عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - عصمت شاهين الدوسكي

صفحات: [1]
1
أدب / شهيد الحب
« في: الأمس في 18:09 »

شهيد الحب
عصمت شاهين دوسكي

أكتب بالحب للأرض ، لوعة الأحرار
أكتب بحبر دمك ، يقظة النور والنار
مازلت رغم الرحيل
عهدك وطن رغم الجراح والانكسار
لا أسألك كيف كنتَ حبيبا
وإن هرب من عينيك سحر الأنظار
لا أسألك من يخون تراب حبيبته
وفي قلبك عشق الأبرار
********
يا شهيد الحب انهض
اصرخ بوجه المنافقين
الفاسدين ، الوجلين ، الأشرار
وقل لهم نبأ العاشقين
كيف صدموا بقدوم التتار
قل لهم كيف الحب
تجلى بركان ، طوفان ، إعصار
وقل لهم كيف الغدر
يهتك جسد مقدس
يعود الكبار يقتل الصغار
**********
أوقدت الشوق يا شهيد الحب
فصار الشوق أكبر من عشق النهار
فضاع بعدك الحب والأمان
والحلم هرب إلى بلاد غريبة المدار
كأن الليل رقدة أبدية
والفجر بلا يقظة ، بلا أسحار
كل صباح بلا لون
لا لذة في كل مساء يثار
مُلأت الجيوب
وترك الإحساس بين خراب الديار
**********
شهيد الحب
سهام الحب نزفت
أبكت الحجر والورد والأشجار
تكسرت الآمال والأمنيات
أصبح الحب بعدك أسوار
ما زالت العيون تدمع
عليك السلام
وعلينا جهل ، فساد ، بوار
إلى أن يهب علينا
مرة ثانية عشق الأرض
عشق الأمطار




2
أدب / رممي الأشلاء
« في: 08:44 09/12/2017  »

رممي الأشلاء
عصمت شاهين دوسكي

رممي الأشلاء
ودع الأشياء تغدو أشياء 
فما مضى من عمر
لا يرجع ذلك الرداء
رممي الأشلاء
وكوني بالحب مطرا
يروي قلوبا في الحياة غرباء
ارسمي بخصلات شعرك
حلم يشتاق عناقا وحضنا ولقاء
ومن نظرات عينيك
المتعبة الحزينة ، تخيلي جنانا
أنت فيها وردة بيضاء
ومن شفتيك التي غدت
كحبات رمان
ريقها بلسم عذب وشفاء
فما بالك امرأة 
بين جدران وحرمان وفناء ؟
*************
رممي الأشلاء
جسدك مقدس
وإن هتك رحمه الجهلاء
وإن عصروا على صدرك
جراح ، وشروخ ، ودماء
وإن صلبوا يديك
ورموا حجارة صماء
في أي محكمة
تقدمين أوراق الحرية
فلا محكمة تحكم الكرماء ؟
في أي صالة تجلسين
يرمقوك من أسفل
ولا يرون ما هو في العلاء
كل قوانين الدنيا
تنهك ، تزدري ، تخلف العراء
وميزان عدلها
كرسي ، ومنصب ، وربطة سوداء
فمن يغير يا سيدتي المغتربة
وإن كثرت الأشلاء ؟
 





3
أدب / غراب لا حمام
« في: 19:50 06/12/2017  »

غراب لا حمام
الأمر الخفي وراء أقنعة البراءة قد يلتهب.
لا رحمة ولا شفقة بين سرب الغراب
من يشفي الجراح إن غاب الجراح؟

عصمت شاهين دوسكي

 الاستهلال الأولي لقصيدة " غراب لا حمام " للشاعر إبراهيم يلدا ، استهلال تساؤلي بعد حياة هادئة وجنان خضراء وبساطة رائدة وفرح غامر بالآتي من بعيد وقريب ، من زمن عتيق عميق ، إلى أن ظهرت جماعة وظهورهم جماعات مختلفة بين أوجه غراب أو حمام بين هبوب حرب أو سلام بين أحلام وآلام ، والجهل بالأشياء يفرز القلق والحيرة وعدم الاطمئنان وكأن هناك أمر خفي وراء الأسوار وقد دبر ونظم يا ترى هل ذئاب ام أثمار من الأطياف ، يلبسون أقنعة البراءة والنقاء والصفاء ، ما هذه الفئة الغريبة ؟ ما هذه الجماعة التي هبت ؟ ينيرون الشموع أم يطفئون الشموع  ؟هل يتولاهم الحق أم يقطعون الرمق ؟ هذه التساؤلات تراءت حينما جد الجديد وحمى الحديد وخلق السهم والوعيد ، ومن الطبيعي في وعي لهذه الحركات والخطوب إن هالت الوقائع بين حلم مجهول ومصير أمر مقصود .
(( كنت أحيا حياة هادئة
   بسيطة كالأطفال
   يفرحون مع البعيد والقريب
   في بلادنا بلاد آشور الصغيرة منذ زمن بعيد
   إلى أن قدم الأخوة من بعيد
   جاءوا طائرين مبشرين
   لم نكن ندري كانوا غراب لا حمام
   أو ذئاب متوشحين بالخراف )) .

ومن وصف الشاعر إبراهيم يلدا البديع ظهروا إنهم قطيع ، قطيع من السفاحين والطاغين ، يلهثون وراء رغباتهم وشهواتهم وملذاتهم ، لم يجدوا مانعا أن يقتلوا ويذبحوا ويغتصبوا ويدمروا ويخربوا ويثكلوا ويرملوا ويفرقوا " ألقوا الشقاق بين الآباء والأبناء " هم وحوش العصر غسلوا أدمغة الناس لا باللين بل بالمجل والفأس " جعلوا من الجيران كلابا قذرة " فالشيطان بينهم إله وطاغوت كبير في دعواهم يقربون له الرؤوس قرابين ويرونه بدماء الضحايا والمساكين والأبرياء ، دمارهم يمتد حتى يصيب الحجر والأوراق والشجر ، اغتصبوا الأعماق واحرقوا الديار واطفوا ضوء النهار.
(( القوا الشقاق بين الآباء والأبناء
   وجعلوا من الجيران كلابا قذرة
   ومدوا معاولهم صوب جذوع الأشجار
   ليتركوا جذورهم تبكي على الأوراق ))

إنها صور من قيامة الاضطهاد والرعب والهول مستخدمين كل الوسائل القديمة والحديثة لدمار الأرض والإنسان بشعور وحشي يدفع إلى الانهيار ، خلقوا التشرد والتهجير والنزوح واللجوء والتدمير ، هربت القلوب وراء الحدود والأسوار وأصبحوا في تيه بين أوطان صغيرة وكبيرة بعيدة عن الحقول الخضراء والبيوت والأعشاش الطرية الملساء ، بين قطرات الندى والصفاء في غربة قاسية ولوعة شقية فلا رحمة ولا شفقة ولا حنان في سرب الغراب ، ينهش الجثث والقلوب على الأرصفة وبين الأزقة المرمية بين الخضوع والانكسار والاستسلام المر والانهيار .
(( بددونا أبناء الشياطين
   مثلما تبدد الرياح الغيوم الممطرة
   فتوزعنا في كل الأوطان الصغيرة منها والكبيرة
   بعيدا عن الحقول والبيوت والأعشاش )) .

هذه الصور المهارة التي مر ذكرها بدخول الجماعة تتكرر في كل عصر بصور مختلفة ولو كتب التاريخ عنها لاحتاجت إلى مجلدات من جوف وهول المستبدين الطاغين بمناهجهم الهوجاء أثاروها وبانقلاباتهم الرعناء دمروها ، دمروا كل الجنان والبنان والعمران والأبدان ، فليس البسطاء والفقراء خلقوا ووجدوا هذا الأمر ، بل تفشي الأنانية والفساد والرماد وكثرت الصراعات على المناصب والحداد وغياب الأبطال والقادة وغياب الحكماء والعلماء والأدباء وهذا يعطي سببا لضياع أي بلد في العالم ، ولا يقدر أي مسئول ضعيف الإرادة والسياسة والاقتصاد حتى لو ملأت الترسانة الحربية وحتى لو كان أشدهم استبداد على تأجيل الخراب والدمار والانهيار لأنهم أصلا ضعفاء وفي بطونهم السحت والحرام والغباء ، فهم بجهلهم يجددوا الواقعات وتنفعل النازلات ومحركها هوج الجماعات وشروخ الأسوار والحدود والمعاناة .
(( فأين هم من يحملون
   أسماء آشور وسركون
   فلم يبقى لدينا سنحاريب
   ولا من يحملوا اسم  شميران
   فقدنا الأمل أن يبعث لنا من جديد قاطيني
   أو تاريخا يصنع لنا الأحلام
   من الذي سيردد أن لم يكن هناك من يسمع
   ومن الذي سيسمع أن لم يكن هناك من يردد )) .

هذه الجماعة تفكر وتنظم وتقود بأساليب شتى من الاعتقادات لعوامل بعيدة وقريبة مدركة للشر والظلام ، وتربة النهرين تربة خصبة غنية نفيسة تنبت فيها ما ترم من البذور بقوة جديدة تدهش الرائي تشبه في ولادتها ووجودها انقضاض الصاعقة ، في خضم كل هذه التراكمات والإرهاصات والغزوات والآلام والجراح ، يتجلى هاجس فمن يشفي الجراح إن غاب الجراح ؟ الكل هاجر لم يبقى طبيب ولا مداوي ولا حبيب ، فكيف لا يلعب الموت لعبته الخاصة بالأجساد " سيلعب الموت في كل الأجساد " أين الخلاص في معترك الهول والرعب والسراب ؟ " انهضوا – اغرفوا – استفيقوا – ارحموا " موجات من الغضب يطلقها الشاعر بأوامر إنسانية وفي نفس الوقت صور من التوسل والرجاء لكي يظل حلم الوجود وتحيى الأرواح على يد المرسلين .
(( طالما لا أطباء لنا ليشفوا مرضانا
   سيلعب الموت في كل الأجساد
   مثلما تلعب الحياة في جثة الأموات
   انهضوا أيها الرجال الباقون
   اغرفوا من حب أولئك غيارا
   استفيقوا لحالنا قبل فوات الأوان
   ارحموا آشور يخلص القادمين
   ويحمي وجودنا على يد المرسلين )) .

هكذا يوصف الشاعر إبراهيم يلدا ويفرق بين الغراب والحمام بين الطواغيت والأنبياء بين السفهاء والشرفاء بين الأجداد والآباء بين الولادة والأبناء بين الماضي والحاضر ومصير المستقبل في خانة الوجود وتلبية النداء ، غنها صور من ملحمة شعرية حضارية إنسانية لا تقيد بل تفتح نوافذ للفضاء والنقاء ، نلاحظ في هذا النص تأثيرات وتصورات لبناء المعنى التاريخي للوصول إلى نتيجة مرضية فليس هناك غموض في الصور الشعرية في زخم الأفعال الدالة على الحركة ودلالات ضمن روح النص " غراب – حمام – آشور – جاءوا – ألقوا – جعلوا – مدوا – تركوا – بددوا " وفي المقابل وحدة من الأوامر الأكثر فعلا وحركة " انهضوا – اغرفوا – استفيقوا – ارحموا " دالة على بناء النص وتماسكه ووحدته من الاستهلال إلى نهاية النص الشعري بفضاء فكري تأويلي يستند إليه أي قراءة حالية أو مستقبلية مع الإيحاء المشترك المنطوي تحت تلك الأفعال ، تمكن الشاعر إبراهيم يلدا من الوصول إلى وحدة متوازية مركزة بين نقيضين " الغراب ، الحمام " الحرب والسلام لتكون صورة إنسانية حضارية عصرية راقية تبقى أثرا لمدى الأجيال .

***********************************
اسم الكتاب :الموت والميلاد للشاعر إبراهيم يلدا
اسم المترجم : نزار حنا الديراني
الطبعة الأولى بلغتها الأصلية : مطبعة نينوى ـ شيكاغو  1995 الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة الثانية ( ترجمة) : 2017 دار الأمل الجديدة ـ سوريا / دمشق




4
أدب / جمال وغربة
« في: 20:01 04/12/2017  »
جمال وغربة

عصمت شاهين دوسكي


صمتي يبحر بعيدا
يبحث عنك ..
ماذا أقول عن عينيك ؟
يا غجرية الجمال .. والغربة
أسكبي في كأسي ريقك
يا من داهمتني في ليل حزني 
ضاع الحزن على يديك
شعرك كخيوط الشمس تداعبني
دافئة ... وترسمين الحلم براحتيك
عيناك أمواج حزن تتلاطم في بحري
وتسحريني بناظريك
شفتيك مدينة عشقي
ومن يسكرني نشوة
آه وألف آه من شهد شفتيك
***********
على صدرك المعنى
تبكي قوافي شعري
وتذوي الحروف في مسامات ما يبكيك
أي خصر يحتويك
كغصن بان جمالا يحتويك
لست مجنونا يا سيدتي
لكن أمام جمالك  المغترب
يجن جنوني على كل ما لديك
ضميني .. شتتيني .. دمريني ...
ما أجمل أن أكون أشلاء في عينييك
***********
دعيني أكون شهيدا
شاهداعلى ربى قمتيك
لا يهمني كيف أهذي من خمرك
ما دمت أنا المتيم المقيد في معصميك
دعيني أكون طيفا في خيالك
وحلما يداهم جفنيك
لا أريد أن أتحرر من كل ما فيك
بل أكون سجينا في مقلتيك
صمتك .. حزنك ..ثورتك ...
وأنا اكبر الثورات بين يديك
أنت أميرتي ... ملكتي .. إمبراطورتي ...
رغم أبوابك المغلقة التي تشقيني
وتصلبني على غربة نهديك



5
أدب / زيتونتان
« في: 18:02 22/11/2017  »
زيتونتان
عصمت شاهين دوسكي

 

زيتونتان وسط الجنان
حراس وأحمال وأسوار وأتربة زمان
زيتونتان طريتان
على قمتين دائرتين ، كال ملكان
تحملان شهد الملاحم
والاستمرار والحب والأمان
زيتونتان مخفيتان
تشفيان الجراح
والآهات ولوعة الحرمان
فاصبر عليهما
بلين ورفق وحنان
ولا تكن كالوحش الكاسر
تبلع الأولى وتختنق في الثانية
وتكون في خبر كان
**************
لملم أشتات الفكر
وانتفض للحب ولا تتكور
وإن صبرت عمرا
لا تعلو كالجبال ولا تستقر
الكل ماض
فلا تمضي بلا زيتون
كأنك في فناء بلا عبر
الحب روح الحياة
مهما تطاول عليه العالم
بسهام الغدر
***********
زيتونتان مكورتان
ملونة ، واهبة الجمال
تسهم في الرؤى والأحلام
تغمض عينيك لرؤاها
بين آهة , أنة ، ولمسة خيال
زيتونتان
في أرض يكثر فيها الزيتون
لكن عصرهما محال
زيتونتان مغتربتان
على تضاريس طرية
تهذيان لركود الأحوال
بماء الريق لا تسجنهما
وأنت مصلوب بينهما بلا حبال
************
زيتونتان قرمزيتان
سوداويتان ، كطفلين يبكيان
يبكيان من عصارة الجهل
والفقر ولوعة الحرمان
من سنين غربة
أضناها الفراق والقيود
ومن دمع أسود حتى الهذيان
لا تعطي بلسما
بل سيل خفقان
زيتونتان
عذاب أن تبقيا مصلوبتان
وفي آخر العمر
يقع اللوم على الزمان





6
الشاعر إبراهيم يلدا بين الحلم والأمل
الخلاص الروحي والفكري في جوهر تحقيق الحلم والأمل.
القوة الملتزمة الحضارية تجسد الوجود العميق .
يعتبر الشعر جامحا لمختلف الأشكال الكتابية .

عصمت شاهين دوسكي

يخفي نص الشاعر إبراهيم يلدا البلاغة والصور الشعرية والبنائية ، لأن مضامينها تستطيع أن تنفذ حينا ما لتصرح عن نفسها بشكل جميل وتظهر تلك الكينونة بكشف العلاقات الدلالية والرمزية والإيحائية التي تقع داخل النص الشعري مع الانسجام الراقي في سرد الأفكار والتطلعات في مداراتها السليمة ، وقد جمع مجموعة من المقاطع الشعرية المعاصرة لتغدو بين الحلم والأمل وسماها  " أغنية للوطن " بإحساس مرهف وفكر متقد بالحقائق الحضارية والوجودية والإنسانية الذي بنا أفكاره على هيمنة وطنية أساسها الأرض والإنسان ، إن الصور الشعرية " نحن " ترتبط بدلالات إن الفرد لا يتمكن مثلما تتمكن الجماعة " نحن " وصورة " النهرين " قوة ملتزمة بمضامين حضارية تجسد الوجود العميق للوطن الذي يولد أفق احتمالية بين الحلم والأمل وترقى في جوانب النص بأطر مختلفة متعددة تكسر الصور الراكدة الجامدة الخامدة الذي يتجلى فقط ظاهرها .
(( نحن رجال نينويون
   نحن أبناء النهرين
   نشبه اسود
   أبائنا القدامى )) .

أفق العلاقة بين التضحية والتحمل ، بين الحلم والأمل في طريق صعب يحمل الازدهار النفسي والزهو الذاتي والسمو الروحي ، أمام قضية وطن جميل " الآشوريين " حلم يتجدد في ذاكرة الإنسان الآشوري التاريخي الحضاري ويتجدد الأمل للوصول إليه " ما بين النهرين " وهو وصول إلى " أرض الأبناء " سلسلة من الأفكار لإيقاظ الحلم الغير منقطع وسط تناقضات فكرية تنمو في عمق الصورة الشعرية حيث يوظف الشاعر القدرة الإيحائية المخصوصة لمعاني ومضامين تاريخية إنسانية في زمن عصري جديد .
(( بدماء أبنائنا  نجعل الطريق
   يزدهر أمام كل الأشوريين
   لنصل بلاد ما بين النهرين
   ارض الأبناء النجباء )) .

ينشأ داخل الإطار النصي الثقافي الاجتماعي الإيمان بالوطن وبالوجود حتى إن كان ضمن احتمالات وتصورات وأحلام وآمال ، فوجودها تجسد طريق الخلاص للوصول إلى الأمل الذي يصب في منبع الأحرار ، هذا المقطع المتنامي لا يستفز بل يتحكم بالرؤى مع التغيير المنضبط وفق توجهات فكرية نصية بعيدا عن الأشكال التقليدية التي ربما تمنع فتح نوافذ لفضاء الوعي واستيعاب القدرة على التحرر والتمرد وغن بدا هذا التمرد في تجارب قديمة كما في شعر الأبي تمام وغيره .
(( بإيماننا سنقسم
   القسم الأشوري
   لا بد لنا أن نصل إلى الخلاص
   الذي هو أمل كل الأحرار )) .

استخدم الشاعر إبراهيم يلدا صيغة الشعر المركز على الوطن لكن في نص مفتوح ليعطي مجالا حيويا داخل وعي القارئ فصورة " الوعد ، الشهداء ، أهداف " ليست بعيدة عن مفهوم القارئ خاصة في التجارب الشعرية والفكرية للشاعر إبراهيم يلدا الموجهة للأمة ، إذ يعتبر شعره جامحا لمختلف الأشكال الكتابية رغم اختلافها بناءا وشكلا بصور مجددة راقية .
(( لنكمل الوعد الذي كتبوه
   الشهداء البررة بدمائهم
   المستفيضة في حقول المعركة
   من اجل أهداف امتنا السامية )) .

اكتشاف العناصر والارتباطات المضمرة في النص الشعري والعلاقات التي تنشأ فيما بينها ومعرفة الأطر التي تستند عليها إضافة إلى العمق التاريخي المقترن بالوعي والفكر نلاحظ امتداد حضاري مرتبط بأفكار الشاعر ، يلهمه التنوع والتنور والتصور لذلك عند قراءتي لنصوص الشاعر إبراهيم يلدا أتوقف وأتأمل فهو يستعين القدرة السامية على التأويل والإحساس بتصور العلاقات الظاهرية والجوهر الضمني بمسار وعي ناضج وحكيم حينما يوظف " دجلة والفرات ، الحياة الأبدية " لذلك بلا وعي منا ننساق مع الإيحاء المباشر الذي يقدمه الشاعر من خلال الجمل واللغة المنتقاة واختياره الخلاق لصور شعرية  نامية ولا يكون حذرا شديدا من تأثيرات الكلمات التي يوظفها فهو شاعر متمكن من رؤية المعاني المفهومة والتي تكون أمام القارئ واضحة مفهومة متأثرا بصورها ومضامينها التي لا تقيد خياله وتهدم نسج أفكاره في رؤى المعنى المباشر للنص الشعري فكلمات الشاعر إبراهيم يلدا فريدة ومميزة غير قابلة للتغيير والتبديل والتحوير وهذا هو الإنطباع الأولي في قراءة نصوصه الفكرية رغم ما فيها من أوجاع وعذابات ونزيف من الجراحات المولودة منذ زمن والمتجددة في محراب الحضارات والإنسانيات .
(( من دجلة والفرات سنرتوي من جديد
   مياه الحياة الأبدية
   اسمنا سنختمه بالسيف
   المنقوش في أعماق الصخور )) .

نلاحظ إن كل كلمة داخل النص لها وقعها وتأثرها وانفعالها وأهميتها في تكوين النص الشعري شكلا ومضمونا ومعنى ، أي العلاقات فيما بينها ملتزمة في سياق جملة وصورة شعرية تخضع لفكر ورؤية وإحساس الشاعر ، وهي طوق نجاة وخلاص يلجأ إليه القارئ عندما يشعر أبواب الوعي والفهم مغلقة أمامه أثناء القراءة ، يتمكن الشاعر إبراهيم يلدا خلق موازنة بين الصعوبة وعدم إمكانية فهم النص بوجود سياق روحي وإحساسي متناغم وبتواصل القيم المذكورة " نحن ، آبائنا القدامى ، دماء ، ازدهار ، نهرين ، إيمان ، الخلاص ، الأحرار ، الوعد ، الشهداء ، الأهداف ، ارتواء ، حياة أبدية ، سياق هذه  القيم والصور الشعرية تكمن في تراكيبها باعتبارها أداة تشكيل المعاني الضمنية واعتماده على روح التوافق " الوطن ، دجلة والفرات ، أشوريين " الذي يهيمن على المكتوب والمنطق الذي يجسد في كثير من الأحيان قصيدة ليست تقليدية بقالبها الحديث وشكلها العصري وإن بدت معانيها منذ قرون طويلة في نسق الكتابة ، لكن بدا إشراقها في النسق الشعري الكفيل في إتمام الرؤى الجديدة بأدوات معرفية شعرية ليأخذنا إلى إكمال الفهم والاستيعاب ، الشاعر إبراهيم يلدا يضع القارئ أمام المفهيم الماضية والحاضرة ، بين الحلم والأمل ويتعامل مع النص والقارئ بصورة واحدة ليلتقوا وفق دلالات وتركيبات ضمنية معنوية منفتحة على بعضها حيث يعتمد الشاعر على المستوى السطحي الشكلي للجملة والمستوى العميق ليصل من خلالها إلى الخلاص الروحي والفكري في أعماق جوهر الحلم والأمل ، الوطن الإنسان والأرض

*******************************
. المصدر :
اسم الكتاب :الموت والميلاد للشاعر إبراهيم يلدا
اسم المترجم : نزار حنا الديراني
الطبعة الأولى بلغتها الأصلية : مطبعة نينوى ـ شيكاغو  1995 الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة الثانية ( ترجمة) : 2017 دار الأمل الجديدة ـ سوريا / دمشق



7
رحلة شاهينية في قلعة أربيل التاريخية
أكثر من ستة آلاف سنة مازلت شاهدة على الإنسان
عصمت شاهين دوسكي
 
لم يكن يوما عاديا في أربيل رغم إني زرتها سابقا عدة مرات وكتب عنها قصائد فكر وحب وإحساس ، مثل قصيدة الثلج والنار وقصيد أربيل وقرأت فيها في حفل تكريمي للسلام العالمي قصيدة سيدة السلام  وغيرها ، حيث الشمس مشرقة والدفء الروحي والنفسي والإحساس الجميل بالمناظر الشمالية الرائعة رغم وجود الأزمات الاقتصادية والثقافية والسياحية والاجتماعية التي أبطالها أزمات سياسية تركت آثارها على كل المجالات الحياتية الأخرى ، التقيت بصديقي " رمزي رستم " بعد طول غياب تعانقنا عناق الفرسان من زمن قديم ، بعد الأحاديث الشيقة من ذلك الزمن البعيد ، زرنا معا الفنان التشكيلي المبدع يونس جوجان وتناولنا أحاديث عن هموم الفن والشعر والحياة والواقع والأزمات والتناقضات العصرية التي يواجهها الفنان والأديب بصورة خاصة والإنسان عامة ثم استأذنا في الخروج وشكرنا له حسن الضيافة والاستقبال ، وبين الشوارع الأربيلية المميزة حيث المهن المختلفة النجارين والصباغين ومحلات العدد اليدوية والمنزلية وغيرها لا تختلف عن شكل مدينة الموصل بكثير ، الأصدقاء والناس يسلمون علينا بصدر رحب بابتسامة ظاهرة على ملامحهم المتواضعة ، أخذتنا خطواتنا إلى قلعة أربيل ، من بعيد تجدها مدينة مستقلة ذو كبرياء وتحدي كبير وتشعر بالقوة والعمق التاريخي الذي يعد المكان الأثري للقلعة قديما نتيجة التراكمات الطبيعية لبقايا الحضارات المتعاقبة على مر التاريخ ، كانت هذه التلة المرتفعة معلما بارزا على الطريق الملكي القديم وطريق المسافرين والعابرين لسلسة جبال زاكروس من جهة الشرق وكانت أربيل إحدى المدن الرئيسية في الإمبراطورية الآشورية ، واشتهرت القلعة بوجود معبد عشتار فيها وضم المعبد مدرسة دينية ومرصدا فلكيا ، كما آوى الكاهنات اللاتي يتنبأن بالمستقبل .
 
في عام 331 قبل الميلاد اختار داريوس الثالث أربيل قاعدة له قبل هزيمته أمام الكسندر الأكبر في معركة كوكميلا ( أربيل ) وبعد المعركة وجد الكسندر كنز داريوس وملابسه الملكية المهجورة متروكة في القلعة ، فقدت أربيل وقلعتها أهميتها بشكل مؤقت في العهد الأموي حيث طور الأمويين مدينة الموصل واتخذوها عاصمة الإقليم لكنها سرعان ما استعادت أهميتها بعد أن تمكن زين الدين زنكي في السيطرة على القلعة عام 1126 م .
 
وفي عام 1190 م وبعدها أصبح السلطان مظفر الدين كوكيري حاكما وأصبحت أربيل مركزا ثقافيا وتعليميا مزدهرا في المنطقة وبعد وقت قصير من وفاة كوكيري هاجم المغول في عام 1232 م المدينة المحيطة بقلعة أربيل ودمروها بشكل كبير ورغم فشلهم في الاستيلاء على القلعة فإنهم تمكنوا من ذلك بعد المفوضات التي أعقبت حصار القلعة عام  1258 – 1259 م .

 

اقتربنا من القلعة وسمح لنا الحارس في البوابة السفلى للصعود للقلعة في طريق مرتفع نجد المدينة ومعالمها الحديثة البعيدة والقريبة إلى أن وصلنا إلى البوابة الكبيرة في شكل قوس عالي وعلى أطرافها أشكال هندسية مستطيلة ومربعة ودائرية من الطابوق عبرنا البوابة ودخلنا كأننا في عالم آخر كلما تعمقنا في عمق مدينة تاريخية شاهدة على التاريخ نستذكر أحوال الناس الذين كانوا هنا ذات يوم طبيعتهم أحوالهم ونتخيل معيشتهم البسيطة ونقاء روحهم وطيبة قلوبهم وتآلفهم وأواصرهم الاجتماعية الواحدة ونحن نسير في شارع القلعة ( جاده ى قه لات ) Citadel St. رأينا بعض الترميمات اكتملت لبعض البيوت والشواهد التاريخية صالات ومحلات قديمة كالدار التراثية وقاعة النسيج الكوردي وجاري البناء والترميم لمدرجات مسرح وإعادة بناء البوابة الكبرى لقلعة اربيل وجامعها وحمامها وغيرها من المعالم الأثرية .

 
يمتد تاريخ قلعة أربيل لأكثر من ستة آلاف سنة وهي واحدة من المواقع الأثرية التي درجت ضمن قائمة التراث العالمي من قبل منظمة اليونيسكو وما زال العمل جاريا في إعادة أحياء قلعة أربيل الأثرية ، كل معلم منها يحمل سمات عصر من العصور التاريخية والتي تعد من أقدم المستوطنات البشرية على سطح الأرض .
حافظت على وجودها رغم وجودها يعود إلى أكثر من ستة آلاف سنة بما كانت عليه من سكان على مرور التاريخ بدليل الطبقات المتعاقبة للحضارات السومرية والأكدية والبابلية والآشورية والإغريقية والفارسية والإسلامية والعثمانية ، وهي على شكل بيضوي يبلغ ارتفاعها ما بين 28 – 32 متر ويبلغ قطرها الكبير 430 متر ومساحتها تبلغ إحدى عشر هكتارا ومعظم البناء هو من الطابوق اليدوي الذي يعتبر المادة الأساسية للبناء وتضم شبكة من الأزقة الضيقة المتعرجة والدور التقليدية المتراصة ذات الفناء الوسطي .
 

وهي كما رأيناها تشهد مشروع واسع لإعادة تأهيلها وترميمها تحت مشروع " إحياء القلعة " تقدم منظمة اليونيسكو المساعدات الفنية والمشورة في العمل حيث تم ترميم وتطوير عدد كبير من الدور التي تطل على الواجهة الخارجية للقلعة وقسم آخر بين الأزقة الداخلية مع الانتهاء من متحف النسيج الكوردي ومعرض التراث الكوردي التابع لوزارة الثقافة الذي يقع على الشارع الرئيسي داخل القلعة ودار الأزياء الكوردية الذي يدار من قبل اتحاد نساء كوردستان ومحلات لم يكتمل بناءها أو ترميمها .
 
توزعت الأحياء السكنية في القلعة إلى ثلاث أحياء رئيسية وهي " السراي " في الجزء الشرقي وسبب تسميتها لأنها تظم المباني الإدارية للحكومة والكثير من دور المسؤولين والأغنياء والوجهاء أما الحي الثاني " التكية " لأنه يضم الكثير من المباني الخاصة بأداء الطقوس الدينية ويقع في الجزء الوسطي والشمالي من القلعة أما الحي الثالث " الطوبخانة " يسكنه الكثير من الحرفيين ويقع في الجزء الغربي ويشير الطوبخانة إلى وجود المدفع الذي كان يستخدم في الدفاع عن القلعة ضد الهجمات ، وصنع هذا المدفع من قبل الأسطى رجب راوندوزي عام 1820 م .

 
إنه عالم غريب ساحر وجميل تشعر وجودك تاريخيا فخرجنا من بوابة كبيرة تطل على الساحة المقابلة للقلعة منظر النافورات العالية والأشجار والمحلات والأسواق المكتظة بالناس ، ونحن ننزل تاركين القلعة خلفنا كأننا خرجنا من عالم ألف ليلة وليلة إلى عالم عصري سيكون ذات يوم تاريخا وفي الساحة الجميلة وجدنا الطيور المختلفة المؤلفة وكان هناك موعد معها فتآلفت معنا بسهولة ويسر وعلى جانبي الساحة الحديقة محلات كثيرة تصميمها تاريخي يمتد إلى تصميم قلعة أربيل بأقواسها وأشكالها .
 

وفي السوق اقتربنا من رجل كبير في السن ولكنه يحمل ذروة الحياة يعزف على الناي بنغمات وألحان كوردية وكأنه هو الآخر آت من عمق تاريخ قلعة أربيل ودخلنا مطعم متواضع شعبي قريب من القلعة وأسكنا جوعنا التاريخي وشكرنا صاحب المطعم الذي أبى أن يأخذ الثمن وقال أنتم ضيوفي عندما علم إني ضيف عند صديقي رمزي رستم وعلم وجهتنا التاريخية في قلعة أربيل وهذا ليس غريب على أهل أربيل الطيبين الكرماء ، ثم شكرت صديقي رمزي رستم لمدى صبره وتحمله وعدت إلى دهوك وطول الطريق أتخيل العالم المثالي لقلعة أربيل التاريخية الأثرية العالمية .
*********************
المصدر : مقال للأستاذ دلشاد عبد الله

8
أدب / غجرية أسبانية
« في: 22:00 13/11/2017  »
غجرية أسبانية
عصمت شاهين دوسكي

مزقي كفن الغربة والوحدة والاستبداد
ارتقي سلما معهود
لا تحضني محن الزمن
ولا بالرجال
الرجال أقياد ، قيود
يا صبية أندلس
يا جمال من عمق التاريخ
رماك الدهر وراء الحدود
وحيدة في عصر العولمة
منفية في زوايا أسبانية
بين وعد ، موعد ، وموعود
*****************
يا غجرية  أسبانية
حفلتك الفاخرة أندلسية

تاجك المرصوص من أصداف ولآلئ البحار
على شعرك هالة سماوية
فستانك ملون ، مشجر بأوراق الخريف
 خال من أشكال شكلية
حافية القدمين مشردة
بين أحزان أسبانية
لا ترددي كالببغاء قوانين المرأة
وحقوق الإنسانية
لا تكوني كالنحل تعصرين شهدا
يلسعه المغفلون
مع كوب قهوة سادية
تجملي للحياة للحب للعشق والوفاء
وكوني رغم العصر الآلي
ملحمة أنثوية ، أسطورية
************************
الغربة يا صبية الجمال
رواية صائد وصياد
يا امرأة عشقت الحرية
لم تجد على شواطئها سوى الرماد
سوى جدران ، وحدة ، صمت ، رهبة
وعبرات جفت من الإجهاد
رغم الحدائق والشوارع والصالات المكتظة
رغم الورود والزهور والبحار والجبال والأوتاد
يبحث عنك كل الرجال
والأمير غائب ، لاه في رقصة الأعياد
من يحكم من يا غجرية
وأنت تنتظرين وقت الحصاد ؟
أن ينقذك أمير من حضارة الحرية
التي شوهت بالرغبات والأصفاد
أن يشعل شمعة في كوخ عتيق
ويرسم البسمة والخلاص والميلاد

9
تسألني لماذا الموءودة قتلت ؟
عصمت شاهين دوسكي
 

تسألني : كيف أكتب ؟
هل للكتابة غير نزيف وجراح وعتب ؟
تسألني : كيف أكتب ؟
هل للكتابة غير نور وإحساس وحب ؟
ثم تسألني : هل أنت سياسي ؟
قلت : للسياسة رجالها
وأنا قشة على حطب
تسألني : أنت من أي دين ؟
الدين لله ، نحن  بشر نخطأ
أو نصيب على المصب
أرادت تسألني أكثر
قلت لها : أنا شاعر تارة أهدأ
وتارة أغضب
************** 
تسألني : عن السياسة مرة اخرى
أنا بريء
من سياسة قتل البشر
من حرق الطفل والشيخ والحجر
من بيع المرأة والوطن
من بيع الذكريات والولادات والقدر
بريء من تكوين التشرد والأرامل
والثكلى والفقر ، أكثر فقر
وتعالج الفاسد والمغتر
على سرير من حرير وتبر
بريء من كل الحركات والهمسات
والاجتماعات والصالات التي تنفي الشعر
من كل النقاط والحروف والكلمات والسطور
والعقود والبنود التي تأمر بتهجير الفكر
بريء من الحياة ، ليس فيها إحساس
وجمال وحب وتقارب وتواصل وعبر
بريء من ارض ليس فيها نساء
ومن نساء ليس فيهن جمال الروح
ومن جمال ليس فيه سماء وبحر وقمر
************
تسألني : كيف اكتب ؟
سلِ الإحساس والوطن والحب
والمرأة التي اغتصبت
سلِ الجراح إن نزفت
بين أطلال البيوت التي دمرت
سلِ القلوب التي مع الأيام
هجرت ، شردت ، بوطن آخر غربت
سلِ الأقلام التي كتبت
تاريخا ، جمالا ، سلاما ، ثم ضعفت
سلِ النكسة الكبرى
نكسة الروح والأرض التي بالوعد نكست
سلِ ومن حقك أن تسألي
لماذا الموءودة قتلت ؟ 
 





10
الفنان التشكيلي جوتيار نذير والفن المعاصر
من ضروريات حياته الفنية اللون والشكل المعاصر
عصمت شاهين دوسكي
 

الفن التشكيلي المعاصر جزء من ثقافة الشباب الكورد الذين يحملون في أعماقهم أحلام عصرية وأفكار متطلعة وخيال خلاق لما هو مميز وجميل ، فهو يشكل عنصر مهم للاتصال الروحي والفكري والبيئي الذي يعيش فيه الإنسان ، فن يشكل ثقافة عالية لا تخص المترفين ولا هو أحد صور البذخ والفراغ واللعب واللهو ، لذلك الفن التشكيلي المعاصر يعتبر موهبة لبعض البشر المميزين المبدعين ، موهبة لها عوالمها الواسعة وخيالها المتشعب بين السمو والجمال والرقي الروحي وجمالها الناظر بعيون ناظرة ، ومع تداخل الثقافات والحضارات في العالم وتأثيرها المباشر للمعني والمهتم جعل التحرك في ظلها بتأثيرها والحث على ممارستها بصورة جديدة ومهارات راقية بتواصل فني مع تدارك دراستها وإظهارها في أعمال فنية منفردة أو مشتركة بمنهجية تفتح المجال للتغيير والتثقيف والرؤى الحديثة والإبداع باستخدام كافة الأدوات المعاصرة ضمن مفاهيم فنية معاصرة .
 
هذا المخزون الفني الفكري الخيالي العميق من أحاسيس وعواطف ومشاعر وانفعالات وانتكاسات وتناقضات تجسد على اللوحة الفنية لتعتبر رسالة مهمة موجهة للمتلقي والمجتمع والعالم ، فكل فنان تشكيلي معاصر يعتبر نفسه مكمل في طريق الفن ورسالته الفنية إنسانية مستمرة يجددها فكريا وتقنيا ولونيا وشكليا لأنه يرى الحالة التي أمامه ومن خلال مشاهداته وإدراكه لما يدور في بيئته والعالم يجسد من خلال اللون والشكل قضية اجتماعية إنسانية برؤيته الفنية الخاصة .
 
الفنان التشكيلي المعاصر جوتيار نذير من ضروريات حياته الفنية الأولية اللون والشكل المعاصر ، يحاول في لوحاته أن يقدم فن معاصر لكوردستان والعالم عامة وحلمه أن يصل إلى أبعد نقطة على خارطة الإنسانية ، يبحر في عوالم المدارس الفنية المعاصرة الانطباعية الواقعية والتجريدية الذي يجعل من نسيجه الداخلي والخارجي وأجواؤه النافذة بمختلف المناخ إلى العمق الخيالي والرؤى الواقعية مع تصور البناء البيئي وإضافة عناصر حديثة تطورية تنموية حتى يكون الفن معبرا أكثر ، فهي رغبة ملحة على الفنان التشكيلي جوتيار نذير أن يقدم ما هو الأفضل في أعماله الفنية حتى لو كان متأثرا بثقافات العالم فيظل الفن التشكيلي المعاصر موهبة وصنعة وإتقان في إنتاج عمل فني مميز مضمونه الجمال والفكر والتخيل والإبداع .
 
ظهرت جدليات في الفن بين القديم والجديد المعاصر وعند دخول القرن العشرين الذي يمثل مرحلة تعقيدية بين جدل الفن القديم والحديث ليعطي أبعاد جديدة لأبعاد عصرية مختلفة الرؤى وانطباع لفكر فني معاصر ، وقد ظهر بعد ما يسمى " الوحشيون " ورائده الفنان " ماتيس " فكانت لوحاته متعة وراحة فقد تميز باللون والشكل وجعل الفن روح المتعة والراحة للإنسان ، فالاهتمام باللون والشكل يجب أن يكون دقيقا يستوعب الفكر والخيال والواقع ليعكس مفهوم الفن ، كذلك أخذت الزخرفة تلعب دورا مهما رغم إنها لم تعتبر فنا وفق المفاهيم الفنية الأوربية ، ثم توسع مفهوم الفن التشكيلي المعاصر ليرتبط بمفاهيم التعبيرية ليظهر البعد الثاني في القرن العشرين المتمثل بفن " بيكاسو  وبراك " لكشف واقع تعبيري درامي جديد ، يقول بيكاسيو : " إن الأشكال تعيش حياتها الخاصة في العمل الفني " أي لكل من الشكل والفن حياة خاصة .
 
في لوحات الفنان التشكيلي جوتيار نذير أشكال متعبة في الحياة ووجوه أظناها الواقع وأحلام هاربة حينا وتستغيث حينا آخر ،ألوان تعكس الغموض والحلم والتمرد والهدوء والصخب والحياة ، وبين رؤى الواقع والتعبير والتجريد تغدو لوحاته عالم بلا حدود بألوان هرمونية مشعة رغم الحزن وأشكال متناهية كأنك في حلم عميق بين أمواج هادرة وتكهنات أفقية طلسمية ، لوحات جوتيار تجردها الألوان لتغدو كامرأة عارية نتيجة الدقة في استخدام اللون ، حيث اعتبر لوحاته مجسدة بألوان كوردستانية لتناغم ألوان الطبيعة والأشكال والإنسان تمد المتلقي أبعاد عصرية مختلفة الفكر والجمال والخيال والإحساس .
 
الفنان التشكيلي جوتيار نذير مع تواصله ومتابعته الدراسية  التشكيلية الأكاديمية التي تجعله أكثر عمقا ودراية بالفن التشكيلي المعاصر عامة يعتبر طموحا كورديا إنسانيا راقيا للتطور والارتقاء وهو حق مشروع أن يكون الفن الكوردي المولود من البيئة الكوردية المحلية إلى سمو العالمية مادام عنوانه الحب والسلام والجمال والإبداع .

****************************
( جوتيار نذير حجي ) من مواليد ١٠/٣/١٩٩٣ ولد في محافظة دهوك ، التحق بمعهد فنون الجميلة بدهوك و دامت دراسته خمس سنوات في قسم الفنون التشكيلية ( ألوان ) و لقد شارك في جميع نشاطات و مهرجانات المعهد .
ثتخرج من المعهد في عام الدراسي ٢٠١٥-٢٠١٦ ، في فترة ( ٢٠١١-٢٠١٦ ) مشارك في عشرين من معارض المناسبات الوطنية و مواضيع النازحين و مشاركة في دورة الثاني عشرة ل ( گه‌له‌ری ) دهوك ٢٠١٥ و دورة الثالث عشر ل ( گه‌له‌ری ) دهوك على مستوى الإقليم ٢٠١٦ و تطوع مع المنظمة ( يونيسف ) بصفة مسؤول للشؤون الفنية من فترة ( ٢٠١٥ -٢٠١٦ ) شارك في أكثر من مئة نشاط للمنظمة الأممية ( يونيسف ) بتعاون يابان و ألمانيا وفتح دورة تدريبية للفنون التشكيلية بالتعاون مع مركز شباب دهوك لمدة شهرين متتالين .
و حاليا مستمر على الدراسة و طالب كلية آداب قسم الفنون التشكيلية ( ألوان ) ..


11
أدب / لا نكسة مع الحب
« في: 19:04 05/11/2017  »
لا نكسة مع الحب

عصمت شاهين دوسكي
 

لا نكسة مع الحب
مهما حاولوا تدمير القلب
لا نكسة مع الحب
مهما حملوا السكين
والخنجر لقطع الصلب
غافل ، من رسم خريطة  الحب
بلا جبل وبحر وسنبلة ونخلة رطب
تائه من يقيد الحب
بقوانين وأوراق ولوحة خشب
لا نكسة مع الحب
مهما غيروا وبدلوا عالم الحب
************
مرت اللعبة على النائمين
في حين الأغلب لا يغلب
نوم عميق ، كروش تعلو ، وتعلو
وأنفاس تضيق على صدور المتعبين
المحبون يبكون
الفقراء يبكون
والبسطاء يبكون
إذا على من يلعبون ؟
**********
في أوراقنا الرسمية نكسة السلام
مكتوب ، مسلم ،
كيف نكون لروح السلام أقرب ؟
في أوراقنا الرسمية نكسة الذكر
لكن لسنا ذاكرين
وكل حين القلب يصلب
والخطوات للوراء ،
لا نقرأ ، لا نكتب ، لا نحب
لا نحلم ، وبالصراعات  ، منشغلين
ضعف أمام الدولار
نكسة الدولار  تفسد الفاسدين
كفى اللعب ، بالسحت والجهل  ، ترهن اللعب
على من ،  تضحكون ؟
على من،  تلعبون ؟
**********
لا رحمة ، لا شرف ، لا وفاء
كالنعامة ، رؤوس تحت الرمال
تائهون ، حاضرون ، غائبون
لا نكسة مع الحب
بالحياة يكون الجمال
وبالجمال يكون الحب
وبالحب تكون أو لا تكون
***********
لا نبدع 
كيف نبدع وفينا  ، حطب
لا نصنع ، لا نزرع
الدود في كل مكان
ونحن السبب
أصبحنا  ، مغتربين
تائهين ، حائرين ، سائحين بلا جعب
لم يبقى شيء
تجلت المظاهر المزركشة
نلعن ، الشرق والغرب
لا نكسة  مع  الحب
إن كنا مع الحب ، صادقين
أوهب الحب لمن وهب
لا نكسة مع الحب


12


عصمت شاهين الدوسكي بين  الحلم والواقع
قصائد تروي غابات من الحزن

بقلم : الأستاذة المغربية وفاء الحيس


 

قصائد عصمت شاهين الدوسكي فيها رؤية رومانتكية للشعر وما يدور فيها ، مما يخالجه من صراع خفي داخلي يتعانق مع صراع خارجي لتتحول القصيدة إلى صرخة محملة بدلالات الترجي كقوله : ( عذبيني ومن حبك لا تجرديني ) الشاعر عصمت استخدم لغة شعرية جميلة فمزجت في صورة مدهشة بين الوصف والمشاعر ، وأن شفافيته الوجدانية غالبت شعره مما جعلته رومانسيا بامتياز فأبحر في عمق الكلام والتقط محارات العشق من أغواره وكل هذا من صميم الإحساس الذي يعمل على تجاوز الواقع الصادم بقسوته وفظاظته كقوله : ( آه منك ومن قلبك يحس بي مجروح ، وأنت بالصمت تعذبيني ) . يتمتع الشاعر بشخصية أنيقة جذابة بالغة الشفافية مظللة بهالة حزن بليغ جديرة في حضارة النفس والروح والوجدان كقوله : ( أنا ابتليت بالحب والجمال فمن غيرك بالدنيا يشفيني ؟ ). عصمت شاهين الدوسكي إحساس أكثر من رائع عندما تصرخ فتجد من يستقبل صرخاتك بكل حب ووفاء ، فالاهتمام الجميل في حق مبدع يستحق هذا الاهتمام , قصائد تروي غابات من الحزن ، بداخلك رقعة الضياع المتسعة بكيانك قد تكون الغربة وطنا وقد يكون الوطن غربة ، هو إحساس مرعب بأننا لا ننتمي لمن حولنا هي اختناقنا رغم الهواء نعشق البكاء على الأطلال لكن ما أروع أن نحيا بالأمل والصبر فلولاهما لتشوهت المساحات البيضاء في داخلنا وأصبح اليأس يلتهم أحلامنا . نعم ابتسم ففي الابتسامة نخفي تجاعيد الأيام لهذا افتح عينيك للنور ولون حياتك بألوان السعادة والفرح لأن الحياة كاللوحة تنتظر الألوان لتغدو أكثر جمالا . كل مرة تحط حروفك بنغمات جديدة بهمسات رائعة فصهيل حروفك يصل إلى الدواخل معتليا صهوة الضاد شاعر متميز وإلهام من رب السماء تخفيه ملامح ضائعة في زحمة الأرصفة وتحت زخات المطر .
( أبتسم ، فالعصافير
  على أشجار يابسة تغنينا
  وإن رحل الدرهم والدينار
  أبتسم ،
  وتأمل الطيب
  والجمال والنعم ميادينا
  إن جرعتك الأيام علقماً
  أبتسم ،
  تسير النحلة أميالا
  على زهور ورياحينا
  ليبقى ثغرك باسماً
  قد تواسي بالبسمة
  من كان مثلي ًحزينا ) .

المفكر الشاعر عصمت شاهين الدوسكي يتربع على عرش الأدب فتحت له صاحبة الجلالة أبوابها فكان فارسا في ميادين معاركها المتشعبة ، يعرج إلى بحور الشعر فيبدع ، جعل من المرأة أيقونتها، الحب عنده لون احمر لكنه حينما يكتبه يجعله رواية تتحدث عن فنان مبدع و تشكيلي و كاتب وعاشق ومحب نادر الوجود ، فحديثه عن إبداع المرأة ، يتجاوز الرواية ذاتها إلى ما هو ابعد ، كأن الكون لا يسعه وهو يكتب بعمق المشاعر وبحرفة الكاتب التي قلما نجدها إلا عند الكبار. قصيدة  عصمت تصدر من الأعماق لتلامس الأعماق عبر حمولتها السياسية ودلالتها الاجتماعية وعمقها الثقافي وحسها الأدبي الوارف آه يا بلد صرخة في وجه وطن عاق قصيدة تئن مع وجع مؤلم جدا ورصد جل النقط السوداء والعقد الصماء التي عكرت صفو البلد دام غيورا وقلما حرا جريئا بامتياز .
مهما حاولنا أن ننسى إلا أن الذكريات تبقى محفورة في دواخلنا تذهبنا لعالم جميل نتذكر فيه أجمل اللحظات حتى وإن كانت مؤلمة لكن يبقى لها رونق خاص بالقلب لأن حياتنا عبارة عن قاموس مليء بالمواقف والمشاعر وبالصور والأشخاص لكن الأحلام التي تبقى أحلاما لا تؤلمنا أما الألم العميق هو الذي يحدث لنا مرة واحدة ولن ندري أنه لن يتكرر.

( سيدتي
  عندما تكون للذكريات
  صوت أحزان ، ألام ، حياة
  عندما ينكروا عليك
  صهوة حصانك الشعري
  وإبداعك الترابي
  بين جبالك وعشقك وصدى المناجاة
  عندما يغتال جمالك
  بسمتك ، عسلك ، حتى دمعتك
  بين الرغبات والخرافات
  كيف أحيا
  وصدى أوديتي تناديني
  وحصاني مقيدا ينتظرني
  فوق قمم العذابات  ؟ ) .

أرى عصمت قد أدم قصة الأمس ونحن معك أدمناها هي ذكريات بحبر القلب كتبتها / هي كلمات لها بصمة في حياتك فصبر جميل من أنين أبدي ليس بالسهل لكن الله على كل شيء قدير .
أيها المبدع الراقي  النفس هائمة بين حروفك وكلماتك وجمل مسكوبة بأروع تعبير ، أمام قصائد جميلة من شاعر الحب والإنسانية كلها إحساس وإبداع  .

( أي حلم يستبيح كل أحلامي
  وبين الكوابيس كالنهر يجري ؟
  أي خيال يمضي في ليال
  مجردة من نجمي وقمري ؟
  أي روح ملاك تشع نورا
  وفي روحي نورك يسري ؟  ) .

. أثمن ما يكتبه عصمت شاهين فهو يعتبر أحد أعمدة الشعر العربي المعاصر يتناول في معظم شعره الأغراض الشعرية من مديح ورثاء وعتاب تارة وغزل إلا أنه يتميز بوصفه للمرأة وإحساسه فيها لأن المرأة في نظره كالوطن لا يريد الانتماء لغيره لهذا دائما نجد أسلوب عصمت يتسم بالرومانسية والحنين ، كلامه في الشعر عن المرأة راق يصنعه عمدا حتى يغير من مستوى الإنسان وحتى يكون للأستاذ عصمت شاهين الدوسكي في زمن قادم تاريخا يبحث فيه ويدرس بعناية
( صلب ، يصلب ، صلباً
  لكن ، مصلوب بلا صليب
  قتل ، يقتل ، قتلاً 
  لكن ، مقتول بلا حسيب 
  فعل ، يفعل ، فعلاً
  من فعل هذا بلا رقيب ؟ )  .

 ويبقى السؤال ملازما للشعر وغائصا في أعماقه وموسعا عند الشاعر بإبحاره  العميق ، سؤاله هو مساحة التعبير عن الدهشة والقلق إزاء الوجود والزمن إنه السؤال الذي يهش بالحيرة والضياع في متاهة الوجود ، مادمت تواصل سعيك في البحث عن الحقيقة ومزاحمة الأشياء عن مكانها ومصيرها لكن تبقى مفتوحة على أفق التأويل عند المتلقي  ،عصمت عالم نابض بالمحبة من غير رياء والصدق في الإبداع والعطاء  .
 ( ما زالت اللعبة مستمرة
  يا سيدتي لا تصدقيهم
  كذبوا عليك حينما
  قالوا : أنت الملكة ، أنت القمر
  كذبوا عليك حينما
  قالوا : أنت الوطن ، أنت القدر
  تجلت أنانيتهم
  وأظهروا على نهديك السيف والخنجر  ) .
عصمت شاعر المرأة, شاعر الحب , شاعر متفرد وجديد في أفكاره ومتجدد في موضوعاته بل شاعر الثورة في شعره يعالج لقضايا المرأة والمجتمع في شعره يرتكز تارة في تمرده عليها عندما ينصرف إلى ذكر ه لأوصاف ندرك من خلالها بأنه مبدع مؤمن بقضية تحرر المرأة . هي صرخة في وجه المجتمع الذي تمزقه الازدواجية , لقد ظل عصمت شاهين الدوسكي يمثل هموم وأزمات وصرخات الأنثى كما هو الشأن للشاعر العظيم نزار قباني الذي تعددت جوانب المرأة الإنسانية في شعره الذي لم يعد حضورها حضورا جسديا فقط بل حاول عصمت التغلغل في عالمها وإضاءة الجوانب الإنسانية باعتبارها المجتمع ،هي الأم هي الأخت والحبيبة والرفيقة. عصمت شاهين شلال من الإبداع منهمر في جداول رقراقة لقلبك السعادة والحب للإنسانية .
************
المقاطع الشعرية من صحيفة الفكر للثقافة والاعلام


13
أدب / رفيق الروح
« في: 17:05 31/10/2017  »
رفيق الروح
عصمت شاهين دوسكي
 

 البحر أمام نافذتي
يغرقني ، يشتتني ، يستبيح ذاكرتي
يمنحني أملا ،
حلما ، يعلو صمتي
مهما أخفيت أحزاني ، آهاتي ، معاناتي
يغسلني البحر عنادا ،
ويحطم مأساتي
************
رفيق الروح
يا بحري ، يا قدري ،  يا جنون تنهداتي
على صدرك أتنفس أنفاسك
وتمحو قبلاتك الملتهبة ، قبلاتي
أنت ملكة على عرش غربة الروح
على أبواب صروحك أقف
وأنشد بحرقة توسلاتي
************
سيدتي
 اقتربي .. انصهري في كتاباتي
 فما أجمل اللذة الروحية على جسد ذاتي
 فما أجمل أن تذوبي
كعسل مصفى في مساماتِ
لا تخجلي
كل النساء رفعن
راية بيضاء على قمة كلماتي

14

رواية (الإرهاب ودمار الحدباء)
للشاعر عصمت شاهين دوسكي
بقلم الإعلامي ..عدنان الريكاني
 

الرواية الجديدة للشاعر و المفكر و الروائي الكبير ( عصمت شاهين الدوسكي) تحت عنوان (الإرهاب و دمار الحدباء) الموسومة باللغة العربية بين أيدي القراء الأعزاء في المكاتب دهوك. الرواية المذكورة تتضمن في كتاب بحجم المتوسط عدد صفحاتها (111 ) مؤلفة من عشرة فصول تمر بمراحل و عناوين متعددة من حيث ( المقدمة  قبل البداية و من وراء الحدود ، دهوك الملاذ الأمن ،احتلال موصل، منهج  و رؤية، الانكسار، إعلان ساعة الصفر، دمار البيت، البحث عن مكان، رحلة بلا نهاية) من هذه الفصول ينتقل القارئ بمراحل حساسة و صور مؤلمة يشرح ويسرد مدى الدمار الذي أحدثه الإرهاب في الموصل من قبل الدواعش ، يراه بأم عينيه ،هذه الصور التراجيدية التي تنقلنا بصيغة مباشرة إلى أغوار الرعب و الانفلات الأمني والفوضى  و رائحة القتل والدمار بين جثث هنا و هناك، ثم نرى شخصية الروائي كبطل الرواية متجسدة في جوهر الحروف المجسدة بين أسطر الضياع و البحث عن الملاذ الأمن ناسيا ركام البيت المهدم ، تاركا ورائه حصنه الحصين، وتلك اللغة التي أستخدمها الروائي كان الميزان للعدل البلاغي لفرض هيبة الإقلاع عن الرضوخ لأهالي الموصل و التوجه إلى مأزق الروح المتعالية في مراحل الفكر الأدبي المقارن ببحور الأدب العربي. رواية الإرهاب ودمار الحدباء ،رصعت من خلال أنامل احترافية للصورة المنقولة حسيا و بصريا من خلال التصميم الجميل والرائع يلاءم الرواية و عيون القارئ من أول وهلة لكي يحس بالمدار الهائل التي وقعت على المدينة المنكوبة الحدباء ،للأستاذ والشاعر الفنان القدير نزار البزاز،و قام بالتدقيق اللغوي وكتابة المقدمة الأستاذ الدكتور هشام عبد الكريم مشكورا.


15
المنبر الحر / الإعلام في الأزمات
« في: 18:32 27/10/2017  »
الإعلام في الأزمات
لا يمكن ركود الأعلام والثقافة في الأزمات
يستعين الإعلام بنفسه ليكون مصدرا بدلا من أن يكون مستهلكا
عصمت شاهين دوسكي
 
إن أردنا أن نبحر في عالم الإعلام تعريفه وسائله أهدافه مفهومه تأثيره لأخذ حيزا كبيرا وواسعا ولكن أوجز الإعلام في الأزمات ، ويمكن القول إن الإعلام يعتبر وسيلة مهمة ورئيسية للديمومة والتواصل الفكري مع الآخرين ومن وسائل الإعلام الصحافة والإذاعة والتلفزيون " القنوات المحلية والعربية  والعالمية " ، الفرد والمجتمع يتأثر بصورة مباشرة وغير مباشرة بما تنشره الصحف وتذيعه الإذاعة وتصوره القنوات المرئية ، ومن وظائف الإعلام طبيعة دوره في المجتمع ، فالإعلام بصورة عامة يحرص على استمرارية الحاجات الإنسانية الروحية والفكرية والمادية ، فهو يهب المعلومات الضرورية المهمة ويوضحها ، حتى الأفراد المجتمع يكونوا قريبين من الأزمة ويفهموا جوهرها من خلال وعي وتوجيه وأسلوب إعلامي سليم .
 
بتعزيز صور الأزمات بلا ضبابية لكي تساهم في تعزيز التفاعل المهم بين الفرد والأزمة ومشاركته لها ، دور الإعلام يكون متابعة أخبار الأزمة وتوضيح نتائجها  ومواجهتها وتفعيل النشاط الفكري والوعي للتصدي وتطويقها والرؤى التطوري في سلامتها ونجاحها بنقل مفهوم الأزمة بثقة وصراحة و شفافية وأمانة وصدق وبسرعة وتطويرها كما هي على ارض الواقع ، وإيجاد خطط ايجابية على ثقافة الفرد والمجتمع وتجلي الوعي المطلوب وشرح إبعاد الأزمة لتكون لديهم قناعة واضحة تدفعهم لفكر وسلوك سليم وفقا لحجم الأزمة ،
 
تأتي من خلال مدهم بصراحة ووضوح المعلومات والحقائق من مهتمين بالأزمة ورجال فكر وثقافة وإعلام لهم شأنهم الكبير وتأثيرهم الإعلامي ، بإعداد برامج توعية إرشادية توجيهية ثقافية تناسب الأزمة وإقامة مؤتمرات وندوات وحملات توعية ، فمسؤولية الإعلام قوية وفعالة ومؤثرة ومتطورة ومنوعة ومثلما هناك خطط سنوية يجب أن تضع خطة إعلامية من أهم واجباتها ووجودها إدارتها الناجحة السليمة للأزمات ,من خلال الإعلام الكامل للأزمة .
 
 وتعزيز وتشجيع النشاطات الإعلامية المباشرة ، التوعية والتنموية وهذا يؤدي إلى وعي الفرد والمجتمع وفهم الأزمة ومحاولة عرض الأفكار والرؤى المختلفة مناقشتها وتحليلها وتوضيحها للوصول إلى مرآة تعكس حقيقة الأزمة والتعايش معها ثم عرض الموقف المحلي والدولي وتطوريهما بمساهمة المفكرين والأدباء والباحثين والعلماء والمختصين بإدارة الأزمات وتفعيل دورهم الإعلامي وتحفيز الناس لإدراك ماهية الأزمة ، وهذه تعتبر مساهمة إعلامية في تنمية ووعي المجتمع لتكون مصدرا مهما تناقله القنوات الفضائية وعدم الاعتماد على مصادر خارجية كالقنوات الخارجية إذ يستعين الإعلام بنفسه ليكون مصدرا بدلا من أن يكون مستهلكا وناقلا ومستنسخا من مصادر خارجية قد تكون بعيدة عن الأزمات الداخلية .
   
,يقول احد المفكرين "مارشال ماكلوهان " (إن تكنولوجيا الإعلام تساهم في تشجيع الوسائط الفكرية التي تؤدي إلى تأثيرات اجتماعية واضحة ) مما يعزز الاهتمام والتفاعل الراقي بين الإعلام والثقافة فدعم الثقافة السليمة في الأزمات من الضروريات والأساسيات المهمة في الإعلام فلا يمكن ركود الإعلام والثقافة في الأزمات بل تفاعله يكون اكبر وأوسع لتصحيح وفهم الأزمة والتعايش معها بشكل سليم وراقي.


16
أدب / همسات عارية
« في: 17:09 23/10/2017  »
همسات عارية

عصمت شاهين دوسكي

 

همسات عارية تمتد في شفتيك
تستحيل عصرا حديثا في عينيك
لا تلومي تمردي فأن الشوق للجمال يحييني
وانتظار رؤاك حضارة على يديك
تحملي مشاعري فوضويتي وجنوني
فأنا طفل كبير يداعب برقة وجنتيك
ربما سلبت إرادتي ، حلمي ، نفسي
لا يهم يا سيدتي البعيدة القريبة
فكل ما لدي ، لديك
**********
صمتي ملحمة كبرى
غامضة مجهولة الطرقات والبحار والآهات
لكنك أجمل النساء
ترسمين القبلات بناظريك
أي شارة ، إيحاء ، الهام ترسلين ؟
أنا رسول الحب  والسلام
وإن كانت في مقلتيك
تضاريسك المنحنية
ألهبت  انتظاري المجنون
أفرغ طوفان في كأس حلمتيك
يا طفلة دلوعة ، يا صبية طرية ، يا امرأة شقية
عشقي الكبير وطن على راحتيك
************
داعبيني صباحا كنسمة ندية
داعبيني مساء كهرة عصرية
واترك آثار خربشتك
على جسدي أثرا مما لديك
أنت حضارة النساء ،
تجمعت كل النساء الحسناوات ،
الأميرات ، الملكات
الراهبات ، المشاكسات في مقلتيك
عذرا يا سيدتي إن أطلت
وأنت تشربين قهوتك الصباحية ،
فأنا رشفة ذابت في ريقك خلسة
فرأيت همسات عارية ، حرماني 
ورأيت ما لديك .


17
عصمت شاهين دو سكي
ورواية الإرهاب ودمار الحدباء
التوثيق الصادق في المحلية سبيل يوصله للعالمية
الدكتورة  نوى حسن .. مصر
 
صدر حديثا رواية " الإرهاب ودمار الحدباء " من مطبعة محافظة دهوك للأديب الشاعر والناقد عصمت شاهين دو سكي ، الإيداع 2184 لسنة 2017 م مكتبة البدرخانيين ، دهوك .
أجمل ما في هذه الرواية الحبكة الدرامية الرائعة التي تأخذك بانسيابية ناعمة تستشعر معها روعة السرد والصدق في التناول والواقعية المفرطة لأن الراوي عاش الأحداث ومن داخلها وذلك يخلق حالة صداقة وتناغم وتواصل بين الكاتب والقارئ وبكل صدق وعمق وطنيته عبر عن جراح الوطن المؤلمة ، فكلماته كانت تصهل ألما ووجعا ، أحببت الرواية بكل جمالياتها واستمعت إلى نبض شخوصها ومعاناتهم والقهر والظلم الذي تعرضوا له في مدينة نينوى الموصل الحدباء .
 فالرواية هي فقه لحياة الناس وما يحيط بهم من الظروف  ... سببت للكاتب الكثير من المواجع من كل ما حدث له ومن حوله من دمار وضياع لكل رموز مقومات الحياة وانعدام الأمان حيث أصبح كل شيء مظلم أسود ومصير مجهول ... عنصر التشويق كان مميزا في اختياره الذكي الإيجابي لغة ومضمونا فقدم لنا تفصيلا دقيقا للأحداث التي وثقها بنفسه فجعلنا نتفاعل وننفعل معه ومع حالة شخوصه النفسية والعاطفية وكأننا في قلب الأحداث المؤلمة وكيف تعرضت المدينة وأهلها للظلم والاضطهاد من هؤلاء الدواعش المجرمين بعد اقتحام مدينتهم الآمنة الهادئة وناسها الطيبين ، تجردوا من إنسانيتهم واظهروا وحشيتهم فهم وصمة عار على جبين الإنسانية...حرقوا الحرث والنسل وروعوا البلاد والعباد أتوا باسم الدين وأفكارهم التكفيرية المضللة والدين منهم براء .
والرواية تصور لنا أحداثا جسام لإجرامهم ... قتلوا النساء والأطفال وباعوا من باعوا منهم ودمروا التاريخ والآثار والمعالم الحضارية فلم يسلم منهم لا بشر ولا شجر ولا حجر ولا نهر ولا حيوان وكأن المدينة أصبحت مرتع ومأوى لإجرامهم.... قدم الأديب رسالته الإنسانية بأسلوب شيق سلس تعاطفا كثيرا مع ما قدمه في روايته الواقعية الصادقة الموثقة توثيقا دقيقا .. يلتمس من خلالها القارئ واقع الحياة كما هو دون ضبابية .. وهذا هو السهل الممتع الذي يمتزج مع الروح والقلب والفكر والإحساس ، فأسهب الكاتب في رصد كل هذه الأحداث التي عاشها هو وأسرته وجيرانه وأقربائه وأصدقائه ومجتمعه فأغرقنا بتوثيقه الصادق في المحلية الذي يكون سبيلا يوصله للعالمية .

18
أدب / مازالت اللعبة مستمرة
« في: 21:16 17/10/2017  »


مازالت اللعبة مستمرة


عصمت شاهين دو سكي

ما زالت اللعبة مستمرة
إن رضينا أم أبينا بالأمر
ما زالت اللعبة مستمرة
إن بكينا أو فرحنا بقدر
ما زالت اللعبة مستمرة
والضحية يا سيدتي نهديك
يصلبان في لظى الصيف
وتحت قطرات المطر
نهد يجود خافيا
كالبحر يهب ولا ينكر
ونهد يجود علنا
عبر في ساحة الوغى ويعتبر
************
ما زالت اللعبة مستمرة
يا سيدتي لا تصدقيهم
كذبوا عليك حينما
قالوا : أنت الملكة ، أنت القمر
كذبوا عليك حينما
قالوا : أنت الوطن ، أنت القدر
تجلت أنانيتهم
وأظهروا على نهديك السيف والخنجر
فأتتهم ريح صفراء ، حمراء ، هوجاء
لا تبقي ولا تذر
كذبوا عليك يا سيدتي
حينما رفعوا رايات بيض
وقالوا : كلنا لعمرك ذكر
ما تصنعين في عمرهم
وكل أعمارهم قصر وقصر
رسموا على دوائر نهديك راية الحرية
وفي كل مسامات جسدك دم يهدر
*************
ما زالت اللعبة مستمرة يا سيدتي
انزلي شعرك الطويل
على صدرك الطري
فقد هرب الورد والمسك والعنبر
لا تصرخي من وجع الانكسار
ولا تنقري من شدة وجع الكسر
تائهون ، حائرون ، متخمون
فمن يسمع ، ومن يشعر ؟
حتى إن بنو لك صرحا عاليا
يذهل منه البصر
فلا بسطاء ولا فقراء في رحابه
ولا يعلوا في أطرافه سوى الفقر
************
ما زالت اللعبة مستمرة
وإن دنت النجوم
فظن صاحبها ، السماء إليه تنحدر
واتخم مالا وجاها
فظن إنه بدل الإله يخلق ويتدبر
تكورت الدنيا في الخلاص
فذهب فيها ما نفع وما ضرر
شهدوا رياضة لعبتها
فلا فرق بين ثغرك ونهديك والخصر
كأن جسدك لعبة مستمرة
معرضها الظاهر ، ليس الفكر
وإن تدبروا وجودك حينا
رموا السهم والقوس والوتر
وإن هاجت النفوس هفوات
عرض عراك على البشر
فما بعد المصيبة ، ولمن تعتذر ؟
يكفيك يا سيدتي
ظنوا إنهم كالفارس المنتصر
وعلى مدحهم روحهم تحتضر
سيدتي
ما زالت اللعبة مستمرة
فدعي القوافي على جسدك باقي العمر




19
الإرهاب ودمار الحدباء
وثيقة أدبية  تاريخية إنسانية عالمية
الأديب الصحفي  .. جمال برواري

صدر حديثا من مطبعة محافظة دهوك رواية ( الإرهاب ودمار الحدباء ) التي يستعرض فيها الأديب الشاعر والناقد عصمت شاهين دو سكي أحداث وأحوال واقعية مأساوية في عصر الديمقراطية والحرية في ظل صراعات وتناقضات على ارض الواقع الموصلي وأهلها الطيبين .
تقدم الرواية رصد دقيق لحياة ( أبو سيلين ) وعائلته الذي رأى وعانى وعاش المآسي ، شاهد عيان لفترة زمنية صعبة ، وترصد الرواية في عشرة فصول نفوذ الإرهاب ، الأسباب والمتناقضات التي جعلت أجمل واعرق المدن التاريخية الموصل الحدباء أم الربيعين تحت سلطة الظلم والظلام لسنين تحت سلطة الجبروت والفوضى والضعف الإداري والسياسي والتي أدت إلى انهيار الأركان النفسية للمواطن الموصلي ثم انهيار المدينة بين عوالم الفكر التخريبي والتدمير ثم احتلالها من قبل من أتوا من وراء الحدود ليفرضوا فكرهم ونهجهم على البسطاء والفقراء بالتهديد والترغيب المادي وانتهزوا صمت العالم أمام هذا الاحتلال العالمي فروجوا وبسطوا وحكموا واغتصبوا وسرقوا وخربوا ودمروا وهجروا  وشردوا وفعلوا ما لم يكن يخطر على البال والحسبان ،وكشفوا للعالم مصائبهم ألتدميري للأرض والإنسان وأكاذيبهم حتى في نهجهم الذي أعلنوه وتناقضهم وهوسهم بالمال والنساء وبيعهم النساء في السوق السوداء العالمية .
تتابع الرواية مصير عائلة ( أبو سيلين ) آلامهم ، صبرهم ، تحملهم ، من هول ما رأوه وعاشوه وقوتهم أمام التحولات المسرعة التي طالت البشر والشجر والنهر والحجر وكيف عبروا حدودا وكذلك تكشف الرواية الصراع المحتدم بين المسئولين الباحثين عن المناصب والفساد والرشوة والاتفاقيات السوداء تاركين الإنسان في وادي مظلم تحت ظل الإرهاب الروحي والنفسي والفكري لهذا تعتبر رواية ( الإرهاب ودمار الحدباء ) وثيقة أدبية تاريخية إنسانية عالمية لأنها تمس الإنسان والأرض عامة وتستحق المتابعة والاستفادة منها ، ولو كانت هذه الرواية طبعت في دول أوربية لأخذت انتشارا واسعا واعتنت فيها المؤسسات الإعلامية والفكرية والاجتماعية وليس ببعيد تكون فلما روائيا مهما في كل زمان ومكان . ساهم في طبع الرواية مشكورا الأستاذ الباحث في الشؤون الشرق أوسطية سردار علي سنجاري .
*****************
نبذة عن حياة وأعمال الشاعر
عصمت شاهين دو سكي

 
----------------------------------------------
-   مواليد 3 / 2 / 1963 دهوك كردستان
-   بدأ بكتابة الشعر في الثامنة عشر من العمر ، وفي نفس العام نشرت قصائده في الصحف والمجلات العراقية والعربية .
-   عمل في جريدة العراق ، في القسم الثقافي الكردي نشر خلال هذه الفترة قصائد باللغة الكردية في صحيفة هاو كارى ،وملحق جريدة العراق وغيرها .
-   أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في مدينة الموصل
-   حاصل على شهادة المعهد التقني ، قسم المحاسبة - الموصل
-   شارك في مهرجانات شعرية عديدة في العراق
-   حصل على عدة شهادات تقديرية للتميز والإبداع من مؤسسات  أدبية ومنها شهادة تقدير وإبداع من صحيفة الفكر للثقافة والإعلام ، وشهادة إبداع من مصر في المسابقة الدولية لمؤسسة القلم الحر التي اشترك فيها (5445) لفوزه بالمرتبة الثانية في شعر الفصحى ، وصحيفة جنة الإبداع ، ومن مهرجان اليوم العالمي للمرأة المقام في فلسطين " أيتها السمراء "  وغيرها .
-   حصلت قصيدته ( الظمأ الكبير ) على المرتبة الأولى في المسابقة السنوية التي أقامتها إدارة المعهد التقني بإشراف أساتذة كبار في الشأن الأدبي .
-   فاز بالمرتبة الثانية لشعر الفصحى في المهرجان الدولي " القلم الحر – المسابقة الخامسة " المقامة في مصر " .
-   حصل على درع السلام من منظمة أثر للحقوق الإنسانية ، للجهود الإنسانية من أجل السلام وحقوق الإنسان .في أربيل 2017 م
-   حصل على شهادة تقديرية من سفير السلام وحقوق الإنسان الدكتور عيسى الجراح للمواقف النبيلة والسعي لترسيخ مبادئ المجتمع المدني في مجال السلام وحقوق الإنسان أربيل 2017 م
-   حصل على درع السلام من اللجنة الدولية للعلاقات الدبلوماسية وحقوق الإنسان للجهود الإنسانية من أجل السلام وحقوق الإنسان . أربيل 2017 م
-   تنشر مقالاته وقصائده في الصحف والمجلات المحلية والعربية والعالمية .
-   غنت المطربة الأكاديمية المغربية الأصيلة " سلوى الشودري " إحدى قصائده " أحلام حيارى " . وصور فيديو كليب باشتراك فني عراقي ومغربي وأمريكي ،وعرض على عدة قنوات مرئية وسمعية وصحفية .
-   كتب مقالات عديدة عن شعراء وأدباء الأدب الكردي
-   كتب مقالات عديدة عن شعراء وأدباء المغرب
-   كتب مقالات عديدة عن شعراء نمسا ، (( تنتظر من يتبنى هذا الأثر الأدبي الكردي والمغربي والنمساوي للطبع . )) .
-   كتب الكثير من الأدباء والنقاد حول تجربته الشعرية ومنهم الدكتور أمين موسى ، الأستاذ محمد بدري، الأديب والصحفي والمذيع جمال برواري الأديب شعبان مزيري  الأستاذة المغربية وفاء المرابط الأستاذة التونسية هندة العكرمي والأستاذة المغربية وفاء الحيس وغيرهم .
-   عضو إتحاد الأدباء والكتاب في العراق .
-   صدر للشاعر
•   مجموعة شعرية بعنوان ( وستبقى العيون تسافر ) عام 1989 بغداد .
•   ديوان شعر بعنوان ( بحر الغربة ) بإشراف من الأستاذة المغربية وفاء المرابط عام 1999 في القطر المغربي ، طنجة ، مطبعة سيليكي أخوان .
•   كتاب (عيون من الأدب الكردي المعاصر) ، مجموعة مقالات أدبية نقدية ،عن دار الثقافة والنشر الكردية عام 2000  بغداد .
•   كتاب ( نوارس الوفاء ) مجموعة مقالات أدبية نقدية عن روائع الأدب الكردي المعاصر – دار الثقافة والنشر الكردية عام 2002 م .
•    ديوان شعر بعنوان ( حياة في عيون مغتربة ) بإشراف خاص من الأستاذة التونسية هندة العكرمي  – مطبعة المتن – الإيداع 782 لسنة 2017 م بغداد .
•   رواية " الإرهاب ودمار الحدباء " مطبعة محافظة دهوك ، الإيداع العام  في مكتبة البدرخانيين العام 2184 لسنة 2017 م .
•   كتب أدبية نقدية معدة للطبع :
•   اغتراب واقتراب – عن الأدب الكردي المعاصر .
•   فرحة السلام – عن الشعر الكلاسيكي الكردي .
•   سندباد القصيدة الكورية في المهجر ، بدل رفو
•   إيقاعات وألوان – عن الأدب والفن المغربي .
•   جزيرة العشق – عن الشعر النمساوي .
•   جمال الرؤيا – عن الشعر النمساوي .
•   الرؤيا الإبراهيمية – شاعر القضية الآشورية إبراهيم يلدا.
•   كتب شعرية معدة للطبع :
•   ديوان شعر – أجمل النساء
•   ديوان شعر - حورية البحر
•   ديوان شعر – أحلام حيارى
•   وكتب أخرى تحتاج إلى المؤسسات الثقافية المعنية ومن يهتم بالأدب والشعر لترى هذه الكتب النور في حياتي .



20

الشاعر ارنست يا ندل ونهاية الإهانة
الشعر مؤثر  من الإيحاء ، ومن الضعف إلى الارتقاء
عصمت شاهين دوسكي
 

بعين الشاعر الدقيقة الفاحصة للأشياء ،وبرهافته يثبت إبداعه بعمق وفهم وسعة في الرؤية مدعوما بالشغف الكبير في الأدب ، بكتابة الشعر والنثر والمسرحيات والأفلام والأبحاث ،انه عالم كبير من الإجهاد الفكري والحسي الذي يمارسه الشاعر ارنست يا ندل  Arnst  Jandl  الشاعر النمساوي الذي يكتب في كل تلك المجالات الأدبية بشغف وبنفس الحماسة والشوق دون إن يقلل من مكانة أي مجال أدبي على حساب الآخر ، بل العكس وجد إن الكتابة في كل هذه المجالات الأدبية تمده بالنشاط والتميز ، إضافة إلى اشتراكهم بسمات وملامح متعددة ، فليس من الغرابة في شيء إن يجد الشاعر ارنست يا ندل في محراب الإبداع ، بخطواته المتقنة والمنظمة في الكتابة ، كالمتسلق على جبل ويعثر طريق للوصول الى القمة ، الشاعر ارنست يا ندل من الشعراء النمساويين الذين قضوا جل حياتهم في الكتابة والبحث عن ما هو جديد ، في العوالم الكتابية ، رغم اختلاف عناوينها ، من مواليد فيًنا عام 1925 أكمل دراسته في مجال اللغات الألمانية والانكليزية في جامعة فًينا ، عمل أستاذا جامعيا في جامعة تكساس واو ستين ،ونشر خلال مسيرته الأدبية أكثر من 40 كتابا في عدة مجالات أدبية منها الشعر والنثر والمسرح والأفلام والأبحاث ،وحصل على عدة جوائز منها جائزة الشاعر الراحل جورج تراكل عام 1974 في الشعر وغيرها من الجوائز الكبيرة والمهمة التي كانت نتيجة إبداعه وإخلاصه في الكتابة ، بأفكار عميقة في الفكر النمساوي ، أساسها هذا الصراع بين الحياة والموت ، بين الوجود واللا وجود ،بين الحلم واللا حلم ،بين الإهانة والرصانة ، تمتد جذوره الفكرية إلى أعمق ما نتصوره حيث ربط المعرفة بالفلسفة ، والانفعال والعاطفة بالشعر ، فالموت والحياة والإنسان والعالم صور تبحث عن نهاية راقية وليست مغلفة بالإهانة .

(( نهاية الاهانة
   كل واحد يحب
   موتا واحدا فقط
   لكي يلغي العالم كله
   هكذا كان وهكذا سيكون ))

هذه الصور الشعرية تدل على معرفة الشاعر بالأشياء ، فان المعرفة الأدبية هي معرفة بعمق لكنة الأشياء وحقيقتها ، وليست مجرد انفعالات تمر كعابر سبيل ، بالرغم إن الانفعالات تكون مهمة حين تكون نافعة ، إذا نظرنا إليها بعمق في التطهير والخطايا ، بفعل إثارة عاطفتي الخوف والشفقة في نفس الوقت ( الاهانة – الموت – العالم – كان – سيكون ) صور انفعالية غائرة مع الفكر الإنساني الذي يوحي بنهاية الأشياء ، وهي صفات تضيف سمة النهاية على الروح ، التقط الشاعر ارنست يا ندل جوهر الطبيعة والأشياء ثم عبر عنها بصور الاهانة النهائية ، فهو ضليع في الأدب بسعته الكبيرة ، الواسعة ، وله ملكة الخيال والفلسفة ، ومن خلالها يكشف عن وحدة الطبيعة والأشياء ، ومهما غزت العالم تطورات علمية فهي تطور من خلال تطورها في مجالات الأدب والشعر والفن ، مثلما تطور وعي وإدراك الإنسان لما يدور حوله وما يشعر ويحس على ضوء التطور والتطهير والتجديد ،لسنا هنا في موقع الفيلسوف ( ديكارت ) الذي أبدى عداءا قويا للشعر والشعراء ، وقيل عنه انه حز عنق الشعر ، لظهور النزعة التطورية والاكتشافات الجديدة ، التي تغزو العصر أو الأفكار الشخصية ، الفلسفية ، والخاصة  ، لكن سيبقى الشعر يهيمن وهو يحاول دائما التجديد والتوفيق بين الإحساس والفكر ، بين المعروف والغريب ،بين الأبدية من قبل ، والأبدية من بعد ،هما عالمين متناقضين ،لكن يجمعهما هدف واحد ونشاط واحد .

(( لا احد يدخل في معروف
   ولا احد يدخل في غريب
   الأبدية من قبل
   الأبدية من بعد ))

أليست هذه رؤية شعرية فلسفية تبحث عن الحقيقة ؟ وتكشف من خلالها عوالمها المهمة  ، مثلما الشعر يثير الانفعالات وينتمي إلى عصره المتطور ، كذلك يثير الأفكار مع الاستكشافات النفسية والروحية ( معروف – غريب – الأبدية – قبل – بعد ) صور قيمة تبحث وراء الأشياء عن العالم النهائي ، فالشعر له ما يبرره في وجوده ،وهو يكشف المدلولات ، ومادام الإنسان على الأرض يبقى الشعر على الأرض ،فليس هناك فصل بين العقل والقلب ، والعاطفة والفكر وجميعهم كأعضاء جسم الإنسان يكمل احدهما الآخر ، وان وجد ضعفا في احدهما اشتكى الآخر بالضعف ، وان أبدع أحداها أبدع الآخر من خلال إبداع الأول وهكذا ، فالقلب لا يهن ويضعف على حساب العقل والفكر والعاطفة ، فالزمن البشري لا يزول إلا بزوال الأرض وهذه ليست نهاية الذل والاهانة ، بل قدر الله على الأرض أما الانتحار الذاتي بصور مختلفة ، فهو نهاية الاهانة ، فالجسد الذي نفخ الله فيها الروح والعيون والقلب وكل ما فيه أمانة لا يهينها صاحبها مهما كانت الحياة قاسية ، ظالمة ، ربما تكون بحثا عن الخلاص ، نعم ، لكن خلاص بمهانة وذل لا تستجيب لها الأرواح الراقية .

(( ارض لتشطب الزمن
   الزمن الذي قاطعته الأزلية
   أنا اشنق نفسي    
   حلقومي يضيق الخناق على حلقومي
   وعيناي تطمسان عيني
   وقلبي يطعنني في قلبي ))

صور استكشافية عن نهاية الاهانة ، فنهاية الزمن الإنساني بدلالات مكثفة واضحة المعالم ، الشاعر ارنست يا ندل يبحر على سفينة المعرفة مدعومة بالفلسفة والفكر والوعي والإحساس والعاطفة ليوضح من خلال هذه الصور الشعرية قدر نهاية ألإهانه ، كيف تكون وكيف ستكون ،فهي صور حية ليست للضعف والانكسار كما تظهر للقارئ ، بل أفكار راقية تبحث عن الارتقاء الروحي ، من خلال نهاية الاهانة والضعف الانكسار ، بل حتى من خلال الموت والحياة ، فهي ولادة ثانية من العدم ، من الأبدية ( شنق – قاطعته – اشنق – الخناق – تطمسان – يطعنني ) كلها صور نهائية وأساليب لنهاية الاهانة ، لكن من يريد إن ينتهي  بالذل ؟ من يرغب في نهايته أن يكون مهانا ؟ هذا التصور الفكري ليس مجردا بل يرتبط مع التصور العاطفي بشكل كبير ، مؤثرا في الإيحاء ومن الضعف إلى الارتقاء .
**********************************
الشاعر ارنست يا ندل
-   مواليد 1925 فيًنا
-   أكمل دراسته في مجال اللغات الألمانية والانكليزية في جامعة فيًنا
-   عمل أستاذا جامعيا في جامعة تكساس واو ستين
-   عمل عضوا في أكاديمية برلين للفنون ،وأكاديمية ألمانيا للشعر واللغات
-   عضو اتحاد أدباء غراتس النمساوي
-   حصل خلال مسيرته على عدد كبير من الجوائز منها : جائزة الشاعر الراحل جورج تراكل عام 1974 في الشعر  ، اكبر جائزة لدولة نمسا عام 1984 ، جائزة جورج باخ نر ، جائزة جامعة فرانكفورت ، ميدالية ذهبية فخرية لمدينة فيًنا ، وجوائز أخرى
-   خلال مسيرته الطويلة في الكتابة ، نشر أكثر من 40 كتابا في مجالات الأدب المختلفة ، الشعر والنثر والأفلام والمسرح والأبحاث .
-   توفي الشاعر في فيًنا .
-   ********************************
-   انطلوجيا شعراء نمسا ، إعداد وترجمة بدل رفو





21
خرائط المعنى أم خرائط عشق ؟
العشق البياني أكثر سلطة على المعاني

 

عصمت شاهين دوسكي


يعتبر الشاعر هشام عبد الكريم من شعراء الموصل المعاصرين لمراحل زمنية وتجارب الثمانينات بصورة وأشكال وخرائط قد تكون مألوفة ومنفتحة ومؤثرة لكن يبقى غموضها في النص الشعري لتغدو مصدر إثراء وإغراء حتى لو تناغم مع الشعر الحديث وطرق أبوابها ومجاهلها وعوالمها وبحورها وضجيجها ومأساتها وغربتها تبقى كلماته هاشمية متزنة تشع بطاقة صورية شعرية إنسانية بلغة جميلة بسيطة عفوية ممتعة تلمس شغاف القلب وتثير المشاعر ، علاقته مع الشعر تضم خرائط المعنى وخرائط عشق من دلالات ورموز وصور شعرية تنبع من عمق تجاربه اليومية ، تحاكي الإحساس والفكر والوعي والإدراك ، الخطوط البيانية الشعرية تظهر في ينابيع جبلية وشلال هادر ونخل باسق ونهر جاري تستقر على ورقة بيضاء بنقاء وصفاء وصدق وبهاء وبراءة عشق ووفاء ، كريما جادا في الشعر والحياة شفافا بنرجسية حماها صادقة بلا غلو بلا كبرياء ، إخلاصه في الشعر ، صورة لإخلاصه للأعماق ، للضمير ، للإحساس ، للإبداع ، كما هي مع همومه وأحزانه وأفراحه بلا إطارات مظلمة وتوظيف ثقيل على الروح والفكر والقلب وبلا ضباب لغوي ، بلا تجمع صوري رمادي ضبابي ، يخرج الشعر من بحره الإنساني ، المجموعة الشعرية ( خرائط  المعنى ) نصوص شعرية لمعاني ومضامين وعلاقات يفسرها عشقا ، والعشق مضامينه ومعانيه مكشوفة تتلاءم مع نبضات القلب والمشاعر والإحساس والفكر وتستقر في محراب الروح ، تبدأ مجموعته بالإهداء ( إلى الموصل وهي تطلع من خاصرة الزمن ) خاصرة الجراح والمأساة والمعاناة والهزائم الإنسانية ، هناك صورة من التلاحم بين المكان والزمان ، وتجسيد لهويته المكانية التي تعتبر دلالة ضمنية لولادة ذات الشاعر ، يوحي بصور الموصل عبر الزمن فقد مرت هذه المدينة التاريخية العريقة بنكبات وأزمات وانكسارات واحتلال مبرمج في ظل فساد الإدارة وفساد السياسة واحتلالها من الأغراب ، الذي جعل الشاعر يغترب عن مدينته إلى بغداد تاركا أمكنة بيئته طفولته شبابه ذكرياته الجميلة بين الفكر المتقد بالحياة وبين أيدي الخراب والدمار العصري ، محملا في ذاته التوأم الروحي والمكاني الذي يمد الإنسان بطاقة تكمل أجزاء بنيته الوجودية الفكرية الإبداعية ، أسلوب الشاعر هشام عبد الكريم بين خرائط المعنى والعشق تتجلى بنثر كلماته حينا وبتفاعل في ظل التفعيلة ، يجسد في خرائطه عشق المكان الوطن المرأة والحلم والغربة والمعاناة والأمل والألم والانهيار والهزيمة والانكسار وتساؤلات في ظل الوجود واللا وجود ، الواقع واللا واقع ، فتحمل نصوصه الشعرية طاقة خلاقة فاعلة بتعبير متجانس مع الحياة ومع ذات الشاعر بصورة شفافة موحية بين البساطة والرقة  وتحس بمتعة مشحونة بالحب والأمل والجمال والحياة .
(( حين مشيت
   تلفت الجسد
   باحثا
   عن قلبي الذي هرب
   مني إليك )) .
البحث عن مكان بيان عشقي يرسم خلاله دلالات شاعرية مباشرة بين ( الأنا والمكان ) معنى عشقي راسخ في الروح والفكر والذات  ، حركة الجسد والقلب يحرك سكون المكان ، وفي معاني عشق النهايات والبدايات التي ترسل بعاطفة مؤلمة يستحضر كننها ، مصيرها الغائب ويوظف الفعل بتساؤل عن بداية الخراب والدمار ونهاية الأشياء والأمكنة الحزينة ( ماذا نفعل ؟ ) تساؤل الذكريات والأزمنة تساؤل بياني للعشق والعودة إلى الحياة .
(( كل الأمكنة
   تفقد بريقها
   حين تكون خالية منك
   النهايات واقفة
   والبدايات تجرجرنا إليها
   ماذا نفعل ؟ )) .
وفي صور صوفية بتركيبة حسية لغوية صوتية يستمر البحث في دوامة العشق الدلالي لإيجاد المعنى النقي والمضمون دون تكلف في الرموز بل محاولة لمسك البيان التعبيري للوصول إلى العشق الحقيقي بصيغة الحوار الذي يمنح النص حركة حسية وخيالية خلاقة .
(( شرعت في البحث
   عن أميرتي الحالمة
   فإذا بها تطلع من قاع البحر
   وتلوح لي !
   أنا هنا يا حبيبي
   لا تعجب فقد حللت في بدنك
   أنا صوفية الهوى
   فلا تبحث عني في هذه الجزيرة
   وتنسى جزيرة روحك يا حبيب )) .
يبقى البحث البياني عشقا تتصاعد وترته بدلالة البحث والكشف عن المكان إن كان المكان قلب الوطن ، قلب المرأة ، قلب المدينة ، وهذه العاطفة الجياشة لذات الشاعر المتعبة المحملة بجعبة الآلام والأحزان والأحلام والاغتراب بما يحيطها من انكسار فعلي وهزيمة فكرية وخراب متجلي ودمار إنساني ، البحث يجسد الخلاص ، الأمان ، الحب ، السلام ، لا لسعادة آنية بل للامان الروحي الذي يسمو فيه الجمال والحب والإبداع وكرامة وعزة الإنسان وهذا العشق البياني أكثر سلطة على المعاني ، ويبقى المكان مصدرا أزليا يبحث عنه الإنسان ليتحدان مع الزمان برقي وعشق وسلام وأمان فكري وروحي نحو التطلع لحياة أفضل .

******************
هشام عبد الكريم جمعة
الولادة : الموصل 1957 م
دكتوراه فلسفة في التاريخ الإسلامي
عضو اتحاد الأدباء والكتاب العرب
عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين
عضو نقابة الفنانين العراقيين
نشرت قصائده في العديد من الصحف والمجلات العراقية والعربية.
له في الشعر :
موسيقى لردم الحزن ، شعر ، الشؤون الثقافية العامة ، بغداد .
بلقيس تبحث عن سبأ ، شعر ، الموصل ، دار الشهيد .
قريب .. بعيدون ، شعر ، الموصل ، إصدارات نون .
لا أحد ينتظر القادمين ، شعر ، دار الديار .
ليل أطول ، شعر ، الموصل ، ديار الديار .
له في التاريخ :
الحنيفية والأحناف عند العرب ، دار الموسوعات العربية ، بيروت.
مجموعة بحوث تاريخية نشرت في بعض المجلات .
له في المسرح :
حجارة عبد الله . أخرجها راكان العلاف .
للطيور أجنحة من ذهب ، أخرجها ربيع عبد الواحد .
المحتال ، أخرجها الفنان عبد الرزاق إبراهيم .
الذئب ، أخرجها الفنان ربيع عبد الواحد .
كلكامش هاربا ، ربما حين يجيء ،النفق ، وادي الأحلام .
*******************
المصدر : كتاب خرائط المعنى ، شعر هشام عبد الكريم ، رقم الإيداع  7492 لسنة 2016 م بغداد .
   

22
أدب / مصلوب بلا صليب
« في: 17:12 09/10/2017  »
مصلوب بلا صليب

عصمت شاهين دوسكي

صلب ، يصلب ، صلباً
لكن ، مصلوب بلا صليب
قتل ، يقتل ، قتلاً
لكن ، مقتول بلا حسيب
فعل ، يفعل ، فعلاً
من فعل هذا بلا رقيب ؟
**********
أكتب عن الحب والهوى
قالوا : جن من جن كئيب
أكتب عن نساء العالم
قالوا : عاشق بلا حد رهيب
أكتب عن الوطن والسلام
قالوا : عن الوطن غريب
عجب نبض القلب عجبا
ما بال لا يحتمل الإبداع ، عجيب ؟
إذا بصمت أسمع صرير القلم
هؤلاء لا يقرؤون من بعيد وقريب
يصلبون ، يقتلون ، يفعلون
لكن أمام الكلمة نحيب ونحيب
***********
يا جيل الانكسار والهزيمة والعار
من يمح العار
ويزحزح صخرة الانهيار  ؟
من ينزع قشرة المظاهر
من يفتح زهرة في القفار ؟
من يغسل أثر السحت الحرام
من يغسل جوف الآثار ؟
من يجبر جسور الروح
من يضيء قناديل الأنوار ؟
آه وآه ,,, يا جيل الانكسار
والهزيمة والعار
*********
يا جيل الفوضى والهوى والتماثيل
ستهوي عروشك ، أحلامك
من كذب وخداع وأباطيل
يصبح الباطل زاهيا
ويصبح الحق منديل
تسقط عبراتك على رؤوس
كأوراق الخريف الجزيل
أختزل الأمر في عينيك
قابيل قتل هابيل
أم هابيل قتل قابيل ؟




23
من الآداب العالمية
بابا طاهر عريان الهمذاني

عصمت شاهين دوسكي
 
أي عمل أدبي صادق يترك أثرا فكريا نفسيا  حسيا وأخلاقيا في روح ونفس القارئ وهو يحاول من خلال الصور الذهنية واللغة والرمز في الرواية أو المسرح ، القصة ، الشعر ، بتركيز وإيحاء يحتاج إليه أكثر من التفاعلات الاتصالية اليومية وكذلك الأديب الشاعر الفنان التشكيلي تتيح له مواهبه وخبرته وتجاربه وإحساسه ورؤيته وإيقاعه وغير ذلك من العوالم الجمالية والإبداعية في العمل الأدبي ، كون الأدب منبع راقي من منابع المتعة الروحية والفكرية والحسية والنفسية والذهن الخلاق ، ومن الآداب العالمية ، كتاب وصلني من بغداد من الأستاذ الفاضل رياض الجعفري كتابه الذي أعده وحققه وقدم له بعنوان من الآداب العالمية  " رباعيات بابا طاهر عريان الهمذاني " الذي يستحق الاهتمام والمتابعة ، الشاعر الكبير الذي تجاوز أدبه وشعره الحدود بتأثيره وقوته وسلطانه على النفوس بلغتها الأصلية أو من خلال الترجمة وقد يسأل القارئ عن " الهمذان " أصلها همذانة وتذكر الكتب السريانية أخبار الملوك والبلدان ، إن الذي بناها هو كرميس بن حليمون وهي مدينة كبيرة في الجبال توصف بجمالها وطيب هواءها وكانت محلا للملوك ومحرابا لأهل الدين والفضل ويطلق عليه اليوم " همدان " ، العمل الأدبي يجب أن يحقق تناغم فكري واطلاع على أفكار الآخرين والإفادة منها والسير في ركب الأدب العالمي وتعميق محاولة التأثير في الآداب العالمية الأخرى ، وعلى القارئ أن يكون على دراية بأن ما يهم هنا العمل الأدبي وتأثيره ، كتاب رباعيات بابا طاهر عريان الهمذاني يكشف نواحي مختلفة من الفكر المتقد والتفكير الحكيم وخاصة لو عرفنا إن عريان من أوائل من نظم هذا الأسلوب المميز في الشعر التي جاد في ترجمتها الشاعر الكبير صالح الجعفري ، يعتبر العريان فيلسوف وشاعر متصوف صافي البديهة والقلب رقيق المشاعر والروح ، شغفه بالغزل بلا حدود إلى حد كشف سواتر شغاف القلب ، انطوائي ومنعزل لحد الجنون لكن منابر فكره ملتهبة في فضاء الحكمة الروحانية إذ يقول :
(( أنا ذاك الخالع العيار أدعى بالولي
   فارغ الكفين مما ملئت منه العباب
   حائم اليوم على رابية النور البهي
   نائم الليل ، فراشي لبنات وتراب )) .
والعيار كثير السفر ، والعياب جمع عيبة وهو ما يشبه الوعاء أو الحقيبة تحفظ فيها الأشياء الشخصية ، يمكننا كشف الأعماق إلى أبعد من طبيعة الخبرة والحكمة والنرجسية بحكم تمتعه بنظرة ثاقبة وقدرة فريدة جميلة مميزة ، فقد تأثر بما مر عليه من خبرات وتجارب ورؤية عميقة في حياته ، تأثرا عميقا ولا شك قادر على استيعاب واستلهام كل الرؤى وتسخيرها في رباعياته الشعرية ، بتميز دقيق باستعمال اللغة والصور المشرقة والأفكار الملهمة بشكل بهي ودقيق يقترن مع الخيال الخلاق ، ويتناغم مع خيال القارئ وإحساسه ومشاعره وأفكاره وهذا التفاعل بين الشاعر والقارئ يولد عوالم ثرية وعميقة إضافة غن الشاعر بابا طاهر عريان الهذاني يهتم بتركيز على وضع أسس وإلقاء الضوء عليها في شمولية الحياة من جمال وحب وحكمة وتعقيد وتناقض ومفارقات تجسد عالما مؤثرا ليكون بصمة عالمية في تاريخ الأدب العالمي من التألق والتميز والسمو والإبداع الفكري والتعبير والوصف الجميل الذي لمس شغاف القلب ، وحينما يبدأ ويعلن عن نفسه بشفافية ودقة متناهية وصور شعرية مؤثرة وبحس مرهف تتخيل حكيم كبير .
(( لي قلب يشبه الطير كسيرا ذا شجون
   أو كفلك  البحر  قد  أجنحة  تياره
   قيل : يا طاهر جس التار أسمعنا اللحون
   قلت : هل يسمع  تار  قطعت  أوتاره ؟ ))
يرسم الشاعر عوالمه الممكنة والمستحيلة يجيز من خلالها أن يقدم معاني وأسس الطبيعة البشرية التي يتحرك ويتفاعل خلالها العالم الخارجي ، طبيعة البشر الشر الخير ، الجمال القبح ، الجمال والضباب ، كيف إن بذورها تنطوي على سمو أو دمار النفس وإظهار الفقر وإزهاق الروح بعكس نطفة الخير التي تؤكد وجودها ومقرها ومثواها في القلب والروح ، هذه العوالم بين الخير والشر تاتي برؤى قد تكون مجهولة المعالم ( لست أدري ) ربما تكون عناصر الشر متجلية وإن كانت رؤاها رمادية  ( من سبب فقري ) يستلهم الشاعر تقديم المجهول بشكل يصور من خلاله العوالم الأخلاقية تصويرا مبدعا ( من أزهق روحي ؟ ) وهي دلالات فكرية ووسائل جمالية شفافة لها الأثر الكبير في رؤية الطبيعة البشرية خلالها والذي يفتح مجالا واسعا للتأمل والتحليل والتدبير والتدبر والوصول إلى ثمرات إيجابية بما يتصل بالإنسانية حينما يستعمل أصوات وإيقاعات ورموز وإيحاء يثير الفكر والهاجس والروح فينا من تأثير تجلي صور ذهنية بخيال خلاق قد يبيح للمجهول فضوله وشره وعمقه بتفاعل إحساسه وتأثيره وعشقه ( ما آثر العشق على قلبي الجريح ) وهكذا يجسد الشاعر الشيء الكثير من الإحساس والرؤى والحكمة والجمال عن كيفية فهم العالم والبشر بين المجتمع والحياة .
(( لست أدري من كساني العري ؟ من سبب فقري ؟
   لست  ادري  وأنا  الجلاد  من  أزهق  روحي  ؟
   أفلا تعطيني الخنجر كي أفتح صدري
   لأرى ما أثر العشق على قلبي الجريح  )) .
تذكر بعض المصادر نقلا عن مراحل دراسته إن الشاعر كان مواظبا فجر كل يوم على رياضة الغسل والسباحة وكان يحطم ويزيل الثلج المتراكم على سطح ماء حوض المدرسة المكشوف وكان يراه رفاقه عريانا بالحوض ومنذ ذلك عرف بالعريان ، فقد يوحى العريان إلى صور كثيرة في مخيلة القارئ ، وفي مصادر أخرى ذكرت صفات له كالواله والمجنون والمجذوب وهذا يظهر إنه كان من عقلاء المجانين كما أكد المستشرق " ادوارد هيرون " في مقدمة كتابه " مرثيات بابا طاهر " واختلفت الآراء في تحديد عصره بسبب انطوائه وعزلته فمن الباحثين من جعله من القرن الرابع الهجري وبعضهم الآخر من أدباء ورجال القرن الخامس ولم يصلوا إلى زمن وعصر محدد ، يخلق الشاعر عوالم متخيلة وعوالم واقعية كأنه يأخذ بيد القارئ إلى عالم التأمل لكن بصورة أسهل وأمتع ويجعل المتلقي أكثر وعيا بالبيئة والمجتمع والثقافة وأكثر فهما لقيمها ومعانيها ومضامينها حينما لم يمدح الشاعر في حياته الملوك والأمراء ولم يلمس أكتافهم ولم يقترب من مجالسهم لا من الطغاة والمستبدين والفاسدين ولا جبابرة زمانه كون عزة نفسه تأبى أن تكون قصائده الراقية في صروح عباد المال والجاه والمنصب والكرسي والمظاهر وأبالسة الدمار والخراب النفسي والقتل الروحي وأبالسة الملذات والجهل والشهوات لهذا لم تعلق قصائده فوق عروش السلاطين ولا تنقش على جدران الملوك ولا تطرز على أبواب الأمراء لكن ظلت مشرقة في قلوب عشاق الأدب والحقيقة وقد عبر ووصف بشكل دقيق هذه الصور الإنسانية بدقة متناهية جميلة .
(( إن بلغت الفلك الدوار أحفيت السؤال :
   كيف قدرت ؟ وما السر بهذي القسم ؟
   فلأولاء رفاء ، ونعيم ، وظلال
   ولأولئك خبز من شعير بدم ! )) .
الرفاء ، الخير والزاد الوفير ، يرتقي أدب وشعر بابا طاهر عريان إلى المستوى العالمية فقد اجتاز الحدود والدول وترجم شعره إلى عدة لغات وحقق أدبه انتشارا وشهرة واسعة بفضل ما يمتلك من خصائص فنية في تصوير إبداعي لبيئته ووصفه بحكمة وقدرة متمكنة من مضامين وتعبير راقي عن قضايا تهم المجتمع والإنسان ومن هذا المصطلح العالمي أول من استخدمه الشاعر الألماني " غوته " الأدب العالمي وكان يعني الأدب والشعر الذي يرتقي إلى المستوى الإنساني عامة في مضامينه وفي نفس الوقت لا يبتعد عن عمقه البيئي المحلي ، وكان غوته يحلم غن آداب العالم سوف تلتقي في زمن ما ،فهو أدب إنساني قبل كل شيء يعني الإنسانية في كل زمان ومكان .
******************************
المصدر :
رباعيات بابا طاهر عريان الهمذاني ، ترجمة الشاعر صالح الجعفري ، حققه وأعده وقدمه رياض صالح الجعفري ، رقم الإيداع 388 لسنة 2012 م بغداد .
   



24
عصمت شاهين الدوسكي بين عوالم المتغيرات الفكرية
الواقع الثقافي والأدب يمر بمرحلة جديدة
انا غني بكتاباتي وفقير في حياتي
حوار : جمال برواري

الأدب الكوردي المعاصر ذلك الأدب الذي وصل إلى العالمية من خلال الأدباء والمفكرين والفنانين والشعراء الكورد ، تتجاوز رؤاهم وأفكارهم الحدود الإقليمية بقوتها وإحساسها وسلطانها على القلوب والأرواح والنفوس ، تنتشر في بقاع الأرض وتحقق العالمية بصورة مباشرة أو غير مباشرة ولا شك ليس كل عمل أدبي عالمي يستحق أن يكون بمستوى العالمية فقد تدخل الظروف المادية والمكانية لتسهم إسهاما كبيرا لتكون أعمالا عالمية ، فالأدب عليه أن تتوفر فيه الجودة الفنية الأدبية ولا ننسى تأثير المعتقدات والعادات والتقاليد التي تعكس وتصور وتتأثر في بعض الآداب وتوجه أفكارها نحوهم ، الأديب الكوردي من خلال الترجمة ومن خلال الأدباء الكورد المبدعين الذين يجيدون ويكتبون باللغة العربية انتقل الأدب الكوردي خارج الحدود الإقليمية لتكون نبراسا مضيئا للعالم ومن الادباء الأديب والشاعر والناقد عصمت شاهين الدوسكي شاعر الحب والإحساس والسلام ، شاعر الإنسانية التقينا به فكان هذا الحوار الشامل :
•   الأديب عصمت شاهين دوسكي نبدأ من الشعر أو النقد أو الرواية ؟
•   أحب أن نبدأ من الشعر الذي كان منذ الوهلة الأولى هالة مشرقة للروح وراحة للنفس ونشاطا كامنا للقلب وتأمل إنساني للنظر نحو الرؤى والاستمرار والتألق والإبداع ، فالشعر يرسم ملامح الحقيقة ولا يخشى السفر داخل الأعماق والسفر في عوالم نائية مضطربة قلقة فوضوية حينا وحالمة ، عاشقة حينا آخر ، يعتبر الشعر نوع من النرجسية الجميلة التي تضفي فيه النقاء والبهاء بعيدا عن الغرور فإن أصاب الشعر داء الغرور تقوم عليه حفلة تأبينية راحلة بلا عودة ، وكوني لا أحب أن يدفن صمتي معي أصرخ وأتنفس وأحب وابتسم واعشق من خلال الشعر وكل هذه الانفعالات الإنسانية تتجلى قدسية بريئة وإن اعتبرها الآخرون من العوالم الافتراضية التي منها تتجسد على أرض الواقع وأتلمسها وأحياها وما أكثرها ، اعتبر الشعر ولد معي وصرخ معي يحلم ، يتأمل ، يبكي ، يفرح ، ويتنفس معي ، إذا أنا والشعر توأم الروح ، الحياة ، خاصة في مكان ولادتي في مدينة الطبيعة الراقية دهوك حيث الجبال الشماء والأنهار الغناء والأشجار الخضراء والورود والأزهار وشقائق نعمان وظلال أغصان الجوز واللوز والكرز والعنب والزيتون وسيمفونية البلابل والعصافير والحمام والقبج والمرأة الكوردية التي تناضل مع الرجل في البيت والبستان ، طبيعة جميلة مدت الروح بالنقاء والجمال والصفاء وكانت هناك ألفة بين الجميع كأنهم شخص واحد حتى الحمام والبلابل آمنة تبني أعشاشها داخل البيوت فسقوف البيوت كانت من جذوع الصنوبر والجوز وكانت تذهب وتأتي في ظل الأمان والوئام والسلام وكأن هناك لغة بين الطيور والبلابل وبين البيوت وساكنيها مجهولة لا يعرفها هم أنفسهم ، لم تكن هناك أجهزة تلفاز في بداية الستينات فتجد الرجال يتجمعون في أحد البيوت ويتسامرون أمام مدفأة خشبية وظل فانوس عتيق ، وسمعنا قصص وروايات وأساطير يكون البطل دائما منتصرا ، وبين زقزقة العصافير وتساقط الثلوج والتغيرات الفصلية التي تواجه المدينة تعد كلوحات سماوية فصلية مشرقة ديمومتها براءة الإنسان ونقاءه وأخلاقه وعطاءه وصبره ، دون جبروت السلطة وسلطة المال والأنانية والصراع على الكراسي ولعبة الرهان بين غالب ومغلوب وقاتل ومقتول ، تلك الطبيعة النقية العفوية ما زالت تنبض في قلبي وروحي وإحساسي ، أبي كان فلاحا بسيطا يكسي قوت يومه وأمي كانت أغنى النساء وأجمل النساء ، تغار منها النساء من القريبات قبل الغرباء رغم يدها مفتوحة معطاة إلى أن تغيرت الأحوال الاجتماعية وانتقلنا إلى الموصل في السبعينات وبدأت مرحلة المعاناة في العيش والسكن والملبس ومن بيت آيل للسقوط في منطقة جامع الكبير " الحدباء " إلى بيوت مأجورة في شارع فاروق وحظيرة السادة ومنطقة اليهود واستمر الصراع بين التأقلم والصبر على العيش الضنك ورغم كل شيء سجلت في مدرسة الوثبة قرب الساعة الممتدة شوارعها إلى السرجخانة من جهة وإلى شارع فاروق من جهة أخرى ، فاجتزت المراحل الدراسية رغم صعوبة اللغة العربية في البداية ، ولكي أكون أكثر دراية كنت أجمع مصروفي اليومي خلال أسبوع أذهب إلى شارع نجفي واقتني كتابا فأصبح لدي أصدقاء طه ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وتوفيق الحكيم والبحتري والمتنبي وأبي نواس والجواهري ونزار القباني والسياب ونازك الملائكة ولطيف هلمت وأحمد خاني ونور الدين البريفكاني وارسطو وهيغل ودستوفسكي وغيرهم ، أول قصيدة وجدت النور عام 1980م في جريدة الراصد العراقية وبعدها توالى النشر في الجرائد والمجلات المحلية والعربية ، فولادتي بين الجبال الراسيات والطبيعة الجميلة النقية منحتني الحب والإحساس الجميل وشغف الطيور والبلابل المسافرة وعطاء النهر ووسع مصب البحر والموصل أجمل مدن التاريخ منحتني الحلم والأمل والصراع الدائم بين الوجود واللا وجود بين الحلم والواقع وبين الخيال والحقيقة ومساحة الحضارات الشعرية الإنسانية التي لا حدود لها .


•   في ضوء ما عشته في الشعر والحياة ، هل جعلك الشعر منفيا أم عالميا بتفاعل الخيال والحقيقة ؟
•   الشعر الأصيل الجميل مهما يكون دوره على الشاعر فهو أقدس إحساس وأجمله رغم النزيف المستمر في واقع الحياة بتفاعل الذات والأفكار والهواجس والشعور بالغربة الروحية والمشاعر الحالمة والصراع الدائم بين الحلم والواقع والخيال والحقيقة وهو يجسد الرؤى المثالية والمعالجة المناسبة لاستمرار الحضارة الفكرية اجتماعيا وسياسيا ، فالشعر يجسد الواقع إن كان ارتقاء أم انكسار ولا يمكن أن نتهم الشعر بل العكس علينا أن نوجه ونحذر ونرشد من يكتبونه على كفتي ميزان الأصالة والضحالة ، الثقافة والسخافة ، فحينما أكتب الشعر أو حينما يكتبني الشعر تتمرد الأحلام والأشياء والنبوءات والخلجات والظواهر والحب والعشق لتتجلى قصيدة ناضجة طرية ، متوحشة متمردة تتجاوز ما مرسوم لها نحو عالم واسع لتصبح هي نفسها إنسانا روحا تسافر لكل مكان ، أنا والشعر كلانا يكتب الآخر ، كلانا يكتشف الآخر ، يكتشف الحرية والغدر الإنساني فعندما تتناغم عباءة الحرية مع جسد الغدر يصعب اكتشافه إلا بعد حين ، فعندما يلبس الغدر لباس الحرية يتجاوز كل معقول تاركا الجوهر الإنساني لأنه يلتفت لذاته ومصلحته فقط ، فإن كانت قصيدتي منفية أو عالمية أترك لها فضاء إنساني واسع تأخذ دورها المناسب لأنها تحمل رسالة الإنسانية ، قصيدتي ليست صامتة وليس على عيون بحارها رباط أسود وإحساسي يتجاوز العالمية لأن مصدر إحساسي هو الإنسان والأرض ، رغم وجودي بين جدران أربعة متواضعة بسيطة ، هناك الكثير يرغبون اللحاق بالعالمية لكن ليس لديهم تفاعل وتوقيت وليس لديهم نظام ولا نظرية شعرية أدبية خاصة ، أحيانا كل أديب وشاعر يجد نفسه عالميا بلا حدود بلا عتمة بلا مصاعب ولكن في الأخير يذهب كل شيء ويبقى الشعر كونه إنسانيا لكل الأزمنة والأمكنة بقدسية عابرة وجوه العالم والخيال والحقيقة بتفاعلات إنسانية راقية .
•   عندما أقرأ شعرك ، أقرا الحزن ونادرا ما أقرأ الفرح ؟
•   في كل فترات حياتنا وتجاربنا وماضينا كان للفرح الدور الوسيط البسيط الوجيز فلا يمكننا أن نتحكم ببركان المشاعر غن أراد أن ينفجر ولا يمكن أن نقف أمام الهزات الأرضية والعواصف الرملية والزلازل المدمرة ولا يمكن لنا أن نؤجل ما لا يتأجل ولا يمكننا أن نتحكم بكمية هطول المطر وتساقط الثلوج ولا بمقدار تأثير أشعة الشمس ونور القمر ، هناك تجليات لا يمكن التحكم فيها ومنها الحزن والفرح تلازمنا وإن كانت النسب مختلفة فكيف يكون الفرح مثلا بين مقاليد الأسوار والقيود والحواجز والخراب والدمار والتهجير والنزوح والتشريد والتيه والضياع والفوضى التي تنهك إرادة الإنسان لتجعله في غربة روحية ومكانية ، غربته داخل الوطن أقسى من غربته خارج الوطن وكلاهما يتجدد فيه الألم ، فالاغتراب والشوق والحنين واللوعة واللهفة تبعثر أرواحنا تمزق مشاعرنا تشتت أحلامنا تجزئ ذاتنا ، تمدنا بعوالم ملونة من الآلام والجراحات ، داخل الشعر أحاول أن أجد بصيص من النور في ظل العتمة الواقعية ، وهالة من الأمل تزيح أتربة الخراب وغبار الغربة الروحية وتمسح العبرات من وجوه معذبة ، منذ خمسين عاما وأنا أكتب عن الحب والسلام ، أطرد الحزن من عمق الفرح ، أطارده في بريق النظرات العاشقة والقلوب المأساوية النازحة في عوالم الأرواح المهاجرة ، في المظاهر الخادعة والعناوين المزركشة ، في نزيف العذارى ودمعة الثكلى ولوعة الأرملة وانتظار المفقود والمجهول وشجن دمعة اليتيم ولهفة المحروم وجوع فقير وتيه عابر سبيل وحلم حبيب فارق حبيبته بسبب الجهل والعناد والتذمر وزيف الكبرياء ، خلقت مأساة إنسانية ، حتى لو سألنا أين يسكن الفرح في ظل هذه العوالم الرمادية ؟ وكيف نطارد الفرح لنقترب فيه ونتمسك بظلاله ؟ وهل يعرف المهجرين والنازحين والمشردين والتائهين والمغتربين والمعذبين والعاشقين روح ومكنون الفرح الحقيقي ؟ في كل هذه الرؤى يطغي الحزن على الوجوه والقلوب والإحساس والمشاعر والفعل والسلوك والكلمات والحروف يقفز على كل شيء ويعكس تأثيره المرئي واللا مرئي على الواقع ويبقى الفرح قصيدة منشودة لأمل معنى بالحياة .
•   ومن معاناة الحزن والفرح إلى رؤيتك للمشهد الأدبي والثقافي الكوردي ؟
•   الواقع الثقافي والأدب الكوردي يمر بمرحلة جديدة فهو ككل آداب العالم يتأثر بالمتغيرات والأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية ومن خلال هذا التغيير يحاول أن يلبس التجديد رداء جديدا ويستمر على المشهد الثقافي ولكن لا يمكن أن نضع هذا التفاعل في عنق زجاجة ، لأن أي تغيير ليس محليا فقط بل عالميا لهذا يجب أن تكون ثقافتنا عالمية تتناغم مع حضارات عالمية لأن الأدب يفرز إفرازات إنسانية حضارية ولا يمكن أن يسكن في وعاء ضيق يضيق عليه الخناق لأي سبب كان ، فالثقافة إن تحددت وقيدت ضعفت مع الزمن وماتت ، فالثقافة تنسجم مع حضارات ثقافية أخرى وترتقي معها ، ومن خلال دراستي وبحثي وكتاباتي الأدبية النقدية لأكثر من ( 120 " أديب وشاعر وفنان تشكيلي كوردي منهم الشعراء الكلاسيكيين والمخضرمين والمعاصرين والشباب لكلا الجنسين ، فالمرأة الكوردية لها دور كبير ومؤثر في المشهد الثقافي الكوردي والعربي والعالمي ، وجدت لكل عصر ميزته طريقته وتكوينه الأدبي خاصة في عوالم التغيير والتجديد مع دور المؤسسات الثقافية المهمة في نشر الثقافة الراقية والإبداع وعليها مسؤولية تحقيق وتكوين حضارة ثقافية فكرية وتأخذ دورها في الاهتمام بكل أديب وشاعر ومفكر وتتفاعل مع التألق والإبداع .
•   روايتك القادمة " الإرهاب ودمار الحدباء " ستصدر بعد أيام ، كيف تحقق هذا العمل الأدبي ؟
•   الفكرة أتت من خلال التواصل الجميل مع الأصدقاء ومن خلال المناقشات والآراء خاصة الصديق الصحفي والأديب أحمد لفتة علي خلال تواصلي معه على الصفحات الاجتماعية وشجعني على كتابتها وهذه ليست التجربة الأولى في كتابة الرواية بل هناك تجربتين رواية الهروب ورواية أمي وجنة الأحلام ، لكن مع الأسف احترقتا بعد قصف بيتي في الموصل مع كتب ومخطوطات عديدة ، ورواية " الإرهاب ودمار الحدباء " رؤية واقعية أدبية ووثيقة تاريخية ،أحداث واقعية من رحم المأساة لفترة زمنية عصيبة ، تتضمن الرواية عشرة فصول (( قبل البداية ، من وراء الحدود ، دهوك المنطقة الآمنة ، احتلال الموصل ، منهج ورؤية ، الانكسار ، إعلان ساعة الصفر ، دمار البيت ، البحث عن مكان ، والفصل العاشر رحلة بلا نهاية )) . الرواية بصمة إنسانية مشروخة وشواهد حقيقية مؤلمة في عصر زيف الحرية وكذبة الديمقراطية وضعف الحقوق الإنسانية كلها شعارات خدعوا البسطاء فيها أكاذيب ومتاهات وبدلا من الارتقاء الحضاري في العصر الحديث نشاهد دمار الإنسان الروحي والفكري والجسدي لأسباب الجهل والفساد والفوضى والأنانية والهزيمة الفكرية والاقتصادية والسياسية والإدارية ، الرسالة الأولى في الرواية " الإنسان والمكان " ، الإنسان الموصلي نموذجا حيا وشاهدا أمام العالم لصور الدمار والخراب أمام الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ، ذاق الويلات بسبب السياسات الفاشلة والأفكار والرغبات والمصالح الذاتية ، وهي تجسد انكسار حضارة في زمن عصري متطور للعيان ، فالرواية برؤى عالمية تجمع حضارات العالم في حضارة موصلية منكسرة ومجروحة .
•   وقائع تدمع لها العين وبصمة عار في جبين الحرية والديمقراطية .
•    الجدير بالذكر الأستاذ المفكر والناشط في حقوق الإنسان والسلام العالمي " سردار سنجاري " رئيس شبكة الإخاء الكوردي العربي وجه بطبع الرواية على نفقته الخاصة ومن هنا أقدم شكري الجزيل للأستاذ الكريم الذي قام بدور مؤسسة ثقافية كاملة لاهتمامه ومتابعته واشكر الفنان التشكيلي صديقي " نزار البزاز " الذي صمم غلاف الكتاب كما أشكر الدكتور هشام عبد الكريم للتقديم ومراجعة الرواية لغويا ، وجدير بالمؤسسات الثقافية أن تهتم بمثل هذا العمل الأدبي كونه وثيقة تاريخية فكرية أدبية لفترة عصيبة مازالت أحداثها على الأرض لم تنتهي .
•   هل هناك أعمال أدبية أخرى ؟
•   نعم هناك مجموعة من الكتب في الشعر والنقد الأدبي الكوردي والعالمي معدة للطبع ولكن لا أملك الكلفة المادية لطبعها ، مثل كتاب " فرحة السلام عن مجموعة من الشعراء الكورد الكلاسيكيين " وكتاب " الاقتراب والاغتراب عن مجموعة شعراء وأدباء كورد معاصرين " وكتاب " المرأة الكوردية بين الأدب والفن التشكيلي ، عن مجموعة من الشاعرات والأديبات ودورهم في مجال الفكر والشعر والفن التشكيلي " وغيرها .
•   وهل هناك كتب في الشأن الأدبي العربي والعالمي ؟
•   نعم مجموعات شعرية مثل " أحلام حيارى ، وأجمل النساء ، وحورية البحر وغيرها " وكتاب عن أدب الرحال بدل رفو عنوانه " سندباد القصيدة الكوردية في المهجر بدل رفو " وكتاب الرؤيا الإبراهيمية عن شاعر القضية الآشورية إبراهيم يلدا ، وكتاب إيقاعات وألوان عن الأدب والفن المغربي ، وكتاب جزيرة العشق عن الشعر النمساوي ، وكتاب جمال الرؤيا عن بعض شعراء نمسا تحليل ونقد أدبي ، وكتب أخرى ما زلت اعمل لأعدادها . وانتظار من يطبعها .. لترى النور .
•   أصدرت لك ثلاثة مجاميع شعرية في الخارج والداخل وكتابين في النقد الأدبي وستصدر قريبا رواية الإرهاب ودمار الحدباء ، هل أصبحت غنيا ..؟
•   غني في كتاباتي وفقير في حياتي ، حيث لا بيت ولا مورد مادي ثابت أعيل فيه عائلتي بعد دمار بيتي خرجنا بملابسنا التي علينا فقط ونحن الآن في دهوك ولا أخفيك سرا إيجار الشقة التي نسكن فيها يدفعها أحد الأصدقاء المعروفين في الوسط الاجتماعي في دهوك ، ولكن الفترة المؤجرة ستنتهي ولا ندري بعدها أين سنكون .
•   نناشد الجهات المعنية بالاهتمام بك فأنت ثروة فكرية وأدبية مهمة في الأدب الكوردي والعربي والعالمي ..
•   لا أحب أن أعلق في هذا الأمر ، ألتزم الصمت والصمت أبلغ مني في الرد .
•   المرأة في حياتك وقصائدك كالوطن هل المرأة انكسار أم ارتقاء وما هو دورها الحقيقي في الأدب ؟
•   لا أفرق بين المرأة والوطن كلاهما واحد وكل ما أحسه أكتبه على الورق ولا أخشى أحدا في الحب والإحساس ، ولا أخشى أحدا في حب المرأة والوطن ، فالمرأة محراب الأرض الجميل وجوهر الحياة التي تهبنا ما نحب وما لا نحب ، فليس هناك رقة كرقتها وعذوبة كعذوبتها وجمال كجمالها وطيبة كطيبة قلبها مكنون مجهول في وجودها وطلتها وسحر عينيها ، تتفرد بالحب والألم والحلم والحياة والعطاء ، تدارينا إن تعبنا تشفينا إن مرضنا تحمينا إن كسرنا ، تدعمنا إن ضعفنا ، هي البحر والأمواج وحروف تاريخ يتجدد وحضارة لوحدها نقية بلا شاهد ودليل وتضحية بلا مثيل وطوفان يداهمنا وإعصار يقلع جذورنا في أي وقت تشاء ،ونحن ليس لدينا سوى أن نرفع الراية البيضاء ، الراية الجميلة كيف لا وهي الأم والأخت والحبيبة والعاشقة والدلوعة والمتمردة والشقية ، هي كالورود الملونة في جنان الحب والجمال والنقاء والشهد الأصيل والعطاء الجليل ، تنفرد بمعاناتها وإن كانت بين الملكات والأميرات ، المرأة في قصائدي مضامين ومعاني ورسائل مختلفة الرؤى في الحب والوطن ، تنصهر مع وحدوية التكوين الشعري خلال المعاني الحسية والفكرية والجمالية ، قدسية المرأة على الأرض أمان وسلام كونها تدعم وجود الإنسان ، لكن حينما يكون الإنسان جاهلا فاسدا أنانيا يدعم الخراب والدمار وينهب ويعتدي ويغتصب ويخلق الفتنة والانكسار ولا أحد يواجهه فعلى الدنيا السلام ، معاناتي الشعرية لا استطيع ممارسة الحب بين جدران مظلمة وظالمة فحبي للمرأة والوطن جلاء للعيان ولا يمكن أكون في دائرة مغلقة ، لأني ملزم أنقل رسالتي الفكرية والحسية للعالم للإنسانية ، ربما تكون قصائدي عن المرأة جريمة وجنون ، لا أدافع عن نفسي فمن أكبر الجرائم الإنسانية عندما لا يحب الإنسان ، ولا يحس فيه ، فأنا دون الحب والإحساس كحجر متروك منفي في صحراء قاحلة وكالورقة المرمية الصماء العاجزة ، أنا ضد الازدواجية والأنانية وانتهاك قدسية الحب وذبح المرأة والوطن باسم الحرية والديمقراطية فهل نسوا أن الحب رحمة والمرأة رحمة والوطن رحمة فيهم قدسية سماوية أنزلها الله منذ ولادة الخليقة منذ وجود آدم وحواء .
•   ما هو طموحك في الأدب والحياة ..؟
•   رغم المعاناة التي أحياها من فقر الحال وفقدان الكثير التي تصون كرامة الإنسان وتبعده عن الإحساس بالضعف والذل ، أطمح أن يتغير الحال إلى الأفضل في ظل التغييرات الجديدة كما يشمل التغيير في الساحة الأدبية والثقافية لمستوى الارتقاء الفكري والتوسع نحو عوالم جديدة راقية لنجسد للعالم كم نحن متطورين ومثقفين ومبدعين ومفكرين في كل المجالات الاجتماعية والاقتصادية والأدبية والعلمية أساس كل هذا العدل والأخلاق والعلم وهذا لا يأتي إلا عندما نهتم بالمفكرين والباحثين والعلماء والأدباء فهم واجهة الحضارة الإنسانية لكل بلد التي تدعم المجتمع وتمده بالوعي والجمال والحب والسلام .
•   كلمة لا بد منها ..؟
•   أحب الاستمرار نحو السمو والتألق والإبداع وديمومة التواصل السليم بين البشر كما أتمنى أن تتحقق أحلامي وتصل رسالتي للعالم ويعم الحب والسلام والتعايش والتسامح بين الناس بعيدا عن الانتقام والحقد والكره والفتن والتفرقة والخراب والدمار وقد قلت هذا في قصيدتي " سيدة السلام " التي ألقيتها في الحفل التكريم الذي أقيم في فندق مرينا في أربيل بعد أن وصلتني دعوة لحضورها برعاية منظمات عالمية وعربية وكوردية لحقوق الإنسان وتكثيف الجهود للسلام العالمي وبحضور شخصيات ناشطة ومهمة وقد كرمت بعدة جوائز معنوية من كافة المنظمات الحاضرة وأود أشكر جميع الأصدقاء والأدباء في الخارج والداخل والعالم أجمع ، يمنحوني حبهم واهتمامهم وأتمنى من المؤسسات الثقافية المعنية أن تراعي وجود وإحساس ومعاناة الأدباء وتمنح الحب والفرح وتفتح أبواب الثقافة محليا وعالميا وشكرا جزيلا لك ولجميع المبدعين .


25
المنبر الحر / وجوه .. مغتربة
« في: 17:55 25/09/2017  »
وجوه .. مغتربة

عصمت شاهين دوسكي
 

وجوه مغتربة الروح تستفيق من تجارب وعذابات وآهات وجروح ، وجوه كثيرة ولكني اخترت وجوه قريبة مني لها تأثير روحي وفكري وإحساسي في الحياة التي تمر عبر أجيال مختلفة ..
الوجه الأول ..
الشاعر والمصمم والفنان التشكيلي .. نزار البزاز مواليد 1950م دهوك .
في بداية السبعينات ، بداية الشباب الناضج اليافع ، لا يستقر في مكان فني ، ديمومة من النشاط والحراك الفكري الأدبي الفني المسرحي بأفعال ناتجة من تقديم الأفضل للإنسان ، بل كان محرك ناشط للعلاقات الفنية والإنسانية بصورة عامة لمجموعة من الوجوه الفاعلة في الشعر والموسيقى والتشكيل الفني والأداء المسرحي ومختلف الفنون الأخرى حيث أسس مسرح 11 آذار  في دهوك يوم كانت دهوك كما كانت في عالم نادر من الفنون ، فألف مسرحيات وصمم لوحات فنية وأدى وأخرج العديد من المسرحيات وشارك فيها في وحدة إنسانية نقية ممكن أن يعتمد عليها حيث العلاقات الإنسانية قدسية طاهرة من الشوائب التي تعكر صفو الوجوه في أي مجموعة فنية مشتركة بين الأفكار والأفعال التي تجسد على خشبة المسرح وقبلها على مسرح الحياة ، فالعوالم التي تشحن هذه الطاقات الشبابية والوجوه الإنسانية دلالات وحركات وأحلام وأمنيات رغم الحاجة والعقبات والمعاناة ، يمكنها اختراق أي عالم افتراضي أو واقعي من خلال تدوير هذه الدلالات في محور الأفكار والأفعال من أجل تقديم شيئا مميزا للأرض والإنسان ، وفي ا1980 م  استقر الأستاذ نزار البزاز في بغداد تم تعيينه في دار الثقافة والنشر الكوردية  بدرجة خطاط ثم اصبح مصمما ومدبرا لتحرير مجلة بيان، حيث رئاسة تحرير وتصميم المجلات والكتب الكوردية آنذاك إضافة إلى كتابة الشعر والرسم ، أثمرت بصدور مجموعتين شعرية باللغة الكوردية وتقديم الجهد الفكري والفني للأدب الكوردي الذي تبنى التألق والإبداع فيه من خلال موقعه الوظيفي في دار الثقافة والنشر الكوردية في بغداد كمحرر ومصمم وشاعر وفنان تشكيلي ، إلى أن حزم أمتعته ذات يوم مغادرا هجرته الداخلية في2007 م  بسبب الأوضاع السياسية بعد القلق والفوضى حيث الاغتيالات المجهولة والقتل على الهوية عائدا إلى دهوك وترك أثرا فنيا وفكريا في مكتبه ولا يدري أحد ما مصيرها وفي دهوك يعيش في غربة روحية وفكرية وحسية رغم إنه بين أهله وأقربائه هذا الشعور المؤلم للغربة قاسي جدا ولكن لا يظهره للعيان ومحرابه الوحيد مطبعته الصغيرة للتصميم في حي الشهداء كرى باصى قرب سفح جبل دهوك يقضي وقته من الصباح إلى المغرب ثم العودة إلى مسكنه وحيدا ، إن الفنان نزار البزاز من الوجوه المغتربة ثروة فكرية فنية قضى عمره بين الكلمة والفن الجميل داخل دهوك كوردستان .
الوجه الثاني ..
سندباد القصيدة الكوردية في المهجر ، بدل رفو ، شيخان ، قرية شيخ حسن 1960م .
في الموصل بين الأزقة القديمة في شارع فاروق وفي أحد الدور القديمة لصديقي الفنان التشكيلي سالم كورد رأيت بدل رفو ذو الشعر الأسود والوجه السمح البهي والقامة الفارعة اليافعة بنشاط ذهني وحركي يحتل موقع الحياة التي يحاول أن يعيش فيها كما يريد بلا قيود ، تتعاضد معه الوحدة الفنية التي يشعر إنه منها الترجمة والشعر والدراسة فلمع أدبه من ذلك الوقت حيث قصائده تسافر بين العوالم الداخلية والخارجية وتطوف في فضاء الشعر والترجمة حينا وفضاء المقابلات الصحفية الفنية مع اكبر الفنانين والشعراء الكورد والتقديم التلفزيوني في نشرة الأخبار والاشتراك في المسرح الفلكلوري الكوردي في لوحات ودبكات كوردية مشهورة حينا آخر ، في كل هذه العوالم يحمل بدل رفو بصمت رهيب حلم حياة حرة كريمة ، وحين انتقاله لبغداد لتكملة الدراسة الجامعية لم يكن حاله سوى أفضل حالا من الموصل ، فقد فتحت أبواب الإبداع وتوسع العالم لديه أدبيا وفي نفس الوقت يكمل داسته ، يكتب الشعر ويترجم وأصدر باكورة أعماله الأدبية في بغداد ، التي تنتمي إلى لغة التذمر والغربة وإلى التناغم الإنساني ، ومن معاناة إلى أخرى كأمواج البحر التي تصدم بالصخور ، لجأ في التسعينات مع اللاجئين إلى خارج الحدود حيث اختارت دولة النمسا إلى وجوه تحمل الشهادات الجامعية فكان ضمن من مجموعة من الوجوه المغتربة ، لتبدأ رحلة عوالم مدنية عالمية بعيدة عن الوطن وقريبة روحا وفكرا ، لكن أحيانا يكون الانتماء للوطن الذي يحميه ويقدم له الرعاية والعيش الكريم ويفتح أمامه الجمال والطموح والحلم والإبداع ، ومن غربة الروح إلى غربة وطن ، حيث كرس نفسه لترجمة أعمال عمالقة الشعر النمساوي فأصدر عدة كتب مترجمة إضافة إلى ترجمة عدد من الكتب لأدباء كورد ، وتعكس رحلاته الأوربية العالمية دوره المهم في كتابة راقية عن آثارها وعظمائها وأدبائها وعشاقها ورغم كل ما وصل إليه ، الغربة قائمة في الروح والإحساس ،فعند زيارته لكوردستان خاصة  لدهوك حيث الحنين إلى الأم ، أسس متحفا مميزا جميلا في إحدى شقق بروشكى العليا على سفح جبل يطل على مدينة دهوك يضم تحف نادرة للأماكن التي زارها في مدن العالم المختلفة مع شواهد دلالية ملموسة لرحلاته الفكرية التي تظهر مدى الغربة في هذا العالم بين وطنين الوطن المغترب نمسا والوطن المغترب دهوك كوردستان ما بين غربة الروح وغربة المكان تجلى وجه الغربة " سندباد القصيدة الكوردية في المهجر بدل رفو " ، وهو عنوان لكتابي القادم عن شعر وأدب بدل رفو .
الوجه الثالث ..
عصمت شاهين دوسكي ، دهوك 1963 م .
ربما الحديث والسرد عن نفسي صعب ومتعب ، لكن أحاول أن أوجز في سطور ، بعض عوالم حياتي سردتها في روايتي الواقعية .. " الإرهاب ودمار الحدباء " ..يلعب الحرمان  الفقر دورا في حياة الإنسان ولا يمكن نكرانه والبعد عنه ، فالإشباع في الصغر ليس كالفقر في الكبر ، حيث كانت الولادة في محلة شيخ محمد وسط دهوك بيت راقي نسبة لذلك الزمن الذي كانت معظم البيوت من طين وسقفها من خشب إلا ما ندر ، وجيراننا بيت مصطفى القصاب ومحمد مبارك ، نلعب مع الأطفال بين الأزقة القديمة في دهوك ببراءة لم نهتم ما يكون هذا دينه أو من أي طائفة ، لم تكن موجودة أصلا ، فكانت أمي قد ورثت الكثير من البساتين من أبويها تكفي لسكان مدينة كاملة ، ورغم هذا لم تكن مظاهر الغنى ظاهرة سوى القدر اليومي إلى أن تغيرت الأمور والظروف صدفة وبدأت الهجرة الداخلية إلى الموصل وعمري لا يتجاوز 6 سنوات وبعد العز والجاه سكنا في منطقة الجامع الكبير في الموصل بيت آيل للسقوط قريب من شارع فاروق والسرجخانة وبعد مرور زمن من الغربة المكانية والروحية يلازمه الفقر والحرمان حيث كان أبي عاملا كاسب يوم يشتغل وعشرة عاطل عن العمل ومن إيجار إلى بيت آخر قرب بيوت اليهود القريب من حظيرة السادة ومنطقة شيخ فتحي بدأت معاناة لقمة العيش والسكن في بيوت مشروخة تخرج منها الثعابين حينا وحشرات لا أعرف كيف كانت شكلها ، وفي خضم هذه الأحداث بدأت دراستي الابتدائية المتعبة التي أثقلت قدمي من السير إليها عابرا أزقة وشوارع للوصول إلى مدرسة الوثبة التي كانت في منطقة الساعة لعدة سنوات ، كان أبي يعطيني عشرة فلوس وأنا في الصف الرابع  أجمعها وفي نهاية الأسبوع أمر على شارع نجفي وعلى باعة الكتب لأقتني كتاب أدبي ، فانتقلت من غربة الحياة والمكان والحاجة إلى غربة حياة افتراضية بين عوالم نجيب محفوظ وطه حسين وإحسان عبد القدوس والعوالم النفسية لدستوفسكي وبلاغة المتنبي والبحتري والسياب وغيرهم وفي الثمانينات دقت الغربة أجراسها فكتبت قصائد ومزقت قصائد وقصيدة أرسلتها لجريدة الراصد وإذ بها تنشر القصيدة بعدها توالت القصائد والكتابات والنشر في مجلات عربية ومحلية وفي كتاباتي كنت أجزء الغربة بحرمان كبير روحا وفكرا وإحساسا إلى أن صدرت لي مجموعة شعرية " وستبقى العيون تسافر " ، وفي فترة وجودي في بغداد في التسعينات وتواجدي في ملحق باشكو عيراق ودار الثقافة الكوردية كتبت مقالات نقدية عديدة لكثير من الأدباء الكورد توجت بإصدار كتابين عن الأدب الكوردي " عيون من الأدب الكوردي المعاصر " وكتاب " نوارس الوفاء " وديوان شعر " بحر الغربة " صدر في المغرب ، طنجة ، لكن لا يبقى حال على حاله عدت إلى الموصل حيث بدأت العمل في شركة تجارية لأكثر من عشرة سنوات وبعد احتلال الموصل من قبل داعش وتكرار الهجرة الداخلية بين الموصل ودهوك ، قصفت الطائرة بيتي خطأ وصار بيتي ركاما مع سيارتي وكتبي وارثي الأدبي الجميل ، وبين غربة المكان وغربة الروح وتجسيد وجه الحرمان والفقر ، يظهر الأقرباء وقد احتلوا واغتصبوا بطرق مختلفة أراضي أمي بل حتى وهي ميتة تحت التراب لم تخلص من تصرفاتهم ووجوههم الطامعة فغيروا اسم جدها وأشياء أخرى لكي يهيمنوا على بساتين واسعة ودونمات جزؤوها بينهم " حسبي الله ونعم الوكيل " ، فكيف لا نعيش في غربة روحية وذاتية وإنسانية بين عوالم إنسانية فقد الضمير دوره الحقيقي وفقد الإنسان إنسانيته .جزيل الشكر للأستاذ سربست ديوالي أغا الذي جمع شمل عائلتي في شقة وصان كرامتها زمنا ، بدلا أن يصونها الأقرباء ..!!
هذه الوجوه الثلاثة نماذج عصرية للغربة الحقيقية .. وغيرها كثير .. وبأشكال وصور ومعاني مختلفة ..



26
أدب / صديقتي ..
« في: 17:11 22/09/2017  »
صديقتي ..

عصمت شاهين دوسكي

 
صديقتي ..
أكتب في رؤى الصباح عن الخلائق
أصفك بالوفاء
والجمال والفكر الدافق
مالي أرى الحياة في عينيك سعة 
بلا أبواب . بلا قيود . بلا تقديم سابق
أنت التي تشاركيني الهموم والضيق
وأنت الجمال والحب الصادق
**************
صديقتي
أنا أول رجل
في حضارة النساء يصادق النساء
أنا أول حرف
لا يضع القيود أمام المشاكسات
والمتمردات والصبايا الحسناوات
في غرفة نجلاء
أنا أول قصيدة
توجت الوصيفات والأميرات
والملكات ، بلا أوراق ولاء
فكوني كما أنت
ولا تطلب مني أكون ملكا
بين أملاك عقارات الفناء
*************
صديقتي
أنقذيني من تهوري وفوضويتي
ومراهقتي وجنوني
أنقذيني من الفعل والمفاعيل والمفعول
وفعل الأمر لا يعنيني
أنقذيني من الألوان القاتمة
والأطياف المظلمة
بمجرد العناد لا تتركيني
كوني كما أنت يا صديقتي
لكن من الإحساس لا تجرديني
**************
صديقتي
أنت شمسي ، قمري
جبلي ، بحري ، مكنوني ، ذاتي
أنت أسراري ، أشجاري
أوراقي ، أنهاري التي تصب في بحر معاناتي
أنت الرؤى والمنى
والشوق والمسرى
أبوح بلا خطوط ، عذاباتي
فكوني أنت كما أنت
تغيري كالفصول
أنت أول وآخر فصل في حياتي




27


تجسيد ثقافة السلام أصعب من ثقافة الحرب

عصمت شاهين الدوسكي

كثيرا تتردد عبارات السلام العالمي وحقوق الإنسان  ونبذة مختصرة عن المنظمات العالمية للسلام كونها تدخل ضمن الحالة الإنسانية التي تعتبر منظمات عالمية إنسانية غير حكومية وفي نفس الوقت عضوه بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي للمنظمات غير حكومية التابعة للأمم المتحدة تعمل بالشراكة مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والعديد من المنظمات الإنسانية تقوم  بتقديم المساعدات الإنسانية على مختلف الساحات العالمية التي تعرضت للكوارث الطبيعية أو نتيجة الحروب ، ومن أهدافها الدعوة إلى أقامة سلام دولي يقوم على احترام الشخصية الثقافية والاجتماعية لكل امة أو شعب من الشعوب ومناهضة كل أنواع الحروب والصراعات وكافة أنواع القتال بين البشر وفضح وإدانة المتسببين فيها ومكافحة كل أنواع الطرد الجماعي والتهجير القسر والتأكيد على حق كل إنسان في الإقامة في وطنه ، في امن وسلام ومكافحة إنتاج واستخدام كافة أنواع الأسلحة ، ورعاية الجماعات والأفراد الذي تضطرهم الظروف إلى مغادرة أوطانهم إلى أن يرجعوا إليها ،وأعلام الرأي العام العالمي بالأضرار التي تتعرض لها البيئة واثر ذلك على حياة الإنسان ومستقبله والتعاون مع المنظمات والمؤسسات الدولية ذات العلاقة بما يحقق أهداف السلام واختيار الشخصيات النشطة والفعالة من جميع أنحاء الوطن العربي وتنصيبهم سفراء نوايا حسنة ومن هذه المنظمات ، مشاركتي يوم  الخميس 14 / 9 / 2017 في حفل تكريم كوكبة من الشخصيات المؤثرة في العراق وإقليم كوردستان وبحضور السيد بشار الكيكي رئيس مجلس محافظة نينوى وسعادة سفير السلام الدكتور عيسى الجراح والسيد ممثل اللجنة الدولية للعلاقات الدبلوماسية والسلام وحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والأمين العام للشبكة الكوردية العربية للسلام الأستاذ سردار سنجاري والسيدة شارا قارداغي رئيسة منظمة أثر للإغاثة والتنمية وشبكة الأخاء الكردي العربي للسلام وحقوق الإنسان ، وقد ألقيت قصيدة " سيدة السلام " التي كتبتها لهذه المناسبة بحضور المثقفين والإعلاميين الذين كان دورهم راقيا في نقل الحفل ، وأتوجه بالشكر لكل الذين ساهموا في نجاح هذا الحدث التاريخي الهام ،
خطوة إنسانية إعلامية مهمة لتسليط الضوء على نشاط ووجود المنظمات الإنسانية ودورها الفاعل نحو تحقيق السلام وجرت في أروقة الحفل مناقشات لتكرار مثل هذه اللقاءات في أماكن أخرى مثل بابل وبصرة وغيرها من المدن والأماكن وإضافة ومشاركة منظمات إنسانية أخرى لتعزيز الدور الإنساني للسلام العالمي ، تغيير فكر الإنسان وتجديد روحه الإبداعية تحتاج إلى وقت وخطوات قيمة في البناء النفسي والتطور الفكري وتجديد الإحساس بالمسؤولية وتقريب وجهات النظر والأفكار والآراء في نهج التعايش والتسامح للعيش في ظل المحبة والرحمة الإنسانية التي تؤدي إلى فتح أبواب التألق والارتقاء والتجديد والإبداع في ظل سلام نفسي وروحي وفكري يعم الجميع .
****************
المصدر : ويكيبيديا ، الموسوعة الحرة     
     



28
إبراهيم يلدا بين الخلق والركود
إن لم تلجأ إلى ما وراء الطبيعة لن تكشف عالما آخرا
اللجوء إلى الله يجسد مدى الأزمة الروحية
كيف نقترب من الفهم الإنساني ؟

عصمت شاهين دوسكي

الأزمة الإنسانية تمر بمراحل عديدة إلى أن تصل إلى ذروتها ،وإن لم تعالج وتجد لها حلا تتفاقم أكثر وتحتل مكانة تؤثر في الروح والذات التي هي أصلا تحتاج إلى مؤثر وفعل فالمشاعر الشديدة تميل إلى من يسمعها ينصت إليها وإن لم تجد ستنفر من المكان ومن العالم كله وتدخل في دجنة معتمة بلا قرار وتشعر إن لا حلول ولا خلاص على الأرض ، وتستحيل الرغبة إلى قوة خفية في الأعماق ، وكان هذا الشعور الروحي الذاتي المؤلم يحتاج إلى تدخل المعجزات وخوارق العادات ، فما جدوى المناداة في قصيدة إبراهيم يلدا " من موضع قدمي إلى العلى " فالنداء يستفحل ليكون ألما في القلب المشروخ " وأنا أنادي " النداء بلا جواب كأنك تدق في الماء " لا عين ولا أذن ترى وتسمع " بعد نزيف الجراحات وكثرت الآلام وتورم الآثام وضياع نور الأمة والأحلام في ظل الظلام ، كأن هذا المنادي الصامت وعدم تلقيه الجواب فقير لقيط مجهول بلا أب ولا أم ، وكأنه " يعيش في عظم بلا لحم ودم " فالعظم دليل الركود واللحم والدم دليل الخلق والحركة والنشاط ، هذا الحرمان الكبير يولد ثورة داخلية فكرية حسية فوق تجليات أكون أو لا أكون ، تغدو كارثة إنسانية مدها الوحيد الروح لتجد منافذ أخرى فوق الطبيعة وتتخيل سلما سماويا محاولة للوصول إلى المتلقي في العلى ، فهذه الروح تميل إلى خالقها إلى من يحميها ويؤويها ويداوي ما فيها .
(( من موضع قدمي وحتى العلى وأنا أنادي
   عسى ان يسمع ندائي المطبوع على فلبي
   ومرثيتي يا الهي اكتبها وأكررها
   لا عين ولا إذن ترى وتسمع
   من روح من لا روح له ،
   في كل يوم تولد روح في الإثم
   من غير أب أو أم
   تنمو وتعيش مع الآخرين وهي بلا اسم
   وكأنها تعيش في عظم بلا لحم ودم )) .

الشاعر إبراهيم يلدا لا يكتفي أن يعري الروح التي تنفعل في المجتمع بل المكان الأمة التي تقوم بعملية الدمج بين الوجود واللا وجود وتستند على الخلق فهي " فهي تجوب بين الناس حافية عارية " هذا التجرد والعري يجسد صور من صور الحرمان والفقر والحاجة إلى شيء ما ، فهناك ثلاثة أشياء مهمة يحتاجها الإنسان الزاد والمثوى والكساد فغن نقصد واحد منهم اضطربت الروح ونشط طوفانها وتمردها أو ركودها وخمولها وموتها ، فمن لا يجد بيتا كيف يشعر بالأمان والسلام ؟ ومن لم يشعر بالأمان والسلام كيف سيفرق بين النور والظلام ؟ سيحمل روح التمرد وتمارس صلاحيات بعيدة عن الروح إن لم تلجأ إلى العلى إلى ما وراء الطبيعة ، إلى ما وراء المعرفة الكونية ، إلى ما وراء الروح نفسها والإنسان ليكشف عالما آخر ، مخلصا آخر .
(( تجوب بين الناس حافية وعارية
   لا بيت لها ، ولا من بيت يحويها
   حتى عيناها قد سلمت منذ ان فتحتها
   كحيوان بلا عقل يتشبه بسيرته
   إنسان هو لا صديق له ... لا حلم .. أو أمل
   في قوته يكمن ثور وفي فكره طفل
   لا يفرق بين النور والظلام الذي في القبر )) .

اللجوء إلى الله يعكس مدى الأزمة الروحية ، وهذه المناداة يخصها الإنسان لله تعالى سرا بينه وبين نفسه وعلنا ليكشف الأشياء ، وسؤال الله في طلب الحاجة ليس غريبا ناهيك عن حاجة الإنسان لربه في كل مكان وزمان ، لكن في وقت الأزمات يشتد إيمان الإنسان ليكون المنقذ الروحي الوحيد الله ، فالله قريب من العبد ما دام العبد يحسن الظن بالله ، فحياة الإنسان لا تسير وكيف تسير وهي " بلا قلب أو مخ " الشاعر يرى السعادة والخلاص في المناداة وتوضيح سقوط الأوراق من شجرة الإنسان ورقة تتبعها ورقة لتعري كل شيء ، وحينما يكون مجردا وهيكله وجذعه بلا روح بل أكثر قوة عندما " يحترق كقطعة خشب " هذه الصور الشعرية تمتاز بتجرد الإنسان وخسرانه الروح التي تسمو على الأرض المكان لا أن تهان وتذل وتنكسر وتتساقط أوراقها لضعف الإنسان الذي لا يختاره بل يفرضه الواقع والمكان والزمان ، هذه الدلالات الإيحائية منفتحة رغم خصوصية المضمون والمناداة وهيمنت المناجاة الروحية .
(( سيدي : الحياة بلا ثمرة كيف لها ان تسير
   وهي بلا قلب أو مخ
   فهي تشبه تلك الرياح التي
   تجمع حفنة من الأوراق الساقطة
   من شجرة وحيث جذعها بلا روح
   يحرق ويحترق كقطعة خشب )) .

مناجاة ومناداة الرب منذ بداية الخليقة تفاعلت على الأرض ومع الإنسان والشواهد كثيرة مع الأنبياء والرسل وإلى أن يشاء الله بصور مختلفة ما دام الإنسان على الأرض ، يجد نفسه ضعيفا لعدم قدرته على فعل أثر يبقى خالدا سيهون عليه كل شيء شيئا فشيئا حينها إن شملت تضيع البلاد والعباد فيتخذ من مناداة الله فضاء رحبا لإيحاء الروح وتجديد المطروح وترميم الشروخ وبعث الأمل في الحياة ليهب الأمة الخلاص فالرجاء ليس ضعفا فالله كريم والتوسل ليس ذنبا فالله رحيم ، أصبحت رؤى الفضائية والتناقضات كثيرة لشعب يهتم بالآثار والتماثيل والأحجار ويفتخرون بوجودها والإنسان منهك متعب  فقير وحائر في إيجاد لقمة العيش بين القمامة ، يكون بلا راع ، بلا صوت ، وآلامه بلا أنين وهمسه بين شك ويقين .
(( انه ملاك في العلى يطير ويهبط
   يصيح في وجهي: يا غراب بلا راع
   كل رأس أوجعتها فلا صوتك يصبو
   ابك على نقسك كي لا يذبل آخر أوراقك
   وبصوت أكثر جهوري يصرخ في وجهه
   إن كان محبيك في كل جهة من يداك يفلتوا )) .

الشاعر إبراهيم يلدا بين أزمة المكان والوجود وأزمة إنسان وأمة تتمحور أساسا في طريقة التكوين والتوجيه والتحذير والتنبيه وتصوير إمكانيات خلق حياة جديدة " لماذا لا تنفخ مثل سيدك " يكشف طاقة جوهرية تتدخل فوق الطبيعة البشرية والوجودية فالنفخ ليس خلق روح بل تجديد روح وتفعيلها وتنشيطها لروح إنسان " طريح تحت الأرجل " في رمق أخير يتجلى الذبول والتوقف ومن خلالها وآثارها تتكون الوحدة لكن من يتمكن أن يعيش ويحيى وحيدا طول الحياة ؟ فالوحدة الإجبارية المؤلمة لا تحتاج إلى ورقة للحياة بل ورقة نعي وعزاء وإن وجدت أمة فهي لا ترثي أحدا لأنها تحتاج إلى من يرثيها .
(( لماذا لا تنفخ مثل سيدك
   روحا في الإنسان الطريح تحت الأرجل
   إن كانت آخر الأوراق من شجرة بلا جذع
   قد أذبلت بلا توقف من قطيع بعد آخر
   وان كانت حياتي تحيى لوحدها فلا تستحق
   تلك الورقة الأخيرة
   فليس من أم لا تسأل عن مرثيتي )) .

من الفضائل تكرار التاريخ نفسه لكن بصورة عصرية ليعي كل مخلوق ما دامت الأمة السياسية والاجتماعية والدينية لا تطمئن لنبيها وتطرده " يطرد منها النبي " فهل يعقل امة تعيش وتتطور وتتقدم وتبدع بدون نبي ، بدون نور العقل والوعي والحكمة ، يقول العلامة " دستوفسكي " : أشرق ذات يوم نور العقل على ذلك العدم " ماذا يفيد الندم بعد طرد النبي ؟ ماذا يفيد لو أقاموا له رمزا تمثالا تذكارا ؟ .
(( أيها السيد
   أغنيها في كل الأوقات
   وان قال عني كل مخلوق انه يشبه المجنون
   سأقول : في القرية التي يطرد منها النبي
   ترى أهلها يندمون
   ومن ثم يعودون ليقيموا له التذكار )) .

الشاعر إبراهيم يلدا بأسلوبه الفكري الفلسفي يحاول بطرق شتى خلق بنائية روحية تجديدية منفردة من خلال استحداث أطر تأويلية عصرية يسعى منها إلى تفعيل خلق طاقة حيوية نشطة وتحقيق رؤية تصور الشعر كرؤية بناءة تماس مع روح الإنسان وفكره وإحساسه وكيانه ومناداته والكون الذي يحيى فيه بكل موضوعاته وتناقضاته التي تتلون بألوان مشرقة تتناغم مع حالاته وبصيرته الفلسفية والرؤية التي ترتبط بالإنسان والمكان والكون ونواميسه بتجربة ووعي ناضج يعرف ماذا يرسل بدقة للآخر لأنه قريب من القارئ خاصة كلماته تنساب بشوق ولوعة وروح خلاقة تقترب من سر التوحد بالكون والإنسان عابر القواميس والاصطلاحات ليلبسها ثوبا جديدا آخر يقترب من الفهم الإنساني المحرك لكل المعطيات والرؤى الوجودية والمكانية الجديدة في العالم .







29
أدب / أغيثيني
« في: 18:09 08/09/2017  »
أغيثيني

عصمت شاهين دوسكي
 
أغيثيني .. أغيثيني .. أغيثيني ...
رحلت أحلامي هاربة
من إحساسي وحنيني 
رمتني على الأرصفة
جائعا ، ظامئا
لم أجد من بالريق يرويني 
أغيثيني ... امكث عاريا
أبحث عن خيمة الحب تدفيني
عن مأوى وقد تحطم المأوى ، فمن يأويني ؟
تجردت من كل شيء يا سيدتي
فأعطني شارة ولا تجرديني
*********
أغيثيني
أغيثيني بكلمة واحرقي
كل كلماتي وصمتي وجنوني
أغيثيني ببسمة .وحطمي
كما تشائين كل معاناتي وسجوني
أغيثيني بجمالك ودعي الجنان
والفراشات الملونة تطير ، تحتويني
***********
أغيثيني بلا كسرة خبز
بلا قطرة ماء ، تدمع عيوني
بلا  خراب ، بلا رصاصة
تمر على جسدي
وتسكن بين ضلوعي وسكوني
بلا حلم ضائع في التيه
بلا أمل مجهول
بلا غصة في وحدتي ، تكويني
**********
أغيثيني
أنا يا سيدتي  بلا كسرة خبز
بلا شارة تخرجني
من عمق أطلالي فمن يخرجني ؟
بلا إيحاء يرسم طريق الحياة
فمن من الظلمة يحييني ؟
بلا ملاك يمد جناحيه
ليحملني فوق سحب ويعنيني
أغيثيني ، أغيثيني  ، أغيثيني


30
أدب / دعي الأحزان
« في: 20:43 05/09/2017  »

دعي الأحزان


عصمت شاهين دوسكي
 
دعي الأحزان
وارمي أشواك ، آه و آه
دعي الحب
يتنفس في قلبك
ولا تقيدي جناحاه
أبتسمي رغم الأسى
يأتيك نصيب
إن كنت ترضي أو سواه
اشرحي صدرك للحياة
وكوني كما أنت
بالحب ترين كل رؤاه
*********
كوني كالفراشات
تطير بأجنحة
تسمع أعذب الألحان والهمسات
كوني كما أنت
جريئة ، حالمة ، مجنونة
ارسمي على صدري
أحلى القبلات
أنت يا امرأة خلدت حروفي
بعذريتها الناضجة ملاحم الكلمات
أنت لست كالنساء
أنت كل النساء في الحلم والحياة
*********
دعي الأحزان
ظلم الفؤاد بالحرمان ، يشكو
لكن لم يهن عليه أن يهان
يا شوق الحياة لا ترميني
بلا سفر ، بلا قمر ، بلا جناحان
تسكنين في قصر
حراس ، أسوار ، جدران
وأنا ابحث في التيه
عن خلاص ، نور ،  مكان
لا تسألي عن شغاف قلبي
القلوب سكارى لكل طوفان
يجري بين قدميها نهرا
لكن في دمها بركان
فيه غربة ، لهفة ، لوعة
حرقة حتى الهذيان
دعي الأحزان
ابتسمي ، غني ، ارقصي
اصرخي ، فجري كل الأركان
لتشرق الأرض
بسنابل وورود وبلسم
وتزهو الجنان


31
أدب / ضحية الكبش وضحية الإنسان
« في: 17:41 31/08/2017  »

ضحية الكبش وضحية الإنسان

عصمت شاهين دوسكي

 

موعد .. بلا موعد .. تأتين
كأميرة  منفية بين الصروح  تحلمين
لوحدك تبحثين عن خيوط الشمس ،
وترسمين قوس قزح
وبالقلب تحترقين
**********
رغبة تحيى بين الناس
كالجمر تكوي جراح الإحساس
وإن طالت المعاناة
وإن تقطع الجسد ،
بلا إنذار ، بلا أجراس
وإن طال الانتظار
فالرغبة ترضى بدموع وكأس
***********
منا من احتلنا ، منا من شردنا
منا من سرقنا ، منا من هجرنا
ومنا من قصفنا ، ومنا من دمر أحلامنا
فمن يسمع صوتنا في منفانا ؟
************
سيدتي
هل غدونا ضحية كالكبش المسكين
لا حول لنا ولا قوة
في زمن يرفع البطون
بين المآسي والنوائب
ننتظر ، نتأمل  الطيب
كأننا تائهون
يخدعنا السراب البعيد
فلا بهجة نبقى ولا ومضة عيد
بكسرة خبز والرمق الأخير حائرين


32
الأديب الكوردي ..بدل رفو .. داخل السجن

عصمت شاهين دوسكي


حقيبة سوداء فيها كتب وأوراق ذكرني بالأديب المصري طه حسين ونجيب محفوظ ، قميصه المربعات وهندامه المتواضع وببسمته المعهودة قابلني وقال اليوم سنذهب لمكان جديد ، ركبنا سيارة أخيه الأستاذ التربوي سربست وسلكنا الطريق من حي الشرطة إلى الجسر المؤدي إلى ( اتيتي ) شارع عريض جميل على مساحة أطرافه جبال شامخة خضراء وروابي مشجرة وفي وسط الجزرة الوسطية وضعت كامرات لمراقبة السيارات المسرعة ، عرفت هذا عندما قلل سربست سرعة السيارة للمحافظة على أمن الناس وعدم وقوع حوادث سير ، سألت الأديب بدل رفو هل حضرت لما ستقوله لهؤلاء الأحداث في السجن فقال : اغلب محاضراتي هنا أو في الخارج تكون عفوية ما عدا بعض النقاط أدونها في ورقة للتذكير ، وعند اقترابنا من بناية سجن الأحداث والنساء الواسعة في منطقة ( اتيتي ) أوقفنا الحارس مستفسرا لوجودنا وهذا حقه وبعد الاتصال بالمسئولين وبالصديق مهدي كلي مسئول مكتبة السجن ، ركنت السيارة في الكراج الخاص بالسجن وسمحوا لنا بالدخول بعد التأكد وعبرنا بوابة السجن ورأينا مساحة السجن واسعة وجميلة تظلها الأشجار والمناظر البهية التقى بنا الأستاذ مهدي كلى وبعض الضباط والمسئولين ورحبوا بنا واتجهنا لغرفة المدير الأستاذ زكي صالح موسى مدير إصلاح الأحداث والنساء في دهوك بدوره رحب بنا وجرى نقاش وحديث عن الثقافة في الخارج وداخل كوردستان والفرق بينهما وأوضاع السجون والثقافة ودور الوعي والمحاضرات النفسية والفكرية والتعليمية ثم استأذنا وخرجنا إلى البناية الخاصة بالصحة التابعة لصحة دهوك
 

والتقينا بالدكاترة من الرجال والنساء وجرى حديث عن الصحة والحالات الصحية في السجن ودور وزارة الصحة في تلبية طلبات هذا المركز الصحي الذي يحتاج مثلا إلى الأدوية وحاجات أخرى ، ثم اتجهنا إلى مكتبة السجن برفقة الأستاذ مهدي كلى التي جمع فيها الأحداث ليلقي عليهم الأديب بدل رفو محاضرة عن تجليات السجن وما يتعلق بشأنها رأينا وجوه الأحداث الذين لا تتجاوز أعمارهم بين 10 – 17 سنة وهذا العمر من الأعمار الصعبة في التوجيه والإصغاء والتوجيه ، وجوه بريئة لا تدل على الشر العقيم وملابسهم نظيفة جميلة كلهم ينظرون إلينا بتساؤل ، وبعد لقاء التحية ، بدأ الأديب بدل رفو في الحديث عن ظروف السجن وعلاقتها بتكوين شخصية الإنسان وأكد لهم بصورة بسيطة قريبة من عقولهم أن هناك ناس خارج السجن ولكنهم مسجونين داخل جهلهم وأسلوبهم الخاطئ في المجتمع ، مسجونين فكريا واجتماعيا وشرح لهم الفرق بين السجن الغربي والسجن الشرقي حيث السجن الغربي يضع السجين في غرفة لوحده رغم توفر كل ما يحتاجه لكن يصاب بالوحدة بالكآبة والجنون أما السجن الشرقي يضع السجين مع مجموعة من السجناء وهنا يتجلى التبادل الفكري والاجتماعي والتواصل النفسي أي الأفضل هنا ما يسمو بالإنسان ،
 

وتحدث عن فترة السجن أن تستغل بشكل سليم بالقراءة والكتابة وهناك الكثير من الأشخاص المشهورين كانت بدايتهم الأدبية والمهنية في السجن ، ومثلما هناك أدب الرحلات وأدب المهجر لا بد هناك أدب السجن واسرد بعض الأمثلة الواقعية التي رآها في الخارج وفي عدة دول أوربية وذكر كيف نلسون مانديلا قضى ما يقارب 27 سنة في السجن لكنه خرج وأصبح رئيس دولة لفترة زمنية ثم تنازل عنها في الانتخابات لكي يعلم الآخرين معنى الديمقراطية ويعطي فرصة للكفاءات أن تأخذ دورها فلا يمكن التشبث في المنصب أو الكرسي للأبد ، ما دام الآخر سيأتي وينفع المجتمع والبلد أكثر ، وتحدث عن تفاصيل السجون وأنواعها سجون الأحداث والسجون السياسية  والنفسية والعسكرية ومهماتها وواجباتها ثم أعطى فرصة للسجناء الأحداث للأسئلة وسألوا عن دور السجون في الأفلام وهل هي حقيقية ؟ فرد عليهم بان المنتجين لا يهتمون سوى بالمال وشرح لهم كيف مثلا سجين بملعقة يخرق جدارا ؟ ووضح لهم إنها بعيدة عن الحقيقة وكل ما في الأمر الربح المادي ، وبعد الانتهاء من الأسئلة أخذنا صور تذكارية أمنية لم تظهر وجوههم ، وابتسموا ورأينا ملامح الراحة والاطمئنان والفرح ، وأهدى الأديب بدل رفو بعض مؤلفاته للمكتبة ووقع عليها ، ثم سلمنا عليهم وخرجنا نزور مطعم السجن والطعام المهيأ للسجناء وقابلنا مسئولي المطبخ فرأينا الوجبة الغذائية التي تقدم للمدير والضباط والمراتب نفسها تقدم للسجناء ، ثم ودعنا الجميع بفرح عميق ، ولا بد من كلمة هنا التي أشيد فيها لدور الأديب بدل رفو في جهده الفكري والأدبي والإنساني المميز ، فقد حضرت معه محاضرة سابقة ألقاها في إعدادية باعذرى في قاعة واسعة وبحضور ما يقارب (250 ) طالب وطالبة ، هذا الجهد التوجيهي يحسب له علما دون مقابل مادي ، همه الوعي الإنساني وخدمة الفكر الذي يسمو بالمجتمع ، وكلمة لا بد مهما كان السجن المغلق المنعزل عن المجتمع الذي يقيم فيه الشخص المذنب لتنفيذ العقوبة  التي أصدرتها المحكمة بقرار من القاضي لخروجه من القواعد والقوانين الاجتماعية ومهما توفرت المرافق الحيوية والترفيهية والعملية للمساجين فلا بد من الاهتمام لهذه الشريحة وفق هيكلة ونظام إدارة متطور واعي في كل ما يتعلق بالسجن والسجين ، وهذا ما لمسناه في إدارة الأستاذ زكي صالح موسى مدير سجن الأحداث والنساء ،

 

فالسجون وجدت لحماية المواطنين وحفظ الأمن وتنظيم العلاقات في المجتمع  وفي نفس الوقت تقويم سلوك المنحرف وإعادة تأهيله اجتماعيا وفكريا وروحيا ونفسيا وسلوكيا بتوفير المساحة الملائمة والتهوية والمرافق الصحية والخدمات التعليمية والتثقيفية والمحاضرات الإنسانية التوجيهية التي تصحح المسار الفكري للمساجين فوجود الأطباء والأخصائيين والاجتماعيين ومن مختلف التخصصات يساند على تقويم السجين ونمو وعيه وإدراكه ولا شك يعتمد نجاح السجن على عوامل عديدة منها كفاءة المسئولين والقائمين على إدارة أمور السجن وكذلك وجود الأخصائي الاجتماعي والنفسي اللذان يتواصلان مع عائلة السجين ومع المسئولين عن أحوال السجن ، هذا التكافؤ الاجتماعي يساعد السجين على استرداد الثقة والاستقرار النفسي وتقوية إرادته وثقته بالآخر وبالتالي تقبل نظرة الآخرين له في المجتمع . نشكر إدارة سجن الأحداث والنساء في دهوك بمديرها الأستاذ زكي صالح موسى والأستاذ مهدي كلى وكل الضباط والإداريين على حسن الإدارة والاستقبال وتبقى كلمة الفصل في قول الحقيقة الإنسانية من خلال حضور العلماء والأدباء والمختصين كوجود الأديب بدل رفو الذي قدم ما لديه من توجيه وفكر واعي سهل وممتع ليصل إلى عقول الأحداث ليقوم المسار في خدمة المجتمع عامة .



33
أدب / كيف أصفق لك ؟
« في: 17:20 23/08/2017  »

كيف أصفق لك ؟

عصمت شاهين دوسكي

 تحت قطرات الماء أروينني
كحلم جميل بين ذراعيك قيديني
جرديني من كل شيء
ومن همساتك وأنفاسك اسقيني
كرشفة كوب القهوة
كل صباح اذكريني
جامليني بابتسامة طلقة
كطفل محروم واسيني
ومن صوتك الشجي العذب
بالهمس العليل أطربيني
*********
أنا يا سيدة الحرف والجمال
قصيدة عصماء
كل أمسية خالية 
بالحب الرقيق القيني
لا تنتظري جمهورا
في قاعة عذراء انتظريني
أزف لعينيك الحالمة جراحات وجودي
وكرامتي وعزة نفسي تكويني
من خراب الديار
والمشاعر بانت ملامح جنوني
*********
كيف اصفق لك
ويداي مقيدة وبلا حق قيدوني
أبكتني الأطلال التي مرت
على جسدي ، بحبر مسامات أبكتني
كل آهة مشروخة بالدماء
خرجت من صدري
رسمت خارطة مكاني
أنت نسيم البحر
على أمواجه النقية  احمليني
أنا قشة في مهب الرياح
تبحث عن وجودك ، لتداويني


34
أدب / حلم مستباح
« في: 11:20 19/08/2017  »

حلم مستباح

عصمت شاهين الدوسكي


من شعرك الغجري أصيغ شعري
والبس ثوب حزنك الخمري
من مساحة جبينك
أضع مساحات غربتي
وأحيى فيها ، كأرض عصرِ
ومن حاجبيك أرسم قوسين
أضع بينهما حرماني وسهري
من رموش عينيك أصنع أوتارا
لأعزف لحن الخلود على أوتارك وأوتاري
آه من عينيك اللتان كانتا حلما
بين أوطان وجع صدري
آه من خديك كتفاح شامي
ناضج ، طري بين ورد وزهري
آه وآه من شفتيك تروي فمي
بالحرف حينا وبالشهد يغري
********
تسرق لمسات الشوق حنينا
فألهو لحظات على جيدك المرمري
دعيني أولا أتكور
على ربى صدرك الدائري
وأتمرد على منحنيات ذروة الزيتون
كالسنبلة الحبلى تنحني لثمري
وخصرك المعنى يغتصب مسامات ،
جراحاتي ، وكل أقداري
أي ملكة تنتظرني
بين ساقيك المهاجرة وعذابات هجري ؟
أي حلم يستبيح كل أحلامي
وبين الكوابيس كالنهر يجري ؟
أي خيال يمضي في ليال
مجردة من نجمي وقمري ؟
أي روح ملاك تشع نورا
وفي روحي نورك يسري ؟
******
مولاتي
كفي عن الصمت
اصرخي في فمي
بين يديك أسري
تنفسي أشجاني ، أهاتي ،
أناتي وارتوي من سكري
كلما تحتويني أكثر
تغرقين يا مولاتي أكثر في بحوري

35
أدب / الإعادة إفادة
« في: 19:32 05/08/2017  »

الإعادة إفادة

عصمت شاهين الدوسكي

منذ ألف عام قالوا :
أعيدوا دراسة الحب
في إعادة الحب إفادة
ونزلت كتبوا السماء
ارحموا بعضكم
ولا تفرقوا بالفكر والدم زاده
وإن عاندتم بالجهل
كل يتحمل مصير عناده
اشبعوا ، ناموا ،
فالنوم في عصر التيه عباده
كونوا كما انتم
حب مزيف بالمظاهر
ونفاق ونميمة
وأشكال في ظل بلا سعادة
كونوا كما انتم
تجرون
خلفكم السنين تمر
عادة بعد عادة
تأكلكم الآفات
والمعاناة ومحركات الإبادة
***********
نعم يا سيدتي
جيل بعد جيل
يكرهون الاختلاف
كأن الاختلاف في الرأي
ذنبا وبلادة
فرقتنا الحروب
والفساد ولعبة الثراء وأصبحنا
في ظلهم بلا إرادة
لم نعترف بعضنا ،
لم نرحم أرواحنا ، وجودنا
رغم صرختنا عند الولادة
***********
تجرًدنا من قلوبنا
من إحساسنا ،
وتجلت عناوين بلا زيادة
مسلم ، مسيحي ، يزيدي ،
صابئي ، شيعي ، سني
لكن بلا مراده
طغى قانون النفي ، التهميش ،
الإقصاء واللا مبالاة
نسوا الاختلاف في الرأي 
قوة .. حياة .. لقاء .. قيادة
خلقنا الله مختلفين ،
لكننا نشوه بعضنا ،
نجرح بعضنا ، نقتل بعضنا
لا نرغب بعضنا ، فأين وداده ؟
***********
الأرض للجميع ،
أورثها الله للجميع ،
فما بالنا بلا حب ،
بلا جمال ، بلا إرادة ؟
تشردنا ، جعنا ، عرينا
تغربنا في كل البلاد وبلادة
أصبحت كسرة الرغيف حلما
والمسكن طيفا
والأمان خيالا يطير
كحصان طروادة
قالوا أعيدوا دراسة الحب
يا رحمة الود والجمال 
يا ترى في الإعادة ، إفادة  ؟؟!!


36
أدب / أزقة ضبابية
« في: 17:35 03/08/2017  »


أزقة ضبابية


عصمت شاهين دوسكي

 بين أزقة ضبابية
 مشيت أحمل أعبائي المبعثرة وعبرات
 تستغيث من مدن منكوبة قصية
 أبحث عن وجوه
 تحكي حكاية أمل
 وحلم هارب بين الأحلام الوردية
 أبحث عن عيون تبصر أرض الآلام
 ولا تعكس بصر المأساوية
 أبحث عن شفاه
 تروي كؤوس فارغة
 وتلمس قطرات زجاجية
 أبحث عن من يخرج الطيور من أقفاص
 لتطير بحرية
******************
 أروى يا وجها مغتربا
 بين الحروف والكتب العصرية
 يا طفولة ناضجة تحتل حلما في عوالم بنفسجية
 يا وهجا تقاسم الريح
 تعاند أغصان عتية
 وجها قمريا بين سحب الحياة تداعب
 الصبا في ليال قمرية
 تعلو على ربى النسيم
 تدخل ملكة قلعة أثرية
 *******************
 نزهة مطرية
 تتساقط القطرات على زجاج السيارة الأمامية
 تعد بلهفة كم قطرة سقطت لكن تذوي
 بين فرشاة سوداوية
 قبل أن يأتي الثلج
 تعالوا نصد كرات ثلجية
 تجمد أحلامنا آمالنا
 ونبحث في الأسواق
 ملابس أكثر شتوية
 ************************
 أروى
 كوني حلما يتجدد
 وأملا يغرد فوق أشجار شجية
 تروين الأعباء المبعثرة
 لتعود نابضة على أرض حية
 لا تهتمي بتضاريس شكلية
 غربية كانت أم شرقية
 فمن يروي الأشلاء
 يحيا في جنان أبدية


37
إبراهيم يلدا بين الشرير والصليب

الخير والشر جدلية السماء والكون والحياة .
هناك غايات تنحط لتلامس النفايات
ما هو النفاق المزدوج ؟

عصمت شاهين دوسكي

كتابة الشعر تجربة غاية في التعقيد والتبسيط عند الشاعر المتمكن المبدع كونها حياة خارج الزمان والمكان تضطرب فيه عوالم بناء الخيالية والواقعية والروحية والفلسفية والنفس المتصوفة السرمدية الجمالية ، ترسو العواطف والمشاعر الإنسانية وتتجاذب تجليات الاغتراب والاقتراب بينهما بالحساسية النقية الفطرية العالية وتتنوع فظاءاتها الخلاقة التي تفعل وتحرك أركان ومساحات الزمان والمكان والأمان والاطمئنان في لغة إنسانية محرابيه إبراهيمية  تتفاعل مع محيطها وكينونتها وجوهرها بروحية المدرك وحيوية الواثق وإن وظف بطريقة روحية راقية الرموز والأدوات  والدلالات ، فالكشف النصي يتوحد بنفس دينية بين تجليات الشرير والصليب ، اتخذ الشاعر إبراهيم يلدا جدلية السماء والكون والحياة " الخير والشر " رغم إنها من المسلمات والبديهيات وسنن متعارف عليها منذ خلق " آدم وحواء " وخروجهم من الجنة ، التجربة الشعرية في هذا الإطار الروحي تستوعب مساحة للكشف ، للرؤى لتسلك طريقا عميقا وتعبر عن المكنون والظاهر لكن الأفواه صامتة تصم الأذان وتسكت الوعي الذاتي وتتحكم في يومه وسلوكه وطبيعته ، الشاعر له قدرة غامضة على تفعيل وتأويل وتحريك العلاقات والرموز والدلالات في البنية النصية وقدرة لغوية متناغمة مع المفردة الإبراهيمية لا لتبني من الخيال افتراضات وتهدم بيانات على الواقع بل يدخل محراب اللغة لكي ينشا صلات متغيرة ومتلائمة مع القارئ من خلال التجربة والنص الشعري في القدرية الإنسانية " الخير والشر " النور والظلام ، الحب والكره ، ومن خلالها يجسد قول المسيح وقول الله دون توتر وشحن وفتح أبواب النص لكل الاحتمالات .
(( حين يخطأ الجاهل لجهله ومن غير ان يدري
   يغفر له لا من البشر وحدهم بل ومن الله
   ولكن حينما يعود ويكرر الخطأ نفسه
   سيحاسب كخاطئ لأنه كان يعي ما يفعله )) .

يصف الشاعر إبراهيم يلدا صورة الشيطان ومكانه وما يقصده من معاني ضمنية ، فهناك مريدين ومناصرين للشيطان للشر " الشيطان المتربص أمام الصليب " يا ترى أي شيطان يقف أما الصليب ؟ هل يعني الإنسان ؟ " بل الشرير الذي يقف وراء الصليب وهو إبليس " ربما يرجع هذا التصور الإنساني والإبليس لأشكال شعرية حاولت منذ قرون من الزمان إن تخضع لمتطلبات وتطلعات عصرية جديدة ومن خلالها يقوم بتفعيل وتحريك عملية الدمج والتقارب الإنساني الإبليس  تستند على الفضاء الديني الرحب الذي يطوف في الحياة البشرية بين رؤى الخير والشر بل بتفرد إلى مدى الحياة ، فالصراع الفكري الهمس يتجلى بين الشيطان وراء الصليب والشيطان أمام الصليب ونتيجة المعادلة " شيطان " لكن واحد يتحدث باسم " الإنسان " والآخر يتحدث باسم " المسيح " هذا النفاق المزدوج يتفرد في صور الشاعر إبراهيم يلدا لأنه يأبى كأي إنسان أن يكون بين المنافقين والدجالين حتى لو يعتبر الآخر موقفه هذا من روح التمرد والعصيان للعلاقات الإصلاحية الاجتماعية ألمحرابيه كونه يدرك الصور الواقعية ويميز بين الخير والشر ، بين الشرير والصليب ، ويدقق في المستوى الخطابي النصي لجعله صورة شعرية استكشافية يراد منها خير البشرية والرؤية النقية الإنسانية في كل زمان ومكان ، تنفذ بمفرداتها الإبراهيمية إلى ما وراء الضبابية والصندوقية والغرف الإرشادية المغطاة بستائر عادية .
(( أنا لا اقصد بهذا
   الشيطان المتربص أمام الصليب
   بل الشرير الذي يقف وراء الصليب وهو إبليس
   الذي اعنيه هو الذي يجوب باسم المسيح
   ويسلك طريقين
  احدهم للأتقياء وآخر للمزيفين )) .

لغة الشاعر إبراهيم يلدا سهلة وفي نفس الوقت ممتعة يبنيها وفق المواضيع والمضامين الاجتماعية التي تحيى وتلامس يومية الإنسان بنسق جميل بعيد عن الغلو والتعقيد ومن خلال العلاقات الدلالية التي يطرحها " الصليب ، الإبليس ، المسيح ، يهوذا ، قبلة يهوذا " هذه القبلة التي تصور بغريزة شريرة خلقت من ورائها غايات تنحط لتلامس النفايات فهو يسقي سما للأمل ليقتله وغن تفوه بالكلام تجلى الهلاك وإن تحدث باسم المسيح هدفه علامة أنانية وغاية فلا تلاعب في المرجعيات الكونية ولا تحوير في الخلق ألسمائي  فالشيطان إن كان أمام الصليب " الإنسان " أو وراء الصليب " الإبليس "  أو قبلة يهوذا فهي صور وسوسة شيطان ، لها خاصية مجردة وأفعالهم معروفة ظاهرة للعيان إن باتت سياسية ، دينية ، اجتماعية أو ذاتية ، هذه الخاصية توحي دلالات ومعاني في مدارات إنسانية متفتحة وإن تمرد عليها الشاعر لسلطتها وهيمنتها الصارمة ولا يعني الجميع فما بين المنافقين والمنافقين مخلصين " لو خليت قلبت " فالوحش الصارم ظاهر رغم قناع البراءة ومهما تزين وتجمل .
((خارجه مؤمن وداخله ثعلب ماكر
  يُقبِل بصوت عالي إلا أن قبلته كقبلة يهوذا
  خلق من تلك الغريزة الشريرة المملوءة بالنفايات
  يسحق بقدميه كل الأوامر والعلوم
  وحين يقترب منه المريض طالبا الشفاعة
  يسقيه سما ليقتل ما فيه من الأمل
  وحين يتفوه بكلام ما ، يطرد زميله إلى الهلاك
  وان تحدث باسم المسيح هدفه ليظفر على المتوحش )) .

كل الكتب السماوية حذرت من المنافقين الذين يخربون ولا يعمرون ، يفرقون ولا يجمعون ، يفسدون ولا ينمون ، وإن لبسوا رداء النقاء والصفاء فالمسيح تنبأ بفعل يهوذا وقبلته لم تزكيه ، ومن بعد المسيح " الملا فنه " وهم رجال دين مشرقين ورومان تفتخر الكنائس بوجودهم ، الذين زينوا كنيستهم بتصنيفهم الثمين ومنهم " مار افرام النصيبيني "  في القرن الرابع ولد في نصيبين في عهد الملك قسطنطين سنة 306 م وتوفي سنة 373 م وترساي والمعلم الكبير باباي وهم من مدارس دينية توجيهية كمدرسة الرها ومن أئمتها مار أفرام الكبير ومدرسة نصيبين الكبرى في القرن الرابع وفي هذه المدرسة علم ترساي الشهير 507 م وباباي الكبير 627 م وهناك مدارس عديدة ومنها المدائن وأنطاكيا وقسرين ورأس العين ودير صوما ودير البارد وغيرها نادوا " استفيقوا من الأنبياء الكذبة " وهم الذين يحملون كساء الحمل الوديع والقرآن الكريم صريح بهذا الشأن " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا " آية "144" سورة النساء وهو تحذير قائم للأبد .
((ومن بعدهم
  الملافنة افرام ونرساي والمعلم الكبير باباي
  استفيقوا من الأنبياء الكذبة الذين ينادون باسمي
  فان كان يعمى الأعين المريضة
  فماذا بصدد المتعافية
  إن كان يخفي ملابسه خفية
  فالمخفي لدى الله يتجلي
  وان خلص نفسه من البشر
  فإلى أين سيذهب من أمام الرب
  سيدينه بعين الحق
  فالله عليم بالقلوب )) .

المنافق مهما طال أمده ومهما كان شيطانه لعوبا في هيكله العام ليس مخفيا بل ظاهرا فإن كانت الأعين المريضة لا تراه على حقيقته فهناك أعين متعاقبة بصيرة والله يجليه غن طال الزمن أو قصر " فالله يمهل ولا يهمل " حينها أين سيلجأ أمام الرب سيدان ويقف عاريا وتشهد عليه عينيه ولسانه وشفتيه وساقيه وقدميه ويديه وكل عضو في جسده فالله عالم بالقلوب عالم بالخير والشر ، الشاعر إبراهيم يلدا أتقن جدلية الخير والشر من خلال " الإنسان أمام الصليب والشيطان وراء الصليب " بمضامينها وبعدها وألوانها وأقنعتها وفضاءها الجديد ، يضيف إليها بأسلوبه الشعري المميز صور شعرية شفافة اعتاد عليها ليدخل روح القارئ معه ويشاركه في الرؤية فكرا وإحساسا لتصبح أيقونات الخير والشر علامة تتحرك في مدراك واسعة خارج مدارها المحراب إلى المدار الإنساني العام فلغته غير منحازة وأن تجلت بل تحاول أن تقف في المعنى المباشر ولتفسر جدلية الخير والشر نفسها بذلتها على مقاييس الفهم العادي السائد في العالم .

********************************

المصدر

*******************************************
اسم الكتاب :الموت والميلاد للشاعر إبراهيم يلدا
اسم المترجم : نزار حنا الديراني
الطبعة الأولى بلغتها الأصلية : مطبعة نينوى ـ شيكاغو  1995 الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة الثانية ( ترجمة) : 2017 دار الأمل الجديدة ـ سوريا / دمشق





38
أدب / حلم ونجاح
« في: 22:04 31/07/2017  »
حلم ونجاح

عصمت شاهين الدوسكي


أرتجي حلما لا يقاوم كل نجاح
ناطق بالجنون وكل مباح
لا أظن عندي سوى إحساس
يبكي حرفي المستباح
أنت يا سيدة الحلم موسيقى حالمة
ألهبت شجوني وطرت بلا جناح
إذا أطعت الواقع سقط 
حلمي وتمرد كل صباح
**************
شعرك المتموج على كتفيك 
يبحر على بحر الجسد
فلا تقف برهة قبلاتي
حرة تسير بلا عيب أو حسد
تبعث على بشرتك البيضاء
دوائر عاجية لا تفسد
نعم على روابي صدرك وحيدا
وأنا العاشق المعنى ، فيك يسعد
***********************
صبرا لم تتمرد غزواتي 
لم أطعن فيك قبلاتي
أحمل غربتي مسافرا في عينيك
تركت أحلامي وأمنياتي
تهت في ملامحك سائلا
أي ناقوس يدق نزواتي ؟
أنت بيت شعر بلا قافية
وأنا تائه في بحر سمواتي
*******************
كلماتك وصال ومودة غناء
تعانق زماني ذهب هباء
وأرواحنا مهما طال حبسها
تثور في أرض جرداء
يأتي عليك صبح مهاجرا
تنتظر في جوفه كل مساء
كلنا لصروف القدر لاجئون
إن نبذتنا الأرض مسكنا السماء
************
سيدتي المغتربة ، حزنك
يرقص على أمواج الجراح
وصدرك الملتهب عشقا
يخفي حديث مباح
دلوعة كنت أم شقية أم صبية
تنتظر بتمرد حلم الصباح
غزواتك الخجولة رسمت خارطة
صدري المجروح ، قبلات النجاح



39
فارس تمر والانطباعية الزاخولية
من المحلية إلى العالمية

عصمت شاهين الدوسكي

في طريقنا من دهوك إلى زاخو حيث الطريق السريع ومساحات واسعة وروابي خضراء ويمتد نظرك حينما تقترب أكثر ليقترب كلي زاخو الدولي الذي شهد حوادث انقلاب السيارات الكبيرة والصغيرة وراح ضحيتها ناس أبرياء لشدة انحداره والتواءه وانحناءه ، وعندما تصل لقمة الكلي وتمر على الانحدار القوي الذي يؤدي إلى مدينة زاخو يتسع نظرك إلى جنان جميلة في كل الاتجاهات بلدة متراكمة على بعضها ، ومن أصول تسمية زاخو إلى الكلمة الآرامية السريانية " زاخوتا " وتعني الانتصار وتعزي هذه التسمية تقليديا إلى انتصار اسكندر المقدوني على البارثيين في واقعة بالقرب من زاخو ، وهناك معاني أخرى ، يتخلل البلدة جسر العباسي " جسر  دلال " الذي يبسط قوته التاريخية أمام السائحين والزوار أحجاره وأقواسه تحكي حكاية الإنسان القديم بنسيم نهر عليل ، وبعد عبورنا الجسر لمنطقة العباسية ومنطقة " سرهلدان  " وتعني الانتفاضة ومرورنا بشارع المؤدي إلى تل كبر وفي احد الأزقة وصلنا إلى بيت المفكر والمناضل والكاتب " فرهاد عمر السليفاني " الذي استقبلنا بحفاوة وكرم أهل زاخو الطيبين

 

وبعد استراحتنا من تعب الطريق جرى بيننا حديث طويل عن الثقافة والصحافة والفن التشكيلي في دهوك وزاخو وكوردستان عامة بتناقضاتها وتأثيرها في الساحة المحلية والعربية والعالمية ، ثم انتقلت إلى الغرفة المجاورة التي اعتبرتها قاعة لعرض لوحات الفنان التشكيلي " فارس تمر " الذي يعتبر بن عم المفكر فرهاد عمر وبعد حديثنا عن لوحاته الانطباعية انتقلنا إلى مرسمه
 
بناء مميز فيه صالة لاستقبال الأصدقاء والضيوف وقاعة ورشة للرسم وأخرى للتصميم والإعلان معلقة على جدرانها لوحات فنية تتحدث عن أزمنة مختلفة ولكل لوحة سحر ورمز وجمال خاص وبمضمون ومعاني راقية تمس الإنسان والمجتمع وقد لفت نظري هذا الكم الجميل والراقي من اللوحات الانطباعية والسريالية التي تأخذك إلى عالم روحاني وفكري وإحساس ينبض له القلب بأمان وراحة نفسية ، لو تأملنا هذا الكون وأبصرنا ما حولنا لأدركنا عمق وعظمة الخالق المصور الذي أبدع هذا الجمال الكوني الطبيعي والإنساني ، الله بقدرته العجيبة يقدم لنا لوحات تسمو بألوانها وترتقي بشفافيتها النقية نقف أمامها مشدوهين وقد صمت وعقد فكرنا وخيالنا ورؤيتنا هذا الإبداع الجمالي سبحان الله صور وخلق فأحسن كل شيء ، ومن خلال الموهبة الفنية التي يهبها الله للإنسان يخزن بدوره الرؤية ويجسدها على لوحات فنية انطباعية وتجريدية ، المدرسة الانطباعية التي يتميز فيها الفنان التشكيلي فارس تمر هي احد أنواع الفنون التي ساهمت في تغيير الفن العتيق الماضي والمعاصر ، فالفن التشكيلي الانطباعي يؤخذ من الطبيعة الواقع يصغ الفنان بأسلوبه ورؤيته الخاصة الجديدة التي تحتاج إلى رؤية بصرية محسوسة ،
 

وقد كان استهلالها في فرنسا بين مجموعة من الفنانين الذين كانوا يحلمون بالحرية وتكوين الذات والتفرد والتميز مع الإخلاص في العمل الفني ليكونوا مدرستهم الفنية الخاصة التي هاجت وعصفت بالماضي وأساليبه القديمة وهجرهم المظاهر الزائفة والنبلاء والأغنياء وعيشهم مع البسطاء والفقراء والمحرومين والمساكين ألهمهم جوهر الفن الراقي وكان في مقدمتهم " كلود مونيه " تنسب الانطباعية إلى إحدى لوحاته عنوانها " انطباع شروق الشمس " وفي البداية كانت مصدر استهزاء ودعاة للسخرية لكن مع الزمن أصبحت عنوانا راقيا يشار إليها بالبنان ، الفنان التشكيلي " فارس تمر " من قرية بيزهي ، زاخو عاش طفولته بين الطبيعة وترعرع مع الناس البسطاء فعرف أدق التفاصيل وأعظمها ، بالإضافة إلى الرسم خطاط ومصمم وعندما رأيته في بادئ الأمر تجلت ملامح وجهه الجبلية وشعر رأسه وجسده القوي الذي يوحي إنه ليس فنان تشكيلي فقط بل قائد ثورة فنية وإنسانية ثقته بنفسه ورؤيته العميقة الصائبة للأشياء تفرز طاقة ايجابية ، ورغم المعارض الكثيرة التي أقامها وشارك فيها في الداخل والخارج وتميزه وإبداعه الفني ومركزه وعمله كمدير ل " كاليري " في زاخو  الخاصة بعرض اللوحات الفنية والتشكيلية بأقسامها التابعة لدائرة الثقافة والفنون وإعادة انتخابه عدة مرات ،

 
 تجده متواضع بسيط يحاورك كأنه صديق قديم ، هذا التواضع الشخصي والفني أسمى بقدراته وإمكانياته وارتقى بحب الناس بجميع صفاتهم ومكانتهم ومناصبهم ، الفنان فارس تمر موهبته الفنية بدأت منذ الصغر حينما كان مخربش على الجدران والأرض بصور وخطوط فطرية وفي المراحل الدراسية وجد ضآلته بين القلم والورقة يرسم ما يحس ويحلو له فلفت أنظار الأصدقاء والأقرباء وخاصة المختصين في فن الرسم ولا غريبة أن تستعين قيه المدرسة في المناسبات الفنية والتشكيلية ليضع بصماته الطرية على خلفيات المسارح ورسم جداري لواجهات المدارس حيث ذاع صيته الفني فاستعانت بفنه المنظمات والمؤسسات الرسمية والاجتماعية والإنسانية وأصبحت له قاعدة جماهيرية واسعة ليس في زاخو ودهوك وكوردستان فقط بل في العالم من خلال مشاركاته التشكيلية المميزة تتميز لوحاته بالألوان المشعة كألوان قوس قزح متجلية بانعكاس الضوء والظل على سطح اللوحة بلمسات راقية بالفرشاة وتظهر آثارها بتضاريس بارزة مكونة مضمون الفكرة والرؤية  ويترك للمتلقي مساحات واسعة للتأويل التي تعتبر متعة فكرية ونفسية وتحليلية ،
 

يعتمد الفنان " فارس تمر " على نقل صورة الواقع والحدث من الطبيعة والمجتمع كلوحة مجنون زاخو " سينان " الذي يتكأ على صخرة ما بجسده وهيئته المعروفة لدى أهل زاخو بملابسه البسيطة ولحيته الكثة فهو شخص من المجتمع يعرفه الفنان من زمن قديم وهو أيضا يعرف الفنان فارس تمر وكأنه في اتصال إنساني غير منظور بينهما فكلما رآه في أي مكان أو سمع صوت الفنان فارس يصيح بأعلى صوته ينادي اسمه ، ليوجه من خلال اللوحة رسالة الرحمة وقد كتب في يسار اللوحة بالخط الكاريكاتيري " ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " فاهتمامنا بالفقراء والضعفاء والمجانين والمساكين والمحرومين قضية إنسانية مهمة جدا ، فلا يمكن هذا الإهمال واللا مبالاة من المؤسسات الحكومية والأنظمة الإنسانية التي تدعي وترفع شعار حقوق الإنسان أن لا تراعي مثل حال " سينان " وغيره ،

 

وقد اقترح الفنان فارس تمر على المعنيين اختيار مكان لمثل حالة " سيبان " ورعايتهم فكريا وصحيا واجتماعيا ويكون مع جماعته الفنيين متطوعين لهذا الأمر ، لكن لا حياة لمن تنادي ، لو كان الفنان التشكيلي فارس تمر في غير دولة مثلا أوربية لوفرت له ما يحتاجه لينتج ويبدع ورغم العروض الخارجية التي هالت عليه أبى أن يترك بلدته وأهله ، ومن اهتماماته التراث والفلكلور الكوردي والمرأة الكوردية كلوحة المهد الخشبي وقطع من السجاد اليدوي القديم وجعبة مزركشة كان يحملها الفلاح وراعي الغنم يحمل فيها زاده وماءه وما يحتاجه بمزيج بهي من الألوان الغامقة والفاتحة الأحمر والأخضر والأسود والأصفر وجاء حبه للتراث تأثير القرية  والأشياء البسيطة التي خزنت صورها في ذاكرته ليعتبر كوردستان كلها خزين ثري لأعماله التشكيلية ولوحة الدومينو التي جمعت مدرستين الانطباعية والسريالية معا قطع النرد الدومينو بلونها الأبيض والنقط السوداء فوقها جعبة فلكلورية بألوانها الغامقة تخرج منها يد قوية عليها آثار التعب والعمل ليجسد من خلالها ويعالج كيف يكون قضاء الوقت بالعمل بعيدا عن اللعب فالإنسان الحقيقي بعمله وإنتاجه ليعكس وجوده وفائدته للإنسانية ،

 
وهناك لوحة فانوس الذي يعتبره رمز للطبقة الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة وهي الطبقة المضحية دائما في المجتمع لكن هذه المرة يد مسالمة جميلة تخرج من الفانوس بألوانها الفاتحة لتعكس المحبة والسلام والتعايش والتسامح والتواصل والتقارب المجتمعي بين الطبقات وهذه اللوحة اختيرت في المهرجان التشكيلي في السليمانية من بين " 174 " فنانا تشكيليا لتجوب معارض العالم كله وأول محطة عالمية ألمانيا ، وهناك لوحات راقية كل لوحة تشكيلية تحمل رسالة إنسانية وفنية هذه بعض اللمحات عن الفنان الموهوب الكوردي فارس تمر الذي وصل بإصراره وإبداعه وثقته بنفسه وإخلاصه في عمله الفني من المحلية إلى العالمية . فعلى الجهات المعنية الاهتمام بالأدباء والمفكرين والتشكيلين فهم يعبرون عن المجتمع بصورته الحقيقية وينقلون حضارة البلد للعالم .

***************************
فارس تمر درويش / تشكيلي وخطاط ومصمم
مواليد 6 / 6/1972 قرية بيزهي / زاخو – دهوك
خريج إعدادية زراعة زاخو 1992 م
اقام ستة معارض فنية تشكيلية .
مشاركات عديد في اغلب المعارض التشكيلية التي أقيمت في إقليم كوردستان العراق تقدر بأكثر من 70 مشاركة فنية .
مشاركات في مهرجانات ومعارض تشكيلية في تركيا .
عام 2005 م عين موظفا في دائرة الثقافة في زاخو .
عام 2010 م عين مديرا لكاليري زاخو وما يزال .
عام 2012 م تم انتخابه كمسئول للبيت التشكيلي في زاخو .
وأعيد انتخابه وما زال .
حصل على العديد من الجوائز وشهادات تقدير .
تم اختيار بعض لوحاته لأغلفة المجلات والكتب داخل وخارج العراق وخاصة في السويد .
شارك في المهرجان التشكيلي الكبير الذي أقيم في السليمانية 12 / 7 / 2017 م مع 174 فنانا تشكيليا واختيرت لوحته لعرضها عالميا في كافة الدول وأول محطة ألمانيا .



40
مونيا لفراوي والموهبة الفنية
عصمت شاهين الدوسكي

عندما أقف عند عالم الموهبة الفنية أبحر في عالم الكبار من الفنانين في مجال الفن التشكيلي دافنشي ، بيكاسو ، سيزان وغيرهم ويمكن تعريف الموهبة بامتلاك الإنسان لشيء عظيم يحس خلاله بالتميز والتفرد والتألق والإبداع ، يلازمها الوعي والنضوج الفكري والحسي والتفوق في القدرة المعرفية الفنية والعامة من حيث التفكير والتغيير والابتكار والإنتاج الفني ، ربما من يسأل من أين أتت مفردة الموهبة أصلا ؟ لغويا من فعل وهب ومعناها أعطى مجانا بلا مقاضاة بلا مقابل ، والعطاء قدرة متجلية في الجوانب الفاعلة الإنسانية الناشطة في الحياة والفن ، يعرف " كارتر جول " الموهبة بأنها ( القدرة في حقل معين أو القدرة الطبيعية ذات الفاعلية الكبرى نتيجة التدريب مثل الرسم والموسيقى ..)  وهي قدرة واستعدادا فطريا لدى الإنسان بحيث يكون الإحساس الفني والرؤية الفنية عامل أساسي في تكوين وتطوير الموهبة الفنية هذا الاستهلال يدنينا من الفنانة التشكيلية المراكشية المغربية " مونيا لفراوي " التي ترسم بفطرتها الفنية مستعينة برؤيتها الفنية وإحساسها بالأشياء والأشكال الملونة ،والرسم بالحناء ، ومن خلال رؤية لوحاتها تحس إنك في عالم فكري وخيالي ونفسي جميل ، أشكال وأبعاد إنسانية عميقة متناغمة بتعدد الأشكال والألوان الغامقة والفاتحة وكأنك في عالم الحلم والواقع في نفس الوقت ، تلمس السحر المراكشي الفني والتألق الأندلسي ، حينما عرضت لوحاتها في قاعة وأروقة الفندق " Cote Sud " الخاصة بعرض اللوحات الفنية نالت إعجاب وإقبال الجمهور وخاصة صاحب الفندق الفنان النحات " Enrique Seoane Hening – 1949 "  هنريك صوان هنينغ وهو أسباني الجنسية الذي قال لها فنيا " أنت تستحقين الدعم معنويا وفنيا ...." وعندما تلاحظ القماش الذي رسمت عليه قماش أبيض خاص لفرش سرير المستشفى وليس خاصا باللوحة الفنية المتلاطمة بالأشكال والألوان تحس إن البراءة والفطرة الفنية أخذت دورها في الابتكار والإبداع وتكمن هنا قوة حضور الموهبة الفنية ،

 

الفنانة التشكيلية المراكشية " مونيا لفراوي " تتميز بجمال المنظر الفني وعمق اللحظة الشكلية واللونية بتعبير واسع عن الانفعالات النفسية والفكرية والحسية الكامنة في الأعماق مرتبطة بشكل ذوباني بذات الفنانة وبذات المجتمع المغربي والعالمي مستمدة أشكالها وألوانها من الطبيعة الواقعية والموروث التاريخي للإنسان والحياة تصورها بصور جديدة من خلال فرشاتها اللونية التي تصبغ محيطها برؤيتها الشكلية الفنية بعطاء ونتاج فكري فطري وإن لم يندرج لأي مدرسة فنية ، فهي مدرسة فطرية بموهبة فنية ، تتعامل الفنانة " مونيا لفراوي " مع الأشكال والألوان بأسلوب مميز من حيث مزج الألوان وتركيب الأشكال والأجساد الأنثوية وتناغم اللون الهرموني والكتل اللونية والتوزيع اللوني البديع وملأ فضاء اللوحة ورقي انعكاس الضوء والظل وتجلي مركزه وانبعاثه وانتشاره على جسد اللوحة الفنية ، تحس بضربات الفرشاة في بقع مختلفة قوية صارخة ومنها حالمة هادئة بتوافق جمالي ، رغم الفنانة المراكشية لم تتلق أي دراسة أكاديمية فنية لكنها كونت بموهبتها وفطرتها الفنية وخبرتها وتواصلها وتفانيها والإخلاص الفني مدرسة خاصة مائلة بتأثرها الفني بالفنان العالمي " بيكاسو " في المواضيع التي تعالجها والرسائل الفنية التي ترسلها للمتلقي ، إنها تعزف عزف منفرد بمزج الألوان وتركيب الأشكال والوجوه النسائية كتعبير أساسي باعتمادها على رؤيتها الفنية في إبراز اللون وتميز الأشكال ، فتجد في مضمونها التناقضات والتناغمات والإرهاصات والأمواج الإنسانية والتيارات الفكرية الاجتماعية خاصة التي تمس المرأة والإنسان عامة ، الفنانة " مونيا لفراوي " أعمق من ألوان الطيف تملأ اللوحة كفراشة ملونة تطير بين أشكال الطبيعة وألوانها لتستمد منها ذات التميز والابتكار والإبداع ،
 

تخرج من جوهر ذاتها إلى ذات الطبيعة العالمية بمكونات تشكيلية أغلبها أجساد ووجوه نسائية رومانسية حالمة ومتمردة  ثائرة بألوان نارية على المجتمع ناطقة بما يجول في روحها وبتدرج ألواني كأنه يمر بتحقيق حلم راود الفنانة وهي صغيرة مخربشات شكلية لونية بسيطة وهي تحب بل تعشق الطبيعة وأشكال وألوان الورد كروح تبحر نحو جبل عالي وبين خوف الارتفاع ولذة ومتعة الارتقاء يظهر الملاك الفني وكأنه بلحيته البيضاء من العصور القديمة يحمل بيده ورقة بيضاء وقلم وبالتوضيح والشرح بأنواع الأشكال والألوان أحيا فيها روح الحياة والفن والإبداع ، تلك كانت اللمحات الفنية الأولى من حلم بسيط لتحقق حلمها على الورق ثم ثوب ابيض ومن ثم على قماش اللوحة بألوانها المائية المتجانسة الجميلة رغم التنقلات الكثيرة وجرأتها في مزج الألوان قد تكون عشوائية حتى تحصل على اللون الذي يناسب اللوحة لتستخدمه بضربات سلسة تنسجم مع النضوج الفكري والاطمئنان النفسي والروحي التي تفرزها لحظة الاستهلال الفني لتبحر مع الذات الأنثوية الناضجة وتحكي بشجون الأشكال والألوان حكايات امرأة أمام القيود والتناقضات الاجتماعية والفكرية العصرية بتميز الطلاء اللوني الذي يكسب اللوحة أبعادا ثنائية وثلاثية
 

حيث تجد بدايات ونهايات متنوعة تضعك على مسار السرد التشكيلي بأوجه مختلفة وملامح بدائية وحديثة تحرر بصرك على شخوص اللوحة وألوانها بحركات لونية وخطية وضوئية بتداخلات لا متناهية يصعب تفكيكها متمردة على واقعها كأنثى تحلم بواقع أفضل من خلال أجساد ملامح نسائية ورموز إيحائية تمد خيالها الخلاق بالطاقة الايجابية التحررية عبر مزيج الأحمر والأزرق والأصفر والأسود من بيئتها المراكشية المفعمة بسطوع الضوء وانعكاسه نحو لا نهاية ولا حدود وما ألوان لوحاتها وتدرجها إلا دلالة نفسية تصويرية مخزونة في الوعي واللا وعي من تخيلات ورؤية راسخة  من بساط " الزرابي " وهو نوع من السجاد البربري التقليدي اليدوي وهو يتميز بلوحات فنية تنسج عليها حكايات وقصص شعبية من تاريخ المغرب العربي والموروث القديم للحضارة الأندلسية ، يتميز بانحناءات وأشكال وبتنوع الألوان الأزرق والأحمر والأصفر والأخضر ،

 

 أنامل النساء تضع الجمال في تكوينه وصناعته وتبدع القرويات في نسج أشكال جميلة وتزيينها بزخارف ورسومات ونقش مميز ، هذا الأطر الفني التقليدي الأصيل رسخ في ذهن الفنانة وهي صغيرة في البيت والأسواق والأزقة المراكشية لتعيد صياغتها وهي كبيرة بشكل فني مبدع على اللوحة الفنية بمضمون جديد ومعاني إنسانية راقية تعالج خلالها صراعات وأفكار العصر الجديد الذي اثر على المجتمع والعالم ، هذه الموهبة الفنية جسدت مفاهيم ومشكلات المرأة وهواجسها المجتمعية المعاصرة ، مونيا لفراوي موهبة الفطرة والأصل لتجدد إشراقا فنيا بتكوين إنساني جديد تحاور المتلقي بعد إيجاد تواصل ذهني بصري عاطفي مع اللوحة لتكوين حالة اندماج فنية عصرية قادرة على استيعاب المرأة بشكل خاص ورؤية الإنسان بشكل عام في كل مكان في العالم .
*******************************
مونيا لفراوي
مواليد : 1985 م مراكش ، المغرب
فنانة تشكيلية ، يتميز فنها بالألوان والأشكال الإنسانية التي تعكس رؤى مختلفة .
أقامت معرضها الفني الأول في قاعة " Cote Sud " مراكش 2017 م .
تستعد لإقامة معرض ثاني بإشراف وزارة الثقافة  .



41
طريق وطريق
الشاعر الكبير شيركو بيكه س أمام طريق مسدود
ما هي المعاني لاكتشاف الذات  أو الخداع؟



عصمت شاهين الدوسكي

إن الشاعر "شيركو بيكه س" معروف ببيئته ، يتحسسها بشكل عميق ويدركها بأدق تفاصيلها وهذا المزيج الذي يشكل المأزق الإدراكي والذي لا غنى عنه في نفس الوقت ، يقف أمامه مشدوهاً مع الهواجس التي تساوره بصور متغيرة ومشاهد حية للبشر في ظل الحياة ، تكاد تكون طبيعية بالنسبة للبعض أما بالنسبة للشاعر فهي جزء من هذا العالم الذي يحمل معاني عميقة غير أن إدراكه للبعض صعب جداً وحين يتفاعل الشاعر "شيركو بيكه س" بخياله يحلق بعيداً لإيجاد طريق في عوالم قصيدته " طريق مسدود " التي ترجمها الشاعر الكردي الكبير بدل رفو ، يعني إن ما يطرحه الشاعر " بيكه س " قريب من عالمه الفكري الاجتماعي برموز ناشطة تكون فيه الأشياء الخارجية مفردات لغة تجريدية خيالية ، هذه النواحي الفكرية تتهاوى كالخيال لكن بعد أن يحقق المعنى بمقتضى الهواجس والأحلام وإن كان عنوان القصيدة حزيناً كئيباً " طريق مسدود " يستهل بنوع من اليأس فإنه قد لمس عن كثب عدم استقرار وعدم فاعلية الصورة البشرية في الحياة للوصول خارج نطاق السكون وما يعني إن الأفكار الخيالية لها مساحة واسعة تتم غالبا صورها عن طريق الإشارات إلى خارج نطاق الوعي " لكي أقابل الله " لكن هذا التوسع الحديث في أفضل حالاته يعبر عن التحليل النفسي وعن الرؤى الفكرية لصور الواقع من خلال الخيال البعيد ما دام غير واقع على الأرض كصورة حقيقية ومن خلال الدلالات الذاتية " أقف، أنغرس، أنبت، أنفض" وهي رؤى تدريجية للقوة والسكون الطويل ثم كأوراق الشجر ينفض يتساقط وبقوة فكرية متقدة لا تأتي من تحليل دقيق للصور والأغراض والدوافع فقط بل من أزمة أخلاقية إنسانية إدراكية يخلق بدلاً عنها رؤية خيالية مطلقة تتحكم عن طريقها بقوة أكيدة وعصية على التحديد بنتائج الأفعال " رأسه الآخر عند صليب المسيح " النضج الداخلي للشاعر "شيركو بيكه س" تفصح من خلال تجاربه الشعرية عن الطبيعة الشائكة للنفس البشرية البعيدة أو القريبة من النضج والإدراك .
(( كل مرة لكي أقابل الله
   أقف..أصطف..أقف
   أنغرس..أنبت..أنفض
   الطابور طويل
   رأسه يبتدئ من أنفالي
   ورأسه الآخر عند صليب المسيح
   ولا ينتهي ))
ربما يمكن أن نصل إلى التفاعل المقنع بين الشر والعواقب بين الجريمة والعقاب بين القصور في الطاقة البشرية لتغير الأفكار التي توصل إلى واقع أفضل خاصة حينما " يحين دوري " وهي أسباب خفية لخطيئة البشر أمام الحق والعدل أمام الأمان والسلام أمام المحبة والتسامح والوئام أمام الله التي تقف برمتها أمام " عرشه المقدس " وهي صورة ذكية أخلاقية يعالجها الشاعر ويشركنا فيها ،لتفاصيل مسألة أخلاقية كبيرة ومهمة متداخلة أي إن كل شخص ينظر إلى نفسه كما يريدان يراه الله عن ما يراه المجتمع في أفضل حالاته ، رغم أن كل واحد من البشر ولو اشترك همساً فكراً أو لمسة أو حركة بفعل مشين وتستر عليه بمزيد من الأفعال لو كشفت لتزلزل الكيان الاجتماعي "ينهض ويغادر " الله يعرف ما بالنفوس وهو أقرب إلينا من حبل الوريد فالأفعال البشرية الخبيثة والسلوك الذي يحاول أن يطويه الإنسان تكشف عن حقيقته حتى لو حجبتها صورته الاجتماعية المرموقة، وهي صور شعرية تندرج ضمن اطر أخلاقية نفسية ضمن واقع يحتاج إلى الارتقاء بعيدا عن الضعف والذل والتراجع والانكسار.
(( ولما يحين دوري
   بعد الجميع
   وعلى وشك الوصول
   إلى عرشه المقدس
   إذ ينهض ويغادر ))
هذه الأفكار تسلط الضوء على آليات كيفية تحقيق الحلم في عالم الخيال الخلاق إن صعب تحقيقه على الواقع وهي آليات ضعف وقوة في نفس الوقت فهذا التصور والتخيل المبالغ فيه يمكن أن يتعاظم تأثيره إن سنحت أفعال ناشطة وفكر واعي لعمل واحد فعال لكل إنسان ، فالله عنده علم الغيب  هو الأول والآخر " أعرف من أنت ، ولماذا أتيت " إن النص الشعري لم يستخدم لمنطق نفعي ذاتي بل يجسد مضامين فعل إنساني لمسألة أخلاقية تحتاج إلى حل معلن ظاهره " لأحل القضية الكردية " فالمأزق الذي يعيشه الشاعر قد يكون على شيء من المأساوية يحتاج إلى حل قدري من الله " يقول للشيء كن فيكون " ما دامت القضية على الأرض ما زالت مأساوية بأقدار إنسانية تفتقر إلى العوامل التي تتجاوز نطاق المنفعة الشخصية والحزبية والكتلية ، يعطيها الشاعر بعداً أخلاقياً عميقاً قوياً فبلا أخلاق لا يتحقق شيء على الأرض بل يغدو كل واحد يغني على ليلاه بعيدا عن القضية والمبادئ والأخلاق والمثل العليا التي تسمو بالإنسان .
(( وهو يقول لي :
   أعرف من أنت
   ولماذا أتيت
   اعذرني
   لأحل القضية الكردية
   حتى عندي ! ))
الشاعر " شيركو بيكه س" يجسد من خلال صوره الشعرية معاني اكتشاف الذات أو خداع الذات التي تنبع من أصول قوة متعاظمة لأفعال أخلاقية ومن جذور هينة لا أخلاقية ، وهي ليست قسوة مفرطة لعدم الوصول إلى حل المسائل والمشاكل والقضايا المهمة على الأرض التي تلامس فكر وروح ومشاعر البشر مهما كانت مضامينها وعناوينها فالطرق المسدودة والمفتوحة هي مصورة في الأصل في أخلاق وأفكار وسلوك ورؤى الإنسان التي تأتيه بشعور ووخزت ضمير تمنحه القوة ليحمل قبس من نور لفتح كل طريق مسدود .
*****************************************
شيركو بيكه س:
-   يعتبر أشهر شاعرٍ كوردي حالياً.
-   من مواليد/1940/ مدينة السليمانية- كردستان العراق.
-   صدرت له أول مجموعة شعرية عام 1968، كما صدرت له حتى الآن أكثر من 18 مجموعة شعرية، ما بين قصائد قصيرة "بوستر" وقصائد ملحمية طويلة.
-   كذلك كتب مسرحيتين شعريتين، وترجم رواية "الشيخ والبحر" لأرنست همنغواي من العربية إلى الكردية.
-   تُرجمت منتخبات من قصائده، على شكل دواوين، إلى اللغات: الإنكليزية، الفرنسية، الإيطالية، الألمانية، السويدية، الدانمركية، المجرية، الفارسية، التركية، العربية. وتُرجمت له سبع مجاميع شعرية إلى اللغة العربية.وثمةَ أُخرى أيضاً قيد الترجمة.
-   وهو أول شاعر كردي ينال جائزة أدبية عالمية (جائزة توخولسكي السويدية العالمية عام 1988
-   ودع الحياة في كردستان العراق


42
إبراهيم يلدا وترجمة الحرية

ما هي الوصفة السحرية لترجمة الحرية والإبداع ؟
الحرية أسمى هدف تنشده المجتمعات
هل هناك حرية فارغة ؟

عصمت شاهين دوسكي

إن ترجمة الحرية وتشخيصها من اكبر المؤثرات لأنها تمثل اجل الصور وأجملها ، فالإيمان فيها هو الأمل الذي لا يفارق الإنسان للخلاص من المعاناة ، فتوحيد الأفكار والسبل للخلاص من أي نكبات تعاقبت عليها القرون والدهور ولم يتغير الحال إلا قليلا ، ولا تزال ترجمة الحرية عبر عجلة التاريخ من أشد التنقلات والتصورات الفكرية التي تغير سياق الواقع ناهيك من تجار الحرية التي يعتبروها لقمة سائغة ، يتاجرون فيها كما يرغبون ومن الناحية الأخرى دم الأبناء يسفك والجراحات تكبر بلا تضميد وفي كل الحوادث التاريخية كتشييد أركان المسيحية والإسلام وكإغارة الأفكار الاشتراكية المزعجة في هذه الأيام إنما هي نتائج لترجمة قريبة أو بعيدة لتأثرات شديدة على أرض الواقع ، فالحرية هي أسمى هدف تنشده المجتمعات والشعوب والأفراد ، فعندما يشتد الظلم والانكسار والضعف تهون قيمة الوجود أمام الحرية ، العلة في أن أقطاب السياسات والإدارات في كل عصر وفي كل أمة حتى أشدهم استبدادا اعتبروا تخيل وجودهم أساسا لتقوم عليه أممهم وقوتهم وما فكروا بشكل جدي وسليم بكسب الناس ، الشاعر إبراهيم يلدا داهم معترك ترجمة الحرية بطريقته الخاصة ليجسد لها بنودا وصورا وتخيلا تاريخيا وعصريا .
((ا : ايها الذي يؤمن بان لنا الأمل بالخلاص
  وحان الوقت لنصطف مع البشر
ب : بصوت عالي يسير إلى الأمام ويقول :
    لأفدي نفسي من اجل خلاص أمتي
ج : عجلة التاريخ تدور وتعبر بلا رحمة
   على التجار الذين يبحثون عن لقمة سائغة للبيع
د : دم الأبناء يسير ويسفك من الشريان
   وقلب آثور يتعذب ويضيع بلا تضميد
ه : لا بالعمل بل الإيمان بالآباء
   أو على بركات الرب وعليه نتكل )) .

وهي طرق وبحث وتأويل بأسلوب مميز بدليل الحروف كمرشد يهيج النفوس بقوة البديع والبيان ، فكرة الحرية ومدى الاستعداد لترجمتها في سبيل عناقها وتذوق شهدها يحتاج بالضرورة إلى استعداد مسبق ، فما هو ثمن الحرية ؟ في ثقافتنا تتجسد مرة في الاضطهاد والاغتيال وسجون وقتل برصاصات نستهن بالبشر ، كل ضغط واغتصاب للحرية هو لحظة حداد عليها يقول نيتشه : " علامة الحرية هي ألا يخجل الإنسان من نفسه " فإن التاريخ يظلم الناس فلا يذكر إلا الطغاة غالبا ، ولو سألنا من بنا الأسوار التاريخية العظيمة والأهرام والمساجد والكنائس الراقية هم البسطاء إن كانوا عبيدا أو مضطهدين فلا أحد يذكرهم خاصة التاريخ ، فبعض الحضارات العصرية تحارب بمعارك كونية أما نحن منقسمين أجزاء ، وكل جزء منقسم على نفسه أي تجزئة المتجزئ حتى أصبحنا غير قادرين على السير في الطريق الصحيح للمدنية والإنسانية والثقافية ، حتى أصبحت الحرية فارغة تكمن من تغيير شكل السجن الحياتي والاجتماعي من صغير إلى أكبر .

((  و : لا الفخر بالتاريخ ولا بالعلم
نتحرر ونحن عبيداً لتاجر ما
ز : السلاح المناسب أيها المقاتلون الأحرار
   هو ان يفور دمك ويسفك كفدائي
ح : حياة العبيد المنحط تشبه الاكال
      الذي يأكل ويشرب ويترك العظام بلا جدوى
ط : الطير المسجون يئن ويبكي كالطفل
   من اجل الحرية التي وهبتها له الطبيعة
ي : البحر التي  تولد وتسبح كل سمكة
   لو تركتها سيتلقفها الموت المعظم )) .

عندما نستحضر المبدعين الذين دفعوا أرواحهم وأجسادهم من أجل الحرية علينا أن نستحضر الإبداع الفني للحرية بوصفه أرقى تعبير للإبداع نفسه حينما يتمكن الشاعر إبراهيم يلدا من ترجمة الحرية التي ترتبط بالدفاع عن الحق والكشف عن أشكال الظلم والفساد والحيف والهيمنة على بسطاء البشر وغيرهم ، يقول كنفيوشيوس : " حين تفقد الكلمات معناها يفقد البشر حريتهم " ينتج من هذا غن تصور الحرية مؤثر بذاته لكن المؤثر الأكبر كيفية وقوعه وتمثيله لكي تكون صورة أخاذة للفكر ، للوعي ، للواقع حينها يحصل على كيفية القيادة السليمة للحرية وترجمتها مع البشر دون المساس بالبشر ودون المساس فيها أو رفضها لأنها تذوب في الإدراك الإنساني وسرعان ما تنتقل من التأثر إلى الفعل الجميل لها .

(( ك : كم يلزمك أنت يا ابن ادم لترى في عينيك
اسماك البحر وطيور السماء لتحيى بسلام
ل : لا الاحترام ولا المجد لهما سلاح
  بإمكانك أن تنال منهما باسم الحرية أو الشجاعة
م : من كل جنينه من جنائن الآباء اقطف منها شتلة
   ولتكون قوية ازرعها في قلب كل ولد
ن : الهدف السامي والثمرة الطيبة ستعطيك بلا حدود
وسيحيى أولادك حياة بلا احتياج
س : المزينين والموشحين بإكليل المجد في كل وقت
    سيحيون ويسيرون في طريق مستقيم ومنير )) .

لو عدنا ونظرنا إلى أزمنة الثورات السياسية الكبرى كالتي حصلت في القرن الماضي رأيناها ترتدي خصوصية الشعور الديني  بتخيل تتفرع من أغصانه ثمار طازجة وتحت ظلاله يكون الكنز الوجودي الكبير ولكن أين يسترح المعذبون والمشردون والمغتربون والمتعبون والحائرون ؟ ومن يسقي شجرة الحرية ؟ ومن يجدد ويقلب تراب الحرية لتعطي ثمارها من جديد بكل ثبات لمن يستحق ؟

((ع : الجذع الذي منه يتفرع فروع مثمرة
   تحت ظلاله يستريح المتعبون والمحتاجين
ف : أعطهم مجانا وان طلبوا منك روحك
    فافديها واسقي تلك الشجرة بدمائك
ص : عطشى تبحث عن ثمار جيدة  لتعطيها لمن يسأل
     وفي أعماق التراب ترسل جذورها بكل ثبات  )) .

لم يبتعد الشاعر إبراهيم يلدا عن الرمزية في النص الشعري في توظيفه " الثور المجنح " كقوة وصلة فوق الذوات البشرية وعدم الخوف من السيف والعظمة المخفية في مكان ما " تعلم ، زلزل ، دعهم ، تشرق " هذه الأفعال الحوارية إيحاء توجيهي للابتعاد عن الخضوع الأعمى واستحالة الركود والرغبة في الإرادة الحرة الكريمة والنضال المستمر من أجل شروق شمس الحرية ، يقول بريكلاس : " ليس لنا غير حرية واحدة هي حرية النضال من أجل الحرية " فلا إبداع ولا عيش كريم ولا إنسانية كونية بلا حرية .

(( ق : قم أيها الثور وتعلم من سيدك الرحيم
      على الأعداء يمتشق سيفه المفترس
ر : لتزلزل شموخ وعمق العالم الساذج
ودعهم يهزوا ويصرخون لحياة حرة كي أحيا أنا
ش : شمس الأحرار تشرق وتجول في الإرادة
وفي الزمن الغابر العابر
ت : الثور المجنح رمز مفيد منذ الأزل
     وهو ذكرى من أجدادك ائتمنت عليه )) .

الشاعر إبراهيم يلدا وظف الحروف المتناغمة ، المنحنى الإدراكي العالي للحرية متناغم ، وهي علامة عافية وقدرة على الحلم الكفيل احتضان الحرية واستيقاظ العبيد العصري بكل الأشكال العصرية ، وهناك قول مأثور في ثقافتنا عن عمر ابن الخطاب : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا "  وهي صرخة مدوية ضد العبودية والسلطوية والوصايا الخارجية في كل مكان في العالم بل في تاريخ الإنسانية ، الشاعر إبراهيم يلدا وضع وصفة سحرية لترجمة الحرية والإبداع وهو اكتشاف لقدرة بالغة من الدقة والتمكن والوعي الناضج والخيال الخلاق حيث ينظم قصيدته المملوءة بالروح والفكر والفلسفة الحضارية العصرية وقادر على كيفية انبثاق أفكاره الغنية بالخيال الناشط والحلم الفعال والواقع المليء بالمعاني الإنسانية التي تشع بنور شموع الحياة  والتي تعتبر نموذجا للإبداع والإلهام والتجديد والحب والجمال والحياة .

*************************



المصدر :
اسم الكتاب :الموت والميلاد للشاعر إبراهيم يلدا
اسم المترجم : نزار حنا الديراني
الطبعة الأولى بلغتها الأصلية : مطبعة نينوى ـ شيكاغو  1995 الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة الثانية ( ترجمة) : 2017 دار الأمل الجديدة ـ سوريا / دمشق



43
المنبر الحر / كم أنا آسف
« في: 12:34 20/07/2017  »
كم أنا آسف

الخطيئة والمجتمع في رؤى إبراهيم يلدا .
السقوط في الهاوية سهلا فهل الخروج صعبا ؟
كيف يعاد بناء مجتمع دثرته الحروب النفسية ؟

عصمت شاهين دوسكي

تتحرك الرؤية الشعرية في إيصال الفكر الذي يتجزأ في مضامين مجتمعية عدة لكل واحدة لها صلة في تجارب ورؤية الشاعر التي يجب أن تتعادل بين الجدية واللين وتتوازن في العمق والتبيين ، فظهور الأشياء على حقيقتها يكرس مضمون الصورة المجتمعية المعاصرة ومتى توفرت الوسائل والأدوات الشعرية وتمكن منه الشاعر غدت أكثر قوة وتأثيرا وتوجيها وإرشادا فهنا يكون الشاعر بمنطق المصلح والمخلص ، وإن كان هذا الأمر ترجيحيا ، نسبيا ، لكن عند رؤية الشاعر إبراهيم يلدا موقف حازم ومباشر ونصه الشعري موحد يعطي تصورا للقضايا العميقة ويوحي في نفس الوقت للبساطة ، وهي مجموعة من الأفكار والرؤية قد تصدمك عند معرفة كينونتها ، فالقضية التي يبرزها الشاعر إبراهيم يلدا تخلق إشكالية في التعامل والتطبيق ،فهي تجمع بين الرؤية والمضمون الذي يحتاج للكشف الصريح العلني والمعالجة والتوجيه في قصيدته " كم أنا آسف أيتها البنت " فاختزال قضية إنسانية اجتماعية وكشف معانيها ومفهومها يحتاج إلى الدراية الدقيقة للتصورات التي تحتوي عروضا سلبية بقدر ما هي سلبية ،فإن تمرد أي شابة لا يأتي من لا شيء ، ويحضرني قول للدكتور النفساني الروائي " إحسان عبد القدوس " حينما قال : " الخطايا لا تولد معنا لكن المجتمع يدفعنا إليها ..." ومعاني وصورة الأسف التي يعرضها إبراهيم يلدا ما هي إلا آثار غائرة في العمق الوجداني نتيجة التمرد والعشوائية والفوضوية والعبثية في للمجتمع من خلال " الشابة " حيث يقول الشاعر بنبرة حزن ( أسفي عليك أيتها الشابة ) فالنصائح التي وهبت لها كأنها وصايا لوح قديم لا بد من الرضوخ لحكمها ، ( لأنك تجاهلت نصائحي )  هذا الجهل قوة جارفة للنزوات وتحقيق بؤر الغايات تحت ذريعة الحريات ، وما صورة " الأم ، الأب ، الأخوة " إلا صورة مجتمع ملتزم بالحياة على أسس سليمة ، لكن هول العبثية إذا انبثق فسرى مشاهد إنسانية مؤلمة وخطايا يبكي لها الحجر والشجر لوجود فراغ كبير يقضي الخروج منه وإملاءه وتكوينه بشيء جديد ، الفراغ والبطالة سياسة قتل الإنسان بطيئا وسياسة تحول الإنسان السوي العاقل الناضج إلى مجرم في حق نفسه وحق المجتمع ( عشت في ليلة فارغة ) هذه الرؤية الشعرية ليس من الخطأ عرضها لكن من الخطأ كتمانها لأن سلطان الطيش والاندفاع والظلام والوسوسة ما زال متمكنا في نفوس الشابات والشباب في وقت لا ينفع فيه البكاء .
(( أسفي عليك أيتها الشابة
   لأنك تجاهلت نصائحي
   بعت سوات عمرك
   بدقيقة من اللهو
   بعت حب أبيك وأمك وأخوتك
   ولم تفكري بالحياة
   كم فيها من غنى
   وحين خنت كل مقدسات هذه الأمة
   وعشت في ليلة فارغة تعج بالظلام
   وحدك في عالم البكاء )) .
مراعاة ظروف الشابة بحكمة وتعقل تفيدها رغم الأمور والخطايا التي تؤثر عليها نفسيا وفكريا وجسديا التي ربما تجعلها منحطة من الجهة النفسية والمنطقية المبنية على ارتكاب الخطايا في حالة مليئة بالفراغ والبطالة ( أصبحت عاطلة ، غريبة في ظلام الغربة ) ومهما كانت الأدلة والتصورات الثابتة عليها ، فالمسيح يقول : " من كان منكم بلا خطيئة ليرجمها بالحجر .." حيث ظاهرية الشكل الخارجي ليس كما هي في الحقيقة الداخلية للإنسان ( غناؤه يدل على ضياعه ) فالجوع والعطش والحرمان من الأسباب المباشرة للسقوط في واحة الخطيئة ، القصيدة لا تحتوي على مبدأ تصور فوضوي هدام للإنسان والمجتمع بل تعويض هذا الأسف النفسي والفكري والحسي برؤية جديدة أساسها الحب والألفة والتسامح والتلاقي ، ( حين حملوني إلى الحب ، برحمة ومغفرة ) الحب والرحمة والمغفرة أدلة إنسانية راقية توجه المجتمع " الشابة " للطريق الصحيح .
(( الحزن والانفعال
   أصبحت عاطلة وغريبة في ظلام الغربة
   كريش جناح في مهب الريح
   كطير يظل طريقه
   وهو يبحث عن فيافي البساتين
   عطشا ، جائعا ، حزينا
   غناؤه يدل على ضياعه
   وفي الحلم يرى وردة حزينة
   وجرعة ماء من الساقية وشعلة من الزفير
   وحين حملوني إلى الحب
   برحمة ومغفرة )) .
الشابة في نظر المجتمع قد تبدو كالثلج النقي لكن يذوب بسرعة عند اقترابه لأي حرارة وتذوي في فم المجتمع ، وجسم كالزجاج الشفاف جميل ينكسر لأي طارئ قوي خارجي أو داخلي حينها يكون المجتمع كالمتوحش الذي يتصور أن أكل قلب الشابة شجاعة وتحطيم عفتها براعة باستغلال ضعفها الفكري والنفسي لتغدو ألعوبة بين فم ويد المجتمع ( تكوني ألعوبة بيد شخص منحط ) فالشخص ، المجتمع إن كان جاهلا فالجهل يدفع إلى الانحطاط والهوة العميقة ، وله شأن كبير في الواقع ليس الوهمي بل الحقيقي فهو يتجسد على الضعيف ذئبا وعلى المنكسر بطلا ( في داخله يتقمط ذئبا ) فغن لم نتفادى مصير الشابة المحتوم فسنكون في خطيئتها مشتركين فلا يحق لنا نكون متفرجين ، فغن لم نحافظ على عفتها وروحها فنكون قد شاركنا في اغتصباها بلا وعي منا .
(( قلت سأنسى
   وغن صعب علي ذلك
   إلا إنك أصرت  أن تعيش
   في صفوف المتمردين
   وتكوني ألعوبة بيد شخص منحط
   في داخله يتقمط ذئبا وفي قلبه دفنت سذاجته
   يناديك من أجل أن ينتشل
   من روحك لحم العفة )) .
ومن خلال هذه الرؤى من وجهة نظر الشاعر إبراهيم يلدا نراها تتخذ منحنى آخر ، يكشف مفهوم الخطيئة ويكرس مضمون المعاني المعاصرة لها بعد ظهور مفهوم العولمة العالمية وشبكة الانترنيت والكومبيوتر التي تعتبر مؤثرات خارجية تصعب على الشابة الفطرية النقية إتباع القوانين المعتادة ، والتمرد عليها قائم للتعويض بقوانين أخرى معاصرة دون التحكم على التصرف والسلوك ، وإن كانت هذه الصور موجودة بشكل علني أو ضمني فهي تتهم الآخر بالفشل والخنوع والرضوخ ، فهي ضحية أخرى من ضحايا المجتمع وجثة أخرى بين الجثث السابقة ورقما إحصائيا أخر للضعف والدناءة والانكسار .
(( وحين ينتقل من جديد
   إلى ذبيحة أخرى
   يصنع منك جثة لتصطف على جثة أخرى
   وأنت من دناءة نفسك وضعفك
   لا تحسين وهو يعيش بقلب إنسان ميت
   وكونه هوة مملوءة بالمكر والدناءة )) .
يحاول الشاعر إبراهيم أن يوصل رسالة إنسانية للشابة والشاب والمجتمع ومن خلال صورة الخطيئة واستغلال الضعف والانكسار يحاول ان يجدد إعادة بناء مجتمع دثرته الحروب النفسية العصرية الملونة التكنولوجية والعنكبوتية السمعية والبصرية فالسقوط في الهاوية سهلا لكن هل الخروج صعبا ؟ بعد أزمنة الأصالة ونقاء الشابة العذراء ، نلاحظ هناك مباشرة في الطرح الشعري يوحي لنا الأسف الحقيقي لشابة بين ذئاب المجتمع بلا حماية فكرية ونفسية وعلمية وتفسير حالتها المنكسرة التي أتت من تجارب ورؤية الشاعر الواقعية فأطلق العنان لرغبته وقريحته الشعرية في التنفس والصراخ بصوت عالي حينا وهادئ حزين حينا آخر لهذه القضية التي يعرف تغزو المجتمع وأفكار الشابة ورغبة جسدها من فراغ كبير يحوم فيه الشيطان كيفما يشاء .

********************************

المصد
*******
اسم الكتاب :الموت والميلاد للشاعر إبراهيم يلدا
اسم المترجم : نزار حنا الديراني
الطبعة الأولى بلغتها الأصلية : مطبعة نينوى ـ شيكاغو  1995 الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة الثانية ( ترجمة) : 2017 دار الأمل الجديدة ـ سوريا / دمشق



 





44
الدوسكي والمرأة ومبدأ المساواة

بقلم : هندة العكرمي – تونس

لما كان اﻻسلام براء من الحكم على جوهر المرأة بالنقصان . فإن المشاهد من حالها زائل ﻻ محالة إذ "ﻻ شيء يجعلنا نعتقد خلود هذه الحالة دون تغيير " وﻻ يمكن لهذا التغيير إﻻ أن يكون في اتجاه التخلص من الواقع القديم ، متلائما مع  "روح العصر" محققا للمساواة بين الرجل والمرأة لذلك نجد المرأة اليوم بتأثير روح العصر في تربيتها وتعليمها قد أخذت تكافح الحياة بجد في عامة ميادينها مستقصية في ذلك خطوات الرجل ومازالت تدأب لتنال حق المساواة التامة معه في الدولة والمجتمع . هذا فضلا على إنها نصف المجتمع وإنها أم الفاضلة والحبيبة الشامخة التي يتغنى لوجودها البهي كل شاعر وأديب وﻻ سيما  أشعار الأستاذ (( عصمت شاهين الدوسكي  )) حيث تعتبر المرأة في أدبه وكتاباته

من ركائز القول عنده . وها نحن أمام رسم كاريكاتوري للفنان التشكيلي " يونس جوجان " ولكنه حقيقي يعبر عن دور المرأة في أشعار الدوسكي

مما أنتج حقيقة ﻻ هروب منها : إن للدوسكي إسهام حقيقي وجهد اجتماعي كبير يستحق الاهتمام من كل الجهات الثقافية الخاصة بالمرأة والثقافة عامة فقد انصب على مزايا المرأة عامة حيث رسم خطى واضحة للإصلاح الاجتماعي وقد صحبتها جهود عملية شخصية تعكس دور المرأة في الجمعيات النسائية والتربوية والخيرية والحقوقية والجمالية بما هي منبع لكل ما هو جميل ومفيد وراقي .


45
يونس جوجان بين الفن والحياة
الإهمال الفني ، موت بطيء





عصمت شاهين الدوسكي


 

الفن بأقسامه المختلفة يعبر عن حالة المجتمع وفق علاقة متواصلة بين الفنان وأبسط تقاليد وأفكار الناس بإحساس وأسلوب مميز ، هذه التركيبة المتصلة مع بعض تجسد صيغة ملونة جميلة بين الفن والحياة ولها تأثيرات في بناء المعنى التصوري ، الشكلي حيث نرى أنفسنا ندور في فلكها الهرموني ، وقد نصل في رؤانا إلى نتيجة مرضية ، فكرية ، نقدية ، إذ معناها المتماسك لا يمنعها من الغموض أو الظهور ، وإن أسندت على طبيعة شمالية طبيعية غاية في الجمال والتصور ، حينما انظر إلى لوحات الفنان التشكيلي يونس جوجان وأعيد النظر إليها برؤية جديدة لكي استبدل النظرة الأولى لكن أجد الرؤية الأولية بشكل جديد وهو طابع الرؤية الأولية الفنية ، الذي تميز فيه الفنان يونس جوجان في لوحات متتالية بين طبيعة المنظر واللون وبين زوايا ومساحة اللوحة الفنية برمتها بإضافة لمسات جميلة تجعل من مساحة اللوحة الانطباعية تنقسم إلى ثلاث تشكيلات فنية " طابع الرؤية ، الألوان ، وجمالية الحياة " بإطار من حركات وأفعال تدل على المضمون الفني الذي يمد اللوحة تماسكا ووحدة تأويلية مختلفة ،
 

 الفنان التشكيلي يونس جوجان  يعتبر من الرواد المدرسة الانطباعية ، عصامي في الفن والحياة يعتمد على إمكانياته الخاصة رغم إنها بسيطة جدا ، دون رعاية من أي جهة فنية  ، ثقافية ، وبهذه الإمكانيات المتواضعة يحاول الوصول إلى ما يحلم فيه وإيصال رسالته الإنسانية والفنية والجمالية للعالم ، رغم نزوحه القاسي المؤلم من سنجار المنكوبة بالخراب والدمار والحروب إلى مدينة أربيل وإعالته لعائلتين ، هذا النزوح والهم العائلي لجعل من في مكانه يترك الفن وأهله  خاص في عالم الفن الذي فيه ، لا يطعم ولا يروي ولا يغني من جوع  ، لكن في أعماقه يحمل روحه فنه الانطباعي والإنساني ومصر على تقديم الفن الجميل رغم إنه لا يملك هوية فنانين تشكيليين في الإقليم علما قدم سيرته الذاتية والفنية في قرص فني ، وبدلا من ترك الفن الانطباعي من قسوة الظروف التي يمر فيها ، أضاف إلى فنه رسم الكاريكاتير بين حين وآخر ليعبر عن أفكاره وهمومه التي هي هموم الناس عامة ، وفي نفس الوقت لمعالجة بعض الظواهر السلبية في المجتمع ولعدم وجود الدعم المادي والفني مجبر أن يبقى مع اللوحة لمدة شهرين لقلة المواد الأولية والألوان وكل ما يتعلق باللوحة الفنية ، هذه المعاناة تأخذ دورها الايجابي والسلبي في ذات الفنان .. شاركت لوحاته الفنية في ألمانيا وكانت عن التراث الكوردي الايزيدي ولاقت استحسان الجمهور رغم إنه مسلم لكنه كفنان إنساني أصيل لا يفرق بين هذا وذاك همه نقل الحالة الإنسانية بانطباع فني راقي خاصة إنه يميل إلى الرسم التراثي الفلكلوري والبوتريت مما جعله مدركا لكل مساحة المنظر والحالة الاجتماعية ،

 

 راودته تجسيد لوحات تجسد شهداء البيشمركة لكن لم يجد من يتبناها ويدعمها كذلك معرض الملصق ألجداري لقضية الكورد ونضاله وحق تقرير المصير أيضا لم يجد أي جهة ثقافية تتبناها ، هذه الأفكار وغيرها في الحياة الفنية للفنان يحتاج للاهتمام والدعم وهذا يعطي دافعا قويا للفنان أن يقدم ما عنده من إبداع ويتمكن من إيصال قضية مجتمعه خارج العراق والإقليم ، فالمثقف والفنان حينما يعاني من ظاهرة " الإهمال الفني " يعني موت بطيء ، رغم إن الفن الراقي صورة حضارية لأي مجتمع في العالم ، تندمج لوحات الفنان يونس جوجان بخطوط انطباعية إيحائية مشتركة مع بعضها لتدل على صورتين " أنا واللوحة " أنا والواقع ، التي تعكس ذات الفنان وروح المجتمع ، وهي أيضا تجمع بين التأويل التراثي وإحالة التأويل العصري في لوحات المرأة الكوردية والمجتمع الكوردي بإشكالية واضحة وتشكيلية فنية جامعة للوطن الكوردستاني في دلالات تكوينية بين الإنسان والفن والمجتمع التي تمثل المحرك للجمال والعاطفة والإحساس بمستوى فهم ممتع يصل للمشاهد يمكن اختراقه لفضاء اللوحة لكي يكون المشاهد جزء منها ،
 

، نشوء الفنان يوسف جوجان في مجتمع لا يستسيغ المدارس الفنية الحديثة فاختار لموهبته المدرسة الفنية الأقرب للمجتمع من خلال اختياراته ومضامين لوحاته الانطباعية يجسد الانطباع الفني والإنساني بعملية دقيقة لنقل اللحظة كما هي بإضافات فنية جميلة توحي إنك تحيى في حلم وعالم آخر لا تستفيق منه ،

 

 فالمدرسة الانطباعية  تعتبر أساس جميع المدارس الفنية فمنها تشعبت باقي المدارس الفنية وقد تفنن أوائل رسامي النهضة الانطباعية التي بدأت عام 1870 لكنها لم تتوسع وتظهر وتشتهر إلا في عام 1890م ، ومن خصائصها تسجيل الانطباعات المرئية المتغيرة ونقلها من الطبيعة مباشرة ،  مثل الرسام " كلود مونيه 1840 – 1926 م " رسام فرنسي يعتبر رائد المدرسة الانطباعية  ، منزله وحديقته ومستنقع الأزهار الخاص أصبح بعد وفاته من المعالم السياحية فقد ورثها ابنه ميشيل وفتحت أبوابها للزيارات السياحية عام 1980 م ومن الرسامين أيضا الرسام اوغست رونوار  وبول سيزان والفرد سيسلي وغيرهم يتميزون بقوة وقسوة الخطوط وهو الأسلوب الفني الذي يعتمد على نقل الواقع من الطبيعة وكما تراه العين بعيدا عن الخيال وقد سميت بهذا الاسم لأنها تنقل انطباع الفنان التشكيلي ، فيا ترى متى يكون بيننا منزل رسام يكون متحف للزائرين ؟ ومتى يكون بيننا منزل شاعر أو باحث تاريخي أو مسرحي أو أي مجال أدبي وفني وعلمي آخر راقي معد للزائرين  ليتجلى فيها صور الحضارة الإنسانية بين الفن والحياة ؟
**************************
الاسم : يونس مصطفى جوجان .
الاسم الفني : يونس جوجان .
أستاذ تربية فنية ، تشكيلي ، من رواد المدرسة الانطباعية .
مواليد 1955 م سنجار .
أقام عدة معارض ومشاركات فنية في نينوى وبغداد واربيل .
نزح من سنجار بسبب الأوضاع الغير مستقرة لمدينة أربيل في 3 / 8 / 2014 م ولحد الآن .
شاركت لوحاته في ألمانيا وكانت عن التراث الكوردي الايزيدي ولاقت الاستحسان والقبول .




46
إبراهيم يلدا بين المكان واللا مكان
العلاقة بين المكان والإنسان لا تثير أي إشكالية ولكن ؟
ما هي صور الانتماء للمكان ؟

عصمت شاهين الدوسكي


يتخذ الشاعر إبراهيم يلدا اللغة الشعرية المميزة سبيلا للكشف الوجداني ، الفكري ، الحسي ، فإنه يعلم قدرة اللغة الشعرية وسحرها حتى إن تمردت على كل القواميس ، فالشاعر يلج إلى أعماق اللغة لكي يكون تأويلا ضمنيا وأسس يبنيها بالرموز والدلالات فينمو نصه على كسر سياق ذلك الانسياق التقليدي للنص من حيث اللغة والأسلوب ومحاولة الخروج من تلك العقد التي رسخت منذ أزمان سحيقة بأسلوب سردي ، روائي ، درامي مع همسات الإيقاع وحنين صوت موسيقى خفية تذوي في القلوب ، غن هذه النصوص المختارة من ديوان الموت والميلاد للشاعر إبراهيم يلدا اخترتها على ذائقتي الشخصية والأدبية والشعرية والتي اعتقد يجب تسليط الضوء عليها حتى لو كانت محاولاتي هذه بسيطة وقاصرة عن ما تكتنز النصوص من مضامين ودلالات ومعاني ، فقد مرت المراحل النقدية بمراحل عدة وتنوعت أشكالها تنوعا كبيرا وتعددت مناهجها التأويلية  والتوضيحية كونها تأثرت بموجات التغير الأدبي التي اجتاحت العالم الثقافي من خلال ترجمات لأهم الشعراء والأدباء العالميين أمثال بودلير ورامبو وادونيس وطاغور وارسطو وغيرهم الذي مثلوا علامات مميزة في الخارطة الشعرية والثقافية في العالم وظهرت الاختلافات في النقد مع اختلاف الشعر والثقافة العصرية التي تدنينا من قصيدة الشاعر إبراهيم يلدا " وجودي مصنوع من الصخر " ومن عنوان النص الشعري نحس بالقوة والعناد والإرادة الثابتة في الوجود والزمان ، والمكان الذي يتجلى من العوامل الأساسية في وجود الإنسان ولا يظهر أثره إلا إذا د خل في الغرائز وامتزج بالنفس والروح والإحساس واخذ مثوى القلب فصار المكان من المشاعر المهمة التي تلازم الإنسان أينما رحل وأينما حل ، ( سألني عن اسمي ، قلت نينوى أنا ) العلاقة بين المكان والإنسان لا تثير أي إشكالية  لكن تكون علاقة شائكة حين تنطبع بعدم المرونة ووجود الخلل السياسي والإداري والثقافي البنيوي الذي يعتري عالمنا المبنية على الرؤية الذاتية والمادية والشيطانية التي لم تتخلص منها الممارسات السلطوية ( تأمل صاحب الجلالة طويلا ) فالمكان وجود والإنسان وجود وهذه حقيقة تنتج خطابا فكريا واعيا يلاءم كل عصر عندما يكون المكان نينوى أو حضارة تحت إمرتها كل الحضارات .
(( سألني عن اسمي  ، قلت نينوى أنا
   ولدت في أرض بين النهرين ، في اثور الشرقية
   تأمل صاحب الجلالة طويلا حين سمع لقلبي
   كان فمه مفتوحا ، كالذي ينظر إلى ميت منبعث
   ليس من العجب أن أكون بن اشور الخالد
   ولا أن نلتقي من جديد في يوم القيامة
   ولكن كيف لي أن أقول أنا الجبار العالمي
   وكل ما كان لي من الأرض كانت حقولا وقوتا للجياع
   جميع الشعوب والأمم في العالم كانت تحت إمرتي
واليوم قد ولدت برعما ومن أمثالك نسو اسمي )) .
لم يعد المكان مجرد مكان ولا الإنسان مجرد وجود ، فالعلاقة التفاعلية بين المكان والإنسان تصف بالالتصاق حيث الانسجام الروحي والتأثير الفكري والتفاعل الجسدي بينهما وأي خصائص وملامح بالإنسان نتيجتها صور من انتماءه للمكان وعلاقة الإنسان بالمكان تولد خلال معرفته الأولية ثم تضاف الأفكار والصفات والتفاعل والانسجام معه بمسار المفهوم الإبراهيمي  للمكان ، قوة رغم الضعف ، عنفوان رغم الجفاء قريب رغم الغرباء ، تحمل صبر رغم الجوع والقهر ، يأخذ هذا المسار نسقا متناغما حواريا دراميا بين صاحب الجلالة إن كان دينيا تاريخيا ( متنكرا اسم يسوع الناصري ) وحضاريا ثريا وفيرا ( فقلبي ثمرة زرع نبتت في تراب النهرين ) بوعي جوهر من أنا ؟ ومن أي مكان أنا ؟ هذا الحوار له أمد بعيد ليميل إلى مفهوم وجود المكان والإنسان أكثر من ميله لقضية نص شعري عابر مع الأنواع الشعرية وتقسيماتها وإن رجحوا نص على آخر فالحوار الدرامي ثابت ومباشر رغم همسات الحزن والجراح والآلام بعد الطرد والنفي ( أعرف جيدا قد طرت ونفيت ) ورغم الثبوت والمباشرة تصطدم بتصورات وتوجهات ومبادرات تجاه التراث والحضارة والمكان وكيفية التعامل معها بعد إشكاليات ذهنية عديدة .
(( أعرف جيدا
   قد طردت ونفيت من أرض أجدادي
   ومكاني بين صفوف البشر هو بعد الصف الأخير
   منهمك أنا بلقمة العيش واسكن كوخ الغرباء
   خائبا أبحث عن بيت يحميني
   أتذكر ذلك اليوم الذي فيه
   وصلت متنكرا اسم يسوع الناصري
   وقلت لي حياتك تشبه حياة البراري
   تقبلت كلامك بألم لأنك غريب
   ولكن دعني أن أبين كيف تكون قوة الإنسان
   فقلبي ثمرة زرع نبتت في تراب النهرين
   إنه وطن أجدادي فكلما بعدت عنه ازداد اشتياقي
   هذه العلاقة لتكن جوابي .))
يعتبر الإنسان أكثر وعيا وتقديرا للمكان حيث يتفاعل مع المكان من خلال أسس الاستقرار والأمان وبعدها تسخير المتطلبات المكانية لتحقيق مقومات الوجود والعيش في ذلك المكان الذي يحبه وهنا تتجلى حالة الإنسان وإحساسه بالحنين النقي الصادق حينما يغادر مكانه إلى مكان آخر ، وهذا إيحاء ودليل واثبات على قوة التفاعلي وصدق الانتماء للمكان وما ( المخلص مقمط ، ابن البيت) ما هما إلا صورتان للإنسان والمكان  وللخلاص وما ( الصليب ، الدم ) إلا جدلية السلام والحرب وما ( قبلات يهوذا الاسخريوطي ) وهو من تلاميذ المسيح الإثني عشر ويهوذا بالعبرية معناه " الحمد " ومن لقبه الاسخريوطي يدل على إنه من قرية " قريوط ، قريوت " تقع جنوب مملكة يهوذا والتي ذكرت في العهد القديم وبحسب الأناجيل القانونية فإنه التلميذ الذي خان يسوع وسلمه لليهود مقابل ثلاثين قطعة فضة وبعد ذلك ندم على فعلته ورد المال لليهود وذهب وقتل نفسه وما رمزه غلا لوجود من يدعي البراءة وفي قلوبهم وعقولهم يوسوس الشيطان لفعل خيانة ما حتى لو كان تنازلا عن شخص ما أو مكان ما  ومن خلال هذه التصرفات يتجلى الإنسان ضحية في دائرة الضيق والحرمان والجوع والمشي حافيا تمهيد على الخروج من المكان " الوطن " ( لتنمحي الأصالة وتضعف الجذور المكانية .
(( من بعيد جاءنا الخلص
   مقمطا بملابس ابن البيت
   بيده صليب الخلاص وفي قلبه يضمر لنا دما
   وبقبلات يهوذا الاسخريوطي أظهر لي البراءة
   يداه الشيطانين بدأت تبحث عن رأسي
   وبمرور الزمن انحدرت إلى قعر درجة بعد أخرى
   فمن رب الأرباب صرت عبيدا متسولا
   الظالم المقنع بوجهه ثعلب ، جعلني أتضايق
   ففي الشتاء تركني جائعا وفي الظهيرة حافيا
   ناداني بأسماء عدة حين كان يعمدني مرة تلوى أخرى
   يطردني من وطن لآخر ليمسح أصالتي )) .
الشاعر إبراهيم يلدا يصف بعدين مهمين المكان والإنسان ، المكان والزمان ففيهما يحيا الإنسان ويتطور ولاشك إن المكان أقدم من تاريخا من الإنسان ، والإنسان بوجوده الجذري في المكان يعد ارتباطا روحيا حياتيا ثقافيا وثيقا رغم المكان ثابت عكس الإنسان والزمان المتحرك ، وبثبوت المكان واحتوائه على كينونة الإحساس المستقرة فيه يدركها الإنسان بصورة أولية إلى سلطة الحساسية المكنونة في الإنسان التي تشمل حواسنا لخمسة وبنمو تدريجي إلى حين يصبح المكان واحد ، ومن القضايا التي لا تفارق الإنسان ،ولأهمية المكان وجد علم خاص بدراسة المكان وهو يعلم الطوبولوجيا الذي قام بدراسة وتحليل وتأويل المكان في مختلف المجالات ودراسة أخص خصائص المكان من حيث هو مكان والعلاقة المكانية كعلاقة الجزء بالكل وعلاقات الاندماج والاتصال والانفصال الذي لا يتغير رغم اختلاف المسافات والمساحات والأحجام ومن أهم الخصائص المكانية إنها تكون تحت السلطة التي تخضع لها فعدم وجود الشاعر في مكانه الطبيعي يسبب كل التناقضات والتداعيات والأفكار والغايات كأنه لا يستوعب إن كان مأساة ضياع المكان وضعفه حلم أم حقيقة ( غن كنت أحلم أم إنها حقيقة ) فلا يجد الخلاص إلا بعد إيحاء إدارة وجهه نحو ( السماء ) حتى لو كان ضحية فما أعظم الاهتمام  بالقوي إذا ضعف والعزيز إذا ذل والكريم إذا فقر ، فيتساءل : ( كيف لي أن أغيب عن الأرض ، وجودي مصنوع من الحجر ) فنينوى بالنسبة مكان مطلق منظورا وليس خيالا .
(( قل لي إن كنت أحلم أم إنها الحقيقة
   أدرت وجهي نحو السماء وحيث السماء تسمعني
   اهتزت حتى عظامي حين سمعتها تنادي باسم اشور
   كالولد الذي يتبع أباه وجده الأول
   ويقسم بكل ما لديه سيسير في خطاهم
   فإن كان لابد لي أن أكون ذبيحة فلأشوي على الموقد
   أبحث عن جمرة نار تحت الرماد
   إلى أن يأتي لألقن عدوي درسا
   كيف لي أن أغيب عن الأرض
   وجودي مصنوع من الصخر
   ليعلموا سيبقى اسمي النينوي الآثوري )) .
الشاعر إبراهيم يلدا حضا المكان في نصه الشعري باهتمام كبير وكيف لا وهي من أولى الحضارات نينوى بلاد النهرين فبالنسبة له المكان يتجاوز كونه مجرد شيء صامت أو أرض تقع عليها أحداث حضارة فهو دلالة ومحور أساسي في نصوصه الشعرية فهو مفجر الطاقات والمشاعر والإحساس والأفكار الإبداعية فاستخدام الصورة المكانية وتوظيف الرموز بشكلها السليم لكل منها دورها الفاعل في النص الشعري الذي يتميز الشاعر إبراهيم يلدا بصدق المفردة ونقاء الإحساس وصفاء الوعي من أجل توضيح وكشف معاني الزمن والوجود الخاصة بالمكان والإنسان .







47
شهر نيسان وإبراهيم يلدا
الأفكار الموروثة هي المعول والأفكار الجديدة هي الحصاد.
التجدد هو الارتقاء الروحي قبل الارتقاء الذاتي.
هل نيسان شهر السقوط ؟

عصمت شاهين دوسكي

هناك من يسألني هل الكتابة الأدبية النقدية عمل إبداعي يوازي النص الإبداعي ؟ من خلال قراءتي واطلاعي وبحثي المستمر لأكثر من تسع وثلاثين سنة وكتاباتي وكتابات في الشعر والنقد والأدبي وصدرت لي كتابين في النقد الأدبي " عيون من الأدب الكوردي المعاصر " وكتاب " نوارس الوفاء " عن دار الشؤون الثقافية الكوردية في بغداد " وكتاب تحت الطبع عن حياة الأديب الرحال والشاعر المغترب في النمسا بدل رفو عنوانه " بدل رفو سندباد كوردستان في المهجر " وهي مجموعة مقالات نقدية كتبت في فترات زمنية وهناك خمسة كتب نقدية معدة للطبع وهي (( الاغتراب والاقتراب ، المرأة الكوردية بين الأدب والفن ، فرحة السلام عن الشعر الكلاسيكي الكوردي ، إيقاعات وألوان عن الشعر والأدب المغربي ، جزيرة العشق عن الشعر النمساوي ، جمال الرؤيا عن الشعر النمساوي ، ورواية عنوانها " الإرهاب ودمار الحدباء " تعتبر وثيقة أدبية تاريخية من رحم المأساة والأحداث التي جرت في الموصل ، وأكثر من أربع دواوين شعر مازالت تنتظر الجهات الثقافية المعنية والمسئولة عن الثقافة ومن همه أمر الثقافة لتطبع وترى النور قبل أن تحترق أو يأتيها طوفان ما لضيق الحالة المادية التي أعانيها .. ما عدى كتبي الشعرية الثلاثة الصادرة ، وستبقى العييون تسافر- بغداد ، وديوان بحر الغربة – المغرب طنجة ، حياة في عيون مغتربة - بغداد  )) ذكرت هذه الأعمال الأدبية ليس للتباهي لأني إنسان بسيط وفي غنى عن التباهي لأني على يقين الأعمال الأدبية هي التي تفرض نفسها على واقع الحياة الثقافية والعامة لكن فقط لأصل فكرة الإبداع النقدي للقارئ العزيز التي تعتبر حالة إبداعية فكرية تأويلية لاكتشاف السحر الذي يخبئه النص شعريا ، سرديا ، تشكيليا ، وغيرها من المجالات الأدبية والفنية ، من خلال إنارة تأويل الرموز والدلالات والإيحاء وكشف مختلف الحالات  بقراءة نقدية تفكك تلك الأطر النصية وتكشف العلاقة التي تربطها مع بعض بجوهر وجودها النصي كنواة فاعلة ولا ننسى دور القارئ العزيز الذي يخلق التصور الذهني والمعنى ، فالناقد الأدبي يقدم وصف الأساليب والطرق التي تشع نورا والتي عليه محاولة إتباعها للوصول لذلك المعنى مثلما قال البروفيسور الانكليزي " فرانك كرمود " : ( لا ينتظر من النقاد مثلما هو منتظر من الشعراء أن يكونوا عونا على وضع معنى لحياتنا ..) فدور وعي القارئ مهم بين النص والنقد ، النقد الذي يضع التصورات والطرق لتحليل النص ومحاولة اكتشاف المعنى الحقيقي بعد فك العوالم المخفية تحت سطح النص الذي أوجده الشاعر بإتقان ، على ضوء ما تقدم تعتبر الكتابة الأدبية النقدية عمل إبداعي يوازي النص ومن خلال هذه الرؤية الموجزة حاولت أن أفسر العلاقة بين النص والنقد والإبداع قبل دخولي لعوالم قصيدة شهر نيسان للشاعر الكبير " إبراهيم يلدا " ، يعتبر شهر نيسان رأس السنة الآشورية حيث الحضارات البشرية الأولى في بلاد ما بين النهرين التي كانت مقاما لولادة الفكر والثقافة الأدبية والعلمية والإدارية والدينية التي تأثرت كافة الحضارات ، منتجة لتفاعل الإنسان مع الأرض ومع محيطه في الحضارات القديمة ، نلاحظ كثرة الآلهة حيث الإنسان القديم قدس كل ما هو مخيف في الطبيعة والكون وأي حركة غير طبيعية غريبة في الطبيعة والحياة يحس إنها آله بيد الآلهة فمثلا يلجأ إلى إله الخصب أو إله الرعد عند جفاف المواسم ويلجا الحاكم أثناء حيرته إلى إله الحكمة ،ولكن الإلوهية الأولى لملك الكون في صلاتهم ، ومنذ القدم شهر نيسان له ميزة في حياة البشر فعند الدولة الآشورية في الألف الأول قبل الميلاد يبدأ الاحتفال في اليوم الأول من نيسان ويستمر أيام تتنوع فيه الطقوس والاحتفالات في كل الجوانب الدينية والاجتماعية والسياسية ، لكن شهر نيسان مع الشاعر الكبير إبراهيم يلدا يأخذ رؤى أولية فكرية عميقة .

(( نيسان
   في بلاد ما بين النهرين ولدت
   وفي بلاد النهرين توجت
   وعمد ت
   هناك شربت مع لحياة
   بين أراضي نهري دجلة والفرات
   فخلدت
   وأصبحت رمزا للخلق
   لكن الخليفة مرة أخرى
   ليكن مبارك يومك ، يوم ميلادك
   وليعد علينا في كل سنة
   ونحن نتأمل أمطارك
   أن تغسل قلبنا من حزن الأزمان
   ويتعمد فيها الفرح )) .

لكون الحضارات القديمة أكثرها معتمدة على الزراعة ، فموسم الزراعة مهم جدا الذي يتوج في شهر نيسان ، مثل نيسان الرافدينية وشم النسيم في الحضارة المصرية ، وكما تشير الكتابات الأولية البابلية والآشورية إن شهر نيسان هو عيد الاحتفال بحصاد الشعير ويمثل رأس السنة الجديدة ، الشاعر إبراهيم يلدا له رؤيته العميقة لشهر نيسان وهذا ما يعطيه خصوصية وجودية أدبية وفكرية ، قدرته على إنشاء وتسخير الرموز وتفاعلها مع بعض ضمن خيوط من المعاني ، ودقته في توظيفها كصورة شعرية وإنسانية يؤثث وجودها ويبني عالمها معنويا ويرسي رؤى الأشياء ومدى علاقة الإنسان بينها وبينه ، والأطر الأهم في هذه الرموز تشكل أفكارا حضارية روحية دينية اجتماعية سياسية  من خلالها تنهض الحياة البشرية للتطورات السليمة في وعي الناس خاصة المتصلة بالأشياء المقدسة وضمن محور الوعي والنضوج الفكري يحس الشاعر إبراهيم يلدا إن شهر نيسان سبب الأزمات والانكسار والسقوط ( أنت السبب في زوال نينوى ) فالكتب تقول غن نيسان من استبدل ( الخير بالشر ) وهذه الجدلية تجلت حتى في شهر نيسان شهر الخصب والجمال والوفرة ، فالشر هنا له ميزة السقوط حينما يقول : ( فيك أشهر الشر سيفه ) حتى تطلعات الطبيعة أصبحت في خانة الشر ( فيك ذابت الثلوج ، فاض نهر دجلة  ، مياهه طفحت أزقة نينوى ) فهل يبدو نيسان شهر السقوط وبداية السقوط بدلا من بداية الخصب والفرح والسرور ؟

(( يا شهر نيسان
   الكتب تقول
   عسى أن يكون كذبا
   وإن صدق ما قالوه
   كنت أنت السبب في زوال نينوى
   وأنت من استبدل الخير بالشر
   لإبائها ، إن كان حقا ، ففي بلاد آشور
   أعطيت لك نسمة الحياة
   أخذتها من أخوانك ، أبناء الوطن
   الكتب تقول : فيك أشهر الشرير سيفه
   وفيك ذابت الثلوج من المرتفعات
   وفاض نهر دجلة
   ومياهه طفحت في أزقة نينوى )) .

شهر نيسان يجسد رؤية قيمة رغم التداخل في الأفكار فنيسان لا يكون بديلا لأي فصل ولا يوازي أي فصل فلكل فصل مكنونه وخاصيته وصفاته وإن كان قد أخذ في التاريخ العتيق دورا كسلام وحرب ، أمان ودمار ، جمال وخراب ، خصب وجفاف ، وجود وشبه وجود ، تبقى هذه الدلالات والإيحاء عملية ذهنية تخضع لوعي الإنسان حسب القياسات العلمية والدينية والثقافية والمنطقية المستندة على واقع الحضارات المكانية والزمنية  تعطي للشاعر الحق بأن يقدم وجهة نظره للعالم . ( نيسان ، لأنك لم تكن تنظر إلى البشرية بعينين مفتوحتين ) يحاول تأسيس علاقة جديدة صادقة بينه وبين شهر نيسان دون نفاق وتلميع وتنميق وتظليل إن أبى أو رضا الآخر وق تصور ذهني متحرر من هيمنة أي وصايا قديمة أو حديثة وبعيدا عن النظريات التي تقيد الفكر وتشل الحركة وتحجر القلوب والنفوس والوعي في اتجاه واحد للحياة ، ( بكل صدق أقول ، أنت لمتميز بين الظالمين والمظلومين ) فقد جرده نيسان من الأشياء الجميلة والعوالم الحالمة لم يبقى له إلا ديمومة الاستمرار . ( لم يبقى لي لا الحب ولا اللذة ، أيامي تمضي وهي خالية ) إن الرؤية الفكرية هي قراءة للعالم واكتشاف المغزى الحقيقي لها وإن خرج على السياقات التقليدية التي تعتبر نظرة قاصرة في اكتشاف العمق الحقيقي للأشياء . ( فصولي الصيف والشتاء بلا ربيع ) نكران شهر نيسان ليس ذاتيا حقدا كرها ، لكن يحاول أن يضع النقاط على الألواح الحضارية التي وجدت ذات يوم في الحضارة الرافدينية .

(( نيسان
   لأنك لم تنظر إلى البشرية
   بعينين مفتوحتين
   وبكل صدق أقول
   أنت لمتميز بين الظالمين والمظلومين
   فنسيتني ولم تحس بأوجاع قلبي
   من جمال وردك
   لم يبقى لي لا الحب ولا اللذة
   أيامي تمضي وهي خالية
   من أشهر الربيع والخريف وفي كل الفصول
   جسدي وروحي تغلي وتتصلب
   حياتي هي حر وبرد
   فصولي هي الصيف والشتاء بلا ربيع )) .

تأتي هذه الصور الشعرية بتناسق جميل رغم أشجانها وآلامها لتثير الوعي وتحرك الأفكار الراكدة بعد تطور الحضارات والأمم لكي لا يبقى الإنسان على أفكار محدودة نادرا ما تتجدد ، غالبا ترضى بالسكون ولا تدخل في معترك الصعوبات بعد مرور السنوات والقرون التي احتلت فيها التقلبات الكبرى كل طارئ على الأفكار الجديدة على كل تغيير في الوعي الذي يطغي عليه الحزن بإسهاب كبير ( نيسان ، مرت السنوات والقرون ، وقلبي لا يزال فيه الحزن القديم ) الشاعر إبراهيم يلدا مع مجرى الأفكار والرؤى المتجددة والصادقة التي تنقسم إلى الأول الأفكار الوقتية التي تولد من بعض الحوادث الآنية لساعتها كولادة مولود أو حركة من الحركات او مذهب من المذاهب والثاني الأفكار الأساسية التي تكتسب من الوراثة ، البيئة ، والرأي الثابت كالعقائد الدينية في الماضي والأفكار الاجتماعية الديمقراطية والحرية في الزمن الحالي وإن كانت الأفكار الأساسية تؤدي إلى الاضمحلال وتفقد الرسوخ والقوة وتزعزع الأسس والأنظمة التي كانت عليها لتشكل منحنى إنساني للأسفل ( رأسي منحني ) فقليل من الأفكار الجدية  تنمو في وسط نظامي لا يتغير ، لا يكون له في المستقبل أي تأثير ( زرعنا الحنطة في كل حقل ، ولكنها حصدت بمنجل الغرباء ) فسكون الأفكار لأزمنة طويلة هو الموت بحد ذاته ، فمتى يأتي اليوم الذي يتحرك فيه السكون ويسود ما هو مفروض أن يسود في عالم متطور متجدد فلا يمكن أن الأفكار في قواعد وقوالب مطلقة لتبدو في هيئة صورة جميلة ليتقبلها الآخر ( أين هو ذلك اليوم الذي  تستفيق وتضع حدا للموت ) وقد يرمز الموت للأفكار والتجليات والرؤى إضافة  لوهن حضارة قديمة وهذه الأفكار المصورة شعريا تكشف الروابط الطبيعية والعقلية من التشابه والتلازم في ما بينها فيجوز أن تحل بعضها محل بعض لكنها كما هي لا تتغير .

(( نيسان
   مرت السنوات والقرون
   وقلبي لا يزال فيه الحزن قائم
   ورأسي منحني
   في كل جنينه زرعنا الأزهار
   وبها تزين الجميع
   موائد الغرباء بظهر مكسور
   ولكنها حصدت بمنجل الغرباء
   بأمل وخوف
   زرعنا الأبناء في كل بيت
   من دمائهم ارتوى سيف الغريب القاسي
   أين هو ذلك اليوم الذي تستفيق
   وتضع حدا للموت )) .

رغم كل الآراء والتناقضات على أرض الواقع يلتمس الشاعر إبراهيم يلدا حلما جديدا ، فجرا هادئا ، شمس مشرقة بعد مرور المساء والليل ( عسى أن يمر المساء والليل ، تشرق الشمس ) ومضة مستقبلية رغم الفطرة المستديمة في العقول لا تستوجب الاستغراب حتى عند الذين ارتكزوا على معتقداتهم الدينية المستديمة وأفكارهم الاجتماعية الوراثية فالشمس الجديدة تطرد آخر أحزان ومآسي نيسان وتبدأ عملية البناء الفكري من جديد ( نبدأ من جديد ، بناء أسوار نينوى الشاهقة ) ويعود شهر نيسان لعلاقته الحميمة مع الإنسان وتنطلق الأفواه تمجدك متأثرة بالحياة الجديدة ( المجد لأسمك يا شهر نيسان ) هذه الرؤية الشعرية وصورها الراقية تكشف تجليات الماضي والحاضر .

(( عسى أن يمر المساء والليل
   وتشرق الشمس
   وتطرد آخر أحزاننا
   ونبدأ من جديد
   بناء أسوار نينوى الشاهقة
   ومن أجلك تفتح أفواهنا
   وتمجد اسمك قائلة
   المجد لأسمك يا شهر نيسان
   فلتفرح بك امتنا الآشورية )) .

الشاعر إبراهيم يلدا لمقتضى الحالة الإنسانية والروحية والفكرية والمستقبلية أجاد في الوصف والرؤية ، حتى لو كان الإنسان مناقضا لنفسه فالتناقض في الواقع ظاهر أكثر مما هو حقيقي فالأفكار الموروثة هي المعول والأفكار الجديدة هي الحصاد ، يجب إن تكون بهذه الصورة لتنتج منه الثمار المستقبلية التي تغدو رفيعة القيمة والحلم والأمل المنشود في حياة حبلى بالحب والشوق المتجدد لشهر نيسان وللارتقاء الروحي قبل الارتقاء الذاتي .
*******************************

المصدر

اسم الكتاب :الموت والميلاد للشاعر إبراهيم يلدا
اسم المترجم : نزار حنا الديراني
الطبعة الأولى بلغتها الأصلية : مطبعة نينوى ـ شيكاغو  1995 الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة الثانية ( ترجمة) : 2017 دار الأمل الجديدة ـ سوريا / دمشق



48
إذا أخطأت عيناك

الشاعر ابراهيم يلدا والأم الحضارية
هل المصلحة الذاتية سببا قويا للوجود ؟
أيهما أقوى وجودا الأم الحضارية أم الأم الذاتية ؟



عصمت شاهين دوسكي
 

يتخذ الشاعر ابراهيم يلدا في قصيدته " إذا أخطات عيناك "الوصف سبيلا الى تناول النظم الفكرية والاجتماعية والسياسية في هجاء أو ذم أو عتاب للرؤى الانسانية وقد اختار الشاعر ذو القلب الرقيق " الأم " معنى وجودا رمزا ، موضعا اجتماعيا تاريخيا دينيا وروحيا كصورة ظاهرة على مدى الوجود ،لأن الأم تختصر العالم الانساني على اختلاف الأزمنة والأمكنة ،الكثير منا لا يكتفي بالحزن الصامت ولا بالاعجاب المقتصد بل يفصل ويشرح ويروي ،أما الشاعر بملكوته الشعري والفكري والروحي يصف ما يحس به وما يشعر به برؤية مختلفة حينما يرى الخطوب أمام عينيه ،حيث يرى القوة المدهشة للأم التي تلازمها  في كل وقت من اوقاتها رغم الضعف الشديد الذي يلازم جسدها مع مرور الزمن فيجعل حياتها معلقة بين القوة والضعف ،بين الارادة والفتور ،بين الاخذ والعطاء ،بين اليأس والرجاء ،بيت التضحية والعناء في كل طور من اطوار عمرها وحياتها ،تكلفها الاهوال والاعاجيب ،فيقف الناس حائرين مدهشين ،يعجبون بهذه " الأم "التي تتحمل آلام الحياة وهم لا يدرون لم يعجبون ؟فقد كرمها الرب منذ الازل بالوجود فهي المثوى في غربة الحياة وهي الصبر النادر والذكاء العابر والجمال الباهر والصوت الساحر ،والقوة التي لا حدود لها والأمل الذي لا يخشى اليأس ولا يحسب له حسبانا ،والنفس التي لا مثيل لها ، وليس كرم بعد كرمها ،ولا وجود بعد وجودها .
(( لا لن أنسسى
   أول يوم في حياتي
   وأنا أتربع صدرك
   وحيث ذراعاك المتشابكان
   لا لن انسى
   تلك الدمعة الساخنة
   التي جرت من عينيك
   وسقطت على وجنتي
   من فرط حبك لي وحنانك )) .
نلاحظ الوصف البديع والاحساس الرفيع الذي يبعث في كلماته الحب واللهفة والرقة والحياة مضمورا في داخل العبارات الحوار الفعلي للمناجاة ،فهو رائد الشعر الحر باللغة السريانية يكشف باسلوبه المميز عن الجمالية في الرؤى والفلسفة في العمق الفكري مثلما كانت هناك فلسفة خاصة في قصيدته " الموت والميلاد " هنا تتجلى فلسفة روحية حسية قدسية راقية من خلال الرمز " الأم " الذي تذوي كحبة السنبلة تحت التراب لتولد من جديد روحا وتضحية ،فكرا وعطاء ،حبا وعشقا ، امنا وسلاما ، هذا الغزل الجميل غالب على عصر ماض وذكرى حاضرة " لا لن انسى "تبقى ذكرياتها في قلبه رغم تغير المكان والزمان ،الشاعر لا يجرأ على النسيان رغم " الأم " التي يعنيها تسترسل في الآلام ويحس بها "بألم لا يفارق قلبك " هذه الآلام لا يمكن معرفة جوهرها ولايدرك سعة هذه العذابات والعبرات والمآسي والنكبات كونه " كنت صغيرا " حتى حينما يكبر ويجد المنافع الذاتية والشهوة عادية والايذاء القاس رغم الشقاء وصوت الاجراس ،يمزق قلبه ويشرخ روحه في محراب الصمت الانساني ،كأن حول هذه " الأم " وحوش مفترسة لأرتكاب كل انواع التناقضات والإرهاصات ،فمن سيغفر لهذه " الأم " التي هي في الأصل نزيهة وليدة النقاء والصفاء ،ترتقي بالفرد وتسمو به رغم بكائها المر وصمتها العميق الذي يترجم كل معاني الشقاء والرجاء ،تلبي نداه إن ناداها ،وتحضنه إن طلب حضنها ،وإن ضاع في العالم لجأ اليها .
(( حين كنت صغيرا
   كنت أحس بألم لا يفارق قلبك
   ولأني كنت صغيرا
   لم استطع أن أترجم ما يضمره قلبك
   ولم أعرف سبب بكائك المر
   وحين كبرت وسنوات صباي
   مع الزمن تحتسب
   وتثقل كاهل قلبي ، كلماتك
   وهي تتراءى لي كسلسلة
   تذكرني بأيام طفولتي
   ودمعة قديمة تنتصب أمام عيني )).
 تغفر له وهو يعجز أن يغفر لها ،أولادها تقمطوا الشيطنة بإسم الدين حينا وبإسم الوطن حينا آخر الى حد المخاطرة بالأرواح في سبيل المعتقدات والأفكار والكلمات تكاد لاتفقه شيئا من معانيها ،حتى الذي يغضب إن كان سيغضب ليحميها ،فهو لنمو اشارة ذاتية وليس ميل اليها " فإن أراد أن يغضب " لإن المصلحة الذاتية تكون سببا قويا للوجود وهي السبب الوحيد في عمل الفرد دون ان يصل ليرويها ،  ليست " الأم " من ساقت الغفير من الجموع الى الانانية وكؤوس الطبول الحربية ولا هي التي جعلتهم يتساقطون على عجل في الهاوية وتجرعوا الهموم والغم والسموم والحيرة والآلام العتية .
(( كنت أقول
   قد غفرت لي ألف مرة
   مقابل كل مرة
   وها أنا اليوم أعجز
   لأغفر لك بأكثر منها
   وكما قال الكريم :سبعة وسبعين مرة
   فإن أراد ان يغضب ،سوف لن يغضب
   وغن أراد ان يغضب فليغضب
   ولكنه سوف لن يغضب
   ذات المتقمط بالشيطنة )).
رغم كل ما جرى من اولادها ينادي قلبها كل من فيه هم وغم وسم ،فالعلة ليس فيها بل في أولادها ،في نفوسهم وأفكارهم وروحهم ،يلتقطون الأموال ونفيس المتاع ويقدموها سهلة للضياع ويتركون عمدا المساكين والفقراء والجياع ، تتحمل وتصبر وتضحي لأنهم من جسدها ودمها وروحها ومحرابها ،فهي لا تمتلك النفائس التي بهروا بها ولا الصروح التي آثروا عليها ،لا يتحملون الشدة والحرمان والجراحات التي يذكرونها ،يطلبون كل جميل من جمال وجودها ثم يتفرجون على عبراتها ونكباتها ، أين الأخلاق التي وجدوا عليها ؟أين الرفعة في مدى صبرها ؟، من السذاجة ان نقول حول " الأم " أولاد طغى الوهن فيهم وغالبا يظهروا بمظهر الكمال ويرفعون الأكاليل والرونق والجمال وهم منغمسون في التائهات ويزمجرون إذا عانوا من المعاناة وسمعوا صوت الاشجان والانات حتى لو أحدثوا في نفوسهم وسالت العبرات ،فهي الوحيدة التي تحمي الوجود .
(( بل سينادي قلبك
   الذي يئن من الغم
   ومن الكأس المسموم
   الذي اسقوك منه ابنائك
   فهم من جسدك ودمك
   وهم يغترفون لحبك
   رغم انهم يعرفون إن قلبي هو الآخر
   سيتألم عشرة أضعاف
   دعيني لأكون نسرا يفترس الحية
   ليحمي الوجود )) .
مثلما هناك أولاد يميلون للدنيا ، للحياة ويذوبوا في الشهوات وينغمسوا في الملذات ولا يرون سوى الذات ،فلا تخلو من أولاد يحملون شعلة صدق الرؤية  وشموع النور السامية والنظرة الراقية والقدوة الغالية والأخلاق العالية " إفعل يا ولدي ما تراه مناسبا " حلق عاليا تنزه في الفعل والعمل والجد والأخلاص المطلق لمبدأ السمو والارتقاء ، " الأم " وطن ومن يحلق على مرتفعات وطنه عاليا يرى عمق التاريخ والحضارة الانسانية والفضائل الادبية المجزية " حلق كالنسر " ثم كن حكيما ، قائدا ، واعيا ، شاعرا على الارض والتقط زواحف الفساد الكبيرة والقلوب المستأجرة من ثمن حصاد الارض ، نظف الافعال الواهنة والنفوس المباعة في سوق النخاسة ، نظف الغرائز بمحض ارادتها فارغة واحمي اركان " الأم " الحضارية ليكون الوجود لرقي المكان وسمو الإنسان .
(( إفعل يا ولدي
   إفعل ما تراه مناسبا
   وحلق كالنسر
   وحط على مرتفعات وطنك العالية
   والغابرة في التاريخ
   ومن ثم حدر الى حيض الارض
   لتلتقط تلك الزواحف
   الكبيرة والمستأجرة من الحصيد
   الذي بذره شرير الامة
   لتحمي الوجود )) .
هذه اللوحة الفنية الحوارية والدرامة الحضارية التي قدمها الشاعر ابراهيم يلدا تخص كل أمة على الارض وليس فقط الامة الاشورية ،فهو يعكس مدى الانسانية واهمية وجود الوطن من خلال الرمز " الأم " فالأم الحضارية أقوى وجودا من الأم الذاتية بتناغم " الأرض والإنسان " بشكل راقي وهذا ليس غريبا على الشاعر ابراهيم يلدا الذي ولد في الحبانية حيث ملتقى الحضارات والجاليات والثقافات الاشورية التي كانت تعيش جنبا الى جنب الجيش الانكليزي والعربي فضلا عن كونه خريج معهد اللغات العالي جامعة بغداد وخريج جامعة ليفربول ،بريطانيا ويعتبر من الاوائل الذين ادركوا معنى الحداثة في الشعر باسلوب يختص به في عوالم التوازي والتساوي بين الاوزان والموسيقى والوحدة البنائية للقصيدة التي تحدد مضمون ومعاني ورؤى وهوية القصيدة ووجودها التي تشكل لغتها التعبيرية حالة من الخلق والحركة والانبعاث وتتوحد في رؤيته الادبية الفكرية الانسانية التي تغدو منارا للحب والحياة .



49
رويده وباكيرا والفن الجميل

رويده حسين عبدالله بين الألوان والتشخيص الفني.
لوحاتها تعبر عن الأحداث اليومية والاجتماعية.
رؤية فنية كوردية ابداعية شابة .

عصمت شاهين دوسكي


 


عندما تغادر دهوك على الطريق الذي يقودك الى خارج حدود بلدية دهوك بإتجاه زاويته وسرسنك تكون قد دخلت في عالم ساحر من الجمال والألوان والصفاء ، الى مناظر تسر الناظرين وتريح قلوب الحائرين وتفتح نوافذ الروح لفضاء العاشقين ، حيث تشاهد على جانبي الطريق الاشجار التي لا تفارق الاخضرار والسفوح الهادئة والاودية الطرية والجبال الشماء على امتداد الطريق تحيا في عالم من الهدوء بين النسيم العليل والنقاء الجميل ، بين زقزقة العصافير وخرير المياه وعيون سلسبيل ، بين ألوان الورود والفراشات المحلقة بين الزهور واغصان الاشجار ومختلف الثمار ، بين براءة الطبيعة وفطريتها وقدسيتها وسحر جمالها الرباني وبين صمت الارض وعرق الفلاح في بساتين وجنائن غناء ،
 

وبعد عبور" زاويته " الجميلة المطوقة بالاشجار والسفوح القريبة منها تطل قرية " باكيرا " برونقها الطبيعي الجميل وبهاء سحرها الجليل ، بين ازقتها وشوارعها المشجرة بالخضرة والصمت والنسيم محاولة منها لكشف الانوثة الفنية  التي تختفي بين انامل وريشة الفنانة الكوردية الشابة " رويده حسين عبد الله " ذات الثلاث وعشرون عاما وهي تسرد وتنقل من خلال لوحاتها ورؤيتها للأشياء التشخيصية الواقعية والوانها وخطوطها التشريحية المميزة بتأويلات ورؤى ودلالات شكلية لتكشف الجمال الواقعي الفني الذي يربطها بعمق وجودها كأمرأة وكنواة فنية تشير الى الوحدات البنائية التي تشكلها مع كشف معانيها بصورة تشخيصية ليدرك المتلقي النوافذ الشكلية واللونية والظلية والتشخيصية ، وهي ترسم بشكل جميل وكأن لوحاتها والوانها وفرشاتها مطيعة لأناملها وروحها وافكارها ورؤاها ونظراتها الفنية ،

 
الفنانة الشابة " رويده حسين عبد الله " من خلال لوحاتها تفسر الواقع الموضوعي وتمثله بهيئته الواقعية الأمر الذي يجعل ان تكون لوحاتها تسجيلا للوقائع على الارض كالفقر والحرمان والبساطة والنزوح والتشريد والتهجير وبيان ملامح الانسان بصورة دقيقة جدا تكاد ان تلمسها ، وهذا الفن تاريخي عميق بدءا من رسوم الانسان في الكهوف الذي وثق من خلالها مجريات الحياة الواقعية اليومية وايضا مشاهداته خارج الكهوف مرورا بفنون الحضارات الكبرى في نهر النيل كالفرعونية ووادي الرافدين الرافدية والاغريقية والرومانية الى عصر النهضة الفنية ، والفن التشخيصي صعب جدا وليس سهلا لكنه ظل قائما بين حركات الفن التشكيلي العالمي المعاصر وبأشكال جديدة خلقت اتجاهات جديدة ، الفنانة الكوردية الشابة " رويده حسين عبد الله " انصبغت بالتشريحية والتشخيصية من خلال تمكنها فنيا وابداعيا في هذا المجال الصعب والمتعب فنيا وفكريا وجسديا ، وبرؤى بيئتها التي نمت في كنفها وبالتالي تلونت وازهرت واينعت في نضوجها وصيغها الطبيعية وموضوعاتها وفق فنون منبعها الحضاري الذي ما زال قائما ، فمهمتها تشخيص المعنى وتشريح الشكل بالظل والضوء والانارة لتعبر في لوحاتها عن الاحداث اليومية والاجتماعية والسياسية بمصاهرة الاساطير اليونانية والرومانية الفنية الكلاسيكية في تصوير الشخصية الانسانية التي تعتمد على مقاييس ونسب فنية اطلق عليها سابقا " النسب الذهبية " في علاقة حجم الراس الى الجسم في التصوير والرسم المكرس لموضاعات دينية تتعلق بالسيد المسيح والعذراء والقديسيين ومن خلال هذه الدقة الواقعية والنسبية تجلى بشكل خاص الفن التشخيصي والتشريحي مع ظهور التيارات الفنية التشكيلية الحديثة ،

 

الفنانة الكوردية " رويده حسين عبد الله " تراءى في لوحاتها الفنية والتشخيصية والتشريحية على ميل القواعد الكلاسيكية الاغريقية الرومانية التي هي الاخرى شديدة الميل الى الواقع كما في رسوم مايكل انجلو وليوناردو دافنشي ورافائيل ورغم تعدد الفن التشكيلي الحديث والمنافسة الفنية الشديدة للتشخيصية والتشريحية من قبل الاتجاهات الفنية الجديدة كالانطباعية والتعبيرية والتكعيبية والتجريدية والسوريالية والتأثيرية على أن هذا الفن ما زال في مخيلة الفنانين باشكال وصيغ مختلفة ، الفنانة التشكيلية رويدا مالت بفنها نحو البساطة واختزال الاشكال الواقعية امام رؤية العين والاحساس وبادراك فني جميل بذلته ونقلته بدقة متناهية وبراعة في العمل الفني ، تستوعب كل التفاصيل التشخيصية والتشريحية فانطلقت وابحرت في اسلوبها وابداعها بأنامل ناعمة وريشة راقية ورؤية جميلة نقية تزهو وتسمو رغم الواقع المؤلم ، تتأرجح بين التشخيصية والتشريحية ودقة الظل والضوء  والانارة وبين جمال الطبيعة واشكالها الساحرة بمضامين اجتماعية

 


معتمدة على روحها وافكارها واحساسها المرهف ورقة مشاعرها ووعيها الفني لتوصل رسالة فنية للعالم من خلال الالوان والاشكال التي تكشف المعاني الحقيقية للمرأة الكوردية بصورة خاصة والمرأة في كل مكان وزمان بصورة عامة وللحياة وللوجود وهي تلامس الواقعية بشكل ابداعي فني جميل .
**************************
رويده حسين عبد الله
دهوك – باكيرا , مواليد 1994م
عام 2011م دخلت معهد الفنون الجميلة
عام 2016م تخرجت من معهد الفنون الجميلة
أعمالها الفنية واقعية
الالوان والظل والانارة جوانب مهمة في لوحاتها
تعد لمشاركات فنية مشتركة مختلفة


50
المنبر الحر / شميرام
« في: 17:21 15/06/2017  »
شميرام
ملكة إبراهيم يلدا لايخشى معها أي مكان وزمان.
بين الرموز والحوار والدرامة الفكرية يتجلى الإبداع .
ما هي المفردة الابراهيمية ؟

عصمت شاهين دوسكي


هناك شعورا لذيذا في الكتابة حينما يكون الكاتب إنسان حساس ،يحدثك دون وعي منك بالعطف حينا والرقة حينا آخر وتتأثر بمودة وحنان ونسمات وايقاعات الكلمات ،فيشعرك بأنك لست مغتربا وحيدا في الحياة وإن هناك ارواحا تلجأ اليك وقلوبا تخفق مع قلبك الجريح وانفاسا تشاركك في الأحزان والآلام والآهات ،وتشاركك المتعة في الاحساس هذا الشعور يفوق أي شعور لأنه يحلق في محراب النفس ،ومن حظي بمثل هذا الشعور إنسان عظيم راق ، تحمد الرب لوجوده وتأنس اليه في كل حين خاصة في أوقات الوحدة والوحشة والغربة الروحية ، فأنت اذا عبرت بحار الروح وقطعت هواجس امواج الذات وشعرت إنك في سفر طويل يرافقك الحب والاحساس بآلام ولذات الحياة وسماع أجراس ذكريات عائدة ومودعة بخيال خلاق وعبرات تملأ ودا ورفقا وايثارا حينها ستحس إنك في بحر من بحورالشاعر الكبير " ابراهيم يلدا " وفي سفينته الراقية التي تحمل ايقاع الاحساس المؤثر وجمال الصور الشعرية وضروب مختلفة من الرموز والشعور في مرثية ملكته التاريخية والحياتية " شميرام " حينما تكون سفر الحياة معها أجمل رأفة وأكثر برا وأعظم كرما ، الذي يجسد اسمها الملكة  الآشورية " سمير اميس " عمقا تاريخيا ،ملكة الروح والسفر والانسانية والجمال والتضحية  ،رغم الحزن المفعم والصعوبات فهي ملكة تصبر وتميز وتتحمل الاذى وتبني " لتبني لنا عشا يحمي الوجود " إنها ملكة الشاعر ابراهيم يلدا لا يخشى معها أي دوار واي شر في اي زمان ومكان ،يغني لها يرتل انشودة الحياة بصمت الاشجان ويجدد غنائه التاريخي " يغني من جديد وهو بلا لسان " فهو يعترف للملأ غنه من داخله " أشلاء قلبي " ويحس انها ترتوي من دمائه ،الى جانب هذه اللذة الحسية الروحية يروي بهدوء المتمكن حكاية ملكته " شميرام " .
(( اخوتي أخواتي لو غنيت
   سأغني لكم أغنية مفعمة بالحزن
   تتجدد الى حيث أعماق التاريخ
   الى عصر يزج بالصعوبات
   أغنية حلت على شفتي لتبني لنا عشا
   يحمي الوجود فلا تترددوا ولا تقولوا  هو مسكين
   كيف يستطيع أن يغني من جديد وهو بلا لسان؟
   يكفي أن تسمعوا هذه الحكاية
   يكفي أن تحسوا بما تحمله الحكاية من إحساس
   تلك التي بنت من أشلاء قلبي
   وارتوت دمائها من وريدي
   اخوتي واخواتي
   يكفي ان تسمعوا الحكاية المريرة )) .
هذا الشعور الخفي في بداية الحكاية لا يشبه أي خوف أو تردد ،بل يظهر الانسان على قيمته الحقيقية واحساسه المرهف بالآخر وعلى مكانته السليمة في هذا الوجود ،فإن احس الانسان ضئيل لا يكاد يذكر ،واعماقه أوهن من نسج العنكبوت ،وغن كان هناك شيء من القدرة على الثبات ومقاومة المآسي والجراح ،فإن أحس بهذا ملكه شيء من البؤس والاشفاق ،ونظراته تعبر عن صدى روحه وانفاسه ،يستهل الشاعر" ابراهيم يلدا " بعد التمهيد الأولي في المقطع الاول ليوظف جذور تاريخ عميق بحضور الرمز " دجلة ، شابة " الشابة الجميلة بوصف بديع رغم اضطراب دجلة اضطرابا شديدا ووجود الشابة بصدرها العري وشعرها المبعثر وهي في حالات مختلفة " تبكي – تضحك – تصرخ – تطاب " هذه الأفعال القوية المضطربة اصطخبت أمواج دجلة وعصفت الريح نسيمه وكادت ان لا تسمع إلا صدى هديره وصوت خرير الماء الذي يشبه الشكوى ،وكان لهذا المزاج المؤلف بين دجلة والشابة يخلق مياه في العيون ومياه على الشفاه ومياه " تبتعد عن رائحة الموت " ومياه " عذبة ، قوية ، فرحة " لكن كثرة صورة المياه أرغمها ان تبلع " صدى الأمواج " صدى اصوات المياه التي تملأ السمع والنفس كأنه روع يكتنف جسد الحرمان  وهول يحيط الاشجان والخوف من صورة " مكسورة الجناح " خوف اشفاق مألوف وتلاق معروف ،كأنك تقطع صحراء واسعة لتصل الى قطرة ماء ،دجلة رغم كرمه مدى التاريخ " ينكمش على نفسه " من عذابات الأبرياء وظلم على البسطاء ، وقتل الرهبان والانبياء ،فدم الانسان اصبح مهدورا وجسده رخيصا في اي مكان وزمان .
(( على ساحل دجلة كانت
   تقف شابة جميلة
   صدرها عاري وشعرها الخجول المبعثر
   تغسل وجهها بالدموع
   الشابه كانت تبكي بمرارة
   الشابة كانت تضحك ، تضحك بصوت عال
   الشابة كانت تصرخ
   تصرخ وتطلب الماء من دجلة أبو الصحراء
   المياه التي تنبع من العيون
   المياه التي يبست شفاهها
   مياه تعبر وتجري تبتعد عن راحة الموت
   مياه عذبة وقوية فرحة كي تصل في الوقت المناسب
   ومن فرحها ابتلعت صدى الامواج
   وهي مكسورة الجناح وتقول بهدوء
   ها هو دجلة ينكمش على نفسه ويجهل اقربائه )) .
ما دامت طبيعة " دجلة " على ما هي عليها من القوة والجلال تمنح وتمنع بلين ودلال ،لجأت الشابة الى الله أعظم رحمة وقوة ورفعت رأسها لا لتسخر من دجلة كما سيسخر منه الموت ذات يوم ،ولا تهزأمن امواج تاريخه العميق ولا تزدري كرمه العتيق ،تعترف بمضمونها الملكي الكائن لتوحي القدرة على ان " تنير وجه الكون " على ان لا يكون النور نارا تحرق عيون المؤمنين والملحدين جميعا في وقت تحسبه غير مناسب وتنكر على الشمس وجودها الذي هو ضرب من القوة والكبرياء أمام غلو الانسان في تقدير نفسه وغروره وانانيته وجبروته في حين الاشجار والبراعم تحتاج الى ظل ونور مثلما يحتاجه الانسان ،فلكل شيء وقت معلوم في محراب بعيد ولوح عظيم ،فحينما تشعر شعورا واضحا بان اسباب وجود الاشياء حولك ضعيفة واهية ،أقل شيء حينها يستطيع ان يحطم كل شيء ،وان يقطع كل ما بينك وبين الحياة والنجاة والخلاص ، عندما تكون شمس الانسانية والرحمة والحرية والتسامح والغفران والامان والسلام ضائعة بين غيوم سوداء وسحب هوجاء يتغير ما لا يتغير فيصاب اذى اللهب الحجر والشجر والبشر ونحتاج حينها خلاص مقتدر .
(( رفعت رأسها الى حيث السماء عين الله
   كي تنير وجه الكون ، العيون تتأجج نارا
   لهب بعد لهب ينزل ليحمي عينا الشابة
   قالت ينبوع الحياة ،وينبوع النور
   قالت لشمس الله
   انت لم تشرقي في الوقت المناسب
   ولما لم تشرقي عبر النوافذ
   لتتدفئ الارامل واليتامى
   دخلت عيناي حين تيبست شفتاي
   وشلت قدمي ،وقالت من جديد بهدوء
   ها هي الشمس تضيع نفسها ولا تعرف محبيها )).
إن الشابة التي تحملت واثرت وصبرت سنين طويلة تناغم معها الثالوث المقدس " الماء والشمس والتراب " لكي لا تغدو نسيا منسيا وتستحق هذه العناية المقدسة معنويا في هذا الكون ،تدافع عن الجمال والاصرار على الديمومة والوجود فرحمتها بأصغر الاشياء واكبرها مقدسة بلا غرور ولا تكبر ولا اسراف وتحجر ،بل تسقي من عين رحمتها " الاولاد ، الحقول " والشمس مشرقة في وقتها في ظل ونور لكي يتدفى " ابناء الارامل " ويزرعوا الارض ويبنوا بيوتا لكي يحموا " لمن هم بلا أوطان " تحولت الشابة الى مروج خضراء تحيي القادمين والفقراء ،تعصم الاخرين من اخطار الطامعين والاشقياء ،وتجعل مملكتها في مأمن من كل خطر لتسير نحو مثوى الروح الراقية والخلاص والحرية .
(( الماء والشمس والتراب ،الثالوث المقدس
   لف حوله الدنس ،فدخلت الرحمة تلك الجميلة
   فاصبحوا للجميلة رحمة
   ليمتلئوا جميعهم بالرحمة
   لينبع الماء من الاعين ،كي يسقي الاولاد الحقول
   لتشرق الشمس في اوقاتها ،لكي يتدفى ابناء الارامل
   ليبنوا بيوتا جديدة
   كي يحموا لمن هم بلا اوطان ،كل ابناء العالم
   وقعت الجميلة على الارض ،فهبت عليها رياح ملوثة
   فابتلى بها جسدها ،وفرغ المكان
   شربت من دمها المسكون ،لتتحول الى مروج خضراء
   تحيي القادمين ،بمرور الازمان ،تغنيها الجوقات
   من اجل الخلاص ،كي تعيش الروح بحرية )).
الشاعر الكبير ذو الاحساس المرهف " ابراهيم يلدا " وضف بشكل مزدوج الحكاية الزمنية الاسطورية العصرية ،الملكة شميرام والماء في مرثيته الراقية التي جعل الفكرة بلا حدود بل صورها الشعرية المنسابة كالشلال الهادئ تشكل نفسها ، وسخر الرموز الطبيعية التاريخية والكونية " دجلة – شابة – سماء – شمس – تراب " فذللها باحساس غاية في الدقة والتصور والتخيل فجعل الرموز الطبيعية مطيعة يأمر وينهي وتنتهي حيث تريد ،وعيه الادبي والشعري وعلمه الكوني وقوته التصويرية والوصفية الخلاقة وذكاءه في اختيار المفردة الملكبة التي ادعوها " المفردة الابراهيمية " لمكانتها وروعتها وسحرها وتميزها التي تتيح للقارئ أن يبحر معه مطمئنا مؤمنا بدخول محراب الحب والجمال والابداع بين رؤى الدلالات والرموز وبين كرنفال الحوار والدرامة الفكرية الروحية الحسية خاصة الحوار الذي دار بين الشابة والشمس ،انها حركة شعرية فغلية بين الانسان والكون تتخللها حركة زمتنية ومكانية يتحرك خلالها الشاعر بحوار داخلي ذاتي ليتجلى الطريق السليم نحو قناديل قدسية الانسان والكون ثم الخلاص والحرية الروحية ،استطاع الشاعر" ابراهيم يلدا " ان يجمع الاشياء على مسرح الزمن الشعري في رؤى غنية وبتصرف جميل نحو الالق والاحساس بالوجود والحرية والابداع .




51
المنبر الحر / الموت والميلاد
« في: 17:57 27/05/2017  »
الموت والميلاد
ابراهيم يلدا بين الحرية والخلاص والموت والميلاد.
امكانية توظيف الماضي والحاضر ورؤية المستقبل الآتي.
هل الموت هو الحرية والخلاص ؟

 
عصمت شاهين الدوسكي   

لم تعد الحرية والخلاص مرتبطة بذات الشاعر أو خارجها فقط بل يعد الامر اكثر شمولية في الفضاء الانساني وكأن غربة داخل الروح توازي غربة خارج الروح وبينهما عوالم الموت والميلاد وان تغيرت لغة الشاعر وفقا لمتطلبات عصر ما وانكوى بمفردات الانكسار والانحطاط التي مثواها اعماق الشاعر وهي تناقضات لا تهمش الحرية والخلاص بل تعكس المستويين الادبي والانساني بحيث تغدو لغة ادبية من تعبيرية الى اداة تأثيرية تفعل بتفاعل الاحساس مع الواقع ، في استهلال قصيدة الشاعر الكبير ابراهيم يلدا " الموت والميلاد " يحاول ان يكون صورة متداخلة من الماضي والحاضر والمستقبل حيث ينتقي عمق التاريخ بصور شعرية " البحر – المركب – الحبيبة والشاب  " التي تحاول أن تعاصر مع " الطوفان – سفينة – نوح وزوجته " وبفكر واعي وربط راقي يستهل بنص هادئ وفي هذا الهدوء تمرد خفي  " حبيبان – كلاهما – يتأملان – يقبلان " ومن خلال هذا الجو الرومانسي الذي وضعه القدر فيه يعلن بمعاني ضمنية تمرده على الواقع وبصورة انسانية يبحث عن الحرية والخلاص .
(( ظلام دامس يلف المعمورة
   حبيبان متوحشان بالرعب
   في وسط البحر الشاب وحبيبته
   جالسان على تخت لقارب الموت
   احدهما يتكئ على الاخر
   كلاهما يرنمان معا
   مرثية الحزن
   بأمل صغير معلق بشجرة
   يتاملان اليابسة )) .
حيث يبدأ هذا الاستهلال النصي بالحلم والرؤيا الحاضرة والمستقبلية " اليابسة " وان كانت الرؤيا مختصة بالانبياء والاولياء والقديسون ، لكن يمكن ان نضيف الادباء والمفكرون والعلماء كرؤية تختمر في تجارب عديدة وعمق ماضي له اثر على الاخرين لتتجلى رؤيا مستقبلية باحساس سامي ولاشك عوالم الحلم يتعاطاه كل البشر ، الشاعر ابراهيم يلدا يختصر آلامه ووجعه العميق وعذاباته ورؤياه على مركب مع حبيبته ويقتنص اللحظات ليتوغل فيها برؤيا منعشة للحياة رغم حضور الموت وهو تركيز عالي في جمع التوجهات الفكرية الحسية الروحية ليبث من خلالها تراتيل لزمن آت وتوافقات مغايرة اساسها الحرية والامان والخلاص ويرفدها بالحب والاشراق ليدق نواقيس نافذة الروح والالهام والابداع .
(( اسمعيني ايتها الحبيبة
   في قلبي المحروق
   مكان يستوعب
   شمعة صغيرة دائمة الاشتعال
   سترشدنا الى الطريق
   وتدفئ جسدينا )) .
يا ترى هل الموت هو الحرية والخلاص من متناقضات وجراحات الميلاد ام الميلاد يلمح الاكتشاف الحقيقي الروحي والفكري للحرية والخلاص أم كلاهما معين لأكتشاف كل شيء ، لأكتشاف الحقيقة أو جزء منها ؟؟ تتخلل هذه التساؤلات ثنائية الوجود " المرأة والرجل – ادم وحواء – نوح وزوجته " الجميع ينتظر خبر الخلاص  ، الحيوانات والنباتات والزواحف " جميعهم نادوا وغنوا – اغنية الميلاد – لنا الحرية ولنا الخلاص " هذه الذاكرة الشعرية العميقة توحي برؤيا تاريخية الاثر عميقة الصلة بالانسان والارض وان تأزم هذا الارث التاريخي بخطوبه ونكباته ودماره وخرابه وتشتت الانسان بين الوجود واللا وجود بين الواقع والخيال بين اللقاء والفراق بين الشمل والتشتت وهو يعكس الموت والميلاد كل ذلك يأتي من تعريفه للخلاص وتحمل الازمات والمعاناة والصبر على الآهات وتغلبه على كل العذابات .بوجود " الحمامة "  الطير الذي يحمل البشرى عن بيان وظهور اليابسة ، التي تعني الحرية ، الخلاص .
(( نعم كانت هناك حمامة
   تلك التي طارت لتأتي بالبشرى
   اضحت صادقة ورحومة
   وعادت الى عشها
   كل ينتظر منها خيرا
   وحيث الجميع ينتظرون خبر الخلاص
   السيد نوح وزوجته
   وكل الحيوانات والنباتات
   وكل زاحف جائع
   ان كان اليفا او من طيور البراري
   جميعهم نادوا وغنوا اغنية الميلاد
   لنا الحرية ولنا الخلاص )) .
ان توظيف قصة نوح عليه السلام مع مفردات العصر البحر ، المركب ، الشاب والحبيبة تأتي بعد قدسية الانسان المغتصبة والمنتهكة حيث لا عدل ولا حقوق ولا رحمة بل تطرف وتباهي وكبرياء وغرور وفساد وخراب الفكر ودمار النفس وصرخة الجوع والظمأ والحرمان في اللجوء  القسري والغربة  الروحية والوحدة والاحساس بالظلم والالم الذاتي وهي اشكال ومعاني مكنونة تعكس الصراع الانساني الخفي تبوح به ظاهر المفردات بين البحر واليابسة ، الحرب والسلام ، اللقاء والفراق ، البداية والنهاية حيث يعطي الشاعر ابراهيم يلدا مقدمة بيانية قصيرة لقصيدته يقول فيها " يقول الشاعر الانكليزي ت اس اليوت في مطلع احدى قصائده – في بدايتي تكمن نهايتي – اما انا فأقول – في نهايتي تكمن بدايتي – لأني مالم انتهي لن ابدأ فكل نهاية تحمل بين طياتها بذرة البداية ومن القديم تنبعث الحداثة وكل موت يعطي مكانا للميلاد ، ميلاد روحا جديدة والحياة هي موت وميلاد " يوحي لي بأن الشاعر كان مخنوقا لسنوات ثم وجد نفسه في فضاء واسع فاطلق العنان لرغبته واحساسه وافكاره لتتنفس الحرية والخلاص بين الموت والميلاد باسلوب شعري راقي ممزوج بالرومانسية التي تأخذ مداها الجميل لغد افضل.
(( سنصل اليابسة
   ونحيا لوحدنا
   الى ان تشرق الشمس
   الى ان تنبع الروح
   في الارض التي نزرعها
   الى ان نرفع الحائط ونبني البيت
   الى ان نبدأ من جديد
   ونتأمل في الغد الآتي )) .
لزم الشاعر ابراهيم يلدا اسلوبا خاصا في التعامل بين توظيف الماضي والحاضر ورؤية المستقبل الآتي وبلغة جميلة نقية حالمة هادئة كانها انشودة الخلاص وفي نفس الوقت متمردة في ترتيل عميق الاثر بصياغة العالم الشعري الروحي الخاص بين رؤيا الموت والميلاد وبين البحث عن الحرية والخلاص برؤيته الخاصة التي مكنته من الابحار بصورة شعرية سليمة رغم كل التناقضات وعواصف الامواج الواقعية في محاولة للوصول الى بر الامان الى اليابسة ليبدأ من جديد بغد التوغل وسبر اغوار الذات الجريحة التي تتأجج فيها تفاعلات صراعية فكرية مكنته من جمع التمزق والانشطار والشروح الواقعية بتوظيف تاريخي رمزي روحي هذا التوظيف الجميل والربط الخفي اعطى طاقة تعبيرية راقية فسحت له المجال ليعبر بتأني كما يشاء مع ملاحظة القلق والاضطراب والتيه والضياع والرحيل لكن يبقى الصراع الدخلي والخارجي كتوام يثير سبل البحث عن الحرية والخلاص في الموت والميلاد .
*******************************************
اسم الكتاب :الموت والميلاد للشاعر ابراهيم يلدا
اسم المترجم : نزار حنا الديراني
الطبعة الاولى بلغتها الاصلية : مطبعة نينوى ـ شيكاعو 1995الولايات المتحدة الامريكية
الطبعة الثانية ( ترجمة) : 2017 دار الامل الجديدة ـ سوريا / دمشف
*********************************

الأديب والشاعر ابراهيم يلدا ابرهيم

 
•   ولد  سنة 1943
•   خريج معهد اللغات العالي من جامعة بغداد سنة 1965 تخصص اللغة الانكليزية ، ومن ثم سافر الى بريطانيا لاكمال دراسته في جامعة ليفربول للتخصص في علم اللعة والصوت . عاد الى العراق وعيَن مدرسا في المدارس العراقية .
•   كان له العديد من النشاطات في المراكز الثقافية حيث تولى منصب نائب رئيس اتحاد الادباء والكتاب السريان في دوراته الاولى وعمل عضوا في الهيئة الادارية للنادي الثقافي الاثوري وعضوا في تحرير مجلة المثقف الاثوري للفترة من 1971 وحتى سنة 1978 .
•   القى العديد من المحاضرات وشارك في العديد من الاماسيات الشعرية.
•   عمل في الاذاعة السريانية كمعد ومقدم برامج الى ان سافر الى امريكا عام 1978 وهناك قام بتدريس اللغة السريانية في كلية اوكتون في شيكاغو وفي سنة 1991 اصدر مجلة ( اللغة والادب والفن) وترأس تحريرها لغاية عام 2001 فضلا عن ذلك كان يدير الحلقات الثقافية التي كانت تقام في الجمعية الاشورية وهو من مؤسسي المجلس القومي الاشوري منذ اوائل التسعينات .
•   نشر العديد من قصائده في الجرائد والمجلات وترجم العديد من القصائد الشعرية من اللغتين العربية والانكليزية الى السريانية وكانت تذاع من الاذاعة العراقية وله العديد من المسرحيات بعضها قدمت على خشبة المسرح كما اصدر مجموعتة الشعرية (الموت والميلاد)
•   قلده اتحاد الادباء والكتاب السريان بوسام الادب السرياني سنة 2005 من خلال مؤتمر الادب السرياني الثاني ــ بغداد لنشاطه المتميز
•   كما منحه المجلس القومي في الينوي شهادة تقديرية في 2016




صفحات: [1]