيء ولم تؤثر على العوامل المتحكمة في المصير القومي الكوردي المندمج مع الدولة العثمانية ولا أن تفعل فعلها نحو توحيدهم في كيان قومي أو تعمل على تبنيهم مبدأ قومي واضح يتجاوز البنية الاجتماعية العشائرية السائدة، لا بل وإنما على العكس من هذا تماماً، بدأ الكورد في الدفاع المستميت عن الإمبراطورية العثمانية المتداعية فاستطاع الأتراك استغلال هذا الاندفاع والزج بالعشائر الكوردية في أتون نيران الحرب التي لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل غير رغبة الانتقام والحرب السائدة على العقلية العشائرية المتحكمة فيهم.  ففي عام 1885 شكلت السلطات العثمانية قوات عسكرية من العشائر الكوردية عرفت باسم (قوات الخيالة الحميدية ) بهدف توطيد السلطة العثمانية في جبال "كردستان" والتي أصبحت أداة فاعلة ومؤثرة ليس في استبداد وقهر الشعوب المسيحية، كالأرمن والآشوريين فحسب، وإنما أيضا في قمع بعض الحركات أو العشائر الكردية الأخرى التي ناهضت سلطة الدولة. فاستمرت هذه القوات في أداء خدماتها للترك حتى بعد فترة استيلاء حزب الإتحاد والترقي (تركيا الفتاة) على السلطة السياسية وإزاحة السلطان عبد الحميد وإعلان الدستور العثماني في عام 1908 حيث تبدل أسم هذه القوات إلى (الخيالة الخفيفة) والتي أصبحت القوة الضاربة في يد القوميين الأتراك لاضطهاد الشعوب غير التركية بهدف تحقيق سياسة التتريك ومن ثم إنجاز حلم إقامة الإمبراطورية الطورانية. ويذكر المؤرخون بأنه خلال الحرب الكونية الأولى كانت قيادة الجيش توزع تعليمات على الضباط الأتراك تدعوهم إلى قتل العرب مع الإبقاء على الكورد لغرض استخدامهم في قمع واضطهاد الآشوريين والأرمن وتوطيد الاستقرار في جبال "كردستان". ثم، وبعد سنة من قيام الحرب الكونية الأولى، ألغيت هذه القوات نهائيا، ولكن مع هذا استمر معظم الكورد في خدمة دولة الأتراك، سواء من خلال انخراطهم في المؤسسة العسكرية أو المدنية أو من خلال تحريض العشائر الكردية واستخدامهم في الحرب.

 ومن سخرية الأقدار أن يستمر الكورد في تقديم خدماتهم العسكرية الكبيرة للأتراك حتى بعد زوال الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية رغم انتشار الوعي القومي بين قطاعات معينة منهم. يقول المؤرخ الكردي الكبير محمد أمين زكي، الذي كان وزيراً للمالية في العراق في عام 1933، في كتابه الموسوعي (تاريخ الكرد وكردستان) الذي كتبه عام 1931 وترجم إلى العربية عام 1936 وطبع في القاهرة، يقول بأنه لما زالت كلمة (العثماني) العامة من الوجود في تركيا، وهي الكلمة الشاملة لجميع العناصر والشعوب الخاضعة للدولة العثمانية والتي كانت قد خدرت نوعا ما أعصاب كل واحد منا نحن أبناء القوميات الأخرى، وحلت محلها كلمتا التركي والطوراني،  شعرت أنا أيضا بطبيعة الحال، كسائر أفراد العناصر العثمانية غير التركية، شعوراً قوياً بقوميتي المستقلة من الأتراك فحملني ذلك على إظهار الشعور القومي الفياض والإحساس بالعاطفة الوطنية القوية (من مقدمة الكتاب )، وهو الشعور الذي كان يعم بين العديد من المثقفين الكورد وبين بعض شيوخ العشائر الكوردية التي طالبت بحق الكورد في تقرير مصيرهم القومي وتأسيس دولة كوردية لهم والذين كانوا قد قدموا مطالبهم وأرسلوا الوفود إلى مؤتمر السلام في فرساي بفرنسا (1919-1920 )، إلا أنه مع هذا كله أستمر معظم الكورد وبشكل عام في مساندة الأتراك وتقديم خدماتهم لإنجاح الحركة القومية التركية وتأسيس الجمهورية الحديثة حيث شاركوا مشاركة فعالة في توطيد أركان النظام التركي الجديد وفي القتال ضد الآشوريين والأرمن وضد القوات الروسية حتى تمكنوا من إفشال معاهدة سفير (1920) وانتعاش " التركي الميت " كما يقول زكي (ص268 ) ومن ثم إحلال محلها معاهدة لوزان (1923) والقاضية بموت كل من أرمينيا الكبرى وكردستان المصغرة ومن ثم بروز تركيا بقيادة كمال أتاتورك كقوة فاعلة ورئيسية في المنطقة وقادرة على مفاوضة الإنكليز والفرنسيين لضمان استقرار حكمها وبالمقابل لم يحصل الكورد غير مزيداً من الاستبداد والظلم والحرمان من أبسط حقوقهم القومية، بما فيها منعهم من التكلم والتعلم بلغتهم الكردية،  فلم يعترف بهم كقومية كردية بل اعتبروهم مجرد أتراك الجبال.

وبعد استقرار الأوضاع وتوقيع المعاهدات وإقرار تسويات الحدود بين دول المنطقة والدول المنتدبة عليها من قبل عصبة الأمم والتطورات التي مرت بها شعوبها، لم تتمكن الحركة القومية الكوردية الإفلات من نفس العوامل السابقة المتحكمة في طبيعة هذه الحركة، خاصة في الدولتين الإيرانية والتركية باعتبارهما دولتان مسلمتان، لا بل وعلى العكس من هذا حيث ظهر الإقليم السياسي كعنصر إضافي وحاسم ومؤثر في سياق تطور هذه الحركة نحو إقامة الدولة الكوردية، إذ تقولب الكورد وحركتهم السياسية طبقاً للدول التي تشكلت حدودها بعد الحرب الكونية الأولى وجزأت الشعب الكوردي إلى أجزاء تفصله حدود سياسية صارمة، خاصة في بداية القرن الماضي حيث أصبحت مسألة السيادة أكثر قدسية بالنسبة للدول الجديدة في المنطقة،  فسارت حركة كل جزء من الشعب الكوردي متأثرة بالعوامل السياسية الخاصة والمحيطة بالدولة التي عاشوا تحت سلطتها. ففي العراق، الذي برز كيانه السياسي في عام 1920، استمرت الحركة الكوردية كحركة إقليمية أو "قطرية" ولكن من دون أن تستطيع الخلاص من تأثير العوامل السابقة المتحكمة فيها، إذ استمر شيوخ العشائر في قيادة الحركة الكوردية وتأسيس دولتهم، كما كان الحال مع الشيخ محمود الحفيد ومملكته في مدينة السليمانية في شمال العراق في عام 1922 والتي لم تستمر أكثر من سبعة أشهر والحال نفسه مع جمهورية مهاباد في شمال إيران والتي أسسها قاضي محمد بن القاضي علي عام 1946 وبمساعدة الملا مصطفى البرزاني وقوات الإتحاد السوفياتي والتي لم تستمر أكثر من أحدى عشر شهراً بعد سحب ستالين دعمه ومساندته لهذه الجمهورية الكوردية.

              
ثلاثة من أشهر الزعماء القوميين الكورد:
"ملا" مصطفى البرزاني و "قاضي" محمد بن "القاضي"علي  و "الشيخ" محمود الحفيد البرزنجي

في العراق لعب الملا مصطفى البرزاني دوراً رئيسياً ورائدا في تأسيس وقيادة الحركة الكردية الحديثة وعلى رأسها الحزب الديمقراطي الكردستاني. كما وأستمر عامل الدين في لعب دوره الخاص المؤثر في الحركة الكوردية،  إذ أن خضوع الكورد في العراق إلى الحكم البريطاني المتمثل في نظام الانتداب ومن ثم إدارة البلاد عن طريقة حكومة عربية على رأسها ملك عربي، كانت بالنسبة لهم ظاهرة جديدة جعلتهم ولأول مرة في التاريخ أن يخضعوا لحاكم غير مسلم، بريطانيا، وأن تدار شؤونهم من قبل حكومة عربية بعد قرون طويلة، إذ أن طيلة تاريخهم تعودوا الخضوع إلى حكومات مسلمة وإلى عناصر آرية أقرب إليهم من العناصر السامية. وقد يكون ذلك أحد أسباب تأييد العشائر الكوردية، باستثناء قليل في السليمانية، انضمام ولاية الموصل إلى تركيا بدلا من العراق في بداية العشرينات، وكان من بينهم شخصيات وزعماء أمثال فتاح بك صهر الشيخ محمود الحفيد ، الذي كان يحمل شهادة الجنسية العراقية  ولكنه كان عضواً ضمن الوفد التركي المفاوض حول تقرير مصير الولاية ومدافع عن حق تركيا في هذه الولاية بدلا عن العراق. هذه الظروف مضافاً إليها السياسات القمعية للسلطات المركزية تجاه الحركة الكوردية هي التي ساهمت مساهمة مباشرة في بروزها في العراق ومن ثم تبلورها وتطورها نحو مراحل سياسية أكثر وضوحاً وتقدماً، في مقارنتها مع مثيلتيها في إيران وتركيا، خاصة فيما يتعلق بتأسيس أحزاب سياسية ومنظمات قومية وقيامهم بحركات مسلحة ضد السلطة المركزية استمرت لفترات طويلة في مقارنة مع الحروب والحركات السابقة، فتحقق لهم الحكم الذاتي في عام 1970  بعد نضال مستميت مع الأنظمة الإستبدادية التي تعاقبت على السلطة في العراق  وحكومة إقليمية وبرلمان في عام 1992، ومن ثم بعد عام 2003 تحقيق إستقلال "كردستان" ضمن الفدرالية العراقية بعد "تحرير" العراق من قبل الأمريكان وخلق الفوضى وسيادتها على الحياة العامة فكان من الطبيعي أن يحصل الكورد على القطعة الكبيرة من الكعكة ويحققوا الكثير من طموحاتهم القومية الواقعية في مقارنتهم مع غيرهم من مكونات العراق المختلفة وذلك لسببين، أولهما: كونهم أكثر تنظيماً وقوة ،سياسية وعسكرية، ولم يكن بمقدور أحد حتى الإميريكان تجاهلها، وثانيهما: كون نضال حركتهم قائمة على الأرض وفي العراق وليس خارجها.  

هكذا، بقدر اطراد استقرار الحدود الدولية بين الدول الرئيسية، تركيا وإيران والعراق الحاوية على أراض "كردستان"، وإقرار هذه الحدود في تسويات واتفاقيات معترفة بين الأطراف ومحققة لمصالحهم الخاصة، بقدر ذلك تعاظم تأثير عنصر الإقليم أو القطر على الحركة الكوردية، ليس من حيث تغيير مسارها القومي وتحويل مطامح تأسيس دولة كردية إلى مجرد يوتوبيا و"حلم وردي" فحسب، وإنما زادت الإقليمية من خطورة هذه الحركة على هذه الدول الرئيسية، بحيث أصبح مدركاً للجميع بأن أي استقلال كوردي كامل في أي من الأقطار مهما كان نطاقه سيؤثر حتماً وبالنتيجة المباشرة على الكورد في القطر المجاور ويدفعهم نحو نفس المنحى، وبالتالي ظهور بواد نحو المطالبة بالاستقلال بالجزء الآخر من "كردستان" في الدولة الأخرى والانسلاخ منها لغرض تحقيق حلم "كردستان الكبرى"، خاصة وأن العاملين الجغرافي والديموغرافي، من تجاور الأقاليم وتركز السكان في مناطق متاخمة لبعضها يساعدان كثيرا على تحقيق مثل هذه الدولة، والتي ستكون من دون أدنى شك على حساب أراض الدول الثلاث الأخرى، إيران وتركيا وسوريا، وهو السبب الكافي لأن تكون مواقف هذه الدول مفرطة في الحساسية ومعارضة بشدة لأي نوع من الاستقلال الكوردي. والجدير بالذكر أن الخوف من وحدة الكرد وبالتالي قيام الدولة الكوردية، كان مدركاً منذ  زمن طويل، كما سبق وأن ذكرنا ذلك في القسم الأول من هذا الموضوع، ومثل هذا الخوف، الذي باستمراره وتصاعده وتفاعله مع ظروف إقليمية ودولية، قد تحول إلى نوع من العقدة تجاه مطالبة الكورد بحقوقهم القومية، والتي يمكن تسميتها مجازاً بـ"الفوبيا الكوردية" وهي التي تتحكم في سلوك صانع القرار السياسي لدول المحور الثلاثي المركزي لكردستان، عراق وإيران وتركيا وحتى سورية، في رسم وتقرير سياسة أمنهم القومي. فجانب من هذا السلوك الجامع والمقلق يمكن استخلاصه من الحديث المتلفز لرئيس النظام العراقي المقبور صدام حسين في معرض رده لبوادر الاستقلال الكوردي، عندما سحب قواته عام 1991 من شمال خط العرض 36 وخضعت للحماية الدولية وبدأ الكورد بتأسيس حكومتهم الأقلية، حين قال بأنه قبل أن يحرك قواته لسحق أي استقلال كوردي عن العراق سوف تكون القوات التركية والإيرانية قد سبقته في هذه المهمة. وفعلاً فأن التدخل المستمر لتركيا في شؤون العراق بحجة مطاردة قوات حزب العمال الكردستاني وحماية التركمان أو في تقرير مصير كركوك ما هي إلا أشكال من القلق التركي تجاه الاستقلال الكوردي في العراق.
 
واليوم، ومن أي يوم مضى، تدرك قيادات الحركة الكوردية العوامل التي كانت تؤثر تأثيراً عميقاً في إفشال أو عرقلة تحقيق اهدافها القومية وبالتالي تحاول التخلص منها. ولكن مع كل هذه المحاولاات فإن التركيبة العشائرية للمجتمع الكوردي ستبقى سائدة لا بل ستتسرب إلى أروقة الأحزاب السياسية ومفاصيل حكومة وبرلمان الإقليم. أما بالنسبة لعامل الدين فأن التوجهات العامة تظهر بأن هناك دلائل على تبني العلمانية في السياسة والحكم، ليس بمفهوما الفج القائم على إنكار الدين بل على عدم إستغلاله لإغراض سياسية، وهو الأمر الذي قد يضع الأحزاب الكوردية "العلمانية" وحكومة الإقليم في مواقف محرجة وصعبة خاصة بعد بروز أحزاب سياسية كوردية إسلامية متطرفة ووصولها إلى مراكز القوة والتأثير من جهة وتسلط البعبع (الإيراني الشيعي  – التركي السني) على جانبي الإقليم وفي كلا البلدين تسيطر القوى الإسلامية على الحكم وتعيد إلى الذاكرة تاريخ الصراع الفارسي – العثماني الذي كان الكورد وقوداً له من جهة أخرى. هذا ناهيك عن القوى الإسلامية المتطرفة التي ظهرت من بين الإرهاصات في سورية والتي ستجعل حتمية مواجهتها والدخول في القتال معها ورادة جداً. أنه من سخرية الأقدار أن نذكر بأن الكورد رغم خدمتهم المخلصة والمضنية للدول الإسلامية التي عاشوا في كنفها قد أضطهدوا من قبلها وهضمت حقوقهم طيلة تاريخهم الطويل في المنطقة ولم تعترف بهم، واليوم نرى فإن دول "الكافرين" كالولايات المتحدة الإمريكية وغيرها من الدول الغربية، وقد تكون إسرائيل من ضمنهم، هم الذين ساعدوا الكورد للتحقيق أهداف حركتهم القومية.  
 
 فمن بين كل هذه الحقائق الصعبة والمعقدة يحاول الكورد اليوم تحقيق جانب من طموحاتهم القومية ضمن الأطر المسموح بها والعمل على عدم التضحية بالمطمح الممكن من أجل المطمح غير الممكن، لا بل ويظهر بأن قيادتهم تدرك أيضا بأن هدر المزيد من الدماء وإزهاق الكثير من الأرواح من جراء اللهث وراء تحقيق مطمح دولة "كردستان الكبرى" اليوتوبية غير ممكن في الوضع الراهن المقيد بقيود صارمة مفروضة من قبل دول الجوار ومن الدول العربية والإسلامية يغلب عليهم عنصر القوة أكثر من عنصر التفاهم في التعامل مع الاختلاف القومي، وأن السعي وراء المطمح البعيد المنال سوف يحرمهم من تحقيق المطمح القريب والممكن والذي يتمثل جانب منه بالفدرالية والتخلي في الوقت الراهن عن مشروع الانفصال وإقامة الدولة الكوردية، وهي الخطوة التي ضمنت لهم الاستقرار وحققت  حقوقهم القومية والتي ظلت وعلى الدوام مهضومة من قبل الحكومات التي خدموها كثيراً عبر التاريخ الطويل.

42
الكورد بين الواقع المزدهر والتاريخ المفبرك
==================================
أبرم شبيرا

لايستطيع أحد أن ينكر الواقع المزدهر الذي يعيشه الكورد في  "كردستان" العراق من إستقرار سياسي وأمني وتطور إقتصادي وإنفتاح سياسي وإجتماعي والذي تحسدهم عليه بقية مكونات الشعب العراقي والشعوب المجاورة خاصة العربية منها التي أحترقت ولا زالت تحترق بشمس ربيعهم اللهاب. فبمراجعة بسيطة لتاريخ الكورد في المنطقة سنجد بأنه لأول مرة في تاريخهم القومي ينعمون بمثل هذه النعمة وبهذا الواقع الذي كانوا يطمحون به منذ سنوات طويلة، سنوات تاريخهم الدامي والعبودية والإستغلال من قبل الدول التي عاشوا في كنفها. هذا الواقع المزدهر لم يكن مصدره أو منبعه خلفية حضارية وتاريخية أرتقت إلى مستوى عالي من التطور والتقدم وساهمت في روافد الحضارة الإنسانية كما كان الحال مع الأشوريين، على سبيل المثال لا الحصر. فحال الكورد كحال الكثير من الشعوب الترك - المغولية الذين لم يستطيعوا أن يبنوا حضارة متطورة ويساهموا مساهمة فعالة في الحضارة الإنسانية، بل الفضل الأول والأخير لهذا الواقع الكوردي المزدهر هو التطور السياسي لتاريخهم المعاصر ونشؤء أحزاب سياسية قومية قادرة على إقتناص الفرص الذهبية وصبها في المقام الأول في مصلحتهم القومية. فأحداث خمسة عقود الماضية من تاريخهم السياسي المعاصر، خاصة بعد تقليم أظافر نظام البعث الحاكم في بغداد عام 1991 ثم بعد أنهياره في عام 2003 يؤكد حقيقة هذا الواقع السياسي والقومي للكورد. صحيح هناك جملة عوامل موضوعية من جغرافية وديموغرافية ساعدت الكورد على الوصول إلى هذا الواقع المزدهر إلا أن مثل هذه العوامل الموضوعية كانت متوفرة لهم منذ عقود طويلة ولكن لم تكن هناك عوامل ذاتية من أحزاب سياسية فاعلة وقادرة على التفاعل مع العوامل الموضوعية وتحقيق المطمح الكوردي القومي والوصول إلى هذا الواقع المزدهر إلا بعد نشوء أحزاب سياسية قومية تمكنت من ركوب موجهة التطورات والإرهاصات التي مرت بها المنطقة ككل وخاصة بالعراق.
 
ولكن هذا الواقع المبهرللكورد لا يلوثه ويفسد إزدهاره ولا يشوه سمعته السياسية الإقليمية والدولية إلا بعض الممارسات الخاطئة تجاه بقية مكونات إقليم "كردستان" خاصة شعبه الأصيل وتحديداً "الكلدان السريان الآشوريين"، الشعب الذي عاش في هذا الإقليم والذي كان يعرف ببلاد آشور منذ ألاف السنيين وقبل مجئ الكورد وغيرهم من الأقوام إليه والإستقرار فيه. ويأتي التغيير الديموغرافي لأراضي "الكلدان السريان الآشوريين" من جراء تجاوز بعض الكورد عليها وإحتلالها رغم أنف الحكومة الإقليمية وقوانينها في مقدمة جدول الممارسات الخاطئة. فإذا كان هناك جملة عوامل سياسية وإقتصادية وإجتماعية وأمنية معقدة وتتداخل مع بعضها في خلق عوامل تؤدي إلى التغيير الديموغرافي والتي يتطلب حلها أو التخفيف منها إرادة سياسية قابلة للتصديق والوثوق بها هي مسألة مفهومة، ولكن الذي لا يمكن فهمه ضمن سياق هذا التطور السياسي والإقتصادي والإجتماعي لإقليم "كردستان" المزدهر هو عدم أحترام مشاعر وأحاسيس وتطلعات بقية مواطني الإقليم من غير الكورد. فعلى سبيل المثال لا الحصر، درج أسم المجرم إسماعيل أغا (سمكو) الشيكاكي في المناهج الرسمية لكتب التاريخ كبطل قومي كردي أو تسمية شارع بأسمه، في الوقت الذي هو معروف في تاريخ المنطقة كمجرم أغتال البطريرك الآشوري مار بنيامين شمعون عام 1918 ليس خدمة لشعبه الكوردي بل خسة وغدرا وخدمة لأسياده الفرس. فمثل هذا الإجراء هو إهانة وتجريح لأحاسيس ومشاعر الآشوريين وأتباع كنيستهم المشرقية، جيرانهم التاريخيين، لا بل وتدنيس لارواح الكثير من الشهداء الآشوريين الذين ضحوا بحياتهم من أجل الحركة القومية الكوردية أمثال هرمز ماليك جكو وماركريت جورج وغيرهم كثر وهم أبناء هذه الكنيسة التي كان الشهيد مار بنيامين بطريركاً لها.
 
هذا من جانب، أما من جانب فبركة تاريخ طويل وعظيم ومبهر للكورد من قبل بعض الكتاب والمؤرخين يأتي من جانب آخر لإفساد هذا الواقع من خلال بناءه أو إرجاعه إلى أسس باطلة لا معنى علمي وموضوعي لها لا بل وتتنافي مع أبسط أبجديات تاريخ المنطقة خاصة عندما يتم تضخيم وجود بعض القبائل والعشائر على هوامش بلاد آشور وإعتمادها كمصدر للأساس التاريخي لوجود الكردي القومي في المنطقة. فبناء الحاضر على أسس تاريخية هزيلة لا تستقيم مع منطق التاريخ في البحث عن أصل الكورد مسألة لا تتماشي مع الوجود الفاعل للكورد في المنطقة. ويأتي الموضوع الذي  كتبه السيد مهدي كاكه يي تحت عنوان "نبذة تاريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم" ونشر في عنكاوه دوت كوم كنموذج ضمن هذا السياق. أتذكر بهذا الخصوص، إن لم تخونني الذاكرة، عن الواقع الكوردي وأصلهم التاريخي في المنطقة مقابلة الزعيم الكردي ملا مصطفى البارزاني (رحمه الله) مع أحد مراسلي الأجانب عندما سأله فيما إذا كان أصل الكورد من الشيطان، فأجابه بما فحواه: أنا لا يهمني ما هو أصل الكورد وإنما المهم هو الواقع الذي نعيشه نحن الكورد وهو الذي يثبت وجودنا القومي وليس الأصل. لقد كان البارزاني قد أصاب كبد الحقيقة، فما فائدة النبالة والعظمة لأصل الشعوب إذا كان واقعها لا يلبي أبسط متطلباته ويحقق طموحاته. أنظروا إلى "الكلدان السريان الآشوريين" الذين يتغنون ليل نهار بأمجاد أجدادهم العظام من بابليين وآشوريين وكلدانيين ولكن واقعهم أقل ما يقال عنه بأنه مأساوي ومهدد بالإقتلاع من أرض أجدادهم، ولا أعتقد أحد في هذا الكون يحسدهم على مثل هذا الواقع.

أن موضوع السيد مهدي غير علمي ولا موضوعي  فلا يصدقه أي عاقل ومطلع على تاريخ المنطقة وبالتالي لا يستوجب الرد عليه ودحضه أكثر مما كتب وعلق عليه بعض الزملاء في الموقع الألكتروني نفسه. ولكن الذي أود أن أضيف هنا وأقول بأنه منذ بضعة سنوات كتبت موضوعاً عن الكورد وتحت عنوان "الدولة الكردية – حقيقة أم يوتوبيا" وباللغة الإنكليزية ومن ثم ترجمته إلى العربية ونشر في جرائد ومجلات عديدة منها الشرق الأوسط والخليج الإماراتية. وعلى العموم أرى من المفيد أن أستل بعض الفقرات منه لنبين الخلفية التاريخية للكورد خاصة القومية والسياسية والإجتماعية عسى ولعل أن تكون مدخلاً لفهم أكثر لتاريخ الكورد الماضي المختلف كلياً عن واقعهم الحالي المزدهر.
========================


يعتبر الكورد في هذا اليوم، والذين يقدر نفوسهم بين ( 20-25 ) مليون نسمة، من القوميات الكبيرة في العالم التي ليس لها كيان سياسي متميز أو دولة خاصة بهم رغم كون " كردستان"، والذي يعني بلد الكورد، يمتد جغرافياً إلى مناطق واسعة تشمل أراض من العراق وإيران وتركيا وأذربيجان وحتى سوريا، ولكن هو بلد بدون حدود معينة ومثبتة على الخريطة السياسية للعالم، ولا يدل على انه وطن يتطابق مع دولة كردية موحدة وإنما هي منطقة جغرافية مجزأة بين عدة دول إسلامية متجاورة أو متصلة ببعضها. فطيلة تاريخ "كردستان" لم تشكل بلد مستقل وبحدود سياسية وجغرافية واضحة (للتفصيل أنظر كتاب: لورانت شابري و آني شابري، سياسة وأقليات في الشرق الأوسط، ترجمة د. ذوقان قرقوط، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 1991). فتسمية "كردستان" لم تكن معروفة ومستخدمة حتى عام 1157 ميلادية. ففي عهد الخلفاء العباسيين كان السلطان التركماني (سنجق دار) أول من أستخدمها عندما أسس مقاطعة كردية كمنطقة عازلة وحاجز، لا بل كمنطقة حرب ضد شاه الفرس. ونفس الشئ تكرر عند العثمانيين حيث خلقوا عدد من الإمارات الكوردية التي أستخدمت ضد الإمبراطوية الفارسية.
(Kurdistan – Political and Economic Potential, Edited by Maria T. O’Shea, SOAS, London, 1992, P.2).     
 كان هناك جملة عوامل سياسية وإقليمية ودولية لعبت دوراً مهماً في إفقار الكورد من كيان سياسي قومي خاص بهم،  وقد تنطبق هذه العوامل أيضا على بعض القوميات الأخرى، كالآشوريين،  التي مزقتهم الحدود السياسية للدول، إلا أن ما يميز الكورد عنهم هو تفاعل هذه العوامل مع عوامل داخلية اجتماعية مرتبطة بطبيعة الكورد أنفسهم ساهمت مساهمة فاعلة في هذا الإفقار. وعلى العموم يمكن حصر هذه العوامل في: أولاً: علاقة الكرد بالدين الإسلامي، وثانياً: التركيب الاجتماعي لهم .

بالنسبة للعامل الأول، يجمع معظم المؤرخين بأن الكورد لم يكونوا معروفين للعالم كقوم لهم خصائص قومية متميزة إلا بعد اعتناقهم الإسلام ولم تظهر هويتهم الكردية بشكل واضح إلا بعد الفتوحات الإسلامية. فمنذ دخولهم الإسلام في العام العشرين للهجرة وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رض ) شمل حالهم كحال بقية الشعوب الآرية حيث لم يؤسس العرب الفاتحون لبلدان هذه الشعوب مستوطنات سكانية، ربما بسبب اختلاف الطبيعة الجغرافية، بل تركوهم لحالهم محافظين على تقاليدهم وعاداتهم وخصائصهم المتميزة بعد أعتناقهم الدين الإسلامي. لكن مع هذا، برزوا كمحاربين أشداء ومقاتلين في سبيل دينهم. وصلاح الدين الأيوبي (1193 – 1138) معروف بالأمثال المضروبة في شجاعته وبسالته في مقاومة الحملات الصليبية وتحرير بيت المقدس، فهو الذي كان على رأس أقوى دولة إسلامية في زمانه إلا أنه لم يفكر أو يسعى إلى تأسيس كيان خاص لأبناء شعبه الكوردي فحياته كانت كلها مكرسة في بناء الدولة الإسلامية ومحاربة أعدائها. والتاريخ أيضاً يزودنا بدلائل كثيرة على إخلاص الكرد للدين الإسلامي والجهاد في سبيله إذ لم يسجل أية ردة دينية قامت بينهم أو انحراف أو اجتهاد فكري بعيد عن روح الإسلام، وحتى المدارس أو الفرق الدينية التي ظهرت بينهم في فترات معينة فهي الأخرى لم تكن في تناقض أو تعارض مع الإجتهادات العامة للدين الإسلامي. كما أن الطبيعة القبلية والبدوية القائمة على التنقل والغزو والحصول على غنائم الحرب  كان عامل آخر ساعد الكورد على التحول من ديانتهم الزارادشتية إلى الإسلام ومشاركتهم وبشكل فعال في الفتوحات الإسلامية. فالكورد لم يقوموا بثورة أو بتمرد واسع النطاق ضد سلطات الدول الإسلامية التي عاشوا في كنفها مطالبين بحقوق قومية خاصة بهم ومتميزة أو داعين إلى تأسيس دولة كردية أو إلى تثبيت مكانة سياسية خاصة بهم في ديوان الحاكم أو الخليفة أو اقتناء إمتيازات لهم، كما كان الحال مع الفرس والترك والشركس والمماليك، بل كانوا وعلى الدوام، رغم اختلاف انتماؤهم القومي عن الحكام أو عن الأكثرية المسيطرة، كانوا مواطنين أصلاء ومن الدرجة الأولى باعتبارهم جزء من أبناء الأمة الإسلامية ودولتها التي لم تكن تفرق بين العربي والأعجمي إلا بالتقوى، فكان الحاكم بالنسبة لهم أمير المؤمنين وكان ولاءهم له ولأمة الإسلام فحسب. ويجمع معظم المؤرخين على أن العرب المسلمين كانوا أول من أطلق عليهم هذا الأسم (الكورد) حيث كانوا معروفين بتسمية "قبائل الجبال" (زبير سلطان، القضية الكردية من الضحاك إلى الملاذ، دار الشادي، دمشق، ط1، 1995).

أما بالنسبة للعامل الثاني، والمتعلق بالتركيب الاجتماعي للمجتمع الكوردي، فأن الطبيعة الجغرافية القاسية وعزلة المنطقة وصعوبة الاتصال بينها وبين العالم الخارجي من جهة وبين الأقسام المكونة لـ "كردستان" من جهة أخرى ساهمت في خلق نظام اجتماعي متميز شكلت العشيرة البنية الأساسية له والتي تمتعت بنوع من الاستقلال الذاتي تجاه السلطة المركزية. فالكورد وعبر التاريخ لم يشكلوا أمة موحدة لها كيانها الخاص بها، بل كانوا مجموعة من العشائر تفتقر إلى التماسك والتضامن فيما بينهم. فكانوا يعيشون في جبالهم المعزولة ويبدون طاعة شديدة إلى شيخ العشيرة ويخضعون إلى أي نوع من الحكومة طالما كانت سلطتها إسلامية وتدعو إلى تطبيق الشريعة والسنة. وقد يبدو أن مثل هذه الظاهرة قد تكون سائدة في بعض شعوب المناطق المجاورة أيضا، إلا أن قوة وصلابة النظام العشائري في الكرد واستقلالية وحداته الاجتماعية جعلتهم في حالة مختلفة، خاصة عندما كانت الحكومات المركزية، وتحديداً الدولة العثمانية، تستغل وضعهم الاجتماعي وتزيد من ترسيخ استقلالية الوحدات الاجتماعية، أي العشائر، وانعزالها عن البعض وقطع الصلة بينهم سواء من خلال سياسة "فرق تسد" أو عن طريق تأليب بعضهم على البعض، أو استغلال بعض العشائر ضد الأخرين في حالة قيام تمرد أو ثورة أو محاولة الخروج عن هيمنة السلطة أو تجاوز حدود النظام الاجتماعي السائد ومن ثم إخضاع الجميع في نهاية المطاف وحصرهم في قوالبهم الأصلية وحدودهم الطبيعية. ومما ساعد على استمرار هذا النمط من التركيب الاجتماعي للنظام الكوردي هو تداخله وتفاعله مع عامل الدين ومن خلال رأس أو زعامة هذه التركيبة المتمثلة في شيخ العشيرة. فكلمة الشيخ عند الكرد لا تعني زعيم عشيرة فحسب، كما هو معروف عند العرب، بل يقصد بها ذلك الشخص الديني التقي والورع الذي أوقف نفسه لخدمة الله والدين، سواء أكان منحدر فعلاً من أصول دينية أو مكتسباً لهذه الصفة من خلال الممارسة الدينية في حياته. لذلك نجد بأن بعض من السادة أو الملالي أو الشيوخ يدعون انحدارهم من نسل النبي محمد (ص) أو من أئمة دينية معروفة، رغم جذورهم القومية والعرقية المختلفة.

ولكن مع هذا، فالتاريخ الكوردي في المنطقة لا ينفي أبداً قيام كيانات كردية مستقلة في السابق نالت استقلالها عن السلطات المركزية للدول العثمانية، إلا أنها سرعان ما كانت تنهار بعد فترة غير طويلة، إما بسبب موت الشيخ المؤسس الذي قاد الاستقلال، أو باندحاره في نهاية المطاف أمام قوات الدولة المركزية أو عن طريق تحريض حكام هذه الدولة لبقية شيوخ العشائر الكردية للانقضاض عليها. وفي معظم الحالات تقريباً جاء زوال هذا الاستقلال القصير للدولة الكردية بفعل تفاعل العاملين السابقين، حيث كان مثل هذا الاستقلال يسبب لبقية الشيوخ الهلع والخوف من جراء تنامي سلطات الشيخ المؤسس للدولة الكردية والذين كانوا يعتقدون، أو كما كان يصور لهم من قبل السلطات المركزية، بأن مثل هذه الدولة ستكون على حساب مصالحهم واستقلالهم العشائري من جهة، وأنه من جهة ثانية، هو أجراء أو تمرد أو عصيان مخالف للدين والشريعة الإسلامية لأنه لا يجوز مقاومة السلطان العثماني باعتباره خليفة المسلمين أو أمير المؤمنين. وفي تاريخ هذه الكيانات الكردية فتاوى أفتيت بحقها من قبل شيخ أو سيد كردي كانت من ورائها السلطات العثمانية ولعبت دوراً كبيراً في انهيارها. هناك أمثلة كثيرة من هذه الثورات الكردية في القرن التاسع عشر والتي سقطت بمجرد صدور فتوى من شيخ كردي وبتحريض من السلطات العثمانية. لهذه الأسباب قيل بأن الصراع الكوردي – الكوردي الداخلي كان وعلى الدوام أشد بكثير من صراعهم مع أعدائهم ومضطهديهم.

وهناك روايات كثيرة قيلت في عدم وفاق الكورد وتوحدهم وسيادة الفتنة والقتال بينهم وصلت غرابة بعضها إلى حدود الأساطير. وأغربها قصة لعنة رسول الإسلام النبي محمد (ص) على الكورد والتي أوردها كاتب كردي مشهور أسمه الأمير شرف خان البلدليس في كتابه الموسوعي والمعنون بـ (شرفنامه)  الذي كتبه باللغة الفارسية في القرن السادس عشر الميلادي وترجمه إلى العربية محمد جميل الملا أحمد الروزبياني، دار المدى، سوريا ولبنان والعراق، ط3، 2007 ، وهو أول كتاب كردي يبحث في تاريخهم. فقد ذكر فيه وقال بأن الكورد جبلوا على التنافر والشقاق فلا يتناصرون ولايتطاوعون ولا تربطهم رابطة الوحدة والإتفاق… فالكورد ذو أراء إستبدادية يرفع كل منهم لواء التفرد وقد أحتموا بعلل الجبال … وجبلوا على حب الحرية والأنفة والإستقلال ولا يجتمعون على أمر واحد غير كلمة التوحيد (ص 41)، ويرجع سبب ذلك إلى لعنة النبي محمد (ص) للكورد حيث ذكر بأن في بداية الرسالة الإسلامية أرسل (أغورخان – ملك تركستان) وفداً إلى رسول الإسلام (ص) برئاسة شخص يدعى (بغدور) وكان من أمراء الكورد وكان هذا كريه المنظر، عفريتي الشكل، قبيح الوجه، فظاً غليظاً وشديد المراس، فلما وقع نظر النبي (ص) على هذا الشخص الكريه المنظر والضخم الجسم، فزع ونفر منه نفوراً شديداً. وعندما سأل عن أصله وجنسه قيل بأنه من الطائفة الكردية وعندئذ دعا النبي قائلاً "لا يوفق الله تعالى هذا الشعب بالاتفاق بينهم وإلا لغلبوا على الأمم وأساؤوا إلى العالم... فمنذ ذلك اليوم لم يتيسر لهذه الأمة تأليف دولة عظمى وسلطنة كبرى... (ص41) .وعلى الرغم من أن بعض الكتاب ينفون هذه القصة في لعنة الرسول للكورد ويكذبونها لأن الرسالة الإسلامية لم يكن خبرها قد وصل في عهد الرسول إلى بلاد التركستان، إلا أن مع هذا يعطون أهمية لها لكونها قد أوردها كاتب كوردي في القرن السادس عشر الميلادي وكان له دراية ومعرفة في عدم وفاق الكورد وتوحدهم.

وهناك ملاحظة مهمة جداً يستوجب الإشارة إليها وهي حين ذكر البدليسي  ما معناه بأنه لو توحدوا الكورد وأتفقوا لغلبوا على الأمم وأساؤؤا إلى العالم. فمثل هذا القول نلمسه في المخاوف الشديد التي كانت تعتري عقول الحكام، خاصة العثمانيين والفرس والإتراك والعرب والبريطانيين، من توحد الكورد وتأسيس دولة مركزية لهم لهذا نرى الضابط البريطاني (دبليو. أر. هاي) يقول في كتابه المعنون (سنتان في كردستان) المطبوع في لندن عام 1921 والذي زار المنطقة ودرس طبائع الشعب الكوردي، يقول: "أن اليوم الذي يستيقظ الكورد وبوعي قومي ويتوحدون سوف تتفتت أمامهم الدولة التركية والفارسية والعربية، ويقصد العراق، وتتطاير كالغبار ولكن مثل هذا اليوم لا يزال بعيد المنال" (ص36).

نكتفي بهذا القدر تجنباً للإطالة وإذا سمحت الظروف في الأيام القليلة القادمة سنكمل الموضوع عن الكورد في مرحلة نشوء الإفكار القومية ومبادئ التحرر القومي الحديثة ومدى تأثير العاملين الدين والتركيبة العشائرية في مسيرة حركتهم القومية. 

43
نقول: مبروك الفوز للقوائم الكلدانية السريانية الآشورية... ولكن ماذا بعد ذلك؟؟؟
================================================

أبرم شبيرا

في المواضيع السابقة لم نتوقع ما أفرزته نتائج الإنتخابات البرلمانية لإقليم "كردستان" فحسب بل أكدنا في قراءتنا السياسية للساحة القومية وتأثير وجود القوائم المرقمة 25 و 26 و 27  وفاعليتهم وسعة إستخدامهم لوسائل الضغط الداخلي والخارجي والتأثير على الرأي العام لأبناء أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية"، أكدنا ما آلت إليه نتائج الإنتخابات وذلك بعدم الفوز أي من هذه القوائم بجميع أو بأغلبية كبيرة للمقاعد في البرلمان، بل شددنا التأكيد على أن كل قائمة من هذه القوائم ستفوز بمقعد أن مقعدين وبالتالي سيتقاسمون الكوتا المخصصة لأبناء أمتنا. لقد كان مستر ونستن تشرشل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق محقاً عندما قال "الديموقراطية نظام سيء ولكن لا يوجد أحسن منه" هكذا هو حال الإنتخابات كوجه آخر للديموقراطية فهو نظام سيء أيضاً ولكن لا يوجد أحسن منه، فهو النظام أو الأسلوب الذي يضمن حصول الحزب أو الجهة أو الكتلة الإنتخابية على معقد أو مقاعد برلمانية ووفق النظام الإنتخابي المعتمد وليس وفق الأصوات التي حصلت عليها كل قائمة أو من يمثلها والتي هي المعيار عن قوة وجماهيرية الحزب، وهذه هي مساوئ هذا النظام ، فالمقاعد البرلمانية لا تعكس بالضرورة والحتم قوة الحزب الجماهيرية ولكن مع هذا يبقى "الكرسي" هو عامل الفصل في بيان موقع الحزب أو الكتلة البرلمانية من الناحية القانونية والسياسية الرسمية. هذه هي اللعبة السياسية فمن يريد أن يلعبها أو يشارك فيها أو يؤيدها فعليه قبول شروطها.

قائمة الرافدين المرقمة 126 بقيادة الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) حصلت على 6145 صوتا وبالتالي ضمنت مقعدين، وحصلت قائمة التجمع الكلداني السرياني الآشوري بقيادة تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية (تجمع) المرقمة 127 حصلت على 5730 صوتا وضمنت مقعدين أيضا أما قائمة أبناء النهرين المرقمة 125 بقيادة بعض من أعضاء قيادة وكوادر زوعا من خارج التنظيم الرسمي قد حصلت على 1048 صوتا فضمنت مقعد واحد فقط. ويظهر من هذه الأرقام بأن الأنصاف لم يتحقق أبداً كما هو في الواقع، فليس من المنطق والحق بعد أن تقوم زوعا بحملة إنتخابية واسعة وجماهيرية وتستضيف أشهر مطربين من أبناء أمتنا من الخارج وتخصص مبالغ طائلة لحملتها الإنتخابية وتحصل على أكبر عدد من الأصوات ولكن بالمقابل تحصل على مقعدين وأصواتها تمثل تقريبا ستة أضعاف أصوات القائمة المرقمة 125 التي حصلت على 1048 صوتا فقط ولكن حصلت على مقعد واحد، أي نصف مقاعد القائمة رقم 126. والحال نفسه أيضا بالنسبة لقائمة التجمع المرقمة 127، فعلى الرغم من كونها تمثل عدد من أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية، وعلى الرغم مما قيل عن ذهاب التصويت الخاص لصالحها وبتوجهات من جهات رسمية والتي لم تأخذ بها المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات لكون عدم وجود مانع من تصويت الأشخاص من غير أبناء الكوتا لأي من القوائم -  هذا هو أمر مفسد جداً لنظام الكوتا، فإن حصول هذه القائمة على 5730 صوتا أهلها حسب النظام الإنتخابي المعتمد الحصول على مقعدين في الوقت الذي أصواتها تمثل أكثر من خمسة أضعاف أصوات القائمة 125 الحاصلة على نصف مقاعد القائمة 127. على العموم يمكن القول، إستبعاداً لعدد الأصوات وأخذ بنظر الإعتبار العمر القصير للقائمة 125 وطغيان الصفة الشخصية وليس التنظيمة عليها فأنه يمكن إعتبارها الرابح الأكبر... ولكن هل تستطيع أن تثبت ذلك على الساحة السياسية من دون أي إعتبار لممثلها الجالس على مقعد برلماني؟؟؟ فنحن بالإنتظار. هذه هي مساوئ نظام "الكوتا" والذي سبق وأن أكدنا بأنه هو نظام غير عادل ينشأ في ظروف غير عادلة وديموقراطية طالما يحق لغير من أبناء هذه الكوتا، خاصة المتنفذين والمتسلطين، من التصويت لمرشحي بعض من أبناء الكوتا وبالتالي فقدان مغزى هذا النظام. وهو موضوع سبق وأن تطرقنا إليه بإختصار وأرى من المهم إعادة التفصيل فيه في مناسبة لاحقة.

أنتهت الإنتخابات وتبيت الصورة وأصبح على الأقل من الناحية الرسمية والقانونية لأبناء أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" خمسة ممثلين جالسين مع (106) أعضاء يمثلون إتجاهات مختلفة تمتد من أقصى اليسار الذي سيظهر بأن تأثيره سيكون محدوداً جداً إن لم يكن معدوماً (الحزب الشيوعي مقعد واحد والحزب الإشتراكي الكردستاني مثله) إلى أقصى اليمين المتطرف ( التيارات الإسلامية 17 مقعد) وبينهما تيارات القومية الكردية الرئيسية التي سيكون لها الغلبة في البرلمان وهي الحالة التي ستجعل وضع ممثلي شعبنا صعباً للغاية فالتجارب السابقة والقراءة الفكرية والسياسية لتوجهات القوى المتحكمة في البرلمان تجاه أمتنا لا تفرز حالة من الطمأنينة وبناء المصداقية عليها في تحقيق ولو جزء يسير من طموحات شعبنا في الإقليم خاصة موضوع الحد من التجاوزات على أراضي أبناء شعبنا والذي يجب أن يكون هذا الموضوع في قمة جدول أولويات مطاليب شعبنا. من هنا نقول بأن الإنتخابات أنتهت ولكن المهمات الصعبة لممثلي أمتنا في البرلمان  قد بدأت فعلاً وهناك مطاليب مشروعة وملحة ولكن مؤجلة و مرحلة إلى زمن غير معروف فعلى سياسي أمتنا في البرلمان الإستمرار بمطالبتها ورفع سقفها إلى أقصى حد مقبول على الأقل من حيث المبدأ كالمطالبة بالحكم الذاتي أو الإدارية المحلية بعد إعادة ترسيم حدود الوحدات الإدارية في الإقليم بالشكل الذي يضمن لأبناء شعبنا إدارتها وحمايتها من المتجاوزين. وعلى سياسي أمتنا أن يعرفوا جيداً سعة مطاليب أبناء شعبنا وأخذها بنظر الإعتبار ولكن من دون تضيع الممكن من أجل غير الممكن وأن يعرفوا بأن السياسة هي فن الممكن... فن كيفية ممارسة السياسة على الواقع وليس في الخيال.

إن تأكيدنا لصعوبة عمل ممثلي أبناء شعبنا في البرلمان "الكردستاني" لا يعفيها من العمل الممكن، لا بل الممكن جداً والبعيد عن تأثيرات القوى المتحكمة في هذا البرلمان. فأولى المهمات المهمة والخطيرة هي أن يكون ممثلي أمتنا فعلاً ممثلين قولاً وفعلاً وأن يعكسوا هذا التمثيل من خلال جلوسهم جنباً إلى جنب متكاتفين ممثلين لأمة واحدة وهذا ليس بالأمر الصعب إطلاقاً. لقد سبق وأن بينًا في مناسبة سابقة بأن هذه القوائم الثلاث مترابطة مع البعض ليس فكرياً فحسب بل تنظيمياً أيضا، فزوعا لا زال جزء من تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية صاحب القائمة رقم 127 ولم يتخلى عنها على الأقل من الناحية الرسمية كما أن أصحاب القائمة 125 لا زالوا على الأقل فكرياً وسياسياً مرتبطين بزوعا صاحبة القائمة رقم 126. هذا من حيث الشكل ولكن من حيث المضون يجب أن يعرفوا بأنهم مرتبطين بأمة واحدة وملتزمين تجاهها وعليهم أن يكون كتلة واحدة وإلا سيكون مصيرهم خاضعاً لسيف جماهير شعبنا وأقلام المراقبين و معرضين لسخرية ومضحكة للأخرين. فالمطلوب منهم، وعددهم ليس بكثير لكي يختلفوا، أن يعكسوا صورة مصغرة أو رمزاً لوحدة هذه الأمة.

لقد سبق وأن بعثنا شلاما ومزيداً من شلاما إلى زوعا ويظهر بأن سلامنا وتمنياتنا بالتفاهم والتضامن لم تصل إلى الجميع وعلى العنوان الصحيح والآن نعيد إرسال هذا السلام والتضامن إلى العنوان الجديد في البرلمان "الكردستاني" ليشمل أيضا ممثلي القائمة 127 ويسترشدوا جميعاً بالشذرات الذهبية لإنجيلنا المقدس وأقوال ربنا يسوع المسيح عليه السلام في التسامح والتصالح والمحبة ونزول السيد إلى مستوى خادم الشعب.  أنها لمناسبة أن أقتبس بعض السطور من كلمات المفكر القومي الكبير المحامي الطيب الذكر ديفيد برصوم بيرلي التي ذكرها في كتاب خيانة بريطانيا للآشوريين التذي كتبه المفكر القومي الكبير يوسف ماليك التلكيفي، وأقول أنكم يا ممثلي أمتنا في البرلمان "الكردستاني" تمثلون الأصابع الخمسة لليد الواحدة ... وهذه الأصابع متصلة مع بعضها وتشكل كف اليد وتعمل معاً من أجل هدف واحد ومنفعة مشتركة ولا يمكن إطلاقاً أن تعمل أحدى الأصابع ضد الأخرى فذلك مخالف تماماً للطبيعة ولليد نفسها ... فضم هذه الأصابع وبقوة تشكل قبضة يستطيع المرء توجه ضربة قوية بها إذا إمتلك إرادة وشجاعة ... فعليكم يا ممثلي شعبنا أن تكونوا مثل هذه الأصابع وتشكلون قبضة قوة وتوجيهها نحو طريق المطالبة بحقوق شعبنا المشروعة... وليس أسهل من هذا لو تنحت الإنانية والفردية جانباً ووضعتهم مصلحة الأمة فوق جميع الإعتبارات... وليس لنا أن نقول غير أن يكون التوفيق إلى جانبهم.            
 


]مهما تعدد الأعلام والأسماء والألوان فإننا أمة واحدة وستبقى أمة واحدة
أبرم شبيرا

44
مزيداً من شلاما إلى زوعا (الحركة الديموقراطية الآشورية)
==================================
أبرم شبيرا
شذرات ذهبية من الإنجيل المقدس:
======================

يقول ربنا يسوع المسيح له المجد في إنجيل لوقا "أية أمرأة عندها عشرة دراهم، إذا أضاعت درهماً واحداً، ألا تشعل مصباحاً وتكنس البيت وتبحث بإنتباه حتى تجده وبعد أن تجده، تدعو الصديقات والجارات قائلة: أفرحن معي، لأني وجدت الدرهم الذي أضعته، أقول لكم: هكذا يكون بين ملائكة الله فرح بخاطئ واحد يتوب" (لوقا:15/8-10). ثم يقول "كان لإنسان أبنان، فقال أصغرهما: يا أبي، أعطي الحصة التي تخصني من الميراث! فقسم لهما كل ما يملكه. وبعد بضعة أيام جمع الأبن الأصغر كل ما عنده، ومضى إلى بلد بعيد وهناك بذر حصته من المال في عيشه الخلاعة. ولكن لما أنفق كل شيء، أجتاحت ذلك البلد مجاعة قاسية، فأخذ يشعر بالحاجة..... فقام ورجع إلى أبيه. ولكن أباه رآه وهو ما زال بعيداً، فتحنن، وركض إليه وعانقه وقبله بحرارة. فقا له الأبن، " يا أبي أخطأت إلى السماء وأمامك، ولا أستحق بعد أن أدعي أبناً لك..." أما الأب فقال لعبيده: "أحضروا سريعاً أفضل ثوب وألبسوه، وضعوا في أصبعه خاتماً وفي قدمه حذاء. وأحضروا العجل المسمن وأذبحوه، ولنأكل ونفرح: فإن أبني هذا كان ميتاً فعاد، وكان ضائعاً فوجد فأخذوا يفرحون!" (لوقا: 15: 11- 24).... ولما عرف الأبن الكبير غضب ورفض أن يدخل البيت، "فخرج أبوه وتوسل إليه، غير أنه رد على أبيه قائلا: "ها أنا أخدمك هذه السنين العديدة، ولم أخالف لك أمراً ولكنك لم تعطني ولو جدياً واحداً لأفرح مع أصدقائي، ولكن لما عاد أبنك هذا الذي أكل مالك مع الفاجرات، ذبحت له العجل المسمن!" فقال له: "يابني أنت معي دائماً، وكل ما أملكه هو لك، ولكن كان من الصواب أن نفرح ونبتهج، لأن أخاك هذا كان ميتاً فعاش، وكان ضالاً فوجد" (لوقا: 15: 28-32).

وفي مكان آخر يقول ربنا يسوع المسيح له المجد لتلاميذه، "وقام بينهم أيضا جدالأ في أيهم يحسب الأعظم، فقال لهم: "إن ملوك الأمم يسودونهم وأصحاب السلطة عندهم يدعون محسينن. وأما أنتم، فلا يكن ذلك بينكم، بل ليكن الأعظم بينكم كالأصغر، والقائد كالخادم" (لوقا: 22:24-26). وفي سفر الزانية ورميها بالحجارة ذكر ربنا يسوع المسيح له المجد "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر" (يوحنا: 8 : 7). وعن البساطة والتواضع يغسل ربنا يسوع المسيح له المجد أقدام تلاميذه يقول "فإن كنت، وأنا السيد والمعلم، قد غسلت أقدامكم، فعليكم أنتم أيضاً أن يغسل بعضكم أقدام بعض. فقد قدمت لكم مثلاً لكي تعملوا مثل ما عملت أنا لكم... وصية جديدة أنا أعطيكم: أحبوا بعضكم بعضاً (يوحنا: 13: 14 و 34).

دروس وعبر من الإنجيل المقدس:
=====================

عجيب غريب !!! ما الذي حشر أبرم شبيرا نفسه في مسائل الأنجيل المقدس ونحن نعرف علمانيته وضلوعه في مسائل سياسية وقومية؟؟؟ هكذا سيتسائل القارئ الكريم بمجرد قراءة السطور أعلاه، هكذا سوف يستغرب وينتقدنا من لجؤئنا إلى الإنجيل المقدس ونحن العلمانيين الذين لا كلام ولا عمل  لنا في هذه الأيام غير الغوص في عالم السياسة والمسائل القومية التي يكتنفها الكثير من الطرق الملتوية والأساليب المعروفة لنا بغموضها وتقلباتها ولجوءها إلى كل وسيلة ممكنة لتحقيق أهدافها. غير أن مثل هذا الإستغراب يمكن تخفيفه أو أزالته عندما نعلم بأنه عندما تعصف بالمجتمع كوارث ومصائب يصعب للإنسان السيطرة عليها فيضطر حينذاك اللجوء إلى القوى الخارقة والسماوية وإلى طلب رحمة وخلاص ربنا السماوي لإنقاذ المجتمع كما فعل جدنا الأكبر الملك الآشوري سنحاريب (705-681 ق.م.) أثناء فيضان نهر الخوصر (حاليا في مدينة الموصل) الذي عصف بعاصمته نينوى فصام هو وشعبه وتضروعوا إلى ربنا السماوي لتخليصهم من الفاجعة والكوارث التي سببها الفضيان، وكما فعل ويفعل أبناء أمتنا في عصرنا هذا عندما تعصف بهم الكوارث والحروب فيلجأون إلى الصوم والصلاة والتذرع إلى ربنا السماوي للرحمة والخلاص وطلباً للأمن والسلام والإستقرار. واليوم يعصف بمجتمعنا "الكلداني السرياني الآشوري" عواصف خطيرة وفواجع كارثية أقل مايقال عنها بأنها تهدد مصير وجود أبناء أمتنا في أرض أباءهم وأجدادهم وتقلعهم نحو المجهول. ولا شك فيه إطلاقاً بأن بعض المخلصين من أبناء أمتنا وأحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية وحتى كنائسنا عملوا كثيراً أو قليلاً لمواجهة هذه التحديات الماحقة ولكن يظهر بأن موازين القوى في هذه المواجهة ليست لصالح أمتنا لا بل فإن هذه الموازين تزداد ميلاً لصالح الآخر عندما تبدأ الخلافات بالإرتقاء إلى الإختلافات ومن ثم إلى تناقضات داخل مجتمعنا وتحديداً داخل ممثليه من الأحزاب والتنظيمات القومية وبالتالي عجزهم الكلي لا في الوقوف في وجه هذه التحديات بل في الكف عن الكلام عنها وكشف حقيقتها أو تسويفها بشكل يخدم المصالح الخاصة وليس مصالح الأمة ويرسخون مواقعهم الجبهوية في المجتمع خاصة عندما تأتي فرص المنافسة وفترات الإنتخابات للوثوب إلى هذه المواقع أو تكريسها.

أن القارئ اللبيب يستخلص وبسهول عظمة العبر والدروس من الشذرات الذهبية القليلة المذكورة أعلاه من الإنجيل المقدس وتفيدنا كثيراً لو أتبعت وطبق على واقعنا الحالي الممزق.. كلنا، مهما كانت تسميتنا القومية أو الكنسية مسيحيون تعمذنا بروح القدس وتناولنا جسد ربنا يسوع المسيح له المجد وشربنا من دمه، فهذا يفرض علينا إيماناً مسيحياً كثيراً أو قليلاً بإنجيله المقدس وبالتالي يفرض علينا على الأقل قراءة رسالة ربنا السماوي وإستخلاص الدروس والعبر منها لكي تنير طريقنا نحو المحبة والسلام والتضمان مع البعض. فالشذرات الذهبية القليلة من الإنجيل تعطينا أمثلة رائعة في الصفح والغفران والتصالح والتواضع وخدمة الكبير للصغير وهي مبادئ جوهرية تفيدنا كثيرا في هذه الأيام في أزالة الخلافات وسؤء الفهم السائد في مجتمعنا وتحديداً في أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية  فيصبح التواضع والصفح والتصالح أمور مطلوبة وبشكل ملح خاصة بعد أن دبت الخلافات وسوء الفهم داخل بيت أو تنظيم هذه الأحزاب. فبعد أن فشلت تقريباً كل المحاولات في ردع الصدع داخل البيت الواحد فلم يبقى أمامنا إلا اللجوء إلى رسالة ربنا يسوع المسيح له المجد طلباً منه أن ينشر محبته على أبناءه فيسود فيهم التواضع والصفح والتصالح من أجل خير هذه الأمة.   

التواضع والصفح والتصالح طرق لإستمرار رسالة زوعا نحو المستقبل:
=========================================

القارئ اللبيب يدرك من البداية بأن حديثي هنا هو عن الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) ليس بسبب عنوان الموضوع بل من خلال "الأزمة" التي تمر بها في الوقت الراهن وإنطباق ما ورد في أعلاه عليها حيث تشتد هذه الأزمة بإقتراب موعد الإنتخابات البرلمانية لإقليم "كردستان" العراق. فالبعيد والقريب يعرف بأن زوعا حركة سياسية قومية كبيرة ورائدة في مجتمعنا ينعكس تماسكها ونشاطها وإنجازاتها بشكل مباشر وواضح على مجتمعنا فيزداد الوعي القومي والسياسي بين أبناء الأمة ويزيد من تفاؤلهم نحو المستقبل في أرض الوطن. والحال عكس ذلك، فعندما يدب الخلاف في أروقة زوعا ويتقلص نشاطها وتضمر إنجازاتها ويتسارع قادتها نحو الكراسي البرلمانية والحكومية ينعكس هذا أيضا على أبناء الأمة فيتقلص تفاؤلهم لا بل يزداد تشاؤمهم ويفقدون ثقتهم بأحزابنا السياسية وبممثلي أمتنا بعد أن تزداد فيها المحسوبية والفردية.  هذه الحقيقة مهما أختلفنا مع زوعا أو أتفقنا فهذا لا يغير بشئ منها لأنها حقيقة واقعية أثبتها السنين الخوالي والأيام الحالية التي تمر بها زوعا. يحاول البعض من إتباع سياسة النعامة في إغفال أو تجاهل ما يجري في زوعا وتأثير ذلك على مسيرة حركتنا القومية وكأنه لا وجود لمثل هذه الأزمة. في حين يحاول الآخرون خاصة البعض في قيادة زوعا الحالية أوالواقعين في غرام أعمى معها تسويف هذه المسألة وتصغيرها وأعتبارها كأمر إعتيادي يحدث كثيرا في الحركات والأحزاب السياسية وحدث ذلك لزوعا أيضا في السنوات الماضية ولكن خرجت زوعا منها سالمة ومعافية. هذا أمر صحيح ولكن لا يصح إطلاقاً المقارنة والتشبيه بين ما حدث في السنوات الماضية من  ترك أو خروج ""نفر أو نفرين" من قيادة زوعا ومن ثم إنزواءهم في زوايا منسية من المجتمع السياسي والقومي أو إنخراطهم في نشاطات أخرى لا تمت بصلة مباشرة بتنظيم زوعا، فالإنقطاع هنا كان تنظيمياً وفكرياً وسياسياً بالتمام والكمال، وبين ما يحدث في هذه الأيام، حيث هناك عدد كبير من الكوادر المتقدمة وأعضاء في اللجنة المركزبة لزوعا منتخبين بشكل شرعي من قبل المؤتمر العام للحزب قد أنقطعوا تنظيمياً عن زوعا وليس فكرياً، وهو أمر نادر الحدوث إن لم يكن معدوماً في تاريخ تنظيماتنا السياسية، وهذا أمر قد يشل من نشاط وتحرك زوعا بشكل طبيعي وشرعي وذلك بسبب فقدان أو تقلص الأكثرية الحاسمة في إتخاذ القرارات. فهؤلاء رغم إنقطاعهم تنظيمياً عن زوعا بسب إختلافهم مع القيادة الحالية إلا أنهم يصرون على إرتباطهم بزوعا فكرياً وسياسياً وإستمرار إلتزامهم بنهج وفكر زوعا حتى وإن تأطر نشاطهم الإنتخابي بقائمة مختلفة عن قائمة الرافدين التابعة للقيادة الحالية لزوعا وبتسمية قائمة "أبناء النهرين" إستعدادا لإنتخابات برلمان لإقليم ""كردستان" العراق. كما يجب أن لا ننسى بأن البعض من هؤلاء هم من الكوادر التاريخية وبعضها شاركت في تأسيس زوعا والآخرون أنظموا لزوعا في السنوات الأولى الصعبة وشاركوا مع بقية أعضاء قيادة زوعا  في دفع مسيرتها رغم الظروف الماحقة التي كانت تحيط بهم، فتاريخهم السياسي والنضالي مرتبط بنضال وصمود زوعا وبالتالي لا يمكن التفريق والفصل بينهما.

لا أدري فيما إذا كانت مصادفة أم مسألة واعية في تسمية هذه القائمة بـ "أبناء النهرين". إذ كلا التسميتن "قائمة "الرافدين" و قائمة "أبناء النهرين" لهما مدلول واحد سواء أكان من حيث المضمون الذي يشير إلى التسمية التاريخية لوطن الأباء والإجداد وإلى إرتباط أصحاب هاتين التسميتين بهذا الوطن أو من حيث الفكر والترابط بين أصحاب كلا التسميتين والتعبير، بوعي أو غير وعي، عن وحدتهما المؤطرة بفكر وسياسة زوعا وهو تأكيد آخر على كون المعارضين للقيادة الحالية لزوعا إرتباطهم بها فكرياً وسياسياً. لقد سبق وأكدنا مراراً وتكراراً بأن الاختلافات التي تشب بين أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية أو حتى في داخل هذه التنظيمات لا تقوم على أسس فكرية أو أيديولوجية بل هي في معظمها خلافات شخصية ومواقفية وبررنا ذلك على أساس كون أمتنا أمة بسيطة في تفكيرها ومطالبها ولا خلافات فكرية عميقة بين أفرادها وتنظيماتها. ففي معظم الحالات وإن أرتقت هذه الاختلافات إلى خلافات إلا إنها لم تصل إلى مرحلة التناقضات السياسية المستعصية التي تقود إلى صراعات لا نهاية لها، وزوعا نموذج في هذا السياق. فقد شبت فيها بعض الإختلافات التي أرتقت إلى الخلافات وهذه الأخيرة أما أرتكنت في حدودها أو أضمحلت ولم ترتقي إلى مستويات أعلى. واليوم وصلت الخلافات بين قيادي زوعا إلى أعلى مستوياتها إلا أنها لا زالت ضمن حدودها ولم ترتقي إلى مستوى التناقض طالما لازال المنقطعين عن تنظيم زوعا مرتبطين فكرياً وسياسيا بزوعا ولم يلجؤا إلى تأسيس حزب آخر رغم إمكانياتهم الفكرية والسياسية والتنظيمية وقاعدتهم الجماهيرية، كما وأن القيادة الحالية لزوعا لم تصدر قرار صريح بفصلهم.

يعتبرالإنسان أعظم رأسمال في حركة المجتمع. والتنظيمات المجتمعية والسياسية وهي الأطر التي تتم فيها حركة المجتمع فتقدمها وتأخرها يقاس بها تقدم وتأخر المجتمع. وزوعا حركة سياسية رئيسية وفاعلة في مجتمعنا، رغم فكرها النير وسياستها القومية الأصيلة إلا أن الإنسان يلعب دوراً كبيراً في فاعلية زوعا وفي تنوير سياستها وتوصيلها إلى أبناء أمتنا. إذن من هذا المنطلق يصبح الإنسان، وباللغة السياسية نقول الكادر الحزبي، يصبح مصدر الحركة بخطواتها الأمامية والخلفية... بخطواتها الإيجابية والسلبية... وبإنفتاحه وإنغلاقه... وبتواضعه وتعاليه... وبتفاهمه وتعنده... وبصفحه وحقده ...  وبتصالحه وإنعزاله... من هذا المنطلق نقول بأنه لا يمكن لأية حركة أو حزب أو تنظيم معبر عن المجتمع يحظى بالتقدم والسير إلى الأمام والتطور فيما إذا أعتمد أصحاب هذه التنظيمات والأحزاب على الجوانب السلبية لهذه الخطوات... إنغلاق وتعالي وتعند وحقد وإنعزال إلخ... وهي مصدر الشرور في دفع الإختلافات والخلافات البسيطة إلى إستمرارها وإرتقاءها إلى مستوي تناقضات وصراعات مدمرة ليس للتنظيم نفسه بل للمجتمع أيضا. من هنا نقول لم يبقى أمام قيادة زوعا وبكلا الطرفين في الداخل والخارج إلا أن يأخذوا ولو مرة واحدة ليسجلوا بذلك سابقة تاريخية في أمتنا من الصفح والتصالح وسائل في ردع الصدع القائم حالياً في زوعا خاصة بعد فشل تقريباً كل المحاولات "العلمانية" في هذا السياق ولم يبقى أمامنا إلا طرح محاولة أخرى مبنية على مزيداً من شلاما لزوعا لمد الأيادي للصفح والتصالح حباً بهذه الأمة المبتلية بعصر زمانها. بادرنا في موضوعنا السابق المعنون "وبينما تقبع الحركة الديموقراطية الآشورية على صفيح ساخن، نقول... شــلاما لزوعا" بدعوة لعقد مصالحة بين القيادة الحالية لزوعا وأعضاءها وكوادرها المتقدمة الخارجة عنها وعلى أسس "علمانية" سياسية قائمة على عقد إجتماع بينهما من دون شروط مسبقة تتم الدعوة والتنظيم من قبل بعض من المثقفين المحبين لزوعا والموثقين بهم من قبل كلا الجانبين... ولكن كما يقول المثل فاليد الواحدة لا تصفق، فأعضاء القيادة والكوادر المتقدمة والمنقطعة عن التنظيم وافقت من حيث المبدأ على الدعوة ولكن أعضاء القيادة الحالية للتنظيم رفضت الفكرة على أسس قائمة على ضرورة الإلتزام باالسياقات السياسية والتنظيمية للحركة التي ثبتها ونظمها النظام الداخلي لزوعا. ولكن إذا كانت مثل هذه الأسس مقبولة في الظروف الإعتيادية إلا أنه من المعروف، والقيادة الحالية لزوعا أدرى منًا جميعاً بأن مثل هذه الأسس، أي الإلتزام بالسياقات السياسية والتنظيمية للحزب تتنحى جنباً وتوضع على الرفوف العالية في الظروف الإستثنائية والحرجة كما هو الحال مع زوعا في الوقت الحاضر وتصبح مصلحة الحزب والجماعة التي تمثلها أسس الأساس في التعامل مع هذه الظروف غير الإعتيادية، ولا أحد إطلاقاً يستطيع أن ينكر بأن زوعا يمر بهذه الحالة الإستثنائية والصعبة غير الأعمى والمعادي لمصحلة زوعا نفسها. فالإعتراف بهذه الحالة الإستثنائية سيكون مدخلاً للقبول مبادئ الإنفتاح والتواضع والصفح والتصالح وإرجاع زوعا إلى سابق عهدها المعروف لدى أبناء أمتنا بنضالها وتفانيها ونكران الذات من أجل المصلحة العامة للأمة.

زوعا والإنتخابات البرلمانية لإقليم "كردستان" العراق:
==============================

خلال الأيام القليلة القادمة ستجري إنتخابات برلمانية لإقليم "كردستان" العراق وقد خصص كوتا متكونة من خمسة مقاعد لأبناء أمتنا يتنافس عليها ثلاث قوائم نزلت إلى الساحة كممثلة لأبناء أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" وهي قائمة التجمع الكلداني السرياني الآشورية ممثلة لبعض الأحزاب والكيانات السياسية لأمتنا والمتحالفة تحت تسمية "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية بعد أن شذت قيادة زوعا عنها وخرجت بقائمتها المعروفة بـ "قائمة الرافدين". أود هنا تذكير القارئ الكريم بما ذكرناه قبل سنة أو أكثر عند الحديث عن هذا التجمع والمفارقات أو الخلافات التي ستحدث بين الحزب الكبير(زوعا) وبقية الأحزاب الأخرى المؤتلفة تحت هذه التجمع عندما يأتي وقت تحديد وتوزيع الإمتيازات بين أعضاء التجمع وهو أمر مع الأسف الشديد يحدث اليوم. إضافة إلى هاتين القائمتين نزلت إلى الساحة أيضا قائمة "أبناء النهرين" ألتي شكلها القياديون والكوادر المنقطعة عن تنظيم زوعا. وهنا ملاحظتين مهمتين يستوجب ذكرهما. الأولى: أن هذه القوائم الثلاث مرتبطة بشكل أو بآخر ببعضها سواء من حيث إستمرار أصحاب قائمة أبناء النهرين إرتباطهم بزوعا فكريا وعدم إنفصالهم عنها أو فصلهم بقرار من قبل القيادة الحالية أو من حيث إستمرار زوعا، ولو شكلياً، عضويته في التجمع. أما الملاحظة الثانية وهي الأهم، فمن الملاحظ بأن هذه القوائم الثلاث تتبنى في عملها السياسي والقومي التسمية الجامعة الوحدوية "الكلدانية السريانية الآشورية" وإختفاء أصحاب التسميات المنفردة، ولا نقول الإنفصالية، سواء الكلدانية منها أو السريانية أو الآشورية من الساحة السياسية وتبرير عدم خوضها لهذه الإنتخابات أو غيرها بتبريرات لا يقبلها المنطق إطلاقاً. وهذا أمر جميل جداً حيث يعكس مدى إهتمام أبناء أمتنا بمسألة جمع جميع التسميات التاريخية والحضارية لأمتنا في جبهة واحدة من أجل نيل حقوقها المشروعة في الوطن. وأكتفي بهذا القدر فالقارئ اللبيب تكفيه كلمات قليلة لفهم هذه الحقيقة الواقعية أما الأخرق فلا تكفيه مجلدات طويلة لفهم واقع أمتنا الحالي.
 
لقد سبق وأن أكدنا وفي مناسبات عديدة عدم حصر أو إحتكار الكراسي البرلمانية والحكومية لأعضاء قياديين في أحزابنا السياسية وفي نفس الوقت أكدنا على ضرورة ذهاب أبناء أمتنا إلى صناديق الإقتراع ليس حباً أو تثميناً لهذا القيادي المرشح أو الآخر وإنما أثباتاً للآخرين بوجودنا ومن حقنا في ممارسة حقوقنا السياسية في أرض الوطن ولكن " لمن تتلو مزاميرك يا أبرم شبيرا" فترشيح قيادي أحزابنا وفوزهم المؤكد لكرسي في البرلمان سائر على قدم وساق و "طوز" في مثل هذه الدعوات لأن حلاوة الكرسي أكثر بكثير من تقديم أي تنازل أو أبداء نكران الذات من أجل مصلحة الأمة. على العموم فاليوم يستمر اللهوث وراء الكراسي البرلمانية لإقليم "كردستان" ومن حق هذه القوائم الثلاث أن تطمح أو تحلم بأن تفوز إن لم يكن بجميع المقاعد الخمسة فعلى الأقل الفوز بأكثريتها. ومن الملاحظ بأن هناك نوع من الحساسية المفرطة بين هذه القوائم الثلاث خارجة عن الإطار التنافسي الإعتيادي المعروف في هذا السياق سببها قد يكون شذوذ زوعا عن سياسة التجمع أو خروج القياديين التاركين لتنظيم زوعا بقائمة مستقلة عنها ومنافسة لقائمتها "قائمة الرافدين". لا بل والأكثر من هذا تكتسب هذه الإنتخابات خاصة بالنسبة لزوعا وبكلا جناحيها أهمية قصوى والفوز بجميع أوبأكثرية المقاعد يشكل أمراً حاسماً ومهماً لأن الفوز سوف يثبت مدى شعبية كل جناح منهما حينذاك سنكون أمام صورة أوضح أكثر مما هو عليه قبل الإنتخابات. والأهمية القصوى للفوز بهذه المقاعد وتقرير شعبية القيادة الحالية لزوعا جعلتها أن تستضيف أكبر وأشهر فنانين في مجتمعنا وهما آشور بيت سركيس وعمانؤيل بيت يونان للقيام بحفلات غنائية دعما لقائمة الرافدين، وهو أمر يحدث لأول مرة فلم يحدث خلال الإنتخابات السابقة المركزية والأقليمية وهذا يعكس مدى خشية القيادة الحالية من نتائج هذه الإنتخابات.

على العموم، فالوقائع الحالية تشير وتؤكد بأن أي من هذه القوائم الثلاث يستحيل عليها الفوز بجميع المقاعد في برلمان الإقليم بل ستنال كل قائمة مقعد واحد أو أكثر. وإن حدث هذا فأنه سيشكل حالة مهمة جداً ووضعاً حاسماًً يضع الفائزين أمام مسؤولية تاريخية يحاسبهم أبناء أمتنا عند فشلهم في تحملها. فمن الضروري جداً على الفائزين عدم نقل الحساسية والجفاء والإزدراء القائمة بينهم إلى قبة البرلمان بل عليهم واجب قومي مقدس يقوم على ضرورة التنسيق والتعاون والألفة والمحبة بينهم وهم جالسون جنباً إلى جنب يمثلون أبناء هذه الأمة الذين أنتخبوهم وإلا سيصبحون أضحوكة للآخرين وسيساقون إلى محكمة ضمير  الأمة للمحاسبة والمعاقبة الضميرية. لا بل أن مثل هذا الوضع سوف يفتح الأفاق واسعة لتتصافح أيديهم خاصة بين الأعضاء الفائزين من قائمة الرافدين وزملائهم من قائمة أبناء النهرين لتكون مثل هذه المصافحة طريقاً للصفح والتصالح وفتح المجال لوضع خارطة طريق نحو مؤتمر عام يشارك فيها الجميع تلتحم لحمة زوعا فيه لتنطلق من جديد نحو آفاق جديدة وواسعة تبهر بها قلوب أبناء أمتنا، وأنا واحد منهم.
 كان قول ربنا يسوع المسيح له المجد عظيماً عندما قال:
"طوبى لصانعي السلام، فإنهم سيدعون أبناء الله" (متي: 9 : 5)

 


45


وبينما تقبع الحركة الديموقراطية الآشورية على صفيح ساخن
 نقول... شــلاما لزوعا





 
أبرم شبيرا
Burning Problem

مصطلح يستخدم في الإنكليزية للإشارة إلى مشكلة أو مسألة ساخنة وحامية الوطيس تتعدد الأراء حولها وتتناقض إلى درجة يصعب الوصول إلى نتيجة موفقة ومن ثم حل هذه المشكلة فتظل الأراء والأفكار تشتعل حولها ويحتدم الصراع بين طرفيها أو أطرافها لحين طغيان الفوضى والغوغاء إلى درجة تصل إلى إحتراق اطرافها وتلاشي مضمونها ومن ثم إنتقالها إلى دفاتر الماضي وتصبح شيء من التاريخ مالم يتعقل أطراف المسألة ويضعون المصلحة العامة فوق جميع الإعتبارات ويزيحون جانباً جزء من أراءهم ومواقفهم حتى تصل إلى الطريق العام المشترك المؤدي إلى تبريد الصفيح والخروج من أزمة الأحتراق وإحتمال التلاشي. وترجمة هذا المصطلح هو "مسألة مشتعلة" ولكن الأكثر شيوعاً وإستعمالاً في هذا الشأن هو مصطلح (على صفيح ساخن). واليوم لأن الحركة الديموقراطية الآشورية لم تشتعل وتحترق مسألتها بل هي قابعة على صفيح ساخن لا بل ساخن جداً حيث تتضارب الأراء وتتعارض الأفكار وتتصارع المواقف بين بعض من عناصر قيادتها لهم مكانتهم الخاصة سواء في إدارة دفتها وعبر مراحل طويلة وصعبة أو في مراحلها التأسيسية أو في مساهمتهم الكبيرة في العمل القومي ووضع الحركة على مطاف الحركات القومية الأصيلة لأمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" سواء أتفقنا معها أم لا، فعملها النضالي خاصة قبل سقوط الصنم في عام 2003 سجل حافل لا يتجاهله إلا المغفل والمعادي لتطلعات الأمة.

كيف نفهم زوعا كحركة قومية سياسية؟:

=======================
عندما نتكلم عن الحركة الديموقراطية الآشورية فما الذي نقصده من خلال جعلها هكذا حركة سياسية أصيلة ولها سجل حافل من الإنجازات؟ سؤال يقوديني إلى أن أذكر بإنني سمعت قبل فترة بأن بعض المغردين على تغريدهم أو في البالتوك يقولون بأن أبرم شبيرا أنقلب على زوعا وأصبح معادي لها إلى درجة وصفني البعض بـ "الكلب النابح" لا بل لجؤا أخرين إلى أساليب قذرة وغير أخلاقية وتحت أسماء مستعارة للطعن الشخصي وليس للأفكار التي أطرحها مما يدل على المستوى الفكري المنحط لهؤلاء وعوزهم الشديد للوعي القومي السياسي المطلوب في فهم الحركات القومية السياسية الأصيلة كزوعا. فعندما نتكلم أو نكتب أو نجادل أو ننتقد زوعا يجب قبل كل شيء أن نفهم ماهي زوعا: أفهي سكرتيرها العام أو قيادي أو أكثر في مكتبها السياسي أو لجنتها المركزية أو وزيرها المستوزر أو أعضاؤها في البرلمانين المركزي والأقليمي؟؟؟ أم هي القياديين السابقين والكوادر المتقدمة المعارضين للقياديين الحاليين؟؟؟ فالجواب قطعاً كلا وألف كلا. فعندما ننتقد سياسة أو سلوك السكرتير العام أو أحد قيادي زوعا أو عندما نعارض توزير أعضاء قياديين أو ترشيحهم لكراسي برلمانية فهذا لا يعني إطلاقاً بأنه يمس زوعا ويتصوره بعض المغردين بأنه معاداة لها وإنقلاب عليها. فإذا كان جانب من هذا الإنتقاد او الكتابة جزء منه إنتقاداً بناءاً غرضه ليس إلا محاولة كشف وتقويم السلوك السياسي لهؤلاء أو التنويه عنه فأن الجانب الأكبر منه يعبر عن خوفنا وخشيتنا من أن يكون لسلوك وطروحات هؤلاء وإستمراره تأثيراً على مسار زوعا الأصيل ويترك إنطباعاً سلبياً عند أبناء أمتنا خاصة عندما يشاهدون تصلب هؤلاء على كراسيهم الحزبية والحكومية والبرلمانية ولفترات طويلة وإصرارهم على مواقفهم حتى وإن كانت غير منطقية ولا تتوافق مع تطور الزمن الذي تركبه كل الحركات السياسية الفاعلة. ولما كنت أحد أبناء هذه الأمة فأنه من واجبي الضميري أن أخشى وأخاف على زوعا لأنها ثبتت خلال السنوات الماضية، خاصة قبل سقوط الصنم عام 2003، بأنها المعبر الحقيقي عن تطلعات هذه الأمة التي أنتمي إليها.

لقد سبق وأكدنا مراراً وتكراراً بأن الحركة الديمقراطية الآشورية، كحركة قومية تستمد أصالتها وشرعيتها في كونها لم تلد بقرار سياسي صرف أو كانت نتاج بحوث أكاديمية أو قرارات رجال السياسة والقانون والمعرفة، وإنما ولدت ولادة طبيعية ومن مخاض ومعاناة الأمة ومن رحمها الشرعي فهي حلقة من حلقات السلسلة الطويلة للحركة القومية السياسية لأمتنا وبناءاً مشيداً على نضال أبطال ناضلوا وأستشهدوا في سبيل هذه الأمة. فعندما يقود هذه الحركة شخص ما أو أشخاص معينين فهذا لا يعني بأنهم يملكون هذه الحركة وهي ملكية خاصة وحصراً بهم. فحالهم كحال سائق مركبة لا يملكها بل يقودها فحسب وقد يقودها بتعقل وبأنتظام ملتزماً بقوانين وأنظمة السير والمرور فيصل هو والمركبة وركابها إلى مبتغاهم بسلامة حينذاك يكون السائق موضع تقدير وتثمين من قبل الجميع. أو يقودها بتهور وإستخفاف وعربدة فيعرض الجميع هو والمركبة وركابها إلى الخطر والأضرار وربما إلى الدمار والهلاك حينذاك يتعرض السائق إلى الطرد والعقاب. هكذا يجب أن نفهم مسألة القيادة في الأحزاب السياسية والحركات القومية. واليوم يظهر بأن زوعا فعلاً هي قابعة على صفيح ساخن بفعل التضاربات والمنافسات والصراعات المحتدمة بين كوادرها المتقدمة الذين يقودون المسيرة بنوع من سياسة النعامة في وضع الرأس في الرمال معرضين هيبة ومقام هذه الحركة القومية الأصيلة الي نتائج لا أحد يحمد عواقبها غير الحاقدين والمعادين لهذه الأمة. إذن فالتعقل والمرونة ومد الأيدي الصافية أمور مطلوبة لكل من ينتمي إلى هذه الحركة تنظيمياً وفكرياً وضميرياً وإلا فعقاب التاريخ مرصاد لكل من يستمتع الجلوس على هذا الصفيح الساخن ويحرق اليابس والأخضر ويقود المسيرة إلى الهلاك. هكذا نفهم زوعا ومن يفهمها غير ذلك فهذا شأنه الخاص ومن المؤكد بأنه شأناً مخالفاً لطبيعة زوعا لا بل ومعيقاً لمسيرتها النضالية التي أرتوت بدماء أبناء أمتنا وتواصلت حتى هذا اليوم.

ماهي علاقة زوعا بالجماهير والمثقفين؟:
==========================
فعلاً سؤال جوابه مطلوب، وحتى لا يظهر بأننها نحشر أنوفنا في مسألة ونحن لسنا وحسب نظامها الداخلي من أعضاءها نقول وبالخطوط العامة ومن دون الدخول في تفاصيل تخص تنظيم زوعا بأنه لقد سبق وأن أكدنا مراراً وتكراراً بأن لكل تجمع أو تنظيم حتى يكون حزباً سياسياً بالمعنى العلمي المعروف يجب أن تتوفر فيه مقومات محدودة ومعروفة وهي، الأعضاء، التنظيم، الفكر أو الأيديولوجيا ثم السعي للوصول إلى السلطة السياسية لغرض تحقيق الأهداف. إن أمتنا بجميع مكوناتها وأسماؤها الجميلة أمة صغير وقليلة العدد من حيث النفوس في مقارنة مع غيرها من الأمم والشعوب المحيطة بها، كما وإننا  أمة "فقيرة" إقتصاديا فلا أصحاب المليارات بيننا مهتمين بشؤون وتطلعات الأمة القومية ولا تملك خزائن ومصادر من الثروات الطبيعية. زد على ذلك إننا أمة تفتقر إلى الدعم السياسي الفاعل، فلا دولة أو منظمة دولية أن إقليمية مهتمة بشؤوننا ولا من ينصت إلى صراغ أطفالنا ونساؤنا ورجالنا الذين يذبحون على أيدي الكفرة والملحدين. كما أن أمتنا يعوزها كثير الكثير من القوة السياسية والثقافية والفكرية لكي تحافظ على حضارتها العظيمة وهي مطوقة من جميع الجهات بسراق الحضارات الذين لا حضارة لهم غير حضارة هؤلاكو وتيمورلينك التدميرية. لكل هذه الأسباب والظروف الإستثنانية المطوقة بأمتنا يجعل من أحزابها السياسية وتنظيماتها القومية أن لا تستمد مقوماتها من العناصر التقليدية الأربعة المذكورة في أعلاه بل عليها أن تجد مصدر آخر لها لكي تتأهل لأن تكون فعلاً أحزاب سياسية فاعلة تستطيع ممارسة نشاطها وأدارة مهمتها بالشكل الذي يوصلها إلى تحقيق أهدافها ولو في مرحلة من مراحل مسيرتها الطويلة. وليس مصدر هذه القوة إلا في الجماهير التي تؤمن بهذا الحزب أو تلك المنظمة وتساندها في مهمتها.

من هذا المنطلق نقول بأنه مهما كان عدد أعضاء زوعا كبيرا ولها موارد مالية جيدة وتنظيم قوي ومتماسك وفكر نير وواضح ولها أيضا محاولات للوصول إلى السلطة السياسية لكن من دون جماهير هي لا شي ولا تستطيع أن تعمل شيء. فمن الذي أوصل أعضاؤها إلى كراسي الحكومة والبرلمان غير الجماهير؟؟... ومن الذي سار بالألاف وصرخ في مسيرات الأول من نيسان غير الجماهير؟؟؟... ومن الذي يفتح الباب لها، خاصة في بلدان المهجر، كالمجلس القومي الآشوري في ولاية ألينوي - شيكاغو ونادي سيفك في تورليك - كالفورنيا والإتحاد القومي الآشوري الأمريكي ومؤتمره السنوي (الكونفينشن) والنادي الآشوري في لندن غير هذه المنظمات الجماهيرية الكبيرة. فعندما نقارن قوة زوعا بغيرها من الأحزاب السياسة فإن أساس هذه المقارنة تقوم على مدى جماهيريتها وليس على شيء آخر. واليوم لا أبوح سراً عندما أقول بأن الصفيح الساخن الذي تقبع عليه زوعا جعل أن تتقلص جماهيريتها بعض الشيء، وهذه حقيقة ملموسة نلمسها نحن الذين نراها من خارج زوعا ولا يراها من في داخلها لكون التحزب المقيت يحجب الرؤية. وإذا أستمر سخونة هذا الصفيح لحد إشتعاله حينذاك ستختفي منها صفتها الجماهيرية ولا تجد لها أساس لوجودها إلا في الرماد. فمن يصر ويعاند على إستمرار الجلوس على هذا الصفيح الساخن هو من يريد تدمير زوعا ويجب عدم ألقاء اللوم على الغير كما أعتاد سياسيوا أمتنا في تبرير فشلهم.

عندما نتحدث عن الجماهير كقوة متينة وحاسمة لزوعا فلهذه الجماهير عقل وفكر يتمثل في المثقفين المرتبطين بهم وبمصيرهم ومصير هذه الأمة ويعبرون عن تطعاتهم وبمختلف وسائل التعبير المتاحة سواء بالكتابة أوالخطابة أو الشعر أو الفن... ومن هنا فأن رسالة الحزب للجماهير تصل إليهم في معظم الأحيان من خلال هؤلاء المثقفين وبالتالي ستنشأ علاقة خاصة بين المثقفين والحزب السياسي. فمن الملاحظ فيما يخص علاقة الكثير من مثقفي أمتنا بزوعا هي علاقة إيجابية وبناءة قل نظيرها في تاريخنا السياسي المعاصر فهي علاقة ملموسة لمسة اليد من خلال النشاطات الفكرية والثقافية والمواقف لهؤلاء المثقفين فيما يخص دعم وإسناد لزوعا في مسيرتها النضالية ومن دون أن ينتموا إليها تنظيمياً. وما نشاهده في بلدان المهجر حيث فسحة التعبير الحر واسعة أكثر بكثير من وطننا بأن مثل هؤلاء المثقفين أكثر عدداً وأوسع نشاطاً من أعضاء زوعا المنتمين إليها تنظيمياً. أن موضوع علاقة المثقفين بالأحزاب السياسية موضوع فلسفي طويل كان الفيلسوف والمفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي مؤسس الحزب الشيوعي الإيطالي والأب الفكري والروحي لليوروشيوعية، الذي أدانه ستالين وطرده من الأممية الثانية، أول من درس وبحث وبشكل مفصل عن هذا الموضوع ودونه في كتابيه "دفاتر السجن" و "الأمير الحديث". وكم كنت أتمنى أن يكون القارئ الكريم قد أطلع على أفكار غرامشي لكان أصبح أمر إستيعاب علاقة المثقف بالحزب سهلاً، وهو أمر نتركه لفرصة أخرى، ولكن الذي يهمنا هو أن غرامشي كان أكثر من رائع عندما أستطاع تحديد وتعريف المثقف من خلال الوظيفية الإجتماعية والفكرية التي يمارسها للجماعة أو الحزب الذي ينتمي إليه. والإنتماء للحزب عند غرامشي ليس من خلال إرتباط المثقف بالحزب تنظيمياً وإنما من خلال الوظيفة التي يمارسها لها وقد حدد غرامشي هذه الوظيفة بـ " تبرير شرعية الجماعة ومحالة إشاعة وهيمنة ثقافتها على المجتمع". فمثل هذا المثقف يعبر عن مضمون وفكر الحزب وليس عن الحزب نفسه وقيادته لهذا يرى غرامشي بأنه عندما تحدث إنشقاقات في الحزب او قيادتها فإن مثل هذا الإنشقاق لا يسرى على المثقفين الممارسين لوظيفتهم الإجتماعية والفكرية بل يظل فكر الحزب قائما من دون أن يلحق المنشقين في قيادة الحزب. اليوم بقبوع أعضاء قيادة زوعا على الصفيح الساخن والتناطح القائم بينهم ويظهر كأنه هناك إنشقاق في زوعا، ولكن من الملاحظ لم ينبرئ أي واحد من المثقفين المعرفين بدعمهم ومساندتهم لزوعا أن يميل إلى هذا الإتجاه أو ذاك إلا المنتمين تنظيمياً إلى زوعا. لا بل هناك تأكيد ملموس بأن معظم هؤلاء المثقفين العضويين يعانون كثيراً ويحترقون هم بنيران هذا الصفيح الساخن أكثر من غيرهم خاصة من بعض الذين يقبعون على الصفيح الساخن مستمتعين برقصاتهم على لهيبه وهم يحترقون ولا يشعرون به. من خلال هذه العلاقة العضوية بين المثقف والحزب (زوعا) وبسبب تصلب مواقف بعض القياديين القابعين على الصفيح الساخن يرون في مواقف هذا المثقف العضوي تجاه زوعا.. زوعا الفكر والرسالة والنضال... مواقف إنتهازية وتوافقية ... لماذا؟ لأن هؤلاء تبنى سياستهم على المبدأ الفردي الدكتاتوري ذو البعد الواحد القائل "أما أنت معي أو ضدي".

كيف نفهم الإختلافات والإنتقادات في زوعا: 
==============================
اأكثر مما ذكرناه في أعلاه عن التمييز بين زوعا كرسالة وفكر ونضال وبين قيادتها، نجده أيضا في القياديين والكوادر المتقدمة السابقين والذين بقوا تنظيمياً خارج زوعا وظلوا وعلى الدوام مؤكدين ومصرين على "زوعيتهم" وحتى إلى عدم التفكير في اللجوء إلى تأسيس حزب آخر معارض لزوعا لا بل وحتى قائمتهم الإنتخابية لإنتخابات برلمان الأقليم والمعروفة بـ "أبناء النهرين" لا تدعي بأنها تمثل حزب بل تؤكد إرتباطها بزوعا ولكن منفصلة عن عناصر في قيادتها الحالية ومختلفة عن قائمتها الإنتخابية "الرافدين". فمعارضتهم وإنتقاداتهم قائمة على "رفض لقرارات المرجعية الإدارية وليس النضالية" لزوعا كما جاء في بيانهم عن مشاركتهم بقائمة مختلفة لإنتخابات برلمان الإقليم. وحتى القيادة الحالية لزوعا لم تتجراً إلى فصل أو توجيه عقوبات إلى القياديين الخارجين عنهم بسبب إنحرافهم الفكري والسياسي وإنما كان أساس هذه العقوبات مبني على سلوكهم الفردي ومعارضتهم الشخصية للقيادة الحالية. فالمعارضة تكون قائمة على الأشخاص القياديين وسلوكهم ولا يمكن أن تقوم على فكر الحزب ونضاله المعروف... أي أن العلة هنا تبقى وتنحصر في الأشخاص وليس في فكر زوعا. من هذا المنطلق يجب أن نفرق وبوضوح بين الحزب وفكره ونضاله وبين القابعين على رأس قيادته. فالحزب يصمد ويبقى ويتواصل في حين أن الإشخاص القياديين يهتزون وينقلبون ويزولون. أما إذا وضعوا أنفسهم مكان الحزب وشخصنوه فحينذاك سيتحول الحزب إلى عصبة أو دكان فيتم خصخصته ليملكها شخص أو شخصين وهذا أمر يجب على كل المهتمين بأحزابنا السياسية وقيادييها أن يدركوا هذه المعادلة وإلا فالتاريخ بالمرصاد لهم. هكذا نفهم زوعا وأعضاؤها القياديين بكشف الحقائق وتناولها بموضوعية وبفكر نقدي وليس بالمديح والنفاق والتطبيل لهم.
نحن أمة صغيرة تحمل أرثاً تاريخياً ثقيلاً جداً و تتعايش مع واقع صعب للغاية، ولكن من جهة أخرى نحن أمة بسيطة في تفكيرها وتطلعاتها الطموحة وبالتالي فأن الإختلافات والتناقضات الفكرية والقومية تكون بسيطة بين أبناء الأمة وتنحصر هذه التناقضات في مصدرها ألأساسي وهي الكنيسة والطائفة وربما أيضا العشيرة والقرية، وهو الموضوع الذي لا يعنينا كثيرا في موضوعنا هذا رغم أهميته وخطورته على الفكر القومي. أي بعبارة أخرى نقول بأن جميع الأحزاب والتنظيمات التابعة لأمتنا تجمعهم تقريباً نفس الأفكار ولا توجد بينهم خلافات أو تناقضات فكرية أو أديولوجية، وما بينهم إلا بعض الخلافات قد تكون فردية أو فرضتها بعض الظروف أثناء الممارسة السياسية. والحالة هذه تنطبق أيضا على الجانب الداخلي لتنظيمات أمتنا. فكل الإنشقاقات التي حدثت في هذه التنظيمات لم تكن لإسباب فكرية وأيديولوجية بل في أغلبها كانت شخصية أو مبنية على مواقف سياسية معينة مرتبطة بمرحلة زمنية معينة. وزوعا مثالا على ذلك، إذ لا يوجد بين أعضاء القيادة أو بين القاعدة  خلافات أو تناقضات فكرية او أديولوجية. فقد أثبتت السنوات الماضية، خاصة قبل سقوط الصنم عام 2003. بأن قيادة زوعا وبحنكة وتفكير عميق استطاعت أن تتجاوز مراحلة صعبة وشاقة ووقوفها بكل ذكاء وفطنة على مسافة واحدة مع مختلف القوى الوطنية العراقية وتوصلها إلى إتفاقات وتحالفات رغم الإختلافات الفكرية معهم. ويبقى مبادرة وإسناد زوعا للتعليم السرياني في وطننا الحبيب أعظم إنجاز حققته لحد هذا اليوم ولا يجاريه أي أنجاز آخر ربما حتى للسنوات القادمة. لهذا السبب لم نرى في زوعا إنشقاقات فكرية و أيديولوجية وخروج أو طرد بعض من أعضاء قيادتها ومن ثم تشكيلهم لحزب أو تنظيم آخر منافس أو معادي لزوعا وإن كان "نفر" أو "نفران" من هؤلاء قد لجئوا إلى أعلان تشكيل مثل هذا التنظيم، كما كان الحال قبل سنوات عديدة مع ما كان يسمى بـ "الحركة الديمقراطية الآشورية – التيار الوطني" فأنه سرعان ما تلاشى ولم يظهر على الساحة القومية لأنه لم يكن لتنظيمهم أي أساس فكري بل كل ما كان هناك هو إختلافات شخصية مع قيادة زوعا الشرعية ولم تكن فكرية إطلاقاً، وهو الحال الذي ينطبق على بعض الأفراد سواء الذين كانوا في مراكز قيادية عليا أو أقل والذين تركوا زوعا وبدأوا بهجوم عنيف ونقد على القيادة الشرعية لزوعا ولكن مع هذا كان مصير هؤلاء إما الرجوع إلى تنظيمات زوعا مرة أخرى أو إنزوائهم في زوايا منسية في مجتمعنا. فعلى هذا الأساس نؤكد القول بأن كل الإنتقادات والخلافات ليست فكرية بل شخصية وقد تكون بعضها على إختلاف مواقف تجاه سياسة معينة أو قرار سياسي يستوجب إتخاذه من قبل القيادة ولكن لم تشكل في حينها أية خطورة أو وضع يؤدي إلى إنشقاق في زوعا. ولكن من جانب آخر نقول: أن التراكمات الكمية لا محال ستؤدي إلى تغييرات نوعية كما هو معروف في الفكر الفلسفي، لذا يستوجب الحذر المضاعف ومعالجة مثل هذه الأوضاع وحيلولتها من دون إستمرارها لفترة زمنية طويلة لأن ذلك سوف تشكل خطورة إذا أستمرت وتواصلت وتداخلت مع إختلافات أخرى إذا لم تحل بالطرق الموضوعية والممارسات الديمقراطية، وقد تتطور هذه الإختلافات وترتقي إلى خلافات وتناقضات وتصل إلى حدود الإنشقاقات وتأسيس أكثر من زوعا واحد أو إلى إنفراد فرد أو أكثر بالسلطة في القيادة والذي سيكون حتماً عاملاً خطيرا في تعثر مسيرة زوعا والوصول إلى نتائج لا تحمد عواقبها. ولا حل لمثل هذه المعضلة إلا بالأسلوب السحري المعروف بـ "الديمقراطية".   
زوعا والإنتخابات الديمقراطية:
====================
كان هناك عدة أسباب وراء إستمرار نضال زوعا بالشكل القويم وبالتالي نجاحها في تحقيق بعض من الأهداف المهمة لأمتنا خاصة قبل سقوط الصنم عام 2003، والتي جعلها في مطاف الحركات القومية الأصيلة، وأهم هذه العوامل التي تهمنا هو الأسلوب الديموقراطي الذي كانت تتبعه في الإنتخابات والقيادة الجماعية. إن أهم ما تتمتع وتتميز به الحركة الديمقراطية الأشورية منذ تأسيسها هو وجود قيادة جماعية ومدركة للتطورات السياسية والأجتماعية وفاعلة على الساحتين الوطنية والقومية وتأتي الإنتخابات الديمقراطية الفريدة من نوعها التي تمارس أثناء جلسات المؤتمر العام لزوعا في قمة المصادر التي تستمد منها هذه القيادة شرعيتها. ومن المؤكد بأن زوال أو ضعف أو أنحراف أو تشوه هذا العامل المهم الذي تتصف به زوعا سوف يؤدي إلى فقدان أو ضعف شرعية إنتخاب القيادة الجماعية وبفقدان هذه الشرعية أو ضعفها فأنه لا محال سوف تتعثر وتصبح تراوغ في مكانها ويصيبها الشلل والإنفصام عن أبناء الأمة وتطلعاتها القومية والوطنية وبالتالي الفشل والزوال... وهو اليوم الذي لا يتمناه أي من أبناء أمتنا الشرفاء والمهتمين بشؤون الأمة وبتحقيق طموحاتها القومية والوطنية.
لقد سبق وأن كتبنا عن موضوع االقيادة الجماعية لزوعا وكتبنا مقترحين ذلك لقيادة زوعا نفسها، ولا نريد التكرار هنا ولكن الذي نعنيه من القيادة الجماعية هو صنع القرار من قبل أكثرية أعضاء اللجنة القيادية وإذا أتخذ القرار من قبل عضو قيادي واحد فقط أو من يدور في فلكنه فإن ذلك هو بعينه الدكتاتورية ومصيرها المهلك معروف في تاريخ الشعوب. ولكن في كثير من الحالات تخول اللجنة القيادية أو المؤتمر العام عضواً واحداً أو أكثر لغرض تسيير القرارات وتنفيذها بمرونة وبسهولة أكثر وهذا هو الحال في معظم التنظيمات والأحزاب السياسية والحال نفسه مع زوعا واللجنة المركزية ومكتبها السياسي وسكرتيرها العام، إذ تكتسب القيادة في زوعا وسكرتيرها العام شرعيتها من الإنتخابات الحرة للمؤتمر العام المتشكل من المندوبين المنتخبين أيضا ديموقراطياً من قبل قواعد الحزب، وليس هنا أي شك في نزاهة هذه الإنتخابات مهما كانت الحملات الإنتخابية المستخدمة في الإنتخابات العامة فهي وسائل مشروعة ومعروفة على المستوى العالمي. لقد سبق وأن بينًا في مناسبات سابقة بأن إستمرار القيادة أو سكرتيرها العام لفترات زمنية طويلة قد يكون لها عواقب وخيمة على الحزب  الذي يقوده رغم الخبرات المهمة التي تكتسب ولكن من جانب آخر قد يكون لها إنعكاسات سلبية تنعكس في ظاهرة خلق "الزعيم الأوحد" او "القائد المهلم" أو الكاريزما. والكاريزماتية صورة من صور إرتباط الحزب بشخص القائد أو من يلف حوله فيتحول الأثنان، الحزب والقائد، إلى هيئة واحدة يرتبط وجود الحزب بوجود القائد وهي أخطر المراحل التي ستؤدي بالحتم في حالة إستمرارها إلى دمار الحزب وفناءه بعد تحوله إلى عصبة متكونة من  زعيم مع بعض من أنصاره المنتفعين من الوضع. لهذا السبب فإن حصر مدة تولي شخص أو مجموعة أشخاص لقيادة الحزب أو الحكومة ببضعة سنوات أمر مهم في الإستمرار والتواصل ويجعل من تناوب القيادة والسلطة شكلا مهما من أشكال الديموقراطية النزيهة.
إضافة إلى تربع القيادة أو الزعيم لفترات طويلة على كرسي القيادة كعامل في خلق ظاهرة الزعيم الأوحد أو الدكتاتور فإن لأسلوب إنتخاب القائد أو قيادة الحزب أمر آخر يساعد على خلق هذه الظاهرة. والحركة الديموقراطية الآشورية ليست مستثناة من هذا الإحتمال. فلو أخذنا موضوع أنتخاب السكرتير العام لأي حزب نرى وبشكل عام هناك طريقتان لإنتخابه، الأول: أما أن يكون عن طريق المؤتمر العام مباشرة، أو ثانيا: عن طريق اللجنة المركزية المنتخبة. فالأسلوب الأول يجعل السكرتير العام الرجل الأول ويتمتع بصلاحيات واسعة قد تغريه وتدفعه لتجاوزها لأن المانع الوحيد لمثل هذا التجاوز أو إعفاءه من مسؤولياته هو المؤتمر العام ونحن نعرف مدى إشكاليات وتعقيدات إنعقاد مثل هذا المؤتمر والفترة الزمنية المطلوبة وإمكانية السكرتير العام في التلاعب بأسلوب أو إجراءات إنتخاب المندوبين للمؤتمر العام والتأثير عليهم خلال هذه الفترة الزمنية سواء بالترغيب أو الترهيب. صحيح هناك أحزاب وأيضا دول كثيرة يتم أنتخاب زعيمهم بالطريقة المباشرة من المؤتمر العام أو من الشعب ويتمتع بصلاحيات واسعة إلا أنه بالمقابل هناك هيئات رقابية وكابحة ومؤثرة وسلسة في كبح تجاوزات الزعيم أو الرئيس وهذا ما نشاهده في معظم الدول الديموقراطية وأحزابها السياسية. أما الأسلوب الثاني في إنتخاب القائد أو الزعيم أو السكرتير العام ومن قبل اللجنة المركزية أو اللجان الإنتخابية الخاصة فصلاحيات القائد أو الزعيم تكون محددة ومراقبة من قبل اللجنة المركزية، في حالة الأحزاب السياسية، ولها صلاحيات لكبح تجاوزات السكرتير العام وربما إعفاءه من مسؤولياته.
لقد كانت زوعا في ما مضى تأخذ وحسب نظامها الداخلي بالأسلوب الثاني في إنتخابات السكرتير العام، أي كان ينتخب من قبل اللجنة المركزية المنتخبة لا بل وكانت لفترات محددة، لدورتين متتاليتن فحسب، ولكن في السنوات الأخيرة ألغيت هذه المادة والمواد المتعلقة بها في النظام الداخلي وحلت محلها مادة ... أعتقد هي المادة 14... تنص على إنتخاب السكرتير العام من قبل المؤتمر العام ولفترات غير محدودة مقلداً بذلك معظم الأحزاب العراقية التي يملكها قادتها أو زعمائها كما يملكون بيتاً يقبعون فيه ويورثونه لأبناءهم أو أقاربهم، أو دكانا يبيعون منه كلاماً منمقاً ومعسولاً في الديموقراطية والشفافية والتعددية وغيرها من الأكاذيب التي يمتلئ بها قاموس العراق السياسي في أيامنا هذه. ففي مثل هذه الحالات فأن كل التبريرات لتجاوز الصلاحيات والتمادي في إستغلال المنصب لأجل منافع شخصية ومحاولة تغطيتها بأنها قرارات الأكثرية وإن الديموقراطية كان أسلوب أصدار قرارات الحزب تكون غير مقنعة لجماهير الحزب طالما العاملين المذكورين في أعلاه: الفترة الزمنية الطويلة لبقاء القائد في مركزه وأسلوب الإنتخاب المباشر ومن دون كوابح، تشكل أرضية لخلق ظاهرة الزعيم الأوحد والتفرد بالقرارات المنصبة في المصلحة الشخصية لفرد أو مجموعة صغيرة وليس لمصحلة الحزب الحقيقية الممثلة لمصلحة الأمة نفسها. واليوم ما نراه في زوعا وهي قابعة على صفيح ساخن هو أمر ليس بعيد عن هذه الظاهرة المخيبة لأمال أبناء أمتنا... فهل من حل؟؟
         
دعوة... فهل من مستجاب؟:
================
لقد سبق وأن قدمنا بعض المقترحات المبنية على النقد البناء بهذا الشأن وبشكل مباشر إلى معظم قيادي زوعا ولكن يظهر بأن الطريق الوحيد لها كان سلة المهملات "زبالة". ومع هذا فقد قبضنا ثمناً جيداً بالمقابل تمثل في حزمة من الأهانات والتجريح الشخصي أن لم تكن صادرة من بعض قيادي زوعا فأنه كان بالتأكيد من أشخاص مقنعين بأقنعة قذرة سوداء وبأسماء مستعارة نشم منهم رائحة علاقة  مع بعض هؤلاء القياديين أو المتملقين لزوعا. ومهما يكن فإن خشيتنا وإهتمامنا بمصير زوعا وببقية أحزابنا السياسية المناضلة لا يمنعنا أن نسير قدماً ونستمر في بيان رأينا وملاحظاتنا ومقترحاتنا وإنتقاداتنا الصافية والخالية من أي مصلحة شخصية أو نفعية فردية. وقد تمنعنا حدود الأخلاق السياسية القومية والأساليب الأدبية النزيهة من كشف وبيان بعض الإنتقادات والمقترحات المقدمة لزوعا رغم أن مثل هذه الحدود قد بدأت في الأونة الأخيرة بالتخلخل وضعف أصولها وثوابتها المعروفة في قيادة الأحزاب السياسية خاصة فيما يتعلق بتسرب القرارات والإجراءات الداخلية لللجنة المركزية لزوعا إلى خارجها حيث بمجرد إقرارها نجدها بعد ساعة أو أقل على المواقع الألكترونية وهذا أمر في غاية الخطورة لأنه يدل في بعض من جوانبه ضعف التنظيم وعدم تماسك القيادة، وهذا ما أثبتته الأيام القليلة الماضية والحالية.
هناك الكثير من أبناء أمتنا الخيرين الذين يخشون ويهتمون بمصير زوعا ولا يرغبون إطلاقاً أن يروا هذا التنظيم القومي الأصيل يحترق على الصفيح الساخن فبادروا بمبادرات نبيلة إلا أنه يظهر بأنها لم تفلح كما أن ألتصاق بعض أعضاء القيادة والكوادر السابقة والحالية بـ "زوعيتهم" الصميمي جعلهم أن يقدموا مقترحات أو مشاريع للم الشمل وإعادة اللحمة إلى قيادة زوعا ولكن يظهر بأنها لاقت نفس المصير. فلوا أتاح لنا تحليلنا مجالاً للبحث عن سبب فشل مثل هذه المشاريع في لم الشمل لوجدناها في سببين: الأول: إصرار كل طرف على مواقفه والتمسك بالأفكار والمواقف التي وضعته في خانة مختلفة ومتناقضة عن الآخر. والثاني: إمتلاء حقيبة كل طرف بشروط مسبقة نشم منها رائحة إقصاء الآخر ونبذه وتخوينه بحيث يصبح محالاً على الطرف الآخر قبولها. وربما يكون هناك سبب ثالث  في أن مثل هذه التوجهات في لم الشمل والجلوس للتباحث في أمر إعادة لحمة قيادة زوعا إلى سابق عهدها المعروف في التفاهم والتكاتف تأتي أو أتت من جهة او طرف هو يمثل أو يشكل جانباً من اطراف النزاع ومثل هذا الأمر يخلق شكوك عند الآخر يصعب قبوله لمثل هذه الدعوات. من هنا ومن أجل تحقيق نتائج مثمرة من مثل هذه الدعوات وإستجابة الأطراف يجب قلب الأسباب أعلاه رأساً على عقب، أي:
1.   أن تأتي مثل هذه الدعوة من أشخاص لا علاقة لهم تنظيمياً بزوعا وتحديداً المثقفين العضويين الذين سبق الحديث عنهم لأن هؤلاء كما هو معروف لهم مكانتهم الخاصة والمحترمة لدى جميع أطراف قيادة زوعا وليس لهم أية مصلحة في هذا غير إستمرار زوعا على مسيرته المعروفة في النضال من أجل هذه الأمة والخشية من أنحرافها عن هذه المسيرة وعلى أن يتم الإشراف والإدارة لهذا اللقاء أو الإجتماع من قبلهم ومن دون تدخل الأطراف المتنازعة.
2.   على كل طرف من أطراف القابعين على الصفيح الساخن أن يأتوا إلى الإجتماع أو اللقاء وحقيبة مطالبهم وشروطهم فارغة بالتمام والكمال ولا في قلوبهم وعقلهم ووجدانهم وضميرهم إلا الوصول إلى خريطة طريق يحددون عليها محطات لتنظيم دعوة لعقد مؤتمر عام وطريقة إنتخاب اللجنة المركزية ومكتبها السياسي وبالأخص أسلوب إنتخاب السكرتير العام كما سبق وأن بيناه في أعلاه، ولا ضرر في أن تكون مثل هذه الإجراءات لفترة إنتقالية محددة.

قد يبدو للبعض بأن الإستحالة والرفض لهذه الدعوة من قبل المتنفعين من الوضع الحالي لزوعا امر مؤكد منه فلماذا هذه الثرثرة والتفلسف في هذا المسألة التي كادت أن تحترق؟؟ وقد يكون جانباً لهذا التساؤل صحيحاً ويستمد منطقيته من الواقع المؤلم والخلافات العميقة التي تصل بضعها إلى العداء الشخصي بين قيادي وكوادر زوعا، ولكن من جانب آخر أنها دعوة نابعة من ضمير كل المثقفين المعرفين بإخلاصهم ووفاءهم لزوعا وتضع القياديين لزوعا القابعين على الصفيح الساخن على المحك الفاصل بين حبهم وإخلاصهم وإنتماؤهم الضميري إلى زوعا وبين إستماتتهم لمنافعهم الشخصية الناتجة من الوضع القائم لزوعا. فبين الإستجابة والرفض لهذه الدعوة النبيلة ومن خلال هذا الموقع الكريم – عنكاوة دوت كوم – وليس من خلال كتب – سري للغاية -  سوف يعرف أبناء أمتنا حقيقة ونوايا زعماء زوعا بمختلف أطيافهم وسوف يعرفون مدى حبهم وإخلاصهم بالحق والحقيقة وبالفعل والممارسة لهذه الأمة من خلال ردودهم على مثل هذه الدعوات النبيلة.     

وأخيرا:
=========
لم يبقى إلا أن نقول:

شلاما وإبتسامة إلى زوعا الأصيل الذي عرفناه منذ ولادته ومن خلال دماء الشهداء الخالدين يوسف ويوبرت ويوخنا وفرنسيس شابو وغيرهم كثر،  وليس من خلال كراسي الحكومة والبرلمان والجلوس على الصفيح الساخن.


 


 (صورة من حمورابي فوتوغرافي – إستراليا)




46
لماذا السابع من آب يوماً للشهيد الآشوري ؟
=================================
أبرم شبيرا

يتساءل البعض لماذا  تم اختيار مذبحة سميل لعام 1933 لتكون يوماً للشهيد الآشوري في الوقت الذي هناك مئات الآلاف من الشهداء الآشوريين منذ قرون طويلة وهناك ضحايا الحرب والتشرد والفواجع أثرت وبعمق على الآشوريين سواء من حيث الكم أو الكيف وأثرت في نفسيتهم إلى درجة كبيرة خاصة أحداث الحرب العالمية الأولى وما سبقتها من مذابح وما أعقبتها من تشرد وفواجع. وهذا صحيح لا أحد يستطيع أن ينكر بأن التاريخ الآشوري زاخر بدماء شهداء المذابح التي أرتكبت بحقهم منذ قرون طويلة. لقد سبق أن نشرنا في عام 1994  كراساً عن هذا الموضوع وبينًا أسباب أو العوامل التي أدت إلى أن يكون السابع من آب يوماً للشهيد الآشوري وذكرنا فيها  بأنه كان يجب اختيار تاريخ معين ليوم الشهيد الآشوري وكان يجب أيضا أن يأتي هذا الاختيار بسبب جملة عوامل. ولكن بادئ ذي بدء الإشارة تستوجب للإشادة والتقدير للدور الكبير الذي لعبه الاتحاد الآشوري العالمي (AUA) في إقرار هذا اليوم ضمن قراراته في مؤتمر طهران عام 1970 والذي اصبح منذ عهده يوماً قومياً لجميع الآشوريين ورمزاً من رموز صمود وإصرار النضال الآشوري، وهذا القرار إلى جانب القرارات الأخرى التي أقرت المناسبات القومية الأخرى تعتبر من اعظم الإنجازات التي حققها الاتحاد الآشوري العالمي فقد كانت قرارات قومية وذكية جداً يستحق عنها التقدير الكبير. ومنذ تلك الفترة وبتصاعد الوعي القومي الآشوري توالت الاحتفالات بهذه المناسبة، خاصة من قبل الأحزاب السياسية والمنظمات القومية والأندية الإجتماعية لا بل وحتى الكنيسة بدأت تحتفل بهذا اليوم بإقامة قداديس خاصة بهذه  المناسبة  وحسناً فعلت بأدراج السابع من آب كيوم للشهيد الآشوري في تقويمها السنوي.

وإستجابة لهذا التساؤل وتعميماً للفائدة نذكر بعض من هذه العوامل وهي:

1 – العلم والشعار والنشيد الوطني ونصب الجندي المجهول وأبطال التاريخ القومي والأعياد القومية والمناسبات التراثية وغيرها، كلها رموز قومية لكل أمة من الأمم اكتمل وعيها السياسي والقومي، فالسابع من آب يوم الشهيد الآشوري يأتي ضمن هذا السياق كرمز قومي آشوري فرضته ظروف نضج الوعي السياسي القومي الآشوري وحاجة الأمة إلى هذا الرمز لإبراز هويتها القومية وأهمية الحفاظ على هذه الهوية من خلال التضحية والفداء بالدماء الزكية الطاهرة لأبناء أمتنا الآشورية .
2 – السابع من آب والمذبحة المأساوية في سميل عام 1933 هو تاريخ معاصر وقريب إلى أحداثنا القومية والسياسية المعاصرة وإلى المأساة الناجمة عن الممارسات العنصرية والشوفينية ضد الآشوريين في السنوات الأخيرة وإلى يومنا هذا. إضافة إلى ذلك فإن الكثير من أبطال الحركة القومية الآشورية عام 1933 كانوا ولا يزالون لوقت قريب أحياء يرزقون، كما أن هناك شهود عيان لمذبحة سميل لا يزال الكثير منهم يعاصرون أحداث أيامنا هذه.
3 – لأول مرة في التاريخ الآشوري تتخذ الحركة القومية عام 1933 نهجاً اكثر تمييزاً واستقلالاً من حيث الشكل والمضمون عن نهج الكنيسة والدين وإن كانت في بعض جوانبها، سيما من حيث القيادة والتنظيم ( الديني – العشائري ) لها مظاهر دينية وعشائرية، إلا إنها من حيث المضمون وضمن سياقها الزمني كانت تسعى إلى تحقيق أهداف قومية تتعلق بحق الآشوريين في تقرير مصيرهم القومي .
4 – خلال أربعة قرون الماضية من تاريخنا المعاصر نشأت أحزاب سياسية ومنظمات قومية أولت أهمية للتاريخ السياسي للآشوريين الزاخر بالبطولات والتضحيات من أجل تحقيق الأهداف القومية المشروعة فكان من الطبيعي جداً، كما هو الحال مع بقية الأحزاب السياسية للقوميات الأخرى، الاستناد إلى أحداث تاريخية تتخذ منها دروس قومية لشحذ همم الآشوريين وتطوير وعيهم القومي بشكل ينسجم مع تطلعات الأمة الآشورية. فكانت أحداث الحركة القومية الآشورية والمذبحة التي أرتكبت بحق الآشوريين في سميل ملهمة لأبناء أمتنا في استمرار وتواصل النضال القومي، فأصبح السابع من أب رمزاً من رموز التضحية والفداء عند الشعب الآشوري ومنظماته وأحزابه السياسية.
5 – وفرة وتعدد المصادر والكتب والوثائق عن الحركة القومية الآشورية عام 1933 والمذبحة التي رافقتها وباللغات التي يجيدها الآشوريون كالآشورية/السريانية والإنكليزية والعربية والفارسية، وسهولة الرجوع إليها واغتراف مضامينها التاريخية والسياسية وأبعادها القومية والإنسانية واستلهام معانيها النبيلة في الاستشهاد في سبيل الحرية لتساهم بدورها في إنماء وتطوير الوعي القومي الآشوري وبالتالي إضفاء أهمية استثنائية لمعنى الفداء والتضحية بالدماء في مسيرة التحرر القومي الآشوري. ومن الجدير بالذكر في هذا الشأن كتاب ماليك ياقو ماليك إسماعيل " لآشوريون والحربان العالميتان" وكتاب يوسف مالك "خيانة بريطانيا للآشوريين" وكتاب مثلث الرحمات البطريرك مار شمعون إيشاي "مأساة الآشوريين" والمنشور باسم مؤلف مجهول، فهذه الكتب سلطت أضواء مكثفة على تفاصيل الحركة القومية الآشورية عام 1933 والمذبحة التي رافقتها والتي كتبت بنوع يتسمها نسمات من الروح الآشورية، لذلك كان تأثيرها واضحاً في نفسية الآشوريين والذين تمكنوا من خلالها استخلاص العبر والدروس القومية وبالتالي المساهمة في إنماء وتطوير الوعي القومي السياسي للآشوريين في عصرنا الحالي. وتأتي أهمية هذه الكتب في كونها كتبت من قبل رجال عاصروا الحركة الآشورية وواصلوا النضال لفترات لاحقة واحتلوا مواقع قيادية فيها، فجاءت كصورة حقيقة ناطقة عن الضمير الآشوري الذي ذبح في سميل .
6- مأساوية مذبحة سميل ودراماتيكية أحداثها الدموية وتأثيرها بشكل عميق على نفسية الفرد الآشوري وعلى الأجيال اللاحقة من جهة، وانعكاساتها السلبية في البنية الفكرية العراقية والترسبات التي خلقت في عقلية رجال الحكم في العراق من جهة أخرى، ترتب على ذلك تبعيات سياسية وقانونية سلبية على الآشوريين، كموضوع الحصول على الجنسية العراقية مثلاً والمواقف السلبية للأنظمة المتعاقبة على السلطة في العراق تجاه الآشوريين وفي توجيه مختلف التهم والشتائم اليهم وفي اعتبارهم مجرد "عملاء أو جواسيس أن طابور الخامس للاستعمار الانكليزي"، فكان مثل هذه الممارسات السياسية والقانونية تجاه الآشوريين سبباً في خلق ردود فعل لهذا الحدث في نفسية أفراد المجتمع الآشوري لتفرز فيما بعد نوع من التمايز القومي والوطني والذي كان له أثراً كبيراً في تنامي الوعي القومي السياسي لدى الآشوريين.

هذه بعض الأسباب التي دفعت بالحركة القومية الآشورية عام 1933 والمذبحة التي رافقتها في سميل إلى مصاف الأعياد القومية لدى الآشوريين جمعاء وان يصبح السابع من آب مناسبة تتكلل حولها أرواح الشهداء الآشوريين جميعاً سواء أكانوا قبل هذه الحادثة أم بعدها، وهذا ما يمكن تلمسه أيضا من خلال القصائد والكلمات التي تلقى في هذه المناسبة حيث يكثر الحديث عن مار شمعون بارصباي ومار بنيامين وشهداء الحرب الكونية الأولى وأعوام سيفو ثم يكثر الحديث المبجل عن شهداء الأجيال المعاصرة الذين ودعنا أجسادهم في الأمس القريب واحتفظنا بأرواحهم وذكرياتهم في اجمل زوايا قلوبنا نستمد منهم العبر القومية والإنسانية في تسطير تاريخ أمتنا  في إصحاح يعتبر من اجمل إصحاحات التاريخ الآشوري ليكون بذلك وبحق رمزاً لخلود الأمة، ذلك الخلود الذي كان ثمنه دماء شبابنا الزكية وأرواحهم الطاهرة من أجل أن نستمر نحن في هذا العالم وأن يستمر أطفالنا في عالم الغد. فالسابع من آب يوم خالد، ويجب أن يكون كذلك لكل الآشوريين ولكل مؤسساتهم الدينية والقومية معاً لأنه واجب قومي وديني وإنساني لكل من تعمذ بروح القدس وأستحق أن يكون وريث الحضارة العظيمة التي أعطت للإنسانية كثير الكثير ولم يأخذ أبناؤها حتى قليل القليل!!!


47
بمناسبة الذكرى ألـ (80) ليوم الشهيد الآشوري
=========================================
كيف نفهم الاستشهاد عند الآشـوريين ؟
                                                                                                                                  أبرم شبيرا
توطئة:
هذا الموضوع هو جزء من الموضوع السابق ومكمل له ومستنبط منه الأسلوب أو المنهج في بحث ظاهرة الإستشهاد عند الآشوريين. وهنا نعيد ونكرر بأن التسمية الآشورية الطاغية على هذا الموضوع فرضته الضرورة التاريخية والموضوعية التي لا تتصادم مع التسميات التي تسمت بها أمتنا عبر تاريخها الطويل. كما سيلاحظ القارئ اللبيب طغيان الجانب الروحي والمعنوي عليه والمستمد من النسمة القومية التي أطلقنا عليها في الموضوع السابق بـ "روح الأمة". فإعتمادنا على النهج المعنوي في هذا الموضوع ليس القصد منه إلا إعطاء صورة أو هالة من القدسية لهذا اليوم الخالد لدى الفرد الآشوري.   

من هو الشهيد الآشوري؟:
الأمر المحير للمتابع في تاريخ الآشوريين هو كثرة ظاهرة الاستشهاد عند الآشوريين والمؤمنين بكنستهم المشرقية منذ أقدم الأزمنة، في الوقت الذي لم يكن لهم من ماديات الحياة شيئاً كما لم يكن لهم كيان سياسي خاص معبر عن روحيتهم ونفسيتهم ومعتقدهم يستحق الاستشهاد كسبيل للدفاع عنه أو تخليصه من الكوارث والفواجع. إذن ما هي العوامل أو الأسباب التي أودت بالآشوريين ودفعتهم  نحو الاستشهاد. وما هو الشيء الذي يستحق مثل هذه التضحية العظيمة ؟؟ . الإجابة لمثل هذه الاستفهامات التي لانهاية لها تبدأ قبل كل شيء عندما نعرف بأن معنى الاستشهاد هو التضحية بالحياة أو الموت في سبيل المعتقد أو المبدأ سواء أكان المعتقد أو المبدأ دينياً أو قومياً، فالأشوري الذي قتل في سبيل مبادئه الآشورية فهو شهيداً آشورياً ولكن الآشوري المنتمي إلى مثلاً الحزب الشيوعي العراقي وقتل في سبيل مبادئه الشيوعية فهو ليس شهيداً آشورياً وإنما شهيداً شيوعياً ونفس الحال بالنسبة للآشوري المنتمي إلى حزب كردي فإذا قتل في سبيل مبادئ حزبه الكردي فهو شهيداً كردياً وليس آشوريا. وأبناء أمتنا المؤمنين بمسيحيتهم وبكنيستهم واللذين قتلوا هم شهداء الكنيسة والأمة أيضا لأن في الأزمنة الغابرة كان الدين معياراً لتحديد إنتماء الفرد فكان من المستحيل الفصل بين كنيسة المشرق والأمة الآشورية فكلاهما مرتبطان إرتباطاً عضوياً لا إنفصال بينهما.

 من هذا المنطلق المبدئي، فأن الموت أو التضحية بالحياة في سبيل أشياء مادية لا يمكن اعتباره استشهاداً، أي بعبارة أخرى، لكي نفهم المعنى الحقيقي للاستشهاد  يتطلب وجود معتقد أو مبدأ وحتى ندرك مغزى هذا الأخير يتطلب أيضا معرفة العوامل أو الأسباب التي تدفع الفرد أو أبناء الأمة إلى التضحية في سبيل ذلك المبدأ أو التمسك به والدفاع عنه حتى الموت. فمن خلال هذه العوامل يفهم أهمية المبدأ وقوته وعمق تأثيره في نفسية  الأمة والذي استوجب ترخيص أرواح أبناؤها من اجله. وعلى العموم ومن عجالة استقراء تاريخ الآشوريين وكنيستهم المشرقية يمكن أن نستخلص منه بعض العوامل التي كانت السبب في اندفاع الآشوريين نحو الاستشهاد وهي :

1 ـ قوة الإيمان بالمبــدأ والمعتقد :
يشكل المبدأ أو المعتقد جوهر وأساس موضوع الاستشهاد، وبمدى قوة إيمان الفرد بالمبدأ بمدى ذلك يظهر استعداده للتضحية في سبيل الحفاظ عليه والدفاع عنه. هناك عاملان أساسيان يلعبان دوراً رئيسياً في مدى قوة الإيمان بالمبادئ والمعتقدات:
الأول : مصادر المبدأ والمعتقد :  إن  كل مبدأ أو معتقد لأمة معينة ينشأ من منابع معينة. فقوة أو أهمية هذه المنابع أو المصادر تنعكس في قوة المبدأ والإيمان به . فبالنسبة لمبادئ أو معتقدات الأمة الآشورية نشأت من مصدرين، الأول هو الحضارة الآشورية وبكل ما تعنيه كلمة الحضارة من سعة لها امتدادات فكرية وسياسية واجتماعية ودينية وتراثية وحتى نفسيه وهي مسائل لا يستوجبها الإطناب والتفصيل، سواء هي بحد ذاتها وبإسهاماتها في الحضارة الإنسانية قاطبة أو باعتبارها الوريث الشرعي وحامي الحضارات التي سبقتها في بلاد ما بين النهرين، لأن الحضارة الآشورية معروفة للداني والقاصي وكانت المصدر أو الأساس الذي نشأ عليه العلم المعروف بـ (علم الآشوريات – Assyriology )،  أو وجود شعور أو هاجس نفسي لدى الآشوريين بانتمائهم الحضاري إلى هذه الحضارة والذي تواصل عبر قرون طويلة سواء من خلال اكتساب مقومات هذه الحضارة وممارستها أو من خلال الوعي بهذا الإنتماء في الفترات اللاحقة. أما المصدر الثاني فهو المسيحية وبالأخص كنيسة المشرق بكل معتقداتها وتعاليمها وعاداتها التي تتداخل وتندمج اندماجاً عضوياً لا بل وتتكامل أيضا مع الجوانب القومية والاجتماعية للآشوريين. وسـر قوة الإيمان بالمبادئ والمعتقدات المنبعثة من هذين المصدرين هو عضوية ترابط أحدهما بالآخر وتكامل بعضهما للبعض. فمن الأخطاء التاريخية التي زرعها اليهود عبر التوراة وغيرها من التقاليد العبرانية والتي تناقلتها الشعوب الأخرى بما فيهم بسطاء الآشوريين، هو وجود تناقض صارخ بين الحقبتين الآشورية والمسيحية وان الآشوريين كانوا وثنيين ويعبدون عدة آله وانهم بعد اعتناقهم المسيحية هجروا وأنكروا ماضيهم الوثني وحقروه .. وغيرها من الأكاذيب التي لعبت دورها في تخلف الفكر الآشوري القومي وجموده في الفترات اللاحقة.  في الوقت الذي لو تحلينا بقدر قليل من المناهج العلمية في دراسة علم التاريخ والاجتماع وجبلت بنسائم من الروح الآشورية لعرفنا على الفور مدى ترابط المسيحية مع الحضارة الآشورية وتوافقهما، وهي مسائل سبق شرحها في مناسبة سابقة، فالمهم هو أن قوة وعظمة الحضارة الآشورية بكل جوانبها المادية الواقعية مع قدسية وسمو الديانة المسيحية والتي أطرت بالنسبة للآشوريين في كنيستهم المشرقية وبكل جوانبها الروحية والمثالية شكلتا مصادر قوية وعميقة لمبادئ ومعتقدات الآشوريين والتي تقولبت في جملة من عوامل قومية ودينية من لغة وتقاليد وتاريخ ومعتقدات وسلوكيات ترسخت وبعمق في نفسيتهم وأصبحت جزء من وجودهم بحيث وصلت عند البعض منهم إلى درجة جعلت من الحياة لا معنى لها بدونها واصبح الاستشهاد في سبيلها خير من إنكارها. وهذا هو الذي يجعلنا أن نفهم مغزى الظاهرة التاريخية في الاستشهاد ليس عند كبار رجال الدين وزعماء الأمة فحسب بل حتى عند البسطاء منهم خاصة عند النساء والبنات الآشوريات عندما كانوا في أوقات المظالم والإضطهادات يرمون أنفسهن في الوديان والأنهر والانتحار وتفضيلهن الموت على اختطافهن وسبأهن من قبل الأعداء.

الثاني : قدم المبادئ والمعتقدات واستمرار تواصلها، فقدم الحضارة الآشورية يقارب خمسة آلاف سنة مضافاً إليها تداخل قدم الإيمان الآشوري بالمسيحية الذي يقارب أيضاً آلفي سنة وما يفرز هذا القدم من تراكمات في الذكريات والممارسات والعادات والأماني المشتركة واستمرار تواصلها لقرون طويلة رغم  الفواجع والمآسي، كلها عوامل ساهمت مساهمة مباشرة في ترسيخ المبادئ والمعتقدات التي أمن بها الآشوريون. وهناك تناسب طردي بين قدم المبادئ والمعتقدات واستمرار تواصلها وبين عمق الإيمان بها والتضحية في سبيلها. فليس من المنطق والمعقول أن يؤمن إنسان إيمانا عميقاً بمبدأ ظهر لتوه أو حديث المنشأ ويستحق التضحية بالحياة والاستشهاد في سبيله.  كما وان قدم المبادئ والمعتقدات تساهم أيضا في تعميق الإيمان بها والتضحية في سبيلها من خلال فرز حالة السوابق التاريخية عبر  تواصلها واستمرارها لفترات طويلة. والسوابق التاريخية لكل مجتمع تصبح له بمثابة أعراف وقوانين ملزمة يستوجب اتباعها، وهكذا كان الحال مع الآشوريين فيما يخص الاستشهاد في سبيل المبادئ والمعتقدات والذي أصبح من إحدى السوابق التاريخية المتبعة في أسلوب المحافظة وصيانة الذات وبكل ما يتجسد فيها من مبادئ ومعتقدات. فاستشهاد ربنا يسوع المسيح، له المجد، على الصليب من اجل خلاص الإنسان شكل نقطة ارتكاز في نفسية الآشوريين للانطلاق منها كسابقة تاريخية واقتفاء أثرها في الاستشهاد من اجل المبادئ والمعتقدات فهكذا كان الحال مع مار شمعون برصباي ومار قرداغ ومار بهنام وشقيقته ساره مروراً ببقية جحافل شهداء الكنيسة والأمة بما فيهم شهداء مجازر المجرم مير بدرخان ومن ثم شهداءالحرب العالمية الأولى وعلى رأسهم أمير الشهداء مار بنيامين ومار توما أودو وآشور يوسف بيت هربوت وبرصوم بيرلي وهكذا  نفس الحال مع شهداء مذبحة سميل 1933 ومذابح أذربيجان عام 1947 ومذبحة صوريا 1969 وصولاً  لشهداء الأجيال المعاصرة : يوسف توما ويوبرت بنيامين ويوخنا إيشو، الذين اقتفوا آثار اجدادهم في الاستشهاد وفضلوا مشانق نظام البعث الفاشي على التنازل عن مبادئهم ومعتقداتهم. هكذا فمن خلال استقراء مراحل تطور التاريخ الآشوري وعلاقته بالاستشهاد يظهر بأن طبيعة كل مرحلة من مراحل هذا التطور انعكست في نوعية الشهداء، فالمرحلة المسيحية أعطت شهداء من رجال الدين مثلما أعطت مرحلة نضوج الحركة القومية الآشورية شهداء من رجال علمانيين، وهذا ما يؤكد ترابط وتواصل جميع مراحل تطور المجتمع الاشوري وبأشكاله المختلفة. وأخيرا بقى أن نقول بأنه ليس المقصود بقدم وتواصل الحضارة الآشورية والديانة المسيحية هما نفسهما استمرا كما كانا في السابق وحتى اليوم، فالمقصود بذلك هو استمرارهما وبأشكال مختلفة بما فيها أشكالها المعنوية والروحية التي تكون الإطار العام لما سميناه في السابق بالروح الآشورية ، فيكفي في هذا الصدد أن يشعر الفرد بانتمائه لهذه الحضارة وأيمانه بالمعتقد المسيحي ليتحقق التواصل والاستمرار.

2 – عمـق التناقضـات :
على الرغم من كون قوة إيمان الفرد بالمبدأ يشكل العامل الأساسي في استعداده للتضحية والاستشهاد في سبيله فانه إلى جانب ذلك هناك عامل آخر يرتبط به وهو عمق تناقض هذا المبدأ مع المبادئ والمعتقدات الأخرى المختلفةعنه والمحيطة به والتي تعايشت معها عبر تاريخ طويل. فمن المعروف أنه بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية عاش الآشوريون تحت ظل أنظمة سياسية وبين شعوب مختلفة عنهم اختلافاً حضارياً ودينياً وتاريخياً واجتماعياً وفكرياً وحتى نفسياً وسياسياً شكلت صعوبة التوافق بينهم إلى بروز تناقضات عميقة لم يكن من السهل حلها أو التوفيق بينها أو الوصول إلى تسويات مرضية تتوافق مع معتقداتهم . فالمجوسية وعبادة النار والشمس، على سبيل المثال، كديانة كانت سائدة في الإمبراطورية الفارسية كانت في تناقض صارخ مع معتقدات البطريرك مار شمعون بارصباي وعمق إيمانه المسيحي لذلك أسلم رأسه لسيف الملك شاهبور الثاني في الربع الأول من القرن الميلادي الرابع من دون أن يتنازل عن معتقداته وإيمانه. وهو نفس الحال، ولكن بأشكال مختلفة باختلاف العصور فيما يخص ماليك إسماعيل (الأول)، زعيم عشيرة تيارى العليا عندما فتح صدره وهو أسيراً ومثخن بجراح أمام سيف المجرم مير بدرخان في منتصف القرن التاسع عشر ويستشهد من دون أن يتنازل عن معتقده ويحقق مطلب هذا المجرم في تخلي ماليك إسماعيل عن دينه المسيحي ويعتنق الإسلام وتزويجه بما يرغب من نساء الكرد. وحال اليوم لا يختلف عن الأمس من حيث الجوهر والمضمون القائم على الاستشهاد في سبيل القضية والمبدأ. فالسياسات الاستبدادية للأنظمة المتعاقبة على السلطة في العراق وأشهرها محاولة نظام حزب البعث المقبور في صهر الآشوريين وإفنائهم ودمجهم في القومية العربية صورة أخرى من صور التناقض الصارخ بين معتقدات الأمة الآشورية وبين هذه السياسات والمحاولات. فمن أجل هذا الرفض تقدم أبناؤها الأبرار أمثال يوسف توما ويوبرت بنيامين ويوخنا إيشو وغيرهم من الشهداء الآشوريين الخالدين إلى الأمام مفنين حياتهم من أجل المعتقدات والمبادئ التي آمنو بها لأنها كانت بالنسبة لهم مقومات يقوم عليها أساس وجود الأمة واستمرارها. والحال لايختلف أطلاقاً في عصرنا هذا فالتناقض الصارخ بين إيمان أبناء أمتنا وكنيستنا وبين زمر الأرهاب والكفر في العراق حالة تفرض علينا أن نسجل أسمائهم وعلى رأسهم المطران الشهيد فرج رحو في سجل من الذهب لشهداء الأمة والكنيسة.

وحتى لا يتهمنا البعض بالتطرف والتجني على الواقع من خلال إبراز عمق هذه التناقضات والمبالغة فيها نؤكد بأن التأكيد الذي ذهبنا إليه لا يعني بأنه لم يكن هناك تسويات بين الآشوريين المسيحيين وغيرهم من الشعوب والحكومات التي تتبنى معتقدات متناقضة لمعتقداتهم، فمثل هذه التسويات كانت ممكنة وقائمة إلا إن النتيجة التي  يمكن استخلاصها منها كانت إما الإفناء والموت أو الذوبان في هذه الشعوب. فملايين الآشوريين ومن أتباع كنيسة المشرق ذابوا في الشعوب الإسلامية العربية والكردية والفارسية والتركية ومن جراء قبول تسويات غير منصفة بحقهم  او لاقوا حتفهم من جراء دخولهم في هذه التسويات غير المنصفة وإن القلة الباقية من هذه الملايين لحد هذا اليوم هي نتيجة لصمود وإصرار الآشوريين وقدرتهم على تقديم الشهداء من اجل البقاء والتواصل. فأحداث مذبحة المجرم مير بدرخان بحق الآشوريين في منتصف القرن التاسع عشر تؤكد ذلك، فعندما عقدت عشيرة جيلو تسوية معه بعدم مهاجمتها عاد هذا المجرم بعد أن دمر تياري العليا ومنطقة آشيتا بالكامل وقتل الألاف من أبناء العشائر الآشورية أدار سيفه نحو عشيرة جيلو فدمر قراهم ودخلوا أبناءها في سجل شهداء هذه المذبحة التي راح ضحيتها ما يقارب عشرة ألاف آشوري. والحال أيضا مع مجرمي مذبحة سميل  لعام 1933  حيث أن الآشوريين الذين ساوموا الحكومة العراقية وأيدوا تسوية قضيتهم التي فرضت عليهم نالوا من المذابح والإضطهادات والتشرد قسطاً كبيراً مثلما نال بقية الآشوريين الذين رفضوا تسويات الحكومة الظالمة. وقد صدق فعلاً الكاتب أج. لـوك في كتابه ( الموصل وأقلياتها ) عندما قال (إذا كان شعب مار شمعون - ويقصد الآشوريين-  قد فقدوا المكانة العظيمة التي كانوا يعتلوها في التاريخ فأنهم لم يفقدوا قدرتهم على تقديم الشهداء).
Harry Charles Luke, Mosul and Its Minorities, Martin Hopkinson & Co., London, 1929. P98

أن الحركة القومية الآشورية المعاصرة وبكل تنظيماتها السياسية والاجتماعية والثقافية وحتى الدينية هي مدينة لدماء الشهداء الذين أزهقت أرواحهم في آب عام 1933 من اجل استمرار وتواصل الأمة وبكل معتقداتها ومبادئها. ومن يستطيع أن ينكر بأن دماء يوسف ويوبرت ويوخنا وحتى فرنسيس وبيرس وغيرهم كانت ولا تزال وقود لمشاعل النور في دروب الحركة الديمقراطية الآشورية، باعتبارها أول حركة سياسية قومية معاصرة تقدم هذا العدد من الشهداء وتنير طريقها المزدحم بالتناقضات والتحديات المصيرية التي يواجهها شعبنا في أرض أبائه وأجداده. ولكن السؤال المؤذي جداً  الذي يفرضه حال الواقع علينا هو هل ستبقى هذه المشاعل مضيئة في دروب الحركة القومية الآشورية أم ستنطفئ بفعل تقلص بوادر التضحية من أجل مصلحة الأمة العامة وطغيان الفردية والشللية على حياتنا السياسية؟؟؟.   

ولكن ما السبيل للخروج من هذه التناقضات وتخليص امتنا من  تقديم شبابنا كقربان في سبيل استمرارها وتواصلها ؟ وأين تكمن العلة أو ما هي "الجريمة" التي اقترفها أو يقترفونها الآشوريون حتى يستلزمها إيفاء جزاؤها بدماء أبناؤهم ؟؟  إن كل هذه التساؤلات تدور حول "جريمة" واحدة يقترفها الآشوريون وهي انهم يريدون أن يعيشوا كآشوريين ومسيحيين على ارض آباؤهم وأجدادهم منعمين بحرية تحقق لهم حدود معقولة لممارسة ما يؤمنون به. ومصدر كل التناقضات وعمقها واستحفالها نحو صراعات دامية هو إصرار البعض على اعتبار هذا فعلاً جريمة ويستحق الآشوريون عليها عاقباً قوامه الموت والفناء. فمتى ما يؤمن هذا البعض بأحقية الآشوريين بهذا المطلب الإنساني حينذاك تبدأ التناقضات بالتقلص والاختفاء. من هذا المنطلق نقول طالما بأن مثل هذه التناقضات والتحديات غير موجودة أصلاً في المجتمع الآشوري في المهجر إذن فإن إمكانية الاستشهاد في سبيل القضية الآشورية غير واردة. أي ان التضحية بالحياة من أجل المعتقد والمبدأ غير واردة في هذه البلدان في حين هناك امكانية كبيرة في التضحية بالمال والجهد والوقت والمقتنيات الاخرى في سبيل المبدأ او القضية الآشورية الا انها لا تصل الى مستوى الاستشهاد لان هذا الاخير كما سبق وذكرنا هو التضحية بالحياة من اجل المبدأ او المعتقد. في حين على العكس من هذا تماماً فطالما مثل هذه التناقضات موجودة في أرض الوطن وبعضها وصلت إلى مستوى التحديات والمواجهات فأن إمكانية الاستشهاد في سبيل القضية الآشورية  واردة جداً، وهي المسألة التي يجب على الآشوريين، وبالأخص القوميين منهم وتنظيماتهم السياسية، في المهجر إن يضعوها نصب أعينهم وأن يقدروها حق تقدير ليس في السابع من آب من كل عام فحسب بل في كل يوم من أيام حياتهم .

3 – اختلال توازن الكيانات :
ما يثبت استمرار عيش الآشوريين في موطنهم الأصلي وضواحيه بعد سقوط إمبراطوريتهم هو تعايشهم في كيانات صغيرة يمارسون معتقداتهم وتقاليدهم ضمن أطر اجتماعية بعضها وصلت حتى اليوم ومنها ظاهرة الزعامة العشائرية المعروف بـ "ماليك" فهو موضوع طويل لا نريد التفصيل فيه وإنما المهم هو أن الميزة الأساسية التي تميزت به هذه الكيانات هو وقوعها في مناطق هامشية وفي أراضي تتقاطع فيها دوائر الصراع بين الإمبراطوريتين الفارسية والإغريقية أو الفارسية والإسلامية أو الإسلامية والبيزنطينية أو العثمانية والصفوية الفارسية وهكذا تعاقباً حتى العصر الحديث حيث يعيشون في مناطق التقاء الحدود العراقية التركية الإيرانية السورية. هذه الميزة جعلت من هذه الكيانات أن تتمتع بنوع من الاستقلال الذاتي وان تكون في نفس الوقت كيانات صغيرة ومعزولة وهزيلة ومهددة وعلى الدوام سواء من قبل هذه الجهة أو تلك بحيث لم يكن يستقر الاستقلال الذاتي بها مقاماً طويلا فكانت ما أن تنشأ كمنطقة أو إمارة تشكل كدويلة حاجزة بين المتحاربين حتى كانت وبعد سنوات، كثيرة أو قليلة، تزول من الوجود أو تحتل من قبل الطرف الآخر .. وهكذا. هذه الصفة جعلت من التوازن السياسي والعسكري والاقتصادي والديموغرافي مفقوداً بالتمام بين هذه الكيانات الآشورية وبين هذه الإمبراطوريات الكبيرة  وهي نفس الحالة التي جعلت من أية تسوية بين الآشوريين وبين هذه الإمبراطوريات غير مرضية لأنها كانت على حساب الآشوريين والقضاء على ما يملكونه. ولما كان الاشوريون في تلك الفترة فقراء بكل معنى الكلمة فيما يخص العالم المادي والواقعي، فلا كانت دويلتهم واسعة الأراضي أو غنية الثروات لكي يتنازلوا عنها من اجل الحفاظ علي كيانهم ومعتقداتهم ولا كانت لهم تيجان أو عروش يمكن التخلي عنها من اجل الحفاظ على حياتهم واستمرار تواصلهم، بل كل ما كان يملكونه هو حياتهم فكانت الخيار الأوحد الذي يمكن تقديمه والتضحية به في سبيل البقاء والاستمرار وتواصل معتقداتهم ومبادئهم .

ومن الضروري جداً الإشارة والتأكيد بأن المسيحية بما فيها استشهاد ربنا يسوع المسيح عليه المجد على الصليب من اجل الإنسان كمثال في التضحية بهذا العالم من اجل العالم الآخر كان له تأثيراً كبيراً وعميقاً في مفهوم الاستشهاد الآشوري واصبح موضوع التضحية بالحياة الزمنية من اجل الحياة الأبدية منهجاً في تقديم الآشوريين حياتهم قرباناً من اجل ما آمنوا به والذي ترسخ في نفسيتهم وتواصل عبر مراحل طويلة وهو المنهج الذي يفسر لنا سبب ضعف الطموحات السياسية الآشورية عبر قرون طويلة مجسدة في دولة كبيرة أو كيان سياسي مستقبل وهو نفس السبب الذي يفسر لنا أيضا لماذا لم يكن هناك حاكم أو سلطان أو دولة آشورية مسيحية في الوقت الذي كان عددهم بضعة ملايين وانتشروا في بقاع واسعة من العالم المشرقي وهي الحقيقة التي تؤكد بان العالم الزمني لم يكن يساوي شيئاً عندهم قياساً بالعالم الأبدي. هذه الرمزية في استشهاد اليسوع والتمثل به في التضحية بحياة اليوم من اجل حياة الغد أضفت أن يتأطر الاستشهاد الآشوري بهالة مقدسة وان يكتسب طبيعة ميتافيزيقية مؤثرة  في نفسية الآشوريين وفاعلة في سلوكياتهم مشكلة بذلك دافعاً قوياً لاندفاع الآشوريين نحو الاستشهاد في سبيل معتقداتهم .

من الصحيح أن نذكر بان قدسية الاستشهاد الآشوري واندفاعه نحو التضحية بحياته من اجل المعتقد في هذه الأيام ليست كما كانت في أيام مار شمعون برصباي ومار قرداغ ومار بهنام وحتى مار بنيامين وغيرهم من شهداء الحروب والمذابح والتي اكتسبت طابعاً دينياً لاهوتياً بحسب طبيعة العصر ومرحلة تطور المجتمع الآشوري، وهي حقيقة التي يجب أن نقبلها جميعاً سواء أكنًا علمانيين أم رجال دين. ولكن مع قبول هذه الحقيقة يجب أن نقبل حقيقة أخرى وهي أن تناقضات اليوم هي غير تناقضات الأمس وتحديات العصر غير تحديات الماضي، أي بعبارة أخرى لو وصلت حدة  تناقضات وتحديات اليوم إلى مستوى تقارب عما كانت عليه في الماضي لتأطر الاستشهاد الآشوري بحالة من القدسية كما كان في التاريخ، هذه التحديات التي ترتقي إلى مستوى يشعر الآشوريون فيها تعرض كيانهم القومي والديني إلى الفناء والموت المحتم لبرزت مثالية استشهاد ربنا يسوع المسيح له المجد ومار شمعون برصباي ومار قرداغ وغيرهم وتمثلت في مناضلي اليوم وهرعوا للدفاع عن معتقدات ومبادئ أمتهم  وهي الحالة التي يمكن أن نتلمسها من ظروف استشهاد بعض مناضلي الحركة القومية الآشورية في وطن الأم حيث تتصاعد التحديات والمواجهات وبتصاعدهها تتصاعد وتتحدد إمكانيات تقديس الاستشهاد الآشوري ويصبح الخيار الأوحد للحفاظ على الوجود وعلى كل المعتقدات والمبادئ التي تتجسد فيه. فعندما يهتف الأطفال الآشوريين في المسيرة الجماهيرية الضخمة في مسيرة الأول من نيسان في نوهدرا (حاليا دهوك): إما الوجود أو  الموت، فإن لهذه الصرخات إشعاعات نابعة من الروح الآشورية التي  هي نفس الروح التي كانت مبعث فهم إستشهاد الآشوريين عبر التاريخ الطويل للعلاقة القائمة بين الوجود والموت.

وإذا كنًا اليوم نبجل ونعظم الشهيد الآشوري في يومه الخالد في السابع من آب من كل عام وهو أقل ما يمكن عمله تجاه، أفليس ضميرنا أيضا يدعونا، لا أن نبجل أو نعظم، بل أن نحترم ونقدر أبناء أمتنا النجباء الذين ارتضوا البقاء والصمود على أرض الوطن وقبلوا التحديات والموجهات من اجل الحفاظ على جذورنا مغروزة وبعمق في تربتها الأصلية، لأن بقبولهم هذا يقبلون بالظروف القاسية المحيطة بهم والتحديات المميتة والتي قد تدفعهم نحو الاستشهاد في سبيل القضية الآشورية وأجرهم الأبدي، سواء في اليوم أو في الغذ، أي في صمودهم على أرض الوطن أو في تعريض حياتهم للخطر والموت، أمن وأسرع وصولاً إلى قلب وضمير الأمة والى الأجيال اللاحقة وحتى إلى خالق السماوات والأرض.

زيارة في منتصف التسعينيات من القرن الماضي لقبر يوسف توما شهيد الأمة الخالد الراقد في قرية بليجانه في أعالي جبال آشور



48


التسمية الوحدوية "الكلدانية السريانية الآشورية"
وكيفية فهم الوقائع القومية السياسية
أبرم شبيرا
    
بداية أود التأكيد بإن إستخدام التسمية الآشورية في هذا الموضوع والموضوع القادم الذي سأنشره لاحقاً عن يوم الشهيد الآشوري ونحن على عتبة الذكرى ألـ (80)، لا يعني إطلاقاً التقليل أو تجاهل التسميات التاريخية والحضارية لأمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" أو كنائسنا المبجلة وإنما ضرورات البحث التاريخي والواقعي فرضت نفسها إستخدام هذه التسمية حتى لا نحيد عن الوقائع التاريخية لهذه المجموعة التي عرفت تاريخياً وقوميا وحتى سياسياً بالتسمية الآشورية. وإنها لمناسبة هنا ونحن بصدد هذا الموضوع أن نوجه رسالة إلى المتزمتين بهذه التسمية أو تلك سواء أكانت التسمية كلدانية أو سريانية أو آشورية ونقول لهم وهم أخوتي سواء أكانوا من هذه التسمية او تلك، بأن من يريد أن يهتم بشؤون ومسائل أمتنا أو يكتب عنها أو ينخرط في نشاط أحدى أحزابنا، وهي مسائل سياسية لا جدال فيها، عليه أن يترك التزمت والتذرع إلى الأصنام الحجرية من آسد بابل والثور المجنح ويفتح عينه وسيعاً ليرى ويتمعن وبموضوعية الواقع الحقيقي لأمتنا، لأن السياسة، كما سبق وأن أكدنا مراراً وتكراراً، هي الواقع بعينه وأطرناها بمقولة "الديموغرافيا على الجغرافيا" أي الشعب على الأرض وما تعنيه كلمة (على) من ممارسات على الأرض والواقع. وقلنا أيضاً بأن السياسة هي فن الممكن وهو تعبير أيضاً متصل بالواقع الحقيقي لأن الممكن ينطلق من هذا الواقع وليس من الخيال والنحيب على الماضي، فمن يستميت من أجل الماضي وينسى الواقع هو واهم وسابح في فنجان قهوة ويحاول أن يحشر القدمين في حذاء واحد، حسب المثل الصيني. إنني كأشوري أعتز بأشوريتي إيما أعتزاز لا بل وأكثر من هؤلاء المتزمتين ولكن أختلف عنهم كما يختلف عنهم أكثرية أبناء أمتي، بأنني أنظر إلى الواقع وأجده مختلف بعض الشيء عن الماضي التليد وعن إعتزازي به ولكن ... ولكن لا يتناقض إطلاقا معه بل يكمل ويعزز أعتزازي وإيماني وبالتالي أجده السبيل الأمثل والأوحد لوحدة جميع فصائل وتقسيمات أبناء أمتي. لقد علمتنا الحركة القومية الآشورية التقليدية كثير الكثير من القيم والتجارب السياسية وأوصلت إلى جيلنا رسالتها القومية ونحن بدورنا نمجدها ونثمن تضحياتها، ولكن ما يؤسف له أنها  وبأحزابها التقليدية لم يستطيعوا أن يجمعوا تحت "مظلتهم" غيرهم من أخوتنا الكلدان والسريان، وهم الأكثرية من أبناء شعبنا، ولم تخطوا خطوة واحدة نحوالوحدة المنشودة في أهدافها لأنهم تزمتوا بالتسمية الآشورية وأهملوا بقية أبناء شعبنا أو حاولوا دمجهم عنوة في بوتقتهم. وبالنسبة للكدان أو السريان المتزمتين بتسميتهم المنفردة كان وضعهم أسوء بكثير فلم يستطيعوا أن ينزلوا عتبة واحدة نحو الساحة السياسية لأنهم وقعوا في نفس الحفرة. فالتزمت بالتسمية الآشورية المفردة خلقت ردة فعل تمثلت في التزمت بالتسمية الكلدانية أو السريانية المفردة وواقعنا الحالي يشهد بما ذهبنا إليه. والأسوء من كل هذا وذاك هو عندما يرتبط التزمت بالتحزب المقيت وبالطائفية الهدامة فنتيجتها إستمرار التشرذم وترسيخ تفتت كيان الأمة الواحدة. فبالأمس فشلت أحزاب وتنظيمات المتزمتين بالتسمية المفردة في الإنتخابات العراقية لأنها كانت بعيدة عن الواقع وبالمقابل نجحت الأحزاب والتنظيمات التي تبنت التسمية الجامعة والتوحيدية "الكلدانية السريانية الآشورية" لأنها أنطلقت من الواقع ولم تتجاهله، وهذه الإنتخابات، مهما رفضناها ولم نشارك فيها فهي المعيار الوحيد والمتاح حالياً في قياس شعبية الأحزاب. إن من لا يتعض من التجارب يظل يتعثر بالحجر مرات عديدة، والمثل يقول "الجاهل هو من يتعثر بالحجر مرتين". إن الجهل المطبق قد وصل للبعض من "مثقفينا" في رفضهم لهذه التسمية الوحدوية إلى درجة أعتبارها كتسمية لقومية جديدة لا وجود لها لا في الكون ولا في السماء وأنه تشويه لأمجاد وعظمة الآشوريين أو الكلدانيين أو السريان وهو الأمر الذي يقودنا إلى درجة أن نتصور مدى جهل هؤلاء للأمور السياسية والقومية وتعمية عيونهم عن الواقع. لا أنا ولا أحد من الملتزمين بالتسمية الوحدوية يقول أن هذه التسمية هي لقومية جديدة بل هي تسمية لنفس القومية التي ننتمي إليها جميعاً لأن كلنا نملك نفس المقومات القومية من لغة وعادات وتقاليد وتاريخ.  فإذا كنت آشورياً فأبقى آشورياً وإذا كنت كلدانياً فأبقى كلدانيا وإذا كنت سريانياً فأبقى كذلك طالما لغتنا وعاداتنا وتاريخنا وأرضنا واحدة وكلنا قومية واحدة والتسمية الوحدوية "كلدان سريان آشوريين" هي التي تأطرنا وهي سبيلاً لنيل حقوقنا في الوطن. من هذا المنطلق نؤكد، وهو نفس تأكيد معظم الأحزاب والتنظيمات القومية المتبنية للتسمية الوحدوية، بان هذه التسمية هو طرح سياسي وقانوني وواقعي ليعطي مضمون واضح عن وحدة أمتنا ووحدة أهدافنا القومية وليست تسمية قومية جديدة. وقد يكون هذا الطرح غير مرضي للبعض أو سيئاً ولكن واقع الحال يقول بأنه الأسلوب الأحسن ولا وجود لأسلوب آخر يضمن وحدتنا القومية وحقوق أمتنا في الوطن. لقد كان ونستون تشرشل محقاً عندما خسر الإنتخابات البريطانية العامة بعد الحرب العالمية الثانية وقال "الديموقراطية شيء سيء ولكن لا يوجد أحسن منها"، ونحن نقول هل يوجود أسلوب آخر أحسن من طرح التسمية الوحدوية (الكلدانية السريانية الآشورية) وقادر على أو يسعى بشكل واقعي وجدي إلى تحقيق وحدتنا ويضمن حقوقنا؟ إذا كان الجواب بنعم إذن فلينزل إلى الساحة ويثبت ذلك لا أن يستمر في التغريد ليل نهار في برجه العاجي ويتغنى بأيام زمان. لقد قيل بأن من يتمسك بالأمجاد وينسى الواقع هو التخلف بعنينه.

هذا الموضوع كان بالأساس مشروع كتابة بحث مطول تحت عنوان "كيف نفهم التسمية الوحدوية "الكلدنية السريانية الآشورية" ولكن أستوجب هنا أن نستل منه بعض السطور ونحن نكتب عن الواقع القومي السياسي لأمتنا وكيفية فهمه.  وتأكيداً لإعتزازي بإنتمائي الآشوري أكتب هذه السطور في أدناه، وهو مدخل لموضوع آخر عن يوم الشهيد الآشوري الذي سأنشره لاحقاٌ، ولكن في نفس الوقت أضيف إلى إعتزازي هذا أعتزاز أخي الكلداني بكلدانيته وأخي السرياني بسريانيته وبذلك إغني ثقافتي وفكري بمصادر آخرى لأمتي، ففي تعدد المصادر إغناء فكري وحضاري وفي التفرد إفقار وفشل، والواقع أثبت ذلك وبشكل قاطع.

==============================
يحيـر الباحث في تاريخ الآشوريين حيرة شديدة مكتنفـة بالعديد من التساؤلات حول هذا الكم الهائل والنوع المذهل للمذابح والفواجع والمآسي والتشرد والتي لم تستطيع أن تقضي عليهم قضاءاً نهائيا وتفنيهم فناءاً أبديا طيلة تاريخهم المأساوي الممتد لقرون طويلة بحيث حتى العلم، بما فيه علوم التاريخ والاجتماع والسياسة والنفس والإنثروبولوجيا وبكل مناهجها التقليدية والحديثة، تقصر أو تتعثر في الوصول إلى استنتاجات مقنعة تؤكد حقيقة تواصل الآشوريين واجتيازهم لهذا الكم الهائل والنوع المذهل للمذابح والمآسي، وهو التعثر الذي خلق حالة من الريبة عند بعض المهتزين في استقامة الحياة وخلودها كما أفرز نوعاً من الشك عند بعض العاجزين عن فهم مضامين التاريخ الآشوري ذلك لان هذه المضامين لا تكمن حقيقتها الحقـة في سطور الوثائق والمدونات التي يتعامل العلم معها فحسب وإنما هي حقائق معنوية روحية  لا تجد لها مستودعاً إلا في مزاج أو نفسية الأمة وهو ما يعرف بـ " روح الأمــة   – Spirit of Nation " وهي العلة التي تجعل الأمور صعبة في معرفة هذه الحقيقة للذين لا ينعمون بنسائم هذه الروح. وروح الأمة هو مخزون من عقليات وأمزجة وتصورات وذكريات ومعتقدات وتجارب تكونت عبر فترات تاريخية طويلة تنعكس من خلالها شخصية الأمة وتفرز أثناء التعامل معها أو ممارستها عزم الأمة وإصرارها على المحافظة عليها واستمرارها والاستماتة من اجلها. فمن دون فهم هذه الروح أو إدراك مغزى هذه الشخصية لا يمكن دراسة تاريخها دراسة وافية مستجيبة للتساؤلات المطروحة والمحيرة للباحث التاريخي والسياسي.

من هذا المنطلق، نكرر ما سبق قولنا تكراراً ومراراً ، بأن الكثير من الدراسات العلمية والأكاديمية عن تاريخ الآشوريين، رغم علميتها وموضوعيتها، فإنها افتقرت إلى الجانب الروحي والمعنوي المستجيب لمكامن نفسية الأمة الآشورية وبالتالي عجزت عن فهم الحوادث والوقائع التي جبلت بهذا الجانب الروحي فهماً صحيحاً أو تتجنب التطرق إليه وذلك بسبب طبيعته الروحية التي يعجز غير الآشوري من فهم مغزاه ومضامينه لذلك يبدو بالنسبة للبعض كهراء وعبث، لا بل وحتى كتعنت وعناد وإصرار من قبل الآشوريين، وهي نتيجة حتمية في فهم  الأمة التي لا يكتب تاريخها من قبل أبناؤها منطلقين من قاعدة كون معظم تاريخ الآشوريين مدون ومكتوب من قبل غير الآشوريين، بما تعني هذه الكلمة (غير) من نطاق واسع يشمل حتى المارقين والمناهضين والمعاديين لهم. وإذا استعرنا القاعدة المنطقية في التاريخ، والتي تقول بان التاريخ لا يكتبه إلا الأقوياء والمنتصرون أو هو تاريخ الملوك والحكام والدول والأمبراطوريات لأدركنا على الفور سبب غزارة تاريخ الآشوريين بتفاصيل دقيقة وواضحة عن عظمتهم وقوة إمبراطوريتهم قبل سقوطها لأن هم الذين كانوا يكتبون تاريخهم ويدونوه على صخور صلدة ويحفظونه للأجيال القادمة. وعلى نفس القاعدة، ولكن بشكل معكوس، نفهم سبب ضعف أو قصر أو تشويه أو قلة التفاصيل عن تاريخ الآشوريين بعد سقوط إمبراطوريتهم وزوال عوامل القوة منهم وخضوعهم لأمم وإمبراطوريات أخرى مختلفةعنهم ومن جوانب عديدة حضارية ودينية ولغوية وحتى نفسية. فالتشوهات والتحريفات في تاريخهم ما هي إلا نتيجة مباشرة من نتائج هذه القاعدة. وهكذا دواليك، حيث عاد الآشوريون مرة أخرى في الحقبة المسيحية وهم منتصرون وأقوياء  يملكون عناصر القوة التي تمثلت في قوة وعمق إيمانهم المسيحي ومن ثم بكنيستهم المشرقية بكل ما تحمله من جوانب قومية وحضارية ارتبطت بها وتوسعت مع توسعها. لهذا السبب نفهم أيضا سبب تطبع تاريخ الآشوريين في تلك المرحلة بالطابع الديني والكنسي طبقاً لمقوماتهم في امتلاك عناصر القوة الدينية والكنسية ولم تنجو من هذا الطابع الديني حتى تسميتهم القومية  (Assyrian) وأصبحت "سورايا" لها مدلول ديني - مسيحي عند الكثير. وبعد إنحسار نفوذ كنيسة المشرق وتقلص مساحتها وتناقص مؤمنيها وتحديداً في القرن الرابع عشر الميلادي بعد تحطيم تيمور خان المغولي (أطلق الآِشوريون عليه أسم تيمور لينك أو لينكا، أي تيمورالأعرج حيث كان مصاباً بالعرج بسبب سقوطه من فوق ظهر حصان في أحدى غزواته السابقة) معظم البنية التحتية الكنسية والثقافية والإجتماعية لكنيسة المشرق وإنحسار نفوذ الكنيسة ومؤمنيها في المناطق النائية والمعزولة في شمال بلاد مابين النهرين وبالتالي إفتقار الآشوريين إلى معظم إن لم يكن كل مقومات القوة كشعب له حضارة تليدة وعظيمة قادهم ذلك إلى عصور لا يمكن أن تصف إلا بالعصور المظلمة والتي خلقت أوضاع أثرت بشكل كبير على جميع مناحي الحياة فكان من نتائجها بروز معضلات وتعقيدات ومغالطات في فهم تاريخهم وكتابته بالشكل الصحيح والموضوعي والبعيد عن التخريفات والخزعبلات التي سادة العقلية الآشورية في هذه العصور المظلمة والتي أستمرت نتائجها السلبية المدمرة ووصل بعضها إلى العصور الحديثة كأفكار أو عقيدة وأعتبرالخروج عنها كفر وإلحاد.  وهكذا أستمرت هذه القاعدة وأنطبقت على كل مرحلة من مراحل تطور تاريخ الآشوريين بحيث تناسب تفاصيل كتابة هذا التاريخ تناسباً طردياً مع زيادة امتلاكهم لعناصر القوة من عدمه، وهي القاعدة التي لا تبتعد عنّا في هذه الأيام بل تنطبق علينا انطباقاً تاماً في دراسة وفهم تاريخنا القومي بكل جوانبه السياسية والدينية والاجتماعية والفكرية. واليوم واقع الحال يشهد بأن ضعفنا وإفتقارنا إلى مقومات القوة يقودنا إلى الإنحطاط الفكري وتراجع الوعي القومي نحو الإنانية والفردية والتغاضي عن الواقع والعجز عن فهمه وإستيعابه.

ولكن السؤال الملح الذي يفرض نفسه وبسرعة هو : هل تكفي روح الأمة كنعصر من العناصر الروحية في قوة الآشوريين فحسب أم هناك عناصر مادية موضوعية أخرى  يمكن أن يمتلكها الآشوريون في هذا الزمان وهم أقلية صغيرة مبعثرين في زوايا الدنيا لا حول لهم ولا قوة ولا سلطان يحكمون بواسطته دولتهم أو كيانهم الخاص ؟. فعلى الفور أجيب وأقول بملء الفم بأن روح الأمة كعنصر معنوي روحي لا يستمر إلى مدى الدهر ما لم يسنده عناصر قوة مادية وموضوعية. ويمكن حصر هذه العناصر في عنصرين : الأول، العلم  بما فيه المعرفة وما تطرحه من مناهج فكرية في توسيع مدارك ووعي الفرد. وثانياً، المال بما فيه جوانبه الاستثمارية التي تخلق عوامل اقتصادية مؤثرة في مجمل الحياة وخاصة في تثبيت ركائز الأرض والوطن. فبالنسبة لهذا العامل الثاني فالآشوريون مفرغون منه تماماً لان رجال المال في المجتمع الآشوري رغم قلتهم أو اختفاؤهم فهم بعيدون عن الاهتمامات القومية  بمختلف جوانبها المتعددة السياسية وغير السياسية أكثر من بعد السماء عن الأرض والحقائق الواقعية تؤكد هذا الجزم. أما عنصر القوة الآخر المتمثل في العلم فهو العنصر القابل للامتلاك والذي استطاع الآشوريون خلال العقود الأخيرة من امتلاكه ولا يزالون مستمرون في اقتناءه، وهي ظاهرة جيدة لها مدلولات مستقبلية يمكن استثمارها وتكريسها لصالح القضية القومية ومن خلال استخدام المناهج العلمية والأكاديمية في دراسة تاريخهم وواقعهم المعاصر. ولكن مرة أخرى تعود هذه الكلمة ( لكن ) لتطرح العديد من الاستثناءات التي تتحكم في مصير الآشوريين ومنها ابتعادهم، وبشكل عام، وتحديداً المثقفين والأكاديميين والباحثين، عن تناول دراسة تاريخهم وواقعهم دراسة علمية أكاديمية قادرة على إستخلاص نتائج ومقارنات تساهم في فهم وقائع التاريخ الآشوري فهماً علمياً صحيحا ومقنعاً. وهذا لا ينفي وجود قلة من المثقفيين الآشوريين الذين يتناولون تاريخ أمتهم وكنيستهم بدراسات علمية موضوعية تكشف الحقائق الإيجابية والسلبية للمجتمع والكنيسة. ولكن حتى هؤلاء الموضوعيين والواقعيين وفي ظل ظروف يشوبها التخلف وإنحسار الفكر العلمي النقدي لمجتمعنا لا ينجون من النقد اللاذع والتهجم الشخصي والتجريح والتكفير ليصل إلى حد التخوين والتحريم.

من هنا تنشأ المعضلة الآشورية في فهم التاريخ: غير الآشوريين يكتبون تاريخ الأمة الآشورية ويفسرونه وفقاً لمناهجهم الفكرية بعيدين عن روح الأمة ونفسيتها. وعلى العكس من هذا، فالآشوريون يمتلكون نفسية هذه الأمة ولكن لا يمتلكون المناهج العلمية في دراسة تاريخهم، وإن امتلكوها فهم بعيدين عنه وعن المسائل القومية. والمخرج الوحيد للخروج من هذه المعضلة يكمن في إمكانية تزاوج روح الأمة ونفسيتها مع المناهج العلمية والأكاديمية، أي في مدى إسهام الأكاديميين والباحثين الآشوريين في المسائل القومية، وهي مسألة ليست بالأمر السهل ويمكن حلها بالتبشير والوعض بين مثقفينا واكاديمينا وباحثينا بل هي مرتبطة  بجملة عوامل متعددة ومتنوعة تتمحور حول عامل تطور الوعي القومي الواقعي وليس الخيالي في المجتمع الآشوري بما يحمله هذا الوعي من نكران الذات والتضحية، ليس بالأرواح فحسب وإنما بالمقتنيات الأخرى للفرد أيضا مثل المال والوقت والمجهود العلمي والفكري وتكريسها في سبيل القضية الآشورية والإبتعاد عن الظواهر المقيتة كالتحزب والطائلفية والشللية والأنانية، وهي مسألة يطول شرحها ويستوجبها فرصة أخرى لتناولها. وما يهمنا في هذه السطور هو مدى إمكانية استخدام البحث العلمي الصحيح في تناول واقعة من وقائع تاريخ الآشوريين أو مفهوماً من المفاهيم السائدة فيه والتي أصبحت من الرموز المرتبطة بمسار تطور المجتمع الآشوري وبحركته القومية. والسابع من آب يوم الشهيد الآشوري، والذي اصبح ممارسة سنوية قومية هو من المواضيع التي يستوجب تناولها من خلال تزاوج البحث العلمي مع روح الأمة كمنهج متكامل في كيفية فهم هذا الموضوع وإدراك معنى الاستشهاد ومكانته في نفسية أو روح الأمة والعوامل التي كانت تدفع بالآشوريين إلى الاستشهاد. وهو الموضوع الذي سنتناوله في الذكرى الثمانين لمذبحة الآشوريين في سميل في السابع من آب عام 1933.

===================================
وأخيراً لم يبقى إلا أن أقول للقارئ الكريم بأنه إذا كان من المؤمنين بالتسمية المفردة، سواء أكانت آشورية أو كلدانية أو سريانية، ويصل هذا الإيمان إلى درجة التزمت ورفض التسميات الأخرى أو دمجها عنوة في غيرها فأنه لا محال منه سوف يرى بأن هذا الموضوع متناقض مع ما ذكرناه أعلاه في كيفية فهم التسمية الوحدوية "الكلدانية السريانية الآشورية". أما إذا كان القارئ الكريم من المؤمنين بالتسمية الوحدوية فأنه  سوف يرى بأن هذا الموضوع في التأكيد على عوامل القوة عند الآشوريين والتركيز على التسمية الآشورية هو مكملاً تماماً ومتماشياً مع ما ذكرناه في أعلاه لأن كل تاريخ الآشوريين هو تاريخ الكلدان والسريان والعكس صحيح أيضا لأننا أمة واحدة مهما كان طرحنا ومنهجنا في التعبير عن وحدتنا القومية... فالمستقبل المنظور إليه بنظرة موضوعية علمية وواقعية كفيل بأن يوصلنا إلى اليوم الذي يتوافق تماماً مضمون وحدة قوميتنا مع شكلها ومنهجها المطروح على الساحة السياسية، وللموضوع صلة في المستقبل القريب.   


49

الخامس عشر من تموز...
ولادة مطكستا وموت شاعرها الكبير نينوس آحو

                                                                                                                                أبرم شبيرا


لاشك فيه وعلى الإطلاق جميع الذين عرفوا نينوس آحو أو سمعوا أو قرأوا شعره تأثروا تأثراً كبيراً برحيله إلى العالم السرمدي وكتبوا كلماتهم القلبية المعبرة عن هذا الفقدان الكبير لمناضل وشاعر وقومي آشوري معروف على جميع المستويات القومية والسياسية والأدبية والثقافية والإجتماعية حيث كان في كل مكان من زوايا المجتمع الآشوري سواء في الوطن الأم أم في بلدان المهجر. منذ البداية أرتبط وتحديداً في عام 1960 بالمنظمة الآثورية الديموقراطية (مكستا) وهو لم يتجاوز الخامسة عشر من عمره. أستمر العمل مع مطكستا ولسنوات طويلة وبكل طاقته وجهده ووقته في تثبيت دعائمها ووضعها على مسارها القومي السياسي وضمن ظروف مأساوية وقاسية جداً إلى أن أصبح مطارداً ومطلوباً من قبل السلطات الإستبدادية في سوريا فوجد في المهجر ملجاً له ولعائلته حيث تضاعفت إبداعاته الأدبية والسياسية فكان من أقرب الأصدقاء والناشطين للإتحاد الآشوري العالمي وللحركة الديموقراطية الآشورية إضافة إلى علاقته الرفاقيه مع مطكستا ومع جميع القوميين والمثقفين.

لم يهدأ له بال وهو في المهجر رغم إحاطته بالإجواء الديموقراطية وسعة مجال عمله الأدبي والسياسي والقومي فكانت نسائم وطنه تبعث في أعماقه الشوق المميت للعودة إلى وطنه، سورية لينعم بالحياة الحقيقية كأشوري مرتبط بتربة أبائه وأجداده فوجد في بيروت منطلقاً للإقتراب من تراب وطنه وشم نسائمه العطرة والنافحة للحياة والنشاط فأستقر فيها لفترة محددة حتى أزيلت حواجز منعه من دخوله لسورية فحزم حاله مع عائلته للعودة إلى الوطن في عام 1991 ولكن قساوة الحياة وإشتداد المرض به حال دون إستمرار حياته في سورية فأضطر للعودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2002.

من المؤكد بأن معظم الذين عرفوا فقيد الأمة نينوس آحو لهم ذكريات غير قابلة للنسيان خاصة في هذه الفترة التي نودعه إلى العالم الآخر حيث تتجدد وتنشط مثل هذه الذكريات وتبرز لتبين مدى عظمة شاعرنا وأديبنا الكبير ودوره الفاعل في جميع الحقول القومية والسياسية... في لبنان وسوريا وتحديد في القامشلي عملنا سوية وشاركنا معاً في أقامة بعض النشاطات القومية والثقافية في منتصف التسعينيات من القرن الماضي خاصة التي نظمتها المنظمة الأثورية الديموقراطية... لقد كان لي الشرف الكبير ... وهنا أجدد هذا الشرف مرة أخرى وهو راقد بسلام اليوم الذي زرت فيه قريته الصغيرة (كركي شامو) القريبة من القامشلي والذي ولد فيها وتهاتفت معه وهو في مدينة حلب معبراً عن حبي وتقديري لبعض من أقاربه الصامدين في هذه القرية العريقة التي أنجبت شاعراً وقومياً ومناضلاً كبيراً أحبه الناس جميعاً.

كان الفقيد عنيداً في نضاله ونشاطه القومي وصلباً ومن دون أن تلوي قساوة الظروف السياسية والمعاشية إصراره الدائم وأن يتنحى عن الطريق الذي أختاره لنفسه فلم يقوى عليه إلا الموت ولكن حتى في مماته كان عنيداً وصلداً فلم تنتهي حياته إلا في يوم الخامس عشر من شهر تموز، اليوم الذي ولدت في عام 1957 مطكستا المنظمة التي عمل معها ومن أجلها وسيصبح أسمه ونشاطه خالداً ليس مع هذه المنظمة فحسب بل مع جميع الآشوريين الذين عرفوه وأنا واحد منهم.. الله يرحمك يا بطل أمتنا وتستحق وأنت في العالم الآخر ميداليات شرف تتراص إلى جانب ميداليات الإبداع التي نلتها وأنت في هذا العالم فهذا قليل جداً بحق العمل القومي ونتاجك الأدبي والثقافي التي تركته لنا وللإجيال القادمة... فليس لنا حيلة إلا أن نقول وداعاً يا نينوس ... ولكن ستبقى في ذاكرتنا وفي أعمالنا القومية والسياسية دائماً وأبداً.   

50

الذكرى ألـ (56) لتأسيسها: القومية والطائفية في فكر المنظمة الأثورية الديموقراطية (مطكستا)

======================================================
أبرم شبيرا
توطئة:
-----
قبل الولوج في بعض من الإفكار القومية التي تبنتها مطكستا وإستذكارها ونحن مقبلين على الذكرى السادسة والخمسين على تأسيسها، لابد من التطرق ولو بإختصار إلى بعض من المفردات المعلوماتية الخاصة بهذه المنظمة القومية والتي ربما هي مجهولة لبعض من أبناء أمتنا "الكلدانية السريانية الآِشورية" وتحديداً في العراق وبعض من بلدان المهجر وأصبحت محجوبة عنهم ربما لأسباب جغرافية وذلك لكون مطكستا تأسست في بلاد الشام وأيضاً لأسباب سياسية وذلك بسبب العلاقة المتوترة والمشحونة التي كانت قائمة بين سوريا والعراق طيلة فترات زمنية طويلة من الزمن، ولا ننسى أيضا سبباً آخر في هذا الجهل وعدم المبالاة بأهمية هذه المنظمة عند البعض إلا وهو الطائفية المقيتة التي من خلالها كان ينظر هؤلاء البعض وربما لايزالوا على نفس المنوال على أن هذه المنظمة تأسست من قبل أبناء الطائفة السريانية الآرثوذكسية ولا تهم الطوائف الأخرى في مجتمعنا. وعلى العموم سنقصر البحث في بعض من هذه المفردات المعلوماتية المهمة عن هذه المنظمة القومية عسى وأن تكون مفيدة في فهم حقيقة وواقع ونضال هذه المنظمة القومية. ولكن قبل هذا فاليوم نقف بإجلال وأحترام كبيرين لمطكستا وهي تعمل بكل ما تملك من قوة وجهد وفكر في التخفيف من معاناة أمتنا من الظروف الصعبة والمأساوية التي تمر بها سورية وتشارك مع قوى الخير والتقدمية والديموقراطية من أجل بناء وطن يسع لجميع القوميات والإديان وينعموا بالحرية والرفاهية والأمن والسلام، وليس لنا في هذه المناسبة التأسيسة لمطكستا إلا أن نتمنى لها الموفقية والنجاح في عملها القومي والوطني والإنساني.    

تأسيس مطكستا فكرياً قبل تنظيمياً:
--------------------
بسبب توفر المصادر والمراجع والكتيبات والدراسات الخاصة بمطكستا وقرأءتها بنظرة علمية موضوعية توصلت ومنذ فترة طويلة إلى قناعة بأن مطكستا إلى جانب الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) تعتبر حزباً سياسياً بكل معنى الكلمة لما لها من مقومات أساسية في تأسيس الأحزاب السياسية المعروفة علمياً ليس من حيث النظام الداخلي والأعضاء والكوادر والسعي للوصول إلى السلطة السياسية لتحقيق الأهداف والفكر أو الأيديولوجيا وإنما من حيث الخلفية التاريخية لتأسيسها والأساس الفكري والتراكمات الفكرية التي أعتمدتها ونظمتها في منظمة عرفت بـ "المنظمة الأثورية الديموقراطية" وأعلنتها في الخامس عشر من شهر تموز عام 1957.
إن مطكستا ليست حزباً سياسياً تأسس بإرادة بعض الأفراد أو بقرار سياسي من بعض المتميزين في المجتمع، بل هي ولدت ولادة طبيعية من مخاض الأمة ونشأت نشأة طبيعية ووفق قواعد مبدئية وسياسية وفكرية، فهي محصلة لجملة ظروف تاريخية وتراكمات فكرية أثمرت وتبلورت في نهايتها في تنظيم سياسي قومي. فأيديولوجيتا أو فكرها أو مبدئها نشأ خلال فترة زمنية سابقة لتأسيس المنظمة وظهورها فتجسدت في الفترات اللاحقة وطبقاً لبعض الظروف السياسية العامة والقومية الخاصة في تنظيم معين بعد أن تأتي الإرادة البشرية الواعية وتلعب دوراً متميزاً يتمثل في قراءة الظروف المحيطة بالمتجمع وفهمها وتقييمها ثم توقيت تأسيس المنظمة وظهورها رسمياً كنتيجة منطقية لتفاعل جملة عوامل فكرية وتاريخية وسياسية. فمطكستا ليست من بنات أفكار مؤسسيها ولا نتاج قرار أتخذ من قبلهم، بل تأسست فكريا قبل أن تتأسس تنظيمياً في الخامسة عشر من تموز عام 1957، فهي المحلصة الفكرية التاريخية لعقود طويلة من نضال الآشوريين وأفكار رواد الفكر القومي الآشوري وعبر سلسلة طويلة من النشاطات القومية تمتد من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مبتدئة بأسماء عظماء أمثال يوسف بيت هربوت وبرصوم بيرلي ونعوم فائق وفريد نزها وسنحاريب بالي وتنتهي عند حنا عبدلكي وشكري جرموكلي وغيرهم الذين أسسوا رسمياً هذه المنظمة. أي بعبارة أخرى أن مطكستا ولدت منذ فترة طويلة قبل أو تولد رسمياً في الخامس عشر من تموز عام 1957. وتسهيلاً للأمر يمكن تشبيه حالة تأسيس مطكستا بالحالة البايولوجية للإنسان والتحولات التي يمر بها منذ تكوينه من أبوين شرعيين بجنين ثم يمر عبر سلسلة من التحولات البايولوجية للنمو حتى يولد طبيعياً ثم بعد فترة من الزمن يتخذ أسم بعد تعميذه في الكنيسة، هكذا الحال مع مطكستا فأنها تكونت كجزء من الصيرورة القومية للأمة قبل عام 1957 ومن ثم تطورت عبر مراحل فكرية وسياسية طويلة فتعمذت في هيكلها القومي في الخامس عشر من شهر تموز وأتخذت أسم المنظمة الأثورية الديموقراطية. وهنا أود أن أكون أكثر توضيحاً ومنطقياً في هذا التطور للمراحل الفكرية لتأسيس مطكستا... ببساطة أقول أن رائد الصحافة الآشورية الشهيد يوسف بيت هربوت الذي كان يصدر مجلة "المرشد الآثوري" كان مرشداً فكرياً وقومياً لمعلم الفكر القومي الوحدوي الملفونو نعوم فائق والذي كان بدوره أستاذا ملهماً للصحفي الثائر والمفكر القومي فريد نزها الذي كان يصدر مجلته القومية تحت أسم "الجامعة السريانية" ومن الأرجنتين وعن طريق هذه المجلة أنتقل فكرها القومي الوحدوي إلى أبناء أمتنا في سورية حيث تلقاها الملفونو شكري جرموكلي الذي كان مدرساً للغة السريانية في بلدة القامشلي والأستاذ حنا عبدلكي مؤسسة مدرسة سريانية في هذه البلدة والوكيل العام لمجلة "الجامعة السريانية" في سورية فكان هاذان الأستاذان القوميان مع غيرهم من المثقفين القومين يلقون الأطفال في المدارس أناشيد عن عظمة "آثور" التي ألفها معلم الفكر القومي الوحدوي نعوم فائق خالقين بذلك القاعدة الأساسية لتأسيس مطكستا وإستمرار تواصلها حتى يومنا هذا.
إن تأسيس مطكستا في عام 1957 لم يأتي إعتباطاً وإختيارياً بإرادة مؤسسيها وإنما جاء كنتيجة لقراءتهم وبوعي سياسي كامل للظروف المحيطة بمجتمعنا في تلك الفترة وإستيعاب تأثيرها, ففي تلك الفترة تصاعد المد القومي العربي التعصبي أثناء مرحلة بداية الوحدة بين سورية ومصر ومحاولة إلغاء الوجود القومي للأخريين غير العرب ومنهم الآشوريين، فكان هذا قد خلق رد فعل لدى المجموعة الآشورية الأكثر وعياً وثقافة ومن ثم لجوءها إلى جمع كل التاريخ الآشوري والنضال الفكري والسياسي للرواد وتنظيمه في منظمة سياسية تكون الأداة التنظيمية المناسبة والأكثر توافقاً وفاعلية في مواجهة التحدي الجديد.
 

الملفونو شكري جرموكلي إستاذ اللغة السريانية وأحد مؤسسي مطكستا


الريادة السياسة لمطكستا:
---------------
من الطبيعي جداً أن يخلق إستمرار نضال مطكستا لعقود طويلة ريادة في بعض الأمور وعلى المستوى السياسي والقومي التي تفرض أهميتها الإشارة إليها والإشادة بها، ونذكر منها:
1) -  قد يكون الحزب الآشوري الإشتراكي الذي أسسه الشهيد فريدون أتورايا في بداية القرن الماضي في جورجيا (السوفياتية) أول حزب سياسي للآشوريين  في عام 1926 ولا نعرف عنه غير أنه حضر مؤتمره التأسيسي أكثر من 200 شخصية آشورية معروفة ولكن أختفى الحزب بعد إعتقال فريدون أتورايا وإستشهاده ولم نعد نعرف أو نقرأ عنه شيئاً. من هذا المنطلق يمكن أن نعتبر مطكستا أول حزب سياسي بالمعنى العلمي الصحيح عند الآشوريين لا بل وأكثر من ذلك فهو مستمر في عمله النضالي منذ تاريخ تأسيسه ولفترة أكثر من نصف قرن وحتى يومنا هذا. وهذه الريادة في الإستمرارية والتواصل لا نقارنها مع بقية الأحزاب السياسية الآشورية فحسب وإنما يمكن مقارنتها مع الكثير من الأحزاب السياسية الأخرى في منطقة الشرق الأوسط أيضا وبالتالي سنجد بأن مطكستا هي رائدة في هذا السياق.
2) – كانت مطكستا أول حزب سياسي آشوري يستطيع أن يترشح ويفوز مرشحه بمقعد في إنتخابات البرلمان السوري في بداية التسعينيات من القرن الماضي وهي سابقة لم يحققها أي حزب آشوري قبله في بلد كان يتمتع بهامش ضئيل جداً من الديموقراطية حيث لم يكن من السهل على مثل هذا الحزب طبقاً للإمكانيات السياسية والمالية والإعلامية الشحيحة للآشوريين في سورية من إستخدامها بالشكل الأمثل والنفاذ من خلالها ومواجهة التحديات للوصول إلى البرلمان. وفي السنوات اللاحقة أستمر في المحاولة ولكن الديموقراطية التي كانت منسوجة بأساليب قمعية وإستبدادية لم تتاح لها الفرصة للفوز مرة ثانية بالمقعد البرلماني.
3) -  بسبب المواقف المبدئية الثابتة لقيادي مطكستا، فهي أول حزب سياسي آشوري يتعرض بعض من عناصر قيادتها إلى الإعتقال مرتين من قبل النظام السوري ولأسباب سياسية وقومية وإنسانية ومن دون أن يزعزع ذلك مواقف المنظمة المبدئية الراسخة وإستمرت في نضالها المعهود من دون خوف أو رهبة من السلطة السياسية.
4) -  كان على مطكستا أن تعمل بحذر وبنوع من الحساسية المفرطة في نظام سياسي قائم على حكم الحزب الواحد، حزب البعث العربي الإشتراكي في سورية، وإحتكاره للسلطة والنشاط السياسي، وهي منظمة سياسية لها شعبية وجماهيرية واسعة بين أبناء شعبنا. وحتى أكون أكثر منطقياً في شعبية وجماهيرية مطكستا الواسعة، شاهدت شخصياً في عام 1997 عندما أطلق النظام السوري سراح ثلاثة من قيادي مطكستا من السجن الإستقبال الجماهيري الضخم الذي تعدى الآلاف من أبناء شعبنا في منطقة القامشلي مصاحباً بالهتافات والزغاريد والموسيقى مرحبةً بهم كأبطال قوميين لهذه الأمة في تحدي واضح لإستبداد النظام في عملية الإعتقال هذه. هذا ناهيك عن الإحتفالات الجماهيرية الضخمة والسفرات الجماعية في الأول من نيسان التي كانت بشكل أو بآخر محركة من قبل مطكستا رغم تهديدات رجال الأمن السوري التي كان يتعرض لها قادتها لعدم تنظيم مثل هذه المسيرات. والأكثر من هذا ففي الكثير من الأحيان عندما كنت أزور القامشلي في تلك الفترة وألتقي ببعض قادة مطكستا وينظمون محاضرة أو ندوة لي في "سرداب" بيت أحد القادة، كانوا خلال ساعة أو أكثر بقليل يستطيعون إستدعاء بحدود 200 شخص للإستماع للمحاضرة أو المشاركة في الندوة رغم عيون الجواسيس وكتاب التقارير الأمنية التي كان قادة مطكستا يحسبون لها ألف حساب ويعرفون كيفية التعامل معها للحد من نتائجها السلبية. أن مثل هذا التعامل الذكي لم يكن إلا نتاج قدرة مطكستا الكبيرة في التوازن بين العمل السياسي السري وشعبيتها الواسعة. فهناك معادلة طردية بهذا الشأن، فكلما زادت شعبية الحزب السياسي وكثر مفعول تأثيره كلما تقلصت سريته. والعكس صحيح أيضاً فكلما زاددت سرية الحزب السياسي كلما تقلصت فاعليته وتحددت ضمن أطر حزبية ضيفة وبالتالي تقلص في شعبيته. ومطكستا كان حزباً سياسياً سرياً أو غير مجاز رسمياً من السلطات الحكومية لممارسة نشاطه السياسي والقومي ولكن أستطاع بفعل الموازنة العقلانية بين السرية والعلنية أن يستمر في العمل القومي ويوسع جماهيريته رغم سريته الحزبية وعدم إجازته رسمياً.
5) -  صحيح أن قادة مطكستا تعرضوا إلى الإعتقال مرتين، ولكن مع هذا السؤال يفرض نفسه وبقوة، وهو كيف أستطاعت مطكستا في الفترات اللاحقة أن تفلت من جبروت وقسوة القوى الأمنية والبوليسية لنظام يحكمه حزب واحد وهي حزب سياسي يقوم بمثل هذه النشاطات السياسية والقومية ويمتلك شعبية واسعة ليست ضمن نطاق وهيمنة سلطة وفكر هذا الحزب الواحد الحاكم؟. منذ تأسيس مطكستا كانت رائدة من بين معظم الأحزاب السياسية في سورية في قدرتها على الربط بين أهدافها القومية والوطنية وبشكل متناسق ومن دون أي تعارض او تناقض بينهما. فمطكستا لم تكن حزباً سياسياً قومياً أشورياً فحسب وإنما كانت أيضا حزباً وطنياً سورياً. لذلك فإن ممارسته للنشاطات القومية لم تكن تتعارض مع المبادئ الأساسية للوطنية السورية. فبالإضاةفة إلى شعبيته الواسعة بين أبناء امتنا كانت له علاقات طبية ومتفاهمة مع بقية الأحزاب السياسية السورية غير حزب البعث السوري. وهنا يجب أن لا نهمل عامل سياسي آخر "خارجي" ساعد مطكستا على إستمرار نشاطها القومي وتجاوزه لقبضة رجال الأمن والسلطة. فضمن هذه الشعبية الواسعة لمطكستا كان مستحيلاً الإبقاء على سرية تامة على نشاطاته القومية فلابد كان يصل إلى عيون وأذان السلطة ولكن يظهر بأن رجال الأمن والسلطة كانوا يغضون النظر عنها ربما لسببين، الأول: في كون هذه النشاطات ضمن الخطوط الحمراء غير المهددة للسلطة والنظام. والثاني: التغاضي عنها لا حباً بمطكستا أو بالآشوريين وإنما خوفاً من توسع نفوذ الكورد في المنطقة المهدد للطبيعة القومية العربية للنظام السوري.
6) -  كان من الطبيعي جداً أن تخلق التسمية "الأثورية" للمنظمة حساسية مفرطة بين طوائف كنيسة المشرق في سورية وخاصة الكنيسة السريانية الأرذوكسية بإعتبارها أكبر الكنائس المشرقية في سورية من جهة وكون معظم قادة وأعضاء مطكستا من أبناء هذه الكنيسة. لا بل وأكثر من هذا، لقد سمعت شخصياً من بعض أبناء كنيسة المشرق الآشورية يقولون "لماذا تتسمى مطكستا بالتسمية الأثورية وتتدخل في شؤون الآشوريين وهم سريان"؟. لقد عملت مطكستا في ظروف طائفية صلدة طاغية على مجتمعنا وواجهت تحديات من مختلف طوائف كنيستنا المشرقية بسبب تسميتها الأثورية ولكن الحق يقال رغم المعوقات التي تسببتها هذه التحديات الطائفية إلا أن بجهودها المضاعفة إستطاعت أن توازن وتناغم بين نشاطاتها القومية والسياسية و إنتماءاتها لهذه الطائفة أو تلك بحيث تمكنت من أن تخلق شعوراً عاماً بأنه ليس هناك أي تعارض أو تناقض بينهما فأطمئن الكثير من رجال الكنيسة إليها بأن عملها القومي هو إضافة أو سند لوجود الكنيسة رغم بقاء مثل هذا الشعور ضمنياً عند بعضهم ربما بسبب إعتباره نوع من تدخل رجال الدين في السياسة والمسائل القومية. وهنا أتذكر لقائي الشخصي مع قداسة مار أغناطوس زكا الأول عيواص بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس في عام  1997 في دمشق أثناء إعتقال ثلاثة من قادة مطكستا الذي كان يبذل جل جهده لإطلاق سراحهم حيث ذكر لي جواباً على سؤالي فيما إذا كان قداسته يعمل لإطلاق سراحهم فقال "كنت في في ألمانيا للعلاج عندما سمعت خبر أعتقالهم ...هؤلاء أبنائي كيف لا أساعدهم لإطلاق سراحهم"؟.              

لماذا الأثورية ؟

 ==========
لماذا تسمت مطكستا بالتسمية الآثورية وليس بالآشورية أو السريانية أو الكلدانية أو الأرامية أو بالتسميات الحضارية المتعددة لأمتنا؟؟ سؤال وجيه ومنطقي للذين ليس لهم إلمام بتاريخ تأسيس مطكستا وفهمهم للتسميات المتعدد لأمتنا ولكن في نفس الوقت الجواب بسيط لمن يلم بتاريخ هذه المنظمة والخلفية الفكرية والتاريخية لها. أن مؤسسي مطكستا ومعظم أعضاءها هم أبناء وأحفاد آشور بيت هربوت ونعوم فائق وفريد نزها وغيرهم من رواد الفكر القومي في مجتمعنا. كان هؤلاء جميعاً يستعملون التسمية الأثورية في عملهم القومي منطلقين من كونها تسمية تاريخية حضارية لأمتنا وقد ورثوا الأبناء والأحفاء هذه التسمية من أجدادهم وأستعملوها كهوية قومية لهم. ولكن أستعمالها لم يكن في نطاق ضيق ومشدد وبأصرار على التمسك المطلق بها دون غيرها من التسميات الأخرى لأمتنا. فمنذ الرواد الأوائل وخاصة نعوم فائق وفريد نزها نرى بأنهم كانوا وعلى الدوام يستخدمون تسميات مركبة لأمتنا كقولهم "الأمة الكلدانية السريانية الآشورية" وأحياناً الأمة السريانية الأرامية الآشورية وهكذا حيث كانوا يعرفون بأن هذا التعدد في التسميات التاريخية والحضارية هو إغناء لحضارة وتاريخ وواقع أمتنا. وجرياً على أفكار هؤلاء الرواد لم يكن لمطكستا تعصباً مشدداً للتسمية الأثورية بل كانوا يجدون في كل التسميات إضافات حضارية وفكرية لنشاطاتهم القومية ولا يتعصبون لهذه التسمية أو تلك. وما مشاركتهم الفعالة في مؤتمر بغداد عام 2003 وتبنيه التسمية المركبة لأمتنا إلا دليل على ذلك، والأكثر من ذلك فاليوم تشارك مطكستا ضمن "كتلة السريان الآشوريين" في المجلس الوطني السوري واضعة خلاص أبناء أمتنا في الوطن السوري من المعاناة والقهر الفكري والسياسي في مقدمة أولوياتها من دون إي إعتبار لهذه التسمية أو تلك.
وهنا يجب التذكير مرة أخرى بأن الحزب السياسي مهما كان أسمه أو صفته فهو أداة لتحقيق أهداف معينة ليس بالضرورة أن تتطابق مع تسميته، وهذا موضوع سبق وأن فصلنا عنه تفصيلاً في مناسبة سابقة. فأثورية مطكستا لا يمنعها إطلاقاً من العمل لتحقيق أهداف أمتنا مهما كانت تسميتها مفردة أو مركبة فهويتها القومية معروفة بلغتها وتاريخها وعادتها وغيرها من المقومات القومية التي لا تتغير بتغير التسميات. وأخيراً أود أن أضيف معلومة بسيطة للذين لا يدركون حقيقة الأمر في سورية، حيث أن التسمية "الآشورية" في سوريا رسمياً تخص أبناء كنيسة المشرق الآشورية فقط لذلك جاء إستمرار التسمية الأثورية لمطكستا لتخرج من هذا الأطار المحدد للتسمية الآشورية ضمن كنيسة معينة.  


صورة مع بعض من قيادي مطكستا (من اليمين: بشير سعدي، أبرم شبيرا، سعيد لحدو وكابي موشي) أمام كنيسة أحدى القرى السريانية  في محافظة الحسكة – سورية، منتصف التسعينيات من القرن الماضي.
============================
القومية والطائفية في فكر مطكستا:
-------------------------
كانت مطكستا قد أعد بحثاً علمياً مسهباً في الفكر القومي للمنظمة ومبادئها وسياساتها تجاه مختلف القضايا المهمة لأمتنا، وهي دراسة تتكون من 111 صفحة  يظهر بأنها أعدت منذ عقود ونشرت على نطاق محدود وكنت محظوظاً أن أنعم بكرم شعبة أوربا الوسطى للمنظمة الآثورية الديموقراطية في ألمانيا وأستلم نسخة منها مشكوراً. فجميع المواضيع المدروسة في هذا البحث لها أهمية قصوى لكل مهتم بشؤون هذه الأمة وهو بحيث يستوجب أن يطبع على شكل كتاب وينشر على نطاق واسع لغرض تعميم فائدته. وسأحاول هنا أن أستل من هذه الدراسة بحثاً معيناً تحت عنوان (القومية والطائفية في المفوم الأثوري) وسأسردها كما هي دون تغيير ثم بيان بعض من مداخلاتي البسيطة عنها:
 
"إن التاريخ القومي للشعوب عبارة عن مراحل تكون كل مرحلة متقدمة عن المرحلة الأخرى التي سبقتها لأنها تتضمن الحلول للتناقضات السائدة في تلك المرحلة فتكون أكثر تناسبا ٌوأقل تناقضاً. فالولاء العائلي كان المسيطر في البداية وحل محله الولاء القبلي بعد أن أصبح الولاء العائلي لا يتناسب ومتطلبات العيش المتطورة فأصبح الولاء القبلي أكثر تناسباٌ. فالولاء القبلي جاء نتيجة تطور الولاء العائلي فهو أشمل منه وأعم وأكثر ملائمة للواقع إلا أنه لم يلغيه بل أحتواه وأستفاد من الجوانب الإيجابية فيه وخلصه من جوانبه السلبية التي لم تعد تتناسب مع المرحلة الجديدة. والولاء القبلي قد يكون مناسباً لمرحلة معينة إلا أنه يصبح متأخراً عن مرحلة أكثر تطوراً فيخف الولاء القبلي ليفتح المجال إلى روابط أقوى منه وأشمل وأكثر تناسباٌ للواقع فيحل الولاء القومي محل الولاء القبلي. فالولاء القومي أشمل وأكثر تطوراً إلا أنه لم يلغيه بل أستفاد من الجوانب الإيجابية فيه وسخرها للمصلحة القومية وتخلص من الجوانب السلبية التي أصبحت لا تتناسب والمرحلة الحالية إلا أن تطور المراحل التاريخية التي مر بها شعبنا تطورت من الولاء العائلي إلى الولاء القبلي إلى المملكة المتمثلة بالمدينة إلى بداية مرحلة الولاء القومي التي كانت تحتاج لفترة زمنية طويلة لتتعزز وتترسخ إلا أن تدخل الغزاة المستعمرين وضع حداً لهذا التطور القومي الطبيعي وأحدث ردة رجعية في البناء القومي لشعبنا فأوقف هذا النمو إلى حين ثم عمل معول الهدم والتخريب في بناءه القومي فكانت السقطة الكبرى أبان إنقسامه إلى طوائف ومذاهب مختلفة ومتصارعة، فحل الولاء المذهبي المنقسم والرجعي محل الولاء القومي الموحد والمتقدم فكانت نكسة كبيرة في تاريخ شعبنا أدت إلى ضعفه وإنقسامه وعدم تماسكه وجعله عرضة لكل غاز دخيل ينهش بالمجتمع على هواه إلى أن أوصله إلى واقعه المؤسف هذا حيث يعيش حالة الإنقسام والتخبط لا يعرف هويته ولا يملك أسباب إجتماع شمله وردم الهوة التي تفصل بين إقسامه المجزأة والتي من الصعب ردمه. وفي عصر القوميات وبروز الهوية القومية لكل الشعوب نجد شعبنا متخبطاً لا يعرف هويته فأعمت الطائفية بصيرته فعجز عن إكتشاف قوميته التي تتطلب نوعا من الوعي والتحرر لإكتشافها.
نجد أبناء الشعب الواحد عاجزين عن إزالة الحواجز التي تفرقهم وتضح حداً بينهم وبين إمكانية وضع الحلول المناسبة للمشاكل الكبيرة الواقعة مثل مشكلة الكرامة والوجود التي يعانون منها أشد العناء ذلك لأن الإنتماء القومي مرحلة متقدمة عن الواقع الطائفي الذي نعيشه، وإجتياز مثل هذه المرحلة الرجعية إلى مرحلة متقدمة وموحدة في ظروف قاسية كالتي يعيشها شعبنا تحتاج لجهد كبير وعناء أكبر بل إلى عون كبير من قوى الخير والإنسانية. فشعبنا يعاني من مختلف الضغوطات، من الإنقسامات المذهبية إلى فقدان الشعور بالإنتماء إلى اللامبالاة القومية إلى فقدان اللغة القومية إلى الصراعات التي تتخبط بدون هدى إلى مشاكل العصر الحديث الذي يمتص قدرات الشعوب إلى الغزو الثقافي الرهيب، كل هذا أتاح المجال لقوى الشر والمسيئين والطفيليين لإلحاق مزيد من الأضرار وكثير من الإساءات وتحقيق مزيد من المصالح الخاصة على حساب مصير الشعب ووجوده وقوميته.
والحركة الآثورية بإعتبارها حركة قومية تناضل من أجل بناء القاعدة المتينة للمرحلة القومية التي تحل محل الولاء المذهبي المنقسم، لا تجد حل الواقع كامناً لا في نظرة المثاليين الذين يرتفعون عن الواقع بكل سلبياته ويحاولون تجاوزه لا بل القفز على كل مخلفات الماضي البعيد وتأثيراته الواقعة وبضحون بالتماسك والوحدة ويتأففون من هذا التخبط الموجود كما لا تجد الحل في نظرة الطائلفيين الضيقة الذين لا يستوعبون الفكرة القومية ويعملون على خلق الصرعات التي تزيد في الواقع سوءاً، إنما تجد حل الوضع يكمن في دراسة الواقع بموضوعية ووضع الحلول المعقولة والمناسبة وفتح المجال أمام القوى الإنسانية التي يجب أن تعوض على هذا الشعب بعض الدعم والإمكانيات لمساعدته في بناء حياته من جديد ليعود ويلحق بركب الحضارة الإنسانية التي حال عوامل القهر والظلم والإستبداد دون اللحاق به. فالدعوة القومية التي تبنتها الحركة الآثورية خلقت صراعاً جديداً في مجتمعاتنا الطائلفية هذه والتي كانت تعاني من الإنحلال وكانت تسير في طريق الإندثار لضعف الروابط المذهبية القائمة وعدم مناسبتها والعصر الذي نعيش فيه، فكان لا بد من إضافة روابط جديدة ومتقدمة تكون أكثر تناسباٌ وتحافظ على وجود شعبنا الذي قاوم الإبادة حتى اليوم. وطبيعي أن توقظ هذه الدعوة إحساس الجماهير وتفتح عيونها على واقعها المؤلم لتجد المسيئين والطفيليين والمستفيدين من إستمرار حالة الضياع هذه، فأخذت تنتقد وترفض العلاقات القائمة والرجعية والتي تفتح المجال لكل طامع أن يتخذ من هذا الشعب فريسة ينهش بجسمها على هواه ولكن القيمين على الوضع أحسوا بخطورة الدعوة الآثورية وخافوا على مصالحهم القائمة، فأعلنوا الحرب بدون هوادة مستغلين كل السبل التي قد يستفيدون منها في ضرب هذه الحركة القومية وخنقها في المهد، فحدث صراع حاد بين التقدمية القومية المتمثلة بالآثوريين والرجعية اللاقومية المتمثلة بأصحاب المصالح غير المشورعة.
فالآثوريون يرفضون العلاقات السائدة في الواقع وأساليب الأدارات والمؤسسات القائمة ويناضلون من أجل تغيير الواقع الحالي الذي يؤدي إلى إندثار هذا الشعب وضياع وجوده وخلق أرضية أكثر تطوراً وتناسباً تحافظ على وجود الشعب محتفظاً بهوتيه القومية. وإن الرجعية اللاقومية تسعى جاهدة للحفاظ على العلاقات القائمة بسلبياتها القاتلة لأتها تؤمن لها مصالحها الخاصة وتسمح لها بإستغلال شعبها وتستخدم كافة الأساليب للحفاظ على العلاقات القائمة فتثير العواطف الطائفية وتغذي الأحقاد البالية وتؤلب البسطاء للوقوف بوجه الدعوة الآثورية مصورة للجماهير البسيطة بأنها دعوة إلحادية أو دعوة وثنية أو دعوة مذهبية، إلا أن الآثورية تكشف زيف إدعاءاتهم وتبرهن لأبناء الشعب أن الدعوة القومية لا تكون على حساب الكنيسة لا بل تقويها ولا على حساب مذهب ديني لأنه لا تناقض بين الأثنين إنما تحاول إضافة روابط قومية متطورة إلى الروابط الإيجابية القائمة والتي لم تعد تتناسب ومشاكل العصر ولا تملك الإمكانات التي تستطيع مجابهتها أو وضع الحلول المناسبة وهذا لا يعني أن الروابط القومية تلغي كل الروابط السابقة والتي قادت مسيرة شعبنا حتى عصرنا الحاضر لأن الإنتماء القومي يعني الإستفادة من كل الروابط الإيجابية القائمة لصقلها وتوجيهها في مسارها الصحيح وتوظيفها في خدمة المصلحة العامة والتي تعني المصلحة القومية.
فليس من المصملحة القومية إزالة الروابط الإيجابية القائمة لا بل تعتبر هذه الروابط جزء لا يتجزأ من الروابط القومية العامة، فهي تضيف عليها روابط جديدة أشمل وأقوى وأكثر واقعية وتناسباً مع المرحلة والعصر وبأعتبار أن الروابط القومية هي أشمل وأقوى وأكثر تطوراً. فالروابط الطائفية الإيجابي منها فقط تبقى جزء منها وفي داخلها. كما لا يلغي الولاء القبلي الولاء العائلي لا بل يحتويه كذلك لا يلغي الولاء القومي الولاء الطائفي الإيجابي الذي يتناسب والمصحلة القومية ويحتويه. فالمشاكل الكبرى التي يعاني منها شعبنا مثل مشكلة الوجود المهدد لا يمكن لطائفة او فئة من وضع حد لها بمفردها وبمعزل عن شقيقاتها الطوائف الأخرى من أبناء شعبنا الواحد لأن مثل هذه المشكلة هي أكبر من طائفة أو إمكانات فئة محددة. فالأثورية تطرح شعارها التاريخي ولن تحيد عنه أبداً إلا وهو "بأن الحفاظ على وجود الشعب يحتاج لجهود كل الشعب بمختلف طوائفه وفئاته وأماكن تواجده"، ولن تقف الحركة الأثورية مكتوفة الأيدي تجاه التعصب الطائفي السلبي عندما يسلك طرقاً رجعية أو يتجسد بكتابة تاريخ كل طائفة بشكل مجزأ كما لو كان لكل طائفة تاريخ خاص، أو إعتبار اللهجات الطائفية لغة قومية، أو ولادة نظم سياسية على أساس طائفي، وإن كان محكوماً عليها بالفشل لأن أي تنظيم طائفي لا يمكن أن يحقق أبدأ من وحدة طائفته الموحدة سلفا وهذا لا يعتبر نصراً في المنهج القومي. فالمشكلات القومية لا يمكن إيجاد حل لها إلا على نطاق قومي ولا يمكن أن يكون هناك مشاكل خاصة بكل طائفة بل إن كل المشاكل الواقعة هي مشاكل قومية وإن كانت متغير بعض الشيء بين طائفة وأخرى. فالدعوة القومية لا تعني صهر الطوائف، ولكن تعني منع محاولة إستغلال كل طائفة ومحاولة إنعزالها لوحدها وفصل مصيرها عن مصير المجموع. وقد يحاول بعض الطائفيين حل مشكلاتهم بأمكاناتهم الطائفية القاصرة ومن خلال الممارسة سيجدون أن عملهم يبقى فاصراً إلا إذا تضامن إجزاء الأمة، وهذا لا يعني أن الطائفة عاجزة تماما عن حل بعض الأمور ولكن الحل الحقيقي لا يتم إلا بظل الوحدة القومية وهذا ما تدعو إليه الأثورية. فالأثورية تحافظ وتصون العلاقات الإيجابية القائمة وتحاول أن تضيف عليها الروابط القومية الأكثر تطوراً كما أنها لاتتدخل بشؤون المذاهب ولا بتفسيراتها الدينية لأنها لا تناقض بينها وبين الدعوة القومية. ص 16 – ص20  (من دراسة تحت عنوان: الأثورية والفكرة القومية صدرت عن المكتب السياسي للمنظمة الأثورية الديموقراطية)

مداخلات على مفهوم "القومية والطائفية" لمطكستا:
حتى لا أطيل و "يزعل" بعض الأصدقاء من الإطالة في المواضيع التي أكتبها لأن وقتهم جوهري وثمين ومصروف لأشياء أخرى، سأقتصر مداخلتي على الموضوع أعلاه على نقطتين فقط:
الأول: من خلال قراءة الموضوع، نرى التأثر الواضيح لكتاب هذا الموضوع بالفلسفة الماركسية وتحديداً بالمادية التاريخية في تطور المجتمعات. ولكن من الملاحظ بأن هذا التأثر أقتصر على إستخدام منهج المادية التاريخية وفلسفة نقض النقيض وليس على مضمونها القائم على تطور المجتمعات وفق صراع الطبقات المعروف عند الماركسية. وقد وفقت مطكستا وبشكل كبير في أستخدام هذا المنهج العلمي في فهم تطور مجتمعنا عبر مراحل تاريخية مختلفة وهو أسلوب نادراً أن لم يكن معدوماً في البحوث والدراسات التي تخص أمورنا القومية والسياسية وهذا التوفيق في إستخدام المنهج العلمي حقق لمطكستا ريادة أيضا في هذا المجال.
الثاني: إن إستخدام المنهج السليم في البحث العلمي لا شك فيه بأنه سيتوصل إلى نتائج موفقة ليس في التحليل التاريخي والواقع وإنما أيضا في الوصول إلى نتائج في فهم هذا الواقع وتوقعات المستقبل وهذا ما نلاحظه في الموضوع أعلاه. حيث أن هذه الدراسة أعدت قبل عقود من الزمن ونلاحظ أن تحليلها التاريخي والواقعي لمجتمعنا أوصلها إلى حقائق سائدة في أيامنا هذه من حيث طغيان الطائفية على السطح وتأثيرها الشديد على تطور العمل القومي وعلى الوحدة القومية. إن الكتابة السياسية والفكرية ليست فقط عرض الوقائع وتكثير اللغو عنها فحسب بل من الضروري أن تثمر أو تتوصل إلى نتائج تطبيقية على الواقع الفعلي للمجتمع وهذه علة معظم كتاباتنا القومية والسياسية المسجونة ضمن نطاق ضيق غير قادر على إستعمال المناهج العلمية في فهم التاريخ والتوصل إلى إستنتاجات مفيدة لتقدم العمل القومي في هذه الأيام، فهذا الموضوع يبين فعلاً مدى وعي وإدارك مطكستا في المسائل القومية والسياسية وبشكلها الصحيح ونأمل لها الإستمرار في هذا النهج خاصة في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها وهي ملتصقة بأبناء أمتنا تعمل من أجل خلاصها أو التخفيف من معاناتها المأساوية الناجمة من الوضع المأساوي في سورية... فكل شرفاء الأمة معكم سرياناً أكانوا أم كلداناً أم آشوريين ... والله يوفقكم.      
  

51
من أبطال التاريخ الآشوري:
=================

القائد الشهيد روفائيل خان
أبرم شبيرا
تساؤلات ... ولكن:
عندما أنجزت كتابي المعنون "نعوم فائق -  معلم الفكر القومي الوحدوي" الذي طبعه دار سركون للنشر في السويد عام 2000، سألني أحد أصحابي مستغرباً ومتسائلاً: من هو نعوم فائق حتى تكتب كتاباً عنه وتصفه بهذه الصفة العظيمة؟ قلت له ألم تسمع عنه من قبل ؟ قال كلا فإني لأول مرة أسمع عنه ومن خلال كتابك هذا. وقبل بضعة أيام أي بعد ثلاثة عشر سنة تتكرر القصة نفسها. فعندما كنت أقراً كتابا صدر حديثاً تحت عنوان:
“BIOGRAPHY OF RAFPAELKAHN – Great Assyrian Leader” – Printed by Tate Publishing & Enterprises, LLC, Mustang, Oklahoma, USA, 2013. 

أي  "بيوغرافية روفائيل خان – القائد الآشوري العظيم" الذي كتبه حفيده ديفيد روفائيل سألني صديق آخر عن من يكون روفائيل خان هذا القائد العظيم الذي لم أسمع عنه؟... أنا شخصياً ومن خلال معرفتي بالكثير من أصدقائي وأبناء أمتي وبمدى أهتماهم بالمطالعة وإغتراف الثقافة والعلوم التاريخية والسياسية لم أستغرب كثيراً لأنني أعرف بأننا تعلمنا من العرب أسوء العادات الفكرية ومنها قلة أو إنعدام القراءة والمطالعة من جهة وكثرة الكلام واللغو الفارغ من جهة أخرى ولم نتعلم من شعوب دول المهجر، بلدان العلم والثقافة والحضارة والتقدم حب القراءة وشغف المطالعة. ولكن إستغرابي الكبير وعجبي الشديد المقرون بنوع من الأسف والحيرة هو أن كلا الصديقين يعتبران من كبار "أمتنايي" هذا العصر و "زعماء" هذه الأمة المبتلية بمثل هؤلاء الذين يصلون ليل نهار ويمارسون خزعبلات "فتاح فال" حتى تنبعث الحياة في أسد بابل والثور المجنح ولكن في الواقع والحياة العادية لا يملكون وقتاً ولو قليلاً للمطالعة وإغتراف المعارف لغرض توسيع مداركهم كوسيلة بسيطة تؤهلهم لكي أن نطلق عليهم صفة "امتنايي" ومن دون أن نضع هذه الكلمة بين هلالين. على أية حال من يريد أن يوسع معارفه عن أحرج وأصعب مرحلة مرً بها الآشوريون في شمال بيت نهرين في بداية القرن الماضي ويعرف قادتهم الذين حاولوا بكل ما ملكوا من قوة ووقت ومال لا بل التضحية بحياتهم من أجل إنقاذ الأمة من مأساتها المفجعة أن يقراء هذا الكتاب ويمكن إقتناءه عن طريق الإتصال بالناشر ومن خلال موقعه الألكتروني:
www.tatepublishing.com

وللعلم كنت قد ذكر هذا القائد الشهيد في الكتيب المعنون "السابع من آب – يوم الشهيد الآشوري – رمز خلود الأمة الذي طبع من قبل دار عشتار للطباعة والترجمة عام 1994 في لندن حيث ذكرت مايلي: "في ذكرنا لبعض رموز أمتنا العريقة لا يفوتنا أن نذكر القائد العسكري الشجاع روفائيل خان الذي كان يقاتل جنباً إلى جنب مع الجنرال أغا بطرس، من أجل بناء صرح الأمة الآشورية وتجسيد حقها المشروع في تقرير مصيرها القومي ورفع الغبن الذي لحق بها من جراء نتائج وتسويات الحرب الكونية الأولى. فلم يركن للهدوء والسكنية رغم الإخفاقات والإنتكاسات التي ألمت بالإنتفاضة الآشورية ولم يمنعه الشيب الذي غزا رأسه من مواصلة النضال من أجل مساعدة وإنقاذ شعبه من الويلات والمآسي التي تعرض لها أبان سقوط جمهورية مهاباد الكردية في شمال فارس وعشية إنتهاء الحرب العالمية الثانية ومن ثم مقاومة ما لحق بالآشوريين من مذابح وتشريد وتدمير قراهم في إذريبجان ومنطقة رضائي (أورميا) مما أثار ذلك حنق وغضب شاه إيران فظل مطارداً حتى تم إعدامه عام 1946. وقد كان تحت أمرته ما لاي يقل عن الأف مقاتل ومشهود له أنه كان عنيداً صلباً يتميز بتكتيكات عسكرية لم يكن يضاهيه لا في الجيش التركي ولا الإنكليزي" – ص34 و ص36. 

نبذة مختصرة عن فصول الكتاب:
يقع الكتاب في 278 صفحة وبالحجم المتوسط الأمريكي ويتألف من أهداء وإمتنان لعدد كبير من اللذين ساعدوا المؤلف في تأليف الكتاب ومن ثم مقدمة كتبها الشخصية الآشورية المعروفة هومر آشوريان، رئيس مؤسسة الإتحاد الآشوري العالمي. ويتألف الكتاب من خمسة عشر فصلا كما يتضمن الكتاب بعض المذكرات لشخصيات عرفت أو رافقت روفائيل خان في مسيرته النضالية إضافة إلى كتابات كتبت عنه في السنوات الماضية واللاحقة.  الفصل الأول مخصص للخلفية الشخصية والعائلية لروفائيل خان الذي ولد في عام 1881 في قرية بابري من مقاطعة أورميا شمال غرب بلاد فارس. وكان الحكومة الفارسية قد منحته لقب "خان" لدوره الريادي في حماية أمن المنطقة من الإعتداءات الخارجية خاصة العثمانية وكان يعرف أحياناً بـ "حارس الوطن". الفصل الثاني هو بعنوان "روفائيل خان الجنرال الآشوري العظيم. الفصل الثالث يتحدث عن تأسيس المجلس الآشوري الذي كان روفائيل خان عضواً فيه وبرئاسة أمير الشهداء مار بنيامين شمعون بطريرك كنيسة المشرق وكان تأسيس هذا المجلس لغرض تشكيل جيش آشوري مع بعض قطعات الأرمن لحماية شعبهم من الهجمات التي قام بها العثمانيون أثناء الحرب الكونية الأولى. والفصل الرابع مخصص للجيش الآشوري وتشكيلاته المختلفة وقيادة روفائيل خان لأحدى فرقه الرئيسية إلى جانب أغا بطرس وغيره من الأبطال المعروفين في تلك الفترة. الفصل الخامس مخصص للحروب التي خاضعها الآشوريون بقيادة روفائيل خان ضد العثمانيين وحلفاءهم من الكرد ويسرد المؤلف تفاصيل هذه المعارك والإنتصارات التي حققها الآشوريون حتى تمكنوا من السيطرة التامة على منطقة أورميا وأصبحت تحت رحمة القوات الآشورية وهو موضوع الفصل السادس. الفصل السابع مخصص للآشوريين في منطقة أورميا بعد السيطرة الآشورية الكاملة عليها. غير أن أحداث ثورة أكتوبر الروسية عام 1917 وما أعقبها من إنسحاب القوات الروسية من شمال بلاد فارس وتخلفهم عن مساعدة القوات الآشورية سبب ذلك إحتلال القوات العثمانية لمنطقة أورميا وثم نزوح الآشوريين منها (الفصل الثامن). وهكذا تستمر مأساة الآشوريين من خلال نزوحهم من أوطانهم ومطاردتهم من قبل القوات العثمانية والعشائر الكردية المتحالفة معها فمن مدينة همدان (الإيرانية) إلى بعقوبة (العراقية) مأساة كتب عنها الكثير من الكتاب وهو موضوع مفصل في الفصل التاسع. بعد إنسحاب القوات الروسية من المناطق الآشورية عقب إندلاع ثورة أكتوبر الشيوعية عام 1917 لم يبقى أمام الآشوريين وزعماءهم إلا الإعتماد على أنفسهم والبدء بالإستعدادات اللازمة لتشكيل قوات قتالية خاصة بهم وهو موضوع الفصل العاشر، حيث تم في عام 1918 تشكيل أربعة كتائب آشورية وكتيبة أرمنية لغرض القيام بمهمات عسكرية تسهل عملية عودتهم إلى أوطانهم في أورميا وهيكاري التي كانت قد أحتلت من قبل العثمانين والكورد وهذا هو موضوع الفصل الحادي عشر من الكتاب حيث يسرد الكاتب تفاصيل المعارك التي خاضعها الآشوريون من أجل تحقيق هذا الهدف ولكن بسبب الظروف الصعبة والمأساوية التي كانت تحيط بهم ومن جميع الجهات والشعوب المعادية لهم لم يوفقوا في نهاية المطاف من الوصول إلى الهدف المنشود حيث فشلت خطة العودة إلى موطنهم في أورميا وهيكاري نهائيا بحدود نهاية عام 1920 ولأسباب معروفة منها داخلية ومنها خارجية خاصة نشوب ثورة العشرين في العراق ونكوث بريطانيا عن مساعدة القوات الآشورية التي تولت مسؤولية العودة إلى الوطن. ومن الجديد بالإشارة بأن الآشوريين في تلك المرحلة كانوا في مواجهة أربعة أمبراطوريات عالمية مشودة بعضمتها وجبروتها، الإمبراطوريتان العثمانية والفارسية وبقوتهما العسكرية الضخمة والإمبراطوريتان البريطانية والروسية المعروفتان بمنواراتهما الثعلبية والماكرة في خداع الشعوب ونهش حضارتهم تحقيقها لمصالحهما أضافة إلى قابل التركوـ مغولية وكردية الشرسة والمعروفة بهمجيتها في تحطيم الحضارات والشعوب المختلفة عنهم. أما في الفصل الثاني عشر  فيتحدث المؤلف عن سجن روفائيل خان من قبل السلطات الإيرانية في عام 1922 بعد أن ترك العراق ورجع إلى إيران وبقى مسجونا لعدة شهور إلى حين قررت الحكومة الإيرانية عام 1923 نقله من مدينة همدان إلى مدينة تبريز وبحراسة ثمانية جنود لغرض محاكمته وإدانه وربما إعدامهم، وفي طريقهم وأثناء إستراحتهم لتناول غذاءهم أستطاع رفائيل خان بذكاءه الحاذق وبأساليبه الدوبلوماسية ولباقتهم في اللغة الفارسية (علماً بأنه كان إضافة إلى ذلك يجيد اللغات الروسية والتركية والكردية والإنكليزية) تمكن من إلهاءهم ومن ثم مغافلتهم وهروبه من قبضتهم. وبعد رحلة طويلة ومرهقة تمكن من الدخول مرة أخرى إلى العراق وفي نهاية المطاف إستقر في مدينة كركوك مع بعض من أفراد عائلته، وهذا هو موضوع الفصل الثالث عشر. أما في الفصل الرابع عشر فيتحث المؤلف عن ثلاث تفسيرات في كيفية إستشهاد روفائيل خان ولكن الكثير من شهود عيان أكدوا إستشهاده بتاريخ 12/12/1946  بعد أن ألقي القبض عليه من قبل السلطات الإيرانية وإعدامه رمياً بالرصاص مع بعض من رفاقه الآشوريين. وفي الفصل الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر يدرج الكاتب بعض الأقوال والكتابات والوثائق إلى تحدثت عن مختلف جوانب حياة الشهيد القائد. وعلى العموم أكتفي بهذا العرض الموجز للكتاب ولكن من بين سطوره وفحواه نستطيع أن نستخلص الكثير من العبر والدروس في التاريخ القومي الآشوري ومنها هذه الشذرات والمفارقات:
حب الوطن وأبناء الأمة حتى الموت:
في الكتاب حوادث ومسائل مهمة ومثيرة ولكن الذي أثار إنتباهي الشديد وحرسي للتأكيد عليه هو حب القائد روفائيل خان لوطنه وأبناء شعبه حتى الموت وإستشهاده من أجلهما، كيف لا وهو الشجاع المقدام الذي لم يعرف للخوف معنى ولا للرهبة والمخاطر أن يكونا حاجزاً أمام مواصلة نضاله من أجل أمته. فبعد الإستقرار النسبي للوضع في إيران وسماح حكومتها لبعض الآشوريين بالعودة إلى موطنهم في منطقة أورميا عزم روفائيل خان على العودة إلى الوطن وإسترجاع الأراضي والممتلكات التي سلبها الأكراد منهم إلا أن التحذيرات التي تلقاها من المقربين منه بأن الحكومة الإيرانية تبحث عنه وأنه بمجرد دخوله إيران سوف يلقى القبض عليه ويحاكم، فعوضاً عن ذلك سافرت زوجته عام 1925 إلى موطنها للمطالبة بإسترجاع ممتلكاتهم غير أنها ماتت مسمومة والشكوك تحوم حول الأكراد الذين أستولوا على أراضيهم، فكان هذا حادثاً مؤلماً جداً لروفائيل خان جعله ينتظر الفرصة المناسبة للعودة إلى الوطن حتى تحققت عقب قيام بعض الكيانات القومية في منطقة أذريبيجان شمال بلاد فارس في الأربعينيات من القرن الماضي وبمساعدة القوات السوفياتية. فبعد عجز أولاده وبقية أفراد عائلته عن منعه من الذهاب إلى إيران غادر روفائيل خان مدينة كركوك إلى إيران وهو يقول لهم: إن زوجتي ووطني ينادياني فعلي اللحاق بهم، فلم يهاب الخوف بل أمتلئ قلبه شجاعة أكثر وإصرار شديد لمغادر كركوك والسفر إلى إيران. حادث مؤلم ولكن مليء بالعبر والدروس في إستشهاد الأبطال من دون خوف أو رهبة.. ففي عام 1946 وفي إيران عندما ألقت السلطات الإيرانية القبض عليه، وتحديداً بعد سقوط الجمهوريات في إذريبيجان عقب سحب الإتحاد السوفياتي مساندته لهم بسبب ضغوط من الدول الغربية، أصطف روفائيل خان مع مجموعة من رفاقه الآشوريين خلف هضبة ترابية فاتحين صدورهم أمام بنادق فرقة الإعدام الإيرانية وعندما شاهدوا أعضاء هذه الفرقة روفائيل خان الذي كانت شهرة بطولته وشجاته تملئ ساحة الوغى واقفاً أمامهم ترددوا في إطلاق النار عليه حتى صرخ روفائيل خان في وجههم قائلا: أطلقوا النار فلا تترددوا فنحن مستعدين للموت. وبعد إستمرار تردد فرقة الإعدام في إطلاق النار سحب قائدهم مسدسه وأطلق النار على روفائيل خان ثم بعد ذلك أستمر إطلاق النار من قبل فرقة الإعدام. ويذكر شاهد عيان أستطاع الهروب من موقع الإعدام بأنه كان يقف إلى جانب روفائيل خان طبيب آشوري يرتجف خوفاٌ من الموت فقيل له "أنظر إلى من يقف إلى جانبك فلماذا تخاف من الموت". أستشهد روفائيل خان محققاً أمنته بأن يموت في أرضه وبين أبناء أمته مسجلاً بذلك أسمه في سجل الشهداء الآشوريين الذين بدمائهم أرتوت الحركة القومية الآشورية وتواصلت حتى هذا اليوم.
مفارقات تاريخية:
1)   - إستشهاد روفائيل خان وفريدون أتورايا: هناك صلة عجيبة ومثيرة بين هذا القائد البطل وذات المفكر العبقري وحكاية إستشهادهما... ففي حالة إستشهاد كلا الخالدين كان للإتحاد السوفياتي وإيران دوراً فيها. لا بل والأكثر من هذا فإن هناك ثلاثة تفسيرات لقصة إستشهاد كل منهما. ففريدون آتوراياً الذي أعتقلته السلطات الستالينية قيل بأنه مات تحت التعذيب وهو في السجن وقيل أيضا بأنه أنتحر بسبب المعاناة الشديد التي عاناها وهو في السجن ولم يتحملها والتفسير الثالث يقوم على أساس محاكمته وإعدامه في السجن وإستشهاده عام 1926. وهذا التفسير هو نفس التفسير في إستشهاد روفائيل خان الذي سجن ثم أعدم رمياً بالرصاص. ولكن يظهر بأن جثمان الشهيد روفائيل خان كان لها حظوظاً أكثر  من جثمان فرديون أتورايا حيث تمكن بعض الآشوريين من سحب جثة روفائيل خان من بين أثنى عشر شهيد آشوري من موقع الأعدام ومن ثم دفنه في أورميا وإقامة صرح تذكاري على ضريحه في حين لم يستطيع أحد من العثور على جثة فريدون أتوراياً ولا مكان دفنه لحد هذا اليوم.
2)   الحركة القومية الآشورية و "النسطورية": يربط بعض ذوي العقول الضحلة وضيقي الأفق في النظر إلى المسائل القومية بنظرة موضوعية، يربط بين الحركة القومية الآشورية وكنيسة المشرق التي عرفت نكاية بها بـ "النسطورية". غير أن كل الحقائق التاريخية تبين بأن مثل هذا الربط غير صحيح إطلاقاً فهو أما محاولة غير بريئة يائسة لتحجيم الحركة القومية الآشورية بمساحة طائفية معينة وضيقة أو هو الوعي القومي السياسي الجاهل بعينه وعدم القدرة على فهم إبجديات هذه الحركة... فمن الملاحظ منذ أيام يوسف هربوط في الربع الأخير من القرن التاسع عشر مروراً بنعوم فائق وفريد نزها وفريدون أتورايا وأغا بطرس والمطران توما أودو وجوزيف دورنه وديفيد بيرلي وغيرهم من مؤسسي الإاتحاد القومي الاشوري الأمريكي وسنحاريب بالي ويوسف مالك وحتى شهيدنا القائد روفائيل خان كلهم شهداء الحركة القومية الآشورية ومن روادها الأوائل لم يكونوا من أتباع كنيسة المشرق "النسطورية"، ولكن في عين الوقت كان هؤلاء يبجلون ويحترمون أيما إحترام أمير الشهداء مار بنيامين ويعتبرونه زعيماً قوميا للأمة والحال كان نفسه مع مثلث الرحمات مار شمعون إيشاي في الولايات المتحدة الأمريكية حيث كان معظم أن لم يكن جميع الذين ساندوه في مهماته وفي تحركاته القومية قبل وأثناء وبعد الحرب العالمية الثانية كانوا من غير أتباع كنيسته ولكن كان بالنسبة لهم زعيماً قومياً. والحالة تسري أيضا على المنظمة الآثورية الديموقارطية التي تأسست منذ عام 1957 على أكتاف أبناء الكنيسة السريانية الأرثوذكسية 1957. أما بالنسبة للحركة الديموقراطية الآشورية فهل نستيطع أن ننسى المؤسس الروحي لها المرحوم أبرم عما والمرشد النضالي توما توماس وكلا العظيمين من بلدة ألقوش العظيمة أم القرى الكلدانية/الآشورية التي أنجبت خيرة أبطال ورجال هذا الأمة وكنيستها المشرقية.
3)   وعود الأنكليز للآشوريين: من الأكاذيب التي نسجت حول علاقة الآشوريين بالإنكليز وسؤء الفهم سواء بقصد وسوء التفكير أو بجهل الحقائق التاريخية هو وعود الإنكليز للآشوريين في تأسيس كيان سياسي قومي (دولة) خاصة بهم. وهي الأكاذيب التي أستخدمتها النخبة الحاكمة في العراق ومفكريهم لضرب الحركة القومية الآشورية بحجة كونها "طابور خامس" للإستعمار الإنكليزي. ومن المؤسف أن ينساق ويقلد بعض من أبناء أمتنا هؤلاء الإستبداديين من تزيف أهداف الحركة القومية الآشورية والطعن ببعض قادتها. ولكن لو نظرنا إلى الحقائق التاريخية وبنظرة موضوعية مدعومة بالوثائق سوف لا نجد إطلاقاً مثل هذه الوعود الكاذبة. لقد قضيت أيام طوال في السنوات الماضية في البحث والتقصي في الوثائق والمراسلات االضخمة في مركز الوثائق البريطانية في منطقة كيوي في لندن، وهي أكثر الوثائق والمراسلات البريطانية التي تتصف بالدقة المتناهية والتفصيل في كل صغيرة وكبيرة عن السياسة البريطانية خاصة في تلك المرحلة، فلم أجد أية وثيقة رسمية تشير إلى مثل هذه الوعود الكاذبة. فالمهتمون بالتاريخ السياسي للآشوريين في الثلث الأول من القرن الماضي يعرفون بأن بعض رجال الإنكليز الذين تعاملوا مع المسألة الآشورية في العراق كانوا قد صرحوا وفي مناسبات عديدة عن مساعدة الآشوريين وإعطاءهم بعض الوعود. ومن يقرأ هذا الكتاب سيجد بأن الإنكليز حاولوا مساعدة الآشوريين في عام 1920 على العودة إلى أوطانهم في أورميا وهيكاري ليس حباً بهم بل لغرض تحقيق مصالحهم السياسية في مواجهة الإتراك والفرس وتحقيق النصر النهائي في الحرب ولكن بعد قيام ثورة العشرين في العراق وبداية تأسيس الكيان السياسي في العراق تخلوا الإنكليز عن مثل هذه المساعدة وأصبح همهم إسكان الآشوريين النازحين حسب الخطة العراقية – الإنكليزية في مناطق متعددة في شمال العراق وأيضا طبقاً لمصالحهم. ثم بعد منح العراق الإستقلال الشكلي في عام 1932 تبلدت مصلحة الإنكليز في العراق وبالتالي تبدلت مصلحتهم أيضاً وتعاملهم مع الآشوريين فلم تعد مسألتهم في جدول أولوياتهم بل كانت من مصلحتهم التخلص منهم ومن قادتهم وهذا ماحدث في مذبحة سميل ونفي قادة حركتهم القومية إلى خارج العراق. ومن الملاحظ بأن حتى مثل هذه الوعود فأنها أما كانت شفهية أو كانت صادر من عناصر مخابراتية بريطانية معروفة بمناوراتها وأساليبها الملتوية في خداع الشعوب من أجل تحقيق مصلحة بلادهم. فمثل هذه الوعود لا تملك أية قوة قانونية تلزم دول هذه العناصر. والجدير بالمقارنة مثل هذه الوعود مع أشهر وعد معروف في العالم الذي يخص بريطانيا وهو وعد بلفور الذي عرف بأسم وزير خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور عام 1917 وألتزمت به لأن إعطاء مثل هذا الوعد كان لبريطانيا مصلحة كبيرة من وراءه جاءت نتيجة حصولها على براءة إختراع مادة النيتروجليسرين شديد الإنفجار من العالم الكيمياوي حاييم فايتسمان أشهر شخصية يهودية بعد تيودور هرتزل مقابل هذا الوعد والذي أستخدمته في تفجيرات الحرب الكونية الأولى.
 
     
4)   الشهيد روفائيل خان بين عمره الحقيقي وعمره النضالي: ولد روفائيل خان عام 1881 وأستشهد في عام 1946، أي كان عمره يقارب 65 سنة. ولكن من يلاحظ هذه الصورة للشهيد وهو في مدينة كركوك مأخوذة قبل عودته إلى وطنه وإستشهاده هناك يظهر كأنه رجل في الثمانين من العمر وربما أكثر. هذا الفرق بين عمره الحقيقي وعمره الظاهري هو صورة حية وناطقة للمأساة والكوارث ومشقة النضال الصعب والمميت التي تراكمت على هذا القائد البطل من أجل أن ينقذ شعبه أو يخفف من معاناته، فهذا هو قدر المناضلين والشهداء يضحون بسنوات طوال من عمرهم من أجل شعبهم، فكم من السنوات الطويلة كرسها المناضلون للحركة القومية الآشورية من أجل تحقيق أهدافها لا بل كم من الأرواح أزهقت ودماء زكية أريقت من أجل إستمرار هذه الحركة وتسليمها إلى الإجيال المعاصرة... أليس دماء الشهداء روفائيل خان والمطران توما أودو ويوسف هربوط وفريدون أتورايا وغيرهم كثير هي التي سقت كرمة الأمة ودفعت الحركة القومية الآشورية نحو الأمام لتستمر حتى هذا اليوم... ولماذا نذهب بعيداً؟؟؟ أليس دماء طلائع شهداء أمتنا يوسف توما و يوبرت بنيامين ويوخنا إيشو هي التي أنبتت براعم الحركة الديموقراطية الاشورية وجعلتها من أكثر الحركات القومية الفاعلة في تاريخ أمتنا المعاصر... فهيهات وهيهات وحذاري من تجاهل هذه الدماء والدماء التي سبقتها وإستغلالها من أجل منفعة شخصية أو جاه أو كرسي... فدماء الشهداء هي التي تغذي الحركة القومية وتجعلها تنمو وتتواصل نحو الأمام وبالمقابل الكرسي هو الذي يحطم هذه الحركة ويحولها إلى زمرة نفعية معرضة لمحاكمة التاريخ لها عاجلا أم آجلا، .. قيل اللبيب من الإشارة يفهم ... ولكن ... وحسرتاه ... فإن  الملتصق على الكرسي عاجز عن فهم مثل هذه الإشارة!!!   









52
الصحافة الآثورية منذ نشأتها – بقلم الأديب الكبير الراحل زيا نمرود كانون

أبرم شبيرا

كتب بعض الأصدقاء الإدباء عن رحيل الأديب الكبير زيا نمرود كانون والذين عايشوا معه معاناة العمل الأدبي والثقافي القومي الأشوري في العراق وعبروا كل التعبير عن ريادة المرحوم في الحقول الأدبية والثقافية واللغوية والإعلامية المختلفة بحيث لم يترك ساحة وإلا كان فاعلاً ومؤثراً فيها سواء في النادي الثقافي الآشوري أو في إتحاد الأدباء والكتاب الناطقين بالسريانية أو في الإذاعة السريانية أو في المجمع العلمي العراقي. وفي المهجر لم يهداً به بال ولا راحة إلا وتواصل عمله الدؤوب في هذه الحقول المختلفة فكان من نتيجة أعماله الأخيرة والمثمرة والمفيدة لإجيال هذا علصر  كتابه الموسوم "الحلقة المفقودة في تاريخ الآشوريين". فلم يكن رحيله فقداناً لنجم لامع وكبير في الأدب واللغة والثقافة بل لصديق عزيز ومخلص لمعظم الذين عملوا معه في هذه الحقول وترك في نفوسهم إنطباعاً مؤثراً لإنسان بكل معنى الكلمة من ثقافة وأدب وإخلاق وهدوء الطلة والحديث بحيث كان محبوباً ومنجذبا لجميع الذين عرفوه سواء في الوطن الأمن أم في المهجر.
ولم يكن المرحوم بهذه الصفات الفكرية والأخلاقية معنياً لي شخصياً فحسب بل كان كالمعلم المثابر والمهتم بغيره من الكتاب والمثقفين الناشئين ويأخذ بأيدهم ويرشدهم نحو الأسلوب الصحيح في التفكير والكتابة، وأتذكر بهذا الخصوص عندما كتبت أول مقالة تحت عنوان "مفهوم الديموقراطية" وقدمتها لنشرها في مجلة المثقف الآثوري التي كان يصدرها النادي الثقافي الآثوري فذهبت المقالة إلى المرحوم وتوأمه الآخر الأديب ميخائيل مروكل ممو اللذان كانا يعملان كمحررين في هذه المجلة فأعيدت المقالة لي ومكتوب عليها "غير صالحة للنشر" بعد أن عمل مشرطهم الحاد فيها يمنياً وشمالاً مصححين أخطائي في كل سطر من المقالة وجعلا منها كلوحة سريالية لم أفهم منها وأتقن أسلوبهما المبدع في الكتاب الأدبية والثقافية والنقد الفكري فما كان مني إلا أن أجد طريقاً لها نحو سلة المهملات. والحق يقال فقد كان هذا درساً مفيدا لي في التواصل والكتابة والتعامل مع المرحوم وغيره من كبار الإدباء والمثقفين الآشوريين في النادي بحيث وصلنا إلى درجة العمل المشترك في هذه الحقول في السنوات اللاحقة.
لم تعد تكفي المواساة وبيان مدى الخسارة الكبيرة لرحيل هذا الأديب المبدع لأنها خسارة فادحة وبيانها يتطلبها الكثير من فتح ملفات سنوات السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي في العراق وبيان الدور الريادي للمرحوم في تطوير الأدب والثقافة والشعر واللغة ومساهمته في المؤسسات الثقافية والأدبية لهذا أرى من المفيد للقارئ أن أستنسخ وأعيد نشر موضوعاً كتبه المرحوم تحت عنوان "الصحافة الآثورية منذ نشأتها" والذي نشره في مجلة المثقف الآثوري في العدد الثالث عشر والرابع عشر لسنة 1977 وهو موضوع مهم وتوثيقي نادر التطرق إليه ومفيد لأبناء امتنا في هذا العصر خاصة للذين يرغبون الكتابة لأغراض علمية وأكاديمية. وهنا أود أن أبين ملاحظتين شكليتين عن هذا الموضوع:
الأول: المرحوم يتطرق في الموضوع إلى التسمية "الأثورية" وليس الآشورية ذلك لأنه حسب تعليمات مديرية رقابة المطبوعات التابعة لوزارة الإعلام العراقية في تلك الفترة منعت النادي الثقافي الآثوري من إستخدام التسمية الآشورية والإكتفاء بالتسمية الآثورية وذلك لأغراض قطع الصلة بين التسميتين وأبقاء التسمية الآثورية ضمن حدودها الطائفية حسب فكر البعث الإستبدادي في تلك الفترة تجاه الأقليات وتحديداً تجاه الآشوريين. وعلى نفس السياق كانت هذه المديرية قد حرمت سحب التسمية الآثورية على تاريخ الاشوريين القدماء، فالتسمية الآشورية حصرياً على الآشوريين القدماء والأثورية على الآثوريين المعاصرين!!! لهذا السبب كانت رقابة المطبوعات قد رفضت بعض المقالات لنشرها في مجلة المثقف الآثوري لأنها كانت تشير إلى الملك سركون الثاني أو آشور بانيبال كملوك للآثوريين فطلبت من هيئة تحرير المجلة تغير الكلمة إلى الآشوريين.           

ثانيا: كتب المرحوم هذا الموضوع في ظروف صعبة وقاسية وعلى مختلف الأصعدة السياسية والفكرية والثقافية فكانت الكتابة في مثل هذا الموضوع يتطلب توفر مراجع ونماذج للصحف الآشورية خاصة التي نشرت في القرنين الماضين وتوفر معلومات عنها لهذا واجه المرحوم صعوبة كبيرة جداً في العثور على مثل هذه المعلومات التوثيقية لذا كان من المتوقع أن يقع المرحوم في بعض الأخطاء غير المقصودة وذلك بسبب قلة أو عدم توفر المعلومات المطلوبة ولكن يظهر بأن المرحوم كان موفقاً بشكل كبير بحيث أفلح بشكل فائق في الإشارة إلى المعلومات الخاصة بالصحف الآثورية ووضعها بشكلها الصحيح عدا خطأ بسيط جداً عندما أشارة إلى مجلة (مهديانا أثورايا – المرشد الآثوري) التي كان يصدرها الشهيد البطل آشور يوسف بيت هربوط رائد الصحافة الآشورية في أمد – ديار بكر في الربع الآخير من القرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين وليس في أميركا كما أشار المرحوم إليها. وهنا، كما يقال: الحديث بالحديث يذكر: يقول بعض الحاقدين على التسمية الآشورية بأن الإنكليز كانوا أول من أطلقوا هذه التسمية على المسيحيين من أتباع كنيسة المشرق التي كانت تعرف نكاية بهم بـ "النسطورية" وهو الموضوع الذي تناولناه في مناسبة سابقة، ولكن من الملاحظ بأن الشهيد آشور بيت هربوط الذي ولد في مدينة هربوت في جنوب شرقي تركيا عام 1858 وغيره من أمثال الشهيد برصوم بيرلي والد المفكر القومي الكبير ديفيد بيرلي (كلاهما أعدمتهم السلطات التركية بسبب مواقفهم القومية عام 1915 وهم في السجن) كان لهما شعوراً قومياً عظيماً تجاه أمتهم الآشورية "الأثورية" وضحوا بحياتهم من أجلها وعرفوا عن عائلة معروفة بمواقفها القومية، تلك المواقف التي لم تكن لها علاقة إطلاقاً بالإنكليز وبتسميتهم الآشورية ومن المؤكد بأنهم لم يلتقوا أو سمعوا عن نية الإنكليز من إطلاق التسمية الآشورية على المسيحيين الحيكاريين خاصة وهم من أتباع الكنيسة السريانية الآرثوذكسية ويعيشون ويعملون في مناطق لم يصلها الإنكليز.

على أية حال، في الأخير لنترحم جميعنا على روح المرحوم الذي رحل عنا ولكن بقى نتاجه الفكري والأدبي والثقافي واللغوي خالداً معنا وسيبقى أيضا للأجيال القادمة وفي أدناه نموذج واحد من أعماله الكثيرة والمثمرة:     

       







53
من قال بأن المسيحيين في إقليم "كردستان" مضطهدون ... أنه كذب وإفتراء ؟؟؟ !!!

أبرم شبيرا

حقاً من قال بأن المسيحيين وتحديداً "الكلدان السريان الآشوريين" مضطهدون في إقليم "كردستان" وفي بقية أجزاء العراق؟؟؟ أليس هذا كذب وإفتراء ونكاية بحكومة إقليم "كردستان" الديموقراطية وبالحكومة المركزية في بغداد الديموقراطية جداً الذين جلسوا على كراسي الحكم بأساليب ديموقراطية جداً وبدون أية مساعدة خارجية من الأمريكان والإنكليز الكفرة. لو لم تكن هاتان الحكومتان ديموقراطية لما منحت كامل الحرية لأبناء شعبنا "الكلدان السريان الآشوريين" لإختيار ممثليهم في البرلمانين المركزي والإقليمي ولما جلسوا "ممثلي" أمتنا مع ممثلي بقية القوميات والأحزاب جنباً إلى جنب متشاركين معهم في الضراء والسراء... يالها من مساواة تاريخية لا مثيل لها في كل الأقطار العربية والإسلامية. وهذه الأيام يحضر "قادة أحزابنا وتنظيماتنا المناضلة" ويهيئون ويسمون مرشحيهم لمجالس البلديات وللإنتخابات القادمة لغرض تقسم الكعة بينهم، فالقوي يأخذ كل الكعكة وربما سيكون رحيما  فيترك جزء صغير أو بعض من الفتات للأصغر والأضعف إكراماً للديموقراطيته العظيمة التي تعلمها من أسياده في بغداد وأربيل ومن لا يرضى ليضرب رأسه بالحائط أو يذهب ويكتب مقالة أو شكوى وينشرها في أحد مواقعنا الألكترونية.  كيف تكون الديموقراطية إن لم تكن بهذا الشكل... لقد درسنا مبدأ حق تقرير المصير ومدى تطبيقه على الأقليات التي تعيش بين أغلبيات في مناسبة سابقة وخلصنا إلى نتيجة مفادها بأن الوضع الحالي للأقليات العراقية ومنها إقليتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" لا ينطبق عليهم مبدأ حق تقرير المصير بمفهوم تكوين دولة خاصة بهم لأن الظروف السياسية والديموغرافية والتاريخية لا تسمح بذلك بل جًل ما ينطبق عليهم هو مشاركتهم في الحكم وفي مؤسساته الحكومية والبرلمانية وفي عملية صنع القرار السياسي... أذن بهذا المفهوم نقول بأن أمتنا مستمتعة أيما إستمتاع بحق تقرير المصير وليس ذلك إلا نتاج الديموقراطية العظيمة التي يتحلى بها رجال الحكم في بغداد وأربيل وليس على "ممثلي" أمتنا إلا أن يشكرونهم ليل نهار ويصلوا من أجل أن تترسخ ديموقراطية العظيمة أكثر فأكثر. فوفق هذه المفاهيم في الديموقراطية العظيمة كيف نتجاسر ونقول بأن المسحيين مضطهدون في الشمال والجنوب وتتعرض أراضيهم للتغير الديموغرافي والإستلاء عليها كبداية لخطة مدروسة للقضاء نهائياً على وجودهم التاريخي في أرض أبناءهم وأجدادهم..

المبدأ القانوني يقول بأن الجريمة هو الفعل نفسه أومن يشارك فيه أو من يتستر عليه أو يغض النظر عنه.. إن إغتصاب أراضي الغير وسلبها من أصحابها يعتبر جريمة وما يجري من إعتداء وإغتصاب وتجاوز لأراضي أبناء شعبنا في شمال العراق هو جريمة بحد ذاتها... يقولون بأن بعض العشائر الكردية المنفلة أو المسنودة من قبل هذا الشيخ أو ذاك هم الذين يقومون بهذه الأعمال الإجرامية في إغتصاب أراضي شعبنا ولكن إذا كان الأمر كذلك فإذن فإن إقليم كردستان ما هو إلا "حارة كل من أيدو إلو" على قول غوار الطوشي. وإذا كانت حكومة الإقليم أو بعض المتنفذين فيها يغضون النظر عنها فهذا هو أيضا جانب من جريمة أغتصاب هذه الأراضي... ولكن هذا غير معقول عن "أبطال أمتنا" لأن مثل هذا التجاوز بالنسبة لهم ما هو إلا مشكلة فردية هنا وهناك يمكن حلها بالأساليب الديموقراطية الرائعة التي تتوفر للجميع وبحلولها السحرية وليس بأساليب غير قانونية والتي لها نتائج وخيمة على "كوتتنا" المخصصة لأبناء أمتنا فلربما يزعل القابعون على السطلة ويقللون من هذه الكوته من خمسة كراسي إلى خمس "تختات" بالكاد تكون كافية للجلوس عليها. 

لو كان المسيحيون ومنهم "أقليتنا الكلدانية السريانية الآشورية" مضطهدين في أرضهم ... ولو كان الكرد وغيرهم يتجاوزن ويبتلعون أراضي شعبنا صحيحا وليس كذباً وإفتراءً فإن ضمير "ممثلي" أمتنا الحي جداً لا يقبل بذلك أبداً بل لكان قد قفزوا إلى مركز ميدان القتال والإحتجاج وتركوا كراسيهم البرلمانية والحكومية وقادوا مظاهرات جماهيرية أمام المراكز الحكومية والبرلمانية وكتبوا إحتجاجات وبرقيات إلى دول العالم والمنظمات الدولية لكن لن يفعلوا هذا ليس خوفاً على جيوبهم وعلى ضياع الجهاه والسلطة والتباهي على مساكين أمتنا فحسب بل أيضا لأن هناك أكثر من يهوذا الإستخريوطي بيننا مستعد لكي يركع ويقبل أيادي رجال الحكم في بغداد وأربيل ويحل محلهم ويأخذ الكعكة كلها ومن دون أن يترك حتى الفتات للآخيرين... لا أدري لماذا كتب الأخ بولص ماليك يوسف ماليك خوشابا رسالة إحتجاج إلى رئيس إقليم كردستان السيد مسعود البرزاني على تجاوز بعض الكرد على قرية جمي ربتكي في سهل نهلة من محافظة دهوك وضيع وقته وأستهلك قلمه في الوقت الذي نحن نحتاج إليهما أكثر في الكتابة عن تاريخ أمتنا المعاصر؟ ألا يدري بأن هناك "ممثلي أمتنا" وهم أبطال ومقاومون للظلم والإستبداد يتربعون على كراسي البرلمان والحكومة ويستطيعون بجرة قلم أو بإشارة بسيطة أو بغمزة عين أن يحلوا كل التجاوزات على أراضي أبناء شعبنا ويرجعونها لأصحابها الشرعيين. فإجتماعاتهم وإحتجاجاتهم الورقية ترهب الأرهابين وسارقي أراضي شعبنا ومن دون عناء النزول إلى ساحة التحدي وقيادة جماهيرنا ضد هذه التجاوزات لعل بدلاتهم الجميلة تتسخ بأتربة الشوارع الوسخة في بغداد وأربيل. هذه الحقيقة في بطولات "ممثلي" شعبنا لها خلفية تاريخية تؤكد ما ذهبنا إليه ولا يستوجب الخوف على إمكانيتهم في إزالة التجاوز ليس على قرية جمي ربتكي بل على كل التجاوزات الصارخة في منطقة ديره وكومانه و بروري بالا وبخديده وبرطله وغيرهم كثر. فأطمئنوا وأتكلوا على عضلات "ممثلي" أمتنا في حل مثل هذه المشاكل التي تبدوا بسيطة جداً عن المشاكل السابقة التي تم حلها وبسهولة مطلقة... أليس بجهودهم الجبارة أن يقبع مختطفو الشهيد الخالد المطران بولص رحو في القبور بعد أن تم تنفيذ حكم الإعدام بهم ... أليس بقوتهم الهائلة تم حل مشكلة الأبراج الأربعة المشؤومة في قصبة عنكاوة؟؟؟ فعلاً نحتاج إلى سجل طويل عن الإنجازات التي حققها "ممثلي" أمتنا لكي ندخهلم في التاريخ خاصة بعد أن أنعموا برفاهية كراسي الحكم والبرلمان التي توفرت لهم بعد زوال حكم المقبور صدام حسين.     


   
هذه صورة وخبر منقول عن موقعنا الموقر (Zowaa.org) يقول الخبر "للوقوف على حيثيات وتفاصيل الأعتداء الاخير الذي تعرض له أهالي قرية جمي ربتكي احدى قرى شعبنا الكلداني السرياني الآشوري في منطقة نهلة، مساء يوم أمس الخميس 13 حزيران 2013 زار وفد من قيادة حركتنا الديمقراطية الآشورية القرية والتقى الهيئة الاختيارية والأهالي ووقف على حيثيات وتفاصيل الاعتداء الذي تعرضوا له من قبل مجموعة من المتجاوزين على أرض القرية" ... إلخ

ربما البعض لم يقرأ الخبر لأنه أصلاً يخاف من كلمة "زوعا" ولا يريد أن يسمع عنها بشئ فكيف والحالة أن يفتح موقعهم ويقرأ الخبر... لكي أسهل الأمر عليهم انشر هذه الصورة والخبر والذي كان من المفترض للأخ بولص ماليك يوسف ماليك خوشابا أن يرفق الصورة برسالته الإحتجاجية لعل السيد مسعود البرزاني يرتعب أكثر ويأخذ المسألة أكثر جديةً ولربما كان تأثير الصورة كبيراً فيركب سيارته ويزور القرية ويحيل المتجاوزين على القضاء ليأخذ مجراه .... على أية حال بالنسبة لي شخصياً لي حصانة فكرية ضد أي فايروس حزبي ولا أخشى من مجالسة الأحزاب والتنظيمات السياسية وقادتهم وقراءة أفكارهم وطروحاتهم سواء أكانوا فعلاً أصدقاء أو غير ذلك فللجميع أكن إحتراماً شديداً وفي المقدمة زوعا- الحركة الديموقراطية الآشورية. يصفني أحد إصدقائي الحزبين الذين له تمثيل في المراكز الحكومية والبرلمانية، يصفي بأنني مصاب بمرض الحسد عندما أوجه النقد إلى ممارسات "ممثلي" أمتنا وأطلب منهم الإستقالة كأسلوب فاعل للإحتجاج لأنه ليس لي قطعة أو فتات من الكعكة التي يستذوقونها ليل ونهار... فعلاً إنني أحسدهم على مواقعهم ووظيفتهم المريحة والمربحة!!!... ألستُ مهبولاً وجاهلا  بأمور الدنيا ومتعتها وأنا أعمل ولساعات طويلة في صحارى دولة الإمارات العربية المتحدة وفي جوها اللهاب والرطب من إجل كفاف خبزي اليومي؟؟  أليس من المفروض أن أستغل صداقتي الفكرية والشخصية والتاريخية مع بعض قادة تنظيماتنا السياسية والقومية وأبدأ بمسح الكتوف وأحصل على كرسي مريح وأجلس مع أصداقي الأفاضل تحت شجرة جميلة وأستمتع بجو وطني اللطيف والمنعش وأستمتع بأكلاتنا الشعبية في قرانا الجميلة خاصة وأنا بلغت السن التقاعدي وسيكون لي الكثير من الوقت لأبيع  البطولات والمفاخر لأبناء شعبنا المسحوق في وطنه التاريخي.. سأعمل هذا عندما يموت ضميري الحي ... ولكن لا أعتقد ذلك لأن الضمير الحي لا يموت حتى بعد ممات الإنسان.

يقول أخوتنا المصريين " اللي أختشوا ماتوا".

54
هل الإنكليز أخترعوا التسمية الآشورية Assyrian)) ؟؟

أبرم شبيرا
الغرابة والسذاجة في مثل هذه السؤال متعلقة بالمقولة التي تقول بأن الإنكليز كانوا أول من أطلق على تلك المجموعة المسيحية التي كانت تقطن في شمال بلاد ما بين النهرين وشمال غربي بلاد فارس التسمية الآشورية (Assyrian). نعم ثم أقولها مرة أخرى نعم ... فالإنكليز هم الذين أطلقوا على هذه المجموعة التسمية الآشورية (Assyrian) وهذا ليس أمراً غريباً إطلاقا لأن كل شعب من شعوب العالم يسمي الأشياء والظواهر والشعوب والقوميات بلغته القومية وليس بلغات الشعوب الأخرى. هكذا فالإنكليز أطلقوا على هذه المجموعة هذه التسمية بلغتهم القومية الإنكليزية ولم يكن معقولاً أطلاقاً أن تسميهم بلغات الشعوب الأخرى وتحديدا الساكنة في نفس المنطقة. حيث سكن وجاور العديد من القوميات والمجموعات البشرية والأثنية والدينية الآشوريين ومنذ زمن بعيد ولبعضهم جذور تاريخية عميقة في نفس المنطقة مثل الشبك واليزيدية  والقبائل المحلمية المسلمة في منطقة طور عبدين – جنوب شرقي تركيا الذين كانوا سريان أرثوذكس حتى أوائل القرن السابع عشر، ولكن الإنكليز لم يطلقوا عليهم التسمية الآشورية (Assyrian) لأن الظواهر والعوامل التاريخية والحضارية واللغوية والتراثية لهذه المجموعة المسيحية كانت كلها تختزل في هذه التسمية وتنطبق على هذه المجموعة ولم تكن تنطبق على الشعوب والقوميات والمجموعات المجاورة للآشوريين.
فالإنكليز لم يشذوا عن القاعدة العامة في تسمية الشعوب والمناطق بلغتهم القومية كما فعل بقية القوميات الأخرى الذين سموا هذه المجموعة المسيحية بالآشوريين بتسميتهم القومية. فعلى سبيل المثال العرب أطلقوا عليهم تسمية أثوريين أو آشوريين أو سريان وحسب مناطق تواجدهم والفرس سموهم أسوريكا والأرمن سموهم أسورينير والأذربيجانيون سموهم أسورليار والأتراك سموهم أسورلي والروس سموهم أسيريس والصينيون سموهم ياصو والكرد سموهم أسوري واليهود سموهم آشوريم والسويديون سموهم أسيريسكا...وهكذا كل قومية تسمى الأشياء والظواهر والشعوب والأمم والبلدان بلغتها القومية وليس بلغة أجنبية أخرى وهكذا فعل الإنكليز عندما ألتقوا بالآشوريين في بداية الأمر فكان من الطبيعي جداً أن يطلقوا على هذه المجموعة الأثنية وفق لغتهم القومية الإنكليزية تسمية "أسريانس" (Assyrians). ...!!  فالقول القائل بأن الإنكليز كانوا هم الذين أطلقوا على هذا القوم تسمية الآشوريين (أسريان – Assyrians)  صحيح بالتمام والكمال فما الذي كنًا نتوقعه من الإنكليز أن يطلقوا عليهم ونحن نعرف بأن الشعوب تتكلم بلغاتهم القومية وتسمى الأشياء بمسمياتها وبلغتهم القومية

إن المقولة القائلة بأن الإنكليز كانوا أول من أطلق على هذه المجموعة المسيحية هذه التسمية التاريخية فأن هذا لا يعكس الحقد والتزوير والضغينة لهذه التسمية الحضارية ولأصحابها وإنما أيضاً يعتبر جهلاً مطبقاً في قراءة التاريخ بشكل علمي وموضوعي. نحن هنا لا نريد أن نشير إلى طيطيانوس الآثوري صاحب "الدياطسرون" الإنجل الموحد، الذي لقب نفسه بالآثوري أو الآشوري في القرن الثالث الميلادي أثناء مواجهة للفكر الهيليني القومي والديني ولا إلى سرجون بن منصور الذي لو لم يكن لوالده الشعور والإدراك بإنتماءه إلى الآشوريين وإعتزازه بملوكهم لما سمى أسمه بأسم أعظم ملوكهم وهذا كان قبل مجئ الإنكليز إلى مناطق الآشوريين في شمال بيت نهرين  بقرون طويلة. ولكن حتى نكون أكثر وضوحاًً وموضوعياً في تتبع المقولة القائلة بأن الإنكليز هم الذين أطلقوا عليهم التسمية الآشورية وتحديداً على السكان الأصليين في شمال بيت نهرين من النساطرة نقول بأن الشعوب التي جاورت الآشوريين في موطنهم كالكرد والفرس عرفوا الآشوريين بالتسمية الصحيحة وبلغتهم القومية وقبل هذا التاريخ بقرون. فهذا الأمير الكردي شرف الدين خان البدليسي أمير إمارة البدليس الكردية في منطقة وان في شمال شرقي إيران كتب كتاب ضخم بعنوان "شرفنامه" في عام 1596 ميلادية وباللغة الفارسية وهو أول كتاب يؤرخ تاريخ الكرد والأمارات التي أسسوها وأمراءها حيث يذكر أسم الآشوريين فيه بتسمتهم بالطائفة أو المجموعة "ألأسورية ="الآشورية" – كما وردت بالضبط في الكتاب الأصلي (أنظر ص 17-416 من كتاب شرفنامه للأمير شرف خان البدليسي، ترجمه إلى العربية محمد جميل الملا أحمد الروزبياني، المدى للثقافة والنشر، دمشق – سوريا، 2007، ط3، وكانت أول ترجمة إلى العربية عام 1958 في القاهرة من قبل نفس المترجم) ولأهمية الكتاب فقد كان قد ترجم إلى عدة لغات أجنبية ومنها إلى اللغة الروسية حيث أشار إليه نائب القنصل الروسي في مقاطعة وان شمال شرقي إيران في تقريره المشهور عن الآشوريين في منطقة وان وهيكاري عام 1906 فيذكر بأن البدليسي يشير إلى الآشوريين، ويترجمها إلى الروسية بـ (Aissors) "كقبيلة كافرة وعديم الضمير ومجردة من المبادئ الإخلاقية" (أنظر مجلة ملثا عدد 2، مجلد 2، سنة 1996، ص 11، التي كان يصدرها النادي القومي الآشوري للمثقفين في روسيا) وهناك تراجم أخرى لهذا الكتاب تذكرالآشوريين كـ "جماعة من الرعاية من نصارى تلك الولاية المشهورين بالآشورية". وكان قد كتب هذا الكتاب قبل أكثر من قرنين ونصف القرن من الزمن من قدوم الإنكليز إلى مناطق الآشوريين واللقاء بهم وتسميتهم بلغتهم القومية بـ (Assyrians). ومن يقرأ تقارير وكتابات الآثاري أوستن هنري لايارد (1817-1894) مكتشف آثار نينوى ونمرود سوف يتأكد من الشعور بالإنتماء إلى الحضارة الآشورية للعمال من النساطرة والكلدان عندما كانوا يندفعون وبحماس في العمل معتبرين الآثار والتماثيل المكتشفة جزء من حضارتهم العريقة في حين على العكس منهم حيث كان العمال العرب والكرد يرتجفون خوفاً ويهربون معتقدين بأن الثور المجنح هو أبليس وقد قام ورجع من الجحيم إلى الحياة.

هذه الحقائق التاريخية والمنطقية يتجاهلها الحاقدون على التسمية الآشورية سواء بقصد أو بجهل ويحاولون تشويه التاريخ بشكل فضيح ولأسباب سياسية أو غيرها ويؤلفون الكتب ويكتبون التقارير كلها تصب في حقل التقليل أو أمحاء تاريخ وحضارة هذا الشعب العريق. لقد قرأت المئات إن لم تكن الألاف من الكتب والدرسات والوثائق والبحوث العلمية، ومن المؤكد فعل ذلك غيري أيضا، ولم أجد شعب أو قومية أو أثنية شوه تاريخها وأصلها مثلما شوه تاريخ وأصل الآشورية... ولكن لماذا؟؟؟ هل لأنه نوع من "الحسد" على هذا الشعب الذي كان له أطول كيان سياسي مستقبل في التاريخ قارب ألف عام وعلى أساسها أقيمت حضارة إنسانية لازالت مآثرها قائمة وتشكل أسس التطور العلمي والإنساني في عصرنا هذا أم أن الآشوريين يسرقون بأنتسابهم لهذه الحضارة العظيمة نسب غيرهم من الشعوب، أم هو أسلوب إنتقامي يهودي لأن الآشوريين كانوا قبضة خالقنا العظيم في تأديب اليهود عند عصيانهم لكلمة الرب؟؟؟ لنترك هذه الإسئلة الغيبية ونلجأ إلى مجموعة عوامل موضوعية من تاريخية وأثنوغرافية وجغرافية وسياسية ودينية لعب دورها الحاسم والفاعل في تشويه تاريخ وأصل الآشوريين. فالمتتبع لظروف الآشوريين وتحديداً من الطائفة المعروفة بـ "النسطورية" التي كانت تعيش في منطقة حكاري وأطراف بحيرة وان خاصة من الناحية التاريخية والجغرافية والديموغرافية سيدرك أموراً إستثنائية غريبة جداً في تاريخ وحياة الشعوب. فالآشوريون النساطرة في هذه المناطق كانوا في بقعة جغرافية محددة وصغيرة ومحاطة بشعوب وأقوام وديانات وحضارات ولغات مختلفة تماماً عنهم لا بل متناقضة معهم ومن جميع النواحي الحضارية واللغوية والدينية والنفسية وعاشوا الآشوريون بين هذه الأقوام والقوميات والإمبراطوريات قرون طويلة تأثروا بهم ولكن من دون أن تستطيع أن تقضي عليهم أو تذوبهم أو تدمجهم في قومياتهم أودياناتهم. فكم من المذابح والتهجير والمظالم فرضت عليهم ولفترات طويلة جداً ولكن بالنهاية لم تستطيع من تدميرهم. أليس غريباً ومثيراً للتساول عن عدم إستطاعة أقوى أمبراطوريات ذلك الزمان كالإغريقية والبيزنطينية والفارسية والإسلامية والعثمانية وبقوة جيشوهم وحضارتهم من القضاء على هذه القلة القليلة من الناس المختلفين عنهم ما لم يكن إيمانهم صلداً بمقوماتهم القومية والدينية المبنية على أسس تاريخية وحضارية عريقة. هذا الأمر المحير والأستثناني جعل الكثير من الباحثين عدم قدرتهم على إستيعابه وفهمه وبالتالي لم يكن أمام عجزه هذا إلا التنكر للحضارة العريقة والتاريخ الشامخ لهذه القلة القليلة ومحاولة حصر تاريخهم في أطر وحدود طائفية دينية محدد بفترة زمنية محددة وعلى أسس لا منطقية ولا موضوعية.

الأمر الأكثر حيرة وإستثناءاً وعجزاً في فهم أصل وتاريخ الآشوريين هو التسمية ومصدرها التاريخي الذي نادراً ما يتحدث الباحثون عنه وإلى الإستثنائية الخاصة بهم والتي كانت بحسب رأينا مصدراً قوياً صلداً للتمسك بوجودهم والدفاع المستميت عنه. فآشور من جهة هوالأبن الثاني لسام أبن النبي نوح (التكوين 10:22) كما وأن هذا الاسم من جهة ثانية هو لمدينة آشور عاصمتهم المقدسة وأيضاً أسم بلاهم وأسم إلههم القومي ثم أسم دولتهم وأمبراطوريتهم فلم يكن آشور إلهاً يحتل مكانة خاصة في منطقة معينة فحسب، بل أن اسمه كان يتطابق مع مدينة آشور، إلا أنه مع هذا يؤكد علماء الآثار بأن ظاهرة  تسمية المدن باسم إله معين، أي ظاهرة شخصنة أو تألية المدن، هي نادرة جداً في بلاد ما بين النهرين فمدينة آشور كانت لها قدسية خاصة وهيبة روحية، بل كانت العاصمة الدينية للآشوريين يحلفون باسمها وكأنها هي الإله نفسها، لا بل وأكثر من هذا، فقد كان آشور يتطابق مع أسم البلاد نفسها ومن ثم مع أسم الإمبراطورية بحيث كان آشور الملك الحقيقي لها وأب البلاد وحاميها، وهي ظاهرة، أي تسمية إمبراطورية عظيمة باسم إله، نادرة الوجود في التاريخ المدون ويكفي هنا أن نشير إلى أن الكتاب المقدس بعهديه أشار إلى الآشوريين وملوكهم ومدنهم أكثر من مائة وخمسون مرة.

 والظاهرة الأكثر تمييزا للإله آشور والذي لا يجاريه فيها أي إله  أخر في التاريخ، هي تسمية الشعب الذي عبده باسمه. فقد كان الآشوريون يطلقون على نفسهم باسم شعب آشور أو خدم آشور وكانوا يطلقون على أعدائهم باسم أعداء آشور. فلا يوجد في التاريخ، لا في بلاد ما بين النهرين ولا في بلدان أخرى، شعب تسمى اسمه الديني والقومي، أي الديانة والقومية، باسم إلهم غير الآشوريين. ولا نستغرب أن يكون مثل هذا الترابط  بين تسمية الشعب بأسم ديانته قد أنتقلت مع الآشوريين إلى الفترة المسيحية وأصبحوا يعرفون نفسهم بالمسيحيين (مشيخايه) نسبة إلى المسيح  فتداخلت هذه التسمية الجديدة مع تسميتهم القومية (سوراييAssyrians – ) لتعطي نفس معنى المسيحيين وهو التداخل الذي أصبح قائماً حتى في العصور الحديثة.  وقد يقول البعض بأن تسمية الآشوري متأتية من مدينة آشور المقدسة التي كانت مركز  عبادة الإله آشور أو من بلاد آشور نفسه، كما هو الحال بالنسبة لبعض المدن والمناطق التي كانت تتطابق أسماؤهم مع أسماء الشعوب التي سكنتها، ولكن مع هذا فإن منطق الواقع والتاريخ يقرنان بأن وجود الآلهة يسبق وجود المعابد والمدن والمناطق التي سميت بأسمائهم والتي أقيمت أصلاً من أجل عبادتهم، خاصة بالنسبة لآشور الذي هو إله له وجود  شمولي وأزلي غير مخلوق كبقية الآلهة وإنما كان، كما يسمونه، الإله الذي خلق نفسه بنفسه  وهذا هو الذي سبب حيرة بعض العلماء والآثاريين في القول بأن أصول هذا الإله وكيفية تطوره غير معروفة ويبقى غامضاً في مقارنته مع بقية الألهة وهي بحد ذاتها صفة فريدة من صفات الإله  آشور التي تجعله مختلفاً كلياً عن بقية الآلهة المعروفة في بلاد ما بين النهرين. هذه الصفات والميزات الفريدة التي كان يتمتع بها الإله آشور عند الآشوريين جعلت منه أن يكون فعلاً مركزاً للتوحيد الديني والقومي عندهم والمصدر المركزي للذات الآشورية سواء أكانت دينياً أم قومياً بحيث كان آشور الحلقة العضوية في الربط بين الجانب القومي والديني للآشوريين ربطاً لا يمكن التصور بأي إمكانية للفصل بينهما ولا نستبعد أن يكون قد أنتقل مثل هذا الترابط العضوي بين الدين والقومية إلى المرحلة المسيحية وتترابطت العوامل الدينية مع القومية عند الآشوريين ترابطاً عضوياً قوياً عبر قرون طويلة من الزمن وحتى يومنا هذا.

نعود مرة أخرى إلى المقولات القائلة بأن الإنكليز هم الذين أطلقوا على هذه الأقلية المسيحية تسمية الآشوريين ولإغراض سياسية وبقصد أعلاء من شأنهم وبثت الحماس فيهم لإستغلالهم في تحقيق مآربهم الإستعمارية في العراق، فهؤلاء ليس لهم أية علاقة بالآشوريين القدماء بل هم طائفة مسيحية نسطورية وأسمهم الحقيقي هو الآثوريين والأنكى من هذا يسمونهم بالتياريين، أحدى العشائر الآشورية، وغيرها من المقولات التي تتمحور حول العقلية العراقية في فهم الشعوب والأقليات ذات التاريخ العريق في العراق ومحاولة تجريدها منه، وهو موضوع سبق وأن فصلنا عنه في كتابنا المعنون (الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر). وهذا الموضوع أي  تسمية الإنكليز للآشوريين سبق وأن تطرقنا إليه في أعلاه ولكن هنا أود أن أسطر بعض السطور عن الشين الآشورية والثاء الآثورية وتوضيح الفرق، إن كان هناك أي فرق بينهما.

في بداية التسعينيات من القرن الماضي جرت سجالات صحفية بيني وبين الإستاذة الأركيولوجية لمياء الكيلاني في معرض تساؤلها عن كيفية تحول الثاء الآثورية إلى الشين الآشورية فكان أحدى ردودي عليها كما يلي:
زاملت في بداية السبعينيات طالباً عربياً من فلسطين أثناء الدراسة الجامعية في بغداد وكان عجبه عن كيفية تحول "الآشوريين" في العراق إلى "الآثوريين" مثار أعجاب وإستغراب أيضاً ولإزالت مثل هذه الإستغراب نقول:
لغوياً: في العراق دون غيره من بلاد الشام ولبنان وفلسطين وحتى مصر، ولأسباب تتعلق بعلم الأصواب الكلامية (Phonology) تحولت "الشين" إلى "الثاء" وبالتالي أصبح "الآشوريون" في العراق معروفين بـ "الأثوريين". في حين حافظ أهل الشام وبقية البلدان على التسمية الصحيحة للآشوريين دون أي تغيير. وقد يكون مفيداً أن نسوق أمثلة على ذلك من النتاجات الفكرية لكتاب ومفكري ومؤرخي هذه البلدان ولكن نكتفي بالقول بأن "شامية" ميشيل عفلق، مؤسس حزب البعث العربي الإشتراكي، كانت قد طغت على أيديولوجية تلامينذه البعثيين في العراق عندما أعيد طبع كتابه "في سبيل البعث" لمرات عديد من دون تحويل كلمة "الآشوريين" الواردة فيه إلى "الأثوريين" عند التطرق لحركتم القومية لعام 1933.
ومن ناحية ثانية فإن تسمية "الآثوريين" عينها غريبة عن الآشوريين أنفسهم حيث كان الفرثيون أول من أستعملها عندما أحتلوا بلاد آشور وأجزاء أخرى من بلاد مابين النهرين. من جهة أخرى هناك تداخل وإحلال كبير بين حرفي "الشين" و "التاء" في اللغة السريانية/الآشورية المعاصره، فهناك العديد من الكلمات تخضع لقاعدة الإحلال خاصة بين اللهجات السائدة بين الآشوريين مثل "كتيتا أو كتيشا، ويعني الدجاجة و "بيتا" أو "بيشا" ويعني البيت و "تا أو شا" ويعني فعل تعال، وهكذا بالنسبة لكلمة "آشور" و أتور" ويعني الإله آشور أو مدينة آشور أو مملكة آشور أو بلاد آشور. ولا نستغرب هنا أن يكون الآشوريون الآيرانيون هم الأوائل الذين أشاعوا تسمية "آتور أو آتورايا".  فعندما يُسأل أي آشوري من قبل عراقي عربي، من أنت فيقول أنا "أتورايا" ولتنسيبها في العربية يقول "أتوري" ويعني آشوري وبسبب حرف "التاء" المشددة الصعبة في اللهجة العراقية تحولت، حسب القواعد الفونولوجية، إلى "الثاء" اللينة والخفيفة، فتحول "الأتوري" إلى "الأثوري" في العراق. وهي قاعدة عامة وشاملة في الكثير من اللغات القومية واللهجات المحلية في إختلاف وتبيان تسميات الشعوب والأقوام وبلدانها.
سياسياً: لأسباب سياسية تم تعميم وإشاعة إستعمال تسمية "الأثوريين" وإحلالها محل "الأشوريين" من قبل مفكري ومؤرخي النخبة الحاكمة في العراق لأهداف تتعلق بقطع الصلة بين التسميتين وإستئصال الجذور التاريخية للآشوريين في العراق وتواصلت هذه السياسة حتى أيامنا هذه. فهناك المئات من الكتب والبحوث التي صدرت في العراق كلها تسعى لتحقيق هذه الأهداف عن طريق توسيع هوة التباين اللفظي البسيط بين التسميتين "الآشوريين" و "الأثوريين" وتضخيم الخلاف والتناقض بينهما وإعطاء الثانية دلالات وأبعاداً دينية طائفية لتعكس إنطباعاً عاماً لدى العراقيين في إختلافها عن التسمية الأولى في الوقت الذي يظهر للعيان بأن الفرق بين "الشين" الآشورية و "الثاء" الأثورية ضئيل جداً يكاد لا يذكر ولا يستحق عناء التساؤل والمناقشة. وتعاظم مثل هذا التفريق بين التسميتين عند حزب البعث العراقي وبشكل فاضح ولأهداف سياسية فكرية معروفة سبق التطرق إليها في مناسبات عديدة.

عرفنا مما سبق الأحقاد والغرض السياسي والفكري من تجريد الآشوريين من أصولهم التاريخية والحضارية وهو أمر لا جدال في عدم إرتباطه بأي عوامل موضوعية ومنطقية في هذه المهمة الدنيئة والقاصدة في تحقير الآشوريين وإبقاءهم بدون أصول تاريخية ولكن من المؤسف له أن تترسب بعض من هذه المقاصد في زوايا مظلمة من الفكر المعاصر وأن تستمر مثل هذه المحاولات اليائسة. فإذا عرفنا المقاصد الدنيئة والإستبدادية لرجال الفكر والسياسة والنخب التي توالت على السلطة في العراق من تجريد الآشوريين من أصولهم التاريخية والحضارية فأنه من المؤسف أن تستمر مثل هذه المقاصد حتى يومنا هذا بين بعض الذين يبحثون عن مجد وهم لا مجد لهم ويحاولون تنسيب أصلهم إلى أنساب عريقة وهم من أصول بدوية أو تركو – مغولية  لم يساهموا حتى القليل في الحضارة الإنسانية كما فعل الآشوريون فيحاولون سرقة الكنور الحضارية والتاريخية للآشوريين وتنسبها إليهم. والأنكى من كل هذا فإن نفر قليل من أبناء أمتنا يقلدون أسيادهم في الإستبداد والظلام في تجريد أصلهم وتاريخهم من الحضارة الآشورية العظيمة لا بل يحاول البعض من هذا النفر التركيز على التسمية الأثورية بدلا من التسمية الآشورية الشائعة رسمياً وشعبياً في العراق وبنفس المقصد الذي كان حزبهم الإستبدادي حزب البعث المقبوريمارس سياسيته الإستبدادية تجاه الآشوريين. فإذا كان للبعث العراقي إغراض دنيئة في تجريد الآشوريين من أصولهم التاريخية والحضارية فأنه لأمر محير حقاً أن يقلد البعض سياسة هذا الحزب ويشاركه أفكاره وسياساته الإستبدادية تجاه الآشوريين. 

 وأخيراً أرغب التأكيد المشدد بأن الآشوريين وهم المكتوون بنيران السياسات العنصرية والشوفينية طيلة تاريخهم الطويل يدركون بأن نظرية الدم أو العنصر أو العرق في تمييز الناس والأمم على أسس بايولوجية قد أصيبت بدرجة كبيرة من السخف واللبطلان، فلهذا فإن إرجاع الآشوريين أصلهم إلى الأقوام الآشورية التي حكمت في الألف الأول قبل الميلاد لا يستند إلا على عناصر حضارية وفكرية ولغوية وإنسانية وجغرافية فالقصد من هذه السطور ليس إعلاء شأن التسمية الآشورية على التسميات الحضارية الأخرى لهم كالكلدانية والسريانية فجميعها تسمياتنا الحضارية ننظر إليها بنظرة منتفتحة لتكون علينا نعمة أما من ينظر إليها بنظرة إنفرادية مستقلة فهي نقمة بحد ذاتها.
صورة تعتبر نموذج حي لتزيف التسمية الآشورية ومحاولة فصلها عن تسمية السريان، إشارة طريق دير السريان في أورشليم فالتسمية الآشورية (Assyrian) واضحة في الصورة على اليمين ثم محيت الحرفين (As) لتقرأ (Syrian) الصورة على اليسار في الوقت الذي بقيت التسمية الآشورية واضحة في اللغتين اللاتينية والعبرية (Ashurim) . نقل من كتاب:
Fredrick Aprim, ASSYRIANS: The Continuous Sage, Xlibris Corporation, USA, 2003, P. 236.

55
من هو سرجون الذي قتل الأمام الحسين بن علي (سلام الله عليه)
حسب إدعاء السيد مقتدى الصدر؟؟

أبرم شبيرا

قرأت موضوع الأخ تيري بطرس المعنون (واخيرا ظهر ان سرجون هو قاتل الامام الحسين بن علي  في واقعة الطف) المنشور في موقعنا العزيز عنكاوه وهنا أرى مدى إهتمام الأخ تيري في متابعة كل صغيرة وكبيرة متعلقة بمسائل تخص امتنا وإهتمام بقية اخوتي الذين أغنوا الموضوع توضيحاً وتعليقاً ومن هذا المنطلق أيضاً يأتي إهتمامي بهذا الموضوع ولكن من جانب آخر يفتح مسلكاً يقودنا إلى معرفة من هو سرجون وما صحة مقتل الإمام الحسين على يده كما صرح به السيد مقتدى الصدر نقلاً عن والده رحمه الله كما جاء في كلمته المتلفزة. مع العلم بأن السيد مقتدى الصدر له مواقف مشرفة وجريئة يثنى عليها كثيرا في دعمه للمسيحيين في العراق خاصة في توفير الحماية لبعض كنائسهم أثناء الإحتفالات بأعيادهم وتحديداً في المناطق الحساسة والمتوترة مثل منطقة النعيرية والكيارة حيث الكثافة السكانية للمسيحيين في بغداد. فمن خلال حديثه يظهر بأنه لم تكن نية السيد مقتدى الصدر الإساءة والتجريح للمسيحيين من خلال إتهام سرجون بالعمالة للبيزنطينيين وبمقتل الإمام الحسين خاصة في عدم الإشارة إليه في كونه مسيحي بل جلً نيته من إتهام سرجون بهذه التهمة هو أنه حاول تهدئة وتلطيف الصراعات الدموية القائمة بين الطائفتين الشيعية والسنية في العراق وتبرئة ساحة السنة من هذه التهمة وإلقاءها على سرجون. ولكن مع الأسف الشديد لم تكن هذه المحاولة تتماشى مع المنطق والواقع والحقائق التاريخية وبناء تهمة قتل الإمام الحسين على سرجون.  فلو كان للسيد مقتى الصدر معلومات عن سرجون وعن علاقة المسيحيين المشرقيين بالمسلمين وتحديداً مع الشيعة لكان للسيد موقف وتصريح آخر يختلف كلياً مما صرح به.

أنه من متطلبات الحضارة والعصرنة أن تكون هناك حوارات مسيحية إسلامية في مختلف مجالات الحياة ولكن مع الأسف الشديد هناك حقائق تاريخية كثيرة يحاول بعض الفقهاء والمجتهدين الإسلاميين حجب أو تجاهل أو عدم المعرفة بها ويقودهم ذلك إلى بناء مواقف وممارسات لا تخدم مثل هذه الحوارات. فعلى سبيل المثال معظم مفكري الإسلام ينكرون وجود وثيقة عهد وأمان من الرسول العربي محمد (ص) إلى البطريرك الآشوري في عهد بداية الرسالة الإسلامية والتي تأكدت وتجددت هذه الوثيقة في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين. فقبل سنوات كتبت موضوعاً عن هذه الوثيقة ونشر في جريدة الخليج الإماراتية فإنهالت عليً ردود وكتابات تًكذب هذه الحقيقة التاريخية وبعضها وصلت إلى إتهامي بتزوير التاريخ والكفر. أما بخصوص دور المسيحيين خاصة من أتباع كنيسة المشرق في الحضارة العربية الإسلامية فالحديث عنه ما هو إلا تكراراً لما هو مؤكد في الكثير من الكتب والمراجع ولا يستوجبه التفصيل. وهنا أود أن أشير إلى مدى التفاعل الفكري والحضاري بين المسيحيين والمسلمين ومن خلال حقيقة واحد لها علاقة بموضوعنا هذا. فعندما نقل الأمام علي (رض) عاصمة الدولة الإسلامية في عهد خلافته إلى الكوفة كان يدرك كامل الإدراك بإن هذه المنطقة هي مسيحية بالتمام والكمال وأنها زاخرة بالكنائس والأديرة ورهبان فلاسفة من أتباع كنيسة المشرق يتقنون أرقى أنواع العلوم والمعرفة ولهم مكتبات زاخرة بإمهات الكتب والمراجع العلمية وفي مختلف الحقول. والإكتشافات الأثارية السابقة والحالية في هذه المنطقة والمعروفة بـ "بحر النجف" تبين بأنها كانت زاخرة بالكنائس والأديرة المسيحية.  والأمام علي (رض) لم يكن محارباً شجاعاً ومقاتلاً مقداماً في سبيل الإسلام وإنما كان أيضا حكيماً وعالماً ويظهر بأنه أطلع وقرأ الكثير من الكتب والمراجع التي كانت تكتظ بها خزائن الكنائس والأديرة المسيحية في هذه المنطقة. ومن يقرأ كتابه الموسوعي "نهج البلاغة" ويقارنه بحكمة وأقوال الفيلسوف الآشوري أخيقار الذي كان مستشاراً للملك الآشوري سنحاريب ((705 - 681 ق.م.)  لأدرك على الفور التشابه لا بل التطابق بين الشخصين في إفكارهم وفلسفتهم وحكمتهم مما يدل بدلالة واضحة بأن الأمام علي (رض) كان مطلعاً بل متأثراً بحكمة الفيلسوف أخيقار... ولكن أي عالم من علماء الإسلام يملكون شجاعة كافية لكي يقروا بهذا؟ لا بل كم منهم سمعوا أو قرأوا للحكيم أخيقار؟؟؟ ولو أفترضنا بأنهم فعلاً سمعوا أو قرأوا لأخيقار فأن التعصب الديني والطائفي يمنعهم من البوح بذلك.

ولعل أكثر ما يواجهها الكثير من المسلمين وعلماءهم هو صعوبة التفريق بين المسيحيين المشرقيين والمسيحيين الغربيين وفي الكثير من الأحيان يلقون مساوئ ومشاكل الغرب على المسيحيين المشرقيين في الوقت الذي لا يعرفون بأنهم عانوا الكثير من الويلات والمصاعب والإنشاقات من جراء تدخل المسيحيين الغربيين في شؤون المسيحيين المشرقيين. وهناك الكثير من الأمثلة والسوابق التاريخية في الخلط وعدم القدرة على التمييز بين حضارة المسيحيين المشرقيين وحضارة المسيحيين الغربيين ولكن حتى لا نبتعد كثيرا عن موضوعنا ونقترب أكثر من فاجعة مقتل الإمام الحسين أورد مثالاً ولو كان له جانب من الطرافة البريئة.. هناك الكثير من الشواهد تأكدها الروايات الكثيرة في مقتل الأمام حسين في منطقة كربلاء ومنها رواية نصراني الذي نصر الحسين حينما كان مطعوناً بالعديد من الطعنات وكل أصحابه وأقاربه وأصدقاءه فروا منه وتركوه على حافة الموت خوفاً من بطش جنود زيد بن معاوية بن أبي سفيان. أتذكر هذه الرواية ونحن في مرحلة الصبا كنا نذهب إلى المواكب الحسينية في منطقة "تسعين" في كركوك حيث كانت تتلى الروايات وتمثل أيضا حادثة مقتل الحسين على مسرح بسيط  وحينما كان الراوي يروي رواية النصراني الذي نصر الحسين كان يظهر على المسرح رجل بكامل لباس رعاة البقر "كابوي" واضعاً قبعة على رأسه ولابساً حذاء (جزمه - بوت) مثلما كان يلبسه رعاة البقر الأمريكان وفي يده إناء (طاسه) بإعتباره نصراني يسقي الماء للشخص الراقد على أرض المسرح بأعتباره الأمام الحسين الغارق في دماءه الذي طعن بطعنات عديدة وقتل أخيراً من قبل سنان بن أنس وشمرين ذي الجوشم وليس سرجون كما يدعي السيد مقتدى الصدر. هذا التصور في عدم إمكانية الكثير من المسلمين التمييز بين مسيحيي الشرق وحضارتهم وثقافتهم وعقليتهم عن مسيحيي الغرب وحضارتهم وثقافتهم وعقليتهم يذكرني برواية أخرى في هذا السياق رواها لي صديق إذ يقول بأنه عندما كان شاباً في كركوك يدخل مع غيره من الشباب الآشوري في عراك مع شباب مسلمين من منطقة أخرى وعندما ينهزمون هؤلاء الآخيرين يبدأون برشق الشباب الآشوري بشتى السباب والإهانات للملكة إليزابيت الثانية ملكة بريطانيا وجون كيندي الرئيس الأسبق للولايات المتحدة معتقدين بأنهم من أقارب أو أولاد عم لهؤلاء الآشوريين المسيحيين.

لاتوجد شاهدة ولا رواية ولا وثيقة تقول بأن سرجون هو الذي قتل الإمام الحسين كما زعم  السيد مقتدى الصدر. فالذين قتلوا الأمام الحسين معروفين في تاريخ الشيعة وآل البيت بشكل خاص وفي تاريخ الإسلام بشكل عام وليس سرجون. ولكن من هو سرجون وما علاقته بالموضوع؟   من المؤكد بأن إشارة السيد مقتدى الصدر إلى سركون ليس إلا المقصود سرجون بن منصور الذي عاصر فترة مقتل الإمام الحسين. وسرجون بن منصور هو من أشهر مسيحيي دمشق ومن أتباع الكنيسة السريانية الأرثوذكسية وكان المستشار المالي (وزير المالية) للخليفة معاوية بن أبي سفيان أول خلفاء الدولة الأموية في الشام وأستمر في هذا المنصب حتى في عهد يزيد بن معاوية الذي في عهده قتل الأمام الحسين في كربلاء. وتولى أبناء سرجون عدة مناصب إدارية ومالية في ديوان خلفاء الأمويين حتى مجئ الخليفة الوليد بن عبد الملك. ومن أحفاد سرجون بن منصور  القديس يوحنا الدمشقي أحد أباء ومعلمي الكنيسة المشهورين. فكل الدلائل التاريخية تشير بأن سرجون وأولاده كغيرهم من المسيحيين المشرقيين الذين ساهموا في بناء الحضارة العربية الإسلامية لم يتدخلوا لا في المسائل العسكرية ولا في الشؤون السياسية للحكم الإسلامي، بل جلً جهودهم كانت علمية وإدارية ومنذ بداية الدولة الأموية في الشام لعب المسيحيون المشرقيون دوراً كبيرا في إدارتها من جميع النواحي خاصة المالية منها لهذا السبب فإن الدولة العربية الإسلامية في عهد الخلافة الأموية أمتدت إلى مساحات شاسعة وصلت حتى إلى الأندلس. إن إتهام سرجون الذي كان يخدم الخليفة الأموي بالعمالة للبيزنطينيين أمر مخالف مخالفة كبيرة للواقع والحقيقة والمنطق أيضا لأن في تلك المرحلة كانت الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في خلاف مع الكنيسة البيزنطينية ليس بسبب العقيد وإنما أيضا بسبب إختلاف العقليات والحضارات واللغات بين الكنيستين لا بل تعرض أتباع الكنيسة السريانية الإرثوذكسية إلى إضطهادات ومطاردات من قبل الكنيسة البيزنطينية وإلى العديد من المحاولات للقضاء على إستقلالية الكنيسة وإخضاعها للأمبراطور البيزنطيني كما كان الحال سائداً في تلك الفترة في خضوع الكنائس للإمبراطور. هذا إضافة إلى إفتقار إتهام سرجون بمقتل الإمام الحسين  إفتقاراً شديداً إلى المنطق حيث من المعروف بأن الدولة الأموية كانت في صراع مستديم مع البيزنطيين والخلاف أو الصراع بين يزيد بن معاوية والإمام الحسين لم يكن بسبب المذهب أو العقيدة وإنما كان بسبب أحقية آل البيت في خلافة المسلمين ورفض بني أمية لهذا الأمر. فأين المنطق من أن يكون سرجون عميل للبيزنطينيين ويقتل الإمام الحسين منافس يزيد على الخلافة  في الوقت الذي كان من مصلحة البيزنطينيين أن تكون هناك مقاومة ضد يزيد والمتمثلة في  ثورة الإمام الحسين ضد حكم يزيد لا بل المنطق يقول بأنه كان أيضاً من مصلحة البيزنطينيين دعم لمثل هذه المقاومة ومساندة قائدها ضد عدوهم اللذوذ المتمثل في الدولة العربية الإسلامية التي شارفت جيوشها على تخوم أمبراطوريتهم؟   

وأخيراً لم يبقى إلا أن نقول ونؤكده بأن التاريخ أثبت وبحق وأمانة بأن المسيحيين في البلدان العربية والإسلامية بقوا طيلة حياتهم ومنذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا من أكثر الناس إخلاصاً لوطنهم ولأبناء شعبهم وهو الإخلاص الذي لايمكن أن ينفذ من خلاله أية خيانة للوطن ولشعبه، فالمسيحيون المشرقيون خدموا المسلمين وحضارتهم أكثر مما خدموا أنفسهم ولكن هل هناك من يثمن مثل هذه التضحيات التي قدمها المسيحيون أم الأمر هو عكس ذلك تماماً فيتجاوز تجاهل هذا الأمر إلى حدود القتل والإختطاف والإقتلاع من جذورهم التاريخية كما هو حاصل في العراق وبقية الدولة العربية ذات الربيع الملبد سماءه بغيوم سوداء تزيد من عتمة طريق الحياة نحو المجهول.     




56
قراءات أخرى في كتاب "التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق" - 2
أبرم شبيرا

في القسم الأول من هذا الموضوع تطرقنا عن شخصية المؤلف الأستاذ عبد المجيد حسيب القيسي ومن ثم كيفية صدور الكتاب في ثلاث طبعات وكنت في حينها قد كتبت رداً على الكتاب ونشر في جريدة الحياة اللندنية ثم قام الإستاذ القيسي بكتابة رد على ردي ونشر أيضا في نفس الجريدة وهكذا جرت مناقشات وجدالات بيني وبينه وقمت بزارته عدة مرات في أبو ظبي إستكمالاً لهذه المناقشات التي سادها جو عالي من الإحترام والتقدير وتثمين جهود الكاتب في إصدار هذا الكتاب القيم وبيان بعض نواقصه التي تقبلها بكل رحابة صدر وإنشراح الفكر... كان رحمه الله رجلاً عظيماً فكرياً وإخلاقيا وفي هذا القسم الثاني سوف نحاول تقييم الكتاب من ناحيتين: المراجع وبعض من محتوياته فيما يخص أصل الآشوريين وكيفية فهم مسألتهم السياسية في العراق.

تقييم الكتاب:
بغنـى عن محتويات وأفكار واجتهادات أي كتاب عن الآشـوريين، سواء أكان مجحفاً وظالمـاً بحقهم أو منصفا ومساندا لطموحاتهم القومية والوطنيــة المشروعة، فهو يعتبر إضافة جديدة يساهم بشكل أو بأخر في تفعيل الدراسات والبحوث عن الآشوريين ويزيد من فاعلية المسألة الآشورية ومن إثارتها، وبالتالي يؤكد حيويتها، تلك الحيوية التي تحالف الإنسان الباغي مع الزمان القاسي تحالفاً غير مقدساً على طمسها في عالم النسيان، وهو التحالف الذي كان قد تجسدت نتائجه في سياسة حزب البعث الحاكم في العراق في منتصف السبعينات تجاه الآشوريين عندما قام بسحب كافة الكتب التي كانت تتناول تاريخ الآشوريين من المكتبات العامة أو منع طبعها أو نشرها أو حصر تداول البعض منها على نطاق خاص وضيق ولاعتبارات أمنية وحزبية. وكتاب رياض رشيد الحيــدري (وهو كردي الأصل مستعرب) المعنون " الآثوريــون في العراق 1918 - 1933 "، والذي اعتبره القيسي مرجعاً أساسيا أقتبس منه معظم معلوماته عن الآشوريين، هو مثال من بين عشرات الأمثلة على ذلك. فهذا الكتاب الذي كان بالأساس أطروحة ماجستير في التاريخ الحديث ، طبع في القاهرة ومنع تسويقه في العراق وحتى النسخ القليلة التي أتيحت لطلاب الدراسات العليا والباحثين الإطلاع عليها في المكتبة المركزية لجمامعة بغداد ختمت بعبارة "للتداول المحدود" من قبل مديرية رقابة المطبوعات ثم أختفى من المكتبة كغير من الكتب التي كانت تتناول تاريخ الاشوريين ومسألتهم في العراق على أثر سياسة حزب البعث الإستبدادية في حملة "إعادة كتابة التاريخ" في منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

 وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع مؤلف الكتاب موضوع البحث ، نؤكد التقدير والتثمين له على هذه الإضافة الجديدة لجدول الكتب التي تبحث في تاريخ الآشوريين وفي مسألتهم القومية في العراق. ولكن حتى لا نخون مبادئنا القومية الإنسانية التي تولدت من مخاض مأساة الآشوريين المستديمة ونبقــى أوفياء للحق الآشوري الذي غبــن كثيراً، وحتى نكون أيضا مخلصين للأمانة العلمية والتاريخية يجب أن لا يلغي هذا التثمين والتقدير واجبنا في تدقيق محتويات الكتاب ودراستها دراسة علمية صحيحة وتقييمها وإظهار عيوبها وقصورها ثم محاولة تقويم اعوجاجها. كما يجب أن لا يمحي طموحنا المشروع في قراءة كتاب يضع الحق الآشوري في نصابه الصحيح ويعالج وقائع تاريخ الآشوريين ومسألتهم القومية معالجة علمية سـليمة. وفي سياق هذه المهمة سنحاول وبقدر الإمكان التخلي عن الأسلوب التقليدي الأكاديمي في عرض وتقييم الكتاب شكلا ومضمونا ومتابعة محتوياته خطوة فخطوة وتقييم معلوماته المسهبة، فهذه المسالة يتطلبها مجلدا كاملاً ، لذلك سنكتفي بمعالجته بشكل عام ومن زاويتين : الأولى ، من حيث المراجع المعتمد عليها، والثانية، من حيث بعض المضامين والأفكار والاجتهادات لأحداث مهمة أشار الكاتب إليها في كتابه هذا مختصرين بقدر الإمكان.

أولا : من حيث المراجـــع
معظم مراجع الكتاب هي المراجع العراقية الرسمية ومذكرات وأوراق رجال النخبة العراقية الحاكمة الذين اشتركوا بشكل أو بآخر في تأجيج أحداث المسألة الآشورية والمذبحة التي أعقبتها في سميل عام 1933 أو هي مراجع لكُتاب ساهموا في ترسيخ وتعميم القيم والمفاهيم والسياسات الاستبدادية التي تبنتها الأنظمة السياسية المتعاقبة على السلطة في العراق في تعاملها مع الآشوريين. والكتاب الأجنبـي الوحيد الذي أعتمه هو كتاب  " العراق 1900 - 1950 " لمؤلفه البريطاني ســتيفن لونكـرك الذي عمل في خدمة وزارة الداخلية العراقية أثناء تلك الفترة وهو معروف بمواقفه وتعاطفه مع الحكومة العراقية حينذاك والذي ظل " يحب العراق " كما يدعي،  حتى بعد تسريحه من الخدمة والانعكاف لإنجاز كتابه هذا والذي ظهر فيه عدم تأثره بالدماء الآشورية الطاهرة التي أريقت في ســميل مثلما "تأثر" زميلـه البريطاني لونارد ستافورد، وأنبه ضميره لدوره القذر في تعقيــد الأحداث، فاستقال من منصبه كمفتش إداري في لواء الموصل التابع لوزارة الداخلية، أو الأصح صرف من مهمته بعد انتهاءها بانتهاء مذبحة سميل، فعاد الى أهلـه في بريطانيا ليكتب كتابه المعروف " مأساة الآشوريين " والذي تعذر على القيسـي الإطلاع عليه وقراءته رغم توفره لدى بعض الأشخاص والمكتبات الرئيسية.

أما بالنسبة لكتاب رياض رشيد، السالف الذكر، والذي اعتمده السيد القيسي اعتماداً رئيسياً في اقتباسه للمعلومات وأقر له الكثير من الفضل والامتنان لكونه كتاب جامع لتاريخ الآشوريين وملم بجميع أو أغلب ما كتب عنهم، فأنه، على الرغم من إشارة القيسي الى السلبيات الواردة في هذا الكتاب إلا أنه لم يأخذه مأخذ الجد وبالاعتبار المطلوب في فهم تاريخ الآشوريين عندما اقتبس منه معظم معلوماته. ولبيان حجم أعتماد السيد القيسي على هذا الكتاب فأنه ذكره في (70) هامش هذا إضافة إلى إقتباسات وإشارات كثيرة له في متن الكتاب. وحتى نضع أمور هذا " المرجع الأساس"، كما يسميه السيد القيسي، في نصابه الصحيح نود أن نبين بشأنه ما يلي :
أ - الكتاب بالأصل أطروحة جامعية من القاهرة أهل انضمام الكاتب الى حزب البعث الحاكم ميزة الحصول على البعثة الدراسية للكتابة عن هذا الموضوع ونيل الشهادة الأكاديمية عنه فهو، أي الكتاب،  "إيفاء والتزام" من الكاتب تجاه فضل حزبه .
ب - زار الحيدري أثناء فترة جمع المعلومات وإعداد أطروحته النادي الثقافي الآشوري في بغداد، مركز استقطاب المثقفين الآشوريين في السبعينيات من القرن الماضي، وحصل على معلومات وبيانات مفيدة لمشروعه العلمي ثم تبين بعد إنجازه بأنه خان الأمانة العلمية وزيف الكثير من الحقائق وأخفى أو أهمل تلك التي كانت تتعارض مع منهجه البعثي في دراسة تاريخ الآشوريين في العراق وتبرير شرعية إستبداد السلطة تجاه المسألة الآشورية. 
ج -  صحيح أن كتاب الحيدري جامع وملم بكل ما كتب عن الآشوريين "ويكشف عن حقائق لم يجرؤ أحد قبله على كشفها" كما يدعي السيد القيسي، إلا أن لهذه الميزة أسباب : أولهما : الأهمية المخابراتية للموضوع من جهة، وانتماء الكاتب للحزب الحاكم من جهة أخرى، منحتا له  ميزة أو تسهيلات  للتنقيب والبحث في الوثائق والمستندات والمراسلات المهمة والسرية المتعلقة بالمسألة الآشورية التي تكتظ بها خزائن الدوائر الأمنية في العراق. وثانيهما : كون الكتاب بالأساس أطروحة جامعية تشكل صفتا الشــمول والإلمام من الصفات الأساسية لكل أطروحة جامعية، كما وان الكتاب كان آخر ما كتب عن الآشوريين في العراق ، فاستفاد المؤلف من كل ما سبق وكتب عن هذا الموضوع.
د - كتاب الحيدري ، كما يقول السيد القيسـي،  "هو أول كتاب باللغة العربية يكسر طوق الحجر الفكري ويخرج عن الإجماع التاريخي والرسمي والوطني بشأن المسألة الآشورية" غير أنه لم يخرج أيضا عن ، بل التزم التزاماً كاملاً، بأيديولوجية حزب البعث الحاكم في تزييف تاريخ الآشوريين وامحاء أساسهم القومي والتاريخي في العراق والتعامل معهم كطائفة مسيحية بهدف تحقيق سياساته الاستبدادية تجاههم. وهو ما أكده السيد القيسي بنفسه عندما ذكر انجرار الحيدري خلف التفسير الرسمي لحزب البعث وعدم قدرته الخروج منه مما أوقع نفسه في تناقض واضح تجاه استقامة رأيه حول هذا المصدر الذي اعتبره أهم مصادره في تأليف كتابه عن الآشوريين.
هـ - وأخيراً ، قد تجدر الإشارة الى النتائج التي آلت الى الحيدري من وراء كتابه هذا عن الآشوريين.  تجاريا، الكتاب منع تسويقه في العراق كما سبق ذكره. أكاديمياً ، لم يؤهله موضوع الكتاب ارتقاء مناصب علمية سوى تدريس مادة "الثقافة القوميــة" في أحدى كليات جامعة بغداد والتي كان الطلاب يسخرون منها ويطلقون عليها "السخافة القومية" لأنها لم تكن أكثر من تطبيل وتزمير لأفكار حزب البعث الحاكم. ولا أدري فيما بعد إذا كانت "حيدريتـه" قد سمحت له في ظل نظام البعث العشائري الاستبدادي ارتقاء مناصب علمية أخرى.
أعترف بأنني أسهبت بعض الشيء في كتاب الحيدري وقصدي من ذلك كان بيان حقائق أخرى عنه طالما أسرف السيد   القيسي في اعتماده كمرجع أساسي في دراسته عن القضية الآشورية في العراق. كما قد يأتي إسرافي في التعليق على كتاب الحيدري في هذه المناسبة كرد جزء من الدين المترتب على اعناقي منذ أمد بعيد لكتابة بعض الملاحظات الانتقادية حوله والذي طالما طالبوني بها بعض الأصدقاء والقراء.

ومن الملاحظات الأخرى على المراجع التي اعتمدها السيد القيسي ، هي كون جميعها مصادر معروفة ومنشورة وســبقه الكثير من الكتاب والباحثين اعتمادها وتحليلها ونشرها لذلك لم يأتي أو يذكر مرجع جديد أو بحث أو اعتمد على بعض المراجع القيمة والنزيهة في المسألة الآشورية ولكتاب وباحثين معروفين بالنزاهة والاستقامة العلمية والموضوعية، مثل كتاب الأستاذ عبد الغني الملاح المعنون " تاريخ الحركة الديموقراطية في العراق " في طبعته الأولى ، وليس الثانية التي أخضعها حزب البعث الحاكم الى سياسته الشوفينية في منهجه الخاص بـ "إعادة كتابة التاريخ" وحذف منه صفحات مهمة تشير إلى صلة آشوريي اليوم بالأشوريين القدماء. كما هناك كتب ومراجع علمية وموضوعية عالجت وحللت إستبدادية السلطة في العراق تجاه المسألة الآشورية بكل نزاهة وأخص بالذكر هنا كتاب "جمهورية الخوف" للكاتب والأكاديمي العراقي "سمير الخليل" وأسمه الحقيقي كنعان مكية.

يعترف السيد القيسي بأن ما اعتمده من مصادر ليست بالشاملة والوافية حيث يقول بأنه لم يتسنى له الإطلاع على مراجع مهمة وعديدة صدرت حول الموضوع وباللغتين الآشورية والإنكليزية ولغات أخرى رغم ترجمة العديد منها الى العربية. كما تعذر عليه الإطلاع على أهم المراجع قاطبة بهذا الشأن، وأقصد الوثائق البريطانية، وهو عذرُ أقبح من الفعل نفسه، لان جميع هذه المراجع متوفرة ومتاحة ولا نجد إطلاقا العثور عليها والإطلاع عليها مشقة أو صعوبة تذكر، سيما وأن الكثير منها متوفرة في المكتبات وعند بعض الآشوريين أو غيرهم سواء أكانوا أفراد أو مؤسسات. وعلى الرغم من اعتراف الكاتب إهماله لهذه المراجع المهمة وعدم إطلاعه عليها ، فان هذا بحد ذاته يعتبر مسألة غير مقبولة من الناحية العلمية والمنطقية وإلا لما استوجب تأليف ونشر هذا الكتاب طالما أفتقر الى المراجع المهمة والى الأساس العلمي والموضوعي المطلوب في البحث، خاصة عند البحث عن تاريخ شعب من شعوب المنطقة وعن مسألته السياسية والقومية التي شغلت العراق وطغت على سطحه السياسي في النصف الأول من القرن الماضي. لهذا السبب ستنعكس مشكلة المراجع على مضمون محتويات الكتاب، وهذا ما سيتأكد لنا فيما بعد .

المرجع الآشوري اليتيم الذي اعتمده القيسي في كتابه هو مقالتنا المنشورة في جريدة " الشرق الأوســط" اللندنيــة عدد 5375 في 16/8/1993 والمعنونة بـ "التعامل مع الأقليات في مسار تاريخ العراق السياسي" والتي كتبتها بمناسبة مرور ستين عاماً على مذبحة الآشوريين في سميل. وحتى هذا المرجع البسيط فأنه لم يكن استخدامه موفقاً ومناسباً وإنما يبدو وكأنه حشر حشراً في الكتاب ولم يتسق مع سياق الموضوع. كما وأن اقتباس صفحتين أو أكثر من أي مرجع مسألة غير صحيحة تفقد التوازن العلمي للكتاب، وهي الصفة الطاغية على الكتاب حيث هناك نصوص طويلة من ذكريات رجال الحكم في العراق وبيانات رسمية ومقاطع كتب مقتبسة من المراجع المعتمدة معظمها منشورة في السابق ومعروفة للباحث أو للقارئ في تاريخ العراق السياسي الحديث وبدت كأنها تكرار لما سبق نشره. وإذا كان اعتماد الكاتب على المراجع التي ذكرها ينحصر على اقتباس وقائع تاريخية أو مراسلات رسمية ووثائق وبيانات وأحاديث أو ذكريات لرجال الحكم والسياسة لكان الأمر مقبولاً من الناحية الشكلية، وإن كانت المصداقية العلمية والأمانة التاريخية لأصحاب هذه المراجع  مهزوزة أو مفقودة في أحيان كثيرة، إلا إن السيد القيسي تجاوز ذلك كثيراً في اعتماده على هذه المراجع وبلغ به الأمر الى درجة اعتماده اعتماداً كلياً على آراءهم وتفسيراتهم واجتهاداتهم حول الآشوريين وأصلهم ومسألتهم في العراق في بناء تصوراته وأفكاره عنهم، وهي ظاهرة غير علمية وغير سليمة، بل هو أسلوب انتقائي، طالما أقر الكاتب نفسه سلفا موقفه الفكري المعارض من هؤلاء الكتاب. فلا يجوز، كما يقول السيد القيسي، اعتبار عبد الرزاق الحسني فاقداً للحيدة والموضوعية والحس التاريخي والتحليل الصائب أو وصف عبد الرحمن البزاز بالمنساق وراء أوهام العزة والكرامة والمندفع الى تجاهل واقع الحال والقفز فوق الحقائق، كما لا يجوز القول بأن غلبة التفسير التآمري للأحداث على تفكير رياض الحيدري واعتماده التفسير الرسمي لحزب البعث الحاكم في العراق لأحداث التاريخ ومن ثم رجوع القيسي نفسه واعتماد آراء هؤلاء الكتاب واستنساخها في أصل الآشوريين وفي تاريخهم ومسألتهم القومية في العراق واعتبارها مراجع مهمة له في كتابه في الوقت الذي هو نفسه أقر بمواقف هؤلاء المعادية للآشوريين. لهذا السبب لم يستطيع الكاتب الخروج من طوق هذه الآراء طالما كان اعتماده الرئيسي عليها، وهذا ما سيظهر وبكل وضوح في بحث مضمون محتويات الكتاب. وقد يكون من الطرافة أن نذكر عجز السيد القيسي في فهم أصل الآشوريين وقضيتهم من خلال عجزه عن كتابة أسمي عند الإشارة إلى مقالتي أعلاه حيث ذكره عدة مرات بصيغ عديدة ومختلفة.

ثانياً : من حيث المحتوى:
بين اعتماد الكاتب اعتماداً كلياً على المراجع المعادية للآشوريين وإغفاله للمراجع الآشورية والمحايدة أوقع نفسه في تناقض كبير يقوم على الإيجاب والسلب. يتمثل جانب الإيجاب في قدرة الكاتب على تحليل المراجع العراقية والرسمية المعتمدة ومن ثم الوصول الى نتائج موفقة في فهم السلوك السياسي للنخبة الحاكمة تجاه القضية الآشورية. وكان الكاتب منطقيا وموضوعيا في الاجتهادات التي توصل إليها في تفسيره لتعسف وتضليل الحكومة العراقية للمسألة الآشورية وأقترب كثيرا من الحقيقية، لا بل واندمج بها اندماجاً تاماً عندما فهم السياسة العراقية الحقيقية الرامية الى تصعيد الأحداث وتوصيلها الى الحافات الهاوية بهدف ذبح الآشوريين في سميل مسجلاً بذلك بادرة تثلج قلوب الآشوريين المكتويين بنيران الأنظمة الاستبدادية وسياساتها الفاشية تجاه طموحاتهم القومية والوطنية المشروعة، وهي بادرة سيتحسسها القارئ اللبيب ابتداءً من الصفحات الأولى للكتاب، لذلك لا نرى سبباً في الإطناب فيها سوى تأكيد الثناء والتقدير لهذا الموقف الإيجابي.

أما الجانب السلبي لمحتوى الكتاب فيتمثل في إخفاق الكاتب في فهم أصل وتاريخ الآشوريين، لا بل وتجاوز في أحيان كثيرة حدود الإساءة والتجريح لهم ولتاريخهم ولزعامتهم الدينية والقومية، وهي نتيجة منطقية وحتمية توصل إليها الكاتب بسبب اعتماده الكلي على المراجع المعادية للآشوريين وإغفاله المراجع الآشورية والمحايدة وهو الإغفال الذي لا يمكن قبول أعذاره لأنــه يفقد الدراسة موضوعيتها ويحرفها نحو جانب واحد بعد أن تكون قد فقدت أهم جوانبها المتمثل في الحس الآشوري أو رأي الآشوريين في أصلهم وتاريخهم ومضامين مسألتهم القومية في العراق والذي كان يجب أن يشكل الركن أو الأساس الآخر لموضوع الكتاب. فالمنطق يقول لا يمكن دراسة الظواهر من دون معرفتها، لذلك فدراسة السيد القيسي للقضية الآشورية جاءت من خلال معرفته للجانب المعادي لها وليس من خلال صاحب القضية نفسه فبالتالي جاءت كدراسة "عرجاء" لا تستقيم مع المسار الحقيقي للقضية الآشورية كما هي في حقيقتها الموضوعية.

من هذا المنطق نقول لو توفرت للكاتب المراجع الآشورية والمحايدة واطلع عليها لوجد بأن آشوريي اليوم يرتبطون بآشوريي الأمس بجملة صلات وروابط حضارية ولغوية وتراثيـة لا يزال يمارسونها منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا وليسوا مجرد "مجموعة قبائل مسيحية الدين ونسطورية المذهب" كما يدعي الكاتب مقلداً بذلك معظم مفكري ومؤرخي تاريخ العراق الحديث، وهو الادعاء نفسه الذي كان يتبناه حزب البعث الحاكم في العراق في تعامله مع الآشوريين. فمن الظلم والجور والتجاوز على الحقيقية الموضوعية عندما يتم تحجيم تاريخ الآشوريين بتاريخ طائفة واحدة من طوائفـه الدينية المتعددة، فمثله كمثل من يُعرف العرب بطائفة السنة أو الكرد بالطريقة النقشبندية ... وهكذا. فمن المعروف بأن الآشوريين، كغيرهم من الشعوب والأقوام، ينتمون الى طوائف دينية مختلفة والى وحدات عشائرية اجتماعية متعددة. فلو أتيحت للكاتب فرصة الإطلاع على بعض المصادر الآشورية التي أرخت نشؤ الحركة القومية الآشورية، لعرف بأن معظم زعماء هذه الحركة ومفكريها كانوا من طوائف غير الطائفة النسطورية كالطائفة السريانية الأرثوذكسية والطائفة الكلدانية الكاثوليكية. فجميع هؤلاء الزعماء والمفكرين ناضلوا وكتبوا عن الحركة القومية الآشورية وأسسوا منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين مؤسسات قومية لا زال البعض منها قائماً حتى الوقت الحاضر. واليوم ، وبنفس الوعي والإدراك يناضل الكثير من الآشوريين ومن مختلف طوائفهم ويقدمون الشهداء من أجل مواصلة هذه الحركة نحو تحقيق أهدافها القومية والوطنية النبيلة. لو اطلع الكاتب على مرجع آشوري أو محايد يتناول الفترة الحرجة التي خلدت اسم الشهيد مار بنيامين شمعون بطريريك كنيسة المشرق قبل وأثناء الحرب الكونية الأولى لأنصدم من الفرق الشاسع من أن يكون هذا المغدور "رجلاً ضعيف الرأي والإرادة واهن العزم"  كما يدعي الكاتب، وبين أن يكون مار بنيامين الشهيد بطلاً من أبطال التاريخ الآشوري قاد شعبه في أصعب وأحلك الظروف وضحى بأخيه وبنفسه من أجل كرامة وعزة شعبه. وقصة هذا البطل الخالد، الذي يعتبر رمزاً قومياً ودينياً عند الآشوريين، ملحمة بطولية نادرة ليس في تاريخ الآشوريين فحسب بل في تاريخ شعوب المنطقة أيضا، يصعب، لا بل يستحيل فهمها، على من لم يطلع على كتاب آشوري أو محايد واحد يتناول تلك المرحلة.

أما المسائل المثار في الكتاب مثل هجرة الآشوريين الى العراق وانضمامهم الى قوات الليفي ودورهم في ضرب الحركة الوطنية وغيرها من المسائل المكررة أيضا من قبل معظم مؤرخي  تاريخ العراق الحديث ومفكري النخبات الحاكمة في العراق والتي تنم عن حقد وكراهية تجاه الآشوريين، فأنني كامل اليقين بأنه لو تسنى للكاتب الإطلاع على جزء يسير من الوثائق البريطانية الضخمة التي تناولت هذه المسائل بشكل مفصل ودقيق لكان قد توصل الى قناعات أخرى تخالف مخالفة كبيرة لتلك التي توصل إليها وكان قد أكتشف بأن الآشوريين لم يهاجروا من تركيا الى العراق بل أن القسم الأعظم منهم كان يعيش ولا يزال في المناطق التي أصبحت عراقية بعد رسم الحدود بين العراق وتركيا. وحتى الآشوريون (النساطرة) الذين نزحوا من منطقة هيكاري التي اصبحت ضمن أراضي تركيا بعد رسم الحدود، فانهم لم ينزحوا من تركيا الى دولة العراق التي لم تكن قائمة في تلك الفترة بل أنهم انتقلوا، أو بالأحرى هُجــروا بسبب الحرب، من منطقة الى منطقة أخرى ضمن بلاد كانت تعرف بـ "بلاد ما بين النهريــن"، موطنهم الأصلي، والذي كان خاضعاً للدولة العثمانية قبل تأسيس كيان العراق ثم أصبحوا ضحية للمناورات السياسية الخبيثة وثمناً رخيصاً لتسويات الحدود الغادرة التي تمت بين بريطانيا وتركيا لصالح ضمان حدود كيان العراق الفتي، نتيجة ذلك تحولوا الى " أقلية وافدة " حسب المفهوم العراقي السائد عن الآشوريين، وهو المفهوم الذي لو تم تطبيقه على بقية العراقيين لوجدنا بأن ملك العراق المغفور له فيصل الأول وأبناءه وأهله أقل عراقية من الآشوريين الهيكاريين، وأن قسم كبير من عشائر سكان العراق الجنوبي والشمالي كان قد نزح الى العراق واستقر فيه بعد تأسيس كيانه السياسي، فهل يقبلون هؤلاء أن ننعتهم بشعب وافد الى العراق ؟؟ .

أما مسألة قوات الليفـي " المرتزقة " هي الأخرى مسألة عويصة ومعقدة يفتح التطرق إليها صفحات سلبية ومؤلمة في تاريخ العراق الحديث لا يملك الكثير من المؤرخين العراقيين الشجاعة الأدبية الكافية لمناقشتها مناقشة موضوعية كما هي موثقة ذلك لأنها ستكشف بكل وضوح بأن قوات الليفي العربية والكردية هي التي ساهمت في ضرب ثورة العشرين في العراق وفي قمع تمرد شــيوخ العشائر وأن الآشوريين في تلك الفترة كانوا منهكين مشردين في مخيم بعقوبــة للاجئين لا حولة لهم ولا قوة وأنهم لم ينضموا رسمياً الى هذه القوات إلا بعد تأسيس دولة العراق والجيش العراقي وتسريح قوات الليفي العربية والكردية وانضمامهم الى الجيش الجديد حيث أن الإنكليز، لا بل حتى الحكومة العراقية، كانوا بحاجة شديدة الى قوات متمرسة في حروب الجبال لضمان حدود العراق الشمالية من أطماع تركيا في ولاية الموصل لأن جيش العراق الناشئ لم يكن يملك خبرة قتالية في الجبال العاصية فاستطاع الإنكليز استغلال الآشوريين في تثبيت كيان العراق السياسي واستقرار حدوده على حساب تعاظم مأساتهم ومعاناتهم  في العراق. هذه المسائل التي يطول الحديث عنها مفصلة تفصيلاً أكثر إقناعاً في بعض المقالات والبحوث التي نشرتها في بعض الجرائد والمجلات وفي كتابي الأخير المعنون "الآشوريون في السياسة والتاريخ المعاصر " الذي أصدره اتحاد الأندية الآشورية في السويد وقد قمت بأهداء السيد القيسي نسخة منه.

لقد حاولت جلّ جهدي أن اكتفــي بهذا القدر من الملاحظات عن هذا الكتاب ، إلا أن كثرة المخالطات الواردة فيه ولدت لدي حوافز للاستمرار في إبداء ملاحظات أخرى مهمة على المسألة الآشورية. ومن هذه المخالطات التي وقع فيها السيد القيسي في كتابه، موقف الإنكليز المساند لاغا بطرس ولمشروعه السياسي في إقامة كيان آشوري شامل لجميع الطوائف الآشورية في شمال بيت نهرين. فالعكس هو الصحيح، فالإنكليز كانوا يمقتون اغا بطرس مقتاً شديداً ولأسباب مختلفة منها طائفية، لأنه كان كاثوليكياً، ومنها ثقافية ، لأنه كان فرنسي الثقافة والتوجه، ومنها سياسية، لأنه كان عارفاً بحيل وألاعيب الإنكليز تجاه الآشوريين من جهة، وملما بفنون لعبة المساومات السياسية بين الدول العظمى حينذاك خاصة بريطانيا وفرنسا وروسيا من جهة أخرى، وهذا كان يزعج الإنكليز ويزيد قلقهم تجاه ذكاءه وفطنته وتجاه طموحاته القومية. صحيح أن الإنكليز أظهروا في البداية تأييدهم لمشروع اغا بطرس لا لشيء إلا بهدف استغلاله لضرب الحركة الكردية وضمان حدود العراق الشمالية من أطماع تركيا غير أنه بعد قرار مؤتمر القاهرة لعام 1921 والقاضي بتأسيس دولة عربية في العراق ونصب الأمير  فيصل بن الشريف حسين على عرشها  أنقلب الإنكليز على اغا بطرس لأن مشروعه كان يتناقض مع قرار مؤتمر القاهرة لذلك حاربوه وأفشلوا مشروعه. وإزاء إصرار اغا بطرس على النضال لتحقيق مشروعه دبر الإنكليز قراراً لنفيــه من العراق الى فرنسا، فلم يهرب كما يدعي السيد القيسي في كتابه،  وعندما تصاعدت وثائــر الحركة الآشورية في العراق وازدادت حالة التوتر مع الحكومة العراقية ومستشاريها الإنكليز حاول اغا بطرس العودة الى العراق إلا إن القنصلية البريطانية في مدينة بوردو الفرنسية رفضت ذلك ومنعته رغم إصراره على ضرورة العودة إلى العراق والالتحاق بالحركة الآشورية. غير أنه بعد أيام وُجــد ميتاً في أحد شــوارع مدينة تولوز الفرنسية وفي ظروف غامضة ومثيرة للتساؤل وجهت أصابع الاتهــام في حينها إلى الإنكليز وأعوانهم لتقول بأنهم دبروا أمر تسميمه وقتله. هكذا نحن الآشوريون نفهم اغا بطرس كرمز من رموز النضال القومي وبطلاً من أبطال التاريخ الآشوري ومن لا يفهم رموز الآشوريين وأبطالهم لا يمكن إطلاقاً أن يفهم قضيتهم ويدرس تاريخهم بموضوعية نزيهة.

أما بالنسبة لمواضيع مشروع إسكان الآشوريين والتفاصيل المعلقة بالحركة الآشورية وزعماؤهم ومن ثم رفضهم لمشروع الإسكان ، فهي مسائل تتطلب صفحات طويلة لإبداء الملاحظات عليها، إلا أننا نؤكــد بأن ما أورده الكاتب فيه الكثير من المخالطات والتي رددها غيره من المؤرخين العراقيين. ولعل أهم المهمات في هذه الملاحظات الذي أود بيانه هو السبب الذي دفع بزعماء الآشوريين رفض مشروع الإسكان. فمن الحقائق الموثقة في أرشيف عصبة الأمم في جنيف بهذا الشأن والتي تبيــن بأن توصية مجلس العصبة في جلسته الرابع عشرة في 15/10/1932 كانت تقضي بإسكان الآشوريين في وحده اجتماعية متجانسة كأساس للحفاظ على تراثهم وتقاليدهم، غير أن اللجنة الثلاثية التي شكلتها عصبة الأمم بخصوص مشروع الإسكان، وبتأثير من الإنكليز، تبنت قراراً مخالفاً لذلك يقضي بإسكان الآشوريين النازحين من هيكاري في مجموعات أو أقسام مختلفة وبعيدة عن مناطق أخوتهم الآشوريين العراقيين بحجة عدم توفر الأراضي الكافية لهم، مما سبب ذلك امتعاض قادة الآشوريين ورفض هذه الصيغة لقرار توزيعهم على أراضٍ متباعدة والتي تبينت في ما بعد بأنها أراضٍ جدباء ومبؤة بالأمراض المعدية فكان هذا السـبب الرئيسي الذي دفع بزعماء الآشوريين الى رفض مشروع الإسكان بصيغته العراقية - الإنكليزية وليس السبب الذي أورده القيسي في "طبع الآشوريين المشاكس وافتقاد زعمائهم الحس التاريخي في تفسير الأحداث وتغليب التطرف والعناد على العقل والاعتدال". لا بل على العكس من هذا تماماً، فزعماء الآشوريين كانوا يملكون الحس التاريخي والمنطقي في تفسير الأحداث خاصة في تفسير سلوك النخبة الحاكمة ونوايا الإنكليز في التخلص من الآشوريين وفي قمعهم و "تأديبهم"  خاصة بعد إستنفاذ حاجتهم الى خدماتهم العسكرية. فلو تسنى للسيد القيسي أن يطلع على الكتب التي كتبها هؤلاء الزعماء أمثال مار شمعون إيشاي وماليك ياقو ماليك اسماعيل والمفكر يوسف ماليك التلكيفي لأدرك بأن نظرتهم لمجريات الأمور كانت صحيحة وأن مخاوفهم كانت مشــروعة، تلك المخاوف الناشئة من ترك الإنكليز سلطة البلاد بيد نخبة سياسية متعطشة للسلطة همها الوحيد مواصلة تلك السياسة الاستبدادية التي بدأتها عندما كانت في خدمة الجيش العثماني، تلك المخاوف التي كانت تؤكد بأن الكارثة لا محال واقعة بالشعب الآشوري، سواء أكانت الكارثة على الفريق المؤيد للحكومة العراقية ومشروعها الإسكاني أم كانت على الفريق الرافض، والتي تحققت فعلاً عندما أزهقت أرواح أكثر من ثلاثة آلاف آشــوري في سـميل عام 1933 من دون أي تمييـز بين هذا الفريق أو ذاك. وهنا يجب أن نسجل تقديرنا وتثميننا العظيمين للسيد القيسي في تأكيده لهذا العدد من الضحايا أثناء مذبحة سميل لأنه كان شاهد عيان في تلك الفترة وفي الوقت الذي تشير الوثائق الرسمية العراقية إلى ثلاثمائة ضحية فقط ووثائق أخرى تشير إلى أقل من هذا العدد. ومن المشاهد المأساوية لهذا الحادث ذكر لي السيد القيسي شخصياً في أحدى لقاءاتنا وكشاهد عيان بأنه أحضر بعض الجنود العراقيين شخصين أشوريين كانا يعملان في مهنة الفلاحة في الموصل إلى  حجي رمضان مساعد بكر صدقي وقيل له بأنهما جاسوسان للإنكليز فما كان من حجي رمضان إلا أن سحب مسدسه وأطلق النار عليهما فقتلهما في الوقت الذي كان يقف خلفه أثنان من المستشاريين الإنكليز اللذان كانا يعملان في خدمة الحكومة العراقية في الموصل. 

وقصة المنكوب كوريال يونان ، الذي خدم الحكومة العراقية فترة طويلة وكان من أشد أنصارها وأكثرهم حماساً لمشروعها الإسكاني، قصة مأساوية معروفة تدمــى لها القلوب حيث وجد مذبوحاً في داره مع ابنه الوحيد وليم والجنسية العراقية معلقة في رقبته وملطخة بدماءه الزكية وعلم العراق يرفرف فوق سطح داره لبيان مدى وطنيته كما ذبح معه مجموعة تزيد عن الثمانين شخصاً من الآشوريين المؤيدين للحكومة بين نساء وأطفال ورجال دين لجأوا الى داره طلباً للحماية. هذه القصة هي نموذج من نماذج كثيرة كان زعماء الآشوريين يتخوفون منها قبل وقوعها، غير أن النخبة السياسية الحاكمة ومفكريها عجزوا عن فهمهما وتقديرها.

وأخيراً ، بقى أن نقول بأن الأستاذ القيسي اجتهد في كتابه وأظهر في جوانب منه موقفه الشجاع غير أنه أيضا أخطأً في اجتهاده في فهم تاريخ الآشوريين وقضيتهم القومية. فهذه الحقيقة النبيلة التي أقرها الكاتب نفسه في مقدمة الكتاب هي التي منحتني أجر الاجتهاد الصادق في ملاحظاتي هذه. وضمن هذا الاجتهاد اختم الحديث بالقول بأن الكاتب وفق كثيراً في أن يكون وكيل الاتهام للحكومة العراقية والجيش العراقي بخصوص دورهما في تصعيد الأحداث وارتكاب مذبحة ســميل بحق الآشوريين الأبرياء، ولكن مع الأسف الشديد فشل في أن يكون محامي الدفاع عن القضية الآشورية، كما حاول البعض وصفه، ومرد فشله يعود الى عدم إطلاعه على أوراق القضية وعدم سماعه لأقوال أصحاب القضية والاكتفاء في دفاعه عن الآشوريين على أوراق الخصم وأقواله وأفكاره، وهو منطق غير مقبول إطلاقاً  لأننا متأكدين تأكيداً قاطعاً  بأنه لا يتم من خلاله إحقاق الحق الآشوري الذي غبن كثيراً وان تتحقق العدالة وسيادة القانون وإشاعة الحرية والديمقراطية والتي ننشدها جميعاً لوطننا الحبيب وهي الأهداف التي كرس الأستاذ عبد المجيد القيسي حياته من أجلها وما هذا الكتاب إلا تأكيداً على ذلك... رحمه الله فذكراه ستبقى مع بقاء هذا الكتاب القيم.




57
قراءات أخرى في كتاب "التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق"

أبرم شبيرا

توطئة: كتاب وذكريات
قرأت موضوع الأخ والصديق المهندس خوشابا سولاقا عن كتاب "التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق" للأستاذ عبد المجيد حسيب القيسي الذي نشر في موقعنا العزيز عنكاوه. وأول تأثيراته كانت أنه فتح خزانة عقلي عن ذكريات تزيد عن أربعين عاماً حينما كنًا معاً في المراحل الأولية الرومانسية من الفكر والعمل السياسي نجاهد جهاداً مضنياً من أجل الحصول على كتاب أو مقالة عن الآشوريين ومن ثم تداوله سرياً بيننا ومع مجموعة من أصدقاء تلك المرحلة مؤمنين بأن المطالعة والعلم والثقافة وإغتراف المعارف في تاريخنا القومي هو السبيل الأمثل لإمتلاك وعي قومي صحيح يبنى عليه آمال لبناء تنظيم سياسي يكون أداة لتحقيق طموحاتنا القومية. وبطبيعة الحال وبسبب الظروف الإستبدادية والكبت الفكري في تلك الفترة كان مثل هذه الكتب والمقالات نادرة الوجود والتداول، لا بل كان إمتلاكها وتعميم نشرها نوع من المخاطرة وقد تسبب لمتداوليها التعرض لإستبداد السلطة ولعواقبها الوخيمة. كان أشهر كتب تلك المرحلة "الآشوريون في التاريخ" جمعه إيشو ماليك خليل جوارو وترجمه وأشرف عليه سليم واكيم وطبع  في بيروت عام 1962، والثاني "تاريخ الآثوريين" – الجزء الأول،  ترجمه من الروسية أسامة نعمان وطبع في مطبعة الجاحظ في بغداد عام 1970، وهي ترجمة محرفة وغير دقيقة لكتاب "المسألة الآشورية أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى 1914- 1933" للبرفسور الآشوري بار متي ماتييف لا بل تعتبر الترجمة قرصنة فكرية لأن المترجم لم يحصل موافقة المؤلف كما ذكر ذلك لي شخصياً. المهم، بمجرد أن أنتهيت من قراءة موضوع صديقي خوشابا حتى هرعت إلى مكتبتي الصغيرة وأجد الكتابين المذكورين راكنان في الرفوف العالية وقد أصفرت وتيبست أطراف بعض من أوراقهما وتكسرت ولكن الأمر الذي حزً في صدري هو أن أجد في الصفحة الأخيرة من كتاب "الآشوريون في التاريخ" كلمة شكر وإمتنان مني ومن بقية الأصدقاء مؤرخة بتاريخ 7/8/1969 إلى المرحوم إيشعيا هرمز يونان الذي فارق الحياة قبل سنتين أو أكثر لكونه هو الذي عثر على هذا الكتاب وعممه علينا ولا أتذكر فيما اذا كان هذا التاريخ الذي أقر في السنة اللاحقة كيوم للشهيد الآشوري مصادفة أم مقصود. وهذه مناسبة أن نترحم على روح شاعرنا الكبير دنخا إيشا الذي كان يلهمنا  في تلك الفترة بأشعاره ويزيدنا همة وصلابة ونحن سائرين على الطريق الصعب المليء بالمخاطر. وعلى العموم وكما يقال: على الحياة أن تستمر... وهكذا أجد اليوم في صديقي خوشابا إستمراراً لهذه الحياة ولهذه العادة في "النبش" في الكتب والبحوث وعلى نفس مسار أربعة عقود وأكثر من الزمن في البحث والدراسة وإغتراف المعارف في كل ما يتعلق بأمتنا. وأرجو المعذرة من القراء الأعزاء في الإطالة في هذه التوطئة وظهورها كأنها مسألة أو ذكريات شخصية ولكن في الحقيقة ليست هكذا فحسب بل تمثل جانب من بداية مسيرة شباب على منوال طويل من الوعي القومي والسياسي التقدمي قائم على الإستقامة والتواصل والنزاهة والإخلاص ونكران الذات من أجل هذه الأمة رغم الظروف الإستبدادية الصعبة التي كانت تحيط بهم ورغم سياسة "الجزرة والعصى" التي كان يمارسها النظام البعثي الإستبدادي ولكن كل هذا وذاك لم تقوى هذه السياسة الإستبدادية على لوي أذرع هؤلاء الشباب فأستمروا المسيرة وهم يحملون سلاحاً قوياً تمثل في نقاء ضميرهم الحي وتوجهاتهم النزيهة تجاه هذه الأمة، وهذا كنز لا يفنى حتى بفناء الحياة.

من هو مؤلف الكتاب ؟:
مؤلف الكتاب هو الإستاذ عبد المجيد حسيب القيسي، عراقي عمل كمستشار قانوني في الدوائر العسكرية والمدنية في العهد الملكي والجمهوري في العراق وبعد إشتداد الكبت الفكر والقهر السياسي في نهاية الستينيات من القرن الماضي لم تتحمل سعة أفكاره وحبه للحرية والدفاع عن الحق والعدالة إلا أن يترك العراق ويجد في أبو ظبي – الإمارات العربية المتحدة موطناً له للإستقرار وقضاء بقية حياته وعائلته في هذا البلد المضياف حيث عمل كغيره من العراقيين المبدعين في تأسيس وإدارة النظام الفيدرالي في هذه الدولة. لقد كانت فرصة إستثنائية أن ازوره في بيته في أبو ظبي أنا والدكتور سعدي المالح في أواخر عام 2000 وأن نقضي ساعات طويلة معه في نقاشات مفيدة عن كتابه بشكل خاص وعن الآشوريين ومسألتهم في العراق بشكل عام وكان إهتمامه الكبير ظاهراً عليه بشكل واضح حيث أكد لنا بأنه آخر مرة ألتقى  بالآشوريين كان أثناء أحداث سميل عام 1933. ثم في السنوات اللاحقة قمت بزيارته أكثر من مرة وتهاتفنا العديد من المرات في المستجدات المتعلقة بالآشوريين في العراق وقد كانت السنين الطويلة المتعبة من العمل الجاد والدفاع عن الحق والعدالة بادية عليه وأهرمته حتى زارته المنية فتوفي في عام 2006. لقد كان رحمة الله إنساناً طيباً رؤوفاً واسع الصدر ومنشرح الفكر في تقبل أي نقد موجه إلى أفكاره أو كتابه موضوع البحث لهذا السبب كان يسعده جداً اللقاء بي والدخول في مناقشات معه. وأود هنا أن أوضح بأن السيد القيسي ليس بباحث أو أكاديمي أو مؤرخ بل شاهد عيان لأحداث حاسمة وخطيرة مرة على العراق ومنها حادثة مذبحة سميل حيث عايش كموظف بسيط في الدولة أثناء المذبحة والمأساة التي رافقتها والإرهاصات التي أعقبتها على المستوى العراقي وبضمير حي وبعدالة وإحقاق حق الآشوريين في تلك الفترة، وما هذا الكتاب إلا نموذج لتلك المعايشة.


كيف صدر الكتاب؟: 

خلال عمل الكاتب في خدمة دولة العراق وإهتمامه بالأحداث التاريخية وتدوينها ومن ثم  إصداره  بعض الكتب بهذا الشأن تكونت لديه أفكار وآراء حول الآشوريين ومسألتهم في العراق وجمع عنهم معلومات كانت من الكفاية لتأليف كتاب خاص بهم. وبعد إكماله أتصل بصديقه السيد سعد صالح جبر الذي كان رئيساً للمجلس العراقي الحر في لندن والمعارض لنظام البعث العراقي يسأله عن إمكانية مساعدته في طبع الكتاب ونشره، فأتصل هذا الأخير بالسيد سركون داديشو رئيس "المجلس القومي الآشوري" الذي كان له معرفة به عارضاً عليه الفكرة فكانت نتيجتها طبع الكتاب وصدوره من قبل المؤتمر القومي الآشوري في عام 1996 وتحت عنوان "هوامش على تاريخ العراق السياسي الحديث في رؤيـة جديدة - تاريخ القضية الآثـورية ". وفي أحدى لقاءاتي مع السيد القيسي  بينً عدم رضاءه عن طبع ونشر الكتاب بالطريقة التي طبع ونشر بها حيث أولاً: لم يتم تزويده غير بثلاثة نسخ من الكتاب في الوقت الذي كان يطلب بحدود ثلاثين نسخة فقط لتوزيعها على أصدقاءه. وثانيا، وجد القيسي حذف بعض الكلمات من الكتاب وحشر أسم السيد سركون داديشو في متن الكتاب من دون أخذ موافقة المؤلف، لذا أعتقد بأن السيد القيسي وجد في إعادة طبعه ونشره من قبل دار نشر معروفة سبيلاً لتعميم الفائدة للجهد الذي بذله في هذا المجال. هكذا قامت الدار العربية للموسوعات في بيروت (صاحبها العراقي خالد العاني)  بطبعه في عام 2004 وتحت عنوان "التاريخ السياسي والعسكري للآثوريين في العراق: 1921 - 1999" وهو الكتاب الذي أعتمد عليه صديقنا خوشابا. ومن الجدير بالذكر أن الكتاب كان قد طبع أيضا من قبل "دار الموسوعات العالمية" في عام 1999 ولكن السيد القيسي يجهل تماماً هذه الطبعة ولم يسمع عن هذا الدار، هذا ما ذكره لي شخصيا. علما بأن جميع هذه الطبعات تشير إلى كونها "الطبعة الأولى". والمأخذ الذي يؤخذ على هذه الطبعة الأخيرة هو عنوان الكتاب. فإذا كان التاريخ السياسي للآثوريين عنواناً مقبولاً لكون قضيتهم القومية سياسية طغت على السطح السياسي العراقي في الثلث الأول من القرن الماضي إلا إنه لم يكن لهم تاريخ عسكري فالإشتباكات المسلحة بين مجموعة من الآشوريين مع بعض من قطاعات الجيش العراقي لا يمكن تدوينها كتاريخ عسكري. والمأخذ الثاني هو أن تمديد هذا التاريخ لغاية 1999 لا معنى له طالما لم يتطرق السيد القيسي إلى أية أحداث تاريخية، خاصة العسكرية منها لهذه الفترة والفترة التي سبقتها غير صفحة أو صفحتين، لهذا لم يكن أي معنى لهذا التاريخ. فصفحة واحدة أو أكثر لا تكفي لتكون مادة تاريخية للكتابة وتؤخذ عنواناً للكتاب. ومن المصادفة أن تكون صفحات كل الطبعات الثلاث للكتاب (332) صفحة رغم إختلاف حجم صفحات الكتب التي تطبع في أميركا ولكن بقت الفصول والعناوين نفسها. فالكتاب موزع على أحد عشر فصلاً مع مقدمة. يستهل الكتاب بفصل في أصل الآشوريين وتاريخهم قبل نشوء دولة العراق ثم يتناول القضية الآشورية في العراق بشكل عام والملابسات التي أحيطت بها ويحلل تحليلاً مفصلاً وعميقاً سياسة النخبة الحاكمة تجاهها وأساليب معالجتها بعد استقصاء وبحث ومناقشة الكتب والمراجع والمذكرات التي كتبت عنها، ولا أريد قراءة كل فصول الكتاب حيث قام وسيقوم الصديق خوشابا بهذه المهمة، ولكن أكتفي ببيان بعض الملاحظات على الكتاب.

مناقشات وسجالات بيني وبين مؤلف الكتاب:
بمجرد ما أن أهدى لي السيد سركون داديشو نسخة من هذا الكتاب، طلب مني بعض الأصدقاء  كتابة نقد وتحليل له وفعلاً لبيت طلبهم فكتبت موضوعاً نقدياً للكتاب تحت عنوان "تكرار أخطاء المؤرخين السابقين ضيع إيجابية القيسي في فهم تاريخ الآشوريين" ونشر في جريدة الحياة اللندنية بعددها المؤرخ في 02 شباط 2000 حيث كان موضوعي قد أحتل أكثر من نصف صفحة الجريدة. ثم قام بعض من المجلات والدوريات الآِشورية التي كانت تصدر في الخارج بإعادة نشره تعميماً للفائدة. وفي هذا النقد والتحليل بينت بكل وضوح إيجابية الكتاب والمواضيع التي تطرق إليها السيد القيسي بكل شجاعة وأعتبرته من الأوائل الذين كتبوا بإنصاف وعدل في بيان إستبدادية السلطة في العراق أثناء مذبحة سميل تجاه الآشوريين ولكن من جانب آخر أبرزت سلبيات كثيرة في الكتاب بحيث كان قاصراً في فهم تاريخ الآشوريين وأصلهم وقضيتهم القومية  في تلك الفترة واعتماد المؤلف على الكثير من المصادر الرسمية والمعادية للآشوريين وفي عين الوقت عجزه عن الحصول على المصادر الأجنبية أو المحايدة تجاه هذه القضية. ويظهر بأن السيد القيسي قرأ موضوع نقدي وتحليلي للكتاب فكتب رداً على ردي تحت عنوان طويل  (رد على نقد أبرام شبيرا لـ "تطور قضية الآشوريين في العراق" – وعنوان رئيسي "لو نظر إلى الكتاب راضيا... لكن عين السخط تبدي المساويا" ونشر في في نفس جريدة الحياة اللندنية بعددها المؤرخ في 01 حزيران 2000 وكان الموضوع طويلاً بحيث أحتل ثلاثة أرباع صفحة الجريدة.

بطبيعة الحال لم يكن السيد القيسي راضياً عن إتهامي له في تقصيره في فهم أصل وتاريخ الآشوريين وقضيتهم في العراق على حقيقتها وتقييم قيادتها إلى درجة أعتقد بأنني جرحت مشاعره وأسيئ فهمه فشرع بتبرير وتعليل كل ما تم إنتقاده ودافع عن بعض من الأفكار التي طرحها حتى وإن تبينت بأنها غير صحيحة، نذكر منها على سبيل المثال موقفه من قوات الليفي الآشورية حيث يقول "... إذا ذهبنا مع الأستاذ الناقد – يقصد أنا – من عدم ضلوع الآشوريين في قمع الثورة العراقية – يقصد ثورة العشرين – في الجنوب فلا يستطيع ولا نستطيع أن ننكر دورهم في إحتلال مدينة بعقوبة ونهبها ..." طبعاً هذه مخالطة كبيرة من المؤلف. فالآشوريون المهجرون من منطقة هيكاري بعد الحرب الكونية الأولى لم يحتلوا بعقوبة بل أسكنوهم في مخيمات للاجئين من قبل القوات البريطانية قرب مدينة بعقوبة وكانت القبائل العربية البدوية في منطقة ديالي هم الذين يغارون على مخيم اللاجئين وينهبون ممتلكاتهم ويهجمون على سكانه ... إلخ". على أية حال موضوع ردي على الكتاب ورد السيد القيسي سيأتي ضمن سياق تقييمي المختصر للكتاب. لكن المهم من كل هذا وذاك فالسيد القيسي يبين مدى سعة صدره ومدى أفقه ورفعة أخلاقه ودماثة طبعه وتقبله للنقد ومعالجة الأخطاء التي وردت في الكتاب، إذ يقول في خاتمة رده على ردي بالقول "وختاماً نتقدم بالإعتذار من الأستاذ شبيرا على ما وجد في كتابنا من سلبيات لم نقصد بها إلى الإساءة والتجريح، ونتقدم منه بالشكر إصالة عنا ونيابة عن الناشرين...". وقد كانت هذه السجالات والمناطحات الفكرية عاملاً مؤثرا في نفسية القيسي الطيبة وخلقت فيه نوع التوق والرغبة لللقاء بي وهذا ما تم فعلاً في نهاية عام 2000 في أبو ظبي والسنوات التي لحقتها... رحمه الله لقد كان إنسان نبيلاً ومحقاً في إحقاق الحق خاصة بالنسبة لأقلية صغير لم يكن في دفاعه عنهم أية مصلحة غير إنصاف عدالة قضية الآشوريين في العراق الذين ظلموا قهراً وبهتاناً وأسيء فهم هذه القضية من قبل الأنظمة المتعاقبة على السلطة في العراق.

تقييم الكتاب:
بغنـى عن محتويات وأفكار واجتهادات أي كتاب عن الآشـوريين، سواء أكان مجحفاً وظالمـاً بحقهم أو منصفا ومساندا لطموحاتهم القومية والوطنيــة المشروعة، فهو يعتبر إضافة جديدة يساهم بشكل أو بأخر في تفعيل الدراسات والبحوث عن الآشوريين ويزيد من فاعلية المسألة الآشورية ومن إثارتها، وبالتالي يؤكد حيويتها، تلك الحيوية التي تحالف الإنسان الباغي مع الزمان القاسي تحالفاً غير مقدساً على طمسها في عالم النسيان، وهو التحالف الذي كان قد تجسدت نتائجه في سياسة حزب البعث الحاكم في العراق في منتصف السبعينات تجاه الآشوريين عندما قام بسحب كافة الكتب التي كانت تتناول تاريخ الآشوريين من المكتبات العامة أو منع طبعها أو نشرها أو حصر تداول البعض منها على نطاق خاص وضيق ولاعتبارات أمنية وحزبية. وكتاب رياض رشيد الحيــدري (وهو كردي الأصل مستعرب) المعنون " الآثوريــون في العراق 1918 - 1933 "، والذي اعتبره القيسي مرجعاً أساسيا أقتبس منه معظم معلوماته عن الآشوريين، هو مثال من بين عشرات الأمثلة على ذلك. فهذا الكتاب الذي كان بالأساس أطروحة ماجستير في التاريخ الحديث ، طبع في القاهرة ومنع تسويقه في العراق وحتى النسخ القليلة التي أتيحت لطلاب الدراسات العليا والباحثين الإطلاع عليها في المكتبة المركزية لجمامعة بغداد ختمت بعبارة "للتداول المحدود" من قبل مديرية رقابة المطبوعات ثم أختفى من المكتبة كغير من الكتب التي كانت تتناول تاريخ الاشوريين ومسألتهم في العراق على أثر سياسة حزب البعث الإستبدادية في حملة "إعادة كتابة التاريخ" في منتصف السبعينيات من القرن الماضي.

 وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع مؤلف الكتاب موضوع البحث ، نؤكد التقدير والتثمين له على هذه الإضافة الجديدة لجدول الكتب التي تبحث في تاريخ الآشوريين وفي مسألتهم القومية في العراق. ولكن حتى لا نخون مبادئنا القومية الإنسانية التي تولدت من مخاض مأساة الآشوريين المستديمة ونبقــى أوفياء للحق الآشوري الذي غبــن كثيراً، وحتى نكون أيضا مخلصين للأمانة العلمية والتاريخية يجب أن لا يلغي هذا التثمين والتقدير واجبنا في تدقيق محتويات الكتاب ودراستها دراسة علمية صحيحة وتقييمها وإظهار عيوبها وقصورها ثم محاولة تقويم اعوجاجها. كما يجب أن لا يمحي طموحنا المشروع في قراءة كتاب يضع الحق الآشوري في نصابه الصحيح ويعالج وقائع تاريخ الآشوريين ومسألتهم القومية معالجة علمية سـليمة. وفي سياق هذه المهمة سنحاول وبقدر الإمكان التخلي عن الأسلوب التقليدي الأكاديمي في عرض وتقييم الكتاب شكلا ومضمونا ومتابعة محتوياته خطوة فخطوة وتقييم معلوماته المسهبة، فهذه المسالة يتطلبها مجلدا كاملاً ، لذلك سنكتفي بمعالجته بشكل عام ومن زاويتين : الأولى ، من حيث المراجع المعتمد عليها، والثانية، من حيث بعض المضامين والأفكار والاجتهادات لأحداث مهمة أشار الكاتب إليها في كتابه هذا مختصرين بقدر الإمكان.

أولا : من حيث المراجـــع
معظم مراجع الكتاب هي المراجع العراقية الرسمية ومذكرات وأوراق رجال النخبة العراقية الحاكمة الذين اشتركوا بشكل أو بآخر في تأجيج أحداث المسألة الآشورية والمذبحة التي أعقبتها في سميل عام 1933 أو هي مراجع لكُتاب ساهموا في ترسيخ وتعميم القيم والمفاهيم والسياسات الاستبدادية التي تبنتها الأنظمة السياسية المتعاقبة على السلطة في العراق في تعاملها مع الآشوريين. والكتاب الأجنبـي الوحيد الذي أعتمه هو كتاب  " العراق 1900 - 1950 " لمؤلفه البريطاني ســتيفن لونكـرك الذي عمل في خدمة وزارة الداخلية العراقية أثناء تلك الفترة وهو معروف بمواقفه وتعاطفه مع الحكومة العراقية حينذاك والذي ظل " يحب العراق " كما يدعي،  حتى بعد تسريحه من الخدمة والانعكاف لإنجاز كتابه هذا والذي ظهر فيه عدم تأثره بالدماء الآشورية الطاهرة التي أريقت في ســميل مثلما "تأثر" زميلـه البريطاني لونارد ستافورد، وأنبه ضميره لدوره القذر في تعقيــد الأحداث، فاستقال من منصبه كمفتش إداري في لواء الموصل التابع لوزارة الداخلية، أو الأصح صرف من مهمته بعد انتهاءها بانتهاء مذبحة سميل، فعاد الى أهلـه في بريطانيا ليكتب كتابه المعروف " مأساة الآشوريين " والذي تعذر على القيسـي الإطلاع عليه وقراءته رغم توفره لدى بعض الأشخاص والمكتبات الرئيسية.

أما بالنسبة لكتاب رياض رشيد، السالف الذكر، والذي اعتمده السيد القيسي اعتماداً رئيسياً في اقتباسه للمعلومات وأقر له الكثير من الفضل والامتنان لكونه كتاب جامع لتاريخ الآشوريين وملم بجميع أو أغلب ما كتب عنهم، فأنه، على الرغم من إشارة القيسي الى السلبيات الواردة في هذا الكتاب إلا أنه لم يأخذه مأخذ الجد وبالاعتبار المطلوب في فهم تاريخ الآشوريين عندما اقتبس منه معظم معلوماته. ولبيان حجم أعتماد السيد القيسي على هذا الكتاب فأنه ذكره في (70) هامش هذا إضافة إلى إقتباسات وإشارات كثيرة له في متن الكتاب. وحتى نضع أمور هذا " المرجع الأساس"، كما يسميه السيد القيسي، في نصابه الصحيح نود أن نبين بشأنه ما يلي :
أ - الكتاب بالأصل أطروحة جامعية من القاهرة أهل انضمام الكاتب الى حزب البعث الحاكم ميزة الحصول على البعثة الدراسية للكتابة عن هذا الموضوع ونيل الشهادة الأكاديمية عنه فهو، أي الكتاب،  "إيفاء والتزام" من الكاتب تجاه فضل حزبه .
ب - زار الحيدري أثناء فترة جمع المعلومات وإعداد أطروحته النادي الثقافي الآشوري في بغداد، مركز استقطاب المثقفين الآشوريين في السبعينيات من القرن الماضي، وحصل على معلومات وبيانات مفيدة لمشروعه العلمي ثم تبين بعد إنجازه بأنه خان الأمانة العلمية وزيف الكثير من الحقائق وأخفى أو أهمل تلك التي كانت تتعارض مع منهجه البعثي في دراسة تاريخ الآشوريين في العراق وتبرير شرعية إستبداد السلطة تجاه المسألة الآشورية. 
ج -  صحيح أن كتاب الحيدري جامع وملم بكل ما كتب عن الآشوريين "ويكشف عن حقائق لم يجرؤ أحد قبله على كشفها" كما يدعي السيد القيسي، إلا أن لهذه الميزة أسباب : أولهما : الأهمية المخابراتية للموضوع من جهة، وانتماء الكاتب للحزب الحاكم من جهة أخرى، منحتا له  ميزة أو تسهيلات  للتنقيب والبحث في الوثائق والمستندات والمراسلات المهمة والسرية المتعلقة بالمسألة الآشورية التي تكتظ بها خزائن الدوائر الأمنية في العراق. وثانيهما : كون الكتاب بالأساس أطروحة جامعية تشكل صفتا الشــمول والإلمام من الصفات الأساسية لكل أطروحة جامعية، كما وان الكتاب كان آخر ما كتب عن الآشوريين في العراق ، فاستفاد المؤلف من كل ما سبق وكتب عن هذا الموضوع.
د - كتاب الحيدري ، كما يقول السيد القيسـي،  "هو أول كتاب باللغة العربية يكسر طوق الحجر الفكري ويخرج عن الإجماع التاريخي والرسمي والوطني بشأن المسألة الآشورية" غير أنه لم يخرج أيضا عن ، بل التزم التزاماً كاملاً، بأيديولوجية حزب البعث الحاكم في تزييف تاريخ الآشوريين وامحاء أساسهم القومي والتاريخي في العراق والتعامل معهم كطائفة مسيحية بهدف تحقيق سياساته الاستبدادية تجاههم. وهو ما أكده السيد القيسي بنفسه عندما ذكر انجرار الحيدري خلف التفسير الرسمي لحزب البعث وعدم قدرته الخروج منه مما أوقع نفسه في تناقض واضح تجاه استقامة رأيه حول هذا المصدر الذي اعتبره أهم مصادره في تأليف كتابه عن الآشوريين.
هـ - وأخيراً ، قد تجدر الإشارة الى النتائج التي آلت الى الحيدري من وراء كتابه هذا عن الآشوريين.  تجاريا، الكتاب منع تسويقه في العراق كما سبق ذكره. أكاديمياً ، لم يؤهله موضوع الكتاب ارتقاء مناصب علمية سوى تدريس مادة "الثقافة القوميــة" في أحدى كليات جامعة بغداد والتي كان الطلاب يسخرون منها ويطلقون عليها "السخافة القومية" لأنها لم تكن أكثر من تطبيل وتزمير لأفكار حزب البعث الحاكم. ولا أدري فيما بعد إذا كانت "حيدريتـه" قد سمحت له في ظل نظام البعث العشائري الاستبدادي ارتقاء مناصب علمية أخرى.
أعترف بأنني أسهبت بعض الشيء في كتاب الحيدري وقصدي من ذلك كان بيان حقائق أخرى عنه طالما أسرف السيد   القيسي في اعتماده كمرجع أساسي في دراسته عن القضية الآشورية في العراق. كما قد يأتي إسرافي في التعليق على كتاب الحيدري في هذه المناسبة كرد جزء من الدين المترتب على اعناقي منذ أمد بعيد لكتابة بعض الملاحظات الانتقادية حوله والذي طالما طالبوني بها بعض الأصدقاء والقراء.

ومن الملاحظات الأخرى على المراجع التي اعتمدها السيد القيسي ، هي كون جميعها مصادر معروفة ومنشورة وســبقه الكثير من الكتاب والباحثين اعتمادها وتحليلها ونشرها لذلك لم يأتي أو يذكر مرجع جديد أو بحث أو اعتمد على بعض المراجع القيمة والنزيهة في المسألة الآشورية ولكتاب وباحثين معروفين بالنزاهة والاستقامة العلمية والموضوعية، مثل كتاب الأستاذ عبد الغني الملاح المعنون " تاريخ الحركة الديموقراطية في العراق " في طبعته الأولى ، وليس الثانية التي أخضعها حزب البعث الحاكم الى سياسته الشوفينية في منهجه الخاص بـ "إعادة كتابة التاريخ" وحذف منه صفحات مهمة تشير إلى صلة آشوريي اليوم بالأشوريين القدماء. كما هناك كتب ومراجع علمية وموضوعية عالجت وحللت إستبدادية السلطة في العراق تجاه المسألة الآشورية بكل نزاهة وأخص بالذكر هنا كتاب "جمهورية الخوف" للكاتب والأكاديمي العراقي "سمير الخليل" وأسمه الحقيقي كنعان مكية.

يعترف السيد القيسي بأن ما اعتمده من مصادر ليست بالشاملة والوافية حيث يقول بأنه لم يتسنى له الإطلاع على مراجع مهمة وعديدة صدرت حول الموضوع وباللغتين الآشورية والإنكليزية ولغات أخرى رغم ترجمة العديد منها الى العربية. كما تعذر عليه الإطلاع على أهم المراجع قاطبة بهذا الشأن، وأقصد الوثائق البريطانية، وهو عذرُ أقبح من الفعل نفسه، لان جميع هذه المراجع متوفرة ومتاحة ولا نجد إطلاقا العثور عليها والإطلاع عليها مشقة أو صعوبة تذكر، سيما وأن الكثير منها متوفرة في المكتبات وعند بعض الآشوريين أو غيرهم سواء أكانوا أفراد أو مؤسسات. وعلى الرغم من اعتراف الكاتب إهماله لهذه المراجع المهمة وعدم إطلاعه عليها ، فان هذا بحد ذاته يعتبر مسألة غير مقبولة من الناحية العلمية والمنطقية وإلا لما استوجب تأليف ونشر هذا الكتاب طالما أفتقر الى المراجع المهمة والى الأساس العلمي والموضوعي المطلوب في البحث، خاصة عند البحث عن تاريخ شعب من شعوب المنطقة وعن مسألته السياسية والقومية التي شغلت العراق وطغت على سطحه السياسي في النصف الأول من القرن الماضي. لهذا السبب ستنعكس مشكلة المراجع على مضمون محتويات الكتاب، وهذا ما سيتأكد لنا فيما بعد .

المرجع الآشوري اليتيم الذي اعتمده القيسي في كتابه هو مقالتنا المنشورة في جريدة " الشرق الأوســط" اللندنيــة عدد 5375 في 16/8/1993 والمعنونة بـ "التعامل مع الأقليات في مسار تاريخ العراق السياسي" والتي كتبتها بمناسبة مرور ستين عاماً على مذبحة الآشوريين في سميل. وحتى هذا المرجع البسيط فأنه لم يكن استخدامه موفقاً ومناسباً وإنما يبدو وكأنه حشر حشراً في الكتاب ولم يتسق مع سياق الموضوع. كما وأن اقتباس صفحتين أو أكثر من أي مرجع مسألة غير صحيحة تفقد التوازن العلمي للكتاب، وهي الصفة الطاغية على الكتاب حيث هناك نصوص طويلة من ذكريات رجال الحكم في العراق وبيانات رسمية ومقاطع كتب مقتبسة من المراجع المعتمدة معظمها منشورة في السابق ومعروفة للباحث أو للقارئ في تاريخ العراق السياسي الحديث وبدت كأنها تكرار لما سبق نشره. وإذا كان اعتماد الكاتب على المراجع التي ذكرها ينحصر على اقتباس وقائع تاريخية أو مراسلات رسمية ووثائق وبيانات وأحاديث أو ذكريات لرجال الحكم والسياسة لكان الأمر مقبولاً من الناحية الشكلية، وإن كانت المصداقية العلمية والأمانة التاريخية لأصحاب هذه المراجع  مهزوزة أو مفقودة في أحيان كثيرة، إلا إن السيد القيسي تجاوز ذلك كثيراً في اعتماده على هذه المراجع وبلغ به الأمر الى درجة اعتماده اعتماداً كلياً على آراءهم وتفسيراتهم واجتهاداتهم حول الآشوريين وأصلهم ومسألتهم في العراق في بناء تصوراته وأفكاره عنهم، وهي ظاهرة غير علمية وغير سليمة، بل هو أسلوب انتقائي، طالما أقر الكاتب نفسه سلفا موقفه الفكري المعارض من هؤلاء الكتاب. فلا يجوز، كما يقول السيد القيسي، اعتبار عبد الرزاق الحسني فاقداً للحيدة والموضوعية والحس التاريخي والتحليل الصائب أو وصف عبد الرحمن البزاز بالمنساق وراء أوهام العزة والكرامة والمندفع الى تجاهل واقع الحال والقفز فوق الحقائق، كما لا يجوز القول بأن غلبة التفسير التآمري للأحداث على تفكير رياض الحيدري واعتماده التفسير الرسمي لحزب البعث الحاكم في العراق لأحداث التاريخ ومن ثم رجوع القيسي نفسه واعتماد آراء هؤلاء الكتاب واستنساخها في أصل الآشوريين وفي تاريخهم ومسألتهم القومية في العراق واعتبارها مراجع مهمة له في كتابه في الوقت الذي هو نفسه أقر بمواقف هؤلاء المعادية للآشوريين. لهذا السبب لم يستطيع الكاتب الخروج من طوق هذه الآراء طالما كان اعتماده الرئيسي عليها، وهذا ما سيظهر وبكل وضوح في بحث مضمون محتويات الكتاب. وقد يكون من الطرافة أن نذكر عجز السيد القيسي في فهم أصل الآشوريين وقضيتهم من خلال عجزه عن كتابة أسمي عند الإشارة إلى مقالتي أعلاه حيث ذكره عدة مرات بصيغ عديدة ومختلفة.

ثانياً : من حيث المحتوى:
بين اعتماد الكاتب اعتماداً كلياً على المراجع المعادية للآشوريين وإغفاله للمراجع الآشورية والمحايدة أوقع نفسه في تناقض كبير يقوم على الإيجاب والسلب. يتمثل جانب الإيجاب في قدرة الكاتب على تحليل المراجع العراقية والرسمية المعتمدة ومن ثم الوصول الى نتائج موفقة في فهم السلوك السياسي للنخبة الحاكمة تجاه القضية الآشورية. وكان الكاتب منطقيا وموضوعيا في الاجتهادات التي توصل إليها في تفسيره لتعسف وتضليل الحكومة العراقية للمسألة الآشورية وأقترب كثيرا من الحقيقية، لا بل واندمج بها اندماجاً تاماً عندما فهم السياسة العراقية الحقيقية الرامية الى تصعيد الأحداث وتوصيلها الى الحافات الهاوية بهدف ذبح الآشوريين في سميل مسجلاً بذلك بادرة تثلج قلوب الآشوريين المكتويين بنيران الأنظمة الاستبدادية وسياساتها الفاشية تجاه طموحاتهم القومية والوطنية المشروعة، وهي بادرة سيتحسسها القارئ اللبيب ابتداءً من الصفحات الأولى للكتاب، لذلك لا نرى سبباً في الإطناب فيها سوى تأكيد الثناء والتقدير لهذا الموقف الإيجابي.

أما الجانب السلبي لمحتوى الكتاب فيتمثل في إخفاق الكاتب في فهم أصل وتاريخ الآشوريين، لا بل وتجاوز في أحيان كثيرة حدود الإساءة والتجريح لهم ولتاريخهم ولزعامتهم الدينية والقومية، وهي نتيجة منطقية وحتمية توصل إليها الكاتب بسبب اعتماده الكلي على المراجع المعادية للآشوريين وإغفاله المراجع الآشورية والمحايدة وهو الإغفال الذي لا يمكن قبول أعذاره لأنــه يفقد الدراسة موضوعيتها ويحرفها نحو جانب واحد بعد أن تكون قد فقدت أهم جوانبها المتمثل في الحس الآشوري أو رأي الآشوريين في أصلهم وتاريخهم ومضامين مسألتهم القومية في العراق والذي كان يجب أن يشكل الركن أو الأساس الآخر لموضوع الكتاب. فالمنطق يقول لا يمكن دراسة الظواهر من دون معرفتها، لذلك فدراسة السيد القيسي للقضية الآشورية جاءت من خلال معرفته للجانب المعادي لها وليس من خلال صاحب القضية نفسه فبالتالي جاءت كدراسة "عرجاء" لا تستقيم مع المسار الحقيقي للقضية الآشورية كما هي في حقيقتها الموضوعية.

من هذا المنطق نقول لو توفرت للكاتب المراجع الآشورية والمحايدة واطلع عليها لوجد بأن آشوريي اليوم يرتبطون بآشوريي الأمس بجملة صلات وروابط حضارية ولغوية وتراثيـة لا يزال يمارسونها منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا وليسوا مجرد "مجموعة قبائل مسيحية الدين ونسطورية المذهب" كما يدعي الكاتب مقلداً بذلك معظم مفكري ومؤرخي تاريخ العراق الحديث، وهو الادعاء نفسه الذي كان يتبناه حزب البعث الحاكم في العراق في تعامله مع الآشوريين. فمن الظلم والجور والتجاوز على الحقيقية الموضوعية عندما يتم تحجيم تاريخ الآشوريين بتاريخ طائفة واحدة من طوائفـه الدينية المتعددة، فمثله كمثل من يُعرف العرب بطائفة السنة أو الكرد بالطريقة النقشبندية ... وهكذا. فمن المعروف بأن الآشوريين، كغيرهم من الشعوب والأقوام، ينتمون الى طوائف دينية مختلفة والى وحدات عشائرية اجتماعية متعددة. فلو أتيحت للكاتب فرصة الإطلاع على بعض المصادر الآشورية التي أرخت نشؤ الحركة القومية الآشورية، لعرف بأن معظم زعماء هذه الحركة ومفكريها كانوا من طوائف غير الطائفة النسطورية كالطائفة السريانية الأرثوذكسية والطائفة الكلدانية الكاثوليكية. فجميع هؤلاء الزعماء والمفكرين ناضلوا وكتبوا عن الحركة القومية الآشورية وأسسوا منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين مؤسسات قومية لا زال البعض منها قائماً حتى الوقت الحاضر. واليوم ، وبنفس الوعي والإدراك يناضل الكثير من الآشوريين ومن مختلف طوائفهم ويقدمون الشهداء من أجل مواصلة هذه الحركة نحو تحقيق أهدافها القومية والوطنية النبيلة. لو اطلع الكاتب على مرجع آشوري أو محايد يتناول الفترة الحرجة التي خلدت اسم الشهيد مار بنيامين شمعون بطريريك كنيسة المشرق قبل وأثناء الحرب الكونية الأولى لأنصدم من الفرق الشاسع من أن يكون هذا المغدور "رجلاً ضعيف الرأي والإرادة واهن العزم"  كما يدعي الكاتب، وبين أن يكون مار بنيامين الشهيد بطلاً من أبطال التاريخ الآشوري قاد شعبه في أصعب وأحلك الظروف وضحى بأخيه وبنفسه من أجل كرامة وعزة شعبه. وقصة هذا البطل الخالد، الذي يعتبر رمزاً قومياً ودينياً عند الآشوريين، ملحمة بطولية نادرة ليس في تاريخ الآشوريين فحسب بل في تاريخ شعوب المنطقة أيضا، يصعب، لا بل يستحيل فهمها، على من لم يطلع على كتاب آشوري أو محايد واحد يتناول تلك المرحلة.

أما المسائل المثار في الكتاب مثل هجرة الآشوريين الى العراق وانضمامهم الى قوات الليفي ودورهم في ضرب الحركة الوطنية وغيرها من المسائل المكررة أيضا من قبل معظم مؤرخي  تاريخ العراق الحديث ومفكري النخبات الحاكمة في العراق والتي تنم عن حقد وكراهية تجاه الآشوريين، فأنني كامل اليقين بأنه لو تسنى للكاتب الإطلاع على جزء يسير من الوثائق البريطانية الضخمة التي تناولت هذه المسائل بشكل مفصل ودقيق لكان قد توصل الى قناعات أخرى تخالف مخالفة كبيرة لتلك التي توصل إليها وكان قد أكتشف بأن الآشوريين لم يهاجروا من تركيا الى العراق بل أن القسم الأعظم منهم كان يعيش ولا يزال في المناطق التي أصبحت عراقية بعد رسم الحدود بين العراق وتركيا. وحتى الآشوريون (النساطرة) الذين نزحوا من منطقة هيكاري التي اصبحت ضمن أراضي تركيا بعد رسم الحدود، فانهم لم ينزحوا من تركيا الى دولة العراق التي لم تكن قائمة في تلك الفترة بل أنهم انتقلوا، أو بالأحرى هُجــروا بسبب الحرب، من منطقة الى منطقة أخرى ضمن بلاد كانت تعرف بـ "بلاد ما بين النهريــن"، موطنهم الأصلي، والذي كان خاضعاً للدولة العثمانية قبل تأسيس كيان العراق ثم أصبحوا ضحية للمناورات السياسية الخبيثة وثمناً رخيصاً لتسويات الحدود الغادرة التي تمت بين بريطانيا وتركيا لصالح ضمان حدود كيان العراق الفتي، نتيجة ذلك تحولوا الى " أقلية وافدة " حسب المفهوم العراقي السائد عن الآشوريين، وهو المفهوم الذي لو تم تطبيقه على بقية العراقيين لوجدنا بأن ملك العراق المغفور له فيصل الأول وأبناءه وأهله أقل عراقية من الآشوريين الهيكاريين، وأن قسم كبير من عشائر سكان العراق الجنوبي والشمالي كان قد نزح الى العراق واستقر فيه بعد تأسيس كيانه السياسي، فهل يقبلون هؤلاء أن ننعتهم بشعب وافد الى العراق ؟؟ .

أما مسألة قوات الليفـي " المرتزقة " هي الأخرى مسألة عويصة ومعقدة يفتح التطرق إليها صفحات سلبية ومؤلمة في تاريخ العراق الحديث لا يملك الكثير من المؤرخين العراقيين الشجاعة الأدبية الكافية لمناقشتها مناقشة موضوعية كما هي موثقة ذلك لأنها ستكشف بكل وضوح بأن قوات الليفي العربية والكردية هي التي ساهمت في ضرب ثورة العشرين في العراق وفي قمع تمرد شــيوخ العشائر وأن الآشوريين في تلك الفترة كانوا منهكين مشردين في مخيم بعقوبــة للاجئين لا حولة لهم ولا قوة وأنهم لم ينضموا رسمياً الى هذه القوات إلا بعد تأسيس دولة العراق والجيش العراقي وتسريح قوات الليفي العربية والكردية وانضمامهم الى الجيش الجديد حيث أن الإنكليز، لا بل حتى الحكومة العراقية، كانوا بحاجة شديدة الى قوات متمرسة في حروب الجبال لضمان حدود العراق الشمالية من أطماع تركيا في ولاية الموصل لأن جيش العراق الناشئ لم يكن يملك خبرة قتالية في الجبال العاصية فاستطاع الإنكليز استغلال الآشوريين في تثبيت كيان العراق السياسي واستقرار حدوده على حساب تعاظم مأساتهم ومعاناتهم  في العراق. هذه المسائل التي يطول الحديث عنها مفصلة تفصيلاً أكثر إقناعاً في بعض المقالات والبحوث التي نشرتها في بعض الجرائد والمجلات وفي كتابي الأخير المعنون "الآشوريون في السياسة والتاريخ المعاصر " الذي أصدره اتحاد الأندية الآشورية في السويد وقد قمت بأهداء السيد القيسي نسخة منه.

لقد حاولت جلّ جهدي أن اكتفــي بهذا القدر من الملاحظات عن هذا الكتاب ، إلا أن كثرة المخالطات الواردة فيه ولدت لدي حوافز للاستمرار في إبداء ملاحظات أخرى مهمة على المسألة الآشورية. ومن هذه المخالطات التي وقع فيها السيد القيسي في كتابه، موقف الإنكليز المساند لاغا بطرس ولمشروعه السياسي في إقامة كيان آشوري شامل لجميع الطوائف الآشورية في شمال بيت نهرين. فالعكس هو الصحيح، فالإنكليز كانوا يمقتون اغا بطرس مقتاً شديداً ولأسباب مختلفة منها طائفية، لأنه كان كاثوليكياً، ومنها ثقافية ، لأنه كان فرنسي الثقافة والتوجه، ومنها سياسية، لأنه كان عارفاً بحيل وألاعيب الإنكليز تجاه الآشوريين من جهة، وملما بفنون لعبة المساومات السياسية بين الدول العظمى حينذاك خاصة بريطانيا وفرنسا وروسيا من جهة أخرى، وهذا كان يزعج الإنكليز ويزيد قلقهم تجاه ذكاءه وفطنته وتجاه طموحاته القومية. صحيح أن الإنكليز أظهروا في البداية تأييدهم لمشروع اغا بطرس لا لشيء إلا بهدف استغلاله لضرب الحركة الكردية وضمان حدود العراق الشمالية من أطماع تركيا غير أنه بعد قرار مؤتمر القاهرة لعام 1921 والقاضي بتأسيس دولة عربية في العراق ونصب الأمير  فيصل بن الشريف حسين على عرشها  أنقلب الإنكليز على اغا بطرس لأن مشروعه كان يتناقض مع قرار مؤتمر القاهرة لذلك حاربوه وأفشلوا مشروعه. وإزاء إصرار اغا بطرس على النضال لتحقيق مشروعه دبر الإنكليز قراراً لنفيــه من العراق الى فرنسا، فلم يهرب كما يدعي السيد القيسي في كتابه،  وعندما تصاعدت وثائــر الحركة الآشورية في العراق وازدادت حالة التوتر مع الحكومة العراقية ومستشاريها الإنكليز حاول اغا بطرس العودة الى العراق إلا إن القنصلية البريطانية في مدينة بوردو الفرنسية رفضت ذلك ومنعته رغم إصراره على ضرورة العودة إلى العراق والالتحاق بالحركة الآشورية. غير أنه بعد أيام وُجــد ميتاً في أحد شــوارع مدينة تولوز الفرنسية وفي ظروف غامضة ومثيرة للتساؤل وجهت أصابع الاتهــام في حينها إلى الإنكليز وأعوانهم لتقول بأنهم دبروا أمر تسميمه وقتله. هكذا نحن الآشوريون نفهم اغا بطرس كرمز من رموز النضال القومي وبطلاً من أبطال التاريخ الآشوري ومن لا يفهم رموز الآشوريين وأبطالهم لا يمكن إطلاقاً أن يفهم قضيتهم ويدرس تاريخهم بموضوعية نزيهة.

أما بالنسبة لمواضيع مشروع إسكان الآشوريين والتفاصيل المعلقة بالحركة الآشورية وزعماؤهم ومن ثم رفضهم لمشروع الإسكان ، فهي مسائل تتطلب صفحات طويلة لإبداء الملاحظات عليها، إلا أننا نؤكــد بأن ما أورده الكاتب فيه الكثير من المخالطات والتي رددها غيره من المؤرخين العراقيين. ولعل أهم المهمات في هذه الملاحظات الذي أود بيانه هو السبب الذي دفع بزعماء الآشوريين رفض مشروع الإسكان. فمن الحقائق الموثقة في أرشيف عصبة الأمم في جنيف بهذا الشأن والتي تبيــن بأن توصية مجلس العصبة في جلسته الرابع عشرة في 15/10/1932 كانت تقضي بإسكان الآشوريين في وحده اجتماعية متجانسة كأساس للحفاظ على تراثهم وتقاليدهم، غير أن اللجنة الثلاثية التي شكلتها عصبة الأمم بخصوص مشروع الإسكان، وبتأثير من الإنكليز، تبنت قراراً مخالفاً لذلك يقضي بإسكان الآشوريين النازحين من هيكاري في مجموعات أو أقسام مختلفة وبعيدة عن مناطق أخوتهم الآشوريين العراقيين بحجة عدم توفر الأراضي الكافية لهم، مما سبب ذلك امتعاض قادة الآشوريين ورفض هذه الصيغة لقرار توزيعهم على أراضٍ متباعدة والتي تبينت في ما بعد بأنها أراضٍ جدباء ومبؤة بالأمراض المعدية فكان هذا السـبب الرئيسي الذي دفع بزعماء الآشوريين الى رفض مشروع الإسكان بصيغته العراقية - الإنكليزية وليس السبب الذي أورده القيسي في "طبع الآشوريين المشاكس وافتقاد زعمائهم الحس التاريخي في تفسير الأحداث وتغليب التطرف والعناد على العقل والاعتدال". لا بل على العكس من هذا تماماً، فزعماء الآشوريين كانوا يملكون الحس التاريخي والمنطقي في تفسير الأحداث خاصة في تفسير سلوك النخبة الحاكمة ونوايا الإنكليز في التخلص من الآشوريين وفي قمعهم و "تأديبهم"  خاصة بعد إستنفاذ حاجتهم الى خدماتهم العسكرية. فلو تسنى للسيد القيسي أن يطلع على الكتب التي كتبها هؤلاء الزعماء أمثال مار شمعون إيشاي وماليك ياقو ماليك اسماعيل والمفكر يوسف ماليك التلكيفي لأدرك بأن نظرتهم لمجريات الأمور كانت صحيحة وأن مخاوفهم كانت مشــروعة، تلك المخاوف الناشئة من ترك الإنكليز سلطة البلاد بيد نخبة سياسية متعطشة للسلطة همها الوحيد مواصلة تلك السياسة الاستبدادية التي بدأتها عندما كانت في خدمة الجيش العثماني، تلك المخاوف التي كانت تؤكد بأن الكارثة لا محال واقعة بالشعب الآشوري، سواء أكانت الكارثة على الفريق المؤيد للحكومة العراقية ومشروعها الإسكاني أم كانت على الفريق الرافض، والتي تحققت فعلاً عندما أزهقت أرواح أكثر من ثلاثة آلاف آشــوري في سـميل عام 1933 من دون أي تمييـز بين هذا الفريق أو ذاك. وهنا يجب أن نسجل تقديرنا وتثميننا العظيمين للسيد القيسي في تأكيده لهذا العدد من الضحايا أثناء مذبحة سميل لأنه كان شاهد عيان في تلك الفترة وفي الوقت الذي تشير الوثائق الرسمية العراقية إلى ثلاثمائة ضحية فقط ووثائق أخرى تشير إلى أقل من هذا العدد. ومن المشاهد المأساوية لهذا الحادث ذكر لي السيد القيسي شخصياً في أحدى لقاءاتنا وكشاهد عيان بأنه أحضر بعض الجنود العراقيين شخصين أشوريين كانا يعملان في مهنة الفلاحة في الموصل إلى  حجي رمضان مساعد بكر صدقي وقيل له بأنهما جاسوسان للإنكليز فما كان من حجي رمضان إلا أن سحب مسدسه وأطلق النار عليهما فقتلهما في الوقت الذي كان يقف خلفه أثنان من المستشاريين الإنكليز اللذان كانا يعملان في خدمة الحكومة العراقية في الموصل. 

وقصة المنكوب كوريال يونان ، الذي خدم الحكومة العراقية فترة طويلة وكان من أشد أنصارها وأكثرهم حماساً لمشروعها الإسكاني، قصة مأساوية معروفة تدمــى لها القلوب حيث وجد مذبوحاً في داره مع ابنه الوحيد وليم والجنسية العراقية معلقة في رقبته وملطخة بدماءه الزكية وعلم العراق يرفرف فوق سطح داره لبيان مدى وطنيته كما ذبح معه مجموعة تزيد عن الثمانين شخصاً من الآشوريين المؤيدين للحكومة بين نساء وأطفال ورجال دين لجأوا الى داره طلباً للحماية. هذه القصة هي نموذج من نماذج كثيرة كان زعماء الآشوريين يتخوفون منها قبل وقوعها، غير أن النخبة السياسية الحاكمة ومفكريها عجزوا عن فهمهما وتقديرها.

وأخيراً ، بقى أن نقول بأن الأستاذ القيسي اجتهد في كتابه وأظهر في جوانب منه موقفه الشجاع غير أنه أيضا أخطأً في اجتهاده في فهم تاريخ الآشوريين وقضيتهم القومية. فهذه الحقيقة النبيلة التي أقرها الكاتب نفسه في مقدمة الكتاب هي التي منحتني أجر الاجتهاد الصادق في ملاحظاتي هذه. وضمن هذا الاجتهاد اختم الحديث بالقول بأن الكاتب وفق كثيراً في أن يكون وكيل الاتهام للحكومة العراقية والجيش العراقي بخصوص دورهما في تصعيد الأحداث وارتكاب مذبحة ســميل بحق الآشوريين الأبرياء، ولكن مع الأسف الشديد فشل في أن يكون محامي الدفاع عن القضية الآشورية، كما حاول البعض وصفه، ومرد فشله يعود الى عدم إطلاعه على أوراق القضية وعدم سماعه لأقوال أصحاب القضية والاكتفاء في دفاعه عن الآشوريين على أوراق الخصم وأقواله وأفكاره، وهو منطق غير مقبول إطلاقاً  لأننا متأكدين تأكيداً قاطعاً  بأنه لا يتم من خلاله إحقاق الحق الآشوري الذي غبن كثيراً وان تتحقق العدالة وسيادة القانون وإشاعة الحرية والديمقراطية والتي ننشدها جميعاً لوطننا الحبيب وهي الأهداف التي كرس الأستاذ عبد المجيد القيسي حياته من أجلها وما هذا الكتاب إلا تأكيداً على ذلك... رحمه الله فذاكرته ستبقى مع بقاء هذا الكتاب القيم.



58
قصر نظر في قراءة وفهم المواضيع القومية الحساسة
أبرم شبيرا
توطئة:
=========
هذه السطور القليلة ما هي إلا توضيحات أخرى لمن عجز عن فهم الموضوعين (المسيرة النيسانية بين زوعا والتجمع) و ( إنجاز عظيم وتاريخي تحققه قائمة الرافدين لأبناء أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية) اللذان سبق وأن كتبناهما ونشرتا في موقع عنكاوه الألكتروني وخلقتا رود فعل تراوحت بين الإيجابي المفرط والسلبي القاتم، وها نحن نكتب هذه التوضيحات لعل تصحح نظر البعض الذين يعجزون عن قراءة مثل هذه المواضيع النقدية الهادفة إلى كشف بعض العيوب في مجتمعنا وتقديم المقترحات للتخفيف منها أو إمحاءها إن أمكن عسى ولعل يأخذ المعنيون بها في المستقبل.

 قصر النظر وأمراض الفكر السياسي:

========================
قصر النظر وبالإنكليزية (Nearsightedness) والمعروف طبياً بـ (Myopia) عيب أو خلل يصيب عين الإنسان فيرى الأشياء البعيدة بشكل مشوش وغير واضحة. وهذا الخلل ليس مرضاً بحد ذاته بل قد يكون نتيجة مرض معين وفي حالات معينه قد يكون مرض الأنيميا (Anemia) أي فقر الدم سبباً في ذلك. كثير من علماء السياسة والإجتماع أستعانوا بنظريات العلوم الطبيعية والطبية وأستعملوا مصحلحاتها ومناهجها في دراسة العلوم الإجتماعية، وعلى هذا السياق يمكن إستخدام مصطلح قصر النظر وفقر الدم في تسهيل مهمتنا ومهمة القراء في فهم ما نكتبه في المواضيع السياسية والقومية لأمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية"، وهو موضوع سبق وأن كتبنا عنه تحت عنوان "الإنيميا السياسية في المجتمع الآشوري". هناك نكتة قديمة وشائعة على مسامع الكثير من الناس تقول بأن رجل مصاب بقصر النظر ذهب إلى طبيب العيون لفحص بصره وفي العيادة وأثناء الفحص سأله الطبيب عن الحروف الموجودة على اللوحة فأجاب الرجل عن أية لوحة تتكلم فأنا لا أرى أصلاً اللوحة. هكذا هو حال "البعض"، أوكد وأقول البعض، من كتابنا ومثقفينا خاصة الذين يكتبون وينتقدون موضوعاً معيناً بعيداً بعض الشيء عن ثقافتهم وتفكيرهم وبالتالي يقرأونه بشكل مشوش وغير واضح أو لا يفهموه فهماً عميقاً وبنظرة نقدية لمضمون الموضوع وبالنتيجة تكون كتاباتهم النقدية أيضا مشوشة وغير واضحة. والحالة هذه تتعقد أكثر عندما يجهل هؤلاء الأساليب النقدية والتحليلات الموضوعية الواقعية كأمر طبيعي ناتج عن الفقر المدقع للفكر النقدي في مجتمعنا وبأساليبه السائدة في المجتمع المعاصر وبالأخص عند بعض من مثقفينا وأحزابنا السياسية والمهتمين بالشؤون القومية والسياسية، وأرجو أن لا أظلم هؤلاء بالكشف عن مرضهم الفكري في الفقر الفكري والسياسي وقصر النظر للأمور القومية والسياسية لمجتمعنا.

 الفانتازيا والسخرية كأساليب نقدية في فهم موضوعنا "أنجاز عظيم وتاريخي..."

الفانتازيا لها معاني ومدلولات متنوعة أستخدم حديثاً كأسلوب نقدي في الفن والأدب والسياسة يقوم على التعبير عن حدث أو أمر عجيب وفيه الكثير من الغرابة بحيث لا يحتمل قبوله على نحو جاد أو تصديقه وتصل غرابته حتى حدود الخيال. أما أسلوب النقد القائم على السخرية فهو تعبير يستعمل ألفاظ معينة ويطرح أفكار في موضوع معين تكون على عكس ما يقصده الكاتب وقد يصل إلى حدود النقد اللاذع ولكن مع هذا لا يتعدى حدود الإيلام والتجريح، فالأحترام يبقى قائماً في جوهر الموضوع رغم إختلافه في الشكل القائم على هذين الأسلوبين في النقد. مؤخراً كتبتُ موضوع "إنجاز عظيم وتاريخي تحققه قائمة الرافدين لأبناء أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية" ونشره موقع عنكاوه الألكتروني مشكوراً وجاءت عليه ردود عديدة سواء بالكتابة على نفس الموقع أو بالمخابرات الهاتفية أو على الموقع الشخصي الألكتروني أو على هاتفي المتحرك، وكلها كانت تعبر عن المستوى الفكري لأصحابها في إستيعاب هذا الموضوع وفق الأسلوب الذي كتبته. فالبعض من الأصدقاء كانوا قد بينوا قدرتهم الفكرية العالية في فهم مثل هذا الأسلوب النقدي في الفكر والسياسة وأستطاعوا أن يقرأوا بين السطور والمحمي، كما قالوا. لا بل البعض منهم وبذكاءهم وخبرتهم أستطاعوا فهم الموضوع من أوله عندما شاهدوا عنوانه مذيل بالعديد من علامات الإستفهام والتعجب.  أما على الجانب الآخر، فالبعض أعتبره أسلوباً هابطاً في مقارنة مع رفعة ما أكتبه في هذا المجال لا بل وأكثر من هذا حيث أعتبره نوع من الحسد وهذا مرض خطير ومضر جداً بصحتي لأني حسدت "ممثلي" أمتنا الذين يجلسون مع اللصوص ومغتصبي حقوقنا ويصافحون بعضهم البعض ويتكاتفون معهم سواء أمام الكامرات أم خلف الستائر... آخر زمن .. أن يحسد قومي نزيه ومكتفي في الحياة من جميع النواحي (نشكر الرب ونحمده ملايين المرات) أعمال ومناصب هؤلاء وهم يعرفون نزاهتي أكثر من أي شخص آخر... مسألة تفوق الخيال ولا يتصورها إلا الملتصق بـ "لصقة جونسون" على كراسي التفاخر والتعالي على أبناء أمتنا.

أما قمة الجهل في فهم الموضوع وأسلوب طرحه تمثل في بعض من "عشاق" والمغرمين بالحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) الذين يضرون ويسيئون لسمعة زوعا أكثر من غيرهم، فهؤلاء أعتقدوا بأن الموضوع يمجد زوعا ويثني على أسلوب اللقاءات الخارجية في حماية حقوقنا القومية ... مسألة حقاً مثيرة للضحك لا أكثر ولا أقل. وقد وصل الأمر في ضعف النظر والفقر السياسي والفكري عند البعض حدود عدم قدرتهم على فهم مضامين أو تأثيرات هذا "الإنجاز" الذي حققته قائمة الرافدين... بالله عليكم يا قراءنا الأعزاء... أفهل يعقل أن يخافوا لصوص ومغتصبي أراضي أبناء أمتنا في برطلة وبغديدا ومناطق أخرى من مشاركة أعضاء من قائمة الرافدين ضمن وفد البرلمان العراقي في إجتماعات مؤتمر للإتحاد البرلماني العربي؟؟؟ أو إن مثل هذه المشاركة تزلزل أسس وقواعد الأبراج الأربعة المشؤومة في عنكاوة؟؟؟؟ أفهل وصل كرم الكرد إلى درجة أن يخشوا على تناقص نفوس أمتنا بسبب هذا "الإنجاز العظيم والتاريخي" الذي حققته قائمة الرافدين لأبناء أمتنا؟؟؟. أن أصحاب هذه النظر والفهم لا تفيد معهم حتى نظارات "جعب ستكان" في تصحيح نظرهم وفكرهم في فهم مثل هذه الأمور بل يستوجب عليهم إجراء عملية جراحية بسيطة لتصحيح وضعهم وذلك عن طريق التقليل ولو قليلاً من تحزبهم المطلق لحزبهم. إن كل ما رميت إليه في موضوعي السالف الذكر هو التأكيد ... ثم التأكيد كما فعلنا في السابق هو أن مشاركة "ممثلي" أمتنا في مثل هذه اللقاءات والزيارات الخارجية لا تفيد أمتنا لا من قريب ولا من بعيد  بل تضر كثيراً وتعطي إنطباعاً خاطئاً للرأي العام العالمي بأن الأقليات المسيحية ومنهم أمتنا "الكلدانية السريانية الاِشورية" تعيش في نعيم من الحقوق والإمتيازات وتعامل بمساواة وعلى جميع الأصعدة من قبل القابعين على السلطة في العراق، وإلا كيف يفسر وجود أعضاء من هذه "الأقلية" في الحكومة والبرلمان؟؟؟.

وبهذه المناسبة أود أن أشير إلى ظاهرة تكاد أن تنشأ نظرية في علم السياسة بسبب تراكم التجارب عنها وهي أن تراكض وتباهي قادة الدول والأحزاب السياسة نحو الخارج وحضور المؤتمرات واللقاءات العالمية أو الخارجية وبيان "عنتريتهم" في هذه المؤتمرات واللقاءات ما هي إلا تظاهر للآخرين بأنهم في مستوى أعلى وأحسن بكثير من اللذين لايتمكنون من الوصول إلى مثل هذا المستوى من الحضور للمؤتمرات واللقاءات الخارجية في الوقت عينه هو غطاء للفشل أو عجز أو تقصير في الأمور الداخلية ويخشون عقد لقاءات ومواجهة أبناء شعبهم والتباحث في مشاكلهم لأنها أنظمة حكم وأحزاب سياسية في معظمها غير مستقرة وغير وكفوءة في تلبية طلبات أبناء شعبهم وبالتالي يجدون في الخارج مصدراً لتعزيز بقاءهم وإستمرار وجودهم في الداخل على رغم من أنف أبناء شعبهم. وزعماء الدول العربية مثال وضاح في ذلك. أما على مستوى أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" فالإتحاد الآشوري العالمي (AUA) سباق في هذا المجال، إذ فله نصيب لا بأس به من حضور المؤتمرات والندوات العالمية وإصدار البيانات والإحتجاجات إلى المنظمات الدولية والأقليمية ولكنه عاجز عن إقامة نشاط سياسي معين لأبناء أمتنا أو مهرجان ثقافي أو فني لا بل حتى أنه عاجز عن إقامة إحتفالات بمناسبة تأسيسه. والحال ينطلق أيضا على زوعا وعلى التجمع.. ففي الوقت الذي يشارك أعضاء من قيادة زوعا وبقية أعضاء التجمع  في المؤتمرات واللقاءات الدولية ويتباهون في طرح مطاليب أمتنا وقضيتها على الرأي العام العالمي نرى في عين الوقت غائبين كلياً عن أقامة ندوة أو لقاء مع أبناء أمتنا في الوطن وشرح المشاكل والصعوبات التي تواجه تحقيق المطالب القومية... بالله علكم يا قراءنا الأعزاء هل سمعتهم أو حضرتم يوما ما ندوة للتجمع يشرح فيها كيفية تأسيسه والمصاعب التي يواجهها أو أحد أعضاءه أقام ندوة أو محاضرة فكرية أو ثقافية أو سياسية لأبناء أمتنا في الوطن ؟؟؟؟ طبعاً الجواب هو: كلا، فهم يحتجون على مقترحي في حصر تنظيم مسيرة أكيتو بزوعا ويطالبون بإستمرار التجمع بتنظيم هذه المسيرة وهم غير قادرون عليه أو إيجاد مكان لهم في هذه المسيرة ولكن في نفس الوقت لا يأخذون بنظر الإعتبار أمكانيتهم في تنظيم نشاط ثقافي أو فكري أو سياسي أو فني أثناء إحتفالات أكيتو الذي من الممكن جداً أن ينظموا مثل هذه النشاطات كما جاء في مقترحي... كل ما في الأمر هو أن التحزب المقيت يقتل الإبداع في الفكر والسياسة فدائماُ يحاول المتحزب أن يبين بأن حزبه قادر على عمل كل شيء طالما الحزب الآخر قادر على ذلك. أكتفي بهذا القدر في هذا الموضوع أكراماً لأصدقائي في إختصار المواضيع التي أكتبها لأنه سبق وأن أكدنا على إستقالة "ممثلي" أمتنا من مناصبهم الكارتونية رحمة بحقوق أمتنا وتخفيفا لمعاناة أبناؤها وفي عدة مناسبات سابقة.

الفقر السياسي في فهم موضوع "المسيرة النيسانية .... :
=========================================
تمثل قمة قصر النظر عند بعض الذين قرأوا وأنتقدوا مضوعنا في "المسيرة النيسانية بين زوعا والتجمع". وسبب ذلك يرجع بالأساس إلى مرض فقر الفكر السياسي وإستحالة قدرتهم على الغوص في الحقائق الواقعية للموضوع. لقد سبق وأكدنا مراراً وتكراراً بأن السياسية هي فن وممارسة وبلغة أخرى هي فكر وواقع،  فبدون الممارسة على الواقع يبقى الفكر، مهما كانت علميته ومنطقيته، مجرد كلام ونظريات لا تفيد المجتمع إلا إذا نزل إلى الواقع وتم ممارسته حتى ندخل في عالم السياسة. أوكد وأقول مرة أخرى السياسة هي الواقع ومن لا ينطلق من هذا الوقع يبقى يدور في الفقر السياسي المدقع. إنطلاقاً من هذا الواقع الذي يعكس الحقيقة كنت قد كتبت هذا الموضوع والمواضيع السابقة المتعلقة به. وعلى العكس من ذلك، فالذين قرأوا وكتبوا نقدهم على هذا الموضوع، فبسبب قصر نظرهم لهذا الواقع،  فقد غاب كلياً عنهم وبالتالي كتبوا نقدهم بشكل لا يعبر عن الحقيقة إلا بشكل مشوه وغير منطقي. وعلى أساس هذا الواقع أقول بأن معظم أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية ليست معابد للتعبد والسجود لقادتها، بل هي بنى إجتماعية قائمة في واقع وموضوع. ولما كان لكل مجتمع أمراض وعيوب إجتماعية لا يخلو منها أي مجتمع إلا مجتمع "جمهورية إفلاطون" لذا فأن الكثير من هذه العيوب والأمراض تنتقل إلى هذه البنية الإجتماعية: الأحزاب والمنظمات المعينة بموضوعنا هذا، هذه الحقيقة لا يمكن أن ينكرها حتى الجاهل في أبسط الأمور السياسية والقومية. من هذا المنطلق وفي كل كتاباتي عن أحزابنا وتنظيماتنا قد تم تقييمهم وفق هذه البديهيات في فهمها على حقيقتها الواقعية وكما هي من دون مبالغة أو تقصير. فإحترام هذه التنظيمات لا يقوم إلا على فهمها موضوعياً وبيان إيجابياتها وسلبياتها معاً وليس بالمدح والتطبيل والتبجيل لها لأن هذا يضرها أكثر مما يفيدها. وهنا أتذكر الأديب الآشوري الكبير المرحوم الشماس كوركيس بنيامين أشيتا الذي كان خزينا من الأمثال والحكم، ففي أحدى أمثاله الحكيمة يقول (الفأرة تحتج وتغضب خضباً شديداً عندما ينادوها بالأسد ... وتصرخ وتقول كلا... أنا فأرة وأعتز في كوني كذلك) وعلى هذا الأساس يجب أن نقم كل الأشياء ومنها أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية كما هي دون مبالغة أو تطبيل أو حتى تقليل وتصغير. وعلى نفس الأساس بحثنا موضوعنا هذا وقيمنا دور الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) في تنظيم المسيرة وإعطاء أدوار أخرى لبقية أعضاء التجمع في تنظيم نشاطات أخرى ضمن إحتفالات عيد أكيتو كل حسب حجمه وأمكانياته ولم أحصر إطلاقا هذه النشاطات بزوعا فحسب. وأساس هذا المقترح لم يكن إلا قائماً على الحقيقة الواقعية المحيطة بتنظيم مسيرات أكيدو الذي يتجاهلها البعض. فمنذ عام 2011 وبعد إنبثاق التجمع بدأت مسيرة أكيتو بالتنازل من حيث التنظيم والجماهير والحماس أيضا وهكذا في عام 2012 وحتى 2013 القريبة علينا والتي لازالت جوانبها السلبية عالقة في دماغنا. في الوقت الذي كان زوعا قبل ثلاث سنوات ينظم مسيرة أكيتو وحده وكانت أكثر تنظيماً وجماهيرية وحماسة. هذه الحقيقة الواقعية لا يمكن لأحد أن ينكرها إطلاقاً سواء أتفقنا مع زوعا أم لا وهذه الحقيقة هي التي تسمح لنا بأعطاء مهمة تنظيم مسيرة أكيتو لزوعا ليس كإمتياز لها أو مدحاً بها فنحن نقيم زوعا طبقاً لكل جوانبها الإيجابية والسلبية، فهي بإعتراف أبناء أمتنا أو غيرهم من "الغرباء" حركة جماهيرية واسعة في مجتمعنا وقادرة على تنظيم مثل هذه النشاطات الجماهيرية ولكن كل هذا لا يمنعنا من بيان العيوب التي تعتري زوعا وإنحراف ممارسة عناصر في قيادتها. ففي المقالة موضوع البحث ذكرت بأن نشاطات أجدادنا العظماء لعيد أكيتو لم تكن قاصرة على تسير المواكب بل أيضا على نشاطات أخرى مختلفة من فكرية وموسيقية ومسرحية وطقسية وغيرها، فمن هذا المنطلق أقترحت أن تكون أحفالات أكيتو شاملة للعديد من النشاطات الثقافية والفكرية والسياسية والفنية والإجتماعية التي يستوجب على أعضاء "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" القيام بها كل حسب إمكانيته وطاقته وظروفه.

من الحقائق التي سببق مراراً وتكراراً تأكيدها هي أنه لا يوجد حزب واحد في أمة قادر على أن يعبر ويحقق جميع مصالح الأمة بل يستوجب وجود عدة أحزاب يتناسب عددها مع حجم الأم وطموحاتها وبعكس ذلك نكون أزاء دكتاتورية الحزب الواحد أو ما أصطلح على تسميته بالحزب القائد ومصير جميع هذه الأحزاب معروف بنهايتها المأساوية التي تتناثر نتائجها على الأمة وتقودها نحو التقهقر والإنهيار. وتأكيدنا على جماهيرية وقوة زوعا كحزب سياسي بين أحزابنا السياسية لا يعطيها الحق في أن تكون الحزب الوحيد في أمتنا بل يتطلب وجود أحزاب أخرى قادرة على الدخول في معادلة تعاون/تنافس في أساليب تحقيق مصالح الأمة. من هنا تأتي أهمية وجود تحالفات بينهم، و "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" نموذج في هذا السياق وتقيمنا له منطلق من هذا السياق كما وأن توزيع الأدوار على أعضاءه في إحتفالات أكيتو يأتي أيضا من هذا المنطلق وليس تقليلاً أو تكبيراً لأي عضو من أعضاءه فإحترامنا لهم قائم على أساس هذا الدور الذي يمكن أن يلعبوه ضمن التجمع، وما زيارتنا إلى مقرات بعض من أعضاء التجمع واللقاء بقادتهم أثناء إحتفالات أكيتو هذا العام إلا إحتراماً وتقديراً لهم. لقد سبق وأن كتبنا مراراً وتكراً عن هذا الموضوع وقيمنا التجمع تقييماً موضوعياً واقعياً في مقارنة مع تحالفات سابقة التي لم تكن إلا ورقية أو لم تدم طويلاً بسبب عدم موضوعيتها واعتبرناه من أكثر التحالفات بين أحزابنا السياسية نجاحاً في الوقت الحاضر رغم النقص الذي يعتريه والمعوقات التي يواجهها. وهنا أتحدى تحدياً رياضياً كل الذين أنتقدوا وأساؤا فهم تقييمي للتجمع أن يعطوا مثالاً أو يذكروا كاتباً أو مثقفاً أو سياسياً قيم التجمع مثل هذا التقيم وهو مستقل تنظيماً ولا ينتمي إلى أي من أعضاء التجمع... من هنا أقول أن الموضوع الذي كتبه عن إقتراح قيام زوعا بتنظيم المسيرة وقيام بقية أعضاء التجمع بالنشاطات الآخرى والنقد الذي وجه إليه لم يقرأ بنظرة موضوعية ولم يبنى عليه طروحات واقعية لأنها كتبت بنظرة قاصرة إلى الواقع الموضوعي للتجمع قائمة على التحزب والمدح والتمشدق بهذا الحزب أو ذاك. نصيحتي الأخوية "الرفاقية" أن يقرأوا الموضوع بتأني وبنظرة واقعية وموضوعية بعيداً عن الحزبية حينذاك سوف يدركون حقيقته وفائدته للجميع وليس لهذا الحزب أو ذاك، وحينذاك سيدركون بأن التمشدق والكلام المنمق يضر حزبهم أكثر مما يفيده... قيل "الكلام المعسول لا يطهو الجزر الأبيض"، وبالتأكيد الكلام المنمق والمديح المبالغ لا يفيد أحزابنا السياسية بل يجعلها تغوص أكثر فأكثر في غيها وهذا ما لا يرغبه أي من أبناء أمتنا النبلاء .   




59


إنجاز عظيم  وتاريخي تحققه قائمة الرافدين لأبناء أمتنا (الكلدانية السريانية الآشورية) ؟؟؟ !!!
=============================================

أبرم شبيرا

يقول بعض من أصدقائي الأعزاء بأن ما أكتبه من مواضيع هي طويلة جداً وقد يتعب القارئ من قراءتها فيتركها من دون ان يكملها وبالتالي لا يستفيد منها. هذا قول صحيح ولكن لنعرف بأن المواضيع التي تكون لها صفة بحثية وموضوعية لا يمكن قضمها وتسطيرها في بعض السطور كالمقالات التي تتناول مواضيع آنية تعبرعن رأي صاحبها عن حالة معينة أو تنتقد موضوع آخر، ولكن مع هذا أقول لهم شكراً جزيلاً على النصيحة لذلك فما كان مني إلا أن أتبع هذه النصحية وأقوم بكتابة موضوع قصير غير متعب للعيون وأمل أن يكون غير متعب أيضاً لعقول البعض. هذا الموضوع الذي يتعلق بإنجاز العصر الذي حققته قائمة الرافدين لأمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" هو إنجاز قل نظيره في تاريخنا القديم والمعاصر لأنه يحقق بالقول والفعل الأجندة التي وعد "ممثلي" أمتنا به أثناء التصويت لهم. وتتجلى عظمة هذا الإنجاز في النتائج والآثار الذي سيتركه على خارطة طريق تحقيق مصالح أمتنا وحماية حقوقها القومية والتاريخية... فمن المؤكد الذي لا يقبل الشك إطلاقاً بأن هذا الإنجاز التاريخي سيترك رهبة وخوف على قلوب لصوص أراضي أبناء شعبنا في بلدتنا العريقة برطلة وسيولون هاربين من غضب وهيجان وقوة ممثلي أمتنا في حماية حقوقها. لا بل سيكون لهذا الإنجاز العظيم وقعاً قوياً وحاسماً على عقول صانعي القرار في محافظة نينوى وبالحتم والنتيجة سيغيرون قرارهم في سلب ونهب أراضي أبناء أمتنا في بغديدا من أهلها الأصلاء والأكثر من هذا سيكون لهذا الإنجاز المهيب والمرعب لقلوب الإستبداديين وسارقي حقوق أمتنا أثراً قوياً على الجانب الروحي لهم وبالتالي سيصدرون قراراً معدلا لقرار بناء الحسينية في هذه البلدة العريقة وبدلا عنها سيبنون كنيسة ضخمة تخلد إستشهاد مار بهنام وأخته ساره قبل قرون طويلة وقبل أن تطئ أقدام هؤلاء اللصوص أرض الرافدين... يا له من إنجاز عظيم تتناثر نتائجه على أبناء امتنا وعلى مختلف الأصعدة القومية والدينية.
أما تأثير هذا الإنجاز العظيم والتاريخي على منطقة "كردستان" فالحديث عنه بلا حرج وبدون حدود. وإكراماً لإصدقاءنا الأعزاء سنختصر التأثيرات العظيمة والحاسمة لهذا القرار في الإشارة إلى الزلزال الهائل والمدمر الذي سيثيره ويهز أسس وقواعد الأبراج الأربعة في بلدتنا الحبيبة عنكاوه ويزيلها من الوجود وبدلا من هذه الأبراج الأربعة القابعة على قلب عنكاوة سيهب قادة أحزابنا المناضلة وسيقومون بسواعدهم المفتولة ببناء مدرسة سريانية أخرى في عنكاوة، ولا مشكلة إطلاقاً من التخصيصات المالية لهذا المشروع فمثل هذه المشكلة المستديمة تضمحل أمام كرم "ممثلي" أمتنا في الحكومتين والبرلمانين (المركزي والأقليم) مشهود به حيث سيخصصون نسبة من رواتبهم لهذا المشروع النبيل لأنهم فعلاً يدركون ويؤمنون إيماناً قوياً بأن الرواتب التي يتقاضونها هي بفعل تصويت أبناء أمتنا لهم في الإنتخابات ومؤازتهم لأحزابهم.
أما وقع هذا الإنجاز العظيم على الجانب السياسي في إقليم "كردستان" فلا محال سيكون عظيماً وقوياً على حكومة الإقليم والقوى السياسية المتنفذة هناك. لماذ؟؟: لأنه سبق ولا يزال الكرد وأحزابهم الرئيسية ينتقدون قادة الحركة الديموقراطية الآشورية، والأصح قائمة الرافدين، على توجههم المثير للجنوب ودخولهم في تحالفات مع القوى التي لا تتوانى في ذبح أبناء أمتنا ورجال كنائسنا وبدم بارد وتفريغ البصرة والناصرية والدورة وغيرها من المناطق من أبناء أمتنا وتشريدهم إلى مناطق أخرى. وهذا طبعاً سيزيد قلق الكرد وخوفهم على أبناء أمتنا معتقدين بأنه سيتناقص عددهم إلى درجة لا يكون كافاً لممارسة حقوقهم القومية والحكم الذاتي الذي وعد به في مسودة دستور الإقليم، وبالتالي حتى يظهروا أكثر كرماً ولطفاً من العرب في الجنوب سوف يباشرون فوراً بإقرار مسودة الدستور وتوفير كل الإمكانيات الديموغرافية والجغرافية والمالية لتحقيق الحكم الذاتي في منطقة كردستان الموعود به والذي ينتظره أبناء أمتنا منذ سنوات ونأمل أن لا يكون هذا الإنتظار كإنتظار (فلاديمير) و(أستراغون) في مسرحية "في إنتظار كودو" للكاتب الآيرلندي الشهير صموئيل بيكيت. وبهذا سيكون هذا إغراء وعطاء سخي من الكرد لأبناء أمتنا لعل من وراءه سيغيرون قادة قائمة الرافدين توجههم وإنتباهم أكثر من الجنوب إلى الشمال.
إن فرحتنا من هذا الإنجاز العظيم التاريخي مضاعفة عندنا لأن أبطاله يعتبرون أصدقاء لنا وبيننا أكثر من خبر وملح ونأمل أن تزداد فرحتنا عندما لا يقع صدى نتائج هذا الإنجاز على مسامع آذان صماء ويكون مصيره سلة المهملات... وحتى أرضي أصدقائي الأعزاء في إختصار الكلمة وعلى ما قل ودل فإنني أكتفي بهذا القدر وأحيلهم إلى مضامين هذا الإنجاز العظيم والتاريخي في موقعنا العزيز (www.zowaa.org) الذي قام بنقل هذا الإنجاز ونشره والذي نقتبسه كما هو مع الصور الجميلة والمعبرة، فساهم هذا الموقع في توفير الوقت لنا للكتابة في موضوع "قصير" آخر أرضي به أصدقائي الأعزاء,,, ألف مبروك لكل أبناء أمتنا على هذا الإنجاز العظيم والتاريخي؟؟؟  !!!.

  

قائمة الرافدين ضمن وفد العراق في المؤتمر التاسع عشر للاتحاد البرلماني العربي
===========================================

زوعا اورغ - الكويت :  استضافت  الكويت  المؤتمر التاسع عشر للاتحاد البرلماني العربي تحت رعاية سمو أمير البلاد الشيخ صباح الاحمد وترأس أعماله رئيس الاتحاد رئيس مجلس الامة علي الراشد بمشاركة رؤساء المجالس التشريعية والشورى والنواب في الدول العربية أو ممثليهم. وتناول المؤتمر في جلساته على مدى يومين دراسة جملة من القضايا المهمة المتعلقة بعمل الاتحا ومناقشة تقرير الامين العام للاتحاد وتقرير رئيس الاتحاد ومداخلات رؤساء البرلمانات والمجالس ورؤساء الوفود المشاركة عن الوضع العربي الراهن.
وتتضمن جلسة العمل الثانية متابعة مداخلات رؤساء الوفود المشاركة بصفة مراقب وتشكيل لجان المؤتمر وهي لجنة الشؤون السياسية والعلاقات البرلمانية ولجنة الشؤون المالية والاقتصادية ولجنة شؤون المرأة والطفولة واللجنة القانونية وحقوق الانسان اضافة الى اجتماع لجنة الشؤون السياسية والعلاقات البرلمانية واجتماع لجنة الشؤون المالية والاقتصادية.
 
مثل العراق في المؤتمر وفد برلماني برئاسة النجيفي رئيس البرلمان والنائبان  يونادم كنا وعماد يوخنا في قائمة الرافدين وعدد من النواب في البرلمان العراقي.


60
تجليات روح شهداء الأمة في واقع اليوم
========================

مقابلتي مع الشهيد فريدون أتورايا
أبرم شـبيرا
توضيح:
قبل بضعة سنوات ونحن مجتمعين مع بعض الأصدقاء في "الكونفينشن" في الولايات المتحدة الأمريكية سألني أحدهم: لماذا تطلق على قداسة البطريرك مار دنخا الرابع لقب البطريرك الآشوري فقط ... أليس بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وبطريرك الكنيسة السريانية الأرثوذكسية بطاركة آشوريون؟؟؟ قلت له لا أستطيع أن أضع ألقاب أو أن أسمي أشخاص بغير أسماؤهم المتعارفين بهم ولا حق لي أن ألقبهم بما لا يرضون. فالأول هو بطريرك كلداني والثاني بطريرك سرياني ولا أستطيع تسميتهم غير ذلك، هذا بغنى عن إنتماؤهم القومي والأثني الذي أؤمن أنا وأنت وغيري به فهذا شأننا الخاص وليس شأنهم. من هذا المفهوم  كتبت هذا الموضوع مستخدما التسمية الآشورية التي كانت تنطبق بكل حذافيرها على شهيدنا موضوع البحث وعلى الحركة القومية حينذاك ولا أستطيع أنا وغير أن أسمي فريدون أتورايا أو الحركة القومية التي كان من روادها بغير هذه التسمية.
=================================
قد يعمر الأفراد ويعيشون مائة سنة أو أكثر ولكن مع هذا يموتون ويرحلون عن هذا العالم، لكن الأمة التي ينتمون إليها تعيش مئات القرون وربما تبقى خالدة أبد الدهر. لم يعيش فريدون أتوريا أكثر من خمسة وثلاثون سنة حيث ولد عام 1891 في قرية قره باش في منطقة أورمي فأرسله والده إلى تبليسي ـ جورجيا عند أقاربه للدراسة وهناك تخرج من كلية الطب ثم عمل طبياً في الجيش الروسي. أستشهد في نهاية عام 1926 ولكن الأمة الآشورية، والتي زهق فريدون روحه من أجلها، عاشت وخلدت لقرون طويلة ليس من خلال تواصل أجيالها كأفراد فحسب وإنما من خلال تجليات روح شهداءها المتواصلة في أفكار الأمة ومبادئها وقيمها وتراثها وحضارتها والتي تنعكس في أفكار وسلوكيات أبناؤها الأصلاء ويمارسها البعض ليل نهار ويطبقها في حياته اليومية. وفريدون أتورايا كشهيد من شهداء الأمة، وأن رحل عن هذا العالم إلا أن وجوده من خلال هذه الروح متواجد بيننا يعيش معنا نلمس وجوده في كل نشاط من نشاطاتنا القومية ونقابله ونصغي إليه ونتعلم منه ومن خلال اتصالنا به عبر الفضاء السرمدي الذي يوفره لنا خلود الأمة ويفتح أمامنا فسحات تتلاشى فيها تباين الأزمنة وتختلط وتتداخل بعضها ببعض من دون قيود الزمان والمكان فيصبح بالتالي الماضي جزء من الحاضر والحاضر جزء من الماضي. وهذه المقابلة مع فريدون أتورايا ما هي إلا جزء من هذا الاتصال الروحي عبر النسمة الروحية الرابطة بين الماضي والحاضر والتي يشهق عبيرها كل آشوري ينعم بمثل هذه النسمات الروحية التي تربطه بهذا الطبيب الإنساني والشاعر والمسرحي والمناضل والأديب والمفكر الخالد الذي ساهم بنفحاته الثورية في انبعاث روح الأمة وتواصلها نحو عصر هذا اليوم .
**************
 

منذ البدء، وأنا في طريقي لمقابلته، لم أكن أتوقع إطلاقاً أن أجد صعوبة في التعرف عليه رغم أنها المرة الأولى التي ألتقي به، فسيماءه الشكلي ومضامين فكره واضحة المعالم لا يستوجبها العناء للتعرف عليه، خاصة بالنسبة لكل من أطلع على أبجديات تاريخ بداية الحركة القومية الآشورية، ذلك لأن فريدون أتوريا كان يشكل بحد ذاته ظاهرة قومية يسهل التعرف عليها من خلال التعرف على المصدرين الرئيسين اللذين ساهما مساهمة كبيرة في خلق هذه الظاهرة. فبالنسبة للمصدر الأول، ابتداءً يمكن الاقتراب منه والنفوذ إليه ببساطة ومن خلال النظرة الأولى لصورته الفوتوغرافية الشائعة بين الآشوريين، سواء الملصقة على جدران بيوتهم أو المنشورة على صفحات مجلاتهم وكتبهم، حيث نستدل من هيئة ملابسه الرسمية المزركشة بأزرار نحاسية وكأنه فارس من فرسان الحرب الأهلية الأمريكية، ونتصور من طلعة تصفيف شعره  كأنه يحمل أمواج البحر الهائج على رأسه، ونستشف من تركيبة نظاراته التروتسكية وكأنه أحد ثوار الحركات الراديكالية والقومية التي اجتاحت روسيا وأوربا في القرن التاسع عشر والقرن الذي سبقه. هذه السمات وإن كانت وصفية لكن في الحقيقة لا تبتعد أبداً عن الواقع الذي عاش فيه وتتطبع شكلا ومضموناً بظروفه لأنه فعلاً كان في قلب هذه الحركات الثورية وعايش أجواءها السياسية والأيديولوجية، وبالأخص الثورات والحركات التي اجتاحت روسيا القيصرية قبيل الحرب العالمية الأولى، منها ثورة عام 1905 والنتائج التي آلت من جراء فشلها وأثرت على جميع قاطني روسيا القيصرية وتوابعها، والثورة الاشتراكية البرجوازية في شباط عام 1917 والتي قادها أعضاء الجناح اليميني في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي (الشيوعي فيما بعد ) والمعروفين بـ "المناشفة" والتي تلتها الثورة الاشتراكية الشيوعية في أكتوبر من نفس العام والتي قادها أعضاء الجناح اليساري بقيادة لينين والمعروفين بـ "البلاشفة" وكذلك الانقلاب التركي عام 1908 الذي قاده حزب الاتحاد والترقي والذي أثرت مفاهيمه الليبرالية والإصلاحية على معظم المثقفين الآشوريين حينذاك. مضافاً إلى هذه الأحداث الثورية تأتي الحرب العالمية الأولى والانقلابات الجذرية والنتائج المأساوية التي سببتها للبشرية عموماً وللآشوريين خصوصاً. فكان من الطبيعي جداً أن تفعل هذه الأحداث التي عايشها فريدون آتورايا فعلها فيه، وهو ذلك المثقف الثوري الواعي ذو الحس المرهف، وأن تؤثر فيه تأثيراً كبيرا وتشكل له المنبع الذي أستمد منه أسلوبه الثوري وفكره السياسي ومنهجه الراديكالي في فهم الإشتراكية وبناء الدول القومية ضمن إطارها العام، أي بعبارة أخرى شكل الفكر الاشتراكي والمنهج الثوري في العمل السياسي المصدر الأول في بناء ظاهرة فريدون آتورياً.

أما المصدر الثاني في تكوينات ظاهرة فريدون أتوريا، هي الأخرى غير بعيدة عن ظروف المصدر الأول لا بل وترتبط بها والتي تتمثل في النتائج المؤلمة التي أفرزتها الحرب الكونية الأولى على الآشوريين والمظالم التي سبقتها والتي أعقبتها، ثم تفاعل هذه المأساة "الخارجية" مع المأساة "الداخلية" المتمثلة في التمزق الطائفي  للأمة. ففريدون نفسه كان من نتائج هذين المنعطفين، أي الحرب والتمزق الطائفي. فمثلما أثرت الحرب وما أعقبها من نتائج، خاصة ما يتعلق بتسويات الحدود وتكوين الكيانات السياسية الجديدة والتي زادت من تمزق الآشوريين سياسياً وقانونيا، أثر عليه أيضا التمزق الطائفي للمجتمع وبشكل واضح وعميق وأنعكس ذلك في برنامجه القومي. فهذان النوعان من المأساة، هما اللذان جعلتا من فريدون أتوريا أن يكون هو ووالديه وأقربائه من أتباع الطائفة الروسية الأرثوذكسية بفعل الحملات التبشيرية بين أبناء كنيسة المشرق وما لهذا الانتماء من معاني كثيرة عند الطوائف الأخرى وزعماءها ولها تأثيرات قومية وسياسية عندهم. كما جعلت هذه الظروف منه أن يصبح مواطناً جورجياً ثم روسياً سوفيتياً بفعل التشرد والهروب من الاستبداد، وبالتالي انعكاس هذه المأساة في أفكاره القومية ومشاريعه السياسية الهادفة إلى معالجة واقع الأمة الممزق، وهي الأفكار والمشاريع التي ستشكل محور اللقاء معه.                         
*****************
هكذا، وأنا في طريقي للقاء به، تكاملت الصورة في مخليتي عنه خاصة عندما توضح لدي المصدرين الأساسين في البناء الفكري لفريدون آتورايا الذي كان من حيث المنهج والرؤية والأسلوب اشتراكياً ديمقراطياً ومن حيث العمل والتطبيق والهدف قومياً آشورياً ثائرا ندر مثل وجوده في التاريخ الآشوري الحديث أنساناً قومياً وثورياُ وسياسياً ومثقفاً وشاعراً وصحفياً وخطيباً وطبيباً وعسكريا كفريدون آتورايا. ففكره السياسي وسعة ثقافته الثورية وإبداعه الأدبي الشعري والمسرحي والصحفي ونضاله السياسي والعسكري والإنساني ممزوجاً مع المصير المأساوي في استشهاده وإفناءه في سجنه وبشكل غامض من قبل السلطات الستالينية الاستبدادية نتيجة نضاله القومي، كل هذا  شكل صورة حية وناطقة لأسطورة تراجيدية تعكس بحق وحقيقة الأسطورة التراجيدية للشعب الآشوري. هذه الحقائق التي كونتها عن هذا المناضل الثوري الآشوري والمتعدد المواهب والتطلعات والطموحات جعلتني أن أشعر كتلميذ صغير يسعى لمقابلة أستاذ كبير ومهيب وأن أنسرح هائماً في عوالم هذه الشخصية الفذة  التي استولت على تفكيري وعقلي وسيطرت على روحي مثلما يسيطر الساحر على المسحور. وهكذا بينما أنا في عالم هذه التصورات الروحية لم أجد نفسي إلا أمام باب مكتبه.

دخلت مكتبه وهو جالس خلف منضدته، ولا أعتقد أحداً  يخطأ فريدون أتورايا اطلاقاً، فهو هو نفسه كما عرفانه من صورته ولكن ما يختلف عنها هو روحه الهائجة والثائرة بين محتويات مكتبه والذي  من الصعب التعرف على نوعية هذا المكتب والوظيفة المهنية المحددة التي يمارس صاحبها فيه، فهو يعكس بكل زواياه وأثاثه طبيعة صاحبه. إذ من جانب هو عيادة طبية متنقلة أو مركز إسعافات أولية في ساحة القتال، ومن جانب آخر هو مقر لضابط أو قائد عسكري في الجبهة الأمامية للحرب، كما وأن الأوراق وقصاصات صحف ومجلات بما هو مسطر عليها من أبيات شعرية ومقاطع نثرية وأجزاء من مقالات غير مكتملة ومتناثرة هنا وهناك تدل على أن المكتب ما هو إلا غرفة لشاعر أو أديب هائم في هذا العالم لا يعرف من هموم وأحوال الدنيا غير ما هو مسطر في  هذه الأوراق والقصاصات. إضافة إلى المجلات السياسية والكتب لكبار رجال الفكر والفلسفة التي تعتلي رفوفه والتي  تعرف من تآكل دفتيها بأنها نهمت من قبل رجل شديد التعطش للفكر والسياسة بحيث جعلت من مكتبه يبدو وكأنه غرفة رئيس تحرير جريدة سياسية ثورية لحزب لازال في مرحلة النضال السلبي يواجه نظاماً مستبداً. ناهيك عن نسخ من بيانات وخطط وأنظمة داخلية لأحزاب سياسية ومنظمات ثورية متراكمة في زاوية من منضدته تجعل من غرفته وكأنها مقر لحزب سياسي من أحزاب بلدان العالم الثالث. هذا العالم المتعدد السمات والمتناقض الذي عاش فيه فريدون آتورايا، كان صورة طبق الأصل لكل ما في داخله ولكن امتزجت هذه السمات امتزاجاً عجيباً ومتناسقاً وبشكل هارموني أفرزت وبكل وضوح ما يعرف به اليوم بـ " فريدون أتورايا ".

على أية حال، وأنا في بناء تصوراتي من هذا الخليط المنسق، استفقت من انسراحي الروحاني بصوته المرحب بقدومي فتم التعارف بيننا. وبطبيعة الحال كان من السهل أن أتعرف عليه بسبب صورته المتكاملة والمؤثرة التي كونتها عنه سلفا، مثلما يتعرف التلميذ على الأستاذ مهما طال الزمن بينهما، غير إنني عندما عرفت نفسي له وقلت له بأني آشوري من العراق مقيم في بريطانيا أطلق ابتسامة ترحيب تخفي خلفها نوع من الاستياء والامتعاض فأدركته على الفور مستغرباً  ومستفسراً عن السر المخفي وراء هذه الابتسامة "الترحيبية" .
-   أجاب وقال : هذا موضوع طويل ومعقد سنأتي عليه في ما بعد ولكن قل لي ماذا تعرف أنت أو ماذا يعرف بقية الآشوريين في البلدان الاخرى عني وعن الحركة القومية الآشورية في روسيا.
-   قلت له : بسبب الستار الحديدي المشترك الذي كان يطوق الاتحاد السوفياتي والعراق كنا بالكاد نسمع شيئاً ولكن بعد انهيار النظام الشيوعي وتيسر الاتصال بالآشوريين هناك وصدور مطبوعات لهم وتأسيس إذاعات بدأنا نعرف أشياء كثيرة عن الحركة القومية الآشورية في روسيا ولكن الغرض الأساسي من مقابلتي لك هذه هو بهدف معرفة الغموض العجيب الذي يكتنف مسألتين وهما : الأولى : مشروعك القومي عن تأسيس كيان آشوري مستقل والثانية تدور حول الأسباب التي أدت إلى سجنك من قبل النظام الستاليني ومن ثم إعدامك والأشخاص الذين تآمروا ضدك بهدف الخلاص منك.
غاص مفكرنا الكبير في تفكير وتأمل عميقين ثم ختمهما بنفس عميق وحسرة مؤلمة وأعقبها تهيأ لخوض معركة أثارت فيه حوافز الاندفاع والقتال من أجل كشف معالم الغموض المسيطر على هاتين المسألتين فقال:
-   المشروع القومي واضح المعالم في البيان الذي أصدرناه عام 1917 مع مجموعة من القوميين الآشوريين منهم بنيامين أرسانس وبابا بيت برهد الرهان وغيرهما وتحت عنوان (بيان أورمي للإتحاد الآشوري الحر) المعروف أيضاً بـ " مانفيستو أورمي" والذي يقوم أساسا على فصل الدين عن السياسة ويدعو إلى تأسيس كيان مستقل للآشوريين بمختلف طوائفهم الدينية في مناطقهم التاريخية ويرتبط بروسيا (ثم الإتحاد السوفياتي) ضمن اتحاد فدرالي كبقية الدول التي دخلت هذا الاتحاد، ويمكن معرفة تفاصيله من كتبكم ومجلاتكم التي نشرت بنود هذا البيان.
-    ألا تعتقد بأن مثل هذا المشروع، أن لم يكن خياليا، فأن تطبيقه كان يقارب المستحيل ؟.
أثار سؤالي هذا دهشته الممزوجة بنوع من الغضب وقال : من أية ناحية كان خيالياً أو يستحيل تطبيقه؟
 حاولت تهدئة غضبه برد مبسط وواضح وقلت له :
-   من عدة نواحي: فكريا أو منهجياً كان مانفيستو أورمي تقريباً يشبه مانفيستو ماركس وأنجلز المعنون (يا عمال العالم أتحدوا) وتلقيداً له. جغرافياً: المنطقة التي طالبتم بها لتكون دولة أو كيان سياسي أشوري غير متناسقة وتشمل أجزاء واسعة وخاضعة بشكل أو بآخر لدول أخرى. عسكرياً، يصعب السيطرة على مثل هذه المناطق التي كانت ضمن نفوذ بعض الدول الكبرى المتنافسة أو المتحاربة. اجتماعياً وقومياً، القوالب الطائفية والعشائرية الصلدة التي كانت سائدة في تلك الفترة والمحددة بعضها حصراً بمناطق جغرافية معينة، خاصة وأن حدود مشروع "دولتك" كان يمتد من منطقة أورمي شرقاً حتى إنطاكيا غرباً، كان من الصعب جداً جمعهم في كيان سياسي واحد جامع وشامل خاصة وأن الزعماء التقليدين من رجال الكنيسة والعشائر، والذين كانوا متنفذين وسائدين في المجتمع الآشوري، يصعب تصور إمكانية أي تنازل منهم عن سلطاتهم ومصالحهم  لهذا الكيان العلماني الذي يتبناه رجل اشتراكي إن لم نقل شيوعي، كما كان هؤلاء يتهمونك، فالصراع معهم كان لا محال بل وحتمي. أما من الناحية السياسية فأنه بمجرد ربط مثل هذا الكيان بالاتحاد السوفياتي الذي يتبنى العقيدة الماركسية يكفي لكي يرفض، لا بل ويقاوم من قبل الآشوريين الذين تسود فيهم معتقدات دينية وسلفية لا تتفق مع هذه العقيدة.
   وقبل أن أكمل حديثي قاطعني المفكر الكبير بضحكة سخرية مصطنعة، وهو المعروف ببؤسه وعبوسيته، عبرت بكل وضوح عن رفضه القاطع لما ذكرته، فرديت عليه مقاطعاً:ً
-   ما العيب في هذا التحليل عن صعوبة مشروعك القومي ؟ . فرد بأكثر جدية وحماسة ثورية وقال:
-   العيب هو أن تحليلك يتصف بسذاجة فكرية وضحالة سياسية بعيد عن الموضوعية والواقعية وتتحدث عن ظروف وكأنها قائمة في بداية الألفية الثالثة. أود أن أوضح لك يا "شبيرا" أن مشروعي القومي كان نتاج جملة عوامل وحقائق موضوعية كانت سائدة وطاغية في بداية قرن العشرين وأن وقائع الحرب الأولى  كانت قد وضعت كل العوائق التي ذكرتها في داخل قدر يغلي على نيران هذه الحرب مما جعل تأثير هذه العوائق أن يتلاشى أو يضمحل.  فيما يخص كون مانيفستو أورمي يشبه مانيفستو ماركس وأنجلز فهذا ليس عيباً إطلاقاً لأن الماركسية منهج عمل سياسي كان من الضروري جداً أن نستمد منه روحيته الثورية. أما  العائق الاجتماعي المتمثل في تأثير الزعماء التقليديين وممانعتهم للمشروع، يجب أن نعرف بأنه في تلك الفترة كان المجتمع الآشوري بكل طوائفه وتركيباته الاجتماعية منهاراً من جراء مأساة الحرب ولم يكن يتطلبه إلا إعادة تنظيمه وبما يتوافق مع الظروف التي كنّا نتوقعها بعد الحرب كما كان شعبنا متعطشاً نحو مفاهيم جديدة تزيح القديمة، وهي المفاهيم التي تمثلت في نشاط وفعاليات نخبة من المثقفين القوميين. أما بالنسبة لرجال الدين فأود هنا أن أوضح نقطة مهمة تعتبر جزء من الأيديولوجية القومية التي آمنت بها وهي أنه من الضروري أن نميز بين الكنيسة نفسها كمؤسسة دينية تاريخية تراثية من جهة وبين رجال الكنيسة أنفسهم، فإذا كانت الأولى حقيقة موضوعية لا تقبل التأويل والاجتهاد فأن الفئة الثانية، أي رجال الدين، يشكلون جزء من عوامل ذاتية فكرية ليس بالضرورة أن يمثلون حقيقة مطلقة ولا يمكن أن يكونوا كذلك إطلاقاً فهم كسائر البشر يخضعون لعنصر الخطأ والصواب وعملية تحديد أو تقييم هذه العناصر ترتبط بالأساس بمدى ارتباط مصالح هؤلاء بالمصالح الحقيقية للأمة نفسها دون فصل جوانبها الدينية التراثية عن جوانبها المادية القومية.
-   قاطعته على الفور متسائلا : أرى هناك نوع من الغموض أو صعوبة في فهم ما تقصده.
-   فأجاب وقال : لتبسيط الأمر، أود بهذا الخصوص أن أذكر البطريرك الشهيد مار بنيامين في مقارنته مع غير من حاشيته المحسوبة كجزء من رجال المؤسسة الكنسية، فهؤلاء كانت مصالحهم مرتبطة بالدرجة الأولى ارتباطاً مصيرياً ببريطانيا أو فرسنا وبالدرجة الثانية بمصالح الأمة، في حين على العكس من هذا تماماً كانت كل مصالح البطريرك الشهيد مار بنيامين الروحية والقومية والمصيرية مرتبطة ارتباطاً عضوياً ومصيرياً وبالدرجة الأولى بمصالح الأمة ومن خلال هذه المصالح حاول أن ينسق مع مصالح الدول التي تتوافق مع مصالح أمته وكان البطريرك الشهيد على قدر كبير من الفطنة والذكاء بحيث أدرك منذ الوهلة الأولى، وبسبب العامل الجغرافي والفكري والسياسي، بأن التحالف الاستراتيجي مع روسيا ثم الاتحاد السوفياتي كان أكثر فائدة وضماناً لسلامة أمته من أي تحالف آخر مع الدول الكبرى كبريطانيا أو فرنسا، لهذا السبب تأمروا حلفاء وأعوان الإنكليز عل قتله. وكما تعرف ويعرف غيرك بأننا أمة صغيرة وفقيرة لا نملك مقومات بناء كيان قومي قادر على الصمود والاستمرار في منطقة يسودها التعصب الديني والتخلف دون دعم أو تحالف مع دول كبرى وكانت روسيا الدولة المثالية في تلك الفترة. لا أريد الإطالة في هذا الموضوع، أنظر إلى الأرمن فظروفهم تشبه ظروفنا إلى حد كبير ولكن بفضل الاتحاد السوفياتي تمكنوا من بناء كيان شبه مستقل ثم بعد أنهيار الاتحاد السوفياتي أستقلوا كدولة كاملة السيادة. أين نحن من تجربة الأرمن؟؟ فلو كنا قد وفقنا مثلهم في تلك المرحلة لكان لنا دولة مثلهم قبل حلول الألفية الثالثة، ولكن مع الأسف الشديد أحبط "الملتفون" حول كرسي البطريرك والواقعون في غرام وهمي مع الإنكيز والفرنسيين مثل هذا التحالف وسببوا أيضا، بشكل وبآخر، في إفشال أي مشروع قومي من هذا القبيل.
- إذن من تحليلك هذا أفهم بأنك كنت في توافق مع مار بنيامين في المسائل القومية والسياسية، وخاصة في المسائل الاستراتيجية حيال الدول الكبرى، ولم يكن هناك تنافر أو عداء معه كما كان يشاع عنك بأنك كنت شيوعياً ضد الكنيسة وضد بطريركها.
أثار سؤالي هذا اهتمامه الكبير المقرون بنوع من الإثارة ثم هب وقال :
- هذا هراء مائة في المائة، صحيح أنني متأثر بالماركسية وكنت اشتراكي المنهج والتطلع إلا إنني لم أكن شيوعياً منتمياً إلى الحزب الشيوعي أبداً ووفق إيماني هذا كنت أكبًر جل تكبير البطل الشهيد مار بنيامين وما قيل عني أو ما نسب إليّ تجاهه هو جزء من مؤامرة كانت تدبر في الخفاء من قبل الإنكليز وعملاءهم للقضاء علينا نحن الاثنين.
وقبل أن يكمل حديثه قاطعته، كعادتي القبيحة في مقاطعة المتحدث، وقلت على الفور:
- إذن هل صحيح بأن بعض حاشية البطريرك أو المقربين إلى الكنيسة "النسطورية" أو المحسوبين عليها والمتورطين مع الإنكليز دبروا مؤامرة الوشاية للسلطات الستالينية في كونك جاسوساً لبريطانيا ومن ثم اعتقالك وإعدامك، وكما هو معروف لدينا في هذا اليوم ؟. 
- هذا صحيح ولكنه هو جزء من الحقيقية فقط، فهؤلاء ببساطة كانوا يكرهون ويحاربون كل ما هو غير "نسطوري" فكيف يستطيعون أن يروا إشتراكياً قومياً غير منتسب إلى عائلة "ماليك" ومنتمي إلى الطائفة الأرثوذكسية أن يتزعم الأمة فهؤلاء كانوا يروجون إشاعات مفادها بأنني أسعى إلى إزاحة البطريرك من الزعامة وتدمير الكنيسة، هكذا لقنهم الإنكليز، وهي نفس السياسة التي مورست ضد الجنرال أغا بطرس الذي كان ينتمي إلى الكنيسة الكاثوليكية. لقد نجح الإنكليز في استخدام الورقة الطائفية في إفشال المشاريع الهادفة إلى توحيد الأمة في كيان متوحد. زد على ذلك فإن الإنكليز كانوا خائفين أشد الخوف من أن يكون هناك تحالف بين الآشوريين والروس في الوقت الذي كانوا هم في أمس الحاجة إلى خدمات وإمكانيات الآشوريين العسكرية لغرض تحقيق طموحاتهم الإمبريالية في المنطقة ولم يكن مثل هذا الأمر ممكنا إلا بالقضاء على الزعماء الآشوريين غير "المفيدين أو النافعين" لمآربهم والاعتماد على غيرهم الذين يمكن الاستفادة منهم وإبراز مواقعهم القيادية ثم دفعهم نحو حافات الهاوية وعصرهم في ظروف من العوز والتشرد ثم ليظهر الإنكليز كمنقذ لهم، وهي سياسة قذرة مورست تجاه الآشوريين ونجحت بالتمام والكمال.
-   طيب إذا كان هذا جزء من الحقيقة، ولكن ما هو الجزء الاخر منها والذي أدى إلى القضاء عليك ؟ .
- أنه من المؤسف أن نقضي نحن الآشوريين معظم حياتنا في الحديث عن السياسة والقومية ولكن لا نعرف عنها إلا قليل القليل، وخاصة عن كيفية ارتباط السياسة بالمصلحة، ولاسيما بالنسبة للدول الكبرى التي لا تشكل مسألة القوميات الأخرى وحقوقها أية أهمية لها في مقارنة مع مصلحتها الوطنية. من هنا يجب أن نفهم المسألة الآشورية في تلك المرحلة ضمن مدى توافقها مع مصالح هذه الدول. بيان أورمي في بناء كيان سياسي مستقل للآشوريين كان يتوافق مع مصالح الدولة السوفياتية في بداية قيامها، ولكن بعد قضاء السلطة الستالينية على جميع الحركات القومية وزمها بالطوق السوفياتي واستقرار الأمور بها بدأت تلعب لعبتها في العلاقات الدولية ضمن تحالفات ومعاهدات مع الدول التي اعتبرتها إمبريالية واستعمارية في السابق، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، وكان من ضمن هذه التحالفات إبقاء دولة فارس، إيران فيما بعد، مستقلة ومحايدة وعدم التدخل في شؤونها. ولما كان "بيان أورمي" يطالب بجزء من المناطق التاريخية للآشوريين في شمال فارس كان هذا يتعارض مع التزامات الاتحاد السوفياتي تجاه الدول الأخرى بخصوص استقلال فارس وعدم التدخل في شؤونها والتي اعتبرت المطالبة الآشورية نوع من التدخل في شؤون فارس لذلك كان يتطلب من السلطة الستالينية القضاء على مثل هذا المشروع وعلى صاحبه. إضافة إلى ذلك فإن القضاء على هذا المشروع ومن وقف وراءه كان يتوافق تماماً مع استبدادية ستالين في القضاء على أي شخص يشتبه بأنه قومي أو له نزعات قومية، وهي السياسة التي قضت على الملايين وكنت أنا واحداً منهم مع مجموعة أخرى من القوميين الآشوريين الذين أعدموا أيضا فيما بعد ولكن لم تسمعوا أنتم عنهم كثيرا.

- هناك أسئلة كثيرة محيرة عن كيفية إعدامك، فالبعض يقول بأنك قتلت مسموماً والآخر يقول بأنك متُ تحت التعذيب وهناك فريق آخر يقول بأنه تم محاكمتك ومن ثم إعدامك، حتى إنني شخصياً طلبت قبل أكثر من سنة من أحد أبناء امتنا الآشورية في جورجيا للبحث عن قبرك وإقامة صرحاً تذكارياً عليه للشهيد الآشوري إلا أنه لم يفلح في إيجاد قبرك ولربما السبب يعود إلى الغموض الذي كان يكتنف مسألة إفناءك... فأي من هذا هو الصحيح؟

- حقاً أنه لأمر مثير للضحك والسخرية وفي عين الوقت مثير للحزن والأسى، في إثارة مثل هذه الأسئلة ذلك لأنه هل يهم أي نظام دكتاتوري طريقة القضاء على معارضيه ؟؟ ، فمالفرق سواء أكان الإعدام شنقاً أو الرمي بالرصاص أو التسميم أو بالتعذيب فالمهم هو التخلص منه وكفى، فأنت من المفروض أن تعرف هذه الأمور خاصة وأنك وغيرك من الآشوريين عاشوا تحت ظل أنظمة دكتاتورية قضت على أرواح الآشوريين بطرق لا تعرفونها ولا نعرفها نحن أيضا ولكن هدفهم كان واحد، وهو التخلص من الآشوري القومي المطالب بحقوق قوميته.
عندما شعرت بالإحراج لسؤالي الساذج هذا حاولت أن أغير الموضوع وأنتقل إلى موضوع آخر فعلى عجل قلت :
- يا دكتور... أود أن أقول لك بأننا في عصرنا هذا ... الألفية الثالثة، نعاني من مشكلة التسمية القومية فأضطرت أحزابنا السياسية إلى تبني تسمية مركبة (الكلدان السريان الآشوريين) لتكون شامل لجميع مكونات أمتنا وكوسلة لضمان نيل حقوقنا ونحن أقلية صغيره في العراق ولكن أرى بأنك لا تعاني مثل هذه المشكلة حيث تكثر من إستخدام التسمية الآشورية فقط من دون الإشارة إلى التسميات الآخرى كالكلدانية والسريانية... فما تعليلك على هذا؟؟

- ضحك ضحكة فيها نوع من الإستهزاء بسؤالي الذي بدا وكأنني لا ألم إطلاقاً بالمسائل التاريخية والتسميات القومية ولا أفرق بينها وبين التسميات الطائفية، ثم أردف قائلاً:
- أولاً وقبل كل شيء التسمية الآشورية لقوميتي ليست من إختراعي فهي تسمية تاريخية وحضارية وسياسية لأمتنا وليست حكراً على أحد ولا حصراً بأية طائفة، فمنذ البداية كانت حركتنا القومية حركة آشورية وقد كان أبناء أمتنا من السريان الأرثوذكس أمثال آشور بيت هربوت و نعوم فائق وغيرهما أول من أستخدموا هذه التسمية في أدبياتهم الثقافية والسياسية وأشاعوها بين أبناء أمتنا وحتى الكثير من رجال هذه الكنيسة كانوا يفتخرون بتذيل أسماؤهم باللقب الآشوري أو الآثوري ومنهم البطريرك مار أفرام برصوم الآثوري وغيرهم. أن المجلس القومي الآشوري في أورمي الذي أسسناه عام 1917 مع مجموعة من كبار مثقفي أمتنا والنشاطين القوميين كان في غالبيته من أبناء الكنيسة الكلدانية وعلى رأسهم المطران الشهيد مار توما أودو ومن الكنيسة السريانية الأرثوذكسية وكذلك من الكنيسة الإنجيلية والنسطورية أيضا، فكنا جميعاً ومن مختلف الكنائس نعتز بالتسمية الآشورية حتى إننا قررنا في أحدى مؤتمرات هذا المجلس تبديل تسمية "سورايا" أو "سوريايا" بكلمة آتورايا (آشورايا) في جميع الإدبيات والمشاريع السياسية والقومية لأن الأولى كانت لها دلالات وإستعمالات دينية مسيحية حيث كان الروسي والفرنسي والإنكليزي عند معظم أبناء أمتنا "سورايي" رغم كون هذه التسمية تعني أتورايا أو أشورايا أو (Assyrian) باللغة الإنكليزية فلم تكن هناك أية حساسية كما هي الآن عندكم عند الإنفراد بهذه التسمية أو تلك.
- مهلاً يا مفكرنا الكبير.... قاطعته بهذا الإطراء الجميل، فقلت له: واقعكم السياسي والقومي في تلك الفترة لم يكن كما هو عليه في واقعنا الحالي. ففي تلك الفترة أرتبطت الحركة القومية بالتسمية الآشورية في حين كان للتسميات الأخرى كالكلدانية والسريانية مدلولات طائفية يتجنب زعماء هاتين الكنيستين توريطهما في المسائل السياسية والقومية، أما اليوم فإن الوضع أختلف تماماً فهناك وعي قومي كلداني وسرياني ولهما أحزاب سياسية تطالب بالحقوق القومية لهما ومثل هذا الواقع لا يمكن إنكاره وإلا أصبحت حقوقنا القومية في خبر كان، لهذا جاءت التسمية المركبة كمخرج سياسي للوضع الراهن... ثم سكت وتركت المجال لأسمع تعليقه على هذا الموضوع الذي يظهر بأنه غير محبب له ويصعب عليه فهم هذه التسمية المركبة وهو غارقاً في التسمية الآشورية.. فقال:
- أمر غريب بالنسبة لي وواقعكم السياسي والقومي بعيد عني ما يقارب قرن من الزمن ولكن للحقيقة أقول السياسة هو الواقع فبدون هذا الآخير وفهمه والإنطلاق منه لا يمكن لهذه السياسة أن تحقق أي هدف مهما كان صغيراً وبسيطاً. فإذا كان واقعكم يقول بأن هناك من يرجع إنتماؤه إلى الكلدانية أو السريانية فهذا الواقع يجب أن يؤخذ بعين الإعتبار والإ ستكونون بعيدين عن السياسة وعن تحقيق أي هدف قومي... وهنا قاطعته وقلت:
- ولكن هناك من يتفرد بتسمية معينة كأن يصر على الآشورية أو الكلدانية أو السريانية ويرفض لا بل يستنكر التسمية المركبة وشكلوا أحزاب وتنظيمات بهذه التسمية المنفردة.. فما رأيك بمثل هذه المواقف؟؟؟
-  هؤلاء لا يمكن أن نطلق عليه بـ "السياسيين" ولا يمكن لأحزابهم أن تكون سياسية لأنها لا تفهم الواقع ولا تنطلق منه مهما كانت طبيعة هذا الواقع سواء أكان طائفي أو قومي أو حتى عشائري المهم أن يكون مثل هذا الواقع بكل علاته وسلبياته ضمن نطاق العمل القومي للحزب السياسي، لهذا السبب لا يمكن لهذه الإحزاب أن تحقق أي هدف من الأهداف القومية وحتى الصغيرة منها. فالحياة سائرة على سنة التطور والتقدم فلو أتفقوا جميعاً على الواقع القائم وتحلوا بالصبر على التسمية المركبة فإن بمرور الزمن سوف يفرز هذا الواقع تسمية قومية واحدة متفق عليها ببراهين تاريخية ... كان يريد مفكرنا الكبير الإستمرار في هذا الموضوع الذي يكفينا مرارته في عصرنا هذا فحاولت الرجوع إلى زمانه الأكثر مرارة وشجوناً، فقلت: 
- طيب لنعود مرة أخرى إلى بيان أورمـي، إلا تعتقد بأن مضامين هذا البيان كان يتطلبه منظمات أو مؤسسات لتنفيذه لإخراجه إلى حيز الوجود ؟؟.
- حقاً يا "شبيرا" أنك محير وتدعي بأنك تفهم السياسة وتحاول الكتابة عنها، ولكن من المؤسف يظهر بأن من خلال سؤالك هذا لا تفهم الكثير عن هذا العالم الغامض.
وقبل أن يكمل حديثه الملتهب بنيران ثوريته انسرحت في صمت فصفنت مع نفسي التي أشعرتني بأنني فعلا تعرضت إلى نوع من الإهانة وأخذ تفكيري يلومني على إقدامي لإجراء هذه المقابلة، ولم أصحو من صفنتي إلا على صوته الجهوري وهو مستمراً في حديث :
-  بطبيعة الحال يجب أن تعرف بأن أي مشروع قومي لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود أداة سياسية لتنفيذه وإخراجه إلى النور وقد أدركنا ذلك منذ البداية لهذا السبب أسسنا الحزب الاشتراكي الآشوري للقيام بهذه المهمة والذي يعتبر أول حزب سياسي آشوري وكان قد حضر مؤتمره التأسيسي ما يقارب 200 شخص معظمهم من المثقفين البارزين ولكن كل شيء أنهار بعد أن نخرت الطائفية والعشائرية كياناتنا القومية خاصة بعد اشتداد قبضة ستالين على السلطة.
- ألا تعتقد بأن تسمية حزبكم بالاشتراكي كانت له نتائج سلبية على عقلية المجتمع الآشوري ومن ثم اتهامكم بالشيوعية ؟؟
- هذا صحيح فقط بالنسبة للمتخلفين والغارقين في ظلام القرون الوسطى الذين يخافون من نور العلم. فالاشتراكية علم ومنهج للحياة فبطبيعة الحالة لا يفهمها هؤلاء، لا بل يخافون منها أيضا ويحاربونها، ولما كانت غالبية أبناء مجتمعنا من أصناف هؤلاء فلا الاشتراكية ولا الديمقراطية ولا أي منهج أخر يفيد هؤلاء لذلك من المؤسف أن الكثير من أبناء شعبنا ولا يزال حتى اليوم لا يستفيد من هذه التجارب الإنسانية معتقدين خاطئين بأن الأفكار الاشتراكية والماركسية أو التقدمية أو الليبرالية لا تتفق مع المجتمع الآشوري، والسبب الرئيسي في ذلك لا يرجع فقط إلى دور الإنكليز في هذا المجال وإنما إلى جهل الآشوريين بهذه الفلسلفات الإنسانية. فالماركسية على سبيل المثال يمكن أن يستفاد منها كمنج عمل وأن يستمد منها أسلوبها الثوري والعلمي في تحليل وفهم تطور المجتمعات وليس كأفكار شيوعية للتطبيق. أنظر إلى الدول الرأسمالية كيف تطورت بشكل عجيب فأن مثل هذا التطور لم يكن ممكناً لولا اكتشاف ماركس لعيوب النظام الرأسمالي ومن ثم تلقف الرأسماليون ذلك وعملوا على معالجتها ودفع المجتمع نحو خطوات أكثر تقدماً وتطوراً .
مرة أخرى قاطعت تواصله الفكري في هذه الفلسفة التي يستوعبها كثيرا وحاولت تغيير الموضوع وإلا لقضيت ساعات وساعات معه في هذا الموضوع الذي لا يتعب منه إطلاقاً، وهو الموضوع الذي لا ألمُ أنا منه حتى أبجديته الأولية لذلك وجدت لي مفراً للهروب منه عن طريق السؤال عن رأيه في الأحزاب الآشورية في هذه الأيام فقلت له:
- مهلاً يا مفكرنا الكبير، تقول بأنك من مؤسسي أول حزب سياسي آشوري، طيب ما هو رأيك بخصوص أحزابنا السياسية الآشورية في هذه الأيام، خاصة ولأحزابنا هذه تحالف تحت تسمية "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" وهل يمكن مقارنة هذه التجمع بمجلسكم القومي الآشوري الذي أسستموه في أورمي عام 1917؟
وقبل أن يجيب رفع نظارته الطبية بحركة مسرحية تعبر عن شموخ رجل مجرب ورماها على منضدته بين أوراقه المتناثرة ثم أردف وقال :
-   سمعت يا "شبيرا" بأنك تكتب بعض الأحيان عن السياسة والأحزاب السياسية الآشورية وفعلاً قرأت لك مقالة منشورة في إحدى المطبوعات الآشورية وأعتقد كان بعنوان " الأحزاب السياسية تعرف بالأفعال والإنجازات لا بالأقوال والشعارات " وهذا العنوان وأن كان يكفي ليعطي جواب لسؤالك ولكن أود أن أزيد شيئاً أخر وأقول بأنه لا يمكن أن يتحقق لأمتنا أي إنجاز ما لم يكن هناك أحزاب سياسية تتبنى فكرة هذا الإنجاز وتسعى إلى تطبيقه والحفاظ عليه. الأحزاب ليست لمجرد هدف سياسي بحد ذاته بل هي وسيلة لتحقيق أهداف فكرية وثقافية واجتماعية وتربوية واقتصادية وفنية، فمن المؤسف أن تكون أحزابنا في معظمها أحزاب سياسية وحسب ولا غير وكأنها غير معنية بواجبها الأساسي في تطوير المجتمع الآشوري من النواحي الاجتماعية والفكرية والثقافية، من هذا المنطلق ووفق هذا المعيار، أي معيار تحقيق الإنجازات، فأن أحزابنا لا وجود فعلي وحقيقي لها. أما بالنسبة لـ "تجمعكم" السياسي فعلى الرغم من تشابه أهدافه بأهداف مجلسنا القومي الآشوري والظروف المأساوية التي أكتنفت تأسيسهما، إلا أنه يختلف عنه في تركيبته التنظيمية. فالمجلس القومي الآشوري كان متكوناً من كبار مثقفي ومفكري أمتنا والشخصيات البارزة في مجتمعنا الآشوري القومي من دون أي تحديدات طائفية أو تعدد في التسميات. في حين "تجمعكم" يتكون من أحزاب ومنظمات كل واحد مستقل بحاله وهذا الوضع سيصعب على التجمع تحقيق أهداف قومية حقيقية ما لم يتحلى أعضاء التجمع بروح عالية من الوعي والتفاني من أجل الصالح العام المشترك وتغليب مصحلة الأمة على مصلحة أحزابهم.
 
ومنعاً من استمراره في "تهجمه" على أحزابنا "المناضلة" لعل قد "تزعل" من انتقاد مفكرنا الكبير لها حاولت تحويل الموضوع إلى الجانب الايجابي له فقلت على الفور:
-    ولكن ما هو رأيك بالإنجازات التي تحققت لأبناء شعبنا في شمال بيت نهرين إلا تعتقد بأنها لم تكن ممكنة لولا تبنيها ودعهما من قبل أحزابنا السياسية هناك ؟؟ .
أجاب إجابة قاطعة ومؤكدة وقال :
-    طبعاً … طبعاً، فالمسألة لا يتطلبها تحليل وجهد فكري، ببساطة أقول لك، كما ذكرت لك سابقا، فأن وراء كل انجاز قومي يجب أن يكون حزب سياسي فبدون هذه الوسيلة لا تتحقق الأهداف القومية، وأود بهذا الخصوص أن أقول، رغم المرارة التي تخنقني ورغم الحسرة التي تقتلني من جراء المأساة التي عاش فيها شعبنا، أود أن أقول بأنني سعيد جداً جداً عندما سمعت وتأكد لي بأن هناك بضعة آلاف من أطفال أبناء أمتنا يدرسون مناهجهم التعليمية باللغة الآشورية وهناك إذاعة وتلفزيون ومركز ثقافي ومجلات ثقافية وسياسية، فمن أجل نفس هذه الأهداف التي سعيت أنا وغيري إلى تحقيقها أزهقنا أرواحنا، فألف مبروك، أحزاباً وأشخاصاً ومؤسسات، لهذه الإنجازات العظيمة التي حققوها لأبناء شعبنا في ذلك الجزء من الوطن. ومع كل هذه الإنجازات في هذه المجالات أود أن أحذر قيادة أحزابكم السياسية ومنظماتكم القومية من خطر الإنزلاق نحو هاوية التفرد والتسلط في الممارسة السياسية فلا مصير لهم من هذا النهج ولأحزابهم إلا الدمار والفناء، فالتاريخ يعطينا أمثلة كثيرة في هذا السياق وهي الأمثلة التي لا يتجاهلها إلا الأعمى والأغرق.
-    يظهر يا "رابي فريدون" من كلمات التهنئة والتحذير هذه تريد ختم لقاءنا ؟
-    هذا صحيح … لأنني في عجل من أمري بسبب ارتباطي بجملة مواعيد وأمل أن تتاح لنا فرصة أخرى لأشرح لأبناء شعبنا عن همومي، تلك الهموم التي تولدت لدي ليس بسبب الخسائر التي تكبدتها شخصياً بما فيها روحي من أجل شعبي، فهذا هو فخر واعتزاز لي أن أكون بمصاف شهداء الأمة عند عصركم وهو الذي، كما اعتقد، حفزك إلى أن تتسلق جبال الزمان وتقطع مسافات المكان لكي تلتقي بيّ، ولكن همومي هي بسبب كوننا لم نستطيع أن نحقق الحلم الذي سعينا إليه والفشل الذي سببه لنا بعض من أبناء جلدتنا، ولكن مع هذا فأن جزء من هذا الحلم بدأ يتحقق في شمال وطننا الحبيب بفعل سواعد شبابنا الأبطال، وهذا هو الذي يخفف قليلا من همومنا ويزيد من بهجة روحنا في عالمنا السرمدي.
-    وهل من كلمة لهؤلاء الذين يعملون لتحقيق هذا الجزء من أحلامك ؟
-    نعم  وألف نعم … أقول لهؤلاء الأبطال، لا تحزنوا على شهداؤكم فهم معنا في هذه الدنيا أرواحهم مبهجة بسبب استمرار النضال على نفس الدرب الذي سقوه بدمائهم ويترقبون منكم المزيد من الإنجازات لتزداد صفحات تاريخنا القومي أكثر إشراقاً ولا يرغبون هؤلاء الشهداء أن تكون دماءهم ثمناً لكراسي الحكم في دولتكم (العراق) المتهاوية بل ثمناً للسير قدما نحو ضمان وحماية حقوقنا القومية،  كما وأود أن أقول لكل الجبناء والسائرون عل درب يهوذا الإسخريوطي والملتفين حول موائد الأنظمة الاستبدادية المتحكمة في رقاب أبناء أمتنا، بأن مكانكم هو في مزبلة التاريخ ولعنة شهداؤنا وأطفالهم  ستقع عليكم أن لم تكن اليوم فغداً …
سارعت على الفور لقطع حديثه التراجيدي هذا لأنني أعرف مدى تأثره بهؤلاء الذين غدروا به وبزملاءه الشهداء فلملت أوراقي وغادرت مكتبه قبل أن ينهال بالكلام اللاذع عليّ وعلى " أومتنايي" هذا الزمان بسبب تقصيرنا الفاضح في إجلال مكانة شهداؤنا الأبرار وفي أداء واجبنا تجاه أمتنا وبالشكل المطلوب والذي قد يكون محققا لجزء آخر، ولو كان بسيطا ويسيرا، من حلم شهيدنا فريدون آتورايا ونخفف من معاناته وهمومه التي عاناها في العالمين الزائل والسرمدي، فلم أجد نفس إلا وأنا أودعه هارباً من مكتبه راكباً مركبتي الزمنية وطائراً عبر فضاء الزمن عائداً إلى عالمنا في عصر هذا اليوم لأعيش همومه المثقلة بهموم شهيدنا الخالد فريدون آتوريا، وبأمل أن أبحث في مناسبة لاحقة عن ظروف إعتقاله ومعاناته في سجون ستالين ومن ثم أفناءه والمحاولات التي جرت بعد رحيل ستالين من قبل بعض الآشوريين في روسيا في تبرئة ساحة فريدون أتورايا من التهم الظالمة بحقه.

61
المسيرة النيسانية – أكيتو 6763
بين زوعا والتجمع
أبرم شبيرا
توطئة:
كلما أزور شمال الوطن وأشارك أبناء وبنات أمتي بأحتفالات الأول من نيسان وتحديداً المسيرة النيسانية لعيد أكيتو الخالد أعود ببعض المشاهدات والملاحظات عنها وأبدأ بتسطيرها لعل قد تكون مفيدة للسنوات القادمة وتغطي بعض النواقص التي قد تعتري هذه الإحتفالات، وهي مسألة طبيعية في مثل هذه النشاطات الضخمة. من المؤكد ستكون أكثر طبيعية من حيث التنظيم والرونقة والنتائج فيما إذا تقبلت عقول القائمين على تنظيمها لدراسة مثل هذه العوائق وتجنبها في السنوات اللاحقة. وهذه بعض من هذه الملاحظات التي أفرزتها مخليتي بعد العودة من الوطن وليس القصد منها إلا أكيتو أحسن للسنة القادمة.
 
الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا):
حزب سياسي نموذجي بالشكل والمضمون في مجتمعنا "الكداني السرياني الآشوري" لا بل وفي المجتمع العراقي أيضا. فقد استطاعت الحركة الديمقراطية الأشورية طيلة أكثر من ثلاثة عقود الماضية من النضال المستمر والدؤوب ان تقدم انجازات كبيرة وملموسة قوميا ووطنيا وتخطت  الطروحات الطائفية والقبلية والأنتهازية لمجتمعنا وشاركت مع جميع الفصائل الوطنية في العمل من اجل اسقاط الدكتاتورية وبناء عراق ديمقراطي حر، كما شاركت في حكومة الاقليم والحكومة المركزية بكافة مفاصلها ومحطاتها وساهمت اسهاما كبيرا في تطوير اللغة السريانية وتراثها الغني من خلال المساهمة الفعالة في انشاء المدارس السريانية لكافة المراحل الدراسية في عموم العراق، فكم هو رائع أن نرى اليوم مهندسين وأساتذة وموظفين في الدوائر الحكومية وإختصاصيين في القطاع الخاص وهم من خريجي هذه المدارسة ويجدون وبطلاقة اللغات السريانية والعربية والإنكليزية وحتى الكردية مؤكدين الثمرة العظيمة لهذه المدارس. وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية الذي أكسب زوعا ثقة جماهير شعبنا وأمتنا بكل ألوانه وفصائله سواء أكان ذلك في الوطن أم في المهجر، وهو أمر لا يستوجبه المزيد من التفاصيل لأنه يشهد له القريب والبعيد.

وهنا أريد بيان تأكيدي المشدد بأن لا يحسب القارئ اللبيب الإشارة إلى مثل هذه الإنجازات العظيمة التي حققتها زوعا وأكتسبت شعبيتها الواسعة هو نوع من المديح والإطراء لقادة زوعا أو لهذا الشخص أو ذاك "اللويا"، بل إن كل الإنجازات التي حققتها زوعا هي ثمرات دماء الشهداء التي قدمتها وألتصاق الجماهير بها وقدرة أبناء أمتنا وخاصة المثقفين منهم والمهتمين بشؤون الأمة وبنضالها المخلص والشريف على تفهم نضال زوعا ومن ثم تقديرهم لهذا النضال الذي شرفهم في جميع الأوقات. لقد سبق وأن وأكدنا في مناسبات عديدية بأن زوعا حركة قومية أصيلة لم تلد بقرار سياسي محض أو كانت نتاج بحوث أكاديمية أو قرارات رجال السياسة والقانون والمعرفة، وإنما ولدت ولادة طبيعية ومن  مخاض ومعاناة الأمة ومن رحمها الشرعي وحتى في زمن بعض التراجعات التي نتجت من جراء بعض الأخطاء والمعوقات التي أعترضت طريق زوعا وفي أحيان أخرى تغلب المصالح الشخصية على المصلحة القومية واللهوث وراء الكراسي والمناصب، فكل هذه ماهي إلا حالة خاصة غير مقبولة في نضال زوعا العام والمقبول، وهي خطوة إلى الوراء في مسيرة زوعا مقابل خطوتين إلى الأمام والتي وضعناها في معادلة "خطوة إلى الوراء وخطوتان إلى الأمام" ونأمل أن تستمر هذه المعادلة وأن لا يختل توازنها بإستمرار تغلب الخاص على العام وتنقلب المعادلة لتصبح "خطوتان إلى الوراء وخطوة إلى الأمام". وهو الأمل الباقي لهذه الأمة في بقاء زوعا حركة صميمية غير قابلة للشخصنة والتألية وبقاء مسيرتها على المعادلة بشكلها الصحيح والمتوازي.
تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية (تجمع):
لقد سبق وأن بينًا رأينا وملاحظاتنا عن هذا التجمع وأكدنا مراراً وتكراراً بأنه لحد هذا اليوم لا يزال يعتبر من أكثر، إن لم يكن الوحيد، من التحالفات الناجحة نسبياً والتي أنعقدت بين أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية وبقى هذا التحالف مستمراً ومتواصلاً على الساحة السياسية القومية رغم كل المعوقات العامة والخاصة. وقد سبق وأن أكدنا أيضاً بأن فهم وإستوعاب قادة تنظيمات التجمع للواقع ولقوة سطوة الوضع المأساوي لأمتنا في الوطن وبالعوامل الموضوعية المحيطة بمجتمعنا "الكلداني السرياني الآشوري" كان عاملاً مهماً في دفعهم نحو محاولة توحيد الخطاب السياسي تحت مظلة التجمع، ولكن بالمقابل ما يؤسف له والذي يظهر في جوانب معينة هو أن قادة هذه التنظيمات لم تستفيد من وحدة "معاناة" أمتنا وتفهمهم لها ومشاركتهم بها لكي تنعكس على تفهم الظروف الخاصة لكل تنظيم أو عضو في هذا التجمع ومقدار حجمه وقدرته على القيام بنشاطات ضخمة وممارسات سياسية فاعلة قادرة على أن تدخل في إنسجام وتوافق مع بقية أعضاء التجمع خاصة بين الحزب الكبير كزوعا والآخر أقل جماهيرية سواء من حيث أعضاءه أو شعبيته أو مؤيدينه وحتى من حيث خلفيته التاريخية النضالية. ولكي أكون أكثر صراحة أقول بأنه عندما يتساوي "الكبير" مع "الصغير" – مع التحفظ الشديد لهذين المصطلحين اللذين أستخدمهما مجازياً ومعيارياً وليس فكرياً أو إيمانياً بالحقوق المشروعة لأمتنا – (لقد تم التفصل في هذا الموضوع تحت عنوان " نظرة من ثقب الباب على تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية – أراء ومقترحات" والذي نشر في الأعداد السابق لموقع عنكاوه)، عندذاك تتداخل الجهود وتتشابك نشاطات كل واحد منهم وربما تتصادم أيضاً ذلك لأن الجميع متساويين من حيث الشكل داخل التنظيم لكن هم مختلفون من حيث الإمكانيات والفعل والنتائج وبالتالي فإن أي نشاط من التجمع، خاصة الأنشطة القومية والسياسية العامة والمهمة، سوف تعاني الكثير من التخبط والإشكاليات لتظهر بالنتيجة كأن "الكبير" هو المسيطر وهو الذي يسير الأمور على سياسته الحزبية الخاصة وبالنتجية سيترك هذا الإختلال نوع من رورد فعل سلبية لدى الآخرين فتكون مشارتكم في مثل هذه الإنشطة أما ضئيلة وهامشية أو لا تشارك فيها إطلاقاً وتحت حجج وذراع لا تكون مقبول في سياق أهمية مشاركة الجميع في مثل هذه الفعاليات القومية المهمة. ومسيرة الأول من نيسان خير مثال على ذلك، والذي سنأتي على ذكر هذا المثال في السطور القادمة. هذا هو السبب الذي نرى في أعضاء التجمع لا يتفقون إلا على البيانات والإحتجاجات الورقية التي لا تأثير لها غير تطايرها في الهواء ووقوعها على آذان صماء في الوقت الذي يستطيعون القيام بدلا عن هذه الإحتجاجات الورقية  إحتجاجات فعلية تعبر  وتنظم غضب أبناء أمتنا وشعورهم الساخط في قلوبهم تجاه التغيير الديموغرافي لمناطقنا التاريخية وتهميش وإهمال وهضم حقوقنا المشروعة في الوطن من قبل القابعين على السلطة في العراق والتي من المؤكد سيكون لهذه الإحتجاجات الفعلية وقعاً مؤثراً على الوضع السياسي فيما يخص حقوق أمتنا لا بل ستتعزز مكانة أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية في قلوب أبناء أمتنا. ولكن الخشية عند بعضهم هي أن مثل هذه الإحتجاجات قد تؤثر على الكعكة التي تقدم لهم من قبل القابعين على السلطة في العراق وتحرمهم منها أو تعيد توزيع شرائح الكعكة بينهم وتخسر ما تم الإتفاق عليه تحت مظلة التجمع.
إذن وبإختصار نقول بأن بين أعضاء التجمع فروقات كبيرة من عدة نواحي تنظيمية وجماهيرية وسياسية وتاريخية وهي الفروقات التي تنعكس بشكل مباشر وواضح على أمكانية كل عضو في التجمع وعلى مدى قدرته على عطاءه لأي نشاط مشترك للتجمع، فبدون إدراك هذه الفروقات فإن أي نشاط يقوم به التجمع سوف يعاني العديد من الإشكاليات والمعوقات قد تؤثر على مسيرة التجمع وبالتالي قد لا تحمد عواقبها في المستقبل.           
المسيرة النيسانية ما لها وما عليها:
بدرت فكرة تسير موكب في الأول من نيسان قبل أكثر من عقد من الزمن من قبل قيادة زوعا وتطورت الفكرة إلى فعل وبدأت بتنظيم المسيرة في الأول من نيسان من كل عام. وفي السنوات القليلة الماضية قام أيضا المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري بتنظيم مسيرة بهذه المناسبة والذي كان يظهر كأنه أسلوب تنافسي وندي لمسيرة زوعا ولكن لم يستمر خاصة بعد تشكيل التجمع.  فخلال أكثر من خمس سنوات الماضية شاركت في المسيرة التي كان زوعها تنظمها في كل عام. وأعيد تأكيد هنا عظمة سعادتي وبهجتي من مشاركة أبناء أمتي في الوطن والقادمين من المهجر في هذه المسيرة والأيام التي سبقتها أو التي لحقتها من نشاطات ولقاءات مفيدة ومثمرة وفي نفس الوقت ممتعة جداً وقد وصفتها للكثير من الأصدقاء بأنها أجمل أيام حياتي من دون مبالغة أو مجاملة. وكانت كل مسيرة تتصف بالكثير من التنظيم والسيطرة والبرامج القومية المتنوعة بحيث يمكن القول بأنها كانت تحقق الهدف المراد تحقيقه.

ولكن بعد تشكيل التجمع تم الإتفاق على أقامة هذه المسيرة من قبل أحزاب وتنظيمات التجمع وبمشاركة أعضائهم ورفع شعاراتهم وأعلامهم كما تم الإتفاق على الخطوط الرئيسية للبرامج والنشاطات وحتى الشعارات والأغاني والقصائد والكلمات بحيث تكون كلها معبرة عن التجمع وليس عن حزب أو تنظيم معين من أعضاء التجمع. هذا من حيث المبدأ والنظرية ولكن الواقع أظهر وأثبت غير ذلك تماماً. ففي أول مسيرة منظمة من قبل التجمع في الأول من نيسان عام 2011 ومشاركة معظم قادة أحزابه وتنظيماته ظهرت الإشكاليات المتوقعة والتي سبق الإشارة إلى أسبابها المتعلقة بطبيعة أعضاء التجمع وعدم قدرتهم على فهم واقعهم الحقيقي. إذ بسب الحجم الكبير لنشاط وأعضاء ومؤيدي زوعا (كالحضور والهتافات والأغاني والأعلام والشعارات) المشاركون في المسيرة ظهر بأن زوعا فعلاً مهيمنة بالتمام والكامل على المسيرة ونشاطاتها فنتج عن ذلك نوع من الحساسية والإحتجاح والرفض لدى قادة التنظيمات الأخرى فغادر بعضهم موقع الإحتفال لأنهم أعتبروه خروجاً عن الإتفاق المعقود بينهم بخصوص هذه المسيرة. ومهما حاولنا تغطية النقص البسيط في أعداد المشاركين في المسيرة في مقارنة مع السنوات الماضية التي كانت زوعا تنظمها وحدها فإن هذا لايخفي حقيقة تعلق الكثير من أبناء أمتنا بزوعا ورغبتهم في تنظيم هذه المسيرة من قبلها وليس من قبل التجمع، وهذا ظهر أكثر وضوحاً في غياب بعض المطربين المعروفين على المستوى القومي وعدم مشاركتهم في المسيرة كما كانوا يفعلون في كل عام.

ثم جاءت مسيرة عام 2012 لتتكرر نفس ظواهر العام الماضي إن لم نقل أسوأ منها، فالشعارات والهتافات والأعلام كانت أكثر بكثير من حجم التنظيم الذي يمثلهم وتعكس حالة التشرذم والإنقسام الطائفي والحزبي التي تنخر بنا جميعاً، لا بل عجزت المسيرة من توصيل رسالتها إلى الآخرين بسبب الطريق الهامشي الكائن في ظواحي مدينة دهوك والذي سلكته المسيرة نحو موقع الإحتفال. أما مسيرة هذا العام 2013 فأعتذر أكثر من تنظيم واحد من أعضاء التجمع من المشاركة فيها بحجج غير منطقية ولا مفهومة في سياق أهمية هذه التظاهرة الجماهيرية والمناسبة العظيمة لجميع أبناء أمتنا وأرجو أن لا أجني عليهم في القول بأن مثل هذه المناسبات الكبيرة والعظيمة تعتبر أكبر بكثير من حجم هذه التنظيمات الرافضة فغيابها كان قائم على صعوبة إيجاد مكان لها في هذه التظاهرة القومية العظيمة وبالتالي عدم المشاركة قد تكون سبيلاً لتغطية حجمها الحقيقي أمام جماهير امتنا. ومن حيث عدد المشاركين في المسيرة كان من الطبيعي أن يستمر النقص فيها بسبب العوامل التي سبق وأن ذكرناها ولكن رغم هذا العدد الذي يعتبر أقل مشاركة من الأعوام الماضية فإن الطريق الذي سلكته المسيرة كان جيداً وفي وسط مدينة دهوك بحيث أثارت إنتباه وإهتمام أهالي دهوك لا بل وإعجابهم بالمسيرة التي قلما يشاهدون مثلها في المنطقة، أي بعبارة أخرى تمكنت المسيرة من إيصال رسالة أمتنا لتقول بأننا أمة موجودة على هذه الأرض ومنذ أقد العصور وقبل قدوم الآخرين إليها وإستيطانهم عليها. ولعل قيام قناة الجزيرة الفضائية بعرض تقرير مفصل عن المسيرة وإجراء مقابلات وعرض مشاهد من المسيرة وللقرى الكلدانية السريانية الآشورية وكنائسهم وأديرتهم يعتبر سبيلاً مهماً في إيصال رسالة أكيتو إلى العالم. وأخيراً لم يبقى بخصوص هذه المسيرة إلا أن نكرر القول بأن زوعا كان مهيمنة هيمنة كاملة سواء من حيث المشاركين في المسيرة أو الضيوف القادمين من المهجر أو من حيث الأغاني والنشاطات والهتافات الآخرى التي كانت في بعض جوانبها إستفزازية لبقية أعضاء التجمع وللسياسات والشعارات والتسمية المركبة التي يتبناها التجمع، وساهم في كل هذا موقع الإحتفال الذي أقيم على ساحة المركز الثقافي الآشوري في دهوك والذي هو تابع بشكل أو بآخر إلى زوعا.
مقترحات نيسانية:   
كان البابليون والآشوريون يحتفلون بعيد أكيتو لمدة أثنى عشر يوماً ولم تكن قاصرة على المواكب أو المسيرات فحسب بل كانت تقام خلالها العديد من النشاطات والإحتفالات الخاصة بحضارتهم العظيمة من حفاوة إستقبال الضيوف وتمجيد الآلة وتقديم القرابين وتقديس المعبد وعرض المسرحيات وعروض فنية وموسيقية أخرى مختلفة. وتقليداً لأحتفالات أجدادنا العظماء فأن أحتفالات أكيتو في هذه الأيام يجب أن لا تكون قاصرة على المسيرة وحسب بل من الضرورة أن تقام خلالها نشاطات أخرى قومية سياسية وفنية وإجتماعية وحتى دينية طقسية. ولكي تكون هذه الإحتفالات أكثر تنظيماً وتنسيقاً وتعطي ثماراً مرضية للجميع، أحزاب وتنظيمات وجماهير، نقترح مايلي:
•   أن تقوم زوعا وحدها بتنظيم المسيرة في الأول من نيسان وأن تدعو بقية الأحزاب والمنظمات القومية للمشاركة فيها وبالشكل الذي يرضيهم. هذا الأمر سيضع الأمور في نصابها الحقيقي لأن خلال السنوات الثلاث الماضية رغم تنظيم المسيرة بأسم التجمع لكن الواقع كان يقول والفعل أثبت ذلك بأن التنظيم والنشاط والهيمنة على مجمل المسيرة سواء برفع الأعلام أو بحجم الجماهير أو الهاتفات او الأغاني أو الشعارات أو المدعوين من المهجر كانت كلها زوعاوياً. فمن شارك في مسيرة هذا العام أو زار مقرات زوعا في أربيل ودهوك وشاهد تجمع المئات من أبناء أمتنا في هذه المقرات المزينة بزينة نيسانية ومنسرحة بموسقى وأغاني قومية ودبكات شعبية لأدرك هذه الحقيقة. وكذلك من زار مقرات بقية الأحزاب والمنظمات الأعضاء في التجمع لتأكدت لديه الجانب الآخر من الحقيقة التي ذكرناها خاصة عندما يرى بأن مقراتها ساكنة هادئة لا فيها غير حارس على الباب أو عضو أو عضوين من هذه الأحزاب والتنظيمات. هذه الحقيقة أقولها ليس إستخفافاً بهذه الأحزاب والتنظيمات بل أن كشف حقيقتهم وبيان حجمهم الواقعي هو جزء من إهتمامنا بهم في كونهم لاعباً سياسياً على الساحة القومية لأمتنا فإحترامنا لهم ولقادتهم، خاصة الكثير منهم أصدقاء أعزاء لنا، نابع من هذا الأهتمام بشكل خاص وبأحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية بشكل عام.
•   أن تقوم بقية أعضاء التجمع بتنظيم نشاطات أخرى في الأيام السابقة أو اللاحقة للمسيرة من ثقافية وفنية وسياسية وإجتماعية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كأن يقوم المجلس القومي الكلداني على تنظيم محاضرة سياسية قومية أو أن يقوم المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري بتنظيم مهرجان شعري في يوم آخر أو أن يقوم المنبر الكلداني الديموقراطي بمهرجان غنائي وهكذا في الأيام اللاحقة كل حزب أو تنظيم يقوم بنشاط معين وأن يتم دعوة جميع أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية وغيرهم من الأحزاب والتنظيمات العراقية والشخصيات السياسية والحكومية وبهذا تكتمل حلقة إحتفالات أكيتو وكل واحد راضي عما قام به وشارك فيه. وهنا أود أن أشيد وبقوة بالمحاضرة أو الحلقة السياسية التي أدارها السيد ميخائيل بنيامين عضو اللجنة المركزية لزوعا تحت عنوان "وجودنا في الوطن ... الرؤية والعمل المطلوب" المقامة على قاعة المركز الثقافي الآشوري في اليوم الثاني من نيسان، فقد كانت ناجحة بكل المقايسس سواء من حيث إدارة النشاط بكفاءة عالية من قبل السيد ميخائيل أو بفعل مداخلات وأراء وملاحظات الحاضرين الذين أكتضت القاعة بهم. فهذه المحاضرة التي كانت قومية سياسية بكل معنى الكلمة ولم تكن زوعاوية كان من المفترض أن تقام في مقر أو قاعة أحدى أحزاب ومنظمات التجمع حتى تكون لها أكثر شمولية وفائدة. والحال نفسه فيما يخص معرض الصور الفوتوغرافية الذي سبق المحاضرة فكان بمجمله زوعاوياً بالتمام والكمال. ونأمل في العام القادم أن ينظم أكثر من مثل هذه النشاطات من قبل بقية أعضاء التجمع وأن تقام في مقراتهم أو في القاعات الأخرى،  فنكون بذلك أزاء نيسان حقيقي وقومي وشامل لا نيسان حزبي أو زوعاوي فحسب.
•   هناك أمراً آخر مهم جداً وقليل ما نهتم به، وهو أن تكون البرامج المخصصة للوفود القادمة من المهجر خاصة الشبابية والطلابية أكثر تنظيماً وشمولياً لأن هؤلاء هم رسل أمتنا في الخارج وعليهم يعتمد في إنماء الوعي القومي في المهجر وتوثيق الأواصر مع وطن الأم. وهذا أمر سهل لا يستوجب الكثير من الجهود غير قليل من التنظيم وترتيب البرامج.
إنتكاسات نيسانية:
كما ذكرنا سابقاً بأن مشاركتنا في كل عام في أحتفالات أكيتو في الوطن تعتبر من أجمل وأمتع أيام حياتنا لأننا في الحقيقة نلتصق بتربة إباءونا وأجدادنا ونتكاتف مع أبناء وبنات أمتنا ونشارك صرخات شعاراتهم وننشد معهم أغانيهم في أعظم أحتفال تاريخي تتجسد فيه هويتنا القومية والحضارية في هذا الوطن المستلب. ولكن ظهور بعض العيوب التي أعتبرها أنتكاسات في أيام أكيتو في الوطن لا تعكر روعة هذه الأيام ومتعتها، ولكن الحقيقة والحق يفرضان علينا أن نشير إليها لعل قد يتعض أبطال هذه الإنتكاسات:


أين "ممثلي" أمتنا من مسيرة أكيتو؟
سجل تاريخ أمتنا المعاصر مسيرات ضخمة خلال العقود الماضية في العراق. الأولى المسيرة الضخمة والإستقبال الهائل أثناء وصول قداسة مار شمعون إيشا بطريرك كنيسة المشرق السابق رحمة الله إلى بغداد من المنفى عام 1970. والثانية أثناء منح الحكومة العراقية الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية من (الأثوريين والكلدان والسريان) عام 1972. والثالثة هي مسيرات الأول من نيسان خلال السنوات الماضية. ولكن شتان بين هذه المسيرات وميسرات عامي 1970 و 1972. فهذان المسيرتان كانتا منظمتان من قبل حزب البعث العراقي ومسيرة من قبله وبإرادة مجبرة أو عفوية لأبناء أمتنا. أما مسيرات أكيتو فهي جملة وتفصيلاً من صنع إرادة أبناء أمتنا ومن تنظيمها فهي منهم وأليهم ومنها تنبع أهيمتها القومية العظيمة لجميع أبناء أمتنا، لا بل يجب أن تشكل مثل هذا الحدث أهمية أكثر سعة وقوة لأحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية لكونها هي الطليعة لهذه الأمة خاصة وأن معظم أن لم يكن جميع "ممثلي" أمتنا في البرلمانين المركزي والأقليمي وفي الحكومتين أعضاء من قيادة هذه الأحزاب والتنظيمات. لهذا السبب يجب أن يكونوا في قلب هذه الأحداث من دون أي إعذار لأن كل عذر لا يمكن أن يكون إلا إستخفافاً بهذه الأمة وبمناسباتها القومية العظيمة. تدلنا الألواح والرقم الطينية المكتشفة في مكتب آشور بانيبال في نينوى بأن الملوك كانوا يشاركون مشاركة فعلية في إحتفالات أكيتو لا بل يمارسون أنشطة معينة خاصة في اليومين السادس والسابع من الإحتفالات ولكن يظهر في هذه الأيام بأن "ممثلي" أمتنا في البرلمانين والحكومتين عظمتهم أعظم بكثير من عظمة ورفعة حمورابي وجبروتهم أكبر من جبروت وهيبة سنحاريب. أين كانوا هؤلاء أثناء إحتفالات أكيتو ؟؟؟ جواب بسيط: كان يستقبلون ويصافحون الطغاة ومفترسي حقوق أمتنا في وطننا العزيز و بالعي أراضي قرانا وبساتيننا... ألم يكن الأجدر بهم أن يجلسوا إلى جانب "خلتي نيمو" التي كانت قابعة في زاوية مظلمة في حديقة مقر زوعا في دهوك وهي تواسي نفسها بسبب أرضها المسلوبة من قبل شيخ كردي؟؟؟ ألم يكن الأجدر بهم أن يدعموا الأصوات المبحوحة لشباب مسيرة أكيتو وينضموا إلى صراخهم في الهتافات القومية حتى تهز طبلة آذان الآخرين الواقفين على جانبي الطريق ؟؟؟ ألم يكن الأجدر بهم أن يساعدوا الأم التي كانت تدفع عربة طفلها المشارك في المسيرة ويرفعوا قليلا عن كاهلها ومن تعب المسيرة ؟؟؟ لنترفع قليلاً ونحترم مركزهم التمثيلي الرسمي ونقول: ألم يكن الأجدر بهم أن يكونوا في مقدمة المسيرة متكاتفين مع بقية أخوتهم من قادة أحزاب وتنظيمات أمتنا لتكتمل بذلك حلقة التجمع في أكيتو؟؟؟ أليس الفضل يعود لهولاء العشرات الألوف الذين شاركوا في مسيرة أكيتو و صوتوا لهم وجعلوهم يجلسون على كراسي البرلمان والحكومة، ولكن وحسرتاه.. بقوا بعيدين عنهم ولا يشاركون أفراحهم وأتراحهم وينكرون جمليهم. أرجو أن لا تكون هذه الكلمات كمزامير داود غير قادرة على تجاوز الإذان الطرشاء وأن يستفاد منها في السنة القادمة لكي يثبتوا حقاً وحقيقة بأننا مخطئون بحقهم وأنهم يمثلون الأمة ويفضلون مشاركة أفراحها وأتراحها بدلا من مشاركة ولائم اللصوص ومختصبي أراضينا.
الكلدان وأكيتوهم لعام 7311:   
علما ربنا يسوع المسيح عليه السلام أن نحب أعداءنا، نحمده ونشكره ملايين المرات لعدم وجود أعداء لنا بين أمتنا بمفهوم العدو المبني على الغدر والخيانة، هذا على الأقل حسب إيماني،  ونحن الأقل إيماناً نقول في الأمور القومية والسياسية بأن إحترام المقابل المختلف أمر ضروري جداً في هذه الحياة خاصة عندما يتعلق الأمر بمصير ومستقبل أمتنا... علينا جميعاً كلداناً وسرياناً وآشوريين أن يكون الإحترام أساساً للتعامل بيننا خاصة في الأمور العامة والقومية فبهذا الأحترام نبلط طريقنا نحو تحقيق أهدافنا المشتركة... وبهذا الخصوص أحترم أحتراماً شديداً كل كلداني يعتز بكلدانيته لأنه في الحقيقة هو أعتزاز للأمة التي أنتمي إليها وإن كنت أختلف معه في بعض القضايا فأن مثل هذا الإختلاف لا يعكر إحترامي الشديد له... فليسمي نفسه كلدانياً وينسج له علماً خاص به ويلحن نشيداً وطنياً فهذا شأنه الخاص وليس لي إلا أن أصلي له أن يحمي كلدانيته ويبعده من الضياع أو التعريب أو التكريد. وإنطلاقاً من هذه القاعدة قرأت وبإنتباه أحتفال الكلدان بعيد رأس السنة البابلية – الكلدانية لعام 7311 خاصة في مدينة سان ديكو في كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية وخروجهم في المروج والقيام بالإحتفال بهذه المناسبة، فليس لنا إلا أن نقول لهم ألف مبروك. ولكن التساؤل المحير هو أين الكلدان من إحتفالات أكيتو في وطن الأم... هل نزحت أو هاجرت بابل وأور إلى سان دياكو؟؟؟ أمر محير حقاً... يقول بعض الكلدان بأن نسبتهم بين المسحيين في العراق هي بحدود 80 – 85% ويشكلون القومية الثالثة ولا أدري إذا كان طارق عزيز، وغيره كثر، ضمن هذه النسبة. ولكن مرة أخرى نتساءل لماذا لم ينظم الكلدان مسيرات وإحتفالات في القرى والقصبات الكلدانية وهم كثر والحمد الله بمناسبة رأس السنة البابلية – الكلدانية لعام 7311. ولماذا كان غالبية المشاركين في مسيرة أكيتو الذين رفعوا شعارات وحدة أمتنا تحت تسمية "الكلدان السريان الآشوريين" وينشدون أناشيد الوحدة بمناسبة أكيتو لعام 6763 ؟؟؟. كان من المفروض على الكلدان أن ينظموا مسيرات وإحتفالات في وطن الأم لكي تتأكد كلدانية أكيتو ويسير فيها مئات الألوف أو جزء من نسبة 80 – 85% ونحن مشاركين معهم أو على الأقل واقفين على جانبي الطريق نصفق لهم ونهتف. وكان أيضا على مقرات أحزاب الكلدان في الوطن أن تزين أبنيتها وتقيم نشاطات وتجمعات بهذه المناسبة... أسئلة وأسئلة أعتقد أن الإجابة عليها هي مضيعة للوقت لأنها معروفة للجميع... فالقول والكتابة في المواقع الألكترونية غير الواقع... هناك مثل عراقي يقول (اليدري يدري والمايدري ضربة عدس) لا أدري إذا كنت قد ذكرته صحيحاً لأنه لم أستعمله طيلة حياتي ولم أختلط مع العراقيين كثيراً.


تحية نيسانية :
بسبب الفرحة والبهجة التي تولدها إحتفالات أكيتو في قلوبنا فعلينا أن نكافئ ونحي القائمين على تنظيمها والمشاركين فيها، ولكن ليس لنا قدرة على مكافأة جميع المشاركين في مسيرة أكيتو لهذا العام خاصة الذين كان لمشاركتهم طعماً ووقعاً خاصاً  غير أن نقول:
•   تحية وإحترام لوفد هيئة رئاسة اللجان الآشورية لقرى خابور في سوريا على تحمل مشقات السفر بالبر والنهر من سوريا إلى أربيل ودهوك رغم الظروف المأساوي في سورياً ومشاركتهم في مسيرة ونشاطات أكيتو.
•   تحية وإحترام لوفد إتحاد طلبة وشباب الكلدو الآشوري لأوربا الوسطى لمشاركتهم في هذه المناسبة ولما عبروا عن حبهم لوطن الأم وإخلاصهم لقوميتهم وأثاروا الكثير من الأعجاب بسعة مداركهم الثقافية والفكرية ووعيهم القومي.
•   تحية وإحترام للعدد الكبير من الشباب والشابات والطلبة القادمون من الولايات المتحدة  للمشاركة في إحتفالات أكيتو، فهم لا يمر عليهم عاماً إلا وأن يشاركوا في هذه الإحتفالات.
•   تحية وإحترام للوفد الآشوري القادم من منطقة أورمي في إيران وتحمل مشاق السفر براً والمشاركة في إحتفالات أكيتو... وفد مخلص لأمته بمشاركته في كل عام في هذه المناسبة واللقاء بأخوتهم في الوطن.
•   تحية وإحترام للوفد القادم من أستراليا الذي دأب على المشاركة بهذه المناسبة في كل عام.
•   تحية وأحترام للوفد القادم من الولايات المتحدة الأمريكية وتحديداً المجلس القومي الآشوري في ولاية ألينوي برئاسة السيد شيبا مندو الذي لا يخلو أكيتو من مشاركتهم في كل عام.
•   تحية وأحترام للوفد القادم من دبي – دولة الإمارات العربية المتحدة وتحديداً الشخصية القومية المعروفة عمانوئيل قليتا الذي تحدى كل ظروفه الصحية الصعبة وأبى إلا أن يشارك ككل عام في إحتفالات أكيتو.
•   تحية وإجلال لكل المشاركين في إحتفالات أكيتو وخاصة الأم التي حملت طفلها معها طيلة طريق المسيرة والعجوز التي كان علمنا القومي يرفرف في يدها وإلى جميع الشباب المتحمس والصارخ بكل صوته بهتافات الأمة خارقاً آذان الواقفين على جانبي الطريق.
•   ولايفوتني أيضا إلا أن أعبر عن خالص شكري وتقديري لبعض قادة تنظيمات أمتنا الذين وفروا وقتاً لإستقبال الوفود القادمة من المهجر وأخص بالذكر السيد شمزدين ماليك كوركيس رئيس المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري والسيد ضياء بطرس صليوا الرئيس السابق للمجلس القومي الكلداني وحاليا رئيس الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في حكومة إقليم كردستان والسيد عمانوئيل خوشابا السكرتير العام للحزب الوطني الآشوري على حسن إستقبالهم لي في مقراتهم والحديث عن مواضيع مهمة تخص أمتنا. كما أخص شكري وإمتناني الكبيرين للسيد كرستو يلدا عضو المكتب السياسي للحزب الديموقراطي الكردستاني لتوفير الوقت واللقاء معه ومناقشة قضايا مهمة تخص أمتنا في الوطن وعلاقة أحزابنا السياسية بالحزب الديموقراطي الكردستاني وبحكومة الأقليم.
•   ولم يبقى إلا أن نرفع قبعاتنا وننحي رؤسنا إحتراماً وتقديراً لكل من السيد سامي سبنيا مسؤول فرع أربيل للحركة الديموقراطية الآشورية والسيد مرقس إيرميا مسؤول فرع دهوك للحركة الديموقراطية الآشورية وكالة وإلى وغيرهما من رفقاقهم على الجهود العظيمة التي بذلوها في إستقبال وتنظيم أمور القادمين من المهجر وفي تنظيم وترتيب إحتفالات أكيتو وتحمل مشقاتها، وأنا متأكد من عظمة هذه الجهود من خلال الحديث معهما والنظر في وجوههما وعيونهما المرهقة، بارككم الله وأعطاكم مزيدا من القوة والصبر خدمة لهذه الأمة لتكونوا عبرة وقدوة لغيركم الملتصقين على كراسي التباهي والفخفخة.
إلى اللقاء في أكيتو جديد لعام 6764. مع تحيات خادم الأمة... أبرم شبيرا 
 

62
بالإستقالة لا بالبيانات الإستنكارية والمؤتمرات الإحتجاجية
نواجه الإستبداد ضد أبناء شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري"

أبرم شبيرا

يظهر بأن صديقي كان محقاً عندما ذكر لي المثل التوراتي الذي يقول "لمن تتلو مزاميرك يا داود" بخصوص الموضوع – او المواضيع - الذي كتبته سابقاً في مناشداً "ممثلي" أمتنا سواء في البرلمان أو الحكومة العراقية المركزية أو الإقليمية الكردستانية وفي بقية الدرجات الخاصة بالإستقالة كأسلوب ضاغط وإعلامي على المستويين الوطني والعالمي. أستغفر بالله أن نشبه حالنا بالنبي داود ولكن يظهر أن هناك شبهاً بين هؤلاء والشعب اليهودي في العهد القديم الذي لم يكن يسمع إلى نبيهم داود في الخلاص من المهالك التي كانوا يواجهونها. مالذي جنى شعبنا في أرض الوطن من البيانات الإستنكارية والمؤتمرات الإحتجاجية وغيرها عندما أستشهد المطران فرج رحو ودمرت كنيسة سيدة النجاة والتغيير الديموغرافية لقرانا في شمال الوطن جارياً على قدم وساق غير المزيد والمزيد من هذه السياسات الإستبدادية والمظالم بحق شعبنا. سئمنا وأمتلئت آذاننا من أخبار صدور بيانات إستنكارية ومؤتمرات إحتجابية التي أصبحت مضحكة ومثيرة للسخرية للسطات الإستبداية الحاكمة في العراق وأصبحت كالضحك على ذقون أبناء شعبنا المكتوي بنيران هذه المظالم.

أذرف "ممثلي" شعبنا الدموع وأحتجوا إحتجاجاً ورقياً على تأجيل أنتخابات مجالس المحافظات في محافظتي نينوى والإنبار التي كان عقدها مزمعاً في الشهر القادم، ولا أدري مالذي إستفاد شعبنا من وجود "نفر أو نفرين" يمثلونه بين زمرة متكونة من عدد كبير من أفراد العصابات التي تسمى في العراق بالأحزاب في المجالس السابقة التي لا تومن أصلاً بحقوق شعبنا فيكف والأمر مع الإستماع إلى صراخ "ممثلي" هذا الشعب وتلبية مطالبه؟؟ ، لا بل ما الذي أستفاد شعبنا من وجود "ممثليه" في البرلمان المركزي والكردستاني وفي حكوماتهما؟؟ مئات الصفحات لا تكفي لسرد المظالم والإنتهاكات بحق شعبنا في أرض الوطن التي مورست على رغم وجود هؤلاء بجانب اللصوص وسراق قوت الشعب العراقي وتطاير إحتجاجاتهم الورقية في الهواء من دون وجود آذان صاغية لها... نعم... بين حين وآخر نسمع أو نقرأ خبر "إيقاف العمل" بالقانون أو القرار الفلاني الظالم بحق أمتنا أو التجاوز على أراضي أبناءها ولكن من وراء الكواليس يعمل المنتفعون من التغيير الديموغرافي وسراق المال والأرض لتكريس وإستمرار هذه السياسة بحق قرى وأراضي أبناء شعبنا وبحجج لم تعد مقنعة حتى للشيطان، حليفهم القوي في هذه الإنتهاكات.

في السابق عندما كتبنا عن موضوع الإستقالة هذه كرد فعل لربما كان من الممكن أن يكون له نتائجه المؤثرة، زعل البعض وأتهمنا نحن القابعون في المهجر من دس أنوفنا في مسائل بعيدة عنا بألاف الأميال، ولكن نقول لهؤلاء نحن أبناء هذه الأمة أينما تواجدنا ولنا ضمائر حية لا نستطيع أن نسكت عن المظالم التي يتعرض لها أخوتنا في أرض الوطن ويجب أن نعمل سواء بالكتابة أو أي نشاط آخر للتأثير والضغط على القابعين على السلطة السياسية في العراق وأن نقترح أو نحاول الإرشاد من موقعنا الخاص لـ "ممثلي" أمتنا ونحن نعرفهم معرفة جيدة سواء بسبب علاقاتنا الشخصية معهم أو بمستوى كفاءتهم السياسية والفكرية ولعل قد يستفيدون من هذه المقترحات والأراء وبالنتيجة قد تستقيم جهودهم وعلى الطريق الصحيح في خدمة شبعبنا في الوطن. لأن لنا ضمير حي، ولدنا وترعرنا وكبرنا في أرض الوطن وعانينا الكثير من مثل هذه المظالم، فأن الواجب يطلب منا أن نشارك أبناء أمتنا في الوطن ولو حتى بالقليل من الكتابة وزيارتهم ولو مرة واحدة في السنة والتفاعل مع أمانيهم والتحسس بمعاناتهم وبشكل مباشر. لا بل وإنطلاقاً من هذا الضمير الحي، فأنا عندما أزور أرض الوطن وأتجول في قرانا، أطير فرحاً عندما أجد قريتي ألقوش التي ولدت فيها لايسكنها غرباء يعبثون بثراثا العريق ويغيرون معالمها التاريخية والمقدسة... وعندما تطئ قدمي على عتبة دير سيدة الزروع (دير خثايا) وأجده قائماً شامخاً ولم يمسخه بناء غريب بجانبه ... وعندما أجد المروج والمزراع المحيطة بالدير ولم يستولى عليها غريب بحجة إقامة مشاريع مفيدة للمصحلة العامة ... وعندما أبدأ بصعود الدرج الطويل والعالي لدير ربان هرمز (ديره علايا) الذي تعمذت أنا وكل أفراد عائلتي فيه، ومن هناك ومن خلال الأفق البعيد أرى قرية شرفية وهي صافية بأبناءها الخيارى ومصفية من الغرباء والعابثين بثراث القرية... عندذاك أجد نفسي في جنة الجنان فرحاً وسروراً. ولكن عندما أزور قرية أخرى وأجد فيها التشويه الحضاري لمعالم حضارة أبناء شعبنا ومحاولات إمحاء شخصيتها الكلدانية أو السريانية أو الآشورية عندذاك ألعن كل القرارات والقوانين التي تظلم أبناء أمتنا وأحاول بكل قوتي أن أقف ضد جرائم التغيير الديموغرافي لقرى وأراضي أبناء شعبنا.. عند ذاك أعطي لنفسي الحق في أن "أحشر أنفي" في هذه المسألة التي تمس هويتي وكياني مثلما تمس هوية وكيان أخي في هذه القرى.

من هذا المنطق نعيد ونكرر دعوتنا لـ "ممثلي" أمتنا في إستعمال سلاح الإستقالة من مناصبهم أو لنكون أقل إيمانا ونقول تجميد عضويتهم إحتجاجاً على الممارسات الإستبدادية تجاه أمتنا، عند ذاك سنرى كيف سيتحرك الرأي العالمي الذي بأعتقادي لم يعد لنا باب نطرقه للنظر في قضيتنا والبحث في المظالم بحق شعبنا غير هذا الرأي العالمي، عنذاك سيصبح منظماتنا وأحزابنا في المهجر أمام المحك لكي يلعبوا دورهم وفي تجيش جهودهم في أن يكون هذا الرأي العالم فاعلاً ومؤثرا..... صدقوني يا "ممثلي" أمتنا بإستقلاتكم من كراسيكم المتكسرة سوف يمنحكم أبناء شعبنا كراسي وثيرة في قلوبهم ويجب أيضا أن لا ننسى وأن نضع بعين الإعتبار موضوع الإنتخابات العامة في السنة المقبلة والخشية من سقوط رؤوس كبيرة أوفي أكثر الإحتمالات حصولهم على أدنى مستوى من الأصوات التي ستكون فعلاً مخجلة أمام الآخرين الظالمين لأبناء أمتنا ويعطيهم فرصة لتقزيم "ممثلي" أمتنا أكثر فأكثر والتمادي في سياسات الإستبدادية من دون وازع قانوني أو إخلاقي... هذه دعوة بريئة فهل من إستجابة بريئة وفاعلة؟؟

63
العمل القومي "الكلداني السرياني الآشوري"
نظرة مقارنة بين الوطن والمهجر
أبرم شبيرا
أولا : توطئة:
إيفاءاً بالوعد الذي قطعته لقراءنا الأعزاء في مناسبة سابقة في الكتابة عن موضوع العمل القومي السياسي لأبناء أمتنا، أكتب هذا الموضوع الذي يقوم على مقارنة العمل القومي بين الوطن والمهجر من خلال الحقائق القائمة في كلا المجتمعين وأسلوب عمل كل منهما والمحاور الأساسية المكونة لهما، أي جوهر الأهداف والحوافز التي تدفع المؤسسات والأفراد المهتمين بشؤون الأمة إلى الانخراط في العمل القومي. ولما كان هذا الموضوع مستمد مادته من الواقع المقارن بين المجتمعين، في الوطن والمهجر، ومنظور إلى هذا الواقع بنظرة شخصية خاصة لذلك فمن المؤكد أن تتعدد النظرات والأفكار والآراء حوله، ويفسح المجال واسعاً للتحليل والنقد والإضافات والتعليقات، وهو الهدف المتوخى من طرحه لأبناء مجتمعنا "الكلداني السرياني الآشوري"، وتحديداً المثقفين منهم والمهتمين بالشؤون القومية والسياسية، بهدف الوصول إلى نتائج متقاربة أو تحقيق الفائدة المرجوة منه في فهم حقيقة العمل القومي الآشوري الذي يعاني الكثير من العثرات والتراجع خاصة فيما يتعلق بمسألة التنسيق بين التنظيمات القومية الناشطة في الوطن وتلك العاملة في المهجر. لقد سبق وأن عالجنا هذا الموضوع وبشكل مفصل في كتابي المعنون (محطات فكرية على طريق العمل القومي الآشوري- نظرة مقارنة بين الوطن والمهجر، مطبعة ألفا غرافيك، شيكاغو – الولايات المتحدة الأمريكية، 2000) وأجرينا عليه بعض التعديلات والإضافات ليتلائم مع وقعنا القومي السياسي القائم.

المفهوم السياسي للعمل القومي :

ليس القصد بالسياسة هنا، تعريفها الأكاديمي وطبقاً لمعايير علم السياسة الذي يدرس في الجامعات، وإنما المراد بالسياسة هنا هو مفهومها الفلسفي القائم على الواقع والحقيقية ومن ثم على الممارسة التي لا يمكن للسياسة أن تقوم قائمة ما لم تكن هناك ممارسة. أي السياسة ليست علم أو أفكار فحسب وإنما يستوجبها فن وممارسة أيضا، لهذا قيل عن السياسة بأنها علم وفن، أو أفكار وعمل. أن أكثر المفاهيم شيوعاً عن هذا المعنى للسياسة هي اثنان:
السياسة هي فن الممكن :
المقصود بالممكن هنا هو الحقيقة أو الموضوع الموجود في الواقع الممكن تلمسه وتحسسه فيزيائياً وماديا، أي بهذا المقصد فأن الأرض أو بقعة جغرافية أو الوطن هو جوهر هذا الوجود في السياسة. فلا وجود للسياسة ما لم تكن هناك حقيقة ملموسة وموجودة على واقع الأرض فالأفكار وحدها لا تكفي هنا لاكتمال مفهوم السياسة. أما المقصود بالفن هنا فالمراد به هو قدرة التعامل مع هذا الواقع وبمدى توفر الإمكانية لتحقيق الأهداف على أرض الواقع. أي بعبارة أخرى، الأهداف لا تتحقق في الهواء والخيال وإنما يتطلب ذلك وجود واقع تقوم عليه وتتحقق فيه. فبالنسبة للعمل القومي "الكلداني السرياني الآشوري" في المهجر، إذا كان موضوعه أو واقعه كائن في "آشور" (لقد أخذنا آشور كوطن جغرافي لكل مكونات أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" وسنستمر إستخدامه لاحقاً لكونه أكثر شيوعاً في الفكر السياسي القومي) والتعامل لا يتم معه وإنما في واقع آخر بعيد عنه، حينذاك نكون إزاء عمل لا يمكن أن نطلق عليه واقعياً بالعمل السياسي طالما هو عمل عقيم لا يملك مقومات إنتاج نتائج أو تحقيق أهداف على الواقع البعيد عنه.
السياسة هي ديموغرافيا على جغرافيا:
المقصود بالديموغرافيا هو الشعب أو السكان أو مجموعة أفراد تربطهم صلة معينة، وعلى الغالب تكون صلة قومية أو وطنية، أما الجغرافيا فنقصد بها الأرض وتحديداً الوطن بالمفهوم السياسي والقانوني. ومن المنطق جداً أن الإنسان لا يتواجد على الأرض أو في الوطن بحالة استاتيكة جامدة ميتة وإنما يمارس نشاطات معينة فيه تخص الوطن أو الواقع الذي ينتمي إليه ويرتبط به ويدخل في علاقات اجتماعية أو سياسية مع غيره من أفراد مجموعته.  لهذا فالمقصود بـ "على" هو فوق، أي وجود الإنسان فوق الأرض بكل ما يعنيه هذا الوجود من نشاطات مختلفة الجوانب ومتعددة الأهداف. فوفق هذا المفهوم للسياسة نقول طالما الشعب أو السكان، أي "الكلدان السريان الآشوريين" المتواجدون في المهجر، هم على أرض غير أرض "آشور" وأن هذا الأخير في مكان يبتعد عنهم بمئات أو آلاف الأميال ويشكل في الحقيقة محوراً روحياً أساسياً لنشاطهم الذي يمارس على أرض أخرى غير الأرض المستهدفة من نشاطهم، فأن كل نشاطاتهم بهذا الخصوص تبقى بالدرجة الأولى وبشكلها العام غير واقعية في هذا السياق، أي لا يمكن التحقق منها ولا تستطيع تحقيق حتى الحد الأدنى من أهدافها المتمحورة حول "آشور". لهذا السبب تظل المؤسسات السياسية من أحزاب ومنظمات تدور في دائرة مفرغة لا طائل أو نتيجة حقيقية تفيد "آشور" من العويل والصراخ ورفع الشعارات البراقة ومن ثم انسراح العمل القومي في عالم الخيال والرومانسية.

على العكس مما تقدم ، فلو أتخذ "الكلدان السريان الآشوريون" في المهجر من واقعهم محوراً حقيقيا وماديا لعملهم القومي وحافظوا على "آشور" محوراً روحياً في مكانه مستلهما لهم ولمعنوياتهم وأفكارهم ومن دون سحب هذا المحور ونقله إلى واقع عملهم، والذي يعتبر أمراً مستحيلاً، لتحول نشاطهم القومي إلى سياسة حقيقية مثمرة قابلة لتحقيق أهداف على الواقع الذي يمارس هذا النشاط فيه. وبشكل أوضح أقول، فبدلا من انشغال هذه الأحزاب والمنظمات وتضيع جهودها وأموالها في "تحرير آشور" أو المطالبة بالحكم الذاتي للآشوريين في وطنهم التاريخي عليهم توجيه كل هذه النشاطات والجهود إلى واقعهم في المهجر واستهداف أمراض المجتمع وتقوية مقومات وجوده، وهي الأهداف التي يمكن تحقيقها وبيسر فيما لو تم تقويم العمل القومي ووضع ومورس في واقعه الحقيقي. وهذا أيضاً هو الذي يجعل من العمل القومي في المهجر أن لا يكون قاصراً على السياسة فحسب بل يشمل وبدرجة أكثر أهمية الجوانب الأخرى من اجتماعية وثقافية وفكرية وحتى اقتصادية ودينية، وهو السبب الذي يجعل الأندية الاجتماعية والمؤسسات غير "السياسية" والكنائس واللجان التابعة لها أكثر نشاطاً وتحقيقاً لأهدافها من الأحزاب والمؤسسات السياسية في بلدان المهجر.

مفهوم السياسة بين الوطن والمهجر:
هناك مسألة مهمة أخرى تجعل من العمل القومي أن يكون سياسياً في الوطن وأن لا يكون سياسياً في المهجر مأخوذاً من زاوية اختلاف طبيعة الأنظمة السياسية في كل من الوطن والمهجر. ففي المهجر السياسة هو كل نشاط متعلق بالسلطة السياسية أو مؤسساتها الحكومية بشكل مباشر أو غير مباشر. أي بعبارة أخرى السلطة السياسية لا تتدخل، أو لا يعنيها الكثير من الأمور التي تخص المحكومين إلا بقدر ما يعزز مكانة الحزب الحاكم أو يخدم سياسته، خاصة أثناء فترة الحملة الانتخابية. إضافة إلى ذلك فأن الأحزاب السياسية "الكلدانية السريانية الاشورية" في المهجر غير متسقة أو مندمجة أو لها دور في النظام الحزبي والسياسي للدولة ولا علاقة لها بموضوع السلطة أو الحكومة، لذلك لا يمكن اعتبار نشاطها كنشاط سياسي بالمفهوم الشائع عن السياسة في هذه البلدان. في حين على العكس من هذا ففي بلدان الشرق الأوسط، خاصة موطن "الكلدان السريان الآشوريين" الأصلي، الحياة كلها مسيسة وتتدخل السياسة حتى في أصغر الأمور وأبسطها، خاصة عندما تكون هذه الأمور في تعارض أو تناقض مع فكر أو سياسة الحزب أو الفئة المسيطرة على السلطة السياسية. ويزداد أمر تسيس كل جوانب الحياة أكثر بالنسبة للمجموعات التي لا تعبر السلطة السياسية عن إرادتها، أو الشعوب التي لم تكون بعد دولتها أو كيانها السياسي المستقل. وبقدر تعلق الأمر بأبناء أمتنا، فأن بمجرد تدريس لغة الأم أو إصدار نشرة أو مجلة أو إقامة مهرجان شعري أو إلقاء محاضرة أو حتى إقامة سفرة جماعية أو احتفال بمناسبة تراثية أو غناء أغنية تراثية وقومية، لا بل وحتى تسمية الأطفال بأسماء تراثية قومية، كانت مسائل سياسية مرفوضة بالنسبة لحزب البعث الحاكم في العراق لأن مثل هذه المسائل التي تعزز من ترسيخ المقومات القومية الخاصة لأبناء أمتنا، هي مسائل كانت تتعارض مع أيديولوجيته الداعية إلى صهر الأقليات في القومية العربية، وإن كان في بعض الأحيان، ولأسباب تكتيكية بحتة، قد يسمح بممارسة بعضها ولكن عندما تصل مثل هذه النشاطات إلى الخطوط الحمراء التي رسمها حولها يجهض عليها بلحظة واحدة. واليوم في العراق يكفي أن يتكلم أبناء أمتنا بلغتهم القومية السريانية لا بل يكفي أن يكونوا مسيحيين لكي يعاملهم البعض كنعصر سياسي يستوجب إمحاء وجودهم التاريخي في الوطن سواء بالتهجير أو بقطع الرؤوس. أما في دول المهجر فأن مثل هذه النشاطات لا تتخذ أية صفة سياسية ولا تتعارض مع فكر الحزب الحاكم لأن الوضع القومي "للكلدان السريان الآشوريين" لا يهمه أكثر مما يهم تعزيز مكانته في السلطة السياسية. وانطلاقاً من هذا المفهوم السياسي للعمل القومي، نرى بأن إمكانية ممارسته في المهجر، من خلال النشاطات التي مر ذكرها، هي أكثر بكثير من إمكانية ممارسته في أرض الوطن، التي يجب أن تستغل هذه الفرص من قبل المؤسسات والأحزاب السياسية في المهجر لتحقيق رسوخ مقومات الأمة وصيانتها من الإنصار والضياع.

الاغتراب ورومانسية العمل القومي في المهجر:
 مفهوم الاغتراب الوارد في هذا الموضوع ليس القصد منه ترك الوطن والهجرة إلى الخارج فحسب بل يعني النتائج التي تترتب من جراء هذه الهجرة على مستويات اجتماعية وفكرية وثقافية ونفسية. أي بعبارة أخرى أن مفهوم الاغتراب لا يتناول مسألة انتقال جسم الإنسان، إن صح التعبير، من مكان إلى مكان آخر مختلف وإنما يتطرق إلى الحالة العقلية التي ترتبت من جراء هذا الانتقال، وهو موضوع فلسفي عميق لا نريد الإسهاب فيه أكثر مما يفيد بعض تطبيقاته على الواقع أمتنا في المهجر وتأثيراته على مناهج وطرق العمل القومي. أن ترك الوطن والهجرة إلى الخارج يعني تجرد الفرد واقعياً وموضوعياً من الرابطة اليومية والحياتية التي كانت تربطه بالوطن ويعني أيضاً الكف عن العيش في العالم الواقعي لهذا الوطن والبدء بالانتقال إلى واقع أخر بعيد عنه يصبح هو عالمه الواقعي الذي يعيش ويمارس نشاطه فيه. أي بهذا المعنى أصبح له واقع جديد آخر بل وطن آخر بكل ما تعنيه هذه الكلمة من التزامات قانونية وسياسية وحقوق وواجبات، يختلف كلياً أو جزئياً عن الواقع أو الوطن السابق من نواحي عديدة ومختلفة، فهذا هو المهجر الذي له صفة دائمة ويختلف عن المنفى الذي له صفة مؤقتة. أن الذي يهمنا هنا هو القول بأنه ومن خلال استقراء بسيط للحالة الفكرية لأبناء أمتنا في المهجر يتأكد لدينا وبشكل قاطع بأن الوطن أو "آشور"  يشكل وبدون استثناء الجوهر الأساسي لمضمون العمل القومي في المهجر، سواء أكان المهتمون بهذا العمل أفراد أو منظمات سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو علمية أو حتى فنية أو دينية، أو سواء أكانوا من العراق أو من سوريا أو تركيا أو إيران أو لبنان، فللكل يشكل الوطن "آشور" أساس وجوهر عملهم القومي، لا بل ومصدر انتماؤهم القومي أيضاً. أي يصبح الوطن "آشور" أكثر وجوداً في عقلهم ووجدانهم مما كان عليه في السابق. أنه موضوع فخر واعتزاز لنا جميعاً أن نرى بعض الأجيال التي ولدت في المهجر لا تزال تعترف وتعتز بانتماءها القومي رغم عدم قدرتها على إثبات هذا الانتماء ببراهين واقعية وقانونية كحال بقية الشعوب التي هاجرت أوطانها، ولكن المشكلة الأخرى هي أن هؤلاء الأقوام المهاجرة يختلفون عن "الكلدان السريان الآشوريين" لأن لهم كيانات سياسية وقانونية تشكل مصدراً سياسياً وإطاراً قانونيا وواقعياً أيضاً لانتمائهم القومي وتحصنهم من الضياع والذوبان في بلدان المهجر. المهم هنا هو التأكيد مرة أخرى بأنه رغم  بقاء "آشور" دائماً وأبداً مصدراً للانتماء القومي كظاهرة إيجابية ويستوجب ترسيخها في نفوس أبناء امتنا صغاراً وكباراً، فأن هذا يؤكد في بقاء "آشور" أيضا كمحور أساسي لمعظم نشاطات الآشوريين المختلفة في المهجر، خاصة السياسية منها التي تعنينا في هذا الموضوع. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين موقع "آشور" بالنسبة لهم من الحقيقة السياسية الموضوعية، باعتبار أن السياسة تتعامل مع الحقائق كما هي في الأرض والواقع ولا يعنيها شيئاً من أمر العواطف والمشاعر والتمنيات ؟؟ هل له وجود ملموس ومحسوس حتى يتم التعامل معه؟؟    

 أن الابتعاد عن الوطن أو "آشور" أو "بيت نهرين" وهجره يعني ترك "الكداني السرياني الآشوري" وطنه الذي لم يعد قائماً معه أو يعيش فيه بعد الهجرة، أي بعبارة أخرى، أنه تم نقل وتحويل الوطن الأصلي "آشور" من عالم الواقع والموضوع إلى عالم معنوي وذاتي أو فكري غير موضوعي أو واقعي أو حقيقي للمشتغلين بالمسائل القومية في المهجر أو حتى بالنسبة للأفراد العاديين، أي أن "آشور"  بقى المحور الأساسي لمعظم نشاطاتهم القومية في الوقت الذي يعيش هؤلاء ويعملون في واقع آخر يبتعد عن "آشور" أو "بيت نهرين" آلاف الأميال. لقد دلت أحدث الدراسات السوسيولوجية عن هجرة الشعوب وترك أوطانهم، بأن الوطن يظل على الدوام مشرقاً في عيني المهاجر وساكناً في عقله ويعيش في خياله عندما يصبح في الغربة بعد عجزه عن العيش في واقع الوطن، وهي الحالة التي تنطبق على أبناء أمتنا بحذافيرها، أي بعبارة أخرى، في الماضي كان يعيشون في "آشور" وفي المهجر أصبح "آشور" يعيش فيهم.

 فهذا الاغتراب، أي وجود الموضوع أو الواقع في مكان والنشاط الخاص به في مكان آخر، هو الذي أدى إلى أن يكون "آشور" محوراً روحياً لهم وليس واقعياً، وهو المحور الذي يؤدي بالنتيجة إلى سيادة وهيمنة الطابع الرومانسي والخيالي والطقسي على العمل القومي في المهجر ومن ثم ابتعاده عن الواقعية وعن إمكانية تحقيق المهمات التي أصبحت مستحيلة. فإذا كان بقاء واستمرار "آشور" كمحور روحي للعقل والنشاط في المهجر هو ظاهرة إيجابية لها دلالات تؤكد امتلاك أبناء أمتنا لعنصر "الأرض"، سواء أكان واقعياً أو روحياً، كمقوم من مقومات الوجود القومي أينما كان ذلك سواء على هذه الأرض أم بعيدين عنها، وهي الظاهرة التي يستوجب ترسيخها وزرعها وعلى الدوام في أبناء مجتمعنا وفي أطفالهم، فأن الجانب السلبي المرتبط بهذا العنصر يتمثل في جـر وسحب هذا المحور الروحي ومحاولة نقله أو إنزاله إلى واقع أخر مختلف كلياً ومن ثم بناء عليه نشاطهم القومي، وهو مجرد عنصر روحي ومعنوي بالنسبة لهم في المهجر والذي يؤدي بالنتيجة إلى اكتساب هذا العمل طابعاً خيالياً رومانسياً بعيداً عن الواقع  العملي الذي يعيشون فيه ومن ثم عدم اتساقه معه أو انتظامه بشكل يتناسب مع طموحات أو أنماط تفكير أبناء المجتمع في المهجر. من هنا يستوجب تعديل موازين العمل القومي في المهجر بحيث يبقي على "آشور" محوراً روحياً معززاً بين الكبار والصغار من جهة، وأن يجعل من الواقع الاجتماعي في المهجر بكل أمراضه العشائرية والقريوية والطائفية والأنانية والتحزبية والمصلحية والأخلاقية محوراً واقعياً ومنطقياً للعمل القومي من جهة أخرى. أي بهذا المعنى سنكون إزاء ممارسة سياسية حقيقية واقعية لا رومانسية خيالية. وإذا حاولنا قياس أو معرفة الجانب السياسي والواقعي لهذه الممارسة يستوجب عليها فهمها وفق مفهوم السياسة الذي لخصنا فيه في السطور السابقة.

واقعية العمل القومي في الوطن :
إذا كان "آشور" محوراً روحياً ومعنوياً لأبناء أمتنا في المهجر فأنه ليس كذلك وحسب بالنسبة للصامدين في الوطن، بل أن الأمر يختلف عما هو عليه في المهجر. فبالإضافة إلى كون "آشور" بعداً تاريخياً وحضارياًً، فهو أيضاً يعتبر وبالدرجة الأولى محوراً واقعياً لفكرهم ونشاطهم والأساس المادي الذي يرتكز عليه عملهم القومي والذي يلتصق به ويندمج معه من دون أن يترك فسحة للإنسراح  في عالم الخيال والرومانسية. لهذا السبب يكتسب العمل القومي في الوطن واقعية ومنطقية يتناسق مع واقعية محور "آشور" باعتباره حقيقة واقعية موجودة على الأرض يمارسون نشاطهم عليها ويعيشون في هذا الوطن، وبالتالي يكون عملهم عملاً قومياً سياسياً قابل لتحقيق المفيد والملموس لهذه الأمة، وبالنتيجة تكتسب مؤسساتهم وأحزابهم قبولاً واحتراماً لكونها مؤسسات وأحزاب قادرة على تجسيد شيئاً من ما تقوله أو تعلنه في شعاراتها القومية والسياسية وتستطيع تطبيقه على أرض الواقع عند توفر الظروف السياسية المناسبة لذلك. لهذا السبب يحق لنا أن نقول بأن هذه المؤسسات  تمارس السياسة في نشاطها القومي طالما أنطبق عليها مفهوم السياسة في كونها فن الممكن، لأنها تمارس ما هو ممكن على الواقع وليس في الخيال البعيد، كما ينطبق عليها مفهوم السياسة في كونها ديموغرافيا على جغرافيا، أي وجود إمكانية ممارسة أبناء أمتنا لنشاطهم على أرض الوطن المعبر عن كيانهم والذي يستمد منه هوية انتماؤهم القومي.

تكامل العمل القومي بين الوطن والمهجر:
ربما يتوهم البعض بأنني حاولت بتفسيراتي المذكورة أعلاه تجريد أبناء أمتنا في المهجر من وطنهم "آشور" أو " بيت نهرين" ومنحتهم وطن آخر بديل عنهم في المهجر وأنهم مهما عملوا وناضلوا في المهجر من أجل الأمة فأن هذا لا ينفع أخوتهم في الوطن … كلا  … لم أقصد هذا إطلاقاً بل على العكس من هذا فأنني أريد التأكيد بأن "الكلدان السريان الآشوريين" في المهجر يمكن أن يعملوا كثير الكثير لوطنهم ولأخوتهم  الصامدين فيه وأن يكون عملهم القومي أكثر واقعية وبالتالي أكثر مثمراً ومحققاً لأهدافهم سواء في المهجر أم في الوطن فيما إذا فهم أو عمل كل طرف على الطريق الصحيح للعمل القومي الذي يجب أن يقوم على واقعية ملموسة حتى تكون الأهداف ممكنة التحقيق على أرض الواقع. لهذا السبب أنه من الضروري جداً الانتباه إلى الحقيقة التي دفعتنا إلى اعتبار " آشور " محوراً روحياً ورفضنا سحبه إلى الواقع القائم في المهجر ليكون واقع العمل القومي، وكذلك عندما اعتبرنا نفس "آشور "محوراً واقعياً لأبناءنا في الوطن ومن ثم بناء أسس عملهم القومي على هذا المحور. أي بعبارة أخرى، يجب أن لا نتوهم بأن هناك انفصال وانقطاع بين المحورين وبين الأسلوبين في العمل القومي، فالروح لا يمكن أن تنقطع أو تنفصل عن الواقع بل تظل مرتبطة به تمثل الجانب الميتافيزيقي لواقعية الحياة، وهي مسألة فلسفية تتصارع حولها المدارس الفكرية في المادية والمثالية ولا نريد الانجرار خلفها .

ولكن أيضا من الضروري أن نفهم بأن الربط العضوي بين الروح والمادة لا يمنعنا من التمييز بين كل جانب من جوانب الظاهرة الاجتماعية. لذلك فإذا كانت متطلبات البحث والفائدة المتوخاة من نتائج العمل القومي سواء في الوطن أم في المهجر قد فرضت علينا ضرورة التمييز والفصل بين المحورين الروحي والواقعي فأن التأكيد المشدد يتطلب الإشارة إلى أن نفهم طبيعة العلاقة الجدلية بين المحورين وتناسقهما ومن ثم تكامل كل محور للمحور الآخر فيما لو وضعا في مسارهما الصحيح، خاصة بالنسبة لمسار أسلوب العمل القومي في المهجر والذي يعاني الكثير من الخلل والعجز في فهم واقعه الأساسي ومن ثم فقدان الفرص الثمينة التي توفرها بلدان المهجر والممكن استثمارها لخدمة أبناء الأمة لو نزلت المؤسسات "الكلدانية السريانية الآشورية" السياسية من العالم الرومانسي إلى العالم الواقعي.

ولكن أيضا من الضروري الانتباه والتذكير بأن التكامل هو غير الاندماج والخلط أو المزج، أي بعبارة أوضح إن العمل القومي في المهجر يجب أن يتكامل ويتناسق مع العمل القومي في الوطن لا أن يندمج به أو يختلط معه، أي بمعنى إن مسألة " تحرير آشور" أو المطالبة بالحكم الذاتي  أو التنسيق والتعاون مع القوى السياسية للقوميات الأخرى لضمان حقوق أبناء أمتنا أو الاتصال والتعامل مع الحكومات المعنية هي من المتطلبات الأولية في العمل القومي بالنسبة  للأحزاب والمنظمات القومية في أرض الوطن باعتبارها اللاعب الرئيسي والمباشر على الساحة السياسية لأمتنا. في حين يجب أن تكون الأحزاب والمنظمات أو المؤسسات القومية في المهجر اللاعب غير الرئيسي وغير المباشر فيما يخص هذه المسائل   باعتبارها مسائل غير قائمة في الواقع الفعلي الذي تعيش وتعمل وتنشط فيه. فمهما رفعت من شعارات قومية براقة، سواء أكانت صادقة أم منمقة، فأنها لا تستطيع من الناحية الواقعية أن ترفع حجر وتضعه على حجر من أجل بناء جدار لبيت مهدم في قرية من قرانا في شمال الوطن، كما لا يتمكن أي من أعضاءها أن يعلم حرفاً واحدا في المدارس السريانية هناك. ولكن بالمقابل تستطيع هذه الأحزاب أن تعمل كثير الكثير وبشكل فعال ومثمر من خلال مساندة ودعم القائمين على هذه الشؤون في الوطن وبمختلف الوسائل والمجالات والكثير منها معروفة للجميع، لذلك فأن دورها هنا يكون مكملاً لدور المنظمات والأحزاب الآشورية على أرض الوطن ومسانداً لها، وهو الدور الذي يستوجبه الكثير من التنسيق والتناغم حتى يتكامل العمل القومي بشكل صحيح وواقعي.

وانطلاقاً من هذه الأدوار المحددة ضمن إطار الدور المباشر وغير المباشر لكل طرف، يمكن القول بأنه لا يجوز منطقياً أن يرفع حزب سياسي شعار رومانسي في "تحرير آشور" أو تدعو منظمة قومية إلى المطالبة بالحقوق القومية للآشوريين أو بالحكم الذاتي في الوطن في الوقت الذي جميع أعضاءها وحتى قياداتها قائمة وتعيش في المهجر وبعضهم لم تطأ قدمهم أرض آشور أو ليس لهم ولا عضو مرتبط بتنظيمهم يمثلهم في أرض الوطن، لا بل فالبعض الآخر يرغب في التفاوض مع القوى السياسية العراقية أو يحاول حشر نفسه في الإنتخابات. هذا الأسلوب هو الذي جعل من العمل القومي في المهجر أن يتصف في عموميته بنوع من الرومانسية ويبتعد عن الواقعية خاصة عندما يترك واقعه الأصلي في المهجر ويتخلى عن التنسيق والتكامل مع العمل القومي للمنظمات والأحزاب الآشورية الناشطة على أرض الوطن ومن ثم تخفق في تحقيق النتائج المفيدة والملموسة. إن الأحزاب والمنظمات النبيلة والمخلصة لأبناء أمتنا في المهجر يمكن أن تكون أكثر نفعاً وسنداً لأخوتهم في الوطن لو كان عملهم يستند على واقعهم الحقيقي في المهجر وليس على الخيال البعيد المنال وعليها أن تستغل واقعها لا أن تنفلت منه نحو واقع آخر لا تعيش فيه، أي عليها أن لا تضيع  الممكن من أجل غير الممكن.

هكذا من الممكن أن تكون المؤسسات الآشورية في المهجر أكثر دعماً ومساندة للآشوريين سواء في المهجر نفسه أم في الوطن عندما يكون أسلوب عملها القومي أكثر واقعية ومنطقياً يتوافق مع الظروف الخاصة السائدة في كل بلد من بلدان المهجر وأن تنخرط في العمل السياسي في بلدان المهجر وأن تكون قوة ضاغطة على حكومات هذه البلدان لمصلحة أخوتهم في الوطن. من هذا المنطلق لا نستغرب أن  نرى الأندية والجمعيات "غير السياسية" في المهجر والتي لا ترفع شعارات رومانسية بأنها أكثر واقعية في نشاطها وتحقيقاً لأهدافها من الأحزاب والمنظمات السياسية، وهي أيضاً أكثر تنسيقاً وتكاملاً ومساندة وعلاقة مع الأحزاب والمنظمات القومية في أرض الوطن، والسبب يعود بالدرجة الأولى إلى صفة الواقعية التي تجمع بين كلا الطرفين، في حين على العكس من هذا فأن الأحزاب والمنظمات السياسية في المهجر أقل، أن لم يكن معدوماً، تعاوناً وتنسيقاً وعلاقة مع غيرها في أرض الوطن، وحتى إذا وجدنا جوانب من هذا التعاون والتنسيق فأنه يكون لفترة قصيرة وسرعان ما يختفي والسبب يعود إلى الصفة الرومانسية لعملها القومي الذي لا يتسق أو ينتظم مع الصفة الواقعية الذي يتسم به عمل الأحزاب والمنظمات السياسية في أرض الوطن.

هذا من جانب واحد، ولكن هناك جانب آخر يجب أن لا يفوتنا وهو أن اشتراك أحزاب الوطن مع أحزاب المهجر في ساحة سياسية ضيقة المعالم والآفاق وافتقارهم إلى برنامج محدد لمصلحة الأمة، مضافاً إليه تغلب المسائل الشخصية للقيادات على المبادئ الحزبية والقومية وتوجيه سياسات الحزب طبقاً لأهواء القيادات الفردية المتضاربة كلها عوامل أخرى  تؤدي بالنتيجة والحتم إلى العجز في الوصول حتى إلى الحد الأدنى من التنسيق والتفاهم. ومن الظاهر أن هذا الفشل لا يحصل بين الأحزاب المتنافسة فحسب وإنما أيضا بين الأحزاب "الصديقة" و "المتفاهمة"، سواء أكان برغبتهم أو بدونها، بقصد أو بغير قصد، والسبب يعود بالدرجة الأولى إلى اختلاف طبيعة وواقع كل واحد منهم الذي تنطلق منه سياساتهم ومفاهيم حول المصلحة القومية وكيفية تحديدها والعمل على تحقيقها وعدم قدرة كل طرف على فهم واقع الطرف الآخر. هذه هي الأسباب الرئيسية التي تحول دون قيام أو فشل جميع محاولات تشكيل جبهات أو تحالفات بين الأحزاب السياسية، ولا نستغرب أيضاً بأن هناك بعض الجبهات بين هذه الأحزاب رغم أنها لم تلغى رسمياً إلا أنها في حكم الميت أو المنتهي التي لا نشاط لها إطلاقاً، وأن كان، فهذا لا يتجاوز حدود بيان أو منشور في مناسبة قد لا يتكرر مرة أخرى.    

إذا كان من المفترض، كما سبق وأن ذكرنا، أن تكون الأحزاب السياسية الآشورية في الوطن هي اللاعب الرئيسي في المجتمع الآشوري باعتبارها تقوم وتنشط في واقع موضوعي وحقيقي لـ "آشور" لأنها تكتسب واقعيتها منه، فأنه بالمقابل أيضا يجب أن تكون الأحزاب والمنظمات السياسية في المهجر اللاعب الرئيسي والفاعل في مجتمع المهجر لان هذا الأخير هو واقعها الذي تعيش وتنشط فيه والتي من المفترض أن تكتسب واقعيتها منه وتعرف كل خفاياه وأسراره المؤثرة سلباً وإيجاباً  في طبيعة تطور هذا المجتمع وفي جوانب عديدة من حياة أفراده. فعندما تتعامل هذه الأحزاب والمنظمات القومية مع الواقع وتسعى في عملها القومي إلى معالجة المشاكل والأمراض التي يعاني منها المجتمع، كالعشائرية والقريوية والطائفية والأنانية والتحلل العائلي وغيرها وتدعو أو تعمل على التضامن الاجتماعي ونشر الوعي القومي وتصعيد  معنويات الأفراد وتحصينهم من الضياع والانصهار وتقوية الأواصر الروحية بوطن الأم "بيت نهرين"، لا بل والسعي أيضا إلى مساعدة المحتاجين وتدعيم ركائزهم الاقتصادية والمعاشية والعائلية ومساندة الطلاب وتشجيعهم على مواصلة تعليمهم وحثهم على الانخراط في النشاطات القومية والثقافية بما فيه المساهمة في إنشاء مدراس قومية أو القيام بحملة تدريس لغة الأم أو المساهمة في طبع الكتب ودعم الكتاب والشعراء والترويج لنتاجاتهم الثقافية  والفكرية وغيرها من المجالات التي تزخر بها مجتمعات المهجر، حينذاك تسلك المنظمات والأحزاب "الكلدانية السريانية الآشورية" في المهجر سلوكاً صحيحاً وواقعيا في العمل القومي وهو العمل الذي لا يساهم في تدعيم ركائز المجتمع وتطويره في المهجر فحسب، وإنما أيضاً يساهم  مساهمة فاعلة وغير مباشرة في مساندة المجتمع  في أرض الوطن ويدعم دعماً منطقياً وقويماً للعمل القومي والمنظمات والأحزاب الفاعلة على أرض آشور. فكلما كان المجتمع في المهجر معافياً راسخاً سائراً على دروب التطور والتقدم الصحيحة وتعمل الأحزاب والمنظمات ضمن هذا الإطار كلما زاد ذلك من دعم وإسناد نضال أبناء امتنا ومنظماتهم وأحزابهم في أرض الوطن وعلى مختلف الأصعدة السياسية والإعلامية والثقافية والاقتصادية. فهذا التكامل في العمل القومي  يفرض ضرورة تخصص المنظمات والأحزاب السياسية ضمن إطار واقعها الحقيقي، أو الجغرافي أن صح التعبير، وهو التخصص الذي يخلق التعاون والتنسيق المناسب والمثالي بين أبناء امتنا ومنظماتهم وأحزابهم في المهجر والوطن ويتم من خلاله تحقيق أهداف الأمة "الكلدانية السريانية الآشورية".

يجب على الأحزاب السياسية والمنظمات القومية في المهجر أن تعلب دوراً مهماً وأساسياً في مسألة تكامل أفراد المجتمع "اللكداني السرياني الآشوري"  مع غيرهم من المجتمعات وأنظمتهم السياسية والقانونية ويجب عدم إغفالها من جدول أولياتهم. والمقصود بالتكامل هو ضرورة معرفة أسرار وخفايا وأنظمة وتوجهات وسياسات هذه المجتمعات ومن ثم النفاذ من خلالها للوصول إلى مواقع سياسية واقتصادية وعلمية مؤثرة يمكن استغلالها لخدمة أمتنا ليس في المهجر فحسب وإنما أيضا في الوطن. والتكامل قد يتخذ أشكال مختلفة مثل تشجيع الطلاب  ودعمهم لمواصلة الدراسة وتحصيل الشهادات الجامعية العليا ومن ثم تبوئهم لمناصب مؤثرة أو محاولة دفع أبناء امتنا للإنتماء إلى الأحزاب السياسية العامة في بلدان المهجر أو عقد تحالفات دعم ومساندة لهم في الحملات الانتخابية، خاصة في المناطق التي يتركزون فيها بكثافة، كولاية ألينوي ومشيغان وكاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية و منطقة سميثفيلد في أستراليا ومنطقة إيلينك في لندن وسودورتاليا في السويد وغيرهم، أو ترشيح عناصر كفوءة من أبناء أمتنا إلى عضوية مجالس البلديات أو الحكومات المحلية أو المركزية وغيرها من المؤسسات السياسية والحكومية والشعبية حتى تتمكن من موقعها ممارسة الضغط لتحقيق بعض الأهداف المفيدة لأبناء أمتنا. وهناك مثال نموذجي في هذا السياق، وهو من السويد، إذ تمكن أبناء أمتنا من خلال تواجدهم المركز في ستوكهولم من ترشيح المحامي يلماز كريمو، وهو من أنصار، أو كما أعتقد عضو في المنظمة الآثورية الديمقراطية، ممثلاً عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي ومن ثم فوزه في الانتخابات العامة لسنة 1998 بمقعد في البرلمان السويدي ومن موقعه هذا حاول ويحاول على الدوام تحقيق مطالب أبناء أمتنا ودعم قضاياهم العادلة سواء في السويد أو خارجها. والبرلمانية آنًا إيشو في الكونغرس الأمريكي نموذج آخر في هذا السياق. هذه نماذج مثالية في كيفية تكامل "الكلدان السريان الآشوريين" في مجتمعات المهجر ويجب أن يحتدى بها في بلدان أخرى وأن تعمل الأحزاب السياسية والمنظمات القومية"الكلدانية السريانية الآشوري" بهذا الإتجاه خدمة لأبناء الأمة أينما كانوا سواء في الوطن أم المهجر.

64
إقتراح ودعوة – رقم 2
=====================

                                                                                                                                          أبرم شبيرا
توطئة:
ــــــ

نشر رابي نينوس بتيو أحد مؤسسي الحركة الديموقراطية الآشورية وسكرتيرها الأقدم في موقع عنكاوة إقتراح ودعوة إلى الأعضاء القياديين السابقين والتاركين والمفصولين والمستقلين لتأسيس حزب جديد منافس لزوعا وشمل هذا الإقتراح والدعوة أيضا من يهمه الأمر والمهتمين بمسيرة العمل القومي الوطني لشعبنا الكلدو الآشوري والحريصين على تقدم هذه المسيرة وتطورها فوجدت نفسي بشكل أو بآخر بأنني معني بهذا الإقتراح والدعوة فبادرت من جانبي بيان بعض من إهتماماتي بمسيرة العمل القومي لأمتنا ولزوعا أيضا على الرغم من إيماني بأنه كان من المستحسن لرابي نينوس أن يفاتح هؤلاء بشكل مباشربهذا المقترح وهم المقربين إليه أحسن مما ينشره على عامة الناس ويجنبنا نحن من "دس أنوفنا" في مسائل الآخرين.

المعضلة – Dilemma :
ـــــــــــــــ

أصعب حالة يمر المرء بها هو عندما يقع في منتصف تيارين متعاكسين أو متضاربين فيصبح في دوامة يصعب عليه جداً أن لم يكن مستحيلاً أن ينحاز إلى هذا الطرف أو ذاك، وهي الحالة التي  يطلق عليها بالمعضلة وباللغة الإنكليزية ( Dilemma ) فيكون المرء والحالة هذه في ورطة فما أن يحاول أن يعالج الوضع حتى يقع في تناقضات تكون نتائجها سلبية سواء على هذا الطرف أو ذاك. وهي الحالة التي لمسناها من إقتراح ودعوة رابي نينوس بتيو إلى تأسيس تنظيم منافس للحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) من قبل الأعضاء القياديين والمؤسسين القدامى لزوعا الذين ظلوا مرتبطين فكرياً ولكن منقطعين أو مستقلين تنظيمياً عن زوعا. وهي الحالة التي أشعر بها وأجد نفسي شخصياً وفكرياً في معظلة صعبة لا حلول لها في المنظور الحالي لأن كلا الجانبين، القادة القدامى والمستقلين والتاركين لزوعا بأعتبارهم أقرب الأصدقاء لي شخصياً وفكرياً من جهة وإرتباطي الفكري بزوعا وإيماني المطلق بمسيرتها النضالية وببعض قادتها الحاليين من جهة أخرى. فالتوازن الذي يقوم عليه بناء مسيرة حركتنا القومية أمر خطير والحفاظ عليه في غاية الأهمية وأية إخلال به لصالح أحد الطرفين فالنتيجة لا محال هي إضرار كبيرة للمسيرة كلل وليس لطرف واحد.

 فرابي نينوس من جهة، باعتباره من مؤسسي زوعا ومن أوائل قادتها خاض نضالاً شاقاً عبر مراحل مسيرة زوعا الشاقة، يعتز أيما إعتزاز بزوعا كحركة قومية مشروعة مؤهلة فكرياً وتنظيماً في تقدم مسيرة شعبنا نحو حقوقه المشروعة"، ومن جهة ثانية فهو يعول على تواصل قادة زوعا السابقين والتاركين والمستقلين ويستند في تعويله هذا على معرفته الدقيقة والتفصيلة بهم من جراء العمل معهم لسنوات طويلة في مراحل النضال السري والصعب ومن خلال هذه التجربة يستطيع رابي نينوس أن يقيم قدراتهم وإمكانياتهم الفكرية والمبدئية ومدى إستعدادهم للتضحية والفداء. أي بهذه المعنى وبهذه الدعوة لتأسيس تنظيم آخر منافس لزوعا  ويعمل معها ضمن الأطر المشروعة والمقبولة كتنظيم تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية، لا يعني إلا أن هؤلاء "المحاربين القدماء" لهم إمكانيات فكرية وتنظيمية للقيام بمثل هذه المهمة. هذه هي المعضلة التي وقع فيها رابي نينوس، فهو من جهة يقيم زوعا تقيماً ثميناً في كونها مؤهلة في قيادة مسيرة أمتنا ومن جهة أخرى يدعو التاركين والمستقلين من القادة السابقين لزوعا إلى تأسيس تنظيم آخر منافس لا يستبعد أن يكون قوياً بسبب الخبرات والتجارب السابقة لهم في هذا المجال. من هنا يأتي التساؤل وهو أين وجه المعضلة التي وقع فيها رابي نينوس؟؟ وأين الضرر من هذا المقترح والدعوة؟؟؟ أفهل فعلاً نحن هذه الأمة الصغيرة والبسيطة بحاجة لمزيد من الأحزاب السياسية والساحة مكتظة بهم؟ أم هذا المقترح هو فعلاً إنشقاق في زوعا؟

هذا الموضوع سبق وأن تم مناقشته وطرحه سواء بشكل مباشر إلى قيادة زوعا على شكل مقترحات مفيدة لزوعا وقادتها ولكن يظهر بأنه لم يلقي أذان صاغية كما أنه طرح بشكل غير مباشر وعن طريق نشر بعض المواضيع المتعقلة بالقيادة الجماعية لزوعا في المواقع الألكترونية العامة.

زوعا والخلافات الداخلية:
ــــــــــــــــ

لقد سبق وذكرنا في أحدى مقترحاتنا لقيادة زوعا بعض المفاهيم النظرية في مسألة الخلافات والإنشقاقات الحزبية ومدى تطابقها على زوعا ونستل منها بعض المفيد منه في هذا الموضوع:
 نحن أمة صغيرة تحمل أرثاً تاريخياً ثقيلاً جداً و تتعايش مع واقع صعب للغاية،  ولكن من جهة أخرى نحن أمة بسيطة في تفكيرها وتطلعاتها الطموحة وبالتالي فأن الإختلافات والتناقضات الفكرية والقومية تكون بسيطة بين أبناء الأمة وتنحصر هذه التناقضات في مصدرها ألأساسي وهي الكنيسة والطائفة وأحياناً العشيرة أو القرية، وهو الموضوع الذي لا يعنينا كثيرا هنا رغم أهميته وخطورته على الفكر القومي. أي بعبارة أخرى نقول بأن جميع الأحزاب والتنظيمات التابعة لأمتنا تجمعهم تقريباً نفس الأفكار ولا توجد بينهم خلافات أو تناقضات سياسية وأيديولوجية، وما بينهم إلا بعض الخلافات قد تكون فردية أو تنظيمية أو فرضتها بعض الظروف أثناء الممارسة السياسية. والحالة هذه تنطبق أيضا على الجانب الداخلي لتنظيمات أمتنا. فكل الإنشقاقات التي حدثت في هذه التنظيمات لم تكن لإسباب فكرية وأيديولوجية بل في أغلبها كانت شخصية أو مبنية على مواقف سياسية معينة مرتبطة بمرحلة زمنية معينة. وزوعا مثال على ذلك إذ لا يوجد بين أعضاء القيادة أو بين القاعدة  خلافات أو تناقضات فكرية أو سياسية او أيدولوجية. فقد أثبتت الأيام بأن زوعا عبر مسيرتها الشاقة والطويلة وبحنكة وتفكير عميق استطاعت أن تتجاوز صعوبات إتخاذ قرارات مهمة وخطيرة مثل تبني التسمية المركبة لأمتنا كمخرج للمطالبة بحقوقنا القومية وأعتماد السريانية التسمية الرسمية للغتنا ودخولها في مفاوضات مع مختلف القوى الوطنية العراقية وتوصلها إلى إتفاقات رغم الإختلافات الفكرية معهم، ولعل الأهم من كل هذا هو المبادرة التي أطلقتها زوعا ونفذتها وشاركت في تشكيل تجمع للتنظيمات السياسية الكلدانية والسريانية والآشورية. لهذا السبب لم نرى في زوعا إنشقاقات فكرية وسياسية وخروج أو طرد بعض من أعضاء قيادتها ومن ثم تشكيلهم لحزب أو تنظيم آخر منافس أو معادي لزوعا وإن كان أحد أو بعض من هؤلاء قد لجئوا إلى أعلان تشكيل مثل هذا التنظيم، كما كان الحال مع ما كان يسمى بـ "الحركة الديمقراطية الآشورية – التيار الوطني" فأنه سرعان ما تلاشى ولم يظهر على الساحة القومية لأنه لم يكن لتنظيمهم أي أساس فكري بل كل ما كان هناك هو إختلافات شخصية مع قيادة زوعا ولم تكن فكرية إطلاقاً. والحال هذه تنطبق تقريباً على معظم الأحزاب السياسية في العالم فالذين خرجوا من حزبهم وأسسوا حزب آخر لم يستطيع مجاراة الحزب الأول وبالتالي لم يكتب له النجاح على المدى البعيد وسرعان ما أختفى من الساحة السياسية. وفي تاريخ مسيرة أحزابنا السياسية نماذج معروفة في هذا السياق.
فعلى هذا الأساس نؤكد القول بأن كل الإنتقادات والخلافات التي ظهرت في السنوات القليلة الماضية بين قيادي زوعا لم تكن فكرية سياسية بل وبالدرجة الأولى كانت تنظيمية وعلى مستوى القيادة أن لم تكن شخصية صرفة. وقد يكون البعض من هذه الإختلافات نابعة من مواقف تجاه سياسة معينة أو قرار سياسي يستوجب إتخاذه من قبل القيادة ولكن لم تشكل في حينها أية خطورة أو وضع يؤدي إلى إنشقاق في زوعا والخروج منها وتأسيس حزب آخر.
 ومن الطبيعي جداً أن يكون مثل هذه الإنتقادات موجهة بالأساس على الأشياء أو الظواهر البارزة، أي بعبارة أخرى تكون موجهة إلى قمة قيادة زوعا أو سكرتيرها العام ومن يحوم حوله. وهذه الحالة نلمسها بشكل مباشرة وواضح من خلال لقاءنا وأحاديثنا مع القادة السابقين والتاركين والمستقلين والمفصولين. فلو أفترضنا إقتراضاً منطقياً حول تنحى السكرتير العام رابي يونادم كنا وربما البعض القليل الذين يحومون حوله من مواقعهم القيادية فأنا متأكد تأكيداً مطلقا وأيضاً الكثير من المهتمين بهذه المسألة القومية بأن مثل هذه الخلافات بين هؤلاء وقيادة زوعا ستزول وفكرة تأسيس حزب جديد ستبقى بدون معنى وستختفي نهائياً.   
ولكن الضرورة تفرض نفسها للقول بأن هذه الإنتقادات والإختلافات الفردية أو "المواقفية" إن صح التعبير سوف تشكل خطورة إذا أستمرت وتواصلت وتداخلت مع إختلافات أخرى إذا لم تحل بالطرق الموضوعية والممارسات الديمقراطية فقد تتطور وتصل إلى حدود الإنشقاقات وبالتالي إلى ظهور ظاهرة الشللية والتكتل الداخلي الضيق أو إنفراد فرد أو أكثر بالسلطة في القيادة والذي سيكون حتماً عاملاً خطيرا في تعثر مسيرة زوعا والوصول إلى نتائج لا تحمد عواقبها ومن ثم ظهور حزب آخر منافس لا يختلف عنه إلا بالأسم والشعارات أما الأفكار والسياسات ستبقى كما هي وبالتالي فالخاسر الأول والأخير هو الأمة نفسها وذلك من جراء إزدياد التنافس الحزبي حدته في الساحة السياسية القومية والتي هي بالأساس مساحتها ضيفة تعج باللاعبين السياسين وهم أكثر بكثير عن حاجة الأمة لهم... أفهل حقاً نحن بحاجة إلى حزب آخر حتى نضيق ساحة الأمة ويزيد من سعير التنافس والتطاحن الحزبي ونحن جميعاً نحس ونلمس مواقف "اللامبالية" لأبناء أمتنا تجاه أحزابنا السياسية وتناقص أهتماهم بالمسائل القومية السياسية في زحمة "نضالهم" من أجل لقة العيش وضمان حياتهم من فعل الإرهاب الذي يحيط بهم في كل مكان في أرض الوطن؟؟
أن جوهر ومضمون مقترح ودعوة رابي نينوس في تأسيس حزب آخر مقابل زوعا قائم أساساً على وجود خلاف في مسألة تتنظيم زوعا وقيادتها وليس في فكر ومسيرة زوعا وهو الأمر الذي بيناه في أعلاه وبشكل مختصر وإن مثل هذا  التنظيم سوف لا يكتب له النجاح في الأمد القادم ليس لكونه سيحمل نفس أفكار وسياسات زوعا ولا يأتي بالجديد فحسب بل أن الوضع الحالي لأبناء أمتنا غير مستعدة لقبول حزب جديد على الساحة السياسية. حتى لو أفترضنا أن مثل هذا الحزب المنافس قد تأسس فأنه سيزيد من المشاحنات مع زوعا ولا يبتعد عنها وسيكون الحال بعكس ما يعتقده رابي نينوس في أن مثل هذه المشاحنات ستبتعد وأنه سيكون لصالح العمل القومي وفي أطار التنافس الإيجابي بين زوعا وهذا الحزب. أن مثل هذا الأمر لم يحدث لا في الماضي ولا في الحاضر في مجتمعنا ولا في مجتمعات العالم، فجميع الأحزاب التي تأسست من قبل بعض قادة الأحزاب السابقة دخلوا في صراعات ومتاهات لا نهاية لها إلا بأختفاء الحزب المتولد من الحزب الأول. أنا شخصياً وغيري يعرفون بأن جميع القادة السابقين والمفصولين والتراكين يعتزون أعتزازاً صميماً فكرياً وضميرياً بأفكار زوعا ومسيرتها النضالية التي تشرفهم جمعاً وهو الأمر الذي سيكون موضوع تنازع وتطاحن بينهم وبين قيادة زوعا الحالية على ميراث وتاريخ زوعا، والحالة هذه لا يعني إلا الدخول في متاهات تكون الأمة الخاسر الوحيد في هذا السياق وبالتالي يزداد المنتفعين والمتعطشين للمناصب الحكومية ويبدأ أعداء الأمة في إطلاق الهلاهل والتصفيق لمثل هذا "الإنجاز" الكبير الذي سيقدم لهم على طبق من الذهب.

إذن فما الحل للخلاص من هذا المأزق أو المعضلة:
ــــــــــــــــــــــــــــ

بإختصار وبدون مقدمات نظرية أو تأويلات ملتوية  أقترح وأدعو إلى مايلي:
أن تقوم القيادة الحالية لزوعا بدعوة جميع القادة السابقين التاركين والمفصولين والمنقطعين من المستوى الأعلى (اللجنة المركزية) وحتى مستوى قادة الفروع والتنظيمات في الداخل والخارج لعقد مؤتمر عام أو كونفراس للتداول في هذه المسألة ويستوجب أيضا دعوة بعض الشخصيات من خارج تنظيم زوعا والمعروفة بمواقفها النبيلة وإهتمامها بمسيرة زوعا ونضالها ليكونوا مراقبين أو مشرفين على جدول أعمال الكونفراس. ومن الضروري جداً أن لا تتحجج قيادة زوعا ببعض الحجج والموانع التي تحول دون دعوة هؤلاء للمؤتمر كما كان الحال عندما لم تدعوهم لعقد الكونفراس الذي كان عقده مزمعاً في هذا الشهر (شباط) وأجل لأسباب قد تكون متعلقة بهذه الحالة. وعلى جميع القادة السابقين التاركين والمفصولين والمنقطعين أن يستجيبوا لهذه الدعوة من دون أي حجج أو موانع لحضورهم.  ففي هذا الإجتماع يجب أن يتقرر مخرجاً للمعضلة التي أوقعتنا فيها القيادة الحالية لزوعا والقادة السابقيين التاركين والمفصولين ومن ثم الوصول إلى بعض الحلول المقنعة وإلا حينذاك سيكون الحكم الفاصل عند أبناء الأمة بعد أن ينكشف العاجز عن المتكن ويعزل المغرور الأناني عن ناكر الذات والفاني من أجل هذه الأمة التي يكفيها ما تعانيه من تعثراً وتمزقاً... فالحلول لأزمة أمتنا السياسية مطلوبة  وبشكل ملح ومن قبل الجميع وفي مقدمهم المنضالين في زوعا... زوعا الشهداء ... زوعا نيسان الربيع ... وزوعا الكفاح من أجل نيل حقوقنا القومية، فإحتراماً لدماء الشهداء يوسف توما ويوخنا إيشو ويوبرت بنامين وفرنسيس شابو وغيرهم كثر ... توحدوا يا من وضعوا اللبنة الأولى لزوعا وأسسوها وسيروا دواليبها على أصعب الطرق وأشقها في مسيرة النضال القومي، وإلا فالتاريخ لا يرحم من يعثر هذه المسيرة أو يشوها أو يحاول تمزيقها ومن ثم قتلها.     

 

   


65
بطريرك جديد... وأماني تتحق...

أبرم شبيرا

أسعد أيام حياة الإنسان هي عندما يتمنى شيئاً ويتحقق هذا الشيء...  فبإنتخاب نيافة المطران لويس ساكو راعي أبرشية كركوك والسليمانية بطريركاً على كنيستنا المشرقية، الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية تحققت أمنتي وغمر عقلي وقلبي وروحي بلحظات من السعادة شاكراً ربنا يسوع المسيح على هذه النعمة التي أنعمها عليً وعلى جميع أبناء أمتنا من مختلف الطوائف والكنائس. ففي بداية شهر نيسان من عام 2009 فبعد صلاة "الرمشا" في المطرانية الكلدانية في كركوك كانت الفرصة ذهبية أن أجلس مع نيافته في دار المطرانية وبحضور مفكر ومؤرخ كنيستنا المشرقية الأب ألبير أبونا.

 



أبرم شبيرا بين أثنين من فطاحلة كنيستنا المشرقية الكلدانية الكاثوليكية، المطران الجليل (بطريرك حاليا) مار لويس روفائيل الأول ساكو والأب الفاضل ألبير أبونا أكبر مفكر ومؤرخ للكنيسة
===================================================
مرة ساعات اللقاء بسرعة شديدة مقارنة بخضم وإزدحام المواضيع التي نوقشت في اللقاء وأنا بين قطبين كبيرين في كنيستنا المشرقية يصعب جداً أن لم يكن يقارب المستحيل مجاراتهم في معلوماتهم وأسلوب محاورتهم وعمق تفكيرهم وأنا تلميذ مبتدأ بينهم ولكن للحق أقول لم أشعر إطلاقاً بأي شعور بالنقص لأن الترحاب الحار الذي قوبلت به وسمو روحهما وتفههما للأخر وإفساح المجال للتعبير عن رأيه صفات تحلى بها كلاهما فجلعتني أن أنسرح في حديثي معهم وأن أستفاد منهم أيما إستفادة. كنت بين قطبين مختلفين، إن لم يكن في إيمانهم وحبهم لكنيستهم وإنما في أسلوبهم في طرح المواضيع ومناقشتها. فمن المعروف عن الأب ألبير أبونا نسقه الثوري في طرح مشاكل الكنيسة وأسلوب مناقشتها وبدون أي تردد أو مجاملة في إنتقاذ رجال الكنيسة أي ما كان مكانته وبشكل علني ومباشر وهذا ما تجلي في أحدى كتيباته الذي أنتقد فيه أوضاع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وضعف إدارة البطريرك مار عمانوئيل دلي لها. وعلى النقيض منه تماماً كان أسلوب المطران (البطريرك) مغايراً له تماماً والذي أتصف بهدوء الأفكار وبمنطقية طرح المواضيع ومناقشتها مناقشة علمية وأكاديمية هادئة تجعل المستمع إليها أن يستوعب بالتمام والكمال كل ما يطرحه من أفكار ومشاريع وتمنيات. كان المطران (البطريرك) بحق وحقيقة شعلة مضيئة في ظلمة مدينة كركوك التي فعلت جرائم الإرهاب فعلتها فيها وأطفئت نورها الذي كان يسطع على جميع أبناءها من مختلف القوميات والأديان وكان زيتون السلام والمحبة لجميع أهالي مدينة كركوك فلم يكن هناك فرداً من بينهم إلا وأحبه وأحترمه، كيف ولا، وهو المختص وحامل الشهادات العليا خاصة في الفقه الإسلامي ويعيش في أجواء ملئها التناقضات والصراعات. ولا أخفي سراً أن أقول بأنني وجدت في نيافته (قداسته) قدرته الفكرية الهائلة في تجاوز حدود النزعة القروية والعشائرية والشللية التي تنخر بجميع كنائسنا ومؤسساتنا القومية والثقافية. وعندما غادرت دار المطرانية، تساءلت نفسي وقلت، ألا يستحق هذا المطران الجليل أن يكون بطريركاً على الكنيسة ويأخذ بيدها إلى بر الأمان؟؟؟ لقد تمنيت في تلك الفترة أن يأتي اليوم الذي سينتخب فيه بطريركاً على الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، فنشكر أولاً ربنا يسوع المسيح على تحقيقه هذه الأمنية لنا جميعاً، وأنا متيقن كل اليقين بأنه كان مجمع الكنائس الشرقية في الفاتيكان وقداسة البابا بندكتس السادس عشر ملماً ومدركاً لإمكانية المطران الجليل في إمكانية شغل الكرسي البطريركية للكنيسة في المرحلة الصعبة القادمة، وهنا لا يسعنا مرة أخرى إلا أن نرفع قبعاتنا للكردينال البطريرك المستقيل مار عمانوئيل دلي تقديراً وإكراماً له لإتاحته الفرصة لمن يقدر على حمل شعلة الكنيسة في هذه الأيام المظلمة لينير دروبنا جميعاً ونشكر أيضا جميع مطارتنا الأجلاء الذي قالوا نعم... ثم نعم.. لإختيار المطران الجليل لويس ساكو بطريركاً على الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية حاملاً أسم الملاك روفائيل ليكون حامياً له في مسيرته البطريركية...

وللأمانة أقول بأنه خلال فترة إنعقاد المجمع السينودي للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية لإنتخاب بطريرك جديد للكنيسة، ألتزمت بالصمت إلتزاماً كاملاً تجاه جميع الإنتقادات التهجمية والشخصية التي قيلت بحقي ومن دون وجه حق او علم أو إطلاع وبعمق على الموضوع الذي سبق وأن كتبته بخصوص الكنيسة الكلدانية والبطريرك والفاتيكان ليس إلا إحتراماً وتبجيلاً لإنعقاد هذا المجمع وحتى إنني لم أرد على تساؤلات بعض الأصدقاء عن هذه التهجمات اللا منطقية ... ولكن عندما سألوني عن توقعاتي عن البطريرك الجديد فقلت وبدون تردد المطران لويس ساكو.  ولم يبقى أخيراً إلا أن أقول بأنه إلمامنا بقدرات البطريرك الجديد المختلفة والمتنوعة من لاهوتيه وثقافية وإجتماعية وإيمانناً بإمكانيته وأسلوبه "الملائكي" في بذر روح المحبة والتأخي بين أبناء أمتنا من جميع الطوائف وزرع البركة فيهم ليقوم هم بالحركة في تحقيق ما ينشدونه في حياتهم العلمانية تجعلنا جميعاً أن نتحلى بالصبر حتى نقطف ثمار جهوده وهو جالساً على كرسي البطريرك .. ونحن العلمانيين "الخطايا" لنا إيمان مطلق بكنيستنا المشرقية وبمختلف فروعها وبربنا يسوع المسيح بأن اليوم الذي تتوحد فيه فروع كنيسة المشرق آت لا محال سواء عاجلاً أم آجلاً وسنموت ونحن نحمل هذا الأمل معنا ومن المؤكد ستحمله الإجيال القادمة من بعدنا... فالكنيسة الواحدة يجب ثم يجب أن تتحقق في المسيح الواحد... أمين.             

66
الكنيسة الكلدانية والبطريرك والفاتيكان

                                                                                                                                        أبرم شبيرا
توطئة:
بمجرد أعلان قداسة مار عمانوئيل دلي الثاني إستقالته من كرسي بطريركية الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، أمتلئت مواقعنا الألكترونية بعشرات المقالات والبحوث من قبل خيرة مثقفينا وكتابنا الكلدان معبيرين عن عمق وسعة إهتمامهم بهذا الحدث والحدث الذي سيليه في إنعقاد المجمع السينودي للكنيسة في نهاية هذا الشهر (كانون الثاني 2013) في الفاتيكان لإنتخاب بطريرك جديد للكنيسة والتي ظهرت بأنها كتبت من دون دراية  تاريخية عميقة بطبيعة الكنيسة الكلدانية ككنيسة كاثوليكية، والأهم ككنيسة غير دولتيه – أي ليست كنيسة أو مذهب أو معتقد لدولة معينة رغم كاثولوكيتها كما هو الحال للكثير من الكنائس القومية الكاثوليكية لبعض دول العالم. وقبل الغوص أكثر عمقاً في هذا الموضوع الحساس فأنه من الضروري التأكيد بأننا نحن وغيرنا من القوميين الذين يؤمنون بوحدة أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية بأن لكنيستنا المشرقية وبجميع فروعها كان لها ولا يزال الفضل الأول والمطلق في ضمان وحماية مقوماتنا القومية والتراثية. فبغنى عن الجوانب الإيمانية والمعتقدات والطقوس الروحية لكل فرع من فروع كنيسة المشرق والتي نجل لها إجلالاً كبيرا فأنها كانت وعبر قرون طويلة المؤسسة الرئيسية لمجتمعنا والتي من خلالها كانت تعبر الهوية القومية لشعبنا ويشع منها مقومات وجودنا القومي والتاريخي من لغة وتاريخ وتقاليد. فلا أحد في هذا العالم يستطيع أن يبرهن بأن وضع أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية كان من الممكن أن يكون أحسن من الوضع الحالي بدون كنيسة المشرق. ففي القرون الماضية وحتى إلى وقت قريب لم تكن هويتنا القومية معروفة إلا من خلال هوية الكنيسة، خاصة في مرحلة غياب المؤسسة الرئيسية للمجمتع وأقصد الكيان القومي وتحديداً الدولة أو مؤسسات وأحزاب قومية قادرة على حمل صفات المؤسسة القومية الرئيسية ولها مقومات التعبير عن الهوية القومية من لغة وتاريخ وتقاليد وأماني مشتركة. هذا هو إيماننا كلعمانيين نحترم جلً إحترام جميع فروع كنيستنا المشرقية ورجالاتها الأجلاء ومن هذا المنطلق ومن حرسنا الشديد في أن تكون جميع فروع كنيستنا المشرقية بما فيها الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في أحسن أحوالها وأكثرها تقدماً يأتي كتابة هذا الموضوع.


الكنيسة الكلدانية والفاتيكان:
 بخصوص موضوعنا هذا عن الكنيسة المشرقية الكلدانية الكاثوليكية، فكما ذكرنا في أعلاه بأنها كغيرها من فروع كنيسة المشرق، فهي كنيسة لا دولتية فهذه الصفة اللادولتيه للكنيسة تجعلها فاقدة للدعم السياسي والإقتصادي وبالتالي تكون عرضة للتأثيرات السياسية والإقتصادية والإجتماعية المحيطة بها. ولما كانت الكنيسة الكلدانية في إتحاد مع الكنيسة الكاثوليكية في روما  فأن تأثير الفاتيكان على مثل هذه الكنيسة يكون على الدوام تاثيراً عميقاً ومؤثراً في طبيعتها ومسيرتها، إن لم يكن هذا التأثير في مسألة المعتقد والإيمان والتراث فأنه بالتأكيد هو تأثير في المسألة التنظيمية والإدارية للكنيسة  وضمان بقاءها في إتحاد مع الكنيسة الكاثوليكية وخضوعها لقوانينها، وهو الذي يهمنها هنا كعلمانيين، ومنها إنتخاب أو إختيار البطريرك وغيره من المطارنة والأساقفة و كذلك المسألة الحساسة والتاريخية للكنيسة وهي سلطة البطريرك على أتباعه خارج بلاد مابين النهرين (العراق حاليا). هذا الموضوع  ينبع أساسه التاريخي من مسألة ملبار- جنوب الهند ومن المجمع الفاتيكاني الأول (1869 – 1870) والذي بموجبه تقرر نزع سلطات البطريرك الكلداني على أتباعه في الهند بعد سلسلة مأساوية من الإضطهادات التي تعرض لها رجال الدين الكلدان من قبل الكنيسة اللاتينية وفرض معتقدها وأساليبها وبالقوة على أتباع الكنيسة الكلدانية من دون أي وازع إخلاقي أو ديني فكان التعذيب والقتل لرجال الكنيسة الكلدانية المبعوثين إلى الهند من أساليب كنيسة اللاتين في القضاء على الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في الهند وكان القتل حينذاك قد طال حتى مار يوسف شقيق مار يوحنان سولاقا، وبالتالي إنتهاء وجود الكنيسة الكلدانية من الهند. ضمن هذه الظروف العصيبة لم يكن أمام مثلث الرحمات مار يوسف أودو (1798 – 1878)، الذي عرف بمواقفه الشجاعة في الدفاع عن كنيسته الكلدانيه وإستقلاليتها والحق الشرعي للبطريرك في إشرافه وإدارته لجميع أبرشيات الكنيسة الكلدانية خارج بلاد مابين النهرين، إلا الخضوع لقرارات المجمع بعد التوبيخ والزجر الذي تلقاه من البابا بيوس التاسع الذي جرده من سلطته على أتباع كنيسته في الهند، وهي المسألة التي ترتبت عليها نتائج ممثالة في السنوات التي خلت المجمع الفاتيكاني الأول وأنسحب جوانب منه إلى يومنا هذا بحيث وأن بقيت الأبرشيات الكلدانية خارج بلاد ما بين النهرين تابعة للطقس الكلداني إلا أن الأمور الإدارية والتنظيمة بقيت تحت تأثير مجمع الكنائس الشرقية في الفاتيكان خاصة في مسألة إنتخاب البطريرك والموافقة على إختيار المطارنة لإبرشيات الكلدان في الخارج. وهنا أتذكر عندما شغر كرسي المطرانية للكنيسة الكلدانية في لبنان عقب إنتخاب مثلث الرحمات مار روفائيل الأول بيداويد بطريركاً على الكنيسة وأنتقل إلى بغداد عام 1989، بقى كرسي مطرانية لبنان فارغا لسنوات إلى حين تم رسامة الأب الفاضل جبرائيل كساب راعي كنيسة القلب الأقدس في منطقة تل محمد في بغداد مطراناً وإختياره لكرسي مطرانية الكلدان في بيروت غير أن الفاتيكان رفض هذا الإختيار، ويقال بأنه كان بسبب الشكوى التي قدمها أبناء رعية الكنيسة الكلدانية في لبنان ضد هذا الإختيار ربما لكونه غير لبنانيا. ثم عين مطراناً للبصرة ومنها لإستراليا. أما كرسي مطرانية لبناب فبقى شاغراً فترة طويلة إلى أن عين المطران ميشال قصارجي عام 2001 مطراناً للبنان وهو لبناني المولد والمنشأ. 

 ومن الجدير بالذكر بأن البقية الباقية من أتباع الكنيسة الكلدانية في الهند الذين بقوا معتزين ومتمسكين بطقوس كنيستهم المشرقية الكلدانية ولم يقبلوا بفرض الكنيسة اللاتينية وطقوسها عليهم فما كان منهم إلا أن ينتموا إلى بقية الفروع الشقيقة لكنيسة المشرق. واليوم في الهند رغم كون الكنيسة التي يرعاها نيافة المطروبوليت مار أبرم موكن وتابعة لكنيسة المشرق الآشورية وبطريركها قداسة مار دنخا الرابع لكن الكنيسة هناك لها تسمية "الكنيسة الكلدانية السريانية" والتي مؤمنيها أيضاً من البقية الباقية من الكنيسة الكلدانية وأيضا الكنيسة الجاثيليقية القديمة التي كانت تعتمد التقوم اليوليالي. ومن المعروف عن نيافة المطروبوليت مار أبرم روحه المرحة وأسلوبه الفكاهي، فقبل أكثر من سنة سألته شخصياُ: "ياسيدنا المطران كيف تمكنت من توحيد جميع مؤمني فروع كنيسة المشرق في كنيسة واحده"؟؟ فقال "لأنه ليس لدينا تيارايه ولا جلوايه ولا نوجيايه ولا ألقوشنايه ولا تلكبنايه ولا عنكاوايه... فكلنا هندوايه".!!

إنتخاب بطريرك الكلدان:
 أستقر المقام بالكنيسة الكلدانية في منتصف القرن التاسع عشر وتحدد المعالم الرئيسية للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية واستقرت أمورها القانونية والرسمية وتحديداً في شهر كانون أول من عام 1847 عندما ثبت الفاتيكان مار يوسف أودو بطريركاً على الكنيسة وأطلق عليه ولأول مرة أسم بطريرك الكلدان في بابل، بعد أن كان يطلق عليه بطريرك النساطرة في آشور أو في الموصل، وبفعل التأثير الفرنسي اعترفت السلطات العثمانية بها وشملتها بنظامها المعروف بـ "نظام ميليت" الذي كان ينظم العلاقة بين المسلمين الحاكمين والمسيحيين الخاضعين. فقبل هذا التاريخ لعب الفاتيكان وفرنسا دوراً رئيسياً وفاعلاً في شؤون كنيسة المشرق وفي إختبار بطريرك الكنيسة ولجأت إلى أساليب غير مقبولة، خاصة من قبل الهيئة الفاتيكانية المعروفة بـ "البروبوكندا" فكانت تنصب البطاركة الأكثر خضوعاً لها وتبعد الذين يصرون على إستقلالية الكنيسة بحيث وصل الأمر في وقت ما إلى "تريوجي" المبعوث البابوي أن يطمع في كرسي البطريركية الكلدانية في بلاد ما بين النهرين. غير أنه من الملاحظ بأنه بعد إستقرار أمور الكنيسة الكلدانية، خاصة بعد أن وضعت الحرب الكونية الأولى أوزارها وتأسست دولة العراق أنتظمت مسألة إنتخاب البطريرك وبشكل سلسل ومن دون تأثير مؤثر وقوي من الفاتيكان والقوى السياسية الفاعلة والتي كانت تتمثل في السابق في فرنسا. وبالرغم من عدم توفر المعلومات بشكل كافي عن الظروف التي تم إنتخاب البطاركة في دولة العراق خاصة في الترشيح والمنافسة والتصويت إلا إن ماهو معلوم لدينا بأن مار يوسف غنيمة (1947- 1958) تولى كرسي البطريركية من بعد البطريرك مار يوسف عمانوئيل الثاني توما (1900 – 1947) ومن ثم جاء البطريرك مار بولس الثاني شيخو (1958 – 1989) المعروف بشجاعته وتصديه للسياسات الإستبدادية لحزب البعث العراقي تجاه المسيحيين بشكل عام وتجاه كنيسته بشكل خاص، ويقال بأن قداسته رفع العصا (العكازة) في وجه طارق عزيز مهدداً أياه بضرورة وقف تدريس القرآن للطلاب المسيحيين في المدراس. وكان لي الشرف الكبير والإمتياز العظيم في أن يتكلل زواجي على يده المباركه في بغداد عام 1981. وبعد إنتقاله إلى جوار ربه تسنم كرسي البطريركية الكلدانية قداسة مار روفائيل بيداويد الأول (1989 2003) وفي عهده تكرر لي الشرف الكبير والإمتياز العظيم عندما تناولت القربان المقدس على يده المباركة في أول قداس أقامه في دير الراهبات في الزعفرانية في بغداد بعد تسنمه كرسي البطريركية.
 
فكل هذه السلسلة البطريركية تمت بسلالة وتقريباً بإتفاق الجميع ومباركة الفاتيكان. غير أنه من الضروري الإشارة ولو ببضعة سطور عن مرحلة وظروف تولي قداسة مار روفائيل كرسي البطريركية، فهو الأول من بين السلسلة البطريركية المذكورة أعلاه يأتي من أبرشية خارج العراق حيث كان مطراناً لأبرشية لبنان. كما أنه جاء قداسته في ظروف تعتبر أقسى ظروف مر بها العراق خاصة بعد حرب دام ثمانية سنوات (1980 – 1988) وإجتياح الكويت عام 1990 من قبل النظام البعثي في العراق وقسوة المقاطعة الإقتصادية وتأثيرها العميق على جميع العراقيين. فمثل هذه الظروف الموضوعية لا يمكن إطلاقاً تجاهلها في إنتخاب قداسته بطريركاً على الكنيسة الكلدانية ولا يمكن أن تكون مجهولة للفاتيكان. فكون قداسته من خارج أبرشيات العراق فهذا سيجعله أكثر حصانة من التأثيرات السياسية للنظام العراقي إضافة إلى ذلك فأنه جاء من خارج نطاق الخلافات القريوية التي كانت تظهر بين حين وآخر في مسألة إختيار أو إنتخاب كهنة الكنيسة. والأهم من هذا وذاك هو أن في عهده فتح باب الحوار بين كنيسة المشرق الأشورية والفاتيكان. فبعد صدور البيان المسيحاني الذي وقع في الفاتيكان عام 1994 بين قداسة البابا يوحنا بولس الثاني وقداسة مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية والذي بموجبه أعتبر كنيسة المشرق الآشورية كنيسة رسولية وأزيل سوء الفهم عنها بإعتبارها هرطقية، بدأت سلسلة من المباحثات واللقاءات بين البطريركين الكلداني والآشوري وشكلت لجان مختلفة لتوحيد الطقس والأسرار الكنسية وأقيمت قداديس مشتركة كلها بهدف تحقيق الوحدة بين الكنيستين. ففي هذه الفترة وصل الوعي القومي عند أبناء أمتنا إلى أوج قمته بحيث بالغ البعض خاصة القومانيون الآشوريون منهم في تمجيد وتعظيم قداسة مار روفائيل عندما فهموا أو فسروا بعض الكلمات والخطب التي ألقاها قداسته في الإجتماعات المشتركة بشكل تتماشى مع تطلعاتهم الرومانسية والوردية، ولكن من المؤسف له أن يتبين بأن وعي ومواقف هؤلاء القومانيون تجاه قداسته كانت جوفاء أن لم تكن نفاق ورياء، فعندما كان قداسته مريضاً وطريح فراش الموت في مستشفى في بيروت لم يزوره أي واحد من هؤلاء لا بل عندما أنتقل إلى جوار ربه في تموز عام 2003 لم يحضر أيضا ولا واحد من هؤلاء مراسيم جنازته التي أقيمت في كنيسة مار روفائيل الكلدانية في الحازمية في بيروت فمن بين المئات الذين حضروا المراسيم من بطاركة ومطارنة الكنائس الأخرى وجمع كبير جداً من العلمانيين كان لي الشرف أن أسافر من لندن وأن أحضر مراسيم جنازتة كبادرة تقدير وتبجيل صغيرة جداً لهذه الشخصية الكبيرة جداً في كنيستنا وأمتنا، ولا يسعني هنا إلا أن أشيد أيضاً بحضور كل من آشور كوركيس من لبنان (كاتب آشوري) وشكري مراد من لبنان (رئيس الجمعية الثقافية الآشورية في بيروت) وعمانوئيل خوشابا (ممثل الحركة الديمقراطية الآشورية في سوريا ولبنان). ومن المضحك والمبكي في آن واحد أن يستمر البعض من هؤلاء القومانيون بالتبجح بالنجمة الآشورية التي تعتلي كنيسة مار روفائيل في الحازمية في بيروت التي بناها مثلث الرحمات مار روفائيل الأول بيداويد والتي كانت مثواه الآخير.

البطريرك مار عمانوئيل دلي الثالث:
الحق يقال ومن دون أي مجاملة أو تحيز بأن المرحلة التي تسنم فيها قداسة مار عمانوئيل كرسي البطريركية تعتبر من أصعب المراحل وأقسى الظروف التي كانت تمر بها الكنيسة الكلدانية منذ نهاية الحرب الكونية الأولى والتي لاتزال قائمة تنحر بأبناء أمتنا بكل طوائفها وتقتل فيهم تقتيلاً خاصة رجال الكنيسة وحتى قداسته لم ينجوا منها حيث أصيب بجروح من جراء تطاير زجاج بفعل عمل إرهابي، وهي مرحلة مؤلمة معايشة لايستوجبها التفصيل. "من يشتهي كرسي البطريرك؟؟" هكذا قال أحد عظماء كنيستنا المشرقية في القرون الماضية عندما كانت النية متجه نحوه لتولي كرسي البطريركية في الوقت الذي كان المغول يفتك بأبناء الكنيسة فتكاً وحشياً.. وفعلاً من يشتهي كرسي البطريركية الكلدانية في ظروف العراق بعد أن عاد المغول مرة أخرى إبتداءاً من عام 2003 ويتولى مسؤولية الكنيسة في السنوات المظلمة إن لم يكن ملء القلب بالإيمان الخالص في خدمة الكنيسة وكلمة الرب، هكذا قبل قداسة مار عمانوئيل دلي قرار الفاتيكان في تولي كرسي البطريركية عقب إنتقال مار روفائيل إلى جوار ربه.

هذه المرحلة التي عايشناها جميعاً تميزت عن سابقتها في مسألة إنتخابات بطريرك الكنيسة الكلدانية ليس بسبب الظروف مأساوية المحيطة بها فحسب  بل لأول مرة نشهد إنتخابات حرة وتنافس على تولي كرسي البطريركية. فعندما أنعقد المجمع السينودي الكلداني في بغداد للفترة من 19/آب لغاية 2/أيلول/2003 لغرض إنتخاب بطريرك للكنيسة ترشح كل من نيافة المطران مار سرهد يوسف جمو راعي أبرشية كاليفورنيا وغرب الولايات المتحدة الأمريكية ونيافة مار أنطوان أودو راعي أبرشية حلب في سوريا وخلال مرحلتين من التصويت لم ينل أي منهما الأصوات المطلوبة قانوناً ليصبح بطريركاً للكنيسة الكلدانية ففي هذه الحالة كان يستوجب أن يرفع الأمر إلى الفاتيكان وحسب قوانين الكنيسة بهذا الشأن. ففي المجمع السينودي في روما المنعقد بتاريخ 3/12/2003 تم إختيار قداسة مار عمانوئيل دلي بطريركاً للكنيسة الكلدانية وهو لم يكن من بين المرشحين للكرسي بل كان متقاعداً عن الخدمة وراكناً في الكنيسة المعروفة بـ "البترية" في منطقة السنك في بغداد والتي كانت مقراً للبطريرك الكلداني. ولكن هناك أخبار تبين بأن قداسة مار عمانوئيل كان ينوي الترشيح لكرسي البطريركية عام 1989 بعد إنتقال مار بولص شيخو إلى جوار ربه لكنه تنازل لصالح مار روفائيل فما كانت من  إرادة الرب إلا أن تعيد له هذه المسؤولية في عام 2003 بعد أن جاوز العمر به أكثر من خمسة وسبعون عاماً وتكللت رئاسته للكنيسة بلقب الكاردينال منحه البابا بينيكت السادس عشر في عام 2007 ليكون بذلك أول بطريرك للكلدان يمنح هذا اللقب والثاني من العراق بعد الكردينال جبرائيل تبوني بطريرك الكنيسة السريانية الكاثوليكية.

الملاحظات التي يستوجب ذكرها هنا هي:
أولا: أنها المرة الأولى التي يشهد جيلنا وجيل عهد دولة العراق تنافس على كرسي البطريرك ويظهر من حيثيات جلسات المجمع السينودي في بغداد لعام 2003 بأن التنافس كان حامياً بين المطرانين الجليلين مار سرهد ومار أنطوان لذلك أستوجب الأمر أن يجري التصويت في المرحلة الثانية بسبب عدم حصول أي منهما على الأصوات المطلوبة وحتى في هذه المرحلة لم يحسم الأمر ولم يتم التنازل أي واحد منهما لصالح الآخر فأستوجب الأمر اللجوء إلى الفاتيكان لحسم الموضوع.

ثانياً: إن كلا المطرانين الجليلين كانا من أبرشيات خارج العراق وعاشا في ظروف غير ظروف العراق المأساوية لا بل فالمطران أنطوان أودو كان من مواليد سوريا وتربى وعاش فيها فمن الطبيعي أن يكون غير ملماً بشؤون أبناء الكنيسة الكلدانية في العراق مثلما يكون غيره من أبرشيات العراق، خاصة وهو بعيد بعض الشئ عن الطقس الكلداني لكونه راهباً يسوعياً. ولا أدري فيما إذا كنت مخطئاً أو صائباً في القول بأن النزعة القريوية لعبت دورها في التنافس الحامي بين المطارنين الجليلين وأنتهت بدون نتيجة حاسمة حتى تدخل الفاتيكان.

ثالثاً: أن سبب إختيار أو موافقة الفاتيكان لقداسة مار عمانوئيل بطريرك للكنيسة الكلدانية في المجمع السينودي في روما في 3/12/ 2003  يبقى لغزاً غير معلناً لحد هذا اليوم. صحيح أن إيمانه القوي ورغبته العميقة في خدمة كنيسته الكاثوليكية كانت بلا حدود لهذا كان من الصعب إن لم يكن مستحيلاً رفضه لقرار الفاتيكان في إختياره بطريركاً للكنيسة غير أن عمره المديد وضعف بنيته الجسمانية والأرهاق من جراء خدمته الطويلة للكنيسة وركون قداسته إلى حالة التقاعد لبلوغه السن القانوني كانت يجب من جهة أخرى أن تكون سبباً في عدم تحميل قداسته مسؤولية أكثر مما يستطيع تحمله خاصة ضمن الظروف الإستثنائية المأساوية التي كانت تحيط بالكنيسة في العراق والتي كانت تتطلبها جهود إستثنانية قادرة على تحمل مخاطر الأوضاع السائدة في العراق. هذا الوضع غير الطبيعي في إختيار قداسته لكرسي البطريركية تبين عدم صوابه من خلال سنوات خدمته وحتى إعلان إستقالته من كرسي البطريركية في 19/12/2012 وموافقة البابا عليها. فخلال هذه السنوات العشرة كانت الكنيسة قد دخلت في مرحلة دب فيها عدم الإنتظام وضعف الإدارة والتوجه والسيطرة على الإبرشيات خاصة خارج العراق فكانت كل هذه الظروف مضافاً إلى الوضع المأساوي للعراق وتصاعد وتيرة هجرة أبناء الكنيسة إلى الخارج وضياع بعضهم في متاهات غير معروفة النتائج كانت ظروف ماحقة أكثر مما يستطيع قداسته تحملها وإدارتها بالشكل الذي يخدم الكنيسة ويعزز ثباتها كما كانت معروفة في عهد البطارك الذين سبقوه.
 
رابعاً: يعتبر قداسة مار عمانوئيل أكثر أن لم يكن الوحيد من بين بطاركة الكلدان في مرحلة دولة العراق الذي تعرض إلى إنتقادات سواء من قبل رجال الكنيسة أو العلمانيين وإن كان بعض هذه الإنتقادات في غير محلها ولا تقوم على أسس صحيحة إلا أن في معظمها كانت تعبر عن إهتمامها البالغ بأوضاع الكنيسة غير المرضية وخشيتها من تدهورها نحو الأسوء والبطريرك عاجز عن تصحيح أوضاعها. كما يعتبر قداسته البطريرك الوحيد الذي يستقيل من كرسي البطريركة ويتركه للمجمع السينودي ليختار البطريرك المناسب لهذه الظروف في الوقت الذي جميع البطاركة الذين سبقوه كان إنتقالهم إلى جوار ربهم سبب في تركهم لكرسي البطريركية. ومن الجدير بالذكر بأن رغم كثرة هذه الإنتقادات التي وجهت إلى إدارة قداسته للكنيسة والتي بعضها دعته إلى الإستقالة فإن قداسته لم يستجب لهذه الدعوات إلا عندما تزامنت مع زيارة رئيس مجمع الكنائس الشرقية في الفاتيكان الكردينال ليوناردو ساندري إلى بغداد وإجتماعه مع قداسته وهو الأمر الذي يدفعنا إلى القول بأن قداسته جلس على كرسي البطريركية بقرار من الفاتيكان وترك هذا الكرسي بقرار من الفاتيكان أيضاً، وهي مسألة طبيعية عندما نفهم تدخل الفاتيكان في شؤون كنيسة وهي في إتحاد معها ربما تعتبر إلى جانب الكنيسة السريانية الكاثوليكية أصغر كنيسة كاثوليكية في العالم، وهي لاتملك قوة قادرة على التعامل مع الظروف المأساوية التي مرت بها خاصة في وقت تسنم قداسته لكرسي البطريركية ففي مثل هذه الظروف يصبح واجباً مفروضاً على الفاتيكان للتدخل لحماية الكنيسة وضمان مسيرتها كأحدى الكنائس الكاثوليكية العريقة المتحدة معها.

خامساً: إستثناء آخر ظهر بشكل ملحوظ ومؤثر في مرحلة تولي قداسة مار عمانوئيل كرسي البطريركية، وهو تأسيس عدد من الأحزاب السياسية الكلدانية ومنظمات قومية وثقافية سواء في العراق أو في بلدان المهجر عملت على إظهار المقومات الكلدانية خارج إطار الكنيسة ونزلت إلى الساحة السياسية داعية إلى ضمان حقوق الكلدان القومية ومما زاد من إحراج الكنيسة هو تدخل بعض رجال الكنيسة في المسائل السياسية سواء بدعم هذه الأحزاب والمنظمات أو المشاركة في إجتماعاتها أو مباركتها والتي هي مسألة جديدة بالنسبة للكنيسة الكلدانية التي بقت طيلة قرون عديدة بعيدة عن السياسة وتمتنع من التدخل فيها أو المطالبة بالحقوق القومية الخاصة بالكلدان، وهو موضوع سبق وأن كتبنا عنه بشكل مفصل ومطول ونأمل أن نختصره وننشره في الفترة القادمة. ثم جاءت التسمية المركبة (الكلدان السريان الآشوريين) لتجعل أمر الكنيسة ورجالها محيراً تجاهها بين مؤيد ومعارض لهذه التسمية كما جعلت فكرة التسمية المركبة من بعض الأحزاب والمنظمات الكلدانية أن تؤمن بها وتدخل في تحالفات مع الأحزاب الآشورية المعروفة على الساحة السياسية. كل هذا الوضع أظهر كأن هناك تنازع على السلطة والزعامة على الكلدان في العراق وخارجه وهو أمر لم تعهده الكنيسة الكلدانية في السابقة فكان أمر التعامل معها مربكاً ومحيراً لقداسة مار عمانوئيل أستوجبته في بعض الأحيان التدخل لصالح هذه الفئة أو تلك وفي كثير من الأحيان كان  تدخله في مسألة معينة من هذا النوع موضوع إنتقاد له ولمواقفه التي أعلنها أو التي لم يصرح بها شيئاً.

من كل ما تقدم، نؤكد مايلي:
1 – الكنيسة الكدانية الكاثوليكية كنيسة "بيت نهرينية" بكل ما تعينه هذه الصفة تاريخياً وحضارياً وجغرافياً وديموغرافياً نشأت في بلاد مابين النهرين وأستمدت مقوماتها "غير الروحية" من حضارة هذا البلاد، من لغة وعادات وتقاليد، أي بعبارة أخرى إن مكان وجودها ومقر كرسي بطريركها هو في هذا البلد، أي العراق،  ولايمكن أن يكون غيره وبالتالي فإعتقاد البعض بأن كثر أبناء الرعية في بلدان المهجر وبلوغ أعدادهم أكثر من الموجودين في المهجر، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية قد يتطلب الأمر نقل كرسي البطريرك إلى الخارج وهذا محال حتى ولو بقى عدد قليل من أبناء رعية الكنيسة في العراق لأن وجود الكنيسة هو مرتبط بوجود العراق ولا يمكن أن يكون مثل هذا الإرتباط ببلد آخر. وبهذه الصفة البيت نهرينية للكنيسة نقول صحيح بأنه كان من المفترض أن ينعقد المجمع السينودي القادم في العراق لإنتخاب البطريرك الجديد ولكن مثل هذه الأمنية معدومة تماماً في الوضع المأساوي الحالي للعراق وحتى في شماله طالما هناك تجاذبات سياسية لا تتحملها الكنيسة ولا في الدول المجاورة التي تلتهب بنيران "الربيع العربي" فكان قرار إنعقاد المجمع السينودي في روما قراراً صائباً رغم كونه موضعاً لتأثير الفاتيكان على قرارات المجمع ولكن من المؤمل أن يكون هذا التأثير صائبا في إنتخاب البطريرك الجديد وبالتالي في تعزيز وضع الكنيسة في العراق وتقويته.
2 – الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية هي كنيسة كاثوليكية من بين الكنائس المشرقية "البطريركية" أي التي لها إستقلال فيما يخص طقسها وتقاليدها المستمدة من حضارة بيت نهرين ولكن كما سبق وأن ذكرنا بأنها كنيسة لا دولتية، أي ليست معتقد أو كنيسة رسمية لدولة معينة تخص رعيتها، وبعبارة أخرى أنها كنيسة تفتقر إلى المقومات السياسية التي هي ضرورية لحماية الكنيسة من المخاطر الخارجية التي تهددها لهذا من الطبيعي أن يتدخل الفاتيكان لحمايتها من هذه المخاطر التي تهدد وجود الكنيسة.
3 – الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية كنيسة لها قوانينها ونظمها الخاصة بها في تنظيم أمور الكنيسة ومنها إنتخاب البطريرك ولكن لكونها في إتحاد مع الفاتيكان فإنها بالنتيجة ستكون محكومة بقوانين وتشريعات الفاتيكان وقرارات المجامع المسكونية ومثل هذا الأمر قد يجعل تأثير الكنيسة بطقس وتقاليد الكنيسة اللاتينية أمراً طبيعياً ومن المؤكد بأن بزيادة هذا التأثير سيؤدي إلى إزاحة بعض التقاليد الطقسية والحضارية للكنيسة الكلدانية وإحلال اللاتينية محلها ولكن بفضل بعض المطارنة الأفاضل تمكنوا السنوات القليلة الماضية من الرجوع إلى الأصالة المشرقية البيت نهرينية للكنيسة الكلدانية سواء في طقسها أو تراثها ونأمل في المرحلة القادمة أن يزداد هذا التوجه.
4 -  ولما كانت الكنيسة الكلدانية في إتحاد مع الفاتيكان ومحكومة بجملة قوانين وأنظمة وتشريعات فإن مسألة إنتخاب البطريرك وتدبير أمور الكنيسة المختلفة هي من شأن وصلاحيات أكليريتها وتحديداً المطارنة والأساقفة المجتمعين في المجمع السينودي ولا دخل للعلمانيين فيها، وأن دعوة البعض إلى أعطاء دور للعلمانيين في إنتخاب البطريرك غير واردة إطلاقاً حسب هذه القوانين والتشريعات وأن مقارنة ذلك بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر عند إنتخاب البابا الجديد للكنيسة ومشاركة العلمانيين في هذا الإنتخاب وبأعداد كبيرة أمر خاطئ لا تصح المقارنة لأن هذه الكنيسة هي مستقلة في قراراتها وقوانينها التي تفسح المجال للعلمانيين للمشاركة في إنتخاب البابا للكنيسة في حين قوانين وتشريعات الكنيسة الكلدانية ومنها كنيسة روما لا تعطي أي مجال للعلمانيين للمشاركة في إنتخاب البطريرك. ولكن مع هذا، كما يقال الزمن يتغير، فإن هناك أعداد كبيرة من أبناء رعية الكنيسة الكلدانية لهم مؤهلات وقدرات كبيرة يمكن أن يشاركوا وبشكل غير مباشر في إنتخابات البطريرك سواء كمشتشاريين أو أعضاء مراقبين في إجتماعات المجمع الكنيسي لإنتخاب البطريرك.
5 – الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية كنيسة ليس بمعناها الروحي واللاهوتي فقط، بل هي من جانب آخر، والذي يهمنا كثيراً، هي مؤسسة تاريخية وحضارية وثقافية كانت لقرون طويلة الإطار الذي من خلاله كان يعبر رعيتها عن هويتهم القومية والحضارية، فهي كانت ويجب أن تكون الطوق الحامي لهذه المقومات. فالكنيسة بمعناها اللفظي والتي تعني "المجتمع" يجب أن تكون كذلك وأن تلتصق بأبناء هذا المجتمع ليس بجوانبه الروحية فقط، بل بكل جوانبه الثقافية والإجتماعية وحتى السياسية أن تطلب الأمر وإلا فالكنيسة لا يكون لها معنى "كلداني" إذا فقدت مقوماتها الحضارية من لغة وتقاليد وتاريخ وهو أمر مهم جداً وحاسم في هذه الأيام التي يتعرض فيها أبناء الكنيسة إلى العواصف وتقلعهم من أساسهم الذي هو مصدر وجود وبقاء الكنيسة. لهذا السبب لا يمكن أن نحصر الكنيسة في مجالها الروحي فقط وندعو رجالها إلى الإبتعاد وعدم التدخل في المعاناة التي يعانيها أبناؤها من الظلم والقهر وسلب الذات والقتل على الهوية.
6 – الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، رغم كاثوليكيتها فهي كنيسة شقيقة مع الكنائس المشرقية الأخرى وتحديداً كنيسة المشرق الآشورية ليس في جانبها الروحي المسيحاني فقط بل القومي والحضاري والتاريخي والديموغرافي أيضا وهو المهم للجميع، كليريون وعلمانيون. فإذا كان الحلم المنشود لإبناء الكنيستين هو الوحدة في وحدة المسيح والذي بالحتم سيؤكد ويعزز الوحدة في اللغة والتاريخ والتراث لأبناء كلا الرعيتين أصبح بعيد المنال في هذه الأيام فأن التقارب والتأكيد ولو كلامياً في وحدة الأساس القومي والحضاري لهم أمر مهم ومطلوب من الكنيسة الكلدانية في عهد البطريرك الجديد، وهو أمر من المؤكد سيعزز مكانة الكنيسة أكثر فأكثر وسيتماشى مع تطلعات رعيتها ورعايا غيرها من الكنائس الشقيقة. بعض من أبناء أمتنا أنتقدوا كلمة قداسة مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة في إرجاعه أصل جميع رعايا الكنائس الكلدانية والسريانية والآشورية إلى "الجنس الآشوري" ولكن... ولكن المهم عندي وعند غيري من المهتمين بشؤون وحدة هذه الأمة بغنى عن التسمية التي تفرقنا هو أمر وحدة الأساس القومي لرعايا الكنائس الثلاث الكلدانية والسريانية والآشورية والتي أكد عليها قداسته مراراً وتكراراً وهو الأمر الذي كان سيفرحنا كثيراً لو سمعناه أو قرأناه في كلمات بقية بطاركة فروع كنيسة المشرق ولكن من المؤسف أن تكون كلماتهم خالية من أية إشارة إلى وحدة أبناء أمتنا الموزعين على الكنائس الثلاث.

وأخيراً وتجنباً للإطالة في هذا الموضوع الذين يهم الجميع، نتضرع نحن العلمانيين "الخطايا" إلى ربنا يسوع المسيح أن يفرش محبته وحكمته على جميع مطارنتنا الإجلاء المجتمعين في المجمع السينودي في روما وأن تكلل رحمته على الفاتيكان ليكون سنداً قوياً لهم في إنتخاب بطريرك جديد للكنيسة الكلدانية ليكون باني مرحلة جديدة تكون فاتحة لأبواب المحبة والتفاهم بين جميع فروع كنيسة المشرق.

طوبى لفاعلي السلام فهم أبناء الله يدعون (متي: 5-9)

             



67

"باعوثا دنينوايـه"  …أقدم صوم في التاريــخ


أبرم شـبيرا

يربط آشوريو اليوم أصولهم التاريخية بالشعب الآشوري القديم الذي حكم مناطق واسعة من المنطقة المعروفة بالهلال الخصيب في الألف الثاني وحتى منتصف الألف الأول قبل الميلاد ، بجملة روابط حضارية وتاريخية ومعطيات ثقافية وتراثية ظلت لصيقة بهم رغم الفواجع والنكبات التي حلت بهم طيلة تاريخهم المديد. ومن هذه الروابط جملة ممارسات تراثية تستمد جذورها من أعماق التاريخ القديم  ولعل الأكثر إثارة وبروزاً هو "باعوثا دننوايـه " والذي يعني باللغة السريانية نذرأو صوم أهل نينوى الذي سيحل علينا خلال الأيام القادمة وتحديدا في 21 من هذا الشهر.وهذا الصوم الذي تتداخل فيه مجموعة عوامل قومية ودينية تداخلاً عضويا يصعب الفصل بينهما، حيث يصوم الآشوريون وغيرهم من أتباع كنيسة المشرق وفروعها في هذه الأيام من كل عام لمدة ثلاثة أيام ينقطع البعض منهم نهائياً عن الأكل في حين يحاول البعض التخفيف من هذا الصوم فينقطون عن الأكل فقط في ساعات النهار. وبالنظر لكون هذا الصوم صوماً ربانياً جاء ذكره في الكتاب المقدس فقد كان يلتزم به أيضا أتباع بعض الكنائس الشرقية وحتى أتباع الكنيسة القبطية كانوا يلتزمون به  غير أن بمرور الزمن أصبح هذا الصوم بحكم المنسي عندم فأنحصر مثل هذا الإلتزام عند الآشوريين وأتباع كنيسة المشرق فقط وذلك بسبب كون له دلالات قومية مرتبطة بتاريخهم وموطنهم وتراثهم.

 وردت قصة هذا الصوم في التوارة في سفر النبي يونان، المعروف عند العرب بالنبي يونس، ودوُن بشكل يتوافق مع المنهج التوراتي والتقليد اليهودي في فهم أحداث التاريخ والذي من المحتمل قد وقعت أحداثه في القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد وفي مدينة نينوى عاصمة الإمبراطورية الآشورية والتي لازالت آثارها باقية في مدينة الموصل في شمال العراق حيث هناك كنيسة قديمة مشيد عليها جامع يعرف بأسم جامع النبي يونس يعتقد بأنه كان معبداً آشورياً قديماً ومن هناك بدأت قصة هذا الصوم عندما خاطب النبي يونان أهل نينوى من فوق ذلك المرتفع. وقد جاء في التوراة أن الرب طلب من النبي يونان حمل رسالته إلى أهل نينوى قائلا " هيا أمض إلى نينوى المدينة العظيمة وبلغ أهلها قضائي لأن إثمهم قد صعد إلي" (2:1). غير أن يونان أبت عليه عواطفه اليهودية أن يحذر مملكة آشور من دمار الرب لها، وهي المملكة التي هاجمت مملكة اليهود ونهبت كنوز معابدها وسبأت رجالها وأنبياءها. ثم بعد سلسلة أحداث وتجارب مريرة مر بها يونان بما فيها قصة الحوت الذي أبتلعه لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليال ومن ثم قذفه على الشاطئ، أذعن أخيراً إلى أمر الرب فانطلق إلى نينوى ليبلغ أهلها وملكها بقضاء الله، ومن المحتمل أن تكون الواقعة وقعت في عهد الملك الآشوري العظيم سنحاريب . فعندما دخل النبي يونان المدينة بدأ ينادي قائلا "بعد أربعين يوماً تتدمر المدينة" (4:3) فما كان من أهل نينوى وملكهم إلا أن يأمنوا بكلمة الرب فأعلنوا الصيام وارتدوا المسوح من كبيرهم إلى صغيرهم فقام الملك عن عرشه وخلع عنه حلته وارتدى المسح وجلس على الرماد ثم دعا الجميع إلى الامتناع عن الأكل والشرب وكذلك البهائم والغنم والبقر لا ترعى ولا تشرب ماء وطلب من جميع الناس أن يرتدوا المسوح متضرعين إلى الله تائبين عن طريقهم الشريرة وعما أرتكبوه من ظلم لعل الرب يرجع فيعفى عن اقتدام سخطه فلا نهلك (3 : 7 – 9). ولما رأى الله أعمالهم وتوبتهم عن طرقهم الآثمة عدل عن العقاب الذي كان مزمعاً ان يوقعه بهم وعفا عنهم، ولما رأى يونان أن الرب لم يعاقب أهل نينوى وملكهم وعفا عنهم سبب ذلك غيظ وغضب شديدين له لذلك فضل الموت على الحياة . هذا يؤكد الحقد الشديد لأنباء اليهود للآشوريين كما تؤكد الحادثة أيضا بأن عبادة الله ومخافته والتضرع إليه طلباً للغفران والتوبة لم تكن حكراً على اليهود وحدهم في تلك الأزمنة بل شملت الشعوب الأخرى أيضاً ومنهم الشعب الآشوري.

هكذا وردت قصة هذا الصوم في التوراة، والتي كانت المرجع الأساسي والوحيد لتاريخ شعوب المنطقة قبل الاكتشافات الأثرية في خرائب نينوى وبابل وغيرهما من المدن القديمة والتي بقى تأثيرها قائماً وبشكل محسوس في أعمال معظم الكتاب والمؤرخين الذين عالجوا تواريخ هذه الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم. غير أن عندما تمت الاكتشافات الآثارية في نينوى في القرنين الماضين وأماطت اللثام عن بعض الغموض الذي يكتنف مثل هذه الحوادث فإنها تأكدت البعض منها والتي دونت في التوراة ونفت أحداثاً أخرى بل وتناقضت مع بعضها الآخر، ذلك لأن المدونات الطينية المكتشفة لا تقبل التأويل أو الاجتهاد لكونها مثبتة في وقت حدوثها وكتبت من قبل معاصريها وعلى الصخور الصلدة التي لا يمكن تحرفيها. وبقدر تعلق الأمر بقصة مجيء يونان إلى نينوى وتبليغ رسالة الرب إلى الآشوريين وتحذيرهم من دمار المدينة العظيمة، كما توصف في التوراة، فإن الآثار والرقم الطينية والاسطوانات الكتابية المكتشفة والتي تعد أكثر تفصيلاً وتدويناً للأحداث التاريخية ووقائعها من أي آثار أخرى مكتشفة في بلاد ما بين النهرين، خاصة حول علاقة الآشوريين وملوكهم باليهود وأنبيائهم، لكونها حفظت بشكل علمي متناسق وفي مكتبات ملكية، خاصة مكتب الملك آشور بانيبال والتي تعد أول مكتبة مفهرسة في العالم، فإن هذه المصادر لم تحمل أية إشارة إلى النبي يونان وقدومه إلى نينوى لتبليغ قضاء الرب في تدميرها، وهو حدث مهم لا يمكن أن يكون قد مر من دون أن يثير اهتمام الملك العظيم ويدون أحداثه. إذ من الممكن أن يكون تفسير التوراة لهذا الحدث ناجم عن فيضان طام إجتاح نينوى في تلك الفترة حيث تؤكد الرقم الطينية المكتشفة في نينوى بأنه من خلال أعمال الملك سنحاريب الإنشائية والتعميرية وتنظيم الري كان مهندساً بارعاً قام بأعمال بناء ضخمة جداً لضمان قصره والمدينة من الفيضانات التي كان يسببها نهر الخوصر الذي يمر من وسط مدينة نينوى،  خوصر كلمة آشورية/سريانية مشتقة من "خو أصر" والتي تعني عشرة أضعاف، أي أن هذا الرافد الذي كان يجتاز أسوار نينوى ويصب في نهر دجلة كان يفيض في مواسم الفيضانات في بداية الربيع أكثر من حجمه الطبيعي بعشرة أضعاف ويسبب أضرار جسيمة للبلاد ويتلف محاصيلها الزراعية كما يسبب المجاعة وإنتشار الأمراض والأوبة وبالتالي يهدد الأمن السياسي والاستقرار الاجتماعي نتيجة هذه الأضرار والفواجع. ومن المعروف بأن الشعوب قديماً وحديثاً وفي مثل هذه الأزمات والنكبات تلجاً إلى الله الخالق العظيم طلباً للرحمة والخلاص وتزيد من ورعها ونذورها وصلاتها وتذرعها إلى المنقذ الكبير، وهي الحالة التي من الممكن كانت قد صاحبت في تلك الفترة أثناء فيضان كبير اجتاح نينوى، ومن الممكن أيضاً أن تكون قصة الدمار الذي حذر منها النبي يونان أهل نينوى مستمدة من هذا الحدث وتم تأويله حسب العقلية اليهودية والمنهج التوراتي في تدوين الأحداث . وتؤيد التواريخ الإغريقية بأن سقوط نينوى عام 612 ق.م. لم يكن ممكناً رغم حصار الغزاة لها دون فيضان هائج دمر أسوارها العظيمة. ومثل هذا الفيضان إشار إليه النبي ناحوم في ذكره لطوفان طام يخفي معالم نينوى (1: 8) ولكن يظهر بأن نبوئة ناحوم الذي يعد من أكثر الإنباء حقداً على الآشوريين، لم تتحق وإن دمر الطوفان مدينة نينوى إلا أن معالمها الأثرية باقية وصامدة لحد هذا اليوم.

وبغض النظر عن طبيعة الحدث الذي فرض قوته على الشعب الآشوري وألزم نفسه بالصوم خشوعاً للرب، فإن هذا الحدث يؤكد حقيقة تاريخية شكلت في سياقها الزمني وامتداداتها التاريخية ممارسة طقسية تراثية قومية ودينية ارتبطت بالشعب الآشوري لفترة تزيد عن سبعة وعشرين قرناً. فبعد سقوط الامبراطورية الآشورية في عام 605 قبل الميلاد ومن ثم، وبعد إنتهاء الحروب واستقرار الأوضاع،  باشر سكان بلاد آشور والذين كان غالبيتهم من المزارعين، بممارسة شعائرهم الدينية والتراثية وهناك دلائل تاريخية  تشير إن الآشوريين مارسوا أعيادهم وتقاليدهم خلال تلك الفترة. وقد وصف المؤرخ اليوناني ( هيروديت ) المعروف بأبي التاريخ في كتابه المعروف (التاريخ) هذه التقاليد عندما زار بلاد آشور بعد قرن ونصف القرن من سقوط نينوى. وبعد ظهور المسيح، عليه السلام، واعتناق الآشوريين المسيحية وهي في سنواتها الأولى، أصبح للتوارة أكثر وقعاً عليهم وتأثيراً في إحياء ذكرياتهم القومية التاريخية عن بلادهم ومدنهم وملوكهم، خاصة عن سحر وعظمة نينوى والتي شكلت محور أساطير العهد القديم بما فيها قصة خشوع أهل هذه المدينة إلى إرادة الرب في التوبة والغفران والتي أصبحت مضرب أمثال لقوة إيمان الآشوريين بالرب ودونت في العهد الجديد من الكتاب المقدس وتحديداً في الإصحاح الثاني عشر من إنجيل متى . وتدلنا أيضا مخطوطات كنيسة المشرق، خصوصاً التي دونها القسم مار أفرام السرياني (306 – 373 ) إلى مدى تمسك الآشوريين بهذا الصوم حيث كانوا يصومون مدة أربعين يوماً خاصة في أوقات الأزمات أو خلال المذابح المفروضة عليهم من قبل الفرس وأتباعهم.

وبسبب إرتباط تاريخ الآشوريين وكنيستهم بالمآسي والفواجع والتشرد عن أوطانهم وخضوعهم لشتى أنواع الاضطهاد الديني والقومي أرتبط طقس هذا الصوم بهم طيلة تاريخهم الطويل ومارسوه وكوسيلة للخلاص المنتظر من الرب مثلما مارسوه أهل نينوى ونالوا خلاصه لهم. وتابع الآشوريون على ممارسه هذا الصوم حتى انتظامه سنوياً في العصور الحديثة وأدرج في التقويم الكنسي لكنيسة المشرق واعتبر من المناسبات المهمة التي ينتظرها الكثيرون ممن يسعون إلى تحقيق آمالهم أو الخلاص من محنتهم، ولكن في الآونة الأخيرة، وبسبب ظروف العصر أختصر الصوم إلى ثلاثة أيام والذي يختتم بإقامة القداديس في الكنيسة مع توزيع لحوم الذبائح والنذور. وكان من الطبيعي أن ترتبط بهذا الطقس خلال هذه الفترة الطويلة جملة ممارسات وعادات بعضها أكتسب طابعاً غيبياً أسطورياً يتعلق بالتمنيات والرغبات التي لم يتمكن الآشوريون ضمن ظروفهم المأساوية من تحقيقها في الواقع المادي، ولا يخلو قسم من هذه التقاليد من الطرافة والفكاهة وبراءة الإيمان بكل وسيلة ينسج حولها قوة إمكانية تحقيق الرغبات المستعصية ومنها ما يسمة بـ "بوخن" وهي بالأصل مادة غذائية تتكون من تحميص وطحن سبعة أنواع من الحبوب ثم تملح وفي الليلة الأخيرة من الصوم تؤخذ وتحمل على ظهر الإبهام (الظفر) وتوضع تحت اللسان قبل الركون إلى النوم بأمل الحلم بأحلام تحقق آمالهم المستعصية. وجانب الطرافة في هذا الطقس يقوم على كون مادة "البوخن" مالحة وتسبب العطش وجفاف الفم وهما مصدر أحلام الشباب والشابات، خاصة العانسات منهن" الذين يعتقدون بأنهم سيحلمون بشخص يروي عطشهم وسيكون هو عريس المستقبل. وأتذكر بأن البعض كانوا يصرون على أن ما قسمه الله لهم من نصيب في حياتهم الزوجية كان مرسوماً في حلم من أحلام "صوم نينوى"!!!

واليوم، رغم ظروف القهر والاستبداد التي فرضت على الآشوريين، ومن ثم تهجيرهم من أوطانهم التاريخية وتشتتهم بين أقطار العالم من أقصاه (استراليا ) إلى أقصاه الآخر (أميركا) مروراً بوطنهم الأصلي الذي عرف يوما ما ببلاد آشور، ورغم ظروف التطور الهائل الذي تشهده مجتمعات اليوم نحو العولمة وتجاوزها للوحدات الاجتماعية الصغيرة وتوجهها نحو الثقافة العالمية، فإن الآشوريين لا يزالون متمسكين بقيمهم وعاداتهم وتراثهم ولغتهم، بما فيه صوم نينوى، ويسعون من ممارستها الحفاظ على مقومات وجودهم القومي والديني ويأملون أن يمارسوها جميعاً في يوم ما وبأمان وحرية في وطنهم التاريخي الذي انبثقت منه أقدم حضارة عريقة أعطى شعبها للإنسانية كثيراً ولم يأخذ منها حتى القليل. ترى هل يحقق صوم نينوى أماني الآشوريين، تلك الأماني التي حملوها في صدورهم طيلة قرون طويلة من الزمن القاسي ؟

68
المؤتمر القومي العام " للكلدان السريان الآشوريين"... الحاضر الغائب !!!

أبرم شبيرا

كان حاضراً عندما أعلن تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية في الصيف الماضي عن عقد مؤتمر قومي في الوطن يحضره أكبر عدد من تنظيماتنا السياسية والقومية والمدنية والشخصيات الفكرية البارزة من داخل الوطن ومن المهجر لمناقشة قضايا قومية وسياسية حساسة ومصيرية، وكان أواخر سنة 2012 موعداً مبدئياً لعقد هذا المؤتمر. وأغنى حضور هذا المؤتمر كتابات ومقترحات بعض الأخوة الأعزاء من الكتاب والتي نشر بعضها في موقع عنكاوة دوت كوم. ولكن أنقضى عام 2012 والأنباء خالية تماماً عن إنعقاد  المؤتمر أو تحديد موعد لاحقل لإنعقاده وبالتالي يظهر بأنه دخل في دائرة الغياب. لقد غيًب هذا الحضور عوامل حمله الأعلان نفسه بين طياته كعوامل مطلوبة لإقامته تمثل منها، الأول: في العامل اللوجستي الذي يشمل مكان إنعقاد المؤتمر ومسألة توجيه دعوات الحضور للمؤتمر. والثاني: في التمويل المالي المطلوب لنفقات سفر المدعويين وإقامتهم وتنقلاتهم وغيرها من المصاريف. والثالث: جدول أعمال المؤتمر.

ولو حاولنا التمعن في هذه العوامل نرى بأن أصحاب الأعلان أعتمدوا على سابقة أخرى لمثل هذا المؤتمر والمتمثلة في المؤتمر الذي أنعقد في بغداد عام 2003. حيث كان مثل هذه العوامل متوفرة في تلك الفترة. فحرامي بغداد مستر بريمر، مع أعتذاري الشديد لحرامي بغداد عن هذا التشبيه، ضمنت صناديقه المعبئة بالدولارات (كاش) مسألة تمويل المؤتمر ومن ثم إنعقاده في فندق ذو خمسة نجوم. كما أن الأجواء السياسية والأمنية قبيل إنعاقد هذا المؤتمر كانت مشجعة بعد سقوط الدكتاتور فخلقت نوع من الإنفتاح والحماس والإندفاع لحضور المؤتمر أو لزيارة الوطن من قبل بعض أبناء أمتنا وأحزابهم السياسية وتنظيماتهم القومية في الهجر وبالتالي سهولة الحضور للمؤتمر. واليوم لا حرامي بغداد الأمريكي موجود ولا صناديق الدولارات لتمويل المؤتمر الثاني متوفرة بعد أن أفرغت في جيوب البعض ولا أعتقد بأن التمويل الذاتي خاصة الإعتماد على أبناء أمتنا في المهجر فكرة منطقية أن لم تكن "مزحة قومية" وبدون تعليق. كما أن الظروف السياسية والأمنية غير مشجعة لحضور ممثلي تنظيماتنا القومية والسياسية من المهجر أو في إنعقاد المؤتمر في ظروف أكثر آمنة خاصة في بغداد أو في المناطق الآخرى.
 
هناك عامل آخر مهم وأساسي غيًب وسيغيب إنعقاد مثل هذا المؤتمر بحضوره العام والشامل، وهو أن دعوة إنعقاد المؤتمر بدرت من تجمع التنظيمات السياسية للكلدان السريان الآشوريين وأنبثقت عنه لجنة تحضيرية أو ما شابهها للإعلان عن المؤتمر والتحضير له. ومن المعلوم عن هذا التجمع بأنه ينطوي تحت مظلته عدد من احزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية ولكن هناك أيضا عدد قد يكون قليلاً أو كثيراً، فاعلاً أو خاملاً، من الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية ورجال الفكر والثقافة لا يتفقون مع طروحات وسياسات هذا التجمع خاصة مع التسمية المركبة التي يتبناه أعضاءه وكنتيجة منطقية سوف لا يؤيدون هؤلاء أنعقاد مثل هذا المؤتمر أو لا يحضرونه حتى إذا وجهت الدعوات لهم. فحضور مثل هؤلاء للمؤتمر له أهمية كبرى لمناقشة الإشكاليات والمسائل المستعصية كسبيل لحلها والوصول إلى نتائج مفيدة. من هنا نقول بأن أهمية إنعقاد المؤتمر طالما لا يحضره هؤلاء ستكون معدومة وسيكون لا معنى له إذا حضره فقط المتفقين في الرأي والأفكار والسياسيات لا بل سوف تنتفي الحاجة إلى إنعقاده أصلاً طالما هناك إتفاق مسبق بين المؤتمرين خاصة في المبادئ الأساسية والإستراتيجيات. ولكن السؤال يبقى جوابه حاسماً في تحديد أهمية حضور هؤلاء الرافضين للتسمية المركبة: هل لهم ثقلاً قومياً وسياسياً في أمتنا وعلى الساحة السياسية العراقية لكي يكون لحضورهم أهمية في مناقشة القضايا المصيرية والحساسة؟؟؟ والجواب الحاسم موجود في الواقع الفعلي للعملية السياسية العراقية وعلى الساحة القومية لأمتنا فهو الذي يحدد مدى أهمية حضور هؤلاء للمؤتمر.

لا خلاف إطلاقاً على أهمية إنعقاد مثل هذه المؤتمرات القومية لحل الإشكاليات والمسائل المستعصية والوصول إلى التفاهم والإتفاق بين القوى السياسية والقومية لأمتنا ولا تنتفي مثل هذه الأهمية حتى أذا توصل المؤتمرون إلى الحدود الدنيا من النتائج أو جلسوا مع البعض وجهاً لوجه. وإنطلاقاً من هذه الأهمية لإنجاح مثل هذا المؤتمر سوف أقترح بعض الأفكار، لعلها تجعله حاضراً وفاعلاً في آن واحد رغم أن بعض كتابنا الأعزاء أشبعوا الموضوع أراءاً ومقترحاتً مفصلة عن المؤتمر والتي نشرت معظمها في مواقعنا الألكترونية، ولم يبقى إلا أن أوكد بعض ما ورد في هذه المقترحات والأراء وأن أضيف بعض من أفكاري ومقترحاتي عن هذا المؤتمر وكما يلي:

1)- كان يجب على تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية أن لا يكون هو نفسه الداعي للمؤتمر طالما له معارضين على الساحة السياسية القومية والمعروف عنهم رفضهم لمثل هذا المؤتمر أو الحضور إليه، كما بينًا في أعلاه، بل كان يجب عليه أن يتصل بهؤلاء ويطرح عليهم فكرة إنعقاد المؤتمر قبل الاعلان عنه لغرض تشكيل لجنة تحضيرية وبإتفاق الجميع ثم الإعلان عنه. هناك نقطة مهمة يستوجب إيضاحها وأن سمح لي القول إفهامها للذين لا يفهمون شروط إنعقاد المؤتمرات ونجاحها. أن التجمع متشكل من أحزاب وتنظيمات وواقعه الحالي يقول بأن أثنين من هذه الأحزاب والتنظيمات (الحركة الديموقراطية الاشورية والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري) لهما ممثلين في البرلمان المركزي والأقليمي وفي الحكومتين المركزية والإقليمة إضافة إلى وسائل إعلامية وقواعد جماهيرية ..,. ألخ، مما يضع التجمع بشكل أو بآخر في موقع قوة وأن يكون من أحسن التحالفات السياسية والقومية في أمتنا. وعندما تأتي الدعوة لإنعقاد مؤتمر من قبل "القوي" أو "الأقوى" في المجتمع فإن مثل هذا المؤتمر سيكون مؤتمر فرض وخضوع بالنسبة للـ "الأضعف"  خاصة إذا كنًا نعرف بأن "الأقوى" له طروحات سياسية مختلفة ومتناقضة مع "الأضعف". (مع التحفظ الشديد لمفهومي القوي والضعيف فالمعنى هنا ليس معنوياً بل معياريا). وبعبارة أخرى، عندما تأتي الدعوة من قبل التجمع وهو المتبني للتسمية المركبة مثلاً فهذا سيعطي إنطباعاً في أن يكون المؤتمر متبنياً أيضاً لهذه التسمية أو ينعقد تحت شعارها أو تكون الكلمة الشائعة في جدول أعماله وفي خطابات المؤتمرين، فأن مثل هذا الإنطباع سوف يترك تصوراً بأن هناك شروط مسبقة قائمة على فرض هذه التسمية المركبة على الآخرين ونحن جميعاً نعرف بأن التسمية المركبة هي أحدى الإشكاليات الأساسية القائمة بينهم. أي بهذا المعنى سيكون هذا مؤتمر خضوع ولا يقبله الآخر المختلف ما لم تكن هناك مقترحات لحل هذه المشكلة المستعصية وقناعة وثقة متبادلة بين الطرفين. ولأكون أكثر صراحةًً، فأن الكلدان والآشوريين المتبنيين لتسمياتهم المفردة سوف يعارضون مثل هذه المؤتمرات ولا يحضرونه حتى ولو وجهت الدعوات لهم. بالمقابل وكرد فعل، فهولاء أيضا سيعرضون شروطهم الخاصة كشرط مسبق وأساسي لحضور المؤتمر. أما إذا جاءت الدعوة لعقد مؤتمر قومي من لجنة تحضرية متشكلة من كل أو معظم أحزاب وتنظيمات أمتنا وبمختلف التسميات المركبة والمفردة وبدون شروط مسبقة صراحة أو ضمناً فإن أحتمال حضور الجميع أو معظمهم سيكون كبيراً ونجاحه سيكون وارداً حتى ولو أكتفوا بتصافح الأيدي وتبادل الأفكار والكلمات، فمثل هذا المؤتمر سيكون مؤتمر وفاق يفيد الأمة أكثر بكثير من أي مؤتمر آخر له مؤشرات فرض وخضوع.   

وأود أن أزيد نقطة أخرى في قيام التجمع وحده بتبني فكرة المؤتمر وتشكيله لللجنة التحضيرية. إذ إن حال التجمع التنظيمي غير مطمئن إليه بسبب التذبذبات الحاصلة في بنيانه فمن خلال عمره القصير يظهر بأن مظلتة مخرومة حيث يتسرب من خلالها بيانات وتوضيحات وإنتقادات ضد بعضهم البعض وعلى الهواء الطلق في الوقت الذي كان يستوجب معالجة مثل هذه الأمور تحت المظلة نفسها من دون السماح لها من التسرب إلى الخارج. فكيف والحالة هذه أن يستطيع جمع الكل، خاصة المعارضين له في مؤتمر والوصول إلى نتائج مرضية في الوقت الذي هو لا يستطيع أن يحل مشاكله ويلملم بنيانه في هيكلية تنظيمة أكثر تماسكا وعملاً. ولكن من الضروري التوضيح إن التجمع مع كل هذه "الخروم" في مظلتة فأنه يجب أن لا يفهم منه بأنه رفض له. فالبقاء تحت مظلة مخرومة خير من البقاء بدونها في العراء. فالواقع أكد ويؤكد بأن التجمع لا يزال من أكثر التحالفات ديمومةً وأكثرها ظهوراً ونشاطاً، حيث أكد هذا الواقع بأنه لا يوجد تنظيم تحالفي آخر أحسن منه رغم كل السلبيات والمعوقات التي تعتريه.. وكما قال ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق عن النظام الديموقراطي عقب خسارته للإنتخابات بعيد الحرب الكونية الثانية (النظام الديمقراطي سيء ولكن لا يوجد نظام أحسن منه)، وهكذا أيضا وعلى نفس المنوال نقول بأن التجمع ضعيف وخجول ومهلل البنيان ولكن لا يوجد أحسن منه في الوقت الحاضر.

2)- شغل مكان إنعقاد المؤتمر وعدم إمكانية تحديد المكان الأنسب والآمن لإنعقاده حيزاً كبيراً في غيابه وتلاشي فكرة إنعقاده ذلك لأن عقدة المؤتمر الأول لعام 2003 المتمثلة في فنادق ذو خمسة نجوم وقاعات فسيحة بكل مستلزمات الراحة وأنظمة الصوت كما نشاهدها في المؤتمرات العالمية قد طغت على أصحاب الدعوة للمؤتمر الثاني. غير أن العوامل المساعدة لإنعقاد مؤتمر بهذه المواصفات الترفيهية قد تلاشت كما سبق وأن ذكرنا في أعلاه، فاليوم واقع آخر يختلف كلياً عما سبق قبل أكثر من تسعة سنوات. فإذا كان أمر مكان إنعقاد المؤتمر يظهر في البداية بأنه مرتبط بالتمويل المطلوب والأجواء الآمنة فإن مثل هذه العوامل ستزول أو ستخف إذا أنعقد المؤتمر في أحدى بلدات اوقصبات شعبنا في منطقة الحكم الذاتي لكردستان حيث الأمن والإستقرار أكثر ضماناً من غيرها من المناطق في العراق. وأكثر من هذا فإن إنعقاد المؤتمر بين أبناء شعبنا سيزيد من تلاحمهم بالتنظيمات التي يمثلونهم ويزيد من أهتمامهم بالقضايا المصيرية التي سيتناولها المؤتمر لا بل سوف يعطي إنطباعاً عن إلتصاقهم بارض الأباء والأجداد وقد يكون ذلك نوعاً من الرد البسيط على التجاوزات الديموغرافية لمناطق أبناء شعبنا. فهناك العشرات من القرى والقصبات المضيافة لأبناء أمتنا في هذه المنطقة من الممكن جداً تهيئتها لتكون أمكنة مناسبة لإنعقاد المؤتمر والتي لا يتطلبها تمويل ضخم ولا حراسات أمنية مشددة. وألقوش الحاضرة دائماً في التاريخ البعيد والقريب، أم القرى ورحم تاريخ أمتنا، يجب أن تكون في مقدمة هذه القصبات الملائمة لإنعقاد المؤتمر. ولا أستطيع أن أضيف أكثر بهذا الشأن مما ذكره الأخ الكاتب سيزار هوزايا في مقالته (مؤتمر قومي في ألقوش ... فخذوا العبرة منها) عندما كتب في هذا الموضوع وأقترح ألقوش مكاناً لإنعقاد المؤتمر وقال (.. أن التمويل الذاتي ومكان إنعقاد المؤتمر وحماية المؤتمرين كلها قضايا تتبخر على أرض كأرض ألقوش، فأنتم أعزائي المسؤولين بحاجة لأرض تعيدكم إلى بساطتكم، إلى حقيقة شعبكم وواقعه، إلى جذوركم، إلى مدرسة عوضاً عن فندق راق، إلى دير تتأملون فيه في مستقبل شعبكم عوضاً عن منتجع، إلى التواجد بين الأخوة عوضاً عن رجال الحراسات والأمن. أنتم بحاجة إلى أرض تنامون عليها وتأكلون منها وتشربون من مياهها، لتتذكروا أعزائي "المسؤولين" أنكم مسؤولين عن تلك الأرض وذلك الشعب الذي رضي بأن تمثلوه ... أنكم بحاجة إلى أن تنتجوا جهداً أخوياً تجاه شعبكم بدلا من صور تذكارية ولقطات تلفزيونية، أنتم بحاجة عوضاً عن بوفيه مفتوح وجلسة عشاء ومأدبة غذاء في باحة الفندق، إلى ضيافة أناس ألقوش، فهم بالأمس في وقت الضيق وتحديداً قبل 79 عاماً أستقبلوا بتلك الضيافة وذاك الحب الأخوي من لجأ من مذبحة سميل)... أنتهى الإقتباس. وقد تكون أحدى المدارس أو الأديرة خاصة دير سيدة الزروع (ديرا خثايا – الدير التحتاني) مكاناً مناسباً لإنعقاد المؤتمر (طبعاً بعد حصول موافقة الجهات الكنسية) حيث تتوفر فيه بعض المستلزمات من قاعات وساحات وكذلك غرف لإقامة المؤتمرين يمكن تهيئتها لعقد المؤتمر.

3)- أرجو أن لا نكون مصابين بـ "عقدة الخواجة" معتقدين بأن أبناء شعبنا ومنظماتهم في المهجر أحسن من أخوتهم في الوطن. فمن البداية يجب أن نكون محصنين من هذه العقدة لأنها لا تخدم، وبشكل مباشر، مصلحة الأمة في الوطن. لاشك فيه أن الكثير من أبناء أمتنا ومنظماتهم في المهجر يهمهم أمر أخوتهم في الوطن ومساندتهم لنضالهم من أجل نيل حقوقهم القومية ولكن أسلوب عملهم القومي يختلف عن أخوتهم في الوطن من حيث طبيعة ونوعية نشاطهم السياسي والقومي ومساحة الإستعداد للتضحية، لا نقول بالحياة، بل بالمال والجهد والوقت، وهو موضوع طويل ووعدا منيً بأنني سأفصل عنه في وقت لاحق. من هذا المنطلق فإنني أقترح أن توجه الدعوات لعقد المؤتمر إلى أبناء أمتنا في الوطن فقط ومن دون المهجر ومن المفكرين والمثقفين والكتاب وأحزابهم السياسية ومنظماتهم القومية ويجب أن لا تمتد هذه الدعوات إلى الجمعيات الخيرية أو الكنسية أوالفرق المسرحية وغيرها التي هي بعيدة عن عالم السياسة كما حدث في مؤتمر بغداد لعام 2003 حيث غلب الكم على النوع فحضره 42 شخص ومنظمة وحزب وفرقة مسرحية وكان عدد المشاركين 198 شخص وهو أمر يجب تجنبه في المؤتمر القادم.

4)- يظهر بأنه ورثنا عن أجدادنا البابليين والآشوريين والكلدانيين عقلية عدم الإكتراث للجغرافيا، وهذا ما يظهر في عقلية الداعين للمؤتمر عندما أقترحوا موعداً لعقده قبل نهاية عام 2012 حيث يكون الطقس بارداً جداً وممطراً خاصة في المنطقة الشمالية من الوطن. ومثل هذه الظروف المناخية القاسية ستكون عاملاً معرقاً لحضور المدعوين ولتنقلاتهم وتوفير مستلزمات الراحة والإقامة لهم خاصة عندما تكون وسائل التدفئة والمواصلات غير متوفرة أو مناسبة إذا أنعقد المؤتمر في أحدى قصبات أبناء أمتنا إضافة إلى حرمانهم من الساحات الفسيحة لإقامة النشاطات أثناء أيام المؤتمر. لهذا السبب فإن إنعقاد المؤتمر في أجواء مناخية مناسبة، خاصة في فترة الربيع، يكون عاملأ مساعداً في إمكانية التحضير للمؤتمر وإتمامه بالشكل المناسب والمريح للمؤتمرين. لعل يكون نهاية شهر آذار وبداية شهر نيسان من هذه السنة (2013) موعداً مناسباٌ من نواحي عديدة، جغرافية وزمنية وتراثية، حيث تزدان أعياد القيامة وأكيدو بإحتفالات إنعقاد المؤتمر.

5)- التمويل... عصب الحركة نحو إمكانية عقد المؤتمر... ولما كان التمويل غائباً عن المؤتمر المزمع عقده إذن هذا يستوجب تقليل المستلزمات والنشاطات التي يتطلبها التمويل وبالتالي ستزداد إمكانية عقد المؤتمر. فالمقترحات المبينة في أعلاه، منها مكان إنعقاد المؤتمر وتقليص عدد المدعوين سوف تخفف الحاجة الملحة للتمويل. ولكن مع هذا يبقى التمويل عاملاً مطللوباً لتحقيق المستلزمات والنشاطات الضرورية التي يتطلبها المؤتمر وبشروط إنعقاده المخففة. ولما كانت الأحزاب الرئيسية والمنظمات القومية الفاعلة أكثر معنية بأمر إنعقاد مثل هذه المؤتمرات القومية لذا سيكون لازماً عليها أن تكون هي مصدراً لتمويل المؤتمر إلى جانب بعض الشخصيات القومية المعروفة بسخاءها المشهود في التبرع للنشاطات القومية. ولكن مع هذا وذاك فإن تخصيص نسبة معينة من رواتب ممثلي أمتنا في البرلمانين المركزي والإقليمي وفي الحكومتين المركزية والإقليمية ستكون عاملاً أساسياً في تمويل المؤتمر، وكلنا يقينين بأن تخصيص نسبة بسيطة من رواتب "ممثلي الأمة"  سوف لا تجعلهم يتضرعون جوعاً، فشعرة من جلد الخنزير الكثيف لا يعري جسمه إطلاقاً.                 

69
إلى المثقفين والكتاب من أبناء أمتنا في سان دياكو- كاليفورنيا
 دعوة لتناول فنجان قهوة

                                                                                                                                       أبرم شبيرا

قد يبدو الأمر غريباً ودعوة مثيرة للتساؤل لتناول فنجان قهوة في مدينة سان دياكو الجميلة، ولكن كما يقال لم يكن في الأمر حيلة غير أن ألجئ إلى هذه الوسيلة لتوجه الدعوة واللقاء مع أبناء أمتي وتناول فنجان قهوة سوية، ليس لمناقشة موضوع التسمية المركبة ولا قضية الحكم الذاتي لأمتنا في وطننا الحبيب ولا الدخول في مواضيع حامية ومعقدة أخرى، بل لمجرد التعارف وتبادل الأحاديث الودية بيننا، وهي الوسيلة الفاعلة والمباشرة في التفاعل والتفاهم وتبادل الأراء ورؤية الوجوه الطيبة مباشرة وليس عن طريق الإنترنيت أو المواقع الألكترونية فحسب. فعندما أقرأ موضوعاً في عنكاوه دوت كوم من كاتب يذل أسمه بأسم مدينة سان دياكو يخالجني نوع من الشعور بالنزعة "الأقليمية" أو "المناطقية" وأشعر كأن هناك صلة أخرى تربطني به.

 كلما أزور سان دياكو وأستمتع أي إستمتاع مع عائلتي ونحن نطوف في أرجاء سان دياكو وجبالها الخضراء وشوارعها الهادئة، وعندما أزور كنائسنا هناك أجد أعداد هائلة من المصلين يحضرون القداديس التي تتلو بلغتنا العظيمة التي تقدست بشفاه ربنا يسوع المسيح، ولكن مع كل هذه النعمة التي أنعمها الرب عليً أجد في بعض الأحيان بأن شيء واحد ينقصي في سان دياكو... وهو الشيء الذي أرتبط بحياتي منذ فترة نضوجي وتسرب الفكر القومي إلى أخاديد دماغي ... وهو اللقاء بالأصدقاء وبأبناء أمتي الذين لهم نفس إهتماماتي، سواء أتفقنا مع البعض أم لا، فهم جميعاً يشكلون المصدر الأساسي والفاعل في تعلمي منهم وتوسيع مداركي وإغناء معارفي...  للصراحة أصارح وأقول بأنه من خلالهم أجد نفسي وبدونهم أضيع في متاهات الحياة الرتيبة... إنني، بحكم طبيعة عملي، زرت وأزور الكثير من البلدان وخاصة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومنها تونس والمغرب ... ولكن رغم جمال هاتين الدولتين وطيبة أهلها، طبعاً قبل "الصقيع العربي"، فأنها كانتا بالنسبة لي كالجحيم، فلنقل (جنة بدون ناس - من كلدان وسريان وأشوريين - ما تنداس). غير أن الأمر في سان دياكو يختلف كثيراً ففيها الكثير من الكتاب والمثقفين الذين تبرع أقلامهم وتتناثر أفكارهم على مواقع ألكترونية كثيرة ومنها موقعنا المفضل عنكاوه دوت كوم. ولكن كيف ألتقي بهم ونتعارف وجهاً لوجه... فالجواب ليس إلا عن طريق هذه الدعوة.... حيث سأكون خلال أيام أعياد الميلاد المجيدة ورأس السنة الجديدة في سان دياكو في مدينة ألكاهون وأنني أدعو كل من يرغب من مثقفي وكتاب أمتنا المتواجدين في هذه المدينة لتناول فنجان قهوة معاً في مقهى ستار باكس في مجمع:(رنشو سان دياكو) -
 (Starbucks –– San Diego Rancho) في الكاهون (El Cajon) بين الساعة السابعة والسابعة والنصف مساءاً من يوم الخميس المصادف 27/12/2012. وهذا المقهى معروف لأبناء أمتنا في هذه المدينة حيث الكثير منهم يقضون أوقاتاً إجتماعية نزيهة، خاصة الجيل القادم من الوطن وله ذكريات فيها والتي هي عادة المادة الأساسية في تبادل ذكرياتهم وأحاديثهم..... فأهلاً وسهلاً بالجاي واللي ما جاي ..
 
أبرم شبيرا   
Shapera2000@yahoo.com

70
إذا لا تستطيع قيادة أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" التعلم من مثقفيها فلتتعلم من الحيوانات !!!

                                                                                                                                 أبرم شبيرا
 الوضع القومي والسياسي المأساوي لإمتنا في الوطن هو جزء من الوضع المأساوي العراقي ككل ولكن يختلف عنه بل يفوق عليه بمئات المرات لأن وضع الأمة "الكلدانية السريانية الآشورية" وبكل تنظيماتها القومية، السياسية منها والدينية، قائماً على محك الإقتلاع من الجذور والتهديد بالزوال سواء عن طريق التهجير إلى الخارج أو الإحتراق في أتون الإرهاب. زد على ذلك أن اللاعب الرئيسي في الوضع المأساوي العراقي وأقصد القابعين على السلطة في العراق يمتلك القوة والجاه والمال وعلى العكس تماما منه فاللاعب الرئيسي في الوضع المأساوي لأمتنا لا يملك غير كرسي مهلل ومكسور لايستطيع الصمود أمام الرياح السوداء العاتية. والأنكى من هذا وذاك هو أن "ممثلي" أمتنا الجالسين على هذه الكراسي راضين مرتاحين لا يهمهم الكسور الموجود في كراسيهم طالما هي مصدر لإمتلاء الجيوب والبطون.  
سألني ذات مرة صديق قائلاً لماذا المجتمعات تحتاج إلى الأحزاب السياسية فقلت له وببساطة تتلائم مع مستوى معرفته بالسياسة بأن حال الحزب السياسي كحال السد المقام على النهر. فالنهر يفيض في مواسم معين وينخفض مستواه أو يجف في مواسم أخرى. فالسد يقام على النهر كي ينظم مستوى المياه فيه سواء في حالة فيضانه أو جفافه وبالتالي يساهم السد في رفاهية المجتمع سواء في أرواء العطشى أوسقي الحقول.. وهكذا هو حال المجتمع فواجب الحزب أن ينظم حياته العامة سواء عن طريق الحفاظ على حقوق المجتمع وتطويرها نحو الأحسن أو النضال من إجل نيل هذه الحقوق عندما تهمش أو تبتلع من قبل الغير. فعندما يغش المهندسون والبناؤون في بناء السد خلافاً للمواصفات الهندسية المطلوبة للسد القادر على تحمل سيول النهر فأنه سرعان ما ينهار أو يجرفه النهر وبالتالي يكون المجتمع هو الخاسر الأول والأخير. وحال الحزب السياسي هو نفسه كحال مثل هذا السد، فعندما تكون قيادته هشه وذات أفق ضيق تنظر إلى مصلحتها قبل مصلحة المجتمع فأنها سرعان ما تنهار أو تتراجع نحو برجها العاجي وتصبح بعيدة عن الجماهير. فحال أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية يجب أن تكون كحال السد المبنى على مواصفات هندسية صحيحة غير مغشوشة لأن جريان سيول النهر في الوضع العراقي الحالي قوية جداً تفوق بكثير قوتها وسوف تزيحها نهائيا من الساحة السياسية ما لم تستند على المواصفات الجماهيرية الصحيحة وتستمد قوتها منها لتكون ضامنة في حماية حقوق الأمة "الكلدانية السريانية الآشورية" في العراق وإلا ستصبح في خبر كان سواء عاجلاً أم آجلاً. وليس بالأمر الجديد في القول بأن الجماهير هي مصدر قوة هذه الأحزاب فبدونها هي لا شي، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف تستمد الأحزاب قوتها من الجماهير؟ لا شك فيه بأن هناك عدد مختلف ومتنوع من المصادر التي تستمد الأحزاب قوتها من الجماهير ولكن  حتى أكون أكثر وضوحاً وتحديداً سوف أعتمد على مصدر يدركه معظم أبناء أمتنا وخاصة المثققين منه وقادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية وحتى الدينية. أقول: بين فترة وأخرى نقراْ في الكثير من المواقع الألكترونية عن أفكار ومقترحات من مثقفي وكتاب أمتنا ناهيك عن الكتابة مباشرة إلى هذه الأحزاب والمؤسسات، وليس المهم عن مدى منطقية أو فائدة هذه الأفكار والمقترحات ولكن المهم هنا هو أن تكون قد قرأت وفهمت من قبل قيادة هذه التنظيمات وهذا أمر رغم إننا نجهله ولكن نشك في أن يكون قد قرأوها أو فهموها لأن طبيعة الكرسي الجالسين عليه ورغبتهم المميتة في التشبث به يجعلهم يرتابون ويخشون من كل فكرة أو مقترح يخصهم أو نقد يوجه لهم. هناك العشرات أن لم تكن المئات من المواضيع المهمة والمفيدة التي تنشر في المواقع الألكترونية من قبل خيرة مثقفي وكتاب أمتنا ولكن بالله عليكم يا قراءنا الأعزاء هل سمعتم أو قرأتهم يوماً رداً إيجابيا على هذه الأفكار والمقترحات حتى ولو كان الرد بضعة سطور يقول (قرأنا موضوعك بخصوص .... فهو موضع دراسة من قبل القيادة ونود بهذا الخصوص أن نشكرك على إهتمامك بتنظيمنا... ) فمثل هذا الرد  سيزيد من أحترام القيادة لدى الجماهير ويعظم من إلتصاقها بها وبمثقفيها وكتابها.
أليكم يا قراءنا الأعزاء مثالين في هذا السياق ومن مستويين: كنسي وسياسي. قبل بعضة سنوات كنًا في توديع أحد مطارنتا الأجلاء لكنيستنا المشرقية العظيمة وهو ذاهباً لحضور المجمع السنهادوسي للكنسية وقلت له يا سيادة المطران لديً بعض المقترحات قد تكون مفيدة في تطوير الأمور الإدارية للكنيسة. فكان رده كالآتي (يا أبرم ... أنتم أمتنايه – القوميين – أخذتم كل شيء منًا ولم يبقى لنا إلا هذا المجمع السنهادوسي أفهل تريدون أن تأخذوه منًا أيضا ونبقى بدون شيء). وعلى المستوى السياسي: كنت قد كتبت قبل أشهر بعضة مواضيع ومقترحات في تطوير العمل السياسي لأحزابنا السياسية وأرسلت البعض الآخر إلى أحدى أحزابنا السياسية.... وقد تسربت بعض المعلومات من إجتماع قيادة هذا الحزب وذكر فيه قول (أن أبرم شبيرا ينبح كثيرا في هذه الأيام !!!!) ونحن نقول بهبذا الصدد الكلاب النابحة غير من الأسد النائم.  
في هذه الأيام نقرأ كثيرا عن الأزمة الإدارية التي تمر بها المؤسسة الكنسية الكلدانية وهناك الكثير من كبار مثقفي وكتاب أبناء أمتنا المنتمين لهذه الكنيسة يعبرون عن خشيتهم من الوضع المتأزم في إدارة هذه المؤسسة الكنسية ويقدمون مقتراحات بناءة ومفيدة جدا في إصلاح الخلل الإداري فيها ونحن والكثير من القراء يعرفون بأن هؤلاء يعتبرون من خيرة مثقفي وكتاب أمتنا وليس لهم أية مطامح أو نوايا ذات طبيعة شخصية أنانية تجاه الكنيسة الكلدانية ولا يسعون إليها إلا الخير والتقدم، ولكن هل سمعنا أو قرأنا ذات يوما بيان أو رأي من بضعة سطور أو كلمات صادر من مطران هذه الكنيسة أو من مركزها الإعلامي التابع للبطريركية يشكر هؤلاء على إهتمامهم بكنيستهم وحرصهم على أزدهارها وتقدمها حتى وأن كانت لا تتطابق كلياً مع توجهات المؤسسة الكنسية؟؟؟.
هناك أزمة فكرية ونفسية تطوق عقلية قادة تنظيماتنا السياسية والقومية والدينية نعتقد شخصياً بأنها تقوم على نوع من الشك والريبة تجاه الآخر وبالتالي فإن كل ما يصدر من هذا الآخر هو موضوع شك وريبة ولا يفسرونه إلا كونه تهجم وإهانة وتخريب حتى ولو كان هذا الآخر من أعز أبناءهم وأكثرهم علماً ومعرفة وحرصاً على مصلحة المؤسسة أو الحزب الذي يعتبره "ممثله" على الأرض والسماء. فمثل هؤلاء القادة لا يهمهم شيئاً غير أمراً واحداً ربطوا مصيرهم وحياتهم به وهو............ "الكرسي" .... وما يجنيه هذا الكرسي عليهم من إمتيازات تصب أولاً وأخيراً في جيبهم ولا يذهب إلى الأمة حتى "شعرة من جلد الخنزير". لذلك عليهم "النضال المستميت" من أجل هذا الكرسي والخشية كل الخشية من الآخرين الذين يريدون "زعزعت" هذه النعمة التي يخلقها هذا الكرسي لهم.
 قبل بضعة أشهر كنت في زيارة قصيرة لبغداد وجاء على علمي بأن السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي يخصص 75% من راتبه الرسمي كذلك غيره من أعضاء اللجنة المركزية  يخصصون نسب معينة من راتبهم الرسمي الذي يتقاضونه لنشاطات الحزب والمنظمات المدنية التابعة له. لا أدري فيما إذا كانت هذه المعلومة صحيحة أم لا ولكنها مثال نموذجي لمدى إلتصاق قيادة التنظيم بحزبه وبجماهيره. أن ممثلي أمتنا تربعوا على كراسي البرلمان والمناصب الوزارية والإدارية الرفيعة ليس بسبب كفاءتهم وجهودهم المضنية وإنما بأصوات أبناء أمتنا الذين هم مصدر نعمة المال والمنصب والجاه التي أنعموها عليهم. أفليس من حق التنظيمات المدنية والمؤسسات الخيرية لأمتنا أن تخصص لهم نسبة من رواتب وتخصيصات ممثليها في البرلمان والوزارة والمناصب الرسيمة الأدنى؟ أم هذا حرام وكفر أن نبوح بمثل هذه الكلام لأن هذه النعمة ورثوها عن أبناءهم وأجدادهم وهي حصراً بهم؟؟
فإذا كان ممثلي أمتنا وقيادة تنظيماتنا السياسية والقومية يخشون ويخافون من قلم المثقفين والكتاب خشية صاحب القصر من اللصوص ولا ترغب إطلاقاً التعلم منهم لأن مثل هذا التعلم قد يقودها إلى الأعتراف بمكانة المثقفين والكتاب وبالتالي إنكشاف قزمية "ممثلي" أمتنا أمام التحديات المصرية، فإذن نقترح عليهم أن يتعلموا من الحيوانات لأن هذه الأخيره لا تشكل مصدر خوف لهم طالما لا تستطيع هذه الحيوانات أحتلال كراسيهم والجلوس عليها والتمتع بالنعمة التي تنعمها عليهم. وإليكم قصة طيور الأوز وكيفية التعاون بينها وفي تناوب القيادة والتضحية في سبيل الكل ولعل قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية تتعلم منها.                                                                                                                                     أبرم شبيرا
عندما تهاجر الأوز وتقطع  مسافات طويلة جداً فهي تطير سرباً على شكل حرف (V)... لماذا؟ لأنها مسألة متعلقة بوجود حياة الأوز وإستمرارها. فكل أوزة عندما تفرش جناحيها وتطير فأنها تخلق نوع من قوة الدفع نحو الأمام للطير الذي يليه، أي بعبارة أخرى فالطير الأمامي يساعد الطير الذي خلفه وهذا الأخير يساعد الذي يليه ... وهكذا. فقد دلت المعلومات بأنه عندما تطير الأوز على هذا الشكل فأنها تضيف قدرة للطيران تزيد عن 71% مقارنة بالطير الذي يطير لوحده. وعندما تشذ أوزة واحدة عن السرب فأنها فجأة تشعر بالتأخر والتخلف عن بقية أعضاء السرب وتشعر بصعوبة في الطيران لوحدها لذلك سرعان ما ترجع وتدخل السرب مع بقية الطيور. هكذا الحال مع الإنسان فالأشخاص الذين يشتركون في الهدف والاتجاه ولهم شعور جماعي مشترك فأنهم يستطيعون تحقيق الأهداف والوصول إلى مقصدهم بسهول أكثر بكثير من الذين يسيرون لوحدهم.... وعندما تشعر الأوزة "القائدة" التي تكون في مقدمة السرب بالتعب والإرهاق فأنها تنسحب وتدخل السرب وتحل محلها أوزة أخرى وتتولى قيادة السرب.... فإذا كان للناس سلوك مثل سلوك الأوز سوف يدركون بالنهاية بأن نجاحهم يعتمد بالدرجة الأولى على العمل كفريق موحد وأخذ أدوار المهماة الصعبة "القيادة" بالتشارك والتناوب.... أين نحن  بكل تنظيماتنا السياسية والقومية والدينية من هذا السلوك الجماعي؟؟؟؟؟  خاصة في مسألة التناوب على القيادة ...أفهل لقادة أحزابنا وتنظيماتنا قدرة على التعلم من هذه الطيور؟؟؟

إضافة لذلك فإن لكل طير من طيور سرب الأوز دوراً محدداً حتى الطير الأخير الذي لا يوجد خلفه أي طير ليساعده برفرة جناحيه في السير قدماً فأن له واجب الصياح من مؤخرة السرب لتشيجع بقية أعضاء السرب للإستمرار قدماً وطمأنتهم على سلامة سيرهم نحو الاتجاه الصحيح.... هكذا يجب أن يكون صياح الناس مشجعاً ومطمئناً لبقية أفراد المجتمع وقيادته لا تهجماً شخصياً أو كذباً محبطاً للناشطين والعاملين في المجتمع ولكن بالمقابل، وهو الأهم، على القيادة أن تسمع أصواتهم وإلا الضياع سيكون نهاية مسيرتها.... آخر زمان ... لم يعد لنا قدرة التعلم حتى من الطيور... متى نكون سرباً ويكون لكل واحد منا دوراً محدداً ومتناوباً... متى يدركون قادة أحزابنا وتنظيماتنا بأن لكل إنسان على هذه الخليقة طاقات وقدرات محددة ولا يمكن الإستمرار لسنوات طيولة من دون أن تستهلك بمرور الزمن. لقد أثبت علم السياسة نظرياً وتطبيقياً بأن القائد الذي يستمر لفترات طويل في قيادة حزبه أو أي مجتمع حتى ولو كان منتخباً إنتخاباً ديموقراطياً ويمتلك قدرات وطاقات فذة ويلهم أنصاره وجماهيره بحكمته في القيادة الناجحة فأن بقاءه في الحكم أو القيادة لفترات طويلة يكون ثمنها إستهلاك طاقاته وقدراته وبالتالي تناقصها أوتلاشيها مما يصبح فاقداً لوسائل الحكم والقيادة المقنعة لجماهيره فيدفعه الإصرار على الإستمرار في القيادة لفترات أطول إلى اللجوء إلى وسائل أخرى غير مقنعة لجماهيره كالتسلط والتفرد بالقرار والعنف والرشوة والمحسوبة والشللية فيظهر في نهاية المطاف كدكتاتور متسلط على الحكم والناس. من هذا المنطلق فإن معظم دساتير الدول الديموقراطية والأنظمة الداخلية لأحزابها السياسية تحدد مدة رئاسة الدولة أو قيادة الحزب بفترات معينة ومحددة. ويظهر بأن طيور الأوز قد فهمت وألتزمت بهذه النظرية في القيادة، أفهل يفهمها قادة أحزابنا وتنظيماتنا ويلتزمون بها؟؟؟    
متى نكون سرباً من أسراب خلق الله ونحن ليل نهار نتباهي بماضينا ونركع ونصلي لأسد بابل و الثورالمجنح حتى ينفح الله فيهما الروح ويرجعون لنا أمجادنا ..... أرجو من زعماءنا السياسيين والكنسيين مراقبة مواسم هجرة طيور الأوز ويتعلموا منهم ولو الشيء القليل.... التعلم حتى من أبسط المخلوقات ليس عيباً إنما العيب، كل العيب، هو أن ندعي العلم ونحن فراغاً منه، وأن ندعي الحكمة والمنطق ونحن طبلاً فارغاً، وأن ندعي الوعي والقومنة ونحن نياماً ونفاقاً، فهل أصبح الزمان غداراً لدرجة يحشرنا في زاوية اليأس والقنوط ونلجأ إلى الحيوانات لكي نتعلم منها؟؟ أم لايزال هناك ضوءاً بسيطاً جداً في نهاية النفق.

 هكذا ببساطة نقول بأن الحل لأمتنا ولقادة تنظيماتنا السياسية والقومية هو أن يتعلموا من طيور الأوز في التعاون الجماعي والمثمر وفي التضحية من أجل الجماعة وكيفية قيادتها والتناوب عليها وأن يكون الفرد للجميع والجميع للفرد. وإذا كانت الأوز تعمل ذلك بالفطرة فإن الإنسان يعمل بالوعي ... أفهل لنا وعي كافي لنعمل مثلما تعمل الأوز؟؟؟؟ . فإذا كان قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتها القومية ومؤسساتنا الكنسية لا تريد أن تتعلم من مثقفيها ومفكريها لأنهم يخافون منهم فالأرجح لهم أن يتعلموا من الحيوانات التي ليس لها أية مطامح في أزاحتهم من كراسهم والجلوس عليها... آخر زمن ... فرض الزمان الغادر أن نلجأ إلى الحيوانات لنتعلم منها كيفية تدبير أمورنا السياسية والقومية!!


71
مشاركة الأحزاب "الكلدانية السريانية الآشورية" في نظام الحكم العراقي
حقيقية نافعة أم شكلية مضرة  ؟؟!!

------------------------------------
أبرم شبيرا

 من أبجديات علم السياسة في تعريف الحزب السياسي في أبسط معانيه هو "مجموعة من الأفراد يخضعون لتنظيم معين ويؤمنون بأفكار معينة ويسعون لتحقيقها عن طريق الوصول إلى السلطة". إذن، بهذا التعريف المسبط للحزب، يمكن القول بأنه يقوم على أربعة مقومات وهي (1) الأعضاء أو الكوادر (2) الفكر أو الإيديولوجيا (3) التنظيم أو النظام الداخلي، وأخيراً والأهم (4) السعي للوصول إلى السلطة السياسية. المقومات الثلاثة السالفة الذكر تنطبق على معظم التنظيمات بما فيها جماعات الضغط والنقابات والجمعيات والأندية والأخويات وغيرها كثيرة ولكن تفتقر إلى المقوم الرابع إذ ليس لها رغبة أو هدف أو مسعى للوصول إلى السلطة السياسية فعوضاً عن ذلك فإنها  تمارس ضغطاً على الحكومة ومراكز صنع القرار السياسي من أجل تحقيق مصالحها. وبعكس هذا فإذا سعى أي تنظيم من هذه التنظيمات للوصول إلى السلطة السياسية لغرض تحقيق أهدافه فأنه في هذه الحالة يتحول إلى حزب سياسي مهما كان أسمه سواء أكان حركة أو جبهة أو جمعية  أو نقابة مهنية أو حتى نادي إجتماعي. هذه البديهية في نظرية الأحزاب السياسية كانت تنطبق على المنظمة الآثورية الديمقراطية (مطكستا) في سوريا وعلى الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) قبل سقوط نظام البعث في العراق. فالأولى أستطاعت في سنوات مضت أن تدفع بمرشحها للإنتخابات البرلمانية والفوز بمقعد لها في البرلمان السوري. كما أستطاعات الحركة الديموقراطية الآشورية الفوز بأربعة مقاعد لها من خمسة المخصص "للكلدان السريان الآشوريين - المسيحيين" في برلمان إقليم كردستان في العراق في بداية التسعينيات من القرن الماضي، لهذا السبب لم يكن لهم في تلك الفترة أحزاب سياسية حقيقية بالمعنى العلمي المعروف غير مطكستا وزوعا.

أن أحد أوجه أو تفسيرات مبدأ حق تقرير المصير للشعوب والأمم، خاصة بالنسبة للأقليات التي لا تتوفر فيها مقومات كاملة وظروف سياسية مناسبة في أقامة دولة قومية خاصة بها، هو مشاركة ممثلي الأقليات  في السلطة السياسية للدولة وفي عملية صنع القرار السياسي وعلى شرط مهم جداً وهو أن تكون هذه المشاركة حقيقية فاعلة وليست رسمية وشكلية فقط. (للإستزادة عن هذا الموضوع أنظر كتيبنا المعنون (حقوق الآشوريين السياسية في العراق في ضوء حق تقرير المصير، دار عشتار للطباعة والترجمة والتصميم - لندن، 1996). وبطبيعة الحال فإن مثل هذه المشاركة الحقيقية والفاعلة لا يمكن أن تتحقق ما لم يكن النظام السياسي للدولة نظاماً ديمقراطياً يؤمن إيماناً مبدئيا وفكريا بالتعددية وبحقوق الأقليات وأن يكون رجال الحكم والسياسة يمتلكون عقلية منفتحة تجاه الآخر المختلف و يضعون مصلحة الوطن فوق جميع الإعتبارات الشخصية والطائفية والحزبية. فإذا لم يتوفر مثل هذا الشرط الأساسي، حتى ولو كان دستور البلاد يقر بالديمقراطية والتعددية وبحقوق الأقليات، فإن مشاركة الأقليات تصبح مشاركة رسمية وشكلية لا تجدي نفعاً، لا بل قد تصبح مثل هذه المشاركة وبالاً على هذه الأقلية وتستغل من قبل الأكثرية الحاكم الفعلي والمطلق في هيئات الحكم ودوائر صنع القرار السياسي.

في سوريا لم يكن النظام السياسي يؤمن بالمبادئ المار ذكرها ولم يكن النظام ديمقراطياً لذلك لم تستطيع المنظمة الآثورية الديمقراطية من تحقيق أي هدف لأبناء أمتنا من خلال مشاركة ممثلها في البرلمان رغم شعبيتها الواسعة وتحقيق أهداف قومية في تنمية الوعي والتمسك بالثواب القومية والحضارية وهي خارج البرلمان. أما في إقليم كردستان العراق وتحديداً قبل سقوط النظام البعثي فقد كانت حكومة الإقليم تفسح هامشاً ضيقاً من الحرية والديمقراطية لأبناء أمتنا لمارسة حقوقها. حيث كانت الظروف الإقليمية والدولية تفرض على حكومة الإقليم أن تتطبع بنوع من الديموقراطية والإقرار بحقوق الآخرين لتكون عوامل أو مواصفات تصلح لمقارنة "ديموقراطيتها" بالنظام الدكتاتوري في بغداد كما كانت الحركة الكردية في تلك الفترة الحرجة والصعبة بحاجة إلى كل القوى السياسية المعارضة للنظام الإستبدادي في بغداد فكانت الجبهة الكردستانية التنظيم السياسي الشامل لهذه القوى والتي شاركت معهم أيضا الحركة الديموقراطية الآشورية. لهذا السبب أستطاعت الحركة الديمقراطية الآشورية بمشاركة ممثليها في برلمان الإقليم أن تقوم بنضال مستميت ضمن هذا الهامش الديمقراطي الضيق وأن تحقق إنجازات عملية وعلى أرض الواقع وبعضها عظيمة وتعتبر الأول من نوعها في تاريخنا الحديث وهو التعليم السرياني.

بعد سقوط النظام البعثي في العراق عام 2003 وإزاحة الكابوس من الساحة السياسية ووصول قوى سياسية مختلفة الأفكار والمشارب والتوجهات إلى السلطة وذو خلفيات فكرية من طائفية ودينية وإستبدادية وسلطوية ومن ثم صدور دستور أو دستور مؤقت فيه بعض الكلمات والسطور عن الديمقراطية والإنتخابات والتعددية وغيرها من الكلمات الرنانة في هذا السياق، بدأت التنظيمات "الكلدانية السريانية الآشورية" تظهر على السطح السياسي كما تأسست أحزاب سياسية جديدة، خاصة من السواد الأكبر (الكلدان) من أبناء أمتنا، فدب في هذه الأحزاب والتنظيمات، سواء أكانت فعلاً أحزاب سياسية أو جمعيات إجتماعية أوإتحادات ثقافية نوع من الرغبة الجامحة والسعي للوصول إلى كراسي البرلمان والحكومة التي خصصت لأبناء أمتنا وعن طريق ترشيح ممثلين عنها للإنتخابات البرلمانية أو للمناصب الحكومية، أي بهذا السلوك أو المسعى فقد توفر في هذه التنظيمات المقوم الرابع (السعي للوصول إلى السلطة السياسية) من مقومات تكوين الأحزاب السياسية السالفة الذكر وبالتالي يمكن أن نطلق عليهم، على الأقل من الناحية النظرية، أحزاب سياسية حتى ولو كانت تسميتها غير ذلك أو لنظامها الداخلي وسائل لتحقيق أهدافها تختلف كلياً عن وسيلة الوصول إلى السلطة السياسية.

شارك ممثلو الأحزاب "الكلدانية السريانية الآشورية" في الإنتخابات العامة للبرلمان على أساس نظام الكوتا والتي بموجبه خصص خمسة مقاعد "للمسيحيين" في البرلمان المركزي وخمسة أخرى في البرلمان الإقليمي الكردستاني لكي يتنافسوا بينهم عليها وفقاً للقواعد والأنظمة الموضوعة بهذا الشأن. وإذا فاز أي حزب بأكثرية هذه المقاعد (أي ثلاثة مقاعد فما فوق) يكون كرسي الوزارة المخصص "للمسيحيين" من حصتهK وطبقاً لهذه المشاركة في الحكم سواء في المركز أم في الأقليم ووصولهم إلى مراكز صنع القرار السياسي  يظهر بأنه، ولو من حيث الشكل، قد تحقق حق تقرير المصير لأمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" وفقاً لمفهوم هذا الحق فيما يخص الأقليات والمذكور في أعلاه. ولكن بالرغم من هذه المشاركة يجب أن لاننسى موضوع ديموقراطية النظام السياسي كشرط أساسي وجوهري في ضمان فعاعلية وصدقية هذه المشاركة وتحقيق الهدف المتوخاة منها.

لقد أصبح الحديث عن مدى فساد هيئات النظام العراقي وعدم ديموقراطيتها وإستبداد المسيطرين عليها تجاه الآخر المختلف نوع من التكرار والإطناب الممل وكمن يكرر وبإستمرار في كون الأرض كروية الشكل. وإذا كنا نحن القابعين في رفاهية الإغتراب لا نتعايش مع هذا الفساد والإستبداد ولا نتحسس به بشكل مباشر فمن دون شك فإن ممثلي أمتنا في البرلمان أو الحكومة يتعايشون معها ويتحسسون بها لذلك لا تمر مناسبة وإلا ينتقدوا ويهاجموا سواء الحكومة أو البرلمان أو القوانين والأنظمة التي تصدرها والتي تخص حقوق أمتنا في العراق، ولم أسمع يوماً واحداً أحد ممثلي أمتنا في البرلمان يثمن دور الحكومة أو البرلمان في ضمان حقوق هذه الأقلية الأصيلة للعراق. أي بعبارة أخرى هناك إطلاق في الرأي في فساد هيئات الحكم في العراق وإستبداديتها وطائفيتها في التعامل مع الآخر المختلف، وخاصة مع أبناء أمتنا. وليس أدل على هذا الظلم والإستبداد الذي يفرضه القابعون على السلطة في العراق تجاه أبناء أمتنا غير أن نتحسس ونلمس الإحباط واليأس في العراق والتدهور في مجمل الحياة العامة خاصة المتعلقة بالحفاظ على الوجود القومي والديني لأبناء أمتنا في أرض أباؤهم وأجدادهم وتصاعد وتيرة الهجرة إلى الخارج، وقائمة الظلم والإستبداد وهضم أبسط حقوق أمتنا طويلة ولا تنتهي. ولما كان أعضاء البرلمان العراقي أو وزراء مجلس الوزارة أو حتى مجالس المحافظات قائمة على محاصصة طائفية ضيقة مقيدة بعقلية متخلفة سياسياً وديموقراطياً ومطوقة بثوابت مذهبية طائفية وسلطوية غير قادرة على فهم طروحات ومطامح الآخر المختلف فإنه من الإستحالة أن يكون لخمسة أعضاء في مثل هذا البرلمان أو وزير في كذا مجلس الوزراء، سواء في المركز أو الإقليم، أي دور فاعل ومؤثر على الإتجاهات المهيمنة على هذه الهيئات. لهذا السبب فإن مطالبة قيادة أحزابنا من هؤلاء زيادة (الكوتا) إلى عدد أكبر ليست إلا صرخة في اذان طرشاء. ويكفي هنا أن نشير إلى القائمة العراقية التي لها أعضاء في البرلمان مقارب إلى عدد أعضاء قائمة دولة العراق (الأكثرية) ولكن ما تعانيه من تعسف وغبن من قبل هذه الأكثرية يعد نموذجاً أكثر وضوحاً في مدى طائفية النظام وإستبداديته تجاه الآخر المختلف. فكيف والحال مع الأقلية "الكلدانية السريانية الآشورية – المسيحية" التي تختلف لا بل تتناقض مع عقلية وثقافة المتحكمين على هيئات الحكم في العراق من نواحي عديدة دينية وثقافية ولغوية وحتى حضارية ونفسية؟؟   

هذا الأمر هو الذي فرض وضعاً أجبر الناس على القيام بمقارنة بين نظام صدام الدموي والنظام الحالي ليستنتجوا بأن نظام صدام كان "أرحم" بكثير من النظام الحالي ... ياللمهزلة... وأن النظام الحالي والقابعون على سلطته أكثر دموية وإستبدادية ووحشية من نظام صدام. فإنطلاقاً من هذه الحالة الميؤسة يتساءل الكثيرون من أبناء أمتنا: كم كنيسة فجرت ودمرت عن بكر أبيها في زمن صدام وكم مطران ورجل دين مسيحي أو علماني خطف أو قتل أو أغتيل في زمن صدام وكم صورة بطريرك أكبر كنيسة في العراق سحقت تحت أقدام أزلام النظام ... وكم .. وكم... ؟؟؟ فهذه المهزلة أوصلت الأمر في العراق إلى درجة أن يكون نظاماً وحشياً دموياً كنظام صدام "أرحم" من النظام الحالي بحيث وضع الإنسان في موقف يظهر فيه بأن هناك تبريراً لجرائم نظام البعث في العراق. ومما يثير الإشمئزاز تصريحات بعض من ممثلي أمتنا وقادة أحزابنا في القول بأن الجرائم في العراق سواء من الحكومة أو الإرهابيين الذين لهم إمتدادات في أروقة البرلمان والحكومة وفي القوات المسلحة تصيب الجميع دون تمييز وليست حصراً على المسيحيين فقط، فأن دل مثل هذا التصريح على شيء فأنه يدل على الغباوة السياسية وتدني مستوى الوعي القومي لديهم وغشاوة الرؤية لمستقل أمتنا في العراق أن لم تكن تغليب منافعهم الشخصية من جراء جلوسهم على كراسي البرلمان أو الحكومة على حساب مأساة الأمة.  فالجرائم بأشكالها الجسدية والفكرية والسياسية والقانونية والديموغرافية (للعلم جرائم ديموغرافية مصطلح جديد يمكن أن نضيفه على قاموس الجرائم ضد أمتنا) بحق "الكلدان السريان الآشوريين" هو تهديد خطير ومباشر لوجودهم التاريخي القومي والديني في العراق ويقلعهم من جذورهم في حين ليس الأمر كذلك بالنسبة لبقية القوميات المسلمة فالتهديد لهم هو أما لشخص أو عدد من الأشخاص أو لطائفة معينة أو لتصفية حسابات سياسية وطائفية، وليس للأمة أو الدين الذي ينتمون إليه وبالتالي ليس تهديداً ماحقاً لوجودهم القومي والديني في العراق كما هول الحال مع"الكلدان السريان الآشوري" المسيحيين. من كل ما تقدم يمكن القول بأن مشاركة ممثلي أبناء أمتنا في هيئات مثل هذا النظام في العراق لا يحقق حتى أدنى مطاليبهم طالما ليس ديموقراطياً بل نظاماً إستبدادياً طائفياً وسلطوياً ولا يتحقق مفهوم حق تقرير المصير بخصوص الأقليات، كما أسلفنا سابقاً، لأن النظام لا يملك الحد الأدنى من الديموقراطية.

 لاشك فيه بأن المشاركة في هيئات الحكم هي، على الأقل من الناحية الشكلية، وسيلة معروفة في عالم السياسة لتحقيق الأهداف وكما بينًا سابقاً في مسعى الأحزاب للوصول إلى السلطة، ولكن لتحقيق النتائج المرجوة من مشاركة الأقليات يستوجب شرطاً أساسياً ومهماً هو أن يكون النظام ديموقراطياً يقر ويعترف بالآخر المختلف فبدون هذا الشرط الأساسي تصبح مشاركة الأقليات وبالاً وكارثة على الأمة التي يمثلها ممثلين عنها في النظام السياسي، كما أسلفنا في أعلاه. ولما كان النظام العراقي إستبدادياً من الدرجة الأولى وطائفياً بإمتياز والمتحكمون عليه يتصفون بعقلية ذات مواصفات قرون وسطية فإن مشاركة ممثلي أمتنا في مثل هذا النظام هو وبالاً وكارثة على أمتنا. ونتائج مثل هذه الكارثة يمكن إختصارها بما يلي:
1.   شرعنة إستبدادية النظام العراقي والسلوكيات الهمجية للقابعين على سلطة هذا النظام من خلال مشاركة ممثلي أمتنا معهم تحت قبة البرلمان أو كابينة الوزارة. فالسياسة، وتحديداً السياسة الخارجية والعلاقات الدولية لا تتعامل مع الكتل الموجودة داخل البرلمان بل مع البرلمان ككل وكهيئة واحدة موحدة لها شخصيتها القانونية في تمثيل الدولة وتوقيع المعاهدات والمواثيق وغيرهما والحالة تنطبق أيضا على مجلس الوزراء وغيره من الهيئات الحكومية الأدنى. فعندما يشارك ممثل أمتنا في البرلمان أو الحكومة ضمن وفد إلى خارج العراق سواء لحضور مؤتمر دولي أو إقليمي أو لعقد إجتماع ثنائي مع دولة أخرى، فأنه لا يمثل كتلته البرلمانية أو الأمة التي ينتمي إليها بل يمثل النظام السياسي الذي هو عضو من ضمن أعضاء الوفد الممثل لهذا النظام. وقد يكون من باب المصادفة أو المجاملة أن يتم التعريف بأسمه "المسيحي" وكتلته البرلمانية وقوميته "الأقلوية" – وهذه هي الكارثة -  ولكن لا يمكن له إطلاقاً طرح مواضيع سواء في المؤتمر الدولي أو الإجتماع الثنائي  تخص أمته ومشاكلها في العراق لأن وجوده ليس له صفة تمثيلها بل هو جزء لا يتجزاً من الوفد الذي يمثل النظام الذي جاء للتباحث أو عقد إتفاقيات بخصوص موضوع معين يهم النظام ككل وليس الكتل البرلمانية أو أقلية في العراق. هذا الأمر يترك إنطباعاً لدى الآخرين أو الدول الأخرى عندما يجدون بأن هناك مسيحي أو "كلداني سرياني آشوري" ضمن الوفد العراقي فيتصورن بأن النظام العراقي نظاماً ديموقراطياً مفتوحاً للجميع ويضمن حقوق الأقليات وإلا لما كان "المسيحي" عضواً في البرلمان أو وزيراً في الوزارة جاء ليمثل النظام ويدافع عنه. أي بعبارة أكثر فصاحة يكون مشاركة ممثل أمتنا في مثل هذا الوفد أو في البرلمان أو في الوزارة أحسن طريقة في شرعنة إستبدادية النظام العراقي تجاه أمتنا المسالمة وهو الأمر الذي يسعى إليه النظام. وهذا الأمر يذكرنا بسياسة النظام البعثي المقبور في العراق عندما كان يستغل "مسيحية" طارق عزيز أو يرسل وفود من رجال الدين إلى الفاتيكان أو إلى بعض الدول الأوربية أو يستدعي وفود مسيحية من أوربا والولايات المتحدة لزيارة العراق ليس إلا لغرض شرعنة نظامه الإستبدادي وبيان للعالم الغربي المسيحي بأنه نظام منفتح ومتنور يحارب نظام الظلام والإستبداد والتخلف في إيران كما كان يستغلهم في تخفيف العقوبات الإقتصادية والحصار الإقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق من جراء إحتلاله للكويت. هكذا في هذا اليوم يعاد إنتاج النظام السياسي الإستبدادي فتتطابق  صورة النظام الإستبدادي الحالي مع صورة النظام البعثي أن لم تكن أبشع منه.
ومن المؤسف أن يرى البعض من ممثلي أمتنا في هيئات النظام العراقي بأن الكرسي الجالس عليه سواء في البرلمان أو الحكومة يفسح المجال له أكثر للإلتقاء بكبار الشخصيات الدولية أو وزراء أو رؤساء دول كثيرة أثناء إنعقاد مثل هذه المؤتمرات والإجتماعات الدولية والعمل من خلال هذه اللقاءات لمصلحة الأمة ولكن طالما هو ضمن وفد عراقي ولغرض معين ومحدد مسبقاً فإن المنفعة أو مصلحة الأمة من مثل هذه اللقاءات غير واردة إطلاقاً. فعندما يترك ممثلي أمتنا لكراسيهم في نظام الحكم حينذاك سوف تتساءل هلاري كلنتون وبان كي مون وغيرهما عن أسباب ترك "المسيحيين" لكراسيهم في البرلمان والحكومة ويصبح هناك إحتمالاً كبيراً بأن يدركوا بأن النظام في العراق هو نظاماً دكتاتورياً طائفياً ولربما يفرضون ضعوطاً عليه مؤثرة في تغيير سياسته تجاه أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" عندذاك سوف نرفع قبعاتنا أحتراماً وتقديراً لممثلي أمتنا والذين سينتقلون من تمثيل هذه الأمة تحت قبة البرلمان وكابنية الحكومة إلى تمثيل الأمة في قلوب أبناءها وهو المنى الذي يتمناه كل حزب سياسي في العالم.
 وعلى العكس من هذا تماماً، ففي الماضي أستطاع الكثير من قادة أحزابنا سواء من الوطن أو المهجر ومنهم بعض من ممثلي أمتنا في البرلمان والحكومة الحالية وقبل أن يصبحوا أعضاء في هيئات النظام الحالي أن يلتقوا بكبار الشخصيات الدولية ورؤساء ووزراء دول من دون أن يكون لهم كراسي برلمانية أو حكومية وتمكنوا من طرح قضايا الأمة على هؤلاء مباشرة وبعضها كانت مثمرة لأنهم كانوا ممثلين للأمة وكانوا أحراراً غير مقيدين بقيود وتعليمات وفد النظام الإستبدادي، ويكفي هنا أن نشير إلى أعتراف حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في التسعينيات من القرن الماضي بالحركة الديموقراطية الآشورية بإعتبارها حركة عراقية وطنية مستحقة للدعم والمساعدات التي كانت تقدمها للقوى المعارضة لنظام صدام في العراق.
2.   من المؤكد بأن المشاركة في مثل هذه النظام وبهذه الصفات والمواصفات الشنيعة سوف تنسحب على ممثلي أمتنا وتلطغ سمعتهم وسمعة حزبهم وتاريخ نضالهم الطويل، وبالتالي ستكون خسارة كبيرة لأمتنا بشكل عام وخسارة أكبر لهم. فعاجلاً أو آجلاً سوف يفقدون أو تنحسر مكانتهم المحترمة وسمعتهم الجميلة التي ركنت في قلوب الكثير من أبناء أمتنا  وخاصة المثقفين منهم والتي أكتسبوها من خلال نضالهم وعملهم المضني وهم خارج البرلمان أو الحكومة. وهذا الأمر. فاليوم وصلت ثقة أبناء أمتنا باحزابنا وتنظيماتنا القومية إلى أدنى مستوى ويظهر بأن الخط البياني في تنازل رهيب ومستمر خاصة في هذه المرحلة التي أصبح أولى أوليات حياة الناس هو ضمان حياتهم وأمنهم وإستقرارهم، فبدون حياة مستقرة وآمنة لا يمكن إطلاقاً أن يكون لأكثرية الناس إهتماماً بالأمور القومية والسياسية وهذا هو أكبر سبب يدفع الناس لترك الوطن والهجرة إلى الخارج. والخشية الأكبر هي زيادة وتصاعد وبشكل مستمر تهمة حب الكراسي والمناصب والعمل من أجل المصلحة الشخصية وليس لمصلحة الأمة، ولعل حصر المناصب الوزارية تحديداً بأعضاء قيادة أحزابنا وفق ما سمي بـ "الإستحقاق السياسي" أمر يفهم ضمن هذا السياق. ومثل هذه التهم نسمعها ونتحسسها ونلمسها بشكل مباشر ويقلقنا جميعاً لأن الإنتخابات العامة القادمة ستكون كارثية ومعيبة بحق هذه الأمة إذا بقى الوضع كما هو من دون تغيير جذري وحقيقي في المواقف والسياسات ورمي الكراسي في وجوه قوى الظلام القابعة على السلطة في العراق والعودة إلى الجماهير والجلوس معها على بساط الأمة الممزق من دون كراسي ولا مناصب والإستماع إلي همومها ومشاركة أفراحها وأتراحها كما كانوا في السابق.
3.   وعلى مستوى الداخلي لمثلي أمتنا نرى بأنهم يستهلكون طاقاتهم الفكرية والشخصية ووقتهم  إستهلاكاً فضيعاً من خلال "نضالهم" في الأروقة المظلمة للنظام العراقي ودخولهم في معاركة خاسرة مسبقاً ومن دون نتائج ملموسة ومثمرة وبالتالي خسارة الأمة لكوادرها السياسية والتي نحن بأمس الحاجة إليها لنضال آخر مثمر. وبصراحة وأسفاً أقول عندما أقرأ أو أسمع محاولات بعض ممثلي أمتنا سواء في البرلمان أو مجلس الوزراء في طرح مقترحات ومشاريع قانونية أو تنظيمية تخص مصلحة أمتنا السياسية ويسعون جاهدين في إقناع "الشيطان" القابع في هذه الهيئات البرلمانية والحكومية لقبولها (الإقتتال على الكرسي التاسع لمفوضية الإنتخابات نموذج طازج) يثير فينا الكثير من التساؤلات والحيرة. فبلأمس كان "ممثل" أمتنا في البرلمان ينعت النظام وهيئاته البرلمانية والحكومية بأشنع النعون في عدم المساوة والإستبداد وتهميش حق أمتنا السياسي واليوم يطلب من هذا "الشيطان" أن يوافق على مقترحاته ومشاريعه؟؟؟ لا أدري فيما إذا كان "ممثل" أمتنا يدرك طبيعة هذا "الشيطان" الرافض مسبقاً ليس لمطلب من ممثل "الكلدان السريان الآشوريين" بل هو رافض أصلا لوجود هذه الأقلية وحقها في العيش بسلام وأمن في وطنها التاريخي. أنا أشك في جهالة ممثلي أمتنا بخصوص طبيعة هذا "الشيطان" بل لهم دراية ومعرفة وبدرجة إمتياز بهذه الطبيعة وهذا الأمر يقودنا مجبرين أن نقول بأنه لم يبقى مبرر لهذا "النضال من فوق الكراسي" إلا أن يكون نوع من "عرض عضلات" لأبناء أمتنا المبتلية بالنظام السياسي في العراق وبيان لهم بأنهم يعملون ليل نهار من أجل هذه الأمة وليسوا "عطالين بطالين" عن العمل وقد يكون هذا تبريراً شرعياً للراتب المجزي الذي يدخل جيوبهم!!
 
ربما يجد البعض بأن مثل هذا طرح هو من الإفكار الفانتازية والخيالية التي لا تنتج أية نتيجة وليس هناك بديل لهذه المشاركة.  ولكن بالمقابل نقول بأن إستغلال طغاة النظام العراقي لوجود أبناء أمتنا معهم ومشاركتهم في شرعنة طغيانهم أمر معيب يترتب عليه نتائج خطيرة على مستوى ثقة جماهيرنا بأحزابنا السياسية ويزيد من أحباطهم وأبتعادهم عن المسائل القومية والسياسية. وحتى نتجنب مثل هذه النتائج الخطيرة يمكن أن نطرح خطة عمل مبسطة في شكلها ولكن تحقيقها قد تصطدم بأمور أخرى وفي مقدمتها المصالح الحزبية الضيقة والمميتة والتجاذبات السياسية الخارجية والأكثر خطورة المصالح الشخصية والنفعية، ولكن مع هذا نطرح مايلي:

1.   قبل كل شيء أو التأكيد بأن الإشارة الواردة في هذا الموضوع إلى كون هؤلاء فعلاٌ "ممثلي أمتنا" تنحصر في كونهم قانونياً ورسميا ممثلين للأمة طالما تم إنتخابهم بشكل قانوني ورسمي. أما كونهم ممثلين للأمة صميماً وعملياً فهذا مرتبط بمدى الإنجازات التي حققوها أو التي سيحققونها لهذه الأمة. صحيح نحن أمة واحدة عرفت رسمياً وسياسياً بـ "الكلدان السريان الآشوريين" وأنه من الطبيعي أن يكون هناك خلافات وتناقضات بين أبناءها كما هو الحال مع الأمم الأخرى ولكن هناك أمراً واحداً وجوهرياً لا خلاف عليه إطلاقاً وهو مصير هذه الأمة والتحديات الماحقة التي تهدد وجودها القومي والديني في العراق ومن يختلف على هذا الأمر فهو ليس واحداً من أبناء هذه الأمة، ولا أعتقد أحد من ممثلي أمتنا سواء في البرلمان المركزي أو الإقليمي أو في الحكومتين المركزية والإقليمية أن يقبل على نفسه أن لا يكون من أبناء هذه الأمة وإن قبل فهو بدون أصل وعلى قاعدة (من نكر أصله فلا أصل له). من هنا نقول بأن مصير الأمة في خطر وأن وجودها القومي والديني مهدد تهديداً مميتاً وعلى هذا الأساس فإن على ممثلي أمتنا في هذه الهيئات واجباً مقدساً يتمثل في توحيد كلمتهم حول هذا الموضوع، كحد أدنى للإثبات بانهم ينتمون كلهم إلى أمة واحد، وأن يكون لهذا التوحد رد فعل يقوم على التنسيق بينهم وتقديم إستقالتهم في يوم محدد مسبقاً مع بيان الأسباب الموجبة لهذه الإستقالة مستندة على عجز الحكومة والبرلمان في رفع الغبن والظلم عن أمتنا وعدم قدرتها على إزالة التحديات المميتة التي تهدد وجود أمتنا في الوطن.
2.   بعد تقديم الإستقالة يتم التنسيق بين ممثلي الأمة وعقد إجتماعات بينهم لتشكيل جبهة موحدة بهذا الشأن لتحول النضال من الكراسي إلى الجماهير وإلى تحريكها وزجها في العملية السياسية الجماهيرية. وسيكون خروج جماهير أمتنا في مسيرات إحتجاجية في الوطن والمهجر، طبعاً بعد التنسيق، مما سيترك ذلك ردود فعل على الساحة الدولية خاصة في بلدان المهجر، وسيكون ذلك عاملاً وزخماً قوياً في دعم النضال الجديد لأحزابنا السياسية في الوطن وبث روح المسؤولية في الجماهير تجاه المساءل القومية والمصيرية والتي في نهاية المطاف ستصب في تنامي زخم الإندفاع نحو الإنتخابات البرلمانية القادمة وإثبات وجود أمتنا في أرض الوطن رغم أنوف الظلم والإستبداد والإرهاب.
3.   من الملاحظ في السنوات القليلة الماضية تنازل أهتمام أبناء أمتنا في المهجر بالمساءل السياسية القومية إلى أدنى درجاته والذي أنعكس بشكل مباشر في ضعف أو إختفاء المؤسسات السياسية والإجتماعية من على الساحة السياسية ولعل أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو فقدان ثقتها بالأحزاب السياسية في أرض الوطن وبممثليها في هيئات الحكم العراقي وتركيز إهتمام الناس بأفراد عوائلهم في الوطن والبحث عن سبل لتخليصهم من المأساة والظلم والكبح والإرهاب الذي يعانونها والسعي للإلتحاق بهم في المهجر. فهناك إحتمال كبير بإستقالة ممثلي "الكلدان السريان الآشوريين" من هيئات نظام الحكم والقيام بحملة واسعة في فضح الممارسات الإستبدادية السياسية والقانونية والفكرية والديموغرافية بحق أمتنا في الوطن سوف يشحذ غيرة وهمة وفاعلية أبناء أمتنا في المهجر وسيقومون بنشاطات وستكون حتماً مؤثر على الرأي العام وعلى صناع القرار السياسي للدول الكبيرة، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي لها علاقات وتأثيرات على النظام السياسي في العراق.
 
ولكن مع كل هذا أليس من حق هذا البعض الذي يتهمنا بالفنتازية والخيالية في مثل هذا الطرح ونحن نسمع ونقرأ عن إقتتال "الأخوة الأعداء" الإعلامي في بيت "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية"، وهم ممثلي أمتنا في البرلمان حول تصريح معين في مسألة داخلية بسيطة أو السعي لإنتزاع منصب حكومي والركض وراء "مكارم" النظام الإستبدادي وأبناء أمتنا يحترقون ظلماً وإستبداداً ويحزمون حقائبهم للهروب من الوطن نحو الخارج؟؟؟ فكيف والحال مع هؤلاء في الإتفاق مع موضوع الإستقالة وهو موضوع حساس ومصيري بالنسبة لكراسيهم وجيوبهم؟؟.
وأخيراً نقول بسبب الفقر المدقع للفكر النقدي في مجتمعنا وشحة الثقافة السياسية المبنية على الرأي والرأي الآخر  وفهم الإختلاف وتفريقه عن التجريح والتهجم الشخصي، سوف يرى البعض بأن الكتابة في مثل هذه المواضيع الحساسة هو تدخل في شؤون ممثلي أمتنا ونحن قابعون في بيوتنا الدافئة في بلدان المهجر وبالتالي يسلبون حقنا في بيان رأينا في مسائل تهم مصير أخوتنا وأخواتنا في أرض الوطن. ولكن نقول من دون أي تردد أو مجاملة بأن الغرض من كتابة مثل هذه المواضيع ليس إلا الشعور بالحد الإدنى بواجبنا في الأهتمام ولو فكرياً ومن وراء البحار بمصير أمتنا في الوطن، ولا أخفي القول بأن الإفصاح عن مثل هذه المساءل هو راحة لضميرنا الحي والمستجد الذي يفرض علينا أن لا ندفنها معنا تحت التراب بل أن ننشرها لأبناء أمتنا، فعسى ولعل يكون هناك من يسمع ويستفيد من مثل هذه الأفكار والطروحات وأن كان تطبيقها خسارة كرسي أو مال ولكن من المؤكد بأنها ربح لحب وثقة جماهير أمتنا، "فماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟" ( متى 16-26).   

72

مشاركة الأحزاب "الكلدانية السريانية الآشورية" في نظام الحكم العراقي
حقيقية نافعة أم شكلية مضرة  ؟؟!!
------------------------------------
                                                                                                                                أبرم شبيرا
توطئة
في مقال سابق وتحت عنوان (أين "ممثلي أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية"من عملية هارا كاري اليابانية) والمنشور في الأعداد السابقة لموقع عنكاوه دوت كوم الموقر طرحنا فكرة ترك ممثلي أمتنا للكراسي البرلمانية والحكومية في العراق لكونها لا تستفيد من هذه المشاركة بل المستفيد الأول والأخير هم القوى الطائفية والمصلحية والسلطوية المتربعة على الحكم في العراق وذلك عن طريق التبجح بـ "ديمقراطيتها" وتعدديتها من خلال مشاركة "المسحيين" معهم في الحكم.
غير أنه يظهر بأن بعض من أبناء أمتنا سواء المعنيين مباشرة بهذا الموضوع أو غير المعنيين بشكل مباشر كأن يكونون من المنتمين للأحزاب التي لها ممثلين في البرلمان والحكومة، لم يعجبهم الموضوع ولم يتفقوا مع الطرح الوارد فيه، وهذا حق لا غبار عليه، لا بل وجده البعض بأنه حالة ميؤسة منها لا بديل غير المشاركة في الحكم والإستمرار في "النضال" من تحت قمة البرلمان وأروقة مجلس الوزراء حتى نيل حقوق أمتنا المشروعة. فوجود ممثل "للكلدان السريان الآشوريين" في البرلمان أو الحكومة يكون أكثر قدرة على العمل السياسي والتأثير لنيل الحقوق من أن يكون خارج البرلمان أو الحكومة. وقد تكون أسباب الرفض لهذه الفكرة من قبل هؤلاء أما بسبب الفقر السياسي وضعف الوعي القومي بمصلحة الأمة، ولكن بالمقابل نحن نعرف جميعاً بأن معظم الذين خصهم الموضوع هم على دراية عالية من الثقافة السياسية والوعي القومي والخبرة في النضال القومي. أو قد يكون بسبب جهل أو تجاهل ممثلي أمتنا بأن العمل السياسي مع نظام طائفي إستبدادي مضيعة للوقت والجهود والسمعة أيضا، أو قد يكون السبب الخسارة المالية لهم التي ستنتج من جراء ترك كراسي السلطة أو قد تكون لأسباب أخرى قد تنحصر في إطار "سري للغاية"  ونحن القابعون في رفاهية الإغتراب لا نعرف منها شيئاً غير الثرثرة ودس أنوفنا في شؤون أبناء أمتنا في الوطن. فسواء أكان السبب هذا أو ذاك في رفض الفكرة، فإن زيادة التوضيح عن الموضوع أستوجب كتابة هذه السطور والتي لم يكن المجال متسعاً لها في الموضوع السابق وذلك حرصا على عدم الإطالة والرتابة . لذا سنبين هنا وبموضوعية غير إنحيازية وعلى أسس علمية معروفة في المشاركة السياسية مدى فائدة مشاركة "الكلدان السريان الآشوريين" في هيئات الحكم في العراق  رغم أنه سوف يظهر بأن هذا الموضوع هو تحصيل حاصل للموضوع السابق ومكمل أو بالأحرى مؤكد له.
     
مشاركة الأقليات في السلطة السياسية:
سبق في أكثر من مناسبة وذكرنا بأن من أبجديات علم السياسة في تعريف الحزب السياسي في أبسط معانيه هو "مجموعة من الأفراد يخضعون لتنظيم معين ويؤمنون بأفكار معينة ويسعون لتحقيقها عن طريق الوصول إلى السلطة". إذن، بهذا التعريف المسبط للحزب، يمكن القول بأنه يقوم على أربعة مقومات وهي (1) الأعضاء أو الكوادر (2) الفكر أو الإيديولوجيا (3) التنظيم أو النظام الداخلي، وأخيراً والأهم (4) السعي للوصول إلى السلطة السياسية. المقومات الثلاثة السالفة الذكر تنطبق على معظم التنظيمات بما فيها جماعات الضغط والنقابات والجمعيات والأندية والأخويات وغيرها كثيرة ولكن تفتقر إلى المقوم الرابع إذ ليس لها رغبة أو هدف أو مسعى للوصول إلى السلطة السياسية فعوضاً عن ذلك فإنها  تمارس ضغطاً على الحكومة ومراكز صنع القرار السياسي من أجل تحقيق مصالحها. وبعكس هذا فإذا سعى أي تنظيم من هذه التنظيمات للوصول إلى السلطة السياسية لغرض تحقيق أهدافه فأنه في هذه الحالة يتحول إلى حزب سياسي مهما كان أسمه سواء أكان حركة أو جبهة أو جمعية  أو نقابة مهنية أو حتى نادي إجتماعي. هذه البديهية في نظرية الأحزاب السياسية كانت تنطبق على المنظمة الآثورية الديمقراطية (مطكستا) في سوريا وعلى الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) قبل سقوط نظام البعث في العراق. فالأولى أستطاعت في سنوات مضت أن تدفع بمرشحها للإنتخابات البرلمانية والفوز بمقعد لها في البرلمان السوري. كما أستطاعات الحركة الديموقراطية الآشورية الفوز بأربعة مقاعد لها من خمسة المخصص "للكلدان السريان الآشوريين - المسيحيين" في برلمان إقليم كردستان في العراق في بداية التسعينيات من القرن الماضي، لهذا السبب لم يكن لهم في تلك الفترة أحزاب سياسية حقيقية بالمعنى العلمي المعروف غير مطكستا وزوعا.

أن أحد أوجه أو تفسيرات مبدأ حق تقرير المصير للشعوب والأمم، خاصة بالنسبة للأقليات التي لا تتوفر فيها مقومات كاملة وظروف سياسية مناسبة في أقامة دولة قومية خاصة بها، هو مشاركة ممثلي الأقليات  في السلطة السياسية للدولة وفي عملية صنع القرار السياسي وعلى شرط مهم جداً وهو أن تكون هذه المشاركة حقيقية فاعلة وليست رسمية وشكلية فقط. (للإستزادة عن هذا الموضوع أنظر كتيبنا المعنون (حقوق الآشوريين السياسية في العراق في ضوء حق تقرير المصير، دار عشتار للطباعة والترجمة والتصميم - لندن، 1996). وبطبيعة الحال فإن مثل هذه المشاركة الحقيقية والفاعلة لا يمكن أن تتحقق ما لم يكن النظام السياسي للدولة نظاماً ديمقراطياً يؤمن إيماناً مبدئيا وفكريا بالتعددية وبحقوق الأقليات وأن يكون رجال الحكم والسياسة يمتلكون عقلية منفتحة تجاه الآخر المختلف و يضعون مصلحة الوطن فوق جميع الإعتبارات الشخصية والطائفية والحزبية. فإذا لم يتوفر مثل هذا الشرط الأساسي، حتى ولو كان دستور البلاد يقر بالديمقراطية والتعددية وبحقوق الأقليات، فإن مشاركة الأقليات تصبح مشاركة رسمية وشكلية لا تجدي نفعاً، لا بل قد تصبح مثل هذه المشاركة وبالاً على هذه الأقلية وتستغل من قبل الأكثرية الحاكم الفعلي والمطلق في هيئات الحكم ودوائر صنع القرار السياسي.

في سوريا لم يكن النظام السياسي يؤمن بالمبادئ المار ذكرها ولم يكن النظام ديمقراطياً لذلك لم تستطيع المنظمة الآثورية الديمقراطية من تحقيق أي هدف لأبناء أمتنا من خلال مشاركة ممثلها في البرلمان رغم شعبيتها الواسعة وتحقيق أهداف قومية في تنمية الوعي والتمسك بالثواب القومية والحضارية وهي خارج البرلمان. أما في إقليم كردستان العراق وتحديداً قبل سقوط النظام البعثي فقد كانت حكومة الإقليم تفسح هامشاً ضيقاً من الحرية والديمقراطية لأبناء أمتنا لمارسة حقوقها. حيث كانت الظروف الإقليمية والدولية تفرض على حكومة الإقليم أن تتطبع بنوع من الديموقراطية والإقرار بحقوق الآخرين لتكون عوامل أو مواصفات تصلح لمقارنة "ديموقراطيتها" بالنظام الدكتاتوري في بغداد كما كانت الحركة الكردية في تلك الفترة الحرجة والصعبة بحاجة إلى كل القوى السياسية المعارضة للنظام الإستبدادي في بغداد فكانت الجبهة الكردستانية التنظيم السياسي الشامل لهذه القوى والتي شاركت معهم أيضا الحركة الديموقراطية الآشورية. لهذا السبب أستطاعت الحركة الديمقراطية الآشورية بمشاركة ممثليها في برلمان الإقليم أن تقوم بنضال مستميت ضمن هذا الهامش الديمقراطي الضيق وأن تحقق إنجازات عملية وعلى أرض الواقع وبعضها عظيمة وتعتبر الأول من نوعها في تاريخنا الحديث وهو التعليم السرياني.

بعد سقوط النظام البعثي في العراق عام 2003 وإزاحة الكابوس من الساحة السياسية ووصول قوى سياسية مختلفة الأفكار والمشارب والتوجهات إلى السلطة وذو خلفيات فكرية من طائفية ودينية وإستبدادية وسلطوية ومن ثم صدور دستور أو دستور مؤقت فيه بعض الكلمات والسطور عن الديمقراطية والإنتخابات والتعددية وغيرها من الكلمات الرنانة في هذا السياق، بدأت التنظيمات "الكلدانية السريانية الآشورية" تظهر على السطح السياسي كما تأسست أحزاب سياسية جديدة، خاصة من السواد الأكبر (الكلدان) من أبناء أمتنا، فدب في هذه الأحزاب والتنظيمات، سواء أكانت فعلاً أحزاب سياسية أو جمعيات إجتماعية أوإتحادات ثقافية نوع من الرغبة الجامحة والسعي للوصول إلى كراسي البرلمان والحكومة التي خصصت لأبناء أمتنا وعن طريق ترشيح ممثلين عنها للإنتخابات البرلمانية أو للمناصب الحكومية، أي بهذا السلوك أو المسعى فقد توفر في هذه التنظيمات المقوم الرابع (السعي للوصول إلى السلطة السياسية) من مقومات تكوين الأحزاب السياسية السالفة الذكر وبالتالي يمكن أن نطلق عليهم، على الأقل من الناحية النظرية، أحزاب سياسية حتى ولو كانت تسميتها غير ذلك أو لنظامها الداخلي وسائل لتحقيق أهدافها تختلف كلياً عن وسيلة الوصول إلى السلطة السياسية.

نظام الكوتا والمشاركة في هيئات نظام الحكم في العراق :
نسطر هنا سطور قليلة عن موضوع "الكوتا" الذي بموجبه خصص مقاعد في البرلمان أو أحدى الوزارات الهامشية والخدمية  "للكدان السريان الآشوريين" وشاركوا من خلال الكوتا في الإنتخابات والوصول إلى هيئات نظام الحكم. أن نظام الكوتا لا وجود له في العالم الديمقراطي بل هو نتاج الأنظمة السياسية اللاديمقراطية، خاصة في بعض بلدان العالم الثالث، التي لا تستطيع ضمان فوز الأقليات في الإنتخابات ومشاركتهم في النظام السياسي بسبب الفقر الثقافي الذي يهمن على البلد في مجال الديموقراطية وحقوق الإنسان وعدم وجود ممارسات ديموقراطية نزيهة وإفتقار الأقليات إلى وسائل التأثير تستطيع من خلالها ضمان نجاحها والوصول إلى هيئات الحكم. أي بعبارة أخرى يمكن القول من حيث المبدأ النظري بأنه نظام لا ديمقراطي في ظل مفهوم الديموقراطية الصحيحة ولكن من ناحية أخرى فهو وسيلة "ديموقراطية" في مثل هذه الظروف اللاديمقراطية في بلد لا خلفية له أو ممارسات ديموقراطية أو هو في طور إقامة نظام ديمقراطي يوفر النظام للأقليات هذه الوسيلة (الكوتا) لكي يضمن وصولهم إلى هيئات الحكم ويشاركوا مع الأكثرية التي تكون هي فعلاً وحقيقة مسيطرة على مقدرات الحكم. ونظام الكوتا شكل يتناسب مع نظام المحاصصة ويتماشى معه ويقترب من مفهوم "الديموقراطية التوافقية" الذي لا وجود لها في عالم السياسة فهو من إختراعات الأنظمة السياسية لبلدان العالم الثالث التي لا تعترف بمعارضة الحكومة ومراقبتها.  ومن الملاحظ بأنه حتى هذا النظام (الكوتا) المخصص "للمسيحيين" في العراق تعرض للإبتزاز والإساءة والتزوير، إذ نرى بأن بعض الأحزاب العراقية، خاصة الكردية منها، تدفع بأحد أو أكثر من أبناء أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" المنتمين لهذه الأحزاب لترشيح نفسه حسب نظام الكوتا وإذا فاز في الإنتخابات سيكون صوتاً وممثلاً للحزب الذي ينتمي إليه وليس للكلدان السريان الآشوريين، ولكن من حيث الشكل وفي عين هذا الحزب والعالم هو ممثل هذه الأقلية ويستغل هذا الحزب وجوده وإنتماءه المسيحي والقومي لبيان مدى ديموقراطيته وإنفتاحه على الآخر المختلف!!.  كما أن عدم حصر تصويت أبناء أمتنا لممثلي الأحزاب "الكلدانية السريانية الآشورية" فقط هو نوع آخر من التزيف والتزوير لنظام الكوتا ويجرده من أساسه الضامن لوصول الممثلين الحقيقيين للأقليات إلى هيئات الحكم ومن ثم تعرضه للإستغلال والإساءة من قبل الأحزاب الكبيرة والمهيمنة.

شارك ممثلو الأحزاب "الكلدانية السريانية الآشورية" في الإنتخابات العامة للبرلمان على أساس نظام الكوتا والتي بموجبه خصص خمسة مقاعد "للمسيحيين" في البرلمان المركزي وخمسة أخرى في البرلمان الإقليمي الكردستاني لكي يتنافسوا بينهم عليها وفقاً للقواعد والأنظمة الموضوعة بهذا الشأن. وإذا فاز أي حزب بأكثرية هذه المقاعد (أي ثلاثة مقاعد فما فوق) يكون كرسي الوزارة المخصص "للمسيحيين" من حصته. وعلى هذا الأساس فازت الحركة الديموقراطية الآشورية بثلاثة مقاعد في البرلمان المركزي والإثنان الآخران فاز بها المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري، وبالتالي أصبح من حق الحركة الديمقراطية الآشورية تعيين أحد أعضاء قيادتها بمنصب الوزير المخصص للمسيحيين – وزارة البيئة، على قاعدة ما سمي بـ "الإستحقاق السياسي". كما فاز المجلس الشعبي الكلداني السرياني بثلاثة مقاعد في البرلمان الكردستاني والإثنان الآخران فازت بها الحركة الديمقراطية الآشورية، وبالتالي أصبح من حق المجلس الشعبي تعيين أحد أعضاء قيادته بمنصب الوزير المخصص للمسيحيين – وزارة النقل والمواصلات وعلى نفس القاعدة التي أطلق عليها بـ "الإستحقاق السياسي". إذن وطبقاً لهذه المشاركة في الحكم سواء في المركز أم في الأقليم ووصولهم إلى مراكز صنع القرار السياسي  يظهر بأنه، ولو من حيث الشكل، قد تحقق حق تقرير المصير لأمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" وفقاً لمفهوم هذا الحق فيما يخص الأقليات والمذكور في أعلاه. ولكن بالرغم من هذه المشاركة يجب أن لاننسى موضوع ديموقراطية النظام السياسي كشرط أساسي وجوهري في ضمان فعاعلية وصدقية هذه المشاركة وتحقيق الهدف المتوخاة منها.

طبيعة نظام الحكم والمشاركة فيه:
لقد أصبح الحديث عن مدى فساد هيئات النظام العراقي وعدم ديموقراطيتها وإستبداد المسيطرين عليها تجاه الآخر المختلف نوع من التكرار والإطناب الممل وكمن يكرر وبإستمرار في كون الأرض كروية الشكل. وإذا كنا نحن القابعين في رفاهية الإغتراب لا نتعايش مع هذا الفساد والإستبداد ولا نتحسس به بشكل مباشر فمن دون شك فإن ممثلي أمتنا في البرلمان أو الحكومة يتعايشون معها ويتحسسون بها لذلك لا تمر مناسبة وإلا ينتقدوا ويهاجموا سواء الحكومة أو البرلمان أو القوانين والأنظمة التي تصدرها والتي تخص حقوق أمتنا في العراق، ولم أسمع يوماً واحداً أحد ممثلي أمتنا في البرلمان يثمن دور الحكومة أو البرلمان في ضمان حقوق هذه الأقلية الأصيلة للعراق. أي بعبارة أخرى هناك إطلاق في الرأي في فساد هيئات الحكم في العراق وإستبداديتها وطائفيتها في التعامل مع الآخر المختلف، وخاصة مع أبناء أمتنا. وليس أدل على هذا الظلم والإستبداد الذي يفرضه القابعون على السلطة في العراق تجاه أبناء أمتنا غير أن نتحسس ونلمس الإحباط واليأس في العراق والتدهور في مجمل الحياة العامة خاصة المتعلقة بالحفاظ على الوجود القومي والديني لأبناء أمتنا في أرض أباؤهم وأجدادهم وتصاعد وتيرة الهجرة إلى الخارج، وقائمة الظلم والإستبداد وهضم أبسط حقوق أمتنا طويلة ولا تنتهي. ولما كان أعضاء البرلمان العراقي أو وزراء مجلس الوزارة أو حتى مجالس المحافظات قائمة على محاصصة طائفية ضيقة مقيدة بعقلية متخلفة سياسياً وديموقراطياً ومطوقة بثوابت مذهبية طائفية وسلطوية غير قادرة على فهم طروحات ومطامح الآخر المختلف فإنه من الإستحالة أن يكون لخمسة أعضاء في مثل هذا البرلمان أو وزير في كذا مجلس الوزراء، سواء في المركز أو الإقليم، أي دور فاعل ومؤثر على الإتجاهات المهيمنة على هذه الهيئات. لهذا السبب فإن مطالبة قيادة أحزابنا من هؤلاء زيادة (الكوتا) إلى عدد أكبر ليست إلا صرخة في اذان طرشاء. ويكفي هنا أن نشير إلى القائمة العراقية التي لها أعضاء في البرلمان مقارب إلى عدد أعضاء قائمة دولة العراق (الأكثرية) ولكن ما تعانيه من تعسف وغبن من قبل هذه الأكثرية يعد نموذجاً أكثر وضوحاً في مدى طائفية النظام وإستبداديته تجاه الآخر المختلف. فكيف والحال مع الأقلية "الكلدانية السريانية الآشورية – المسيحية" التي تختلف لا بل تتناقض مع عقلية وثقافة المتحكمين على هيئات الحكم في العراق من نواحي عديدة دينية وثقافية ولغوية وحتى حضارية ونفسية؟؟   

هذا الأمر هو الذي فرض وضعاً أجبر الناس على القيام بمقارنة بين نظام صدام الدموي والنظام الحالي ليستنتجوا بأن نظام صدام كان "أرحم" بكثير من النظام الحالي ... ياللمهزلة... وأن النظام الحالي والقابعون على سلطته أكثر دموية وإستبدادية ووحشية من نظام صدام. فإنطلاقاً من هذه الحالة الميؤسة يتساءل الكثيرون من أبناء أمتنا: كم كنيسة فجرت ودمرت عن بكر أبيها في زمن صدام وكم مطران ورجل دين مسيحي أو علماني خطف أو قتل أو أغتيل في زمن صدام وكم صورة بطريرك أكبر كنيسة في العراق سحقت تحت أقدام أزلام النظام ... وكم .. وكم... ؟؟؟ فهذه المهزلة أوصلت الأمر في العراق إلى درجة أن يكون نظاماً وحشياً دموياً كنظام صدام "أرحم" من النظام الحالي بحيث وضع الإنسان في موقف يظهر فيه بأن هناك تبريراً لجرائم نظام البعث في العراق. ومما يثير الإشمئزاز تصريحات بعض من ممثلي أمتنا وقادة أحزابنا في القول بأن الجرائم في العراق سواء من الحكومة أو الإرهابيين الذين لهم إمتدادات في أروقة البرلمان والحكومة وفي القوات المسلحة تصيب الجميع دون تمييز وليست حصراً على المسيحيين فقط، فأن دل مثل هذا التصريح على شيء فأنه يدل على الغباوة السياسية وتدني مستوى الوعي القومي لديهم وغشاوة الرؤية لمستقل أمتنا في العراق أن لم تكن تغليب منافعهم الشخصية من جراء جلوسهم على كراسي البرلمان أو الحكومة على حساب مأساة الأمة.  فالجرائم بأشكالها الجسدية والفكرية والسياسية والقانونية والديموغرافية (للعلم جرائم ديموغرافية مصطلح جديد يمكن أن نضيفه على قاموس الجرائم ضد أمتنا) بحق "الكلدان السريان الآشوريين" هو تهديد خطير ومباشر لوجودهم التاريخي القومي والديني في العراق ويقلعهم من جذورهم في حين ليس الأمر كذلك بالنسبة لبقية القوميات المسلمة فالتهديد لهم هو أما لشخص أو عدد من الأشخاص أو لطائفة معينة أو لتصفية حسابات سياسية وطائفية، وليس للأمة أو الدين الذي ينتمون إليه وبالتالي ليس تهديداً ماحقاً لوجودهم القومي والديني في العراق كما هول الحال مع"الكلدان السريان الآشوري" المسيحيين. 
من كل ما تقدم يمكن القول بأن مشاركة ممثلي أبناء أمتنا في هيئات مثل هذا النظام في العراق لا يحقق حتى أدنى مطاليبهم طالما ليس ديموقراطياً بل نظاماً إستبدادياً طائفياً وسلطوياً ولا يتحقق مفهوم حق تقرير المصير بخصوص الأقليات، كما أسلفنا سابقاً، لأن النظام لا يملك الحد الأدنى من الديموقراطية.

نتائج المشاركة في هيئات الحكم:
 لاشك فيه بأن المشاركة في هيئات الحكم هي، على الأقل من الناحية الشكلية، وسيلة معروفة في عالم السياسة لتحقيق الأهداف وكما بينًا سابقاً في مسعى الأحزاب للوصول إلى السلطة، ولكن لتحقيق النتائج المرجوة من مشاركة الأقليات يستوجب شرطاً أساسياً ومهماً هو أن يكون النظام ديموقراطياً يقر ويعترف بالآخر المختلف فبدون هذا الشرط الأساسي تصبح مشاركة الأقليات وبالاً وكارثة على الأمة التي يمثلها ممثلين عنها في النظام السياسي، كما أسلفنا في أعلاه. ولما كان النظام العراقي إستبدادياً من الدرجة الأولى وطائفياً بإمتياز والمتحكمون عليه يتصفون بعقلية ذات مواصفات قرون وسطية فإن مشاركة ممثلي أمتنا في مثل هذا النظام هو وبالاً وكارثة على أمتنا. ونتائج مثل هذه الكارثة يمكن إختصارها بما يلي:
1.   شرعنة إستبدادية النظام العراقي والسلوكيات الهمجية للقابعين على سلطة هذا النظام من خلال مشاركة ممثلي أمتنا معهم تحت قبة البرلمان أو كابينة الوزارة. فالسياسة، وتحديداً السياسة الخارجية والعلاقات الدولية لا تتعامل مع الكتل الموجودة داخل البرلمان بل مع البرلمان ككل وكهيئة واحدة موحدة لها شخصيتها القانونية في تمثيل الدولة وتوقيع المعاهدات والمواثيق وغيرهما والحالة تنطبق أيضا على مجلس الوزراء وغيره من الهيئات الحكومية الأدنى. فعندما يشارك ممثل أمتنا في البرلمان أو الحكومة ضمن وفد إلى خارج العراق سواء لحضور مؤتمر دولي أو إقليمي أو لعقد إجتماع ثنائي مع دولة أخرى، فأنه لا يمثل كتلته البرلمانية أو الأمة التي ينتمي إليها بل يمثل النظام السياسي الذي هو عضو من ضمن أعضاء الوفد الممثل لهذا النظام. وقد يكون من باب المصادفة أو المجاملة أن يتم التعريف بأسمه "المسيحي" وكتلته البرلمانية وقوميته "الأقلوية" – وهذه هي الكارثة -  ولكن لا يمكن له إطلاقاً طرح مواضيع سواء في المؤتمر الدولي أو الإجتماع الثنائي  تخص أمته ومشاكلها في العراق لأن وجوده ليس له صفة تمثيلها بل هو جزء لا يتجزاً من الوفد الذي يمثل النظام الذي جاء للتباحث أو عقد إتفاقيات بخصوص موضوع معين يهم النظام ككل وليس الكتل البرلمانية أو أقلية في العراق. هذا الأمر يترك إنطباعاً لدى الآخرين أو الدول الأخرى عندما يجدون بأن هناك مسيحي أو "كلداني سرياني آشوري" ضمن الوفد العراقي فيتصورن بأن النظام العراقي نظاماً ديموقراطياً مفتوحاً للجميع ويضمن حقوق الأقليات وإلا لما كان "المسيحي" عضواً في البرلمان أو وزيراً في الوزارة جاء ليمثل النظام ويدافع عنه. أي بعبارة أكثر فصاحة يكون مشاركة ممثل أمتنا في مثل هذا الوفد أو في البرلمان أو في الوزارة أحسن طريقة في شرعنة إستبدادية النظام العراقي تجاه أمتنا المسالمة وهو الأمر الذي يسعى إليه النظام. وهذا الأمر يذكرنا بسياسة النظام البعثي المقبور في العراق عندما كان يستغل "مسيحية" طارق عزيز أو يرسل وفود من رجال الدين إلى الفاتيكان أو إلى بعض الدول الأوربية أو يستدعي وفود مسيحية من أوربا والولايات المتحدة لزيارة العراق ليس إلا لغرض شرعنة نظامه الإستبدادي وبيان للعالم الغربي المسيحي بأنه نظام منفتح ومتنور يحارب نظام الظلام والإستبداد والتخلف في إيران كما كان يستغلهم في تخفيف العقوبات الإقتصادية والحصار الإقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق من جراء إحتلاله للكويت. هكذا في هذا اليوم يعاد إنتاج النظام السياسي الإستبدادي فتتطابق  صورة النظام الإستبدادي الحالي مع صورة النظام البعثي أن لم تكن أبشع منه.
ومن المؤسف أن يرى البعض من ممثلي أمتنا في هيئات النظام العراقي بأن الكرسي الجالس عليه سواء في البرلمان أو الحكومة يفسح المجال له أكثر للإلتقاء بكبار الشخصيات الدولية أو وزراء أو رؤساء دول كثيرة أثناء إنعقاد مثل هذه المؤتمرات والإجتماعات الدولية والعمل من خلال هذه اللقاءات لمصلحة الأمة ولكن طالما هو ضمن وفد عراقي ولغرض معين ومحدد مسبقاً فإن المنفعة أو مصلحة الأمة من مثل هذه اللقاءات غير واردة إطلاقاً. وعلى العكس من هذا تماماً، ففي الماضي أستطاع الكثير من قادة أحزابنا سواء من الوطن أو المهجر ومنهم بعض من ممثلي أمتنا في البرلمان والحكومة الحالية وقبل أن يصبحوا أعضاء في هيئات النظام الحالي أن يلتقوا بكبار الشخصيات الدولية ورؤساء ووزراء دول من دون أن يكون لهم كراسي برلمانية أو حكومية وتمكنوا من طرح قضايا الأمة على هؤلاء مباشرة وبعضها كانت مثمرة لأنهم كانوا ممثلين للأمة وكانوا أحراراً غير مقيدين بقيود وتعليمات وفد النظام الإستبدادي، ويكفي هنا أن نشير إلى أعتراف حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في التسعينيات من القرن الماضي بالحركة الديموقراطية الآشورية بإعتبارها حركة عراقية وطنية مستحقة للدعم والمساعدات التي كانت تقدمها للقوى المعارضة لنظام صدام في العراق.
2.   من المؤكد بأن المشاركة في مثل هذه النظام وبهذه الصفات والمواصفات الشنيعة سوف تنسحب على ممثلي أمتنا وتلطغ سمعتهم وسمعة حزبهم وتاريخ نضالهم الطويل، وبالتالي ستكون خسارة كبيرة لأمتنا بشكل عام وخسارة أكبر لهم. فعاجلاً أو آجلاً سوف يفقدون أو تنحسر مكانتهم المحترمة وسمعتهم الجميلة التي ركنت في قلوب الكثير من أبناء أمتنا والتي أكتسبوها من خلال نضالهم وعملهم المضني وهم خارج البرلمان أو الحكومة. وهذا الأمر، المشاركة في مثل هذا النظام الإستبدادي، يفرض علينا المقارنة بين النتائج والنجاحات المتحققة لأمتنا من خلال "نضال" ممثلي أمتنا من خلال كراسي الحكم وبين نضالهم وهم خارج هذا النظام فسوف نجد فرقاً شاسعاً بينهما سواء على مستوى الإنجازات القومية أو على مستوى الوعي الجماهيري وتلعق أبناء أمتنا بهم وتثبيت ثقتهم بالأحزاب والحركات التي يمثلونها. فاليوم وصلت ثقة أبناء أمتنا باحزابنا وتنظيماتنا القومية إلى أدنى مستوى ويظهر بأن الخط البياني في تنازل رهيب ومستمر خاصة في هذه المرحلة التي أصبح أولى أوليات حياة الناس هو ضمان حياتهم وأمنهم وإستقرارهم، فبدون حياة مستقرة وآمنة لا يمكن إطلاقاً أن يكون لأكثرية الناس إهتماماً بالأمور القومية والسياسية وهذا هو أكبر سبب يدفع الناس لترك الوطن والهجرة إلى الخارج.
3.     أن أخطر النتائج المترتبة على مشاركة قادة أحزابنا السياسية مع بقية القوى السياسية في النظام السياسي الإستبدادي في العراق هو تعرضهم لفقدان مصداقيتهم وتنازل شعبيتهم لدى ليس عند الجماهير وعامة الناس بل عند المثقفين أيضاً. فالأحزاب التي تفقد أو تتناقص مصداقيتها لدى المثقفين  مسألة خطيرة جداً في وضعية الحزب ويصبح مهدداً بفقدان شرعيته ومكانته بين أبناء الأمة. وهذا موضوع طويلة وشائك وكان فحوى أطروحتنا الجامعية لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة بغداد عام 1980، ونأمل أن نناقشه في مناسبة أخرى. والخشية الأكبر هي زيادة وتصاعد وبشكل مستمر تهمة حب الكراسي والمناصب والعمل من أجل المصلحة الشخصية وليس لمصلحة الأمة، ولعل حصر المناصب الوزارية تحديداً بأعضاء قيادة أحزابنا وفق ما سمي بـ "الإستحقاق السياسي" أمر يفهم ضمن هذا السياق. ومثل هذه التهم نسمعها ونتحسسها ونلمسها بشكل مباشر ويقلقنا جميعاً لأن الإنتخابات العامة القادمة ستكون كارثية ومعيبة بحق هذه الأمة إذا بقى الوضع كما هو من دون تغيير جذري وحقيقي في المواقف والسياسات ورمي الكراسي في وجوه قوى الظلام القابعة على السلطة في العراق والعودة إلى الجماهير والجلوس معها على بساط الأمة الممزق من دون كراسي ولا مناصب والإستماع إلي همومها ومشاركة أفراحها وأتراحها كما كانوا في السابق.
4.   وعلى مستوى الداخلي لمثلي أمتنا نرى بأنهم يستهلكون طاقاتهم الفكرية والشخصية ووقتهم  إستهلاكاً فضيعاً من خلال "نضالهم" في الأروقة المظلمة للنظام العراقي ودخولهم في معاركة خاسرة مسبقاً ومن دون نتائج ملموسة ومثمرة وبالتالي خسارة الأمة لكوادرها السياسية والتي نحن بأمس الحاجة إليها لنضال آخر مثمر. وبصراحة وأسفاً أقول عندما أقرأ أو أسمع محاولات بعض ممثلي أمتنا سواء في البرلمان أو مجلس الوزراء في طرح مقترحات ومشاريع قانونية أو تنظيمية تخص مصلحة أمتنا السياسية ويسعون جاهدين في إقناع "الشيطان" القابع في هذه الهيئات البرلمانية والحكومية لقبولها (الإقتتال على الكرسي التاسع لمفوضية الإنتخابات نموذج طازج) يثير فينا الكثير من التساؤلات والحيرة. فبلأمس كان "ممثل" أمتنا في البرلمان ينعت النظام وهيئاته البرلمانية والحكومية بأشنع النعون في عدم المساوة والإستبداد وتهميش حق أمتنا السياسي واليوم يطلب من هذا "الشيطان" أن يوافق على مقترحاته ومشاريعه؟؟؟ لا أدري فيما إذا كان "ممثل" أمتنا يدرك طبيعة هذا "الشيطان" الرافض مسبقاً ليس لمطلب من ممثل "الكلدان السريان الآشوريين" بل هو رافض أصلا لوجود هذه الأقلية وحقها في العيش بسلام وأمن في وطنها التاريخي. أنا أشك في جهالة ممثلي أمتنا بخصوص طبيعة هذا "الشيطان" بل لهم دراية ومعرفة وبدرجة إمتياز بهذه الطبيعة وهذا الأمر يقودنا مجبرين أن نقول بأنه لم يبقى مبرر لهذا "النضال من فوق الكراسي" إلا أن يكون نوع من "عرض عضلات" لأبناء أمتنا المبتلية بالنظام السياسي في العراق وبيان لهم بأنهم يعملون ليل نهار من أجل هذه الأمة وليسوا "عطالين بطالين" عن العمل وقد يكون هذا تبريراً شرعياً للراتب المجزي الذي يدخل جيوبهم!!
5.   نعيد هنا ونكرر مرة أخرى أن ترك ممثلي أمتنا لكراسي البرلمان والحكومة سوف يسحب بساط الشرعية والديموقراطية من تحت أقدام قوى الظلام في النظام العراقي، حينذاك سوف تتساءل هلاري كلنتون وبان كي مون وغيرهما عن أسباب ترك "المسيحيين" لكراسيهم في البرلمان والحكومة ويصبح هناك إحتمالاً كبيراً بأن يدركوا بأن النظام في العراق هو نظاماً دكتاتورياً طائفياً ولربما يفرضون ضعوطاً عليه مؤثرة في تغيير سياسته تجاه أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" عندذاك سوف نرفع قبعاتنا أحتراماً وتقديراً لممثلي أمتنا والذين سينتقلون من تمثيل هذه الأمة تحت قبة البرلمان وكابنية الحكومة إلى تمثيل الأمة في قلوب أبناءها وهو المنى الذي يتمناه كل حزب سياسي في العالم.


الإستقالة... ولكن ماذا بعد ؟؟!!:
ربما يجده البعض الأمر غريباً ونحن نطرح موضوع ترك ممثلي أمتنا لكراسيهم في هيئات الحكم في العراق ونحن بعيدين نصرخ من وراء البحار لا بل غيرهم يستهجنون موضوع رمي الكراسي في وجوه الظلم والإستبداد من دون بديل آخر للنضال فيقولون  بأن مثل هذا طرح هو من الإفكار الفانتازية والخيالية التي لا تنتج أية نتيجة وليس هناك بديل لهذه المشاركة.  ولكن بالمقابل نقول بأن إستغلال طغاة النظام العراقي لوجود أبناء أمتنا معهم ومشاركتهم في شرعنة طغيانهم أمر معيب يترتب عليه نتائج خطيرة على مستوى ثقة جماهيرنا بأحزابنا السياسية ويزيد من أحباطهم وأبتعادهم عن المسائل القومية والسياسية. وحتى نتجنب مثل هذه النتائج الخطيرة يمكن أن نطرح خطة عمل مبسطة في شكلها ولكن تحقيقها قد تصطدم بأمور أخرى وفي مقدمتها المصالح الحزبية الضيقة والمميتة والتجاذبات السياسية الخارجية والأكثر خطورة المصالح الشخصية والنفعية، ولكن مع هذا نطرح مايلي:

1.   قبل كل شيء أو التأكيد بأن الإشارة الواردة في هذا الموضوع إلى كون هؤلاء فعلاٌ "ممثلي أمتنا" تنحصر في كونهم قانونياً ورسميا ممثلين للأمة طالما تم إنتخابهم بشكل قانوني ورسمي. أما كونهم ممثلين للأمة صميماً وعملياً فهذا مرتبط بمدى الإنجازات التي حققوها أو التي سيحققونها لهذه الأمة. صحيح نحن أمة واحدة عرفت رسمياً وسياسياً بـ "الكلدان السريان الآشوريين" وأنه من الطبيعي أن يكون هناك خلافات وتناقضات بين أبناءها كما هو الحال مع الأمم الأخرى ولكن هناك أمراً واحداً وجوهرياً لا خلاف عليه إطلاقاً وهو مصير هذه الأمة والتحديات الماحقة التي تهدد وجودها القومي والديني في العراق ومن يختلف على هذا الأمر فهو ليس واحداً من أبناء هذه الأمة، ولا أعتقد أحد من ممثلي أمتنا سواء في البرلمان المركزي أو الإقليمي أو في الحكومتين المركزية والإقليمية أن يقبل على نفسه أن لا يكون من أبناء هذه الأمة وإن قبل فهو بدون أصل وعلى قاعدة (من نكر أصله فلا أصل له). من هنا نقول بأن مصير الأمة في خطر وأن وجودها القومي والديني مهدد تهديداً مميتاً وعلى هذا الأساس فإن على ممثلي أمتنا في هذه الهيئات واجباً مقدساً يتمثل في توحيد كلمتهم حول هذا الموضوع، كحد أدنى للإثبات بانهم ينتمون كلهم إلى أمة واحد، وأن يكون لهذا التوحد رد فعل يقوم على التنسيق بينهم وتقديم إستقالتهم في يوم محدد مسبقاً مع بيان الأسباب الموجبة لهذه الإستقالة مستندة على عجز الحكومة والبرلمان في رفع الغبن والظلم عن أمتنا وعدم قدرتها على إزالة التحديات المميتة التي تهدد وجود أمتنا في الوطن.
2.   بعد تقديم الإستقالة يتم التنسيق بين ممثلي الأمة وعقد إجتماعات بينهم لتشكيل جبهة موحدة بهذا الشأن لتحول النضال من الكراسي إلى الجماهير وإلى تحريكها وزجها في العملية السياسية الجماهيرية. وسيكون خروج جماهير أمتنا في مسيرات إحتجاجية في الوطن والمهجر، طبعاً بعد التنسيق، مما سيترك ذلك ردود فعل على الساحة الدولية خاصة في بلدان المهجر، وسيكون ذلك عاملاً وزخماً قوياً في دعم النضال الجديد لأحزابنا السياسية في الوطن وبث روح المسؤولية في الجماهير تجاه المساءل القومية والمصيرية والتي في نهاية المطاف ستصب في تنامي زخم الإندفاع نحو الإنتخابات البرلمانية القادمة وإثبات وجود أمتنا في أرض الوطن رغم أنوف الظلم والإستبداد والإرهاب.
3.   من الملاحظ في السنوات القليلة الماضية تنازل أهتمام أبناء أمتنا في المهجر بالمساءل السياسية القومية إلى أدنى درجاته والذي أنعكس بشكل مباشر في ضعف أو إختفاء المؤسسات السياسية والإجتماعية من على الساحة السياسية ولعل أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو فقدان ثقتها بالأحزاب السياسية في أرض الوطن وبممثليها في هيئات الحكم العراقي وتركيز إهتمام الناس بأفراد عوائلهم في الوطن والبحث عن سبل لتخليصهم من المأساة والظلم والكبح والإرهاب الذي يعانونها والسعي للإلتحاق بهم في المهجر. فهناك إحتمال كبير بإستقالة ممثلي "الكلدان السريان الآشوريين" من هيئات نظام الحكم والقيام بحملة واسعة في فضح الممارسات الإستبدادية السياسية والقانونية والفكرية والديموغرافية بحق أمتنا في الوطن سوف يشحذ غيرة وهمة وفاعلية أبناء أمتنا في المهجر وسيقومون بنشاطات وستكون حتماً مؤثر على الرأي العام وعلى صناع القرار السياسي للدول الكبيرة، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي لها علاقات وتأثيرات على النظام السياسي في العراق.
 
ولكن مع كل هذا أليس من حق هذا البعض الذي يتهمنا بالفنتازية والخيالية في مثل هذا الطرح ونحن نسمع ونقرأ عن إقتتال "الأخوة الأعداء" الإعلامي في بيت "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية"، وهم ممثلي أمتنا في البرلمان حول تصريح معين في مسألة داخلية بسيطة أو السعي لإنتزاع منصب حكومي والركض وراء "مكارم" النظام الإستبدادي وأبناء أمتنا يحترقون ظلماً وإستبداداً ويحزمون حقائبهم للهروب من الوطن نحو الخارج؟؟؟ فكيف والحال مع هؤلاء في الإتفاق مع موضوع الإستقالة وهو موضوع حساس ومصيري بالنسبة لكراسيهم وجيوبهم؟؟.

وأخيراً:
لا شك فيه أن مثل هذا الموضوع الذي يدخل أجواء الحساسية لكونه يتطرق إلى مسائل مصيرية تخص أمتنا سوف يترك إنطباعاً وردود فعل بين مؤيد له وذلك بسبب مواقفه غير المؤيدة لممثلي أمتنا في البرلمان والحكومة أو مع أحزابهم ومواقفه الرافضة للمنهج السياسي والقومي الذي ينتهجه هؤلاء. وبين معارض له لكونه يظهر بأنه يمس بالصميم مواضيع تخصهم شخصياً ويتهمنا بأننا نثرثر من وراء البحار وبعيدين عن الواقع وجاهلين لمجريات الأمور التي تخص أمتنا في أرض الوطن.  ولكن الأمر عندنا ليس كذلك فهو يخص الأمة وليس الفرد بعينه. لهذا نقول فبسبب الفقر المدقع للفكر النقدي في مجتمعنا وشحة الثقافة السياسية المبنية على الرأي والرأي الآخر  وفهم الإختلاف وتفريقه عن التجريح والتهجم الشخصي، سوف يرى البعض بأن الكتابة في مثل هذه المواضيع الحساسة هو تدخل في شؤون ممثلي أمتنا ونحن قابعون في بيوتنا الدافئة في بلدان المهجر وبالتالي يسلبون حقنا في بيان رأينا في مسائل تهم مصير أخوتنا وأخواتنا في أرض الوطن. ولكن نقول من دون أي تردد أو مجاملة بأن الغرض من كتابة مثل هذه المواضيع ليس إلا الشعور بالحد الإدنى بواجبنا في الأهتمام ولو فكرياً ومن وراء البحار بمصير أمتنا في الوطن، ولا أخفي القول بأن الإفصاح عن مثل هذه المساءل هو راحة لضميرنا الحي والمستجد الذي يفرض علينا أن لا ندفنها معنا تحت التراب بل أن ننشرها لأبناء أمتنا، فعسى ولعل يكون هناك من يسمع ويستفيد من مثل هذه الأفكار والطروحات وأن كان تطبيقها خسارة كرسي أو مال ولكن من المؤكد بأنها ربح لحب وثقة جماهير أمتنا، "فماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟" ( متى 16-26).   


73
أين ممثلي  أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية"
من عملية هارا كاري (Hara-Kiri) اليابانية ؟؟
=============================
                                                                                                                                      أبرم شبيرا

"هارا كاري" والتي تعني باليابانية عملية قطع أو بقر بطن المحارب عن طريق غرز سيفه الحاد في بطنه، فهو طقس تقليدي للإنتحار عوضاً عن الإستسلام للعدو والتعرض للإهانة والتعذيب كما هو شكل آخر للعقاب الذاتي للمحارب الذي أقترف الإهانات والأثم التي جلبت له الخري والعار من جراء الهزيمة في المعركة ولم يعد يحتمل الحياة وهو موصوفاً بهذه الصفات الشنيعة. وشاع ممارسة هذا الطقس كثيراً بين المحاربين اليابانيين وقت إندحار وإستسلام اليابان لقوات الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية.

قد يبدو عنوان موضوعنا هذا غريباً ونحن نتسائل عن موقف ممثلي أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" من هذه العملية اليابانية الإنتحارية البعيدة كل البعد عن تقالينا وعاداتنا وإيماننا خاصة المسيحي منه الذي يحترم الإنسان ويكرم حياته ويجد في الإنتحار نوع من الأثم والخطيئة. من هنا نؤكد بأن مثل هذه المقارنة القائمة على التساؤل عن موقف ممثلي أمتنا من هذه العملية الإنتحارية لا يعني إطلاقاً أعتمادها واللجوء إليها والقضاء على حياتهم خاصة وهم يعتبرون من أقرب الأصدقاء لنا سواء من الناحية الشخصية أو الفكرية وحياتهم تهمنا كثيراً مثلما تهمهم وتهم عوائلهم. فخسارتهم ستكون خسارة كبيرة لنا ولأبناء أمتنا لأنهم من النخبة المختارة والكوادر المتمكنة والشجاعة ونحن نعرف جيداً مدى شحة مثل هذه العناصر في مجتمعنا. كما أن ممثلي أمتنا في الحكومة العراقية والبرلمان والمناصب الخاصة لم يدخلوا الحرب بالمعنى المعروف به في القتال بالسلاح وأنهزموا فيه وعوضاً عن الإستسلام للعدو لجؤا إلى عملية هارا كاري للخلاص من الإهانة والعار والحفاظ على كرامتهم وعزتهم عند أبناء أمتنا. إذن أين المنطق في المقارنة بين هذه العملية الإنتحارية وممثلي أمتنا في الدوائر الحكومية والبرلمانية؟؟؟ أفهل تعرض ممثلي أمتنا إلى الهزيمة والإهانة من "الآخر" حتى يلجأوا إلى هذه العملية الإنتحارية حفاظاً على الشرف والعزة والكرامة.

نعم... أقول نعم وبملئ الفم... لقد تعرض ممثلي أبناء أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" ولايزال يتعرضون إلى الكثير من الإهانات والإثم والجرائم والإنتكاسات سواء من قبل الحكومة العراقية أو من قبل القوى المهيمنة على مقدرات العراق. فلا يوجد أي حراك سياسي أو قانوني أو تشريعي في العراق إلا وتتعرض أمتنا إلى الكثير من الإهانات والجرائم والإنتكاسات والغبن. فسلسلة الإهانات والغبن والخدر بحقها طويلة تمتد من الإغتيالات والخطف والتغيير الديموغرافي والتهجير القسري إلى الغبن السياسي والقانوني وتهميش هذه الأمة العريقة وهضم حقوقها المشروعة من قبل الضباع التي قبعت على مراكز السلطة في العراق والتي لم تترك حتى الفتات لهذه الأمة العريقة، والمسرحية الهزيلة التدراجيدية لإختيار ممثلي المفوضية العليا للإنتخابات آخر، وليس الأخير، من سلسلة هذه الإهانات بحق أمتنا. ولما كان ممثلي أمتنا في المراكز الحكومية والهيئات البرلمانية منتخبة شرعاً وقانوناً من قبل أبناء هذه الأمة فمن المفترض بل الواجب أن يعانوا ما يعاني أبناء هذه الأمة من الإهانات والغبن الخدر. من هنا نؤكد بأن ممثلي أمتنا يتعرضون وبشكل مستمر إلى كل الإهانات والخدر والغبن من جراء إستمرار دخولهم في معارك خاسرة مع الضباع الحكومية والبرلمانية وعدم قدرتهم على إنتزاع حتى الفتات من الأنياب الصفراء لهذه الضباع. لذلك عوضاً عن الإستمرار في هذه المعارك الخاسرة والمكلفة كثيرا لأبناء أمتنا عليهم اللجوء إلى عملية هارا كاري اليابانية من أجل الحفاظ على عزة وكرامة هذه الأمة العريقة التي تتحل بها وبالتالي الحفاظ على كرامتهم وعزتهم أيضاً.

ولكن كما سبق وأن ذكرنا بأن حياة ممثلي أمتنا غالية علينا جميعاً وهم نخبة ممتازة ومختارة من قبلنا لتمثيلنا ولا نرغب إطلاقاً أن تنقضي حياتهم بهذه العملية الإنتحارية، وهي مسألة تبدو فوق التصور الإنساني خاصة بالنسبة لنا في كوننا مسيحيين نعتبر الإنتحار إثماً كبيراً. ولكن يمكن إعتماد هذه العملية الإنتحارية بتغيير الهدف المتوخاة منها فبدلاً من أن نطلب منهم طعن السيوف الحادة في بطونهم عليهم أن يوجهوا سيوفهم الحادة ويطعنوا بها طعنات قوية ومميتة في الكراسي المهلهة التي يجلسون عليها  وتكسريها ومن ثم رمها في وجوه الضباع الحكومية والبرلمانية لأنها فعلاً وحقيقة هي كراسي لم تعد تفيد أبناء أمتنا إطلاقاً بل المستفيد الوحيد منها هي هذه الضباع في تبجححها بـ "ديموقراطيتها" الطائفية والإرهابية وتعتبرها كرماً تتكرم بها للـ "المكون المسيحي" في الوقت الذي تنعم هذه الضباع بالمليارات الدولارات المسروقة من خيرات العراق وبالكراسي السلطانية للحكم والبرلمان.

لقد سبق وطالبنا وفي مناسبات سابقة على ضرورة إستقالة ممثلي أمتنا من الهيئات الحكومية والبرلمانية كوسيلة لسحب البساط من تحت أقدام هذه الضباع لأنه لم يعد من فائدة لوجودهم مع هؤلاء الضباع  في نفس البيت الذي يتم تحت سقفه تخطيط كل الجرائم الجنائية والإرهابية والسرقات بحق الشعب العراقي عموماً وبحق أمتنا "الكدانية السريانية الآشورية" خصوصاً. وكان مثل هذه المطالبة قد أثار إنتقاد وإعتراض  البعض في أتهامنا نحن الذين نصبنا خيامنا في المهجر بالتدخل في شؤون أبناء أمتنا في الوطن ودس أنوفنا في مسائلهم السياسية والقومية ونحن بعيدين عنهم معتبرين مثل هذه المطالبة حالة يائسة لا فائدة منها طالما ليس هناك بديلاً لها. ولكن بالمقابل نقول بأن هذا العالم لم يعد قرية صغيرة فقط بل محلة صغيرة أصبحت العلاقات بين أبناءها أكثر فاعلية وتأثيراً وتواصلاً وبالتالي فأن معاناة أبناء أمتنا تهمنا كثيراً ونتحسس بها إينما كنا وفي أية زاوية من العالم طالما هناك ضميرحي يسري في عروقنا تجاه أخوتنا وأبناء عمومتنا في أرض الوطن والمعاناة التي يعانونها على أيدي أحفاد هولاكو وجنكيزخان وسمكو أغا وبكر صدقي. صحيح أن هذه العملية الإنتحارية الهادفة إلى تكسير الكراسي التي يجلس عليها ممثلي أمتنا في الحكومة والبرلمان هي عملية تتصف بنوع من الحدة والتطرف قد تصيب جيوبهم أيضا وتثقبها وتتسرب منها الرواتب والمخصصات المغرية التي يتقاضونها إلا أنها الوسيلة الوحيدة المتاحة في الوقت الحالي للحفاظ على عزة وكرامة أمتنا وبالتالي صيانة كرامتهم وعزتهم أيضا وهذه هي الصفات التي تمثل قمة الشجاعة والإنسانية التي تحلت بها أمتنا منذ زمن طويل وهي أغلى بمليارات المرات من حفنة الدولارات التي يتقاضاها ممثلي أمتنا.

 فالمعروف لكل الشعوب العالم، طبعاً بإستثناء الإرهابين واللصوص والفاسدين والدكتاتوريين والطائفيين، أن السلطة الحالية في العراق بجميع هيئاتها التنفيذية والتشريعة وحتى جزء كبير من الهيئة القضاية هي سلطة طائفية بإمتياز وسلطة فاسدة من الدرجة الأولى والشهادة على ذلك هو كون العراق الحالي في قعر قائمة الدول غير المستقرة والفاسدة في الجداول العالمية لإستقرار الدول ورغبة الشعوب العيش فيها. ومن المفترض بأن ممثلي أمتنا في هذه الهيئات الحكومة والبرلمانية يدركون هذه الحقيقة قبل غيرهم لأنهم يصرحون بها في كل مناسبة يظهرون في وسائل الإعلام المختلفة، محلية ودولية، ويؤكدون على فساد الحكومة وغدر البرلمان بحق أمتنا وهضم حقوقها من دون وازع إخلاقي أو قانوني، وأعيد هنا مرة أخرى موضوع إختيار أعضاء المفوضية العليا للإنتخابات وتجريد أمتنا من حقها الشرعي والقانوني والتاريخي والحضاري لأن يكون لها مكان في هذه المفوضية التي هي برمتها "إسلامية ورجولية"، أذ حرم المسيحيين منها وكذلك المرأة. وهذا أمر ليس بغريب على الدكتاتوري والطائفي والإرهابي وعلى لصوص المال والسلطة في العراق بل هو إنجاز كبير لهم.

بالله عليكم يا أخوتي وأخواتي الأعزاء ... يا أصدقائي الأفاضل الجالسون على كراسي الحكم والبرلمان .. أليست هذه حقيقة وضع الحكومة والبرلمان والهيئات الآخرى في العراق؟؟؟ فإذا كانوا هم فاسدين ومستمرين في فسادهم حتى العنق وكانوا غدارين ومستمرين في غدرهم حتى العظم فما هو الإنطباع الذي يتركه هذا الفساد وهذا الغدر على أبناء أمتنا تجاه ممثلي أمتنا المشاركين معهم في نفس البيت وتحت نفس السقف؟؟؟ أن السباحة بعكس التيار الجارف والهادر متعب جداً ومهلك أيضاً ولا يودي إلى النتيجة غير الإحباط والقنوط وضياع جهود ممثلي أمتنا ومن غير نتيجة مثمرة تفيد أبناء أمتنا وتكون قادرة على خلق فيهم نوع من الطمأنينة والثقة في السلطة الحالية في العراق وجدوى مشاركتنا معها. هناك حقيقتان لا ثالث لهما: فعندما تدخل معركة خاسرة النتائج فإما أن تستسلم للعدو وبخضوع ومهانة أو تترك ساحة المعركة وتنجو من خسارتها وخسارة الطاقات والإمكانيات والحفاظ عليها بأمل العودة مرة أخرى لمواجهة العدو وفي ساحة ومعركة مختلفتين. من هنا نقول لا خيار للمثلي أمتنا إلا إما الإستمرار في الخضوع لسراق السلطة والمال في العراق وتقبل الإهانات والخنوع أو ترك ساحة المعركة وتوجيه جهودهم لمعارك أخرى قد تفيد أبناء أمتنا.

ولم يبقى في الأخير إلا أن أوكد مرة أخرى سلاح هارا كاري الياباني في تحطيم كراسي ممثلي أمتنا في الحكومة والبرلمان ورميها في وجوه اللصوص والغدارين القابعين تحت قبة البرلمان وفي دهاليز الحكومة لأن مثل هذا العمل سوف يتم سحب البساط من تحت أقدام هؤلاء اللصوص والغدارين ويجردهم من التبجح بـ "ديمقراطيتهم" ويمنعهم من إستغلال وجود ممثلي أمتنا ("المكون المسيحي !!!!!؟؟؟) في الحكومة والبرلمان... وطوز (كما يقول المصريون) في مثل هذا الوجود من  دون نتيجة مثمرة؟؟؟؟ كما أن مثل هذا الإجراء سوف يترك صدى على الساحة الدولية وسوف يعكس ترك "ممثلي المسيحيين" للبرلمان والحكومة مدى غدر القابعين على السلطة في العراق ومدة معاناة أبناء أمتنا من جراء الممارسات الإرهابية الجسدية والفكرية لهؤلاء تجاه أمتنا بشكل خاص وتجاه المسيحيين بشكل عام. وأنا يقين كل اليقين بأن هذا الإجراء الجرئ لممثلي أمتنا سوف يؤكدون مدى إخلاصهم لهذه الأمة ويجردهم من أقاويل البعض في حبهم للكراسي والمناصب واللهث وراء المال والجاه والسلطة ويعززون الثقة المنهارة لدى أبناء أمتنا تجاه كل ما يتعلق بالسياسة والحقوق القومية، خاصة وهم مقبلون على إنتخابات قادمة خلال سنة أو أكثر، والتي يستوجب على الجميع المشاركة فيها والتصويت لمن فعلاً يستطيع تمثيل الأمة بإخلاص وتفاني. وهنا أود التأكيد بأن المشاركة في الإنتخابات العامة وإختيار الممثلين للأمة لا يعني إلا التأكد على تأكيد الحق في الإختيار وممارسة هذا الحق بشكل فعلي لإثبات للآخرين بأننا فعلاً أمة لها وجود في الوطن منذ أقدم ألأزمان وحتى اليوم ... وكذلك موضوع تحطيم الكراس وترك ممثلي أمتنا لها أيضا تأكيد على عدم رغبتهم المشاركة مع اللصوص والغدارين بحق أمتنا... فبين هذا الحق وذاك  حبل غليظ مرتبطين به أسمه ممارسة الحق ولكن بينهم فرق كبير ... فرق بين المهانة والخضوع والإنتكاسة من جهة وبين العزة والكرامة والشموخ من جهة أخرى. ونحن لا نشك إطلاقاً في كون ممثلو شعبنا من الأبناء المخلصين لهذه الأمة العريقة التي أتصفت وتتصف بمثل هذه الصفات النبيلة وأن أثبات هذا الإخلاص لا يتم إلا بالتفاني ونكران الذات والتجرد من الإنانية فأن لم يكن بتكسير الكراسي التي يجلسون عليها في الحكومة والبرلمان ليكن بتجميد عضويتهم فيها وتشكيل جبهة بينهم تجمعهم الصفات النبيلة لهذه الأمة في عملهم المشترك الناجع والمفيد للجميع سواء أكانوا جالسين على هذه الكراسي أو الذين شرعنوا جلوسهم على هذه الكراسي عن طريق التصويت لهم في الإنتخابات العامة.

ولا أختم هذه السطور إلا بالقول بأن الموضوع فيه نوع من السخط والغضب وليس ذلك إلا شعوراً نابعاً من الغبن والغدر الذي يعانيه أبناء أمتنا في أرض أبائهم وأجدادهم على أيدي سراق السلطة والمال. وهناك مثل ينطبق على هذه الحالة والقائل بأن (الرجل الجائع رجل غاضب) فنحن جياع حتى الموت ليس من الأكل بل من الحقوق القومية الشرعية لأمتنا وبالتالي فرض علينا هذا الجوع أن يتصف موضوعنا بالسخط والغضب ولا ينطفئ مثل هذا السخط والغضب إلا بأعمال تبهر طريق أبناء أمتنا نحو تحقيق حقوقها القومية المشروعة في العراق.
 


74
نظرة مراقب على إنتخابات زوعا
في قاطع شيكاغو – الولايات المتحدة الأمريكية

أبرم شبيرا

صادف زيارتي لمدينة شيكاغو إنعقاد كونفراس قاطع الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) في شيكاغو في التاسع عشر من هذا الشهر (آب) ولم تبخل قيادة زوعا على طلبي لحضور الكونفراس ومراقبة إنتخابات مسؤول وأعضاء قيادة القاطع مع الإستاذ شيبا مندو رئيس المجلس القومي الآشوري في ألينوي – شيكاغو بصفة ضيوف شرف ومراقبين عن سير الإنتخابات التي أدارها وأشرف عليها السيدان باسم بلو ويعقوب كوركيس عضوا اللجنة المركزية للحركة والقادمان من الوطن. في القسم الأول من الكونفراس ناقش المجتمعون ولساعات طوال مجموعة قضايا إدارية ومالية وتنظيمية وأخرى متعلقة بشؤون أمتنا في قاطع شيكاغو ومن ثم الوصول إلى قرارات تصب في التحليل الأخير لمصلحة تطوير نشاط الحركة في المنطقة وترسيخ مسيرتها بين أبناء امتنا. في القسم الثاني من الكونفراس بدأت إجراءات إنتخابات مسؤول وأعضاء القاطع. وجرياً على الأصول المتبعة في حضور المراقبين لمثل هذه الإنتخابات ألتزمنا إلتزاماً كاملاً بها والتي أنحصرت في المراقبة فقط دون التدخل في سير الإنتخابات رغم أننا كونًا مجموعة ملاحظات من خلال مراقبة سير الإنتخابات والإجراءات المتبعة في إنتخاب مسؤول وأعضاء القاطع والتي ندرجها في أدناه سعياً للفائدة التي نتوخى منها تطوير مسيرة زوعا في بلدان المهجر إضافة إلى تنوير أبناء أمتنا ببعض من هذه الملاحظات التي تزيد من مداركم ومعرفتهم عن ما يجري خلف جدران الحركات والأحزاب التي تسعى إلى تمثيل أمتنا سواء في أرض الوطن أم في المهجر.

كان حضور المجتمعين كبيراً نسبياً لمدينة في المهجر ومقارنة مع غيرها من الأحزاب التي لا يتجاوز عدد الحاضرين في مؤتمراتهم في البعض منها عشر العدد الحاضرين ليس في المهجر بل في الوطن أيضاً. وعندما نتحدث عن المؤتمر الحزبي لا نقصد به تلك المهرجانات التي يقيمها بعض الأحزاب والتنظيمات القومية التي يحضرها جمهرة غفيرة من الأعضاء وغير الأعضاء وتدعي بأنه مؤتمرها السنوي، فالمقصود بالمؤتمر هنا هو الحاضرين له من الأعضاء الذين تنطبق عليهم شروط العضوية وحسب النظام الداخلي للحزب.

وقبل الشروع في عملية الإنتخابات كان السيدان باسم بلو ويعقوب كوركيس قد ألقيا كلمتهما للحاضرين مبتدئين بالترحيب بالسيدين شيبا مندو وأبرم شبيرا كمراقبين وضيوف شرف لهذا الكونفراس ثم شرحوا إجراءات وإلتزامات وحقوق الحاضرين في التصويت للمرشح الذي يرغبون فيه بكل حرية وبدون تردد. عندما فتح باب الترشيح لمنصب مسؤول قاطع شيكاغو لزوعا رشح كل من السيد ميخائيل (زيا) ججو والسيد ألكسندر ديفيد. ثم شرع كل واحد منهم وفي بضع دقائق بيان أسباب ترشحه لهذا المنصب والبرنامج الذي يسعى إلى تحقيقه. فالسيد ميخائيل زيا ججو هو مسؤول قاطع شيكاغو لزوعا ومن الكوادر القديمة في الحركة وعضو سابق للجنتها المركزية. أما السيد ألكسندر ديفيد فهو من العناصر الشابة المثقفة والواعية التي عملت لفترة طويلة مع السيد زيا ججو في إدارة شؤون القاطع. وصراحة أعجبني فيه شجاعته الجريئة في القول بأنه تعلم أبجدية السياسة وفكر الحركة من السيد زيا ججو وعمل تحت أشرافه لفترة طويلة وأكتسب خبرته الفكرية والسياسية من خلال العمل معه، وبالمقابل كان السيد زيا ججو قد قال بأنه فخور جداً بأن يرى أحد الشباب الذين عملوا معه وتعلموا منه الكثير من الأمور السياسية والحزبية والقومية يصل إلى مستوى من الوعي والإمكانية لكي يقف على عتبة التنافس معه على منصب مسؤول القاطع...  حقاً قال المثل العراقي (الخلفة يصير أوسطه).

ففي جو ديمقراطي نزيه وبأسلوب سلس وواضح بدأت إجراءات إنتخاب مسؤول القاطع فبعد توزيع أوراق الإنتخابات والإقتراع السري وفرز الأصواب فاز السيد زيا ججو على السيد ألكسندر ديفيد بفارق ضئيل جداً لم يتجاوز بعضة أصواب. ثم فتح باب الترشيح لإنتخاب أربعة أعضاء للجنة القاطع فرشح سبعة من الحاضرين ففاز بعضوية اللجنة الإنسة ميري مرقس والإنسة ندى ألكسندر والسيدان أوراهم عوديشو ونينوس باديني.

 الملاحظات التي كانت أكثر إثارة للإهتمام وملفة للنظر والتعجب أيضاً تتركز في مجالين:
الأول: حضور العنصر النسائي بعدد يمكن أن يقال عنه بأن كبير في مقارنة مع الحضور النسائي الذي نشهده في التجمعات السياسية وغير السياسية، حيث كان حضورهن يزيد عن ثلث أعضاء الحاضرين، والأكثر تعجباً كانت الشجاعة الأدبية التي أتصفهن بها في المناقشة الجريئة والمداخلات القيمة والموضوعية.
الثاني: الحضور المكثف للشباب، لابل أقول وبكل صراحة الشباب المثقف والواعي والجريء في المناقشة وأبداء الأراء القيمة والبناءة وعدم التردد إطلاقاً في مواجهة الحجة بالحجة التي هي أحسن في مناقشة المسؤولين الكبار الذين حضروا الكونفراس وتجلى ذلك في ترشح أحد هؤلاء الشباب لمركز مسؤول تنظيم القاطع وهو السيد ألكسندر ديفيد ومنافستة لعنصر من العناصر القديمة في زوعا وأقصد السيد ميخائيل زيا ججو. والحق يقال، لقد أثار أعجابي الكبير هؤلاء الشباب في كون معظمهم من الذين ولدوا أونشأوا في المهجر – الولايات المتحدة الأمريكية – وأمتلكوا وعياً قومياً سياسياً ناضجاً ويتكلمون لغة الأم بكل فصاحة وكمال ويتحلون  بشجاعة أدبية وفكرية كبيرة في المناقشة والمداخلات.

والأن جاء الملاحظات التي تكونت عندما عن هذه الإنتخابات وبيانها في ضوء موضوع سبق وأن تم التطرق إليه في مناسبات عامة وخاصة وهو موضوع أسلوب إنتخابات المسؤول سواء أكان السكرتير العام الحركة أو مسؤول القاطع أو مسؤول لهيكلية أخرى واللجنة المركزية أو لجنة تنظيم قاطع أو فرع، وعلى العموم سنأخذ تسمية السكرتير العام واللجنة المركزية كنموذج لهذا الموضوع. فمن المعروف في علم السياسة بأن هناك أسلوبان الأول مباشر والآخر غير مباشر. فالأول يتم إنتخاب السكرتير العام من قبل المؤتمر العام مباشرة ثم بعد ذلك يتم إنتخاب أعضاء اللجنة المركزية. وهو الأسلوب المتبع حالياً في زوعا وفروعها في الوطن والمهجر. ويفضل أن يسمى في هذه الحالة السكرتير العام أو الأمين العام للحزب. أما الأسلوب غير المباشر فيتم أولاً إنتخاب أعضاء اللجنة المركزية ثم من بين هؤلاء الأعضاء يتم إنتخاب السكرتير ويفضل أن يسمى سكرتير اللجنة المركزية. وهو الأسلوب الذي كان متبعاً سابقا في زوعا وفروعها في الوطن والمهجر. ولكل أسلوب محاسن ومثالب تتحدد وفق معايير معينة، ومنها: عدد أعضاء الحزب وحجم الأمة التي تحاول تمثيلها وعدد الكوادر الحزبية والإمكانيات الفكرية والسياسية للحزب، وأخيراً عمق الخلافات والتناقضات الموجودة بين أعضاء الحزب أو أبناء الأمة.

فمن الوقائع المعروفة بأننا أمة صغيرة وقليلة العدد في مقارنة مع الأمم والشعوب المحيطة بنا وبالتالي فإن حجم أحزابنا السياسية تكون صغيرة من حيث أعضاءها وتتصف بشحة في كوادرها الحزبية والفكرية المتمكنة والمتفرغة للعمل الحزبي. أما من حيث عمق الخلافات والتناقضات  فكما هو واضح بأنه رغم عمق حضارتنا وتاريخنا الطويل إلا أننا أمة تتصف ببسباطة ووضوح وسلالة في طبيعتها الإجتماعية والفكرية وبالتالي قلة تناقضاتها الفكرية والسياسية، أي بعبارة أخرى قلة التناقضات الإيديولوجية والفكرية بين أحزابنا السياسية وبين أعضاءها أيضاً، ما عدا الخلافات الدينية والطائفية والعشائرية والقريوية التي لا تدخل ضمن أيديولوجية أحزابنا السياسية  حتى تصبح عوامل مفرقة بينهم.

ففي الإنتخاب المابشر، عندما يترشح شخصان أو أكثر لمنصب السكرتير العام فمن المفترض أن يكونوا من الكوادر الحزبية المتقدمة فكرياً وتنظيمياً. وعندما يفوز شخص واحد لهذا المنصب ستكون خسارة للكادر الآخر المترشح للمنصب والذي لم يفز وبالتالي يصبح خارج دائرة القيادة التي كان يرغب أو يطمح بها ويصعب عليه العمل من المواقع الأخرى الأدنى في الحزب. ونادراً جداً، أن لم يكن محالاً أن نرى إستثناءاً لهذه الحالة في أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية، أي أن يعمل الخاسر لمنصب السكرتير العام من مواقع أخرى في الحزب. والحالة تنطبق على إنتخاب مسؤول قاطع شيكاغو فمن المؤسف أن يكون السيد ألكسندر ديفيد خارج الدائرة القيادية رغم تأكيده على أنه سيتمر في العمل في زوعا مهما كانت النتائج.

أما في الإنتخاب غير المباشر، فعندما يترشح عدد معين لللجنة المركزية ويتم إنتخاب العدد المطلوب ومن ثم بين هؤلاء يتم إنتخاب أحد المرشحين لمنصب سكرتير اللجنة المركزية فالخاسر في هذه الإنتخابات سيبقى ضمن اللجنة المركزية وفي أكثر الإحتمال سيتولى مسؤولية في المكتب السياسي وبالتالي سيكون توفير للكادر الجيد من خلال بقاءه ضمن حلقة القيادة العليا، أي اللجنة المركزية.

في الإنتخاب المباشر للسكرتير العام له مثالب أيضاً تنعكس على الكوادر المترشحة لعضوية اللجنة المركزية، وتتمثل في السيناريو التالي: عندما يترشح شخصين أو أكثر لهذا المنصب ويفوز به واحد منهم ثم بعد ذلك تجري عملية الترشيح لإنتخاب أعضاء اللجنة المركزية فإن بعض من الكوادر الجيدة والكفوءة قد تتردد وتمتنع عن ترشيح نفسها لعضوية اللجنة المركزية بحجة عدم رغبتها في العمل مع السكرتير العام المنتخب لأنه لم يكن من الذين صوتوا له ولا يستطيعون العمل معه. وعلى العكس من هذا فالمؤيدون للسكرتير العام الفائز الذين صوتوا له يسرعون لترشيح أنفسهم لعضوية اللجنة  لأنه الشخص المفضل لديكم ويستطيعون العمل معه. مما يسبب كل هذا نوع من التكتل بين الفائزين في الإنتخابات وبين الخاسرين، وكثيرا ما يلجأ الخاسرون إلى تعطيل إمكانياتهم ونشاطهم في الحزب إن لم يكن خروجهم من الحزب وفي بعض الأحيان تأسيس حزب مناهض لحزبهم السابق، وبالتالي يتسبب ذلك تشتت وضياع للكوادر الحزبية والفكرية الجيدة.

أما في الإنتخاب غير المباشر للسكرتير، فعندما يترشح عدد من الأعضاء لإنتخاب أعضاء اللجنة المركزية وفوز العدد المطلوب ثم بعد ذلك يتم إنتخاب من بينهم سكرتير اللجنة المركزية فأن كل الفائزين في الإنتخابات سيكونون ملزمين تنظيمياً وفكرياً وأدبياً للعمل سوية  ويخلق نوع من الديموقراطية الحقيقية عندما تتعدد الأراء وتختلف داخل اللجنة المركزية، وهو المطلوب عندما نتحدث عن التطور في أحزابنا السياسية. كل هذين الأسلوبين في الإنتخابات وتوفير الكوادر الجيدة وعدم خسارتها يستوجب توفر نوع راقي من الوعي السياسي والتنظيمي بين المرشحين للمناصب المذكور وبعكسه فإن كل الأساليب المذكور في الإنتخابات ستكون غير مثمرة وبالتالي ستنعكس على مسيرة الحزب وتؤدي إلى ظهور عوامل ضعف ونوع من الديكتاتورية والتفرد في أتخاذ القرارات رغم أنها تكون في الظاهرمكسوة برداء الإجماع .

وأخيراً لم يبقى إلا أن نؤكد مرة أخرى، وفق تجربة إنعقاد كونفراس قاطع شيكاغو والإنتخابات التي تمت فيه، موضوع القيادة الجماعية وكيفية فتح المجال أما الكوادر الشبابية   الجيدة لتعمل جنباً إلى جنب مع الكوادر المتقدمة القديمة  كضمان لإستمرار مثل هذه القيادة الجماعية نحو أفاق أبعد. فمن خلال هذه التجربة تثبت بأن فوز السيد ميخائيل زيا ججو بمنصب مسؤول قاطع شيكاغو، كعضو متقدم و "قديم" في زوعا، يؤكد عطاءه المستمر وتثمينه من قبل المؤتمرين في الكونفراس وبالتالي أعادة فوزه بهذا المنصب. ومن جانب آخر تؤكد هذه التجربة بأن عمل السيد ألكسندر ديفيد مع السيد ميخائيل وتعلمه منه ومن ثم وصوله إلى مستوى التنافس معه على منصب مسؤول قاطع بأن عملية إعادة إنتاج قيادة جماعية من الشباب الواعي سائرة على الطريق الصحيح إلا أنها لم تكتمل بسبب بضعة أصوات حالت دون ذلك. فعلى السيد ألكسندر ورفاقه من الجيل الجديد لزوعا الإستمرار في العمل لكي تكتمل العملية في الكونفراس القادم.    








75
فريد نزها  "السرياني" والشماس يوسف هرمز جمو "الكلداني"
والحركة القومية الآشورية – آب 1933

أبرم شبيرا
توطئة:
كلما طلً علينا شهر آب من كل عام يبدأ كتابنا ومثقفينا الأعزاء بالبحث والتقصي والكتابة عن هذا الحدث القومي والتاريخي وما صاحبه من مأساة وفواجع من جراء المذبحة التي أرتكبت بحق أبناء أمتنا في السابع من شهر آب عام 1933 الذي أعتبر يوماً للشهيد الآشوري. ولكن من الملاحظ بأن معظم ما كتب عن الموضوع لم يتجاوز حدود المعلومات التاريخية العامة عن هذا الحدث والمأساة التي حلت على أبناء الأمة والتي في كثير من الأحيان تتكر كل سنة في هذه المناسبة من دون أن تتجاوز إلى التحليل العلمي لدوافع مرتكبي جريمة مذبحة سميل والنتائج المختلفة على الأصعدة الفكرية والقانونية والإجتماعية والديموغرافية التي ترتبت من جراء إرتكاب هذه المذبحة، وهي الدوافع والنتائج التي تم التفصيل فيها في كتابنا المعنون (الآشوريون في السياسة والتاريخ المعاصر، من منشورات إتحاد الأندية الآشورية في السوري، 1996) ولا نرى هنا ضرورة لإعادتها من دون أن نتقصى عن جوانب جديدة لها علاقة بهذا الحدث. ولكن مع كل هذا فأنه بمجرد الكتابة وإقامة المراسيم الدينية والمدنية الخاصة بهذا اليوم تكفي للتذكير بالتضحيات التي قدمها شعبنا من أجل البقاء والصمود في أرض الوطن.

في التسمية الآشورية للحركة ويوم الشهيد:
 من الدارج بأن النتائج المأساوية وعلى مختلف الأصعدة السياسية والقانونية والإجتماعية والديموغرافية والدينية كانت قد حلت على جميع أبناء أمتنا ومن جميع الطوائف الكنسية والملل الإجتماعية رغم إختلاف مصادر تحديد إنتماءهم (كلدان أو سريان أو آشوريون). غير أن هذه المأساة تباين حجمها من طائفة إلى أخرى ومن قرية إلى أخرى وهكذا.. لذلك جرياً وراء الحقيقة الموضوعية لهذا الحدث التاريخي من جهة وبسبب قيادة هذه الحركة التي تمثلت في زعامة بطريرك كنيسة المشرق التي عرفت نكاية بـ "النسطورية" ثم فيما بعد بالآشورية وضخامة حجم المأساة التي حلت على أتباع هذه الكنيسة ورجالاتها وأتباعها من جهة أخرى، فإن الحركة عرفت شعبياً ورسمياً، فكرياً وتاريخياً بالحركة الآشورية، او بالفتنة الآثورية حسب العقلية الفاشية للحكام في العراق ومؤرخيها، كما عرف اليوم الذي أرتكبت فيه المذبحة في قصبة سميل بيوم الشهيد الآشوري بعد إقراره من قبل الإتحاد الآشوري العالمي في مؤتمره المنعقد في طهران عام 1970 وأصبح يوماً معترفاً به تقريباً من جميع أبناء أمتنا يستذكرون فيه تلك التضحيات التي بذلت على طريق الشهادة والدفاع عن الوجود القومي في العراق.

كان بعض االأصدقاء من "القوميين الآشوريين" يلومونني على إشاراتي الدائمة إلى قداسة البطريرك مار دنخا الرابع كبطريرك آشوري أو بطريرك الكنيسة الآشورية من دون تعميم هذه الصفة "الآشورية" على بطريرك الكلدان أو السريان أو حتى الموارنة منطلقين من إيمانهم القومي الشمولي في أعتبار أتباع هذه الكنائس كلهم أبناء للقومية الآشورية من دون إي أعتبار للحقيقة الموضوعية التي تتحكم في طبيعة تسمية كل كنيسة بأسمها المعروف والمعتمدة سواء من قبلها أو من قبل الغير. ففرض تسمية على مسمى آخر أمر لا يقبله المنطق ولا العقل خاصة في البحوث العلمية والموضوعية الهادفة إلى وصول لنتائج منطقية ومقبولة. والحال نفسه ينطبق على تسميات هذا الموضوع سواء كحركة قومية آشورية أو يوم الشهيد الآشوري. فمنطق البحث العلمي التاريخي الصحيح والقويم لهذا الحدث لا يتقبل تعميم هذه التسمية، على الأقل رسمياً وقانونياً على بقية مكونات شعبنا من الكلدان والسريان خاصة في المرحلة التي نشأت وطغت الحركة الآشورية لعام 1933 على السطح السياسي العراقي وضمن ظروف من القهر السياسي والفكري والقومي التي سادت في تلك الفترة وأصبح السلوك الحكومي والشعبي في التعامل مع المختلف دينياً وقوميا. فلم يكن إطلاقاً مقبولا لا من الكلدان ولا من السريان أن تعمم عليهم التسمية الآشورية في تلك المرحلة المرعبة وبالتالي فعندما ندرس ونبحث في الحركة القومية الاشورية لعام 1933 والمذبحة التي رافقتها في سميل يجب علينا أن نأخذ بنظر الإعتبار مواقف الكلدان والسريان في تلك المرحلة قبل تعميم هذه التسمية والحركة والمذبحة على جميع مكونات شعبنا (الكلداني السرياني الآشوري). فالمنطق والبحث الموضوعي يقضيان بأن تدرس المسألة كما هي بتسميتها وزعامتها ورجالاتها من دون تعميمها على الآخرين وهم بعيدون كل البعد عنها ومستنكرين لها. من هنا بقيت التسمية كحركة قومية آشورية وعلى المناسبة  بيوم الشهيد الآشوري. هذا في الماضي، غير أن الواقع الفعلي في يومنا هذا وتنامي الوعي القومي في مختلف مكونات أمتنا وتأسيس أحزاب ومنظمات كلدانية وسريانية تأخذ من تاريخ أمتنا الشامل للكل قاعدة فكرية وحضارية لسياساتها القومية فيفرض هذا الوقع نفسه على السطح القومي السياسي ليجعل يوم الشهيد لكل أبناء أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية، وحسناً فعلت معظم تنظيمات وأحزاب أمتنا خاصة المجتمعة تحت مظلة "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" في أعتمادها هذه التسمية الشاملة للجميع.

أن التحديد الحصري والرسمي لهذه للتسمية الآشورية المعتمدة في هذا الموضوع لا يعني إطلاقاً بأن الكلدان أو السريان كانوا بعيدين عن هذا الحدث سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. فالنتائج التي أفرزها أصابت  الكلدان والسريان أيضاً وعلى جوانب معينة وأثارت فيهم نوعاً من الإهتمام السياسي والقومي، لا بل وأصابت أيضاً معظم العراقيين وعانوا الكثير من الأساليب الإستبدادية التي عولجت بها الحركة الآشورية والتي أصبحت المنهج السائد في التعامل على الساحة السياسية العراقية. فما أن أنتهى المجرم بكر صدقي، جنرال مذبحة سميل، من فعلته الشنيعة في سميل حتى أدار بندقيته نحو حركات الشيعة في الجنوب والكورد في الشمال وأستمر متبعاً نفس أسلوب سميل في التعامل معهم وقمعهم بالقوة والإستبداد.   

أن المهالك والإضطهادات والتعسف التي أصابت "الآشوريين" من أتباع الكنيسة "النسطورية" كانت ذات تأثير عميق على نفسية ومواقف بقية المسيحيين لا بل وحتى على بعض من أتباع هذه الكنيسة. ففي ظل الظروف الإستبدادية والقمعية التي أعقبت مذبحة سميل ساد نوع من الحذر والحيطة وحتى الخوف والهلع من التدخل في السياسة أو المطالبة بأية حقوق قومية خاصة بهم. فكانت البرقيات الإستنكارية والإدانة لا تأتي من الكلدان والسريان فحسب بل أيضا وبشدة بالغة من قبل بعض أتباع الكنيسة الآشورية "النسطورية" لا بل وحتى من أكثر من أسقف أو زعيم عشيرة وشخصية بارزة من أتباع هذه الكنيسة تدين الحركة وتستنكر تحركات البطريك مار شمعون إيشاي وتؤيد تحركات الجيش في قمع الحركة الآشورية. وقد أورد مؤرخ السلطة الحاكمة في العراق عبد الرزاق الحسني الكثير من هذه البرقيات في كتابه المعروف تاريخ الوزارات العراقية. كان من الطبيعي أن يفرز الخوف والهلع من إستبداد السلطة وضعاً عاماً في نفسية بقية أبناء أمتنا من الكلدان والسريان والآشوريين غير أن هذه الحالة العامة لم تكن خالية من حالات إستثنائية لم تعير أهمية لمثل هذه الظروف أو لم تجاري الحالة العامة من الخوف والخشية التي سادت في الكثير من أبناء الأمة. وهي الحالات التي تعتبر في ظل مثل هذه الظروف المأساوية المرعبة نوع من الشجاعة التي يجب الإشارة إليها بالبنان والتثمين لمثل هذه المواقف الرافضة للظلم والإستبداد خاصة عندما تأتي من شخصيات سريانية وكلدانية..

المفكر فريد نزها وإستنتاجه بيوم الشهيد:

ولد فريد إلياس نزها عام 1894 في مدينة حماه في سورية ومن عائلة سريانية أرثوذكسية نزحت من هربوط في أعالي بلاد بيت نهرين واستقرت في سورية ومنها هاجر الى الأرجنتين ومن هناك، ومنذ الثلاثنيات وحتى الخمسينيات، كان يصدر مجلته المعروفة بـ"الجامعة السريانية"، التي عبرت عن مواقفه القومية الجريئة والشجاعة حيال مسألة وحدة طوائف كنيسة المشرق، وهذا بحد ذاته موضوع يستوجب مناقشته بشكل مفصل وفي فرصة اخرى. على أن الذي يهمنا هنا هو قدرة هذا المفكر الكبير في اكتشاف الحقائق التاريخية وتحديد الابعاد المستقبلة لابناء أمته خاصة فيما يتعلق بموضوعنا في الخوف من السياسة والمسائل القومية والخضوع للاستبداد الذي ساد في قطاعات واسعة من أبناء أمتنا أثناء وبعد مذبحة سميل وتوصله إلى إستنتاج بأن في المستقبل سيردد أبنا الأمة ذكرى الإستشهاد في سميل. فعلى الرغم من أن فريد نزها لم يكن صارماً وحاداً في رسم الاسم القومي الشامل للآشوريين في تلك الفترة، ولاعتبارات كان يقدرها حق تقدير، لذلك كان يخاطب أبناء أمته في مقالاته الافتتاحية اللهابة  بالقول ( الأمة السريانية الارامية الآشورية الكلدانية) وذلك بهدف التضمين الحضاري المشترك والمتواصل لهذه التسميات المرادفة لشعب واحد وأمة واحدة.

كان فريد نزها يصدر مجلته باللغة العربية ثم أضاف اليها اللغتين الاسبانية والسريانية الغربية وكان يكتب أسم المجلة بالاسبانية كما يلي  ( ASOCIACION  ASIRIA)  وفي العدد  الثاني، شباط 1939 للسنة الخامسة وفي الصفحات 10 – 12 كتب فريد نزها بخصوص تأثير الخوف والخضوع للاستبداد من جراء مذبحة سميل والنتائج المرعبة التي أفرزتها على بعض أبناء أمتنا وقال:
"أحد الأفاضل من أدبائنا الأغيار في الوطن – وكان من موصل - كتب مرة الى مدير الجامعة السريانية ( وهو فريد نزها نفسه ) بقوله: أمح أو أصلح أو غير أسم المجلة ( الاسباني ) فان هذا التعبير  ASIRIA لا يروق لحكومة البلاد عندنا وهو يفيد المعنى " الآشوري " وهذا لا يليق أيضا بك وأنت من عائلة سريانية معروفة بغيرتها وتمسكها بالعقيدة السريانية الخ.. فأبتسم المدير ( أي فريد نزها ) من هذا التضمين لدى قراءته تلك العبارة ولم ير غير العياذ بالله العظيم واللواذ بحوله من هذا البلاء المقيم. أنني أسأل جناب الأديب : اذا لم ترُق التسمية الآشورية لجناب الحاكم هل تجيز لك آدابك وشرف قوميتك وقواعد دينك أن تبدلها بغيرها إرضاءً لخاطر الأمير وإكراماً لسواد عينيه ؟؟ وماذا تصنع غداً متى خطر لحاكمك المطلق أن يقول لك أنزع هذا الصليب عن باب كنيستك ومحظور عليكم أنتم معشر النصارى قرع الأجراس ؟؟ . أو ماذا تقول اذا قالوا لكم غداً ان تعليم السريانية ينافي نظام دائرة المعارف الوطنية؟؟ أنك تستبعد حصول هذه الفواجع ولكن الليونة والخنوع اللذين ابديتموهما تجاه الحاكم المستبد سوف يحملانه على التمادي في ظلمه واستبداده. وقد يقول لك غداً : إن الخلاص ليس في اللغة بل في العقيدة،  فإذا كنتم انتم السريان مخلصين للحكومة والوطن وجب عليكم إتمام الخلوص وإخلاص الطاعة فاستبدال السريانية بالعربية لا مندوحة منها، فماذا تجيبون حكومتكم إذ ذاك يا حضرة الأستاذ ؟؟ . وبالحقيقة إذا لم يكن للسريانية غير المعنى الديني فأي حاجة لنا بها ؟ كان يجب عليك وأنت من كبار أساتذتها والخبيرين بتاريخها وباذخ  شرفها، أن تقول أن السريانية، قومية جنسية وطنية، لا دين ولا مذهب، وقد يكون المذهب الواحد بين عدة أمم كما هو شأننا( نحن السريان اليعاقبة) مع القبط والحبش. أما الجنسية ( ويقصد القومية ) فلا شركة فيها. فإذا انتزعنا العصبية الجنسية (ويقصد العامل القومي) من أبنائنا ماذا يبقى ؟؟ أنت تجيب : الدين‍‌‍، وأنا أقول لك انهم  يجدون الدين في مصر والحبشة وها هم يطلبونهُ بعيداً عنهما بفضل تعاليمك. ولو اننا علمناهم إن السريانية علم طبيعي لنا وهو أسم أمتنا القديمة  العظيمة وبسطنا لديهم آثار عظمتها لرأيتهم يحرصون على هذه التسمية ويفاخرون الأمم بالانتساب إليها على شرط أخطر المواقف وأحرج الظروف … ما أحلاك لما رحت تقول لي بكل بلادة وجهل ، أن التسمية الآشورية تفيد المعنى المذهبي "النسطوري"، وهو قولُ تبرأُ منه الحقيقة ويستنكره الجميع من الخاصة والعامة وأنك لعاجز عن إنكار هذه الحقيقة من ان السريان هم الآشوريون سلالة الكلدان القدماء ولا أرضى منك أبداً الانسحاب بدون ان تفحمني بالبراهين الساطعة عن فساد هذا الرأي، بل كل من له اطلاع في اللغة والتاريخ يعرف ان كلمة سريان أصلها أسريان وهو لفظ يوناني منحوت من الاصل الآشوري "أشوريان" . هذا عدا عن أن العالم كله يعلم أن الاسم الآشوري لا يفيد المعنى الديني وإذا راجعت صحف التاريخ الكنسي، لما رأيت إخواننا النساطرة يتميزون بهذا التعريف وإنما بقولهم نساطرة ولو انهم عرفوا تمييزا بالاسم الآشوري لكانوا في حال يحسدون عليها. وأقول بكل أسف إن التسمية المذهبية عندهم هي النسطورية فقط. أما إذا كانت هذه الصفة ( أي الآشوري ) تشير الى الغير راضين بالاندماج في العربية والخضوع للحكومات الغاشمة وقد نالهم بسبب ذلك القتل والاضطهاد والسلب وكل أنواع المظالم والفظائع ( ويقصد بها مذبحة سميل وما رافقها) ، فذلك شرف عظيم انفردوا به . وستردد الأجيال القادمة ذكر ذلك الاستشهاد وآثار تلك الفواجع التي أنزلها بهم أعداء الله والإنسانية ما بقي آدمي على وجه هذه البسيطة.

أدرجت النص الأخير من مقالة المفكر فريد نزها باللون الأحمر لزيادة الإنتباه إليه وإستنباط الاستنتاج العظيم الذي أستنتجه في ذكره بأن الأجيال القادمة ستردد ذكر ذلك الإستشهاد في سميل وفعلاً وبعد أكثر من ثلاثة عقود، أي في عام 1970 عند إقرار الإتحاد الآشوري العالمي السابع من آب يوماً للشهيد، وحتى هذا اليوم فإن أبناء أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية تردد ذكر هذه المناسبة في الشهادة والتضحية.. أليس فريد نزها عظيماً يستحق كل التقدير والتثمين لفكره القومي الإستراتيجي؟... كم من أبناء أمتنا خاصة القوميين منهم يعرفون فريد نزها وقرأوا أدبياته القومية ؟؟؟

الصحافي الشجاع الشماس يوسف هرمز جمو:
 ربما الكثير من أبناء أمتنا  سمعوا عن الشماس يوسف هرمز جمو، خاصة وهو والد المطران مار سرهد جمو رائد النهضة الكلدانية في عصرنا هذا، ولكن من المؤكد قلة قليلة تعرف مواقفه السياسية الشجاعة وغزارة نشاطه الثقافي والصحفي وتحديداً ما اورده في كتابه المعنون "أثار نينوى أو تاريخ تكليف" الذي نشر في عام 1937 وأعيد طبعه ونشره بعد 56 سنة وتحديداً في عام 1993 من قبل أبناءه الغيارى في ولاية مشيغان - الولايات المتحدة الأمريكية.

يقول السيد يوسف ناظر في مقدمته عن الكتاب بأن الشماس يوسف هرمز جمو هو "وجه مشرق من وجوه الإعلام الكلدان الذين كرسوا جل حياتهم – إن لم يكن كلها – لخدمة شعبهم ووطنهم بحرص وتجرد ونكران ذات حتى وافاهم الأجل ليكونوا قدوة حسنة لنا وللأجيال القادمة ولكي لا يغيبوا عن ذاكرتنا بعد أن واراهم التراب، إعترافاً بجميلهم، طيب الله ثراهم... وهو أشرق وأعطر الوجوه التي إنجبتها الأمة الكلدانية في عصرنا الراهن.. فهذا الأبن البار للشعب الكلداني الذي بدأ حياته ملاحاً في السفن – الدوب – التجارية فوق مياه دجلة بين بغداد والبصرة دفعه طموحه الشخصي وعصاميته الفذة ومواهبه الفطرية إلى إقتحام الميدان الثقافي فأصبح مربياً فصحافيا فمؤلفاً فأستاذا لأبناء الأمراء، رحمة الله عليه... ص9. هذا الإطراء الجميل للشماس يوسف جمو الذي ولد في بلدة تكليف في 19/03/1892  لم يترك لنا الإستاذ يوسف ناظر مجالا للتفصيل في سعة مواهبخ وقدراته ومن يريد من القراء الأعزاء المزيد من إبداعاته ونضاله يمكن إيجادها في كتابه السالف الذكر.

كان الشماس الشجاع قد دخل المعترك السياسي في تلك الفترة فرشح نفسه لعضوية المجلس النيابي ممثلاً للمسيحيين إلا أنه لم يفز بالمقعد بحكم الظروف السياسية في تلك الفترة. غير أن هذا لم يثني عزيمته للإستمرار في معترك السياسة والثقافة، ففي عام 1934 حصل على إمتياز لإصدار جريدة يومية سياسية بأسم "صوت الشعب"، ويكفي أسم هذه الجريدة لتعبر عن مواقفه السياسية والوطنية فكان يشن حملات على الفساد الإداري والسياسي وتزوير الإنتخابات في تلك الفترة مما عرضه ذلك إلى مضايقات من أطراف رسمية وغير رسمية بحيث وصلت إلى درجة محاولة إغتياله عام 1937 بعد أن أغلقت صحيفته الجريئة "صوت الشعب" من قبل السلطات الرسمية، وفي هذه الفترة تسنت له الفرصة والوقت ليؤلف كتابه هذا. كل هذا النشاط السياسي والثقافي لا يمكن أن نتجاهله أو لا نربطه بحادث السيارة في 18/11/1965 الذي أودى بحياته  للحد من نشاطه السياسي والثقافي والقضاء عليه، وهو الأسلوب المعروف في تاريخ العراق السياسي في إغتيال الشخصيات البارزة المعارضة لفساد السلطة. وعلى العموم فإن مناقب ونشاط الشماس الشجاع كثيره وسنقتصر على معالجة موضوع كتابه السالف الذكر وعلاقته بالظروف السياسية المأساوية التي أعقبت مذبحة سميل.

موضوع الكتاب هو ربط تلكيف وبقية القرى المسيحية في سهل نينوى بتاريخ الإمبراطورية الآشورية وإرجاع أصل أهلهم إلى الآشوريين القدماء. وبخصوص أبناء بلدة تكليف والقرى العديدة المنتشرة في سهل نينوى يقول الشماس يوسف "يبلغ عدد الذين ينتسبون إلى بلدة تكليف نفسها نحو 30 ألفاً وليس هؤلاء فقط كل بقايا نينوى أنما هناك قرى عديدة في تلك البقعة أكثر سكانها هم من بقايا الشعب الآشوري.إنما أقتصرت على تاريخ تلكيف في هذا الكتاب لأنها البلدة الوحيدة الخالصة التي تمثل نينوى في بعض التقاليد الموروثة لأهالي تلك المدينة العظيمة... ص 7. أما بخصوص أسم المدينة فيقول الشماس يوسف : "المدينة ضاحية من ضواحي نينوى كما سيجئ وأسمها مأخود بعد ذلك من أسم التل الذي اختطت المدينة بجانبه والتل المذكور حصن قديم شيد أيام دولة آشور كباقي الحصون التي كانت تشاد دفاعا عن العاصمة نينوى. وهو إصطناعي كانت جوانبه مرصوفة بحجارة ضخمة فسمي تل كيف أو "تلكيبا". – ص20. وفي مكان آخر يؤكد الكاتب الشجاع بأن تلكيف كانت قلعة من قلاع نينوى فيقول "إذا كانت قرية نمرود وسلامية، كما يقول العلامة لايادر عباة عن محلتين ضمن نينوى... فلا يمكن حسبان نينوى إلا أن تكون تلكيف من مشتملاتها". ص21.

الكتاب صدر عام 1937، وهي الفترة التي كانت المسألة الآشورية، خاصة بعد مذبحة سميل في آب 1933 قد طغت على السطح السياسي العراقي وتركت إنطباعات ونتائج سلبية جداً على الآشوريين وتحديداً على أتباع كنيسة المشرق المعروفة حينذاك بـ "النسطورية" خاصة بعد نفي بطريرك كنيسة المشرق مار شمعون إيشاي من قبل السلطات العراقية إلى خارج العراق وتجريده من الجنسية العراقية والذي أرتبطت الحركة القومية الآشورية في تلك الفترة بأسمه. ففي تلك الفترة ساد هلع بين معظم الطوائف المسيحية من التدخل في المسائل السياسية أو المطالبة بحقوق قومية أو سياسية خوفاً من النتائج المدمرة التي قد تصيبهم من جراء هذه المطالبة كما أصابت الآشوريين من أبناء طائفة كنيسة المشرق والتي سبق الإشارة إليها في أعلاه. فالموضوع الذي كان يثير غضب وهيجان السلطات العراقية حينذاك ومؤرخيها وكتابها هو الربط التاريخي القومي الذي كان يربطه الآشوريون الثائرون حينذاك بالآشوريين القدامى وبالدولة الآشورية القديمة، خاصة بعد أن إتيحت الفرصة للبطريك مار شمعون وهو منفياً في الخارج للقيام بحملة ضد الحكومة العراقية ومطالبا بحقوق لأبناء امته على هذا الأساس التاريخي. في حين نرى عظمة وشجاعة الشماس يوسف جمو تتجاوز إلى حدود أبعد  عن هذا الخوف من دون أي تردد أو مجاملة عندما ربط أصل أهل تكليف والقرى المسيحية الأخرى المنتشرة في سهل نينوى بالآشوريين القدامي في الوقت الذي كان الكثير سواء من الكلدان أو السريان أو الآشوريين النساطرة ينكرون أصلهم التاريخي ويتخوفون من ذكره. ولا نشك إطلاقاً بأن الشماس يوسف جمو، وهو ناشطاً سياسياً وعلماً من أعلام الثقافة والصحافة، في كونه ملماً بالحياة الساسية حينذاك وبكل مجريات الأمور التي كانت تعصف بالعراق ومنها المسألة الآشورية التي كانت قد طغت على سطح الساحة السياسية العراقية وأنه كان مدركاً كل الإدراك بما كان يكتبه ويؤمن به. كل هذا يعكس مدى "ثورية" هذا الكاتب وعدم خشيته من إستبداد السلطات حينذاك. وهي شجاعة لا يضاهيه فيها إلا المفكر والكاتب يوسف ماليك والذي كان هو أيضا من أبناء تلكيف الذي كتب وعمل الكثير في هذا المجال ومنها كتابه المشهور "خيانة بريطانيا للآشوريين". ولكن مقارنة الشجاعة بين الكاتبين من أبناء تكليف تبقى هنا ضرورية حيث كتب الشماس كتابه وهو في العراق وضمن ظروف أقل ما يقال عنها إستبدادية وتعرض إلى حادثة سيارة فقضت على حياته ولا شك فيه أن تكون وسيلة لإغتياله والقضاء عليه وعلى نشاطه الجرئ في حين كتب مالك يوسف كتابه وهو خارج العراق ومات موتاً طبيعياً في بيروت.

في السابع من آب من كل عام يحتفل أبناء أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية بيوم الشهيد، وهي مناسبة لا تفوتنا إلا أن نذكر أبطال أمثال فريد نزها "السرياني" و الشماس يوسف هرمز جمو "الكلداني" ونضعهم في مصاف شهداء أمتنا رغم إختلاف طبيعة إستشهاد كل واحد منهما. فالإستشهاد في ظل الظروف الإستبدادية في الوطن يكون عن طريق الإستعداد للتضحية بالحياة، أغلى ما يمكله الإنسان، كما كان الحال مع الشماس يوسف هرمز جمو. في حين يكون الإستشهاد في الظروف الإعتيادية، خاصة في المجتمعات الديمقراطية بالتضحية بكل مسلتزمات الحياة الأساسية وبالتالي بالحياة نفسها. كما كان الحال مع فريد نزها. وفي الأخير يجب أن لا يفوتني إلا أن أذكر ولو بإشارة بسيطة إلى الوقفة البطولية لبلدة ألقوش "الكلدانية" في دفاعها المستميت عن اللاجئين الآشوريين من أتباع الكنيسة المشرقية "النسطورية" الذين لجأوا إليها هرباً من مذابح بكر صدقي ورفضهم القاطع تسليمهم إلى جلادي النظام الحاكم حينذاك. هذا موضوع سبق وأن التطرق إليها أكثر من كاتب وفي أكثر من مناسبة ولكن الذي أود أن أشير إليه هو إستعداد، لا بل كل الإستعداد، لأبناء ألقوش البطلة بالتضحية بحياتهم جميعاً والإستشهاد في سبيل الدفاع عن أبناء قومهم... تضحية  مسجلة في سجل تاريخ امتنا بماء من الذهب. 


 

76
مزيداً من المظاهرات يا ألقوش البطلة
نظرة في الأهمية القصوى للديموغرافيا في حياة الشعوب

                                                                                                                                   أبرم شبيرا

وحسرتاه... كم كنت أتمنى أن أكون جنب إلى جنب مع أبناء عمومتي في ألقوش متكاتفاً معهم في مسيرتهم الإحتجاجية ضد التغيير الديموغرافي للقرى والقصبات التاريخية لأبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري الذي يرسم ويخطط له قوى الظلام والتخلف والعنصرية في وطننا وتسعى إلى تنفيذها وإمحاء تاريخ ألاف السنين من الحضارة والعطاء ... لماذا ؟؟؟ لأنه  ليس لهولاء تاريخ غير تدمير الحضارات وإمحاء وجود المختلف والقضاء على الآخر الذي لا يسير معهم في ظلامهم ولأنهم أيضا لا يتحملوا النور المعطاة لهذه الحضارات العظيمة من بابلية وآشورية وكلدانية وسريانية والتي أعطى أبناؤها للإنسانية كثير الكثير ولم يأخذوا منها حتى قليل القليل. وحسرتي تزداد أكثر فأكثر عندما أرى القوى السياسية التي تمثل أبناء شعبنا في الهيئات الحكومية والبرلمانية عاجزت بشكل أو بآخر في فهم الأهمية القصوى لهذا الموضوع الخطير في التغيير الديموغرافي ولا تقف إلى جانب المحتجين ضد المخططات الشيطانية المرسومة تجاه أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية. فغداً عندما تنجح هذه المخططات الشيطانية ولا يبقى في البلدات والقصبات إلا عدد قليل من أبناء أمتنا، أن لم نقل لا يبقى وجود لهم فيها حينذاك ستنتفي أهمية أن يكون لهم منظمات وأحزاب ومدارس وكنائس فيها. ومثل هذه الحالة الخطيرة يمكن ملاحظتها من خلال زيارة قصيرة إلى قرى وقصبات أبناء أمتنا في المناطق الشمالية من العراق وتقلص عدد أو دور هذه المؤسسات. وأحسن مثال على ذلك هو ما سمعناه خلال زيارتنا لأرض الوطن عن إغلاق مقرات ومراكز الحركة الديمقراطية الآشورية في بعض من هذه القرى والقصبات وذلك بسبب إنتفاء الحاجة إلى وجودها في تلك المناطق، ونحن نعرف بأن الحركة الديموقراطية الآشورية هي من أكبر التنظيمات السياسية لأمتنا والممثلة لها في الهيئات الحكومية والبرلمانية فكيف والحال مع غيرها من الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية؟ 

 إن أكثر ألماً وحسرة هو الصمت المطبق للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية تجاه هذا التغيير الخطير الذي يهدد بالأساس وجودها التاريخي في هذه البلدات والقصبات باعتبارها مراكز أساسية تاريخية لرعيتها. فغداً عندما تنفذ قوى الظلام والإستبداد مخططها في التغيير الديموغرافي لهذه البلدات والقصبات ويصبح أبناء شعبنا فيها مجرد مايكرو أقلية أو بضعة بيوت عندذاك تتلاشى أهمية توفير الخدمة الكنسية لأبناء الرعية ويصبح وجودها لا معنى لها ولربما تصبح الكنائس نقطة في بحر من بيوت ومعابد الآخرين الذين لا يهمهم إطلاقاً وجود مثل هذه الكنيسة بينهم لا بل سوف يسعون ليل نهار لأحتلالها وإمحائها من الوجود بحجة "قانونية" أو تحقيقاً "للمصلحة العامة". فالأوضاع الديموغرافية والجغرافية البائسة لأبناء أمتنا خاصة في مناطق إقليم كردستان العراق لا بل وحتى في المناطق الشمالية الشرقية من سوريا وفي إيران أيضا حيث البلدات والقصبات مهجورة ومسكونة من قبل الغير صور واضحة للتغيير الديموغرافي ونخشى كثيراً أن تنطبق هذه الصور على البلدات والقصبات الباقية لأبناء أمتنا في العراق. وهنا يجب أن لا نرش الحبر في وجه الآخرين ونلومهم على إحتلال أرضي أبناء أمتنا فقط بل قبل ذلك يجب أن نحاسب أنفسنا ونقيم أداء أحزابنا ومنظماتنا القومية والسياسية ومن ثم نلوم الآخرين.

كثر الحديث في هذه الأيام عن التغيير الديموغرافي وخطورته على وجود كيان أمتنا في قراها وقصباتها التاريخية وهنا أود أن أسهام ولو قليلاً في تبيان خطورة هذا الموضوع على الوجود القومي والحضاري لأبناء أمتنا في أرض أبائهم وأجدادهم. لقد سبق وأن شرحنا في مناسبات سابقة بأن السياسة هي (ديموغرافيا على جغرافيا) أي الناس أو السكان على الأرض أو الوطن، بكل ما تعنيه هذه الكلمة (على) من ممارسات ونشاطات لهؤلاء الناس على أرضهم. ومن المعروف تقليدياً في علم السياسة هو أن وجود أي كيان سياسي وتحديداً "الدولة" بإعتبارها أحدث وأكبر الكيانات السياسية في هذا العصر تقوم على أربعة أركان وهي الشعب والأرض والحكومة والسيادة. ولو حاولنا تبويب أو تصنيف هذه الأركان وأستخدمنا مجازاً الفلسفة المادية الدياليكتيكية التي وضع أساسها الأولي هيغل وطورها ماركس ومن ثم لينين في العلاقة الجدلية المتبادلة بين العوامل الموضوعية والعوامل الذاتية في خلق الظاهرة نرى بأن الشعب (ديموغرافيا) والأرض (جغرافيا) يشكلان العوامل الموضوعية بينما الحكومة (المؤسسة أو التنظيم) والسيادة (الإستقلال في القرار) تشكل العوامل الذاتية واللذان يسهمان بفعل تفاعل بعضهم بالبعض في خلق الدولة وإن أفتقار أي ركن من هذه الأركان ينفي وجود الدولة. ونحن الكلدان السريان الآشوريين أمة صغير وأقلية لا تتجاوز طموحاتها القومية أكثر من أن تعيش بأمان في موطنها التاريخي وتحكم نفسها بحكم ذاتي أو إداري وضمن دولة العراق حتى تستطيع أن تمارس حياتها الإعتيادية وتحافظ على وجودها وتراثها وليس لديها حتى في الأحلام طموح تأسيس دولة مستقلة خاصة بها.

من هذا المنطلق فإن العوامل الموضوعية والعوامل الذاتية السالفة الذكر يجب أن تنطبق على الكلدان السريان الآشوريين في قيام كيان خاص بهم حتى يستطيعون ممارسة حكمهم الذاتي أو الإداري. أي بعبارة أخرى يجب أن يتوفر لهم العوامل الموضوعية المتمثلة في مقومات الديموغرافيا – الشعب و الجغرافيا – الوطن والعوامل الذاتية المتمثلة في الحكومة (المؤسسة أو التنظيم) والسيادة (الإستقلال في القرار). ولما كانت مسألة تأسيس دولة خاصة بهم غير مدرجة إطلاقاً في جدول طموحاتهم فإن مقوم الحكومة والسيادة سوف ينتفيان من المقومات المطلوبة في بناء كيان دولتي خاص بهم فيعوض عنهما بالمؤسسة او التنظيم وبالإستقلال في القرار. أي بعبارة أخرى وأكثر توضيحا، يكون الشعب والأرض والتنظيم السياسي، أي مجموعة منظمات وأحزاب سياسية، والإستقلال في القرار، أي أن تكون مثل هذه الأحزاب والتنظيمات مستقلة في قرارها وغير خاضعة أو مسيرة من قبل الغير، هي المقومات المطلوبة لقيام حكم ذاتي أو إداري كأطار سياسي للحفاظ على كيانهم القومي. فإذا أنتفى أي مقوم من هذه المقومات الأربعة (الشعب والأرض والحزب والإستقلال) سوف تنتفي إمكانية قيام كيان ذاتي أو إداري للكلدان السريان الآشوريين لأن العلاقة هي جدلية بينهم لا يمكن فصل أحدهم عن الآخر. من هنا نقول إذا تعرض شعبنا في قراه وقصباته إلى التغيير الديموغرافي ومن ثم يصبح نقطة في بحر غير بحرهم فإن كل المحاولات والجهود التي تبذلها الأحزاب السياسية والمنظمات القومية في بناء كيان ذاتي أو إداري أو السعي للحفاظ على كيانهم القومي وتراثهم التاريخي والحضاري تذهب أدراج الرياح ويصبحون يراوغون في أماكنهم من دون تقدم خطوة واحدة نحو بناء مثل هذا الكيان. هذا هو السبب الذي جعل أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية في المهجر أن تفشل كل الفشل في مسعاه وطموحاتها لأنها تعمل على أرض غير أرضها وبالتالي تصبح أحزاب كلام وخطب وورق، لأنها في الحقيقة والواقع تفتقر إلى مقوم الأرض الذي تتغنى به ليل نهار وهي بعيدة عنها بألاف الأميال. هذا موضوع طويل سبق وأن كتبنا عنه كتاب تحت عنوان (محطات فكرية على طريق العمل القومي الآشوري – نظرة مقارنة بين الوطن والمهجر، مطبعة ألفا غرافيك، شيكاغو – الولايات المتحدة الأمريكية، سنة 2002).

موضوع العلاقة الجدلية بين العوامل الموضوعية والعوامل الذاتية موضوع فلسفي طويل وكانت الماركسية التقليدية قد تناولته وأعطت وبشكل مطلق أولية قصوى للعوامل الموضوعية بحيث جعلت العوامل الذاتية محكومة بالعوامل الموضوعية. فالبنية التحتية التي تتمثل في وسائل الإنتاج كعوامل موضوعية تطرح وبشكل ميكانيكي بنية فوقية كأحزاب وحكومات ومؤسسات المجتمع المدني كعوامل ذاتية تكون مطابقة للعوامل الموضوعية. لهذا السبب كان الماركسيون التقليديين يعتقدون بأنه بسبب التطور الكبير في البنية التحتية لبريطانيا والمتمثلة في تطور وسائل الإنتاج والصناعة وقوة الطبقة العاملة  فأنه لا محال له سوف يسيطر البروليتاريا على الدولة وتصبح بريطانيا أول دولة شيوعية. غير أن بريطانيا وغيرها من الدول الرأسمالية  إستفادوا من الفسلفة الماركسية أكثر مما أستفاد الشيوعيون منها فصححوا أوضاع العمال وأشركوهم في عملية الإنتاج وأقاموا لهم منظمات ونقابات تدافع عن حقوقهم ضمن النظام الرأسمالي القائم، أي بعبارة أخرى حرروا العمال من ظاهرة الإغتراب التي تكلم ماركس عنها كثيرا، وبالتالي تبين بأن توقعات ماركس وغيره تجاه بريطانيا كانت في غير محلها ولم تظهر الشيوعية كنظام فيها. غير أن لينين بفكره الإبداعي أستطاع أن يطور المفهوم الماركسي في العلاقة الجدلية بين العوامل الموضوعية والعوامل الذاتية ويكيفها وفقا للظروف التي كانت سائدة في روسيا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. لقد أدرك لينين بأن تخلف الصناعة في روسيا في مقارنة مع بريطانيا وغيرها من الدول الرأسمالية وإعتمادها على أسلوب الإنتاج الزراعي بالدرجة الأولى يجعل من العوامل الموضوعية في قيام الثورة والتغيير عاملاً ضعيفاً لهذا أعتمد على العوامل الذاتية والفكرية في بناء الحزب الشيوعي الروسي ونشر الوعي الماركسي والإشتراكي في عموم روسيا ليصل إلى نتيجة مفادها بأن من الممكن أن يكون للعوامل الذاتية تأثيرا قوياً في قيام الثورة رغم ضعف العوامل الموضوعية فيما إذا تدخلت عوامل خارجية أخرى مساعدة بشكل أو بآخر في عملية التغيير وقيام الثورة. ثم وجد لينين في الحرب الكونية الأولى عاملاً خارجياً مثالياً ساعد الحزب الشيوعي الروسي كثيرا في القيام بثورته الإشتراكية في أكتوبر من عام 1917 ومن ثم بناء النظام الإشتراكي والتركيز على تطوير البنية التحتية وبناء وسائل أنتاج صناعية متطورة. غير أن بعد مجيء ستالين على الحكم  غير الكثير من هذه المفاهيم وحول الماركسية اللينينية إلى فلسفة فجة جامدة قادت إلى أن يتحول الحزب الشيوعي السوفياتي من حزب جماهيري إلى مجرد مكاتب بيروقراطية غرضها تعزيز رأسمالية الدولة وقبضة ستالين الدكتاتورية على مقاليد الحكم والحزب وهو الأمر الذي كان لينين يخشاه وهو على فراش الموت، والذي أستمر حتى بعد وفاة ستالين لحين إنهيار الشيوعية والنظام الشيوعي في الإتحاد السوفياتي بعد عدة عقود.

أرجو المعذرة من القارئ الكريم على الإطالة في هذا الموضوع الذي يبدو بعيدا بعض الشيء عن موضوعنا هذا ولكن المغزى المراد منه هو القول والتأكيد بأن من الممكن، بل الممكن جداً أن تعلب العوامل الذاتية دوراً فاعلاً في التغيير والتطور حتى في حالة ضعف العوامل الموضوعية خاصة عندما تكون هناك عوامل خارجية مساعدة لهذا التغيير. هناك حقيقة واقعية لا يمكن إنكارها وهي ضعف العوامل الموضوعية والمتمثلة في قلة حجم أبناء أمتنا  في مقارنة من غيرنا من جيراننا وتبعثر الجغرافيا، القرى والقصبات، في مناطق مختلفة وبعضها متباعدة وغيرها شبه مهجورة واللعنة كل اللعنة نلقيها على الهجرة إلى خارج الوطن والأن تأتي قوى الظلام لتضع يدها في يد الهجرة وتتحالف معها في سعيها للتغيير الديموغرافي للمناطق التاريخية لأبناء أمتنا. ضمن هذه الحقيقة الموضوعية القاسية تسطيتع العوامل الذاتية من أحزاب سياسية ومنظمات قومية أن تلعب دورها في التأثير والتغيير فيها. وأولى مهماتها يجب أن تكون مدركة لخطورة هذا التغيير الديموغرافي وأن تلجأ إلى كل الوسائل الممكنة، قانونية كانت أم غير قانونية – لأن في الوضع الحالي لم يعد قانون نافذ في العراق غير قانون القوي وتحديداً قانون الغابة، قانون الإستبداديين والحرامية أو قانون "حارة كل من إيد إلو" كما يقول غوار الطوشي. فإلى متى نظل نسلك سلوك الضعفاء وتلجاً أحزابنا السياسية إلى القانون وغيرنا لا يعتد به؟؟؟ وحتى لا أكون فجاً وجافاً في هذا الموضوع أسمحوا لي أن ألطف الجو بهذه النكة: (يقال بأن رجل كان سكراناً في نادي ليلي (ملهى) حيث كانت الراقصة ترقص على أنغام آلة القانون فبدأ يثير المشاكل والشغب حتى أستدعى صاحب الملهى الشرطة وقبضت عليه وتم توقيفه في موقف مركز الشرطة. وفي اليوم الثاني جلب إلى المحكمة للمحاكمة فبعد المداولة والإستجواب مع الرجل نطق القاضي الحكم عليه قائلاً: إستناداً إلى المادة ... من قانون ... قررنا حبس المتهم لمدة يومين مع غرامة قدرها .... دينار، فأثار ذلك إستغراب الرجل ودهشته فقال للقاضي: سيدي القاضي البارحة كان القانون في الملهى واليوم معك في المحكمة... ما هذا القانون الغريب الذي في الليل يكون في الملهى مع الراقصة وفي النهار يكون مع القاضي في المحكمة). هكذا هو أمر القانون في عراق اليوم يفسر ويؤل مثلما يحقق مصالح المتسلطين على السلطة ولكن مع الآسف الشديد تلجاً أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية المتمثلة في الهيئات الحكومية والبرلمانية اللجوء إلى القانون الذي هو حتى على الورق ليس بالمنصف والعادل وذلك لغرض ليس إلا التحبب والمجالة إلى السلطات الظالمة بحق أمتنا في الوطن وحماية لكراسيهم المتكسرة.

أستغربت إستغراباً شديداً في تجنب مشاركة الحركة الديموقراطية الآشورية وأنصارها في المسيرة التي نظمتها ألقوش البطلة بحجة بأن المظاهرات ليست الحل الأوحد لحل مشاكل التغيير الديموغرافي في مناطقنا التاريخية بل يركزون على الوسائل الدبلوماسية والقانونية وبالتالي ليس من داع للقيام بمثل هذه المظاهرات ولأنه مسألة توزيع الأراضي للغير في المناطق الكلدانية السريانية الآشورية التاريخية قد توقفت بفعل الطرق الدبلوماسية والقانونية..!! أي قانون نتكلم عنه، أفهل هو قانون (الملهى والراقصة) أم قانون العدل والإنصاف ونحن نعمل جميعاً لا بل يعلم كل العالم بأن حكومة بغداد لا تملك حد أدنى من العدل والإنصاف فهي حكومة طائفية إستبدادية تنافست إستبداديتها مع إستبدادية صدام لا بل تجاوزتها في مجالات كثيرة... أفهل نثق بمثل هذه الحكومة...؟؟ طبعاً الجواب كلا وألف كلا... غير أن المشاركين من أبناء أمتنا مع هذه الحكومة وفي هيئاتها نقول مع الأسف الشديد يشاركون معهم في جرائم هذه الحكومة وفي إستبداديتها وظلمها تجاه أبناء أمتنا وذلك حفاظاً وضماناً لكراسيهم المتكسرة وإستمتاعاً بالإستحقاق السياسي الذي لولا تصويت أبناء أمتنا لهم لما كان يملكون مثل هذا الإستحقاق. أن مسألة حل توزيع الأراضي في المناطق التاريخية لأبناء أمتنا بالطرق الرسمية والقانونية والتأثير الخطير المهلك على ديموغرافية شعبنا تشبه كثيراً مسألة بناء الأبراج الأربعة في بلدة عنكاوة الصامدة التي تتذبذت بين التأجيل والتوقف وبين الشروع في بناء هذه الأبراج إلى درجة لم نعد اختلط الحابل من النابل وبالتالي سيخرج أبناء بلدتنا عنكاوة خاسرين من هذه المعركة غير العادلة. والإستغراب الأكبر يأتي من كون الحركة الديموقراطية الآشورية رائدة في قيادة أمتنا نحو تحقيق أهدافها المشروعة والذي من المفروض جداً أن تكون واعية سياسياً بان وسائل تحقيق مطالب قومية تتعدد وتكثر خاصة في ظروف إستثنائية كظروف أمتنا في عراق اليوم، فالمظاهرات الجماهيرية وسيلة فعالة إلى جانب الوسائل الدبلوماسية والقانونية وفي بعض الأحيان إلى جانب الوسائل العسكرية والثورية أيضاً، فتعدد الوسائل المختلفة وربما المتناقضة في تحقيق الأهداف يعرف في علم السياسية بـ "الخطاب السياسي" وهو موضوع طويل ونأمل أن تتاح لنا الفرصة في المستقبل للتفصيل فيه. أن موضوع الخطاب السياسي يعتبر من أبجديات السياسة والعاملين على ساحتها ومن اللازم على أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية أن تعرفه وتعمل بموجبه، فإذا كانت لا تدرك هذه الأبجدية البسيطة في السياسة فكيف لأبناء شعبنا أن تضع كل ثقلها عليهم في تحقيق أبسط مطالبهم لا بل في الحفاظ على وجودهم من التحديات الخارجية؟ من هنا أقول لألقوش البطلة مزيداً من المظاهرات ضد التغيير الديموغرافي لأبناء أمتنا في مناطقهم التاريخية... ألقوش التي قد تكون أبعد بقليل من غيرها من البلدات والقصبات القريبة من المدن الكبيرة المعرضة للتغيير الديموغرافي ولكن بوعيها وإدراكها للمخاطر التي يتعرض لها أبناء أمتنا إينما كانوا يجعلها أن تعي بأن لهيب نيران هذا التغيير لربما سيصلها عاجلاً أم آجلاً مما يستوجب الحيطة والحذر. هذه الوقفة في هذه التظاهرة يذكرني بالحكايات التي سمعتها عن ألقوش في صمودها البطولي طيلة فترات طويلة للحفاظ على كيانها القومي والتراثي والديني ونحن ومن خلال هذه السطور أشد يدي وبحرارة على يد أبناء عمومتي الذين نظموا وشاركوا في الإحتجاجات والمسيرات التي سيروها في ألقوش ضد هذا التغيير الديموغرافي وهو أقل الإيمان الذي يمكن أن نقوم به ونحن قابعين في خيامنا المنصوبة في المهجر. وليس لي فعل غير أن أهنئهم على وعيهم العمي لأهمية وخطورة  هذا الموضوع الذي يهدد وجودنا التاريخي في هذه المناطق. وفي الأخير أقول:

أن ألقوش التي أنجبت التوأمين... المطران الشهيد توما أودو والمناضل الخالد توما توماس لعمري هي قادرة على أن تنجب ألف توما وتوما.

77
حقوق الأقليات القومية ... الكلدان السريان الآشوريين مثالاً
نظرة مقارنة بين نظام البعث والحكم الحالي في العراق
                                                                                                                                        أبرم شبيرا

في معنى الأقلية ومضمونها:
الأقلية مصطلح معياري أستخدم في العلوم السياسية والقانونية بالقياس على عدد (حجم ) مجموعة معينة من الناس في مقارنتهم، وفق هذا المعيار العددي، مع عدد أكبر منهم التي تعرف بالأغلبية. أي بعبارة أخرى، أن مجرد ذكر الأقليات يعني هناك تجزئة أو إنقسام في المجتمع إلى مجموعين على الأقل تكون أحدهما أكثر عددا من الأخرى. وهذه الميزة تجعل بشكل عام الأغلبية في موقع القوة والسيطرة أكثر من الأقلية. ولكن إلى جانب كون الأقلية أقل عدداً إلا من جهة أخرى قد تتمتع بخصائص أخرى قد تزيد من تحديد ميزة الأقلية عن الأكثرية كأن تكون ذات خلفية حضارية متطورة وإنسانية وأكثر فاعلية في بناء وتطوير المجتمع كما كان الحال مع المسيحيين وتحديداً (الكلدان السريان الآشوريين) في العراق منذ الفتح الإسلامي وحتى قبل سنوات قليلة حيث كانوا ملح أرض العراق، فبدونهم لم يكن للعراق أي طعم. هذه حقيقة مشود بها من قبل الكثير من الكتاب العراقيين. أو تتمتع الأقلية بنوع من السلطة والقوة والجاه كما هو الحال في الأنظمة الأرستقراطية والنخبوية فتصبح مختلفة عن الأكثرية وتزيد من عامل التجزئة في المجتمع الذي يسود فيها مثل هذه الأنظمة.

والأقلية قد تكون دينية وأخرى قومية وثلاثة سياسية أو تكون مركبة من هذه الصفات كما هو الحال مع (الكلدان السريان الآشوريين) حيث هم أقلية دينية (مسيحية) إضافة إلى كونهم أقلية قومية تجمعهم مقومات قومية واضحة من لغة وتاريخ وحضارة تجلعهم مختلفين من هذه النواحي مع الأكثرية المسلمة في العراق من العرب والكرد وحتى التركمان. هذه الصفة المركبة للأقلية (دينية وقومية) تضاعف تحديات الأقلية في المحافظة على وجودها وحماية حقوقها في الأنظمة الإستبدادية خاصة عندما تتدخل الصفة السياسية مع الدينية والقومية كما كان الحال مع "الكلدان السرياني الآشوريين" خلال فترات الأنظمة الإستبدادية التي تعاقبت على السلطة في العراق. وعلى العموم إن قلة عدد أو حجم الأقلية  يجب أن لا يكون لمعناها أية مضامين دونية او تحقيرية بسبب هذه القلة في العدد. هكذا فهمت المجتمعات الديمقراطية المتقدمة مفهوم الأقلية وسنت تشريعاتها وفق هذا الفهم الديمقراطي في الممارسة السياسية وضمان حقوق الأقلية والأكثرية معاً. ولكن من المؤسف له فإن مفهوم الأقلية هو غير ذلك في المجتمعات المتخلفة سياسيا كما هو الحال في البلدان العربية وتحديدا في العصر الراهن في العراق. فالكثير من السياسيين والكتاب يتجنبون إستخدام مصطلح الأقلية وذلك إعتقادا منهم بأن له مضامين دونية وتحقيرية، لا بل فهم الكثير من السياسيين مفهوم الأقلية باعتبارها جسماً غريباً (دخيلاً)، متشكلة من هامشيين، معرضين لأن يصبحوا منشقين ومتمردين. وعلى هذا الأساس كان تتعامل الأنظمة الإستبدادية مع تطلعات الأقلية "الكلدانية السريانية الآشورية" ومطامحها المشروعة. من هذا المنطلق نرى بأن معظم الأدبيات السياسية والتشريعات القانونية والخطابات السياسية في عراق اليوم تتجنب إستخدام مصطلح الأقلية وأخترعت مصطلحات جديدة مثل (المكونات) في نعت الأقليات العراقية إنطلاقاً من الخلفية الإستبدادية والعقلية الإستقصائية التي تتحكم في عقلية رجال الحكم والسياسة في العراق وعدم قدرتها على التحرر منها والإنطلاق نحو الفهم الصحيح لمضمون الأقلية رغم إدعائها بالديمقراطية والإنفتاح على الآخر المختلف.

نظام البعث والموقف من الأقليات:
القصد من نظام البعث هو الحكم الذي أستولى عليه حزب البعث العربي الإشتراكي في العراق منذ عام 1968 وحتى إنهياره في عام 2003، وأقل ما يقال عنه بأنه كان نظاماً دكتاتورياً إستبدادياً. ولكن من الملاحظ بأن الإشارة إليه هي بصفة نظام، أي بمعنى أخرى كان حكمه يقوم على نسق من القوانين والأنظمة والقرارات والممارسات السياسية، فكانت الدولة العراقية مندمجة بالتمام والكمال مع حزب البعث وبشكل أكثر تكثيفاً مع زعيم الحزب والحاكم الأوحد صدام حسين. ومن الملاحظة بأن حزب البعث كان يتمتع بصفات ونشاط سياسي من حيث أسلوب إستلاءه على السلطة السياسية ولا نجدها في احزاب عربية قومية أو غير قومية أخرى في الوطن العربي. فهو أول حزب سياسي يستولى على السلطة بإنقلاب عسكري في عام 1963 وخلال فترة أقل من شهرين في دولتين عربيتين، العراق  في شباط وسورية في أذار. كما ولحزب البعث في العراق تجربة فريدة من نوعها في التاريخ السياسي للعراق والبلدان العربية وربما حتى في بلدان العالم الثالث إذ يعتبر وصوله وبقاؤه في السلطة حدثاً لا مثيل له, فهو أول حزب يستولي على السلطة في عام 1963  وبإنقلاب عسكري بعد تحالفه مع بعض الضباط العسكريين المحسوبين على القوميين كعبد السلام محمد عارف، غير إنه خسرها بعد أن أنقلب عليه هؤلاء بعد بضعة أشهر وأصبح خارج السلطة ولكنه عادة مرة أخرى إلى السلطة في السابع عشر من تموز عام 1968 عن طريق إنقلاب عسكري آخر وبالأسلوب نفسه، أي تحالفه مع بعض الضباط المحسوبين على القوميين. غير أن هذه المرة، وبعد أن أكتسب تجربة مريرة من جراء فقدانه للسلطة عام 1963، أدرك بأنه يستوجب عليه الحفاظ على السلطة مهما كلف الأمر فكان عليه أن "يتغذى بحلفائه قبل أن يتعشوا به" كما يقول المثل، فلم ينتظر أشهر كما حدث بعد إنقلاب عام 1963، بل بعد بضعة أيام، أي في الثلاثين من تموز عام 1968 أنقلب على حلفائه وأنفرد بالسلطة حتى عام 2003 وهي أطول فترة في التاريخ السياسي العراقي وربما العربي ينفرد حزب سياسي بالسلطة لهذه الفترة الطويلة.

وحزب البعث منذ تأسيسه عام 1947 عالج مسألة الأقليات في أدبياته الحزبية وذلك لكونه نشط في بلدان عربية كسورية والعراق ولبنان حيث يشكل الأقليات جزء من شعب هذه البلدان وأصدر العديد من الدراسات والكراريس في مسألة الأقليات في الوطن العربي وبينً موقفه الأيديولوجي من هذه المسألة. كما أقر الحزب سواء في مؤتمراته القومية أو القطرية في العراق هذه المواقف والسياسات من مسألة الأقليات. وبنظرة موضوعية إلى هذه الدراسات سوف يظهر بأنها تشكل أسلوباً معقولاً في التعامل مع الأقليات في الوطن العربي. وعندما أستولى الحزب على السلطة في تموز من عام 1968 أقر في الدستور المؤقت لعام 1970 بحقوق الأقليات وضماناتها كما شرع العديد من القوانين والقرارات فيما يخص حقوق الأقليات في العراق وفي مقدمتها بيان الحادي عشر من أذار عام 1970 لحل المسألة الكردية والحقوق الثقافية للتركمان. وفيما يخص الكلدان السريان الآشوريين أصدر مجلس قيادة الثورة في نيسان من عام 1972 قراره بمنح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية من (الآثورين والكلدان والسريان) ثم أعقبه ذلك في أيلول من نفس العام قرار أكثر أهمية وهو قرار إعادة تخطيط الحدود داخل الوحدات الإدارية للمحافظات، وسنأتي على تفاصيلهما فيما بعد.
غير أن بعد أن أستدب الحكم للحزب وهيمن على جميع مفاصل الدولة وكشف القوى السياسية الفاعلة على الساحة السياسة وتحييد بعضها وقمع الآخرين بالحديد والنار خاصة بعد تراجع الحركة الكوردية عقب صدور قانون الحكم الذاتي في إذار من عام 1974، سقطت ورقة التوت من نظام حزب البعث في العراق وأنكشفت سياسته الإستبدادية تجاه الجميع دون إستثناء ومنهم الأقلية  الكلدانية السريانية الآشورية وتبين من خلال الممارسة بأن القرارات التي أصدرها لم تكن إلا طعماً لتوريط هذه الأقلية في صراعه مع الحركة الكوردية، فتم تفريغها من محتوياتها أو أصبحت بحكم المنسي نهائياً. هذا موضوع تم التفصل عنه بشكل مكثف في كتابنا المعنون (الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر – دراسة مسألة في العقلية العراقية تجاه الأقليات – من منشورات دار الساقي – بيروت/لندن – ط1 – 2001 – ص27 ومابعدها).

الحكم الحالي في العراق والموقف من الأقليات:
 سبق وذكرنا في أعلاه ونحن في الحديث عن حكم حزب البعث كنظام سياسي في العراق رغم كونه إستبدادياً غير حضاريا إلا أنه كان نظاماً يقوم على نسق من الأفكار والسياسيات والممارسات وأصدر تشريعات فيما يخص أفكاره وسياساته خاصة فيما يتعلق بحقوق الأقليات القومية. ولكن من الملاحظ هنا الحديث سيتركز عن الحكم الحالي في العراق من دون الإشارة إلى نظام ذلك لأن منذ عام 2003 وحتى اليوم لم يستطيع القابضون على السطلة من بناء نظام متكامل يقوم على نسق من القوانين والأنظمة والممارسات السياسية الثابتة والمستقرة، وبالأخص ما يهم موضوعنا عن حقوق الأقليات ومنهم الكلدان السريان الآشوريين. فمن الملاحظ بأن جميع الأحزاب والقوى، بإستثناء الحزب الشيوعي العراق وحزب الديمقراطي الكردستاني، التي هيمنة على الحكم لم يكن لهم أي موقف مبدئي ونظري ثابت حيال مسألة الأقليات. فمثل هذه المسألة كانت غائبة عن أفكارهم وأيديولوجيتهم نهاهيك عن إفتقارهم إلى الخبرة في التعامل معها ليس بسبب غيابها عن الحكم والسلطة وبقاءها وعلى الدوام خارج الحكم قبل عام 2003 وإفتقارها إلى الحكم وكيفية ممارسته، بل أن مثل هذه المسألة كانت بالنسبة لهم ثانوية أو هامشية لهم في مقارنتها مع المسائل السياسية الأخرى وخاصة المتعلقة بمقاومة نظام البعث الإستبدادي والوصول إلى سلطة الحكم. والمدقق في الحكم الحالي في العراق يتبين بأنه مصاب بمرض شيزوفرينا أي الفصام في الشخصية، وهو مرض يسبب إضطراب ذهني يتميز المصاب به بنظرة مغايره للواقع وبعدم قدرته على التواصل الإيجابي مع الآخريين. وفصام شخصية الحكم الحالي قائمة على إدعائه بالديمقراطية والتعددية ولكن في واقع الحال هو حكم طائفي وبإمتياز وبالتالي فأن معظم قراراته وسياساته مهما ألبست ثوب الديموقراطية فإن في مضمونها تبقى طائفية ومفروغة من مضامينها. وفيما يخص الأقلية الكلدانية السريانية الآشورية نرى من حيث التشريع كرس لها، مثلاً، كوتا في البرلمان العراقي كوسيلة لضمان حقوق هذه الأقلية من خلال ممثليها ولكن في الحقيقة والواقع يظهربأن القائمين على الحكم يعطون لهولاء الممثلين أذان طرشاء وبالتالي تذهب جهودهم هباءاً ويفرغ مضمون الكوتا من أساسها ويصبح وضع هؤلاء الممثلين "ديكوراً" في البرلمان يستغلون الطائفيون المهيمنون على الحكم وجودهم في البرلمان ليتغنوا بـ "ديموقراطيتهم" وضمان حقوق الأقليات العراقية. هذا ناهيك عن الممارسات والتغيير الديموغرافي الذي تماسه سلطات الحكم الحالي في المناطق التاريخية للكلدان السريان الآشوريين وعدم جديتهم في توفير الحماية الأمنية لأرواحهم وممتلكاتهم وكنائسهم، وهو سلوك وممارسات تنم بشكل فاضح عن عدم وجود نظام سياسي واضح قادر على خلق الضمانات القانونية والسياسية في حماية حقوق الأقلية الكلدانية السريانية الآشورية وتطبيقها أثناء الممارسة السياسية كاشفاً بذلك المضمون الحقيقي للحكم الشيزوفريني الذي وضعه في حالة من التناقض بين ممارساته الطائفية وزعمه بالديموقراطية والتعددية. على هذا الأساس نقول بأن معظم السياسات الديموقراطية في شكلها والشيزوفرنية في مضمونها التي يمارسها الحكم الحالي في العراق تجاه الكدان السريان الآشوريين غير قادرة على إقناعهم بجديتها في معالجة وضعهم المأساوي الذي ورثوه من النظام البعثي الإستبدادي والأنظمة التي سبقته وإزالة مخاوفهم من التحديات التي تهدد وجودهم التاريخي في أرض أباؤهم وأجدادهم.

حقوق الأقلية الكلدانية السريانية الآشورية في قرارت حزب البعث:
كما سبق وأن بينا في أعلاه بأن حزب البعث في العراق أصدر قرارين مهمين فيما يخص الأقلية القومية الكلدانية السريانية الآشورية وهما قرار خاص بهم بمنح الحقوق الثقافية لهم وقرار عام يخص جميع الأقليات القومية في العراق وهو قرار إعادة تخطيط الحدود داخل الوحدات الإدارية للمحافظات، وندرج في أدناه القرارين كمدخل لفهمها وبيان المقارنة مع الحكم الحالي ومدى إمكانية تطبيق مثل هذه القرارات في الوضع الحالي للعراق، بإعتبارهما تشريعات مناسبة لضمان حقوق الأقليات في العراق.

1 - قرار منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية من (الآثوريين والكلدان والسريان):
أصدر مجلس قيادة الثورة القرار رقم 251  وبتاريخ 1971.04.16 القاضي بمنح الحقوق الثقافية للمواطنين الناطقين باللغة السريانية من (الآثوريين والكلدان والسريان) وفي مايلي نص القرار:
تعتبر ثورة السابع عشر من تموز التي تلتزم بمبادئ حزب البعث العربي الإشتراكي أن تمكين الجماهير من ممارسة حقوقها الديموقراطية هو التجسيد الثابت لمنطقلاتها وإسترشادها بمبادئ الحزب وأهدافه، ولذلك فالثورة تؤمن بأن ممارسة الأقليات القومية الموجودة داخل القطر العراقي لحقوقها الثقافية هي التعبير عن النهج الديموقراطي لالتزامها العميق بمبدأ التآخي القومي والوحدة الوطنية. إن الحفاظ على الخصاص القومية لهذه الأقليات وحماية تقاليدها وتراثها الشعبي والإنساني، وتطوير ثقافتها وآدابها في إتجاه تقدمي، وتوفير الشروط الضامنة لنهوض جماهيرها، هي التعبير عن الحرص على زيادة مساهمتها في بناء هذا الوطن وتقرير مسيرته التقدمية في تمتين الوحدة الوطنية والكفاحية بين أبنائه وتوطيد روابط الأخاء بين جماهير الشعب في القطر، وإرساء العلاقة بين المواطنين على إختلاف إنتماءاتهم القومية على أسس ديموقراطية متينة، وتنفيذا لقرارات المؤتمر القطري السابع لحزب البعث العربي الإشتراكي في ضرورة تمكين الأقليات القومية من ممارسة حقوقها المشروعة.
قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 1972.04.16 مايلي:

1 – منح الحقوق الثقافية للمواطنين الناطقين باللغة السريانية من (الآثوريين والكلدان والسريان) ووفقاً لما يلي:
أ - تكون اللغة السريانية لغة التعليم في كافة المدارس الإبتدائية التي غالبية تلاميذها من الناطقين بهذه اللغة، ويعتبر تعليم اللغة العربية إلزامياً في هذه المدارس.
ب - تدرس اللغة السريانية في المدارس المتوسطة والثانوية التي غالبية تلاميذها من الناطقين بهذه اللغة، وتعتبر اللغة العربية لغة التعليم في هذه المدارس.
ج - تدرس اللغة السريانية في كلية الآداب بجامعة بغداد كإحدى اللغات القديمة.
د -إستحداث برامج خاصة باللغة السريانية في إذاعة الجمهورية العراقية ومحطتي بلفزيون كركوك ونينوى.
هـ -إصدار مجلة شهرية باللغة السريانية من قبل وزارة الإعلام.
و - إنشاء جمعية للأدباء والكتاب الناطقين باللغة السريانية وضمان تمثيلهم في الإتحادات والجمعيات الأدبية والثقافية في القطر.
ر – مساعدة المؤلفين والكتاب والمترجمين الناطقين باللغة السريانية مادياً ومعنوياً ونشر إنتاجهم الثقافي والأدبي.
ز – تمكين المواطنين الناطقين بالسريانية من فتح النوادي الثقافية والفنية وتشكيل الفرق الفنية والمسرحية لإحياء التراث والفنون الشعبية وتطويرها.
2 – ينفذ هذا القرار من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية ويتولى الوزراء تنفيذ أحكامه.

يعتبر هذا القرار من أكثر القرارات التي أصدرها حزب البعث الحاكم في العراق منطقياً من حيث إمكانية تطبيق النصوص الواردة فيه في مقارنتها مع غيرها من القرارات التي أصدرها بشأن الأقليات. وربما أكتسب هذا القرار هذه الصفة بسبب كونه بالأساس لا يتعلق بالسياسة بشكل مباشر، أو لا تترتب عليه نتائج سياسية من جهة، ولتلاؤمه مع الظروف الخاصة لهذه الأقلية وأمكانياتهم الثقافية والفكرية وشموله لجميع تسمياتهم القومية والحضارية من جهة أخرى. والأهم من هذا نرى القرار يعطي في مقدمته الصفة القومية لهذه الأقلية. غير أن هذا لا ينفي إطلاقاً المغزى السياسي لحزب البعث من وراء إصدار هذا القرار لتحقيق أهداف سياسية تصب في نهاية المطاف إلى كسب ود وتعاطف هذه الأقلية القومية وزوجها في معركته ضد الحركة الكوردية أو تقليص شعبية الحزب الشيوعي العراقي بين مثقفي الأقلية الكلدانية السريانية الآشورية كما سبق وأن شرحنا ذلك بالتفصيل في مناسبة سابقة. ولكن مع هذا لم يكن مغزى حزب البعث الإستبدادي من وراء صدورهذا القرار عائقاً من نقله بفضل جهود ومثابرة بعض مثقفي الكلدان السريان الآشوريين من مجرد نصوص قانونية إلى الواقع التطبيقي الفعلي لبعض جوانبه كتشكيل المجمع اللغة السريانية وإتحاد الإدباء والكتاب الناطقين بالسريانية والجمعية الثقافية وجمعية الفنون وتأسيس عدد كبير من الأندية الإجتماعية وصدور مجلات مثل مجلتي المثقف الآشوري وقالا سوريايا. أما الجوانب الأخرى لهذه الحقوق فإنها لم تتجاوز أكثر من نطاق نصوصها المدونة على الورق. غير أن القرار مأخوذاً بنصه الكامل، يعتبر نموذجاً ممتازاً في تناول مسألة الحقوق الثقافية للكلدان السريان الآشوريين، ولكن العبرة تبقى على الدوام في التطبيق وليس في النص، والذي لم يكن لحزب البعث الحاكم أن يسمح بخروج هذا التطبيق عن نطاق سياسيته الهادفة من وراء إصدار القرار. فعندما حقق نظام البعث أهدافه من إصدار هذا القرار بادر إلى إنهاء وجود هذه المؤسسات التي أسست بموجب القرار سواء بدمجها مع غيرها من المؤسسات والجمعيات الرسمية أو بإلغائها.

2 - قرار إعادة تخطيط الحدود داخل الوحدات الإدارية للمحافظات:

إستناذا إلى أحكام الفقرة "أ" من المادة الثانية والأربعين من الدستور المؤقت، وبناء على إقتراح رئيس الجمهورية، قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 1972.09.31 مايلي:
1.   يصار، على ضوء المصلحة العامة، إلى إعادة تخطيط الحدود داخل الوحدات الإدارية أو في ما بين الوحدات المتجاورة في الأماكن التي تقطنها الأقليات القومية العراقية، بما يضمن تجمع أبناء كل أقلية قومية في وحدة أو وحدات إدارية تخصص لهم داخل الوحدة الإدارية، أو من بين الوحدات الإدارية المتجاورة.
2.   تراعى في الوحدات الإدارية التي ستأخذ طابع إحدى الأقليات القومية تبعاً لأحكام الفقرة الأولى من هذا القرار، الحقوق والضمانات التالية:
أ – شملها بنظام المجالس الشعبية وتشكيل هذه المجالس فيها وفق الأحكام المرعية الإجراء في هذا الشأن.
ب – إنشاء فروع أو مكاتب أو مراكز فيها، حسب الحال، لمختلف المنظمات الشعبية والمهنية على أن يراعى الطابع القومي لأبناء الوحدة في تشكيل أجهزة إدارة الفروع أو المكاتب أو المراكز المذكورة.
ج – إعطاء الأفضلية لأبناء الوحدات الإدارية المذكورة، عند تساوي الشروط القانونية، في جميع التشكيلات والتعيينات الحكومية، الإدارية والبلدية، التي تجري داخل هذه الوحدات.
د – تأمين الظروف اللازمة للتطور المناسب بين كافة الوحدات الإدارية بعد التعديل الجديد.

3.   تستفيد الوحدات الإدارية المختلفة التي يتعذر وضعها الراهن، من الحقوق والأفضليات التمثيلية والإدارية المنصوص عليها في هذا القرار على أن تراعي في تطبيق حقوق الأفضليات المذكورة النسبة التعددية لأبناء كل من الأقليات القومية القاطنة في هذه الوحدات.
4.   تتخذ جميع الإجراءات اللازمة لمعالجة مشكلة أبناء الأقليات القومية الذين نزحوا من بيوتهم وقراهم بسبب حوادث الشمال في الأعوام السابقة للثورة، والذين تعذرت، أو تتعذر إعادتهم إلى أماكنهم السابقة، وذلك بالعمل على مساعدتهم في تأمين الأراضي والبيوت لهم في الوحدات الإدارية التي يقطنها أبناء قوميتهم وتسهيل نقلهم وإسكانهم في هذه الوحدات.
5.   يخول وزير الداخلية الصلاحيات اللازمة لدارسة وتنفيذ أحكام الفقرة الأولى من هذا القرار.
6.   ينشر هذا القرار في الجريدة الرسمية ويتولى الوزراء تنفيذ أحكامه.

أحمد حسن البكر
رئيس مجلس قيادة الثورة

الواضح في هذا القرار صفتة المثالية بحيث يمكن القول، وهذا ما حدث فعلاً، بأن تطبيقه على أرض الواقع كان صعب جداً إن لم يكن محالاً وذلك بسبب التعقيدات الديموغرافية التي كانت سائدة في مناطق سكن الأقليات العراقية خاصة في المنطقة الشمالية وتحديداً محافظات كركوك وأربيل ودهوك والموصل حيث تتداخل المناطق الكلدانية السريانية الآشورية مع غيرها من الأقليات الكوردية والتركمانية والشبك واليزيدية. ولكن من جانب آخر كان من الممكن تطبيق هذا القرار لو وفرت له الأجواء المناسبة لتطبيقه كتوفيرالجهود السياسية والإمكانيات المادية والمعنوية مع وجود النية الحسنة من إصدار القرار وتطبيقه. غير أن مقصد نظام البعث من إصدار هذا القرار لم يكن إلا لغرض تحقيق مآربه الإستبدادية تجاه الأقليات القومية خاصة فيما يتعلق بالتلاعب بالمناطق السكنية التي من الممكن أن تخضع للحكم الذاتي لمنطقة كردستان لهذا نرى بأنه عملا بشكل فاضح بعكس هذا القرار تماماً حيث هجر المئات من العوائل الكوردية والتركمانية من محافظة كركوك وأسكن عوضاً عنهم بعض العشائر العربية كما تلاعب النظام بالحدود الإدارية للكثير من الوحدات الإدارية في المحافظات الشمالية لغرض تضيق الخناق على الأقليات القومية في هذه المحافظات، لا بل والأكثر إستبداداً وظلما كان عندما دمر البنى التحتية للكثير من القرى الكلدانية السريانية الآشورية وهجر سكانهم من قراهم بحجة كونها ضمن المناطق الحدودية المعرضة لخطر الحرب في المنطقة الشمالية وأسكنهم في مجمعات سكنية أشبه ما تكون بمخيمات احتجاز أسرى الحرب. هكذا يمكن القول بأن النظام البعثي في العراق أصدر قرارات مثالية تعتبر من حيث التشريع متناسبة في حماية حقوق الكلدان السريان الآشوريين ولكن في الواقع عمل بعكسها تماماً بهدف تدمير الأسس القومية لهذه الأقلية ودمجها عنوة في القومية العربية.

إمكانية تطبيق القرارات الخاصة بالحقوق القومية الكلدانية السريانية الآشورية:
حسب الدستور العراقي المؤقت الذي أصدره حزب البعث في عام 1970 كان يحق لمجلس قيادة الثورة وحسب الفقرة (أ) من المادة 42 أن يصدر قرارات لها قوة القانون وهناك العشرات بل المئات من القوانين والقرارات التي أصدرها نظام حزب البعث في العراق وهي لازالت نافذة ومطبقة حتى يومنا هذا فزوال نظام البعث في العراق لا يعني زوال القوانين والقرارات الملزمة أو إلغائها إلا إذا صرح بذلك علناً من قبل السلطات الرسمية للحكم الحالي في العراق بإلغاء قانون معين او تعديله. والحال هكذا مع القرارين أعلاه فطالما لم تلغى بقرار أو قانون آخر من قبل السلطات الحالية في العراق فهذا معناه بأنهما لايزال سريانهما نافذاً وقابلة للتطبيق. وإصدار القوانين أو القرارات الملزمة يستوجب توافر (1) السلطة التشريعية لإصدار القانون أو القرار الملزم و (2) السلطة التنفيذية لتنفيذ القانون أو القرار و (3) الأهم من كل هذا هو توفر النية الحسنة عند الحكام والإيمان في تطبيق القانون أو القرار فبدون هذا النية الحسنة والإيمان لايمكن للقانون أو القرار أن يرى النور بل ربما قد يفسر ويستخدم لإغراض غير التي صدر من أجله، هكذا كان الحال مع نظام حزب البعث في إصدار القرارين أعلاه. وإذا كان القراران أعلاه لم يلغيا بعد، إذن فمن الممكن تطبيقهما في الوضع الحالي فيما إذا توفرت النية الحسنة والإيمان بحق الأقليات القومية في التمتع بحقوقها المشروعة من لدن القوى المهيمنة على السلطة السياسية في عراق اليوم.

يروى، والعهد على الراوي، بأنه عندما صدر قانون الإصلاح الزراعي في العراق بعد إنقلاب عام 1958 وأستولت الحكومة على أراضي الطبقة الإقطاعية ووزعتها على الفلاحين تراجعت الزراعة في العراق تراجعاً مخيفاً رغم تملك الفلاحين للأرض ومنحهم الكثير من التسهيلات والإمتيازات مما أضطرت الحكومة العراقية إلى إستدعاء خبراء من الإتحاد السوفياتي لدراسة أسباب هذا التراجع. فبعد دراسة مستفيضة من قبل الخبراء السوفيات، سألوا الحكومة العراقية عن المالك السابق للأراضي فقالت الحكومة: الإقطاعيون... فقال الخبراء السوفيات إذن أحسن حل لكي ترجع الزراعة في العراق إلى سابق عهدها المزدهر عليكم أعادة الأراضي إلى الإقطاعيين!!. هكذا نقول فإذا كانت القوى السياسية المهيمنة على السلطة في العراق عاجز عن أصدار مثل القرارين أعلاه فعليهم الرجوع إلى هذه القرارين وتفعيلهما وإظهار نيتهم الحسنة في تطبيقهما وأن كان مثل هذا الطلب صعب الحصول عليه من قوى لا تؤمن إلا بطائفتها وتعمل من أجلها وضمن نظامها السياسي الطائفي فعلى ممثلي أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية الدخول في المعركة مع هذه القوى لإستحصال حق هذه الأقلية في التمتع بالحقوق التي يوفرها القرارين أعلاه.

فبالنسبة للقرار الخاص بمنح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية، نرى بأن هناك بنود قد طبقت منها في منطقة الحكم الذاتي لكردستان العراق، لا بل فإن تأسيس المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية وإنشاء قسم للتعليم اللغة السريانية في الجامعة وأيضا مديرية التعليم السرياني كلها مؤشرات جيدة في هذا المجال ولكن الأمر يبقى غائباً نهائياً في المناطق الخارجة عن حدود الحكم الذاتي لكردستان العراق ولعل أهم شيء تفتقر هذه الأقلية صاحبة أرقى لغة في التاريخ هو إنشاء مجمع علمي للغة السريانية وهذا واجب مفروض على اللغويين والأدباء المعروفين في حقل اللغة السريانية من أبناء أمتنا للمبادرة بهذه الفكرة، وهو السبيل الوحيد لتطوير اللغة السريانية ومواكبة عصر التطور الذي نشهده.

أما القرار الخاص بإعادة تخطيط الحدود داخل الوحدات الإدارية للمحافظات فتطبيقه له أهمية قصوى خاصة في هذه الأيام التي يدور فيها الحديث عن إنشاء محافظة سهل نينوى أو غيرها من الوحدات الإدارية في المناطق التي تتواجد فيها الأقليات منهم الكلدان السريان الآشوريين، فبدون توفر العامل الجغرافي مع العامل الديموغرافي لا يمكن للأقلية أن تمارس حقوقها سواء أكانت ثقافية أم سياسية أم إدارية. وإمكانية تطبيق مثل هذا القرار ممكنة جداً خاصة في المناطق الشمالية من العراق حيث هناك وحدات إدارية للكلدان السريان الآشوريين يمكن أعادة تخطيط حدودها لتشمل وحدات إدارية أخرى لهم بحيث يشكلون وحدة أو وحدات إدارية ذات تجمع أكبر من أبناء هذه الأقلية حتى يمكن تطبيق حقوقها السياسية والإدارية والثقافية ضمن هذه الوحدات الخاصة بهم، هذا إذا توفرت النية الحسنة والإيمان الحقيقي للحكومة الإقليمية في كردستان العراق بحقوق الكلدان السريان الآشوريين وتفعيل المواد الخاصة بهذه الحقوق في دستور الإقليم... وهي جبهة نضالية صعبة فعلى القوى السياسية لأبناء أمتنا من الكلدان السريان الآشوريين وممثليها في الهيئات البرلمانية والحكومية أن تخوضها للحصول على حقوق أمتنا المشروعة في أرض الأباء والأجداد،  كما هو مطلوب من القوى الكوردية والسلطات الرسمية في منطقة الحكم الذاتي أن تظهر نواياها الحسنة في هذا المجال لكي تنال مصداقيتها عند أبناء امتنا وتثبت ديمقراطيتها.       


78
كيف نفهم القيادة الجماعية ؟؟؟... زوعا مثالاً

                                                                                                                            أبرم شبيرا
مدخل نظري:
يروى بأن الكتاب الأيرلندي الساخر جورج برنارد شو، الإشتراكي الطوباوي، كان يدخل في نقاشات حامية الوطيس مع الشيوعيين البريطانيين حول الإشتراكية وكان هؤلاء يعيبون عليه بأنه لم يقرأ كتاب رأسمال لكارل ماركس. فما كان من برنارد شو إلأ أن ينكب على قراءة هذا الكتاب ويستوعبه كامل الإستيعاب وعندما عاد لمناقشته مع الشيوعيين البريطانيين وجدهم بأن أنفسهم لم يقروا هذا الكتاب. هذه الحالة تنطبق على بعض من أبناء امتنا  (الكلدانية السريانية الآشورية) الذين يدعون العلم والمعرفة  وبنبوغهم في العمل السياسي والقومي ولكن لا يعرفون من الواقع الإ القليل. وجانب من هذه الحالة هي أكثر وضوحاً في بعض أبناء أمتنا المنتميين إلى أحزاب سياسية ومنظمات قومية فحالهم كحال هؤلاء الشيوعيين البريطانيين أصحاب برنارد شو.

حالة ثانية التي ألاحظها في الكثير من المثقفين والكتاب خاصة عندما يكتبون مواضيع نقدية أو رد على موضوع آخر، هي أنهم يفتقرون إلى إمكانية قراءة الموضوع بشكل صحيح وإستنباط المعنى أو المغزى الحقيقي منه.... فمثلاً عندما نصف حالة وواقع معين، خاصة الحالات السلبية في مجتمعنا ونعرضها كسبيل لمناقشتها ونقدها وربما وضع بعض المقترحات لحلها ومعالجتها، نرى يأتي الرد عليها من البعض الذي تعينه هذه الحالة أو يتحسس بها وكأن كاتب الموضوع وعارض هذه الحالة الواقعية هو الذي أخترعها أو هي من بنات أفكاره وأيديولوجيته. أفهل يعقل عندما نعرض حالة تفشي الطائفية والعشائرية والشللية والإنعزالية والتسيب القومي والسياسي والفردية وحب الكراسي في مجتمعنا أن تكون من إختراع كاتب الموضوع ؟؟؟ ... وكذلك حالة تفرد أشخاص معينين على قيادة معظم أحزابنا، وهي الحالة التي تعتبر سيدة احاديث أبناء أمتنا عندما يتناولون شؤون الأمة وتنظيماتها القومية، هي من أفكار و"خزعبلات" كاتب الموضوع؟؟؟ أليس هذه وقائع حقيقية سائدة في مجتمعنا؟.

حالة ثالثة تتعلق بالموضوعية التي هي شبه غائبة عن أفكار وتحليلات بعض أبناء أمتنا خاصة الكتاب والمثقفين. إن أختلاف البشر في البيئة والظروف السياسية والإجتماعية والإقتصادية يجعلهم يختلفون في أحيان كثيرة في تحديد المفاهيم وقراءة الواقع وبالتالي ينقاد الإنسان سواء بطوعية مقصودة أو غير مقصودة إلى تحليل المفاهيم أو الواقع تحليلاً إنحيازاً بشكل عام خاصة الذين يرتبطون تنظيماً بحزب أو بتنظيم معين والذين يستوجب عليهم النظر إلى الواقع من منطلق الأيديولوجية التي يؤمنون بها. ولا أخفي في القول بأن غياب هذه الموضوعية تزداد أحياناً متأثرة بعاملين: الأول: موقع الشخص من قيادة الحزب ومدى تغليب مصالحه الشخصية على المصلحة العامة. والثاني: مدى مستوى الوعي القومي والإدراك السياسي أو المعرفة السياسية. وهذه الحالة تنتج سؤالاً يقول ... هل نلوم الحزبي في تحليله للواقع وفق الأفكار التي يؤمن بها حزبه وينظر من خلالها إلى الوقائع؟؟؟ بطبيعة الحال الجواب يكون لا إذا نظرنا إلى الموضوع من ناحية الإلتزام الحزبي والتنظيمي. أما إذا نظر إلى الموضوع نظرة قومية شاملة غير مقيدة بجهة أو بحزب فالجواب حينذاك يكون نعم. ولكن في كلتا الحالتين فأن الموضوعية في عرض الواقع وفهمه مرتبط إرتباطاً قوياً بمدى تعبير أفكار وأيديولوجية هذا الحزب عن هذا الواقع وممارسته السياسية عليه وتحقيق بعض من أهدافه. فإذا كان الحزب يمتلك مثل هذه المواصفات وتمكن من أثباتها من خلال ممارستها وتطبيقها وتحقيق النتائج فأنه يقترب من الموضوعية كثيرا. أما إذا أفتقر مثل هذه المواصفات وأصبح حزباً على ورق لا على أرض الواقع، بكل ما تعنيه هذه الكلمة (على أرض الواقع) من ممارسات سياسية وتحقيق النتائج فأنه يبتعد إبتعاداً كبيراً عن الموضوعية. هذه الحالة تقودنا إلى حالة رابعة وهي:

أن بين الفكر القومي والعمل السياسي (الممارسة السياسة) واقع بكل تعقيداته وظواهره السلبية والإيجابية، ومن المفترض مثل هذا الفكر القومي أن يكون مرآة يعكس هذا الواقع وينطلق منه برؤية شاملة نحو المستقبل. أي بعبارة أخرى يفترض أن يكون هناك مواكبة بين الفكر القومي والعمل السياسي. ولكن مهما كان الفكر القومي واعياً ومتطوراً وصادقاً وأميناً إلا أنه يبقى في جوانب معينة عاجزاً عن التعبير عن كل الواقع فتبقى هناك جزيئات في واقع المجتمع خارج إطار هذا التعبير سواء بفعل صعوبة أدراكها من قبل الفكر القومي أو خضوعها لتعقيدات ومؤثرات خارجية تكون أقوى بكثير من إمكانيات الفكر القومي لإستيعابها والتعامل معها أو، وهي أخطرها، تجاهلها من قبل الفكر القومي وإهمالها كأنها غير موجوده إطلاقاً. من هذ المنطلق قلنا ونستمر في القول بأنه لايوجد حزب سياسي واحد يعبر تعبيراً صادقاً وأميناً عن كل مصالح المجتمع الذي يعمل فيه، فهناك أحزاب سياسية تعبر عن أكثرية مصالح الناس والأخرى تعبر عن أقلية هذه المصالح وهذا مقروناً بمدى شعبية الحزب ومواكبة فكره مع عمله عبر الواقع الذي نشأ فيه ومن يدعي عكس هذا فهو حزب شمولي دكتاتوري.

حالة خامسة وأخيرة أود الإشارة إليها ونحن لا زلنا في المقدمة "النظرية" لهذا الموضوع إنطلاقاً من الواقع السياسي الذي تعيشه أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية في مجتمعات "العالم الثالث" وتحديداً في الأقطار العربية، وهي حالة إعادة "إنتخاب" رؤساء أو زعماء حركات أو قادة أحزاب سياسية في هذه الدول. هناك حقيقة واقعية تقول بأن كل رئيس دولة أو زعيم حركة أو قائد حزب سياسي في هذه البلدان إذا رشح نفسه مرة أخرى للرئاسة أو الزعامة فلابد ... أعيد وأكرر فلابد، أن يفوز بالإنتخابات مهما كانت نوعية وطبيعة هذه الإنتخابات أو الإدعاء بديمقراطيتها، إذا كانت  فعلاً هناك إنتخابات. لماذا يجب أن يفوز؟؟ لأنه مستحوذ على كل وسائل السلطة والقوة والتأثير على "الناخبين" وعلى مقدرات البلد ويسخدمها لصالحه. وحتى في بعض الحالات التي قد يخسر هذا الزعيم أو القائد الإنتخابات، أي يشذ عن هذه القاعدة، فأنه يسعى بكل السبل الممكنة وغير الممكنة إلى قلب الموازين لصالحه والفوز بالزعامة ووضع هذه المعادلة في وضعها الصحيح والقائلة بضرورة فوزه مرة أخرى في الإنتخابات وعدم تخليه عن كرسي السلطة. وبطبيعة الحال فمثل هذه الإنتخابات لايمكن أن تسمى إطلاقاً بالديمقراطية والنزيهة لأن المنافسين له يفتقرون إلى مثل هذه الوسائل في التأثير، أي بعبارة أخرى المساوات في هذا السياق تكون غائبة وهي أس الأساس في الإنتخابات الديمقراطية. وإعادة نوري المالكي لسلطة رئاسة الوزارة في العراق الذي أستعمل الف "حيلة وحوالة" للبقاء في السلطة نموذج على ذلك والذي يقابله مثال آخر في إعادة فوز أحمدنجادي برئاسة جمهورية إيران الإسلامية الذي خسر الإنتخابات ولكن أستعمل الوسائل الروحية والسياسة المتاحة له لغرض البقاء في السلطة. وعلى العكس من هذا تماماً نرى في المجتمعات القائمة على ممارسات ديمقراطية حقيقية أن بعض روساء دول يخسرون الإنتخابات عند ترشحهم مرة أخرى... لماذا؟  لأن النظام الديموقراطي الحقيقي لايسمح لهم إستخدام وسائل سلطة الدولة لصالحهم، فحاله كحال المنافسين له. وخسارة ساركوزي لرئاسة الجمهورية الفرنسية مثال قريب علينا. والحال نفسه بالنسبة للأحزاب السياسية في البلدان الديموقراطية، والأمثلة كثيرة عن خسارة الكثير من زعماء الأحزاب عند ترشحهم لنفس المنصب مرة أخرى. هنا تأتي مسألة التناوب على السلطة والتي تعتبر من أرقى أشكال الممارسة الديمقراطية والتي سنأتي إليها فيما بعد. هذه الحالة تنطبق بكل حذافيرها على واقع مجتمعنا "الكداني السرياني الآشوري" بجميع تنظيماته القومية وأحزابه السياسية. فحسب معلوماتي البسيطة لا يوجد رئيس منظمة قومية أو سكرتير عام لحزب سياسي في مجتمعنا رشح نفسه مرة أخرى ولم يفز بالإنتخابات وأن وجد فهذه حالة شاذة يستوجب البحث في ثناياه لمعرفة أسباب شذوذها عن القاعدة.

أسوق هذه الحالات النظرية كمقدمة، وأرجو المعذرة من القارئ الكريم على إطالتها، أسوقها ليس كمدخل للرد على الصديق العزيز يعقوب كوركيس الذي كتب رداً تحت عنوان (الحركة الديمقراطية الآشورية ومفهوم القيادة الجماعية) وفي جزئين على مقالتي السابقة المعنونة (نظرة في القيادة الجماعية لزوعا) بمناسبة مرور 33 سنة على تأسيسها وكلا المقالتين نشرت في موقع عنكاوه الموقر.(أنظر الروابط المبينة في أدناه). ولكن أسوقها كمدخل لمناقشة الصديق يعقوب وتوضيح بعض النقاط التي وردت بسوء فهم منه، أو بالأحرى من إلتزامه بفكره الحزبي والتنظيمي، وفي نفس الوقت أشكره لأنه ذكر الكثير من النقاط سواء بوعي أو بغير وعي ليؤكد صحة ما ذهب إليه في مقالتي السابقة.

أقول صراحة بأنني وجدت صعوبة ونوع من الإحراج في كتابة هذا الموضوع  وللأسباب التالي:
1.   أن الأخ يعقوب كوركيس صديق عزيز لي ليس فقط من حيث الكرم النبيل والترحيب الحار الذي نتلقاه منه ومن رفاقه عند زيارتنا إلى مقرات الحركة الديمقراطية الآشورية في الوطن بل لكونه رفيق نسيركتفاً بكتف على نفس مسار النضال القومي عملياً وفكرياً وقد نلتقي أو لا نلتقي في بعض النقاط ولكن المهم نحن سائرون على نفس المسار بكل تحدياته وطموحاته.
2.    أن الحركة الديممقراطية الآشورية (زوعا)، والتي ينتمي الصديق يعقوب إليها، هي بإعتقادي وإيماني أرقى أشكال التنظيم القومي السياسي الذي عرفه تاريخنا المعاصر وحقق إنجازات قلما نجدها في حاضر وماضي مجتمعنا. هذه الموضوعية التي لا يختلف عنها أي قومي ناضج سياسياً جلعتني أن أجاهر بها في كل مكان وزمان لأنها حقيقة يجب أن تقال سواء أتفقنا في سياسة أو موقف معين مع زوعا أم لا. هذا الفهم الموضوعي القومي لزوعا هي التي جعلت من البعض أن يصفونني او يتهمونني بأنني " العضو القيادي المخفي في زوعا"، وهو شرف وحسرتاه لم أناله في الواقع لأنني غير جدير به وأنا أعيش في المهجر لا أواجه تحديات غير ضمان لقمة العيش بينما المستحقين لهذا الشرف يعيشون في الوطن ويواجهون تحديات خطيرة ومميتة. يجب أن لا يتوهم البعض بأن إنتقادي لزوعا هو تغيير موقفي وفكري منها، بل بالعكس من ذلك فإهتمامي بها كأرقى أشكال التنظيم القومي السياسي في مجتمعنا هو الذي يجعلني أن أوليها إهتماماً منقطع النظير سواء في كتاباتي أو لقاءاتي.
3.   جزء من هذا الإحراج يكمن في ترددي عن الرد على الصديق يعقوب لأنني في الحقيقة كنت احاول إخفاء حسدي على المعلومات الكثيرة وتحليلاته الحزبية والتنظيمية لزوعا ولا أدري في ما أورده من معلومات وأفكار تعبر عن رأيه الشخصي أم عن زوعا. ولكن لولا معرفتي بعضويته في قمة قيادة زوعا لكنت أعتبر ما أورده هي أفكاره وأراؤه الشخصية ولكن بحكم هذا الإرتباط فإن ما ورد في رده على مقالتي هي من أفكار وأراء زوعا أو قيادتها وفي هذه الحالة، وكما هو جاري، كان لازماً على الصديق يعقوب أن يذكر في مقالته وتحت أسمه مركزه أو عضويتة في قيادة زوعا وبهذا كانت الأمور تستقيم كما هو جاري عندما يكتب عضو بارز في تنظيم معين عن تنظيمه فأنه يستوجب ذكر مكانته في التنظيم ليكون واضحاً بأنه يتكلم نيابة عنه وإلا سوف يترك شكوكاً بأن كثرة إلمامه بأمور التنظيم فيها مسألة "أنً". من هذا المنطلق أقول بأن ما كتبه الصديق يعقوب لم يكن ممكنا أن يذهب إلى النشر ما لم يكون قد أطلع عليه أو كتب من قبل القيادة نفسها أو من سكرتيرها العام، هذا الأمر يكشف لي بأنه هو "الناطق الرسمي" لزوعا.

كيف نفهم زوعا وننتقدها وفق مفهوم التطور:

ناهيك عن الإنجازات الكبيرة التي حققتها زوعا ولكن كل هذا لا يمنعنا أبداً من أن نبين بعض النقاط السلبية في مسيرة زوعا وبما فيها مسألة القيادة.  فالموضوع الذين سبق وأن أكدناه مراراً وتكراراً حول مفهوم التطور القائم على (خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء)  ومدى إنطابقه على زوعا يظهر بأن الصديق يعقوب رغم قوله بأنه متفق مع هذا المفهوم في التطور ولكن أقول صراحة رغم قراءتي لموضوعه بدقة فإن كل ما وجدت فيه هو خطوتان إلى الأمام ولم يكن هناك إشارة إلى خطوة إلى الوراء. والحالة أيضاً تنطبق على كتابات معظم أعضاء زوعا أو المناصرين لها فالتركيز وحده هو على تعظيم الخطوتان إلى الإمام من دون الإشارة إلى خطوة إلى الوراء وكأنها غير موجودة في الممارسة السياسية الواقعية. أن زوعا حركة سياسية قومية ووطنية أصيلة وتستحق صفات أكثر من هذا ولكن يجب أن نعرف بأنها ليس معبداً دينياً نتلو صلواتنا فيه وأن قيادة زوعا بما فيها سكرتيرها العام السيد يونادم كنا رغم كونه سياسياً قومياً بارعاً فأنه ليس قديساً أو ملاك يسجد له فهم بشر عادي يخضعون لمبدأ الخطأ والصواب. هذا هو الفهم الصحيح لزوعا ولقيادتها وعكس ذلك فهو أوهام وخيال. إذن وفق هذا المبدأ في الخطأ والصواب ننقاش المواضيع التي تهم زوعا من جهة وتهم أبناء أمتنا من جهة الأهم.

كيف يتم مناقشة المواضيع:

صحيح وأتفق مع الصديق يعقوب بأن الكثير من المواضيع خاصة الحساسة والمهمة وتحديداً السلبيات منها (خطوة إلى الوراء) لا تناقش عبر وسائل الإعلام والمواقع الألكترونية فهي مسائل تنظيمية داخلية تخص زوعا حيث يتم مناقشتها بشكل مكثف وموضوعي في البنى التنظيمية (من القاعدة إلى القيادة) للوصول إلى نتائج مجدية من دون تأثيرات خارجية، وكما يقول الصديق يعقوب (فدعوة أعضاء الحركة – زوعا- إلى إنتقاد وتقييم سياساتها ومواقفها في وسائل الإعلام دعوة تناقض أبسط مفاهيم العمل التنظيمي ... ) هذا يصح فيما يخص المواضيع التنظيمية الداخلية ولكن حتى هذه المواضيع فإنها تهم أبناء أمتنا في هذا العصر لأن زوعا باعتبارها التنظيم الأهم والأكبر فالكثير من مثل هذه المواضيع تهم أبناء أمتنا ويستوجب على زوعا إشباع رغباتهم وتطمينهم على الحزب الذي صوت له ودافع عنه والذي يمثله أمام الآخرين. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تعتبر إنتخابات اللجنة المركزية لزوعا أو ترك أحد الكوادر المتقدمة التنظيم خاصة عندما يكون من الرعيل الأول أو المؤسسين لزوعا فإن مثل هذه الأمور التي هي بالتمام والكمال أمور تنظيمية داخلية ولكن في نفس الوقت تهم الكثير من أبناء أمتنا وبالأخص المثقفين منهم ويهمهم أن يعرفون تفاصيلها بشكل رسمي قبل أن تتسرب بشكل غير شرعي من التنظيم وتصلهم وهي مشوهة أو مخلوطة. وهناك مواضيع أخرى مهمة وحساسة تهم مصلحة الأمة بالدرجة الأولى ومناقشتها يجب أن لا تتم حصراً بالتنظيم نفسه. فلو أخذها موضوعاً مهماً وحساساً مثل قرار حصر المناصب الوزارية بأعضاء قيادة الأحزاب والتنظيمات القومية لأمتنا، والذي لا يتفق معي الصديق يعقوب وزوعا وغيرها في تعميم هذا الحق على جميع أبناء أمتنا المخلصين والكفوئين، فأن مثل هذا الموضوع يهم بالدرجة الأولى أبناء أمتنا فهم أصحاب المصلحة الأولى فيه وبالتالي فأن لهم الحق وحدهم في التمتع بهذا الحق وليس حصر هذا الحق في نقر قليل متربع على عرش قيادة حزب أو منظمة معينة. فمثل هذا الموضوع الذي يهم المصلحة العامة لا تنحصر مناقشته في فئة قليلة من الحزبيين وصدور القرارات بشأنه ونترك أبناء الأمة جانباً ننتظر ونطلب منهم فقط أن يقفوا في طوابير طويلة أو يسافروا مسافات طويلة، كما هو الحال في بلدان المهجر، ليدلوا بأصواتهم لمرشحيهم ومن ثم "يخرجون من المولد بدون حمص". 

ليس صحيحاً حصر مناقشة كل المواضيع والوصول إلى قرارات ضمن قيادة تنظيم معين وتحديداً المواضيع الحساسة التي تهم بالدرجة الأولى مصلحة أبناء الأمة قبل غيرهم كما هو الحال مع الموضوع أعلاه. أننا نعيش في البدايات الأولى للقرن الحادي والعشرين، عصر الأنترنيت وفيس بوك و تويتير ووكيليكس وعنكاوه دون كوم. فالذي كان بالأمس "سري للغاية" لم يعد كذلك في هذه الأيام، فهذا العصر ليس عصر الإنغلاق الحزبي بل عصر الإنفتاح نحو الجماهير والرجوع إليها على الأقل  لفهمها ومن ثم أتخاذ القرار الصائب الذي يصب في مصلحة هذه الجماهير. وحتى لا أكون مثالياً وأكتفي بسرد كلام جميل فقط أقول بأن مثل هذا الكلام الجميل له تطبيق سهل جداً. فمثلاً فيما يخص الموضوع أعلاه، كان الأجدر بـ "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" بأعتباره جامعاً لأكثر تنظيمات أمتنا كما وإن لأحد  تنظيماته إستحقاق سياسي بخصوص تعيين الشخص لمنصب الوزارة ، أن يفتح باب الترشيح لهذا المنصب لجميع أبناء أمتنا ووفق شروط وكفاءات معينة يضعها التجمع نفسه ثم يتم تنظيم ندوات جماهيرية مع المرشحين في مناطق تجمع أبناء أمتنا ومن خلال مناقشات هذه الندوات يمكن إستنتاج الشخص أو أكثر المناسب لهذا المنصب وبالتالي إتخاذ قرار بشأن إختياره على أن يكون للحزب الذي يمتلك إستحقاق سياسي بهذا الخصوص أفضلية في الإختيار....  أرجو المعذرة في الإطالة بعض الشيء في هذا الموضوع الحساس والمهم فالقصد لم يكن إلا محاولة إقناع صديقي يعقوب وزوعا وغيرها من أحزاب وتنظيمات أمتنا بالفكرة.

فهم القيادة الجماعية:
  أود بشكل  مبسط أن أوضح مفهوم القيادة الجماعية في هذا الموضوع لأنني بصراحة حاولت فهم قصد الصديق يعقوب من القيادة الجماعية فلم أصل إلى أية نتيجة واضحة لأن في جوانب كثير كان يدور حول تبرير فهمه لمفهوم القيادة الجماعية وخلطه بالأمور التنظيمة وحصره في العمل المهني أو المؤسساتي أو السياسي خاصة عندما ربطه بمفهوم الديمقراطية المركزية، وهي حالة تعكس إلتزامه بتنظيمه السياسي. فالقيادة الجماعية ببساطة شديدة هي: صنع القرار من قبل الأغلبية ولا علاقة مباشرة بمسألة تنظيم أو بحقل معين. أما مسألة تنفيذ هذا القرار  فتوكل إلى شخص أو أكثر ضمن مكتب أو لجنة تتولى مسؤولية وضع الخطوات العملية والتكتيكية لتنفيذ القرار. ومن اللازم والضروري جداً أن لا يتجاوز هذا الشخص حدود القرار فيلويه أو يعصره أو يوسعه بتصرفاته الخاصة خدمة لمصالحه الشخصية ومصالح الملتمين حوله حينذاك نكون قد هجرنا القيادة الجماعية والتي هي جانب من جوانب الديمقراطية وأصبحنا بصدد القيادة الفردية والمعروفة بـ "الأتوقراطية" والتي هي الوجه الآخر للدكتاتورية.

أتابع بشكل دقيق وموضوعي مؤتمرات زوعا وكيفية إنتخاب المندوبين عن القواعد والمنظمات التابعة لها والتحضيرات وتشكيل اللجان لدراسة جدول أعمال المؤتمر وإنتخاب اللجنة المركزية وسكرتيرها العام والعدد الكبير من المندوبين الحاضرين للمؤتمر العام، فكلها مظاهر تبين التطور والرقي الذي وصلته زوعا في الحياة السياسية والتي قلما نجدها أو وجدناها في أي تنظيم قومي لأمتنا، وهذه حقيقة موضوعية مهما كان موقفنا من زوعا ولا أشك في الأسلوب الصحيح لإنعقاد المؤتمرات العامة لزوعا وإنتخابات للجنة المركزية واللجان الأخرى من قبل أعضاء المؤتمر العام رغم إستخدام البعض وسائل التأثير على أعضاء المؤتمر وهي في حدودها العامة مشروعة في كل مكان من العالم أن لم تخرج عن إطارها المعروف. وضمن هذه المظاهر الصحيحة يمكن القول بأن قيادة زوعا تكتسب الشرعية من خلال هذه الإنتخابات، والشرعية هي أساس القيادة الجماعية، الوجه الآخر للديمقراطية.

ولكن مفهوم القيادة الجماعية التي يطرحها الصديق يعقوب كله يرتكز على فكرة الديمقراطية المركزية التي تتخذ منها زوعا وغيرها من الأحزاب العراقية كأسلوب للمارسة السياسية والتنظيمة سواء في القاعدة أو القيادة. غير أنه من المعروف بأن الديمقراطية المركزية هي من إختراعات الماركسية – اللينينية والقائمة على قاعدة "نفذ ثم ناقش" والتي تعاظمت وتوسعت في المرحلة الستالينية وطغت على الأحزاب الشيوعية وعلى الكثير من الأحزاب الشمولية غير الشيوعية وأنتقلت إلى منطقتنا وأتخذها أحزاب كثيرة كمنهج للمارسة السياسية والتنظيمية. فكانت كلمة "الديمقراطية" الأداة اللامعة والمعسولة التي أستخدمها الكثير من الأحزاب الشمولية والحكام الدكتاتورين لأيهام عامة الناس بديمقراطية الحكم والتسلط في حين إن كلمة "المركزية" تأتي هنا كنقيض فاضح للديمقراطية وكأداة للسيطرة والهيمنة الكاملة. بعبارة أخرى يمكن القول بأن النقضين تجعل مثل هذه الديمقراطية أن تكون ترجمة للبيروقراطية السياسية. فمعظم الأحزاب التي تبنت ومارست الديمقراطية المركزية بمفهومها الكلاسيكي الستاليني تركزت السلطة في عدد قليل من "الكوادر القيادية" تنتظم في بنية تنظيمية تكون كمكتب بيروقراطي يترأسها شخص دكتاتوري.  هذه نقطة مهمة يجب على زوعا أن تفهمها ونحن نتحدث عن القيادة الجماعية لها. فهذه الأخيرة، أي القيادة الجماعية، لا تتفق مع مفهوم "الديمقراطية المركزية" والتي ترجمتها هي البيروقراطية السياسية والخوف هنا، ولنا كل الحق في أن نخاف على زوعا ونخشى إنحراف سلوكها القومي وتحولها من حزب سياسي قومي وشعبي يمتلك مكانة خاصة في قلوب وعقول أبناء أمتنا إلى مكتب بيروقراطي فقط.

أفهل ،على سبيل المثال لا الحصر، تم مناقشة موضوع حصر المناصب الوزارية بأعضاء قيادة أحزابنا وتنظيماتها القومية، ومنها زوعا وفق "الديمقراطية المركزية" بين جميع الأعضاء في القاعدة وصعوداً نحو القيادة لكي يتم أتخاذ مثل هذا القرار الذي هو بالأساس قرار يهم جميع أبناء الأمة وليس عدد قليل في قيادة الحزب؟؟ أشك في أن يكون الجواب بـ (نعم). فالظواهر تدل بأن مثل هذا القرار المهم أتخذ من قبل قيادات التجمع ولم يصل إلى مستوى مناقشته خارج إطار هذه القيادات وعليه فهو قرار بيروقراطي وليس ديمقراطي. فمثل هذا القرار أتخذ أما بسبب عدم أعتبار قادة التجمع هذا الموضوع من المواضيع المهمة والمتعلقة بآمال أبناء أمتنا بل أعتبروه موضوع خاص بهم أو كانت هناك خشية بأن الإمتيازات المادية والمعنوية التي سيجنيها الوزير والتنظيم الذي ينتمي إليه أن تذهب إلى خارج التنظيم ويساء إستخدام مثل هذه الإمتيازات وهذا لا يعني إلا قلة أو أنعدام الثقة بغير الحزبيين من أبناء أمتنا.

لقد أساء الصديق يعقوب أساءة واضحة في فهم مفهوم القيادة الجماعية التي طرحتها في المقال السابق وأخذ زوعا مثالاً على ذلك... عندما أقول بخصوص هذا الموضوع ("لعل من أكثر الحالات إساءة أو غموضاً للفهم في مجتمعنا هي ظاهرة إحتكار القيادة العليا من قبل شخص في معظم تنظيماتنا القومية والسياسية تقريباً، أو في أحسن الأحوال عدد قليل جداً من الأفراد وبقاءهم فيها، أو كما يسمونها إعادة إنتخابهم أو إختيارهم لفترات طويلة ومن دون إتاحة الفرص للغير سواء بتشجيعهم للترشح أو القيام بحملة لترشيحهم.... فهذه الظاهرة تصلح كمثال في الحديث عن مسارتطور الحركة الديمقراطية الآشورية. وقد إنتقدنا هذه الظاهرة وأنتقدها غيرنا لا بل تهجموا عليها ووصفوا المتربعين على قيادة زوعا بالدكتاتورية وحب السيطرة والظهور.... ألخ). الحالة الثانية التي وصفناه في أعلاه تنطبق بكل حذافيها على رد الصديق يعقوب في هذا الموضوع... أرجو إعادة قراءة الفقرة أعلاه وإستنباط المغزى منها بشكل موضوعي لا تحزبي ذاتي. أن هذه الحالة في أحتكار القيادة ليست من إختراعاتي وخزعبلاتي بل أشرت إليها كحالة سيئة وغامضة يصعب على مجتمعنا فهمها والمبررات التي تستوجبها. فإذا لم يسمع أو يقرأ الصديق يعقوب عن الكلام الذي يدور بين بعض أبناء أمتنا حول إحتكار السلطة في زوعا وغيرها من الأحزاب السياسية، وهنا لا يهم عدد أبناء أمتنا طالما يتحدث عن ظاهرة خطيرة وتكون أخطر عندما تأتي من المثقفيين والقوميين والمؤيدين لزوعا، فهذا يعني بأنه بعيد عن الواقع ولايمتلك إمكانية الغوص فيه وقراءته. لو حاول الصديق يعقوب إعادة قراءة المبررات الموضوعية التي تقف وراء ظهور هذه الظاهرة في تنظيمات مجتمعنا والتي شرحتها بشكل بسيط وواضح وتخلى عن نظرته الحزبية، إذا كان ذلك ممكننا، لكان تأييده لي في هذا الموضوع بشكل مطلق ولكن للأسف الشديد منعه إرتباطه الحزبي ونظرته المحصورة في (خطوتان إلى الأمام) من الإفصاح بذلك.

وفي نفس السياق حول سوء فهم وقراءة موضوعي السابق يظهر بشكل واضح في مسألة عدم قدرة صديقي يعقوب على فهم المضامين الأساسية في الموضوع الذي ذكرته حول (كيف نخلق القيادة الجماعية). لقد ذكرت في المقالة السابقة صعوبة خلق كوادر سياسية تكون بمستوى المسؤولية ولكن على عكس هذا فهم الصديق يعقوب الأمر بشكل آخر، فهو يقول (إذا كان هذا هو الواقع ... أي الفقر السياسي في مجتمعنا وصعوبة خلق كوادر قيادية.. وهي الحقيقة بعينها، فكيف بنا أن نغير قيادتنا السياسية بعد أن خبرت ألاعيب السياسة وفنونها، أليس الحري بنا أن نحافظ على قيادتنا صاحبة الخبرة والدراية في مواجهة شركائنا السياسين المتربعين على قيادة أحزابهم وفي يدهم السلطة... أمن الحكمة أن نواجه خيرة غرامائنا السياسيين بقيادات شابه ما تزال في بداية الطريق؟.. ولنا قيادات صاحبت غرامائنا ساحات النضال والكفاح وخبرت أساليبهم ....إلخ). بالله عليك ... من قال أن تغير القيادة في زوعا ذات الخبرة والدراية؟؟؟ فأنا لم أطرح مثل هذا التغيير في القيادة، وأن كل ما ذكرته بخصوص هذا الموضوع يا صديقي العزيز بعيد عن أبسط المفاهيم السياسية. أن خلق الكوادر القيادية كأساس لخق قيادة جماعية لا تأتي من تغيير القيادة السابقة بجديدة بل تأتي من المشاركة الفعلية والتعلم والإستفادة من خبرات الرعيل الأول وهذا لا يأتي إلا بالتدوال في المواقع القيادية التي كما سبق وأن ذكرنا بأنها شكل راقي من أشكال الديمقراطية ونوع من أنواع خلق القيادة الجماعية. ففكثير من الأحزاب السياسية التي تتبنى فعلاً مثل هذا المفهوم الديمقراطي في تدوال المواقع القيادية ينسحب صاحب الخبرة والدراية خطوة ويترك هذه الخطوة لخيره ولكن كلاهما يبقيان ضمن مفهوم القيادة الجماعية ولا يهجر صاحب الخبرة القيادة أو التنظيم بل يبقى فاعلاً ومؤثراً ومعلماً لغيره من رفاقه ولكن من موقع آخر. ولكن من المؤسف الشديد جداً أن نرى الكثير من أصحاب الخبرة والدراية قد تنحوا جانباً وأصبحوا صفراً على الشمال في التنظيم وهذه علة العلل في موضوعنا عن إعادة إنتاج القيادة وهو موضوع يصعب على الصديق يعقوب وربما عليً أيضاً طرحه على وسائل الأعلام العامة لما يتضمنه من بعض الأمور الداخلية التي شخصياً ليس لي حق مناقشتها إلا في حدود ضيفة مع المعنيين في قيادة زوعا.

ونحن بصدد فهم القيادة الجماعية، نرى بأن الصديق يعقوب عندما يقول (فالقيادة الجماعية ليس لها علاقة بعدد – نفرات القيادة – أو التناوب على القيادة، ولو كان العدد  1000 محكومين بنهج دكتاتوري، فالرقم لا يغير من شكل الصورة، وينقلها من حالة الدكتاتورية إلى حالة القيادة الجماعية، وبالعكس أيضا فخمسة أشخاص في هيئة حزبية يشاركون جميعهم في صناعة القرارات يقدمون صورة حقيقية لمفهوم القيادة الجماعية. وكذلك التناوب على القيادة ليس لها علاقة بالمطلق بمفهوم القيادة الجماعية... إلخ). هذا نموذج آخر عن غياب المعرفة العلمية والواقعية لبعض المفاهيم السياسية ومنها القيادة الجماعية وأساسها الديمقراطية و الدكتاتورية وأساسها الأوتوقراطية... فمن المعروف علمياً وعملياً بأن النظام الدكتاتوري نظام فردي ولا يمكن أن يكون قائماً على أكثر من شخص واحد وإن كان العكس فسرعان ما يقضي الدكتاتور على منافسه حتى ولو كان أبنه أو أخيه أو أعز رفاقه فعندما يستشعر خطورته على كرسيه في الحكم يقضي عليه وعلى الفور.

أعجبني كثيرا عندما شبه الصديق يعقوب (الحركة الديمقراطية الآشورية – زوعا بالنهر الهادر الذي يتلوث بالشوائب، إلا إنه يطرح في جريانه الشوائب ويصفي مائه، فيما يطلق عليه علمياُ التنقية الذاتية، مستمراً في مسيرته إلى المبتغى، فمن المنبع إلى المصب، بعض مائه قد يتبخر وتمتصه الأرض، ولكن الحقيقة إنه سيصل)... ولكن الخشية الكبيرة والهواجس المخيفية هي أن يكون حال هذا النهر كحال نهر الفرات أو نهر الخابور في سوريا فسوء إستخدام مياه النهر سواء في بناء السدود عليه، كما هو الحال مع نهر الفرات أو حفر أبار عشوائية وبعدد كبير بالقرب من منابع نهر الخابور سوف لن يصل من مياه هذهين النهرين إلى مبتغاهما وبالتالي سيعطش الناس وتجف حقولهم وتصبح هجرة أراضيهم هدفاً لضمان إستمرار حياتهم.

وأخيرا أود أن أؤكد وبشكل قاطع وأقول ليطمئن زوعا وكل أعضاءها من أصغر تنظيم قاعدي إلى أعلى تنظيم قيادي فيها بأن بيان وطرح ومناقشة "الخطوة إلى الوراء" ليس إلا شكل من أشكال إهتمامي على هذا التنظيم القومي في أمتنا وخشتي على العثرات التي سيلاقيها في المستقبل والتي ستتضاعف فيه التحديات المميتة أضعاف مما هو عليه في الوقت الحالي. كما أطمئن غير الزوعاويين بأن هذا الموضوع لا يغير من موقفي تجاه زوعا إطلاقا فالعهد الذي قطعته على نفسي أثناء زيارتي في منتصف التسعينيات من القرن الماضي لقبر الشهيد الخالد يوسف توما شهيد الأمة والحركة الديمقراطية الآشورية في قرية بليجانه في شمال الوطن ودفنت قلمي في تراب القبر معاهداً الله وروح الشهيد بأن لا أسخر قلمي إلا لطريق النضال الذي سار عليه الشهيد فأنا على عهدي باقي حتى آخر رمق من حياتي.

   

كثيراً ما نتحدث عن الديمقراطية ولدينا معلومات كثيبرة عنها ولكننا لا نمارسها ممارسة فعلية
أبرم شبيرا

http://www.ankawa.com/forum/index.php?action=printpage;topic=570770.0

http://www.ankawa.com/forum/index.php?action=printpage;topic=571391.0

http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=569319.0


79
صورة وحدث
من التاريـخ القومي الآشوري المعاصر

                                                                                                                                    أبرم شبيرا

صورة نادرة وفريدة تنشر لأول مرة تجمع كل، من اليسار الى اليمين، المناضل والمفكر القومي المعروف يوسف ماليك وهو من بلدة تلكيف في شمال بيت نهرين والمناضل ماليك ياقو ماليك إسماعيل ثم الأب الفاضل الخوري زيا بوبو دوباتو ببدلته العسكرية وقبل رسامته كاهناً لكنيسة المشرق الآشورية في الموصل. والصورة كانت من مقتنيات الخوري زيا (حصلت عليها في بداية التسعينيات من القرن الماضي من أبنه د هرمز) أخذت هذه الصورة في مدينة بيروت - لبنان بعد الحرب العالمية الثانية وهناك أحتمال أن يكون تاريخها في عام 1948. في تلك الفترة كان المفكر يوسف ماليك يقيم ويعيش في بيروت منذ الحركة القومية الآشورية لعام 1933 حيث كان موظفاً مدنياً في الحكومة العراقية منذ تأسيسها الا أن السلطات العراقية كانت قد منعته من العودة الى العراق بسبب مواقفه البطولية في مقاومة أستبداد السلطات العراقية للآشوريين فأضطر أن يتخذ من لبنان وطناً له ومن هناك كتب عدة كتب ومنها كتابه المشهور خيانة بريطانيا للآشوريين الذي أثار حنق الحكومتين البريطانية والعراقية عليه. وفي بيروت أسس مع مجموعة من الآشوريين من منطقة الحسكة في سوريا تنظيم أشوري سميّ بـ " لجنة التحرير الآشوري " وكانت هذه اللجنة تصدر نشرة دورية تحت نفس الأسم حتى عام 1949 يدعو فيها الى إيجاد مخرج للقضية الآشورية، وهي اللجنة التي لا نعرف عنها غير نسخ عتيقة ومهلهلة من النشرة المذكورة موجودة على الرفوف المظلمة للمكتبة البريطانية في لندن. وظل المفكر يوسف ماليك طيلة حياته مناضلاَ آشورياً ومفكراً قومياً حتى أخر رمق من حياته حيث توفي في بيروت عام 1959. أما ماليك ياقو فكان لتوه قد تسرح من خدمة الكتيبة الآشورية التي جندتها بريطانيا أثناء الحرب الكونية الثانية لحماية خطوط الامدادات والمساعدات التي كانت تقدمها دول الحلفاء الى الاتحاد السوفياتي عبر العراق وإيران والتي لعبت دوراً مهماً في حماية هذه الخطوط ودعم القوات السوفياتية في موجهتها للقوات الألمانية النازية في أوربا الوسطى اثناء الحرب العالمية الثانية. وهناك العديد من التقارير والدراسات عن البطولات التي قام بها الآشوريون اثناء الحرب حيث شاركوا مع قوات الحلفاء في تحريرالقبرص واليونان من النازية. وهناك مقبرة في اليونان لضحايا الحرب من ضمنها ثمانية مقابر لجنود آشوريين من قوات المظليين الخاصة قتلوا أثناء معركة تحرير أثينا من القوات النازية وعلى أحجار قبورهم حفرت أسماؤهم باللغتين الأنكليزية والسريانية. أما الخوري زيا دوباتو فقد ظل فترة أخرى في الخدمة لحين حل الكتيبة الآشورية في الخمسينات وأنضمام بعض الضباط الآشوريين الى الجيش العراقي الرسمي الذين أيضا أبدوا بطولات فائقة ومتميزة أثناء خدمتهم العسكرية في دولة العراق.

كان ماليك ياقو في تلك الفترة يعيش في منطقة خابور في سوريا وفي بداية الستينات ضغظ عليه بعض القوميين العرب المتطرفين (الناصريون والبعثيون) في سوريا عقب قيام الوحدة مع مصر فأضطر للسفر الى بيروت ثم الهجرة الى كندا وتوفي في العراق عام 1974 بعد أن كانت الحكومة العراقية قد وجهت له دعوة رسمية لزيارة العراق وأعادة له جنسيته العراقية المسقطة عنه ودارت الشكوك حول السلطات الأمنية بخصوص موت ماليك ياقو إذ يعتقد بأنه تم تسميمه بمركبات الزئبق البطيئة التسمم بعد رفضه مخططات النظام البعثي في توريط الآشوريين في حربها مع الحركة الكردية. في حين كان الخوري زيا يعيش في الموصل في العراق وظل هناك طيلة عقود عديدة يخدم أبناء شعبه كخوري جليل ومحترم بينهم، الا أنه أضطر اللجوء الى إيران في بداية الثمانينيات هرباً من ظلم وأستبداد النظام البعثي له ولأبنائه وعائلته في الموصل وذلك بسبب كون أبنه د.هرمز أحد مؤسسي الحركة الديمقراطية الآشورية والمطلوبين للسلطة البعثية. وأثناء تواجد الخوري زيا في المنفى في إيران أهتمت بعض الهيئات الدولية والمنظمات المعنية بحقوق الأنسان بقضيته وتناولتها وسائل الاعلام الدولية فقدمت شكوى الى الحكومة العراقية بهذا الشأن وفي عام 1989 أنتقل الى جوار ربه ودفن في مثواه الآخير في أورمي .

يقول أحد أبناء الخوري زيا بأن الصورة اخذت بمناسبة عقد اجتماع في بيروت للبحث في مصير الآشوريين وأمكانية الخروج بحل لمشكلتهم القومية في العراق خاصة بعد المستجدات التي افرزتها نتائج الحرب العالمية الثانية في العراق، لا سيما كان للآشوريين قوات عسكرية متميزة بالشجاعة والخبرة العسكرية يمكن أستخدامها في تحقيق المشاريع التي يحلمون بها منذ زمن بعيد  في السكن في مناطقهم التاريخية بسلام وأستقرار. ويضيف بأن أهم قرار توصلوا اليه في هذا الاجتماع هو عقد نوع من الاتفاق مع الزعماء الاكراد والدخول معهم في حلف لتحقيق كيان مستقل مشترك  لهم أو حكم ذاتي لكل منهما حقوق وأمتيازات تقوم على التفاهيم والمحبة والمودة. ولما كان الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني منفياً خارج العراق ويعيش في الاتحاد السوفياتي، وهو الصديق الحميم لماليك ياقو، لم يكن من المناسب الاتفاق معه وهو خارج العراق لذلك توجهت الانظار الى زعيم أخر وهو كاميران بدر خان، وهو حفيد المجرم الكبير مير بدر خان الذي أرتكب مذابح كبيرة بحق الآشوريين للفترة من 1845 الى 1848 واستشهد منهم مايزيد عن عشرة ألآف وتشرد الباقون منهم بعد أن دمر قراهم وأحرق حقولهم. غير أنه بالنظر لكون هذا الزعيم متعاوناً مع الحكومة العراقية في تلك الفترة ولم يكن له طموحات قومية وبالنتيجة فشلت الفكرة قبل أن تبدأ خطواتها الأولى. ومن المعروف بأن هناك مثقفين وكتاب وفنانين كبار من عائلة بدرخان معظمهم يعيشون في لبنان ومصر، ولا نستطيع التأكيد فيما إذ كانت هناك صلة بينهم وبين المجرم مير بدرخان، وبهذا الخصوص أتذكر ما قاله لي المرحوم ماليك ياقو أثناء زيارته للعراق في منتصف السبعينات من القرن الماضي بأن أحفاد مير بدرخان الذين كانوا يعيشون في لبنان قد قدموا أعتذار له عن جرائم جدهم بحق الآشوريين.

ترى ما الذي دفع هؤلاء المناضلين في تلك الفترة الى اتخاذ مثل هذا القرار ؟.. وما هي دوافعهم وأسباب اتخاذ مثل هذا القرار، خاصة وأن كاميران هو أبن زعيم كردي قام بمذابح شنيعة ضد الآشوريين وفي حينها قتل أيضا ماليك أسماعيل جد ماليك ياقو ومثل بجثته وهو أسير جريح مقيد اليدين والرجلين ... ومن هم الأشخاص الاخرين الذين حضروا هذا الاجتماع ؟؟ ؟؟ أو هل كان هناك حقاً قراراً أو مشروعاً من هذا القبيل ؟؟ أو هل عقد بالأصل  اجتماعاً من هذا النوع ؟؟.. أسئلة وأسئلة وعلامات استفهام الى ما لا نهاية وسوف تضل وتستمر هذه التساؤلات وعلامات الاستفهام فارضة نفسها على كل من حاول البحث في خفايا التاريخ الآشوري ذلك لان الجواب لا وجود له لكونه مطموراً في أعماق التاريخ أن لم يكن الجواب غائباً غياباً أبدياً ولا وجود له بعد أن غاب أصحابه وغيرهم الذين لعبوا أدواراً في صنع التاريخ الآشوري بكل جوانبه السلبية والايجابية. أنها المعضلة التاريخية التي تعيشها أمتنا ، معضلة قلة الوثائق والمذكرات أو انعدامها نهائياً خاصة مذكرات أمثال هؤلاء الرجال، انها معضلة بدون نهاية والخشية هي من أستمرارها حتى بالنسبة للأجيال الحالية، لانه بنظرة بسيطة للواقع الآشوري المعاصر يظهر بأن الآشوريين لا يقرأون  تاريخهم فحسب وأنما أيضا لايكتبون منه شيئاً، ومن لا يكتب تاريخه سيكتبه غيره وبالشكل الذي يرتأيه ويحقق مصالحه لا بالشكل الذي يخدم مصالح صاحب التاريخ. هكذا كان الحال مع أباءنا واجدادنا فغيرهم كتبوا تاريخهم طبقاً لمصالحهم وسببوا بكتاباتهم المختلفة والمتناقضة الكثير من التشويه والتزييف لا لتاريخ الآشوريين فحسب وإنما أيضاً لهويتهم وتسميتهم القومية والتي نعانيها في هذا اليوم ونحسسها بمرارة، وهو نفس الاحساس الذي سينتاب أبناؤنا وأحفادنا اذا لم نكتب تاريخنا بنفسنا وبأقلامنا. وقد يكون العذر مقبولا عندما نعرف بأن أباءنا وأجدادنا كانو "أمييون" لا يعرفون من فنون الكتابة شيئاً ولايدركون أهمية كتابة التاريخ للأجيال القادمة، ولكن كيف والحال مع مجتمعنا الحالي الذي يزخر بالمثقفين والمتعلمين والاختصاصيين والسياسيين والمهتمين بمصائر هذه الأمة، لابل وحتى أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية لا تكتب شيئاً عنها وعن نشاطاتها وتكويناتها فكيف ستعرف الاجيال القادمة بوجود هذه المنظمات وبنشاطاتها وكيف تتواصل ذكريات الأمة من دون كتابة هذه الذكريات، فهنا العذر مهما كان سيكون حتماً عذراً غير مقبولاً على الاطلاق ذلك لان الجميع وبالاخص المثقفين والقوميين منهم أمام مسؤولية تاريخية لا يتحمل غيرهم عواقبها الوخيمة لانها مسؤوليتهم الأولى والاخيرة في كتابة تاريخ أمتهم. فالحركة الديموقراطية الآشورية على سبيل المثال لا الحصر، تعتبر أكبر حزب سياسي في تاريخ المعاصر وحقق إنجازات قل مثيلها في القرن الماضي ولا يشك أحد بكثرة مفكريها ومثقفيها من أعضاءها ومن المؤيدين والمناصرين لها ومن المؤكد لها أمكانيات توثيق تاريخها في مجلد ضخم منذ تأسيسها ولنقل حتى عام 2003 شاملاً مراحل تأسيسها ومؤتمراتها وإستراتيجيتها وهيكليتها ليصبح مثل هذا المجلد مصدراً تاريخياً لنضال أمتنا للأجيال القادمة، لا بل ويصلح هذا الموضوع كرسالة جامعية لنيل شهادة الماجستير أو الدكتوراه في علم السياسة أو في علم التاريخ السياسي ... فكرة ... فهل من مستجيب.


80
حقائق غير منشورة عن النادي الثقافي الآشوري في بغداد

                                                                                                                                      أبرم شبيرا

عاتبني صديقي العزيز خوشابا سولاقا، رفيق درب بداية وعينا القومي وحركتنا السياسية على ما كتبته عن النادي الثقافي الآشوري في مقالة سابقة نشرت في موقع عنكاوه دوت كوم الموقر، عاتبني لعدم ذكري بعض الأمور المهمة والحساسة، خاصة مرحلة صب الأسس القومية الواعية للنادي الثقافي الآشوري منذ بداية تأسيسه وحتى إضمحلاله وموته تنظيماً وليس فكرياً كما ذكرت في المقالة السابقة وكذلك لعدم الإشارة إلى أسماء رواد الفكر القومي في النادي من جهة، بينهم هو وأنا وغيرنا من أصدقائنا الأعزاء، والذين كانوا معروفين بـ "المستقلين" في مقارنتهم مع المنتميين إلى حزب البعث والشيوعي والكردستاني، وإلى أسماء بعض الرموز التي لعبت دوراً هداماً، سواء بقصد أو بفكر هادف إلى دفع النادي إلى الحالة المزرية التي وصل إليها أو التي حاولت بكل الطرق والأساليب الشيطانية البعثية إغلاق النادي ودفنه وهو حي من جهة ثانية. وهنا أود أن يركز القارئ اللبيب على موضوع إغلاق النادي وقتله. وأستند صديقي العزيز في عاتبه لي على مقولة "الأمانة التاريخية" التي يستوجب ذكر الحقيقة من دون مجاملة أو "نسيان الماضي" لأن مثل هؤلاء الرموز الهدامة لا يرغبون في "تهدئة" الأوضاع ونيسان الماضي بل يهلهلون فرحاً وإبتهاجاً للغوص فيها وعرض عضلاتهم الدونكيشوتية عن طريق الإساءة إلى بعض الرموز القومية وتلويث أسمهم ولأغراض بناء حالة نرجسية خاصة بهم تظهرهم كأبطال لهذه الأمة في حين يضعون الإخرين في خانة التخوين وتلويث الأسماء النظيفة. ويظهر بأن رفيقي العزيز خوشابا كان محقاً ومدركاً وواعياً لمثل هذه الأمور ولمثل هذه الرموز. وجوانب من هذه الأمور تظهر في المقالة التي كتبها السيد تيري بطرس بعنوان (عندما فصلت من النادي الثقافي الآثوري في بغداد) والمنشور في موقع عنكاوه دوت كوم، وهو عنوان مقالة غريب لا علاقة له بمتن الموضوع ويظهر كاتب المقالة نفسه كانه كان من الشخصيات البارزة في النادي والفاعلة في رفعة سمعة النادي وخائف عليها في الوقت الذي أنتمى هو وأصحابه إلى النادي وركبوا موجبته القومية والنادي في ذروة وعيه ونشاطه القومي الذي أرسى أسسه الشباب القومي المستقليين الذين ذكر السيد تيري أسماؤهم في مقالته. ولكن على أية حالة يظهر بأن حالة الإرتباك والتردد سيطرت على كاتب المقالة وأدى ذلك بالنتيجة إلى ظهور الطلاق بين عنوان الموضوع ومتنه لأن معظم الذي ذكره في المتن لم يكن له علاقة مباشرة بمسألة فصله من النادي ولا أسباب فصله والأنكى من كل هذا فأنه حشر أسمي بشكل لا مقصد له غير الإساءة إلى الأسماء الخيرة من أبناء أمتنا  في الوقت الذي تجنبت أنا الإساءة إلى أي شخص في مقالتي السابقة عن النادي لأن هذا ليس أسلوبي رغم إساءة البعض الكبيرة للنادي ولأعضاءه الخيرين.

في الحقيقة لست من الذين يركضون وراء المواضيع والأفكارالتي لا تتفق أو تتعارض أو تنتقد ما أكتبه خاصة عندما تتجاوز حدود اللياقة الفكرية والأدبية ولكن هنا أكتب هذا الموضوع إستجابة لصديقي العزيز خوشابا على ذكر الحقيقة كما هي فيما يخص النادي... مولده حياته وموته وتحديداً فيما يخص ذكر السيد تيري إسمي ولأكثر من مرة في مقالته بعيداً عن الحقيقة وفهم كوامن السياسة القومية في تلك الفترة والتي يوحي من ذكره لإسمي تشويهاً لسمعتي أمام أبناء أمتي الأعزاء عندما أعتبرني من المفروضين من قبل الأمن العامة كعضو في الهيئة الإدارية للنادي متجاهلاً بقصد أو بغير قصد ظروف النادي في تلك الفترة التي أدت إلى أن أكون عضواً في الهيئة الإدارية وغيري من الخيريين من أبناء أمتنا المعروفين بنزاهتم وإستقلال قرارهم. وقبل هذا وذلك أود أن أدخل في بعض التفاصيل التي رافقت السنوات الأولى لتأسيس النادي والتي لها علاقة بالحالة التي وصل إليها النادي والأسباب الحقيقية الموضوعية والداخلية التي كانت من وراءها.

في بداية السبعينيات من القرن الماضي حاولت سلطات النظام البعثي في العراق إلباس نفسها بلباس الديمقراطية فاصدرت العديد من القوانين والقرارات منها إطلاق سراح المسجونين السياسيين وإرجاع الموظفين المفصولين  لأسباب سياسية إلى وظائفهم والدخول في تحالفات مع الشيوعيين والقوميين وغيرهم من التجمعات والشخصيات الوطنية والمستقلة ومنح الحكم الذاتي لكردستان العراق ومنح الحقوق الثقافية والإدارية للتركمان وللناطقين بالسريانية (من الآثوريين والكلدان والسريان). فضمن هذه الظروف أصبح للآشوريين ثقلاً في موازين القوى المتصارعة في العراق من بعثيين وشيوعيين والحركة الكوردية لاسيما والنظام البعثي كان يدرك مدى إنضمام أو تعاطف الآشوريين مع الحزب الشيوعي العراقي وإنخراطهم في الحركة الكوردية والإنتماء إلى الحزب الديموقراطي الكوردستاني. فضمن هذه السلسلة من "الإنجازات" كان قد أتى منح النظام البعثي رخصة تأسيس النادي الثقافي الآشوري في بغداد من دون أن يكون لحزب البعث العراقي وأذنابه من بعض الآشوريين المتعاملين معه حزبياً أو أمنياً (العملاء) أي دور في تأسيس النادي أو في إدارته في السنوات الأولى واللاحقة مما أثار ذلك حفيظة العملاء وحقدهم على النادي والمسؤولين عن إدارته. فظهر في مقدمة هؤلاء العميل المدعو وليم شاؤول الذي يستحق أن يطلق عليه (مجرم رقم واحد) لأنه فعلاً أجرم بحق أبناء أمتنا الشرفاء ونصب الفخاخ للكثيرين منهم وكتب تقارير أمنية كثيرة إلى أسياده في مديرية الأمن العامة للإيقاع بالناشطين في النادي وفي الحقل القومي الآشوري فكان أعتقال المطربين الآشوريين الثلاث (سامي ياقو و داود إيشا وألبرت أوسكار) نتيجة أحدى تقاريره الأمنية. ولم أنجو أنا شخصياً من هذه التقارير حيث كتب العديد منها إلى مديرية الأمن العامة والدوائر الأخرى المرتبطة بها عن نشاطي القومي والثقافي في النادي إلى حد أنه أتهمني في أحدى تقاريره بأنني شتمت وحقرت وزير الداخلية في أحدى إجتماعات الهيئات الإدارية للأندية "السريانية"،  ولكن رغم ذلك لم تؤدي إلى نتيجة بعد التحقيقات وعدم إمكانية ثبوت التهم الزائفة بحقي. وذات مرة كان قد وصل حقده وغباءه إلى درجة تهديد مجموعتنا القومية المعروفة بالمستقلين في النادي بالكتابة إلى أسياده في الأمن العامة وإلصاق بنا تهمة تفجير أنابيب النفط في مدينة كركوك في الوقت الذي كان معروفاً للعالم أجمع بأن الفعل كان من قبل بعض العناصر من الحركة الكردية. وفي ذات مرة تم إستدعائي إلى مديرية الصحافة في وزارة الأعلام والثقافة في بغداد بسبب كتاباتي في مجلة المثقف الآثوري التي كان يصدرها النادي الثقافي الآشوري فهددني المدعو هاشم شبيب مدير الصحافة في الوزارة، وهو عنصر إستخباراتي تولى مسؤولية الدعاية لحزب البعث بين الآشوريين في بلدان المهجر في تلك الفترة، بالعقاب وإغلاق المجلة وتحويل إمتيازها إلى نادي سنحاريب التي كان وليم شاؤول يرأس هيئتها الإدارية ونصبه رئيساً لتحريرها لأنه قدم طلبات كثيرة بهذا الشأن للإستيلاء على المجلة. وكان العميل وليم قد منح هذا العنصر الإستخباراتي عضوية فخرية له في ناديه السنحاريبي. وليس بخاف على أحد الدور القذر الذي لعبه هذا العميل في تسميم أعضاء الإتحاد الآشوري العالمي أثناء إنعقاد مؤتمرهم الحادي عشر في سدني في إستراليا عن طريق تقديم حلويات منٌا السما إليهم. وهناك حادث آخر لد مدلولات بهذا الشأن. ففي أحدى الليالي أنفجرت "قنبلة" موضوعة تحت غطاء (بونيت) سيارة العميل وليم شاؤول وتبينت فيما بعد بأنها لم تكن إلاى مادة متفرقعة بدائية ومن صنع محلي ولم تسبب أضرار تذكر لسيارته ولم تجري الجهات الأمنية تحقيق جدي بهذا الشأن رغم أن احد أعضاء الحركة الديموقراطية الآشورية ذكر لي في حينها بأن الحادث من تدبير الحركة، إلا إن الأمر كان واضحاً وهو محاول العميل وليم شاؤول إستغلال هذا الحادث لجلب إنتباه السلطات الأمنية إليه وفي إعتباره شخص مهم ومستهدف من قبل القوميين الآشوريين. هذا العميل هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في التسعينيات من القرن الماضي ومن هناك كان يتجسس لصالح النظام البعثي في العراق فأكتشفته السلطات الأمريكية وحكمته بالسجن وفي التحقيقات ذكر أسماء الأشخاص الذين كانوا يتعاونون معه أثناء عمالته للنظام في العراق، ولا نعرف فيما إذا كان لايزال في السجن أم أطلق سراحه بشروط مقيدة منها وضع الطوق الألكتروني على قدمه لمراقبة وتقييد حركاته.

كان من الطبيعي لهذا الضبع العميل أن يلبس جلد الخراف ويظهر نفسه كقومي آشوري يحب مصلحة الأمة و"يناضل" من أجل حقوقها القومية... فألتف حوله عدد من الطلاب الآشوريين المندفعين والمبهرين بأفكاره "القومية" فأصبح يقودهم كمجموعة طلابية خاضعة للإتحاد الوطني لطلبة العراق التابع لحزب البعث وركز نشاطه التخريبي على النادي الثقافي الآشوري خاصة بعد أن فشل فشلاً ذريعاً في أن يكون له ولمجموعته أي دور في النادي. وبالمقابل ظهرت مجموعة أخرى من الطلاب الآشوريين غيرمرتبطين به ومدركين بأفكاره ومشاريعه الشيطانية فقاموا بنشاطات قومية ساهمت في تعزيز النشاطات الثقافية والإجتماعية في النادي. فما كان من هذا العميل وليم وأتباعه إلا أن يلجأوا إلى أساليب خبيثة وشيطانية للإيقاع بهؤلاء وبالنادي أيضا وبالتالي التسبب في إغلاقه فقاموا خلسة بوضع مناشير سياسية قومية متطرفة جداً عن حقوق الآشوريين والمطالبة بها على جدران النادي موقعة بأسم "الطلبة الآشوريين القوميين" وعندما أكتشفت الهيئة الإدارية للنادي أمر هذه المناشير بأنها مكتوبة بخط يد العميل وليم شاؤول من خلال مقارنتها بأحدى دفاتره الجامعية قامت الهيئة الإدارية للنادي وإتباعاً للأصول الرسمية بتقديمها إلى الجهات الرسمية والأمنية غير أنها لم تتخذ أي إجراء بحق الفاعل رغم الإثباتات الثابتة بحق فاعل هذا الفعل. وهنا من الضروري أن نفرق وبشكل واضح الفرق الكبير بين النفر القليل جداً من الآشوريين ومنهم الذئب المستنجع وليم شاؤول عن بعض الآشوريين المنتمين لحزب البعث الذين لم يكن إنتماؤهم لهذا الحزب سبيلاً لأذية أبناء أمتهم والتجسس عليهم والإيقاع بهم بتقارير شيطانية بل ظلوا محترمين لأنفسهم وبالتالي محترمين من قبل الغير. وللمثال وليس للحصر نذكر السيد سامي خوشابا لاجن الذي كان يقود الطلبة الآشوريين المعارضين لوليم شاؤول ومجموعته الطلابية ولم يسبب حسب معرفتي أية أذية أو تخوين لأبناء أمتنا أو للنادي. والسيد سامي الذي هو الآخر هاجر إلى الولايات المتحدة ثم أكتشفت السلطات الأمريكية أمر عدم ذكره في أوراقه الخاصة بإقامته في أميركا إنتماءه إلى حزب البعث العراقي لذلك تم أعتقاله ولا ندري فيما إذا لايزال في السجن أم أفرج عنه.

كل هذا الفشل وحالة الإحباط التي أصاب بها العميل وليم شاؤول وجماعته في السيطرة على النادي أو التسبب في إغلاقه قادهم إلى تأسيس نادي آخر تحت تسمية براقة "نادي سنحاريب العائلي" كنادي إجتماعي وثقافي ورياضي وفي نفس الوقت يتعاطى المشروبات الكحولية ليكون من جهة طعماً لجلب الآشوريين إليه ومن جهة أخرى لمحاربة النادي الثقافي الآشوري، فنصب نفسه رئيساً لهذا النادي والسيد نمرود بيتو يوخنا نائباً له، والذي كان من مؤسسي الحزب الوطني الآشوري والسكرتير العام له لسنوات عديدة ووزير سابق للسياحة في حكومة كردستان والسيد كوركيس ياقو باكوس عضو الهيئة الإدارية ورئيس اللجنة الثقافية في النادي والذي كان من مؤسسي الحزب وفي قيادته لسنوات عديدة وحالياً مستشارا لشؤون المسيحيين لرئيس وزراء العراق نوري المالكي وعدد آخر من جماعة وليم شاؤول الذين كانوا أعضاء بارزين في ناديه "السنحاريبي" والذين أصبحوا فيما بعد أعضاء في الحزب الوطني الآشوري سواء في القيادة أم في القاعدة وكان السيد تيري بطرس أحد أعضاء هذا الحزب كما يصرح بذلك في مقالته السالفة الذكر وأيضاً كان معروفاً من مقالاته في الدفاع عن هذا الحزب ومعاديتة للحركة الديمقراطية الآشورية.

في فترة زيارة المناضل ماليك ياقو ماليك إسماعيل للعراق قمنا نحن المعروفين بـ "القوميين المستقلين" بزيارته عدة مرات ليس لغرض معين أو التعاون معه في مهمته بل لتحذيره بشكل غير مباشر وتلميحي )لأن المسكن الذي ضيفته الحكومة العراقية فيه كان ملغماً بأجهزة تنصيت للتنصت على حديثه مع زواره) من الأساليب الشيطانية التي قد يلجاً إليها بعض من عناصر حزب البعث خاصة من الآشوريين المنتمين إليه وبالتالي الإساءة إلى سمعته وإلى هدف زيارته للعراق لأننا كنًا نعرف بأن سياسة الحكومة تجاه الآشوريين لم تكن إلا تكتيكية لغرض توريطهم في صراعهم مع الكورد.. ويذكر السيد تيري بطرس بأن حزبه "الحزب الوطني الآشوري" كان يتعاون مع ماليك ياقو ولكن لم نعرف ماهو شكل هذا التعاون ولم نسمع عنه إطلاقاً خاصة وأن العناصر البعثية والأمنية وعملاءهم كانوا يحكمون الطوق على النشاطات القومية الآشورية في الوقت الذي كان العميل وليم شاؤول ومجموعته الطلابيه يزورون ماليك ياقو لغرض مفاتحته لتأسيس حزب سياسي آشوري. ولتأكيداً هذه الحقيقة كنت في أحدى زياراتي لسوريا في عام 1997 قد أجريت مقابلة مع السيد زيا أبن ماليك ياقو الذي رافق والده في معظم جولاته ومنها زيارته للعراق فأفادني كثيرا عن مهمة والده والإتصالات التي كانت تجريها مديرية الأمن العامة مع والده والوفد المرافق معه وأدرجتها في كتابي المعنون (الآشوريين في الفكر العراقي المعاصر، دار الساقي، بيروت/لندن، ط1، 2001، ص 41) وذكر لي أيضا أتصالات العميل وليم شاؤول ومجموعته الطلابية ومفاتحة والده لغرض تأسيس حزب آشوري تحت مسمى (حزب البعث الآشوري) غير أن والده رفض الفكرة خاصة وأن الإتحاد الآشوري العالمي كان يقود مهمة التفاوض مع النظام العراقي حول حقوق الاشوريين في العراق. وهذه المعلومة لم أذكرها في كتابي السالف الذكر وذلك تجنباً لمسايرة الأقاويل التي كانت تروج من قبل البعض المعادي للحزب الوطني الآشوري بأن هذا الحزب هو نفسه حزب البعث الآشوري الذي طرح العميل وليم شاؤول ومجموعته الطلابيه موضوع تأسيسه على ماليك ياقو. ولا أدري إذ كان السيد تيري بطرس ضمن هذه المجموعة أم لا، ولكن من المؤكد بأن السيد كوركيس ياقو باكوس المذكور أسمه في أعلاه، الذي كان تربطه علاقة صداقه معي في لندن، كان هو وغيره من الذين أسسوا فيما بعد الحزب الوطني الآشوري أو الذين أنتموا إليه من ضمن مجموعة وليم شاؤول. ففي حديث خاص بيننا في النادي الآشوري في لندن قبل سنوات قلت للسيد كوركيس ياقو: كيف قبلتم التعاون والعمل مع وليم شاؤول وهو معروف للداني والقاصي وحتى لأي طفل آشوري بأنه عميل للأمن العامة وبغدره للقوميين الآشوريين بكتابة التقارير عنهم؟ فقال: كنًا مخدوعين بالأفكار القومية التي كان ينادي بها وبضرورة محاربة "المنحرفين" سواء من الطلاب الآشوريين الآخرين أو الأعضاء في النادي الثقافي الآشوري فعملنا معه إلى حين إكتشفنا طبيعة عمالته للأمن العامة ضد أبناء أمتنا. فقلت له: كيف أكتشفت أمره مع العلم بأن عمالته كانت مكشوفة للكثير من أبناء أمتنا والمفروض منكم أنتم القوميين أن تكونوا واعيين قبل الآخرين بمثل هذه الأمور؟ فقال: "ذات مرة ذهبت إلى زيارته في بيته الكائن في شارع 72 في شارع الصناعة/تل محمد  في بغداد فعندما طرقت الباب خرجت زوجته وقالت لي تفضل بالجلوس وأنتظر لأن وليم في الحمام وبينما كنت جالساً والطاولة أمامي شاهدت محفظة وليم مفتوحة وفيها هوية صادرة من مديرية الأمن العامة بأسمه وفيها مذكور رتبته الأمنية بمسمى وظيفي "عريف أمني" فما كان مني إلا أن أترك البيت قبل خروج وليم من الحمام الذي تأخر فيه كثيراً ومنذ تلك الفترة إنقطعت علاقتنا به". طبعاً كان من الصعب تصديق قصة صديقي كوركيس ياقو ولكن هذا ليس موضوعنا بل ما أريد تأكيده هنا هو كون هذه المجموعة التي أسست حزب الوطني الآشوري من ضمن مجموعة وليم شاؤول وأعضاء في ناديه الذي كان وكراً للتأمر على القوميين الآشوريين وعلى النادي الثقافي الآشوري.

يذكر السيد تيري بأنه دعي للإنتماء إلى "حزب الأخاء الآشوري" إلا أنه بسبب إنقطاع الإتصالات معه لم ينتمي إليه، بهذا التلميح يعني بأن السيد تيري وحزبه " الوطني الآشوري" الذي أنتمى إليه فيما بعد كان على دراية بحزب الأخاء الآشوري وبمؤسسيه وقادته منهم المرحوم توما الزيباري وأبنه الشهيد يوسف توما. ومن المعروف عن حزب الأخاء الآشوري بأنه كان من بين التنظيمات الرئيسية القومية والمستقلة والمعروفة بنزاهتها وعدم إرتباطها بجهات مشبوهة والتي أسست الحركة الديمقراطية الآشورية ولكن من الغريب أن لا يكون الحزب الوطني الآشوري، الذي كان يطرح أفكار قومية وبعضها متطرفة، من بين هذه التنظيمات المؤسسة للحركة الديمقراطية الآشورية ولم يكن في تنسيق أو تعاون معها في مواجهة التحديات المصيرية لأمتنا والذي من المفترض أن يكون مثل هذا التحالف أو لنقل التنسيق قائماً بينهم، لا بل على العكس من هذا تماماً فقد طرح الحزب الوطني الاشوري نفسه كند قوي ومعادي للحركة الديمقراطية الآشورية وشن حملات أعلامية وكتابية ضدها وكانت كتابات السيد تيري من ضمن هذه الحملات وأستمرت حتى تركه للحزب الوطني الآشوري. وهناك إشارة يستوجب ذكرها وهي أنها بعد إنهيار النظام البعثي في العراق وما صاحب ذلك من تطورات دراماتيكية على المستويين القومي والوطني شرع  الحزب الوطني الآشوري بتبني خطاباً سياسياً قومياً أكثر إعتدال فأخذ ينحو منحى آخر أكثر تقارباً مع التنظيمات الآشورية الأخرى خاصة مع الحركة الديمقراطية الآشورية وتجلى ذلك في إختفاء حرب الحزب الإعلامية ضد الحركة ومن ثم الدخول معها في تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية والعمل سوية كما أن الحزب بعد أن كان يرفض ويحارب التسمية المركبة لأمتنا بدأ يأخذ بها هو الآخر كشكل من أشكال المرونة السياسية في العمل القومي الوحدوي وهذا أمر طبيعي بل إيجابي في تطور أفكار وسياسيات الأحزاب السياسية وأستمر الحزب في سياسته القومية المعتدلة أكثر خاصة بعد  ترك العناصر الرئيسية والقيادية والمؤسسة للحزب الوطني الآشوري وأصبح وضعه أكثر مقبولاً لدى أبناء أمتنا. كل هذا ذكرته ليكون خلفية للدخول في موضوعنا عن النادي.

في النصف الأول من السبعينيات من القرن الماضي، وبعد إنكشاف أمر عمالة وليم شاؤول  وإنفصال مجموعة حزب الوطني الآشوري عنه بدأت بمحاربته عن طريق الإنتماء إلى النادي الثقافي الآشوري كمجموعة شبابية طلابية قومية فحصل في جوانب معينة تعاون مع القوميين المستقلين خاصة في مواجهة التحديات التي كانت تأتي من الأحزاب العراقية كالبعث والشيوعي والكردستاني ومن بعض المنتفعين والمتملقين لهذه الأحزاب، وتمثل جانب من هذا التعاون في تصويت أعضاء حزب الوطني الآشوري ومن بينهم الطلاب الجامعيين لصالح السيد إيشو دنخا يقيرا الذي فاز برئاسة النادي من بين ثلاثة منافسيين له ولم يتجاوز هذا التعاون إلى التحالف مع مجموعتنا القومية المستقلة كما يدعي السيد تيري. فموضوع مجئ السيد إيشو دنخا إلى النادي وإنضمامه إليه ومن ثم فوزه بالرئاسة كان من بدايته وحتى نهايته من نتائج المفاوضات التي أجراها القوميون المستقلون ومنهم أنا شخصياً وصديقي خوشابا سولاقا. ففي تلك الفترة تم مفاتحة الشخصية القومية المعروفة رابي يوسف نمرود كانون لتشكيل تنظيم آشوري قومي بأعتباره صاحب خبرة طويلة في هذا المجال ومسجون سابق بسبب نشاطه القومي فهو بدوره طلب منًا أن نتصل بزميل له (مسجون سابق معه ولنفس السبب) وهو السيد إيشو دنخا الذي كان يعمل في البنك المركزي العراقي بصفة مدير صيانة. وبعد العديد من الإتصالات والإجتماعات توصلنا إلى قرار ترشيح السيد إيشو دنخا لرئاسة النادي كبادرة أولية لحين أن تتاح الظروف لتأسيس تنظيم سياسي آشوري. غير أن الأمن العامة وبوشاية من بعض الأعضاء البعثيين في النادي الذين خسروا إنتخابات الرئاسة تم إلغاء فوز السيد إيشو برئاسة النادي وترقين قيده من سجلات النادي وعلى أساس تهمة باطلة وهي أن له ميول شيوعية، وهي تهمة كانت في تلك الفترة خطيرة... وفي السنوات اللاحقة شخصياً قدمت طلباً إلى الهيئة الإدارية للنادي للإعتراض على قرار ترقين قيد السيد إيشو من سجلات النادي لمخالفته للقانون ولكن لم نفلح بسبب عدم رغبة الهيئات الإدارية في فتح السجلات القديمة التي قد تؤدي مرة أخرى إلى المواجهة مع الجهات الأمنية. هذه الحقيقة أذكرها للأوكد بأنه لم يكن هناك أي تحالف مع الحزب الوطني الآشوري ولا مع أي من أعضاءه بخصوص إتيان السيد إيشو دنخا إلى رئاسة النادي بل كان بالتمام والكمال من فعل مجموعة القوميين المستقليين.

أما الجانب الآخر من التعاون مع الحزب الوطني الآشوري بخصوص النادي الذي لم يذكره السيد تيري فقد تمثل في قبول ترشيح السيد نمرود بيتو يوخنا لرئاسة النادي في دورته الإنتخابية للهيئة الإدارية الثامنة (1977.12.3 – 1978.9.8) بعد أن ملً أعضاء النادي خاصة القوميين منهم من إدارة النادي من قبل العناصر الكلاسيكية والبدء بزج الدماء الشابة الجديدة في إدارته... وعليه فقد  فاز السيد نمرود  بـ (82) صوتاً ضد منافسه وترشيح أبرم داود شبيرا كنائب للرئيس الذي فاز بـ (129) صوت ضد منافسه كما فاز في هذه الإنتخابات بعض من أعضاء الحزب الوطني الآشوري وأنصاره منهم السيد كوركيس ياقو باكوس وعوديشو ميخائيل وشموئيل نوئيل. غير أنه بسبب "الحروب الدونكيشوتية" التي كان يشنها هؤلاء ضد الآخرين وبالأخص المعارضين لهم ولأفكارهم المتطرفة خاصة في طرحهم لأساليب لم يكن غرضها غير تأجيج الصدام مع السلطات الأمنية والرسمية وتحقير غير المنتمين إلى جماعتهم فلم يستمر التوافق معهم مما أضطررت إلى تقديم إستقالتي من منصبي كنائب للرئيس وترك الهيئة الإدارية فما كانت منها إلا أن أستغلت غيابي عن ثلاثة إجتماعات لها فتم صدور قرار بفصلي من الهيئة الإدارية... وهكذا أستمرت الهيئة الإدارية بزعامة قيادة الحزب الوطني الآشوري في خوض حروبها الدونيكشوتية ضد الجميع حتى مجيء يوم الإنتخابات في 1978.12.02 والتي رشح فيها السيد نمرود نفسه مرة أخرى لرئاسة النادي ومع بعض من جماعته لعضوية الهيئة الأدارية، وفي اثناء المداولات خلقت بعض الجهات مشكلة بين أعضاء الهيئة الإدارية والحاكم المختص والمشرف على الإنتخابات بسبب عدم جلب بعض الأعضاء هوية النادي معهم وبالتالي عدم إمكانية ثبوت عضويتهم فما كان من الحاكم المشرف إلا أن يقرر تأجيل الإنتخابات إلى فترة تجاوزت تسعة أشهر تقريباً. فبقيت نفس الهيئة الإدارية مسؤولة رسمياً، أما من الناحية الفعلية فلم يعد هناك أي نشاط يذكر أو فعالية قامت الهيئة الإدارية به فأصبح بحكم المغلق خاصة بعد أن أستقال منها عناصر نشطة وفعالة منهم الفنانه رمزية نيقاديموس رئيسة اللجنة الفنية والأديب اللغوي شليمون إيشو رئيس لجنة التحرير والنشر (حاليا كاهن يخدم في بلدة سرسنك) كما رفض أعضاء الإحتياط احلال محل المستقليين من الهيئة الإدارية فأصبح النادي في حالة يرثى له، وهو ما كان يحلم به العميل وليم شاؤول، ينتظر من ينتشله من الركود ويعيده إلى مسيرته المعروفة.

في كتابي المعنون (النادي الثقافي الآشوري – 1970 – 1980 – مسيرة تحديات وإنجازات) ص 48 وما بعدها ذكرت ما يلي:
الأمواج العاتية تصنع القبطان الماهر, هكذا أفرزت الظروف العصيبة التي عصفت بالنادي طيلة الشهور الماضية، أعضاء بمستوى المسؤولية والوعي على ضرورة حماية النادي وإنتشاله من الوضع الذي حشر فيه، فأدرك هؤلاء الأعضاء بأن الظروف السلبية والقاهرة التي مر بها النادي ستكون مبرراً للعناصر الأمنية والحزبية (البعثية) لفرض مؤيديهم على النادي والهيمنة على الهيئة الإدارية سيما بعد تهرب الكثير من الأعضاء (خاصة الأبطال الدونكشوتيين) من خوض غمار تحمل مسؤولية الهيئة الإدارية في هذه الظروف المأساوية. فمن هذا المنطلق تقدم تسعة أعضاء النادي المخلصين فتحملوا شرف مسؤولية الهيئة الإدارية وفي أحرج ظروف يمر بها النادي. ففي 1979.09.08 وبحضور الحاكم المشرف على الإنتخابات تم إنتخاب الأديب واللغوي عوديشوا آدم ميخائيل رئيساً للنادي والمهندس فيليب شمعون نائباً للرئيس والسيد أنطوان سابر أميناً للسر والسيد بنيامين شندو أميناً للصندوق والسادة التالية أسماؤهم أعضاء للهيئة الإدارية : المهندس إسماعيل بطرس والسيد عمانوئيل قمبر (حاليا بروفسور في الفيزياء النووية في أحدى أكبر الجامعات الأمريكية) والمهندس توما روئيل يوخنا والكاتب والفنان المعروف كوريل شمعون والكاتب أبرم شبيرا فتولوا هؤلاء مسؤولية الهيئة الإدارية التاسعة (1979.09.08 – 1980.09.15). فمن المعروف عن هؤلاء بأن معظمهم من قدماء أعضاء النادي وأكثر نشاطاً ومعروفين للكثير من أبناء أمتنا بنزاهتم وإخلاصهم في عملهم تجاه النادي وإن كان من بينهم فرد أو فردين منتمين رسمياً إلى حزب البعث بحكم وظيفتهم الحكومية إلا أنهم كانوا نزيهين في أفكارهم ولهم توجهات قومية صادقة إلى درجة كانت السلطات الأمنية غير راضية عنهم في تولي مثل هذه المسؤولية لأنهم لم يكونوا مثل غيرهم الذين يكتبون التقارير للسلطات الأمنية عن النادي ونشاطاته وأعضاءه القوميين.

يذكر السيد تيري في مقاله السالف الذكر "بأن أسماء هؤلاء المذكورين كانت قد قدمت من قبل جهاز الأمن العام إلى الهيئة الإدارية (التي كانت في تلك الفترة برئاسة السيد نمرود بيتو) ففرضت كهيئة إدارية للنادي متكونة من بعثيين وبعض القوميين ممن اعتقد أنه ينقذ ما يمكن إنقاذه ولكنها لم تتمكن من الإستمرار أكثر من سنة لأن الأمور بدأت تتضح حتى لهم بأن لا مخرج وأن الأمر محسوم حكومياً بإتجاه معين" أن مثل هذا الإدعاء لا أساس  له من الصحة إطلاقاً بل هو من تخيلات السيد تيري الحزبية تجاه القوميين المستقلين في تلك الفترة... إذ لا أدري متى قدم الأمن العامة أسماء هؤلاء  لفرضها على النادي وأنا كنت عضواً في الهيئة الإدارية التي كان السيد نمرود رئيساً لها والهيئة الإدارية كانت قائمة ولا يستوجبها الإتيان بهيئة أخرى. أو قد تكون قد قدمت الأسماء بعد تأجيل الإنتخابات لمدة تسعة أشهر كما ذكرت سابقاً وفي تلك الفترة لم يكن هناك أية هيئة إدارية إذ كانت بحكم المنتهية والمنحلة فعلياً بسبب هروب "الأبطال الدونكيشوتين" ولم يعد لهم حضور إلا في مناسبات قليلة لخلق المشاكل والبلابل بين أعضاء النادي. صحيح هو أن الإنتخابات التي جرت لليهئة الإدارية التاسعة المذكورة أعلاه، وأنا عضو فيها، كانت قد فازت بالتزكية وذلك بسبب تهرب الكثير من أعضاء النادي من تحمل المسؤولية والنادي في حالته المزرية والمشاكل تحيط به من كل صوب وحدب. وأريد أن أزيد السيد تيري علماً بخصوص هذه الهيئة الإدارية بأنها كان قد تم إستدعاء ممثلين عنها فحضرت أنا والدكتور عمانوئيل قمبر إلى مديرية الأمن العامة للمساءلة والتوبيخ بسبب عدم وجود بعثيين في الهيئة الإدارية الجديدة فعندما ذكرنا للمسؤول الأمني بأن هناك السيد (س) بعثي في الهيئة الإدارية  فما كان من المسؤول الأمني إلا أن يستهزئ بنُا ويقول غاضباً: لأنريده فهو لا يفيدنا!! لأنه لم يكن من المذلين الذين يكتبون التقارير للأمن. وهنا أود أن أزيد السيد تيري علماً بأن هذه الهيئة الإدارية التي يعتقد بأنها كانت مفروضة من قبل مديرية الأمن العامة قد قامت بنشاطات ثقافية وفنية وتراثية قومية تزيد عن 19 (تسعة عشر) نشاطاً معظمها تؤكد نفس الخط القومي الذي سار النادي عليه طيلة سنوات طويلة كما قامت بنشاطات فنية تزيد عن 7 (سبعة) نشاطات بما فيها مسرحيات ومهرجانات فنية وغنائية والقائمة طويلة ومذكورة في كتابي السالف الذكر ولم يكن هناك أية إشارة دالة على التحابي والتملق للنظام أو للجهات الأمنية... فمن أين جاء السيد تيري نظريته في كون هذه الهيئة الإدارية مفروضة من قبل الأمن العام؟؟؟ غير من أفكاره التحزبية الضيفة وتوجهاته التكفيرية للأخرين من غير حزبه حزب الوطني الآشوري (السابق).
 
وفي مكان آخر يذكر السيد تيري في مقالته السالف الذكر بأنني كنت ممن حضروا مجلسه مع أصحابه ويشير ويقول: وكان السيد شبيرا ممن أختيروا لإدارة النادي من قبل الأمن العامة وليعزز تأكيده لأسمي فيذكره بصفة (الكاتب أبرم شبيرا)، فإن دل هذا على شيء فهو يدل على جهالة السيد تيري بأمور النادي في تلك الفترة، وأنا لا ألومه على جهالته هذه لأنه كان له وضعاً هامشياً في النادي. ففي تلك الفترة وبعد إنتهاء دورة الهيئة الإدارية التاسعة والتي كنت أنا عضواً فيها وبرئاسة السيد عوديشو آدم جيء بالسيد أفرام منصور ليكون رئيساً للنادي مع مجموعة أخرى من أعضاء النادي ليشكلوا هيئة إدارية جديدة. فتم إنتخابهم حسب الأصول القانونية والرسمية وفازوا بالتزكية لعدم وجود منافسين لهم وذلك بسبب تهرب الكثير من تحمل المسؤولية الصعبة في تلك الفترة كما ذكرت سابقاً. والسيد أفرام منصور رغم كونه منتمياً لحزب البعث إلا أنه كان من أوائل أعضاء النادي ومن الأشخاص المعروفيين بصدقه وأن الشخص الذي أقنعه لتولى رئاسة النادي كان يعمل معه في نفس الدائرة الحكومية وكان من أعضاء الحزب الوطني الآشوري أو من مؤيديه المتحمسين له. وبالنظر لكون الكثير من أعضاء الهيئة الإدارية الجديدة أمام تحديات صعبة وبعضهم حديثي العهد على مثل هذه المهمات الصعبة فقد تم في حينه نوع من التنسيق بين الهيئة الإدارية السابقة التي كنت عضواً فيها وبين الهيئة الإدارية الجديدة لغرض نقل المسؤوليات إليها وإرشادها نحو الطريق الصحيح لنشاطات النادي. وهنا أود أن أذكر بأن مدير شعبة مكافحة الرجعية في مديرية الأمن العامة، وهي الشعبة المسؤولة عن شؤون المسيحيين والآثوريين والمعروف بإسم نقيب خالد (بالمناسبة قتل شر تقتيل في إنتفاضة عام 1991) كان قد حضر أحدى الجلسات المشتركة بين الهيئتين لغرض التخويف والتهديد وفرض أراءه على النادي فذكر وقال بأن هناك فجوة كبيرة جداً بين النادي والسلطات الحكومية وضرب مثالاً على ذلك عندما قال بأنه مساء ليلة رأس السنة حضر إلى حفلة النادي لعام 1979 – 1980  غير أن السيد أبرم شبيرا (كتاب هذا الموضوع) منعه من الدخول وأحرجه أمام الحاضرين ثم أعقب ذلك مشادة كلامية حادة بيني وبينه فكان صراخنا يصل إلى خارج مكتب الهيئة الإدارية للنادي فما كان من رئيس النادي إلا أن يهدئ الوضع وينهي الإجتماع بعدما هددني النقيب خالد بالعقاب الوخيم حال خروجه من النادي. وكان أكثر من عشرة أشخاص حاضرين لهذا الحدث وكنت أتمنى من السيد تيري أن يكون حاضراً هناك ليعرف بأنه مخطاً جداً من تلويث أسمي في كوني عضو مفروض على الهيئة الإدارية للنادي من قبل الأمن العامة.

لا أريد أن أطيل أكثر في هذا الموضوع لتبرئة إسمي من التلويث فهذا لا يحتاج أكثر من هذه السطور ولكن أود أن أبين ملاحظتين قبل ختام هذا الموضوع:

يذكر السيد تيري بأن النادي "كان يترنح وكأنه يسير إلى الموت البطئ فكان الإقتراح المثير وإنني شخصياً كنت من أقترحت مثله، بحل النادي في صورة علنية وأمام الجميع وتحميل الحكومة أسباب ما آل إليه الوضع، بعد أن إغلقت كل مجالات العمل أمام النادي... " والكلام للسيد تيري.. مع العلم بأن حل النادي كان يستوجب حصول موافقة ثلثي أعضاء الهيئة العامة للنادي حسب النظام الداخلي، وهذا أمر لم يكن من السهولة الحصول عليه...  لا أريد أن اعيد ما ذكرته عن سبب الوضع المأساوي الذي أوصل النادي إلى هذه الحالة التي يذكرها السيد تيري ولكن أود أن أشير إلى موضوع حل النادي أي إغلاقه وموته الذي كان السيد تيري قد أقترحه وهو الحلم الذي كان يراود منذ السنوات الأولى العميل وليم شاؤول ومجموعته. وهنا يجب أن أذكر بأنه كان من السهل جداً على السلطات الأمنية وتحت أي مبرر إغلاق النادي ولكن النظام البعثي في العراق كان يخشى كثيراً من إغلاق النادي أو مجلته "المثقف الآشوري" بل كان يريد بقاءه وإستغلال سمعته للدعاية لحزب البعث بين الآشوريين في بلدان المهجر في كونه نظام ديمقراطي منح الآشوريين حقوقهم القومية. ولتأكيد ذلك، ففي أحدى إستدعاءاتي التوبيخية مع المذكور أعلاه هاشم شبيب الذي كان لتوه راجعاً من أوروبا والولايات المتحدة من ضمن وفد "الناطقين بالسريانية" لزيارة الجاليات الآشورية والكلدانية والسريانية هناك قال بأنه يخشى ويقلق كثيراً من إغلاق النادي الثقافي الآشوري ومجلته "المثف الآشوري" أكثر من سجن الشيوعيين وإغلاق جريدتهم "طريق الشعب" لأن هناك الآلوف من الآشوريين في المهجر سيثيرون زوبعة من الدعايات والمسيرات عند إغلاق النادي الثقافي الآشوري أو مجلته وذكر بهذا الخصوص أسم الإتحاد الآشوري العالمي الذي له إتصالات دولية يمكن له "تشويه" سمعة العراق في الخارج.

الملاحظة الأخرى المثيرة للتساؤل هي أن عنوان مقالته هو (عندما فصلت من النادي الثقافي الآثوري في بغداد)... ولكن في نفس الوقت يؤكد بأنه لا يعرف سبب فصله من النادي وأن قرار فصله لم يستد إلى إي فقرة من فقرات النظام الداخلي.... أعتقد بهذا يجانب السيد تيري الحقيقة والواقع أو يتجاهل ذكر أسباب فصله التي كانت واضحة و "قانونية" وإستناداً إلى النظام الداخلي للنادي لأنه في تلك الفترة لم يكن له ولرفاقه شغلاً شاغلاً غير الإساءة إلى الهيئة الإدارية وخلق البلبلة وبث إشاعات في كون الهيئة الإدارية مفروضة من قبل الجهات الأمنية وغيرها من الإشاعات المغرضة ضد النادي وهيئته الإدارية خاصة بعد فشل جهودهم في إغلاق النادي.  فطبعاً في مثل هذه الحالة لم يكن أمام الهيئة الإدارية إلا فصل السيد تيري ورفاقه... فهذه هي أسباب فصله فإن لم يكن يعرفها فليعرفها الآن كما كان يعرفها المئات من أعضاء النادي في تلك الفترة. 

وأخيراً لو كانت هذه "النعمة" التي ينعمها عليً السيد تيري صحيحة لكان اليوم يشير إليً بصفة (الدكتور أبرم شبيرا) حيث كنت في تلك الفترة وللتو قد تخرجت من جامعة بغداد وحصلت على شهادة ماجستير بدرجة إمتياز في العلوم السياسية من جامعة بغداد وكنت الأول على كلية القانون والسياسة، غير أنه بسبب عدم إنتمائي إلى حزب البعث وبسبب مواقفي القومية المستقلة و سمعتي "السيئة" في الأمن العامة رفض قبولي لتكملة دراستي والحصول على شهادة الدكتوراه عدة مرات رغم أنه كانت طلباتي للدراسة في الخارج على حسابي الخاص فكانت حجة "عدم حصول موافقة الجهات العليا المختصة"  العثرة الدائمة في تحقيق حلمي الأكاديمي رغم نجاحي وبتفوق في الأمتحانات التمهيدية والمقابلات الخاصة بالبعثات والدراسة في الخارج. كما حرمت من تعييني كمدرس في الجامعة حسبما كانت تقتضي قوانين وضوابط جامعة بغداد في تعيين الخريجين الأوائل كمدرسين في الكليات التي تخرجوا منها. فلم يكن في تلك الفترة "أسهل" من وضع بصمة الإبهام على إستمارة الإنتماء لحزب البعث أو التودد ومسح كتوف بعض كبار الحزبيين ورجال الأمن للحصول على مثل هذه الموافقة، ولكن مثل هذا الأمر كان بالنسبة لي مستحيلاً لا بل بعيداً حتى عن خيالي. فمنذ تلك الفترة لم أعمل في دائرة حكومية حتى أكون تحت "منية" النظام البعثي وأزلامه فأصبح عملي في شركة بريطانية ضخمة مصدر رزقي ومعيشة عائلتي. فعندما هاجرت الوطن خسرت مادياً ومعنوياً الكثير وتركت كل شيء هناك وأنا غير نادم على ذلك إطلاقاً لأنني جلبت معي ثروة طائلة تمثلت في  ضميري النظيف الذي يجعلني أن أكون فخوراً به وسعيداً جداً في الحياة. فأحمد الله وأشكره مليون مرة على نعمته العظيمة هذه وحتى لا أكون أنانياً فأنني أطلب من الله أن يكون قد أنعم مثل هذه النعمة على السيد تيري وغيره من رفاقه.

     

81
دردشة مع "كلداني" حول موضوع
(لا مناصب وزارية لإعضاء الأحزاب والمنظمات الكلدانية السريانية الآشورية)

==========================================

صديقي "الكلداني" عزيز جداً على فكري وقلبي لا لأننا نتفق على الكثير من القضايا خاصة القومية والسياسية منها ولا لأنه يقربني من ناحية جدتي بل لأنه الجليس المحبب لي دوما والذي يسع صدره لكل المناقشات والإنتقادات، وبالمقابل تعلمت منه الكثير حتى تمكنت من منافسته في إنفتاح صدري وعقلي له وقبول وبرحابة الصدر لكل ما يقوله ويؤمن به وينتقد كل ما أكتبه أو أفكر به. فلا يجامل ولا يخجل ولا يضع "الصداقة ألإجتماعية" بنظر الإعتبار عند دخولنا في مناقشات خاصة الحادة والجادة منها والمتعلقة بالقضايا السياسية والقومية، بل يعتمد كلياً على "الصداقة الفكرية" التي تكون هي الطاغية والرابطة بيننا في طرح كل ما يجول في قلبنا وفكرنا. وبالمقابل يستوجب مني أن أسلك نفس السلوك الفكري والحضاري حتى أحتفظ بصداقته لي وأجد عيوب في ما أكتبه وأفكر به ومن ثم أطوره... حقاً أنه صديق بكل معنى الكلمة، لأنه صادق في مواقفه وأفكاره وبما يؤمن به وما يقوله. فإعتزازي بصديقي "الكلداني" بالأساس مستمد من إعتزازه بكلدانيته، فهو ولد كلدانياً وكذلك أبوه وجده وجد جده ... وسلسلة النسب أطول من هذا...  فكلهم كلدان عرفوا بهذا الأسم وعاشوا معه طيلة قرون طويلة وغيرهم عرفوهم بهذا الأسم وأنه من الإستحالة تركه وتغييره بقرار أو برأي أوبسياسة معينة فللحضارة عمر مديد لا تتغير بجرة قلم أو بقرار سياسي. هذا الأعتزاز والتمسك بكلدانية صديقي وضعته في معضلة، فهو من جانب لا يستطيع أن يتنازل أو ينكر كلدانيته لأنها أصله وتاريخه وحضارته، وهذا جانب من الحقيقة المطلقة التي يؤمن بها صديقي "الكلداني"  ولكن الجانب الآخر من هذه الحقيقة المطلقة هي أن كل مقومات وجود كلدانيته موجودة في جاره الآشوري الساكن على يمينه وفي جاره السرياني الساكن على شماله، فهو يرى فيهما صورته ووجوده الماضي والحاضر، فما يملكه من لغة وتقاليد وعادات وتاريخ وحضارة يملكها أيضا صاحبه الآشوري والسرياني وهؤلاء أيضاً كل واحد منهما يعتز بأشوريته وسريانيته كما يعتز صاحبي "الكلداني" بكلدانيته ويجدون فيه صورتهم ووجودهم الماضي والحاضر. فكلا الجانبين يشكلون بالنسبة لهم وجها العملة، والعملة التي يكون أحدى وجوهها ممحياً أو غير موجود فلا تكون لها أية قيمة ولا تصرف في أي مكان من العالم، فقيمتها موجودة في وجود الوجهين معاً حتى تكون مقبولة من قبل الغير ومعترف بها في كل مكان ويقبل الناس على إقتناءها وإستعمالها للحصول على المكاسب والمنافع.

يعجبني كثيراً في صديقي "الكلداني" سمة عمق تفكيره وسعته خاصة عندما يضرب أمثالاً وقصص في تعزيز فكره وإيمانه.. أتذكر من بين هذه الأمثال والقصص ما يتعلق بموضوع حل معضلته فيقول: أنا "الكلداني" وأصحابي الآشوري والسرياني نسكن في دار منذ زمن طويل وكل واحد له غرفة في هذه الدار التي لها حديقة جميلة وساحرة وفيها أشكال وألوان من الزهور والنباتات النادرة والثمينة والتي ورثناها عن أجدادنا، وللدار مدخل واحد فقط نستعمله جمعياً وسور يحيط بها يحمينا من المؤثرات الخارجية التي بعضها تسعى إلى إحتلال دارنا وطردنا منها والسكن فيها أو تدميرها كلياً وتحويلها إلى خراب. إذن أليس من المنطق والعقل السليم أن نتكاتف أنا الكلداني والسرياني والآشوري بعضنا بالبعض ونربط أيدينا ببعضها ونشكل سلسلة قوية لكي نحمي دارنا. فمن الجنون أن ينزل الكلداني وحده في الساحة لمحاربة المعتدي ويضل السرياني والآشوري نائماً في غرفته، لأنه من المؤكد أن الكلداني لا يستطيع مقاومة المعتدي وحده وإن خسر المعركة فالدور لا محال منه سيأتي على السرياني والآشوري ويقضي المعتدي عليهم واحداً بواحد. والحال أيضاً ينطبق على السرياني والآشوري أيضا فلا يجوز أن يترك أي واحد منهم وحده في الساحة لمقاومة المعتدي لأن مصير السرياني مرتبط بالكلداني وهكذا بالنسبة لمصير الآشوري فالكل يربطهم مصير مشترك لا محال من تفريقه وفصله وإلا الهلاك يكون مصيرهم جميعاً دون إستثناء. إذن لا سبيل لمواجهة التحدي الخارجي إلا أن نكون مجتمعين متوحدين نحن الكلداني والسرياني والآشوري فهذا التوحد هو الذي يجعل المعتدي أن يفكر أكثر من مرتين قبل أن يعتدي على حقوقنا ويحاول أجهاضها ولكن عندما يواجه أو يحاول مواجهة الكلداني أو السرياني أو الآشوري وحده وكل على حده المعتدي الخارجي فإن هذا الأمر سيظهر كعامل ضعف يدركه المعتدي ويشجعه أكثر لتحطيم السور وغزو الدار وتحويل الغرف الثلاثة إلى دمار وخراب وحينذاك لا ينجو منها لا الكلداني ولا السرياني ولا الآشوري... فإما أن نعيش معززين مكرمين أو نموت موت الشرفاء.

ويعجبني أكثر في صديقي "الكلداني" عندما يواصل إستخدام الدار التي على بوابتها الرئيسية لافتة تشير إلى ساكنها الوحيد (الكلداني السرياني الآشوري) كمثال في فهم واقع وحقيقة أمتنا عندما يشرح لي حديقة الدار والأزهار والورود والنباتات الثمينة الموجودة فيها فيقول من حقنا نحن أصحاب الدار أن نستمتع بالنظر إلى حديقتنا الجملية وبأزهارها المبهجة ونباتاتها الثمينة ولا يمكن لي إطلاقاً أن أمنع الآشوري أو السرياني من هذه المتعة ولا من قطع إنفاسه ومنعه من شم رائحة أزهار وورود الحقيقة طالما يسكن معي في نفس الدار، فالمنفعة التي تعطيعها لنا الحديقة تسري في أورقة دارنا وتدخل غرفنا وينتعش بها أفراد عائتنا وأطفالنا ونشرح لهم فائدتها وضرورة المحافظة عليها. من هذه المنفعة الجماعية تظهر المسؤولية الجماعية للكل في المحافظة على الحديقة وحراثتها وسقيها وحراستها من الآفات والأمراض المعدية التي قد تظهر من بيننا وننقلها إليها أو تأتي إلينا من خارج الدار... لهذا الحد أوقفت صديقي "الكلداني" من الإفاضة في أمثاله وقصصه وتحولت إلى شأني الخاصة في طرح هذا الموضوع.

أخيراً أود التوضيح وأقول بأنني أعطيت لصديق صفة "الكلداني" ووضعت هذه الصفة بين هلالين لكي يفهمها القارئ اللبيب بأن لها معنى غير المعنى الذي يستخدمها البعض في تمزيق هذه الأمة العريقة التي ننتمي أنا وهو إليها ونعتز بهذا الإنتماء، هذا البعض الذي يحاول محاولة اليائسين قطع السلسلة الحضارية العريقة التي تربط أكد وسومر وبابل وآشور وأربائيلو ونصيبين وأورهي بألقوش وعنكاوه وتلكيف وتلسقف و بتغديدا وبرطلة و مانكيش و بيتبيده و ديره وكومانه و.... سلسلة طويلة أنجبتها حضارة أباؤنا وأجدادنا العظام، يحاولون قطعها بـ (واو) حقيرة حتى يفرقوا بيني وبين صديقي "الكداني" ويدمروا وحدة أساس وجودنا الذي نبني أفكارنا وطموحاتنا عليه. لهذا من الآن فصاعدا سأذكر الصفة الكلدانية لصديقي بدون هلالين. والحال ينطبق أيضا على الآشوري الذي يحاول بجرة قلم أو خطاب أو مقالة إمحاء الوجود الكلداني من الواقع، ولنا لهذا الجانب من المشكلة لقاء في مناسبة أخرى... فأرجو المعذرة من القارئ الكريم من الإفاضة في أعجابي ومحبتي بصديقي الكلداني ولكن أقول للحق والحقيقة أنه يستحق أكثر مما ذكرته بكثير.

جاءني صديقي الكلداني وكعادته ليدخل معي في دردشة حول المواضيع التي أكتبها وهذه المرة كان الموضوع الذي كتبته بعنوان (لا مناصب وزارية لأعضاء الأحزاب والمظمات الكلدانية السريانية الآشورية) الذي نشر في الموقع الألكتروني لعنكاوه دوت كوم محور دردشتنا... فجاء إليً وهو مبالغاً في ضحكته وقهقهته التي كان يتسرب منها نوع من السخرية والفكاهة فقال لي: يا صديقي العزيز كم من المرات ذكرت لك المثل القائل " لمن تتلو مزاميرك يا داود"... فما الفائدة من تضيع وقتك في الكتابة وأنا أعرف بأن وقتك ضيق ومكرس ساعات طويلة منه لإقتناء خبزك وخبر عائلتك اليومي... أنظر ما الذي حدث بعد كتابتك للموضوع... فقد أستخدم المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (المجلس) حقه في الإستحقاق السياسي فرشح نائب رئيس المجلس لتولي منصب وزير في وزارة إقليم كردستان وتم فعلاً تعينه بمنصب وزير للمواصلات والحال كان قد سبقه فيما يخص منصب الوزير في وزارة الحكومة المركزية في بغداد حيث كان قد عين في هذا المنصب عضو المكتب السياسي للحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) مستخدما أيضا حقه في الإستحقاق السياسي... فالأمر هو أكثر مما طرحته أنت في عدم تعيين أعضاء في الأحزاب والمنظمات الكلدانية السريانية الآشورية بل أنحصر هذا التعيين في أعضاء في قمة القيادة وأقتصر عليهم ولم يشمل أعضاء أقل منهم على المستوى التنظيمي؟؟؟.

أحرجني قول صاحبي وجعلني أن أفكر ملياً قبل الإيجابة فقلت له: قبل كل شيء يجب أن نؤكد تأكيداً قاطعاً باننا عندما نتحدث عن مثل هذه الحالات فالمقصود ليس الشخص نفسه بل المنصب والمركز، فالشخص زائل ويتغير والمنصب باقي. والحال أيضا نفسه عندما نتكلم عن حزب أو تنظيم فليس القصد أسم الحزب بذاته أو التنظيم، فنحن نأخذه كمنظمة سياسية مجتمعية قائمة في المجتمع وناشطه بين أبناء المجتمع ولا يهم هذا الأسم أو ذاك. فنحن لا نشك إطلاقاً في إمكانية أبناء أمتنا سواء الذين تولوا مسؤوليات وزارية أو غيرهم في تولي مثل هذه المناصب وأيضا لنا ثقة بأحزابنا وتنظيماتنا السياسية والقومية في أن تكون بمستوى المسؤولية عندما تكون في المحك وعلى الساحة السياسية في الوطن... ولكن المشكلة هي يا صديقي في فهم هؤلاء موضوع الإستحقاق السياسي لهذا الحزب وذاك التنظيم وكيفية إستخدامه من جهة وطبيعة عملها وأهدافها من جهة أخرى. فقبل كل شيء أن مصدر هذا الإستحقاق هو أبناء أمتنا نفسهم والناجم عن طريق التصويت للمثلي أحزابنا وتنظيماتنا ومن ثم الفوز بعضوية برلمانية وأن هذا الإستحقاق أعطي من قبلهم إلى زوعا والمجلس وعليه يجب أن يكون هذان التنظيمان أوفياء لأبناء أمتنا بالرد الإيجابي لهذا الإستحقاق الممنوح لهم ورد المعروف لهم وعدم حصره في قمة قيادتهما، أي فتح الطريق لأي واحد متمكن ومخلص من أبناء أمتنا للوصول إلى منصب الوزارة أو المناصب الأدنى منه. هنا نأتي إلى موضوع كيفية فهم الإستحقاق السياسي، فهؤلاء يفهمون الإستحقاق السياسي بأن لهم الحق المطلق في إختيار المرشح لمثل هذا المنصب من بين قيادتها فحسب في حين نحن نقول بأننا لا نحرم هذه التنظيمات إطلاقاً من حقها في إستخدام إستحقاقها السياسي ولكن هذا الإستحقاق يجب أن ينحصر في حقها ترشيح أحد أبناء أمتنا المتمكنين والمخلصين لمثل هذه المناصب وليس من بين قيادتها فقط.. فهم يحصرون الإستحقاق السياسي في أضيق حدوده (أعضاء القيادة) في حين أنا أحاول أن أوسعه في أوسع حدوده (أبناء الأمة).

ركن صديقي إلى السكون والتفكير العميق فأعقبه بسؤال ليقول: طالما بالنتيجة يرجع الحق في إستخدام الإستحقاق السياسي لهذه الأحزاب والتنظيمات سواء بترشيح أحد أعضاء قادتها أو أحد أبناء أمتنا من خارج تنظيماتهم فإن القرار يبقى في يدها في كلا الحالتين فما الضرر في ذلك؟ فقلت لصديقي: الضرر الكبير يأتي بالدرجة الأولى على هذه الأحزاب والتنظيمات ومن ثم على أبناء أمتنا. فالخشية الكبيرة والمتوقعة هي أن ممارسة السياسة بهذا الشكل وتحقيق بعض المنافع من وراءها قد يؤدي بمرور الزمن إلى تحول هذه الأحزاب والتنظيمات إلى مكاتب بيروقراطية يتحكم فيها نفر قليل أن لم يكن شخص واحد يلتف حول المنتفعين منه. كان أرسطو في قديم الزمان قد قال بأن السلطة قد تفسد نفوس الحكام وفي عراق اليوم لنا تجارب كبيرة وفاضحة في إفساد السلطة لنفوس المتحكمين على مقدرات الوطن وحصدهم منافع بالمليارات الدولارات والتلاعب بمصير بسطاء الناس، إذن فما المانع من "ممثلي" أمتنا في الهيئات الحكومية من تقليدهم وتحقيق بعض من هذه المنافع كغيرهم من زملاءهم في السلطة؟؟؟ هذا التحول من أحزاب وتنظيمات جماهيرية إلى مكاتب بيروقراطية يجعل البعض أغنياء من حيث الجاه والسلطة والمال ولكن من جانب آخر يصبحون فقراء جداً من حيث الشعبية والجماهيرية، أي بهذا المعنى يفقدون مصداقيتهم عند أبناء الأمة وبالتالي يكون الخاسر الآخر هم أبناء الأمة نفسهم وذلك بخسران ممثليهم الذين أعطوهم ثقتهم وصوتهم ووصلوهم إلى مثل هذه المراكز لا بل أيضا يفقدون أحترامهم لدى غيرهم وأعطاء إنطباع بأن هذه الأمة لا تستطيع أن تنجب غير المنتفعين والمستغلين لمراكزهم الرسمية.

يظهر بأن هذا الموضوع أربك صديقي بعض الشيء لأنه يعرف جيداً كما أعرف أنا بأن مثل هذه المواضيع الإنتقادية لا يرضي أعضاء هذه الأحزاب والتنظيمات خاصة قيادتها وقد تسبب بعض الزعل ونحن غير مستعدين لزعلهم وفقدان صداقتهم لا سيما ونحن في صداقة طويلة وعميقة معهم، فأضاف وبنوع من التردد لكي يكمل موضوعي هذا فقال: أريد أن أضيف نقطة أخرى إلى النقاط التي ذكرتها بخصوص المنافع الشخصية الناجمة من الوصول إلى المراكز الرسمية العليا فقال: لنا وزير بمنصب وزير البيئة في الحكومة المركزية في بغداد وآخر بمنصب وزير المواصلات في حكومة إقليم كردستان فما هي الفائدة التي يجنيها أبناء أمتنا من هذه المناصب وتحديدا من هذه الوزارات... فأهل هناك بيئة خاصة أو مواصلات خاصة بأبناء أمتنا لكي يستطيعوا من خلالها خدمتهم ... أفهل يستطيع وزير البيئة الأعتناء ببيئة ونظامة وتلوث الجو في عنكاوه أو في ألقوش أو في ديره وكومانه؟؟؟ أفهل يستطيع وزير المواصلات تحسين المواصلات بين القرى والقصبات الكلدانية السريانية الآشورية وينتفع منها أبناء شعبنا؟؟؟ إنني أستغرب جداً من الأهتمام الكبير الذي يعطيه هؤلاء للمناصب الوزارية والبرلمانية التي لا ناقة فيها ولا جمل لأبناء أمتنا منها في حين يهملون أو يقللون الأهتمام بمناصب أخرى أكثر أهمية لأبناء أمتنا منها المجالس البلدية في قرى وقصبات أبناء شعبنا التي من خلالها يلتصقون بأبناء الأمة ويعملون معهم ولهم وبشكل مباشر؟؟؟ أمر غريب لا يقف وراء غرابته إلا الإكثار من المنافع الشخصية والمراكز السياسية للتباهي والتفاخر. فقلت لصديقي مصححاً رأيه: أن مثل هذه المناصب هي لخدمة جميع أبناء الشعب العراقي وليس حصرا لخدمة أبناء الأمة الكلدانية السريانية الآشورية... فرد وبنوع من العصبية فقال: إذن لماذا نتعب حالنا ونذهب إلى صناديق الإقتراع ونعطي لهم الإستحقاق السياسي لكي يصلوا إلى هذه المراكز؟؟؟  ولماذا يدعون بأنهم يمثلون الأمة الكلدانية السريانية الآشورية وهم لا يعملون من أجلها؟؟؟ ... أغلقت هذا الموضوع الحساس وخففت من عصبية صديقي فلجأت إلى السكوت والصمت فما كان منه إلى أن يثير موضوع آخر أكثر أثارة على ساحتنا القومية فقال: رغم إنني لا أتفق إطلاقاً مع بعض من أخوتي الكلدان في القول بأن الكلدان مهمشين سواء من الحكومة المركزية أو الإقليمية أو من الآشوريين الذين أزاحوهم من الساحة السياسية وأنفردوا بها ومن خلال أحزابهم الآشورية فهنا أقول لا دخان من دون نار فلابد من وجود ظواهر وممارسة تعطي لهؤلاء مثل هذا الفهم... فقلت لصديقي: أنا أيضا لا أتفق مع هؤلاء في مثل هذا الطرح ولكن من الضروري جداً أن نفهم وقائع وليس أقاويل فقط... فأولى هذه الوقائع هو أن الآشوريين كانوا منذ قرن وأكثر هم رواد الحركة القومية وقادوا هذه الحركة لسنوات عجاف وصعبة ومميتة وقدموا الشهداء من أجلها وبالتالي فإن التسمية الآشورية كانت قد طغت على هذه الحركة من دون أن يكون للتسمية الكلدانية أو السريانية دوراً في هذه الحركة. كما هناك واقع حالي مبين فإن الحركة الديموقراطية الآشورية هي الرائدة في تبني الأسم المركب لأمتنا (الكلدانية السريانية الآشورية) كمخرج سياسي واقعي للحال السائد في أمتنا كما أن للمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري يكفي من تسميته أن يهتم بالتسمية الكلدانية ويضعها في مقدمة التسمية المركبة إضافة إلى ذلك هناك عدد كبير من أبناؤنا الكلدان في البرلمان أو كان فيه أو في الوزارات السابقة والمناصب الإدارية الأخرى فإذن أين التهميش للكلدان وأين هيمنة الأحزاب الآشورية خاصة وأن الكثير من الأحزاب والتنظيمات الكلدانية وبالأخص المنظوية تحت مظلة تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الاشورية تتبنى التسمية المركبة وتعمل للجميع دون إستثناء أحد... فما كان من صديقي إلا أن يقاطعني وبحدة ويقول: كفى يا صديقي "الآشوري" أرى بأنك وإن ألتصقدت بالحقيقة والواقع ولكن أرى أيضا بأنك أقتربت أكثر من المجاملة وتلطيف الأجواء لإقناع الكلدان بقولك... وأضافة قائلاً أنا أبن هذا اليوم والساعة وما أريد الإشارة إليه بخصوص هذا الموضوع رغم حساسيته وجوانبه المثيرة للهواجس والأفكار هو الموضوع الراكن على جمر من النار خاصة في هذه الأيام التي تزداد فيها حدة الخلافات بين مكونات أمتنا والذي يفرض التساؤل التالي: أليس المعينان بمنصب وزير البيئة في الحكومة المركزية وبمنصب وزير المواصلات في حكومة إقليم كردستان محسوبين على "الآشوريين" وتحديداً وبحصر المعنى من أتباع كنيسة المشرق الآشورية، ألم يراعي القائمون على ترشيح هاذين الشخصين لهذين المنصبين مشاعر الكلدان وهم يملكون طاقات هائلة وبنية إجتماعية وإقتصادية وديموغرافية قوية وكبيرة لكي على الأقل يهدؤون من النيران التي تكل جوانب من حقولنا الخضراء. فهؤلاء سياسيون بارعون كان يستوجب أن يفهموا هذا الواقع ويخففوا من نزاعته المهلكة أم الأمر له جوانب أخرى مختلفة؟؟؟. هذا الواقع الحالي لمثل هذين المثالين يزيد من مشاعر الكلدان في كونهم مهمشين ومبتلين بالمطامح السياسية للآشوريين.. أفهل لديك جواب يا كاتب "آشوري". حقاً أقول لقد وضعني صديقي في موقف محرج وربط اللسان من الكلام فما كان من إلا أن أتحجج وأقول: أنا مجرد إنسان عادي لا أسعى إلا خيراً لهذه الأمة وما عليك يا صاحبي إلا أن تسأل المسؤولين عن هذه المسائل أو أن تكتب إليهم فلعل يشفوك بجواب يفيدك في فهم الحقيقة التي نحن ربما لا ندركها... وأنا مستمر في حديثي أشكر الرب لإنقاذي من هذا الموقف المحرج عندما سمعنا طرقات قوية على الباب وإذ بصديقنا "السرياني" يدخل علينا غاضباً ثائراً قائلاً: ألم نكن على موعد للذهاب وتناول كأس أو كأسين من الخمر معاً في النادي فلما التأخير هذا؟ ثم عدت وشكرت ربي مرة أخرى لأن حديثنا القومي والسياسي سبق تناول كأس الخمر مخالفين بهذا عادتنا السيئة في إثارة المواضيع المهمة والحساسة بعد إحتساء كأس أو كاسين من الخمر، فالكثير منَا لا يعيد أمجام الإمبراطورية الآشورية ولا بناء بابل إلا عندما يكون الكأس جليساً عزيزاً علينا. فما كان مني ومن صديق العزيز الكلداني إلا أن نتكاتف مع صديقنا الحبيب "السرياني" ونسرع إلى الكأس الذي سيروي عطشنا ويريح حسرتنا وحزننا على المصائب التي أبتلت بها أمتنا وفي نفس القوت متواعداً مع صديقي "السرياني" على دردشة أخرى في مناسبة لاحقة لعل قد تساعدني على رفع الهلالين من صفته السريانية... والله يكون في عوننا جميعاً.   

   



82
Shlama To Zowaa
في ذكرى  الـ (33) لتأسيس الحركة الديمقراطية الآشورية
==================================

نظرة في القيادة الجماعية لزوعا
                                                                                                                                      أبرم شبيرا
توطئة:
من حق أعضاء زوعا والمؤيدين لها أن يكتبوا ويحاضروا عن إنجازاتها الكبيرة التي حققتها طيلة العقود الثلاثة والثلاثون الماضية وقد يتجاوزون في بعض الأحيان هذا الحدود ليصل إلى المديح والمجاملة المفرطة وهو الأمر الذي يضر زوعا أكثر مما يفيدها. ولكن نادراً ما نرى أي واحد منهم يكتب بموضوعية عن واقع زوعا ويقم تجربتها الطويلة في النضال الوطني والقومي مبيناً ليس إيجابياتها فحسب بل أيضا  سلبياتها وعثراتها وتقيمها وهو الأمر المهم والمفيد لزوعا في إستمرار مسيرتها النضالية خاصة في الظروف الصعبة جداً في يومنا هذا. وعندما نكتب عن زوعا ونحن غير مرتبطين بها تنظيماً ننظر إليها من الخارج ونستطيع معرفة سلبياتها ومن ثم بيانها وتقيمها أكثر ممن هم في الداخل. فالإلتزام الحزبي والتنظيمي لا يعيق مهمتنا هذه لأننا غير ملتزمين به كما يلتزم به أعضاء زوعا. فنحن الذين، أن صح التعبير ونطلق علينا تسمية "المراقب"، نستطيع أن نكتشف أشياء سواء أكان سلبية أم إيجابية، والتي من المفروض أن تتفهما قيادة زوعا لأنها ستساعد في تعزيز مسيرتها النضالية. فهذا الإرتباط الفكري والضميري يجعلنا أن نكون جزءاً من زوعا وندافع عنها طالما هي مستمرة في نضالها القومي ومتواصلة في التعبير عن طموحات الأمة.  واليوم أكتب عن الحركة الديمقراطية الآشورية، وطبعاً لا أستغرب عن ردود الفعل السلبية التي قد يخلقه هذا الموضوع سواء عند قيادة زوعا أو أعضاءها فهي مسألة طبيعية لا تعيقني أبداً في السير نحو ما أومن به تجاه أمتي وأبناؤها المناضلين. أكتفي بهذا القدر في التوضيح في هذه المقدمة لكي أقتصد من وقتي وقلمي وأخصصه لحركتنا المناضلة، الحركة الديمقراطية الآشورية والحديث عن بعض المفاهيم في القيادة الجماعية التي أتصفت بها زوعا والتي يجب أن تستمر بنفس الصفة وبتأكيد أكثر قوة وصلابة، وهي تحتفل بعيدها الثلاثة والثلاثون.

كيف نفهم تطور زوعا:
أن الإلمام بالحياة السياسية وبأبجدية الحركات القومية الأصيلة والنابعة من ضمير الأمة يستلزم أن نعرف بأن مؤسسات وأحزاب الأمة هي كيانات حية غير جامدة، فهي الأخرى كالكائنات العضوية الحية تمتلك مقومات النشوء والتطور والتقدم، وتحمل أيضاً في طبيعتها التطورية جملة تناقضات تشكل الأساس الذي يبنى عليه تقدمها وتأخرها، حياتها وموتها، فهي تحمل مقومات الحياة من حركة ونشاط مثلما تحمل مقومات الموت من جمود وتخلف. من هذا المنطلق يجب أن نعرف بأن تطور حياة الإنسان ليس على الدوام حركة مستمرة إلى  الأمام فحسب بل أن المفهوم الفلسفي لتطور الحياة والإنسان وحتى الحركات السياسية هو المحصلة النهائية الناتجة من جملة تفاعلات قائمة بين التقدم والإخفاق والتي تفرز في نهاية المطاف مقومات التطور والاستمرار لهذه الحركات. وهي الظاهرة التي يمكن تفسيرها  بمفهوم " خطوة إلى الوراء وخطوتان إلى الأمام ".

والحركة الديمقراطية الآشورية، كحركة قومية أصيلة لم تلد بقرار سياسي محض أو كانت نتاج بحوث أكاديمية أو قرارات رجال السياسة والقانون والمعرفة، وإنما ولدت ولادة طبيعية ومن  مخاض ومعاناة الأمة ومن رحمها الشرعي لذلك فهي تمتلك كل مقومات الكائنات الحية التي تنعكس مفاهيمها الفلسفية في الظواهر والكائنات الاجتماعية والسياسية. فإذا كان هذا الإقرار الواضح والصريح بحيوية الحركة الديمقراطية الآشورية وبامتلاكها للمقومات الأساسية في كونها حركة عضوية وحية في تفاعلها مع معاناة وطموحات شعبنا، فهي أذن حركة طبيعية لها مقومات التطور(الإيجابية والسلبية) الواجب توفرها فيها مثل كل الكائنات الحية والعضوية كالتقدم والتعثر وبالتالي التطور لا بل وحتى الموت والفناء. أي بعبارة أخرى إن المفهوم الفلسفي للتطور القائم على "خطوة إلى الوراء وخطوتان إلى الأمام" ينطبق على الحركة الديمقراطية الآشورية عندما نريد الكشف عن المسار السياسي لها ومعرفة مدى تطورها في تحقيق أهدافها ومنهاجها وبالأخص موضوع الذي يهمنا هنا وهو القيادة الجماعية لها.
 
من هذا المنطلق يعد من السذاجة الفكرية والضعف  السياسي عندما ينظر إلى مسيرتها السياسية من خلال تعثر وتراجع في خطوة معينة  وتقييم تطورها من خلالها ومن دون النظر إلى الخطوات الإيجابية الناجزة. والعكس صحيح أيضا، فلا يجوز النظر إلى مسيرتها من خلال خطواتها الإيجابية فحســب وتجاهل خطوة التعثر والتراجع، بل أن استمرارها وديمومة تواصل نضالها يقوم بالأساس على دفع الخطوات الإيجابية دفعاً أمامياً مع النظر العميق والتفحص الدقيق والنقد النافذ للخطوات السلبية والمعوقات التي واجهتها في مسيرتها هذه واستخلاص الدروس والعبر منها واعتمادها في تصحيح مسار المستقبل. وهذا المنطلق هو الأساس أو المصدر الذي يجب أن ينبع منه الفكر السياسي الواقعي النير للحركة وتتسلح به في مواجهة التحديات التي تواجه الأمة وتتحصن به أيضا من المفاجئات والاحتمالات غير المتوقعة.

وعلى هذا الأساس، لا يمكن إطلاقا فصل السلبيات عن الإيجابيات في مسيرة كل حركة قومية سياسية. فحتى نفهم معايير تطور مسيرة هذه الحركة لابد من اعتماد المحصلة النهائية لهذا التطور الناتج من تفاعل مجمل عوامل التقدم والتعثر في مسيرتها المتواصلة. أي بعبارة أخرى يجب النظر إلى تطور مسيرتها من خلال الكل وليس الجزء أو من خلال العام وليس الخاص. والعكس من هذا صحيح أيضاً، أي النظر إلى الخاص دون العام هي نظرة أو فكرة  انتقائية وانتهازية مريضة تسعى في مرماها الأخير إلى نقل مرضها وانتهازيتها إلى أبناء هذه الأمة وبالتالي إلى طعنهم في الصميم وتحجيمهم في الخاص الضيق والمظلم دون العام المنفتح وبأسلوب سادي يقوم على خنق كل محاولة أو نشاط، وهو في مهده الأول، الذي حتماً ستواجهه خطوات سلبية تزداد بزيادة التناقضات المحيطة بها من جهة وبتواصل استمرار مسيرتها من جهة أخرى. ومن هو الخاص الضيق والمظلم بالنسبة للحركات السياسية القومية غير النزعات الفردية والأنانية والنفعية والتوجهات الطائفية والعشائرية والشللية السائدة في الزوايا العفنة من مجتمعنا والتي من الممكن، بل الممكن جداً، أن تتسرب مثل هذه النزعات إلى التنظيم السياسي وإلى قيادتها وبالتالي إلى الإنفراد بالقرار السياسي وإنحراف توجه التنظيم وإبتعاده عن مطامح الأمة وأبناءها. 
وانطلاقاً من هذا المفهوم ، فانه يجب أن نعرف بأن مسيرة زوعا القومية الطويلة والصعبة لا تقوم على خطوات في جميعها خطوات ناجحة وعظيمة، فهذه المثالية الخيالية والبعيدة المنال لا وجود لها في عالم السياسة، بل علينا أن نعتمد على الممارسة السياسية والتطبيق السياسي للأفكار (Political Praxis) على ارض الواقع والمأطرة بوعي قومي ناضج نابع من ضمير الأمة. فمن خلال هذه الممارسة السياسية والتطبيق العملي يجب أ، نفهم مفهوم القيادة الجماعية.

كيف نخلق القيادة الجماعية:
لعل من أكثر الحالات إساءة أو غموضاً للفهم في مجتمعنا هي ظاهرة احتكار القيادة العليا من قبل شخص في معظم تنظيماتنا القومية والسياسية تقريباً، أو في أحس الأحوال عدد قليل جداً من الأفراد، وبقاءهم فيها، أو كما يسمونها، إعادة انتخابهم أو اختيارهم لفترات طويلة ومن دون إتاحة الفرص للغير سواء بتشجيعهم للترشح أو القيام بحملة لترشيحهم. وشخصياً أكره هذه الظاهرة كثيراً وانتقدها بشدة لأنها هي بالضد تماماً من المفاهيم الديمقراطية التي ننادي بها ليل نهار. فهذه الظاهرة تصلح  كمثال في الحديث عن مسار تطور الحركة السياسية الآشورية. وقد انتقدنا هذه الظاهرة وانتقدها غيرنا لا بل تهجموا عليها ووصفوا المتربعين على قيادة زوعا بالدكتاتورية وحب السيطرة والظهور، وإلى غير ذلك من الوصفات والشتائم، لا بل شخصياً وصفت هذه الحالة وكأنها تقليداً لسياسة العرب في الحكم بعقلية شرق أوسطية، أو كما وصفها القذافي في تعريفه للديموقراطية بأنه "ديمو كراسي". وهي ظاهرة لا شك فيها إطلاقاً بأنها تحمل جوانب سلبية خطيرة تؤثر كثيراً على مسار التنظيمات السياسية  وتفقد مصداقيتها وشعبيها بين الجمهور.

ولكن هذه الظاهرة السلبية التي تعتبر نوع من التراجع في المسيرة القومية السياسية والاستمرار بها هي خطوة إلى الوراء، يجب أن لا ينظر إليها كحالة خاصة فقط ، كما سبق ذكره،  من دون أخذها ضمن الظروف العامة، خاصة الإمكانيات السياسية لمجتمعنا وضمن الخطوات الإيجابية الأخرى التي تتفاعل معها وتحاول التقليل من سلبياتها من أجل دفع المسيرة نحو الأمام. فمن الخطأ الكبيرة جداً أن نلعن ونشتم كل ما له علاقة بزوعا ونقاطعهم نهائياً ونلغي بكلمات غير محترمة كل الإنجازات الكبيرة التي حققتها لأمتنا بمجرد أن هذا الشخص أو ذاك بقى في القيادة لسنوات عديدة أو أنه صرح بكلمة أو أتخذ موقفاً معيناً لا يرضى البعض. أقول هذا ليس دفاعاً عن زوعا وقيادتها وإنما تحليلاً علمياً لهذه الظاهرة ليس من خلال مقارنة تنظيمات مجتمعنا السياسية بغيرها من الأحزاب السياسية في البلدان المتقدمة وحتى مع الأحزاب الأخرى في الوطن من حيث الإمكانيات الفكرية والسياسية والمالية والتنظيمية. فنحن، كما يعرف الجميع، حديثوا العهد في التنظيم السياسي  كما لا نملك أخصائيين أو مستشارين أو كوادر متفرغة بالتمام والكمال لشؤون التنظيم، فالمطلع لحال هذه التنظيمات سوف يرى بأن كل نشاطها وفكرها وتمويلها وتنظيمها يقع على عاتق هؤلاء الذين في قمة القيادة. لنسأل هذه القيادة ونبحث معهم، كم مستشار أو خبير سياسي أو قانوني أو مالي يحيط بقيادة التنظيم ويعملون معهم من أجل خدمة التنظيم. أعتقد الجواب معروف ولا يستوجبه إلا أن نقول بأن كل ما يتلقونه من استشارة أو مساعدة لا تأتي إلا من الذين هم حولهم وحال هؤلاء لا يختلف عنهم، حيث يسرقون من وقت عملهم وعائلتهم وراحتهم ليكرسوها لتنظيمهم، أو قد تأتي بعض الشذرات من أشخاص قد تتوفر لديهم في بعض الأحيان سويعات قليلة لنقاش موضوع معهم. هذه في أحسن الأحوال إذا لم ينفرد شخص واحد إنفراداً كاملاً بقرار القيادة. إذن لماذا نلوم هؤلاء وخيرة المثقفين والمتعلمين على المستويات العليا لا يقتربون من هذه التنظيمات ولا يساعدونهم في مهمتهم القومية ولكن في عين الوقت يتهجمون عليهم وينعتونهم بأشنع النعوت. فالمسؤولون على تنظيمات مجتمعنا، مهما ادعوا وتظاهروا بسعة المعرفة وإدراك الأمور ومعرفة خفاياها، إلا أنهم لا يمكن أن يكون دائماً هكذا وفي كل المجالات والأوقات ولا يمكن أن يكون خبراء وعلماء في عالم السياسة والاقتصاد والدبلوماسية والتفاوض وغيرها من حقول المعرفة التي تتطلبها الممارسة السياسة، فبدون المساعدة من غير أعضاء تنظيمهم قبل أعضاء تنظيمهم لا يمكن أن يكون الحال أحس مما هو عليه الآن.

لنأخذ الحركة الديمقراطية الآشورية كمثال، ليس لأنها تحتفل في هذه الأيام بذكراها الرسمي لتأسيسها فحسب وإنما باعتبارها قد تأسست في الوطن وتنشط هناك وفي ظروف سياسية صعبة للغاية، ذلك لأن الجميع يعرف بأن الاشتغال بالسياسة ليس بالأمر الهين والسهل في بلدان كبلد وطننا الأم فهو كاللعب بالنار الحارق محفوف بالمخاطر والتضحيات والتحديات التي قد تؤدي في بعض الأحيان إلى زهق الأرواح أو إقلال للراحة أو التورط في مشاكل خطيرة هي بعيدة تقريباً عن الذين يشتغلون في السياسة في المهجر الديمقراطي الذي تعتبر السياسة بالنسبة للبعض، خاصة لأبناء أمتنا، نوع من قضاء الوقت أو التسويق الدعائي الشخصي وربما نوع من "الونسة" أو أسلوب للعبة التنافس مع غيرهم وتحديهم في هذا المجال. لقد سبق وذكرنا بأن الحركة تأسست طبيعياً من مخاض الأمة ومعاناتها ولم تؤسس بقرار من خبراء في السياسة وعلم الاجتماع أو الاقتصاد ولا من رجالات الحكم والبرلمانات وإنما تأسست من مجموعة شباب وطلبة وهم في مقتبل حياتهم السياسية لا يعرفون من فنون السياسة وألاعيبها غير حبهم الشديد والمتفاني لأمتهم، فكيف والحال معهم عندما يلتحقون بركب الكفاح المسلح ويتحالفون مع أحزاب وحركات لهم باع طويل وخبرات متمرسة في السياسة والنضال. أليس من المنطق والمعقول أن تعرف مع من تتعامل وأن تكون ملمة بأفكارهم وسياساتهم وأهدافهم؟ ، وإلا كيف تتعاون أو تتنافس معهم من أجل تحقيق أهداف الأمة القومية. هنا الضرورة تفرض نفسها لنؤكد للقارئ الكريم بأن السياسة هي تعاون وتنافس مع الطرف الآخر  وبأشكال مختلفة وليس من الضروري أن يكون أراء وأهداف وأساليب العمل السياسي للطرفين متطابقة أو متشابه، بل المهم هو أن يكون كل طرف أدوات التعامل مع الغير ومدرك ومطلع ومتفهم للطرف الآخر حتى يستطيع التعامل معه تعاونياً أو تنافسياً. وكلما زادت حدة الاختلافات والتناقضات بين الطرفين وبالتالي زادت حدة التنافس على حساب التعاون ووصلت إلى حالة الصراع كلما يتطلب ذلك خبرات وإمكانيات أكثر وسعة أكبر في المدارك والوعي، وكلنا نعرف مدى التناقض التاريخي والصراع الدامي الذي كان يحكم علاقة أمتنا بهذه الشعوب ومدى صعوبة التعامل معهم في هذا اليوم، خاصة عندما يحضر التاريخ أمام أعيننا.

من هذا المنطلق نقول بأن حدة التناقضات العميقة التي تحيط بأبناء أمتنا في وطن الأم، وخاصة في مسألة التعامل السياسي، يتطلب ذلك تسلح في المعرفة والخبرة وتوفير الإمكانيات المطلوبة لخوض العملية السياسية(تعاون/تنافس). إذن من أين تأتي زوعا بهذه المستلزمات ونحن نعرف جميعاً بأنه ليس لها معاهد وأكاديميات تخرج خبراء وكوادر في السياسة، هذا إلى جانب الفقر السياسي والقومي الذي يسود تقريباً الكثير من جوانب مجتمعنا ، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع الغير والمختلف، فأبناء أمتنا، بحكم تجربتهم المريرة والدامية  في التعامل مع الغريب، فأنهم بطبيعتهم يخافون منه ولا يريدون التعامل معه وتحديداً الغريب الذي يرتبط بالماضي الأليم وبمذابح ارتكبت بحقهم في الماضي المترسب في ذاكرة الأمة. هذه الشحة أو الفقر في مصادر توفير كوادر سياسية وملمين بشؤونها وبشؤون غيرها هي التي تجعل أن يكون هناك شخص واحد أو قلة قليلة متواجدة وعلى الدوام في قمة الهرم التنظيمي لأحزابنا السياسية ومنها زوعا. ولكن إلى متى نبقى على هذه الحالة، هل ننتظر إلى ذلك اليوم الذي نؤسس فيه مدارس حزبية وأكاديميات قومية تخرج عناصر قيادية أكفاء يخدمون تنظيمات حركتنا القومية؟؟. طبعاً الجواب هو بالنفي. لأنه إذا انتظرنا فغيرنا، المنافس والمعادي، لا ينتظر في هضم حقوقنا وسلبها ونحن في سبات الانتظار. فإذا كانت ظاهرة تربع شخص معين أو نفر قليل من الشخصيات على قمة القيادة في زوعا حالة سلبية بمفوهم القيادة الجماعية في الوقت الحاضرة ومبررة بالفقر السياسي والفكري لمجتمعنا بشكل عام وعدم قدرتهم على خلق كوادر وقيادات كافية للتناوب على القيادة فإن الزمن القادم لا يمكن أن يقبل مثل هذا التبرير وعلى زوعا وقيادتها أن تفكر ملياً بهذا الأمر وعن طريق زج أعضاءها الخييرين في الممارسة السياسية الفعلية حتى تستطيع أن تخلق  كوادر قيادية متمرسة قادرة على تحدي الصعاب التي تتعظام يوم بيوم وتمتلك الإمكانيات الكبيرة لكي تستطيع أن تنتزع حقوقنا من بين أسنان الضباع وتدافع عنها عندما تتعرض الأمة إلى التحديات المميتة. وهنا يجب التأكيد  بأن لا نستعجل كثيراً في قضايا الأمة التي يتطلب تحقيق أهدافها سنوات طويلة جداً، ولكن هذا التبرير لا يجعل من قيادة زوعا أن تتجاهل موضوع المستقبل والركون إلى الهدوء والسكينة وعدم الإكتراث والإكتفاء فقط بما هو موجود، وكلنا نعرف بأن الموجود سيصبح عاجلا أم آجلاً غير موجود في أية لحظة من الزمن وهو الموضوع الذي سيؤثر تأثيراً كبيراً على زوعا ومصيرها في الوجود.

 في هذا اليوم، ومن عالم الإيجابيات والسلبيات التي تتحكم بمسيرة زوعا أبعث لها ولقيادتها وكافة أعضاءها ومناصريها لا بل ولكل أبناء أمتنا المؤمنين بالقضية القومية، أصدق التهاني بهذه المناسبة وأن أباركهم بكل وجداني على صواب الطريق الذي يسيرون عليه رغم الصعاب والتحديات التي يواجهونها، فأنا واثق بأن بنشاطهم المثمر سوف يجعل إرادة الأمة بخير وبصون، لأن إيماني قوي جداً  بأن الأمة التي لا يوجد فيها أحزاب سياسية ومنظمات قومية قوية ونشطة ستكون إرادتها مرهونة بإرادة الأمم الأخرى وهنا أريد أضيف أضافة أخرى وأقول بأن الحزب السياسي الذي لا تكون له قيادة جماعية سيكون مصيره مرتبط بمصير الشخص المتربع على الحزب السياسي وكلنا نعرف بأن للأمة وتنظيماتها القومية الصميمية عمر مديد وأن عمر الإنسان قصير في مقارنته معها ونحن كأبناء هذه الأمة لا نريد أن يكون عمر زوعاً قصيراً، بل عمراً مديداً يضاف إلى عمر هذه الأمة المتواصل من الأزمان القديمة إلى الحاضر ومن ثم إلى المستقبل.     



83
النادي الثقافي الآشوري في بغداد بين الأمس واليوم
(مسيرة تحديات وإنجازات)

==================================

                                                                                                                                       أبرم شبيرا
مقدمة:
من المؤكد بأن عنوان هذا الموضوع سيثير جداً إهتمام الذين كانوا أعضاء في هذا النادي لأنه حتماً سيشرع بفتح شريط ذكرياتهم الحلوة والمرة والجميلة والمثيرة التي عاشوها في تلك الفترة، ومن المحتمل أيضا سيثير إهتمام الذين سمعوا عن النادي وعن دوره القومي الفعال في المجتمع الآشوري خلال العقد الممتد من 1970 إلى 1980، خاصة والكل يعرف بأن مصير هذا النادي كان قد تقرر بالسياسات الإستبدادية لحزب البعث العراقي ولم تقم له قيامة فيما بعد وأصبح بحكم المنتهي في السنوات الأولى للعقد التاسع من القرن الماضي. إذا كان من المنطق أن نتحدث عن النادي بزمن الماضي ونسجل عنه ذكرياتنا فما الذي يجعلنا أن نتحث عنه في هذا اليوم وهو كيان زائل لا وجود واقعي له؟ وهذا ما سنتناوله، أي النادي في الأمس وفي اليوم. ولكن قبل هذا وذاك، أود أن أنبه القراء الأفاضل بأن التركيز في هذا الموضوع على التسمية الآشورية، سواء كقومية أو لغة ليس له أية مقاصد إنفرادية بهذه التسمية بل لأنها كانت التسمية القومية السائدة في تلك الفترة ولم يكن مقبولا لا رسمياً ولا شعبيا تضمين التسميات الأخرى: الكلدانية والسريانية خاصة في تلك المرحلة التي كانت لها دلالات دينية وكنسية فلم يكن مقبولا، لا بلا كان مرفوضاً أن يتم تضمينها او "توريطها" في السياسة والمسائل القومية كما كان الحال مع التسمية الآشورية "المتورطة" في السياسة والمسائل القومية حتى العنق وما ترتب على ذلك من ردود فعل سلبية وإستبدادية من قبل الأنظمة التي تعاقبت على السلطة وخاصة نظام حزب البعث العراقي في تلك الفترة تجاه الآشوريين وتطلعاتهم القومية. ولكن مع كل هذا فالنادي لم يكن مغلقاً ومتقوقعاً على نفسه وعلى تسميته الآشورية بل كان مفتوحاً على كل توجهات وتقسيمات مجتمعنا وبالأخص من الكلدان حيث كان في عضوية النادي عدد كبير من أبناء شعبنا الكلداني ومنهم كبار الشعراء والأدباء والإعلاميين والفنانين أمثال د. سعدي المالح(حالياً المدير العام لمديرية الثقافة والفنون السريانية في الإقليم) والصحافي المعروف المرحوم الدكتور جميل روفائيل والأديب موفق ساوا والفنان زهير عبد المسيح والشهيد المرحوم هوريا آدم وغيرهم كثر بحيث لا تساعدني ذاكرتي على ذكر أسماء جميعهم، كما كان النادي مركزاً لنشاط غيرهم من غير الأعضاء الذين لم تكن تنطبق عليه شروط العضوية، حيث كان يشترط شهادة الدراسة الثانوية على الأقل لإكتساب العضوية،  إضافة إلى كبار شعراء العراق من العرب والكرد وحتى التركمان في تلك الفترة ومن مختلف الإتجاهات السياسية. هذا هو السبب الذي أحتل النادي في تلك الفترة مركزاً ثقافيا مرموقاً على مستوى العراق قاطبة.    

النادي الثقافي الآشوري – الأمس الماضي
==========================
لي فخر لا منتاهي في كوني من أعضاء هذا النادي الأوائل وكنت أحمل رقم عضوية (68) من 1242 عضواً في النادي، ولا أحسب غيري من أعضاء هذا النادي لهم شعور يختلف عن شعوري هذا، وهو الشعور الذي أحس به والمسه بشكل واضح وصريح عندما ألتقي بالكثير منهم سواء الصامدين منهم في أرض الوطن أم المهاجرين إلى أقاصي العالم. فالحديث بيننا عن ذكريات النادي وإشتياقنا إلى تلك الأيام يجعلنا أن نحول الأحداث المحرجة والمقلقة إلى ذكريات جميلة وحلوة لا يضاهيها حلاوة أية مناسبة أخرى إيجابية ومفرحة. فالنادي كان فعلاً وحقيقة مدرسة للحياة بحلاوتها ومرها.
 

 وإفاءاً لهذه المدرسة التي علمتنا كثير الكثير كنت قد عزمت أن أكتب كتابنا عنه، خاصة بعد أن لاحظت في السنوات الأولى من ثمانينيات القرن الماضي وهو يحتضر وينتظر الموت بعد أن تم طعنه بالفكر الإستبدادي لحزب البعث العراقي ليبقى ذلك دليلا مادياً على خلود هذا النادي في عقول أعضاءه.  وفعلا أوفيت ولو بالقليل عن هذا الإلتزام فصدر لي وأنا في المهجر كتاب بعنوان (النادي الثقافي الآشوري – مسيرة تحديات وإنجازات – 1970 – 1980 – طبع في مطبعة ألفا غراف – شيكاغو – الولايات المتحدة الأمريكية – تاريخ بلا .... أعتقد كان في منتصف تسعينيات القرن الماضي). ويأتي الكتاب رغم نواقصه الكثيرة كمختصر للتاريخ السياسي المعاصر التوثيقي للأشورين في العراق أعتمدت في كتابته على الوثائق الخاصة بالنادي من كتب وقرارات ومطبوعات وذكريات ولقاءات مع بعض الأعضاء الذين لعبوا دوراً كبيرا في نشاطات النادي وإدارته. من المؤسف القول بأن مجتمعنا يفتقر إفتقاراً كبيراً إلى الدراسات الوثائقية التي تدون ذاكرة الأمة وحياتها الفعلية من جوانب مختلفة ساسية وجتماعية وثقافية وفنية وحتى ديموغرافية... فلم أقراْ في هذا السياق إلا كتاب أو كتابين عن بلداتنا الجميلة كألقوش وتكليف وغيرهما. وبسبب طبع كتابي المنوه أعلاه عن النادي في الولايات المتحدة ومحدودية توزيعه فلم ينشر بشكل واسع ولم يقرأ من قبل الكثير من أبناء أمتنا لذلك سأسرد بعض النقاط عن هذا الكتاب وأمل أن يفي بالغرض المراد في بيان أهمية النادي في المجتمع الآشوري في تلك الفترة والدور الذي لعبه وعلى مختلف الأصعدة.

الكتاب يقع في 155 صفحة مع 16 صفحة للصور عن نشاطات النادي ومن القطع المتوسط، وبتواضع وخشوع لدماء شهداء أمتنا تصدر الكتاب أهداء إلى:
شهداء الأمة الذين روًوا الحركة القومية الآشورية بدماءهم الزكية ... إلى أعضاء النادي الشهداء:
يوسف توما
يوبرت بنيامين
يوخنا إيشوا
الذين أناروا مسيرة النضال القومي الآشوري بأرواحم الطاهرة... اهدي هذا الجهد المتواضع

وتعمياً للفائدة وتقديراً لوقت القراء الأفاضل سوف أحاول بقدر الإمكان ذكر محتويات الكتاب بشكل مختصر. تكوًن الكتاب من مقدمة ثم الفصل الأول تحت عنوان (التطور السياسي في العراق وتأسيس النادي الثقافي الآشوري) شاملاً على المباحث التالية: أولاً (المحاولة الأولى لتأسيس النادي عام 1962) حيث قام بعض من القوميين الآشوريين والمثقفين بتقديم طلب إلى السلطات الرسمية للحصول على موافقتها لتأسيس النادي في عام 1962 غير أن طلبهم رفض بحجة وجود نوايا مخفية من وراء تأسيس النادي ثم لم تمضي بضعة سنوات وتحديداً بعد الإنقلاب البعثي الفاشي في الثامن من شباط عام 1963 وما تلاه من إرهاصات سياسية أعتقل بعض من هؤلاء القوميين الآشوريين ودخلوا سجون النظام وعانوا ما عانوا من تعذيب جسدي ونفسي، وللأمانة التاريخية نذكر رابي يوسف نمرود كانون أول سكرتير عام للنادي الجديد وإيشو دنخا يقيرا الذي كان رئيسا للنادي الجديد (1975 – 1976) ومن ثم بعد فترة وجيزه رقن قيده من سجل النادي وعزل من منصب رئاسة النادي من قبل الجهات الأمنية بسبب خلفتيه القومية ومواقفه الصلدة تجاه حقوق أمتنا القومية. ثم تلا ذلك المبحث الثاني (المرحلة التأسيسية) والذي يبين المراسلات والمجادلات التي تمت بين طالبي تأسيس النادي ودائرة الجمعيات في محافظة بغداد والتي أنتهت أخيراً بصدور قرار وزير الداخلية بتأسيس النادي والذي دخل حيز التنفيذ في 1970.08.27. ثم يأتي المبحث الثالث (الهيئة المؤسسة – الهيئة الإدارية المؤقتة) والتي كانت جلهم من أساتذة الجامعات وحاملي الشهادات العليا وكان الأستاذ سركون إيشو سابر (مدرس في كلية الهندسة بجامعة بغداد) رئيساً للهيئة الإدارية المؤقتة ثم أنتخب رئيساً لأول هيئة إدارية للنادي.

أما الفصل الثاني (ألأسلوب الديمقراطي لإنتخاب الهيئات الإدارية) فخلال الفترة من 1970 – 1980 تناوب عشر هيئات إدارية على إدارة النادي. وموضوع إنتخاب الهيئات الإدارية كان من أكثر المواضيع أثارة للإهتمام حيث كانت الديمقراطية تمارس بأوجه شكلها التنافسي الشريف ولم يكن هناك إنتخابات بالتزكية إلا ما ندر وبإتفاق ورضا الجميع وهذا ما كان يثير هيجان السلطات الأمنية للنظام البعثي في العراق حينذاك حيث كان يعجز في كل مرة من فرض أزلامه على الهيئة الإدارية فيفشلون عند ترشيح أنفسهم فشلاً ذريعاً. فكان الأسلوب الديموقراطي في الإنتخابات مثار إعجاب ودهشة الكثير من غير أعضاء النادي وحتى من خارج المجتمع الآشوري في العراق. فعلى سبيل المثال جميع الحكام (القضاة) الذين كانوا يحضرون إنتخابات الهيئة الإدارية للأشراف عليها وتسجيلها رسمياً يصابون بالذهول والإندهاش لا بل وحتى الإنزعاج من كثر المناقشات والتنافس بين المرشحين وإستغراقها فترة طويلة حيث كانوا يؤكدون بأنهم لم يشاهدوا إنتخابات مثل ما كان يجري في النادي، فجميع إنتخابات الأندية والجمعيات الأخرى التي حضروها كانت لا تستغرق أكثر من نصف ساعة أو أقل حيث تكون قوائم المرشحين معدة سلفا ولا يستوجبها إلا التصديق عليها في حين كانت إنتخابات النادي تستغرق من 4 – 5 ساعات. وأتذكر بهذه المناسبة إنتخابات أحدى الهيئات الإدارية حيث كان إندفاع وحماس أعضاء الهيئة العامة للنادي في قمته ومناقشاتهم حامية حول ترشيح وإنتخاب رئيس النادي، حيث كان ثلاثة أعضاء مرشحين للرئاسة، وعدد كبير لأعضاء الهيئة الإدارية فأستغرب الحاكم المشرف على الإنتخابات وأتذكر سأل الحاضرين مندهشاً قائلاً "ألستم جميعاً أثوريين..؟ ألستم أصدقاء وأقارب ..؟ فلماذا هذا النقاش الحاد والتنافس... أتفقوا قبل مجيئي إلى هنا على قائمة واحدة وأنا أصادق عليها كما هو الحال مع بقية الإندية والجمعيات الأخرى... فلماذا أنتم مختلفون عنهم؟؟؟" والأغرب من هذا والذي كان له جانب محدد من الطرافة عندما قال الحاكم "جئت وتركت ضيوفي في البيت وقلت لهم بأنني ذاهب إلى تسجيل إنتخابات في نادي وسأرجع بعد نصف ساعة... والآن الساعة تشير إلى أكثر من الثانية عشر بعد منتصف الليل (كانت الإنتخابات عادة تجري يوم الجمعة مساءاً تقريباً الساعة السابعة أو الثامنة) وضيوفي تركوا منزلي وأنا الآن محرج أمامهم". والحال لم يكن يختلف إطلاقاً في الإنتخابات التي كانت تجري في فرع النادي في مدينة السليمانية وشخصياً حضرت أحدى هذه الإنتخابات فأكد لي الحاكم المشرف عليها على عمق الممارسات الديمقراطية في فرع النادي التي لا تماثلها غيرها من الأندية والجمعيات الأخرى في محافظة السليمانية.

لقد حاولت السلطات الرسمية، الأمنية والحزبية، وبكل الوسائق والطرق التأثير لتغيير أسلوب الإنتخابات في النادي غير أنها لم تفلح لأنه كان يستوجب تغيير النظام الداخلي للنادي وبموافقة ثلثي أعضاء الهيئة العامة وهذا لم يكن ممكناً إطلاقاً بسب أمتلاك معظم أعضاء النادي للوعي القومي والسياسي السليم وقوة الحجة والشجاعة في المناقشة والدفاع عن رأيهم. هذه النوعية الراقية في أسلوب إنتخابات النادي والمناقشات الحامية التي كانت تجري بين الأعضاء شكلت نمطاً وأسلوباً للحياة بشكل عام لا بل وظلت في ذاكرتهم إينما كانوا يستذكرونها ويتشوقون إليها معتبرينها الروح التي كانت تسير النادي وتربطهم من خلالها بعضهم بالبعض، فلا يمر حديث بين من كانوا أعضاء في النادي إلا وتذكروا وتشوقوا إلى تلك الأيام... أيام أصبحت منيرة لدرب الكثير منهم لتحقيق طموحات قومية وسياسية أسمى مما كانوا يسعون إلى تحقيقها في إطار النادي الثقافي الآشوري.
  
أما الفصل الثالث فهو يتحدث عن مجلة المثقف الآشوري التي كان يصدرها النادي، فكانت مجلة أدبية ثقافية فصلية. تناولت في المبحث الأول مرحلة ولادة المجلة حيث كان تاريخ 1971.06.23 يوم ولادة هذه المجلة بعد مخاض طويل وشاق مع وزارة الإعلام للحصول على رخصة إصدار المجلة بأسم النادي ثم بينت في المبحث الثاني رئيس تحرير المجلة وهيئة التحرير فكان السيد ولسن ملهم نرسي أول رئيس لهيئة التحرير والسيد عوديشو آدم ميخائيل آخر رئيس تحرير لها حتى عام 1979. أما هيئة التحرير فكانت تشمل كبار الكتاب والمثقفين والأدباء والشعراء شكلوا نبراساً للثقافة الآشورية في تلك الفترة والسنوات اللاحقة وسطع أسم الكثير منهم على الساحة الثقافية والفكرية والسياسية لمجتمعنا. أما المبحث الثالث المعنون: (رحلة المثقف الآشوري الشاقة) حيث كانت رحلة أكثر من شاقة وتعجز الكتابة عن التعبير عن معاناة وشقاء هذه الرحلة والتي لايدرك مغزاها إلا الذين واكبوا مسيرة هذه الرحلة وتفاعلوا مع شقائها. فالذي يدرك مغزى صدرو مجلة عن نادي بسيط وفقير ماديا وسلطوياً ولأقلية قومية تعتز بتراثها ولغتها وفي ظل نظام سياسي سمته الأساسية الإستبداد والقمع هو وحده يشعر بأهمية وعظمة الدور الذي لعبه النادي في المجتمع. فإذا كان شقاء هذه الرحلة نابعاً من بيئة وطبيعة النظام السياسي الإستبدادي فأنه في نفس الوقت كانت هناك جملة عوامل ساهمة بشكل كبير في شقاء هذه الرحلة ونذكر منها الموارد المالية الشحيحة المتوفرة والمخصصة لإصدار المجلة، حيث كان النادي يقيم حفلة رأس السنة الجديدة ويربح منها وقتذاك ألف دينار فيخصصها كلها لإصدار المجلة. والكوادر الصحفية شكلت مشكلة عامة لجميع مطبوعاتنا في تلك الفترة ساهمت في شقاء رحلة المثقف الآشوري إذ جميع الذين ساهموا في تحرير المجلة أو الذين كتبوا فيها هم غير متفرغين لهذه المهمة ولم تكن لهم صفة كادر صحفي بل كانوا أناس عاديين يشقون ليل نهار من أجل نيل لقمة عيش لعوائلهم وكان الوقت المخصص لخدمة المجلة طوعية وقليلة وبالكاد تكفي لدفع مسيرة المجلة نحو الأمام وإستمرارية صدورها.... فألف تحية وتحية لكل الذين ساهموا في هذه المهمة النبيل.

أعلاه غلاف لمجلة المثقف الآشوري عدد 13 و 14 لسنة 1977 وعليه شعار مهرجان الشعر الآشوري السادس (1977) الذي خططه الفنان المبدع آرم أوراها
========================================================================
رقابة المطبوعات: يكفي هذا العنوان ليدرك القارئ الكريم العوائق والمعانات التي كانت تنتظر المجلة وهي تحت مقصلة رقيب المطبوعات في وزارة الإعلام ... فالموضوع طويل وشائك وله قصص وروايات يعجر العقل عن تصديق  قدرة وجدارة كوادر المثقف الآشوري من تجاوز مقصلة رقيب المطبوعات وخروجها إلى الحياة. فالضغوط والتهديدات والإهانات أساليب أستعملتها دائرة رقابة المطبوعات للحد من حدود مجلة المثقف الآشوري في أضيق مجالاتها والحد من قوة تأثيرها على المجتمع الآشوري فالعديد من المرات تم إستدعاء رئيس تحرير المجلة أو أعضاء هيئة التحرير أو بعض كتابها إلى الدوائر الأمنية ودائرة رقابة المطبوعات للتوبيخ وتوجيه الإنذارات وشخصياً تم إستداعي العديد من المرات بسبب كتاباتي السياسية والقومية غير "المقبولة والناشزة" عن خط حزب البعث العراقي. ثم كانت طباعة المجلة وتوزيعها مشكلة عويصة أخرى ساهمت في شقاء رحلة "المثقف الآشوري" خاصة طباعة قسم اللغة الآشورية (السريانية) إذ كان المرحومان الشماس يؤارش القس متي والأب دنخا راعي كنيسة مار عوديشوا في تل محمد في بغداد يبدعيان وبقلم جميل جداً في كتابة المواضع بيدهما ثم تصويرها على الزنكغراف وطبعها في المطابع الأهلية. وفي السنوات الأخير من عمر المجلة كان يتم تنضيد الحروف في مطبعة المطرانية التابعة لكنيسة المشرق التي كانت حينذاك في الدورة في بغداد ثم إرسالها للطبع النهائي في المطابع الأهلية. كل هذه العملية كان يتطلبها الإنتقال بين عدة جهات ومطابع وما صاحب ذلك من مشاكل ومضيعة للوقت والجهد. وهنا يجب أن لا أنسى قصة الصديق الأديب ميخائيل مروكل ممو الذي كان اللولب المحرك لإصدار المجلة كتابةً وتحريراً وإدارةً وطباعةً فخلال سنوات طويلة تولى مهمة كتابة وإخراج المجلة والإشراف على طباعتها وحتى توزيعها فله قصص كثيرة في هذا السياق ولعل أكثرها تشوقاً وإثارة هي قصة تورطه مع أحد رجال الأمن العراقيين. فبعد كتابة القسم الآشوري للمجلة كان يستوجب نقله بالسيارة إلى شارع الرشيد في بغداد حيث معظم المطابع كانت هناك في الأزقة الضيقة لهذا الشارع والذي لم يكن بالإمكان دخول السيارة إليها مما كان يتم نقل محتويات المجلة بالعربانه (وهي عربة خشبية ذات عجلات صغيرة) لإيصالها إلى المطبعة. وذات يوم وبينما كان ميخائيل يدفع العربانة في شارع الرشيد نحو مدخل زقاق المطبعة وإذ بهواء قوي يطيًر جميع أوراق القسم الآشوري وتتناثر في شارع الرشيد وبين أقدام المارة فما كان من ميخائيل إلا أن يركض وراء الأوراق المتطاير ويلمل ما يستطيع لملمته وإذ برجل أمن يقف على رأس ميخائيل ويتهياً للإمساك به وكأنما يقبض على لص يحاول الهرب. وعندما أخذ رجل الأمن ورقة من أوراق القسم الآشوري للمجلة التي جمعها ميخائيل  تعجب وأندهش بشكل مثير  فما كان منه إلا أن يتصل بدائرة الأمن من تلفون الدكان القريب ويقول لمسؤوله بأنه قبض على شخص في شارع الرشيد وهو يوزع مناشير باللغة اليهودية.!!! الله يكون في عون ميخائيل ... فكيف يستطيع إقناع هذا الرجل بأن هذه اللغة ليست يهودية بل آشورية/سريانية وهي ليست مناشير يهودية بل محتويات لمجلة مجازة رسمياً. فبعد مناقشات طويلة مقرونة بإتصالات عديدة لإثبات حقيقة الأوراق تمكن ميخائيل من الإفلات منه وإيصال الأوراق إلى المطبعة... أن دخول في نقاش مع رجل أمن في العراق في تلك الفترة لإقناعه برأي مخالف لرأيه هو أمر بحد ذاته مخاض مأساوي ونهايته غير مضمومة للتخلص منه بسلام من دون أن يكون ذلك مقروناً بالهلع والخشية من مصير يكون نهايته في دهاليز النظام المظلمة. حقاً أقول بأن هذه السطور قليلة جداً في تقييم عظمة المجلة ومن وقف وراءها لإستمرارها لعقد من الزمن فلهم جميعاً ننحني أمامهم إكراماً وتقديراً ولكل الذين واكبوا رحلة "المثقف الآشوري" الشاقة إلى نهايتها وهي الرحلة التي لم تنتهي إلا في قلوب جميع عشاق النادي والغيوريين على لغتهم وتراثم إينما كانوا في زوايا هذا العالم الواسع. ولم يبقى بخصوص المجلة إلا أن أذكر بعض الإحصائيات عنها حيث صدر منها عشرون عددا من حزيران 1973 إلى العدد الأخير  الذي صدر في أذار 1979 وكان عدد صفحات العشرين عدداً (960) صفحة من القطع الكبير أي بمعدل (46) صفحة لكل عدد وكانت محتويات العدد (21) تحت الطبع في عام 1980 وصدر في السنوات اللاحقة.

في أعلاه صورة لصفحة من صفحات مجلة المثقف الآشوري مكتوبة بخط يد المرحوم الشماس يؤارش القس متي.
=================================================================

الفصل الرابع من الكتاب يتحدث عن (فروع النادي الثقافي الآشوري) حيث كان للنادي فرع في محافظة السليمانية وكان مؤسسه كل من الدكتور سركون يواش خانا (طبيب) رئيساً و عوديشو آدم (طالب جامعي) نائب الرئيس و جورج عبد الغني جرجيس (مهندس) أمين السر و يونادم يوسف كنا (طالب جامعي) أمين الصندوق وكان أعضاء الهيئة الإدارية كل من الشهيد يوسف توما هرمز (طالب جامعي) و ألبرت الله وردي (مساعد طبيب) و فلورنس داود أوراهم (مدرسة) و هرمز سرسنك (طالب جامعي) ولازار خوشو يوسف (معاون مهنس) وكان قد ذيل طلب تأسيس النادي بتوقيع خمسين شاباً وشابة معظمهم من خريجي وطلاب الجامعات. وفي كانون الأول عام 1973 أجيز فرع النادي وأخذ يمارس نشاطاً ملحوضاً على مستوى مدينة السليمانية وينمي الوعي القومي بين أعضاءه ولعب المرحوم الإستاذ أبرم عما الألقوشي (مدرس) دوراً كبيراً في هذا المجال والذي زرع في أعضاء النادي فكرة إقامة تنظيم قومي سياسي فكانت البادرة الأولى للأساس الذي قامت عليه الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) لذلك يعتبر المرحوم أبرم عما الأب الروحي لزوعا وللفكر الوحدوي الذي زرعه بين أعضاء التنظيم. إضافة إلى هذا الفرع كان مثقفو أمتنا في محافظتي نينوى (الموصل) والتأميم (كركوك) قد قدموا طلباً إلى السلطات الرسمية في هاتين المحافظتين لتأسيس فرع للنادي إلا أن طلبهما رفض ولم يستطيعوا تأسيس النادي.

الفضل الخامس مخصص لأشهر وأنشط أدباء النادي وذكرنا منهم المرحوم الأب إيشو القسم عوديشو إستاذ اللغة وعضو مجمع اللغة السريانية و المرحوم الشماس منصور روئيل زكريا (عضو فخري) والمرحوم الإستاذ إختيار بنيامين موشي (عضو فخري) و المرحوم الإستاذ أبرم بيت بنيامين (عضو فخري) والمرحوم رابي زيا نمرود كانون، عضو فعال جداً في النادي وصاحب مقالات وكتب عديدة، والأديب واللغوي المعروف الإستاذ عوديشو ملكو مؤلف عددة كتب وصاحب قصائد مشهورة وحالياً رئيس إتحاد الكتاب الآشوريين في دهوك، والإستاذ رابي يوسف نمرود كانون عضو نشيط في تحرير مجلة المثقف الآشوري ومعد وكاتب العديد من المسرحيان وأمين سر النادي لأول هيئة إدارية، والإستاذ ميخائيل مروكل ممو الأديب واللغوي المعروف والعنصر المركزي في مجلة المثقف الآشوري، والإستاذ كوريل شمعون زيانو الروائي والكاتب المسرحي الذي كتب العديد من المسرحيات وأخرجها للنادي، و الأستاذ أوراهم يلدا أوراهم الكاتب واللغوي المعروف، و الإستاذ نينوس يوسف نيراري الشاعر المعروف بقصائده القومية ومؤلف كتاب أغا بطرس سنحاريب القرن العشرين، و الإستاذ جورج أويا أرخيوم، شاعر الشباب القومي، وغيرهم كثر. أما الفصل السادس فيشمل على بيلوغرافيا العديد من فناني النادي المشهورين على مختلف أصعد الفن فذكرت منهم الفنان المبدع سامي ياقو الذي أعتقله النظام البعثي في العراق بسبب أغانيه القومية، والفنان الملهم شليمون بيت شموئيل صاحب الأغاني الرائعة ذات النغمات التراثية، والفنان المطرب داود إيشا المعروف بأغانيه القومية الذي أعتقله النظام البعثي في العراق بسبب ذلك، والمسرحييون المعروفين يوسف نمرود (أندريه) و رمزية نيقاديموس وياقو جماني و إيبي عمانوئيل الذين بإبدعاتهم الفنية بنوا مسرحاً آشورياً راقياً في النادي. ومن الفنانيين التشكليين ذكرنا أرم أورها عوديشو الذي زين بلوحاته التعبيرية الجميلة جدران النادي وخطط العديد من الشعارات لنشاطات النادي وساهم كثيراً في تخطيط ورسم أغلفة مجلة المثقف الآشوري وشقيقه أمير أوراها الذي سار على نفس المنوال ولكن مواقفه القومية لم ترضي النظام البعثي في العراق فآل مصيره إلى السجن مع غيره من رفاقه في تنظيم زوعا. أن نجوم الأدب والفن في سماء النادي لم تكن قاصرة على هؤلاء فقط إذ ليس بالإمكان حصر كلهم في هذه الصفحات القليلة فحجم النشاطات وعدد المبدعين في النادي أكثر مما تستوعبها أية ذاكرة إنسانية ولكن للأمانة وإكراماً لكل الذين ساهموا وأبدعوا في نشاطات النادي أذكر المرحوم أوشانا جنو الملحن المبدع وزهير عبد المسيح ويوسيفوس عمانوئيل وشارليت إليات ومورين يوسف وداود بولص وبول عيسى وعمانوئيل يوسف وأمير وبنيامين عوديشو وبرناديت يوئيل و المرحوم يؤارش القس متي وكيًا يوخنا وإشعيا يوخنا ومارلين عمانوئيل ونينوس شموئيل وأنطون لاجن وولسن كمليل وأسحق زومايا وغيرهم الكثير ممن كانوا نجموم متلئلئة أضاءت طريق النادي الثقافي الآشوري فيستحقون كل الإعجاب والتقدير.  

دور النادي الثقافي الآشوري في المجتمع:
وهو الموضوع الذي بحثته في الفصل السابع من الكتاب والذي يعتبر من أهم المواضيع في تلك الفترة والفترات اللاحقة لأن النادي فعلاً رسخ الوعي القومي في الشباب الآشوري ووضع اللبنة الأولى لنشوء حركات وأحزاب قومية وإنخراط الكثير من أعضاء النادي في مثل هذه الحركات والأحزاب الآشورية والبعض منهم وصل إلى مواقع قيادية. وكانت هناك جملة عوامل لعبت دورها في تمكين النادي من إداء دوره الفعال في المجتمع الآشوري، نذكر منها وبإختصار:
1)- إفتقار المجتمع الآشوري في العراق في تلك الفترة إلى مؤسسة ثقافية، فالحاجة كانت ملحة عند الشباب الآشوري المثقف لإيجاد مثل هذه المؤسسة لذلك عندما تأسس النادي في عام 1970 أستقبله الآشوريون إستقبالاً كبيرا وأنظم إليه عدد ضخم من المثقفين الآشوريين وبالأخص الناشطين منهم في الحقل الأدبي والثقافي والفني فأرسوا أساساً قوياً لنشاطات النادي. (2) – التركيبة الثقافية والفكرية لإعضاء النادي كان عاملاً مهماً لكي يعلب النادي دوراً فعالاً في المجتمع إذ كانوا جميعاً يمثلون الصفوة المثقفة من الآشوريين المؤمنين بضرورة إحياء الثقافة الآشورية والأدب الآشوري. (3) – كان النادي بالنسبة للأعضاءه البيت العائلي الثاني لهم. فعلى الرغم من التنافس الشديد والحامي الذي كان يحصل بينهم عند إنتخاب رئيس النادي وأعضاء الهيئة الإدارية إلا أنه في مواجهة التحديات كانوا يعملون كجبهة واحدة متخذين من النادي كأيديولوجيه لهم في مواجهة التحديات التي فرضها عليهم النظام السياسي الإستبدادي. فمن الطبيعي كانت نتيجة دفاعهم عن النادي والإخلاص له والعمل الدؤوب عوامل وضعت النادي في دور ريادي في قيادة النشاطات الثقافية والفكرية والأدبية في المجتمع الآشوري أن لم نقل المجتمع العراقي ككل. والنادي لعب دوراً مهماً وفاعلاً على مختلف الأصعدة ونذكر منهم وبإختصار أيضا:
أولاً: اللغة الآشورية:
أهتم النادي إهتماماً كبيراً ومنقطع النظير باللغة الآشورية وتدريسها وتطوير مناهجها فكان النادي يؤمن بأن اللغة روح الأمة وحياتها، فلا حياة لقومية بدون لغة فهي أس الأساس في تحديد هويتها وشخصيتها المتميزة عن بقية القوميات الأخرى. والنادي لجأ إلى عدة أساليب في هذا المجال منها (1) - دورات لتعليم اللغة وعلى مختلف المستويات حيث كانت الصفوف تعج بالطلاب ومن مختلف الأعمار ولم تقتصر هذه الدورات على الأعضاء فقط بل لغير الأعضاء أيضاً، وفي دورة من دورات تدريس اللغة كان عدد الطلاب يقارب 300 طالب وعلى مراحل ومستويات مختلفة من الإبتدائي حتى المتقدم ومنها اللغة القديمة المعروفة بالأرامية وكان يدرس فيها أساتذة أكفاء في اللغة وتخرج من هذه الدورات طلاب أصبحوا فيما بعد من المختصين في اللغة ونذكر منهم، على سبيل الذكر لا الحصر، الأديب واللغوي المعروف روبين تيدي بيت شموئيل وبعضهم أختار سلك الكهنوتية وخدمة كنيستهم، منهم على سبيل الذكر لا الحصر، الأبوين الفاضلين عمانوئيل بيتو يوخنا وأنطون لاجن في حين أختار آخرون الإنخراط في الشؤون السياسية كالسكرتير العام السابق للحركة الديمقراطية الآشورية السيد نينوس بتيو. (2) – مناهج تدريس اللغة: كان حجم وكثقافة دورات تعليم لغة الأم قد فرض نفسه لإيجاد وتأليف مناهج علمية للتدريس تفي بمتطلبات هذه الدورات وعلى مختلف الأصعدة والمستويات التعليمية إذ تمكن النادي بفعل أعضاءه المتمرسين في شؤون التعليم والأدب واللغة من وضع مناهج تدريسية عصرية متطورة تتفق مع تطلعات النادي في تعميم وتعليم اللغة بالشكل السليم وتأتي أهمية هذه المناهج التعليمية والكراريس التوضيحية ليس في كونها قاصرة على النادي فحسب بل أصبحت مناهج تعليمية لبعض المؤسسات الآشورية والكنائس التي قامت أيضا بفتح دورات لتعليم لغة الأم. (3) – كوادر تعليمية: بفعل إستمرار دورات تعليم اللغة ونجاحها تخرج منها المئات من الشباب الواعي بأهمية اللغة وضرورة صيانتها وتعميمها بين أبناء المجتمع الآشوري فإستطاع النادي أن يخلق من بعضهم كوادر تدريسية أهلتهم قدرتهم اللغوية التي إكتسبوها من هذه الدورات ومن المدرسين الأكفاء على القيام بتدريس لغة الأم في بعض المؤسسات الآشورية الأخرى أو في الكنائس. لم يكتفي النادي بهذا القدر فحسب بل قام أيضاً بتنظيم دورات خاصة لتدريس لغة الأم للمعلمين والمدرسين الآشوريين ومن غير الأعضاء بقصد خلق منهم كوادر تدريسية قادرة على تطبيق القانون الخاص الذي كان قد صدر في تلك الفترة بتدريس اللغة (السريانية) في المدارس التي أكثريتها من أبناء هذه اللغة وكان فتح مثل هذه الدورات بناء على طلب الجهات الرسمية (وزارة التربية) لتوفير المدرسين الأكفاء لتطبيق القانون وهذا يدل على مدى أهمية النادي ودوره الكبير في تلك الفترة. (4) – الندوات والحلقات الدراسية: كانت من الأساليب الفعالة التي أتبعها النادي في تطوير لغة الأم ومواكبة التطورات العصرية المؤثرة على اللغة. فأول ندوة ثقافية أقامها النادي كان في 1973.04.10 لدراسة قرار مجمع اللغة السريانية حول تدريس لغة الأدب الكلاسيكي (القديمة) وبالأحرف الإسطرنجيلي في المدارس التي أكثريتها من أبناء هذه اللغة. وبعد أسبوع تقريباً طلبت وزارة التربية من النادي عقد ندوة أخرى نظراً لأهمية مثل هذه الندوات وفيها تم رفع توصيات باللغة واللهجة السليمة والأحرف التي يمكن الإعتماد عليها في تدريس اللغة. وتعتبر الحلقة الدراسية عن اللغة التي عقدت في النادي من 3 أيلول إلى 8 منه في عام 1976 من أهم المناسبات التي يجب ذكرها هنا إذ شارك فيها عدد كبير من اللغويين والأدباء والتدريسيين سواء من أعضاء النادي أو غيرهم وسواء من الآشوريين أو غيرهم والتي أستمرت ستة أيام ومن ثم تم طبع ونشر البحوث المقدمة للحلقة لتعميم فائدتها للجميع. ولا يسعني في الأخير إلا أن أذكر بأنه منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي ونظراً لإزدياد طلبات الإنتماء إلى النادي بشكل كبير جداً ولغرض تعميم اللغة وفرضها على طالبي الإنتساب للنادي فقد لجأ النادي إلى وضع إتقان اللغة الآشورية كشرط لإكتساب عضوية النادي وبعكسه كان يستوجب على طالب الإنتماء للنادي دخول دورة تعليم اللغة الآشورية في النادي وإجتيازها بنجاح كشرط لإكتساب العضوية، فساهم هذا مساهمة كبيرة في إتقان الكثير من أبناء أمتنا للغتهم القومية.
 

(5) – التحرير والنشر: لجأ النادي أيضا إلى هذا الأسلوب لتطوير لغة الأم وتعميمها بين أبناءها. فصفحات مجلة المثقف الآشوري كان زاخرة بدراسات ومقالات حول هذا الموضوع إضافة إلى النشرات الجدارية وبعض الكراريس والكتيبات الأخرى الخاصة باللغة وبتراث الأمة وتاريخها.

ثانياً: الأدب والتراث:
إذا كانت اللغة روح الأمة وحياتها فإن التاريخ هو وعي الأمة وشعورها، فالأمة التي تفقد وعيها وشعورها تكون قد فقدت ذاكرتها ومن ثم فقدت إدراكها الذاتي لوجودها القومي. وتاريخ كل أمة هو موروثها المكتسب من جيل إلى آخر فهو حصيلة تجارب وممارسات ومعتقدات أجيال متعاقبة في الحقول الثقافية والأدبية والفنية والدينية والأخلاقية والتربوية تعكس من خلالها سمات الأمة وهويتها القومية. والنادي طيلة فترة حياته لم يتوانى ولم ينسى ممارسة النشاطات التراثية وأحياء ذكرى المناسبات القومية فكان هو الوحيد في تلك الفترة ومن الممكن أن يكون كذلك حتى يومنا هذه يمارس ويستذكر مثل تلك المناسبات ونذكر منها عيد كالو سولاقا (عيد الصعود) وما لهذا العيد من دلالات قومية أضافة إلى دينية وأيضا عيد الأول من نيسان رأس السنة البابلية الآشورية الذي كان يستقطب أعداداً كبيراً في إحتفالات ثقافية وفكرية تقام في النادي ولم ينسى النادي إحتفالات بعوثا دنينوايه (صوم نينوى) ويوم الشهيد الآشوري والذي كان له وقعاً كبيراً على نفوس الجميع وهم يمارسونه بطريقة تراثية وثقافية بحيث لا يثير إستفزاز أزلام النظام البعثي في العراق. كما أحتفل النادي دوماً وفي كل سنة بعيد الأم ويوم البنات وسوميكا (بداية الصوم) وحتى أنه أحتفل بعيد المعلم والأباء أيضا. وكان النادي يهتم إهتماماً كبيراً بالمورث الغنائي والموسيقي وبالحان تراثية كراوه وليليانه وغيرهما. وهنا يجب أن لا أنسى زيارة الآخوين الرحباني عاصي ومنصور إلى النادي في بداية السبعينيات من القرن الماضي وبيان إعجابهما الشديد بالنادي وبمثقفيه وبالتراث الآشوري الغنائي ومن ثم إهداء لهم شريط مسجل للغناء الثراثي والحديث، كما يجب أن نذكر المرحوم الموسيقار الكبير جميل بشير الذي حاضر في النادي أكثر من مرة عن الموسيقى والغناء التراثي الآشوري والأب الفاضل فيليب هيلاي الذي حاضر عن الموسيقى والتراتيل الكنسية.
 أما على المستوى الأدب فللنادي جولات وصولات في هذا المجال حيث من السنة الأولى لتأسيسه تشكل أصدقاء الأدب الآشوري والذي كان يضم كبار المثقفين والأدباء من أبناء أمتنا وقاموا بعدد كبير من النشاطات الأدبية والثقافية والشعرية. ومهرجان الشعري الآشوري الذي كان يقيمه النادي في كل سنة كان وبحق تظاهرة ثقافية شعرية ليس على مستوى المجتمع الآشوري فحسب بل على مستوى العراق قاطبة حيث كان يحضرها كبار شعراء العراق ويلقون قصائدهم فيها. إضافة إلى ذلك كان النادي يقيم بين فترة وأخرى أمسيات شعرية لشعراء معروفين وللشباب أيضا. وهنا يجب أن لا أنسى مهجرجان الشعر الشعبي العراقي الذي أقيم في النادي وحضره أكثر من 1500 شخص عجت حدائق النادي بهم وتسلق الكثير منهم جدران النادي وأشجاره مما ظهر كانه تجمعاً جماهيرياً أو مظاهرة وكان للشيوعيين العراقيين من شعراء وجمهور حضوراً متميزاً ومؤثراً فأثار ذلك هيجان أزلام النظام البعثي مما نتج عن ذلك إستدعاء الهيئة الإدارية للنادي في اليوم التالي إلى دائرة الأمن للمسائلة والإستجواب عن سبب حضور هذا العدد الكبير من الشيوعيين. ليس هذا فحسب فقد كان للنادي مهرجاناً سنوياً للكتاب الآشوري حيث يعرض فيه مختلف الأنواع من الكتب خاصة التي تتناول تاريخ أمتنا وتراثها ولغتها.


ثالثا: الفن الآشوري:
لعب النادي دورا كبيراً في ترويج وتطوير الفن الآشوري وعلى مختلف الأصعدة منها المسرح حيث كان النادي رائداً في بناء مسرح آشوري متكامل الجوانب سواء من خلال عرض العشرات من المسرحيات التي مثلت وأخرجت من قبل أعضاء أكفاء في هذا المجال أو من خلال إكتشاف وصقل مواهب فنية ومسرحية جديدة إضافة إلى خلق وعي مسرحي في الجمهور الآشوري الذي أجتذب بكل قوة إلى تلك المسرحيات التي عرضها النادي. فالمسرح الآشوري في تلك الفترة كان مضاءاً بأسماء أمثال رابي يوسف نمرود كانون وسامي ياقو وشمعون كوريال وأندريه يوسف وإيبي عمانوئيل وغيرهما كثر. أما بالنسبة للفنون الموسيقية والغناء فقد كان للنادي دوراً كبيراً في تطوير مواهب الكثير من الشباب الآشوري في هذا المجال خاصة من خلال إقامة المهرجان السنوى للغناء والموسيقى الآشورية الذي كان يشارك فيه نخبة متميزة من المطربين البارزين إضافة إلى المطربين الشباب. زد على ذلك كان للنادي فرقة للقنون الشعبية وأخرى فرقة الأطفال للأناشيد التراثية فأحيوا معظم المناسبات والأعياد والإحتفالات في النادي بعروضهم الشقية وأصواتهم الشجية. ويجب أن لا يفوتني أن أذكر بأن المطربين سامي ياقو وداود إيشا اللذين كانا مشهوران أكثر من نار على علم ومعروفان بأغانيهما القومية والذي "كافئهما" النظام البعثي الجائر على ذلك بإعتقالها وزجها في دهاليز سجونه وتعرضهما للتعذيب الجسدي والنفسي. والفنون التشكيلية كانت لها مكانة خاصة في النادي وبين فنانيه التشكليين في ممارستهم للرسم والنحت وأعمال يدوية وصناعات تراثية حيث كانت تقام المعارض سنوياً للوحات الفنية والمنحوتات والملصقات والبوسترات السياسية.. كانت نشاطات النادي زاخرة بالكثير من الممارسات الفنية المختلفة فلم تقتصر على الحقول المار ذكرها، فتدريس النوته الموسيقية وإعداد الأطفال وتعليمهم المبادئ الأولية في الفنون التشكيلية وتدريب الناشئين في حقلي الموسيقى والغناء والإحتفالات بالمناسبات التراثية وبأسلوب فني رائع كلها كانت أضواء في مسيرة النادي الذي أوصلته إلى قلوب جميع أبناء المجتمع الآشوري.

رابعاً: الثقافة العامة:
لم يكن النادي الثقافي الآشوري متقوقعاً على نفسه في مجال الثقافة العامة ولم يكن محصوراً ضمن نطاق الثقافة الآشورية فحسب أو بين أعضاءه بل تجاوز ذلك نحو عموم العراق وساهم الكثير في إنماء الثقافة العامة للأعضاء وغير الأعضاء. فمكتبة النادي التي كانت تضمن ألاف الكتب والمجلات والمخطوطات كانت صورة للواقع الثقافي المزدهر للنادي. الحديث في هذا الموضوع طويل جداً أكثر بكثير من طول قائمة أسماء كبار المثقفين والأدباء والشعراء الذين ساهموا في هذا المجال سواء بإلقائهم محاضرات أو مشاركتهم في مهرجانات أو حلقات دراسية... وأذكر منهم العلامة المرحوم الدكتور علي الوردي الذي حاضر مرتين في النادي والدكتور كامل الدباغ المعروف ببرنامجه التلفزيوني المشهور (العلم للجميع) والمؤرخ سالم الألوسي والدكتور وليد سعيد خيوكه والأستاذ علي الكاظمي والقاص المعروف غانم الدباغ والسياسي المخضرم بيتر يوسف وهذا عدد يسير من مجموعة كبيرة من المثقفين العراقيين الذين حاضروا في النادي. أما من أبناء أمتنا فالعدد كان أكبر بكثير حيث حاضر في النادي لوقا زودو و إبراهيم نورو (كلاهما من لبنان) والبروفسور أدور يوخنا والشماس كوركيس بنيامين أشيتا والمرحوم رابي أبرم بيت بنيامين والأديب المعروف عوديشو ملكو والدكتور عوديشو بريمو وغيرهم كثر وكانت محاضرة الشماس والأديب المعروف المرحوم كوركيس بنيامين أشيتا أول محاضرة تلقى في النادي مساء يوم الأحد المصادف 1970.11.22 عن تاريخ الأدب الآشوري ويعتبر الأديب الكبير المرحوم الشماس منصور روئيل أكثر من حاضر في النادي حيث كان له بحدود ثمانية محاضرات ومشاركات أخرى في الحلقات الدراسية لللغة والأدب.



وهنا أود أن أشير إلى حدثين مهمين يظهر من خلالهما مدى أهمية دور النادي وموقعه في الثقافة بشكل عام. في عام 1972 طلبت الأكاديمية الملكية السويدية (وهي المنظمة العالمية التي تمنح جوائز نوبل المشهورة) طلبت بكتاب رسمي موجه إلى وزارة الثقافة العراقية بتزويدها بمعلومات ومصادر عن تاريخ العراق وحضاراته القديمة فما كان من وزارة الإعلام إلا وأحالت الكتاب إلى النادي الثقافي الآشوري لتلبية طلبات الأكاديمية أعلاه وفعلا تم تلبية الطلب بالقدر المتوفر من بعض الكتب أو إستنساخها وإرسالها إليها. وفي أعقاب تأميم شركة نفط العراق عام 1972 كان النادي كمؤسس عراقية ثقافية يعني بالشؤون العامة للوطن وبكل المجريات التي تخص عموم الناس فكان النادي أول مؤسسة عراقية على مستوى القطر يقوم بتنظيم محاضرة ألقاها رئيس جمعية الإقتصاديين العراقيين عن هذا الحدث الهام والذي تم بثه تلزيونياً إلى كافة أنحاء العراق وإلى وكالات الأنباء المحلية والعالمية. هذه الأمثلة وغيرها كثيرة تعكس بكل وضوح وجلاء أهمية النادي ودوره في مجمل الحياة الثقافية والعلمية ليس على مستوى الأعضاء أو على مستوى المجتمع الآشوري فحسب بل على المستوى العراقي أيضا.

خامساً: الوعي القومي والسياسي:
كانت المادة الخامسة من النظام الداخلي للنادي تنص على أنه ليس للنادي أي صفة دينية أو سياسية غير أن الحقيقة كانت عكس ذلك، فالظروف والسياسات التي فرضها النظام البعثي أنذاك على كل المجتمع العراقي وتحديداً على الأقليات وبالأخص الآشوريين منهم جعلت من النادي أن يكون في قلب السياسة وأن يكتسب صفة سياسية عكست بشكل مباشر أو غير مباشر المطامح القومية المشروع للأشوريين في العراق. هناك أحداث ومناسبات كثيرة ومفصلة بشكل مطول في كتابي السالف الذكر ولا أريد الغوض فيها لكونها كثيرة وطويلة جداً، وإختصاراً أريد التأكيد مرة أخرى بأن النادي كان مدرسة فكرية وقومية وسياسية تخرج منها الكثير من القوميين الآشوريين المعرفيين وكانوا من المؤسسين للحركات السياسية والقومية والمنظمات الآشورية الفكرية والثقافية سواء في أرض الوطن أم في بلدان المهجر ... ويكفي للنادي فخراً وإعتزازاً الوقفة البطولية التي وقفها الشاب الآشوري المناضل عندما أعتقلهم النظام البعثي في العراق في شهر تموز من عام 1984 ومعظمهم كانوا أعضاء في النادي وتنفيذ حكم الإعدام شنقاً حتى الموت على ثلاثة منهم في بداية شهر شباط من عام 1985 وعلى سبعة عشر منهم بالسجن المؤبد ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة وذلك بسبب إنتمائهم إلى الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) فهم جميعاً يستحقون بكل إجلال وعظمة أن تسجل أسماؤهم بماء من الذهب في السجل القومي الآشوري لتبقى نبراساً منيراً للأجيال الحاضرة والقادمة وشوكة في عيون المتخاذلين والأفاقين والعاثرين في تقدم مسيرة الأمة الآشورية نحو تحقيق ذاتها القومي بشكل يليق بكرامة وسمعة الأجداد العظام الذين وضعوا اللبنة الأولى للحضارة الإنسانية المعاصرة.
فإذا كان النادي الرحم الذين حمل فكر زوعا وتولد منه وترعرع بين جدرانه حتى بلوغه المستوى الذي بلغه الآن فأنه من الضروري أن نذكر بأن السياسي النشيط والسكرتير العام لزوعا السيد يونادم كنا كان عضواً نشيطاً في النادي وأحد مؤسسي فرعه في السليمانية. والأمر لم يكن محصوراً بزوعا فقط بل الحال أيضا  كان نفسه مع تنظيمات وأحزاب سياسية أخرى كالحزب الوطني الآشوري الذي كان معظم مؤسسيه أعضاء في النادي لا بل كان السيد نمرود بيتو السكرتير العام السابق للحزب رئيساً للنادي في أحدى دوراته كما كان الدكتور عمانوئيل قمبر السكرتير العام السابق للإتحاد الآشوري العالمي عضواً في الهيئة الإدارية ولدورات عديدة وكان من أنشط أعضاءه، والقائمة تطول بالنسبة لبعض أعضاء حزب بيث نهرين الديمقراطي والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري وغيرها من التنظيمات القومية والثقافية المنتشرة في بلدان المهجر. هنا أيضا يجب أن لا يفوتني أن أذكر التطلعات الوحدوية التي كان يضعها النادي في مقدمة نشاطاتها التي لم تكن تميز بين آشوري أو كلداني أو سرياني ليس من حيث العدد الكبير، وبالأخص المثقفين والأدباء والكتاب والفنانين الكلدان المنتمين إلى النادي بل إلى النشاطات التي كانت تنظم لهم أيضا. وأذكر بهذا الخصوص حفلات تعارف للطلاب الكلدان الجامعيين حيثوا كانوا يمارسون نشاطهم الترفيهي والثقافي في النادي وبكل حرية وتسهيلات وفرها النادي لهم بعد أن منعتهم بقية الأندية من إقامة مثل هذه النشاطات خوفاً من أزلام النظام البعثي في العراق لأن مثل هذه النشاطات كانت حصراً بالإتحاد الوطني لطلبة العراق التابع للنظام وإن معظم هؤلاء الطلاب كانوا ذو أفكار قومية وحدوية يؤمونون بوحدة أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" لا بل بعضهم كانوا من الماركسيين واليساريين المؤمنين بمشروعية حقوقنا القومية في العراق. على الرغم من إنقطاع الإتصال بهؤلاء الطلاب بعد ما يزيد على أربعة عقود من الزمن وصعوبة تذكر أسماؤهم ( أتذكر فقط الأسم الأول لبعض الناشطين منهم مثل أسحق و مازن وكلاهما من ألقوش) إلا أنه من المؤكد شكلوا اللبنة الأولى لوحدة أمتنا "الكلدانية السريانية الأشورية" ومن المؤمل أن يكونوا قد وصلوا إلى مراحل متطورة سياسياً وقومياً وتنظيمياً للفكر الوحدوي لأمتنا.  


النادي الثقافي الآشوري – اليوم الحاضر
===========================
1 - النادي فكراً ووعياً:
أنتهى النادي في الماضي كمؤسسة ثقافية وبنية تنظيمية ولكن بقى وظل وأستمر كبنية فكرية خلقت وعياً قومياً نموذجيا فترعرع وتنامي ونضج في النادي الثقافي الآشوري والذي جعل أن يستمر النادي وينتشر في قلوب وعقول وممارسات أعضاءه رغم إنتهاء النادي رسمياً وإغلاقه. فإذا كانت السلطات الأمنية والحزبية في ظل النظام البعثي المقبور قد وفقت في القضاء على النادي كبنية تنظيمية ثقافية فأن النادي ظل كفكر وروح يسري في عروق وعقول أعضاءه الخيريين إينما كانوا وتفرز بذورها في الوعي القومي في كل زاوية من زوايا المجتمع لتخصب مسيرتهم النضالية بثمار وتجارب وعبر تزيد من صلابة الحركة القومية نحو تحقيق أهدافها المشروعة في البقاء كقومية تعتز بمجدها وتاريخها العظيم.

واليوم لو أمعنا النظر على الساحة القومية والسياسية والثقافية والإجتماعية وحتى الكنسية لمجتمعنا نجد بأن الريادة والإبداع والتضحية هي من لدن من كانوا أعضاء في النادي.... فالحركة الديمقراطية الآشورية من قمة قيادتها وحتى أصغر قاعدة يسري فيها الفكر القومي الوحدوي الذي

84

يهودية الآشوريين "النساطرة" في مزاعم أحمد سوسه
==============================
                                                                                                                                         أبرم شبيرا
توطئة:
حفزني الموضوع التي كتبه بعض الأخوة الأعزاء في موقع عنكاوة عن الدكتورأحمد سوسه والإشارة إلى كتابه (ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق) الذي يزعم فيه بأن الآشوريين النساطرة هم من بقايا الأسباط العشرة اليهودية من مجموع أثنى عشر سبطاً الذين سباهم ملوك الآشوريين في القرن الثامن قبل الميلاد من بلادهم إلى شمال بلاد مابين النهرين، حفزني لأبحث عن الكتب التي إقتنيتها عن هذا الكاتب والمواضيع التي كتبتها عنه قبل ما يقارب ثلاثة عقود من الزمن فوجدت أكثر من كتاب ومجلة راكناً في الرفوف العالية من مكتبتي الصغيرة ومنها الكتاب المذكور أعلاه. زد على ذلك فإنني أعرف الدكتور أحمد سوسه معرفة الطالب بالإستاذ، رغم عدم إتفاق الأثنين، حيث كنًا نلتقي به ونحن طلاب الدراسات العليا في كلية القانون والسياسة بجامعة بغداد في مركز الدراسات الفلسطينية في منطقة الوزيرية التابع لجامعة بغداد باعتباره خبيراً في الشؤون الفلسطينية والتاريخ اليهودي وكثيراً ما ناقشته عن مزاعمه في أصل الآشوريين النساطرة حتى إنني دعوته مرة لإلقاء محاضرة عن الموضوع في النادي الثقافي الآشوري إلا أنه رفض ذلك.ولغرض تعميم الفائدة على القراء الأعزاء وبيان مزاعم سوسه كنموذج صارخ في تشويه وتحريف تاريخ الآشوريين أرتأيت أن أكتب هذه السطور مبتدأً بالغوص في شخصيته الغامضة والمتناقضة وعقليته المرتبكة تجاه الآشوريين النساطرة والتي من خلالها أقام مزاعمه في أصلهم اليهودي وفي دعواته الأخرى الخاصة بمحو تاريخ الشعوب التي بنت حضارات عظيمة في بلاد الرافدين وتنسيبها للعرب.
موجز حياة الدكتور أحمد سوسه:


ولد نسيم سوسه، وهو أسمه الحقيقي، لأسرة يهودية معروفة في الحلة سنة 1900، ربما تكون من جذور اليهود الذين سباهم الكلدانيون في القرن السادس قبل الميلاد إلى بابل. نشأ نشأة يهودية وتأثر كثيراً بمعالم مدينة بابل الأثرية حيث كان من المواضبين على زيارة أطلالها وإستلهامه منها مشاعره وتخيلاته عن هذه المدينة العظيمة التي عاش فيها إجداده الذين سباهم الكلدانيون من وطنهم الأصلي. كما كان متأثراً جداً بمشروع سد الهندية الذي أنشاْ في بداية القرن الماضي والقريب من مدينة الحلة وربما كان تأثره وإعجابه بهذا السد مفتاحاً لينطلق  نحو دراسة هندسة الري. ترك بلدته حلة متوجهاً إلى بيروت ليكمل دراسته الإعدادية في الجامعة الأمريكية عام 1923 ثم رحل إلى الولايات المتحدة ليواصل دراسته في كلية العلوم والهندسة في كولورادو في الولايات المتحدة ليحصل على شهادة بكالوريوس في الهندسة المدنية عام 1927، ويقال بأنه كان أول مهندس عراقي يتخرج من الجامعات الغربية. ثم واصل تعليمه الهندسي في جامعة هوبكنز الأمريكية ليتخرج منها في عام 1929 حاملاً شهادة الدكتوراه في الهندسة المدنية إذ حصل على لقب دكتور في الفلسفة بدرجة شرف حسب ما ورد في مذكراته، أي أنه حصل على هذه الشهادة خلال سنتين أو ثلاثة (1927 – 1929) من بعد شهادة البكالوريوس. وعلى الرغم من جهلي بنظام التعليم في هذه الجامعة العريقة حينذاك إلا أن الأمر يخضع للتساؤل عن حصوله على مثل هذه الشهادة بهذه السنين القليلة ونحن نعلم بأن الحصول على دكتوراه في الفلسفة يستوجبها مدة أكثر وبعد الحصول على البكلوريوس ثم شهادة الماجستير.

عادة نيسم سوسه إلى العراق بعد أن ترك زوجته الأمريكية الغنية وولده هناك مفضلا العودة والعمل في العراق. ويصف سوسه قراره في ترك زوجته وولده بالقرار المثير جداً والمحرج لا بل حدثاً حاسماً اثر عليه كثيرا إذ يقول أن صدى صوت أبنه الذي قال في لحظة تركه "إلى أين تذهب يا أبتي؟ لماذا لا تبقى معنا" ...  لا زال يؤنب ضميره ويقول في مذكراته "ها قد مضى على تلك الحادثة أربعون عاماً وصورة ذلك المشهد المحزن تلاحقني ولم تفارقني لحظة واحدة". عينً بعد عودته مهندساً في مديرية الري العامة، وبعد فترة إستقال من وظيفته وسافر إلى مصر فأمضى أربعة أشهر في جامعة الأزهر بصفة مستمع ومتتبع وهناك أعلن إسلامه بصورة رسمية عام 1936 وأتخذ لنفسه أسم أحمد سوسه. وعند عودته إلى العراق عين مرة أخرى في الحكومة وتولى عدة وظائف فنية في دائرة الري وأخيرا كان مديراً عاماً لدائرة المساحة حتى عام 1957. نشر القسم الأول من مذكراته عام 1986 أي بعد وفاته في السادس من شهر شباط عام 1982 عن عمر ناهز 82 عاما وكان المفروض أن يتبعها القسم الثاني إلا أنه لم يكتب منها إلا بضعة صفحات.


دوافع د.أحمد سوسه في إعتناقه للإسلام:
يذكر د. أحمد سوسه ومعظم المؤرخين والمفكرين العراقيين سواء الذين عاصروه أو المعجبين بأبحاثه بأنه توصل وهو في الولايات المتحدة بعد دراسة طويلة وتفكير عميق إلى أن الإسلام هو دين الحق الذي يجمع بين فضائل الأديان السماوية جميعاً وأنه مبني على المبدأ الإنساني الذي يقوم على المساواة والتسامح فكان يقرأ إلى جانب كتبه الجامعية كثيرا من الكتب التي تبحث في تاريخ الأديان ودخل أيضاً دورة خاصة في دراسة تاريخ الأديان وعلم اللاهوت فقرر إعتناق الدين الإسلامي عن عقيدة وإيمان وإطلاع ولم يكن لغرض مادي أو مأرب دنيوي ولكنه لم يفصح بذلك إلا بعد الإنتهاء من دراسته الجامعية وعودته إلى العراق ثم أعلانه رسمياً عن إسلامه بعد عودته من جامعة الأزهر في القاهرة عام 1936، فوضع الجزء الأول من كتابه "في طريقي إلى الإسلام" وطبع في المطبعة السلفية في مصر عام 1936 أما الجزء الثاني فقد طبع في العراق سنة 1938.

وعلى العكس من هذا يقول الأديب العراقي اليهودي مير بصري في مقابلة خاصة معه في الإذاعة العربية في لندن بتاريخ 1993.8.28 "بأن الدكتورسوسه الذي كان صديقه منذ مرحلة الصبا قد ترك دينه اليهودي وأعتنق الإسلام لإسباب نفعية وماديه حيث يذكر بأن الدكتور فاضل الجمالي الذي أصبح فيما بعد وزيراً للخارجية في العهد الملكي في العراق كان قد أكد لنسيم سوسه بأنه مهما كانت كفاءته وإختصاصه فأنه يستحيل عليه الحصول على مناصب رفيعة في الدولة طالما بقى يهودياً" لهذا السبب أعتنق الإسلام لإسباب مصلحية ونفعية. ويتخذ بعض الذين صاحبوا أحمد سوسه موقفه من التخلي عن زوجته وولده نموذجاً لتأكيد توجهاته النفعية والمصلحية من إعتناقه للإسلام حيث فضل المناصب الحكومية على عائلته.
 
د. أحمد سوسة وعلاقته بالحركة القومية الآشورية 1933:
ومن الجدير بالإشارة المثيرة بأن د. أحمد سوسه عاصر وعايش أحداث الحركة القومية الآشورية في بداية الثلاثنيات من القرن الماضي. فعندما تصاعدت وتائر هذه الحركة وطرحت تسويات لحلها عن طريق إسكان الآشوريين المهجرين من مناطقهم في حيكاري في شمال بلاد مابين النهرين عوضاً عن أراضيهم المفقودة والتي أصبحت بموجب تسويات الحدود بعد الحرب الكونية الأولى مناطق خاضعة لتركيا، طالب قادة الحركة الآشورية إسكانهم في أراضي قريبة من مدينة دهوك في وحدة متجانسة كأساس للحفاظ على تقاليدهم وعاداتهم وبالمقابل طرحت الحكومة العراقية والسلطات البريطانية مشروع إسكانهم في مناطق متفرقة ومختلفة في شمال العراق والتي تبينت فيما بعد بأنها كانت أراضي مقفرة وجافة وبعضها مبوؤة بالأمراض المعدية والتي رفضها قادة الآشوريين. وكان د. احمد سوسه أحد أعضاء اللجنة الخاصة بهذا المشروع الحكومي بإعتباره خبيراً في شؤون الري ومسؤولاً عن رسم وتخطيط نظام الري لهذه المناطق المخصصة للآشوريين المهجرين. غير أن كل المشاريع والتسويات الخاصة بإسكانهم انهارت وسحقت تحت إقدام بعض قطاعات الجيش العراقي بقيادة بكر صدقي وحجي رمضان عندما قمعت الحركة القومية الآشورية وأرتكبت بحق الآشوريين المجزرة المعروفة في سميل في شهر آب من عام 1933. ويظهر بأنه منذ تلك الفترة ونتيجة لإختلاطه مع الآشوريين "النساطرة" والتعامل مع قضيتهم أخذ إهتمامه يزداد بهم ويبحث في أصولهم التاريخية ليجردهم من الحق الشرعي لهم في المواطنة والعيش في العراق الجديد فنشأت عنده أفكار ومواقف سلبية تجاه الآشوريين النساطرة لتتبلور فيما بعد في زعمه بأن أصلهم هو من الأسباط العشرة اليهودية وليس لهم علاقة بالآشورين القدماء.   

أشهر الكتب التاريخية للدكتور أحمد سوسه
د. أحمد سوسه كان غزير الإنتاج في الكتابة والتأليف حيث كتب المئات من المقالات والبحوث ونشرت في مجلات وجرائد عراقية وعالمية معروفة وألف خمسة وأربعين كتاباً في مختلف صنوف الهندسة والري والجغرافيا والحضارات والديانات والتاريخ. وعلى الرغم من إختصاصه العلمي في الهندسة وتحديداً في مشاريع الري فأنه كان مطلعاً وبغزارة على التاريخ والأديان إذ يذكر بأن مدينة بابل كانت قد أستلهمته منذ مرحلة الطفولة إضافة إلى مشاريع الري والسدود في العراق القديم فشكل كل ذلك دافعاً قوياً لدراسة تاريخ الشعوب خاصة تاريخ العرب واليهود. ولعل أشهر وأضخم كتاب وضعه في هذا المجال هو كتابه:(العرب واليهود في التاريخ – حقائق تاريخية تظهرها المكتشفات الآثارية) طبع عدة مرات والطبعة الثامنة التي بحوزتي طبعت في دمشق من قبل دار العربي للإعلان والنشر والطباعة – بدون تاريخ – وباللغات العربية والفرنسية والإنكليزية والألمانية. وهو كتاب موسوعي يقع في 1016 صفحة من القطع الكبير وكله مكرس في إمحاء تاريخ اليهود من العصور القديمة ومن أي وجود قديم لهم في فلسطين وإنكار أية علاقة لهم بالنبي إبراهيم الخليل. إذ يقسم التاريخ إلى ثلاثة مراحل وهي مرحلة أبراهيم الخليل (العراق)  ثم النبي موسى (مصر) ثم السبأ البابلي حيث يرى د. سوسه بأن تاريخ اليهود يبدأ من السبأ البابلي عندما كتبت التوراة وليس لهم علاقة لا بإبراهيم الخليل ولا بموسى فهذه ثلاثة مراحلة مختلفة ومتباعدة عن بعضمها البعض بألاف السنين. فهو يرى بأن النبي إبراهيم كان بالأصل واللغة والثقافة والأرض عربياً وإن جميع القبائل المعروفة بالعموريين والأكديين والآشوريين والكلدانيين هم عرب أرضاً ولغةً وثقافة، وهكذا يعتبر د. سوسه كل تاريخ هذه الشعوب تاريخاً عربياً لغة وثقافة. حيث يقول " أن عصر إبراهيم الخليل وإسحق ويعقوب ويرجع تاريخه إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد، هو عصر عربي بحت قائم بذاته بلغته وقوميته وديانته وهو مرتبط بالجزيرة العربية وبلغتها الأم (ص 79). وإن كلمة (إيل) والتي تعني الله هي عربية وليس لها علاقة باليهود الذين كانوا يعبدون (يهوا).... ويرى بأن هجرات القبائل العربية من الجزيرة العربية وإستقرارهم في بلاد الرافدين ووادي النيل وفي سورية ولبنان صاروا يعرفون بالكنعانيين – الفينيقيين والعموريين – والأراميين والأكاديين والكلدانيين والبابليين والآشوريين... . ثم يضيف ويقول "وهكذا فقد كانت لهذه الهجرات المتتالية من أهم العوامل لتنمية الكيان الحضاري العربي في الشرق الأدنى والسير به نحو التقدم والتطور في مختلف الميادين، هذا الكيان الذي إنبثقت منه أقدم وأعظم الإمبراطوريات التي عرفها العالم في تاريخ البشرية، أي الإمبراطوريات العربية الأربع: الأكدية والبابلية والآشورية والكلدانية..." ص 86.

لست بصدد تفنيذ هذه المزاعم في إعتبار كل هذه الشعوب عربية قومياً ولغويا وثقافية لكوني من غير المختصين في هذا الشأن ولكن الذي أعرفه أن تاريخ الدولة العربية الإسلامية وألاف الكتب والبحوث التي كتبت عنها تتناقض تماماً مع هذه المزاعم، ولكن الذي أريد أن أشير إليه هو أن مثل هذه المزاعم  كانت من الطبيعي أن تدخدخ عواطف ومشاعر وهيجان العروبيين وبالأخص حزب البعث ثم ليكرسوا الملايين من الدنانير في طبع ونشر كتابه في العالم وبلغات مختلفة رغم أن مثل هذه المزاعم لا تصمد أما الحقاق التاريخية المعروفة عن تاريخ هذه الشعوب التي كانت متواجدة منذ مئات السنين وبنوا حضارات عظيمة قبل أن يخرج العرب من الصحراء ويظهروا على مسرح التاريخ. لا بل والأكثر من هذا أذ اعتبرت هذه المزاعم مرجعاً أساسياً لمفكري حزب البعث في العراق في دعوتهم حول إعادة كتابة التاريخ الذي بدأ حملة واسعة في منتصف السبعينات من القرن الماضي بشأن سلب التاريخ القديم لهذه الشعوب ووضعه في خانة الأمة العربية والذي دعا إلى ضرورة عدم إستخدام أي مصطلح غير العروبة في ما يخص الأقليات القومية في العراق وطالب المفكريين والباحثين في إعادة كتابة التاريخ لإزاحة مثل هذه التسميات الخاطئة التي علقت في إذهان البعض... (للمزيد أنظر كتابي المعنون: الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر – دراسة مسألة: في العقلية العراقية تجاه الأقليات، دار الساقي، بيروت ولندن، الطبعة الأولى 2001 – ص31). 

والكتاب الثاني المهم للدكتور سوسه في هذا الحقل هو الكتاب المعنون (ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق) من إصدارات مركز الدراسات الفلسطينية – بغداد – مطبعة أسد – سنة 1978) وهو الكتاب الذي يهم موضوعنا هذا وتحديداً فيما يخص مزاعم د. سوسه في الأصل اليهودي للأشوريين النساطرة.
الكتاب بالأصل بحث نشر في مجلة مركز الدراسات الفلسطينية – المجلد الثالث – العدد الرابع – كانون الثاني 1975 (ص 34 – ص 77) التابع لجامعة بغداد، تحت عنوان (لمحات من تاريخ يهود العراق القديم وصلته بيهود الشرق) فتم توسيعه وإضافة فصول ومعلومات أخرى عن اليهود وعن المسيحيين وكنائسهم وطوائفهم بشكل عام ليصبح على شكل كتاب. ولهذا الكتاب قصة من ورائها دوافع سياسية خدمت الفكر الإستبدادي لحزب البعث في العراق خاصة في موضوع أعادة كتابة التاريخ. في تلك الفترة كان المرحوم الشماس يوؤاش ورده رقيباً للمطبوعات الخاصة بشؤون "الناطقين بالسريانية من الآثوريين والكلدان والسريان" في وزارة الإعلام فعندما قدم الكتاب للحصول على الموافقة لطبعه رفض الطلب من قبل الرقيب بناء على توجيهات الرقابة العامة للمطبوعات في وزارة الثقافة والإعلام ليس لسبب كونه يتناول مواضيع خطيرة عن اليهود ووجودهم القديم في العراق بل في تلك الفترة وطبقاً لحملة حزب البعث في إعادة التاريخ منع إصدار أي كتاب عن الأقليات في العراق وسحب الموجود منه من المكتبات والأسواق وركزت هذه الحملة بشكل مكثف على الآشوريين بإعتبارهم من الأقليات التي لهم تنظيمات سياسية وأكثر نشاطاً على الساحة السياسية والقومية سواء في العراق أم في المهجر خاصة في مطالبتهم بحقوقهم القومية على أسس تاريخية مترتبطة بالآشوريين القدماء. فعلى الرغم من كون كتاب د سوسه المنوه في أعلاه إساءة لتاريخ الآشوريين ويقوم على سحب الإساس التاريخي لوجودهم القومي في العراق إلا أن هدف حزب البعث كان محو أي أسم يتعلق بالآشوريين سواء أكان سلباً أم إيجابا وتجنب إثارة أي موضوع عنهم واعتبارهم بحكم المنسي.  في نهاية عام 1978 كنت من المواضبين على المكتبة المركزية لجامعة بغداد وكانت لي معرفة دقيقة بجميع الكتب التي تخص الآشوريين سواء المذكورة في جدول الفهارس أم الموجودة على رفوف خزائن المكتبة. وذات مرة كنت أقرأ كتاب رياض رشيد الحيدري: الآثوريون في العراق 1918 – 1936 وهو كتاب طبع في مصر عام 1977 وكان بالأصل رسالة ماجستير في التاريخ من جامعة القاهرة) وكان مختوماً بختم (للتدوال المحدود) من قبل رقابة المطبوعات وفي اليوم التالي عندما طلبت إستعارته مرة أخرى لم أجده لا في جدول الفهارس ولا في خزائن المكتبة والحال كان نفسه مع جميع الكتب المتعلقة بالآشوريين إذ كانت قد رفعت من الفهارس والخزائن وأختفت نهائياً. وعند إستفساري من الموظف المسؤول عن سبب هذا الإختفاء لم أحصل على الجواب إلا بعد نصف ساعة، فهو الآخر أستفسر من غيره ليؤكد بأن هذه الكتب سحبت من التداول بناء على أوامر من "جهات عليا". مع العلم بأن رياض الحيدري مؤلف الكتاب كان قد تلقى تسهيلات وإمتيازات كبيرة من مديرية الأمن العامة في بغداد للبحث وقراءة التقارير الأمنية السرية الخاصة بالآشوريين وحركتهم في العراق وإعتمادها كمصادر له في أطروحته الجامعية.

ضمن هذه الأجواء كان من الطبيعي أن يمنع طبع كتاب د. سوسه المنوه في أعلاه فلجاً إلى مركز الدراسات الفلسطينية بإعتباره مركزاً أكاديمياً يتمتع بنوع من الاستقلالية في الطبع والنشر وله معرفة برئيس المركز ورئيس تحرير المجلة فتم طبع الكتاب ونشره في المكتبات والأسواق إلا أن مصيره كان أيضا كمصير بقية الكتب التي تناولت تاريخ الآشوريين في العراق فتم سحبه من الأسواق ولكن بعد أن حصل بعض الناس نسخ منه وأنا واحد منهم.

يقع الكتاب (النسخة الأصلية منه) في 326 صفحة من القطع الكبير ويحتوي على أربعة فصول: الفصل الأول (أقدم وجود لليهود في شمالي العراق) وهو الفصل الذي يهمنا في هذا الموضوع حيث يتناول تاريخ اليهود في زمن الإمبراطورية الآشورية ومن ثم سبأهم إلى بلاد آشور والأهم في هذا الفصل هو عن أصل النساطرة وعلاقتهم بالتسمية الآثورية. أما الفصل الثاني فهو عن (المسيحية ودور النسطورية فيها) وهو يتناول تاريخ المسيحية والإنقسامات التي حصلت في الكنيسة وبشكل مفصل عن النسطورية. الفصل الثالث يتحدث عن (الوجود الثاني لليهود في العراق) يتناول تاريخ اليهود في بابل في زمن الكلدانيين وأمور أخرى متعلقة بوجود اليهود في هذه المنطقة في ظل حكم الفرس والإسلام والعباسيين وغيرهم كما يتناول مدارس اليهود المعروفة. والفصل الرابع (الوجود الثالث لليهود في العراق) وهو العنوان الذي لا يتطابق كلياً مع محتوى هذا الفصل فهو يتحدث بالتمام والكمال عن اليهود في جزيرة العرب من دون أية إشارة إلى يهود العراق وهذا نموذج آخر من نماذج إرتباك د. سوسه في كتابه هذا إلى جانب شطط ومزاعم لا تتوافق لا مع الواقع ولا مع المنطق.

كتاب ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق في الميزان:
لا شك فيه بأن د. سوسه باحث وعلامة في هندسة الري وكتب المئات البحوث والكتب في هذا الإختصاص ونال عن بعضها جوائز عالمية وتقدير كبير وتثمين عظيم لما كتبه في هذا المجال.  وصحيح أيضا بأنه ملم كثيراً بالتاريخ العربي واليهودي وكتب بعض الكتب في هذا المجال وأشهرها الكتابين المذكورين في أعلاه. ولكن من خلال قراءة مذكراته والمقالات والكتب التي كتبها وأيضاً من خلال لقاءاتي المتعددة معه والمناقشات التي دخلت معه في مركز الدراسات الفلسطينية المنوه عنه في أعلاه فوجدته بأنه إنسان غريب الأطوار وذو خلفية تاريخية وفكرية ونفسية معقدة تتكون من مزيج وتراكيب هجينة غير متجانسة من الأفكار والثقافات والديانات وإنجذابات عاطفية ونفعية مؤطرة بأساليب يدعي فيها العلمية والموضوعية ولكن في الحقيقية يسعى من خلالها إلى تحقيق أهداف وأفكار وتصورات مسبقة تعزز عملية إنسلاخه عن أصله التاريخي وتحقيق نرجسيته ومن دون إنتماء إجتماعي أو فكري أو سياسي حقيقي وواضح. ، هذه الحالة النفسية المرتبكة والمتناقضة عند د.سوسه تعاظمت عندما أمتزجت مع دوافع نفعية وإنتهازية في بحثه عن أصل النساطرة بحيث تجاوز كل حدود البحث العلمي الرصين ولجأ إلى التزوير و التزييف والنفاق والبحث عن أية أفكار ومصادر أو كتب لدعم وجهة نظره وإعتماده أو إقتباسه معاير وعوامل في البحث عن تاريخ النساطرة وتحديد هويتهم والتي لا تتوافق إطلاقاً مع منطق الفكر والتاريخ.
فضمن هذه الحالة الشخصية له كتب كتابه المذكور ومن الطبيعي أن يأتي مثل هذا الإنتاج الفكري مشوباً بالكثير من الإفتراضات الخيالية والمعايير غير الدقيقة والهزيلة في إثبات ما يرغب في إثباته لا بل ويفتقر إلى جوانب كثيرة من الدقة الموضوعية والتاريخية والأمانة العلمية التي يفترض أن تكون من مقدسات الباحث والعلامة. فالأسلوب الذي أتبعه د. سوسه في كتابه هذا يقوم على النفعية والإنتهازية فكان المنهج الإنتقائي هو الطاغي في دراسته عن أصل الآشوريين النساطرة... وكما هو معروف فإن الإنتقائية منهج إنتهازي يلجاً إلى إنتقاء النصوص والفقرات والكلمات إنتقاءاً مصلحياً لغرض دعم تصور مسبق من دون ربط هذه النصوص أو الكلمات بالمضمون العام أو فهمها في سياقها الفكري والزماني.

فعلي سبيل المثال لا الحصر، نأخذ كتاب معروف لدى الكثير من القراء وهو كتاب (تاريخ الآثوريين) من تأليف البروفسور ماتييف بار متي ومار يوحنا والمترجم من الروسية إلى العربية من قبل إسامة نعمان والصادر من مطبعة دار الجاحظ في بغداد عام 1970 والذي أعتمده د. سوسه في كتابه أعلاه من دون إلتزام أدبي وعلمي حيث حول د. سوسه كل كلمة "أثوري" أو "أشوري" إلى نسطوري وحتى وإن كان قصد المؤلفين في بعض الأحيان الإشارة إلى بقية الطوائف المسيحية كالكلدان والسريان، فكان من المفترض والواجب كما هو متبع في البحث العلمي الرزين أن يذكر الكلمة كما هي من دون تغيير سواء بعد التعليق عليها أو وضعها بين هلالين .. وهكذا. ولكن لم يفعل د. سوسه ذلك لأن منهجه النفعي ألزمه أن يركز على كلمة نسطوري وينكر أي وجود معاصر لكملة آشوري أو أثوري. ومن الجدير بالإشارة بخصوص كتاب (تاريخ الآثوريين) وهو الكتاب الأكثر تداولاً وإقتناءا لدى أبناء شعبنا فأن عنوانه الأصلي وباللغة الروسية هو (المسألة الآشورية أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى) وإن ترجمة أسامة نعمان إلى العربية غير سليمة وتفتقر إلى الدقة العلمية حيث أورد المترجم نصوص ومعلومات لا تمت بصلة إلى الكتاب الأصلي كما حرف وأساء ترجمة الكثير من المصطلحات والنصوص وحتى أن المترجم لم يأخذ موافقة المؤلف على الترجمة، هذا ماذكره لي البرفيسور ماتييف رحمة الله والذي كان جاري في لندن في منتصف التسعينيات من القرن الماضي وقبل عودته إلى روسيا.  وإنتقائية د. سوسه تظهر أيضاً في إقتباسه لنصوص من كتاب (الآشوريون في التاريخ) الذي جمع محتوياته إيشو مالك خليل جوارو وترجمه وأشرف عليه سليم واكيم – طبع في بيروت عام 1962. فمن المعروف عن هذين الكتابين ومؤلفهما بأنهم من الكتًاب المؤازرين والمؤمنين بالأصول التاريخ للأشوريين المعاصرين وإرتبطاهم قومياً ولغوياً وحضاريا بالأشوريين القدماء وهو الإيمان الذي يتناقض تماماً مع مزاعم د. سوسه ولكن مع هذا ينتقي منهم نصوص خدمة لمزاعمه وليس لتفنيد إيمان هذين المولفين.  كما أعتمد د. سوسه كثيراً على بعض النصوص من الكتاب المقدس ولكن لو رجعنا إلى أصل هذه النصوص في الكتاب المقدس فسوف نجد بأنه قد حرفها وحشرها في بحثه من أجل دعم وإسناد فكرته المسبقة وهدفه النفعي في البحث في هذا الموضوع في الوقت الذي يرى في نصوص توراتية أخرى التي لا تتوافق مع مزاعمه بأنها نصوص خرافية وأساطير يهودية من صنع اليهود. لا بل وأكثر من هذا فمن خلال قراءة كتابه المذكور نرى شحة معلوماته عن الآشوريين وكنيستهم وتاريخها والكثير منها مستمدة من مصادر فكرية غير موضوعية ومعروفة بمواقفها الإستبدادية تجاه الآشوريين أو النساطرة وحتى القليل الذي يستنبطه في هذا الكتاب فهو غير صحيح ويشوبه الكثير من الأخطاء. فعلى سبيل المثال إذكر القليل منها:
•   يذكر في الصفحة 77 من كتابه منتقيا من مقالة كتبها القس بطرس نصري "الكلداني" عام 1913 بأن قسم كبير من سكان جيلو (وهم من أحدى العشائر الآشورية الكبيرة المعروفة) مع ملكهم هم كاثوليك. صحيح أنه ماليك قمبرأبن ماليك بنيامين، وهو ماليك (زعيم) عشيرة جيلو تحول إلى الكاثوليكية بعد مقتل والد زوجته نمرود قبيل الحرب الكونية الأولى والذي كان له ميول كاثوليكية وهو عم البطريرك الشهيد مار بنيامين قد شكل بعد الحرب وبمساعدة السلطات الفرنسية في سوريا قوات سميت بـ "قوات الكلدو آشورية" وكان غالبيتهم من أبناء الكلدان والآشوريين الكاثوليك ولكن هذا لا يعني بأن أبناء جيلو تحول قسم كبير منهم إلى الكاثوليكية إذ فمن النادر جداً أن نرى عائلة كاثوليكية من عشيرة جيلو فهم متمسكين وظلوا متمسكين بإيمانهم بكنيسة المشرق "النسطورية". وبأسقهم مار سركيس.
•   يذكر في ص 87 بأن الملكة هيلانه أم الإمبراطور قسطنطين الكبير الذي أعتنق المسيحية في القرن الرابع الميلادي بفعل تأثير أمه بأنها مسيحية وأبنة قسيس سرياني من الرها. لا أدري من أين أستمد د. سوسه "سريانية" أبوية الملكة هيلانه، أفهل لأن والدها كان قسيساً  بيزنطينياً يعيش ويخدم كلمة الله في مملكة الرها (السريانية) أم كان فعلاً سريانياً لغة وثقافة وحضارة.. ونحن نعلم بأن د. سوسه لا يتوان أبداً في الإشارة إلى أن المملكة التي قامت في الرها هي عربية ولا أدري كيف كانت عربية ولغتها سريانية؟؟؟ ونحن نعرف بأن اللغة هي أسس الأساس في تحديد هوية الشعوب.
•    يفتقر د. سوسه إلى الدقة عندما يشير في ص 99 بان بعض النساطرة توجهوا إلى قبرص هرباً من بطش المغول في القرنين الثالث عشر والرابع فهذا غير صحيح فالنسطورية كانت منتشرة بين الأغريق في قبرص وكان لهم أساقفة من بلاد الرافدين ومن أصول أشورية وكلدانية وفي القرن الخامس تحولوا إلى الكثلكة بعد أن طلبوا من الفاتيكان أن يطلق عليهم تسمية الكلدان بدلا من النساطرة ثم في الأزمة اللاحقة أختفى هؤلاء ولم يعد أي نسطوري أو كلداني موجود في قبرص. كما يذكر بأن بعض النساطرة توجهوا إلى سواحل مالابار في جنوب الهند هرباً من نفس الإضطهاد وهذا جانب آخر من الفقر لدى د. سوسه في تاريخ الكنيسة المشرقية إذ لم يذهب إلى الهند غير بضعة أساقفة أو كهنة نساطرة إلى جنوب، فأتباع الكنيسة النسطورية في الهند كانوا من أصول هندية صرفة لغة وثقافة وتاريخاً.
•   في الصفحة 91 يذكر بأن الكنيسة المسيحية كانت مؤلفة من أربعة كراسي كنسية، أي كراسي بطريركية وهي إنطاكيا والإسكندرية وروما والقسطنطينية، ولكن أبسط المعلومات لتاريخ الكنيسة تقول بأنه كان لها خمسة كراسي بطريركية إذ نسى العلامة والباحث د سوسه أن يذكر أهم وأقدم وأشهر كرسي بطريركي وهو كرسي أورشليم والذي كان مار يعقوب أول بطريرك يجلس على هذا الكرسي المقدس.
•   يتطرق د. سوسه وهو العالم والعلامة في تاريخ الشعوب إلى لغة النساطرة وكثيراً ما يشير إلى النسطورية كلغة وثقافة ثم يشير إليهم كشعب أو مجتمع متجانس وهكذا من دون أي إعتبار للدقة العلمية المطلوبة في تحديد معنى اللغة والمقومات التي تحدد هوية الشعوب ونحن نعلم بأن النسطورية كانت معتقد وكنيسة الكثيرمن شعوب لهم لغاتهم القومية الخاصة بهم وليس حصراً بالآشوريين والكلدان فالإرتباك والإرهاصات واضحة وجلية في هذا المجال عنده وهي مسألة لا يقبلها العلم ولا المنطق.
•   يحاول د.سوسه إقحام نفسه في حقل السياسة والزعم بعلمه بالحركات القومية والسياسية الآشورية، فهو يركز في أكثر من مكان على هذه النقطة ويقلد الفكر العراقي الإستبدادي التقليدي تجاه الآشوريين ومسألتهم القومية في العراق. فالأسطوانة المشخوطة عند معظم المؤرخين العراقيين والتي يعيدها ويكررها د. سوسه والقائلة بأن الآشوريين طالبوا منذ الحرب الكونية الأولى وحتى عام 1933 وبتوجيه وتحريض من الإنكليز طالبوا بإنشاء دولة آشورية لهم في شمال العراق. فهذا الإدعاء ما هو إلا تزييف تاريخي وخلق أعذار لقمع الآشوريين في العراق وسحق مطالبهم البسيطة لا بل الساذجة التي طالبوا بها في مؤتمر قادتهم في العمادية عام 1932. (للمزيد عن هذا الموضوع أنظر كتابي المعنون: الآشوريين في السياسة والتاريخ المعاصر، من إصدارات إتحاد الأندية الآشورية في السويد، 1996).... ويرى د. سوسه، كما فعل غيره من المؤرخين العراقين، بأنه لغرض تحقيق مطلب الآشوريين وبطريركهم في إنشاء دولة آشورية في شمال العراق أرسل أرنولد ويلسون الحاكم الملكي العام في العراق برقية في آب 1920 إلى وزارة الحربية البريطانية طالباً فيها تحقيق هذا المشروع حيث قال فيها ما نصه (ستتهياً لنا فرص لإنصاف "الطائفة الآثورية" بطريقة ترضاها هي وترضاها الأفكار الأوربية وتمكننا من حل مشكلة من أعسر المشكلات الخاصة بالأقلية الدينية والجنسية في كردستان، وتخلصنا من خطر داهم على مستقبل السلم في شمالي العراق).... بالله عليكم هل يعقل أن تكون مثل هذه البرقية دعوة لإنشاء دولة آشورية في شمال العراق وتعتمد من قبل باحث وعلامة لإثبات وجهة نظره؟؟؟؟ أليس هذا نموذج على سذاجة و إنتهازية د. سوسه في هذا المجال؟؟؟ ففي منتصف التسعينيات من القرن الماضي أستهلكت أيام طويلة في البحث في المئات من الوثائق والبرقيات والتقارير والمراسلات والكتب الموجودة في المركز البريطاني للوثائق في منطقة كيوي في لندن عن هذا الموضوع فلم أجد ما يدعم زعم د. سوسه وغيره من المؤرخين العراقيين الذين تطرقوا إلى هذا الموضوع ولا وجدت أي وثيقة أو برقية صادرة من جهة رسمية بريطانية معتمدة تؤكد وعود بريطانيا في إنشاء دولة آشورية.
•   تاريخياً صحيح أن الآشوريين جلبوا اليهود إلى بلاد آشور ولكن المسألة الغريبة التي لا يقبلها المنطق والواقع هو في زعم د. سوسه بأنهم كانوا الأسباط العشرة المفقودة، فما هو الدليل عن كونهم تحديداً الأسباط العشرة المفقودة... أفهل ذهب الآشوريون إلى مملكة إسرائيل وأنتقوا عشرة أسباط فقط من بين الأسباط الأثنى عشر وجلبوهم إلى بلاد آشور؟؟ وهل كان كل الذين جلبوهم تحديداً من أبناء الأسباط العشرة... أسئلة وأسئلة أخرى لا أعتقد أي علامة أو باحث كدكتور أحمد سوسة أو ملهمه أساهيل غرانت يستطيع الإجابة عليها.

الدكتور أحمد سوسه يجتر الطبيب أساهيل غرانت:
كل ما ذكره د. أحمد سوسه ودونه في كتابه السالف الذكر هو بالتمام والكمال  أجترار ونقل بالحرف والمعنى ما زعم به مبشر الكنيسة البروتستانتية الأمريكية الطبيب  أساهيل غرانت في كون الآشوريين النساطرة أحفاد الأسباط العشرة اليهودية المفقودة.. فمن هو أساهيل غرانت؟.
كان طبيباً وفي مقتبل العمر تزوج ثم مرت حياته بتجارب عصيبة ومأساوية، ماتت زوجته الأولى في عام 1831 بعد أربعة سنوات من زواجه ثم تزوج مرة أخرى من أمرأة له نفس ميوله في المغامرة والإستكشاف. أثناء حضوره لمؤتمر تبشيري للكنيسة البروتستانتية الأمريكية في مدينة نيويورك أستلهم منه رغبته في الإندفاع نحو التبشير فحل رحاله مع عائلته إلى شمال بلاد مابين النهرين ليس للبحث عن الأسباط العشرة اليهودية المفقود بل لغرض التبشير بين النساطرة (المسيحيون الشرقيون... كما كانوا يسمونهم) والتي كانت تتزاحم عليهم الحملات التبشرية من مختلف الإتجاهات والبلدان والكنائس العالمية لكسب هذه الجماعة المسيحية القديمة إلى كنائسهم. قضى تسعة سنوات من سنة 1835 حتى وفاته في سنة 1844 في تلك المنطقة ومع الآشوريين النساطرة وخلال خمسة سنوات الأولى ماتت زوجته وهي مصابة بحمى لم تعرف أعراضها ثم بعد بضعة أشهر مات وخلال أسبوع واحد أبنتيه التوأمتين، وظل هو مريضاً وطريح الفراش عدة مرات حتى مماته في 24 نيسان من عام 1844 بعد أن أصيب بالتيفوس وهو شاب لم يتجاوز عمره أكثر من 36 سنة.

وغرانت كغيره من المبشرين البروتستانت يطغي العهد القديم على مناهجم الدينية وتفسيراتهم اللاهوتية وعلى نمط تفكيرهم الديني والتاريخي فتسود المعايير الثيولوجية واللاهوتية المستمدة من أصول توراتيه على دراساتهم التاريخية والكنسية. وكتاب غرانت نموذج مثالي في هذا السياق يعتمد على الفهم الأيديولوجي والسياسي للكتاب المقدس كمعيار لتسويغ تصوراته عن الآشوريين والتي كونها من خلال إختلاطه بهم ومن ظروفه المأساوية والإحباط الناجم عن فشل إرساليته في تحقيق أغراضها مع الآشوريين في منطقة هيكاري (للمزيد عن مكائد غرانت ودوره في الدوافع والإستفزازات للمذابح التي إرتكبها الزعيمان الكرديان مير بدرخان ونورالله في السنوات 1843 –  1848 ضد الآشوريين أنظر كتاب الآشوريون في التاريخ السالف الذكر – ص160 – 167). بعد وفاة غرانت تركز نشاط الإرسالية بين الآشوريين في منطقة أورميا وهناك وفقت في تحويل جماعات من الآشوريين من أتباع كنيسة المشرق إلى البروتستانتية. والإحباط الذي أصيب بها غرانت من جراء فشل إرساليته بين الآشوريين في هيكاري جعله أن يفقد توازنه الفكري ويرتبك في معايير تقيمه للظواهر والوقائع وقلب الموازين والنتائج رأساً على عقب بحيث تناقض نفسها وتخالف المنطق وبالتالي تفقد النسق والإنتظام المطلوب لكل بحث علمي كما تفقد شروط الربط المعقول بين أسباب أو عوامل تبرير الظاهرة أو الواقعة حتى تكون مقبولة لدى الآخرين.

أسردت هذه المقدمة عن حياة غرانت وأيديولوجيته وحالته النفسية المأساوية والإحباطية لتكون مدخلاً يسهل عملية فهم كتابهم المذكور. فخلال السنوات القليلة الأولى كان غرانت قد أنجز كتابه موضوع البحث والذي كان تحت عنوان طويل جداً وهو (النساطرة أو الأسباط العشرة المفقودة، إثباتات عن هويتهم، وصف لعاداتهم وتقاليدهم ومناسباتهم مع مخططات الترحال في آشور القديمة وأرمينيا وميديا وبلاد النهرين مع مقاطع من الكتاب المقدس حول النبوءة) والفرصة أتيحت لي وأنا في لندن أن أقرأ الطبعة الأولى الأصلية منه في مكتبة المتحف البريطاني في منتصف التسعينيات من القرن الماضي والذي طبع في لندن عام 1841 ثم تلته الطبعة الثانية في عام 1843 وترجم إلى الفرنسية، وكان الكتاب من أكثر المبيعات في حينه وفي السنوات اللاحقة وهذا ليس غريباً عندما نعرف بأن الكتاب يتحدث عن الأسباط العشرة اليهودية المفقودة الواردة في التوراة وكما نعلم بأن الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد يعتبر من أكثر المصادر إنتشاراً وتأثيراً في العالم، خاصة تأثير العهد القديم على العقلية البروتستانتية في الولايات المتحدة الأمريكية.

لا أريد أن أغوض في البحث والتحليل عن المعايير التي أعتمدها غرانت في تنسيب أو تشبيه أو إرجاع أصل الآشوريين النساطرة إلى الأسباط العشرة اليهودية المفقودة والتي أجترها د. سوسه في كتابه السالف الذكر لأن غيري ناقشها ورد عليها بموضوعية متناهية ومقبولة كما إنني كتبت رداً طويلاً عن هذا الكتاب وعن كتاب سوسه ضمن سلسلة (نماذج في تزييف تاريخ الآشوريين – الجز الثاني- ونشر في مجلة نجم بيت نهرين، المجلد الرابع، العدد الثاني، تموز 1996 – ص19 – ص 33، التي يصدرها المركز الثقافي الآشوري في دهوك) فمن يرغب المزيد يمكن مراجعة هذه الكتابات. لهذا سأكتفي بهذا القدر وأتوقف عن الركض وراء المهاترات والمهازل التي أوردها الطبيب المبشر غرانت وتلميذه د.سوسه في تزوير أصل وتاريخ الآشوريين لذلك قررت الكف عن متابعة مزاعمهم.

وأخيراً:
في الفترة التي كتب غرانت كتابه في منتصف القرن التاسع عشر لم تكن المعايير المعروفة في تحديد هوية الشعوب متبلورة وسائدة بشكل واسع ومعتمدة في دراسة القوميات والشعوب ولم تكن هناك مصادر ودراسات موضوعية عن أصل الآشوريين أو النساطرة. في الوقت نفسه نرى بأن رجال الدين ومن أتباع الكنيسة البروتستانتية المتأثرين جداً بالتوراة وتحديدا المبشرين الأمريكيين الذين كان العهد القديم المنظار الذي ينظرون من خلاله ويحللون الظواهر الإجتماعية وفق مفاهيمه ويبحثون عن أصل الشعوب وفق هذا المنظار وكما فعل غرانت. زد على ذلك ففي الفترة التي زار غرانت الآشوريين النساطرة في موطنهم هيكاري كانت الأمية سائدة ولا يعرف القراءة والكتابة غير القليل جداً من الكهنة ورجال الدين ولم يكن يعرفون من الدنيا غير الكتاب المقدس وتقاليد كنيسة المشرق وطقوسه وكان الوعي الكنيسي والديني مطبقاً على عقليتهم وربما ضمن هذا الوعي كانوا يفتخرون بأن يكون إنتسابهم إلى اليهود أو إسرائيل باعاتبارهم شعب الله المختار ولم يتوانوا في تلك الفترات أن يطلقوا عليهم بـ (أبناء الخال)!!! وبالتالي كانوا من السهل أن يقعوا فريسة مزاعم غرانت وهو طبيب سهلت مهمنته أن يتغلغل بينهم ويصل إلى قمة الهرم الإجتماعي عندهم أي البطريرك. ففي هذه الأجواء يجب أن نفهم كتاب غرانت عن أصل النساطرة.

وعلى العكس من هذا، فإن د سوسه كتب كتابه المذكور في الربع الأخير من القرن العشرين حيث كان الآشوريون في قمة وعيهم القومي ولهم تنظيمات سياسية وإجتماعية ومطبوعات منتشرة بشكل واسع سواء في العراق أم البلدان الشرق أوسطية الأخرى أم في المهجر وكانت هناك المئات من الكتب وبمختلف اللغات عن تاريخ الآشوريين وأصلهم والجذور التاريخية للنسطورية وكنستهم المشرقية ومما لاشك فيه كان د. سوسه مطلع على الكثير من هذه الكتب ولكن كل هذا كان بالنسبة له لا يساوي شيئاً في مقارنتها مع قوة الدوافع النفعية والإنتهازية التي هيمنة على عقليته عند كتابة الكتاب أعلاه وخضوعه للحملة البعثية في أعادة كتاب التاريخ .
 
إن المنهج الإنتهازي في معالجة أصل وتاريخ الآشوريين قاد. سوسه إلى تفسيرات ونتائج عجيبة وغريبة لا تقنع إلا السائرين على نهجه في تزيف تاريخ الآشوريين ويخدم الفكرالإستبدادي لحزب البعث والعروبيين والإسلامويين. فهي نتائج يشع منها عنصر الإستهجان لا بسبب مخالفتها للوقائع التاريخية ومصادرها العلمية فحسب بل بسبب تناقضها مع نفسها وبشكل صارخ وعميق وساذج يثير الإستغراب والإشمئزاز عن كيفية تقبلها بالنسبة للكاتب نفسه والجهة التي أصدرت الكتاب سيما وأن د. سوسه معروف في الأوساط العلمية العراقية والعربية والعالمية بإعتباره "عالماً جليلاً" وعضو في عدة مجاميع علمية ومنها المجمع العلمي العراقي. ولكن التساؤل يبقى قائماُ لماذا حشر د. سوسه نفسه في البحث في التاريخ القديم لليهود وبالتالي لم يجد ضياع أسباطهم العشرة إلا في النساطرة الذين بقوا على "نسطوريتهم" وفي الذين صبأوا إلى الكثلكة. شخصياً ومن خلال قرائتي للكتابين أعلاه وبعض المقالات التي كتبها د. سوسه لم أجد الجواب إلا في هدفين سعى د. سوسه إلى تحقيقهما:
الأول: الإنتقام من ماضيه وتبرير ترك دينه اليهودي وإعتناقه الإسلام... وهذه نظرية معروفة في علم النفس الإجتماعي عن الذين يتركون دينهم الأصلي ويعتنقون ديناً آخراً.
ثانياً: وهو الأهم، خدمة الفكر الإستبدادي لحزب البعث المقبور في العراق تجاه الأقليات وكما بينًا في أعلاه وذلك لأغراض نفعية. ثم بعد ذلك خلفته أبنته الدكتور عالية أحمد سوسه الإستاذة في قسم التاريخ في جامعة بغداد فبدأت هي الأخرى في خدمة أفكار والدها وتروجيها كغطاء لأصلها اليهودي ولا ندري ما الذي حل بمصيرها بعد كوارث عام 2003 ومن المعتقد بأنها خارج العراق وربما في الأردن وهي قريبة إلى إجدادها ولا يحتاجها إلى عبور الحدود للعودة إلى أصولها الأولية.
وأخيراً يجب أن لا ننكر بأن د. سوسه كان باحثاً كبيرا وعلامة في الهندسة المدنية وخاصة في هندسة الري أما في مسألة البحث عن تاريخ اليهود وتنسيب تاريخ كل الشعوب الأخرى كالأراميين والعموريين والبابليين والآشوريين والكلدانيين إلى العرب وتجريد الأساس التاريخي للآشويين عن أجدادهم القدماء وإرجاعه إلى الأسباط العشرة اليهودية المفقودة فأنه بلا شك مزور من الدرجة الأولى للتاريخ وخادم مطيع ومخلص للفكر العروبي والإسلاموي المستبد تجاه المختلف.


   

       






85
لا مناصب وزارية لأعضاء الأحزاب والمنظمات الكلدانية السريانية الآشورية- 2

                                                                                                                                       أبرم شبيرا

هناك مبدءان أساسان لا تنازل عنهما أو مساومات حولهما يدخلان  ضمن حدود الأيديولوجية القومية التي أومن بها:
الأول: نحن الكلدان والسريان والآشوريين أمة واحدة تجمعنا مقومات قومية وأهداف مصيرية واحدة مهما كانت التسمية مركبة أو قطارية أو كان طولها شبراً واحداً، فهي خارج حدود الأيديولوجية التي أومن بها. فالتسمية المركبة هي شكل أو إطار للمضمون الفكري والحضاري والقومي واللغوي لوحدة الأمة الكلدانية السريانية الآشورية. وليس بالضرورة، حسب المفهوم الفلسفي في العلاقة بين الشكل والضمون، أن يتطابقا خاصة في الظروف الإستثنائية غير الطبيعية ولكن في الصيرورة التاريخية للمجتمع سوف يتطابقان في مرحلة زمنية معينة قد تطول أو تقصر وذلك طبقاً للعوامل الذاتية والموضوعية المحيطة بأبناء المجتمع. موضوع طويل ومعقد ووعدنا القارئ الكريم بالبحث فيه في مناسبة أخرى.

الثاني: منذ فترة طويلة نقول ونستمر في القول بكل إصرار وثبات بأن الأمة التي ليس لها أحزاب سياسية أو منظمات قومية فاعلة ومخلصة ومستقلة في قرارها تبقى إرادتها السياسية والقومية مرهونة بإرادة الأمم الأخرى، وإن أي حزب سياسي مهما كانت قوته وجماهيريته فأنه لا يمكن أن يمثل في كل زمان ومكان مصالح الأمة برمتها وإرادتها الحقيقية بل يتطلب ذلك عدد معين من هذه الأحزاب والتنظيمات يتناسب عددها وحجمها مع عدد وحجم الأمة ويتناسق مع إمكانياتها الذاتية والموضوعية لكي يتم تمثيل مصالح الأمة برمتها أو بأجمعها والتعبير عن إرادتها في مواجهة الإرادات الأخرى. وآلية تحقيق هذا التمثيل لا يتم إلا عن طريق دخول هذه الأحزاب والتنظيمات في تحالف أو إتحاد أو تجمع خاصة في الظروف الإستثنائية الحرجة التي تتعاظم فيها الخلافات وتتصاعد نحو تناقضات عميقة يستوجب التعامل معها بجهود إستثنائية لتجاوزها أو حلها.

أذكر هذين المبدأين كمدخل مبدئي وأساسي لمناقشة الأخ أنطوان الصنا المحترم الذي أنتقد ووضح بعض الأمور في رده المعنون (الأخ أبرم شبيرا المناصب الوزارية لمتنظيماتنا في بغداد والإقليم إستحقاق إنتخابي دستوري) والذي نشر تباعا في الموقعين الموقرين عنكاوه دوت كوم و زوعا دوت أورك، على ما كتبته حول الموضوع أعلاه والذي نشر أيضا في الموقعين الموقرين المذكورين، مع أنه ليس من عادتي أو أسلوبي الكتابي والفكري أن أرد على الإنتقادات والتي بعضها تتجاوز حدود اللياقة الفكرية والأدبية إلا أنه لكون الأخ أنطوان يؤمن، كما ألاحظ من كتاباته، بالمبدئين المذكورين في أعلاه فإذن كل المناقشات والردود والإنتقادات التي سأذكرها في هذه السطور ستكون ضمن داخل حدود المبادئ التي نؤمن بها أو داخل سور البيت الفكري والقومي لأمتنا وبالتالي لاشك فيها ستكون بناءة ومفيدة في تفسير بعض الغموض أو النواقص أو سوء الفهم الذي قد يرد في أصل الموضوع أو الردود التي قد ترد عليها وبالتالي ستكون منهجاً صحيحاً ومفيدا في تطوير الفكر القومي السياسي لأمتنا. من هنا سأناقشه على مبدأ الإتفاق في الإساسيات والإختلاف في التفاصيل وهو أمر طبيعي جداً في دفع أي فكر نحو مراحل اكثر تقدماً وتطوراً.

 ضمن هذا الإتفاق في المبادئ الإساسية والإختلاف في التفاصيل أود أن أبين الملاحظات التالية على رد الأخ أنطوان وعلة هذا الإختلاف كما لاحظته يكمن في:
1)- عدم إستيعاب الأخ أنطوان المغزى القومي والشامل من الموضوع وعدم قراءته بدقة وبنظرة شمولية وعجزه أو تجاهله الغوص في أعماق مشاكل الأمة والظروف الصعبة التي تواجهها أحزابها السياسية وتنظيماتها القومية خاصة في تثبيت وتعزيز مصداقيتها لدى أبناء الأمة.
2)- الإختلاف بين منهجي في طرح الموضوع عن منهج الأخ أنطوان، وهو إنني أنطلق من منطلق قومي شامل في حين هو أنطلق من موقع حزبي محدد وكما يظهر من كتاباته بأنه أحد منتسبي أو مساندي المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري. و من هذا الفرق الواضح يتبين بأنني رغم عدم إرتباطي بالحركة الديمقراطية الآشورية إلا إنني أقدر نضالها الشاق وتحقيقها لبعض الإنجازات التي تعتبر في سياقها الزمني بالإنجازات العظيمة كشروع ودعم ومساهمة التعليم السرياني خاصة في الوقت الذي كان الكثير يحاربونه ويضعون القضبان في عجلة مسيرتها لغرض إفشالها وغيرها من الإنجازات السياسية والفكرية كبث ونشر الوعي القومي الوحدوي بين أبناء أمتنا... إلخ، ولايستطيع حتى الأعمى والغبي أن ينكر شعبيتها ونشاطها على الساحتين القومية والوطنية ولكن مع كل هذا فإن زوعا أو قيادتها أو أعضاءها ليسوا بقديسين أو ملائكة لا يخطئون أو يتعثرون في مسيرتهم الصعبة وكتبنا الكثير في هذا الموضوع وعلى قاعدة مفهوم التطور القائم على خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء. لهذا فواجبنا نحن المهتمين بشؤون هذه الأمة أن نبين لهم أخطاءهم والعثرات التي يعانونها والمشاكل العويصة المتجذرة بين أخاديد المجتمع والتي قد تكون رؤيتها ومعاينتها متعذرة على قيادة الحركة ونضعها في إطار إنتقادي بناء. وهذا ما فعلناه دائماً سواء بنشر مثل هذه الإنتقادات لعامة الناس أو بالتواصل مباشرة مع قيادة الحركة. فالتعظيم لزوعا كما يتهمني الأخ أنطوان هو في غير محله لأن العظيم هو الكمال وليس هناك صفة كمال في السياسة ولا في الحياة الدنيوية. في حين نرى بأنه هو في رده يعظم المجلس الشعبي ببيان الإنجازات العظيمة التي حققها من دون أن يبين شائبة واحدة عنه.

هناك نقطة أخرى يذكرها الأخ أنطوان بصدد تهميش المجلس الشعبي مستنداً على عدم ذكري لأسم المجلس بل تعظيم فقط لأسم زوعا وهذا دليل آخر على أن الأخ أنطوان لم يقرأ موضوعي بإمعان أو بنظرة علمية يستنط منه المغزى. في معظم لا بل جميع البحوث العلمية عندما يستوجب أثبات فكرة معينة قد يلجأ الباحث إلى طرح مثال أو مثالين أو أكثر وحسب المعلومات أو المصادر المتوفرة عن المثال المراد ذكره. وعند بحثي في طبيعة تكون تجمع التنظيمات السياسية الكدانية السريانية الآشورية والقائم على أحزاب وتنظيمات مختلفة ومتعددة أخذت زوعا كمثال على كونها من الأحزاب الكبيرة ولم أحصر هذه الصفة بها فقط بل أخذتها كمثال... اعيد مرة أخرى وأقول كمثال وليس حصراً. وسبب أشارتي إلى زوعا كحزب كبير هو توفر العديد من المراجع والمعلومات والمصادر عنها لا بل والأكثر من هذا  فإنني أعرف المئات إن لم يكن أكثر من أعضاء زوعا وكثيراً ما ألتقي بهم وبينهم عدد من أعضاء قيادتها سواء في الوطن أم في المهجر وأستمد منهم الكثير من المعلومات أو أوضح بعض أمورهم أو أنتقدها. وأقول صراحة بأنني لا أعرف أعضاء من المجلس الشعبي أكثر من أثنين أو ثلاثة وليس لدي غير ورقة أو ورقتين عنه أستمد منها معلوماتي اليسيرة جدا والتي لاتصلح أو تكفي لأخذها كمثال للحزب الكبير. أذن أليس من حقي ومن حق الموضوعية المطلوبة في مثل هذه الكتابات أن أشير إلى زوعا كحزب كبير... فإذا كانت مثل هذه الموضوعية تعظيم لدى الأخ أنطوان وتهميش للمجلس أقول بكل أسف فهو مخطاً.

لا أريد أن أتابع رد الأخ أنطوان سطراً بسطر أو فقرة بفقرة تجنباً لإطالة موضوعنا، فالكثير منها نجد إجابتها في متن الموضوع الذي كتبته فيما إذا تم قراءته بهدوء وعدم التحزب وبموضوعية ولكن أود أن أوضح نقطتين فقط في هذا السياق:

الأول: مفهوم الإستحقاق القانوني: ركز الأخ أنطوان بشكل مكثف على هذا المفهوم وألح كثيراً على أحقية الأحزاب الفائزة في الإنتخابات في تولي المنصب الوزاري والمناصب الحكومية الأدنى منه. فالحركة الديمقراطية الآشورية فازت بثلاثة مقاعد في البرلمان المركزي فأستحقت لمنصب الوزير فتم تعيين المهندس سركون صليوا عضو قيادتها كوزير للبيئة. وللمجلس الشعبي ثلاثة أعضاء في البرلمان الإقليمي لكردستان فإذن كما يقول ألأخ أنطوان بأن منصب الوزير لأبناء أمتنا في حكومة الإقليم المرتقبة سيكون مستحقاٌ للمجلس الشعبي وشدد كثيرا على هذا الإستحقاق إلى درجة القلق والخوف من الإقتراح الذي أقترحته في موضوعي السابق من فقدان المجلس لمنصب الوزير في إقليم كردستان. من المؤسف أن أقول بأن الأخ أنطوان يفتقر إلى الثقافة القانونية وإلى النظرة الموضوعية في قراءة موضوعي. لو قمنا بجولة في مقالتي وإقتراحي عن تعيين أحد أبناء أمتنا من خارج أحزاب وتنظيمات تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية فلا نجد أي تحريم أو تجريد لهذه الأحزاب والتنظيمات بما فيهم المجلس الشعبي من هذا الإستحقاق القانوني ولكن عجز الأخ أنطوان عن فهم الأسلوب الذي طرحته في كيفية فهم هذا الإستحقاق هو الذي قاده إلى إتهامي بتحريم المجلس الشعبي من هذا الإستحقاق. ذكرت في  مقدمة موضوعي بأن السيد نجيرفان البرزاني المرشح لتولي مسؤولية تشكيل الحكومة الإقليمية الجديدة أجتمع بأعضاء التجمع وقد يكون قد طلب منهم أن يتفقوا على الشخص الذي سيتسنم منصب وزير في الوزارة المرتقبة كما ذكرت في الفقرة الأخيرة من موضوعي مقترح للأعضاء التجمع أن يقوموا هم  بترشيح ودعم تعيين شخص من أبناء أمتنا الأكفاء والمخلصين والصامدين في أرض الوطن من دون أن يكون عضواً في أحزاب وتنظيمات التجمع. كل هذا وغيره يؤكد أحقية أعضاء التجمع في الإستحقاق الإنتخابي عن طريق ترشيح أو تعيين الشخص لمنصب الوزير. ولما كان هناك تألف وتقارب وتفاهم بين أعضاء التجمع على الإستحقاق القانوني للمجلس الشعبي ليكون الوزير من أعضاءه كما يقول الأخ أنطوان إذن ما المشكلة إذا تم ترشيح شخص من خارج التجمع وللتجمع وبالأخص للمجلس الشعبي قول الفصل والحسم في أمر ترشيح الشخص المراد توزيره.

هذا، إضافة إلى وجود عجز قانوني عند الأخ أنطوان في فهم الإستحقاق القانوني الذي يخاف عليه ويخشى من فقدانه. سؤال بسيط وهو: ما مصدر هذا الإستحقاق القانوني؟؟؟ أنه الشعب.. ألم تسمع بأن الشعب هو مصدر السلطات كلها خاصة ونحن نتكلم كثيرا عن الديموقراطية ولا نطبق منها حتى القليل. لقد أستمد سواء المجلس الشعبي أو زوعا إستحقاقهم القانوني في "تملك" منصب الوزارة من تصويت أبناء أمتنا لمرشحيهم في الإنتخابات البرلمانية ونجاحهم في الحصول على المقاعد في البرلمان، إذن لماذا لا يرجع التجمع بما فيه المجلس الشعبي إلى الشعب الذي أنتخبه ويستخدم حقه في الإستحقاق القانوني للوزارة في إختبار أحد أبناء أمتنا الشرفاء والكفوئين والصامدين في أرض الوطن ؟ حينذاك سيثبت المجلس الشعبي بأنه فعلاً من الشعب وإلى الشعب. ثم كثيراً ما نقارن تجربة أمتنا وتجربة العراق في "الديموقراطية" بتجارب الديموقراطية في البلدان الغربية والمتقدمة وبنظمها المثالية في الإنتخابات وتشكيل الحكومات، كما فعل الأخ أنطوان، ولكن إذا كان الأمر هكذا إذأ لماذا لا نأخذ الجانب الآخر من هذه المقارنة ونستفاد منها. فكثير من الأحزاب الفائزة في الإنتخابات البرلمانية في هذه الدولة قد تضطر في بعض الأحوال إلى الأخذ بتعيين أشخاص كفوئيين  ومخلصين ومهنيين ويعرفون بالتكنوقراطيين في مناصب وزارية. ونحن لا نستطيع أن ننكر إطلاقاً بأن الظروف التي تمر بها أمتنا في الوطن هي إستثائية غير طبيعية وهناك المئات بل الألوف من أبناء أمتنا في الوطن من خارج أحزابنا وتنظيماتنا القومية السياسية لهم كل الإستحقاق القانوني والقومي والأخلاقي في أن يتسنموا مناصب وزارية وغيرها من الوظائف المهمة التي تتم عن طريق الترشيح من قبل الأحزاب والتنظيمات الممثلة في البرلمان ومن ثم حصول التعيين لهم. أليس هذا شكلا أكثر قبولاً من قبل أبناء الأمة من حصر مثل هذه الوظائف في عدد صغير من الإشخاص المنتمين إلى الأحزاب والتنظيمات السياسية؟؟؟ أليس هذا مكسباً شعبياً ونكران الذات والتضحية بالمصالح المادية لهذه الأحزاب والتنظيمات؟؟؟ أليس هذا حصانة لهذه الأحزاب والتنظيمات من أي تهور أو فساد أو مخالفة قد يقوم بها "وزيرهم" ويخضع لسيف هيئة النزاهة ويشوه سمعتهم ويزيد تأكيد الهمس والقول بأن أحزابنا لا تعمل إلا لمصلحتها الخاصة وما يترتب على ذلك من أحباط في المجتمع وفقدان الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية لمصداقيتهم لدى أبناء الأمة ؟؟؟ أسئلة وأسئلة كثيرة يستوجب النظر إليها بنظرة موضوعية شاملة وليس بنظرة تحزبية ضيفة.

الثاني: الموقف من تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية:

يتهمني الأخ أنطوان بأن  في مقالتي السالفة الذكر أحاول التشكيك بمستقل التجمع السياسي وأنه يثير الكثير من البلبلة والريبة والشكوك بين أعضاء التجمع... بالله عليكم... أليس هذا دليل على أن الأخ أنطوان لم يقرأ بدقة موضوعي وخاصة عند الحديث عن التجمع؟؟ ... منذ تأسيس التجمع قبل أكثر من سنة لم يكتب، حسب علمي، أي شخص خاصة من خارج التجمع مقالة أو موضوع يبحث بشكل علمي وموضوعي يخدم مصلحة التجمع غير شخص واحد وهو أبرم شبيرا... ألم يقرأ الأخ أنطوان موضوعي السابق عن بعض المقترحات حول تطوير العمل السياسي للتجمع والذي نشر في موقع عنكاوه الموقر وبينت أهتمامي ومخاوفي على مستقبل التجمع؟؟؟ أرجو أعادة قراءة الموضوع الحالي لتعرف عزيزي مدى أهتمامي الكبير بالتجمع وتقديري لا بل وتثميني للجهود الكبيرة التي يبذلها أعضاءه من أجل خدمة هذه الأمة، لا بل وقد وصل تقديري إلى درجة أعطاء له الصفة الشرعية في تمثيل الأمة، أفهل تجرأ أحد سواء من أعضاء التجمع أو خارجه أعطاء مثل هذه الصفة للتجمع وهي الصفة التي أكتسبها للأسباب الموضوعية التي ذكرتها في مقالتي.. إلا يكفي هذا لنفهم موقفي الإيجابي الصريح من التجمع؟ فإذا كان الأخ أنطوان يعتقد بأن التجمع معبد إلهي يجمع ملائكة وقديسين طاهرين من أية خطيئة ومحصنين من أية شائبة أو خطأ فهذا شأنه الخاص ولكنه شأناً ميتافيزيقي ووهمي لا وجود له في عالم السياسة والواقع الإنساني لأن هم بشر يسيرون في مسالك صعبة وشائكة ويخوضون مهمات سياسية معقدة ولا شك في ذلك سيواجهون عثرات ومصاعب وقد يفلحون أثناء مسيرتهم في تجاوزها أو يخفقون، فالممارسة السياسية قائمة على مبدأ الخطأ والصواب. أن بياني لبعض النواقص وملامح من جوانب سلبية في عمل التجمع هذا لا يعني إلا أهتمامنا الكبير بمستقبل هذا التجمع لكي يستمر ويتواصل عمله القومي في هذا الزمن الصعب. أما إذا كان الأخ أنطوان يعتقد بأن مثل هذا السلوك في دراسة وفهم التجمع هو تشكيك بمستقبله وإثارة البلبلة والريبة والشك بين أعضاء التجمع فهو مخطاً بالتمام والكمال.

كنت أرغب على تواصل عرض نقاط توضيحية أخرى عن الموضوع ولكن فجأة أنصدمت بصدمة قومية ومأساوية حالت دون ذلك. ومصدر هذه الصدمة هو الاستخفاف الفكري والإنحطاط السياسي للبعض الذي تجرأ وطلب من السلطات المعنية في إقليم كردستان ومن دون أي وازع إخلاقي وألتزام مبدئي طلب ترشيح شخص أو أكثر في المهجر لمنصب الوزير وهم لا يمثلون سوى صوتهم المبحوح الصارخ في وادي الإنفصال وتميزيق جسد الأمة الكلدانية السريانية الآشورية ضاربين بذلك عرض الحائط معاناة ومأساة أبناء الأمة الصامدين في أرض الوطن ومحاولين سرقة حقهم الطبيعي والشرعي منهم في تمثيل من يعيش معهم ويعاني ويضحي من أجلهم على أرض الوطن... لم أكن أتصور بأن المستوى الفكري والسلوكي لمثل هؤلاء وصل إلى هذا الحد، ولكن تذكرت بأن الإنسان اليائس والفاشل دائماُ يلجاً إلى الأوهام والخزعبلات ... أليس عيباً ان نرشح شخص لمنصب الوزير وهو يعيش في رفاهية دول المهجر ونترك أبناء امتنا الصامدين في الوطن... عيب ... والله عيب.   
               

 

86
شباط ... شهر الفداء والإستشهاد
==========================

الجنرال أغا بطرس … شهيد الأمة الكلدو آشورية


                                                                                                                                       أبرم شبيرا
مضى شهر شباط ولا ندري إذا كانت مصادفة أم قدر إلهي أن يستشهد البعض من أبناء أمتنا في هذا الشهر والذين خلدهم تاريخنا القومي. ففي الأسبوع الأول منه أستذكرنا بطولة وتضحية شهداء الأجيال المعاصرة: يوسف توما و روبرت بنيامين ويوخنا إيشو الذين أعدمهم نظام الغدر والظلم في بغداد عام 1985. وفي منتصه ذكرنا بكل إجلال ووقار روح التضحية والفداء ونكران الذات لأمير الشهداء مار بنيامين بطريرك كنيسة المشرق الذي أستشهد عام 1918 وحاولنا إستلهام الدروس والعبر من حياته القصيرة المليئة بالتضحيات من أجل أمته، ولكن يظهر بأنه فات علينا أن نذكر جنرال الأمة أغا بطرس الذي هو الآخر أستشهد في الأسبوع الأول من شهر شباط عام 1932 ومن المؤكد بأن هناك الألاف أن لم تكن مئات الألوف الذين أستشهدوا في نفس شهر شباط من أجل الأمة الكلدانية السريانية الآشورية ودخلوا في سجل الشهداء المجهولين. وأكراماً وتبجيلاً لروح جنرال الأمة أغا بطرس نعيد تسطير هذه السطور عن حياته ونضاله ومعاناته وإستشهاده.   

يعتبر إغا بطرس إيليا البازي رمز من رموز النضال القومي ونجم ساطع في أفق هذه الأمة الصغيرة  تبهر مأثره القومية الخالدة دروب شباب اليوم في مسيرتهم النضالية بالدروس والعبر وتؤهله بطولاته ومشاريعه القومية اعتلاء منصة أبطال التاريخ القومي والسياسي لأمتنا ويستحق أسمى أنواط الشجاعة والتقدير لأنه فعلاً يركن في أعماق قلوب جميع المناضلين السائرين على هدى خطاه ومسيرته التي رسمها بتضحياته ودمائه  من أجل إحقاق حق هذا الشعب في تقرير مصيره القومي بنفسه وفي وطنه الأم بيت نهرين.

منذ البداية أدرك جنرال الأمة بأن الحرية والكرامة القومية أشرف وأنبل القيم في حياة الإنسان، وعندما أقترب وقت إثبات ذلك فعلاً وممارسة لم يتردد إطلاقاً في ترك حياة الترف والسعادة الشخصية التي كان يتمتع بها مع عائلته ووظيفته كسكرتير لقنصل تركيا في أورمي،  ولم يبخل إطلاقاً على الأرباح التي كانت تدر عليه من تجارة السجاد كما لم تفتنه حياة الرفاهية في فرنسا وأميركا، فترك كل ذلك من أجل حرية وكرامة بني قومه فامتطى صهوة جواده وحمل بندقيته رافعاً لواء الأمة الكلدو أشورية، الذي كان أول مناضل من أطلق على هذه التسمية المركبة، عالياً من أجل تقرير حقها في بناء كيانها السياسي القومي في أرضها التاريخية. قاد الحركة القومية  وفق مبادئ وقيم جديدة راسياً بذلك منهجاً قومياً تحريرياً في مسيرة النضال القومي، وهي ملحمة قومية معروفة في تاريخنا السياسي المعاصر والتي احتلت صفحات طويلة من كتب التاريخ الحديث، وهي نفس الصفحات التي أثارت أيضاً غيض وحقد العديد من مفكري ومؤرخي النخبة العراقية الحاكمة وأسيادهم الإنكليز ومن لفهم من أعوانهم ، فخصصوا صفحات من الكتب عنه كما احبكوا قصص كاذبة وملفقة عن جنرال الأمة لا لشي إلا لتقليل من مكانة نضاله وتشويه سمعته، قبل قتله وفناءه، وهي المهمة التي فشلوا فيها حيث لم يفلحوا في إزاحته من قلوب أبناء الأمة حتى بعد مماته، بل ظل كما كان يحتل أسمى مكانة وأرفعها في تاريخ السياسي القومي المعاصر.

أن جنرال الأمة يعتبر وبحق بطلاً من أبطال تاريخ هذه الأمة وهناك جملة حقائق تؤكد ذلك وتجعله أن يكون بمصاف الأبطال الشهداء، نذكر منها:

1)   - كان أغا بطرس من القلائل الذين تأثروا تأثيراً مباشراً وعميقاً بأفكار الثورة الفرنسية وبمبادئ التحرر والاستقلال القومي وحقوق الإنسان وحق الأمم في تقرير مصيرها وبناء دولتها القومية والتي انتشرت في أوربا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وانتقلت فيما بعد إلى بقية مناطق الشرق الأوسط  بما فيها بلاد آشور. فكانت مشاركة جنرال الأمة في الحروب التحريرية مع جيوش بعض البلدان كفرنسا وروسيا ومن ثم حصوله على العديد من نوط الشجاعة تقديراً لبطولاته وخدماته العسكرية الكبيرة لمبادئ التحرر والاستقلال، تجسيداً لإيمانه بهذه المبادئ والقيم، وليس كما يحاول البعض تزيف التاريخ والحقائق وإلصاق تهم وأكاذيب بحق هذا البطل، فمثله هو كغيره من رجال الفكر والسياسة الأمريكيين الذين شاركوا مع الجيوش الفرنسية أثناء الثورة الفرنسية والحركات التحريرية الأوربية أو الفرنسيين الذين شاركوا أثناء حرب الاستقلال الأمريكي مع الجيوش الأمريكية إيماناً بمبادئ التحرر والاستقلال من الاستعمار البريطاني، فجنرال الأمة لا يختلف عنهم كثيرا إلا من حيث الشهرة العالمية وسعة الانتشار ومن حيث تخليدهم من قبل شعوبهم ودولهم واعتبارهم رموز وطنية لبلدانهم.
2)- أغا بطرس، كزعيم قومي، هو نتاج مخاض جملة ظروف تاريخية تشكل انعطافاً خطيراً في سياق التطور التاريخي لأمتنا وتحولاً جذرياً للمجتمع ظهرت في إعقاب الحرب الكونية الأولى وما بعدها. فعشية انهيار النظام الاجتماعي والذي كان قائماً على بنية تحتية تمثلت في وحدة (العائلة-العشيرة)، خاصة في منقطة هيكاري – تركيا حاليا، كأساس لبنية فوقية انعكست في المؤسسة الدينية والنظام العشائري والذي بدأ بالانهيار عقب مذابح مير بدرخان في هذه المنطقة منذ عام 1843 وتشريدهم من مناطقهم ومن ثم اغتيال المجرم سمكو للبطريرك الشهيد مار بنيامين عام 1918 وما أعقب ذلك من تشتت أبناء الأمة واقتلاعهم من أوطانهم وطغيان الفوضى الفكرية والسياسية على المجتمع . فكان من الطبيعي، وضمن هذه الظروف، أن يبرز زعماء وقادة قادرون على الاستجابة الفورية لمتطلبات الواقع الجديد ولطموحات الأمة التي بدت مقبلة على تحولات جذرية خطيرة بهدف انتشالها من المأساة والفواجع التي حلت عليها ومن ثم توجيها نحو الطريق الصحيح وقيادتها لتحقيق أهدافها القومية وبما تتلاءم مع الظروف الجديدة التي أطلت على أبناء الأمة بعد انهيار نظامهم الاجتماعي التقليدي وعجزه عن مجارات الأحداث الجديدة. فكان أغا بطرس نموذجاً حياً واستجابة طبيعية لمثل هذه الظروف التي فرضت ضرورتها وجود زعماء على المستوى القومي تتحمل مسؤولية بناء البنية الاجتماعية والسياسية الجديدة مختلفة ومتجاوزة في عين الوقت للبنية القديمة وتشكلاتها وضمن أطر سياسية وفكرية شاملة، وهذا ما تمثل في مسعى ونضال أغا بطرس في سبيل إيجاد كيان سياسي قومي مستقل لجميع أبناء أمته.

3)– يعد جنرال الأمة أول زعيم قومي جاوز قولاً وفعلاً الأطر الطائفية الضيقة التي كانت وظلت تنخر بالجسم القومي  وتمزقه أشلاء أشلاء. فكان وبحق عظيماً عندما أدرك هذه الحقيقة وآمن بها وناضل من أجل بناء كيان قومي شامل لكل طوائفه دون تمييز. فبسبب إيمانه القومي الأصيل لم تمنعه "كاثوليكيته" من تبنى الفكر والنضال القومي والتضحية بحياته من أجل أمته الكلدو آشورية ولا كانت عائقاً أمام  الأبطال من مختلف الطوائف الكاثوليكية والنسطورية واليعقوبية وحتى اليزيدية من السير خلفه جنوداً وفداءً لأرض آشور التي رسم أغا بطرس حدود خريطتها بدماء الأبطال ونضالهم لتشمل تلك الخريطة وتضم جميع الطوائف والعشائر والملل دون أي تمييز.

4)- كما يعد بطرس أول زعيم  قومي من خارج المؤسسة الكنسية- العشائرية جاوز في نضاله أطر البنية الفكرية والاجتماعية التقليدية للمجتمع الآشوري في منطقة هيكاري نحو آفاق قومية أشمل وأوسع تتوافق مع المفاهيم الحديثة للقومية وضرورة تجسيد هويتها في كيان سياسي مستقل وخاص بها بعيداً عن كل الاعتبارات الطائفية والعشائرية والنفعية. من هذا المنطلق، كان من الطبيعي أن يواجه مقاومة أو رفض، ضمناً أو صراحةً، من قبل المؤسسة الدينية – العشائرية ومن النظام الاجتماعي القديم الذي آل بحكم الزمن والظروف الجديدة إلى الجمود وأصبح غير قادر على استجابة واضحة وصريحة ومباشرة وفاعلة للمتطلبات القومية والسياسية للأمة في المرحلة التي أعقبت الحرب الكونية الأولى. فمرحلة بروز أغا بطرس، كزعيم قومي على المسرح السياسي، يمكن أن تشكل مرحلة بداية الصراع بين رموز نظام اجتماعي تقليدي يقاتل للحفاظ على زعامته السياسية وتثبيت هيمنته على أوضاع سياسية واجتماعية وفكرية التي كانت سائدة قبل الحرب الكونية الأولى وبين رموز قومية جديدة تسعى لبناء نظام اجتماعي جديد، أي بعبارة أخرى، تمثلت هذه المرحلة بداية الصراع بين القديم والجديد، بين الزعامة التقليدية  المتبنية للفكر القومي التقليدي المستند على بنية دينية - عشائرية من جهة، وبين الزعامة القومية الناشئة والمتبنية للفكر القومي الجديد المستند على مفاهيم التحرر القومي، مع ضرورة أخذ كل من مفهومي القديم والجديد، أو القومي والديني، ضمن سياقهما الزمني والمكاني والظروف المحيطة بهما. وعلى العموم، يمكن اعتبار هذه المرحلة الحد الفاصل بين المجتمع القديم والمجتمع الجديد وبداية نشوء التاريخ السياسي القومي الحديث للأمة.
هذا الصراع الضمني الداخلي الذي لم يؤدي إلى حسم الوضع من قبل أي من الطرفين، أو إلى تعايش متناسق يجمع بين الأصالة والمعاصرة، أو يتمكن من التوفيق بين التراث والمفاهيم التقليدية وبين مبادئ وأفكار التحرر القومي الجديدة، هو الذي قاد الأمة في نهاية المطاف إلى نهايات مأساوية، لم يكن سبب ذلك ضعف الذات القومية الفاعل فحسب وإنما إلى قسوة وهول الظروف الموضوعية القاسية والظالمة التي أحيطت وفرضت على أبناء الأمة والتي أثرت تأثيراً عميقاً على الذات بحيث حشرتها في زاوية مميتة تمكنت القوى المنتفعة، كبريطانيا، من استغلالها ودفع الآشوريين إلى هاوية الموت والفناء، فكان كل ذلك قد سبب طغيان الفوضى الفكرية والارتباك السياسي على المجتمع وعلى زعامته والتي تجلت فيما بعد في فشلها من استغلال الظروف والفرص المأتية لتحقيق أهداف وتطلعات أبناء الأمة. ولعل فشل الحركة القومية الآشورية عام 1933 والمأساة التي رافقتها في مذبحة سميل تمثل نموذجاً قياسياً في ذلك ومن ثم تواري الحركة القومية لأكثر من عقد من الزمن.

5) – كما يعتبر أغا بطرس أول زعيم قومي يجاهر علناً وصراحة ويعمل أيضاً من أجل بناء كيان سياسي قومي مستقل للكلدو آشوريين في أرض آباؤهم وأجداهم ويناضل نضالا صعباً وحتى يائساً وبالضد لجميع الرغبات الداخلية والخارجية المتضررة من قيام مثل هذا الكيان القومي. فعندما أدرك بأن الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بالأمة من جهة، والإمكانيات الاقتصادية والسياسية والإدارية الضعيفة أو المفقودة أصلاً من جهة أخرى لا تخدم فكرته ومشروعه القومي، اضطر إلى أن يلجأ إلى فكرة وضع هذا الكيان الناشئ تحت حماية أو انتداب إحدى الدول العظمى المتحكمة في المنطقة وكمرحلة تمهيدية لتجاوز الصعوبات القائمة والمخاطر المحتملة وفي وسط جغرافي وسكاني يكتظ بالأعداء التاريخيين المتربصين لفرص الانقضاض على أبناء الأمة وإفناءهم. غير أن خيانة بريطانيا لوعودها المقطوعة للآشوريين وخشيتها من طموحات أغا بطرس القومية، تراجعت عن تأييدها الأولي لمشروعه، خاصة بعد صدور مقررات مؤتمر القاهرة عام 1920 والقاضية بتأسيس دولة عربية في بلاد ما بين النهرين تتكون من الولايات العثمانية الثلاث، بغداد والبصرة والموصل، ونصب فيصل بن الحسين ملكاً على عرش الدولة الجديدة كعربون للعرب عن وقوفهم إلى جانب بريطانيا في حربها ضد الدولة العثمانية.  فوجدت بريطانيا بأن مشروع أغا بطرس في إقامة كيان سياسي قومي للكلدو آشوريين في شمال بيت نهرين يتعارض ويعرقل مشروع الدولة العراقية ويهدد مشاريعها السياسية ومطامعها الاقتصادية في البلاد، فبدأت مع بعض من أتباعها السائرين في فلكها ببث دعايات وأقاويل سيئة عنه من أجل إزاحته من موقع الزعامة الذي أحتله حتى تمكنت في نهاية المطاف من تدبير أمر رسمي لنفيه من أرض الوطن إلى فرنسا لغرض التخلص منه ومن إصراره على استمرار النضال والمطالبة بالحقوق القومية والتي كانت تقلق مضجع الإنكليز كثيراً.

6) – أن الصراع الضمني أو الخلاف العلني بين جنرال الأمة والمؤسسة الكنسية وحاشيتها، نكرر مرة أخرى ونقول بأنه يجب أن يفهم ضمن سياق الزمان والمكان للظروف التي كانت تحيط بالأمة وبمرحلة التحول التي كانوا يمرون بها. أي أنها مسألة طبيعية قائمة في كل المجتمعات الإنسانية المقبلة على تحولات جذرية ويجب أن لا نبالغ فيها ونصورها كأنها كانت عداءاً سافراً لا يمكن حله أو التوفيق بين الجهتين، وهو ما صوره الإنكليز للزعامة الكنسية وبثوا إشاعات بأن "أبن الأرملة"، أي أغا بطرس كما كانوا ينعتونه، ويروجون عنه بأنه لا ينتمي إلى طبقة أو فئة زعماء العشائر"ماليك" وأنه يريد إزاحة البطريرك من زعامة الأمة لكي يحتل مكانه وأن بمشروعه القومي يريد أن يكون زعيماً للآشوريين والكلدان. غير أن من يقرأ التاريخ بقلب صافي وبوعي ثاقب يدرك مدى إخلاص جنرال الأمة للزعامة الكنسية خاصة بالنسبة للبطريرك. ففي عهد أمير الشهداء مار بنيامين، رغم حساسيته المرهفة تجاه المبشرين الكاثوليك الغربيين واستهجان أعمالهم، فأنه كان يعتمد اعتماداً كلياً على إغا بطرس في حملاته العسكرية وكان يعتبره العنصر العسكري القوي والضارب في حماية الآشوريين خاصة من أتباع كنيسته "النسطورية" من اعتداءات الأكراد وهجمات الأتراك، وحتى بعد استشهاد البطريرك مار بنيامين فأن جنرال الأمة لم يفقد موقعه القيادي وقربه للزعامة لكنيسة وحاشيتها بل ظلوا هؤلاء يعتمدون عليه بما فيهم سرمه خانم وأخيها داود المارشمعوني. غير أن الإنكليز وبأساليبهم الثعلبية المعروفة في زرع الشقاق والفرقة تمكنوا بعد الحرب العالمية الأولى من إخضاع الزعامة الكنسية إليهم، بغياب دور البطريرك الطفل مار شمعون إيشاي، لغرض تحقيق مآربهم وعن طريق تخويف الزعامة الكنسية من مشاريع وطموحات أغا بطرس القومية وتصوريها كأنها تهديد لها من شخص علماني كاثوليكي يريد تدمير كنيسة المشرق "النسطورية" لذلك اقنعوهم بأن أبعاده من العراق سوف يخدم مصلحة الكنيسة والأمة. ومع كل هذا، من يقرأ مواقف أغا بطرس ورسائله الموجهة إلى زعامة الكنيسة سوف لا يجد إطلاقاً أي نقد أو معارضة أو تهجم على الكنيسة المشرقية أو على زعامتها أو على بطريركها بل على العكس من ذلك تماماً كان يكن لهم جميعاً احتراماً شديداً ويتعامل معهم بكل لطف وأدب، وهذا ما تثبه الأوراق والرسائل التي تركها بعد وفاته.

أن هذا الموقف هو نفسه الذي مارسه الإنكليز في تلك الفترة مع معظم رواد الحركة القومية الآشورية وتحديدا مع المبدع الكبير الشهيد فريدون أتورايا الذين تمكنوا من إيقاع الفرقة والشقاق والكراهية بين زعماء الكنيسة وزعماء الحركة القومية الآشورية وتصوير ذلك وكأنه صراع لا يمكن حله بالتفاهم حول تحديد مصلحة الأمة والكنيسة معاً وكيفية ارتباطهما ارتباطاً عضوياً تتحقق مصلحة كل واحد من خلال تحقق مصلحة الآخر، وأن أي ضرر يصيب الطرف القومي سيصيب الطرف الديني بالنتيجة والحتم والعكس صحيح أيضاً. ومن المؤسف أنه حتى بعد ابتعاد تأثير الإنكليز منذ سنوات طويلة فإننا نجد مثل هذا الفتور وعدم القدرة على التودد والتفاهم وتحديد الحدود بين الكنيسة والمؤسسات القومية والأحزاب السياسية والعمل سوية من أجل تحقيق الصالح العام لأبناء الأمة، وهي المسألة التي يتطلب بحثها في  صفحات طويلة نتركها لفرصة أخرى.

7) – إضافة إلى كون جنرال الأمة عسكرياً بارعاً ومن الدرجة الأولى ومعترف بمهارته القيادية من قبل رؤساء بعض الدول الكبرى وقادتها العسكريين حينذاك، فأنه كان أيضاً سياسياً محنكاً ودبلوماسياً ذكياً.  لقد أدرك الإنكليز منذ البداية بأن مثل هذا الشخص لا ينفعهم بل يضرهم ويضر بسياستهم في العراق لذلك كانوا يكرهون أغا بطرس ويحاولون إبعاده عن موقعه القيادي المؤثر لأنه كان عارفاً وبشكل جيد مناورات الإنكليز في استخدام الآشوريين لغرض تحقيق مصالحهم في العراق، كما كان، بفعل خبرته ومهنته في القنصلية التركية في أورمي واحتكاكه بالدبلوماسيين ورجال السياسة وكثرة تنقلاته بين الدول الكبرى وإتقانه لعبة المناورات السياسية والدبلوماسية، كان دبلوماسياً لا يفوت عليه إلا وأن يحاول الاستفادة من روسيا أو فرنسا أو حتى من بريطانيا لغرض تحقيق مصلحة لأبناء أمته، وكان هذا يزعج الإنكليز ويقلق أعوانهم من الآشوريين لعدم قدرتهم على السيطرة عليه، لهذا السبب حاولوا الإساءة إلى قدراته الدبلوماسية والسياسية وعن طريق تشويه سمعته ووصفه بالمنافق أو النفعي أو الانتهازي،  وهناك ألقاب أخرى أضاف إليها وكرام في كتبه عن الآشوريين مثل الماكر أو المخادع أو الدجال وغيرها من الألقاب السيئة من أجل حط من قيمته ومكانته بين الآشوريين ومن ثم تبرير أسباب نفيه خارج وطنه.

8) – في المنفى، كانت فرنسا بمثابة سجن كبير له يعيق نضاله القومي ويبعده عن ساحة المعركة الذي كان بطلها الحقيقي، لهذا لم يهدأ للسكينة والراحة خاصة بعد انكشاف نوايا الإنكليز  في منح العراق الاستقلال السياسي عام 1932 وتهيئته لاكتساب عضوية عصبة الأمم من دون إيجاد حل منصف للمسألة الكلدو آشورية أو تقييد الحكومة العراقية بقيود وقوانين أو إلزامها بحماية الأقليات. لذلك حاول جنرال الأمة جلً جهده العودة إلى بيت نهرين واللحاق برفاق النضال القومي للحركة القومية الآشورية التي كان قد بدأت بوادرها بالتبلور وتصاعد عنفوانها من جهة، وزيادة سعير حقد النخبة العراقية الحاكمة للانتقام من الآشوريين وسحق مطالبهم بالطرق العسكرية الفاشية من جهة أخرى. أدرك الإنكليز والنخبة العراقية الحاكمة جدية وخطورة وجود أغا بطرس على أرض العراق  وبين الآشوريين المطالبين بحقوقهم  في تلك الفترة الحرجة وما سيكون له من تأثير في تنظيم أو توجيه وقيادة الحركة بالشكل الذي قد يؤثر على مشاريع بريطانيا في العراق. وقد تجلى خوف وخشية بريطانيا من أغا بطرس في رفض القنصلية البريطانية في مدينة بوردو الفرنسية السماح له بالعودة إلى العراق. وعندما أحس الإنكليز والحكومة العراقية إصرار أغا بطرس وبكل السبل والطرق للعودة إلى بيت نهرين واللحاق بالحركة القومية الآشورية المتصاعدة، حاولوا اللجوء إلى أبخس الوسائل وأرذلها لمنعه من ذلك. وعندما أنهار جنرال الأمة في شارع عام بوسط مدينة تولوز الفرنسية في الثاني من شباط من عام 1932  ومات وبشكل مفاجئ من دون وجود أعراض مرضية مسبقة وضمن ظروف غامضة ومثيرة للتساؤل عن سبب وفاته في هذه الفترة الحرجة والحساسة، عند ذاك توجهت أصابع الاتهام إلى الحكومة العراقية والإنكليز وبعض أعوانهم من الآشوريين لتقول بأنه تم تدبير أمر تسميمه وقتله بهدف إسكات صوته ومحو صورته من التاريخ القومي والتخلص منه في مرحلة وصلت ذروة المؤامرة في تقليص وسحق تأثير الوجود الآشوري في العراق إلى مراحلها التنفيذية النهائية. وهذا ما تم تنفيذه فعلاً في عام 1933 في مذبحة  سميل وما أعقبها من مأساة سياسية واجتماعية واقتصادية أثرت بشكل عميق على مسار تطور الحركة القومية الآشورية وأفرزت نتائج سلبية على المجتمع برمته تواصلت لفترات لاحقة.

ولكن، إذا كان الإنكليز وأعوانهم في تلك الفترة قد وفقوا مرحلياً في مهمتهم هذه، فإنهم اغفلوا بأن البذور التي زرعها جنرال الأمة وغيره من أبطال التاريخ كانت قد بدأت تتجذر في الأرض وأخذت في الفترات اللاحقة تنمو وتورق وتزهر في ربيع جبال آشور وتثمر أبطالاً وأبطالاً يتبعون خطى جنرالهم الكبير من أجل إعلاء بناء كرمة الأمة العامرة بتلك القيم والمبادئ التي من أجلها أريقت دماء مار شمعون برصباي وماليك شليطا ومار بنيامين وتوما آودو وفريدون آتورايا وآشور بيت هربوت مروراً بدماء وأرواح شهداء العصر يوسف توما ويوبرت بنيامين ويوخنا إيشو وفرنسيس شابو والمطران فرج رحو ووغيرهم لتظل هذه الكرمة العظيمة عامرة.

أغا بطرس، جنرال الأمة هو رمز هويتنا القومية  ورائد من رواد حركة التحرر القومي الكلداني السرياني الآشوري، فإذا كانت أقلامنا وألستنا عاجزة عن وصف مآثره القومية الخالدة، فإن ضمائرنا وعقولنا صاحية ومدركة لمغزى نضاله المستميت ونفهم عناده وإصراره على مواصلة النضال حتى آخر لحظة من حياته، وهو النضال الذي يستلهمه اليوم مناضلون سائرون على نفس الخطى في أرض بيت نهرين  حتى يتم تحقيق الأهداف النبيلة التي كان ينشدها جنرال الأمة في مسيرة نضاله القومي.

مات واستشهد الجنرال أغا بطرس ولكن ظل وسيظل حياً خالداً في قلوب كل أبناء الأمة الكلدانية السريانية الآشورية المناضلين الشرفاء.

الجبناء يموتون كل يوم … والأبطال يبقون أحياء خالدون

87
لا مناصب وزارية لإعضاء الأحزاب والمنظمات الكلدانية السريانية الآشورية
==============================================

                                                                                                                                  أبرم شبيرا

في هذه الأيام تجري اللقاءات والمباحثات لتشكيل حكومة الأقليم برئاسة السيد نجيرفان البرزاني وشملت هذه المباحثات لقاءه مع وفد من "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" (وإختصاراً سنطلق عليه فيما بعد بـ "التجمع") وغيره من الأحزاب والتنظيمات الكلدانية السريانية الآشورية. تناول هذا اللقاء جملة مواضيع ومن المحتمل أن يكون موضوع توزير أحد أبناء أمتنا منصباً وزارياً أو أكثر في حكومة الإقليم المرتقبة قد تم مناقشته وربما يكون السيد نجيرفان قد طلب منهم أن يتفقوا على الشخصية التي ستتسنم منصب الوزراة،. من المؤكد بأن موضوع تسمية الشخص للمنصب الوزاري المرتقب سيكون موضوعاً حساساٌ ومهما والذي قد يشغل الحيز الكبير من المباحثات والإجتماعات التي ستدور بين أحزاب وتنظيمات التجمع لما لهذا المنصب من مدلولات مادية ومعنوية، شخصية وحزبية سواء للشخص نفسه أم للتنظيم الذي ينتمي إليه.

أسعدنا جداً وزدنا فرحاً وإفختارا بأحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية عندما تكاتفوا بعضهم بالبعض تحت مظلة "التجمع" فوضعوا المسألة القومية على مسارها الصحيح الذي كان مطلوباً منهم منذ زمن بعيد من قبل أبناء أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية، وهي الحالة التي تكسبهم صفة الشرعية لتمثيل الأمة سياسياً بشكل عام باعتبارهم يمثلون الأغلبية من تنظيمات شعبنا وحتما سيكون لرأيهم في هذه المسألة وزناً لدى السيد نجيرفان. غير أن هذه الحالة الإيجابية والمبهرة يجب أن لا تكون غطاءاً يعمي بصرنا عن الواقع القائم لهذه الأحزاب والتنظيمات وعن بعض الجوانب السلبية الراكنة خلف ستارالمصلحة العامة التي يشتركون فيها ويجمعون عليها ويأخذونها إطاراً عاماً مشتركاً لتجمعهم وعملهم القومي، وهي مسألة طبيعية جداً في التحالفات السياسية بين أحزاب وتنظيمات بقية الشعوب التي لا يمكن إطلاقا أن تتطابق أهدافها وأجندتها السياسية وأسلوب عملها بالتمام والكمال ولكن ضغط الظروف وقسوتها تجعلهم أن يلتفوا ويتفقوا على المصلحة العام المشتركة، وهي الحالة التي تتصف بها أحزاب وتنظيمات التجمع، لذلك فإن كشف بعض الجوانب السلبية وبيانها وتناولها تشكل أمراً ضرورياً لإزاحة السلبيات عن طريق تحقيق المصلحة العامة المشتركة بينهم.

من المعروف بأن التجمع قائم على مجموعة من أحزاب وتنظيمات أشورية وكلدانية وسريانية لما لهذه التسميات من مدلولات مختلفة في عقول بعض من أبناء أمتنا، إضافة إلى ذلك فأنه يتكون من أحزاب سياسية بعضها تأسست منذ عدة عقود ولها باع ونشاط واسعين على الساحتين القومية والوطنية وتعتبر بالمعنى السياسي العلمي أحزاب سياسية كبيرة بكوادرها وجماهيرتها. وفي نفس الوقت هناك أحزاب متوسطة وبعضها صغير بكل مقومات تكوين الأحزاب السياسية، إضافة الى وجود تنظيمات يظهر من أسمها وهيكليتها بأنها غير سياسية بالمعنى المعروف للسياسة. وتجنباً لسوء الفهم فمن الضروري الإشارة بأن مسألة تحديد كبر وصغر الحزب السياسي يعتمد على جملة عوامل مرتبطة ببعضها منها الخلفية التاريخية والجماهيرية وسعة إنتشاره (الشعبية) والهيكلية والكوادر والتضحيات والقدرة على الوصول إلى مراكز رسمية في الحكومة وغيرها من الدوائر التي تعتمد على الإنتخابات والبرلمان، أي النجاح في الإنتخابات العامة.  لهذا السبب فالتفاوف في هذه المعايير كلها عوامل تضع مكونات التجمع في تباين وعلى مستوى غير متساوي. نعيد مرة أخرى ونؤكد بأن هذه حالة طبيعة لكل التحالفات السياسية وفي جميع أنحاء العالم، ولكن الجانب الآخر من هذه الحالة الطبيعية هي أن الحزب أوالأحزاب الكبيرة دائماً يكون لها حصة أكبر من الإمتيازات من الأحزاب الأخرى، فعلى سبيل المثال يكون للحزب الكبير عدد أكبر من الأصوات في التحالف، أي بمعنى آخر يكون له دوراً أكبر في عملية صنع القرارات. وهكذا، فحسب حجم الحزب وطبقاً للمعايير المذكورة في أعلاه يتم تحديد عدد الأصوات التي يحق لكل حزب. أي بعبارة أخرى يكون للإحزاب الصغير والمتوسطة أصوات أقل من أصوات الحزب الأكبر منها. ولكن من جانب آخر يجب أن لاننسى بأن مثل هذه الإمتيازات للحزب الكبير تضعه في مسؤولية أكبر من بقية الأحزاب الأخرى، فلا حق شرعي بدون مسؤوليات وواجبات ملزمة. جميع التحالفات والجبهات المتكونة من عدة أحزاب وتنظيمات التي يمكن نعتها بالناجحة والنشطة تعتمد على هذه المعادلة. لا بل حتى الدول والمنظمات الإقليمية المستقرة التي تعتمد الفدرالية نظاماً لها يكون سبب إستقرارها ونجاحها هو إعتمادها على هذه المعادلة. وتسهيلاً للأمر أذكر المثال التالي: (شخصان أتفقوا على تأسيس شركة يتكون رأسمالها من مليون دولار. الشخص الأول ساهم بثلاثة أرباع المليون من رأسمال الشركة والثاني ساهم بربع المليون. بعد زمن معين ربحت الشركة "لنقل" مائة ألف دولار فأنه من الظلم والإجحاف أن يقسم الربح بالتساوي بين الشخصين أي 50% لكل واحد. بل من الحق والعدل والإنصاف أن يحصل الشخص الأول على ثلاثة أرباع الربح والثاني على ربع الربح. وهذه الإمتيازات والمكافاءات للشخص الأول هي نتيجة تحمله مخاطر ومسؤوليات إستثمار أمواله أكثر بثلاثة مرات من مخاطر ومسؤوليات إستثمار أموال الشخص الثاني)

هذه المعادلة هي الحالة المثالية التي كانت مطلوبة لجميع التحالفات والإتحادات التي نشأت في مجتمعمنا لكي يكون حالها كحال بقية التنظيمات والتحالفات الناحجة وكسبيل لإستمرارها وتواصل تحالفها بنجاح، أي بمعنى آخر أن يكون للحزب الكبير إمتيازات وحقوق أكثر من بقية الأحزاب والتنظيمات. غير أن عدم إعتماد هذه المعادلة في معظم التحالفات والإئتلافات لأحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية كان السبب الرئيسي في فشلها وعدم إستمرارها. وإذا فرضنا بأنها كانت قد أعتمدت هذه المعادلة فإن الحزب الصغير لم يكن ليقبل أو يتفهم كثرة إمتيازات الحزب الكبيرة ولم يكن لهذا الأخير إستعداد للتنازل عن مكانته المتميزة وقبول المساواة في الإمتيازات والحقوق، لذا نرى بأن جميع التحالفات السابقة أصيبت بالشلل بسبب عدم إعتمادها على آلية صحيحة ومقبولة في عملية صنع القرارات فكان مصيرها إما الفشل والإختفاء أو "تملك" الحزب الكبير للتحالف ليصبح بالتالي ملكية خاصة له. أما الأمر بالنسبة للتجمع فأنه يختلف من جوانب عديدة عن التحالفات والتجماعات السابقة والتي فصلنا عنها في مناسبة سابقة. فبسبب الظروف الخاصة والإستثنائية التي تحيط بأمتنا والمعاناة الإستبدادية والظلم التي عانتها طيلة قرون طويلة من الإنظمة الديكتاتورية ترسب في نفوس أبناءها حساسية مفرطة من أي ظاهرة تنم عنها رائحة التسلط والديكتاتورية. كما إنني لا أكشف سراً عندما أقول بأن ضعف الوعي القومي بين أبناء أمتنا وتشتته بين إنتماءات طائفية وعشائرية وقريوية وشللية وتسموية ساهمت بشكل كبير في عدم قبول مثل هذه المعادلة وفي فهم أحقية الحزب الكبير في أن يكون له حصة أكبر من الأصوات من حصة الأحزاب الأخرى في عملية صنع القرارات. ففي مثل هذه الأجواء النفسية والفكرية تظهر هذه المعادلة كأنها هيمنة وتسلط من قبل الحزب الكبير على مقدرات الأمة.

هنا مربط الفرس بالنسبة للتجمع... فإستناداً إلى المعلومات اليسيرة التي تصلنا عنه، يظهر بأنه لا يعتمد على المعادلة أعلاه، فجميع الأحزاب والتنظيمات تتساوى من حيث الأصوات، أي إن لكل واحد منهم صغيرهم وكبيرهم ومتوسطهم صوت واحد في عملية صنع القرارات. ولكن مع هذا نحمد الله ونشكر أولاً ثم نثمن الجهود والنشاطات والتضحيات التي يقدمونها أعضاء التجمع في سبيل إنجاح تجمعهم والسير به قدما وإن لم يكن بمستوى الطموح الجماهيري إلا أنه لم يصيب بالشلل أو يفشل طيلة فترة تواجده على الساحة السياسية القومية والوطنية وبقى قائماً رغم مأساوية الظروف المحيطة بأبناء أمتنا وصعوبة العمل السياسي في أحوال العراق الحالية. ولكن ما سر ذلك وهو لم يأخذ بالمعادلة أعلاه التي تعتبر أساساً مهماً لنجاح كل تحالف بين الأحزاب والتنظيمات بل أخذ بمبدأ صوت واحد لكل واحد دون تمييز بين صغيرهم وكبيرهم ومتوسطهم ولكن مع هذا أستمر قائماً ولم يفشل لحد هذا اليوم؟ ولعل الجواب يمكن في الأسباب التالية:
1.   قساوة ومأساوية الوضع الذي تمر به أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية وقدرة قيادة أحزاب وتنظيمات التجمع على إدارك ووعي مخاطر هذا الوضع والمصير المجهول الذي يعانيه أبناء الأمة فرض قوته عليهم وأجبرهم على التحالف وبأي ثمن كان ومهما كان حجمه لأنه لا يساوي ثمن ضياع الأمة في متاهات الأرهاب والقتل وأمحاء الوجود القومي والديني لأمتنا، فبركة سيدة النجاة أنعمت عليهم في زيادة وعيهم وإدراكم للتحديات المصيرية.
2.   قدرة وأستعداد الأحزاب الكبيرة (لنذكر ذلك بالأسم ونقول الحركة الديمقراطية الآشورية – زوعا كمثال) على التنازل عن مكانتها المتميزة على الساحة القومية والوطنية وقبولها بصوت واحد مساوياً لبقية الأحزاب والتنظيمات في التجمع، وسبب هذا ليس قساوة الظروف المأساوية المذكورة في أعلاه فحسب بل إستجابة زوعا للمطلب الجماهيري الذي كان يطالب به أبناء الأمة منذ فترة طويلة بضرورة التحالف مع بقية الأحزاب والتنظيمات القومية لأمتنا كسبيل للعمل السياسي الناجح والشامل. صحيح إن زوعا هي حركة جماهيرية نشيطة وحققت عندما كانت وحدها على الساحتين القومية والوطنية أهداف مهمة طيلة عقود من السنين ولكن بفعل عمق وعي قيادتها وشمولية رسالتها القومية أدركت بأنها لا يمكن أن تحقق مطالب الأمة وحدها، خاصة بعد سقوط النظام البعثي عام 2003 وظهور قوى وتنظيمات سياسية جديدة، بل يستوجب أن يكون معها أحزاب وتنظيمات أخرى تتفق على الخط العام للمصلحة القومية المشتركة، فكان التجمع تجسيداً للمطلب الجماهيري في تحالف أحزابنا السياسية.

سبق وأن ذكرت مراراً وفي مناسبات أخرى، بأننا أمة إستثناءات تجعلنا مختلفين ومتمزين عن الآخرين، وعدم الأخذ بالمعادلة أعلاه ونجاح التجمع هو إستثناءاً آخر يضاف إلى جدول إستثناءات الأمة الكلدانية السريانية الآشورية.... إليست التسمية المركبة لأمتنا إستثناءاً بين الأمم الأخرى ؟؟؟ موضوع لنا جولة معه في مناسبة أخرى.

إذا فهمنا مسألة صوت واحد لكل حزب و تنظيم في التجمع، فإن مسألة النسبة المطلوبة في صنع القرارات هي الآخرى نقطة يستوجب التطرق إليها حتى نصل إلى صلب موضوعنا. أفهل يأخذ التجمع بالإجماع أم بالأغلبية المطلقة (ثلاثة أرباع أو ثلثي الأصوات) أم بالإغلبية البسيطة (50 +1) في عملية صنع القرارات؟ من السائد في معظم التحالفات تأخذ القرارات بالأغلبية البسيطة بالنسبة للمسائل غير المهمة أما المسائل المهمة والخطيرة فأنها تأخذ على الأغلب بالإجماع وإستثناءاً تأخذ بالنسبة المطلقة وهذا يعتمد على قوة ترابط أطراف التحالف وتقاربهم من حيث المبادئ والمصالح والأهداف. ومن المفروض أن تسري مثل هذه النسب على التجمع في عملية صنع قراراته. ومما لا شك فيه أن إختيار شخص لتولي منصب وزاري أو منصب أقل منه، كوكيل وزارة مسألة مهمة جداً في هذه الأيام وسيكون موضوعاً حساساٌ ومهما والذي قد يشغل الحيز الكبير من المباحثات والإجتماعات التي ستدور بين أحزاب وتنظيمات التجمع لما لهذا المنصب من مدلولات مادية ومعنوية، شخصية وحزبية سواء للشخص نفسه أم للتنظيم الذي ينتمي إليه، وكما ذكرنا في مقدمة هذا الموضوع. لهذا السبب فإن مسألة الوصول إلى إتفاق إجماعي في إختيار هذا الشخص ستكون مسألة صعبة عندما يكون هذا الشخص عضو في أحدى أحزاب وتنظيمات التجمع ويترتب على ذلك نتائج قد تكون وخيمة ولا تحمد عواقبها:

1.   أن إختيار شخص عضواً في أحدى أحزاب وتنظيمات التجمع لمنصب الوزير من المحتمل أن يكون مصدراً للخلافات بين أعضاء التجمع وربما إلى صعوبة الوصول إلى قرار موحد تجاه الشخص المرشح للمنصب، خاصة ونحن نعلم بأنه لا زال التجمع في بداية عهده وترابط تحالفهم ليس بتلك القوة والتماسك في مواجهة الإغراءات المادية والمعنوية الناجمة عن هذا المنصب. وصعوبة إتخاذ قرار بالإجماع حول شخص معين ومن حزب أو تنظيم معين قد يؤدي ذلك إلى إتخاذ قرار بالأغلبية سواء المطلقة أو البسيطة ولا نستبعد أن تؤثر الإغراءات المادية والمعنوية على الحزب الكبير أو يبدأ بإظهار قوته ليفرض رأيه في مسألة إختيار الشخص للمنصب الوزراي مما قد يسبب هذا خلافاً حاداً بين أعضاء التجمع وإلى رفض الآخرين لترشيح الشخص للمنصب الوزاري وربما إلى إنفراط عقد تحالف التجمع.
2.   هناك همسُ أوقولُ أوتصريحُ أونشرُ بين أبناء أمتنا وعلى نطاق لايمكن تجاهله، وهو إن أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية تعمل لمصالحها ولمصالح أعضاءها ولمنفعة قادتها وعندما يتم تعيين شخص منتمي إلى حزب أو تنظيم معين لمنصب وزاري أو منصب حكومي آخر خاصة عندما يكون مثل هذا الشخص من القياديين أو من أقرباءهم أو المقربين منهم حينذاك يبدأ الناس بتصديق الهمس والقول بأن أحزابنا وتنظيماتنا تعمل لمصالحها وليس لمصلحة الأمة. لا بل والأسوء من هذا عندما لا يمتلك مثل هذا الشخص المؤهلات المهنية والثقافية والقومية، أي ليس بالشخص المناسب في المكان المناسب، عندذاك يتحول الهمس أو القول إلى أمر مؤكد وحقيقة واقعية ونتيجتها ليس فقدان الحزب الذي ينتمي إليه الشخص المستوزر لمصداقيته وإنخفاض لشعبيته بل خروج الأمة من المولد بدون حمص، كما يقول المثل، وعدم الإستفادة من المنصب المخصص بالشكل الصحيح في تحقيق المصلحة العامة. 

للأسباب المار ذكرها وخشية من إنفراط عقد التجمع بسبب هذه المسألة الحساسة وضماناً لمصحلة أحزابنا وتنظيماتنا القومية التي نعتز بها ونخشى فشلهم وفقدان شعبيتهم وإنحسار نشاطهم ضمن نطاق مصالحهم الخاصة وتحقيقاً لمصلحة الأمة من خلال الإستفادة من المنصب الوزاري المخصص لها، نقترح على التجمع وعلى الأحزاب والتنظيمات القومية لأبناء أمتنا الغير متحالفة مع التجمع أن تتجنب ترشيح أو دعم أي شخص منتمي إلى أي حزب سياسي أو تنظيم قومي بل يتم الترشيح والدعم لشخص من خارج الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية. أي بمعنى آخر، أن يكون شخصاً تنظيماً مستقلاً وقومياً ملتزماً يمتلك المؤهلات العلمية والثقافية والقومية وله سمعة طيبة لدى أبناء شعبنا ويقف على مسافات متساوية من الجميع وكل حسب ظروفه وحاجته. ولا أعتقد أحد يختلف معي في القول بأن هناك المئات بل الألوف من أبناء أمتنا الصامدين في أرض الوطن يمتلكون مثل هذه الصفات ليكون أحدهم الشخص المناسب في المكان المناسب وسيكون هذا مكسباً عظيماً ليس للشخص المستوزر بل لأحزابنا وتنظيماتنا وسيثبتون بأن الأقاويل التي قيلت عن "أنانيتهم" غير صحيحة بل سيؤكدون بأنهم جزء من الأمة ويعملون لصالحها وليس لصالح أحزابهم، عندذاك تزداد شعبيتهم وتتسع الطرق والمسالك لكي يدخلوا قلوب أبناء الأمة أكثر فأكثر. ومن المفترض أن لا ينحصر هذا الترشيح في منصب وزير بل في المناصب الأخرى كوكيل وزارة أو مدير عام وغيرهما من الوظائف العليا التي يتم الحصول عليها عن طريق التعيين وليس الإنتخاب وأن يشمل هذا المقترح أيضا الترشيح لهذه المناصب في الحكومة المركزية...
 
والله ومصلحة الأمة ومصلحة أحزابنا وتنظيماتنا من وراء القصد... فهل من مستجيب؟؟ 

88

أين نحن في المهجر من إحتفالات الأول من نيسان في أرض الوطن ؟
======================================
                                                                                                                                 أبرم شبيرا

نحن الذين نصبنا خيامنا في المهجر، وجودنا القومي والحضاري والتاريخي كوجود الشجرة بأغصانها وأوراقها وزهورها وثمارها في السماء الطلق ولكن جذعها منتصباً راسخاً على أرض بيث نهرين وجذورها تمتد في أعماقها  تسقى وتتغذى منها، وأي أنفصال عن الجذع سيتهدم كيان الشجرة كما وإن أي إنقطاع عن الجذور ستتصلب أغصانها وتذبل أوراقها وتموت ثمارها وتصبح الشجرة عقيمة لا تصلح إلا أن تكون حطباً لنيران الغربة والضياع. ما فائدة من أن أكون كلدانياً أو سريانياً أو أشورياً وأنا من دون أن أكون منتصباً على جذع راسخ على أرض بيث النهرين؟ ما الفائدة من أفكاري ودعواتي القومية مالم يكون لي إرتباط بجذور أستمد منها مصدر وجودي القومي والحضاري والتاريخي ومن الأرض التي  ولدت فيها حضارتي وتاريخي ووجودي؟ فمن يدعي بإنتماءه إلى هذه الأمة الكلدانية السريانية الآشورية وإلى كنيستها المشرقية أينما كان من أقصى شرق العالم في أستراليا إلى أقصى الغرب في كاليفورنيا هو إدعاء كاذب وهراء ومزايدة مالم يكن مرتبط بجذوره في أرض بيث نهرين ويتفاعل معها ومع حراس جذع الشجرة وسقاة جذورها. فمن نافلة القول: لا شجرة بدون جذور إلا الأشجار البلاستيكية المستخدمة في الزينة التي لا حياة لها. فمصدر حياة الشجرة هي الجذور فإذا ماتت الجذور فحتماً ستموت الشجرة وهكذا هو حالنا نحن في المهجر، فلا وجود لنا إلا بوجود جذورنا في أرض بيث نهرين وبدونها سنموت قومياً وحضارياً وتاريخياً.

نظرة بسيطة إلى واقعنا القومي في المهجر وبالأخص إلى "الناشطين" في المجال القومي والسياسي وإلى منظماتنا القومية والسياسية نرى بأن في معظمه يستمد مصدر أفكاره وأصول حضارته وتاريخه من بابل وآشور ومن الحضارة العظيمة التي بناها أجدادنا البابلين والآشوريين والكلدانيين. ولكن مثل هذا الإشتقاق لا يمكن أن يكون منطقيا عقلانياً مقبولا ما لم يرتبط بجذوره في بيث نهرين ويستمد منها غذاءه القومي والحضاري. وسبيل الإرتباط بالأصول والجذور ليس بالكلام المعسول والكتابات المنمقة وإنما بالتواصل العضوي المستمر والفعلي. ليس مطلوباً منًا نحن أن نترك خيامنا المنصوبة في المهجر ونلملم أغراضنا ونسير على نهج الهجرة المعاكسة ونعود فعلاً إلى الوطن للعيش مرة أخرى فيه، وإن كان مثل هذا الحلم أملاً لنا إن لم يكن في حياتنا ليكن على الأقل لأولادنا وأحفادنا، بل المطلوب هو البقاء على التواصل الصميمي مع أبناء أمتنا والمعايشة معهم في أفراحهم وأتراحهم والتفاعل مع حياتهم الصعبة وظروفهم المأساوية التي فرضها الوضع الحالي للعراق، وهذا هو أقل الإيمان.

أتذكر قبل بضعة سنوات وأنا أستمع إلى خطبة (كرازة) أحد رجال كنيستنا في العراق أثناء القداس المقام بمناسبة صوم (باعوثا) نينوى وهو المعروف بصراحته وشجاعته في نقد الأوضاع الشاذة والممارسات الخاطئة، إذ قال وبكل حماس وعصبية وهو يحث المؤمنين على التمسك بهذا الصوم الإلهي بأن نينوى تقع في بلاد مابين النهرين والحدث التوراتي بخصوص الصوم حدث على هذه الأرض لذلك فصيامكم وأنتم تعيشون على هذه الأرض وتعانون المأساة والمظالم التي فرضت عليكم هو أكثر قبولاً عند الله من هؤلاء الذين يصومون وهم في دول المهجر وينعمون بخيراتها ويعيشون في أمان وسلام. فإذا كان قول نيافته يتجاوز حدود مفهوم الكنيسة والمسيحية والإيمان بالله والتذرع إليه لأن عبادته وطلب الغفران منه وممارسة الشعائر الدينية يمكن القيام بها إينما كان ومن دون حواجز حدودية، لكن من جانب آخر يصيب كلام نيافته جانب من الحقيقة التاريخية والتراثية والحضارية تصب في تأكيد ضرورة أرتباط الإنسان بأرضه ووطنه وممارسة شعائره التراثية والحضارية وفي نفس مكان نشوء وحدوث هذه الممارسات التاريخية والتي حتماً سيكون لها طعماً خاصاً وتمتلك مصداقية مقبولة لدى الآخرين.

وإذا حاولنا الإبتعاد عن الأمور الكنسية وتجنب الشعائر الدينية وأقتربنا أكثر من الممارسات التراثية والحضارية لأمتنا نرى بأن الأول من نيسان، رأس السنة البابلية الآشورية هي أكثر المناسبات العزيزة على قلوب أبناء شعبنا وأكبرها جماهيرياً ووقعاً على النفوس والعقول ولها طعماً خاصاً ومتميزاً في أرض الوطن حيث يشارك فيها عشرات الآلاف ومن مختلف الطوائف والمدن والقصبات والقرى بحيث تجد صورة حية للأمة وهي في حالة حركة ونشاط. شخصياً عندما أشارك في كل عام في مسيرات عيد الأول من نيسان في أرض الوطن أجد، كما يجد غيري من زملائي القادمين من المهجر، فرحة لا تضاهيها أية فرحة ومتعة لا تساويها أية متعة وإنبهار لا يبهرها أي إنبهار... لماذا... لأننا نجد في القادم من أستراليا وأوربا وأميركا متكاتف مع أخيه القادم من دهوك وعنكاوه وألقوش وبرطله شقلاوه وسرسنك وغيرها من المراكز التاريخية لأبناء أمتنا بحيث لا تستطيع أن تميز بين من هو كلداني أو آشوري أو سرياني فكلهم يرفعون لافتات وشعارات تقول بأننا أمة واحدة وسنبقى أمة واحدة ولنا لغة واحدة وثقافة واحدة ومصير واحد وسنناضل موحدين من أجل نيل حقوقنا المشتركة لا يفرقنا مفرق قابع في زواياه الطائفية والعشائرية والإنانية والإنفصالية والتحزبية المقيتة يقلد الغراب في نعيقه محاولاً تخويف أسد بابل ونسر آشور. نصبنا غضبنا وأمطرنا هجومنا على أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية لكونهم عاجزين عن التفاهم والتقارب بينهم للسيرخطوة واحدة نحو تحقيق أهداف أمتنا، واليوم بتكاتف أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية في أرض الوطن تحت مظلة "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" تمكنوا من أزاحة الإحباطات والمشاعر السلبية من عقولنا وشرعنا نرفع قبعاتنا لهم تقديراً وإكراماً على صمودهم في وجه كل التحديات الماحقة التي يواجهونها في الأرض الوطن ويسعون ليل نهار لإنجاز وتحقيق هدف لهذه الأمة حتى ولو كان صغيرا وبسيطاً. هكذا وجدت مناضلي أمتنا منتصبين واثقين سائرين إلى الأمام وهم في طليعة مسيرة الأول من نيسان في العام الماضي في دهوك ولنا أمل كبير أن يكونوا أكثر قوة وثباتاً وتنظيما ونحن نقترب من هذا العيد الخالد.

مهما قرأت من الكتب وحصلت على شهادات إكاديمية وحضرت ندوات أو محاضرات وحاولت أن أكون قومياً فأنها تبقى مصادر ناقصة في بناء ذاتي القومية وتعجز عن ربطي بحضارتي وأرضي ولا تكتمل هذه الذات إلا عندما تطأ قدمي أرض أبائي وأجدادي وأتعايش مع أبناء أمتي ... فعندما أزور ألقوش البلدة التي ولدت فيها وأتجول في أزقتها وألتقي بأبنائها الطيبين خاصة الذين يتذكرون جدي وأبي أجد نفسي بأنني ولدت من جديد. ومن الغرابة بل الطرافة المثيرة للإهتمام أن أحد الألقوشيين قادني في العام الماضي وأثناء إحتفالات نيسان ونحن في زيارة إلى ألقوش إلى احدى البيوت وقال بأن جدي سكن في هذا البيت لا بل وحتى أنه حدد الغرفة التي ولدت فيها ولا أدري إذا كان ذلك صحيحاً أم مجاملة معبرة عن رحابة صدره في ترحيبه لزيارتنا لألقوِش. عندما أتسلق وادي جبل الدير وأصلي في دير ربان هرمزد الذي تعمذت أنا وأخوتي وأولادي فيه يفيض قلبي أملاً وإيماناً بعظمة كنيستي وأمتي والتي خلدتها الكتابات السريانية في الصخور المنقورة في الدير وفي الأصابع التي سطرت المخطوطات المحفوظة، أو التي كانت محفوطة، في دير سيدة الزروع (الدير التحتاني). وحتى أبتعد عن الخصوصية، أجد نفسي أكثر إلتصاقاً بكل زواياً أرض أبائي وأجدادي عندما نزور قرى وقصبات سهل نينوى ثم نتسلق الجبال الشامخة نحو منطقة صبنا ونجول في كروم برواري بالا وننزل نحو سهل نهله وفي قراهه الجميلة وأجد نفسي بأنني فعلاً أبن هذه الأمة عندما ننغمر بالترحاب والاستقبال من أخوتنا هناك فأقول الحمد لله لازالت الدنيا بخير، فيمتلئ قلبي وعقلي تفائلاً يكفيني لكي أستمر كإنسان مرتبط بهذه التربة وأنا بعيد عنها. ولكن.... ولكن ... دائماً هناك ما يعكر هذه الصورة الجميلة ويشوهها ببعض الممارسات غير المقبولة إنسانياً وحضارياً. ففي الكثير من القرى والقصبات والكروم تجاوزعليها بعض العشائر الكردية وسكنوا فيها وحرفوا طبيعتها الديموغرافية والتاريخية لا بل وأفسدوها بشكل لا يقبلها الإنسان المتحضر. في العام الماضي عندما تسلقنا الجبل ووصلنا إلى قمته حيث قرية ديري وديرها العتيق المعروف بـ "دير مارعوديشو" الذي يعود تاريخه إلى القرن الرابع الميلادي ويعلوه أثار لدير أقدم منه وهو "دير مار قيوما"، فعندما أنسرح نظرنا نحو الوادي والمروج التي تغطيه في أسفل الجبل وجدنا عدد كبير من البيوت الجاهزة (كرفانات) تسكنها عشيرة كردية منذ سنوات مشوهين منظر الوادي ومستغلين خيراته وعرفنا بأن شيخ هذه العشيرة لا يخشى أحد ولا يكترث لتجاوزه وإحتلاله للأراضي الكلدانية الآشورية الممتدة بين القريتين ديري وكومانه. أفهل نلوم ونلعن هذا الشيخ وعشيرته أم نلوم أنفسنا نحن الذين تركنا أراضينا وقرانا وبساتيننا ونصبنا عوضاً عنها خياماً في المهجر؟

 إن مسألة تجاوز الكرد على الأراضي الكلدانية الآشورية في هذه المناطق هي من المسائل المهمة في أجندة أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية ونقطة إرتكاز في خلافهم مع الحكومة الأقليمية والقوى السياسية المهيمنة على مقدرات الوضع في الأقليم الشمالي لبيث نهرين ولها تعقيدات سياسية وجغرافية وديموغرافية ليس حلها بالأمر السهل خاصة عندما تتداخل فيها جملة عوامل سياسية وقومية، ونأمل من أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية كل التوفيق في هذه المسألة العويصة. 

 أما الحديث عن بلدة عنكاوه، مركز الحضارة والثقافة والسياسة والتمدن فالحديث عنها عاجز عن التعبير عن الفرحة والمسرة. لا بل فقضاء بعض الليالي فيها والتفاعل الحقيقي مع أهلها الطيبين تكون مصادر حقيقية لتثقيف الذات وتوسيع مداركنا القومية والسياسية من خلال التعايش الحقيقي والواقعي مع أبناء كلدو وآشور في هذه البلدة العريقة. في العام الماضي وفي أيام إحتفالات نيسان حيث الجميع فرحين مبتهجين كنًا أنا والصديق توما روئيل يوخنا نتجول في شوارع وأسواق عنكاوه وعند توقفنا لدى أحدى محلات بيع المقتنيات الأثرية والتذكارية أعجبتني سبحة كان لها مدلولات تراثية فحاولت شرائها وعندما عرف صاحب المحل إسمي وإني قادم من المهجر حلف بمليون حلف بأن لا يأخذ فلساً واحداً  مني مقابل السبحة فأعطاها لي مجاناً وقبلتها مشكوراً... هذا نموذج بسيط جداً وشخصي لكرم ولطافة أبناء أمتنا في الوطن. فمن لا يصدق هذا فباب الوطن مفتوح لزيارته والتحسس مباشرة بما ذكرته في أعلاه بخصوص تأكيد الذات من النواحي القومية والحضارية والتراثية.         

جميل جداً أن نرى شعبنا في المهجر يهب في شوارع المدن ويتظاهر ويقدم الإحتجاجات عندما يواجه أبناء شعبنا في الوطن ممارسات إرهابية وتفرض عليه سياسات تعسفية وتهضم حقوقه. وجميل جداً أيضاً أن نرى شعبنا في المهجر يسيًر مسيرات ومواكب بمناسبات وأعياد قومية كالأول من نيسان ولكن الإجمل بكثير سيكون عندما نعايش أو نشارك في مثل هذه النشاطات ونحن على أرض الوطن فهي تأكيد وتصديق لكل هذه الممارسات في المهجر.... فلكل أبناء أمتي الكلدانية السريانية الآشورية وخاصة المهتمين بالشأن القومي أقول بأن إشتقاقكم لمصدر فكركم القومي والحضاري وتنسيب إنتسابكم إلى أرض بابل وآشور تبقى فاقدة لجانب من المصداقية ما لم تزوروا أرض الوطن ولو مرة واحدة في السنة ولتكن زيارة للمشاركة في إحتفالات الأول من نيسان لتتأكدوا ما ذكرته في أعلاه، وهذه بعض الصور المأخوذة في المناسبات السابقة لإحتفالات الأول من نيسان في أرض الوطن... وإلى الملتقى في المسيرة النيسانية في أرض بيث نهرين.



إستقبال حار للقادمين من المهجر


مع أبناء وبنات أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية أثناء مسيرة نيسان وهم بالزي التراثي لقرانا الجميلة

 

زيارة أرض الوطن لاتخلو من اللقاء برجال كنيستنا الأفاضل... صورة مع نيافة المطران  لويس ساكو رئيس أساقفة  كركوك للكدان الكاثوليك والأب الفاضل ألبير أبونا المؤرخ الكبير لكنيسة المشرق.




 

مشاركون في مسيرة نيسان من مختلف بلدان العالم من اليمين إلى اليسار: توما روئيل يوخنا من أربيل، أتور خنانيشو من طهران عضو البرلمان الإيراني السابق، أبرم شبيرا من سان دياكو – الولايات المتحدة، باسم رشو من سدني – أستراليا، وجلوساً عمانوئيل قليتا من لندن – المملكة المتحدة الشخصية الآشورية لعام 2010 المنتخب من قبل الإتحاد القومي الآشوري الأمريكي.

 

كشافة شباب كلدو آشور في مقدمة المسيرة النيسانية

 

ملائكة وزهور يكللون مسيرة نيسان

 

طفل بالزي القومي يشارك في المسيرة النيسانية

 

نادرا ما نرى الشخصية القومية المعروفة عمانوئيل قليتا مبتسماً.... ما سر وراء هذه الإبتسامة ؟... أنه المشاركة في مسيرة الأول من نيسان في دهوك في العام الماضي.


وقفة راحة بعد المسيرة النيسانية الجماهيرية لعدة كيلومترات
 


نيساننا لا يغلو من زيارة المصايف وقرانا الجميلة

 
صرخة الوحدة الكلدانية السريانية الآشورية
 

لا حدود للعمر من المشاركة في المسيرة النيسانية



قطع كعكة نيسان المسيرة والميلاد مع الأصدقاء والفرحة تعلوا شفاة جميعهم



قادة "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" متكاتفين في مقدمة المسيرة النيسانية
ونأمل في هذه السنة أن يكونوا أكثر تكاتفاً .... ما أحلاك يا وحدة أمتنا.




89
في ذكرى إستشهاد أمير الشهداء البطريرك مار بنيامين شهيد الأمة والكنيسة




ولد مار بنيامين في عام 1887، وفي الثاني من شهر آذار من عام 1903 رسم مطراناً من قبل عمه البطريرك مار روئيل شمعون، وبعد انتقال هذا الأخير الى الحياة الأبدية، رسم مار بنيامين بطريركاً على كنيسة المشرق في الثلاثين من شهر آذار من نفس السنة وهو شاب يافع لم يتجاوز عمره أكثر من ستة عشر عاماً، غير أن معظم الذين عاصروه أكدوا بأنه كان يمتلك عقلاً نيراً وحكمـة بالغة وسلوكاً قويماً ووعياً ناضجاً وكأنه رجل في الأربعين من العمــر، كما يوصف بأنه كان سليم الجسم كسلامة عقله يتميز بكرامة واسعة وشهامة بالغة وشجاعة فائقة بحيث لم يكن يعرف معنى للخوف خاصة عندما تكون المسألة متعلقة بأبناء شعبه، وكان موضوع ثقة كبيرة ليس عند الآشوريين والمسيحيين فحسب وإنما أيضا عند الكثير من العشائر الكردية وزعمائهم الذين كانوا يؤتمنون حكمتـه وعدالته ويلجؤون إليه لفض نزاعاتهم ويحترمون قراراته، ففي الكثير من المرات استطاع أن يحل أصعب الخصومات والنزاعات وأن يعقد بينهم العدل والتفاهم، كما كانت له مكانة خاصة ومتميزة عند السلطات المركزية والمحلية يولونه احتراماً شديداً. ويؤكد المؤرخون بأن بعض العشائر الكردية المسلمة في عهد مار بنيامين كانت تأكل لحوم الحيونات المذبوحة من قبل عائلته وتعتبره لحملاً حلالاً غير محرماً كما هي العائدة عند المسلمين. هذه الصفات الفريدة والمكانة المتميزة التي كان يتمتع بها البطريرك مار بنيامين هي التي أدت إلى ازدياد حسد وهيجان بعض زعماء الأكراد المتطرفين والحاقدين عليه وعلى الآشوريين من أمثال المجرم سمكو أغا زعيم قبائل الشيكاك الكردية المتطرفة. 

لهذا السبب عندما أنتقل أمير الشهداء إلى عالم الخلود لم يكن هناك أي شخص آشوري، سواء الذين خلفوه في كرسي البطريركية أو في قيادة  الأمة يستطيع أن يحل مكانه ويجمع أبناء الشعب تحت قيادة موحدة. كان وبحق آخر قائد آشوري كنسي وقومي قادر على جمع شمل الآشوريين وأبناء طائفته تحت لواء قيادته التي لم تكن في يوم من الأيام قيادة منفردة أو متسلطة. فقد عرف عنه بأن معظم القرارات التي أتخذها تمت بعد التشاور والتباحث مع زعماء العشائر "ماليك"،  الذين كانوا يشاركون في مجلسه باعتبارهم أعضاء في المجلس القيادي للأمة. من هذا المنطلق يقول المؤرخ الآشوري الشماس كوركيس بنيامين في كتابه ( رؤساء الآشوريين في القرن العشرين) المكتوب باللغة الآشورية الحديثة  "بأن لو لم يكن الآشوريون قد فقدوا مار بنيامين في تلك الفترة لربمـا كانت مسيرة تاريخ أمتنا قد تطورت بشكل آخر، ومن دون أدنى شك كانت بشكل احسن مما هو عليه الآن لأنه بالتأكيد ما كان سيسمح للانتهازيين أن يلعبوا لعبتهم كما فعلوا بعد الحرب العالمية الأولى وكما يفعلون اليوم" (ص25).
   
نشأ مار بنيامين وترعرع في بيئة دينية وقومية وتربى على المثل العليا في الفداء والتضحية وتمثلت فيه روح الأباء والأجداد العظام في تحمل الصعاب والمشاق ونكران الذات والتضحية في سبيل الأمة والكنيسة. فبالرغم من كونه في العقد الثالث من عمره، استطاع قيادة الآشوريين في أحرج الظروف وأصعبها نحو الخلود وديمومة التواصل التاريخي رغم كل المأساة والفواجع التي أفرزتها الحرب الكونية الأولى ونتائجها المؤلمة التي فرضت قسراً وظلماً على  الآشوريين، كالجلاء عن أرض الوطن والابتلاء بالأمراض الفتاكة والمجاعات القاتلة وحملات التنكيل والإبادة الجماعية التي نفذتها السلطات التركية والعشائر الكردية والفارسية المتحالفة معها ضد الآشوريين. فإذا كان عمق إيمانه المسيحي وقوة إلهامه الروحي ووسع معارفه اللاهوتية قد أهلته اعتلاء كرسي بطريركية كنيسة المشرق فأن ذكاءه الحاد وفطنته السياسية وحبه اللامتناهي لأمته وشجاعته القومية التي لم يعرف لها حدود، كانت كلها عوامل وضعته في قمة قيادة الانتفاضة الآشورية ضد الدولة العثمانية أبان الحرب العالمية الأولى والسعي بكل إخلاص وتنافي من أجل تحقيق مصير شعبه والعيش بأمن وسلام .

كان مار بنيامين من بين القلائل الذين يدركون مضامين السياسة الشوفينية للدولة التركية ومغزاها الاستراتيجي القائم على أبعاد عنصرية تتخطى كل الحدود الإنسانية والأخلاقية، خاصة بعد استلام حزب الاتحاد والترقي التركي، والمعروف أيضا بـ " تركيا الفتاة"، مقاليد السلطة  في الدولة العثمانية عام 1908 والمعروف بسياسته في تتريك الأقوام غير التركية. فقبل حول نهاية القرن التاسع عشر خسرت الدولة العثمانية معظم مستعمراتها في شمال أفريقيا على اثر هزيمتها أمام الدول الأوربية التي سيطرت على تلك المنطقة، كما تقلص نفوذها في شرق أوربا وبشكل خاص بعد استقلال معظم دول البلقان نتيجة تصاعد حركات التحرر القومي في تلك المنطقة مما حدا بالدولة العثمانية إلى تعويض عن هذه الخسائر بتوجيه أطماعها نحو الشرق لتحقيق الأحلام العنصرية لحزب الاتحاد والترقي في إقامة الإمبراطورية الطورانية تشمل معظم مناطق بيت نهرين وفارس وبلدان آسيا الوسطى وباكستان وأفغانستان وحتى الهند . ومن الضروري الإشارة بأن شعوب هذه المناطق المسلمة وغير التركية لم تكن تشــكل، حسب اعتقاد الدولة التركية، أي عائق أمام تحقيق سياستها في تتريكهم وذلك بسبب عامل الدين المشترك وضمن مفهوم الخلافة الإسلامية أو تحت لواء الجامعة العثمانية، في حين شكلت الشعوب المسيحية الأخرى كالآشوريين والأرمن والروس عائقاً أمام تطبيق سياسة التتريك ودمجهم في الإمبراطورية الطورانية المسلمة لذلك وجدت في سياسة الإفناء والإبادة الجماعية والحروب المقدسة " الجهاد" ضد هذه الشعوب أو تهجيرها قسراً إلى مناطق أخرى، الوسائل الممكنة لإزاحتهم عن طريق تحقيق أحلامها الشوفينية،  كما وجدت في الحرب الكونية الأولى الفرصة المثالية لتنفيذ هذه السياسة .

وفعلاً عندما أعلنت الدولة التركية مذابحها المشهورة في التاريخ ضد الأرمن شملت هذه المذابح الآشوريين أيضاً حيث بدأت القوات التركية وبعض العشائر الكردية المتحالفة معها بشن هجمات على القرى الآشورية الآمنة وحرقها وتشريد سكانها والتنكيل بهم. ويروى بأن أحد المبشرين الأجانب سأل القائد التركي عن سـبب شن حملات الإبادة الجماعية ضد الآشوريين في الوقت الذي يخص قرار (فرمان) السلطة العثمانية الأرمن وحدهم دون غيرهم من المسيحيين، أجاب القائد التركي:  " إنني لا أستطيع التمييز بين الروث الجاف والروث الرطب فكلاهما كريــه. هذه السياسة البربرية وضعت الآشوريين وعلى رأسهم البطريرك مار بنيامين في موقف ماحق ومهلك لم يترك أمامه  خيارات متاحة سوى خيارين، إما الموت والفناء أو المواجهة والمقاومة لهذه السياسة وبكل الأساليب الممكنة والمتاحة. وفعلاً ففي شهر أيار من عام 1915 اجتمع البطريرك مع بقية الزعماء الآشوريين فاتخذوا قراراً جريئاً وشجاعاً في الانضمام إلى الحلفاء والاشتراك في الحرب ضد الدولة العثمانية وحلفائها بعد أن تأكد له عدم جدوى وقوف الآشوريين جانب الحياد والمذابح تفعل فعلها في أعناق أبناء شعبه المسالم وبعد أن ثبت بطلان وزيف وعود الأتراك والإغراءات المعروضة من مال ومناصب على البطريرك وبقية الزعماء الآشوريين لمنعهم من الاشتراك في الحرب ضدها .

وبعد اشتراك الآشوريين مع الحلفاء في الحرب ومن ثم نكوص وتخاذل روسيا أولاً ثم بريطانيا ثانياً عن الوعود الممنوحة لهم في المساعدة بالسلاح والتموين والإسناد في حربهم ضد الدولة التركية، اصبح الآشوريون منفردين في مواجهة القوات التركية والعشائر الكردية والفارسية الجيدة التسليح، خاصة بعد انهيار الجبهة الشرقية على اثر انسحاب روسيا من الحرب وعقد الهدنة مع تركيا ودول المحور عند قيام الثورة البلشفية الاشتراكية في أكتوبر من عام 1917 ، لذلك تعرض الآشوريون إلى الهجمات الانتقامية الشرسة وأخذت القوات التركية وحلفاؤهم تنكل بهم تنكيلاً وتقتل بهم تقتيلاً من أجل تنفيذ سياسة إفناء الوجود الآشوري من مناطقهم التاريخية، وهي مأساة مفصلة بشكل دقيق في الكثير من الكتب. ففي هذه الظروف المأساوية قاد مار بنيامين شعبه البائس والجائع والمتشرد من منطقة هيكاري إلى منطقة أورمي في شمال بلاد فارس في هجرة جماعية تعتبر وبحق سفر من أسفار اضطهاد ومعاناة الجنس البشري على الكرة الأرضية وهو في بداية قرن جديد لم يعرف الآشوريون منه غير الدمار والتشرد والجوع والأمراض الفتاكة والفواجع المهلكة .

وإذا كان بعض المحللين الذين درسوا تاريخ الآشوريين في تلك الحقبة الزمنية يرون في اندفاع الآشوريين وترك أوطانهم في هيكاري واللجوء إلى أورمي خطأً عسكرياً واستراتيجياً مميتاً كلفهم الكثير، فيــه نوع من القبول من الناحية النظرية العسكرية إلا أنه من ناحية أخرى يفتقر مثل هذا التحليل إلى النظرة الموضوعية التاريخية لطبيعة الشعب الآشوري وللظروف المهلكة التي كانت تحيطه من كل الجوانب بحيث لم تترك له فرصة الاختيار إلا الخيار الأصعب والوحيد ذلك لأن بقاء الآشـوريين مع عوائلهم منفردين ومعزولين عن العالم الخارجي ومحاطين بأعدائهم  همهم الوحيد التنكيل بهم وأبادتهم ما هو إلا ضرب من الانتحار الجماعي للأمة وإعطاء الفرصة لأعدائها في تنفيذ سياستهم المرسومة للقضاء على الآشوريين نهائياً. في حين ضمن الآشوريون بلجوئهم إلى المناطق الأخرى بعيدين عن أوطانهم عنصر الحياة والديمومة والتواصل كقومية تاريخية تمتد جذورها لقرون طويلة في التاريخ البشري. فالمقدرة العضوية التي اكتسبها الآشوريون في التكييف والتمحور تجاه المأساة والمعاناة المستديمة والفواجع الاجتماعية والطبيعية عبر تاريخهم السياسي الطويل ضمن لهم عنصر البقاء والخلود وأنطبق عليهم وبحق قانون الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح،  مع التحفظ للتفسيرات المختلفة لهذا القانون، وكان مار بنيامين قد أستلهم هذه الحقيقة وأدركها جيداً عندما أختار الخيار الأصعب والقرار الوحيد لأجل إنقاذ شعبه من الدمار الشامل رغم كل الخسائر الفادحة التي كلف اتخاذ مثل هذا القرار، بما فيه خسارة جزء من الوطن، وأقصد هيكاري، لأنه كان يدرك بأن بقاء شعب، مثل الشعب الآشوري الصلد والمقاوم، سيعوض عن هذه الخسائر طالما تمسك بالقيم والمبادئ التي خلقته كأمة خدمت العالم وأعطت للإنسانية كثير الكثير واستطاعت المحافظة على نفسها طيلة قرون طويلة من الظلم والاضطهاد .

ولو حاولنا، بكل موضوعية وبعيداً عن العواطف والمشاعر القومية، دراسة شخصية مار بنيامين كقائد أمة لوجدنا فيه خصال وميزات فريدة في تاريخ هذا الشعب الصغير يستوجبها الكثير من التفاصيل والبحوث ولكن باختصار شديد نشير إلى أهمها:
1) - أدرك مار بنيامين منذ البداية بأنه قائد شعب صغير لا حول له ولا قوة يعيش في مناطق عاصية محاطة بالشعوب المعادية المتعصبة دينياً وقومياً إضافة إلى كونه شعب لا يرتبط لا عقائدياً، أقصد كنسياً كالكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس، ولا قومياً بالشعوب والدول الأخرى لكي تساعده وتستجيب لحمايته عند تعرضه للاعتداء. لهذه الأسباب وجد في العامل الموضوعي الجيوبولوتيكي سبباً رئيسياً للتحالف مع روسيا باعتبارها أقرب الدول العظمى التي يمكن أن توفر المساعدة والحماية للشعب الآشوري في المنطقة. ومن الملاحظ بأن هذا العامل الموضوعي الجغرافي في التحالف مع روسيا تتبين أهميته من خلال عدم تأثره بالمبادئ السياسية والفكرية خاصة عندما ندرك بأن مار بنيامين أستمر التراسل مع لينين زعيم الثورة البلشفية في روسيا في أكتوبر عام 1917 من أجل ضمان التحالف معها ضد العدو المشترك.
2 ) - عرف عن مار بنيامين بحساسية شديدة ومفرطة تجاه المبشرين من الكنائس الغربية الكاثوليكية والبروتستانتية والأرثوذكسية الروسية، وهي مسألة طبيعية لرجل مسؤول يتربع على كرسي البطريركية كان يشاهد بألم ويتحسس بمرارة نهش المبشرين أوصال كنيسته ورعيته الصغيرة من دون أن يستطيع عمل شيء أو يوقف نشاطهم الذي تطاول حتى بيت البطريرك نفسه خاصة عندما أعتنق عمه نمرود وجميع أفراد عائلته المذهب الكاثوليكي. ولكن مع كل هذا، كان للعامل القومي لديه اعتباراً أساسياً وفوق جميع الاعتبارات عندما تكون المسألة متعلقة بتقرير مصير شعبه. من هذا المنطلق لم تمنع كاثوليكية أغا بطرس من أن يجعله قائداً عسكرياً مقرباً إليه يعتمده في معظم مهماته القومية والعسكرية كما لم تمنع أرثوذكسية فريدون أتورايا في أن يتفهم مشاريعه القومية وأن يكون له مكانة متميزة عنده، وهي حقائق حاول بعض أفراد عائلة البطريرك ومن القطب المؤيد لبريطانيا، أمثال سورما خانم شقيقة البطريرك واخوها داود شقيق البطريرك، تزيفها وتحريفها بقصد الإساءة إلى هذين الزعيمين القوميين واتهامهما بمختلف التهم، وبتخطيط من الإنكليز، منها زعمهم بأن هؤلاء يحاولون تجريد مار بنيامين من زعامة الأمة والاستلاء عليها من قبل "أبن الأرملة" و "الشيوعي الغوغائي" كما أشيع عن هذين الزعيمين القوميين. كل هذا من أجل إفشال أي تقارب مع روسيا وضمان التحالف مع الإنكليز، وهي المهمة التي نجحوا فيها في الفترات اللاحقة، خاصة بعد التخلص من فريدون أتورايا وأغا بطرس والقضاء عليهما.
3) – عند الحديث عن مار بنيامين كزعيم لأمة أستشهد من أجلها يجب أن نتجرد من الشمول والإطلاق وأن لا نقيس أعماله بمعاييرنا السياسية والقومية السائدة في هذا اليوم، بل يجب قبل كل شيء أن نضع في عين الاعتبار منصبه الديني باعتباره بطريركاً لفرع من كنيسة المشرق الممزقة له التزامات ومسؤوليات تجاه رعيته تنتظم بالقانون العثماني المعروف بـ "نظام الميليت". لهذا السبب كان مار بنيامين شديد الذكاء والحذاقة في مهماته القومية والسياسية بحيث عرف حدود مهماته هذه بكل دقة وتابعها في كل أقواله وأعماله. من هذا المنطلق لم يشمل في دعواته في تحرير وتقرير مصير طوائف الفروع الأخرى لكنيسة المشرق احتراما لغيره من البطاركة وتقديراً لموقفهم من سياسة الدولة التركية تجاه أبناء الأمة جميعاً. فواجب كل بطريرك كان يستوجب الدفاع عن رعيته، وهذا ما فعل مار بنيامين الذي ضحى بحياته من أجلها.
4 – مسألة أخرى يجب أن لا تفوتنا، بل يستوجبها الإشارة ولو كانت بسيطة ولكن غير معروفة للكثير من الآشوريين، وهي انقطاع أو توقف نظام التوارث لكرسي البطريرك في كنيسة المشرق في عهد مار بنيامين والمعروف بـ " ناطر كرسي". إذ هناك غموض أو قلة المعلومات فيما إذا كان مار بنيامين فعلاً "ناطر كرسي" عندما توفي عمه البطريرك مار روئيل، وأصبح هو البطريرك، أم كان هناك "ناطر كرسي" آخر من نفس البيت وتحديداً أحد أبناء عمه نمرود ؟. كما أنه من المعروف بأن مار بنيامين لم يكن له "ناطر كرسي" وعند استشهاده فخلفه أخوه مار بولص الذي أيضاً عندما توفي لم يكن له "ناطر كرسي"، وعندما رسم مار شمعون إيشاي، وهو طفل في الثانية عشر من العمر، لم يكن هو"ناطر كرسي" ولا غيره وحتى عندما قتل في عام 1975 لم يكن هناك "ناطر كرسي" يطالب بالبطريركية، عند ذاك انقطعت سلسلة بيت أبونا من البطريركية..  إن هذا النظام أي "ناطر كرسي" الذي نشأ بسبب جملة عوامل موضوعية وظروف خاصة خارجة عن إرادة أبناء الأمة والكنيسة، فإنه بالرغم من سلبياته في الفترات اللاحقة، إلا أنه يجب أن لا ننكر بأنه كان له دوراً كبيراً في حماية استقلال الكنيسة ومنع الحكام من التدخل في اختيار البطاركة ورسامتهم. ترى هل أدرك مار بينامين بأن هذا النظام لم يعد له أهمية في الكنيسة ومن ثم يستوجب إبطاله ؟؟  أم كانت هناك ظروف خاصة واستثنائية أملتها عوامل الحرب والتشرد والنزوح للحيلولة دون تطبيق هذا النظام ؟؟؟. أسئلة وأسئلة أخرى يتطلبها الكثير من البحوث والدراسات لهذه المسألة الحساسة التي عصفت في يوم ما بالكنيسة ومزقتها إلى شطرين. وهناك تأكيد في هذا الشأن من سورما خانم في أحدى كتبها بأن الظروف القاسية والمهلكة التي أحيطت بالآشوريين في تلك الأزمان وبالعائلة البطريركية لم تكن تسمح بتنظيم أمور موضوع ناطر كرسي لسدة البطريركية. 

كان مار بنيامين في عصر زمانه يجسد وبحق وصدق أسطورة التضحية والفداء في سبيل الكنيسة والأمة التي كتبها قبله أجداده الأبرار بدمائهم الزكية الطاهرة ويكمل ما شرع به مار شمعون برصباي بطريرك كنيسة المشرق في القرن الرابع الميلادي الذي جعل قرباناً لمبادئه وأيمانه بكنيسته وشعبه. وتتجلى عظمـة وتضحية مار بنيامين في كل يوم من أيام حياته القصيرة وفي كل موقف من مواقفه البطولية، وبعض الأمثلة التاريخية تؤكـد هذه الحقيقة :

1 -  عندما أدركت السلطات التركية عدم إمكانية خداع وإقناع مار بنيامين في استمالته إلى جانبها ضد دول الحلفاء أو إبقاءه على الأقل على الحياد رغم كل الإغراءات والامتيازات التي وعدته بها له  ولزعماء العشائر وللأشوريين، لجأت إلى وسائل الضغط والإكراه فوجدت في اعتقاله بتهمــة الخيانة والتحريض على الحرب أو اغتياله الوسائل الممكنة في منع الآشوريين دخول الحرب مع الحلفاء ضدها لأن الحكومة التركية أدركت بأن القضاء على البطريرك، هذا الشخص بالتحديد ، سيكون بمثابة الضربة الماحقة للآشوريين للاستسلام والخضوع. غير أن الإجراءات الاحتياطية التي اتخذتها القيادة الآشورية بنقل مقر البطريرك التقليدي في قرية قوجانس إلى  منطقة ديز حال دون ذلك. ثم وجدت في أخيه هرمز الأصغر الذي كان يدرس حينذاك في أسطنبول وسيلة أخرى للضغط على مار بنيامين لتغيير قرار المشاركة في الحرب. ففي منتصف شهر آب 1915 أنذرته السلطات العثمانية بأن أخاه هـرمز اصبح رهينة في يدها وسوف يعدم إذا لم يستسلم مار شمعون مع زعماء الآشوريين إلى الأتراك ويمتنعون عن الاشتراك  في الحرب ضدها فكان جواب البطريرك في رسالة وجهها إلى السلطات التركية تعبيراً عن موقفه البطولي واستعداده الدائم للتضحية والفداء حين قال كلمته التاريخية المشهورة التي لا يزال صداها يرن في أذان كل مناضلي هذا اليوم .. " إني قائد شــعبي وهم أولادي كثــار فكيف أستطيع أن أسلم شعبي من أجل أخي هرمز فهو  شخص واحد فقط فلتكن حياته قرباناً لامتــه ". ثم بعد ذلك جلب هرمز إلى مدينة الموصل واعدم، أو ربما كان قد قتل ثم جلب إلى الموصل وعرضت جثته بالقرب من القرى المسيحية كوسيلة أخرى للإرهاب والتخويف. ولا أحســب وجود مشقة وعناء في استقصاء عبر البطولة العجيبة لمار بنيامين وقدرته على التضحية في سبيل شعبه وكنيسته من كلمته هذه، خاصة عندما اعتبر كل الشعب الآشوري أولاده قولاً وفعــلاً. كما لا أحسب، إذا نظرنا للمسالة بنظرة موضوعية حيادية بعيدة عن عواطفنا وتصوراتها، وجود ملحمة بطولية من هذا النوع من التضحية حتى في الشعوب الأخرى خاصة عندما نعرف العلاقة القوية الحميمة التي كانت تربط مار بنيامين بأخيه هرمز،  فكان من أقرب أفراد عائلته إليه يرافقه في الكثير من جولاته ومهماته. من هذا المنطلق نقول بأن اتخاذ مثل هذا القرار لم يكن بالأمر الهين بل يفوق التصور الإنساني .

2 -  وفي نفس الشهر من نفس العام سافر مار بنيامين إلى مقاطعة أورمي في شمال بلاد فارس (إيران) للالتقاء والاجتماع بقيادة الجيش الروسي في مدينة سلامس لبحث موضوع الوعود والمساعدات الروسية الموعودة للآشوريين وحسب الاتفاق المعقود بين الطرفين. وفي طريق السفر وعبر الجبال العاصية والغابات الموحشة تعرض إلى هجمات قطاع الطرق والى مطاردات القوات التركية وغارات العشائر الكردية وبعد مشاق الطريق الذي أستمر عدة أيام وليالي، لم تكن نتيجة الاجتماع مع قيادة الجيش الروسي غير وعود جوفاء لم يحصل الآشوريون منها شيئاً غير المزيد من المأساة والفواجع. وأثناء الاجتماع حاولت القيادة الروسية إقناع البطريرك بالبقاء في سلامس تحت حمايتهم وتوفير الأمن والإقامة الآمنة له لضمان حياته من خطورة العودة إلى شعبه المعزول والمحاصر من قبل الأعداء، غير أنه أبى ذلك ورفض بشدة محاولات الروس حيث فضل الموت بين أبناء شعبه على العيش الرغيد بعيداً عنهم، فقال للقائد الروســي كلمة  أذهلته وأذهلت المجتمعيــن أيضاً : " جئت لأنقذ شعبي لا لأنقــذ نفســي فأنا عائد إليه حتى أعيش أو أموت معه " فقفــل راجعاً متحملاً مشــاق الطريق الطويل والصعب ومخاطر نيران أسلحة الأعداء .

مرة أخرى نتلمس بكل وضوح وجلاء استعداد مار بنيامين للتضحية، لا بأخيه فحسب بل بنفسه أيضاً من اجل شعبه ومن أجل أن يكون قريباً منه رغم شبح الموت الذي كان يخيم عليه مفضلاً الموت معه بدلا من أن يعيش هانئاً أمناً ولكن بعيداً عنه، ذلك لأن البطريرك البطل كان يشعر بأنه منه واليه يعود مهما كانت العوائق والمصاعب ومهما كانت المغريات والحوافز المعروضة عليه لإبعاده عنه. هذه الصفات هي التي أدخلت مار بنيامين في التاريخ الآشوري ومن أبوابه الواسعة وأصبح رمزاً قومياً ودينياً لأبناء أمتنا، وهي الصفة التي تجعله وبكل حق وأنصاف الزعيم العضوي للآشوريين في هذا القرن، أي الزعيم الذي كان جزء من الأمة، والأمة جزء منه لأنه لم يكن متصوراً إطلاقاً إمكانية العيش في الخارج أو بعيد عن شعبه وهي الفرصة التي أتيحت له في العديد من المرات ولكن رفضها لأنها كانت بمثابة خيانة للشعب وكفر بالله وبرسالة ربنا يسوع المسيح الذي عاش ومات من أجلنا جميعاً. هكذا يؤكد التاريخ الآشـوري بأن ضياع مار بنيامين كان يعني تشتت الأمة وتحطم نسقها الاجتماعي بين أمواج الحرب العالمية الأولى وبالتالي فرضت المأساة فرضاً مميتاً على أبناءها وشتتهم في مختلف زوايا العالم خاصة بعد أن عجزوا في إيجاد زعيم قومي وديني يوازي عظمة أمير الشهداء مار بنيامين.

3 -  في بداية  شهر آذار، وتحديداً في الثالث منه، وفي اليوم الأول من الصوم الكبير عام ،1918 عقد اجتماع بين البطريرك الآشوري مار بنيامين والزعيم الكردي إسماعيل الشيكاكي، والمعروف بـ " سمكو " زعيم قبائل الشيكاك الكردية المتطرف والمشاكسة لبحث موضوع تحالف الشعبين ضماناً للأمن والاستقرار وتمهيداً لتطبيق حقهم في تقرير مصيرهم القومي بأنفسهم في ضوء المصالح المشتركة بين الشعبين والتي أفرزتها أوضاع ونتائج الحرب العالمية الأولى. وكانت روسيا البيضاء تستهدف من هذا التحالف والتي سعت إلى ترتيبه ضمان الاستقرار في هذه المنطقة تمهيداً للسيطرة عليها عن طريق استخدام تحالف الآشوريين والأكراد لضرب القوات التركية وإيجاد موطئ قدم لها بعد الخسائر التي منيت بها من جراء وصول الشيوعية إلى السلطة في موسكو. كما لعبت الاستخبارات البريطانية دوراً كبيراً في تشجيع سمكو للاجتماع بمار بنيامين وعقد تحالف معه وذلك من اجل استغلال وحدة قواتهم لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة خاصة بعد أن وضعت ثقتها بسمكو الذي كان قد حلف على القرآن بأن يكون وفياً ومخلصاً للإنكليز وان يسعى بكل شرف وأمانة للاجتماع بالبطريرك الآشوري لعقد الحلف المنشود. غير أنه من جانب آخر كان مار بنيامين قد أدرك أهمية هذا التحالف مع الأكراد لضمان الأمن والسلم لشعبه التعيس، بالرغم من الخلفية العدائية بين قبائل الشيكاك والآشوريين والتحذيرات التي انذر بها مار بنيامين من أن محاولة اغتياله قد تكون مدبرة خلال الاجتماع للتخلص منه ومن إصراره على مواصلة النضال حتى أن ينال شعبه حقه في موطنه الذي طرد منه، غير أن كل ذلك لم يمنع البطريرك من الذهاب قدماً لان حبه وتفانيه من اجل إسعاد شعبه كان أقوى بكثير من مخاوف اغتياله لهذا وهب حياته ورخص دمه ذخراً وفداءً لأبناء شعبه عندما اغتيل غدراً وخيانةً من قبل المجرم سمكو بعد انقضاء الاجتماع، وهي ملحمة مأساوية في تاريخ الآشوريين ومعروفة للكثير منهم. وقد ثبت فيما بعد تورط الحكومة الفارسية في عملية اغتيال البطريرك عندما عثرت القوات الآشورية التي هاجمت مقر سمكو على كتاب من حاكم تبريز يحث فيه سمكو على قتل مار بنيامين مقابل وعود واغراءات قدمتها الحكومة الفارسية لسمكو لان هذه الحكومة كانت أكثر إصراراً على التخلص من مار بنيامين بسبب رفضه تجريد شعبه في أورمي من الســلاح لحين ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة، لا بل فقد كانت المصالح الفارسية والتركية والكردية والإنكليزية كلها قد التقت واجتمعت في نقطة واحدة، وهي لا يمكن كسر شوكة الآشوريين وسحق صمودهم وإصرارهم على استرجاع حقوقهم المفقودة إلا بالقضاء على زعيمهم مار بنيامين والتخلص منه خاصة بعد أن فشلت المحاولات الأخرى، وهي المصالح التي تحققت فعلاً بعد استشهاد البطريرك.

ومن سخرية الأقدار، رغم كثرة محاولات القوات الآشورية في تلك الفترة من القضاء على سمكو ورغم الخسائر الكبيرة التي كبدوها لعشيرته وأملاكهم، إلا القدر حكم حكمه ليقضى على سمكو بنفس الطريقة التي أغتال مار بنيامين ومن قبل نفس الجهة. لم تهدأ الأمور بسمكو بعد الحرب الكونية الأولى فلم يتوانى من إستغلال ضعف الدولة الفارسية في مناطقها الشمالية فقام سمكو بمحاولات إخضاع العشائر في تلك المناطق غير أن السلطات الفارسية جردت عام 1922 حملة عسكرية ضخمة ضده فقضت على حركته غير أن سمكو بمكره المعروف تمكن من الفرار إلى منطقة راوندوز في شمال العراق والإختباء هناك. فوضعت الحكومة الفارسية نصب أعينها مسألة القضاء على سمكو بكل السبل فإستطاعت في عام 1930 من إستدراجه إلى منطقة أشنوك شمال بلاد فارس بإغراءات سياسية ووهمية تمنكنت من إيقاعة في الشرك الذي نصب له، فحال وصوله إلى المنطقة المتفق عليها إنهال الرصاص من بنادق القوات الفارسية ليقضي عليه نهائياً. هكذا رسم القدر خطته في قتل سمكو بالأسلوب نفسه الذي أغتيل به مار بنيامين ومن قبل نفس الجهة التي دبرت مؤامرة إغتياله.

لقد كان البطريرك مار بنيامين رمزاً للتضامن الآشوري تنطوي تحت سلطته الدينية والدنيوية وحدة الآشوريين القومية والدينية والفكرية واستطاع أن يجمع ويوحد جميع العشائر الآشورية وان يقودهم لسنوات عديدة حتى استشهاده. فهــو وبحق وجدارة يستحق لقب البطل القومي الآشوري وأميراً للشهداء، وحسناً فعلت كنيسة المشرق الآشورية بإحياء ذكراه في يوم الأحد السابق للصوم الكبير من كل عام واعتباره من شهداء الكنيسة وهي مسؤولية قومية أيضاً ملزمة لكل المنظمات والأحزاب الآشورية لإحياء ذكرى هذا البطل التاريخي في مسيرة النضال القومي الآشوري ويستلزم منهم إقامة صرحاً تذكارياً له في المراكز الدينية والقومية تخليداً لذكرى أمير الشهداء مار بنيامين. كما أنها مسؤولية المفكرين والكتاب الآشوريين للبحث والتنقيب في مغزى البطولة والاستشهاد التي أكدها مار بنيامين في التاريخ الآشوري والتي تعد دروساً في التربية الدينية والقومية وزاداً لكل مناضلي أمتنا في مواصلة مسيرة النضال القومي.

مات واستشهد البطريرك  مار بنياميــن ولكن بقـى وسيبقى مدى الدهر حياً خالداً في ضمائر أبناءه.
الجبناء يموتون كل يوم…. والأبطال يبقون خالدون مع خلود الأمة .
أبرم شبيرا


90
ألا تكفي الجرائم الأخيرة بحق شعبنا في كردستان أن يكون له كيان خاص به ؟؟؟
                                                                                                                                     أبرم شبيرا
إلى متى يبقى كتابنا وقادة بعض أحزابنا ورجال كنائسنا يرفضون أو يطرطمون أو يتخوفون بسبب أو آخر من إقامة كيان خاصة بشعبنا الكلداني السرياني الآشوري في وطنه الأم، إلا تكفي الجرائم الأخير بحق شعبنا في إقليم كردستان لتخلق ردة فعل إيجابية تحركهم من نومهم العميق أو تهز أفكارهم السلبية في بناء البيت الخاص بشعبنا وتضع جهودهم وأقلامهم وأفكارهم على الطريق الصحيح المؤدي إلى سلامة وأمن شعبنا في جميع أنحاء العراق. كانت لمذبحة كنيسة سيدة النجاة في العام الماضي ردة فعل إيجابية أنعكست في تقارب وتجمع بعض من أحزابنا وتنظيماتنا القومية وتشكيل كيان "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" كسبيل في توحيد الخطاب السياسي القومي لهم. واليوم نتسائل أفهل ستترك هذه الجرائم ردة فعل أخرى إيجابية تزيد من تقارب هذه الأحزاب والتنظيمات أكثر فأكثر؟ أفهل تهز هذه الجرائم عقول وضمائر الرافضون أو المتحفظون أو الساكتون عن أقامة كيان قومي إداري سياسي لأمتنا... سواء أكان هذا الكيان حكم ذاتي أو إدارة محلية أو محافظة ... حتى إن كان قضاء أو محلة أو حتى زقاق... المهم هو ضمان أمن وسلامة شعبنا والعيش بالطريقة التي تطابق حياته وتراثه ودينه.

معظم الرافضين لإقامة أي كيان إداري أو قومي أو سياسي لأبناء شعبنا تقوم حجتهم على أن مثل هذا الكيان سيحصر أبناء أمتنا في منطقة محددة ضيقة وسيكون أكثر عرضة لهجمات الإرهابين وغيرهم من المجرمين والمتطرفين والسلفيين؟؟؟ بالله عليكم هل مثل هذه الحجة بقى لها أساس بعد كل هذه الهجمات على أبناء شعبنا وهم بدون أي كيان خاص بهم بل منتشرين من البصرة حتى زاخوا، أفهل يعرف الرافضون القراءة والكتابة لكي يقرأوا عن هذه الجرائم؟؟ أفهل لهم أذان يسمعون عن ما يجري بحق شعبنا من جرائم قذرة تنم عن أسلوب همجي؟؟؟ فإذا كانوا يعرفون القراءة والكتابة ولهم أذان يسمعون عن هذه الجرائم فلهم إذن أن يتحركوا ويضعوا أيديهم في أيادي الذين يطالبون بمثل هذا الكيان. أما أصرارهم على رفض مثل هذه المطالبة فلم يبقى لنا إلا أن نقول لهم بانهم أناس جهلة لا يعرفون القراءة والكتابة وليس لهم أذان يسمعون بها... وبالتالي نقول لا وجود لهم في هذا العالم الذي يحرق شعبنا ومن المؤكد ستصل لهيب هذه الحرائق إليكم ... فتحركوا قبل ان نشتعل جميعاً ونتحول إلى رماد.

هناك خياران لا ثلاث لهما.... أما أقامة كيان خاص بأبناء شعبنا في مناطق تواجده التاريخي ... وأما الهجرة وترك الوطن... وإذا أعترفنا بأن هناك خيار ثالث فأنه لن يكون إلا الفناء والدمار ومزيداً من الجرائم بحق شعبنا لحين زواله وإنقراضه نهائيا من أرضه. لقد سبق وأن أكدنا مراراً وتكراراً بأن الحياة عند الإنسان هي أغلى ما يملكه وأن حمايتها هو ناموس طبيعي... فإذا كان البقاء في الوطن في ظل الظروف التي يحكمها مجرمون من الدرجة الأولى لا يوفر الحماية لأبناء شعبنا فأن الهجرة إلى خارج الوطن يبقى الخيار الشرعي الوحيد الضامن لحياة أبناء شعبنا... من المؤكد يقول البعض بأن مثل هذا الطرح هو تشجيع أبناء شعبنا لتركه الوطن والهجرة إلى الخارج، وأنا أقول ليس تشجيعاً وأنما أسلوباً لحماية حياتهم خاصة بعد أن أصبح جميع الأساليب الأخرى غير مجدية في دولة يحكمها قانون الغابة. كفانا نفاقاً وتنمقاً ومجاملة واللعب بحياة شعبنا ومشاركة المجرمين في لعبتهم القذرة في إنهاء وجود أمتنا من الوطن... إلى متى نظل نتمسك بالقوانين والدستور في الوقت الذي غيرنا لا يتمسك بها بل يضربها عرض الحائط عندما لا تخدم مصالحه.... الدستور والقوانين أوراق لا معنى لها ولا تأثير في حياة المجتمع طالما المتسلطون على الحكم لا يعيرون أهمية لحياة المحكومين... أفهل يدرك سياسيو أمتنا هذه الحقيقة أم مشاركتهم مع هؤلاء المتسلطين على الحكم أو السكوت عن هذه الجرائم تعمي بصرهم وتحجب تفكيرهم في الفهم الحقيقي للدستور والقانون... فالدستور أو القانون الذي لا يستطيع حماية أبناء أمتنا ولا يخدم مصلحتهم فلا وجود له وبالتالي يجب أن يضرب عرض الحائط كما يفعل الآخرون. أما التمسك به وتكرار الإسطوانة المشخوطة في أن المطالبة بالكيان الخاص بأمتنا لا يتطابق مع الدستور فهو أمر نقوله بصراحة بأنه أسلوب جبان في التهرب من المسؤولية تجاه الأمة ومن المستحسن ترك كرسي المسؤولية إذا كان فعلاً مسؤولاً أو الإنزواء في عالمه الخاص وترك عالم السياسة القومية للآخرين.

قبل أسبوعين أو أكثر أجرت قناة العربية الفضائية مقابلة معي ضمن برنامج من العراق حول المسيحيين في العراق وعند سؤال المقدم عن إضطهاد المسيحيين في كردستان العراق... قلت له أن الحركة الكردية والقوى السياسية الرئيسية فيها يؤمنون بالعلمانية ويحاولون تطبيقها بحيث يمكن القول بأن هناك ليس إضطهاد للمسيحيين في إقليم كردستان بل الكثير من المسيحيين يجدون في هذا الإقليم الملجأ الآمن لهم، إنما المشكلة الحقيقية في إقليم كردستان تكمن في تجاوز الكرد وإحتلالهم الكثير من القرى والأراضي التابعة للكلدان السريان الآشوريين. لكن بعد الجرائم القذرة المرتكبة بحق شعبنا في مناطقه التاريخية من قبل جمهرة من الغوغاء المتطرفين والمتعطشين للجهاد ضد "الكفرة" يقودنا إلى أعادة النظر في فكرنا وموقفنا فيما يخص سلامة وأمن المسيحيين في إقليم كردستان. صحيح أن هذه الجرائم لم ترتكب من قبل القوى السياسية الرئيسية في الأقليم ولا من قبل رجال الحكم والسياسة فيه ولكن تغاضي وأهمال حكومة الإقليم في كبح جماح مثل هؤلاء المجرمين يجعل منها كشريك فيها... أين كان رجال الأمن والشرطة عندما كان يخطب خطباء الجوامع ويدعوا "المصلين" إلى الجهاد ضد "الكفرة"؟ أليس من واجب الحكومة أن تراقب أو تضمن بأن مثل هذه الخطب في أيام الجمع يجب أن تكون حضارية ومن دون إساءة لأبناء الوطن مهما كان دينهم أو قوميتم؟؟ يقول البعض بأن المسؤولين في إقليم كردستان يسعون إلى بناء الإقليم ليكون متطوراً وحضارياً مثل إمارة دبي. نقول لهؤلاء حتى تصبح كردستان العراق مثل دبي عليهم قبل كل شيء أن يدققوا ويراقبوا ويوحدوا جميع الخطب التي تخطب في الجوامع في أيام الجمع ويضمنوا بأنها غير مسيئة لغير المسلمين مثلما تفعل حكومة دبي حينذاك يمكن التفكير في كيفية بناء وتطوير إقليم كردستان ليصبح مثل دبي التي تعتبر من أكثر المدن في العالم من حيث الأمن والإستقرار وأكثرها تطوراً وجذباً للرأسمال الأجنبي. فإذا كانت حكومة إقليم كردستان جادة في ضمان الأمن والإستقرار فعليها محاسبة المجرمين الذين أعتدوا على ممتلكات أبناء شعبنا وأن تبدأ التحقيق والمحاسبة بقائمقام زاخو وسميل ومحافظ دهوك وبالمسؤوليين الحزبيين كما يستوجب التحقيق مع خطباء الجوامع التي أنطلوا منها الغوغائيين، أما إذا ترك الأمر للزمن فأنه سيبداً الأكل بهذه الجرائم وتنتهي التهمة ضد مجهول وبالتالي إلى إستمرار سلسلة الإعتداءات وإهتزاز الأمن والإستقرار في الإقليم وفقدان السمعة القليلة التي أكتسبها الإقليم خلال السنوات القليلة الماضية في ضمان الأمن والسلامة لجميع مواطني إقليم كردستان.

إن الجرائم الأخيرة المرتكبة بحق شعبنا في إقليم كردستان وما قبلها جريمة كنيسة سيدة النجاة وغيرهما ما هي في طبيعتها إلا جرائم لها توجهات دينية متطرفة تهدف إلى القضاء نهائيا على الوجود المسيحي في العراق ومن دون تمييز بين هذه الكنيسة وتلك الطائفة المسيحية فالكل "كفرة" في نظرة السلفيين والمتطرفيين الإسلاميين... فأين هذه الوحدة في عقلية رجال كنائسنا ... أين هم من صخرة بطرس التي أمر ربنا يسوع المسيح بناء كنيسته عليها... أليس من واجبهم الأول والمقدس الجلوس جميعهم على هذه الصخرة ومن ثم التكاتف والعمل سوية للحد من هذه الجرائم المرتكبة بحق رعيتهم... ألم يحن الوقت يا رجال كنائسنا الأعزاء أن نسمع صوتاً موحداً لكم جميعاً في التندين والتحرك سوية نحول المطالبة والعمل على ضمان سلامة رعيتكم؟؟ ففي ظل هذه الظروف الإجرامية لا يبقى أي معنى للكاثوليكية أو الأرثوذكسية أو المشرقية أو الإنجيلية أو البروتستانية طالما لا تستطيع أي منهم حماية رعيتها فالكل مستهدفين بشخص المسيح وليس بشخص البابا أو مار عمانوئيل دلي أو مار دنخا أو ما زكا عواس أو غيرهم.  أليس الوقت مناسبا يا أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية الخروج في مظاهرات في زاخوا وسميل ودهوك لا بل وحتى في ساندياكو وشيكاغو وديتروت و سان هوزيه و تورلك و لندن وأمستردام وباريس وسدني والتنديد وبصوت عالي ضد هذه الجرائم البشعبة؟؟؟ أليس الوقت مناسباً لكي نؤكد ونعيد التأكيد بأن إستقالة ممثلي أمتنا من مجلس النواب العراقي والكردستاني أيضا أوعلى الأقل تجميد عضويتهم سوف يسحب البساط من تحت أقدام حماة المجرمين والسلفيين المتربعين على كرسي الحكم في العراق... أن مشاركة ممثلي أمتنا في هذه الهيئات ما هي إلا شيك بدون رصيد.. وهو موضوع طويل سنعالجه في مناسبة لاحقة. 

   

91
حقوق الأقليات
في ضوء القانون الدولي
                                                                                                                                أبرم شبيرا
توطئة:
من الهوايات المحببة، بل إن صح التعبير، من الواجبات الإساسية لي، هي الغوص في المكتبات لساعات طويلة والبحث عن كل ما يغزر وعينا من كتب ووثائق تخص مواضيع تاريخ أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" وثقاقتها ويوسع من إدراكنا في أساليب حمايتها وضمان إستمرارها نحو آجال أبعد وأبعد حتي يستمر تواصلها لقرون آخرى. ومن هذه المكتبات المهمة والتي يكثر فيها مثل هذه الكتب هما المكتبة الشرقية في بيروت ومكتبة جامعة روح القدس في كسليك في لبنان. وقد كنت في الآونة الآخير محظوظا نوعا ما في هذا السياق عندما حصلت على آخر نسخة من كتاب "حقوق الأقليات في ضوء القانون الدولي" للدكتور رياض شفيق شيًا من مكتبة جامعة كسليك. وقبل أن نبحث في هذه المسألة المهمة خاصة في هذه الأيام الصعبة التي تعجز الحكومات الوطنية في منطقتنا وخاصة في وطننا العراق من حماية أقلياتها، أعرض الكتاب بشكل مختصر وفي سطور قليلة مع  بيان بعض من ملاحظاتنا وتعليقاتنا فيما إذا أستوجب ذلك على كل فصل من الكتاب، خاصة فيما يتعلق بموضوع حقوقنا القومية والوطنية والإنسانية في وطننا العراق. مؤلف الكتاب هو الدكتور رياض شفيق شيًا، وهو عميد ركن في الجيش اللبناني ... تبوأ مراكز عسكرية قيادية وأكاديمية مختلفة حائز على شهادة دكتوراه في القانون الدولي وصدر له عام 2003 عن دار النهار للنشر كتاب إتفاقية الهدنة اللبنانية – الإسرائيلية لعام 1949 في ضوء القانون الدولي إضافة إلى كتاب موضوع بحثنا والذي من المحتمل أن يكون رسالته الجامعية في نيل شهادة الدكتوراه. الكتاب صدر من قبل دار النهار للنشر – بيروت ,الطبعة الأولى ، حزيران، 2010 ومن يرغب الحصول عليه يمكن الإتصال بها على : ص.ب: 226 – 11 – بيروت – لبنان فاكس 561693 -1 – 961.
darannahar@darannahar.com

مسألة الأقليات واحدة من المسائل التي أرقت ضمير الإنسانية قروناً طويلة. فمع تفاقم إنتهاك حقوق الأقليات وفشل القوانين الوطنية في التعاطي مع المسألة بشكل عام، باتت الإنظار، لإسباب إنسانية، متجهة ناحية القانون الدولي كوسيلة للحماية... ولما كان لكثير من الأقليات علاقات وإمتدادات تتعدى النظاق الداخلي للدولة، بحكم إرتباطها الإثني أو اللغوي أو الديني بدول أخرى تماثلهم نفس الصفات، أفسح ذلك المجال أمام التدخلات الخارجية بذريعة الدفاع عن الأقليات... وتسعير الكثير من النزاعات بين الدول المجاورة. واستمرت الأقليات أحد مواضيع أهتمام القانون الدولي، سواء بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة أو في النصف الثاني للقرن العشرين. فمعظم الصراعات الداخلية والدولية عكست وجود الأقليات في أساس تلك النزاعات، مما يبرر الحجة الدائمة إلى مجموعة كاملة من القوانين الخاصة التي ترعى هذه المسألة. إن العقبة الأساسية أمام تقدم القانون الدولي في إحاطته بمسألة الأقليات ومعالجتها بصورة جذرية هي إصطدامه بكيانات الدولة القائمة. فالخوف من أن يودي الإندفاع في تلبية طموحات الأقليات إلى زعزعة الإستقرار العالمي وإلى زيادة النزاعات الدولية والداخلية لا يبرر عدم الإهتمام بها أو المعالجة الخاطئة لها، لأن ذلك يبقي مسألة الأقليات مصدر توتر دائم (من متن الكتاب).

الكتاب في سطور مع ملاحظاتنا:
الكتاب يشمل 386 صفحة من القطع الكبير ويقع في بابين، الأول (تطور نظام حماية الأقليات) مقسماً إلى ثلاث فصول، الأول (حقوق الأقليات في ظل عصبة الأمم)، ويتناول هذه الحقوق وضماناتها في عهد عصبة الأمم ومن ثم فشلها وسقوطها. وكملاحظاتنا يمكن أن نقول بخصوص هذا الفصل بأن عصبة الأمم أهتمت إهتماماً كبير بمسألة الأقليات ولكن من جهة أخرى أيضا أستغلت هذه المسألة من قبل الدول الكبرى المنتصرة في الحرب الكونية الأولى، خاصة بريطانيا وفرنسا، إستغلالاً تعسفياً وفضيعاً بحيث أفرزت عنها نتائج مأساوية فرضت عنوة على الشعوب البسيطة والمقهور وتقرر مصيرها بموجبها، فالمسألة الآشورية في العراق في الثلث الأول من القرن الماضي، مثال على هذا الإستغلال الإجرامي والتلاعب بمصير الشعوب من دون مراعاة لأية حقوق المشار إليها في تشريعات عصبة الأمم والتي أودت بالأخير إلى فشلها ونشوب الحرب الكونية الثانية وقيام المنظمة العالية الجديدة، هيئة الأمم المتحدة، بعد وضع الحرب أوزارها. وهنا لابد من الإشارة إلى المسيحيين في العراق حيث تنتهك أعراضهم وتسلب ممتلكاتهم ويهجروا من بيوتهم ويغتالوا ويدمرون كنائسهم من دون أي وازع قانوني وأخلاقي فشريعة الغابة هي التي تحكم في مثل هذه الأوضاع وليس القوانين والتشريعات الدولية في حماية الأقليات.   

أما الفصل الثاني (حقوق الأقليات في ظل الأمم المتحدة)، فيتناول فيه صلاحية الضمانات المتعلقة بالأقليات بعد الحرب العاليمة الثانية، وحقوق الأقليات وميثاق الأمم المتحدة ومعاهدات السلام والأعلان العالمي لحقوق الإنسان ثم يتطرق إلى العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أصدرته الأمم المتحدة في عام 1966 وبالأخص المادة 27 منه ومدى إلزامها ثم يلي ذلك إعلان حقوق الأشخاص المنتمين لأقليات قومية أو إثنية، دينية ولغوية الذي صدر في عام 1992 والذي يشرح فيه ديباجة الإعلان ومحتوى المواد العملاتية ومدى تطبيقه . وكملاحظاتنا يمكن أن نقول بخصوص هذا الفصل بأن تجربة عصبة الأمم فيما يخص الأقليات وفشلها الذريع أثر ذلك كثيرا على مؤسسي الأمم المتحدة وعلى مشرعي ميثاقها مما قادهم إلى تجنب أي تطرق إلى مسألة الأقليات وحمايتها لذلك لا توجد أية إشارة في ميثاق الأمم المتحدة إلى موضوع الأقليات وحماية حقوقهم فحتى محاولات تشريع معاهدة خاصة بالأقليات في مؤتمر السلام المنعقد في لندن عام 1946 قد فشل في هذه المسألة. إن الأمم المتحدة أعتمدت على فلسفة جديدة قائمة على أعتبار أن حماية حقوق الإنسان سوف يعطي بالنتيجة حماية لحقوق الأقليات وكنتيجة لذلك شرع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 من دون أن تكون هناك أية إشارة إلى الأقليات. فخلال تلك الفترة نرى بأن كل المحاولات التي قامت بها الحركة القومية الآشورية برعاية قداسة بطريرك كنيسة المشرق مار شمعون إيشاي رحمه الله عن طريق الأمم المتحدة في بداية تأسيسها عام 1945 والسنين اللاحقة لم تفلح وكل الطلبات والتظلمات التي قدمها إلى الأمم المتحدة بخصوص حماية الآشوريين في العراق وإيران وإيجاد تسوية عادلة لقضيتهم لم تجد أذان صاغية لها، وهذا مثال قريب علينا من بين مئات الأمثلة في تلك الفترة.

في الفصل الثالث (حقوق الأقليات في المنظمات الدولية – الإقليمية)، يتناول مسألة الأقليات في أهم أربعة منظمات وهي المجلس الأوربي و منظمة الأمن والتعاون الأوربي و منظمة الدول الأمريكية وثم منظمة الإتحاد الأفريقي. وتعتبر المنظمات الأوربية رائدة في مجال حماية حقوق الإنسان والأقليات حيث صدرت عن منظمة الأمن والتعاون الأوربي عدد من المعاهدات والبيانات بهذا الخصوص وأشهرها وثيقة هلسنكي ووثيقة فينا ووثيقة كوبنهاكن والتي تعتبر من أرقى الأشكال التشريعية في حماية حقوق الإنسان والأقليات.

أما في الباب الثاني (حقوق الأقليات) فالكاتب يبتعد عن التشريعات الخاصة بحقوق الأقليات ويبدأ في هذا الباب بتفسير وتحليل الكثير من المفاهيم المتعلقة بالأقليات. ففي الفصل الأول (مفهوم الأقليات) يتطرق إلى الحاجة إلى تعريف الأقلية والمساعي التي بذلتها المنظمات الدولية والإقليمية والكتاب والباحثين والمعايير الموضوعية والذاتية المعتمد في التعريف  ثم يعرج على أهم الإتجاهات النظرية المعاصرة لتعريف الأقلية. والإهم من كل هذا يتطرق الكاتب في الفصل الثاني (الحقوق المفصلة للأقليات)، مفهوم هذه الحقوق وأنواعها منها القانونية والإنسانية والجماعية ثم الحقوق الخاصة بالأقليات فيشير إلى أهمها منها الحق في الوجود والحق في الهوية وكذلك إلى حق الأقليات بعدم التمييز والتشريعات الدولية الخاصة بهذا الموضوع وأخيرأ في الفصل الثالث (حقوق شعوب السكان الأصليين) ومدى علاقتهم بالأقليات والتعريف بهم والمنظمات الدولية التي وضعت معايير في حقوق السكان الأصليين ثم يفرد صفحات عن الأمم المتحدة والأعلانات والمواثيق التي أصدرتها بهذا الشأن. وهنا أود أن أشير إلى طروحات بعدض من كتابنا وسياسيونا ومنظماتنا القومية عندما ينعتون الآشوريين أو الكلدان أو السريان بالسكان الأصليين للعراق أو لبلاد الرافدين وهذا خطأ ينم عن جهل سياسي وقانوني في هذه المسألة... فالسكان الأصليين (Indigenous People ( لهم صفات وخلفيات أنثروبولوجية وظروف بيئية خاصة وفريدة بهم ويعيشون في حياة مغلقة أو شبه مغلقة ولهم مقومات بدائية لنمط حياتهم لا يشاركهم فيها غيرهم، في حين يعيش أبناء شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" في ظروف مختلفة تماما ولهم صفات قومية وتراثية ودينية وخلفية حضارية إنسانية معروفة تميزهم عن غيره ويعيش الكثير منهم في حاضر المدن أو القصبات المفتوحة للعالم الخارجي وينطبق عليهم بكل معنى القانوني والسياسي مفهوم الأقلية القومية وليس بالسكان الأصليين، فأصالتهم في بلاد الرافدين مستمدة من عمق حضارتهم وتواجدهم التاريخي الطويل على هذه الأرض ومساهمتهم الكبيرة في الحضارة الإنسانية وليس من البيئة الأنثروبولوجية التي يعيشون فيها.
     
ولما كان موضوع الأقليات وحق تقرير المصير من المواضيع المهمة والتي يدور حولها جدلاً قانونياً وسياسياً واسعاُ فقد أفرد الكاتب له فصل خاص به شمل أكثر من (40) صفحة حيث يبدأ بالجذور التاريخية لمبدأ حق تقرير المصير ونمو القومية ونشوء الدولة – الأمة و الأقليات القومية والظهور العلني لتقرير المصير. ثم يتطرق إلى اهم التشريعات القانونية في تقرير المصير منها ميثاق الأمم المتحدة وإعلان حقوق الإنسان وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية وأخيراً يتطرق ألى موضوع تقرير المصير والجماعات الأثنية ومدى علاقة تقرير المصير بالإنفصال وأخيرا إشكاليات الأقليات في تقرير المصير. للمزيد عن موضوع مبدأ حق تقرير المصير ومدى إنطباقه على أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية، أنظر كراسنا المعنون (حقوق الآشوريين السياسية في العراق – في ضوء حق تقرير المصير – دار عشار، لندن، 1966، ص 28).

خاتمة وإستنتاجات:
للكتاب خاتمة وفيها يصل المؤلف إلى إستنتاجات مهمة وهي خلاصة الجهد الذي بذله في بحثه هذا وبإعتقادنا هي إستنتاجات مهمة وفق الكاتب فيها بشكل كبير نستخلص منها مايلي:

البعد الإخلاقي للقانون الدولي:
المعروف في القانون الدولي بأنه مجموعة قواعد يحكم علاقات الدول وينظمها بينهم ولكن مع هذا يجب أن لا يوثر هذا التفسير على المحتوى الإخلاقي للقانون الدولي ... صحيح أن الدول ليست أفراد ولكن مع هذا أن الدول تشمل الأفراد وبدونهم لا يمكن أن تقوم لها قيامة لذلك فالبعد الإخلاقي الذي توصل الكاتب إليه في القانون الدولي يشمل حماية الأقليات وهو السبب الذي جعله أن يعنون بحثه بعنوان (حقوق الأقليات في ضوء القانون الدولي).

حقوق الأقليات وحقوق الإنسان:
يتفق الكتاب مع العالم القانوني (سييغرت) في القول بأن حقوق الإنسان إنما وجدت من أجل حماية الأقليات، فالحقيقة التي يعتمدها الكاتب هي أن حقوق الإنسان وجدت لصالح الضعيف، المعرض للإنتهاك بإستمرار، فاقد مقومات الصيانة والعاجز عن التعبير والتصريح بما هو عليه وبما يفكر به ويؤمن به. أما القوي فحاجته لحقوق الإنسان قد تكون شبه معدومة. ولما كانت الأقليات متصفة بهذه الصفات الضعيفة لذا فإنهم معنيين مباشرة بحقوق الإنسان. وبرأينا أن الأمر ليس كذلك عند تفسير مضامين حقوق الإنسان خاصة عندما يتأثر هذا التفسير بالعوامل السياسية لهذا السبب كان يستوجب على المجتمع الدولي أن يكون أكثر صراحة ومباشرة في معالجة مسألة حقوق الأقليات. لذلك ففي عام 1966 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أكد على حق الشعوب في تقرير مصيرها دون إستثناء وفرض على الدول التي توجد فيها أقليات إلتزامات بضرورة حماية حقوقها القومية والدينية. وفي عام 1976 دخل هذا العهد حيز التنفيذ وأصبحت له قوة القانون حيث صادقت عليه 87 دولي حتى عام 1987 ومنها دولة العراق. كثير من الدول التي يتواجد فيها أقليات قومية ودينية أنتهكت المواثيق الدولية الخاصة بهذا الشأن فكان ذلك موضوع نصب عيني الأمم المتحدة لإصدار تشريع أكثر قوة وإعداد صك دولي بشأن حقوق الأقليات وإقرار أليات وأجراءات معينة لإلزام الدول بحمايتها وصيانته، فجاء صدور "أعلان بشأن حقوق الإشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية وإلى أقليات دينية ولغوية" لعام 1992 لغرض تعزيز حقوق الأقليات وحمايتها إذ أكد الأعلان على حق تمتع الأقليات بثقافتها والمجاهرة بدينها وممارسة وإستخدام لغتها وإقامة الإتصالات مع سائر أعضاء جماعة الأقلية عبر الحدود ومع مواطني الدول الأخرى الذي تربطهم معهم صلات قومية أو دينية أو أثنية أو لغوية. كما ألزم الأعلان الحكومات المعنية على إتخاذ تدابير إيجابية لتعزيز الحريات الأساسية للإشخاص المنتمين إلى الأقليات ومنها التعليم والثقافة، كما طالب البيان هذه الدول بضرورة حماية وجود الأقليات وهويتها القومية أو الأثنية والدينية واللغوية وفرض عليها ضرورة إتاحة الحرية لأبناء الأقليات للمشاركة الفعالة في شؤون الدولة وفي إتخاذ القرارات المتعلقة بالأقليم التي يقيمون فيها وفي القرارات التي تخص الأقلية نفسها، كما ألزم البيان الدول على تعديل قوانينها بما تضمن هذه الحقوق.
ومن الأهمية الإشارة إليه بخصوص هذا الأعلان، هو أنه صيغ بعقلية أوربية متطورة جداً في فهم حقوق الإنسان والأقليات وبعيدة كل البعد عن العقلية الشرق الأوسطية وخاصة عقلية رجال الحكم والسياسة في الأقطار العربية وتحديداً في العراق. إذ أن أعطاء للأقليات حق إقامة الإتصالات مع سائر أعضاء جماعة الأقلية عبر الحدود، أي مع الدول الأخرى، هي جريمة خطيرة في هذه البلدان وفي العراق وعقوبها تصل إلى الأعدام.

الإطار الفردي لحقوق الأقليات:
يتفق الكاتب مع مقولة بأن معظم الحماية الممنوحة للأقليات الإثنية، الدينية واللغوية هي ذات طبيعة غير مباشرة، أي بما معناه بأن كثير من النصوص القانونية ذات الصلة لا توجد إشارة إلى الأقليات نفسها... أي أن القانون الدولي يتردد في تسمية الجماعات الأقلية كصاحبة للحقوق التي يمنحها بل يفضل تنسيبها إلى الإفراد المنتمين للجماعات الأثنية والأقليات القومية والدينية، فمثلاً أهم قرار في هذا الشأن هو إعلان حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1992، والمار ذكره في أعلاه. إذ الإشارة إليه هي للأشخاص وليس الأقليات أو الجماعات. ومرجعية الإطار الفردي لحقوق الأقليات ترجع بالإساس إلى إستحواذ فكرة حقوق الإنسان الشاملة للأقليات أيضاً. غير إن التشريعات المتعلقة بمكافحة التمييز العنصري وحماية سكان الشعوب الأصلية والقبلية كلها إشارات واضحة إلى الجماعات وليس إلى الأفراد. الكاتب في هذا الموضوع لم يبين سبب الإطار الفردي لحقوق الأقليات رغم أن تطبيقه يكون جماعياً وإختلافه عن الإطار الجمعي لبقية التشريعات المتعلقة بالعنصرية والشعوب الأصلية ولكن بإعتقادنا الخاص يقوم على فهم طبيعة عقلية المشرع في فهم نوعية الإنتماء. إذ أن الإنتماء إلى أقلية قومية أو دينية يقوم بالأساس إلى الشعور والوعي الذي يجعل الفرد إنتماءه إلى هذه الجماعة أو تلك، في حين أن إنتماء الفرد إلى عنصر (عرق) معين أو إلى أسلوب الحياة التي تتصف بها الشعوب الأصلية هو إنتماء جماعي مقرر سلفاً لا قرار له فيه. فعلى سبيل المثال قد يكون أحد من أبناء شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري"  غير واعياً بإنتماءه إلى أثنيته ويقر بإنتماءه العربي أو الكردي أو أية قومية أخرى فمثل هذه الحالة لا يعالجه أي تشريع يخص حماية الأقليات. في حين أن الزنجي أو الأمازوني لا يمكن أن يكون إلا واعياً بطبيعة عنصره (عرقه) أو بمنط حياته الخاصة في الأمازون لأنه يستمد وعيه من إرتباطه المباشر والعضوي بالجماعة التي ينتمي إليها وبالتالي تأتي التشريعات الخاصة بحمايته في إطارها الجماعي.     
 
 والكتاب في نهايته يتضمن ملحق رقم (1) وهو النص الكامل لإعلان حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو دينية وإلى أقليات دينية ولغوية الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 18 كانون الأول 1992 وأيضا ملحق رقم (2) الخاص بالنص الكامل لإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية والذي أعتمد ونشر في 13 أيلول 2007. وكبقية البحوث والكتب، يدرج المؤلف عدد مهم من المصادر المعتمدة في البحث حيث أعتمد على (144) مرجع أجنبي وعلى (6) مرجع عربي أثنان منها مترجمة من اللغات الأجنبية، تصوروا الفرق الهائل بين الرقمين والذي له دلالات سياسية خطيرة تؤكد عدم إهتمام العقل العربي السياسي والثقافي بمسألة حقوق الإنسان وحماية الأقليات. والأغرب من كل هذا هو مسألة وزارة حقوق الإنسان التي هي ضمن تشكيلة مجلس وزراء في بعض الدول العربية ومنها العراق... لا أدري هل الحكومة العراقية هي جاهلة وليس لها مستشاريين سياسين وقانونيين يقولون لها بأن الحكومات هي  بالدرجة الأولى التي تنتهك حقوق الإنسان وتضطهد الأقليات بشكل مباشر أو غير مباشرة وإنها لا يمكن أن تكون المتهم والقاضي في عين الوقت. إن مهمة  الدفاع عن حقوق الإنسان والأقليات هي من إختصاص منظمات المجتمع المدني وليس الحكومات التي لا تعترف أصلا بحقوق الإنسان ولا بحق الأقليات في ممارسة حقوقها السياسية والقومية.     
         
وأخيرا:
أود أن أوصي هذا الكتاب لجميع الطلاب والباحثين في مسألة الأقليات وحماية حقوقهم لإقتناء نسخة منه من دار النشر المذكورة أعلاه، لا بل أيضا أوصيه لإبناء أمتنا للإطلاع على التشريعات الدولية التي تحمي حقوقهم وتشرعن مطالبهم خاصة في هذه المرحلة الحرجة التي نمر بها. فالكتاب هو دراسة نظرية عن القوانين والتشريعات الدولية بهذا الشأن وليس هناك أية أشارة أو تلميح إلى أية أقلية أو مجموعة أثنية معنية في العالم، فهو إطار نظري لكل من يطلب العلم كمنهج لدراسة حقوق الأقليات ووسائل حمايتها. كما أود أن أذكر نقطة مهمة لها تأثيرات مباشرة على الكثير من أبناء الأقليات ومنهم أبناء أمتنا وتنظيماتهم السياسية. فالكثير يعتقدون بأن إستخدام مصطلح الأقلية أو الأقليات له دلالات سلبية ودونية تنقص من قيمة الأقلية ومكانتها ولكن هذا غير صحيح بتاتا لأن للأقلية معنى قانوني متداول في التشريع الدولي ومقبول فليس لإستخدامه دلالات سلبية بل له مضامين موضوعية تبين موقع الأقلية من الأكثرية وهذا هو عين الممارسة الديمقراطية بالنسبة للديمقراطيين الحقيقيين وليس للمحاصصيون. إن إستخدام مصطلح المكون أو المكونات الدارج على الساحة السياسية العراقية هو إستخراج جديد غير صحيح في نعت الأقليه به لأنه مصطلح لا معنى سياسي وقانوني له في التشريع الدولي.





92
ملف "الذكرى الاولى لمذبحة كنيسة سيدة النجاة و مستقبل المسيحيين في العراق"



ربيع عربي = خريف مسيحي
شتاء عراقي = فناء مسيحي
أبرم شبيرا

قد يبدو للوهلة الأولى بأن هذه المعادلة فيها نوع من الغرابة والمبالغة لا بل والتشاؤم القاتم بمستقبل المسيحيين في الوطن العربي عموماً وفي العراق خصوصاً. قبل كل شيء أود أن أبين الميزة الفريدة من نوعها الذي يتميز بها العراق عن بقية الأقطار العربية لا بل هناك أكثر من ميزة ينفرد بها العراق وحده دون سواه ولكن سنتطرق إلى الموضوع المتميز الذي يفيد موضوعنا هذا.... الغريب والعجيب قامت مظاهرات وإحتجاجات شعبية واسعة النطاق في بعض الأقطار العربية التي تتبنى النظام الجمهوري ولا تزال بعضها قائمة ومستمرة والتي عرفت بالربيع العربي فإجتازت دورتها ونضجت إلى مستوى الثورة فتمكنت من الإطاحة بالنظام القائم وبرأسه وتلاه صيفاً مثمراً في حين يبدو أن الربيع العربي سيطول في أقطار أخرى كاليمن وسوريا ويتطلبه المزيد من الدماء حتى يثمر صيفاً وفيراً. والدلائل تشير بأنه سوف لا يكون للمسيحيين حصة من الحصاد الصيفي العربي، والأصح الحصاد الإسلامي، بل سوف تحرق حرارة التطرف الإسلامي والتوجهات السلفية الحصاد المسيحي من الثورة وتجرده من مقومات الحياة الحضارية والدينية والإجتماعية وتدفعه نحو هاويات يصعب الإختيار بينهم، فأوضاع المسيحيين في مصر ونتائج الإنتخابات في تونس، رائد الربيع العربي، تؤكد هذا القول.
 
والإستتثناء العراقي الكبير والمثير، هو أنه بدأ شتاءه من دون أن يكون له ربيع. فالتغيير الجذري الذي حصل عام 2003 لم يكن بفعل ربيع لكي يليه صيفاً مثمرا بل حرق ربيع العراق بفعل البرق والرعد والعواصف الأمريكية والتدخلات الخارجية لذلك قاد العراق إلى شتاء قارص يقتل اليابس والأخضر. والعلة هنا ليست في التدخلات الخارجية بل في الشعب العراقي وتحديداً في القوى السياسية التي تدعي تمثيله. فلم يكن لهذه القوى، والتي كانت تسمى بالمعارضة، أمكانية لخلق الربيع ولم تكن قادرة أو تملك مقومات القدرة والقوة لكي تدخل في عملية حصاد الصيف بأستثناء قوى الحركة الكردية التي كانت تمتلك مثل هذه القدرة لذلك تمكنت من حصاد بما لم تكن تحلم به. والسبب في ذلك يرجع بالأساس في كون معظم هذه القوى بعيدة عن الشعب العراقي وعن معاناته، وأكثرها أما كانت تعيش وتنشط في الخارج أو كان تمثل طائفة معينة أو فئة. أي بعبارة أخرى لم يكن لها أية خبرة سياسية وطنية في الحكم والسلطة فجاءت إلى قمة السلطة بفضل القوات الأمريكية فخلق ذلك نوع من الشعور بالنقص فيهم. ولغرض أشباع مثل هذا الشعور وتغطيته أو إزالته يلجاً هؤلاء إلى الإستحواذ والإفتراس على مقدرات البلاد وبكل الوسائل المتاحة فتصبح المحاصصة والفساد والمحسوبية وسائل فعالة في هذا السياق كما يصبح للطائفة أولوية على الوطنية ويبقى الدستور حبراً على ورق يرمى عرض الحائط عندما يلجأ إليه الضعفاء، كالمسيحيين، طلباً للحماية لأن الوقت والجهد والإمكانيات مكرسة لإشباع الشعور بالنقص وليس هناك فائض منها لتكريسه في حماية المسيحيين وصيانة حقوقهم.

هذا من جهة، وبقدر تعلق الأمر بوضع المسيحيين في العراق خاصة ونحن في الذكرى الأولى لمجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد، فإن فهم طبيعة وضع المسيحيين يرتبط أساساً بالديموقراطية. فعندما يتم الحديث عن حقوق المسيحيين وحقهم في ممارسة شعائرهم الدينية والتراثية وحقوقهم القومية فإن مثل هذا الموضوع لا يمكن أن يرى النور والحياة إلا في أجواء ديمقراطية صحيحة. في عراق اليوم فيه دستور وإنتخابات ومجلس نواب وأحزاب سياسية وصحف ومجلات وقنوات فضائية عديدة لكن كل هذا لا يتفق مع المحاصصة والفساد والمحسوبية وبالتالي نؤكد القول بأنه ليس هناك ممارسات ديمقراطية حقيقية طالما للطائفة أولوية والمحاصصة أسلوب للحكم ونهب المال العام أدواته وبالتالي فالمتربعون على السلطة هم بفعل نظام المحاصصة ولا يمكن أن نتصور أن يكونوا في يوما ما ديمقراطيون يعملون من أجل الوطن ولجميع أبناءه. إن الديموقراطية ليست بيانات ودساتير ومواقف وتصريحات بل هي تراكمات من مواقف وممارسات سياسية وفكرية وحضارية طويلة تنتج المبادئ الأساسية للديموقراطية وبالتالي تخلق فعلاً ديمقراطيين يمارسون الديمقراطية من دون أن يكون للحزب أو الطائفة أولوية على الوطن أو على المصلحة العامة للشعب. فمعظم القوى السياسية المهيمنة على مقدرات العراق كانوا يفتقرون إلى المواقف الفكرية الثابتة حيال الديمقراطية وإلى الخبرة في الممارسة السياسية الصحيحة وبالتالي فإن وصولهم إلى السلطة وبهذا الفقر في الفكر والممارسة لا يمكن أن يخلق منهم ديموقراطيين.

عرضنا هذه البدهية في طبيعة الحكم في العراق والقوى المهيمنة لنقول مرة أخرى بأن الإستثناء في وضع العراق قائم على حرق المراحل من دون أن يكون له ربيعاً أو صيفاً بل أكتفى بشتاء قارص يمكن لرجال الحكم أن يتدفئوا ويحتموا من قسوته عن طريق إستغلال السلطة والفساد وميليارات الدولارات التي سرقت في حين يترك الباقون ومنهم المسيحيين في العراء من دون كسوة وبالتالي لا يترك لهم خيارات إلا خيارين ... أما الموت أو الهجرة. فما الذي خلفته مجزرة كنيسة سيدة النجاة في العام الماضي غير الموت وهجرة المئات من العوائل سواء خارج العراق أو نزحوا إلى المناطق الشمالية الأكثر آمناً كمحطة إنتظار لحين إستقرار الأمور في الوسط والجنوب والعودة إلى ديارهم، وهو أمر بعيد المنال إن لم يكن مستحيلاً، أو الهجرة إلى خارج الوطن.

حتى لا نكون متشائمين بل واقعيين يستوجب أن ننظر إلى الواقع بعين موضوعية... منذ عام 2003 وحتى مجزرة كنيسة سيدة النجاة وبعدها إذا نظرنا إلى أوضاع المسيحيين لا يمكن لأي عاقل أن يمتلك إي نوع من الإيجابية والتفاؤلية إلا الأعمى والمنافق... فوضعهم يسؤء أكثر فأكثر.... أين مسيحييو البصرة ودورة والكثير من المناطق في بغداد والموصل وكركوك التي كانت شبه مجمعات سكنية مسيحية،؟؟ أين أهل هذه المناطق وماذا حل ببيوتهم وممتلكاتهم؟؟ .يقول الكثير من المنافقين وبالأخص السياسيين الفاشلين في تبريرهم لشمولية الإرهاب والقول بأن الأرهاب والتطرف الديني يعصف بالعراق وبجميع العراقيين دون إستثناء فهو، أي الإرهاب، متساوي في إرهابه ووحشيته فالإرهاب ليس موجهاً ضد المسيحيين فقط بل ضد كل العراقيين من دون أن ينظروا هؤلاء إلى النتائج المترتبة على ضحية الإرهاب. هذا صحيح ولكن بالنسبة للمسيحيين يهدد الإرهاب وجودهم القومي والديني ويقلعهم من جذورهم في حين الأمر ليس كذلك بالنسبة لبقية العراقيين. وحتى مثل هذا التبرير السخيف وصل إلى عقلية زعيم حزب الله اللبناني/الإيراني السيد حسن نصر الله عندما ذكر في مقابلة قبل بضعة أيام على أحدى الفضائيات اللبنانية بأن التهجير شمل الشيعة في العراق وليس المسيحيين وحدهم. إلا يدرك نصر الله بأن تهجير المسيحيين مسألة موت أو حياة بينما تهجير الشيعة هي مسألة سياسية وحلولها ممكنة لأنهم يقبضون على زمام السلطة والمال.  فإذا دمر الإرهابيون مسجداً أو حسينية فهناك مئات بل الألاف من المساجد والحسينيات ولكن إذا دمروا كنيسة واحدة فهناك فقط العشرات منها. وإذا قتلوا مسلماً واحداً فهناك أكثر من 25 مليون مسلماً ولكن إذا قتلوا مسيحياً واحداً فهناك أقل من نصف مليون مسيحي باقي في العراق حازماً حقيبته ومتهيئاً للسفر إلى بر الأمان والسلامة بعيد عن الإرهاب والتطرف الإسلامي. فالإرهاب يهدد وجود المسيحيين القومي والديني في العراق ولا يهدد شخص أو مجموعة أشخاص في حين الأمر ليس كذلك مع الآخرين غير المسيحيين فالأعمال الإرهابية لا يهدد وجودهم القومي والديني في العراق بل أشخاص أو مجموعات تشكل جزء من الصراعي الطائفي بين القوى السياسية وشكل من أشكال عدم الإستقرار السياسي في العراق.

إن وضع المسيحيين، وبالأحرى حماية وجودهم القومي والديني، مسألة يستوجب أن تستقطب إهتماماً إستثنائياً خاصا وإن لا تخلط الأوراق وينتهي وجودهم بحجة الإرهاب الذي يشمل الجميع. لقد سبق وأن أشرت إلى هذا المثال التالي الذي ينطبق على وضع المسيحيين في العراق وموقف الحكومة منهم: العراق كرمة خضراء مليئة بالأشجار بمختلف الإنواع والأحجام والألوان. فمن حيث المبدأ وفي الظروف الإعتيادية على صاحب الكرمة أن يهتم بكل الأشجار مهما كان نوعها او حجمها. ولكن عندما تهب على الكرمة عاصفة هوجاء فلا شك فيه بأن جميع الأشجار سوف تهتز وتتأثر بها وقد تتناثر أوراقها أو تتكسر أغصانها وكل طبقاً لحجم الشجرة وقوتها. ولكن أكثر الأشجار تهديداً وضرراً ستكون الأشجار الصغيرة والضعيفة لذلك على صاحب الكرمة أن يولي إهتماماً خاصاً وإستثنائيا بهذه الأشجار خاصة عندما تكون هذه الأشجار من النوعية النادرة والثمينة ومعرضة للإنقراض والفناء. هكذا هو حال المسيحيين في العراق. فإذا كان صاحب الكرمة، أي الحكومة والمتسلطين على زمام الأمور في العراق لا يدركون هذه الحقيقة فأن الوطن سيكون هو الخاسرالأول في نهاية المطاف. ولقد تبينت كل الحقائق الفكرية والواقعية، خاصة أثناء وبعد مذبحة كنيسة سيدة النجاة وما تلاها من هجمات على بيوت المسيحيين كحلقة من حلقات سلسلة حملة القضاء على الوجود المسيحي في العراق بأن صاحب الكرمة غير مهتم بهذه الإشجار الصغيرة والنادرة إهتماماً فعليا يحافظ على بقائهم وإستمرارهم طالما هو وطائفته محصن بالسلطة والمال وواثقاً بأنه ستمر عليه العاصفة من دون أن تقلعه وتهدد وجوده وحتى أن كان مثل هذا الوجود مبنياً على مفاهيم الفترة المظلمة والقرون الوسطى.

إن وضع المسيحيين بشكل عام في العراق لا يطمئن بخير، فهوم الأمر الذي يجعلنا أن نكون أكثر متشائمين لأن كلا الخيارين المتروكين لهم مهلكة ومميتة.... الموت أو الهجرة. فإذا كانت الحياة أحلى ما يملكها الإنسان والحفاظ عليها ناموس طبيعي، إذن يبقى باب الهجرة أمامهم مشروعاً لضمان وسلامة حياتهم. وإذا كانت الهجرة سواء إلى الخارج أو إلى المناطق الشمالية الأكثر أمنا هو الخيار الذي يبعدهم عن الإرهاب ويحمي حياتهم ولكن بالمقابل بأن الكثير من أبناء شعبنا وبالأخص أحزابنا السياسية والتنظيمات القومية يرفضون موضوع الهجرة من أساسه لأن ذلك سيكون سبباً لضياع الوطن وفقدان مقومات وجودهم القومي والتراثي. ولكن هل هناك فعلاً وطناً بكل معنى الكلمة لكي يخاف المسيحيون عليه أم أصبح خراباً تنهش فيه الذئاب ولا تحتمل الحياة فيه.  من هنا ظهر خيار ثالث بديل وهو إقامة حكم ذاتي لهم أو محافظة أو إدارة محلية في مناطق تواجدهم والتي ستكون موضوع جذب لبقية المسيحيين والإستقرار فيه. ومن الطبيعي أن يرفض المتسلطين على الحكم في العراق مثل هذا الخيار للمسيحيين وهو أمراً طبيعياً في العقلية العراقية المتسلطة. ولكن ليس طبيعياً، بل يعتبر أمر شاذاً أن يكون مرفوضاً من قبل الكنيسة في العراق ومن بعض القوى المسيحية وتنظيماتهم القومية لأن الحجة التي يؤسسون عليها والقائلة بأن حصر المسيحيين في منطقة معينة ومحددة سوف يصبحون هدفاً سهلا للإرهاب هي حجة غير منطقية إطلاقاً طالما المسيحيون مستهدفون سواء أكان لهم كيان خاص بهم أم منتشرين في مناطق مختلفة من العراق.

 إن من  يلعب بالنار يترك إحتمال كبير أن يحترق به. فالعاقل والمدرك والواعي والمجرب لا بد من أن يمتلك أدوات التحصن منه ... فالتعامل بالسياسة في هذه الأيام في العراق يفرض على القوى السياسية لإبناء شعبنا أن تدرك نتائجها والتي قد تكون وخيمة ولا بد أن تتحصن ضدها... لقد سبق وأن أطلقنا نداءاً عاجلاً إلى كافة ممثلي أبناء أمتنا في مجلس النواب ومجالس المحافظات بالإستقالة إحتراماً لدماء شهداء كنيسة سيدة النجاة. وبعد مرور سنة على هذه المجزرة نعيد اطلاق هذا النداء لأنه لا زال النظام في العراق فاسداً لا بل يزداد فساداً ومن المعيب أن نكون نحن الضحية جزء من هذا النظام وأن نكون محسوبين عليه، لأن المستفيد الوحيد من وجود ممثلين عن المسيحيين في الحكومة والهياكل البرلمانية والمحلية هم رجال السلطة الفاسدين حيث يستغلون هذه المشاركة الشكلية للمسيحيين معهم لكي  يظهروا أنفسهم بأنهم ديمقراطيون وتعدديون. فإنسحاب المسيحيين يجردهم من هذه  الميزة ويفضحهم أكثر فأكثر. ومما لا شك فيه أن إستفالة المسيحيين هذه أيضا ستكون لها ردود فعل على مستويات دولية قد تثير إهتمام بعض القوى العالمية والمنظمات الدولية ويطرح موضوع الحماية الدولية لهم وهي الحماية التي ستكتسب المطالبة بها شرعية دولية وقانونية طالما الحكومة نفسها عاجزة عن حمايتهم.

وأخيراً أتسائل نفسي قبل أن يسألني غيري، هل أنا متشائم إلى هذه الدرجة من وضع المسيحيين في العراق أم  إن الوضع هو مبعث تشائم جداً وما عملت أنا إلا في نقل جزء بسيط من هذا الوضع وعبر هذه السطور القليلة. 

93
نظرة من ثقب الباب على تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية
(أراء ومقترحات)
أبرم شبيرا
مقصد الكلام:
النظر من ثقب الباب ليس القصد أن نسترق السمع او نتصنت من باب الفضول أو التدخل في شؤون هذا التجمع، وإنما القصد منه هو النظر من الفسحة الضيفة المتاحة لنا نحن الذين نصبنا خيامنا في بلدان المهجر والتي من خلالها نستقرئ ما يجري في الوطن من تطورات سياسية وقومية تخص بالصميم أبناء أمتنا، وهي الفسحة التي قد توفر لنا صور عن نضال ومسار حركات وأحزاب أمتنا في الوطن والتحديات التي يواجهونها ونضالهم من أجل نيل حقوقنا القومية المشروعة. وعلى الجانب الآخر يجب أن يقوم فهمنا نحن في المهجر، مهما كانت سعة هذه الفسحة المعلوماتية، على المثل القائل "اليد التي في الثلج غير التي في النار" وعلى التحسس بالنيران التي تحرق أبناء أمتنا في الوطن وليس على التدخل في شؤونهم ونصب أنفسنا أوصياء عليهم ونحن مستمتعون بالرفاهية والأمان والحرية التي توفرها لنا مجتمعات المهجر وبعيدين عن التحديات المميتة التي يواجهونها. ليس أسهل من بناء "أشورستان" في "آشور المسلوبة" ونحن قابعون في بيوتنا الدافئة في المهجر. وبالمقابل ليس أصعب من أن يحقق أحزابنا وتنظيماتنا في الوطن هدف إسترجاع شبر من أرض متجاوز عليها أو توفير كتاب أو معلم للمدارس السريانية وهم محاطون بالنيران المحرقة. فشتان بين هذا وذاك: بين المناضل الحقيقي و الثرثار المتخطرص. إستغرب إستغراباً ممزوجاً بنوع من الألم والأسف عندما أحضر أو أشارك في ندوة أو تجمع لأبناء أمتنا في أحدى بلدان المهجر وأرى الوعي الزائف و "العنتريات" التي يظهرها بعض المحسوبين على المثقفين والقوميين في بناء تصوراتهم عن الحركة القومية وتنظيماتها في أرض الوطن. فلا شغل شاغل لهم إلا النقد ثم النقد لا بل التهجم على هذه التنظيمات أو على بعض من قيادييها... لماذا؟؟  لأنهم فشلوا في إعادة بناء الإمبراطورية الآشورية رغم "حفنة الدولارات" التي بعثوها إليهم... والأغرب من كل هذا فأن البعض من هؤلاء "أبطال الإنترنيت" لم تطئ قدمهم إطلاقاً أرض "آشور" والبعض الآخر غادرها قبل ما يزيد عن خمسة عقود. على أية حال وحتى لا نتجاوز حدود موضوعنا هذا، نقول إذا كان مفهوم "النظرة من ثقب الباب" لا يعطينا إطلاقاً الحق في التدخل في شؤون هذه الحركات والأحزاب أو نصب أنفسنا أوصياء أو "فلاسفة" نفلسف على رأسهم، فأن هذا لا يمنعنا من أن نبين رأيا أو نطرح مقترحا نراه من جانبنا مفيداً في إسناد الحركة القومية في الوطن. غير أن معيار الفائدة يبقى أولاً وأخيراً في خيار وحرية هذه الحركات والأحزاب في الأخذ به أو رفضه وهو أمر يهمهم بالدرجة الأولى وهم أصاحب القرار فيه. من هذا المنطلق نكتب هذا الموضوع مع بيان بعض الأراء والمقترحات عن تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية، وإختصارا سنشير إليه في هذا الموضوع  بـ "التجمع"

التجمع والتجارب السابقة: 
منذ زمن ليس بقصير كانت اللعنات والسباب تمطر وبشدة على منظمات وأحزاب أبناء أمتنا وتلقي اللوم عليها في تأخر الحركة القومية وعجزها عن السير نحو تحقيق أهداف الأمة وذلك بسبب عجزهم وفشلهم في توحيد صفوفهم وخطابهم السياسي. واليوم تجتمع عدد مهم من تنظيمات أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" تحت مظلة واحدة ويبدو من الظروف المحيطة بها بأنها ستكون مختلفة من بعض الجوانب عن المحاولات والتجارب السابقة في توحيد الجهود وتشكيل الإتلافات والتحالفات وتبعث بصيصا من الأمل في هذا المجال ومن المؤمل لو سار هذا التجمع على الطريق الصحيح في بناء إستراتيجية عامة لعمله السياسي في تحقيق الأهداف المشتركة فأنه لاشك فيه سيتحول البصيص إلى شعلة نيرة ينبهر بها أبناء الأمة.

هناك مثل يقول بأن "الجاهل هو من يتعثر بنفس الحجر مرتين". ومن اليقين بأن زعماء وقادة أمتنا تعثروا أكثر من مرة بنفس الحجر ولم يستفيدوا من التجارب والأخطاء السابقة لأنهم لم يقرأوا التاريخ ولا فهموه ولا إستفادوا منه لذلك وقعوا في نفس حفرة الفشل. فمن الضروري جداً وضماناً لتجنب الوقوع في نفس المطبات السابقة أن نعي ماضي هذه التجارب لكي نتجنب إخطائها ونستفيد من تجاربها.  معظم أن لم يكن جميع المحاولات السابقة في التوحد أو التضامن بين الأحزاب والمنظمات القومية لمجتمعنا قد فشلت ولم يبقى منها حتى الذكرى. فمن خلال إستقراء ماضيها وحيثياتها يمكن إستخلاص بعض من أسباب فشلها وعلى ضوئها نقارنها مع التجمع:
1.   كانت المحاولات السابقة قائمة على حزبين أو تنظيمين وفي أقصاه  أربعة أو خمسة منها وكانت في غالبيتها أحزاب أو منظمات فردية أو كارتونية أو ورقية لا قاعدة جماهيرية لها أو نشاط سياسي قومي على أرض الواقع. وفي أحسن الأحوال كان تشكيل هذه المحاولات بمبادرة من حزب أو تنظيم له بعض الوجود والنشاط مع تنظيمات صغيرة وهامشية أو هي مجرد شخص أو شخصين لغرض الهيمنة عليها والتظاهر بزعامته في تمثيل الأمة.  في حين نرى على العكس من هذا فإن التجمع يقوم على عدد أكبر من التنظيمات والأحزاب المعروفة ولها قاعدة جماهيرية واسعة وتجارب حقيقية وواقعية في العمل القومي السياسي، لا بل وللبعض منها نضال مستمر ومتواصل لعقود عديدة حقق بعض من الأهداف المهمة لأمتنا، منها على سبيل الذكر لا الحصر الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا).
2.   في معظمها تشكلت المحاولات السابقة في توحيد النشاط السياسي في بلدان المهجر وكانت بعيدة كل البعد عن الواقع القومي والسياسي لأمتنا في الوطن وعن معاناة أبنائها وبالتالي لم تكن لها علاقات أو إتصالات لا معهم فحسب وإنما مع الوطن أيضاً ومع القوى الأخرى والأحزاب السياسية الوطنية. فكانت مجهولة بالتمام والكمال عن الساحة العراقية وعن قواها السياسية الفاعلة لذلك لم تكن مؤهلة إطلاقاً لتمثيل الأمة في الوطن وهي بعيدة عنها. في حين نرى على العكس من هذا فإن التجمع تشكل على أرض الوطن ومن قوى سياسية وقومية مؤسسة وقائمة وعاملة على أرض الوطن ولها إتصالات وعلاقات مع القوى السياسية العراقية الأخرى بحيث أصبحت في موقع شرعي يمكن تمثيلها للأمة في مطالبة حقوقها القومية المشروعة من السلطات المركزية والإقليمية في العراق.
3.   كانت المحاولات السابقة قائمة ومحصورة على فئة أو تشكيل محدد أوتسمية معينة، وبالأحرف الواضحة والمباشرة كانت محصورة بـ "الآشوريين" وما لهذه التسمية من جوانب سلبية وضيقة تبناها هؤلاء بمفهوم دمج بقية التسميات الكلدانية والسريانية عنوة في هذه التسمية من دون وعي أو إدراك لحقيقة وواقع أبناء شعبنا من الكلدان والسريان وبالتالي كانت بعيدة كل البعد عن هؤلاء ولم تفلح في تجاوز حدود شرنقتها فتعفنت وماتت فيها. أما التجمع فإن كل تنظيم من تنظيماته رغم إعتزازه بتسميته الخاصة به سواء أكانت كلدانية أو سريانية أو آشورية فإنه أدرك وبوعي قومي شامل منفتح وراقي بأن الواقع الفعلي الذي تعيشه الأمة في الوطن يفرض عليه تبني التسمية المركبة للتجمع كضمان لإحتواء جميع أبناء الأمة وبمختلف التسميات وكسبيل لتوحيد الخطاب السياسي القومي وإضافة ثقلا قومياً ديموغرافياً شاملاً عند المطالبة بالحقوق القومية.
4.   والأهم من هذا وذاك هو قبل كل شيء أن نفهم طبيعة تفاعل العوامل الذاتية الفردية مع العوامل الموضوعية الواقعية في فهم وإدراك نشؤء الظاهرة الإجتماعية، أي بعبارة أخرى يجب أن نفهم دياليكتيكية تفاعل العوامل الذاتية مع العوامل الموضوعية في خلق الظاهرة الإجتماعية والتي أوجدها هيغل وطورها كارل ماركس. إن المحاولات السابقة في تشكيل الجبهات والإتحادات الآشورية السياسية  كانت قد تشكلت بقرارات شخصية وفردية إما لغرض خلق توازنات لمواجهة وتحدي التنظيمات والأحزاب الآشورية الأخرى المنافسة لها إو لغرض التظاهر والمزايدة ولم يكن هناك أي إدراك أو فعل موضوعي واقعي مؤثر فيها للقيام بتنسيق جهود التنظيمات الآشورية وتوحيد الخطاب السياسي القومي. أي بعبارة أخرى، لعبت العوامل الذاتية دوراً رئيسياً في تشكيل هذه المحاولات ولم يكن للعوامل الموضوعية أي دور فيها وبالتالي جعل تجاهل أو عدم وعي تنظيمات المحاولات السابقة للعوامل الموضوعية أن ينحصروا في حدود الذات البعيدة عن الواقع العملي والفعلي وبالنتيجة انسحقت تحت وطئة العوامل الموضوعية المحيطة بأبناء الأمة ولم تستطيع السير خطوة واحدة نحو تحقيق أي هدف قومي لذلك أصبحت في خبر كان.  في حين نرى على العكس من هذا بالنسبة للتجمع، فأنه رغم ضعف بعض العوامل الذاتية القائمة بين تنظيمات التجمع، والتي سنأتي عليها لاحقاً، فإن ضخامة العوامل الموضوعية وقوة فاعليتها لعبت دوراً رئيسياً ومؤثراً في قيام التجمع. فالواقع المأساوي لأبناء أمتنا والتحديات الماحقة المحيطة بهم ومحاولات إمحاء وجودهم القومي والديني من الوطن، وأكثرها ألماُ ومأساوية كانت مجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد، كلها عوامل فرضت سطوتها على أحزاب وتنظيمات أمتنا وطغت على العوامل الذاتية وعلى الخلافات والتباينات القائمة بينهم ودفعتهم وبوعي قومي جامع إلى التكاتف والتجمع في ظل تنظيم يكون وسيلة في مواجهة هذه التحديات الماحقة. من هنا نقول بأن إدراك قادة تنظيمات التجمع لهذه الظروف الموضوعية سيعطيهم قوة في الإستمرار والتواصل في عملها القومي وفي تحقيق بعض من أهداف الأمة خاصة عندما تتطور العوامل الذاتية والفكرية لتشكيلات التجمع وتصبح في موقع تكون قادرة على التفاعلة الإيجابي مع العوامل الموضوعية المحيطة بها.

التجمع بين قوة العوامل الموضوعية وضعف العوامل الذاتية:
 بدأً أود التوضيح بأن مقياس ضعف العوامل الذاتية هو تحصيل حاصل عند المقارنة مع قوة العوامل الموضوعية وقساوتها ومدى الإستعداد والتهيئ لمواجهة التحديات المميتة. هناك حقيقة مطلقة تقول بأن السياسي إذا لم يفهم الواقع الذي يعيش فيه ويستوعبه وينطلق منه في عمله السياسي لتحقيق الأهداف فمصيره لا محال هو الفشل أو في أحسن الأحوال يحصر نفسه في برجه العاجي شاغلا مشغولاً في عالم الخيال والرومانسية عاجزا عن النزول والثبات على أرض الواقع. كان فهم وإستوعاب قادة تنظيمات التجمع للواقع ولقوة وسطوة العوامل الموضوعية المتمثلة في مأساة الأمة وتأثيرها عاملاً مهماً في دفعها لتشكيل تنظيمها وبناء إطار لتوحيد الخطاب السياسي الهادف إلى المطالبة بالحقوق القومية للأمة وكانت خطوة على الطريق الصحيح. ويجب أن يكون مثل هذا الوعي منطلقاً لفهم واقع العوامل الذاتية التي تحيط بالتنظيمات والأحزاب المشكلة لهذا التجمع وإلا فإن تجاهلها وعدم التعامل معها بموضوعية عقلانية سوف تبقى تراوغ في مكانها لا تصل إلى الأهداف المرجوة فيدب فيها الخلاف وبمرور الزمن يتطور إلى صراع ثم الزوال.

أولى هذه العوامل الواجب إدراكها من قبل تشكيلات التجمع هو الوعي بحقيقة ذاتها وتكوينها ومستواها وجماهيريتها وقوتها وتاريخها، أي بكل مايتعلق بوجودها. لقد سبق وذكرنا مراراً وتكراراً بأنه لايمكن إطلاقا لحزب أو تنظيم واحد أن يمثل الأمة بكاملها ويحقق أهدافها وإلا أصبحنا ضمن الأساليب الدكتاتورية ومصيرها معروف في التاريخ السياسي للشعوب. فالديمقراطية التي تتغنى بها أحزابنا وتنظيماتنا السياسية ليل نهار لا يمكن ممارستها إلا بوجود عدد معين من الأحزاب والتتنظيمات، وفي مجتمعنا "الكلداني السرياني الآشوري" يجب أن يكون هذا العدد معقولاً ومتناسباً مع حجم الأمة وطموحاتها الآنية والمستقبلية. من هذا المنطلق تلجأ الأحزاب والتنظيمات السياسية والقومية الواعية الى الدخول في تحالفات وإتفاقيات لتمثيل الأمة على أوسع نطاق والسعي لتحقيق أهدافها. وسعير اوحمى أوأهتمام الأحزاب بتشكيل مثل هذه التحالفات يتصاعد تصاعداً طردياً مع إشتداد الأزمات وتضخم التحديات وتزايد خطورتها. ومن الضروري جداً أن نعي هنا بأن مثل هذه التحالفات نادراً ما تحدث بين أحزاب وتنظيمات متشابه أو متقاربة جداً في القوة والنشاط والحجم والإمكانيات والإنتشار، فهذه حالة مثالية بعيدة عن عالم السياسة، بل تحدث بين أحزاب وتنظيمات تكون متفاوتة من النواحي المذكورة ولكن تلتقي في نهاية المطاف في الهدف الأسمى للأمة التي تسعى لتمثيلها والمرتبط إرتباطاً عضوياً صميمياً بوجود ونشاط هذه الأحزاب والتنظيمات. من هنا نقول بأن على أحزاب وتنظيمات التجمع أن تدرك هذه الحقيقة، أي حقيقة وجودها وتشكيلها، وبعبارة أخرى أن تعرف ذاتها وذات الآخرين المشاركين معها والإ ستواجه العثرات والمطبات التي ستؤدي الى تفكك التجمع وفشله. وبصورة أوضح هناك أحزاب وتنظيمات كبيرة وفاعلة في التجمع إلى جانب أحزاب وتنظيمات متوسطة أو صغيرة. ومعيار قياس "الكبير والمتوسط والصغير" هنا ليس بالمعنى الفكري والمعنوي في تصغير هذا التنظيم وتكبير الآخر وإنما هو بالمعنى الواقعي الواجب إدراكه. فالحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا)، والتي دائماً نأخذها كنموذج لحزب سياسي متكامل الجوانب في دراسة الأحزاب السياسية، تعتبر بالمعنى الواقعي حزب كبير معروف على الساحة القومية والوطنية وحتى الإقليمية والدولية في مقارنتها مع بقية أحزاب وتنظيمات التجمع ولكن هذه الحقيقة إذا كانت ملزمة لبقية تنظيمات التجمع لإدراكها والتعامل معها بإيجابية كضمان لإستمرار تواصل التجمع فأنه من جانب آخر لا تعطي هذه الحقيقة  لزوعا الحق في التغطرس وفرض رأيها على الآخرين إذا فعلاً رغبت في إستمرار وتواصل التجمع. فالتحالفات والجبهات لا تتشكل أو تنجح إلا بتنازل كل طرف من أطرافها ببعض من أفكاره وسياساته حتى يلتقي الجميع عند الإفكار والسياسات الإستراتيجية المصيرية. أن الزمن والممارسة النضالية للتجمع وتحمل كل الظروف الموضوعية والذاتية المحيطة بتشكيلاته هو ضمان لقيام وإستمرار التفاهم بينها وتحقيق النجاح تلو النجاح وإلا فأن الحساسية والإرتباك سيسود بينهم وقد يؤدي ذلك إلى الفشل في تحقيق الهدف الجامع أن لم نقل إلى زوال التجمع. فرأس السنة البابلية الآشورية في الأول من نيسان الماضي (2011) الذي تم تنظيمه من قبل التجمع  خير مثال على ذلك، إذ بسبب حجم نشاط وأعضاء ومؤيدي زوعا (كالحضور والهتافات والأغاني والأعلام والشعارات) الخاصة بزوعا وحدها نتج عنها فعاليات خلقت نوع من الحساسية والإحتجاح والرفض لدى التنظيمات الأخرى ومغادرة ممثليهم موقع الإحتفال لأنهم أعتبروه خروجا عن بنود الإتفاق المعقود بينهم بهذا الشأن. ولكن بوعي منفتح ورغبة تشكيلات التجمع في ضمان الإستمرار فقد تم تجاوز هذه الحساسية وطيها. فالزمن المستهلك في تطوير الوعي الجمعي بين تنظيمات التجمع كفيل بتجاوز مثل هذه الحالات لا بل ومحوها عن طريقهم النضالي المشترك. وفي هذه الإيام سيتجاوز التجمع سنة على تشكيله والمؤشرات تشير بأنه سائر نحو طريق الإستمرار والتواصل.

هناك عامل أخر في سلة العوامل الذاتية المحيطة بتشكيلات التجمع وهي الخلفية التاريخية السلبية التي كانت قائمة في العلاقات بينهم. فالجميع يعرف حق المعرفة كيف كانت هذه العلاقات قائمة على النقد والتهجم الشخصي للقيادات وتكفير الآخر ونفيه ومحاولة تحقيره لدى أبناء الأمة أو إتهامه بشتى الإتهامات، أما اليوم، فأنا وغيري من المهتمين بشؤون هذه الأمة قد يدرك حق الإدراك لماذا يجتمع زوعا مع المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري أو مع الحزب الوطني الآشوري أو مع غيرهما الأقل "عداوة" في الماضي. هذا النوع من "العداوة" من المؤكد هو مدرك من قبل قيادات تشكيل التجمع وتمكنوا من تجاوزه من دون أن تكون هناك حساسية متوارثة، ولكن على أعضاء وقواعد وجماهير تشكيلات التجمع أن تدركها أيضا وإلا فيتقلص الدعم والإسناد الذي يحتاجه قياديو تشكيلات التجمع من قواعدها وجماهيرها، وهنا يأتي دور اللجنة الإعلامية للتجمع في بناء الثقة بين القاعدة والقيادة لغرض فهم التجمع وأهدافه ومن ثم ضمان نجاحه. وأخيرا يبقى موضوع التسمية المركبة لأمتنا من أكثر المواضيع حساسية. لقد سبق وأن ذكرنا في أعلاه بأن على كل تشكيل من تشكيلات التجمع أن يعتز ويفتخر بالتسمية التي يتبناها والتي تتطابق مع واقعه الحالي السائد ولكن عندما يضع المصلحة القومية فوق جميع الإعتبارات فإن التسمية المركبة ستكون المخرج المناسب لهذه الحساسية ووسيلة سياسية لتحقيق هذه المصلحة. وهو موضوع سنعالجه في مناسبة لاحقة.

شذرات من مقترحات:
يمكن طرح هذه المقترحات من ناحيتين:
من الناحية الشكلية: ويتعلق بتسمية "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية". فمن الملاحظ بأن كلمة "تجمع" نادراً ما تستخدم في عالم السياسة، فلهذه الكلمة دلالات إجتماعية أكثر من سياسية كما أنه يشع منها مفهوما يتعلق بحالة أو بوضع له صفة مؤقتة، أي بعبارة أخرى قد يجتمع بعض الأفراد او التنظيمات للقيام بعمل معين ومحدد وينتهي التجمع إما بتحقيق الهدف أو فشله وبالتالي إنفكاك روابط التجمع. هذا من جهة، كما أن تسمية "التجمع" تعكس نوع من ضعف الروابط التي تجمع تشكيلاته وحالة من الحساسية للحفاظ على الذات والتخوف من ذوبان أو إندماج بعضهم بالبعض أثناء الإنشغال الدائم في خضم الصعوبات والتحديات التي سيواجه التجمع. لهذا السبب فمن المفضل والأصح أن يحل محل كلمة "التجمع" أما الجبهة أو الإئتلاف وهي من المصطلحات المهمة والشائعة في عالم السياسة وتعكس حقيقة وغرض تنظيمات التجمع في السعي لتحقيق مطاليب الأمة وهي التي تمتلك صفة الديمومة المرتبطة بديمومة الأمة وتواجدها على الأرض الواقع.
الكلمة الثانية التي لنا ملاحظات عليها هي "السياسية". صحيح إن هذه الكلمة تعكس نشاط وأهداف التجمع ولكن من المستحسن والمفضل إستبدالها بكلمة "القومية". لماذا؟ لأن، أولاً: قد يكون بين تنظيمات التجمع تنظيم أو أكثر غير سياسي بالمعنى المعروف للسياسة ولكن هو في حقيقته ومضمونه ونشاطه قومي. وثانياً: إن كلمة "القومية" تعطي مفوماً واضحاً ومبيناً بان هذا التجمع له صفة قومية واحدة للكدان السريان الآشوريين وتؤكد وحدة قوميتهم رغم التسمية المركبة. وخلاصة الكلام يمكن أن تكون "الجبهة القومية الكلدانية السريانية الآشورية" هي التسمية المفضلة والمستحسنة في عالم السياسة وإختصاراً يمكن أن تسمى مثلاً "مقدما" بالسريانية وأن يكون لها شعار ورمز سياسي مستمد من وحدة واقعنا وتاريخنا القومي.

من الناحية الفكرية: أما المقترحات من الناحية الفكرية والفحوى والممارسة السياسية، فيمكن إستقراء القليل منها سواء من خلال البرنامج السياسي للتجمع أو من خلال الأخبار والنشاطات التي يمارسها التجمع. ونتناول هذا من جانبين:
1 - الفصل بين القومية والكنيسة أو السياسة عن الدين:
 من خلال البرنامج السياسي  للتجمع نود أن نشير إلى نقطتين مهمتين تخص بالصميم أمتنا في هذا  الموضوع:
 أولا: تتعلق بالمبادئ العامة للبرنامج السياسي للتجمع وتحديداً الفقرة (رابعاً) المتعلقة بمسألة إيمان التجمع بالعلمانية وفصل الدين عن الدولة وبالأخص قول هذه الفقرة "بأن التجمع يؤكد على الفصل بين المؤسسات والقوى السياسية لشعبنا وبين مؤسساته ومرجعياته الكنسية فلكل منهما مجاله وآلياته المستقلة عن الآخر، مع الإحترام المتبادل بينهما". في نفس الوقت نرى بأن التجمع يذكر في أهدافه على المستوى القومي ".... حماية الهوية والخصوصية القومية والدينية...(الفقرة رابعاً). وعلى المستوى الوطني من أهدافه له إشارات مباشرة في أكثر من فقرة من فقراته تتعلق بالمكونيات الدينية أو حقوق المكونات القومية والدينية في العراق أو ضمان خصوصية وحقوق المكونيات القومية والدينية... وما إلى ذلك. أي بعبارة أخرى يقع التجمع في نوع من تناقض بين ما أورده في الفقرة رابعاً أعلاه من أهدافه على المستوى القومي والفقرات الأخرى المشار إليها على المستوى الوطني.

إن مسألة العلاقة بين القومية والكنيسة أو بين السياسة والدين في مجتمعنا وبمختلف تشكيلاته الطائفية مسألة معقدة جداً ويجب النظر إليها بشكل مختلف عن المفاهيم السائدة في الفصل بين الدين والدولة. فعلاقة الدين بالسياسة أو القومية بالكنيسة في مجتمعنا علاقة عضوية ترابطية من الصعب إن لم يكن مستحيلاً الفصل بينهما وهي المسألة التي تناولتها في كتابي المزمع إكماله تحت عنوان "الفصل بين الكنيسة والسياسة في المجتمع الآشوري"، والذي باشرت الكتابة به منذ عام 1998 ولم إستطيع إنجازه لحد هذا اليوم ليس إلا بسبب صعوبة تناول هذا الموضوع بشكله المختلف عن المفاهيم العامة السائدة في عالم السياسة وحساسيته المفرطة. من هذا المنطلق نقول بأن على التجمع أن ينظر إلى الموضوع بشكل مختلف واضعاً نصب عينيه طبيعة العلاقة العضوية بين القومية والكنيسة. فالترابط العضوي أو العلاقة العضوية بين شيئين يعني بأنه لايمكن للشيء أن يتواجد إلا بوجود الآخر، فهكذا هو الحال في أمتنا، إذ لايمكن، طبقاً للترابط العضوي بين القومية والكنيسة، أن تتواجد القومية وبتسميتها "الكلدانية السريانية الآشورية" إلا بتواجد كنيسة المشرق بكل تفرعاتها، والأهم هو أن كنيسة المشرق بكل تفرعاتها لا يمكن أن تقوم لها قيامة أو تستمر وتتواصل في هذا العصر القائم على العولمة إلا من خلال الأمة التي نشأت فيها. هذا موضوع طويل ومتشابك وأكتفي بهذا القدر تجنباً للخروج من صلب موضوعنا. ولكن أستوجب إلإشارة إليه بإقتضاب بهدف الإقتراح للتجمع بأن يفتح مجالات أوسع للتواصل والتفاهم مع كنائسنا، وتحديداً رجالها المنفتحين والمدركين لطبيعة نضال أمتنا، والوصول إلى إتفاقيات أو مبادئ مشتركة تخدم المصلحة العامة لأمتنا بعالميها الدنيوي والزمني، خاصة واليوم في العراق هناك مفاهيم وتسميات كثيرة متداول عن المكون المسيحي وحقوق المسحيين وتمثيل المسيحيين ونواب المسيحيين وغيرها وهي المفاهيم التي ستعطي بشكل مباشر أو غير مباشر لزعماء الكنيسة حق تمثيل المسيحيين وتجعلهم مرجعاً لإتصال رجال الحكم والسياسة في العراق بهم والتباحث معهم عن مثل هذه الحقوق والمطالبات، وهو موضوع له جوانب سلبية بعضها خطيرة خاصة عندما نعلم حالة التردد والرفض عند بعض زعماء كنائسنا للمطالب القومية والسياسية التي يطالب بها التجمع مبررين ذلك بحجة عدم التدخل في السياسة أو أن مثل هذه المطالب ستضر بالمسيحيين في العراق. وهنا يجب أن نفهم طبيعة الأسباب المذهبية والسياسية الدولية والأقليمية لمثل هذا التردد والرفض لزعماء الكنيسة (الكنائس) والحجج المبينة عليها. فموقف الفاتيكان السلبي معروف تاريخياً تجاه المسائل القومية والحقوق القومية والسياسية للأقليات المسيحية في الأوطان الإسلامية وبالتالي من الطبيعي أن تتأثر زعامة الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية بهذا الموقف. والحال أيضاً بالنسبة للكنائس السريانية فهي متأثرة بالظروف السياسية والفكرية للدول المجاورة التي يتواجد فيها كرسي زعامة الكنيسة والتي تجعل من موقف هذه الكنائس متردداً أو رافضاً لأي مطالب قومية لإتباعهم. والحال يصعب بيانه بالنسبة للكنيسة الشرقية القديمة لعدم توفر أية مواقف لبطريرك الكنيسة تجاه هذا الموضوع،  ولكن وعلى العكس من هذا وذاك، نرى بأنه بسبب إستقلالية كنيسة المشرق الآشورية والخلفية التاريخية لها وقفت لا بل قاد بطاركتها الحركة القومية وساندوا مساندة قوية لكل مطلب قومي في الوطن ولا تزال هذه الكنيسة وبطريكها لا تفوت عليه فرصة إلا ويؤكد على وحدة أمتنا مهما أختلفت التسميات ويؤيد المطالب السياسية القومية التي تطالب بها أحزابنا ومنظماتنا ويبارك جهودهم النضالية لنيل الحقوق القومية للأمة ويرفض أن تحصر مثل هذه الحقوق بالمسيحيين أو أن تعاملنا السلطات الرسمية كمسيحيين فقط فنحن أمة لها مقومات خاصة بها ولها حقوق قومية وسياسية في الوطن. وكان موقف قداسة البطريرك مار دنخا الرابع واضحاً وصريحاً وشجاعاً عندما بارك العمل المشترك لتنظيمات التجمع للحصول على حقوقنا القومية في العراق خلال لقاء السيد شمس الدين كوركيس زيا رئيس المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري بقداسته في شيكاغو بتاريخ 2011.08.22  مؤكداً "بأن هذا التقارب بين تنظيماتنا يحمل في طياته مؤشرات مشرقة وإيجابية لأفاق مستقبل العمل القومي المشترك بين تنظيماتنا ليكون أساساً لتفاهمات وحوارات ومواقف مشتركة لمواجهة المخططات التي تستهدف شعبنا ومستقبله في الوطن...." نشر اللقاء في موقع عنكاوه دون كوم.
أسردت هذه المواقف المتباينة لكنائسنا وزعمائهم ليكون منطلقاً لفهم الواقع الذي تعيش فيها أمتنا لأنه من دون أدنى شك بأن أبناء الأمة سيتأثرون لا بل الكثير منهم متأثرين بهذه المواقف المتبانية تجاه المطالب القومية السياسية التي يطالب بها التجمع خاصة موضوع تشكيل كيان سياسي أو إداري لأمتنا. لهذا السبب فهذا موضوع مهم وحساس يستوجب على قادة التجمع بحثه والوصول رغم صعوبته إلى إتفاقيات ومبادئ مشتركة تكون مرضية ومطمئنة للجميع خاصة لزعماء الكنيسة الرافضين للمطالب القومية. 

2 – الكيان السياسي والإداري: وهي النقاط المتعلقة بأهداف التجمع على المستوى الوطني وتحديداً الفقرة (أولا) من منهاجه السياسي والخاصة "بالعمل لإستحداث محافظة في مناطق من أقضية ونواحي الحمدانية وتلكيف وبعشيقة وألقوش وبرطلة لشعبنا وبالمشاركة مع بقية المكونات القومية والدينية التي تتعايش فيها". قبل أن نبين رأينا في هذا الموضوع نود أن نؤكد على حقيقة مطلقة وهي نحن كقومية لها خصائصها المتميز وبالتالي لها كل الحق في أن تقرر مصيرها بنفسها سواء أكان ذلك عن طريق المشاركة الفعلية، وليس الشكلية، في الحكم أو تشكيل كيان قومي خاص بها سواء أكان ذلك على شكل دولة مستقلة أو حكم ذاتي أو محافظة أو أي كيان سياسي آخر يعبر عن خصوصيتها. ولكن مثل هذا الحق هو حق مطلق لا يتحقق على أرض الواقع إلا بالنضال والعمل المضني يتحدد حجمه بحجم الكيان المراد تشكيله من جهة وبالإمكانيات المتاحة والظروف الموضوعية السائدة من جهة أخرى. منذ سنوات قليلة مضت طالبت بعض تنظيمات شعبنا بالحكم الذاتي في سهل نينوى وغيرها طالب بالإدارة المحلية واليوم يطالب التجمع بالمحافظة كوحدة إدارية لإبناء شعبنا المتواجدين في هذه المنطقة مع غيرهم من الشبك واليزيديين. ولو حاولنا البحث في خلفيات كل مطلب، نرى بأن هناك جملة عوامل موضوعية سياسية متغيرة وراء كل مطلب من هذه المطالب والتي أثرت عليها وبالتالي إنتقلت الصفة المتغيرة للعوامل السياسية إلى تغيير المطلب من الحكم الذاتي فمروراً بالإدارة المحلية فوصولا إلى المحافظة ويظهر للتجمع بأن الظروف الحالية والقانونية هي الأنسب للمطالبة بالمحافظة بدلا من أي كيان سياسي قانوني آخر.

من خلال إستقراء نشاطات ولقاءات التجمع بالقوى السياسية القومية والوطنية يتبين بأن هناك جهداً كبيرا ومركزاً يبذله التجمع لتحقيق مطلب تشكيل محافظة سهل نينوى، ولكن باعتقادنا الشخصي نرى بأن التجمع قد دخل المعركة وحده لا بل وقاد حملات تشكيل هذه المحافظة التي تشمل أيضا المكونات الأثنية والدينية الأخرى فيها من اليزيديين والشبك وغيرهما لذلك ترك إنطباعاً بأنها ستكون محافظة مسيحية رغم أن المسيحيين يشكلون أقل من نصف سكان المنطقة فنتج عن ذلك مخاوف لدى بعض القوى العراقية ولدى رجال الكنيسة أيضا وبالتالي رفض الفكرة لا بل ومقاومتها بإساليب غير مبنية على الواقع والفهم الصحيح للمطلب. من هذا المنطلق وتخفيفاً لحدة الرفض لهذا المطلب القائم على حجة كونه مطلب مسيحي لمحافظة مسيحية نقترح أن تشكل لجنة تتكون من قادة التجمع وممثلي الشبك واليزيديين كأن تسمى "لجنة تشكيل محافظة سهل نينوى" لتقوم بتمثيل أبناء المنطقة جميعاً و قيادة الجهود واللقاءات مع القوى العراقية الأخرى ورجال الحكم والسياسة في الحكومة المركزية والإقليمية.

وهنا نتيجة سلبية أخرى نتجت عن قيادة التجمع لمطلب تشكيل المحافظة ونشؤ مخاوف من قيام مثل هذه المحافظة وبني عليها مواقف رافضة وحجج واهية وهي أن هذه المحافظة ستلحق بالمستقبل بإقليم كردستان وستنتزع من عرب الموصل وتخضع للكرد وذلك نتيجة للإمتدادات الديموغرافية لأبناء سهل نينوى بالمناطق الشمالية منها في إقليم كردستان من جهة والعلاقة التاريخية النضالية المشتركة بين أبناء الشعب "الكلداني السرياني الآشوري" مع الحركة القومية الكردية من جهة أخرى. لا شك فيه إن قيادة التجمع بذلت وتبذل جهود مضنية في إفهام الرافضين وإزالة مخاوفهم وتأكيدها على أن مثل هذه المحافظة ستكون جزءا أساساً من العراق وغير قابل للإنفصال أو الإلتحاق بإقليم كردستان ... وما إلى ذلك. غير أن ذلك يجب أن يقابلها جهود أخرى تتركز أيضا على مناطق أخرى لأبناء شعبنا وتحديداً في أقليم كردستان. فالعوامل التاريخية والظروف الديموغرافية والأحوال السياسية السائدة والغطاء القانوني كلها عوامل مساعدة في المطالبة بمحافظة في الإقليم تشمل بعض الأقضية والنواحي والقرى والتي قد يتطلب بعضها إعادة رسم حدودها الإدارية لتكون ملائمة وشاملة لحدود المحافظة المقترحة. هذه المطالبة بمحافظة في الإقليم ستخخف من دون أدنى شك مخاوف العرب ويبين لهم بأن لأبناء شعبنا إستحقاقات ومطالب مشروعة سواء أكانت في السهل أم في الجبل.

وأخيراً: لم يبقى، ونحن بصدد الجهود التي يذلها قادة "الجبهة القومية الكلدانية السريانية الآشورية" ...عذرا... أقصد تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية إلا أن نهيئ ونشكر قناة عشتار الفضائية، رغم عدم وصول إرسالها إلى بيتي، على تنظيمها لبرنامج "حوار خاص" شارك فيه ثلاثة من قادة تنظيمات التجمع لابل التهنئة الكبرى والشكر الجزيل يذهب أيضا إلى قناة آشور الفضائية التي عرضت البرنامج وأعادته أكثر من مرة وأتاحت لنا الفرصة لمشاهدته ونحن قابعون في بيوتنا المريحة في المهجر، فكان بكل المعايير برنامجاً ناجحاً فياضاً بالمعلومات والتحليلات التي طرحها المشاركون فيه بخصوص المطالب التي يطلبها التجمع وبالتحديد ما يخص موضوع تشكيل محافظة في سهل نينوى، فألف شكر للمشاركين في البرنامج ولفريق العمل على هذا البرنامج الناجح وأمل أن يصل إلى أكبر عدد ممكن من أبناء أمتنا وبكل الوسائل الإعلامية سواء في الوطن أم المهجر. فشكرنا وإمتنانا لمناضلي أمتنا في الوطن ولنضالهم في توحيد الصف القومي والسعي بكل إخلاص لتحقيق أهداف الأمة وهو أقل ما يمكن أن نفعله لهم ونصرح به ونحن في المهجر ومن يعمل أكثر فالله يباركه والأمة ستشكره.
           

       


   

94
بمناسبة الذكرى ألـ (78) لمذبحة سميل – آب 1933
===============================

الآشوريون وموت ملوك العراق
أبرم شبيرا
توطئة:
كلما أقترب شهر آب من كل سنة الذي أقترف فيه بعض من قطاعات الجيش العراقي بقيادة المجرم بكر صدقي  وبمساعدة حجي رمضان وبعض العشائر البدوية والكردية في عام 1933 حملة إبادة بحق الآشوريين من إتباع كنيسة المشرق الآشورية والتي كانت معروفة بـ "الكنيسة النسطورية" وإرتكاب مذبحة في اليوم السابع من نفس الشهر في قصبة سميل القريبة من مدينة دهوك وإزهاق أرواح الكثير من الأبرياء، يقدر البعض بـ 3000 شخص ، أمعن التفكير في هذا الحدث الدراماتيكي، الذي أعتبره الآشوريون يوماً للشهيد الآشوري يحتفلون به في موطنهم، مابين النهرين وفي بلدان المهجر، وأغوص في الأوراق والمجلات والمقالات والكتب التي كتبت عن هذا الحدث فأستخلص منها بعض النتائج والأفكار قد تكون مفيدة للكتابة عن هذا الموضوع.
أن ما كتب عن الحركة القومية الآشورية والمذبحة التي رافقتها في سميل عام 1933 كثيرة فالمؤرخون والكتاب العراقيون أساؤوا فهم هذا الموضوع ضمن السياق التطور السياسي للعراق في تلك المرحلة والكثير منهم أعتبروا هذه الحركة تمرداً على السلطة ودعوة للإنفصال عن الوطن وأصبح مثل هذا الفهم موقفاً رسميا للحكومة العراقية ورجال الحكم. كما أن الأجانب كتبوا أيضا عن هذا الحدث ولكن في معظمها أما كانت تدور في إطار التعاطف المفرط والمبطن بنزعة دينية تبشيرية أو كانت ضمن حدود المصادر الرسمية العراقية والبريطانية. والآشوريون رغم قلة إمكانياتهم فأن هذا الحدث لا يمر إلا أن نرى أكثر من مقالة أو إحتفال بهذه المناسبة ولكن مع الأسف في معظمها لا تتجاوز حدود سر حوادث المذبحة والمأساة التي حلت بالآشوريين من دون تحليل أو فهمها ضمن الإطار العام للتطور السياسي العراقي في تلك الفترة وإستخلاص أبعادها الوطنية والقومية.
وبدوري أنا، كشخص مهتم بهذا الحدث ويهمني كثيراً، حاولت أن إستخلص بعض العبر والنتائج من كل ما كتب عنه وطرحها ضمن السياق السياسي العراقي، فكتبت بعض ما يفيد في هذا المجال، على سبيل المثال أنظر موضوع "التعامل مع الأقليات في مسار تطور تاريخ العراق السياسي" الذي كتب بمناسبة ذكرى هذا الحدث ونشر في كتابي المعنون "الآشوريون في السياسة والتاريخ المعاصر" الذي نشره الإتحاد الآشوري في السويد عام 1997. كما تطرقت إلى هذا الموضوع بشكل أكثر تفصيلاً ولمن يريد الإستزادة فيه الرجوع إلى كتابي "الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر – دراسة مسألة: في العقلية العراقية تجاه الأقليات، دار الساقي – بيروت، ط1، 2001 . في هذه السنة من المناسبة سنتطرق إلى موضوع آخر جديد يتعلق بعلاقة مذبحة الآشوريين في سميل بملوك العراق. فالعراق حكمه ثلاثة ملوك من عام 1921 لغاية 1958 وكان للملكين الأولين فيصل الأول وغازي الأول علاقة مباشرة بالمسألة الآشورية في العراق والمذبحة التي رافقتها في حين كان للملك الثالث فيصل الثاني علاقة غير مباشرة تمثلت بجانبين سنأتي على شرحها.

الآشوريون وملوك العراق:
كانت المسألة الآشورية منذ تأسيس دولة العراق في عام  قد طغت على السطح السياسي العراقي في الثلث الأول من القرن الماضي 1921 وكانت أكثر إنفعالاً وإثارة بعد رفع الإنكليز للإنتداب على العراق و منحه "الإستقلال" السياسي وإكتساب العراق عضوية عصبة الأمم، فلم يكن الشغل الشاغل للحكومة ورجال الحكم والأحزاب السياسية والصحف إلا موضوع "تمرد النساطرة" والقضاء عليهم وعلى حركتهم الإنفصالية. وخلال تلك الفترة وما بعدها من مواضيع أخرى مثل مشروع إسكان الآشوريين، طبيعته وتمويله، ومناقشة قضيتهم في عصبة الأمم وطرح مشاريع إسكانهم خارج العراق، تولى عرش العراق مليكان وهما الملك فيصل بن الشريف حسين الهاشمي وأبنه غازي بن فيصل بن الشريف حسين الهاشمي وتعاملا مع المسألة الآشورية بشكل مباشر وبنيا مواقفهما تجاها في تقرير مصيرها النهائي.

الملك فيصل الأول:
ولد فيصل الأول في قرية رحاب القريبة من مدينة الطائف عام 1883  وهو النجل الثالث للشريف حسين الهاشمي، شريف مكة. وتقديراً لمواقفه ومساعدته للقوات البريطانية في دحر القوات العثمانية وطرهم من سوريا والأردن وفلسطين ولبنان أثناء الحرب الكونية الأولى، وتنفيذا لبعض الوعود التي قطعها الإنكليز للعرب في إقامة دولة مستقلة لهم فقد نصبه الإنكليز ملكاً على سوريا في عام 1920. إلا أن هذا سبب إنزاعجاً لفرنسا فقاد الجنرال الفرنسي جيرو حملة عسكرية على سوريا فطرد الملك فيصل من عرشه ثم نصبه الإنكليز ملكاً على العراق بعد ثورة العشرين فتم تتوجيه في يوم 23 من شهر آب عام 1921 وهو شاب في الثامنة والثلاثين من عمره. نشأ فيصل الأول وتربى في كنف والده الشريف حسين في مكة وتحلى بالقيم الخلاقة والمبادئ العربية الأصيلة في الرأفة والعطف والتسامح والبساطة في العيش. ويعتبر فيصل وبحق وحقيقة رمزاً لتأسيس دولة حديثة على إنقاض ثلاث وليات (الموصل، بغداد والبصرة)  والتي كانت قد أنهكتها الحرب الكونية الأولى ودمرت حياتها الإقتصادية والإجتماعية. لقد أدرك الملك فيصل الأول منذ الأيام الأولى لحكمه مدى التناقض الصارخ القائم بين قوميات وأديان وطبقات الشعب العراقي. لقد عانى مرارة انقسامات الشعب العراقي وهو في موقع الراعي لها والمسئول عن حكمها، وقد سهلة مهمة معاينته والتحسس بتناقضات الشعب العراقي بنوع من الموضوعية والواقعية  في كونه ينحدر من بيئة خارجة عن هذه الانقسامات. وقد كتب رسالة مهمة جداً في عام 1933 بين مدى حسرته ومرارته من هذه الإنقسامات وتصرفات رجال الحكم والوزراء التي سببت الأزمات والكوارث للعراق وعانى الملك فيصل الأول معاناة شديدة من عدم إنصياع بعض الوزراء وزعماء الجيش العراقي خاصة أبنه غازي ولي العهد والذي تولى الحكم نيابة عن والده المسافر إلى خارج العراق للعلاج لنصائحه وإرشاداته في تهدئة الأمور بالطرق السلمية وتحديداً في موضوع معالجة المسألة الآشورية بحكمة وتأني وعدم إستخدام القوة ضد الآشوريين على الرغم من البرقيات التي كان يرسلها من سويسرا إلى ولده محذرا فيها من مغبة الإندفاع في قمع الآشوريين. وبينما كان الملك على فراش المرض في سويسرا سمع أنباء قمع الحركة الآشورية والمذبحة التي أرتكبت بحق الآشوريين فتألم كثيراً وتدهورت صحته فأضطر إلى قطع علاجه والرجوع إلى بغداد فعمل بكل مجهود في تحسين الوضع وتهدئته ولكن أدرك خلال تلك الفترة مدى تزايد قوة الجيش وبعض الوزراء من جراء سحقهم للحركة الآشورية وأن حكمه بدأ يفقد هيبته وشعر بأن هناك توجهات لإزاحته من الحكم وتهيئة الأجواء لأبنه الشاب الذي ألتف حول مجموعة من الضباط المتطرفين ليتولى العرش ووصل الأمر به إلى التفكير في التنحي عن العرش. وبسبب إنهيار صحته إلى درجة أضطر إلى السفر مرة أخرى إلى سويسرا حيث مات هناك في ليلة 7 – 8 من شهر أيلول عام 1933، أي بعد شهر واحد تماماً من مذبحة سميل.
ذكرت التقارير الطبية بأنه مات بالسكتة القلبية وتصلب الشرايين نتيجة للإنهاك الفكري والجسدي الناتج من جراء المعاناة وتبكيت الضميروالسفر، في حين ذكر المقربين للملك بأن تصلب الشرايين نادراً ما يحدث في إنسان لم يبلغ الكبر وأن الملك لم يكن قد تجاوز الخمسين من العمر يوم وفاته. لهذا السبب ليس غريباً أن معظم الذين عاصروا فترة موت الملك في أيلول عام 1933 كانوا قد أكدوا بأنه مات ألماً وحسرة من الواقع المرير لتناقضات وصراعات أهل العراق، خاصة بعد القمع الوحشي للآشوريين من قبل بعض قطاعات الجيش العراقي بقيادة الجنرال بكر صدقي وبعض العشائر البدوية والكردية في منطقة سميل في شمال العراق مخالفة بذلك أوامره بضرورة التعامل السلمي والهادئ مع مطالبهم القومية والدينية، وهو الحادث الذي أثر كثيراً على نفسيته وأدى إلى تفاقم وتدهور صحته فدفع بالنتيجة حياته ثمناً لأصالته العربية والإسلامية في التسامح والتفاهم مع الآخر المختلف. ولكن مع ذلك، فأن هذا لا ينفي ذكر بعض الكتاب والمؤرخون بأن الملك مات مسموماً بهدف التخلص من مواقفه الحيادية والسلمية تجاه القوى المتصارعة على السلطة في العراق وإفساح المجال لأبنه غازي المعروف بمواقفه المتطرفة لاعتلاء العرش.

الملك غازي بن فيصل:   
ولد غازي في مدينة مكة عام 1912 وهو الطفل الثالث للملك فيصل الأول والأبن الوحيد له وكان مقرباً جداً إلى أمه ومحبوباً من قبلها. وفي العراق بعد تأسيسه كدولة حاول والده الذي تولى عرشها أن يهيء أبنه غازي ويعلمه تعليماً حديثاً يؤهله لوراثة الحكم في العراق فأرسله إلى إنكلترا عام 1925 وهو في السن الثالثة عشر للدراسة في كلية هارو وهو يكاد لا يعرف كلمة إنكليزية واحدة مما أضطروا إلى إدخاله في مدرسة خاصة وإعطاءه دروس خصوصية لكي يتأهل لدخول االكلية. خلال تواجده في الكلية عرف عنه سوء أخلاقه وشذوذه الجنسي والإجتماعي والإخلاقي وإنغماسه في الملذات والسهرات فلم يستطيع إكمال دراسته في الكلية. ويذكر العقيد جرالد في كتابه السالف الذكر بأنه عندما ترك غازي كلية هارو قيل عنه بأنه قد هدد إستاذه بأنه سوف يعود بجيشه ويحرق كلية هارو (ص80). وعندما عاد إلى العراق بعد فشله في دراسته في إنكلترا دخل الكلية العسكرية وكان حينذاك ولياً للعهد فأستقبله الضباط الشباب المتحمسين والمتأثرين بالأفكارالنازية والفاشية والطورانية الأتاتوركية خاصة الذين أنتقلوا من الخدمة في الجيش العثماني إلى جيش العراق ووجدوا فيه الحاكم المناسب لتحقيق طموحاتهم الشخصية في الحكم والسياسة وإزاحة الملك فيصل الأول من العرش فمهدوا له الأفكار النازية والفاشية والأساليب العثمانية القمعية في التعامل مع الأمور السياسية المعارضة. وبعد وفاة والده الملك فيصل الأول تولى العرش في الثامن من شهر أيلول عام 1933 وهو في الحادي والعشرين من العمر وبعد ست سنوات من حكمه قتل في ليلة الرابع من شهر نيسان عام 1939 بحادث سيارة وهو في السابع والعشرين من العمر. ويقال عن شذوذ تصرفات الملك غازي بأنه كان يضع القطن في أذنيه حتى لا يدخل الجن إلى دماغه وذات مرة صبغ وجه أحد خدم قصره بصبغ فسلخ جلد وجهه. ومن أعماله الجنونية الأخرى فأنه كان يعامل بعض من زواره غير المرغوبين فيهم بكهربئة بعض الأدوات المنزلية ويطلب منهم إستعمالها حتى يصعقون بالصعقة الكهربائية بغرض السخرية بهم. وكان قد أنشأ إذاعة في قصره يبث بنفسه برامج يهاجم فيها الكويت. ومنذ أيامه الأولى كان مولعاً بالسيارات السريعة والطائرات وعرف عنه في كونه طياراً ماهراً يحب المغامرات الجوية وكان له مطاره الخاص في قصره. ... ومن المفيد جداً أن نذكر تعليل وتبرير السلوك الشاذ للملك عازي من قبل أحد أنصار ومؤدي العصر الملكي وهو الدكتور مأمون أمين زكي في كتابه المعنون (إزدهار العراق تحت الحكم الملكي 1921 – 1958 ) من منشورات دار الحكمة الذي صدر حديثاً في لندن حين يقول (أن إنهماك الملك غالزي بالسكر والنساء كان نتيجة لتمرد الآشوريين)   !!!!

الاختلاف بين الأب والأبن:
 الإختلاف الكبير بين الملك فيصل الأول وأبنه الملك غازي كان واضح جداً من جوانب عديدة. فالأول نشأ في بيئة عربية أصيلة ملئها التسامح والكرامة والتأني والفضيلة وأحترام الإنسان وهي البيئة التي لم تكن تتلائم مع الظروف التي كانت قائمة في العراق حينذاك.  في حين عاش أبنه وتربى في العراق وتأثر ببيئة فكرية وإجتماعية وسياسية مختلفة تماماً ملئها التعصب والتطرف والصلابة والهيجان السياسي والإجتماعي. تعاون الملك فيصل الأول مع القوات البريطانية أثناء الحرب الكونية الأولى من أجل التحررمن السيطرة العثمانية وبناء الدولة العربية الموحدة المستقلة. وفي العراق عمل بكل إخلاص وجد من أجل ترسيخ الكيان العراقي الجديد فوقف موقفاً إنسانياً مسؤولاً تجاه مطالب الآشوريين ورفض التوجهات الإستبدادية والطرق العسكرية القمعية لمعالجتها فذهب ضحية لمبادئه وأفكاره. في حين قاوم الملك غازي البريطانيين وعارض وبقوة المعاهدة الموقع بين بريطانيا والعراق لعام 1932 والتي يسرت إستقلال العراق وحصوله على عضوية عصبة الأمم وبارك مذبحة الآشوريين في سميل والحملات العسكرية الدموية الأخرى ضد عشائر الفرات الأوسط والجنوب وأيد إنقلاب بكر صدقي لعام 1936 ليكون فاتحة جديدة تفتح الأبواب مشرعة لسلسلة من الإنقلابات العسكرية والإرهاصات التي أصبحت فيما بعد في التاريخ السياسي العراقي المعاصر الأسلوب السائد في إنتقال السلطة وعدم الإستقرار.
على العموم، أن ما يهما من تصرفات الملك غازي الشاذة سواء في حياته أو في حكمه للعراق هو موقفه من الآشوريين وحركتهم القومية في الثلث الأول من القرن الماضي حيث كان يمقت الآشوريين مقتاً شديداً وبالأخص بطريركهم مار شمعون الذي أرتبطت الحركة القومية الآشورية حينذاك بأسمه. فكان يتربص الفرص للإنتقام منهم والتخلص من مار شمعون بأية طريقة كانت. وقد توافق هذا الموقف مع المواقف الإستبدادية والشوفينية لبعض رجال الحكم والجيش أمثال بكر صدقي وحكمة سليمان وغيرهم المتشبعين بالأفكار النازية والطورانية الأتاتوركية فأيد الأسلوب الإجرامي لهؤلاء في معالجة المسألة الآشورية مخالفاً بذلك رأي والده الملك فيصل الأول. وبعد المذبحة أنعمهم بالعديد من أوسمة "الشجاعة" على هؤلاء المجرمين لدورهم "البطولي" في القضاء على "الفتنة الآشورية" كما يطلق عليها في الفكر السياسي العراقي التقليدي في أعتبار مطالب الآشوريين فتنة هددت أمن وإستقرار العراق.

قبيل مذبحة سميل حاول الملك غازي وبتوصية من الضابط الإنكليزي الميجر طومسون المكلف بتسوية القضية الآشورية القضاء على الآشوريين وإمتصاص حركتهم وإخمادها بالطرق السلمية الهادئة كي لا تعكر المحاولات البريطانية في إقناع الرأي العام العالمي بأن العراق أصبح مؤهلاً للإستقلال ودخول عصبة الأمم وإنهاء نظام الإنتداب. فتم وضع خطة لإستدراج البطريرك مار شمعون إلى بغداد بحجة التفاوض معه وإخضاعه لقبول مشروع الحكومة العراقية والبريطانية في حل المسألة الآشورية بإعتباره، حسب أعتقادهم المبني على تقرير الميجر طومسون، بأن مار شمعون هو الرأس المدبير لـ "القلاقل والمشاكل" التي يثيرها الآشوريون في شمال العراق. وفي حزيران من عام 1932، قبيل مذبحة سميل ببضعة أسابيع تم إستدراج مار شمعون إلى بغداد بحجة مقابلة حكمة سليمان وزير الداخلية وعقد إتفاق معه حول المسألة الآشورية، وأثناء الإجتماع فرض على مار شمعون التوقيع على تعهدات مذلة به وبالآشوريين مقابل مغريات مجزية جداً له ولعائلته غير أن البطريرك مار شمعون أبدى شجاعة نادرة في مواجهة وزير الداخلية المعروف بأسلوبه الإستبدادي في تعامله مع الآخرين، فرفضها رفضاً قاطعاً مما أثار غضب وهيجان حكمة سليمان فحاول سجنه وإحالته إلى المحكمة وإدانته بحجة خيانة الوطن ومقاومة السلطات العامة. غير أن خشية من العواقب السياسية الدولية الوخيمة والمحتملة لاعتقاله حالت دون ذلك فأضطر إلى حجزه في بغداد ومنعه من السفر إلى أهله في الموصل كخطوة أولى للقضاء عليه والتخلص منه بطرق لا تثير مشاكل سياسية تسيء إلى سمعة العراق وتمنعه من الإنضمام إلى المجتمع الدولي.  فتم وبمباركة الملك غازي رسم خطة سرية لإغتيال البطريرك مار شمعون عن طريق إفتعال حادث إصطدام لسيارته، التي إعتاد على التنقل بها، بسيارة أخرى وإظهار الحادث كأنه قضاء وقدر. غير أن أسرار هذه الخطة تسربت إلى إحدى الجهات الدبلوماسية ومن ثم إلى بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية الذي قام بدوره بإبلاغ البطريرك مار شمعون بالأمر فحال ذلك فشل خطة إغتياله فإضطرت الحكومة إلى إصدار قانون عام له مقاصد سياسية خاصة لغرض تطبيقه على البطريرك ما شمعون وتجريده من جنسيته العراقية ونفيه خارج العراق. دار الزمان دورته، وعاد القدر الذي رسم وخطط لقتل البطريرك مار شمعون لينقلب على غازي ويقضي عليه وبالأسلوب نفسه الذي كان يحاول القضاء على البطريرك مار شمعون حيث قتل في ليلة الرابع من نيسان عام 1939 بحادث إصطدام سيارته يثار حوله الكثير من الشكوك والغموض بإعتباره خطة مدبرة لإغتياله والقضاء على الملك غازي... هكذا كان مصير مشرع مذبحة سميل بحق الآشوريين الأبرياء.

الملك فيصل الثاني:
ولد فيصل بن غازي بن فيصل في الثاني من  شهر أيار عام 1935 وعند وفاة والده كان عمره لا يتجاوز الأربع سنوات فأصبح الملك الثالث على العراق وبأسم فيصل الثاني. وبسبب صغر سنه تكفل خاله الأمير عبد الإله بن الملك علي بن الشريف حسين رعايته وتربيته وأصبح وصياً على العرش بعد موافقة مجلسي الأعيان والنواب وحسب الدستور العراقي لعام 1925. وبعد إكماله سن الرشد (الثامنة عشرة) أستلم الملك فيصل الثاني في يوم الخميس المصادف الثاني من شهر أيار عام 1953 سلطاته الدستورية الرسمية والذي عرف في العراق بيوم التتويج. وفي صبيحة الرابع عشر من شهر تموز عام 1958 قتل مع أفراد عائلة وحاشيته في المجزرة الوحشية التي عرفت بـ "مجزرة قصر الرحاب" من قبل بعض أفراد الجيش العراقي.
صحيح أن الملك فيصل الثاني لم يكن له علاقة مباشرة بالمذبحة التي أرتكبت بحق الآشوريين في سميل عام 1933 ولكن لحياته ونشأته وحكمه ومصيره مرتبط بها بشكل غير مباشر. ويمكن أن نحدد هذه العلاقة غير المباشرة من جانبين:
الأول: كان الملك فيصل الثاني أخلاقيا و تربوياً وسلوكياً ونسباً صورة طبق الأصل من جده الملك فيصل الأول حيث عرف بدماثة أخلاقه ونبل تصرفاته وكان له عادات حسنة تسجل له بالفخر تقي يخاف الله فلم يشرب الخمر أو يدخن طيلة حياته وتعلم على أيدي كبار المثقفين في العراق أمثال مصطفى جواد وأتصف بالود وحسن الإصغاء للآخرين وإحترامهم... هذه الصفاة العربية النبيلة لم تكن تتوافق مع الحالة السياسية المتذبذة في العراق حينذاك وصراع القوى السياسية والعسكرية من أجل السلطة والجاه، كما كان الحال مع جيده الملك فيصل الأول،  فذهب ضحية لسلوكه النبيل المتسامح ومبادئه السلمية في الحكم والإدارة فسقط عرشه تحت أقدام العسكر في الرابع من تموز عام 1958 وسلبت حياته بقوة الرصاص والغدر.
الثاني: وهو الأهم، فبالرغم من كونه علاقة غير مباشرة ولكن لايمكن إطلاقاً أن نتجاهل الخيط الذي يربط الأسلوب الوحشي الذي تعامل بعض رجال السياسة والجيش مع الآشوريين في عام 1933 مع نفس الأسلوب الوحشي الذي تم تصفية الملك فيصل الثاني وعائلته وحاشيته من قبل بعض أفراد الجيش العراقي. فبين مذبحة سميل عام 1933 ومذبحة قصر الرحاب عام 1958 خيط يربطهما بالبعض يمر عبره سلسلة طويلة من الجرائم السياسية والمذابح والنكبات لم تنتهي بإنقلاب الرابع عشر من تموز بل تواصلت وأستمرت حتى يومنا هذا والتي قام أمثال الملك غازي وحمكة سليمان وبكر صدقي بإرساء أسس هذه الجرائم من خلال تدخل الجيش في السياسة وقمع المعارضة وتدبير الإنقلابات العسكرية كأسلوب وحيد لإنتقال السلطة فكانت مذبحة سميل بحق الآشوريين فاتحة لسلسلة مذابح في العراق وإنقلاب بكر صدقي لعام 1936 فاتحة لسلسلة إنقلابات عسكرية وإرهاصات سياسية.
وأخيراً ليعلم من لا يعلم أو يتجاهل العلم بأن الآشوريين كانوا من أوائل المضحين بدمائهم على تربة هذا الوطن ليس إلا من أجل حقوق بسيطة طالبوا بها لضمان إنسانيتهم وتأكيد وطنيتهم وترسيخ وجودهم الذي أستمر طيلة أكثر من خمسة آلاف سنة على تربة هذا الوطن، بلاد ما بين النهرين.     
================================================

 

أبرم شبيرا القادم من أقصى غرب العالم: كاليفورنيا/ الولايات المتحدة الأمريكية وباسم رشو من الطرف الآخر للعالم أستراليا يجمعهما وقفة على تل في قضاء سميل دفن تحته العشرات من ضحايا الآشوريين لمذبحة سميل في مقبرة جماعية ويعتقد أيضاً بأن تحت التل كنيسة مشرقية قديمة. وهناك برج للإتصالات نصب على التل ومسيج بسياج. وحسناً عملت حكومة إقليم كردستان بمنع التجاوزات على الأراضي المحيطة بالتل حيث تم إيقاف العمل في بناية من عدة طوابق بجانب التل الذي أعتبر كمنطقة أثرية محمية. ولا ندري إذا كان لممثلي شعبنا في برلمان وحكومة إقليم كردستان علم او دور في حماية هذا الأثر، ولكن المطلوب منهم العمل والمباشرة في الحفريات وتنظيف المكان وإكتشاف المقبرة والكنيسة ومن ثم بناء نصب لشهداء مذبحة سميل ليكون مزارا لأبناء أمتنا ورمزاً للتضحية والفداء  من أجل تربة هذا الوطن.
=========================
الهوامش:     

   - - يقول العقيد جرالد دي غوري، الملحق العسكري البريطاني ببغداد في كتابه "ثلاثة ملوك في بغداد" الذي ترجمه وعلق عليه سليم طه التكريتي، مكتبة النهضة العربية -  بغداد، ط2 لسنة 1990، يقول عن بكر صدقي  "رأيت رجلاً عراقياً متوسط العمر وذا شكل غير جذاب  ... يحتسي الوسكي، كان قفاً رأسه مسطحاً ورقبته غليظة وشفتاه تدللان على شدة الحساسية ووجه ومحياه صارمين بشكل فظيع. لقد كان وجه إنسان ولد لكي يصبح مجرماً" ص 140.

   -   تذكر المصادر الإنكليزية بأن عدد القتلى في سميل وحدها كان 315 قتيل والمصادر الآشورية تقول بأن العدد كان يتراوح بين 350 إلى 700 أما مجموع ما قتل في الحوادث وفي جميع المناطق فالتقديرات الإنكليزية تذكر 600 قتيل في حين بلغ عدد القتلى حسب المصادر الآشورية 3000 قتيل . وذكر لي ذات مرة المرحوم زيا الأشوتي الذي كان شاهد عيان للمذبحة بأنه بعد هدوء الأوضاع بدأ أفراد من الجيش العراقي بجمع الجثث المتروكة على الأرض والتي بدأت الروائح تفوح منها من شدة حرارة صيف شهر آب ووضعها في شاحنة عسكرية لدفنها في مقبرة جماعية في ضواحي قصبة سميل وكان عدد الجثث يزيد عن مائة جثة. وطبعاً المصادر العراقية تذكر رقماً أقل من هذه الأرقام بكثير حيث لم يكن هذا الحدث حسب إعتراف المندوب العراقي لدى عصبة الأمم إلا مجرد وقوع بعض التجاوزات من قبل الجيش العراقي على الآشوريين.

   -  بينما يقول العقيد جيرالد في كتابه المنوه في أعلاه بأنه ولد في مدينة مكة. ص 202.


   - من المحتمل أن يكون الدكتور مأمون أمين زكي نجل الدكتور محمد أمين زكي مؤلف الكتاب الموسوعي (تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن) المترجم من الكردية إلى العربية وهو كردي وكان وزيراً للمواصلات أثناء فترة مذبحة سميل وتولى عدة مناصب وزارية  ولم يتطرق إلى مذبحة سميل في كتابه هذا لأنه طبع في عام 1931 غير أن فيه إشارات كثيرة عن الآشوريين وكنيستهم تنم بشكل واضح عن الفكر العراقي التقليدي الإستبدادي تجاه الآشوريين.


95
قاموس آشوري  لجامعة شيكاغو
قفزة نوعية في علم الآشوريات

أبرم شبيرا
يمكن تسمية عام 2011 بعام علم الآشوريات في حقل الآثار وتاريخ حضارة بلاد مابين النهرين، لا بل حتى في تاريخ الحضارة الإنسانية. فبعد أن كتبنا عن معرض روائع حضارة بلاد الرافدين الذي أقيم في أبو ظبي وأثار إهتمام المختصين وغير المختصين وأظهروا أعجابهم به  كما عكس مدى حضارية وإنسانية هذا البلد الصغير الحديث على الخارطة السياسية، البلد الذي يثير تطوره وتقدمه السياسي والإجتماعي والإقتصادي حقد وكراهية وحسد الكثير من العاجزين عن التقدم خطوة واحدة نحو مستويات يمكن أن تساعد شعوبهم المقهورة للدنو من الرفاهية والإستقرار السياسي والإجتماعي، يأتي إصدار جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة ألأمريكية للقاموس الآشوري كقفزة نوعية في علم الأشوريات ويثير أهتمام الكثير من المختصلين وغير المختصين وأنا واحد من هؤلاء غير المختصين في هذا الحقل ولكن أثار أهتمامي بشكل كبير ومثير لأنه يأتي صدور هذا القاموس من جامعة في دولة تبعد ألاف الأميال عن موطن الشعوب التي تكلمت بلغة هذا القاموس، دولة تعتبر في نظر البعض "الشيطان الأكبر" لا بل تأتي الأهمية القصوى لصدور هذا القاموس بالنسبة لي ولغيري من أبناء بلاد مابين النهرين في كونه قاموس لغة تعتبر لغة أباؤنا وإجدادنا العظام الذين بنوا أعظم وأول حضارة في التاريخ القديم.   


تجلت أهمية صدور هذا القاموس من خلال تداول الصحف المختلفة والمواقع الألكترونية خبر صدوره. فقد وصلني أكثر من رسالة ألكترونية عن هذا الخبر وبعض من المقالات والبحوث التي كتبت عنه وكان أهمها المقالة التي كتبها جون نوبل ولفورد تحت عنوان (قاموس آشوري – شيكاغو – مع 28,000 كلمة: أنه نافذة ميسرة لحضارة بلاد الرافدين) وقد نشر في جريدة نيويورك تايمز نيوز سيرفس باللغة الإنكليزية وإعادت جريدة (كلف نيوز – Gulf News) نشره في في عددها المؤرخ في 15 تموز 2011 ، كما نشر على الموقع الألكتروني لجامعة شيكاغو. ونظراً للأهمية القصوى لهذا القاموس في علم الاشوريات فإنني، رغم كوني من غير المختصين في هذا العلم كما ذكرت، إلا أنه بسبب أهميته الخاصة وهو علم يخص أجدادنا وأرض أباؤنا بلاد مابين النهرين، أرتأيت أن أكتب بعض السطور لتكون فائدة بسيطة للقراء من جهة ولغرض تعميم الفائدة والمعرفة بهذا القاموس الذي أعتبره العلماء مدخلاً كبيراً لفهم حضارة بلاد الرافدين كما ويأتي إستكمالاً للموضوع السابق الذي كتبته عن معرض روائع حضارة الرافدين والذي سبق وأن نشر في هذا الموقع الألكتروني، وكلا الموضوعين يعكسان مدى أهتمام دول، كالولايات المتحدة الأمريكية ودولة الإمارات العربية المتحدة بالحضارة الإنسانية ومساهمتهم في تطويرها، ومنها حضارة بلاد الرافدين.

لا أريد أن أعيد كل ما كتب عن هذا القاموسي فالغرض من هذا الموضوع هو بيان بعض النقاط التي تهمنا معرفتها والتي سأتي على ذكرها ولكن مع هذا فبعض السطور عن ما كتب عن هذا القاموس يفيد القارئ الكريم خاصة الذي لم يطلع على ما كتب عنه هذا. أستهل العمل بمشروع هذا القاموس في عام 1921 من قبل جميس هنيري بريستيد، مؤسس المعهد الشرقي في جامعة شيكاغو والذي عمل أيضا على قاموس برلين للمصريين القدماء. وأول جزء أنتهى منه كان في عام 1956 وتناوب وساهم في إنجازه بحدود 90 عالم وباحث ومؤرخ وآثاري حتى المجلد 21 الأخير في هذا العام فأصبح القاموس يجمع 28,000 مفردة.

يقول ولفورد في مقاله السابق الذكر، تسعون سنة مضت على تنظيم قاموس ذو 21 مجلداً لللغة القديمة لبلاد الرافدين ولهجتيها البابلية والآشورية والتي هي لغة غير محكية خلال 2000 سنة الماضية ولكن بقيت محفوظة على ألواح طينية ومنقوشات صخرية تم فك شفيرتها خلال القرنين الماضيين والتي أكتملت أخيرا على أيدي علماء من جامعة شيكاغو. هذه كانت لغة سركون الكبير، ملك أكد في الرابع والعشرين قبل الميلاد، تكلم بها وحكم أمبراطورية أعتبرت أول من نوعها كما هي لغة حمورابي أستعملت في حدود 1700 سنة قبل الميلاد لينشر ما عرف بأول تشريع قانوني في التاريخ كما أن مفردات هذه اللغة أستخدمت في ملحمة كلكامش والتي تعتبر أول تحفة من الأدب العالمي. ومن المفترض أن نبوخدنصر (الملك الكلداني البابلي) قد أستخدم هذه اللغة لإسترضاء زوجته المتشوقة للعودة إلى بلدها الجبلي وبناء لها الجنائن المعلقة في بابل.


صورة يظهر فيها مارثا روث عميدة كلية العلوم الإنسانية في جامعة شيكاغو ورئيسة تحرير القاموس الآشوري  مع جيل ستيان مدير المعهد الشرقي في جامعة شيكاغو يبحثان في أحدى المدونات الآشورية من المتحف البريطاني. (الصورة منقولة من الموقع الألكتروني لنيويورك تايمز)
=================================================

الملاحظات التي يهمنا أن تذكر في سياق صدور هذا القاموس، يمكن إيجازها بما يلي:

1.   لماذا التسمية الآشورية للقاموس؟: على الرغم من التسمية الآشورية للقاموس إلا أنه من الواضح والمبين والمؤكد من قبل جميع علماء الآشوريات واللغات القديمة بأن لغة القاموس هي اللغة الأكدية وأن اللغة التي تكلم بها الآشوريون هي لهجة تابعة لهذه اللغة والتي تكلم بها البابليون أيضا لهذا سميت علمياً باللغة البابلية الآشورية. فالقاموس يركز على الشكل الجديد لللغة الآشورية وهي لغة أمبراطورية عظيمة تمثلت عظمتها ليس في قوتها العسكرية فحسب بل أيضا في تطورها الثقافي والعلمي وأنعكس ذلك بشكل كبير وواضح في محتويات مكتبة الملك الآشوري آشور بانيبال والتي كانت هذه المحتويات موضوع دراسة لأكمال القاموس الآشوري لجامعة شيكاغو. ويؤكد العلماء بأنه من المحتمل بأن هذه اللغة كانت أول نظام لغوي عرفه الإنسان وأن النظام السياسي الذي كان قائماً في بلاد الرافدين على أساس (دولة - مدينة) يمثل أول نظام حضري للإنسانية. ويذكر ولفورد في مقاله السابق الذكر بأنه عندما بدأ بريستيد بمشروع هذا القاموس في عام 1921 كانت معظم المدونات المكتوبة تخص حكام الآشوريين وأيضا فأن المراجع التوراتية تركت تأثيراً بأن المصطلح الآشوري كانت متناغماً مع معظم اللغات السامية في العصور القديمة.
إن موضوع نعت القاموس بالآشوري يمكن أن يكون قد تأثر بالعلم الذي أطلق عليه بعلم الآشوريات التي وضع أسسه الأولى العلامة الآثاري السير هنري رولنصن الذي ولد في أكسفورد عام 1810. حيث يذكر أي. رويست بايك في كتابه المعنون (قصة الآثار الآشورية) ترجمه يوسف داود عبد القادر طبع بمطبعة أسعد في بغداد – مودع في المكتبة الوطنية عام 1972، بأن رولنصن كان قد سمع الشيء الكثير عن الكتابات والنحوت الموجودة على واجهة أحدى الصخور في (بهستون) التي تقع غرب مدينة كرمنشاه الإيرانية فتوجه إليها حيث أستطاع إستنساخ الكتابات الموجودة عليها والتي كانت مدونة بثلاث لغات هي البابلية والفارسية القديمة والسوسية (العيلامية) ... فقد تمكن رولنصن من التوصل إلى حل رموز الكتابات المدونة على واجهة الصخرة وبعد أن تسنى له الوقوف على جميع الكتابات المسمارية المكتشفة في ذلك الوقت قاده إلى معرفة ثلاثة أسماء للشخصيات الملكية وهم داريوس و هستاسب وزوركسز وتلك كانت أولى الخطوات المهمة التي تلتها خطوات أخرى (ص123).  وفي عام 1847 تمكن من أن يقوم بترجمة كاملة للنص الفارسي مع وضع شروح وملاحظات نحوي وأبجدية كاملة وبعد ذلك تمكن من ترجمة النصوص الأخرى بمساعدة عدد من العلماء الآخرين. غير أن الشكوك أثيرت حول صحة هذه التراجم لذلك أستدع الأمر إلى فحصها وتدقيقها للتأكد من صحتها. ففي عام 1856 أفترح فوكس تالبوث والذي أشتهر بكونه أو رائد عمل في حقل إختراع التصوير الفوتوغرافي، أقترح أن تقوم الجمعية الأسيوية في لندن بدعوة ثلاثة من علماء المسماريات ليقوم كل واحد منهم على إنفراد بترجمة مقطع طويل من الكتابات الآشورية، وأن توضع كل ترجمة في ظرف مختوم وترسل إلى سكرتير الجمعية، وأقترح كذلك أن تولف لجنة تتولى فتح هذه الظروف ومقارنة التراجم مع بعضها وإعلان النتيجة، وأن تتم جميع هذه الإجراءات بجو من العلنية. وكانت الكتابات التي أختيرت لهذا الغرض هي المواد المدونة على منشور من الطين المفخور يعود إلى الملك الآشوري (تكلات – بلاصر) الذي سبق وأن أكتشف في مدينة آشور وتم تكليف كل من فوكس تالبوت و رولنصن وإدورد هنكس ( 1829 – 1866 وهو عالم آثاري أيرلندي ساهم في حل رموز الكتابات الهيروغليفية كما شارك مع رولنصن في حل رموز الكتابات المسمارية) وجوليس أوبرت (1825 – 1905 وهو عالم آثاري ألماني وضع ملفات عديدة أهمها النحو الآشوري و بابل والبابليون ودراسات سومرية) للقيام بترجمة هذه المدونة حيث أرسل كل منهم ترجمته بغلاف مختوم إلى الجمعية الأسيوية الملكية، وبعد مقارنتها وجدت متفقة مع بعضها إتفاقاً تاماً بحيث لم يعد ثم شك بأن علماء الآشوريات يفهمون ما يقرأونه فهماً تماماً. ثم أرتأى (أبو الآشوريات)، وهو اللقب الذي الذي أستحقه رولنصن عن جدارة، بأن الوقت قد حان لترجمة نصوص الوثائق الآشورية التي كانت متوفرة آنذاك نتيجة التنقيبات التي جرت في نينوى وأطرافها (ص124) وبذلك نشأ علم جديد عرف بعلم الآشوريات وأعتمد عليه في دراسة حضارة بلاد ما بين النهرين. من هذا نؤكد القول بأن تسمية القاموس بالآشوري لا يمكن أن يفهم إلا من خلال هذا العلم الذي توفرت له المراجع الأساسية من منحونات ومدونات آشورية عديدة خاصة التي حفظت في مكتبة الملك آشور بانيبال.

2.   أنسكلوبيدية القاموس الآشوري: هذا القاموس ليس مجرد سرد لكلمات ومعانيها بل هو إنسكلوبيديا بحق وحقيقة. فهو يتناول تاريخ ومجال إستعمالات كل كلمة فهو بكل معنى الكلمة إنسكلوبيديا ثقافية لشعوب بلاد مابين النهرين. يقول جيل ٍستيان المدير في المعهد الشرقي لجامعة شيكاغو (نشر على الموقع الألكتروني لهذه الجامعة) بأن هذا القاموس الفريد من نوعه هو في الجوهر إنسيكلوبيديا ثقافية لتاريخ ومجتمع وأدب وقانون ودين بلاد ما بين النهرين وأنه أداة لا غنى عنه في البحث العلمي للباحثين في إي مكان والذين يرغبون إماطة اللثام عن المدونيات المكتوبة لحضارة بلاد مابين النهرين. ويذكر سامي بدرو على أحدى المواقع الألكترونية بالقول بأن هذا القاموس هو دراسة تمخضت عن نصوص عمرها أكثر من 2500 سنة تحتوى على وثائق ذات صلة علمية أو طبية أو قانونية وأدب ملحمي وتضرعات إلى الآلهة، بل وحتى رسائل حب. فالعلماء والآثاريون لم يكن بإمكانهم قراءة النقوش والكتابات الكثيرة التي كتبت على الجدران أو على الألواح الطينية وفك رموزها ولكن الآن بفضل هذا القاموس فأنهم يستطيعون قراءة كلمات الشعراء والفلاسفة والسحرة وعلماء الفلك. وتقول السيدة مارثا روث، رئيسة تحرير هذا القاموس بأن المثير هو ليس الفروقات بين مفردات الحياة قديماً وحديثاً، بل التشابه بينهما... فبدلاً من أن نواجه عالماً غريباً عنا، ترانا نأنس بعالم مألوف جداً حيث إهتمام الناس بأمور يومية، فنرى الناس قديماً، كما هم حديثاً، يهتمون بقضايا العلاقات الشخصية والحب والعواطف والسلطة وأمور أخرى كالري وطرق إستغلال الأراضي ... وتضيف وتقول أن كثيراً من التفاصيل التاريخية التي أصبحت في متناولنا تخبرنا أن النقلة النوعية للإنسان حينئذ من كونه بشراً فقط إلى كونه كائناً متحضراً حديث في بلاد ما بين النهرين إذ يعتقد بأن بذور التقدم الهائل في مختلف مجالات الحياة زرعت أول مرة في تلك الأصقاع كما يعتقد بأن بلاد ما بين النهرين هي واحدة من ثلاثة أو أربعة بلدان في العالم حيث وجدت أول كتابة وإن الأحرف المسمارية التي كتبت بها كل من الآشورية والبابلية .... هي أقدم مخطوطة في العالم وكانت المهلم لنظيرتها الكتابة الهيروغليفية ... (نقله سامي بدرو).  وعلى العموم يمكن القول بأن هذه الإستكشافات العظيمة أثبت بأن حضارة بلاد الرافدين لم تكن ثقافة حصراً بالملوك والملكات وحاشيتهم بل كانت ثقافة حقيقية لحياة الشعوب اليومية أيضاً.

3.   القاموس بين لغة الأمس واليوم
:  كما ذكرنا في أعلاه القاموس ليس مجر سرد للكلمات فقط بل أنه يعطي لكل كلمة عدة معاني مرتبطة وبوثاق كبير بالتاريخ والحياة اليومية في ذلك الزمان. يأخذ ولفورد على سبيل المثال لا الحصر كلمة يومو (umu) حيث خصص لشرحها 17 صفحة والتي تعني (يوم) . وهناك أيضا كلمة كالو أو كاليه (Kalu) والتي تعني عدة معاني باللغة البابلية الآشورية لهذا القاموس فهي تعني حجز أو تأخر أو بقاء أو حجز في الموقف وهكذا.  ثم هناك كلمة أخرى مثل داي نو (di nu) والتي تعني القضية أو قضية قانونية أو قرار حكم وإدانة. ومن الملاحظ والمثير للإنتباه إن جميع هذه المفردات وغيرها هي تقريبا نفسها التي يستخدمها أبناء شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" في أدبياته وحياته اليومية ولكن بإختلاف بسيط في اللفظ وهو الإختلاف المقبول جداً فيما إذا إدركنا موضوع تطور اللغات عبر قرون طويلة من الزمن. وقد يثير عند البعض مثل هذا الإرتباط الوثيق بين لغة أبناء شعبنا في هذا اليوم مع لغة أجدادهم من الأكديين والبابلين والآشوريين والكلدانيين القدماء الذين تفصلهم عنهم أكثر من 2500 سنة شيئاً من الإستغراب والتعجب لا بل والرفض لمثل هذه الصلة بين الحاضر والماضي،  فإنني أنصح هؤلاء بزيارة المكتبة البريطانية في لندن (والتي أنفصلت عن المتحف البريطاني قبل عدة سنوات) ومعاينة كتابات وليم شكسبير(1564 – 1616) الأصلية المعروضة ليروا الفرق الكبير بين إنكليزية كتابات شكسبير ولغة الإنكليز وكتاباتهم في هذا العصر. فكلما زرت المكتبة البريطانية والتي لا تبعد إلا بضعة أميال عن منزلي في لندن أجد صعوب بالغة جداً في قراءتها لا بل عرفت من الإنكليز نفسهم بأنهم لا يفهمون لغة كتابات شكسبير الأصلية إلا ما يقارب نصفها ولكن مع هذا هي لغة إنكليزية يعتز بها الإنكليز كلغة قومية وجميع المتكلمين بها ويعتبرونها لغة كتب بها أروع أدبيات العالم وترجمت إلى اللغة الإنكليزية المعاصرة لكي يفهمها القراء.  فإذا كان الفرق الزمني بين لغة شكسبير ولغة الإنكليز في هذا اليوم ما يزيد بقليل عن 400 سنة فكيف والحال مع اللغة الأكدية (البابلية الآشورية) التي تبتعد بما يزيد عن 2500 سنة عن لغة أبناء شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري". إن اللذين لا يعيرون للتاريخ أو للزمان أو للماضي أهمية في تأثيره على الحياة العامة للناس وعلى ثقافتهم وحضارتهم فهم أناس لا أهمية لهم في الزمن الحاضر.         

وأخيراً، لم يعد شيء أن يذكر إلا أن نؤكد مرة أخرى مدى أهتمام الشعوب والبلدان الآخرى بحضارة بلاد الرافين وتاريخها بينما أهل هذا البلاد الذي أعتبر مهداً للبشرية لا بل حكام هذا البلد ينكرون هذه الحضارة ويتجاهلون تاريخها ولا نستغرب أبداً بأن لا يستطيعون حكام اليوم في بلاد ما بين النهرين من  توفير 1995 دولار أمريكي وهو سعر القاموس الآشوري بجميع مجلداته لشراءه ولا أدري فيما إذا كانوا قد سمعوا أصلاً عن صدور هذا القاموس لأنهم جداً مشغولين في سرقة أموال الشعب وملئ جيوبهم ولا وقت لديهم للتفكير أو القراءة عن هذا القاموس. وأخير لا نستغرب أبداٍ مثل هذه المواقف المشينة تجاه حضارة الأباء والأجداد عندما نعرف بأن المتحكمين في مصير العراق في هذا اليوم يتصارعون حول الحقائب الوزارية السيادية التي تضمن سرقات أكثر فأكثر بينما لا أحد يرغب في وزارة الثقافة لأنها وزارة ليس لها تخصيصات ضخمة حتى تتخم البطون الفاسدة. عيب والله عيب.

96
الآشوريون والبابليون في أبو ظبي

أبرم شبيرا
ما الذي يفعله الآشوريون والبابليون في أبو ظبي؟؟؟ سؤال غريب لكن جوابه موجود في معرض "روائع بلاد الرافدين"....
===========================================
أختتم في نهاية شهر حزيران الماضي في أبو ظبي معرض "روائع بلاد الرافدين" وأستمر من 29 آذار لغاية 27 حزيران والذي أقيم على القاعات المبهرة والرائعة لمبنى المنارة في جزيرة السعديات السياحية/الثقافية في إمارة أبو ظبي. والمعرض هو واحد من المعارض الدولية القائمة على الأعمال المعارة والتبادل الثقافي بين الدول حيث ساهم المتحف البريطاني و متحف مدينة العين في إمارة أبو ظبي وبتنسيق وتنظيم شركة التطوير والإستثمار السياحي، وهي جزء من هياكل هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث التي تهتم بالتطوير الثقافي والسياحي في إمارة أبو ظبي على أقامة المعرض. ويظهر من طول فترة أقامة المعرض، ثلاثة أشهر تقريباً، مدى أهميته وإستقطابه للمهتمين والمختصين بالشأن التاريخي لبلاد الرافدين والمثقفين والأدباء وطلاب الجامعات والمدارس بشكل خاص وكثافة الجمهور، سواء من الأمارتيين أو المقيمين في دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل عام. ويكذر دليل المعرض بخصوص بلاد الرافدين "تغطي المساحة الجغرافية لبلاد الرافدين القديمة ما يعرف اليوم بالعراق وجزء من سوريا. ومنذ العام 6000 قبل الميلاد عاش سكان بلاد الرافدين في القرى وزرعوا الأرض وبدؤوا بتدجين الحيوانات. وفي حوال العام 3000 قبل الميلاد بدأت أولى المدن بالتشكل الأمر الذي ساعد على تطور العمليات الإدارية وبدء إستخدام الكتابة لتسجيل المعاملات التجارية. وإعتباراً منذ ذلك الوقت ركز التاريخ القديم في المنطقة على ثلاث حضارات مختلفة إلا أنها مرتبطة إرتباطاً وثيقا وهي الحضارة السومية والبابلية والآشورية".

يقول الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس مجلس ألإدارة لشركة التطوير والإستثمار السياحي في مقدمة دليل المتحف "يكتسب هذا المعرض أهمة خاصة كونه يستعرض تاريخ حضارة بلاد الرافدين العريقة، وهي المنطقة ذاتها التي قامت بدور جوهري في تطوير الحضارة الإنسانية كما يستكشف أيضا طرق إنتقال المعرفة من العالم القديم إلى المعاصر لاسيما في مجالات العلوم والإتصال والفن والأدب. ويقدم في الوقت ذاته العديد من القطع الرائعة والفريدة التي تم إستعارتها من مجموعة المتحف البريطاني المعروفة عالمياً والمسماة بمجموعة الشرق الأوسط. بالإضافة إلى آثار معارة من متحف العين الوطني والكنوز المهمة والوثيقة الصلة بتاريخ الإمارات العربية المتحدة"  

أهمية المعرض تتجاوز القطع الآثارية لبلاد الرافدين والمنحوتات والتماثيل والرقم الطينية ولقى ومجهورات وصيغ ذهبية نادرة المعروضة في القاعات إلى حسن تنظيمه وروعة تنسيقه للمعروضات إضافة كثافة برامجه الثقافية والفنية المتنوعة التي أشبعت تطلعات وأفكار معظم الحاضرين للمعرض والتي شارك في إلقاؤها أشهر المختصين الآثاريين في العالم وأساتذة الجامعات والمؤرخين. ومن المفيد أن أسرد بعض من هذه المحاضرات واللقاءات التي تعكس مدى أهمية المعرض وما صاحبه من نشاطات خلال فترة إقامته. لقد حاضر في المعرض الدكتور جون كورنيس وهو المسؤول عن مجموعات تحف الشرق الأوسط في المتحف البريطاني تحت عنوان "أكتشاف بلاد الرافدين". قصص لا يمكن أن تروى إلا على لسان أصحابها. من بلاد الرافدين إلى الإمارات العربية المتحدة كان عنوان محاضرة السيد نيل ماكجريجور مدير إدارة المتحف البريطاني. والبرفسور مارك فان دي ميروب، وهو أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا في نيويورك – حاليا يشغل منصب زميل في مركز الأبحاث الدولي للدراسات الثقافية في فيينا حيث حاضر عن "بلاد الرافدين – مهد البشرية الأول في العالم". هذا إضافة إلى مجموعة من ورشات عمل ولقاءات وزيارات وندوات وأخيراً وليس آخراً وتحت عنوان "إعادة إحياء أحدى عجائب العالم القديم – بابل معاصرة" أقيم أمسية أدبية موسيقة شارك في إحياؤها الشاعر عمر الفرا ثم سيدة المقام العراقي الفنانه فريدة محمد علي مع فرقة المقام العراقي.

لم يكن غريباً أن تحتل التماثيل والمنوحات والرقم الطينبة من العصر الآشوري مكاناً كبيراً ومتميزاً والتي أعيرت من المتحف البريطاني ذلك لأن القسم الآشوري في هذا المتحف يحتل مساحة كبيرة إلى جانب القسم الفرعوني. حيث عسكت عظمت الإمبراطورية الآشورية وفتوحات ملوكهم الذين وصلوا حتى الى المناطق الجنوبية من الخليج العربي جنوباً وفلسطين ومصر غرباً. ليس هذا فحسب بل من ناحية العلم والمعرفة تذكر أدبيات المعرض بأنه "كانت مدن بلاد الرافدين مراكز إشعاع للمعرفة والعلم. فقد درس علماء الفلك البابليون حالة السماء في الليل وسجلوا حركة القمر والكواكب السيارة وكان يتم الإحتفاظ بالألواح المسمارية في القصور الملكية والمعابد وكذلك قام الملك الآشوري آشور بانيبال ببناء مكتبة ضمن 25000 لوحاً طينياً في قصره في نينوى. أما الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني فبدأ ببناء متحف في بابل ضم منحوتات وثماثيل وألواح طينية يعود تاريخ بعضها إلى العهد السومري". ومن أهم المعروضات كانت الألواح التي تحكي تفاصيل قصة كلكامش التي عثر عليها في مكتبة آشور بانيبال والذي أطلق عليه أول بطل أسطوري في التاريخ وقد يكون هذا البطل حقيقياً. والنص يتكون من 12 لوحاً من الطين من مجموعة مكتبة الملك في القرن السابع قبل الميلاد وتحوي الملحمة المكتوبة بالأكادية – والتي عرفت علمياً فيما بعد باللغة البابلية-الآشورية توقيع أول مؤلف عرفه التاريخ وأسمه "شين إكي يونيني".

وبخصوص أسم بابل، يذكر بأنها تعني باللغة السامية "بوابات الآلهة" وهي جمع بين كلمتي "باب بالعربية و "إيل" التي تعني الآله باللغة العبرية. وبابل قبل سقوطها كانت منارة للعلوم والبحوث وقد ترك البابليون بحوث علمية ستظل آثارها ماثلة على مر الزمان. وبالإمكان رؤية الفكر البابلي في كل ساعة تستخدم في العالم اليوم. يعود إصطلاح الساعات والدقائق والثواني الذي قسم إلى ستين وحدة إلى نظام قديم للعد والقياس كان سائداً في بلاد الرافدين.  وبخصوص آشور تذكر أدبيات المعرض بأنه أسم مشتق من اللغة السامية ويعني "الآله المخفي" وكان آشور أحد أبناء نوح والذي أصبح أعظم إله عند الشعب الآشوري. ... ومن الملاحظ هنا الخطأ الشائع في التاريخ حول تسمية لغة الأكديين باللغة السامية حيث لا توجد في التاريخ لغة تعرف باللغة السامية، نسبة إلى سام بن نوح. كما أن كلمة "إيل" هي بالأساس أكادية أو بابلية-آشورية وليست عبرية الأصل وهي عينها في اللغة الآرامية السريانية أو الآشورية المعاصرة.

من الصعب بمكان أن نذكر بالتفصيل كل ما جرى في المعرض وما عرض فيه والنشاطات التي أقيمت طيلة فترة ثلاثة أشهر ولكن المهم، لا بل المهم جداً والمثير للإعجاب والإستغراب أيضا هو أن نذكر أسباب إقامة مثل كذا معرض في دولة الإمارات العربية المتحدة وتحديداً في العاصمة أبو ظبي وفي موضوع يخص حضارة بلاد الرافدين وهي حضارة لا تخصها بشكل مباشر بلادها وتاريخها الوطني. كل هذا الأعجاب والأهمية والإستغراب يزول ونتفهم الأمر عندما نذكر أسم شخص واحد وهو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أول رئيس لدولة الإمارات العربية المتحدة، رحمه الله في فسيج جناته. هذا الشخص، الذي يعتبر اليوم أباً ورمزاً للإمارات العربية، بنى دولة متوحدة مستقر قلمنا نجد مثيل لها ليس في العالم العربي والإسلامي فحسب وإنما أيضا في العالم أجمع. هذه الدولة ليست مجرد صحراء أنعم الله عليها بالثروة النفطية فحسب وإنما هي دولة إستقرار سياسي وضمان أمني وتطور ثقافي وتحضر إجتماعي وتفتح إنساني وحضاري أستطاع رعاتها من إستثمار وتكريس نعمة الله هذه (البترول) في بناء دولة بكل هذه المواصفات وفي تكريس خيراتها على جميع أبناء الدولة بحيث فاضت لتصل إلى المقيمين فيها من غير الإماراتيين. أنه حقاً البلد الوحيد الذي أرى فيه الأجانب المقيمين حالهم كحال المواطنين يحبون  المغفور له الشيخ زايد حباً كبيراً ويعظمونه تعظيماً. أتذكر قبل بضعة سنوات عندما كان المغفور له طريح فراش المرض كانت سيدة آشورية تقول أنها كل أسبوع تذهب إلى الكنيسة للصلاة والدعاء إلى الرب لكي يشفي الشيخ زايد لأنه بحكمته وإدارته لهذا البلد تمكن زوجها من تطوير أعماله وبناء ثروته وإستمتعنا بإستقراره وأمنه. وأتذكر أيضا تلك السنوات كيف كان بعض زملائي في العمل من البريطانيين في دبي قلقون على صحة المغفور له ويخشون بأن رحيله قد يتسبب تغييراً في البلد  ولكن غشيتهم وقلقهم لم يكونا في مكانهما إذ أن إنتقال السلطة بسلاسة وهدوء ضمن إستمرار إستقرار البلد وتطوره على نفس هدى المغفور له. وأخيراً، وأرجو أن يتفهم القارئ الإطالة في هذا الموضوع هو تعبيراً عن إعجابي بهذا البلد الإستثنائي في العالم العربي والإسلامي، بأنه لم لا يعرف كثيرا عن دولة الإمارات العربية فإنها تتكون من سبعة إمارات (أبو ظبي، دبي، الشارقة، عجمان، أم القيوين، رأس الخيمة و الفجيره) والتي كانت محميات بريطانية وقبل إنسحاب بريطانيا منها في عام 1970 وطرح موضوع الإتحاد بين هذه الإمارات السبعة مع قطر والبحرين، إلا أن المنطق والتعقل وتفهم الجغرافيا وبعد قطر والبحرين جغرافياً عن بقية الإمارات السبعة المتلاصقة مع البعض قد أبعدا من مشروع الإتحاد فبقت الإمارات السبعة هي موضوع الإتحاد في دولة واحدة... والمطلع على النظام السياسي لدولة الإمارات يتأكد لديه بأنه من النظم السياسية الراقية والمنطقية التي تتوافق مع ظروف البلد وتخدم مواطنيها بالشكل الآمن والمريح. فالمنطق السياسي يقول بأن أنجح الأنظمة السياسية والإقتصادية هي الأنظمة التي تريح شعبها من جميع النواحي وتضمن أمنه. أن كل من هذه الإمارات خاصة الصغيرة منها لم تكن تملك مقومات دولة كاملة لذلك عاد المنطق والتعقل ليتحكم في مصير هذه الإمارات لتدخل في إتحاد تتكون منه دولة متقدمة ومتحضرة ... ولا أبالغ أن أنقل ما أسمعه من معظم الأجانب، خاصة الأوربيين، بأن مدن كأبو ظبي ودبي يعتبران هي أمن مدن في العالم وأكثر بكثير من لندن وباريس وغيرهما من المدن الأوربية الكبيرة... فالمئات من الجنسيات والعشرات من الثقافات واللغات كلها تتعايش في هذا البلد بسلام وأمن وطمأنينة وهي حالة نادرة جداً في عالم اليوم. فلو تصورنا بأن كل إمارة أستقلت بحالها وكونت لها دولة مستقلة فأن المنطق السياسي العربي السائدة لكان قد تحكم في علاقات بعضهم بالعض ودخلوا في صراعات لا نهاية لها كما هو الحال في معظم الدولة العربية المتجاورة.

أعود وأكرر أعتذاري للإطالة في موضوع دولة الإمارات وميزتها الفريدة في العالم العربي والإسلامي فالغرض ليس الإطناب والمديح وهي الدولة التي تستحق أكثر من هذا وإنما الغرض هو معرفة هذه الدولة وأبعادها الثقافية والإنسانية التي كانت هي المنطلق الذي أنطلق منه إقامة معرض "روائع بلاد الرافدين" الذي يتجسد في مجموعة القيم الراسخة التي ساهمت في إبقاء المجتمعات على تواصل مع بعضها البعض وعلى مدى الآف من السنين وهي القيم التي أدركها المغفور له الشيخ زايد بغريزته الفطرية أهمية هذه القيم التي شكلت رويته لدولة الإمارات العربية المتحدة الحديثة. ومثل هذه القيم الإنسانية النبيلة أنعكست بشكل واضح في تواصل حضارة بلاد الرافدين نحو المناطق الجنوبية وأثباتها بدلالات آثارية ومأثورات وآثار وجدت في جزيرة أم النار في أبو ظبي مما يتأكد على وصول إشعاعات الحضارات السومرية والبابلية والآشورية إلى هذه المناطق والتي ستتجسد هذه الإشعاعات كمقدمات لمتحف زايد الوطني الذي سيفتتح في العام 2014.

لست من المختصين في علم الآثار ولا في جغرافية البلدان لكي أفصل أكثر مما فصلت عن دولة الإمارات العربية ولكن السبب المهم في ذكر أهتمام هذه الدولة بالابعاد الإنسانية والحضارية للبابليين والآشوريين وتأثير ذلك في حضارة اليوم هو لغرض إثارة سؤال فيه نوع من الإستغراب والحيرة... فالعراق الذي يشكل في معظمه بلاد الرافدين وأقيمت على أرضه أعظم حضارات العالم يتنكر حكامه لهذا التراث العظيم ألذي تركه لنا البابليون والآشوريون... أليس عيباً وخزياً أن يتجاهل حكام العراق الحالي هذا التراث ويغفلوا وبقصد تكريس سطر أو سطرين في الكتيب الذي يسمى "دستور العراق" لذكر هذه الحضارات في ديباجته... أليس هذا إثبات بأن المتحكمين على مقدرات العراق ليس أصلهم من أصل هذه الحضارات الإنسانية... حقا قال المغفور له الشيخ زايد وكان كل الحق معه عندما قال "من ليس له ماضي ليس له حضار أو مستقبل". أليس عيباً وخزياً على المتحكمين على مقدرات العراق أن تكون مدن الحضارات السومرية والبابلية والآشورية كأور وبابل ونينوى وآشور خراباً وملجاً للحيوانات ومفتوحة الأبواب للصوص الآثار.... أليس عيباً وخزياً أن تذهب مليارات الدولارات إلى جيوب الحكام والسراق والحرامية ولا تستثمر على رفاهية شعب العراق ولا في إنماء حضارته العريقة وتطوير ثقافته ... أليس عيباً وخزياً على مثل هؤلاء الحكام أن يكون شعب أغنى بلد بالنفط في العالم بدون نفط ولا كهرباء ولا ماء.... ما أهمية الإنتخابات والديمقراطية والبرلمان والتعددية إذا كان شعب العراق يموت جوعاً وأهل الكثير من المدن بدون كهرباء وماء... عيب والله عيب. "طوز" – كما يقول المصريون – في النظام الذي لا يستطيع أن ينشر خيرات البلد على شعبه ويضمن أمنه وراحته وإستقراره ولا يهتم بثقافته وحضارته. وأخير أليس من حقنا أن نلعن حكام العراق ألف وألف لعنة على تجاهلهم وأهمالهم وتدميرهم لحضارة العراق... أليس من حقنا وكل الحق معنا أن نترحم بألف وألف رحمة على روح المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأن نمجد كل التمجيد حكام دولة الإمارات العربية ليس فقط على تعميمهم نعمة الرفاهية على أبناء شعبهم والمقيمين الأجانب في هذه الدولة وإنما أيضاً على أهتمامهم الكبير بحضارة أجدادي البابليين والآشوريين... فألف وألف شكر لهم ولأهل الإمارات.          
  


97
آثار نينوى أو تاريخ تلكيف
كتاب للشماس يوسف هرمز جمُو يستحق القراءة والتقدير الكبير

                                                                                                                    أبرم شبيرا
توطئة:
قد يكون  القارئ مستغرباً بعض الشيء لتناول عرض كتاب سبق وأن نشر منذ أكثر من سبعة عقود ثم أعيد نشره بعد 56 سنة وتحديداً في عام 1993 وهي فترة طويلة حدثت فيها تغييرات كثيرة وتطورات كبيرة خاصة ما يهم أمتنا بمختلف مكوناتها الكلدانية والسريانية والآشورية والتي أثرت عميقاً في عقول وتوجهات الكثير منهم بحيث أمست متجاوزة للكثير من الحقائق الموضوعية خاصة المذكورة في هذا الكتاب الموثق بحقائق جغرافية وديموغرافية لا تقبل النفاش والإختلاف حولها كثيراً إلا في حدود المنطق الذي تسمح  الموضوعية بهذه الحقائق.

ولكي نخفف من هذا الإستغراب أو إزالته، أود أن أشير إلى ظاهرة ثقافية فكرية في مجتمعنا "الكلداني السرياني الآشوري" تعبر بشكل ما عن تخلف ثقافي وفكري تتمثل هذه الظاهرة في قلة صدور الكتب الخاصة بأمتنا في السنوات القليلة الماضية في مقارنة مع السنوات المنصرمة، لا بل والأكثر من هذا فقد تعلمنا من العرب عادة قبيحة وهي إننا قلمنا نقرأ كتاب ثقافي أو علمي أو سياسي يضيف إلى مداركنا معارف جديدة رغم إن الكثير منًا عاش ويعيش في المجتمعات الغربية منذ فترة طويلة ولم نتعلم منهم ظاهرة حب المطالعة والنهم في القراءة. بربكم ... هل شاهدتم يوماً عربياً، ولنكون أكثر قرباً، كلدانياً أو سريانياً أو آشورياً يقراْ كتاباً وهو جالس في القطار أو الباص أو يأكل في مطعم كما يفعل الكثير من الأوربيين والأمريكيين وغيرهم من شعوب المجتمعات الغربية المتقدمة؟ طبعاً الجواب هو بالنفي وحتى إذا صادف عكس ما نقوله فأن ذلك سيكون حدثاً غريباً لا بل تاريخياً. ولماذا نذهب بعيداً.... أنظروا إلى موقعنا الألكتروني "عنكاوه دوت كوم" أليس هو "ملتقى أبناء شعبنا كلداني آشوري سرياني"؟؟ ولكن لو قارنًا المواضيع التي تهم أمتنا مع المواضيع العامة الأخرى لنرى بأن نسبتها قليلة جداً وحتى هذا القليل ليس إلا مواضيع آنية خالية من عملية إغناء الفكر والثقافة التي من الممكن أن تفيدنا في دفع وعينا القومي نحو التوجهات الصحيحة في التنمية والتطور السياسي والفكري. واللوم طبعاً لا يقع على عنكاوه دوت كوم وإنما على المجتمع نفسه. فهذا الفقر الثقافي والفكري هو السبب الرئيسي الذي يدفعنا إلى أن نبحث في الرفوف العالية وفي زوايا مكتباتنا الفقيرة والمنسية عن كتاب أو موضوع يفيدنا في إنماء فكرنا ووعينا. وقد كنت محظوظاً عندما عثرت على هذا الكتاب في المكتبة الجانبية الصغيرة لأحدى الكنائس الكدانية الكاثوليكية في ديترويت في الولايات المتحدة الأمريكية أثناء أعياد الميلاد ورأس السنة  الأخيرة وهو الكتاب الذي سمعت عنه كثيراً وكنت متلهفاً لإقتناءه وقراءته.
من الملاحظ بأن كاتب أو كاتبين قد أشار إلى هذا الكتاب وأعتمد عليه في بناء أفكاره وأراءه ولا أدري إذ كانت إشارته إلى هذا الكتاب بعد الإطلاع عليه مباشرة وقراءته أو إقتناء المعلومات منه بشكل غير مابشر ومن جهات أخرى، ولكن حتى هذه الإشارة لم يكن غرضها التحليل والتقيم للجهود التي بذلها الؤلف في تأليف هذا الكتاب والمغزى المستنتج منه بل كان الغرض منه توجيه التهم والنقد لبعض الأفكار التي جاءت في هذه الأيام مخالفة لما أورده الشماس يوسف هرمز جمًو في كتابه هذا.

نبذة عن مؤلف الكتاب:

يقول السيد يوسف ناظر في مقدمته عن الكتاب بأن الشماس يوسف هرمز جمو هو "وجه مشرق من وجوه الإعلام الكلدان الذين كرسوا جل حياتهم – إن لم يكن كلها – لخدمة شعبهم ووطنهم بحرص وتجرد ونكران ذات حتى وافاهم الأجل ليكونوا قدوة حسنة لنا وللأجيال القادمة ولكي لا يغيبوا عن ذاكرتنا بعد أن واراهم التراب، إعترافاً بجميلهم، طيب الله ثراهم... وهو أشرق وأعطر الوجوه التي إنجبتها الأمة الكلدانية في عصرنا الراهن.. فهذا الأبن البار للشعب الكلداني الذي بدأ حياته ملاحاً في السفن – الدوب – التجارية فوق مياه دجلة بين بغداد والبصرة دفعه طموحه الشخصي وعصاميته الفذة ومواهبه الفطرية إلى إقتحام الميدان الثقافي فأصبح مربياً فصحافيا فمؤلفاً فأستاذا لأبناء الأمراء، رحمة الله عليه... ص9.

هذا الإطراء الجميل للكاتب الشماس يوسف جمو الذي ولد في بلدة تكليف في 19.03.1892  لم يترك لنا الإستاذ يوسف ناظر مجالا للتفصيل في سعة مواهبه وقدراته، إلا أن نقول بأن الشماس يوسف لم تكن ظروفه الشخصية تؤهله للحصول على الشهادات الأكاديمية العالية، فبإصراره ومثابرته وإعتماده على قدراته الشخصية والتثقيف الذاتي أصبح فعلاً من أبرز كتاب الكلدان في زمانه. فبمجرد أن أستقرت الظروف المعيشية به في البصرة أخذ يبحث عن آفاق جديدة في عالم الثقافة والأدب والصحافة. ففي عام 1920 كان مراسلا لجريدة العراق وكتب العديد من المقالات في مجلة المقتطف المصرية. وفي عام 1924 أسس نادي التهذيب في البصرة وكان سكرتيرا له. ومن أبرز مآثره هو تأسيسه مطبعة الأمة، وهي اول مطبعة تؤسس في البصرة فأقام بإدارتها مع أصغر أخوته أحسن إدارة. كان أيضا من المساهمين النشطين في تأسيس مدرسة كلدانية سريانية في البصرة ومديراً لها، وخلال تلك الفترة نشط نشاطاً منقطع النظير في عقد إجتماعات ثقافية وسياسية وإلقاء المحاضرات ثم دخل المعترك السياسي فرشح نفسه لعضوية المجلس النيابي ممثلاً للمسيحيين إلا أنه لم يفز بالمقعد بحكم الظروف السياسية في تلك الفترة. غير أن هذا لم يثني عزيمته للإستمرار في معترك السياسة والثقافة، ففي عام 1934 حصل على إمتياز لإصدار جريدة يومية سياسية بأسم "صوت الشعب"، ويكفي أسم هذه الجريدة لتعبر عن مواقفه السياسية والوطنية فكان يشن حملات على الفساد الإداري والسياسي وتزوير الإنتخابات في تلك الفترة مما عرضه ذلك إلى مضايقات من أطراف رسمية وغير رسمية بحيث وصلت إلى درجة محاولة إغتياله عام 1937 بعد أن أغلقت صحيفته الجريئة من قبل السلطات الرسمية، وفي هذه الفترة تسنة له الفرصة والوقت ليؤلف كتابه هذا. ثم بعد أعادة إصدار الصحيفة وفتح المطبعة أعيدت غلق المطبعة والصحيفة عدة مرات إلى أن أضطر بيعها. كل هذا النشاط السياسي والثقافي لا يمكن أن نتجاهله وأن لا نربطه بحادث السيارة في 18.11.1965 الذي أودى بحياته  للحد من نشاطه السياسي والثقافي والقضاء عليه، وهو الأسلوب المعروف في تاريخ العراق السياسي في إغتيال الشخصيات البارزة المعارضة لفسادة السلطة. 

نبذة عن  أهم ماورد في الكتاب:
الكتاب طبع في مطبعة الأمة في بغداد عام 1937 وأعيد طبعه وتنقيحه وزيادته من قبل أبناء المولف طيبوا الذكر في المطبعة الشرقية في ميشيكن في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1993. يقع الكتاب في 140 صفحة من القطع المتوسط ويحتوي على إهداء المؤلف للكتاب إلى "الشبيبة النبيلة من أبناء مدينة تكليف فخر المدن المسيحية" ثم تقريظ الكتاب من قبل الأستاذ  يوسف غنيمة وزير المالية سابقاً فمقدمة المؤلف ثم كلمة عن المؤلف بعنوان "من روادنا الإعلام: يوسف هرمز جمو" للأستاذ يوسف ناظر، والتي سبق وأن نشرت في مجلة الرواد الصادرة في أميركا بعددها المؤرخ في تشرين الأول من سنة 1985. إضافة إلى ذلك يحتوي الكتاب على مجموعة من صور ورسوم عن شخصيات تلكيف وأهلها وعن ممارسة  تقاليدهم وتراثهم.
فهرسياً، الكتاب مقسم إلى قسمين، الأول يشمل على ستة فصول وهي تاريخ مدينة تلكيف وجغرافيتها، طبيعة أراضيها وآثارها الباقية، أصل المدينة، سكانها وخصائصهم، أخبار رجال تكليف ورؤسائها، أوضاعها الدينية، أشهر كهنتها وأدبائها وأخيراً الزواج والعادات الإجتماعية. أما القسم الثاني فيتضمن أهالي تكليف في الخارج وأسباب تنقلهم وهجرتهم، تاريخ الهجرة وأوضاع المهاجرين، الجالية التلكيفية في بغداد، تلكيف في عهدها الحالي وأخيرا ملحق الكتاب الذي يتحدث عن أهم شخصيات تكليف وهو الرئيس داود سيسي.

يظهر من مواضيع أقسام الكتاب تناول معالم ديموغرافية وجغرافية وأنثروبولوجية مهمة وشيقة قلما نراها في الكتب الأخرى. فالكثير منُا سمع عن تلكيف ولكن القليل يعرف عن أهلها وعاداتها وتراثها ومعالمها الجغرافية والتاريخية والأحداث والحوادت التي مرت عليها، لا بل الكثير من أبناء تلكليف نفسهم لا يعرفون عن مثل هذه المعالم التي تشكل جزء أساسي من وجودهم القومي والتراثي والفكري. صحيح أن الكثير من هذه المعالم والعادات  المختلفة لأهالي تكليف قد تتشارك أو تتشابه مع غيرها من أهالي القرى والقصبات الأخرى المنتشرة في سهل نينوى إلا أنها تبقى لها خصوصية معينة تصل إلى حدود يمكن من خلالها أن نميز التلكيفي عن الألقوشي أو التلسقوفي ..وهكذا. يقول المؤلف في المقدمة " تلكيف مدينة أو بلدة صغيرة في شمال العراق يسكنها الآن (وقت تأليف الكتاب) نحو عشرة آلاف من النفوس. وهي البلدة الوحيدة الباقية من آثار نينوى العظيمة في تلك البقعة. والذين هجروها من سكانها ويعيشون خارج بلدتهم هم أكثر من الذين فيها. وهم منتشرون في مدن العراق وغير العراق لكنهم لا زالوا ينتسبون إلى تلكيف حتى الذين هجروها منذ قرن أو أكثر فهي مسقط رأس آبائهم وأجدادهم وأغلبهم حافظ على لغتهم (سورث) وهي الأرامية الحديثة دخلتها كلمات كثيرة من اللغات العربية والكردية والتركية ولكن أهلها لا يتكلمون إلا بها مع إتقانهم لغات أخرى، وخاصة العربية". ص 7. ولكن الواقع غير ذلك إذ الكثير من أهل تلكيف الذين سكنوا في المدن الكبيرة سواء في العراق أم في المهجر، خاصة الأجيال الجديدة لم تعد تعرف الكثير عن بلدة أباءهم وأجدادهم ولا تتكلم غير العربية أو الأنكليزية، وهي الظاهرة التي أدركها المؤلف نفسه عندما ذكر ذلك في مقدمة الكتاب. واليوم يعتبر أهالي تكليف أقلية صغير في بلدتهم وذلك بسبب كثرة الهجرة إليها والإستقرار فيها من قبل الكثير من الطوائف المسيحية لكونها بلدة قريبة من مدينة الموصل وسهولة الوصول إلى القرى الأخرى المنتشرة في سهل نينوى ولا يضاهيها في هذه الأيام إلا بلدة عنكاوة في كثرة المهاجرين والمستقرين فيها.

وبخصوص أبناء بلدة تكليف والقرى العديدة المنتشرة في سهل نينوى يقول الشماس يوسف "يبلغ عدد الذين ينتسبون إلى بلدة تكليف نفسها نحو 30 ألفاً وليس هؤلاء فقط كل بقايا نينوى أنما هناك قرى عديدة في تلك البقعة أكثر سكانها هم من بقايا الشعب الآشوري.إنما أقتصرت على تاريخ تلكيف في هذا الكتاب لأنها البلدة الوحيدة الخالصة التي تمثل نينوى في بعض التقاليد الموروثة لأهالي تلك المدينة العظيمة... ص 7.
قيل "الكتاب تعرفه من عنوانه". هذا  القول ينطبق بحذافيره على هذا الكتاب والذي من عنوانه يعطي القارئ إشارات واضحة بأن تاريخ تكليف هو جزء من آثار نينوى وحتى الشعوب التي سكنت البلدات الأخرى في سهل نينوى ما هي إلا جزء أو ضواحي من نينوى فالكثير منها لها إمتدادات تاريخية طويلة تصل إلى ما قبل المسيحية، وهذا ما يؤكد الكاتب نفسه. في الفصل الأول من القسم الأول "تاريخ مدينة تلكيف" يقول " في سنة 612 قبل المسيح سقطت نينوى عاصمة مملكة آشور وفي سقوطها تلاشت آخر قوة للشعب الآشوري الذي شيد إمبراطورية عظيمة حكمت العالم المعروف في ذلك الزمن مدة ستة قون. وبعد سقوط نينوى عاصمة الآشوريين قلما يذكر التاريخ عن ذلك الشعب الباسل الذي كانت فرائص الجبابرة في العالم ترتعد فزعا من مجرد ذكر إسمه، او ذكر أسم الجنود الآشوريين. فقد آلت تلك الإمبراطورية إلى الدمار وأصبح مابقى من آشور عبارة عن ولاية أو أمة ضمن الأمم التي حكمتها الإمبراطورية الفارسية، ولم يرد أسم الجنود الآشوريين إلا نادر. وقد ذكرهم هيرودتس في تاريخه عن ذكر الحرب بين الفرس واليونان حينما وصف أبطال آشور الذين حاربوا تحت راية الفرس، بأزيائهم المهيبة وأسلحتهم البديعة وخوذهم الجميل. وما عدا هذا الخبر الذي جاء عرضا في تاريخ المؤرخ اليوناني لم يرد ذكر الآشوريين في سالف الأزمنة. وكان سقوط نينوى أمراً عظيماً لم يحدث مثله في تاريخ العالم فهو عبارة عن إنهيار حصون إمبراطورية معظمة تغير بسقوطها وجه البسيطة وأتجه التاريخ على أثرها إتجاها جديداً... ص 19. وهنا أود أن أشير بالتمام والكمال إلى ما ذكره هيرودتس في كتابه "التاريخ" بخصوص جنود الآشوريين بعد سقوط إمبراطوريتهم بحدود ثلاثة قرون حيث يوصف ملابس الجنود الآشوريين الحربية الذين كانوا من ضمن جيش داريوس الفارسي إذ يقول "ذهب الآشوريون إلى الحرب وهم يضعون خوذة مصنوعة من النحاس لها ضفيرة بأسلوب غريب يصعب وصفه وكانوا يحملون الدروع والرماح والخناجر… أضافة إلى ذلك كانوا لهم هراوات لها رؤوس حديدية ورباط من القطن ... هذا الشعب الذي يلطق عليه الإغريق أسم سريانس Syrians فإن البرابرة  - ويقصد الشعوب غير الإغريقية – يطلق عليه أسم أسريانس Assyrians .." ص 146 من كتاب تاريخ هيرودتس ترجمة العلامة جورج رولنسون – المجلد ، المملكة المتحدة، ط 5 لسنة 1924. ومن الجدير بالذكر إن وصف هيرودتس لجنود الجيش الآشوري يعني بأنه كان هناك دويلات، صغيرة كانت أم كبيرة، متحالفة أو تابعة للأمبراطورية الفارسية تملك جيوش حاربت إلى جانب جيش داريوس ضد الإغريق. وليس هذا فحسب فهناك العشرات من المراجع التاريخية التي تشير إلى الآشوريين بعد سقوط إمبراطورتهم وليس لنا مجالاً لذكرها تجنباً للإطالة والخروج عن موضوعنا الأساسي. 

أما بخصوص أسم المدينة فيقول الشماس يوسف : "المدينة ضاحية من ضواحي نينوى كما سيجئ وأسمها مأخود بعد ذلك من أسم التل الذي اختطت المدينة بجانبه والتل المذكور حصن قديم شيد أيام دولة آشور كباقي الحصون التي كانت تشاد دفاعا عن العاصمة نينوى. وهو إصطناعي كانت جوانبه مرصوفة بحجارة ضخمة فسمي تل كيف أو "تلكيبا". و"كيبا" بالياء الفارسية بمعنى الحجارة كما يقال تل عفر، أي تل التراب، وتل "يمشه" أي تل البحيرة ونحو ذلك – ص20. وفي مكان آخر يؤكد الكاتب بأن تلكيف كانت قلعة من قلاع نينوى فيقول "إذا كانت قرية نمرود وسلامية، كما يقول العلامة لايادر عباة عن محلتين ضمن نينوى... فلا يمكن حسبان نينوى إلا أن تكون تلكيف من مشتملاتها". ص21.

المغزى التاريخي والقومي للكتاب:
الربط التاريخي القومي الذي يربطه الكاتب بين أهل تلكيف والقرى الأخرى المنتشرة في سهل نينوى بالآشوريين القدامى يترك أهمية لها أكثر من مغزى قومي في فهم الوجود القومي لأهالي هذه البلدات العريقة التي لها تاريخ يمتد أبعد من تاريخ المسيحية. وحتى لا ندخل في متاهات التسميات القومية المنتشرة في هذه الإيام والأصول الثقافية والتراثية والإختلاقات الشكلية والسياسية بين أهالي هذه المناطق، وحتى نكون أكثر منطقيين وموضوعيين فإننا يجب أن نعالج هذا الموضوع مجردين من كل التوجهات والإنتماءات السياسية لهذه الفئة أو تلك. كما يجب أن نعالج موضوع من خلال إستنتاج المغزى القومي والسياسي لهذا الكتاب منطلقين من ظروف المرحلة التي عاش فيها الكاتب وليس من ظروف مرحلتنا الحالية، ويمكن إستخلاص المغزى القومي والسياسي لهذا الكتاب بما يلي:

1.   الكتاب صدر عام 1937، وهي الفترة التي كانت المسألة الآشورية، خاصة بعد مذبحة سميل في آب 1933 قد طغت على السطح السياسي العراقي وتركت إنطباعات ونتائج سلبية جداً على الآشوريين وتحديداً على أتباع كنيسة المشرق المعروفة حينذاك بـ "النسطورية" خاصة بعد نفي بطريرك كنيسة المشرق، المثلث الرحمات مار شمعون إيشاي من قبل السلطات العراقية إلى خارج العراق وتجريده من الجنسية العراقية والذي أرتبطت الحركة القومية الآشورية في تلك الفترة بأسمه. ففي تلك الفترة ساد هلع بين معظم الطوائف المسيحية من التدخل في المسائل السياسية أو المطالبة بحقوق قومية أو سياسية خوفاً من النتائج المدمرة التي قد تصيبهم من جراء هذه المطالبة كما أصابت الآشوريين من أبناء طائفة كنيسة المشرق. فالبرقيات والرسائل التي كانت تنهال على الحكومة العراقية حينذاك إستنكاراً بالحركة القومية الآشورية والمطالب القومية التي طالبوا بها وتأييداً للحكومة في قمع حركة الآشوريين لم تكن صادرة  فقط من غير أبناء طائفة المشرق بل أيضا من بعض أساقفة هذه الطائفة ورؤساء عشائرها. فالموضوع الذي كان يثير غضب وهيجات السلطات العراقية حينذاك ومؤرخيها وكتابها هو الربط التاريخي القومي الذي كان يربطه الآشوريون الثائرون حينذاك بالآشوريين القدامى وبالدولة الآشورية القديمة. في حين نرى عظمة وشجاعة الشماس يوسف جمو تتجاوز هذا الخوف من دون أي تردد أو مجاملة إلى حدود أبعد عندما ربط أصل أهل تكليف والقرى المسيحية الأخرى المنتشرة في سهل نينوى بالآشوريين القدامي. ولا نشك إطلاقاً بأن الشماس يوسف جمو، وهو ناشطاً سياسياً وعلماً من أعلام الثقافة والصحافة، في كونه ملماً بالحياة الساسية حينذاك وبكل مجريات الأمور التي كانت تعصف بالعراق ومنها المسألة الآشورية التي كانت قد طغت على سطح الساحة السياسية العراقية وأنه كان مدركاً كل الإدراك بما كان يكتبه ويؤمن به.  كل هذا يعكس مدى "ثورية" هذا الكاتب وعدم خشيته من إستبداد السلطات حينذاك. وهي شجاعة لا يضاهيه فيها إلا المفكر والكاتب يوسف ماليك والذي كان هو أيضا من أبناء تلكيف الذي كتب وعمل الكثير في هذا المجال ومنها كتابه المشهور "خيانة بريطانيا للآشوريين".
2.    كما سبق وأن ذكرنا في أعلاه بأن الكتاب أعيد نشره في عام 1993 من قبل أبناء المؤلف الطيبوا الذكر في مدينة ميشكين في الولايات المتحدة والتي تجمع أكبر جالية في المهجر من تكليف والقرى الكلدانية الأخرى. قد يكون لإعادة نشر الكتاب مغزى شخصي نابع من إعتزاز الأبناء بمنجزات وشجاعة والمكانة السامية للأب في المجتمع وهو حق مشروع لكل إنسان. كذلك قد يكون الحنين إلى بلدة الأباء والأجداد حافز آخر على إعادة نشر الكتاب وتعميم تراث تلكيف وتاريخها وثقافتها بين أبناء أمتنا. فالإنسان بطبيعته يحن إلى مسقط رأسه ويستمتع في إسترجاع ذكراته فيه. ولكن من جانب آخر نرى بأن اعادة نشر الكتاب يأتي في مرحلة يتصاعد فيها الوعي الكلداني القومي والدعوة إلى النهضة الكلدانية القومية بعيداً عن الطائفية والكنيسة قائمة على إستقلال قومي للكلدانية لها خصائصها القومية المتميزة. لا بل والأكثر من هذا ففي السنوات القليلة الماضية نشأت أحزاب سياسية وتجماعات كلدانية تطالب بحقوق سياسية وقومية خاصة بالكلدان وترفض أن تشارك سواء في التسمية المركبة "الكلدان السريان الآشوريين" لأمتنا أو في الحقوق القومية أوفي الإقرار الرسمي للتسمية المركبة من قبل برلمان إقليم كردستان العراق وتعتمد على تاريخ الكلدانيين القدماء ووجودهم الحضاري كأساس لدعواتهم القومية المستقلة عن الآشورية والسريانية. إن مثل هذه الدعوات حق مشروع لكل إنسان وأن يسمي نفسه بما يشاء ويسند وجوده القومي إلى حضارة أو شعب معين فلا حق لأحد أن ينكره أو ينفيه ولكن بالمقابل يجب أن تكون هذه الدعوات قائمة على موضوعية وعلى أسس تاريخية وواقعية. فكتاب الشماس يوسف جمو يقوم على مثل هذه الحقائق التاريخية والواقعية التي تثبت إنتماء أبناء تكليف والقرى المسيحية الأخرى في سهل نينوى إلى الحضارة الآشورية. فالحقيقة الموضوعية التي لا تقبل الشك والجدال هي أن تكليف وبقية بلدات سهل نينوى كانت جزء ومكون أساسي للدولة الآشورية وكان أبناؤها يشكلون جزء من شعب هذه الدولة منذ تلك الأيام ولا يزال يشكلون جزء أساسي من المكون الجغرافي والديموغرافي لبلاد آشور. قد نختلف حول تسمية لغتنا فيما إذا كانت أرامية أم آشورية أم كلدانية أم سريانية ولكن لا يمكن لأحد إطلاقاً أن يقول بأن تلكيف تقع في وسط أو جنوب العراق بينما هي تقع في قلب مدينة نينوى، والحال نفسه مع بقية بلدات سهل نينوى التي يقطها غالبية كلدانية منذ أقدم الأزمنة. ففيضان نهر دجلة وروافده وتدمير نينوى وغزوها من قبل الغرباء كل هذا لم يغير من حقيقة وجود هذه البلدات في قلب آشور منذ أقدم الأزمنة ولحد هذا اليوم. هذه الحقيقة الموضوعية التاريخية هي التي تجعلنا أن نقول بأن أهل تكليف وبقية البلدات هم آشوريون أكثر من أهل حكاري وأرومي وطور عبدين لأن هناك عامل موضوعي صلد يقوم على الجغرافيا ويقع في قلب آشور وليس في الحواشي يؤكد هذه الحقيقة خاصة عندما تقر هذه الحقيقة من قبل شخص يعتبر من أبرز كتاب الكلدان الذي له صولات وجولات في مجال السياسة والثقافة والتاريخ. فالجغرافيا أصبحت اليوم كما كانت في السابق عاملاً مهماً في تحديد هوية شعب ما رغم تشابه بقية العوامل الفكرية والذاتية كاللغة والعادات مع شعب أو شعوب أخرى. فالمكسيكي يثور غضباً عندما يوصف بأنه إسباني اللغة والعادات والإنتماء بل هو مكسيكي من المكسيك وهكذا الحال مع الأرجنتين وبقية دول أميركا اللاتينية. والحال نوع ما يشبه حال العرب، فبالرغم من وحدة اللغة والدين والتقاليد والتاريخ إلا إن الأرض والأدق الحدود الجغرافية الإقليمية تجعل من العراقي مختلف في تطلعاته السياسية القومية عن المغربي وهكذا مع بقية الأقطار العربية تبقى هذه االحدود الإقليمة الصلدة عامل إساسي في عدم التوحد السياسي القومي. ولو حاولنا إستقراء تاريخ الإمبراطوريتن الآشورية والكلدانية نرى بأن الجغرافيا لم يكن له أثراً في عقلية ملوكهم بل كانوا عالميوا النظرة لأراضي إمبراطوريتهم وكانت سياسة ترحيل الشعوب ونقلهم من أوطانهم تطبيقاً لهذه العقلية. واليوم يظهر بأن أصحاب دعوة النهضة الكلدانية قد ورثوا عن أجدادهم هذه الخصلة في عدم إعطاء أية أهمية للجغرافيا في تحديد هوية الشعوب خاصة عندما تكون الجغرافيا مرتبطة بتواجد يمتد من أعماق التاريخ إلى يومنا هذا وببقية المقومات الفكرية والذاتية لوجودهم القومي. من هذا المنطلق نقول بأنه حتى تكون الدعوات الكلدانية القومية دعوات منطقية وموضوعية يجب أن تنطلق من الموضوع والمنطق في فهم الواقع والجغرافيا والتاريخ لكي تكتسب مشروعية مقبولة من غالبية الكلدان وغيرهم. إن أقرار الشماس يوسف جمو في كون تكليف والبلدات الأخرى  في سهل نينوى وأهاليها جزء من الدولة الآشورية وشعبها لم يغير من شيء في أن بقى هو كلدانياً ومن أبرز مثقفيها وسياسييها في تلك الفترة لا بل وأن ينجب أبناء يعتبرون في هذا اليوم من الشخصيات الكلدانية البارزة في مجتمعنا.

أن التنوع الحضاري والفكري هو إغناء فكرياً وقومياً وسياسياً للأمة إذا نظرنا إليه بنظرة منفتحة وحضارية وتبقى التنظيمات التي تمثلها أكثر تقدماً وإزدهاراً. والعكس صحيح أيضا فإذا نظرنا إلى هذا التنوع بنظرة ضيقة مغلقة فهو إفقار فكري وقومي وسياسي للأمة وتبقى التنظيمات التي تمثلها أكثر إنغلاقاً وتأخراً. فالواقع القومي السياسي لأمتنا يؤكد هذه الحقيقة. فالإنتخابات في العراق سواء في أقليم كردستان أم في عموم العراق معيار بسيط في هذا السياق. فالتنظيمات التي أستمدت وجودها من التنوع الحضاري الكلداني السرياني الآشوري هي أكثر شعبية وإنتشاراً وأكثر إستجابة لعقلية وطموحات أبناء شعبنا من التنظيمات المنغلقة على الآشورية أو الكلدانية التي حشرت نفسها في زاوية ضيقة تحد من حركتها وتعجز عن الإنتشار والتقدم وبالتالي تبقى تراوغ في مكانها وتنشط على الأوراق والمواقع الألكترونية عاجزة عن تمتلك مقومات الحركة على الواقع العملي.
هناك مثل يقول "الصانع المهمل يلقي باللائمة على أداوته" واللبيب يكفيه إشارة أو كلمة لا مثل أو بيت قصيدة أو خطاب طويل لفهم الحقيقة.   

98

الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين ... نعمة أم نقمة ؟؟؟

                                                                                                                أبرم شبيرا
أسئلة معقولة في زمن غير معقول:
بعد أن فقد المسيحيون في العراق الأمن والسلام والإستقرار، وبعد أن عجزت الحكومة العراقية وأي جهة أخرى من توفير الحماية اللازمة والضامنة لإستمرار حياتهم في العراق بشكل طبيعي تطرح  اليوم أسئلة تصبح في الزمن غير المعقول أسئلة معقولة  لا بل مقبولة أيضاً. هذا الزمن غير المعقول الذي يصبح فيه أبن الوطن الأصيل غريباً ومنبوذاً... هذا الزمن غير المعقول الذي جعل من أغنى بلد بالبترول في العالم أن يقف أبناؤه ساعات طوال وفي طوابير طويل من أجل الحصول على بضعة ليترات من البترول ... هذا الزمن غير المعقول الذي يجعل أبناء البلد ذو النهرين العظيمين عطاشا، هذا الزمن الذي جعل من أبناءه ألأصلاء محشورين في معضلة الخيار بين شرين أحلاهم مًر ... هذا الزمن الذي دفعنا أن نبحث في موضوع الحماية الدولية للمسيحيين العراقين ونتساءل فيما إذا سيكون ذلك نعمة عليهم تسترد أمنهم وسلامتهم في وطنهم الأم أم سيثير ذلك هيجان وغضب الحكومة العراقية والقوى السياسية الأخرى ويزيد الإرهابيون إرهاباً وقتلاً بالمسيحيين في العراق؟ أسئلة وأسئلة فرض عليها الظرف الحالي أن تطرح وتناقش.

معضلة  المسيحيين العراقيين:
المعظلة، وبالإنكليزية (Dilemma) تعني إكراه الشخص على إختيار واحد من خيارين وكلاهما صعب وفي غير مصلحته، أو كما يقال أحلاهم مُر. فمعضلة المسيحيين العراقيين في هذه الأيام هي إنجبارهم على مواجه خيارين لا يكفي أن نصف أي منهما بالصعب بل بالمهلك. فأمامهم أما خيار البقاء على أرض الوطن وتحمل الإرهاب ونتائجه المدمرة أو الهجرة إلى المجهول. يقال بأن ما يدفع المرء إلى المُر هو الأمرً منه. تفيد الإحصائيات الدولية بأن نسبة المسيحيين في العراق لا تزيد عن أربعة بالمائة ولكن نسبة المهجرين منهم، داخليا وخارجياً، مقارنة ببقية العراقيين تزيد عن أربعين بالمائة (المصدر: نشرة أخبار بي بي سي البريطانية ليوم 07.01.2011) مما يعني إن إختيار المسيحيين لخيار الهجرة رغم مرارته، خاصة في الظروف الحالية الصعبة، هو أقل مرارة من مواجهة نتائج الإرهاب المدمرة والفانية للحياة، فحال المقتلعين والمطرودين من بيوتهم في المناطق الجنوبية والوسطى والإحتماء في المنطقة الشمالية، كما وإن المهجرين إلى تركيا وسوريا والأردن والدول الغربية كلها حقائق واقعية تثبت ما ذهبنا إليه. من هنا يمكن القول بأن إختيار مسلك الهجرة وفي ظل الظروف المأساوية التي تسحق المسيحيين في العراق سحقاً يصبح أمراً غير مستغرباً في ظل غياب الأمن والسلام والإستقرار. فالعيش بأمن وسلام هما من سًنة حياة الإنسان، وهي السًنة التي تدفع بالإنسان للبحث واللجوء إلى أي مكان من العالم يوفر له عناصر البقاء والعيش. لذا يمكن القول بأن المكان الذي يستطيع أن يوفر الأمن والسلام للإنسان يصبح هو الوطن بالنسبة له. أما المكان أو الوطن الذي لا يستطيع أن يوفر لأبناءه مثل هذه العناصر في العيش فأن مسألة الإنتماء إلى أرض الأباء والأجداد تتراخى تدريجياً وبمرور الزمن تفقد أهميتها في المهجر وتتحول إلى الرومانسية في الشعر والأدب والموسقى بعيداً عن الواقعية.
ولكن على الجانب الآخر نرى بأنه لا توجد أية جهة سواء أكانت عراقية حكومية أم مدنية ، مسيحية أم غير مسيحية، دولية أم إقليمية تؤيد هجرة المسيحيين من العراق بشكل علني وفصيح، رغم وجود مؤمرات وخطط إرهابية تسعى إلى تفريغ العراق من المسحيين سواء قتلاً أو تهجيراً لغرض إقامة دولة الإسلام، مثلما كان يفعل العثمانيون بالمسيحيين قبيل الحرب الكونية الأولى وأثناءها. من هنا نقول طالما الحكومة العراقية لا تستطيع توفير الحماية اللازمة للمسيحيين من جهة وترفض هجرتهم إلى أماكن أكثر أمناً وإستقراراً من جهة أخرى، إذن موضوع الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين أو تدويل قضيتهم تصبح مسألة مشروعة للطرح والمناقشة.     

دعوات الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين:

أكتسب موضوع الحماية الدولية أو الأجنبية للأقليات في بلدان الشرق الأوسط وتحديداً المسيحيين منهم سمعة  تاريخية سيئة للغاية وذلك بسبب إستغلال هذا الموضوع من قبل الدول الكبرى كحجة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ولإغراض تحقيق مصالحهم الخاصة ومطامعهم الإستعمارية. فقبيل الحرب الكونية الأولى أستغلت بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية هذا الموضوع كمعبر للتدخل في شؤون الدول العثمانية حتى تمكنوا من تفتيتها وتحقيق مطامعهم الإستعمارية من دون أن يتحقق للأقليات المسيحية من أتباع هذه الإمبراطورية شيء يضمن لهم أمنهم وإستقلاهم، بإستثناء قليل في لبنان. ويعتبر إستغلال بريطانيا للمسألة الآشورية في العراقية بعد الحرب العالمية الأولى نموذجاً واضحاً في هذا السياق، فأرشيف دائرة الوثائق العامة البريطانية في لندن زاخر بوثائق ومراسلات وتصريحات تخص موضوع حماية الآشوريين المسيحيين وضمان حقوقهم وتحقيق مطالبهم غير أنهم لم يحصلوا من كل هذه الضمانات الكاذبة في حمايتهم إلا مزيدا من المأساة والمعاناة.
 
أفرزت الظروف المأساوية منذ نهاية الحرب الكوية الأولى التي مر بها المسيحيون في العراق دعوات  لحمايتهم دولياً وطرحت عدة مشاريع لإسكانهم في مناطق محددة وخاصة بهم كوسيلة لتخليصهم من الظلم والإستبداد وسؤ المعاملة التي فرضت عليهم سواء من الحكومات المتعاقبة على السلطة في العراق أم من قبل القوى التي تحكمت على مقدرات العراق السياسية وكانت في البداية تتركز هذه الحماية أو المشاريع على قسم من المسيحيين العراقيين وهم الآشوريون من أبتاع كنيسة المشرق، حيث طرحت عدة مشاريع دولية لإسكانهم في مناطق من شمال العراق وكانت عصبة الأمم قد تبنت في حينها مسألة تسوية القضية الآشورية وتمويلها غير أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل بعد أن ضربت بريطانيا بجميع وعودها عرض الحائط. وبعد الحرب العالمية الثانية طرح أيضا مشروع دولي لإسكان الآشوريين في مناطق أخرى من العالم وبرعاية الأمم المتحدة وكانت البرازيل أحدى هذه الدول غير أن المشروع رفضه الآشوريون رفضاً قاطعاً وخاصة زعيمهم القومي والروحي المثلث الرحمات مار شمعون الثالث عشر بطريرك كنيسة المشرق حينذاك حيث قال كلمته الرافضة المشهورة " لقد قاتل شعبي وقدم الكثير من التضحيات وعانى اقسى معاناة من أجل تربة وطنه وليس من أجل الهجرة إلى مناطق أخرى".

بعد إستقرار نسبي دام حتى بداية العقد الأخير من القرن الماضي، عادت الظروف المأساوية  والمتوترة لتدفع بالمسيحيين العراقيين إلى أوضاع أعيدت مرة أخرى طرح أفكار ودعوات الحماية الدولية للمسحيين العراقيين. وقبل ختام العقد الأخير من القرن الماضي، وأثناء إنتهاء أعمال المؤتمر الثاني للجبهة السريانية الثقافية الذي أنعقد في بيروت في  شهر مايس من عام  1998 صدر بيان ختامي يدعو إلى تخصيص منطقة خاصة بالمسيحيين في شمال العراق وتوفير الحماية الدولية لهم سواء من دول الحلفاء التي طردت نظام صدام من الكويت أو من قبل الأمم المتحدة أسوة بالحماية الدولية التي وفرت للكورد في عام 1992 وأصبحت منطقتهم خارج نطاق حكم بغداد. وكانت هذه الدعوة كرد فعل للإعتداءات والإغتيالات التي كان يتعرض لها الآشوريون المسيحيون في شمال العراق على يد بعض العناصر الكوردية المتطرفة. غير أن مثل هذه الدعوة لقيت أيضا إستهجاناً ورفضاً أوتحفظأ وذلك إما بسبب عدم واقعية مثل هذا الطرح من جهة أو بسب الخوف والخشية من قيام نظام البعث في بغداد بردود فعل عنيفة ضد المسيحيين وتشديد الخناق عليهم.
واليوم وفي ظل الظروف المأساوية التي يعانيها المسيحيون في العراق، خاصة بعد مجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد وما أعقبلها من هجموم على بيوت المسيحيين وقتل أعداد منهم، تطرح بعض دعوات الحماية الدولية للمسيحيين العراقين من جهات غير رسمية يشوبها نوع من الخشية والخجل ولكن أكثر هذه الدعوات صراحة ووضوحاً كانت الرسالة المشتركة التي وجهتها كل من أيطاليا وفرنسا وبولندا والمجر بتاريخ 08.01.2011 إلى السيدة كاثرين أشتون الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية في الإتحاد الأوروبي تطالب فيها بإدراج مسألة إضطهاد المسيحيين في الشرق الأوسط في جدول أعمال قمة مجلس وزراء الإتحاد الأوروبي المزمع عقده في نهاية الشهر الجاري، مؤكدين بأن الإتحاد الأوربي لا يمكن أن يبقى غير مبال بما حدث في الأشهر القليلة الماضية وإن إجراءات ملموسة يجب أن تتخذ بشأن حماية المسيحيين في العراق ومصر. لا بل كان وزير الخارجية الإيطالي أكثر وضوحاً عندما ذكر بأنه يجب عدم مساعدة الدول التي لا تستطيع حماية مواطنيها من المسيحيين.  ثم جاءت دعوة بابا الفاتيكان بضرورة حماية المسيحيين في الشرق الأوسط والتي أثارت غضب وهيجان جهات عربية عديدة منها مصر التي أستدعت سفيرها في الفاتيكان للحضور إلى مصر إحتجاجاً على تصريحات البابا. وكانت دعوة السيد وليام وردا رئيس منظمة حمورابي لحقوق الإنسان في العراق آخر هذه الدعوات وأكثر صراحة حين طالب في مقابلة مع جريددة إيلاف الألكترونية (ألإثنين 10.01.2011) حماية الأمم المتحدة للمسيحيين في العراق.

عجز الحكومات ورد الفعل تجاه الحماية الدولية:
لا شك فيه بأنه بسبب الخلفية التاريخية السيئة لدعوات أو مشاريع الحماية الدولية للأقليات المسيحية في الشرق الأوسط، تركت إنطباعاً سيئاً وردود سلبية غاضبة تجاه هذه الدعوات والمشاريع سواء من جهات حكومية رسمية أو قوى سياسية أخرى. وجميع هذه الردود الرافضة للحماية الدولية للمسيحيين تستند على أنه تدخل في الشؤون الداخلية وإنتهاك لسيادة الدولة وإعتبار حماية أمن وسلامة مواطنيها من المسيحيين شأناً داخلياً وليس دولياً. ولو حاولنا معرفة الدوافع الحقيقية النفسية والسياسية في رفض الحماية الدولية للمسيحيين من قبل رجال الحكم في الدول العربية الإسلامية التي يضطهد فيها المسيحيين نرى بأنها نابعة من الحساسية المفرطة في موضوع السيادة والمبالغة إلى درجة إنتهاك أبسط حقوق الإنسان من جهة، ومن الترسبات الماضية المتعلقة سواء بمفهوم الإستعمار أو الإحتلال الأجنبي من جهة ثانية، أو تأتي كغطاء لتغطية عجز هذه الحكومات في حماية المسيحيين في أوطانهم من جهة ثالثة وإستظهار كأنها فعلاً قادرة على حماية جميع مواطنيها من دون الحاجة إلى حماية خارجية والتي تعتبرها إهانة سياسية تحط من هيبة وكبرياء الحكومة في قدرتها على القيام بأهم واجباتها وهي حماية مواطنيها. فلو أخذنا العراق نرى بأن حكومتها هي نفسها غير قادرة على حماية نفسها وموظفيها فكيف والحال مع حماية المواطنين العادين وخاصة الطرف المختلف الآخر، ففاقد الشيء لا يعطيه، كما يقول المثل. فكيف توفر الحكومة الحماية للمسيحيين الذين لا حول لهم ولا قوة في الوقت الذي لا تسطيع الحكومة وأعضاءها العيش بحياة طبيعية من غير أن يكونو محاطين بأسوار بشرية تحميهم من نيران الإرهابين والتي هي أيضا غير مجدية في كثير من الأحيان. كما إن عقدة التدخل الخارجي في الشأن الداخلي مرتبطة بعقلية معظم الماسكين على زمام الحكم في العراق وتتحكم في سلوكهم بشكل سلبي لأنهم جمعيهم لم يتمكنوا من إزاحة النظام الدكتاتوري البعثي في العراق الذي فتك بهم وبالشعب العراقي طيلة أكثر من ثلاثة عقود إلا بالتدخل الأمريكي وإسقاط الصنم ومن ثم تربعهم على الحكم في العراق بفعل الدبابات الأمريكية. فهؤلاء يدركون كل الإدراك قابلية التدخل الإجنبي وإحداث التغيير، فخوفاً على أن ينقلب السحر على الساحر فأنهم يرفضون التدخل الأجنبي في مسألة حماية المسيحيين. والحالة في غير العراق من الدول العربية التي يعاني المسيحيون فيها الإضطهاد والتفرقة لا تختلف من حيث الجوهر حيث بقاءهم في السلطة مرتبط بشكل أو بآخر بمدى تناغهما وتناسقها مع مصالح الدول الكبرى. وأكثر وضوحاً لمدى خوف التدخل الخارجي في حماية المسيحيين يتجلى في تصريح ناطق بأسم وزارة الخارجية المصرية السيد حسام زكي في السابع من هذا الشهر على أثر أعلان بعض وزراء المجموعة الأوروبية ضرورة بحث موضوع حماية المسيحيين في المجلس الوزاري للإتحاد الأوروبي، إذ يقول زكي "أن مصر ترفض مثل هذه الدعاوي شكلاً وموضوعاً وأن مصر ستتصدى لها بكل قوة لأنها تزيد الفتنة وتوسعها وتؤججها" وإن مصر أقترحت على الجامعة العربية أن تناقش القمة العربية الإقتصادية في شرم الشيخ دعوات لتدويل أوضاع المسيحيين "العرب" بعد الإعتداءات عليهم في العراق ومصر. والأنكى من كل هذا يأتي تصريح السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية أثناء زيارته للعراق وتحديداً لكنيسة سيدة النجاة في بغداد بأن الجامعة العربية سوف تقوم بـ "الواجب" تجاه حماية المسحيين من دون أن يبين كيفية القيام بهذا الواجب والجميع يعرف بأن الجامعة العربية هي أضعف منظمة أقليمية في العالم. ومن المحتمل أن يناقش موضوع حماية المسيحيين في مؤتمر القمة العربية في بغداد المزمع عقده في شهر آذار القادم من هذا العام.
أما بالنسبة للحكومة العراقية و "مشاريعها" في حماية المسيحيين فهي لا تتجاوز حدود الكلام والتصريحات وردود فعل للمجازر التي أرتكبت بحقهم. صحيح أن هذه المجازر تعتبر كارثة ومصدر للهلع والخوف لكن مثل هذه التصريحات الفارغة والمعالجات العقيمة والأساليب "الدونكوشية" في تناولها للحيلولة دون وقوعها والإستقراء الخاطئ لأسبابها والطروحات الإستهلاكية في معالجتها هي الأكثر هلعاً وخوفاً لأنها بالتأكيد لا تضع اليد على الجرح بل سوف تزيده نزفاً وتدميراً. وطروحات تشكيل مجلس حماية المسيحيين وربطه برئاسة الجمهورية في العراق نموذجاً حديثاً لمعالجة عقيمة ومبتورة في هذا السياق. فمهما قيل عن تكريم رئيس جمهورية مصر السيد حسني مبارك للدكتور المبدع  السير مجدي يعقوب، القبطي المسيحي أرقى وسام مصري في كونه تكريماً وتقدير للكفاءة العالية والخدمة الممتازة التي قدمها لمرضى القلب في العالم فإن هذا التكريم يأتي في وقت ليظهر كمعالجة باهتة وخادعة للإنقسام الحاد في المجتمع المصري وللعمليات الأرهابية التي تطال الأقباط في مصر.
 
 جميع الحكومات المعنية ترفض لا بل تستكر الحماية الدولية للمسيحيين وتدويل قضيتهم في العراق ومصر مؤكدة بأنها سوف تخلق رد فعل وبالتالي ستزيد من إرهاب الأرهابين ضد المسيحيين. هذا الإدعاء لم يتأكد أو يثبت بعد ولم ينفذ لحد هذا اليوم أي مشروع في الحماية الدولية للمسيحيين لكي نجزم تزايد الأرهاب ضد المسيحيين، لكن من المؤكد والواضح بأن معظم تصريحات رجال الحكم في القضاء على الأرهاب وحماية المسيحيين هي التي أفرزت ردود فعل قوية لدى الإرهابين وزادوا من أرهابهم إرهاباً ضد المسحيين ولم يقل أو يتوقف عند حدود هذه التصريحات التي هي معروفة  لدى الإرهابين بأنها "كلام فارغ" أكثر مما هي معروفة لدى المواطن العراقي العادي. فالعمليات الإجرامية التي أرتكبها الإرهابيون بحق المسيحيين بعد مجزرة كنيسة سيدة النجاة في بغداد وحادث القطار في مصر بعد مجزرة كنيسة القديسين يثبتا ذلك، ودلائل الوضع القائم تشير بأن العمليات الإرهابية ضد المسيحيين ستزيد عنفاً وقوة رغم كثرة تصريحات وإجراءات الحكومة العراقية فيما يخص حماية المسيحيين طالما الحكومة تتنصل عن المعالجات الجذرية للمسألة وقلعها من جذورها. 

نوعية الحماية الدولية للمسيحيين ومسؤولية الحكومات:

 يتخوف الكثير من طرح أو قبول موضوع الحماية الدولية للمسيحيين بسبب تصورهم بأن مثل هذه الحماية ستكون عن طريق التدخل العسكري للقضاء على الإرهاب وفرض القوانين والإجراءات الخاصة في حماية المسيحيين. هذا الأسلوب الكولنيالي لم يعد له مكان في عالم اليوم، العالم الذي أصبح قرية صغيرة بفعل الثورة التقنية في وسائل الإتصالات والإعلام والتأثير متجاوزة كل الحدود السيادية التقليدية، العالم الذي أصبحت الدول فيه ملزمة لا محال منها بلعبة "العولمة" وقوانينها وبعكسه تصبح خارج اللعبة معزولة ومقيدة بجملة من التشريعات الدولية المتجاوزة للقوانين المحلية. فقبل كل شيء فأن الأسلوب الكولينيالي مرتبط بظاهرة الإستعمار التقليدي والذي لم يعد له وجود في عالم اليوم. كما أن مثل هذا الأسلوب الذي يتطلب التدخل العسكري مرتبط أساساٌ بجملة عوامل جغرافية وديموغرافية. فتمركز الكورد وبكثافة في المنطقة الشمالية سهل أمر حمايتهم دولياً حتى أمنت لهم الحكم الذاتي وبصلاحيات واسعة. في حين نرى بأن مثل هذه العوامل لا تتوفر في وضع المسيحيين العراقيين، فهم منتشرين في مختلف أرجاء العراق وغير متمركزين بكثافة في منطقة معينة يستوجب حمايتها. لذلك فإن موضوع الحماية الدولية بهذا الأسلوب مستبعد نهائياً في المرحلة الحالية مالم يكونوا ديموغرافيا متواجدين في منطقة معينة توفر لهم أولاً الحماية الذاتية وثانياً الحماية الدولية في حالة عجز الحكومة عن توفير مثل هذه الحماية، من هنا تأتي الأهمية المصيرية للمسيحيين في أن يكون لهم منطقة حكم ذاتي وإلا فمصيرهم سيتقرر بالخيارين المهلكين، أما مواجهة الموت على يد الإرهاب أم الهجرة نحو المجهول. 

الحقائق المنطقية أثبت بأن عملية القضاء على الإرهابين بشكل نهائي ومن خلال المواجهة العسكرية المباشرة أمر صعب ما لم يعالج الإرهاب والقضاء عليه من جذوره الذي نشأ منها. فالتصدي للمشاكل والتعقيدات الدينية والفكرية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية ومعالجتها أمر أساسي وأولي في القضاء على الإرهاب أو حصره في حدود ضيقة، وهي من المسؤوليات الإساسية والجوهرية للحكومة. فهناك خيط رفيع يوصل بين، على سبيل المثال لا الحصر، قرار منع بيع الخمور وغلق النوادي الإجتماعية في بغداد وبين مجزرة كنيسة سيدة النجاة والتي جميعها تصب في هدف أسلمة الدولة العراقية. فكيف تستيطع الحكومة العراقية من مكافحة الأرهاب في الوقت الذي هي تهيأ الأجواء لنشؤ وإستمرار هذا الأرهاب الذي له جذور وفروع تكمن في مثل هذا القرار وغيره. فالإرهاب يبدأ من الفكر والقرار وينتهي بالفعل الإجرامي في القتل والتنكيل. من هنا نقول، بأن الحكومة العراقية إن لم تكن قاصدة ومساهمة بشكل أو بآخر في هذا الإرهاب فهي جاهلة في فهم الواقع وفي أسلوب تحمل مسؤولياتها الإساسية في حماية مواطنيها وتحديدا المسيحيين منهم. فهذا القصد أو الجهل ليس بسبب لهث المسؤولين في الحكومة المستمر والمتواصل وراء مصالحهم الطائفية وتكريس كل إمكانيات الحكومة وأجهزتها في حماية هذه المصالح بحيث لم يعد لها وقت وإمكانيات كافية توفرها لحماية مصالح المواطن والوطن بشكل عام، بل أيضاً بسبب إفتقار معظم أعضاء الحكومة العراقية والمتولين لأمور السلطة الرسمية وغير الرسمية إلى خبرات وتجارب سياسية في الحكم والتعامل مع الآخر المختلف، والمختلف بنظر وعقيدة الإسلامي المتطرف، وما أكثرهم في الحكم، لا يعني إلا "الكافر" الذي لا يستوجب العيش والإختلاط معه في دولة الإسلام. من هنا نقول، لو تملكت الحكومة العراقية إمكانيات فكرية منفتحة ومناهج سياسية متمدنة في حل المشاكل التي يعاني منها الشعب العراقي لأمكنت البدء في عملية القضاء على الإرهاب بشكل جدي ومنطقي. أليس الفعل الإجرامي بحق جمعية آشور بانيبال الثقافية في بغداد الذي أرتكبته الأجهزة الأمنية وبمباركة محافظ بغداد شكل من أشكال الإرهاب ويصب في نفس خانة مجزة كنيسة سيدة النجاة؟ فهذه المجزرة ما هي إلا قمة جبل الثلج في الفعل الإجرامي قائم على عدد هائل من القرارات والسلوكيات المتطرفة المتعفة في عقول رجال الحكم والسياسة في العراق.
من هنا نقول وبصريح العبارة بأن التدخل الدولي لحماية المسيحيين يصبح في مثل هذه الظروف أمرُ لا بد منه لتصحيح الأوضاع في العراق وتثبيت حق المسيحيين في البقاء في الوطن والقيام بواجباتهم وممارسة حقوقهم بشكل طبيعي. وعلى القابضين على السلطة في العراق أن يطمئنوا بأن شكل التدخل لن يكون بالتدخل العسكري لإزاحتهم من السلطة بل المطلوب من الدول التي تدعي بالديمقراطية وتدافع عن حقوق الإنسان أن تلجاً إلى الوسائل الأخرى في الحماية من إقتصادية وقانونية ودبلوماسية للتأثير على رجال الحكم في العراق بقصد تغيير سلوكهم الإرهابي حتى يتمكنوا من القضاء على الإرهاب الإجرامي. أي بعبارة أخرى ما لم يزاح  الفكر الإرهابي من عقلية رجال الحكم في العراق لا يمكن أن يقضى على العمل الإرهابي. وأولى هذه الوسائل القانونية في الحماية هو الفرض والضغط على الحكومة العراقية للإلتزام بالتشريعات والمعاهدات الدولية الخاصة بحماية الأقليات القومية والدينية والتي كان العراق ولا يزال طرفاً فيها. وأهمها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1977 الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة والذي فرض فيه على الدول التي توجد فيها أقليات إلتزامات بضرورة حماية حقوقها القومية والدينية. وفي عام 1976 دخل هذا العهد حيز التنفيذ وأصبحت له قوة القانون حين صادقت عليه 87 دولة حتى عام 1987 ومنها العراق. وبالنظر لتزايد إنتهاكات حقوق الأقليات في الكثير من البلدان قبل نهاية القرن الماضي وحرصاً من المجتمع الدولي في توفير الغطاء القانوني لحماية الأقليات القومية والدينية أصدرت الأمم المتحدة في نهاية عام 1992 أعلانها المشهور بهذا الصدد والمعروف بـ "إعلان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية وإلى أقليات دينية ولغوية" الذي أقر حق الأقليات بتمتع بكافة حقوقها القومية والدينية، لا بل فأن هذا الإعلان ألزم الدول المعنية على تعديل قوانينها بما تضمن هذه الحقوق. ولكن أين الحكومة العراقية من مثل هذه التشريعات الحضارية الإنسانية في الوقت الذي تمارس سياسات وسلوكيات كلها تصب في خانة الأرهاب وتحقق هدف الإرهابين في تفريغ العراق من المسيحيين.

  إذا كانت مثل هذه التشريعات ذات مغزى أخلاقي ولا يلتزم بها إلا الذين لهم إخلاقيات ديمقراطية، والحكومة العراقية بعيد كل البعد عن مثل هذه الأخلاقيات فأن الأمر يستوجب اللجوء إلى وسائل أخرى أكثر واقعية في التأثير على الحكومة العراقية وتغيير سلوكها نحو المسيحيين. ويبدو أن تصريح وزير الخارجية الإيطالي في عدم مساعدة الدول التي لا تستطيع حماية مواطنيها من المسيحيين هو نموذجاً في الوسائل الفعالة بهذا الشأن ولكن الأمر يبقى دائماً وأبداً في مدى مصلحة هذه الدول الكبرى في تنفيذ مثل هذه التصريحات والقرارت. أفهل يستطيع المسيحييون العراقيون من أن يكون لهم ثقلاً في هذه المصلحة حتى تلجاً حكومات الدول الكبرى إلى حمايتهم؟. في عام 1933 أنتهت مصلحة بريطانيا من إستخدام الآشوريين المسيحيين في تحقيق مشاريعها السياسية في العراق فتركتهم تحت رحمة سيف الحكومة العراقية حينذاك فأرتكبت بحقهم مذبحة سميل في شهر آب 1933. وبعد سبعة عقود، أي في عام 2003 لم يكن للأمريكان مصحلة مع المسيحيين العراقيين فتركوهم تحت رحمة سيف الأرهاب فكانوا أول الخاسرين من سقوط نظام البعث في العراق في الوقت الذي كان الكورد والشيعة والسنة أول الرابحين من سقوط هذا النظام... لماذا؟ لأن مصالحهم تطابقت مع مصالح الأمريكان في العراق، واليوم في هذا الزمن الغادر جعل من المسيحيون أن ينظر إليهم "ككفار وغرباء" يدينون نفس ديانة المحتل في حين أصبح أرهابيو الفكر والممارسة أصحاب الوطن الشرفاء معادين لكل أجنبي وغريب... أليس هذا الزمن غير المعقول الذي قلب الشعب العراقي الأصيل إلى غريب يستوجب طرده؟؟

وأخيرا:
أفهل يدرك السياسيون المسيحييون وأحزابهم وممثليهم هذه الحقائق؟؟؟ نحن قلنا منذ البداية ونستمر القول بأن لنا كل الثقة بممثلي شعبنا لدى الهيئات الحكومية وبقدراتهم الفكرية والسياسية ولكن لعبة المشاركة السياسية مع أرهابي الفكر المتمثلين في الحكومة العراقية لعبة خاسرة لم يجني شعبنا منها إلا مزيدا من الإرهاب والتقتيل والتهجير وأصبحت كل الوسائل والتصريحات في حماية المسيحيين العراقيين نقمة عليهم. من هنا نعيد ونكرر بأن إستقالة ممثلي شعبنا في البرلمان ومجالس المحافظات والحكومة سيكون فعل يسحب البساط من تحت أقدام الحكومة العراقية التي تستغل مشاركة المسيحيين معها في العملية السياسية لتغيطة فكرها الإرهابي تجاه المسيحيين ولا بد أن تكون إستقالة ممثلي شعبنا أمراً يترك أثراً على المستوى الدولي لكي تلفت الدول الكبرى المعنية بحقوق الإنسان والأقليات النظر بشكل جدي وعملي في أوضاع المسيحيين العراقيين، حينذاك تكون البداية الأولى لإمكانية فتح باب للحماية الدولية للمسيحيين التي حتماً ستكون نعمة بعد أن أصبح عجز الحكومة العراقية في حمايتهم نقمة عليهم.

 


 




99
أعظم موضوع كتب عن المسيحيين العراقيين

                                                                                                                     أبرم شبيرا
لا أبالغ إطلاقاً عندما أقول أن أعظم موضوع كتب عن المسيحيين العراقين، ومن جميع النواحي العلمية والموضوعية والتحليلية هو ما كتبه الكاتب و "العالم" أن صح التعبير فارس كمال نظمي عن تحليل الشخصية المسيحية العراقية والمنشور على موقع (www.ahewar.org). ومن شدة إعجابي بهذا المقال وشعوري بضرورة تعميم الفائدة للكثير من القراء خاصة قراء عنكاوه دوت كوم فلم أجد سبيلا لذلك إلا أن أرسله إلى هذا الموقع لتحقيق الفائدة المرجوة... ولم يبقى إلا أن أشكر الصديق الأخ أمجد مولان على إرساله هذا المقال لي... فمليون شكر للباحث الكبير الشاب فارس كمال نظمي ولموقع الحوار على نشرها لهذا البحث القيم.
=======================

تحليل الشخصية المسيحية العراقية


فارس كمال نظمي
الحوار المتمدن - العدد: 3194 - 2010 / 11 / 23
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع       
هل نغالي عندما نقول أن أبرز فضائل الشخصية الاجتماعية الحالية في العراق، تتجسد بكثافة في شخصية الفرد المسيحي العراقي تحديداً؟ وبصياغة أخرى، ألم تكن هذه الأقليةُ السكانية على الدوام المرجعَ السوسيوثقافي الأساسي الذي استمدت منه الأكثرية السكانية في العراق أهم فضائلها السلوكية النوعية، في التأريخ المعاصر على الأقل؟ وبصراحة أكثر، إن الأقلية المسيحية "كماً" مارست دور الأكثرية المتحضرة "نوعاً"، إذا ما أعلنتُ انحيازي الكامل لفكرة أن ما يحدد الأكثرية والأقلية هو "النوع" لا "الكم"، وإن المسيحيين في العراق كانوا على الدوام الأكثريةَ الأشد تحضراً بممارساتهم الفعلية لقيم العقل والتسامح والحرية، على العكس من فئات مجتمعية أخرى ظلت مولعة بدرجة أو أخرى بقيم الغيب واحتكار الحقيقة والوصاية على إرادات الناس وحرياتهم.

يتخذ تحليلي الحالي من المنظور النفسي الاجتماعي منهجاً، إذ أن صفة "المسيحي" هنا يُراد بها التعبير عن بنية سوسيوسيكولوجية لا عن معتقد ديني له ثيولوجياته المذهبية المتنوعة، ولا عن أصول عِرقية لها امتداداتها الجينية رجوعاً إلى آلاف السنين على ضفاف الميزوبوتاميا عند فجر الحضارة. إن الانثربولوجيا النفسية وحدها متخصصة بالكشف عن الصلة التكوينية الوظيفية الدقيقة بين التمظهر الاجتماعي الحالي لفئة معينة، وبين جذرها الديني-العِرقي الموغل في عمق التأريخ. وذلك ليس منهجنا في هذه المقالة.

إن تشريح الشخصية الاجتماعية العامة أو الفرعية في أي مجتمع، يتطلب التبصرَ في ثلاثة مقومات تكوينية لها: القيم الاجتماعية-الحضارية لتلك الشخصية، وخصائصها العقلية والانفعالية، واتجاهاتها السياسية العامة. فمن هو المسيحي العراقي إذن طبقاً لهذا التصنيف، بصرف النظر عن جنسه أو مستواه التعليمي أو مكانته الاجتماعية-الاقتصادية؟
1- القيمة الأبرز في الشخصية المسيحية العراقية هي "احترام الحياة" قولاً وفعلاً، إذ يتجسد هذا الاحترام عبر منظومتين متفاعلتين: السلوك الاجتماعي والسلوك الشخصي. فالمسيحي العراقي مسالم ومتسامح وانبساطي ومتعاطف ومهذب ومنفتح على الآخر العراقي أياً كانت هويته الدينية أو العِرقية أو الفكرية، إذ يطغى الطابع العقلاني الصرف ويحل التوازن النفسي المريح أينما يكون للمسيحيين موطأ قدم ودور فاعل في الحياة العراقية.
أما على صعيد السلوك الشخصي للمسيحي، فيتجسد احترام الحياة لديه بقيم الجمال التي يعبّر عنها بممارسته الشغوفة للفن (الموسيقى والرقص والغناء)، وتوقير الطبيعة بكافة مخلوقاتها، والاهتمام بالنظافة والأناقة، واتقان الحرف اليدوية والفنون البيتية، وإقامة التجمعات الاجتماعية الحميمة. والأهم من كل هذا ذائقته الحسية العالية نحو جماليات المكان والوجود، استيعاباً وإبداعاً، على نحو يجعل من فرضية "الإنسان الفاضل" احتمالاً عقلياً لا يجوز رفضه ما دام المسيحيون يستوطنون أرض العراق.

2-التركيبة العقلية للفرد المسيحي العراقي جعلته متزناً في كافة تعاملاته الدنيوية، ومتحرر التفكير، وممجداً للعلم والكتاب، ومخلصاً لروح الاستكشاف والفضول المعرفي الفريد، وممارساً للمحاججة العقلية الهادئة، ومتفهماً لحقيقة الاختلاف والتنوع، وقادراً على التعلم بسرعة والتكيف بكفاية مع المستجدات، ومنظماً في أولوياته، ودقيقاً في التخطيط والإنجاز، وقوياً في ذاكرته المعرفية والاجتماعية. أما تركيبته الانفعالية فجعلت منه وسطياً، ومتريثاً، ورابط الجأش، ومعارضاً بود ومفاوضاً بأريحية، ورقيقاً، ومجاملاً، ورومانسياً محباً لمدينته وحارته وبيته وناسه ومهنته حد العشق، ومتعلقاً بوطنه لا يتنازل عن أحقيته الهوياتية فيه بالرغم من كل عوامل الطرد الكاسحة.

3- النزعة العلمانية الشديدة لدى مسيحيي العراق، جعلتهم سقراطيي البلاد دون منازع نتيجة ولائهم الأمين والعفوي لمفهوم الدولة بكل آثامها، وما ينتج عنها من قوانين تستدعي "التقديس" ما دامت تجعل كافة المواطنين سواسيةً أمام معيار موحد لآدميتهم. فالمسيحي العراقي بهذا المعنى هو المواطن الأشد مدنيةً وعقلانيةً من كل مواطني دولته التي ظلت ممزقة الهوية طوال الأربعين عاماً الأخيرة بين نرجسية البعث وصنمية اللاهوت السياسي. إنه ببساطة يجسد بسلوكه فكرةَ "المواطن" كما طرحتها فلسفات التنوير في القرن الثامن عشر، إذ استحالت عقيدته الدينية إلى فضائل شخصية سلوكية فحسب تنظم علاقته بنفسه وبالمجتمع وبالكون، فيما ظلّ ولاءه السوسيوسياسي باحثاً دون جدوى عن راية دولةٍ لا دين لها لأنها دولة الجميع. وإلى جانب هذه النزعة العلمانية، فإن مسيحيي العراق يساريو الهوى في عمومهم، عدالويو الميول، مساواتيو النزعة إلى حد كبير في نظرتهم وموقفهم من الجنسين، شغوفون بفكرة الحق وضعياً كان أم إلهياً. ولا غرابة أن يوسف سلمان" (فهد) مؤسس الحزب الشيوعي العراقي 1934م ينحدر من أسرة كلدانية نزحت من الموصل إلى بغداد ثم إلى البصرة، بحسب "حنا بطاطو".
كتبتُ في رؤية سابقة لي: ((إن ما يحصل اليوم في بغداد وبقية أنحاء العراق، يمكن اختزاله بمقولة الصراع بين قيم التقدم وقيم التخلف، أو بين قيم الحداثة والتمدن وقيم التعصب وما قبل التمدن. إنه صراع بين ثقافتين، وبين منظورين فلسفيين اجتماعيين، وبالتالي هو صراع ثقافي وقيمي بين أسلوبين في الحياة)). ولأنه صراع من هذا النوع، فإن مسيحيي العراق اليوم، شاءوا أم أبوا، باتوا يتموضعون في قلب هذا الصراع المحتدم، إلى جانب اقرانهم من عقلانيي العراق وشرائحه المتنورة. ولذلك قضوا السنوات الثمانية الماضية يدفعون على نحو ممنهج ضريبةَ العنف الدموي الناتج عن تلاقح اللاعقلانيتين: الرأسمالية الكولونيالية، بالكهنوتية المتأسلمة. فالمسيحيون بهذا المعنى أصبحوا قوة ثقافية لها تأثيرها في موازين هذا الصراع، لأنهم ببساطة يكتنزون طاقة اللاعنف العاقلة غير المحدودة في سرمديتها. فلا يمكن أن نتصور تطوراً إيجابياً لديناميات هذا الصراع ونتائجه دونهم. وإذا كانت أعز المكتسبات البشرية في ميدان الحرية والعدل، قد عُزيت إلى الدافع المسالم المتحضر من الطبيعة البشرية، فإن ترويع المسيحيين من قوى التطرف الديني المسلح، وتهجيرهم وتغييبهم عن وظيفتهم الإصلاحية الضامنة - من بين عوامل أخرى- لتماسك النسيج المجتمعي، سيلحق أضراراً إضافية بالطبيعة البشرية العراقية المتضررة أصلاً، وسيدفع إلى استقطابات سياسية أكثر عنفاً ومأساوية على المديين القصير والبعيد.

إن تاريخنا العراقي المعاصر في السياسة والفن والأدب والصحافة والتعليم والطب والعلوم عامة، وذكرياتنا الحية عن الحب وأعز الصداقات في ليالي الكرادة والبتاويين والعرصات وشارع أبي نؤاس، تبدو جميعها باهتةً بل كاذبةً دونما الحرف المسيحي الدافيء. العراق ليس عراقاً إذا استبعدنا من ذاكرته الجمعية رموزاً تنويرية مسيحية كبرى أمثال المؤرخين مجيد خدوري و وجرجيس فتح الله والأخوة كوركيس وسركيس وميخائيل عواد، والصحفيين الرواد روفائيل بطي وتوفيق السمعاني وبولينا حسن، والآثاريينِ فؤاد سفر وبهنام أبو الصوف، والعلامة اللغوي الأب أنستاس الكرملي، والدكتور متي عقراوي أول رئيس لجامعة بغداد، والأطباء جلبرت توما وفكتور شماس ووليد غزالة وشوقي غزالة والدكتور حنا خياط أول وزير للصحة في الدولة العراقية الحديثة 1922م، والموسيقيين جميل بشير ومنير بشير وبياتريس أوهانسيان ورائد جورج، والمطربات زكية جورج وعفيفة اسكندر وسيتا هاكوبيان، وقديسة المسرح آزادوهي صاموئيل، والمخرجينِ عوني كرومي وعمانوئيل رسام، والمذيعين ناظم بطرس وجلاديس يوسف وشميم رسام، والشعراء يوسف الصائغ وسركون بولص وجان دمو ودنيا ميخائيل، والكتّاب فؤاد بطي وأدمون صبري ويعقوب أفرام منصور، والمترجم يوسف عبد المسيح ثروت، والمفكر الأب يوسف حبي، والمصورينِ ارشاك وكوفاديس، والرياضيين عمو بابا وعمو يوسف وناصر جكو، والسياسيين اليساريين فهد وجميل توما ونوري روفائيل وجورج تلو وكامل قزانجي وآرا خاجادور وفرانسو حريري وتوما توماس والفريد سمعان، والقائمة تطول وتطول، فمعذرة لهذا الإيجاز *.

إننا مدينون لكم يا مسيحيي بلادنا بأسمى فضائلنا بوصفنا عراقيين وبغداديين وبصريين وموصليين وأربيليين. لقد غرستم في أجيالنا فكرة التنوع والشوق للآخر واحترام الحياة حد افتداء الفرد لآثام الآخرين بحياته. فلا ترحلوا عن وطنكم وتتركوننا عالقين في غربتنا التي لا تمل من التناسل. سيكف العراق أن يكون عراقاً بدونكم. أنتم الأكثرية الحقيقية بحساب التمدن والجوهر الفاضل، فلا تتخلوا عن امتيازكم هذا. لا تغادرونا رجاءً، انتظروا هنا، وتناسلوا بقوة هنا. فلا وطن لكم إلا هنا !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


هامش:
* تتوافر تفصيلات أكثر عن أعلام المسيحيين العراقيين في دراسة للدكتور "سيار الجميل" بعنوان " المسيحيون العراقيون: وقفة تاريخية عند ادوارهم الوطنية والحضارية": http://www.bakhdida.net/Articles/SayyarAl-jamil.htm، ودراسة أخرى للدكتور "سعدي المالح" بعنوان" الثقافة السريانية: تاريخ طويل من الإبداع وأسماء لامعة": http://kaldayta.com/website




100
ملاحظات بسيطة عن الموقع الأثري المسيحي
في جزيرة صير بن ياس في أمارة أبو ظبي
(دير الراهب يوحنان)

                                                                                                                       أبرم شبيرا

أثار خبر "الإمارات تفتح أول موقع أثري مسيحي للزوار"  الذي نشره موقع عنكاوه دوت كوم نقلا عن سي أن أن العربية نوع من الإهتمام عندي فكان باعثاً لإسترجاع بعض الذكريات وأبداء ملاحظات بسيطة عن هذا الموقع المسيحي الأثري. كنت من المهتمين منذ عام 2000 بهذا الأثر المسيحي في جزيرة صير بن ياس التي تقع جنوب مدينة أبو ظبي أكثر 350 كلم حيث كنت قد قرأت بعض الكتب عن هذا الأثر الذي أثار أهتمامي وكان يزداد إهتمامي عندما كنت أسمع بأن علماء الآثار ينقبون في الموقع حيث لم يكن مسموحاً لعامة الناس من زيارة الجزيرة أو الموقع الأثري إلا بموافقات خاصة ذلك كون الجزيرة محمية وفيها الكثير من الطيور والحيوان والنباتات والإشجار النادرة التي يستوجب حمايتها والإعتناء بها بشكل خاص. صادف في تلك الفترة أن أنعقد في أبو ظبي مؤتمراً عالمياً للصحافة والإعلام  حضره العديد من الصحفيين والكتاب من مختلف الدول العربية والأجنبية وبالأخص من أوربا والولايات المتحدة الأمريكية ومن ضمنهم الصديق الدكتور سعدي المالح الذي كان يعمل في حينها كرئيس تحرير لأحدى المجلات الرئيسية في أبو ظبي . كان الدكتور سعدي يشاركني هذا الإهتمام المشترك ونسعى بكل السبل إيجاد معلومات أخرى عن هذا الأثر النادر في تلك الجزيرة النائية. بعد إنتهاء المؤتمر نظم القائمون على المؤتمر للمشاركين برامج متعددة ومتنوعة ومن ضمنها برنامج زيارة جزيرة صير بني ياس. بشرني الدكتور سعدي بهذه الفرصة النادرة التي كنا ننتظرها بفارغ الصبر ودعاني لمشاركته في زيارة الجزيرة مع بعض من الوفود المشاركة في المؤتمر. بعد ساعات طويلة من مدينة أبو ظبي إلى جنوبها وصلنا إلى الساحل المقابل للجزيرة التي تبعد بضعة كيلومترات، ثم أستقر الباص على عبارة "فيري" قاطعة البحر تجاه الجزيرة.... لم نكن موفقين في زيارة الموقع الأثري لأنه كان محصناً يمنع على الزوار زيارته حيث الحفريات كانت جارية فيه على قدم وساق، ولكن استمتعنا في زيارة الأطراف الأخرى للجزيرة ومشاهدتنا سكانها من الحيونات والطيور النادرة. أما العمران فيها والحياة العادية لم تكن بعد قد أكتملت في حينها ولكن الآن هناك مجمعات سكنية فاخرة وفندق ضخم ذات خمسة نجوم ومراكزترفيهية وثقافية عديدة.
أثمرت نهاية الزيارة بحصولنا على بعض الكتب عن المواقع الأثري لأبو ظبي بشكل عام ولجزيرة صير بني ياس بشكل خاص وكانت معظمها باللغة الإنكليزية ومؤلفة من قبل كتاب أجانب. والكتاب الذي كان يتناول هذا الموقع الأثري قد أهديته إلى أحد مطارنة كنيستنا المشرقية ولكن أتذكر ما قرأت فيه كان يلمح إلى معلومات لم تكن مؤكد في حينها لأن الحفريات لم تكن مكتملة بعد. ذكر في هذا الكتاب بأن هذا الموقع هو لدير بسيط شيد بحدود منتصف القرن الثالث الميلادي من قبل راهب أسمه يوحنان من أتباع الكنيسة "النسطورية"، ينعت كنيسة المشرق بـ "النسطورية" في حين لا نسطورس كان مولوداً في ذلك الزمن ولا كان النسطورية قد ظهرت والسبب في هذا النعت لأن كنيسة العراق كانت تسمى بـ "النسطورية". كان هذا الراهب قد أبحر من البصرة بإتجاه الجنوب بمهمة التبشير بين صيادي الأسماك في منطقة الخليج وعندما وصل إلى جزيرة صير بن ياس وجدها مكاناً مناسباً للعيش والتبشير بين صيادي الجزيرة وفعلاً بني هذا الدير لكي يمارس طقوسه الدينية. والآن يظهر بأن المكتشفات الأثرية الجديد تذكر غير ذلك ولكن مع هذا يبقى موضوع هذا الأثر المسيحي في هذه الجزيرة النائية مثيراً للإهتمام ويدل على مدى حكمة ورعاية الحكومة في دولة الإمارات العربية للأثار والمسائل الثقافية والتاريخية كذلك على مدى إنفتاحها على الثقافات الآخرى غير المسلمة والتي شيدها ورسخهها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان . ويبقى أن نذكر بأن هناك معلومات تشير بأن عائلة آل نهيان الحاكمة في أبو ظبي والتي منها يختار رئيساً لدولة الإمارات العربية هي من جزيرة صير بن ياس. ولم يبقى أن نشير بأن أسم ياس أو ألياس هو أسم يتسمى به المسيحيون أكثر من المسلمين.   

101
حق "الكلدان السريان الآشوريين" في الحكم الذاتي
في ضوء حل مشكلة ولاية الموصل وضمها إلى العراق

                                                                                                                   أبرم شبيرا
المقدمة:
لا شك فيه هناك العديد من الأسسس والمبادئ القانونية والتاريخية والسياسية تعطي لأمتنا الحق الكامل في تقرير مصيرها وفي حكم نفسها بنفسها، وهي حقائق لا يجهلها إلا الجاهل ولا ينكرها إلا الناكر. هنا نحاول أن نبين جانب أو أساس بسيط لهذا الحق ومن خلال مشكلة كان قد عانى منها العراق كثيراً في الربع الأول من القرن الماضي ولعب الآشوريون دوراً كبيراً في حلها وتأكيد حقوقهم القومية والسعي للعيش بأمن وسلام في موطن أبائهم وأجدادهم. وإنسجاماً مع هذا الموضوع يأتي وعدنا لللقارئ الفاضل في الموضوع السابق عن قوات الليفي العراقية بأن ننشر موضوعاً آخراً عن دور الآشوريين  الإيجابي في التاريخ السياسي العراقي الحديث، وهو دورهم في حل مشكلة الموصل وما صاحب ذلك من ضمها إلى العراق بدلا من تركيا في الربع الأول من القرن الماضي. وعندما أشير هنا إلى التسمية الآشورية لا يعني إطلاقاً إلغاء التسميات الحضارية الجميلة "الكلدانية والسريانية" لشعبنا العريق، بل الحقيقة الموضوعية التاريخية تفرض أن نشير إلى التسمية الآشورية إعتماداً على الحوادث والوثائق التاريخية بهذا الشأن ولا يمكن تجاوزها حفاظاً على موضوعية وسلامة المنهج العلمي في تناول هذا الموضوع.  قد يبدو بأن مثل هذه المواضيع التاريخية التي مضى عليها زمناً طويلاً كأنها تكرار لها وغير ذات فائدة خاصة في كونها أحداث أستقر المقام بها ووصلت إلى نهائيتها المعروفة من جهة وفي كونها من غير ذي أهمية في مقارنتها مع الأحداث الخطيرة والحاسمة التي يمر بها العراق  خاصة المكون المسيحي منه من الكلدان السريان الآشوريين من جهة أخرى. ولكن مع هذا كله فأن البحث في هذا الموضوع ليس الغرض منه تكرار لما سبقه وإنما هو كشف عن حقيقة تبين دور الآشوريين الإيجابي في هذه المسألة ومساهمتهم في بناء العراق وضمان حدوده الدولية ويؤكد وطنيتهم وإلتصاقهم بتربة العراق، وهو الدور الذي حجبه معظم الكتاب والمؤرخين العراقيين لا بل فسر من قبلهم كدور سلبي ومعادي للعراق وشعبه وبالتالي غبن حقهم القومي والوطني ليس في هذه المسألة وإنما في الكثير من المسائل الوطنية الحساسة، وما هذا الموضوع إلا محاولة لتصحيح بعض الأفكار الخاطئة التي ترسبت في العقلية العراقية تجاه الأقليات بشكل عام والآشوريين بشكل خاص ونأمل أن يكون مفيدا للنخب العراقية المهيمنة على مقدرات العراق الحالي في تصحيح هذه الأخطاء التااريخية المجحفة بحق الآشوريين وأن لا تستمر وتسود في العقلية العراقية وتتغلغل في أروقة الحكم والسياسة وأن ينفتح الطريق أمام عقليتهم لتقبل قيام كيان سياسي إداري للكلدان السريان الآشوريين في وطن أبائهم وأجدادهم.
 
نشؤ مشكلة الموصل:
لكي نبين دور الآشوريين في حل هذه المشكلة لا بد قبل كل شيء أن نبين وبشكل مختصر عن كيفية نشؤ هذه المشكلة حتى نستطيع أن نبين هذا الدور. كانت ولاية الموصل في العهد العثماني تشمل معظم المحافظات الشمالية في عراق اليوم (نينوى والسليمانية وأربيل ودهوك وكركوك) وكانت جزءاً من حصة فرنسا حسب إتفاقية سايكس – بيكو الموقعة في العام 1916 بين بريطانيا وفرنسا حول إقتسام ممتلكات الدولة العثمانية بعد إندحارها في الحرب. نشأة مشكلتها عشية توقيع معاهدة مودرس في 20.10.1918 بشأن وقف إطلاق النار لمعارك الحرب الكونية الأولى في الوقت الذي كانت القوات البريطانية تحارب القوات العثمانية قرب بلدة شرقاط ثم تواصل تقدمها حتى إحتلال مدينة الموصل في بداية شهر تشرين الثاني من نفس العام. غير أن تركيا أحتجت على ذلك ودفعت بعدم شرعية إحتلال بريطانيا للموصل، فأدعت بأحقيتها فيها معتمدة على أساسين: الأول، كون معظم سكان الولاية من العثمانيين المسلمين ومن أصول غيرعربية. والثاني: كون مناطق شمال بلدة شرقاط بما فيها مدينة الموصل قد أحتلت بعد توقيع إتفاقية وقف إطلاق النار. فكان رد بريطانيا لحجج الدولة العثمانية في الإعتماد على الإتفاقية الموقعة بين الطرفين والتي تعطي الحق لبريطانيا إحتلال أي مواقع إستراتيجية قد تهدد أمن وسلامة قواتها كما إن هذه الإتفاقية تلزم الدولة العثمانية بتسليم بريطانيا جميع المواقع والحمايات العسكرية في بلاد مابين النهرين بما فيها ولاية الموصل بأجمعها والتي تشكل جزءاً تاريخياً منها. وبسبب ضغوط القوات البريطانية وسيطرتها على أراضي الموصل أضطر القائد العثماني علي إحسان باشا في السابع من تشرين الثاني 1918 إلى الإستجابة لمطاليب القائد البريطاني الجنرال مارشال وأنسحبت جميع القوات العثمانية من مدينة الموصل في غضون عشرة أيام.
قبل نهاية عام 1918، تدفق النفط في مناطق الموصل وبكميات تجارية فباتت المشكلة أكثر تعقيداً وزاد من تمسك الأطراف المتنازعة بما فيها فرنسا على الولاية ودعا كل طرف بأحقيته فيها. غير أنه بسبب وجود بريطانيا الواقعي والعسكري في الولاية والذي فرضته قواتها المنتصرة، وكجزء من التسويات الدولية في توزيع ممتلكات "الرجل المريض" بين فرنسا وبريطانيا فقد تم في شهر كانون الأول من العام نفسه الإتفاق في لندن على تنازل فرنسا لبريطانيا عن مطالبتها بولاية الموصل مقابل منحها إمتيازات خاصة على نهر الراين في قلب أوربا مع نسبة 25% من أسهم شركة النفط التركية (البريطانية) المستثمرة لحقول النفط في الولاية. أما بالنسبة لتركيا، فإنها بعد هيمنة الزعيم القومي التركي كمال أتاتورك على المقدرات السياسية في البلاد وإنتعاش "الرجل المريض" وإستعادة حيويته ونشاطه خاصة بعد دحره للجيش اليوناني في الأناضول وإنسحاب الجيش الفرنسي من أضنه وحلول التفاهم بين الحكومة الفرنسية وحكومة أنقرة الجديدة لحل مشاكل ومخلفات الحرب، جعلت هذه الظروف تركيا دولة لها موقع مؤثر في المجريات السياسية وتسويات الحدود التي كانت تتم بين الدول المنتصرة في الحرب، فاستطاعت بحكم هذا الموقع القضاء على معاهدة سفير المهينة لها والموقعة في آب من عام 1920 بين الدولة العثمانية والحلفاء وبالتالي القضاء على مشروعي إقامة دولة أرمينيا الكبرى والحكم الذاتي للكورد في جنوب شرقي تركيا ومن ثم توقيع معاهدة لوزان عام 1923 لحل المشاكل الحدودية بينها وبين الدول المنتصرة في الحرب، حيث قضت المادة الثالثة من هذه الإتفاقية على حل مشكلة الموصل وذلك بتعيين خط الحدود الفاصل بين تركيا والعراق عن طريق تسوية سلمية تعقد بين الطرفين في غضون تسعة أشهر من تاريخ توقيع المعاهدة وفي حالة عدم التوصل إلى إتفاق بينهما خلال الفترة المحددة يصار إلى إحالة النزاع إلى عصبة الأمم لإقرار مصير الولاية. وفي تشرين الأول من عام 1924 وقعت كل من تركيا وبريطانيا إتفاقية بروكسل أقر بموجبها إتخاذ خط حدودي مؤقت بين العراق وتركيا عرف بخط بروكسل لحين إتمام التسوية النهائية وتقرير مصير ولاية الموصل، وهو الخط الذي أصبح حدود دائم وثابت وساري المفعول وأعتمد في حل النزاع فيما بعد. فشل الطرفين في الوصول إلى إتفاق نهائي وودي خلال الفترة المحددة مما أستوجب إحالة موضوع النزاع إلى عصبة الأمم والتي أقرت في النهاية إلحاق ولاية الموصل بالعراق مع إبداء بعض التحفظات والشروط المتعلقة بالتدابير الواجب إتخاذها من قبل حكومة العراق والدولة المنتدبة بريطانيا تجاه الكورد والأقليات القومية والدينية الأخرى مع بقاء بريطانيا دولة منتدبة لمدة خمسة وعشرين سنة. ومن جانب آخر وخارج إطار قرار مجلس العصبة قامت بريطانيا بترضية تركيا عن طريق منحها 10% من إمتيازات النفط المكتشف في الموصل ولمدة 25 سنة إضافة إلى قرارات أخرى جرى إتخاذها في الأروقة السرية تعلقت بمصير شعوب الولاية خاصة الآشوريين منهم والتي سنأتي على ذكرها فيما بعد.

عوامل نشؤ دولة العراق الحديث ودور الآشوريين والمسيحيين في ضمن ولاية الموصل إليها:
يمكن تقسيم هذه العوامل إلى قسمين: خارجية وداخلية، ومن خلالهما يمكن أن نبين دور الآشوريين والمسيحيين في نشؤء العراق الحديث وضم ولاية الموصل إلى العراق بدلا من تركيا في مقارنة مع القوميات والطوائف العراقية الأخرى.
1)   - العوامل الخارجية: من خلال إستقراء التاريخ السياسي الحديث لنشؤ دولة العراق وظهور كيانها السياسي كدولة عصرية في بداية القرن الماضي، يبدو أنه بسبب ضعف أو عدم تكامل وتوافق العوامل القومية والحضارية والثقافية والإجتماعية والدينية واللغوية في العراق لم تلعب دوراً مهماً وأساسياً في تأسيس كيانه السياسي أكثر مما لعبت عوامل عسكرية وسياسية بعضها خارجية. وبصورة أوضح نقول بقدر إحتلال القوات البريطانية لأراضي بلاد مابين النهرين أثناء معارك الحرب الكونية الأولى وقدرتها على طرد القوات العثمانية وإنتزاع الأراضي منها وتقدمها نحو الشمال، بقدر ذلك تحدد حدود كيان العراق السياسي. كذلك بقدر فاعلية الدبلوماسية البريطانية وإفلاحها في نقل الأمر الواقع العسكري في المنطقة إلى مستوى السياسة ونجاح مناوراتها السياسية في إبرام المعاهدات والمواثيق، بقدر ذلك تقرر شرعية وقانونية حدود الكيان السياسي للعراق. ففي مؤتمر القاهرة عام 1920 طرحت بعض المشاريع لتقرير مصير الولايات الثلاث، بغداد وبصرة والموصل المكونة لمعظم أراضي بلاد مابين النهرين فكان قرار مستر ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطاني حينذاك تكوين دولة واحدة من الولايات الثلاث المذكورة قراراً طبيعياً بالمفهوم الإستعماري في تغليب مصالحه الإقتصادية والسياسية على مصائر الشعوب الأخرى وعن طريق دمج المتناقضات الحضارية والإجتماعية والدينية والقومية المتوارثة عن المرحلة العثمانية في كيان سياسي واحد دون أي إعتبار لمثل هذه العوامل والمتناقضات. ثم جاء نصب الأمير فيصل بن الشريف حسين من خارج هذه المتناقضات ملكاً على عرش العراق كحل لها ورمزاً لوحدة كيانه السياسي.
وإستنتاجاً من فاعلية العوامل الخارجية العسكرية والسياسية في خلق الكيان السياسي للعراق يمكن القول بأن نفس هذه العوامل هي التي لعبت دورها الأساسي والفاعل في إقرار ضم ولاية الموصل إلى العراق بدلا من تركيا. فإذا كان يصح القول بإن ولاية الموصل في عهد الدولة العثمانية وحتى قبلها كان إرتباطها تاريخياً وجغرافياً وإقتصاديا بولاية بغداد وببر الشام أكثر من إرتباطها بالإستانة وأراضي الأناضول فإن ذلك لم يشكل متغيراً فاعلاً في تقرير مصير ولاية الموصل. فالحال لم يكن يختلف كثيراً من حيث إرتباط لواء الإسكندرونة حضارياً وجغرافياً وإقتصاديا ببقية مناطق الشام، إلا أن العوامل العسكرية والسياسية التي وفرتها فرنسا لصالح تركيا أفضت إلى تقرير مصير الإسكندرونة وسلخها من سوريا عام 1939 وضمها إلى تركيا. من هذا المنطلق يأتي إفتراضنا أن القوات البريطانية التي كانت تحارب القوات العثمانية قرب بلدة شرقاط إذا ما كانت قد فكرت في الإستجابة لإتفاقية "مودرس" الخاصة بوقف إطلاق النار وتوقفت عن زحفها نحو مدينة الموصل بعد سريان مفعول هذه الإتفاقية لكان مصير ولاية الموصل قد تحدد بالواقع العسكري للوجود العثماني فيها ومن ثم ضمها إلى تركيا. وإذا افترضنا أن الدبلوماسية البريطانية كانت قد أخفقت في ترجمة الواقع العسكري إلى نتائج سياسية ناحجة ومن ثم أستجابت لتأثيرات تنامي القوة العسكرية لحكومة الكماليين في أنقرة وخضعت لتهديداتها في اللجوء إلى الحرب لفض النزاع مثلما خضعت فرنسا لها وأنسحبت من أضنه وأنهار الجيش اليوناني وزال تهديده على أزمير ومضايق البسفور، لكان مصير ولاية الموصل كمصير الإسكندرونة. هكذا يتضح بأن العامل الخارجي المتمثل في الوجود البريطاني العسكري والسياسي كان له الدور الأساسي والحاسم في تكوين الحدود السياسية لكيان العراق الحديث وضم ولاية الموصل إليه بدلا من تركيا.
2)   – العوامل الداخلية: إن العامل الداخلي في تحديد وتثبيت حدود العراق خاصة الشمالية منه وحل قضية الموصل لصالح العراق لم يكن غائباً، بل تحدد دوره وفاعليته بمدى توافقه مع العوامل الخارجية، العسكرية والسياسية السالفة الذكر. كما أن هذا التوافق تحدد أيضاً بطبيعة علاقة أطراف العوامل الداخلية بالقوى الرئيسية الفاعلة قبل الحرب الكونية الأولى وأثناءها. وعلى العموم يمكن تصنيف العامل الداخلي طبقاً لمكونات الشعب العراقي وموقف كل واحد منهم تجاه هذه المسألة وكما يلي:
العرب: عندما قررت الحكومة البريطانية تشكيل حكومة عراقية في عام 1921 لم يكن هناك إلا عدد قليل من النخب السياسية التي يمكن أن تتولى شؤون الدولة وأن يشغلوا مناصب حكومية على مختلف الأصعدة وكان معظم هؤلاء من الطائفة السنية وجميعهم ممن خدوموا في المؤسسات العسكرية أو المدنية العثمانية أو تخرجوا منها، لذلك فإن خلفيتهم العسكرية والسياسية وتطبعهم بالحياة العثمانية في الحكم والسياسية ومحاربتهم كضباط في الجيش العثماني للقوات البريطانية وتأثرهم بكمال أتاتورك وبالأساليب الدكتاتورية في الحكم وتعطشهم الشديد للسطلة والجاه وعلى حساب المبادئ والقيم، فإن كل هذا وضعهم في موقف متناقض ومحرج عند تعاونهم مع الإنكليز في بناء كيان العراق السياسي خاصة في مسألة حل مشكلة الموصل. لهذا لم يكن لهم دوراً إيجابياً فاعلاً في التأثير على مجريات أمور حل هذه المشكلة بل تحدد دورهم فقط في ترك بريطانيا طليقة اليدين في حلها مقابل وعود بإمتيازات تمنح لبريطانيا تمثلت في المعاهدة العراقية – البريطانية والتي وقعت بعد أيام قليلة من قرار عصبة الأمم في ضم ولاية الموصل إلى العراق وتحديداً في 13.10.1926.
الكورد: أما بالنسبة للكورد، فإن الطبيعة العشائرية والدينية التي كانت تحكم سلوكهم السياسي، ومن ثم خضوعهم للتوجهات العثمانية سواء بإنخراطهم في القوات النظامية أو عن طريق "قوات الخيالة الحميدية" والتي سميت بعد إنقلاب تركيا الفتاة عام 1908 بـ "القوات الخيالة الخفيفة" السيئة الصيت في حملات التنكيل وتشريد وإبادة الآشوريين والأرمن، ثم تحالفهم مع العثمانيين أبان الحرب الكونية الأولى ضد قوات الحلفاء الروسية والبريطانية، كل هذه الظروف مضافاً إليها العوامل الدينية والتاريخية والجغرافية، جعلت الكورد أقرب إلى الأتراك وتركيا من أي كيان سياسي عربي مستقل في العراق وأن يتواصل عداؤهم للإنكليز حتى بعد إنتهاء معارك الحرب ويقفوا ضد مسعاهم في بناء كيان سياسي موحد في العراق. فكان من الطبيعي أن يميل غالبية الكورد بإستثناء قليل في مدينة السليمانية إلى تفضيل ضم ولاية الموصل إلى تركيا بدلاً من العراق.
التركمان: الحال لم يكن يختلف بالنسبة لتركمان العراق، لا بل كانوا بسبب اللغة والعنصر والثقافة والدين أكثر تحمساً لضم ولاية الموصل إلى تركيا. فليس عجباً أن يكون فتاح بك صهر الزعيم الكوردي المشهور الشيخ محمود وناظم النفطجي عميد أسرة النفطجي التركمانية المشهورة في كركوك، رغم جنسيتهما العراقية ممثلين لولاية الموصل عند حكومة إنقرة وخبراء ضمن الوفد التركي أثناء مباحثاته مع لجنة التحقيق التي أوفدتها عصبة الأمم إلى بغداد عام 1925 بخصوص تقرير مصير ولاية الموصل والذي سبب إحتجاج الإنكليز والعراقيين على ذلك لكونهما يحملان الجنسية العراقية. من هذا المنطلق نفهم أيضاً مواقف بعض العشائر الكوردية والتركمانية وحتى العربية في الموصل التي كانت تميل لصالح ضمن الولاية إلى تركيا بدلاً من العراق ولأسباب بعضها دينية وإقتصادية وبعضها الآخر بحكم عقليتها الدينية وإرتباطاتها العشائرية أو خوفها من بطش الأتراك في حالة ضم الولاية إلى تركيا.
الآشوريون والمسيحيون: أما بالنسبة للأطراف المسيحية، خاصة الآشوريين منهم، موضوع البحث، فإن مواقفهم تجاه مشكلة الموصل ومن ثم دورهم في حل هذه المشكلة تحددت أيضا بجملة عوامل دينية وسياسية وعسكرية أرتبطت بطبيعة القوى السياسية والعسكرية الفاعلة في النزاع بحيث أفصح الآشوريون منذ البداية رغبتهم الشديدة في ضمن الموصل إلى العراق وتحمسوا، لا بل شاركوا عسكرياً وسياسياً في التأثير على الوقائع السياسية وعلى إتجاهات لجنة تقصي الحقائق التابعة لعصبة الأمم في تبنيها لقرار يؤيد ضمن الموصل إلى العراق. ولتأكيد هذه الحقيقة وإعتماداً على المعيارين العسكري والسياسي في حل مشكلة الموصل وضمان حدود العراق يمكن قياس دور الآشوريين وفقا للوقائع التالية:
1 – عسكريا: في أعقاب تقويض الكماليين لأركان الحكومة العثمانية وإصدارهم الميثاق القومي في بداية 1920 طالبوا وبشكل صريح ومطلق بضرورة عودة الموصل وبكل السبل والوسائل إلى تركيا وإستطاعوا بقوة السلاح أن يقفوا على أهبة الإستعداد للمطالبة بمركزهم القديم في الموصل فأثاروا الكثير من القلاقل والإضطرابات في المنطقة وعن طريق تحريض بعض العشائر الكردية للثورة ومقاومة الإنكليز "الكفرة". وخلال عام 1923 أحتل الأتراك مناطق واسعة من شمال العراق بما فيها مدينة راوندوز وذلك لغرض تحقيق إحتلال بقية المناطق أو بهدف خلق واقع عسكري يساعدهم على حسم النزاع سياسيا لصالحهم والتأثير على لجنة تقصي الحقائق السالفة الذكر. فأزاء هذه الحقيقة لم يكن أما بريطانيا والحكومة العراقية من حل عسكري لإزالة الوجود العسكري التركي من شمال العراق سيما وأن جيش العراق الذي تأسس في العام 1921 لم يكن قد أكتمل بناؤه أو تدرب وأكتسب خبرة حربية خاصة في مناطق جبلية وعرة، لذلك لم يكن حينذاك أمام الحكومة العراقية ودولة الإنتداب (بريطانيا) سوى الإعتماد على القوات الآشورية المحلية "الليفي" المتمرسة في حرب العصابات والجبال العاصية لحسم الموقف. أتذكر بهذا الخصوص وأنا صبي يافع في بداية الستينيات من القرن الماضي عندما كنا نستمع إلى جارنا العم (خوشابا برنكو البيلاتي) في كركوك الذي شارك في هذه العمليات العسكرية وهو يروي لنا قصص بعض أفراد الجيش العراقي الحديث التأسيس الذين كانوا يرفضون لبس الملابس العسكرية الرسمية (الخاكي) و"البوسطال" العسكري ويفضلون لبس "الدشداشة" والنعال، وعندما كان يحاولوا تسلق تل أو جبل كانوا يتزحلقون ويتدحرجون نحو أسفل التل أو الجبل ومن ثم التراجع إلى مخيمهم وطلب الرجوع إلى ديارهم. خاض الآشوريون المعارك ضد القوات التركية المحتلة وفي غضون أيام قليلة تمكنوا من طردهم من المناطق التي أصبحت عراقية بعد إقرار خط بروكسل عام 1924، وبهذه المناسبة قال المؤرخ العالمي المشهور توينبي بأن الآشوريين هذه المرة أيضا كانوا متميزين في حماية حدود العراق، فكان هذا سبباً لظهور إقتراح يقضي بتبديل أسم قوات "الليفي" إلى قوات حماية الحدود، إلا أن المقترح لم ينفذ لأسباب مرتبطة بغيرة وإحتجاح بعض قادة الجيش العراقي حينذاك.
2 – إضافة إلى تأثير طلبات الآشوريين وبقية الأقليات المسيحية في الموصل على تقرير لجنة تقصي الحقائق والذي خصص حيزاً كبيراً لمسألتهم ومن ثم إنعكاس ذلك على قرار مجلس العصبة في إعطاء ولاية الموصل إلى العراق بدلا من تركيا، فإن المسألة الآشورية، وأقصد بها مشكلة قسم من الآشوريين المهجرين أبان الحرب الكونية الأولى من مناطقهم في حكاري شمال خط بروكسل والتي أصبحت بموجب هذا الخط الحدودي ضمن الأراضي التركية إلى مناطق جنوب هذا الخط والتي أصبحت من المناطق العراقية، فإن هذه المسألة قد أستغلت من قبل بريطانيا إستغلالاً كبيراً لا بل وبشعاً من أجل الفوز بولاية الموصل وضمها إلى العراق. تؤكد الوثائق البريطانية وأرشيف عصبة الأمم بأن مسعى بريطانيا في ضم ولاية الموصل إلى العراق كان يهدف إلى: (أ) – إقتصاديا، وعن طريق إضافة الثروة الطبيعية لولاية الموصل إلى بقية ثروات العراق. (ب) – عسكرياً، دفع القوات التركية خلف حدود طبيعية مانعة. (ج) – "إنسانية"، إحتواء وضم الآشوريين وبقية المسيحيين ضمن ولاية الموصل وتحت حماية بريطانية أوحماية الحكومة العراقية التي من المفترض أن تكون أرحم في تعاملها معهم من الأتراك الذين أضطهدوهم كثيراً.
من هذه المنطلقات "الإنسانية" جاء إستغلال بريطانيا للمسألة الآشورية وذلك عن طريق التذرع والتحجج بضرورة ضم ولاية الموصل إلى العراق لضمان الحرية والأمن للآشوريين وتخليصهم من الإضطهاد التركي ورفع المعاناة والمأساة التي حلت بهم من جراء الحرب العالمية الأولى وما خلفته من تشريد وضياع ومذابح. فخلال فترة الحرب أنضم آشوريو منطقة حكاري إلى الحلفاء بهدف التخلص والتحرر من نير وإستبداد الدولة العثمانية، غير أنه بعد قيام الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، وإنهيار الجبهة الشرقية، قام الأتراك وبعض العشائر الكوردية والفارسية المتحالفة معهم بالتنكيل بالآشوريين فأضطروا تحت تهديد الإفناء الجماعي ترك مناطقهم في حكاري والقدوم إلى المناطق التي أصبحت تحت سيطرة القوات البريطانية في العراق. أي بعبارة أخرى أنهم أنتقلوا من منطقة إلى منطقة أخرى ضمن بلاد مابين النهرين الذي كان خاضعاً للدولة العثمانية ولم ينتقلوا من دولة إلى أخرى كما يقول الكثير من الكتاب والمؤرخين ويعتبرونها حجة في شك ونكران وطنيتهم لأن العراق لم يكن قد تأسس كدولة في تلك الفترة بل كان جزء من الدولة العثمانية. وطيلة فترة مباحثات بريطانيا مع تركيا بشأن ترسيم الحدود وتقرير مصير ولاية الموصل كانت بريطانيا تثير مسألة الآشوريين النازحين من حيكاري كحجة قوية في هذه المسألة، فأعتبرت عودة الآشوريين إلى مناطقهم الأصلية في شمال خط بروكسيل شرطاً أساسياً لفض النزاع. غير أن تركيا رفضت رفضاً قاطعاً قبول عودتهم وأتهمتهم بالخيانة العظمى بسبب حمل السلاح ضدها أثناء الحرب. وعلى هذا الأساس طالبت بريطانيا بضم منطقة حكاري إلى العراق لضمان عودة الآشوريين إليها، فأنعكس هذا الخلاف على تفسير الفقرة الثانية من المادة الثالثة لمعاهدة لوزان حيث أعتبرت بريطانيا موضوع النزاع هو حل المشاكل الحدودية وتخطيط الحدود بين العراق وتركيا بحيث يشمل ذلك أيضاً تقرير مستقبل حكاري شمال خط بروكسل الحدودي، في حين أصرت تركيا على أن موضوع النزاع هو تقرير مصير ولاية الموصل جنوب خط بروكسل فقط وأكدت بأن منع عودة الآشوريين إلى مناطقهم في تركيا موضوع نهائي غير قابل للمناقشة والبحث.
عندما قرر مجلس العصبة ضم ولاية الموصل إلى العراق كان قد تخلل ذلك مباحثات في الأروقة السرية بقصد ترضية الأطراف المتنازعة، خاصة تركيا ذات النفوذ القوي والمتنامي. فقبول تركيا بقرار مجلس العصبة الذي إذا ما ظهر، من جانب، كنتيجة لهيمنة بريطانيا على مقدرات الشؤون الدولية وعلى العصبة وأعضائها، فأنه من جانب آخر كان قبولاً لبعض التنازلات التي أبدتها بريطانيا لتركيا ليس بالتنازل لصالح تركيا عن 10% من نفط الموصل فقط، بل تنازل ونكوص بريطانيا عن الوعود الكثيرة التي قطعتها للآشوريين النازحين بضمان عودتهم إلى مناطقهم في حكاري بعد ضمها إلى العراق. وبين إصرار أشوريي حيكاري على العودة إلى مناطقهم ورفض تركيا، إستطاعت بريطانيا الخروج من هذا المأزق عن طريق إستغلال الظروف المأساوية للآشوريين اللاجئين والضغط عليهم للتنازل عن مطالبهم بالعودة إلى حكاري مقابل وعود بريطانية وعراقية بتعوضيهم عن طريق إسكانهم بين بقية الآشوريين في مناطق من ولاية الموصل وتحديداً في دهوك والعمادية وزاخو والتي أصبحت مناطق عراقية جنوب خط بروكسل الحدودي،  فأستغلت بريطانيا هذه المسألة قبل صدور قرار العصبة، مدعية بضرورة ضم ولاية الموصل إلى العراق لغرض إسكان الآشوريين النازحين إليها من حكاري ومنحهم الإمتيازات التي كانوا يتمتعون بها في الدولة العثمانية. هكذا يظهر بأنه كان للآشوريين دوراً فاعلاً وحاسماً عسكرياً وسياسياً في ضم ولاية الموصل إلى العراق بدلا من تركيا وتثبيت حدود العراق الدولية وحمايته من الأطماع التوسيعة لتركيا في هذه الولاية.

الآشوريين وفق تحول المنطق الإستعماري البريطاني:
من المعروف أن منطق التحول الإستعماري من الكولونيالي إلى الحديث يقضي بغزو العقول لا غزو الأراضي وذلك عن طريق نصب حاكم أو نخبة حاكمة على سدة حكم دولة مركزية لا تقر للأطراف دوراً وترتبط بمعاهدة ضامنة لمصالحه الإقتصادية والسياسية. بالنسبة للوجود البريطاني في العراق تمثل هذا التحول من المنطق الكولنيالي إلى الحديث في معاهدة عام 1930 التي وقعتها مع الحكومة العراقية وفي تنازل بريطانيا عن نظام الإنتداب عن العراق ومنحه الإستقلال السياسي وقبوله عضواً في عصبة الأمم عام 1932. من خلال هذا المنطق في التحول الإستعماري نفهم سياسة بريطانيا في إستغلال مأساة الآشوريين من أجل تحقيق مصالحها في العراق ومن ثم طرحها للآشوريين خارج المنطق الإستعماري الجديد بعد أن كانوا من أدوات المنطق القديم ولم يعد لهم نفعاً في سماء المنطق الحديث للإستعمار. لذلك كان يقضي على بريطانيا التخلص من الآشوريين بعد أن أستنفذتهم وأستغلتهم في المرحلة الإستعمارية الكولونيالية والبحث عن إدوات جديدة تتوافق مع المنطق الجديد للإستعمار. هكذا وضعت بريطانيا الآشوريين على السفود حتى صيف عام 1933 عندما قام بعض من أدوات المنطق الجديد للإستعمار، أي من رجال السلطة الحاكمة في العراق، بحملة إبادة الآشوريين وذبحهم في بلدة سميل في شمال العراق في صيف عام 1933، وهو الحادث الذي بدا كحادث مدبر من قبل بعض ضباط الإنكليز وعن طريق بعض أعضاء النخبة الحاكمة أمثال بكر صدقي (هناك وثائق تؤكد بأنه كان جاسوس بريطاني) وحكمت سليمان (وزير الداخلية في العراق حينذاك وشقيق طلعت سليمان رئيس وزراء تركيا أثناء مذابح الأرمن والأشوريين)، وغيرهما من الضباط العثمانيين السابقين المتعطشين للسطلة والإستبداد للقضاء على الآشوريين وإتمام المهمة التي لم يتمكنوا من إتمامها أثناء مذابح الحرب الكونية الأولى وبالتالي القضاء على مطالبهم المشروعة في السكن بسلام وأمن في وطن أبائهم وأجدادهم. ويعتبر الآشوريون هذا الحادث (مذبحة سميل لعام 1933) بمثابة تحصيل حاصل للخيانة البريطانية وللحكومة العراقية حينذاك لقضيتهم وللخدمات الكبيرة التي قدموها في بناء العراق الجديد وما يزال يؤكدون هذه الخيانة حتى أيامنا هذه.
وأخيراً:
لعل البعض يتسائل ويقول: أفهل يعقل بأن الآشوريين وهم أقلية صغيرة، رغم مأساوية ظروفهم السياسية والإقتصادية والإجتماعية، كانوا إلى هذه الدرجة من الرقي  في الوعي الوطني لكي يضحوا الكثير ويقاتلوا من أجل ضم ولاية الموصل إلى العراق و ضمان حدوده الدولية والسعي لوحدة أراضيه؟؟ وعلى نفس المنوال نتسائل أفهل يعقل أن يكون المسلمون من النخبة العراقية السياسية ومعظم عشائر الكورد وغالبية التركمان إلى هذه الدرجة من ضعف الوعي الوطني بأهمية وحدة تربة العراق والتضحية في سلبيه؟؟. إن طرح مثل هذا التساؤل قد يكون مجازاً ومنظوراً إليه بمفهومنا الحالي للوطنية ولظواهرة نشأت في فترات لم يكن مفهوم الوطنية واضحاً خاصة في مرحلة تأسيس دولة العراق ولم يكن له الأولية على المصالح السياسية الضيقة للنخبة أو لفئة أو لقومية أو لطائفة معينة. لهذا السبب فإن كل هذه الفئات عملت بما يفيد مصالحها الخاصة أكثر مما كان يفيد الوطن في تلك الفترة. فالسياسة هي عمل لتحقيق مصالح خاصة، سواء أكانت قومية أم طائفية أم نخبوية، ولا معنى آخر لها. ولكن لكي نجيب على مثل هذا التساؤل، المهم يجب أن نعرف مدى توافق هذه المصالح الخاصة (السياسة) وتطابقها مع المسائل الوطنية. بالنسبة للآشوريين في تلك الفترة كانت مصالحهم القومية والدينية تتطابق جزئياً أو كلياً مع مصالح بريطانيا في خلق كيان سياسي عراقي موحد كان متوقعاً منه أن يكون نظام الحكم فيه أرحم من النظام السياسي في تركيا ويضمن حقوقهم المشروعة ضمن وحدة العراق وكان الآشوريون يملكون أدوات ووسائل تحقيق مثل هذه المهمة والتي تمثلت في قوتهم العسكرية وفي مشروعية مسألتهم القومية وتطابقها مع وحدة العراق. في حين كانت مصالح معظم الكورد والتركمان وللأسباب والعوامل المذكورة سابقاً تتناقض مع مصالح بريطانيا وتتطابق مع مصالح تركيا ومع أن تكون ولاية الموصل لتركيا بدلا من العراق. أما بالنسبة لمصالح النخب السياسية في العراق فقد كانت تتطابق بشكل ما مع مصالح بريطانيا في ضم ولاية الموصل إلى العراق بدلا من تركيا وضمان حدوده ووحدته إلا أنهم لم يكن يملكون الأدوات والوسائل اللازمة لتحقيق هذه المهمة لذلك تركوا الأمر لبريطانيا وللقوات الآشورية للقيام بالمهمة.
من المؤسف حقاً أن يتناول معظم الكتاب والمؤرخين العراقيين المسألة الآشورية في العراق ضمن بنية فكرية تتماشى مع الأفكار والمناهج الإستبدادية للنخب الحاكمة والمتسلطة في تعاملها مع التطلعات المشروعة للأقليات القومية في العراق بما فيهم الآشوريين. فعلى الرغم من الدور الإيجابي للآشوريين في مقارنته مع المتغيرات الأخرى في دفع النزاع وحل مشكلة الموصل لصالح العراق على حساب تعاظم مأساتهم ومعاناتهم، وعلى الرغم من الإجحاف الظالم لبريطانيا بحق الآشوريين وجعلهم كبش الفداء لتحقيق مصالحهم وترسيخ حدود كيان العراق السياسي، وعلى الرغم من زوال النظم الإستبدادية في العراق، ونأمل أن تكون بغير رجعة، فإنه لايزال ينظر إلى حقوق الآشوريين من قبل بعض القوى العراقية والنخب المسيطرة على مقدرات العراق الحاضر بنوع من التردد وعدم المبالات والتجاهل وإغفال عراقتهم وتاريخهم والدماء التي أزهقوها على تربة العراق منذ عهود طويلة من أجل العيش بأمن وسلام مع بقية أبناء الشعب العراقي.

وطبقا لما تقدم نتسائل إلا يستحق الآشوريون بكل تسمياتهم الحضارية والتاريخية (الكلدانية والسريانية) أن يحكموا أنفسهم ويتمتعوا بالأمن والإستقرار في مناطقهم التاريخية التابعة لـ "ولاية" الموصل والتي كانت تشمل حينذاك محافظات دهوك وسليمانية وكركوك وأربيل؟.  فلولا دور الآشوريين الفاعل والمؤثر ولولا تعاظم مأساتهم ومعاناتهم لما كانت اليوم أراضي هذه المحافظات جزء من العراق. تصوروا لو كانت أراضي ولاية الموصل قد ألحقت بتركيا فأن حال الكورد في أربيل وسليمانية وكركوك ودهوك كان كحال الكورد الحالي في تركيا وكانوا مجرد "أتراك الجبال". والحال نفسه بالنسبة للعرب القاطنين في هذه المحافظات فأنه من المؤكد كان قد أصبح حالهم كحال عرب الأهواز في إيران. لا بل لكانت هذه المسألة أصبحت من أعقد المشاكل وأصعبها بالنسبة للحكومات العراقية المتعاقبة على الحكم ومصدراً للكثير من القلاقل والمشاكل الحدودية مع تركيا فيما إذا كان قد ألحقت أراضي ولاية الموصل بتركيا.  ولا أدي كيف نتصور حال التركمان في حالة ضم الموصل إلى تركيا فيما إذا كانوا قد أعتبروهم مواطنين أتراك من الدرجة الأولى أم الثانية؟.  
أفهل يفهم رجال الحكم والسياسة والفكر والسلطة في العراق هذا أم ستبقى أذانهم صماء وعيونهم مغلقة وأدمغتهم متحجرة مثلما كان يفعل رجال الأنظمة الإستبدادية السابقة التي سادت في العراق؟؟؟ .... أملاً أن يكون الجواب بالنفي، حينذاك سوف نؤمن بأن الدعوات التي يطلقها هؤلاء في الديمقراطية والتعددية وحماية حقوق الإنسان والأقليات تكتسب مصداقية مقبولة لدى الجميع خاصة لدى الذين عانوا كثير الكثير من أجل وحدة العراق وضمان إستقراره، وهو الأمل الذي ينشده معظم أبناء الأمة "الكلدانية السريانية الآشورية" وقواهم السياسية.  





102
كيف نفهم السياسة القومية: وجودنا القومي، الحكم الذاتي، يونادم كنا....

                                                                                                                أبرم شبيرا
توطئة:
جميل جداً أن نرى أبناء أمتنا مهتمين بشكل كبير في المسائل القومية والسياسية، خاصة عندما تكون هذه المسائل مصيرية متعلقة بأمتنا ومستقبلها في وطن الأباء والإجداد، وهي ظاهرة إيجابية تدل على مستوى متطور من الوعي القومي والسياسي لدى أبناء أمتنا "الكدانية السريانية الآشورية". ولا أخفي سراً أن أقول بأنني أستغربت بل تعجبت من العدد الكبير لقراء ومداخلات على ما كتبته تحت عنوان "نداء عاجل إلى ممثلي أمتنا في البرلمان ومجالس المحافظات... إستقيلوا رحمة بدماء شهدائنا" والذي عرضته مشكورة شبكة عنكاوه دوت كوم ضمن باب "الحوار الهادي". ولكن، وكما نعرف بأن مثل هذه المداخلات التي تتمحور حول مسائل مصيرية معقدة، لا تخلوا أبداً من بعض الإنتهاكات لحدود "الحوار الهادئ" وتتجاوزه نحو الإهانات والسباب والتهم التي لا تمت بأية صلة بالموضوع المطروح ولا بالسياسة والمسائل القومية التي تهمنا في هذا الزمن الغادر الذي لا يرحم أحد خاصة الصغير والضعيف.

السياسة = عمل لتحقيق المصلحة العامة
علينا جميعاً أن نفهم بأن السياسة والمسائل القومية وإبداء الرأي فيها لا تملك صفة الإطلاق والشمول. فليس هناك رأي سياسي صحيح ومطلق وشامل بل كل شيء نسبي. فمثلما لي رأي فلك رأي أيضا وكل جانب له الحق أن يعتز برأيه ويدافع عنه. فالذي يتحكم في صحة الرأي أو خطئه هو مصداقيته ومدى منفعته للصالح العام عند تطبيقه وممارسته في الواقع العملي، فالتطبيق هو الفيصل في تقرير طبيعة كل رأي. يقال عن السياسة بأنها علم وفن، وبعبارة أخرى هي فكر وممارسة. فكلنا نملك أفكار سياسية وقومية قد تكون منطقية ومقبولة ولكن الحكم عليها في مدى صدقها وصحتها يكون بتطبيقها وممارستها على الواقع لبيان مدى فائدتها ومنفعتها للأمة أو لغالبية أبنائها. فالسياسة بشكل أوضح هي تحقيق المصلحة العامة ولا يمكن أن تكتسب هذه المصلحة الصفة العمومية لتشمل غالبية أبناء الأمة إلا عندما تكون "نفعية" أي نافعة. فالحقائق التاريخية تؤكد بما لا تقبل الشك بأن البراغماتية "الفلسفة النفعية" قد أنتصرت في المجتمعات الغربية المتقدمة وتطورت بلدانها بعدما تنورت بالفلسفات البراغماتية وطبقت بما هو مفيد ونافع. فالكتب الفلسفية مليئة بمفاهيم الصراع بين البراغماتية والإيديولوجية الذي كان الشكل النظري للصراع بين الرأسمالية والشيوعية وشكلاً آخراً للحرب الباردة أو صراع القطبين والذي أنتصرت فيه البراغماتية على الإيديولوجية خاصة في بداية التسعينيات. لنأخذ الماركسية كأيديولوجيا، على سبيل المثال لا الحصر، فهي أعظم فلسفة أنجبها التاريخ خلال القرنين الماضين ولكن مدى أهميتها للشعوب والإستفادة من الجهود العظيمة التي بذلها كارل ماركس ورفيقه فريدريك أنجلز في تحليل المجتمعات وتطورها كان يكمن في كيفية قراءتها وفهمها وتطبيقها بالشكل الصحيح والمفيد. انهار الإتحاد السوفياتي وبقية بلدان كتلته بعد قرائتهم وتطبيقهم للماركسية بشكل خاطئ ونقلها إلى مرحلة الشيوعية ورأسمالية الدولة أو بالأحرى رأسمالية الحزب الواحد والنخبة الحاكمة، خاصة في الفترة الستالينية وما أعقبها. في حين نرى على العكس من هذا، ففي البلدان الغربية الديمقراطية والمعروفة بـ "الرأسمالية" فإنها لم ترفض الماركسية رفضاً قاطعاً، رغم معاداتها لها، بل قرأتها قراءة دقيقة حذرة وإستفادة منها في فهمها للعيوب التي تعتري النظام الرأسمالي وتسبب في إنهياره والتي أكتشفها ماركس، فعدلت من سياساتها وبشكل الذي ينفع غالبية أبناء المجتمع، خاصة في بريطانيا والتي كان ماركس يعقتد بأنها الدولة الأولى التي ستتحول إلى الإشتراكية بسبب تطور الصناعة وقوة تنظيم القوى العاملة فيها. غير أن الأمر لم يحدث بل على العكس من ذلك حيث تطورت القوى العاملة ووصلت إلى مراحل متطورة ومترفة لذلك يعتبر التنظيم العمالي ونظام الضمان الإجتماعي والصحي في بريطانيا من أرقى الأنظمة في العالم. والحال لا يختلف كثير عن بقية البلدان الغربية الديمقراطية فحتى الأحزاب الماركسية فيها رفضت الكثير من الأفكار الشيوعية وعدلت من إستراتيجيتها في التعامل والمشاركة في النظام الديمقراطي وساهمت في تطوره وتقدمه ضمن الحدود الدستورية للدولة. وأخير نقول بكل وضوح، السياسة الناجحة هي التي تفيد الأمة أو غالبية أبناؤها، أي بصريح العبارة هي عمل لغرض تحقيق المصلحة العامة التي تطغي على المبادئ والقيم المثالية والإيديولوجيا.

هكذا فالحال ينطبق على الأفكار والمبادئ السياسية والقومية لأبناء أمتنا. فمما لا شك فيه بإن معظم أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية تحمل أفكار ومبادئ قد تكون نبيلة وراقية ولكن لا يمكن التحقق من مدى منفعتها إلا عن طريق تطبيقها على الواقع العملي. ولقد سبق وذكرنا مراراً وتكراراً بأن الحزب السياسي، بالمعنى العلمي الصحيح للحزب، لايمكن أن يحقق أهدافه إلا عن طريق الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها. من هذا المنطلق لا يمكن أن نحكم على حزب معين في مدى نجاحه في حياته السياسية وتحقيق أهدافه والتي من المفترض هي أهداف غالبية أبناء الأمة إلا عندما يصل إلى مواقع السلطة أو يشارك فيها ويعمل على تحقيق أهدافه لصالح الأمة. تعتبر الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) نموذجاً لحزب سياسي بكل معنى الكلمة التي إستطاعت المشاركة في السلطة وتحقيق بعض الأهداف القومية لمصلحة الأمة ومنفعتها خاصة في إقليم كردستان وقبل سقوط النظام البعثي في العراق في نيسان عام2003. غير أن الواقع العملي يؤكد بما لا يقبل الشك بأنها لم تستطيع تحقيق أي هدف يصب في مصلحة الأمة من خلال مشاركتها في برلمان العراق لا وبل حتى ممثلي أمتنا في مجالس المحافظات لم يستطيعوا أن يعملوا شيئاً يفيد هذه الأمة ويطبق على الواقع العملي في مقارنة مع حجم المأساة والفواجع التي بمر بها أبناء هذه الأمة ويهدد وجودهم الشخصي والقومي.

يتصور البعض بأن الإشارة إلى هذا العجز في تحقيق المنفعة للأمة من خلال المشاركة في السلطة هو تقليل من قيمة ممثلي أمتنا في البرلمان ومجالس المحافظات وتجاهل لجهودهم المضنية المبذولة في خدمة الأمة. والبعض الآخر يرجع سبب هذا العجز إلى ضعف إداء ممثلي أبناء امتنا في هذه الهيئات. هذه تصورات خاطئة وتعبر عن قصر نظر للأمور السياسية والقومية والظروف السياسية السائدة في العراق والقوى المتحكمة في مقدراته. قبل كل شيء نحن لا نشك إطلاقاً في صحة وقانونية تمثيل هؤلاء لأمتنا لدى هذه الهيئات ولا في قدراتهم السياسية والفكرية وإستعدادهم للعمل والتضحية في سبيل هذه الأمة سواء أكنا متفقين مع أجندتهم السياسية أم لا، فهم منتخبين من قبل أبناء الأمة ولا يهم هنا عدد الأصوات أو عدد المقترعين طالما فازوا بأكثرية الأصوات المقترعة. أن سبب عجز ممثلي الأمة في مهمتهم يرجع بالأساس إلى طبيعة الظروف والأجواء السياسية والفكرية المهيمنة على هذه الهيئات والتي يعملون ضمنها والتي سبق وأن فصلنا فيها في المقال السابق. فالقوى السياسية والفكرية المهيمنة على مقدرات عراق اليوم لا تؤمن في كوامنها الفكرية وفي تربيتها الطائفية بالغير ولا بحقوق الآخر طالما هي في تعارض أو تناقض مع تطلعاتها الدينية والمذهبية منها والتي لها سلطة مطلقة على حياة العراق السياسية في أيامنا هذه. إن المسألة ليست بالكلام عن الديمقراطية وعن بعض السطور الدستورية في التعددية بل في الفكر والممارسة ومساعدة الطرف الأضعف في المعادلة لكي يتم تحقيق التعددية والديمقراطية وليس بترك الصغير طعاماً لضباع الأرهاب والتطرف. أعيد وأكرر هنا مرة أخرى وأقول أن تمثيل أبناء أمتنا في البرلمان ومجالس المحافظات ليس للأمة أية منفعة أو مصلحة بل المستفيد الوحيد هم القوى المهيمنة على الحكم في العراق وهي في غالبيتها طائفية مذهبية حيث تستعملهم كـ "ديكور" لديمقراطيتهم وتعدديتهم لكسب عطف ومساعدات الدول الديمقراطية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. إذاً لماذا أترك غيري يستفيد من وجودي إلى جانبه وأشاركه في عمليته السياسية وأنا اطلع من المولد بدون حمص، كما يقول المثل، فمن الأفضل أن أتركه وأتخلى عن المشاركة في العملية السياسية وأغسل يدي وأبرئ نفسي من دماء شهدائنا الأبرار التي أسيلت بفعل الجهات المهيمنة على مقدرات العراق سواء بقصد أو بأهمال أو بجهل.

وقبل أن أختم هذا الفصل، أود هنا أشير إلى بعض النماذج البسيطة جداً ولكن ذو مغزى كبير فيما يخص موضوعنا هذا. قبل فترة كنت أشاهد مقابلة في قناة فضائية عراقية مع أحد زعماء القوى المسيطرة على الحكم في العراق عن مجزرة كنيسة سيدة النجاة، تصورا كان يستنكف هو والقناة الفضائية أن يذكروا أسم الكنيسة بشكل كامل (سيدة النجاة) بل كانوا يشيرون إليها بـ (كنيسة النجاة) فقط لأن عقولهم العفنة لا تقبل أن تكون أم ربنا يسوع المسيح سيدة للنجاة، هذا شأنهم ولكن القيم الأخلاقية تلزم المسؤولين بتسمية الأشياء بأسمائها. في مؤتمر صحفي لوزير عراقي، طبعاً هو عضو بارز في أحدى القوى المسيطرة على العراق، بخصوص مذبحة كنيسة سيدة النجاة كان يرد على سؤال فيما إذا كان الأمريكان قد ساعدوا القوات العراقية في إقتحام الكنيسة، فبعد بيان نوع المساعدة وعند وصوله إلى موضوع إستخدام الكلاب البوليسية في العثور على الجثث تحت الأنقاض أو القنابل غير المتفجرة تردد وتلعثم ثم قال (تكرمون إستخدم الجلاب أيضا) لأن حسب عقيدته، رغم أنه تخرج من الجامعات الغربية، الكلب حيوان نجس فيجب أن يتكرم الإنسان قبل لفض أسم هذا الحيوان الذي يعتبر أخلص صديق للإنسان والذي كان شجاعاً وشاطراً أكثر من غيره في دخول الكنيسة المدمرة والبحث فيها. هذا من طرف أما من طرفنا، فقبل بضعة أيام كان في قناة فضائية لبنانية مقابلة مع وزيرة حقوق الإنسان في العراق وهي من "المكون المسيحي" في الوزارة العراقية "العالقة" عن مذبحة كنيسة سيدة النجاة تكشف بشكل واضح عن موقفها المتناقض في كونها ممثلة للمسيحيين في الوزارة و عضوة في هذه الوزارة عندما كانت تنتقد الحكومة، وهي جزء منها، عن ضعف إداء الحكومة في حماية المسيحيين. واليوم يبحث السيد نوري المالكي عن شخصية مسيحية لتوليه حقيبة وزارية!!! وهي الحقيبة التي لا تخدم إلا المالكي وأتباعه وليس أبناء أمتنا. أكرر مرة أخرى وأقول أن البقاء في الهيئات البرلمانية والمحلية والحكومية لا يخدم إلا "السيد" وليس لنا منها لا ناقة ولا جمل. 

الإرهاب يهدد وجودنا القومي والديني:
ليس بالأمر الغريب والجديد أن نؤكد بأن عواصف الأرهاب والتطرف الديني يعصف بالعراق وبجميع العراقيين دون إستثناء فهو، أي الإرهاب، متساوي في إرهابه ووحشيته إلا أن ضحية هذا الإرهاب تختلف من جهة إلى أخرى. فالغريب والمثير للعجب والدهشة أن لا يدرك الكثير من سياسيين وبعض من مفكرينا وكتابنا حقيقة ونوعية نتائج هذا الأرهاب. إذ الكثير منهم يلجاً، مقلداً بذلك تبرير وفشل الحكومة وتوابعها في الحفاظ على الأمن والاستقرار، إلى التأكيد الملح على أن الإرهاب ليس موجهاً ضد المسيحيين فقط بل ضد كل العراقيين من مختلف توجهاتهم القومية والدينية من دون الإشارة أو حتى التلميح إلا إختلاف نتائج هذا الإرهاب على المسيحيين عن المسلمين كافة. فإذا دمر الإرهابيون مسجداً أو حسينية فهناك مئات بل الألاف من المساجد والحسينيات ولكن إذا دمروا كنيسة واحدة فهناك فقط العشرات منها. وإذا قتلوا مسلماً واحداً فهناك أكثر من 25 مليون مسلماً ولكن إذا قتلوا مسيحياً واحداً فهناك أقل من نصف مليون مسيحي باقي في العراق حازماً حقيبته ومتهيئاً للسفر إلى بر الأمان والسلامة بعيد عن الإرهاب والتطرف الإسلامي. أعجبني جداً رد الصديق وليم نرسي رئيس جمعية حمورابي لحقوق الإنسان في العراق أثناء مشاركته في ندوة تلفزيونية في قناة "الحرة" في برنامج "بالعراقي" عندما هب ورد وبحماس منطقي على أحد المشاركين في الندوة عن كون الإرهاب يهدد الجميع دون إستثناء وليس مقصوراً على المسيحيين فقال "هذا خطاً كبير لإن الإرهاب يهدد وجود المسيحيين القومي والديني في العراق ولا يهدد شخص أو مجموعة أشخاص في حين الأمر ليس كذلك مع الآخرين غير المسيحيين فالأعمال الإرهابية لا يهدد وجودهم القومي والديني في العراق".

إن حماية المسيحيين في العراق، وبالأحرى حماية وجودهم القومي والديني، مسألة يستوجب أن تستقطب إهتماماً إستثنائياً خاصا وإن لا تخلط الأوراق وينتهي وجودهم بحجة الإرهاب الذي يشمل الجميع. لنأخذ المثال التالي: العراق كرمة خضراء مليئة بالأشجار بمختلف الإنواع والأحجام والألوان. فمن حيث المبدأ وفي الظروف الإعتيادية على صاحب الكرمة أن يهتم بكل الأشجار مهما كان نوعها او حجمها. ولكن عندما تهب على الكرمة عاصفة هوجاء فلا شك بأن جميع الأشجار سوف تهتز وتتأثر بها وقد تتناثر أوراقها أو تتكسر أغصانها وكل طبقاً لحجم الشجرة وقوتها. ولكن أكثر الأشجار تهديداً وضرراً ستكون الأشجار الصغيرة والضعيفة لذلك على صاحب الكرمة أن يولي إهتماماً خاصاً وإستثنائيا بهذه الأشجار خاصة عندما تكون هذه الأشجار من النوعية النادرة والثمينة ومعرضة للإنقراض والفناء. هكذا هو حال المسيحيين في العراق. فإذا كان صاحب الكرمة لا يدرك هذه الحقيقة فأنه سيكون هو الخاسر الأول في نهاية المطاف. ولقد تبينت كل الحقائق الفكرية والواقعية، خاصة أثناء وبعد مذبحة كنيسة سيدة النجاة وما تلاها من هجمات على بيوت المسيحيين كحلقة من حلقات سلسلة حملة القضاء على الوجود المسيحي في العراق بأن صاحب الكرمة غير مهتم بهذه الإشجار الصغيرة والنادرة إهتماماً فعليا يحافظ على بقائهم وإستمرار وجودهم.

في بداية العقد الرابع من القرن الماضي طالب "الآشوريون" بزعامة بطريركم مار إيشاي شمعون طيب الله ذكراه الحكومة العراقية إسكان الآشوريين المهجرين من منطقة حكاري في منطقة واحدة متنجانسة في شمال العراق إلى جانب بقية المناطق المسكونة من قبل الآشوريين لكي يتمكنوا من الحفاظ على تقاليدهم وعاداتهم ووجودهم القومي والديني، غير أن زبانية الحكومة العراقية حينذاك أصروا على إسكانهم في مناطق متعددة ومفقرة وبالتالي جاء هذا الإختلاف كسبب من أحدى الأسباب في إرتكاب جريمة مذبحة سميل. واليوم يتعرض أبناء أمتنا إلى أكثر من مذبحة سميل شدة وخطورة على كيانهم القومي والديني في عراق في الوقت الذي الكثير من سياسيي ومفكري أمتنا يترددون أو يرفضون قيام كيان خاص بالمسيحيين في العراق.. إن مصلحة الأمة تفرض على جميع أحزابنا ومنظماتنا القومية في الوقت الحاضر أن لا تهتم وتضيع الوقت في مناقشة نوعية أو تسمية هذا الكيان سواء أكان حكم ذاتي أو إدارة محلية أو محافظة مسيحية أو حتى دولة أو إمبراطورية، فالمشكلة ليست بالتسميات القانونية والسياسية طالما لم يعد هناك من قانون أو سياسة تحمي المسيحيين في العراق بل في ضرورة وجود مثل هذا الكيان كضامن وحيد للحفاظ على الوجود القومي والديني لأمتنا. لقد سبق وأن أكدنا مراراً وتكراراً بأن الأمة لا يمكن أن تحافظ على كيانها وممارسة حقوقها كاملة إلا بتواجد مجموعة شروط ذاتية وموضوعية، والذي يهمنا هنا هي الشروط الموضوعية التي تكمن في حجم أبناء الأمة وتركزها الجغرافي، وهي الشروط المطلوبة لكل كيان سياسي وقانوني خاص بأبناء أمتنا. صحيح قد تكون بعض الظروف الحالية غير مشجعة للعمل الفعلي لخلق مثل هذا الكيان القومي والديني لأمتنا ولكن المطالبة به والتخطيط له أمرُ مطلوب من الجميع خاصة من أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية. لقد كان إجتماع عنكاوة في يوم 26.11.2010 لقادة القوى السياسية لأبناء أمتنا مبهجاً جداً ومفرحاً للجميع دون إستثناء خاصة فيما يخص البحث والتداول في موضوع إيجاد كيان خاص لأبناء أمتنا ولكن الإختلاف حول نوعية هذا الكيان أمر غير مقبول ولا يدل على الدراية السياسية للكثير منهم. كما أن موضوع مطابقته للدستور مسألة لم تعد لها أهمية في ضوء الفلتان الأمني القاتل لوجودنا القومي والديني في العراق. فالمهم أن يعلو صوت المطالبة بمثل هذا الكيان وكما هو دارج في الحياة السياسية فأن معظم المطالبات السياسية والقومية تبدأ من حدودها القصوى من دون مراعاة لا للدستور ولا للقانون خاصة في الظروف الإستثنائية، فالمصلحة القومية تكون فوق جميع الإعتبارات ثم بعد ذلك تأتي مرحلة التفاوض حول المطالبات ومدى إمكانية التنازل أو الإستغناء عن بعضها والإبقاء على المطالب الأساسية والجوهرية غير القابلة للتفاوض أو التنازل. هكذا يجب أن تبدأ المطالبة بحق أمتنا في الحكم الذاتي لمناقشة موضوعه وتطبيقه مع القوى المتسلطة على الحكم في العراق ثم يتم خلال المناقشات البحث عن نوعية الحكم الذاتي ونطاق صلاحته التي سوف تحدد تسمية الكيان سواء أكان فعلاً حكم ذاتي أم إدارة محلية أم محافظة "مسيحية" وغير ذلك ومدى مطابقته لمصلحة أمتنا أولا ثم الدستور والقوانين ثانية. إذن يجب قبل كل شيء أن يتفق قادة أحزابنا السياسية على مبدأ المطالبة بالحد الأقصى لحقوقنا القومية ثم بعد ذلك تأتي التفاصيل الدستورية والقانونية ومدى إمكانية نقل المطالبة إلى الواقع العملي.

يونادم كنا:
أخيرا أود أختم هذا الموضوع بفصل عن الإستاذ يونادم كنا لأنه يظهر من المقال السابق الخاص بدعوة ممثلي أمتنا بالاستقالة من الهيئات الحكومية بأن هو المقصود بالدرجة الأولى.  إن رابي يونادم  يسحتق الكتابة عنه أكثر من فصل وكتاب ذلك لكونه لولب السياسة القومية في عصرنا الحالي. لقد عرفته منذ فترة طويلة وعبر مراحل عمرية متعددة من الصبا والمراهقة والدراسة الإعدادية والجامعية ومرحلة النادي الثقافي الآشوري في بغداد وتأسيس زوعا والمراحل الصعبة والإعتقالات التي مرت بها وأيضا خلال فترة الإنجازات التي حققتها خاصة في كردستان العراق وحتى يومنا هذا. فإذا كان موضوع كفاءته السياسية والفكرية خاضعاً لتقديرات شخصية غير أن إخلاصه لأمته وتفانيه من إجلها وقدرته على العمل في أقسى الظروف وأحلكها والتعامل مع الغير والمختلف مسألة مؤكدة منها لا أشك فيها إطلاقاً. لقد سبق وأن أكدنا في مقال سابق بأن أكثر الشخصيات السياسية في أمتنا المعرضة للنقد وأحياناً للتهجم هو الإستاذ يونادم والسبب في ذلك أرجعناه في كونه أكثر الشخصيات الفاعلة على الساحة القومية والوطنية. فالذي يعمل يحقق إنجازات وأهداف وكذلك يخفق ويخطأ أيضاً، وهي مسألة طبيعة خاصة في الحياة السياسية التي تزدحم فيها التناقضات القومية والدينية وتتعاظم التحديات المصيرية كما هو حالنا في العراق.

هذه الحقيقة يصعب على البعض من ضيقي الأفق والفكر فهمها. فإذا قيمنًا الأستاذ يونادم على ما عمله وحققه أستخرج المناهضين له قولاً بأنه مدح وتمشدق به، وإذا إنتقدنا فشله وإخفاقه هبً بعض المحسوبين عليه وعلى زوعا وقالو بأنه تهجم على "صديقنا" وهذا لايجب. أُوكد ما سبق وأكدناه مراراً وتكراراً بأن مثل هؤلاء يضرون بسمعة أبو يوسف وبزوعا أكثر مما يفيدونهم، فهؤلاء الذين يعتقدون بأن الأستاذ يونادم هو قديس لا يخطأ ومحصن ضد أي نقد بناء هو أمر في غاية الخطور يستوجب على زوعا عدم التصفيق له أو مؤازرته بل إستئصاله إذا كان جزء منها وإنكاره إذا كان من مؤيديها. من هذا المنطلق النقدي والذي نعتقد بأنه بناء تأتي دعوتنا إلى إستقالة ممثلي أمتنا في البرلمان، وبالأخص الإستاذ يونادم، ومجالس المحافظات لأن جهودهم ضائعة وفي غير محلها. فلعبة الكوتا التي تفيد الغير أكثر مما تفيد أمتنا تخلق وعياً زائفاً بأن الحكومة والقوى المسيطرة على مقدرات العراق منحت لنا الحقوق السياسية والقومية ولكن نحن أو ممثلي أمتنا لا يستطيعون العمل شيئاً وبالتالي يصبح موضوع المطالبة بالحقوق القومية وتطبيقها وممارستها أمر مشكوك فيه.   


103
نداء عاجل إلى ممثلي أمتنا في البرمان ومجالس المحافظات ... أستقيلوا رحمة بشهدائنا


أبرم شبيرا

هكذا ومنذ البداية نعيد إطلاق هذا النداء إلى جميع ممثلي أمتنا المعروفة دستوريا بـ (الكلدانية السريانية الآشورية) أن يستقيلوا من البرلمان ومن جميع مجالس المحافظات ويتركوا مسخرة الديمقراطية التي ما هي إلا تراجيديا مأساوية بحق هذا الشعب العريق. قبل بضعة سنوات وأثناء المشاركة في محاضرة في ديترويت في الولايات المتحدة أطلقت مثل هذا النداء كرد عملي ضد هضم حقوقنا القومية في الدستور العراقي. واليوم نعيد هذا النداء مرة أخرى في وضع أسوء بكثير مما كان عليه في الماضي... الكل يؤكد بأن هذه المذبحة هي الأكثر دموية ووحشية مما سبقتها ومن المؤكد فإن الأرهابين لا يتوقفون عند هذا الحد بل هدفهم الأساسي هو تنظيف الديار الإسلامية من "القردة والخنازير" كما يطلقون علينا. أن ما جرى في السابق وفي كنيسة سيدة النجاة وما سيجري في المستقبل القريب له بكل تأكيد إمتدادات أخطبوطية في أروقة الحكومة والبرمان وفي دهاليز القوى المسيطرة على مقدرات العراق وبالتالي نقولها بملئ الفم بأن هذه الجهات هي التي تتحمل المسؤولية إلى جانب المنظمات الإرهابية عن كل ما يجري بحق أمتنا وعلى ممثلي أمتنا أن لا يشاركوا في هذه المسؤولية.

إن مهزلة "الكوتا المسيحية" هي عنوان لمسرحية تراديجية جعلوا منا أن نمثلها على مسرح الجريمة ونشارك فيها من أجل أن تضحك علينا القوى الظالمة المسيطرة على العراق ونحن نبكي ونسيل دماء أبناؤنا... المعروف قانونياً وسياسياً عن الكوتا هو ضمان حقوق أقلية ليس لها قوة وتأثير حتى تستطيع أن تضمن وصول ممثليها إلى مراكز صنع القرار السياسي لضمان حقوقها الدستورية وتتجنب هيمنة الأكثرية عليها وإخضاعها لبرامجها الخاص بها. هكذا يكون في الدول الديمقراطية التي تتحكم فيها عقول ديمقراطية وتسود فيها مبادئ وممارسات ديمقراطية حقيقية وليس شكلية أو لفظية كما هو الحال في العراق. نحن متأكدون بأن الغالبية العظمى في الحكومة العراقية وفي البرلمان ومجالس المحافظات لا يؤمنون، لا فكريا ولا مبدئيا ولا ممارسة، بالحقوق القومية والدينية لأبناء أمتنا. هذه حقيقة معروفة من خلال ممارستهم للعمل السياسي وفي أحيان أخرى من سلوكيات وتصريحات في معظمها، أن لم تكن معادية بل هي متجاهل كل التجاهل عن الوجود القومي لأمتنا في العراق وعن أصالتها التاريخية وحقها الطبيعي في ممارسة كامل حقوقها مثلها مثل الآخرين من الأكثرية، حيث أصبحنا كـ "ديكور" في تلطيف وتحسين ممارسات القوى المهيمنة حتى يعطوا إنطباعاً جيداً للعالم الديمقراطي.

  إلى متى نظل نستنكر ونخرج في مظاهرات "سلمية" إحتجاجاً على المذابح التي ترتكب بحق أمتنا، أليست كافيا الدماء الطاهرة التي أزهقت في كنيستنا "سيدة النجاة" لكي نترك كراسي الدماء والجريمة في العراق ونبرئ أنفسنا من المشاركة في هذه الجريمة، ودماء شهدائنا لازالت تفور على أرض الكنيسة والمنطقة المحيطة بها. لنترك مهزلة اللعبة السياسية التي نشارك فيها في الوقت الذي يذبح أبناء أمتنا المسالمين لأننا نحن الخاسرين وهم، سواء أكان الأرهابيون الذين نفذوا مذبحة سيدة النجاة أم حكومة الشبح والقوى المسيطرة على مقدرات العراق، هم الرابحون أولاً وأخيرا. يقول البعض بأنه هذا ليس حلاً لوضع حد لهذه المأساة والمذابح... هذا صحيح، ولكن أقولها بصراحة بأنه لم يعد هناك حلا لمأساتنا في العراق طالما هناك من سيطرة على مقدرات العراق لا يؤمن بالإختلاف المشروع ولا يقر حقاً للغير والمختلف, فالحل الوحيد هو أن يكون لأمتنا حكماً ذاتياً في مناطقهم التاريخية ويجب على كل قوانا السياسية والدينية أن يعلنوا صراحة وعلناً ويطالبوا بهذا الحق كضمان وحيد وأساسي للبقاء في أرض الأباء والأجداد. أما من يتضرع ببعض الكلمات السخيفة في الكتيب الذي يسمى بـ "الدستور" في الوقت الذي يستمر القتل والخطف وتدمير كنائسنا وسلب بيوتنا والقضاء على حياتنا، حينذاك نقول لمثل هذا الدستور "طوز" في مثل هذا السدتور، كما يقول المصريون.  

نحن الخاسرون من المشاركة في اللعبة السياسية في العراق لأنه يضيف ويعطي للذين لا يؤمنون بحقوقنا تذكرة مرور إلى الرأي العام العالمي والدول الغربية الديمقراطية ليقول بأن حقوق الأقليات مضمونة في العراق، فحالهم كحال النظام البعثي المقبور الذي كان يتحجج ويعتمد على بعض قصاصات الورق تبين للمنظمات الدولية بأن حقوق الأقليات في العراق مضمونة في الوقت الذي كان يعلق أبطال أمتنا على المشانق ويرميهم في مهالك السجون. لماذا نلوم ممثل أمتنا في مجلس محافظة الموصل عندما يترك المجلس ولا يحضر إجتماعاته طالما هناك أكثر من عشرين ممثل في هذا المجلس عيونهم عمياء وأذانهم صماء لا يرون الواقع ولا يسمعون إلى دعوات وشكاوى ممثل أمتنا. فعندما يطرح موضوع، مثلاً كموضوع توزيع أراضي للغير في قضاء الحمدانية للتصويت في المجلس فمن المؤكد إن الغالية العظمى تصوت لصالحه. إذن ما الذي يستطيع أن يفعل صوت أو صوتين لممثلي أمتنا في هذا المجلس طالما الكل لا يؤمن بحق أهل الحمدانية أن يعيشوا في أرضهم أحرار ويحافظون على تقاليدهم وعاداتهم المورثة منذ قرون طويلة؟؟. والحالة أسؤ بكثير مع ممثلي أمتنا في القبة التي سميت بـ "البرلمان". نحن لا نشك إطلاقاً بالقدرات السياسية والفكرية والنضالية لممثلي أمتنا ولكن مع الأسف الشديد أن كل الطاقات والجهود المبذولة في شأن حماية أمتنا من نيران الحقد والكراهية ذهبت وتذهب هباءاً لأن بضعة أصوات "الكوتا" لا تقوى أمام العقلية الظلامية التي تسيطرة على كراسي القبة. أفليس هذا حكم الأكثرية وهي الديمقراطية بعينها. إذن لماذا نشارك في هذه العملية القذرة ونحن الخاسرون أولاً وأخيراً وغيرنا يربح على حسابنا؟؟.

يقول نائب وزير الدفاع بان عملية إقتحام كنيسة سيدة النجاة كانت "ناجحة"!!!  أليست هذه مهزلة من رجل من المفروض أن يكون قد درس علم الحساب والجبر.... لقد قتل أكثر من نصف المحتجزين في الكنيسة ويقول بأن العلية كان ناحجة... بالله عليكم هل هذا منطق، أليست هذه بكل معنى الكلمة جريمة أخرى شاركت القوى التي أقتحمت الكنيسة مع الإرهابيين. أتسائل وبكل صراحة وبدون أي قصد مذهبي وأقول لو كان الإرهابيون قد أحتجزوا مثل هذا العدد في مسجد أو حسينية أفهل كانت القوات الأمنية تقوم بإقتحام المسجد أو الحسينية وتعريض العدد الكبير من المصلين للقتل والإصابات. وحتى نبتعد عن النوايا السيئة التي قد تتهمنا بالقصد المذهبي أو الديني، لنقل كان الرهائن في نادي أو مجمع أو حتى مدرسة أو جامعة أعتقد بأن القوات الأمنية كانت قد فكرت ملياً وبحثت في وسائل أخرى لتخليص الرهائن ولن تقوم بهذه العملة الإقتحامية المتهورة التي أودت بحياة أكثر من خمسين بريئاً وعشرات الجرحى. اليس هذا الحدث يثبت بأن الدماء المسيحية رخيصة لدى رجال الحكم والسياسية في العراق؟؟؟ لقد دفعنا الثمن غالياً جداً حتى يثبت هؤلاء بأنهم قادرون على السيطرة على الأعمال الإرهابية، في الوقت الذي شاركون هم الأرهاب بحق أبناء أمتنا وهم في كنيسة يتذرعون إلى الله من أجل المحبة والسلم بين الجميع.

إن إستقالة ممثلي أمتنا من البرلمان ومجالس المحافظات سيترك أثراً على المستوى الداخلي والخارجي ويثير الرأي العام على المستويين وتصبح قضيتنا أكثر إثارة وإهتماما وكذلك تصبح دماء شهدائنا أكثر إشراقاً وزكاءا وسنبرئ أنفسنا من المشاركة في العملية القذرة التي تسمى بـ "السياسية" في العراق... أية عملية يتحدثون عنها في الوقت الذي لا زال العراق بدون حكومة منذ أكثر من سبعة أشهر... لماذا؟ هل السبب سياسي أم دستوري أم فكري... لا وألف لا... أنه الطائفية القذرة هي التي تتحكم في الأمور وتضع الحدود والسدود بين أبناء شعب العراق الذي هو في التحليل الأولي والآخير ضحية هذه الممارسات ونحن بأعتبارنا الحقلة الأضعف بين أبناء هذا الشعب فأن المصائب والويلات تأتينا من كل صوب وجهة... من كل طائفة أو حزب أو منظمة إرهابية في العراق.

يا ممثلي أمتنا في البرلمان ومجالس المحافطات، نحن نعرفكم جيداً ونعرف تضحياتكم ونضالكم ومعاناتكم من أجل هذه الأمة، فكروا في هذا النداء وأنا يقين بأن إستقالتكم من دوائر الخدر والظلم في العراق سوق يزيدكم إحتراماً وتقديراً لدى أبناء أمتنا في الداخل والخارج، فإن كان هذا أمراً صعباً ونحن كأناس عاديين غير سياسين لا نفهم الوضع جيداً كما تفهمونه أنتم، فعلى الأقل يستوجب عليكم إعلان تجميد عضويتكم في هذه الدوائر المسمومة.

يا بطاركة ومطارنة وكافة رجال كنائسنا الإجلاء... نحن نعرفكم حق المعرفة في تضحياتكم في سبيل رعيتكم ومعاناتكم الشديدة من أجل بقاء وصمود الكنيسة في العراق ولكن كفانا أن ندير الخد الآخر لكي تصفعنا أيادي الجريمة الخدر. إن الذي يده في المياه الباردة غير الذي يده في النار... إن كنائسنا في الغرب لم تبنى على "صخرة بطرس" بل على دولة قوية هي الضامن الحقيقي والفعلي لبقاء وإستمرار الكنيسة. إن الدعوات المرسلة من كنائس الغرب وبالأخص الفاتيكان، ونحن نحترق بنيران الإرهابين وتدعو بالصمود والتحلي بالصبر والإيمان لم تعد تفي بالغرض الإساسي في إيقاف جرائم الإرهابين بحق أبناء كنائسنا في العراق. قلنا في المقال السابق عن كنيسة المشرق بأن البيان الختامي للسينودس من أجل مسيحيي الشرق والمخيب للإمال لا يصد ولا يوقف الفعل الإجرامي للإرهابين بحق أبناء أمتنا ولم تمضي أيام حتى أرتكبت أبشع جريمة في العراق في كنيستنا سيدة النجاة. لقد تفتت صخرة بطرس ولغرض إعادة تجميعها حتى تبنى عليها الكنيسة التي لا يقوى عليها شياطين الجحيم نحتاج إلى بنائين ماهرين لا إلى إستنكارات لا تجدي نفعاً ولا تصبح فعلاً.

أقرأوا تصريح البيت الأبيض الأمريكي حول حادث كنيسة سيدة النجاة ويظهر فيه مدى سذاجة الأمريكيين في فهم الحقائق في العراق وبالخص وضعنا نحن المسيحيين حيث يظهر في هذا التصريح هزالته وتردده وخوفه من أن تزعل الحكومة الطائفية عند الإشارة إلى المسيحيين وإضطهاداتهم في العراق خوفاً على مصالحها... هكذا يبيع الغرب المسيحي مسيحيي الشرق بأبخص الأثمان وهم محسوبين عند الإرهابين جزء من هذا الغرب... أليس هذا ظلماً وبهتاناً من جميع الأطراف ضدنا... إلى متى نضل نعتمد على الآخرين ونترك الظروف تسحقنا ونحن مستمرين في تذرعنا للخلاص والنجاة من دون أن نتحرك ساكناً... كفانا وكفانا إحتجاجات وإدانات المطلوب هو العمل ثم العمل ثم العمل.

===================================================
The White House
Office of the Press Secretary
For Immediate Release
November 01, 2010


Statement by the White House Press Secretary Robert Gibbs on the Baghdad Hostage Situation

The United States strongly condemns this senseless act of hostage taking and violence by terrorists linked to al Qaeda in Iraq that occurred Sunday in Baghdad killing so many innocent Iraqis.  Our hearts go out to the people of Iraq who have suffered so much from these attacks.   We offer sincerest condolences to the families of the victims and to all the people of Iraq who are targeted by these cowardly acts of terrorism.  We know the overwhelming majority of Iraqis from all its communities reject violence and we stand with them as we work together to combat terrorism and protect the people of our two nations.
==============================================================

أستقيلوا يا ممثلي أبناء أمتنا من دوائر الشر والخدر أو جمدوا عضويتكم فيها.... إغلقوا الكنائس يا بطاركتنا الأجلاء، على الأقل لفترة قصيرة حتى يعرف العالم موقفنا جيداً تجاه ما يجري بحق أبناء أمتنا... إنها دعوة من قلب دامي إلى قلوب دامية... أفهل من مستجيب؟؟    







104
بمناسبة إنتهاء إجتماعات السينودس من أجل الشرق
============================
أين كنيسة المشرق من صخرة بطرس؟؟؟؟

أبرم شبيرا

أكره شيء إلى نفسي هو التدخل في شؤون الآخرين، فمثلما لا نقبل نحن العلمانيين من رجال الكنيسة التدخل في شؤوننا القومية والسياسية كذلك من المؤكد يجب أن لا نتدخل في شؤون الكنيسة ورجال الدين، هكذا يكون الأمر جميلاً في الحياة والظروف العادية. ولكن عندما تنقلب الحياة رأساً على عقب وتصبح الظروف إستثنانئية حالة عامة وتتفاقم الأمور وتتكسر الحدود بين شؤون هذه الجهة وتلك وتتشابك كل جوانب الحياة وتبدأ شؤون هذه الجهة تهم تلك الجهة وتتعلق بمصير وجودها، عندذاك يصبح التدخل أو إبداء الرأي فيها مسألة مهمة وواجبة وإلا سنصبح شيطان أخرس غير قادر على قول كلمة الحق. وبصورة أدق عندما تهاجم الإرهاصات والمشاكل شؤون أمتنا(الكلدانية السريانية الاشورية) وتؤثر على مصائر جميع أبنائها سواء أكانوا من العلمانيين أو الروحانيين فإن الأمر يخص الجميع دون إستثناء ولا تبقى حدود بين الشؤون القومية/السياسية والكنسية/الدينية. ففي هذه الأيام عندما تهضم حقوقنا القومية ويزاح ممثلي أمتنا من ساحة صنع القرار السياسي في العراق فأنه من حق رجال الكنيسة التدخل و إبداء الرأي. والعكس صحيح عندما يغتال رجل كنيسة ويذبح في شوارع بغداد والموصل عندذاك المسألة تهمنا نحن العلمانيين وعلينا أن نهب إحتجاجاً وغضباً لا بل والعمل شيئاً واقعياً يتجاوز الإحتجاج والغضب.  فالوضع الحالي لم يعد يتحمل الفصل بين هذه الدنيا والآخرة وقد خسرنا الكثير الكثير في هذا العالم من أجل الدنيا الآخرة ولم نعد نملك شيئا فحتى وجودنا وحياتنا مهددة بالفناء.  من هذا المنطلق أكتب هذه السطور بمناسبة إنتهاء إجتماعات السينودس من أجل الشرق في الفاتيكان والقرارات أوالتوصيات التي توصل إليها، ولا أدري هل إن كان مثل هذه القرارات سترهب الأرهابيون المتطرفون في العراق وفي بقية بلدان الشرق الأوسط وسيرمون خناجرهم ويستسلمون لكملة التسامح والسلم والمحبة والألفة بين الجميع دون تفريق.... أشك كثيراً في ذلك ... لأنه لا يجب أن ننظر للأمور من جهة الآخرين فقط بل من جهتنا نحن في الشرق الأوسط خاصة البلدان التي تلتهب النيران فيها سعيراً وتحرق أبناء أمتنا العلمانيين والروحانيين معاً وتهدم كنائسنا وتغتصب نساؤنا وتسلب بيوتنا. كان من الأجدر للسينودس أن ينظر أولاً في إمكانية تقارب وتفاهم، إن لم نقل توحد، بين كنائس الشرق الأوسط كخطوة أولى مشجعة لإبناء الأمة للبقاء والصمود في الوطن ثم بحث مشاكلتنا ومأساتنا الناجمة من أفعال الآخرين... إن مأساة إنقسام كنائسنا لا تقل تأثيراً على أبناء الأمة من تأثير الظروف الأخرى عليهم والتي تدفعهم إلى الإبتعاد عن الكنيسة وهجرة الوطن وإصابتهم بمرض اللامبالاة بالشؤون العامة ووضع أوليات سلامة حياتهم وحياة عوائلهم في المقدمة، وهي مسألة إنسانية طبيعية لا لوم عليها.

نحن نعرف جميعاً بأن الأرهابي هو "وحدودي" من الدرجة الأولى  في نظرته إلى جميع المسيحيين فلا يستطيع التفريق بين كاثوليكي ومشرقي وأرثودكسي وماروني وإنجيلي ولا بين كلداني أو آشوري أو سرياني أو أرمني فالكل بالنسبة له "كفار" يستوجب ذبحهم وتنظيف الديار الإسلامية من "قذارتهم". أثناء المذابح العثمانية للأرمن في بداية الحرب الكونية الأولى سأل أحد المبشرين الأجانب القائد العسكري العثماني وقال له "لماذا تقتل الآشوريين في حين أن الفرمان يخص الأرمن فقط" فأجابه القائد العثماني "أنا لا أفرق بين الروث الطري والروث الجاف فكلاهما روث وسخ وذات رائحة كريهة". يظهر منطقياً بأن مثل هذا الأرهابي وغيره من الأرهابيين في هذه الأيام أشطر بكثير من رجالنا في السياسة والدين لأن هذا الإرهابي تمكن من أن يوحد جميع الطوائف والملل المسيحية في نظره ولا يفرق بينهم، في حين نحن لا زلنا نفرق تفريقاً يصل حد "الزعل" والقطيعة بين هذه الملة وتلك الطائفة ولا نستطيع أن نمتلك نظرة توحيدية مثلما يفعل الإرهابي... ولكن طبعاً بإختلاف كبير في الغاية والهدف.

يقول الإنجيلي متى في الإصحاج 16 الفقرة 18 (قال يسوع لبطرس: أنت صخرة وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وقوات الجحيم لن تقوى عليها) أين كنيسة اليوم من هذا الإصحاح؟ ولا أدري هل أن زعماء كنائسنا قد قرؤا هذا الإصحاح؟ فإذا كان الجواب بالنفي فهي مصيبة أما إذا كان الجواب بالإيجاب فهي مصيبة المصائب لأنه مع الأسف والألم الشديدين يظهر بأن صخرة بطرس قد تكسرت وتقطعت إلى قطع عديدة منتشرة في جميع أنجاء العالم. فهناك العشرات إن لم تكن المئات من الكنائس المختلفة والمتباينة من نواحي كثيرة لم تعد تبنى على صخرة بطرس بل تشرذمت هذه الصخرة إلى قطع أصغر فأصغر. وهذه نصف "الطامة" ولكن "الطامة" الكبرى هي في تنافس وتصارع هذه االشرذمة من الكنائس بعضها ضد البعض وتحريم وإطلاق صفة الهرطقة من قبل كنيسة إلى كنيسة أخرى. ففي هذه الأيام التي يختتم السينودس إجتماعاته من أجل مسيحيي الشرق كان قبل فترة وجيزة يرسل البابا شنودا بابا الأقباط الأرذوكسي الآشوريين إلى جهنم ويدعي بأن الآشوريين لا يدخلون الجنة.  فبهذا الإدعاء يصطف مع الآرهابيين الذين يرسلون الآشوريين وغيرهم من المسيحيين في العراق إلى الموت ... الموت الذي يمنحهم صفة الشهادة في سبيل المسيح وليس صفة الحقد والكراهية المستديمة للكنيسة القبطية تجاه الآشوريين وكنيستهم العريقة.

يتحدث السينودس عن مجلس كنائس الشرق الأوسط ويقول (قد سرنا حتى الآن معًا في مجلس كنائس الشرق الأوسط. ونريد أن نستمرّ في هذه المسيرة بنعمته تعالى ونعمل معا في تفعيل دوره، وهدفُنا الأخير الشهادة المشتركة لإيماننا وخدمة أبنائنا وبلداننا كلّها. وإننا نحيّي ونبارك عمل هيئات الحوار المسكونية المحلية في كلِّ بلد من بلداننا) – مقتبس من موقع عنكاوه دوت كوم. لا أدري كم من القراء يعرفون أو سمعوا عن هذا المجلس الذي مقره في قبرص والذي تتكون عضويته من مجموعات أو أسر كنسية، مثل الكنائس الكاثوليكية الشرقية (كالكدانية والسريانية الكاثوليكية والأرمنية الكاثوليكية) والكنائس الأرثوذكسية الشرقية (كالقبطية والسريانية الأرثوذكسية والأرمنية الأرثوذكسية)، والكنائس الأرثوذكسية البيزنطينية (كالروم الأرثوذكس والروسية الأرثوذكسية) وهكذا. ففي عهد قداسة مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية حاولت كنيسته وبكل إمان وصدق الإنفتاح على بقية الكنائس والدخول في حوار كنسي معهم من أجل التقارب والتفاهم خاصة الكنيستين الأقرب لها، وهما الكلدانية الكاثوليكية والسريانية الأرثوذكسية باعتبارهما يرجعان إلى أصل وثقافة ولغة وتاريخ مشتركة. وعندما سعت كنيسة المشرق الآشورية العمل نحو هذا السياق طرقت باب مجلس كنائس الشرق الأوسط غير أن الباب صد أمامها باعتبارها كنيسة "هرطقية" ومع هذا لم تتراجع بل واصلت رسالتها التوحيدية في هذا المجال. فبعد توقيع قداسة مار دنخا الرابع في عام 1994 الوثيقة المسيحانية مع قداسة البابا المثلث الرحمات يوحنا بولص الثاني الذي بموجبه تم التأكيد على رسولية كنيسة المشرق وأصالة تعاليمها وإن الخلاف التاريخي بينها وبين بقية الكنائس لم يكن غير أن يكون خلافاً في اللفظ والكلام ولا علاقة له بإيمان كنيسة المشرق، فبعد هذا التأكيد على أصالة ورسولية كنيسة المشرق الآشورية عادت مرة أخرى وأصطفت مع شقيقتها الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وطرح موضوع عضويتها في مجلس كنائس الشرق الأوسط، غير أنه بسبب الفيتو القبطي الذي هيمن على المجلس، رفض طلب قبول كنيسة المشرق الآشورية كعضوة في المجلس حيث طلب منها رفض وإدانة تعاليم القديس نسطور بشكل صريح وعلني كأساس لقبول عضويتها في المجلس، غير أن كنيسة المشرق رفضت ذلك وأصرت على أصالة تعاليم نسطور ومعلمه تيادورس المصيصي وبالتالي بقيت كنيسة المشرق خارج أطار هذا المجلس الذي يتحدث عنه السينودس، بقيت أقدم كنيسة مستقلة في العالم خارج إطار العمل المسيحاني في الشرق الأوسط.

وطالما نحن نتحدث عن العداء السافر الذي تكنه الكنيسة القبطية الأرثوذكسية للأشوريين وكنيستهم المشرقية الأصيلة، أود أن أشير إلى حادث آخر في هذه المسألة. عندما أنتهت كنيسة المشرق الآشورية  من مباحثاتها مع شقيقتها الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية صدر عقب هذه المباحثات عدة قرارات مهمة جداً في مسألة تقارب وتوحيد الكنيستين غير أنه لأسباب بعضها معروفة، منها عدم إستقلالية الكنيسة الكلدانية في قراراتها مقابل إستقلال كنيسة المشرق بكل قراراتها، وبعض الآخر غير معروف، مما إدى ذلك إلى عدم تطبيق القرارات المشتركة، بل العكس من هذا فبعد سنوات أصبح الفتور سد الموقف بين الكنيستين. عندما أنتهت هذه المباحثات في نهاية التسعينيات من القرن الماضي أتجه مطارنة كنيسة المشرق الآشورية إلى الكنيسة السريانية الأرثوذكسية فعقدوا عدة إجتماعات مع مطارنة هذه الكنيسة في سوريا وتوصلوا إلى قرارات شبيهة بتلك التي توصلوا مع الكنيسة الكلدانية، غير أنه بعد فترة وجيزة عقدت أسرة الكنائس الشرقية الأرثوذكسية (السريانية والأرمنية والقبطية) ممثلة برؤسائها إجتماعات في القاهرة ولم يكن من بين قراراتهم إدانة تعاليم نسطور ومعلمه تيادورس المصيصي وتأكيد صفة "الهرطقة" لكنيسة المشرق الآشورية فقط وإنما أيضاً إضافت مثل هذه الصفة لكل كنيسة أو مجموعة تعقد إجتماعات مع كنيسة المشرق الآشورية أو تتباحث معها، وكان بالطبع المقصود الكنيسة السريانية الأرثوذكسية مما حدا بها إلى إيقاف مباحثاتها كنيسة المشرق الآشورية والتجاهل عن كل القرارات المتحذة معها في شأن التقارب بينهما. أتذكر بهذا الخصوص الطيب الذكر ... أحد مطارنة السريان الأرثوذكسية من الموصل، عندما ألتقيت به في دمشق وبين لي مدى أسفه وتألمه لقرارات إجتماعات القاهرة وقال: نحن رعايا الكنيسة السريانية والكنيسة الآشورية أبناء أمة واحدة تجمعنا عوامل قومية وثقافية وتاريخية مشتركة وبيننا "خبز وملح" وهناك المئات بل الألوف من الزيجات بين أبناء وبنات الرعيتين ولكن أنا مطران منذ سنوات طويلة في الكنيسة السريانية لا أتذكر بأن شاب سرياني تزوج من فتاة قبطية أو فتاة سريانية تزوجت من  شاب قبطي؟. أتذكر بهذا الخصوص ما كتبه أحد كبار القوميين من الطائفة السريانية الآرثوذكسية في مجلة "بيت نهرين الجديدة" لعام 1947 والتي كانت تصدر باللغة الإنكليزية في الولايات المتحدة بخصوص وحدة الكنيسة والأمة وذكر وقال بأن ملكوت السموات تشبه كقصر كبير وله طريق واحد فقط، وهو طريق المسيح، ولكن لهذا القصر عدة مداخل وكلها تؤدي إلى داخل القصر ولا أعتقد بأن صاحب القصر سوف يمنع أي من أبنائه دخول القصر ومن أي باب كان.  

 وحتى أكون أكثر منطقياً وقدرة على سيطرة عواطفي تجاه ما يواجه أبناء أمتنا في أرض الوطن من المصائب التي أبتلى بها، لنبدأ اولاً بترتيب بيتنا ومعالجة شؤؤننا ثم بعد ذلك  ننتقل إلى جيراننا فيما إذا كان أمرهم يهمنا.. وعندما أتحدث عن كنيسة المشرق أقصدها كنيسة الأم التي تفرع منها الكنيسة السريانية الأرثوذكسية وكنيسة المشرق الآشورية والكنيسة المارونية السريانية والكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والكنيسة السريانية الكاثوليكية والكنيسة الشرقية القديمة، فهي الكنائس التي تجمعها خلفية "سريانية" من ثقافة ولغة وتاريخ وتقاليد ومن المؤسف حتى هذه الخلفية الموحدة لم تستطيع هذه الكنائس أن تأخذ صخرة بطرس أساساً موحداً لهم. وقد يبدو للكثير بأن الطقس وبعض الأسرار الكنسية تقف حائلاً أمام توحد هذه الكنائس، وقد يكون هذا صحيحاً من حيث النظرة الطائفية للمسألة ولكن بالنسبة لرعية هذه الكنائس هي غير ذلك خاصة للذين لهم رغبة العيش بسلام وأمن والتخلص من الظلم والإضطهاد وهي العوامل التي توحدهم في هذه الأيام وتصبح أهميتها أكثر بكثير من طقسهم وأسرار كنيستهم التي تفصلهم وتبعدهم عن أخوانهم أو أبناء عمومهم أو جيرانهم أو أبناء جلدتهم.
    
في رسالته الختامية افرد السينودس أربعة أو خمسة سطور فقط... فقط عن التحديات الداخلية التي تواجهها كنائسنا وذكر: (إننا نواجه اليوم تحدّياتٍ عديدة. أوّلها ما يأتينا من داخل أنفسنا وكنائسنا. ما يطلبه المسيح منا هو أن نقبل إيماننا وأن نطبِّقه على كامل حياتنا. وما يطلبه من كنائسنا هو أن نعزّز الشركة في داخل كل كنيسة من كنائسنا والشّركة بين الكنائس الكاثوليكية من مختلف التقاليد، وأن نبذل ما في وسعنا في الصلاة وأعمال المحبّة لبلوغ وحدة كل المسيحيين، لتتحقَّق فينا صلاة المسيح: "أيها الآب، ليكونوا واحدًا كما أنك أنت فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضا فينا، حتى يؤمن العالم أنّك أنت أرسلتني" (يوحنا 27: 21) – (مقتبس من موقع عنكاوة دوت كوم). بينما أفرد سطوراً وسطورا عن التحديات الخارجية وعن غيرها من المسائل الأخرى. نشكر السينودس على إفراده هذه السطور وأصاب الحقيقة ولكن ليس كل الحقيقة.  فأين هي موقع محتويات هذه السطور من الواقع الفعلي والعملي ونحن منذ زمن بعيد أصمت أذاننا وأملتئت أدمغتنا من السماع عن الوحدة الكنسية أو الشركة بين الكنائس سواء أكانت كاثوليكية أوغيرها خاصة في منطقتنا الشرق الأوسطية وتحديداً في وطننا المجروح العراق. إن الحقيقة الكاملة التي تجعل الكثير من كنائسنا عاجزة عن تفعيل هذه السطور على أرض الواقع هي فقدانها لإستقلاليتها خاصة في المسائل غير الطقسية. فالكنيسة الأرثوذكسية نطاقها محدود بأرثوذكسيتها خاصة بالقبطية، والحالة نفسها وأكثر بالنسبة للكنيسة الكلدانية فهي الأخرى تدار شؤونها المهمة والحاسمة من قبل الفاتيكان وليس من قبل بطريركها أو مجمعها السنهادوسي، وما المداخلة الهزيلة لقداسة مار عمانوئيل دلي الثاني بطريرك الكنيسة الكلدانية أثناء إجتماعات السينودس من أجل الشرق إلا دليلا على الضعف المسشري في إدارة هذه الكنيسة وعدم قدرتها على قول كلمة الحق عن كهنتها وأبنائها الذين يذبحون في شوارع بغداد والموصل وكنائسها تدمر في كل مكان من العراق. في حين نرى أن كنيسة المشرق الآشورية هي الكنيسة الوحيدة في العالم التي تتمع بإستقلالية خاصة ومتميزة طيلة قرون طويلة من الزمن، فليس هناك حاكم او دولة أو أكثرية سكانية تتبع هذه الكنيسة وليس لها حدود خارجية مقيدة لقرارت المجامع السينهادوسية لهذا نرى بأنها دائماً تدعو وبدون قيد أو تردد بأن جميع أبناء الكنائس الكلدانية والسريانية والمشرق الآشورية هم أبناء أمة واحدة وتصرح وبشكل علني بأن الحكم الذاتي لهم  في العراق هو ضروري لعيشهم بسلام وأمن. هذه المسألة هي حاسمة فيما يخص الحدود والحواجزعند تقارب وتفاهم وشركة بين الكنائس الكلدانية والسريانية والمشرق الآشورية، خاصة بالنسبة لنا نحن العلمانيين.
 إن مسألة الإختلاف الطقسي بين هذه الكنائس غير مقبولة في أيامنا هذه التي تسيل دماء رعيتهم في شوارع بغداد والموصل وغيرها من مدن العراق، فرؤساء هذه الكنائس الذين كلهم يدعون بأنهم ورثة القديس بطرس لهم صلاحية إلاهية تخولهم كامل التخويل للعمل في هذه الدنيا ممنوحة لهم من قبل ربنا يسوع المسيح عندما قال لبطرس (أعطيك مفاتيح ملكوت السموات: فكل ما تربطه على الأرض، يكون قد ربط في السماء، وما تحله على الأرض، يكون قد حل في السماء) – متى 19:16 ونحن كواقعين ومنطقيين لا نطلب الوحدة والإندماج بين هذه الكنائس وإن كان هذا طموح سامي في أن نرى كنيسة الأم الأصيلة تحضر إلى الحاضر والواقع، فالصعوبة مدركة بهذا الشأن ولكن المطلوب هو زرع بعض الأمل في أبناء الأمة من خلال عقد إجتماعات ولقاءات بين رؤساء هذه الكنائس فهي أكثر فائدة من الوعاظ والطلب من أبناء الأمة الصمود في أرض الوطن وعدم الهجرة إلى الخارج.

وأخيراً ... لم يبقى إلا أن نقول بأن هناك سبب رئيسي ومهم جداً في عجز زعماء كل الكنائس في العالم دون إستثناء في  بناء الكنيسة الموحدة على صخرة بطرس التي لا تقوى عليها قوات الحجيم، وهذا السبب مبين في الرابط أدناه. والله يغفر الخاطئين وأنا واحد منهم.    





105
قوات الليفي العراقية
في الوثائق البريطانية العسكرية

أبرم شبيرا
توطئة:
في التسعينيات من القرن الماضي كتبت العديد من المقالات عن الآشوريين ونشرت معظمها في الجرائد العربية التي تصدر من لندن مثل الحياة والشرق الأوسط والقدس العربي وكانت تتناول مواضيع تخص تاريخ الآشوريين في العراق الحديث مركزاً على بعض المفاهيم والأفكار السلبية والعدائية التي ترسبت في العقلية العراقية تجاه الأقليات بشكل عام وعن الآشوريين بشكل خاص. طرحت في هذه المقالات أفكار موضوعية بديلة فكان لها وبشهادة الكثير من غير الآشوريين تأثيرها العميق والإيجابي في النخبة العراقية نحو فهم تاريخ الآشوريين خاصة السياسي منه فهماً صحيحاً وموضوعياً. كان في حينها بعض من هذه المقالات والبحوث قد جمعت ونشرت في كتابين الأول تحت عنوان "ألآشوريون في السياسة والتاريخ المعاصر" من قبل إتحاد الأندية الآشورية في السويد عام 1997 و الثاني كتاب "محطات فكرية على طريق العمل القومي الآشوري – نظرة مقارنة بين الوطن والمهجر" من قبل مطبعة ألفا غرافيك في شيكاغو – الولايات المتحدة عام 2000. وبالنظر لطبع ونشر هذين الكتابين وغيرهما في المهجر وبسبب محدودية النسخ المطبوعة فإنها لم تصل إلى الكثير من أبناء شعبنا في العراق أو في سوريا المهتمين بالشأن القومي لكي يطلعوا عليها ويكتسبوا معارف في التاريخ الآشوري المعاصر وهي لا تتجاوز في كونها معارف مبدئية أولية تفيد بشكل خاص المبتدئين في الشأن القومي والسياسي خاصة بعد ظهور أحزاب وكتاب سياسيين وقوميين ما بعد عام 2003 و زوال النظام البعثي الدكتاتوري في العراق. إن أهمية إعادة نشر بعض من هذه المقالات مثل "قوات الليفي العراقية في الوثائق البريطانية العسكرية" تكمن في كون لايزال مثل هؤلاء المستجدين في الشأن القومي يعتمدون على المراجع والكتب الكلاسيكية الرسمية المتداولة في العراق وبالتالي يقعون في المستنقع الفاشي الذي غرق فيه الكثير من المفكرين والمؤرخيين العراقيين المعاديين إصلاً لكل مختلف ومغاير. فهؤلاء لا يزال يعتقدون، معتمدين على أساتذتهم في الفاشية والرجعية، بأن قوات الليفي كانت قاصرة على الآشوريين فحسب وإن هذه القوات كانت أداة طيعة بيد الإستعمار الإنكليزي في ضرب القوى الوطنية في العراق وهذا ما ينفيه هذا المقال وأمل أن يكون مفيداّ كما كان مفيداّ لعبض النخب العراقية في فهم حقيقة التاريخ السياسي للآشوريين في العراق وإزاحة التهم الباطلة والبشعة التي كانت توجه للآشوريين.

تهم باطلة وبشعة:

لا يوجد في قامون العراق السياسي شتائم قبيحة وتهم شنيعة وجهت إلى شعب أو قومية أو جماعة أو منظمة أو حزب أكثر مما وجهت إلى الآشوريين في العراق. فلا أجانب الحقيقة في القول بأن معظم الأدب السياسي العراقي أبان مرحلة تأسيس دول العراق عام 1921 وحتى إلى فترة قريبة لا يخلو من شتيمة ظالمة وتهمة باطلة وجهت إلى الآشوريين رغم الدور الإيجابي الذي لعبوه في تأسيس كيانه السياسي وفي حماية حدوده الدولية ضد أطماع تركيا في إقتلاع ولاية الموصل من العراق وضمها إليها، وهي المسألة التي سنعالجها في موضوعنا القادم. وحتى أبرئ نفسي من التجني على الأدب السياسي العراقي وعلى المؤرخين العراقيين أود أن أشير القارئ اللبيب إلى كتابي المعنون "الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر – دراسة مسألة في العقلية العراقية تجاه الأقليات" منشورات دار الساقي – بيروت – 2001، والذي أسردت فيه نماذج من هذه التهم والشتائم لكبار المفكرين والمؤرخين العراقيين. وإختصاراً نقول بأن أكثر التهم البشعة والجائرة الموجهة إلى الآشوريين هي تهمة الإنخراط في القوات البريطانية المعروفة بـ "الليفي" – وهي كلمة إنكليزية تعني "التجنيد" – والادعاء بأن هذه القوات أستخدمت في ضرب الحركة الوطنية العراقية وفي تحقيق مصالح الإستعمار البريطاني كما أستخدمت في أعمال التجسس وفي حماية قواعد بريطانيا العسكرية في العراق وغيرها من التلفيقات والنعرات البغيضة التي نعت بها الآشوريين وكان البعض من هؤلاء المؤرخين يفضلون أن يطلقوا على الآشوريين بـ "الطابور الخامس".

حقيقة قوات الليفي العراقية:

في الكثير من المناسبات بحثت هذا الموضوع بشكل مفصل وأكدت في القول بأن هذه القوات لم تكن إطلاقاً قاصرة على الآشوريين وحدهم، بل شملت بالدرجة الأولى العرب والكورد والتركمان وحتى اليزيديين والفرس ثم بعد ذلك على الآشوريين. قد تكون مشاعري العاطفية وأحاسيسي الشخصية، والتي تحترق جمراً على الغبن المأساوي الذي حاول خنق الحق الآشوري في بيت أباءه وأجداده، قد تسربت إلى الموضوعية التي أعتمدها دائماُ في البحث في المسائل الحساسة والخطيرة في التاريخ الآشوري المعاصر وعلاقته بالتاريخ العراقي السياسي. غير إن هذه المرة سأحاول التجرد من المشاعر الشخصية وسأعتمد في الكشف عن جوانب عديدة في طبيعة قوات الليفي العراقية التي أسسها الإنكليز في العراق إذ سنعتمد على بعض من الوثائق البريطانية العسكرية التي تناولت هذه المسألة تناولاً مفصلاً ويومياُ ودقيقاً لبداية تأسيس قوات الليفي وعددها وتدريباتها وطبيعة مهماتها العسكرية وغير العسكرية وتكوينها الأثني والإداري والمشاكل السياسية والإجتماعية التي كانت تواجهها الإدارة البريطانية في إستخدام هذه القوات في العراق. وبالرغم من إدراكنا المسبق لطبيعة هذه الوثائق التي كتبت من قبل أعضاء في المؤسسة العسكرية البريطانية إلا إنها وبشهادة معظم الباحثين والمؤرخين تعتبر وثائق ومستندات تعكس حقائق موضوعية دقيقة ومبنية على الوقائع وأرقام وإحصائيات قلما نجد مثيل لها تناولت تلك المرحلة كما تناولتها هذه الوثائق.
هناك مجموعة ضخمة من هذه الوثائق التي كتبها كبار ضباط الجيش البريطاني العامل في العراق حينذاك، بعضها بقيت كأوراق منظمة على شكل تقارير عسكرية حفظت في مركز الوثائق البريطانية في لندن، وهو أغنى وأكبر مركز في العالم للوثائق الخاصة بالعراق، وبعض الآخر من هذه التقارير والبحوث جمعت وطبعت على شكل كراريس ومذكرات حفظت في مكتبة المتحف البريطاني (حاليا المكتبة البريطانية مستقلة عن المتحف البريطاني)،  ومن أهم هذه التقارير العسكرية والمذكرات التي طبعت سواء على شكل كتاب أو كراس أو مجلد نذكر بعض منها.

الوثائق البريطانية العسكرية:

أولاً – كتاب قوات الليفي العراقية 1915 -1932   :(Iraqi Levies)وهو كتاب جمع محتوياته العميد جي. كلبرت براون وطبعه المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن عام 1932 وأهم ما جاء فيه:
في عام 1915 قام الميجر جي.آي. أيدي من الجيش البريطاني في الهند، والذي أصبح فيما بعد ضابط المهمات الخاصة في فرقة المنتفك (الناصرية) البريطانية في بلاد ما بين النهرين، بتجنيد أربعين فارساً عربياً من القبائل المحيطة بمدينة الناصرية ومن أطراف الفرات وذلك لغرض القيام بخدمات تحت إشراف قسم الإستخبارات البريطانية في العراق. ومن هذا العدد الصغير نشأت تدريجياً قوة عسكرية والتي أطلق عليها، وبعد تسميات عديدة أسم "الليفي"، حيث وصل عددها في أيار (مايو) عام 1922 إلى 6199 فرداً، وهو التاريخ الذي بدأ فيه العدد بالتناقص بسبب النقل إلى الجيش العراقي الرسمي الذي بدأ تأسيسه في كانون الثاني عام 1921. فهذه القوات تغير تنظيمها من قوة خيالة صغيرة العدد إلى قوات متعددة المهمات والتسلح، ومن عناصر جميعهم عرب إلى عناصر مختلفة من العرب والكورد والتركمان واليزيديين والفرس وأخيرا قوات قاصرة على الآشوريين وعدد من الكورد. وفي عام 1919 وعندما صدرت الأوامر الإدارية واللوائح العسكرية المنظمة لقوات الليفي بدئ بتجنيد الكورد والتركمان وفي نهاية هذا العام كانت قوات الليفي أثنياً تتكون من:
العرب: معظمهم من سكان المدن ومن أبناء القبائل المتوطنة وعدد قليل من ضباط العرب الذين كانوا ضباطاً في الجيش العثماني أنظموا إلى هذه القوات.
الكورد: وهؤلاء شكلوا قوات الليفي في مدينتي السليمانية وأربيل، كما أنظموا إلى قوات الجندرمة في الموصل.
الكركوكليون: وهم التركمان الذين أنظموا إلى قوات الليفي في الكوت وبعقوبة وكركوك.
ومن المهمات العسكرية التي كانت تقوم بها هذه القوات تقديم الخدمات العسكرية الإستكشافية والإستطلاعية للقوات البريطانية العاملة في المنطقة وفي مقاومة الشيوخ المتمردة أو الثائرة وإخضاع القبائل للطاعة حيث شاركوا في مقاومة الشيخ بدر. وأثناء إندلاع أعمال الشغب والتمرد (ويقصد الكاتب ثورة العشرين) أصبحت هذه القوات مخلصة وموالية لقادتها البريطانيين. وفي آب (أغسطس) من عام 1920 أنتشرت الفوضى نحو الشمال، ولم يكن ذلك إمتداداً لثورة الجنوب أكثر من كونه تحريضاً من الأتراك للكورد للقيام بتمرد ضد الإنكليز، فقامت قوات الليفي بسحق التمرد وبقى الكورد المجندون في الليفي مخلصين لقيادتهم البريطانية.

وفي مؤتمر القاهرة لعام 1920 كانت الحكومة البريطانية قد قررت الإبقاء على قوات الليفي وتطويرها بما يخدم مهمة التخفيف عن عبئ القوات البريطانية والهندية العاملة في العراق لحين تأسيس الجيش العراقي الوطني ومن ثم يحل محل قوات الليفي. بعد تأسيس هذا الجيش توقف تجنيد المسلمين من العرب والكورد والتركمان وبدأت التنقلات من قوات الليفي إلى الجيش العراقي الجديد وتعويضاً عن النقص الحاصل في عدد هذه القوات بدئ بتجنيد الآشوريين. وكان الآشوريون في تلك الفترة قد نظموا أنفسهم في قوات خاصة بهم للدفاع عن عوائلهم في مخيم بعقوبة (للاجئين)، كما وإن أغا بطرس (وهو قائد عسكري آشوري من الطائفة الكاثوليكية) كان قد بدأ بتجنيد الآشوريين لتحقيق أهدافه في تسوية  المسألة الآشورية. ضمن هذه الظروف بدأت القوات البريطانية بتجنيد الآشوريين في الليفي. وبحلول عام 1923 كان الآشوريون يرفضون الإنضمام إلى قوات الليفي إلا أن الإنكليز أستطاعوا التأثير على بعض الزعماء الآشوريين وبالتالي أجبروا للإنضمام إليها.

ثانياً – تقرير قيادة لواء مشاة رقم 34:
 (Report on the Arab and Kurds Levies. No. B.M.51 of 22 April, 1920, Headquarter, 34th Infantry Brigade).


وهو من التقارير المهمة عن قوات الليفي العربية والكوردية كتبته قيادة لواء مشاة رقم 34 والذي يتناول التفاصيل الدقيقة للتدريبات والمعونان والمهمات والأنظمة التي تخص قوات الليفي العربية في منطقة القرات والحلة والديوانية والنجف ... إلخ وبقدر تعلق الأمر بهيكل تنظيمها فقد كانت تتكون من:
1 – القوات الضاربة: وتضم فرقة الفرات الثانية المتكونة من ثمانية فصائل خيالة تحت إمرة الكابتن ماكويني ومقر قيادتها في الحلة. والفصيل كان يتكون من خمسة ضباط عرب و 102 مراتب مختلفة مع مجموعة من الإفراد الذين يقومون بمهمات التجسس وجمع المعلومات. وكانت هذه الفصائل تتمركز في الحلة و أبو صخير والديوانية ... إلخ. وتتلخص مهمات هذه القوات في: (أ) -  قمع الشغب والإضطرابات والقيام بمهمات عسكرية محدودة. (ب) – تولي مهمات الخطوط الأمامية الإستكشافية والإستطلاعية والقيام بمهمات القوة الإحتياطية للقوات البريطانية في العمليات العسكرية الواسعة. (ج) – توفير الحماية والحراسة لخزينة الإدارة البريطانية في العراق ومرافقة الضابط السياسي البريطاني وحمايته.
2 – قوات الشرطة المحلية: شملت مفارز من قوات الليفي العربية في مناطق الحلة وطويريج وكربلاء والنجف والديوانية وكانت مهمتها حماية الأمن والنظام وغيرها من المهمات التي كان يطلبها الضابط السياسي التابع لدائرة الإستخبارات البريطانية.
ثم يتابع التقرير بيان أسلوب التدريب والأجهزة والأسلحة والحيوانات المستخدمة في التنقل ومراتب الضباط الإنكليز والعرب، ثم يعكف على تفاصيل قوات الليفي في بعقوبة والتي كانت تتضمن العرب والكورد معاً. أما بالنسبة لقوات الليفي في السليمانية فكانت تتكون من الكورد وعددهم 250 شخصاً ومن التركمان وعددهم 30 شخصاً وكان عدد الضباط 16 كوردياً وتركمانيين وكلهم من الضباط السابقين في الجيش العثماني. ويذكر الضابط البريطاني المسؤول عن قوات الليفي في السليمانية بأن الكورد والتركمان كانوا يكرهون العرب ولا يرغبون العمل معهم. أما قوات الليفي في راوندوز فكانت تشمل على 200 فرد، منهم 110 كوردياً و 60 تركمانياً و 20 مسيحياً. وكان ضباط هذه الفرقة من الكورد والتركمان الذين عملوا سابقاً في الجيش العثماني. كان قوام قوة جندرمة الموصل متكونة من 795 شخصاً منهم 200 من كورد الجبال و 100 عرب من الجانب الأيمن لنهر دجلة و 280 من أهالي الموصل المسلمين و120 من المسحيين وكان عدد الضباط 22 ضابطاً عربياً من الضباط السابقين في الجيش العثماني. (من الملاحظ بأن كاتب التقرير لم يذكر أسم الآشوريين بل ذكر المسيحيين وهو ما يؤكد بأن مسيحيين من الطوائف الأخرى خاصة في قرى منطقة راوندوز ومدينة الموصل كانت تجند في قوات الليفي)

ثالثاً: تقرير الميجر سي. بويلي:

وهو أيضا من التقارير المهمة عن قوات الليفي العربية والكوردية للسنتين 1920 و 1921 كتبه الميجر سي. بويلي المفتش العام لقوات الليفي العربية والكردية:
(Administration Report of Arab and Kurdish Levies for the year 1920 – 1921, Baghdad. 1921 Major C. Boyle, Inspector General, Arab and Kurdish Levies)

يتناول الميجر بويلي في تقريره واقع القوات العربية والكوردية وتقسيماتها وتدريباتها والمشاكل السياسية والإجتماعية التي كانت تواجهها. كما يذكر فيه العمليات العسكرية التي قامت بها أثناء فترة الإضطرابات التي عمت المناطق الجنوبية عام 1920 (يقصد ثورة العشرين) وكيفية بقاء هذه القوات مخلصة وموالية لقيادتها البريطانيين مما كان يسبب ذلك مشاكل كثيرة لأفرادها حيث كانوا منبوذين من قبل الناس الذين كانوا يشتمونهم ويدعونهم بالكفرة. وكان عمال المقاهي يرفضون تقديم الشاي أو القهوة لهم. أما عوائلهم فكانت معرضة للشتيمة والتحرش وفي بعض الأحيان للقتل أو التهديد بالقتل. وعقب تفاصيل دقيقة عن هذه القوات يختم الميجر بويلي تقريره بالقول بأن تاريخ السنة الأولى من قوات الليفي العربية والكوردية هو مفخرة للإدارة البريطانية في العراق وسجل قياسي للضباط البريطانيين في قيادة وإدارة قوات أسيوية حديثة التكوين ومحدودة التدريب.
(هناك تقارير أخرى تؤكد بأنه في عام 1923 كان المكون الأثني لقوات الليفي يتكون نصفهم من الآشوريين والنصف الآخر من الكورد إضافة إلى كتيبة من عرب الأهوار وعدد من التركمان)
(كل ما ورد أعلاه مقتبس من الكتاب والتقارير المذكورة أعلاه ما عدا ما ورد بين قوسين).

رابعاً: رسالة د. يونك الجامعية عن قوات الليفي:

أخيرا أود أن أشير إلى رسالة جامعية مهمة قدمت في منتصف التسعينيات من القرن الماضي من قبل الدكتور يونك من بريطانيا إلى مدرسة لندن للدراسات الأفريقية والأسيوية التابعة لجامعة لندن (وهي أكبر وأهم مركز للدراسات عن المنطقة) تناولت قوات الليفي في العراق منذ تأسيسها حتى عام 1932. من المؤسف إنني لم أستطيع إقتناء نسخة منها لكونها محدودة التداول في حينها ولكن أطلعت على خلاصتها وعند لقائي بالدكتور يونك في جامعة لندن شرح لي مضمون الرسالة وتبين بأنه خدم كضابط في الجيش البريطاني في العراق حينذاك وكانت له صلة وإرتباط بقوات الليفي وببعض من ضباطها الآشوريين وأنه بذل جهداً كبيراً في البحث وإقتناء مصادر الرسالة رغم أنه كان وقت كتابة الرسالة قد تجاوز السبعين من العمر. في حينها تم دعوته إلى النادي الآشوري في لندن فألقى محاضرة عن رسالته هذه مؤكداً ما سبق وأن أكدته المصادر أعلاه في كون قوات الليفي شاملة العرب والكورد والتركمان واليزيديين والفرس ثم الآشوريين. كانت دهشته كبيره وفرحته عظيمة عندما ألتقى بشخصين في النادي كانوا قد خدموا في قوات الليفي وتم التعرف عليهم بعد أكثر من نصف قرن من الزمن. وأثناء محاضرته أعلن بأنه يحضر حالياً لإكمال أطروحته للدكتوراه عن نفس القوات للفترة من 1932 وحتى تاريخ حل هذه القوات في بداية الخمسينيات من القرن الماضي. وهي الفترة  الحساسة والحرجة التي إجتاح العراق خلالها أزمات وحروب وإضطرابات وكانت قوات الليفي في تلك الفترة قاصرة على الآشوريين وعدد أقل من الكورد والعرب.

خامساً: قوات الليفي من إستقلال العراق حتى حلها:

منحت بريطانيا العراق إستقلاله في عام 1932 وفي الرابع من نيسان من عام 1955 وقعت بريطانيا مع العراق إتفاقاً على سحب القوات البريطانية من العراق. وفي الثاني من شهر مايس (أيار) من نفس العام حلت قوات الليفي وسلمت آخر قاعدة عسكرية في الحبانية إلى العراق. وقبل عام من حل قوات الليفي، إي في عام 1954 كانت عدد أفراد قوات الليفي يتكون من 1200 آشوري من أبناء الطوائف المشرقية والإنكليكانية والكلدانية ومنهم القائد البطل المرحوم توما توماس، و400 كوردي و 400 عربي. خلال الفترة المحصورة بين التاريخين إجتاحت العراق أحداث وإرهاصات سياسية آثرت بشكل عميق على مستقبل العراق السياسي. فالمسألة الآشورية التي كانت قد طغت على السطح السياسي العراقي والدولي بقيت بدون حل وما صاحب ذلك من نتائح مأساوية على الآشوريين تعاظمت في مذبحة سميل وأستمرت لسنوات طويلة من دون حل لقضتيهم القومية. وفي تلك الفترة تأثر الوضع في العراق بالحرب الكونية الثانية وإنجرفت النخبة الحاكمة مع التيارات الفاشية والنازية ودخلت الحرب إلى جانب دول المحور ضد الحلفاء منهم بريطانيا. فبعد منح بريطانيا العراق إستقلاله وإنضمامه إلى عصبة الأمم من دون ضمانات مؤكدة في حماية الأقليات ومنهم الآشوريين، بدأ الآشوريون يفقدون ثقتهم ببرطانيا لذلك بدأت إستقالات وترك جماعي لقوات الليفي ولم تعد هذه القوات ذات شأن إلا الجزء الباقي منها والذي أستخدم في حماية القواعد الجوية البريطانية في الحبانية والشعيبة.
عندما أندلعت الحرب الكونية الثانية تمكنت قيادة القوات البريطانية من إقناع بعض من الشخصيات الآشورية لإعادة تنظيم الآشوريين في قوات الليفي كقوة مقاتلة نظراً لحاجتهم إليهم في مقاومة التيارات الفاشية التي تغلغت في الحكومة العراقية بقيادة رشيد عالي الكيلاني الذي تمكن من السيطرة على السطلة وقاد إنقلاباً ضد السلطة الشرعية في مايس من عام 1941غير أن قوات الليفي شاركت، التي كانت معظمها من الآشوريين وبعض من الكورد واليزيديين، وبشكل فعال مع القوات البريطانية والحكومة الشرعية في إسقاط الإنقلاب وإعادة الشرعية إلى العراق. وأثناء العمليات العسكرية ساهمت قوات الليفي الآشورية مساهمة فعالة في مساعدة الحلفاء ودحر النازية. وأكد معظم المؤرخين بأن قوات الليفي هذه لعبت دوراً كبيرا في حماية خطوط الحلفاء العابرة عبر العراق وإيران إلى الإتحاد السوفياتي لغرض تقديم العون والمؤون للقوات السوفياتية المحاصرة من قبل قوات النازية. وفي حينها كانت بريطانيا قد شكلت فصيل مظلي من جنود وضباط الآشوريين ساهموا في تحرير اليونان وألبانيا من النازية كما حاربوا إلى جانب قوات الحلفاء في قبرص وفلسطين ولبنان ويؤكد المؤرخين بأن القوات الآشورية لعبت دوراً مهماً في دحر سيطرة قوات المحور في الشرق الأوسط فجرح الكثير منهم كما أستشهدوا في المعارك. وهناك في اليونان مقبرة تتضمن خمسة قبور لجنود آشوريين كتبت على حجر القبر أسمائهم بالإنكليزية والسريانية وتواريخ إستشهادهم في المعارك. بعد أن حلت قوات الليفي في عام 1955 منحت الفرصة للكثير من الضباط الآشوريين للإنضمام إلى الجيش العراقي، وفعلآ أنضم بعضهم وكانوا بشهادة قيادة الجيش العراقي من أحسن وأنشط وأخلص الضباط العراقيين وأسماؤهم معروفة لدى الكثير من أبناء هذا الجيل.   

خاتمة وإستنتاج:

هذه بعض الوثائق البريطانية بهذا الشأن وليست كلها والتي تؤكد الحقيقة التاريخية الساطعة في كون قوات الليفي شاملة لجميع القوميات العراقية ولم تكن قاصرة إطلاقاً على الآشوريين فقط. قد أكون قد أسهبت بعض الشئ في تفاصيل وأرقام هذه التقارير والتي تبدو جافة ومملة إلا أن ذلك كان مفروضاً وضرورياً في إستكشاف الحقائق التي لا يزال الكثير من المؤرخين والسياسيين يتجاهلونها بقصد او بجهل ويزيفونها ثم يستغلونها في توجيه تهمة الخيانة إلى الآشوريين وإدانتهم بينما هي حقائق تاريخية تدينهم أكثر مما تدين الآشوريين. فهم يلاحظون القشة في عيون الآشوريين ولكنهم لا ينتبهون إلى الخشبة الكبير في عيونهم (مقتبس بتصر من أنجيل متى 3:7).
ولو حاولنا إستنتاج ما يمكن إستنتاجه وإستخلاصه من هذه الوثائق ومن ثم مقارنة المهمات التي قامت بها قوات الليفي العربية والكوردية والتركمانية مع تلك التي قامت بها قوات الليفي الآشورية من حيث نتائجها الوطنية لتوصلنا إلى حقائق قد تبدو ثقيلة ومؤثرة على المفاهيم السائدة في تاريخ العراق السياسي الحديث، ومن أبرز هذه الحقائق:

1)- أن الآشوريين في العراق لم يتعاونوا مع القوات البريطانية في ضرب الحركة الوطنية العراقية وبالأخص ثورة العشرية، بل على العكس من ذلك تماماً فإن قوات الليفي العربية والكوردية والتركمانية هي التي ساعدت القوات البريطانية وتعاونت معهم في قمع الثورة. فالآشوريون في تلك الفترة كانوا ضحية أعمال الشغب والنهب التي رافقت الثورة بإعتبارها ثورة "جهادية" ضد "الكفرة" المسيحيين سواء أكانوا أنكليز أم آشوريين، حيث كان الآشوريون منهمكون ومحتجزون في مخيم بعقوبة للاجئين لا سند لهم ولا قوة وحتى البنادق القديمة التي زودتهم بها الإدارة البريطانية للدفاع عن أرواحهم وأعراضهم لم تكن وافية أو مؤثرة في صد هجمات بعض القبائل من منطقة ديالي على المخيم المذكور.
2) – كنتيجة لقرارات مؤتمر القاهرة في تقرير مصير بلاد مابين النهرين، تأسست عام 1921 أول حكومة للدولة العراقية ونصب الملك فيصل الأول على عرشها وتأسس الجيش العراقي الرسمي فصاحب ذلك تقليص عدد قوات الليفي العربية والكوردية والتركمانية بسبب نقلهم إلى الجيش العراقي الحديث وتعويضاً عن النقص الذي حصل في قوات الليفي ونطراً لأهمية حاجة الإدارة البريطانية إلى قوات متمرسة في حروب الجبا لغرض ضمان الحدود الشمالية للدولة الفتية وحمايتها من أطماع وتهديدات تركيا في إقتلاع ولاية الموصل فقد بدأ رسمياً تجنيد الآشوريين ليتولوا هذه المهمة حيث إستطاعوا طرد القوات التركية في عام 1924 التي كانت كانت قد أحتلت أجزاء من المنطقة الشمالية لبلاد مابين النهرين ومنها مدينة راواندوز وأطراف مدينة العمادية. وتفاصيل مساهمة الآشورية في حماية حدود العراق الشمالية سنذكرها في المقال القادم عند الحديث عن حل مشكلة ولاية الموصل. هذا ناهيك عن دور قوات الليفي الآشورية في ضمان الأمن والإستقرار من جراء تمرد بعض شيوخ الكورد ضد السلطات العراقية والإنكليزية في الوقت الذي عجز جيش العراق الحديث التأسيس من القيام بهذه المهمة.
3) – تؤكد التقارير السالفة الذكر بأن الآشوريين لم يكونوا يرغبون في الإنطمام إلى قوات الليفي ولم يكن ذلك ممكناً إلا بعد تأثير وضغط الإنكليز على بعض الزعماء الآشوريين ومن ثم إجبارهم للإنضمام إليها. وحتى بالنسبة لهذه الحالة فإننا سنكون مخطئين جداً إذا قيمنا هذا التصرف لبعض الزعماء الآشوريين ولجزء من الشعب الآشوري في مسألة الإنضمام إلى قوات الليفي بمقاييس مستمدة من المفاهيم الفكرية والسياسية السائدة في هذه الأيام، بل من الضروري جداً فهمها وبشكلها الصحيح والحكم عليها ضمن ظروفها السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي كانت سائدة في تلك الفترة والتي فرضت على الآشوريين فرضاً من دون أن يكون لهم خياراً آخر. وعلى العموم يمكن تلخيص هذه الظروف بما يلي:
أ) – كان الآشوريون قد نهبت ممتلكاتهم وسلبت أراضيهم وطردوا من مناطقهم ولم تكن لهم مهنة غير الزراعة وتربية الحيوانات. من هنا شكل إنضمامهم إلى قوات الليفي كمصدر مالي لرزقهم ولضمان لقمة  عيشهم في ظروف قاسية جداً خلفتها الحرب الكونية الأولى والسياسات الشوفينية التي مارستها السلطات الرسمية تجاههم.
ب) – خضوع بعض الزعماء الآشوريين إلى تأثيرات الإنكليز مسألة طبيعية في التعامل بين شعب صغير متشرد لا سند له ولا قوة وإمبراطورية قوية وذات نفوذ قوي وواسع. وخضوع ألآشوريين إلى مطالب زعمائهم الدينيين والعشائريين للإنضمام إلى قوات الليفي مسألة غير مستغربة أيضا في سياق فهم النظام الديني/العشائري الذي كان سائداً في المجتمع الآشوري.
ج) – إنسياق الآشوريين وخضوعهم لتأثيرات وضغوط الإنكليز يجب فهمه أيضاً ضمن مفهوم خيار أهون الشرور التي أحيطت بهم. فالشعب العراقي خاصة قادته السياسيين كان متأثراً جداً بالنزعة العثمانية في الفكر والسياسة والحكم تجاه المسيحيين بشكل عام والآشوريين بشكل خاص لذلك لم يكن أمام الآشوريين خيارات أخرى متاحة سيما وإن إعصار الحرب كان قد دمر كل البدائل ولم يبقى أمامهم سوى بديل التعلق بالطوق الإنكليزي للنجاة والوصول إلى شاطئ الأمان رغم شكوكهم الكبيرة بأمانة الإنكليز في تنفيذ الوعود التي قطعوها لهم وفعلاً تحققت تلك الشكوك عندما تركوهم بغرقون في بحر من الدمار أثناء مذبحة سميل التي أرتكبت بحقهم في آب من عام 1933.

ولكن مع كل هذه العوامل والظروف فإنه يجب أن لا يفهم أو يؤول بأن الآشوريين وقيادتهم كانوا معصومين من الأخطاء وأن نستمر في إلقاء اللوم على الإنكليز وعلى القدر ولعنته، بل على العكس من ذلك فإن القيادة الآشورية أرتكبت في تلك المرحلة أخطاء جسيمة وأثرت بشكل عميق على مسار تطور الحركة القومية الآشورية أنعكست جوانب منها في الأحداث المحيطة بمذبحة سميل والنتائج التي آلت إليها والتي إنسحبت آثارها السياسية والإجتماعية والفكرية وحتى النفسية على المجتمع الآشوري بشكل خاص وعلى المجتمع العراقي بشكل عام ونتائج البعض منها ما زالت محسوسة ومؤثرة حتى يومنا هذا.

أخيراً: اليوم يحاول الآشوريون بجميع تنظيماتهم السياسية إزالة الحواجز النفسية والسياسية التي خلفتها سلبيات التاريخ السياسي الحديث لنشؤ دولة العراق كضمان أولي وأساسي لوحدة الشعب العراقي بمختلف قومياته وأديانه وكركيزة جوهرية لإستقرار الأمن والسلام في العراق الموحد وهو الأمل الذي ينشده الآشوريون وغيرهم من الأقوام العراقية.
 

106
كونفينشن الاتحاد الآشوري الأمريكي القومي
77 سنة من الديمومة والتواصل
أبرم شبيرا
توطئة:
أحتفلت المنظمات المنضوية تحت تنظيم الإتحاد الآشوري الأمريكي القومي المعروف بـ "فيدريشن"  والبالغ عددها أكثر من 33 منظمة مختلفة الإتجاهات والأمزجة بمهرجانها السابع والسبعون والمعروف بـ "كونفينشن" في مدينة فيكنس بولاية أرزونا الأمريكية وللفترة من الثاني إلى السادس من هذا الشهر، أيلول 2010 وحضرها الآلاف من الآشوريين ومن مختلف الطوائف والممل ومن العديد من المستويات العمرية خاصة الشباب منهم ومن عدة ولايات Hمريكية ومن بلدان أوربية وكندا وأستراليا وأيضا من بلدان الشرق الأوسط وتحديداً العراق وسوريا ولبنان. ولقد سبق وأن كتبنا عن الكونفينشن في السنوات القادمة ونظراً لأهمية هذا الحدث التاريخي المهم في تاريخنا المعاصر نعيد بعض ما كتبناه في السابق وذلك لتعميم الفائدة للذين لا يدركون الأهمية التاريخية والقومية لهذا الحدث الذي أستمر لمدة 77 سنة ولايزال في عنفوان إستمراره للسنوات القادمة. 

الكونفينشن وخلفيته التاريخية:
لغوياً، الكونفينشن يعني إجتماع موسع لمجموعة من الناس أو المؤسسات وعلى الأغلب يكون إجتماعاً دورياً سنوياً. قومياً، هو الاجتماع الجماهيري الذي يعقده الاتحاد الآشوري الأمريكي القومي في الولايات المتحدة الأمريكية سنوياً ولمدة أربعة أيام تسبق أول يوم الإثنين من شهر أيلول من كل عام والذي يصادف عيد العمال وهو عطلة رسمية في الولايات المتحدة الأمريكية. تاريخياً: عشية المذابح المفجعة في سميل في شهر آب 1933، وتحديداً في منتصف شهر تشرين أول من عام 1933 تشكلت لجنة الطوارئ الآشورية القومية في الولايات المتحدة الأمريكية فدعت إلى إجتماع جماهيري موسع في مدينة نيو جيرسي. وبعد يومين من النقاش تقرر مندبو المنظمات الحاضرة عقد إجتماع في شهر تشرين ثاني من نفس العام في مدينة نيو بريتن في ولاية كونيكتيكوت حيث أقر النظام الداخلي وأنتخب الكابتن ألكس أمير كأول رئيس للإتحاد. والمنظمات التي حضر مندوبهم وأسسوا هذا الاتحاد، هي كل من إتحاد القومي الآشوري من ماسسشوسيتس و الجمعية الآشورية في يونكر/نيويورك والجمعية الآشورية في كونيكتيكوت و الجمعية الخيرية الآشورية المسيحية في فلاديلفيا وفروعها في نيووارك ونيو جيرسي كذلك حضرت لجنة الطوارئ الآشورية في نيو جيرسي.

وفي الاجتماعات السنوية اللاحقة تطور النظام الداخلي للإتحاد وتبنى شعاره وأهدافه والتي كانت بالأساس مساعدة ضحايا مذابح سميل وعوائلهم إضافة إلى أهداف قومية وإجتماعية أخرى تقوم على لم شمل الآشوريين المنتشرين في الولايات الأمريكية المختلفة وإقامة المحاضرات والندوات والحفلات الترفيهية والمباراة الرياضية. ومن الظواهر المهمة الواجب ذكرها هو أن معظم مؤسسي الإتحاد كانوا من رواد الفكر القومي الآشوري ومن الطائفة السريانية الأرثوذكسية وكان بينهم ديفيد بيرلي وجوزيف ديرنه وغيرهم. ومن المؤسف فيه أنه بمرور الزمن تقلص نفوذ وتواجد أبناء هذه الطائفة في الإتحاد ونشاطاته. أما أبناء الطائفة الكلدانية فكان وجودهم أو منظماته معدوماً تقريباً، في حين طغى أبناء الطائفة المشرقية (النسطورية) على الاتحاد وأصبح تقريباً في السنوات الأخيره قاصراً على عليهم وعلى منظماتهم. كما وأن التسمية الآشورية (Assyrian) طغت بالتمام والكمال على الاتحاد وعلى جميع المنظمات المنضوية تحد لواءه بإستثناء جمعية جديدة تأسست حديثاً وفي السنوات القليلة الماضية وهي الجمعية الكلدانية الآشورية الأمريكية في سان ديكو، وهي المدينة التي يطغي عليها تواجد الطائفة الكلدانية أكثر بكثير من الطوائف الآشورية الأخرى، وهي التي نظمت كونفينشن 74 قبل ثلاث سنوات.         

إيجابيات الكونفينشن:
بدءً أقول بأنني معجب بالكونفينشن، فاقطع المحيطات وأعبر القارات لكي أحرص على حضوره والاستمتاع بأيامه المعدودات. وسبب إعجابي به يعود إلى بعض الإيجابيات التي يتصف به:
1.   أنه أكبر تجمع آشوري في تاريخنا المعاصر وأوسع نشاطا وأطول مدةً. فنحن الآشوريين المشتتين في زوايا هذا العالم أحوج ما نحتاج إليه هو مثل هذه التجمعات الدولية الشاملة التي تلملم شتات الأصدقاء القدامى وتجمع الأقارب المتباعدين تحت سقف واحد. شخصيا وفي كل سنة من سنوات الكونفينشن ألتقي بأصدقاء فارقتهم منذ أيام الصبا والشباب وأجتمع مع أقاربي المشتتين في قارات العالم. إضافة إلى ذلك فهو ملتقى للتعارف وكسب أصدقاء جدد ذوي اهتمامات مشتركة، ناهيك عن بعض جوانب نشاطاته الثقافية والفنية والرياضية والسياسية إضافة إلى سماع أخبار الوطن الأم خاصة عند حضور ممثلين عنه. وأهمية هذه اللقاءات تكمن في كونها الحجر الأساسي في ديمومة أركان المجتمع ألآشوري بالمعنى السوسيولوجي والسياسي للمجتمع. فالمجتمع بهذا المعنى ليس كماً عددياً من الأفراد بل هو مجموعة من العلاقات والاهتمامات القائمة بين هؤلاء الأفراد.
2.   يتصف الكونفينشن بصفة لا تتوفر إطلاقاً في أي جانب من جوانب نشاطات المجتمع الآشوري في تاريخنا الحديث وهي الديمومة والتواصل. فمن المعروف عنا نحن الآشوريين نبدأ تجمعاتنا ونشاطاتنا ببدايات نارية وحاسمة ثم ما يلبث وبعدة فترة قصيرة ينطفئ نيران حماسنا ونبدأ بلوم بعضنا البعض أو إيجاد مبررات باهتة للفشل وعدم التواصل. أما الكونفينشن فهو الوحيد والنادر والاستثناء في هذه الحالة، فمنذ عام 1933 يتواصل نشاطه دون انقطاع، بغنى عن سلبياته وإخفاقاته. فهذا التواصل يؤكد، ولو من جانب ضيق، حيوية المجتمع الآشوري وإصراره على البقاء والديمومة. فالمجتمعات الحية لا تعرف بفعاليات أو مناسبات مؤقتة غير قادرة على الاستمرار والتواصل بل بديمومة هذه المناسبات وتواصلها لآجال مستقبلية، وهو الأمل المعقود على الكونفينشن ليتواصل نحو الأجيال الآشورية القادمة.
3.   هناك صفة أخرى يتصف بها الكونفينشن تتعلق بالصفة السابقة وهي حضور عدد كبير من الشباب والشابات له والاستمتاع بنشاطاته، خاصة الرياضية والاجتماعية منها وزيادة هذا الحضور من سنة إلى أخرى من سنوات الكونفينشن. فمن المؤكد بأن هؤلاء، والذين معظمهم يعيشون في المجتمعات الغربية يسهل عليهم الاستمتاع بمثل هذه النشاطات وخاصة الترفيهية منها وفي أمكان أخرى إلا أن الظاهر فيهم هو اهتمامهم الخاص وحماسهم الظاهر في حضورالكونفينشن لا بسبب شكلية الحفلات والنشاطات الترفيهية والرياضية وإنما بسبب مضمونها الآشوري. فشخصياً ألمس مثل هذا الاهتمام عندما اختلط بالكثير منهم وأتبادل الحديث معه وعن البلد الذي جاءوا منه والنشاط الذي سيقومون به في الكونفينشن وغايتهم من الحضور، فكثيراً ما يكون جوابهم مشبعاً بالفرح والبهجة وحتى المزاح ذات المضامين الإيجابية. على أن كل هذا يجب أن لا نغفل الشكاوى والاحتجاجات التي ترد على تصرفات عدد قليل من الشباب في الكونفينشن وما يسببونه من مشاكل وضوضاء وإزعاج لبعض نزلاء الفندق. وقبل أن نعلق على هذه الشكاوى يجب أن نؤكد ظاهرة بارزة فينا نحن الآشوريين، وهي إننا نملك عيون واسعة وقوية جداً نحو سلبياتنا في حين لنا عيون صغيرة وضعيفة نحو إيجابياتنا، من هذا المنطلق نبالغ كثيراً في سلبياتنا ونهمل إيجابياتنا. لذا يجب أن تؤخذ هذه المشاكل بنظرة موضوعية لا انفعالية سلبية مفصولة عن الايجابيات. فيجب أن نقر بأن في مثل هذه التجمعات الكبيرة والمبهجة وخاصة بالنسبة للشباب لا تخلوا من بعض المشاكل وهي حالة طبيعية لا يستثنى منها أي مجتمع من مجتمعات العالم المتحضرة. وأخيراً فمن الملاحظ بأن هذه المشاكل قد تقلصت كثيراً في السنوات القليلة الماضية وأصبحت أجواء الكونفينشن أكثر راحة وإستقرارا ومتعة بالنسبة للجميع خاصة الشباب منهم.
4.   وأخيراً يستمع الشباب إستمتاعاً كبيراً بالمبارات التي تجري في كرة القدم وفي الحفلات الإجتماعية التي تقام كل مساء حيث يهزون الشباب الأرض هزاً بدبكاتهم العنيفة ويزرعون الأمل والفرحة في قلوب الناس ويؤكدون تواصل هذه الأمة نحو المستقبل بكل سلبياتها وإيجابياتها.

سلبيات الكونفينشن:
بطبيعة الحال يجب أن لا تحجب هذه الجوانب الايجابية للكونفينشن العثرات والنواقص التي تعتري نشاطاته السنوية.
النشاطات السياسية والثقافية: نعالجها من الجوانب التالية:
1 - من ناحية الممضون: من الملاحظ أن مضمون هذه النشاطات لم تعد تستقطب اهتمام الجمهور لكونها مملة ومكررة ولا فيها شيء جديد يستجوب معرفته فهي لا تتجاوز المعلومات العامة والأخبار والتقارير السياسية التي نسمعها في وسائل الإعلام. لهذا السبب لا يتجاوز حضورها إلا بضعة أشخاص مما يسبب ذلك إحراجاً للمشارك والقائمين على تنظيمها. يستثنى من هذه الحالة الندوات التي يشارك فيها ممثلو الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) التي تحضر الكونفينشين بصفة ضيف أو متكلم رئيسي، أو المحاضرات التي تلقى من قبل أحد قيادي الحركة كما أن ندوات الحاضرين من بلدان خارج الولايات المتحدة تحضى بأهتمام لا بأس بها. من هذا المنطلق يستجوب إعادة النظر في مضمون هذه المحاضرات والندوات وضرورة إيجاد مضامين جديدة قادرة على استدراج إنتباه وإهتمام الجمهور. غير أن كونفينشن ألـ 77 إفتقر تقريباً على مثل هذه النشاطات أو ندوات الأحزاب السياسية خاصة ندوة ممثلي الحركة الديمقراطية الآشورية حيث يتلهف الحضور لسماع أخبار الوطن منها بإعتبارها ممثلة لشعبنا في برلمان الوطن.
2   - من ناحية المشاركين: في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها وطن الأم، فإن غياب المشارك الآشوري من العراق، خاصة السياسي، والذي أعتاد عليه الجمهور، وعلى الأغلب يكون من الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) يشكل نقطة ضعف في نشاطات الكونفينشن لأن مثل هذا الحضور يثير اهتمام الجمهور بشكل منقطع النظير خاصة عند حضور مسؤول كبير عن هذه الحركة. إن هذا الحضور ضروري جداً ويستوجب على الجميع، وخاصة قيادة زوعا، توفير كل السبل لتحقيقه، ونأمل أن يتحقق في السنة القادمة لأن الجميع متشوق لسماع أخبار الوطن مباشرة من المسؤوليين عن قيادة الأمة في الوطن. وحبذا لو حضر أيضاً ممثلون عن الحركات الأخرى لكي يستمتع الجمهور بتنوع الأراء والأفكار. وفي يومنا هذا يشغل الأحوال المأساوية لأبناء شعبنا في أرض الوطن وفي سوريا والأردن حيزا كبيراً من قلقهم وإهتمامهم وحبذا لو أن القائمين على تنظيم الكونفينشن القادم الإهتمام بهذا الموضوع المهم.
3   - من ناحية التنظيم: تفتقر تقريباً كل النشاطات إلى التنظيم وحسن الإدارة. أن معظم النشاطات تتأخر، ساعات عن موعدها المعلن، كعادة الشرقيين وخاصة العرب الذين تعلمنا منهم كل سلبياتهم. فتأخر المحاضرة، إما بسبب قلة الحضور أو سوء التنظيم، يؤثر بشكل مباشر على تأخر النشاط التالي وهكذا تتأخرت كل النشاطات عن موعدها المقرر مما يربك الجمهور وبعضهم يمل من الانتظار ويغادر القاعة.
4   - من الناحية السياسية والقومية: هناك غياباً شبه تام للأحزاب الآشورية في الكونفينشن وبالأخص القائمة في المهجر وتحديداً في أميركا. فمن المفروض أن يكون لهم حضور ملموس ونشاط مثير لإهتمام الناس. ولكن السؤال يبقى قائماً: هل من جديد لهذه الأحزاب حتى تقدمه للجمهور؟  فهذا الغياب ما هو إلا تعبير عن عجز هذه الأحزاب وضعف نشاطاتها. فعلى سبيل المثال قبل بضع سنوات في أحدى ندوات الكونفينشن السياسية كانت الندوة تتكون من قسمين، قسم يتحدث فيها مسؤول حكومي أمريكي ثم بعد إستراحة الشاي يبدأ القسم الثاني ليتحدث فيه ممثلوا بعض الأحزاب الآشورية في المهجر، فبعد إنتهاء القسم الأول خرج الحاضرون إلى صالة الشاي وبعد مضي 15 دقيقة المخصصة للراحة لم يدخل الحاضرون إلى القاعة لحضور القسم الثاني مما أضطر المنظمون للندوة إلغاءها. وعندما سئلت بعض الأصدقاء عن سبب عدم حضورهم للقسم الثاني، قالو.. نحن نعرف ماذا سيتكلمون ... أنه نفس الكلام الذي يتكلمون عنه منذ سنوات ونحن متأكدين لا جديد فيه فلماذا نضيع وقتنا هباءاً.
كونفينشن ألـ 77 : 
تميز كونفينشن ألـ ،77 الذي أنعقد في أجمل فندق ومصيف في مدينة فينكس بولايات أرزونا، بنشاطات معروفة ومتكررة ولكن حرارة هذه النشاطات تركزت في إجتماعات مندوبي المنظمات الممثلة في الفيدريشن وإنتخاب رئيس له حيث أعيد إنتخاب السيد أدد آشورسين رئيساً لدورة أخرى أمدها سنتان. وكان من ضمن قرارات إجتماعاتهم إختيار مدينة ديترويت مكاناً للكونفينشن القادم. أما بالنسبة للعشاء(الرئاسي) هو تجمع ما قبل يوم الأخير للكونفينشن (اليوم الأخير مخصص للسفرة)  يقتصرعلى كلمات بعض الشخصيات ورؤساء وممثلي بعض المنظمات أو الضيوف البارزين وكانت باكورة هذه الكلمات كلمة قداسة مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية التي تلاها نيابة عن قداسته نيافة الأسقف مار أبرم خامس ثم تلت كلمة السيد يونادم كنا السكرتير العام للحركة الديمقراطية الآشورية والتي ألقيت نيابة عنه من قبل السيدة كاليتا عضو اللجنة المركزية لزوعا. وأنتهى التجمع بإختيار شخصية العام حيث أختير الناشط القومي السيد عمانوئيل كليتا شخصية عام 2101 والذي عرف بمواقفه القومية الصلدة وعطاءه السخي في مساعدة أبناء أمتنا في أرض الوطن في العراق وفي سوريا والأردن. كما صدر قرارات رئاسية إمتيازية لبعض المتميزين والناشطين القوميين في مختلف المجالات منهم السيد ولسن يونان كأحد أبرز وأنشط إعلامي أمتنا في المهجر والسيد أبرم شبيرا كأنشط كاتب قومي وغيرهم كما أختيرت منظمة كلدو آشور من سان ديكو كأحسن منظمة لعام 2010.

وأخير يبقى التساؤل قائماً وعلى الدوام، هل حقاً أن كونفينشين يستطيع بنشاطاته أن يساعد الآشوريين في العراق ويخفف من معاناتهم وهو الهدف الأساسي الذي من أجله أسس الفدريشن ... وهل أن الأموال التي تصرف في هذه المناسبة يصل قسم منها إلى الوطن... للأمانة نقول ... نعم بعض من هذه الأموال وصلت ولكن في مقارنتها مع حجم ما يصرف في هذه المناسبة من قبل الحاضرين يعد بمثابة " شعرة من جلد الخنزير" كما يقول المثل.

 



 

 

 






107
حلف غير مقدس
بين التحجر الآشوري والتعصب الكلداني

أبرم شبيرا

يروى بأن هنري فورد، مبتكر سيارة فورد الشهيرة، كان يشرح لفلاح بسيط تفاصيل مركبته الميكانيكية الجديدة وكيفية عملها بالاحتراق الداخلي، فبعد أن أنتهى من الشرح الطويل والمضني سأل فورد الفلاح وقال له هل فهمت الآن كيف تعمل مركبتي الجديدة ؟ فعاد الفلاح وقال نعم لقد فهمت كل شيء …ولكن لم تقل لي في أي مكان من المركبة الجديدة تشد الحصان ؟؟ !! . هذا هو حال بعض أفراد مجمعنا من المكون الآشوري والكلداني ، أكرر وأقول بعض الأفراد للتأكيد والانتباه، خاصة الذين يدعون اشتغالهم بالسياسة ويبدون اهتماماً بالمسائل القومية ، فحالهم كحال هذا الفلاح مصابين بمرض أنيميـا (فقر الدم) الفكري في فهم تطور الحياة والتاريخ وإدراك تقدم الواقع الموضوعي السائر دوماً إلى الأمام على خلاف استاتيكيا الجمود والتحجر الذي يلف صندوق دماغهم ويسيطر على فهمهم وإدراكهم للواقع،  ليس كما هو في الموضوع، وإنما كما هو في ذاتهم العاجية التي تعجز كتب العالم وموسوعات الدنيا من اختراقها وفتح كوة  فيها لتنير ظلامها الدامس وتكشف طريقها  نحو الواقع ومن ثم العمل فيه والتفاعل معه تحت أنواره الكاشفة.

أن مصدر نشوء مرض أنيميا السياسية والفكرية عند هؤلاء في فهم الواقع ومن ثم في فهم مشاكل الأمة وأمراضها أو في تقييم إنجازات الأمة وإبداعاتها أو حتى في فهم حقوقها القومية المشروعة وبنظرة موضوعية مقبولة وممكنة، ناشئة أساساً من جرثومة لها مصدران:

 الأول:  التحجر الفكري والتزمت الحزبي الذي نجده عند بعض الأفراد من المكون الآشوري الذي يصر على أن دماغه أصلد وأقوى من حجار نينوى وإن دم آشور بانيبال لايزال يجري في عروقه في الوقت الذي ينكر عظمة الثقافة الآشورية بما فيها اللغة التي تعظمت وتقدست بشفاه ربنا يسوع المسيح كمصدر مهم وأساسي وعلمي وواقعي للإنتماء إلى هذه الأمة التي حملت هذه الثقافة لأكثر من سبعين قرناً ووصلت إلينا بالتضحيات والدماء الزكية التي رخصها لها أبناؤها الأبرار. فإذا كان الدم عنصراً أساسياً عند هؤلاء المتحجرين في تحديد إنتماء أمتنا فعلى هذا الأساس نبشر أبناء أمتنا بأن لنا أخوة يعد تعدادهم بالملايين في تكريت ومعظم شمال العراق والكثير من أكراد تركيا وفرس إيران لا بل في ألمانيا أيضاً ومنه هتلر؟؟؟ أليس هذا تخريف ينافي المنطق والعلم والذي رفضته كل المدارس العلمية الإنثروبولوجية والبايولوجيا في تحديد أصل الشعوب وإنتماؤهم القومي؟؟؟ أمل أن مزيداً من القراء والمطالعة والتثقيف يذوب القليل من صلادة وحجارة هذا التفكير وليس لنا أكثر من هذه النصيحة.

الثاني: يتمثل في التعصب الأعمى والإنفصالي عند بعض الأفراد من المكون الكلداني لأمتنا. إن جرثومة الأنيميا الفكرية عند هؤلاء ناجمة من الشعور بالنقص في الفكر القومي والسياسي بسبب تأخر الوعي القومي عند الكلدان الذي كتبنا عنه كثيراً في مناسبات سابقة وبالتالي يحاولوا حرق المراحل باللجوء إلى التعصب والإنفصال وإلى بناء خطابهم القومي السياسي على أوهام والقفز من فوق الواقع والحقيقة التاريخية في كوننا جميعاً أبناء أمة واحدة. هناك حقيقة واقعية تبين بأن الكلدان لهم بنية تحتية قوية تتمثل في الديموغرافيا والتركز الجغرافي في الوطن وفي قوة الإقتصاد وسعة المعرفة والثقافة تؤهلم لكي يكونوا المكون الرئيسي في أمتنا لقيادة حركتنا القومية وهي حقيقة يدركها معظم الكلدان الواعين لحقيقة كوننا أمة واحدة رغم التسميات المتعددة ولكن القلة القليلة من المصابين بمرض الإنيميا الفكرية وبسبب التعصب الأعمى والنزعة الإنعزالية لهؤلاء السابحون في الأوهام والخيال يجهلون أو يتجاهلون هذه الحقيقة ويصرون على إنعزالتهم التي تزيدهم إنعزالا عن أبناء جلدتهم أكثر فأكثر وذلك بسبب إفتقارهم إلى أبسط مقومات المنطق في خطابهم القومي.

هناك نظرية في علم السياسية أثبتها التطبيق وتقول بأن أقصى اليمين يلتقي في المطاف الأخير مع أقصى اليسار ويعقدون حلفاً غير مقدساً لضرب الوسط والمعتدل خاصة في المرحلة التوفيقة التي تظهر أثناء نشؤء الإختلافات بين أفراد المجتمع وأحزابهم السياسية والتي تبقى قائمة لحين الوصول إلى الحلول النهائية. ففي مراحل الأزمات السياسية التي تنشأ في البلدان التي يقوم نظامها السياسي على التعددية الحزبية تنشأ تحالفات بين أحزاب الوسط والمعتدلة والساعية لحل الخلافات عندئذ يلتقي تطرف أقصى اليمين مع راديكالية أقصى اليسار لضرب مثل هذا التحالف الساعي لحل الخلافات بالطرق السلمية الهادئة. هكذا هو حال الآشوري المتحجر والكلداني المتعصب الإنعزالي فكلاهما وضعوا أنفسهم في حلف غير مقدس، وهو حلفاً غير مكتوباً وإنما ينشأ عمليا رغم عدم درايتهم به في ضرب كل مسعى لحل الخلافات في مجتمعنا، وليس أكثر الخلافات عمقاً مثل التسمية المركبة لأمتنا المطروحة سياسياً وقانونياً كأسلوب ضامن وعملي للمطالبة بحقوقنا القومية. سبق وأن قلنا أنه بسبب التحجر الفكري عند بعض الآشوريين خلق رداً فعليا عند بعض الكلدان أنعكس في إنعزاليتهم ودعوتهم في كون الكلدان قومية مستقلة منفصلة عن الآشوريين والسريان وبذلك يقلدون الجانب الآشوري المتحجر أحسن تقليد.

إن مرض الإنيميا الفكرية خلق عقلية عاجزة عن إدراك الواقع وفهم الكتابة عنه. ويظهر بأن بعض كتاباتي عن الوحدة القومية لأمتنا ودور الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) فيها وتأكيدي على كون الحضارة الآشورية العريقة مصدر إنتماء أساسي لأمتنا قد فتحت شهية هؤلاء المتحالفين على ضرب وحدة الأمة وأثارت مواضيع لا صلة لها بصلب الموضوع وغرضه لذلك لا تستحق أي رد عليها غير أن ننصحهم بالقراءة المتواصلة للتاريخ ومعاينة الواقع المعاش كما أنصحهم بأن يعودوا ويقرأوا مراراً وتكراراً لما كتبته لأنه يظهر بأن عقليتهم المتحجرة وتوجهاتهم الإنفصالية قد حجبت عن عقولهم فهم حقيقة المواضيع التي كتبتها. وإذا كانوا عاجزين أو خائفين من إعادة قراءة ما كتبته فأسهل الأمر عليهم وأكد مايلي:

1.   أنا آشوري وأعتز بآشوريتي وأستمد إنتمائي إليها إلى الحضارة العظيمة للأمة الآشورية أساسها اللغة والثقافة والتراث والتاريخ والجغرافيا. وحق الإعتزاز هذا لا يمنعني إطلاقاً أن أقبل إعتزاز الكلداني بكلدانيته والسرياني بسريانته وأحترمها لأنهما جزء من الأمة التي أنتمي إليها رغم تعدد التسميات في المرحلة الحالية.
2.   أن موضوع التسمية المركبة لا يعنيى تغيير أسم الأمة التي أنتمي إليها بل هو طرح سياسي وقانوني ودستوري كضمان لمطالبة معقولة ومنطقية لحقوق أمتنا. إن حقوق الإنسان لا تأخذ عدد الأفراد المطالبين بحقوقهم الإنسانية بنظر الإعتبار سواء أكان فرداً واحداً أم ملايين الأفراد فهي حق شرعي لكل فرد. أما الحقوق القومية فإن مسألة العدد والتركز الجغرافية يلعبان دوراً أساساً ومهما في الإقرار بمثل هذه الحقوق. فهل يوجد أكثرمن التسمية المركبة ضماناً لتوفير العدد والتركز الجغرافي لضمان حقوقنا القومية؟
3.   إن الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) لاعباً أساسيا في حركتنا القومية وفي المطالبة بحقوقنا القومية وهي حقيقة إن لم أقرها إنا وغيري فنحن عمياء لا ندرك الحقيقة الموضوعية. فزوعا مولود شرعي للأمة الآشورية بجميع تسمياتها المختلفة ولكن ليس المولود الوحيد كما يعتقد البعض الذين أصابوا بمرض (فوبيا زوعا) يرتعبون ويصابون بالحمى عن ذكر إسمها أو الكتابة عنها حتى ولو كان إنتقاداً لها وبيان إخطاءها. لقد سبق وأكدنا مراراً وتكراراً أن أي حزب مهما كانت قوته وعظمة نضاله لا يمكن إطلاقاً أن يمثل مصالح الأمة جميعاً، فهذا ضرب من الخيال. فنحن نحتاج إلى عدد معقول من الأحزاب السياسية النشطة وليست الورقية التي لا شغل لها ولا عمل إلا الجلوس على قارعة الطريق ورمي المارين الناشطين بالحجارة. فالديمقراطية التي نتغنى بها ليل نهار يستوجبها تعددية حزبية حقيقية ولكن هذا "العجز الحزبي" في أمتنا لا يمنعنا أبداً أن نشيد بزوعا كرائد في الساحة القومية السياسية ونأمل أن نجد قريباً أحزاب أخرى تحمل المعنى العلمي والواقعي للحزب السياسي وناشطة إلى جانب زوعا عندذاك سنبدأ بالكتابة عنهم تقييماً ونقداً كأسلوب علمي وواقعي في فهم حقائق أمتنا وأحزابها السياسية. لقد سبق وأن قلنا بأن الأمة التي لا يكون لها أحزاب قومية، بكل معنى الكلمة للقومية، نشطة وفاعلة ستكون إرادة الأمة مرهونة بإرادة الآخرين.


















     

 



108
التسمية الآشورية
للحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا)
أبرم شبيرا

توطئة:
في نيسان من عام 1979 ألتأمت مجموعة من الشباب الجامعي مع بعض التنظيمات الآشورية الصغيرة في العراق وأعلنوا إنبثاق حركة قومية جديدة سميت بـ (الحركة الديمقراطية الآشورية) وإختصاراً عرفت بـ (زوعا)، والتي تعني (الحركة) بالللغة السريانية. أستمرت زوعا في إستخدام التسمية الآشورية في جميع أدبياتها الحزبية والقومية بأعتبارها التسمية الشاملة لبقية التسميات الأخرى الكلدانية والسريانية. في حزيران من عام 2003 أي بعد سقوط النظام البعثي المقبور والتطورات السياسية الخطيرة التي أهتزت العراق بجميع تكويناته السياسية والقومية، عقد في بغداد وبرعاية زوعا مؤتمراً شعبياً كبيراً حضره العديد من التنظيمات السياسية والشخصيات القومية من الوطن والمهجر ومن جميع طوائف كنيسة المشرق ومن ضمن مقررات هذا المؤتمر كان تبني التسمية المركبة (كلدو آشور) كتسمية قومية شاملة  لأمتنا والتي تكللت أيضا بمباركة بعض رجال الدين وكنائسهم ثم أضيفت كلمة السرياني إليها فيما بعد لتصبح التسمية (كلدو آشوري سرياني) أو الكلدان السريان الآشوريون. ومنذ تلك الفترة بدأت زوعا بإستخدام التسمية المركبة في أدبياتها الحزبية والقومية ثم لحقتها أحزاب  وتنظيمات قومية آشورية أخرى وتبنت نفس التسمية مع تقديم او تأخير في هذا الأسم أو ذاك، ولكن بقيت التسمية الآشورية لزوعا (الحركة الديمقراطية الآشورية) دون تغيير، وبقت إذاعتها وفضائيتها "آشور" دون تغيير كما بقيت الجمعيات الخيرية والجماهيرية التابعة لها على نفس الحال حاملة التسمية الآشورية من دون أن تتبع القرار المتبني في التسمية المركبة لأمتنا.

تساؤلات وإنتقادات:
 ظهر للبعض بأن زوعا قد أوقعت نفسها في مأزق وتناقض بين التسمية المركبة لأمتنا من جهة وصفتها الآشورية، هي وتنظيماتها التابعة لها والملحقة بها من جهة أخرى، وبالتالي تعرضت لإنتقادات مختلفة الإتجاهات والنوايا:
الإتجاه الأول: يقوم على أساس أنه فخ ومصيدة وتأطير أسمي لغرض إحتواء الكدان ودمجهم في "الآشورية" وإزاحتم من الساحة "القومية الكلدانية" لغرض فرض الهيمنة عليهم وتحقيق مأربهم الآشورية، فلو كانت زوعا صادقة في قرارها في تبني التسمية المركبة لكانت قد غيرت إسمها إلى "الحركة الديمقراطية الكلدانية السريانية الآشورية" وكذلك غيرت أسم كافة التنظيمات والجمعيات التابعة لها. ويتمثل هذا الإتجاه في بعض الأحزاب الكلدانية الإنفصالية الحديثة التأسيس التي تزعم بأن الكلدان قومية مختلفة عن القومية الآشورية وبالتالي يحق للكدان أن يطالبوا بحقوقهم القومية الخاصة بهم من دون أن يكون لهم شأناً فيما يخص الحقوق القومية للآشوريين والسريان.
الإتجاه الثاني: وهو الإتجاه الذي يتمثل في بعض الأحزاب والتنظيمات الآشورية القومية التي تتخذ من التسمية  الآشورية... الآشورية فقط، إسماً لأمتنا من دون إي إضافات أو تسميات مركبة وتزعم بأن التسمية المركبة هي مؤامرة لتدمير وتشويه الأسم التاريخي العظيم للآشوريين وتصر على أن الكلدان والسريان ما هما إلا طوائف تابعة للقومية الآشورية وعليهما أن يندمجا مع الآشوريين في المطالبة بالحقوق القومية وبالتالي يتهمون زوعا بالخيانة والإفراط  بالتسمية الآشورية التاريخية من أجل مصلحة بعض قادتها وغيرها من التهم التي تصل إلى حد الشتائم.
 الإتجاه الثالث: تتسرب بعض الأخبار من الأروقة التنظيمية لزوعا بأن موضوع التسمية المركبة هو من المواضيع التي يثار حولها جدلاً كبير بين أعضاءها وقادتها في إجتماعاتهم الحزبية. فجزء من هذه الأخبار تقول بأن زوعا فقدت مصداقيتها بين أبناء الأمة لأنها منذ أن تبنت التسمية المركبة في عام 2003 لم تفعل عملاً جاداً وصادقاً في إقناع الناس بصدقها وجديتها في تبني التسمية المركبة، فأسم الحركة بقى نفسه ولم تغييره ليتماشى حالها مع حال التسمية المركبة. وحال تنظيماتها التابعة لها والملحقة بها بقى أيضاً وضعها وأسمها كما هو مأطر بالتسمية الآشورية فقط وليس بالتسمية المركبة. ففضائية آشور بقيت آشورية الصفة والمضمون وبالتالي ما الفائدة من تبني التسمية المركبة طالما هي غير مطبقة في العمل اليومي والواقعي.

إضافة إلى هذه الإتجاهات في إنتقاد زوعا حول التسمية المركبة والتي حصرناها في التنظيمات الحزبية والسياسية فهناك أيضا إنتقادات تسير على نفس المنحى مصدرها بعض الكتاب والمفكرين والمستقلين من أبناء أمتنا سواء من المؤيدين لزوعا أو المعارضين لها. لكن يجب أن لا يغيب عن بالنا عن وجود تنظيمات وأحزاب أخرى تؤيد التسمية المركبة وتؤكد عليها في أدبياتهم الحزبية والسياسية وفي خطابهم القومي السياسي أمثال المنظمة الأثورية الديمقراطية (مطكستا) والحزب الوطني الآشوري (أترنايا) وغيرهم ولكن صفتهم الآشورية بقيت رغم ذلك. هنا التساؤل الكبير يفرض هيمنته ويقول هل فعلاً يستوجب على هذه التنظيمات أن تغير إسمها  لكي يتلائم مع التسمية المركبة لأمتنا؟ وهل يجوز لحزب سياسي كزوعا باعتبارها اللاعب الرئيسي على الساحة القومية وأسم التنظيمات التابعة لها والملحقة به أن تغير أسمها لكي يتماشى مع الأوضاع السائدة والتطورات السياسية المتلاحقة في أمتنا؟؟ هذه التساؤلات ذات المضون الواحد تفرض علينا البحث المختصر في الأحزاب والتسميات التي تتخذها ومدى مطابقتها مع نشاطها وأفعالها وأهدافها.

زوعا كحزب سياسي بين الأسم والمضمون:
لقد سبق وأن عرفنا في مناسبات سابقة بأن الحزب السياسي هو عدد من الأفراد (الأعضاء) يؤمنون بمبادئ وأهداف  معينة ومشتركة (أيدولوجيا) ويخضعون لتنظيم سياسي واحد (نظام داخلي) ويسعون لتحقيق مبادئهم وأهدافهم عن طريق الوصول إلى السلطة (العمل السياسي). هذا التعريف المبسط ينطبق على زوعا بكل معانيه.  من هذا المنطلق نقول بأن الحزب السياسي ليس هدفاً بحد ذاته وإنما هو وسيلة لتحقيق الأهداف والمبادئ التي يؤمن بها وهو أداة من الأدوات السياسية، إن صح التعبير، يستعمل في العملية السياسية للوصول إلى الأهداف. لذلك ليس من الضروري دائماً أن يكون أسم الحزب مطابقاً للأهداف التي يؤمن بها لأن الأهداف هي متغيرة ومستجابة لكل مرحلة من المراحل السياسية التي يمر بها، وقد يشذ ويخرج قادة الحزب عن الأهداف ويسعون لتحقيق أهداف أخرى قد تكون خاصة بهم أو بالفئة التي تسيطرة على الحزب  ولكن مع هذا فإن طبيعة الحزب كأداة لا تتغير بتغير الأهداف في حيث يتصف أسم الحزب بالثبات وقلة التغيير في مقارنة مع الأهداف والمبادئ. وبعبارة أقصر نقول بأن فلسفة العلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون تشذ عن القاعدة في مسألة الحزب السياسي فيما يخص العلاقة بين الأسم والأهداف او المبادئ وتكاد تكون في الظروف السياسية المتسارعة والمتغيرة هي القاعدة وليست الإستثناء، والأمثلة على ذلك عديدة:

هناك العديد من الأحزاب يحملون أسماء إشتراكية وحتى شيوعية ولكن في الواقع يعملون وفق مبادئ مخالفة بل مناقضة للأسم الإشتراكي أو الشيوعي. فالحزب الشيوعي الروسي ثم السوفياتي كان يعمل من أجل تحقيق أهداف نخبة سياسية حاكمة أكثر مما كان يعمل من أجل الطبقة العاملة أو البرولوتاريا العالمية. والحال لا يختلف مع الحزب الشيوعي العراقي الذي أبقى على إسمه القديم ولم يغيره عندما غير الكثير من أهدافه وإستراتيجيته السياسية والفكرية لتتلائم مع الأوطاع الجديدة. والأحزاب النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا كانت تحمل أسماء إشتراكية ولكن كانت أحزاب عنصرية من درجة الإمتياز. وهكذا الحال مع الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوربا فهي لا تعمل بالضرورة وفق المبادئ المسيحية أو تطبقها في عملها السياسي. وحزب العمال البريطاني رغم صفته العمالية والإشتراكية الطوباوية إلا أنه يعمل وفق مبادئ برجوازية ورأسمالية ويسعى لتحقيق أهداف في مجملها ليست عمالية بالمعنى الكلمة بل تخص الأمة البرطانية جمعاء وهو حال جميع الأحزاب السياسية الأخرى فبرغم من أسمائهم التي قد تكون خاصة أو محددة إلا إنها جميعها تعمل أن تدعي بأنها تعمل من أجل المصلحة العامة للأمة التي ينتمون إليها. فمن الملاحظ في هذه الأحزاب التي تأسست منذ فترة طويلة بقيت أسماؤها ثابتة دون تغير إلا إن مبادئها وأهدافها تغييرت مع تغيير الزمن والظروف السياسية المحيطة بالبلد الذي ينشطون فيه وهي السمة التي جعلتهم أن يتكيفوا ويعملوا بإستمرار ويتواصلوا طيلة فترات طويلة وصعبة من الزمن. والحال أيضا لا يختلف عن زوعا فهي أداة سياسية وفكرية تعمل من أجل تحقيق مصلحة أو أهداف الأمة التي تنتمي إليها، وهي الأمة "الكلدانية السريانية الآشورية" التي أقرت وأعترفت بإسمها المركب رغم كونها تحمل إسماً آشورياً ولم تغييره. ولكن ماذا عن الأحزاب السياسية القومية التي تحمل إسماً قومياً الذي يخص أو يمثل قومية معينة دون غيرها كما هو الحال مع الحركة الديمقراطية الآشورية التي تحمل أسماً قومياً وترفع شعاراً قومياً ولكن تقر وتعترف بأن إسم القومية الذي تتبناه هو أسماً مركباً متكون من ثلاث مكونات: كلدانية سريانية آشورية؟ فلو كان جميع أو معظم الكلدان والسريان يقرون ويعترفون بالآشورية إسماً لقوميتهم أو يتبنون التسمية المركبة لكان الأمر هيناً لا يثير أية مشكلة ولكن هناك مجموعات أو أحزاب أو تنظيمات كلدانية وسريانية لا تعترف بالتسمية المركبة لأمتنا وتطرح خطاباً قومياً مستقلاً كلدانياً أكان أم سريانياً قائماً على أساس إن  الآشورية هي قومية مختلفة عن الكلدانية والسريانية وبالتالي فإن زوعا ما هو إلا حزباً قومياً آشورياً مهما كان إدعائه وتمسكه بالتسمية المركبة لأن الصفة الآشورية القومية التي يحملها لا تتطابق مع أسم الأمة "الجديد". هنا يثير التساؤل الكبير والمحرج وهو هل أن التسمية الآشورية هي قومية عرقية أثنية أم حضارية؟

آشور بين العرق  والحضارة:
كل النظريات العنصرية والعرقية التي تنسب أصل الشعوب والقوميات إلى عرق معين أصيبت بالسخف والبطلان وعلى هذا الأساس كل آشوري ينسب نفسه عرقياً إلى الآشوريين القدماء فهو إدعاء باطل لا يعتد العلم به. فمعظم الكتاب وعلماء الآشوريات يؤكدون تأكيداً قاطعاً بأن الآشوريين لم يبنوا إنتماؤهم إلى آشور على أسس عرقية وأثنية بل كان مبنياً على جملة معطيات فكرية وجغرافية وتاريخية متعددة ومتناسقة شكلت في مجملها حضارة واضحة المعالم أتخذها الآشوريون كأساس لإنتمائهم إليها وتحديد هويتهم. والسبب الرئيسي في ذلك يرجع إلى كون "آشور" ذو مصادر متعددة ومتنوعة أنفرد بها الآشوريون وحدهم دون غيرهم من الشعوب القديمة والحاضرة.  ومثل هذا التعدد والتنوع في مصادر "آشور" نجده في كونه الأبن الثاني لسام أبن نوح كما ورد في التوراة كما هو أسم مدينة آشور المقدسة لدى الآشوريين وأول عاصمة سياسية ودينية لهم، وهو أيضا أسم منطقة جغرافية عرفت ببلاد آشور وعلى أساس هذه المعطيات عرفت المجموعة القاطنة في بلاد آشور بالآشوريين والذين أشتركوا في الهوية الآشورية القائمة على اللغة المشتركة والدين المشترك والثقافة فأسسوا على ضوئها كياناً سياسيا دام ما يقارب ألف عام توج بأمبراطورية واسعة الأطراف والمعالم عرفت بالإمبراطورية الآشورية التي أستمرت في عطاءها الإنساني والحضاري لعدة قرون. واللغة الأكدية التي عرفت حسب مراحلها التاريخية بالبابلية - الآشورية تطورت تطوراً كبيراً في عهد الإشوريين وأصبحت منبعاً للعلم والمعرفة خاصة بعد إكتشاف مكتبة آشور بانيبال العظيمة والتي أحتوت على أعظم الخزائن الثقافية والفكرية لشعوب تلك المنطقة فكانت أساساً لنشوء علم الآشوريات الذي أصبح مدخلاً لدراسة كل الحضارات الشرقية. هذه المصادر الإنتمائية المتعددة الحضارية للآشوريين جعلتهم أن لا يعطوا للعرق والدم إي أعتبار في تحديد إنتماءهم "القومي" إلى آشور. فسياسة التهجير والتوطين وخلط الشعوب ببعضها دليلاً على ذلك وهي العملية التي أغنت الآشوريين حضارياً وفكرياً وأصبحت أمبراطورتهم مركزاً للعالم.   

من هذا المنطلق نقول من يدعي بأن إنتماءه الآشوري قائم على العرق والدم فهو إدعاء باطل ويتصف بكثير من السخف والشعوذة. إن الإنتماء الآشوري هو إنتماء حضاري، إلى تلك الحضارة الآشورية العظيمة التي أقامت إمبراطورية عظيمة وأعطت للإنسانية الكثير الكثير وكانت أساساً لتطور الإنسانية والكثير من الشعوب تطوراً علمياً وحضاريا. والحضارة هي ممارسة الفكر والعقل على بقعة معينة من الأرض أي هي التطبيقات العلمية والفكرية على الأرض من هنا نقول بأن كل من سكن بلاد آشور وتكلم نفس لغتهم ومارس نفس عادتهم وتقاليدهم وشاركهم نفس الديانة سواء أكانت الديانة البابلية – الآشورية القديمة أم المسيحية فهم آشوريون بكل معنى الحضاري وتحددت هويتهم القومية بهذا الإطار الحضاري وليس العرقي والأثني. وقد كان قد أصاب كبد الحقيقة عندما أكد الشماس المرحوم يوسف جمو في كتابه القيم عن أصل مسيحيو سهل نينوى في كونهم آشوريون بكل المعنى الحضاري.

أشورية زوعا حضارية وليست عرقية:
مما تقدم يمكن الجزم والقول بأن الأسم الآشوري الذي تتصف به زوعا مستمد من الحضارية الآشورية وليس من أي عرق أو أثنية. وهذه الحضارة ليست ملك أية فئة أو طائفة بل هي ملك كل الذين تجمعهم لغة واحدة وثقافة واحدة وتاريخ مشترك وآماني مشتركة والذين تحدد هويتهم بهذه المقومات ويسكنون قلب بلاد آشور وضواحيها. فالكلداني اوالسرياني الذي يسكن في تكليف وألقوش وتلسكقف وعنكاوه وبتخديدا وبرطله وغيرها من قرى سهل نينوى هم أولى بهذه الحضارة لأنهم بقوا ملتصقين بقلب أرض آشور حتى بعد سقوط أمبراطوريتهم رغم تسميتهم بالكلدانية أو السريانية والتي هي تسميات تراثية تاريخية تشكل مكونات الحضارة الآشورية العميقة الجذور والقابلة على الإغتناء من هذه التسميات المتعددة فيما إذا أتخذت وأستعملت بالمنطق وفهمت بالعقل المنفتح. من هذا الباب نقول أليس أهالي سهل نينوى الذين يشكلون المكون الكلداني والسرياني لأمتنا أولى بالاعتزاز والتفاخر بالحضارة الآشورية حضارة أبائهم وأجدادهم، فمثل هذا الأعتزاز يزيدهم قوة ومنطقاً عند المطالبة بحقوقهم القومية.

عندما تأسست زوعا في عام 1979 وحملت الإسم الآشوري لم يكن تأسيسها قائماً على عناصر من طائفة معينة أو عشيرة محددة بل كان من جميع أبناء الذين يعتزون بحضارتهم الآشورية سواء أكان "نسطوريا" أم كلدانياً أم سريانياً وهنا يجب أن لا ننسى أبن ألقوش البار الأستاذ المرحوم أبرم عما الذي يعتبر ألأب الروحي لزوعا عند تأسيسه كما يجب أن نذكر المناضل الكبير المغفور له توما توماس الذي ساند ودعم زوعا أثناء إلتحاقها بفاصل المقاومة المسلحة ضد النظام البعثي المقبور في العراق. ففي عام 1979 لم يكن هناك وعياً كلدانياً أو سريانياً بالمسائل القومية والسياسية لذلك لم يكن أمام زوعا خياراً إلا تبني التسمية الآشورية لكونها التسمية القومية السياسية الشاملة والحضارية لجميع أبناء الأمة إضافة إلى ذلك كانت لهذه التسمية خلفية تاريخية في المطالبة بالحقوق القومية. وفي المراحل اللاحقة وبعد تزايد الوعي القومي بين الكلدان والسريان نتج عن ذلك تزايد إنتماء أبناء أمتنا من مختلف مكوناتها الكلدانية والسريانية و"النسطورية" إلى زوعا لكونه إنتماء حضاري وليس عرقي أو طائفي أو عشائري وهو الإنتماء الذي يعبر عن أرقى أشكال الوعي الحضاري والقومي لهؤلاء. إن فقدان مثل هذا الوعي أو فقره لدى البعض هو الذي يجعلهم أن يعجزوا عن فهم أساسهم المستمد من الحضارة الآشورية التي يعتز بها كل إنسان ويتفاخر بها وبالتالي يقودهم هذا الفقر في الوعي القومي الحضاري إلى الإنغلاق والتقوقع وإلى خطاب قومي يفتقر إلى أبسط مقومات المنطق والحقيقة التاريخية.
زوعا والتسمية المركبة:
يتصور البعض بأن بمجرد تبني التسمية المركبة فأنه قد تغير أسم أمتنا إلى "كلدانية سريانية آشورية" .إن مثل هذا التبني لا يمكن أن يغير أسم أمة عظيمة ذات حضارة عريقة بمجرد قرار واحد. نؤيد التسمية المركبة لأمتنا ولكن يجب أن لا يكون الغرض منها تغيير أسم قوميتنا أو أية من التسميات التي عرف بها شعبنا (آشوري، كلداني، سرياني) أو أحتوائها أو شطبها من التاريخ والواقع،  بل الغرض الأساسي منه يجب أن يكون تضمين جميع هذه التسميات وطرحها سياسياً ضمن تسمية موحدة، وإن كانت مركبة، تعبر عن جميع من يتخذون من هذه التسميات أسماً لهويتهم طالما تقوم هذه الهويات على أسس قومية وتراثية وتاريخية مشتركة، فهو الحل الوحيد الذي يعطي لأمتنا زخماً سياسياً ودستورياً عند المطالبة بالحقوق القومية ويكون أقوى وأنجع وأكثر تطبيقا من طرح المطالبة بهذه الحقوق تحت تسميات مختلفة ومنفردة. تصوروا مجازاً لو طالب الكلدان والسريان والآشوريون كل واحد على حد ومنفرداً بحقوقه القومية وتضمينها في الدستور والقوانين العراقية، فأي من اللغات سوف يقرها القانون وما هي المناسبات القومية والتراثية التي سوف تعتمد وأي تاريخ سيدرس في المدارس السريانية؟؟؟؟ أليس نفس اللغة والمناسبات والتاريخ مشتركة للجميع؟؟؟ من لا يقر بهذه الحقيقة فهو أعمى لا يبصر الواقع ولا يعرف من التاريخ شيئاً والأفضل له أن يجلس في بيته ويترك الآخرين يعملون من أجل أطفاله والأجيال الحاضرة والمستقبلية.

وزعا التي تعتبر أكثر وعياً ونشاطاً في المرحلة الحالية أدركت هذه الحقيقة وتعمل رغم تسميتها الآشورية ضمن التسمية المركبة لأمتنا لأنها لا يمكن لها أن تفرط بأكبر مكونات أمتنا التي ستكون في المستقبل القريب في قلب الأحداث السياسية والقومية عندما يدب في بواطن عقولهم وعياً قومياً صحيحاً بالحضارة التي ينتمون إليها وتكون الأطار الشامل الفكري والحضاري لجميع مكونات الأمة. فزوعا وغيرها من المنظمات السياسية والأحزاب القومية التي أتصفت بالتسمية الآشورية وتبنت التسمية المركبة لأمتنا يجب أن تدرك حق الإدراك بأن لا الكلدان ولا السريان يقبلون دمجهم عنوة وبقرار واحد في التسمية الآشورية كما على المنظمات والأحزاب السياسية التي تتخذ من الكلدانية أو السريانية هوية لهم أن تعمل وفق التسمية المركبة لأمتنا كضمان وحيد لمنطقية المطالبة بحقوقنا القومية وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع فالزمن والوعي القومي الحضاري الصحيح سيكونان كفيلاً لإيصالنا إلى اليوم الذي تقر جميع مكونات الأمة بتسمية واحدة تاريخية حضارية.

خاتمة وإستنتاج:
في الخاتمة نؤكد مايلي:
1.   الحزب السياسي أداة سياسية تعمل لتحقيق أهداف معينة وقد تتغير هذه الأهداف ولكن ليس بالضرورة أن يتغير أسم الحزب.
2.   الحضارة الآشورية، بسعتها وحجمها وتاريخها وعمقها هي حضارية إنسانية لا حدود لها وتشكل الخلفية الفكرية والتاريخية والحضارية لجميع مكونات أمتنا وطوائفها المختلفة وليست لها أية صفة عرقية أو طائفية أو شللية أو حزبية.
3.   تبني التسمية المركبة لأمتنا لا يعني تغيير أسم الأمة بجميع مكوناتها التاريخية والتراثية، فالمرحلة الحالية التي تتصف بضعف الوعي القومي والسياسي للكثير من أبناء أمتنا وإعتماد مصادر فرعية للإنتماء وتحديد هوية الفرد من خلالها، مطلوب من المهتمين بشؤون الأمة  طرح التسمية المركبة في المرحلة الحالية كأنجع وأقوى الوسائل في المطالبة بالحقوق القومية لجميع مكونات الأمة.
4.   إن الزمن وتنامي الوعي القومي بالحضارة الآشورية ومدى سعتها وعمقها كفيل بأن اليوم الذي سنجتمع ونطرح حقوقها تحت تسمية واحد آتي لا محال منه مهما كانت التحديات والتضحيات.
5.   إن الإعتزاز بجميع مكونات الأمة من كلدانية وسريانية وآشورية هو مدخلاً أساسياً لفهم حقوق الأمة والمطالبة بها ومن لا يقر بهذه الحقيقة فهو خارج التاريخ والواقع.

 

 

109

الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا)
كيف ننتقدها ونقيمها؟


Aprim w Ashor TV
أبرم شبيرا
توطئة:

نظرة بسيطة وسريعة على جميع المواقع الألكترونية ووسائل الإعلام المختلفة المهتمة بشؤون أمتنا "الكلدانية الآشورية السريانية" خاصة بشؤونها السياسية القومية ندرك على الفور بأن زوعا تحتل المقام الأول، إن لم تكن الوحيدة، في مسألة تعرضها إلى النقد بمختلفة أوجهه البناء والمجامل والتهجمي وقلما نرى تقييما لها أو الرد منها على هذه الإنتقادات، وهي السياسة التي إنتهجتها في عدم "تضيع" الوقت وإثارة النزعات الكلامية خاصة في المواضيع التي لم تبنى على أسس واقعية وصحيحة. ومن الملاحظ بروز ظاهرتين في هذا المجال. أولاهما، تركز معظمها إن لم تكن جميعها على نقد وتهجم على شخصية السيد يونادم كنا السكرتير العام للحركة وعضو البرلمان العراقي. وثانيهما، تناقص هذه الإنتقادات في مقارنة مع السنواات الماضية خاصة بعد فوز الحركة بثلاثة مقاعد من خمسة المخصصة لأمتنا، ويظهر بأن هذا أيضا جزء من ظاهرة عامة وهو تناقص إن لم نقل إختفاء مواضيع سياسية قومية عن الأحزاب والمنظمات القومية وبالأخص عن الحكم الذاتي والإكتفاء بمواضيع آنية ينتهي مفعولها بإنتهاء زمنها القصير ومن دون أن تخدم الفكر القومي والسياسي لأمتنا.  ومن المحزن أن لا تكون مثل هذه الظواهر موضوع بحث من لدن كتابنا وسياسيوننا ومفكروننا وإستخلاص العبر والنتائج منها تفيد في إغناء الفكر القومي السياسي ليس لزوعا وحدها بل لجميع أحزاب أمتنا وحركاتنا السياسية.
 صحيح في الظاهر هناك العديد من الأحزاب والمنظمات القومية، سواء أكانت فعلاً موجودة على الساحة السياسية أم كانت مجرد أسماء على ورق، غير أنها من جهة أخرى لا ينتقدها أو يقييمها أحد من كتابنا إلا ما ندر في مقارنتها مع الإنتقادات الموجهة لزوعا. لماذا...؟؟؟ هذا التساؤل البسيط يكمن خلفه ظاهرة مهمة ونتيجة واضحة المعالمة وهي إن هذه الأحزاب والمنظمات لا تعمل أو إن نشاطها غير واضح المعالم وغير مدرك أو محسوس ومن الطبيعي جداً أن لا تتعرض للنقد او التقييم. وعلى العكس من هذا فإن هذه النتيجة تقودنا للقول وبجزم بأن الكم الهائل من النقد الموجه لزوعا أو لسكرتيها العام هو معيار لمدى نشاطهما المستمر على الساحة السياسية، سواء أتفقنا معمهما أم لا. وحتى نكون موضوعيين غير متحزبين يجب القول وبجزم أيضا بأن هذا النشاط ليس على الدوام المطلق إيجابياً بناءاً، بل هو نشاط يخضع للمفهوم الفلسفي في التطور، والذي سنتأتي على ذلك في السطور القادمة، وهو الذي يشكل أس الإساس في نقد زوعا وتقييمها. فالحركة ليست كياناً مقدساً لا تخطأ  فهي من صنع البشر فمن الطبيعي أن يكون نشاطها معرضاً للخطا والتعثر، وهو الأساس الذي يقوم عليه النقد.     
   
مختصر في مفوم التطور:
يقال بأن المرء عندما يبلغ العقد الثالث من عمره، والذي يحسب كمحطة مهمة في منتصف الحياة، عليه أن يثبت قدماه ويبدأ وبإمعان أولاً النظر إلى الخلف وسرد كل مجريات العقود الثلاث الماضية وتدقيقها بشكل موضوعي دون أن يتباهى ويتعالى بالنجاحات التي حققها أو الإحباط والإنهيار بسبب العثرات والفشل التي أعترت طريقه ومن ثم إستخلاص الدروس والعبر منها لتكون مرشدا له للسنوات القادمة. من هنا يبدأ النظر إلى الأمام والتأمل الواقعي البعيد عن الخيال والأحلام الوردية حتى يتمكن من مواصلة مسيرة حياته نحو المستقبل ومواصلة التطور. وهي الحالة التي تنطبق على زوعا وهي تجتاز عقدها الثالث. والمفهوم الفلسفي للتطور يقوم على بديهية معروفة وهي "خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء" فالنجاح المطلق أو "جميع الخطوات إلى الأمام" أمر مستحيل ويدخل في باب الكمال والمثال. والسياسة لا تعرف الكمال ولا تبني عمليتها على المثالية وما وراء الطبيعة. فالواقع المنطقي الذي يجمع تناقضات الحياة من تقدم وفشل هو الذي يحكم عالم السياسة. وبعبارة أخرى نقول بأن التطور هو المحصلة النهائية الناتجة من جملة تفاعلات قائمة بين التقدم والإخفاق والتي في نهاية المطاف تفرز مقومات التطور والإستمرار.

مختصر في مفهومي النقد والتقيم:
النقد منهج فكري وعقلاني لإكتشاف الأخطاء والعثرات ومن ثم تصحيحها وإزالة عيوبها. وممارسة النقد لا غرض له غير النمو والتطور والتخفيف من الخطوات المتعثرة والبناء عليها خطوات متقدمة. وكانت الماركسية أول من أهتمت وفصلت في موضوع النقد، فكارل ماركس يعتبر من أكبر الفلاسفة الذين تناولوا هذا الموضوع وأعتبر ممارسة النقد والنقد االذاتي أمراً مهماً لصالح الثورة البروليتارية ونموها الخاص. ثم طور لينين هذا المفهوم وأعتبره مبدأ هاما وأحد منابع التطور الإجتماعي. ثم جاء الماركسيون الجدد أو الأوربيون وطوروا مفهوم النقد حتى يتلائم مع الظروف الرأسمالية المتقدمة في الدول الديمقراطية. ويعتبر النقد منهجاً علمياً في إكتشاف وحل تناقضات المجتمع وله دوراً خلاق في دفع مسيرة التطور نحو الأمام والتخيف أو علاج الخطوات المتعثرة والفاشلة. ولكي يتصف النقد بالمنهجية العقلانية والواقعية يجب أن يقوم على واقع أو موضوع، سواء أكان فكر أو ممارسة ولا يمكن أن يأتي من غير ذلك. فكلما كان الواقع أو الموضوع، فكراً ومماسة، واضحاً ومبيناً للعقل والمنطق كلما أكتسب النقد عقلانيته ويصبح أكثر فاعلية في عملية التطور. من هنا نقول بأنه لا يمكن إعتباره نقداً فيما إذا لم يمتلك أساسا أو موضوعاً صحيحاً ومبيناً ومنطقياً وإلا أعتبر كلاماً فارغاً لا مكان له في الصيرورة السياسية، لا بل قد يكون لمثل هذا الكلام إرتدادات عكسية سلبية على مصدر النقد أو الكلام نفسه، وهذا ما سنبينه في السطورة القادمة عندما نطرح بعض مثل هذه الإنتقادات الكلامية الفارغة.

أما التقييم فهو منهج علمي معياري في قياس وتحديد ممارسة المنظمات والأحزاب السياسية بما فيها الحركة الديمقراطية الآشورية، موضوع بحثنا، وبالتالي معرفة مدى تقدمها وتحقيقها لأهدافها أو فشلها. فبدون المعيار القياسي لايمكن إطلاقاً إمتلاك أدوات التقييم. والمعيار القياسي في تقييم الأشياء أو الأفعال يجب أن يكون دقيقاً ومحدداً بحدود دنيا وقصوى. ولتبسيط الأمر نسترشد بالمثال البسيط التالي: الإنسان ككائن حي له قدرات تتحد بحدود دنيا وقصوى. فمثلاً ان الإنسان مهما كان قوياً لا يمكن أن يرفع أكثر من 200 كليوغرام مرة واحدة كحد أقصى وإن رفع أكثر من ذلك فهو إنسان خارق غير طبيعي مع سواه. أما الإنسان الذي لا يستطيع رفع، مثلا أكثر 20 كليوغرام كحد أدنى فهو إنسان غير سوي لا بل إنسان مريض وفيه نقص جسماني. فهنا يتحدد المعيار القياسي لقوة الإنسان كحد أقصى بـ 200 كليوغرام وكحد أدنى بـ20 كليوغرام.

أمثلة من الواقع السياسي: نبدأ أولا بالقومية العربية ونأخذ التنسيق والتفاهم بين الدول العربية كحد أدنى والوحدة القومية كحد أقصى نرى بأن عجز هذه الدول في تحقيق الحد الأدنى من التنسيق والتفاهم حول مسائل لانقولها مصيرية بل عادية جداً، يعكس عن ضعف قدراتها ووسائل تحقيق أهدافها. إذن فالأمر ليس سوياً والإستمرار عليه يقود العرب إلى أوضاع أسوء مما هم عليه في الوضع الراهن. والحال لايختلف كثيرا عن العرب العراقيين، سواء أكانوا من السنة أو الشيعية، فعدم قدرتهم على التنسيق والتفاهم حول الحد الأدنى من المصلحة العربية في العراق جعلوا العراق أرضاً غصباً لعدم الإستقرار وإهتزاز "عروبته". وعلى العكس من هذا نرى الكورد في العراق أمتلكوا المعيار القياسي الواضح لتقيم مدى نجاح أو فشل حركتهم القومية. فالتنسيق القائم بين أحزابهم السياسية، خاصة الحزبين الرئيسين، نتج عنه خطوات متقدمة في تحقيق أهداف الكورد القومية وبالتالي إجتازوا الحدود الدنيا تصاعداً نحو الحدود القصوى والإقتراب من تخوم إقامة دولة كرودية مستقلة في شمال العراق. ولكن هل نلوم وننتقد الكورد لعدم قدرتهم على إقامة مثل هذه الدولة خاصة في الظروف الحالية التي يمر بها العراق؟ فالجواب يكون بالنفي. فالكورد يدركون أن تحقيق مثل هذا المطلب القومي المنتظر هو خارج الحدود القصوى لإمكانياتهم لأنهم لايملكون القوة أو الإمكانية الكافية لصد مقاومة تركيا وإيران والعرب عند إقامة دولتهم الكردية المستقلة. من هذا المنطق عندما ننتقد ونقيم زوعا يجب أن يكون ذلك ضمن الحدود الدنيا والقصوى لإمكانياتها بشكل خاص وإمكانية الأمة بشكل عام.       

زوعا وفق منظور التطور:
لقد سبق وأن ذكرنا في مناسبة سابقة بأن الحركة الديمقراطية الآشورية ولدت من مخاض ومعاناة الأمة ومن رحمها الشرعي لذا فهي حركة حية وعضوية في تفاعلها مع حياة الأمة وأبناءها تمتلك كل مقومات الكائنات الحية التي تنعكس في أيديولوجيتها وسياساتها وأفكارها وأسلوب حياتها، فهي إذن حركة طبيعية لها مقومات التطور الواجب توفرها في كل الكائنات الحية منها التقدم والتعثر، النجاح والفشل.     
والحركة الديمقراطية الآشورية التي ختمت عقدها الثالث وإجتازت محطة حياتها النصفية، وكحركة طبيعية حية وعضوية لا بد، لا بل ويجب، أن تكون قد دخلت مسيرة التطور عبر خطواتها الأمامية /الورائية والتي من خلالها يمكن أن ننظر إلى السنوات التي خلت وما فيها من إنجازات وإخفاقات وعلى ضوء ذلك ننتقدها و نقيم مسيرتها القومية والسياسية. أي بعبارة أخرى أن خضوع زوعا لمفهوم التطور القائم على "خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراء" يجعل موضوع نقدها وتقييمها قائماً على هذه المعادلة ويكسبها وضعاً موضوعياً وبالتالي فإن كل نقد أو تقيم  يجب أن يقوم على موضوع أو واقع وبعكسه فإن النقد يفقد خاصيته ولا يجدى أن يكون غير كلام فارغ لا معنى له أو تأثير في الصيرورة السياسية لزوعا. من هنا نقول بأن موضوع النقد والتقييم لزوعا يرتبطان إرتباطاً عضويا، فالنقد يقوم على معالجة خطوة إلى الوراء في حين التقييم يقوم على تناول خطوتان إلى الأمام.
وحتى نكون أكثر موضوعيين نؤكد مرة أخرى بأن زوعا ليس قديساً أو ملاكاً بالتمام والكمال كما أنه ليس شيطاناً بالتمام والكمال أيضا فطبيعته البشرية الإجتماعية تجعله أن يجمع بين هذا وذاك، بين الصواب والخطاً وربما قد يتطلب العمل السياسي أن يجمع أيضاً بين الخير والشر. ولكن التساؤل يبقى قائماً وهو: لماذا نقيس تطور زوعا بخطوتان للأمام وخطوة للوراء ؟ لماذ لا نعطي لها خطوة إلى إلأمام وخطوتان إلى الوراء؟؟. فلإجابة على مثل هذا التساؤل لابد أن ينطلق من الفهم الصحيح للتطور والواقع المعايش لزوعا. إن مفهوم التطور الذي ذكرناه سابقا والقائمة على "خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء" ليس له صفة الإطلاق في عدد الخطوات الأمامية أو الورائية. فصحيح القول هو أن التطور هو جملة خطوات إلى الأمام وإلى الوراء فقياس التطور ليس في عدد الخطوات الأمامية بل هو حصيلة تفاعل جميع الخطوات الأمامية والورائية التي يتولد منها إنجازات واقعية وملموسة. فبالنسبة لزوعا واجت خلال ثلاثين سنة الماضية خطوات سلبية ورائية ولكن خلال مسيرتها النضالية إستطاعت إحتواء هذه الخطوات بخطوات أخرى أمامية إيجابية كانت في المحصلة النهائية تطوراً مثمراً بإنجازات ملموسة. من هذا المنطلق يجب أن نفهم زوعا وننتقدها ونقيمها.

النقد الموضوعي لزوعا:
إذا قبلنا بأن زوعا يعمل وبقى يعمل طيلة ثلاثين سنة الماضية فإذن يجب أن نقبل أيضا بأنه أخطىء وقصر في نواحي معينة. وقد يكون هذا الخطاً او التقصير ناجم عن عدم إمتلاكه الحدود القصوى للإمكانيات لغرض تلافي هذه الأخطاء أو قد يكون ناجماً عن قلة الخبرة أو ضعف الوعي بالواقع السياسي لتلك الحالة. والنقد هنا يجب أن لا يقوم على "القيل والقال" والحالة الزمنية المعينة وهي الحالة الأكثر شيوعا في المهجر. فالكثير من أصحاب هذا النقد يقوم على أساس إنه في فلان مناسبة أو لقاء قال يونادم كنا أو أحد قيادي زوعا كذا وكذا وعلى هذا القول يؤسس كامل موقفه من تاريخ وإستراتيجة زوعا وهذا أمراً خاطئاً لأن كلام أو موقف معين من مسألة معينة لا يلغي إستراتيجية أو أيديولوجية زوعا. ولكن بتكرار هذه المواقف وبشكل مستمر فمن الطبيعي سوف تتراكم هذه المواقف تراكماً كمياً ثم تتحول نوعياً وبمرور الزمن إلى مبادئ وأيديولوجيات تحكم تطور مسيرة زوعا ومكانتها بين الجمهور لذلك يستوجب على قيادتها الإنتباه الشديد في مثل هذه المسائل. فالتقييم الموضوعي الكامل لزوعا وتحديد موقف الإنسان منها يجب أن لا يقوم على أساس خطاب معين في مناسبة معينة فحسب بل يجب أن يكون على مجمل سياسات زوعا ومواقفها من جميع القضايا القومية والسياسية العامة. فلا أستطيع أن أرفض زوعا بالكامل لأن فلان قيادي فيها قال كذا وكذا.
إنطلاقاً من طبيعة زوعا كحركة سياسية قائمة على مفهوم التطور الذي ذكرناه فأنه من الطبيعي أن يكون هناك مواضيع وممارسات خاضعة للنقد ويجب على زوعا أن تقبلها فيما إذا كان النقد موضوعياً لأن الفائدة الأولى والأخيرة سوف ترجع إليها. وليس من السهل أن نسرد معظم الأخطاء خاصة اليومية والآنية لزوعا لكي ننتقدها، بل سنأخذ أهم المواضيع التي نخضعها لمثل هذا الانتقاد الموضوعي والتي تتصف بصفة الديمومة وفي مقدمتها الإعلام. منذ البداية وبصراحة مطلقة نقول بأن إعلام زوعا ضعيف في مقارنته مع مسيرتها ونضالها الطويل والناجز فهوعاجز عن التعبير الواضح لمسيرة زوعا النضالية ولا يحقق الطموح القومي لزوعا بإعتباره اللاعب الرئيسي على الساحة السياسية القومية سواء في الوطن أم في المهجر. فهو غير قادر على أن يعكس هذه المسيرة والنضال كما أنه ضعيف في فهم العقلية السائدة بين أبناء أمتنا في المهجر. فعلى الرغم من الشعبية التي تتمع بها زوعا في بلدان المهجر خاصة في الولايات المتحدة إلا إنها لم تستطيع أن تستفيد من هذه الشعبية إستفادة مثمرة وتحولها إلى دعم كامل لها. صحيح أنه في السنوات القليلة الماضية تقلصت شعبيتها بعض الشي بسبب قدرة المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري في التأثير على أبناء الأمة في المهجر و"الإنجازات" التي حققها في "إعادة" أعمار البيوت "الكارتونية" في أرض الوطن وفاعلية قناة عشتار الفضائية والدعم المالي الذي كان يتلقاه من الحزب الديمقراطي الكردستاني أو حكومة إقليم كردستان بشكل غير مباشر عن طريق السيد سركيس أغاجان وزير المالية السابق في حكومة الإقليم، إلا أن بعد نضوب المصادر المالية للمجلس الشعبي وإنتهاء مهمة السيد أغاجان كوزير للمالية أنخمدت فاعلية المجلس الشعبي وأنعكس ذلك بشكل إيجابي على شعبية زوعا خاصة بعد حملته الإنتخابية الناجحة وتحقيق النتائج المرجوه من إنتخابات برلمان العراق. ولكن مع كل هذه الشعبية، صعوداً أو هبوطاً، يبقى العجز قائماً في إستثماره بالشكل الكامل والإيجابي، ولعل السبب الرئيسي في ذلك يرجع إلى ضعف أو عجز قنوات الإتصال سواء عن طريق منظمات زوعا وفروعا في المهجر أو قناة آشور الفضائية من تحقيق الهدف.
من الأخطاء التي عملتها زوعا ولا زالت مستمرة عليها هي فتح فروع لها في المهجر. هذا التوجه يعبر عن عجز زوعا وقيادتها في فهم طبيعة المجتمعات الغربية الديمقراطية التي لا تتقبل أو تتفهم مثل هذه التنظيمات الشرق الأوسطية التي هي  ملائمة للمجتمعات المتخلفة والتي تسودها أنظمة غير ديمقراطية. إن الحياة السياسية في الغرب الديمقراطي هي غير تلك التي في الشرق الأوسط، فالتنظيمات غير المباشرة والمساندين وهيئات الدعم المالي والمعنوي أو جماعات الضغط في المهجر هي الأكثر مناسبة وفاعلية في دعم زوعا في أرض الوطن. وهو موضوع سبق وأن تطرقنا إليه سواء في مناسبات عامة أو خاصة مع بعض قيادي زوعا ولا نرغب التكرار فيه. وأنا أوكد لكم بأن بعض عناصر زوعا في المهجر وتصريحاتهم اللهابة أو قنواتهم البوقية المساندة لها قد لعبوا دوراً سلبياً كبيراً في تضخيم الهوة وعدم الإلتقاء في بعض الرؤى بينها وبين كنيسة المشرق الآشورية وبطريركها الكلي الطوبى قداسة مار دنخا الرابع وبالتالي إنعكاس ذلك على سمعة زوعا في المهجر بإعتبارها معادية للكنسية ورجال الدين، وهو الموضوع الذي كان على قيادة زوعا في الوطن أن تتخذ موقفاً واضحاً وصريحاً من ذلك منذ البداية لإزالة الإلتباس والغموض فكانت زيارة السيد يونادم كنا لقداسته في مقر البطريركية في شيكاغو في الأشهر القليلة الماضية إيجابية في إزالة بعض من هذا الغموض والتي يتطلبها المزيد لتوضيح الأمور خدمة لهذه الأمة.
كلنا سمعنا أو قد حضرنا "الكونفينشن" الذي ينظمه الإتحاد القومي الآشوري الأمريكي المعروف بـ "فيدريشن" طيلة 76 عاماً الماضية. كنت من المواضبين على حضور الكونفينشن ولا أعتقد أحد يستطيع أن ينكر بأن معظم المنظمات الممثلة فيه والحاضرين للكونفينشن هم من الموالين والداعمين الأساسيين لزوعا في الولايات المتحدة لأنهم يدركون حق الإدراك بأن زوعا هي الممثل الحقيقي لشعبنا في الوطن لذلك دائماً تكون من المدعوين الرئيسيين للحضور والمشاركة في النشاطات أو إلقاء الكلمات. غير إنه بسبب ضعف حضور زوعا، سواء في الممثلين الحاضرين لها، أو تصرفات بعض من أعضاء فروع زوعا في المهجر تعجز زوعا عن الإستفادة من هذا التجمع الذي يعتبر أكبر تجمع آشوري/كلداني/سرياني في تاريخ هذه الأمة والذي سينعقد الكونفينشن القادم ألـ (77) في مدينة فينكس في ولاية أرزونا في الولايات المتحدة الأمريكية في بداية شهر أيلول القادم ونأمل من قيادة زوعا أن تدرك هذه الحقيقة وأن تكون أكثر إستجابة ومشاركة في الكونفينشن القادم.
وقناة آشور الفضائية تعتبر موضوعاً آخراً للنقد. فلولا البرامج الخاصة القيمة  والمؤثرة التي عرضتها في يوم الشهيد الآشوري الآخير، آب 2010 لكان نقدي لها لاذعاً يصل إلى حدود التهجم. أن هذه القناة عاجزة بالفعل أن تصل إلى الطموح القومي لأمتنا فهي قناة عربية أكثر مما تكون كلدانية أو سريانية أو آشورية ويظهر بأنها تعبر عن الثقافة العربية والعراقية عموماً أكثر من تعبيرها عن الثقافة السريانية. وحتى الثقافة العربية والعراقية لم تصل إلى تلك الحدود المتدنية لبعض البرامج التي تأتي تحت باب "برامج ترفيهية مطلوبة من قبل الجمهور" في الوقت الذي هي صراخ ومضحكة وإلهاء الناس بالكلام الفارغ وحديث لا فائدة منه. لماذا أنا أو غيري يتفرج على البرامج الترفيهية أو المسلسلات العربية أو أن يستمع إلى الأغاني العربية في قناة آشور طالما هناك قنوات عربية أخرى تعرضها بشكل أحسن منها؟ أنا أحضر قناة آشور لكي أتفرج وأستمع إلى ملك الأغاني الآشورية الفنان المبدع آشور بيت سركيس أو غيره من مطربينا المبدعين ... هذا مثال من آلاف الأمثلة. أستغرب أن تكون هناك برامج دينية إسلامية أو طائفية وتأخذ وقتاً طويلاً في عرضها. لعل أحدنا يقول بأن هذا واجب على قناة آشور الفضائية لأنها لسان حال الحركة الديمقراطية الآشورية وهذه الحركة هي جزء من هذا الوطن ويجب مرعاة مشاعر الآخرين وتقدير مناسباتهم؟ ... جيد... ولكن هل القنوات العربية العراقية والإسلامية الطائفية تقدر مشاعرنا القومية والتراثية والدينية وتحترم ثقافة أمتنا؟؟؟ أنا لا أتصور قناة تلفزيونية تابعة لأحد الأحزاب الإسلامية أو الطائفية أن تعرض برنامج خاص عن دير ربان هرمز مثلاً أو تعرض أغاني جوليانا جندو؟؟؟؟؟ ألا يعتبر هذا كفراً وإلحاداً عندهم!!! وقد يكون سبب هذه "المجاملة" في عرض برامج عربية إسلامية في قناة آشور الفضائية أساسها بعض الدعم المالي الذي توفر هذه المجموعات إلى قناة آشور ولكن هذا الدعم يجب أن لا يكون على حساب المبادئ والرسالة القومية التي تحملها زوعا وإلا فلا تلزمنا هذه القناة. ثم هناك نقطة مهمة، ولا أدري إذا كان مسؤلوا أعلام زوعا يدركون حقيقة الذهنية السائدة في مجتمعنا في المهجر وخاصة الشباب ومنهم في كيفية تقبل مثل هذه البرامج الغريبة عنهم. وأكتفي بهذا القدر عن قناة أشور وأمل أن تكون هذه السطور مدخلاً بسيطاً لوضع آشور على المسار القومي الصحيح وتستمر في حمل الرسالة العظيمة الملقاة على عاتقها نحو آفاق أبعد مما هو قائم رغم إدراكنا الكامل عن التحديات والصعوبات التي تلاقيها في بقاء هذه القضاء حية على الهواء.



Aprim w ADM
السيد يونادم كنا في الميزان:
يبقى شيئاً مهماً وحساساً والتطرق إليه يثير الكثير من الحساسيات وردود أفعال قد تكون بعضها متشنجة وغير قابلة لفهم الواقع المعاش، وهو موضوع قيادة زوعا، وعلى الأخص السيد يونادم كنا ورفاقه. حيث كما سبق وأن لمحنا إلى أن الكثير من الإنتقادات هي بالأساس موجهة إلى السيد يونادم كنا ومواضيع بعض هذه الإنتقادات هي باهتة وسخيفة لا أساس لها من الصحة أو نعجز عن أثباتها وبالتالي لاتستحق الذكر وتضيع الوقت فيها ولكن الغريب والعجيب منه يجب ذكره وهو هناك بعض من أبناء أمتنا سواء أكانوا في الدول المجاورة للعراق أو في المهجر لم يزورا العراق أبداً ولم يلتقوا بزوعا إطلاقاً ولم يقابلوا السيد يونادم كنا بتاتاً في حين نرى يكيلون زوعا وقيادتها أكيالاً من التهجم والسباب على أساس أنه نقد قائم على حبه لزوعا وبقاء مسيرته!!! في الوقت الذي تكون معلوماتهم إما من مصادر معادية لأمتنا أو لزوعا أو تكون من بعض الذين طردوا من زوعا أو تركوها. ولكن موضوع بقاء السيد يونادم كنا على رأس قيادة زوعا أمر شغل بال الكثيرين سواء المعادين لزوعا أو المقربين لها. إن هذا الموضوع لا يمكن أن نعالجه بالتفصيل ونحن خارج زوعا ولكن هناك معطيات واقعية وعلمية يجب أن تأخذ بنظر الإعتبار عند كل من يرغب في نقد مسألة بقاء السيد يونادم لفترة طويلة في السكرتارية العامة وهي:
1.   أنه من المؤسسين الرئيسيين لزوعا وكان اللاعب الرئيسي في تأسيسها وإستمرار مسيرتها، ومن يتابع تاريخ ومسيرة الكثير من الأحزاب السياسية والحركات القومية يكون المؤسس لهذه الأحزاب من العناصر المستديمة في رأس قيادتها وفي كثير من الأحيان يتحول إلى رمز لها أو يتولى منصباً قيادياً رمزياً خاصة عندما يقضي سنوات طويلة من عمره مع حزبه وعجزه عن العمل الحزبي. وحال زوعا والسيد يونادم كنا لا يشذان عن هذه القاعدة.
2.   أنه منتخب إنتخاباً ديمقراطياً سواء قبلنا أسلوب الإنتخاب والتأثيرات التي مورست فيها أم لا فهو شأن المندوبين للمؤتمر وقرارهم الخاص وأصحاب السلطة في إختياره أو رفضه دون سواهم. ولكن هذا لا يمنعنا أبداً من النقد الموضوعي لهذا الإنتخاب وأسلوبه. إن إنتخاب السكرتير العام لزوعا محكوم بنظامها الداخلي وبقرارت اللجنة المركزية ومدة بقاءه في المنصب محددة بفترة زمنية معينة وقد تنتهي هذه الفترة ويحل محله شخص آخر فيما إذا لم تكن هناك ظروف إستثنائية تتطلب بقاء السكرتير العام في منصبه لفترة أخرى وهو الموضوع الذي تقره اللجنة المركزية أو مكتبها السياسي أو أعضاء المؤتمر العام وليس شخص واحد أو شخصين.
3.   مسألة إنتقال السطلة في بلدان العالم الثالث وبالأخص في البلدان العربية ومنها العراق مسألة تتميز بميزات خاصة سواء أكان ذلك بالنسبة لسلطة الدولة أو الأحزاب السياسية. فهناك تقاليد سياسية موروثة يصبح الخروج عنها تهديداً للأمن والإستقرار أو إهتزازاً لكيان الحزب السياسي وتعرضه للإنقسامات. ومن هذه التقاليد بقاء "الزعيم" أو "القائد" أو "الرئيس" في السلطة حتى مماته أو إغتياله وإذا استقال أو ترك منصبه أو إنتهى إستحقاقه للمنصب دون أن يطالب الإستمرار فيه فهذا يشكل حدثا وسابقة تاريخية تكون موضوع دراسة في كليات العلوم السياسية. لبنان هو البلد "العربي" الوحيد الذي فيه رؤساء جمهورية سابقين لا زالت رؤوسهم على أكتافهم غير مقطوعة ويمشون في الشوارع غير مقتولين ولكن هذا يعتبر بالنسبة للتقاليد السياسية في الدول العربية خروجاً عن المألوف والتقليد لذلك يتعرض لبنان إلى مختلف الصرعات والمشاكل من أجل أن يخضع للحظيرة السياسية العربية. وتأكيداً على ما نقوله لا يوجد في الدول العربية وربما الإسلامية أيضا رئيس وزراء أو رئيس جمهورية رشح نفسه في إنتخابات ولم يفوز بها. الإستثناء الوحيد هو الإنتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة فبالرغم من فوز القائمة العراقية بأكثرية الأصوات، ولو بصوتين، نرى بأن السيد نوري المالكي رئيس الوزراء المنتهية ولايته يتمسك بالكرسي ولا يرغب إطلاقاً التنازل عن هذا الكرسي ويشذ عن القاعدة. في إيران رغم ثبوت تزوير في الإنتخابات الأخيرة إلا أن أحمد ناجدي رئيس وزرائها المنتهية ولايته ثبت في الكرسي سواء بالقوة أو بالفتوى ولولاية ثانية. ربما كان معمر القذافي رئيس ليبيا أكثر إدراكاً وفلسفة عندما ذكر ذات يوم بأن معنى الديمقراطية (Democracy ) يعني ديمو (دايم) كراسي ... أي الإستمرار في كرسي الحكم حتى الموت!!. وموضوع التوراث في الجمهوريات العربية وحتى في الحركات السياسية موضوع آخر وطويل ولكن مرتبط إرتباطاً قوياً بهذا الموضوع ويكفي الإشارة إليه دون التفصيل. أن الحركة الديمقراطية الآشورية حزب سياسي نشأ ويعمل في وسط سياسي من هذا النوع فمهما حاولنا أن نكون ديمقراطيين ونتعلم من الأساليب الديمقراطية السلمية في إنتقال السطلة في المجتمعات الغربية الديمقراطية يبقى موضوع تأثر زوعا بالظواهر السياسية السائدة على الساحة العراقية أمراً مفروضاً يستوجب إداركه وتفهمه ومن خلاله نتفهم زوعا وقيادتها. ولكن حتى نكون أكثر حضارة وتقدماً يجب الإهتداء بالمثل الجيد وليس السيء.
4.   السائد في البرلمان العراقي بأن معظم زعماء الأحزاب السياسية يمثلون أحزابهم في البرلمان ويقودون كتلهم البرلمانية .. والسيد يونادم كنا جزء من هذه الحالة. فلو فرضنا بأنه تخلى عن منصبه في قيادة زوعا فهل يكون له مكاناً في البرلمان أو يقود الكتلة أو المجموعة التي يمثلها، إن كان هناك مجموعة يمثلها؟ فالإرتباط المباشر والأوتوماتيكي قائم بين زعامة الحزب وعضوية البرلمان وقيادة الكتلة البرلمانية. بالنسبة لوضع أمتنا  يبقى تواجد شخص أو شخصين في البرلمان يمتلك صفات في قوة الشخصية وخلفية سياسية غنية وإلمام بالأمور السياسية العراقية وتفهم عقلية السياسيين ذوي الإتجاهات الفكرية المختلفة والمتناقضة وله تجارب سابقة معهم أمر مهم جداً لا بل وضرورياً أيضاً ولا أشك بأن مثل هذه الصفات متوفرة في السيد يونادم كنا.
5.   الفقر السياسي المدقع في خلق الكوادر السياسية في أمتنا أمراً خطيراً جداً وسبق وأن تناولناه في مناسبة سابقة... فالمتبع لتاريخ الأحزاب السياسية لأمتنا سواء في الوطن أم في المهجر فإن المؤسس أو قائد الحزب يبقى في منصبه فترة طويلة جداً ولم نشاهد أي منهم يمتلك نية ترك كرسيه فحاله كحال زعماء العرب ولا يستوجبه التكرار مرة أخرى. ولكن قد يختلف حالنا عن حال العرب والكورد وغيرهم من القوميات من جانب آخر، فتسمر أي زعيم من زعماء هذه القوميات في كرسي القيادة حتى الموت يكون إما بسبب التوارث أو بسبب حبه لهذا الكرسي وتملكه القوة المادية والمعنوية للحفاظ عليه. في حين كما هو معروف وواضح فإنه ليس لأي قائد آشوري قوة مادية ومعنوية يملكها لكي يحافظ على منصبه فالبقاء فيه مقرون بمجموعته التي أعترفت به كقائد لهم. أي بعبارة أخرى أن الفقر السياسي والفكري في خلق الكوادر السياسية القيادية أمر يحكم هذه المجموعة في إختيار القائد لهم طالما ليس هناك خيار آخر أو بديل يحل مكانه ويكون أفضل منه. هنا نتسائل ونحن بصدد تقييم قيادة السيد يونادم كنا لزوعا... هل كان لزوعا أن تستمر طيلة ثلاثين سنة الماضية رغم الصعوبات والتحديات الخطيرة وأن يكون وضعها أحسن مما هو عليه؟؟؟ سؤال لا يمكن التيقن في الإجابة عليه إلا ضمن تخمينات وتوقعات وهي مسائل لا تفيدنا كثير في عالم السياسة.
 
التقييم الموضوعي لزوعا:

عندما تأسست زوعا رسمياً في عام 1979 لم تكن على الساحة السياسية لأمتنا في الوطن غير حزب أو حزبين غير نشيطين أو قليلة النشاط وغير معروفة. واليوم هناك عشرات الأحزاب والمنظمات القومية والجمعيات الثقافية والخيرية تنشط بكل حرية على الساحة السياسية، لا بل هناك أحزاب عربية وكردية وتركمانية ومنظمات دولية ودول عديدة تعرف عن أمتنا وتعترف بها وبحقوقها القومية في أرض الوطن.... أفهل يستطيع أحد منا أن ينكر سواء أكنا من المؤيدين أو المعارضين لسياسة زوعا بأن الفضل الكبير يعود لزوعا ولدورها الفعال على الساحة العراقية والإقليمية والدولية بخصوص إنماء الوعي القومي لأمتنا سواء أكان ذلك قبل سقوط النظام البعثي في العراق أم بعده. طبعاً الجواب هو بالنفي لأن من ينكر مثل هذا الدور فهو جاهل لا يعرف من السياسة شيئاً وغير ملم بالمجريات السياسية سواء في أرض الوطن أم في المهجر. إن إنجازات زوعا ليست معنوية فحسب بل هي حقائق ملموسة.... ماذا عن التعليم السرياني والصعوبات والتحديات التي واجهتها  أثناء إقرارها وإنتقاله إلى المرحلة الثانوية والأقسام الداخلية للطلاب والخدمات التي وفرتها لهم. إن هذه الإنجازات هي الأهم أما بالنسبة للمهم فهي لا تعد ولا تحصى ولا نريد التفصيل فيها. من خلال مراجعة بسيطة وسطحية للمؤتمرات الحزبية العامة التي تعقدها زوعا والعدد الكبير من المندوبين الحاضرين للهذه المؤتمرات والمناقشات التي تجري فيها وإنتخاب القيادة ندرك فوراً بأن الحركة الديمقراطية الآشورية هي حزب سياسي بالمعنى العلمي الكامل وأنها تسجل واقعة تاريخية في الحياة السياسية لأمتنا وتستحق كل الإستحقاق في تقييمها وشد اليد مع يد الحاضرين للمؤتمر للإستمرار في مثل هذه الظواهر التاريخية والوصول إلى أسلم  القرارات وتحقيق أفضل الإنجازات. ومن الملاحظات المهمة لهذه الظاهرة التاريخية هو الأسلوب الديمقراطي المتبع في إنتخاب اللجنة المركزية لزوعا ومكتبها السياسي وسكرتيرها العام ويكفي أن نشير إلى فوز السيد يونادم كنا بمنصب السكرتير العام لزوعا في مؤتمره الأخير بصوت واحد دليل قاطع على ذلك. لا بل والأهم من ذلك هو إن خسارة المنافس له السيد توما خوشابا وبعض الذين رشحوا لمناصب قيادة لم يتصرفوا بإنفعال وردود فعل سلبية وإنما بقوا جزء من زوعا كما كانوا في السابق ولم يتركوها كما هو الحال مع الكثير من أحزاب أمتنا وأحزاب غيرنا، لماذ؟ لأن زوعا ليس ملكاً لأحد بل هو ملك الأمة وهم جزء من هذه الأمة. أفلا يستحق هؤلاء أن نرفع قبعاتنا إحتراماً وتقديراً لهم لأنهم أضافوا إضافة تاريخية جديدة في حياتنا السياسية حيث من المعروف والجاري في مجتمعنا هو إن الكثير من الذين يخسروا الإنتخابات يتركون أحزابهم إما ليؤسسوا لهم فيما بعد حزب خاص معادي لحزبهم السابق أو أن يبدأون بالكيل والشتائم واللوم على الفائزين. إن خروج نفر أو نفرين من هذه المجموعة عن هذه القاعدة المتسمة بالروح الرياضية هو أمر شاذ لا يستحق المناقشة.
 
إرتداد النقد والتقيم:
لقد سبق وذكرنا في السطور السابقة بأنه عندما لا يقوم النقد على أسس واقعية موضوعية، أي على موضوع حقيقي قائم، يكون كلاماً فارغاً وله إرتدادات عكسية تفيد المنتقد أكثر من الناقد. وفي حالة زوعا معظم إن لم تكن جميع الإنتقادات المنشورة قائمة على هذا الأساس غير الموضوعي. لنأخذ موضوع التسمية المركبة التي تبنته زوعا والنقد أو التهم التي توجه لها من قبل الأحزاب الكلدانية الإنفصالية والحديثة التأسيس والتي يقوم نقدها على أساس أن زوعا حزب آشوري صرف مائة بالمائة وأنها تعادي التسمية الكلدانية وتحاول إمحاءها وغبنها أو إزاحتها من الساحة السياسية. غير إن الواقع عكس هذا تماماً. فزوعا كانت أول من تبنت التسمية المركبة ووضعت الكلدان في المقدمة ولها قبل تبني هذه التسمية أعضاء في قيادتها وتواجد واسع الإنتشار في القرى والقصبات الكلدانية ويكن غالبية الكلدان سواء في الوطن أو المهجر إحتراماً شديداً لها وتأييداً منقطع النظير. فعدم مطابقة مثل هذا النقد مع الواقع الفعلي وعدم مصداقيته يخلق إرتدادات إيجابية يزيد من إلتصاق أبناء الأمة خاصة الكلدان بزوعا. وما نتائج الإنتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة وفوز زوعا، رغم التحديات والصعوبات الكبيرة التي واجهتها، بثلاثة مقاعد من أصل خمسة إلا دليلاً على ذلك. فلو كانت لنا إحصائيات دقيقة وصحيحة عن المصوتين لزوعا لكنا قد أكدنا بكل جزم بأن الكلدان صوتوا لزوعا أكثر مما صوت الآخرين من أبناء أمتنا.
ولعل من المفيد أن نذكر بهذا الخصوص أيضاً الإحتجاج الذي وجهه خمسة أحزاب، وهي حزب الإتحاد الديمقراطي الكلداني والمجلس القومي الكلداني والحزب الوطني الآشوري وحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الإتحاد الوطني الكردستاني قبل فترة إلى السلطات الرسمية في محافظة نينوى ضد الصيغة التي جاء بها تعيين الشرطة في قضاء تلكيف ونواحيها والذي تبنته الحركة الديمقراطية الآشورية. فمثل هذا الإحتجاح يكون له إرتدادات تفيد زوعا أكثر مما يفيد غيرهم لأن دلالته واضحة لمن يعرف الأبجدية السياسية المنطقية. فهذه الأحزاب الثلاثة القومية المتحالفة مع الحزبين الكرديين من المفترض أن يكونون قوة في مواجهة زوعا في هذه المسألة وكان من المفترض أن يوجهوا سؤالاً لأنفسهم قبل توجيه إلى السلطات الرسمية، وهو لماذا إستطاعت زوعا أن يتبنى هذه المسألة ولم يستطيعوا هم؟ فالواقع يجيب على هذا التساؤل بالقول بأن لزوعا مقرات وإنتشار في قضاء تكليف ونواحيها ولها من يسمعها ويثق بها أكثر من غيرها وهو الواقع الذي يجب إدراكها لو نريد فهم الساحة السياسية واللاعبين فيها. وربما نقول أيضا بأن لزوعا علاقات قوية مع محافظ نينوى وبتأثيره تم تكليف زوعا بهذه المهمة. ولكن مع هذا يبقى التساؤل قائماً وسارياً وهو لماذا لزوعا علاقات قوية مع محافظ نينوى ولماذا ليس للبقية مثل هذه العلاقة.... فيجب على المتعاملين بالسياسة أن يعرفوا الأساليب التكتيكية في إقتناص الفرص والتأثير على صانعي القرارات لتحقيق المكاسب.
أما بخصوص التقييم، فيجب أن يكون منطقياً ومقبولاً وإلا أرتد على زوعا سلباً. فالبعض من المتعصبين لزوعا لا يرون فيه إلا إلاهاً لا يخطئ أبداً وإن السيد يونادم كنا قديساً يستوجب الركوع أمامه وهو الأمرالذي جلب لزوعا الويلات والمصاعب في إمكانية بث رسالته بين أبناء الأمة بشكل منطقي وسليم خاصة في بلدان المهجر وهو أيضا أمراً مهماً يستوجب على قيادة زوعا أن تدرك بأن مثل هذا النفاق والتنمق لا يجب أن يكون موضوع تفاخر وتباهي، بل يستوجب جلبه إلى الطريق السليم في فهم واقع زوعا ورسالتها النبيلة والبسيطة والمتوازية مع تطلعات أبناء أمتنا وأمل أيضاً أن لا يكون تقيمي للسيد يونادم كنا في ما ورد أعلاه أمراً للتباهي والتفاخر طالما أعتمدت على الحقيقة والواقع الموضوعي. فالحقيقة والواقع الموضوعي ليسا ملك أحد بل هما ملك الأمة جمعاء وإذا لم نلتصق بهما فلا أمل لهذه الأمة.

110
بمناسبة السابع من آب يوم الشهيد الآشوري - موضوعان
---------------------------------

الأول : ذكرى سميل في فكر فريد نزها
الثاني: لماذا الصفة الآشورية ليوم الشهيد
أبرم شبيرا
الموضوع الأول: ذكرى سميل في فكر فريد نزها:
توطئة:
كتب الكثير عن هذا اليوم الذي تصادف ذكراه السابعة والسبعين في السابع من شهر آب وألقيت العديد من القاصد ونظمت مهرجانات وإحتفالات بهذه المناسبة في الوطن الأم، سواء في العراق أم في سوريا أم في إيران وكذلك في بلدان المهجر، ولكن من المؤسف القول بأن معظم ما كتب وقيل بهذه المناسبة لم يكن إلا سرد لحوادث المأساة التي أرتكبت أثناء مذبحة سميل عام 1933 وتكرارها في كل عام من دون إضافات جديدة تقوم على تحليل الحدث والظروف المحيطة به والدوافع لإرتكابها والنتائج المترتبة عليها ليس على الآشوريين وحدهم وإنما على بقية المجموعات التي كانت مغتربة عن النظام الجديد الذي أنشأ في العراق في عام 1932 بعد منحه الإستقلال وإكتسابه لعضوية عصبة الأمم. في مناسبات سابقة كتبنا مواضيع خارجة عن نمط السرد والتكرار التاريخي للحادث فبينًا عن أسباب أعتبار السابع من آب يوماً للشهيد الآشوري من دون غيره من الأيام السوداء والمذابح التي أرتكبت بحق الآشوريين طيلة تاريخه المأساوي الطويل كما كتبنًا عن النتائج القانونية والسياسية والإجتماعية وحتى النفسية التي ترتبت على بقية الطوائف والملل وعلى الشعب العراقي عموماً من جراء إرتكاب جريمة مذبحة سميل. واليوم نتطرق إلى شيء جديد لا يمت بصلة تاريخية مباشرة بمذبحة سميل وإنما هو موضوع يتصل فكرياً بهذا الحدث ويعبر عن مدى وعي مناضل كبير وقومي صلد وهو فريد نزها في إدراكه وتفهمه وتصوراته في خلود هذا اليوم الذي لم يكن في وقته محدداً أو مرسوماً كيوم للشهيد الآشوري.

من هوفريد نزها؟:

قبل بضعة سنوات، وعندما كتبت كتاباً عن المناضل والمفكر القومي  الوحدوي نعوم فائق، سألني أحد الأصدقاء وكان من الأقطاب القيادية في الإتحاد الآشوري العالمي (AUA)، عن من هو نعوم فائق وتبين بأنه في كل عمره و"نضاله" القومي السياسي لم يسمع عنه مع العلم بأنه يمكن إعتبار نعوم فائق الأب الروحي لهذا التنظيم العالمي. ولا أشك بأن حال صديقي هو نفس حال الكثير من القومانيين الآشوريين بخصوص معرفتهم بنعوم فائق، إذن كيف هو الحال مع فريد نزها الذي كان تلميذا قومياً وفكريا لنعوم فائق؟ هذا الجهل يقودني إلى أن أختصر في سيرة هذا المناضل الكبيرفريد نزها. ولد عام 1894 في مدينة حماه السورية ومن عائلة سريانية أرثوذكسية نزحت من هربوط في أعالي بلاد ما بين النهرين وأستقرت في سوريا. هاجر إلى الأرجنتين ومن هناك ومنذ الثلاثنيات وحتى الخمسينيات من القرن الماضي كان يصدر مجلته المعروفة بـ "الجامعة السريانية" التي عبرت عن مواقفه القومية الجريئة والشجاعة حيال مسألة وحدة الطوائف التي تمثل أمتنا. فعلى الرغم من أن فريد نزها لم يكن صارماً ومتحيزاً في رسم الأسم القومي الشامل لأمته في تلك الفترة إلا أنه لإعتبارات كان يقدرها حق تقدير فكان يخاطب أبناء أمته في مقالاته الإفتتاحية اللهابة بالقول "الأمة السريانية الأرامية الآشورية الكلدانية" وذلك بهدف التضمين الحضاري المشترك والمتواصل لهذه التسميات المرادفة لشعب واحد وأمة واحدة إلا أن المضمون الحقيقي والجوهري لهوية هذا الشعب كان واضحاً جداً عنده فهو لم يكن يشذ إطلاقاً عن إعتبار السريانية منحوتة من الآشورية ويتفاخر بها إيما إفتخار مثلما كان يفعل أمثاله من رواد الفكر القومي الوحدوي وعلى رأسهم معلمه الكبير نعوم فائق. فكان نتيجة هذه الأفكار القومية الصلدة أن حرمه بطريرك الكنيسة السريانية من الكنيسة. أن الذي يهمنا هنا هو قدرة هذا المفكر الكبير في إكتشاف الحقائق التاريخية واتحديد الأبعاد المستقبلية لأبناء أمته جمعاء خاصة فيما يتعلق بموضوع تكريس السابع من آب يوماً للشهيد الآشوري.

رؤيا فريد نزها لذكرى الإستشهاد في سميل:
كان فريد نزها يصدر مجلته (الجامعة السريانية) باللغة العربية ثم أضاف اليها اللغتين الاسبانية والسريانية الغربية وكان يكتب أسم المجلة بالاسبانية كما يلي  ( ASOCIACION  ASIRIA)  وفي العدد  الثاني،  شباط 1939 للسنة الخامسة وفي الصفحات 10 – 12 كتب فريد نزها وقال :
"أحد الأفاضل من أدبائنا الأغيار في الوطن (وكان من أهل مدينة الموصل) كتب مرة الى مدير الجامعة السريانية ( وهو فريد نزها نفسه) بقوله : أمح أو أصلح أو غير أسم المجلة ( الاسباني ) فان هذا التعبير ( ASIRIA) لا يروق لحكومة البلاد عندنا وهو يفيد المعنى " الآشوري " وهذا لا يليق أيضا بك وأنت من عائلة سريانية معروفة بغيرتها وتمسكها بالعقيدة السريانية الخ.. فأبتسم المدير (أي فريد نزها) من هذا التضمين لدى قراءته تلك العبارة ولم ير غير العياذ بالله العظيم واللواذ بحوله من هذا البلاء المقيم. أنني أسأل جناب الأديب : اذا لم ترُق التسمية الآشورية لجناب الحاكم هل تجيز لك آدابك وشرف قوميتك وقواعد دينك أن تبدلها بغيرها إرضاءً لخاطر الأمير وإكراماً لسواد عينيه ؟؟ وماذا تصنع غداً متى خطر لحاكمك المطلق أن يقول لك أنزع هذا الصليب عن باب كنيستك ومحظور عليكم أنتم معشر النصارى قرع الأجراس ؟؟ . أو ماذا تقول اذا قالوا لكم غداً ان تعليم السريانية ينافي نظام دائرة المعارف الوطنية؟؟ أنك تستبعد حصول هذه الفواجع ولكن الليونة والخنوع اللذين ابديتموهما تجاه الحاكم المستبد سوف يحملانه على التمادي في ظلمه واستبداده. وقد يقول لك غداً : إن الخلاص ليس في اللغة بل في العقيدة،  فإذا كنتم انتم السريان مخلصين للحكومة والوطن وجب عليكم إتمام الخلوص وإخلاص الطاعة فاستبدال السريانية بالعربية لا مندوحة منها، فماذا تجيبون حكومتكم إذ ذاك يا حضرة الأستاذ ؟؟ . وبالحقيقة إذا لم يكن للسريانية غير المعنى الديني فأي حاجة لنا بها ؟ كان يجب عليك وأنت من كبار أساتذتها والخبيرين بتاريخها وباذخ  شرفها، أن تقول أن السريانية، قومية جنسية وطنية، لا دين ولا مذهب ، وقد يكون المذهب الواحد بين عدة أمم كما هو شأننا ( نحن السريان اليعاقبة) مع القبط والحبش. أما الجنسية ( ويقصد القومية ) فلا شركة فيها . فإذا انتزعنا العصبية الجنسية (ويقصد العامل القومي ) من أبنائنا ماذا يبقى ؟؟ أنت تجيب : الدين ‍‌‍، وأنا أقول لك انهم  يجدون الدين في مصر والحبشة وها هم يطلبونهُ بعيداً عنهما بفضل تعاليمك. ولو اننا علمناهم إن السريانية علم طبيعي لنا وهو أسم أمتنا القديمة  العظيمة وبسطنا لديهم آثار عظمتها لرأيتهم يحرصون على هذه التسمية ويفاخرون الأمم بالانتساب إليها على شرط أخطر المواقف وأحرج الظروف … ما أحلاك لما رحت تقول لي بكل بلادة وجهل، أن التسمية الآشورية تفيد المعنى المذهبي "النسطوري" ، وهو قولُ تبرأُ منه الحقيقة ويستنكره الجميع من الخاصة والعامة وأنك لعاجز عن إنكار هذه الحقيقة من ان السريان هم الآشوريون سلالة الكلدان القدماء ولا أرضى منك أبداً الانسحاب بدون ان تفحمني بالبراهين الساطعة عن فساد هذا الرأي، بل كل من له اطلاع في اللغة والتاريخ يعرف ان كلمة سريان أصلها أسريان وهو لفظ يوناني منحوت من الاصل الآشوري "أشوريان " . هذا عدا عن أن العالم كله يعلم أن الاسم الآشوري لا يفيد المعنى الديني وإذا راجعت صحف التاريخ الكنسي، لما رأيت إخواننا النساطرة يتميزون بهذا التعريف وإنما بقولهم نساطرة ولو انهم عرفوا تمييزا بالاسم الآشوري لكانوا في حال يحسدون عليها. وأقول بكل أسف إن التسمية المذهبية عندهم هي النسطورية فقط . أما إذا كانت هذه الصفة ( أي الآشوري ) تشير الى الغير راضين بالاندماج في العربية والخضوع للحكومات الغاشمة وقد نالهم بسبب ذلك القتل والاضطهاد والسلب وكل أنواع المظالم والفظائع ( ويقصد بها مذبحة سميل وما رافقها) ، فذلك شرف عظيم انفردوا به . وستردد الأجيال القادمة ذكر ذلك الاستشهاد وآثار تلك الفواجع التي أنزلها بهم أعداء الله والإنسانية ما بقي آدمي على وجه هذه البسيطة"
(النص مقتبس كاملا من دون تغيير أو إضافات عدا الأقواس فقد أضفتها لغرض زيادة في التوضيح كما إنني أدرجت الجملة الأخيرة باللون الأحمر تأكيداً على علاقتها المباشرة بموضوعنا هذا)


هكذا ومن خلال هذا النص تتبين عظمة فريد نزها في تصوراته القومية المؤمنة بالحركة القومية وإستمراريتها، فقبل واحد وسبعين عاماً أستنتج هذا المفكر القومي بأن الأجيال القادمة ستردد ذلك الإستشهاد وتحتفل به كيوماً للصمود والتحدي والتضحيات والتصدي ورفض الخضوع للحكومات الغاشمة والإندماج في العربية وهي الصفات التي إكتسبتها الحركة القومية الآشورية منذ نشوئها في عصر النهضة القومية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين وأقرها الإتحاد الآشوري العالمي في عام 1970 كيوم رمزي للشهيد الآشوري بعد أن أحس به المفكر الكبير فريد نزها في عام 1939 وبعثه للأجيال القادمة ليستمر ذكرى الصمود والتحدي وتكريم تلك الدماء التي أريقت من أجل هذه الأمة.
 
الموضوع الثاني: الصفة الآشورية ليوم الشهيد:
لماذ ؟ا:
لماذا الصفة الآشورية لهذا اليوم الذي قد يعطي إنطباعاً بالعزلة والإنفصال عن التسميات الآخرى الكلدانية والسريانية ونحن نؤمن في هذا الزمن بأن كل الأمور الواقعية منها التسميات المختلفة كالكلدانية والسريانية والأرامية يجب أن تؤخذ بنظر الإعتبار في الفكر القومي الجامع وفي الحركة القومية الجامعة لأمتنا. قبل كل شيء يجب على المتزمتين للتسمية الآشورية أن لا تتطاير عواطفهم ويثور حماسهم من جراء الإشارة المركزة على على هذه التسمية كما يجب أن لا يغضب ويتشنج المتعصبون الإنفصاليون من بعض الكلدان من ذكر أو التشديد على التسمية الآشورية في هذا الموضوع. فالأشورية الواردة في هذا الموضوع هي من باب قبول الحقائق الواقعية التاريخية كما هي من دون مجاملة أو تحيز لإنصار هذه التسمية ضد الرافضين لها. ففي عام 1933 أرتكبت المذبح بحق المجموعة المعروفة بالآشوريين فقط وإن كان بعض من نتائجها السياسية والنفسية قد ترتبت على غيرهم إلا إنها تاريخياً ورسميا كانت مرتكبة بحق الآشوريين خاصة من أبناء كنيسة المشرق التي كانت تعرف حينذاك بالنسطورية. إذن الحقيقة التاريخية لا تقبل التأويل وتحريف أسم هذا اليوم إلى أسم يوم الشهيد الكلداني ألآشوري أو السرياني وما إلى ذلك، فالواقع يفرض علينا الحياد في فهم هذا الحدث من دون تحريف أو إضافات إرضاءاً لبعض المتعصبين الغائبين عن فهم الواقع والحقيقة التاريخية.



الحقائق التاريخية والواقعية لإقرار الصفة الآشورية:
في عام 1933 عندما أرتكبت جريمة سميل بحق الآشوريين أجتمع بعد بضعة أشهر في الولايات المتحدة الأمريكية خيرة مفكري الأمة ورجالاتها الأفاضل للبحث في إمكانية مساعدة ضحايا هذه المذبحة ودعم الحركة الآشورية الصامدة أمام جبروت الجيش العراقي والعشائر المتحالفة معه في إرتكاب جريمة إبادة الآشوريين من العراق. وعلى أثر ختام الإجتماع تم تأسيس الإتحاد الآشوري الأمريكي القومي المعروف بـ (فيدريشن) كأداة لتنفيذ القرارات التي أتخذها المجتمعون منها قرار عقد مؤتمر موسع لجميع أبناء الأمة في أميركا والذي عرف فيما بعد بـ (الكونفينشن) الذي أستمر إنعقاده في كل سنة وحتى يومنا هذا حيث في بداية شهر أيلول من هذا العام سينعد الكونفينشن ألـ (77) في مدينة فينكس بولاية أرزونا الأمريكية. كتبت شخصياً عن هذا الموضوع  وبمناسبات عديدة ومن المهم ذكره هو أن معظم إن لم يكن جميع الحاضرين للمؤتمر التأسيسي الأول للفدريشن والكونفينشن في تلك السنوات كانوا من أبناء الطائفة السريانية الأرثذوكسية وبعضهم من أتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية أو البروتستانية أو الإنجيلية وحاولت أن أجد واحد من المؤسسين من أبناء الطائفة "النسطورية" فلم أوفق في ذلك.
فهؤلاء المفكرين الأبطال كانوا يدركون الحقيقة التاريخية للحركة القومية الآشورية منذ نشؤها وبناء أسسها الأيديولوجية من قبل مفكرين عظماء لم يكن لهم صلة طائفية بـ "النسطورية" بل كانت الآشورية الصفة الجامعة لجميع من أنتمى إلى هذه الحركة. كانوا يدركون كل الإدراك الواقع الطائفي للأمة والتسميات التي كانت تعتبر مرجعاً لإنتماء الكثير من أبناء الأمة ولكن حاولوا تجنبه وعدم إقحامه في مسألة سياسية قومية هي بالأساس غير مقبولة من قبل رؤساء هذه الطوائف. تصورا، مثلاً لو كانوا قد أطلقوا على الفدريشن تسمية الإتحاد الآشوري/الكلداني/السرياني الأمريكي القومي فماذا كانت ردة فعل مثلث الرحمات مار عمانؤئيل توما، بطريرك الكنيسة الكلدانية أو مثلث الرحمات البطريرك مار أبرم برصوم الثاني بطريريك السريان الأرثوذكس حينذاك في الوقت الذي كان الأول يرسل برقية تلو البرقية إلى الحكومة العراقية وعصبة الأمم يدين فيها الحركة القومية الآشورية وقادتها ويعتبرها تمرد قام بها نفر من المتمردين الخارجين عن القانون في حين كان الثاني، الذي كان مقيماً في سوريا، يرسل فتوى تلو الفتوى في تحريم زعماء ومفكري الحركة القومية الآشورية ويصفهم بالإقطاعيين والزنادقة في الوقت الذي كان هو من المطالبين بالحقوق القومية للآشوريين أثناء الحرب الكونية الأولى وكان يفتخر بكنيته الآشورية عندما كان مطراناً ويعرف بـ "مار أبرم برصوم أثورايا" غير إنه بعد أن تسنم كرسي البطريركية وإرتكاب مذبحة سميل بحق الآشوريين أنتابه الخوف والرهبة على كرسيه فخضع للحكم العربي المطلق  فأصبح من دعاة القومية العربية وأدباءها فلقب بـ "قس العروبة".

قرار يوم الشهيد الآشوري:
 في عام 1970 عندما أقر الإتحاد الآشوري العالمي بهذا اليوم (السابع من شهر آب) كيوم للشهيد الآشوري لم يكن إقراره إعتباطياً وإنما كان منطلقاً من حقائق تاريخية سياسية نابعة من واقع الأمة نفسها ومن الخلفية التاريخية للحركة القومية الآشورية بعيدا كل البعد عن التسميات المختلفة التي لم يكن بالإمكان في تلك الفترة من تضمينها في قراره الخاص بتخليد ذكرى الشهداء. وحال هذا الإتحاد والظروف المحيطة به لم تكن تختلف عن الفدريشن في إضفاء صفة الآشوري على هذا اليوم وتخليده بنفس الأسم. وحتى نؤكد هذه الحقيقة يستوجب علينا البحث المختصر في تاريخ تأسيس هذا الإتحاد ليتبين مدى صواب قرارهم في مواصلة التسمية الآشورية ليوم الشهيد. هذا الإتحاد تأسس عام 1968 في بال في فرنسا ولكن قبل هذا التاريخ كانت هناك جملة نشاطات قومية وسياسية من قبل نشطاء ومفكرين في إيران ومعظمهم لم يكونوا منتمين إلى الكنيسة "النسطورية" التي كان يتصورها البعض بأنها مرادفة للآشورية، فشكلوا هؤلاء لجنة تحضرية لعقد مؤتمر عالمي وكان منهج هؤلاء هو لم وضم جميع أبناء الأمة ومن جميع الطوائف التي يعتقدون بأنهم يشكلون الأمة نفسها كسبيل لتوحيدها والتقدم بزخم قوي للمطالبة بحقوقهم القومية. ففي منتصف الستينات من القرن الماضي، وتحديداً عام 1965 بعثت اللجنة التحضيرية رسائل بخصوص عقد مؤتمر عالمي أرسلت إلى جميع بطاركة فروع كنيسة المشرق منها المارونية والكلدانية والسريانية الأرثوذكسية والسريانية الكاثوليكية والمشرق "النسطورية" إضافة إلى زعماء وقادة ومفكرين علمانيين معرفين أمثال ماليك ياقو(من أتباع كنيسة المشرق) و وديمتري أبن الجنرال أغا بطرس (من أتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية) و ديفيد بيرلي (من أتباع الكنيسة السريانية الأرثوذكسية) وغيرهم. غير أن اللجنة التحضيرية لم تتلقى أي رد من البطاركة المذكورين عدا رد مقتضب وغير واضح من مثلث الرحمات مار شمعون إيشاي، بطريرك كنيسة المشرق "النسطورية" يشكرهم على الدعوة ويدعوهم بالنجاح والموفقية. هذه الحقائق التاريخية والواقيعة فرضت على الإتحاد الآشوري العالمي أن يعطي له الصفة الآشورية عند تأسيسه رغم تأكيده في مبادئه الأساسية في كون السريان والكلدان والآشوريين أمة واحدة كما لم يكن أمامه خيار آخر إطلاقاً غير التسمية الآشورية ليوم الشهيد عند إقراره في مؤتمر طهران عام 1970 إلى جانب العلم الآشوري والأول من نيسان.

الشهيد نتاج حركة سياسية قومية :
لقد سبق وكتبنا بحثاً مطولاً عن مفهوم الشهيد والإستشهاد وفصلنا كثيرا في مفهوم الشهيد الآشوري، معناه ومصادر نشؤه والظروف التي تؤدي إلى الإستشهاد. معظم المراجع تؤكد بأن مفهوم الشهادة أو الشهيد كان منذ البدء مرتبطاً بالديانة المسيحية وبالكنيسة خاصة. ثم في الشرق، خاصة الشرق الأوسط حيث تترابط المفاهيم الدينية والقومية ترابطاً عضوياً، أنتقل هذا المفهوم إلى القوميات والحركات السياسية. وخلاصة الكلام كنًا قد توصلنا إلى تعريف مبسط للشهيد وهو : كل من يموت أو يقتل من أجل مبادئ أو حركة قومية أو سياسية معينة يؤمن بها. فالشيخ حسن البنا، على سبيل المثال لا الحصر، أغتيل لأنه كان مؤسس ومؤمن بمبادئ حركة الأخوان المسلمين في مصر ومات من أجلها فهو شهيداً عند إخوان المسلمين وليس عند مصر. وهكذا الحال إيضا مع أبناء امتنا الذين كانوا ينتمون لحركات سياسية مختلفة. فمؤسس الحزب الشيوعي العراقي فهد رغم أنه كان آشورياً/كلدانياً إلا أنه لا يمكن إعتباره شهيداً لهذه الأمة بل هو  شهيداً شيوعياً لا آشوريا/كلدانياً لأنه أعدم من أجل القضية أو المبادئ الشيوعية التي كان يومن بها. وهكذا الحال مع المناضل المغفور له فرنسوا الحريري فبالرغم من آشوريته إلا أنه لا يمكن إعتباره شهيداً آشورياً بل هو شهيداً كردستانيا لأنه كان ينتمي إلى حركة كردية، حزب الديمراقراطي الكردستاني ويؤمن بمبادئها وقتل من أجلها. والحال أيضا، ولكن بشكل مختلف بعض الشيء، فألاف من أبناء أمتنا الذين قتلوا في الحرب العراقية الإيرانية، رحمة الله أرواحهم، لا يمكن إعتبارهم شهداء آشوريين أو كلدان أو سريان بل كانوا، مع الآسف الشديد،  "شهداء" عند النظام البعثي البائد لأنهم أجبروا للقتال والموت في ساحات الحرب التي جلبت الويلات لبلدنا. وعلى هذا الأساس نقول كل من يقتل أو يضحي بحياته من أجل مبادئ قومية آشورية يعتبر شهيداً آشورياً. فمفهوم الشهيد الآشوري  ينطبق بكل حذافيره على مناضلي الحركة الديمقراطية الآشورية سواء الذين أعدمهم النظام البعثي البائد أو الذين قتلوا في المعارك مع هذا النظام أو الذين أغتيلوا سواء أكانوا كلداناً أو سرياناً أو "نساطرة" أو بروتستان.
واليوم تعتبر الحركة القومية الآشورية البطريرك مار بنيامين الذي أغتاله المجرم سمكو الشيكاكي عام 1918 شهيداً آشورياً لأنه قاد حركة قومية ضد الاستبداد العثماني ومات من إجلها رغم "نسطوريته" والحال نفسه بالنسبة للمطران توما أودو الذي أعدمته السلطات العثمانية أثناء الحرب الكونية الآولى يعتبر شهيداً للحركة القومية الآشورية رغم "كلدانيته" وأيضا بالنسبة لأب الصحافة الآشورية آشور بيت هربوت الذي أعدمته السلطات العثمانية أثناء الحرب الكونية الأولى بسبب مبادئه ومواقفه القومية الجريئة  فهو شهيداً آشورياً رغم "سريانته". والحال ينطبق على كل الذين تشردوا من أوطانهم أثناء الحرب الكونية الأولى  سواء الذين قتلوا أو أعدموا أو ماتوا من الجوع والمرض فكلهم شهداء آشوريين لأنهم كانوا جزء من الشعب الذي نشأة فيه حركة قومية ورفضت الإستبداد العثماني وطالبت بحقوقها القومية.
إذن من خلال ما تقدم يمكن أن نجزم وبكل قوة بأنه لا شهيد لأمة معينة بدون أن تكون هناك مبادئ أو حركة قومية خاصة بها يموت أو يقتل من أجلها وبالتالي لا شهيد آشوري ما لم يقتل أو يموت من إجل مبادئه الآشورية أو حركته القومية وعلى نفس المنوال نقول لا شهيد عربي ما لم يكون قد مات أو قتل المرء من أجل مبادئ قومية يؤمن بها أو حركة قومية عربية. والحال نفسه أيضا بالنسبة للكرد والتركمان وهكذا. من هذا المنطلق نقول لا شهيد كلداني أو سرياني لما يكن قتل المرء من أجل حركته القومية ومبادئها التي يؤمن بها. فالحركة القومية هي صيرورة تاريخية تنشأ عبر مراحل زمنية طويلة تتطور خلالها الأفكار البسيطة إلى إيدولوجيات ومناهج قومية سياسية وتفرز قيادات تاريخية ومفكرين عظماء ويتطلبها تضحيات قد تكون جسيمة تصل إلى إراقة دماء أبناء الأمة والإستشهاد في سبيلها. أما من يجلس خلف شاشة حاسوبه الآلي ويقرر أيام ومناسبات يجعل منها رموز للأمة فهذا كلام بعيد كل البعد عن المنطق والمعقول ولا يستوجبه الكتابة عنه ولو بضعة كلمات. من هذا المنطلق نؤكد بأن مسألة تحديد يوما للشهيد الآشوري ليست مسألة قرار متعلق بأشخاص يقررون كيف ما يشاءون فمثل هذا الإقرار ما هو إلا كلام بدون مضمون ولا يعطي أي معنى أو تأثير في نفوس أبناء الأمة ما لم يكون مرتبط بمبادئ أو حركة قومية حقيقية تعبر عن ضمير ومطامح الأمة وتطلعاتها. فالشهيد الآشوري متولد من الحركة القومية الآشورية ولاغيرها. لهذا السبب نقول بأنه يعد تحريفاً فاضحاً ومناقضاً للحقائق التاريخية والواقعية عندما نحور هذه المناسبة ونقول بأنها ذكرى يوم الشهيد الكلداني السرياني الآشوري رغم إعتزازنا بهذه التسميات وأخذها بنظر الإعتبار عندما نتعامل بالسياسة القومية لأمتنا.
واليوم نحتفل إجلالاً وإكراماً لتلك الدماء الزكية التي أريقت في سميل عام 1933 كرمز للإستشهاد الآشوري خلال المراحل المختلفة للحركة القومية الآشورية ونعتبر كل ضحايا تلك الجريمة والجرائم التي سبقتها شهداء آشوريين مهما كان إنتماؤهم الطائفي والعشائري... لماذا؟... لأنهم كانوا من أبناء قومية نشأت عندهم حركة قومية ولم يذبحهم النظام العراقي حينذاك إلا لهذا السبب وأستشهدوا لكونهم البنية التحتية لهذه الحركة رغم عدم إنتماؤهم مباشرة إليها أو المشاركة في عملياتها ضد النظام لا بل لكونهم آشوريون غير موالين لنظام الظلم والإستبداد ورافضين الخضوع إليه كما أشاره إليه المفكر الكبير فريد نزها قبل واحد وسبعين عاماً.

 

111
مقابلة مع الفقيد مار أندراوس أبونا
مطران الصعوبات والتحديات

أبرم شبيرا


المطران الراحل أندراوس أبونا يتقبل بركة الرسامة من قداسة البابا في 6 كانون الثاني 2003

قبل بضعة أشهر عندما كنت في سان ديكو – كاليفورنيا صعقت عند سماعي نبأ مرض المطران أبونا وقبل بضعة أيام الصعقة كانت صعقتين عند سماعي نبأ رحيله عن هذا العالم وهو لا يزال، كما عرفناه منذ أيام تكريسه لخدمة الرعية في لندن، في كامل حيويته وإيمانه العميق بكنيستة وأبناء أمته. لم نخسر راعياً صالحاً ومخلصاً لرعيته بل خسرناه أيضاً كصديق عزيز وزميل في العلم والثقاقة والبحث وجليس هادئ الطبع ومليئ بالثقة والصبر لا بل أيضا خسرناه كجار في نفس منطقتنا في لندن حيث كنا كثير التزاور والبحث في في شؤون الأمة وكنائسها وفي أحدث الكتب والمراجع والتي كانت الكثير منها تعتلي رفوف مكتبته الصغيرة في بيته.  في لندن عرفناه جميعاً دون إستثناء كإنسان هادئ وكاهن مرغوب فيه ومحبوب لدى الجميع، نشيط ومنتج، مستقيم المنهج في خدمة رسالة ربنا يسوع المسيح وأبناء رعيته وكان له نفس الصفات منذ أيام تدريسه للتعليم المسيحي في ثانوية التقدمة للراهبات في الباب الشرقي في بغداد. كنت كثيراً ما أسئله عن عائلته "أبونا" المعروفة في التاريخ والثرات وهي عائلة أساسها من قصبة ألقوش العريقة والتي أنجبت خيرة بطاركة كنيسة المشرق في حين كان هو من قرية بيدرا قرب مدينة زاخو شمال العراق فكان يشرح لي تاريخ هذه العائلة والتي كانت كبيرة وغزيرة العلم والمعرفة مما كان يتطلب من بعض أبناءها الترحال أما لغرض التنقل والهجرة إلى أماكن أخرى أو لخدمة أبرشيات الكنيسة كما حدث بالنسبة لعائلة بيت مار شمعون التي أستقرت في منطقة هيكاري في قرية قوجانس وهكذا الحالة مع عائلة المطران التي أرتحلت إلى المناطق الشمالية من قصبة ألقوش وأستقرت فيها.   
في عام 1991 عندما وصل الفقيد إلى لندن كان وضع الرعية وكنيستها غير مستقر وكثيرة المشاكل والشكاوى والصعوبات. فوضع الكلدان في لندن كان مختلف عن بقية المجتمعات الكلدانية الموجودة في المهجر. فالكلدان في إنكلترا منتشرين بشكل واسع ويسكنون في أماكن متباعدة خاصة في لندن وهي من أكبر مدن العالم مما يجعل أمر الإتصال بهم وتقديم الخدمات الكنسية لهم صعب جداً أو إيجاد مبنى أو كنيسة لإداء مراسيم القداس لهم مما أضطر إلى أن يأخذ من كنيسة القديسة آن التابعة للكنيسة الإنكليزية الكاثوليكية الكائنة في وسط لندن المزدحمة جداً ككنيسة له لقيام القداديس حيث يكون أقل صعوبة لجميع الساكنين في أطراف لندن للوصول إليها. المشكلة الرئيسية التي واجهة المرحوم كانت في شراء أو بناء كنيسة خاصة بالكلدان وأيضا دفع الديون المتراكة من القرض التي أستخدم في شراء بيت الكاهن. ويقال وبحق بان المرحوم ناضل نضالاً مستميتاً من أجل حل هذه المشاكل المستعصية على الطائفة هناك والتي هي غريبة عن أبناء هذه الكنيسة سيما إذا قارنا هذا الوضع مع مثيلاته في بقية بلدان المهجر حيث الكنيسة الكلدانية  أكثر إستقرارا من النواحي المالية والإجتماعية والثقافية. ففي لندن هناك عوائل كلدانية غنية جداً ومستقرة في بريطانيا منذ فترة طويلة ولكن مع الأسف الشديد هي بالإسم "كلدانية" فقط حيث هي بعيدة كل البعد عن الكنيسة ولا تحضرها أو تشارك نشاطاتها أو تساهم ماليا ولو بالجزء اليسير في حل مشاكل الكنيسة في لندن. فالكنيسة الكلدانية ليست مثل شقيقتها كنيسة المشرق الآشورية التي تنظم أمورها المالية عن طريق إشتراكات سنوية منظمة ودورية لرعيتها في حين أن الكنيسة الكلدانية تعتمد على تبرعات رعيتها. فإذا كان الميسوريون منهم بعيدين عنها ولا يساهمون مادياً في تمشية أمورها فكيف إذن يحق لنا أن ننتقد الكنيسة لا بل والمشكلة أيضا هي أن الكنيسة تتحمل الكثير من تداعيات الهجرة فالكثير من العوائل القادمة الى بريطانيا تكون في وضع غير مستقر لا مالياً ولا إجتماعياً وبالتالي هذا العوز ينعكس على الكنيسة وتزيد من أعباء الكهنة. ؟؟ تصورا كان في لندن رجلاً كلدانياً بالأسم والعائلة يملك مئات الملايين من الجنيهات وأكثر من فندق راقي في الشرق الأوسط تبرع ببضعة من ملايينه (يقال ستة ملايين) إلى المقاومة الفلسطينية ولم يتبرع جنيهاً واحداً للكنيسة ولم يدنو طيلة حياته عتبة بابها ... لماذا؟؟؟ لأن زوجته فلسطينية!!! 
كل هذه الصعوبات والتحديات واجهه الفقيد عند وصوله إلى لندن فخلال عقد من الزمن وبجهود مكثفة وبصبر مسيحي ملئ بالحب والعمل تمكن من أن يحدث تغييراً ملموساً في وضع الكنيسة فتمكن من أحصاء أبناء الرعية والتي كانت تقدر في حينها بـ 520 عائلة أي ما يقارب بحدود 2500 فرد وأصبحت أمور الكنيسة أكثر إنتظاماً ونشاطاً حيث أنتظمت القداديس والمناسبات وتم تشكيل لجان مختلفة قامت بنشاطات إجتماعية وثقافية متنوعة لا بل والأهم تم تشكيل فرقة كورال للكنيسة والتي كانت تضم  أجمل الأصوات قاطبة ثم أصبحت النشرة "المجلة" التي سميت بـ "القيثارة" التي بدأت بالإصدار بشكل منتظم وكل أسبوعين والتي كانت تصدر باللغة الإنكليزية والعربية وفي بعض الأحيان بالسريانية الوسيلة الفعالة في الاتصال بأبناء الرعية وتوصيل أخبار الكنيسة والوطن إليهم فكانت توزع مجاناً وبالبريد وتزيد من العبئ المالي للكنيسة. وعلى العموم تمكن الفقيد من حل بعض الإشكال المالية للكنيسة حيث تمكن من تسديد ديون القرض الخاص ببيت الكاهن كما تم تجهيز مكتبه الخاصة بالمعدات اللازمة في الاتصال والطباعة لا بل وكان في بعض الأحيان يرسل مساعدات مالية لأبناء الرعية المحتاجين في الوطن. والأكثر من هذا فقد كان بيته الصغير (غرفتان نوم وصالة) المتواضع مقاماً لكل الزائرين للندن من الكهنة والمطارنة وحتى البطاركة ومركزاً للإجتماعات ومكتباً للبحث والكتابة والطباعة.
أما على المستوى الثقافي فقد كان الفقيد مهتماً إهتماماً منقطع النظير فكان كثير الحضور أو المشاركة في معظم النشاطات الثقافية والأكاديمية التي كانت تقيمها الجامعات والمعاهد الدراسية في لندن والمهتمة بالمسيحيين في الشرق أو بتراث بلدانهم أو بلغتهم خاصة التي كانت تنظمها مدرسة لندن للدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن والتي تعتبر من أهم المعاهد العلمية في العالم في هذا الشأن. كما كان في الكثير من الأحيان ضيفاً للبرامج الإذاعية والتلفزيونية والمقابلات الصحفية خاصة في المناسبات التي كانت تهم المسيحيين في العراق وفي بلدان المهجر. أهتم الفقيد إهتماماً كبيراً بالكتب والمطبوعات حيث لم يكن أن يظهر كتاب يخص المسيحيين وما يتعلق بهم إلا واقتناه لا بل في كثير من الأحيان عمل كـ "موزع" أو "وكيل" للمجلات التي كانت تصدر في أرض الوطن ويقوم بتوزيعها على أبناء الرعية في إنكلترا. والأهم من كل هذا وذاك هو حضوره الدائم والمستمر لدائرة الوثائق البريطانية  التي تعتبر أكبر خزين في العالم للوثائق التاريخية المهمة، والتي كان عضواً مشتركاً فيها. فكثير من الأحيان حضرنا سوية وبحثنا في ذخائر هذه الدائرة وفي مخطوطاتها الخاصة بأبناء أمتنا وكنيستنا. فقد صرف الكثير من وقته وماله في بحث وإستنساخ وثائق مهمة كتبت من قبل قناصل ورحالة بريطانيين عن كنيسة المشرق منذ القرن السادس وصاعداً تبين ظروف إنشقاق الكنيسة ودخول فروعها في صراعات لاهوتية والكثير منها تفصل تفصيلا دقيقاً عن مجريات الأمور في تلك الأزمنة الغابرة وشرح للأديرة والكنائس التي كانت قائمة في بلاد الرافدين.
على المستوى الكنسي والعلاقات الكنسية مع بقية الكنائس خاصة الشقيقة للكنيسة الكلدانية وأخص بالذكر كنيسة المشرق الآشورية، كان شخصاً محبوباً وموثوقاً به من قبل كهنة هذه الكنيسة ورعيتها لا بل كان كثير الحضور لمناسباتها خاصة عند قدوم قداسة مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية إلى لندن أو أي مطران آخر وكان من أكبر دعاة الوحدة الكنسية والمشجعين للمباحات التي كانت تجري في حينها بين الكنيستين المشرق الآشورية والكلدانية الكاثوليكية. كما كانت له علاقات قوية مع كاهن الكنيسة السريانية الأرثوذكسية ويشاركها الكثير من نشاطاتها. ومن المعروف كان الفقيد راعياً لـ " الإرسالية الكلدانية السريانية الكاثوليكية" أي كان كاهناً للطائفتين فكان هذا يخلق نوع من الأشكاليات لأن طقس الكنيسة الكلدانية قائم على طقس مار أدي كما هو الحال مع كنيسة المشرق الآشورية في حين إن طقس الكنيسة السريانية الكاثوليكية يقوم على الطقس الإنطاكي. هذا الإختلاف خلق بوادر تنم عن نوع من الإستقلال ونمو في توجهات السريان الكاثوليك في أقامة قداساً خاص بهم رغم قلة عددهم. هذه الاشكالية وضعت الفقيد في تحدي صعب وقوي في مواجهة حالات الإنفصال هذه وأقناع الرعية بضرورة الوحدة غير أن النزعة الطائفية كانت أقوى بكثير، كما هي العادة في مجتمعنا، حيث أستقل السريان في السنوات القليلة الماضية وأصبح لهم كاهناً خاص بهم وقداس يقام في مبنى آخر لهم. أي بهذا المعنى أصبح لهذا الشعب "المسكين" رغم قلة عدد نفوسه في بريطانيا ... أكثر التخمينات في الوقت الحالي لا يتجاوز العدد 6 آلاف شخص .... وله أربعة كنائس وهي الكلدانية الكاثوليكية والمشرق الآشورية (أكبر كنيسة ورعية في لندن تملك كنيسة ومبنى لنادي إجتماعي) والسريانية الأرثوذكسية والسريانية الكاثوليكية.
بعد أن رسم الفقيد مطراناً في السادس من شهر كانون الثاني 2003 من قبل البابا الخالد الذكر مار يوخنا بولس أجريت معه مقابلة ونشرت باللغة الإنكليزية في المجلة الألكترونية "زندا" في منتصف شهر شباط من نفس العام في الوقت الذي كان مثلث الرحمات مار روفائيل بداويد على فراش المرض يعاني من مرض مزمن يصعب الشفاء منه. فكان الحديث عن وضع الكنيسة وبطريركها مريضاً وإحتمال الصعوبات التي يمكن أن تواجها بعد غياب البطريرك وكيفية إنتخاب بطريرك جديد وهكذا.... وعندما سألته عن إنتخاب البطريرك الجديد بعد فراغ الكرسي وفيما إذا كان يحق لكل مطران ترشيح نفسه فذكر وقال: يحق لكل مطران ترشيح نفسه سواء أكان مقيماً في الوطن أم في المهجر شرط أن لا يكون قد تجاوز الخامسة والسبعين من العمر أما بالنسبة لمطارنة المهجر فأنه من الضروري أن نضع في الإعتبار بعض الظروف التي قد تكون صعبة لهم في ترك المهجر والعيش في العراق حيث الكثير منهم يعيشون من عوائلهم وتعودوا على الحياة هناك كما أن إزدواجية الجنسية قد تخلق لهم مشكلة خاصة عندما لا يكون البلد المقيم فيه في وئام وعلاقات طبيعية مع العراق.
موضوع شرط العمر (الخامسة والسبعين) ترك اليوم فينا تساؤلاً عن كيفية إختيار مار عمانوئيل دلي بطريركاً على الكنيسة الكلدانية وهو كان قد تجاوز هذا الحد من العمر (أطال الله من عمره) عند إختياره بطريركاً؟ حيث كما نعرف بأن كل من المطرانين الجليلين مار أنطون درمو ومار سرهد جمو كلاهما مقيمان خارج العراق فالأول في سوريا والثاني في أميركا فعند ترشيحهما لكرسي البطريرك بعد إنتقال مار روفائيل إلى جوار ربه لم يحصل أي منهما في الجولة الثانية على النسبة المطلوبة للأصوات التي تؤهله الفوز لذلك حسب نظام الكنيسة يستوجب عقد إجتماع المطارنة في الفاتيكان حيث يتم إختيار اللبطريرك وبالفعل تم إختيار مار عمانوئيل دلي بطريركاً على الكنيسة من دون إعتبار شرط العمر. لا ندري فيما إذا كان هناك إستثناء في هذه الحالة أم أن القرار الأخير يعود للفاتيكان في إختيار البطريرك بعد عجز المجمع السنهادوسي من إختياره، وهي مسألة ليس لنا إلمام كبير فيها وبالتالي لا تهم موضوعنا هذا.   
 ومن الأسئلة التي سألناه كان عن كيفية إنتخابه ومن ثم رسامته كمطران ومعاوناً بطريركياً فذكر وقال: كان المطروبوليت مار عمانؤئيل دلي، حالياً جالساً بنعمة الرب على كرسي بطريركية الكنيسة الكلدانية، قد تجاوز الخامسة والسبعين من العمر وحسب نظام الكنيسة فإن كل مطران تجاوز هذا العمر لا توكل إليه مهمات إدارية لذلك عندما شغر منصب معاون البطريرك تم إنتخابي في المجتمع السنهادوسي مطراناً ومن ثم معاوناً للبطريرك في شهر كانون الأول من عام 2002 حيث سبق وأن عملت سكرتيراً شخصياً لقداسة البطريرك الراحل عندما كنت في بغداد وفي شهر كانون الثاني من عام 2003 بعثت إلى فاتيكان لنيل الرسامة.
هناك ظاهرة تاريخية نادرة في الكنيسة الكلدانية وهي أن المطران الراحل مار أندراوس أبونا كان أول كاهن كلداني يرسم مطراناً من قبل البابا في الفاتيكان بعد رسامة مار يوحنان سولاقا قبل أكثر من خمسمائة سنة كبطريرك لفرع كنيسة المشرق المتحد مع روما والتي سميت فيما بعد بالكنيسة الكلدانية. وعند سؤالي عن سبب رسامته من قبل البابا فذكر وقال: هذه نعمة إلهية عظيمة لي أن أنال بركة الرسامة كمطران من قبل قداسة البابا وهو دافع قوي يزيدني قوة وإيمانا في خدمة الكنيسة. لقد كان كل شيء عادياً بحيث كان من المقرر أن تجري الرسامة في بغداد بعد إنتخابي غير أن مرض البطريرك الراحل قداسة مار روفائيل وإستحالة القيام بواجبه في الرسامة طرح قداسته فكرة الذهاب إلى روما ونيل البركة من قداسة البابا حيث كان عيد الغطاس (الظهور) على الأبواب وهي المناسبة التي يقوم فيها البابا برسامة مطارنة من مختلف بلدان العالم ففرحت كثيراً لهذه النعمة الإلهية التي كانت تنتظرني فهرعت وحضرت حالي للسفر وبأقص سرعة حيث كان الوقت ضيفاً لأنه حدد يوم السادس من كانون الثاني 2003 وهو عيد الغطاس موعداً للرسامة.
لقد عاش وعمل المطران الراحل أكثر من عشرة سنوات في بريطانيا من عام 1991 وحتى رسامته مطراناً ونقله إلى بغداد وتأقلم مع الهدوء والسلام في الوقت الذي كان الوضع مأساوياً في العراق سواء من حيث العقوبات الإقتصادية أم الحروب او التهديد بالحروب ولا أدري إذ كان هناك مطراناً او حتى كاهناً قد ترك حياة الغرب المترفة وجاء ليخدم كنيسته في العراق في مثل تلك الظروف أو الظروف الحالية. ربما يكون هناك واحد منهم أو أثنين ولم نسمع عنهما ولكن حال المطران الراحل مختلف تماماً فهو يعد أول من يترك الغرب ويأتي إلى الوضع الجهنمي في العراق ليخدمة كنيسته. وعندما سألته عن أمكانيته في العيش في العراق ووضعه غير مستقر وخطير خاصة أذا عين في مدينة أو قرية بعيدة، فذكر وقال:  هذه ليست مشكلة لي فأنا متسلح تسليحاً جيداً بروح القدس فأنا وغيري من المطارنة قد كرسنا أو من المفترض أن نكون قد كرسنا حياتنا لخدمة المسيح ورسالته وهذه الخدمة تمتد إلى كل الأماكن دون إعتبار للمخاطر والمهالك فأنا سعيد جداً بالعودة إلى وطني وخدمة شعبي هناك.
من هنا يمكن أن نسجل للمطران الراحل سابقتين تاريخيتين أولهما رسامته من قبل البابا وثانيهما تركه لحياة الغرب المترفة وقدومه إلى العراق والعيش فيه.... وهنا نتسائل إذا كان المطران الراحل قد بقى في لندن ورفض العودة هل كان المرض يصيبه ويهلكه أم كان علاجه ممكناً؟؟؟؟ أليس هذه تضحية تستحق الإشادة بها؟؟
ومن الأسئلة المهمة التي سألته في حينه هو عن محاولات بعض العنصريين والإنفصاليين من الطرفين الكلداني والآشوري في إعتبار أبناء الكنيستين الكلدانية والآشورية قوميتان مختلفتان فذكر وقال: أن هذا يعتبر من أكبر الأخطاء فأي متطرف من طرفي الطائفتين يشكل ضرراً كبيرا للجميع دون إستثناء ومهما كانت كنيسته. فنحن أمة صغيرة وضعيفة لذلك فأنه من المهم جداً أن نبحث عن ما يوحدنا وليس عن ما يفرقنا. صحيح نحن نختلف في التسميات ولكن بدون أدنى شك فهذه ليست بالمشكلة الكبيرة طالما نحن متحدين في اللغة والتاريخ والثقافة والمشاعر والطموحات ويجب أن نعمل لتطوير عناصر وحدتنا وليس إثارة النعرات المفرقة. وكرجل دين فأنا اؤمن إيماناً قوياً بأن الكنيسة هي البوتقة الموحدة فإنها الأم لجميع الطوائف. أنا متأكد بأن البعض يؤمن بطريقة مختلفة في وحدة أمتنا وواجبي أن أصلي من أجلهم لكي تتحقق أهدافهم ولكن دعني أقول شيئاً فإذا توحدت كنائسنا يوم غد فأنه عاجلاً أم آجلاً سوف يتوحد شعبنا ولنا أمل كبير في الأجيال الجديدة خاصة الذين يدرسون معاً في المدارس والمعاهد الكهنوتية مثل كلية بابل اللاهوتية حيث سيكونون هؤلاء قادة لتوحيد كنائسنا.
هكذا في ختام المقابلة شاركنا معه في الصلاة من أجل وحدة كنائسنا ومن ثم شعبنا لترجع الكنيسة كما كانت في عهدها الذهبي ككنيسة المشرق الجامعة وترجع أمتنا أمة قوة موحدة قادرة على الصمود أمام التحديات والصعوبات التي نواجهها خاصة في هذا العصر الذي لا يرحم الضعيف والمنقسم. 


       



112
في الذكرى ألـ (31) للولادة:
رسالة من الجنرال أغا بطرس
إلى الحركة الديمقراطية الآشورية

ينقلها: أبرم شبيرا

توطئة: لقد سبق وأكدنا في مناسبة سابقة وأثناء مقابلتنا مع المناضل الشهيد فريدون أتورايا  بأن تجليات روح أبطال الأمة وشهداءها المتواصلة تنعكس في مبادئ وقيم وسياسات الحركات القومية الأصيلة وفي سلوكيات أبناؤها الأصلاء ويمارسها البعض ليل نهار ويطبقها في حياته اليومية. والجنرال أغا بطرس إيليا دي باز، وأن رحل عن هذا العالم إلا أن وجوده من خلال هذه الروح متواجد بيننا يعيش معنا نلمس وجوده في كل نشاط من نشاطاتنا القومية ونقابله ونصغي إليه ونتعلم منه ومن خلال اتصالنا به عبر الفضاء السرمدي الذي يوفره لنا خلود الأمة ويفتح أمامنا فسحات تتلاشى فيها تباين الأزمنة وتختلط وتتداخل بعضها ببعض من دون قيود الزمان والمكان فيصبح بالتالي الماضي جزء من الحاضر والحاضر جزء من الماضي . وهذه الرسالة ما هي إلا جزء من هذا الاتصال الروحي عبر النسمة الروحية الرابطة بين الماضي والحاضر والتي يشهق عبيرها كل إنسان مؤمن بهذه الأمة التي زهق الجنرال إغا بطرس حياته من أجلها. فعبرنسمات هذا الإتصال الروحي حررت هذه  الرسالة وكلفت نفسي بنقلها للقراء.
******************************
من بطرس إيليا دي بازإلى الحركة الديمقراطية الآشورية:
أبنائي وأحفادي الأعزاء: في غمرة الأحتفالات التي تمطر عليكم في نيسان الربيع أبعث إليكم هذه الرسالة وقلبي فياض بالمشاعر الجياشة والمبهجة وأنا أشعر بهزات الأرض تهز هزاً تحت أقدامكم وعلى الأوتار الذهبية لحناجر أحفادي المبدعين أمثال الفنان الكبير آشور بيث سركيس ورامز بيث شموئيل وجوان ديفيد وولسن ايشا واوديشو موشي وموشي كوريل وكارميلان زودو الذين قدموا من البلدان البعيد ليقدموا لكم موهبتهم التي وهبها الله لهم ويسخوا بالعطاء لهذه الأمة من دون كلل أو ملل. فالجميع وكعائلة واحدة سواء من كان صامداً مناضلاً في أرضي... أرض أبائي وأجدادي أو من جاء من أقصى الدنيا: إستراليا فأوربا وحتى أميركا يتناغمون ويصرخون بأفراحهم عن إنتصاراتكم العظيمة في إنتخابات العراق البرلمانية ويهلهلون لنيسان الخير في المسيرة البنفسجية ويعدون العدة لأحتفالات ميلادكم في الثاني عشر من هذا الشهر... فمن خلال المسيرة التي بدأتها أنا ورفاقي قبل أكثر من قرن والتي إجتازت محطات كثيرة ووصلت إليكم أجد نفسي بينكم متكاتفاً معكم في مسيرتكم البنفسجية شامخ الرأس عامر القلب بالإنجازات والمفاخر التي حققتموها وشاغلاً مقعدي في إجتماعاتكم ومؤتمراتكم مشاركاً في مناقشاتكم ... نعم فمن خلال هذه المسيرة أجد نفسي بينكم لا بل أجد نفسي جزء منكم لأن مابدأته قبل أكثر من قرن أجده اليوم فيكم وفي مسيرتكم النضالية الصعبة. هذه هي فرحتي العظيمة وهذه البهجة الكبيرة هي التي تمحي كل الإجحاف والظلم الذي إنتابني أثناء قيادتي لمسيرة الأمة النضالية، فأطمئنوا يا أحفادي الأغراء بأن روحي سعيدة جداً في العالم الآخر رغم الحزن الشخصي الذي أنتابني عندما سمعت في غمرة إحتفالات أبناء أمتي بعيد الأول من نيسان برحيل أبني العزيز خوديدا الذي لم أراه إلا لبضعة أشهر ولكن عندما أتذكر زيارته لأرض الوطن بناء على دعوتكم وكيف وطئت قدمه تربة وطني وشرب من ماء نهر فيشخابور تطمئن روحي وتزول همومي فيزداد حبي وتقدير لكم جميعاً.

يا ورثتي الأمناء: لا تعتقدوا أبدأ ان حركتكم قد تأسست في نيسان عام 1979، فمثل هذا الإعتقاد خاطئ جداً.... فالحركة الديمقراطية الآشورية والتي هي إمتداد لما بدأته أنا  لم تؤسس بقرار سياسي أو كانت نتيجة بحوث ودراسات رجال العلم والمعرفة ولا كانت من صنع قرارات رجال السياسة وإنما ولدت من رحم الأمة الشرعي ومن مخاض آلامها ومعناتها فالأمة التي تكون حبلة بالتضحيات والنضال ونكران الذات يولد منها إبنها الشرعي فيظهر على العيان كحركة قومية أصيلة يتم تعميذها في المعبد القومي. هكذا تعمذت وتكللت حركتنا القومية بأسم الحركة الديمقراطية الآشورية في اليوم الثاني عشر من نيسان عام 1979 وتأكدت شهادة ميلادها بالانجازات الرائعة التي حققتها وكتبت حروفها بدماء الشهداء الأبطال أمثال يوسف توما و ويوبرت بنيامين ويوخنا إيشو وغيرهم من الكرماء في التضحية والفداء فمهدوا الطريق لكم لكي تحملوا رسالة الأباء والأجداد بأمان وصدق للأجيال الحالية والتي ستتواصل نحو الأجيال اللاحقة فهكذا تستمر مسيرة الأمة النضالية نحو المجد والخلود.

تلاميذي النجباء: إنطلاقا من خبرتي الطويلة والتجارب التي واجهتني وواجهت حركتي القومية قبل أكثر من قرن أود أن أضع بعض الخطوط الإرشادية التي حتما ستزيد من إضاءة طريقكم النضالي الصعب. فقبل كل شيء والأهم من جميع القضايا هو يجب ان تتجردوا من الإنانية والغرور والتعالي على أبناء الأمة. صحيح إن نضالكم الصعب والطويل وإن إنجازاتكم القومية، خاصة فوزكم بثلاثة مقاعد في البرلمان العراقي، هي موضوع فخر وإعتزاز إلا أن ذلك يجب أن لا يكون مصدراً للتكبر والتعالي على الآخرين.  فأنا أعرفكم جيداً مثلما أعرف نفسي، فالتضحية والشهادة ونكران الذات والعمل بإخلاص لهذه الأمة هي من بعض صفاتكم الجليلة والكثيرة ولكن نشوة النصر قد تصيب البعض منكم فتفسد نفوسهم وتوهمهم بأنهم أنبياء نزلت عليهم بركة الله من السماء فيتصورون بأنهم معصومين من الأخطاء ومحصنين من الإنتقاد والإستماع للرأي الآخر. من هنا أقول بأن حركتكم هي مسيرة قومية فكرية سياسية حضارية لهذه الأمة وغير مملوكة لأي من كان مهما كان موقعه في حركتكم. فشذوذ شخص أو بضعة أشخاص عن مسيرة الحركة لا يمكن أن يمسها مس ويشذها عن خط مسيرتها الذي يمتد لسنوات طوال وسيتمر لسنوات أطول. أنتهبوا إلى أولئك المتعصبين والمتشددين في حركتكم أو أنصاركم فهم يضرونكم أكثر مما يضركم أعداءكم فهؤلاء مثل النار الملتهب الحارق فسرعان ما ينطفون وينقلبون إلى دخان أسود ورماد متطاير في سماء حركتكم مشوهين نظرة الناس عن أصالة حركتكم ونبالة رسالتكم. فأنا واثق بأن هؤلاء قلة قليلة ولكن دائماً متواجدين بينكم خاصة في غمرة تصاعد نشوة النصر.

يا أبنائي المناضلين: الطائفية والعشائرية والشللية هي أخطر الأمراض التي تقتل الحركات القومية وهي نفسها التي عصفت بنا قبل أكثر من قرن وأعيقت تقدمنا وتحقيق أهدافنا. فلا تتصورا بأن الإنجازات القومية سوف تقضي على مثل هذه الأمراض بشكل نهائي فهي كجرثومة تركن في نوم سبات ولكن تعود مرة أخرى وتضرب ضربتها لا بل تزداد شراستها أكثر فأكثر عندما يتصاعد الوعي القومي بين أبناء الأمة ويصبح وضع هذه الأمراض مهدد بالزوال. أشد يدي وبقوة على يدكم لأنكم فعلاً وحقيقة تمكنتم من أن تخطوا خطوات متقدمة في هذا المجال. ما أعظم حركتكم عندما أرى فيها الكلداني والنسطوري والسرياني كلهم يد واحدة تعمل من أجل هدف واحد... صحيح أن أصل امتنا وحضارتها معروفة للقاصي والداني وأن رجال كثر قدموا حياتهم فداءاً لها ولكن الواقع المعاش الذي أدركتموه في عام 2003 وتبنيتم التسمية المركبة للأمة (الكلدانية السريانية الآشورية) حدث يضع كل أبناء الأمة في بيتاً واحداً من دون تميز وتصبح حديقتها مشكلة الألوان والأزهار والتي بالنتيجة ستغني الأمة إغناءاً كبيرا ومن مختلف جوانبها المتنوعة فبوعيكم السديد عرفتم بأن وحدة الأمة فوق كل شيء. هذا الحدث مهم جداً لا بل وخطير في عين الوقت لأنه يثير هيجان وجنون الإنفصالون الطائفيون والشلليون... لماذا؟؟  لأنهم أقزام لا يمكن أبداً أن يعيشوا مع البالغين الكبار في بيت الأمة الكبير. فأنا شخصياً أعرف حق المعرفة أصلي وثقافتي وحضارتي ومن أجلها ضحيت بحياتي ولكن الواقع كان يفرض عليً أن أتبنى أسم "كلدوا آشوري" كسور للبيت القومي الذي كنت أحاول أن أشيده على الحضارة التي ورثتها عن أجدادي. فحال هؤلاء ليس أحسن من حال الذي يسبح ضد تيار النهر فسرعان ما يتعبون وبالنتيجة أما يعدلون وضعهم ويتناغمون مع تيار الأمة الجاري نحو الأمام أو يصرون على عنادهم فيغرقون ويجرفهم التيار الجارف نحو المجهول.

يا أولادي الكرماء في التضحية والفداء.... أن ما أراه اليوم من إنجازات قومية هو نفس ما يراه أبنائي في عصركم فهو نتاج نضالكم المستديم... أن الوعي القومي والسياسي الذي دب في نفوس وضمائر أكثرية أبناء أمتي هو بفعل ما قدمتموهم من تضحيات ونكران الذات في سبيل هذه الأمة.. من يستطيع أن ينكر بأن التعليم السرياني ما كان أن يكون كما هو في مثل هذا اليوم لولا كفاحكم الدؤوب والمتواصل حتى تمكنتم من إنتزاع هذا الحق إنتزاعاً تاريخياً وقدمتم المستحيل من أجل إستمراره وتواصله نحو مراحل متقدمة... إن عشرات الألاف التي شاركت في المسيرة البنفسجية في هذا العام وفي كل الأعوام السابقة هي دليل على مدى حب الجماهير لكم وتقديره لتضحياتكم من أجل هذه الأمة... أفهل يوجد شيء لأية حركة سياسية أهم من حب الجماهير لها.... لا أدري هل أقول بأنني أحسدكم على هذا الحب الجماهيري لكم ... ولكن أفهل يوجد أب يحسد أبنائه؟؟؟ كلا وألف كلا.... فما أراه فيكم هو لي والذي من أجله نضالت وضحيت بحياتي له وهو نفس الشيء الذي ضحى المطران الشهيد توما أودو حياته من أجله والبطريرك مار بنيامين وفريدون آتورايا والألاف في مذبح سميل ونعوم فائق وفريد نزها ويوسف مالك ويوسف توما و يوبرت بنيامين و يوخنا إيشو والقافلة طويلة .... هؤلاء يظهر بأنهم قد خسروا حياتهم ولكن بالمقابل عاشوا وتخلدوا بحب أبناء الأمة لهم ... فحركتكم يا أبناء زوعا ستخلد مدى الدهر وستواصل نحو المستقبل لأنها كسبت حب أبناء الأمة.... فألف مبروك على هذا الحب والإحترام الذي كسبتموه بنضالكم الدوب ونكران الذات وألف مبروك على عيد ميلادكم الحادي والثلاثين و لايسعني في الختام إلا أن أشكركم على حشد عشرات الألاف من أبناء الأمة للأحتفال بعيد الأول من نيسان رأس السنة البابلية الآشورية لأنه هو أيضا عيد ميلادي الثلاثين بعد المائة حيث ولدت في الأول من نيسان عام 1988  ومن صدف الأقدار أن يكون أيضا عيد ميلاد مراسلي الذي أرسل معه هذه الرسالة. إلى اللقاء في مناسبة أخرى وفرحة أخرى.


المخلص
جدكم الوفي
بطرس إيليا دي باز

113
من أوراقي الآشورية:

 

تجليات روح شهداء الأمة في واقع اليوم... مقابلــة مع فريدون أتورايا


                                                                                              أبرم شـبيرا
قد يعمر الأفراد ويعيشون مائة سنة أو أكثر ولكن مع هذا يموتون ويرحلون عن هذا العالم، لكن الأمة التي ينتمون إليها تعيش عشرات القرون وربما تبقى خالدة أبد الدهر . لم يعيش فريدون أتوريا أكثر من سبعة وثلاثين سنة حيث أستشهد في نهاية عام 1926 ولكن الأمة الآشورية، والتي زهق فريدون روحه من أجلها، عاشت وخلدت لقرون طويلة ليس من خلال تواصل أجيالها كأفراد فحسب وإنما من خلال تجليات روح شهدائها المتواصلة في أفكار الأمة ومبادئها وقيمها وتراثها وحضارتها والتي تنعكس في أفكار وسلوكيات أبناؤها الأصلاء ويمارسها البعض ليل نهار ويطبقها في حياته اليومية. وفريدون أتوريا كشهيد من شهداء الأمة، وأن رحل عن هذا العالم إلا أن وجوده من خلال هذه الروح متواجد بيننا يعيش معنا نلمس وجوده في كل نشاط من نشاطاتنا القومية ونقابله ونصغي إليه ونتعلم منه ومن خلال اتصالنا به عبر الفضاء السرمدي الذي يوفره لنا خلود الأمة ويفتح أمامنا فسحات تتلاشى فيها تباين الأزمنة وتختلط وتتداخل بعضها بالبعض من دون قيود الزمان والمكان فيصبح بالتالي الماضي جزء من الحاضر والحاضر جزء من الماضي. وهذه المقابلة مع فريدون أتورايا ما هي إلا جزء من هذا الاتصال الروحي عبر النسمة الروحية الرابطة بين الماضي والحاضر والتي يشهق عبيرها كل آشوري ينعم بمثل هذه النسمات الروحية التي تربطه بهذا المفكر والمناضل والأديب الخالد الذي ساهم بنفحاته الثورية في انبعاث روح الأمة وتواصلها نحو عصر هذا اليوم .
**************
منذ البدء، وأنا في طريقي لمقابلته، لم أكن أتوقع إطلاقاً أن أجد صعوبة في التعرف عليه رغم أنها المرة الأولى التي ألتقي به، فسيماءه الشكلي والفكري واضحة المعالم لا يستوجبها العناء للتعرف عليه، خاصة بالنسبة لكل من أطلع على أبجديات تاريخ الحركة القومية الآشورية المعاصرة، ذلك لأن فريدون أتوريا كان يشكل بحد ذاته ظاهرة قومية يسهل التعرف عليها من خلال التعرف على المصدرين الرئيسين اللذين ساهما مساهمة كبيرة في خلق هذه الظاهرة. فبالنسبة للمصدر الأول، ابتداءً يمكن الاقتراب منه والنفوذ إليه ببساطة ومن خلال النظرة الأولى لصورته الفوتوغرافية الشائعة بين الآشوريين، سواء الملصقة على جدران بيوتهم أو المنشورة على صفحات مجلاتهم وكتبهم، حيث نستدل من هيئة ملابسه الرسمية المزركشة بأزرار نحاسية وكأنه فارس من فرسان الحرب الأهلية الأمريكية، ونتصور من طلعة تصفيف شعره كأنه يحمل أمواج البحر الهائج على رأسه، ونستشف من تركيبة نظاراته التروتسكية وكأنه أحد ثوار الحركات الراديكالية والقومية التي اجتاحت روسيا وأوربا في القرون الماضية. هذه السمات وإن كانت وصفية لكن في الحقيقة لا تبتعد أبداً عن الواقع الذي عاش فيه وتتطبع شكلا ومضموناً بظروفه لأنه فعلاً كان في قلب هذه الحركات الثورية وعايش أجوائها السياسية والأيديولوجية، وبالأخص الثورات والحركات التي اجتاحت روسيا القيصرية قبيل الحرب العالمية الأولى، منها ثورة عام 1905 والنتائج التي آلت من جراء فشلها وأثرت على جميع قاطني روسيا القيصرية وتوابعها، والثورة الاشتراكية البرجوازية في شباط عام 1917 والتي قادها أعضاء الجناح اليميني في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي (الشيوعي فيما بعد ) والمعروفين بـ "المناشفة" والتي تلتها الثورة الاشتراكية الشيوعية في أكتوبر من نفس العام والتي قادها أعضاء الجناح اليساري بقيادة لينيــن والمعروفين بـ "البلاشفة" وكذلك الانقلاب التركي عام 1908 الذي قاده حزب الاتحاد والترقي والذي أثرت مفاهيمه الليبرالية والإصلاحية على معظم المثقفين الآشوريين حينذاك. مضاف إلى هذه الأحداث الثورية تأتي الحرب العالمية الأولى والانقلابات الجذرية والنتائج المأساوية التي سببتها للبشرية عموماً وللآشوريين خصوصاً لتساهم مساهمة كبيرة في تكوين ظاهرة فريدون أتورايا. فكان من الطبيعي جداً أن تفعل هذه الأحداث التي عايشها فريدون آتورايا فعلها فيه، وهو ذلك المثقف الثوري الواعي ذو الحس المرهف، وأن تؤثر فيه تأثيراً كبيرا وتشكل له المنبع الذي أستمد منه أسلوبه الثوري وفكره السياسي ومنهجه الراديكالي في فهم الإشتراكية وبناء الدول القومية ضمن إطارها العام، أي بعبارة أخرى شكل الفكر الاشتراكي والمنهج الثوري في العمل السياسي المصدر الأول في بناء ظاهرة فريدون أتورياً .

أما المصدر الثاني في تكوينات ظاهرة فريدون أتوريا، هي الأخرى غير بعيدة عن ظروف المصدر الأول لا بل وترتبط بها والتي تتمثل في النتائج المؤلمة التي أفرزتها الحرب الكونية الأولى على الآشوريين والمظالم التي سبقتها والتي أعقبتها، ثم تفاعل هذه المأساة "الخارجية" مع المأساة "الداخلية" المتمثلة في التمزق الطائفي للأمة. ففريدون نفسه كان نتاج من نتائج هذين المنعطفين، أي الحرب والتمزق الطائفي. فمثلما أثرت الحرب وما أعقبها من نتائج، خاصة فيما يتعلق بتسويات الحدود وتكوين الكيانات السياسية الجديدة والتي زادت من تمزق الآشوريين سياسياً وقانونيا، أثر عليه أيضا التمزق الطائفي للمجتمع وبشكل واضح وعميق وأنعكس ذلك في برنامجه القومي. فهذان النوعان من المأساة، هما اللذان جعلتا من فريدون أتوريا أن يكون كما هو ووالديه وأقربائه من أتباع الطائفة الروسية الأرثوذكسية بفعل الحملات التبشيرية بين أبناء كنيسة المشرق وما لهذا الانتماء من معاني كثيرة عند الطوائف الأخرى وزعمائها ولها تأثيرات قومية وسياسية عندهم. كما جعلت هذه الظروف منه أن يصبح مواطناً جورجياً ثم روسياً سوفيتياً بفعل التشرد والهروب من الاستبداد، وبالتالي انعكاس هذه المأساة في أفكاره القومية ومشاريعه السياسية الهادفة إلى معالجة واقع الأمة الممزق، وهي الأفكار والمشاريع التي ستشكل محور اللقاء معه .                         
*****************
هكذا، وأنا في طريقي للقاء به، تكاملت الصورة في مخليتي عنه خاصة عندما توضح لدي المصدرين الأساسين في البناء الفكري لفريدون آتورايا الذي كان من حيث المنهج والرؤية والأسلوب اشتراكياً ديمقراطياً ومن حيث العمل والتطبيق والهدف قومياً آشورياً ثائرا ندر مثله في التاريخ الآشوري الحديث أنساناً قومياً وثورياُ وسياسياً ومثقفاً وشاعراً وصحفياً وخطيباً وطبيباً وعسكريا كفريدون آتورايا. ففكره السياسي وسعة ثقافته الثورية وإبداعه الأدبي الشعري والمسرحي والصحفي ونضاله السياسي والعسكري والإنساني ممزوجاً مع المصير المأساوي في استشهاده وإفناءه في سجنه وبشكل غامض من قبل السلطات الستالينية الاستبدادية نتيجة نضاله القومي، كل هذا  شكل صورة حية وناطقة لأسطورة تراجيدية تعكس بحق وحقيقة الأسطورة التراجيدية للشعب الآشوري. هذه الحقائق التي كونتها عن هذا المناضل الثوري الآشوري والمتعدد المواهب والتطلعات والطموحات جعلتني  أن أشعر كتلميذ صغير يسعى لمقابلة أستاذ كبير ومهيب وأن أنسرح هائماً في عوالم هذه الشخصية الفذة  التي استولت على تفكيري وعقلي وسيطرت على روحي مثلما يسيطر الساحر على المسحور. وهكذا بينما أنا في عالم هذه التصورات الروحية لم أجد نفسي إلا أمام باب مكتبه.

دخلت مكتبه وهو جالس خلف منضدته، ولا أعتقد أحداً  يخطأ فريدون أتورايا اطلاقاً، فهو هو نفسه كما عرفانه من صورته ولكن ما يختلف عنها هو روحه الهائجة والثائرة بين محتويات مكتبه والذي  من الصعب التعرف على نوعية  هذا المكتب والوظيفة المهنية المحددة التي يمارس صاحبها فيه، فهو يعكس بكل زواياه وأثاثه طبيعة صاحبه. إذ من جانب هو عيادة طبية متنقلة أو مركز إسعافات أولية في ساحة القتال، ومن جانب آخر هو مقر لضابط أو قائد عسكري في الجبهة الأمامية للحرب، كما وأن الأوراق وقصاصات صحف ومجلات وأوراق بما هو مسطر عليها من أبيات شعرية ومقاطع نثرية وأجزاء من مقالات غير مكتملة ومتناثرة هنا وهناك تدل على أن المكتب ما هو إلا غرفة لشاعر أو أديب وجودي هائم في هذا العالم لا يعرف من همومه وأحوال الدنيا غير ما هو مسطر في  هذه الأوراق والقصاصات. إضافة إلى المجلات السياسية والكتب لكبار رجال الفكر والفلسفة التي تعتلي رفوفه والتي  تعرف من تآكل دفتيها بأنها نهمت من قبل رجل شديد العطش للفكر والسياسة بحيث جعلت من مكتبه يبدو وكأنها غرفة رئيس تحرير جريدة سياسية ثورية لحزب لا زال في مرحلة النضال السلبي يواجه نظاماً مستبداً. ناهيك عن نسخ من بيانات وخطط وأنظمة داخلية لأحزاب سياسية ومنظمات ثورية متراكمة في زاوية من منضدته تجعل من غرفته وكأنها مقر لحزب سياسي من أحزاب بلدان العالم الثالث وهي في مرحلة النضال السلبي. هذا العالم المتعدد السمات والمتناقض الذي عاش فيه فريدون آتورايا، كان  صورة طبق الأصل لكل ما في داخله ولكن  امتزجت هذه السمات امتزاجاً عجيباً ومتناسقاً وبشكل هارموني أفرزت وبكل وضوح ما يعرف به اليوم بـ " فريدون أتورايا ".

على أية حال، وأنا في بناء تصوراتي من هذا الخليط المنسق، استفقت من انسراحي الروحاني بصوته المرحب بقدومي فتم التعارف بيننا. وبطبيعة الحال كان من السهل أن أتعرف عليه بسبب صورته المتكاملة والمؤثرة التي كونتها عنه سلفا، مثلما يتعرف التلميذ على الأستاذ مهما طال الزمن بينهما، غير إنني عندما عرفت نفسي له وقلت له بأني آشوري من العراق مقيم في بريطانيا أطلق ابتسامة ترحيب تخفي خلفها نوع من الاستياء والامتعاض فأدركته على الفور مستغرباً  ومستفسراً عن السر المخفي وراء هذه الابتسامة "الترحيبية" .
-   أجاب وقال : هذا موضوع طويل ومعقد سنأتي عليه في ما بعد ولكن قل لي ماذا تعرف أنت أو ماذا يعرف بقية الآشوريين في البلدان الاخرى عني وعن الحركة القومية الآشورية في روسيا.
-   قلت له : بسبب الستار الحديدي المشترك الذي كان يطوق الاتحاد السوفياتي والعراق كنا بالكاد نسمع شيئاً ولكن بعد انهيار النظام الشيوعي وتيسر الاتصال بالآشوريين هناك وصدور مطبوعات لهم وتأسيس إذاعات بدأنا نعرف أشياء كثيرة عن الحركة القومية الآشورية في روسيا ولكن الغرض الأساسي من مقابلتي لك هذه هو معرفة الغموض العجيب الذي يكتنف مسألتين وهما : الأولى : مشروعك القومي عن تأسيس كيان آشوري مستقل والثاني يدور حول الأسباب التي أدت إلى سجنك من قبل النظام الشيوعي ومن ثم إعدامك والأشخاص الذين تآمروا ضدك بهدف الخلاص منك .
غاص مفكرنا الكبير في تفكير وتأمل عميقين ثم ختمهما بنفس عميق وحسرة مؤلمة وأعقبها تهيأ لخوض معركة أثارت فيه حوافز الاندفاع والقتال من أجل كشف معالم الغموض المسيطر على هاتين المسألتين فقال :
-   المشروع القومي واضح المعالم في البيان المعروف بـ " مانفيستو أورمي" الذي أصدرته في عام 1917 مع مجموعة من القوميين الآشوريين والذي يقوم أساسا على فصل الدين عن السياسة والدولة ويدعو إلى تأسيس كيان مستقل للآشوريين بمختلف طوائفهم الدينية في مناطقهم التاريخية ويرتبط بالاتحاد السوفياتي ضمن اتحاد فدرالي كبقية الدول التي دخلت هذا الاتحاد، ويمكن معرفة تفاصيله من كتبكم ومجلاتكم التي نشرت بنود هذا البيان.
-    ألا تعتقد بأن مثل هذا المشروع، أن لم يكن خياليا، فأنه كان يقارب تطبيقه المستحيل ؟ .
أثير سؤالي هذا دهشته الممزوجة بنوع من الغضب وقال : من أية ناحية كان خيالياً أو يستحيل تطبيقه؟
 حاولت تهدئة غضبه برد مبسط وواضح وقلت له :
-   من عدة نواحي، جغرافياً، المنطقة غير متناسقة وتشمل أجزاء خاضعة بشكل أو بآخر لدول أخرى. عسكرياً، يصعب السيطرة على مثل هذه المناطق التي كانت ضمن نفوذ بعض الدول الكبرى المتنافسة أو المتحاربة. اجتماعياً، القوالب الطائفية والعشائرية الصلدة التي كانت سائدة في تلك الفترة والمحددة بعضها حصراً بمناطق جغرافية معينة، خاصة وأن حدود مشروع "دولتك" كان يمتد من منطقة أورمي شرقاً حتى إنطاكيا غرباً، فكان من الصعب جداً جمعهم في كيان سياسي واحد جامع وشامل خاصة وأن الزعماء التقليدين من رجال الكنيسة وزعماء العشائر، والذين كانوا متنفذين وسائدين في المجتمع الآشوري، يصعب تصور إمكانية أي تنازل منهم عن سلطاتهم ومصالحهم  لهذا الكيان العلماني الذي يتبناه رجل اشتراكي إن لم نقل شيوعي، كما كان هؤلاء يتهمونك، فالصراع معهم كان لا محال بل وحتمي . أما من الناحية السياسية فأنه بمجرد ربط مثل هذا الكيان بالاتحاد السوفياتي الذي يتبنى الشيوعية يكفي لكي يرفض، لا بل ويقاوم من قبل الآشوريين الذين تسود فيهم معتقدات دينية وسلفية لا تتفق مع هذه العقيدة .
   وقبل أن أكمل حديثي قاطعني المفكر الكبير بضحكة سخرية مصطنعة، وهو المعروف ببؤسه وعبوسيته، عبرت بكل وضوح عن رفضه القاطع لما ذكرته، فرديت عليه مقاطعاً
-   ما العيب في هذا التحليل عن صعوبة مشروعك القومي ؟ . فرد بأكثر جدية وحماسة ثورية وقال :
-   العيب هو أن تحليلك يتصف بسذاجة فكرية وضحالة سياسية بعيد عن الموضوعية والواقعية وتتحدث عن ظروف وكأنها قائمة في بداية الألفية الثالثة. أود أن أوضح لك يا "شبيرا" أن مشروعي القومي كان نتاج جملة عوامل وحقائق موضوعية كانت سائدة وطاغية في بداية قرن العشرين وأن وقائع الحرب الكونية الأولى  كانت قد وضعت كل العوائق التي ذكرتها في داخل قدر يغلي على نيران هذه الحرب مما جعلت تأثير هذه العوائق أن يتلاشى أو يضمحل.  فبالنسبة للعائق الاجتماعي المتمثل في تأثير الزعماء التقليديين وممانعتهم للمشروع، يجب أن نعرف بأنه في تلك الفترة كان المجتمع الآشوري بكل طوائفه وتركيباته الاجتماعية منهاراً من جراء مأساة الحرب ولم يكن يتطلبه إلا إعادة تنظيمه وبما يتوافق مع الظروف التي كنّا نتوقعها بعد الحرب كما كان شعبنا متعطشاً نحو مفاهيم جديدة تزيح القديمة، وهي المفاهيم التي تمثلت في نشاط وفعاليات نخبة من المثقفين القوميين. أما بالنسبة لرجال الدين فأود هنا أن أوضح نقطة مهمة تعتبر جزء من الأيديولوجية القومية التي آمنت بها وهي أنه من الضروري أن نميز بين الكنيسة نفسها كمؤسسة تاريخية تراثية من جهة وبين رجال الكنيسة أنفسهم، فإذا كانت الأولى حقيقة موضوعية لا تقبل التأويل والاجتهاد فأن الفئة الثانية، أي رجال الدين، يشكلون جزء من عوامل ذاتية فكرية ليس بالضرورة أن يمثلون حقيقة مطلقة ولا يمكن أن يكونوا كذلك إطلاقاً فهم كسائر البشر يخضعون لعنصر الخطأ والصواب وعملية تحديد هذه العناصر ترتبط بالأساس بمدى ارتباط مصالح هؤلاء بالمصالح الحقيقية للأمة نفسها دون فصل جوانبها الدينية التراثية عن جوانبها المادية القومية.
-   قاطعته على الفور متسائلا : أرى هناك نوع من الغموض أو صعوبة في فهم ما تقصده .
-   فأجاب وقال : لتبسيط الأمر، أود بهذا الخصوص أن أذكر الشهيد مار بنيامين في مقارنته مع غير من حاشيته المحسوبة كجزء من رجال المؤسسة الكنسية، فهؤلاء كانت مصالحهم مرتبطة بالدرجة الأولى ارتباطاً مصيرياً ببريطانيا وبالدرجة الثانية بمصالح الأمة، في حين على العكس من هذا تماماً كانت كل مصالح الشهيد مار بنيامين الروحية والقومية والمصيرية مرتبطة ارتباطاً عضوياً ومصيرياً وبالدرجة الأولى بمصالح الأمة ومن خلال هذه المصالح حاول أن ينسق مع مصالح الدول التي تتوافق مع مصالح أمته وكان الشهيد مار بنيامين على قدر كبير من الفطنة والذكاء بحيث أدرك منذ الوهلة الأولى، وبسبب العامل الجغرافي والفكري والسياسي، بأن التحالف الاستراتيجي مع روسيا ثم الاتحاد السوفياتي كان أكثر فائدة وضماناً لسلامة أمته من أي تحالف آخر مع الدول الكبرى كبريطانيا أو فرنسا، لهذا السبب تأمروا الإنكليز عل قتله. وكما تعرف ويعرف غيرك بأننا أمة صغيرة وفقيرة لا نملك مقومات بناء كيان قومي قادر على الصمود والاستمرار دون دعم أو تحالف مع دول كبرى وكان الاتحاد السوفياتي تلك الدولة المثالية في تلك الفترة. لا أريد الإطالة أنظر إلى الأرمن فظروفهم تشبه ظروفنا إلى أقصى درجة ولكن بفضل الاتحاد السوفياتي تمكنوا من بناء كيان شبه مستقل ثم بعد أنهيار الاتحاد السوفياتي أستقلوا كدولة كاملة السيادة. أين نحن من تجربة الأرمن؟                                                      فلو كنا ووفقنا مثلهم في تلك المرحلة لكان لنا دولة مثلهم قبل حلول الألفية الثالثة، ولكن مع الأسف الشديد أحبط "الملتفون" حول كرسي البطريركية والواقعون في غرام وهمي مع الإنكليز مثل هذا التحالف وسببوا أيضا، بشكل وبآخر، في إفشال أي مشروع قومي من هذا القبيل.
- إذن من تحليلك هذا أفهم بأنك كنت في توافق مع مار بنيامين في المسائل القومية والسياسية، وخاصة في المسائل الاستراتيجية حيال الدول الكبرى، ولم تكن في تنافر أو عداء معه كما كان يشاع عنك بأنك كنت شيوعياً وضده وضد الكنيسة .
أثار سؤالي هذا اهتمامه الكبير المقرون بنوع من الإثارة ثم هب وقال :
- هذا هراء مائة في المائة، صحيح أنني متأثر بالماركسية وكنت اشتراكي المنهج والتطلع إلا إنني لم أكن شيوعياً أبداً ووفق إيماني هذا كنت أكبر جل تكبير البطل الشهيد مار بنيامين وما قيل عني أو ما نسب إليّ تجاهه هو جزء من مؤامرة كانت تدبر في الخفاء من قبل الإنكليز وعملاءهم للقضاء علينا نحن الاثنين.
وقبل أن يكمل حديثه قاطعته، كعادتي القبيحة في مقاطعة المتحدث، وقلت على الفور:
- إذن هل صحيح بأن بعض حاشية البطريرك أو المقربين إلى الكنيسة "النسطورية" أو المحسوبين عليها والمتورطين مع الإنكليز دبروا مؤامرة الوشاية للسلطات الستالينية ومن ثم اعتقالك وإعدامك، وكما هو معروف لدينا في هذا اليوم ؟. 
- هذا صحيح ولكنه هو جزء من الحقيقية فقط، فهؤلاء ببساطة كانوا يكرهون ويحاربون كل ما هو غير "نسطوري" فلم يكن بإمكانهم أن يروا واحداً مثلي منتم إلى الطائفة الأرثوذكسية أن يتزعم الأمة فهؤلاء كانوا يروجون إشاعات مفادها بأنني أسعى إلى إزاحة البطريرك من الزعامة وتدمير الكنيسة، هكذا لقنهم الإنكليز، وهي نفس السياسة التي مورست ضد الجنرال أغا بطرس الذي كان ينتمي إلى الكنيسة الكاثوليكية. لقد نجح الإنكليز في استخدام الورقة الطائفية في إفشال المشاريع الهادفة إلى توحيد الأمة في كيان متوحد. زد على ذلك فإن الإنكليز كانوا خائفين أشد الخوف من أن يكون هناك تحالف بين الآشوريين والروس في الوقت الذي كانوا هم في أمس الحاجة إلى خدمات وإمكانيات الآشوريين العسكرية لغرض تحقيق طموحاتهم الإمبريالية في المنطقة ولم يكن مثل هذا الأمر ممكنا إلا بالقضاء على الزعماء الآشوريين غير "المفيدين أو النافعين" لمآربهم والاعتماد على غيرهم الذين يمكن الاستفادة منهم وإبراز مواقعهم القيادية ثم دفعهم نحو حافات الهاوية وعصرهم في ظروف من العوز والتشرد ثم يظهر الإنكليز كمنقذ لهم، وهي سياسة قذرة مورست تجاه الآشوريين ونجحت بالتمام والكمال.
-   طيب إذا كان هذا جزء من الحقيقة، ولكن ما هو الجزء الاخر منها والذي أدى إلى القضاء عليك ؟ .
- أنه من المؤسف أن نقضي نحن الآشوريين معظم حياتنا في الحديث عن السياسة والقومية ولكن لا نعرف عنها إلا قليل القليل، وخاصة عن كيفية ارتباط السياسة بالمصلحة، ولاسيما بالنسبة للدول الكبرى التي لا تشكل مسألة القوميات الأخرى أية أهمية لها في مقارنة مع مصلحتها الوطنية. من هنا يجب أن نفهم المسألة الآشورية في تلك المرحلة ضمن مدى توافقها مع مصالح هذه الدول. بيان أورمي في بناء كيان سياسي مستقل للآشوريين كان يتوافق مع مصالح الدولة السوفياتية في بداية قيامها، ولكن بعد قضاء السلطة الستالينية على جميع الحركات القومية وزمها بالطوق السوفياتي واستقرار الأمور بها بدأت تلعب لعبتها في العلاقات الدولية ضمن تحالفات ومعاهدات مع الدولة التي اعتبرتها إمبريالية واستعمارية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، وكان من ضمن هذه التحالفات إبقاء دولة فارس، إيران فيما بعد، مستقلة ومحايدة وعدم التدخل في شؤونها. ولما كان "بيان أورمي" يطالب بجزء من المناطق التاريخية للآشوريين في شمال فارس  فهذا كان يتعارض مع التزامات الاتحاد السوفياتي تجاه الدول الأخرى بخصوص استقلال فارس وعدم التدخل في شؤونها والتي اعتبرت المطالبة الآشورية نوع من التدخل في شؤون فارس لذلك كان يتطلب من السلطة الستالينية القضاء على مثل هذا المشروع وعلى صاحبه. إضافة إلى ذلك فإن القضاء على هذا المشروع ومن كان وراءه كان يتوافق تماماً مع استبدادية ستالين في القضاء على أي شخص يشتبه بأنه قومي أو له نزعات قومية، وهي السياسة التي قضت على الملايين وكنت أنا واحداً منهم مع مجموعة أخرى من القوميين الآشوريين الذين أعدموا أيضا فيما بعد ولكن لم تسمعوا أنتم عنهم كثيرا. ويجب أن لا ننسى أيضاَ بأن مصالح الإتحاد السوفياتي في تلك الفترة توافقت مع مصالح بريطانيا في القضاء على مثل هذه الحركة القومية النزيهة.
- هناك أسئلة كثيرة محيرة عن كيفية إعدامك، فالبعض يقول بأنك قتلت مسموماً  والآخر يقول بأنك متُ تحت التعذيب وهناك فريق آخر يقول بأنه تتم محاكمتك ومن ثم إعدامك، فأي من هذا هو الصحيح ؟ .
- حقاً أنه لأمر مثير للضحك والسخرية وفي عين الوقت مثير للحزن والأسى، في إثارة مثل هذه الأسئلة ذلك لأنه هل يهم أي نظام دكتاتوري طريقة القضاء على معارضيه ؟؟ ، فمالفرق سواء أكان الإعدام شنقاً أو بالرصاص أو التسميم أو بالتعذيب فالمهم هو التخلص منه وكفى، فأنت من المفروض أن تعرف هذه الأمور خاصة وأنك وغيرك من الآشوريين عاشوا تحت ظل أنظمة دكتاتورية قضت على أرواح الآشوريين بطرق لا تعرفونها ولا نعرفها نحن أيضا ولكن هدفهم كان واحد، وهو التخلص من الآشوري القومي المطالب بحقوق قوميته.
عندما شعرت بالإحراج لسؤالي الساذج هذا حاولت أن أغير الموضوع وأنتقل مرة أخرى إلى مشروعه القومي فعلى عجل قلت :
- طيب لنعود مرة أخرى إلى بيان أورمـي، إلا تعتقد بأن مضامين هذا البيان كان يتطلبه منظمات أو مؤسسات لتنفيذه لإخراجه إلى حيز الوجود ؟؟.
- حقاً يا "شبيرا" أنك محير وتدعي بأنك تفهم السياسة وتحاول الكتابة عنها، ولكن من المؤسف يظهر بأن من خلال سؤالك هذا لا تفهم الكثير عن هذا العالم الغامض.
وقبل أن يكمل حديثه الملتهب بنيران ثوريته انسرحت في صمت مع نفسي التي أشعرتني بأنني فعلا تعرضت إلى نوع من الإهانة وأخذ تفكيري يلومني على إقدامي لإجراء هذه المقابلة، ولم أصحو من إنسراحي العميق إلا على صوته الجهوري وهو مستمراً في حديث :
-  بطبيعة الحال يجب أن تعرف بأن أي مشروع قومي لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود أداة سياسية لتنفيذه وإخراجه إلى النور وقد أدركنا ذلك منذ البداية لهذا السبب أسسنا الحزب الاشتراكي الآشوري للقيام بهذه المهمة والذي يعتبر أول حزب سياسي آشوري وكان قد حضر مؤتمره التأسيسي ما يقارب 200 شخص معظمهم من المثقفين البارزين ولكن كل شيء أنهار بعد اشتداد قبضة ستالين على السلطة .
- ألا تعتقد بأن تسمية حزبكم بالاشتراكي كان له نتائج سلبية على عقلية المجتمع الآشوري ومن ثم اتهامكم بالشيوعية ؟؟
- هذا صحيح فقط بالنسبة للمتخلفين والغارقين في ظلام القرون الماضية الذين يخافون من نور العلم، والاشتراكية علم ومنهج للحياة فبطبيعة الحال لا يفهمها هؤلاء، لا بل يخافون منها أيضا ويحاربونها، ولما كانت غالبية أبناء مجتمعنا من أصناف هؤلاء فلا الاشتراكية ولا الديمقراطية ولا أي منهج أخر يفيد هؤلاء لذلك من المؤسف أن الكثير من أبناء شعبنا ولا يزال حتى اليوم لا يستفيد من هذه التجارب الإنسانية معتقدين خاطئين بأنها الأفكار الاشتراكية أو التقدمية أو الليبرالية لا تتفق مع المجتمع الآشوري، والسبب الرئيسي في ذلك لا يرجع فقط إلى دور الإنكليز في هذا المجال وإنما إلى جهل الآشوريين بهذه الفلسلفات الإنسانية، فالماركسية على سبيل المثال يمكن أن يستفاد منها كمنج عمل وأن يستمد منها أسلوبها الثوري والعلمي في فهم تطور المجتمعات وليس كأفكار شيوعية للتطبيق. أنظر الدول الرأسمالية كيف تطورت بشكل عجيب فأن مثل هذا التطور لم يكن ممكناً لولا اكتشاف ماركس لعيوب النظام الرأسمالي ومن ثم تلقف الرأسماليون ذلك وعملوا على معالجتها ودفع المجتمع نحو خطوات أكثر تقدماً وتطوراً .
مرة أخرى قاطعت تواصله الفكري في هذه الفلسفة التي يستوعبها كثيرا وحاولت تغيير الموضوع وإلا لقضيت ساعات وساعات معه في هذا الموضوع الذي لا يتعب منه إطلاقاً، وهو الموضوع الذي لا ألمُ أنا منه حتى أبجديته الأولية لذلك وجدت لي مفراً للهروب منه عن طريق السؤال عن رأيه في الأحزاب الآشورية في هذه الأيام فقلت له:
- مهلاً يا مفكرنا الكبير، تقول بأنك من مؤسسي أول حزب سياسي آشوري، طيب ما هو رأيك بخصوص أحزابنا السياسية الآشورية في هذه الأيام .
وقبل أن يجيب رفع نظارته الطبية بحركة مسرحية تعبر عن شموخ رجل مجرب ورماها على منضدته بين أوراقه المتناثرة ثم أردف وقال :
- سمعت يا "شبيرا" بأنك تكتب بعض الأحيان عن السياسة والأحزاب السياسية الآشورية وفعلاً قرأت لك مقالة منشورة في إحدى المطبوعات الآشورية وأعتقد كان بعنوان " الأحزاب السياسية تعرف بالأفعال والإنجازات لا بالأقوال والشعارات " وهذا العنوان وأن كان يكفي ليعطي جواب لسؤالك ولكن أود أن أزيد شيئاً أخر وأقول بأنه لا يمكن أن يتحقق لأمتنا أي إنجاز ما لم يكن هناك حزب أو أحزاب سياسية تتبنى فكرة هذا الإنجاز وتسعى إلى تطبيقه والحفاظ عليه. الأحزاب ليست لمجرد هدف سياسي بحد ذاته بل هي وسيلة لتحقيق أهداف فكرية وثقافية واجتماعية وتربوية واقتصادية وفنية، فمن المؤسف أن تكون أحزابنا في معظمها أحزاب سياسية وحسب ولا غير وكأنها غير معنية بواجبها الأساسي في تطوير المجتمع الآشوري من النواحي الاجتماعية والفكرية والثقافية، من هذا المنطلق ووفق هذا المعيار، أي معيار تحقيق الإنجازات، فأن أحزابنا لا وجود فعلي وحقيقي لها .
ومنعاً من استمراره في "تهجمه" على أحزابنا "المناضلة" لعل قد "تزعل" من انتقاد مفكرنا الكبير لها حاولت تحويل الموضوع إلى الجانب الايجابي له فقلت على الفور :
-    ولكن ما هو رأيك بالإنجازات التي تحققت لأبناء شعبنا في شمال بيت نهرين، إلا تعتقد بأنها لم تكن ممكنا لولا تبنيها ودعهما من قبل أحزابنا السياسية هناك خاصة مسألة تدريس لغة الأمة التي قادها حزباً رائداً وهو الحركة الديمقراطية الآشورية ودعمها بكل إمكانياته ؟؟ .
أجاب إجابة قاطعة ومؤكدة وقال :
-    طبعاً … طبعاً، فالمسألة لا يتطلبها تحليل وجهد فكري، ببساطة أقول لك، كما ذكرت لك سابقا، فأن وراء كل انجاز قومي يجب أن يكون حزب سياسي فبدون هذه الوسيلة لا تتحقق الأهداف القومية، وأود بهذا الخصوص أن أقول، رغم المرارة التي تخنقني ورغم الحسرة التي تقتلني من جراء المأساة التي عاش فيها شعبنا، أود أن أقول بأنني سعيد جداً جداً عندما سمعت وتأكد لي بأن هناك عدة آلاف من أطفال آشور يدرسون مناهجهم التعليمية بلغة الأم وهناك إذاعة وتلفزيون آشورية ومركز ثقافي ومجلات ثقافية وسياسية، وهناك في المهجر مجلات وجرائد ومحطة تلفزيونية آشورية فضائية، فمن أجل نفس هذه الأهداف التي سعيت أنا وغيري إلى تحقيقها أزهقنا أرواحنا، فألف مبروك، أحزاباً وأشخاصاً ومؤسسات، لهذه الإنجازات العظيمة التي حققوها لأبناء شعبنا في ذلك الجزء من الوطن .
-    يظهر يا "رابي بريدون" من كلمات التهنئة هذه تريد ختم لقائها ؟
-    هذا صحيح … لأنني في عجل من أمري بسبب ارتباطي بجملة مواعيد وأمل أن تتاح لنا فرصة أخرى لأشرح لأبناء شعبنا عن همومي، تلك الهموم التي تولدت لدي ليس بسبب الخسائر التي كبدتها شخصياً بما فيها روحي من أجل شعبي، فهذا هو فخر واعتزاز لي أن أكون بمصاف شهداء الأمة عند عصركم وهو الذي، كما اعتقد، حفزك إلى أن تتسلق جبال الزمان وتقطع مسافات المكان لكي تلتقي بيّ، ولكن همومي هي بسبب كوننا لم نستطيع أن نحقق الحلم الذي سعينا إليه والفشل الذي سببه لنا بعض من أبناء جلدتنا، ولكن مع هذا فأن جزء من هذا الحلم بدأ يتحقق في شمال وطننا الحبيب بفعل سواعد شبابنا الأبطال، وهذا هو الذي يخفف قليلا من همومنا ويزيد من بهجة روحنا في عالمنا السرمدي .
-    وهل من كلمة لهؤلاء الذين يعملون لتحقيق هذا الجزء من أحلامك ؟
-    نعم  وألف نعم … أقول لهؤلاء الأبطال، لا تحزنوا على شهداؤكم فهم معنا في هذه الدنيا أرواحهم مبهجة بسبب استمرار النضال على نفس الدرب الذي سقوه بدمائهم ويترقبون منكم المزيد من الإنجازات لتزداد صفحات تاريخنا القومي أكثر إشراقاً، كما وأود أن أقول لكل الجبناء والسائرون عل دروب يهوذا الإسخريوطي والملتفين حول موائد الأنظمة الاستبدادية المتحكمة في رقاب أبناء أمتنا، بأن مكانكم هو في مزبلة التاريخ ولعنة شهداؤنا وأطفالهم  ستقع عليكم أن لم تكن اليوم فغداً …
سارعت على الفور لقطع حديثه التراجيدي هذا لأنني أعرف مدى تأثره بهؤلاء الذين غدروا به وبزملاءه الشهداء فلملت أوراقي وغادرت مكتبه قبل أن ينهال بالكلام اللاذع عليّ وعلى "أومتنايي" هذا الزمان بسبب تقصيرنا الفاضح في إجلال مكانة شهداؤنا الأبرار وفي أداء واجبنا تجاه أمتنا وبالشكل المطلوب والذي قد يكون محققا لجزء آخر، ولو كان بسيطا ويسيرا، من حلم شهيدنا فريدون آتورايا ونخفف من معاناته وهمومه التي عاناها في العالمين الزائل والسرمدي، فلم أجد نفس إلا وأنا أودعه هارباً من مكتبه راكباً مركبتي الزمنية وطائراً عبر فضاء الزمن عائداً إلى عالمنا في عصر هذا اليوم لأعيش همومه المثقلة بهموم شهيدنا الخالد فريدون أتوريا.

114
المضامين القومية
في الرسالة الرعوية لقداسة البطريرك مار دنخا الرابع
أبرم شبيرا
حضرت قداس منتصف ليلة عيد الميلاد المجيد في كنيسة القديسة مريم لكنيسة المشرق الآشورية في لندن كما حضرت قداس نهار يوم عيد الميلاد المجيد للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في نفس المدينة المثلجة والضبابية. طبعاً من حق القارئ اللبيب أن يتساءل وبنوع من الإستغراب عن مدى قوة إيماني المسيحي من خلال حضوري لقداسين وتناول القربان المقدس في كنيستين وفي أقل من 24 ساعة ولكن لكي أزيد من هذا الإستغراب أقول لو كانت الفرصة متاحة لي لكنت قد حضرت أيضا قداس الكنيسة السريانية بشقيها الأرثوذكسي والكاثوليكي وكذلك قداس الكنيسة الشرقية القديمة ولكن يظهر بأنني لم أكون محظوظاً بذلك القدر لكي يوفر الزمن فرصة أخرى لي حتى احضر هذه القداديس رغم وجود رعية وكاهن وكنيسة في لندن لهذه الطوائف. ولكي أزيح أو أخفف من حدة الإستغراب في هذا التساؤل أقول بأنني كمسيحي منتمي إلى كنيسة المشرق فإن إيماني لا يتجاوز الأساس من الإيمان المسيحي المفروض على كل إنسان علماني مثلي. ولكن حضوري للقداسين الآشوري والكلداني نابع بالأساس من صلتي بكلا الكنيستين وبمعرفتي بكهنتهما وشمامستهما ولجانهما الإدارية ورعيتهما وبأصدقائي الذين أجد في حضوري للقداس الرباني فرصة للقاء بهم خاصة الذين طال غيابي عنهم. هذا من الناحية الشخصية، أما من الناحية الفكرية والقومية فإن حضوري لأي من فروع كنيسة المشرق ينطلق من إيماني المبدئي المطلق بأن كل هذه التشرذمات في كنيسة المشرق تشكل وعبر مراحل تاريخية طويلة الجانب المهم والأساسي لكيونية ووجود أمتنا مهما كان تأثيرها سواء أكان بشكل سلبي أم إيجابي على الأمة وإستمرار وجودها أو في تفتيت وحدتها فهي تبقي، أي الكنيسة وتطورها، الحقيقة التاريخية للأمة ولايمكن نكرانها أو نسيانها لمن يرغب دراسة تاريخ الأمة من جوانه المختلفة.

هذا من جانب، ولكن يبقى الجانب الأهم في حضوري لأي فرع من فروع كنيسة المشرق هو المعايشة الواقعية ومعرفة واقع الحال لكل منهما من خلال الممارسة والطقوس والكهنة والرعية لكي يتسنى لنا معرفة الحقيقة التاريخية والواقعية لكل منهما والفروقات خاصة التراثية والإجتماعية وليس اللاهوتية والكنسية فحسب. لنأخذ الفرعين الكلداني والآشوري من كنيسة المشرق فنرى بأن الكنيسة الآشورية تتميز بالأصالة والعراقة والتقليد الموروث مما يجعلها في وضع قوي قادر على مقاومة المعاصرة والتحديث خاصة المؤثر على أصالتها لذا نرى بأنها تأخذ كل مسألة متعلقة بالتحديث والعصرنة بنوع من الحذر الشديد والتأني ويصل في بعض الأحيان إلى الشك والريبة خاصة عندما يحضر التاريخ الأسود للمبشرين في تمزيق كنيسة المشرق أمام الحاضر. هذا هو سبب كبير من أسباب عديدة مكن كنيسة المشرق الآشورية من الحفاظ على كيانها لقرون طويلة. أما الكنيسة الكلدانية فهي تتصف بالمعاصرة والتحديث والإنفتاح العالمي خاصة من خلال الكثلكة والإبتعاد عن الأصالة والعراقة والتقليد الموروث والإقتراب من الطقس اللاتيني المعاصر أو الكاثوليكي فأصبحت في وضع جعلها تقاوم أو ترفض أو تتردد في الرجوع إلى التراث والتقليد أو أعادة الذات التاريخية إلى وضعها المعاصر خاصة عندما يكون هناك تأثيراً خارجياً كالكاثوليكية على الكنائس القومية.

هذه  المقارنة المبسطة والمختصرة، والتي تم التفصيل عنها في كتابنا القادم والمعنون (الفصل بين الكنيسة والسياسة في المجتمع الآشوري)، تفيدنا كثيرا نحن العلمانيين المنادين بالقومية في معرفة موقف كل فرع من فرعي كنيسة المشرق من المسألة القومية. نحن كأمة لا دولتية (من الدولة) أفتقرنا منذ أقدم الأزمان ولحد هذا اليوم إلى المؤسسة الرئيسية التي تؤطر أبناء الأمة سياسياً وقانونياً وتصبح مرجعاً للإنتماء وتحديد هوية الفرد. فعوضاً عن ذلك أصبحت الكنيسة المؤسسة الرئيسية والوحيدة المتاحة في تحديد إنتماء الفرد والتي من خلالها كانت تمر هويته القومية والتراثية والثقافية خاصة في حقبة الدولة الإسلامية حيث كان الدين المرجع الأساسي والرسمي في تحديد إنتماء الفرد وهويته العامة الشاملة. هذا الظرف خلق علاقة جدلية عضوية بين الدين/الكنيسة والقومية/الشعب، علاقة غير قابلة للإنفصال لدرجة لم يكن بالإمكان تصور وجود أحدهما دون الآخر. هذه العلاقة الجدلية العضوية بين الدين أو الكنيسة والقومية أو الشعب أنتقلت كتقليد موروث إلى كنيسة المشرق الآشورية وهي العلاقة التي جعلت من رأس الكنيسة (البطريرك) زعيم الأمة وممثلها.

بعد هذه البدهية، أعود مرة أخرى إلى موضوع حضوري لقداس ليلة عيد الميلاد المجيد لكنيسة المشرق الآشورية في لندن. لا يخفى على أحد بأن التقليد الموروث في هذه الكنيسة يحمل في بعض جوانبه مظاهر لم تعد تتماشى مع هذا العصر كطول فترة القداس وإستمرارية الوقوف لفترات طويلة خاصة في كنيسة القديسة مريم في لندن حيث صغرالكنيسة وتزاحم الناس في أيام الأعياد والمناسبات تجعل الأجواء غير مناسبة للمصلين لإستيعاب كل القداس ومضامينه اللاهويته لذلك يصاب البعض بالملل والنعاس، خاصة ونحن في وقت تجاوز منتصف الليل، وكنت أنا شخصياً قد أقتربت من هذه الحالة غير أن بمجرد أن بدأ كاهن الكنيسة بقراءة الرسالة الرعوية لقداسة مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة حتى دب النشاط والحيوية في كياني وعقلي وصحيت من حالتي السابقة وأصبحت آذانا صاغية بشغف ولهف لما تضمنته الرسالة من عبر ومعاني كثيرة تعكس بكل وضوح وصدق وضع شعبنا الحالي وتؤكد ما ذهبت إليه في ما سبق ذكره في العلاقة العضوية بين الكنيسة والقومية. هذه الرسالة الرعوية ليس الغرض منها الإشارة إليها هنا لغرض عرضها كاملاً، فمن يريد الإطلاع عليها منشورة في موقع عنكاوه كوم باللغة الآشورية الحديثة والتي يستوجب ترجمتها إلى العربية لتتوسع فائدتها لمن لا يجيد لغة الأم، بل أريد أن أركزعلى بعض النقاط المهمة التي تخصنا نحن المدعين بالقومية. الأولى، أن الرسالة وزعت على جميع الكنائس الآشورية في العالم وقرأت على الرعية في ليلة ويوم عيد الميلاد المجيد فجاءت تهئنة رأس الكنيسة وتمنياته بالعيد ورأس السنة الجديدة إلى كافة أبناء الرعية في العالم مما يترك مثل هذه الأسلوب إنطباعاً إيجابياً لدى معظمهم وبأوسع فائدتها لتؤكد إهتمام قداسته بأبناء رعيته وقربه منهم ومعايشته لأفراحهم وأتراحهم. أما النقطة الثانية المهمة فهي جاءت عندما أكد قداسته على إنتمائه الآشوري ولكن وبنفس القوة من التأكيد شدد على كون أبناء الكنيسة الكلدانية والسريانية والآشورية أبناء أمة واحدة تربطهم روابط الدم واللغة والثقافة والتاريخ وعلى ضرورة إقامة المحبة والتعاون بينهم كسبيل لإستمرار تواجدهم كامة واحدة قائمة في هذا الزمان. والنقطة الأخير المهمة التي أود الإشارة إليها من هذه الرسالة الرعوية هي قدرة قداسته على الفهم والإدراك لحقيقة وواقع الكنيسة وموقفها من السياسة وبالأخص السياسة القومية والأحزاب السياسية والمنظمات القومية. ففي منتصف التسعينيات من القرن الماضي كنت قد كتبت مقالاً عن كلمة قداسته كان قد ألقاها في النادي الآشوري في لندن حيث ذكر في حينها بأن الزمن الماضي، زمن هيكاري الذي كان البطريرك يقود الأمة وجيوشها ويترأس المفاوضات السياسية ويشارك المطارنة والأساقة في الحروب قد مضى ولا يمكن الرجوع إليه  فنحن في زمن آخر يختلف كلياً عنه تحكمه قوانين الدول التي نعيش فيها وعلينا ان نطيعها. هذا الموقف مؤكد مرة أخرى في هذه الرسالة الرعوية عندما ذكر بأن الكنيسة لا تتدخل إطلاقا في المسائل السياسية فهناك أحزاب سياسية ومنظمات قومية هي المعنية بهذه المسائل أما قداسته كآشوري يهمه جداً مسألة نجاح هذه الأحزاب والمنظمات في تحقيق أهدافها لأن نجاحهم هو فائدة للأمة وإخفاقهم خسارة لها فدوره كبطريرك يقتصر على الصلاة والدعاء لهم للنجاح في مهمتهم وتحقيق الصالح العام ولم ينسى قداسته أيضاً في الإشارة إلى ضرورة التتفاهم بين هذه الأحزاب والمنظمات كسبيل لتحقيق النجاح.

أكتفي بهذا القدر من الإشارة لهذه الرسالة الرعوية لأني متأكد كامل التأكيد بأن هذا القدر الضئيل من الإشارة لهذه الرسالة التي أحتوت على عدة صفحات تكفي لأثارة غضب وهيجان بعض "أصدقائي" القومانيين الذين يستمدون قومانيتهم من التهجم على الكنيسة والتعرض الشخصي لرجالها من دون أساس علمي قائم على النقد البناء المقبول والمفيد، بذلك ستزداد تهمهم لي بالتودد لقداسة البطريرك مار دنخا الرابع ومحاباته مع العلم بأن هم يعرفون مثلما أنا أعرف بأنه ليس لي صلة قرابة عشائرية ولا عائلية مع قداسته كما لست من المؤمنين الذين يشار إليه بالبنان ولست أيضاً من المواظبين على الحضور للكنيسة أوالمشاركة في لجانها الإدارية لكي ألجاْ إلى هذا الأسلوب. ولعل أهم سؤال سيثار من قبل هؤلاء هو أن كلام قداسته ليس بجديد فقد سبق وأن ذكر بعدم تدخل الكنيسة ورجالها في السياسة ولكن على العكس من هذا فهناك مناسبات تدخلت الكنيسة وبعض المطارنة لصالح هذا الحزب أم تلك المنظمة القومية فالقول شيء والفعل شيء آخر. إن الإجابة على مثل هذا التساؤل يجب أن ينظر إليه من جانبين: الأول: إن مثل هذا القول صدر من أعلى سلطة دينية والتي يمثلها البطريرك فبهذا فهي مسؤولية عامة يتحملها قداسته ومما لاشك فيه إن مثل هذا القول في عدم التدخل في السياسة والدعوة إلى الوحدة والأخوة بين جميع طوائف شعبنا هو موجه لعامة الناس وبأوسع مساحة وبالتالي فإن التأثير في أفكار ومعنويات عامة الناس سيكون له تاثيراً فاعلاً خاصة وهو كلام صادر من سلطة روحية يؤمن الناس بها وتحديداً في المرحلة الحرجة التي تمر بها أمتنا والتي تحتاج إلى رفع معنويات أبناءها أكثر من حاجتهم إلى شيء آخر. والثاني: إذا كان الفصل بين الكنيسة والسياسة ممكنا فأن مثل هذا الفصل غير ممكن بين الكنيسة والمسائل القومية خاصة في هذا الزمن الذي لازالت الكنيسة المؤسسة الرئيسية المؤثر في المجتمع. فهناك مسائل قومية تعتبر من مسؤوليات الكنيسة سواء أكان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر. فعندما ترتقي مؤسساتنا القومية إلى مستوى المؤسسة الرئيسية وتتولى مسؤوليات قومية حينذاك سواء رضينا أم أبينا فأن الكنيسة سوف تنسحب من الساحة القومية وتترك الأمور للمؤسسات المدنية الفاعلة والقادرة على تولي مثل هذه مسؤوليات قومية. إذن فالأمر ليس بيد شخص ما لكي يفصل بين الكنيسة والمسائل القومية بل مثل هذا الفصل يحكمه ظروف موضوعية قومية يسودها وعي قومي ناضج. كما يجب أن لا ننسى في عدم الخلط بين السياسة والمسائل القومية وإن كان هناك علاقة قوية بينهما إلا إن التمييز بين الإثنين واجب لفهم الحقائق. لذلك لايمكن أن نمنع رجل ديني يلتزم بقوميته ويدافع عنها من إبداء الرأي فيها وبالشكل الذي يخدم إيمانه بهذه المسألة القومية أو بتلك.

  فلو أمعنا النظر ولو بشكل سطحي إلى ما ورد في الرسالة الرعوية لقداسة البطريرك مار دنخا الرابع لأدركنا على الفور أهميتها الكبيرة لنا نحن الذين ندعي بالقومية. فأنا كأنسان موضوعي أومن بقوميتي وبكل جوانبها المادية والروحية تفرض الحقيقة التي تخدم أمتي أن تكشف وتبين وتدرس وتحلل سواء صدرت من رجل كنيسة أم من علماني وسواء أتفقنا مع هذا الشخص أم لا. والحقيقة الموضوعية تظهر أكثر وضوحاً من خلال المقارنة مع غيرها من الوقائع والمناسبات. ولأجل أن أبين هذه الحقيقة فأنني مضطر إلى إجراء مقارنة مع الغير.

كما سبق وذكرت، ففي يوم عيد الميلاد المجيد حضرت قداس الكنيسة الكلدانية في لندن حيث الأجواء أكثر راحة وأقل إزدحاماً وأكبر مساحة وأطول جلوساً وأقصر وقتاً حيث تكون الظروف أكثر مناسبة للإستماع إلى القداس الذي لا يختلف كثير عن القداس الآشوري. غير أن كل هذه الأجواء لم تكن تهمني كثيراً بقدر ما كان إهتمامي الشديد منصباً إلى الإستماع إلى وعظة كاهن الرعية ومن ثم ربما تكون هنا رسالة رعوية سيقرأها الكاهن مبعوثة من قداسة الكردينال مار عمانؤئيل الثاني دلي بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية إلى أبناء رعيته في العالم وبالتالي إستشفاف منها بعض العبر التي تعكس واقع المجتمع، لنكن أكثر تحديداً وحصراً ونقول واقع الكلدان، باعتبار قداسته بطريركاً للكدان، وترشدنا نحو الأحسن. غير أن الإستغراب كان كبيراً عندما لم تقراً أية رسالة رعوية من قداسته يبارك، على الأقل، رعيته ويبعث تمنياته بهذين المناسبتين. ليس من المعقول أن لا تكون مثل هذه الرسالة موجودة ومبعوثة للرعية فربما قد يكون هناك خطأ ما أو تقصيراً ؟؟؟؟ هذا الشك قادني لكي أذهب لأجول في المواقع الألكترونية بحثاً عن مثل هذه الرسالة غير أن من نتيجة بحثي لم أعثر إلا على مكالمة هاتفية قصيرة أجراها موقع عنكاوه كوم مع قداسته في يوم عيد الميلاد وتصريح لوكالة (آكي) الإيطالية وسطور كلا المكالمة والتصريح لم يخرجا عن الحدود الروتينية في التمنيات والتبريكات وعلى نوع من الدعوات المثالية والمجاملات الرسمية التي لم تعد تنفع أو تسمع من قبل الذين يفجرون كنائسنا في العراق ويغتالون الكهنة وأبناء شعبنا على أساس الإنتماء الديني. إننا نعيش في أحلك الظروف وأقساها ولم يعد مثل هذه المجاملات نفعاً ولا التقوقع والإنعزال فالتحديات التي نواجها اليوم ستقضي علينا واحداً واحداً مالم نزرع قليلاً من الأمل في قلوبنا من خلال توحيد صفوف جميع طوائف أمتنا وهي المهمة التي يمكن لرؤساء الكنائس التهيئة والتمهيد لها. فمن المؤسف حقاً أن زعيماً روحياً وإجتماعياً أيضا مثل قداسة البطريرك مار عمانوئيل الثالث دلي أن يتجاهل موضوع كون جميع طوائف كنيسة المشرق أبناء أمة واحد ويبادر إلى زرع المحبة والتعاون والتوحد بين جميعهم، لا بل والأنكى من هذا تأتي دعوات الكلدان الإنعزالية والمطالبة بحقوق خاصة بهم وتضمينها في دستور العراق، كما أقر في المجمع الكلداني السينودي الذي أنعقد في العام الماضي في عنكاوة لتزيد من سعة الفرقة والتشتت بين أبناء شعبنا. ألم يكن الأجدر بقداسته وهو أعلى مقاماً دينياً مسيحياً في العراق أن يبعث دعوات نحو الوحدة والمحبة والآلفة بين الكلدان والسريان والآشوريين وينال بذلك تقديرنا الكبير لقداسته ونطبع القبلات على أياديه ونمجد دعواته وأفكاره في كل مكان. ومن باب المقارنة أيضا للرسالة الرعوية لقداسة البطريرك مار دنخا الرابع أشير إلى الرسالة الرعوية لقداسة مار دي الثاني بطريرك الكنيسة الشرقية القديمة الموجه إلى رعيته وأيضا إلى كلمة قداسة إغناطوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الإنطاكي بمناسبة هذين العيدين والمنشورة في موقع عنكاو كوم وأترك للقراء، خاصة المعنيين بالشؤون القومية والسياسية، إلى إجراء المقارنة وإستنتاج العبر منهما فيما إذا كانت فعلاً هناك عبر تفيد واقع الأمة في هذا الزمن الغادر.

وأخيراً لم يبقى إلا إن أبين تمنياتي للمجمع السينودي لكنيسة المشرق الآشورية الذي سينعقد في الهند في منتصف هذا الشهر بأن يؤكد رسمياً مرة أخرى كون جميع أبناء الكنائس الكلدانية والسريانية، بشقيها الأرثوذكسي والكاثوليك، والآشورية أخوة وأبناء أمة واحدة وأن يدعو إلى المحبة والألفة والتعاون بينهم كما أتمنى من المجلس السينودي المشترك بين كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الشرقية القديمة الذي من المؤمل أن ينعقد في العراق عشية عيد القيامة في بداية شهر نيسان أن يؤكد نفس الموضوع لا بل تمنياتي أكثر بكثير للكنيسة الكلدانية ألتي تمتلك كل المقومات الفاعلة والمؤثرة، فيما إذا كرست لصالح جميع أبناء الأمة من دون تمييز طائفي، لكي تؤكد وحدة الدم والثقافة واللغة والتاريخ التي تربط الكلدان بالآشوريين والسريان والتي تجعلهم أمة واحدة حين ذاك يسهل المطالبة بالحقوق القومية للجميع ويقبلها الغير وبالتالي يسهل تطبيقها بهذا سيكون الجميع رابحاً من دون خاسر أي طرف أو أزاحة طرف لآخر أو محاولة السمكة الصغيرة لأكل السمكة الكبيرة كما يروجه بعض الفاشلين من أبناء الأمة والمتصيدين مفي المياة الطائفية النتنة.

115
حزب المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري

                                                                                             أبرم شبيرا
توضيح:
قبل كل شئ الضرورة والإلتزام الأدبي يفرضان علينا أن نؤكد بأن هذا الموضوع ليساً طعناً أو تهجماً على المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري ولا مدحاً به وليس ضمن نفس السياق والمغزى الذي ساد منهج الكثير من الكتاب سواء في النقد التهجمي على المجلس أو الإفراط في مدحه من دون بناء ذلك على أسس علمية مقبولة للكتابة الموضوعية المنطقية والتي سادت الكثير منها في مواقعنا الألكترونية خاصة بعد خروج مجموعات كلدانية من "مظلة" المجلس وفوزه بثلاثة مقاعد من الكوتة المخصصة لشعبنا في برلمان إقليم كردستان. من هنا أؤكد القول بأن بيان بعض سلبيات المجلس وبشكلها الصريح لا يقصد بها إلا نقداً موضوعياً وبناءاً قد ينظر فيها من يتولى مسؤوليته لربما تكون مفيدة في معالجة بعض عيوبه ونواقصه. والحال نفسه لايختلف عند بيان بعض الجوانب الإيجابية للمجلس فالقصد منها ليس التملق والإطراء الأعمى بل على تثبيتها وترسيخا وأخذها كمسلمات للإنطلاق نحو مستقبل إيجابي أكثر.

من هنا أقول للقارئ العزيز والمعنيين بالشأن القومي بأن هذا الموضوع لم يكتب من منطلقات حزبية أو تحيزا لجهة ضد جهة أخرى بل أنها معالجة موضوعية لواقع موضوعي أصبح ظاهرة وحقيقة واقعية سواء رضينا به أم لا وأصبح فاعلاً على الساحة السياسية لأمتنا وبالتحديد في إقليم كردستان العراق ولا ينكر بأنه أصبح منافساً قوياً للعديد من الأحزاب السياسية الكلدانية السريانية الآشورية وحتى العتيدة منها كالحركة الديمقراطية الآشورية، لا بل ويفوز على أحزاب أخرى التي تأسست منذ زمن طويل كالحزب الوطني الآشوري وحليفه في الإنتخابات منظمة كلدو آشور التابعة للحزب الشيوعي العراقي وحزب الإتحاد الديمقراطي الكلداني وحلفاؤه. لذا هذا الواقع  يدعونا إلى أن نتناول هذا المجلس بنوع من الموضوعية بعيداً عن الحزبية وضيق الأفق وبعيدا أكثر عن المجاملة والمديح.

ولادة حزب جديد:
ضمن نفس السياق الذي أوردته أعلاه، أقول بأنني لا أدري هل أهنئ شعبنا بميلاد حزب جديد، وهو حزب المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري, سيشار إليه فيما بـ "حزب المجلس" أو أن أعزيه على هذا التكاثر الأميبي لأحزابنا السياسية وتحديدا الجديدة المولد والتي لم نرى منهم سوى "القيل والقال" والكلام الفارغ وهم غير قادرون على توفير الإيجار الشهري للسكن الذي أتخذ مقراً لهم فيما إذا كان فعلاً لهم مقراً لحزبهم. منذ فترة طويلة قلنا ونستمر في القول بأن حزباً واحداً مهما كانت قوته لا يمكن أن يعبر عن مصالح الأمة كلها. فالمنطق والضرورة والواقع والتجارب كلها تثبت إثباتاً قاطعاً بأنه بدون وجود أحزاب سياسية متعددة ومتنافسة لايمكن أن تتحق الديموقراطية والتي من خلالها يمكن الوصول إلى العتبة التي ينطلق منها مسار تحقيق مصالح الأمة. فالأمة التي لا توجد فيها أحزاب سياسية فاعلة ونشطة ستكون إرادتها السياسية القومية مرهونة بإرادة الأمم الأخرى. ولكن ليس المقصود هنا بتعدد الأحزاب كثرتها وبشكل لا يتناسب مع حجم الأمة وعدد أفرادها وسعة طموحاتهم القومية السياسية. فالمقصود بالأحزاب الفاعلة والنشطة هو أن تتواجد على أرض الواقع لا على الأوراق وأن تعمل وبشكل يومي ودائم وليس تسطير بعض السطور على المواقع الألكترونية أو الظهور في وقت الإنتخابات فقط ومن ثم بإنتهاء الإنتخابات تختفي عن الإنظار والأسماع. فالذي لا يستطيع أن يصدر صحيفة أو نشرة ولو بصفحتين أو ينشر بياناً أن لم نقل يملك قناة تلفزيونية أو موقعاً ألكترونياً فهذا لايمكن أن يسمى حزباً بالمفهوم السياسي العلمي ولا يمكن أن يكون فاعلاً. فكم من المجموعات التي تدعي بأنها أحزاباً وتملك مثل هذه المقومات لكي تشرعن حالها ونسمح لأنفسها أن نسميها أحزابا؟ لاشك فيه بأن هناك مجموعات تطلق على نفسها حزباً أو تمثل أو تمارس دور الأحزاب السياسية لكن في الحقيقة والواقع ليست كذلك وهناك أيضاً مجموعات أخرى لا تدعي بأنها أحزاب سياسية ولكن في الحقيقة والواقع نرى بأنها تمارس عملاً سياسياً حزبياً وبالتالي تكتسب صفة الحزب السياسي ومن هذه المجموعات نذكر حصراً مجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري، موضوع بحثنا. فمشاركة هذا المجلس وبقائمة منفردة وفوزه في الإنتخابات يؤكد ولادته الحزبية وأستطيع أن أضيفه إلى قائمة الأحزاب السياسية السائدة في مجتمعنا.

المجلس الشعبي ومقومات الحزب السياسي:
يحق لنا أن نطلق على هذا المجلس بالحزب والأسباب التي تجيز لنا نعته بهذه الصفة تقوم على المقومات التي يمكلها والمطابقة لأي حزب سياسي بالمعنى العلمي. فأي مجموعة بشرية لها (1) أفكار أو مبادئ، أي الأيديولوجيا، و(2) مجموعة أفراد مؤمنة بهذه الأفكار، أي العضوية، و(3) التنظيم أو النظام الداخلي أو القانون الإساسي، أي الهيكلية و(4) وهو الأهم، السعي للوصول إلى السلطة أو مراكز من السلطة لغرض تحقيق الأهداف وتطبيق الإفكار والايديولوجيا. فمن الواضح بأن الكثير من التنظيمات البشرية، كالنقابات وجمعيات حقوق الإنسان والإتحادات الثقافية والعلمية وغيرها، لها المقومات الثلاثة الأولى ولكن لا ينطبق عليها صفة الحزب السياسي لأنها لا تسعى نحو الوصول إلى السلطة لتحقيق أهدافها بل تحاول سواء عن طريق الأحزاب التي تنتمي إليها أو عن طريق التأثير على الأحزاب السياسية الفاعلة أو على الحكومة أو على أعضاء البرلمان لتحقيق أهدافها، وهي المنظمات التي تعرف بـ (الجماعات الضاغطة) أو (جماعات اللوبي) والتي يكثر منها في المجتمعات الديمقراطية التي وصلت إلى أرقى أشكال التنظيم السياسي. فمن خلال تميزها الواضح بين الأحزاب السياسية والجماعات الضاغطة ودور كل منهما في العملية السياسية وصلت هذه المجتمعات إلى هذا المستوى الراقي من النظام السياسي.

وعلى هذا الأساس نؤكد القول بأن المجلس هو حزب سياسي طالما له عضوية لمجموعة بشرية وأفكار ومبادئ وتنظيم أو نظام داخلي أي هيكلية و.. و .. وسعيه للوصول إلى السلطة، لابل فوز مرشحيه بمقاعد في السلطة التشريعية ولربما غدا سيحصل أحد مرشحيه أو أكثر على حقائب وزارية. والحال لا يختلف كثيراً بالنسبة للكيانات الأصغر من المجلس، فعلى الرغم من إنها لا تدعي بأنها أحزاب سياسية وربما ليس في نظامها الداخلي ولا في أفكارها أو مبادءها أية أفكار قومية سياسية ولا كان في نوايا مؤسسيها مثل هذه الأفكار السياسية القومية إلا إنها تصرفت كحزب سياسي عندما سعت إلى الوصول إلى السلطة عن طريق إقحام نفسها في العملية الإنتخابية بشكل مباشر ومستقل. هكذا "ضيعوا المشيتين" ولم يعد أن يعرفوا فيما إذا كانوا أندية إجتماعية أو كيانات ثقافية او أخويات كنسية أم أحزاب سياسية وبالتالي خرجوا من الإنتخابات صفر اليدين. حال المجلس التناقضية لا يختلف عن هؤلاء لا بل يعكس صورة أكثر تناقضاً. فهو الذي كان من المفترض أن يكون "مظلة" للعدد الأكبر من التنظيمات المختلفة والأحزاب السياسية لشعبنا نرى بأنه تحول فعلاً إلى حزب سياسي بكل معنى الكلمة وحقق "إنجازات" على أرض الواقع وخلال فترة عمره القصير الذي لا يزيد عن سنتين ونيف وتصرف بشكل مستقل في عملية سياسية "إنتخابات برلمان إقليم كردستان" عن الأعضاء الذين كانوا تحت "مظلته" وتركوه وفضلوا هطول الأمطار على رؤوسهم على حماية "المظلة" لهم وبالتالي وضعوا أنفسهم في موقف محرج لا يعرفون كيفية الخروج منه غير أن يكثروا من تبريرات إنخراطهم في السياسة وفشلهم في الحصول إن لم نقل على "كرسي" في البرلمان الكردستاني بل على أصوات معقولة من أبناء شعبنا تعزز مكانتهم في المجتمع، مكان يتناسب مع أصواتهم العالية ومطالبهم المعلنة. لا أريد الإطالة في هذه الكيانات لأن نتائج الإنتخابات الكردستانية كشفت الحقيقة ولم يبقى سوى أن يتعض أصحاب هذه الكيانات منها وأن يستفيدوا من دروسها وأن لا يكثروا التبريرات غير المعقولة والتي ربما هم في قرار أنفسهم غير مقبولة، ولكن أريد الاستفاضة في حزب المجلس الفتي من حيث مولده وكيفية تحقيق "الإنجازات" على أرض الواقع أكثر مما يستطيع أي حزب عتيد من تحقيقها.

حزب المجلس و"الإنجازات التاريخية":
يصف الكثير إنجازات المجلس التي حققها على أرض الواقع خاصة إعادة بناء وتعمير قرى أبناء شعبنا في إقليم كردستان العراق بـ "التاريخية"، سواء من أعضاءه أو المتعاطفين معه أو من الذين إستفادوا من "كرمه" أو كرم عراب الملجس السيد سركيس أغاجان. ونحن لضروريات البحث الموضوعي، نقتبس مجازاً هذه الصفة "التاريخية" منهم لمعرفة جوهر هذه الإنجازت التي أكتسب صفتها التاريخية من خلال كونها لأول مرة تحدث في مجتمعنا. وهنا أود التركيز على "إنجاز" له مدلولات سياسية قومية وهو مؤتمر عنكاوة التي تمخض عنه تأسيس المجلس وتفرغ الكوادر للعمل فيه وبالتالي تحقيق الإنجازات الظاهرة للعيان.

للحقيقة التاريخية نقول بأنه من حيث الشكل والنظرية يعتبر مؤتمر عنكاوه الذي أنعقد قبل سنتين ونيف في بلدة عنكاوه حدثاً تاريخياً في تاريخ الكلدان السريان الآشوريين. فلأول مرة يمكن جمع مايقارب 1200 شخص في إجتماع كبير صرف له أموال طائلة وكرست له إمكانيات كبيرة لإيواء وإدارة المدعوين لهذا المؤتمر من داخل الوطن وخارجه. في كثير من الجلسات مع الأصدقاء والذي يكون موضوع الوحدة القومية لأحزابنا السياسية أو الإتحاد بينهم، تحدث نقاشات طويلة ومعظمها غير مثمرة وكثيرا ما أختم حديثي معهم بالجزم في صعوبة ربما إستحالة مثل هذه الوحدة. ولسهول الفهم كنت أطرح لهم المثال التالي: لو دعيت جميع الأحزاب والمنظمات القومية لشعبنا لعقد مؤتمر في الوطن أو في أي بلد من بلدان المهجر لمناقشة إمكانية وحدة الخطاب السياسي والإتفاق على الحد الأدني في مصلحة الأمة أوتحقيق الوحدة أو الإتحاد، طبعاً هذه أفكار نبيلة أعتقد الكل يتفق معي بأن جميع الأحزاب والمنظمات القومية تدعوا إليها وسوف تلبي الدعوة من حيث المبداً والإندفاع المحموم ولكن عندما يطرح موضوع من يتحمل مصاريف تذاكر السفر والإقامة و"خرجيات" الجيب تبدأ الأمور تأخذ منحناً جدياً ومصيرياً في تقرير الحضور للمؤتمر من عدمه فتزيح هذه المصاريف الأفكار النبيلة القومية جانباً ولم يعد لها أهمية في حضور مثل هذا المؤتمر. فإذا كان صاحب الدعوة يتحمل كافة المصاريف أو معظمها سنرى بأن معظم الأحزاب والمنظمات القومية المدعوة، إن لم نبالغ ونقول جميعها، تهرع لحضور المؤتمر ما لم يكن هناك مانع أمني كعدم الحصول على فيزا وما شاكل ذلك أو الخوف من السفر إلى بلدان غير آمنه، عراق مثلاً أو إيران، ولكن إذا كان المدعوهو الذي سيتحمل هذه المصاريف فأحزروا كم من الأحزاب السياسية والمنظمات القومية سوف تحضر؟؟؟. هذه ليست حزورة ولكن الحقيقة هي أنه إذا كان التشاؤم يسيطر كلياً علينا نقول لا أحد وفي أحسن الأحوال نقول بأنه من بين العدد الكبير لهذه الأحزاب والمنظمات المدعوة لا يحضرها إلا عدد قليل جداً. وإذا كنا متفائلين بحضور هذا العدد القليل جداً وبحثنا في مسألة تمويل الوفد الحاضر سنرى بأن العامل الحاسم في تقرير حضور هذا العدد لهذا المؤتمر كان المال ومدى توفره أو الحصول عليه.

في الماضي وقبل مائة سنة تقريباً قال لينين: "قل لي من يمولك سأقول من أنت" هذه المقولة التي قالها تعبر عن الملامح العبقرية للينين في فهمه لعالم السياسة واللاعبين السياسين الحقيقيين فيه. فإذا كان التمويل يأتي إليك من جهة (أ) فأنت بكل بساطة تمثل جهة (أ) أو شكل من أشكاله أو أداة من أدواته. هذه حقيقة ثابتة ومعروفة في عالم السياسة أن لم تكن في حياتنا الإعتيادية. من المؤسف أن أذكر بأنه نحن أبناء هذه الأمة "الفقيرة" نخجل من التطرق للأمور المالية ودورها في المسألة القومية وتنظيماتنا القومية والسياسية. فعندما نعجز عن توفير تذكر سفر أو مصاريف إقامة أو حتى أخذ بضعة أيام إجازة من العمل والسفر لحضور مؤتمر قومي (بالمناسبة معظم مؤتمراتنا تنعقد في عطلة نهاية الأسبوع) نبرر غيابنا عن هذا المؤتمر بحجج مزعومة ونستحي أن نقول بأننا لم نستطيع توفير المصاريف اللازمة لحضور مثل هذا المؤتمر. كنا في السابق نرى في بعض من أبناء شعبنا من إيران وأقصد القوميين منهم والمهتمين بالشؤون القومية حالة شاذة ومادة دسمة للنكتة والنقد السمج عندما كان هؤلاء يدعون لحضور مؤتمر سواء أكان سياسي قومي أم ثقافي لغوي وأول سؤال كانوا يسألونه قبل تلبية الدعوة أو رفضها هو "من سيدفع تكاليف السفر والإقامة"؟؟ واليوم مثل هذه الحالة مسألة طبيعية فيما إذا كنا فعلاً نرغب في العمل السياسي المستديم والناجح.

فوفق هذه البديهية المنطقية يفرض السؤال نفسه وبقوة ليقول من مول مؤتمر عنكاوة ووفر كل الإمكانيات المالية والإدارية والتنظيمية لكي ينجح وينجب مجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري ويستمر هذا الإخير في مسيرته الإنجازية وينافس أعتى الأحزاب والمنظمات القومية في مجتمعنا لا بل ويصبح في طليعتهم فيعيد بناء القرى وينشأ محطة تلفزيون فضائية تعتبر بالمقايس التقنية من أرقى المحطات ليس على المستوي القومي لمجتمعنا بل على المستوى العراقي أيضا ونحن نعرف جيداً بأن الحاضرين لمؤتمر عنكاوة والمتولين على أمر هذا المجلس الشعبي هم ليسوا من أصحاب الملايين لا بل أغلبهم كانوا مستجدين في العمل السياسي والقومي أو من المتقاعدين من الأحزاب الأخرى إن لم نقل من المناهضين للعمل القومي أو المستهزئين منه في السنوات التي سبقت تأسيس المجلس. أتذكر بهذا الصدد بأن الحركة الديمقراطية الآشورية تحفظت ولم تحضر مؤتمر عنكاوة وأسباب تحفضها كانت قد أستندت على ضرورة معرفة الجهة الممولة للمؤتمر ومدى إستقلالية قراراته. لا لوم على زوعا أن يثير مثل هذه التساؤلات وهو صاحب تجربة سياسية غنية لكي يعرف طبيعة المؤتمر الذي كان مزمعاً عقده في عنكاوة ومع من يجلس ويتعامل في مسألة قومية حساسة تتعلق بوحدة الأمة وتنظيماتها المختلفة، والحال لا يختلف كثيراً عن الأحزاب السياسية الأخرى التي ترددت كثيرا وتأخرت لحين إنضمامها إلى المجلس.

يقول البعض بأن الأموال تمطر على المجلس من جهات خارجية ملتزمة بالحفاظ على المكونات القومية المختلفة في العراق والآخر يقول بأن هذه الأموال أرسلها مستر بول بريمر وبملايين الدولارات "كاش" في صناديق إلى الحكومة الإقليمية الكردستانية لتخصيصها للشعب الكلداني السرياني الآشوري وهي حلال عليه. وجهات أخرى تقول بأنها من "كرم" الحكومة الكردية على "المسيحيين" والتخصيصات الخاصة لهم. ولكن مهما كان مصدر هذه الملايين ورغم الإختلاف أو تنوع مصدرها إلا إن الحقيقة الناصعة هي أنها تأتي عن طريق الحكومة الكردية وتحديداً عن طريق الحزب الديمقراطي الكردستاني وعبر قنوات السيد سركيس أغاجان الوزير المالي السابق والعضو الموثوق به في البارتي. من هنا نقول طالما البارتي هو الذي يمول المجلس أو تمر أوتخصص الأموال عبره فإذن أن هذا المجلس إما هو قسم أو جزء من البارتي أو هو أداة من أدواته في التعامل مع المسألة القومية لشعبنا.

لقد سبق وذكرنا بأن الحزب السياسي يسعى للوصول إلى السلطة السياسية أو إلى مراكز منها لكي يحقق الأهداف التي يؤمن بها لأنه لايمكن أن يحقق أي هدف قومي أو وطني على أرض الواقع إذا كان حزباً سرياً بعيداً عن السلطة ويلجاً إلى ما يعرف في بلدان العالم الثالث بـ "النضال السلبي". في حين نرى بأن المجلس الشعبي قد حقق إنجازات كبيرة تعتبر جزء مهم من أهدافه قبل أن يصل إلى السلطة أو إلى أي مركز من مراكز السلطة. فعلى سبيل المثال كانت الحركة الديمقراطية الآشورية أول تنظيم سياسي لأمتنا في تاريخها يشارك في السلطتين التشريعية والتنفيذية وأقصد في إقليم كردستان العراق قبل سقوط النظام البعثي في العراق وإستطاع أن يحقق إنجازات توجها بالتعليم السرياني والمشاركة في تأسيس المدارس السريانية ونشر الوعي القومي السياسي من خلال وسائل أعلامه العلنية ولم يكن بالإمكان إطلاقا تحقيق مثل هذه الإنجازات وهو بعيد عن السلطة. واليوم غير الأمس فإن فتور علاقة زوعا مع الحكومة الكردستانية وتحديداً مع البارتي وتقلص مشاركته في السلطة حتما ينعكس على تقلص دوره في تحقيق الإنجازات لأبناء أمتنا خاصة بعد ظهور حزب المجلس كمنافس جدي لزوعا. من هنا نتسائل كيف استطاع حزب المجلس تحقيق مثل هذه الإنجازات وهو لم يكن في السلطة ويشذ عن نظرية الأحزاب المعروفة في علم السياسة والتي أشرنا إليها سابقا؟ فالجواب لا يمكن أن يكون ولا يمكن أن يصحح هذا الشذوذ إلا بالتأكيد في كونه جزء من البارتي أو أداة من أدواته الذي يتحكم في النظام السياسي في كردستان العراق. ثم ما العيب فيما إذا كان حزب من أحزاب أمتنا جزء من البارتي أو أداة من أدواته في التعامل مع أبناء الأمة الكلدانية السريانية الآشورية ويحقق منافع جمة لهم لا بل والكثير من أهدافهم وفي مقدمتها مطالبة الحكم الذاتي وشرعنته والعمل على إخراجه إلى النور؟
    
الكورد والتعامل مع المسألة القومية للكدان السريان الآشوريين:
هذا موضوع طويل وعميق ويتطلب بحد ذاته بحثاً مستقلاً ولكن نحاول هنا أن نبين الجوانب التي لها علاقة بموضوعنا هذا. قلنا في السابق ونكرر القول الآن ونستمر في القول بأن للكورد كامل الحق في أن يكون لهم دولة كردية مستقلة فهذا حق مطلق لا يمكن أن ينكره الإ المستبدين لا بحق الكورد فقط بل بحق الإنسانية جمعاء. فإذا كانت الظروف الحالية لا تسمح بإخراج مثل هذا الحق الطبيعي إلى النور والواقع العملي فأن هذا لا ينكر ولا يقلل من شأن بقاء هذا الحق حياً فاعلاً لحين أن ينضج الواقع ويولد هذا الحق المطلق الدولة كردية. وضلال هذا الحق المطلق تمتد بحكم التاريخ والجغرافية إلى الكدان السريان الآشوريين ويمنحهم نفس الحق ولكن بحكم الديموغرافيا والظروف المحلية والإقليمية، وبالأخص الدينية والثقافية منها، يصبح هذا الحق الكلداني السرياني الآشوري محدوداً بطبيعتهم الديمواغرافية والثقافية والدينية. أي بعبارة اخرى،  بالرغم من إختلاف الحق القومي المطلق بين الكورد والكلدان السريان الآشوريين إلا أن هذا الإختلاف يبقى دائماً في الكم وليس في النوع. أي بعبارة أدق أن الحقين مرتبطان مع بعضهما ويتفاعلان معاً ولا يمكن أن ينفصلان. فلا إستقرار وحياة هانئة للكورد ما لم يكن إستقرار وحياة هانئة للكدان السريان الآشوريين والعكس صحيح أيضاً. فهذا الترابط الجدلي بين الحقين يستوجب أن يكون مستوعباً ومدركاً ومبرمجاً للطرفين وبالأخص للكورد لأنهم هم القابضين على السلطة وصناع القرار السياسي الرئيسي. كما على القوى السياسية للكدان السريان الآشوريين أن يدركوا هذه الحقيقة ويعملوا وفقها وإلا فمن المستحسن يلموا "جوالاتهم" ويلجؤا إلى إحدى بلدان المهجر ومن هناك يغنون موالاتهم وعلى كيفهم.
  
السؤال المحير هو لماذا لجأ الكورد إلى تأسيس المجلس الشعبي للشعب الكلداني السرياني الآشوري وخلق تنظيم آخر شعبي في شكله وحجمه أكثر مما كان سياسي خاصة بأن المؤسسين لهذا المجلس لم يكن لهم خبرة سابقة في العمل السياسي والقومي في الوقت الذي كانت تعج الساحة بأحزاب آشورية كلدانية بعضها ناشطة على هذه الساحة ولها علاقات وتجارب مع الكورد وبالأخص مع البارتي كزوعا والحزب الوطني الآشوري وحزب بيت نهرين الديمقراطي وحزب الإتحاد الديمقراطي الكلداني خاصة أن بعض مؤسسي وقيادي هذه الأحزاب هم أما كوادر في البارتي أم مقربين إليه. قد يكون الجواب في رغبة الكورد الصادقة والحقيقية في خلق "مظلة" للجميع ولم شملهم في تنظيم جامع ليكون سهل التعامل معه ويصبح قناة واحدة لتوزيع "المكارم" وتحقيق الإنجازات لأبناء شعبنا بشكل أكثر عملية ومنطقية. وقد يكون الجواب أيضا في إيجاد تنظيم يكون من خلفة السيد سركيس أغاجان رجل البارتي الموثوق به لطرحه كرمز من الرموز الكلدانية السريانية الآشورية المرتبطة بالقيادة الكردية لبيان مدى أهمية مثل هذا الإرتباط وكشرط لخدمة الكلدان السريان الآشوريين. وهنا يجب أن لا ننسى أيضاً رغبة الكرد في خلق مثل هذا التنظيم الشعبي الذي دعي إليه مختلف الشخصيات الكلدانية السريانية الآشورية من داخل الوطن وخارجه ولأسباب دعائية تظهر من خلاله أهتمامها بمسألة الأقليات وبالأخص المسيحية منها وحمايتهم في المنطقة الكردية. وإذا كنا أكثر تأثير بـ "نظرية المؤامرة"، فلربما يكون غرض الكورد من خلق المجلس الشعبي هو نكاية بالأحزاب الآشورية الكلدانية خاصة الفاعلة منها على الساحة السياسية والتي تملك قرارها المستقل ويصعب تطويعها ضمن السياسة الكوردية تجاه الأقليات. ولعل تبني المجلس الشعبي للتسمية المركبة للكدان السريان الآشوريين ومطالبتة بالحقوق القومية التي طالبت بها سابقا الأحزاب الآشورية الكلدانية وتحفظ الكورد في السابق تجاها أو عارضوها ضمناً وقبل ولادة المجلس الشعبي، يأتي ضمن نفس السياق ووفق منهج سحب البساط من تحت أقدام هذه الأحزاب وتقليص شعبيتهم وعن طريق إغداق الأموال على المجلس الشعبي وتوفير له كل الإمكانيات لتحقيق مثل هذه الأهداف القومية، وهي الأهداف التي تحقق بعضها في هذه المرحلة التي يلعب المال دوراً أساسياً في توجيه الجماهير وكسب تأييدهم خاصة عندما يكرس مثل هذا المال في تحقيق المنافع الشخصية وفي الإعلام الموجه.

أن معادلة العلاقة الجدلية بين حق الكورد القومي وحق الكلدان السريان الآشوريين يجب أن تبقى متوازنة وليس من السهل أن تبقى هكذا وتستمر خاصة عندما يكون هناك فرقاً شاسعاً بين طرفي المعادلة من النواحي الديموغرافية والثقافية والحضارية. ولكن مهما كان هذا الإختلاف فأن توازن هذه المعادلة الحقوقية ليس بالأمر المستحيل فيما إذا تعامل طرفي المعادلة بنوع من الواقعية التي تتطلبها السياسة الناجحة وأن يقبل كل طرف الطرف الآخر بعقلية قائمة على قبول الإختلاف كمنهجاً فكرياً وسياسياً وليس على الرفض السافر أو المستتر بكلام معسول أو المغطي بأموال مكرسة لتحقيق مصالح شخصية معينة وفي المحصلة النهائية تنصب الكارثة على الطرف الضعيف من المعادلة الحقوقية. فلو أخذنا موضوع الحكم الذاتي للكلدان السريان الآشوريين في مناطق تواجدهم الذي يعتبر من أرقى أشكال الحق القومي الذي سيحقق تطبيقه توزناً ممتازاً في المعادلة الحقوقية بين الكورد والكلدان السريان الآشوريين، نرى بأن دعم الكورد لهذا الحق ودفع المجلس الشعبي في مقدمة المطالبة يكتنفه نوع من الغموض الذي يثير الكثير من الشكوك في نواياه الكورد تجاه هذا الحق الطبيعي. فهناك في إقليم كردستان وقائع جغرافية وديموغرافية في مناطق معينة قابلة لتطبيق جانب من جوانب الحكم الذاتي فيما إذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية والمؤمنة بالحكم الذاتي. ومن الممكن أن تكون هذه المناطق منطلقاً أولياً وتجربة مطلوبة لتطبيق الحكم الذاتي في المناطق الأخرى خاصة في سهل نينوى الذي تتحكم فيه إرادات سياسية متصارعة بين الكورد والعرب من أجل الهيمنة على قرى وقصبات هذا السهل وبالنتيجة يكون الكلدان السريان الآشوريين وقوداً لهذه الإرادات المتصارعة والخاسر الأول فيها. وما التهجير الإجرامي بحق المسيحيين من مدينة الموصول وإغتصاب الأراضي في بعض القرى وتخصيصها للعرب إلا مثال على ذلك. لهذا نقول بأن المطالبة بالممكن تحقيقه خير من المطالبة بغير الممكن، أي بعبارة أخرى، المطالبة بأهداف قصيرة الآجل من حيث تطبقيها تسبق دائماً وأبداً المطالبة بأهداف بعيدة الآجل.  
  
المعادلة الحقوقية بين الكورد والكلدان السريان الآشوريين:
أنه من مصلحة الكورد القومية الكاملة، مثلما هي مصلحة الكلدان السريان الآشوريين أن يتحقق توزان في المعادلة الحقوقية بين الطرفين. من هنا يجب أولاً على القوى السياسية الفاعلة للكلدان السريان الآشوريين أن يدركوا وبعمق بأنه لا "راحة بال" لهم ما لم يتم التعامل السياسي الناضج والمنطقي مع الكورد. فالتاريخ والجغرافيا وقائع تتحكم بشكل فعال في العلاقة مع الكورد لذلك لا يمكن تجاهلهما إطلاقاً. والأكثر من هذا، فعلى الكورد وأحزابهم الفاعلة مسؤوليات أكبر باعتبارهم الفاعل الرئيسي وصانعي القرار على الساحة السياسية. فالكورد يعرفون حقائق وخفايا تنظيمات الكلدان السريان الآشوريين أكثر من غيرهم ويدركون جلً إدراك جوانب القوة والضعف فيهم. لا بل بشكل أدق يعرفون شعبية كل واحد منهم ومدى قوته السياسية وعمقه الفكري وتنظيمه الحزبي أيضا. من هذا المنطلق كان يجب على الكورد وتحديداً البارتي أن يتعامل مع هذ الحقيقة لا أن يلجأ إلى خلق "حقيقة" أخرى تخل بالتوازن المنطقي والعادل في المعادلة الحقوقية بين الطرفين. أي بعبارة أخرى كان يجب أن لا يلجأ إلى تأسيس المجلس الشعبي الكداني السرياني الآشوري ويتجاهل بشكل مباشر التنظيمات الكلدانية السريانية الآشورية الفاعلة على الساحة السياسية والقومية. فكان الأجدر بالكورد دعوة مثل هذه التنظيمات أو المساهمة في دعوتهم أو مساعدتهم في تشكيل تنظيم فيدرالي أو إتحاد كونفدرالي بينهم ومن خلاله كان على الكورد أن يتعامل مع الشعب الكلداني السرياني الآشوري باعتبار هذا الإتحاد أو التنظيم الفدرالي طليعة سياسية ممثلة لهذا الشعب لا أن يخلق تنظيم أو يساند أو يمول تنظيم يعمل له أكثر مما يعمل معه. وهنا يجب أن نفرق بين بين يعمل "لـ " وبين من يعمل "مع". فالكدان السريان الآشوريين يفترض عليهم أن يعملوا مع الكورد ضمن المعادلة الحقوقية المتوازنة الآنفة الذكر لا أن يعملوا للكورد ضمن معادلة حقوقية مختلة تضر أولاً بالكلدان السريان الآشوريين وبالنتيجة والحتم تضر أيضا الكورد. من هنا نؤكد القول بضرورة تعديل ميزان المعادلة الحقوقية بين الطرفين وأن يباشر  الكورد في إزالة إختلال ميزان المعادلة الحقوقية وأن تضع الأوزان الحقيقية في كفة الطرف الكلداني السرياني الآشوري لكي يتحقق العدل والإنصاف ثم السلام والاستقرار والإزدهار في المنطقة.
 
ولكن السؤال يطرح نفسه بقوة وبوضوح جسور:  هل فعلاً إن الأحزاب والقوى السياسية الكلدانية السريانية الآشورية تدرك هذه الحقيقة؟؟ وهل هي فكرياً وسياسياً مستعدة للدخول في هذه المعادلة ومن ثم تعديلها؟؟؟ وهل الكورد مستعدون لقبولهم كطرف في ميزان المعادلة الحقوقية؟؟؟ هذه كلها أسئلة لا يمكن الإجابة عليها بشكل موضوعي طالما لا نملك معلومات كافة تصلح لتكون مدخل للأجوبة. ولكن هذه الأسئلة تطرح سؤالاً آخر وهو: ألم تدعو اللجنة التحضيرية لمؤتمر عنكاوة الأحزاب الكلدانية الآشورية كالحركة الديمقراطية الآشورية والحزب الوطني الآشوري وحزب الإتحاد الديمقراطي الكلداني وغيرهم ولم يحضروا للمؤتمر كما لم ينضموا إلى المجلس الشعبي وإن أنضم عدد منهم فإن إنضمامهم كان متردداً ومتأخراً وما ترشيح مرشحي هذه الأحزاب للبرلمان الكردستاني بشكل مستقل إلا تأكيد على كونهم خارج المجلس الشعبي أكثر من كونهم في داخله. واليوم يحاول المجلس الشعبي أن يفتح قنوات جديدة مع هذه الأحزاب لإيجاد مسلك يؤدي إلى فتح "المظلة" أكثر سعة لتتسع للجميع وتنضوي تحت ضلالها أكبر عدد ممكن من تنظيمات شعبنا ولكن هل فعلا المجلس الشعبي مؤهل لهذا العمل وهل فعلا ستتسع مظلته لكي تضلل الكبار والصغار معاً؟؟

المجلس الشعبي وعقدة المظلة:
يقال بأن الجاهل هو من يتعثر بنفس الحجر مرتين. والأمة أيضا التي لا تقراً التاريخ ولا تتعض من تجاربه ودروسه هي أمة متخلفة من حيث الوعي القومي السياسي. فكم من أحزابنا ومنظماتنا السياسية والقومية درست التاريخ القومي وأمعنت بشكل جدي في التنظيمات السابقة وعرفت أسباب فشلها أو أخفاقها أو نجاحها ومن ثم إستفادت منها؟ واقصد هنا التنظيمات الممكنة تسميتها بـ "الفدرالية"، أي التي تنتمي إليها منظمات أو أحزاب سياسية وتحافظ في نفس الوقت على كياناتها وعضويتها الداخلية وأفكارها وماليتها والخطوط العريضة لسياساتها، وهي المنظمات التي تعنينا في هذا الموضوع والقريبة الشبه بالمجلس الشعبي. لا أدري إذا كان مؤسسو المجلس الشعبي قد سمعوا عن الإتحاد الآشوري العالمي أو عرفوا أو أمعنوا في مرحلة تأسيسه ومراحل مسيرته والإخفاقات والنجاحات التي حققها؟ فالسطور التالية تكشف الجواب عن هذه الأسئلة.

هناك في تاريخنا القومي الحديث عدد من مثل هذه التنظيمات الفدرالية معظمها أصيبت بعقدة المظلة وفشلت في البقاء فترة طويلة أو في أحس الأحوال بقيت أسم بلا جسم أو جلً ما يقال عنها بأنها شبه ميتة. ولعل الإتحاد الآشوري العالمي والمعروف بـ  ((AUA خير مثال واضح وجلي نستفيد منه في المقارنة مع المجلس الشعبي في فهم عقد المظلة وما يترتب على ذلك من نجاحات وإخفاقات. لقد سبق وأن بيناه في مقال سابق مثل هذه المقارنة ولكن هنا أود أن أشير إلى نقطة مهمة مشتركة بينهما، وهي إصابتهم بعقدة المظلة..  ما الذي أقصده بعقدة المظلة والذي ربما هو مفهوم جديد للقارئ الكريم ويستوجب شرحاً وجيزاً ومختصرا كمدخل لموضوعنا هذا؟. عندما تصاب الأمة بنكبات وفواجع وتشرد وفقدان الكيان السياسي الرئيسي وتحديداً الدولة وما يترتب على ذلك من تأثيرات سلبية أو إيجابية على مستوى الوعي القومي السياسي لأبناء الأمة فإن كل هذا يخلق نوع من رد فعل ينعكس في عقلية ووعي نخبة معينة من أبناء الأمة. وبسبب كون تناقضات المجتمع سياسية وإجتماعية وإقتصادية وغيرها كثيرة، وبسبب كون إمكانيات الأمة محدودة وضعف أو فشل التنظيمات القائمة في معالجة كل حالة على حده وإنعدام أو ضعف التنسيق فيما بينهم فإن هذا ينعكس في سلوك النخبة وفي محاولة لتأطير كل هذا الواقع المأساوي للأمة في إطار واحد وبهدف التنسيق بين تنيظمات هذا الواقع وتحقيق الصالح العام.

أن إنشاء مثل هذا الإطار التنظيمي لمعظم تنظيمات وأحزاب الأمة هو أمر نبيل وصحيح ولكن بسبب قوة التناقضات والمأساة التي أصيبت الأمة بها وتشتت أساليب وافكار التعامل مع هذه التناقضات يخلق نوع من رد فعل قوي ونهم لدى النخبة فتحاول أن تلمل وتجمع كل هذه التناقضات في إطار واحد وهو الذي يعرف بـ "المظلة"  من دون إي أعتبار لطبيعة كل تناقض من تناقضات المجتمع أو نوعية الكيان المطلوب منه الإحتماء تحت هذه المظلة. أن هذا الأمر يشبه كثيرا حالة شخص جائع جداً وتعرض عليه أشهى أنواع الأطعمة ويبدأ الأكل بشراسة وبكميات كبيرة من كل هذه الإنواع من الأطعمة من دون إعتبار لصحته وقابلية معدته على هضم كل هذه الإنواع من الأطعمة فبالتالي يصاب بسوء هضم وقد يصاب بأمراض أخرى. هكذا الحال مع النخبة المؤسسة للمظلة التي تعمل لبناء مثل هذه المظلة من دون أي إعتبار للأمور السياسية وفصلها عن بقية الأمور الإجتماعية والإقتصادية وسبل التعامل معهم وبالتالي أما يصاب هذا التنظيم المظلي بالشلل أوبفشل تحقيق أهداف أو إنتهاءه من الوجود.
 
أن السبب الرئيسي للأمراض التي يصيب بها مثل هذا التنظيم الفيدرالي هو جهل أو قلة وعي هذه النخبة بالأمور السياسية والتنظيمية. (1)- العضوية في التنظيم يجب ثم يجب أن تقتصر على المنظمات القومية والأحزاب السياسية ولا مكان لعضوية الأفراد مهما كانت قابليتهم الفكرية والعلمية إلا عن طريق إنتماءهم إلى منظمة او حزب معين. فكان ولا يزال الكثير من الأفراد بحد ذاتهم أعضاء في الإتحاد الآشوري العالم لا بل وفي قيادته أيضا وهم لا يمثلون أي تنظيم أو حزب داخل تحت مظلة الإتحاد، والحال نفسه بالنسبة للمجلس الشعبي. فإلتزام الفرد وفكره وأسلوبه وحقوقه ووجباته غير تلك التي لمنظمة أو حزب معين. (2) عالم السياسة غير العوالم الآخرى الإجتماعية والثقافية والإقتصادية والدينية وغيرهم. فالسياسة عالم واسع لا حدود له خاصة بالنسبة للقوميات التي ليس لها كيان سياسي (دولة) أو منطقة حكم ذاتي كالقومية الكلدانية السريانية الآشورية فكل شيء، خاصة في بلدان العالم الثالث، هو سياسة... مثلاً العناية بلغة الأم وإحياء التراث وتطوير الفنون وحتى العناية بالعائلة وتربية أفرادها كلها أمور تعزز وترسخ من وجود الأقلية ويحصنها من الذوبان في الأمم الأخرى فهذا هو عين السياسة ولا غيرها. من هذا المنطلق نقول أن التنظيمات القومية السياسية تختلف كلياً عن التنظيمات الأخرى الإجتماعية والثقافية والرياضية... وهي من الأمور الواضحة جداً في المجتمعات الديمقراطية المتطورة من ناحية النظام الحزبي والسياسي. فلا يمكن أن نجد حزب سياسي داخل في تحالف مع نقابة أو نادي إجتماعي أوجمعية ثقافية او يتشاركون في عضوية منظمة معينة من أجل تحقيق هدف سياسي أو قومي بل نرى بأن مثل هذه النقابات والجمعيات تكون تابعة للحزب وبينهما حدود تنظيمية ومالية واضحة لا تخلط بين الإثنين رغم التبعية الواضحة بينهما.

ولما كان موضوع المظلة موضوعاً سياسياً صرفا خاصة بالنسبة للأقليات مثل الكلدان السريان الاشوريين لذلك فإن ظلال المظلة يجب ويجب أن تظلل فقط التنظيمات القومية السياسية ولا غيرها ولا يمكن أن تكون لبقية التنظيمات الإجتماعية والثقافية والرياضية مكان تحت المظلة إلا بشكل غير مباشر وعن طريق الأحزاب التي تنتمي إليها. عندما تأسس الإتحاد الآشوري العالمي دخل في عضويتة أندية إجتماعية ورياضية وثقافية وأحزاب سياسية وأفراد فخلطوا النابل بالحابل، السياسة بالرياضة والثقافة والإجتماع والدين وهكذا أصبح عالم يجمع كل هذه المناحي وما تحمله من تناقضات وإختلاف في الأهداف والمفاهيم. في حين كان يجدر بالإتحاد أن يقبل في عضوية أحزاب سياسية فقط ومن ثم يشكل لجان خاصة تعني بالشؤون الثقافية والرياضية وغيرهما وينسق من خلال هذه اللجان مع التنظيمات الإجتماعية والرياضية والثقافية الأخرى. والحال نفسه أيضاً بالنسبة للمجلس الشعبي حيث يضم في عضويته تنظيمات ثقافية واجتماعية وكيانات مجهرية لا علاقة لهم بالسياسة أو المسائل القومية الحقيقية وعددهم أكثر بكثير من عدد الأحزاب السياسية المنضمة إليه والتي أكتشفت أخيراً بأن مكانها غير مناسب تحت المظلة وإن تردد إنضمامها كان مبرراً وربما تصرفها المستقل في الإنتخابات الكردستانية كانت أيضاً مبررة. (3) – التنظيم الفدرالي المظلي يجب أن يميز بين القيادة والموظفين فيه. فالقيادة تكون بالتناوب بين التنظيمات المنتمية إليه ولفترات معينة. أما الموظفون فيكونون أشخاص حرفيين لا علاقة لهم بهذا التنظيم أو ذاك. نرى بأن في الإتحاد الآشوري العالمي تحول الموظفون إلى قادة وصانعي القرار ولا أعتقد بأنهم ينتمون إلى تنظيمات منضمة إلى الإتحاد لهذا السبب آلت عضوية الإتحاد تقريباً إلى عصبة من الأفراد ولا مكان للتنظيمات المنضوية تحت مظلته.  ويظهر بأن المجلس الشعبي سائراً على نفس الدرب، فالمسؤولون عن إدارته هم موظفون وقادة في نفس الوقت ولا أدري فيما إذا كانوا هم ينتمون إلى تنظيمات مظلة المجلس الشعبي وإذا أستمر على نفس المنوال فأن الأمر سيفضي إلى نفس النتيجة ويصبح المجلس قاصراً على نفر من الأفراد.

المستقبل السياسي للمجلس الشعبي:
أن الإتحاد الآشوري العالمي قد تحول فعلاً إلى شبه حزب سياسي وليس حزب سياسي كامل ومع الأسف هو بحكم المنتهي على الساحة القومية لمجتمعنا أو أكثر ما يقال عنه بأنه مصاب بشلل نصفي، فنشاطه مقتصر على بضعة أشخاص من إستراليا في إصدار بيان أو حضور ممثليه لمؤتمر.  والمجلس الشعبي أيضا تحول إلى حزب سياسي ... نعم حزب سياسي كامل كما سبق وأن شرحنا في أعلاه. وبغنى عن تبعية المجلس الشعبي للكورد، سواء أكان يعمل معهم أو لهم، فإنني سأخذ المجلس كحقيقة موضوعية من دون اعتيار لمسألة إنتماءه أو تمويله عند البحث عن مستقبله. وبدءاً أقول حتى لا يكون المجلس الشعبي حزباً سياسيا فاشلا أو يصاب بنفس أمراض الإتحاد الآشوري العالمي عليه أن يتخلص من التناقضات التي أغرق نفسه فيها وأن يدرس أخطاء الإتحاد ويتعض منها سواء بالاستفادة منها أو تجنبها.

المجلس أصبح حزباً سياسياً سواء أعلن بذلك أم لا، فالواقع والممارسة تؤكدان ذلك. لذا عليه أن يطوي مظلته ويكشف عن حقيقته الحزبية. وحتى يكون فعلاً حزباً سياسياً نشطاً عليه أن يحل نفسه من عضوية المنظمات والجمعيات والأحزاب المنتمية إليه ويغير هيكليته المظلية إلى نظام داخلي للحزب. أما إذا أصر المجلس على  إبقاء مظلته حفاظاً على الإنجازات التي حققها على الأرض والشعبية التي أكتسبها وإيفاءا بإلتزاماته سواء الوطنية أم الكردستانية أم القومية فعليه أن يتجنب أخطاء الإتحاد الآشوري العالمي:
1.   أن يقصر العضوية في المجلس على المنظمات والجمعيات والأحزاب دون الأفراد.
2.   أن يفرق بين القادة والموظفين في المجلس.
3.   والأهم، أن يغير أسلوب تعامله مع الأحزاب السياسية فليكن مدركاً ومعلوماً لا حزب سياسي يقبل أن ينظوي تحت مظلة المجلس بالأسلوب الحالي القائم وكأنه دعوة تبعية للمجلس لا دعوة تحالفية. من غير المنطق أن يدخل في تحالفات مع أحزاب سياسية وإلا تحول هو نفسه إلى حزب سياسي وبالتالي يفقد صفته المظلية، وهذا ما فعله الإتحاد الآشوري العالمي. فإذا كانت النوايا صادقة، ونتمنى أن تكون كذلك، فعلى المجلس أن يحل نفسه وهو بالشكل الحالي وأن يدعو الأحزاب السياسية لتشكيل لجنة تحضيرية من بين أعضاء الأحزاب السياسية لعقد مؤتمر تحالفي لأقامة تحالف أو منظمة مظلية تجمع القوى السياسية فقط تحت ظلها وأن تصبح قيادتها دورية بين الأحزاب الأعضاء. هناك فكرة خلق هيئة أو لجنة سياسية خاصة بالمجلس لغرض التعامل مع الأمور السياسية أو التباحث مع الأحزاب السياسية والتي طبقها الإتحاد الآشوري العالمي قبل أكثر من عقدين وشكل "الذراع السياسي" والذي كان كمناورة لغرض التباحث مع الأحزاب السياسية الآشورية والدخول في تحالفات معهم غير أن سرعان ما أنقطع هذا الذراع وبدأ يتصرف بشكل مستقل حتى أستقر المقام به إلى أن يؤسس منظمة سياسية مستقلة بالتمام والكمال عن الإتحاد لا بل يمارس نشاطاً بعيداً عنه أم لم يكن معارضاً له لذا على المجلس أن يتجنب هذا الخطا.
وأخيرا:
 لم يبقى إلا أن اعترف بأنني وضعت نفسي في تناقض بين تبعية المجلس الشعبي للكورد أو للبارتي والعمل له وبين ما طرحته في أعلاه والذي يتطلب إستقلالية في إتخاذ قرار مصيري للمجلس الشعبي الذي صرف له أموال طائلة وجهود كبيرة. ولكن لو أخذنا المعادلة الحقوقية بين الكورد والكلدان السريان الآشوريين والمبينة أعلاه بحسن نية تسعى لتحقيق المصلحة المشتركة بين الطرفين لأختفى مثل هذا التناقض وصحت الأمور على الأقل من حيث النظرية والمنطق. ويجب أيضاً أن ننوه بأن الأمور في الوقت الحالي غير ما كانت وقت تأسيس المجلس والسنتان التي خلت من عمره فلم يعد السيد سركيس أغاخان وزيراً للمالية كما أن رئاسة الوزارة أنتقلت إلى الإتحاد الوطني الكردستاني الذي يظهر بأنه ليس له رؤية أو إستراتيجية واضحة وكاملة عن الأقليات لأن منطقته خالية تقريباً منهم مما قد يؤدي هذا إلى جفاف الينابيع المالية التي كانت تسقي بساتين المجلس الشعبي فعلى القائمين بأمور المجلس أن يفطنوا هذه الحقيقة ويتصرفوا وفقها خدمة لصالح أبناء أمتنا. ويقيناً بأن رجال الدين من مختلف كنائسنا كانوا حذقين في إدراك حقيقة جفاف هذه الينابيع المالية وبالتالي خففوا من مديحهم المنمق وزياراتهم المجاملية للسيد أغاجان أن لم يكن بعضهم قد بدأ بخلق مبررات وحجج لنقده أو الهجوم عليه وعلى مجلسه الشعبي.    

من الضروري جداً ونحن لازلنا في الخاتمة أن نوضح ونفرق بين المجلس الشعبي ككيان تنظيمي وبين أعضاءه أو قيادته كأفراد، فالأول له إعتبار معنوي موضوعي والثاني له إعتبار شخصي ذاتي وموضوعنا هذا يتناول الإعتبار الأول ولا يمس الإعتبار الثاني إطلاقاً. فالعقلية الديمقراطية قادرة كل القدرة على الفصل والتمييز بين موضوعي عن الذاتي أو بعبارة أدق بين الحزب أو التنظيم وقيادته وأكثر وضوحاً بين الدولة وحكومتها. وهو عكس العقلية الاستبدادية التي تدمج الدولة في رئيسها ومن ينتقد الدولة في الإنظمة الاستبدادية فالويل له لأنه يتهجم ويهين رئيسها. فهو الدولة نفسها كما كان الحال مع صدام حسين وغيره في بلدان العالم الثالث. ونحن تناولنا هذا الموضوع بشكل منطقي وموضوعي وبحسن نية سواء تجاه المجلس الذي أخذناه بمعزل عن قيادته وأعضاءه والذين للبعض منه صلة صداقة قديمة وقرابة معي ولا شك في حسن نيتهم في السعي نحو العمل القومي. لذلك يستوجب أن نقرأه بعقلية ديمقراطية قادرة على فصل الموضوع عن الذات. وأخيراً أطلب العذر من القراء وموقع عنكاوه على إطالتي في هذا الموضوع وليس ذلك إلا بسبب كونه موضوعاً مهماً في هذه المرحلة خاصة وأن المجلس الشعبي يحضر حاله لعقد مؤتمره الثاني.


116
بمناسبة رحيل الأب الدكتور يوسف حبي فيلسوف كنيسة المشرق


 

كلمات بسيطة في شخصية عظيمة


                                                                                                      أبرم شبيرا

نشرت هذا المقال في السنوات السابقة بمناسبة رحيل فيلسوف كنيسة المشرق وليس إعادة نشرها إلا تذكيراً بعظمة هذا الرجل الذي دخل في قلب وعقل كل من عرفه سواء من قريب أو بعيد... وها هنا أعيد نشر هذه الكلمات في الذكرى التاسعة لإستشهاده وهو في طريقه إلى المهة التي ولد من أجلها وعاش من أجلها ومات من أجلها
************
ربما لا يتفق البعض معي في إطراء المغفور له الأب الدكتور يوسف حبي ووصفه كفيلسوف كنيسة المشرق لا بل ويتهمني بالمبالغة والانفعال العاطفي من جراء فقداننا لشخصية عظيمة وبمقام رفيع ونادر في عصر يومنا هذا. ولكن على العكس من هذا، فإنني اعتقد بأن من عرف الدكتور يوسف حبي سوف يشاطرني الرأي وربما سيتهمني، خاصة من شاركه في الساحة الثقافية والأدبية ، بالتقصير في ذكر هذه الشخصية العظيمة بكلمات بسيطة لا تتجاوز عدة أسطر.

عُرف الأب الراحل من خلال كنيستنا الكلدانية الكاثوليكية كرجل دين بكل معنى الكلمة الصادقة والطاهرة لها، فكان فياض بالإيمان والمحبة والحنان والتعاون والتسامح والصدق والتأني والهدوء، أحبه كل من عرفه من العلمانيين والإكليريكيين. أما على الساحة الثقافية والأدبية فعُرف أكثر وبرزت معالم مواهبه المبدعة في عدة مجالات. فمنذ منتصف السبعينيات وأثناء المحاولات الصعبة للاستفادة وبقدر الإمكان من الحقوق الثقافية التي منحتها الحكومة العراقية للناطقين بالسريانية من الآثوريين والكلدان والسريان في عام 1972، بدأ نجمه يسطع أكثر فأكثر. وقد عرفناه منذ اللقاء الأول، ومن خلال المؤسسات الثقافية التي تم تأسيسها في تلك الفترة  بأنه رجل علم وثقافة وأدب وفلسفة وإدراكنا بسعة معارفه وكثافة نشاطه وغزارة إنتاجه بحيث لا تكفيها صفحات طويلة لسردها لأنه كان فعلاً موسوعة إنسانية متحركة مليئة بالنشاط والهمة والديناميكية لا يستقر به حال إلا ونجده محاضراً في هذه المؤسسة و مشاركاً في ذاك المهرجان أو محرراً في هذه الصحيفة أو تلك.

شاركته في بعض الأحيان كما شاركه غيري من زملائي من أدباء وكتاب أمتنا ومن مختلف الطوائف أحاديثه وأفكاره من خلال مشاركته معنا في مناقشات واجتماعات بعض المؤسسات الثقافية والأدبية لأبناء أمتنا في العراق عندما كانت تتاح له الفرصة أثناء تواجده في بغداد وهو قادما من مدينة الموصل، حيث كان يخدم الكنيسة والرعية هناك. وكان آخر مرة ألتقي به في نهاية الثمانينات ( أعتقد كان عام  988 أو 1989) أثناء إحدى اجتماعات الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء والكتاب الناطقين بالسريانية في بغداد والذي دمج في حينه مع اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين وأطلق عليه أسم المكتب السرياني. وقد عرفناه بخصاله الحميدة وأخلاقه السامية التي كانت تخلق فيه سحراً عجيباً يجعله قادراً على نيل الإعجاب والاحترام حتى من الذين كانوا يخالفونه الرأي. فبالرغم من كل مراكزه العلمية والمؤهلات الفكرية والثقافية والأدبية وعضويته في بعض المجامع العلمية واللغوية المرموقة فأن بساطته في الحياة والفكر والعمل ونبل أخلاقه كانت تحول دون أن يتفاخر بذلك ويتعالى على الآخرين فلم يظهر نفسه أمامنا بأنه أستاذ كبير ونحن تلاميذ صغار. فلم تكن أبحاثه وكتبه ونشاطاته الكثيرة موضوعاً للتفاخر والتباهي، بل على العكس من هذا كان يشارك بكل معارفه وجوارحه وعواطفه وأخلاقه النبيلة أحاديث اجتماعاتنا الطويلة والمملة أحياناً ويشاطر أفكارنا البسيطة والضحلة وكأنه جاء ليتعلم منا نحن التلاميذ.

كم من المرات أطفئ نيران نزقنا وفوران اندفاعنا في المسائل القومية ونحن في مرحلة "المراهقة القومية" نلعن صيغة "الناطقين بالسريانية" الموصوف بها قوميتنا من غير أن ندرك بأن مضمون هذه الحقوق لو طبق بشكل نزيه من دون تدخل السلطة أو مسخها لتحقق ما كنا نصبوا إليه في خدمة الأمة من الناحية الثقافية والتراثية. غير أن بهدوئه المعروف وسحر كلامه كان يضفي جواً من الود والمحبة والتفاهم والرزانة على مثل هذه المناقشات وبالمقابل كنَا ندرك ونقدر جلَ تقدير مشاعره وأفكاره كرجل دين له التزامات كنسية ليس من المعقول والمنطق تجاوزها أكثر مما يسمح به ومن ثم إقحامه في السياسة والمسائل القومية ذات الخطوط الحمراء خاصة في تلك المرحلة التي كان النظام الفاشي يحكم العراق. مع هذا كان في نهاية المطاف يفلح في فرز الخطوط السياسية الحمراء عن الساحة الثقافية والفكرية ذات المساحات الخضراء ويشرع بالتسلسل، وبهدوء وطيبة خاطر وبأسلوبه العلمي والأخلاقي الكبيرين، إلى قلوبنا وعقولنا فننصاع إلى كلامه الطيب وأراءه السديدة، كما ينصاع التلميذ إلى الأستاذ.  فكان وبحق يمثل نموذجاً مثالياً في أسلوب التعامل مع الغير. فما أكثر المهرجانات والمحاضرات والندوات والدراسات والمجلات والمؤتمرات الثقافية التي تحركت وتلمست طريقها نحو النور والتطبيق بفعل عظمة أفكاره وروعة نشاطه. ويكفي أن نشير هنا بأنه كان الأب الروحي واللولب المحرك لمهرجان أفرام وأسحق بن حنين الكبير عام 1974 مروراً عبر سلسلة طويلة من النشاطات الفكرية والثقافية حتى أيامه الأخيرة من حياته حيث كان العنصر البارز والنشيط في التحضير لاحتفالات الألفية الثالثة التي نظمها فرعا كنيسة المشرق الكلدانية والآشورية في شهر تشرين الأول من عام 2000 في العراق، لكن السفر نحو الموت غيبه عن حضورها.

هكذا كان المرحوم معلماً ومربياً لأجيال دينية أكانت أم علمانية. فمثلما تخرج على يده العشرات من الكهنة من كلية بابل اللاهوتية التي كان مؤسسها الفعلي وعميدها، كذلك تخرج وتربى على أفكاره وإبداعاته الأدبية والثقافية العشرات من العلمانيين. من هنا نقول بأن كنيستنا الكلدانية لم تخسر علماً من أعلامها الكبار فحسب وإنما الأمة كلها وبجميع طوائفها خسرت رجلاً عظيماً ومنظراً كبيرا لا بل وفيلسوفاً لكنيسة المشرق نفسها.

كانت فلسفة الأب الراحل، والتي جعلت منه باعتقادي أن يكون فيلسوفاً لكنيسة المشرق، تقوم على أساس فهم تاريخ كنيسة المشرق وتعميمه بين أبناء الرعية كعامل حيوي وجوهري في خلق أرضية مشتركة وعقلية منفتحة من أجل بناء أجواء تساعد على التفاهم والتباحث بين فروع كنيسة المشرق ومن ثم السعي نحو التقارب وربما التوحد مرة أخرى في كنيسة واحدة. وقد لعب الأب الراحل مع بعض من جيله من كهنة كنيستنا الكلدانية المتضلعون بالفكر النير والبحث العلمي الحديث، دوراً  مهماً في تنوير الكثير من أبناء رعية الكنسية بالحقيقة التاريخية المشتركة لجميع طوائف كنيسة المشرق. إذا كان الماضي، أي التاريخ، واحداً وبكل ما يحتويه من لغة وعادات وتقاليد وأعراف وإيمان وطقس واحد، إذن لماذا لا يكون الحاضر أيضا واحداً؟؟. هكذا كان إيمان الأب الراحل، ففي آخر لقائي معه أتذكر بأن كل اهتمامه كان منصباً على دراسة تاريخ كنيسة المشرق، وأتذكر ذات مرة ذكر بأنه من الممكن أن تتوحد، على الأقل في المرحلة الراهنة على الشكل، أي على التسمية المشتركة. ولما كانت تسمية كنيسة المشرق مقبولة ويتفاخر جميع الطوائف بالانتساب إليها، إذن لماذا لا تكون تسمية مشتركة لجميع فروع كنائس المشرق. وأتذكر ذات مرة قال بهذا الصدد لماذا لا تتسمى كل كنيسة طائفية بكنيسة المشرق ؟ كأن نقول كنيسة المشرق للأثوريين وكنيسة المشرق للكلدان الكاثوليك وكنيسة المشرق للسريان الأرثوذكس وكنيسة المشرق للسريان الكاثوليك وهكذا. وفي بعض الأحيان كنا نجادله على مسائل قومية بشأن أراءه هذه وعن مكانة شعبنا كقومية ضمن هذه التسميات التي تخلط القومية بالطائفة فكان بهدوئه وسعة قلبه يجادلنا مجادلة الواعظ الصالح ويوعدنا ويقول بأن الزمن ووعي الإنسان كفيل بفرز الأمور على حقيقتها وإزالة حساسية التسميات فيما إذا بدأنا بخطوات سليمة وبسيطة في الوحدة وبعيدة عن التعقيدات والأمور المستعصية حلها بمنظور سياسي في العصر الراهن، فهذا الأسلوب قد يخلق أجواء تساعد على أن يتوحد أبناء الأمة عن طريق توحد كنيستها. فالماضي المشترك يجب أن يخلق بفعل العمل والإخلاص والإيمان حاضر مشترك، فإذا توحدت طوائف كنيسة المشرق فسوف تتوحد ،عاجلاً أم آجلاً، الأمة نفسها لأن الغالبية العظمى من أبنائها هم من  طوائف كنيسة المشرق. وكانت أفكاره بخصوص تسمية "كنيسة المشرق" التي كان يعشقها قد تضمنت في الدراسة التي أعدتها اللجنة الخاصة بدراسة تسمية الكنيسة وقدمتها إلى المجمع السنهادوسي للكنيسة الكلدانية  الذي أنعقد في بغداد عام 1995 تدعو إلى تغيير أسم الكنيسة إلى "كنيسة المشرق الكاثوليكية" غير أن المجمع أجل موضوع اتخاذ القرار إلى إشعار.

كانت قناة الجزيرة الفضائية قد عرضت لقاءاً معه قبل رحيله بأيام وعندما شاهدت المقابلة أعيدت إلى ذاكرتي بعض من أفكاره عن وحدة الأساس القومي لمعظم أبناء طوائف كنيسة المشرق ولم يكن أمراً عجيباً أن أرى عظمة فيلسوفنا وبحر أفكاره السديدة وهو يشرح ويرد على أسئلة مقدم البرنامج التي كانت في بعض الأحيان محرجة ليس بسبب صعوبتها بل بسبب الظرف الذي كان يتحكم في العراق والدول العربية تجاه المسيحيين بشكل عام وعن ظهور كاهن مسيحي على شاشة تلفزيون عربية إسلامية يتكلم بصراحة بعيد عن الكلام المنمق ومن دون مجاملة أو نفاق . وعندما نشتكشف الظروف التي أحيطت بهذه المقابلة يمكن أن نحتكم إلى مدى روعة شرحه وأجوبته لموضوع المقابلة الذي كان عن المسيحيين في العراق والكنيسة الكلدانية الكاثوليكية. لهذا يجب أن نضع في الإعتبار مايلي:
(1)- المقابلة أجريت من قبل محطة فضائية عربية واسعة الانتشار لها موقع مؤثر وصوت مسموع من قبل معظم العرب في العالم تقريباً، والكل يعرف الأفكار والتيارات القومية والإسلامية المتطرفة التي تتحكم في العالم العربي وموقفها من أفكار وتطلعات الأقليات خاصة المسيحية منها. (2)- المقابلة  أجريت في العراق ومع شخص وكاهن عراقي ويعيش ويعمل ويخدم رعية الكنيسة في العراق وليس في خارجه، يستوجب عليه الالتزام بالقوانين والسياسات  العامة للنظام السياسي في العراق وبتوجهات كنيسته ورئاستها. (3)- المقابلة أجريت مع رجل دين يخدم الكنيسة بصفة نائباً بطريركياً للشؤون الثقافية وعميداً لمؤسسة علمية وعضواً في مجامع علمية محلية وعالمية تفرض عليه جميعاً التزامات تضعه في موقف يجعل منه أن يحترس ويدقق ويحذر من كل كلمة يقولها وإلا أنعكس كل تجاوز للخطوط المسموح بها على شخصيته ومنصبه وعلى الكنيسة والمؤسسات التي كان يمثلها.

ولو وضعنا هذه الاعتبارات أمام أعيننا وحللنا حديثه التلفزيوني عن الكلدان بنظرة موضوعية بعيداً عن المهاترات السياسية والقومية، خاصة المنطلقة من مجتمعنا في المهجر والبعيدة عن الواقع السياسي في العراق، لتأكد لنا بأن الأب الراحل استطاع، وكعادته في قوة البلاغة والمنطق، رد على أسئلة مقدم البرنامج بكل شجاعة وأدب وثقة من دون تملق أو تزلف أو مدح بهذه الجهة أو بتلك، خاصة فيما يتعلق بموضوع تعريب الكلدان في العراق التي كان يمارسها النظام البعثي المقبور حيث استطاع أن يوفق توفيقاً كاملاً بين أفكاره ومعتقداته من جهة، وبين الاعتبارات السالفة الذكر. وتجلت أفكاره الوحدوية العظيمة في معرض ردوده على كل سؤال كان يتعلق بالكلدان، باعتبار أن البرنامج كان مخصص لمناقشة هذا الموضوع، فكان جوابه، وعلى الدوام، يقوم على ذكر الكلدان والآشوريين والسريان معاً كشعب واحد، أو الإشارة إليهم كشعب بلاد ما بين النهرين أو وطن بيت نهرين وهكذا . ومن شاهد البرنامج في حينه لا أشك بأنه سوف لا يتفق معي في هذه النقطة. لقد استغربت أكثر عندما تجنب وبالكامل ذكر أسم النظام العراقي أو رئيسه أو مدح الحزب الحاكم أو التملق إلى السلطة أو الحكومة كما يحدث عادة عندما تجري مثل هذه المقابلات في العراق وخاصة في موضوع حساس كهذا والذي لا يمر إلا ويستغل لأغراض دعائية ولتبرير ممارسة السلطة السياسية في العراق. وحتى بالنسبة للحصار الاقتصادي الذي كان لمفروضا على العراق فأن حديثه لم يتجاوز بضعة كلمات عن تأثيره على جميع أبناء الشعب العراقي ولم يبالغ، كما هو معهود عند البعض من رجال الدين والعلمانيين في أحاديثهم التلفزيونية أو الصحفية، إلى درجة تصل مستوى تبرير ممارسات السلطة السياسة الإستبدادية ودورها في استمرار هذا الحصار.

لهذا السبب عندما لقي الأب الراحل مصرعه في حادث سيارة وجه البعض أصابع الاتهام إلى السلطة السياسية في العراق التي اشتهرت بهذا الأسلوب في القضاء على معارضيها السياسيين أو رجال العلم والفكر الذين لا يتفقون مع سياسة النظام تجاه مسألة معينة ويكون لهم دورا في الاتجاه المعاكس. ولكن التساؤل المحير هو هل فعلاً قتلت السلطة العراقية الأب الدكتور يوسف حبي، ولماذا تريد التخلص منه؟؟ وهل كانت أفكاره من القوة والتأثير في إعاقة سياسة حزب البعث في هضم أمتنا وجميع طوائفها في بطن الأمة العربية بعد أن تكون قد رسخت وعظمت من التمزق الطائفي وحولت الأمة إلى مجرد شراذم طائفية تجمعها تسمية "عرب مسيحيون" ؟؟. ألم تكن هناك أساليب أخرى كالتهديد والترهيب أو الترغيب بـ"المكارم الحاتمية"  متوفرة لإخضاعه وتسخير معارفه لخدمة السلطة كما كان حدث ويحدث مع بعض من رجال الدين والفكر والثقافة في العراق وخارجه؟؟؟ أسئلة وأسئلة لا وجود لجواب قاطع ومؤكد لها. فالكنيسة الكلدانية في حينها لم تكن ترغب في الخوض في مثل هذه المتاهات السياسية ولكن بعض كهنتها أو بعض الذين كتبوا عنه أكدوا تأكيداً قاطعاً بأن ما حدث للمغفور له كان قضاءاً وقدرا والحادثة حدثت بسبب هطول أمطار غزيرة على طريق بغداد – عمان الذي يصبح زلقاً من جراء تسرب النفط من الشاحنات العابرة على الطريق كما كان الحال في يوم الحادثة. ولكن بالمقابل، من يعرف ظروف يوم سفر الأب الراحل إلى عمان والغموض المحيط بالحادث مسألة تثير شكوك ضلوع السلطة العراقية في القضاء عليه والتخلص من أفكاره الوحدوية. يقول صديق لي ووثيق الصلة بالمغفور له حضر إلى بغداد للمشاركة في احتفال الألفية الثالثة لكنيسة المشرق بفرعيها الكلداني والآشوري بأنه كان معه في نفس يوم سفره، يوم 14- 15/تشرين الأول/2000، ووصف حاله بأنه كان مقبوض القلب ومتحسر الروح وكان منزعجاً جداً بسبب تغييب سفره عن حضور احتفالات الألفية الثالثة لكنيسة المشرق بفرعها الكلداني والآشوري وأكد لصاحبي بأنه لأول مرة في حياته ينتابه مثل هذا الشعور وهو في طريقه إلى الخارج للقيام بواجبه الفكري المعهود به في بيروت وروما، وهي الرحلات العلمية التي كان يستمع بها وينتظرها. وكان من المقرر أن يأتي سائق السيارة "التاكسي" الساعة الرابعة عصراً من ذاك اليوم، وهو سائق "مسيحي"  اعتاد الأب الراحل الركوب معه إلى عمان في كل سفراته. وذاك المساء لم يحضر السائق حسب الموعد المقرر ولكن بعد عدة ساعات حضر أخوه وذكر بأن أخيه "السائق الأصلي" مريض ولا يستطيع السفر فاقل الأب الراحل السيارة وسافر مع "السائق الجديد" إلى عمان وحدثت الحادثة في داخل الأراضي الأردنية وفي منطقة قريبة من مدينة الزرقاء حيث الطريق فعلاً ضيق وذو مسار واحد وقيل أنه بسبب فقدان السائق السيطرة انقلبت السيارة نتيجة تزحلقها وأن الأب الراحل وجد ميتاً خارج السيارة وعلى مسافة عدة أمتار منها أما السائق فقد نجى وبأعجوبة ولكن أصيب بإصابات خطيرة كما قيل !!!. سمعت هذه القصة من صديقي هذا الذي نفسه أكد تأكيداً قاطعاً بأن وفاة الأب الراحل في الحادثة كان قضاءاً وقدراً. ولكن مع كل هذا وذاك سواء اتفقنا أو اختلفنا على الجهة المسببة لمصرع الأب الراحل، فأن الحادثة قضت على رجل علم ودين كبير وخسرنا نحن جميعاً شخصية عظيمة خلدته الكتب والمؤلفات والذكريات التي تركها بين أبناء أمته ورعية كنيسته، كنيسة المشرق، التي عاش من أجلها ومات من أجلها.
 

بعد تسع سنوات نستمر ونكرر أسفنا العميق على رحيل أستاذنا وكاهننا الأب الدكتور يوسف حبي … لكن مع هذا نقول،  إذا قضت  الحادثة على رجل علم ودين كبير وخسرنا نحن جميعاً شخصية عظيمة فإن الكتب والمؤلفات والذكريات التي تركها خلدته بين أبناء أمته ورعية كنيسته، كنيسة المشرق، التي عاش من أجلها ومات من أجلها.


نبذة عن سيرة الأب الراحل الدكتور يوسف حبي
هذه نبذة مختصرة من سيرة الأب الراحل مقتبسة من مجلة "نجم المشرق" عدد 24 السنة السادسة/4 لسنة  2000 التي تصدرها بطريركية بابل الكلدانية في بغداد ومن جريدة "بهرا" 143 أواخر تشرين الأول 2000 التي تصدرها الحركة الديمقراطية الآشورية. أورد هذه النبذة كمدخل مبسط لتعريف الأب الراحل للذين لم يعرفوه حق المعرفة.

ولد الأب الراحل في 23/12/1938، في مدينة الموصول شمال بلاد ما بين النهرين، وأسمه الكامل فاروق داود يوسف وتسمى كهنوتياً، كعادة كهنة كنيسة المشرق، بأسم يوسف حبي. في عام 1950 دخل المعهد الكهنوتي ونظراً لتفوقه على أقرانه رشح لإكمال الدراسة في الكلية الاورانية  في روما وفي عام 1961 رسم كاهن وفي العام التالي حصل على الليسانس في الفلسفة واللاهوت ثم درس القانون الكنسي وحصل على الدكتوراه في الفلسفة عام 1966 من جامعة اللاتران بروما كما حصل أيضا وفي نفس العام على دبلوم عالي في العلوم الاجتماعية من معهد جيسك  ودبلوم عالي في الإعلام من جامعة برودو في روما. عاد إلى مسقط رأسه فخدم في مطرانية الموصل وفي كنيسة مسكنته والطاهرة ثم عين لخدمة كنيسة مار أفرام وكان أيضاً سكرتيراً للمطرانية ومحاضراً في جامعة الموصل للفترة من 1970 لغاية 1981 وأستاذا في المعهد الشرقي بروما منذ عام 1983 وحتى وفاته. وبعد تسنم مثلث الرحمات مار روفائيل بيداويد الكرسي البطريركي سنة 1989 طلبه لخدمة الأبرشية البطريركية فقدم إلى بغداد عام 1990. وبعد مخاض طويل وجهود مضنية من قبل قداسة البطريرك تكللت محاولاته بتأسيس كلية بابل للفلسفة واللاهوت عام 1990 وأسند عمادتها إلى الأب الراحل وبقى في منصبه حتى وفاته. وخلال تلك الفترة بذل فيها جهوداً كبيراً من أجل تقدمها والوصول بها إلى المستوى المطلوب والتي أصبحت بفضله صرحاً علمياً ليس للكنيسة الكلدانية وحدها وإنما لبقية طوائف كنيسة المشرق من المشرقيين والسريان، اكليريون وعلمانيون، حيث كانت أبوابها مفتوحة للجميع دون أي اعتبار طائفي. إضافة إلى ذلك كان نائباً بطريركياً للشؤون الثقافية وسكرتيراً للجنة التعليم المسيحي العليا المقامة بين الطوائف الكاثوليكية. كان عضواً في مجمع اللغة السريانية وعضواً عاملاً في المجمع العلمي العراقي ورئيساً لهيئة اللغة السريانية وعضو جمعية القانون الشرقي وعضو مؤازر في مجمعي الأردن ودمشق العلميين وعضو الجمعية الدولية لتاريخ الطب في باريس وعضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق وعضو الجمعية الفلسفية العراقية وعضو اتحاد المؤرخين وعضو نقابة الصحفيين العراقيين وعضو فخري في جمعية آشور بانيبال وهو أحد مؤسسي مجلة "بين النهرين" التراثية ورئيس تحريها وعضو هيئة تحرير مجلة "نجم المشرق" وكان مشاركاً  معروفاً في معظم المهرجانات والمؤتمرات داخل العراق وخارجها والمتعلقة بمواضيع اختصاصه فكان يتقن اللغات العربية والسريانية والفرنسية والإيطالية والإنكليزية والألمانية واللاتينية. أما مؤلفاته وأبحاثه ومقالاته فهي عديدة ومتنوعة نذكر منها الكتب التالية : الدير الأعلى وكنيسة الطاهرة/ حنين بن أسحق/دير الربان هرمزد/ دير مار كوركيس/ كتاب المولدين لحنين بن أسحق/ الإنسان في أدب وادي الرافدين/ طريق الفرح ترجمة عن الفرنسية/تاريخ إيليا برشينايا/ كنائس الموصل/ فهرس المؤلفين لعبديشوع صوباوي تحقيق عن السريانية/تواريخ سريانية/ رحلة أوليفييه إلى العراق/نيران – شعر/ دراسات إنجيلية/ كنيسة المشرق الجزء الأول/ نشوة القمم – خواطر/ خلجات – خواطر/ جوامع حنين بن أسحق في الآثار العلوية لأرسطو/ المجمع. كما ترك مخطوطة كاملة للجزء الثاني من كتابه كنيسة المشرق والذي كان قد أعده للطبع ومن المؤمل أن تقوم البطريركية الكلدانية بطبعه ونشره. هذا إضافة إلى العشرات من المقالات العلمية الرصينة المنشورة في مجلات عراقية وعربية وعالمية. وكانت آخر إطلالة له مساء يوم الاثنين المصادف 6/11/2000 على شاشة قناة الجزيرة الفضائية القطرية التي أجريت معه المقابلة التي سجلت قبل وفاته ببضعة أيام عن الكلدان ماضيهم وحاضرهم.



117
صورة وحدث من التاريخ الآشوري:

البقاء الآشوري سر من أسرار الطبيعة
أبرم شبيرا


تطرقنا في الموضوع السابق عن كيفية إتخاذ السابع من آب يوماً للشهيد الآشوري وعن المذبحة التي إرتكبها بعض الزمر من الجيش العراقي في عام 1933 بحق الآشوريين في قصبة سميل كرمز قومي للمأساة والتضحيات التي قدمها الآشوريون في سبيل بقاءهم وإستمرار وجودهم القومي
وفي هذا الموضوع نأخذ نموذجاً بسيطاً يتكون من صورة معبر وبعمق عن سلسلة المأساة التي لحقت بهم من دون أن تنتهي ومن دون أن تنهي وجودهم، هذا الوجود التي يعتبر وبحق سراً من أسرار الطبيعة التي يصعب فك غموضه. ونحن نتذكر يوم الشهيد في السابع من آب في ظل وحدة شعبنا (الكلداني السرياني الآشوري) فتشت في أوراقي "الآشورية" القديمة فوجدت الكثير منها التي عالجت هذا الموضوع، وإليكم واحد منها.
=====================
للطبيعة  أسرار غامضة تتعدد الاجتهادات والدراسات حولها ساعية إلى الكشف عنها أو حل جانب من جوانب غموضها. لايزال حتى اليوم، رغم التقدم العلمي والتقنـي الهائل في وسائل البحث المختلفة، هناك ظواهر يصعب على العلماء والباحثين حل أسرارها وفك رموزها  لذلك يضطر البعض منهم الى اللجوء  إلى مناهج ميتافيزيقية (ما وراء الطبيعة) لتفسير بعض من هذه الظواهر وإرجاع مسبباتها الى عوامل خارقة وخارجة عن ارادة الانسان أو إلى تفسيرات ميثولوجية أو ثيولوجية ترى في الخالق الأوحد وفي الدين والتفسيرات اللاهوتية المرجع الأخير في تعليل هذه الظواهر وهذا كان سبب من أسباب نشوء العديد من النظريات الفلسفية في هذا المجال مثل النظرية القدرية  (Fatalism) والقائلة بأن القدر يحكم الانسان وان كل شيء في العالم وفي الحياة الانسانية محدد تحديداً مسبقاً بقدر. أو مثل النظرية اللاأدرية   (Agnosticism) والتي تنكر كلياً امكانية معرفة العالم والظواهر المختلفة فيه من خلال ارادة ومعرفة الانسان لأنها خارج أطار ارادته. وهكذا مع بقية النطريات المثالية والميتافيزقية الاخرى. والاسرار الغامضة في جوانب معينة من تطور الحياة لا تقتصر على الجانب الطبيعي فحسب بل تشمل جوانب اجتماعية أيضاً إذ هناك العديد من الظواهر الاجتماعية بين مختلف شعوب العالم لا يزال العلم عاجزاً عن فهم اسرارها أو تتعدد الاراء حولها وتتنوع بحث تعجز في الوصول الى بديهيات عامة ومقبولة في تفسير هذه الظواهر.

هذه  الحالة  تنطبق في جوانب معينة عند دراسة تاريخ الآشوريين الذي يشوبه الكثير من الغموض والقصور والعجز في تفسير بعض الظواهر في هذا الشعب العريق، ومنها سر بقاء وتواصل الشعب الاشوري لقرون طويلة وعدم إفناءه وانقراضه رغم قسوة الظروف وعمق المأساة والمذابح والتشرد والأمراض الفتاكه والفواجع المهلكة وغيرها من المصائب والويلات التي واجها عبر مسيرته التاريخية الاسطورية. والآشوريون عبر تاريخهم  المدون وحده  الذي يمتد الى أكثر من خمسة ألآف سنة عانوا من هذه المصائب والويلات أكثر مما عان أي شعب أخر معروف في منطقة الشرق الأوسط فسلبت منه كل مقومات القوة والجاه والمال وفقد التيجان والسلطان وتشرد في أقاصي وزوايا الدنيا الا انه مع كل هذا لم تستطيع أن تقضي عليه وتفني اسمه ويتلاشى وجوده. والتوراة، التي تعتبر أقدم مرجع تاريخي وأكثر سعة وانتشاراً في العالم كرس اليهود منه عشرات الصفحات في خراب نينوى وهلاك آشور، وبالاخص ما كتبه ناحوم الذي عاش في بلاد آشور وتحديدا في ألقوش، كرس كل ما كتبه عن دمار نينوى عرين الأسود، الا انه مع هذا يختم ما كتبه بأسم الرب قائلاً "لقد نعست رعاتك يا آشور واضطجعت عظماؤك وتشتت شعبك على الجبال ولا من جامع يجمعهم" (ناحوم : 3 : 18). وتفسير هذا واضح ومبين: فالرعاة، والذي يقصد بهم الملوك والزعماء والقادة، لم يفنوا ولم يضمحلوا وانما أصبحوا خاملين هادئين غير فعالين في الحياة العامة في حين قصد نفس الشيء بالنسبة لعظماء آشور والمعني بهم الحكماء والفلاسفة وكبار رجال الدين والعلم.  أما بالنسبة للشعب فواضح كل الوضوح بأنه لم يفنى ولم يتلاشى بل كل ما يقوله عنهم انهم تشتتوا في الجبال ولا يوجد تنظيم أو دولة أو كيان معين يجمعهم في وحدة واحدة. وبعد أكثر من ألفي وخمسمائة سنة يعود المبشر الأنكليزي وكرام، وأيضا تحت ستار الدين ويعيش بين الآشوريين ويدس سموم قاتلة للروح الآشورية بين سطور كتبه العديدة التي كتبها عنهم. ففي مخيم بعقوبة عام 1919 عندما شاهد الآشوريين في أوضاعهم المأساوية والمزرية كتب يقول "ان حياة هذه الكنيسة القديمة والفريدة قد قضي عليها وأنقرضت بسبب المحن الصعبة والفضيعة التي مرت عليها" (التسوية الآشورية – 1922  – ص 31). ولكن سموم هذا المبشر في قتل النفس الآشورية لم تفد كثيراً ولم تستطيع القضاء على شعب هذه الكنيسة وحتى محاولته بعد الحرب العالمية الثانية مع مجموعة من كبار رجال الانكليز "المتعاطفون" مع القضية الآشورية في تشتيت الاشوريين واسكانهم في البرازيل لم تفلح أما صمود الشعب الآشوري فاصطدمت بقوة إرادة هذا الشعب في الصمود وأصراره على البقاء على أرض أبنائه وأجداده .
 


هذه نماذج مختارة وبسيطة في التعامل في سر البقاء الآشوري ، وصورة اليوم هي نموذج أيضاً من هذه النماذج التي لا يكفيها المجلدات والموسوعات في شرح المأساة البادية على وجوه رجال هذه الأمة ولكن مهما فصلت هذه المجلدات والموسوعات وزادت من تفسيرات وشروحات مأساة الآشوريين فأن جميعاً تؤكد حقيقة واحدة غير قابلة للشك وهي البقاء الآشوري وصموده طيلة هذا الدهر الطويل والعامر بالفواجع والمصائب. والصورة، موضوع الحدث، أخذت على أكثر احتمال، في بداية عام 1920 من قبل ( الميجر دبليو. بي. رودد ) الضابط الذي كان يعمل  في القوات البريطانية التي دخلت بغداد أثناء الحرب العالمية الأولى عام 1917 وله مجموعة ممتازة من الصور الفوتوغرافية عن الشعب العراقي وتنوع طبقاته وقومياته، ومنها مجموعة عن الآشوريين أنثاء معايشتهم مأساة مخيم بعقوبة نشر البعض منها وكرام في كتابه المعروف " الآشوريون وجيرانهم". 

ولا أدري أفهل تحتاج القسمات البادية على وجوه هؤلاء أي شرح أو تفسير. لعمري لا أعتقد ذلك. فمن يحمل ذرة من الروح الآشورية يكفيه نظرة واحدة الى الصورة ويستكشف على الفور المأساة والمعاناة والتشرد التي واجهها هؤلاء في مسيرتهم الاسطورية  من هيكاري الى بعقوبة التي قضت على نصف عددهم، لا بل ويدرك، وعلى الفور أيضاً الاصرار البادي في نفوسهم على استمرار حياتهم ووجودهم. فإذا كان بوادر المأساة والمعاناة والتعب والارهاق بادية بشكل واضح على ملابس الرجل العجوز المرقعة وعلى تقاسيم وجهه وعلى تهالكه واتكاءه على عمود الخيمة في جلسة تعبر تعبيرا ساطعاً عن المسيرة الاسطورية التي اجتازها مشياً على الاقدام من منطقة هيكاري ومن ثم إلى أورمي في شمال إيران ومنها إلى مخيم بعقوبة في وسط العراق، فإن دلائل المستقل وآفاق الحياة وأستمرارها واضحة كل الوضوح في نظرات الطفل وفي وجهه المنبهر، لا بل ويبدو من قلنسوته (قبعته) بأنه يحمل آمال نصف الكرة الأرضية على رأسه ويظهر من جلسته وكأنه يترقب شيئاً ما  ويتأهيب للوثوب والانطلاق، ذلك الانطلاق الذي أستمر وتواصل حتى يومنا هذا .

أنها صورة من صور المأساة … صورة من صور الصمود والاصرار على التواصل القومي … صورة  لشعب مؤمن قدم قوافل من الشهداء من أجل استمرار وجوده … صورة لشعب عنيد يرفض الموت والفناء …. انها صورة الشعب الآشوري الخالد … صورة تعبر عن سر من اسرار الطبيعة … السر الذي يلف تاريخ هذا الشعب السخي والكريم  الذي أعطى للإنسانية كثير الكثير ولم يأخذ حتى قليل القليل .
مرة أخرى أعود وأكرر ما قلته سابقاً بأنني بقيت وفياً لأوراقي "الآشورية" وهذا الوفاء لا يستقوى ولا يتواصل مسيرته مع مسيرة هذا الشعب إلا بوحدة جميع مكوناته وتسمياته المختلفة. فوحدة شعبنا الكلداني السرياني الآشوري كفيل بأن يخفف من معاناة شعبنا الطويلة ويتحقق من خلاله الأهداف التي ناضل أجدادنا من أجلها.


118
لماذا السابع من آب يوما للشهيد الآشوري ؟
                                                                                                      أبرم شبيرا

يتساءل البعض لماذا تم اختيار مذبحة سميل لعام 1933 وتحديدا السابع من شهر آب ليكون يوماً للشهيد الآشوري في الوقت الذي هناك مئات الآلاف من الشهداء الآشوريين ومنذ قرون طويلة وهناك ضحايا الحرب والتشرد والفواجع أثرت وبعمق على الآشوريين سواء من حيث الكم أو الكيف وأثرت في نفسيتهم إلى درجة كبيرة، خاصة أحداث الحرب العالمية الأولى وما سبقتها من مذابح وما أعقبتها من تشرد وفواجع. وهذا صحيح لا أحد يستطيع أن ينكر بأن التاريخ الآشوري زاخر بدماء شهداء الأمة والجرائم التي أرتكبت بحق أبناءها منذ قرون طويلة. ولكن لماذا وكيف أختير السابع من آب يوماً للشهيد الآشوري؟ فلا بد أن تكون هناك جملة عوامل نذكر منها ما يلي :

1 – العلم والشعار والنشيد الوطني ونصب الجندي المجهول وأبطال التاريخ القومي والأعياد القومية والمناسبات التراثية وغيرها، كلها رموز قومية لكل أمة من الأمم اكتمل وعيها السياسي والقومي. فالسابع من آب يوم الشهيد الآشوري يأتي ضمن هذا السياق كرمز قومي آشوري فرضته ظروف نضج الوعي السياسي القومي الآشوري وحاجة الأمة إلى هذا الرمز لإبراز هويتها القومية وأهمية الحفاظ على هذه الهوية من خلال التضحية والفداء بالدماء الزكية الطاهرة لأبناء أمتنا الآشورية.

2 – السابع من آب والمذبحة المأساوية في سميل عام 1933 هو تاريخ معاصر وقريب إلى أحداثنا القومية والسياسية المعاصرة وإلى المأساة الناجمة عن الممارسات العنصرية والشوفينية ضد الآشوريين في العقود الأخيرة وإلى يومنا هذا. إضافة إلى ذلك فإن الكثير من أبطال الحركة القومية الآشورية عام 1933 كانوا ولا يزالون لوقت قريب أحياء يرزقون، كما أن هناك شهود عيان لمذبحة سميل لا يزال الكثير منهم يعاصرون أحداث أيامنا هذه.

3 – لأول مرة في التاريخ الآشوري تتخذ الحركة القومية عام 1933 نهجاً اكثر تمييزاً واستقلالاً من حيث الشكل والمضمون عن نهج الكنيسة والدين وإن كانت في بعض جوانبها ، سيما من حيث القيادة والتنظيم ( الديني – العشائري ) لها مظاهر دينية وعشائرية، إلا إنها من حيث المضمون وضمن سياقها الزمني كانت تسعى إلى تحقيق أهداف قومية تتعلق بحق الآشوريين في تقرير مصيرهم القومي.

4 – في العقود الخمسة الأخيرة من تاريخنا المعاصر نشأة أحزاب سياسية ومنظمات قومية أولت أهمية للتاريخ السياسي للآشوريين الزاخر بالبطولات والتضحيات من أجل تحقيق الأهداف القومية المشروعة فكان من الطبيعي جداً، كما هو الحال مع بقية الأحزاب السياسية للقوميات الأخرى، الاستناد إلى أحداث تاريخية تتخذ منها دروس قومية لشحذ همم الآشوريين وتطوير وعيهم القومي بشكل ينسجم مع تطلعات الأمة الآشورية. فكانت أحداث الحركة القومية الآشورية والمذبحة التي أرتكبت بحق الآشوريين في سميل ملهمة لأبناء أمتنا في استمرار وتواصل النضال القومي، فأصبح السابع من أب رمزاً من رموز التضحية والفداء عند الشعب الآشوري ومنظماته وأحزابه السياسية.

5 – وفرة وتعدد المصادر والكتب والوثائق عن الحركة القومية الآشورية لعام 1933 والمذبحة التي رافقتها وباللغات التي يجيدها الآشوريون كالآشورية/السريانية والإنكليزية والعربية والفارسية، وسهولة الرجوع إليها واغتراف مضامينها التاريخية والسياسية وأبعادها القومية والإنسانية واستلهام معانيها النبيلة في الاستشهاد في سبيل الحرية. فهذه المصادر ساهمت بدورها في إنماء وتطوير الوعي القومي الآشوري وبالتالي إضفاء أهمية استثنائية لمعنى الفداء والتضحية بالدماء في مسيرة التحرر القومي الآشوري. ومن الجدير بالذكر في هذا الشأن كتاب ماليك ياقو ماليك إسماعيل "الآشوريون والحربان العالميتان " وكتاب يوسف مالك "خيانة بريطانيا للآشوريين" وكتاب البطريرك مار شمعون إيشاي "مأساة الآشوريين" والمنشور باسم مؤلف مجهول. فهذه الكتب سلطت أضواء مكثفة على تفاصيل الحركة القومية الآشورية عام 1933 والمذبحة التي رافقتها والتي كتبت بنوع يتسمه نسمات من الروح الآشورية، لذلك كان تأثيرها واضحاً على نفسية الآشوريين والذين تمكنوا من خلالها استخلاص العبر والدروس القومية وبالتالي المساهمة في إنماء وتطوير الوعي القومي السياسي للآشوريين في عصرنا الحالي. وتأتي أهمية هذه الكتب في كونها كتبت من قبل رجال عاصروا الحركة الآشورية وواصلوا النضال لفترات لاحقة واحتلوا مواقع قيادية فيها، فجاءت كصورة حقيقة ناطقة عن الضمير الآشوري الذي ذبح في سميل.
6- مأساوية مذبحة سميل ودراماتيكية أحداثها الدموية وتأثيرها بشكل عميق على نفسية الفرد الآشوري وعلى الأجيال اللاحقة من جهة، وانعكاساتها السلبية في البنية الفكرية العراقية والترسبات التي خلقت في عقلية رجال الحكم في العراق من جهة أخرى، ترتب على ذلك تبعيات سياسية وقانونية سلبية على الآشوريين، كموضوع الحصول على الجنسية العراقية مثلاً والمواقف السلبية للأنظمة المتعاقبة على السلطة في العراق تجاه الآشوريين وفي توجيه مختلف التهم والشتائم اليهم وفي اعتبارهم مجرد "عملاء أو جواسيس أن طابور خامس للاستعمار الانكليزي" . فكانت مثل هذه الممارسات السياسية والقانونية تجاه الآشوريين سبباً في خلق أهمية لهذا الحدث في نفسية المجتمع الآشوري لتفرز فيما بعد ردود فعل لها مغزاها القومي.

هذه بعض الأسباب التي دفعت بالحركة القومية الآشورية عام 1933 والمذبحة التي رافقتها في سميل إلى مصاف الأعياد القومية لدى الآشوريين جمعاء وان يصبح السابع من آب مناسبة تتكلل حولها أرواح الشهداء الآشوريين جميعاً سواء أكانوا قبل هذه الحادثة أم بعدها، وهذا ما يمكن تلمسه أيضا من خلال القصائد والكلمات التي تلقى في هذه المناسبة حيث يكثر الحديث عن مار شمعون بارصباي ومار بنيامين ثم يكثر الحديث المبجل عن شهداء الأجيال المعاصرة الذين ودعنا أجسادهم في الأمس القريب واحتفظنا بأرواحهم وذكرياتهم في اجمل زوايا قلوبنا نستمد منهم العبر القومية والإنسانية في تسطير تاريخ أمتنا وفي إصحاح يعتبر من اجمل إصحاحات التاريخ الآشوري ليكون بذلك وبحق رمزاً لخلود الأمة، ذلك الخلود الذي كان ثمنه دماء شبابنا الزكية وأرواحهم الطاهرة من أجل أن نستمر نحن في هذا العالم وأن يستمر أطفالنا في عالم الغد. فالسابع من آب يوم خالد، يجب أن يكون كذلك لكل الآشوريين ولكل مؤسساتهم الدينية والقومية معاً لأنه واجب قومي وديني وإنساني لكل من تعمذ بروح القدس وأستحق اللقب الآشوري هوية له.

والإشارة مستوجبة هنا للإشادة والتقدير للدور الكبير الذي لعبه الاتحاد الآشوري العالمي (AUA) في إقرار هذا اليوم ضمن قراراته في مؤتمره المنعقد في طهران عام 1970 والذي اصبح منذ عهده يوماً قومياً لجميع الآشوريين ورمزاً من رموز صمود وإصرار النضال الآشوري، وهذا القرار إلى جانب القرارات الأخرى التي أقرت المناسبات القومية الأخرى تعتبر من اعظم الإنجازات التي حققها الاتحاد الآشوري العالمي فقد كانت قرارات قومية وذكية جداً يستحق عنها التقدير الكبير. ومنذ تلك الفترة وبتصاعد الوعي القومي الآشوري توالت الاحتفالات بهذه المناسبة، خاصة من قبل الأحزاب السياسية والمنظمات القومية كما تناولته تقريباً معظم الصحف والمواقع الألكترونية الآشورية هذه المناسبة بالعديد من المقالات.

واخير لم يبقى إلا أن أقول وأنا أعيد نشر هذه المقالة بعد أن كتبته قبل سنوات، قبل أن تثار مسألة التسمية القومية لشعبنا وتبني التسمية المركبة (الكلدان السريان الآشوريين)، بأنني احتفظت  بالتسمية الآشورية وبالإثارة القومية و "الثورية" السياسية فيها، ذلك لأن التسمية الآشورية وحدها هي التي كانت سائدة على الساحة السياسية خلال العقد الماضي ومن خلالها كانت تطرح الهوية القومية والمطالبة بالحقوق القومية ولم يكن لائقاً ومقبولا إدراج الكلدان والسريان و "تطوريطهم" بأحداث سميل لعام 1933 والتي كانت بمثابة تمرد وعصيان وتهديد أمن الوطن للخطر عند النظام السياسي العراق وسيف أزلامه مسلطاً على الرقاب.

ويقيناً بأن الإكتفاء بالتسمية الآشورية في هذه المقالة سيدخدغ قلوب المتزمتين بالتسمية الآشورية ويزيدهم ثرثرة وفي نفس الوقت فإن طرح موضوع يوم الشهيد الآشوري وبالأسلوب الذي أتبعناه والإكتفاء بالتسمية الآشورية سيؤجج بركان عدد من الكلدان الإنفصالين وسيزيد حمم نيرانه على أبناء الأمة المتوحدين تحت تسمية موحدة شاملة للكل. وليس غريباً أن نرى في يوم ما بأن نفر الآشوريين المتزمتين يتحالفون مع النفر الآخر من الكلدان الإنفصاليين، كما يتحالف اليسار المتطرف مع اليمين المتطرف من أجل ضرب الوسط المعتدل والمنطقي رغم تناقضهم الصارخ. ولكن كل تجارب العالم أثبت فشل مثل هذه التوجهات. ومصير "أصحابنا" لا يختلف عنهم إطلاقاً. فالسباحة بعكس التيار ترهق السابح فمصيره أما الإنسحاب من السباق بعد نفاذ جهده وطاقته أو إنجرافه مع التيار نحو المسار الصحيح واللحاق بالبقية. ولنا عودة مع موضوع التسمية الموحدة.     


119
الحكم الذاتي للكدان السريان الآشوريين -2 
حقيقة أم أوتوبيا


الحكم الذاتي حق مطلق:
قد يوحي للبعض بأن ما ذكرناه في القسم الأول من هذا الموضوع بخصوص الصعوبات الموضوعية المتعلقة بحجم السكان والتركز الجغرافي هو رفض الحكم الذاتي للأمة الكلدانية السريانية الآشورية ولكن هذا غير صحيح إطلاقا، فالصعوبة لا تعني الإستحالة. فمنذ البدء أريد أن أوكد بأن الحكم الذاتي لهذه الأمة حق طبيعي ومطلق وحتى إن لم يكن واقعياً ولاتسمح الظروف الموضوعية الحالية إقامته أو تنفيذه في الوقت الحالي وللإسباب المار ذكرها، غير إن هذا لا يمنعنا من التفكير والبحث فيه والمطالبه به والنضال من أجله لجلب هذا الحق المطلق إلى الواقع العملي. والحق المطلق هو حق لصيق بالإنسان والمجتمع يولد معه. فمثلما للإنسان الحق في العيش والزواج وتكوين بيته وأسرته والعمل والحرية وغيرها من الحقوق الإنسانية المطلقة كذلك حق كل أمة أن يكون لها "بيت" تعيش فيه وتعزز كيانها كوسيلة لديمومة إستمرارها للأجال البعيدة المستقبلية. من هنا نقول بأن رفض الحكم الذاتي للأمة الكلدانية السريانية الآشورية أوإنكاره يعد إنتهاكاً للقانون الطبيعي لحق هذه الأمة مهما كانت أسباب هذا الرفض أو الإنكار لأنه إنكار للطبيعة الإلهية التي منحت الإنسان والمجتمع حق العيش بحرية وسلام وأن أرقى أشكال الحرية لأية أمة هي أن تعيش في كيانها الخاص بها سواء أكان هذا الكيان دولة مستقلة ذات سيادة كاملة أم حكم ذاتي أم أقليم فدرالي.

فعلى سبيل المثال  لا الحصر، الكرد أمة تستحق أن يكون لها كيان قومي خاص بها وهو حق طبيعي لا خلاف عليه ولكن تدرك قيادتها السياسية بأن هناك جملة عوامل موضوعية، داخلية وإقليمية ودولية، لا تسمح بإقامة كيانها القومي المستقل. فالظروف الحالية تجعل هذ القيادة أن تكتفي في الوقت الحالي بفدرالية كردية ضمن العراق. ولكن هذا الاكتفاء لا يسقط حقها في المطالبة وتحقيق مطمح الدولة المستقلة متى ما أصبحت الظروف الموضوعية مؤاتية لذلك. والحال لا يختلف مع حق الأمة الكلدانية السريانية الآشورية في الحكم الذاتي كحق طبيعي ومطلق إلا في بعض الحالات المتعلقة بالعوامل الذاتية وبالأخص بالوعي الوعي والسياسي ومدى تأثيرها على العوامل الموضوعية القاسية المتحكمة في إرادة الشعوب.

الحكم الذاتي بين العوامل الموضوعية والذاتية:
سبق وبينًا كيفية تحكم العوامل الموضوعية، من صغر الحجم السكاني والتوزيع الجغرافي للكدان السريان الآشوريين في جعل موضوع الحكم الذاتي صعب التطبيق في الوضع الراهن وأكدنا على صلابة هذه العوامل وبطئ تغيرها إن لم يكن مستحيلاً. فلا يمكن الفرض على الناس ليكثروا الإنجاب ولا إجبارهم على التنقل للسكن في منطقة معينة مالم تكن برضاء أنفسهم وبوعي كامل منهم. من هنا تأتي ألأهمية القصوى للعوامل الذاتية، من وعي قومي وتطور سياسي وحضاري في إدراك أهمية الحكم الذاتي للأمة الكلدانية السريانية الآشورية ومدى أستعداد أبناء هذه الأمة في العمل والتضحية من أجل دفع حقهم المطلق في الحكم الذاتي إلى الواقع التطبيقي وإستعداد الآخرين من غير أبناء هذه الأمة في تقبل وإقرار هذا الحق. ولكن الحقيقة الواقعية من دون أية رتوش أو مبالغات تبين بأن الوعي القومي السياسي لدى أبناء الأمة لم يصل إلى تلك الدرجة من العمل المضني والتضحية من أجل تحقيق الحكم الذاتي.

 والوعي القومي السياسي للأمة تجاه مسألة الحكم الذاتي لا يمكن قياسه ومعرفته إلا من خلال المؤسسات والأحزاب التي تمثل أبناء الأمة. وقد يكون المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري ومن ثم الحركة الديمقراطية الآشورية نموذجان بارزان في هذا الصدد فيما يخص الحكم الذاتي.

المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري والحكم الذاتي: لقد سبق وأعتبرنا المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري، بما يتضمنه من مؤسسات وأندية وجمعيات، وأنضمت إليه في الفترة الأخيرة بعض الأحزاب السياسية، رائداً في المطالبة بالحكم الذاتي وأعتبرنا السيد سركيس أغاجان الأب الروحي والفعلي لهذا المجلس ومبشراً في الحكم الذاتي. فبغنى عن من "يمول" هذا المجلس والدعم الكبير الذي يتلاقاه من الكرد فأنه لا يزال عاجزاً عن التعبير السياسي والإرتقاء بالوعي القومي إلى درجة يستطيع التأثير في العوامل الموضوعية لتهيئة الأرضية لإقامة الحكم الذاتي. أي بعبارة أخرى لم نجد لحد هذا اليوم أية إستعدادات ومشروعات عملية ومنطقية تهيئ الأرضية للحكم الذاتي تصل إلى قناعة أبناء الأمة وقناعة المتحفظين والرافضين من غير أبناء الأمة حتى تؤمن بالحملة الدعائية التي يعملها في هذا المجال وبجديتها. وقد يكون حدود عمل المجلس في هذا المجال محكوماً بالإرادة الكردية السياسية في إلهاء أبناء الأمة بالكلام عن الحكم الذاتي والدوران في نطاقه الإعلامي غير العملي، ولكن من جانب آخر يظهر بأن الأسس التي تأسس عليها المجلس لا تؤهله للقيام بالدور الفاعل والحقيقي في إنماء الوعي القومي المطلوب في دفع الحكم الذاتي من النظرية إلى التطبيق. أن موضوع الحكم الذاتي هو مسألة سياسية بحته تأطره مسائل فنية: قانونية دستورية. فالإشارة هنا جديرة بالذكر بأن تسمية المجلس بـ "الشعبي" تبعده بشكل ما عن السياسة وتعطي إنطباعاً في كونه "لملمة" لمجموعة من منظمات شعبية مهنية وإجتماعية وثقافية وبعض الشخصيات العلمية والثقافية. وهكذا كان واقع الحال عند تأسيسه ولربما أدركت الأحزاب السياسية التي أنظمت إليه فيما بعد هذه الحقيقة وترددت كثيرا لحين الإنظمام إليه.

منذ فترة كنت أنوي كتابة بحث مقارن بين الإتحاد الآشوري العالمي والمجلس الشعبي خاصة من حيث التشكيلة والهيكلية ولكن ضيق الوقت و "الكسل" عرقلني بعض الشيء، وهنا أود أن أورد بعض من مفاهيم هذا البحث. لاشك فيه أن فكرة تأسيس الإتحاد كانت فكرة عظيمة في زمانها ونبيلة في أهدافها ولكن من المؤسف أن نقول بأن هذا الإتحاد بمرور الزمن مات كجسم وفعل ولم يبقى منه إلا أسم وقول. لأنه كان هو الآخر "لملمة" لمجموعة من المنظمات والأندية والمؤسسات التي لم يكن لها أي علاقة بالسياسة القومية إطلاقاً غير في كونها "آشورية". وقد يكون لبعض هذه المؤسسات والإندية سواء المنضوية تحت لواء المجلس حالياً أو التي كانت منضوية تحت لواء الإتحاد أكثر إستقراراً وجماهيرية ونشاطاً وربما أكثر غنىً ولكن لايمكن بأية حال من الأحوال أن تحل محل الأحزاب السياسية أو أن تلعب دورها السياسي. فبغنى عن الإختلاف الكلي للأهداف فإن طبيعة عمل كل من هذه الجمعيات والأحزاب يختلف كلياً كما تختلف الأسس المبدئية التي يقوم عمل كل منهما خاصة في الأوقات الحرجة والصعبة. فالمجلس كتنظيم فدرالي، أي يتكون من مجموعة منظمات مستقلة، يكون نطاق عمله وأهدافه في التحليل الآخير قومي سياسي ولكن ليس كذلك بالنسبة للجمعيات المنضوية تحت لواء. فعندما تشتد الظروف ويضيق الخناق في الساحة السياسية تختفي هذه الجمعيات من الساحة وتحجم في حجمها الطبيعي، ولكن الأحزاب السياسية وإن أختفت أو تقلص عدد أعضاءها في مثل هذه الظروف الصعبة إلا أنها، لكونها قائمة على مبادئ سياسية قومية، فأن هذه المبادئ تبقى فاعلة على الساحة، وهي الحالة التي تسمى بـ "النضال السلبي" ولكن مثل هذا النضال لا ينطبق أبداً على الأندية والجمعيات. إذن ليس غريباً أن تتردد الأحزاب السياسية في الإنضمام إلى المجلس وأن ترى صعوبة العمل معاً. أنه من الغريب والنادر أن تنخرط مثل هذه الجمعيات والأندية في العمل السياسي بشكل مباشر، فالسائد هو أن يكون نشاطها بشكل غير مباشر وعن طريق الأحزاب السياسية. ففي المجتمعات المتقدمة سياسياً تكون هذه الجمعيات أما تابعة أو منظمة إلى الأحزاب السياسية وتلعب دوراً كبيراً في التأثير ورسم سياسية هذه الأحزاب ولا تتصرف بشكل مستقل. والحالة شاذة في المجتمع الكلداني السرياني الآشوري حيث نرى هناك جمعيات وأندية وحتى مجالس كنسية تنخرط في المسائل السياسية بشكل مباشر وتتحالف مع الأحزاب وتجعل نفسها نداً لها لا بل وتنافسها كأنها حزب سياسي ولكن هي ليست كذلك. هذا الخلط يجعل العمل السياسي غير مجدي وقصير العمر ينتهي عاجلاً أم آجلاً بالطلاق بين المتحالفين أو بإخلاء الساحة السياسية عند إشتداد الأمور.

قد يضعني البعض بعد هذا التحليل لمضامين المجلس الشعبي في خانة الرافضين والمعادين له جملة وتفصيلاً وهذا غير صحيح. إن فكرة تأسيس المجلس هي فكرة جيدة ولم شمل الأمة بكل مكوناتها وأهدافها قد تبدو من حيث النطرية نبيلة ولكن من المؤسف أن نتصور بأن مصيره سيكون كمصير الإتحاد الآشوري العالمي. فمن الأجدر كان أن يسمى بـ "المجلس القومي الكلداني السرياني الآشوري" وأن يتضمن في عضويتة أحزاب سياسية فقط وأن تكون رئاسته دورية بين هذه الأحزاب وليس محصورة بأشخاص أو موظفين مستقلين عنها. هذه الأسباب سوف تقود المجلس إلى التراخي وتفكك عضويته وسوف تعمل الجمعيات والأحزاب المنضوية تحت لواءه بشكل مستقل أو شبه مستقل خاصة في هذه المرحلة التي نشاهد فيها تراجع دور السيد سركيس أغاجان عن الساحة السياسية وما يترتب على إنحسار هذا الدور من نتائج سلبية سياسية ومعنوية وحتى مالية على المجلس وعلى محتوياته. وهذا ما نشاهد اليوم من خلال القوائم المرشحة لإنتخابات برلمان أقليم كردستان حيث بدأت الإنسحابات من المجلس كما بدأت الجمعيات والأحزاب التي كانت منضوية تحت لواء المجلس بطرح قوائمها الإنتخابية الخاصة بها لبرلمان إقليم كردستان وبالمقابل بدأ المجلس يتصرف هو الآخر كحزب سياسي، كما فعل ويفعل حتى اليوم الإتحاد الآشوري العالمي، ويطرح قائمته الخاصة به في هذه الإنتخابات.

لكل الأسباب المار ذكرها فإن المجلس عاجز عن إنماء الوعي القومي لأبناء الأمة الكلدانية السريانية الآشورية نحو ساحة تطبيق الحكم الذاتي الذي يعد رائداً في المطالبة به وعليه أن يدرك بأن أية مطالبة يجب أن تستند على وقائع وإستعدادات على الأرض وحتى إن كانت في حدودها الدنيا فإن الوعي السياسي القومي الفاعل سيكون له دوراً في رفع الحدود الدنيا للعوامل الموضوعية إلى مستويات أعلى قادرة على إقناع أبناء الأمة بجدية المطالبة بالحكم الذاتي بدون أية نفاق أو مجالات مسنودة بمساعدات مالية أو ببناء بيوت مزركشة بألوان كردية او بالكفاءة العالية لقناة عشتار ذات اليد الطولى التي تصل كل بيت شرقاً وغرباً.



الحركة الديمقراطية الآشورية والحكم الذاتي:       
درست هذه الحركة من كل جوانبها دراسة علمية موضوعية وعايشت بعض أعضاءها منذ زمن طويل معايشة مباشرة أو غير مباشرة ووجدت بأنها فعلا تمثل حزب سياسي متكامل من جميع الجوانب وإنها دخلت المعترك السياسي منذ أكثر من ثلاثة عقود وضمن مختلف الظروف سواء أكانت إستبدادية أم ديمقراطية وضلت على نهجها ومبادئها لذلك أتصفت بالصلابة والإستمرارية وذات قاعدة جماهيرية واسعة وعلى هذا الأساس ليس غريباً أن يتصاعد الخط البياتي لها أو ينحدر سواء من حيث شعبيتها أو فاعليتها فهي حالة طبيعية يجب فهمها ضمن السياق السياسي العام وليس الخاص. وكحركة بهذه الصفة السياسية المتكاملة لابد أن كونت رأيها بخصوص مسألة الحكم الذاتي ودرست كل العوامل والأسباب التي تستند إليها في المطالبة به وإقراره ومن ثم تطبيقه. أن الشعار أو المبدأ المرفوع من قبل هذه الحركة هو "عراق ديمقراطي حر وإقرار بالوجود القومي الآشوري" أي أن نضالها ينصب على أولاً إقامة أو المساهمة في إقامة نظام ديقراطي كأساس لإقرار الوجود القومي للأمة ثانياً. وضمناً يعني أن مثل هذا الوجود يجب أن يتواجد في مكان ما أو على بقعة معينة تتصف بسمات هذا الوجود. وكضمان لإستمرارية هذا الوجود على هذه البقعة من الأرض فأنها يجب أن تدار أو تحكم من قبل أبناءها وأن هذه الإدارة أو الحكم ضمن النظام الديمقراطي يعني ضمن دولة العراق الفدرالية الموحدة.

غير أنه من السائد والشائع بأن الحركة لا تطالب بالحكم الذاتي بل هي بالضد منه وتعارضه وتعارض أيضاً المنادين به وبالمقابل تطرح مسألة الإدارة المحلية للمناطق الكلدانية السريانية الآشورية عوضاً عن الحكم الذاتي. ترى هل أن سبب معارضتها للحكم الذاتي هو لأنها تقف بالند للمجلس الشعبي أم لها منطلقات نظرية سياسية تجعلها أن تفضل الإدارة المحلية على الحكم الذاتي. لا نرغب مناقشة السبب الأول، أن كان هو السبب فعلاً، في رفض الحكم الذاتي لأنه يدخل في المسائل الشخصية المنبودة ونحن بغنى عنها في هذا الموضوع وبالتالي ليس أمامنا إلا السبب الثاني. ليس لدينا مصادر كاملة عن إستراتيجية الحركة تجاه موضوع الإدارة المحلية غير بعض التصريحات التي يطلقها المسؤولون عنها ولكن على العموم يمكن أن نقرأ بعض مضامني هذه التصريحات والورقيات التي تصدر الحركة هنا وهناك حتى نصل إلى مفوم الإدارة المحلية وأحسن أسلوب للمعرفة هو المقارنة بينها وبين الحكم الذاتي.

الحكم الذاتي والإدارة المحلية:
من الناحية الشكلية يختلف مفهوم الإدارة المحلية ومكوناتها الأساسية عن الحكم الذاتي. فالأخير، كما سبق ذكره، يقوم على ثلاث أسس وهي الإقليم والشعب ثم الحكومة (هيئة تشريعية وتنفيذية وقضائية في حالة نظام فصل السلطات). والحكم الذاتي بهذا المفوم يفتقر إلى السيادة الكاملة لأنه حكم ضمن دولة ذات حكومة مركزية تملك وحدها السيادة الكاملة على جميع أقاليم الدولة. أما الإدارة المحلية فتقوم على (1) أقليم أو عدد من أقاليم و(2) الشعب أو مجموعات قومية أثنية و (3) هيئات إدارية تنفيذية. الإشارة واضحة إلى صغية المفرد فيما يخص الحكم الذاتي في حين الإشارة هي بصيغة الجمع بالنسبة للإدارة المحلية. فوحدة الإقليم في الحكم الذاتي شرط أساسي وممارسته تقوم على أرض الإقليم. أي إن الحكم الذاتي يتبع الإقليم فقط وليس القومية أو المجموعة الأثنية والتي هي ليست بتلك الأهمية كشرط أساسي. فعلى سبيل المثال أن الحكم الذاتي، أو الفدرالية تنطبق على إقليم المحافظات الشمالية ولا يهم فيما إذا كان ساكنوا هذه المحافظات كرد أم غيرهم من القوميات ولكن مع هذا المرعاة في منح الإمتيازات والحقوق يبقى قائما فيما يخص الأكثرية والأقلية. في حين أن الحكم الذاتي للكرد أو الفدرالية لا تنطبق على الكرد (الشعب) الساكنين في المحافظات الآخرى، أي ان الحكم الذاتي أو الفدرالية لا تلحق أو تتابع الكرد إينما كانوا بل يكون موضوعها الأساسي الإقليم والساكنين فيه وإلا أصبحنا في حالة دولة داخل دولة عندما، مثلا، يحاول الإقليم الفدرالي التحكم أو التدخل في الشؤون السياسية للكرد الساكنين في بغداد أو البصرة أو المحافظات الأخرى.

فمن الملاحظ في هذا اليوم أن بعض دعاة الحكم الذاتي يطرحون أفكار تقوم على إعادة رسم الخارطة الجغرافية والديموغرافية لمناطق سكن الكلدان السريان الآشوريين. وقد تبدو مثل هذه الأفكار مقبولة من حيث المبدأ والإيمان القومي ولكن تبقى غير منطقية وواقعية لأنها تقوم على أساس التمني والطموح الآجل من دون مراعاة الظروف الخارجية المحيطة بهذه المناطق وردود أفعال الكرد أو القوميات الآخرى المتعايشة مع أبناء الأمة الكلدانية السريانية الاشورية خاصة في منطقة سهل نينوى حيث يكثر الشبك والصابئة ناهيك عن المناطق الآخرى في إقليم كردستان حيث هناك إختلاطاً قومياً وديناً في العديد من القرى أو المحيطة بها خاصة في المرحلة الأخيرة التي إزداد تجاوز الكرد للقرى الكلدانية السريانية الآشورية ويزداد بإستمرار وهي الحالة التي ستعقد الوضع الديموغرافي أكثر فأكثر وتصعب عملية رسم خارطة للإقليم الذي يطبق عليه الحكم الذاتي.

 أما الإدارة المحلية فهي أسلوب أو نظام سياسي آخر مصغر عن الحكم الذاتي وأقل درجة منه. وكما سبق ذكره فأنه يفتقر إلى الهيئة التشريعية وأنه من الممكن أن تقوم مثل هذه الإدارة على عدة أقاليم أو مناطق وليس بالضرورة أن تكون هذه المناطق مرتبطة جغرافياً ومحاذية بعضها للبعض ولكن الإختلاف يبقى في مسألة تشريع القوانين والإنظمة الخاص في إدارة هذه المناطق والتي ستكون من صلاحيات الهيئة التشريعية في الحكومة المركزية. إن الإدارة المحلية ليست فقط تعيين قائمقام أو مدير ناحية من أبناء الكلدان السريان الآشوريين لقصبة معينة وإنما هو هيكل كامل من الإدارة والممارسة لتطبيق الحقوق المشروعة لأبناء الأمة. إن المشكلة تنحصر هنا في القوانين والأنظمة. فأعضاء الهيئة التشريعية في الحكم الذاتي هم أدرى من غيرهم في فهم الواقع ومعرفة طموحات المحكومين ومن ثم إصدار القوانين والإنظمة التي تخدم أبناء منطقة الحكم الذاتي وتحقق طموحاتهم. في حين تصدر القوانين والإنظمة من قبل الحكومة المركزية فيما يخص مناطق الإدارة المحلية وتقتصر صلاحية الإداريون (الحكومة، أن صح التعبير) في هذه  المناطق على إصدار التعليمات لتطبيق هذه القوانين والإنظمة. أي بعبارة أخرى، تكون مسألة التشريع وإصدار القوانين بيد حكام قد لا يكونون ملمين كثيراً بشؤون أبناء مناطق الإدارة المحلية.

ولكن مهما كان الإختلاف بين الحكم الذاتي والإدارة المحلية، خاصة فيما يخص التشريع، فإن الحكم الفاصل في فاعلية التشريع وجدواه هو مدى ديمقراطية النظام السياسي والحكومة المركزية وإيمانها مبدئياً وفعلياً بالتعددية وإقرار حقوق الأمة الكلدانية السريانية الآشورية في الإدارة المحلية أو الحكم الذاتي. فإذا كانت مثل هذه الحكومة غير ديمقراطية في الممارسة فأنه مما لا شك في ستفرض رقابة شديدة على القوانين التي تصدر من منطقة الحكم الذاتي وربما ترفضها أو تخلق آلية دستورية لكي لا تشرع إلا بموافقتها أو تتمسك بحق الفيتو تجاها هذا إذا أفترضنا أصلا بأن النظام السياسي ودستوره يقر بحق الأمة في الحكم الذاتي أو الإدارة المحلية. من هذا نؤكد بأن الديمقراطية الحقيقية، ليس بالقوانين والتشريعات فحسب وإنما بالممارسة الفعلية أيضا، تعتبر العنصر الفاصل في إمحاء الفرق بين الحكم الذاتي والإدارية المحلية فيما يخص التشريع لأن من حيث المبدأ فالهيئة التشريعية للنظام الديمقراطي لا بد أن تقدر مطالب أبناء مناطق الإدارة المحلية وتصدر قوانين وأنظمة تلبي حاجاتهم وتحقق طموحاتهم وخاصة عندما يكون أعضاء من أبناء هذه المناطق في الهيئة التشريعية وتترك لهم حرية التطبيق بالشكل الذي يليق الأمة. من هنا يمكن القول بأن الشعار الإستراتيجي الذي رفعته الحركة الديمقراطية الآشورية في (عراق ديمقراطي حر وإقرار بالوجود القومي الآشوري) يؤكد بأن بدون ديمقراطية حقيقية وحرة لا يمكن أن يكون هناك لا حكم ذاتي ولا إدارة محلية لأبناء الأمة الكلدانية السريانية الآشورية.   


الكنيسة والحكم الذاتي:
كثير في الآونة الأخيرة الحديث عن إقحام الكنيسة في هذه المسألة وبروز طروحات عن "حقوق المسيحيين" أو الحكم الذاتي للمسيحيين. أنه لأمر غريب أن يكون الحديث عن المسيحيين في العراق وحقوقهم .... وعن أية حقوق يتكلمون وعن أي حكم ذاتي للمسيحيين؟؟؟. أن هذه المصطلحات غريبة لا بل يمكن القول أيضا أنها عجيبة لأن مثل هذه المفاهيم لا توجد في القاموس السياسي خاصة في منطقة الشرق الأوسط. أن حقوق المسيحيين في العراق معروفة منذ أمد طويل وهي حرية العبادة وبناء الكنائس وممارسة الطقوس الدينية والأعياد والتمتع بعطلها الرسمية وربما إمتيازات أخرى لا يتمتع بها غير المسيحيين وطبعاً لايهم أن يكون هناك منطقة معينة خاصة بهم للمارسة هذه الحقوق الدينية لأنها ممكن ممارستها إينما كان المسيحيون في العراق أم في خارجه. ففي العراق كنظام سياسي مهما كان طبيعته فأن المسيحيين مارسوا هذه الحقوق وإن أي إجحاف مورس بحقهم فأنه لم يأتي من النظام نفسه وإنما من طبيعة عقيدة الإسلام والأسس الشرعية التي فرضت على النظام لتضمينها في الدستور أو في القوانيين، خاصة فيما يتعلق بكون الإسلام دين الدولة الرسمي والذي بالتالي فرضيا يحرم المسيحيين من تولي مناصب قيادية عليا كرئيس للجمهورية أو رئيس للوزراء... إلخ.

أما بالنسبة للحكم الذاتي للمسيحيين، فأنه يأتي من البعض كـ "جفيان شر" التسمية المركبة لأبناء الأمة "كلدان سريان آشوريون" المركبة الطويلة ودرجهم كلهم في تسمية واحدة أو تأتي من رجال الدين باعتبارهم "قادة" المسيحيين يحق لهم التكلم عنهم ولا عن غيرهم. أوردت صغية المفرد للكنسية إنطلاقاً من إيماننا في كون جميع فروع كنيسة المشرق كنيسة واحد ولكن الواقع الأليم يفرض عليها أن نتكلم عن كل فرع وعن موقفه من الحكم الذاتي. تعتبر الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وعلى لسان بعض مطارنتها الأجلاء أكثر رفضاً للحكم الذاتي "للمسيحيين" وحجة الرفض تقوم على أساس رفض عزل المسيحيين في "صندوق" ومن ثم سهولة تعرضهم إلى العداء والإضطهاد من قبل المتطرفين لذلك فالخير لهم أن يعيشوا بين أبناء الديانات الآخرى في محبة وأخوة.... أن مملكتي ليست من هذا العالم .... يبدو إن هذا هو شعارهم. ولكن ألم يذبحُ المسيحيين وهم يعيشون بين أبناء الديانات الآخرى وليس في "صندوق". أن الواقع ينفي الحجج التي أستند عليها المطارنة الأجلاء. هناك نوع ما من تأييد للحكم الذاتي لمطارنة الكنيسة الكلدانية في المهجر، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن هذا لا يمكن أخذه بمعيار الجد والمنطق لأنه ينطلق من عقلية الإغتراب فالقرار الأخير هو من العراق وليس من الخارج. أما كنيسة المشرق الآشورية، فليس غريباً أن تكون مؤيدة في شخص بطريركها قداسة مار دنخا الرابع في تأييد الحكم الذاتي لأن موقفها تاريخياً معروف فيما يخص المسائل القومية. أن أعظم تصريح يستوجب إعطاءه لوسائل الإعلام من قبل رجال الدين من جميع فروع كنيسة المشرق هو القول: بأن الحكم الذاتي أو الإدارة المحلية مسألة علمانية سياسية تخص منظماتنا القومية وأحزابنا السياسية وكرجال دين نحن نصلي لكي يوفقهم الله في تحقيق الأهداف التي تخدم أبناء شعبنا... والسلام عليكم ... هكذا.

خلاصة وإستنتاج:
مما تقدم نستنتج بالقول بأن الحكم الذاتي مطلب قومي إستراتيجي يستند على حق طبيعي وسماوي وموضوعي للأمة الكلدانية السريانية الآشورية والنضال من أجله بالطرق السلمية والديموقراطية أمر لابد منه للمنظمات القومية والأحزاب السياسية لتطبيقه عندما تتهيأ الظروف أو يهيئون العوامل الفكرية والموضوعية لهذا التطبيق ولكن كما يقول القول "من أستعجل الشيء حرم منه" لذلك يستوجب قبل كل شيء الاستعداد له من خلال ترتيب البيت الداخلي للأمة ومن ثم توضوح الأمور والسياسيات والاستراتيجيات مع القيادة الكردية أو الحكومة المركزية ليقام مثل هذا الحكم على أساس من التنسيق والمصالح المشتركة لا الفرض والجبر لتحقيق مصلحة طرف على آخر.

أما نظام الإدارة المحلية فهو مطلب قومي آخر ولكن تكتيكي مرحلي وإن أقامته وتطبيقه يعتبر من المسلمات الإساسية للإرتقاء نحو نظام أرقى وأشمل وهو الحكم الذاتي. فالإدارة المحلية ممكن التطبيق في الظروف الحالية ووفق الإمكانيات والوقائع الجغرافية والديموغرافية. فيجب أن لا نضيع الممكن (الإدارة المحلية) من أجل غير الممكن (الحكم الذاتي) في الوضع الراهن. فبين الممكن وغير الممكن عمل شاق يستوجب الكثير من التفاهم والتوحد بين الأحزاب السياسية والمنظمات القومية حتى تقصر المسافة بين الأثنين ويصبح الحكم الذاتي ممكناً. النضال هنا يستوجب قبل كل شيء السعي بكل الطرق والوسائل في دمقرطة النظام السياسي العراقي بديمقراطية حقيقية تقردستورياً بـ "الحقوق القومية للكدان السريان الآشوريين بما فيها الإدارة المحلية والحكم الذاتي في مناطقهم التاريخية والحالية وعلى أن تصدر القوانين والأنظمة من قبل هيئاتهم الخاصة لتطبيق هذه الحقوق". 

ولكن، كما يقول المثل الشك أساس البحث العلمي، أليس ممكناً أن تعيش أمتين أو أكثر في كيان مستقل واحد ومشترك؟ وما هو موقف مبداً حق تقرير المصير الذي لم يعد العالم يتكلم عنه وما مدى تطبيق ذلك على الأقليات نحو حقهم في إقامة دولتهم القومية المستقلة؟؟؟ أسئلة لنا عودة إلينا للإجابة عليها.

120
الحكم الذاتي للكدان السريان الآشوريين
حقيقة أم يوتوبيا

                                                                                                أبرم شبيرا
مبادئ نظرية:
تاريخ وحاضر معظم الحركات القومية في العالم  يؤكدان بما لا يقبل الشك بأنها تسعى إلى تحقيق هدفين أساسيين. الأول: تأسيس كيان سياسي مستقل خاص بها أو بعبارة أخرى إنشاء دولتها القومية (مثال على ذلك هو معظم الحركات القومية التي أنشأت دولها الخاصة بها). الثاني: الوحدة القومية الشاملة بين أبناء الأمة التي تمثلها أو بين مؤسساتهم الفرعية وتضمينها ضمن المؤسسة القومية الرئيسية كخطوة تمهيدية لتحقيق الهدف الأول(يعتبر العرب والكرد والأيرلنديون مثال على ذلك). وتاريخ الحركة القومية الآشورية (هنا لم أدرج الكلدان والسريان ضمن التسمية الجامعة المركبة لأنه لم يكن لهما حركة قومية سياسية في القرنين الماضين) يبين بأنه منذ البدايات الأولى لهذه الحركة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين سعت إلى تحقيق هذين الهدفين، لا بل كانت في معظم مراحل تطورها ظهور الهدف الثاني على السطح والتنظير عنه والبحث في مسببات انقسام الأمة إلى طوائف وممل والنتائج الناجمة عن هذا الانقسام. وحاضر الحركة القومية للشعب الكلداني السرياني الآشوري وبجميع أحزابها القومية المؤمنة بوحدة المكونات الثلاثة الشاملة لهذا الشعب تناضل مثلما كانت تفعل في الماضي لتحقيق هذين الهدفين أي إقامة كيان مستقل أو شبه مستقل  وعن طريق تحقيق وحدته القومية وكخطوة أساسية وجوهرية لتحقيق الهدف الأول.

ولكن كما هو معروف بأن هناك شعوب لم تحقق وحدتها القومية كاملة ولكن في نفس الوقت حققت هدفها الأساسي في إقامة كيان قومي سياسي لها. إذ قد يكون جزء من شعبها خاضع لكيان سياسي آخر أو مشتت بين كيانات سياسية متعددة. فالعرب والأيرلنديون والكرد فيما يخص فيدراليتهم العراقية ككيان قومي، مثال على ذلك. وسبب ذلك، أي تشتت الأمة بين عدة أقطار، يرجع بالأساس إلى جملة عوامل خارجية تكون خارج إرادة الأمة أو مفروضة عليها. إذن من هذا المنطلق يمكن القول بأن الحركة القومية لشعب ما وكحالة إستثنائية يمكن أن تحقق هدفها في إقامة كيانها الخاص بها، دولة أو مقاطعة فدرالية أو حكم ذاتي، رغم عدم تحقق هدفها الثاني المذكور أعلاه في تحقيق وحدتها القومية ولكن مع هذا تظل هذه الشعوب تناضل وتسعى في مسعاها الأخير إلى لم شمل جميع أبناء الأمة في كيان واحد. ولكن ما الذي يجعل لهذه الحالة الإستثنائية أن تظهر وتوفر للحركة القومية الظروف الملائمة لتحقيق هدفها في إقامة كيانها السياسي من دون تحقيق هدفها في وحدتها القومية؟.

عوامل نجاح الحركة القومية في إقامة كيانها السياسي:
هناك عاملان أساسيان وجوهريان لنجاح كل حركة قومية في تحقيق هدفها في إقامة كيانها السياسي القومي وهما:
الأول: الحجم السكاني للأمة: يخضع قياس حجم السكان إلى ظاهرة النسبية وتحكمه حكماً مطلقاً. أي بعبارة أخرى أن حجم السكان هي مسألة نسبية ولا يمكن معرفة هذا الحجم إلا من خلال (1) مقارنته مع حجم الشعب أو الشعوب المجاورة أو المختلطة معه أو المشتركة معه في نفس الأرض أوالوطن. و (2) مدى وعي الشعب وحجمه في المشاركة السياسية. أي بتفصيل أكثر نقول بأنه ليس هناك أهمية لحجم الشعب مهما كان عدده كبيرا ما لم يشارك في العملية السياسية أو يكون مهتماً بمطاليب الحركة القومية في تحقيق أهدافها. فعلى سبيل المثال إذا كان حجم شعب معين مليون شخص وأن نصف هذا العدد مؤهل للتصويب في الإنتخابات مثلاً، كعملية سياسية، ولكن صوتً في هذه الإنتخابات 100 ألف فقط فإن حجم هذا الشعب من الناحية السياسية هو 100 ألف وليس مليونا. وهذا المفهوم السياسي مأخوذ من علم الإجتماع في فهم المجتمع وتعريفه والذي يقول بأن المجمتع ليس تراكماً كمياً للأفراد بل هو مجموعة علاقات إجتماعية قائمة بين هؤلاء الأفراد. فالفرد لا قيمة إجتماعية له في المجتمع ما لم يكن مرتبطاً بعلاقات إجتماعية مع غيره من الأفراد الذين بمجموعهم يشكلون المجتمع. فمثل هذا الفرد لا يمكن أن يحسب سياسياً ضمن حجم السكان ولا يمكن للحركة القومية أن تعتمد عليه أو تحسبه في حساباتها في بناء قراراتها وتحقيق أهدافها.
     
الثاني: التركز الجغرافي للأمة:
هذا عامل مهم جداً في تحقيق الحركة القومية لهدفها في بناء كيانها القومي السياسي. لقد بيننًا سابقاً كيف أن هناك شعوب أقامت كيانها القومي السياسي رغم تشتت أفرادها بين كيانات سياسية مختلفة ومتعددة. والسبب الرئيسي يرجع إلى إمكانية الحركة القومية للأمة في الإستفادة من التركز الجغرافي للأمة في منطقة معينة منطبعة بخصائصها القومية والتاريخية. أي بعبارة أخرى، أن حجم سكان الأمة مهما كان كبيراً يفقد فاعليته عندما يكون أفراد هذه الأمة مشتتين في أرجاء مختلفة من الوطن أو في أقليم معين أو يكونون مجموعات صغير تكون مايكرومجتمعات في مقارنتها مع المجموعات السكانية المحيطة بها والمتركز بكثافة حولها. والعكس صحيح أيضاً فإن التركز الجغرافي للأمة في منطقة معينة منطبعة بطباعئها القومية والتاريخية وبفعل تدخل بعض العوامل الخارجية الإيجابية يمكن أن تنشأ كيانها القومي رغم صغر حجم سكان الأمة. فهناك دول لا يتكون سكانها إلا من بضعة آلاف من الناس ولكن هي دول مستقلة ذات سيادة كاملة. في حين هناك عدد كبير من أفراد ينتمون إلى نفس الأمة ولكن بسبب تشتتهم وتدخل عوامل خارجية سلبية حالت دون أن ينشأوا دولتهم أو كيانهم الخاص بهم.  من هنا يمكن القول بأن للجغرافياً تأثيراً كبيرا على الحياة السياسية وهو التأثير الذي يدرسه علم الجيوبولتكس.   

من الضروري ونحن في خاتمة هذه المبادئ النظرية التنويه هنا تجنباً للخلط وسوء الفهم بين حقوق الإنسان إلإنسانية والحقوق الإنسان القومية. فحقوق الإنسان الإنسانية بجميع تشريعاتها الدولية والإقليمية والوطنية بجانبيها الوضعية والسماوية تقر وتدافع عن حقوق الإنسان مهما كان موقعه في المجتمع ومهما كان حجم سكان الأمة. فالفرد الواحد أو مجموعة أفراد حتى وإن كانوا قليلي العدد، فأن تشريعات حقوق الإنسان تعني بهم وتعالج مواضيع حقوقهم المنصوص عليها في هذه التشريعات، أي أنها حالة أوتوماتيكية تنطبق على الإنسان سواء أكان فاعلاً في المجتمع أم خاملاً. في حين أن الحقوق القومية لا يمكن أن تقوم لها قيامة إلا بالمطالبة بها من قبل حركة قومية ولا يمكن أن تطبق هذه الحقوق على أرض الواقع بشكل فعال ومستديم إلا بفعل تواجد العوامل المذكورة أعلاه. فالمطالبة والعمل السياسي شرطاً أساسياً في نيل الحقوق القومية بينما مثل هذا الشرط لا يستوجب في حال تطبيق حقوق الإنسان الإنسانية. فمنظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية تناضل وتطالب بحقوق الإنسان سواء أكان هذا الإخير قد طالب بها أم لا. وأخيراً لم يبقى إلا أن نقارن بين الدولة المستقلة والحكم الذاتي والفرق بينما. فتقليدياً معروف أن الدولة تقوم على أربعة أركان: الشعب، الإقليم أو الوطن، الحكومة ثم السيادة. فالركنان الأوليان تحسب ضمن عوامل موضوعية في قيام الدولة وهي عوامل صلدة لا تتغير بسهول بل يستوجبها وقت طويل للتغير والتطور ويتطلبها عوامل ذاتية فكرية قوية وفاعلة للتغيرها أو تطويرها. في حين الركنين الثالث والرابع تحسب ضمن عوامل ذاتية تكون قابلة للتغير والتطور السريع. أم الحكم الذاتي فيقوم على ثلاثة أركان، وهي الشعب، الإقليم ثم الحكومة، أي بعبارة أخرى يفتقر إلى السيادة الكاملة والتي تكون حصراً من حصة الحكومة المركزية وتتمثل في سيطرتها على الوزارات المعروفة بالسيادية.

التجارب التاريخية:
لو حاولنا دراسة مطاليب الأمة الكلدانية السريانية الآشورية في الحكم الذاتي ضمن المبادئ النظرية أعلاه فمن الممكن أن نصل إلى نتيجة عامة يمكن من خلالها معرفة مدى حقيقة أم خيالية الحكم الذاتي الذي تطالب به الحركات والأحزاب السياسية لهذه الأمة. فمن خلال دراسة التاريخ القومي لهذه الأمة نجد بأنها تفتقر إفتقاراً شديدا للعاملين المذكورين أعلاه وهو الإفقار الذي حرم حركتها القومية من تحقيق أي نجاح في مسعاها لبناء كيان قومي خاص بها. ففي معظم المناطق التاريخية لهذه الأمة كان حجم سكانها في مقارنة مع الشعوب المجاورة أو المختلطة معها صغيراً. لا بل كان هذا الإفقار يزداد بتقادم الزمن ليس بسبب المذابح والتشرد والتهجير الذي فرض علي أفرادها فرضا مؤلماً وحاسماً في تقليص حجمه فحسب بل بسبب تزايد سكان الأمم الأخرى المحيطة بهم تزايداً هندسياً وتعاظم حجمها من جراء نظام تعدد الزوجات وكثرة الإنجاب يقابلها نظام الزوجة الواحدة وقلة الإنجاب عند الأمة الكلدانية السريانية الآشورية. هذا ناهيك عن التركز الجغرافي للأمة الذي تمزق من جراء الحروب والتشرد والتهجير. فالكثير من المناطق في شمال العراق وجنوب شرقي تركيا كانت ذات أغلبية كلدانية سريانية آشورية واليوم إما أصبحت خالية بالكامل أو شبه خالية أو أصبحوا أقلية فيها وهي مناطق تشكل موطناً تاريخياً لهم وأساساٌ شرعياً للمطالبة بها وإقامة كيانهم القومي الخاص بهم عليها.

تاريخياً يمكن الملاحظة بأن التركز الجغرافي لأشوريي حيكاي قبيل الحرب الكونية الأولى وفي منطقة عصية جبلية معزولة ساهم في أن يتمتعوا بنوع من الحكم الذاتي عن الدولة العثمانية المركزية. وعلى العكس من هذا نرى بأن كلدان سهول نينوى رغم تركزهم الجغرافي إلا أنه بسبب غياب الوعي القومي السياسي لم تنشأ حركة قومية فغابت المؤسسات والأحزاب السياسية وبالتالي تركت الساحة للكنيسة لكي تلعب دورها في الاستفادة من التركز الجغرافي وبالتالي أن تتطور بشكل عصري ومتقدم ومنفتح. فعندما تشرد آشوريو حيكاري من مناطقهم التاريخية التي أصبحت خاضعة لدولة تركيا الجديدة عشية إنتهاء الحرب نشأت أزمة أسكانهم في شمال العراق عوضاً عن أراضيهم المفقودة، وعندما حاول الأنكليز وحكومة العراق إسكانهم في وحدات متفرقة ومتباعدة رفض البطريرك مار شمعون إيشاي الزعيم الديني والقومي لهم هذا المشروع وطالب بإسكانهم في منطقة واحدة ومتجانسة لأنه أدرك بأنه يستحيل حماية الكيان القومي والديني لأبناء أمته وهم يعيشون في مناطق متفرقة ومتباعدة. غير أن جميع مطاليبه ذهب أدراج الرياح ولم يجني منها غير نفيه هو وعائلته خارج العراق وتجريدهم من الجنسية العراقية.     

عشية الحرب العالمية الأولى وبعدها طالب زعماء الحركة القومية الآشورية أمثال فريدون آتورايا والجنرال أغا بطرس الحكم الذاتي لأبناء أمتهم غير أن الجغرافية المتمثلة في تشتت أبناء الأمة في مناطق متباعدة وبين دول مختلفة حالت جميع مشاريعهم القومية إلى الفشل فدفعوا بأرواحهما ثمناً لمشاريعهم وأستشهدوا من أجلها. فالمشروع القومي في بناء دولة ذات حكم ذاتي التي طالب بها فريدون آتورايا كانت تمتد من منطقة أورميا في شمال إيران إلى منطقة إنطاكيا شرقا كشريط حدودي شمال سوريا وجنوب تركيا حالياً. فهو حاول عنوتاً حشر الكلدان السريان الآشوريين في هذه المنطقة غير أن الأنكليز والقيادة الآشورية الدينية أدركوا خطورة المشروع وتأثيرها على مصالحهم فدبرت ضده مؤامرة الخيانة فزجت السلطات الستالينية به في السجن ومن ثم أعدم. والحال نفسه مع مشروع أغا بطرس في إسكان الكلدوالآشوريين في شمال العراق ضمن نظام ذات حكم ذاتي  فكان نتيجة إصراره على النضال من أجل الحصول على مطلبه النفي خارج العراق إلى فرنسا. وعندما تأجج نيران الحركة القومية الآشورية في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي حاول بكل السبل الرجوع إلى العراق والإلتحاق بالحركة غير أن الإنكليز لم يسمحوا له بمغادرة فرنسا. وبينما كان راجعاً من القنصلية البريطانية في مدينة تولوز وجد ميتاً على قارعة الطريق وقيل بأنه مات بسبب السكتة القلبية بينما وجهت أصابع الإتهام إلى الإنكليز في قتله لمنعه من السفر إلى العراق.

التطبيقات الواقعية الحالية:
واليوم لا يختلف كثيرا عن الماضي إن لم يكن أسؤ منه. فليس غائباً على أحد غير المنافقين والدجالين والجهلاء بأنه بسبب قلة حجم سكان الأمة الكدانية السريانية الآشورية في مقارنته مع العرب والكرد والتركمان وتشتتهم في منطاق مختلفة ليس بين الدول المجاورة فحسب وإنما في مناطق العراق المختلفة يصعب تحقيق مطاليب حركتها القومية في بناء كيان قومي سياسي لها أو أقامة حكم ذاتي لهم. والأمور تزداد سوءاً بتقادم الزمن، فعدم الاستقرار السياسي في العراق خلال السنوات القليلة الماضية وتزايد حدة التطرف الديني والإرهابي ضدهم أدى إلى تهجيرهم ضمن إطارين داخلي وخارجي. فالكثير أن لم يكن معظم مناطق هذه الأمة في البصرة مثلاً أصبحت شبه خالية. والحديث عن نزوحهم من مناطق في بغداد والموصل وكركوك ذات شجون ونتائج مؤلمة جداً ومفتتة لكل تركز جغرافي. صحيح أن الكثير من العوائل التي نزحت من هذه المناطق قد أستقرت بشكل مؤقت في المناطق الشمالية الأكثر آمناً إلا أن مسألة رجوعهم إلى مناطقهم الأصلية يحوم حولها الكثير من الشكوك كما أن أستقرارهم بشكل دائمي في هذه المناطق الجديدة هي أيضاً مسألة حساسة وخطيرة قد لا تتوافق مع مطامح الحركة القومية الكردية في تكريد المنطقة. أن غمور بسيط في نفسية وعقلية هولاء اللاجئين نكتشف بأن هذه المناطق الجديدة ما هي إلا محطات ترانزيت للهجرة إلى خارج العراق.

أن مسألة الهجرة إلى خارج الوطن، هي مسألة خطيرة ومؤثرة وبعمق على جميع مناحي الحياة القومية والسياسية للأمة الكلدانية السريانية الآشورية. فمن المؤسف أنه لحد هذا اليوم لم نسمع أو نجد مشروعاً من قبل أي حزب او منظمة أو كنيسة تتعامل مع هذه الظاهرة الخطيرة غير النفاق والنصح والوعظ، خاصة من قبل رجال الدين، في البقاء والتمسك بالوطن بينما نرى وهم يساعدون أقاربهم للهجرة أو يتمنى هذا القس أو المطران أن يكون راعياً لرعية في أوربا أو أميركا أو إستراليا. أن تقادم الزمن مع الهجرة أدى بأبناء الأمة أن يكون حجم سكانها في المهجر أكثر من حجمها في الوطن وأن يكون عدد الرهبان والمطارنة والأحزاب السياسية والمنظمات القومية في المهجر أكثر مما هم في الوطن. لا بل وحتى عدد المطربين في المهجر أصبح أكثر مما هم في الوطن وأكثر شهرة !!! فالتشتت هذا ليس إقليمياً أو مناطقياً وإنما هو دولياً والذي يجعل مهمة الحركة القومية للأمة صعبة للغاية في تطبيق مطامحها في إقامة كيانها القومي أو الحكم الذاتي الخاص بها في الوطن الأم.

واقعية الحكم الذاتي والمطالبة به:
اليوم هناك عدد من أحزاب ومنظمات الأمة الكلدانية السريانية الآشورية تطالب بالحكم الذاتي لها في مناطقها التاريخية ويكثر الحديث عن سهل نينوى. لا نناقش هنا مطلب الحكم الذاتي الخيالي الذي يطالب به بعض الأحزاب في المهجر فهي لا تستحق المناقشة لأنها تنطلق من منطلقات شخصية ضيقة لا تفهم شيئاً منطقيا من واقع الأمة في الوطن. يقود في الوطن مطلب الحكم الذاتي المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري الذي تأسس قبل بضعة سنوات والذي يضم تحت لواءه عدد من الأحزاب والتنظيمات والشخصيات ومعظمهم، بإستثناء حزب أو حزبين، هم حديثي العهد في السياسة والمسألة القومية. تأسس هذا المجلس بمبادرة السيد سركيس أغاجان وهو، على الأقل كان، من الأعضاء البارزين في الحزب الديمقراطي الكردستاني وكان وزيراً للمالية أيضا ويعتبر من حيث الشكل على الأقل راعي هذا المجلس والأب الروحي والفعلي له وتعتبر قناة عشتار الفضائية الإداة الدعائية له للترويج عن المطالبة بالحكم الذاتي.

هناك حقيقة لا يمكن أخفائها وهي أن تأسيس هذا المجلس والمبالغ الطائلة التي صرفت له ولمشاريعه ولقناة عشتار والعاملين فيها تأتي من الحزب الديمقراطي الكردستاني. يقول لينين: قل لي من يمولك فسأقول لك من أنت. إذن يمكن القول بأن هذا المجلس تابع لهذا الحزب ويستخدم كأداة في تحقيق الحكم الذاتي للأمة الكلدانية السريانية الآشورية. ورب قائل يقول أن الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) عندما كانت في الجبهة الكردستانية وربما لا تزال تستلم مخصصات مالية من الحكومة الكردية أو من الحزب الديمقراطي الكردستاني. هذا صحيح ولكن هناك فرق بين أن تكون قائماً ومؤسساً قبل إستلام هذه المخصصات وأن تقام وتؤسس بمباركة ودعم من قبل دافع هذه المخصصات وإستمرار إستلامها. هناك فرق كبير بين أن تعمل(مع) وأن تعمل ( ل ). وقد تفرض المصلحة القومية المشتركة أن تعمل الأحزاب الكلدانية السريانية الآشورية (مع) أحزاب ومنظمات الحركة القومية الكردية أو أية أحزاب عراقية أخرى ولكن العمل لـهذه الأحزاب تكون دائماً في التحليل الأخير لمصلحة الأحزاب الكردية والعراقية.
               
هناك مثل يقول "خير يراد به باطل".  في بداية السبعينيات من القرن الماضي أصدر نظام البعث المقبور قرار منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية من (الآثوريين والكلدان والسريان) وكان من حيث الشكل مقبولاً نوع ما ولكن كان المراد منه جذب أبناء هذه الأمة إلى جانب النظام وتجنيدهم ضد الحركة القومية الكردية. ولكن بتوافر الوعي القومي تمكنت بعض المنظمات والشخصيات القومية الاستفادة من الأساس القانوني لهذا القرار والاعتماد عليه في تأسيس أندية وجمعيات ثقافية وأصدار مجلات وأقامة الكثير من المحاضرات والندوات ولكن عندما أنتكست الحركة الكردية عام 1975 وأدرك النظام تجاوز هذه المنظمات للخطوط الحمراء ولم يعد لها نفعاً فقضى عليها أما بدمجهم في الإتحاد العراقي للكتاب والأدباء أو محاصرتهم وشلهم عن نشاطاتهم القومية وتحويلها إلى حانات لتعاطي الخمور ولعبة البنكو.

التساؤل يبرز ويقول هل أن الكرد يستخدمون المجلس الشعبي كـ "خير يراد منه باطل"؟ أم فعلاً يريد الكرد تحقيق مصلحة الشعب الكلداني السرياني الآشوري في الحكم الذاتي لهم. إذا كان الجواب بنعم للشق الثاني من التساول فلماذا يفعل الكرد ذلك ونحن نعرف بأن معظم الحركات القومية ترغب في أقامة كياناً خاص بها في أرضها ولا تريد أن تشاركها القوميات الأخرى خاصة في بلدان العالم الثالث والشعوب التي أكتوت بنيران الحروب والإضطهادات وتتداخل معها إختلافات تاريخية ودينية وحتى حضارية. ولكن من جانب آخر نقول بأن الكرد أدركوا جيداً المصير المشترك التاريخي الذي يربطهم بالأمة الكلدانية السريانية الآشورية وأنهم وعوا بأن خيراً لهم وأكثر إستقرارا أن تتمتع الأقليات الأخرى التي تشاركها نفس الأرض بحقوقها القومية. هذه نعمة من السموات يشكر لها الكرد إذا كانت فعلا هذه غايتهم من مساندة الحكم الذاتي لهذه الأمة.

وإذا رجعنا إلى الشق الأول من التساؤل أعلاه وقلنا هل أن الكرد يريدون من ملاطفة ودغدغة مشاعر الأمة الكلدانية السريانية الآشورية ومساندتهم للمجلس الشعبي في المطالبة بالحكم الذاتي هو خير يراد به فعلاً باطل وشر لهذه الأمة؟ طبعاً لا نستطيع الغور في بواطن وأسرار قيادة الحركة الكردية لمعرفة النية من هذه المساندة ولكن لنأخذ شيئاً من الواقع ونستنبط منه نتيجة قد تفيدنا في معرفة هذه النية:
1.   هناك وضوح وبيان في بناء القرى الكلدانية السريانية الآشورية في منطقة كردستان العراق التي يرعاها المجلس الشعبي وتنفق في بناء البيوت في هذه القرى بالملايين التي لاشك فيها بأنها تأتي من مصدر أو مصادر كردية أو من خلالها. فالظاهر هو خيراً لهذه الأمة في تعمير قراهم ولكن حتى الجاهل يعرف إنعدام المنفعة من هذه البيوت التي بالفعل لم تساهم في عودة أهاليها إليها والاستقرار فيها بشكل دائم، ماعدا بعض القرى ولأسباب معينة، لأنها تفتقر كلياً إلى البنية التحتية والخدمات الإساسية للعيش والإقامة الدائمة. وحال هذه البيوت سيكون في المستقبل القريب مأوى لبعض العشائر الكردية للسكن الدائم فيها ويصبح حالها كحال القرى والمناطق الأخرى التي استكردت. من الجميل أن نرى برنامجاً في قناة عشتار الفضائية يتحدث عن العمق التاريخي لبعض القرى الكلدانية السريانية الآشورية وعن البيوت المزركشة المبنية حديثاً. فمثلاً شاهدت قبل فترة برنامجاً عن قرية ديري القريبة من العمادية وعن سحر جمالها وعراقة كنائسها غير أن لو الكاميرا توجهت بضعة مئات من الأمتار نحو أراض الوادي الذي تطل عليه ديري والتي كانت كروم وبساتين أهل القرية لشاهدنا المئات من البيوت للعشائر الكردية المنصوبة هناك من دون أي حق. وحال ناحية كاني ماسي وكوريكفانى وغيرهما لا يختلف إن لم يكن أسو حيث أصبحوا أبناء هذه القصبات أقلية صغيرة بين أكثرية كردية.
أن مسألة التجاوز على القرى الكلدانية السريانية الآشورية معروفة ومدركة لقيادة الحركة الكردية وبعض من هذه التجاوزات هي خارج إرادتها وتخضع للتوجهات العشائرية أكثر من حكومية ولكن معالجتها يبقى موضوعاً عالقاً وحالة خاضعة لقانون الجذب والطرد... فأصحاب القرى الأصليين أما هم يعيشون في المدن الكبرى أو هم خارج العراق وبالتالي بتقادم الزمن تجذب خصوبة أراضي هذه القرى ووفرة مياها العشائر الكردية إليها للسكن والإستقرار. وهي مسألة وإن لم يكن للقيادة الكردية شأن فيها ولكن تبقى متفرجة عليها من دون حراك نحو حل جذري طالما تخدم في التحليل الأخير مصلحة إستقرار الشعب الكردي في مناطق ممتازة وخصبة، وطالما أصحابها الأصليين لا يطالبون بها عملاً وفعلاً بل بالكلام الفارغ الذي لا ماكن له على الواقع.
2.   أن نسبة الأراضي الكلدانية السريانية الآشورية التي تقع في كردستان العراق تزيد بكثير  عن الأراضي الموجودة في سهل نينوى. وضم هذه الأراضي مع البعض كمناطق للحكم الذاتي هو المطلب المطالب به. إذا كانت الحركة الكردية حقا تنوي مصلحة الأمة الكلدانية السريانية الآشورية في الحكم الذاتي ويكسب المجلس الشعبي واقعية أكثر في مطالبته بالحكم فمن الأولى أن يرتبوا الأمور على أرض الواقع في كردستان العراق ويهؤا المناخ واقعياً وفكرياً لإقامة الحكم الذاتي في هذه المناطق والتي هي تحت الهيمنة الكردية أحسن مما يبذلون قصار جهدهم نحو مناطق سهل نينوى وهي غير خاضعة للكرد. هذا الإختلال في التوازن بين المطالبة والواقع يخلق شك لدى أبناء الأمة وحتى لدى غيرهم في القول بأن الكرد يستخدمون الشعب الكلداني السرياني الآشوري والمجلس الشعبي لغرض ضم مناطق سهل نينوى إلى المنطقة الكردية وتوسيع فدراليتهم لتشمل هذه الأراضي. أن تحقيق الأهداف يبدأ بالأمور السهلة ثم الصعبة. فترتيب الأراضي في كردستان العراق وإقامة الحكم الذاتي للكلدان السريان الآشوريين فيها إذا كانت نية الكرد صادقة أسهل بكثير من المطالبة بالحكم الذاتي في سهل نينوى وضمها إلى بقية الأراضي والتي حتماً ستلاقي مقاومة شديدة من العرب العراقيين وغيرهم خاصة في محافظة الموصل والحكومة المركزية.

هناك  قول صادر من المطالبين بالحكم الذاتي في أراض سهل نينوى يقولون بأنه لا أحد يطلب ضم هذه الأراضي إلى المنطقة الفدرالية الكردية ولا إلى الحكومة المركزية وإنما سيكون هناك إستفتاء لتقرير هذا الإنظام. هذا مجرد قول ولا يمكن أن يكون فعل وإن يكن فأنه سيكون مشوهاً أو غير معبر عن ضمير الأمة لأن الكرد سيستخدمون كل الأجهزة والأدوات من مال وتأثير سياسي وحتى تهديد وكلام معسول لتقرير مصير سهل نينوى لصالحهم وفي نفس الوقت يتدخل العرب خاصة من منطقة الموصل لمقاومة مثل هذا الإستفتاء وربما ممارسة التخويف والعنف ضد أهالي سهل نينوى وبالتالي يكون الخاسر الأول هو الشعب الكلداني السرياني الآشوري وأهل سهل نينوى بالذات.

من كل ما تقدم يمكن القول بأن الظروف الموضوعية غير متاحة حالياً لإقامة الحكم الذاتي للأمة الكلدانية السريانية الآشورية بسبب إفتقارها إلى المقومات الأساسية والجوهرية لإقامة مثل هذا الكيان القومي. فهذه المطالبة تبدو وكأنها تحميل أحمال ثقيلة لحمال لا يستطيع حملها وبالتالي تؤدي إلى قصم ظهره ومن ثم توبيخه ولومه على ضعفه وعدم إمكانيته في تنفيذ طلباته. هناك فلسفة ميكيافيلية تقول بأن لا تنكر حق أحد في المطالبة بحق معين وهو غير قادر على تحمل هذا الحق لأنه سيرد بالمقاومة والإصرار في المطالبة بل أعطيه هذا الحق وأكثر طالما أنت مطمئن بأنه غير قادر على تحمله وتطبيقه على الواقع العملي. هل فعلاً يعمل الكرد والمجلس الشعبي على تحميل الأمة حمل الحكم الذاتي ونحن نعرف بأنه بسبب ظروف القهر والحرمان التي فرضت على أبناء الأمة الكلدانية السريانية الآشورية عبر قرون طويلة حرمهم من التجارب السياسية في الحكم والإدارة وبالتالي هم غير قادرون على تحمل هذه الأثقال في الوقت الحالي... أشدد على جملة (في الوقت الحالي). لماذا؟؟ ... للموضوع صلة في الأيام القليلة القادمة.     
 


121
لماذا نرضى بأقل من فتات الخبز

                                                                                                                أبرم شبيرا

عندما سحقت المادة 50 تحت أقدام الأكثرية الخاصة بحصة "الأقليات" في مجالس المحافظات المقررة تألمنا كثيرا وخرجنا جميعاً دون إستثناء في الشوارع سواء في الوطن أم في المهجر محتجين على هذا الأسلوب اللايمقراطي في إلغاء حقوق أهم وأقدم مكونات الشعب العراقي فغضبنا كثيراً وشاطرنا بعض "المنافقين" المحسوبين على الأكثرية في البرلمان الذين صوتوا لصالح الألغاء ومن ثم تباكوا في تصاريحهم الفردية على حقوقنا المهضومة. وقبل هذا فعلنا نفس الشئ وعبرنا عن إحتجاجنا الثوري الغاضب على التلاعب في صناديق الإنتخابات البرلمانية العامة في منطقة سهل نينوى وهكذا أصبحنا بارعين محترفين في الاحتجاجات والإدانة لا يضاهينا في هذا المجال إلا العرب فيما يخص القضية الفلسطينية.

أطرشنا بإحتجاجنا على إلغاء المادة 50 أذان الأكثرية البرلمانية فرحمة بطبلة أذانهم لا بحقوقنا المسلوبة ومحاولة لإسكاتنا أقروا "إرضاء" الأقليات وبالأخص "المسيحية" منها فرحموا بحالهم فمنحوهم منحة مغزية وبحصة تكاد أن تصل الصفر في مقارنة مع عدد أعضاء مجالس المحافظات خاصة المعنية منها كبغداد والموصل والبصرة. مرة أخرى بدأنا بإحتجاجنا ضد هذا التصغير لوجود الأقليات ولكن بثورية أقل لأنه كان بعض "الصغراء" من أبناء أمتنا يليق بهم هذا التصغير ويتناسب مع حجمهم ويحقق مطمحهم في الجلوس على الكرسي الذي يقدسونه.

رغم كل هذه الثورية في الاحتجاجات والغضب الغادر رضى "ممثلي" شعبنا بأقل من فتات الخبر ودخلوا لعبة الأكثرية المكراء في النفاق والكلام المعسول في الديمقراطية والتعددية وأصبح وضعنا كوضع الذي كان قائماً في عهد النظام البعثي المقبور عندما كان يتبجح في إهتمامه بحقوق الأقليات في الوقت الذي كان يحسقهم فكرياً وجسدياً ولا يختلف كثيراً الأكثرية البرلمانية في هذا اليوم في إمحاء وتصغير لا بل تحقير التاريخ العظيم لوجود الأقليات في العراق وتصفيتهم جماعياً وإن كان بالإنابة عن طريق عصابات إرهابية لا يمكن أن تفعل فعلها الإجرامي المنظم كما فعلت في الموصل من دون أن تكون لها أيادي قوية ماكنة في أجهزة السلطة ومنها الأكثرية المسيطرة على البرلمان.

إذا كنا نلقي اللوم على الآخر فإن اللوم الأكبر يقع علينا.... عيب أن نكون ذيلاً لمثل هذه الجماعات وأن نطاوع قوانينهم التي نعتقد كلنا بأنها مجحفة وظالمة... الغريب والعجيب هو أين أختفت الاحتجاجات والغضب وما هو السر؟؟؟ لماذا نطاوع ونشارك اللعبة البرلمانية التي لا ناقة لنا ولا جمل فيها غير كرسي مهلل لا يقوى على الصمود أو التنفس أمام الكراسي القوية التي يجلس عليها الآخر الغير المعني بحقوقنا القومية. ما الذي يستطيع "نفر" واحد أن يفعله وما هو تأثيره في هذه المجالس وهل ستكون هناك إذان صاغية له وأصحابها لا يستطيعون فهم صوت وفكر هذا "النفر"؟؟؟  فالمجموعات أو الكتل التي رشحت هذا "النفر" تعرف قبل أن نعرف نحن بأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً فهذا ليس مهما بالنسبة لهم بل الأهم هو الجلوس على هذا الكرسي حتى ولو كان مهلهلا مكسوراً فهو الكرسي الذي تعتقد بأنه سيعيطها "الشرعية" في تمثيل الأمة.

من الضروري أن نفهم، وبعمق سياسي وقانوني، بأن نظام المحاصة بشكل عام لا يمكن أن يكون سليما إلا في أطر ديمقراطية صحيحة يكون لأطرافها القدرة على فهم الآخر وقبولها لطموحاته ومستعدة لسماع صوته إذا كان منطقياً ومحقاً. أما نظام المحاصة في نظم تتمشدق بالديمقراطية وتنافق بالتعددية فهو لا يمكن أن يكون سوى أسلوب من أساليب الدجل السياسي وهضم حقوق الأقلية بأساليب تبدوا على السطح وكأنها ديموقراطية برلمانية. هكذا الحال نفسه ينطبق على الوضع في إنتخابات مجالس بلديات المحافظات القادمة والحصة الفقيرة المعدومة المقررة للأقليات. فمن المؤسف له القول بأن معظم أعضاء الأغلبيات المسيطرة على البرلمان وعلى أجهزة الدولة الأخرى غير قادرة على فهم الخلفية الحضارية للأقليات وحقوقها المشروعة ولأسباب كثيرة تتعلق بالعقلية السياسية الخاصة بهذه الأغلبيات والتي سبق وأن فصلنا عنها في كتابنا المعنون (الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر – دراسة في العقلية العراقية تجاه الأقليات).

أن نظام المحاصة للأقليات في الإنتخابات هو بالأساس غير ديمقراطي ولكن مع هذا لا يوجد أحسن منه في ضمان حقوق الأقليات خاصة عندما يكتسب ويتحول إلى أسلوب ديمقراطي إذا مورس في نظام ديمقراطي يكون للأغلبية قدرة على فهم هذه المحاصة والأعتراف بدورها في النظام الديمقراطي ككل. فإذا كانت الأغلبيات البرلمانية العراقية تتمشدق بالديمقراطية ولكن في أساسها قائمة على محاصة طائفية وشللية غير ديمقراطية فكيف نتصور بأنها تسطتيع فهم حقوق الأقليات المختلفة عنها طائفيا أو شللياً خاصة أن تجربتها في الحكم والتعامل مع الآخر المختلف معدومة تقريباً.

قبل بضعة سنوات كنت مشاركاً في ندوة في مدينة شيكاغو بالولايات المتحدة عن إجحاف حقنا القومي الشرعي في دستور العراق المقترح حينذاك وعندما سألت من قبل أحد الحاضرين عن الحل فقلت "طالما لا يقدر الأغلبيات المسيطرة على البرلمان على فهم الحقوق المشروعة لشعبنا فإذن لماذا نشاطرهم في لعبتهم المساة بالديمقراطية أو التعددية. فالمحاولات "النضالية" التي قام بها ممثلي شعبنا في البرلمان لم تجد نفعاً فالحل هو الإستقالة الإحتجاجية وترك كراسيهم فارغة لعل تشعر الأغلبيات بأننا لا نشاطرهم لعبتهم المرفوضة في التعامل مع الأقليات وتكون رسالة قد تصل إلى المجمتع الدولي لحين يدرك حقيقة الوضوع في الوطن ومعاناة الأقليات". ويظهر بأن غالية الحاضرين قد رضوا بهذا الحل ومن خلال التصفيق الحاد والمتواصل لجوابي.

واليوم الحالة نفسها دون تغيير.... أن المشاركة في الإنتخابات القادمة لمجالس بلديات المحافظات القادمة وبالحصص الفقيرة جداً للأقليات هو إذعان مهين لقوانين الأغلبيات وممارساتهم المحجفة بحق شعبنا وأن رفض المشاركة فيها هو شيء يسير جداً قد يحفظ ماء الوجه ويصون كرامتنا القومية ويحترم حق وجودنا التاريخي الشرعي في موطن أجدادنا وأن الإستقالة الاحتجاجية للمثلي شعبنا في البرلمان والحكومة موضوع يستوجب النظر فيه من قبلهم والمعنين بالشان القومي والسياسي لشعبنا أو الكتل أو الأحزاب التي يمثلونها وأن هذا الاحتجاج "السلبي" يستوجب أن يقابله خطوة إيجابية من لدن معظم القوى والأحزاب السياسية الفاعلة على الساحة القومية وأن يتمحور صوتها في قناة واحدة تكون فاعلة وقابلة للسماع من قبل الغير يتفقون على الحد الأدنى وهي مسألة طال الحديث عنها كثيراً وأصبح المثل القائل "لمن تقراء مزاميرك يا داود" ينطبق عليها.     
 

122
بمناسبة رحيل الأب الدكتور يوسف حبي فيلسوف كنيسة المشرق



كلمات بسيطة في شخصية عظيمة

أبرم شبيرا

في منتصف هذا الشهر، وتحديداً في 15 منه عام 2000 رحل عنا الدكتور البروفيسور يوسف حبي نتيجة تعرضه لحادثة سيارة بتاريخ على طريق بغداد – عمان وهو في طريقه إلى المعهد الشرقي في روما لإلقاء محاضراته المعهودة به سنوياً وهذه الذكرى الثامنة لرحيل هذا الرجل العظيم الذي خدمة الأمة والكنيسة طيلة حياته وحتى إستشهاده وهي ذكرى تستحق منا وعلى الأقل بعض السطور إكراماً له وتعريفاً لم لم يعرفه.   

ربما لا يتفق البعض معي في إطراء المغفور له الأب الدكتور يوسف حبي ووصفه كفيلسوف كنيسة المشرق لا بل ويتهمني بالمبالغة والانفعال العاطفي من جراء فقداننا لشخصية عظيمة وبمقام رفيع ونادر في عصر يومنا هذا. ولكن على العكس من هذا، فإنني اعتقد بأن من عرف الدكتور يوسف حبي سوف يشاطرني الرأي وربما سيتهمني، خاصة من عرفه  وشاركه في الساحة الثقافية والأدبية ، بالتقصير في ذكر هذه الشخصية العظيمة بكلمات بسيطة لا تتجاوز عدة أسطر.

عُرف الأب الراحل من خلال كنيستنا الكلدانية الكاثوليكية كرجل دين بكل معنى الكلمة الصادقة والطاهرة لها، فكان فياض بالإيمان والمحبة والحنان والتعاون والتسامح والصدق والتأني والهدوء. أحبه كل من عرفه من العلمانيين والإكليريكيين. أما على الساحة الثقافية والأدبية فعُرف أكثر وبرزت معالم مواهبه المبدعة في عدة مجالات، فمنذ منتصف السبعينيات وأثناء المحاولات الصعبة للاستفادة وبقدر الإمكان من الحقوق الثقافية التي منحتها الحكومة العراقية للناطقين بالسريانية من الآثوريين والكلدان والسريان في عام 1972، بدأ نجمه يسطع أكثر فأكثر. وقد عرفناه منذ اللقاء الأول، ومن خلال المؤسسات الثقافية التي تم تأسيسها في تلك الفترة  بأنه رجل علم وثقافة وأدب وفلسفة وإدراكنا بسعة معارفه وكثافة نشاطه وغزارة إنتاجه بحيث لا تكفيها صفحات طويلة لسردها لأنه كان فعلاً موسوعة إنسانية متحركة مليئة بالنشاط والهمة والديناميكية لا يستقر به حال إلا ونجده محاضراً في هذه المؤسسة و مشاركاً في ذاك المهرجان أو محرراً في هذه الصحيفة أو تلك.

شاركته في بعض الأحيان كما شاركه غيري من زملائي من الأدباء والكتاب من الطوائف الكلدانية والمشرقية والسريانية أحاديثه وأفكاره من خلال مشاركته معنا في مناقشات واجتماعات بعض المؤسسات الثقافية والأدبية لأبناء أمتنا في العراق عندما كانت تتاح له الفرصة أثناء تواجده في بغداد وهو قادما من مدينة الموصل، حيث كان يخدم الكنيسة والرعية هناك. وكانت آخر مرة ألتقي به في نهاية الثمانينات ( أعتقد كان عام  988 أو 1989) أثناء إحدى اجتماعات الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء والكتاب الناطقين بالسريانية في بغداد والذي دمجه نظام البعث المقبور مع اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين وأطلق عليه أسم المكتب السرياني. وقد عرفناه بخصاله الحميدة وأخلاقه السامية التي كانت تخلق فيه سحراً عجيباً يجعله قادراً على نيل الإعجاب والاحترام حتى من الذين كانوا يخالفونه الرأي. فبالرغم من كل مراكزه العلمية والمؤهلات الفكرية والثقافية والأدبية وعضويته في بعض المجامع العلمية واللغوية المرموقة فأن بساطته في الحياة والفكر والعمل ونبل أخلاقه كانت تحول دون أن يتفاخر بذلك ويتعالى على الآخرين فلم يظهر نفسه أمامنا بأنه أستاذ كبير ونحن تلاميذ صغار. فلم تكن أبحاثه وكتبه ونشاطاته الكثيرة موضوعاً للتفاخر والتباهي، بل على العكس من هذا كان يشارك بكل معارفه وجوارحه وعواطفه وأخلاقه النبيلة أحاديث اجتماعاتنا الطويلة والمملة أحياناً ويشاطر أفكارنا البسيطة والضحلة وكأنه جاء ليتعلم منا نحن التلاميذ.

كم من المرات أطفئ نيران نزقنا وفوران اندفاعنا في المسائل القومية ونحن في مرحلة"المراهقة القومية" نلعن صيغة "الناطقين بالسريانية" الموصوف بها قوميتنا من غير أن ندرك بأن مضمون هذه الحقوق لو طبق بشكل نزيه من دون تدخل السلطة أو مسخها لتحقق ما كنا نصبو إليه في خدمة الأمة من الناحية الثقافية والتراثية. غير أن بهدوئه المعروف وسحر كلامه كان يضفي جواً من الود والمحبة والتفاهم والرزانة على مثل هذه المناقشات وبالمقابل كنَا ندرك ونقدر جلَ تقدير مشاعره وأفكاره كرجل دين له التزامات كنسية ليس من المعقول والمنطق تجاوزها أكثر مما يسمح به ومن ثم إقحامه في السياسة والمسائل القومية ذات الخطوط الحمراء.  مع هذا كان في نهاية المطاف يفلح في فرز الخطوط السياسية الحمراء عن المسائل الثقافية والفكرية ذات المساحات الخضراء ويشرع بالتسلسل، وبهدوء وطيبة خاطر وبأسلوبه العلمي والأخلاقي الكبير، إلى قلوبنا وعقولنا فننصاع إلى كلامه الطيب وأراءه السديدة، كما ينصاع التلميذ إلى الأستاذ.  فكان وبحق يمثل نموذجاً مثالياً في أسلوب التعامل مع الغير. فما أكثر المهرجانات والمحاضرات والندوات والدراسات والمجلات والمؤتمرات الثقافية التي تحركت وتلمست طريقها نحو النور والتطبيق بفعل عظمة أفكاره وروعة نشاطه. ويكفي أن نشير هنا بأنه كان الأب الروحي واللولب المحرك لمهرجان أفرام وأسحق بن حنين الكبير عام 1972 مروراً عبر سلسلة طويلة من النشاطات الفكرية والثقافية حتى أيامه الأخيرة من حياته حيث كان العنصر البارز والنشيط في التحضير لاحتفالات الألفية الثالثة التي نظمها فرعا كنيسة المشرق الكلدانية والآشورية في شهر تشرين الأول من عام 1999 في العراق، لكن السفر نحو الإستشهاد غيبه عن حضورها.

هكذا كان المرحوم معلماً ومربياً لأجيال دينية أكانت أم علمانية. فمثلما تخرج على يده العشرات من الكهنة من كلية بابل اللاهوتية التي كان مؤسسها الفعلي وعميدها، كذلك تخرج وتربى على أفكاره وإبداعاته الأدبية والثقافية العشرات من العلمانيين. من هنا نقول بأن كنيستنا الكلدانية لم تخسر علماً من أعلامها الكبار فحسب وإنما الأمة كلها وبجميع طوائفها خسرت رجلاً عظيماً ومنظراً كبيرا لا بل وفيلسوفاً لكنيسة المشرق نفسها.

كانت فلسفة الأب الراحل، والتي جعلت منه باعتقادي أن يكون فيلسوفاً لكنيسة المشرق، كانت تقوم على أساس فهم تاريخ كنيسة المشرق وتعميمه بين أبناء الرعية كعامل حيوي وجوهري في خلق أرضية مشتركة وعقلية منفتحة من أجل بناء أجواء تساعد على التفاهم والتباحث بين فروع كنيسة المشرق ومن ثم السعي نحو التقارب وربما التوحد مرة أخرى في كنيسة واحدة. وقد لعب الأب الراحل مع بعض من جيله من كهنة كنيستنا الكلدانية المتضلعون بالفكر النير والبحث العلمي الحديث دوراً  مهماً في تنوير الكثير من أبناء رعية الكنسية بالحقيقة التاريخية المشتركة لجميع طوائف كنيسة المشرق. فالدراسات والكتب والبحوث العلمية والتاريخية التي كتبوها لم تقتصر على مرحلة نشوء الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في منتصف القرن السادس عشر فحسب، بل شملت في معظمها تاريخ كنيسة المشرق ككل، فاستطاعوا بفعل ما كتبوه خلق أجواء من الثقة، لا بل وأفلحوا في كثير من الأحيان في إزالة ومحو بعض الأخطاء التي عقلت في رؤوس أبناء الرعية وأفلحوا أكثر في ردم الهوة الفاصلة بين تاريخ كنيسة المشرق وتاريخ نشوء الكنيسة الكلدانية وما كتبه الأب الراحل بهذا الخصوص دليل واضح ومبين على ما أقوله. وقد لعب مثلث الرحمات  مار روفائيل بيداويد بطريرك الكنيسة الكلدانية حينذاك دوراً كبيرا في هذا المجال خاصة وعندما نعلم بأن أطروحة قداسته للدكتوراه هي عن البطريرك مار طيماطيوس الكبير ورسائله المعروفة، وهو بطريرك سابق لفترة نشوء الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية بقرون عديدة. هذا التأكيد بوحدة التاريخ واشتراكه بين طوائف كنيسة المشرق، كان يعتقد الأب الراحل، بأنه سوف يلعب دوراً في إزالة الفتور والخلافات بينهم ويفتح الطريق نحو التقارب والتفاهم.

فإذا كان الماضي، أي التاريخ، واحداً وبكل ما يحتويه من لغة وعادات وتقاليد وأعراف وإيمان وطقس واحد، إذن لماذا لا يكون الحاضر أيضا واحداً؟؟. هكذا كان إيمان الأب الراحل، ففي آخر لقائي معه أتذكر بأن كل اهتمامه كان منصباً على دراسة تاريخ كنيسة المشرق، وأتذكر ذات مرة ذكر بأنه من الممكن أن تتوحد، على الأقل في المرحلة الراهنة على الشكل، أي على التسمية المشتركة. ولما كانت تسمية كنيسة المشرق مقبولة ويتفاخر جميع الطوائف بالانتساب إليها، إذن لماذا لا تكون تسمية مشتركة لجميع فروع كنائس المشرق. وأتذكر ذات مرة قال بهذا الصدد لماذا لا تتسمى كل كنيسة طائفية بكنيسة المشرق ؟ كأن نقول كنيسة المشرق للأثوريين وكنيسة المشرق للكلدان الكاثوليك وكنيسة المشرق للسريان الأرثوذكس وكنيسة المشرق للسريان الكاثوليك وهكذا. وفي بعض الأحيان كنا نجادله على مسائل قومية بشأن أراءه هذه وعن مكانة شعبنا كقومية ضمن هذه التسميات التي تخلط القومية بالطائفة فكان بهدوئه وسعة قلبه يجادلنا مجادلة الواعظ الصالح ويوعدنا ويقول بأن الزمن ووعي الإنسان كفيل بفرز الأمور على حقيقتها وإزالة حساسية التسميات فيما إذا بدأنا بخطوات سليمة وبسيطة في الوحدة وبعيدة عن التعقيدات والأمور المستعصية عن حلها بمنظور سياسي في العصر الراهن، فهذا الأسلوب قد يخلق أجواء تساعد على أن يتوحد أبناء الأمة عن طريق توحد كنيستها. فالماضي المشترك يجب أن يخلق بفعل العمل والإخلاص والإيمان حاضر مشترك، فإذا توحدت طوائف كنيسة المشرق فسوف تتوحد ،عاجلاً أم آجلاً، الأمة نفسها لأن الغالبية العظمى من أبنائها هم من  طوائف كنيسة المشرق. وكانت أفكاره بخصوص تسمية "كنيسة المشرق" التي كان يعشقها قد تضمنت في الدراسة التي أعدتها اللجنة الخاصة بدراسة تسمية الكنيسة وقدمتها إلى المجمع السنهادوسي للكنيسة الكلدانية  الذي أنعقد في بغداد عام 1996 تدعو إلى تغيير أسم الكنيسة إلى "كنيسة المشرق الكاثوليكية" غير أن المجمع أجل موضوع اتخاذ القرار إلى إشعار.

وقبل إستشهاده كانت  قناة الجزيرة الفضائية القطرية قد أجرت معه لقاءاً عن "الكلدان في العراق" وعندما شاهدتها أعيدت إلى ذاكرتي بعض من أفكاره عن وحدة الأساس القومي لمعظم أبناء طوائف كنيسة المشرق. وقبل أن نحكم على ما ورد في هذه المقابلة ونبني آراؤنا حول ما ورد فيها ، من الضروري جداً أن نضع في الاعتبار ما يلي:
 
(1)- المقابلة أجريت من قبل محطة فضائية عربية واسعة الانتشار لها موقع مؤثر وصوت مسموع من قبل معظم العرب في العالم تقريباً، والكل يعرف الأفكار والتيارات القومية والإسلامية المتطرفة التي تتحكم في العالم العربي وموقفها من أفكار وتطلعات الأقليات خاصة المسيحية منها وبعض من هذه الأفكار المتطرفة تنعكس في هذه الأيام في إلغاء المادة (50) من قانون إنتخاب المحافطات . (2)- المقابلة  أجريت في العراق ومع شخص عراقي ويعيش ويعمل ويخدم رعية الكنيسة في العراق وليس في خارجه، والكل يعرف أيضاً نظام البعث المقبور في العراق وتوجهاته السياسية فيما يخص سيطرته المباشرة على وسائل الإعلام وتوجيهها بما تخدم مصلحته، خاصة فيما يتعلق بسياسته تجاه الأقليات وتحديداً قوميتنا بمختلف طوائفها حول تجريدهم من المقومات القومية التاريخية وصهرهم في القومية العربية. (3)- المقابلة أجريت مع رجل دين يخدم الكنيسة بصفة نائباً بطريركياً للشؤون الثقافية وعميداً لمؤسسة علمية وعضواً في مجامع علمية محلية وعالمية تفرض عليه جميعاً التزامات تضعه في موقف يجعل منه أن يحترس ويدقق ويحذر من كل كلمة يقولها وإلا أنعكس كل تجاوز للخطوط المسموح بها على شخصيته ومنصبه وعلى الكنيسة والمؤسسات التي كان يمثلها.

ولو وضعنا هذه الاعتبارات أمام أعيننا وحللنا حديثه التلفزيوني عن الكلدان بنظرة موضوعية بعيداً عن المهاترات السياسية والقومية، خاصة المنطلقة من مجتمعنا في المهجر والبعيدة عن الواقع السياسي في العراق، لتأكد لنا بأن الأب الراحل استطاع، وكعادته في قوة البلاغة والمنطق، رد على أسئلة مقدم البرنامج المحرجة بكل شجاعة وأدب وثقة من دون تملق أو تزلف أو مدح بهذه الجهة أو بتلك، خاصة فيما يتعلق بموضوع تعريب قوميتنا في العراق حيث استطاع أن يوفق توفيقاً كاملاً بين أفكاره ومعتقداته من جهة، وبين الاعتبارات السالفة الذكر. وتجلت أفكاره الوحدوية العظيمة في معرض ردوده على كل سؤال كان يتعلق بالكلدان، باعتبار أن البرنامج كان مخصص لمناقشة هذا الموضوع، فكان جوابه، وعلى الدوام، يقوم على ذكر الكلدان والآشوريين والسريان معاً كشعب واحد، أو الإشارة إليهم كشعب بلاد ما بين النهرين أو وطن بيت نهرين وهكذا . ومن شاهد البرنامج لا أشك بأنه سوف لا يتفق معي في هذه النقطة. ولقد استغربت أكثر عندما تجنب وبالكامل ذكر أسم النظام العراقي المقبور أو رئيسه أو مدح الحزب الحاكم أو التملق إلى السلطة أو الحكومة كما يحدث عادة عندما تجري مثل هذه المقابلات في العراق وخاصة في موضوع حساس كهذا والذي لا يمر إلا ويستغل لأغراض دعائية ولتبرير ممارسة السلطة السياسية في العراق. وحتى بالنسبة للحصار الاقتصادي المفروض على العراق فأن حديثه لم يتجاوز بضعة كلمات عن تأثيره على جميع أبناء الشعب العراقي ولم يبالغ، كما هو معهود عند البعض من رجال الدين والعلمانيين في أحاديثهم التلفزيونية أو الصحفية، إلى درجة تصل مستوى تبرير ممارسات السلطة السياسة ودورها في استمرار هذا الحصار.

لهذا السبب عندما لقي الأب الراحل مصرعه في حادث سيارة وجه البعض أصابع الاتهام إلى إزلام البعث المقبور في العراق التي اشتهرت بهذا الأسلوب في القضاء على معارضيها السياسيين أو رجال العلم والفكر الذين لا يتفقون مع سياسة النظام تجاه مسألة معينة ويكون لهم دورا في الاتجاه المعاكس. ولكن التساؤل المحير هو هل فعلاً قتل نظام البعث المقبور الأب الدكتور يوسف حبي، ولماذا تريد التخلص منه؟؟ وهل كانت أفكاره من القوة والتأثير في إعاقة سياسة حزب البعث في هضم أمتنا بجميع طوائفها في بطن الأمة العربية بعد أن تكون قد رسخت وعظمت من التمزق الطائفي وحولت الأمة إلى مجرد شراذم طائفية تجمعها تسمية "عرب مسيحيون" ؟؟، ألم تكن هناك أساليب أخرى كالتهديد والترهيب أو الترغيب بـ"المكارم الحاتمية"  متوفرة لإخضاعه وتسخير معارفه لخدمة السلطة كما كان يحدث مع بعض من رجال الدين والفكر والثقافة في العراق وخارجه؟؟؟ أسئلة وأسئلة لا وجود لجواب قاطع ومؤكد لها. فالكنيسة الكلدانية نفسها في وقتها لم ترغب في الخوض في مثل هذه المتاهات السياسية ولكن بعض كهنتها أو بعض الذين كتبوا عنه أكدوا تأكيداً قاطعاً بأن ما حدث للمغفور له كان قضاءاً وقدرا والحادثة حدثت بسبب هطول أمطار غزيرة على طريق بغداد – عمان الذي يصبح زلقاً من جراء تسرب النفط من الشاحنات العابرة على الطريق كما كان الحال في يوم الحادثة. ولكن بالمقابل، من يعرف ظروف يوم سفر الأب الراحل إلى عمان والغموض المحيط بالحادث مسألة تثير شكوك ضلوع أزلام نظام البعث المقبور في القضاء عليه والتخلص من أفكاره الوحدوية. يقول صديق لي ووثيق الصلة بالمغفور له حضر إلى بغداد للمشاركة في احتفال الألفية الثالثة لكنيسة المشرق بفرعيها الكلداني والآشوري بأنه كان معه في نفس يوم سفره، يوم 14- 15/تشرين الأول/2000، ووصف حاله بأنه كان مقبوض القلب ومتحسر الروح وكان منزعجاً جداً بسبب تغييب سفره عن حضور احتفالات الألفية الثالثة لكنيسة المشرق بفرعها الكلداني والآشوري وأكد لصاحبي بأنه لأول مرة في حياته ينتابه مثل هذا الشعور وهو في طريقه إلى الخارج للقيام بواجبه الفكري المعهود به في بيروت وروما، وهي الرحلات العلمية التي كان يستمع بها وينتظرها. وكان من المقرر أن يأتي سائق السيارة "التاكسي" الساعة الرابعة عصراً من ذاك اليوم، وهو سائق  اعتاد الأب الراحل الركوب معه إلى عمان في كل سفراته. وذاك المساء لم يحضر السائق حسب الموعد المقرر ولكن بعد عدة ساعات حضر أخوه وذكر بأن أخيه "السائق الأصلي" مريض ولا يستطيع السفر فاقل الأب الراحل السيارة وسافر مع "السائق الجديد" إلى عمان وحدثت الحادثة في داخل الأراضي الأردنية وفي منطقة قريبة من مدينة الزرقاء حيث الطريق فعلاً ضيق وذو مسار واحد وقيل أنه بسبب فقدان السائق السيطرة انقلبت السيارة نتيجة تزحلقها وأن الأب الراحل وجد ميتاً خارج السيارة وعلى مسافة عدة أمتار منها أما السائق فقد نجى وبأعجوبة ولكن أصيب بإصابات خطيرة كما قيل !!!. سمعت هذه القصة من صديقي هذا الذي نفسه أكد تأكيداً قاطعاً بأن وفاة الأب الراحل في الحادثة كان قضاءاً وقدراً. ولكن مع كل هذا وذاك سواء اتفقنا أو اختلفنا على الجهة المسببة لمصرع الأب الراحل، فأن الحادثة قضت على رجل علم ودين كبير وخسرنا نحن جميعاً شخصية عظيمة خلدته الكتب والمؤلفات والذكريات التي تركها بين أبناء أمته ورعية كنيسته، كنيسة المشرق، التي عاش من أجلها وأستشهد من أجلها.

نبذة عن سيرة الأب الراحل الدكتور يوسف حبي
هذه نبذة مختصرة من سيرة الأب الراحل مقتبسة من جريدة "بهرا" 143 أواخر تشرين الأول 2000 التي تصدرها الحركة الديمقراطية الآشورية.
ولد الأب الراحل في 23/12/1938، حسب قناة الجزيرة، في مدينة الموصول شمال بلاد ما بين النهرين، وأسمه الكامل فاروق داود يوسف وتسمى كهنوتياً، كعادة كهنة كنيسة المشرق، بأسم يوسف حبي. في عام 1950 دخل المعهد الكهنوتي ونظراً لتفوقه على أقرانه رشح لإكمال الدراسة في الكلية الاورانية  في روما وفي عام 1961 رسم كاهن وفي العام التالي حصل على الليسانس في الفلسفة واللاهوت ثم درس القانون الكنسي وحصل على الدكتوراه في الفلسفة عام 1966 من جامعة اللاتران بروما كما حصل أيضا وفي نفس العام على دبلوم عالي في العلوم الاجتماعية من معهد جيسك  ودبلوم عالي في الإعلام من جامعة برودو في روما. عاد إلى مسقط رأسه فخدم في مطرانية الموصل وفي كنيسة مسكنته والطاهرة ثم عين لخدمة كنيسة مار أفرام وكان أيضاً سكرتيراً للمطرانية ومحاضراً في جامعة الموصل للفترة من 1970 لغاية 1981 وأستاذا في المعهد الشرقي بروما منذ عام 1983 وحتى وفاته. وبعد تسنم غبطة مار روفائيل بيداويد الكرسي البطريركي سنة 1989 طلبه لخدمة الأبرشية البطريركية فقدم إلى بغداد عام 1990. وبعد مخاض طويل وجهود مضنية من قبل قداسة البطريرك تكللت محاولاته بتأسيس كلية بابل للفلسفة واللاهوت عام 1990 وأسند عمادتها إلى الأب الراحل وبقى في منصبه حتى إستشهاده. وخلال تلك الفترة بذل فيها جهوداً كبيراً من أجل تقدمها والوصول بها إلى المستوى المطلوب والتي أصبحت بفضله صرحاً علمياً ليس للكنيسة الكلدانية وحدها وإنما لبقية طوائف كنيسة المشرق من المشرقيين والسريان، اكليريون وعلمانيون، حيث كانت أبوابها مفتوحة للجميع دون أي اعتبار طائفي. إضافة إلى ذلك كان نائباً بطريركياً للشؤون الثقافية وسكرتيراً للجنة التعليم المسيحي العليا المقامة بين الطوائف الكاثوليكية. كان عضواً في مجمع اللغة السريانية وعضواً عاملاً في المجمع العلمي العراقي ورئيساً لهيئة اللغة السريانية وعضو جمعية القانون الشرقي وعضو مؤازر في مجمعي الأردن ودمشق العلميين وعضو الجمعية الدولية لتاريخ الطب في باريس وعضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق وعضو الجمعية الفلسفية العراقية وعضو اتحاد المؤرخين وعضو نقابة الصحفيين العراقيين وعضو فخري في جمعية آشور بانيبال وهو أحد مؤسسي مجلة "بين النهرين" التراثية ورئيس تحريها وعضو هيئة تحرير مجلة "نجم المشرق" وكان مشاركاً  معروفاً في معظم المهرجانات والمؤتمرات داخل العراق وخارجها والمتعلقة بمواضيع اختصاصه فكان يتقن اللغات العربية والسريانية والفرنسية والإيطالية والإنكليزية والألمانية واللاتينية. أما مؤلفاته وأبحاثه ومقالاته فهي عديدة ومتنوعة نذكر منها الكتب التالية : الدير الأعلى وكنيسة الطاهرة/ حنين بن أسحق/دير الربان هرمزد/ دير مار كوركيس/ كتاب المولدين لحنين بن أسحق/ الإنسان في أدب وادي الرافدين/ طريق الفرح ترجمة عن الفرنسية/تاريخ إيليا برشينايا/ كنائس الموصل/ فهرس المؤلفين لعبديشوع صوباوي تحقيق عن السريانية/تواريخ سريانية/ رحلة أوليفييه إلى العراق/نيران – شعر/ دراسات إنجيلية/ كنيسة المشرق الجزء الأول/ نشوة القمم – خواطر/ خلجات – خواطر/ جوامع حنين بن أسحق في الآثار العلوية لأرسطو/ المجمع. كما ترك مخطوطة كاملة للجزء الثاني من كتابه كنيسة المشرق والذي كان قد أعده للطبع ومن المؤمل أن تقوم البطريركية الكلدانية بطبعه ونشره. هذا إضافة إلى العشرات من المقالات العلمية الرصينة المنشورة في مجلات عراقية وعربية وعالمية. وكانت آخر إطلالة له مساء يوم الاثنين المصادف 6/11/2000 على شاشة قناة الجزيرة الفضائية القطرية التي أجريت معه المقابلة التي سجلت قبل وفاته ببضعة أيام عن الكلدان ماضيهم وحاضرهم.



123
إلغاء المادة 50
في ضوء العقلية العراقية السياسية

أبرم شبيرا


الكتابة السياسية ليست كلام عن الواقع وتفصيله فحسب وإنما بالأساس هي تحليل هذا الواقع وخلفيته ومسبباته ومن ثم الوصول إلى بعض الإستنتاجات التي من خلالها يمكن قراءة المستقبل وإستباط بعض التوقعات والأحداث التي من الممكن أن تحدث في المستقبل أو تتحدد معامله أو مساراته، وهو النهج الذي عرفناه ودرسناه سواء في الأروقة الأكاديمية أو في المدرسة الحياتية اليومية، لا بل ومارسناه في كتاباتنا والتي أثبت بتشكل قاطع وجلي صحتها وحقيقتها العلمية في الواقع العملي.

في عام 2001 كتبت كتاباً بعنوان (الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر – دراسة مسألة في العقلية العراقية تجاه الأقليات ) والذي نشرته دار الساقي في بيروت ولندن، وهو بحثاً علمياً يعرض كيفية فهم العقلية العراقية تجاه الأقليات بشكل عام وأتخذنا الآشوريين كنموذج لأقلية عراقية باعتبار كون مسألتهم السياسية ومطاليبهم القومية أكثر وضوحاً وإثارة للعقلية العراقية والطبقة الحاكمة والتي أصبحت المنهج السياسي والفكري المعتمد للأنظمة السياسية التي تعاقبت على السلطة في العراق منذ نشؤء كيانه السياسي في بداية العشرينيات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا في التعامل مع مسألة الأقليات في العراق.

في هذا الكتاب أخذنا مختلف النماذج العقلية العراقية سواء السياسية منها كالقومانية و"الوطنية" والشيوعية والبعثية أو القومية كالعربية والكردية والتركمانية أو الدينية كالتيارات السنية والشيعية وفي كل الإتجاهات والأحوال والأزمان والأنظمة تبين بأن العقلية التي كونها هذا التنوع العراقي السفسطائي تأطرت بإطار واحد متشابه وأستمدت أساس هذه العقلية من مصدر واحد أو مصادر متشابه أو متقاربة سواء على مستوى الفكر أو الممارسة السياسية وبالتالي أنتجت هذه العقلية توجهات فكرية وسلوكيات إجتماعية وقرارات سياسية متشابهة في معالجة مسألة الأقليات في العراق وتحديداً المسألة الآشورية التي أتخذت كمعياراً للدراسة ولم تتغير هذه السلوكيات والقرارات بمضمونها العام بتغيير الأزمنة والأنظمة السياسية في العراق.

ومن الملاحظ بأن المصدر أو المصادر، وهي في مجملها عدائية،  والتي بنيت عليها العقلية العراقية السياسية ليست علة العلل وحدها بل المنهج أو الأسلوب المستخدم في معالجة مسألة الأقليات العراقية. حيث طغى أسلوب "العداء السافر" ورفض الطرف الآخر المختلف وعدم قبوله ضمن اللعبة السياسية في العراق شكل منهجاً سياسياً وفكريا لأسلوب الحكم في العراق. فالإختلاف المشروع كمنهج سياسي وفكري متحضر كان ولا يزال غائباً عن الأنظمة السياسية التي تعاقبت على السلطة في العراق. والإختلاف المشروع كمنهج فكري لا يمكن أن يعيش أو يتواجد أو يستمر إلا في إطار أو نظام ديمقراطي حقيقي وليس شكلي. والديمقراطية هنا ليس القصد منها مفهومها الليبرالي في أسلوب الإنتخابات الحرة وفي غلبة الأكثرية على الأقلية كما هو متعارف عليه بل القصد منها هو نظام إجتماعي يقبل التعددية بغنى عن حجم أو عدد أطراف اللعبة السياسية ويحترم تطلعاته ويفسح له المجال في المشاركة السياسية وفي صنع القرار السياسي الذي يخصه تحديداً ويخص الآخرين عموماً. من هنا نقول بأن الاختلاف سواء أكان قومياً أو دينياً أو لغوياً أو حضارياً أو فكرياً أو سياسياً يشكل أداة لعدم الاستقرار لا بل عامل في تدمير الوطن والمجتمع أذا فهم هذا الاختلاف من خلال منهج العداء السافر في حين يشكل هذا الاختلاف إغناءاً سياسياً وفكرياً وحضارياً إذا عولج وفق منهج الاختلاف المشروع. فهذا المنهج الحضاري في قبول الآخر المختلف لا يعطي الحق لأي من كان ومهما كان حجمه وثقله في إلغاء الآخر لأن مثل هذا الإلغاء ما هو إلا شكل قبيح من أشكال الدكتاتورية والاستبدادية التي لا مكان لهما في المجتمع الذي يسعى إلى التقدم والتحضر. فالديمقراطية والتعددية لا يمكن إقامتها بالدستور وإنما بروح هذه الدستور ومدى إعتماده كمبدأ أساسي لا غنى عنه للقوى السياسية في التعامل مع الآخر المختلف.

واليوم لا يمكن فهم معنى إلغاء مجلس النواب العراقي المادة 50 من قانون انتخابات مجالس المحافظات وإمحاء حق الأقليات في تمثيل أنفسهم إلا من خلال العقلية العراقية للأكثرية المطلقة المسيطرة على المجلس والتي هي ممارسة دكتاتورية لا إنسانية لا يقبل بها المجتمع المتحضر إلذي يسعى العراقيون الخيرون الى إقامته. إن هذا الإلغاء يزيل رتوش الديمقراطية والتعددية التي يتغنون بها ليل نها ويكشف قباحة القرار السياسي للأكثرية المسيطرة والذي يبدو بأن النظام السياسي في العراق تحول من نظام دكتاتوري فردي إلى نظام دكتاتوري جمعي طالما أن مثل هذ النظام في كلا الحالتين لا يعطي أهمية للأخر المختلف ويستبده أن لم يكن جسدياً وإنما فكرياً وسياسياً وحضارياً وهو الآسوء من كل استبداد عرفه الإنسان. وإستبداد الأغلبية المطلقة للأقليات العراقية، وبشكل أدق للقومية الكلدانية السريانية الآشورية يتضاعف ويتعقد أكثر فأكثر بسبب الاختلاف الديني واللغوي والحضاري وحتى النفسي الذي يجعل كل هذه الاختلافات أمراً يصعب على العقلية العراقية التي تحكمت في قرار مجلس النواب عند إلغاء المادة 50 من فهمها.

هناك حقيقة ثابتة تقول بأن فاقد الشيء لا يعطيه. ومن المؤسف أن تكون المجموعات الكبيرة المسيطرة على الحكم في العراق تفقد النهج الديمقراطي في تعاملها مع الآخر المختلف وبالتالي لا يمكن لها أن تعالج المسائل السياسية لهذا الآخر المختلف بأسلوب ديمقراطي لأنه من لا يكون ديمقراطياً فهو حتماً دكتاتورياً. والمهزلة التي أعتمدتها هذه الأغلبية المستبدة بقرارها في إلغاء المادة 50 وتبرير هذه الألغاء بحجج وأسباب لا يقبلها حتى المجنون والجاهل تنطبق عليها قبل أن تنطبق على الأقليات العراقية... فهم لا يرون الخشبة التي في عينهم وإنما يرون القشة الصغيرة في عين الآخرين... كيف يكون العميان وعديم البصيرة؟؟؟؟  ان مثل هذه الممارسات اللاديمقراطية تجاه الأقليات تنبع بالأساس من الفقر النظري والعملي لهذه القوى المسيطرة. فالمبدأ النظري الثابت حيال مسألة الأقليات في العراق غائب عند معظم هذه القوى إضافة إلى ذلك فهي تفتقر إلى الخبرة والممارسة السياسية للحكم بأسلوب ديمقراطي وبالتالي فأن مسألة الأقليات تعتبر عندهم مسألة ثانونية وهامشية في مقارنة مع مسائلهم ومصالحهم والتي لم تتاح لهم الفرصة لتحقيقها خلال الأنظمة السابقة. كما أن برامجهم السياسية تخلو من النهج الموضوعي في تناول مسألة الأقليات تناولاً مبدئياً وديمقراطياً وفاعلاً ومقنعاً لأبناء وممثلي هذه الأقليات إقناعاً منطقياً بجدية برامجها السياسية التي تستعملها للإستهلاك السياسي. وحتى بالنسبة لبعض هذه القوى التي وفرت بعض الكلمات والسطور في برامجها السياسية عن مسألة الأقليات في العراق فإنها جاءت كسياسة تكتيكية فرضتها ضرورة دمقرطة برامجها وكأسلوب للظهور بمظهر ديمقراطي مخالف ومناهض للنظام الدكتاتوري السابق.

والغريب العجيب في أسلوب بعض أفراد هذه القوى هو أنهم صوتوا أنفسهم أو قائمتهم للإلغاء هذه المادة في حين يظهرون على شاشات التلفزيون ويطلقون تصريحات في أعتبار هذا الألغاء مجحفاً بحق الأقليات وغير صحيح !!! أليس عجيباً وغريباً أن يقرون بحق الشعب الكلداني السرياني الآشوري في الحكم الذاتي في الوقت الذي يمحون حقاً بسيطاً من حقوقهم في تمثيل أنفسهم؟؟؟ أليس هذا نفاقاً سياسياً توارثوه عن الأنظمة السياسية الفاشية في العراق؟؟؟ كيف سيقر الكرد بحق الشعب الكلداني السرياني الآشوري في الحكم الذاتي في حين صوتوا لصالح إلغاء المادة 50 ... أفهل يحاول الكرد أن يبينوا لنا بأنهم هم الذين سيمنحون حقوقنا القومية وليس الحكومة المركزية أو البرلمان العراق؟؟؟؟.

وأخيراً يجب أن لا نرش كل الحبر في وجه القوى المسيطرة على البرلمان العراقي بسبب إجحاف حقنا المشروع في تمثيل أنفسنا وإنما نبقي القليل منهم لنرشه في وجهنا ونكشف الجانب القبيح لممارساتنا السياسية والقومية والتي تستغل إيما إستغلال من قبل هذه القوى في التمادي في إجحاف حقنا المشروع. من المؤسف أن نقول وأن نكرره عدة مرات بأنه نقلد العرب كثيراً في المسائل السياسية وبالنتيجة يصيبنا الكثير من الويلات في الفشل السياسي كما أصاب العرب في قضيتهم القومية. لقد أصبحنا مثل العرب أمة رد فعل وليست أمة فعل. ننتظر أن يحدث الحدث ويقع الفأس على الرأس ثم بعد ذلك نتحرك لمعالجة الكارثة. لقد سبق وأن نبهنا في الكثير من كتاباتنا بأن مسألة نيل حقوقنا المشروعية ونزعها من بين أنياب "الذئاب" ليست بالأمر السهل والهين. فأول الأوائل يستوجب أن نرتب بيتنا الداخلي وأن نحصن سور بيتنا وأن نجادل ونناقش ونتنازع داخل هذا السور ونحدد الإطار العام للمصلحة القومية بحدها الأدني ثم نظهر خارج السور ونواجه الآخرين بسلاح واحد فقط أسمه "المصلحة القومية" ولا غيرها.... أما مشكلة التسمية وعدد الكراسي والمناصب وأولية هذا الحزب على الآخر فهي مسائل داخلية لا بد أن تكون قد نوقشت داخل سور البيت قبل الخروج إلى خارجه... في مناسبة سابقة ذكرنا بأنه نتمنى أن نرى يونادم كنا متكاتف مع أبلحد أفرام و سركيس أغاجان وهم يقودون المسيرات والتظاهرات كتعبير بسيط لوحدة أمتنا بجميع تنوعاته غير أنني لم أتلقى غير سوء الفهم والتهجم من البعض في فهم هذا المغزى.... واليوم كم هو جميلاً أن نسمع أبلحد أفرام يقر بأن مشكلة التسمية يجب أن تطرح جانباً في هذا الوقت العصيب وأن نركز على الأهم ما هو منها في ضمان حقوق الأمة الكلدانية السريانية الآشورية وليس "الكلدانية" فحسب كما كان ينادي بها هو وحزبه. والأجمل من هذا أن نرى قناة عشتار وهي لأول مرة في تاريخها تذيع أخبار عن يونادم كنا وأن تبين المسيرة الجماهيرية الإحتجاجية في ألقوش التي كان في مقدمتها جورج أسحق عضو المكتب السياسي للحركة الديمقراطية الآشورية وباسم بلو قائمقام تلكيف وعضو اللجنة المركزية لهذه الحركة بعد أن كانت مثل هذه الأسماء محرمة على هذه القناة.. أتذكر بهذا الصدد قصة الدكتور يوسف التي عرضتها في مقالتي "الآثوري الحقير" التي نشرت في أعداد سابقة لعنكاوه دوت كوم  وكيف أن الاستبداد والاضطهاد يخلق رد فعل في إنهاض وإنماء الوعي القومي، أفهل أن إستبدادية إلغاء المادة 50 سيساهم في توحيد القوى السياسية لمجتمعنا وأن نرى فعلا يونادم كنا في إجتماع مع أبلحد أفرام وهما يناقشون المصلحة القومية العليا وأن يعرض هذا الاجتماع في قناة عشتار؟؟؟

هناك سؤال آخر محير وهو موقف الكرد من هذه التطورات.... فمن الواضح والمبين بأن أبلحد أفرام له علاقة قوية وإنتسابية للحزب الديمقراطي الكردستاني وكان قد فاز بعضوية مجلس النواب العراقي ضمن القائمة الكردستانية ولا يمكن فهم إنسحابه من هذه القائمة بعد أن صوت معظم أعضاء هذه القائمة لصالح إلغاء المادة 50 إلا نوعاً من الجرأة والشجاعة وكسب بهذا أحترامنا الكبير. وقناة عشتار، التي يشرف عليها سركيس أغاجان وهو وزير في حكومة إقليم كردستان وكادر متقدم في الحزب الديمقراطي الكردستاني، في البارحة سكبنا لومنا الشديد عليها لأنها حجبت عن نقل ولو جزء بسيط من مسيرة نيسان الكبيرة لشعبنا في هذا العام التي نظمتها الحركة الديمقراطية الآشورية وكان أسماء قيادي هذه الحركة محرمة عليها واليوم تفتح هذه القناة أفاق أوسع ليقبلها الجميع ونستمتع بأخبار شعبنا. ترى هل هذه البوادر الخيرة ستكون فاتحة نحو تحقيق نوع من التفاهم بين هذه القوى السياسية الفاعلة على الساحة؟؟؟ وما هو موقف الكرد وقواه التي أيدت إلغاء المادة 50..... نحن ومن موقع بعيد لا يمكن أن نجزم في أمر قاطع عن غاية الكرد من هذا السلوك السلبي ولكن يمكن الاستنتاج بأن مسألة كركوك قد تكون أحد الاسباب وليس كل الأسباب. وبالمقابل نعتقد بأن حكومة إقليم كردستان ستقوم بخطوة إيجابية تجاه مجتمعنا تعويضاً عن هذا الإلغاء وقد تكون هذه الخطوة تهيئة الأجواء أو غض النظر عن تحركات أبلحد أفرام وقناة عشتار نحو "المصالحة" مع الحركة الديمقراطية الآشورية إرضاءاً لهم والتخفيف من "زعلهم". أن الكرد وقواهم السياسية الفاعلة يعرفون شعبنا الكلداني السرياني الآشوري أكثر من أي مجموعة عراقية أخرى.  فنحن عشنا معهم تاريخاً وأرضاً بحلاوتها ومرارتها وعرفوا بأننا شعب مسالم لا نحب إلا الخير للجميع وخاصة لجيراننا لا بل وخدمنا الحركة القومية الكردية بدمائنا وأموالنا وراحتنا وخسرنا معظم أراضينا بسبب هذه الحركة فبالمقابل على الكرد أن يردوا الجميل بأجمل منها وأن يفسحوا المجال للقرار السياسي للشعبنا أن يكون مستقلاً لا تابعاً حينذاك سيتقرر نوع الكيان السياسي والإداري الي سيقرره القوى الفاعلة في مجتمعنا سواء أكان حكما ذاتياً أو إدارة محلية أو ... أو ... فالمهم أن تتوحد الكلمة ولا يهم حينذاك فيما إذا أرتبط هذا الكيان بالحكومة المركزية أم بإقليم كردستان أم بجزيرة واق واق أو أستقل إستقلالا كاملاً وبنيت على أساسه "آشورستان" ولكن ليكن الكرد تمام اليقين بأن مثل هذا الكيان المستقل في قراره سيكون إغناءاً لأقليم كردستان سواء أرتبط به أم لا وليس تهديداً أو إنقاصاً منه لأن الواقع الموضوعي يفرض نفسه أن نحكم مثل هذا الحكم من الان، فالجغرافيا تحكم حكماً قاطعاً لايمكن التلاعب أو التأثير فيها. وبعد البوادر الإيجابية التي بدرت من الشخصيات السياسية المذكور، فعلى القوى السياسية الفاعلة في مجتمعنا أن تتهيء نحو الخطوة التالي في الأعلان عن الحكم الذاتي لشعبنا في مناطق تواجده والتاريخية وأن تضع جانباً الدستور أو القوانين التي لا تعير أهمية لوجودنا في أرض أبائنا وأجدادنا..... فالدساتير والقوانين الفارغة من روح التسامح ومبادئ الديمقراطية والقائمة على العداء السافر في إلغاء الآخر المختلف لا مكان لها إلا في الزبالة.     



124
مذبحة الآشوريين في سميل -  7 آب ( أغسطس) 1933
========================================

الأقليات في مسار تطور تاريخ العراق السياسي

أبرم شبيرا

بتصفح صفحات تاريخ العراق السياسي لعقود خلت وبتحليل أحداثها وسياسات أنظمة الحكم تجاه مشكلة الأقليات القومية والدينية، رغم اختلاف وتنوع أشكالها وأساليب ممارسة السلطة من نظام إلى أخر، إلا أنه مع هذا يمكن استخلاص بعض الأسس أو المبادئ العامة المشتركة بينهم والتي حكمت هذه السياسات الثابتة في جوهرها والمختلفة في شكلها العام. فتقادم الزمن الذي فرض عليها ضرورة تحديثها بأطر شكلية متلونة بالديمقراطية وسيادة القانون وغيرها من المفاهيم السياسية المتقدمة لم تغير من جوهرها أو مضمونها بشيء إذ بقيت دون تغيير أساسي في الممارسة الواقعية. ويمكن إيجاز هذه المبادئ العامة بما يلي :
1 – انعدام تأثيرات العوامل الجيوبوليتكية، من اثنوغرافية وطوبوغرافية وطبيعية، التي تزخر بها أرض العراق وشعبه، على عقلية صانعي القرار السياسي العراقي وبالتالي تجاهل تنوع الوجود الفعلي والمتميز للمجموعات العرقية والدينية والثقافية وانعدام تأثيرها الحقيقي والإيجابي على رسم السياسات العامة للدولة أو المشاركة فيها.
2 – غياب الفكر السياسي أو الموقف النظري الثابت والمبدئي حيال معالجة مسألة الأقليات القومية والدينية وبالتالي طغيان الأسلوب الفاشيستي العسكري في التعامل مع التطلعات المشروعة للأقليات التي فرضت الضرورة التاريخية عليها للعيش في الدولة الواحدة والتمسك بالقيم الوطنية والتعايش السلمي والحضاري مع بقية التنوعات القومية والدينية للشعب العراقي سواء أكانت أكثرية أم أقلية.
3 – عدم قدرة صانعو القرار السياسي في العراق، بقصد أو بجهل ، على استيعاب المفهوم الاجتماعي للديمقراطية باعتباره شكلاً من أشكال التعبير عن تطلعات ومخاوف هذه الأقليات، وبالنتيجة ابتعاد القوانين والسياسات العامة للدولة عن التعبير الحقيقي لمصالح ومواقف هذه الاقليات بشكل خاص وعن الرأي العراقي بشكل عام.
4 – ابتكار سياسات فكرية وقانونية وإدارية تكتيكية لاحتواء مخاوف الأقليات وامتصاص تطلعاتها وإضفاء الصفة الشرعية عليها، سواء عن طريق تخويف وإخضاع البعض منهم وتقديمهم على أساس كونهم ممثلو هذه الأقليات،  أو عن طريق تبرير الأسلوب الفاشيستي بطرق قانونية شكلية.
5 – استغلال التعدد الطائفي والديني في العراق واستخدامه في تحقيق سياسات النخبة الحاكمة وعن طريق تصعيد الخلافات الطائفية والدينية إلى مستوى الخلافات السياسية والفكرية وحتى إلى مستوى المصادمات المسلحة.
6 – عدم جدية رجال الحكم في العراق في إشراك الأقليات في صفة المواطنة والجنسية وتعقيد الإجراءات الرسمية لتحقيق هذه الصفة وإبقائهم ضمن حدود المواطنة من الدرجة الثانية أو أدنى واللجوء في كثير من الأحيان إلى إضفاء صفة "التبعيـة " للدول الأخرى المتخاصمة معها وبالتالي تعميق نظرة الشك والريبة في واقعهم وتاريخهم مساهمين بذلك في خلق استعداد فكري وسياسي لقبول الأكثرية أو عامة الشعب النعوت والتهم التي تلصق بالأقليات وحركاتها الساعية للتعبير عن مخاوفها وتطلعاتها، كالخيانة والعمالة والارتباط بالأجنبي وإنعاكس ذلك كردود فعل في سياسات الدولة الرسمية أو السلوكيات العامة الكامنة في مضامين الشعارات المرفوعة كمحاربة الاستعمار والإمبريالية وإزالة المخاطر التي تهدد سيادة الوطن وحدوده، وغيرها من البدع والشعارات التي يزخر بها قاموس العراق السياسي.

ضمن هذه الأسس النظرية يمكن فهم واستيعاب ظاهرة عدم الاستقرار السياسي في العراق وما صاحبها من انفجارات وحروب أهلية على أساس كون معظمها مرتبطة بشكل أو بآخر بمسألة الأقليات الاثنولوجية والدينية والطائفية في العراق.

والآشـوريون، أقلية عراقية انعكست المعايير القومية والدينية والتاريخية وحتى الطبقية والنفسية التي تحدد المعالم الأساسية للأقلية، انعكست في أقصى صورها على وضعهم كأقلية  لتفرزها في النصف الأول من القرن الماضي ضمن حدود هذه المعايير على السطح السياسي كأقلية قومية ودينية تختلف قومياً ودينياً وتاريخياً لا عن الأكثرية فحسب بل عن بقية الأقليات القومية والدينية الأخرى في العراق. فالخاصية الاثنولوجية والميثولوجية وتشابك وتعقد ومن ثم الترابط بشكل عضوي لا يقبل الانفصام بين المعايير القومية والدينية للآشوريين عبر تواصلهم التاريخي الطويل، أفرزت وضعاً فريداً في نوعه وجوهره وتناقضات قومية ودينية وتاريخية استحال على رجال الفكر والسياسة في العراق فهم واستيعاب خاصيته المتميزة ومن ثم وضع الحلول المناسبة للمسألة الآشورية منذ تأسيس دولة العراق وحتى يومنا هذا، فأنعكس ذلك بشكل مباشر على سلوك صانعي القرار السياسي وعلى أساليب القمع الفكري والعسكري والتي تراوحت بين سياسة الاحتواء الفكري وتجريد الآشوريين من صفتهم القومية والتعامل معهم كطائفة دينية غريبة ووافدة إلى العراق أخضعت حقوقها لـ "مكارم القائد" وللجمعيات الخيرية،  وبين الحملات "التأديبية" العسكرية للقضاء على "عملاء الاستعمار والإمبريالية " أو للحروب الجهادية المقدسة ضد "الكفرة" . ولعل الحركة الآشورية ومذبحة سميل التي رافقتها في شهر آب من عام 1933 والسياسات الأخرى التي تلتها خير مثال على ذلك.

ففي الأيام الأولى من قيض شهر آب (أغسطس) عام 1933، وبتشجيع من نائب الملك العراقي وولي العهد غازي بن فيصل وبتوجيه وإشراف النخبة الحاكمة ، نفذ الجنرال بكر صدقي قائد القوات العراقية في المنطقة الشمالية عملية تنفيذ المذبحة الجماعية ضد الآشوريين في بلدة سميل، أكبر التجمعات الآشورية في شمال العراق والقريبة من مدينة دهوك، مرسياً بذلك مبادئ وقيم سياسية وعسكرية في أسلوب معالجة المشاكل الوطنية وفي كيفية التعامل مع التطلعات المشروعة للتنوع القومي والديني في العراق، وهي القيم والمبادئ نفسها التي طغت على منهج السياسة العراقية في تعاملها مع الاقليات في المراحل اللاحقة والتي حكمت مسار تطور تاريخ العراق السياسي ليس تجاه هذه المسألة فحسب وإنما تجاه المسائل السياسية الأخرى المختلفة عن نهج النخب الحاكمة في العراق.

المغزى المراد استخلاصه من إحداث الحركة الآشورية لعام 1933 والمذبحة التي رافقتها لا تكمن أهمتها التاريخية باعتبارها أول حركة سياسية اجتماعية نادت بأهدافها بعد أشهر قلائل من الاستقلال الشكلي للعراق واكتسابه لعضوية عصبة الأمم في عام 1932، بل يكمن هذا المغزى أيضا في :
1 – الاستعداد الحكومي والشعبي، فكرياً وسياسياً ، والتخطيط المنظم المسبق لارتكاب المذبحة والهالة الدونكيشوتية التي أحيط بها مرتكبوها .
2 – دراماتيكية الحدث نفسه والنتائج التي أعقبته ليس على الآشوريين فحسب، بل على بقية المجموعات القومية والدينية الأخرى .
فالاستعداد المسبق المنظم للحدث كانت تنبع نواياه من ترسبات تاريخية تمتد جذورها لعقود سابقة له، أبان الحملات العثمانية "التأديبية" تجاه الآشوريين وبقية القوميات غير التركية. فمعظم أعضاء النخبة الحاكمة التي عالجت الحركة الآشورية عام 1933 بأسلوبها الفاشيستي العسكري كانوا بشكل أو بأخر جزءاً من المؤسسة العسكرية العثمانية، فالاستعاضة عن الفيسة ( وهي القبعة الرسمية لرجال الحكم العثماني ) بالسـيدارة ( وهي القبعة الرسمية لرجال الحكم العراقي) لا تعني استبدال وتغيير اساليب ومناهج الحكم والسياسة، والدين (كتاب خيانة بريطانية للآشوريين لمؤلفه يوسف مالك الموظف المدني في الحكومة العراقية المطبوع عام 1935 في الولايات المتحدة الأمريكية ).

فعشية انهاء الانكليز لنظام الانتداب على العراق  عام 1932 ومنحه الاستقلال الرسمي وتهيئة اجراءات دخوله لعصبة الأمم، كان أعضاء النخبة الحاكمة في العراق، ضمن سياق تأثرهم العميق بأفكار الفاشية والنازية واعجابهم الشديد بهتلر وموسيليني وكمال أتاتورك ، يبحثون عن هدف لتحقيق شعاراتهم في مقاومة الاستعمار والامبريالية ومكافحة أعوانه وجواسيسه وحماية حدود الوطن وصيانة سيادته واستقلاله لغرض استخدام هذه الشعارات "الوطنية" الطنانة في اضفاء نوع من الهالة البطولية على الاستقلال الممنوح وأظهاره كناتج عن كفاح شعب وحكومة العراق وعمل من الأعمال "الخارقة" للجيش العراقي الذي لم يكن قد دخل أية معركة او اختبار حقيقي. وبسبب الظروف المأساوية التي أفرزتها نتائج الحرب الكونية الأولى وتسويات الحدود والمعاهدات الدولية على الآشوريين وجدت النخبة الحاكمة فيهم "الحلقة الأضعف" في سلسلة الحلقات الساعية الى البحث والمطالبة عن ضمانات حماية وجودهم القومي والديني المتميز والتي برزت بشكل أكثر وضوحاً بعد اعلان الانكليز عن نواياهم في التخلي عن نظام الانتداب في العراق ومنحه الاستقلال. كما وجدت في عمق التناقضات القومية والدينية والتاريخية وفي خلفية طبيعة علاقة الآشوريين بالانكليز الناجمة عن تحالفهم مع الحلفاء أبان الحرب العالمية الأولى وما بعدها في مقارعة استبداد ومطامع الدولة التركية، وجدت فيها الظروف الملائمة جداً لاستغلالها وجعل الآشوريين الهدف الأمثل لتحقيق أهداف النخبة الحاكمة في تأطير الاستقلال بصور بطولية ووطنية تثير حماس واندفاع الشعب نحو حكومة الدولة الفتية .

ولما كان الآشوريون "الحلقة الأضعف" في السلسلة الاجتماعية والسياسية العراقية ولا يشكلون أي خطر حقيقي أو تهديد جدي على الدولة العراقية، مقارنة مع الحلقات الكردية والشيعية الأقوى، فإن مسعاهم في المطالبة بجزء يسير وبسيط من الحقوق التي كانوا يتمتعون باضعافها في ظل الدولة العثمانية كانت من الممكن وبسهولة جداً حلها والإيفاء بها واحتواء الملابسات التي رافقتها من دون إراقة الدماء. غير أن ذلك لم يكن يخدم أهداف النخبة الحاكمة، بل على العكس من ذلك تماماً حيث استوجب عليها تصعيد الأحداث وإيصالها إلى حافات الهاوية وتصوير الآشوريين ومطالبهم كخطر حقيقي داهم على أرض الوطن وتهديد جدي لأمن حدوده وسلامته. وهذا ما دفع، على سبيل المثال لا الحصر، عبد الرحمن البزاز (استاذ جامعي ورئيس وزراء أسبق ) إلى اعتبار الحركة الآشورية لعام 1933 من أهم المخاطر الجمة والفتن الداخلية الجسيمة التي واجهها العراق المستقل وعرضت سمعته الدولية إلى الكثير من الغمـز " (كتاب العراق من الاحتلال حتى الاستقلال – فتنة الآثوريين ص 223-232 ) .

من هذا المنطلق بدأت حملة رسمية وشعبية منظمة ضد الآشوريين قبيل مذبحة سميل … ففي الفترة الممتدة من الأول إلى الرابع عشر من شهر تموز (يوليو) 1933 نشرت أكثر من 80 مقالة رئيسية في الصحافة العراقية والتي كتبت من قبل مختلف الاتجاهات والتيارات السياسية وكانت جميعها تطالب بالقضاء على الآشوريين وافنائهم. وخلال شهر آب أعلنت الحكومة العراقية والصحافة وبعض الأحزاب والمنظمات السياسية الحرب المقدسة "الجهاد" على الآشوريين "الكفرة" وأصدرت الأوامر للتطوع ووزعت السلاح على المتطوعين، كما وجهت الحكومة شكرها وامتنانها للتجار وزعماء بعض العشائر البدوية والكردية للجهود التي بذلوها من أجل حماية وصيانة الوطن من الآشوريين "المرتزقة والجواسيس وعملاء الاستعمار والامبريالية … " . وأصدرت الحكومة العراقية أيضاً عشية مذبحة سميل أوامرها بمكافئة كل شخص بدينار واحد عن كل آشوري يُجلب إلى السلطات الحكومية حياً أو ميتاً، كما أعلنت الحكومة وبعض العلماء، البعيدين كل البعد عن سماحة الدين الاسلامي ، قرارات وفتاوى حللت بموجبها سلب ونهب قرى وممتلكات الآشوريين واعتبرت أعمال العنف والمذبحة المرتكبة قانونية وشرعية واتهمت كل من لا يشارك فيها بالخيانة بحق الوطن. وخلال شهر آب من نفس العام ، قبيل وأثناء وبعد المذبحة، نشرت الصحافة العراقية أكثر من 230  عمود صفحي ومقالة مهينة جميعها تدعو ألى تخليص البلاد من "الملحدين والمتمردين" الآشوريين والقضاء نهائياً على " ذئاب آشور" كما نعتهم الشاعر "الوطني" معروف الرصافي، عضو البرلمان العراقي، في قصائده وخطبه "الوطنية" الحماسية. من كتاب خيانة بريطانيا للآشوريين ليوسف مالك.

ضمن هذا التصور دخلت مذبحة سميل، رغم بشاعتها ووحشيتها، في قاموس العراق السياسي وترسخت في البنية الفكرية العراقية  كحدث تاريخي وطني وعمل من أعمال البطولة والنضال ضد الاستعمار والامبريالية وأعوانهم .. وكانت "وبحق الواجب الوطني الذي انقذ البلاد وحمى استقلاله وسيادته" . وأصبح قادة الجيش العراقي المتمثلون في النخبة العسكرية وعلى رأسها بكر صدقي، رمزاً وطنياً للإخلاص والتفاني في سبيل الوطن، فأحيط مرتكبي المذبحة بهالة البطولة الدونكيشوتية وزينت صدورهم بأنواط الشجاعة والبطولة التي تراصت مع الأنواط السابقة الممنوحة لهم من قبل أسيادهم السابقين العثمانيين عن "بطولاتهم" العسكرية اثناء حملات سحق حركات تحرر الشعوب غير التركية إبان انهيار "الرجل المريض" في الحرب الكونية الأولى. وكان من الطبيعي أن تلجأ السلطة ورجالها إلى تبرير المذبحة بحج شرعية وقانونية مختلفة، فبالإضافة إلى التبريرات السياسية المكتسية بألوان وطنية ودينية لجأت إلى استثمار مخاوف بعض الآشوريين والفرض عليهم بإرسال برقيات تأييد وتهنئة لقادة الجيش العراقي وللحكومة على نجاحها في القضاء على "الفتنـة الآشورية " واستنكار مطالب الآشوريين الوطنية والقومية والدينية والتهجم على زعمائهم بما فيهم بطريرك كنيستهم في العراق واظهاره وكأنه "زعيم عصابة متمردة " (عن هذه البرقيات أنظر كتاب عبد الرزاق الحسني  : تاريخ الوزارات العراقية – الجزء الثالث)، ومثل هذا الأسلوب في خلق ممثلين زائفين للمجموعات المعارضة للحكومة أسلوباً قائماً في العراق وكان نظام البعث العراقي بارعاً في هذا الأسلوب عند مقاومته للحركات الكردية والشيعية والآشورية.

أما دراماتيكية المذبحة فإنها لا تكمن فقط في المنظور المادي فحسب ، وفي بشاعة المذبحة التي قدر ضحاياها بما يزيد عن ثلاثة آلاف قتيل آشوري وفي نهب 66 قرية وتدمير العديد منها ومحوها من الخريطة وتشريد عشرات الآلاف من سكانها أو في بقـر بطون الحوامل أو في قتل رجال الدين وصلبهم وبشكل مقلوب بعد أن نزع الصليب من صدرهم ووضع في ثغرهم وبعثرت أوراق الكتاب المقدس الممزقة على أجسادهم والتي تم اختصارها بسطور قليلة في التقرير السري الذي أعده لحكومته أحد المستشارين البريطانيين العاملين في خدمة الحكومة العراقية حيث ذكر "لقد رأيت وسمعت الكثير من الأحداث المروعة والتي حدثت خلال الحرب العالمية … ولكن الذي رأيته في سميل بعيد عن تصور الإنسان"، بل أن دراماتيكية هذه الأحداث تكمن أيضاً، وبشكل أكثر عمقاً وشمولاً، في المنظور السياسي لها وفي النتائج التي أعقبت المذبحة ضمن سياق تطور تاريخ العراق السياسي حيال مشاكله القومية والدينية. ففي جوابه على شرح المفتش الإداري البريطاني لدى الحكومة العراقية لخطورة الموقف الآشوري من جراء هذه المذبحة ، يقول السياسي العراقي ناجي شوكت، أحد أعضاء النخبة الحاكمة ورئيس وزراء أسبق في تلك الفترة : " اوه … هذا لا شيء … الخطورة الحقيقية تكمن في تمرد الشيعة .. "  . وفعلاً بعد الضربة القاصمة التي وجهت إلى "الحلقة الأضعف" وجهت ضربات قاصمة أخرى إلى "الحلقات الأقوى" فشنت حملات عسكرية ضد الشيعة وعشائر الفرات الأوسط وضد حركات التحرر الكردية وعولجت تطلعاتهم بأسلوب فاشيستي ظل المنهج الأساسي المهيمن على عقلية صانعي القرار السياسي في بغداد طيلة عقود طويلة في تعاملهم مع المطالب المشروعة للأقليات القومية والدينية في العراق حتى إنهيار النظام البعثي الإستبدادي.

كل هذه  "البطولات" التي قام بها بكر صدقي أهلته للبروز على السطح السياسي كبطل قومي يسعى لتحقيق العهد الذي قطعه على نفسه عشية مذبحة سميل حين خاطب جنده وذكر بأنه على الجيش أن يستمر بمهماته " الوطنية " الأكثر أهمية. وفعلاً قام مع من لفه من بعض أعضاء النخبة الحاكمة الحالمين بأحلام هتلر وموسيليني وكمال أتاتورك بتنفيذ هذه المهمات عندما دبر انقلابه العسكري عام 1936 ليكون بذلك فاتحة جديدة، ليس في العراق وحده وإنما في غيره من الأقطار العربية، تفتح الأبواب مشرعة لسلسلة من الانقلابات العسكرية والارهاصات السياسية التي أصبحت الأسلوب "الشرعي والقانوني" للوصول إلى الحكم في غياب الديمقراطية والتقاليد السلمية لانتقال السلطة. فكانت البداية التي شرعت فيها الأفعى تأكل نفسها، كما يقول المثل، فقُتل جعفر العسكري مؤسس جيش العراق بأمر من بكر صدقي، كما اغتيل الأخير وفي الذكرى الرابعة لمذبحة سميل في 11/8/1937 ومن قبل بعض أفراد المؤسسة العسكرية في الموصل وهو في طريقة إلى تركيا لحضور مناورات الجيش التركي مع "بطله الملهم" أتاتورك في منطقة تراقيا.

أما نتائج مذبحة سميل بالمنظور السياسي على الآشوريين فقد كانت أكثر مأساوية من غيرهم من المجموعات القومية والدينية الأخرى في العراق، لا لكونهم الغاية والوسيلة في آن واحد لأهداف النخبة الحاكمة فحسب، بل لكون طبيعة "الحلقة الأضعف" على عدم قدرتها لتحمل الضربات القاصمة والإجتياحات العسكرية العنيفة لذلك أصيب الآشوريون من جراء ذلك بالتصدع الاجتماعي والسياسي والديموغرافي كما قامت الحكومة العراقية بإصدار سلسلة قرارات وقوانين جائرة بحقهم، حيث جرد زعيمهم الديني البطريرك مار شمعون وعائلته ومعظم زعمائهم ومئات غيرهم من جنسيتهم العراقية ونفوا إلى خارج العراق، كما أصدرت قوانين مجحفة بحقوقهم وعقدت اجراءات حصولهم على الجنسية العراقية حتى وصلت المستحيل والتي أصبحت سارية المفعول حتى إلى وقت قريب، فحرموا من جراء ذلك من حقوقهم السياسية والثقافية ومن حق التعليم ودخول الجامعات وتقلد المناصب الإدارية والعسكرية الرفيعة بسبب صعوبة حصولهم على الجنسية العراقية واثبات عراقيتهم. وفي زمن نظام البعث المقبور دخلت بدعة "الولادة من أبوين عراقيين بالأصالة" جدول التعقيدات فحرم الكثير منهم من "حقوق" التي أقرها دستور العراق فكانت الهجرات الجماعية إلى خارج العراق، والتي لا زالت مستمرة حتى اليوم، الملاذ المتاح للخلاص من هذه المعاناة. وكان من الطبيعي أن يخلق كل هذا نوعاً معيناً من تراكمات سلبية في نفسية الفرد العراقي وترسبات فكرية في بعض الأحزاب السياسية العراقية وفي بعض المؤرخين والمثقفين تجاه التطلعات القومية المشروعة للآشوريين في العراق، مساهمين بذلك، بشكل أو بآخر، في ظاهرة عدم الاستقرار السياسي والتجانس الفكري والاجتماعي والتي أصبحت السمة المميزة أيضا في عدم استقرار وثبوت الأنظمة السياسية المتعاقبة على الحكم في العراق. ومن المؤسف حقاً أن تنسحب هذه التراكمات السلبية والترسبات الفكرية على بعض القوى والتيارات المحسوبة على الديمقراطية أو الوطنية أو التقدمية لتحكم تفسيرها وفهمها للتطلعات المشروعة للأقليات العراقية بشكل عام والآشوريين بشكل خاص. وحتى وأن كان البعض من هذه القوى قد أدرجت في مناهجها السياسية سطراً أو سطرين عن ضمان حقوق الاقليات في عراق المستقبل كأسلوب لـ " دمقرطة " مناهجها في مواجهة المناهج الديكتاتورية التي كانت سائدة في السابق فأن الواقع والممارسة الحقيقية لهذه المناهج هي الكفيلة الوحيدة لمصداقيتها، ولعل يأتي إهمال وعدم ذكر مأساة الآشوريين خاصة مذبحة سميل في ديباجة الدستور العراقي الحديث جزءا من ترسبات الماضي.

واليوم، وبمناسبة هذه المذبحة وما سببته للآشوريين من نتائج سلبية على مختلف الأصعدة ، يحتفلون، سواء أكانو في الوطن أو في بلدان المهجر، يحتفلون في السابع من آب من كل عام يوماً للشهيد الآشوري تكريماً للذين ذبحوا في سميل ويتطلعون في دعواتهم الاحتفالية إلى اليوم الذي تتحول عجلة تطور تاريخ العراق السياسي من السياق القائم على القهر السياسي والقمع الفكري للتطلعات القومية المشروعة للآشوريين إلى السياق الذي يتراصون فيه دون تميز أو خوف أو ريبه مع بقية أبناء الشعب العراقي وبكل قومياته وأديانه وتحت ظل نظام ديمقراطي تعددي إنساني يقر بحقوقهم جميعاً وبحقوق جيرانهم أيضاً كأساس لضمان واستمرار العيش بسلام وأمن، وهو الحلم الذي تنشده كل الشعوب المحبة للحرية .     

125
المنبر الحر / الآثـوري الحقيـر
« في: 19:17 28/07/2008  »
الآثـوري الحقيـر

أبرم شبيرا


بين الأمس واليوم أختلف الدكتور يوسف اختلافاً كليا من حيث توجهاته القومية بحيث أثار في عقلي الكثير من التساؤلات لا بل والحيرة عن هذا الاختلاف العجيب الذي رأيته فيه وتحوله من مجرد شاب متدين غارقاً في عالمه الطائفي والكنسي لا يهمه غير كلمة الرب وكتابه المقدس إلى إنسان قومي متحمس ملتزم بتنظيم قومي يهمه الكثير من المسائل السياسية والقومية لا بل ومنخرطاً فيها. في الماضي عرفته منذ فترة الصبا زميلاً لي في مدرسة القديس مار يوسف التابعة للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في منطقة قورية في مدينة كركوك التي أستولى عليها حزب البعث العراقي بعد اغتصابه السلطة عام 1968. فكان الكثير من الأشياء تجمعنا... حبنا وأعجابنا الكبير بمدرستنا الراهبة (ماسيره ...) التي كان لها وجهاً ملائكياً طاهراً نتلمس منها الكثير من حنان الأم وإطمئنان المربي الصالح إلى تلاميذه إلى درجة كنا نعتبرها قديسة بسبب هيبة ملابسها الرهبانية البيضاء وغطاء رأسها الأسود وتسبحتها الطويلة ذات الصليب الخشبي المعلق في نهايتها. لحد هذا اليوم أتذكر صوتها الهادئ الحنون الذي لم يكن له يوماً مظاهر أي غضب أو إنفعال مهما تكاسلنا أو أخطئنا.  أما أبونا (القس ....) مدرسنا للتعليم المسيحي والمشرف على صفنا الدراسي، كان ذو شخصية مرهبة للتلاميذ بسبب قسوته في معاقبة الكسالة منهم، فكان هو الاخر يجمعني بيوسف ولكن مع إختلاف بسيط حيث كان كثير التودد والأعجاب بيوسف بسبب شطارته وإداء واجبه البيتي بإنتظام في حين كان شديد القسوة معي بسبب شقاوتي وثرثرتي أثناء الدرس. صحيح بعد سنوات طوال زال ألم أصابعي ولكن أسلوبه في معاقبتي وبقية التلاميذ الكسالة لازال في ذاكرتي حيث كان يضع قلم الرصاص بين أصابعنا ثم يعصرها وبقوة بكفه القوي المشعر.

هكذا مرة سنواتنا أنا ويوسف في المدرسة الابتدائية وبنيت صداقتنا على أساسها ثم تفرقنا بعد تخرجنا من المدرسة الابتدائية ولم نعد نلتقي حتى بدأت الدارسة الثانوية تفرقنا شيئاً فشيئاً ولم يعد لقائنا إلا قاصراً على بعض الأيام في أزقة منطقة ألماس ونحن مقبلين على مرحلة المراهقة حيث كان دهن "اليردلي" يلمع شعرنا ونلبس بناطيل "الجارلستون" العريضة من التحت ونجول في الأماسي على دراجتنا الهوائية في أزقة مدينة كركوك الجميلة والمعروفة بنظافتها. فكان يوسف الصديق الشريك في بعض من هذه الجولات التي كانت تشمل أيضا زيارة بعض الأصدقاء في منطقة عرفة (نيو كركوك) إما للقاء والتسامر مع بعض الاصدقاء أو لمشهادة مباراة كرة القدم في الساحة التي كانت تقع خلف (الكانتين). وفي المساء وقبل حلول الضلام، كنا نعود مسرعين بدراجاتنا إلى بيوتنا خوفاً من الشرطة لأن ركوب الدراجات كان ممنوعاً في بعض الأوقات في منطقة عرفة لا بل وفي أحيان أخرى، وحسب مزاج ضابط مركز شرطة كركوك، كان يحجزون الدراجة لعدة أيام ولا ترجع إلا بعد دفع بضعة دنانير كغرامة لاسترجاعها. أنه كان فعلاً أمراً محيراً  ولحد هذا اليوم لم نعد نعرف سبب حجز الشرطة لدراجاتنا الهوائية في تلك الأيام.

هكذا كانت حياتنا ولم يكن أي شيء من المسائل القومية والسياسية تجمع بيني وبين يوسف، بل كل ما كنا نعرفه هو أن هناك إختلاف كبير بيننا نحن الذين كان يطلق علينا التركمان أسم "كاور" أي المسيحي أو "أسوري" أي آشوري أو أثوري وبين أولئك المسلمين من التركمان والكرد وبعض العرب الذين كنا نعرفهم جميعاً كـ "مشلمانه" من دون أن نميز بين هذه القومية وتلك. ثم جاءت أعوام الستينيات من القرن الماضي وبدأ أهالي كركوك خاصة من الآشوريين الذين كانوا يعملون في شركة نفط العراق (آي. بي. سي) بترك كركوك والرحيل إلى بغداد بعد أن بدأت الشركة بتسريح العمال ومنح مكافأة مالية لهم. فكان هذا الحدث سبباً للفراق النهائي بيني وبين يوسف حيث أرتحلت عوائلنا إلى بغداد ولم نعد نلتقي أو نسمع أخبار بعضنا.

في بغداد دخلت الجامعة وكنت يقيناً بأن الكثير من زملائي من المراحلة الابتدائية والثانوية أيضا يكونوا قد دخلوا الجامعة خاصة الشاطرين منهم كصديقي يوسف. في الحقيقة لم أكن أتوقع أن أجد أحد من أصدقائي القدامي في الكلية التي كنت أدرس فيها (كلية القانون والسياسة) لأنها غير مرغوبة لدى المسيحيين عموما والآشوريين خصوصاً بل معظمهم كانوا يذهبون إلى الكليات العلمية خاصة الطب والهندسة. وإذا كانت الدراسة قد جمعتني بيوسف في السابق والآن تفرقني عنه إلا أن الكنيسة عادة مرة أخرى لتجمعني به حيث أستطيع القول بأنها كانت مشيئة الله أن نلتقي مرة أخرى في كنيسة القديسة ريتا الكلدانية الكاثوليكية في منطقة الكرادة خارج في بغداد وأن يتكرر اللقاء كل يوم الأحد أثناء القداس ومن بعده. لكن هذه المرة وجدت إختلافاً كبيرة بيني وبين صديق الطفولة والشباب، فالقومية والمسائل السياسية بدأت تشغل عقلي وأهتمامي أكثر فأكثر وهي التي كانت قد دفعتني لترك قبولي في كلية الآداب والتحول إلى كلية القانون والسياسة في حين لمست من صديقي تعمقه الكبير في المسائل الدينية وأهتمامه البرئ بالطائفية فكانت سبباً تحول دون أن يتعمق في القومية والشؤون السياسية التي كانت تشغل بال الكثير من الآشوريين وبمختلف طوائفهم خاصة بعد إصدار نظام حزب البعث في بداية السبعينيات من القرن الماضي القانون الذي عرف بـ "منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية". وعندما كنت أفاتح يوسف بمثل هذه المواضيع كان لا يبالي بها إطلاقاً بل كان يعتبرها هباءاً ومضيعة للوقت والأكثر من هذا كان يعتقد بأنها تشكل خطورة على حياة المهتمين والمتداولين بمثل هذه الأفكار القومية والسياسية في ظل نظام مستبد لا يمكن الوثوق بوعوده وقوانينه وكان حديثنا ينتهي بهز رأسه تعبيراً عن إستياءه لمثل هذه الأفكار والأحاديث.

كان أمراً غريباً أن لا أرى يوسف في يوم الأحد في الكنيسة، لا بل كان أكثر غرابة عندما ينقطع عن الكنيسة لبضعة أسابيع والتي كان توحي لي بأنه يواجهة مشكلة ما أو أنه مشغول بأمر معين حيث كان يساعد والده في الكافتريا التي كان يمكلها في شارع السعدون خاصة في أيام العطل ونهاية الأسبوع. كانت غرابتي شديدة وصلت إلى درجة الصدمة عندما ألتقيت بيوسف بعد عدة  أسابيع وهو في حالة نفسية وعقلية وسلوكية غير معتاد فما أن ألتقيته حتى قذفني بسؤال غريب وعجيب فقال: "لماذا أنتم الآثوريين يكرهونكم العراقيون" تفاجئت بسؤاله الغريب الذي لا يشبه أطلاقاً أي سؤال سابق طرحه يوسف عليً والتي كانت في معظمها أسئلة دينية وكنسية. فقلت له "لا أعتقد أن رأيك صحيح مائلة بالمائة فهناك الكثير من العراقيين يحبون الآثوريين ثم لماذا تقول هكذا ومن أين جاءك هذا التصور". فقال "دعني أشرح لك هذا الموقف التراجدي الذي مزق قلبي وشوش فكري وهز كياني". فقلت له وعلى عجل " يلا ... أعطيني فكره عن هذا العدو الغادر الذي مزق قلبك" فقال "في ليلة الخميس الماضي كنت في كافتريا والدي أساعده من الزاحام الشديد الذي كان يعج به محله وكان من الصعب عليً أن أستجيب فوراً لجميع الطلبات خاصة عندما نعرف بأن بعض الزبائن كانوا يتصرفون بشكل جنوني وبأسلوب إستبدادي عندما لايستجاب طلبهم على الفور من قبل عمال الكافتريا الذين كان ينظر إليهم بنظرة دونية باعتبارهم طبقات أو فئات دون مستوى بعض من هؤلاء الزبائن ويكون الأمر أسوء بكثير عندما يكون هؤلاء من أعضاء حزب البعث أو له مركز وظيفي في الشرطة أو جهاز الأمن أو المخابرات فهؤلاء يتصورن بأنه يحلو لهم أهانة الناس وتحقيرهم" فقلت له طيب أين وجة الإهانة والتحقير لك في هذا الوضع ... أفهل فعلاً واجهت مثل هذا الموقف؟؟" قال وبنوع من العصبية:

 "طبعاً ... طبعاً وإلا لماذا أسرد لك هذه المقدمة ... تصور طلب مني أحد الزبائن، ويظهر بانه كان من هؤلاء – الشوكولات – طلب مني أن أتيه بزجاجة صلصة الطماطم غير إنني تأخرت بعض الشيء في تلبيت طلبه بشكل فوري وبعد أقل من دقيقة وأنا مجتازاً طاولته نهض من مكانه وبحركة جنونية دافعاً معقده نحو الخلف فأنقض عليً كأنقضاض رجال الأمن بالمجرمين فمسك بكفه الملثوث بدهون السندويش الذي كان يلتهمه كالضباع الجائعة بقميصي من جهة رقبتي وكأنه أراد أن يخنقني فصرخ في وجهي صرخة الذئاب قائلا : آثوري حقير ...  فأجمع بصاقه في فمه وبصقها وبقوة العاصفة في وجهي قائلا: والله ما تصيرون أوادم أنتم الآثوريين...  ثم دفعني وبعنفوان نحو الخلف فسقطت على الكراسي التي كانت من خلفي..  ؟؟ !! فصعد الدم إلى رأسي وأمتلئت غيضاً وغضباً وعزمت على أن أرفع من أحدى الكراسي التي وقعت عليها وأضربها بقوة على رأسه وأن أعيد له الصاع صاعين غير إنني عندما شاهدت والدي أمامي حائراً خائفاً من هذا المشهد المأساوي ولمحت في وجهه السنين الطويلة القاسية التي قضاها في هذه الكافتريا التي كانت مصدر رزقنا الوحيد وتخيلت النتائج المدمرة التي ستأتي على موردنا وسمعة مطعمنا من جراء رد فعلي العنيف لهذا المجنون خاصة عندما تتدخل الشرطة وتبدأ الاستدعاءات أمام أعين الزبائن وما يترك ذلك من آثار سلبية على سمعة الكافتريا التي بناها والدي طيلة سنوات طويلة فعزفت عن فعلي العنيف ضد هذا المجنون المتعجرف بعدما لمست يد والدي الحنونة تمسك بذراعي ويرفعني لأقف على رجلي ويسحبني إلى أحدى زوايا الكافتريا بعيداً عن هذا المجنون... ثم نظر يوسف في عيني وبنوع من الحسرة والألم فقال لي: هذا هو السبب الذي قلت لك لماذا يكره العراقيون الآثوريين... لا بل الدهشة والحيرة هي إنني كما تعرف ويعرف غيرك بأنني كلداني ومن عائلة كلدانية معروفة فلا أدري لماذا هذا المجنون وصفني بالآثوري وأنا عمري لم أدع لأحد بأنني آثوري رغم أنك شرحت لي تاريخنا بشكل مفصل ولكن لم أكن مهتماً كثيرا بكلامك عن تاريخنا فأنا ولدت ونشأت وكبرت كلدانياً فما علاقتي بالآثوريين غير الدين المسيحي الذي نشترك به، ترى ما الذي فعله الآثوريون للعراقيين وتحديداً لمثل هذا الشخص المجنون لكي يصفهم بالحقارة ... أفهل قتلوا والده أو أحد أقرباءه ؟؟ أفهل نهبوا بيوتهم وسلبوا حلالهم؟؟؟ أفهل هددوهم بالقتل أو دفع الجزية ؟؟؟ أفهل طلبوا منهم ترك بيوتهم والهجرة وإلا مصيرهم القتل؟؟؟ أفهل طلبوا من بناتهم أن يتحجبوا وإلا يرشون وجوههم بحامض الكبريتيك (تيزاب) قل لي بالله عليك هل فعلتم هذا بالعراقيين لكي يكرهونكم إلى هذه الدرجة؟؟؟

كان ردي ليوسف وأنا أحاول تهدئة مشاعرة وأحساسيه الغاضبة هادئ فقلت له: "طبعاً لم نفعل أي من هذه الأشياء إطلاقاً ... وأود أيضاً أن أوضح نقطة مهمة أنت تعييد تكرارها في تعميم هذه السلوك على جميع العراقيين... صحيح هناك ناس لإسباب قد تكون سياسية أو حقدية دينية أو عنصرية يكرهون لا الآثوريين فحسب وإنما كل مختلف عنهم ولكن ليس كل العراقيين خاصة عندما نعرف بأن بعض الأنظمة التي تعاقبت على السلطة في العراق وبالأخص نظام حزب البعث كانوا يغذون مثل هذه الأحقاء والسلوكيات المريضة بين أبناء الشعب الواحد". لم يكن ردي مقنعاً كثيراً ليوسف فأردف قائلا" "إذا كان ما تقوله صحيح ولكن لا بد أن تكون هناك أسباب وعوامل عملت فعلها في عقلية هذا المجنون لكي يسلك مثل هذا السلوك العدواني وينعت الآثوريين بالحقارة". قلت له: "قد يكون هذا صحيحاً ولقد شرحت لك فصول من تاريخنا ونضال شعبنا من أجل نيل حقوقه المشروعة والتي لم تكن مثل هذه المطالب مقبولة من قبل الأنظمة السياسية في العراق وبالتالي كانوا يصفون الآثوريين بالعمالة والمخربين وغيرها من الشتائم والسباب والتي كانت أكثر من صفة الحقارة والتي ترسبت في عقلية بعض العراقيين، ولكن طالما كنت غارقاً في العالم الديني لم تكن مثل هذه الأمور ذات أهمية بالنسبة لك لتعرف الحقيقة في هذا اليوم والسبب الذي من وراءه دفع هذا المجنون أن يسلك سلوكه العدواني تجاهك ويصفك بالآثوري الحقير".... "أريد أن أعرف الحقيقة وما ورائها من أسرار تخص الآثوريين في العراق"، قال يوسف وبنوع من التحمس في معرفة هذه الحقيقة. قلت له "الثقافة وقراءة التاريخ سوف يكشف لك الكثير من الحقائق وبعض الوقائع التي هي أسرار غير معروفة بالنسبة لك، ومثل هذه الثقافة لا تجدها إلا في بعض الكتب القليلة المتوفرة بين أيادي بعض الشباب الآثوريين" ثم وعدت يوسف بتزويده بمثل هذه الكتب ليوسع معارفة عن تاريخ الآشوريين ونضالهم من أجل نيل حقوقهم وما ترتب على ذلك من نتائج مأساوية على واقعهم في العراق والتي جزء منها أنعكس في سلوك هذا الزبون الذي أهان يوسف في مطعم والده.

كان من أكثر الكتب عن تاريخ الآشوريين ونضالهم المتوفرة حينذاك في بداية السبعينات من القرن الماضي كتابين مشهورين وهما "تاريخ الآثوريين" للبروفسور الآشوري الروسي ماتييف بار متي الذي ترجمه أسامة نعمان بطريقة محرفة وغير أمينة  وكتاب "الآشوريون في التاريخ" الذي جمع محتوياته " إيشو مالك خليل جوارو" آشوري من لبنان وهما الكتابان اللذان كانا متوفران لديً وتم تزويد يوسف بهما. وبعد فترة أيام قليلة ألتقيت يوسف وإذ به متعطشاً أكثر لقراءة المزيد من الكتب فتم تزويده ببعض المجلات والدوريات التي كان يصدرها الآشوريون في المهجر وتصل إلى أيادينا في العراق سراً كما نصحته بأن يتردد على النادي الثقافي الآشوري في بغداد لكي يلتقي بالشباب القومي هناك ويحضر المحاضرات والندوات القومية التي كان يقيمها النادي لكي يستفاد أكثر فأكثر. ثم أخبرته بضرورة قراءة الكتب الأخرى عن الآشوريين والتي تعبر عن وجهة النظر الرسمية للأنظمة السياسية الحاكمة في العراق أمثال كتب عبد الرزاق الحسني وعبد الرحمن البزاز وحسين التكريتي وغيرهم الذين كتبوا أسوء ما كتب عن الآشوريين في العراق وخلقوا أجواء معادية في نفسية الكثير من العراقين تجاه الآشوريين وربما يكون الزبون اللعين الذي أهان يوسف من الذين قرأوا مثل هذه الكتب العدوانية. هكذا فبعد أن أغترف يوسف المعارف التاريخية وأحس بأحاسيسه الفياضة الواقع الحالي لأمتنا توسعت مداركه القومية ولم يعد ذلك الشاب الهادئ المتدين الذي لم يكن يعرف من عالم السياسة والقومية والمجتمع الذي كان يعشيه فيه غير دينه وطائفته حيث بدأ يدرك كل الإدارك بأن ما يجمعني به ليس الدين المسيحي أو الكنيسة فقط فهذا الدين يجمعه مع الأفريقي والأوربي والأسيوي وغيرهم من القوميات المسيحية ولكن ما يجمع يوسف بي وبشكل خاص هو عوامل قومية كاللغة والتاريخ والعادات والثقافة وألأماني والمصير المشتركة. واليوم يوسف منتمي ويعمل ضمن أحدى التنظيمات القومية لأمتنا ينضال رغم الظروف الصعبة من أجل وحدة أمتنا كأساس لنيل حقوقها المشروعة في أرض الأباء والأجداد. هكذا عملت الثقافة والإغتراف بتاريخ أمتنا من يوسف أن يخرج من شرنقته الطائفية ويدخل عالم القومية الواسع والرحب الذي يسع لكل الطوائف والملل والأحزاب والمنظمات. والأكثر من كل هذا فإن التساؤل يفرض نفسه وبقوة لنقول: لو لم يكن ذاك اللعين الذي أهان يوسف قد قام بفعلته الشنيعة أفهل كان يوسف يصح من سباته الطائفي ويدخل عالم السياسة والقومية؟؟؟ هذا يذكرني بالمظالم والقهر والمأساة التي لحقت بجزء من أبناء شعبنا، وأقصد تحديداً رعية الكنيسة المشرقية "النسطورية والتي خلقت فيهم رد فعل قوي أنعكس في نشؤء بينهم حركة قومية سياسية، في حيث تأخر نشؤ مثل هذه الحركة بين أبناء الطوائف الأخرى التابعة لكنيسة المشرق الأم وأقصد تحديداً رعية الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والكنيسة السريانية ربما لأنهم لم يعانو بنفس الدرجة من المعاناة والمأساة والقهر... !!! أنه من سخرية القدر أن يكون الإضطهاد وما يخلقه من رد فعل مصدراً للوعي القومي!!! أفهل الشعوب المريحة التي لم تواجه إضطهاداً يمكن أن يولد فيها وعياً قومياً سياسياً؟؟؟؟ أفهل لأن الكلدان والسريان لم يواجهوا مثل هذه الإضطهادات القومية وبالتالي لم تنشأ فيهم حركة قومية؟؟؟ أم أن الثقافة القومية والسياسية بما فيها الكتب والمجلات والأندية والمنشورات السياسية هي مصدر الوعي القومي والتي توفرت عند أبناء الطائفة المشرقية "النسطورية" أكثر مما نشأت وأنتشرت بين أبناء الطوائف الأخرى؟؟؟  أسئلة محيرة والجواب عنها لاشك فيه تتعدد الأراء وتتضارب وهي حالة صحية يجب أن نرتقي إلى مستواها كوسيلة لبيان الحقيقة وكشف الواقع.
     


126
برج بابل - 1
وبلبلة التسمية القومية
أبرم شــبيرا

كلمة لابد منها:
قبل كل شيء أود أن يطمأن القراء خاصة المتطرفين من الكلدان والسريان الذي يرتعبون  من ذكر التسمية الآشورية، فأن تكرار ذكرها في هذه المقالة لا يعني إطلاقاً إلغاء التسميات الأخرى التي تسمى شعبنا بها في حقبات تاريخية مختلفة وتحت تأثيرات متعددة،  فالموضوعية تفرض نفسها أن نشير إلى الآشورية باعتبارها حقيقة تاريخية قبل المسيحية وبعدها وكانت التسمية الأكثر شيوعاً لشعبنا والتي خضعت عبر مراحل تاريخية طويلة ومثيرة إلى تأثيرات سياسية وحضارية ودينية ولغوية فإختلطت مع السريانية والكلدانية والأرامية وسورايا وغيرها من التسميات والترجمات. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر ومابعده وفي مراحل نشؤ الفكر القومي كانت الآشورية الأبزر على الساحة وعلى أثرها قامت حركة قومية سياسية وتأسست أحزاب ومنظمات قومية وطالبوا بحقوق قومية خاصة وطغت القضية الآشورية على السطح السياسي العراقي والدولي خلال الفترة المحصورة بين الحربين العالميتين، ولكن الواقع الفعلي في هذا اليوم غير ذلك وتحديداً منذ بداية الألفية الثالثة وضمن ظروف إستثنانية أرتقت التسميتان الكلدانية والسريانية إلى مستويات سياسية وتاسست على ضوئها أحزاب ومنظمات سياسية وقومية، وهو الموضوع الذي تم شرحه في مناسبات سابقة.

 كما أود القول بأن لا يرتعب المهوسون من "آشورايه" المحسوبين على الآشوريين من الإشارة إلى التسميات الكلدانية والسريانية وإرتقائهما إلى المستويات السياسية التي فرضها الواقع لأن مثل هذه التسميات لو فهمت تاريخياً وأستوعب واقعياً لأصبحت إغناءً حضارياً لأمتنا. ومن لا يفهم التاريخ ويستوعب الواقع فهو إنسان لا وجود أو تأثير له على الساحة القومية التي هي ميدان فعل وليست لغو فارغ وكلام منمق. فالرقي السياسي للتسميتين الكلدانية والسريانية ما هو إلا نتيجة لنمو وتصاعد الوعي السياسي عند الكلدان والسريان ومن ثم وصولهما إلى مستويات تمكنهم موضوعياً من معرفة حقيقتهم التاريخية القومية والبحث في التسمية الموحدة لأمتنا. إما من لا يؤمن بالحقيقة التاريخية للتسمية الآشورية والواقع الموضوعي للكلدان والسريان فمن المستحسن أن يبقى في برجه العاجي ويثرثر من خلف شاشات الفضائيات ويتفلسف بكتاباته في المواقع الألكترونية لعل يجد متنفساً لنرجسيته التي لا يفهمها إلا من هم سائرون في نفس دروب العزلة والتفرقة بين أبناء الأمة الواحدة. فبالبحث الوضوعي التاريخي والسياسي لـ "آشوريتنا" والفهم الواقعي والمنطقي لـ "كلدانيتنا" و "سريانتنا" سوف يدفعنا إلى مستوى راقي من الوعي القومي والسياسي الذي سيؤهلنا للبحث أو معرفة التمسية القومية الموحدة لأمتنا.   

التعدد الطائفي في المجتمعات:
أن التعدد الطائفي في كل مجتمع قومي هو حالة طبيعية لا يستثنى منه أي مجتمع من مجتمعات البشرية  المعاصرة، بما فيه مجتمعنا الذي تتواجد فيه طوائف دينية يمتد تاريخها النابع من جذر مشترك واحد ولغة وتقاليد وأماني مشتركة إلى عدة قرون طويلة تداخلت معه مختلف التأثيرات الفلسفية والسياسية والجغرافية وسكبتها في قوالب محددة وصلتنا على شكل كنائس مختلفة أصبحت المرجع الرئيسي لانتماء الفرد وتحديد هويته والتي وضعته في دوامة البحث عن التسمية القومية الجامعة لأبناء الشعب الواحد. وقد يكون التعدد الطائفي في مرحلة  غياب أو ضعف الوعي القومي حالة معكرة للانسجام الاجتماعي ومفسدة للوحدة القومية للكثير من الشعوب ولكن أن يكون سبباٌ لتشويه الهوية القومية ومانعاً من الوصول الى تسمية موحدة لجميع الطوائف هو حالة نادرة واستثنائية قد تنفرد بها أمتنا وربما شعوب أخرى غير معروفة لدينا. فتعدد الطوائف الإسلامية الشيعية والسنية والدرزية والإسماعيلية والأباظية وغيرها قد يعيق الوفاق الاجتماعي والسياسي ويعكر الانسجام الفكري بين العرب أوالكرد أوالتركمان ولكن لا يخلق مشكلة في تحديد الهوية القومية المشتركة للطوائف الدينية لكل من هذه القوميات. فما يجمع بين عربي شيعي وعربي سني، رغم الاختلاف المذهبي الكبير بينهما والذي قد يصل في بعض الأحيان الى مستوى الخلاف السياسي والصراع المسلح، هو انتماؤهم القومي وتحدده بالهوية العربية المشتركة. فمهما تعصب العربي الشيعي أو السني الى طائفته فأن هذا التعصب لا يخلق مشكلة في انتماءه الى القومية العربية واشتراكه بها مع غيره من العرب. وهكذا الحال بالنسبة للكرد والتركمان وحتى بالنسبة للأرمـن الذين انتشرت فيهم طوائف مسيحية، فعلى الرغم من انتشار الكاثوليكية بينهم في القرون القليلة الماضية وتأسيس كنيسة مستقلة لهم مع بطريرك خاص لها ومن ثم دخولهم في خلافات مع كنيسة الأم، الأرمنية الأرثوذكسية، فإن هذا لم يضع حواجز في تحديد هويتهم القومية ولم يصل خلافاتهم الطائفية الى مستوى خلافات قومية في تحديد الهوية المشتركة، فالأرمني بقى أرمنياً سواء أكان أرثوذكسياً أم كاثوليكياً. والحال نفسه مع الأقباط وحتى مع الإنكليز والايرلنديين والفرنسيين والألمان وغيرهم من الأمم والشعوب. ومن الملاحظ بأن الخلافات الطائفية التي سادت بين بعض من هذه الشعوب، والتي وصلت في كثير من الأحيان إلى صراعات دموية وحروب طاحنة، كانت أكثر بكثير من الخلافات الطائفية التي سادت بين الآشوريين والتي لم تكن تتجاوز أكثر من التناطح اللاهوتي، إلا أنه مع هذا فإن الصراعات والحروب لم تدمر الهوية القومية للشعوب المذكورة في حين مزقت الإختلافات الطائفية الهوية القومية الآشورية. … تُرى ما هي الأسباب ؟… هل نزلت “لعنة بابل " على الآشوريين وبلبلت هويتهم القومية ؟؟.

قبل كل شيء نؤكد بأن المنطق والحقيقة التاريخية تجعلنا أن نشك في قصة بلبلة أحوال الناس وألسنتهم وهم منشغلون في بناء برجهم البابلي التي أوردها التوراة في الكتاب المقدس، فهذه القصة من صنع اليهود الذين كانوا يكنون للآشوريين والكلدانيين كرهاً شديداً، وبالتالي لا نؤمن بأن لعنة إلهية أو فوقطبيعية أصابت الهوية الآشورية ومزقتها، بل هناك جملة عوامل تاريخية خاصة واستثنائية متجذرة في تاريخ الآشوريين ومتواصلة حتى اليوم لعبت دورها الفاعل والحاسم في بلبلة هذه الهوية وتعدد التسميات القومية. فالنظرة الكلاسيكية لهذه المسألة هي عندما تمزقت كنيسة المشرق وتفرعت إلى كنائس وتصاعدة حدة الطائفية تمزقت معها الأمة وتعددت الانتماءات والتسميات وبالتالي أصبح هذا العامل الشغل الشاغل للقوميين الآشوريين في لعنة الكنيسة ليل نهار وإعتبارها السبب الرئيسي في هذا التمزق القومي. ولكن مرة أخرى نعود لنفس التساؤل السابق: لماذا لم تتمزق الهوية القومية أو تعددت التسميات للشعوب الأخرى رغم تعدد طوائفها الدينية وإقامة أكثر من كنيسة أو مذهب ديني بينهم؟ إذن لابد أن يكون هناك سبب انفرد لآشوريون به دون غيرهم من القوميات الأخرى. ويمكن التأكيد بأن مثل هذا السبب لايمكن أن نجده إلا في قوة الترابط العضوي بين الدين والقومية عند الآشوريين. 

الترابط العضوي بين الدين والقومية عند الآشوريين:
فقبل الولوج في هذا الموضوع من الضروري توضيح معنى "العضوي" او الترابط العضوي. فالمعنى الفلسفي لهذا المفهوم هو أنه لا يمكن أن يتواجد عنصر أو يدوم تواجده من دون الآخر. فالعلاقة الدياليكتيكية (الجدلية) بين هذين العنصرين قائم على أساس التفاعل والتأثير فيما بينهما كأساس لاستمرارهما. وبمعنى أوضح، لا يمكن إطلاقاً تصور وجود شيء مرتبط عضوياً بشئ آخر من غير وجود الشيئين في آن واحد. والحال نفسه أيضا فعند زوال أو إفناء أحدهما يزول أو يفني الآخر أيضا بالنتيجة والحتم، وعندما يتأثر أحد العنصرين بعامل معين فأن العنصر الثاني يتأثر أيضا بالنتيجة والحتم. هكذا كان الحال مع الآشوريين في الماضي فيما يخص تداخل وترابط العناصر الدينية الروحية مع الزمنية المادية إي بشكل ادق بين الدين والقومية (مع التحفظ في إستخدام مصطلح القومية الذي بالتأكيد لا يعني المفهوم السياسي الحديث لها الذي نشأ في عصر القوميات في القرون القليلة الماضية). إذ لم يكن ممكناً تصور وجودهم منذ أقدم العصور من دون تواجد وترابط الدين والقومية مع بعضهما عندهم، لا بل كان من الصعب الفصل بينهما والذي لم يكن يعني مثل هذا الفصل الإ الفناء لأحدهما ومن ثم موت الآخر عاجلاً أم آجلاً. فكان آشور الآصرة العضوية التي ربطت بينهما، فهو الإله الديني والقومي لهم ولم يكن هناك إطلاقاً إمكانية الفصل بين العنصرين المكونين لوجود آشور أو النظر إلى هذا من دون الآخر. هذه الصفة، أي الترابط العضوي بين ماهو روحي (الدين) مع المادي (القومي) هو أهم بل الأساس في إستمرارية وتواصل الشعوب لحقبات تاريخية طويلة ويحفظها من الإنقراض وهذه الحالة تنطبق على الآشوريين بكل جلاء. هذه صفة هي من بين عدة صفات إستثنائية فريدة أتصف بها الآشوريون عن غيرهم من الأمم الأخرى. ويتمحور هذا الاستثناء الفريد ويتكاثف الترابط العضوي لعنصري آشور في كونه، ليس إلاهاً دينياً وقومياً فحسب، وإنما أيضا في كونه أسماً لمدينة آشور وإقليم أو وطن آشور وأمبراطورية آشورية والأكثر من هذا كان أسم لشعب أو أمة... أفهل توجد أمة في التاريخ والحاضر سميت بإسم إلاهها؟. هذا التركز والتمحور حول آشور هو الذي جعل الآشوريون مختلفين ومتميزين دينياً وقومياً عن الآخرين. فمن كان يؤمن بآشور كان آشورياً دينياً وقومياً ووطنياً وإقليمياً أما بقية الشعوب التي كانت ضمن الإمبراطورية الآشورية فلم يكونوا كذلك بل كانوا رعايا أو مواطنو الأمبراطورية الآشورية، وهي الحالة التي أكدها معظم العلماء بأن الإنتماء الآشوري لم يكن عنصرياً أو عرقياً إطلاقاً. فالآشوريون لم يعيروا أهمية كبيرة لمسألة الدم والعرق وهناك أدلة تؤكد بأن بعض ملوكهم، ومنهم سركون الثاني، لم يكونوا من السلالة الآشورية المالكة.

بعد سقوط نينوى، على الرغم من قلة أو إنعدام المصادر الكافية، استمر نفس الترابط قائماً وإن تقلص حدوده ديموغرافياً. فالذين تركوا العبادة الآشورية لم يعد يعرفون بالآشوريين بل أختلطوا مع الشعوب الأخرى وإنصهروا فيهم، إما البقية القليلة التي تمسكت بالإله آشور ومارسوا عبادته ظلوا معروفين كآشوريين. وقد أشار إليهم الكثير من الباحثين والمؤرخين وميزوهم عن غيرهم من الأقوام، أمثال المؤرخ الإغريقي "هيرودوت" المعروف بـ "أبي التاريخ". وقد أحتل شعوب وقبائل مختلفة بلاد آشور وأستوطنوه وربما تكلموا اللغة الآشورية ولكن لم يكونوا معروفين كأشوريين بل بأسماء قومية ودينية مختلفة في حين بقى الآشوريون معروفين ومتميزين بسبب عبادتهم الآشورية وما لهذه العبادة من جوانب ثقافية وحضارية. وعندما جاءت المسيحية هب الاشوريون هبوب العاصمة نحوها فاعتنقوها بإمان قوي وصادق لأنها كانت معتقد متقارب من عقليتهم ومكملة أو مطورة لعبادتهم  فأصبحت العنصرالديني الملتصق عضوياً بالعنصر القومي لهم، أي بعبارة أخرى حلت المسيحية محل العبادة الآشورية وأصبحت أحد طرفي المعادلة العضوية في تحديد الهوية الآشورية. وعندما أستقلت كنيسة المشرق إدارياً وكونت شخصيتها القومية منذ القرن الخامس الميلادي، أصبحت المرجع  الأساسي بل الوحيد لهم في تحديد إنتماؤهم الديني والقومي معاً وتميزهم عن غيرهم كما أصبحت كنيسة المشرق التي تطبعت بطباعهم القومية، خاصة اللغة وبعض العادات المتوارثة من الماضي، الأطار الوحيد والمتاح لهم في تحديد هويتهم القومية والدينية معاً. وهكذا كانت لغة وثقافة وتقاليد وتاريخ الكنيسة هي نفسها لغة وثقافة وتقاليد وتاريخ الأمة لا بل و كان زعيم الكنيسة (البطريرك) هو زعيم الأمة وممثلها أيضاً وزاد من ترسخ الترابط العضوي بين الدين والقومية عند الآشوريين وتحددت معالمها المستقلة أكثر فأكثر في الحقبة الإسلامية الذي أصبح الدين فيها هو العامل الحاسم والوحيد في تحديد إنتماء الفرد وهويته الدينية والحضارية والثقافية والقومية معاً. من هذا المنطلق فان تاريخ الآشوريين في معظمه هو تاريخ كنسي وديني ولكن في الحقيقة هو أيضا تاريخ قومي لهم.

أن الترابط العضوي بين الدين القومية أو بين الكنيسة والشعب كان قوياً إلى درجة لم يكن بالإمكان تصور أحدهم منفصلا عن الثاني إطلاقاً وأي تأثير على هذا الجانب الروحاني كان يؤثر مباشرة على الجانب المادي. فكل ما كان يصيب الكنيسة من كوارث ومذابح كان يصيب الأمة نفسها والعكس صحيح أيضا فكل تقدم في الكنيسة وتطور كان ينعكس على تطور الأمة وتقدمها. وبإختصار نقول عندما جاءت المسيحية زادت من تداخل المقومات القومية، خاصة اللغة، مع مقوماتهم الدينية فامتزجت امتزاجاً عضوياُ في كنسية المشرق التي أصبحت ، في سياق تطورها التاريخي وخضوعها لمختلف التأثيرات السياسية والتيارات الفكرية وبغياب الكيان السياسي الخاص بأتباعها، المؤسسة الوحيدة والمتاحة التي من خلالها كانت تمر الرسالة القومية والتاريخية والتراثية للآشوريين الى الشعوب الأخرى وبها كانت تتحدد هوية الفرد الآشوري بحيث حتى تسميتهم القومية ( Assyrian  ) اللاتينية والمعروفة بالعامية عند الآشوريين بـ " سـورايا " وعند العرب بـ ( السريان ) ، وهي نفس أسريان، لأن حرف اللام الشمسية تكتب ولا تلفظ ، اكتسبت طابعاً دينياً وهو الطابع الذي زاد من هيمنته وتوسع انتشاره بزيادة انتماء غير الآشوريين الى كنيسة المشرق وتوسعها في مناطق مختلفة بحيث قاربت هذه التسمية معنى "المسيحي"، خاصة في مرحلة الدولة الإسلامية التي كانت تتعامل مع الشعوب على أسس دينية لا قومية (لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى)، وهو المعنى الذي أشاعه الآشوريون كوسيلة لاحتواء الشعوب الاخرى ضمن الكنيسة والديانة المسيحية. هكذا أصبحت كلمة "سورايا" تشمل، بالإضافة إلى الآشوري، العربي والفارسي والمغولي والهندي والصيني الصابؤون الى الديانة المسيحية. غير إن هذا المعنى المسيحي لـ "سورايا" بدأ بالتقلص تدريجياً مع بداية تقلص نفوذ الكنيسة وانحصار وجودها واستقرارها تقريبا في الموطن الذي نشأت فيه "بلاد آشور"، كما بدأ بالتقلص أكثر مع نمو وتصاعد الوعي القومي، ولكن مع هذا، وحتى اليوم لا يزال بعض الآشوريين يطلقون نفس الكلمة "سورايا" وبشكل عفوي على المسيحيين من الإنكليز والروس والبلغار والأفارقة وغيرهم.




برج بابل – 2
وبلبلة التسمية القومية
أبرم شبيرا
تمزق الترابط العضوي:
لما كان الترابط العضوي بين الدين والقومية عند الآشوريين والمتجسد في المؤسسة الكنسية المحددة لهويتهم القومية والدينية بهذا القدر من القوة والتأثير كان من الطبيعي جدا عندما انقسمت كنيستهم المشرقية إلى كنائس سريانية ومشرقية "نسطورية" ثم كلدانية أن ينقسم معها مصدر إنتماء هويتهم وأن يتحد ولاءهم وانتماؤهم طبقاً لهذا الانقسام وتصبح الاطر الكنسية المؤسسات الرئيسية السائدة والمتاحة لهم في تحديد هويتهم الدينية الكنسية والإجتماعية. وعندما أشملت الدولة العثمانية في القرون الماضية جميع الطوائف المسيحية المذكورة بنظامها القانوني المعروف بـ "نظام المليت" وأقرت بالامتيازات الدينية والدنيوية التي كانت تتمتع بها هذه الطوائف زاد ذلك من ازداوجية انتماء الفرد انتماءاً دينياً وقومياً كما زاد من خلط الحدود بين ما هو قومي مع ما هو ديني خاصة عندما نعرف بأن كلمة "ميليت" التركية تعني الأمة ( Nation ) أي الشعب أو القومية أو الأمة. هكذا تبلبلت هويتنا القومية طبقاً لبلبة كنيسة الأم المشرقية وتوارثنا تسميات خلطت بين ماهو قومي  مع الديني وأصبح على الكثير من الشعوب الأخرى صعوبة فهم هذا الترابط والخلط وبالتالي لم ينظروا إلى شعبنا إلا كمجوعة طوائف دينية مختلفة من نسطورية وكلدانية وسريانية. وهكذا حلت الكنيسة محل برج بابل في بلبلة التسمية القومية ولم يعد لأتباع هذه الكنيسة (الكنائس) وتحديداً زعماؤها قدرة على التفاهم والتباحث بينهما طيلة قرون طويلة من الزمن وبالتالي لم يستطيعوا إكمال برجهم البابلي (وحدة الكنيسة) للوصول إلى كلمة الله التي توحد أتباعهم تحت ظل كنيسة واحدة وتسمية دينية وقومية واحدة. هكذا فمثلما ينهار البناء الكبير والضخم والصلد وتكون نتائجه وخيمة كذلك الحال مع شعبنا فإن إنهيار إمبراطوريته الآشورية قبل المسيحية ومن ثم إنهيار وتمزق إمبراطوريتهم الدينية (كنيسة المشرق) كان له نتائج وخيمة ومؤلمة انسحبت نحو الأجيال اللاحقة ووصلت شرذمتها إلى يومنا هذا.

وإذا كنا بصدد الدور التدميري للكنيسة في تمزيق وحدة الهوية القومية لشعبنا وبلبلتها، فأنه يجب أن لا نتجاهل دورها البناء والإيجابي لها في الحفاظ على هوية الشعب ولو بأجزاءه المتناثرة ضمن أطار كل كنيسة من الكنائس الرئيسية الثلاث، السريانية والمشرقية "النسطورية" والكلدانية. فلا يستطيع أحد في هذا الكون أن يثبت بأن أحوالنا القومية كانت بالإمكان أن تكون أحسن مما هو عليها في الوقت الحالي بدون هذه الكنائس. فالحديث هنا ليس عن دور الكنيسة في الحفاظ على اللغة والتراث والتاريخ والعادات وإنما أيضاً في بقائها كمؤسسة رئيسية إجتماعية وتراثية وقومية والمرجع الوحيد في إنتماء الفرد وتحديد هويته من خلالها. فالسرياني بقى سريانياً لأنه كان منتمياً إلى الكنيسة السريانية وكذلك الكلداني بقى كلدانياً لأنه كان منتمياً إلى الكنيسة الكلدانية ومن ترك كنيسته أو بالأحرى ديانته المسيحية ترك مرجع إنتمائه وبالتالي تغيرت لغته وعاداته وتقاليده وتبنى لغة وتقاليد الدين الجديد. والتاريخ يؤكد لنا تحول الكثير من المسيحيين من أتباع هذه الكنائس وبالأخص السريانية والمشرقية "النسطورية" منذ نشؤ الدولة الإسلامية إلى الدين الإسلامي وتحت ظروف مختلفة، إجبارية أو إختيارية، وبالتالي تحولت لغتهم إلى العربية أو التركية أو الكردية وكذلك تغيرت عاداتهم وتقاليدهم وأيضاً تغيرت قوميتهم أيضا. وهناك أدلة تاريخية تثبت بشكل قاطع قوة الترابط الديني والقومي عند الآشوريين والذي تميزهم عن غيرهم من الشعوب. فعلى سبيل المثال رغم تحول الكثير من البلغار والألبانيين والبوسنيين وغيرهم من الشعوب السلافية من الديانة المسيحية إلى الإسلام بعد إجتياح العثمانيون لبلدانهم غير إنهم بقوا محتفظين بقوميتهم ولغتهم وعاداتهم وتسميتهم القومية ولم تتحول إلى التركية. والحال نفسه مع الهنود والباكستانيين الذين تحول من الهندوسية أو البوذية إلى المسيحية أو الإسلام فقد بقوا محتظفين بلغتهم وعاداتهم وتسميتهم القومية.

 هكذا كان حال أمتنا في القرون الماضي تختلف مراجع انتماؤهم طبقاً لاختلاف كنائسهم، فبعد أن كنًا آشوريين ويجمعها مصدر إنتماء واحد ضمن "آشور" وما يتضمه من معاني قومية ودينية أصبحنا منذ القرن الخامس الميلادي  سرياناً و"نساطرة" أو "مشرقيين" يجمعنا مصدرين: الكنيسة السريانية الأرثوذكسية وكنيسة المشرق "النسطورية" ثم منذ القرن السادس عشر أصبحنا سرياناً ونساطرة وكلداناً يجمعنا ثلاثة مصادر (كنائس) لإنتماء وتحديد الهوية ولكن كانت كلمة "سورايا" ذات الإشتقاق الآشوري بكل جوانبها القومية والدينية هي الجامع التاريخي لللتنوع الكنيسي الطائفي.

السياسة وبلبلة التسمية القومية:
عندما هبت عواصف الفكر القومي التحريري من أوربا وما حمله من مبادئ في مقاومة الظلم والاستبداء و بناء الشعوب لكيانهم الخاص على أسس قومية وفقاً لمبدأ حق تقرير المصير وغيره من مبادئ التحرر والاستقلال وفصل الدين عن الدولة بدأت بوادر هذه الأفكار القومية السياسية بالتأثير على النخبة المثقفة فكانت نتيجتها نشؤ حركة قومية آشورية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ومن المهم الإشارة بأن معظم رواد الفكري القومي الآشوري والحركة القومية كان أكثريتهم من الطوائف السريانية والكلدانية وقلة من الطائفة "النسطورية" وكان "المجلس القومي" الذي أسس في أورمي في شمال شرقي إيران قبيل وأثناء الحرب الكونية الأولى ذات غالبية من الطوائف غير "النسطورية" وعلى رأسهم المطران الكلداني الشهيد مار توما أودو وفريدون آتورايا من الكنيسة الأرثوذكسية إلا انه بفعل بعض العوامل الموضوعية التاريخية والمأساوية التي تجاوزت وبشكل كبير ورهيب كل االعوامل الفكرية والإمكانيات الذاتية للآشوريين تعثر هذا الفكر القومي الوحدوي وعجز عن استكمال بناء الهوية القومية الموحدة لجميع الطوائف الآشورية وحتى التسمية المركبة (AssyrianChaldo) التي تبناه زعماء وقادة أمثال الجنرال آغا بطرس والقائد ماليك قمبر، وكلاهما من أتباع الكنيسة الكاثوليكية لم تفلح في الوصول إلى نتيجة مثمرة فظلت الهوية القومية مبلبلة بين تسميات مختلفة ومأطرة ضمن النطاق الكنيسي. وقد لعب بعض زعماء الكنيسة (الكنائس) دوراً كبير في إفشال مساعي الحركة القومية الجديدة المتجاوزة للحدود الطائفية والتي صوروها كحركة معادية لهم وأنها تسعى إلى إزاحتهم عن زعامة الأمة.

وعندما قامت الحرب الكونية الأولى أهتزت الكيانات الكنسية كبنية فوقية إهتزازاً قوياً وكنتيجة منطقية للمأساة التي أصابت رعيتها كبنية تحتية وتعرضها إلى مختلف أنواع الإضطهادات والتشرد من الأوطان فكان نصيب كنيسة المشرق "النسطورية" أكبر بكثير من بقية الكنائس وبالتالي قادها إلى الإنخراط في حركة قومية سياسية وتزعم بطريكها لهذه الحركة. ويكفي أن نذكر بأن رعية هذه الكنيسة تشردت بالكامل من مناطقها التاريخية في هيكاري جنوب شرقي تركيا وفقدت إلى الأبد مقر كرسي البطريرك في قرية قوجانس وما كانت تحمله هذه القرية، والتي كانت بمثابة عاصمة لهم، من ذكريات ومآثر شكلت في سياقها التاريخي جزء من مكونات الأمة التاريخية هناك. وسقوط العاصمة يعني كثير الكثير في علم السياسة والحرب. ويأتي فقدان هذه الكنيسة ورعيتها للإمتيازات والإستقلال النسبي الذي كانوا يتمتعون به في ظل الدول العثمانية خاصة في مناطق العشائر عاملاً آخر في خلق ردة فعل قوية أجبرت بطريرك هذه الكنيسة على التدخل في السياسة والبدء بمطالبة حقوق قومية تخص رعيته. وعندما تغيرت الأوضاع وزالت الإمبراطورية العثمانية وظهرت أنظمة سياسية جديدة، منها دولة العراق، لم تتغير توجهات ومطالب زعماء هذه الكنيسة فظلوا يطالبون  بحقوق قومية في ظل نظام سياسي جديد يقوم على المركزية المشددة يستحيل عليها قبول مطالب المجموعات الصغيرة والهامشية لذلك واجهتها بالرفض العنيف والقمع العسكري وتمثل مذبحة سميل في آب عام 1933 التي أرتكبها النظام العراقي ضد الآشوريين من أتباع الكنيسة "النسطورية" قمة هذا الرفض العنيف.

بعد مذبحة سميل أستمر بطريرك كنيسة المشرق "النسطورية" المثلث الرحمات مار شمعون إيشاي  بمطالبة الحقوق القومية لأبناء أمته فتزعم الحركة القومية الآشورية الجديدة وبدأ نشاطاً مكثفاً على المستوى الدولي مما أثار غضب وإستياء الحكومات العراقية التي تعاقبت على السلطة في العراق وبالنتيجة بدأت التسمية الآشورية والآشوريين تترسخ في العقلية العراقية كمرادفات للفتنة والتمرد والعمالة للإستعمار الإنكليزي كما أصبحت الآشورية أكثر فأكثر إلتصاقاً بالنسطورية إلى درجة أصبحتا مرادفتان لمجموعة واحدة  فأستقوت الحواجز بين الطوائف الثلاث إلى درجة كبيرة جداً بحيث أصبح أي تجاوز لهذه الحواجز محرمة وأصبح التصريح بالإنتماء إلى القومية الآشورية من قبل بقية الطوائف الكلدانية والسريانية بمثابة ارتداد عن الطائفة التي ينتمون اليها والاهتداء الى الطائفة الاخرى، أي النسطورية، وعلى بنفس منوال العقلية القرون وسطية التي كانت سائدة في الماضي. وهكذا تعرض رواد الفكر القومي الآشوري من الطائفة السريانية الأرثوذكسية  أمثال فريد نزها ونعوم فائق وغيرهما أو الذين صرحوا علناً بإنتمائهم القومي الآشوري سواء أشخاصاً كانوا أو منظمات كالمنظمة الآثورية الديمقراطية (مطكستا) إلى التحريم الكنيسي أو مقاطعتهم أو محاربتهم. لقد كان، على سبيل المثال لا الحصر، البطريرك مار أفرام برصوم الآثوري يفتخر بكنيته الآثورية مثلما كان يفتخر الكثير من مطارنة وأساقفة الكنيسة السريانية الآرثوذكسية بهذه الكنية، فكان من رواد الحركة القومية الآشورية وشارك في المؤتمرات الدولية عشية الحرب الكونية الأولى دفاعاً عن القضية الآشورية غير أنه بعد مذبحة سميل وتسنمه كرسي البطريركية نكر بالكامل كنيته الآثورية وأخذ يهاجم الحركة القومية الآشورية وبطريرك كنيسة المشرق مار شمعون إيشاي الذي قاد هذه الحركة، لا بل وعلى نقيض ماضيه القومي فقد أنخرط البطريرك مار أفرام في حركة إنماء الفكر القومي العربي مدافعاً عن العروبة والذي أصبح فيما بعد معروفاً عند العرب بـ "مطران العروبة". وفيما يخص أتباع الكنيسة الكلدانية فأن فواجع الحرب الكونية الأولى ومذبحة سميل التي أصابت أتباع كنيسة المشرق "النسطورية" وبطريركها من جراء تدخلهم في السياسة حجبتهم بالكامل عن أية مطالب قومية ولم يتدخلوا إطلاقاً في السياسة القومية ولا طالبوا بأية حقوق وبالتالي أبتعدوا كنيسياً مذهبيا وقومياً سياسيا عن بقية أبناء جلدتهم من الطوائف الأخرى وظلوا متمسكين بهويتهم الطائفية ضمن الكنيسة من دون تجاوز لحدود أبعد قومية أم سياسية، وهو الموضوع الذي سبق وأن تطرقنا إليه بالتفصيل في مناسبة سابقة كما تم تفصيل ذلك بشكل أوسع في كتابنا المعنون "عقد الخوف من السياسة في المجتمع الآشوري" الذي صدر قبل بضعة سنوات في أميركا.

هكذا بدأ العامل السياسي يتدخل وبعمق كبير في بلبلة التسمية القومية إلى جانب العامل الكنسي. فلم تكتفي الكنيسة في تمزيق هوية أبناء الأمة الواحدة بل جاءت السياسة أيضا لتكمل المشوار بشكل أكثر حساسية وتثير نزعات طائفية أكثر صلادة. إذ أن نشؤ وتطور الحركة القومية بين أتباع كنيسة المشرق الآشورية وتخلف نشؤ مثل هذه الحركة في أتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ونشؤ مثل هذه الحركة في بعض أتباع الكنيسة السريانية الآرثوذكسية الذين تمسكوا بـ "آشوريتهم" ومن ثم محاربتهم من قبل كنيستهم، خلق بوناً شاسعاً على المستوى المدني بين هذه التكوينات الثلاثة في أمتنا ليظهر ويلتقي مع البون الشاسع الذي خلقه الاختلاف الطائفي الثلاثي. إذن يمكن القول بأن الإختلاف في المذهب والطائفة من جهة وتفاوت في نمو الوعي القومي وتجسده في حركة قومية في طائفة معينة من جهة آخرى سببين أساسين في ترسيخ التسميات الثلاث الآشورية والكلدانية والسريانية في أمتنا سواء أكانت تسميات قومية أم طائفية فهي أصبحت جزء من ضمير المؤمنين بها وليس من السهل الطلب منهم التنازل عنها أو تبديلها بغيرها خاصة إذا عرفنا أن جانبي المشكلة، الدين، أو بالأحرى الكنيسة أو الطائفة والقومية، مرتبطان عضوياً ببعضهما في أبناء أمتنا منذ القدم. ويجب أن لا يفوتنا أن نذكر بأن بعض احزاب ومنظمات الحركة القومية الآشورية وحتى بعض كتابها ساهموا، وعلى الأغلب بشكل عفوي، في خلق ردود فعل لدى أبناء الطوائف الأخرى غير النسطورية في الإبتعاد عن التسمية الآشورية عندما حاولوا عنوة دمج الكلدان والسريان بالآشوريين من دون أن يتبعوا المنطق والواقع في فهم الحقيقة التاريخية والواقعية  الخاصة بأمتنا.

الحل التوافقي - كلدو آشوري سرياني: تنوع ضمن الوحدة:
عندا تفشل الحلول المنطقية ويعجز السياسيون عن معالجة الأمور والمشاكل السائدة وتغيير الواقع السياسي على أساس قرار الأكثرية يلجأ القادة السياسيون إلى الحل التوافقي كخيار وحيد ومقبول من الجميع وذلك تجنباً لإستمرار الخلافات وتصاعدها نحو تناقضات أو صراعات قد تدمر المجتمع. لقد أدرك قادة الحركة القومية الآشورية في بداية عهدها في أوائل القرن الماضي الواقع الطائفي وقوة تأثيره على المجتمع فتبنت التسمية القومية المركبة "أِلآشوريون الكلدان" كما سبق وشرحه أعلاه. غير أن مثل هذه التركيبة الوحدوية كان يعني للكنيسة بجميع فروعها الثلاثة تهديداً لزعامتها لذلك قاومتها وأستطاعت بفعل قوة تأثيرها على المجتمع ومساندة القوى خارجيةأستطاعت من أفشال المشروع الوحدي والتسمية المركبة المعبر لوحدة أمتنا. ثم عندما نشأت التنظيمات القومية والأحزاب السياسية الآشورية لم تتمكن من التعامل مع الواقع الطائفي بشكل مرضي فأعتمدت على النظرة الكلاسيكية في دمج الكلدان والسريان ضمن التسمية الآشورية وما ترتب على ذلك من ردود فعل قوية عند الكلدان والسريان أنعكس في تأسيس منظمات وأحزاب خاصة بهم، وهو الموضوع الذي سبق وأن فصلنا فيه في مناسبة سابقة.

 لاشك فيه تعتبر الحركة الديموقراطية (زوعا) حركة شعبية أنطلقت ونشأت من واقع الأمة وكان إستمرارنضالها في الوطن منطلقاً من الواقع القومي الذي نشأت وترعرت وعملت فيه وفهمت قوة الترابط العضوي بين الدين والقومية في مجتمعنا. وعندما طلت الألفية الثالثة علينا وقضمت  النظام البعثي الإستبدادي في العراق وزال ظلمه وكبته للتطلعات القومية والسياسية للمجموعات الصغيرة وما صاحب ذلك من وعي قومي وسياسي لدى الطوائف الكلدانية والسريانية، أستوعبت (زوعا) هذا الواقع فبادرت إلى طرح الحل التوافقي للتسمية القومية "كلدوآشوري" ثم أضيفت "سرياني" إرضاءً للسريان ليكون الحل التوافقي مرضياً للجميع ويعبر عن وحدة قائمة على التنوع من دون إعتبار كون هذا التنوع قومي أم طائفي طالما يجمع الأمة ويوحدها. فالتسمية كشكل قد يتنوع ويتعدد ولكن المضمون يبقى واحد لهذا التنوع والتعدد وهو الأهم في المعترك السياسي. غير أن زوعا تعرضت إلى هجوم قاسي على مبادرته هذه من قبل المجموعات الآشورية والكلدانية ذات الفهم الكلاسيكي العاجزعن فهم ثنايات واقع الأمة وخفايات اللعبة السياسية متهمين أياها بالتلاعب في التسمية القومية وإستغلالها لأغراض نفعية خاصة بالحركة.  ثم تبع زوعا منظمات وأحزاب أخرى في هذه التسمية التوافقية، مع تعديل بسيط في تقديم وتأخير تسمية على أخرى، رغم كون بعض من هذه المنظمات والأحزاب قد هاجم زوعا في البداية ولكن أخيراً أضطر أن يشاطر الواقع ويقبل بالحل التوافقي للتسمية لأنه لم يكن أمامه حل آخر غير هذه الوحدة القائمة على التنوع والتعدد لدخول معترك السياسة والمطالبة وبزخم قوي بالحقوق القومية خاصة بعد أن ثبت صواب مبادرة زوعا في التسمية المركبة والتي ظهرت نتائجها في فوزها مرتين في الإنتخابات العامة التي جرت في الوطن في السنين القليلة الماضية.

 أما بالنسبة لموقف الكنيسة بجميع تفرعاتها فالوضع لم يتغير عن الماضي فيما يخص موقفها من الحركة القومية التي لا تكون لها فيها يد طولى ولا تعمل بوصاية منها. فالمخاوف من  إنتزاع  زعامة الأمة منها متجذرة في رجال الكنيسة حيث يعتقدون بأن أية وحدة في أبناء الأمة وبقيادة العلمانيين  قد تكون سبباً في إزاحة كراسيهم والتقليل من شأنهم على المستوى المدني. لذلك كان من الطبيعي أن ترفض الكنيسة ضمناً أو عللنا مثل هذا الحل التوافقي أو أية مطالبة بحقوق قومية سياسية. وبسبب خلفيتها التاريخية وموقفها من الحركة القومية والسياسية فأنه من الطبيعي أن تكون الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية أكثر الكنائس رفضاً وتخوفاً لأية وحدة خارج إطار الدين ويساندها في هذا الإتجاه الفاتيكان الذي يهمه أن يكون المسيحيون منتشرين في بقاع مختلفة أكثر مما يهم أن يكونوا متجمعين في منطقة واحدة  ويأتي رفضهم لمطلب الحكم الذاتي لشعبنا "الكلدو السرياني الآشوري" في سهل نينوى نموذجاً في هذا السياق. أما موقف الكنيسة السريانية والمشرقية "الآشورية" فلم يصرح به لحد الآن بشكل واضح وجلي ونترك التطرق إليه للتطورات السياسية اللاحقة التي ستكون كفيلة بكشف مثل هذا الموقف وبشكل أكثر تصريحاً ووضوحا.

نعيد ونؤكد ونقول مرة أخرى ونحن في الخاتمة بأننا أمة الإستثناءات، وقد سبق وأن بينا مثل هذه الإستثناءات في تعدد المعاني لـ "آشور" وفي تسمية الأمة ولغتها ووطنها وعاصمتها بإسم إلاهها آشور وفي قوة الترابط العضوي بين الدين والقومية وفي سر خلود هذه الأمة لقرون طويلة  من دون أن يكون لها وطن خاص بها يكون الأطار أو الحامي أو الممثل القانوني والسياسي لها وأيضا من دون أن يكون لها مساند أو داعم مادي أو سياسي أو فكري أو قانوني لها طيلة أكثر من عشرين قرناً. واليوم يأتي إستثناءاً آخراً يتمثل في التسمية المركبة للأمة. فلو حاولنا البحث في تاريخ معظم الأمم والشعوب فإننا لا نجد  شعباً له أسماً مركباً يتكون من ثلاث تسميات. ولكن كما نعرف بأن الإستثناء وهو الجزء الأصغر للجزء الأكبر(القاعدة) من الظاهرة الإجتماعية. فإذا كنا كقاعدة عامة معرفيين كـ "آشوريين" في التاريخ وبمختلف ترجماتها ومرادفاتها، أ ي معروفين بالتسمة القومية المفردة كبقية شعوب العالم، فإن اليوم الحالة الإستثنائية تحكم واقع أمتنا ويفرض علينا لتبني التسمية المركبة لتجعلنا مختلفين عن بقية شعوب العالم. ولكن السؤال المحير هو: إلى متى يبقى الإستثناء يتحكم في أمور أمتنا؟ فالإجابة على مثل هذا التساؤل يقوم على أساسين:
1.   أن إزاحة الإستثناء (التسمية المركبة) وإحلال القاعدة (التسمية المفردة) محله يعتمد على مدى تطور وعي شعبنا القومي والسياسي وعلى تقليص أو محو الفارق في تطور الوعي السياسي والقومي والإنخراط في المسائل السياسية بين المجموعات الثلاث المكونة للتسمية المركبة (الكلدان والآشوريون والسريان). ومثل هذا التطور في الوعي لا يتحقق إلا عندما يدرك جميع أبناء شعبنا وبكل منظماته القومية والسياسية والمؤسسات الدينية بأننا شعب واحد له مقومات وجود واحدة لا بل ويعملون من أجل ترسيخ هذه الوحدة متجاوزين لكل الحدود والفواراق التي أعترضت مثل هذه الوحدة وبالأخص التفرقة الطائفية والتمزق الكنيسي وهذه الأخيرة تكشل عاملاً رئيساً مؤثراً في هذه الوحدة.
2.   كان قداسة البابا يوحنا بولص الثاني أول من أشاع مفهوم "التعدد ضمن الوحدة" أو الوحدة بالتنوع، وهو المفهوم الذي يعني بأن المجتمع قد تتعد فيه الطوائف والملل والمجموعات ولكن من الممكن أن تتوحد ضمن إطار واحد متكامل للجميع من دون تناقض أو تضارب بين الأجزاء المكونة لهذه الوحدة. من هنا نقول بأن الوحدة الكنسية مع بقاء المكونات الثلاثة (الكلدانية والآشورية والسريانية) سوف تلعب دوراً حاسماً في إزاحة الإستثناء وإحلال القاعدة. مهما أختلفنا مع الكنيسة أو رجالاتها أو قلٌ إيماننا بالكنيسة أو تعصبنا لها فأنه لايمكن أن ننكر بأن الكنيسة (الكنائس) لازالت المؤسسة الرئيسية الأكثر تنظيماً وقوة وتأثيراً في مجتمعنا. وبصريح العبارة بأن أي تقارب بين الكنائس الثلاثة سوف ينعكس بالحتم والنتيجة على تقارب بين المجموعات أوالرعية التي تنتمي إلى هذه الكنائس. فكما بينً التاريخ لنا بأن الفرقة بينهم أدت إلى فرقة وتمزق وحدة الشعب وهويته فأنه كذلك بالتقارب والتفاهم ... ولنكن أكثر طموحاً ونقول بالوحدة... سينعكس على وحدة الشعب وتسميته.

مما تقدم يمكن التأكيد ونقول بأنه بقدر تفاهم وتنسيق وتعاون بين السياسة والدين أو مجموعات الحركة القومية والكنائس بقدر ذلك يمكن إزاحة الإستثناء وأحلال محله القاعدة ومثل هذا التفاهم لايمكن أن يتحقق طالما هناك بوناً شاسعاً في فقدان الثقة والخوف على المصالح الشخصية والطائفية، ومثل هذا العوز في الثقة والمخاوف على المصالح الشخصية والطائفية لايمكن أن تزول إلا بالنضال المستمر نحو الوحدة ومثل هذا النضال لا يمكن أن يكون فعالاً مالم تتوحد أولا مكونات الحركة القومية، أي الأحزاب والمنظمات .. إلخ لأن إمكانية التفاهم والتقارب نحو الوحدة بينهما، لو تجردوا من النزعات الفردية والطائفية، أسهل من التفاهم والتقارب بين الكنائس الثلاث، فالإختلاف بينهم حديث العهد وليس عقائدياً فكرياً في حين الخلاف لا بل التناقض بين الكنائس الثلاث هو عقائدياً تاريخياً وبالتالي ليس بالأمر السهل في أزالة الخلاف بينهما في شهور ولا حتى في سنين. إذن فالكرة في الساحة السياسية لأحزابنا ومنظماتنا ولهم أن يلعبوا دورهم في هذه الساحة وعندما يحققون بعض النتائج وتطمئن الكنائس بأن مثل هذه النتائج تفيدهم أكثر مما تضرهم حينذاك تبدأ الثقة بين الكنيسة والسياسة بالنمو كخطوة أولى نحو إزاحة الإستثناء من واقعنا القومي. ولكن الطاغي على أحاديثنا السياسية هو لماذا لا تتوحد هذه الأحزاب والمنظمات؟؟ وهو موضوع طويل وشائك نتركه لمناسبة أخرى.   

 

   
       

127
بمناسبة مرور (51) عاماً على تأسيس المنظمة الآثورية الديمقراطية
==========================================


إلى مطكستا … مع التحيات

أبرم شبيرا


قبل بضعة سنوات كتبت مقالاً بمناسبة مرور 44 عاما على تأسيس المنظمة الآثورية الديمقراطية (مطكستا) ووجدت من المناسب أن نكتب شيئاً عن هذه المنظمة العتيدة وهي في ذكراها الـ (51) من تأسيسها غير أنني لم أجد شيئاً إلا أن أعيد وبشكل عام ما كتبته في السابق عن هذه المنظمة رغم أن ظروف داخلية تخص مطكستا وأخرى خارجية استجدت وتطورت بشكل مؤثر على جميع مناحي الحياة في مجتمعنا وعلى هذه المنظمة أيضا ولكن مع هذا بقى الجوهر والمبدأ نفسهما قائمان رغم تغير القيادات والزعامات والظروف المحيطة بمطكستا.
+++++++++++++++++++++++++++++++++

أكاديمياً، أعلم بأن علماء وطلاب العلوم السياسية يحددون ظروف معينة في نشأة الأحزاب السياسية وتكوينها كما ويشيرون إلى جملة عوامل أو عناصر يجب توفرها لكي تؤسس الأحزاب السياسية وتظهر للوجود ومن دون أي أهمية للاسم أو الصفة. فبمجرد توفر هذه العناصر يكفي أن يكون الاتحاد أو المنظمة أو الجمعية أو أية تسمية أخرى لمجموعة بشرية حزباً سياسياً، وهي مواضيع طويلة لا أريد غير الإشارة إليها فقط، ولكن الشيء الذي أود التطرق إليه، ولو باختصار، هو: أن نظرية الأحزاب السياسية التي تدرس في كليات العلوم السياسية، هي كغيرها من النظريات في العلوم الاجتماعية الليبرالية نشأت في البلدان الغربية الديمقراطية وأقامت فرضياتها وقواعدها على ظروف وأحوال هذه المجتمعات. أي بعبارة أخرى، أن مثل هذه النظريات لا يمكن أن تطبق بحذافيرها وتفصيلاتها وبشكل ميكانيكياً على ظروف أخرى غير تلك التي درستها هذه النظريات، كظروف وطننا الأم بيت نهرين، المختلفة كلياً عن ظروف البلدان الديمقراطية. ولكن مع هذا، فأن هذه النظريات وغيرها هي معطيات إنسانية ونتائج حضارية أثبتت، بالاعتماد عليها وتطبيقها في البحوث والدراسات كمناهج علمية لا كمسلمات غير قابلة للتفسير والتأويل، أثبتت صحتها وفائدتها لعموم الجنس البشري خاصة في عصر هذا اليوم. هذه الازدواجية بين خصوصية هذه النظريات وعموميتها بالنسبة لنا نحن الذين نشأنا في بلدان الشرق الأوسط، جعلت مهمة الاستفادة القصوى أو الصحيحة من هذه النظريات مهمة صعبة يستوجب الدقة والحذر في استخدامها عند بحث ودراسة بعض الظواهر الاجتماعية في مجتمعنا الآشوري، ومنها ظاهرة الأحزاب السياسية.     

انطلاقاً من هذه البديهية واعتماداً على منهجية نظرية الأحزاب السياسية، حاولت، ولا زلت أحاول، ومنذ مدة تزيد عن ثمانية سنوات أن أكمل مشروع كتابي الذي عنونته (الأحزاب السياسية الآشورية بين النظرية والممارسة) ولكن من دون جدوى. والصعوبة التي وجدتها في إكمال هذا الكتاب ليست في تطبيق هذه النظرية، وإنما في قلة أو انعدام المعلومات عن بعض الأحزاب الآشورية التي لا أعرف عنها غير اسمها، وربما ليس لها بالأصل أية معلومات أو مطبوعات متوفرة ومتاحة للغير. هذا من جهة، كما وأن كثرة المعلومات عن عدد آخر من الأحزاب الآشورية من جهة أخرى يخلق نوع من  الاختلال المعرفي في المعلومات عن جميع أحزابنا السياسية يجعل أية دراسة عنها ناقصة وفاقدة للموضوعية وبالتالي غير نافعة في فهم أهم مؤسسات حياتنا السياسية، وهي الأسباب الرئيسية التي تجعلني أن أتردد في إكمال مشروع هذا الكتاب.

من الأحزاب السياسية التي توفرت لدي معلومات عنها، هي المنظمة الآثورية الديمقراطية (مطكستا)، سواء أكانت مطبوعاتها العامة أو أدبياتها الحزبية، أو معلومات حصلت عليها عبر التراسل مع أعضاءها أو اللقاء مع بعض أعضاء قياداتها أو المشاركة في نشاطاتها. ويجب أن لا أخفي وأقول بأن هذه المعلومات التي تعتبر نموذجية وكافية لإعداد دراسة عن هذا الحزب أصبحت متيسرة لي ليس بسبب كرم قيادة هذا الحزب واهتمامها الكبيرة بتعميم الثقافة السياسية بين أبناء الأمة أو بحكم صداقتها معي أو مع غيري من المهتمين بالكتابة في شؤون الأمة فحسب، وإنما بسبب الوجود أو التوفر الحقيقي لهذه المعلومات وكثرتها من جانب، وثقة قيادته بأن ما تطرحه من معلومات وأفكار ومناهج هي واقعية وموضوعية وغير مبالغ فيها من جانب آخر، وأنها معلومات وأفكار تعبر عما تؤمن به وتسترشد بها في عملها السياسي ولا تخشى النقد أو المواجهة الفكرية والسياسية طالما هي معلومات وأفكار لا يمكن تطويرها وتطبيقها في المجتمع إلا بالمشاركة الجماهيرية والنقد البناء من قبل الغير، وليس بخزنها في خزائن حديدية سرية باعتبارها من "أسرار الحزب" كما يفعل بعض الأحزاب الآشورية وهم يمارسون نشاطهم في أرقى المجتمعات الديمقراطية التي تحمي حرية ونشاط الأحزاب السياسية دون استثناء.

في هذه الأيام التي تمر الذكرى (51)  لتأسيس مطكستا، أجدها فرصة لأحرك جانب من جوانب مشروعي الكتابي عن الأحزاب السياسية الآشورية المجمد وأعيد تصفح المعلومات المتوفرة عن مطكستا واسترجع ذكرياتي وأحاديثي مع بعض قادتها وأعرضها مستخدماً منهج نظرية الأحزاب السياسية لتقيم مدى انطباق ظروف تأسيسها فقط مع المبادئ العامة لهذه النظرية وأترك بقية الجوانب الأخرى من حيث الأعضاء والنظام الداخلي والأيديولوجية والمنهاج السياسي لمناسبة أخرى.

لو حاولنا إلقاء نظرة عامة لظروف تأسيس أحزابنا السياسية لوجدنا بأن بعضها تأسس كرد فعل ضد الحزب السياسي الأصلي أو الأم، أي انشقاق أو خروج عدد من الأفراد، واحد أو أكثر،  من حزبهم الأصلي واللجوء إلى تأسيس حزب جديد، وقد يكون هذا الانشقاق وجيه ولأسباب أيديولوجية، أو الأصح بسبب مواقف فكرية معينة، أو يكون لأسباب شخصية بحتة. كما وهناك أكثر من حزب آشوري تأسس لسبب آخر يرتبط بإرادة فرد أو عدد صغير من الأفراد، وخاصة الأقارب والأصدقاء، حيث يلجئون، رغبة منهم أو إظهاراً لبعض طموحاتهم، إلى المشاركة في الحياة السياسية العامة، إلى تأسيس حزب سياسي، وهي الأحزاب التي يمكن أن نطلق عليها بـ"أحزاب القرار". أما المجموعة الأخرى من الأحزاب التي يهمنا هي الأحزاب التي تنشأ في ظروفها الطبيعية والتي يمكن دراستها طبقاً لنظرية الأحزاب السياسية. فهناك أكثر من حزب سياسي آشوري نشأ نشأة طبيعية وتأسس وفق قواعد مبدئية وسياسية عامة، ومنها المنظمة الآثورية الديمقراطية. فمثل هذه الأحزاب ليست محض صدفة أو نتاج إرادة بشرية آنية وإنما هي محصلة لجملة ظروف تاريخية مختلفة تثمر في نهايتها وتتبلور في تنظيم سياسي يعرف بالحزب. فأيديولوجية هذه الأحزاب أو فكرها أو مبدئها ينشأ أو يظهر بفترة تاريخية سابقة لظهور الحزب تتجسد في الفترات اللاحقة في تنظيم معين يتلاءم مع طبيعة الظروف المحيطة بالمجتمع في تلك المرحلة والتي تلعب الإرادة البشرية الواعية فيها دوراً متميزاً يتمثل في قراءة الظروف المحيطة بالمجتمع وفهمها وتقييمها من قبل المعنيين ثم توقيت تأسيس الحزب وظهوره رسمياً كنتيجة منطقية لتفاعل جملة عوامل فكرية وتاريخية وسياسية. أي بعبارة أبسط، أن الأحزاب السياسية تتأسس فكرياً أو أيديولوجياً قبل أن تتأسس تنظيمياً أو شكليا أو رسمياً أو إسمياً.

على هذا الأساس نقول، بأن تأسيس مطكستا ليس من بنات أفكار مؤسسيها ولا نتاج قرار أتخذ في الخامس عشر من تموز من عام 1957، وإنما هي المحصلة الفكرية والتنظيمية لعقود طويلة من نضال الآشوريين وأفكار رواد الفكر القومي الآشوري وعبر سلسلة من النشاطات القومية  تمتد من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين والتي تبدأ بأسماء أمثال يوسف بيت هربوت وفريدون أتورايا ونعوم فائق وفريد نزها وسنحاريب بالي وغيرهم وتنتهي عند شكري جرموقلي وغيره الذين أسسوا رسمياً هذه المنظمة. أي بعبارة أخرى، أن المكونات الأخرى لمطكستا كالفكر والأيديولوجيا والأهداف، والتي تشكل الجوهر الأساسي لكل حزب، ولدت منذ فترة طويلة وقبل أن تولد رسمياً في عام 1957، فحالها كالحالة العضوية الاعتيادية للإنسان الذي يبدأ تكوينه بجنين ومن أبوين شرعيين ثم يمر عبر سلسلة من التحولات البيولوجية للنمو حتى يولد طبيعياً ثم بعد فترة من الزمن يتخذ أسماً بعد تعميذه في الكنيسة. هكذا هو الحال مع مطكستا فإنها تكونت كجزء من الصيرورة القومية للأمة قبل عام 1957 ولكن تعمذت في هيكلها القومي في الخامس عشر من شهر تموز واتخذت أسم المنظمة الآثورية الديمقراطية. وقد لعبت بعض العوامل الخارجية، والتي استطاع مؤسسيها قراءتها واستيعاب تأثيرها، ومن ثم تحديد زمن ولاتها أو المباشرة بتأسيسها رسمياً وإظهارها ككيان سياسي للوجود. وأهم هذه العوامل هو تصاعد المد القومي العربي أثناء مرحلة بداية الوحدة بين سورية ومصر ومحاولة إلغاء الوجود القومي للآخرين بما فيهم الآشوريين، والذي أدى ذلك إلى رد فعل لدى المجموعة الآشورية الأكثر وعياً وثقافية ومن ثم لجوءها إلى جمع كل التاريخ الآشوري والنضال الفكري والسياسي للرواد ومنهجته في منظمة سياسية تكون الأداة التنظيمية المناسبة والأكثر توافقاً وفاعلية في مواجهة التحدي الجديد. ومن الملاحظ بأن هذه الولادة الطبيعية وضمن نفس صيرورة الأمة، مع اختلاف الظروف الخارجية، هي نفسها التي أنجبت الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) في العراق، والذي كان من نتائج ذلك تشابه كبير بينهما في الأفكار والنظام والأسلوب والأهداف وغيرها، وهي مسألة سبق وأن تطرقنا إليها بعض الشيء في مناسبات سابقة (للمزيد عن هذه المواضيع أنظر كتابي – محطات فكرية على طريق العمل القومي الآشوري، طبع في أميركا في عام 2000).

ضمن هذه الولادة الطبيعية لمطكستا، كان من الطبيعي جداً أن تستمر مسيرتها بشكل طبيعي كحزب سياسي رائد في الحركة القومية الآشورية، وأرى أنه من المناسب أن أشير إلى بعض جوانب الريادة في هذا السياق:
1)- صحيح تعتبر مطكستا أول حزب سياسي آشوري بالمعنى العلمي لهذه الكلمة، لا بل وإنما تعتبر الحزب العتيد والوحيد الذي يمارس نشاطاً لمثل هذه الفترة الطويلة في مقارنته مع بقية الأحزاب الآشورية التي قد تنشأ ثم بعد فترة تختفي من الوجود أو يتلاشى نشاطها، فالإستمرارية لمطكستا تجعلها منظمة فريدة من نوعها.
2)- كانت مطكستا أول حزب سياسي آشوري يستطيع أن يدفع مرشحه لانتخابات البرلمان في وطن الأم سورية ويفوز بمقعد فيه، وهي سابقة لم يحققها أي حزب آشوري في بلد يتمتع بهامش ضئيل جداً من الديمقراطية ليس من السهل طبقاً للإمكانيات السياسية والمادية والفكرية الشحيحة للآشوريين من استغلالها والنفاذ من خلالها للوصول إلى البرلمان. وهو مستمر في المحاولة كلما توفر مثل هذا الهامش الديمقراطي.
3)- لمطكستا أيديولوجية واضحة وفكر علمي وعملي قابل للتطبيق في الظروف التي تعيش فيه، وهو من أهم المستلزمات الحزبية الذي يفتقر إليه الكثير من أحزابنا السياسية التي تتبنى أفكار رومانسية وبعيدة عن واقع التطبيق. أن وضوح الرؤية الفكرية وقدرتها على قراءة الوقائع قراءة صحيحة هي التي جعلت المنظمة أن تكون قادرة على التوفيق، وكل التوفيق، بين أهدافها القومية والوطنية، بحيث استطاعت، وفي ظروف كظروف بلد سورية، أن تصوغ أهدافها القومية وأن تطالب بها بشكل لا تتعارض أو تتناقض مع الأهداف الوطنية وأهداف بقية الأحزاب السورية، خاصة التي تتبنى النهج الديمقراطي، لا بل وأن يتجاوز هذا التوافق حيز الفكر والنظرية إلى الواقع والممارسة.
4)- بسبب المواقف المبدئية الثابتة لبعض قياديي المنظمة، فهي أول حزب سياسي آشوري يتعرض بعض قيادييه إلى الاعتقال مرتين في سورية ولأسباب سياسية وقومية ومن دون أن يزعزع ذلك مواقف المنظمة المبدئية القومية والوطنية، ومن دون أن تستغل المنظمة هذا الاعتقال للمهاترات السياسية.
5)- لمطكستا تنظيم سياسي وفكري وإداري ممتاز ومثالي، والذي هو من أهم مقومات الحزب السياسي، استطاعت بفعل هذه الميزة التحرك الواسع والشعبي في ظروف سياسية صعبة واكتسبت من خلاله شعبية واسعة النطاق. ويكفي أن أشير هنا إلى الاستقبال الجماهيري الواسع والكبير جداً لقياديي المنظمة الثلاثة الذين  أطلق سراحهم من السجن عام 1997 عقب مشكلة المياه في سوريا، وإلى مهرجانات الأول من نيسان من كل عام. وشخصياً لمست مثل هذه الجماهيرية وقوة التنظيم والإدارة لمطكستا عندما أكون زائراً لهم في وطن الأم سورية، فخلال فترة لا تتجاوز ساعة أو أكثر بقليل تتمكن من تجميع، ومن دون استخدام التقنيات المتطورة في الاتصال أو توجيه الدعوات، ما يزيد على مائة شخص للاستماع إلى محاضرة أو المشاركة في ندوة أو دعوة عدد من المثقفين والمهتمين بشؤون الأمة لعقد لقاء معين، في حين لا يمكن لأي حزب سياسي آشوري في بلدان المهجر أن يجمع مثل هذا العدد خلال أسبوع أو أكثر.
6)- تواجه مطكستا تحديات قومية ووطنية قلما يواجها أي حزب سياسي آشوري، وهي غير معروفة أو مدركة للكثير من الآشوريين خاصة المتواجدين في المهجر والذين ينظرون للأمور في بلدان الشرق الأوسط بمنظار غير واقعي أو عملي. فمطكستا تنشط في ظروف سياسية واجتماعية وحتى دينية صعبة للغاية يستوجب منها أن تتكيف طبقاً لها وأن تحافظ في نفس الوقت على فكرها القومي، وهي موازنة يصعب تحقيقها ويتطلبها جهود فكرية وتنظيمية استثنائية. فإذا كان البعض يعرف الصعاب والمشاكل التي تعانيها المنظمة من تبني الفكر القومي الآشوري في مجتمع طائفي صلد، فأن الكثير لا يعرف بأن العمل السياسي لمنظمة لها شعبية كبيرة يعد أمراً صعباً جداً، إن لم يكن مستحيلاً، في ظروف أقل ما يقال عنها بأنها غير ملائمة للعمل السياسي الآشوري وضمان حريته. أي بعبارة أخرى، أن أي حزب سياسي ، خاصة عندما تزداد جماهيريته، لا يمكن أن يظل فاعلاً ومؤثراً في الأحداث مع بقاءه حزباً سرياً، فهناك معادلة نسبتها طردية بهذا الشأن وهي : كلما زادت جماهيرية الحزب وكثر مفعول تأثيره كلما تقلصت سريته، والعكس صحيح أيضا، أي كلما زادت سرية الحزب تقلصت جماهيريته وخف تأثيره في الأحداث، وهي الحالة التي تعرف أحياناً بـ "النضال السلبي"، وهي معادلة صعبة جداً تواجهها مطكستا، لأنها حزب سياسي غير مجاز في سورية للممارسة نشاط سياسي، ولكن لحق يقال، بأنه رغم أن الحكومة السورية لا تعترف بالآشوريين كقومية أو أقلية قومية ولأسباب متعلقة بأيديولوجية الدولة، ولكن في نفس الوقت تغض النظر، ولاعتبارات سياسية محلية، عن بعض نشاطات مطكستا أو الفعاليات القومية للآشوريين عموماً التي لا تتجاوز الخطوط الحمراء. ولممارسة نشاط مطكستا ضمن الهامش الديمقراطي المتاح عليها أن تمتلك مواهب سياسية وتجارب في التعامل مع الشؤون الوطنية ومع القوى السياسية الأخرى، وهي المسألة التي وفقت فيها إلى حد ما، ومن المؤمل أن توفق أكثر في المرحلة الجديدة في سورية والتي يتطلب منها مراقبتها ودراستها ومن ثم المشاركة فيها لتحقيق أهدافها في خدمة شعبنا الآشوري هناك. ومطكستا تدرك كل هذه الأمور وتعرف بأنها ليست بالأمر الهين والسهل بل يتطلبها جهود استثنائية نادرة قلما تتوفر في أي حزب سياسي آشوري، كما وليس من السهل توفيرها من قبل مطكستا نفسها وضمن الإمكانيات السياسية الشحيحة لعموم الآشوريين، خاصة في تعاملهم مع الشؤون الوطنية والقوى والأحزاب السياسية الأخرى غير الآشورية.

هذه الاستثناءات والخصوصيات التي تتمتع بها مطكستا والتي جعلت منها حزباً سياسياً مثالياً في التعامل مع شؤون الأمة، أملت علينا بهذه المناسبة أن نشير إليها بكل احترام وتقدير وأن نرفع قبعاتنا في الهواء وننحي قامتنا احتراماً لمؤسسيها ولجميع الخيريين من أبناء أمتنا، وهي المناسبة التي دفعتني إلى أن أنفض الغبار عن بعض أوراقي عن الأحزاب السياسية الآشورية، وأمل أن تكون أيضاً دافعاً قوياً لإكمال مشروعي المؤجل.  وبهذه المناسبة أرسل هذه الكلمات عبر الأثير إلى مطكستا،  قيادة وأعضاءً،  كتعبير عن مشاركتي لفرحتهم وأمل أن تكون مقبولة وأن لا تكون صراحتها قد أزعجت البعض، لأن القصد منها لم يكن إلا بيان مدى اعتزازي بكل حزب آشوري أو منظمة قومية آشورية أو شخصية تعمل، قولاً وفعلاً، خيراً لهذه الأمة، والله يوفق الخيرين من أبناء أمتنا ويزيدهم عدداً وعدةً.

بدون أحزاب سياسية نشطة …  تصبح إرادة أمتنا خاضعة لإرادة الأمم الأخرى
مع تحيات أبرم شبيرا

128
الكلدان والدعوة القومية – 3

أبرم شبيرا

تقدمة:
في الحلقة الأخيرة من هذا الموضوع شرحنا إبتعاد الكلدان والكنيسة الكلدانية عن السياسة وتجنب مطالبتهم لأي حقوق قومية خاصة بهم مستقلة عن بقية الطوائف التي تنتمي تاريخياً وموضوعياً إلى نفس الأثنية وتحديداً أقصد أبناء رعية كنيسة المشرق "النسطورية" والسريانية بشقيها الأرثوذكسي والكاثوليكي. غير أن منذ بداية الألفية الثالثة بدأت دعوات قومية كلدانية تطالب بحقوق قومية  باعتبارهم قومية أو أثنية مستقلة يحق لها مثل هذه الحقوق وعلى أثر ذلك تأسست جمعيات وأحزاب سياسية كلدانية ونزلت إلى الساحة السياسية في المهجر ثم في العراق خاصة بعد زوال حزب البعث من السلطة. وقد تساءلنا ما السبب في هذا الظهور القومي السياسي المتأخر قياساً للحركات القومية الأخرى، أفهل هو "وعي متأخر" ظهر في الكلدان أو على الأقل في النخبة الكلدانية الواعية التي دعت إلى اعتبار الكدان قومية ولها حقوق قومية خاصة بها أم هو طفرة طائفية نحو القومية وضمن أطر قومية جديدة برزت في الكلدان في السنين الأخيرة ؟ وقبل الإجابة على هذه التساؤلات نود أن نوضح التصنيفات التي تنطلق منها هذه الدعوة القومية لكي نحدد نوعها وتوجهاتها التي نتحدث عنها.
تصنيفات الدعوة القومية الكلدانية:
الأولى: هي دعوة قومية أصيلة تدعو إلى أعتبار الكلدان مع بقية أبناء رعية فروع كنيسة المشرق قومية واحدة ذات حقوق قومية واحدة وتحاول بموضوعية البحث عن حلول لمشكلة تعدد التسميات. يؤازها في هذا التوجه دعوات وحركات سياسية من أبناء بقية فروع كنيسة المشرق وتحديداً الآشورية منها. ويتمثل أصالة هذه الدعوة في عمق إداركها ووعها للظروف التاريخية التي فرضت قوتها في خلق  تسميات متعددة لهوية أبناء الأمة الواحدة كما تدرك أهمية الثقل السياسي الذي ستخلقه هذه الدعوة الوحدوية. وكانت الحركة الديمقراطية الآشورية رائدة في هذا المجال والتي آزرتها نخبة سياسية كلدانية وسريانية مثقفة مع عدد من التنظيمات الكلدانية والسريانية الواعية لمثل هذه الظروف التاريخية والسياسية ثم تبعها تنظيمات وتشكيلات آخرى في فهم هذه الظروف ومن تم تبني الأسم المركب للهوية القومية كضمانة أساسية في أعطاء ثقل سياسي وديموغرافي للحقوق القومية المشتركة لأبناء الأمة الواحدة. أستوجب توضيح هذه الدعوة القومية للكلدان تجنباً للخلط بينها وبين الدعوات الأخرى. أما التصنيف الثاني للدعوة القومية فهي تدعو إلى اعتبار كل أبناء رعية فروع كنيسة المشرق كلداناً وفي اعتبار التسمية الكلدانية هي القويمة تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً. فالبنسبة لهذه الدعوة فإن سركون الأكدي وحمورابي وآشور بانيبال وطيطيانوس ومار أبرم ومار نرسي وغيرهم من رموز العصور الحديثة كلهم كلداناً. تفتقر هذه الدعوة إلى أبسط قواعد المنطق والتاريخ، وهي دعوة فانتازية وبالتالي لا تسحتق تضيع الوقت في مناقشتها. أما التصنيف الثالث للدعوة القومية الكلدانية فهي تدعو إلى أعتبار  الكلدان قومية مستقلة ولها حقوق قومية خاصة بها ولا علاقة لها ببقية أبناء فروع كنيسة المشرق وبالأخص كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة السريانية بشقيها الأرثوذكسي والكاثوليكي. وهذا التوجيه هو السائد على الساحة السياسة لأمتنا ويتمثل في عدد من الأحزاب والتنظيمات التي تأسست في الألفية الثالثة وفي أفكار وكتابات بعض المثقفين الكلدان، وهذه الدعوة هي موضوع مقالتنا هذه.

الكلدان والوعي المتأخر: 
جدلاً نفترض أن الكلدان قومية قائمة بذاتها ولها حقوق قومية متميزة خاصة بها تختلف عن بقية أبناء طوائف كنيسة المشرق وذلك مسايرة مع التيار الثالث المبين أعلاه. لقد سبقنا وأن ذكرنا في السابق بأن عصر الحركات القومية بدأ منذ منتصف القرن التاسع عشر وأستمر حتى بداية القرن العشرين ومنها الحركة القومية الآشورية والأرمنية والكردية في حين لم تظهر أية حركة قومية كلدانية في تلك الفترة والفترات اللاحقة وقد أرجعنا سبب ذلك إلى كون الكنيسة الأطار الأمثل والوحيد في تمثيل الكلدان وطرحهم كطائفة وليس كقومية. غير أنه منذ عام 2000 تقريباً بدأت دعوات كلدانية قومية متأخرة بفترة أكثر من قرن من الزمن عن بقية الحركات القومية التي نشأت في نفس الظروف السياسية والجغرافية المحيطة بالكلدان وربما يمكن تفسير هذا التأخر في الظهور ضمن الإطار النظري لمفهوم "الوعي المتأخر"

الوعي المتأخر، مفهوم فلسفي تبناه الفلاسفة الألمان في القرنين الماضيين في تفسير بعض الظواهر الإجتماعية التي تظهر في وعي الأفراد متأخرة عن زمانها الطبيعي وذلك لأسباب أو ظروف عديدة تكون بمثابة حاجب أو مانع لظهور الوعي عند الجماعة. وفي حالة زوال هذه الظروف أو الأسباب أو تغيرها وبالتالي زوال الحاجب أو المانع من عقلية أفراد المجتمع أو النخبة المفكرة منهم تجاه الظاهرة يبدأ الوعي فيها بالظهور والنمو في فترة لاحقة قد تطول أو تقصر. هذا الأطار النظري يمكن إستخدامه في فهم ظاهرة الوعي الكلداني تجاه قوميته. لقد دلت تجارب بعض الشعوب خاصة في منطقتنا التي تسلطت عليها حكومات إستبدادية تقوم على الدمج أو الصهر القومي للمجموعات الأثنية المختلفة عن أثنية المتسلطين على السلطة، دلت على أن مجاهرة الفرد لهويته القومية يتوقف على الوضع السياسي والإجتماعي السائد. فالإستبداد السياسي والفكري يكبح وعي الأفراد تجاه هويته القومية في مثل هذه الأنظمة، وقد ناقشنا هذا الموضوع في إنكار الكثير من الكلدان لهويتهم أثناء أحصاء نفوس العراق عام 1977. والحال كان هكذا ليس بالنسبة للكلدان وحدهم وإنما أيضا لبعض الشعوب المجاورة لهم مثل الكرد. ففي العصر العثماني، الكثير من الكرد أعتبروا نفسهم أتراك أو كما كان يطلق عليهم أتراك الجبال، وهي الحالة التي خلقت مشكلة كردية بعد ظهور الوعي القومي الكردي المتأخر في تركيا الحديثة. وبعد تأسيس العراق كان بعض النخب الكردية السياسية ولأسباب سياسية وبعضها نفعية يتجنبون المجاهرة بهويتهم الكردية بل أعتبروا أنفسهم عرب وذلك مسايرة للظروف الجديدة أو كضمانه للحصول على كرسي وزاري أو الحفاظ عليه. وحديثا كان بعض الكرد في مدينة كركوك يعتبرون أنفسهم تركماناً وذلك تماشياً مع السيطرة التركمانية لمدينة كركوك لضمان سلامتهم أو رزقهم.

والحال كان نفسه مع الكلدان ولكن مع إختلاف بسيط عن الكرد من حيث الديانة. إذ إن الديانة المسيحية للكلدان وفي مجتمع يعتمد الدين الإسلامي معياراً للإنتماء إلى الوطن في الدولة العثمانية كان عاملاً رئيسياُ في أبقاء الكلدان ضمن الإطار الكنيسي الذي كان مقننا بنظام "الميليت" العثماني ولم يكن هناك مجالاً لكي يكون أتراكاً. ولكن في العراق الحديث الذي أعتمد العلمانية في نظام الحكم وضمن ظروف الإستبداد والقهر السياسي والفكر وهيمنة أثنية رجال الحكم على الساحة العراقية وإنعكاسها في قراراتها السياسية كبت الكلدان عن التعبير عن هويتهم وبالتالي لم تظهر على السطح أو تنعكس في مؤسسات قومية أو أحزاب سياسية خاصة بهم بل أكتفت بالإطار الكنسي. وهكذا ظل الوعي الكلداني مكبوتاً ومحصوراً ضمن الإطار الكنسي المسموح به في النظام الاستبدادي في العراق حتى أهتزاز أسس هذا النظام في التسعينيات من القرن الماضي ومن ثم البدء في إنهياره وظهور الوعي الكلداني في عام 2000 إستعداداً لمرحلة جديدة ظهرت بعد إنهيار النظام السياسي والاجتماعي في العراقي نهائياً عقب سقوط نظام البعث عام 2003 وزوال الأسباب السياسية التي كان تمنع الكلدان من المجاهرة بهويتهم الخاصة ومن ثم ظهور أحزاب سياسية وجمعيات قومية كلدانية بشكل أكثر وضوحاً.
سنة 2000 - عام الوعي الكلداني:
البداية الحقيقية والأكثر وضوحاً بدأت أولاً في المهجر وتحديداً في الولايات المتحدة الأمريكية. فقبل البدء بعملية أجراء أحصاء النفوس في الولايات المتحدة لعام 2000 كان جميع أبناء شعبنا المنتميين إلى فروع كنيسة المشرق وغيرها من الكنائس البروتستانتية والإنجيلية، وتحديداً الآشوريين والكلدان والنساطرة والسريان والأراميين وغيرها من التسميات كانت تندرج أثنياً تحت تنصيف  "الآشوريون – Assyrians". غير أنه قبل بدء عملية الأحصاء أحتج نخبة من المثقفين الكلدان يقودهم نيافة المطران سرهد جمو إدراج الكلدان تحت تصنيف الآشوريين وأقترحوا التصنيف المركب (الآشوريون/الكلدان/السريان) والذي عرف بتصنيف (Slash) – أي الفاصلة أو الشارحة. بالمقابل قامت قيامة الطرف "النسطوري" الآشوري ورفض بشدة هذا التصنيف المركب الجديد من قبل بعض القوميين الآشوريين المتشتددين وقادة هذا التيار سركون داديشو زعيم ما يسمى بـ "المجلس القومي الآشوري" ومسؤول مؤسسة بيت نهرين في سيرس في كاليفورنيا وقيادي كبير في حزب بيت نهرين الديموقراطي وصاحب تلفزيون "الفضائية الآشورية" حيث شن حملة شديدة مكرساً كل إمكانياته في مقاومة هذا التصنيف الجديد مطالباً السلطات الرسمية بضرورة التمسك بالتصنيف القديم. غير أن السلطات الرسمية وبتأثير قوة وفاعلية النشاط الكلداني تبنت التصنيف المركب الجديد. أثار هذا النزاع حول التصنيف الجديد بلبلة في أبناء مجتمعنا في المهجر مما أدى إلى نتائج سلبية على مستوى أحصاء نفوسهم هناك فتبينت نتيجة الإحصاء بأن نفوس أبناء شعبنا في أميركا تحت التصنيف المركب أقل مما كان قبل عام 2000 تحت التصنيف المفرد "الآشوريون"، وربما السبب يرجع إلى إشمئزاز الكثير من أبناء شعبنا من هذا النزاع غير المجدي وبالتالي عدم إكتراثهم بعملية الإحصاء. هذا النزاع ولد ردود فعل قوية على الجانب الكلداني، فتولد "داديشو كلداني" مقابل "داديشو نسطوري" وبدأت معركة الصراع على التمسية القومية وعلى أثرها بدأ عدد المنظمات القومية والسياسية الكلدانية بالإزدياد وتوسع نشاطها مركزت على الكلدانية بشكل مكثف، فمقابل "آشورايا وبس" ظهر "كلدنايا وبس".

غير أن هذا الظهور البارز للكلدانية في عام 2000 لم يكن سببه الإحصاء الأمريكي فحسب بل كان أيضا كرد فعل على الجانب الكلداني عما كان يحرزه الجانب الآشوري من تقدم في المجالات السياسية والقومية. فعندما بدأت الساحة السياسية العراقية بالغليان قبيل سقوط النظام البعثي في العراق كان الآشوريون  وبتنظيماتهم السياسية، وبالأخص الحركة الديمقراطية الآشورية، نشيطون على هذه الساحة ومشاركون في إجتماعات المعارضة العراقية. فالإسم الآشوري كان في كل مكان حتى أن القانون الأمريكي المعروف بـ "قانون تحرير العراق" الذي خصص ميزانية قدرت بـ (97) مليون دولار أمريكي للمعارضة العراقية أشمل الحركة الديمقراطية الآشورية ضمن هذه المعارضة وهذه التخصيصات. وفي إجتماع المعارضة العراقية الموسع في لندن عام 2002 جاء تأكيداً في بيانهم على الحقوق القومية للآشوريين ولم تكن هناك أية إشارة للكلدان أو السريان حيث كان هذا بفعل الناشطين من الآشوريين في تعميم مفهومهم الخاصة حول أعتبار الكلدان والسريان كطوائف دينية وأن أسم قوميتهم هو "الآشوري". كان من الطبيعي أن يولد رد فعل قوي لدى الكلدان في رفض اعتبارهم كطائفة تابعة للآشوريين، من هنا كان لازماً على النخبة الكلدانية أن تعزز موقعها وأن تبداء بمقاومة الهيمنة الآشورية على الساحة السياسة وتمنعهم من التكلم نيابة عن الكلدان. فهكذا بدأت المؤسسات القومية والسياسية الكلدانية بالتاسيس أو بفعالية أكثر وسعت بكل جهد أن يكون لهم نفس ما للآشوريين وأن يكون لهم موقع أو أسم مستقل عنهم فبرزت ظاهرة الندية حيث أصبح لهم ناد مقابل ناد، موقع ألكتروني مقابل موقع ألكتروني، وكالة أنباء كلدانية مقابل وكالية أبناء آشورية، فدريشن كلداني مقابل فدريشن آشوري، مركز ثقافي كلداني مقابل مركز ثقافي آشوري علم وشعار كلدانيان مقابل علم وشعار آشوريان، مجلس قومي كلداني مقابل مجلس قومي آشوري، حزب الإتحاد الديمقراطي الكلداني مقابل الحركة الديمقراطية الآشورية... وهكذا وبفعل قوة البنية التحتية الإقتصادية والثقافية والعلمية والديموغرافية للكلدان، وبمساندة الكنيسة، تمكنوا من أن يرتقوا إلى مستويات تضاهي المستويات الآشورية فأصبحوا في مواقع تجعلهم يرفضون الصيغ الكلاسيكية القديمة في إعتبارهم جزء من الآشوريين أو تابعين لهم.   

الكنيسة والدعو القومية الكلدانية:
من حيث المبدأ، الكنيسة ضد الحركات القومية خاصة بالنسبة للقوميات اللادولتية، أي المجموعات الأثنية التي لا دولة قومية لها أولا تملك سلطات سياسية خاصة بها كما هو الحال بالنسبة لأمتنا حيث تكون الكنيسة هي المؤسسة الرئيسية المهيمنة ولا ترغب في أن تكون هناك مؤسسات أخرى سياسية قومية تنافسها في هذه الزعامة فهذا الموقف يحكمه مصلحة الكنيسة وخوفها من فقدان هيمنتها. فبالنسبة للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية تشجع أو لا تمانع من قيام حركة قومية كلدانية وبناء مؤسسات سياسية وإجتماعية لها طالما هي (1) تعزز وترسخ هذه المؤسسات مفهوم الكلدانية في عقل الكلداني وتبعده عن الآشورية، وهناك أمثلة عديدة في تخوف الكنيسة الكلدانية من التسمية الآشورية وأسباب هذا التخوف تكون إما طائفية أو مصلحية و (2) أن تعمل هذه المؤسسات وتنشط داخل الخطوط الحمراء التي رسمتها الكنيسة منذ القدم وأن لا تتجاوزها، أي بعبارة أخرى أن تكون تابعة لها أو تعمل بوصاية من الكنيسة أو أن لا تنافسها في زعامة المجتمع. والموقف الرافض للكنيسة الكلدانية المدعوم من قبل الفاتيكان لفكرة الحكم الذاتي في سهل نينوى التي يقودها المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري وعرابها سركيس أغاجان نموذج في هذا السياق.     
 
وأنا شخصياً لا أشك أبداً بأن المسألة القومية وموقف الكنيسة منها، طبعاً إلى جانب عوال أخرى، أثرت كثيراً في إفشال مساعي البحث في إمكانية توحيد شقي كنيسة المشرق: الآشورية والكلدانية الكاثوليكية. فالمسافة التي تبعد كل فرع من هذين الشقين عن المسألة القومية من جهة ومن الحداثة والمعاصرة من جهة أخرى كانت عوامل قصمت ظهر المناقشات الوحدوية بين الفرعين. لقد أثبت تجارب السنين الماضية في التفاوض والتقارب بين الفرعين للكنيسة: الآشورية والكلدانية وجود عدم توازن وتوافق بين الإمكانيات الكنسية واللاهوتية من جهة وبين الوعي القومي والتطور السياسي من جهة أخرى الكنيستين وأتباعهما. فالكنيسة الكلدانية، ككنيسة عالمية مرتبط بالعالم الكاثوليكي، متطورة من الناحية التنظيمية ومستقرة مالياً وإدارياً، فكهنتها متعلمين وحاصلين على أعلى درجات العلم والثقافة. بالمقابل فأن الكنيسة الآشورية كانت تتبع الأساليب القديمة في تعليم وتعيين رجال الدين من المطارنة والكهنة. وإرسال مجموعة من الشباب الآشوري للتعلم في المعاهد الكاثوليكية سواء في روما أم في كلية بابل الكلدانية في بغداد لكي يصبحوا مطارنة المستقبل كان من باب سد الثغرة العملية واللاهوتية بين الكنيستين فكانت خطوة ممتازة. أما على الجانب القومي فإن رجال الكنيسة الآشورية وأتباعها أكثر تطوراً وتقدماً ولهم مؤسسات سياسية وقومية فاعلة بينما موقف الكنيسة الكلدانية سلبياً تجاه الحركة القومية بشكل عام والكلدان أنفسهم كانوا غائبون عن المسألة القومية ويفتقرون إلى المؤسسات السياسية ذات الطابع القومي. في منتصف التسعينيات من القرن الماضي عقد المجمع السنهدوسي للكنيسة الكلدانية في بغداد وكان موضوع تغيير أسم الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية إلى أسم كنيسة المشرق الكاثوليكية من المواضيع الساخنة في مناقشات المجمع وهذا الأسم الجديد/التراثي كان خلاصة توصل إليها دراسة أعدها ثلاثة من فطاحل مطارنة الكلدان ومنهم الطيب الذكر المرحوم الدكتور يوسف حبي الذي كان يعد بمثابة فيلسوف كنيسة المشرق. غير أن بالنتيجة تم تأجيل البث في هذا المقترح إلى إشعار آخر وقد تسربت الإنباء فيما بعد عن  سبب هذا التأجيل فأشيع بأن الكنيسة الكلدانية سوف تنتظر لما سيحصل بالنسبة للكنيسة الآشورية فيما يخص الأسم الآشوري المرتبط بها لأنه لا يمكن أن تتوحد فرعي هذه الكنيسة مالم يزال عنهما التسميات القومية وتحديداً الآشورية والتي لها مدلولات سياسية غير مرغوبة عند النظام العراقي الاستبدادي.

من هنا أدرك دعاة الوحدة بين الكنيستين وتحديداً المطران سرهد جمو من الجهة الكلدانية والأسقف مار باوي سورو من الجهة الآشورية الوضع غير المتوازي أعلاه. فمار باوي أندفع إندفاعاً حماسياً نحو التقارب مع الكاثوليكية فدرس في معاهد الفاتيكان وحصل على الدكتوراه في تاريخ كنيسة المشرق وفي كل لقاءاته ومحاضراته وكتاباته شجع مثل هذا التقارب مما أضطرت رئاسة الكنيسة الآشورية إلى عزله من الكنيسة، فلم تتاح أما مار باوي سوري خيارات إلا خيار تأسيس أبرشية خاص به في كاليفورنيا وأطلق عليها "الأبرشية الآشورية الكاثوليكية". وعلى الجانب الكلداني، لم يكتفي المطران سرهد جمو في تشجيع أو الدفع نحو تأسيس مؤسسات مدنية وسياسية كلدانية بل لعب دوراً مهماً في "كلدنة" الطقس الكنسي بالكامل ومحاولة تخليصه من الدخيل اللاتيني للوصول إلى مستوى "كنسي قومي" يوازي قومية كنيسة المشرق. كنت في بغداد من رعية كنيسة القديسة ريتا الكلدانية في كرادة خارج فكان الطقس من البداية إلى النهاية بالعربي، ما عدا صلاة قصيرة أقل من دقيقة يقرأها الشماس بالسريانية في نهاية القداس. وفي لندن كنت من رعية كنيسة الإرسالية الكلدانية الكاثوليكية والقداس كان أكثريته بالعربي وقليلاً بالسريانية وحالياً أنا من رعية كاثدرائية الرسول مار بطرس الكلدانية في سان دياكو، وهي تحت إشراف المطران سرهد جمو والقداس فيها بالتمام والكمال بالسريانية لا بل باللهجة الكلدانية والمثير للإنتباه، مقارنة مع رعية الكنيسة الكلدانية في بغداد خاصة في المناطق الراقية، أن رعية كاثدرائية الرسول مار بطرس الكلدانية كلهم كلداناً بالتام والكمال أيضا، تقاليداً ولغة وشعوراً. حقاً يقال بأن المطران سرهد جمو نجح نجاحاً باهراً في "نهضة الكلدان" على الأقل على المستوى الكنيسي والذي بالنتيجة والحتم أنعكس على المستوي الاجتماعي والمدني والقومي الكلداني مثلما حدث في السابق بالنسبة للكنيسة الآشورية الذي أنعكست "قوميتها" على المستوي السياسي. لقد نتج من جهود مار سرهد في "كلدنة" الكنيسة وقومنتها ومن تحديث الكنيسة الآشورية و"كثلكتها" تأسيس مطرانية الكلدان والآشوريين في كاليفورنيا وعند إعلان هذا التأسيس على الرعية في كنيسة مار بطرس في سان دياكو شاهدت الفرحة الغامرة والحماس الشديد في وجوه وأحاديث الرعية وفي إستمرار تصفيقهم بقوة لهذا الحدث. وأخيراً لم يبقى في هذه العجالة عن "مطرانية الكلدان والآشوريين الكاثوليكية" إلا أن نثير تساؤلا عن الموقف الرسمي للكنيسة الكدانية من هذا التوحد أم ترك تحديد مثل هذا الموقف إلى الفاتيكان باعتبارها هي المسؤولة والمشرفة من الناحية الإدارية والتنظيمية على جميع شؤون الكنيسة الكلدانية خارج العراق.

مما تقدم يبدو بأن هناك في الظاهر تناقضاً بين "نهضة الكلدان" التي دعا إليها المطران سرهد جمو وتوحده مع الجانب الآشوري ذات المغزى القومي وتوجهات الكنيسة الكلدانية الرسمية من "قومنة" الكنيسة والإرتقاء بها إلى مستوى "قومانية" الكنيسة الآشورية. فإذا كان موقف الكنيسة الآشورية الرسمي معرفاً من تحركات وتوجهات مار باوي سورو نحو "كثلكتها" فأن موقف الكنيسة الكلدانية الرسمي من "قومنتها" لا زال غير معروفاً بشكل واضح علما بأن هذه الكنيسة لم تبدي إستعداداً لتقبل دعوة مار باوي سورو في الإنتماء إليها ولكن اليوم نرى مطرانية كلدانية وليس الكنيسة الكلدانية نفسها ككل تتوحد مع مار باوي سورو. وعلى العموم يمكن القول بأن توجهات المطران سرهد جمو نحو "كلدنة" مطرانيته وقومنتها وتخليصها من التأثيرات اللاتينية، مهما كانت نواياه سواء إنعزالية طائفية وكنيسة ومنثم  وضع الـ (و) التفريقة والتميزية بين الكلدان والآشوريين أم هي مجرد خطوة أولية لخلق إستعداد لرفع هذه (و) في المستقبل القريب بعد خلق وعي متكامل بين الكلدان لتقبل الوحدة مع الكنيسة الآشورية وربما قبول التسمية المركبة (كلدو آشوري).

خلاصة وإستنتاج:
إن فكرة ترقية الكلدان من المستوى الطائفي إلى المستوى القومي فكرة جيدة بهدف رفقع مستوى الوعي القومي عند الكلدان ولكن ليس بالشكل المطروح في التصنيفين الثاني الثالث المار ذكرهما. فالكلدان كأثنية أو قومية قائمة بحد ذاتها ومستقلة عن بقية أبناء جدلتهم فكرة هدامة لا تودي إلا إلى خسارة من الناحية السياسة والقومية للجميع فهذه الفكرة لا تستقيم مع الحقائق التاريخية في كون الكلدان والآشوريون والسريان أمة واحدة مقومات وجودها معروفة يشارك الجميع فيها ولا تقبل الإنفصال او الاختلاف حولها. ولا شك فيه بأن الحركة القومية الآشورية وبأحزابها المتنوعة التي هيمنت عليها أكثرية "نسطورية" فشلت فشلاً ذريعاً في إمكانية إقناع الكلدان بـ "آشوريتهم"  ولم تستطيع إستيعابهم في تنظيماتهم لا بل أصروا على أعتبارهم توابع وملحقين بالآشورية فكان من الطبيعي أن يتولد من جراء هذا الإصرار الآشوري رد فعل كلداني قوي في مقاومته ومن ثم الدعوة إلى إعتبار الكلدان مختلفين عن الآشوريين. فإذا كان كل شيء وكل الأرض وكل الحضارة وكل التاريخ آشوري عند الآشوريين فلماذا لا يكون بالمقابل كل شيء وكل الأرض وكل الحضارة وكل التاريخ كلداني عند الكلدان؟؟؟

لقد أدركت الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) بعد تجارب طويل في هذا المضمار عن خطأ الحركة القومية الآشورية التقليدية وأحزابها وفشلهم في لم شمل الكلدان مع الآشوريين في حركة قومية متوحدة فكانت المبادر الأول في التحرك وبأسلوب مرن بعيد عن التصلب والتعنت على الأسم الآشوري وفرضه على الكلدان، رغم أنه كان هناك في قيادة الحركة وكوادره وجماهيره عدد لا بأس بهم من الكلدان. ففي عام 2003 جاء تنظيمه مع المنظمة الديمقراطية الآشورية لمؤتمر العام في بغداد وإقرار التسمية المركبة "كلدو آشوري" ضمن هذا التوجه الجديد. فكان من الطبيعي أن تتعرض زوعا وتبنيه للتسمية المركبة هجوماً عنيفاً من قبل تنظيمات الحركة القومية الآشورية وبعض الجهات الكلدانية غير أن بمرور الوقت بدأت تنظيمات آشورية وكلدانية تسير على نفس خطى زوعا في تبني هذه التسمية المركبة بعد أن "وعت متأخرة" أهمية هذه التسمية الموحدة في ضمان حقوق الأمة بشكل يتناسب وحجمها وتأثيرها السياسي والديموغرافي.

ولو أفترضنا جدلا بأن تحركات مار سرهد جمو ومار باوي سورو في التوحد بين أبرشيتهما تحت مظلة "الكلدان والآشوريين" هي بداية تمهيدية لرفع الـ (و) المفرقة في المستقبل القريب ومن ثم تصحيح أسم مطرانيتهم وجعلها "مطرانية الكلدو آشوريين" لأصبحت جهودهم ملتقية مع جهود زوعا وغيرها من التنظيمات السياسية الكدوالآشورية المتقبلة للواقع وبالتالي يرتقي الكلدان قومياً إلى المستوى القومي الآشوري ويصبحون على أرضية مشتركة من حيث السياسة والكنيسة وبالتالي تصبح إمكانية حل إشكاليات التسمية المركبة متاحة أكثر مما توفره وهما، أي الكلدان والآشوريون، في عالمين مختلفين. وأخيراً لم يبقى إلا أن نبين الفرق بين الحقيقة والواقع ومدى تطبيقهما على وضعنا القومي وتفهم هذا الوضع،  فالكثير منا يردد هاتين المفردتين من دون أن يفرق بينهما. الحقيقة، وبالأخص الحقيقية التاريخية تؤكد بلا مجال للشك بأن معظم أتباع فروع كنيسة المشرق الكلدانية والمشرقية "النسطورية" والسريانية بشقيها الأرثوذكسي والكاثوليكي، هم أبناء أمة واحدة ولها تاريخ ولغة وحضارة معروفة للعالم أجمع غير أن الواقع الحالي لا يتطابق مع هذه الحقيقة فنحن في الواقع مجموعات أو كتل أو هويات مختلفة وأحيانا متباينة ومتناقضة، فنحن كلداناً وسرياناً وآشوريون وقد لعبت الكنيسة دوراً في خلق هذا الواقع وأبعدته عن الحقيقة ومن لا يفهم الواقع ويتعامل معه لمعالجته وتقريبه من الحقيقة فهو إنسان فاشل لا يستطيع إنجاز غير الكلام الفارغ. والأبجدية السياسية تقول بأن السياسة هي فن الممكن كما هي  "كائن" وليس "كان". فإذا كانت الحقيقة التاريخية تقول بأننا كنا آشوريون وأتباع كنيسة واحدة متوحدة فالواقع في هذا اليوم يقول غير ذلك فإننا كلداناً وآشوريين وسريان وأتباع "كنائس" متعددة ومختلفة لا بل ومتباين. والسياسي الناجح هو الذي يجب أن يقف على الأرض الواقع ويعمل كلدانياً /آشورياً/سريانياً  من دون (و) التي فرضها الواقع علينا كسبيل أولي للوصول إلى الحقيقة التاريخية التي تقول بأننا أمة واحدة وأسم واحد. فالميدان الفكري المرن لا المتزمت واسع لفهم هذا الواقع ومعالجته طبقاً لمعطيات الحقيقة التاريخية فما على الكلدان المتصاعدين نحو أعالي المستويات القومية إلا أن يفهموا الحقيقة التاريخية وما على الآشوريين المتقوقعين في البوتقة الآشورية المتشرنقة بالتاريخ الغابر أن يفهموا الواقع الحالي وإلا ستصبح جميع الجهود في خبر كان.   

129
الكلدان والدعوة القومية – 2

أبرم شبيرا
تقدمة:
بينُا في القسم الأول إبتعاد الكلدان منذ تأسيس الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية عن السياسة وعدم مطالبتهم بأية حقوق قومية أو سياسة خاصة بهم أو اعتبار أنفسهم قومية أو أثنية مختلفة ومتميزة عن بقية أتباع فروع كنيسة المشرق وحتما كان يتوجب على هذا الموقف أن يترتب نتائج جمة على مختلف الأصعدة، وفي هذا القسم سنبين بعض من هذه النتائج.


ثمار الابتعاد عن المطالب القومية:
بالتأكيد أن تجنب الكلدان للسياسة وعدم المطالبة بحقوق قومية وإستمرار المولاة للسلطات الحكومية خاصة في الأنظمة الإستبدادية التي طغت على العراق يترتب عليها منافع جمة على الجوانب غير السياسية والقومية طالما كانت المطالبة بمثل هذه الحقوق جريمة بشعة يستوجب قمعها في نظر هذه الأنظمة. هكذا كان الحال مع الكلدان في العراق أذ بدأوا بجني الثمار في الاستقرار الكنسي والتطور الإقتصادي والعلمي. فبعد الحرب العالمية الثانية وتحقق نوع من الاستقرار السياسي والإقتصادي في العراق فبدأت هجرات جماعية من القرى والقصبات الكلدانية في  شمال العراق إلى المدن العراقية الكبيرة خاصة إلى بغداد والموصل وشملت أيضا نقل البطريرك مار يوسف غنيمة (1947 – 1958) كرسي البطريركية الكلدانية من الموصل إلى بغداد. فبدؤا الكلدان وبشكل أكثر نشاطاً وكثافة الانخراط في الأعمال التجارية وفي أعمال الخدمات المدنية والوظائف الحكومية والمؤسسات العلمية فكان ذلك بداية مرحلة جديدة وواضحة من إنسجام وتكامل الكلدان مع المجتمع العراقي وتحديداً في المدن الكبيرة.

أستقرت وأزدهرت الكنيسة الكلدانية بشكل كبير في بغداد والمدن العراقية الكبيرة الأخرى وحقق الكلدان تقدماً على مختلف الأصعدة خاصة في الفترة الطويلة لخدمة مثلث الرحمات مار بولص شيخو (1958 – 1988) كبطريرك للكنيسة، حيث بنيت في عهده عدد كبير من الكنائس ورسم كهنة ومطارنة جدد وحصل معظمهم على تعليم عال فكانت المدارس الكدانية من أحسن المدارس العراقية وفي عهده زاد عددها وتوسعت أكثر كما أسست معاهد كهنوتية وطورت بعضها بشكل تنسجم مع المرحلة الجديدة. وعلى المستوى العلماني والمدني، فقد حقق الكلدان أكثر تقدماً بين العراقيين قاطبةً فكانوا أكثر تعليماً وثقافة فالكثير منهم كانوا أساتذة ومحاميين وأطباء وصحافيين مشهورين ومؤرخين كبار وكتاب وشعراء ويكفي أن نذكر بأن أول فتاة عراقية دخلت الكلية الطبية بجامعة بغداد ثم تخرجت كأول سيدة تمارس الطب كانت كلدانية. وعلى مستوى الأعمال والإقتصاد فقد ساهم الكلدان مساهمة كبيرة في الإقتصاد العراقي حيث كانوا في كل مكان، في البنوك ودوائر الدولة وفي الصناعة والتجارة والأعمال الحرة وفي مرحلة معينة سيطروا سيطرة تامة على صناعة السياحة والفندقة وتمكنوا من خلق نمط جديد ومتمدن للحياة الإجتماعية في العراق حيث ساهموا في تأسيس أشهر الأندية الإجتماعية منها العلوية والهندية والأنوار والتي كانت أندية الطبقة الراقية والشخصيات المهمة في بغداد ولكن كانت بدون أية نشاطات ثقافية متعلقة بالكلدان حيث كانت أندية عربية من حيث اللغة والثقافة ونمط الحياة وكلدانية من حيث أكثرية الرواد والإنتماء الطائفي.

الكلدان والنظام البعثي في العراق:
لم يكن حزب البعث يضطهد المسيحيين في العراق بسبب إنتمائهم الديني فالبعث حزب قومي علماني لم يكن للدين مكاناً كبيراً في فكره بقدر ما كان يفرض الإسلام كدين رسمي للعراق، حاله كحال بقية الدول الإسلامية، الإلتزام به وفرض ما يستوجب فرضه على الآخرين، لا بل في فترة الحرب مع إيران حاول النظام التودد إلى المسيحيين كي يترك إنطباعاً للغرب بأنه نظام مفتوح ومتسامح ويحارب نظام إسلامي إستبدادي متطرف في إيران كما حاول إستغلال وضع المسيحيين في العراق وزجهم في حملة رفع الحصار عنه الذي فرضته الأمم المتحدة بعد طرده من الكويت في بداية عام 1991، غير أن هذا لم يمنعه من إستخدام الإسلام بشكل مارق و وضع كلة ألله أكبر على العلم العراقي والذي كان ينم عن نفاق ورياء في مواجهة قوات الحلف الدولي والحصار المفروض عليه. فخلال مرحلة الحكم البعثي العراقي (1968- 2003) أصبح الكلدان أكثر ابتعاداً عن السياسة القومية وحساسية تجاهها، فحالهم كان كحال معظم العراقيين في ظل هذا النظام الاستبدادي بإستثناء قليل لبعض الثوريين والرافضين الإندماج في سياسة البعث. أنه من الإطناب الحديث عن هذه المرحلة ذلك لأنها مرحلة معاصرة ومعروفة للكثير ولكن للتأكيد عليها أود أن أسوق المثال التالي الذي حدث في صيف عام 1977:

كان السيد هشام شبيب مدير الصحافة في وزارة الثقافة والإعلام العراقية وأحد عناصر المخابرات العراقية في النصف الأخير من السبعينيات من القرن الماضي قد كلف من قبل قيادة البعث للتعامل مع القضية الآشورية والمسيحيين في المهجر. ففي صيف من عام 1977 ترأس وفداً من أندية ومؤسسات الناطقين بالسريانية إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإنكلترا حيث التقى هناك بأتباع الكنيستين الكلدانية والمشرقية "النسطورية" وعقدوا هناك عدد من الندوات وألقوا الكثير من الخطب ونظموا الحفلات واللقاءات كلها مدحاً وتطبيلاً بالنظام العراقي والترويج عن سياسيات حزب البعث الحاكم. ففي جميع التجمعات الكلدانية التي زاروها رحبوا بهم أيما ترحيب في حين لقوا الإهانات عندما التقوا بالآشوريين من أتباع كنيسة المشرق "النسطورية". وشخصياً كنت في لندن في تلك الفترة وحضرت مع إثنان أو ثلاثة من الأصدقاء الحفلة التي أقامها المركز الثقافي العراقي في لندن على شرف هذا الوفد كما كان قد حضرها نفر من الآشوريين المارقين والمتزلفين لنظام البعث لم يكن عددهم يتجاوز نصف عدد أصابع اليد فدخلنا مع هاشم شبيب في نقاش حامي الوطيس حول قضايا آشورية وتبين من خلال ردود فعله مدى حقده وكراهيته للآشوريين ولهذه التسمية ثم قارن تصرفنا بمدى ترحيب الكلدان بهم في أميركا وفي نهاية الحديث توعد بأن يحاسبنا ويحاسب مجلة "المثقف الآشوري" التي كان يصدرها النادي الثقافي الآشوري في بغداد. وفعلاً فعل ذلك عند عودته إلى بغداد حيث أستدعاني مع رئيس تحرير المجلة إلى وزارة الثقافة والإعلام للتوبيغ والمحاسبة. إضافة إلى هذا فأنه كان قد كتب تقريره إلى قيادة حزب البعث ومن ضمن ما جاء فيه هو "سيبقى الكلدان مخلصين دائماً للحكومة وموالين لسلطة البعث وموضع ثقة واعتماد في تحقيق إستراتيجيتها تجاه أقلياتنا المسيحية في المهجر، بينما سيبقى "الآثوريون" دائماً خونة وغير مخلصين للحكومة العراقية وحزب البعث". وقد كان سكرتير السيد هاشم شخص له توجهات قومية ومن أتباع الكنيسة الكاثوليكية وأسمه (زيا) هو الذي كشف لنا موضوع هذا التقرير عند الالتقاء به في خارج العراق.

في عام 1972 أصدر النظام البعثي قراره التكتيكي والمسمى بـ "الحقوق الثقافية للنطاقين بالسريانية من الآثوريين والكلدان والسريان" كما كان قد شكل لجنة خاص بـ "المسيحيين" برئاسة ماليك ياقو إسماعيل وشارك فيها بعض من رجال الدين من الكنيستين الكلدانية والسريانية الأرثوذكسية والكاثوليكية. ومن الملاحظ إهتمام حزب البعث بـ "الأثوريين" ووضعهم في مقدمة بقية الناطقين بالسريانية من الكلدان والسريان وكذلك توليهم قيادة لجنة المسيحيين كل ذلك من أجل إستغلال وضعهم وخلفتيهم التاريخية السياسية في محاربة الكرد وكأحدى السياسات المتعددة التي مارسها نظام البعث في إفشال وإسقاط قانون الحكم الذاتي الذي منح للكرد عام 1970 في حين كانت مشاركة الكلدان والسريان مجرد مشاركة شكلية وسرعان ما أختفوا من اللجنة بمجرد أن بدأت بوادر الفشل تظهر عليها بعد أن رفض ماليك ياقو إسماعيل المخطط الشيطاني للبعث في تشكيل قوات آشورية وزجهم في محاربة الكرد.
 
أعقب صدرو القرار أعلاه في منح الحقوق الثقافية تأسيس عدد كبير من الأندية الكلدانية بحيث يمكن القول بأن كل قرية أو بلدة كلدانية تأسس لها نادي اجتماعي في بغداد وتسمت بتسميات ثراثية مثل سومر وأكد وبابل ونينوى ورافدين وكانت هذه الأندية في الحقيقة ذات مستوى أقل من مستوى الأندية السابقة،  حيث سرعان ما أن أصبحت مراكز لتعاطي الكحول ولعبة البنكو وأصبحت أبوابها مفتوحة لكل واحد من دون اعتبار للانتماء الديني أو القومي ولم تكن تمارس أية نشاطات ثقافية تذكر خاصة بالكلدان باستثناء نادي بابل الكلداني (غالبية مؤسسها وأعضائها من بلدة ألقوش) ونادي الإخاء الأهلي (غالبية مؤسسها وأعضائها من منطقة زاخو) اللذان مارسا بعض النشاطات الثقافية وعرضا بعض المسرحيات من قبل بعض أعضاءها الواعيين. كما كان قد تأسس بعض المؤسسات الثقافية للناطقين بالسريانية في بغداد منها الجمعية الثقافية واتحاد الأدباء والكتاب وجمعية الفنانين السريان حيث بتشجيع من الجهات الحكومية المعنية شارك رجال الدين وبعض المطارنة من الكلدان والسريان في تأسيس هذه المؤسسات وإدارتها في سنواتها الأولى ولكن بمجرد أن بدأ بعض العناصر القومية من الطائفتين الكلدانية والمشرقية "النسطورية"، وكان بعضهم من أعضاء النادي الثقافي الآشوري، المشاركة في نشاطات هذه المؤسسات وتحويلها نحو المسار الثقافي القومي الصحيح والذي نتج عنه تحقيق بعض الإنجازات الثقافية واللغوية المهمة بدأ وجود رجال الدين بالاختفاء والتلاشي فأدركت السلطات المعنية خطورة هذه المؤسسات فلجأت إلى إغلاقها ودمجها مع الاتحاد العام (الرسمي) للكتاب العراقيين فأصبحت بحكم المنتهي.

النتائج السلبية من تجنب المطاليب القومية:
على أية حال، كان إزاء هذا الابتعاد عن المسألة القومية وتجنب المطالبة بحقوق قومية ثمناً باهظاً يستوجب دفعه على حساب الهوية القومية والأثنية للكلدان  حيث بدأ تدريجياً بزوال المقومات الأساسية لهوية الكلدان في المدن الكبيرة. فاللغة والتاريخ والثقافة والعادات، والتي هي مقومات كل قومية أو أثنية  لا بل هي أيضاً العناصر القومية المشتركة مع بقية أتباع فروع كنيسة المشرق، بدأت تفقد معناها عندهم. هذا في المدن الكبيرة أما في القرى والقصبات فأن الكلدان حافظوا على عاداتهم وتقاليدهم ومقومات وجودهم حيث كان كل هذا مع التركز الجغرافي والحجم الديموغرافي عوامل مساعدة في نشؤء حركة قومية  إلا أن الأمر لم يحدث فالكلدان أو الكلدانية بالنسبة لهم كانت مجرد كنيسة أو طائفة مسيحية وأية معنى قومي أو أثني معطى لهذه التسمية والتي تجعلهم في شركة مع نفس الهوية القومية للآشوريين كانت حالة غير مرغوبة فيها ولها نتائج وخيمة، ذلك لأن الآشورية بالنسبة للكدان تعني السياسة وأن تجنب السياسة والمسائل القومية هو تقليد كلداني قديم يستجوب التمسك به وعدم التدخل في السياسة عن طريق ربط الكلدان بالآشوريين. وحتى في فترة التقارب والبحث في إمكانية توحيد الكنيستين كان يرى بعض رجال الدين الكلدان بأنها لا تنجح بسبب كون الكنيسة الآشورية "النسطورية" هي قومية ومسيسة في حين الكنيسة الكلدانية بعيدة عن هذا التوجه. فأية وحدة أو تقارب بين الكنيستين سوف يجر الكلدان نحو مشاكل سياسية غير محمودة العواقب لهذا السبب فأن تجريد الاسم الآشوري من الطائفة الكلدانية ومن كنيستها والابتعاد عنها هي مسألة مهمة في تجنب غضب وهيجان السلطات العراقية وفي الحفاظ على الإنجازات الكبيرة التي حققها الكلدان في العراق وحماية وضعهم المتقدم من الانهيار، مثل ذلك الانهيار والتشتت الذي أصاب "النساطرة" وكنيستهم من جراء تدخلهم في المسائل القومية ومطالبتهم لحقوقهم، ويأتي وصف بطريرك الكنيسة الكلدانية الحالي قداسة مار عمانوئيل دلي الثاني كل كلداني يدعي الآشورية بالخائن ضمن هذا التوجه.

هذه الظروف خلقت ذهنية خاصة بالكثير من الكلدان خاصة في بغداد وبقية المدن العراقية الكبيرة. فمثلاً لو كان قد سأل عربي أحد الكلدان في بغداد أو في إالموصل أو البصرة عن هويته القومية فعلى الأرجح كان سيقول بأنه مسيحي أو مصلاوي (من الموصل) وينكر أو يشعر بنوع من الخجل أو الخوف من القول بأنه من بلدة تلكيف أو تلسقف أو بطناية أو أية قرية كلدانية ذات جذور تاريخية ضاربة في العمق الحضاري. والأكثر من هذا، فالأجيال الكلدانية التي كانت تعيش في المدن الكبيرة خاصة بين الطبقات الغنية والراقية لم تعد الكلدانية هوية لهم، فهم يفضلون المسيحية أو الكاثوليكية، لا بل فالبعض يفضل أسم "العرب المسيحيون" على الكلدان، وهي الحالة التي شجعت مفهوم "العرب المسيحيون" عند حزب البعث العراقي الحاكم وتطبيقه على جميع الطوائف المسيحية في العراق، وإحصاء نفوس العراق عام 1977 مثال تطبيقي على ذلك. وقصة هذا الإحصاء وموقف عموم الكلدان منه معروف للكثير حيث معظمهم تقريباً عبروا عن تسمية قوميتهم إما العربية أن الكردية وكان من بينهم عدد من معارفي وأصدقائي الذين رفضوا رفضاً قوياً طلبي منهم في الكتابة في حقل القومية "كلداني" او "من الناطقين بالسريانية" فأصروا على كتابة "عربي" وذلك خوفاً من مشاكل حزب البعث التي قد تضر بمصالحهم الخاصة. غير أنه على العكس من هذا الموقف المبتعد عن التعبير القومي للهوية الكلدانية إذ عندما أصدر نظام البعث قراره الخاص بتدريس القرآن في المدارس على جميع الطلاب بما فيهم المسيحيين وكذلك قرار إلحاق الكنائس ورجال الدين المسيحيين بوزارة الأوقاف في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي وقف الكلدان وعلى رأسهم مثلث الرحمات مار بولص شيخوا موقفاً صلدا تجاه هذين القرارين وقابل وزير الأوقاف والشؤون الدينية مدافعاً عن كنيسته ورجالاتها كما قابل طارق عزيز، ويقال بأنه غرز عكازته في صدر طارق عزيز مهدداً  بالنتائج الوخيمة التي سيجنيها العراق عموماً من تطبيق هذين القرارين. 

في عام 1992 عندما أقر برلمان إقليم كردستان العراق اعتماد اللغة السريانية كلغة تعليم وتعلم في المدارس ذات الأغلبية المسيحية رفض الكثير من الكلدان إرسال أبنائهم إلى هذه المدارس أو نقلوهم منها بحجة أن التعلم باللغة الكردية أو العربية خير لمستقبل أطفالهم من التعلم بالسريانية وإن السريانية لا "توكل الخبر" فللبعض من هؤلاء كانت السريانية العظيمة، لغة سيدنا المسيح، مجرد "كلام فليحي" ، أي لغة الفلاحين، أوطئ وأحقر الطبقات الاجتماعية في العقلية العراقية. ومن سخرية الأقدار أن نرى مثل هؤلاء المستنكفين من السريانية العظيمة يقفون اليوم خلف المايكروفونات ويظهرون على شاشة التلفزيون ويحسبون أنفسهم حماة هذه اللغة ورعاتها، وهي ظاهرة محمودة لا بأس بها طالما يشجعون تدريس هذه اللغة، ولكن نأمل أن يستمروا في موقفهم هذا من دون أعتبار أو تخوف من ظروف سياسية أو إقتصادية أو مالية مختلفة.

وأخيراً يجب التوضيح بأن حالة التخوف من السياسة والابتعاد عن المطالبة بالحقوق القومية لم تكن حالة محصورة في الكلدان فحسب بل كان هناك عدد من أبناء الطائفتين المشرقية "النسطورية" والسريانية الأرثوذكسية كانوا بنفس حال الكلدان يتخوفون من التدخل في السياسة أو المطالبة بحقوق قومية أو المجاهرة علناً عن إنتمائهم القومي، غير أن حال هؤلاء كان إستثناءاً وليس عاماً كما كان معظمهم تقريباً لا ينكر إنتماؤه القومي سواء أكان ضمن نطاق ضيق أو واسع وقادراً على التمييز بين ماهو قومي عن ديني.

الكلدان والإطار المتاح في التعبير عن الهوية:
من خلال ما تقدم من تاريخ مختصر حول موقف الكنيسة الكلدانية والكلدان من السياسة القومية أو الفكر القومي يمكن أن نستخلص والقول بأن الكنيسة الكلدانية بقية ككنيسة أصيلة ومؤمنة بمبادئها ومخلصة في إرشاد مؤمنيها نحو الطريق الصحيح في فصل الكنيسة عن السياسة، فالكنيسة لم تتدخل في السياسة ولا في المسألة القومية ولا طالبت بحقوق قومية ولا ادعت بأن لإتباعها قومية أو أثنية متميزة ومستقلة وذلك لسبب بسيط جداً وهو لأنها كنيسة، الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، والتي كانت ولازالت تمثل الكلدان ومصالحهم  تمثيلاً ناجحاً ومخلصاً فكانت الأطار الأمثل والمتاح في تعبير الكلدان عن هويتهم الذاتية وإنتماؤهم. لهذا السبب لم يكن هناك أبداً حاجة للكلدان لتأسيس أحزاب سياسية أو منظمات قومية خاصة بهم طالما كانت هويتهم الكلدانية ومصالحهم العامة محددة بالكنيسة والتي مارست واجبها بكل نجاح في تمثيل هذه الهوية، وهي الحالة التي أضفت أن تجعل من الكلدان طائفة ضمن طوائف أخرى لكنيسة المشرق تجمعهم جميعاً مقومات قومية مشتركة تجعل منهم قومية متميزة عن بقية القوميات العراقية بغنى عن التسميات المتعددة لهذه القومية المشتركة أو إنكار لهذه التسمية أو تفضيل التسمية الأخرى، فكلها مواريث تراثية تغنى واقعنا وتزيده ثراءً فيما إذا تعاملنا معها بعقلانية بعيدا عن التعصب الطائفي. 

غير أن هذا لا ينفي بأنه لم يكن للكلدان طموحات سياسية وقومية أو لم ينتموا إطلاقاً إلى أحزاب ومنظمات قومية، إذ ألتحق بعضهم بالحركة القومية الآشورية في بداية القرن الماضي كما التحقوا فيما بعد بالاتحاد الآشوري العالمي (خويادا) وبالحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا). والبعض الآخر ألتحق بأكثر المنظمات والأحزاب ثورية في العراق التي تبنت الكفاح المسلح في مقاومة الحكومات العراقية المركزية لا بل بعضهم شارك في تأسيسها كالحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردستاني غير أن إنتمائهم إلى هذه الأحزاب كان بصفتهم الآشورية أو الأممية أو العراقية وليس بصفتهم الكلدانية.

يدعي البعض إن سبب عدم تأسيس الكلدان أحزاب سياسية أو منظمات قومية خاصة بهم يرجع إلى تخوفهم من سطوة الحكومات الاستبدادية التي أعقبت على السلطة في العراق وبدلا من ذلك لجئوا إلى تأسيس أحزاب سياسية عراقية أو الانضمام إليها من أجل ضمان حقوقهم غير أن هذا غير صحيح إطلاقاً، فالكرد والتركمان والآشوريون وحتى الأرمن كانوا قد تعرضوا إلى اضطهاد نفس الحكومات لا بل أكثر بكثير من الكلدان ولكن في عين الوقت أسسوا لهم أحزاب سياسية قومية لأن كل واحد منهم كان بمثابة قومية أو أثنية مستقلة عبرت أحزابهم عن طموحاتهم القومية. في حين كانت الكنيسة للكلدان خير من تمثل طموحاتهم  ولم تكن هناك حاجة لأحزاب سياسية أو منظمات قومية خاصة بهم تقوم بهذه المهمة التمثيلية. وصحيح جداً  بأن بعض الكلدان انضموا أو أسسوا أحزاب سياسية عراقية وأكثرها شهرة الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردستاني ووصل بعضهم إلى مستويات قيادية والبعض الآخر لعب دوراً بطولياً في نضالهم ضد الأنظمة الدكتاتورية في العراق، ولكن عملوا كل ذلك لأن هذه الأحزاب كانت تمثل وتضمن مصالحهم القومية مثل الحركة الديمقراطية الآشورية أو مصالحهم وحقوقهم العراقية العامة مثل الحزب الشيوعي العراقي أو مصالحهم وحقوقهم الإقليمية مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني ولم تكن تمثل مصالح وحقوق الكلدان بشكل خاص. فقد أنظم الكلدان إلى هذه الأحزاب كآشوريين وأمميين عراقيين وكردستانيين. إذن فأنه ليس من المنطق والمعقول القومل بأن الكلدان الذين تعرضوا دوماً  لاضطهاد الأنظمة العراقية وبالتالي تجنبوا تأسيس أحزاب سياسية ومنظمات قومية خاصة بهم في الوقت نفسه شاركوا في تأسيس أو انظموا إلى أكثر الأحزاب السياسية ثورية والتي كانت وعلى الدوام معرضة لاضطهاد الحكومة العراقية ومطاردة السلطات الأمنية كالشيوعي العراقي والكردستاني الديمقراطي والحركة الديمقراطية الآشورية.

والآن، وبعد أكثر من قرن ونصف القرن بدأ الكلدان بتأسيس أحزاب سياسية ومنظمات قومية خاصة بهم وشرع الآخر بالمجاهرة بقوميته الكلدانية ومطالبة حقوقها القومية الخاصة بها... ترى هل هو "وعي قومي متأخر" في مقارنته مع عصر القوميات الذي نشأ في القرنين الماضيين أم هي "نهضة الكلدان" كما يسميها غبطة المطران مار سرهد جموا، أم هي ظاهرة املته ظروف العراق الإستثنائية التي جعلت من الطائفية مصدراً أساسياً في إنتماء الفرد وتكوين التنظيمات السياسية على أساسها، أم هو "موديل" يتبجح به البعض من أجل الاستهلاك السياسي والقومي لتحقيق أغراض طائفية ضيقة أو مصالح شخصية وبقصد مواجهة الحركة القومية والأحزاب التي هيمنة عليها من قبل أبتاع بقية فروع كنيسة المشرق وتحديداً "النساطرة" والسريان الأرثوذكس.... أسئلة يستوجب بحثها في القسم الثالث من هذا المقال. 



130
الكلدان والدعوة القومية - 1

أبرم شبيرا

 
كلمة لابد منها:
استخدم التسمية الكدانية أو الكلدان في هذا الموضوع حصرياً بأتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية لتعني مفهوم الطائفة الكلدانية بغنى عن المفاهيم الأخرى القومية واللغوية والتراثية والجغرافية لهذه التسمية. فهذا الحصر الطائفي لهذه التسمية والتي فرضتها ضروريات البحث التاريخي الموضوعي لا يعني إلغاء المفاهيم والمعاني الأخرى لهذه التسمية التي تداولت لعقود طويلة وآمن بها أتباعها وتجذرت فيهم. فالتاريخ لا يمكن أن يلغى ببعض السطور كذلك يجب أن لا يلوى هذا التاريخ بشكل سافر ليعني معنى آخر بعيداً عن الواقع العملي لمجرد أن يتماشى مع متطلبات هذا العصر ويتوافق مع معتقدات ومصالح الب. هناك حقيقة تاريخية بخصوص الكلدان سواء قبلناها أم رفضناها، فهذه حالة ذهنية للفرد في قبول الواقع أو رفضه، تبين بأنه إبتداْ من عام 2000 تقريباً بدأت دعوات قومية كلدانية تدعو إلى إعتبار الكلدان قومية مستقلة وتطالب بحقوق قومية وسياسية خاصة بها وعلى أساسها تأسست جمعيات وأحزاب سياسية كلدانية وهي ظاهرة جديدة ظهرت في الألفية الثالثة ويستوجبها الكثير من البحث الموضوعي والتقصي التاريخي الواقعي. غير أنه من المؤسف له أن مثل هذه الظواهر المهمة تثير الكثير من الحساسية خاصة في هذه الفترة التي يحتدم النقاش والنزاع حول التسمية القومية وبالتالي يتجنب كتابنا ومثقفينا الكتابة عنها أو مناقشتها خشية من النقد والتهجم والتجريح الشخصي الذي يسود معظم الكتابات النقدية في هذه الأيام. ومع كل هذا فأن هذا المقال هو محاولة بسيطة للغور في هذه الظاهرة وصدرنا مفتوح وكالعادة لكل الانتقادات البناءة والملاحظات العلمية.
     
الخلفية التاريخية:
في منتصف القرن التاسع عشر تحددت المعالم الرئيسية للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية واستقرت أمورها القانونية والرسمية وتحديداً في شهر كانون أول من عام 1847 عندما ثبت الفاتيكان مار يوسف أودو بطريركاً على الكنيسة وأطلق عليه ولأول مرة أسم بطريرك بابل على الكلدان بعد أن خضع للفاتيكان فيما يخص قضية أتباع الكنيسة في ماليبار الهندية، ثم اعترفت السلطات العثمانية بالكنيسة وشملتها بنظامها المعروف بـ "نظام الميليت" الذي كان ينظم العلاقة بين المسلمين الحاكمين والمسيحيين الخاضعين. فمنذ تلك الفترة بقيت الكنيسة الكلدانية ورعيتها دائماً وبشكل مستمر موالون للسلطات المركزية والمحلية ولم يتدخلون في المسائل السياسية إطلاقاً ولم يطالبوا بحقوق سياسية أو قومية ولا ادعوا بأنهم يشكلون قومية معينة أو اثنية خاصة بأتباعها منفصلة أو مختلفة عن بقية أتباع فروع كنيسة المشرق وتحديداً أتباع كنيسة الأم، الكنيسة "النسطورية".

فمنذ نشوء الفكرة القومية وقفت الكنيسة الكاثوليكية وبشكل عام موقفاً مضاداً للأيديولوجية القومية وحاربت كل حركات التحرر القومي. ففي عام 1894 عقد مجمع كنسي من خمسة وثلاثين أسقفاً في فينا عاصمة النمسا حول التحرر القومي والفكرة القومية الداعية إلى انفصال الأقاليم الخاضعة للإمبراطورية الواحدة وتشكيل الدول القومية منها على أساس اللغة والثقافة والتاريخ. ففي بداية اجتماعهم صلوا وتضرعوا لله ليحفظ الإمبراطور فرانز جوزيف (1830 – 1916) إمبراطور النمسا والمجر، الذي  "أستلم نعمة من السماء في حماية وتقوية وتوحيد الشعوب في إمبراطورية واحدة" وفي ختام اجتماعهم أعلنوا بأن " اختلاف الشعوب في اللغة، وهو الأساس الرئيسي للفكرة القومية، هو نتيجة خطيئة ومعصية الإنسان ودليل على غضب الله على عليه".

كان من الطبيعي أن تتأثر الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وأتباعها بهذا التوجيه العام والرسمي للكنيسة الكاثوليكية وأن تتحدد مصالحها واهتمامها ونشاطها بالأمور الكنسية والطائفية فحسب من دون شيء آخر. ولكن عندما وصلت الفكرة القومية وأفكار التحرر القومي، ومنها حق تقرير الشعوب لمصيرهم إلى الناطق العثمانية، وألهب الشعوب المحبة للحرية والاستقلال بدأت الأمور بالتغير، كما بدأ موقف الكنيسة الكاثوليكية بشكل عام بالتغير أيضاً وعدم معارضتها لهذه الحركات بل تأييد بعضها، ولكن موقف الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وأكليركيتها ورعيتها لم يتغير أبداً فبقى كما كان في السابق.

أثناء الحرب العالمية الأولى أعلن الأتراك الجهاد (الحرب المقدسة) ضد المسيحيين شاركت فرنسا، "حامية الأقليات المسيحية الكاثوليكية في الإمبراطورية العثمانية"، في الحرب ضد الأتراك، غير أن الكنيسة الكلدانية بقيت على نفس موقفها السابق وموالية للسلطة العثمانية المتهاوية، بل وأكثر من ذلك، حيث وقفت بالضد من بعض أتباعها الذين شاركوا في الحركة القومية أو الذين أيدوا وروجوا الأيديولوجية القومية الآشورية. وقد كان مثل هذا الموقف فرصة مناسبة للأتراك لاستغلاله ضد الحركة القومية الآشورية الناشئة التي كانت بقيادة بطريرك كنيسة المشرق "النسطورية". فعندما اغتيل بطريرك هذه الكنيسة مار شمعون بنيامين في آذار عام 1918 من قبل المجرم سمكو آغا زعيم قبائل الشيكاك الكردية المشاكسة وتولى من بعده كرسي البطريركية أخوه مار شمعون بولص، حاولت السلطات التركية استغلال هذا الوضع المأساوي عن طريق البطريرك الكلداني مار عمانوئيل الثاني لقبول مار شمعون بولص العروض المغرية التي عرضت عليه مقابل الخضوع للسلطات التركية والتنازل عن المطالب القومية إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل. وعندما توفي البطريرك مار شمعون بولص في عام 1920 لم يكن لأتباعه كنيسة في بغداد لإجراء مراسيم الجنازة والدفن فطلبوا من البطريرك مار عمانوئيل الثاني بأجراء تلك المراسيم في كنيسة كلدانية غير أنه رفض طلبهم، فاضطروا اللجوء إلى الأرمن حيث تم قبول طلبهم وأجريت مراسيم الجنازة والدفن في الكنيسة الأرمنية. والموقف كان نفسه مع النازحين من حيكاري من أتباع كنيسة المشرق "النسطورية" في الموصل عشية إنتهاء الحرب الكونية الأولى حيث رفض الكلدان السماح لهم بإداء مراسيمهم الكنسية في الكنائس الكلدانية خوفاً من المشاكل التي ستأتيهم من جراء مشاركة هؤلاء في مقاومة السلطات العثمانية، وقضية تقرير مصير ولاية الموصل كانت لازالت قيد البحث حول عائديتها للعراق أم لتركيا، في حين سمحت الكنيسة السريانية الأرثوذكسية لهم في إقامة قداديسهم في كنائسها.

الكلدان والحكم البريطاني في العراق
تغير العالم كله بعد الحرب العالمية الأولى ولم يتغير إطلاقاً موقف الكلدان من المسألة القومية والمطالبة بحقوق خاصة بهم. فقد زالت الإمبراطورية العثمانية ونشأت حركات قومية جديدة بما فيها العربية واليهودية والآشورية والكردية والأرمنية، وتأسست الدولة التركية الحديثة ودول قومية أخرى ومنها دول عربية جديدة كما شكل من القسم الأكبر من بلاد ما بين النهرين دولة العراق الحديثة. وطبقا لهذه المجريات السياسية تحدد أيضا مسار الحركة القومية الآشورية، ولكن كل هذه العاصفة التي أحدثتها الحرب الكونية الأولى والنتائج التي ترتبت عليها لم تزحزح الموقف المبدئي للكلدان من عدم التدخل في السياسة أو تبني مسألة قومية أو المطالبة بحقوق قومية. غير إن هذا لا ينفي بأنه بعد إنهيار النظام الإقليمي وزوال السطلة العثمانية بدأ بعض المجموعات الأثنية والطائفية وحتى البدوية المطالبة بحقوقها وإرسال الطلبات إلى مؤتمر الصلح في فرساي في فرنسا (1919 – 1920) ومنهم مجموعة من الكلدان. غير أنه سرعان ما أن تأسست دولة العراق وأستقرت الأوضاع الاقليمية اختفت مطالب الكلدان ولم يعد أحد يطالب بحقوق معينة أو متميزة ضمن الدول الحديثة التي تأسست، بل على العكس من هذا تماما فقد أكدوا خلال هذه الفترة وما بعدها على إخلاصهم وولاءهم للسلطات الحكومية مطبقين قول الرسول متي الإنجيلي عندما قال "أعطوا لقيصر ما لقيصر ولله ما لله" (متى 22:21) و متابعين قول القديس بولص عندما قال مخاطباً الرومانيين "على كل نفس أن تخضع للسلطات الحاكمة. فلا سلطة إلا من عند الله، والسلطات القائمة مرتبة من قبل الله. حتى إن من يقاوم السلطة، يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيجلبون العقاب على أنفسهم" (رسالة إلى مؤمني روما: 13).

هكذا في كل الأماكن والأزمان بقيت الكنيسة الكلدانية، ككنيسة حقيقية بعيدة عن السياسة، وظل أكليريتها، باعتبارهم أكثر المؤمنين ثقافة ودراية في كنيسة المشرق بجميع فروعها، مخلصين لكلمة الله ومتابعين لتعاليم ربنا يسوع المسيح بأسلم الطرق وأدقها. ففي فترة الحكم البريطاني المباشر للعراق (1917 – 1921)، أجرى مكتب المفوض البريطاني المدني في العراق استفتاءا شعبياً بين جميع فئات وطبقات وطوائف وملل وعشائر الشعب العراقي حول طبيعة ونوعية الحكم الواجب أقامته في العراق ، فكان جواب الطائفة الكلدانية كما يلي "نحن جماعة الطائفة الكلدانية الكاثوليكية، نحي إمبراطورية بريطانيا العظمى التي حررتنا من عبودية الأتراك ومن السخرة التي مورست ضدنا. نتوسل لعنايتكم أن نبقى تحت ظل الإمبراطورية البريطانية حتى نكون مثل بقية الشعوب نعيش في دولة متقدمة ومزدهرة، ونصلي دوماً لجلالة الملك جورج الخامس الجالس بسعادة على العرش – موقع من قبل البطريرك الكلداني مع 30 شخصية معروفة من الكلدان الكاثوليك في الموصل" (أنظر وثيقة – تقرير المصير في العراق – مكتب المفوض المدني  1914 – 1917 ، المكتبة البريطانية – رقم الوثيقة ST. 48/14  ).

الكلدان والحكم العربي في العراق
في عام 1921 تأسست الحكومة المدنية العراقية وفي عام 1932 رفع الانتداب البريطاني على العراق وأعلن العراق كدولة مستقلة وقبل عضواً في عصبة الأمم بدون إلزام هذه الدولة الفتية بأية ضمانات أو مسؤوليات تجاه حماية الأقليات في العراق، في الوقت الذي كانت الحركة القومية الآشورية في قمة غليانها والتي عرفت في التاريخ السياسي العراقي بـ "المسألة الآشورية" المتوارثة من الحقبة العثمانية من دون حل. زادت هذه الظروف المتوترة والحساسة التي أحيط بها أتباع كنيسة المشرق "النسطورية" من مخاوف الكلدان من التورط في السياسة والمطاليب القومية فاستمروا موالتهم للسطلة الجديدة وتجنب المطالبة بأية حقوق أو إمتيازات قومية وسياسية خاصة بهم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يذكر جون جوزيف الباحث المعروف في الشؤون الآشورية والنسطورية في كتابه (النساطرة وجيرانهم) "بأن زعماء الطوائف المسيحية بما فيهم الكلدان كانوا على عكس زعماء الطائفة النسطورية قد أبدوا ولاءاً مطلقاً للحكومة العراقية وعدم مطالبتهم بأية حقوق قومية أو سلطات زمنية أو إمتيازات خاص بهم. فعندما أجاز الدستور العراقي عام 1927 فرصة تمثيل الأقليات غير المسلمة في مجلس النواب عارض رجال الدين الكدان ذلك مؤكدين بأنهم لا يسعون إلى حقوق سياسية خاصة بهم بل أكدوا وضع ثقتهم المقرونة بالمحبة والود في أبناء وطنهم من المسلمين في هذا الشأن السياسي". وهناك كتاب آخرون يؤكدون بأن زعماء هذه الطوائف كان يعتقدون بأنه مجرد التفكير بنوع من الاستقلال الذاتي أو المطالبة بحقوق قومية أو الإدعاء بها هو تهديد خطير لإستقرارهم ووجودهم في العراق وسوف يصبهم من الويلات والمصاعب ما أصاب أتباع الكنيسة "النسطورية". (أورده الكاتب روبرت قليتا – أنظر مجلة الإكاديمية الآشورية – المجلد السابع – ص 14). غير إن هذا الإبتعاد عن السياسة والمطالبة بإمتيازات لا يعني بأن بعض الشخصيات الكلدانية لم تحترف السياسة أو شاركت فيها، حيث كان البطريرك مار عمانوئيل الثاني عضواً في مجلس الإعيان (كان البرلمان العراقي يتكون من مجلسين: مجلس الإعيان ويختارهم الملك و مجلس النواب الذي ينتخب من قبل الشعب) إضافة إليه كان هناك شخص أو شخصين من الطائفة الكلدانية أعضاء في مجلس النواب إلا أن جميعهم كانوا إما بصفتهم الشخصية أو الدينية ممثلين عن المسيحيين ولم يكن أحد يدعي بأنه ممثل للكدان بصفة قومية خاصة.

الكلدان ومذبحة سميل – 1933
كتب الكثير عن مذبحة سميل غير انه قليل ما كتب، أو لم يكتب بالأحرى، عن النتائج السياسية والقانونية التي ترتبت على أبناء شعبنا وبالأخص من الطائفة المشرقية "النسطورية. فالنتائج لم تكن مادية وجسدية وديموغرافية فحسب والتي شملت في بعض مراحلها الكلدان أيضا خاصة معاناة الألقوشيين أثناء الوقفة البطولية في حصار ألقوش أو القرى الكدانية الأخرى التي كانت معرضة للنهب والسلب. فلمذبحة سميل نتائج قانونية وسياسية وإجتماعية أيضا، حيث أقرت الحكومة العراقية على أثر هذه المذبحة قوانين وأنظمة وسياسات حرمت الآشوريين من أتباع كنيسة المشرق "النسطورية" من أبسط حقوق المواطنة، بعد أن نفت بطريرك كنيستهم مار شمعون إيشاي وعائلته وبعض من مساعديه وجردتهم من الجنسية العراقية وأصبح موضوع الحصول على الجنسية العراقية شائكاً ومعقداً نتيجة للعقليات والسلوكيات التي تكونت لدى السطات العراقية تجاه الآشوريين. حيث كان يستوجب على طالب الجنسية العراقية أن يوقع تعهداً رسمياً في دائرة الجنسية بأن لا يطالب بأي حقوق قومية أو إنشاء موطن أو دولة آشورية وأن يثبت بأن هو ووالده وبشهادة شاهدين لم يشاركا في الحركة الآشورية لعام 1933.  وبأختصار حرموا من أبسط حقوق المواطنة والإنسان التي كان قد أقرها الدستور. إذ أصبح الآشوريون بنظر السلطات الرسمية مجرد حفنة مهاجرة إلى العراق وخونة وعملاء الإستعمار البريطاني وهم مصدر للقلاقل والفوضى والتمرد يعرضون العراق إلى الخطر والتدخل الأجنبي (للتفصيل أنظر كتابي: الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر – دار الساقي – بيروت 2001)

كان من الطبيعي أن تترك هذه السياسات الإستبدادية تجاه الطائفة النسطورية آثار سلبية عميقة على بقية الطوائف المسيحية وبالأخص الكلدان موضوع بحثنا حيث أستمر الخوف من السياسة القومية بشكل أوسع مهيمناً على عقولهم فزاد بذلك ولائهم للحكومة الجديدة وإخلاصهم لها مع بقائهم أكثر عزلة عن السياسات القومية أو المطالبة بأية حقوق قومية أو أثنية خاصة معتقدين بأن مثل هذه المطالب القومية لا تجلب لهم سوى المذابح والدمار وغضب الحكومة مثلما أصاب أبناء الطائفة المشرقية "النسطورية". هكذا بقى الكلدان مخلصون وبشكل مستمر لجميع الحكومات التي تعاقبت على السلكة في المنطقة إبتداءً من العثمانيين فالإنكليز ثم العرب ومن دون أن يتدخلوا في السياسة القومية أو يعلنوا إستقلاليتهم الأثنية أو القومية عن بقية الطوائف الأخرى التي تجمعهم معهم جامع قومي مشترك وأقصد الطائفة المشرقية "النسطورية" تحديداً.
أنتهى القسم الأول ويليه القسم الثاني.

131
نيسان التأسيس والمسيرة القومية – 3
بين الإتحاد الآشوري العالمي والحركة الديمقراطية الآشورية


أبرم شبيرا
سبق وتطرقنا في القسمين الأول والثاني عن الإتحاد وزوعا وبمناسبة تأسيسهما في نيسان وذكرنا بأنه بسبب إختلاف طبيعة تأسيس وظروف كل واحد منهما جعل الحديث عنهما مختلفاً بعض الشيء. والآن نحاول بقدر المستطاع المقارنة بينهما وهي مهمة ليست بالسهل بسبب قلة المعلومات التفصيلة عنهما خاصة بالنسبة لزوعا إضافة إلى كونها مهمة جديدة من نوعها في المقارنة بين تنظمين قوميين من تنظيمات شعبنا ولكن مع هذا سنحاول بقدر المستطاع تحقيق هذه المهمة رغم القصور الذي سيشوبها والذي نأمل من مؤسسي التنظيمين أن لا يبخلوا على شعبنا في ملئ الفراغ الكبير الذي نعانينه في التوثيق السياسي.

1.   من حيث ظروف السياسية: تأسس الإتحاد ضمن ظروف إقليمية وعالمية وبتأثير منهما من جهة وظروف وطن الأم، العراق من جهة أخرى، وكان تأثير الظروف الأولى ووقعها وفاعليتها أقوى بكثير من الثانية وهذا يظهر بكل وضوح في غياب موفودين من العراق مباشرة عند تأسيس الإتحاد. وقد إختصرنا هذه الظروف في نقطتين في القسم الأول من الموضوع. أما بالنسبة لزوعا فقد تأسس في ظروف عراقية صرفة متأثرة بنوعية السياسة التي مارستها أنظمة الحكم في العراق تجاه الآشوريين والتي تصاعدة حدتها في زمن نظام حزب البعث. تأسس الإتحاد في ظروف أكثر شفافية وديمقراطية وفي بلد أوربي ديمقراطي (مدينة باو في فرنسا) في حين تأسس زوعا في ظروف صعبة وعصيبة ومحفوفة بالمخاطر والمهالك وفي ظل نظام عرف بالإستبدادية (نظام البعث في العراق). أي بعبارة أخرى الإتحاد تنظيم مهجري في حيث زوعا تنظيم وطني.
2.   من حيث المؤسسين: تأسس الإتحاد من شخصيات معروف في المجتمع على مستويات إجتماعية وثقافية أكثر من سياسية ومعظمها من المقيمين في المهجر وكانت المبادرة من جهة ثقافية، على الأقل من حيث الشكل، في حيث كان مؤسسو زوعا معظمهم من الشباب وطلاب الجامعات ولم يكونوا معرفين على المستويات الإجتماعية والثقافية في الوطن ولا في المهجر كما جاء زوعا إلى الوجود من إندماج وتوحد بعض التنظيمات القومية الصغير.
3.   من حيث التنظيم الهيكلي: كان بحكم ظروف التأسيس والتكوين أن يكون تنظيم الإتحاد عالميا مفتوحاً يقارب أسلوب الجمعيات أو جماعات الضغط ويتوافق مع طبيعة الإنظمة الديمقراطية التي نشط فيها ومع أوضاع مجتمعنا المشتت في إرجاء العالم. في حين كان تأسيس زوعا قائماً على تنظيم الخلايا والمحليات والفروع والمعروف بتنظيم لينين، مؤسس حزب الشيوعي الروسي. وهو التنظيم الذي يتوافق مع ويتحصن من السياسات الإستبدادية التي تمارسها السلطة ضد معارضيها، وبالنتيجة يكون النظام الداخلي للإتحاد مختلفاً كلياً عن النظام الداخلي لزوعا.
4.   من حيث العضوية: عضوية الإتحاد قائمة على إنضمام الأحزاب والجمعيات والأندية وغيرها إليه ولكن مع هذا شهد الواقع إنضمام الأفراد إليه أيضا. ومن المعلومات المتوفرة لدينا أن هذه الأحزاب والجمعيات تدفع إشتراكاتها العضوية ولكن ليس لدينا معلومات عن دفع الأفراد إشتراكات عضويتهم في الإتحاد. في حين عضوية زوعا قائمة على الأفراد ويتطلبها إجراء تنظيمية معينة عند طلب الفرد الإنضمام إليها وهناك إشتراكات محددة يدفعها العضو.
5.   من حيث الإلتزام: إلتزام العضو في الإتحاد هش وتقريباً غير موجود أو قد يكون بشكل غير مباشر وعن طريق الجمعية التي ينتمي إليها وحتى هذا يفقد أهمية الإلتزام بالإتحاد لأن الكثير من أعضاء هذه الجمعيات والأندية لا يعروفون فيما إذا كانت جمعيتهم أو ناديهم مرتبط بالإتحاد أم لا. في حين الإلتزام في زوعا موجود وواجبات العضو وحقوقه واضحة ومبينة في النظام الداخلي يتسوجب عليه الإلتزام الصارم بهما وإلا خضع للمحاسبة الحزبية.
6.   من حيث المضمون: بسبب طبيعته التشكيلية القائمة على مجموعة من التنظيمات الإجتماعية والثقافية والرياضية وحتى السياسية فأن مضمون الإتحاد لم يتحدد بالسياسة فحسب بل خلط الأمور الثقافية والإجتماعية بالأمور السياسية والقومية في حين المضمون الوحيد والواضح لزوعا هو السياسة فحسب و لاغيرها. غير أن هذا لا ينفي وجود منظمات نسائية وشبابية وخيرية مستقلة ولكن ملحقة بزوعا. فالمنظمات الملحقة تكون لها إستقلالية مالية وإدارية ولكن تسعى إلى تحقيق أوإلى إكمال أهداف تصب في نهاية المطاف في أهداف الحزب.
هذا بشكل مختصر عن بعض وليس كل نقاط الإختلاف بين الإتحاد وزوعا والذي كان الهدف من هذا العرض هو بيان إختلاف طبيعة ونوعية ونشاط وهدف كل واحد منهما. فزوعا كتنظيم سياسي حزبي مارس السياسة وشارك في نشاطات سياسية وإنتخابية وحصل مقعد أو مقاعد في البرلمان العراقي أو في برلمان إقليم كردستان وعقد تحالفات سياسية وحزبية مع غيره من أحزاب أمتنا أو الأحزاب العراقية. وكان من المفروض للإتحاد أن يمارس نشاط يتوافق مع طبيعته في كونه تجمع فدرالي مهمته الأساسية هو التنسيق بين المؤسسات والجمعيات التي تنظوي تحت لوائه وتمثيلها على المستويات الإقليمية والدولية. فإذا كان قد وفق بعض الشيء في الحصول على عضوية في واحد أو أثنين من التنظيمات العالمية غير الحكومية فأن الواقع خلال أربعة قرون من عمر الإتحاد يبين بكل وضوح عدم توفيقه في المجالات القومية الأخرى والسبب الرئيسي في ذلك يرجع إلى التناقض الفاضح الذي أوقع الإتحاد نفسه فيه والذي تمثل في خروجه عن "جلده" وإلباس نفسه جلداً آخر لا يتوافق مع طبيعة وأهداف تأسيسه.

لا شك فيه إطلاقاً أن الفكرة التي تأسس الإتحاد من أجلها هي فكرة نبيلة وقويمة كما سبق وأن أكدنا عليها مراراً وتكراراً غير أن الفقر في الأدوات التنفيذية والممارسة الواقعية جعلت من هذه الفكرة مجرة فكرة مطلقة مثالية لم يستطيع أن تنقلها إلى الواقع العلمي. فكما سبق وأن شرحنا بأن الطبيعة الفدرالية للإتحاد جعله أن يكون تنظيماً تنسيقياً وممثلاً لتنظيمات وأحزاب وجمعيات أمتنا غير أن الواقع يظهر بأن مثل هذه المهمة لم تتحقق فالمتحكمين في شؤون إدارة الإتحاد يظهر بأنه لاعلاقة لهم بالنتظيمات الملحقة أو المنضمة للإتحاد. فمثل هذا الإنظمام ماهو إلا شكلياً فقط ذلك لأنه لا نرى أي ممثل من هذه التنظيمات عضواً في اللجنة التنفيذية للإتحاد فهذه الأخير ما هي إلا مجرد مجموعة أشخاص لا يعرف عنهم حتى طريقة إنتخابهم ولا يمثلون إلا أنفسهم ويتصرفون تماماً كما تتصرف الأحزاب السياسية أو تنظيمات قومية أخرى ويدخلون في تحالفات ويعقدون مؤتمرات قومية مع غيرهم من الأحزاب والتنظيمات القومية في حين كان يجب أن يكون هو المظلة التي يجتمع هؤلاء في ظلها.

أدرك بعض قادة الإتحاد هذه الإزدواجية في خلط الأمور السياسية  مع غيرها من الأمور لذلك، وقبل أكثر من عقديين من الزمن، لجاً إلى تأسيس ما سمي بـ "الذراع السياسي" ليكون الواجهة السياسية للإتحاد في تعامله بالشؤون السياسية والحزبية. وفعلا بدأ الذراع السياسي وبقيادة بعض أعضاء الإتحاد المتمرسين والضالعين في الشؤون السياسية والقومية بالنشاط المكثف فعقدوا تحالفات مع بعض التنظيمات والأحزاب السياسية للآشوريين كما عقدوا مؤتمرات ولقاءات مع مجموعات سياسية عراقية وشاركوا في الكثير من نشاطات المعارضة العراقية قبل سقوم نظام البعث المقبور في العراق مما خلق هذا النشاط نوع من التناقض والصراع بين الذراع السياسي والقيادة المتحكمة في الإتحاد وبالتالي وصلوا إلى الطلاق النهائي بينهم إما بترك أعضاء الذراع السياسي لتنظيمهم أو لجوء البعض منهم إلى تأسيس تنظيم سياسي آخر.

كان الغرض من خلق الذراع السياسي هو تحقيق هدفين: (الأول) إعطاء واجهة سياسية واضحة للإتحاد وبقصد (ثانيا) التعامل بالسياسة بشكل مباشر وسلس ومع بقية الأحزاب السياسية الآشورية. غير أن هذه المحاولة التي كانت تشبه حال من يحاول وضع القدمين في حذاء واحد لم تأتي بالنتيجة المرجوة حيث آلت معظم تحالفات الذراع والإتحاد إلى الفشل بعد فترة وجيزة لا بل لم تكن فكرة الذراع السياسي بالأساس مقنعة لبقية الإحزاب السياسية. فكل هذه الإحباطات أدت بالنتيجة إلى تقلص دور الإتحاد وتراجع سمعته بين أبناء شعبنا ولم يعد له أي نشاط او ذكر إلا في مناسبة ذكرى تأسيسه وهي الذكرى التي بالكاد يسمع الناس عنها لا بل وحتى أعضاء الإتحاد نفسهم. ومن الجدير بالذكر أحتفل الإتحاد في إستراليا بالذكرى الأربعينية للتأسيس في يوم 12 من شهر نيسان 2008  ولكن هناك محاضر الإجتماع الأول للإتحاد تؤكد في إعتبار 10 من نيسان يوم التأسيس.

لقد كان عام 2007 عام الإحباطات للإتحاد حيث أنهى الإتحاد القومي الآشوري الأمريكي المعروف بـ (فيدريشن) والذي يضم أكثر من 34 تنظيماً، أنهى عضويته في الإتحاد وسبب بذلك خسارة معنوية كبيرة له وقد برر الفيدريشن طلاقه من الإتحاد في فشل هذا الأخير تحقيق أي هدف من أهدافه والخروج عن نهجه المعروف والذي من أجله تأسس. وكان الإتحاد أيضا قد تعرض إلى إحباط كبير آخر في عام 2006 عندما إستقال الدكتور عمانوئيل قمبر من منصب السكرتير العام للإتحاد وهو شخصية قومية متمكنة ومتمرسة في المجال القومي والسياسي ولم يعلن في إستقالته إسبابها غير الشخصية منها ولكن المتداول عنها هو أنه إستقال بسبب تصرف بعض أعضاء قيادة الإتحاد بشكل مخالف لنهج الإتحاد، ولم يعد يعرف لحد الآن فيما إذا جرى إنتخاب جديد للسكرتير العام أم لا ولكن من المؤكد أن السيد فريدون درمو من لندن يمارس مهماته كسكرتير عام بالوكالة.
 
أن الغرض من بيان النتائج المحبطة التي وصل إليها الإتحاد ليس طبعاً التقليل من شأنه وتاريخه وفكره والأهداف النبيلة التي كان يسعى إلى تحقيقها، بل الغرض هو إعادة إرسال رسالة أخرى إلى الإتحاد على ضرورة الرجوع إلى الأصول التاريخية للإتحاد والتمسك بها وتعديل ما يمكن تعديله ليتناسب وهذا الزمن. فمن الأخطاء الكبيرة التي إرتكبها الإتحاد هو تصغير وحصر نفسه في شكل حزب سياسي والبدء بالتصرف مثله كمثل بقية الأحزاب الأخرى وفقدان صفته الفدرالية ودعوته في كونه مظلة قومية وبهذا التصرف أفقد ثقة بقية الأحزاب به ولم تستطيع التعامل معه. فكيف  نتصور حزباً سياسياً أن يأتي وينظم إلى الإتحاد وليس له أي دور في رسم سياسته وتطبيقها لا بل والأنكى من ذلك هو تصرف الإتحاد والتعامل مع غيره من التنظيمات الفدرالية التي تتبنى نفس الفكرة فبدى تصرفهم كأنهم مجموعة أحزاب أو زمر سياسية تتصرف بالضد من أحزاب سياسي أخرى. من هنا نقول، لو كان المتنفذين على شؤون الإتحاد فعلاً جادين في صيانة فكرته النبيلة في جمع شمل أبناء الأمة تحت لواء تنظيم عالمي فدرالي عليهم أن يتصرفوا كموظفين في الإتحاد لا كقياديين لحزبن حينذاك يستوجب عليهم توجيه دعوات لجميع الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية وليكن ذلك حصراً بالموجودة في المهجر فقط لعقد إجتماع عام يتم فيه إنتخاب قيادة للإتحاد من ممثلي هذه الأحزاب ومن ثم يتم إختيار هيئة تنفيذية له وبهذه الحالة يمكن، على الأقل نظرياً، الإقتراب من الفكرة الأصلية للإتحاد في تحقيق التنسيق والتعاون بين الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية المنضمة إليه وبالتالي يتناغم نشاطهم نحو تحقيق أهداف الأمة أو على الأقل توحيد الخطاب السياسي لهم. 





132
نيسان التأسيس والمسيرة القومية – 2
بين الإتحاد الآشوري العالمي والحركة الديمقراطية الاشورية

أبرم شبيرا

عرضا في القسم الأول مرحلة تأسيس الإتحاد الآشوري العالمي (إتحاد) والأهداف التي رصفها في مؤتمره الأول والآن جاء الدور للحديث عن الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) وقد يتيح لنا المجال الحديث في قسم آخر عن المقارنة بينهما. وقبل الولوج في موضوع تأسيس زوعا وهو يحتفل بـ ذكراه ألـ (29) يجب أن نوضح بأن الأمر هنا سيختلف عما سبق الحديث عن مرحلة تأسيس الإتحاد وذلك بسبب طبيعة الوثائق المتوفرة من جهة والظروف السياسية والموضوعية التي كانت سائدة في فترة تأسيس كل منهما والبلد الذي تم فيه إنعقاد مؤتمر التاسيس من جهة أخرى. لهذا السبب سوف لا يكون الحديث عن زوعاً حديثاً وثائقياً وإنما سيكون بنوع من التحليل السياسي للطبيعة تأسيس زوعا ومسيرتها القومية. وقبل الدخول في تفاصيل الموضوع أود أو أؤكد بكل وضوح مايلي:
1.   أن إستخدام التسمية الآشورية بكثرة جاء ضمن السياق الموضوعي والسياسي وقد استخدمته بشكل عام وواسع ليعني في بعض الأحيان إيضا التسميات الأخرى كالكلدانية والسريانية التي شاع إستخدامهما في المسائل السياسية في السنوات القليلة الماضية.
2.   لقد أخذنا زوعا كنموذج وهي في ذكرى ألـ (29) لتأسيسها وما يرد في هذا الموضوع لا يعني بأنه مقصور عليها فحسب بل ينطبق أيضا على بعض من أحزابنا السياسية الصامدة في أرض الوطن.
**************

أن الإلمام بالحياة السياسية وبأبجدية الحركات القوميــة الأصيلة والنابعة من ضمــير الأمة يستلزم أن نعرف بأن مؤسسات وأحزاب وحركات الأمة هي كيانات حية غير جامدة فهي الأخرى كالكائنات العضوية الحية تمتلك مقومات النشوء والتطور والتقدم وتحمل أيضاً في طبيعتها التطورية جملة تناقضات تشكل الأساس الذي يبنى عليه تقدمها وتأخرها، حياتها وموتها، فهي تحمل مقومات الحياة من حركة ونشاط مثلما تحمل مقومات الموت من جمود وتخلف. من هذا المنطلق يجب أن نعرف بأن تطور حياة الإنسان ليس على الدوام حركة مستمرة إلى  الأمام فحسب بل أن المفهوم الفلسفي لتطور الحياة والإنسان وحتى الحركات السياسية هو المحصلة النهائية الناتجة من جملة تفاعلات قائمة بين التقدم والإخفاق والتي تفرز في نهاية المطاف مقومات التطور والاستمرار لهذه الحركات، وهي الظاهرة التي يمكن تفسيرها  بمفهوم " خطوة إلى الوراء وخطوتان إلى الأمام "، مع التحفظ والاعتذار لكتاب لينين : خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء  .

والحركة الديمقراطية الآشورية، كحركة قومية لم تلد بقرار سياسي محض أو كانت نتاج بحوث أكاديمية أو قرارات رجال السياسة والقانون والمعرفة، وإنما ولدت ولادة طبيعية ومن  مخاض ومعاناة الأمة الآشورية ومن رحمها الشرعي لذلك فهي تمتلك كل مقومات الكائنات الحية التي تنعكس مفاهيمها الفلسفية في الظواهر والكائنات الاجتماعية والسياسية. فإذا كان هذا الإقرار الواضح والصريح بحيوية الحركة الديمقراطية الآشورية وبامتلاكها للمقومات الأساسية في كونها حركة عضوية وحية في تفاعلها مع معاناة وطموحات الشعب الآشوري، فهي أذن حركة طبيعية لها مقومات التطور الواجب توفرها فيها مثل كل الكائنات الحية والعضوية كالتقدم والتعثر وبالتالي التطور لا بل وحتى الموت والفناء. أي بعبارة أخرى إن المفهوم الفلسفي للتطور القائم على "خطوة إلى الوراء وخطوتان إلى الأمام" ينطبق على الحركة الديمقراطية الآشورية عندما نريد الكشف عن المسار السياسي لها ومعرفة مدى تطورها في تحقيق أهدافها ومنهاجها وبالتالي تحقيق طموحات الأمة الآشورية وبجيمع تسمياتها ومكوناتها.
 
من هذا المنطلق يعد من السذاجة الفكرية والضعف  السياسي عندما ينظر إلى مسيرتها السياسية من خلال تعثر وتراجع في خطوة معينة وتقييم تطورها من خلالها ومن دون النظر إلى الخطوات الإيجابية الناجزة. والعكس صحيح أيضا، فلا يجوز النظر إلى مسيرتها من خلال خطواتها الإيجابية فحســب وتجاهل خطوة التعثر والتراجع، بل أن استمرارها وديمومة تواصلها يقوم بالأساس على دفع الخطوات الإيجابية دفعاً أمامياً مع النظر العميق والتفحص الدقيق والنقد النافذ للخطوات السلبية والمعوقات التي واجهتها في مسيرتها هذه واستخلاص الدروس والعبر منها واعتمادها في تصحيح مسار المستقبل. وهذا المنطلق هو الأساس أو المصدر الذي ينبع منه الفكر السياسي الواقعي النير للحركة وتتسلح به في مواجهة التحديات التي تواجه الأمة وتتحصن به أيضا من المفاجئات والاحتمالات غير المتوقعة .

وعلى هذا الأساس، لا يمكن إطلاقا فصل السلبيات عن الإيجابيات في مسيرة كل حركة قومية سياسية، كالحركة الديمقراطية الآشورية. فحتى نفهم معايير تطور مسيرة هذه الحركة لابد من اعتماد المحصلة النهائية لهذا التطور الناتج من تفاعل مجمل عوامل التقدم والتعثر في مسيرتها المتواصلة. أي بعبارة أخرى يجب النظر إلى تطور مسيرتها من خلال الكل وليس الجزء أو من خلال العام وليس الخاص. والعكس من هذا صحيح أيضاً، أي النظر إلى الخاص دون العام هو نظرة أو فكرة  انتقائية وانتهازية مريضة تسعى في مرماها الأخير إلى نقل مرضها وانتهازيتها إلى أبناء هذه الأمة وبالتالي إلى طعنهم في الصميم وتحجيمهم في الخاص الضيق والمظلم دون العام المنفتح وبأسلوب ســادي يقوم على خنق كل محاولة أو نشاط وهو في مهده الأول الذي حتماً تواجهه خطوات سلبية تزداد بزيادة التناقضات المحيطة بها من جهة وبتواصل استمرار مسيرتها من جهة أخرى. ومن هو الخاص الضيق والمظلم بالنسبة للحركات السياسية القومية لأمتنا غير النزعات الطائفية والقريوية والعشائرية والأنانية والتوجهات الشللية والنفعية السائدة في الزوايا العفنة من مجتمعنا والتي لا يستقيم بها المقام إلا في  محاربة الفكر القومي المستقل والأصيل ومنظماته وحركاته الشرعية  .
 
وانطلاقاً من هذا المفهوم ، فان الحركة الديمقراطية الآشورية لا تدعي ولا ترغب إطلاقا الادعاء بأن مسيرتها القومية الطويلة والصعبة تقوم على خطوات في جميعها خطوات ناجحة وعظيمة وأن دعت إلى ذلك فهي مخطئة بالتمام والكمال. فهذه المثالية الخيالية في عالم السياسة والبعيدة المنال لا وجود لها في أفكار ومنهاج الحركة لأنها لا تعتد بالنظريات المثالية والرومانسية في النضال القومي ولا تسلك السلوك الافلاطوني القائم على "الكلام البيزنطي" في عملها السياسي بل تعتمد الممارسة السياسية والتطبيق السياسي للأفكار (Political Praxis) على ارض الواقع في  مسيرتها المأطرة بوعي قومي ناضج نابع من ضمير الأمة ، تلك الأرض المليئة بتناقضات ومعوقات متوارثة ومستديمة  تجاوزها ليس بالأمر السهل والهين. وممارسة زوعا للسياسة الواقعية لا يعني إلا اشتقاق أساس تطورها من مبدأ  الخطأ والصواب المسترشد بوعي قومي قادر على مواصلة مسيرتها وفاعلة في عملية البناء  السياسي للفكر القومي السليم المنير لطريق المناضلين نحو  تحقيق أهداف الأمة المشروعة. ومن يلتصق ضميرياً بهذه الحركة وبغيرها من الحركات السياسية الآشورية الأصلية ويتعمق في فكرها ووجودها سوف يكتشف هذه الحقيقة وبسهولة ومن دون أن يكون تنظيمياً مرتبط بها، ذلك لأن من هو ضميره مرتبط بالداخل وحراً في الخارج يكون قادراً على اكتشاف الحقائق أكثر بكثير من مًن هو في الداخل أو في الخارج فقط ومن دون ضمير ملتزم. والحركة الديمقراطية الآشورية تدرك هذه الحقيقية إدراكاً كبيراً ولهذا السبب نرى الكثير من المثقفين والمفكرين ورجال العلم والمعرفة يرتبطون ضميرياً وفكرياً بها ولكن ليسوا أعضاء فيها ولا طلبت الحركة منهم الانضمام إليها، لأنها تعرف بأن هؤلاء يخدمون الأمة أكثر من خدمتهم وهم في داخل زوعا،  وهذا شعور ينم عن نكران الذات وعن تفضيل مصلحة الأمة على مصلحة الحزب. 

من المؤسف الشديد  أن يسود في جوانب معينة من مجتمعنا ، ولأسباب موضوعية وفكرية ونفسية ، نوع من عدم النضوج الفكري تجاه المسائل السياسية الجادة وتجاه الحركات القومية التي تخوض غمار حرب المواجهة مع التحديات المصيرية للأمة، هذا العجز الفكري أفرز، ولا يزال يفرز،  نوع  من حالات الغموض والارتباك في فهم الفلسفة السياسية لمسيرة الأحزاب والحركات القومية ، بما فيها مسيرة الحركة الديمقراطية الآشورية. والبعض من هذه الحالات لا تخلو من سذاجة فكرية نابعة من أسباب طبيعية ونفسية راكنة في الزوايا المظلمة لنفسيات بعض أفراد مجتمعنا في بناء تصوراتها وسلوكها السلبي تجاه كل الأحزاب السياسية والمسائل القومية بشكل عام والتي فسرناها بـ " عقدة الخوف من السياسة في المجتمع الآشوري" في كتابنا الذي صدر في السنوات القليلة الماضية. كما أن البعض الآخر من هذه الحالات ليس طبيعياً  بل هو مقصود ولأسباب دنيئــة قد تكون قائمة على أسس عشائرية أو طائفية أو مصلحية أو تحزبية أو شخصية صرفه  تجد في تصاعد وتقدم مسيرة زوعا أو غيرها من الحركات السياسية لأمتنا تهديدا خطيراً لوجودها وتوجهاتها والتي هي بالأساس ليست معادية لهذه الحركة أو ذاك الحزب فحسب بل لكل ما هو إيجابي وخير لهذه الأمة.

ولعل من أكثر الحالات إساءة أو غموضاً للفهم هي ظاهرة احتكار القيادة العليا من قبل شخص أو شخصين أو في أحس الأحوال عدد قليل جداً من الأفراد، وبقاءهم فيها، أو كما يسمونها، إعادة انتخابهم أو اختيارهم لفترات طويلة ومن دون إعطاء الفرصة لغيرهم. وشخصياً أكره هذه الظاهرة كثيراً وانتقدها بشدة لأنها هي بالضد تماماً من المفاهيم الديمقراطية التي ننادي بها ليل نهار، خاصة نحن الذين نصبنا خيامنا في المهجر. فهذه الظاهرة تصلح  كمثال في الحديث عن مسار تطور الحركة السياسية الآشورية. لقد إنتقدنا وتهجمنا على ظاهرة إحتكار قمة القيادة في أحزابنا السياسية قبل شخص  ووصفناه بحب السيطرة والظهور، وإلى غير ذلك من الوصفات والشتائم، لا بل شخصياً وصفت هذه الحالة وكأنها تقليداً لسياسة العرب في الحكم بعقلية شرق أوسطية، وهي ظاهرة لا شك فيها إطلاقاً بأنها تحمل جوانب سلبية خطيرة تؤثر كثيراً على مسار التنظيمات السياسية الآشورية وتفقد مصداقيتها وشعبيتها بين الجمهور الآشوري.

ولكن هذه الظاهرة السلبية التي تعتبر نوع من التراجع في مسيرة القومية السياسية والاستمرار بها هي خطوة إلى الوراء، يجب أن لا ينظر إليها كحالة خاصة فقط ، كما سبق ذكره،  من دون أخذها ضمن الظروف العامة، خاصة الإمكانيات السياسية لمجتمعنا، وضمن الخطوات الإيجابية الأخرى التي تتفاعل معها وتحاول التقليل من سلبياتها من أجل دفع المسيرة نحو الأمام. فمن الخطأ الكبيرة جداً أن نلعن ونشتم كل ما له علاقة بزوعا أو بغيرها من التنظيمات السياسية ونقاطعهم نهائياً ونلغي بكلمات غير محترمة كل الإنجازات الكبيرة التي حققوها لأمتنا بمجرد أن هذا الشخص أو ذاك بقى في القيادة لسنوات عديدة أو أنه صرح بكلمة أو أتخذ موقفاً معيناً لا يرضى البعض. أقول هذا ليس دفاعاً عن هذه التنظيمات والشخصيات الآشورية وإنما تحليلاً علمياً لهذه الظاهرة ليس من خلال مقارنة هذه التنظيمات الآشورية السياسية بغيرها من الأحزاب السياسية في المهجر وحتى مع الأحزاب الأخرى في الوطن من حيث الإمكانيات الفكرية والسياسية والمالية والتنظيمية. فنحن، كما يعرف الجميع، حديثي العهد في التنظيم السياسي  كما لا نملك أخصائيين أو مستشارين أو كوادر متفرغة بالتمام والكمال لشؤون التنظيم، فالمطلع لحال هذه التنظيمات سوف يرى بأن كل نشاطها وفكرها وتمويلها وتنظيمها يقع على عاتق هؤلاء الذين هم في قمة القيادة. لنسأل هذه القيادة ونبحث معهم، كم مستشار أو خبير سياسي أو قانوني أو مالي يحيط بيونادم كنا أو أو بغيره ويعملون معهم ليل نهار من أجل خدمة التنظيم. أعتقد الجواب معروف ولا يستوجبه إلا أن نقول بأن كل ما يتلقونه من استشارة أو مساعدة لا تأتي إلا من الذين هم حولهم وحال هؤلاء لا يختلف عنهم، حيث يسرقون من وقت عملهم وعائلتهم وراحتهم ليخصصوها لتنظيمهم، أو قد تأتي بعض الشذرات من أشخاص قد تتوفر لديهم في بعض الأحيان سويعات قليلة لنقاش موضوع. إذن لماذا نلوم هؤلاء وخيرة المثقفين الآشوريين والمتعلمين من المستويات العليا لا يقتربون من هذه التنظيمات ولا يساعدونهم في مهمتهم القومية ولكن في عين الوقت يتهجمون عليها وينعتونها بأشنع النعوت. فالمسؤولون على التنظيمات الآشورية، مهما ادعوا وتظاهروا بسعة المعرفة وإدراك الأمور ومعرفة خفاياها، إلا أنهم لا يمكن أن يكون دائماً هكذا وفي كل المجالات والأوقات ولا يمكن أن يكون خبراء وعلماء في عالم السياسة والاقتصاد والدبلوماسية والتفاوض وغيرها من حقول المعرفة التي يتطلبها ممارسة السياسة، فبدون المساعدة من غير أعضاء تنظيمهم قبل أعضاء تنظيمهم لا يمكن أن يكون الحال أحس مما هو عليه الآن.

لنأخذ الحركة الديمقراطية الآشورية كمثال، ليس لأنها تحتفل في هذه الأيام بذكراها الرسمي لتأسيسها فحسب وإنما باعتبارها قد تأسست في الوطن وتنشط هناك وفي ظروف سياسية صعبة للغاية، ذلك لأن الجميع يعرف بأن الاشتغال بالسياسة ليس بالأمر الهين والسهل في بلدان كبلد وطننا الأم فهو كاللعب بالنار الحارق محفوف بالمخاطر والتضحيات والتحديات التي قد تؤدي في بعض الأحيان إلى إزهاق الأرواح أو إقلال للراحة أو التورط في مشاكل خطيرة هي بعيدة تقريباً عن الذين يشتغلون في السياسة في المهجر الديمقراطي الذي تعتبر السياسة بالنسبة للبعض، خاصة الآشوريين منهم، نوع من قضاء الوقت أو التسويق الدعائي الشخصي وربما نوع من "الونسة" أو أسلوب للعبة التنافس مع غيرهم وتحديهم في هذا المجال. لقد سبق وذكرنا بأن الحركة تأسست طبيعياً من مخاض الأمة ومعاناتها ولم تؤسس بقرار من خبراء في السياسة وعلم الاجتماع أو الاقتصاد ولا من رجالات الحكم والبرلمانات وإنما تأسست من مجموعة شباب وطلبة وهم في مقتبل حياتهم السياسية لا يعرفون من فنون السياسة وألاعيبها غير حبهم الشديد والمتفاني لأمتهم الآشورية، فكيف والحال معهم عندما يلتحقون بركب الكفاح المسلح ويتحالفون مع أحزاب وحركات لهم باع طويل وخبرات متمرسة في السياسة والنضال، كالحزب الشيوعي العراق وأحزاب الحركة الكردية والتنظيمات التركمانية وحتى الإسلامية. أليس من المنطق والمعقول أن تعرف مع من تتعامل وتكون ملماً بأفكارهم وسياساتهم وأهدافهم؟ ، وإلا كيف تتعاون أو تتنافس معهم من أجل تحقيق أهدافك القومية. هنا الضرورة تفرض نفسها لنؤكد للقارئ الكريم بأن السياسة هي تعاون وتنافس مع الطرف الآخر  وبأشكال مختلفة وليس من الضروري أن يكون أراء وأهداف وأساليب العمل السياسي للطرفين متطابقة أو متشابه، بل المهم هو أن يكون كل طرف مدرك ومطلع ومتفهم للطرف الآخر حتى يستطيع التعامل معه تعاونياً أو تنافسياً. وكلما زاد حدة الاختلافات والتناقضات بين الطرفين وبالتالي زادت حدة التنافس على حساب التعاون ووصلت إلى حالة الصراع، كلما يتطلب ذلك خبرات وإمكانيات أكثر وسعة كبيرة في المدارك والوعي. وكلنا نعرف مدى التناقض التاريخي والصراع الدامي الذي كان يحكم علاقة أمتنا بالقوميات المختلفة في العراق ومدى صعوبة التعامل معهم في هذا اليوم، خاصة عندما يحضر التاريخ أمام أعيننا.

من هذا المنطلق نقول بأن حدة التناقضات العميقة التي تحيط بالآشوريين في وطن الأم، وخاصة في مسألة التعامل السياسي، يتطلب ذلك تسلح في المعرفة والخبرة وتوفير الإمكانيات المطلوبة لخوض العملية السياسية(تعاون/تنافس). إذن من أين تأتي زوعا بهذه المستلزمات ونحن نعرف جميعاً بأنه ليس لها مصادر مالية ثابتة ومستمرة، فلا دولة تمولها أو تساندها سياسيا، كما هو الحال بالنسبة للتركمان مع تركيا على سبيل المثال، كما ليس لها معاهد وأكاديميات تخرج خبراء وكوادر في السياسة، هذا إلى جانب الفقر السياسي والفكري الذي يسود تقريباً معظم المجتمع الآشوري، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع الغير والمختلف، فالآشوريون، بحكم تجربتهم المريرة والدامية  في التعامل مع الغريب، فأنهم بطبيعتهم يخاف البعض منه ولا يريد التعامل معه، خاصة الغريب الذي يرتبط بالماضي الأليم وبمذابح ارتكبت بحقهم من قبل، مثل الكرد والترك والفرس والعرب وغيرهم من المسلمين الذين هم بحكم التاريخ والجغرافية جيراننا ولا يمكن نكران ذلك والتعايش معهم مفروض لا بديل عنه.

هذه الشحة أو الفقر في مصادر توفير كوادر سياسية وملمين بشؤونها وبشؤون غيرها من الحقول المهمة في الحياة السياسية، تجعل أن يكون هناك قلة قليلة متواجدة وعلى الدوام في قمة الهرم التنظيمي للأحزاب الآشورية، وهي الحقيقة تنطبق على معظم الأحزاب العراقية وحتى العربية تقريباً. ولكن إلى متى نبقى على هذه الحالة، هل ننتظر إلى ذلك اليوم الذي نؤسس فيه مدارس حزبية وأكاديميات قومية تخرج أكفاء يخدمون تنظيمات حركتنا القومية؟؟. طبعاً الجواب هو بالنفي. لأنه إذا انتظرنا فغيرنا، المنافس والمعادي، لا ينتظر في هضم حقوقنا وسلبها ونحن في سبات الانتظار. إذن فالحل الأمثل يكون في الممارسة الفعلية الحقيقية للسياسة نفسها وعلى أرض الواقع لا في سماء الخيال، فهي أي الممارسة السياسية الواقعية هي أكثر فاعلية من المعاهد الأكاديمية ومدارس الكوادر الحزبية، فهي وحدها، في هذه المرحلة والظروف الراهنة، التي تستطيع أن تخلق لنا كواد سياسية وحزبية قادرة على ركوب موجة التطور السياسي التعاوني والتنافسي وعلى تفهم الغير والاختلاط به وانتزاع الحقوق منه إذا تعدى عليها أو سلبها

هكذا نؤكد مرة أخرى بأنه من خلال الممارسة السياسية الحقيقية الحاوية على الخطوات الإيجابية والسلبية تتوصل في نهاية المطاف إلى نتائج مفيدة ومثمرة. فإذا كانت ظاهرة تربع نفر قليل من الشخصيات على قمة القيادة في زوعا حالة سلبية في الوقت الحاضرة ومبررة بالفقر السياسي والفكري للآشوريين بشكل عام وعدم قدرتهم على خلق كوادر وقيادات كافية للتناوب على القيادة فإن التاريخ القريب للعقد الماضي وما خاضته زوعا من تجارب سياسية وتحديات مصيرية خلقت بعض الكوادر التي استطاعت أن تفي بالمطلوب في الوقت الحاضر، ولكن المستقبل القريب سيشهد تخرج دفعات ودفعات من الكوادر السياسية المتمرسة القادرة على تحدي الصعاب وانتزاع الحق من بين أسنان الضباع، وهذا ما لمسته شخصياً في كل زيارة أقوم بها إلى أرض الوطن، فالشاب اليافع الخجول الذي كان قبل بضعة سنوات مجرد عضو بسيط في الحركة ولكن نقي وطاهر بوعي قومي صادق، فاليوم، وبدون أكاديميات أو معاهد حزبية أو علمية، أصبح قيادي بارع قادر على تعامل كآشوري مع الغير، مدرك لحقوق أمته كما يدرك أهداف وأساليب الطرف الآخر سواء أكان هذا قائماً على أساس التعاون أم التنافس. ويجب أن لا نستعجل كثيراً في قضايا الأمة التي يتطلب تحقيق أهدافها سنوات طويلة جداً، فغداً سيكون مليئاً بأكثر من كادر سياسي آشوري سياسي يتنافس مع غيره على قيادة هذه الحركة أو ذاك الحزب تنافساً ديمقراطياً حقيقياً. ولكن، بالرغم من بعد هذا المطمح من الناحية الزمنية إلا إنني أراه يتحقق اليوم لأن مسيرة زوعا قائمة على الطريق الصحيح في النضال القومي. وضمن هذه المسيرة وفي هذا اليوم، أبعث للحركة الديمقراطية الآشورية ولقيادتها وكافة أعضاءها ومناصريها لا بل ولكل الآشوريين النبلاء، أصدق التهاني بهذه المناسبة وأن أباركهم بكل وجداني على صواب الطريق المستقل الذي يسيرون عليه رغم الصعاب والتحديات التي يواجهونها، فأنا واثق بأن بنشاطهم المثمر سوف يجعل إرادة الأمة بخير وبصون، لأن إيماني قوي جداً  بأن الأمة التي لا يوجد فيها أحزاب سياسية ومنظمات قومية قوية ونشطة ومستقلة ستكون إرادتها مرهونة بإرادة الأمم الأخرى.   



133
مشاهداتي عن مسيرة أكيتو (السنة البابلية الآشورية) الجديدة – 6758  التاريخية

أبرم شبيرا

كانت فرصة تاريخية فعلاً أن أشارك في مسيرة أكيتو لعام 6758 في نوهدرا المعروفة حاليا بـ (دهوك) يوم الأول من نيسان مع مجموعة من وفود جاءت من بلدان المهجر من أوربا وأميركا وأستراليا ومن بلدان الشرق الأوسط وكما جاء من دبي في الإمارات العربية المتحدة وفداً متكوناً من 5 أعضاء، إضافة إلى ذلك شارك فيها وفداً رسمياً برلمانيا من بلجيكا وهولندا قادته الناشطة الآشورية المعروفة عطيا كبري فقد وضع الكل جانبا كل التحديات والمخاطر وشارك في المسيرة.

المسيرة بكل جوانبها النتظيمية والجماهيرية والمعنوية والسياسية والإجتماعية قد حققت هدفها وتمكنت من إيصال رسالتها بكل وضوح إلى العالم الداخلي والخارجي لتؤكد بأننا شعب أصيل للعراق والوارث الحقيقي لتراثه وأننا أصحاب حق لنا صوت عالي مستقل قابل للمطالبة بحقنا في أرضنا بجميع الحقوق التي شرعتها الإنظمة السماوية والموضوعية. وعلى الجانب الحزبي، ثبت وبكل وضوح بأن الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) هي و لازالت حركة جماهيرية قادرة على تنظيم وقيادة مثل هذه التجمعات الجماهيرية الضخمة وأنها أحدى الممثليين الحقيقين لشعبنا في الوطن. بالتأكيد أن جميع اللذين شاركوا في المسيرة ليسوا أعضاء في زوعا وربما ليسوا من مؤيدها أو مسانديها ولكن مشاركتهم فيها كان تعبيرا عن حبهم لشعبهم وتراثهم ورغبتهم الجامحة في المشاركة في المناسبات القومية المهمة رغم كونها منظمة من جهة حزبية ولا يهم سواء أتفقوا مع نهجها أم لا، وكانت مشاركتي ورفاقي في هذه المسيرة التاريخية منطلقة من هذا الفهم لأن مثل هذه الفعاليات الضخمة لايمكن أن تنظم أو تسير عفوياً ما لم تكون جهة أو حزب أو منظمة تقوم بتنظيمها وهنا يتبين من هو الشاطر والحريص والمهتم والمصمم على مواصلة المسيرة بأية وسيلة وحبذا لو تشاطرت جهات أو أحزاب أخرى في تنظيمها أو التنسيق معها.

مشاهداتي المثيرة للمسيرة ليست فقط في العدد الكبير المشارك فيها، فالبعض قدرها بأكثر من خمسة آلاف مشارك. فالعدد لايهم حتى ولو كان بضعة مئات ولكن المثير والمدهش حقاً هو مشاركة أبناء شعبنا من مختلف الطوائف والمجموعات والمحافظات والقصبات والقرى وشارك فيها أناس من رجال ونساء وأطفال لا بل المثير للإنتباه هو طغيان عنصر الشباب على المشاركين في المسيرة بحيث يمكن القول بأنه كان أكثر بكثير من النصف والأكثر دراماتيكية كان وجود أطفال ورضع في عرباتهم تدفعها أمهاتهم رسموا على وجوههم العلم القومي المعروف، تدفع بيد عربة طفلها وبالاخرى ترفع العلم. أما كبار السن فكان مشهدهم عجيباً وغريباً، فلأول مرة في حياتي وحياة غيري من الذي تكاتفوا معي في المسيرة أن نشاهد المئات منهم وأعمار بعضهم تجاوز الثمانين وكان الشخص الطاعن في السن من شقلاوة والمتزين بملابسه التراثية رافعاً بيده العلم القومي وبالأخرى علم زوعا اكثر جذباً لإنتباه الناس لا بل وزادت دهشتنا كثير الكثير عندما عرفنا بأنه كان قبل شهرين في مستشفى يعاني من قصور في القلب ثم علمت بأن هذا الشهم ياتي كل سنة من شقلاوة لكي يشارك في المسيرة. ولم تكن مشاركة أعضاء من اللجان الشبابية والطلابية القادمة من الولايات المتحدة الأمريكية أقل أعجباً وإثارة حيث قدموا خصوصاً للمشاركة في المسيرة والتجوال في قرى وقصبات أبناء شعبنا وعقد الاجتماعات واللقاءات مع اللجان الشبابية والطلابية في الوطن، وهنا أود أن أهنئ أولياء أمر هؤلاء الشباب على شجاعتهم وهمتهم في إرسال بناتهم وأولادهم وهم في سن المراهقة إلى الوطن دون أن يهابوا المخاطر المحيطة به. فقد شاهدت في وجوه هؤلاء الشباب والشابات مستقبل الأمة وطمأنت نفسي بأن أمتنا لازالت بخير فهؤلاء سيواصلون حمل الرسالة للجيل القادم.... ألف شكر لهم ولأهاليهم الذين تكبدون الحمل المالي والنفسي في إرسال بناتهم و أولادهم إلى الوطن ليتعلموا معنى الوطن وليتحسسوا بمعاناة أخوتهم في الأمة.

خط المسيرة كان من المركز الثقافي الآشوري إلى منطقة سد دهوك والتي هي بحدود 2,5 – 3 كيلومترات عبر شوارع عامة وقبل الوصول إلى منطقة الاحتفال على ساحة سد دهوك يبدأ الطريق بالطلوع على التل ويصعب عليه المشي وقد عانيت أنا وزملائي من إكمال المسيرة حتى النهائية ولم نكملها إلا بعد عنان طويل وتصبب عرقاً رغم الهواء البارد القوي الذي زادت حدته عند هطول زغات المطر. كان مشهد المشاركين في المسيرة وهم يندفعون بكل قواهم نحو الوصول إلى خط النهاية أمراً مؤثراً للغاية ولا يمكن وصف إصرارهم على المواصلة رغم التعب والارهاق والبرد اللاسع أحياناً وهم أما يهتفون أو يصفقون أو يغنون أو يلوحون بأعلامهم ببضعة كلمات أو سطور لأن أصرارهم كان حقيقياً ومشاعرهم صادقة، لا يستطيع أن يفهمهم إلا الذي كان مشاركاً معهم. كان أمامي في خط المسيرة أمرأتان عجوزان ربما كانت أعمارهن تقارب السبعين يرفعن العلم القومي ويتحدثن مع البعض حيناً ويرددن هتافات حيناً آخر فحاولت أن أستطرق السمع لحديثهن فما سمعته كانت تقول أحداهن للأخرى ... "بالله عليك لو كان يوماً عادياً هل كان بإستطاعتنا المشي كل هذه المسافة... فأجابت الثانية ... "طبعاً لا ... فحلاوة المشي في المسيرة مع أولادي وأحفادي في الأول من نيسان غير المشي في الأيام الاعتيادية". ثم وقفت بجانبهن على نفس خط سيرهن أشاركهم الحديث الجميل عن ربيع نيسان وعن إصرار شعبنا في مواصل مسيرته القومية عبر مسيرته النيسانية.

أما منهاج الأحتفال، فتقديرا للظروف المأساوية التي يعيشها شعبنا في الوطن وتقديساً لشهادة المطران بولص رحو فأنه أقتصر على الكلمات بالمناسبة وقصائد وأغنيتين قوميتين فقط وكلمات الوفود القادمة من المهجر وخلت تماماً من أية مظاهر الرقص أو الدبكات الشعبية أو الموسيقى بل أقتصرت على طبول شباب الفرق الكشافية المتناغمة مع المسيرة. كما تزينت ساحة الإحتفال بصور شهداء الأمة وكانت صورة الشهيد المطران تكبر الكل وتطغي على الناظر إليها من خلال الأعلام القومية واللافتات والشعارات التي تمجد إستشهاده وتؤكد بأن ذلك ليس إنتصارا للإرهاب بل إنتصاراً عليها. الشباب المشارك لم يكن شباباً بالأعمار فحسب بل بالأفعال المثيرة للإنتباه والتي أحيطت بعضها بمخاطر مميتة لم يأبى لها هؤلاء المغامريين حينماً بدأوا يتسابقون في تسلق الجبال المحيطة بساحة الإحتفال وهم يرفعون بيدهم العلم القومي فبدا وكأنه سباق بينهم للوصل إلى أعلى بقعة في الجبل ووضع العلم القومي عليه حيث تمكن شابان من الوصول إلى أعلى نقطة وغرز العلم في الجبل فما كان من المشاهدين من تحت الجبل إلا بدؤا بالتصفيق لهم.

بالطبع لم تكن ساحة الاحتفال بتلك السعة لتستوعب الآلاف المشاركين في المسيرة لذلك بمجرد أن وصلوا نقطة النهاية وحققوا الهدف من المسيرة شرعوا بالرجوع والتي كانت بحق مسيرة ثانية نحو شوارع نوهدرا والأكثر إثارة كان أحتلالهم للمطاعم المحاذية للشوارع خط المسيرة بحيث بدا لأهالي المنطقة كأن هناك غزو للمدينة وإحتلال لتلك المطاعم فكانت بحق وحقيقة مشاهدة لم أرى منها في حياتي كما أكدوا نفس الشئ أصحابي المشاركين معي في مسيرة الرجوع. وأريد هنا أن أوكد أن الدهشة والإعجاب لم تكن من حقي وحق غيري من المشاركين في المسيرة بل من أهالي نوهدرا الذين وقفوا على أرصفة الشوارع أو أوقفوا سياراتهم على الجانب الآخر لمشاهدة إنفعالية الناس المشاركين في المسيرة.. وهنا تذكرت حديث أحد أصحابي الذي شارك في أحدى مسيرات أكيدو قبل بضعة سنوات عندما قال بأنه سمع من أحد الأكراد الواقفين على رصيف الشارع الذي سيرت فيه المسيرة يقول "والله يستحقون هؤلاء أن تكون لهم دولة" وذلك تعبيرا عن شدة إعجابه بالمسيرة وضخامة المشاركين فيه... ترى ماذا كان سيقول لو شاهد هؤلاء المحتفلين بسنة 6758 وهم بالآلاف منهم؟ ربما كان سيقول "والله يستحقون هؤلاء أن تكون لهم إمبراطورية"؟؟!!

حسناً فعلت اللجنة المنظمة وبالتنسيق مع المركز الثقافي الآشوري في نوهدرا بعقدها في اليوم التالي ندوة مصغرة حضرها الوفود القادمة من المهجر لمناقشة وتقيم المسيرة وبيان نواقصها لتجنبها في العام القادم وتم الاتفاق على نقاط كثيرة خاصة التأكيد على زيادة حجم الوفود القادمة من المهجر وبشكل أكثر تنسيقا وتنظيماً، كما تم الإتفاق على أن تشمل إحتفالات أكيتو بالإضافة إلى المسيرة نشاطات ثقافية وفنية وخلال أسبوع كامل.

هذا بشكل مختصر عن مشاهداتي التي لا يمكن أن توصف كلها بخصوص المسيرة التي أعتبرناها وبحق تاريخية في تاريخ أمتنا ... فهي حقاً تاريخية لأنها نجحت بكل المقايسس رغم الصعوبات والعراقيل سواء المقصودة منها أم غير المقصودة. نذكر منها بأنه تأخر الوصول إلى المسيرة بعض الباصات القادمة من قصبات سهل نينوى حيث قضت وقتاً طويلا في نقاط التفتيش ولا ندري إذ كان المسؤولين عن هذه النقاط قد أستلموا تعليمات بتأخير الباصات أم لا غير أن اللجنة المنظمة تدخلت وتمكنت الباصات من إجتياز النقطة والوصول إلى المسيرة متأخرة بعض الشيء. كان رئيس المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري قد أصدر بياناً يدعوا إلى عدم المشاركة في إحتفالات ومسيرة أكيدو أحتراماً لشهادة المطران بولص رحو ولكن المسيرة نظمت بشكل يليق كثيراً إستشهاد هذا المطران الجليل. أشيعت أخبار بأن المساعدات التي يتلقاها أبناء شعبنا من وزير المالية في حكومة إقليم كردستان السيد سركيس أغاجان سوف تقطع عن كل من يشارك في المسيرة ولكن العدد المشارك في هذه السنة كان أكثر من السنة الماضية. وسمعت وأنا في قرية هيزاني في منطقة نال قبل يوم من المسيرة من شخص يتلقى مثل هذه المساعدات فقال لي بأنه بلغه أحدهم بأنه سوف تقطع المساعدة إذا شارك في المسيرة، فرد عليه وقال "لو يقطع رأسي فأنا سأشارك في المسيرة بدون رأس". هكذا كان إصرار شعبنا على التعبير عن هويته في مسيرة أكيتو من دون خوف من قطع لقمة العيش. المسيرة قاطعها معظم أحزاب شعبنا ووسائل أعلامهم، خاصة قناة عشتار.... أليس عيباً علينا أن نرى قنوات عراقية وعالمية تنقل الحدث ومقاطع منه بشكل مباشر وتبقى قنوات شعبنا خرساء؟؟؟؟ عيب والله عيب.

أنا إنسان أنتمي إلى هذه الأمة ولا يهمني من ينظم إحتفالات شعبي سواء أكان شيطاناً أم قديساً طالما يتحقق الغرض الذي ابتغيه وحبذا لو كان الغير شارك مع زوعا ورفع بعض الحمل عنه... وقد يقول قائلا بأن زوعا لا يريد المشاركة مع الغير... حسناً ليباشر الغير بتنظيم مثل هذه الأحداث التاريخية الضخمة ولنا منا عهداً بأننا سنشارك فيها إذا تمكن من تحقيق الغرض الذي أبتغيه وتبتغيه أمتي. يقول البعض بأن زوعا أستغل هذه الحدث لتحقيق أغراض سياسية ضيقة.... مسألة لا تعبر إلا عن جهل في السياسة وعالمه... كل حزب في العالم يحاول أن يستغل أي حدث وطني أو قومي لصالحه فيضع كل ثقله لتحقيقه ويحاول أن يطغي عليه طابعاً شمولياً قومياً فهذا حق مشروع لكل الأحزاب في العالم فلماذا أحزابنا مستثناة؟؟؟؟ خرج الآلاف من أبناء شعبنا في مسيرة أكيتو 6758 وطرحت الأسئلة  التالية نفسها... هل خرجوا لأن زوعا فرض عليهم وأجبرهم على الخروج؟؟؟ هل كان هؤلاء الرضع والأطفال والشباب والرجال والنساء والشيوخ أعضاء في زوعا وأجبرهم على الخروج وإلا فصلهم من الحزب؟؟؟ هل كانوا أعضاء في نقابة وزوعا رئيس النقابة وأجبرهم على الخروج وإلا فالطرد هو مصيرهم كما كان يفعل نظام البعث المقبور؟؟؟ هل كان هؤلاء موظفين حكوميين طلب منهم مديرهم العام المشاركة في المسيرة وإلا صدر العقوبة بحقهم إذا لم يشاركوا كما كان يفعل نظام البعث المقبور؟؟؟ هل زوعا يمول هؤلاء أموالأ وأرزاقاً وهددهم بقطعها إذا لم يشاركوا في المسيرة؟؟؟ هل يملك زوعا أجهزة أمنية وسجون ومعتقلات هدد أبناء شعبنا بأستخدامها ضدهم إذا لم يشاركوا في المسيرة؟؟؟ هل كان يملك زوعا أجهزة إعلامية نافذة ومؤثرة وقنوات تلفزيونية أثرت على الناس للمشاركة في المسيرة ا؟؟؟ .... هنا ألف وألف (هل) ... وجواب كلها هو بالنفي ويعرفها غير الزوعاويين قبل غيرهم.

لقد إستجاب أبناء الأمة لضمير الأمة ودعاهم للمشاركة في المسيرة عند حلول يومها وشعروا بالمسؤولية تجاه هذا الحدث وأدوا واجبهم عن طريق المشاركة في المسيرة ولم تخرج تلبية لنداء زوعا ولكن الحقيقة تبين بأن زوعا جزء من هذا الضمير وشاركهم وتشاطر في تنظيمها وحتى في إستغلالها لصالحه والذي هو صالح الأمة وهذا حق مشروع لكل أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية فالشاطر من يتحرك ويفعل لا أن يستنكر ويمنع. وأخيراً أتسائل مع نفسي هل كل هذا النجاح الذي حققته المسيرة والإقرار بحسن تنظيمها وقيادتها من قبل زوعا يجعلني أكثر عرضة لإتهامي المشرف من قبل "الغير" بإنني "متحدث غير رسمي عن زوعا" او "مساند أعمى لها"  فإذا كان الجواب بنعم، لا أستطيع أن أقول شيء إلا أن أتمنى أن يكون هذا "الغير" قد شارك في المسيرة بقلب وضمير نظيفين لأدرك الحقيقة وأصبح زوعاوي أكثر من زوعاويين أنفسهم.   



134
نيسان التأسيس والمسيرة القومية - 1
بين الإتحاد الآشوري العالمي والحركة الديمقراطية الآشوري


أبرم شبيرا

لا أدري إذا كانت مصادفة أم مقصود في تأسيس الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) والإتحاد الآشوري العالمي (الإتحاد) في نفس الآسبوع الثاني من نيسان أو خلال نفس اليومين أوالثلاثة. حيث تأسس الإتحاد في 10 من نيسان عام 1968 وزوعا في 12 منه عام 1979، ولكن من دون أدنى شك يمكن الجزم بأنه كان للإتحاد تأثيرا فكرياً وسياسياً على الشباب والتنظيمات التي أسست زوعا لا بل أيضا على عموم المعنيين بشؤون الأمة سواء من خلال مؤتمراته العامة التي عقدها أو منشوراته التي كانت تصل سراً إلى العراق. أنها مناسبة نيسانية أن نعيد فتح ملفات هذين التنظيمين والبحث في تاريخهم وأفكارهم وأنجازاتهم وإخفاقاتهم وغيرها رغم كونه موضوع طويل وشائك يتطلبه وقتاً طويلاً ومراجع ووثائق تخص الموضوع، وهي مسائل يصعب في هذا الزمن الغادر توفيرهم. وعلى العموم يمكن عرض الموضوع في قسمين أو أكثر مبتدئن بالاتحاد والظروف التي قادة مجموعة من المعنيين بشؤون الأمة إلى تأسيسه.
في بداية الستينيات من القرن الماضي برزت تحديات خطيرة واجهة أبناء شعبنا الآشوري أو "الكلدوآشوري السرياني" وأثرت على إستقراره ومسيرة حياته الإعتيادية والسياسية والقومية وتمثلت في:
1.   بروز الناصرية والحركة القومانية العربية في مصر وإنتشارها في سوريا والعراق ومن ثم الإنقلاب العسكري لحزب البعث العربي الإشتراكي ووصوله إلى السلطة في هذين البلدين عام 1963 وبالتالي ظهور جيل قومي متطرف مسبباً وضعاً مقلقا وخطيرا لوجود الأقليات غير العربية وغير المسلمة في هذه البلدين ومن ثم نشوء أوضاع غير مستقرة نتيجة إستمرار الأنقلابات العسكرية.
2.   إشتعال الحركة الكردية عام 1962 في شمال العراق، والذي يمثل لشعبنا قلب موطنه الأصلي المتكون من معظم قراهه وقصباته وكنائسه وأديرته، وبدء المقاومة المسلحة ضد الحكومة العراقية والذي ترتب على ذلك نزوح أبناء شعبنا من قراهم ومناطقهم والهجرة إلى المدن الكبيرة لضمان سلامتهم.

تزامن هذان العاملان مع نمو الوعي القومي الآشوري وأثرتا كثيراً على بعض المثقفنين القوميين، خاصة في إيران، حيث أخذت الجمعية الثقافية للشباب الآشوري في طهران مسؤوليتها القومية لخلق تنظيم قومي لمواجهة هذه الأحداث الخطيرة التي واجهتها الأمة في تلك المرحلة. فشرعت بالاتصال بعدد من الشخصيات والمنظمات في المهجر ودعت مثلث الرحمات مار شمعون إيشاي بطريرك كنيسة المشرق إلى تولى قيادة هذا التنظيم غير أنه في جوابه لهم رفض الدعوة مما أضطرت اللجنة إلى البحث عن شخصية عالمية أخرى فوجدت في السيد ديميتري الأبن البكر للقائد أغا بطرس الذي كان يعيش في تولوز في فرنسا، ضالتها المنشودة حيث وافق على الدعوة والمقترح في إنشاء التنظيم القومي العالمي. بدأ السيد ديميتري بتوجيه الدعوات إلى المنظمات الآشورية والشخصيات المعروفة داعياً لهم للإجتماع في مؤتمر عالمي. وفعلاً عقد "المؤتمر الثقافي العالمي" في مدينة باو الفرنسية للفترة من 10 – 13 نيسان عام 1968 والذي حضره مندوبون من مختلف بلدان العالم: الولايات المتحدة الأمريكية وبعض بلدان أميركا الجنوبية وأوربا وإيران وسوريا ولبنان وأستراليا، وتم فيه مناقشة قضايا قومية عديدة وأتخذت عدة قرارات مهمة وفي اليوم الأخير تم التصويت والموافقة بالإجماع على تأسيس منظمة تحت أسم "الإتحاد الآشوري العالمي" وصدرت مقررات المؤتمر والتي يمكن إيجازها كما يلي:
1.   سوف لا يكون هناك تعدد في التسميات التي تجزأ الشعب الآشوري. فالجيمع سوف يشار إليها بـ(الآشوري – أتورايا).
2.   التوصية بأن يعترف رسمياً بلغتين (أو لهجتين) آشوريتين، اللغة الحديثة (سوادايا) واللغة الأدبية (سبرايا).
3.   تشكيل لجنة لتأليف حروف أبجدية موحدة لغرض تسهيل تركيب الأحرف الآشورية  لتكون قابلة للإستعمال من قبل الجميع.
4.   حماية حقوق شعبنا للعيش بالكرامة والحرية كما هو منصوص في ميثاق الأمم والمتحدة ولائحة حقوق الإنسان.
5.   توفير المدارس والزمالات الدراسية لشبابنا بهدف رفع مستوى التعليم لديهم.
6.   تقديم ونشر الثقافة الآشورية في العالم من خلال أجهزة الإعلام.
7.   الإقرار بالأول من نيسان كـ "عيداً قومياً آشوريا" لجميع الآشوريين في العالم.
8.   تأسيس ثلاثة فروع للإتحاد : آسيا وأوربا والولايات المتحدة الأمريكية لغرض جمع المعلومات المهمة فيما يخص حاجات أبناء شعبنا لمناقشتها في المؤتمر القادم.
9.   إتخاذ الإجراءات اللازمة لعقد الإجتماع الثاني في لندن/أنكلترا وحسب طلب وفد بريطانيا العظمى.
10.   تأسيس قسم خاص لغرض التنسيق بين أقسام الاتحاد.
11.    جميع هذه القرارات يجب أن تقدم إلى المنظمات وأعضائها التي مثلت في المؤتمر لغرض الموافقة عليها أو رفضها.
12.    مطالبة جميع بطاركة الكنائس للإجتماع بغرض توحيد الشعب الآشوري.
13.    يعرب المؤتمر عن إمتنانه لجميع الدول والحكومات التي أعطت للآشوريين حرية تدريس لغتهم في بلدانهم.
14.    يعرب المؤتمر عن عمق إمتنانه للحكومة الفرنسية ومسؤولي مدينة باو لمساعدتهما السخية ولجميع الآشوريين الذين مدوا يد المساعد لضمان نجاح هذا المؤتمر....
15.    يوصي المؤتمر علماً موحداً لجميع التنظمات التابعة للإتحاد.
16.   تأسيس قيادة آشورية موحدةعالمية في أحدى الدول الحرة.
17.   توصيل المساعدات الإقتصادية للآشوريين المحتاجين.
18.    ينعقد المؤتمر الثاني في الوقت الذي تقرر الفروع الثلاثة أعلاه إستعدادهم للحضور.
19.    يكون المندوبون للمؤتمر وحدهم الحق في التصويت في الإجتماعات.
20.    تقرر بالإجماع من قبل جميع المندوبين لهذا المؤتمر بأنه فعلاً تم تأسيس "الإتحاد الآشوري العالمي" ... لذلك يعتبر الإتحاد قد تأسس رسمياً في 10 من نيسان 1968 في مدينة باو في فرنسا.
ومن الملاحظ في هذه القرارات طغيان الجانب الثقافي عليها أكثر من السياسي كما أنi وصف المؤتمر بالثقافي وليس القومي أو السياسي. وعند الاستفسار من أحد مؤسسي الإتحاد عن سبب ذلك في الوقت الذي كان مغزى تأسيس الإتحاد هو سياسي فأجاب بأن الغرض من عدم التطرق إلى الحقوق السياسية والقومية للإشوريين في مقررات المؤتمر كان الغرض منها عدم إثارة حفيظة أو حساسية حكومات بعض الدول، كالعراق وسوريا وإيران، تجاه هذه المسألة وما يترتب عليهh من نتائج سلبية على الآشوريين في هذه البلدان.
 
وفي إجتماع لندن عام 1969 أتخذت قرارات مهمة وظهرت التركيبة التنظيمة وتحددت المسؤوليات وهكذا استمرت مؤتمرات الاتحاد للسنوات اللاحقة لحين أصبحت في يومنا هذا بحكم المنسي أو المجهول ليس لأبناء شعبنا بل لبعض أعضاء الإتحاد نفسه. وقبل الدخول في تفاصيل الأزمات والعثرات التي أعترضت الإتحاد فلا بد من إنصافه وبيان إنجازاته التاريخية المهمة والمؤثرة على الأحزاب السياسية الآشورية وعلى عموم المثقفين والمعنيين بشؤون الأمة.

لاشك فيه أن تأسيس الإتحاد كان حدثاً مهماً في الحياة السياسية للآشوريين ولا يمكن نكران ذلك سواء كنا من مناصريه أو لا. إن تأسيس الإتحاد كان قائم على فكرة نبيلة لا يرقى إليها الشك. فالمطلع على أبسط الأمور السياسية والقومية لأمتنا سوف يدرك بأن الاتحاد بما فيه التركيبة التتنظيمة هو أفضل أسلوب لتمثيل أبناء الأمة المبعثرين في زوايا العالم. فالفكرة التي قام عليها الإتحاد لا زالت مطلوبة في يومنا هذا بل أهميتها تزداد يوماً بعد يوم كنتيجة مباشرة ومنطقية لزيادة تبعثر أبناء الأمة ونمو الوعي القومي فيهم أخذين بنظر الأعتبار الظروف المختلفة داخليا وخارجياً خلال أربعة عقود من عمر الإتحاد. ولكن رغم سمو ورفعة فكرة الإتحاد لكن الأهداف التي سعى إليها فيها الكثير من المثالية بحيث تبدو وكأن مؤسسي الإتحاد كانوا بعيدن عن واقع الأمة الموضوعي ولم يدركوا عمق التناقضات التي كانت تحيط بالأمة. من هذا المنطلق فإن الإتحاد لم يستطيع تحقيق أي من أهدافه على الواقع العملي التي رصفها عند التأسيس في حين نرى مثالية هذه الأهداف تحققت على الجانب المعنوي والفكري دون الواقعي، وأهمها إعتبار الأول من نيسان كعيد قومي رسمي للأمة وتحديد العلم القومي كما أقر على إعتبار السابع من آب يوماً للشهيد الآشوري إضافة إلى ذلك كان له تأثيراً كبيرا فكرياً ومعنوياً على الكثير من الأحزاب والمنظمات القومية خاصة التي أنضوت تحت لوائه أو التي تعامل معهم.

أنه من المؤسف أن يكون تاريخ تأسيس الإتحاد مجهولاً للكثير من أبناء الأمة وبالأخص المهتمين بشؤونها لا بل يبدو وكأنه منيساً بالنسبة لأعضاء الإتحاد نفسه ولعل سبب ذلك يرجع إلى:
1.   تقريباً معظم المؤسسين للإتحاد هم حالياً غائبين عنه، فإما تركوه ولجأوا إلى تأسيس أحزاب ومنظمات أخرى وبعضها معادية للإتحاد نفسه، أو تركوا الحياة السياسية نهائيا ولم يعد للإتحاد أهمية عندهم.
2.   عدم توفر الوثائق الخاصة بالإتحاد وخاصة المتعلقة بمرحلة التأسيس وحتى إذا توفرت فهي إما مبعثرة في أماكن أو بلدان متعددة وذلك بسبب عدم وجود مقر مركزي للإتحاد محدد وثابت أو هي من الممتلكات الشخصية لأعضاءه القدماء.
3.   إفتقار الإتحاد إلى وسائل إعلامية قادرة على توصيل فكرة الإتحاد إلى إبناء الأمة.
4.   فشل الإتحاد بالمقايسس العملية السياسية في تحقيق أي من أهدافه وبالتالي غيابه تقريباً عن الساحة السياسية والقومية بحيث أصبح بحكم المنسي أو جزء من الماضي. فهذا موضوع يصلح بحاله لبحث آخر في أسباب فشل الإتحاد في تحقيق أهدافه أو جزء منها ومقارنة ذلك بالمعايير السياسية والحزبية السائدة في تقييم المنظمات السياسية.
هذا بشكل عام ومختصر عن الإتحاد الآشوري العالمي وهو في ذكراه الأربعينية من تأسيسه ولنا موعد مع الحركة الديمقراطية الآشورية في ذكراها ألـ (29) من تأسيسها.

135
ألقوش في القلب والوجدان... والفكر أيضاً

أبرم شبيرا

للكتابة والبحث العلمي أصول وقواعد تهدف بالأساس إلى غاية جمالية معرفية تخدم الإنسان بشكل عام والمجتمع المعني بالبحث بشكل خاص. وعندما يشذ الكاتب، إذا صح هذا التعبير لمن يكتب وينشر، عن هذه القواعد تفقد الكتابة جماليتها وغايتها الإنسانية وتصبح مفسدة للعقول ومضيعة للوقت ونحن في هذا العصر الذي تعصف بنا العواصف من كل الجهات خاصة في الوطن الأم أحوج ما نحتاج إلى الكتابات السليمة الهادفة إإلى خدمة مجتمعنا. فهذه رسالة سامية من رسائل مثقفينا جميعاً لا بل هي مسؤولية أيضاً تقع على الكاتب والناشر سواء أكان موقعاً ألكترونياً أو مجلة أو جريدة أو نشرة .. إلخ. وما يزيد من جمالية الكتابة وغايتها الإنسانية ليس فقط رصانة الكاتب ومضمون الموضوع ومدى واقعيته وفائدته للمجتمع بل أيضاً الردود الفعلية التي يتركها الموضوع لدى القراء من إنتقادات بناءة وتعليقات مبهرة ومعلومات إضافية تصبح في التحليل الأخير جزءاً مهماً في بناء وتكامل الموضوع نفسه ومفيداً للكاتب والقراء أيضاً. أما ما يفسد جمالية الكتابة ويخرجها عن طورها الأصولي والإنساني والإخلاقي هو التهجم الشخصي والطعن بالكاتب بتهم لا تمت بصلة بالموضوع المطروح إطلاقاً وتخوين الكاتب ونسج أراء وطروحات وتصورات وتأويلات وتحميلها عليه في الوقت الذي لم ينطق أو يدعي بها.

إنني أورد هذه البديهية النطرية ليس فقط كمدخل للموضوع الذي كتبته تحت عنوان (ألقوش في القلب والوجدان) ونشر على موقع عنكاوة والردود المختلفة الذي تركه على القراء والتي نشرت بعضها على موقع عنكاوة والبعض الآخر كانت بواسطة رسائل ألكترونية أو إتصالات هاتفية، وإنما بالأساس كتوضيح لكل من يستحق لقب "كاتب" أو "باحث" أو "مؤرخ" في ضرورة الإلتزام بالقواعد الأصولية والاخلاقية للكتابة والنقد. وأود هنا أن أوكد بأن الردود التي وردت على الموضوع تعكس بشكل مباشر الأهمية التي تركها عند القراء وأن هذه الردود والتوضيحات والإضافات المعلوماتية كلها أغنت الموضوع لا بل وأقولها بصراحة أسعدتني وتقبلتها بروح رياضية ولكن بالتأكيد كانت ستكون سعادتي وتقبلي لها أكثر بكثير لو لم تنحرف بعض هذه الردود في بعض جوانها عن الأصول الصحيحة للكتابة.

من المؤسف أن أقول بأننا، كشعب شرق أوسطي، تعلمنا عادات سيئة من العرب خاصة في المسائل السياسية والقومية. لقد أصبح الكثير من نشاطاتنا المجتمعية وتحديدا السياسي والقومي رد فعل أكثر مما هو فعل مباشر. كما وأن نظرية المؤامرة تهيمن على عقول الكثير من كتابنا ومثقفينا وسياسيينا، وتخوين الفاعل وفقدان الثقة أصبحا منهجاً في معظم ردود الأفعال. والأسوء من كل هذا ضعف أو صعوبة أو خطأ فهم مغزى الموضوع وبالتالي بناء تصورات وردود خاطئة وتأويلات لا تمت بصلة بالموضوع والكاتب نفسه. وهنا أود إأن أعلق على بعض وليس كل الردود التي وردت على موضوع (ألقوش في القلب والوجدان) ولكن من دون أن إنسى شكري وإمتناني الكبيرين للمعلومات القيمة والردود الإيجابية التي أغنت الموضوع كثيراً لأن بالتأكيد ما كتبته لم يكن بمستوى الكمال بل كان موضوعاً تمهيديا بسيطاً يتطلبه معلومات تاريخية كثيرة يستوجبها بحثاً منفصلا ومسهباً، فما كتبته كان تعبيرا عن مشاعري وأحاسيسي تجاه هذه البلدة عند زيارتها والتي كان يستوجب بيان شهامة أهاليها ووقفتهم البطولية تجاه أحداث تاريخية مهمة وموقفهم الحالي في مقارنة مع القرى والقصبات الأخرى التي زرتها والتي تتعرض إلى تجاوزات تأثر تأثيراً عميقاً على طبيعة ديموغرافيتها التاريخية والقومية. 

يتهمني أصحاب بعض الردود بأنني "غرزت سهامي في قلب ألقوش وفي وجدان كل ألقوشي أصيل" ... وإنني "كاتب مفخخ بكل الأساليب الملتوية والمستفزة لتمريري غايات دعائية لتوجيه السياسي والطائفي ....  وأنني خبير في دس السم بالعسل ... والتدليس على التاريخ والحقيقة ... وإنني جلبت الضرر للألقوشيين... لأنني أستخدم عنوان ومفردات المدح المبطن ...  وحطيت من قدر وشأن الألقوشيين في سبيل الترويج للبضاعة الآشورية وأنني ناكر الجميل ... وجردت الألقوشيين من الفضائل والمفاخر عن طريق التلاعب بتاريخ وهوية ألقوش وشعور أهلها واستخدمتها للدعايات الحزبية والطائفية أو لغايات وأهداف رخيصة" وهكذا تهم وتخوينات ومشاعر قائمة على نوع عجيب وغريب من سوء النية لما كتبته عن هذه البلدة العريقة.  بالله عليكم هل هذا منطق ؟؟!!!... لو كان أصحاب هذه التهم قد قرأوا الموضوع بشكل عميق وفهموا المغزى بقلب نظيف وعقل منفتح لما استنتجوا مثل هذه التخريفات السوداء تجاه ما كتبته. فإذا كان لأصحاب هذه الردود قصر في الفهم وضعف في إدارك المغزى من الكتابات الصادقة فإنني أطلب منهم أن يقرؤا المقال مرة أخرى بقلب صادق وبنظرة منفتحة لا حاقدة وأن يسألوا أنفسهم لماذا كتبت عن ألقوش ؟ هل هي قوجانس أم كوريكفانه أم بختمه؟ طبعاً الجواب معروف إلا إذا كانوا هؤلاء لا يستطيعون التمييز بين ألقوش وهذه القرى والمغزى المراد من التمييز بين طرفي المقارنة.

هذا من حيث منهج التخوين والتأويلات التي تشتهيها مخليتهم ... أما من حيث فكرة المؤامرة التي تعلموها من العقول العربية السياسية العاجزة عن العيش في هذا الزمان فالحديث عنها غريب وعجيب تثير في كثير من الأحيان الإشمئزاز وأيضاً الأسف من سؤء النية تجاه أفكار وأراء يعجزون عن فهم المغزى. أن العقل المكبل بنظرية المؤامرة هو نتاج أو صورة عاكسة لحالة تعرف في علم الاجتماع النفسي بـ (الفوبيا) أي الهلع أوالخوف الشديد من ظاهرة أو أسماء أو أشياء معينة.. فمن خلال قراءتي لبعض الانتقادات لموضوعي السابق الذكر عن ألقوش يظهر بأن أصحابها قد أصابوا في جوانب معينة من كتاباتهم بهذا المرض وفسروا الأمور بما تتلائم مع حالتهم النفسية. وأود أن أشير هنا إلى ظاهرتين: سياسية وطائفية. وفي البدء أقول لهم أقرأوا الموضوع مرة أخرى وأنظروا إليه بعين وقلب وعقل مفتوحة لا منغلقة مطوقة بنظرية المؤامرة والهلع عند ذكر أسم الحركة الديموقراطية الآشورية أو الحركة الآشورية أو تسمية الآشوري وحدها حسبما يتطلبها السياق التاريخي والمنطقي لهذه التسمية. أقولها صراحة وبلمئ الفم والعقل بأن كل من يعتقد بأنه عندما ذكرت كلمة الآشوريين أو الأشورية في المقال السالف الذكر هو إلغاء وإمحاء لبقية تسميات أمتنا الكلدانية والسريانية فهو غبي وأن كل من يحاول بالأسم الآشوري بلع وهضم بقية تسميات أمتنا الكلدانية والسريانية فهو أغبى. لقد زهقنا من هذا الموضوع الذي يشبه قتال الصلعان على المشط ولا أريد الدخول فيه وأرجو أن يكون المقصودين بهذا الموضوع قد فهموا... والإشارة تكفي اللبيب!!!

 فعندما ذكرت علاقة المناضل توما توماس والمعلم أبرم عما، وكلاهما من ألقوش، كان بهدف أخذ نماذج معاصرة لدور الألقوشين في الحركة القومية لشعبنا وليس مدحاً بزوعا. أما إذا كان زوعا لم يأخذ بنصائح المناضل والمعلم فهذا أمر يعود إليهم ولو كنت عضوا في قيادتها ربما كنت قد بحثت عن الجواب لهذا التسائل وأعطيته لهم ولكن يظهر بأن لهؤلاء "الفوبيين" جواب مسبق أصبح في أيامنا هذه بحكم الإسطوانة المشخوطة.
 
لم ألتقي بالمعلم أبرم عما إلا ثلاث مرات، مرتين في السليمانية مع مجموعة من الطلاب الآشوريين الجامعيين  ومرة أخرى في النادي الثقافي الآشوري في بغداد أثناء أحد المهرجانات الشعرية وكلا الحالتين كانتا في السبعينيات من القرن الماضي ولم نتطرق في حينها إلا إلى قضايا قومية وسياسية عامة حيث لم يكن زوعا قد تأسس بعد ولكن كانت له علاقة قومية ببعض اللذين أسسوا زوعا. أما المناضل توما توماس فقد ألتقيت به عشرات المرات وعقدنا سوية جلسات سياسية وقومية وحزبية طويلة وكانت أخرها في دمشق وقبل رحيله ببضعة أيام. وفي جميع الحالات، خاصة عندما كانت اللقاءات في مقر الحركة الديمقراطية الآشورية في دمشق كانت المناقشات تدور عن نضال شعبنا وسبل نيل حقوقه وكانت زوعا محور مناقشاتنا سواء بالنقد أو الإرشاد ونحن نستمع إليه ونناقشه وكانت علاقته الرفاقية مع زوعا قوية سواء كانت محتكرة لساحة النضال أم لا. على العموم أود أن أقول بأنني كنت أتوقع أن يأتي الرد على مقالتي عن ألقوش من أعضاء في زوعا لأنه يظهر من خلال تقيمي الكبير للمناضل والمعلم كأنه تهميشاً لزوعا ولكن أخوتنا في الرد فهموا الصور مقلوبة فجالوا وصالوا في إعادة وتكرار الاسطوانة المشخوطة التي ينشرح في سماعها أعداء أمتنا والمتعطشين لدولارات كردستان. إضافة إلى المناضل والاستاذ المذكورين كنت أود أن أذكر أيضا أسم المناضل فرنسوا الحريري وهو في السنوات الأخيرة وقبل إستشهاده وموقفه من زوعا ولكن لأنه أولا: ليس من ألقوش، وثانيا: خشيت أن أتهم بـ "النسطورية والطائفية" من المنتقدين لذلك تجنبت ذكر أسمه. فالغريب والعجيب عن هؤلاء المنتقدين هو حشر أسمي بمناسبة أو بدون مناسبة بالحركة الديمقراطية الآشورية وأقولها صراحة هذا شرف لي لا بل ويزيدي شرفاً أكثر وأكثر أن تكون لكل حركاتنا وأحزابنا القومية الشريفة مكاناً في قلبي إلى جانب ألقوش.

أما الظاهرة الثانية التي فسروها المنتقدون للموضوع وفق نظرية المؤامرة، هي الظاهرة الطائفية. أن المصاب بهذا المرض يتصف بالارتباك والتخبط وخلط الأمور ببعضها ويتصور بأن العالم كله ضده و "المؤامرجية" يحيطون به من كل الجوانب. فمن خلال قراءة الردود يظهر بأن هؤلاء يصعب عليهم التفريق بين الآشورية والنسطورية كما كان يفعل نظام البعث المقبور في العراق وتلاميذه وينظرون إلى الآشوريين وفق العقلية العراقية التقليدية في تخوينهم وربطهم بالنسطورية. أنصح هؤلاء في قراءة كتابي المعنون (الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر – دراسة حال في العقلية العراقية تجاه الأقليات) نشر عام 2003 من قبل دار الساقي في بيروت ولندن فهو حتماً سيكون مفيدا لهم في فهم هذه الحالة ومفيدا لي وللقراء في عدم الإطناب في هذا الموضوع.

وأخيرا لم يبقى إلا أن أقول شيئاَ آخر عن المنهجية في القراءة والكتابة والتي تظهر بوضوح في المقالات التي ردت على مقالتي، أن الإطلاق والعمومية شيئان مرفوضان في القراءة والكتابة. فالمطلق منهج مثالي ميتافيزيقي لا وجود له في عالم الواقع. فالقارئ والكاتب  يجب أن يضعا النسبية أو الأصح مصطلح "بشكل عام" موضع نظرهما قبل قراءة أي موضوع أو الكتابة عنه. فعلى سبيل المثال عندما قلت بأن الألقوشيين كانوا يجلسون في المقاهي ويلعبون الورق أو القمار ثم مايلبث أن يدق ناقوس الكنيسة حتى يهروا للقداس ... بالله عليكم هل هناك متعلم يفهم بأن المقصد هو كل الألقوشيين... هل كل الألقوشيين لا شغل لهم ولا عمل إلا لعب القمار؟؟؟؟ أم يكون مثل هذا اللعب لبعض الرجال وأيام العطل والأحاد؟؟؟  والحالة نفسه بالنسب للألقوشيين الذين قدموا طلباً للإنظمام إلى الكنيسة النسطورية فالمقصد كان بعض وبالأخص المعنيين بشؤون الأمة وليس كل الألقوشيين.. موضوع لا أريد الإطالة فيه لأنه ساذج لا معنى له.

هذا من حيث النظرية والمنهج، أما من حيث الوقائع التاريخية التي حاولت من خلالها بيان شهامة الألقوشيين فهي مواضيع ووقائع تاريخية معروفة وتفسير تفاصيلها قد لا يتفق أثنان عليها، وهي حالة صحية لا غبار عليها ولكن مع هذا لا يقلل أختلاف التفسيرات من أهمية الحدث التاريخي أو يمحوه. فإذا كنت قد قصرت في ذكر تفاصيل مسبهة لهذه الحوادث فهو أمر كان يتطلبه سياق الموضوع وحسناً فعل المنتقدون عندما اسهبوا فيها سواء أكان ذلك ضرورياً للموضوع أم غير ضروري ولكن من دون شك كان ذو فائدة لي وللقراء أيضا. وعلى العموم يمكن أن أشير إلى بعض من هذه الحقائق التاريخية المتعلقة بألقوش.

موضوع تعاطف أو تأييد الألقوشيين للحركة القومية الآشورية وهي في بدايتها في أوائل القرن الماضي طبعاً ليس القصد هنا كل الألقوشيين 100 بالمائة فلا مطلق في الحياة وإنما الحديث هو بشكل عام ويخص المعنيين بالشؤون القومية والسياسية والفكرية، وما العيب فيما إذا كان كل الألقوشيين أو قلة منهم أو حتى نفر واحد منهم يتعاطف ويساند الحركة القومية الآشورية خاصة في ظروف ماحقة وصعبة، أليس هذا فخراً لهم؟؟؟. ذكر هذه الحقيقة التاريخية، سواء أكان كل الألقوشيين أم بعضهم،  ليس فيه أبداً تنقيص من قيمة الألقوشيين، كما يتصورها أحد المنتقدون... وكيف تصورها ؟؟؟ الله أعلم...  بل كان المغزى بيان شجاعة الألقوشيين في تلك المرحلة الصعبة. وهنا أود أن إذكر رموز من ألقوش سطرت أسماؤهم من ذهب في تاريخ نضال قوميتنا. فالأسقف مار توما الألقوشي (أسقف ألقوش) كان جنباً إلى جنب مع الشهيد مار بنيامين بطريرك كنيسة المشرق (النسطورية) في جميع جولاته وصولاته المميتة. أما مار توما أودو مطران الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في أورمي (حالياً رضائية في شمال شرقي إيران) يعتبر رائد من رواد الحركة القومية ومفكر كبير في تاريخ أمتنا وكان من أكبر مؤسسي المجلس القومي قبيل الحرب الكونية الأولى ومن بين الذين دعوا إلى إحلال تسمية (آشوري - أثورايا) بدلا من (سورايا) باعتبار الأولى لها دلالات قومية تاريخية أكثر من الثانية وساند الجنرال إغا بطرس وقواته الكلدوآشورية في حروبها التحريرية التي باركها بابا روما في تلك الأزمنة. أستشهد المطران من أجل قضية شعبه وسطر أسمه من ذهب في سجل شهداء أمتنا. فلا أدري إن كان المنتقدون يعرفون أسماء هؤلاء الأبطال ويفتخرون بهم؟؟؟ هل ذكر هذه الرموز العظيمة هو تقليل من شأن الألقوشيين وإهانتهم أم هو تبجيل لهذه البلدة التي أنجبت (التؤمان) ...توما أودو وتوما توماس؟؟؟

ظاهرة تاريخية أخرى يظهر بأن المنتقدين يعممونها كثيراً ولا يميزون المقدصد منها أو فهم المغزى. صحيح أن الظروف الصعبة أثناء الحرب العالمية الأولى كانت تهدد معظم الشعوب في منطقتنا وبالأخص المسيحيين منهم بسبب معتقدات العثمانيين وسياستهم تجاه الأقليات المسيحية ولكن الظروف المحيطة التي عصفت بأبناء أمتنا من الطائفة المشرقية "النسطورية" كانت مدمرة ومميتة بحيث أقلعتهم من أماكنهم التاريخية وهجرتهم كلياً من مناطقهم وفقدوا نصف عددهم فصب العثمانيون نار حربهم عليهم لأنهم كانوا إلى جانب الأرمن، الوحيدين من الأقليات المسيحية الذين شاركوا إلى جانب الحلفاء ضد الدولة العثمانية ومقاومة ظلمها. وحتى بعد إنتهاء الحرب وتوقيع إتفاقيات السلام وتسويات الحدود منعهم العثمانيون من الرجوع إلى مناطقهم التي أصبحت ضمن الحدود الجديدة للدولة التركية حيث وصفتهم بـ "الخونة". في حين بقى بقية أبناء شعبنا من الكلدان والسريان في مناطقهم ولم تفرغ منهم إلا في السنوات القليلة الماضية. من هنا أقول بأن التهديد المهلك لـ "النساطرة" لم يكن من الكاثوليكية إطلاقاً، كما يؤوله أحد المنتقدين ويحملني نتائجه الطائفية. فالإنتقال من مذهب إلى آخر ليس هلاكاً لشعب أو أمة بل هلاكاً للطائفيين المتزمتين فقط. من هذا المنطلق كان الألقوشيون .... طبعاً ليس كل الألقوشيين ... بل المعنيين بشؤون الأمة كانوا قد قدموا طلباً للإنظمام إلى كنيسة المشرق "النسطورية" كتعبير عن تضامنهم مع أخوتهم في الدم، وما العيب في ذلك طالما نحن أبناء أمة واحدة، كما يقول أحد المنتقدين !!!

 الموضوع التاريخي الآخر الذي أطنب فيه المنتقدون هو الحاكم التركي المدعو صقيلي ودور قوات الليفي الآشورية في قتله، هذا واقع تاريخي يعرفه الكثير من الألقوشيين وغيرهم وليست حكايات جدي فقط. كنت أود أن يكون قد قرأ المنتقدون كتابي المعنون "الآشوريون في السياسة والتاريخ المعاصر" نشره إتحاد الأندية الآشورية في السويد عام 1995 وعرفوا حقيقة هذه القوات.... فإختصار أقول لهم أن العقلية العراقية التقليدية القائمة على تخوين ورفض المختلف هيمنت على عقولهم بخصوص هذه القوات فإعتبروها قوات "مرتزقة" أستعملوها الأنكليز في ضرب الحركة الوطنية ... اية حركة وطنية ؟؟؟؟ ثورة العشرين ... قاومها قوات الليفي العربية المعروفة بالشبانة ... حركة المجرم بكر صدقي أم حركة رشيد عالي الكيلاني المعروفين بميولهم النازية؟؟؟ إن قوات الليفي التي تأسست رسمياً بعد ثورة العشرين كانت تضم رجال من الكلدان، ومنهم المناضل توما توماس الذي أنخرط فيها في الأربعينيات من القرن الماضي، إضافة إلى بعض التركمان واليزيديين ولكن كانت تسمى (Assyrian Levy ) لكون معظمهم من الآشوريين. لقد لعبت هذه القوات دورا كبيراً ومهماً في ضمان إستقرار الدولة العراقية الفتية وليس العكس كما يتصورها "الآخر" خاصة من الناحية الشمالية عند الحدود مع تركيا. فبعد إستسلام الدولة العثمانية وفق معاهدة فيرساي 1919 – 1920 عاد الرجل المريض قوياً بعد وصول الكماليون القوميون إلى السلطة وضربوا عرض الحائط المعاهدات التي كانت موقعة مع الحلفاء فتغلغلوا داخل الأراضي العراقية الشمالية واحتلوا مناطق واسعة حتى عام 1923 حيث لم تتمكن القوات الإنكليزية ولا جيش العراق الفتي من طرد القوات التركية إلا بعد أن تقدمت قوات الليفي الآشورية وتمكنت من دحر القوات التركية وطردهم خلف خط بروكسل الحدودي. هناك المئات من الوثائق في " معهد الوثائق البريطانية" في لندن تتطرق إلى الدور الكبير الذي لعبته هذه القوات بعد الحرب العالمية الأولى وأثناء الحرب العالمية الثانية. وأود أن أشير بهذه المناسبة إلى رسالة الماجستير والدكتوراه التي قدمها الدكتور (يونك) التي كتبهما عن شجاعة هذه القوات وقدمهما إلى جامعة لندن (مدرسة لندن للدراسات الأسيوية والأفريقية) المعروفة بـ (سواس). شخصياً ألتقت بالدكتور (يونك) الذي كان في الثمانينيات من العمر عدة مرات ودعيته إلى النادي الآشوري في لندن حيث ألقى محاضرة عن هذه القوات وألتقى ببعض كبار السن الذين كانوا أفرادا في قوات الليفي.... هذه حقائق تاريخية وليس حكايات جدي .... ألم يطم ممكنا لهذه القوات أن تقتل المجرم صقيلي وهو شخص واحد في الوقت الذي قاتلت وطردت جيش أسياده من شمال العراق؟؟؟؟ ليس هذا فحسب وإنما عندما تقدمت قوات الليفي في بداية العشرينيات من القرن الماضي إلى مدينة الموصل ودخلتها كان لا يزال العادات والسياسات العثمانية الظالمة تمارس ضد المسحيين، حيث لم يكن للمسيحي الحق ركوب الحمار أو الحصان والمرور في شوارع أو أسواق المدينة كما كان مطلوباً منه أن يحمل على كتفه منشفة لكي يمسح بها المسلم المار به يده أو وجهه وعندما سيطر قوات الليفي الآشورية على المدينة أوقفت هذه الممارسات اللاإنسانية بحق المسحيين... هذه حقائق تاريخية وليست حكاية جدي!!! ولا هي نزعات طائفية مقيتة ؟؟؟

أما بالنسبة لحوادث عام 1933 لم أسمع كما لم يتداول الناس بأن أبناء شعبنا من الطائفة المشرقية "النسطورية" أحتموا في القرى الأخرى عدا ألقوش وحكاية توصيل الخبر إلى المثلث الرحمات مار عمانوئيل بطريرك الكلدان من قبل الأشخاص الثلاثة ورد البطريرك عليهم هي معروفة وسمعتها من مصادر عديدة وكان آخر من مطران في الكنيسة الكلدانية. وقد يكون ممكنا أن تدخل البطريرك ولعب دوراً في رفع الحصار عن ألقوش بعد تدخل فرنسا وتأثيرها على الحكومة العراقية، وهنا لايسعني إلا أن أشكر جميع الألقوشيين ... وبشكل مطلق هذه المرة ... وعلى رأسهم البطريرك على حماية جدي وبالتالي بقائي في الحياة. وهناك حقيقة تاريخة معاصرة أخرى تتعلق بالشهيد هرمز ماليك جكو... هناك شهود عيان لا زالوا أحياء يذكرون تفاصيل قصة هجوم الشهيد مع قوته الصغيرة لمركز شرطة ألقوش في اليوم الثاني من شهر كانون الأول عام 1963 وخوض معركته مع الحرس اللاقومي واللاأخلاقي وجحوش النظام ثم بعد ذلك تقدم إلى منطقة ألوكه قرب دهوك حيث أصطدم مع دبابات تابعة لكتيبة من الجيش السوري وأستشهد هناك. وفي كانون الأول من العام الماضي أحتقل الألقوشيون في ألقوش وأقاموا دورة في كرة القدم بمناسبة إستشهاد البطل هرمز.... لماذ أحتفل الألقوشيون بهذه المناسبة ولم تحتفل قرية كوريكفانه، قرية الشهيد هرمز وقرية يونادم كنا أيضاً؟؟؟؟ الجواب معروف ولا لبس فيه.

وأخيراً أود أن أعتذر للقراء وأصحاب الرد عل الإطالة كما أود أن أشكرهم على المعلومات التي زادات من معلوماتي عن ألقوش وبالتالي زادت من عمق مكانتها لا في قلبي ووجداني فحسب وإنما في فكري أيضا وإنني مزمع على زيارتها مرة أخرى في نيسان القادم لأزيد من مكانتها وعزتها وتاريخها في تفكري سواء رضي البعض أم لا. ولا يسعني هنا أيضا إلا أن أشير إلى الكرم الذي منحني أحد المنتقدين وعلمني بأن للألقوشيين جمع تكسير هو "الألاقشة" في الوقت الذي أعرف بأن الأسماء غير العربية لا تخضع لقواعدها المعروفة رغم أن معرفتي باللغة العربية وقواعدها ضعيفة وأعلى درجة حصلت عليها في السنة النهائية للدراسة الثانوية كانت 58 من المائة.       

136
ألقوش في القلب والوجدان


أبرم شبيرا

زرت موطني آشور شمال بلاد مابين النهرين العديد من المرات ولكن لأول مرة وبعد عقود في الغربة أتيحت لي الفرصة أن أزوره  خلال أعياد الميلاد ورأس السنة وأن أعيد مع إصدقائي وأتناول القربان المقدس في أحدى كنائسنا في نوهدرا المعروفة حاليا بـ (دهوك) وأن أزور الكثير من القرى والقصبات في مناطق صبنا وبرواري بالا وسهل نينوى رغم البرودة القارصة جداً إلا أن حرارة اللقاء مع الأصدقاء وأبناء أمتي من مختلف التوجهات والأفكار جعلتني قادراً على مقاومة البرودة لفترة  زادت عن10 أيام التي قضيتها هناك. أتصل بي بعض الأصدقاء مستغرباً عن عدم كتابة بعض الملاحظات عن هذه الزيارة كما كنت أفعل في الماضي  بعد كل زيارة للوطن، فذكرت لهم بأن الأمر ليس بهذه السهولة لأن الواقع الذي تعيشه أمتنا هناك مليئ بالتناقضات والأحداث قد يصعب المسك برأس الخيط والإنطلاق منه لفهم الواقع بشكل منهجي معقول. ولكن مع هذا حزمت أمري أن أكتب بعض السطور لعل يزيل إستغراب أصدقائي المتسائلين ولو إنني تأخرت بعض الشئ.

ليس لي أقارب أو أفراد من عائلتي الصغيرة يعيشون هناك ولا قرية أنتمي إليها ولكن كل أبناء أمتي هم أفراد عائلتي الكبيرة هناك وكل القرى كانوا قريتي وبيتي لهذا كان الواجب والحنين يلزمانني أن أزور كل من أستطعت زيارتهم والتعايش معهم عن كثب وأحس بمعاناتهم وأفراحهم وأحلامهم. وكالعادة فإن المسائل القومية والسياسية تبقى دائماُ في قمة أهتماماتي ولكن مع هذا لم تثنيني من قضاء أوقات ممتعة ومثيرة مع أبناء أمتي في القرى والقصبات التي لازالت بعضها صامدة في وجه الزمن الغادر، وهنا سأكتفي ببلدة ألقوش في هذا الجزء أملاً أن يليه جزءاً آخر عن المسائل القومية والسياسية.

لا أنكر بالقول بأن مشاعري ووجداني الذاتي قد سيطرت على جوانب من موضوعيتي عندما زرت بلدة ألقوش العريقة وأن أبدأ الحديث عنها وأن أضعها عنوانا لمقالتي هذه. ولكن مع هذا أن الموضوعية التاريخية لأصالة هذه البلدة معروفة للداني والقاصي ولا يستوجبها أية مشاعر وجدانية خاصة لكي نزيد من قيمتها. ألقوش البلدة التوراتية العريقة القدم في التاريخ. ويكفي أن تكون بداية إسمها (إلـ ) المصغر للكلمة البابلية/الآشورية (إيل) لتكون مصدراً لعظمة قدسيتها منذ أقدم العصور وأن تنجب خيرة بطاركة كنيسة المشرق وعظماء كتاب الأمة ومفكريها وسياسيها. هذه الصفة الفريدة لألقوس وشهامة رجالها جعلتها أن تكون موضوع حقد وكراهية وعداوة من قبل الآخريين الحاقدين على هذه الأمة منذ العهد الفارسي مروراً بالعهد العثماني فالحكومات العراقية وحتى عصر صدام المقبور وذلك بسبب صلابة رجالها وتمسكهم بقيم أجدادهم العظماء ورفض الإنصهار والخضوع رغم قوة الظلم والإكراه والاستبداد الذي فرض عليهم وإستطاعوا مقاومته حتى يومنا هذا.

وإذا كان التاريخ القديم لا يسعفنا بمعلومات وافية موثقة إلا أن وقائع من التاريخ القريب يعطينا إدلة على مواقف الوقفة البطولية لهذه البلدة والهجمات والاضطهات التي تعرضت لها. فالعثمانيون كان يحقدون أشد الحقد على هذه البلد لأن أهاليها كانوا من المؤيدين للحركة القومية الآشورية التي كانت بوادرها قد بدأت قبل نشوء الحرب الكونية الأولى، وهناك معلومات تشير إلى أن الألقوشيين كان قد قدموا طلباً إلى الباب العالي مبينين فيه رغبتهم في التخلي عن الكاثوليكية والإنظمام إلى كنيسة المشرق (النسطورية) كتعبير لتأييد ومساندة هذه الكنيسة التي كانت الأمواج والعواصف تعصف بها وتهددها بالدمار، غير أن بسبب تدخل فرنسا والضغط على السطان العثماني رفض طلب الألقوشيين وهددوهم بالقمع إذا رفضوا قرار السلطان. أملك مصدر عن هذه المعلومات ولكن من المؤسف أنني لم أستطيع العثور عليها أثناء كتابة هذا الموضوع بسبب إستمرار تنقلي من بلد إلى آخر ووعداً للقراء بأن أعثر عليها وأكتب عنها في فترات لاحقة.

عشية إنتهاء الحرب العالمية الأولى كان هناك في ألقوش لا يزال حاكماً تركياً طاغياً وفاسداً جداً معروف بأسم صقلي تحميه قوات عثمانيه قوية التسليح فكان يعبث بالبلدة وبأهاليها فعندما وصل خبر هذا الطاغي إلى قوات الليفي الآشورية فتقدموا إليه من الجنوب فدخلوا ألقوش فقتلوا كل حراسه وحاشيته ثم أمسكوا بالصقلي وأخذوه إلى الجبال المحيطة بالبلدة وربطوه بالحبل من قدميه ورموه في الوديان ثم سحبوه ورموه مرة أخرى حتى أصبح كتلة من اللحم فإنتقموا من هذا المجرم ونال العقاب الذي كان يستحقه. سمعت هذه القصة من جدي وبعض كبار السن في ألقوش.هذا الحادث كان قد ترك أثر في نفوس أبناء البلدة وأصبح دينا على رقابهم بنتظرون بفارغ الصبر لإيفاءه. وفعلاً ففي عام 1933 لجاً عدد كبير من أبناء شعبنا من أتباع كنيسة المشرق "النسطورية" إلى هذه البلدة هرباً من المذبحة التي أرتكبتها القوات العراقية وبعض العشائر العربية والكردية المتحالفة معهم بحقهم في سميل والقرى الأخرى فأحتموا في بيوت أهاليها وحموهم خير حماية وعلى أثر ذلك قامت القوات العراقية والعشائر المتحالفة معها بمحاصرة البلدة مهددين أهاليها إما بتسليم "النساطرة" لهم أو بهدم البيوت على ساكنيها بالمدافع وإجتياحها ونهب ممتلكاتها. غير أن جميع الألقوشيين وقفوا وقفة رجل واحد وأبوا التنازل لقرار الحكومة وتسليم أخوتهم في الدم حتى تم فتح الحصار بفعل التأثير الفرنسي على قرار الحكومة العراقية. هنا يفرض السؤال نفسه لماذا لجأ الآشوريون من أتباع كنيسة المشرق إلى هذه البلدة دون سواها؟؟؟ الجواب واضح لانهم كان يعرفوا شاهمة الألقوشيين وشجاعتهم في مثل هذه المواقف وأمكانية حمايتهم ومساندتهم في مثل هذه المواقف الصعبة.

وهناك قصص عن هذا الحصار تتصف إلى جانب مأساويتها نوع من الطرافة، وهي الصفة التي يتصف بها الكثير من الألقوشيين. سمعت من جدي الذي كان من بين المحاصرين في البلدة (من الطريف تزوج جدي من المرأة التي كان يحتمي في بيت أهلها) بأن ثلاثة من رجال ألقوش تمكوا من إختراق الحصار والوصول إلى مقر مار عمانوئيل يوسف في الموصل الذي كان بطريركا على الكنيسة الكدانية الكاثوليكية في تلك الفترة لكي يستخدم نفوذه لدى السلطات العراقية أو الفرنسية لفك الحصار، ويقال أن البطريرك قال لهم "إرجعوا إلى بلدتكم فأن مريم العذراء ستحميها" فقفلوا راجعين مؤمنين بأن الحصار سيتم إنهاءه غير إن الحصار إستمر والتهديد بقصف البلدة توعد وتصاعد أكثر فأكثر. فعادوا ورجعوا مرة أخرى إلى البطريرك شاكيين عن قساوة الحصار وصعوبة العيش في البلدة المحصورة بعد أن نفذ المؤن والأرزاق عنها. فعاد البطريرك وقال لهم مرة أخرى "أذهبوا يا أولادي إلى بلدتكم وكما قلت لكم سابقاً فإن مريم العذارء ستحميها" فصعد الدم إلى رؤوسهم وملئوا يأساً وإحباطاً فردوا على البطريرك قائلين "يا سيدنا البطريرك لقد شاهدنا مريم العذراء وهي تهرب من الألقوش ولم تستيطع حمايتها"... العهد على الراوي.

لقد أشرنا في مناسبات سابقة عن ألقوش التي أنجب أبطال عاصرونا في هذا الزمان... فمن لا يعرف توما توماس (أبو جوزيف) سوف لا يعرف شيئاً عن شهامة وبطولة هذه البلدة فهو عنواناً للنضال المستميت من أجل الحرية والكرامة وعزة النفس. فنضال هذا المناضل تجاه شعبه واضح وملموس لأبسط مطلع على شؤون هذه الأمة وهي كثيرة جدا بحيث لا يسعها حتى المجلد الضخم. وللاستشهاد أعيد وأكرر ما سبق وأن كتبته في مناسبة سابقا، لأن مثل هذا البطل يستحق أن نشيد به دائماً وأبداْ وفي كل مناسبة تتعلق بنضال شعبنا. أشير هنا إلى واحدة منها، إلى الوقفة البطولية الشهمة التي وقفها في معركة ألقوش عام 1963 واصطفافه مع القائد الشهيد الشجاع هرمز ماليك جكو في نصرة أهل هذه البلدة والدفاع عنها من هجوم قوات الحلف الشيطاني الذي كان قائماً بين مصاصي دماء الشعوب "الحرس القومي" التابع لحزب البعث الحاكم وأحفاد هولاكو و تيمورلينك من الفرسان المعروفة بـ "الجحوش" والمدعومة من قبل قوات شرطة وجيش النظام البعثي الحاكم في العراق وقتذاك وغيرهم من الحاقدين على هذه البلدة العريقة وعلى أهلها الشهماء، فكانت وبحق ملحمة بطولية أعجز شـخصيا وصف البسالة التي تميز بها هذه المواقف، فغيري من أبناء هذه البلدة كتبوا عنها في مناسبات عديدة وفي أماكن أخرى. ومن المآثر القومية الأخرى لأبي جوزيف، والتي لي معرفة خاصة بها ، تتمثل في دعمه الكبير واللامحدود للحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) في العراق، فعندما التحقت هذه الحركة بركب الكفاح المسلح واصطفت مع بقية الحركات الوطنية من كان غير توما توماس الشهم والمعلم الأول في هذا الأسلوب من النضال أن يمد لها يد العون والإرشاد في وديان وجبال آشور العاصية وظل كذلك وعلى الدوام بحيث لم تمر فرصة وألتقي شخصيا بقياديي هذه الحركة إلا وأمطروا أبا جوزيف بوابل من المديح والامتنان مكررين وعلى أسماع الجميع الدعم الكبير الذي قدمه لهم هذا المناضل الكبير في هذا المجال. وهل ننسى الإستاذ المرحوم أبرم عما أبن ألقوش البار والأب الروحي للحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) الذي لعب دوراً أساسياً في البناء الفكري والتنظيمي للحركة لتجد طريقها نحو المسار القومي الشامل لكل طوائف أمتنا. وعندما زرت مقر زوعا في ألقوش وجدت في أعضاءها نفس روح توما توماس وأبرم عما ومدى إصرارهم على الصمود والنضال في وجه التحديات التي تواجها أمتنا في المرحلة الحالية. وكانت فرصة جيدة أن ألتقي بمدير ناحية ألقوش عند الأستاذ يونادم كنا في أربيل وأن أجد فيه حرصه الكبير على الأهتمام والحفاظ على بلدة الأباء والأجداء وحمايتها من غدر الزمان والحاقدين.

ولا أنسى أن أذكر شيئاً عن حقد نظام البعث المقبور على هذه البلدة التي كان يكرهها كثيراً لأنها أولاً كانت بلدة الكثير من قادة وزعماء الحركة اليسارية والماركسية وكذلك الحزب الشيوعي العراقي ومؤسسه وأول سكرتير عام للحزب يوسف سلمان يوسف (فهد)، ثم كانت نموذجاً للبلدة المتمسكة بتراثها وعراقتها وأصالتها التي لم تكن سهلاً لبلعها من قبل النظام وهضمها ضمن منهاجه في تعريب القوميات العراقية غير العربية. أتذكر كيف أن أزلام النظام ومن لف لفهم قد قاموا بنهب وسرقة المتحف التراثي في دير سيدة الزروع (ديره خثايا) ليس بسبب غلاء ثمن موجودات المتحف لأنها مادياً لم تكن تساوي شيئاً وإنما تدميراً وإمحاءاً للشواهد والمأثورات التراثية والقومية لهذه البلدة التي كانت جزء من هويتها القومية.


ألقوش، جغرافياً ليست كما كانت في عهد طفولتي.... فالطريق الطويل من البلدة إلى دير سيدة الزروع "ديره خثايا – الدير التحتاني" لم يعد طويلاً وموحشاً كما كان في السابق بل غزى العمران هذا الطريق وأضحى بيوت البلدة مرتبطة ومتواصلة حتى الدير. أما الطريق إلى دير علايا (دير ربان هرمز) فالطريق الجبلي الوعر الذي كان يستغرق قطعه للوصول إلى الدير ساعات عديدة أصبح اليوم قصيراً بعد أن أصبح سالكاً بالسيارات غيرأن "شجرة الأماني" التي يربط الزائرون للدير عليه قطعة من القماش (اليوم كان الكثير منه كلينكس) طلباً لتحقيق الآماني والشفاء من الأمراض هو نفسه وفي مكانه يتحدى الزمن. أما دير ربان هرمز رغم بعض التغييرات التي طرأت عليه فأن هبيته ورهبته باقية كسابق عهده يعكس تاريخ كنيسة عانت من الاضطهادات لم تعانيها أية كنيسة في العالم... السلسلة التي تشفي الأمراض كانت في مكانها بدون تغيير ولكن لا ادري إذ كانت لاتزال لها قوة خارقة في عمل المعجزات وتطهير الأرواح والأجساد؟؟؟  أفهل بقى لنا نفس إيمان إجدادنا الذين كان يؤمنون بالمعجزات والقوى الخارقة؟؟؟ هناك شواهد لازالت تركن في زوايا ذكرياتي وكنت أمل أن أراها على الواقع لأعرف فيما اذا كانت باقية أم لم يعد لها وجود أو أهمية تذكر عند الألقوشيين... تذكرت "كبه د مايه" أي كهف الماء الذي كان في قلب جبل ألقوش والذي كان يحرسه رجل طاعن في السن، فهو كهف كبير وكان في وسطه حوض كبير للماء يجري من ينبوع في الجبل. وكانت هناك قصة شبيه بالأسطورة تقول بأن هناك أفعى كبيرة تشبه التنين تأتي كل يوم لتشرب الماء من الحوض ويقال أيضا بأنها كانت أليفة وصاحبة لحارس الكهف. تذكرت، وأنا أسير في شوارع ألقوش، البيادر والتي نطلق عليها "بثراته" وكيف كانت العربة التي يجرها ثور أو حمار، وأعتقد كانت تسمى "جنجر أو ما شابه ذلك" تسحق بالفؤوس المركبة على عجلاتها حبوب الحنطة وتفصلها عن قشرتها وكنا نستمتع كثيرا بركوبها والتباهي بشجاعتنا في ركوب هذه العربة الخطرة... تذكرت المقاهي التي كان يجلس الألقوشيون فيها يلعبون الورق وفي أحيان أخرى القمار ثم ما أن يدق ناقوس الكنيسة الذي كان يهز بيوت البلدة حتى يسرع الجميع إلى القداس والصلاة ثم بعد الانتهاء منها يعودون للعب القمار. تذكرت كيف كان الناس عند غروب الشمس يصعدون على السطوح لتناول العشاء، وفي كثير من الأحيان كان يتكون من خبز الرقاق مع الجبن الأبيض المصنوع في البيت ومع البطيخ (الشمامه) المشهور في ألقوش بـ "بشيله"... تذكرت أشياء وأشياء كثيرة بعضها كانت لازالت قائمة وبعضها الآخر زالت والبعض الآخر لم يسمح وقتي للبحث عن مصيرها فيما إذا كانت قائمة أو إضمحلت؟ 
 
ألقوش منذ القدم كانت بلدة مستقرة في أهاليها وبيوتها وكانت بالنسبة للقرى الأخرى كبيرة بعض الشئ وكانت من الناحية الإدارية ناحية تابعة لقضاء الشيخان (عين سيفني) أو تكليف بعد أن أصبحت هذه الأخيرة مركزاً قاضياً (لست متاكداً من هذه التبعية الإدارية بسبب التغير المستمر في الحدود الإدارية للمنطقة) لهذا كانت تستحق أن تكون مركز قضائيا غير أن الألقوشيين رفضوا أن تكون بلدتهم مركز قضاء لأن ذلك كان سيؤدي إلى دخول "الغرباء" البلدة والسكن فيها ومن ثم تغيير معالمها التراثية والديموغرافية ولا زالت ألقوش لحد هذا اليوم صافية مصفية لا يملك "الغرباء" أملاكاً أو بيوتاً فيها. كنت أمل أن أشتري بيتاً في ألقوش التي ولدت فيها وتعمذت أنا وأخوتي وأولادي جميعاً في دير ربان هرمز "ديره علايا" ولكن عرفت من أهاليها الذين ألتقيتهم بأنه بالرغم من أن هوية الأحوال المدنية العراقية التي أحملها تبين ألقوش كمكان للولادة فأنهم قالوا "أنت لست ألقوشي "أصلي – فصلي" ولا يحق لك شراء بيت في ألقوِش فهذا ينطبق على كل الذين ليسوا من عوائل ألقوشية أصيلة"!! توقف تفكري برهة ثم سألت نفسي أهذا نوع من النزعة القريوية القاتلة والمفتتة لوحدتنا القومية أم نوع  من الإصرار على الحفاظ على الهوية القومية ... هوية البيت فالقرية فالبلدة فالمنطقة ... فسهل نينوى ثم الأمة؟؟؟؟ بكل صراحة أنا من الرأي الثاني ومتحمس له... فالكل يجب أن يحافظ على جزئه الخاص الذي بالأجزاء يتكون الكل ويتكون الوطن الذي هو أساس كل أمة.
 
     

137
نهضة الآشوريين وفق منظور الكتاب المقدس


أبرم شبيرا

تعتبر الكنيسة البروتستانتية، بكل تفرعاتها ومذاهبها الكثيرة والمنتشرة في العالم الغربي، من أكثر الكنائس إهتماماً بالمسائل القومية ونهضة الأمم والشعوب. فمنذ نشوئها في أوربا في القرون الوسطى تزامنت أو دعمت أو أرتبطت بالنهضة القومية في أوربا وبالفكر القومي والمبادئ الأساسية المترتبطة به. وليس غريباً ان تكون الوحدة الألمانية في القرن التاسع عشر نموذجاً للوحدة القومية ومصدراً كلاسيكياً للفكر القومي وللحركات القومية الأخرى. ولهذه الكنيسة أيضاً دوراً في تاريخ الآشوريين المعاصر. فعلى الرغم من الجانب السلبي والمؤثر الذي تركه مبشروا هذه الكنيسة على وحدة كنيسة المشرق وإزدياد تمزقها إلى طوائف، فإن لهؤلاء المبشرين دوراً إيجابياً على المستويين الثقافي والقومي. فعندما وصلوا إلى المناطق التاريخية للآشوريين في شمال غربي إيران وجنوب شرقي تركيا في نهاية القرن التاسع عشر بدأوا، وكأسلوب من أساليبهم التبشيرية، بنشرة الثقافة القومية بين الآشوريين وأهتموا إهتماماً كبيرا بموضوع اللغة وطبع الكتب والمجلات وفتح المدارس ويرجع إليهم الفضل في التطور الكبير الذي حصل في الثقافة والأدب واللغة وتخريج مثقفين وكتاب وشعراء برزوا على الساحة القومية الآشورية.

من الضروري الإشارة هنا إلى ظاهرة فريدة في هذه الكنيسة التي أنتشرت بين الآشوريين وأسسوا كنائس خاصة بهم وهي أنهم رغم تركهم لكنيسة المشرق إلا أنهم لم يتركوا مصدر إنتمائهم القومي الآشوري بل كانت كنيستهم كنيسة قومية حالهم كحال جميع الكنائس البروتستانتية التي هي قومية أكثر من كونها عالمية بعكس الحال مع الكاثوليكية التي وقفت في فترات نشوء الفكر القومي ضده وحاربته بإعتباره فكر لمعصية الله ووحدة شعبه، وهي مسألة طويلة نأمل أن نتطرق إليها في مناسبة أخرى. من هنا لا نستغرب أن يكون الكثير من رواد الفكر القومي الآشوري والكثير من أشهر أدباء وكتاب وشعراء الآشوريين من أتباع هذه الكنيسة البروتستانتية وتوابعها, ولازلنا نسمع حتى يومنا هذا الكثير من الخطب والوعظ لإباء هذه الكنيسة فيها جوانب كثيرة منها تدور حول القومية والدعوة إلى تنمية الوعي القومي لدى الآشوريين.

والملاحظة الأخرى عن هذه الكنيسة هو إعتمادها الكبير على التوراة، أي العهد القديم، في تفسير وتحليل الكثير من ظواهر اليوم وفي دعم التوجهات السياسية وإعطاءها زخماً حماسياً يصل في الكثير من الأحيان إلى التطرف. من هذا المنطلق، ليس غريباً أن تكون بريطانيا ومن ثم أميركا ومعظم الدول التي تكون البروتستانتية أو أي فرع من فروعها، هي الكنيسة المهيمنة من أوائل من دعم نشؤء دولة إسرائيل ولايزالوا حتى اليوم هم من أكثر الداعمين لها متخذين من التوارة منهجاً محتوماً في قيام وبقاء إسرائيل.

أما بالنسبة للآشوريين، فمثل هذا التوجه يمكن أن نتلمسه أيضاً في كتابات وأفكار بعض القساوسة أو أساتذة الكتاب المقدس. وتعتبر كتابات القس كين جوزيف والقس جون بكو نموذجاً في هذا السياق فكلاهما آشوريان ينتميان إلى الكنيسة البروتستانتية أو إحدى فروعها. فعلى سبيل المثال أصدر جون بكو كتابه المعنون (آشور النبوءة المنسية) في عام 1992 الذي أكد فيه بشكل جازم بأن كتاب المقدس قد ضمن نشؤء وقيام الدولة الآشورية مرة أخرى في هذه الألفية وأن الآشوريين هم شعب الله، إلى جانب المصريين والإسرائليين، إلذي سيسودون في منطقة الشرق الأوسط.

ومن أشهر الكتاب، غير الآشوريين، الذين تناولوا هذا الموضوع هو البرفسور الدكتور جوزيف جيمبرز الذي يعد من أكبر فلاسفة اللاهوت والكتاب المقدس في أميركا والعالم حيث كتب بحثاً عن نهضة الآشوريين (The Rebirth of the Assyrians) طبقاً للتوارة ونشر على بعض المواقع الألكترونية. هذا البروفسور ألف ستة كتب وشارك في تأليف كتابين وكتب أكثر من 185 كتيب وعمل 18 فيديو كاسيت وعدد لا يحصى من المقالات والبحوث ومعضمها تدور حول تفسير الكتاب المقدس والمسائل المتعلقة به. كان البرفسور جوزيف قساً قبل أن يدخل عالم البحث في اللاهوت والديانة المسيحية. ويظهر من سيرة حياته بأنه كان يهودياً ولم يكن يعرف القراءة والكتابة حتى السن السادسة عشر عندما أعتنق المسيحية وبعد إنتحار والده المدن على الكحول. بالإضافة إلى نشاطه العلمي والكنسي الكبيرين فهو من أعضاء الحزب الجمهوري الأمريكي ويظهر بأنه من المحافظين المتشددين أو قد يكون من المسيحيين الجدد. له أهتمامات خاصة بتاريخ العراق القديم بأعتباره موطن أبراهيم النبي ومركز قصص التوراة كما كتب عن مدينة بابل وحتى عن صدام حسين وحروبه ومحاولة مقارنة ذلك بالأحداث التاريخية التوراتية. وكتب أيضا عن المسيح الدجال الذي سيأتي إلى العالم وأنه سيكون من العراق وتحديداً من الآشوريين، غير أنه يظهر بأنه في السنوات القليلة الماضية أطلع على نشاط الآشوريين في العراق والخارج وعلى ضوئها تبدل رأيه في هذه المسألة. وأدناه بعض المقتطفات من مقالته أعلاه وأضفت إليها بعض ملاحظاتي وباللون الأحمر وبين قوسين لتكون واضحة للقارئ.

يقول البروفسور جيمبرز: أنه لمثير للإنتباه مراقبة ثقافة كانت بنظر الكثير من الناس ميتة ولكن فجأة بدأت بالإنبعاث والاستنهاض. أنه من غير شك هذا ما يحدث حالياً بالنسبة للآشوريين القدماء. أنه يحدث هذا بحسب تصميم النبوءة. فهناك نبوءتان تطالبان بالوجود الآشوري في هذا العالم وتحديداً في العراق. أولاً: إن عدو المسيح أو المسيح الدجال سيكون آشورياً (هذا ما كتبه في أحدى بحوثه والذي يناقض ما يكتبه في هذه المقالة وبالتالي غير رأيه ) وسيكون معروفاً للعالم بهذه الهوية. ثانياً: أن الثقافة الآشورية سوف تستيقظ تدريجياً وتسيطر في شمال العراق خلال الألفية التي يأتي يسوع المسيح على هذه الأرض. سوف يكون (الآشوريون) أحدى الأمم الرئيسية الثلاث فقط في الشرق الأوسط في خلال هذه الألفية من السلام المثالي. إن النبي إشعيا قد ثبت هذه النبوءة قبل 2700 سنة.
لنرى ما تقول هذه النبوءة العجيبة....  "في ذلك اليوم يمتد طريق من مصر إلى أشور، ومن أشور إلى مصر، فيعبد المصريون والآشوريون الرب معاً. في ذلك اليوم يكون إسرائيل ثالث ثلاثة مع مصر وأشور، وبركة في وسط الأرض" .... ولو استمرينا في هذا السفر الذي يقول " فيباركهم الرب القدير فائلاً: مبارك شعبي مصر، وصنعة يدي أشور، وميراثي إسرائيل"  (أشعيا 23-24 :19 )

ويستمر الكاتب ويقول: عندما نستكشف تواصل الثقافة الآشورية ومميزاتها الخاصة والواضحة منذ 2600 سنة،  منذ أن دمر الجزء الأكبر منها من قبل تحالف جيوش الأعداء في عام 612 قبل الميلاد (البعض يذكر تاريخ 603 قبل الميلاد) (في 612 ق.م .سقطت نينوى عاصمة الإمبراطورية الآشورية وفي 603 ق.م. سقط آخر كيان سياسي آشوري)، سوف يتبين بأن قبضة الله المهيمنة هي في كل شيء. فمن خلال تعلم ودراسة الأحداث المختلفة للسنيين الطويلة لأحفاد هذه الثقافة المتميزة وجدت بأنها ليست سوى مسألة فوقطبيعية عن هؤلاء الأحفاء وعن كيفية بقائهم على قيد الحياة. إن هؤلاء الأحفاد يدعون بأنهم كانوا من أوائل المجموعات المتجانسة ومن أصل واحد الذين أعتنقوا المسيحية في القرن الأول من الديانة المسيحية. فاليوم هناك خمس كنائس صغيرة مترابطة مع البعض (ربما يقصد الكنيسة الكدانية الكاثولكية وكنيسة المشرق الآشورية والكنيسة السريانية الآرثوذكسية والكنيسة الشرقية القديمة والكنيسة السريانية الكاثولكية) تمثل الآشوريين. وكل واحدة منهم تدعي بالآرثوذكسية (أي الإيمان القويم) من المسيحية.

ثم يتابع الباحث بالقول: تدعي الكنائس الآشورية بأنها حققت نجاحاً كبيراً في خلال 500 سنة الأولى من المسيحية. ساهموا في إنشاء العديد من الكليات والمعاهدد وكانوا جزء من حملة نشر الإيمان المسيحي حتى سقوط القسطنطينية بيد المسلمين الغزاة وبعد أن إنشأ محمد الدين الإسلامي الذي سعى إلى إخضاع الشرق الأوسط بالكامل لهذا الدين. لقد كان نجاح الآشوريين معتمداً على مدى تسامح كل حاكم. فالآشوريون هم تحديداً الشعب الأصيل من أهل الرافدين الذين يعيشون في العراق حالياً. فإمبراطورية العرب في العراق لم تنشأ إلا في القرن السادس للميلاد. فهناك بحدود مليون ونصف المليون من الآشوريين يعيشون حالياً في العراق. (وبطبيعة الحال يقصد بالآشوريين هنا جميع طوائف الكنائس الخمس المذكورة أعلاه كما أن هذا العدد نقص بسبب الهجرة والأحداث غير المستقرة في العراق). في عام 1935 بعد الميلاد أسكنت عصبة الأمم عدد كبير من الآشوريين في منطقة تعتبر اليوم جزء من سوريا (ويقصد منطقة الخابور في الجزيرة السورية) . ويبدو أن هذا المشروع للإسكان كان كجزء استرضائي لأن الشعب الآشوري كان قد أهمل وترك خارج التسويات التي أجريت بحق الشعوب الأخرى. لقد دمر صدام حسين العديد من قراهم وقتل الآلاف منهم، فتاريخهم الطويل واضح في كونه من بين الأحداث الأكثر معاناة وحرماناً التي لا تصدق.  الإحصائيات تشير إلى أن 400,000 منهم يعيشون حاليا في أميركا. وهناك قصص جميلة عن رجوع الآشوريين إلى وطنهم ومن مختلف البلدان التي هاجروا إليها من أجل البقاء على الحياة. (هذه القصص غير مؤكدة فالواقع لا يزودنا بدلائل عن رجوع الآشوريين إلى وطنهم بإستثناء عدد قليل جداً من رعايا الكنيسة السريانية الآرثوذكسية الذين رجعوا إلى موطنهم في جنوب غربي تركيا).

حالياً أحد أعضاء مجلس الحكم العراقي هو آشوري وأسمه يونادم كنا. (حالياً السيد يونادم كنا هو عضو البرلمان العراقي والوحيد المنتخب بشكل مستقل عن قائمة الرافدين ومن قبل الشعب الكلداني الآشوري السرياني). وفي الفترة من 10 – 11 مايس 2002 عقد الآشوريون مؤتمراً دولياً في موسكو. (شخصياً حضرت هذا المؤتمر والذي كان يطغي عليه المسائل الفكرية والثقافية ولم تكن له أجندة سياسية ولكن كان من أنجح المؤتمرات الآشورية). فهذا الشعب المتميز يتوحد ويبحث عن منطقة جغرافية محددة لتكون دولة آشور في القطر العراقي ولكن نجاحهم في هذا المجال يبدو محدوداً جداً. فكل حركة لها مغزى توراتي تواجه مقاومة. فالشيطان يكهره الكتاب المقدس  لأنه ربما يعرف بأنه خير لغالبية المسيحيين. فأي مقدار ضئيل من التقدم ومن خلال الحقيقة التوراتية  سوف تكون محك للنقد والهجوم ولكن سوف تسود – أي الحقيقة التوراتية -  -  وتدرج في مواعيد الله وتنتصر. (أي بهذا المعنى يقصد الكاتب بأن الحركة القومية الآشورية باعتبارها حركة مرسومة وفق ما ورد في الكتاب المقدس، ستكون موضوع محاربة ونقد وتهجم من قبل الآخرين).

وبخصوص أعداء المسيح أو المسيح الدجال، يقول البرفسور جيمبرز: في مقالات سابقة كتبت ووثقت بأن المسيح الدجال سيكون من القومية الآشورية، غير أن هذه الفكرة قد رفضت من غالبية علماء الكتاب المقدس ربما لأنهم يفضلون الإنتظار لحين إنجلاء الحقائق قبل أن يتجروأ وإطلاق رأيهم الأخير...  فالحقيقة لا توحي أو تتهم الشعب الآشوري في كونهم ثقافة لفكرة المسيح الدجال، بل في واقع الأمر هي العكس من ذلك تماماً (هنا يظهر بأن الكاتب قد أطلع على تاريخ الآشوريين وكنائسهم ودورهم في نشر المسيحية والتضحيات التي قدموها من أجل كلمة المسيح وبالتالي غير رأيه تماماً بخصوص كون الآشوريين معادين للمسيحية).

ويختم الكاتب بحثه بالقول: أن الآشوريين لهم مستقبل رائع وسوف يحيون من خلال تجدد المسيحية الأصيلة وسوف يكونون أمة عظيمة خلال هذه الألفية. سوف يخدمون الرب يسوع المسيح كملك للملوك وهذا سيساعد لجعل منطقة الشرق الأوسط مركز للحكم الديني في هذه الألفية. فاليوتيبا (أي دولة الخيال أو المثالية) التي حلم بها الرجال (ويقصد الآشوريين) الذين حاربوا الجيوش وماتوا الملايين من أجلها سوف تتحقق على هذه الأرض والتي  ستصبح جنة عدن.
++++++++++++++
وأخيراً نود أن نوضح للقارئ الكريم بأن عرض هذا الموضوع المثير والمهم لا يعني إطلاقاً إتفاقنا مع رأي الكاتب أو غيره من الذين أتخذوا من التوراة منهجاً لتفسير الوقائع السياسية السائدة في عصرنا هذا، فالسياسة واقع ومماسة وأهداف ملموسة قابلة للتطبيق وليست مسائل فوقطبيعية لا نلمسها ونتحسسها ولكن عرضها والإطلاع عليها ستغني الحركة القومية الآشورية بمزيد من المعرفة وبتجارب الشعوب الأخرى، خاصة عندما تأتي من فلاسفة كبار.


138
في ذكرى الـ (90) لاستشهاد البطريرك
center]

   مار   بنيامين   شمعون
امير شهداء الأمة والكنيسـة
   
أبرم شبيرا

ولد مار بنيامين في عام 1887، وفي الثاني من شهر آذار من عام 1903 رسم مطراناً من قبل عمه البطريرك مار روئيل شمعون، وبعد انتقال هذا الأخير الى الحياة الأبدية، رسم مار بنيامين بطريركاً على كنيسة المشرق في الثلاثين من شهر آذار من نفس السنة وهو شاب يافع لم يتجاوز عمره أكثر من ستة عشر عاماً، غير أن معظم الذين عاصروه شهدوا بأنه كان يمتلك عقلاً نيراً وحكمة بالغة وسلوكاً قويماً ووعياً ناضجاً وكأنه رجل في الأربعين من العمر، كما يوصف بأنه كان سليم الجسم كسلامة عقله يتميز بكرامة واسعة وشهامة بالغة وشجاعة فائقــة بحيث لم يكن يعرف معنى للخوف، خاصة عندما تكون المسألة متعلقة بأبناء شعبه، وكان موضوع ثقة كبيرة ليس عند الآشوريين والمسيحيين فحسب وإنما أيضا عند الكثير من العشائر الكردية وزعمائهم الذين كانوا يؤتمنون حكمتـه وعدالته ويلجؤون إليه لفض نزاعاتهم ويحترمون قراراته، ففي الكثير من المرات استطاع أن يحل أصعب الخصومات والنزاعات وأن يعقد بينهم العدل والتفاهم. كما كانت له مكانة خاصة ومتميزة عند السلطات العثمانية المركزية والمحلية يولونه احتراماً شديداً. ويؤكد المؤرخون بأن بعض العشائر الكردية المسلمة في عهد مار بنيامين كانت تأكل الحيوان المذبوح من قبل عائلته وتعتبره لحملاً حلالاً غير محرماً كما هي العائدة عند المسلمين. هذه الصفات الفريدة والمكانة المتميزة التي كان يتمتع بها البطريرك الشهيد مار بنيامين هي التي أدت إلى ازدياد حسد وهيجان بعض زعماء الأكراد المتطرفين والحاقدين عليه وعلى الآشوريين من أمثال المجرم سمكو أغا زعيم قبائل الشيكاك الكردية المتطرفة. 

لذلك عندما أنتقل أمير الشهداء إلى عالم الخلود لم يكن هناك أي شخص آشـوري، سواء الذين خلفوه في كرسي البطريركية أو في قيادة  الأمة يستطيع أن يحل مكانه ويجمع أبناء الشعب تحت قيادة موحدة. كان وبحق آخر قائد آشوري كنسي وقومي قادر على جمع شمل الآشوريين وأبناء طائفته تحت لواء قيادته التي لم تكن في يوم من الأيام قيادة منفردة أو متسلطة. فقد عرف عنه بأن معظم القرارات التي أتخذها تمت بعد التشاور والتباحث مع زعماء العشائر "ماليك"،  الذين كانوا يشاركون في مجلسه باعتبارهم أعضاء في المجلس القيادي للأمة. من هذا المنطلق يقول المؤرخ الآشوري الشماس كوركيس بنيامين أشيتا في كتابه ( رؤساء الآشوريين في القرن العشرين) المكتوب باللغة الآشورية الحديثة  "بأن لو لم يكن الآشوريون قد فقدوا مار بنياميــن في تلك الفترة لربما كانت مسيرة تاريخ أمتنا قد تطورت بشكل آخر، ومن دون أدنى شك كانت ستكون بشكل احسن مما هو عليه الآن لأنه بالتأكيد ما كان يسمح للانتهازيين أن يلعبوا لعبتهــم كما فعلوا بعد الحرب العالمية الأولى وكما يفعلون اليوم" (ص25).
   
نشأ مار بنيامين وترعرع في بيئة دينيـة وقومية وتربـى على المثل العليا في الفداء والتضحية وتمثلت فيه روح الأباء والأجداد العظام في تحمل الصعاب والمشاق ونكران الذات والتضحية في سبيل الأمة والكنيسة، فبالرغم من كونه في العقد الثالث من عمره، استطاع قيادة الأمـة الآشورية في أحرج الظروف وأصعبها نحو الخلود وديمومة التواصل التاريخي رغم كل المأساة والفواجع التي أفرزتها الحرب الكونية الأولى ونتائجها المؤلمة التي فرضت قسـراً وظلمـاً على الشعب الآشوري، كالجلاء عن أرض الوطن والابتلاء بالأمراض الفتاكة والمجاعات القاتلة وحملات التنكيل والإبادة الجماعية التي نفذتها السلطات التركية والعشائر الكردية والفارسية المتحالفة معها ضد الآشوريين .

فإذا كان عمق إيمانه المسيحي وقوة إلهامه الروحي ووسع معارفه اللاهوتية قد أهلته اعتلاء كرسي بطريركية كنيسة المشرق الآشورية فأن ذكاءه الحاد وفطنته السياسية وحبه اللامتناهــي لأمته وشجاعته القومية التي لم يعرف لها حدود، كانت كلها عوامل وضعته في قمة قيادة الانتفاضة الآشــورية ضد الدولة العثمانية أبان الحرب العالمية الأولى والسعي بكل إخلاص وتنافي من أجل تحقيق المصير القومي لشعبه والعيش بأمن وسلام .

كان مار بنيامين من بين القلائل الذين يدركون مضامين السياسة الشوفينية للدولة التركيــة ومغزاها الاستراتيجي القائم على أبعاد عنصرية تتخطى كل الحدود الإنسانية والأخلاقية، خاصة بعد استلام حزب الاتحاد والترقي التركي، والمعروف أيضا بـ " تركيا الفتاة"، مقاليد السلطة في الدولة العثمانية عام 1908 والمعروف بسياسته في تتريك الأقوام غير التركية. فقبل حلول نهاية القرن التاسع عشر خسرت الدولة العثمانية معظم مستعمراتها في شمال أفريقيا على اثر هزيمتها أمام الدول الأوربيــة التي سيطرت على تلك المنطقة، كما تقلص نفوذها في شرق أوربا وبشكل خاص بعد استقلال معظم دول البلقان نتيجة تصاعد حركات التحرر القومي في تلك المنطقة مما حدا بالدولة العثمانية إلى تعويض عن هذه الخسائر بتوجيه أطماعها نحو الشرق لتحقيق الأحلام العنصرية لحزب الاتحاد والترقي في إقامة الإمبراطورية الطورانية تشمل معظم مناطق بيت نهرين وفارس وبلدان آسيا الوسطى وباكستان وأفغانستان وحتى الهنــد .

ومن الضروري الإشارة بأن شعوب هذه المناطق المسلمة وغير التركية لم تكن تشكل، حسب اعتقاد الدولة التركية، أي عائق أمام تحقيق سياستها في تتريكهم وذلك بسبب عامل الدين المشترك وضمن مفهوم الخلافة الإسلامية أو تحت لواء الجامعة العثمانية، في حين شكلت الشعوب المسيحية الأخرى كالآشوريين والأرمن والروس عائقاً أمام تطبيق سياسة التتريك ودمجهم في الإمبراطورية الطورانية المسلمة لذلك وجدت في سياسة الإفناء والإبادة الجماعية والحروب المقدسة "الجهاد" ضد هذه الشعوب أو تهجيرها قسراً إلى مناطق أخرى، الوسائل الممكنة لإزاحتهم عن طريق تحقيق أحلامها الشوفينية،  كما وجدت في الحرب الكونية الأولى الفرصة المثالية لتنفيذ هذه السياسة .

وفعلاً عندما أعلنت الدولة التركية مذابحها المشهورة في التاريخ ضد الأرمن شملت هذه المذابح الآشوريين أيضاً حيث بدأت القوات التركية وبعض العشائر الكردية المتحالفة معها بشن هجمات على القرى الآشورية الآمنة وحرقها وتشريد سكانها والتنكيل بهم. ويروى بأن أحد المبشرين الأجانب سأل القائد التركي عن سـبب شن حملات الإبادة الجماعية ضد الآشوريين في الوقت الذي يخص قرار (فرمان) السلطة العثمانية الأرمن وحدهم دون غيرهم من المسيحيين، أجاب القائد التركي:  "إنني لا أســتطيع التمييز بين الروث الجاف والروث الرطب فكلاهما كريــه".

هذه السياسة البربرية وضعت الآشوريين وعلى رأسهم البطريرك مار بنيامين في موقف ماحق ومهلك لم يترك أمامه  خيارات متاحة سوى خيارين، إما الموت والفناء أو المواجهة والمقاومة لهذه السياسة وبكل الأساليب الممكنة والمتاحة. وفعلاً ففي شهر أيار من عام 1915 اجتمع البطريرك مع بقية الزعماء الآشوريين فاتخذوا قراراً جريئاً وشجاعاً في الانضمام إلى الحلفاء والاشتراك في الحرب ضد الدولة العثمانية وحلفائها بعد أن تأكد له عدم جدوى وقوف الآشوريين جانب الحياد والمذابح تفعل فعلها في أعناق أبناء شعبه المسالم وبعد أن ثبت بطلان وزيف وعود الأتراك والمغريات المعروضة من مال ومناصب على البطريرك وبقية الزعماء الآشوريين لمنعهم من الاشتراك في الحرب ضدها.

وبعد اشتراك الآشوريين مع الحلفاء في الحرب ومن ثم نكوص وتخاذل روسيا أولاً ثم بريطانيا ثانياً عن الوعود الممنوحة لهم في المساعدة بالسلاح والتموين والإسناد في حربهم ضد الدولة التركية، اصبح الآشوريون منفردين في مواجهة القوات التركية والعشائر الكردية والفارسية الجيدة التسليح، خاصة بعد انهيار الجبهة الشرقية على اثر انسحاب روسيا من الحرب وعقد الهدنة مع تركيا ودول المحور عند قيام الثورة البلشفية الاشتراكية في أكتوبر من عام 1917، لذلك تعرض الآشوريون إلى الهجمات الانتقامية الشرسة وأخذت القوات التركية وحلفاؤهم تنكل بهم تنكيلاً وتقتل بهم تقتيلاً من أجل تنفيذ سياسة إفناء الوجود الآشوري من مناطقهم التاريخية، وهي مأساة مفصلة بشكل دقيق في الكثير من الكتب. ففي هذه الظروف المأساوية قاد مار بنيامين شــعبه البائس والجائع والمتشرد من منطقة هيكاري إلى منطقة أورمي في شمال بلاد فارس في هجرة جماعية تعتبر وبحق سفر من أسفار اضطهاد ومعاناة الجنس البشري على الكرة الأرضية وهو في بداية قرن جديد لم يعرف الآشوريون منه غير الدمار والتشرد والجوع والأمراض الفتاكة والفواجع المهلكة.

وإذا كان بعض المحللين الذين درسوا تاريخ الآشوريين في تلك الحقبة الزمنية يرون في اندفاع الآشوريين وترك أوطانهم في هيكاري واللجوء إلى أورمي خطأً عسكرياً واستراتيجياً مميتاً كلفهم الكثير، فيه نوع من القبول من الناحية النظرية العسكرية إلا أنه من ناحية أخرى يفتقر مثل هذا التحليل إلى النظرة الموضوعية التاريخية لطبيعة الشعب الآشوري وللظروف المهلكة التي كانت تحيطه من كل الجوانب بحيث لم تترك له فرصة الاختيار إلا الخيار الأصعب والوحيد ذلك لأن بقاء الآشوريين مع عوائلهم منفردين ومعزولين عن العالم الخارجي ومحاطين بأعدائهم  همهم الوحيد التنكيل بهم وأبادتهم ما هو إلا ضرب من الانتحار الجماعي للأمة وإعطاء الفرصة لأعدائها في تنفيذ سياستهم المرسومة للقضاء على الآشوريين نهائياً. في حين ضمن الآشوريون بلجوئهم إلى المناطق الأخرى بعيدين عن أوطانهم عنصر الحياة والديمومة والتواصل كقومية تاريخية تمتد جذورها لقرون طويلة في التاريخ البشري. فالمقدرة العضوية التي اكتسبها الآشوريون في التكييف والتمحور تجاه المأساة والمعاناة المستديمة والفواجع الاجتماعية والطبيعة عبر تاريخهم السياسي الطويل ضمن لهم عنصر البقاء والخلود وأنطبق عليهم وبحق قانون الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح،  مع التحفظ للتفسيرات المختلفة لهذا القانون، وكان مار بنيامين قد أستلهم هذه الحقيقة وأدركها جيداً عندما أختار الخيار الأصعب والقرار الوحيد لأجل إنقاذ شعبه من الدمار الشامل رغم كل الخسائر الفادحة التي كلف اتخاذ مثل هذا القرار، بما فيه خسارة جزء من الوطن، وأقصد هيكاري، لأنه كان يدرك بأن بقاء شعب، مثل الشعب الآشوري الصلد والمقاوم، سيعوض عن هذه الخسائر طالما تمسك بالقيم والمبادئ التي خلقته كأمة خدمت العالم وأعطت للإنسانية كثير الكثير واستطاعت المحافظة على نفسها طيلة قرون طويلة من الظلم والاضطهاد .

ولو حاولنا، بكل موضوعية وبعيداً عن العواطف والمشاعر القومية، دراسة شخصية مار بنيامين كقائد أمة لوجدنا فيه خصال وميزات فريدة في تاريخ هذا الشعب الصغير يستوجبها الكثير من التفاصيل والبحوث ولكن باختصار شديد نشير إلى أهمها:
1) - أدرك مار بنيامين منذ البداية بأنه قائد شعب صغير لا حول له ولا قوة يعيش في مناطق عاصية محاطة بالشعوب المعادية المتعصبة دينياً وقومياً إضافة إلى كونه شعب لا يرتبط لا عقائدياً، أقصد كنسياً كالكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس، ولا قومياً بالشعوب والدول الأخرى لكي تساعده وتستجيب لحمايته عند تعرضه للاعتداء. لهذا الأسباب وجد في العامل الموضوعي الجيوبولوتيكي سبباً رئيسياً للتحالف مع روسيا باعتبارها أقرب الدول العظمى التي يمكن أن توفر المساعدة والحماية للشعب الآشوري في المنطقة. ومن الملاحظ بأن هذا العامل الموضوعي الجغرافي في التحالف مع روسيا تتبين أهميته من خلال عدم تأثره بالمبادئ السياسية والفكرية للثورة البلشفية في روسيا، خاصة عندما ندرك بأن مار بنيامين أستمر التراسل مع لينين زعيم الثورة البلشفية في روسيا في أكتوبر عام 1917 وبقية زعماء وقادة الروس البلاشفة من أجل ضمان التحالف معها ضد العدو المشترك.
2 ) - عرف عن مار بنيامين بحساسية شديدة ومفرطة تجاه المبشرين من الكنائس الغربية الكاثوليكية والبروتستانتية والأرثوذكسية الروسية، وهي مسألة طبيعية لرجل مسؤول يتربع على كرسي البطريركية كان يشاهد بألم ويتحسس بمرارة نهش المبشرين أوصال كنيسته ورعيته الصغيرة من دون أن يستطيع عمل شيء أو يوقف نشاطهم الذي تطاول حتى بيت البطريرك نفسه خاصة عندما أعتنق عمه نمرود وجميع أفراد عائلته المذهب الكاثوليكي. ولكن مع كل هذا، كان للعامل القومي لديه اعتباراً أساسياً وفوق جميع الاعتبارات عندما تكون المسألة متعلقة بتقرير مصير شعبه. من هذا المنطلق لم تمنع كاثوليكية أغا بطرس من أن يجعله قائداً عسكرياً مقرباً إليه يعتمده في معظم مهماته القومية والعسكرية كما لم تمنع أرثوذكسية فريدون أتورايا في أن يتفهم مشاريعه القومية وأن يكون له مكانة متميزة عنده، وهي حقائق حاول البعض  تزيفها وتحريفها بقصد الإساءة إلى هذين الزعيمين القوميين واتهامهما بمختلف التهم، وبتخطيط من الإنكليز، منها أعطاء تفسيرات لمشاريع أغا بطرس وفريدون آتورايا بأنهما يحاولان تجريد مار بنيامين من زعامة الأمة والاستلاء عليها من قبل "أبن الأرملة" و "الشيوعي الغوغائي" كما كان ينعت هذين الزعيمين القوميين من قبل المؤيدين لبريطانيا. كل هذا من أجل إفشال أي تقارب مع روسيا وضمان التحالف مع الإنكليز، وهي المهمة التي نجحوا فيها في الفترات اللاحقة، خاصة بعد التخلص من فريدون أتورايا وأغا بطرس والقضاء عليهما.
3) – عند الحديث عن مار بنيامين كزعيم لأمة أستشهد من أجلها يجب أن نتجرد من الشمول والإطلاق وأن لا نقيس أعماله بمعاييرنا السياسية والقومية السائدة في هذا اليوم، بل يجب قبل كل شيء أن نضع في عين الاعتبار منصبه الديني باعتباره بطريركاً لفرع من كنيسة المشرق الممزقة وله التزامات ومسؤوليات تجاه رعيته وتجاه غيره من رعايا فروع الكنيسة وبطاركتها. لهذا السبب كان مار بنيامين شديد الذكاء والحذاقة في مهماته القومية والسياسية بحيث عرف حدود مهماته هذه بكل دقة وتابعها في كل أقواله وأعماله. من هذا المنطلق لم يشمل في دعواته في تحرير شعبه وتقرير مصيره طوائف الفروع الأخرى لكنيسة المشرق احتراما لغيره من البطاركة وتقديراً لموقفهم من سياسة الدولة التركية تجاه أبناء الأمة جميعاً. فواجب كل بطريرك كان يستوجب الدفاع عن رعيته، وهذا ما فعل مار بنيامين الذي ضحى بحياته من أجلها.
4 – مسألة أخرى يجب أن لا تفوتنا، بل يستوجبها الإشارة ولو كانت بسيطة ولكن غير معروفة للكثير من الآشوريين، وهي انقطاع أو توقف نظام التوارث لكرسي البطريرك في كنيسة المشرق في عهد مار بنيامين والمعروف بـ " ناطر كرسي". إذ هناك غموض أو قلة المعلومات فيما إذا كان مار بنيامين فعلاً "ناطر كرسي" عندما توفي عمه البطريرك مار روئيل، وأصبح هو البطريرك، أم كان هناك "ناطر كرسي" آخر من نفس البيت وتحديداً أحد أبناء عمه نمرود وأقصد المطران أوراهم. كما أن مار بنيامين لم يكن له "ناطر كرسي" وعند استشهاده خلفه أخوه مار بولص الذي أيضاً عندما توفي لم يكن له "ناطر كرسي"، وعندما رسم مار شمعون إيشاي، وهو طفل في الثانية عشر من العمر، لم يكن هو ألآخر "ناطر كرسي" ولا غيره وحتى عندما قتل في عام 1975 في كاليفورنيا/أميركا لم يكن هناك "ناطر كرسي" يطالب بالبطريركية. هذه الظروف المأساوية التي فرضت على الآشوريين وعلى كنيستهم وبالأخص على عائلة مار شمعون لم تكن مناسبة أبداً للتفكير والتحضير لـ "ناطر كرسي" للمستقبل. وهكذا تكون سلسلة بيت أبونا قد أنقطعت عن البطريركية بعد أن خدمة الأمة والكنيسة أكثر من 500 عاماً. هذا النظام أي "ناطر كرسي" الذي نشأ بسبب جملة عوامل موضوعية وظروف خاصة خارجة عن إرادة أبناء الأمة والكنيسة، فإنه بالرغم من سلبياته في الفترات اللاحقة وإتخاذه حجة للإنشقاق عن كنيسة الأم، إلا أنه يجب أن لا ننكر بأنه كان له دوراً كبيراً في حماية استقلال الكنيسة ومنع الحكام من التدخل في اختيار البطاركة ورسامتهم. ترى هل أدرك مار بينامين بأن هذا النظام لم يعد له أهمية في الكنيسة ومن ثم يستوجب إبطاله ؟؟  أم كانت هناك ظروف خاصة واستثنائية أملتها عوامل الحرب والتشرد والنزوح للحيلولة دون تطبيق هذا النظام ؟؟؟. أسئلة وأسئلة أخرى يتطلبها الكثير من البحوث والدراسات لهذه المسألة الحساسة التي عصفت في يوم ما بالكنيسة ومزقتها إلى شطرين.

هذه المسائل المهمة والحساسة مفصلة بشكل كبير في كتابنا "الفصل بين الكنيسة والسياسة في المجتمع الآشوري" الذي ينتظر الإنجاز والطبع.

كان مار بنيامين في عصر زمانه يجسد وبحق وصدق أسطورة التضحية والفداء في سبيل الكنيسة والأمة التي كتبها قبله أجداده الأبرار بدمائهم الزكية الطاهرة ويكمل ما شرع به مار شمعون برصباي البطريرك الآشوري الذي وهب حياته في القرن الرابع الميلادي قرباناً لمبادئه وأيمانه بكنيسته وشعبه. وتتجلى عظمـة وتضحية مار بنيامين في كل يوم من أيام حياته القصيرة وفي كل موقف من مواقفه البطولية، وبعض الأمثلة التاريخية تؤكـد هذه الحقيقة:

1 -  عندما أدركــت السلطات التركية عدم إمكانية خداع وإقناع مار بنيامين في استمالته إلى جانبها ضد دول الحلفاء أو إبقاءه على الأقل على الحياد رغم كل المغريات والامتيازات التي وعدته بها له  ولزعماء العشائر وللشــعب الآشوري، لجأت إلى وسائل الضغط والإكراه فوجدت في اعتقاله بتهمــة الخيانة والتحريض على الحرب أو اغتياله الوسائل الممكنة في منع الآشوريين من دخول الحرب مع الحلفاء ضدها لأن الحكومة التركية أدركت بأن القضاء على البطريرك، هذا الشخص بالتحديد ، سيكون بمثابة الضربة الماحقة للآشوريين للاستسلام والخضوع. غير أن الإجراءات الاحتياطية التي اتخذتها القيادة الآشورية بنقل مقر البطريرك التقليدي في قرية قوجانس إلى منطقة عشيرة ديز حال دون ذلك. ثم وجدت في أخيه هرمز الأصغر الذي كان يدرس حينذاك في أسطنبول وسيلة أخرى للضغط على مار بنيامين لتغيير قرار المشاركة في الحرب والتنازل عن حقوق شعبه. ففي منتصف شهر آب 1915 أنذرته السلطات العثمانية بأن أخاه هرمز اصبح رهينة في يدها وسوف يعدم إذا لم يستسلم مار شمعون مع زعماء الآشوريين إلى الأتراك ويمتنعون عن الاشتراك  في الحرب ضدها. فكان جواب البطريرك في رسالة وجهها إلى السلطات التركية تعبيراً عن موقفه البطولي واستعداده الدائم للتضحيـة والفداء حين قال كلمته التاريخية المشهورة التي لا يزال صداها يرن في أذان كل مناضل آشوري شريف .. " إني قائد شــعبي وهم أولادي كثار فكيف أستطيع أن أسلم شعبي من أجل أخي هرمز فهو  شخص واحد فقط فلتكن حياته قرباناً لامته ". ثم بعد ذلك جلب هرمز إلى مدينــة الموصل واعدم، أو ربما كان قد قتل ثم جلب إلى الموصل وعرضت جثته بالقرب من القرى الآشورية كوسيلة أخرى للإرهاب والتخويف. ولا أحســب وجود مشــقة وعناء في استقصاء عبر البطولة العجيبة لمار بنياميــن وقدرته على التضحية في سبيل شعبه وكنيسته من كلمته هذه، خاصة عندما اعتبر كل الشعب الآشوري أولاده قولاً وفعلاً. كما لا أحسب، إذا نظرنا للمسالة بنظرة موضوعية حيادية بعيدة عن عواطفنا وتصوراتنا، وجود ملحمة بطولية من هذا النوع من التضحية حتى في الشعوب الأخرى خاصة عندما نعرف العلاقة القوية الحميمة التي كانت تربط مار بنيامين بأخيه هرمز،  فكان من أقرب أفراد عائلته إليه يرافقه في الكثير من جولاته ومهماته. من هذا المنطلق نقول بأن اتخاذ مثل هذا القرار لم يكن بالأمر الهين بل يفوق التصور الإنساني.

2 -  وفي نفس الشهر من نفس العام سافر مار بنيامين إلى مقاطعة أورمي في شمال بلاد فارس (إيران) للالتقاء والاجتماع بقيادة الجيش الروسي في مدينة سلامس لبحث موضوع الوعود والمساعدات الروسية الموعودة للآشوريين وحسب الاتفاق المعقود بين الطرفين. وفي طريق السفر وعبر الجبال العاصية والغابات الموحشة تعرض إلى هجمات قطاع الطرق والى مطاردات القوات التركية وغارات العشائر الكردية وبعد مشاق الطريق الذي أستمر عدة أيام وليالي، لم تكن نتيجة الاجتماع مع قيادة الجيش الروسي غير وعود جوفاء لم يحصل الآشوريون منها شيئاً غير المزيد من المأساة والفواجع. وأثناء الاجتماع حاولت القيادة الروسية إقناع البطريرك بالبقاء في سلامس تحت حمايتهم وتوفير الأمن والإقامة الآمنة له لضمان حياته من خطورة العودة إلى شعبه المعزول والمحاصر من قبل الأعداء، غير أنه أبى ذلك ورفض بشدة محاولات الروس حيث فضل الموت بين أبناء شعبه على العيش الرغيد بعيداً عنهم، فقال للقائد الروسي كلمة  أذهلته وأذهلت المجتمعين أيضاً : " جئت لأنقذ شعبي لا أنقــذ نفســي فأنا عائد إليه حتى أعيش أو أموت معه " فقفل راجعاً متحملاً مشاق الطريق الطويل والصعب ومخاطر نيران أسلحة الأعداء .

مرة أخرى نتلمس بكل وضوح وجلاء استعداد مار بنيامين للتضحية، لا بأخيه فحسب بل بنفسه أيضاً من اجل شعبه ومن أجل أن يكون قريباً منه رغم شبح الموت الذي كان يخيم عليه مفضلاً الموت معه بدلا من أن يعيش هانئاً آمناً ولكن بعيداً عنه، ذلك لأن البطريرك البطل كان يشعر بأنه من الشعب واليه يعود مهما كانت العوائق والمصاعب ومهما كانت المغريات والحوافز المعروضة عليه لإبعاده عنه. هذه الصفات هي التي خلدت مار بنيامين في التاريخ الآشوري ومن أبوابه الواسعة وأصبح رمزاً قومياً ودينياً لكل من يحمل صفة الآشوري بفخر واعتزاز، وهي الصفة التي تجعله وبكل حق وأنصاف الزعيم العضوي الوحيد للآشوريين في هذا القرن، أي الزعيم الذي كان جزء من الأمة، والأمة جزء منه لأنه لم يكن يتصور إطلاقاً إمكانية العيش في الخارج أو بعيد عن شعبه وهي الفرصة التي أتيحت له في العديد من المرات ولكن رفضها لأنها كانت بمثابة خيانة للشعب وكفر بالله وبرسالة ربنا يسوع المسيح الذي عاش ومات من أجلنا جميعاً. هكذا يؤكد التاريخ الآشـوري بأن ضياع مار بنيامين كان يعني تشتت الأمة وتحطم نسقها الاجتماعي بين أمواج الحرب العالمية الأولى وبالتالي فرضت المأساة فرضاً مميتاً على أبناءها وشتتهم في مختلف زوايا العالم خاصة بعد أن عجزوا في إيجاد زعيم قومي وديني يوازي عظمة أمير الشهداء مار بنيامين.

3 -  في بداية  شهر آذار، وتحديداً في الثالث منه، وفي اليوم الأول من الصوم الكبير عام،1918 عقد اجتماع بين البطريرك الآشوري مار بنيامين والزعيم الكردي إسماعيل الشيكاكي، والمعروف بـ " سمكو " زعيم قبائل الشيكاك الكردية المتطرف والمشاكسة لبحث موضوع تحالف الشعبين ضماناً للأمن والاستقرار وتمهيداً لتطبيق حقهم في تقرير مصيرهم القومي بأنفسهم في ضوء المصالح المشتركة بين الشعبين والتي أفرزتها أوضاع ونتائج الحرب العالمية الأولى. وكانت روسيا البيضاء تستهدف من هذا التحالف والتي سعت إلى ترتيبه لضمان الاستقرار في هذه المنطقة تمهيداً للسيطرة عليها عن طريق استخدام تحالف الآشوريين والأكراد لضرب القوات التركية وإيجاد موطئ قدم لها بعد الخسائر التي منيت بها من جراء وصول الشيوعية إلى السلطة في موسكو. كما لعبت الاستخبارات البريطانية دوراً كبيراً في تشجيع سمكو للاجتماع بمار بنيامين وعقد تحالف معه وذلك من اجل استغلال وحدة قواتهم لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة خاصة بعد أن وضعت ثقتها بسمكو الذي كان قد حلف على القرآن بأن يكون وفياً ومخلصاً للإنكليز وان يسعى بكل شرف وأمانة للاجتماع بالبطريرك الآشوري لعقد الحلف المنشود.

من جانب آخر كان مار بنيامين قد أدرك أهمية هذا التحالف مع الأكراد لضمان الأمن والسلم لشعبه التعيس، بالرغم من الخلفية العدائية بين قبائل الشيكاك والآشوريين والتحذيرات التي انذر بها مار بنيامين من أن محاولة اغتياله قد تكون مدبرة خلال الاجتماع للتخلص منه ومن إصراره على مواصلة النضال حتى أن ينال شعبه حقه في موطنه الذي طرد منه، غير أن كل ذلك لم يمنع البطريرك من الذهاب قدماً لان حبه وتفانيه من اجل إسعاد شعبه كان أقوى بكثير من مخاوف اغتياله لهذا وهب حياته ورخص دمه ذخراً وفداءً لأبناء شعبه عندما اغتيل غدراً وخيانةً من قبل المجرم سمكو بعد انقضاء الاجتماع والتمثيل بجثته ولم تسلم حتى أصبعه التي قطعت ونزعت منها محبس البطريريك وهي ملحمة مأساوية في تاريخ الآشـوريين ومعروفة للكثير منهم وصفحة سوداء في التاريخ الكردي يستوجب شجبها من قبل زعماء الكرد لا اعتبار المجرم سمكو بطلاً من أبطال الكرد.

بعد إغتيال البطريرك قد ثبت فيما بعد تورط الحكومة الفارسية في عملية اغتيال البطريرك عندما عثرت القوات الآشورية التي هاجمت مقر سمكو على كتاب من حاكم تبريز يحث فيه سمكو على قتل مار بنيامين مقابل وعود واغراءات قدمتها الحكومة الفارسية لسمكو لان هذه الحكومة كان أكثر إصراراً على التخلص من مار بنيامين بسبب رفضه تجريد شعبه في أورمي من السلاح لحين ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة، لا بل فقد كات المصالح الفارسية والتركية والكردية والإنكليزية كلها قد التقت واجتمعت في نقطة واحدة، وهي لا يمكن كسر شوكة الآشوريين وسحق صمودهم وإصرارهم على استرجاع حقوقهم المفقودة إلا بالقضاء على زعيمهم مار بنيامين والتخلص منه خاصة بعد أن فشلت المحاولات الأخرى، وهي المصالح التي تحققت فعلاً بعد استشهاد البطريرك. ومن سخرية الأقدار أن يقتل سمكو من قبل الفرس بنفس الطريقة التي إغتال مار بنيامين حيث بعد سنوات استدرجته السلطات الفارسية إلى منطقة محددة بهدف الإجتماع معه فاغتالته.

لقد كان البطريرك مار بنيامين رمزاً للتضامن الآشوري تنطوي تحت سلطته الدينية والدنيوية وحدة الآشوريين القومية والدينية والفكرية واستطاع أن يجمع ويوحد جميع العشائر الآشورية وان يقودهم لسنوات عديدة حتى استشهاده. فهو وبحق وجدارة يستحق لقب البطل القومــي الآشوري وأميراً للشهداء الآشوريين، وحسناً فعلت كنيسة المشرق الآشورية بإدراج ذكراه في توقيم الكنيسة وإحيائها في يوم الأحد السابق للصوم الكبير من كل عام، وفي هذا العام يصادف في 27 من كانون الثاني، واعتباره من شهداء الكنيسة وهي مسؤولية قومية أيضاً ملزمة لكل المنظمات والأحزاب الآشورية لإحياء ذكرى هذا البطل التاريخي في مسيرة النضال القومي الآشوري ويستلزم منهم إقامة صرحاً تذكارياً له في المراكز الدينية والقومية. كما أنها مسؤولية المفكرين والكتاب الآشوريين للبحث والتنقيب في مغزى البطولة والاستشهاد التي أكدها مار بنيامين في التاريخ الآشوري والتي تعد دروساً في التربية الدينية والقومية وزاداً لكل المناضلين الآشوريين في مواصلة مسيرة النضال القومي الآشـوري .

مات واستشهد البطريرك  مار بنياميــن ولكن بقـى وســيبقى مدى الدهــر حياً خالداً في ضمائــر كل الآشـوريين الشرفاء... فالجبناء يموتون كل يوم والأبطال يبقون خالدون مع خلود الأمة .

أبرم شبيرا

139
في ذكرى الـ (90) لاستشهاد البطريرك
center]

   مار   بنيامين   شمعون
امير شهداء الأمة والكنيسـة
   
أبرم شبيرا

ولد مار بنيامين في عام 1887، وفي الثاني من شهر آذار من عام 1903 رسم مطراناً من قبل عمه البطريرك مار روئيل شمعون، وبعد انتقال هذا الأخير الى الحياة الأبدية، رسم مار بنيامين بطريركاً على كنيسة المشرق في الثلاثين من شهر آذار من نفس السنة وهو شاب يافع لم يتجاوز عمره أكثر من ستة عشر عاماً، غير أن معظم الذين عاصروه شهدوا بأنه كان يمتلك عقلاً نيراً وحكمة بالغة وسلوكاً قويماً ووعياً ناضجاً وكأنه رجل في الأربعين من العمر، كما يوصف بأنه كان سليم الجسم كسلامة عقله يتميز بكرامة واسعة وشهامة بالغة وشجاعة فائقــة بحيث لم يكن يعرف معنى للخوف، خاصة عندما تكون المسألة متعلقة بأبناء شعبه، وكان موضوع ثقة كبيرة ليس عند الآشوريين والمسيحيين فحسب وإنما أيضا عند الكثير من العشائر الكردية وزعمائهم الذين كانوا يؤتمنون حكمتـه وعدالته ويلجؤون إليه لفض نزاعاتهم ويحترمون قراراته، ففي الكثير من المرات استطاع أن يحل أصعب الخصومات والنزاعات وأن يعقد بينهم العدل والتفاهم. كما كانت له مكانة خاصة ومتميزة عند السلطات العثمانية المركزية والمحلية يولونه احتراماً شديداً. ويؤكد المؤرخون بأن بعض العشائر الكردية المسلمة في عهد مار بنيامين كانت تأكل الحيوان المذبوح من قبل عائلته وتعتبره لحملاً حلالاً غير محرماً كما هي العائدة عند المسلمين. هذه الصفات الفريدة والمكانة المتميزة التي كان يتمتع بها البطريرك الشهيد مار بنيامين هي التي أدت إلى ازدياد حسد وهيجان بعض زعماء الأكراد المتطرفين والحاقدين عليه وعلى الآشوريين من أمثال المجرم سمكو أغا زعيم قبائل الشيكاك الكردية المتطرفة. 

لذلك عندما أنتقل أمير الشهداء إلى عالم الخلود لم يكن هناك أي شخص آشـوري، سواء الذين خلفوه في كرسي البطريركية أو في قيادة  الأمة يستطيع أن يحل مكانه ويجمع أبناء الشعب تحت قيادة موحدة. كان وبحق آخر قائد آشوري كنسي وقومي قادر على جمع شمل الآشوريين وأبناء طائفته تحت لواء قيادته التي لم تكن في يوم من الأيام قيادة منفردة أو متسلطة. فقد عرف عنه بأن معظم القرارات التي أتخذها تمت بعد التشاور والتباحث مع زعماء العشائر "ماليك"،  الذين كانوا يشاركون في مجلسه باعتبارهم أعضاء في المجلس القيادي للأمة. من هذا المنطلق يقول المؤرخ الآشوري الشماس كوركيس بنيامين أشيتا في كتابه ( رؤساء الآشوريين في القرن العشرين) المكتوب باللغة الآشورية الحديثة  "بأن لو لم يكن الآشوريون قد فقدوا مار بنياميــن في تلك الفترة لربما كانت مسيرة تاريخ أمتنا قد تطورت بشكل آخر، ومن دون أدنى شك كانت ستكون بشكل احسن مما هو عليه الآن لأنه بالتأكيد ما كان يسمح للانتهازيين أن يلعبوا لعبتهــم كما فعلوا بعد الحرب العالمية الأولى وكما يفعلون اليوم" (ص25).
   
نشأ مار بنيامين وترعرع في بيئة دينيـة وقومية وتربـى على المثل العليا في الفداء والتضحية وتمثلت فيه روح الأباء والأجداد العظام في تحمل الصعاب والمشاق ونكران الذات والتضحية في سبيل الأمة والكنيسة، فبالرغم من كونه في العقد الثالث من عمره، استطاع قيادة الأمـة الآشورية في أحرج الظروف وأصعبها نحو الخلود وديمومة التواصل التاريخي رغم كل المأساة والفواجع التي أفرزتها الحرب الكونية الأولى ونتائجها المؤلمة التي فرضت قسـراً وظلمـاً على الشعب الآشوري، كالجلاء عن أرض الوطن والابتلاء بالأمراض الفتاكة والمجاعات القاتلة وحملات التنكيل والإبادة الجماعية التي نفذتها السلطات التركية والعشائر الكردية والفارسية المتحالفة معها ضد الآشوريين .

فإذا كان عمق إيمانه المسيحي وقوة إلهامه الروحي ووسع معارفه اللاهوتية قد أهلته اعتلاء كرسي بطريركية كنيسة المشرق الآشورية فأن ذكاءه الحاد وفطنته السياسية وحبه اللامتناهــي لأمته وشجاعته القومية التي لم يعرف لها حدود، كانت كلها عوامل وضعته في قمة قيادة الانتفاضة الآشــورية ضد الدولة العثمانية أبان الحرب العالمية الأولى والسعي بكل إخلاص وتنافي من أجل تحقيق المصير القومي لشعبه والعيش بأمن وسلام .

كان مار بنيامين من بين القلائل الذين يدركون مضامين السياسة الشوفينية للدولة التركيــة ومغزاها الاستراتيجي القائم على أبعاد عنصرية تتخطى كل الحدود الإنسانية والأخلاقية، خاصة بعد استلام حزب الاتحاد والترقي التركي، والمعروف أيضا بـ " تركيا الفتاة"، مقاليد السلطة في الدولة العثمانية عام 1908 والمعروف بسياسته في تتريك الأقوام غير التركية. فقبل حلول نهاية القرن التاسع عشر خسرت الدولة العثمانية معظم مستعمراتها في شمال أفريقيا على اثر هزيمتها أمام الدول الأوربيــة التي سيطرت على تلك المنطقة، كما تقلص نفوذها في شرق أوربا وبشكل خاص بعد استقلال معظم دول البلقان نتيجة تصاعد حركات التحرر القومي في تلك المنطقة مما حدا بالدولة العثمانية إلى تعويض عن هذه الخسائر بتوجيه أطماعها نحو الشرق لتحقيق الأحلام العنصرية لحزب الاتحاد والترقي في إقامة الإمبراطورية الطورانية تشمل معظم مناطق بيت نهرين وفارس وبلدان آسيا الوسطى وباكستان وأفغانستان وحتى الهنــد .

ومن الضروري الإشارة بأن شعوب هذه المناطق المسلمة وغير التركية لم تكن تشكل، حسب اعتقاد الدولة التركية، أي عائق أمام تحقيق سياستها في تتريكهم وذلك بسبب عامل الدين المشترك وضمن مفهوم الخلافة الإسلامية أو تحت لواء الجامعة العثمانية، في حين شكلت الشعوب المسيحية الأخرى كالآشوريين والأرمن والروس عائقاً أمام تطبيق سياسة التتريك ودمجهم في الإمبراطورية الطورانية المسلمة لذلك وجدت في سياسة الإفناء والإبادة الجماعية والحروب المقدسة "الجهاد" ضد هذه الشعوب أو تهجيرها قسراً إلى مناطق أخرى، الوسائل الممكنة لإزاحتهم عن طريق تحقيق أحلامها الشوفينية،  كما وجدت في الحرب الكونية الأولى الفرصة المثالية لتنفيذ هذه السياسة .

وفعلاً عندما أعلنت الدولة التركية مذابحها المشهورة في التاريخ ضد الأرمن شملت هذه المذابح الآشوريين أيضاً حيث بدأت القوات التركية وبعض العشائر الكردية المتحالفة معها بشن هجمات على القرى الآشورية الآمنة وحرقها وتشريد سكانها والتنكيل بهم. ويروى بأن أحد المبشرين الأجانب سأل القائد التركي عن سـبب شن حملات الإبادة الجماعية ضد الآشوريين في الوقت الذي يخص قرار (فرمان) السلطة العثمانية الأرمن وحدهم دون غيرهم من المسيحيين، أجاب القائد التركي:  "إنني لا أســتطيع التمييز بين الروث الجاف والروث الرطب فكلاهما كريــه".

هذه السياسة البربرية وضعت الآشوريين وعلى رأسهم البطريرك مار بنيامين في موقف ماحق ومهلك لم يترك أمامه  خيارات متاحة سوى خيارين، إما الموت والفناء أو المواجهة والمقاومة لهذه السياسة وبكل الأساليب الممكنة والمتاحة. وفعلاً ففي شهر أيار من عام 1915 اجتمع البطريرك مع بقية الزعماء الآشوريين فاتخذوا قراراً جريئاً وشجاعاً في الانضمام إلى الحلفاء والاشتراك في الحرب ضد الدولة العثمانية وحلفائها بعد أن تأكد له عدم جدوى وقوف الآشوريين جانب الحياد والمذابح تفعل فعلها في أعناق أبناء شعبه المسالم وبعد أن ثبت بطلان وزيف وعود الأتراك والمغريات المعروضة من مال ومناصب على البطريرك وبقية الزعماء الآشوريين لمنعهم من الاشتراك في الحرب ضدها.

وبعد اشتراك الآشوريين مع الحلفاء في الحرب ومن ثم نكوص وتخاذل روسيا أولاً ثم بريطانيا ثانياً عن الوعود الممنوحة لهم في المساعدة بالسلاح والتموين والإسناد في حربهم ضد الدولة التركية، اصبح الآشوريون منفردين في مواجهة القوات التركية والعشائر الكردية والفارسية الجيدة التسليح، خاصة بعد انهيار الجبهة الشرقية على اثر انسحاب روسيا من الحرب وعقد الهدنة مع تركيا ودول المحور عند قيام الثورة البلشفية الاشتراكية في أكتوبر من عام 1917، لذلك تعرض الآشوريون إلى الهجمات الانتقامية الشرسة وأخذت القوات التركية وحلفاؤهم تنكل بهم تنكيلاً وتقتل بهم تقتيلاً من أجل تنفيذ سياسة إفناء الوجود الآشوري من مناطقهم التاريخية، وهي مأساة مفصلة بشكل دقيق في الكثير من الكتب. ففي هذه الظروف المأساوية قاد مار بنيامين شــعبه البائس والجائع والمتشرد من منطقة هيكاري إلى منطقة أورمي في شمال بلاد فارس في هجرة جماعية تعتبر وبحق سفر من أسفار اضطهاد ومعاناة الجنس البشري على الكرة الأرضية وهو في بداية قرن جديد لم يعرف الآشوريون منه غير الدمار والتشرد والجوع والأمراض الفتاكة والفواجع المهلكة.

وإذا كان بعض المحللين الذين درسوا تاريخ الآشوريين في تلك الحقبة الزمنية يرون في اندفاع الآشوريين وترك أوطانهم في هيكاري واللجوء إلى أورمي خطأً عسكرياً واستراتيجياً مميتاً كلفهم الكثير، فيه نوع من القبول من الناحية النظرية العسكرية إلا أنه من ناحية أخرى يفتقر مثل هذا التحليل إلى النظرة الموضوعية التاريخية لطبيعة الشعب الآشوري وللظروف المهلكة التي كانت تحيطه من كل الجوانب بحيث لم تترك له فرصة الاختيار إلا الخيار الأصعب والوحيد ذلك لأن بقاء الآشوريين مع عوائلهم منفردين ومعزولين عن العالم الخارجي ومحاطين بأعدائهم  همهم الوحيد التنكيل بهم وأبادتهم ما هو إلا ضرب من الانتحار الجماعي للأمة وإعطاء الفرصة لأعدائها في تنفيذ سياستهم المرسومة للقضاء على الآشوريين نهائياً. في حين ضمن الآشوريون بلجوئهم إلى المناطق الأخرى بعيدين عن أوطانهم عنصر الحياة والديمومة والتواصل كقومية تاريخية تمتد جذورها لقرون طويلة في التاريخ البشري. فالمقدرة العضوية التي اكتسبها الآشوريون في التكييف والتمحور تجاه المأساة والمعاناة المستديمة والفواجع الاجتماعية والطبيعة عبر تاريخهم السياسي الطويل ضمن لهم عنصر البقاء والخلود وأنطبق عليهم وبحق قانون الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح،  مع التحفظ للتفسيرات المختلفة لهذا القانون، وكان مار بنيامين قد أستلهم هذه الحقيقة وأدركها جيداً عندما أختار الخيار الأصعب والقرار الوحيد لأجل إنقاذ شعبه من الدمار الشامل رغم كل الخسائر الفادحة التي كلف اتخاذ مثل هذا القرار، بما فيه خسارة جزء من الوطن، وأقصد هيكاري، لأنه كان يدرك بأن بقاء شعب، مثل الشعب الآشوري الصلد والمقاوم، سيعوض عن هذه الخسائر طالما تمسك بالقيم والمبادئ التي خلقته كأمة خدمت العالم وأعطت للإنسانية كثير الكثير واستطاعت المحافظة على نفسها طيلة قرون طويلة من الظلم والاضطهاد .

ولو حاولنا، بكل موضوعية وبعيداً عن العواطف والمشاعر القومية، دراسة شخصية مار بنيامين كقائد أمة لوجدنا فيه خصال وميزات فريدة في تاريخ هذا الشعب الصغير يستوجبها الكثير من التفاصيل والبحوث ولكن باختصار شديد نشير إلى أهمها:
1) - أدرك مار بنيامين منذ البداية بأنه قائد شعب صغير لا حول له ولا قوة يعيش في مناطق عاصية محاطة بالشعوب المعادية المتعصبة دينياً وقومياً إضافة إلى كونه شعب لا يرتبط لا عقائدياً، أقصد كنسياً كالكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس، ولا قومياً بالشعوب والدول الأخرى لكي تساعده وتستجيب لحمايته عند تعرضه للاعتداء. لهذا الأسباب وجد في العامل الموضوعي الجيوبولوتيكي سبباً رئيسياً للتحالف مع روسيا باعتبارها أقرب الدول العظمى التي يمكن أن توفر المساعدة والحماية للشعب الآشوري في المنطقة. ومن الملاحظ بأن هذا العامل الموضوعي الجغرافي في التحالف مع روسيا تتبين أهميته من خلال عدم تأثره بالمبادئ السياسية والفكرية للثورة البلشفية في روسيا، خاصة عندما ندرك بأن مار بنيامين أستمر التراسل مع لينين زعيم الثورة البلشفية في روسيا في أكتوبر عام 1917 وبقية زعماء وقادة الروس البلاشفة من أجل ضمان التحالف معها ضد العدو المشترك.
2 ) - عرف عن مار بنيامين بحساسية شديدة ومفرطة تجاه المبشرين من الكنائس الغربية الكاثوليكية والبروتستانتية والأرثوذكسية الروسية، وهي مسألة طبيعية لرجل مسؤول يتربع على كرسي البطريركية كان يشاهد بألم ويتحسس بمرارة نهش المبشرين أوصال كنيسته ورعيته الصغيرة من دون أن يستطيع عمل شيء أو يوقف نشاطهم الذي تطاول حتى بيت البطريرك نفسه خاصة عندما أعتنق عمه نمرود وجميع أفراد عائلته المذهب الكاثوليكي. ولكن مع كل هذا، كان للعامل القومي لديه اعتباراً أساسياً وفوق جميع الاعتبارات عندما تكون المسألة متعلقة بتقرير مصير شعبه. من هذا المنطلق لم تمنع كاثوليكية أغا بطرس من أن يجعله قائداً عسكرياً مقرباً إليه يعتمده في معظم مهماته القومية والعسكرية كما لم تمنع أرثوذكسية فريدون أتورايا في أن يتفهم مشاريعه القومية وأن يكون له مكانة متميزة عنده، وهي حقائق حاول البعض  تزيفها وتحريفها بقصد الإساءة إلى هذين الزعيمين القوميين واتهامهما بمختلف التهم، وبتخطيط من الإنكليز، منها أعطاء تفسيرات لمشاريع أغا بطرس وفريدون آتورايا بأنهما يحاولان تجريد مار بنيامين من زعامة الأمة والاستلاء عليها من قبل "أبن الأرملة" و "الشيوعي الغوغائي" كما كان ينعت هذين الزعيمين القوميين من قبل المؤيدين لبريطانيا. كل هذا من أجل إفشال أي تقارب مع روسيا وضمان التحالف مع الإنكليز، وهي المهمة التي نجحوا فيها في الفترات اللاحقة، خاصة بعد التخلص من فريدون أتورايا وأغا بطرس والقضاء عليهما.
3) – عند الحديث عن مار بنيامين كزعيم لأمة أستشهد من أجلها يجب أن نتجرد من الشمول والإطلاق وأن لا نقيس أعماله بمعاييرنا السياسية والقومية السائدة في هذا اليوم، بل يجب قبل كل شيء أن نضع في عين الاعتبار منصبه الديني باعتباره بطريركاً لفرع من كنيسة المشرق الممزقة وله التزامات ومسؤوليات تجاه رعيته وتجاه غيره من رعايا فروع الكنيسة وبطاركتها. لهذا السبب كان مار بنيامين شديد الذكاء والحذاقة في مهماته القومية والسياسية بحيث عرف حدود مهماته هذه بكل دقة وتابعها في كل أقواله وأعماله. من هذا المنطلق لم يشمل في دعواته في تحرير شعبه وتقرير مصيره طوائف الفروع الأخرى لكنيسة المشرق احتراما لغيره من البطاركة وتقديراً لموقفهم من سياسة الدولة التركية تجاه أبناء الأمة جميعاً. فواجب كل بطريرك كان يستوجب الدفاع عن رعيته، وهذا ما فعل مار بنيامين الذي ضحى بحياته من أجلها.
4 – مسألة أخرى يجب أن لا تفوتنا، بل يستوجبها الإشارة ولو كانت بسيطة ولكن غير معروفة للكثير من الآشوريين، وهي انقطاع أو توقف نظام التوارث لكرسي البطريرك في كنيسة المشرق في عهد مار بنيامين والمعروف بـ " ناطر كرسي". إذ هناك غموض أو قلة المعلومات فيما إذا كان مار بنيامين فعلاً "ناطر كرسي" عندما توفي عمه البطريرك مار روئيل، وأصبح هو البطريرك، أم كان هناك "ناطر كرسي" آخر من نفس البيت وتحديداً أحد أبناء عمه نمرود وأقصد المطران أوراهم. كما أن مار بنيامين لم يكن له "ناطر كرسي" وعند استشهاده خلفه أخوه مار بولص الذي أيضاً عندما توفي لم يكن له "ناطر كرسي"، وعندما رسم مار شمعون إيشاي، وهو طفل في الثانية عشر من العمر، لم يكن هو ألآخر "ناطر كرسي" ولا غيره وحتى عندما قتل في عام 1975 في كاليفورنيا/أميركا لم يكن هناك "ناطر كرسي" يطالب بالبطريركية. هذه الظروف المأساوية التي فرضت على الآشوريين وعلى كنيستهم وبالأخص على عائلة مار شمعون لم تكن مناسبة أبداً للتفكير والتحضير لـ "ناطر كرسي" للمستقبل. وهكذا تكون سلسلة بيت أبونا قد أنقطعت عن البطريركية بعد أن خدمة الأمة والكنيسة أكثر من 500 عاماً. هذا النظام أي "ناطر كرسي" الذي نشأ بسبب جملة عوامل موضوعية وظروف خاصة خارجة عن إرادة أبناء الأمة والكنيسة، فإنه بالرغم من سلبياته في الفترات اللاحقة وإتخاذه حجة للإنشقاق عن كنيسة الأم، إلا أنه يجب أن لا ننكر بأنه كان له دوراً كبيراً في حماية استقلال الكنيسة ومنع الحكام من التدخل في اختيار البطاركة ورسامتهم. ترى هل أدرك مار بينامين بأن هذا النظام لم يعد له أهمية في الكنيسة ومن ثم يستوجب إبطاله ؟؟  أم كانت هناك ظروف خاصة واستثنائية أملتها عوامل الحرب والتشرد والنزوح للحيلولة دون تطبيق هذا النظام ؟؟؟. أسئلة وأسئلة أخرى يتطلبها الكثير من البحوث والدراسات لهذه المسألة الحساسة التي عصفت في يوم ما بالكنيسة ومزقتها إلى شطرين.

هذه المسائل المهمة والحساسة مفصلة بشكل كبير في كتابنا "الفصل بين الكنيسة والسياسة في المجتمع الآشوري" الذي ينتظر الإنجاز والطبع.

كان مار بنيامين في عصر زمانه يجسد وبحق وصدق أسطورة التضحية والفداء في سبيل الكنيسة والأمة التي كتبها قبله أجداده الأبرار بدمائهم الزكية الطاهرة ويكمل ما شرع به مار شمعون برصباي البطريرك الآشوري الذي وهب حياته في القرن الرابع الميلادي قرباناً لمبادئه وأيمانه بكنيسته وشعبه. وتتجلى عظمـة وتضحية مار بنيامين في كل يوم من أيام حياته القصيرة وفي كل موقف من مواقفه البطولية، وبعض الأمثلة التاريخية تؤكـد هذه الحقيقة:

1 -  عندما أدركــت السلطات التركية عدم إمكانية خداع وإقناع مار بنيامين في استمالته إلى جانبها ضد دول الحلفاء أو إبقاءه على الأقل على الحياد رغم كل المغريات والامتيازات التي وعدته بها له  ولزعماء العشائر وللشــعب الآشوري، لجأت إلى وسائل الضغط والإكراه فوجدت في اعتقاله بتهمــة الخيانة والتحريض على الحرب أو اغتياله الوسائل الممكنة في منع الآشوريين من دخول الحرب مع الحلفاء ضدها لأن الحكومة التركية أدركت بأن القضاء على البطريرك، هذا الشخص بالتحديد ، سيكون بمثابة الضربة الماحقة للآشوريين للاستسلام والخضوع. غير أن الإجراءات الاحتياطية التي اتخذتها القيادة الآشورية بنقل مقر البطريرك التقليدي في قرية قوجانس إلى منطقة عشيرة ديز حال دون ذلك. ثم وجدت في أخيه هرمز الأصغر الذي كان يدرس حينذاك في أسطنبول وسيلة أخرى للضغط على مار بنيامين لتغيير قرار المشاركة في الحرب والتنازل عن حقوق شعبه. ففي منتصف شهر آب 1915 أنذرته السلطات العثمانية بأن أخاه هرمز اصبح رهينة في يدها وسوف يعدم إذا لم يستسلم مار شمعون مع زعماء الآشوريين إلى الأتراك ويمتنعون عن الاشتراك  في الحرب ضدها. فكان جواب البطريرك في رسالة وجهها إلى السلطات التركية تعبيراً عن موقفه البطولي واستعداده الدائم للتضحيـة والفداء حين قال كلمته التاريخية المشهورة التي لا يزال صداها يرن في أذان كل مناضل آشوري شريف .. " إني قائد شــعبي وهم أولادي كثار فكيف أستطيع أن أسلم شعبي من أجل أخي هرمز فهو  شخص واحد فقط فلتكن حياته قرباناً لامته ". ثم بعد ذلك جلب هرمز إلى مدينــة الموصل واعدم، أو ربما كان قد قتل ثم جلب إلى الموصل وعرضت جثته بالقرب من القرى الآشورية كوسيلة أخرى للإرهاب والتخويف. ولا أحســب وجود مشــقة وعناء في استقصاء عبر البطولة العجيبة لمار بنياميــن وقدرته على التضحية في سبيل شعبه وكنيسته من كلمته هذه، خاصة عندما اعتبر كل الشعب الآشوري أولاده قولاً وفعلاً. كما لا أحسب، إذا نظرنا للمسالة بنظرة موضوعية حيادية بعيدة عن عواطفنا وتصوراتنا، وجود ملحمة بطولية من هذا النوع من التضحية حتى في الشعوب الأخرى خاصة عندما نعرف العلاقة القوية الحميمة التي كانت تربط مار بنيامين بأخيه هرمز،  فكان من أقرب أفراد عائلته إليه يرافقه في الكثير من جولاته ومهماته. من هذا المنطلق نقول بأن اتخاذ مثل هذا القرار لم يكن بالأمر الهين بل يفوق التصور الإنساني.

2 -  وفي نفس الشهر من نفس العام سافر مار بنيامين إلى مقاطعة أورمي في شمال بلاد فارس (إيران) للالتقاء والاجتماع بقيادة الجيش الروسي في مدينة سلامس لبحث موضوع الوعود والمساعدات الروسية الموعودة للآشوريين وحسب الاتفاق المعقود بين الطرفين. وفي طريق السفر وعبر الجبال العاصية والغابات الموحشة تعرض إلى هجمات قطاع الطرق والى مطاردات القوات التركية وغارات العشائر الكردية وبعد مشاق الطريق الذي أستمر عدة أيام وليالي، لم تكن نتيجة الاجتماع مع قيادة الجيش الروسي غير وعود جوفاء لم يحصل الآشوريون منها شيئاً غير المزيد من المأساة والفواجع. وأثناء الاجتماع حاولت القيادة الروسية إقناع البطريرك بالبقاء في سلامس تحت حمايتهم وتوفير الأمن والإقامة الآمنة له لضمان حياته من خطورة العودة إلى شعبه المعزول والمحاصر من قبل الأعداء، غير أنه أبى ذلك ورفض بشدة محاولات الروس حيث فضل الموت بين أبناء شعبه على العيش الرغيد بعيداً عنهم، فقال للقائد الروسي كلمة  أذهلته وأذهلت المجتمعين أيضاً : " جئت لأنقذ شعبي لا أنقــذ نفســي فأنا عائد إليه حتى أعيش أو أموت معه " فقفل راجعاً متحملاً مشاق الطريق الطويل والصعب ومخاطر نيران أسلحة الأعداء .

مرة أخرى نتلمس بكل وضوح وجلاء استعداد مار بنيامين للتضحية، لا بأخيه فحسب بل بنفسه أيضاً من اجل شعبه ومن أجل أن يكون قريباً منه رغم شبح الموت الذي كان يخيم عليه مفضلاً الموت معه بدلا من أن يعيش هانئاً آمناً ولكن بعيداً عنه، ذلك لأن البطريرك البطل كان يشعر بأنه من الشعب واليه يعود مهما كانت العوائق والمصاعب ومهما كانت المغريات والحوافز المعروضة عليه لإبعاده عنه. هذه الصفات هي التي خلدت مار بنيامين في التاريخ الآشوري ومن أبوابه الواسعة وأصبح رمزاً قومياً ودينياً لكل من يحمل صفة الآشوري بفخر واعتزاز، وهي الصفة التي تجعله وبكل حق وأنصاف الزعيم العضوي الوحيد للآشوريين في هذا القرن، أي الزعيم الذي كان جزء من الأمة، والأمة جزء منه لأنه لم يكن يتصور إطلاقاً إمكانية العيش في الخارج أو بعيد عن شعبه وهي الفرصة التي أتيحت له في العديد من المرات ولكن رفضها لأنها كانت بمثابة خيانة للشعب وكفر بالله وبرسالة ربنا يسوع المسيح الذي عاش ومات من أجلنا جميعاً. هكذا يؤكد التاريخ الآشـوري بأن ضياع مار بنيامين كان يعني تشتت الأمة وتحطم نسقها الاجتماعي بين أمواج الحرب العالمية الأولى وبالتالي فرضت المأساة فرضاً مميتاً على أبناءها وشتتهم في مختلف زوايا العالم خاصة بعد أن عجزوا في إيجاد زعيم قومي وديني يوازي عظمة أمير الشهداء مار بنيامين.

3 -  في بداية  شهر آذار، وتحديداً في الثالث منه، وفي اليوم الأول من الصوم الكبير عام،1918 عقد اجتماع بين البطريرك الآشوري مار بنيامين والزعيم الكردي إسماعيل الشيكاكي، والمعروف بـ " سمكو " زعيم قبائل الشيكاك الكردية المتطرف والمشاكسة لبحث موضوع تحالف الشعبين ضماناً للأمن والاستقرار وتمهيداً لتطبيق حقهم في تقرير مصيرهم القومي بأنفسهم في ضوء المصالح المشتركة بين الشعبين والتي أفرزتها أوضاع ونتائج الحرب العالمية الأولى. وكانت روسيا البيضاء تستهدف من هذا التحالف والتي سعت إلى ترتيبه لضمان الاستقرار في هذه المنطقة تمهيداً للسيطرة عليها عن طريق استخدام تحالف الآشوريين والأكراد لضرب القوات التركية وإيجاد موطئ قدم لها بعد الخسائر التي منيت بها من جراء وصول الشيوعية إلى السلطة في موسكو. كما لعبت الاستخبارات البريطانية دوراً كبيراً في تشجيع سمكو للاجتماع بمار بنيامين وعقد تحالف معه وذلك من اجل استغلال وحدة قواتهم لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة خاصة بعد أن وضعت ثقتها بسمكو الذي كان قد حلف على القرآن بأن يكون وفياً ومخلصاً للإنكليز وان يسعى بكل شرف وأمانة للاجتماع بالبطريرك الآشوري لعقد الحلف المنشود.

من جانب آخر كان مار بنيامين قد أدرك أهمية هذا التحالف مع الأكراد لضمان الأمن والسلم لشعبه التعيس، بالرغم من الخلفية العدائية بين قبائل الشيكاك والآشوريين والتحذيرات التي انذر بها مار بنيامين من أن محاولة اغتياله قد تكون مدبرة خلال الاجتماع للتخلص منه ومن إصراره على مواصلة النضال حتى أن ينال شعبه حقه في موطنه الذي طرد منه، غير أن كل ذلك لم يمنع البطريرك من الذهاب قدماً لان حبه وتفانيه من اجل إسعاد شعبه كان أقوى بكثير من مخاوف اغتياله لهذا وهب حياته ورخص دمه ذخراً وفداءً لأبناء شعبه عندما اغتيل غدراً وخيانةً من قبل المجرم سمكو بعد انقضاء الاجتماع والتمثيل بجثته ولم تسلم حتى أصبعه التي قطعت ونزعت منها محبس البطريريك وهي ملحمة مأساوية في تاريخ الآشـوريين ومعروفة للكثير منهم وصفحة سوداء في التاريخ الكردي يستوجب شجبها من قبل زعماء الكرد لا اعتبار المجرم سمكو بطلاً من أبطال الكرد.

بعد إغتيال البطريرك قد ثبت فيما بعد تورط الحكومة الفارسية في عملية اغتيال البطريرك عندما عثرت القوات الآشورية التي هاجمت مقر سمكو على كتاب من حاكم تبريز يحث فيه سمكو على قتل مار بنيامين مقابل وعود واغراءات قدمتها الحكومة الفارسية لسمكو لان هذه الحكومة كان أكثر إصراراً على التخلص من مار بنيامين بسبب رفضه تجريد شعبه في أورمي من السلاح لحين ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة، لا بل فقد كات المصالح الفارسية والتركية والكردية والإنكليزية كلها قد التقت واجتمعت في نقطة واحدة، وهي لا يمكن كسر شوكة الآشوريين وسحق صمودهم وإصرارهم على استرجاع حقوقهم المفقودة إلا بالقضاء على زعيمهم مار بنيامين والتخلص منه خاصة بعد أن فشلت المحاولات الأخرى، وهي المصالح التي تحققت فعلاً بعد استشهاد البطريرك. ومن سخرية الأقدار أن يقتل سمكو من قبل الفرس بنفس الطريقة التي إغتال مار بنيامين حيث بعد سنوات استدرجته السلطات الفارسية إلى منطقة محددة بهدف الإجتماع معه فاغتالته.

لقد كان البطريرك مار بنيامين رمزاً للتضامن الآشوري تنطوي تحت سلطته الدينية والدنيوية وحدة الآشوريين القومية والدينية والفكرية واستطاع أن يجمع ويوحد جميع العشائر الآشورية وان يقودهم لسنوات عديدة حتى استشهاده. فهو وبحق وجدارة يستحق لقب البطل القومــي الآشوري وأميراً للشهداء الآشوريين، وحسناً فعلت كنيسة المشرق الآشورية بإدراج ذكراه في توقيم الكنيسة وإحيائها في يوم الأحد السابق للصوم الكبير من كل عام، وفي هذا العام يصادف في 27 من كانون الثاني، واعتباره من شهداء الكنيسة وهي مسؤولية قومية أيضاً ملزمة لكل المنظمات والأحزاب الآشورية لإحياء ذكرى هذا البطل التاريخي في مسيرة النضال القومي الآشوري ويستلزم منهم إقامة صرحاً تذكارياً له في المراكز الدينية والقومية. كما أنها مسؤولية المفكرين والكتاب الآشوريين للبحث والتنقيب في مغزى البطولة والاستشهاد التي أكدها مار بنيامين في التاريخ الآشوري والتي تعد دروساً في التربية الدينية والقومية وزاداً لكل المناضلين الآشوريين في مواصلة مسيرة النضال القومي الآشـوري .

مات واستشهد البطريرك  مار بنياميــن ولكن بقـى وســيبقى مدى الدهــر حياً خالداً في ضمائــر كل الآشـوريين الشرفاء... فالجبناء يموتون كل يوم والأبطال يبقون خالدون مع خلود الأمة .

أبرم شبيرا

140
المنبر الحر / صوم نينوى
« في: 09:59 09/01/2008  »
صوم نينوى

أبرم شبيرا
لآشك فيه بأن الآشوريين يعروفون ويسمعون عن الكثير من الممارسات التراثية العريقة بل ويشاركون في إحيائها بعضها، مثل باعوثا دننوايه (صوم نينوى أو النينويين) والأول من نيسان رأس السنة البابلية الآشورية وعيد نسردل (عيد الرشاش) وغيرها من المناسبات التراثية التي تشكل جزءاً مهما من مكوناتهم القومية. لهذا فالكتابة عنها تعد أمراً قد لا يثير إهتماما كبيرا لديهم ما لم تستكشف جوانب جديدة وتحليلات مختلفة ومقارنات بين كل مرحلة من مراحل التاريخ التي إجتازت هذه الممارسات ووصلت إلى العصر الراهن. أما بالنسبة لغير الآشوريين فالأمر يختلف كلياً حيث بالكاد يعرفون أو لا يعرفون إطلاقاً شيئاً عن هذه الممارسات التراثية وعمقها التاريخي وتواصلها الدائم حتى هذا العصر فيكون هذا الجهل المقصود إو غير المقصود عاملاً في إصابتهم بالعمى التاريخي في معرفة الحقائق وتحليلها بما يستقيم بها العلم والمنطق وبالتالي لا يجدون لهم إلا ملجأً بائساً في نكران الأصل التاريخي للآشوريين وأصالتهم العريقة في وطنهم الأم.

يرتبط آشوريو اليوم أصولهم التاريخية بالآشوريين القدما الذين حكموا بلاد ما بين النهرين في الألف الثاني وحتى منتصف الألف الأول قبل الميلاد بجملة روابط حضارية تاريخية ومعطيات ثقافية تراثية ظلت لصيقة بهم على رغم الفواجع والنكبات التي حلت بهم طيلة تاريخهم المديد. فهذه الروابط والممارسات التراثية تسمتد جذورها من أعماق التاريخ القديم وتمتد إلى مرحلة ما قبل تدوين أحداث العهد القديم من الكتاب المقدس. ولعل الأكثر إثارة وبروزاً من هذه الممارسات التراثية هو (صوم نينوى) الذي تتداخل فيه مجموعة عوامل قومية ودينية تداخلاً مترابطاً يصعب الفصل بينهما وتتعثر مهمة تحديد أصولها القومية المادية وفرزها عن الآصول الدينية الروحية. فخلال ثلاثة أيام من كل سنة، وحتى يومنا هذا يحتفل الآشوريون بهذه المناسبة والمعروفة عندهم بـ (باعوثا دنينوايه) أي صوم أو نذر النينويين. وعادة يصادف في الربع الأول من كل عام وفي هذه السنة 2008 تقدم بعض الشي حسب التقويم الغريغوري لكنيسة المشرق الآشورية وسيصادف في الرابع عشر من هاذا الشهر (كانون الثاني).

قبل الإكتشافات الآثارية التي أزاحت الكثير من الغموض والأسرار عن التاريخ القديم لشعوب الهلال الخصيب وظهور وتطور علم الآشوريات، كانت التوراة المرجع الأساسي والمهم، إن لم تكن الوحيد، لأخبار شعوب هذه المنطقة، خصوصاً الآشوريين والمصريين منهم. وظل ولا يزال تأثيرها كبيراً ومحسوساً في اتجاهات الكثير من الكتاب والمؤرخين الذين عالجوا تواريخ هذه الشعوب. ومن جملة ما ورد في التوراة عن الشعب الآشوري( صوم نينوى) الذي من المتحمل أن يكون قد وقعت أحداثه في القرن الثامن قبل الميلاد وفي مدينة نينوى عاصمة الإمبراطورية الآشورية ودونت قصته في سفرالنبي يونان التوراتي وهو معروف عند الآشوريين بـ (يونان إنويا) وعند العرب بأسم (النبي يونس). وفي مدينة الموصل العراقية (نينوى القديمة) كنيسة قديمة مشيدة عليها جامع يعرف بهذا الأسم ويعتقد بأنه كان معبداً آشورياً قديماً ومن هناك خاطب النبي يونان شعب نينوى في حين تذكر مراجع آخرى بأنه كان دير قديم تابع لكنيسة المشرق المعروفة بـ (النسطورية) شيد من قبل راهب أسمه يونان.

جاء في هذا السفر أن الرب طلب من النبي يونان حمل رسالته إلى بلاد آشور، وهي المملكة التي قامت بتدمير مملكة إسرائيل في حدود العام 722 ق.م. وعندما تسلم يونان الرسالة أبت عليه عواطفه اليهودية أن يحذر مملكة هاجمت إسرائيل ونهبت كنوز معبدها وإستهانت بإلاها (يهوا) من قضاء الله في تدميرها. وبعد سلسلة أحداث وتجارب مريرة يمر بها يونان بما فيها قصة الحوت الذي أبتلعه وبقى في بطه لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليالي ومن ثم لفظه على شاطئ البحر.... أذعن يونان إلى أمر الرب فأنطلق إلى نينوى عاصمة الآشوريين ليبلغ أهلها وملكها سنحاريب (705 – 681 ) ق.م. بقضاء الله. وعندما دخلها بدأ ينادي قائلاً: بعد أربعين يوماً تتدمر المدينة (سفر يونان 3 : 4). فبلغ إنذار يونان ملك نينوى فقام عن عرشه وخلع عنه حلته وأرتدى المسح وجلس وركع على الرماد ثم دعا جميع رعاياه إلى الامتناع عن الأكل والشرب، وكذلك البهائم والغنم والبقر لا ترعى ولا تشرب ماء. وطلب من جميع الناس أن يرتدوا المسوح متضرعين إلى الله تائبين عن طريقهم الشريرة وعما أرتكبوه من ظلم لعل الرب يرجع عن اقتدام سخطه فلا يهلكون ... هكذا كما مدون في سفر يونان ( 3 : 7 : 9). فلما رأى الله أعمالهم وتوبتهم عن طرقهم الآثمة عدل عن العقاب الذي كان مزمعاً أن يوقعه بهم وعفا عنهم ( 3 : 10). وهذا ما سبب غيظ يونان وسخطه الشديدين بسبب كون الله رحيماً رؤوفاً مع الشعب الآشوري وملكه وبطئ الغضب وكثير الإحسان يرجع عن العقاب. لذلك فضل يونان الموت على الحياة (4 : 3 ) لأن الرب لم ينتقم من الآشوريين وملكهم، وهذا يؤكد حقد اليهود على الآشوريين في تلك الأزمنة كذلك يؤكد بشكل قاطع محبة الله لجميع الأمم وتحديداً للآشوريين حسب هذا السفر.

عندما تمت الإكتشافات الآثارية في المدن الآشورية في القرنين الماضيين وأماطت اللثام عن بعض الغموض الذي كان يكتنف تاريخ الشعب الآشوري وكشفت جانباً من أسرار أو إلتباسات بعض الوقائع التاريخية فإنها أكدت بعض الأحداث التي وردت قصصها في التوراة من جهة ونفت أحداثاً أخرى لا بل وتناقضت أو أختلفت معها من جهة أخرى. وبقدر تعلق الأمر بقصة مجئ يونان إلى نينوى وتبليغ رسالة الرب إلى الآشوريين وتحذيرهم من دمار المدينة العظيمة، كما يوصف ذلك في التوراة، فإن الآثار والرقم الطينية والإسطوانات الكتابية المكتشفة في خرائب نينوى وغيرها من المدن الآشورية والتي تعد أكثر تفصيلاً وتدويناً للأحداث التاريخية ووقائعها من أي آثار أخرى مكتشفة في بلاد ما بين النهرين، خصوصاً حول علاقة الآشوريين وملوكهم باليهود وأنبيائهم، لا تحمل أية إشارة إلى النبي يونان وقدومه إلى نينوى لتبليغ قضاء الرب في تدميرها، في الوقت الذي نعرف بأن فترة حكم الملك سنحاريب أتصفت، إلى جانب التفاصيل الدقيقة عن الحروب التي شنها ضد اليهود وغيرهم من الأقوام، بإنجازات كبيرة وأعمال ضخمة في البناء والتعمير، خصوص في مجال الري وتنظيم السقي والسيطرة على المياة وخزنها وتوزيعها في ظروف بيئية وموسمية مختلفة ومتباينة حيث عرف عن الملك سنحاريب في كونه مهندساً بارعاً في مجال الري وبناء السدود ولايزال آثار بعضها قائماُ في بلاد آشور. فالمنطقة تعرف بغزارة مياها وكثر أنهارها وسيولها الجارفة والتي كانت تفيض في نهاية الشتاء وبداية الربيع وتشح ويجف بعضها في منتصف الصيف وبداية الخريف مما يوحي بأن الفياضانات كانت عاملاً حاسماً في تهديد أستقرار الأوضاع الاقتصادية والإجتماعية والسياسية في بلاد آشور، وهي الظاهرة التي كانت سائدة حتى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي حينما لم تكن السدود الحالية وأنظمة الري مبنية في العراق فكان يفيض نهر دجلة وروافده الموسمية ويدمر أجزاء كبير من المدن المطلة عليه مثل الموصل وبغداد. وتؤيد التواريخ الإغريقية بأن سقوط نينوى عام 612 ق.م. لم يكن ممكناً دون فيضان هائج دمر أسوارها العظيمة وهناك إشارة أيضاَ في التوراة إلى طوفان طام يخفي معالم نينوى (ناحوم 8 :1).

تخبرنا التواريخ القديمة بأن الملك سنحاريب قد قام بأعمال بناء ضخمة جداً لضمان قصره ومدينة نينوى من الفيضانات التي كان يسببها نهر الخوصر أو (خو أصر ) ويعنى باللغة الآشورية (عشر أمثال). فهذا الرافد الموسمي من نهردجلة الذي يجتاز من جوانب أسوار نينوى ويصب في نهرت دجلة كان يفيض في مواسم الفيضانات أكثر من حجمه الطبيعي بعشرة أضعاف أو أكثر ويسبب أضراراً جسيمة للبلاد فيجرف البيوت والقرى والمجمعات السكنية القائمة حول النهر ويتلف محاصيلها الزراعية وبالنتيجة يسبب المجاعات وإنتشار الأمراض والأوبئة لا بل ويهدد الأمن والاستقرار الاجتماعي نتيجة هذه الأضرار والفواجع. هناك ملاحظة شخصية بهذا الخصوص يستوجب ذكرها... ففي ربيع من عام 1981 كنت في مدينة الموصل وشاهدت نهر الخوصر الذي يحاذي التلة المغطاة لسور نينوى يفيض فيضاناً هائجاً بحيث كانت مياهه الطينية الكثيفة تغطي جسر النهر وتغلق الطرق المؤدية إليه مسبباً إزدحاماً في السير وإرتباكاً بين الناس ثم سمعت عن مخاوف الناس من أرتفاع أسعار المنتوجات الزراعية أو شحتها فكانوا يضطرون إلى التزاحم على المحلات التجارية لاقتناء حاجياتهم وإختزانها، فتصورا كيف كان الحال قبل أكثر من 2700 سنة والناس لايملكون تكنولوجيا متطورة في السيطرة على مثل هذه الظواهر الطبيعية أو معالجة الحالات الطارئة.

على أساس ما تقدم قد تكون قصة يونان ومجيئه إلى نينوى لتبليغها قضاء الرب في تدميرها متوافقة ومتزامنة مع فيضان وأعصار عصفا بنينوى ومن ثم الجهود العظيمة التي بذلها الملك سنحاريب وأتباعه في السيطرة عليه ومعالجة نتائجه المدمرة. ومن المعروف عن الطبيعة البشرية بأنه عندما يمر الإنسان في أزمات وفواجع أو يتوقع حدوثها فأنه يلجأ الى الممارسات الروحية مثل تقديم القرابين والصوم والصلوات إلى الرب طلباً للنجاة والخلاص من هذه الشرور، خاصة في مجتمعاتنا الشرقية وتحديداً في كنائسنا المشرقية. وللعرب المسلمين أيضاً مثل هذه الممارسة الروحية والمعروفة بـ (صلاة الاستسقاء) والتي تودئ عندما لا تمطر السماء في الشتاء ويتسبب الجفاف وشحة المنتوجات الزرعاية.

 من هنا يمكن القول بأن صوم النينويين وخشوعهم مع ملكهم الجبار إلى الرب طلباً للرحمة والخلاص يأتي ضمن هذا السياق وفي فترة كان فيضان يهدد بلاد آشور والذي تم تدونه في التوراة بما يتوافق مع المنهج التوراتي في تدون الأحداث ومع التقليد اليهودي في تفسير الظواهر الطبيعية التي تفتقر الكثير من المنطق والسياق التاريخي. وفيما يخص هذا الحدث، كيف يعقل أن ملكاً جباراً وشعباً قوياً أن يخضع لنداء أحد أنبياء اليهود والمعروفين تاريخاً بالعداء والكره للآشورين (كما جاء في سفر يونان) ويقبلون دعواته، ثم كيف يعقل أن يكون الآشوريون وثنيين يعبدون الأصنام وفي عين الوقت يخضوع لرسالة الرب. أليس من المنطق القول بأن الآشوريين كانوا في تلك الفترة يعرفون الله، الخالق الأوحد، ويخضعون لمشيئته، كما يؤكد هذا السفر من التوراة وأن عبادة الله ومخافته والتضرع إليه طلباً للشفقة والخلاص لم يكن حكراً على اليهود وحدهم في تلك الأزمنة بل شملت شعوب أخرى ومنها الشعب الآشوري.
 
بغض النظر عن طبيعة الحدث الذي فرض قوته على الشعب الآشوري وإلزام نفسه بالصوم خشوعاً للرب، فإنه يوكد بما لا يقبل الشك حقيقة تاريخية شكلت في سياقها الزمني وإمتداداتها التاريخية ممارسة طقسية تراثية وقومية دينية أرتبطت بالآشوريين فترة تزيد عن سبعة وعشرين قرناً. فبعد سقوط نينوى في العام 612 ق.م. ومن ثم سقوط آخر كيان سياسي لهم في 605 ق.م. وبعد إنتهاء الحروب وإستقرار الأوضاع باشر الآشوريون والذين كان غالبيتهم من المزراعين في إعادة تعمير المناطق المدمرة وبناء القرى الجديدة قرب مدنهم الكبيرة ومن ثم إستمرار مواصلة ممارسة مهنتهم في الزراعة وبالتالي أستمرار وإحياء الطقوس الدينية والتراثية من جديد. وهناك دلائل تاريخية تشير إلى أن الآشوريين مارسوا أعيادهم القومية والدينية ومناسباتهم التقليدية خلال تلك الفترة، أي بعد تلاشي كيانهم السياسي المستقل، منها إحتفالات رأس السنة الجديدة التي كانت تصادف في الأول من نيسان من كل عام إلا أنه ليس بالإمكان تحديدة إشارة أو دليل واضح على ممارسة الآشوريين لصوم نينوى في تلك المرحلة بسبب قلة أو إنعدام المراجع بهذا الشأن.

بعد ظهور المسيح، عليه السلام، وأعتناق الآشوريين المسيحية وهي في سنواتها الأولى، أصبح للتوراة وقعاً كبيرا على عقلية الشعب الآشوري وتأثيرعميق في إحياء ذكرياتهم القومية والتراثية عن بلادهم ومدنهم وملوكهم، خصوصاً عن سحر وعظمة نينوى التي شكلت محور أساطير العهد القديم بما فيها قصة قدوم النبي يونان إليها وخشوع الملك سنحاريب لإرادة الرب فهناك إشارة للآشوريين في التوارة تزيد عن 150 مرة. وتدلنا مخطوطات كنيسة المشرق "الآشورية" خصوصاً تلك التي دونها القديس مار أفرام (306 – 373) إلى ممارسة الآشوريين لهذا الصوم حيث كانوا يصمون مدة 40 يوماً خاصة في أوقات الأزمات أو خلال المذابح التي كانت تفرض عليهم من قبل الفرس وغيرهم.

وبسبب إرتباط تاريخ الآشوريين وكنيستهم بالمآسي والفواج والتشرد عن أوطانهم وخضوعهم لشتى أنواع الإضطهادات، أرتبط هذا الصوم بهم طيلة تاريخهم الطويل وتتابعوا على ممارسته حتى إنتظامه سنوياً في العصور الحديثة بشكل ثابت ومستقر وأدراجه في تقويم كنيسة المشرق باعتباره من المناسبات المهمة. حيث يعتبر إلى جانب الصوم الكبير صوماً إلاهياً لكونهما الصومين الوحيدين المذكورين في الكتاب المقدس. وباعوثا دنينوايه مناسبة ينتظرها الكثيرون ممن يسعون إلى تحقيق آمالهم عن طريق الصيام والتذرع إلى الرب ولكن في الأزمنة الحديثة وبسبب ظروف العصر والمدينة أختصر الصوم إلى ثلاثة أيام وهو الإنقطاع نهائياً عن الأكل والشرب أو إقتصار ذلك على الصباح ثم الإفطار ظهراً بتناول مأكولات نباتية فقط ويختم الصوم في اليوم الثالث بإقامة القداديس في الكنيسة مع توزيع الذبائح والنذور في باحة الكنيسة. ومن الجدير بالذكر بأن هذا الصوم كان يلتزم بها بعض الشعوب، كالأقباط وبعض العرب المسيحيين في بلاد الشام، غير أنه منذ سنوات طوال أنقطعوا عنه وأصبح في عالم النسيان، وحتى بعض من أبناء شعبنا الذين سيطر عليهم رهبة التوراة والمفاهيم القديمة البالية وفقر المعرفة العلمية في قراءة التاريخ أو الذين يتجاهلون خوفاً أو عمداً أصولهم التاريخية يحاولون إطلاق على هذا الصوم بـ (صوم يونان أنويا) او ذكر باعوثا فقط في تقاويمهم أو أدبياتهم من دون النينويين أو نينوى أو آشور كما يحاولون ربط الصيام لمدة ثلاثة أيام بمدة بقاء يونان في بطن الحوت وهو ربطاً يفتقر إلى أبسط مقوم أو منطق لأن يونان كان يستحق العقاب لا النذر والصيام له بسبب مخالفته رسالة الرب وتردده في تأديتها. من هذا يفرض السؤال قوته: لماذا ظل الآشوريون، حتى وإن كانوا قلة في هذا الزمان، متمسكين بهذا الصوم؟ أعتقد الجواب واضح وضوح الشمس ومن لا يستطيع إستنتاجه من هذه المقالة فهو إنسان أعمى لايستطيع أي يرى حتى نور الشمس.

كان من الطبيعي أن ترتبط بصوم النينويين، عبر مراحل تطوره التاريخي، جملة ممارسات وعادات بعضها أكتسب طابعاً غيبياً أسطورياً يتعلق بالتمنيات والرغبات التي لم يتمكن الآشوريون ضمن ظروفهم المأساوية من تحقيقها في الواقع المادي. ولا يخلو قسم من هذه التقاليد من الطرافة والفكاهة وبراءة الإيمان بكل وسيلة ينسج حولها قوة إمكانية تحقيق الرغبات المستعصية، ومن هذه التقاليد ما يعرف باللغة الآشورية بـ (بوخن) – الباء يجب أن تلفظ ( P )، وهي بالأصل خليط يتكون من سبعة أنواع من الحبوب التي يشتهر بها سهل نينوى، تطحن وتحمص ثم تملح وفي الليلة الأخيرة من الصوم توخذ كمية منها يتم تقديرها عن طريق وضع إبهام اليد فيها وتحميل ظهر الإبهام (الظفر) ووضعها في الفم ثلاث مرات ومن ثم دفعها تحت اللسان والركون إلى النوم بأمل الحلم بأحلام ستتحقق في الواقع. وجانب الطرافة في هذا الطقس يقوم على كون مادة البوخن شديدة الملوحة وتسبب العطش وجفاف الفم أثناء الليل وهما مصدر أحلام الشباب والشابات العازبين الذين يعتقدون بأنهم سيحلمون بشخص يروي عطشهم وسيكون فارس المستقبل أو عروس الغد. ولايزال بعض الآشوريين يصرون على أن ما قسمه الله لهم من نصيب في حياتهم الزوجية كان مرسوماً في حلم من أحلام صوم نينوى.

واليوم، رغم ظروف القهر والاستبداد التي فرضت على الآشوريين ومن ثمت تهجيرهم من أوطانهم التاريخية وتشتتهم بين أقطار العالم من أقصاه (أستراليا) إلى أقصاه الاخر (أميركا) ورغم ظروف التطور الهائل الذي تشهده هذه المجتمعات وتجاوزها للوحدات الاجتماعية التقليدية وتوجهها نحو الثقافة العالمية، فأن الآشوريين لا يزالون متمسكين بقيهم وعاداتهم وتراثم ولغتهم ويسعون من ممارستها الحفاظ على كيانهم القومي والديني ويأملون أن يمارسونها جميعاً في يوم ما وبآمان وحرية في وطنهم التاريخي الذي أنبثقت منه أقدم حضارة عريقة أعطى شعبها للإنسانية كثير الكثير ولم يأخذ منها حتى قليل القليل.... ترى هل ستحقق أحلام صوم نينوى أماني الشعب الآشوري في يوم ما، تلك الأماني التي حملها ولا يزال يحملها ويدفنها في صدره طيلة قورون طويلة من الزمن القاسي والظالم والتي لم يستطيع أعتى عتات العالم من تحطيمها. 

141
هل يتعلم الآشوريون من طيور الأوز


أبرم شبيرا

حول صديق عزيز لي رسالة ألكترونية تحت نفس العنوان وبالإنكليزية مع مجموعة من الصور لطيور الأوز تحكي عن قصة التعاون والانسجام القائم بينهم كوسيلة لاستمرار الحياة وديمومتها.  والأوز مخلوفات لا شك فيها بأنها أقل ذكاءً وفطنة من الإنسان الذي خلقه الله ليكون سيد الطبيعة وبقية المخلوفات... فإذا كانت هذه المخلوقات تتصرف بنوع من الفطرة المتوارثة فإن الإنسان يتصرف لا بالفطرة وإنما أيضا بالوعي والتخطيط... أفهل نتعلم من هذه المخلوفات البرية البسيطة ونحن أصحاب أعظم أمبراطورية عرفها التاريخ؟؟؟؟ لنستمع الى قصة الأوز، وقد يكون البعض قد شاهد وقرأ هذه الرسالة على بعض المواقع الألكترونية وهي بالإنكليزية :تجدها هنا ايضا: www.ankawa.com/images2/awz.pps  وفي أدناه ترجمة مع بعض التصرف وإضافة بسيطة لتفيد المعنى المراد منه.

دروس من طيور الأوز


عندما تهاجر الأوز وتقطع  مسافات طويلة جداً فهي تطير سرباً على شكل حرف (V)، فهل سألت نفسك يوماً لماذا تطير بهذا الشكل؟ ... أن الخالق وجد دائماً سبباً منطقياً لتصرف الحيوانات بهذا الشكل أو بآخر لأنها مسألة متعلقة بوجود الحياة وإستمرارها. فكل أوزة عندما تفرش جناحيها وتطير فأنها تخلق نوع من قوة الدفع نحو الأمام للطير الذي يليه، أي بعبارة أخرى فالطير الأمامي يساعد الطير الذي خلفه وهذا الأخير يساعد الذي يليه ... وهكذا. فقد دلت المعلومات بأن عندما تطير الأوز على هذا الشكل فأنها تضيف قدرة للطيران تزيد عن 71% مقارنة بالطير الذي يطير لوحده.

عندما تشذ أوزة واحدة عن السرب فأنها فجأة تشعر بالتأخر والتخلف عن بقية أعضاء السرب وتشعر بصعوبة في الطيران لوحدها لذلك سرعان ما ترجع وتدخل السرب مع بقية الطيور. هكذا الحال مع الإنسان فالأشخاص الذين يشتركون في الهدف والاتجاه ولهم شعور جماعي مشترك فأنهم يستطيعون تحقيق الأهداف والوصول إلى مقصدهم بسهول أكثر بكثير من الذين يسيرون لوحدهم.... وعندما تشعر الأوزة "القائدة" التي تكون في مقدمة السرب بالتعب والإرهاق فأنها تنسحب وتدخل السرب وتحل محلها أوزة أخرى وتتولى قيادة السرب.... فإذا كان للناس مثل سلوك الأوز سوف يدركون بالنهاية بأن نجاحهم يعتمد بالدرجة الأولى على العمل كفريق موحد وأخذ أدوار المهماة الصعبة "القيادة" بالتشارك والتناوب.... أين نحن الآشوريين بكل تنظيماتنا السياسية والقومية والدينية من هذا السلوك الجماعي؟؟؟؟؟ أفهل لنا قدرة على التعلم من هذه الطيور؟؟؟

لكل طير من طيور سرب الأوز دوراً محدداً حتى الطير الأخير الذي لا يوجد خلفه أي طير ليساعده برفرة جناحيه في السير قدماً فأن له واجب الصياح من مؤخرة السرب لتشيجع بقية أعضاء السرب للإستمرار قدماً وطمأنتهم على سلامة سيرهم نحو الاتجاه الصحيح.... هكذا يجب أن يكون صياح الناس مشجعاً ومطمئناً لبقية أفراد المجتمع وقيادته لا تهجماً شخصياً أو كذباً محبطاً للنشطين والعاملين في المجمتع.

عندما تمرض أو تجرح أحدى الأوزات فأن إثنين من الأوز يلحقونها وينزلون معها إلى الماء لمساعدتها وتوفير الحماية لها ويبقون مع الطير المريض حتى يشفى  ويستطيع الطيران أو يموت ثم بعد ذلك يبدءان بالحاق بسرب آخر أو محاولة اللحاق بسربهم الأول..... هل نستيطع أن نكون مضحيين مثل هذه الطيور حتى نكون جديرين بمثل هؤلاء الأصدقاء في وقت الشدة والحاجة ؟؟؟؟. ... آخر زمان ... لم يعد لنا قدرة التعلم حتى من الطيور... متى يكون الآشوريون سرباً ويكون لكل واحد منهم دوراً محدداً ومتناوباً.... قلت سابقاً وأستمر في القول بأننا تعلمنا أسوء عادات العرب السياسية، وهي البقاء في القيادة حتى الموت... والثرثرة الفارغة بدل من صياح الأوز المشجع وترك المريض واليائس واللاجئ يموت جوعاً وعراءاً في بلدان غريبة من دون أن نمد له يد العون والمساعدة... أن نعمل فراداً فراداً من دون أن نعرف ما هو العمل الجماعي المنتج ... متى نكون سرباً من أسراب خلق الله ونحن ليل نهار نتباهي بماضينا ونركع ونصلي لأسد بابل و الثور المجمع حتى ينفح الله فيهما الحياة ويعيدوا لنا مجدنا ..... أرجو من زعمائنا السياسيين والكنسيين مراقبة مواسم هجرة طيور الأوز ويتعلمون ولو شيئاً قليلا منهم.... التعلم حتى من أبسط المخلوقات ليس عيباً إنما العيب، كل العيب،هو أن ندعي العلم ونحن فراغاً منه، وأن ندعي الحكمة والمنطق ونحن طبلاً فارغاً، وأن ندعي الوعي والقومنة ونحن نياماً ونفاقاً، فهل أصبح الزمان غداراً لدرجة يحشرنا في زاوية اليأس والقنوط؟؟؟ أم لازال هناك ضوءاً بسيطاً جداً في نهاية النفق.

لننتقل من قصة الطيور إلى الإنسان، قبل فترة ألتقيت بصديق قديم وذكر لي قصة مناقشاته مع أبنته الشابة حول الوضع المأساوي لأمتنا في العصر الحالي فقالت له: لا يوجد حل إلا أن يموت ويفني جيلكم ويأتي جيلنا الجديد ليتولى الأمور بإيجابية أكثر. فقال لها فكرة جيدة ولكن أخشى أن يكون الفايروز قد أنتقل إليكم. قد يبدو من قصة الطيور وصديقي هذا بأن التشائم قد سيطر على عقولنا فيما يخص مستقبل أمتنا ولكن هذا غير صحيح لأنه يجب أن نفرق بين الوضع المأساوي للأمة كما هو في الواقع والحقيقة وبين منهجنا في التفكير ونظرتنا للأمور الواقعية والمستقبلية، فالأسود يبقى أسوداً مهما نظرنا إليه بنظرة إيجابية ولا يمكن أن تحوله إلى اللون الأبيض بمجرد النظر إليه والحديث عنه وعقد الإجتماع والمؤتمرات حوله للخروج من إسوداده، وإن كان هذا مهماً كمبدأ أساسي ولكن إذا لم يعقبه عملاً واقعياً منتجاً سوف يزيد من إسوداد الوضع ويكثر أنصار التشائم. اليوم معظم أبناء شعبنا لهم مواقف سلبية تجاه الأحزاب والمنظمات القومية وتجاه الواقع السياسي... لماذا؟؟؟ لأنهم فقدوا الثقة بهم،  فاجتماعات وتحالفات ومؤتمرات هذه الأحزاب والمنظمات لم تخرج بنتيجة ملموسة واقعية وبالتالي زادت من تشائمية أفراد المجمتع تجاه السياسة وواقعنا القومي.   

قبل فترة أيضا ألتقلت بصديق "متفائل" جداً عن وضع أمتنا الآشورية، لأكن أكثر واقعية وأقول شعبنا الكلداني السرياني الآشوري، وهو أحد ""ممثلي" شعبنا في أميركا لـ "مؤتمر عنكاوه" وشخصياً أثق به وبقدراته الفكرية وعملت معه في السياسة والمسائل القومية أثناء فترة حكم البعث المقبور في العراق في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وأثناء المناقشات الاعتيادية حول شؤون الأمة وشجونها ومآسيها خاصة موضوع هجرة الوطن وتفريغه من أبنائه، وبعد بيان رأيي عن ضعف قدراتنا في مواجهة موجات الهجرة إلى الخارج وإيجاد حلول لها تكون أكثر واقعية ومثمرة من حلول بناء البيوت المزركة الألوان في قرى أبناء شعبنا في شمال الوطن، قال لي "يا أبرم أنك تغيرت كثيراً وأصبحت متشائماً كثيراً ولم تعد ذلك الرجل الذي عرفته طيلة أكثر من ثلاثة عقود" فقلت له أن الوضع هو متشائم وليس أنا. إذن ما الحل؟؟؟ كثير من الأصدقاء يقولون بأننا ننقاش الوضع ونحدد المشكلة ونضع يدنا على الجرح ولكن لا نطرح الحلول...  سؤال قد يتصف بنوع من البساطة وأحياناً السذاجة، لأن الإجابة بسيطة جداً مثل الإجابة والقول بأن الغذاء هو الحل للجائع وأن الماء هو الحل للعطشان وأن الدواء هو الحل للمريض وهكذا ببساطة نقول بأن الحل لأمتنا هو أن نتعلم من طيور الأوز في التعاون الجماعي والمثمر وفي التضحية من أجل الجماعة وأن يكون الفرد للجميع والجميع للفرد. وإذا كانت الأوز تعمل ذلك بالفطرة فإن الإنسان يجب أن يعمل بالوعي ... أفهل لنا وعي كافي لنعمل مثلما تعمل الأوز؟؟؟؟ سؤال نترك جوابه لفرصة أخرى. 

142
الدولة الكرديــة
حقيقة أم يوتوبيــا
أبرم شبيرا
يعتبر الكرد في هذا اليوم، والذين يقدر نفوسهم بين ( 20-25 ) مليون نسمة، من القوميات الكبيرة  في العالم التي ليس لها كيان سياسي متميز، أو دولة خاصة بها رغم كون " كردستان " ، والذي  يعني بلد الكرد، يمتد جغرافياً إلى مناطق واسعة تشمل أراضي من العراق وإيران وتركيا وأذربيجان وحتى سوريا، ولكن هو بلد بدون حدود  معينة ومثبتة على الخريطة السياسية للعالم، ولا يدل على انه وطن يتطابق مع شعب ومع دولة كردية موحدة وإنما هو عدة مناطق منقسمة بين عدة دول إسلامية متجاورة أو متصلة ببعضها. ومما لا شك فيه هناك جملة عوامل سياسية وإقليمية ودولية لعبت دوراً مهماً في إفقار الكرد من وحدة قومية أو من كيان سياسي قومي خاص بهم. وقد تنطبق هذه العوامل أيضا على بعض القوميات الأخرى التي مزقتها الحدود السياسية للدول، كالآشوريين مثلا، إلا أن ما يميز الكرد عنهم هو تفاعل هذه العوامل مع عوامل داخلية اجتماعية مرتبطة بطبيعة الكرد أنفسهم ساهمت مساهمة فاعلة في هذا الإفقار. وعلى العموم يمكن حصر هذه العوامل في : أولاً : علاقة الكرد بالدين الإسلامي، وثانياً : التركيبة الاجتماعية لهم.

بالنسبة للعامل الأول، يجمع معظم المؤرخين على أن الكرد لم يكن معروفين للعالم كقوم لهم خصائص قومية متميزة إلا بعد اعتناقهم الإسلام ولم تبدأ بوادر هويتهم الكردية بشكل واضح إلا بعد الفتوحات الإسلامية. فمنذ دخولهم الإسلام في العام العشرين للهجرة وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب شمل حالهم كحال بقية الشعوب الآرية حيث لم يؤسس العرب الفاتحون لبلدان هذه الشعوب مستوطنات سكانية، ربما بسبب اختلاف الطبيعة الجغرافية، بل تركوهم لحالهم محافظين على تقاليدهم وعاداتهم وخصائصهم المتميزة، لكن مع هذا،  برزوا كمحاربين أشداء ومقاتلين في سبيل دينهم. وصلاح الدين الأيوبي، معروف بالأمثال المضروبة به في شجاعته وبسالته في خدمة الإسلام، فهو الذي كان على رأس أقوى دولة إسلامية في زمانه إلا أنه لم يفكر أو يسعى إلى تأسيس كيان خاص لأبناء شعبه الكردي أو تخصيص إمتيازات معينة وخاصة لأبناء جلدته، فحياته كلها كانت مكرسة في بناء الدولة الإسلامية ومحاربة أعدائها. والتاريخ أيضاً يزودنا بدلائل كثيرة على إخلاص الكرد للدين الإسلامي والجهاد في سبيله إذ لم يسجل أية ردة دينية قامت بينهم أو انحراف أو اجتهاد فكري بعيد عن روح الإسلام. وحتى المدارس أو الفرق الدينية التي ظهرت بينهم في فترات معينة فهي الأخرى لم تكن في تناقض أو تعارض مع الاجتهادات العامة للدين الإسلامي، كما أنهم لم يقوموا بثورة أو بتمرد واسع النطاق ضد سلطات الدول الإسلامية التي عاشوا في كنفها مطالبين بحقوق قومية خاصة بهم ومتميزة أو داعين إلى تأسيس دولة كردية أو إلى تثبيت مكانة سياسية خاصة بهم في ديوان الحاكم أو الخليفة أو اقتناء امتيازات خاصة بهم، كما كان الحال مع الفرس والترك والشراكسة والمماليك، بل كانوا وعلى الدوام، رغم اختلاف انتماؤهم القومي عن الحكام أو عن الأكثرية المسيطرة، كانوا مواطنون من الدرجة الأولى باعتبارهم جزء من أبناء الأمة الإسلامية ودولتها التي لم تكن تفرق بين العربي والأعجمي إلا بالتقوى.

أما بالنسبة للعامل الثاني، والمتعلق بالتركيبة الاجتماعية للمجتمع الكردي، فأن الطبيعة الجغرافية القاسية وعزلة المنطقة وصعوبة الاتصال بينها وبين العالم الخارجي من جهة وبين الأقسام المكونة لـ "كردستان" من جهة أخرى ساهمت في خلق نظام اجتماعي متميز شكلت العشيرة البنية الأساسية له والتي تمتعت بنوع من الاستقلال الذاتي تجاه السلطة المركزية.  فالكرد وعبر التاريخ لم يشكلوا أمة موحدة لها كيانها الخاص بها، بل كانوا مجموعة من العشائر تفتقر إلى التماسك والتضامن فيما بينهم، فكانوا يعيشون في جبالهم المعزولة ويبدون طاعة شديدة إلى شيخ العشيرة ويخضعون إلى أي نوع من الحكومة طالما كانت سلطتها إسلامية وتدعو إلى تطبيق الشريعة والسنة. وقد يبدو أن مثل هذه الظاهرة قد تكون سائدة في بعض شعوب المناطق المجاورة أيضا، إلا أن قوة وصلابة النظام العشائري في الكرد واستقلالية وحداته الاجتماعي بعضهم عن البعض وإفتقارهم إلى سلطة قومية مركزية جعلتهم في حالة مختلفة خاصة عندما كانت الحكومات المركزية وتحديداً الدولة العثمانية، تستغل وضعهم الاجتماعي وتزيد من ترسيخ استقلالية الوحدات الاجتماعية، أي العشائر، وانعزالها عن البعض وقطع الصلة بينهم سواء من خلال سياسة "فرق تسد" أو عن طريق تأليب بعضهم على البعض أو استغلال بعض العشائر ضد البعض الآخر في حالة قيام تمرد أو ثورة أو محاولة الخروج عن هيمنة السلطة أو تجاوز حدود النظام الاجتماعي السائد ومن ثم إخضاع الجميع في نهاية المطاف وحصرهم في قوالبهم الأصلية وحدودهم الطبيعية. ومما ساعد على استمرار هذا النمط من التركيبة الاجتماعية للنظام الكردي هو تداخله وتفاعله مع عامل الدين ومن خلال رأس أو زعامة هذه التركيبة المتمثلة في شيخ العشيرة. فكلمة الشيخ عند الكرد لا تعني زعيم عشيرة فحسب، كما هو معروف عند العرب، بل يقصد بها ذلك الشخص الديني التقي والورع الذي أوقف نفسه لخدمة الله والدين، سواء أكان منحدر فعلاً من أصول دينية أو مكتسباً لهذه الصفة من الممارسة الدينية في حياته، لذلك نجد بأن الكثير من السادة أو الملالي أو الشيوخ  يدعون انحدارهم من نسل النبي محمد (ص) أو من أئمة دينية معروفة، رغم جذورهم القومية والعرقية المختلفة.

وحال الكرد يشبه كثيرا حال الآشوريين من حيث التركيب الإجتماعي القائم على البنية العشائرية وقوة علاقتهم بالدين المسيحي. إلا أن ما ميزً الآشوريين عن الكرد هو أن الألفة والترابط بين العشائر الآشورية كانت أقوى بكثير من العشائر الكردية ولم تدخل في صرعات مسلحة ودموية بينهما. كما كان لهم ولاءً مركزياً قومياً ودينياً تمثل في زعامة البطريرك لهم طيلة قرون طويلة. إضافة إلى ذلك فإن المسيحية، وتحديداً كنيسة المشرق، كانت المعيار المتاح في تحديد المصدر الإساسي لإنتماء الفرد للمجموعة عاملاً قوياً في تحديد المقومات القومية والدينية للآشوريين في عالم أعتمد الدين الإسلامي معياراً أساسياً في إنتماء الفرد وولاءه للسلطات السياسية حينذاك.   

ولكن مع هذا، فالتاريخ الكردي في المنطقة لا ينفي أبداً قيام كيانات كردية مستقلة في السابق نالت استقلالها عن السلطات المركزية للدول العثمانية، إلا أنها سرعان ما كانت تنهار بعد فترة غير طويلة، إما بسبب موت الشيخ المؤسس الذي قاد الاستقلال، أو باندحاره في نهاية المطاف أمام قوات الدولة المركزية، أو عن طريق تحريض حكام هذه الدولة  لبقية شيوخ العشائر الكردية للانقضاض عليها. وفي معظم الحالات تقريباً جاء  زوال هذا الاستقلال القصير للدولة الكردية بفعل تفاعل العاملين السابقين، حيث كان مثل هذا الاستقلال يسبب لبقية الشيوخ الهلع والخوف من جراء تنامي سلطات الشيخ المؤسس للدولة الكردية والذين كانوا يعتقدون، أو كما كان يصور لهم من قبل السلطات المركزية، بأن مثل هذه الدولة ستكون على حساب مصالحهم واستقلالهم العشائري من جهة وأنه، من جهة ثانية، هو أجراء أو تمرد أو عصيان مخالف للدين والشريعة الإسلامية لأنه لا يجوز مقاومة السلطان العثماني باعتباره خليفة المسلمين. وفي تاريخ هذه الكيانات الكردية فتاوى أفتيت بحقها من قبل شيخ أو سيد كردي كانت من ورائها السلطات العثمانية لعبت دوراً كبيراً في انهيارها. هناك أمثلة كثيرة من هذه الثورات الكردية في القرن التاسع عشر والتي سقطت بمجرد صدور فتوى من شيخ كردي وبتحريض من السلطات العثمانية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قام محمد الكردي أمير إمارة سوران في القرن التاسع عشر بثورة شكلت خطورة على الدولة العثمانية فاستعان السلطان العثماني بالملا محمد وهو كردي أيضاً لإخماد الثورة، فأصدر هذا الملا فتوى دينية ضد الأمير محمد تقول "من يحارب جيش الخليفة فهو كافر وغير مؤمن وأن زوجته طالق" فترك جنود الكرد أميرهم يلاقي مصيره أمام السلطان بسبب هذه الفتوى. لهذه الأسباب قيل بأن الصراع الكردي – الكردي الداخلي كان وعلى الدوام أشد بكثير من صراعهم مع أعدائهم ومضطهديهم.

وهناك روايات كثيرة قيلت في عدم وفاق الكرد وتوحدهم وإبقاء الفتنة والقتال بينهم وصلت غرابة بعضها إلى حدود الأساطير. وأغربها قصة لعنة رسول الإسلام النبي محمد (ص) على الكرد والتي أوردها كاتب كردي مشهور أسمه البدليسي في كتابه المعروف (شرفنامه) الذي كتبه في القرن السادس عشر، وهو أول كتاب كردي يبحث في تاريخهم، حيث ورد فيه بأن في بداية الرسالة الإسلامية أرسل (أغورخان – ملك تركستان) وفداً إلى رسول الإسلام (ص) برئاسة شخص يدعى (بغدور) وكان من أمراء الكرد وكان هذا كريه المنظر، فظاً غليظاً شديد المراس، فلما وقع نظر النبي (ص) على هذا الشخص الكريه المنظر والضخم الجسم، فزع ونفر منه نفوراً شديداً. وعندما سأل عن أصله وجنسه قيل بأنه من الطائفة الكردية وعندئذ دعا النبي قائلاً "لا وفق الله تعالى هذه الطائفة إلى الوفاق والإتحاد"..(أورده زبير سلطان في كتابه القضية الكردية من الضحاك إلى الملاذ، دار الكشاف، دير الزور – سوريه،ط1، 1990، ص 28-29).  وعلى الرغم من أن بعض الكتاب ينفون هذه القصة في لعنة الرسول للكرد ويكذبونها لأن الرسالة الإسلامية لم يكن خبرها قد وصل في عهد الرسول إلى بلاد التركستان إلا أن مع هذا يعطون أهمية لها لكونها قد أوردها كاتب كردي في القرن السادس عشر الميلادي كان له دراية ومعرفة في عدم وفاق الكرد وتوحدهم. إضافة إلى ذلك فأنه ليس من المعقول والمنطق أن يصدر سلوك بهذه السلبية من نبي جاء لخدمة البشر من دون تمييز وأن يحكم عليهم بالشكل والمظهر. كما أنه مهما كانت قباحة وفظاظة هذا الأمير الكردي فأنه ليس من المعقول والمنطق أن تنفر النفوس منه تصل إلى درجة اللعنة خاصة إذا عرفنا بأن الكرد كشعب آري يتمتع بقدر مقبول جداً من حيث اللياقة الجسدية والشكلية فهم ليسوا بتلك الدرجة من القباحة الموصوفة في هذه القصة.   

 في فترة قدوم الأفكار القومية الحديثة من أوربا في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن العشرين،  بما فيها مبدأ القوميات وحق تقرير المصير وغيرها من المبادئ والمعتقدات التي نادت بضرورة إقامة الدول على أسس قومية ووصولها إلى المنطقة، والتي بدأت تتفاعل مع غيرها من العوامل السياسية  في نخر جسم "الرجل المريض" والقضاء عليه وتفتيت إمبراطوريته. فكانت الفرصة المناسبة للكرد للتحرك والتخلص من الاستبداد العثماني واقتطاع حصتهم من التركة وتأسيس دولتهم الكردية في "كردستان". ومما كان يساعدهم على تحقيق ذلك هو  قدرتهم العسكرية وخبرتهم القتالية في المناطق العاصية مع كثافتهم السكانية وتركزهم الجغرافي، إضافة إلى السياسات الدولية التي كانت تقضي  بتفتيت الإمبراطورية  العثمانية وتقسيمها إلى دول قومية. غير أنه يظهر إن هذه الأفكار والمبادئ ، والتي كان الأتراك يروج عنها باعتبارها أفكار مسيحية كافرة وافدة من أوربا تهدف إلى القضاء على الدولة الإسلامية، لم تغير من واقع الكرد بشيء ولم تؤثر على العوامل المتحكمة في المصير القومي الكردي المندمج مع الدولة العثمانية ولا أن تفعل فعلها نحو توحيدهم في كيان قومي أو تعمل على تبنيهم مبدأ قومي واضح يتجاوز البنية الاجتماعية العشائرية السائدة ويتوحدون تحت زعامة قومية. لا بل وإنما على العكس من هذا، بدأ الكرد  بالدفاع المستميت عن الإمبراطورية العثمانية المتداعية فاستطاع الأتراك استغلال هذا الاندفاع والزج بالعشائر الكردية في أتون نيران الحرب التي لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل غير رغبة الانتقام المنقادة بعقلية عشائرية متحكمة في حياة الكرد. ففي عام 1885 شكلت السلطات العثمانية قوات عسكرية من العشائر الكردية عرفت باسم (قوات الخيالة الحميدية ) بهدف توطيد السلطة العثمانية في جبال "كردستان" والتي أصبحت أداة فاعلة ومؤثرة ليس في استبداد وقهر الشعوب المسيحية، كالآشوريين والأرمن فحسب، وإنما أيضا في قمع بعض الحركات أو العشائر الكردية الأخرى التي ناهضت سلطة الدولة. فاستمرت هذه القوات في أداء خدماتها الممتازة للأتراك حتى بعد فترة استيلاء حزب الاتحاد والترقي (تركيا الفتاة) على السلطة السياسية وإزاحة السلطان عبد الحميد وإعلان الدستور العثماني في عام 1908 حيث تبدل أسمها إلى (الخيالة الخفيفة) والتي أصبحت القوة الضاربة في يد القوميين الأتراك لاضطهاد الشعوب غير التركية بهدف تحقيق سياسة التتريك ومن ثم إنجاز حلم إقامة الإمبراطورية الطورانية. ثم وبعد سنة من قيام الحرب الكونية الأولى، ألغيت هذه القوات نهائيا، ولكن مع هذا استمر معظم الكرد  في خدمة دولة الأتراك، سواء من خلال انخراطهم في المؤسسة العسكرية أو المدنية أو من خلال تحريض العشائر الكردية واستخدامهم في الحرب.

ومن سخرية الأقدار أن يستمر الكرد في تقديم خدماتهم العسكرية الكبيرة للترك حتى بعد زوال الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية رغم انتشار الوعي القومي بين قطاعات معينة منهم. يقول المؤرخ الكردي الكبير محمد أمين زكي (كان وزيراً للمالية في العراق أثناء مذابح الآشوريين في سميل عام 1933) في كتابه الموسوعي (تاريخ الكرد وكردستان) الذي كتبه عام 1931 وترجم إلى العربية عام 1936 وطبع في القاهرة، يقول بأنه لما زالت كلمة (العثماني) العامة من الوجود في تركيا، وهي الكلمة الشاملة لجميع العناصر والشعوب الخاضعة للدولة العثمانية والتي كانت قد خدرت نوعا ما أعصاب كل واحد منا نحن أبناء القوميات الأخرى، وحلت محلها كلمتا التركي والطوراني،  شعرت أنا أيضا بطبيعة الحال، كسائر أفراد العناصر العثمانية غير التركية، شعوراً قوياً بقوميتي المستقلة من الترك فحملني ذلك على إظهار الشعور القومي الفياض والإحساس بالعاطفة الوطنية القوية (من مقدمة الكتاب )، وهو الشعور الذي كان يعم بين العديد من المثقفين الكرد وبين بعض شيوخ العشائر الكردية التي طالبت بحق الكرد في تقرير مصيرهم القومي وتأسيس دولة كردية لهم والذين كانوا قد قدموا مطالبهم وأرسلوا الوفود إلى مؤتمر السلام في فرساي بفرنسا (1919-1920 )، إلا أنه مع هذا كله أستمر وبشكل عام معظم الكرد في مساندة الترك وتقديم خدماتهم لإنجاح الحركة القومية  التركية وتأسيس الجمهورية التركية الحديثة حيث شاركوا مشاركة فعالة في توطيد أركان النظام التركي الجديد وفي القتال ضد الآشوريين والأرمن وضد القوات الروسية حتى تمكنوا من إفشال معاهدة سفير (1920) وانتعاش " التركي الميت " كما يقول زكي (ص268) ومن ثم إحلال محلها معاهدة لوزان (1923) والقاضية بموت كل من أرمينيا الكبرى وكردستان المصغرة ومن ثم بروز تركيا بقيادة كمال أتاتورك كقوة فاعلة ورئيسية في المنطقة وقادرة على مفاوضة الإنكليز والفرنسيين لضمان استقرار حكمها. وبالمقابل لم يحصل الكرد إلا مزيداً من الاستبداد والظلم والحرمان من أبسط حقوقهم القومية، بما فيها منعهم من التكلم والتعلم بلغتهم الكردية، لأنه لم يعترف بهم كقومية كردية بل اعتبروهم  مجرد أتراك الجبال.

 
صورة لمجموعة من أعضاء برلمان كردستان يظهر فيها أحد رجال العشائر نائماً ومثقفاً يتثاوب ورجل دين يقرأ وسيدة في الخلف. صورة منقولة عن جريدة الحياة اليومية (28/9/2005)

وبعد استقرار الأوضاع وتوقيع المعاهدات وإقرار تسويات الحدود بين دول المنطقة والدول المنتدبة عليها من قبل عصبة الأمم والتطورات التي مرت بها شعوبها، لم تتمكن الحركة القومية الكردية  الإفلات من نفس العوامل السابقة المتحكمة في تقرير طبيعتها والتقيد بها، خاصة في الدولتين الإيرانية والتركية باعتبارهما دولتان مسلمتان، لا بل وعلى العكس من هذا حيث ظهر الإقليم السياسي كعنصر إضافي وحاسم ومؤثر في سياق تطور هذه الحركة نحو إقامة الدولة الكردية، إذ تقولب الكرد وحركتهم السياسية طبقاً للدول التي تشكلت حدودها بعد الحرب الكونية الأولى وجزأت الشعب الكردي إلى أجزاء تفصله حدود سياسية صارمة، خاصة في بداية هذا القرن حيث أصبحت مسألة السيادة أكثر قدسية وحساسية بالنسبة للدول الجديدة في  المنطقة،  فسارت حركة كل جزء من الشعب الكردي متأثرة بالعوامل السياسية الخاصة والمحيطة بالدولة التي عاشوا تحت سلطتها. ففي العراق، الذي برز كيانه السياسي في عام 1920، استمرت الحركة الكردية  كحركة إقليمية أو "قطرية" ولكن من دون أن تستطيع الخلاص من تأثير العوامل السابقة المتحكمة فيها، إذ استمر شيوخ العشائر في قيادة الحركة الكردية وتأسيس دولتهم، كما كان الحال مع الشيخ محمود الحفيد وهو من كبار شيوخ عشيرة الزيبار، ومملكته في مدينة السليمانية في شمال العراق في عام 1922 والتي لم تستمر أكثر من سبعة أشهر.

أما بالنسبة لعامل الدين، فهو الآخر أستمر أيضا يلعب دوره السابق المؤثر في  الحركة الكردية،  إذ أن خضوع الأكراد في  العراق إلى الحكم البريطاني المتمثل في نظام الانتداب ومن ثم إدارة البلاد عن طريق حكومة عربية على رأسها ملك عربي، كانت بالنسبة لهم ظاهرة جديدة  جعلتهم ولأول مرة في التاريخ أن يخضعوا لحاكم غير مسلم، بريطانيا، وأن تدار شؤونهم  من قبل حكومة عربية بعد قرون طويلة، إذ أن طيلة تاريخهم تعودوا الخضوع إلى حكومات مسلمة وإلى عناصر آرية أقرب إليهم من العناصر السامية. وقد يكون ذلك سبباً لتأييد العشائر الكردية، باستثناء قليل في السليمانية، انضمام ولاية الموصل إلى تركيا بدلا من العراق في بداية العشرينات، وكان من بينهم شخصيات وزعماء أمثال فتاح بك صهر الشيخ محمود الحفيد، الذي كان يحمل شهادة الجنسية العراقية ولكنه كان عضواً ضمن الوفد التركي المفاوض حول تقرير مصير الولاية ومدافع عن حق تركيا في هذه الولاية بدلا عن العراق. هذه الظروف هي التي ساهمت مساهمة مباشرة في بروز الحركة الكردية المعاصرة في العراق ومن ثم تبلورها وتطورها نحو مراحل سياسية أكثر وضوحاً وتقدماً، في مقارنتها مع مثيلتيها في إيران وتركيا، خاصة فيما يتعلق بتأسيس أحزاب سياسية ومنظمات قومية وقيامهم بحركات مسلحة ضد السلطة المركزية والتي استمرت لفترات طويلة في  مقارنة مع الحروب والحركات السابقة، ومن ثم الوصول إلى الحكم الذاتي في عام1970 وحكومة إقليمية وبرلمان في عام 1992. وبسبب التأثير الديني في العقلية الكردية، فهناك احتمال كبير بأن الظروف المحيطة بالكرد في شمال العراق سوف تصبح أرض خصبة للحركات والنزعات الإسلامية المتطرفة، خاصة عندما يزول أو يخف الدعم الدولي والإقليمي في حماية المنطقة الآمنة وتتضاءل حملات محاربة الإرهاب الدولي المتمثل جانب منه في الحركات الإسلامية المتطرفة، والتي كانت تنشط ويتوسع نفوذها وقوتها في المنطقة الشمالية من العراق وتتحدى القوى الكردية الرئيسية الأخرى، وهي الحقيقة التي أدركها زعماء الأكراد في هذه الأيام والتي تتمثل جانب منها في قتالهم للمنظمات الإرهابية وفي إصرارهم على العلمانية في السياسية والحكم وإستبعاد الدين عن السياسة ومحاربة التطرف الديني.

وهكذا، بقدر اطراد استقرار الحدود الدولية بين الدول الرئيسية، تركيا وإيران والعراق الحاوية على أراضي "كردستان"، وإقرار هذه الحدود في تسويات واتفاقيات معترفة بين الأطراف ومحققة لمصالحهم الخاصة، بقدر ذلك تعاظم تأثير عنصر الإقليم أو القطر على الحركة الكردية، ليس من حيث تغيير مسارها القومي وتحويل مطامح تأسيس دولة كردية إلى مجرد يوتوبيا و"حلم وردي" فحسب، وإنما زادت القطرية من خطورة هذه الحركة على هذه الدول، بحيث أصبح مدركاً للجميع بأن أي استقلال كردي في أي من الأقطار مهما كان نطاقه سيؤثر حتماً وبالنتيجة المباشرة على الكرد في القطر المجاور ويدفعهم نحو نفس المنحى، وبالتالي ظهور بواد نحو المطالبة بالاستقلال بالجزء الآخر من "كردستان" في الدولة الأخرى والانسلاخ منها لغرض تحقيق حلم "كردستان الكبرى"، خاصة وأن العاملين الجغرافي والديموغرافي، من تجاور الأقاليم وتركز السكان في مناطق متاخمة لبعضها، يساعدان كثيرا على تحقيق مثل هذه الدولة، والتي ستكون من دون أدنى شك على حساب أراض الدول الثلاث الأخرى، إيران وتركيا وسوريا، وهو السبب الكافي لأن تكون مواقف هذه الدول مفرطة في الحساسية ومعارضة بشدة لأي نوع من الاستقلال الكردي. والجدير بالذكر أن الخوف من وحدة الكرد وبالتالي قيام الدولة الكردية، كان مدركاً منذ أيام كون بريطانيا القوة الفاعلة في المنطقة والتي عملت الكثير من أجل دون تحقيقها وتضمين ذلك في اتفاقيات دولية. يقول الضابط البريطاني ( دبليو. آر. هاي ) في كتابه المعنون ( سنتان في كردستان ) المطبوع في لندن عام 1921، والذي زار المنطقة ودرس طبائع الشعب الكردي، يقول ( أن اليوم الذي يستيقظ الكرد وبوعي قومي ويتوحدون سوف تتفتت أمامهم الدولة التركية والفارسية والعربية، ويقصد العراق، وتتطاير كالغبار، ولكن مثل هذا اليوم لا يزال بعيد المنال) ص36.

ومثل هذه المخاوف، الذي بأستمرارها وتصاعدها وتفاعلها مع ظروف إقليمية ودولية، قد تحولت إلى نوع من العقدة تجاه مطالبة الكرد بحقوقهم القومية، بحيث وصلت إلى ناطق يمكن وصفه بـ "بالفوبيا الكردية".  وهي التي تتحكم في سلوك صانع القرار السياسي لدول المحور الثلاثي لكردستان، إيران وتركيا وسورية، في رسم وتقرير سياسة أمنهم القومي. فجانب من هذا السلوك الجامع والمقلق يمكن استخلاصه من  الحديث المتلفز لرئيس النظام العراقي المقبور صدام حسين في معرض رده  لبوادر الاستقلال الكردي، عندما سحب قواته عام 1991 من شمال خط العرض 36 وخضعت للحماية الدولية وبدأ الكرد بتأسيس حكومتهم الأقلية، حين قال بأنه قبل أن يحرك قواته لسحق أي استقلال كردي عن العراق سوف تكون القوات التركية والإيرانية قد سبقته في هذه المهمة. وفعلاً فأن الاجتياح المستمر للقوات التركية لشمال العراق وتدخل إيران في شؤون المنطقة لاحتواء الاستقلال الكردي النسبي ضمن نطاقه الضيق يعكس هذه الحقيقة، كما وأن الاجتماعات الدورية التي كانت تعقدها إيران وتركيا وسوريا في الشأن الكردي كانت تدور ضمن نفس السياق القائم على التخوف من الاستقلال الكردي في شمال العراق .

واليوم، ومن أي يوم مضى، تدرك قيادات الحركة الكردية القومية كل هذه الحقائق وتحاول أن تحقق جانب من طموحاتها القومية ضمن الأطر المسموح بها والعمل على عدم التضحية بالمطمح الممكن من أجل المطمح غير الممكن، لا بل ويظهر بأن قيادتها تدرك أيضا بأن سكب المزيد من الدماء وإزهاق الكثير من الأرواح من جراء اللهث وراء تحقيق  مطمح دولة "كردستان الكبرى" اليوتوبية غير ممكن في الوضع الراهن المقيد بقيود صارمة مفروضة من قبل ثلاث دول يغلب عليهم عنصر القوة أكثر من عنصر التفاهم في التعامل مع الاختلاف القومي، وأن السعي وراء المطمح البعيد المنال  سوف يحرمهم من تحقيق المطمح القريب والذي يتمثل جانب منه بالفدرالية فيما يخص العراق وفي تصريحات القياديين الكرد في اعتبار "الدولة الكردية" مشروعاً مؤجلاً في الوقت الحاضر. وهي كخطوة أولى نحو الاستقرار وضمان حقوقهم المشروعة والتي ظلت وعلى الدوام مهضومة من قبل الحكومات التي خدموها كثيراً عبر التاريخ الطويل ولم يحصلوا بالمقابل إلا المزيد من الظلم والاضطهاد والذي حول حق للكرد في دولة مستقلة إلى مجرد يوتوبيا.

وإذا كان يحق للكرد كقومية متميز في العصر الراهن أن يكون لها كيانها الخاص والذي يتقرر بإرادة شعبها وقيادته فيما إذ يكون هذا الكيان على شكل دولة مستقلة أو كيان يتمتع بفدرالية مرتبطة بالعراق فإن مثل هذا الحق المطلق يجب وبالضرورة أن ينطبق أيضاً على بقية القوميات المتميزة وبالأخص الآشوريين منهم الذين تتداخل جغرافيتهم وتاريخهم ومصالحهم معهم وأن يتركوا لهم ولقيادتهم وأحزابهم حرية إختيار شكل الحكم الذي يفضلون أن يعيشون فيه من دون أن يكون هناك أي تأثير من "الكبير" على "الصغير" ومن "الغني" على "الفقير" ومن الأكثرية على الأقلية حينذاك يتشرع حق الكرد في كل ما يرونه مناسباً لهم ويكون مقبولاً بالتمام والكمال من قبل الكل وخاصة الآشوريين منهم.   

143
"الجالية المسيحية" وفق العقلية العراقية

أبرم شبيرا

أثارت الكتاب الرسمي الذي أصدرته الأمانة العامة لمجلس الوزراء في العراق بتاريخ 27/7/2007 ونعت المسيحيين في العراق بـ "الجالية" موجة من السخط والاحتجاجات بين المسيحيين، وخاصة الآشوريين والعلمانيين من دون رجال الدين، متهمين الحكومة العراقية أما بالجهل بالتاريخ الحضاري والقومي للمسيحيين في العراق أو بالقصد والنية السيئة من أجل النيل بالمسيحيين ومحو خلفيتهم التاريخية العراقية الأصيلة، وهي ظاهرة جيدة تنم عن مدى تمسك المسيحيين بحقهم التاريخي في موطنهم الأصلي، إلا أن مع هذا أفتقرت هذه الاحتجاجات التحليل النظري والإطار الفكري في فهم هذه الظاهرة عند الحكومة العراقية ورجالاتها وأقتصرت على الردود الفعلية الطبيعية لكل مجموعة أو قومية تحاول الحفاظ على كينونيتها والدفاع عن أساسها الشرعي والتاريخي.
وقبل الولوج في طرح الإطار النظري في فهم العقلية العراقية بخصوص هذه المسألة، نود أن نوضح بعض الأمور بخصوص الكتاب المكذور أعلاه:
الكتاب صدر بتاريخ 26/7/2007 مختومة بـ (سري وعاجل) وموجه إلى مكاتب الوزراء التاليين: الداخلية والنفط والإعمار والإسكان والمهجرين والمهاجرين وحقوق الإنسان وأيضا إلى مكتب الأمين في أمانة بغداد. وموضوع الرسالة هو (طلبات الجالية المسيحية في العاصمة بغداد) وجاء في متن الكتاب مايلي (حصلت موافقة السيد رئيس الوزراء على تقديم المساعدة الممكنة بخصوص تنفيذ طلبات الجالية المسيحية في بغداد وبعد إطلاعه على الملف (المرفق طيا) ... للتفضل بالإطلاع وإتخاذ مايقتضي كل حسب إختصاصه) المرفقات: نسخة من الملف حول الموضوع أعلاه).... الكتاب موقع من قبل الأمين العام لمجلس الوزراء وكالة ومؤرخ 27/7/2007 ...
الغرض من سرد مضمون الرسالة هو بيان بعض الملاحظات ذات الإهتمام والمثيرة للتساؤل منها: أن الكتاب  سري ولكن لم يمضي شهرين حتى أصبح منشوراً على الكثير من المواقع الألكترونية كما أنه من الغريب أن يكون الكتاب موجهاً إلى وزارات قد لا تعني المسيحيين بشئ أو بمشكلتهم، منها وزارة النفط وزارة النقل ... ترى لماذا وجه الكتاب لهاتين الوزارتين في الوقت الذي نعلم كلنا بأن مهما كانت مشكلة المسيحيين في العراق فأن لا علاقة لهم بهاتين الوزارتين من غير أن يكون هناك سر لا نعرفه. والمثير للإنتباه والتساؤل هو إشارة الكتاب إلى طلبات الجالية المسيحية وتلبية هذه الطلبات. وقد يكون الملف المذكور والمرفق بالكتاب يتضمن أجوبة لمثل هذه التساؤلات والتي لم يكشف عنها. ومن الملاحظ بأن الكتاب صدر في فترة كانت التفجيرات الإرهابية للكنائس في بغداد وبعض المدن العراقية في أوجهها لذا من المحتمل أن تكون "الطلبات المسيحية" صادرة من جهات دينية بخصوص توفير الحماية لهم، ولكن مع هذا تبقى علاقة الوزارتين النفط والنقل موضوع تساؤل مثير للإستغراب... أفهل طلبت "الحالية المسيحية" تخصيصات مالية من واردات النفط لبناء الكنائس؟ وهل طلبوا باصات من وزارة النقل لنقل رعيتهم؟؟؟ قد يكون في هذه الأجوبة نوع من المزحة أو السخرية ولكن هل بقى في العراق في هذه الأيام نوع من الجدية في الحياة العامة؟؟؟

على العموم، مهما كان مقصد الجهة التي أصدرت الكتاب ونعتت أقدم شعب في التاريخ لا زال يسكن موطنه الأصلي بـ "الجالية" لهو أمر مقزز ومثير للإشمئزاز سواء أكان هذا النعت بقصد أو بغير قصد، فأنه لايمكن أن نفهمه إلا من خلال الأطار النظري للفكر العراقي والعقلية العراقية تجاه الأقليات، مع التحفظ في ستخدام هذا المصطلح. في عام 2001 كتبت كتاباً بعنوان "الآشوريون في الفكر العراقي المعاصر – دراسة مسألة في العقلية العراقية تجاه الأقليات" أصدرته دار الساقي في بيروت ولندن. ومصطلح "الجالية المسيحية" الذي أورده كتاب مجلس الوزراء ما هو إلا نموذج تطبيقي آخر للنماذج التي ذكرتها في الكتاب.  فالكتاب يعرض أسلوب أو طريقة فهم العقلية العراقية لمسألة الأقليات وأخذت الآشوريين كمسألة للدارسة، مؤكداً القصد من الآشوريين هو كل الطوائف المنتمية إلى فروع كنيسة المشرق وتحديدا الكلدانية والسريانية مع التركيز على الطائفة المشرقية "النسطورية" التي أرتبطت تسميتها في الفكر العراقي بالتسمية الآشورية ولأسباب سياسية بحته ذكرتها بشكل مفصل في متن الكتاب. الكتاب هو دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة لأفكار وممارسات لمجموعات رئيسية من حزبية وقومية وطائفية سائدة في العراق وكيفية النظر أو التعامل مع الآشوريين في العراق ومع مسألتهم القومية والتي تبينت في نهاية المطاف بأن الجميع ينظرون إليهم نظرة متشابهة أطرتها العقلية العراقية التي تكونت من تراكمات المواقف السياسية المستمرة تجاه الآشوريين طيلة فترة طويلة وعبر مختلف النظم السياسية التي تواكبت على السلطة في العراق. ومرد هذا التشابه يرجع إلى نفس المصادر من دينية وتاريخية ونفسية وسياسية التي أقتبسوا منها وكونوا عقليتهم تجاه الآشوريين. وأتضح في التحليل الأخير بأن المفهوم العثماني عن الشعوب غير المسلمة وعن المختلف ترسبت في العقلية العراقية ولم تستطيع التخلص منها، بإستثناء قليل جدا، رغم إختلاف المذاهب السياسية والدينية والطائفية والقومية في العراق. وأخذنا نماذج من كل مجموعة قومية وحزبية وطائفية وسياسية لأثبات ما ذهبنا إليه في كيفية فهم العراقيين للمسألة الآشورية بشكل خاص والأقليات بشكل عام. وما هو "الجالية المسيحية" إلا مصطلح جديد في قاموس العقلية العراقية. من هذا المنطلق فإن إختلاف الدين أو الطائفة أو الموقف السياسي أو الايديولوجي أو الفكري لم يؤثر في العقلية العراقية تجاه الآشوريين لا بل وحتى إختلاف النظام السياسي لم يؤثر أيضا فالعقلية العراقية بقي هي هي دون تغيير إلا في بعض الأحيان وحسب الظروف السياسية الداخلية والدولية ولكن في جوهرها بقيت دون أي تأثير إيجابي في طبيعة العلاقة بين الآشوريين كشعب أصيل للعراق وبقية المجموعات العراقية والتي تستحتق البعض منها أن يطلق عليها بالجاليات لأنها نزحت قبل أقل من قرن من الزمن إلى بلاد مابين النهرين، موطن الآشوريين الأصلي.

واليوم النظام السياسي في العراق، بغنى عن الظروف السياسية والارهاصات التي تحيط به، هو غير الأنظمة السابقة من نواحي عدة إلا أن عقليته تجاه الأقليات المسيحية وتحديداً الآشوريين منهم بقيت نفسها دون تغيير. فإذا كان الآشوريون في ظل الأنظمة السابقة مجرد "طائفة دينية نزحت إلى العراق ولا تربطها بصلة بتاريخ العراق أو بالآشوريين القدماء" فإن مصطلح "الجالية المسيحية" هو نفس المفهوم أو الموقف الرسمي تجاه المسيحيين والآشوريين تحديداً يمتد جذوره إلى المرحلة العثمانية الفاسدة. من هذا المنطلق أيضا يجب أن لا نستغرب أن تكون ديباجة الدستور العراقي خالية من الإشارة إلى بابل وآشور والتاريخ القديم للعراق ولا إلى الإضطهادات التي عانها الآشوريون في ظل الأنظمة السابقة ذلك لأن هذا ليس جزء من تاريخ القابعين على السطلة في العراق ولا المتحكمين على مقدرات الوطن. فتاريخهم في العراق له عمراً لا يتجاوز بضعة قرون. وحسناً فعلوا بهذا السلوك العثماني لأنه سيبقي بتصرفهم هذا تاريخ أكد وسومر وبابل وآشور حصراً على الآشوريين بكل طوائفهم وتفرعاتهم الأصيلة.

والتساؤلات العديد والمثيرة تبقى دائماً قائمة ... أفهل وفق هذه العقلية المتخلفة التي تدور ضمن عقلية "العداء السافر" ورفض المختلف نستطيع نحن أن نضمن حقوقنا في العراق.... أفهل نصدق بعض السطور المهلهلة والخجولة في الدستور العراقي، إذا كا يصح أن نسميه دستوراً، أن تحمينا من سيف الأرهاب الجسدي والفكري وتضمن حقوقنا القومية في أرض أجدادنا في الوقت الذي كراسي صنع القرار وساحة اللعب  بمقدار الشعب الأصيل للعراق محجوزة سلفاً ومخصصة طائفياً وعرقياً، ولكن إذا طالبنا بالحكم الذاتي أو منطقة إدارية لشعبنا أنهالت علينا النعرات العنصرية والعرقية كما كان يفعل العثمانيون والأنظمة السابقة للحكم في العراق. واليوم تأتي بدعة "الجالية المسيحية" لتقول لنا أنتم يا معشر بابل وآشور ما أنتم إلا مجرد جالية غرباء عن العراق لا تستحقون غير أن تكونوا أهل ذمة تدفعون الجزية وألا فالويل لكم كما هو حالكم في منطقة الدورة ومناطق أخرى في بغداد التي تحدث من دون وازع قانوني وأخلاقي. أفهل أعتذار من الحكومة العراقية بخصوص الجريمة التي إقترفتها بحق المسيحيين في العراق بنعتهم بـ "الجالية" يزيل المفاهيم العثمانية من عقول رجالاتها؟؟؟؟ أشك في ذلك! وأمل أن أكون مخطئاً وما على رئيس الحكومة العراقية إلا إثبات ذلك.   

144
في الذكرى السنوية الـ (11) لرحيل أبي جوزيف

_________________________________

صفحات قومية في نضال توما توماس

أبرم شبيرا
يحق للشيوعيين العراقيين كل الحق كما يحق لأهالي ألقوش (نينوى الثانية) أن يحتفوا لا بل أن يتباهوا بهذا المناضل الكبير لما له من صفحات نضالية طويلة في تاريخ العراق الحديث يفتخرون بها كسجل ذهبي في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي وأهالي ألقوس. ولكن كان لأبي جوزيف صفحات نضالية قومية وإنسانية يجب للجميع أن يحتفوا بنضاله أيضاً خاصة القوميين منا. ولكن "الفوبيا" التي تهمن على عقول الكثير من القوميين من أبناء شعبنا يجعلهم بعيدين خائفين عن التقرب إلى كل ما هو شيوعي أو دراسة الماركسية والاستفادة من فلسفتنا وإستخدامها كمنهج تحليلي في دارسة أحوال مجتمعنا وحركتنا القومية. وإكراماً وبجلال وقار كنت في السنوات القليلة الماضية قد كتب عن هذا المناضل بعض السطور في ذكرى رحيله... واليوم أثار إنتباهي أحتفال الآلقوشيين والشيوعيين بذكرى هذا البطل أن أفتش في أوراقي القديمة وأن اعيد صياغتها وأنشرها بهذه المناسبة.

عرفنا أبا جوزيف مناضلاً شيوعيا صلداً أمضى زهوة شبابه ونضوج رجولته ووقار شيبه في مقاومة الظلم والاستبداد من دون أن يعرف معنى للراحة والاستقرار. عاش في الجبال العاصية مقاتلا أعداء الحرية والإنسانية أكثر مما ناضل من خلف الموائد المستديرة وفي قاعات المؤتمرات الفسيحة. قضى حياته مع رفاق الدرب أكثر مما قضاها مع عائلته وأبنائه، فكانت ساحة الوغى الدائرة على الأنظمة المستبدة حديقة منزله، فلا يهدأ له بال ولا يستقر به حال إلا في مقاتلة هذا المستبد ومناصرة ذلك المضطهد المحروم فكانت هذه الساحة أكثر من بيته وملتقى حياته ونشاطه … وعجبي… فهل كان له بيتاً ثاباً مستقراً ..؟؟؟ .

شخصيا عرفتُ الكثير من الآشوريين الشيوعيين ودخلتُ معهم في نقاشات طويلة ووطيسه حول الماركسية والشيوعية وموقفهما من مسألة القوميات بشكل عام والقضية الآشورية بشكل خاص وأثرتُ غضب وهيجان البعض منهم بسبب انتقادي الحاد للمواقف المتذبذبة للحزب الشيوعي العراقي حيال القضية الآشورية في العراق، والتي كانت تتراوح هذه المواقف وتتأثر بمدى قرب أو بعد هذا الحزب من السلطة السياسية. فعندما يكون في المعارضة مقاوما للأنظمة الاستبدادية، سواء بالكفاح المسلح أو بالنضال السياسي ، تكون مسألة الاقليات عنده، بما فيها الآشورية منها، مسألة تقدمية والدفاع عنها ضرورة نضالية تفرضها أيديولوجية الحزب. وعندما يشم رائحة السلطة ويبدأ بالتلذذ بامتيازاتها تصبح مسألة الاقليات عنده بما فيها الآشورية، مسألة رجعية وشوفينية يستوجب مقاومة النزعات القومية فيها ودمجها في السياسة العامة للدولة مهما كانت طبيعة النظام السياسي الحاكم. وقد يبدو هذا الحكم قاسياً على حزب معروف بنضاله المقاوم للإستبداد والظلم، ولكن تجربته السوداء في الجبهة المشؤومة التي عقدها مع حزب البعث الحاكم في العراق في بداية السبعينيات من القرن الماضي يجعلني أن أصدر مثل هذه الأراء القاسية. فعندما شارك مع البعث المستبد في العراق وشارك معه في السلطة، سكت على أو إنتقد وبخجل وتردد بعض السياسات الاستبدادية لحزب البعث الحاكم تجاه الآشوريين مما أدى بهم إلى الشعور بنوع من الخيبة تجاه الحزب الشيوعي العراقي الذي ظل وعلى الدوام رافعا شعارات إنسانية وتقدمية كانت من القوة لجذب الآشوريين والانضمام إليه أو التعاطف معه في سنوات نضاله السلبي. فأدرك الآشوريون القوميون في حينها بأنهم خسروا أحد أقوى دعاة الحرية والديمقراطية في العراق. ولهذه السياسية السلبية تجاه الآشوريين كانت ملموسة في النشاطات القومية والثقافية للمجتمع الآشوري في تلك الفترة فأتذكر، على سبيل المثال لا الحصر، بأن حدة مناقشاتنا مع بعض الآشوريين الشيوعيين، أثناء الأيام الذهبية للنادي الثقافي الآشوري في بغداد، وانتقاداتنا إلى الجبهة التي انضم إليها الحزب الشيوعي العراقي وصلت إلى درجة تهديد أحدهم بتبليغ سلطات الأمن العراقية عن مواقفنا السلبية تجاه الجهة والمشاركين فيها مقلدا بذلك رفاقه الآشوريين البعثيين المعروفين بقدرتهم الفائقة على الخيانة والوشاية لرجال الأمن عن الآشوريين القوميين. وتطبيقا أخر لهذه السياسة الشيوعية السلبية تجاه الآشوريين تمثلت أيضا في تلك الفترة وأثناء إنتخابات النادي الثقافي الآشوري، الذي كان مركزاً لاستقطاب الآشوريين المثقفين في العراق، ففي نهاية عام1970 تآلف الآشوريون المنظمون إلى الأحزاب ، البعث العربي والشيوعي العراقي والديمقراطي الكردستاني، في قائمة موحدة لمنافسة قائمة الآشوريين القوميين والمستقلين، إلا أن هزيمة جميعهم كانت ثقيلة. (للمزيد عن هذا الموضوع أنظر كتابي المعنون : النادي الثقافي الآشوري، مسيرة تحديات وإنجازات ، 1970-1980، ألفا غراف – شيكاغو ،1993، ص2)

ولكن كل هذا لا ينفي إطلاقاً حقيقة مفادها كون معظم الآشوريين المنظمين إلى الحزب الشيوعي العراقي من أكثر الآشوريين عمقا من حيث الثقافة السياسية والفكرية، وهي الصفة التي جعلتني شخصيا أن أكن لمعظمهم احتراماً كبيراً وأن أصون معهم صداقة متينة ومستديمة لم يزعزعها الاختلاف الفكري القائم بيننا. غير أن أبا جوزيف، رغم انضمامه إلى الحزب الشيوعي العراقي وتسنمه مناصب قيادية عليا فيه، كان استثناءً ومن طراز خاص لا يضاهيه في هذا الاستثناء والخصوصية إلا فريدون آتورايا ، خاصة من حيث غزارة إنتاجه الأدبي والفكري، فهذا الأخير كان أيضا في بداية القرن الماضي منتمياً الى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشيوعي السوفيتي فيما بعد، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يكون مناضلاً قومياً صلداً ومحارباً شجاعاً في سبيل وحدة وسعادة أبناء أمته حيث ظل رافعاً شعار "آشور حرة" حتى تمكنت منه سلطات ستالين الاستبدادية فأعدمته في عام 1926. وأبو جوزيف، وأن كان عاصياً ومقاتلاً للظلم والاستبداد ومطارداً من قبل الأنظمة التي تعاقبت على السلطة في العراق ولم يستقر به المقام بشكل دائم في مكان ما وبالتالي لم تسنح له فرصة كتابة صفحات نضاله، وهي المسألة التي لمست شخصيا فيه نوع من التقصير فيها بحيث كان يؤنب ضميره وعلى الدوام، إلا انه "هل يخفى القمرعلى الناس" حتى يخفى علينا نضاله وبسالته في الدفاع عن الشعوب المسحوقة والمضطهدة ... وهل كان هناك شعب أكثر اضطهاداً وانسحاقا من الشعب الآشوري في العراق .؟؟ هذه الحقيقة جعلت من أبا جوزيف أن يكون دائماً وأبداً بالقرب من هذا الشعب متحسساً بمعاناته ومتألماً من حرمانه لأبسط حقوقه السياسية والقومية ومدافعاً عنه، مهما كانت مواقف الحزب الذي كان ينتمي إليه، لهذا السبب نال احترام وتقدير معظم فئات الشعب الآشوري بجميع طوائفه وتفرعاته.

وعظمة المواقف الشجاعة لهذا المناضل تجاه شعبه الآشوري واضحة وملموسة لأبسط مطلع على شؤون هذه الأمة، وهي كثيرة جدا بحيث لا يسعها حتى المجلد الضخم. وللاستشهاد أشير إلى الوقفة البطولية الشهمة التي وقفها في معركة ألقوش عام 1963 واصطفافه مع القائد الآشوري الشجاع هرمز ماليك جكو في نصرة أهل هذه البلدة والدفاع عنها من هجوم قوات الحلف الشيطاني الذي كان قائماً بين مصاصي دماء الشعوب "الحرس القومي" التابع لحزب البعث الحاكم وأحفاد هولاكو و تيمورلينك من الفرسان المعروفة بـ "الجحوش" والمدعومة من قبل قوات شرطة وجيش النظام البعثي الحاكم في العراق وقتذاك وغيرهم من الحاقدين على هذه البلدة العريقة وعلى أهلها الشهماء، فكانت وبحق ملحمة بطولية أعجز شـخصيا وصف البسالة التي تميز بها هذه المواقف، فغيري من أبناء هذه البلدة كتبوا عنها في مناسبات عديدة وفي أماكن أخرى. ومن المآثر القومية الأخرى لأبي جوزيف، والتي لي معرفة خاصة بها ، تتمثل في دعمه الكبير واللامحدود للحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) في العراق، فعندما التحقت هذه الحركة بركب الكفاح المسلح واصطفت مع بقية الحركات الوطنية، من كان غير توما توماس الشهم والمعلم الأول في هذا الأسلوب من النضال أن يمد لها يد العون والإرشاد في وديان وجبال آشور العاصية وظل كذلك وعلى الدوام بحيث لم تمر فرصة وألتقي شخصيا بقياديي هذه الحركة إلا وأمطروا أبا جوزيف بوابل من المديح والامتنان مكررين وعلى أسماع الجميع الدعم الكبير الذي قدمه لهم هذا المناضل الكبير في هذا المجال.

وشخصياً عرفتُ أبا جوزيف معرفة صميمية ، عرفته كإنسان قومي أكثر مما هو شيوعي وأممي. فانتمائه إلى هذه الأمة واعتزازه بها لم يكن أبداً يتعارض أو يتناقض مع شيوعيته. فبغنى عن تاريخ صفحات نضاله السياسي الذي تتداخل فيه أبعاد إنسانية ووطنية وقومية تجعل من المضطهدين والمحرومين، والذي كان قد وضع الآشوريين في مقدمتهم، في جبهة والمستبدين والظالمين في جبهة أخرى. فبغنى عن هذه الصفحات المعروفة للداني والقاصي، فأن له صفحات أخرى في المسائل القومية نؤسف لها عميق الأسف لان المنية منعته من إكمالها وتطبيقها على الواقع العملي. فبعد أن زار الولايات المتحدة الأمريكية وكندا في عام 1994 وأستقبل هناك استقبال الأبطال من قبل أبناء شعبنا ومن جميع الطوائف الكلدانية والسريانية والمشرقية، وبعد أن عقد عدة لقاءات وندوات توصل إلى قناعات ثابتة زادت من إصراره واهتمامه بمشاكل شعبه في الداخل والخارج وتحسس وبعمق المعاناة التي يواجهها شعبنا في بلدان المهجر من تمزق طائفي وعشائري وقريوي. كما أدرك أدراك المدرك السياسي الواعي للقدرات الكامنة في هذا الشعب وقوة فاعليته فيما لو وضعت على الطريق الصحيح في دعم الحركة القومية الآشورية المتصاعدة في أعالي بيت نهرين .

وعندما عاد إلى الوطن لم تكن مسألة شغلت باله واهتمامه طيلة تاريخ نضاله الطويل أكثر مما شغلت مسألة وحدة شعنا والعمل على وضع منهاج أو آلية عمل لتحقيق هذا الهدف أو السعي لتحقيقه، فبادر بالاتصال بـي مرسلاً العديد من الرسائل ومقدما الكثير من المقترحات بشأن هذه المسألة ثم أعقب ذلك عدة لقاءات واجتماعات في سوريا شـارك في جانب منها أيضا السكرتير العام للحركة الديمقراطية الآشورية حينذاك وبعض العناصر القيادية من المنظمات الآشورية الأخرى. تركزت هذه اللقاءات في معظمها على مسألتين، الأولى: التسمية ، خاصة التسمية أوالصفة القومية التي يجب أن يظهر به منهاج العمل أو المنظمة المزمع تأسيسها، والثانية : الطبيعـة الهيكلية لهذا المنهاج أو المنظمة. فمن خلال هذه اللقاءات تم اكتشاف صفات أخرى عن أبي جوزيف فهو من القلائل الشيوعيين الذي يملكون رحابة صدر عجيبة وغريبة في تقبل الآراء الأخرى والاستماع إليها بشغف واهتمام ومن ثم فهمها واستيعابها ومن دون أن يفرض أو يقيم الأموروفق عقيدته الشيوعية، خاصة عندما تكون متعلقة بمسائل تساهم في الجهود المبذولة نحو وحدة شعبنا، لهذا نرى منذ البدء كان يقبل تقريبا معظم الآراء المطروحة والهادفة لتحقيق هذا الهدف القومي النبيل. غير أن المنية حالت دون تحقيق أبا جوزيف للعهد الذي قطعه على نفسه بأن يعمل شيئاً من أجل أن يخدم وحدة شعبنا. وقد كان مدركاً أن مسألة التقولب الطائفي وتأثيرها العميق على التسمية القومية ستكون من أهم المعوقات التي ستتعثر بها وحدة شعبنا. وكثيرا ما كنتُ أمازح أبا جوزيف بشأن تردد بعض أبناء شعبنا وتخوفهم من انتماؤهم القومي الآشوري وأقول له " أنتم أبناء ألقوش البلدة الآشورية العريقة لو تم تحليل دمكم في المختبر لتبين بأنه نفس الدم الذي كان يجري في عروق السلالة الآشورية الملكية التي أنجبت سنحاريب وأشور بانيبال وغيرهم من جبابرة ملوك آشور.

للأسف الشديد كان الموت أسرع منا جميعاً واخذ معه توما توماس الأب الروحي لفكرة خلق كيان يجمع جميع فئات شعبنا في وحدة تنظيمية سياسية وأوراقنا كانت لم تزل متناثرة هنا وهناك تنتظر عودته لا بشحمه ولحمه بل بروحه وفكره وإصراره على مواصلة النضال من اجل وحدة أبناء شعبه. هكذا عرفتُ أبا جوزيف مناضلا شيوعياً وإنسانياً وقومياً  صميماً عنيداً في مقاومته للظلم والاستبداد محباً لشعبه حباً عظيماً، بسيطاً في حياته وفي أسلوب تعامله مع الآخرين وذو حساً مرهفاً بمعاناة هذه الأمة ساعياً مخلصاً للتعاون مع الجميع وبذل المستحيل لتحقيق وحدتها، وهو الحلم الذي منعه الموت من السير على طريقه... نعم ... مات أبو جوزيف موتاً طبيعياً، وحتى بموته هذا، سحق قلوب الطغاة وأرباب الأنظمة الاستبدادية لأنهم لم يتمكنوا منه ومن اغتياله أو لوي ذراعه أو إخماد نيران ثورته وإصراره على النضال رغم ترصدهم الدقيق ومطاردتهم المستمرة له طيلة عقود طويلة … نعم لقد مات توما توماس ولكن هل ماتت ألقوش البلدة الآشورية العريقة التي أنجبته .. لا وألف لا… لن تموت .. ألقوش عام 1933 التي عرفناها بوقفة شيوخها ورجالها ونسائها وأطفالها، وقفة الأبطال المدافعين عن الآشوريين من الطائفة المشرقية الذين احتموا بها هربا من مذابح المجرم بكر صدقي والصامدين أمام قوات جيشه التي حاصرتها عدة أيام وهددتها بقصف البيوت بالمدافع وهدمها فوق سكانها، ولكن أبى شموخ أهلها البسلاء التخلي عن أخوتهم في الدم فضلوا متأهبين صامدين حتى سحبت الحكومة العراقية قواتها المنتشرة حول ألقوش. وهذه أسطورة بطولية في التاريخ الآشوري المعاصر ، سمعت جانب منها من جدي الذي كان من ضمن المحتمين بهذه البلدة، تنتظر أقلام المفكرين والكتاب الآشوريين لاستخلاص منها دروس في الصمود القومي وفي الوحدة القومية ووحدة المصير. أفليس من حقي أيضاً أن أفتخر بهذه البلدة التي ولدت فيها وتعمذت مع جميع أخوتي وأخواتي وأطفالي في "ديره علايا" – الدير الأعلى. هذه هي ألقوش التي أنجبت خيرة الكتاب والمفكرين وأثمرت عراقتها التاريخية والفكرية بولادة عائلة "أبونا " التي قادت الأمة والكنيسة لقرون طويلة ... هذه هي ألقوش التي أنجبت الـ"التؤمين"، توما أودو و توما توماس، وعهدي بها بأنها قادرة على إنجاب ألف وألف توما أخر .

145
حقائق عن أوضاع  شعبنا الآشوري في الأردن وسوريا
في مقابلة مع السيد توما روئيل يوخنا

أبرم شبيرا


في هذه الأيام وفي معظم المناسبات، خاصة في مجتمعاتنا في المهجر يكثر الحديث عن الأوضاع البائسة  لشعبنا في الأردن وسوريا وعن مستقبله المجهول. وتزداد حدة هذه المحادثات والمناقشات خاصة عندما يزور وفداً أو مجموعة من الاشخاص لهذين البلدين ومن ثم يرجعون إلى بيوتهم في المهجر ليلقوا محاضرة أو يعقدوا لقاءاً أو ينشروا تقريراً او موضوعاً  لتبيان حقائق شعبنا هناك. ومن الملاحظ بأن الكثير من المعلومات التي تتضمنها هذه المناقشات أو الكتابات تفتقر إلى الحقيقة والواقع أو هي غير وافية في اعطاء صورة واضحة عن المأساة التي يعانيها شعبنا هناك أو بأكثر الأحوال تطرح هذه المناقشات المشكلة وتشرحها من دون أن تعرض لها بعض الحلول أو المقترحات التي قد تساهم ولو بجزء قليل في تخفيف معاناة شعبنا هناك، لا بل  لقد سمعت وقرأت البعض من هذه المناقشات والمواضيع خاصة من الوفود أو الأشخاص الذين زاروا هاذين البلدين فيها جانب من المزايدة التراجيدية الهادفة إلى جلب إنتباه الناس وإظهار أنفسهم كمهتم ومعني بمعاناة أبناء هذه الأمة.

أثارت هذه الحالة حافزاً للكتابة عن مأساة شعبنا هناك، فعلى الرغم من إنني زرت هاذين البلدين وكنت على إتصال مستمر مع المعنيين بأمورهم إلا أن المعلومات التي كانت تتاح لي خلال الأيام القليلة من زيارتي لم تكن كافية إطلاقا لبيان الحقيقة المأساوية لشعبنا هناك وعن أموره الحياتية ومشاريعه المستقبلية لذلك وجدت في السيد توما روئيل يوخنا مصدراً مهماً ومباشراً في استقصاء الحقيقة الواقعية لشعبنا هناك. والسيد توما مهندس ورجل إعمال مقيم في عمان/ الأردن منذ عام 1991 كان معروفاً في العراق بإهتماماته القومية ونشاطاته الاجتماعية خاصة في النادي الثقافي الآشوري في بغداد. ومنذ أن وطئت قدمه في عمان أنخرط في الشؤون القومية والاجتماعية لجالية شعبنا هناك وإزداد نشاطه أكثر فأكثر في السنوات القليلة الماضية بإزدياد اللاجئيين من أبناء شعبنا من العراق في الأردن وفي الأونة الأخيرة في سوريا. لنترك المجال للسيد توما ليبين حقيقة شعبنا في هاذين البلدين ومن خلال بعض الأسئلة.

+ السيد توما انت مقيم في الأردن وزرت سوريا عشرات المرات وعايشت الواقع هناك، فهل تحدثنا عن عدد ابناء شعبنا اللاجئ هناك؟
- قبل كل شيء أود أن أببن حقيقة قد تكون مرة ومحبطة لمعظمنا ولكن مع هذا يجب أن لا تخفى على أحد وهي أن الكنيسة بطوائفها المختلفة فرضت وجودها على الواقع المأساوي لشعبنا هناك فوضعته في قوالب طائفية كلدانية وآشورية صلدة ومتباعدة وبالتالي أفرزت نتائجها على تجمعاتنا ونشاطنا ومؤسساتنا هناك. وإنطلاقا من هذا الواقع المرير أقول بأن حديثي كله هو عن أبناء شعبنا من رعيى كنيسة المشرق الآشورية فقط بشقيها، التقويم القديم والجديد. بدءأً أقول بأن عدد المهاجرين في الأردن  وصل إلى ما يقارب 1500 عائلة. غيرأن منذ السنتين الماضيتين أنخفض العدد إلى 500 عائلة تقريباً حيث رحل بعضهم إلى سوريا لسهولة الحياة هناك مقارنة مع الأردن والعدد الآخر أكتملت أوراق الهجرة وسافر إلى الغرب أو أستراليا أما العدد الباقي حالياً فهو أما رفضت أوراقه للهجرة عدة مرات ولسنوات طويلة واصبح حالهم ميؤساً منه في حين لازال هناك عدد آخر ينتظر فرج الله. وخلال الشهر الماضي سافر إلى الغرب وتحديداً إلى أميركا بحدود 25 عائلة من بين المئات من العوائل العراقية وعن طريق الأمم المتحدة UNHCR.

+ نحن نسمع عن الظروف المأساوية التي يعيشها شعبنا هناك، هل تشرح لنا هذه الظروف وكيف يعيش هناك وهل من مصادر مالية تمول معيشتهم .

- كما هو معلوم إن معظم الناس في الأردن ترك الوطن وباعوا كل مايملكونه ولم يعد لهم خط رجعة. وعندما وصلوا إلى عمان وخلال فترة وجيزة صرفوا كل ما كان بحوزتهم من مال.  وكان محظوظاً من كان له أقارب في الغرب قادرين على تمويلهم ببضعة دولارات، أما غيرهم فعاشوا على هامش الحياة وسكنوا في بيوت لا تصلح لسكن البشر. كما كان يصل لهؤلاء بعض المال من بعض الجهات الخيرية ولكن لم تكن تكفي لقوتهم اليومي.

+ وماذا عن الجهات أو الجمعيات الآشورية أو كنيسة المشرق الآشورية، فهل أستلم الناس في الأردن أية مساعدة مالية من هذه الجهات؟

- للإمانة التاريخية يجب أن أذكر بأنه منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، كانت المؤسسة الآشورية في أميركا والمعروفة بـ (Assyrian Foundation of America) وإختصارا (AFA) والتي مثلها السيد سركون شابص أول من بادرت بإرسال المساعدات المالية للمحتاجين ودعم تعليم لغة الأم في الأردن ولازالت هذه المؤسسة الموقرة والكريمة ولحد هذا اليوم مستمرة في إرسال المساعدات والتي تمثلها حاليا السيدة سهى أودة. كما بادر السيد سركون لوي الذي كان رئيساً للأتحاد الآشوري القومي الأمريكي المعروف بـ (فدريشن) بالمساعدة ودعم النشاطات الثقافية خاصة تدريس لغة الأم عند زيارته للأردن. وفي خريف من عام 2001 كان نيافة الأسقف مار باوي سورو، راعي أسقفية كاليفورنيا لكنيسة المشرق الآشورية في أميركا أول مسؤول كنسي يخصص زيارة خاصة ليزور أبناء شعبنا في الأردن ويتفقد أحوالهم هناك وكان معه وفد من الآشوريين من دبي في الأمارات العربية المتحدة مثلهم السيدان عمانوئيل قليتا وأبرم شبيرا حيث عقدنا معهم عدة إجتماعات بهدف تنظيم قنوات خاصة لمساعدة المحتاجين من أبناء شعبنا وكيفية صرف الأموال عليهم. وكان مار باوي قد جلب لنا مساعدات مالية ساعدت الكثير من المحتاجين هناك كما أقام قداس حضره عدد كبير من الناس. كما تلقينا بعض المساعدات من الآشوريين في دبي والأهم فقد زودونا بعدد من الكومبيوترات لغرض تعليم وتدريب الشباب عليها ليكونوا مؤهلين عمليا وعلمياً عندما يهاجرون إلى الغرب لكي تسهل عليهم مهمة إيجاد وظائف لهم. وفعلاً كان بحدود 250 شاب وشابه قد تدربوا وتعلموا أصول الكومبيوتر. وأستمرت المساعدات التي كانت تأتي من رعية أبرشية مار باوي في شمال كاليفورنيا سواء عن طريقه أو عن طريق المؤسسة الآشورية أو الجمعية الخيرية الآشورية في أميركا وأستطيع أن أقول بأنه منذ زيارة مار باوي إلى الأردن في عام 2001 ولحد هذا اليوم إستلمنا تقريباً بحدود 40 ألف دولار وزعت جميعها إلى المحتاجين في الأردن وسوريا ، كذلك أستمر الآشوريون من دبي ولا يزال مستمرين في مساعدتنا عندما تكون هناك حاجة لبعض الأموال.


 
(في الوسط توما روئيل وعمانوئيل كليتا وأبرم شبيرا مع بعض من أعضاء اللجنة والتدريس في عمان)

+ المسألة المهمة والحساسة التي تهم الناس هي كيفية استلام هذه المبالغ ومن ثم توزيعها على المحتاجين وهل هناك سجلات بهذا الخصوص.

- هناك طريقتان لاستلام المساعدات المالية، فإما أن تجلب مباشرة من قبل ناس قادمين إلى الأردن، خاصة رجال الدين أو ترسل عن طريق البنوك لحساب خاص وهناك لجنة خاصة بهذا الشأن. وطبعاً هناك سجلات خاصة عن المبالغ المستلمة والموزعة على المحتاجين وإيصالات منهم وهناك محاسب يقوم بتنظيم والسيطرة على هذا الأمر.

+ لمن توزع الأموال، هل هناك أفضلية أم توزع بشكل عام ومطلق

- المساعدات توزع بأفضلية معينة تبدأ من الناس المرضى والمحتاجين للمال للمعالجة أو إجراء عمليات جراحية وتأتي الأرامل وكبار السن غير القادرين على العمل والذي لا معون لهم بالمرتبة الثانية ثم العوائل الكبيرة التي لا معون لهم دائم ومستمر وهكذا يأتي الباقون وعلى أساس كل حالة بحالها. ولدينا سجلات بأسماء هؤلاء الذين يستلمون المساعادات ومقدارها وتاريخها وتوقيعهم على المساعدات المستلمة وأرقام جوازات سفرهم وأرقام هواتفهم حيث ترسل على شكل قوائم إلى المتبرعين ليتأكدوا بأن المبالغ التي تبرعوا بها قد حققت غايتها. وأقولها صراحة هناك ناس ماتوا من المرض ولم تكن لهم مساعدات مالية كافية لإدخالهم المستشفى وإجراء العملية أو المعالجة في الوقت المناسب.

+ كنا نسمع بأن بعض رجال الكنيسة وبعض المؤسسات الآشورية كانوا يخافون من مساعدة الآشوريين اللاجئين في الأردن من سطوة النظام البعثي العراقي لعل يفسر بأنهم يساعدون الآشوريين على الهجرة فإذا كان هذا صحيحاً فهل تغير موقفهم بعد سقوط هذا النظام في عام 2003.
 
- لهذا القول جانب من الصحة ولكن ليس بشكل عام ومطلق لأن إزدياد اعداد اللاجئين الآشوريين في الأردن وعلى الاخص سوريا بعد سقوط النظام وتعاظم مأساتهم حفز بعض رجال الكنيسة للإهتمام بهذا الموضوع. وفعلاً بدأت بعض الزيارات والمساعدات تأتي إلى اللاجئين الآشوريين في الأردن حيث كنا قد استلمنا مبلغ 900 دولار أمريكي من نيافة الأسقف مار ميلس من أستراليا وكذلك كان غبطة المطروبوليط مار نرسي من لبنان قد تبرع بمبلغ 800 كجزء من راتب قس كان يقوم بخدمة القداس في الأردن وأخيراً خلال هذا الشهر (أيلول) استلمنا 13 ألف دولار من القس جميل مرسلة من قبل قداسة مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية وعلمنا بأنه حاليا هناك جهود مكثفة من قبل مار باوي أثمرت بجمع مبلغ قدره 31 ألف دولار والتي سيتم إرسالها إلى المحتاجين في الأردن وسوريا. كما هناك مساعدات مالية بسيطة وصلتنا من جهات عديدة. وأود الذكر بأن مساعدات عينية  تقدمها مؤسسة كاريتاس وكابني والكنائس الإنجيلية وتسهيلات من المستشفى الإيطالي في عمان للمرضى الآشوريين في عمان.

+ ماذا عن النشاطات العامة من ثقافية ودينية وإجتماعية التي يقوم بها الآشوريون اللاجئون في الأردن.

- كما تعرف بأن أي آشوري بمجرد أن تطئ قدمه في أي بلد غريب يبدء بروحية قومية خاصة البحث عن أبناء جلدته فيما إذا يعيشون في نفس البلد لغرض الاختلاط معهم. وهو سلوك عام لجميع الأقليات في العالم حيث يجدون في التجمع مع البعض أسلوباً لحماية الذات من الضياع وهو حالنا في كل مكان ومنه في الأردن. فإذا بدأنا بالنشاطات الدينية، أقولها صراحة لم يكن للكنيسة وجود في البدايات الأولى للتسعينيات من القرن الماضي ولم يكن لنا قس رغم إن عددنا كان أكبر بكثير من بعض الأبرشيات في العراق والخارج. ولكن مع هذا كنا نقوم بالصلاة في بادئ الأمر في كنيسة مار أفرام للسريان الأرثوذكس في منطقة الأشرفية ولحد هذا اليوم وكان راعيها القس جورج البنا من الموصل حيث كان يقوم بخدمة مراسيم الزواج والتعميذ والجنازة. أما الصلاة الآسبوعية فكان يقوم بها الشماس عوديشو، ولهذا الشماس فضل كبير في تنظيم أمور الآشوريين هناك ولايزال حتى اليوم حيث يقوم بتعليم الترانيم الدينية وغيرها من الأمور الكنسية. هذا بالنسبة لرعية التقويم الجديد أما بالنسبة لرعية التقويم القديم فأن أمورهم أحسن بكثير حيث وفرت لهم بناية كنيسة مريم العذراء للروم الكاثوليك في منطقة الهاشمي الشمالي ووضعت تحت تصرفهم لقيام بنشاطاتهم الدينية والثقافية والاجتماعية وتعليم لغة الأم وتعليم الكومبيوتر وخاصة بعد تشكيل لجنة جديدة  لإدارة شؤون الرعية برئاسة السيد أدور ننو.

+ ألم تعين الكنيسة قساً للأشوريين هناك.

- كانت هناك فكرة طرحت على مسؤولي الكنيسة لتعين قس وبشكل دائمي ولكن الفكرة لم تحقق لعدة أسباب. ولكن عندما يكون هناك قس زائر أو عابر في طريقه إلى العراق أو إلى الخارج يقوم بإداء القداديس لهم. وفي فترة ما كان القس عوديشو إيشو مقيماً في عمان لغرض الهجرة إلى الخارج قد قام بإداء القداديس لفترة تقارب ستة أشهر لحين مغادرة الأدرن إلى كندا. إضافة إلى هذا فعندما يزور أو يمر مطران أو البطريرك عبر الأردن يقوم بتقديم قداس يحضرها عدد غفير من الآشوريين. فقد زارنا قداستا البطريركين مار دنحا الرابع و مار أدي الثاني وغبطة المطربوليطين مار نرسي ومار كوركيس ونيافة مار باوي ومار عمانوئيل أسقف كندا. وخلال زيارة قداسة البطريرك مار دنخا الرابع في بداية عام 2000 عين للرعية مار نرسي كمسؤول عن الأردن ولكن منذ الاجتماعي السينودي الأخير في شيكاغو تم تعيين مار كوركيس من بغداد بديلا عنه.

+ نسمع كثيرا عن مدرسة تعليم لغة الأم فما هي هذه المدرسة وعدد طلابها وأين يدرسون.

_ تعليم لغة الأم بدأ منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي وكان للأخ (أبو آشور) لا أتذكر أسمه الكامل، دورا كبيرا في هذا الشأن فكان يتم تدريس الطلاب في البيوت. وعندما جاءت الأخت فريدة من العراق إلى عمان في نفس الفترة، وهي ناشطة آشورية معروفة في مجال الثقافة وتدريس اللغة في بغداد، أنتظمت أمور تدريس اللغة فبدأت بتعليم الطلاب لغة الأم ثم أنشأت فرقة إنشاد الترانيم الكنسية التي كانت رائعة إشاد بها قداسة البطريرك مار دنخا عند زيارته للأردن في عام 2000. ثم أنتظم تدريس لغة الأم في كنيسة مار أفرام المار ذكره وكذلك كنا ندرس اللغة في منطقة ماركا الشمالية في كنيسة مار إيليا للروم الكاثوليك ثم إنتقلنا إلى مقر الجمعية الخيرية للروم الكاثوليك في الأشرفية حيث لا زلنا ندرس اللغة هنا ونمارس أيضا بعض النشاطات الثقافية والاجتماعية. كذلك يتم تدريس لغة الأم في كنيسة مريم العذراء للروم الكاثوليك في منطقة الهاشمي الشمالي. أما بالنسبة لعدد الطلاب فكان عددهم يزيد عن 400 طالب وطالبة ولكن في الأونة الأخيرة بسبب الهجرة إلى الخارج والرحيل إلى سوريا أصبح عددهم تقريبا 150 طالب وطالبة. إضافة إلى تعليم لغة الأم والتي هي أساس نشاطنا نقوم بتعليم الكومبيوتر واللغة الإنكليزية كما هناك نشاطات إجتماعية وعائلية أخرى كتنظيم السفرات وإقامة الحفلات في المناسبات المعروفة.
+ هذا بالنسبة للأردن، ماذا عن الآشوريين اللآجئين في سوريا؟

_  الوضع بشكل عام للاجئين في بلدان هذه المنطقة وهو نفسه ولكن يمكن القول بأن الوضع في سوريا يختلف بعض الشيء من ناحية أن أغلبية الآشوريين في سوريا هم من النازحين بعد سقوط النظام البعثي في العراق وإزداد عددهم بشكل كبير بتزايد سوء الأوضاع الأمنية في العراق وهؤلاء هربوا من العراق وأغلبهم تركوا بيوتهم وممتلكاتهم هناك ولم تصفى أمورهم بعد في العراق وبالتالي أصبح حالهم أسوء بكثير من الذين كانوا قد رحلوا إلى الأردن أو سوريا طلباً للهجرة. من ناحية أخرى كانت سوريا تسمح بدخول العراقيين والإقامة فيها بدون فيزا غير أن الوضع تغير في الآونة الأخير وتصعبت أمورهم جداً وأصبح مطلوباً منهم مغادرة سوريا كل ثلاثة أشهر والعودة إليها وما يتطلب هذا السفر من مصاريف ومخاطر، خاصة عبور الحدود العراقية السورية. ولكن هناك ميزة في سوريا لا تتوفر في الأردن هي وجود الآشوريين السوريين في سوريا وربما يكون من بينهم أقارب للنازحين من العراق قد يكون بإمكانهم مساعدتكم.

+ كم عدد الآشوريين الاجئين في سوريا، وأين يسكنون وهل عددهم مستمر في الازدياد؟

- يمكن القول بأن عدد الآشوريين من رعية التقويمين القديم والجديد حاليا هو أكثر من 3 آلاف عائلة، أي بحدود 15 ألف فرد وأكثريتهم يعيشون في مناطق شعبية في أطراف دمشق مثل منطقة جرمانه ومساكن برزه وفي قصبة صدنايا وقسم قليل في المناطق الآشورية كالحسكة والقامشلي. أن هذا العدد مستمر في الإزدياد بشكل مضطرد مما يزيد من أحوالهم المأساوية سوءاً. ومما لا شك فيه بأن هذا العدد سيزداد أكثر فأكثر في سوريا والأردن خاصة عندما سمعوا بأن الأمم المتحدة بدأت بتوفير تسهيلات ترحيلهم إلى بلدان المهجر، وهي مسألة خطيرة جداً توثر بشكل فعال على وجودنا القومي والديموغرافي في العراق.

+ وماذا عن المساعدات المالية لهذا العدد الكبير من اللاجئين في سوريا؟

بالنظر لكوني مقيماً بشكل قانوني ورسمي في الأردن وأتمتع بسهولة التنقل إلى سوريا فأن المساعدات التي تأتي إلى الأردن تحول قسم منها إلى سوريا. ومنذ البداية لم تكن هناك لجنة خاصة تقوم بتنظيم أمور الآشوريين في سوريا وشخصياُ قمت بتشكيل لجنة برئاسة السيد ملكزدق ياقو يونان وثلاثة أعضاء لهذا الغرض لتقديم المساعدات إلى بعض العوائل المحتاجة من المبالغ التي تبرع بها نيافة مار باوي و المؤسسة الآشورية في أميركا. وحالياً توجد لجنة من ثمانية أعضاء مؤلفة من رعية الكنيسة من التقويمين الجديد والقديم تقوم بإدارة شؤون الآشورين من توزيع المساعدات المالية وتعليم لغة الأم. ومؤخراً استلمنا تبرعات من الآشورين في دبي ومن بعض الاصدقاء في المناطق الأخرى ولا أنسى الكرم الكبير للمؤسسة الآشورية في أميركا (AFA) في التبرع المالي للأشورين في سوريا.

+ كما هو معلوم هناك رعية لكنيسة المشرق بشقيها القديم والجديد ولكل منهما أسقف وقساوسة مقيمين هناك فما دور هؤلاء في المساعدة.

- في البداية لم يكن للكنيسة دور يذكر، ولكن للحق أقول بأن الكنيسة الشرقية القديمة قامت بواجبها بارسال قس عند الطلب وفي المناسبات كالأعياد للقيام بواجبه الكنسي وكان للسيد ملكزدق دورا كبيراً في متابعة هذه المسألة مع الكنيسة. وبعد وصول أعداد كبيرة من اللاجئين تابع المطران مار نرسي من لبنان أمور الرعية وعين قس رسمي لهم في منطقة جرمانه حيث تقام القداديس في مجمع كنيسة أبراهيم الخليل للروم الكاثوليك كما بدأ مار أبرم أسقف كنيسة المشرق الآشورية في سوريا بزيارات للرعية لتفقد شؤونهم وأحوالهم. كما عينت الكنيسة الشرقية القيدمة قس رسمي للرعية. ولا يفوتني ونحن بصدد الكنيسة أن أذكر حالة نادرة وغير موجود في مكان آخر في المجتمع الآشوري حيث منذ العام الماضي يحتفل جميع الآشوريين من الكنيستين (القديم والجديد) بعيد مولد المسيح في 25 من كانون الثاني حسب التقويم الجديد (الغريغوري) ويحتفلوا بعيد القيامة حسب التقويم الشرقي القديم (اليوليالي) وهذه البادرة الفريدة نالت بركة البطريكين مار دنخا ومار أدي وأتمنى أن أرى الآشوريين يحتذون حذوة هؤلاء اللاجئين في سوريا.
 
(طلاب وطالبات المرحلة الابتدائية لتعليم اللغة الآشورية في جرمانه – دمشق )

+ سمعنا بأن هناك عدد كبير من الطلاب يدرسون لغة الأم... هل تحدثنا عن هذا.

- بعد ازدياد أعداد عوائل اللاجئين في سوريا طرحنا فكرة تنظيم دورات لتعليم لغة الأم على السيد ملكزدق كونه أقدم آشوري مقيم في سوريا ومتابع لأمور الرعية. وبعد حصول الموافقة من مطران الروم الكاثوليك في سوريا تم فتح دورات صيفية لتعليم اللغة في مجمع كنيسة إبراهيم الخليل في منطقة جرمانه. بداية كان عدد الطلاب 23 واليوم بحدود 500 طالب وطالبة تم تخرجهم يوم 10/أيلول/2007 وكانت حفلة التخرج برعاية المطروبوليط مار نرسي دي باز حيث ألقى كلمة قيمة أشاد فيها بالدور الكبير للمدرسة في تعليم الأطفال لغة الأم وقد حضر هذا الحفل أكثر من 1500 شخص، ونأمل أن تستمر الدورات بشكل منتظم بمساعدة المتبرعين لها. كما هناك مدرسة لتعليم اللغة في قصبة صيدنايا حيث تخرج منها اكثر من 90 طالب وطالبة. وأود بهذا الخصوص أن أشكر مسؤولي كنيسة الروم الكالثوليك، وبالأخص مطرانها الجليل في سوريا الذي زار أبناء الرعية، حيث يقدمون لنا التسهيلات التي نطلبها منهم.

 
(بعض من المتخرجون والمتخرجات من دورة تعليم اللغة الآشورية الأخيرة (أيلول 2007) في منطقة جرمانه في دمشق)

+هل من كلمة أخيرة.

- أود الاعتذار إذا نسيت بعض الأسماء التي ساعدت المحتاجين هناك أو لعبوا دوراً في تنظيم أمور اللاجئين في الأردن وسوريا، وما ذكرته هي معلومات حقيقية بدون تحيز لهذه الجهة أو تلك وهي مجرد لتعريف القارئ الآشوري في كل مكان عن واقع الآشوريين اللاجئين في الأردن وسوريا. وكما تعرف أن مثل هذا الموضوع، خاصة مسألة استلام التبرعات وتوزيعها وأمور تخص الكنيسة هي مسائل حساسة جداً خاصة في الوقت الراهن ولكن لمقتضيات تبيان الواقع للجميع خاصة للآشوريين في المهجر حاولت بكل قصار جهدي وأمانة أن اذكر الحقيقة كما عايشتها في الأردن وسوريا منذ 1991. ولكن مهما فعلنا وساعدنا أبناء أمتنا اللاجئين في الأردن وسوريا يبقى السؤال المحير والأهم هو: ما مصير هؤلاء ومن المسؤول عنهم؟ الكنيسة أم الأحزاب الآشورية أم أقاربهم المقيمين في المهجر؟؟؟ سؤال يبقى مصير هؤلاء مرتبط بجواب صادق وعملي ينقذهم من الحياة المأساوية التي يعيشون فيها... هذا السؤال موجه للجميع، ليفكر كل واحد منا فيه... وشكراً.
 
وأخيراً أنا أود أن أضيف كلمة أخيرة في مشاطرة السيد توما روئيل بخصوص حساسية هذه المسألة وخطورتها على مستقبل وجودنا القومي في الوطن ومقارنة هذا المستقبل بالمأساة التي يعانيها شعبنا في الوطن وفي هذين البلدين الذين يأوون اللاجئين الآشوريين وهي مسألة يستجوب أن تكون في مقدمة أهتمام مؤسساتنا الدينية والقومية وأن لا نكتفي بالحديث وتفسير هذه المعاناة بل يتطلبها البحث عن حلول آنية ومستقبلية وهي مسؤولية الجميع دون إستثناء.           

146
كونفينشن 74
للإتحاد الآشوري الأمريكي القومي
أبرم شبيرا

أنعقد المؤتمر العام للإتحاد الآشوري الأمريكي القومي والمعروف بـ (Assyrian American National Federation ) وإختصاراً (AANF) أو (الفدريشن) في نفس الوقت الذي اقيم كونفينش 74  للفترة من يوم الخميس 30 آب ولغاية يوم الإثنين 3 أيلول 2007 في فندق شيراتون في مدينة سان ديكو الرائعة الجمال وتحت شعار (وحدة شعبنا الكداني السرياني الآشوري). كما سبق وأن أكدت في المقال السابق حول الكونفينشن بإنني معجب إعجاباً كبيرا بهذا الحدث الكبير وأقطع المحيطات لكي أحضره ليس بسبب برامجه الترفيهية المسلية، كما لست مندوبا أو عضواً في أحدى تنظيماته ولا لي أقارب في إدارته وإنما أحب الكونفينشن بسبب مدلولاته القومية والإجتماعية الرائعة لهذا الاجتماع  الجماهيري الضخم  والفريد من نوعه في تاريخ أمتنا المعاصر.
الحق يقال بأن هذا الكونفينشن نجح نجاحاً باهرا قل نظيره في الاجتماعات السابقة. ومرجع هذا النجاح المتميز يتمثل في :
1.   العدد الكبير الضخم والهائل للحاضرين لهذا الكونفينشن والذي تجاوز عدة آلاف ومن مختلف مناطق الولايات المتحدة الأمريكية ومن بلدان العالم الآخرى وعلى مختلف الأعمار والمشارب والتوجهات والأفكار والمستويات. إن إنعقاد مثل هذا التجمع والحضور الهائل له ولمدة خمسة أيام هو حدث فريد من نوعه ليس في تاريخ إمتنا وإنما في تاريخ الكثير من الأمم الآخرى خاصة إذا أخذنا بنظر الإعتبار الوضع السياسي والقومي والديموغرافي لأمتنا التي لا تملك دولة قومية خاصة بها وأبناؤها مبعثرين في زوايا العالم الأربع.  ففندق شيراتون الضخم كان منذ اليوم الأول محجوزاً وبكامل طاقته مما أضطر الكثير من الحاضرين إلى المكوث في الفنادق المجاورة له.
2.   تمثلت وحدة شعبنا الكلداني السرياني الآشوري في هذا الكونفينشن وأنعكست بشكل واضح وجلي فيه. فبعكس الكونفينشنات السابقة حيث كان للقسم الكلداني من شعبنا في هذا الكونفينشن دوراً كبيراً وفعال في الحضور والتنظيم والإدارة وفي نشاطاته المختلفة وفي الضيوف والمتحدثين الرسمين والمحاضرين. فبالنسبة لتنظيم الكونفينشن وإدارته، فقد قامت المنظمات الكلدانية الآشورية في جنوب ولاية كاليفورنا وتحديداً في مدينة سان ديكو بأحسن ما يكون رغم العدد الهائل للحضور الذي فاق تصور اللجنة المنظمة. فمن الأنصاف أن نذكر وبإمتنان أسماء كل من رامند جورج رئيس الكونفينشن القومي وفيفيان شابيلا الرئيسة المحلية للكونفينشن و سام بازا و وليم جوليان أعضاء إدارة الكونفينشن و وسام كوسا منسق لجنة الكونفينشن و جينيا جوزيف المسؤول المالي إضافة إلى أعضاء اللجنة المحلية. كما يجب أن نثمن الدور الممتاز الذي لعبه كل من اللجنة القومية الآشورية في سان ديكو و الجمعية الخيرية الآشورية فرع سان ديكو فكلهم أبلوا بلاءاً حسناً في السيطرة والنظيم.
3.   الحضور المتميز والبارز لبعض رؤساء و أعضاء التنظيمات الكلدانية من خارج مدينة سان ديكو مثل الاتحاد الكلداني في أميركا والغرفة الكلدانية للتجارة وأعضاء بارزين من الاتحاد القومي الكداني السرياني الآشوري. وللمزيد من المعلومات نود أن نبين للقارئ اللبيب بأن هذين التنظيمين، أي الاتحاد الكلداني في أميركا والغرفة التجارية الكلدانية قد دخلوا في تحالف مع الاتحاد الآشوري الأمريكي القومي والمجلس الآشوري القومي في ولاية ألينوي في تحالف وأسسوا تنظيم عرف بـ (المجلس الكلداني الآشوري السرياني في أميركا) -   (ChaldeanAssyrianSyriac Council of America ) وإختصارا بـ CASCA ) ) بهدف القيام بنشاطات وإتصالات مع الجهات الحكومية الرسمية والشعبية لمساندة شعبنا وقضيته في أرض الوطن.
4.   أنعكس حسن التنظيم والسيطرة في عدم حدوث مشاكل أو مشاغبات بين الشباب الحاضرين فكان كلهم منسجمين إنسجاماً متناغماً مما وفرواً أجواءاً مريحة ومبهجة رغم الزحام الكبير في صالات الفندق وقاعاته.
5.   تعتبر مدينة سان ديكو من أجمل مدن الولايات المتحدة فكان جمالها وشواطئها عنصرا مهماً أيضاً في جذب الناس لحضور هذا الكونفينشن فالكثير منهم قضوا أوقاتاً ممتعة خارج نشاطات الكونفينشن فكان لحضورهم متعة مزدوجة بين ماهو قومي وإجتماعي وما هو معرفي وسياحي.
6.   وأخيراً أنعكس نجاح الكونفينسن 74 في الحضور البارز والجيد لأعضاء في قيادة الحركة الديمقراطية الآشورية ومسؤولون في التنظيمات المدنية في الوطن مثل رئيس الجمعية الخيرية الآشورية ومدير دائرة الثقافة الآشورية والتي أصبحت حاليا مديرية الثقافة السريانية، في الحكومة الإقليمية في كردستان وعضو من المكتب السياسي لزوعا/عضو برلمان أقليم كردستان وأثنين من مقاتلي الحركة وبعض من مثقفي وكتاب شعبنا في الوطن فكانوا كلهم عنصر جذب للحضور إليهم لسماع أخبار الوطن والتحادث معهم في مختلف الشؤون القومية والسياسية السائدة في الوطن.
7.   ولا أدري أن كنت محقاً في ذكر الحفلات الغنائية التي حضرها جمهور كبير جداً مع عدد كبير من المطربين هو عامل آخر لنجاح الكونفينشن. فبالرغم من إنني لست من  المتشوقين لمثل هذه الحفلات إلا إنني أستغربت من الحضور الكبير والتي قد يكون عدده وصل إلى ألف شخص أو أقل بقليل وهي المرة الأولى في حياتي أشاهد مثل هذا الحضور لحفلة غنائية ولسلسلة طويلة جداً من الدبكات الشعبية المحببة للشباب والشابات.
8.   من المواضيع المهمة جداً التي أثيرت في الإجتماعات العامة للفدريشن ونوقشت كثيرا في أروقة الفندق هو موضوع معاناة شعبنا في سوريا والأردن والحلول المطروحة لانقاذه من محنته المأساوية هناك... أفهل نقله إلى بلدان المهجر، كما تفعل الأمم المتحدة حالياً هو الحل وما هي النتائج القومية السلبية المترتبة على هذا الحل؟ أم يستوجب فقط مساعدته مالياً لحين الفرج. أسئلة وأسئلة لم يكن لأي منهم جواباً قاطعا وشافياً يرضي الأغلبية من الناس.. موضوع يستوجب طرحه في مناسبات أخرى.

ولكن مهما تحدثنا عن إيجابيات ونجاحات هذا التجمع القومي الكبير فأنه من الطبيعي جداً أن ترافقه بعض السلبيات والمعوقات والتي لا نتوخى من وراء تبيانها إلا معالجتها وتجنبها وعدم تكرارها في المناسبات القادمة. وأهم ما يستوجب ذكره بهذه المناسبة هو:

1.   أن عقدة سوء التوقيت وعدم أحترام الزمن وتداخل نشاطات الكونفينشن مع بعضها، كما سبق وأن نوهنا عنها في المقال السابق، أصبحت علة مرتبط بالكونفينشن. فهي حالة أصبحت معالجتها ضرورية جداً حتى يستفاد من معظم او العدد الأكبر من النشاطات المختلفة التي تقام خلال أيام الكونفينشن. فبعض المحاضرات والندوات أفتقدها الحاضرون بسبب حضورهم لإجتماع معين أو نشاط آخر مقام في نفس الوقت. مسألة يستوجب البحث فيها في الكونفينشن القادم. 
2.   إن إنعقاد الاجتماعات العامة للمنظمات التابعة للإتحاد الآشوري الأمريكي القومي يشغل إهتمام الكثيرمن الناس والتي يحضرها عدد كبيرمن مندوبي هذه المنظمات والضيوف. غير أن هذه الاجتماعات تعقد في نفس الوقت الذي تقام فيه المحاضرات والنشاطات الثقافية والسياسية المهمة الأخرى لذا من الضروري على مسؤولي الفيدريشنأن يرتبوا أوقات أخرى لاجتماعاتهم لا تتزامن مع هذه النشاطات لكي يتسنى للمندوبين والضيوف حضور هذه النشاطات.
3.   هناك عقدة نفسية مرتبطة ببعض المسؤولين في مجتمعنا وحتى ببعض المثقفين الذين يقومون بإلقاء المحاضرات أو المشاركة في الندوات. فعندما يستحوذ مسؤول عن الكونفينشن المايكرفون أو محاضر على المنبر يستحوذ على معظم الوقت في إشباع رغباته في الحديث وتفريغ بكل ما في جعبته تاركاً وقتاً قليلآ للحاضرين لطرح استفساراتهم. في حين أن الاجتماعات المهمة والناجحة هي التي تستطيع إشباع رغبات الحاضرين والتجاوب معهم فيما يخص استفساراتهم او تعليقاتهم. فالمسؤول الجيد والمحاضر الناجح هو الذي يستطيع إيصال فكرته بأقل وقت ممكن للمستمعين وترك مجال أكبر لهم لمداخلاتهم وتساؤلاتهم. غير أنه من المؤسف لم يحدث هذا في كونفينشن 74 فخرج الكثير من الحاضرين لهذه الاجتماعات وتساؤلاتهم مسجونه في عقولهم من دون جواب شافي من المسؤول او المحاضر.
4.   ظهرت بعض السلبيات أثناء أيام الكونفنيشن الخارجة عن سيطرة المنظمين له والتي نستيطع أن نسميها بـ (السلبيات التقنية). فكل السبل التكنولوجية لم تفلح في معالجة موضوع إصدار البطاقات الألكترونية للمسجلين لحضور نشاطات الكونفينشن وبالتالي لجأت اللجنة المنظمة إلى أسلوب بدائي يدوي يقوم على وضع شريط بلاستيكي حول معصم اليد، كما هو معمول به في المستشفيات، كعلامة أو بطاقة دخول لنشاطات الكونفينشن والذي كان أسلوباً محرجاً للحاضرين والذي ظهر وكأنهم مرضى هاربين من المستشفى. كان من سوء حظ الحاضرين أن يكون اليوم الأخير من الكونفينشن المخصص للسفرة في أحدى ضواحي المدينة أشد حرارة من أي يوم من أيام مدينة سان ديكو والذي تضايق بعض الناس من الجو الحار ولم يتمتعوا بكامل اليوم وبالتالي حرموا من المناظر الجميلة المحيطة بالمدينة. ولكن من جانب آخر لم تمنع حرارة الجو من حماس الشباب من المشاركة في الدبكات الشعبية بشكل مكثف وكبير.

ولا يفوتني أن أذكر بأن عندما دخلت على الموقع الألكتروني للفدريشن الذي وضع فيه إستفتاء عن مدى رضى الناس عن الكونفينشن 74 فوجدت أن عدد المصوتين يبلغ فقط 65 شخص فقط، بتاريخ كتابة هذا المقال، وكانت نسبة التصويت على مدى نجاح الكونفيشن 74 كما يلي:
18% ممتاز و 14% جيد جداً و 23% جيد و 45% سيء. مما يدل بأن النسبة العالية من المصوتين غير راضين عن كونفينشن 74 ولكن مع هذا أن مثل هذه الاحصائية لا يمكن أن يعتد بها إذا أخذنا في الاعتبار نسبة المصوتين (65 شخص) إلى الألاف من الاشحاص الحاضرين للكونفينشن.

هنا يجب أن لا يفوتني أن أذكر أهم النشاطات الثقافية والفكرية التي أقيمت أثناء أيام الكونفينشن وأذكر منها:

1.   الحلقة الثقافية القومية التي حاضر فيها كل من الدكتور سعد سطيفان، رئيس المجلس القومي الآشوري الكلداني السرياني ورئيس الجمعية الخيرية الآشورية في سدني/ استراليا عن "نظرة حول الحقوق القومية لشعبنا من خلال التطورات الحالية في العراق" والأب الدكتور يوسف توما رئيس تحرير مجلة الفكر المسيحي وأستاذ في كلية بابل للاهوت والفلسفة في العراق عن "جذور التغيرات بين الشرق والغرب وتأثيرها على شعبنا في العراق" والدكتور حكمت حكيم، خبير في القانون الدولي في العراق عن "الدستور العراقي وحقوقنا القومية" والدكتور بهار بيوتي، أخصائي في علم النفس وعضو المجلس القومي الكلداني الآشوري السرياني في العراق عن "التأثيرات النفسية للحرب على المدنيين في العراق" وكان السيد وسام كوسا، رئيس الجمعية الآشورية الأمريكية في سان ديكو منسقاً للندوة.
2.   الإجتماع العامة لمندوبي المنظمات التابعة للإتحاد الآشوري الأمريكي القومي الأخير الذي يحضره هؤلاء المندوبين وبعض المهتمين بشؤون هذا الاتحاد. حيث تم في هذا الاجتماع مناقشة مواضيع قومية مهمة ليست فقط تلك المتعلقة بشؤون الاتحاد ومنظماته التابعة له وإنما بمسائل أخرى متعلقة بشؤون أمتنا مثل زيارة رئيس الاتحاد وبعض أعضائه لشمال العراق واللقاء مع المسؤوليين هناك وكذلك زيارتهم للأردن وسوريا وتفقد أحوال شعبنا هناك. ومن القرارات المهمة التي أتخذها الاجتماع وبأغلبية ساحقة هو قرار إلغاء الفدريشن عضويته في الاتحاد الآشوري العالمي والمعروف بـ (AUA) حيث كان منذ سنوات قليلة قد جمد عضويته في هذا الاتحاد بسبب فشله في تحقيق أي من أهدافه وفقدان مصداقته بين أبناء شعبنا وتورطه في مشاكل تنظيمية وشخصية بحيث لم يعد له وجود حقيقي وملموس على الساحة القومية وبالتالي زالت الاسباب التي ربطت الفدريشن بهذا الاتحاد وأتخذ قراره بالانفصال عنه.
3.   كان لحفل العشاء الرئاسي وقعاً مؤثراً على معظم الحاضرين له. ففي هذا التجمع الكبير تم تثمين وبشكل منقطع النظير نضال الحركة الديمقراطية الاشورية في الوطن وأشاد معظم المتحدثين فيه عن الصعوبات والتحديات التي يلاقيها أعضاء هذه الحركة كما تم  تقييم عمل اللجنة الخيرية الآشورية في الوطن ودورها الكبير في مساعدة أبناء شعبنا هناك. وكان لحديث الدكتور سمير جونا رئيس الجمعية الآشورية الطبية وقعاً كبيراً جداً على الناس عندما شرح قصة أحضار طفل مع والدته من الوطن إلى أميركا لغرض علاجه من عجز كبير في قلبه والتي تكللت عملية علاجه بالنجاح الكامل وإنقاذ حياة الطفل ثم أرتقى الطفل الصغير المنصة مع أمه التي شكرت  في كلمة مؤثرة جداً  كل من الدكتور سمير وغيره الذين ساعدوها لاحضار طفلها إلى أميركا للعلاج فلم تمضي إلا لحظات حتى كانت عيون الجميع مغروقة بالدموع. ولكن مع هذه المشاعر الجياشة التي تغلغلت في قلوب الجميع بقى في عقول الحاضرين سؤالاً يقول إذا كان هذا طفلاً واحداً عولج وأنقذت حياته والحمد لله فماذا بخصوص آلاف الأطفال من أبناء شعبنا يموتون في العراق مرضاً أو قتلاً؟؟؟

وأخيرا لا يفوتني إلا أن أذكر الملاحظتين التاليتين:
1.   سألت أحد أعضاء الوفود القادمة من أرض الوطن عن مشاعره وتقييمه للكونفينشن فغرق في سكوت محفوف بالتفكير والحزن. فقلت له ما الأمر فقال نعم أنها مناسبة جيدة ومبهجة لأبناء شعبنا المترف في هذا الجزء من العالم ولكن ماذا بشأن أخوتهم الصامدين في أرض الوطن ويعانون من آشد أنواع الصعوبات لا بل يواجهون الموت كل يوم. أفهل لنا الحق في المقارنة بين هذه الظروف وتلك. قلت له الحياة يجب أن تستمر بحلاوتها ومرارتها فهذه سنة الحياة. فقال لا مانع من ذلك فكل إنسان يسعى إلى حياة جميلة وسعيدة ولكن التطرف في هذه الحياة وإهمال الجانب الآخر مسألة غير طبيعية فالتوازن النسبي بين الأثنين واجب على الجميع خاصة الذين لهم مشاعر قومية وإنسانية تجاه أخوتهم الذين يعانون معاناة غير إنسانية في الوطن. فما الحل؟؟؟ هل يترك أبناء شعبنا في المهجر حياته المترفة ويعزف عن حضور مثل هذه المناسبات ويلبس الحزن وينحب ليل نهار على معاناة شعبنا في الوطن... طبعاً لا. هل يستطيع الكونفينشن، ونحن بصدد الحديث عنه وعن الحاضرين له، العمل ولو بشيء قليل ليخفف من معاناة شعبنا في الوطن ويضمن مستقبله ... نعم . أن الملايين من الدولارات التي تصرف في الكونفينشن لا بد للقائمين على إدارته النظر في هذه المسألة بشكل جدي والبحث في سبل تخريج جزء منها وبأي شكل من الآشكال وتخصيصها في مساعدة أبناء شعبنا هناك ليس بالطريقة التقليدية في إرسال النقود إليهم وإنما بطرق عملية أخرى تتمثل في تخصيص هذه النقود في مشاريع ثقافية وتعليمة وأقتصادية تكون مدروسة وراعية من قبل الكونفينشن نفسه أو لجان متخصصة يقوم بتشكيلها فهذه مسألة يستوجب على القائمين على إدارة الفدريشن دراستها أو طرحها للدراسة في الكونفينشن القادم الذي سينعقد في كونيكتيكوت قرب مدينة نيويورك في العام القادمن فهذا هو واجبه الأساسي والأولي لأن الفدريشن أسس في عام 1933 لغرض مساعدة أبناء شعبنا في الوطن.
2.   ربما يسأل البعض لماذا نضيع وقتنا في الكتابة عن هذا الحدث وعن نشاطاته والتي تبدو للبعض عديمة الأهمية أو تافه في مقارنة بالمسائل الأخرى والمشاكل التي تحيط بأبناء شعبنا. سؤال قد يكون من الناحية الشكلية مقبولا ولكن ليس كذلك من حيث المضمون العميق القومي لهذا الحدث. لقد سبق وأن أكدنا في المقال السابق أهمية هذا الحدث من حيث قدمه ومواصلته لمدة 74 سنة بغنى عن نشاطاته وسلبياتها المرافقة لها. فالبعض منا المتشائمين في مصير هذه الأمة التي تمر في ظروف صعبة جداً تهدد مستقبله بالضياع التام وإنصهارها في المجتمعات الكبيرة خاصة الغربية منها يقولون بأنه خلال بضعة عقود من السننين ستضيع الأمة بكاملها وتدخل عالم اللا وجود. أن الكونفينشن الذي أحتقل قبل أسبوع بعيد ميلاده الرابع والسبعون والذي تأسس في ظروف مذبحة سميل المفجعة في عام 1933 وما تبعها من مأساة مستديمة لا شك فيه أنه سيستمر لعقود طويلة أخرى خاصة في هذه الزمان الذي سهل عملية السفر والتنقل بين الدول والمدن وأن كلمة أبناء شعبنا ستتردد فيه والمفكرين سيحاضرون فيه وشبابنا سيدبكون في حفلاته والأهم أن علم أمتنا سوف يرفرف في قاعات مختلف المدن الأمريكية تاركة نيسمها لبقية أبناء شعبنا في البقاع الأخرى من العالم. أحب الكونفينشن لأنه البصيص الصغير المتاح حاليا في الحفاظ على الروح القومية لأبناء شعبنا في بلدان المهجر والوسيلة الوحيدة والفاعلة في تجميع أبناء أمتنا في مكان واحد.

وأخيراً أسأل أبناء شعبنا في الدول الأوربية وأقول لماذا لا يقومون بتنظيم مثل هذا الكونفينشن سنويا وكل مرة في دولة أوربية، خاصة أن الظروف الأوريية السياسية والجغرافية تسهل عقد مثل هذا الكونفينشن. فالوحدة الأوربية ألغت الحدود والفيزا بين الدول كما أن المسافة بين السويد وإنكلترا أو ألمانيا أو إيطاليا أقصر بكثير من المسافة بين نيويورك وسان ديكو. أن الاتحاد الآشوري في السويد مؤهل للقيام بمثل هذه المبادرة خاصة وهو عريق في تاريخ تأسيسه ونشاطه الشامل لجميع فئات أبناء شعبنا في أوربا.... رسالة ... فهل من جواب؟؟ إلى اللقاء في الكونفينشن القادم الـ 75 في نيويورك. ونأمل أن نرى قريبا كونفينشن أوربي.

147
ماذا تعرف عن كونفينشن
للاتحاد الآشوري الأمريكي القومي
+++++++++++++++++++++

أبرم شبيرا
توطئة:
للفترة من 30/آب/2007 ولغاية 3/أيلول/2007 سينعقد في مدينة سان ديكو في جنوب ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية كونفينشن الـ (74)  للاتحاد الآشوري الأمريكي القومي. وبالنظر لكون هذا التجمع الجماهيري الواسع محصوراً بالمنظمات الآشورية الأمريكية وضيوفه القادمين من خارج الولايات المتحدة الذين يستطيعون توفير المستلزمات المالية لحضوره فأن المعلومات عنه وعن نشاطاته قد تكون قليلة لأبناء شعبنا في المشرق وفي بلدان المهجر الأخرى، لذا نقدم هذه السطور كتوضيح معلوماتية قد تكون مفيدة في معرفة هذه الاجتماع السنوي.

الكونفينشن وخلفيته التاريخية:
لغوياً، الكونفينشن يعني إجتماع موسع لمجموعة من الناس أو المؤسسات وعلى الأغلب يكون إجتماعاً دورياً سنوياً. قومياً، هو الاجتماع الجماهيري الذي يعقده الاتحاد الآشوري الأمريكي القومي في الولايات المتحدة الأمريكية سنوياً ولمدة أربعة أيام يبدأ من نهاية الأسبوع الأخير من شهر آب وينتهي في يوم الأثنين الأول من شهر أيلول من كل عام والذي يصادف عيد العمال في الولايات المتحدة وهي عطلة رسمية. تاريخياً، ولد الاتحاد الآشوري القومي عشية المذابح المفجعة في سميل في شهر آب 1933. ففي منصف شهر تشرين أول من عام 1933 تشكلت لجنة الطوارئ الآشورية القومية في الولايات المتحدة الأمريكية فدعت إلى إجتماع جماهيري موسع في مدينة نيو جيرسي. وبعد يومين من النقاش تقرر مندبو المنظمات الحاضرة عقد إجتماع في شهر تشرين ثاني من نفس العام في مدينة نيو بريتن في ولاية كونيكتيكوت حيث أقر النظام الداخلي وأنتخب الكابتن ألكس أمير كأول رئيس للإتحاد. والمنظمات التي حضر مندوبهم وأسسوا هذا الاتحاد، هي كل من إتحاد القومي الآشوري من ماسسشوسيتس و الجمعية الآشورية في يونكر/نيويورك والجمعية الآشورية في كونيكتيكوت و الجمعية الخيرية الآشورية المسيحية في فلاديلفيا وفروعها في نيووارك ونيو جيرسي كذلك حضرت لجنة الطوارئ الآشورية في نيو جيرسي.

وفي الاجتماعات السنوية اللاحقة تطور النظام الداخلي للإتحاد وتبنى شعاره وأهدافه والتي كانت بالأساس مساعدة الآشوريين المتضررين من مذابح سميل إضافة إلى أهداف قومية وإجتماعية أخرى تقوم على لم شمل الآشوريين المنتشرين في الولايات الأمريكية المختلفة وإقامة المحاضرات والندوات والحفلات الترفيهية والمباراة الرياضية. ومن الظواهر المهمة الواجب ذكرها هو أن معظم مؤسسي الإتحاد كانوا من رواد الفكر القومي الآشوري  ومن الطائفة السريانية الأرثوذكسية وكان بينهم ديفيد بيرلي وجوزيف ديرنه وغيرهم. ومن المؤسف فيه أنه بمرور الزمن تقلص نفوذ وتواجد أبناء هذه الطائفة في الإتحاد ونشاطاته. أما أبناء الطائفة الكلدانية فكان وجودهم أو منظماته معدوماً تقريباً، في حين طغى أبناء الطائفة المشرقية (النسطورية) على الاتحاد وأصبح تقريباً في السنوات الأخيره قاصراً على عليهم وعلى منظماتهم. كما وأن التسمية الآشورية (Assyrian) طغت بالتمام والكمال على الاتحاد وعلى جميع المنظمات المنضوية تحد لوائه بإستثناء جمعية جديدة تأسست حديثاً وفي السنوات القليلة الماضية وهي الجمعية الكلدانية الآشورية الأمريكية في سان ديكو، وهي المدينة التي يطغي عليها تواجد الطائفة الكلدانية أكثر بكثير من الطوائف الآشورية الأخرى، وهي التي ستقوم بتنظيم كونفينشن 74 لهذا العام. وأخيراً لم يبقى إلا أن نذكر مصادفة غريبة هي أن عدد الجمعيات المنضوية تحت لواء الإتحاد الآشوري الأمريكي القومي حالياً هو (33) جمعية وهو العدد الذي تلون بدماء شهدائنا في مذبحة سميل في عام 1933 والذي على أثرها تأسس هذا الاتحاد.         

 إيجابيات الكونفينشن:
بدءً أقول بأنني معجب بالكونفينشن، فاقطع المحيطات وأعبر القارات لكي أحرص على حضوره والاستمتاع بأيامه المعدودات. وسبب إعجابي به يعود إلى بعض الإيجابيات التي يتصف به:
1.   أنه أكبر تجمع آشوري في تاريخنا المعاصر وأوسع نشاطا وأطول مدةً. فنحن الآشوريين المشتتين في زوايا هذا العالم أحوج ما نحتاج إليه هو مثل هذه التجمعات الدولية الشاملة التي تلملم شتات الأصدقاء القدامى وتجمع الأقارب المتباعدين تحت سقف واحد. شخصيا وفي كل سنة من سنوات الكونفينشن ألتقي بأصدقاء فارقتهم منذ أيام الصبا وأجتمع مع أقاربي المشتتين في قارات العالم. إضافة إلى ذلك فهو ملتقى للتعارف وكسب أصدقاء جدد ذوي اهتمامات مشتركة، ناهيك عن بعض جوانب نشاطاته الثقافية والفنية والرياضية والسياسية إضافة إلى سماع أخبار الوطن الأم خاصة عند حضور ممثلين عنه. وأهمية هذه اللقاءات تكمن في كونها الحجر الأساسي في ديمومة أركان المجتمع ألآشوري بالمعنى السوسيولوجي والسياسي للمجتمع. فالمجتمع بهذا المعنى ليس كماً عددياً من الأفراد بل هو مجموعة من العلاقات والاهتمامات القائمة بين هؤلاء الأفراد.
2.   يتصف الكونفينشن بصفة لا تتوفر إطلاقاً في أي جانب من جوانب نشاطات المجتمع الآشوري في تاريخنا الحديث وهي الديمومة والتواصل. فمن المعروف عنا نحن الآشوريين نبدأ تجمعاتنا ونشاطاتنا ببدايات نارية وحاسمة ثم ما يلبث وبعدة فترة قصيرة ينطفئ نيران حماسنا ونبدأ بلوم بعضنا البعض أو إيجاد مبررات باهتة للفشل وعدم التواصل. أما الكونفينشن فهو الوحيد والنادر والاستثناء في هذه الحالة، فمنذ عام 1933 يتواصل نشاطه دون انقطاع، بغنى عن سلبياته وإخفاقاته. فهذا التواصل يؤكد، ولو من جانب ضيق ووحيد، حيوية المجتمع الآشوري وإصراره على البقاء والديمومة. فالمجتمعات الحية لا تعرف بفعاليات أو مناسبات مؤقتة غير قادرة على الاستمرار والتواصل بل بديمومة هذه المناسبات وتواصلها لآجال مستقبلية، وهو الأمل المعقود على الكونفينشن ليتواصل نحو الأجيال الآشورية القادمة.
3.   هناك صفة أخرى يتصف به الكونفينشن تتعلق بالصفة السابقة وهي حضور عدد كبير من الشباب والشابات له والاستمتاع بنشاطاته، خاصة الرياضية والاجتماعية منها وزيادة هذا الحضور من سنة إلى أخرى من سنوات الكونفينشن. فمن المؤكد بأن هؤلاء، والذين معظمهم يعيشون في المجتمعات الغربية يسهل عليهم الاستمتاع بمثل هذه النشاطات وخاصة الترفيهية منها وفي أمكان أخرى إلا أن الظاهر فيهم هو اهتمامهم الخاص وحماسهم الظاهر في حضورالكونفينشن لا بسبب شكلية الحفلات والنشاطات الترفيهية والرياضية وإنما بسبب مضمونها الآشوري. فشخصياً ألمس مثل هذا الاهتمام عندما اختلط بالكثير منهم وأتبادل الحديث معه وعن البلد الذي جاءوا منه والنشاط الذي سيقومون به في الكونفينشن وغايتهم من الحضور، فكثيراً ما يكون جوابهم مشبعاً بالفرح والبهجة وحتى المزاح ذات المضامين الإيجابية. وأطرف هذه الأجوبة كان جواب أحد الشبان القادمين من أستراليا حينما قال بأنه جاء للكونفينشن ليبحث عن فتاة آشورية جميلة ويتعارف عليها ثم يأخذها في المستقبل زوجة له. ولا أدري إذ كان مازحاً أم جاداً إلا أن جوابه أسعدني كثيراً. على أن كل هذا يجب أن لا نغفل الشكاوى والاحتجاجات التي ترد على تصرفات بعض الشباب في الكونفينشن وما يسببونه من مشاكل وأضرار لممتلكات الفندق الساكنين فيه. وقبل أن نعلق على هذه الشكاوى يجب أن نؤكد ظاهرة بارزة فينا نحن الآشوريين، وهي إننا نملك عيون واسعة وقوية جداً نحو سلبياتنا في حين لنا عيون صغيرة وضعيفة نحو إيجابياتنا، من هذا المنطلق نبالغ كثيراً في سلبياتنا ونهمل إيجابياتنا. لذا يجب أن تؤخذ هذه المشاكل بنظرة موضوعية لا انفعالية سلبية مفصولة عن الايجابيات. فيجب أن نقر بأن في مثل هذه التجمعات الكبيرة والمبهجة وخاصة بالنسبة للشباب لا تخلوا من بعض المشاكل وهي حالة طبيعية لا يستثنى منها أي مجتمع من مجتمعات العالم. وأخيراً فمن الملاحظ بأن هذه المشاكل قد تقلصت كثيراً في السنوات الأخيرة بعد أن قرر القائمون على إدارة الكونفينشن على عدم إقامة النشاطات في قاعات الفنادق وإنما في مراكز المؤتمرات المنفصلة عنها كما وأن الحضور إلى الكونفينشن وضرورة التسجيل مسبقاً وعن طريق موقع ألكتروني خاص بالفدريشن سهل عملية السيطرة والنظام وقلل من حضور المشاغبين.
4.   وأخيراً تبقى النشاطات الثقافية والسياسية والرياضية والفنية للكونفينشن لأيام عديدة ظاهرة إيجابية لو أحسن اختيار مضامينها وضمن تنظيمها بشكل أفضل مما هي عليها، وهي النشاطات التي يتطلب التعليق عليها في السطور القادمة.

سلبيات الكونفينشن:
بطبيعة الحال يجب أن لا تحجب هذه الجوانب الايجابية للكونفينشن العثرات والنواقص التي تعتري نشاطاته السنوية.

النشاطات السياسية والثقافية: نعالجها من الجوانب التالية:
1 - من ناحية الممضون: من الملاحظ أن مضمون هذه النشاطات لم تعد تستقطب اهتمام الجمهور لكونها مملة ومكررة ولا فيها شيء جديد يستجوب معرفته فهي لا تتجاوز المعلومات العامة والأخبار والتقارير السياسية التي نسمعها في وسائل الإعلام. لهذا السبب لا يتجاوز حضورها إلا بضعة أشخاص مما يسبب ذلك إحراجاً للمشارك والقائمين على تنظيمها. يستثنى من هذه الحالة الندوات التي يشارك فيها ممثلو الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) التي تحضر الكونفينشين بصفة ضيف أو متكلم رئيسي، أو المحاضرات التي تلقى من قبل أحد قيادي الحركة كما أن ندوات الحاضرين من بلدان خارج الولايات المتحدة تحضى بأهتمام لا بأس بها. من هذا المنطلق يستجوب إعادة النظر في مضمون هذه المحاضرات والندوات وضرورة إيجاد مضامين جديدة قادرة على استدراج إنتباه وإهتمام الجمهور.
2   - من ناحية المشاركين: في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها وطن الأم، فإن غيباب المشارك الآشوري من العراق، خاصة السياسي، والذي أعتاد عليه الجمهور، وعلى الأغلب يكون من الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) يشكل نقطة ضعف في نشاطات الكونفينشن لأن مثل هذا الحضور يثير اهتمام الجمهور بشكل منقطع النظير خاصة عند حضور مسؤول كبير عن هذه الحركة. إن هذا الحضور ضروري جداً ويستوجب على الجميع، وخاصة قيادة زوعا، توفير كل السبل لتحقيقه، ونأمل أن يتحقق في السنة القادمة لأن الجميع متشوق لسماع أخبار الوطن مباشرة من المسؤوليين عن قيادة الأمة في الوطن. وحبذا لو حضر أيضاً ممثلين عن الحركات الأخرى لكي يستمتع الجمهور بتنوع الأراء والأفكار. ولكن هل يجتمع الأخوة الأعداء تحت سقف واحد؟؟؟ وفي يومنا هذا يشغل الأحوال المأساوية لأبناء شعبنا في أرض الوطن وفي سوريا والأردن حيزا كبيراً من قلقهم وإهتمامهم وحبذا لو أن القائمين على تنظيم الكونفينشن القادم الإهتمام بهذا الموضوع المهم.
3   - من ناحية التنظيم: تفتقر تقريباً كل النشاطات إلى التنظيم وحسن الإدارة. أولا: أن معظم النشاطات تتأخر، كعادة الشرقيين وخصوصاً العرب الذين تعلمنا منهم كل سلبياتهم، ساعات عن موعدها المعلن ولا يستثنى أي نشاطا منها. فتأخر المحاضرة، إما بسبب قلة الحضور أو سوء التنظيم، يؤثر بشكل مباشر على تأخر النشاط التالي وهكذا تتأخرت كل النشاطات عن موعدها المقرر مما يربك الجمهور وبعضهم يمل من الانتظار ويغادر القاعة. ثانياً:  ضعف قدرة منظم المحاضرة في الادارة والسيطرة مما يؤدي إلى فلتان الأمور وعدم تقيد المحاضر بالوقت المحدد وبالتالي يسبب تضايق وتململ الجمهور القليل العدد ومن ثم مغادرة بعضهم القاعة. كما أن ضعف الإدارة والسيطرة تنعكس في ضياع محدودية الوقت المخصص للمحاضر وبالتالي لا يبقى شيئاً من الوقت لأسئلة الجمهور في حين يبقى رنين تلفونات (موبايل) المستمر هو سيد الموقف بدون منازع رغم الإنذارات المتكررة من قبل منظم المحاضرة على  ضرورة غلق التلفون وعدم استعماله في القاعة.
4   - من الناحية السياسية والقومية: هناك غياباً شبه تام للأحزاب الآشورية في الكونفينشن وبالأخص القائمة في المهجر وتحديداً في أميركا. فمن المفروض أن يكون لهم حضور ملموس ونشاط مثير لإهتمام الناس. ولكن السؤال يبقى قائم: هل من جديد لهذه الأحزاب حتى تقدمه للجمهور؟  فهذا الغياب ما هو إلا تعبير عن عجز هذه الأحزاب وضعف نشاطاتها. فعلى سبيل المثال قبل بضع سنوات في أحدى ندوات الكونفينشن السياسية كانت الندوة تتكون من قسمين، قسم يتحدث فيها مسؤول حكومي أمريكي ثم بعد إستراحة الشاي يبدأ القسم الثاني ليتحدث فيه ممثلوا بعض الأحزاب الآشورية في المهجر، فبعد إنتهاء القسم الأول خرج الحاضرون إلى صالة الشاي وبعد مضي 15 دقيقة المخصصة للراحة لم يداخل الحاضرون إلى القاعة لحضور القسم الثاني مما أضطر المنظمون للندوة إلغاءه. وعندما سئلت بعض الأصدقاء عن سبب عدم حضورهم للقسم الثاني، قالو.. نحن نعرف ماذا سيتكلمون ... أنه نفس الكلام الذي يتكلمون عنه منذ سنوات ونحن متأكدين لا جديد فيه فماذا نضيع وقتنا هبائاً. كما هناك نقطة سلبية لها مدلولات قومية هي غاب العنصر الكلداني في السنوات الأخيرة من الكونفينشين، وربما قد يحضر مسؤول عن منظمة كلدانية معنية قريب من حيث الفكر والميول لمنظمي الكونفينشين ولكن يبقى حاله في كثير من الأحيان كحال أي زائر أو ضيف عادي لا يخصص له أي نشاط أو فرصة للحديث او المشاركة في نشاط قومي أو سياسي. وهناك ظاهرة أخرى مثيرة للعجب أود الإشارة إليها لكي يشاركني القارئ عجبي هذا، وهو غياب شبه كامل لأفراد ومؤسسات الطوائف الأخرى وأخص بالذكر الطائفة السريانية الأرثوذكسية، حيث كان معظم رواد الفكر القومي الآشوري الوحدوي من أبناء هذه الطائفة وكانوا من المؤسسين للإتحاد الآشوري الأمريكي القومي عام 1933 وتناولوا رئاسته وإدارته لسنوات عديدة كما سبق وأن نوهنا عنه في أعلاه، واليوم غابوا عن هذا الحدث المهم، ترى ما هو السبب؟ هل هو دليل على تراجع الوعي القومي وتحدد مؤسساتنا القومية بحدود طائفية معينة؟ أسئلة مهمة يستجوب الانتباه إليها ومناقشتها. 
5   - من الناحية الاجتماعية والترفيهية والرياضية: ربما كان التباري الرياضي للفرق في كرة القدم أكثر اهتماماً واستقطابا للجمهور، فألف مبروك لشبابنا الآشوري ويستحقون كل التقدير والاهتمام. كما أن كثرة الحفلات الساهرة، تقريباً يوميا، لم تكن مبررة خاصة في الليلة الأولى للكونفينشن حيث لا يحضرها إلا عدد قليل جداً. أما بالنسبة للعشاء (الرئاسي) هو تجمع أخير وفي اليوم الأخير للكونفينشن يقتصر على كلمات بعض الشخصيات ورؤساء وممثلي بعض المنظمات أو الضيوف البارزين وينتهي بإختيار شخصية العام. وبقى أن نقول بأن السنة التي يجري فيها إنتخاب رئيس للإتحاد الآشوري الأمريكي القومي والذي يجري كل سنتين، يعد من المناسبات المهمة والمثيرة للإهتمام الحاضرين خاصة المنظمات المتنافسة على الرئاسة والمناصب الأخرى.

وأخير يبقى التساؤل قائماً وعلى الدوام، وهو هل حقاً أن كونفينشين يستطيع بنشاطاته أن يساعد الآشوريين في العراق ويخفف من معاناتهم... وهل أن الأموال التي يجنيها في هذه المناسبة يصل قسم منها إلى الوطن... للأمانة نقول ... نعم بعض من هذه الأموال وصلت ولكن في مقارنتها مع ما يصرف في هذه المناسبة من قبل الحاضرين يعد بمثابة " شعرة من جلد الخنزير" كما يقول المثل.

148
في ذكرى السابع من آب يوم الشهيد الآشـوري
-----------------------------

لماذا السابع من آب يوماً للشهيد الآشوري ؟

أبرم شبيرا

توضيح:
هذا موضوع طويل لكتاب تحت عنوان " مفهوم الاستشهاد عند الآشوريين" لازال منذ فترة طويلة تحت قيد الانجاز، ولكن لظروف خاصة وبعضها متعلقة بهذا الزمان الغادر الذي يسحق إمتنا سحقاً حالت دون إنجاز هذا العمل بشكل متكامل. فالتأثيرات النفسية السلبية التي تراكمت في إعماق نفوسنا من جراء ما تعينها أمتنا في أرض الوطن وعجزنا جميعاً أو عدم قدرتنا في المساهمة ولو بشكل قليل للخروج من هذا المأزق المأساوي يخلق فينا حالة ذهنية معينة تشلنا عن الكتابة والتي تبدو وكأنها نوع من "البطر" وأمتنا تذبح في أرض أجدادنا. ولكن مع هذا،  إكراماً لشهداء أمتنا الذين سقطوا بيد التطرف الإسلامي والإجرام المباح ولأولئك الذين يعيشون في ظروف الإرهاب والتنكيل والخطف وتضعهم في ظروف قد تجعلهم في مطاف شهداء الأمس نسطر لهم هذه السطور القليلة المقتبسة من الموضوع الأصلي.
==============================================================

يتساءل البعض لماذا  تم اختيار مذبحة سميل لعام 1933 لتكون يوماً للشهيد الآشوري في الوقت الذي هناك مئات الآلاف من الشهداء الآشوريين ومنذ قرون طويلة وهناك ضحايا الحرب والتشرد والفواجع أثرت وبعمق على الآشوريين سواء من حيث الكم أو الكيف وأثرت في نفسيتهم إلى درجة كبيرة ، خاصة أحداث الحرب العالمية الأولى وما سبقتها من مذابح وما أعقبتها من تشرد وفواجع . وهذا صحيح لا أحد يستطيع أن ينكر بأن التاريخ الآشوري زاخر بدماء شهداء المذابح التي أرتكبت بحقهم منذ قرون طويلة ولكن، كما سبق القول ، بأنه كان يجب اختيار تاريخ معين ليوم الشهيد الآشوري وكان يجب أيضا أن يأتي هذا الاختيار بسبب جملة عوامل نذكر منها مايلي :

1 – العلم والشعار والنشيد الوطني ونصب الجندي المجهول وأبطال التاريخ القومي والأعياد القومية والمناسبات التراثية وغيرها، كلها رموز قومية لكل أمة من الأمم اكتمل وعيها السياسي والقومي. فالسابع من آب يوم الشهيد الآشوري يأتي ضمن هذا السياق كرمز قومي آشوري فرضته ظروف نضج الوعي السياسي القومي الآشوري، خاصة في نهاية الستينات وبداية السبعينيات من القرن الماضي عندما تبنى الإتحاد الآشوري العالمي هذا اليوم كيوم للشهيد الآشوري .فحاجة الأمة إلى هذا الرمز هو بهدف إبراز مكوناتها التاريخية القومية وأهمية الحفاظ على هذه المكونات من خلال التضحية والفداء بالدماء الزكية الطاهرة لأبناء أمتنا.

2 – السابع من آب والمذبحة المأساوية في سميل عام 1933 هو تاريخ معاصر وقريب إلى أحداثنا القومية والسياسية المعاصرة وإلى المأساة الناجمة عن الممارسات العنصرية والشوفينية ضد الآشوريين في السنوات الأخيرة وإلى يومنا هذا. إضافة إلى ذلك فإن الكثير من أبطال الحركة القومية الآشورية عام 1933 كانوا ولا يزالون لوقت قريب أحياء يرزقون ، كما أن هناك شهود عيان لمذبحة سميل لا يزال الكثير منهم يعاصرون أحداث أيامنا هذه .

3 – لأول مرة في التاريخ الآشوري تتخذ الحركة القومية عام 1933 نهجاً اكثر تمييزاً واستقلالاً من حيث الشكل والمضمون عن نهج الكنيسة والدين وإن كانت في بعض جوانبها، سيما من حيث القيادة والتنظيم ( الديني – العشائري ) لها مظاهر دينية وعشائرية، إلا إنها من حيث المضمون وضمن سياقها الزمني كانت تسعى إلى تحقيق أهداف قومية تتعلق بحق الآشوريين في تقرير مصيرهم القومي.

4 – في العقود الثلاثة الأخيرة من تاريخنا المعاصر نشأت أحزاب سياسية ومنظمات قومية أولت أهمية للتاريخ السياسي للآشوريين الزاخر بالبطولات والتضحيات من أجل تحقيق الأهداف القومية المشروعة. فكان من الطبيعي جداً، كما هو الحال مع بقية الأحزاب السياسية للقوميات الأخرى، الاستناد إلى أحداث تاريخية تتخذ منها دروس قومية لشحذ همم الآشوريين وتطوير وعيهم القومي بشكل ينسجم مع تطلعات الأمة. فكانت أحداث الحركة القومية الآشورية والمذبحة التي أرتكبت بحق الآشوريين في سميل ملهمة لأبناء أمتنا في استمرار وتواصل النضال القومي، فأصبح السابع من أب رمزاً من رموز التضحية والفداء عند الشعب الآشوري ومنظماته وأحزابه السياسية.

5 – وفرة وتعدد المصادر والكتب والوثائق عن الحركة القومية الآشورية عام 1933 والمذبحة التي رافقتها وباللغات التي يجيدها الآشوريون كالآشورية/السريانية والإنكليزية والعربية والفارسية، وسهولة الرجوع إليها واغتراف مضامينها التاريخية والسياسية وأبعادها القومية والإنسانية واستلهام معانيها النبيلة في الاستشهاد في سبيل الحرية لتساهم بدورها في إنماء وتطوير الوعي القومي الآشوري وبالتالي إضفاء أهمية استثنائية لمعنى الفداء والتضحية بالدماء في مسيرة التحرر القومي الآشوري. ومن الجدير بالذكر في هذا الشأن كتاب ماليك ياقو ماليك إسماعيل "الآشوريون والحربان العالميتان" وكتاب يوسف مالك "خيانة بريطانيا للآشوريين" وكتاب البطريرك مار شمعون إيشاي "مأساة الآشوريين" والمنشور باسم مؤلف مجهول، فهذه الكتب سلطت أضواء مكثفة على تفاصيل الحركة القومية الآشورية عام 1933 والمذبحة التي رافقتها والتي كتبت بنوع يتسمها نسمات من الروح القومية، لذلك كان تأثيرها واضحاً في نفسية الآشوريين والذين تمكنوا من خلالها استخلاص العبر والدروس القومية وبالتالي المساهمة في إنماء وتطوير الوعي القومي السياسي للآشوريين في عصرنا الحالي. وتأتي أهمية هذه الكتب في كونها كتبت من قبل رجال عاصروا الحركة الآشورية لعام 1933 وواصلوا النضال لفترات لاحقة واحتلوا مواقع قيادية فيها، فجاءت كصورة حقيقة ناطقة عن الضمير الآشوري الذي ذبح في سميل.

6- مأساوية مذبحة سميل ودراماتيكية أحداثها الدموية وتأثيرها بشكل عميق على نفسية الفرد الآشوري وعلى الأجيال اللاحقة من جهة، وانعكاساتها السلبية في البنية الفكرية العراقية والترسبات التي خلقت في عقلية رجال الحكم في العراق من جهة أخرى، ترتب على ذلك تبعيات سياسية وقانونية سلبية على الآشوريين ، كموضوع الحصول على الجنسية العراقية مثلاً والمواقف السلبية للأنظمة المتعاقبة على السلطة في العراق تجاه الآشوريين وفي توجيه مختلف التهم والشتائم اليهم وفي اعتبارهم مجرد " عملاء أو جواسيس أن طابور الخامس للاستعمار الانكليزي" ، فكان مثل هذه الممارسات السياسية والقانونية تجاه الآشوريين سبباً في خلق أهمية لهذا الحدث في نفسية المجتمع الآشوري لتفرز فيما بعد ردود لها مغزاها القومي.

هذه بعض الأسباب التي دفعت بالحركة القومية الآشورية عام 1933 والمذبحة التي رافقتها في سميل إلى مصاف الأعياد القومية لدى الآشوريين جمعاء وان يصبح السابع من آب مناسبة تتكلل حولها أرواح الشهداء الآشوريين جميعاً سواء أكانوا قبل هذه الحادثة أم بعدها، وهذا ما يمكن تلمسه أيضا من خلال القصائد والكلمات التي تلقى في هذه المناسبة حيث يكثر الحديث عن مار شمعون بارصباي ومار بنيامين وشهداء زمن "سيفو" ثم يكثر الحديث المبجل عن شهداء الأجيال المعاصرة الذين ودعنا أجسادهم في الأمس القريب واحتفظنا بأرواحهم وذكرياتهم في اجمل زوايا قلوبنا نستمد منهم العبر القومية والإنسانية في تسطير تاريخ أمتنا  في إصحاح يعتبر من اجمل إصحاحات التاريخ الآشوري ليكون بذلك وبحق رمزاً لخلود الأمة، ذلك الخلود الذي كان ثمنه دماء شبابنا الزكية وأرواحهم الطاهرة من أجل أن نستمر نحن في هذا العالم وأن يستمر أطفالنا في عالم الغد. فالسابع من آب يوم خالد، ويجب أن يكون كذلك لكل الآشوريين ولكل مؤسساتهم الدينية والقومية معاً لأنه واجب قومي وديني وإنساني لكل من تعمذ بروح القدس وأستحق اللقب الآشوري هوية له.

واليوم يذبح أبناء أمتنا مع بقية أبناء العراق، ولكن معاناتهم تختلف عن البقية. حيث أنهم يذبحون مرتين، مرة في كونهم مسيحون من جهة وعراقيون من جهة ثانية، فلهم معاناتهم الخاصة والعامة. لا بل والأكثر من هذا بكثير فوجودهم المهدد والمككل بهالة الاستشهاد ليس بصفتهم الفردية فحسب بل إيضاً بصفتهم المجتمعية بما تحمل هذه الصفة من مدلولات ثقافية وإجتماعية وتراثية تارخية. إي بمعنى آخر إن المعاناة في العراق هي معاناة أمة بأكملها تهز وجودها من الأعماق وتقلعها من جذورها، فالرياح العاتية والمدمرة تفعل فعلها الشنيع في الضعيف والصغير قبل القوي والكبير، حينذاك هل يفحل كرسي في البرلمان العراقي أو منصب وزاري أو دولارات الكرد وبناء البيوت الملونة والمزركة بألوان عمامة الكرد في إنقاذ أمتنا وتثبيت جذورها في الوطن وتوجيهها نحو الحياة لا الموت ... موضوع لنا عودة إليه.   

149
زوعا... وأنا ... والآخرون؟؟؟

أبرم شبيرا

يظهر بأن المآساة الدموية التي يعانيها شعبنا في هذه الأيام في الوطن أثرت بشكل عكسي في عقول ونفوس البعض بحيث سمحوا للشيطان أن يدخدخ ويخلخل عقولهم وبالتالي يلجؤا إلى التخريف ونشر الأكاذيب والأباطيل للطعن في كل فكرة نبيلة أو طرح ممكن أن يخفف من معاناة أمتنا في الوطن. فالحالة الفكرية والنفسية لهؤلاء جعلتهم يظنون بأن اعتماد هذا التخريف وإهانة الآخرين سوف يجعلهم كتاباً مشهوريين يقرأ الناس لهم ويصدقونهم وهم مشغولين بمعالجة جروحم النازفة. أنظروا إلى صفحة عنكاوا دوت كوم وسترون أن معظم مكوناتها هي عن معاناة شعبنا في الوطن، أما هؤلاء "الآخرون" فلا زالوا يسبحون في مستنقع الكذب ويلحسون ماضيهم الذي يحاولون تعسيله. أنا لا أريد الاطناب في هذا الموضوع لإنه حيفاً أن نستهلك صفحات عنكاوا ونضيع وقت القراء من جهة، كما إنني لست من الذين يضيعون الوقت للرد على مثل هذه المهاترات من جهة أخرى. أقول لبعض، أكرر وأقول مرة أخرى للبعض كما سبق وأن ذكرت ذلك مراراً وتكراراً، وليس لكل القافزين من قطار زوعا بأنكم لو فعلاً كنتم منتميين إلى زوعاً بالصميم والفكر لكنت عرفتم أبرم شبيرا وعلاقته بهذه الحركة المناضلة وبقيادتها وأعضائها.... ويظهر بأنكم لا تعرفون، لذا أنصحكم أن لا تذهبوا إلى رابي يونادم كنا الذي تحسبونه صديقاً لدي وبالتالي لا تصدقونه، بل اذهبوا وأسئلوا عني من الكوادر الأخرى والقواعد، إسئلوا أخوتكم وأقربائكم الذين لا يزالون يناضلون هناك  حيث ستعرفون منهم علاقتي بزوعا وبقية الحركات والاحزاب الآشورية الشريفة المناضلة.

إنني لا أستغرب أبداً في زمن كثر المنافقون والمآربون الذين يلجؤون إلى أبخس الوسائل لتبرير مواقفهم أو ماضيهم الفاشل عن طريق الطعن بالآخرين وأن ينسب لي مقالة لا أعرف عنها شيئاً ولم أراها أو قرأتها في حياتي ولا سمعت عن الموقع الألكتروني الذي يقال بأنه نشرت فيها. عن أية مقالة يتحدثون هؤلاء التي هاجمت فيها زوعا وقيادتها.... أن الحليب القومي الذي شربناه لا يسمح لنا بمثل هذه المهاترات والأساليب الخبيثة في الحديث عن حركاتنا السياسية المناضلة، بل يعطينا شجاعة كافية لنقد صريح وواضح ومبدئي وبيان عيوب أية حركة أو شخص طالما أعتقد أنه مفيد لهما. فزوعا غير معصومة من الأخطاء وقيادتها تعرف ذلك جيداً. فعندما ألتقي بهم أنتقد بعض ممارساتهم الخاطئة ولم أرى أي زعل منهم. ألا كان الأجدر بهولاء المتصيدين في بركة الكذب والدجل أن يتحققوا من الموضوع عن المصدر الذي كتب المقالة ولو كان عن طريق الاتصال بي أو بقيادة زوعا.  واليوم وبعد أربع سنوات من المقالة الشيطانية يطلبون من رابي يونادم الرد، تصوروا هكذا عقل وتفكير... أين كنتم في حينها؟؟؟. أم أن الشيطان دخل عقلكم في هذه الأيام وحرك ألاعيبه الغبيثة. فإذا كان هؤلاء حقاً ذات يوماً منتميين إلى زوعا صميمياً وفكرياً لعرفوا على الفور بأن هناك يهوذا أسخريوطي كتب هذه المقالة ليسئ إلى علاقتي الجيدة التي كانت و لازالت قائمة مع زوعا. أين أنتم ؟؟ هل قرأتهم كتبي ومقالاتي في تقدير وتقييم نضال هذه الحركة أم الحقيقة عمت عيونكم ولم ترى إلا سطراً أو فقرة كتبتها أيضا من أجل حماية أمتي من مخالب النظام البعثي الحقير. أسئلوا أعتى عتاة عملاء نظام البعث المقبور، مثل وليم شاؤول، وستعرفون من هو أبرم شبيرا... أبحثوا في سجلات الأمن التي أصبحت مكشوفة بعد سقوط النظام وستعرفون من هو أبرم شبيرا، أبحثوا في سجلات كلية القانون والسياسية وستعرفون كيف قبلت في الدراسات العليا وحصلت على أول شهادة ماجستير في العلوم السياسية بدرجة إمتياز والتي كانت وبحق وحقيقة شوكة في عين عميد الكلية والبعثيين في الجامعة... أسئلوا الأستاذ الدكتور الفاضل منذر الفضل الذي يعيش في السويد حالياً وكان زميلاً قريباً لي في الجامعة فهو يعرفني حق المعرفة لأنه إنسان نبيل وشريف يميز الشرفاء عن غيرهم.

في بداية شهر حزيران من عام 2003، إي بعد أقل من شهرين من سقوط النظام البعثي الطاغي في بغداد سافرت إلى الوطن، لا لعقد مؤتمر أو حضور إجتماع وفي النهاية أحزم أمتعتي وأقول لعائلتي الكبيرة هناك "مع السلامة"، بل ذهبت هناك لأفرح مع أبناء شعبي بسقوط الطاغية ولأقضي أيام عديدة في مقر زوعا في زيونة في بغداد وأشاركهم الفرحة وكانت فرصة لكي أثبت حسن نيتي تجاه بقية الأحزاب الآشورية التي أحترمها لأنها تعمل من الوطن وعلى أرض الوطن مثل حزب الوطني الآشوري الذي زرت مقره في بغداد وألتقيت مع قيادته مرتين وعلى رأسهم السيد نمرود بيتو يوخنا. أسالوا زوعا عن مدى إلحاحي الشديد والمزعج في بعض الأحيان عن ضرورة دخولهم في تحالفات مع الأحزاب العاملة في الوطن لا في المهجر... لو كنتم من المنتميين لزوعا صميماً وفكرياً ولكم نضال قويم لعرفتم هذه الحقيقة وعرفتم عن هدف زيارتي إلى الوطن. لقد كانت فرصة عظيمة أن توفر لي جمعية آشور بانيبال الثقافية في بغداد الوقت لإلقاء محاضرة لإبناء شعبنا وكانت فرص أكبر أن احضر جانب من الاجتماعات التحضيرية لمجلس الكلدو آشور، الذي كان في بداياته الأولى، والذي مهد الطريق لمؤتمر بغداد في شهر تشرين أول 1993 والذي آزرته مآزرة كبيرة وشجعت الكثير من الإصدقاء في المهجر لحضوره ولكن مع الأسف الشديد لم يتسنى لي حضوره ولإسباب صحية ولا غير... أفهل استطيع أن أجرم بحق هكذا مؤتمر نبيل وهكذا حركة قومية شريفة مناضلة وأن أكتب عنها بسوء.... الشريف والمناضل الصميمي يقول بملئ الفم لا وألف لا، لأنه يعرف معدني جيداً، أما المتصيدين في مياه المجاري والبلاليع فيخلقون كذبة أو قصص مفبركة ليطعنوا في الشريف والمناضل الصميمي.

كما وعدت، فلن أطيل كثيرا لإني لست من هواة الجري وراء المهاترات الذين لا "شغل لهم ولا عمل" غير النبش في النفايات التي لا تخدم روائحها الكريهة غير أعداء أمتنا... يعجبني في زوعا وبقية الأحزاب المناضلة على أرض الوطن هو أبتعادهم عن مثل هذه المهاترات لأن وقتهم لا يكفي إلا للتفكير والعمل من أجل شعبنا المذبوح في الوطن.     

150
هل نطلب المستحيل أم الممكن؟؟؟

أبرم شبيرا - لندن

في المقالة السابقة المعنونة (عيب ... والله عيب)  ناشدنا قداسة بطاركة كنيسة المشرق بكل فروعها الاجتماع والتباحث حول مصير شعبنا في العراق والمعاناة التي يعانيها هناك كما ناشدنا أحزابنا ومنظماتنا القومية في التجمع والخروج في مظاهرات جماهرية ضخمة.. أفهل هذا مطلب مستحيل أم ممكن التحقيق؟ لنبدأ أولاً بكنيسة المشرق بكل فروعها المعروفة. لماذا؟ لأن  أولاً: الكنيسة لازالت هي المؤسسة الرئيسية الفعالة في مجتمعنا الكلداني السرياني الآشوري. ثانياً: لأنها هي المؤسسة الأكثر تنظيماً وأستقراراً. ثالثاً: لأنها مؤسسة تاريخية ثقافية وتراثية ودينة لها إمكانية استيعاب كل مناحي حياة شعبنا وحتى السياسية، خاصة في الظروف التي يمر بها شعبنا في الوطن الأم. رابعاً: وأخيراً وليس آخراً إنها أكثر استقرار من الناحية المالية ووفرة من أي تنظيم أو كيان آخر. إذا  كانت مؤسسات كنيسة المشرق بهذه الصفة والإمكانيات والقابليات إذن نتسائل أفهل من المستحيل أن يجتمع بطاركة كنيسة المشرق أم هناك نوعاً من الحساسيات والاختلافات والتناقضات هي أقوى تأثيراً عليهم من الواقع المأساوي لشعبنا في الوطن فتحول دون مثل هذا الإجتماع؟

قبل عدة سنوات كنت في زيارة إلى سوريا ألتقيت ببعض قيادي المنظمة الديمقراطية الآثورية وكالعادة جرت بيننا منقاشات قومية وسياسية وكان في حينها موضوع اللقاءات والاجتماعات الجارية بين فروع كنيسة المشرق (الكدانية والسريانية والمشرقية) موضوع حديث الساعة. سألني أحد أعضاء قيادة مطكستا عن النقاشات العقيمة التي تجري بين رؤساء هذه الكنائس والطوائف والمواضيع والاختلافات التي لم يتمكنوا من الوصول إلى نتيجة حتى في حدودها الدنيا. فقلت له مع نوع من المزاح: (فنجان قهوة)!! فأستغرب رفيقي وقال ما المقصود به؟ فقلت لا نريد من البطاركة أن يجتمعوا حول مواضيع لاهوتية وتاريخية كانت سبب الخلاف والانشقاق في الكنيسة لأنه من المؤكد في الوقت الراهن لا يمكن أن يتوصلوا إلى حلول أو تفاهم أو إلى نتائج تريح قلوب رعيتهم وبالتالي فشلهم سيترك أثاراً سلبية في الرعية ويزيد من نزعتها الطائفية ويقلل من إيمانها بإمكانية التفاهم والتقارب نحو الوصول إلى وحدة الكنيسة، وهو ما حدث فعلاً. فنتائج فشل المباحثات بين الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية مع كنيسة المشرق الآشورية وهذه الأخيرة مع الكنيسة السريانية الأرثوذكسية وحتى مع الكنيسة الشرقية القديمة إدت في نهاية المطاف إلى تصاعد حدة النزعات الطائفية ووصلت إلى حدودها القصوى وتجاوزت الى درجة تقومنت كل طائفة في حدود كنيستها وكستها بلباساً قومياً بحيث لم يعد يجمعهم شيئاً حتى العدو المشترك الذي يسلط سيفه على رقاب الجميع دون إستثناء. من هناك فإن المقصود بـ (فنجان قهوة) هو أن يلتقي البطاركة كلهم في إجتماع موحد من دون أي أجندة للمناقشة وحتى ولو كان الاجتماع لفترة قصيرة جداً يحتسون القهوة فيه ومن ثم يظهرون على الملل وعلى شاشات التلفزيون وهم متصافحين مبتسمين لرعيتهم مؤكدين لهم حبهم وإحترامهم بعضهم للبعض تاركين لديهم إنطباعاً في إمكانية اللقاء بينهم كخطوة أولى لربما تعقبها خطوة ثانية تكون أكثر من فنجان قهوة.

اليوم، هناك أكثر من فنجان قهوة ومواضيع وأجندات أكثر مرارة وخطورة... أنه سيف الإرهاب والتكفير الذي يفعل فعله في اعناق رعيتهم في العراق. أنه الموضوع الذي يطغي تماماً على جميع الخلافات اللاهوتية التي لم يعد لها معنى ودم رعيتهم يسيل في شوارع بغداد وبقية المدن العراقية. فرغت مدينة البصرة من أبناء رعية كنيسة المشرق بكل فروعها ومن المؤكد أيضاً فرغت من رجال الكنيسة... الكاهن بدون رعية لا معنى له، وقريباً جداً ستفرغ منطقة دورة في بغداد من جميع المسيحيين، وهي المنطقة التي كانت حصراً للمسيحين منذ أكثر من نصف قرن، وغداً ستفرغ كركرك التي لم يبقى فيها سوى عدد قليل من العوائل ومن ثم تليها بغداد فالموصل ولا يستغرق الأمر كثيراً حتى يبتلع الأكراد سهل نينوى وغيرها من منطاق سكن المسيحيين في شمال الوطن. كنت قبل سقوط نظام البعث الطاغي في العراق من أكثر المتشائمين عن مصير شعبنا في العراق بشكل خاص والشرق الأوسط بشكل عام فكنت أقول بأنه في حدود نصف قرن سوف يفرغ العراق من المسيحيين وحتى من إيران وربما سوريا أيضاً. واليوم كما هو ظاهر بأنني كنت مخطاً فالخمسون عاماً كثيرة جداً في مثل ظروف الذبح والتشريد والجزية السائدة في العراق. فإذا أستمر الوضع كما هو و "زعماؤنا" الدينيين والعلمانيين ساكتين دون حراك فأن الأمر من تفريغ العراق من المسيحيين لا يستغرق كثيراً. فعندما يفرغ العراق من المسيحيين ويصبح حاله كحال منطقة حكاري وماردين ودياربكر والبصرة عندذاك لم تعد حاجة للكنيسة هناك ولا لرجال الدين. قبل سقوط النظام البعثي المجرم في العراق، كنت في حديث مع أحد المطارنة الأفاضل فقلت له إذا منح أبناء شعبنا فيزا للسفر إلى البلدان الغربية فأنه أكثر من 90% من أبناء شعبنا سوف يهاجرون. فقال لي أنت مخطاً فالنسبة ستكون 100% لأن أنا أيضا سأهاجر لأنني لا يمكن أن أكون مطراناً لبضعة أشخاص!!! حقاً كان صادقاً هذا المطران الجليل.

إذن هناك أجندة موحدة لقداسة بطاركة كنيسة المشرق لا فيها مواضيع غير موضوع واحد وهو مصير شعبنا في العراق. فهذا الموضوع لا علاقة له بنسطورس أو قورلس وموقفهما من طبيعة المسيح ومن مريم العذراء ولا علاقة له بمار يوحنا سولاقا وبمار شمعون برماما ولا في كيفية رسم الصليب من اليمين أو اليسار فهذه المسائل والاختلافات غسلها دم الأب رغيد الطاهر وأصحابه الشمامسة وغيرهم من ضحايا الأرهاب في العراق كما غطى عليها الأتربة والحجارة المتطايرة من تفجيرات الكنائس من قبل الآرهابين الذين لا يميزون بين هذه الكنيسة وتلك. فضمن هذه الظروف لا واجب أمام قداسة البطاركة إلا حماية رعيتهم كأساس لحماية كنيستهم من الضياع، وهي مسؤولية كبيرة تقع على أعناقهم خاصة في هذه المرحلة. إذن الجميع متفقين على أن هذا الموضوع هو في مقدمة المواضيع ولا خلاف عليه فهو موضوع الاجتماع الذي نطالب به قداسة بطاركة كنيستنا ولا يختلف عليه إلا من لا يعنيه الأمر، أي أنه إنسان مجرد من دين ومشاعر إنسانية، ومن هو هذا الذي لا يعنيه الأمر غير الارهابي والتكفيري الذي يفعل فعله كذئب مفترس في قطيع من دون راعي أو حامي.

إذا كان الموضوع الوحيد المدرج في جدول الاجتماع واضح لا لبس فيه، فالسؤال يبقى مطروحاً عن آلية تنظيم مثل هذا الاجتماع، أفهل يقبل قداسة البطاركة مثل هذه الدعوة للإجتماع؟؟؟ أفهل هناك جهة تقوم بتنظيم مثل هذا الاجتماع ودعوة البطاركة إليه؟؟؟ من المعروف إننا مبدعين ومكثرين جداً في طرح الأفكار واختلاق المشاريع وعقد المؤتمرات والتحالفات ولكن مفلسين أو ضعيفين في تنفيذ مثل هذه الأفكار والمشاريع أو متابعة مقررات المؤتمرات والتحالفات. فمجازاً نقول بأننا أقوياء في الهيئة التشريعة وضعفاء أو لا شيْ في الهيئة التنفيذية... إذن أين نجد المبادر في تنظيم هذا الاجتماع وخلق آليه لتنفيذ مقرراته. لقد سبق وأن ذكرنا في المقالة السابقة بأن معظم كنائسنا أعضاء في مجلس كنائس الشرق الأوسط والذي مقره في قبرص فمن الضروري على بطاركة كنيستنا أن يطرحوا الموضوع على المجلس، إن لم يكن قد فاتحوه مسبقاً بهذا الشأن، فهو الجهة التي من الممكن أن يكون مناسباً في تنظيم مثل هذا الاجتماع وليكن على شكل دوري يناقش فيه وضع شعبنا في العراق والوصول إلى بعض النتائج والحلول التي قد يمكن أن تخفف من معاناته وفي نفس الوقت يوقض ضمير العالم لما يجري في العراق بحق شعبنا. فإذا كان متعذرا على المجلس أعلاه القيام بهذه المهمة لإسباب قد لا نعرفها، فإنني أقترح أن تقوم الرابطة السريانية ومقرها في بيروت والتي يرأسها ملفونو حبيب أفرام بمهمة تنظيم مثل هذه الاجتماع لبطاركة كنيستنا. ففي لبنان لا زال هناك هامشاً من الحرية والديمقراطية تسمح للأستاذ حبيب أفرام التحرك بهذا الشأن. كما أنه يحتفظ بمسافات متساوية مع جميع فروع كنيستنا وهومعروف لديهم أيضاً. فمثل هذه المهمة قد تكون صعبة بعض الشيء لرابطة واحدة وشخص واحد لهذا يتطلب أن يكون هناك تنسيقاً وتعاوناً مع بقية الاتحادات الأخرى مثل الاتحاد الآشوري الأمريكي القومي والاتحاد الكلداني القومي وغيرهما من الاتحادات التي تحتفظ بعلاقات جيده مع الاستاذ حبيب أفرام.

أما بالنسبة لاجتماع أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية والبحث في مسألة معاناة شعبنا في الوطن والخروج بنتيجة موحدة قابلة للتأثير في الاحداث الجارية في العراق والتي تسحق شعبنا سحقا،ً فإن حالهم أسهل بكثير من حال إجتماع بطاركة الكنيسة بكل فروعها لأن الخلاف بينهم الذي يحول دون التقارب والاجتماع هو ليس خلاف أيديولوجي فكري عقائدي وإنما خلاف مواقف أو شخصي ليس إلا. والدليل على ذلك نأخذ مثالاً واحداً، فهناك أحزاب تتفق في التسمية المركبة، وهو موضوع أساسي وجوهري يهم شعبنا، إلا إنهم لا يزالوا في خلافات لا معنى لها ولا طعم. فالتجاذبات السياسية من القوى المحلية والمواقف الشخصية تلعب دوراً كبيراً في مثل هذا الاختلاف الذي لم تعد مقبولة إطلاقاً في ظل الظروف الراهنة التي يمر شعبنا بها. لقد سبق وأن ذكرنا بأنه إذا فرغ العراق من شعبنا الكلداني الآشوري السرياني فهل يصبح معنى لوجود هذه الاحزاب وهل تهمه مسألة التسمية وتداعياتها على المستويات الشعبية والرسمية وخاصة الدستورية. وحتى بالنسبة لبعض أبناء شعبنا المنتمين للأحزاب الأخرى سواء أكان الحزب الديمقراطي الكردستاني أو الحزب الشيوعي العراقي أو الكردستاني. فعندما يخلى العراق من الكلداني والسرياني والاشوري (بواو أو بدون واو) فأنه لا يبقى لسركيس أغاجان، على سبيل المثال لا الحصر، معنى من تمثيل هذه الأمة ولا يعد له قيمة كأشوري أو كلداني أو سرياني عند الأكراد لأنه أصبح ممثلاً لشعب لم يعد له وجود أو تأثير أو مكان في الوطن. وهكذا الحال مع الحزب الشيوعي الكردستاني حيث سيصبح فرعه أو لجنتة "كلدوآشور" أسم بلا جسم يختفي عاجلا أم آجلاً. إذن فالتحرك لبحث مسألة مصير شعبنا في الوطن واجب كل واحد من أحزابنا ومنظماتنا القومية دون إستثناء.

كان جميلاً عندما سمعنا بأن رابي يونادم كنا، السكرتير العام للحركة الديميقراطية الآشورية وعضو برلمان العراق قد اجتمع مع السيد عبد الأحد أفرام رئيس حزب الاتحاد الكلداني وعضو برلمان العراق رغم الاختلافات والقطيعة التي كانت قائمة بينهما. لقد وضعوا هذه جانباً وأدرجا مسألة ضمان حقوق شعبنا في دستور العراق في مقدمة المسائل المشتركة التي لا خلاف عليها. فهذا مثال بسيط وممكن تحقيقه مع بقية الاحزاب الاخرى. أن مسألة التخوين والشتائم والتهجمات التي لا معنى لها قد أنتهى وتلاشت في ظل الظروف المأساوية التي يعيشها شعبنا في العراق. لهذا عندما نطلب من الحركة الديمقراطية الآشورية، باعتبارها الحركة الرائدة والفاعلة على الساحة العراقية، وعلى رأسها رابي يونام كنا أن يخرج في مظاهرة وهو بجانب نمرود بيتو وعبد الأحد أفرام وجورج منصور و سركيس أغاجان وروميو هيكاري ويقدمون أحتجاجهم ضد ما يجري في العراق بحق شعبنا عندذاك ترتفع قاماتهم جميعاً أمام أبناء شعبنا ويعلوا شأنهم وأحترامهم عندهم. أفهل هذا صعب المنال؟؟؟ لا والله !! فهم يقفون على أرض مشتركة ولغتهم مشتركة ومتقاربين جغرافياً وقومياً ودينياً فما الصعوبة في أن يجتمعوا وبشكل دوري للبحث في مسألة مصير شعبنا في الوطن... فإذا كان مثل هذا المطلب النبيل والسهل جداً الذي يخدم أبناء شعبنا ويخدم في عين الوقت الأحزاب نفسها صعب التحقيق فمن الأفضل لأحزابنا السياسية أن تحل نفسها ويجلس قادتها في بيوتهم من دون أن يلهوا شعبنا بمسائل لا ناقة له ولا جمل فيها. صفوا قلوبكم وسترون كم الاجتماع والتباحث مع البعض سهلاً.

إنها دعوة من ضمير إلى ضمير ... فهل من مستجيب؟؟؟

151
المنبر الحر / عيب ... والله عيب
« في: 21:00 06/06/2007  »
عيب ... والله عيب

أبرم شبيرا – لندن

والله عيب علينا نحن الجالسين في بيوتنا المريحة في المهجر نتفرج ونسمع أخبار أبناء شعبنا في الوطن وهم يحترقون بنيران التطرف والارهاب ويهجرون من بيوتهم.... عيب علينا أن نستمر في التفلسف والتناطح حول إسمنا القومي وشعبنا في الوطن يبحث عن زاوية أمينة ليسلم رأسه من سيف التطرف والارهاب .... عيب علينا أن نملئ بطوننا بأشهى وألذ الأكلات وشعبنا في الوطن يموت جوعاً .... عيب على أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية أن تستمر في التناطح فيما بينهم من أجل أهانة بعضهم البعض والتنافس على مسائل لا فيها ناقة أو جمل يفيد شعبنا المحروق في الوطن والمرهوب من رصاصة إرهابية غادرة .... كان جميلاً من كنائسنا ورجالها الأفاضل الخروج على الملل والظهور على شاشات التلفزيون وهم يدينون الاضطهاد والتهجير والقتل الذي يطال كل أبناء شعبنا الأصيل في الوطن بما فيهم رجال الكنيسة نفسها. أفهل يكفي هذا ليوقف الأرهاب والجريمة عند حدها ؟؟؟ أفهل يكفي هذا لتعيد الحكومة العراقية والأحزاب الحاكمة والمتسلطة موقفها من شعبنا في الوطن ؟؟؟ أفهل يكفي هذا ليوقظ ضمير العالم المسيحي ويهرع لمساعدة أبناء أقدم كنيسة في العالم؟؟؟ أفل يكفي هذا ليحرك وجدان رؤساء الدول الكبرى الداعية للديمقراطية وحقوق الإنسان وتسرع لحماية حياة أبناء شعبنا في الوطن؟؟؟ أفل يكفي هذا لتشعر الأمم المتحدة وجميعتها في حماية حقوق الإنسان وأن تنظر في موضوع حماية أبناء شعبنا في الوطن عن طريق توفير وضمان منطقة آمنة لهم في موطنهم الأصلي الذي يسلب من قبل لصوص السياسة والإرهاب.

أين شعبنا المحروق في الوطن من مناقشاتنا البيزنطينية حول التسمية القومية؟؟؟ أين شعبنا المضطهد في الوطن من التجادل والتنافس الطائفي بين كنائسنا؟؟؟ أين شعبنا المذبوح في وطنه من تكفير هذه الطائفة لتلك ونعتها بالهرطقة والخروج عن تعاليم المسيح ؟؟؟ أفهل يفرق سيف الارهاب والتكفير بين كلداني أو سرياني أو نسطوري؟؟؟ أتذكر بهذا الخصوص ما أورده لنا التاريخ من زمن الحرب العالمية الأولى وفي أيام (سيفو) عندما سأل أحد الصحفيين الغربيين القائد العثماني المكلف بمهمة ذبح الأرمن و تهجيرهم من موطنهم قائلاً: أن فرمان (قرار) الحكومة العثمانية يخص ذبح الأرمن فلماذا تذبح بقية المسيحيين من نساطرة وسريان ويونانيين. أجاب القائد العثماني: إنني لا أستطيع التميز بين الروث (البراز) الجاف والروث السائل فكلاهما روث كريه!!! لماذا لا نتعلم من تجارب الماضي والتاريخ، أليس هو الجاهل من لا يأخد الدروس من الماضي؟؟؟  هكذا نحن اليوم في عين الارهابين كلنا كفرة وملحدين فلا يميزون بين الكلداني والسرياني والنسطوري والمشرقي والارثذوكسي والكاثوليكي كما أن سيف التكفريين المجرمين لا يعرف الرحمة سواء كان إسم قومتنا "كلدانية" أو "آشورية" أو "سريانية" أو "كلدوآشوري سرياني" أو "سورايا" حتى ولو كنا مجردين من الإسم فجميعنا عند الإرهابي التكفيري كفرة ونستحق الموت. أفهل ندرك هذا ... أفهل تدرك أحزابنا هذه الحقيقة .... فعندما يفرغ الوطن من أبناء شعبنا ... أفهل تكون هناك حاجة للأحزاب أو لكنائس؟؟؟ فما فائدة المناداة بمنطقة للحكم الذاتي عندما لا يكون هناك من يسكنها؟؟؟ أفهل يدرك رجال الكنيسة أن لا أهمية لهم ولا شغل لهم من دون رعية... أفهل تكون هناك رعية صالحة وملتزمة عندما يكون همها الأول والأخير حماية رقابها من سيوف المجرمين واللجوء إلى مناطق آمنة ولا يهما سواء أكان هناك كنيسة أم لا؟؟؟

يوم أمس كنت منغمساً في كتابة موضوع عن مشكلة التسمية القومية التي نتناطح فيها ليل نهار فعندما سمعت عن أخبار خروج أبناء شعبنا في ستوكهولم - السويد في مظاهرة جماهيرية ضخمة، وشاهدت جزء منها على شاشة التلفاز، تعبيراً عن غضبهم العميق تجاه المذابح والاغتيالات والتشريد الذي يجري بحق شعبنا في الوطن عندذاك أهتز كياني على الفور وتشوشت مشاعري وتجمد قلمي ولم أعد قادر من بعد ذلك على كتابة حرف واحد فشعرت كأنني قزم صغير وتافه أمام هذا الحدث الكبير وأمام المأساة التي يعانيها شعبنا في الوطن.... لقد شبهت حالي كحال ذلك الشخص المدخن الذي طلب من أخوه الذي يحترق بنيران لهابة قاتلة أن يشعل سيجارته من النهيران التي كانت تلتهمه.... أليس عيباً علينا أن نلهي حالنا بمسائل تظهر تافه جداً في هذه الأيام في الوقت الذي يحترق شعبنا في الوطن بنيران الحقد والكراهية. أنني أشد يدي وبقوة في يد جميع الذين شاركوا في مسيرة ستوكهولم ويجب علينا جميعاً أن ننحني بقاماتنا ونرفع قبعاتنا أحتراماً وإجلالا لجميع المشاركين وفي مقدمتهم المطارنة والكهنة الأجلاء الذين كانوا  وبحق أبطال في جبهة ... أنهم حقاً أبطال  وشجعان لأنهم لم يتحججوا مثل بعض رجال الدين الذين يمتنعون عن المشاركة في مثل هذه الفعاليات التي تخص حياة شعبنا بحجة عدم التدخل في السياسة. أن هؤلاء المطارنة والكهنة الأبطال لم يتدخلوا في السياسة بل تدخلوا في صلب الحياة وعملوا واجبهم الديني الذي يطلبه منا ربنا يسوع المسيح في مناصرة المضطهدين فكيف إذا كان هؤلاء المضطهدين أخوتنا وأخواتنا وأولاد وبنات أعمامنا.... أنكم تستحقون كل التقدير والتبجيل ... أوا يجوز أن ننسى عنكاوا دوت كوم على إطلاق هذه المبادرة للمسيرة... كلا وألف كلا فهي التي أيضا تستحق كل الاحترام والتقدير.

مرة أخرى نعود ونتسائل: أفهل هذه المسيرة المبجلة تغير من الأحوال المأساوية لشعبنا في الوطن.... وقد يكون الجواب بالنفي، ولكن بكل تأكيد وبملئ الفم نقول بأنها مبادرة أولية وتجربة موفقة في الاحتجاج والرفض لما يجري في وطننا الأم. من هنا فإننا جميعا مطالبين، لا بل هو واجبنا جميعاً دون استثناء، أن نحذوا حذوهم في القيام بمزيد من المسيرات الاحتجاجية لكي يسمع العالم صوتنا. فهو الواجب الأول الديني والقومي والإنساني لقداسة بطاركة كنيسة المشرق بكل فروعها…  أن شعبنا بكل طوائفه تواقاً جداً جداً أن يرى قداسة مار عمانوئيل دلي بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية و قداسة مار أغناطوس زكا الأول بطريرك الكنيسة السريانية الارثوذكسية وقداسة ماراغناطوس بيير السابع عبد الأحد بطريرك الكنيسة السريانية الكاثوليكية وقداسة مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية وقداسة مار أدي الثاني بطريرك الكنيسة الشرقية القديمة مجتمعين جميعاً تحت سقف واحد معبرين بتضامن أخوي عن رفضهم القاطع وسخطهم الشجبي ضد الممارسات الاجرامية التي تقترف بحق أبناء شعبنا ويرفعون احتجاجهم إلى حكومة العراق وإلى جميع القوى الفاعلة هناك وأيضا إلى جميع شعوب العالم ورؤساء الدول الكبرى وإلى الأمم المتحدة وبقية المنظمات الانسانية والدينية. وحتى نرفع الحجج والاعتذارات التي لا يمكن أن يقبلها شعبنا في مثل هذه الايام العصيبة، فإننا نقترح أن  يجتمعوا في منطقة آمنة بعيدة عن التأثيرات السياسية في العراق وقريبة من وطننا في نفس الوقت، إننا نقترح قبرص كمكان لمثل هذا الاجتماع حيث هناك مقر مجلس كنائس الشرق الأوسط. وبالمناسبة ونحن نتذكر هذا المجلس... ما فائدته ومعظم كنائسنا أعضاء فاعلين فيه إذا لم يستطيع أن يفعل شيئاً تجاه مأساة شعبنا في العراق؟؟؟ سؤال يستوجب على بطاركتنا الاجلاء طرحه على رئاسة المجلس.

 لقد عرفنا الحركة الديمقراطية الآشورية كتنظيم كبير ورائداً في المسيرة القومية لأمتنا ولنا ثقة بأنك قادرة على تنظيم مسيرة احتجاجية ضخم جداً ويكون عدد المتواكبين فيها أضعاف مسيرة أعياد نيسان التي سيرت فيها ما يقارب 40 ألف شخص. ولكي يتحقق هذا المطلب الملح يتوجب أن لا يكون يونادم كنا في مقدمة المسيرة مع أصحابه ومؤيده وإنما يستوجب في هذه الأيام الصعبة أن يكون متكاتفاً جنباً إلى جنب في الخط الأول للمسيرة مع سركيس أغاجان ونمرود بيتو يوخنا و عبد الأحد أفرام و جورج منصور و روميو حيكاري وكلهم سوراً واحداً وصوتاً واحداً من دون شعارات حزبية أو لافتات شللية تصغر إنفسنا أمام الغير. فمثل هذا المطلب هو ملح في يومنا هذا ولنكن متأكيد بأنه سيفرح قلوب شعبنا في جميع أنحاء العالم أن يرى كلكم صارخين بصوت واحد في وجه الاضطهاد والاجرام الذي يمارس بحق شعبنا والحكومة العراقية لا تعمل شيء غير الاحتجاجات الخجولة. ليس هذا فحسب بل على رجال كنيستنا أن يؤدوا واجبهم الضميري والديني تجاه شعبهم وعليهم المشاركة في مثل هذه المسيرة وأن يكون صوتهم واحداً مدوياً قابل للسمع في كل زوايا العالم لا أن يكون صوتاً طائفياً واحدا لا يسمعه أحد. أين الاتحاد الآشوري الأمريكي القومي والاتحاد الكلداني الامريكي وغيرهما من الاتحادات والمنظمات الكبيرة في الولايات المتحدة الذين يستطعون تنظيم كونفينشنات ومهرجانات يجمعون فيها الآلاف من أبناء شعبنا... أفلا يستطيعون أن يجمعوا نفس الناس لا بل وأكثر لدعم أبناء شعبنا في الوطن.... أن كونفنشن الذي سينظمه الاتحاد الاشوري الامريكي القومي هذه السنة في نهاية شهر آب في مدينة سانت دياكو مطلوب منه أن يخصصها كلها لنصر شعبنا في العراق وإلا ما فائدة المحاضرات المملة والدبكات والاغاني التي أصبحت مخجلة وشعبنا يحترق بنيران الحقد والكراهية في الوطن. ألم يؤسس الفدريشن من أجل شعبنا في العراق وهو تحت رحمة سيف الاضطهاد والارهاب في عام 1933؟؟ فعليه أن يقوم بواجبه هذا في مثل هذه الايام العصيبة.

أين محطات وقنوات الفضائية الآشورية والكلدانية والسريانية والأرامية والسريويية والبيتنهرينية و... و ... خاصة التي في المهجر من الاحوال المأساوية لأبناء شعبنا  ؟؟؟ إلا يكفي بث السباب والشتائم فيما بينكم ؟؟؟ أن الواجب القومي والانساني يناديكم أن توقفوا برامجهم فوراً خاصة تلك المهينة لشعبنا في تهجم بعضكم البعض وأن تبدؤا بحملة واسعة لعدة أيام أو أسابيع في نصرة أبناء شعبنا في الوطن ورفع صوتكم المدوي للعالم أجمع لكي يكون مسموعاً. حينذاك سوف يرفع أبناء شعبنا في العراق لكم أيات الشكر والتقديم على الواجب الذي أديتموه لهم من موقعكم الخاص وحينذاك أيضا سوف يعرف بأن لهذه القنوات الفضائية فائدة ملمومسة. كما أن جميع أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية في العالم مطالبة بالخروج في مسيرات احتجاجية ليعبروا عن سخطهم تجاه ما يجري في العراق لأبناء أمتنا... كفانا ثرثرة والتفلسف حول أيدولوجيتنا الفارغة ومطاليبنا الطوباوية فشعبنا في العراق يحتاج إلى خبز وحماية واستقرار وأمن لا إلى ثرثرة فارغة.... العذر من القيام بهذا الواجب لا يفهم في هذه الأيام فقد حان الوقت لنثبت للعالم بأننا فعلا أبناء أصلاء لبلاد ما بين النهرين. فعندما نهرع لنجدة أخوتنا المكتويين بنيران الحقد والإرهاب عندذاك نثبت للعالم فعلاً بأننا مسيحيون بكل معنى الكلمة. فعلى الجميع من كنائس وبطاركة ورجال دين وأحزاب سياسية ومنظمات قومية كلها مدعوة لتحديد يوم واحد للخروج في مسيرات أحتجاجية لنثبت للعالم بأننا فعلاً ناس نستحق الحياة في وطننا الأم.

أنها دعوة من ضمير إلى ضمير فهل من مستجيب؟
 

152
البدايات الأولى لتأسيس الحركة الديمقراطية الآشورية

حقائق أم مهاترات وأحباطات شخصية


أبرم شبيرا - لندن


هناك مثل شائع يقول: "عندما يفلس التاجر يبحث في الدفاتر القديمة". ولكن يظهر أن هذا المثل تطور في مجتمعنا الآشوري في هذا الزمان بحيث لم يعد لمثل هذا التاجر نفعاً من الدفاتر القديمة المستهلكة في الزمن الحالي لذا يلجأً إلى الحيل والكذب وإهانة الآخيرين من أجل تبرير تصرفاته أو تغطية خسائره أو إفلاسه. هكذا هو الحال مع بعض "مناضلي" هذا الزمان أو"المحاربين القدماء" أو "أعضاء سابقين في حركة أو حزب ما". لقد كتبت مقالة بجزئين عن ذكرى تأسيس الحركة الديمقراطية الآشورية ونشرفي موقع (عنكاوا) وتلقيت إنقادات وملاحظات وإطراءات سواء كتابةً أو هاتفياً أو شخصياً. وبصراحة أكره الإطراءات وأفضل الانتقادات لأنها المصدر الإساسي لكل إنسان منفتح للتطور الفكري. وليس غريباً أبداً عن مجتمعنا مثل بقية مجتمعات العالم أن يكون بين هؤلاء المنتقدين من يتجاوز حدود الآداب والمجاملات المطلوبة وينحو منحى شخصي، فإما بالتهجم على شخص ما ولإسباب ترتبط بتصفية حسابات قديمة أو لمجرد تبرير بعض مواقف الماضي التي عفى عليها الزمن. وطيلة عقود من زمن كتبت العديد من المقالات والكتب ولم أتطرق بعين إلى أسم شخص أو حاولت إهانته أو الرد عليه بسلبية مهانة في وسائل الإعلام ذاكراً أسمه فهذا ليس من شيم من يؤمن بأننا أبناء أمة واحدة قد نختلف قليلا أو كثيراً ولكن يجب أن نبقى ضمن حدود المجاملة المطلوبة عندما ننتقد بعضنا البعض مهما كان إختلافنا كبيرا، وحتى هذا الانتقاد يجب أن يكون بشكل عام في معالجة ظاهرة معينة عامة لا تخص تحديداً شخص معين او حزب أو منظمة معينة. أنتقدت بعض أحزابنا ومنظماتنا القومية وممارساتهم ولكن أحترم كتيراً المسؤولين عنهم وأعضائهم وقد أنتقدهم أثناء اللقاء معهم إنتقاداً بناءاً مقبولا وفي حدود الاحترام والمعقول الذي يحفظ صلتي بهم كأبناء أمة واحدة ولكن من المستحيل أن أتطرق إلى أسمائهم في وسائل الإعلام.

نشر موقع عنكاوا في الأيام القليلة الماضية رد على ما كتبته عن مناسبة تأسيس الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) من أحد الاعضاء السابقين التاركين لهذه الحركة وكنا نأمل أن يكون هذا الرد علمياً وموضوعياً يضيف معلومات أخرى إلى المرحلة الأولى لتأسيس زوعا ولكن للأسف الشديد يظهر أن كاتب الرد "عضو مكتب سياسي سابق" لزوعا قد ركز جل رده على مسائل شخصية لا علاقة لها إطلاقاً بالموضوع الذي كتبته فإنهال بالشتائم على رابي يونادم كنا السكرتير العام للحركة وربما لإسباب تتعلق بتصفية حسابات الماضي وبأسلوب متخلف ينم عن حقد دفين لم يجد سوى صفحات عنكاوا لتفريغه. ولكن عجبي الكبير كان هو الشتائم الكبيرة التي خصني بها مع العلم بان معرفتي بكاتب الرد سطحية ولم ألتقي به إلا مرتين، مرة في دمشق في منتصف التسعينيات من القرن الماضي عندما كان لازال عضو مكتب سياسي لزوعا حيث كان "يناضل" بكل الطرق للهرب من زوعا واللجوء إلى الخارج. ومرة أخرى في ستوكهولم في عام 1998 عندما كان خارج هذا المكتب وتحدثنا عن موضوع إنتسابه إلى سلك الكهنوتية للكنيسة الشرقية القديمة فعدا هذا لم ألتقي به ولم أشارك معه في أي عمل قومي أو نشاط آخر أو زاحمته على كرسيه في المكتب السياسي لزوعا والتي لا علاقة تنظيمية لي بها سوى مناصرتها فكرياً في المسائل القومية التي أومن بها أنا أيضا. كما لم يكن لي معه أية مسائل أو مشاكل شخصية قطعاً. عجبي كبير ولكن يظهر بأن مثل هذا العجب الكبير سيخف عندما نعلم بأن مجرد ذكر أسم الحركة الديمقراطية الآشورية والحديث عن بعض المنجزات التي حققتها يصيب بعض الذين تركو قطار زوعا أو الحاقدين عليها القشعريرة والهذيان فليجئون إلى أبخس الوسائل في الطعن والإهانة الشخصية لقادة هذه الحركة ومن كتب او تكلم عنها.

على أية حالة، وحتى لا أطيل على القارئ اللبيب وأستهلك صفحات عنكاوا الثمينة، أود أن أفرغ ما في جعبتي حول موضوع كاتب الرد من خلال ثلاث قنوات وأرجو أن يطول باله في هذا الخصوص.

الأول: فحوى الموضوع: يظهر بأن كاتب الرد لم يقرأ الموضوع، ولو الفقرة الأولى منه، بشكل دقيق ومعرفة المغزى المراد منه. فأنا لم أذكر إطلاقاً بأن رابي يونادم كنا هو مؤسس الحركة أو المؤسس الوحيد للحركة، كما لم أتكلم عن تأسيس الحركة ومن كان مؤسسيها. فالفقرة الأولى والوحيدة التي تكلمت عن رابي يونادم لم تكن إطلاقاً عن المواضيع التي تشعوذ كاتب الرد فيها وإنما هي مجرد ذكرى لقاء معه والنقاش حول تأسيس الحركة وموقفي من توقيت تأسيس الحركة، أية حركة سياسية والتي لم أفصل فيها. فمثل هذا اللقاء لم يكن قاصرا على رابي يونادم بل كان أيضا يشمل بعض الأصدقاء في السنوات اللآحقة الذين كانوا يثقون بي وكانوا من الرواد فتركوا قطار زوعا وهم في قمة القيادة ولجأوا إلى الخارج مثل صاحب الرد. بهذا الخصوص أتذكر الزيارات العائلية التي كنت أقوم بها إلى بيت السيد زيا بتيو (ميخائيل) في الموصل عام 1981 والتي كان يحضر بعضها السيد نورا القس زيا (المعروف بدكتور هرمز) وكلاهما كانا في قيادة زوعا وتركوها وهاجروا إلى الخارج وضمن ظروف تختلف عن ظروف "الشماس المناضل" فكنا نتباحث في أمور سياسية وقومية كثيرة فكانوا يعرضون عليً الإنظام إلى زوعا وفي بعض الأحيان كانوا يجلبون معهم مطبوعات سياسية بسيطة صادرة عن الحركة الديمقراطية الآشورية ومنها "بهرا" التي كانت نشرة بسيطة متكونة من صفحتين أو أربع صفحات. إذن كيف يدعي صاحب الرد بأن زوعا تأسست في عام 1983 عند إنعقاد الكونفراس الأول؟ مسكين هذا "المحارب القديم" الذي يجهل أبسط أبجديات السياسة... فمعظم الأحزاب السياسية في العالم تأسست في بداية الأمر فكرياً وأيدولوجياً ومن مجموعة بسيطة من الأشخصاص ثم في حالة تطور هذه الأحزاب وزيادة أعضائها يبدأ الإطار التنظمي بالتأسيس سواء عن طريق عقد كونفراس، كما كان الحال مع زوعا، أوعن طريق مؤتمر عام. والكونفراس يعقد دائماً في ظروف صعبة وإستثنائية، خاصة في بلدان عالم الثالث حيث يكون إستبداد السلطة قائماً على رقاب المعارضين في حين يكون إنعقاد المؤتمر العام للحزب في ظروف أخف وفي أجواء فيها هامش من الحرية والديمقارطية كحد أدنى.

إذن وبإختصار... الرد لم يكن له علاقة إطلاقاً بالموضوع الذي كتبته بل كان تهجماً شخصياً إليً وإلى رابي يونادم ومن دون مناسبة أو علاقة بالموضوع. ألم يكن الأجدر بصاحب الرد ومع عدد آخر من القياديين الذين حالهم كحاله، تركو قطار زوعا أيضاً ورحلوا إلى الخارج، أن يثبتوا إخلاصهم للحركة التي أسسوها وقادوها وهي في بداية مسيرتها وأن يوفروا دموع التماسيح التي يذرفونها على الأيام الخوالي وأن يبقوا في الوطن ويشكلون الأكثرية في اللجنة المركزية أو المكتب السياسي لزوعا ليزاحموا رابي يونادم ويطردوه من الحركة أو غيره من القياديين الذين لا يرضون عليهم أو لا يتفقون معهم  ومن ثم يمارسوا أو يطبقوا السياسات والأفكار التي يومنون بأنها المناسبة والصحيحة لزوعا وليست المنحرفة التي يزعمون بانها تمارس حالياً. فما الذي أخاف أو أدى بهؤلاء الذين يبكون ليل نهار على زوعا أن يتركوها ويفروا إلى الخارج. أ فهل كان لزوعا حكومة أو سلطة أو سجون وقوى أمن ومخابرات تطارد المعارضين لها أو تسجنهم أو تطردهم من الوظائف أو تقطع عنهم أرزاقهم كما كان يفعل حزب البعث في نظام صدام المقبور؟ فالجواب معروف سلفاً ... قطعاً لا. وما يؤكد هذا الجواب القطعي هو أن جميع الذين تركو قطار زوعا لم يبقوا في الوطن ليقاوموا المنحرفين بل رحلوا إلى الخارج، فلو كانوا جادين في إنتقادهم أو تهجمهم لزوعا ولقيادتها وهم في أرض الوطن ينافسون رابي يونادم كنا وغيره من القياديين بالطرق السياسية الصحيحة لكان الناس قد صدقوهم وآمنوا بهم وبأفكارهم ولكن الأمر يظهر وهم بعيدين آلاف الأميال عن أرض الوطن بأن المسألة هي حالة ذهنية مرتبطة بتبرير الماضي بحج واهية لا يصدقهم إلا الحاقدين على المسيرة الصحيحة لأمتنا. وأنا أتحدى هؤلاء القافزين من قطار زوعا إذا كان بإمكانهم أن يبينوا وبوضوح  إختلافهم الفكري أو الايديولجي عن زوعا... إليس هو خلاف شخصي فحسب؟ بلى والله. والرد على مقالتي واضح وضوح الشمس. والمسألة لا تتعلق بزوعا وحدها وإنما بالتنظيمات والأحزاب الآشورية الأخرى. فهناك عدد من خرج أو إنشق عن هذه الأحزاب والتنظيمات ولكن ثرثرتهم وهيجانهم وتهجم الشخصي لقادة هذه الأحزاب لم تلغيها من واقع الوجود بل بقية سائر في مسيرتها وصامدة لأنها تخلصت من الجراثيم والأمراض وأصبحت معافية أكثر من السابق. 

وأخير لم يبقى في هذا الشأن إلا أن أكون منصفاً بحق الذين تركوا قطار زوعا ورحلوا إلى الخارج بأن أوضح بأن أمر أو ظروف بعضهم تختلف عن الآخرين. فالبعض منهم تركوا قيادة زوعا لظروف عائلية قاهرة مقبولة بشكل عام ولجوا إلى المهجر للتخفيف من هذه الظروف أو معالجتها ولكن بقوا بشكل أو بآخر ضمن المسيرة العامة لزوعا ومخلصين أو آمنيين بتاريخها يحترمونها ويحترموا قيادتها في حين قفز الآخرين من القطار بحثاً عن حياة أسهل في المهجر ومن هناك أصبحو مطرطمين ومناضلين من الصنف الكارتوني الذي يعج به مهجرنا الآشوري. وفي الختام أطلب من كاتب الرد والقراء الكرام إعادة قراءة الفقرة الأولى من المقالة أعلاه ليتأكدوا بأن ما كتبه "المحارب القديم" لا علاقة له إطلاقاً بصلب الموضوع.

الثاني: مقالتي في مجلة المثقف الآثوري: أود قبل كل شي أن أوضح للقارئ الكريم ولكاتب الرد على السواء بأن الإنتقائية منهج رجعي وإنتهازي تدميري، فهو المنهج الذي يلجأً إليه كاتب أو سياسي أو أي شخص آخر للبحث في الظواهر العامة شيئاً ما ليخدم غرضه ومهما كان هذا ضيلاً أو حقيراً في الأطار العام للموضوع. وتعتبر الجماعات الإسلامية الإرهابية رائدة في استخدام هذا المنهج عندما تلجاً إلى القرآن وتأخذ منه بعض الآيات وتعطيها تفسيرات بغرض تبرير عملها الإجرامي في قطع الرؤوس أو قتل الأطفال والأبرياء وتكفير الآخرين وتحليل سرقة أموالهم. ويظهر بأن صاحبنا "المحارب القديم" لجأ إلى هذا الأسلوب عندما استخدم فقرة واحدة متكونة من بعض السطور لمقالة كتبتها في مجلة المثقف الآثوري عدد تموز 1977 لا بل حتى أنه لم يكمل هذه الفقرة لأنه لم تكن تخدم غرضه في الطعن الشخصي. فكاتب الرد يحاول بخجل وبتردد مفضوح ومهزوز إتهام بعلاقتي بحزب البعث أو التعاطف مع النظام وهو بمضيره الحي يعرف مواقفي حق المعرفة من حزب البعث والنظام الصدامي المجرم والذي يعرفه البعثيون قبله وقبل غيره من المتصيدين في المياه العكرة. فبمجرد قراءة مئات المقالات وثمانية كتب كلها كتبت عن الآشوريين وتاريخهم وحقوقهم ونضالهم ومدى استبداد حزب البعث تجاهم يعرف حق المعرفة عن مواقفي تجاه هذا النظام والذي أصدر، ممثلاً بالمجرم المقبور عدي صدام حسين باعتباره رئيساً لإتحاد كتاب وأدباء العراق حينذاك، قائمة بأسماء تزيدة 350 شخصاً، وأسمي من ضمنهم، يتهمهم بالخونة الذين يكتبون ضد النظام فتعرض شقيقي وأقاربي في العراق إلى الإستدعاء إلى دوائر الأمن والمخابرات لتوجيه التهديد والوعيد والإهانات الشخصية لهم بسبب كتاباتي ضد النظام.

هذه المقالة ،التي استخدم كاتب الرد نصف فقرة من فقراتها العديدة، كتبتها قبل ثلاثة عقود، بدءً لابد من معرفة طبيعة الظروف المحيطة بمجتمعنا الآشوري في تلك الفترة. فالمقالة المعنونة بـ (النادي الثقافي الآثوري في ظل الضمانات الدستورية في حماية الأقليات) – من الملاحظ أن كاتب الرد حذف "في حماية الأقليات" ... لماذا؟ الجواب في منهجه الانتقائي الانتهازي لخدمة غرضه في الطعن الشخصي. في تلك الفترة كانت وزارة الداخلية العراقية قد أصدرت قراراً إلى كل الأندية الآشورية والكلدانية بضرورة رفع أية شروط "عنصرية" في أكتساب عضوية النادي وأعتبرت تسميات مثل الآشورية أو كلدانية أو سريانية كلمات عنصرية يجب رفعها من النظام الداخلي للنادي وإلا سيعاقب أعضاء الهيئة الإدارية بموجب قوانين النظام. كما تضمن قرار الوزارة بضرورة قبول غير الآشوريين في النادي وعدم قصره على الآشوريين أو الكلدان أو السريان فقط. سارع معظم الأندية إلى الركوع أمام هذا القرار ففتح باب العضوية لغير الآشوريين وأصبح الكثير منها مجرد بارات لشرب الخمور، وفي مقدمتهم نادي سنحارب الذي كان يتراسه عميل نظام البعث "وليم شاؤول" المعتقل حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية، فلم يكتفي بتعيين غير الآشوريين في النادي وإنما عين المدعو "هاشم شبيب" مدير الصحافة العامة في وزارة الإعلام ورجل مخابرات النظام كرئيس فخري للنادي، والذي سنأتي على ذكره فيما بعد.

أصبح النادي الثقافي الآثوري في موقف محرج عقب صدور هذا القرار وهو معروفاً كمركزاً قومياً وثقافياً للشباب الآشوري فكان عليه مقاومة مثل هذه السياسات الاستبدادية بكل الوسائل للحيلولة دون رفع تسمية "آثوري" من النظام الداخلي أو قبول غير الآشوريين فيه. أين كان "المحارب القديم" في تلك الأيام أفهل كان عضواً في أحد هذه الأندية، وبالآخص النادي الثقافي الآثوري أم كان لا يجراً الاقتراب منه لأنه كان في نظره نادياً عنصرياً. قام النادي بجملة نشاطات ثقافية وفكرية كسبيل أو سلاح ذكي في محاربة هذا القرار، فأستدعى بعض من كبار المثقفين العراقيين ومن أعضاء حزب البعث المقبور لإلقاء محاضرات عن حقوق الأقليات في العراق وعن ضماناتها الدستورية لكي يتم أحراجهم أثناء طرح الأسئلة عليهم ومقارنة ما سيقوله عن هذه الحقوق مع قرار وزارة الداخلية الآنف الذكر. وضمن نفس السياق طلب مني رابي عوديشو آدم الذي كان رئيساً لتحرير مجلة المثقف الآثوري حينذاك أن أكتب موضوعاً في نفس الإطار. فكتبت المقالة المذكورة أعلاه ونشر في الصفحات الأولى من المجلة وهي تدور في نفس الإطار يبين الضمانات الدستورية التي يتمتع بها النادي ولا يجوز المساس به من خلال تطبيق قرار وزارة الداخلية. وفي تلك الأشهر كان أحد "المسيحيين" من موظفي مكتب المجرم المقبور صدام حسين الذي كان نائباً لرئيس ما يسمى مجلس قيادة الثورة قد تبرع بمبلغ قدره ألفين دينار عراقي إلى النادي ... أعيد وأكرر بالرقم ( 2,000) دينار عراقي وبأسم صدام حسين .... تصورو أليس تبرع مثل هذا المبلغ الضئيل جداً إلى النادي إهانة لصدام ونظامه؟ فالحالة المهانة هذه تشبه كما يتبرع أحد المليارديرية مائة دولار لجميعة خيرية فقيره، لهذا من يقرأ المقالة يدرك على الفور مدى الإحراج أو ربما الإهانة التي كنًُا نصب إليه من كتابة ونشر المقالة إلا إن صاحبنا كاتب الرد لم يكن بمستوى فكري وسياسي يمكنه من إدارك هذه الحقيقة لأن صندوق دماغه مليئ بالاحقاد الشخصية والنزعات العشائرية والتوجهات النفعية فلا قابلية فكرية له لإدراك مثل هذه الحقيقية.

كتبت المقالة مستخدما اسماً مختصراً (أ . د. شبيرا) ضاناً بسذاجتي أن هذا سيفوت على النظام المقبور ومخابراته. ففي صيف من نفس العام كنت في لندن لجمع بعض المصادر عن أطروحتي الجامعية، صادف أن كان هناك في تلك الفترة وفداً من الناطقين بالسريانية من "الآثوريين والكلدان والسريان" برئاسة المدعو هاشم شبيب المار ذكره يتجولون في أميركا وبعض بلدان أوربا الغربية لغرض التطبيل والتزمير لسياسات النظام المقبور، فعقدوا ندوة في المركز الثقافي العراقي في لندن وحضرتها مع بعض الآشوريين المقيين في لندن و بعد إنتهاء الندوة عقدت جلسات جانبية أثناء العشاء فبدأ هاشم شبيب بالوعيد والتهديد للآشوريين الذين لا يقدرون أفضال النظام وسياسات البعث تجاه "ضمان وحماية حقوق الأقليات" ومنهم الآشوريين فأشار إلى المقالة التي كتبتها في المثقف الآثوري والتي كان يحملها بين يديه حيث جلبت إلى لندن وقام البعض بتوزيعها هناك، فعبر هاشم شبيب خلال حديثه عن سخطه الشديد تجاه مضمون المقالة وكاتبه الذي وصفه باللئيم والخبيث وركز على جملة ذكرتها في المقالة تقول "بأن تبرع صدام بمبلغ ألفين دينا كان له تأثير ليس على الآثوريين فحسب وإنما على جميع أبناء الآشوريين" قائلا بأن خبث الكاتب يظهر من خلال جملة "جيمع أبناء الآشوريين" لأنه يقصد أيضا الكلدان والسريان وهذا غير مقبول اطلاقاً  وعندما عرف بأنني هو الكاتب من خلال دخولي معه في نقاش حاد طلب مني زيارته في مكتبه في وزارة الإعلام عند العودة إلى بغداد. وفي بغداد أستدعاني أنا ورابي عوديشو إلى مكتبه وهناك وجه لنا نحن الأثنين تهديدات صريحة ووعيد غاضب مؤكد ضرورة منع استخدام اسم "الآشوريين أو الآشوري" في المجلة وإلا فالسجن مصيرنا. هكذا استلمت فاتورة المقالة من رجل المخابرات العراقية هاشم شبيب مثلما استلمت فاتورتي من كاتب الرد على مقالتي حول ذكرى تأسيس زوعا من إهانات وتجريحات.

هناك نقطة مهمة جداً يستوجب ذكرها هنا ونحن بصدد مجلة المثقف الآثوري والمقالة التي يختلس منها كاتب الرد جملة قصيرة للطعن الشخصي وإتهامي بعلاقة بنظام البعث المقبور، وهي أن صورة قداسة البطريرك مار دنخا الرابع وهو يصافح صدام حسين كان غطاءاً لغلاف المجلة، ولا أتذكر بأن كان نفس العدد من المجلة أو غيره لأن المجلة غير متوفره عندي حاليا عند كتابة هذا الموضوع. أ فهل نتهم "استغفر بالله" قداسته بالعمالة والتعاطف مع النظام المقبور "معاذ الله"... حسب منهج المتصيدين في مياه المجاري وذوي الأفكار الشحيحةوالخبيثة يصح لهم مثل هذا الإتهام اما أصحاب العقول النيرة والضمائر الحية فتعرف بأن قداسته هو رأس لرعية كبيرة تعيش في العراق ومن واجبه الديني والإنساني أن يتبع أسلوب المجاملات والبروتوكولات المعروفة في هذا السياق مع الرؤساء والحكام مهما كانت طبيعة النظام السياسي، أما من لا يفهم ذلك فليضرب رأسه بالحائط. تصوروا كتبت آلالاف السطور والفقرات في النضال القومي الآشوري وعن حقوق الآشوريين وعن استبداد النظام البعثي المقبور في العراق فكل هذا عمى عيون "المحارب القديم" ولم يرى إلا فقرة أو بالأصح نصف فقرة ليستخدمها في الاهانات الشخصية وحتى هذا الاستخدام استخدم بحالة من التردد والخوف وكانه يحاول سرقة شيء وهو غير واثق من نفسه.

الثالث: دراستي العليا للماجستير:
عندما يلجأ الإنسان إلى أبخس وأغبث الوسائل في تحقيق هدف ما فهذا لا يعني إلا أن هذا الشخص في مأزق فكري وإنساني كبير. هكذا الحال مع كاتب الرد فهو يستخدم قبولي في الدراسات العليا وسيلة لكي يتهمني بتهم حقيرة وبذيئة. إن إستخدام الوسائل النبيلة لتحقيق أهداف حقيرة سرطان فكري يأكل دماغ هؤلاء. فدراستي للحصول على ماجستير في العلوم السياسية هي ثمرة جهود فردية ومعاناة شخصية لم أحصل عليها بفعل فاعل أو بفضل شخص أو النظام كما يتهمني كاتب الرد ولم أستفد من هذه الشهادة في الحصول على لقمة العيش أو منصب معين بل استخدمتها في خدمة أمتي التي هي أحوج ما تحتاج إليها من جاجة أية أمة أخرى إليها. مقدماً أعتذر من القارئ الكريم وأرجو أن لا يتهمني بالنرجسية عند الحديث عن هذا المضوع.

في عام 1972 قبلت في الجامعة المستنصرية كلية الآداب القسم المسائي وكنت في حينها موظفاً صغيراً (كاتب طابعة) في وزارة المالية وكانت الدراسة في الجامعة بأجور والتي كانت تشكل ثقلاً كبيراً عليً وأنا من عائلة فقيرة ولكن وضعت خدمة أمتي بالعلم والفكر نصب عيني ولم يهمني صرف كل راتبي من أجل إكمال دراستي. في نفس العام تحولت إلى كلية القانون والسياسة لأني وجدتها أنفع في تحقيق الهدف من دراستي. عندما يضع الإنسان نصب عينه هدفاً نبيلاً ويسعى بكل إمان وجهد لتحقيقه فمن المؤكد سيحققه. وفعلاً في عام 1976 تخرجت من الجامعة حاصلا على البكلوريوس وبدرجة جيد جداً وكنت الأول في قسم العلوم السياسية (وثائق الجامعة تؤكد ذلك) وبغية الإستمرار حتى الدكتوراه أستقلت من الوظيفة وقدمت إلى الدراسات العليا في جامعة بغداد (لم تكن في حينها درسات عليا في المستنصرية ) فكنت من الأوائل المقبولين وذلك بسبب درجات تخرجي العالية من جهة وكون منافسي من الجامعة المستنصرية شيوعياً من جهة أخرى فكان من الأفضل، كما ذكر لي صديق فيما بعد، بأن يكون قبول المستقل أهو من قبول الشيوعي بالنسبة للجامعة. وفي بداية عام 1980  تخرجت بدرجة إمتياز وحصلت على شهادة الماجستير، وكانت الدرجة الوحيدة والأولى التي تمنح لطالب في تلك الكلية. وطبقاً لقوانين الجامعة كان من المفروض أن أتعين معيد أو مدرس في نفس الكلية، وهو الحلم الذي كنت أتمنى تحقيقه، إلا الجامعة لم تقبلني بسبب كوني غير منتمي إلى حزب البعث وكان هذا يقال لي مباشرة وبصراحة فأصبحت بذلك ملتزماً بدفع كافة أجور الدراسة، بعد أن كان الطيب الذكر إيشو دنخا يقيرا الذي كان يعمل كمدير صيانة في النبك المركزي العراقي قد كفلني كفالة مالية عند الجامعة. وفعلآ بعد أن تيسرت حالتي المالية بعض الشيء (بعد عملي في شركة أجنبية) دفعت ومن قوت يومي كل الأجور إلى الجامعة. بعد أن حرمتني الجامعة من التعيين أضطررت إلى العمل في شركة بريطانية إنشائية كمساعد مدير إدارة ثم مدير إدارة وحتى وصلت إلى مدير فرع العراق وأستمريت العمل معها في إنكلترا ولازلت أعمل معها حتى هذا اليوم متنقلا بين إنكلتزا ودولة الإمارات العربية. لو كان صاحب الرد يحمل ثقافة صافية النية لكان قد عرف هذه التفاصيل الشخصية مثلما عرفه معظم المثقفين الآشوريين لا بل عرفه حتى أعدائنا الذين كانوا ينصبون الفخاخ للوقوع بنا وبسمعتنا كما يفعل الآن كاتب الرد.

الأطروحة التي كتبتها لنيل الماجستير كانت معنونه " دور المثقفين في التحولات الإجتماعية" وهي دراسة سياسية فلسفية  مقارنة بين الفكر الماركسي والرأسمالي عن المثقفين وعلاقاتهم بالطبقات الاجتماعية ودورهم في التغييرات السياسية، وتعتبر أول دراسة جريئة من نوعها وفي مرحلة كان بمجرد التطرق إلى الماركسية أو الشيوعية يكون السجن أو المطاردة مصير الفرد. لا بل كانت الأطروحة الوحيدة في تلك المرحلة التي لم تتطرق إطلاقاً إلى النظام الحاكم مدحاً أو إلى حزب البعث تمجيداً كما كان الحال مع كل الاطروحات الأخرى دون إستثناء خاصة في العلوم الاجتماعية وتحديدا السياسية منها. فلو كان لكاتب الرد فرصة قراءة رسالتي الجامعية مع إنفتاح عقله لما لجأً إلى الأساليب البذيئة في إتهامي بتهم لا يعقلها حتى المختل عقليا وهي التهم التي يبدو بأنه تعلمها من إختصاصي الشتائم والاهانات. لقل نلت عن هذه الأطروحة درجة الماجستير بإمتياز وناقشني حولها في جلسة مفتوحة لجنة متكونة من أربعة من كبار أساتذة كلية القانون والسياسة ولم يكن أي منهم بعثياً كما حضر المناقشة أكثر من مائتين شخص نصفهم من الأصدقاء من النادي الثقافي الآثوري. إضافة إلى درجة الإمتياز أوصت لجنة المناقشة بطبع الأطروحة عل شكل كتاب على حساب جامعة بغداد إلا أن رئاسة الجامعة وبتوصية من هيئة رقابة المطبوعات منعت من طبعها بحجة كون الأطروحة "لم تضيف بشئ إلى الفكر السياسي السائد في الوطن" ، كما ذكر على مسودة الأطروحة. أي بمعنى آخر أن الأطروحة لم تساهم في مناقشة أو تطوير حزب البعث كما كان جارياً في تلك الفترة في أطورحات العلوم السياسية، في الوقت الذي وصف رئيس لجنة المناقشة الأطروحة بأنها تستحق شهادة الدكتوراه. كم كنت أتمنى لو كان كاتب الرد من بين جموع الحاضرين للمناقشة ليرى ويسمع المناقشات الحادة والطويلة التي دامت أكثر من أربع ساعات وفي أمور ومسائل كان الكثير ولايزال حتى اليوم يخاف من التطرف أو الاستماع إليها. أين كان كاتب الرد في ذلك الزمان وفي أية زواية من زوايا مجتمعنا الآشوري كان يناضل؟ ... ففي الوقت الذي كان النادي الثقافي الآثوري في بغداد وفرعه في السليمانية مراكز للنضال القومي والفكري وبؤر لنشوء التنظيمات الآشورية، أفهل كان كاتب الرد قريباً منهم ومعروفاً بنشاطه؟ فلو كان قريباً منهما لكان له توجهاً آخر ولا يلجاً إلى إتهامي بتهم لا تليق بإنسان يعرف ولو جزء قليل من هذه الحقيقة ... الحقيقة التي إن لم يصدقها فليسأل من كان حاضراً في تلك المناقشة من أعضاء النادي ليعرف عين الحقيقة.

بعد سنة من حصولي على شهادة الماجستير قدمت إلى دائرة البعثات للسفر والدراسة في الخارج للحصول على شهادة الدكتوراه فرفض، ثم قدمت وقدمت ... ورفض... ثم قدمت للدراسة على حسابي الخاص وكنت مقبولاً في أكثر من جامعة محترمة بريطانية وأميركية إلا إن الجواب شفهياً كان وعلى الدوام ... (مو بعثي ها ) وتحريرياً ... "عدم حصول موافقة الجهات العليا". والمسألة أصبحت واضحة فيما بعد، أنها متعلقة ببصمة الإبهام... أو كما كان يقولون تبصم تقبل... أي توقع على إستمارة الانتماء للبعث تحصل على شهادة الدكتوراه... لقد فعل بعض من زملائنا ومنهم آشوريين فبصموا وسافروا وأصبحوا من الحاصلين على شهادة الدكتوراه والكثير منهم لم يرجع بل بقى في المهجر، وهي مسألة تخصهم وحدهم وليس لنا عتاب عليهم من إقتناء مثل هذه الفرص للإستفادة منها. لقد كان عنادي عناد "تخوما" نحمد الله ونشكره على هذه النعمة ولم أخضع لا إلى التهديدات و لا إلى الإغراءات ... لا إلى العصى ولا إلى الجزره... فركبت فرس العناد مؤمناً بأنه السلاح الوحيد المقاوم لاستبداد البعث المجرم. وعندما ضاقت الأمور بي وبعائلتي من التهديدات والمضايقات المستمرة تركت الوطن وتركت ورائي كل شيء عدا ضميري النظيف والحي الذي جلبته معي وسيموت معي وأنا سعيد غير نادم على خسارتي لشقاء عملي في العراق، فالضمير القومي النظيف والحي هو الكنز الذي لا يفنى أبداً والذي أسعى بكل جهدي وطاقتي أن أعكسه في كتاباتي ومواقفي التي أقفها تجاه أي مسعى قومي شريف. فمن كان ضميره حياً يعرف الضمائر الحية الأخرى ومن كان ضميره ميتاً أو خاضعاً للأحقاد الشخصية    لا يعرفها أبداً.

وأخيرا ... أرجو من القارئ الكريم أن يستميحني عذرا من الإطالة في هذا الموضوع وإنتقادي لأحد من أبنائنا الآشوريين الذي أجرم بحقي من دون أساس أو شرع، فأنا إنسان آشوري ملتزم بحدود الأخلاق القومية والإنسانية ولا أسعى أبداً إلى أنتقادات شخصية لأبناء أمتنا. فنحن أبناء بيت واحد نتناقش ونختلف ونتخاصم ولكن ضمن سور البيت الآشوري. ولكن مع الأسف الشديد يظهر بأن كاتب الرد قفز من فوق هذا السور وأصبح خارج البيت الآشوري وأصطف مع الاختصاصين في الإهانات الشخصية ومع خبراء التهجم على مؤسساتنا القومية المناضلة وعلى الأقلام الشريفة النظيفة.                                 

153
بمناسبة الذكرى الـ (28) لتأسيس الحركة الديمقراطية الآشورية - 2
 ----------------------------------------------------------------

زوعا بين مسيرتي نيسان 1979 و نيسان 6757


أبرم شبيرا – لندن

تحتفل الحركة الديمقراطية الآشورية في هذا الأيام من نيسان مع أبناء شعبنا وأنصارهم الجماهرية الواسعة أحتفالات لها طعم خاص ومغزى سياسي وإجتماعي يعكس في جوانب عدة تواصل هذه الحركة في مسيرتها مع تواصل مسيرة الأمة نحو ألآف السنين وأرتباطهما بأبناء شعبنا عبر عقود وقرون طويلة.

قبل الولوج في هذا الموضوع، هناك نقطة مهمة يستوجب توضيحها للقراء الكرام. أن الوعي القومي الأصيل الذي يتحلى به المرء يجعله أن ينظر للأمور بمنظار قومي شامل ومن جميع الجوانب دون الاهتمام أوالإلتزام بالمسائل الشخصية أو الحزبية أو الشللية. فالنظر إليها لا يتم إلا من خلال المنظار القومي فحسب وبالنتائج القومية التي من الممكن أن تترتب من جراء التطبيقات الفعلية لهذه المسائل. من هذا المنطلق نقول، على سبيل المثال لا الحصر، عندما يكتب كاتب معين أو يحاضر مثقف قومي عن حزب ما وعن إنجازاته لا يعني بالضرورة بأنه ينتمي إلى هذا الحزب ويسخر كل إمكانياته له. لكن من المؤسف له بأنه بسبب ضعف الوعي لدى البعض والتحزبية الضيقة المقيتة لدى الحزبين منهم تنهال التهم على هؤلاء الكتاب والمثقفين تصل حتى الاهانات الشخصية من قبل المتحزبين وضعاف الوعي متهمين أياهم بالعمالة لذاك الحزب أو لسان حال تلك المنظمة. شخصياً نلت قسماً من هذه التهم والألقاب، نحمد الله ونشكره على كثرتها، عندما كتبت عن الحركة الديمقراطية الآشورية او عن المنظمة الديمقراطية الآثورية أو عن الاتحاد الآشوري العالمي أو عن غيرهم. إنني كمتحزب لأمتي لا أنظر أو أكتب عن أي حزب أو منظمة إلا من خلال النظرة الواعية لمسيرة وإنجازات هذه الأحزاب والمنظمات. وعلى الرغم من إنني لم أشبع من هذه التهم والتي هي ألقاب شرف أسعى المزيد منها، فإنني هذه المرة سأحاول أن أشرك معي بعض الشخصيات المعروفة في تقييهم لمسيرة الحركة الديمقراطية الآشورية والتي نحن بصددها.   

المسيرة الأولى المنطلقة في نيسان 1979 هي سجل حافل بالنضال والمعاناة وإكتساب الخبرة وتحقيق بعض الانجازات عبر ظروف صعبة للغاية. من دون أدنى شك قد يكون تأثير هذه المسيرة على بعض من أبناء شعبنا ضئيلا ولأسباب مختلفة قد تكون مرتبطة بقلة أو ضعف الوعي القومي السياسي أو الكف عن الاكتراث والاهتمام بمثل هذه المسائل بعد أن اصبحت وسيلة للمزايدة والشهرة لبعض الاحزاب والمنظمات القومية أو قد تكون بسبب كون هذه المسيرة كقصص ومآثر مرتبطة بأشخاص قياديين في زوعا يعصب تصديقها من قبل المناوئين أو المعارضين لهم أو من قبل عامة الناس وللأسباب المار ذكرها. واليوم ونحن نتحدث عن مسيرة نيسان النضالية فمن الأرجح أن نستند على شاهدات لا (زوعايا) ومن شخصيات قيادية مناضلة لا تربطهم بزوعا لا أيدولوجياً ولا تنظيمياً.

من لا يعرف المناضل توما توماس (أبو جوزيف) "ألف رحمة على روحه" لا يعرف شيئاً عن الحياة السياسية في العراق. هذا المنضال الشيوعي لا بل الانساني من بلدة ألقوش المناضلة وقف دوماً وطيلة حياته إلى جانب الفئات المظلومة ووضع أمته الكلدوآشورية في قمة الفئات المظلومة في العراق فدافع عنها دفاع الأبطال وهو بجانب المنضال هرمز جكو "ألف رحمة على روحه". فبطولاته مسطرة في تاريخ النضال العراقي ولا يستوجب تكرارها. في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي عندما ألتحقت زوعا بمسيرة الكفاح المسلح في شمال الوطن كان المنضال أبو جوزيف أول المتسقبلين لطلاع زوعا فعايش حياته اليومية النضالية معهم فعلم وتعلم منهم الكثير الكثير. وبعد سنوات طوال من النضال المشترك ضمن الجبهة الكردستانية أصبحت الحركة الديمقراطية الآشورية، كحركة معبرة عن طموحات أبناء الأمة التي أصبحت عنده موضوع فخر وإعتزاز. ففي منتصف التسعينيات من القرن الماضي إلتقيت العشرات المرات بأبي جوزيف في دمشق فكان مقر زوعا هناك البيت الثاني أو المسائي له نجلس معه ونناقش الكثير من قضايا أمتنا ووطنا. لم تكن أذني أن تصدق الشهادة القيمة والتكبير العظيم التي كان يتلوه عن زوعا فهو لم يكن يعتبرها مجرد حركة قومية بسيطة بل كانت عنده حركة وطنية مناضلة تساوي في نضالها ومعاناة مسيرتها بقية الحركات الوطنية العراقية التي عانت الكثير من التشرد وظلم النظام البعثي العراقي. فكان يؤمن إيماناً عميقاً بأن على يد زوعا ستحقق آماني أمتنا. رحل أبو جوزيف عن عالمنا المادي ولم يمهله العمر طويلا لكي يشاهد تحقيق آمال أمتنا لكن مكانته الفكرية والروحية تبقى دائماٌ في القلوب في كل القلوب الطيبة الشريفة والمناضلة. فأبو جوزيف خالد خلود شهدائنا الأبرار.

الشهادة الثانية في مسيرة زوعا النضالية هي من مناضل آخر لا "زوعايا" وهو المناضل فرنسو الحريري. معظم الناس تعرف هذا المناضل كقيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني وكرس جل حياته في خدمة هذا الحزب وأخذ الكثير من القوميين الآشوريين إنطباعاً خاطئاً عنه. أن المتابع لفكر هذا المنضال يلاحظ بأنه شهد تطوراً خطيرا فيه. ربما كان يبدو في بدايه حياته النضالية وهو قيادي في هذا الحزب بأنه غير مهتم بالنضال القومي الآشوري ولكن في الفترات الأخيرة من حياته كان له شأناً وتوجهاً قومياً بدأ بالاهتمام بالمسائل القومية السياسية وبالحركة الديمقراطية الآشورية خاصة والتي تعنينا في هذا الموضوع. فكانت علاقته قد توطدت مع هذه الحركة وهو في موقع حزبي وسياسي قوي وحساس كمحافظ لمدينة أربيل وعضو في قيادة حزب البارتي ومسؤول عن الأمن في الأقليم. شخصياً ألتقيت به مرتين أو أكثر في أربيل ولندن وترك لدي إنطباعاً مختلفاً كلياً عن الانطباع الذي كونته أنا وغيري من الناس عنه. ففي كل اللقاءات كان معظم حديثه عن زوعا ونضالها عبر ظروف صعبة وتأكيده بأنها الحركة القومية الفاعلة الوحيدة في مجتمعنا. وقبل رحيله بأشهر كان لقائي معه في لندن أكثر تفصيلا ومثيراً. إذ أكد امام جمع من الزائرين له في بيته أثناء حديثه عن زوعا بأن معظم قيادي هذه الحركة كانوا من الشباب اليافعين وطلاب الجامعات عندما إلتحقوا بالكفاح المسلح في المنطقة الشمالية ولكن بسبب مثابرتكم وإصرارهم على الاستمرار في النضال وتحمل الظروف الصعبة مع بقية الثوار في المنطقة وإختلاطهم مع عناصر رفيعة في الأحزاب الأخرى الكردية والشيوعية والقومية العربية وحتى الإسلامية أكتسبوا خبرة سياسية وفكرية وتنظيمية قلما نجدها في احزابنا الآشورية لا بل وحتى في الأحزاب العراقية خاصة عندما نقارنها من حيث الاسناد الخارجي والدعم المالي والخبرة السياسية والتعامل مع السلطات. وحتى عن تنظيم زوعا في لندن قال بأنه سمع من الناس بأن الحزب الوحيد الناشط في لندن هو الحركة الديمقراجية الآشورية ولا توجد أحزاب أو فروع أو تنظيم لهم في لندن يقومون بنشاطات قومية وسياسية، وهو الموضوع الذي أثار استغرابه بعض الشئ لأنه إذا كانت الظروف الصعبة في الوطن قد تحول لبعض الاحزاب الاشورية من دون التواجد على أرض الوطن والقيام بنشاطات فكيف والحال في المهجر والظروف مهيئة ولا فيها مخاطر من  القيام بنشاطات سياسية.

أوردت هذين الشاهدين من خارج زوعا ليشهدا على مسيرتها وهي الشهادة التي تفرض نفسها للتسائل والقول: لماذا هذا البارتي القيادي وذاك الشيوعي القيادي تحول رأيهما، أو كونا رأئياً إيجابيا، تجاه زوعا وهي حركة قومية آشورية وهما ينتميان لحزبين مواقفهما معروفة وليست بالشكل المرضي دائماً تجاه أمتنا. أليس هناك سراً يكمن في تحسس هذان المناضلان وإدراكهما لأصالة مسيرة زوعا؟ بلى ثم وبلى. وأخيرا لم يبقى بخصوص مسيرة زوعا النضالية خلال ثمانية وعشرين سنة الماضية إلا أن نقول: إذا كان هناك من لا يصدق بما نكتبه أنا وغيري من الكتاب الموضوعيين عن هذه المسيرة النضالية لأنهم يتهموننا بالانحيازية لها والصداقة لقيادتها، وهذا شأنهم الخاص، ولكن من لا يصدق شهادة أكثر موضوعية مشهودة من سياسين بارعين ومناضلين ولهم باع طويلة على الساحة السياسية العراقية أمثال توما توماس وفرنسو الحريري فإنه من دون أدنى شكي قد غطى العمى والعتم على فكر ووعي هؤلاء المتشككين ولم يعدوا أن يفرقوا بين الحق والشر وبين النهار والليل.

أما مسيرة نيسان 6757، فنود أن نشكر قناة آشور الفضائية التي أعطت تفاصيل كاملة عن عظمتها وجماهيريتها حيث شاهدها مئات الألوف من أبناء شعبنا في الوطن والعالم ولم تترك لنا شيئاً للقول والتفصيل إلا أن أقول بأنه طيلة حياتي التي تجاوزت نصف القرن شاهدت مسيرات ضخمة معدودات أتذكر منها الاستقبال الضخم والمسيرة الكبرى لأبناء شعبنا عند استقبال البطريرك مار شمعون إيشاي ومن ثم مسيرة منح الحقوق الثقافية "للناطقين بالسريانية من الآثوريين والكلدان والسريان" في أوائل السبعينيات من القرن الماضي ولكن يجب أن نتذكر بأن من وراء هذين المسيرتين كان النظام العراقي الذي كان يرمي إلى تحقيق أهداف شيطانية تجاه أمتنا في تلك الفترة كما أن المسائل الدينية والعواطف الناجمة من عودة البطريرك من المنفى إلى الوطن دوافع أخرى خلف ضخامة المسيرتين. أما مسيرة نيسان 6575 في نوهدرا (دهوك) التي شارك فيها عشرات ألاف من أبناء شعبنا من أطفال وشباب وشيوخ ونساء وفي أجواء ممطرة وباردة، يقال بأن عددهم تجاوز الأربعين ألف، إضافة إلى المئات التي بقيت في السيارة أو وصلوا متأخريين فإن هذه المسيرة لم يكن من خلفها لا حكومة ولا نظام ولا أعتقد بأن المشاركين كانوا كلهم من أبناء عشيرة رابي يونادم كنا أو نينوس بتيو أو غيرهما من القياديين، ولم يكن يملك زوعا قوة إكراهية يفرضها على الناس للخروج إلى المسيرة ولم يكن أحد منهم في الوزارة لكي يستغل منصبه ويؤثر على الناس ويدفعهم للمشاركة في المسيرة، ولا أعتقد أن زوعا من الغنى وله الكثير من الدولارات الخضراء ويدفع لأربيعن ألف مشارك لكي يخرجوا إلى المسيرة، فمن يعتقد هذا فهو مختل عقلياً من دون أدنى شك، وأنصحهم للإستماع إلى أحاديث وأغاني العدد الكبير من الفنانيين الذي قدموا من المهجر للمشاركة في المسيرة وإحياء المهرجانات والحفلات لعل يكون علاجاً شافياً لعقلهم.

إذن ماالذي دفع بهؤلاء العشرات الألاف من الشيوخ والنساء والأطفال والشباب بمختلف فئاتهم العمرية إلى تلبية نداء زوعا للمشاركة في المسيرة؟ أعتقد بأن من له بعض من الوعي القومي، حتى ولو كان بحجم الذرة، يدرك أن الدافع الحقيقي والفعال هو عظمة مسيرة نضال زوعا وعلو مكانته بين أبناء شعبنا وثقته العالية به. أفلا يكفي هذا لكي نصدق بأن زوعا لا زال بألف خير وأن موقعه في قلوب جماهير أمتنا. أما من لا يصدق ذلك فأنا على يقين تاماً بأنه حتى لو قام الملك العظيم آشور بانيبال من بين الأموات وحضر بيننا وقاد مثل هذه المسيرة الجماهيرية فإن هؤلاء يبقون على جهلهم المعتم ولا يتحسسون بعظمة مثل هذه المسيرة لأنهم مرضى مصابون بأمراض لا تشفى إلى بالاختلاط مع الأطفال والأمهات والشيوخ المشاركين في المسيرة وتحسس مشاعرهم المعبرة عن مشاعر الأمة وآمالها. وإذا كانوا مثل هؤلاء القابعين في بيوتهم الدافئة في المهجر ومستمتعين بحياة الرفاهية هناك ولا يجرؤا أن يخطو خطوة واحدة نحو بلاد آشور والاختلاط بأبناء جلدتهم هناك فأن مشاهدة المسيرة عبر قناة آشور الفضائية والتطلع في عيون الأطفال والشيوخ لعل قد يشفيهم ذلك من مرضهم المزمن ثم يرجعوا فيشكروا زوعا على توفير هذا الدواء الشافي لهم ... الدواء الذي صعنته المسيرتان نيسان 1979 ونيسان 6757.     

154
في الذكرى الـ (28) لتأسيس الحركة الديمقراطية الآشورية

نظرة واقعية في مسيرة زوعا
+++++++++++++++++++++++
أبرم شبيرا - لندن

كلما تأتي ذكرى تأسيس الحركة الديمقراطية الآشورية يبدأ الشريط التاريخي للفترات التي سبقت هذا الحدث بأستعراض الذكريات واللقاءات التي كانت تتم حول جمع شمل الشباب الآشوري المثقف وبالأخص من أعضاء النادي الثقافي الآشوري في بغداد وفرعه في السليمانية وغيرهم من القوميين في تنظيم قومي شامل يلملم جهودهم وأفكارهم ويضعها على مسار واحد لتحقيق أهداف الأمة وبالقدر المستطاع. وأكثر هذه اللقاءات وقعاً وتأثيراً هو لقاءات شقلاوة في صيف عام 1978 مع رابي يونادم كنا. ولا أدري أن كانت تحفظاتي حول دعوة رابي يونادم لتأسيس الحركة نوع من التردد والتخوف من الارتباط بتنظيم سياسي وتقولب أفكاري ونشاطي ضمن هذا التنظيم أم كانت مبررة تبريراً غير مشروعاً تخفي خلفها نوع من الخوف والرهبة من سطوة النظام الدكتاتوري حينذاك من الاعتقال وحتى الاستشهاد وأنا في مرحلة الدراسات العليا. وعلى العموم مهما كانت التبريرات والحجج في ترددي من مشاركة رابي يونادم في تأسيس الحركة فأن لذكراها شعورعجيب ينم عن الكثير من الاعجاب العظيم باولئك الشباب القومي الشجاع الذين لم يكن للخوف مكاناً في قلوبهم ومستعدين للتضحية وحتى الاستشهاد في سبيل الأمة كما ينم هذا الشعور من جانب آخر عن مرار وحسرة قلبي من عدم مد يدي لهم في تلك المرحلة الصعبة ومساعدتهم في تأسيس الحركة بحيث يجلعني أشعر شعوراً مريراً وأن اعترف بأنني قصرت كثيراً بحقهم وبحق أمتنا في تلك الفترة. من هنا فالدين القومي على اعناقي كثير ويجب أن أرده ولو بكلمات قليلة بهذه المناسبة العظيمة. لقد سبق وأن كتبنا وبمناسبات سابقة عن تأسيس الحركة وعن طبيعة ولادتها الطبيعية، واليوم نحاول وبسطور قليلة بيان وتحليل مسيرتها الصاعدة والنازلة خلال ما يقارب ربع قرن من الزمن.

عندما يكون الوصول إلى هدف سامي من خلال أرض وعرة أو جبلية موحشة ومحفوفة بالمخاطر يتطلب جهود استثنائية وتضحيات جسيمة لتجاوز هذه الصعوبات والمخاطر. لذلك لا يكون السائرين على هذا الطريق إلا عدد قليل مستعد للتضحيات ومواجهة المخاطر. أما عندما تكون الأرض سهلة ومنبسطة، كإنبساط سهل نينوى، لا مخاطر فيها ولا وحوش بعثية مفترسة فإن المهرولين يكثرون على مسارها طالما لا يتطلبها تضحيات وتحديات جسيمة وطالما هناك من يصطف على جانبي الطريق ويصفق لهم ويهلهل على رؤوسهم. هذه البديهية تذكرني بـ (كوركيس) ودراجته الهوائية والذي كان جارنا يتصف بنحافة البنية ولكن كان يعمل في وظيفة محترمة تخشاه كل الناس. أتذكر وأنا في عمر الصبا نظمت شركة نفط العراق (IPC) في مدينة كركوك في الخمسينات من القرن الماضي مسابقة ماروثونية للدراجات لموظفيها وشارك مستر جورج، كما كانوا يسمونه، فيها بدراجته الجديدة المدهشة والمصنوعة خصيصاً للسباقات الطويلة والتي كانت تبهر العيون وتحسد القلوب فتثير اعجاب وحسد الكثير من الناس وكنا ننظر إليه وهو راكباً دراجته كأنه ملكاً عظيماً متبختراً يقضي أوقات طويلة بتنظيفها وتلميعها ولا يجرأ أحد على لمسها. في يوم السباق أصطف المشاركون في ساحة الملعب والمعروف حينذاك بملعب النفط وكان مستر جورج في الصف الأول مستعداً للإنطلاق متكبرا شامخاً أنفه بهذه الوسيلة السحرية التي ستضمن له الوصول إلى خط النهائي. فبمجرد سماع صفارة المراقب أنطلق الآف المتسابقين ومستر جورج على رأسهم طائراً كالصاروخ تاركاً إنطباعاً لدى الجميع بأنه لا محال سيكون الأول والفائز بالجائزة طالماً يملك هذه الوسيلة السحرية الغالية الثمن. وبعد ساعات من الانتظار بدأ سرب المتسابقين بالظهور من بعيد يلوح كأن كوركيس في المقدمة ولكن عند الوصول إلى خط النهاية خاب ظن الجميع أن يرى كوريال، المعروف باسم كورا، العامل البسيط في الشركة يركب دراجته القديمة يعصر بعضلات رجليه القوية عليها ويدفعها دفعاً صاروخياً نحو خط النهاية ليفوز بالجائزة الأولى. طال إنتظارنا لكوركيس حتى بعد وصول آخر المتسابقين فحام شبح الخوف على أفراد عائلته التي كانت أيضا بإنتظاره من عدم وصوله رغم إنتهاء السباق حتى لاحت في الأفق السيارة المرافقة للمتسابقين تحمل المتسابقين الذين لم يستطيعوا إكمال السباق وبعض الدراجات في عربتها الخلفية وكان مستر جورج بينهم يلعن عضلاته الهزيلة التي خانته ولم توصله إلى خط النهاية حتى ولو كان اخر الكل. لقد خسر كوركيس السباق لأنه لم يعتمد على إرادة قوية وتصميم راسخ بل على شكلية وجمال دراجته الهوائية. في حين أعتمد كورا على قوته وتصميه الفولاذي على الفوز والوصول إلى خط النهاية رغم دراجته المستهلكة وفقر حاله.

  هذا الحال ينطبق على بعض تنظيماتنا السياسية القومية. فقبل سقوط النظام الاستبدادي البعثي في بغداد كانت الحديدة حارة جداً تضرب وتقطع رأس كل من يتجرأ أو أن يؤسس، لا بل حتى التفكير في تأسيس، حزب أو تنظيم أو طالب بحقوق قومية أو إنسانية أو حتى ثقافية أو إدارية أو عقد مؤتمرا أو تجمعاً لغرض معين لا يتماشى مع تفكير وسياسة حزب البعث المقبور. لقد دخل سامي ياقو و داود إيشا و ألبرت أوسكار السجن وعذبوا فيها لمجرد انهم غنوا أغاني قومية. فكيف الحال إذا أسسنا حزباً وطالبنا بحقوق قومية. الله يستر.

لقد كان مؤسسو الحركة الديمقراطية الآشورية مدركين لهذه الحقيقة ومستعدين للسير بالطريق الخطر غير مهابين بالتضحيات المطلوبة واضعين هدفهم الأسمى خدمة الأمة نصب أعينهم. فلم يكن هناك خوفاً من الاعتقال والتعذيب والتشرد والسجن وحتى الاستشهاد. فأحداث تموز من عام 1984 عندما اعتقل النظام المقبور العشرات من قياديي الحركة وأعضائها ومن ثم إستشهاد الأبطال يوسف ويوبرت ويوخنا عام 1985 كان ثمناً غالياً دفعته الحركة من أجل الاستمرار في مسيرة الأمة. فعندما يدفع المرء ثمناً غالياً يصل إلى درجة التضحية بالحياة لا بد أن يكون لشئ غالياً جداً أو لهدف سامي. وهل كان لزوعا شيئاً غالياً أو هدفاً سامياً أكثر من خدمة الأمة ؟. ففي تلك الفترة لم يكن أبداْ هدف زوعاً حقيبة وزارية أو منصب رفيع أو نيل رضا الحكام أو الركض خلف الشهرة ولملمة الجماهير حولهم والتصفيق لهم ولم يكن ينتظر لمن سيصفق لهم ويردف على أكتافهم بسبب نضالهم القومي. لقد كان زوعا مدركاً بأن النظام الغاشم لم يكن مستعدا لإعطاء شيء لأحد حتى لو باع أغلى ما يملك لهم. لقد عايشت أحداث اعتقال المناضلين في تموز عام 1984 واستشهاد الأبطال في شباط 1985 فلم يكن هناك من يلفظ كلمة احتجاح أو سخط حتى أثناء الحديث في البيوت الآشورية الخاصة، لا بل هرب الأقارب والأصدقاء يميناً وشمالاً من اصحابهم المناضلين ولم يدنو بيوتهم أو حتى يمرون من شارع بيوتهم خوفاً من استبداد النظام المجرم. هكذا كان الحال مع زوعا وهو في طريقه الصعب المحفوف بالموت سائراً دون خوف أو تردد نحو أهداف الأمة السامية.

لا يستطيع أي من كان، صديقا كان أم عدواً لزوعا، أن ينكر بأن مسيرة الحركة الديمقراطية الآشورية كانت محفوفة بالمخاطر الشديدة. من الطبيعي لمثل هكذا مسيرة أن تشهد عملية فرز وغربلة للسائرين على مسارها. فالضعيف والخائف والمتردد والانتهازي الراكب لقطار زوعا أو المساهم في دفعه لا يمكن أن يستمر معها خاصة عندما يدرك بأن المسيرة طويلة جداً والوصول إلى المحطة النهائية بعيد المنال. لهذا ليس من المستغرب أن يقفز هؤلاء من القطار ويتخلصوا من اشكالات المسيرة الصعبة ويلجئوا إلى الغرب المترف ليكونوا قوميين خلف المايكروفونات أو يشكلون أحزاب أو يعقدون مؤتمرات لا لشئ إلا لتبرير هروبهم من النضال القومي الشريف. فهذه الحالة تشبه كثيرا حالة تخلص جسم الإنسان الحي من الأمراض والجراثيم ليكون أكثر حيوية ونشاطاً وصحة. فمهما كانت الظروف، صعبة أو سهلة أو وسطية أو غامضة أو غير مستقرة بالحركة الديمقراطية الآشورية تبقى كما هي مستمرة في مسيرتها ولكن يبقى المظهر الخارجي والاسلوب التكتيكي في الحركة والعمل مختلفاً بعض الشيء وحسب ظروف كل مرحلة، وهي الحالة التي يصعب على البعض من أبناء شعبنا فهمها أو إدراك مغزاها وذلك بسبب قلة التجارب السياسية وضعف الوعي السياسي الصحيح الذي يسود بعض أبناء شعبنا وحتى بعض تنظيماته السياسية والقومية.

اليوم وبعد رحيل النظام الغاشم وأصبحت الظروف أكثر ملائمة للعمل السياسي المفتوح أي بعبارة أخرى الطريق سهل ومنبسط ولا مخاطر من تأسيس حزب أو تنظيم قومي والمطالبة بحقوق قومية أو بحكم ذاتي أو حتى بتحرير آشور. فأولومبياد المؤتمرات قائمة على قدم وساق، فهناك مؤتمرات من المشرق في عنكاوه إلى أقصى الغرب في موديستو/ كاليفورنيا وحتى أقصى الشمال في استوكهولم في السويد وليس من المستبعد أن يكون مؤتمراً آخر في أقصى الجنوب في كيب تاون في جنوب أفريقيا إذا تواجد آشوري واحد هناك مع أبن عمه أو خالته. فلا قيود هنا للمهرولة على سهل نينوى المنبسط بين أقاربهم وأصدقائهم يصفقون لهم ويكللونهم بالورود ويمطرونهم بالجكليت مطالبون بالحكم الذاتي أو تحرير آشور من المحتل. أهناك أسهل من هذا العمل خاصة عندما يكون هناك من يدفع الفواتير ويسهل الأمور.

فاليوم يراقب أبناء شعبنا المنهلك من الظلم والاستبداد والحاجة الشديدة إلى الاستقرار وتنفس هواء الرفاهية والطمأنينة هرولة هذه المجموعات على الأراضي المنبسطة السهلة وضمن ظروف لا يتطلبها تضحيات جسيمة غير بعض السويعات خلف المايكروفونات أو صرف دولارات امريكية تسهل من مهمتهم في الجري والبكاء على حقوقنا القومية والصراخ عاليا عن الحكم الذاتي. كما ان الحالة السائدة في مجتمعنا في هذه الأيام جعلت من البعض أن تكون نظرتهم للأمور ووعيهم للأحداث والتطورات السياسية آنية لما يجري في الساحة. أما تطبيقات هذه الصراخات والدعوات ونتائجها فهي مسألة مستقبلية لاحقة لا يريد ان يعرفها هذا البعض من أبناء شعبنا في الظروف الراهنة. فإذا نظرنا إلى زوعا من خلال هذه الظروف الشاذة سوف يتبين لنا بأنه غير متعاون مع هوى هذه المجموعات وبالتالي يبقى السؤال مطروحاً بين بسطاء الناس "ماذا يفعل زوعا". ولكن إذا نظرنا إلى زوعا من خلال مسيرته الطويلة للسنوات الماضية واستمراره نحو المستقبل يتبين لنا بأن هذه المسيرة النضالية الصامدة هي التي جعلت زوعا أن يقود قائمة الرافدين الوطنية بالفوز الساحق في الانتخابات الوطنية العامة لمرتين متتاليتين وهي التي جعلته قادراً على ان ينظم مواكب أعياد أكيتو ويشارك فيها عشرات الآلاف من أبناء شعبنا.

أن حال زوعا كحال (كورا) العامل المسكين ولكن القوي المثابر والصابر قادرا على تحد الظروف والصعاب للوصول إلى الهدف الأسمى رغم إمكانياته الشحيحة في حين حال الآخرين المهرولين على الأراضي المنبسطة والممولين بأموال وامكانيات ضخمة هو كحال صاحبنا مستر جورج ودراجته الفخمة المبهرة للعيون والعقول ولكن هيهات أن يصلوا إلى خط النهاية غير أن يكون مشلولين محملين على عربات الغرباء.       

155
استمرار الخيانة الكردية للقضية الآشورية



أبرم شبيرا – لندن
توضيح: في خريف من عام 1998 كتبت مقالاً بعنوان ( في ضوء المصالحة الكردية – الكردية والمشروع الفدرالي - هل تخضع حقوق الآشوريين في شمال العراق إلى مساومات سياسية) ونشرته تحت أسم قلمي (حنا سوريشو) تناول نشاطات الكرد في العراق في زرع الفتنة الطائفية بين الآشوريين للقضاء على مطالبهم القومية المشروعة عن طريق تعظيم وترسيخ تقسيمهم الطائفي لكي يسهل القضاء عليهم قومياً. كما تناول المقال المصير الذي سيلحق بالآشوريين في حال ضمان الكرد حقوقهم وفدراليتهم عن طريق التفاوض مع النظام البعثي الاستبدادي حينذاك والوصول إلى اتفاق معه وأين سيكون موقع الآشوريين من هذه الفدرالية وهذا الاتفاق؟
واليوم، وخلال ثمان سنوات التي تلت كتابة هذا المقال حدثت أشياء دراماتيكية عديدة منها تحرير العراق ومحق النظام البعثي وبلبلة الأمور كلياً وظهور الكتلة الشيعية والكردية كقوى سياسية بارزة ومسيطرة يفرضان إرادتهما على المصائر السياسية للعراق ولشعبه بمختلف تنوعاته القومية والدينية ويظهران وكأنهما ماردان جائعان جداً انهالوا على الكعكة أكلاً ونهباً ولم يتركوا شيئاً للصغار ولم يقدروا أو يتذكروا النضال الشريف الذي خاضه الآشوريون بقيادة الحركة الديمقراطية الآشورية خلال فترة حكم النظام العراقي المقبور وما عانوه من مختلف المآسي والمظالم خلال فترة هذا الحكم. فهذه ممارسة غير سياسية ولا ديمقراطية إطلاقاً بل هو تصرف غير حضاري وثقافي وفكري ينم عن قلة التجربة في السلطة وفي التعامل مع الغير المختلف، لا بل هي نسخة تقليدية لبعض السياسات الاستبدادية للأنظمة العراقية السابقة التي تناوبت على السلطة في العراق. رسالة الآشوريين الكلدانيين السريان لجميع القوى العراقية هي أن يفسحوا المجال لهم للممارسة حقوقهم بشكل قويم ومستقل وبدون تدخل من أحد وسوف يرون الفائدة التي سيجنون من هذه الممارسة وعلى مختلف المجالات الوطنية. والتاريخ شاهد على ما قدموه لهذا الوطن من تضحيات ودماء وإخلاص وتفاني أكثر مما قدموه غيرهم ولكم بالمقابل لم ينالوا إلا مزيد من الاضطهادات والمظالم والتي استنكفها حتى ديباجة الدستور المقترح أو تشكيل الوزارة الجديد ولا ندري ماذا يخفي  المستقبل لأبناء أمتنا في أرض الوطن من هذه الممارسات غير الديموقراطية... فهل يعود صدام حسين تحت أسم أخر سواء أكان كردياً أو شيعياً أو سنياً أم يرجع التاريخ بنا إلى مذابح سميل لعام 1933؟ ... ليس بشكل مذابح جسدية وإنما بإفناء فكري وقومي وثقافي لأعرق شعب من شعوب العراق. حقاً قال المفكر الآشوري الكبير يوسف مالك عند انتقال العراق من الحكم العثماني إلى العربي (أن تغيير الفيسة – القبعة الرسمية التركية – بالسيدارة - القبعة الرسمية العربية في العراق – لا يعني تغييرا في المفاهيم والأفكار والسياسات).       
 وكما خطط الكرد وباشر بها قبل بضعة عقود فيما يخص ترسيخ التقسيم الطائفي للآشوريين وتسخيره لخدمة سياستهم غير المنصفة تجاه الآشوريين بشكل عام وتجاه أحزابهم ذات القرار المستقل بشكل خاص، فأن الفرص الذهبية متاحة في هذه الأيام للكرد لتطبيق ما خطط له في تدمير الأساس القومي للآشوريين سواء في معاداته للأحزاب الآشورية المستقلة أو عن طريق خلق أحزاب كارتونية أو إيجاد شخصيات اعتادت على تناول فتات موائد أسيادهم و يقومون بأدوارهم المشبوهة والمفضوحة نيابة عنهم في مزاحمة المناضلين المستقلين والبعيدين عن سياساتهم التآمرية وطرحهم على أساس أنهم يمثلون الشعب الآشوري/الكلداني/السرياني.
بعد سقوط النظام الاستبدادي في العراق خطت الحركة الديمقراطية الآشورية تساندها المنظمة الأثورية الديمقراطية يساندوهما معظم المثقفين والوحدويين من جميع الطوائف، خطت خطوة جريئة ومقدامة في مشروع محاولة احتواء التنوع الطائفي للآشوريين عن طريق الإقرار الرسمي بتسمية مركبة "كلدوآشوري" فنجحوا في إدراج هذه التسمية في قانون إدارة الدولة العراقية كأساس لإقرارها في الدستور المقترح فهز من جراء ذلك وفزع أعداء أمتنا الخارجيين التاريخيين والداخليين من الطائفيين المتزمتين في ظلام الماضي، فحشدوا أسلحتهم البشمركية والطائفية ضمن حلف غير مقدس فشنوا هجوماً عنيفاً ضد هذه الخطوة الوحدوية التاريخية وضد الشرفاء من الآشوريين وكرسوا أموالاً من المساعدات الأمريكية لبناء شمال الوطن لها لإسقاط هذا المشروع الوحدوي التاريخي فنجوا في وضع ( و) الكردية والطائفية بين الأخوة وأبناء أمة واحدة في مسودة الدستور المقترح لغرض يسهل تفتيتهم والتعامل معهم على أساس طائفي عاملين أسوت بما عمله حزب البعث الفاشي، فتمكن الحزب الديمقراطي الكردستاني من خلق أكثر من شخص يسخي بملايين الدولارات على الآشوريين ليس حباً بهم وإنما لغرض سحب البساط من تحت أرجل الحركة الديمقراطية الآشورية واحراجها في مثل هذه الظروف التي يصفق الجائع والفقير لكل من يدفع له دولارا واحداً ويجعله من أكبر القوميين والمناضلين.
واليوم وبعد ثمان سنوات، نعيد نشر هذا المقال كما هو بدون تغيير ليطلع القارئ الكريم على المخططات التي كان يخطط لها الكرد مع أعوانهم الأقزام في تدمير الأساس القومي للآشوريين، ذلك الأساس الذي تقوم عليه زخرفة من الطوائف والملل والعشائر والذي ليس عيباً أن نقر ونعترف بها ونوحدهم تحسب أية تسمية كانت بل أن العيب وكل العيب بل الجنون والخيانة هو أن نقلب الأمور رأساً على عقب ونجعل من الأساس فرعاً ومن الفرع أساساً ويستغلون ذلك لأهدافهم الشيطانية... هؤلاء يتخوفون من أية أسم يوحد أبناء الأمة سواء أكان مركباً من أسمين أو من عشرة أسماء لأنه يقضي مضجعهم ويفلس عقولهم العفنة وجيوبهم الخرقاء.
وأخيراً وليس آخراً، أود أن أبين للقارئ الكريم أن الكتابة السياسية ليست سرداً للأحداث والتنكيل الفكري بالآخرين وإنما هو تحليل للواقع وبناء تصورات للمستقبل. من هذا المنطلق نرى أن ما كتبناه قبل ثمان سنوات ينطبق اليوم إن لم يكن بتفاصيله الكاملة وإنما بالتأكيد ينطبق في جوهر وأهدافه.
     
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
في ضوء المصالحة الكردية – الكردية والمشروع الفدرالي
----------------------------------
هل تخضع حقوق الآشـوريين في شمال العراق إلى مساومات سياسية
حنا سوريشو
من الواضح أنه رغم عدم استقرار المنطقة الشمالية من العراق، فإن الآشوريين يتمتعون في ظل الهامش الديمقراطي الذي توفره جملة ظروف محلية وإقليمية ودولية استثنائية في تاريخ المنطقة، يتمتعوا بنوع من الحقوق والتي تعد الأولى من نوعها في تاريخ العراق السياسي.  فالآشوريون يشاركون في البرلمان كما تشارك الحركة الديمقراطية الآشورية في الجبهة الكردستانية إضافة إلى حصة وزارة الأشغال والإسكان. والأهم من هذا الجانب السياسي هو المنجزات الثقافية التي تم تحقيقها خلال خمس سنوات الأخيرة كتعليم المناهج الرسمية المقررة في المرحلة الابتدائية باللغة السريانية في المدارس التي أكثريتها من الآشوريين وتأسيس المركز الثقافي الآشوري ومديريات للثقافة الآشورية  وتعليم اللغة السريانية وإصدار المجلات والجرائد وطبع الكتب وغيرها من المنجزات الثقافية والفنية .
 وإذا كان صحيحاً بأن هذه الحالة الاستثنائية في تاريخ العراق السياسي الحديث التي أناحت للآشوريين فرصة ممارسة جانب من حقوقهم القومية المشروعة هي إحدى إفرازات حرب الخليج الثانية وخروج المنطقة الشمالية من سيطرت النظام العراقي في بغداد الذي حرمهم من حقوقهم القومية والثقافية، فأن لهذه الفرصة الاستثنائية جانب آخر يتمثل جزء منه في قدرة الأكراد وزعامتهم وتنظيماتهم السياسية على التفهم المنطقي لطبيعة علاقتهم السياسية والجغرافية مع الآشوريين خاصة في العقود الخمسة الأخيرة. فمن المعروف أن الآشوريين عاشوا إلى جانب الأكراد منذ فترة طويلة حيث تتداخل أراض موطنهم التاريخي مع الحدود الجغرافية للمنطقة التي عرفت فيما بعد بـ " كردستان " فكان هذا التداخل إلى جانب الاختلافات الدينية والقومية التي استغلتها الدولتين العثمانية والفارسية في تحريض الكرد ضد الآشوريين وارتكاب المذابح بحقهم وتشريدهم من أراضيهم، من العوامل التي جعلت أن تتصف صفحات تاريخ العلاقات بينهما بالكثير من العداء والنفور والتوتر حتى نضوج وقيام الحركة القومية الكردية وتبلورها في أحزاب سياسية ومنظمات قومية، خاصة عند تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في الأربعينيات وبقيادة الزعيم ملا مصطفى البارزاني الذي كانت له علاقات وطيدة مع الكثير من الشخصيات الآشورية، وربما بسبب أصوله التاريخية التي ترجع إلى جذور آشورية مسيحية وتحديداً إلى عائلة القس داود التي كانت تسكن في قرية برزان قبل إسلامها في القرون الماضي، كما تذكر ذلك بعض الكتب الآشورية القديمة. فكان للإدراك الواعي للمصالح المشتركة في المنطقة وخضوعها ككل من دون تمييز بين كردي وآشوري إلى استبداد أو إهمال السلطة المركزية عامل أخر ساعد على انضمام بعض الآشوريين إلى حزب الديمقراطي الكردستاني،  وهو الحزب الذي حاول إبعاد كلمة "كردي" من أسمه وإحلال محله " الكردستاني " كدليل على أنه حزب لسكان منطقة كردستان وليس للأكراد وحدهم، وهو الأسلوب الذي أتبعه مجموعة من الكرد بزعامة جلال الطالباني عندما انفصلت عن حزب الديمقراطي الكردستاني وأسست اتحاد الوطني الكردستاني.
ومن الملاحظ بأن اتحاد الوطني الكردستاني الذي يتركز وينشط في منطقة سوران، ومركزها مدينة السليمانية،  لا يعاني من مشكلة الأقليات كما هو الحال مع حزب الديمقراطي الكردستاني الذي ينشط ويتركز في منطقة بهدينان ومركزها مدينة دهوك حيث هناك أقليات آشورية وتركمانية وحتى يزيدية وبعض الجيوب العربية والتي يستوجب التعامل معها بشيء من الفطنة السياسية خاصة في ظروف استثنائية كظروف المنطقة التي من ممكن أن تستغل من أجل زيادة التوتر وعدم الاستقرار أو تحقيق بعض المنافع أو تثبيت بعض المراكز كما هو الحال مع تركيا تجاه الأقلية التركمانية في العراق وهي نفس الورقة التي حاول اتحاد الوطني الكردستاني استخدامها في حربه "الباردة" مع الديمقراطي الكردستاني في دعواته المستمرة بضرورة حماية وصيانة حقوق الآشوريين والتركمان في المنطقة وكأسلوب لإحراج خصمه في هذه المسألة الحساسة.
إضافة إلى ذلك فإن هناك عوامل أخرى ساهمت في بناء العلاقة المتفهمة للأكراد مع الآشوريين، منها وجود شخصيات آشورية مقربة إلى عائلة البارزاني وأعضاء في اللجنة المركزية والمكتب السياسي وبعضهم ناضلوا مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وظلوا مخلصين للحركة الكردية ولقيادتها وضحوا من أجلها واستشهدوا في سبيلها. كما وأن الكرد الذين عانوا الأمرين من استبداد السلطة المركزية مثلما عانوا بقية الأقليات،  خاصة الآشوريين منهم ، كان يستوجب على زعماؤهم  أن يكونوا أكثر ديمقراطيةً مع الأقليات ويتفهموا معاناة المضطهدين لذلك كان لازم عليهم إظهار الحركة الكردية كحركة تقدمية ديمقراطية أمام الرأي العام العالمي فيما يخص تعاملها مع الآشوريين كأقلية قومية ومسيحية،  سيما وإن الحقوق الممنوحة لهم لا تشكل تهديداً لا من الناحية العسكرية والسياسية ولا من الناحية الديموغرافية على السياسات الكردية في المنطقة وتجاه السلطة المركزية أو تجاه دول المنطقة. ولكن السؤال المفروض الآن هو: الى أي مدى يبقى الاكراد ديمقراطيون مع الآشوريين ومتسامحون مع ممارسة حقوقهم في المنطقة في ظل المصالحة الكردية – الكردية التي تمهد الطريق للمصالحة وتطبيع العلاقات مع النظام العراقي بعد مرحلة رفع العقوبات الاقتصادية أو بعد تحسين السمعة الدولية والإقليمية للنظام، خاصة إذا عرفنا بأنه للأكراد مشاكلهم التاريخية المستعصية تكفيهم للحد الذي لا يستطيعون تحمل مشاكل الغير أو الدفاع عنها والتضحية في سبيل حلها عندما يكون الموضوع متعلقاً بمصلحتهم القومية وتحقيق فدراليتهم مع النظام العراقي.  ثم ماذا سيكون موقف الأكراد من حقوق الآشوريين في ظل هذه الفدرالية التي من غير الممكن أن تتم إلا ضمن الإطار الموحد للعراق وضمن اتفاق مع الحكومة المركزية في بغداد ؟. أي ما هو مصير حقوق الآشوريين في حالة التصالح مع هذا النظام الذي يرفض التعامل مع أية حقوق أخرى للأقليات،  كحقوق الآشوريين، خارج إطار المشكلة الكردية ؟
ولمعرفة موقف الكرد تجاه الآشوريين في ظل المتغيرات الجديدة المحتملة لابد أن نتعرف على طبيعة تعامل الكرد مع الآشوريين وهي الطبيعة التي تدور ضمن إطارين :
الأول: علاقة الكرد مع الآشوريين كأقلية: وهي العلاقة المبنية على أساس إن الآشوريين أقلية كردستانية وفي بعض الأحيان يتماد التطرف في هذا المجال لدرجة اعتبار الآشوريين مجرد أقلية كردية مسيحية أو كرد مسيحيون يتم التعامل مع حقوقهم كجزء من حقوق الكرد بشكل عام دون تمييز أو اختلاف. وقد وجدت الحركة الكردية من يؤيدها في هذا السياق من بعض الآشوريين المنتمين إلى أحزاب هذه الحركة أو الذين يعادون أو يعارضون التطلعات القومية الآشورية ويتراصون مع النظام العراقي في معاداته لحقوق الآشوريين القومية. هذا الاتجاه لا يترك أية مشكلة بالنسبة لكرد ولا يشكل إعاقة أمام تحقيق المشروع الفدرالي الكردي مع النظام العراقي باعتباره جزء من مشكلة مجموعة "كردستانية“ تعالج ضمن إطار المشكلة الكردية ككل، وهو سبب رئيسي يدفع زعماء الحركة الكردية وعلى الدوام إلى تجاهل القضية الآشورية في وسائل الأعلام الدولية لا بل وحتى في تجاهل الدور الكبير الذي لعبه الآشوريون في الحركة الكردية وفي إسنادها ودعمها، وبالمقابل يترك مثل هذا الموقف حساسية وحالة من التوتر والقلق لدى المنظمات والحركات القومية الآشورية بشكل خاص ولدى الآشوريين بشكل عام ويثير لديهم نوع من المخاوف من ابتلاع قضيتهم وهضم حقوقهم ضمن القضية الكردية.
الثاني: علاقة الكرد مع الآشوريين كحركة قومية سياسية: للآشوريين حركة قومية تمتد بدايتها إلى فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، غير أنها لم تتبلور في تنظيمات سياسية حديثة إلا في منتصف هذا القرن. وبقدر تعلق الأمر في العراق وبمنطقته الشمالية فإن الحركة الديمقراطية الآشورية والمعروفة بـ "زوعــا" التي تأسست رسمياً عام 1979 والتحقت بالحركة المسلحة المعارضة للنظام العراقي في شمال العراق عام 1981، تعتبر أول حركة سياسية آشورية يتبلور في أهدافها وشعاراتها الطموحات القومية والوطنية وبشكل واضح ومتميز ومستقل عن غيرها من الحركات السياسية وبالأخص الحركة الكردية وتحديداً الحزب الديمقراطي الكردستاني. لقد فرض قوة تنظيم زوعـا وكثافة نشاطها ودعمها من قبل أكثرية الآشوريين سواء في العراق أم في بلدان المهجر أن تكون حقيقة واقعية لم يكن من السهل تجاهلها من قبل الحركات الكردية والسياسية في شمال العراق أو من قبل تنظيمات المعارضة العراقية فأتيح لها فرصة المشاركة في معظم النشاطات السياسية، خاصة مشاركتها في اللعبة الديمقراطية في شمال العراق وتحقيق بعض المكاسب في إطار الحقوق المشروعة للآشوريين التي سبق الإشارة إليها. هذه العلاقة السياسية مع الآشوريين وتنظيماتهم السياسية هي أساس الاتفاق القائم بينهما في ممارسة الآشوريين لحقوقهم القومية ضمن إطار المؤسسات والأنظمة الرسمية والسياسية والحزبية في المنطقة. ومما لا شك فيه إن المصالحة الكردية – الكردية والتي سيعقبها حتماً استقرار في المنطقة وازدهارها سينعكس ذلك إيجابياً على وضع الآشوريين من الناحية الأمنية والسياسية وتتعزز ممارسة حقوقهم القومية في المنطقة.
ولكن إلى أي حد تستطيع الحركة الكردية وأحزابها السياسية التعامل مع الآشوريين سياسياً ؟ أي التحالف مع الحركة الديمقراطية الآشورية فيما إذا تمت المصالحة الكردية – الكردية وتحققت على الواقع السياسي وأصبحت طريقاً ممهداً ومشجعاً للتفاوض مع النظام العراقي لتحقيق الفدرالية في المنطقة الشمالية أو تحقيق الحد الأدنى من العدالة للقضية الكردية. وأين ستكون حقوق الآشوريين أو موقع الحركة الديمقراطية الآشورية من هذا التفاوض وهل ستتخلى الأحزاب الكردية عنها أو تساومها أو ستعتبرها مجرد جزء من المشكلة الكردية على أساس اعتبار الآشوريين مجرد كرد مسيحيون ؟ وماذا سيكون موقف الحركة الديمقراطية الآشورية في حالة تفاوض الكرد مع النظام العراقي ؟ وماذا سيصبح مصير حقوق الآشوريين في المنطقة ؟؟ هذه التساؤلات التي تشغل بال الآشوريين بالدرجة الأولى نجد جانب من أجوبتها في التاريخ القريب عندما فاوض الكرد حكومة العراق عام 1992 حيث كانت الحركة الديمقراطية الآشورية والحزب الشيوعي العراقي الوحيدان اللذان أبديا تحفظاً على هذا التفاوض، وأساس تحفظ هذه الحركة كان ولا يزال هو أن النظام العراقي وحزب البعث الحاكم لا يعترف بوجود الآشوريين فكيف يتم التفاوض أو منح حقوق لشيء غير موجود وغير معترف به، فأساس حقوق الآشوريين في العراق يقوم على الشعار الذي رفعته هذه الحركة في "عراق ديمقراطي حر والإقرار بالوجود القومي الآشوري" وهو المبدأ الأساس الذي لا يمكن التنازل عنه، كما تقول عناصر في قيادة هذه الحركة، وبالمقابل هو المبدأ الذي لا يقبله النظام العراقي وحزب البعث الحاكم ولا يقبل التفاوض حوله لا بشكل مباشر ولا بواسطة الكرد، لذلك سيكون المبدأ الذي قد يشكل عاملاً معكراً لطبيعة علاقة الكرد مع الآشوريين ومعياراً لاختبار مصداقية الأكراد تجاه حقوق الآشوريين عند دخولهم في مفاوضات مع النظام العراقي.
إن ممارسة الآشوريين لبعض من حقوقهم القومية والتفافهم حول منظمتهم الطليعية، الحركة الديمقراطية الآشورية   أصبحت جزء من الواقع الراهن ليس أمر إلغائها أو تجاهلها مقبولا على الإطلاق لا محلياً ولا دوليا لذلك عندما تحين فرصة التفاوض والمساومات لتحقيق المشروع الفدرالي قد تدفع الكرد إلى سياسة تحجيم هذه الحقوق وحصرها في مجالات معينة أو إيجاد منظمة آشورية بديلة للحركة الديمقراطية الآشورية تقبل بمثل هذه الحقوق كحل وسط تتوافق مع خفايا المشروع الفدرالي أو في كون الآشوريين مجرد أكراد مسيحيون ويرضي في نفس الوقت النظام العراقي ويحقق الحد الأدنى من مصداقية الكرد تجاه الآشوريين ويطمئنوا العناصر الآشورية القيادية في الحزب الديمقراطي الكردستاني وهي السياسة التي ليست بخافية على المطلع لأوضاع الآشوريين في شمال العراق رغم استثنائية الحالة الايجابية في ممارسة الآشوريين لحقوقهم القومية. فوراء هذه الممارسة الايجابية جملة سياسات ومواقف كلها تصب في هدف تحجيم حقوق الآشوريين وإضعاف وجود ونشاط الحركة الديمقراطية الآشورية.
لقد كان من المنطق أن يكون تكاثف وتوسع نشاط زوعا بين جميع الطوائف الآشورية في المنطقة وتزايد انتماء أبناء الطائفة الكلدانية الكاثوليكية إليها وتسلم بعضهم مناصب قيادية في المكتب السياسي واللجنة المركزية أن يؤدي ذلك إلى تحجيم انتماء الآشوريين إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني وحتى إلى الحزب الشيوعي العراقي أو الحزب الشيوعي الكردستاني والى انحسار نشاطهم بين الآشوريين فظهرت الحركة الديمقراطية كمنافس حقيقي وجدي في هذا المجال.  ففي عام 1992 عندما خصصت خمسة مقاعد للآشوريين في برلمان الإقليم دفع الحزب الديمقراطي الكردستاني بقائمته تحت أسم "القائمة المسيحية" كما دفع الحزب الشيوعي العراقي بقائمته تحت اسم "قائمة كلدو وآشور" لمنافسة قائمة زوعا والتي فازت بأربعة مقاعد وفاز ممثل القائمة المسيحية بالمقعد الخامس. وإذا كان مثل هذه الإجراءات الديمقراطية شرعية ومقبولة ولا اعتراض عليها فأن الإجراءات الأخرى كالاغتيالات وتعرض مقرات زوعا إلى الهجوم المسلح والتي كان وراؤها "عناصر مجهولة" واستيلاء الكرد للقرى الآشورية كلها تصب في سياسة ترهيب الآشوريين وتحجيم نشاطهم السياسي والقومي وبالأخص ترهيب أبناء الطائفة الكلدانية من مغبة الانتماء إلى هذه الحركة الآشورية القومية، خاصة عندما نتذكر بأن المهندس فرنسيس شابو عضو البرلمان،  اغتيل عام 1993 والذي يعتبر أول شهيد برلمان الإقليم، كان من أبناء الطائفة الكلدانية المنتمين للحركة الديمقراطية الآشورية ومن أكثر العناصر النشيطة في توحيد الطوائف الآشورية.
ليس هذا فحسب، فقد لجأ الاكراد والشيوعيون أيضاً إلى لعب الورقة الطائفية وكشفها على الساحة السياسية لغرض تحجيم النشاط القومي الآشوري في المنطقة،  فالحزب الشيوعي الكردستاني لم يتوان من أجل لعب هذه الورقة إلى تأسيس فرع له باسم " كلدو وآشور " أي بأسماء الطوائف الآشورية بحجة كون ذلك مطلب من الطوائف الآشورية. كما وإن قيادي حزب الديمقراطي الكردستاني، رغم تعاملهم الحزبي والسياسي والرسمي مع الحركة الديمقراطية الآشورية باعتبارها ممثل الآشوريين في المنطقة وفي مؤسساتها الحزبية والرسمية، فأنه لا يفوتهم الفرص للإشارة إلى الآشوريين من الطائفة الكاثوليكية باسمهم الطائفي أي "الكلدان" رغم عدم وجود مؤسسة أو كيان سياسي لهم ، فالكلدان نفسهم كطائفة دينية لا يرغبون التدخل في المسائل السياسية أو يطالبون بحقوق سياسية وقومية إلا ضمن الإطار القومي الخاص بهم والمتمثل في التسمية "الآشورية" الجامعة لكل الطوائف . فالكرد رغم معرفتهم الجيدة بذلك فإن القصد من  تأكيدهم للفروقات الطائفية بين الآشوريين هو إضعاف نشاط زوعا ومن ثم  تحقيق سياسة تحجيم حقوق الآشوريين في المنطقة وجعلها في متناول المساومات السياسية عندما يحين وقت التفاوض مع النظام العراقي من اجل تحقيق الفدرالية .
هذه السياسات التي تثير الكثير من التساؤلات عن مصير "تحالف" الآشوريين مع الاكراد وجدوى ممارستهم لحقوقهم القومية في المنطقة الشمالية، وهي التساؤلات التي تثير مخاوف الآشوريين في الداخل والخارج وتخلق حالة من التشكك في مصداقية الاكراد تجاه الآشوريين، وهو حق وشعور مشروعان لهم في الخوف على ووجودهم في المنطقة الممتد في أعماق التاريخ والذي لم تحدد معالمه مستقبله بعد في ظل المشروع الكردي للفدرالية.
=========================
هذا ما كتبته في عام 1988 وأطلب من القارئ اللبيب أن يقارن هذا بما يحدث على الساحة العراقية من تحجيم للحقوق القومية الآشورية الحقيقية ومواقف القوى الكبيرة السلبية تجاه الحركة الديمقراطية الآشورية التي ناضلت معهم جنباً إلى جنب في السنوات المظلمة التي عممها النظام البعثي على جميع الشرفاء... أفهل من الأصول والشرف أن ينسى مناضلوا الأمس نضال رفاقهم في الدرب؟       
    [/b]

156
شلاما إلى زوعا في ذكرى الـ (26) لتأسيسها
مفاهيم في التطـور والممارسة السياسية
أبرم شبيرا – لندن

إن الإلمام بالحياة السياسية وبأبجدية الحركات القوميــة الأصيلة والنابعة من ضمــير الأمة يستلزم أن نعرف بأن مؤسسات وأحزاب وحركات الأمة هي كيانات حية غير جامدة.
فهي الأخرى كالكائنات العضوية الحية تمتلك مقومات النشوء والتطور والتقدم، وتحمل أيضاً في طبيعتها التطورية جملة تناقضات تشكل الأساس الذي يبني عليه تقدمها وتأخرها، حياتها وموتها. فهي تحمل مقومات الحياة من حركة ونشاط مثلما تحمل مقومات الموت من تخلف وجمود.
من هذا المنطلق يجب أن نعرف بأن تطور حياة الإنسان ليس على الدوام حركة مستمرة إلى  الأمام فحسب بل أن المفهوم الفلسفي لتطور الحياة والإنسان وحتى الحركات السياسية هو المحصلة النهائية الناتجة من جملة تفاعلات قائمة بين التقدم والإخفاق والتي تفرز في نهاية المطاف مقومات التطور والاستمرار لهذه الحركات. وهي الظاهرة التي يمكن تفسيرها بمفهوم " خطوة إلى الوراء وخطوتان إلى الأمام ".
فالحركة الديمقراطية الآشورية، كحركة قومية لم تلد بقرار سياسي صرف أو كانت نتاج بحوث أكاديمية أو قرارات رجال السياسة والقانون والمعرفة، وإنما ولدت ولادة طبيعية ومن مخاض ومعاناة الأمة ومن رحمها الشرعي. لذلك فهي تمتلك كل مقومات الكائنات الحية التي تنعكس مفاهيمها الفلسفية في الظواهر والكائنات الاجتماعية والسياسية.
فإذا كان هذا الإقرار الواضح والصريح بحيوية الحركة الديمقراطية الآشورية وبامتلاكها للمقومات الأساسية في كونها حركة عضوية وحية في تفاعلها مع معاناة وطموحات الشعب، فهي أذن حركة طبيعية لها مقومات التطور الواجب توفرها فيها مثل كل الكائنات الحية والعضوية، كالتقدم ثم التعثر وبالتالي الوصول إلى محصلة التطور أو الموت والفناء.
أي بعبارة أخرى إن المفهوم الفلسفي للتطور القائم على "خطوة إلى الوراء وخطوتان إلى الأمام" ينطبق على الحركة الديمقراطية الآشورية عندما نريد الكشف عن المسار السياسي لها ومعرفة مدى تطورها في تحقيق أهدافها ومنهاجها وبالتالي تحقيق طموحات الأمة.
من هذا المنطلق يعد من السذاجة الفكرية والضعف السياسي عندما ينظر إلى مسيرة زوعا السياسية من خلال تعثر وتراجع في خطوة معينة وتقييم تطورها من خلالها ومن دون النظر إلى الخطوات الإيجابية الناجزة. والعكس صحيح أيضا، فلا يجوز النظر إلى مسيرتها من خلال خطواتها الإيجابية فحســب وتجاهل خطوة التعثر والتراجع، بل أن استمرارها وديمومة تواصل نضالها يقوم بالأساس على دفع الخطوات الإيجابية دفعاً أمامياً مع النظر العميق والتفحص الدقيق والنقد النافذ للخطوات السلبية والمعوقات التي واجهتها في مسيرتها هذه واستخلاص الدروس والعبر منها واعتمادها في تصحيح مسار المستقبل.
وهذا المنطلق هو الأساس أو المصدر الذي ينبع منه الفكر السياسي الواقعي النير للحركة وتتسلح به في مواجهة التحديات التي تواجه الأمة وتتحصن به أيضا من المفاجئات والاحتمالات غير المتوقعة .
وعلى هذا الأساس، لا يمكن إطلاقا فصل السلبيات عن الإيجابيات في مسيرة كل حركة قومية سياسية، كالحركة الديمقراطية الآشورية.
فحتى نفهم معايير تطور مسيرة هذه الحركة لابد من اعتماد المحصلة النهائية لهذا التطور الناتج من تفاعل مجمل عوامل التقدم والتعثر في مسيرتها المتواصلة. أي بعبارة أخرى يجب النظر إلى تطور مسيرتها من خلال الكل وليس الجزء أو من خلال العام وليس الخاص. والعكس من هذا صحيح أيضاً، أي النظر إلى الخاص دون العام هي نظرة أو فكرة انتقائية وانتهازية مريضة تسعى في مرماها الأخير إلى نقل مرضها وانتهازيتها إلى أبناء هذه الأمة وبالتالي إلى طعنهم في الصميم وتحجيمهم في الخاص الضيق والمظلم دون العام المنفتح، وبأسلوب سادي يقوم على خنق كل محاولة أو نشاط وهو في مهده الأول الذي حتماً ستواجهه خطوات سلبية تزداد بزيادة التناقضات المحيطة بها من جهة وبتواصل استمرار مسيرتها من جهة أخرى.
ومن هو الخاص الضيق والمظلم بالنسبة للحركات السياسية القومية الآشورية غير النزعات العشائرية والطائفية والأنانية والتوجهات الشللية والنفعية السائدة في الزوايا العفنة من مجتمعنا والتي لا يستقيم بها المقام إلا في محاربة الفكر القومي المستقل والأصيل ومنظماته وحركاته الشرعية.
 وانطلاقاً من هذا المفهوم، فان الحركة الديمقراطية الآشورية لا تدعي ولا ترغب إطلاقا الادعاء بأن مسيرتها القومية الطويلة والصعبة تقوم على خطوات في جميعها خطوات ناجحة وعظيمة، فهذه المثالية الخيالية في عالم السياسة والبعيدة المنال لا وجود لها في أفكار ومنهاج الحركة لأنها لا تعتد بالنظريات المثالية والرومانسية في النضال القومي ولا تسلك السلوك الافلاطوني القائم على "الكلام البيزنطي" في عملها السياسي بل تعتمد على الممارسة السياسية والتطبيق السياسي للأفكار (Political Praxis) على ارض الواقع في مسيرتها المأطرة بوعي قومي ناضج نابع من ضمير الأمة، تلك الأرض المليئة بتناقضات ومعوقات متوارثة ومستديمة وتجاوزها ليس بالأمر السهل والهين.
وممارسة زوعا للسياسة الواقعية لا يعني إلا اشتقاق أساس تطورها من مبدأ الخطأ والصواب المسترشد بوعي قومي قادر على مواصلة مسيرتها النضالية وفاعلة في عملية البناء السياسي للفكر القومي السليم المنير لطريق المناضلين نحو تحقيق أهداف الأمة المشروعة.
ومن يلتصق ضميرياً بهذه الحركة وبغيرها من الحركات السياسية الأصيلة في مجتمعنا ويتعمق في فكرها ووجودها سوف يكتشف هذه الحقيقة وبسهولة ومن دون أن يكون مرتبط بها تنظيمياً، ذلك لأن من هو ضميره مرتبط بالداخل وحراً في الخارج يكون قادراً على اكتشاف الحقائق أكثر بكثير من مًن هو في الداخل أو في الخارج فقط.
والحركة الديمقراطية الآشورية تدرك هذه الحقيقية إدراكاً كبيراً ولهذا السبب نرى الكثير من المثقفين والمفكرين ورجال العلم والمعرفة يرتبطون ضميرياً وفكرياً بها ولكن ليسوا أعضاء ولا طلبت الحركة منهم الانضمام إليها، لأنها تعرف بأن هؤلاء يخدمون الأمة أكثر من خدمتهم وهم في داخل زوعا،  وهذا شعور ينم عن نكران الذات وعن تفضيل مصلحة الأمة على مصلحة الحزب. 
من المؤسف الشديد أن يسود في جوانب معينة من المجتمع الآشوري، ولأسباب موضوعية وفكرية ونفسية، نوع من عدم النضوج الفكري تجاه المسائل السياسية الجادة وتجاه الحركات القومية لمجتمعنا التي تخوض غمار حرب المواجهة مع التحديات المصيرية. هذا العجز الفكري أفرز، ولا يزال يفرز،  نوع من حالات الغموض والارتباك في فهم الفلسفة السياسية لمسيرة الأحزاب السياسية والحركات القومية، بما فيها مسيرة الحركة الديمقراطية الآشورية المتصاعدة.
وبالبعض من هذه الحالات لا تخلو من سذاجة فكرية نابعة من أسباب طبيعية ونفسية راكنة في الزوايا المظلمة لنفسيات بعض أفراد المجتمع في بناء تصوراتها وسلوكها السلبي تجاه كل الأحزاب السياسية الآشورية والمسائل القومية بشكل عام والتي فسرناها بـ " عقدة الخوف من السياسة ".
في كتابنا الذي صدر في السنوات القليلة الماضية. كما أن البعض الآخر من هذه الحالات ليست طبيعية بل هي مقصود ولأسباب دنيئــة قد تكون قائمة على أسس عشائرية أو طائفية أو مصلحية أو تحزبية أو شخصية صرفه تجد في تصاعد وتقدم مسيرة زوعا تهديدا خطيراً لوجودها وتوجهاتها والتي هي بالأساس ليست معادية لهذه الحركة أو ذاك الحزب فحسب بل هي معادية لكل ما هو إيجابي وخير لهذه الأمة.

ولعل من أكثر الحالات إساءة أو غموضاً للفهم هي ظاهرة احتكار القيادة العليا من قبل شخص أو شخصين أو في أحسن الأحوال عدد قليل جداً من الأفراد، وبقاءهم فيها، أو كما يسمونها، إعادة انتخابهم أو اختيارهم لفترات طويلة ومن دون إعطاء الفرصة لغيرهم. شخصياً أكره هذه الظاهرة كثيراً وانتقدها بشدة لأنها هي بالضد تماماً من المفاهيم الديمقراطية التي ننادي بها ليل نهار، خاصة نحن الذين نصبنا خيامنا في المهجر.
فهذه الظاهرة تصلح كمثال في الحديث عن مسار تطور الحركة السياسية الآشورية. لقد انتقدنا زوعا وانتقدها غيرنا لا بل تهجموا عليها ووصفوا يونادم كنا وغيره بالدكتاتورية وحب السيطرة والظهور، وإلى غير ذلك من الوصفات والشتائم، لا بل شخصياً وصفت هذه الحالة وكأنها تقليداً لسياسة العرب في الحكم بعقلية شرق أوسطية في الاستمرار في كراسي الحكم لمدى الحياة وهي الحالة التي وصفها معمر القذافي رئيس ليبيا في تفسيره لمفهوم الديمقراطية (Demo- cracy  - ديمو كراسي)  بـ الاستمرار في الكراسي. وهي ظاهرة لا شك فيها إطلاقاً بأنها تحمل جوانب سلبية خطيرة تؤثر كثيراً على مسار التنظيمات السياسية وتفقد مصداقيتها وشعبيها بين الجمهور.
ولكن هذه الظاهرة السلبية التي تعتبر نوع من التراجع في المسيرة القومية السياسية والاستمرار بها هي خطوة إلى الوراء، يجب أن لا ينظر إليها كحالة خاصة فقط ، كما سبق ذكره،  من دون أخذها ضمن الظروف العامة، خاصة الإمكانيات السياسية للآشوريين، وضمن الخطوات الإيجابية الأخرى التي تتفاعل معها وتحاول التقليل من سلبياتها من أجل دفع المسيرة نحو الأمام.
فمن الخطأ الكبيرة جداً أن نلعن ونشتم كل ما له علاقة بزوعا أو بغيرها ونقاطعهم نهائياً ونلغي بكلمات غير محترمة كل الإنجازات الكبيرة التي حققوها لأمتنا بمجرد أن هذا الشخص أو ذاك بقى في القيادة لسنوات عديدة أو أنه صرح بكلمة أو أتخذ موقفاً معيناً لا يرضى البعض. أقول هذا ليس دفاعاً عن هذه التنظيمات والشخصيات وإنما تحليلاً علمياً لهذه الظاهرة ليس من خلال مقارنة هذه التنظيمات السياسية بغيرها من الأحزاب السياسية في المهجر وحتى مع الأحزاب الأخرى في الوطن من حيث الإمكانيات الفكرية والسياسية والمالية والتنظيمية.
فنحن، كما يعرف الجميع، حديثي العهد في التنظيم السياسي لا نملك أخصائيين أو مستشارين أو كوادر متفرغة بالتمام والكمال لشؤون التنظيم، فالمطلع لحال هذه التنظيمات سوف يرى بأن كل نشاطها وفكرها وتمويلها وتنظيمها يقع على عاتق هؤلاء الذين في قمة القيادة. لنسأل هذه القيادة ونبحث معهم، كم مستشار أو خبير سياسي أو قانوني أو مالي يحيط بيونادم أو بغيره من قيادي الأحزاب في مجتمعنا ويعملون معهم ليل نهار من أجل خدمة التنظيم.
أعتقد الجواب معروف ولا يستوجبه إلا أن نقول بأن كل ما يتلقونه من استشارة أو مساعدة لا تأتي إلا من الذين هم حولهم، وحال هؤلاء لا يختلف عنهم، حيث يسرقون من وقت عملهم وعائلتهم وراحتهم ليخصصوها لتنظيمهم، أو قد تأتي بعض الشذرات من أشخاص قد تتوفر لديهم في بعض الأحيان سويعات قليلة لنقاش موضوع معهم، كما هو الحال معي. إذن لماذا نلوم هؤلاء بينما خيرة المثقفين والمتعلمين على المستويات العليا لا يقتربون من هذه التنظيمات ولا يساعدونهم في مهمتهم القومية ولكن في عين الوقت يتهجمون عليهم وينعتونهم بأشنع النعوت.
فالمسؤولون على تنظيمات مجتمعنا، مهما ادعوا وتظاهروا بسعة المعرفة وإدراك الأمور ومعرفة خفاياها، إلا أنهم لا يمكن أن يكون دائماً هكذا وفي كل المجالات والأوقات ولا يمكن أن يكون خبراء وعلماء في عالم السياسة والاقتصاد والدبلوماسية والتفاوض وغيرها من حقول المعرفة التي تتطلبها ممارسة السياسة. فبدون المساعدة من غير أعضاء تنظيمهم قبل أعضاء تنظيمهم لا يمكن أن يكون الحال أحس مما هو عليه الآن.
لنأخذ الحركة الديمقراطية الآشورية كمثال، ليس لأنها تحتفل في هذه الأيام بذكراها الرسمي لتأسيسها فحسب وإنما باعتبارها قد تأسست في الوطن وتنشط هناك وفي ظروف سياسية صعبة للغاية، ذلك لأن الجميع يعرف بأن الاشتغال بالسياسة ليس بالأمر الهين والسهل في بلدان كبلد وطننا الأم فهو كاللعب بالنار الحارق محفوف بالمخاطر والتضحيات والتحديات التي قد تؤدي في بعض الأحيان إلى زهق الأرواح والاغتيالات أو إقلال للراحة وإثارة الخوف والرعب أو التورط في مشاكل خطيرة هي بعيدة تقريباً عن الذين يشتغلون في السياسة في المهجر الديمقراطي الذي تعتبر السياسة بالنسبة للبعض، خاصة الآشوريين منهم، نوع من قضاء الوقت أو التسويق الدعائي الشخصي وربما نوع من "الونسة" أو أسلوب للعبة التنافسللتنافس مع غيرهم وتحديهم في هذا المجال.
لقد سبق وذكرنا بأن زوعا تأسست طبيعياً من مخاض الأمة ومعاناتها ولم تؤسس بقرار من خبراء في السياسة وعلم الاجتماع أو الاقتصاد ولا من رجالات الحكم والبرلمانات وإنما تأسست من مجموعة شباب وطلبة وهم في مقتبل حياتهم السياسية لا يعرفون من فنون السياسة وألاعيبها غير حبهم الشديد والمتفاني لأمتهم الآشورية، فكيف والحال معهم عندما يلتحقون بركب الكفاح المسلح ويتحالفون مع أحزاب وحركات لهم باع طويل وخبرات متمرسة في السياسة والنضال، كالحزب الشيوعي العراقي وأحزاب الحركة الكردية والأحزاب الإسلامية المتطرفة والمعتدلة والتنظيمات التركمانية وحتى الزيدية والفيلية والشبكية. أليس من المنطق والمعقول أن تعرف مع من تتعامل؟
وأليس من المفروض أن تكون ملمة بأفكارهم وسياساتهم وأهدافهم؟ ، وإلا كيف تتعاون أو تتنافس معهم من أجل تحقيق أهدافها القومية. هنا الضرورة تفرض نفسها لنؤكد للقارئ الكريم بأن السياسة هي تعاون وتنافس مع الطرف الآخر وبأشكال مختلفة وليس من الضروري أن يكون أراء وأهداف وأساليب العمل السياسي للطرفين متطابقة أو متشابه، بل المهم هو أن يكون كل طرف مدرك ومطلع ومتفهم للطرف الآخر حتى يستطيع التعامل معه تعاونياً أو تنافسياً.
وكلما زاد حدة الاختلافات والتناقضات بين الطرفين وبالتالي زادت حدة التنافس على حساب التعاون ووصلت العلاقة إلى حالة الصراع، كلما يتطلب ذلك خبرات وإمكانيات أكثر، وسعة كبيرة في المدارك والوعي. وكلنا نعرف مدى التناقض التاريخي والصراع الدامي الذي كان يحكم علاقة أمتنا بهذه الشعوب ومدى صعوبة التعامل معهم في هذا اليوم، خاصة عندما يحضر التاريخ أمام أعيننا.
من هذا المنطلق نقول بأن حدة التناقضات العميقة التي تحيط بأمتنا في وطن الأم، وخاصة في مسألة التعامل السياسي، يتطلب ذلك تسلح في المعرفة والخبرة وتوفير الإمكانيات المطلوبة لخوض العملية السياسية(تعاون/تنافس).
إذن من أين تأتي زوعا بهذه المستلزمات ونحن نعرف جميعاً بأنه ليس لها مصادر مالية ثابتة ومستمرة، فلا دولة تمولها أو تساندها سياسيا، كما هو الحال بالنسبة لتركمان مع تركيا، كما ليس لها معاهد وأكاديميات تخرج خبراء وكوادر في السياسة، هذا إلى جانب الفقر السياسي والفكري الذي يسود تقريباً معظم نواحي مجتمعنا، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع الغير والمختلف، فأبناء أمتنا، بحكم تجربتهم المريرة والدامية في التعامل مع الغريب والمختلف، فأنهم بطبيعتهم يخافون منه ولا يريدون التعامل معه، خاصة الغريب الذي يرتبط بالماضي الأليم وبمذابح ارتكبت بحقهم من قبلهم، مثل الأكراد والترك والفرس والعرب وحتى غيرهم من المسلمين.
هذه الشحة أو الفقر في مصادر توفير كوادر سياسية وملمين بشؤونها وبشؤون الغير تجعل أن يكون هناك قلة قليلة متواجدة وعلى الدوام في قمة الهرم التنظيمي للأحزاب. ولكن إلى متى نبقى على هذه الحالة، هل ننتظر إلى ذلك اليوم الذي نؤسس فيه مدارس حزبية وأكاديميات قومية تخرج أكفاء يخدمون تنظيمات حركتنا القومية؟؟. طبعاً الجواب هو بالنفي. لأنه إذا انتظرنا فغيرنا، المنافس والمعادي، لا ينتظر في هضم حقوقنا وسلبها ونحن في سبات الانتظار.
إذن فالحل الأمثل يكون في الممارسة الفعلية الحقيقية للسياسة نفسها وعلى أرض الواقع لا في سماء الخيال، فالممارسة السياسية الواقعية هي أكثر فاعلية من المعاهد الأكاديمية ومدارس الكوادر الحزبية، فهي وحدها، في هذه المرحلة والظروف الراهنة، التي تستطيع أن تخلق لنا كواد سياسية وحزبية قادرة على ركوب موجة التطور السياسي التعاوني والتنافسي وعلى تفهم الغير والاختلاط به وانتزاع الحقوق منه إذا تعدى عليها أو سلبها.
أتذكر بهذا الخصوص الطيب الذكر المناضل فرنسو فرنسوا الحريري، رحمه الله، عند اللقاء به في لندن قبل بضعة سنوات واستغربت جداً من كلمات الإطراء والمدح والتقييم التي قالها بحق الحركة الديمقراطية الآشورية،  فقال لي "عندما اشتركت زوعا في الكفاح المسلح والتحقت بالفصائل الأخرى للجبهة الكردستانية، كانت تتكون من مجموعة شباب لا يحملون شيئاً من الخبرة والمعرفة بشؤون السياسة وخفاياها غير الوعي القومي الآشوري النابض من ضميرهم ويطغي عليه نوع من العاطفة والحماس أكثر من المنطق والواقعية، ولكن اليوم وبعد سنين من الخبرات والتجارب القاسية والتعامل الصعب مع مختلف الاتجاهات والتناقضات السياسية والفكرية في المنطقة أصبحوا اليوم فعلا وحقيقة كوادر سياسية متمرسة، فالممارسة السياسية خلقت منهم أن يكون خبراء في شؤون المنطقة وفي التعامل مع القوى المتحكمة فيها" ثم أشار إلى نشاط وفاعلية ممثلو زوعا في برلمان الإقليم وكيف أصبحوا بعد هذه السنين الطويلة من أنشط أعضاء البرلمان واستطاعوا في كثير من الأحيان تحقيق إنجازات مهمة للآشوريين عن طريق الحصول على قرارات أو تشريع قوانين تخص حقوق أمتنا، كما استطاعوا إفشال مشاريع لقرارات وقوانين مضرة بمصلحة الأمة.
هذه الشهادة من شخص من خارج زوعا وكانت له مواقف وأفكار قد تكون مختلفة تماماً عنها، هو تأكيد موضوعي وحقيقي للدور الكبير الذي لعبته زوعا من خلال ممارستها السياسية الواقعية في خلق كوادر بالمستوى السياسي وبكل معنى العلمي لهذه الكلمة.
هكذا نؤكد مرة أخرى بأنه من خلال الممارسة السياسية الحقيقية الحاوية على الخطوات الإيجابية والسلبية نتوصل في نهاية المطاف إلى نتائج مفيدة ومثمرة. فإذا كانت ظاهرة تربع نفر قليل من الشخصيات على قمة القيادة في زوعا حالة سلبية في الوقت الحاضرة ومبررة بالفقر السياسي والفكري في الأمة بشكل عام وعدم قدرتهم على خلق كوادر وقيادات كافية للتناوب على القيادة فإن التاريخ القريب للعقد الماضي وما خاضته زوعا من تجارب سياسية وتحديات مصيرية خلقت بعض الكوادر التي استطاعت أن تفي بالمطلوب في الوقت الحاضر، ولكن المستقبل القريب سيشهد تخرج دفعات ودفعات من الكوادر السياسية المتمرسة القادرة على تحدي الصعاب وانتزاع الحق من بين أسنان الضباع، وهذا ما لمسته شخصياً في كل زيارة أقوم بها إلى أرض الوطن، فالشاب اليافع الخجول الذي كان قبل بضعة سنوات مجرد عضو بسيط في الحركة ولكن نقي وطاهر بوعي قومي صادق، فاليوم، وبدون أكاديميات أو معاهد حزبية أو علمية، أصبح قيادي بارع قادر على تعامل مع الغير، مدرك لحقوق أمته كما يدرك أهداف وأساليب الطرف الآخر سواء أكان هذا قائماً على أساس التعاون أم التنافس.
ويجب أن لا نستعجل كثيراً في قضايا الأمة التي يتطلب تحقيق أهدافها سنوات طويلة جداً، فغداً سيكون مليئاً بأكثر من كادر سياسي آشوري سياسي يتنافس مع غيره على قيادة هذه الحركة أو ذاك الحزب تنافساً ديمقراطياً حقيقياً.
ولكن، بالرغم من بعد هذا المطمح من الناحية الزمنية إلا إنني أراه يتحقق اليوم لأن مسيرة زوعا قائمة على الطريق الصحيح في النضال القومي، من هذا المنطلق ومن دون انتظار سنوات طويلة، أبعث للحركة الديمقراطية الآشورية ولقيادتها وكافة أعضاءها ومناصريها لا بل ولكل شرفاء أبناء امتنا، أصدق التهاني بهذه المناسبة وأن أباركهم بكل وجداني على صواب الطريق الذي يسيرون عليه رغم الصعاب والتحديات التي يواجهونها، فأنا واثق بأن بنشاطهم المثمر سوف يجعل إرادة الأمة بخير وبصون، لأن إيماني قوي جداً بأن الأمة التي لا يوجد فيها أحزاب سياسية ومنظمات قومية قوية ونشطة ستكون إرادتها مرهونة بإرادة الأمم الأخرى. [/b][/size][/font]   

157
الأول من نيسان
بين الافتراء والحقيقة التاريخية
أبرم شبيرا – لندن

لا يخفى على الكثير من الناس المقالب والافتراءات التي تمارس في الأول من شهر نيسان (أبريل) من كل عام ولكن قلة قليلة تعرف الحقيقة التاريخية لهذا اليوم الذي كان في الزمان الغابر حدثاً مهماً وبداية للسنة التقويمية قبل تبني التقويمات الحديثة السائدة في يومنا هذا.
تذكر المراجع الغربية بأن مصدر هذا الحدث والافتراءات التي تمارس في هذا اليوم لا يزال غامضاً ولكن معظمها تؤكد بأن البداية كانت في أوربا وتحديداً في فرنسا حيث كان الناس يحتفلون لمدة ثمانية أيام من 25 آذار (مارس) حتى الأول من نيسان وعلى نفس الطريقة التي يحتفل بها اليوم في أعياد رأس السنة الميلادية من حفلات وسهرات حتى ساعات متأخرة من الليل.
ولكن في عام 1562، وعندما تبنى بابا الفاتيكان (غريغوري) التقويم الميلادي الجديد والمعروف باسمه (التقويم الغريغوري) وفرضه على العالم المسيحي أصبحت بداية السنة تقع في الأول من كانون الثاني (يناير). ولما كانت وسائل الاتصالات والنقل بطيئة في ذلك الزمان فأن الكثير من الناس لم يسمعوا بهذا التغيير كما وأن بعض المتزمتين لم يقبلوا التغيير إطلاقاً وأصروا على الالتزام بالأول من نيسان فضلوا متمسكين به كبداية للسنة الجديدة يمارسون احتفالاتهم المعهودة، فأطلق عليهم من قبل المحدثين بالمغفلين، أو كما هو معروف بالإنكليزية بـ (أبريل فول - April Fools) ثم بدأ المحدثون يدبرون المقالب والافتراءات على المتزمتين.
هكذا استمرت هذه الممارسات إلى يومنا هذا وانتقلت إلى البلدان الأخرى ومنها بلدان الشرق الأوسط والتي تعرف بـ (كذبة نيسان). ومن الملاحظ بأن جميع هذه المراجع الغربية تغفل الإشارة إلى جذور أو منشأ رأس السنة القديمة التي ذكروها، إضافة إلى ذلك فأن الأوربيين كانوا يحتفلون برأس السنة الميلادية ولكن بالتقويم اليوليالي الذي يقل عن التقويم الغريغوري بـ (13) يوماً والذي تم تبنيه بعد منتصف القرن الخامس عشر الميلادي كما ذكرنا أعلاه.
هذا التناقض في هذه المراجع الغربية يحمل نوعاً من الإهمال أو التهرب من البحث في المنشأ التاريخي الأصلي لعيد الأول من نيسان كرأس السنة الجديدة وهو ما نحاول استبيانه في السطور القادمة.   
هذا من ناحية الافتراءات والمقالب، أما الحقيقة التاريخية للأول من نيسان فهي متجذرة في أعماق تاريخ حضارات الشرق الأوسط وتحديداً حضارة بلاد مابين النهرين، عراق حالياً، وبشكل يعكس عظمة هذه الحضارات والممارسات الدينية والعلمية والإنسانية التي كانت تمارس في حينها.
كان الأول من نيسان عيداً دينياً وقوميا لشعوب بلاد مابين النهرين يشكل بداية لسنة تقويمية جديدة. وكغيره من الأعياد التي ترتبط بمراحل تطور الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والدينية، كذلك كان الحال مع عيد الأول من نيسان.
ولكن قبل الولوج في تفاصيل هذا العيد علينا أن نذكر وباقتضاب بأن شعوب بلاد مابين النهرين عرفت نوعين من الأعياد وهي السابقة لاكتشاف الزراعة واللاحقة لها. فالأولى كانت مرتبطة بظواهر طبيعية طارئة غير منتظمة أو بجوانب اجتماعية أخرى كالانتصار في الغزو وجني الغنائم أو تنصيب زعيم أو بناء معبد.
غير أن بعد اكتشاف الزراعة وتطورها وتدجين الحيوانات بدأ الإنسان يترقب المناسبات المتعلقة بمواسم الدورة الزراعية كالبذر والحصاد وجني الغلة حيث شرع الإنسان يحتفل بالأعياد الموسمية الموقوتة والمنتظمة كإقامة الأفراح والابتهاج بنجاح الموسم الزراعي أو وفرة الأمطار. من هنا ارتبطت هذه الأعياد الموسمية المنتظمة بفصول معينة من السنة التي تعتدل الأجواء فيها كالربيع والخريف أي في مواسم الحرث والبذر أو السقي أو نمو العشب ومن ثم جني الغلة أو بتكاثر الحيوانات المدجنة.
أما من الناحية الثيولوجية (الدينية) فإن الأول من نيسان كبداية للسنة التقويمية الجديدة أرتبط بجملة معتقدات وأساطير سادت في حضارات بلاد مابين النهرين خاصة السومرية والبابلية والآشورية.
وحسب المدونات والرقم الطينية المكتشفة في مكتبة الملك الآشوري آشور بانيبال (883 – 859 ق.م.) في نينوى ( حالياً مدينة الموصل في شمال العراق) كانت بداية السنة الجديدة رمزاً لبداية خلق الأرض والسماوات وإنبعاث الحياة على الكون والتي جاء ذكرها بشكل ملحمي في أسطورتين معروفتين في الأدب البابلي – الآشوري القديم عن الخليقة والتي أستمد اليهود منهما قصة الخليقة وغيرها من القصص، كالطوفان مثلاً، وأدرجت في التوراة أو في التقليد اليهودي بعد عودتهم من السبأ البابلي في الربع الأخير من القرن السادس قبل الميلاد.
وردت تفاصيل قصة الخليقة في سبعة ألواح اكتشفتها البعثة البريطانية أثناء التنقيب في بقايا مدينة نينوى عاصمة الآشوريين وتم فك رموزها وترجمتها في العام 1876 والتي يربطها بعض الآثاريين بالأيام السبعة لقصة الخليقة الواردة في سفر التكوين من التوراة. ثم جاءت حفريات البعثة الألمانية في بداية القرن العشرين في مدينة آشور (حاليا شرقاط) لتضيف أضواء أخرى على ملحمة الخليقة ووفق التصور الآشوري والذي يورد الآلة آشور كزعيم للآلهة محلة الآلة مردوخ (آلة البابليين) ويتداخل معه ليصبح مركز العبادة الرئيسية عند الآشوريين.
لقد حقق العديد من الآثاريين والمؤرخين في هذه الأساطير فكتب عنها الكثير من البحوث والمؤلفات، وبإيجاز، فالأسطورة الأولى تتضمن قيام الآلة مردوخ (عند البابليين) أو آشور (عند الآشوريين) بخلق السماوات والأرض ومن ثم خلق الإنسان ضمن صراع ملحمي بطولي مع مجموعة من الآلهات الشريرات. أما الأسطورة الثانية فتقوم على أساس انبعاث الآلة تموز وقيامه من عالم الأموات بعد أن حكم عليه الشياطين والأشرار بالموت فيعود إلى الحياة في موسم اعتدال الجو ونمو العشب وتكاثر الزرع وتناسل الخرفان كرمز لبدء الخليقة على الكون في نيسان أو (ني سانو).   
ومن الناحية العلمية والتاريخية يرى بعض الباحثون بأن بداية التقويم القديم في الأول من نيسان كان بالأساس كبداية للمدنية أو للحضارة في بلاد مابين النهرين، فالمعتقدات التي كانت سائدة في سومر وبابل وآشور هي بأن الحضارة هبة من الآلة إلى الإنسان وأن الملك – الآلة (مثل مردوخ وآشور) كان قد نقل أو أنزل من السماء إلى الأرض وإكراماً له أقيمت المدن والحضارات والمعابد. فكان يعرف عيد الأول من نيسان عند السومريين بـ (أكيتي) ومعناه (بناء الحياة على الأرض) مشيراً إلى تسليم الحياة من الآلة إلى الإنسان وهو العيد المعروف عند البابليين  بـ (أكيتو).
ففي الخمسينات من القرن التاسع عشر تمكن الآثاريون من التوصل إلى استنتاج مفاده بأن معبد مدينة آشور كان قد شيد بحدود عام 4750 ق.م. ثم اعتمد هذا التاريخ كبداية للمدنية والحضارة وتم على ضوءه حساب سنوات التقويم الآشوري القديم والذي ستكتمل سنة 6755 في 1/4/ 2005 (ميلادية) وتبدأ سنة 6756 الآشورية.
لقد ورث الآشوريون عن أجدادهم البابليين علم الفلك والتنجيم واستطاعوا بدقة مراقبة النجوم والأجرام السماوية وتدوين تواريخ الظواهر الطبيعية كالكسوف والخسوف وتنظيم الدورات الزراعية، كما عرفوا تقسيم السنة إلى أشهر والأشهر إلى أيام والأيام إلى ساعات وهكذا... والتي تعد اليوم أساساً مهماً لعلم الفلك ومعرفة الأجرام والكواكب، كما أصبحت القاعدة العلمية التي أقيم عليها تقسيم الزمن إلى الوحدات الزمنية المعروفة بشكلها الحال، فكانت بداية تنظيم التقاويم السنوية ومعرفة شهور السنة وتسميتها بأسماء الآلهة أو أشباه الآلهة أمثال ني سانو (شهر نيسان) و تموز (شهر تموز) وآبو (شهر آب) وإنليل (شهر أيلول)... الخ والمعروفة حاليا بالأشهر السريانية، والتي قلدها الإغريق والرومان فيما بعد في تسمية شهور تقويمهم السنوي بأسماء آلهتهم وملوكهم وأباطرتهم.
فكان ذلك كله مساهمة كبيرة للفترات اللاحقة في تقسيم السنة بدقة متناهية بحيث استطاع الفلكي سيدناس البابلي المعروف عند الغرب بـ (Babylonian Cidenas) عام 375 ق.م. من قياس السنة الشمسية وضبطها بدقة بحيث لم تكن تختلف أكثر من 4 دقائق 23,56 ثانية عن قياس وضبط السنة الشمسية التي تم ضبطها عام 1887 والمعتمد عليها في عصرنا الحالي.
هذه المعرفة العلمية هي التي سهلت على الآشوريين تنظيم تقويمهم السنوي وضبط الأحداث وتاريخ الظواهر الطبيعية والتي دون الكثير منها وحفظت في مكتبة الملك آشور بانيبال، والتي تعد أول مكتبة مفهرسة في التاريخ، كما دونت أيضاً تفاصيل الاحتفالات التي كانت تجري في الأول من نيسان من كل عام.
وقد تم تفصيل هذه الاحتفالات والتعليق عليها وتفسير رموزها ومضامينها في العديد من الكتب والبحوث التي تناولت هذه الألواح، وإن كان البعض منها قد تأثر بعوامل التعرية الجوية والغزوات وأصيب أجزاء منها بالتلف إلا أن خبراء علم الآشوريات تمكنوا من إعادة تركيبها وبناء سياقها بشكل منسق مكنهم من قراءتها وترجمتها.
تدل هذه الألواح بأن الاحتفالات بعيد رأس السنة كانت تستمر لمدة أثني عشر يوماً، ربما بحسب عدد أشهر السنة الواحدة، وتتضمن ممارسة جملة شعائر وطقوس دينية وسحرية وذبح القرابين وتسيير المواكب الاحتفالية وكذلك إقامة بعض المسرحيات التي كانت ترمز إلى بداية الخليقة وميلاد الأرض والسماوات والإنسان. وتشير هذه الألواح أيضا إلى أن التنكر خلال الاحتفالات كانت عادة سائدة ولاسيما في يوم الأول من نيسان مثلما هو الحال في يومنا هذا في احتفالات رأس السنة الميلادية.
كان يشارك في هذه الاحتفالات الملك وحاشيته والكهنة ورئيسهم والممثلون والمهرجون والموسيقيون والسحرة وعامة الناس الذين كان يقتصر دورهم على المشاهدة فقط، كما كان يحضرها بعض ملوك وزعماء الدول الأخرى كضيوف شرف وكانت تقام الاحتفالات في أوقات السلم في ساحات كبيرة خارج المدن في حين كانت معرضة للتأجيل أو الإلغاء في أوقات الإضطرابات والحروب أو كانت تقتصر على احتفالات بسيطة رمزية تقام داخل معابد العاصمة وبقية المدن الكبيرة ولا يشارك فيها إلا الملك وكبار الكهنة كضرورة فرضها عليهم واجبهم الديني المطلوب أداءه مهما كانت الظروف. وهناك نصوص آشورية تؤكد إلغاء هذه الاحتفالات خارج المدة لمدة تزيد عن عشر سنوات بسبب الحروب والاضطرابات. 
 تفاصيل هذه الاحتفالات التي كانت تجري خلال ألاثني عشر يوماً طويلة ومسهبة فهناك أيام في هذا العيد مخصص للزواج المقدس وإظهار أهمية الخصب وتشجيع التكاثر والإنجاب وأخرى مخصصة لمعرفة الغيب والطالع وتحديد آجال البشر التي عينتها الآلهة للسنة الجديدة، وهي العادة نفسها التي انتقلت وتواصلت حتى يومنا هذا حيث يمارس الكثير من الناس في ليلة رأس السنة الميلادية ألعاب الحظ والبخت، ويتجاوز التطرف عن البعض إلى المقامرة أو السهر حتى فجر اليوم الأول من العام الجديد ضمن احتفالات خاصة بهذه المناسبة وكأساس لتمني استمرار الفرحة والبهجة في العام الجديد.
كما هناك أيام مخصصة لتقديم القرابين وتقديس المعبد بتلطيخ جدرانه بدماء الذبيحة والطواف حوله وغيرها من الممارسات الطقسية والتقليدية. إلا أن الذي يهم موضوعنا بخصوص الافتراءات والمقالب هو اليوم السابع الذي كان الملك يتنازل عن سلطانه ويعم الفوضى والاضطراب بين الناس فيعلن عن هجرة الآلة للناس فيتسلم الغوغائيين والشحاذين مقدرات البلاد لحين يتم إدراك عامة الناس أهمية سلطة الملك والنظام السياسي ثم في اليوم الثامن يعلن عن عودة الآلة مرة أخرى واسترجاع الملك لعرشه وفرض الاستقرار والنظام في البلاد مرة أخرى. هذه الممارسة جعلت بعض المؤرخين يعزون ظاهرة كذبة نيسان وتدبير المقالب إليها، ولكن مثل هذا الاستنتاج يتنافى مع الحقائق التاريخية التي تؤكد بأن كذبة نيسان ظهرت بعد ظهور المسيحية وبالتحديد بعد تبني التقويم الميلادي اليوليالي ثم الغريغوري ومن ثم البدء باحتفالات عيد رأس السنة الميلادية.
فعندما تبنت الإمبراطورية البيزنطينية الديانة المسيحية كدين رسمي للدولة في منتصف القرن الميلادي الرابع وفي عهد الإمبراطور قسطنطين الأكبر تسربت عن طريقها الكثير من العادات والتقاليد والاحتفالات الإغريقية والرومانية إلى الشعوب المسيحية في المشرق وبمرور الزمن ظهر التناقض عند الملتزمين بالمناسبتين في أعرافهم وتقاليدهم ووجباتهم المرفوضة في ما يخص ممارسة الطقوس الدينية وتقديم القرابين والهدايا وتوزيع الحلوى وغير ذلك.
وجرياً على عادة تقديم الهدايا في عيد الميلاد ورأس السنة الجديدة لإضفاء المسرة والبهجة في نفوس الناس، أخذ الكثير منه في تقديم هدايا زائفة وصناديق أو علب هدايا فارغة ووهمية للذين ظلوا ملتزمين بطقوس واحتفالات الأول من نيسان وذلك سخرية منهم ونكاية بهم وبعيد رأس سنتهم الزائلة.
من هنا يعتقد بأن ممارسة الكذب والمقالب والافتراءات في الأول من نيسان ظاهرة لم يمارسها شعوب بلاد مابين النهرين سواء قبل المسيحية أو بعدها بل مارسها شعوب أخرى، كالإغريق والرومان ثم انتقلت إلى الشعوب الأوربية ومنها إلى الشرق والتي كانت بالأساس نوعاً من الغيرة والحرب الثقافية والنفسية التي مارسها الإغريق والرومان تجاه حضارة شعوب بلاد مابين النهرين وتجاه طقوسه وأعياده التي كانت قد انتشرت وسادت بين الناس في جميع بلدان المشرق القديم.
ومهما كانت شراسة هذه الحرب النفسية والثقافية فأنها لم تستطيع أن تقضي بالتمام والكمال على هذا العيد العريق. فإذا كانت الجوانب الدينية لهذا الاحتفال قد اختفت تقريباً إلا أن المظاهر الاقتصادية التي كانت ترمز إلى قدوم الربيع وتكاثر الحيوانات أصبحت عرفاً اقتصاديا ومالياً حتى للشعوب الأخرى في تنظيم أمور الدولة الاقتصادية والمالية واعتبار الأول من نيسان بداية السنة المالية الجديدة التي لازالت سائدة في الكثير من بلدان العالم.
والآشوريون، وهم أقلية أثنية مسيحية في العراق وبعض البلدان المجارة له هاجر أكثر من نصف عددهم إلى البلدان الغربية وخاصة الولايات المتحدة، كانوا ولا يزالوا إلى وقت قريب يمارسون هذا العيد كعيد قومي وتراثي لهم.
حيث كانوا في قراهم في شمال العراق يشرعون منذ الفجر الباكر بقلع قبضة من العشب الأخضر ووضعها في أعلى مدخل البيت للدلالة على قدوم الربيع وبداية السنة الجديدة حسب تقويمهم القديم ثم كانت تبدأ الاحتفالات والأفراح في القرية حتى المساء حيث تذبح الذبائح وتقام الولائم وتوزع الحلوى ويمرح الأطفال والصبية في المروج وفي تسلق الأشجار العالية.
واليوم، فرضت ظروف العصر وبيئة المدينة وأجواء الغربة بصمات واضحة على طبيعة ونوعية الاحتفالات عند الآشوريين بهذه المناسبة. فاحتفالات اليوم لا تتعدى المهرجانات الثقافية والفنية وبعض الحفلات الشعبية والمسيرات الجماهيرية والخطابية وكانت الحكومة الإقليمية في شمال العراق قد أعلنت في عام 1992 الأول من نيسان عيداً قومياً للآشوريين وعطلة رسمية لهم.
أما في بلدان المهجر، وخاصة في المدن الأمريكية الكبرى كشيكاغو وديتروت وسان هوزيه وغيرها من مدن تجمع الآشوريين في أستراليا والسويد وألمانيا حيث تقام إلى جانب الاحتفالات مواكب تاريخية زاهية يشارك فيها الآلاف منهم كما يشارك فيها بعض الجهات الرسمية والمنظمات غير الرسمية وكان قرار الحكومة الإقليمية في ولاية إلينوي في الولايات المتحدة الأمريكية في تسمية أحد شوارع مدينة شيكاغو الذي تسير فيه هذه المواكب باسم شارع سركون الثاني، وهو الملك الذي حكم في نينوى للفترة من 722 – 705 ق.م.، تأكيداً على أهمية الأول من نيسان كظاهرة تراثية إنسانية وإعجاباً بالتزام الآشوريين بعيدهم القومي ولقرون طويلة.
واليوم في الأول من نيسان يحتفل الآشوريون برأس سنتهم 6756 الجديدة بينما ينشغل الناس والشركات والمؤسسات التجارية بتنظيم حساباتهم وإغلاقها في هذا اليوم. [/b] [/size]  [/font]   

صفحات: [1]